صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فقه
------------------------------------------
العنوان: جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام
المؤلف: نور الدين عبد الله بن حميد السالمي
علق عليه: أبو إسحاق أطفيش - إبراهيم العبري
ضبط نصه: إسماعيل بن ناصر العوفي
الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1439ه/ 2018م
الطبعة: 2
عدد الأجزاء: 2 (مجلدين في كل مجلد جزآن)
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/286
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 04 ربيع الأول 1447ه/ 28 - شهر 08 - 2025م. سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
جوهر النظامية
فِي عِلْمَى الْأَدْيَانِ وَالْأَحْكَامِ
الامة نور الدين عبد الله بن محمد السالمي
ت: 1322 هـ - 1914 م)
علقَ عَلَيْهِ الشَّيْجَانِ العَلامَتَانِ
أبو اين حان الطفيش ابراهيم العبري
ضَبَطَ نَضَهُ
إسماعيل بن ناصر القوني
الجُزْءُ الأَوَّلُ والجُزْءُ الثاني (1/1)
صفحة 2
جوهر النظامِراة
في عِلْمَى الأَدْيَانِ وَالْأَحْكَامِ
الجُزْءُ الأَوَّلُ والجُزْءُ الثَّانِي (1/2)
صفحة 3
حقوق الطبع محفوظة
لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية سلطنة عمان
الطبعة الثانية 1439 هـ ـ 2018 م
لا يجوز نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب في أي شكل من الأشكال أو بأية وسيلة من الوسائل - سواء التصويرية أو الالكترونية، بما في ذلك النسخ الفوتوغرافي أو سواه وحفظ المعلومات واسترجاعها - إلا بإذن خطي من الناشر. (1/3)
صفحة 4
جوهر النظامية
في عِلْمَى الْأَدْيَانِ وَالْأَحْكَامِ
الإمام نور الدين عبد الله بن محمد السالمي
ت: 1332 هـ ـ 1914 م)
عَلَقَ عَلَيْهِ الشَّيْحَانِ العَلامَتَانِ
أبو اي حان أطفيش
ابراهيم العبري
ضَبَطَ نَصَّهُ
إسماعيل بوناصر العوفي
الجُزْءُ الأَوَّلُ والجُزْءُ الثاني (1/4)
صفحة 5
? (1/5)
صفحة 6
جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام أرجوزة تعليمية للإمام العلامة
نور الدين أبي محمد عبد الله بن حميد السالمي (1286 - 1332 هـ). وهي كما ورد في عنوانها في الأديان (علم أصول الدين)، والأحكام
(الفروع الفقهية). وخاتمتُها في الآداب، كما هو الشأن في كتب فقهائنا. لقد نُشرت هذه الأرجوزة، كما نُشرت شروح لها. بَيْد أنّ أفضل نشراتها حتى اليوم هي النشرة التي علّق عليها الشيخ العلامة أبو إسحاق أطفيش، وحررها وصححها سماحة الشيخ العلّامة إبراهيم بن سعيد العبري. ويذكر العلّامة العبري في تمهيد قصير له أنَّه اعتمد على أصل مخطوط أرسله المصنف رحم الله إلى قطب الأئمة فصححها وحرَّرها على ذلك الأصل. وأنَّ ذلك كان برجاء الشيخ الوالد محمد بن
عبد الله بن حميد السالمي. وقد فعل الشيخ العبري ذلك بعد إلحاح ما استطاع رده. وقد اعتنى بكتاب جوهر النظام الشيخ إسماعيل بن ناصر بن سعيد العوفي؛ فضبط النص قدر الإمكان، وعرض ما لزم عرضه على المخطوطات؛ فأثبت ما كان قد سقط بيتا كان أو كلمةً أو حرفًا، وأصلح ما كان فيه من تصحيف، وضبط التعليقات، وكان قد وقع فيها شيء من خلط وتداخل وخطأ، وشكل الكلمات كلها، وأضاف جملة من التعليقات حيث لزم التعليق - وحيث وجد تعليق مختوم بـ (أبو إسحاق) فهو للعلّامة أبي إسحاق إبراهيم أطفيش وحيث وجد تعليق لم يثبت بعده اسم فهو للعلّامة إبراهيم بن سعيد العبري، وحيث وجد تعليق أثبتت قبله إشارة (نجمة) فهو لضابط النص الشيخ إسماعيل بن ناصر بن سعيد العوفي، وقد رجع ضابط النص إلى أهل العلم فيما لزم الرجوع فيه إليهم، فرحم الله المؤلف، ورحم الكتاب، وجزى كل من أسهم في إخراج هذا الكتاب خير الجزاء.
مصححي (1/6)
صفحة 7
6
الجمع
جمع
الجزء الأول
لقد سبق القول إنَّ هذه الأرجوزة تعليمية، ونظمها الإمام نور الدين لتسهيل والحفظ. لكن من الأراجيز ما تتجاوز وظيفته المسائل التعليمية، إلى أبواب العلم وترتيبها بطرائق رائعة بل وفي الأزمنة المتأخرة، فإنّ الملخصات والتعاليق والمتون، والأراجيز، صارت تورد جديدًا أيضًا، وإن لم بذلك تواضعًا أو مجاراة للتقليد الرئيس. وقد كنا نُحِسُّ ذلك في زمن الفتوة والشباب عندما كنَّا نُقْبل على حفظ المتون والأراجيز، وندرك أنها تستوفي الجوهر والأطراف، وفي أصول الدين، وفروع الفقه.
تصرح
ألف
الإمام نور الدين عبد الله بن حميد السالمي في شتّى فنون العلم: في الفقه وأصوله، وفي علم أصول الدين وفي اللغة والنحو، وفي التاريخ، وفي الفتوى. وقد صارت معظم نصوصه وفتاواه مصادر ومراجع في المذهب، وفي مجالات الحفظ والعرض الجديد، كما في التجديد. وقد كتب أراجيز تعليمية أُخرى، لكنّ «جوهر النظام ظلت أو صارت من أشهرها؛ لكثرة المقبلين عليها؛ ولأنّ الاستيفاء العميق ديدنها ومناط، الحاجة إليها فهي والحال هذه متن فائق الأهمية من متون الفقه وأصول الدين. ويفيد منها الشادون، كما أفاد ويفيد منها
العلماء الأعلام.
نسأل الله سبحانه الذي بارك في حياة الإمام نور الدين السالمي وعلمه أن يجزيه خير الجزاء على ما قدم للعلم وللدين وللأمة، وأن يمد الشيخ أطفيش بشآبيب رحمته على ما أسهم، وسماحة العلّامة العبري على ما أنجز من تحرير وتصحيح، وجزى الله الشيخ إسماعيل بن ناصر بن سعيد العوفي خير الجزاء على الضبط والتصحيح وكلّ من أسهم في إخراج هذا الكتاب المبارك. وأن يُثيب قراءها وحفاظها، بحيث تبقى موردًا عذبًا كثير الزحام للعلم وأهله، إنه سميع مجيب.
عبد الله بن محمد بن عبد الله السالمي
وزير الأوقاف والشؤون الدينية (1/7)
صفحة 8
مقدمة
الْحَمدُ لله على نعمة الإسلام والصَّلاة والسَّلام على سيدنا ونبينا محمد خير الأنام وعلى آله وصحبه الكرام وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم القيام.
أما بعد،
تصحيح
ففي عشية يوم العشرين من شهر ذي القعدة سنة 1384 هـ قد فرغت من هذه النسخة المخطوطة من كتاب جوهر النظام في الأديان والأحكام لمؤلفه وناظمه ومحرره ومحققه العلّامة الإمام الحجة، شيخنا وولينا وعمدتنا وقدوتنا، نور الدين أبي محمد عبد الله بن حميد السالمي العُماني الإباضي الله عنه وأرضاه، وجَعَل الجنة مَقَرَّه ومأواه، وجزاه عنا وعن المسلمين
رضي
خير الجزاء وأعلاه، ولقد بذلت جهدي في تصحيح هذه النسخة وتنقيحها، وإصلاح ما رأيته من الخطأ في رسمها مما حقه أن يكتب بالواو أو بالألف أو بالياء مما غلط فيه كاتبها فأثبته على خلاف ما عليه علماء الرسم، كما أصلحت كثيرًا مما حقه أن يكتب ظاءً فكتبه ضادًا أو بالعكس، وهكذا ما كان
ولة،
موصول
منه في وضع كلما متصلة من غير فرق بين كل وما ولو كانت ما وما رأيته من الكلم مشكل الوضع أثبته في الهامش، ووضعت له علامة تشير إلى موضعه، وقد شكلّتُ كثيرًا من الكلمات بالحركات مما يقتضيه ضبط لغتها أو إعرابها، تسهيلًا للقارئ والمطالع وما كان هذا التصحيح عَرْضًا على شيء من نسخ الكتاب، ولكن على ما اسْتَقرَّ في ذهني وحافظتي من صحة وصواب، (1/8)
صفحة 9
الجزء الأول
لأني قد كنتُ معتنيًا بتصحيحه وَعَرْض ما يكتبه النسّاخ منه في أيام الشبيبة عَصْرَ شيخي ومهذبي العلّامة بقية السلف أبي عبد الله ماجد بن خميس العبريه وجزاه عنا خيرًا، وقد ألح عليَّ شيخنا العبقري الكاتب البليغ ابن الناظم الشيخ أبو بشير محمد بن عبد الله بن حميد السالمي بأن أعلق على هذه النسخة، وأبين معاني الألفاظ والاصطلاحات العُمانية التي لا تعرف عند غيرهم من أهل سائر الأقطار وأوضح كل ما يشكل معناه على غالب الناس وحيث أنه لم يقبل عذري واستقالتي عن ذلك، فإني قد امتثلت أمره وأجبته لما طلب وجعلت ذلك من حقه الذي عليَّ، وجب واستعنت الله وعمل في ذلك فكتبتُ ما يسره الله لي، من حل غريب الألفاظ وضبطها وإعرابها، وبيان المعاني التي أراها تشكل على أمثالي، وترجيح ما رأيته راجحًا من الأقوال في بعض الأحوال، وإن خالفت في ذلك ما عليه المصنف، اعتمادًا على حرية الفكر وقد تركتُ كثيرًا من الألفاظ والمعاني التي رأيتها تحتاج إلى التعليق والبيان، لعدم وجود بياض في الهامش تثبت فيه تعليقي عليها، كما أنني قد اقتصرتُ في بعض المواضع على بعض البيان مما كان يستدعي الزيادة على ذلك المقدار لضيق محله من الحاشية ومع أمان هذا فإني على غير من الخطأ فيما كتبته وحررته تعليقًا وتحقيقًا لبعض معاني الكتاب لقلة فهمي وسوء حفظي، ولولا أن للشيخ أبي بشير عليَّ حقًا عظيمًا لا تمكنني معه مخالفته لما تعرضتُ لهذا الأمر العظيم، وهو الذي دعاني إلى تصحيح الكتاب قصدًا منه لإعادة طبعه لأن جميع النسخ التي طبعت منه منذ سنة 1343 هـ إلى 1383 هـ كانت مغلوطة غلطا فاحشا، لأنها لم تُطبع على نسخة صحيحة، ولم تعرض على لجنة التصحيح، فلذلك كثرت أغلاطها ولما أراد مني حفظه الله أن ألتمس له نسخة صحيحة لإعادة طبعه ونشره حِرْصًا على إخراجه سالمًا صحيحًا، كان (1/9)
صفحة 10
مقدمة
الجزء الأول
من حسن الصدف أن ظفرتُ بهذه النسخة المخطوطة للمؤلف بخط بعض تلاميذه، فأهداها لشيخه الإمام القطب علّامة الدين والدنيا محمد بن يوسف أطفيش اليسجني، ولم أقف على الأمر الذي حبسها عن الإرسال وأبقاها تحت تصرّف رجل لا علاقة له بالمذهب ولا بالدين فوجدت بعد موته في بيته فاستخرجناها بكل وسيلة، وكنت أعتقد بأنني سأجدها كما يرام صحيحة سالمة من الغلط والأسقام، ولما أخذتُ في تصحيحها وجدتها غير سالمة من الأغلاط، ولكن أكثر أغلاطها في أوضاع الكتابة، فاجتهدتُ في إصلاحها مبلغ طاقتي وجهدي والله يغفر لنا ويعفو عنا فيما كان منا من تصحيف أو تبديل، أن هذه النسخة أصح ما يوجد الآن من نُسخ هذا السفر الجليل
وفيما عندي
6
جوهر النظام، ونظام الجوهر الذي ليس له في فنه شبه ولا نظير، بل إنه آية كبرى، ومعجزة تترى وبركة ظاهرة وحجة باهرة يغني مطالعه الأريب عن الأساتذة لسهولة، ألفاظه وحسن نظامه، وقرب معانيه على طرف التمام، قل أن يلازمه أحد إلا وقد أصبح فقيها، يستشهد بأبياته كما يستشهد الأدباء بأبيات الحكمة، وما ذلك إلا من إخلاص مؤلفه العلّامة المنصف العظيم، رحمه الله ورضي عنه، وضاعف له أجور الأعمال الصالحة، وأسكنه جنة النعيم، في جوار نبيه الكريم سيدنا النبي المختار، وعلى آله وصحبه الأبرار، إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.
العبد الضعيف إبراهيم بن سعيد العبري (1/10)
صفحة 11
[صفحة فارغة] (1/11)
صفحة 12
ترجمة المؤلف
:
عُمان من أكبر الأقطار الإسلامية العامرة اشتهر منذ ظهور العرب فيه قبل الإسلام بأكابر الرجال وأبطال السنان. قال الجاحظ لربما سمعت من لا علم له يقول: ومن أين لأهل عُمان البيان وهل يعدون لبلدة واحدة من الخطباء والبلغاء ما يعدون لأهل عُمان؟ ثم لما جاء الإسلام كان لأهله القدح المعلى في خدمة الإسلام بالسيف والقلم. فقد ظهر من أهل عُمان فحول العلماء الذين يشار إليهم بالبنان، ولهم الصدر في النهضات العلمية ولا سيما في الصدر الأول؛ فتش بين أولئك الجهابذة تجد معظمهم من عُمان، فمنهم قضاة الإسلام، ومنهم كبار الأدباء وأئمة الحديث والتفسير، ومنهم أكابر القواد والزعماء وأئمة الدين والأمراء.
منهم كعب بن شور قاضي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على البصرة؛ ومصقلة بن الرقبة أخطب الناس قائمًا وقاعدًا، وابنه كرب بن مصقلة ولهما خطبتا العجوز في الجاهلية والعذراء في الإسلام اللتين قال فيهما أبو عبيدة: ما سمعنا مثلهما إلا خطبة قيس بن خارجة بن سنان في حمالة داحس فقد ضرب بها المثل، ومنهم الإمام الأعظم أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي الجوفي ناحية بعُمان وأصله من بلد فرق وهي بين منح ونزوى عاصمة الإمام (اليوم) وصحار بن العباس العبدي النسابة وأحد أئمة البيان والخليل بن أحمد الأزدي الفراهيدي من بلد «ودام» من جهة الباطنة بحبوحة عُمان وأبو عمر الربيع بن حبيب الفراهيدي البصري أحد (1/12)
صفحة 13
12
الجزء الأول
أئمة الحديث وصاحب المسند الصحيح، وهو من غضفان من أرض الباطنة أيضًا، وحاجب الأزدي، وأمثال هؤلاء الأئمة الأعلام الذين هم أشهر من نار على علم، ومنهم مرة بن البليد الأزدي لم يعرف أجود منه ارتجالا وبديهة، ولا أعجب فكرًا وتحبيرًا، وناهيك أنه رسول المهلب بن أبي صفرة إلى الحجاج، ومنهم أبو حمزة المختار بن عوف من بني سليمة بن مالك بن المشهور بخطبه المأثورة ببرهانها، وبلاغتها، وقائد جيوش الإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى الحضرمي.
فهم
ومنهم المهلب بن أبي صفرة قائد جيوش الحجاج، وهو من أزد عُمان ومكانته الحربية لا تخفى على أحد، فقد كان في مقدمة قواد الأمويين الذين تفانوا في توطيد القومية العربية والملك الأموي اللذين هما الغاية للملك الأموي، ومنهم إمام الأدب وملك الفصاحة والبلاغة الذي يقف عند كلامه البلغاء، ويستعير آيات بيانه الفصحاء، أبو بكر بن دريد الأزدي [من] أزد عُمان، وأمثال هؤلاء وهم كثر لا يحصون عددًا. ومن أئمته الفخام الذين قادوا الجيوش، وفتحوا الأقطار، وصدعوا الملوك، وامتد سلطانهم تَحْفُه جلالة أساطيلهم مع الشطوط الإفريقية الشرقية إلى أن بلغ رأس الرجاء الصالح مطاردًا لأكبر دولة استعمارية يومئذٍ وهي البرتغال الإمام المؤيد ناصر بن مرشد بن مالك بن أبي العرب اليعربي الله (1024 هـ).
من هذا القطر العامر بالعلم والدين ظهر العلم الأفخم أحد أقطاب العلم المجتهدين العلّامة المحقق نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد (أو كصديق) ابن سلوم السالمي.
كان معروفًا بغزارة العلم والاجتهاد إليه انتهت رئاسة العلم فيما بلغنا بعمان، وظهر ذلك في تأليفه الجمة في مختلف الفنون الشرعية والعربية، وهو
من أهل التحقيق والإجادة في التأليف، ولد فيما ذكر بعض سنة 1286 هـ. (1/13)
صفحة 14
ترجمة المؤلف
الجزء الأول
13
صفاته:
كان رحمه لله ضريرًا قوي الذاكرة في منتهى الذكاء والفطنة، ذكر تحدثًا بنعمة الله في بعض تأليفه أنه وقع أمامه حادث وهو في المهد، ولما كبر ذكر ما. بقي بذهنه لوالديه، فحسبوا مضي أيامه فإذا هو ابن عشرين يوما (إن لم تخني حافظتي) وكان شديد اليقظة على تطورات الأمة بعُمان على الأخص، حتى أنه كثيرًا ما تحدثه نفسه بالعمل لإعادة الإمامة في القطر العُماني الذي قل أن يعرف الملكية، اللهم إلا في ظروف شاذة، كما وقع في زمن بني نبهان في عصر ابن بطوطة الرحالة، وكان غير كاتم ميوله ـ ولا سيما أن الرأي العام مؤيد له، وفي مقدمته جمهور من قادة العلم والرأي - عن السلطان فيصل بن تركي سلطان عُمان يومئذٍ ـ وما أشد حرص العلماء العاملين على بقاء الأمة في عزّ ومنعة وتمتع بحريتها كاملة غير منقوصة، وعلى إقامة شعائر الدين، وما أقوى غيرتهم على حرماته، ولكنه لم يجد من السلطان انقيادًا إلى إعلان الإمامة وقد أحيط من أطرافه بدسائس الإنجليز، ويتحينون الانقضاض عند أول فرصة على أقطار الخليج الفارسي. ومطامع هؤلاء في جزيرة العرب غير مستورة، فهي أعرف من أن تعرف.
وإذ بدت تلك العوامل الأجنبية تسعى لحمل السلطان على الاعتراف
هذا
بالحماية البريطانية على عُمان، وجدها قادةُ العِلم والدين ـ وفي مقدمتهم الإمام المترجَمُ له - فرصة سانحة تخولهم إظهار شعور الأمة، والوقوف في وجه كل من يروم الإخلال باستقلال الأمة، فأعلنوا الإمامة وبايعوا الإمام الأفخم التقي؛ العلّامة سالم بن راشد الخروصي الله، وكان صاحب الترجمة الركن الأعظم في إقامة الإمامة، شديد الحرص على النهوض بالأمة العُمانية، واستعادة مجدها الباذخ الذي كادت تهدمه اختلافات الأمراء، وتجزئة الأمة إلى دويلات، الأمر الذي يؤول إلى تفكيك وحدتها، وانفصام عروتها، وإطماع العدو في السيطرة عليها. (1/14)
صفحة 15
14
الجزء الأول
أساتذته:
أتمه
منذ أن ترعرع وظهر فيه الذكاء النادر، اشتغل بحفظ القرآن، ثم بعد أن انقطع إلى العلم إلا أننا لم نقف على أشياخه بالضبط، لكن كان يشير في تأليفه إلى أحدهم بقوله: قال بعض أفاضل عصرنا، ـ ويعني به شيخه كما قال في تنبيهه أول تأليفه مشارق أنوار العقول ـ العلّامة العامل الشيخ صالح بن علي بن ناصر بن عيسى بن صالح الحارثي المتوفى 1314 هـ وهو أبو الأمير الأفخم عيسى بن صالح أمير الشرقية، أحد أقطاب النهضة العُمانية الحاضرة، ومن له الفخر العظيم في تأييد الإمامة، قال في شيخه هذا في الجزء الثاني من تحفة الأعيان، بعد أن ذكر سبب وفاته ما نصه: وقد كان له أعلم أهل زمانه في الحلال والحرام، وأشدهم حرصًا على قوام صفات الكرام، وكان أحد الثلاثة الذين دارت
خصالًا
في
الإسلام، وأكثرهم عليهم مملكة إمام المسلمين عزان بن قيس، وأما قريناه الآخران فهما
شيخنا سعيد بن
خلفان بن
أحمد.
بن صالح الخليلي الخروصي، وشيخنا
محمد بن سليم الغاربي اهـ.
على كلامه هذا أن أشياخه كثير، هؤلاء الثلاثة وغيرهم، وذكر أيضا في تحفة الأعيان أن من أشياخه بقية السلف العلّامة الأكبر الشيخ ماجد بن خميس العبري والشيخ جمعة بن سعيد بن علي المغيري، غير أنه يظهر أن الذي أخذ العلم عنه أكثر هو الشيخ صالح بن علي، وقد نوّه به في تاريخه، وبالجملة إن أساتذته، متعددون ولكننا لم نقف إلا على من ذكرناه، وذكر بعض الكاتبين أنه أخذ العلم عن الشيخ راشد بن سيف اللمكي في الرستاق، ثم انتقل إلى الباطنة بحبوحة عُمان، ثم هاجر إلى الشرقية وربما كان بعض من ذكرناه شيخه بالواسطة. (1/15)
صفحة 16
ترجمة المؤلف
الجزء الأول
15
تلاميذه ومن تخرج عنه من العلماء:
تلاميذه كثر لا نبالغ إذا قلنا إن رجال العلم اليوم بعمان جُلُّهم من تلاميذه، وقد نبغ منهم كثير، وفي مقدمتهم العلّامة الأفخم المؤيد إمام عُمان اليوم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد بن خلفان الخليلي الخروصي، بويع بعد وفاة شيخه صاحب الترجمة، وبقية العلماء من تلاميذه كثر، وحسبك أن صفوة الأمة هناك، والذين قامت عليهم الإمامة والملك هم تلاميذه، وهذه الروح التي نفخها فيهم حتى كانوا حِمّى للدين والأمة من أكبر الشواهد على إخلاصه وعلو
شأنه ومكانته.
تأليفه:
لم نقف على كل تصانيفه، حتى نلم لك أيها القاراء بها، ولكنا نسوق أسماء التي وقفنا عليها:
تحفة الأعيان في تاريخ عُمان، جزآن طبع الأول منهما بمصر. الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة، طبع بهامش شرح طلعة الشمس
في
أصول الفقه.
سواطع البرهان، رسالة صغيرة تتعلق ببعض تطورات العصر في اللباس وغيره، جواب لسؤال بعض أهل الزنجبار.
شرح
المسند الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي البصري، من
أئمة القرن الثاني، في ثلاثة أجزاء طبع بمطبعة الأزهار البارونية الأول
والثاني منها.
غاية المراد أحد متون أصول الكلام، لم نقف عليه كله. (1/16)
صفحة 17
الجزء الأول
مدارج الكمال، أرجوزة في الفروع الفقهية تنيفُ على ألفي بيت وهو نظم مختصر الخصال للإمام أبي إسحاق الحضرمي.
معارج الآمال، شرح لهذه الأرجوزة وقفنا على بعض الأجزاء منها، وهي تنباء عن غزارة علمه وتدقيقه ورسوخه فى علم الشريعة، بحيث لا يُشَق له غبار، قيل لي إنها تبلغ ستة عشر جزءا، إلا أنه لم يتم هذا التأليف الجليل.
مشارق أنوار العقول، شرح أرجوزته في أصول الدين، شرحها شرحا وافيا، وهذا يُعد من أحسن كتب الأصول تحقيقا وتحريرًا وتنسيقًا طُبع بمصر.
أنوار العقول، أرجوزة في أصول الدين تربو على ثلاثمائة بيت.
بهجة الأنوار، شرح أيضًا لمتن أنوار العقول وهذا الشرح قبل مشارق أنوار العقول وأخصرُ منه طبع بمصر على هامش شرح طلعة الشمس في أصول
الفقه.
طلعة الشمس، ألفية في أصول الفقه من أجل متون هذا الفن وأكثرها نفعًا. طلعة الشمس، جزآن طبع بمصر، جدير بأن يُقال عن هذا الشرح أنه أنفس كتاب في أصول الفقه.
شرح
جوهر النظام، أرجوزة في الأحكام الشرعية وهي بضعة عشر ألف بيت، وهو الذي يلي هذه الترجمة
بلوغ الأمل، منظومة في أحكام الجُمل في الإعراب، نفيسة جدا، هذا ما وقفنا عليه من آثاره القيمة ومناقبه ولا شك أن له مصنفات أخرى إذ هو معدود من أَجلَّةِ المؤلفين المجيدين.
16 (1/17)
صفحة 18
ترجمة المؤلف
الجزء الأول
17
منزلته في الأمة:
كان محبوبًا معظمًا عند الأمة كلها، كما إليه انتهت رئاسة العلم، وقوله هو الفصل، ولا فرق في ذلك بين أمير وملك وعالم وبين سائر الأمة إذ لم يبلغنا وقوع مشادة بينه وبين أحد من أمراء عُمان، وما جرى في الظروف التي هبت فيها الأمة العُمانية إلى مبايعة الإمام من المشادة بين السلطان فيصل والأمة، ولو كان المترجم له رأس الحركة فإن المسألة ليست مما يعد نفورًا عنه، بل كان ذلك دليلا على عطف القلوب عليه، والتفافها حوله، ولم يكن السلطان ممتنعا ومعارضا لإرادة الأمة، ولكنها ظروف قهرية كما يدركه أولو البصيرة والعلم، بما يكتنف ذلك الجو من الأحوال.
وفاته:
بلغنا نعيه إلى المغرب ونحن بالوطن المفدى في الشهر الذي توفي فيه قطب الأئمة، وهو ربيع الثاني، والذي أفادنا به بعض أنه مات في شهر ربيع الأول عام ألف وثلاثمائة واثنين وثلاثين من الهجرة، - فكان الخطب مضاعفا - عن سن تقارب الستين على ما بلغنا هكذا كنا نظن إلى أن جاءنا من بعض الإخوان أن عمره ره ستة وأربعون عاما إذ وُلد سنة 1286 هـ وتوفي سنة 1332 هـ. مضى إلى مولاه، وقد ترك آثارًا تشهد بجلالة قدره، وأبطالا ساروا بالأمة في مناهج السعادة علمًا وعملا، فجزاه الله عن العلم والدين والأمة أحسن الجزاء.
رثاؤه
مما وقفنا عليه من رثائه قصيدتان، غرَّاوان فاض بهما شعور الشاعر الكبير بل شاعر العرب العلّامة أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم الرواحي، وهو الشاعر الذي عرف بروعة في شعره، وإبداع في نسجه، وجمال في نقتطف منهما بعض الغُرر، قال الله:
نظمه، (1/18)
صفحة 19
18
الجزء الأول
ريب المنون مقارض الأعمار وحياتنا تعدو إلى المضمار والنفس تلهو فوق تيار الردى يا ليتها حذرت من التيار قرّت على رنق وزخرف باطل مثل القرار على شفير هاري
ما بالنا نبكي الفقيد ونحن من حب الذي أرداه في استهتار شغف النفوس بما يراقبه الفنا أثر الهوى وتغرة الأوطارِ جسر المنون أمام وجهك عارض ولسوف تعبره مع السفارِ شمر لتعبره مخفا سالما من ثقل ما أوقرت من أوزار
أشد من
ما الهول من يوم
النشور أشد
هول النعي بسيد الأبرار العالم القطب المجدد عمدة الـ علماء طرًّا كعبة الأسرار ليث المعارك مربع الفضل الذي رفع المنار ولات حين منار حامي حمى الإسلام حجته معز الد ين سيف الملة البتا
بحر المعارف والكمال مسدد الـ أعمال في الإقبال والإدبار السالمي أبي محمد المنيف الذكر طود المجد بدر الساري مهلا همام (الاستقامة) ما الذي غادرت من هول ومن اذعارِ (1/19)
صفحة 20
ترجمة المؤلف
الجزء الأول
19
تمضي وترسلها العراك مروعة والليل داج والذئاب ضواري قومتها فتقومت فهجرتها يا هجرة طالت على السفارِ ارجع إلى الإسلام تمم نصره (فالعز تحت عمائم الأنصار)
هيهات يا أسفاه لا رجعي وقد جثمت عليك صفائح الأحجار يسلون بالآثار بعد صحابها ومثار حزني فيك بالآثار يا (طلعة الشمس) استري عنا الضيا وخذي الحداد مشارق الأنوار
يا من أذابَ الصخرَ حَرٌّ مصابه من ذا تركت لدولة الأحرار وزعت بين الدين والوطن الأسى توزيعك الطاعات في الأطوار ودعوت في الإسلام دعوة مخلص ثابت إليك بها ذوو الأبصار ثابت إليك عصائب وهبية من أسد ذي يمن وأسد نزار
نكسي الأعلام يا خير الملل رزاء الإسلام بالخطب الجلل
يا رجال العلم أودى قطبكم بل جميع العلم أودى والعمل فتكت بالسالمي المرتضى غارة شعواء ما عنها حول (1/20)
صفحة 21
الجزء الأول
عجبًا من نعشه تحمله فتية وهو على الكون اشتمل جمع العالم في حيزومه أترى العالم في القبر نزل
قمت الله بأمر عجزت
همم
الأبطال عنه فاستقل
فأنت معجزة خارقة جندها الرعب وأنواع الفشل
سبيل
الله تدعو جاهدا لتقيم القسط أو تلقى الأجل سبيل الله أجهدت القوى لم تبل إن جد خطب أو هزل رافعًا ألوية العلم إلى أن دنى كيوان عنها وزحل
في
ما فقدناك وعرفانك في صفحات الكون ضوء يشتعل إنَّ ربّ العلم حيٌّ خالد ولو أنّ الذات بالموت انتقل ما تركت الكون حتى تركت خطة الحمد لك الحمد الجلل
إلى آخر القصيدتين الجامعتين من الوعظ والحكمة والإرشاد والتنويه بالفقيد شيئًا كثيرًا، رحمهما الله، وأسكنهما بحبوحة الفردوس، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
القاهرة في ذي الحجة 1345 هـ أبو إسحاق إبراهيم أطفيش (1/21)
صفحة 22
الجُزْءُ الأَوَّلُ (1/22)
صفحة 23
[صفحة فارغة] (1/23)
صفحة 24
الجزء الأول
23
ال الرحمن الرحيم
يَقُولُ عَبْدُ اللهِ وَابْنُ عَبْدِهِ المُرْتَجِي أَلْطَافَهُ مِنْ عِنْدِهِ أَحْمَدُكَ اللَّهُمَّ كُلَّ الحَمْدِ فِي حَالَةِ الرِّفْدِ وَغَيْرِ الرّفْدِ (1) وَأَشْكُرُ المَوْلَى عَلَى آلَائِهِ (2) ثُمَّ صَلَاتُهُ لِأَنْبِيَائِهِ وَخَصَّ (3) مِنْ بَيْنِهِمُ مُحَمَّدًا نَبِيَّنَا الَّذِي أَتَانَا بِالهُدَى وَاخْتُصَّ (4) بِالتَنْجِيلِ وَالتَّعْظِيمِ بَيْنَ الوَرَى مِنْ رَبِّهِ الكَرِيمِ صَلَّى عَلَيْهِ رَبُّنَا وَسَلَّمَا وَزَادَهُ جَلَالَةٌ وَأَنْعَمَا ثُمَّ سَلَامُ اللهِ يَغْشَى الْآلَا وَمَنْ عَلَى مِنْهَاجِهِمْ تَوَالَى وَصَحْبِهِ الكِرَامِ خَيْرِ صَحْبِ عَلَيْهُمُ أَيْضًا سَلَامُ رَبِّي مَا تُلِيَتْ آثَارُهُمْ وَدُونَتْ وَجُلِّيَتْ أَخْبَارُهُمْ وَبُيِّنَتْ وَبَعْدُ إِنَّ خَيْرَ نَظْمِ بَالِغِ فِي الفَهْمِ مَبْلَغَا نِظَامُ الصَابِغِي
(1) الرفد: العطاء.
(2) الآلاء: النعم.
(3) خَصَّ بالبناء للفاعل أي خصه الله.
(4) اختص: يحتمل بناؤه على الفاعل مجازًا وعلى المجهول حقيقة.
(1) (0)
(5) الصائغي: هو العلّامة المحقق الشيخ سالم بن سعيد بن علي العُماني صاحب الأرجوزة الفقهية المشهورة الوحيدة في بابها تبلغ نحو عشرة آلاف بيت أو تتجاوز، وهو صاحب كتاب
المضنون به على غير أهله في أصول الدين والفقه والآداب الشرعية وهو ثلاثة أجزاء. وكانت أرجوزته المشهورة هي الممتازة إذ لم تضارعها منظومة في كثرة الفنون وثروة الأبيات حتى جاء نور الدين السالمي بجوهر النظام فبزها وضوحًا وتحقيقا وتعليلًا رحم الله الناظمين وجازاهما عن العلم والدين خير جزاء. (أبو إسحاق) (6) الصائغي: هو الشيخ العالم الزاهد سالم بن سعيد الصائغي المنحي صاحب الأرجوزة التي عناها العلّامة نور الدين ناظم الجوهر، وله كتاب الارشاد. (1/24)
صفحة 25
24
الجزء الأول
فَإِنَّهُ حَوَى بَيَانَ الشَّرْع (1) مِنْ وَاحِبٍ وَجَائِرٍ وَمَنْعِ وَانْصَبَّ فِي سُهُولَةِ الأَلْفَاظِ وَطَابَ حِفْظُهُ لَدَى الحُفَّاظِ لَكِنَّهُ لَمْ يَخْلُ مِن أَشْيَاءِ مَعِيبَةٍ عِنْدَ أُولِي الذَّكاءِ كَمِثْلِ تَطْوِيلٍ بِغَيْرِ طَائِلِ كَذِكْرِهِ فِي النَّظْمِ قَوْلَ السَّائِلِ وَذَاكَ شَيْءٌ دُونَهُ يُسْتَغْنَى وَمِثْلِ حَشْوِ لِيُقِيمَ الْوَزْنَا وَمِثْلِ تَكْرَارٍ لِغَيْرِ مَعْنَى وَمِثْلِ مُشْكِل يُحِيرُ الذَّهْنَا وَجَعْلِهِ الشَّطْرَ بِشَطْرٍ مُتَصِلْ وَكَانَ حَقٌّ مِثْلِهِ أَنْ يَنْفَصِلْ وَعَلَّقَ البَيْتَ بِمَا يَلِيهِ مِنْ غَيْرِ مَا ضَرُورَةٍ تُلْجِيهِ إِلَّا لِذِكْرِ مَا يَجُوزُ حَذْفُهُ وَذَاكَ مِنْهُ لِيَتِمَّ كَشْفُهُ في إِصْلَاح مَا وَصَفْتُ مُجْتَهِدًا وَرَبِّيَ اسْتَعَنْتُ
فَقُمْتُ
(2)
أَصْلَحْتُهُ مِنْ غَيْرِ مَا اسْتِقْصَاءِ لِأَنَّنِي عَنِ المَحَلَّ نَائِي (2) فَكَانَ نَفْسُ الْبُعْدِ بَعْضَ المَانِعِ مَعْ جُمْلَةِ الأَشْغَالِ وَالمَوَانِعِ وَقَدْ حَذَفْتُ بَعْضَ أَشْيَا مِنْهُ وَزِدْتُهُ أَشْيَاءَ لَيْسَتْ عَنْهُ يُضِيءُ جَوْهَرُ النِّظَامِ كَالبَدْرِ إِذْ يُسْفِرُ فِي الظُّلَامِ
(1) بيان الشرع: كتاب مشهور يقع في ثلاثة وسبعين جزءًا في الأصول والفروع ألفه العلّامة الجليل الشيخ محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي السمدي النزوي وهو كتاب مشهور
البركة جزى الله مؤلفه خيرًا. (2) نائي: أي باعد. (1/25)
صفحة 26
الجزء الأول
25
ضَمَمْتُ فِيهِ الحُكْمَ مَعْ نَسِيبِهِ كَضَمِّ ذِي الحُبِّ إِلَى حَبِيبِهِ شَرَعْتُ فِيهِ بِلَادِ الله) فَكَانَ هَذَا مِنْ عَظِيمِ الجَاهِ وَكُلُّ مَا كَانَ بِنَاؤُهُ قَوِي مِنْ نَظْمِهِ أَوْرَدْتُهُ كَمَا رُوِي لِأَنَّ حَالِي لَمْ يَكُنْ مُتَّسِعَا لِهَدْمِ مَا رَأَيْتُهُ مُرْتَفِعَا وَالغَرَضُ التَّحْرِيرُ وَالإِحْكَامُ بِجُهْدِنَا لَا النَّقْضُ وَالإِبْرَامُ فَإِنْ يُوَافِقِ المُرَادَ فَاشْكُرِ وَإِنْ يُخَالِفُهُ فَسَامِحْ وَاعْذُرِ وَإِنْ رَأَى الْمُنْصِفُ فَيهِ خَلَلَا يُصْلِحُهُ إِنْ كَانَ أَهْلًا أَوْ فَلَا وَالعَفْوُ مِنْ إِلَهِنَا مَأْمُولُ فِيمَا بِهِ نَعْمَلُ أَوْ نَقُولُ
(1) بلاد الله: مكه شرفها الله تعالى وكانت زيارة المؤلف لها لقضاء فرض الحج في سنة 1323 هـ الله وفيها شرع رحمه في نظم هذا السفر الثمين وقد ظهرت بركة هذا الكتاب ونال من علماء
المسلمين أعظم القبول. (1/26)
صفحة 27
26
الجزء الأول
كتاب العـ
كتاب العلم
العِلْمُ دَرْكُ القَلْبِ مِثْلُ البَصَرِ يَكُونُ دَرْكَ العَيْنِ عِنْدَ النَّظَرِ وَهْوَ عَلَى الإِطْلَاقِ مَحْمُودُ لِمَا جَاءَ مِنَ الثَّنَاءِ فِيهِ فَاعْلَمَا وَلَا يُذَمُّ أَبَدًا وَإِنَّمَا يُذْمُ مَا كَانَ شَبِيهَا بِالْعَمَى وَذَاكَ جَهْلٌ عِنْدَنَا مُرَكَّبُ صَاحِبُهُ عَنِ الهُدَى مُجَنَّبُ ثَمَّ كَانَ العِلْمُ خَيْرَ فَائِدَهُ أَرْبَاحُهُ عَنْ كُلِّ رِبْحٍ زَائِدَهُ
مِنْ
حَامِلُهُ يَحْيَى
بِهِ حَمِيدَا
وَإِن يَمُتْ يَمُتْ بِهِ سَعِيدًا
يَعْيشُ فِي النَّاسِ عَظِيمَ الفَضْلِ وَيُرْزَقُ الفَوزَ بِيَومِ الفَصْلِ وَالْعُلَمَا قَدْ جَاءَ فِي الصَّحَاحَ بِأَنَّهُمْ فِي الخَلْقِ كَالمِصْبَاحِ وَأَنَّهُمْ لِلأَنْبِيَاءِ وَرَثَهُ وَمَنْ يَكُنْ أَوْلَى بِشَيْءٍ وَرِثَهُ وَجَاءَ أَيْضًا فِي ذَوِي العُلُومِ بِأَنَّهُمْ لِلنَّاسِ كَالنُّجُومِ لأَنَّهُ لَا شَلَّ لِلْبَصَائِر نُورٌ كَمِثْلِ العَيْنِ لِلظَّواهِرِ وَهْوَ حَياةُ القَلْبِ مَهْمَا عُدِمَا فَذَلِكَ القَلْبُ بِمَيْتٍ وُسِمَا تَقْوَى بِهِ مِنْ ضَعْفِهَا أَبْدَانُ وَضِدُّهَا ضَعِيفَةٌ (2) سِمَانُ
(1) ثم بالفتح بمعنى هنا وهناك. (2) ضعيفة: خبر المبتدأ الذي قبلها و «سمان» خبر لمبتدأ محذوف تقديره وهي سمان وهذا المبتدأ الأخير المقدر وخبره في محل نصب لأن هذه الجملة حالية على تقدير والحال أي أن أجسام ذوي الجهل ضعيفة والحال أنها سمان. (1/27)
صفحة 28
الجزء الأول
27
وَنَظَرُ المُؤْمِنِ فِي الكِتَابِ زِيَادَةٌ لَهُ مِنَ الثَّوَابِ مِدَادُ ذِي العِلْمِ بِهِ يُوَازَنُ دَمُ الشَّهِيدِ وَهْوَ فَضْلُ بَايِنُ يُلهِمُهُ اللهُ الكَرِيمُ السُّعَدَا وَيَحْرِمَنْهُ الأَشْقِيَاءَ البُعَدَا (1) وَهْوَ إِمَامُ وَالفِعَالُ يَتْبَعُهُ فَعَامِلُ بِدُونِهِ لَا يَنْفَعُهُ عَلَيْكَ بِالتَّعْلِيمِ طُولَ العُمْرِ وَاجْعَلْهُ لِلحِسَابِ خَيْرَ ذُخْرِ فَاطْلُبُهُ فِي القُرْبِ وَفِي البُعْدِ مَعَا وَلَوْ إِلَى الصِّينِ مَحَلَّا شَسَعَا وَلَا تَكُنْ فِي البَحْثِ عَنْهُ خَامِلَا حَتَّى تَكُونَ لِلْعُلُومِ حَامِلَا وَإِنْ لَقِيتَ مَاهِرًا مُلَازَمًا فَلَا تُفَارِقْهُ وَلَا تُرَاغِمَا وَاسْأَلْ وَلَا تَمَلَّ أَوْ (2) تُمِلاً وَإِنْ عَرَفْتَهَا فَأَبْدِ الجَهْلَا مِنْ أَدَبِ السُّؤَالِ لِلْعَقِيفِ أَنْ يَسْأَلَ العَالِمُ كَالضَّعِيفَ لَا يُورَثُ العِلْمُ مِنَ الأَعْمَامِ وَلَا يُرَى بِاللَّيْلِ فِي المَنَامِ لَكِنَّهُ يَحْصُلُ بِالتَّكْرَارِ وَالدَّرْسِ فِي اللَّيْلِ وَفِي النَّهَارِ
مِثَالُهُ شَجَرَةٌ فِي النَّفْ
النَّفْسِ
وَسَقْيْهَا بِالدَّرْسِ بَعْدَ الغَرْسِ (4)
يُدرِكُهُ مَنْ كَدَّ فِيهُ نَفْسَهُ حَيَاتَهُ ثُمَّ أَطَالَ دَرْسَهُ
(1) وفي بعض النسخ ويحرمنه الشقي الأبعدا ولكن ما أثبتناه هو الأنسب في مقابلة السعدا الشطر الأول لأن السعدا جمع والأبعد مفرد ومقابلة الجمع بالجمع أبلغ.
(2) مل: أي سئم وهو لازم، وأمل: أي أضجر غيره، متعد.
(3) العالم: فاعل لأنه هو السائل في هذا المقام.
(4) في نسخة بعد الدرس. (أبو إسحاق)
في (1/28)
صفحة 29
28
الجزء الأول
كتاب
(1)
مُزَاحِمًا أَهْلَ العُلُومِ بِالرُّكَبْ وَطَالِبًا لِنَيْلِهِ كُلَّ الطَّلَبْ فَاللَّهُ قَدْ أَوْحَى إِلَى دَاوُدِ أَنِ اتَّخِذْ نَعْلَيْنِ مِنْ حَدِيدِ ثُمَّ عَمَّا مِنْهُ وَسِرْ فِي طَلَبِهْ حَتَّى تَرَى بَلَاهُمَا فِي مَطْلَبِهْ وَذَاكَ تعْظِيمٌ لِشَأْنِ العِلْمِ إِذْ فَضْلُهُ يَفُوقُ كُلَّ حُكْمِ وَأَنَّهُ لَأَفْضَلُ الأَعْمَالِ مِمَّا عَدَا الفَرْضَ مِنَ الأَحْوَالِ وَيَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أَقْوَامَا حَتَّى يَصِيرُوا قَادَةً إِمَامَا (2) وَيَبْلُغُ العَبْدُ بِلَا إِنْكَارِ بِفَضْلِهِ مَنَازِلَ الْأَحْرَارِ وَالجَهْلُ يَخْفِضُ الشَّرِيفَ العَالِي لِجَهْلِهِ بِالقَوْلِ وَالفِعَالِ وَالعِلْمُ أَبْقَى مِنْ لُجَيْنِ وَذَهَبْ وَإِنَّهُ لِلْمَرْءِ فَضْلُ وَأَدَبْ وَهْوَ لِمَنْ يَحْمِلُهُ أَنِيسُ إِنْ عُدِمَ الخَلِيلُ وَالجَلِيسُ وَاعْلَمْ بِأَنَّ العِلَمَاءَ قَالُوا الْأَغْنِيَاءُ الأَغْنِيَاءُ لَهُمُ الأَمْوَالُ
قَدْ جَمَعُوا الكُنُوزَ أَلْفًا أَلْفَا (4) وَقَدْ جَمَعْنَا العِلَمَ حَرْفًا حَرْفًا
(1) قوله: «أن اتخذ نعلين .. إلخ»، كذا في الأصل وفي ثبوت الرواية به نظر إذ لم يثبت عن داود أنه فعل ذلك ولو أمر به لفعله، وحملته في النظم على المبالغة في تعظيم العلم تسهيلًا للخطب، والله أعلم. (المصنف)
(2) قوله: (إمامًا) هو بلفظ الفرد المقصود به الجمع على حد قوله تعالى: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان: 74] أي اجعل كل واحد منا إمامًا.
(3) اللجين: الفضة.
(4) قوله: (ألفًا ألفًا) و (حرفًا حرفًا) نصبها على الحال الجامدة المؤولة بالمشتق. (1/29)
صفحة 30
الجزء الأول
29
وَلَوْ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ أَعْطَوْنَا أَلْفَا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا رَضِينَا وَكَيْفَ يَرْضَوْنَ وَهَلْ يَسْتَبْدِلُ فَانٍ بِبَاقٍ (1) فَانٍ بِبَاقٍ (1) مَنْ يَعِي وَيَعْقِلُ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِحَالِ المَالِ نَمَاؤُهُ بِكَثْرَةِ السُّؤَالِ وَالمَالُ إِنْ أَنْفَقْتَ مِنْهُ شِقْصَا) لَا شَكَّ أَدْخَلْتَ عَلَيْهِ نَقْصَا أَنْفَعُهُ مَا كَانَ فِي الْأَذْهَانِ وَشَرُّهُ مَا كَانَ بِاللِّسَانِ لأَنَّ مَا خَلَا الفُؤَادُ مِنْهُ فَذَاكَ جَهْلْ فِيهِ فَاحْذَرَتْهُ وَالعِلْمُ وَالجَهْلُ هُمَا ضِدَّانِ فَكَيْفَ فِي الفُؤَادِ يُجْمَعَانِ مِثَالُهُ كَالنَّارِ عِنْدَ المَاءِ هَلْ يُجْمَعَانِ قَطُّ طَّ فِي إِنَاءِ طُوبَى لِمَنْ فِي عِلْمِهِ قَدْ رَغِبَا اللَّهِ وَالْأُخْرَى اللَّهِ وَالأُخْرَى بِهِ قَدْ طَلَبَا فَأَفْضَلُ العِلْمِ الَّذِي قَدْ عُمِلَا بِهِ وَكُلُّ الخَيْرِ مِنْهُ حَصَلَا وَمَا خَلَا مِنْ عَمَلٍ لَا يَنْفَعُ بَلْ ضُرُّهُ بَادٍ عَلَى مَنْ يَجْمَعُ وَمَنْ أَعَانَهُ الإِلهُ سَهْلَا عَلَيْهِ فِيهِ السَّعْيُ حَتَّى يَحْصُلَا
(1) قوله: وهل يستبدل باق بفانٍ، هكذا في نسخ المؤلف رحم الله ولعل له وجها والذي عندنا أن هذا سبق قلم وصواب العبارة وهل يستبدل فان بباق كما في قوله تعالى: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرُ} [البقرة: 61] لأن المستبدل هنا الأدنا والباقي مستبدل به، فالباء للتعويض ولذلك استفهم عنه استفهاما إنكاريًا ولو أنه استبدل الباقي بالفاني لكان مصيبًا. وقد في النسخة القديمة التي طبعت بمصر سنة 1343 هـ بمطبعة البستان ومشوا عليها
أصلحناه
فيما طبع بعد ذلك والله أعلم.
(2) قوله: «شقصا» أي جزءًا من المال، وأكثر ما يراد به النصف
من
الشيء. (1/30)
صفحة 31
الجزء الأول
كتاب
وَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ فِي زَمَانِي لَا يَطْلُبُونَ العِلْمَ لِلْمَنَّانِ لَكِنْ مُبَاهَاةٌ) لِأَهْلِ العِلْمِ وَحُجَّةً مِنْهُمْ لِأَهْلِ الظُّلْمِ وَيْلٌ لِمَنْ كَانَ بِهَذَا الحَالِ مِنَ العَذَابِ وَمِنَ النَّكَالِ لَا تَطْلُبَنْهُ يَا أَخِي لِلْجَاهِ وَلَا بِهِ لِلْعُلَمَا مُبَاهِي لِأَنَّمَا المُرَادُ مِنْهُ العَمَلُ وَصَرْفُهُ لِغَيْرِهِ مُبَطِّلُ وَعَالِمٌ بِعِلْمِهِ لَمْ يَعْمَلا (2) أَشَدُّ فِي التَعْذِيبِ مِمَّنْ جَهِلَا فَأَسْأَلُ الرَّحْمَنَ عَفْوًا وَثْقَى حَتَّى أَعِيشَ فِي الهُدَى مُوَفَّقَا
(1) المباهاة: المماثلة والمفاخرة.
(2) قوله: «لم يعملا الألف فيه عوض عن لام التوكيد، أصله لم يعملن كقوله:
حسبه الجاهل ما لم يعلما شيخاً على كرسيه معمما (1/31)
صفحة 32
الجزء الأول
31
وَهْيَ
كتاب أصول الدين
أُمُورٌ يَبْتَنِي عَلَيْهَا صِحَّةُ دِينِنَا فَمِلْ إِلَيْهَا لَا دِينَ لِلْمَرْءِ إِذَا لَمْ يَعْرِفِ مَا كَانَ مِنْهُ (1) لَازِمًا فَلْتَعْرِفِ وَاعْتَمِدَنَّ ذَاكَ بِالدَّلِيلِ فِي حَالَةِ الإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ فَإِنْ عَجَزْتَ عَنْهُ فَالإِجْمَالُ ثُمَّ صَحِيحُ الاِعْتِقَادِ قَالُوا وَالِاعْتِقَادُ هُوَ جَزْمُ القَلْبِ بِمَا تَلَقَّى مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ يُوصَفُ بِالصَّحَةِ وَالبُطْلَانِ كَسَائِرِ الأَحْوَالِ فِي الْأَدْيَانِ وَالِاعْتِقَادُ عَنْ دَلِيلِ قَدْ عَلِمْ عِلْمٌ وَإِلَّا فَهُوَ تَقْلِيدٌ وسِمْ وَهْوَ لَدَيْنَا (2) جَائِزٌ وَيَمْتَنِعْ إِنْ لَمْ يُوَافِقِ الهُدَى الَّذِي شُرِعْ كَذَا اتَّبَاعُ القَوْلِ حَقًّا كَانَا أَوْ بَاطِلًا نَحْجُرُهُ إِعْلَانَا لأَنَّ هَذَا لَمْ يُبَالِ أَبَدًا أَصَابَ فَوْزًا أَوْ مَهَامِهَ (3) الرَّدَى وَلَا نُنَاظِرْ بِكِتَابِ اللهِ وَلَا كَلَامِ المُصْطَفَى الأَوَّاءِ مَعْنَاهُ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ نَظِيرَا وَلَوْ يَكُونُ عَالِمًا خَبِيرًا
(1) قوله: «منه» أي الدين.
(2) قوله: «وهو لدينا» أي التقليد.
(3) المهامه: جمع مهمه وهو المفازة الواسعة من الأرض قال الشاعر:
ومهمة واسعة أرجاؤه كأن لون أرضه سماؤه (1/32)
صفحة 33
32
الجزء الأول
كتاب أصول الدين
باب التوحيد
مَعْرِفَةُ البَارِي مِنَ العُقُولِ فَكَيْفَ بِالسَّمَاعِ وَالنُّقُولِ وَلَا يَجُوزُ جَهْلُهَا لِجَاهِل طَرْفَةَ عَيْنٍ عِنْدَ ذِي الدَّلَائِلِ وَدَرْكُ ذَاتِهِ مُحَالٌ إِنَّمَا يُعْرَفُ بالوَصْفِ الَّذِي قَدْ عُلِمَا وَنَفْسُ رَبِّ العَالَمِينَ ذَاتُهُ وَذَاتُهُ تَفْسِيرُهَا ثَبَاتُهُ (1) يَعْنِي بِهِ نَفْسُ الوُجُودِ الوَاجِبِ فَالذَّاتُ لَا تُحَدُّ فِي التَّخَاطِبِ فَنَحْنُ بِالوُجُودِ جَازِمُونَا وَمَا عَدَاهُ غَيْرُ عَارِفِينَا
(2)
فَنَزِّهِ اللَّهَ عَنِ الأَنْدَادِ وَعَنْ نَظِيرٍ وَعَنِ الأَصْدَادِ
لأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِ البَارِي شَيءٌ مِنَ الأَشْيَا فَلَا تُمَارِي فَهُوَ قَدِيمٌ دَائِمًا لَمْ يَزَلِ وَلَا يَزَالُ بَاقِيًا فِيمَا يَلِي وَبَاطِلُ فِي حَقِّهِ الأَيْنِيَّة) وَالكَم وَالتَّعْلِيلُ وَالكَيْفِيَّة فَلَا تَقُلْ أَيْنَ وَلَا كَيْفَ وَلَا حَيْثُ وَلَا تُصَوِّبَنْ مَنْ سَأَلَا لأَنَّ هَذَا مِنْ صِفَاتِ الحَادِثِ وَهْوَ تَعَالَى غَيْرُ ذِي الحَوَادِثِ
(4)
وَمَنْ يُشَبِّهُهُ بِشَيْءٍ مِنْهَا فَمُفْتَرٍ جَلَّ تَعَالَى عَنْهَا
(1) ثباته: أي وجوده لأنه واجب الوجود لذاته.
(2) الأنداد: جمع ند وهو المثل والشريك والله ليس له مثل ولا شريك.
(3) الأينية: ما يصلح أن يسأل عنه بأين.
(4) قوله: «فَمُفْتَرٍ» أي كاذب. (1/33)
صفحة 34
باب التوحيد
الجزء الأول
33
(1)
مَا قَدَرُوهُ جَلَّ حَقَّ قَدْرِهِ مَعْنَاهُ هُمْ مَا عَرَفُوهُ فَادْرِهِ وَذَاكَ حَيْثُ أَنْكَرُوا تَنْزِيلَهُ وَمِثْلُهُمْ مَنْ يُنكِرَنْ تَأْوِيلَهُ فَإِنَّهُمْ قَدْ شَبَّهُوهُ بِالوَرَى وَجَعَلُوا لَهُ أَمَامًا وَوَرَا وَنَحْوَ هَذَا مِنْ صِفَاتِ البَشَرِ سُبْحَانَهُ عَنْ قَوْلِ كُلِّ مُفْتَرِي تَعَلَّقُوا بِالمُتَشَابِهَاتِ وَاعْتَقَدُوا لِلْمُتَنَاقِضَاتِ وَمَا دَرَوْا بِأَنَّهَا قَدْ فُسِّرَتْ بِمُحْكَمَاتٍ فِي الْكِتَابِ ذُكِرَتْ أَلَمْ يَقُلْ بِأَنَّها أُمِّ وَمَا مَعْنَاهُ إِلَّا الْأَخْذُ بِاللَّذْ أُحْكِمَا فَكُلُّ مُتَشَابِهِ يُفَسَّرُ بِمُحْكَمِ القَوْلِ وَلَا يُسْتَنْكَرُ فَمَا أَتَى مِنْ ظَاهِرِ التَّشْبِيهِ مُفَسَّرُ) بِالنَّفْي لِلشَّبِيهِ أَلَمْ يَقُلْ لَيْسَ كَمِثْلِ اللهِ شَيْءٌ فَأَيْنَ مَوضِعُ الْأَشْبَاءِ فِي هَذِهِ الآيَةِ نَفْيُّ المِثْلِ وَالكَافُ فِيهِ زَائِدُ لِلوَصَل وَقِيلَ لَيْسَ زَائِدًا بَلْ إِنَّهَا كِنَايَةٌ عَنْهُ بِلَازِمِ النِّهَا (3) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّنَا مَعْنَاهُ بَقَاءُ ذَاتِهِ وَمَا أَوْلَاهُ ثُمَّ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا قُلِ عِظَمُهُ وَقِيلَ مِثْلُ الأَوَّلِ وَقِيلَ مَعْنَى قَوْلِهِ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ هِيَّ نِعْمَتَاهُ
(1) قوله: «أم» يشير إلى قوله تعالى: {مِنْهُ آيَةٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَدٌ} [آل عمران: 7]. (2) مفسر: خبر المبتدأ الذي ما. (3) قوله: «النها» أي النهاية ففيه اكتفاء ببعض الكلمة وذلك جائز عند علماء العربية والمراد
بالنهاية هنا الكمال.
هو (1/34)
صفحة 35
34
الجزء الأول
كتاب أصول الدين
وَيَدُهُ فَوْقَهُمُ أَيْ قُوَّتُهُ كَذَلِكَ القَبْضَةُ يَا ذَا قُدْرَتُهُ وَقَوْلُهُ تَجْرِي بِأَعْيُنِ فَقَدْ فُسِّرَ بِالحِفْظِ وَغَيْرُهُ يُرَدْ وَمِثْلُهُ آيَةٌ طَهَ وَهْيَ فِي مُوسَى بِعَيْنِي تُصْنَعَنَّ فَاعْرِفِ فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ الإِلَهِ فُسِّرَا رِضَاهُ أَيْ تَرَكْتُ مَا قَدْ أَمَرَا وَفَسَّرُوا رِضَاهُ بِالقَبُولِ وَهْوَ الثَّوَابُ مِنْهُ لِلْمَعْمُولِ وَمِثْلُهُ التَّفْسِيرُ لِلْمَحَبَّةِ وَفَسَّرُوا ثَوَابَهُ بِالجَنَّةِ وَقَوْلُهُ عَنْ رَبِّهِمْ قَدْ حُجِبُوا مَعْنَاهُ عَنْ ثَوَابِهِ إِذْ عُذَّبُوا وَلَا يُقَالُ فِيهِ إِنَّهُ احْتَجَبْ عَنْ خَلْقِهِ لَكِنَّ خَلْقَهُ حَجَبْ أَمَّا تَجَلِّيهِ تَعَالَى لِلْعَلَمُ فَتِلْكَ آيَةٌ أَتَتْهُ فَانْهَدَمْ وَمَنْ رَوَى أَنَّ الرَّسُول قَدْ رَأَى خَالِقَهُ أَعْظَمَ فِيهِ الخَطَأَ قَدْ قَالَ لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَإِنَّهُ يُدْرِكُهَا القَهَّارُ
باب صفات الله تعالى
لَا يُوصَفُ الرَّحْمَنُ بِالْأَجْسَامِ وَلَا قُعُودٍ لَا وَلَا قِيَامِ أَشْهَدُ حَقًّا أَنَّهُ قَدِيرُ فَرْدٌ قَدِيمٌ قَاهِرٌ بَصِيرُ لَيْسَ لَهُ فِي مُلْكِهِ وَزِيرُ وَلَا لَهُ فِي أَمْرِهِ مُشِيرُ وَأَنَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ العُلَى بِالمُلْكِ وَالقَهْرِ عَلَى العَرْشِ عَلَا (1/35)
صفحة 36
باب صفات الله تعالى
الجزء الأول
35
شَيْءٌ فَمَا تُشْبِهُهُ الأَشْيَاءُ لِأَنَّهَا مِنْ حَقِّهَا الفَنَاءِ وَوَاصِفُ الرَّحْمَنِ بِالزَّوَالِ فَهُوَ أَخُو كُفْرٍ وَذُو ضَلَالِ وَمِثْلُهُ مَنْ قَالَ ذُو الآلَاءِ يُشْبِهُ وَاحِدًا مِنَ الأَشْيَاءِ مِنْ ثَمَّ لَا يُوصَفُ بِالسُّرُورِ وَالفَرَحِ الظَّاهِرِ فِي الأُمُورِ كَذَلِك الغَمُّ وَحُزْنٌ وَهُمَا ضِدُّ لِمَا فِي الوَصْفِ قَدْ تَقَدَّمَا وَإِنْ وَجَدْتَ مُقْتَضَاهُ ذُكِرَا فِي خَبَرٍ فَهُوَ مَجَانٌ شُهِرَا إِذِ المُرَادُ لَازِمُ السُّرُورِ مِنَ الثَّوَابِ وَمِنَ الأُجُورِ وَإِنْ أَتَى فِي وَصْفِهِ التَّعَجُبُ فَحَمْلُهُ عَلَى المَجَازِ يَجِبُ كَقَوْلِهِ مَا أَصْبَرَ الكُفَّارَا أَسْمِعْ بِهِم أَبْصِرْ بِهِمْ جِهَارًا فَذَاكَ وَصْفٌ مِنْهُ قَدْ جَرَى عَلَى وِفْقِ الخِطَابِ فِي مَقَامَاتِ الْأُولَى وَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ التَّعَجُبِ إِذْ عِلْمُهُ بِذَاكَ لَمْ يُسْتَغْرَب لَكِنْ لِمِثْلِ حَالِهِمْ نَسْتَعْرِبُ نَحْنُ لِهَذَا حَسُنَ التَّعَجُبُ وَالله لَا يُوصَفُ بالفَسَادِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ كَانَ فِي العِبَادِ فَلَا يُقَالُ إِنَّهُ قَدْ أَفْسَدَا لِمَا رَأَيْنَا مِنْ فَسَادٍ قَدْ بَدَا بَلْ كُلُّهُ لِحِكْمَةٍ وَإِنْ خَفِي ظُهُورُهَا عَلَى الوَرَى فَلْتَعْرِفِ وَإِنَّمَا يُقَالُ مُفْسِدٌ لِمَنْ أَفْسَدَ شَيْئًا كَانَ فِيهِ مُرْتَهَنْ وَذَلِكَ المَأْمُورُ وَالمَنْهِيُّ وَرَبُّنَا عَنْ كُلِّ ذَا عَلِيُّ (1/36)
صفحة 37
36
الجزء الأول
كتاب أصول الدين
وَلَا يَجُوزُ فِي الصَّفَاتِ الأَصْلِ تَعَبُّبٌ وَجَائِةٌ فِي الفِعْلِ تَقُولُ فِي أَفْعَالِهِ مَا أَحْكَمَهُ وَلَا تَقُلْ فِي عِلْمِهِ مَا أَعْلَمَهُ لأَنَّهُ يَكُونُ فِي التَّعَجُّبِ إِشَارَةٌ إِلَى لَطِيفِ السَّبَبِ وَلَمْ يَكُنْ لِوَصْفِهِ أَسْبَابُ حَتَّى يُقَالَ إِنَّهُ عُجَابُ وَلَا أَقُولُ إِنَّهُ مَمْنُوعُ لِأَنَّهُ جَاءَ بِهِ الْمَسْمُوعُ فِي آيَةٍ مِنْ سُورَةِ الكَهْفِ اسَمَعِ فِي قَوْلِهِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعِ فَإِنَّهُ تَعَجُبٌ فِي البَصَرِ وَالسَّمْعِ وَهْوَ مِنْ صِفَاتِ الْأَكْبَرِ وَ مُشْرِكٌ بِاللَّهِ ذِي الجَلَالِ وَاصِفُهُ حَاشَاهُ بِالزَّوَالِ
باب في ألفاظ الصفات
لَمْ يَزَلِ اللهُ قَدِيرًا عَالِمَا وَنَحْوُ هَذَا جَائز كُنْ فَاهِمَا وَذَاكَ لَا يَجُوزُ فِي الأَفْعَالِ لِأَنَّهَا حَادِثَةُ الأَحْوَالِ وَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا يَجُوزُ وَهْوَ مُحَافِظٌ فَلَا يَجُوزُ فِيمَا حَكَى الْأَصْلُ وَلَسْتُ أَمْنَعُهُ وَمَا بِهِ عَلَّلَ لَسْتُ أَسْمَعُهُ
وَالمُسْتَعَانُ بِالإِلَهِ البَارِي لَيْسَ يَجُوزُ قَالَهُ الهِجَارِي)
(1) هو
(1)
الشيخ أبو علي الحسن بن أحمد صاحب الزيادات على جامع ابن جعفر، وهو من متقدمي علماء عُمان منسوب إلى بلدة (هجار) وهي بلد صغير بالظاهرة من عُمان قريبة من بلد عبري، هكذا أخبرني عنه بعضهم، وإلا ففي عُمان بلد الهجار من وادي بني خروص وهي أشهر من الأولى، والهجار أيضًا بلد بالقرب من الخابورة والله أعلم. (1/37)
صفحة 38
ألفاظ الصفات
باب في
الجزء الأول
37
وَيَا غَيَاثَ المُسْتَغِيثِينَ فَلَا تُجِيزُهُ جَلَّ إِلَهِي وَعَلَا وَيَا دَلِيل المُتَحيِّرِينَا كَمِثْلِهِ عَنْهُ كَذَا رُوِينَا وَهَكَذَا قَدِ ارْتَدَى بِالكِبْرِيَا لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا قَدْ رُوِيَا وَهَكَذَا يَا سَنَدِي وَاخْتُلِفَا فِي لَفْظَةِ المَنَّانِ أَيْضًا فَاعْرِفَا) وَفَسَّرُوهُ هَاهُنَا بِالْمُنْعِم وَقِيلَ بِالمُعْطِي لِكُلِّ النِّعَمِ فَلَا سَبِيلَ عِنْدَنَا لِلْمَنْعِ ثُمَّ ثُمَّ جَوَازُهُ أَتَى فِي الشَّرْعِ أَمَّا قَلِيلُ اللَّهِ إِنْ عَنَى بِهِ تَأْكِيدُ نَفْي جَائِزٌ فَانْتَبِهِ تَقُولُ مَا عِنْدِي قَلِيلُ اللهِ تُرِيدُ لَا شَيء وَلَا مُضَاهِي وَلَا يُقَالُ الرَّأْيُ لِلْمَنَّانِ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَةِ الإِنْسَانِ مَا شَاءَهُ خَالِقُنَا وَشِينَا لَيْسَ يَجُوزُ هَكَذَا رُوِينَا لأَنَّ مَا قَدْ شَاءَهُ الرَّحْمَنُ يَكُونُ لَوْ لَمْ يُرِدِ الإِنْسَانُ وَقَوْلُ سُبْحَانَ بِلَامٍ وَأَلِفْ فَذَاكَ لَحْنٌ فَاحِشُ فَدَعْ وَقِفْ
(1) اختلف العلماء في أسماء الله هل هي توقيفية بمعنى لا يجوز الاشتقاق من صفات الكمال إلا ما ورد على لسان الشارع أو يجوز. فمن قال بالقول الأخير جعل الحنان المنان من أسماء الله لقوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [إبراهيم: 11] أي ينعم ويتفضل بالإحسان وقوله: {وَحَنَانًا مِّن لَدُنَّا} [مريم: 13] أي رحمة، ومن قال بأنها توقيفية قال: هما ليسا من الأسماء الحسنى الواردة بها أحاديث وهي تسعة وتسعون اسما، وكلها واردة في القرآن. والجمهور من المحققين على أنها توقيفية فلا يصح الدعاء بما ورد في كثير من الأدعية من الأسماء التي لم ترد في القرآن ولا في الحديث الصحيح. والله أعلم.
(أبو إسحاق) (1/38)
صفحة 39
38
الجزء الأول
كتاب أصول الدين
وَيُعْذَرُ الجَاهِلُ إِنْ أَتَاهُ وَالعُرْفُ فِي الْأَسْمَاءِ لَا نَرْضَاهُ وَمَنْ يَقُلْ نُسْرَقُ لَوْلَا كَلْبُنَا وَهَكْذَا نُقْتَلُ لَوْلَا صَحْبُنَا فَقِيلَ شِرْكٌ وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنْ تُنْظَرَ الأَحْوَالُ عِنْدَ القَصْدِ وَإِنْ رُوِي التَّشْرِيكُ فِيمَا قَدْ رُوِي فَذَاكَ تَشْرِيكٌ بِمَعْنِّي لُغَوِي أَوْ أَنَّهُ يُقَالُ فِيمَنْ يَعْتَقِدْ حَقِيقَةَ القَوْلِ بِذَاكَ المُبْتَعِدْ مَنْ قَالَ كُلٌّ بِالإِلَهِ لَاحِقُ يَجُوزُ إِذْ مَعْنَاهُ بَعْثُ صَادِقُ كَذَاكَ إِنْ فَشَرْتَهُ بِالْمَوْتِ إِذِ النُّحُوقُ وَاقِعٌ بِالفَوْتِ وَلَا يَضِيقُ أَنْ يُقَالَ الزَّارِعُ لِأَنَّهُ فِي النَّصَّ إِسْمٌ وَاقِعُ كَذَا الرَّؤُوفُ جَائِزٌ وَفُسّرا بِشِدَّةِ الرَّحْمَةِ فِيمَا أُثِرَا لَا رَاحِمٌ أَرْحَمُ مِنْهُ جُوْزَا لِلرَّاحِمِينَ فَلْيُصَفْ تَجَرُّزَا
باب في أفعاله تعالى
وَالخَيْرُ وَالشَّرُّ مِنَ الحَمِيدِ خَلْقٌ وَفِعْلَانِ مِنَ العَبِيدِ لَكِنَّ فِعْلَ العَبْدِ كَسْبٌ مِنْهُ وَرَبُّنَا الخَالِقُ فَافْهَمَنْهُ مَنْ عُدِمَ الإِيمَانُ مِنْهُ بِالقَدَرْ بِخَيْرِهِ وَشَرِّهِ فَقَدْ كَفَرْ وَهَكَذَا مَنْ حَمَلَ المَعَاصِي عَلَى الإِلَهِ فَهْوَ عَبْدٌ عَاصِي وَالذَّنْبُ لَا شَكٍّ مِنَ العَبِيدِ لِفِعْلِهِمْ مَا جَاءَ بِالوَعِيدِ
(1) قوله: «في النص» أي في قوله تعالى: {وَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة: 64]. (1/39)
صفحة 40
الجزء الأول
39
باب في
أفعاله تعالى
فَإِنْ عَفَا عَنَّا فَمِنْهُ الفَضْلُ وَإِنْ بِهِ عَاقَبَنَا فَعَدْلُ وَإِنَّ لِلشَّيْطَانِ فِيهِ الوَسْوَسَهُ حِيْنَ دَعَاهُ لِلشَّقَا وَوَسْوَسَهُ وَقَدْ نَهَى رَبُّ العِبَادِ عَنْهُ فَلَا يَصِحُ أَنْ يُقَالَ مِنْهُ وَالخَلْقُ غَيْرُ النَّهْي فَافْهَمَنَّا فَيَخْلُقُ الشَّيْءَ وَيَنْهَيَنَّا وَمَا عَدَا ذَلِكَ سِرٌ مُنِعَا سُؤَالُنَا عَنْهُ، أَلَا فَامْتَنِعَا وَفُسِّرَتْ هِدَايَةُ الرَّحْمَنِ لِلْخَلْقِ بِالتَّوْفِيقِ وَالْبَيَانِ الجَامِعَانِ (1) صِفَةَ الإِيمَانِ وَلَيْسَ لِلْكَافِرِ غَيْرُ الثَّانِي وَتَرْكُهُ وَشَأْنَهُ (2) خِزْلَانُ فَيَأْتِهِ مِنْ نَفْسِهِ الحِرْمَانُ وَضِدُّهُ التَّوْفِيقُ فَالمُوَفَّقُ تَرَاهُ لِلْخَيْرِ مَعًا يُوَفَّقُ وَقِيلَ خَلْقُ قُدْرَةِ العِصْيَانِ هُوَ الَّذِي يُعْرَفُ بِالخِذْلَانِ وَضِدُّهُ التَّوْفِيقُ وَالأَصْلُ اقْتَصَرْ عَلَيْهِ وَالحَقُّ أَرَى فِيمَا غَبَرْ (3) أُقِرُّ بِالْبَعْثِ وَبِالنِّيرَانِ أَنَّهُمَا حَقٌّ وَبِالجِنَانِ وَكُتُبُ الخَلْقِ لَهَا تَطَايْرُ) يَوْمَ الجَزَا كُلٌّ إِلَيْهِ طَائِرُ يَرَى بِهِ كُلَّ الَّذِي قَدْ فَعَلَا وَاللهُ عَنْ أَعْمَالِنَا لَمْ يَغْفُلَا
(1) قوله: «الجامعان» خبر لمبتدأ محذوف تقديره هما، وقوله: «وليس للكافر غير الثاني» أي البيان لقوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ} [فصلت: 17] يعني هداية البيان والله أعلم.
(2) قوله: «وشأنه» الواو فيه بمعنى مع.
(3) قوله: «غبر» أي مضى، وتستعمل بمعنى بقي وذلك بحسب القرينة.
(4) قوله: «تطاير» أي ذهاب إلى أصحابها قال تعالى: {وَكُلَّ إِنسَنِ أَلْزَمْنَهُ طَبِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيِّمَةِ كِتَبًا يَلْقَتْهُ مَنشُورًا} [الإسراء: 13]. (1/40)
صفحة 41
40
الجزء الأول
كتاب أصول الدين
وَقِيلَ تَحْتَ العَرْشِ قَبْلُ خُزَنَتْ وقِيْلَ فِي أَيْدِي الْكِرَامِ أُمِّنَتْ وَالدَّرَّتَانِ عِنْدَنَا صَوَابُ عَلَيْهِمَا قَدْ يَقَعُ الحِسَابُ يُجْزَى بِهَا فَاعِلُهَا وَالْعَفْوُ لِتَائِبِ أَوْ مَنْ عَرَاهُ السَّهْوُ وَمَنْ يَمُتْ عَلَى الكَبِيرِ عُذِّبَا وَذَاكَ فِي القُرَان حُكْمًا وَجَبَا لَيْسَ لَهُ شَفَاعَةٌ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الوَرَى حَتَّى النَّبِيِّ أَحْمَدِ وَأَنَّهُ ذُو المَنْصِبِ الرَّفِيعَ لَهُ لِوَاءُ الحَمْدِ فِي الجَمِيعِ وَأَنَّهُ الشَافِعُ وَالمُشَفَّعُ لَكِنَّهَا عَنِ الشَّقِيِّ تُمْنَعُ لَكِنَّهُ فِي النَّارِ قَطْعًا يَخْلُدُ فَهْوَ بِهَا مُعَذِّبٌ مُؤَبَّدُ رَبِّي فَيَا وَيْلٌ لِمَنْ يَلْقَاهُ
(1)
خُرُوجُهُمْ فِي الذِّكْرِ قَدْ نَفَاهُ
(3)
وَعَدَمُ الخُلُودِ قَوْلُ المُرْجِيَّةَ إِيَّاكَ أَنْ تَسْمَعَهُ أَوْ تُبْدِيَهُ أَوْلَادُهُمْ فِي ذِي الحَيَاةِ تَبَعُ لَهُمْ وَفِي الْأُخْرَى الخِلَافُ يُرْفَعُ فَقَالَ بَعْضُ إِنَّهُمْ فِي النَّارِ كَمِثْلِ آبَائِهِمُ الفُجَّارِ وَبَعْضُهُمْ قَدْ قَالَ فِي الجِنَانِ مُنَعَمُونَ كَذَوِي الْإِيمَانِ وَقَالَ بَعْضُ فِي الجِنَانِ خَدَمُ فَهُمْ كَوِلْدَانِ بِهَا يُسْتَخْدَمُوا (4) (5)
(1) قوله: وقيل تحت العرش، يعني كتب الأعمال.
(2) قوله: «خروجهم» يعني خروج أهل النار.
(3) قوله: «أولادهم» أي أولاد الكفار.
(4) حذف النون من يستخدموا لإقامة الوزن.
(5) هذا الخلاف في أطفال المشركين فافهم، لكن التحقيق أن الأطفال لا يعذبون لأن الله يمن
بالرحمة ولا يظلم بالعذاب، وهم على الفطرة التي خلقهم الله عليها لم يدنسوها بالعصيان،
= (1/41)
صفحة 42
باب خلق القرآن
باب خلق القرآن (1)
الجزء الأول
41
وَالحَقُّ مَا قَالَتْ
به
الأَعْلَامُ بِأَنَّهُ لِرَبِّنَا كَلَامُ
وَوَحْيُهُ وَأَنَّهُ تَنْزِيلُهُ سُبْحَانَهُ صَحَ لَنَا دَلِيلُهُ لَكِنْ أَقُولُ الْأَحْرُفُ المَلْحُوظَهُ فِي الْكُتُبِ مِنْ أَلْسُنِنَا مَلْفُوظَهُ بِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ لِلْبَارِي قُلْتُ كَذَا الْمَعْنَى فَلَا تُمَارِي لِأَنَّهَا مَظْرُوفَةٌ لِلْأَحْرُفِ وَكُلُّ مَظْرُوفٍ حَدُوةٌ) فَاعْرِفِ وَذَاكَ غَيْرُ عِلْمِهِ تَعَالَى وَإِنْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ كَمَالَا فَالعِلْمُ وَالمَعْلُومُ لَيْسَ وَاحِدَا كَالضَّرْبِ وَالمَضْرُوبِ قَدْ تَبَاعَدَا وَأَنَّهُ فِي اللَّوْحِ قَطْعًا رُسِما كَذَاكَ أَيْضًا فِي صُدورِ العُلَمَا وَذَانِ مَخْلُوقَانِ هَلْ تَقُولُ يَحْوِي القَدِيمَ حَادِثُ مَنْقُولُ وَمُنْكِرٌ لِخَلقِهِ يُخْتَلَفُ فَقِيلَ فَاسِقٌ وَقِيلَ نَقِفُ
قال عليه الصلاة والسلام: «خلقت هذه القلوب حنيفية إلا ما كان من الشيطان فإنه يخترمها عما خلقت له» رواه شمس الدين أبو يعقوب في الدليل، وقوله: «كل مولود يولد على الفطرة» الحديث، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام: «سألت الله في اللاهين فأعْطَانِيهِمْ خدمًا لأهل الجنة» واتفق العلماء على أن اللاهين هم أولاد المشركين هذه الأدلة وما شاكلها تُثبت تنعيم أطفال غير المسلمين في الجنة. والمسألة فيها خلاف أيضًا عند قومنا على ثلاثة أقوال كما ذكر البركوي في رسالته بيان أحوال أطفال المسلمين. (أبو إسحاق) (1) ليت سلف هذه الأمة لم يختلفوا في مسألة خلق القرآن ولم يعتنوا بها إذ لم يكلفهم الله لك أن يعتقدوا أنه مخلوق أو غير مخلوق بل كلفهم الإيمان والتصديق به وأنه كلامه أنزله هدى ورحمة وكلفهم أن يقفوا عند حدوده أمرًا ونهيًا وأن يصدقوا بما جاء به من خبر ما قبلنا وحكم ما بيننا وعلم ما بعدنا وأنه كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ... (2) قوله: «حدوث» بوزن فعول، أي حادث. (1/42)
صفحة 43
42
مَا
الجزء الأول
كتاب أصول الدين
لَمْ يُخَطِّ لِلَّذِي قَدْ قَالَا بِضِدِّ مَا قَالَ فَعِ المَقَالَا) وَنُسِبَ الأَوَّلُ لِلْمَغَارِبَهُ وَالثَّانِي لِلْعُمَانِيِّينَ قَاطِبَهْ وَبَعْضُهُمْ يَبْرَأُ مِمَّنِ اعْتَقَدْ حُدُوثَهُ وَالحَقُّ فِيهِ أَنْ يُرَدْ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الكِتَابِ حُدُونُهُ بِظَاهِرِ الخِطَابِ وَمُنْكِرٌ خَلْقَ نَبِيِّنَا يَجِبْ تَتْوِيبُهُ وَمُشْرِكٌ إِنْ لَمْ يَتُبْ وَقَتْلُهُ يَجُوزُ كَالمُرْتَدَّ كَذَاكَ قَالَ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ وَلَمْ يَقُلْ فِي فِطْرَةِ القُرَأَىنِ بِمِثْلِ ذَاكَ وَهُمَا سِيَّانِ) لِأَنَّ مَنْ أَنْكَرَهَا تَأَوُّلَا فَهْوَ مُنَافِقٌ وَإِلَّا قُتِلَا فَتِلْكَ شُبْهَةٌ بِهَا تَسَبَّرُوا مِنْ ثَمَّ (3) عِنْدَ عُدْمِهَا لَمْ يُعْذَرُوا وَوَجْهُهَا أَنَّ الإِلَهَ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ كَلَامُهُ وَعَرَّفَهُ وَكَانَ فِي الكَلَامِ وَصْفُ ذَاتِ وَوَصْفُ فِعْلِ بِالمَعَانِي آتِ وَلَيْسَ هَذَا الوَصْفُ فِي النَّبِيِّ فَزِنْهُمَا بِفَهْمِكَ الذَّكِيُّ
(1) هذا ما اختاره الإمام أبو يعقوب في «الدليل» عن علمائنا العُمانيين إذ قال في الجزء الثالث ص 88: فإذا لم يعتقدوه دينًا ولم يقطعوا عليه عذر أحد من المسلمين الذين خالفوهم عليه فلا بأس عليهم بذلك، وذلك خطأ محمول عليهم، إلى أن قال: ولكل مُعْتَقَدُهُ ما لم يبغ بعضهم على بعض، والبادي أظلم والتالي أسلم اهـ. فهذه من ذخائر العلم فشد عليها يدك. (أبو إسحاق)
(2) سيّان: أي مثلان أو بمعنى متساويان، وهذه الكلمة ملازمة لصيغة التثنية.
(3) ثُمَّ: بفتح المثلثة أي هناك، فهي بمعنى ظرف المكان المعنوي. (1/43)
صفحة 44
باب في الإيمان
الجزء الأول
43
باب في الإيمان
وَالعَبْدُ لَا يَسْتَكْمِلُ الإِيمَانَا إِذَا رَأَى لِنَفْسِهِ أَثْمَانَا) مَنْ لَمْ يَنَلْ حَظًّا مِنَ التَّوَاضُعِ يُرْمَى بِهِ فِي أَسْفَلِ الْمَوَاضِعِ وَلَا يَجُوزُ القَوْلُ إِنَّ المُؤْمِنَا زَانٍ فَكُنْ بِالنَّهْي عَنْهُ مُعْلِنَا لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الكُفْرانِ وَهْوَ يُنَافِي وَهْوَ يُنَافِي خَصْلَةَ الإِيمَانِ وَإِنَّمَا الإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلْ وَنِيَّةٌ فَهْوَ عَلَى هَذَا اسْتَقَلْ وَهْيَ لَهُ) أَجْزَاءٌ أَوْ شُرُوطُ وَبِانْتِفَاهَا يَنْتَفِي المَشْرُوطُ فَيَظْهَرَنْ قَوْلُهُمُ السَّدِيدُ لَا يَنْقُصُ الإِيمَانُ بَلْ يَزِيدُ لِأَنَّهُ إِنْ حَلَّهُ النُّقْصَانُ دَاخَلَهُ جَمِيعَهُ البُطْلَانُ ثُمَّ كَمَالُهُ بِأَنْ يُوَالِي وَأَنْ يُعَادِي لِذَوِي الصَّلَالِ
وَأَنْ يَكُونَ نَاطِقَا بِالصِّدْقِ مُلَازِمًا فِي عُمْرِهِ لِـ
باب في الكفر
لِلحَقِّ
مَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّقِيًا للهِ فَهْوَ أَخُو كُفْرِ بِلَا اشْتِبَاهِ لِأَنَّهُ مَا بَيْنَهُنَّ (3) مَنْزِلَهُ كَذَاكَ فِي القُرَانِ رَبِّي أَنْزَلَهُ
(1) قوله: «أثمانا» أي قيمة ورفعة.
يعني النية إما أن تكون جزءًا من الإيمان أو شرطًا لصحته، وعلى كلا الأمرين
له» (2) قوله: «وهي فالإيمان لا يصح إلا بالنية.
(3) قوله: «لأنه ما بينهن يعني فيما بين الإيمان والكفر وكان عليه أن يقول: لأنه ما بينهما ولكن
= (1/44)
صفحة 45
44
الجزء الأول
كتاب أصول الدين
وَكَشْفُهُ بِأَنْ تُقَسِّمَنَّهُ لِلشِّرْكِ وَالنِّعْمَةِ فَافْهَمَنَّهُ وَالكُفْرُ فِي أَصْلِ اللُّغَاتِ التَّغْطِيَة وَالشِّرْكُ مَعْنَاهُ يُقَالُ التَّسْوِيَة فَإِنَّ مَنْ يَعْبُدُ غَيْرَ اللهِ سَوَّى بِهِ مَنْ لَيْسَ بِالإِلَهِ وَقَدْ يَجِي شِرْكَ جُحُودٍ (1) إِنْ جَحَدْ لِوَصْفِهِ أَوْ حُكْمِهِ أَوْ لِأَحَدُ مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَهَذَا أَشْكَلُ وَهُوَ عَلَى الأُمَّةِ أَيْضًا أَعْضَلُ أَمَّا الَّذِي نَوَّعَهُ فِي الْأَصْلِ فَلَيْسَ مِنْ أَحْكَامِ هَذَا الفَصْلِ بَلْ ذَاكَ فِي التَّسْمِيَةِ المُشَاعَهُ وَهْيَ جُحُودٌ وَرِيَّا وَطَاعَهُ أَمَّا الجُحُودُ الشِّرْكُ بِالرَّحْمَنِ وَالثَّانِي أَنْ تَعْمَلَ لِلْإِنْسَانِ وَالثَّالِثُ الطَّاعَةُ لِلشَّيْطَانِ إِذَا أَجَابَهُ إِلَى العِصْيَانِ أَمَّا النَّفَاقُ فَهْوَ فِي السَّرَائِرِ وَتَارَةً يَكُونُ فِي الظَّوَاهِرِ فَأَوَّلُ الْقِسْمَيْنِ مَا تَقَدَّمَا فِي عَصْرِهِ عَلَيْهِ رَبِّي سَلَّمَا فَإِنَّهُمْ يُخْفُونَ نَفْسَ الشِّرْكِ وَيُظْهِرُونَ القَوْلَ بِالتَّزَكِّي فَكَذَّبَ القُرَأَىنُ مَا قَالُوهُ لَكِنْ مُرَادُهُمْ بِهِ نَالُوهُ (2)
قد استعصى عليه الوزن فالإنسان إما مؤمن وإما كافر ولا منزلة بينهما خلافًا للمعتزلة لقوله تعالى: {إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3].
(1) قوله: «شرك جحود» بالنصب، أي يجيئه الشرك شرك مساواة كمن عبد غير الله وشرك جحود إن جحد شيئًا من صفاته أو أحكامه أو أحدًا من أنبيائه أو كتبه أو رسله، وانتصابه على الحال.
سبيهم
وأموالهم:
(2) قوله: «نالوه» أي من عصمة دمائهم وحرمة وما انتسبوا إلى الإسلام إلا لصون دمائهم أن لا تسالا (1/45)
صفحة 46
باب في الكفر
الجزء الأول
45
وَلَهُمْ فِي النَّارِ أَسْفَلُ الدَّرَك وَذَاكَ مَوْضِعٌ لِمَنْ فِي اللَّهِ شَكْ صَارَ الجَزَا مُوَافِقًا لِلعَمَلِ أَخْفَوا فَأُخْفُوا فِي المَضِيقِ الْأَسْفَلِ أَمَّا الَّذِي (2) يُظْهَرُ فَهْوَ يَنقَسِمْ لِبِدْعَةٍ وَلِانْتِهَاكِ قَدْ عَلِمْ فَكُلُّ مَنْ دَانَ بِمَا يُخَالِفُ فَتِلْكَ بِدْعَةٌ لَهَا مُوَالِفٌ سَوَاءٌ إِنْ حَرَّمَ مَا قَدْ حَلَّا أَوْ حَلَّلَ الحَرَامَ حِيْنَ صَلَّا وَالاِنْتِهَاكُ (3) هُوَ أَنْ يَفْعَلَهُ وَهُوَ حَرَامٌ فِي اعْتِقَادِهِ لَهُ وَذَا إِلَى التَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ أَقْرَبُ وَالكُلُّ أَخُو تَضييع مَنْ لَمْ يَتُبْ فَذَلِكَ المُصِرُّ لِأَنَّهُ بِالذَّنْبِ مُسْتَمِرُّ وَشَاهِدُ النُّورِ بَعِيدُ التَّوْبِ مِمَّا أَتَى مِنْ زَوْرِهِ وَالحُوْبِ (4) مِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا تُقْبَلُ لَهُ شَهَادَةٌ وَقِيلَ تُقْبَلُ كَذَا الخِلَافُ فِيْهِ هَلْ يُوَالَى وَذَاكَ كُلُّهُ إِذَا مَا آلَى) وَيُعجِبُ الأَصْلَ هُنَا قَبُولُهُ وَفِي الوَلَايَاتِ كَذَا دُخُولُهُ
(1) قوله: «أخفوا فأخفوا» الأول بالبناء للفاعل والثاني للمفعول يريد أنهم أخفوا الشرك فكانت عقوبتهم في الدرك الأسفل من النار جزاء وفاقًا.
(2) قوله: «أما الذي يظهر أي من النفاق، لأنه على معنيين باطن وظاهر. (3) قوله: «والانتهاك» هو ضد الاستحلال في اصطلاح فقهاء أصحابنا، فالمستحل من يأتي الشيء ويعتقد أنه حلال في شرع الإسلام، والمنتهك من يأتي المعصية وهو يعلم أنها حجر حرام
كمن يشرب الخمر وهو يعلم أنها حرام.
(4) الحوب: الذنب. (أبو إسحاق) (5) آلى رجع والألف فيه للإطلاق. (أبو إسحاق) (1/46)
صفحة 47
الجزء الأول
كتاب أصول الدين
مَنْ قَالَ إِنَّ المُصْطَفَى قَدْ كَتَمَا شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ افْتَرَى وَأَعْظَمَا) أَلَمْ يَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ عَلَى سَوَا وَبَلَّغَ المُنْزَلَ هَلْ هَذَا اسْتَوَى بَلَى لَعَمْرُ اللهِ قَدْ بَلَغَ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ رَبِّهِ وَأَحْكَمَا وَكَاذِبٌ مَنِ ادَّعَى عِلْمَ غَدِ وَإِنْ عَلَا مَنْزِلُهُ فِي الفَرْقَدِ لِأَنَّهُ غَيْبُ قَدِ اسْتَأْثَرَ بِه رَبُّ العُلَا فَبَانَ أَصْلُ كَذِبِهْ وَإِنْ يَقُلْ ذَلِكَ بَعْضُ الأَنْبِيَا فِي عَصْرِهَا (2) (3) فَذَاكَ وَحْيٌ أُوحِيَا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ اسْتَتْنَاهُ فِي قَوْلِهِ إِلَّا مَنِ ارْتَضَاهُ)
باب الولاية والبراءة
وَالحُبُّ وَالبُغْضُ مِنَ الْأَعْمَالِ وَإِنْ تَكُنْ مَخْفِيَّةَ الأَحْوَالِ وَذَاكَ بِاعْتِبَارِ مَا تُنْمِرُهُ مِنَ الفِعَالِ دُونَ مَا تَسْتُرُهُ فَإِنَّمَا المَسْتُورُ فِعْلُ قَلْبِ وَهْوَ سِوَى مُقْتَضَيَاتِ الحُبِّ
(1) قوله وأعظما» أي أعظم الفرية.
(2) قوله: «في عصرها» أي في عصر
الأنبياء، والأولى عندي إفراد الضمير راجعا إلى البعض، كذا
في النسختين وصوابه في عصره) يعود الضمير إلى بعض. (أبو إسحاق)
(3) كذا في النسختين وصوابه في عصره) يعود الضمير إلى بعض. (أبو إسحاق) (4) قوله: «إلا من ارتضاه» يشير إلى قوله تعالى في سورة الجن إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ
مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) [الجن: 27).
(5) قوله: «من الأعمال أي من جملة الأعمال التي هي أحد شروط الإيمان المعنية في قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال قول وعمل ونيّة فهي باعتبار خفائها في القلب من أعمال القلب، وباعتبار ثمراتها فهي من أعمال الجوارح (1/47)
صفحة 48
باب الولاية والبراءة
الجزء الأول
47
وَالحُبُّ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ حُقُوقِهِ وَالبُغْضُ لِلْكَافِرِ مِنْ عُقُوقِهِ وَالكُلٌّ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ عَقَلَا وَيَلْزَمُ الوُقُوفُ عَمَّنْ جُهِلا وَكُلُّ مَنْ أَحْبَبْتَهُ فِي اللهِ فَانْصُرْهُ فِي الدِّينِ وَلَا تُضَاهِي (1) وَذَا هُوَ الوَلَايَةُ المَأْثُورَة وَضِدُّهُ البَرَاءَةُ المَشْهُورَهُ وَسَبَبُ الوَلَايَةِ اصْطِفَاءُ بَيْنَ الوَلِيَّيْنِ وَلَا خَفَاءُ وَالِاِصْطِفَا مَا لَم يُشَبْ بِالكَدَرِ وَالمُسْتَرَابُ لَا يُوَالَى فَذَرِ وَقِيلَ مَنْ وَافَقَ أَهْلَ الحَقِّ فِي ظَاهِرِ الفِعْلِ مَعًا وَالنُّطْقِ يَلْزَمُنَا حَتْمًا بِأَنْ نُوَالِيَهُ إِذْ لَمْ نُكَلِّفْ بِالْأُمُورِ الخَافِيَة وَذَا هُوَ الأَصَحُ لَكِنْ مَا سَبَقَ أَسْلَمُ لِلصَّعِيفِ مِنْ خَوْفِ الزَّلَقٌ) وَالحُبُّ وَالبُغْضُ مِنَ الأَنَامِ أَوْثَقُ (3) مِنْ بَاقِي عُرَى الإِسْلَامِ ثُمَّ البَرَاءَةُ وَحَدُّ السَّيْفِ (4) سِيَّانِ حَالَ الاِهْتِدَا وَالحَيْفِ فَلَا تَصِحُ أَبَدًا بِدُونِ مَا يُوجِبُهَا كَقَتْلِهِ إِذْ حَرُمَا
(1) لا تعارض ولا تمار، وأصل المضاهاة المشاكلة والمشابهة ومنه حديث (القيامة الذين يضاهون خلق الله أراد المصورين. (أبو إسحاق)
أي لا تشابه القاعدين به عن نصرة الْوَلِي.
(2) الزلق أي الزلل والمراد بالذي سبق اصطفاء القلب.
«أشد الناس عذابًا يوم
(3) قوله: «أوثق أي لقوله صلى الله عليه وسلم: «أوثق عرى الإسلام الحب في الله والبغض في الله».
(4) قوله: «وحد السيف يعني أن البراءة من الشخص مثل قتله، فكما لا يحل قتله إلا بما يوجبه من ارتداد أو زنا بعد إحصان أو قتل النفس التي حرم الله ممن يكافي دمه، فكذلك لا تحل البراءة منه إلا بما يوجبها، من بغي أو ابتداع في الدين أو إصرار على معصية ما من معاصي الله، وذلك بعد امتناعه عن التوبة. فذلك معنى قولهم البراءة وحد السيف. (1/48)
صفحة 49
??
الجزء الأول
كتاب أصول الدين
نَبْرَأُ مِمَّنْ قَدْ عَصَى مَوْلَاهُ مَا لَمْ يَتُبْ عَنِ الَّذِي أَتَاهُ وَهَكَذَا نَبْرَأُ مِمَّنْ بَرِيَا مِنَّا بِرَأْيِ فَافْهَمَنْ مَا عُنِيَا
مُخَالِفٌ مُرَاغِمُ
لِأَنَّهُ بِذَاكَ عَاصٍ آثِمُ وَهْوَ بِهِ وَلَايَةُ النَّفْسِ عَلَيْنَا فَرْضُ وَهْيَ لِمَغْرُوسِ الفَلَاحِ أَرْضُ يَلْزَمُ أَنْ نَصُونَهَا عَنْ كُلِّ شَيْنٍ بِقَوْلٍ كَانَ أَوْ بِفِعْلِ هَذِهِ وَلَايَةُ النُّفُوسِ وَصَوْنُ مَا فِيهَا مِنَ الْمَغْرُوسِ وَقَوْلُهُمْ لَا تَبْرَأَنَّ مِنْهَا مَعْنَاهُ فِي حَبْلِ التَّقَى الزَمَنْهَا وَغَيْرُهَا إِنْ وَافَقَ الصَّوَابَا تَوَلَّهُ حَالًا وَلَا تَرْتَابَا كَمِثْلِ إِنْ شَاهَدْتَ مِنْهُ ذَاكَا أَوْ نَقَلَ العَدْلَانِ مَا هُنَاكَا وَقِيلَ يُجْزِي فِيهِ نَقْلُ الوَاحِدِ لِأَنَّ هَذَا غَيْرُ حُكْمِ الشَّاهِدِ لَكِنَّهُ مِنْ خَبَرِ الآحَادِ فَلَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَى الإِشْهَادِ مِنْ ثَمَّ قَالُوا إِنَّهَا مِنْ عَبْدِ تُجْزِي وَمَا فِي ذَاكَ نَوْعُ بُعْدِ لِأَنَّهُ بِالعَدْلِ الاعْتِبَارُ سَوَاءُ العَبِيدُ وَالأَحْرَارُ وَهَكَذَا مِنَ النِّسَاءِ تُقبَلُ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ عُدِّلُوا وَذُو العَمَى يَبْرَأُ مِمَّنْ عَلِمَا بِكُفْرِهِ وَلَا يَضُرُّهُ العَمَى
(1) قوله: «برأي» أي بدون موجب لها إلا مجرد رأيه وذلك كأن يرى من أحد فعلًا لا يدري هو حكمه أهو حق أم ضلال فيبرأ من صاحبه براءة رأي؛ لأن البراءة بالرأي ضلال في قول أصحابنا، ولكن هم جوزوا للضعيف الذي يجهل حكم الحدث أن يقف عن فاعله وقوف رأي اعتقاد السؤال عن حكم الحدث، وهذا مذهب المشارقة من أصحابنا.
مع (1/49)
صفحة 50
باب الولاية والبراءة
الجزء الأول
49
لأَنَّمَا العِلْمُ يَكُونُ بِالْبَصَرْ وَبِالسَّمَاعِ مَرَّةً وَبِالخَبَرْ فَالعَيْنُ بَعْضُ طُرُقِ العُلُومِ وَبَعْضُهَا بِالعَقْلِ وَالمَنْهُومِ فَكَيْفَ يُمْنَعَنْ ثُبُوتَ الحُكْمِ لِفَقْدِهِ بَعْضَ طَرِيقِ العِلْمِ لَكِنَّهُ يُمْنَعُ مُوجِبَ النَّظَرُ وَيَبْرَأَنْ بِالخَبَرِ الَّذِي اشْتَهَرْ كَذَاكَ أَيْضًا يَتَوَلَّى مَنْ عَلِمٌ لَهُ وَلَايَةٌ عَلَى مَا قَدْ رُسِمْ وَاخْتَلَفُوا هَلْ تُؤْخَذَنَّ عَنْهُ (1) فَقَالَ قَوْمٌ نَمْنَعَنْهَا مِنْهُ وَالقَوْلُ بِالْأَخْذِ هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ مُخَبِّرٌ صَحِيحُ فَإِنْ يَكُنْ عَدْلًا فَمَاذَا يَمْنَعُ مِنْ أَخْذِ مَا يَقُولُهُ وَيَرْفَعُ وَالطَّفْلُ تَابِعُ بِلَا خِلَافِ أَبَاهُ فِي وَلَايَةِ التَّصَافِي وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَتْبَعَنَّ أُمَّهُ وَذَاكَ مَا لَمْ يَبْلُغَنَّ حُلْمَهُ وَيَسَعُ النَّاسَ (2) جَمِيعًا جَهْلُ مَا حُرِّمَ إِنْ دَانُوا بِهِ مُحَرَّمَا مَا لَمْ يَكُونُوا ارْتَكَبُوهُ فِعْلَا أَوْ صَوَّبُوا الَّذِي أَتَاهُ جَهْلَا أَوْ يَبْرَأُوا مِنْ عَالِم تَبَرًا مِنْهُ كَذَا إِنْ هَجَرُوهُ هَجْرَا
() صار المفعول به الأول وهو ضمير عائد إلى (ذو العمى) نائب الفاعل، و (ثبوت) مفعول به ثانٍ للفعل (يمنع) الذي يتعدى إلى مفعولين. (إسماعيل)
(1) قوله: «عنه» أي عن العبد.
(2) قوله: «ويسع الناس جميعًا ... إلخ» هذا عقد للجملة التي رواها أئمتنا عن الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد ه وهي قوله: «يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يرتكبوه أو يتولوا راكبه أو يقفوا عنه برأي أو دين، وقد اتخذوا هذه الجملة قاعدة عظيمة وبنوا عليها أصول الولاية والبراءة وجعل الإمام أبو سعيد مدار كتابه (الاستقامة) على هذه الجملة من أوله إلى آخره. (1/50)
صفحة 51
50
الجزء الأول
كتاب أصول الدين
وَمَنْ تَوَلَّى كَافِرًا فَحُكْمُهُ كَحُكْمِهِ كَذَاكَ أَيْضًا إِثْمُهُ وَمَنْ أَحَبَّهُ لِمَعْرُوفٍ صَدَرْ لَا بَأْسَ إِنْ كَانَ لِغَيْرِ مَا كَفَرْ لَكِنْ جَوَازُ ذَاكَ مَا لَمْ يُفْضِ لِفِعْلِ مَحْجُورٍ وَتَرْكِ فَرْضِ وَأُلْفَةُ الأَخْيَارِ تُشْعِلُ الحِكَمُ بِالقَلْبِ لَا مِثْلِ الَّذِي قَدِ اجْتَرَمْ وَالمُسْتَخِفُ بِالمَقَامِ الأَفْضَلِ تُنْزَعُ مِنْهُ بَرَكَاتُ العَمَلِ عْنِي بِذَاكَ العُلَمَا لِأَنَّما قُلُوبُهُمْ فِيهَا الْكِتَابُ رُسِمَا فَهْيَ نَظِيرُ اللَّوْحَ حَيْثُ كَانَا كِلَاهُمَا قَدْ جَمَعَ القُرْآنَا كَذَاكَ غَيْرُ جَائِرٍ يُقَالُ لِلْمُسْلِمِينَ الفُضَلَا جُهَّالُ لِأَنَّ فِيْهِمْ خَشْيَةَ الرَّحْمَنِ يَخْشَوْنَهُ فِي السِّرِّ وَالإِعْلَانِ وَجَازَ فِي الوَلِيُّ يَا مِسْكِينُ لِأَنَّهُ تَرَحُمًا يَكُونُ وَلَا يَجُوزُ حَالَةَ التَّنْقِيص لأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ التَنْغِيص (2) وَمَنْ رَأَى وَلِيَّهُ يَأْكُلُ شَيْ وَقْتَ الصِّيَامِ وَهُوَ لَمْ يَدْرِ لِأَيْ) فَإِنَّهُ يُحْسِنُ فِيهِ الظَّنَّا كَذَاكَ مَا أَشْبَهَهُ إِنْ عَنَّا (4) لِأَنَّهُ فِي دِينِهِ مَأْمُونُ حَتَّى يَصِحَ أَنَّهُ يَخُونُ
(1) يُلوح إلى قوله سبحانه: {بَلْ هُوَآيَنتُ بَيْنَتُ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت: 49]. (أبو إسحاق)
(2) التنغيص: التكدير، يقال نَغص فلان على فلان عيشه أَيْ كَذَّرَه. (3) قوله: «لأي» أي لأي شيء، ففيه اكتفاء ببعض الكلمة، وهو جائز. (4) قوله: «عَنَّا» بالتشديد أي عَرَضَ. (1/51)
صفحة 52
باب الولاية والبراءة
الجزء الأول
51
(E)
وَهَكَذَا فِي المُتَدَاعِيَيْن) عَنْ بَعْضِهِمْ وَالمُتَلَاعِنَيْنِ (2) وَبِالوُقُوفِ بَعْضُهُمْ قَدْ قَالَا وَبَعْضُهُمْ يَبْرَأُ مِنْهُمْ حَالَا وَشَرْطُهَا (3) عَلَى الخِتَانِ أُوقِفَا فَلَا يَصِحُ أَنْ تَوَلَّى أَقْلَفَا إِذْ لَمْ يَكُنْ لِمِثْل ذَاكَ أَهْلَا كَذَاكَ إِنْ مَاتَ فَلَا يُصَلَّى أَمَّا إِمَامُ العَدْلِ وَالوْلَاةُ فَوَالِهِمْ وَهَكَذَا القُضَاةُ لِأَنَّهُمْ قَدْ نَهَضُوا لِلْعَدْلِ وَعُرِفُوا بَيْنَ الوَرَى بِالفَضْلِ وَإِنْ خَفِي حَالُهُمْ وَأَشْكَلَا فَقِفْ وَلَا عِبْرَةَ بِاللَّذْ جُهِلَا وَإِنْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذَا القِيَامِ قَدْ شُهِرُوا بِالفَضْلِ فِي الإِسْلَامِ فَلَا يَجُوزُ لِفَنِّى تَوَلَّى أَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَنَّ جَهْلَا كُلُّ دُعاءِ لِلْوَلِيِّ جَائِزُ لأَنَّهُ بِالخَيْرِ طُرًّا فَائِزُ وَلَا يَجُوزُ لِسِوَى الوَلِيِّ إِلَّا إِذَا كَانَ بِدُنْيَوِيّ)
(1) قوله: «في المتداعيين ... إلخ» هما الشخصان اللذان يدعي كل واحد منهما على الآخر حدثًا محرما ولا بيان لأحدهما. (2) والمتلاعنان هما الزوجان يتلاعنان عند الإمام في الزنى ففيهم أقوال ثلاثة: إبقاؤهما على أصل الولاء إن كانت لهم ولاية سابقة، والوقف عنهما حتى يعلم المحق من المبطل منهم والبراءة منهم، وهذا القول الأخير أضعف الأقوال وقد بالغ الشيخ أبو سعيد في تضعيفه في الاستقامة.
(3) قوله: «وشرطها» أي شرط الولاية أي فلا يصلى عليه.
(4) تولى أصله تتولى فحذف إحدى التاءين تخفيفًا.
(5) قوله: «بدنيوي» أي إلا أن يدعو له بما ينفعه في دنياه لا في آخرته كالدعاء بالغنى والصحة
والعافية ونحو ذلك. (1/52)
صفحة 53
52
الجزء الأول
كتاب أصول الدين
(1)
لِأَنَّهَا تُعْطَى لِأَهْلِ الكُفْرِ فَلَيْسَ فِي الدُّعَا لَهُ مِنْ حِجْرِ إِلَّا إِذَا كَانَ بِذَاكَ يَظْهَرُ فَسَادُهُ فَعِنْدَ هَذَا يُحْجَرُ لأَنَّمَا الحِكْمَةُ فِي الجِهَادِ لِقَطْعِ مَا كَانَ مِنَ الفَسَادِ وَلَا يَجُوزُ بِالرّضَى وَالمَغْفِرَهُ لِوَاحِدٍ مِنَ العُصاةِ الفَجَرَهُ لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى الغُفْرَانِ وَالفَوْزِ بِالجِنَانِ وَالرِّضْوَانِ وَاللهُ لَا يَرْضَى عِنِ الفُسَّاقِ إِلَّا بِتَرْكِ الفِسْقِ بِالإِطْلَاقِ وَلَمْ يَكُ اسْتَغْفَارُ إِبْرَاهِيمَا إِلَّا لِمَا وَعَدَه قَدِيمَا يَظُنُّ أَنَّهُ يَتُوبُ وَتَرَكْ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ رَأَىهُ قَدْ هَلَكْ أَثْنَى عَلَيْهِ اللهُ فِي كِتَابِهِ وَهَكَذَا أَثْنَى عَلَى أَصْحَابِهِ وَحَنَّنَا لِلاِقْتِدَا بِالكُلِّ فَلَا نُوَالِي غَيْرَ أَهْل الفَضْلِ وَحِكْمَةُ اللهِ بِهَذَا ظَاهِرَهُ أَيُغْضِبُ (2) اللَّهَ وَأَنْتَ شَاكِرَهُ (3) وَلَا يُقَالُ لَا يَشُقُ الله عَلَيْكَ فِي غَيْرِ الَّذِي تَرْضَاهُ وَقَدْ أَجَازُوا أَنْ يُقَالَ اسْتَحْفَظَا فِي الكُلِّ وَالفَرْقَ أَرَاهُ لَحَظَا (4) وَأَنَّ هَذَا كُلَّهُ قَدْ يَنْصَرِفْ إِلَى مَعَانٍ فِي الْجَوَازِ تَنْصَرِفْ وَالحِفْظُ وَالشَّقَّةُ كُلٌّ يَحْصُلُ فِي هَذِهِ وَفِي الَّتِي تُسْتَقْبَلُ
(1) قوله: «لأنها تعطى لأهل الكفر» أي الدنيا.
(2) قوله: «أيغضب» بهمزة الاستفهام الإنكاري، ويُغضب بضم أوله. (3) قوله: «شاكره الهاء للمبالغة كعلامة وبصيرة. (المصنف)
(4) قوله: «لحظا» أي نظر، وأصل اللحظة النظرة اليسيرة. (1/53)
صفحة 54
باب في بيان شيء من المعاصي
الجزء الأول
53
وَادْعُ لِمَمْلُوكِ الوَلِيِّ يَسْلَمَا) وَأَنْ يُعافَى إِنْ يَكُنْ تَأَلَّمَا لأَنَّهُ إِلَى الوَلِيِّ نَفْعُهُ وَفِي سِوَاهُ لَا يَبِينُ مَنْعُهُ وَقَائِلُ هَذَا مِنَ الأَخْيَارِ لَا شَكٍّ فِيهِ أَوْ مِنَ الأَبْرَارِ أَوْ أَنَّهُ مِنَ الرِّجَالِ السُّعَدَا أَوْ أَنَّهُ مُبَارَكٌ رَبِّي هَدَى (2) فَلَا يَجُوزُ لِسِوَى الوَليّ لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالتَّقِيِّ وَفِيهِ وَجْهُ (3) يَسْتَبِينُ فِي هُدَى وَلَفْظَةُ الأَخْيَارِ لَا تُفَنَّدَا) أَمَّا الهُدَى يَكُونُ فِي البَيَانِ وَالخَيْرُ فِي العُرْفِ لَهُ مَعَانِي
باب في بيان شيء مِنَ المعاصي
و
وَهْيَ عَلَى قِسْمَينِ فَالصَّغَائِرُ مَعْفُوَّةٌ إِلَّا إِذَا يُكَابِرُ (ه) فَإِنَّهُ يَكُونُ ذَا إِصْرَارِ وَذَنبُهُ يُعَدُّ فِي الكِبَارِ
وَإِنَّمَا يُعْفَرُ نَفْسُ اللَّمَم) عِنْدَ اجْتِنَابِهِ الكَبِيرَ فَاعْلَمِ
(1) قوله: «يسلما» منصوب بأن مقدره. (2) هدى: أي هداه. (3) قوله: «وفيه وجه» يشير حمد الله إلى ما هو الأصح عندي من جواز أن يقال لغير الولي هداك الله؛ لأن الهداية مطلوبة لكل أحد، وهكذا يشير إلى جواز أن يقال: إن هذا من الأخيار إذا كان كافا عن الشر، فقد يكون في الرجل خير وهو من غير أهل الولاية، وفي الحديث: «إذا كان في أحدٍ منهم خير ففي صاحب الجمل الأورق»، والجمل الأورق الذي يخالط حمرته بياض. (4) لا تفندا: أي لا تُكذِّب.
(5) يكابر: أي يُصرُّ عن المتاب لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا صغيرة مع إصرار».
(6) اللمم: صغائر الذنوب، قال أمية بن
الصلت: (1/54)
صفحة 55
54
الجزء الأول
كتاب أصول الدين
وَقِيلَ فِي صَغَائِرِ الذُّنُوبِ بِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الغُيُوبِ قَدْ خَفِيَتْ لِأَنَّهَا لَوْ عُيِّنَتْ أَفْضَى إِلَى ارْتِكَابِهَا إِذْ بُيِّنَتْ وَقِيلَ بَلْ مَعْلُومَةٌ لِلْعَالِم وَذَاكَ مَا لَيْسَ مِنَ المَظَالِمِ مِثَالُهُ اللَّطْمَةُ وَهْيَ إِنْ لَزِمْ أَرْسُ بِهَا كَبِيرَةٌ بِهِ جُزِمِ (1) كَذَا مِنَ الكَبِيرِ سُوءُ الظَّنِّ بِالمُسْلِمِينَ وَاتِّبَاعُ الضِغْنِ مَنْ لَمْ يَكُنْ بِالمُسْلِمِينَ هَمُّهُ فَلَيْسَ مِنْهُمْ فِي الَّذِي يَلْزَمُهُ مَنْ قَالَ لَا أَرْضَى بِمَا عَلَيَّا فَلِلتَّبَرِّي مِنْهُ هَيَّا هَيَّا (2) وَهُوَ حَقِيقٌ عِنْدَنَا بِالخُلْعِ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ وَمَنْ أَقَرَّ بِكَبِيرٍ مِنْ زِنَى أَوْ غَيْرِهِ كَالقَتْلِ ظُلْمًا لُعِنَا إِلَّا إِذَا أَعْلَنَ بِالْمَتَابِ وَأَنَّهُ النَّادِمُ فِي الْخِطَابِ
(3)
مَنْ لَمْ يَغُضُّ عَنْ حَرَامٍ بَصَرَهُ تَعَمُّدًا فَتِلْكَ حَالٌ مُكْفِرَهُ)
إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ مَا أَلَمَّا
ومعنى ألما أتى باللمم وهي الصغائر. (1) قوله: «مثاله» أي مثال الصغيرة اللطمه اليسيرة التي لم يلزم فيها أرش على اللاطم، فإن وجب بها عليه أرش انقلبت كبيرة، وهذا على قول من قال إن الصغائر معلومة.
(2) قوله: «فللتبري منه حرف الجر متعلق بقوله: «هيا هيا» أي إسراعًا، أي أسرعوا للتبري منه إسراعًا شديدا، ولذلك أكده (بهيا) الثاني، فهو ينادي الناس للبراءة من الممتنع عن أداء ما
عليه من حق واجب مع رده الحكم، قال الشاعر:
لتقربن قُرْبَا جُلْدِيَّا مَا دَامَ فِيهِنَّ فَصِيلُ حَيَّا
فَقَدْ دَجَا اللَّيْلُ فَهَيَّا هَيَّا
(3) مُكفِّرَة: أي موجبة لكفر النعمة. (1/55)
صفحة 56
باب في بيان شيء من المعاصي
الجزء الأول
55
وَهَذِهِ وَصِيَّةٌ لِلْكُلِّ مِنَ الرَّسُولِ لِأَخِيهِ الفَضْلِ (1) لَا تُشْرِكَنَّ بِالإِلَهِ شَيَّا وَإِنْ قُتِلْتَ أَوْ حُرِقْتَ حَيَّا وَهَكَذَا تَرْكَ الصَّلَاةِ فَاحْذَرِ تَارِكُهَا خَالِقُهُ مِنْهُ بَرِي وَهَكَذَا أَوْصَاهُ أَنْ يُطِيعَا لِلْوَالِدَيْنِ فَاحْذَرِ التَّصْيِيعَا وَأَمَرَ الرَّحْمَنُ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا وَذَاكَ فِي القُرَأَىنِ لَوْ أَمَرَاكَ بِالخُرُوجِ مِمَّا تَمْلِكُهُ أَمْرَهُمَا أَتِمَّا وَقَدْ نَهَاهُ عَنْ شَرَابِ الخَمْرِ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٌ وَلَا تَفِرَّ أَبَدًا مِنْ زَحْفِ وَكُنْ مُقِيمًا ثَابِتًا فِي الصَّفِّ وَإِنْ أَصَابَ النَّاسَ مَوْتُ أَقِمِ فِيهِمْ وَكُنْ ذَا خَشْيَةٍ وَاسْتَقِمِ وَلَا تُنَازِعَ الْأُمُورَ أَهْلَهَا نَظَمْتُ مَعْنَاهَا إِذًا لَا كُلَّهَا لَكِنْ بِحَسْبِ مَا أَتَى فِي الْأَصْلِ وَيَخْتِمُ اللَّهُ لَنَا بِالفَضْلِ
(1) الفضل: هو الفضل بن عباس ها. (1/56)
صفحة 57
الجزء الأول
كتاب أصول الفقه
كتاب أصول الفقه
وَهْيَ قَوَاعِدٌ عَلَى الإِجْمَالِ لِأَخْذِ حُكْمِ الشَّرْعِ بِاسْتِدْلَالِ فَمَنْ يُمَارِسُهَا (1) يُحَصِّلْ مَلَكَهُ يَدْرِي بِهَا مَأْخَذَهُ وَمَسْلَكَهُ يَسْتَخْرِجُ الحُكْمَ مِنَ الْكِتَابِ وَهَكَذَا مِنْ سُنَّةِ الأَوَّاب كَذَلِكَ الإِجْمَاعُ فِيمَا اجْتَمَعُوا كَذَلِكَ القِيَاسُ فِيمَا فَرَّعُوا وَإِنَّمَا تُطْلَبُ مِنْ مَحَلِّهَا وَتُخْطَبُ الغَادَةُ عِنْدَ أَهْلِهَا وَذَكَرُوا فِي هَذِهِ المَوَاضِعِ أُنْمُوذَجا مِنْ نُكَتِ لَوَامِعِ (2) فَتَثَرُوهَا فِي بَيَانِ الشَّرْع (3) وَشَكَرُوهَا فِي مَعَانِي النَّفْعِ فَقَتَمُوا الخِطَابَ لِلْأَخْبَارِ وَالأَمْرِ وَالنَّهْي فَلَا تُمَارِ وَنَاسِخِ أَيْضًا وَمَنْسُوخ وَمَا يَعُمُّ وَالخُصُوصِ كُلٌّ عُلِمَا (4) ومُحْكَمِ وَمُتَشَابِهِ وَلَا يَسَعُ ذَا الرَّأْيِ بِهَا أَنْ يَجْهَلَا فَكُلُّ حَالٍ يَقْتَضِي فِعْلاً طُلِبْ أَمْرٌ وَإِلَّا فَهْوَ نَهْي فَاجْتَنِبْ)
(1) الممارسة: المداومة على الشيء.
(2) أنموذجا: الأنموذج والنموذج المثال يعني أنهم ذكروا من معاني أصول الفقه في هذه أمثلة المواضع يسيرة ليقاس عليها غيرها.
(3) بيان الشرع: يحتمل أن المراد به قواعد الشريعة وهذا أظهر، ويحتمل أنه أراد به الكتاب
المسمى بهذا الاسم وهو كتاب معروف، وقد سبق ذكره في خطبة الكتاب.
(4) قوله: «كل علما كل مبتدأ خبره عُلما، أي كل ذلك معلوم فهو على حد قوله:
قَدْ أَصْبَحَتْ أُمُّ الخِيَارِ تَدَّعِي عَلَيَّ ذَنْبًا كُلُّهُ لَمْ أَصْنَع
(5) قوله: «فكل حال» أي كل شيء يطلب فعله نحو (قُمْ) فهو أمر، وكل شي يطلب تركه نحو
= (1/57)
صفحة 58
باب في بيان شيء من المعاصي
الجزء الأول
OV
وَإِنْ يَكُونَا لِلإِلَهِ فَدُعَا كَقَولِنَا رَبِّ ارْحَمَنَّ وَاسْمَعَا وَلَا تُؤَاخِذْنَا بِمَا جَنَيْنَا وَالأَمْرُ وَالنَّهْيُ يَخُصُّ الدُّونَا وَلِلمُسَاوِي فَالتِمَاسُ نَحْو لَا تَعْصِ الإِلَهُ وَاجْتَهِدْ أَنْ تَعْمَلَا وَإِنْ يَكُنْ لِمَنْ يَفوقُ مَنْزِلَهُ مِنَ الوَرَى يُخَصُّ بِاسِمِ المَسْأَلَة وَيَجِبُ (1) الفِعْلُ وَطَوْرًا يُسْتَحَبْ وَيَحْرُمَنَّ تَارَةً فَيُجْتَنَبْ وَيُكْرَهَنَّ فَالوُجُوبُ يَأْتَمُ تَارِكُهُ إِذْ تَرْكُهُ مُحَرَّمُ وَضِدُّهُ الحَرَامُ وَالَّذِي اسْتُحِبْ يُتَابُ مَنْ يَفْعَلُهُ حِينَ نُدِبْ وَضِدُّهُ المَكْرُوهُ وَالمُبَاحُ لَيْسَ عَلَى فَاعِلِهِ جُنَاحُ وَالنَّسْخُ لَا يَكُونُ فِي الوَعِيدِ وَالوَعْدِ مِنْ خَالِقِنَا الحَمِيدِ لَكِنَّهُ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْي لِأَنَّهُ عَلَى المَصَالِحِ ارْتَبَطْ كَذَاكَ فِي الْأَخْبَارِ أَيْضًا امْتَنَعْ كَي لَا يُرَى فِيهِ تَنَاقُضٌ وَقَعْ وَهُوَ مُحَالٌ فِي مَعَانِي القَلْبِ فَكَيْفَ يَأْتِي فِي مَعَالِي الرَّبِّ وَيُنْسَحُ الكِتَابُ بِالْكِتَابِ وَهَكَذَا بِسُنَّةِ الْأَوَّابِ
فَقَطْ
(لا تقم) فهو نهي، وما كان بواحدة من هاتين الصيغتين في حق الله فهما دعاء نحو (رب ارحمني ولا تعذبني) وهذه جمل إنشائية. (1) قوله: «ويجب ... إلخ» يشير بهذه الأبيات إلى الأمور الخمسة التي تدور عليها أحكام الشرع؛ وهي الواجب وهو ما يثاب فاعله ويعاقب، تاركه، ويقابله الحرام وهو ما يثاب تاركه ويعاقب فاعله، والمندوب وهو المستحب أيضًا وهو ما يثاب فاعله ولا يعاقب، تاركه، ويقابله المكروه ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله وخامسها المباح وهو ما لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه إلا مع النية فإنه يكون بالنية الصالحة طاعة وبضدها معصية والله أعلم.
وهو (1/58)
صفحة 59
58
الجزء الأول
كتاب أصول الفقه
وَهَكَذَا السُّنَّةُ بَعْضُ يَنْسَخُ بَعْضًا وَقِيلَ الذِّكْرَ لَيْسَتْ تَنْسَخُ وَالأَوَّلُ الصَّحِيحُ وَالمَشْهُورُ وَالعَكْسُ " وَالعَكْسُ (1) مَرْجُوحُ كذا مَهْجُورُ وَإِنْ أَتَى الْعُمُومُ وَالخُصُوصُ فِي مَوْضِعِ يُقدَّمُ المَخْصُوصُ لِأَنَّهُ أَقْوَى دِلَالَةٌ وَإِنْ كَان طَرِيقُ القَطْعِ فِي الْمَتْنِ زُكْنُ وَقَيدِ المُطْلَقَ بِالمُقَيَّدِ إِذَا هُمَا قَدْ وَرَدَا فِي مَوْرِدِ وَفَسِّرِ المُجْمَلَ بِالْمُبَيَّنِ وَاعْتَبِرِ الأَحْكَامَ بِالتَّبَيُّنِ وَرُدَّ مَا كَانَ أَخَا تَشَابُهِ لِمُحِكَمِ الْآيَاتِ وَالمُشَابِهِ وَمَا أَتَى عَنِ الرَّسُولِ يُقْبَلُ وَهُوَ صحيحٌ مَرَّةً ومُرْسَلُ وَالكُلُّ حُجَّةٌ فَأَمَّا الأَوَّلُ فَهْوَ الَّذِي إِلَى النَّبِيِّ يَصِلُ مِنْ ثِقَةٍ لِثِقَةٍ وَالمُرْسَلُ فَهْوَ الَّذِي مِنْهُ الصَّحَابِي يُهْمَلُ مِثَالُهُ نَقْلُ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ سَيِّدِ الوَرَى وَالأَنْبِيَاءِ وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَقْبَلَنَّ المُرْسَلَا لَكِنَّنَا نَخْتَارُ فِيهِ الأَوَّلَا وَإِنْ أَتَى الصَّحِيحُ بِالتَّواتُرِ جَاحِدُهُ يَكْفُرُ أَيَّ كَافِرِ لأَنَّهُ يُوجِبُ عِلْمًا قَطْعَا وَالظَّنُّ فِي الْأَحَادِ حُكْمٌ شَرْعًا
(1) قوله: «والعكس يعني القول بأن السُنَّة لا تنسخ الكتاب قول مرجوح، وأن والراجح أنها تنسخه كقوله صلى الله عليه وسلم: لا وصيّة لوارث فإنها ناسخة للأمر بالوصية للوالدين. (2) قوله: «والظن في الآحاد يعني أن الأدلة الظَّنِّيَّة وهي غير القطعية إنما يجب بها الحكم الشرعي بحسب الظاهر، وهو معنى قولهم: إنها توجب العمل دون العلم، بخلاف القطعية فإنها توجب العلم والعمل معا. (1/59)
صفحة 60
باب في بيان شيء من المعاصي
الجزء الأول
59
وَفِعْلُهُ صَلَّى عَلَيْهِ الله يَلْزَمُ أَنْ نَفْعَلَهُ كَمَا هُوْ (1) وَإِنْ يَكُنْ نَدْبًا فَذَاكَ يُنْدَبُ أَوْ جُهِلَ الوَصْفُ فَلَيْسَ يَجِبُ وَكُلُّ هَذَا أُسْوَةٌ مُسْتَحْسَنَهُ وَلَيْسَ كَالتَّأَنِّي عِنْدِي حَسَنَهْ نُقَدِّمُ الحَدِيثَ مَهْمَا جَاءَ عَلَى قِيَاسِنَا وَلَا مِرَاءَ وَنَرْجِعَنَّ فِي بَيَانِ الحُكْمِ عَنْهُ إِلَى إِجْمَاعِ أَهْلِ العِلْمِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَلِاجْتِهَادِ البَعْضِ لِأَنَّ أَخْذَ ذَاكَ نَوعُ فَرْضِ وَالِاجْتِهَادُ فِي زَمَانِ الْمِصْطَفَى حَكَاهُ عَنْهُمْ بَعْضُ مَنْ قَدْ سَلَفَا مِثْلَ اجْتِهَادٍ فِي قَضَايَا عُمَرَا إِذْ وَافَقَ الْكِتَابَ فِيمَا نَظَرَا وَكَاخْتِلَافِهِمْ بِمَعْنَى الأَمْرِ يَوْمَ قُرَيْظَةٍ صَلَاةِ العَصْرِ وَفِي بَنِي النَّضِير بَعْضُ قَطَعَا نَخِيلَهُمْ وَبَعْضُهُمْ قَدْ مَنَعَا حَتَّى أَتَوْا لِلْمُصْطَفَى فَنَزَلَتْ آيَتُهُمْ فَصَوَّبَتْ وَعَدَّلَتْ وَقَدْ أَجَازَ لِمُعَاذٍ يَجْتَهِدْ إِنْ طَلَبَ النَّصَّ لَهَا فَلَمْ يَجِدْ وَلَيْسَ فِي زَمَانِهِ إِجْمَاعُ إِذْ يُرْفَعَنْ بِقَوْلِهِ النَّزَاعُ وَإِنَّمَا الْإِجْمَاعُ بَعْدَ عَصْرِهِ فَيَنْظُرُونَ فِي مَعَانِي أَمْرِهِ
(1) قوله: «هو» أي كما هو من فعله صلوات الله وسلامه عليه. (2) الكتاب: مفعول به، أي أن عمر له وافق الكتاب في بعض الأمور مثل مسألة الحجاب، وأخذ الأسرى، وذلك أولى عن كون الكتاب وافق عمر ولكنه غير ممتنع فيما يظهر. (3) صلاة: بالجر هكذا شكلها في نسخة المؤلف ولعلها على البدل أو الجوار أو بتقدير حرف الجر ويجوز نصبها على نزع الخافض أي في صلاة العصر.
الفدية عن (1/60)
صفحة 61
60
الجزء الأول
كتاب أصول الفقه
وَيَذْهَبُونَ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبِ وَيَرْجِعُونَ لِلهُدَى الْمُصَوَّبِ فَيَقطَعُونَ فِيهِ حُكْمًا وَاحِدًا وَيَرْفَعُونَ الاحْتِمَالَ الزَّايدًا وَحَيْثُ لَمْ يَتَّفِقُوا لِلقَطْعِ فَثَمَّ لِلنِّزَاعِ أَيُّ وَقْع لِأَنَّمَا إِجْمَاعُهُم يَكُونُ نَوْعًا مِنَ الدِّينِ بِهِ نَدِينُ لِأَنَّهُمْ مِنَ الْخَطَا قَدْ عُصِمُوا فَلَا ضَلَالَ فِي الَّذِي قَدْ جَزَمُوا وَالحَقُّ فِي مَسَائِلِ الخِلَافِ عِنْدَ جَمِيعَ القَائِلِينَ وَافِي لَكِنَّهُ لَيْسَ يَجُوزُ أَبَدًا لِغَيْرِ عَالِم بِهَا يَجْتَهِدَا لِأَنَّمَا لَهُ شُروطٌ تُشْرَطُ فَلَا صَوابَ لِلَّذِي لَا يَصْبِطُ وَإِنَّمَا يُرَبِّحُ الأَقْوَالَا مَنْ عَلِمَ الحُجَّةَ فِيمَا قَالَا وَقِيلَ مَنْ كَانَ أَخَا اجْتِهَادِ وَرَأَيْهُ رَأْيَ أُولِي الرَّشَادِ وَكَانَ فِي نَازِلَةٍ قَدِ اجْتَهَدُ فَلَا ضَمَانَ حِينَ فَلَا ضَمَانَ حِينَ أَخْطَا مَا قَصَدْ قِيلَ وَلَوْ خَالَفَ أَقْوَالَ الوَرَى لَكِنَّنِي أسْتَثْنِي (1) قَاطِعًا جَرَى لِأَنَّمَا مَحَلُّ الإِجْتِهَادِ مَعَ انْتِفَاءِ النَّصَّ فِي المُرادِ وَزَلَّةُ العَالِم فِي فَتْوَاهُ مَرْفُوعَةٌ عَنْهُ وَمَا أَوْلَاهُ وَذَاكَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ لِسَانِهِ خِلَافُ مَا يَقْصِدُ فِي جَنانِهِ (2)
(1) قوله: «لكنني أستثني» يعني أنه يستثني رحمة الله من القول بعذر المجتهد إنما محل ذلك إذا لم يخالف دليلًا قطعيًا أو نصا متفقا عليه، وهو استثناء
صحيح مقبول.
(2) الجنان: بفتح الجيم، القلب. (1/61)
صفحة 62
باب في بيان شيء من المعاصي
الجزء الأول
61
مِثَالُهُ أَنْ يُعْطِيَنَّ الأُمَّا مَعَ البَنِينَ ثُلُنَا أَتَمَّا وَإِنَّمَا الصَّمَان لِلَّذِي عَمِلَ بِقَولِهِ إِذْ لِلْخَطَا مِنْهُ قَبِلْ وَجَاهِلٌ أَفْتَى فَلَيْسَ يَغْرُمُ إِنْ خَالَفَ الحَقَّ وَلَكِنْ يَأْثَمُ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِالجَهْلِ فَقَطْ وَإِنَّمَا يَضْمَنُ فِي ذَاكَ الوَسَط لأَنَّه غَرَّ الَّذِي يُسَائِلُ بِحَالِهِ وَإِنَّهُ لَجَاهِلُ وَلَا ضَمَانَ إِنْ يَكُنْ لَمْ يَحْرُج مِنْ قَوْلِ كُلِّ العُلَمَاءِ الْحُجَجِ وَلَا يَجُوزُ الأَمْرُ بالسُّؤَالِ لِغَيْرِ مَوْنُوقٍ بِهِ مِفْضَالِ وَإِنْ يَكُنْ قَدْ حَجَرَ) الْمَسْؤُولُ أَنْ يُؤْخَذَنَّ بِالَّذِي يَقُولُ فهَذِهِ لَيْسَ بِفَتْوَى مِنْهُ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ قَولٍ عَنْهُ إِلَّا لِمَنْ قَدْ أَبْصَرَ الصَّوَابَا فيه فَأَخْذُهُ بِهِ قَدْ طَابَا وَإِنْ يَكُ العَالِمُ أَفْتَى وَرَجَعْ إِلَى سِوَاهُ فَهُوَ رَأْيُ قَدْ وَقَعْ وَلَمْ يَكُنْ فِي الرَّأْي نَسْخُ أَبَدَا فَاعْمَلْ وَلَكِنْ بَعْدَ أَنْ تَجْتَهِدَا أَمَّا الضَّعِيفُ فَعَلَيْهِ يَرْجِعُ إِنْ رَجَعَ المُقَلَّدُ المُتَّبَعُ وَيَعْمَلَنْ بِأَثَرِ الأَصْحَابِ إِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُفْتِ بِالصَّوَابِ
(1) قوله: «قد حجر» أي إذا قال للسائل بعد جوابه (ولا تأخذ بقولي) لأنه قد حجر عليه الأخذ بجوابه، ولكني أقول إنه قد جرت العادة من كثير من الفقهاء قول ذلك لمن يستفتيهم ويجعلونه من باب هضم النفس، فينبغي أن تراعى هنا فتواه فإن كانت حقا فالحق مقبول الأخذ مأخوذ به ولو حجر به قائله، والباطل مردود على قائله ولو أجاز الأخذ به والله أعلم. (1/62)
صفحة 63
62
الجزء الأول
كتاب أصول الفقه
حَتَّى يَصِحَ بَاطِلٌ (1) وَقِيلَ لَا حَتَّى يَكُونَ مُبْصِرًا مُعَدِّلَا وَقِيلَ بَلْ يَعْمَلُ بِالَّذِي يَرَى فِي كُتُبِ ثَلاثَةٍ مُؤَنَّرا لِأَنَّهُ مِنَ احْتِمَالِ الغَلَطِ أَبْعَدُ فَالْأَخْذُ هُنَا بِالْأَصْبَطِ وَخُذْ بِمَا قَالَ أُولُو الخِلَافِ إِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كُتُبِ الْأَسْلَافِ مِنَ القَواعِدِ الَّتِي فِي المَذْهَبِ إِنَّ الأُمُورَ حُكْمُهَا لِلأَغْلَبِ) وَمَا بِهِ القَلْبُ قَدِ اطْمَتَنَّا يَصِحُ أَنْ يَأْخُذَهُ مَنْ ظَنَّا إِنْ لَمْ يُخالِفْ فِيهِ حُكْمَ الظَّاهِرِ فَعِنْدَهُ لَا حُكْمَ لِلسَّرَائِرِ (2) ـمَّ القِيَاسُ بَعْضُهُ صَحِيحُ وَبَعْضُهُ مُسْتَنْكَرٌ قَبِيحُ فَالأَوَّلُ القِيَاسُ فِي الفُرُوعِ وَالثَّانِي فِي الْأُصُولِ وَالمَشْرُوعِ مِنْ ثَمَّ قَالَ فِيهِ بَحْرُ العِلْمِ مَقَالَةٌ رَاقَتْ لِأَهْلِ الفَهْمِ مَنْ حَمَلَ الدِّينَ عَلَى القِيَاسِ لَمْ يَزَلِ الدَّهْرَ أَخَا الْتِبَاسِ ثُمَّ الصَّحِيحُ (3) بَعْضُه جَلِيُّ وَبَعْضُهُ مُسْتَبْعَدٌ خَفِيُّ أَمَّا الْجَلِيُّ مَا بَدَا مَعْنَاهُ لِكُلِّ نَاظِرٍ إِلَى مَبْنَاهُ مِثْلَ قِيَاسِ أَمَةٍ فِي الرِّقٌ (4) بِالعَبْدِ عِنْدَ سَرَيَانِ العِتْقِ
(1) قوله: «باطل» هو فاعل يصح.
(2) الضمير من قوله فعنده عائد على حكم الظاهر.
(3) في نسخة: ثم القياس. (أبو إسحاق)
(4) قوله: «مثل قياس أمة في الرق فيه الإشارة إلى قوله صلى الله عليه وسلم: من أعتق شقصًا من عبد قوم قوم عليه» فدخلت الأمة في حكم العبد إذا أعتق الشريك نصيبه منها فإنها تعتق كلها بحكم القياس على العبد وعلى المعتق أن يغرم للشركاء أنصباءهم بالقيمة وإن لم يكن له مال استسعى العبد للشركاء. (1/63)
صفحة 64
باب في بيان شيء من المعاصي
الجزء الأول
63
وَعَكْسُهُ الخَفِيُّ فَهُوَ مَا اخْتَفَى وَهْوَ الَّذِي بِالشَّبْهِ إِسْمًا عُرِفَا لِكَثْرَةِ الأَشْبَاءِ مِنْ ثَمَّ تَرَى فِيهِ اخْتَلَافَ العُلَماءِ ذُكِرَا فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ وَصْفُهُ كَذَا وَبَعْضُهُمْ سِوَاهُ وَصْفًا أَخَذَا فَيَنْشَأُ الخِلَافُ مِنْ هَذَيْنِ مِنْ ثَمَّ تَلَقَى الفَرْعَ ذَا قَوْلَيْنِ وَقَدْ يَجِي الخِلَافُ مِنْ حَيْثُ الخَبْرُ يَصِحُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ فَيُعْتَبَرْ وَلَا يَصِحُ عِنْدَ قَوْمٍ فَيَجِي خِلَافُهُمْ مِنْ نَحْوِ هَذَا المَنْهَجِ كَذَاكَ مَعْ تَعارُضِ الدَّلَائِلِ يَخْتَلِفُ التَّرْجِيحُ فِي المَسائلِ وَإِنْ قَطَعْنَا بِوُجُودِ العِلَّةِ فِي الفَرْعِ فَهْوَ ثَابِتُ الْقَطْعِيَّةِ أَوْ وُجِدَتْ ظَنَّا فَذَاكَ الظَّنِّي كَذَاكَ إِنْ كَانَ الدَّلِيلُ ظَنِّي وَبَعْضُهُمْ يُنْكِرُ لِلْقِيَاسِ لِمَا ذَكَرْنَا عَنْ فَتَى عَبَّاسِ مِنْ ثَمَّ قَالُوا لَا يَقِيسُ أَبَدًا إِلَّا امْرُؤٌ أَعْيَاهُ مَا قَدْ وَرَدَا فَيَرْكَنُونَ لِلْقِيَاسِ عَجْزَا فَكانَ هَذَا المَنْعُ مِنْ ذَا حِرْزَا وَذَاكَ قَوْلُ فِي سِوَى المَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي التَّعْلِيلِ بِالخُصُوصِ وَذَاكَ مِثْلُ عِلَّةِ الرِّبَا وَمَا كَمِثْلِهَا فِيهِ الخِلَافُ رُسِمَا وحَكَمُوا العَادَةَ فِي أَشْيَاءِ وَهَكَذَا الحُكْمُ بِالاسْتِقْرَاءِ (1) وَهَكَذَا اسْتِصْحَابُ حَالِ الأَصْلِ وَهَذِهِ تَمَامُ هَذَا الفَصْلِ وَهَاهُنَا قَدْ بَقِيَتْ أَبْوَابُ نَأْتِي بِهَا إِنْ كَمُلَ الْكِتَابُ
(1) بالاستقراء: أي العادة. (1/64)
صفحة 65
?
الجزء الأول
كتاب الطهارات
كتاب الطهارات
أَمَّا الطَّهَارَاتُ مِنَ الأَنْجَاسِ حُكْمٌ يَعُمُّ لِجَمِيعِ النَّاسِ وُجُوبُهُ قَدْ جَاءَ فِي الْكِتَابِ وَهَكَذَا فِي سُنَّةِ الأَوَّابِ وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى فَرْضِيَّتِهُ فَمِنْ هُنَا ثُبُوتُ مَعْنَى حُجَّتِه وَعَذَرُوه (1) أَنْ يُؤَخَّرَنْ إِلَى وَقْتِ العِبَادَاتِ وَبَعْضُ قَالَ لَا وَقِيلَ فِي الثَوْبِ إِذَا تَنَجَّسَا وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ مِنْهُ النَّحِسَا عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَهُ جَمِيعًا وَالاحْتِيَاطُ فِيهِ لَنْ يَضِيعَا وَإِن يَكُنْ قَدْ عَرَفَ الْمَحَلَّا فَإِنَّهُ يَغْسِلُ ذَاكَ غَسْلَا وَمَنْ يُنَجِّسَنْ ثِيَابَ غَيْرِهِ عَلَيْهِ أَن يُعْلِمَهُ بِضَيْرِهِ ثُمَّ عَلَيْهِ غَسْلُهَا وَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ بِالْخَلَاصِ فِي المُتَّضِعِ وَمَنْ رَأَى بِرَجُلٍ نَجَاسَهُ وَقَدْ أَصَابَتْ رِجْلَهُ أَوْ رَاسَهُ لَمْ يُلْزِمُوهُ عِلْمَهُ إِلْزَامَا إِلَّا إِذَا كَانَ لَهُمْ إِمَامَا وَذَاكَ (2) لَا يَحْتَاجُ لِلنِيَّةِ بَلْ يَكْفِي إِذَا زَالَتْ بِوَجْهِ إِنْ غُسِلْ وَالزَّوْكُ (3) بَعْدَ الغَسْلِ إِنْ بَقَى بِهَا فَعَرَضْ عَنْهُ عُفِي فَانْتَبِهَا
(1) قوله: «وعذروه» أي في اعتقاد وجوب فرض الغسل أو عن علمه وجوبه بعد إقامة الحجة عليه بوجوبه حتى يدخل وقت الصلاة وما يشترط فيه الطهارة من العبادات فعند ذلك يضيق عليه جهله، وقال بعضهم: إذا قامت عليه الحجة بوجوب غسل النجس من بدنه للصلاة فليس له أن يجهله بعد قيام الحجة عليه بوجوبه. والله أعلم.
(2) قوله: «وذاك» يعني أن غسل النجاسة من البدن أو الثوب لا يحتاج إلى نيّة. (3) الزوك: أثر النجاسة في الثوب. (1/65)
صفحة 66
باب في بيان شيء من المعاصي
الجزء الأول
65
أَعْنِي بِذَاكَ أَثَرَ الْمُنَجِّسٍ بَعْدَ زَوَالِ العَيْنِ مِنْ ذَا النَّجَسِ وَلَيْسَ لِلْأَبْدَانِ وَالنّيَابِ طُهْرُ بِضَرْبِ الرِّيْحَ وَالتُّرَابِ إِلَّا إِذَا صَارَ بِحَالِ العَدَمِ فَإِنَّهُ يَعْدِلُ لِلْتَّيَمُّمِ ومَا عَدَا ذَيْنِ مِنَ الأَشْيَاءِ فَالْخُلْفُ ثَابِتٌ بِغَيْرِ الْمَاءِ وَقَالَ بَعْضُ فِي الشَّيَابِ تَطْهُرُ (2) وَأَوَّلُ القَوْلَيْنِ عِنْدِي أَشْهَرُ وَدَمْعَةُ العَيْنِ وَبُزَّاقُ الفَمِ بَعْضُ رَأَىهُ كَالمِيَاهِ فَاعْلَم فَتَطْهُرُ العَيْنُ مِنَ النَّجَاسَهُ إِنْ عُرِكَتْ بَالدَّمْعِ فِيمَا قَاسَهُ كَذَلِكَ الْبُزَّاقُ بِالدَّمِ اخْتَلَطْ (3) وَذَاكَ مَا لَمْ يَغْلِبَنَّهُ فَقَطْ وَمِثْلُهُ المُخَاطُ وَالَّذِي وَجَدْ فِي الفَمِ طَعْمَ الدَّمِ عَفْوُهُ وَرَدْ حَتَّى يَصِحَ أَنَّهُ بِهِ دَمُ وَالْمَاءُ مِنْ غُسَالِهِ لَا يَحْرُمُ أَخْرَجَهُ مِنْ فِيهِ أَوْ لَمْ يُخْرِج فَهُوَ طَهُورٌ مَا بِهِ مِنْ حَرَجٍ وَإِنْ يَزُلْ بِالمَاءِ دُونَ دَلْكِ أَجْزَى وَقِيلَ شَرْطُهُ بِالعَرْكِ وَكُلُّ شَيءٍ أَصْلُهُ الطَّهَارَة فَهْوَ عَلَى الْأَصْلِ تَرَى اعْتِبَارَهُ حَتَّى يَصِحَ أَنَّهُ تَنَقَلَا كَذَا الكَلَامُ فِي الَّذِي قَدْ حُلِّلًا)
(1) قوله: «بحال العدم» أي من الماء. (2) قوله: «تطهر» أي بالشمس والزمان.
(3) البزاق بالزاي أي: البصاق وهو على وزنه ولكن شدده لإقامة الوزن.
(4) قوله: «والماء» يعني أن الماء الذي يغسل به فمه من أجل ما وجده في فمه من طعم الدم ليس بنجس.
(5) قوله: «كذا الكلام في الذي قد حللا بِمَعْنَى أن حكم ما. الأصل حتى يصح حرامه.
صح
حله التحليل استصحابًا لحكم (1/66)
صفحة 67
??
الجزء الأول
كتاب الطهارات
باب المياه
الْمَاءُ مُطْلَقٌ وَغَيْرُ مُطْلَقِ وَالْأَوَّلُ الطَّاهِرُ بِالتَّحَقُّقِ مُطَهَّرٌ لِغَيْرِهِ كَمَاءِ غَيْثٍ يَجِيتُنَا مِنَ السَّمَاءِ كَذَاكَ مَاءُ البِثْرِ وَالْعُيُونِ يَدْخُلُ تَحْتَ المُطْلَقِ المَصُونِ وَغَيْرُهُ يَكُونُ طَاهِرًا وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ طَاهِرٍ فَيُنْتَقَدْ فَطَاهِرٌ إِذَا خَلَا مِن نَجَسِ وَغَيْرُهُ يُعْرَفُ بِالمُنَجَّسِ مِثَالُهُ مَاءٌ بِهِ قَدْ طُهِّرَتْ بِهِ نَجَاسَةٌ عَلَيْهِ ظَهَرَتْ لَكِنَّهُ آخِرُ مَاءٍ تَنْظُفُ النَّجَاسَاتُ فَفِيهِ اخْتَلَفُوا وَإِنْ تَرَى فِي المَاءِ إِثْرَ كَلْبِ فَذَلِكَ المَا طَاهِرُ فِي الكُتُبِ وَإِنْ رَأَيْتَ الكَلْبَ فِيهِ قَدْ نَزَلْ وَكَانَ ذَاكَ المَاءِ قُلَّا) يُعْتَزَلْ وَهَكَذَا إِنْ مَاتَتِ الْعَسَّالَهُ فِي المَاءِ لَا يَصْلُحُ لِلْغُسَالَهُ وَإِنْ يَكُ المَيِّتُ فِيهِ ضِفْدِعَا فَلَا يُنَجِّسَنَّهُ فَاسْتَمِعَا لَوْ كَانَ ذَاكَ الْمَاءُ فِي إِنَاءِ لِأَنَّ هَذِي (3) مِنَ ذَوَاتِ الْمَاءِ وَإِنْ يَكُنْ مُحَرَّرًا بِالنَّارِ فَإِنَّهُ يَنْجُسُ لَا تُمَارِي
(1) قوله: «قُلّا» أي قليل.
به
(2) العسالة: من الحشرات المعروفة تشابه الثغباء وهي الوزغة.
(3) قوله: لأن هذي أي هذه قال أبو الطيب هذي برزت لنا فهجت رسيسا. (1/67)
صفحة 68
باب المياه
الجزء الأول
67
لأَنَّ مَا السَّاخِن (1) مِنْ شَيْئَيْنِ وَذَلِكَ الضّفْدِعُ دُونَ ذَيْنِ فَالنَّارُ فِيهِ زَائِدٌ عَنْ أَصْلِهِ وَوَاجِبٌ أَنْ نَنْظُرَنْ فِي عَدْلِهِ إِنْ كَانَ طُهْرُهُ لأَجْلِ ذَاكَا فَالسَّمَكُ المَقْتُولُ لَا كَذَاكَا وَالْكُلُّ مَائِيُّ فَأَيْنَ الفَرْقُ فَمَا أَرَى فَرْقًا هُنَا يَحِقُ وَقِيلَ فِي البَوْلِ إِذَا مَا وَقَعَا فِي المَاءِ مِنْهُ شَرَرٌ فَارْتَفَعَا يَكُونُ حُكْمُ ذَلِكَ الشَّرَارِ بِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَطْهَارِ إِنْ كَانَ ذَاكَ المَاءُ مِنْهُ أَكْثَرَا لِأَنَّنَا نُغَلِّبَنَّ الأَطْهَرَا وَطَاهِرُ (2) المُصَافُ مِثْلُ مَا الشَّجَرْ مِنْ بَاقِلًا وَنَحْوِهَا فَلْيُعْتَبَرْ لَا يُتَوَصَّى مِنْهُ لِلْصَّلَاةِ إِذْ لَمْ يَكُنْ مُطَهَّرًا بِالذَّاتِ وَإِنْ يَكُنْ يُذْهِبُ عَيْنَ النَّجَسِ وَهَكَذَا كُلُّ مُصَافٍ فَقِس وَقِيلَ فِي الْمَاءِ إِذَا مَا اسْتُعْمِلَا يَجُوزُ يَجُوزُ أَنْ نَجْعَلَهُ مُغَسَّلَا (3)
(1) قوله: «لأن ما الساخن» بقصر همزة ماء للضرورة، وهو من باب إضافة الموصوف إلى الصفة، وأصله لأن الماء الساخن من شيئين، ويجوز عندي جعل إنّما أداة فاكتفى بذكر الصفة حصر عن الموصوف للعلم به.
(2) قوله: «وطاهر» بدون تنوين و «المضاف» مبتدأ خبره طاهر المتقدم وفاقًا لمذهب
البصريين.
(3) الماء المستعمل هو ما غسل به طاهر، كالماء المغسول به أعضاء الوضوء فهذا يصح تطهير النجس به ولا يرفع الحدث فلا يصح به الوضوء ولا الغسل من الجنابة ولا الحيض ولا النفاس. وأجاز قومنا التوضي بالماء المستعمل إن لم يتغير أو تغير قليلًا. ولذا حكى المصنف المسألة بقيل إشارة إلى قول غير أصحابنا فافهم. «أبو إسحاق». (1/68)
صفحة 69
68
الجزء الأول
كتاب الطهارات
فَنَغْسِلَنْ بِهِ النَّجَاسَاتِ مَعَا وَلَا نَرَى بِهِ الوُضُوءَ فَاسْمَعَا وَكُلُّ مَاءٍ كَانَ فِي المِقْدَارِ كَأَرْبَعِينَ قِيلَ مِنْ جِرَارِ فَهُوَ كَثِيرٌ طَاهِرُ لَا يَنْجُسُ إِلَّا إِذَا زَادَ عَلَيْهِ النَّجَسُ وَذَاكَ أَنْ يَغْلِبَهُ فِي الوَصْفِ بِاللَّوْنِ وَالطَّعْمِ مَعَا وَالعَرْفِ وَإِنْ يَكُنْ يَغْلِبُ فِي وَصْفَيْنِ أَوْ وَاحِدٍ فَالخُلْفُ فِي هَذَيْنِ كَذَاكَ لَا يَنْجُسُ مَاءُ النَّهْرِ لأَنَّهُ الطَّاهِرُ حِينَ يَجْرِي مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ كَمَا تَقَدَّمَا فِي حَالَةِ الوِفَاقِ وَالخُلْفِ اعْلَمَا وَإِنْ يَكُنْ قَدْ خُرِقَ الإِنَاءُ مِنْ أَسْفَلِ يَطْرَحُ مِنْهُ المَاءُ فَحُكْمُهُ كَالْجَارِي مَهْمَا اتَّصَلَا جَرْيَانُهُ وَلَا كَذَا إِنْ فُصِلَا فَجَائِزُ تَغْسِلُ شَيْئًا فِيهِ لِأَنَّهُ الجَارِي بِلَا تَمْوِيهِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْ أَصْلِهِ يَنْقَطِعُ وَالفَرْعُ جَارٍ فَهْوَ جَارٍ يَنْفَعُ وَفِي السَّبَاعِ تَرِدُ الحِيضَانَا فَالمَاءُ فِيهَا طَاهِرُ مَا كَانَا لَهَا الَّذِي تَحْمِلُهُ وَمَا غَبَرْ (1) لَنَا وَبِالْكَثْرَةِ بَعْضُ اعْتَبَرُ وَهُوَ كَغَيْرِهِ مِنَ المِيَاهِ وَيَنْجُسَنْ بَغَالِبِ الأَشْبَاءِ
(1) قوله: «وما غبر» أي وما بقي. (1/69)
صفحة 70
فصل في ماء البئر
الجزء الأول
69
فصل في ماء البئر
وَالْبِشْرُ لَا تَفْسُدُ بِالْأَنْجَاسِ إِنْ لَمْ تَكُنْ تَنْزَحُ) فِي القِيَاسِ وَنَزْحُهَا قِيلَ فَرَاغُ الْمَاءِ وَقِيلَ أَنْ يَنْقُصَ بِالدِّلَاءِ وَالأَوَّلُ المَعْرُوفُ بِالمُسْتَبْحِرِ لِأَنَّهُ مُشَابِةٌ لِلْأَبْحُرِ وَغَيْرُهُ هُوَ الَّذِي نَذْكُرُهُ بِالحُكْمِ فِيمَا هَاهُنَا نَسْطُرُهُ فَإِنَّهُ يَنْجُسُ فِيمَا قِيلَا بواقع فِيهِ وَلَوْ قَلِيلا وَذَاكَ كَالشَّاةِ وَمِثْلِ الغُولِ (2) (3) لأَنَّ فِي الشَّاةِ مَحَلَّ البَوْلِ وَذَلِكَ السُّؤْرُ (4) مِنَ الغِيلَانِ رِجْسٌ كَذَاكَ قَالَ فِي البَيَانِ) وَإِنْ رَأَيْتَ قَمْلَةً فِي البِيرِ فَحُكْمُهَا الحَيَاةُ فِي التَّقْدِيرِ حَتَّى يَصِحَ مَوْتُهَا فَحِينَئِذْ تَكُونُ كَالمَيْتَةِ حُكْمًا فَانْتَبِذْ وَبَالَغُوا فِيمَا بِهِ قَدْ جَاؤُوا القَمْلُ وَالفِيلُ بِهَا سَوَاءُ (6)
(1) قوله: «تنزح» أي تيبس.
(2) الغول: هو الحيَّة.
(3) أراد السبع سماه غولاً لأنه يغتال الإنسان. (أبو إسحاق)
(4) السؤر البقية من الشيء، كالباقي من الطعام.
(5) قوله: «البيان» أي كتاب بيان الشرع.
(6) هذه المسألة من متروك العلم إذ لا تستند إلى دليل لا من الكتاب ولا من السُنَّة وَلِذَا ردها المصنف الله بقوله تلطفا وبالغوا .. إلخ، وماذا عسى أن تكون هذه الحيوانات الطفيلية في جرمها وتأثيرها حتى تكون في حكم الحيوان الكبير تنجيسًا وتطهيرا بماء السُّنَّة، اللهم هذا حرج رفعه الله عنا فله الحمد. (أبو إسحاق) (1/70)
صفحة 71
70
الجزء الأول
كتاب الطهارات
وَطْهَرُهُ أَنْ تَنْزِعَنَّ النَّجَسَا وَتَنْزَحَنَّ البِثْرَ حَتَّى تَيْبَسَا وَإِنْ تَزِدْ عَنْ أَرْبَعِينَ دَلْوَا فَالنَّزْحُ) أَرْبَعُونَ فِيمَا يُرْوَى وَلَيْسَ فِي الْبَاقِي عَلَيْكَ بَاسُ وَقَالَ بِالخَمْسِينَ دَلْوا نَاسُ وَنَزْحُهَا بَدَلْوِهَا المُعْتَادِ لَا بِدِلَاءِ سَائِرِ البِلَادِ وَإِنْ تَكُنْ بِئْرٌ لَهَا دَلْوَانِ مِنْهَا صَغِيرٌ وَكَبِيرٌ ثَانِي تُنْزَحُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ بِالْأَكْبَرِ وَقَالَ قَوْمٌ نَزْحُهَا بِالْأَصْغَرِ وَبَعْضُهُمْ بِأَغْلَبِ الأَحْوَالِ وَتَطْهُرُ الدَّلْوُ مَعَ الحِبَالِ بِطُهْرِهَا وَهَكَذَا المُحَّالُ (2) وَقِيلَ لَا والأَوَّلُ الْمَقَالُ
باب الطهارة بغير الماء
وَتَطْهِرُ الأَرْضُ مِنَ الأَنْجَاسِ إِنْ زَالَتِ العَيْنُ بِلَا الْتِبَاسِ بِالشَّمْسِ وَالرِّيح وَبِالزَّمَانِ وَبَعْضُهُمُ يَقُولُ الاَوَّلَانِ (3) وَإِنْ تَكُنْ رِيْحٌ بِغَيْرِ شَمْسِ فِيهِ خِلَافٌ وَكَذَا فِي العَكْسِ وَالدَّرْسُ إِنْ أُخْرِجَ فِي الدُّرُوبِ وَكَانَ فِيهِ الْوَطي بالدؤوب وَضَرَبَتْهُ الشَّمْسُ وَالرِّيَاحُ فَطَاهِرٌ وَمَا بِهِ جُنَاحٌ
(1) قوله: «فَالنَّزْحُ» أي النزف من تسمية السبب باسم المسبب.
(2) المُحال:
هي
القفة التي يدور عليها الحبل.
(3) قوله: «الأولان» يعني الشمس والريح.
(4) الدرس: سماد البقر.
(5) الدؤوب: العادة. (المصنف) (1/71)
صفحة 72
باب الطهارة بغير الماء
الجزء الأول
71
وَتَطْهُرُ الْأَرْضُ مِنَ السَّمَاءِ كَذَلِكَ الزَّرْعُ بِسَقْي آدِ) وَقَالَ بِالْآدَيْنِ أَهْلُ العِلْمِ وَقِيلَ بَلْ ثَلَاثَةٌ فِي الحُكْمِ كَذَلِكَ الْمَنْزِلُ مَهْمَا كُسِحَا (2) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَخُبْتُهُ انْمَحَى وَوَاطِيءٌ نَجَاسَةً لَا تَطْهُرُ بِمَشْيِهِ وَلَوْ غَدَتْ لَا تُبْصَرُ لِأَنَّهَا فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ فَغَسْلُهَا عِبَادَةُ الْأَبْدَانِ وَقِيلَ فِيهِ غَيْرُ هَذَا القَوْلِ وَالْأَوَّلُ الشَّهِيرُ فِي الْمَنْقُولِ وَالْمَشْيُ قَدْ يُطَهِّرُ النِّعَالَا سَبْعِ خُطْوَاتٍ إِذَا مَا زَالَا وَإِنْ تَكُنْ لَمْ تَذْهَبِ النَّجَاسَة فَحُكْمُهَا مُتَّبِعُ أَسَاسَهُ (4) وَالسَّنَّ) لِلْمُوسَى وَلِلْحَدِيدِ مُطَهَّرٌ مِنْ غَيْرِ مَا تَفْنِيدِ وَإِنْ تَرَى الأَنْجَاسَ فِي الدَّوَابِّ فَإِنَّهَا تَطْهُرُ بِالنَّهَابِ إِنْ رَجَعَتْ وَلَمْ تَجِدْهَا فِيهَا فَإِنَّمَا مَغِيبُهَا يَكْفِيهَا وَالْخُلْفُ فِي الْقُطْنِ وَفِي الْكَتَانِ تَنَجَّسَا فِقِيلَ يَطْهُرَانِ
(1) قوله: «آد» هو القسط الواحد من دوران سقي وزنًا ومعنى.
الماء،
(2) قوله: «کسحا أي كنس والكساحة كمساحة الكناسة.
بذلك لرجوعه، يقال آد كعاد سمي
(3) قوله: «فغسلها عبادة الأبدان يعني أن غسل النجاسة من بدن الإنسان أمر تعبدي لا يسقط
بزوال عين النجاسة من دون غسل موضعها.
(4) قوله: «متبع وجودها فيه.
أساسه» أي أن حكم النجاسة بقاؤها ما بقيت عينها في النعل اتباعًا لأصْلِ
(5) قوله: «السن» أي الشحذ. (1/72)
صفحة 73
72
الجزء الأول
كتاب الطهارات
إِنْ غُزِلَا وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ يَطْهُرُ مِنْهُمَا هُوَ الْمَغْسُولُ وَالجُدْرُ إِنْ تُبْنَى بِطِينٍ نَجِسٍ فَطُهْرُهَا قَدْ قِيلَ مَهْمَا تَيْبَسِ مِنْ ظَاهِرٍ وَبَاطِن وَقِيلَ بَلْ يَكْفِي يَبَاسُ ظَاهِرٍ إِذَا حَصَلْ وَفَاتِحُ الجِرَابِ (1) يَلْقَى الفَارَا فِيهِ فَيُلْقِيهِ وَمَا قَدْ دَارَا وَمَا بَقِي فَذَاكَ طَاهِرُ كَمَا أَتَى بِسَمْنٍ جَامِدٍ حِينَ رَمَى وَمِثْلُهُ يُقَالُ أَيْضًا فِي العَسَلْ وَكُلُّ جَامِدٍ كَذَاكَ إِنْ تَسَلْ وَالْمَائِعَاتُ حُكْمُهَا تُرَاقُ لِأَنَّهُ دَاخَلَهَا الْإِرْهَاقُ كَذَا الْعَجِينُ جَامِدًا أَوْ مَائِعَا وَمُمْكِنُ التَّطْهِيرِ لَيْسَ ضَائِعَا وَقَالَ بَعْضُ طُهَرُهُ بِالنَّارِ كَذَلِكَ اللَّحْمُ فَلَا تُمَارِي فَالشِوَا الْأَنْجَاسُ مِنْهُ تَذْهَبُ وَهْوَ مِنَ الْعَجِينِ فِي ذَا أَقْرَبُ صَوْغُ الْيَهُودِيِّ إِذَا مَا أُدْخِلَا فِي النَّارِ طَاهِرٌ وَلَوْ لَمْ يُغْسَلَا وَقَبْلَهَا (2) إِنْ كَانَ ذَا أَجْوَافِ فِي ظُهْرِهِ قِيلَ بِالِاخْتِلَافِ (3) والجِلْدُ لِلمَيْتَةِ مَهْمَا دُبِغَا فَطَاهِرُ قَدْ قَالَ بَعْضُ الْبُلَغَا وَقِيلَ لَا وَالْأَوَّلُ المُخْتَارُ لِأَنَّهُ أَفْتَى به المُخْتَارُ (4)
(1) قوله: «الجراب» هو في الأصل الوعاء الساتر لما فيه وفي عرف أهل عُمان هو التمر المكنوز في ظرف معمول من سعف النخيل.
(2) قوله: «وقبلها أي قبل إدخاله النار، وكان الأولى تذكير الضمير لعوده إلى الدخول.
(3) قوله: «بالاختلاف» يقرأ باختلاس الألف التي قبل اللام الأولى لأجل الوزن. (4) في قوله: «المختار» الأول بمعنى الاختيار والثاني بمعنى المصطفى صلى الله عليه وسلم [وذلك] الجناس التام المتماثل. (1/73)
صفحة 74
باب أنواع النجاسات
الجزء الأول
73
وَالْمِلْحُ وَالشَّمْسُ لَهُ دِبَاغُ وَكُلُّ شَيْءٍ دَبْغُهُ يَنْسَاغُ وَذَاكَ شَيءٌ فِيهِ عُرْفُ النَّاسِ مُخْتَلِفٌ وَمَا بِهِ مِنْ بَاسِ فَالْغَرَضُ الْمَقْصُودُ رَفْعُ الدَّسَمِ وَنَحْوِ ذَاكَ مِنْ بَقَايَا اللَّحْمِ قَيْءُ الصَّبِيِّ إِنْ جَرَى فِي فَمِهِ يَطْهُرُ مَهْمَا مَصَّ ثَدْيَ أُمِّهِ وَالشَّرْطُ أَنْ يَمُصَّهُ ثَلَاثَا وَثَدْيُهَا قَدْ كَسَبَ الْأَخْبَاثَا (1) وَطُهْرُهُ فِي غُسْلِهِ بِالْمَاءِ لَا بِذَهَابِ الْعَيْنِ وَالْفَنَاءِ
باب أنواع النجاسات
وَالبَوْلُ هُوَ أَنْجَسُ الْأَنْجَاسِ وَغَائِطٌ يَلِيهِ فِي الْقِيَاسِ وَبَعْدَهُ فَالدَّمُ فَالْجَنَابَهُ فَسَائِرُ الْأَشْيَاءِ الْمُسْتَرَابَهُ وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَخَفْ مِنْ غَيْرِهِ إِذْ كَانَ فِيهِ يُخْتَلَفْ أَشَدُّ ذَاكَ بَوْلُ الْآدَمِيُّ وَالْجِنِّ ثُمَّ السَّبُعِ الْوَحْشِيِّ قَالَ أَبُو الْمُؤْثِرِ بَوْلِ الْغَنَمِ أَهْوَنُ مِنْ بَوْلِ جِمَالِ الأُمَمِ وَهَكَذَا خَزْقُ النَّعَامِ الْمُؤْنِسِ أَهْوَنُ مِنْ خُبْثِ السَّبَاعِ النَّجَسِ
(2) هو
(1) الأخباثا: أي الأنجاس، بمعنى أنه قد تنجس فعليها غسله بالماء. العلّامة الصلت بن خميس الخروصي البهلوي كان في زمان الإمام الصلت بن مالك الخروصي وعاش إلى زمان الخارجين عليه، وكان ممن يشنع عليهم في ذلك فألف كتاب «الأحداث والصفات» مقنعة، و «المؤثر» بضم الميم بعدها همزة ساكنة فمثلثة مكسورة مخففة.
في الرد عليهم بحجج (3) الخزق: بفتح الخاء، درق الطيور. (1/74)
صفحة 75
74
الجزء الأول
كتاب الطهارات
وَرَخَصُوا فِي شَرَرِ) الدِّمَاءِ لَوْ كَانَ مَسْفُوحًا (2) بِلَا امْتِرَاءِ وَآخَرُونَ شَدَّدُوا إِنْ سُفِحَا وَجَعَلُوا الرُّحْصَةَ إِنْ لَمْ يُسْفَحَا وَهَكَذَا الْخُلْفُ بِبَوْلِ الْفَارِ وَرِجْسُهُ الْأَشْهَرُ فِي الْآثَارِ وَبَعْرُهُ أَيْضًا وَلَكِنْ أَرْخَصُ مِنْ بَوْلِهِ مِنْ ثَمَّ فِيهِ رَخَصُوا وَاسْتَقْذَرُوا دُخُولَهُ فِي الْجَرِّ (3) ثُمَّ خُرُوجَهُ بِغَيْرِ حِجْرِ بَوْلُ الْعَفَافِ (4) قِيلَ فِيهِ طَاهِرُ وَبَعْرُهُ كَذَاكَ وَهْوَ ظَاهِرُ أَسْوَارُ مَا كَانَ مِنَ السَّبَاعِ مُنجِّسٌ لَكِنْ بِلَا إِجْمَاعِ إِذْ بَعْضُهُمْ قَالَ لَهَا مَا حَمَلَتْ بِفَمِهَا رِوَايَةٌ قَدْ نُقِلَتْ (ه) وَهَكَذَا أَيْضًا سِبَاعُ الطَّيْرِ وَمَا الْغُرَابُ فِيهِ كَالنُّورِ لِأَنَّهُ تَعُمُّ فِيهِ البَلْوَى وَالنَّسْرُ نَادِرٌ قَلِيلًا يُحْوَى (6) ثُمَّ الْغُرَابُ يَخْلِطَنَّ المَأْكَلَا بِطَاهِرٍ بَلْ يَأْكُلُ الْمُحَلَّلَا
(1) شرر الدماء: قطراتها.
(2) الدم المسفوح الخارج من الجسد بسبب خارج كالجرح والوخز ونحو ذلك.
(3) الجرّ: إناء معروف يعمل من الخزف.
(4) العفاف: طائر كالخطاف لكنه أصغر منه وهو من طيور الليل.
(5) هذا هو الصحيح لحديث المسند الصحيح: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السباع ترد الحياض وتشرب منها فقال: «لها ما ولغت في بطونها ولكم ما غبر قال الربيع: أي لكم ما بقي، أو قيد بما إذا كان فوق قلتين لحديث: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» وكذا إذا تغير أحد أوصاف الماء بالنجس. أفاده نور الدين في شرح المسند. (أبو إسحاق) (6) يُحوى: أي ينال. (1/75)
صفحة 76
باب أنواع النجاسات
الجزء الأول
Vo
وَحَالَةُ النُّسُورِ عَكْسُ ذَاكَا فَالْخُبْتُ عَادِةٌ لَهُ هُنَاكَا وَمِثْلُهَا الرَّحْمَةُ (1) فَلْتُجْتَنَبِ فِي سُؤْرِهَا وَخَزْقِهَا الْمُجْتَنَبِ وَمِثْلُهُ الْغُرَابُ خَزْقُهُ (3) وَهَمْ سَلِيلُ مَحْبُوبِ يُرَخّصُ فَكَتَمْ خَزْقُ الدَّجَاجِ قِيلَ وَالْأَهْلِي مِنَ الْحَمَامِ الْخُلْفُ فِي الْمَرْوِي وَلَيْسَ فِي الْوَحْشِيِّ بَأْسٌ وَكَذَا إِنْ صِينَ ذَا الدَّجَاجُ عَنْ أَكْلِ الْأَذَى وَحَكَمُوا فِي السُّوْرِ بَالْأَطْهَارِ مَا لَمْ تَرَ الرِّجْسَ عَلَى الْمِنْقَارِ وَاخْتَلَفُوا فِي طُهْرِ سُؤْرِ الْأَقْلَفِ وَالْأَكْثَرُ التَّنْجِيسُ فِيهِ فَاعْرِفِ وَيَظْهَرُ الْخِلَافُ فِي اغْتِسَالِهِ مِنْ بَعْدِ أَنْ يُزِيلَ مِنْ قَذَالِهِ (3) فَمَنْ رَأَىهُ نَجَسًا يَلْزَمُهُ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ لَا يَلْزَمُهُ كَذَلِكَ الغُسْلُ عَلَى مَنْ أَسْلَمَا مِنْ بَعْدِ شِرْكِ فِيهِ خُلْفٌ عُلِمَا فَقِيلَ بِالْإِسْلَامِ طُهَرُهُ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ الْبَعْضُ وَلِلْغُسْلِ الْتَزَمْ قَرْضُ الْأَمَاحِي نَجَسٌ وَالأَجْدَلُ وَالْفَارُ فِيهِ الاخْتِلَافُ الْأَوَّلُ فِي مَخْطِمِ السِّنَّوْرِ أَيْضًا اخْتُلِفْ فَعِنْدَ بَعْضٍ بِالنَّجَاسَةِ وُصِفْ
(1) قوله: «الرخمة هي من الطيور المستخبثة غالب قوتها من الميتات، والجمع رخم وهي الأنوق لا تبيض إلا إلى شواهق الجبال حيث لا يبلغها إنسان، ولذلك قالوا: هو أعز من بيض الأنوق.
(2) قوله: «خُزْقِهِ» هو بدل من الغراب ويسمى بدل اشتمال.
(3) قوله: «قذاله» أي قلفته، وهي الجلدة التي تقطع عند الختان، وتسمى القذلة، و (من) زائدة أي
من بعد أن يزيل قذالته أي يقطعها. (1/76)
صفحة 77
76
الجزء الأول
كتاب الطهارات
لِأَنَّهُ رَطْبٌ يُلاقِي النَّجَسَا وَلَمْ يَكُنْ يَنْشَفُ حَتَّى يَيْبَسَا وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ هَذَا الْحَالُ بِهِ لِكُلِّ خَبَتْ زَوَالُ وَالصُّمْجُ وَالقِرْدَانُ وَالْمَكُونُ لَيْسَ بِهَا مِنْ نَجَسٌ يَكُونُ وَكُلُّ شَيْءٍ لَمْ يَكُن بِهِ دَمُ فَذَاكَ بِالطُّهْرِ لَهُ قَدْ حَكَمُوا وَقِيلَ لَا بَأْسَ بِسُورِ الْأَرْنَبِ وَبَعْرِهِ وَأَنَّهُ مِثْلُ الظَّبِي وَجَاءَ فِي بَعْرِ العَفَافِ قَوْلُ بِظُهْرِهِ كَذَاكَ مِنْهُ البَوْلُ وَاخْتَلَفُوا فِي رِجْسِ بَعْرِ الضَّفْدَعِ وَذَاكَ مِنْ بَرِّيَّةٍ فِيمَا مَعِي وَإِنْ تَكُنْ جَاءَتْ مِنَ الْمِيَاهِ فَبَعْرُهَا لِبَوْلِهَا يُضَاهِي (2) بَلْ بَوْلُهَا أَشَدُّ وَالْقَوْلُ وَرَدْ بِظُهْرِهِ إِنْ كَانَ مِنْ مَاءٍ نَفَدْ وَنَجَسٌ إِنْ جَاءَ مِنْ صَحْرَاءِ وَهَكَذَا مُبَاعِدٌ لِلْمَاءِ وَحَدُّهُ ثَلَاثُ قَحْمَاتٍ فَإِنْ يَقْحَمُهَا مِنْهُ فَبَرِّيٌّ (3) زُكِنْ وَهَذِهِ الأَنْعَامُ وَالحَمِيرُ طَاهِرَةٌ أَبْعَارُهَا وَالسُّورُ وَمِثْلُهَا البِغَالُ ثُمَّ الْخَيْلُ وَإِنَّمَا يَنْجُسُ مِنْهَا الْبَوْلُ
(1) الضمج والقردان والمكون من الحشرات الصغار المعروفة وهي تؤذي الأجساد بامتصاص الدم منها والقردان جمع قراد كغراب وغربان وهذا النوع أكثر أذاه للإبل والغنم ولكنه في
الإبل أكثر وكلها ليست من ذوات الدم إلا ما يتغذاه من الإنسان وسائر الحيوان. (2) يضاهي: أي يشابه.
(3) قوله: «فبري» أي منسوب إلى البراري ليس ببحري، وما كان منها في المياه يقال له بحري ولو
في غير ماء البحر. (1/77)
صفحة 78
باب أنواع النجاسات
الجزء الأول
VV
وَعَرَقُ المَرْكُوبِ مَهْمَا صِينَا عَنِ الْأَذَى بِطُهْرِهِ يُفْتُونَا
و (1)
وَمَا تَمُبُّهُ ذُيُولُ الإِبِلِ رِجْسٌ لِمَسَّهِ مَكَانَ الْمَبْوَلِ
كَذَلِكَ الْمَاءُ مِنَ الْأَكْرَاشِ وَقَيْئِهَا فِيهِ الخِلَافُ فَاشِ لِأَنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِالْبَوْلِ مِنْ ثَمَّ كَانَ نَجِسًا فِي قَوْلِ لَكِنَّنِي أَخْتَارُ فِيهِ الطَّهْرَا إِذْ لَمْ يَكُنْ بَوْلٌ سِوَى فِي الْمَجْرَى وَكُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنْ إِنْسَانِ مِنْ وَالِجَ الجَوْفِ إِلَى اللَّسَانِ فَنَجَسٌ وَصَرْطُهُ (2) مُحَرَّمُ كَذَا مِنَ السَّبَاعِ أَيْضًا يَحْرُمُ لِأَنَّهُ كَخَارِجٍ مِنْ دُبُرِهَا وَالحُمْرُ لَا بَأْسَ بِمَسَّ بَعْرِهَا كَذَاكَ مَا يَخْرُجُ مِنْ أَضْرَاسِهِ نَتْنا يَقُولُ البَعْضُ مِنْ أَنْجَاسِهِ لِأَنَّهُ مِنْ نَتْنِهِ كَالْعَذِرَهُ وَهُوَ قِياسٌ لَيْتَهُ مَا ذَكَرَهُ كَيْفَ يَكُونُ مِثْلَهَا وَالأَمْعَا قَدْ غَيَّرَتْهَا فَاسْتَحَالَ الطَّبْعَا (3) أَكُلُّ نَتْنِ حُكْمُهُ النَّجَاسَة كَلَّا وَرَبِّي لَا نَرَى قِيَاسَهُ بَلِ الصَّوَابُ فِيهِ قَوْلُ البَعْضِ حَيْثُ غَدَا بِالظُّهْرِ فِيهِ يَقْضِي
(1) قوله: «تمجه» أي تُلْقِيه من الرطوبات ولو من غير بولها، كما إذا أصابها ماء فنثرته أذنابها فإنه يكون نجسًا، هذا مبني على قول جمهور الأصحاب القائلين بنجاسة بولها، والله أعلم. (2) قوله: «صره رطه أي إدخاله الجوف، قوله: «كذا «السباع أي أن الخارج من قيء السباع نجس محرم على الإنسان الانتفاع به ويجب عليه غسل ما أصابه منه في بدن أو ثوب. (3) الطبعا: تمييز محول عن الفاعل أي استحال طبعه وتعريفه للضرورة أو على مذهب من أجاز تعريف التمييز في الشعر كقوله: وَطِبْتَ النَّفْسَ يَا قَيْسُ عَنْ عَمْرِو. (1/78)
صفحة 79
V?
الجزء الأول
كتاب الطهارات
وَالرِّيقُ لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا جَرَى مِنْ نَائِمٍ فِي نَوْمِهِ قَدْ غُمِرَا) لأَنَّ ذَاكَ طَاهِرٌ مُجْتَمَعُ عَلَيْهِ وَالمُخَاطُ ثُمَّ الأَدْمُعُ وَعَرَقُ الإِنْسَانِ أَيْضًا طَاهِرُ وَالْمِدُّ (2) مِثْلُهُ وَهَذَا ظَاهِرُ كَذَاكَ أَيْضًا جِلْدُهُ لَوِ احْتَرَقْ بِالنَّارِ وَالْبَعْضُ بِرِجْسِهِ نَطَقْ وَرِجْسُهُ يُعْزَى لِقَوْلِ الأَكْثَرِ وَطُهَّرُهُ الصَّحِيحُ عِنْدَ النَّظَرِ كَذَاكَ أَيْضًا دُبْرَةُ الحِمَارِ (3) يَمَسُّهَا وَالْمِدُّ مِنْهَا جَارِي لَا يَنْقُصَنَّ طُهْرَهُ إِلَّا الدَّمُ وَمَا سِوَاهُ مَسُّهُ لَا يَحْرُمُ
(4)
وَإِنْ يَكُنْ يَخْرُجُ مَخْرَجَ النَّجَسُ نَجَّسَهُ المَخْرَجُ لَوْ لَمْ يَحْتَبِسْ كَرَجُلٍ يَخْرُجُ مِنْ قَضِيبِهِ مدٌ نَحْثُهُ عَلَى تَجْنِيبِهِ (5) لِمَخْرَج البَوْلِ كَذَاكَ المَنْيُّ رِجْسٌ كَذَاكَ وَدْيُهُ والمَذْيُّ) وَالرّجْسُ فِي المَيْتَةِ مِنْ ذَاتِ الدَّمِ وَالكَلْبِ وَالخَنْزِيرِ أَصْلُ فَاعْلَم
(1) غمرا: غمر في نومه إذا غرق فيه، وهو كناية عن ثقل النوم.
(2) قوله: «والمد» هو الماء الأبيض الغليظ الذي يخرج من القروح، وقد يكون رقيقًا. (3) دُبْرة الْحِمَارِ: هي القرحة التي تتكون في ظهره من شدة الحمل، ويكون ذلك في الخيل والإبل
قال الإعرابي:
أَقْسَمَ بِاللَّهِ أَبُو حَفْصِ عُمَرْ مَا مَسَّهَا مِنْ نُقَبِ وَلَا دَبَرْ (4) قوله: «لو لم يحتبس» أي ولو لم يمكث في البطن إذا خرج البول أو الغائط. (5) تجنيبه: أي تبعيده. (6) قوله: «المني» بالتخفيف للوزن أو هو لغة فيه وأصله بشد الياء، وهو ما يخرج باللذة الانتشار، والودي ما يخرج من الذكر بعد البول مثل الخيط، والمذي هو ما يخرج من الرطوبة الانتشار بدون لذة ولا اندفاق، وهذان الأخيران يجب غسلهما ولا يوجبان غسل الجسد مع بخلاف المني الدافق فإنه يوجبه.
مع (1/79)
صفحة 80
بابُ المُتَنَجِّسَات
الجزء الأول
79
وَكُلُّهَا مُحَرَّمٌ لِعَيْنِهِ لِخُبْثِهِ وَمَا بِهِ مِنْ شَيْنِهِ وَقِيلَ فِي مُعَلَّم الكِلَابِ لَيْسَ بِمَنْجُوسِ لِلِانْقِلَابِ فَنَفْهَمَنْ مِنْ قَولِ هَؤُلَاءِ حُدُوثَ رِجْسِهِ عَلَى الْأَعْضَاءِ وَإِنْ تَكُ المَيْتَةُ مِمَا يُخْتَلَفْ فِي أَكْلِهَا تَزْدَادُ رِجْسًا وَوَهَفْ (1) وَالخُلْفُ فِي مَرَارَةِ الغُرَابِ حِينَ يُذَكَّى ظَاهِرُ الصَّوَابِ وَإِنْ يَكُنْ غَيْرَ مُذَكَّى نَحِسَهُ (2) بهِ مِنْ حُرْمَةٍ مُؤَسَّسَهْ وَالجِلْدُ وَالشُّعُورُ وَالأَصْوَافُ مِنْ مَيْتَةٍ فِي كُلِّهَا اخْتِلَافُ كَذَلِكَ الأَوْبَارُ وَالرِّيشُ إِذَا لَمْ يَـ فِيهِ أَثَرٌ مِنَ الأَذَى وَإِنْ يَكُنْ مِنْ ذِي حَيَاةٍ يُؤْكَلُ فَطَاهِرُ لَوْ فِي الحَيَاةِ يُفْصَلُ وَإِنْ يَكُنْ فِي الرِّيشِ لَحْمُ انْقَلَعْ فَنَجَسٌ نَقْلَعُه إِذَا انْقَطَعْ وَعَظْمُهَا كَالجِلْدِ أَيْضًا يُخْتَلَفْ فِيهِ فَعَظْمُ الغِلْبِ فِيهِ مَا سَلَفْ
بابُ المُتَنَجِّسَات
وَكُلُّ طَاهِرٍ يُصِيبُهُ النَّجَسُ فَإِنَّهُ يَنْجُسُ مَا مِنْهُ لَمَسْ إِلَّا الَّذِي قَدَّمْتُهُ فِي المَاءِ فَإِنَّهُ مُطَهَّرُ الأَشْيَاءِ
(1) الوهف: العفونة والرائحة الكريهة.
(2) قوله: «نجسه» خبر لمبتدأ محذوف أي فهي نجسه.
(*) قال أبو مسلم: «وعلى هذا الحكم عظم الدابة المعروفة بالغلب». قلت ـ أي أبو مسلم ـ: وهو
قرن دابة من جنس الأوعال، وهيئة القرن مثل شكل الشجرة. انتهى.
وهو علاج كان يستعمل
سابقًا
في عُمان. (إسماعيل) (1/80)
صفحة 81
80
الجزء الأول
كتاب الطهارات
وَقِيلَ فِي الْبَوْلِ إِذَا مَا وَقَعَا فِي المَاءِ مِنْهُ شَرَرٌ) فَارْتَفَعَا فَطَاهِرٌ يُقَالُ ذَاكَ الشَّرَرُ بِشَرْطِ أَنَّ المَاءَ مِنْهُ أَكْثَرُ
وَصُفْرَةٌ تَخْرُجُ بَعْدَ الغُسْلِ وَحُمْرَةٌ مِنْ خَدَشٍ فِي رِجْلِ فَإِنَّهَا طَاهِرَةٌ وَقَبْلَ أَنْ يُغْسَلَ فِيهَا الاِخْتِلَافُ يُنْقَلَنْ وَمَنْ أَصَابَهُ بِلَيْلٍ جُرْحُ فَطَاهِرٌ حَتَّى يَصِحَ السَّفْحُ وَقَمْلَةٌ يُدْرِجُهَا الإِنْسَانُ بِظَهْرِهِ وَهْوَ إِذَنْ عَرْقَانُ فَالظَّهْرُ مِنْهُ طَاهِرُ وَالأَنْمُلُ (2) تَنْجُسُ قِيلَ وَهْوَ فَرْقٌ مُشْكِلُ وَإِنْ يَكُنْ أَخْرَجَهَا مِنْ لُبْسِهِ وَاللُّبْسُ رَطْبٌ فَاحْكُمَنْ بِرِجْسِهِ وَذَاكَ إِنْ أَدْرَجَهَا لِتَخْرُجَا وَذَاكَ عَكْسُ مَا مَضَى مُدَبَّجَا وَرَجُلٌ يَسْرُطُ (3) بَيْضًا فَخَرَجْ مِنْ جَوْفِهِ كَحَالِهِ حِينَ وَلَجْ فَأَصْلُ ذَاكَ البَيْضِ طَاهِرٌ وَمَا يَنْجُسُ إِلَّا القِشْرُ مِنْهُ فَاعْلَمَا وَإِنْ بَدَا مُنكَسِرًا فَنَجِسُ وَقِيلَ لَوْ لَمْ يَنْكَسِرْ مُنَجَّسُ لِأَنَّهُ يَكُونُ مِثْلَ العَذِرَهُ فَذَاتُهُ فِي ذَا المَقَالِ قَذِرَهُ حُكْمُ مِدَادِ ذِي الصَّبَا إِذْ يَكتُبُ حُكْمُ الطَّهَارَاتِ وَلَا يُسْتَغْرَبُ وَجَسَدُ المُشْرِكِ حِينَ يَيْبَسُ فَكُلُّ مَا لَاقَاهُ لَيْسَ يَنْجُسُ
(1) قوله: «شرر» أي قطرات صغار.
(2) الأنمل: أطراف أصابع اليدين، واحدها أَنْمَلَة.
(3) يسرط: أي يبتلع. (1/81)
صفحة 82
بابُ المُتَنَجِّسَات
الجزء الأول
81
إِلَّا إِذَا كَانَ الَّذِي لَاقَاهُ رَطْبًا فَذَاكَ نَجَسٌ نَّرَاهُ وَإِنْ تَكُنْ رُطُوبَةٌ فِي جَسَدِهُ يَنْجُسُ مَا لَاقَاهُ فِي مُعْتَمَدِهْ قِيلَ وَلَوْ نَظَّفَ لِلْبَنَانِ بِالغُسْلِ وَالسِّدْرِ وَبِالْأَشْنَانِ) فَإِنَّهَا إِنْ عَرِقَتْ تُفْسِدُ مَا تَمَسُّهُ وَطُهْرُهُ إِنْ يُسْلِمَا وَإِنْ أُصِيبَتْ (3) هِرَّةٌ فِي البُرِّ وَالِدَةً فَاحْكُمْ لَهُ بِالظُّهْرِ لأَنَّهُ تَحْتَمِلُ الوِلَادَهُ فِي غَيْرِهِ وَانْتَقَلَتْ كَالْعَادَهُ وَبَاقِرُ الدَّوْسِ إِذَا تَبُولُ فحُكْمُهُ فِي التِّبْنِ إِذْ يَقُولُ (4) وَالحَبُّ فَهُوَ طَاهِرٌ نَقُولُ لِأَنَّهُ مِنْ شَأْنِهِ النُّزُولُ وَاللَّحْمُ إِنْ يُشْوَى بِجَمْرِ العَذِرَهُ فَلَزِقَتْ بِهِ فَذَاكَ قَذِرَهُ وَقِيلَ لَا كَذَلِكَ الدُّخَانُ مِنْهَا فَقِيلَ نَجَسٌ يُبَانُ أَمَّا دُخَانُ العُودِ إِنْ تَنَجَّسَا فَطَاهِرٌ مَا لَمْ يُؤَفِّرْ دَنَسَا) وَمَا بِدُهْنِ المِسْكِ مِنْ جُناحَ وَأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ المُبَاح وَسَائِرُ الأَدْهَانِ إِنْ تَنَجَّسَتْ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا إِذْ نُجِّسَتْ
(1) الأشنان: بضم الهمزة شجرة الحرض تنبت في الصحارى والقفار أيام الأمطار.
(2) قوله: «أصيبت» أي وُجِدَت.
(3) البر: بضم الباء، أي في
البر.
(4) يَقُول: أي يرتفع عن
الحب.
(5) قوله: «ما لم يؤثر دنسًا هذا منه الله، احتراس، وإلا فإن دخان العود لا يُؤثر سوادًا.
وما أحسن قول القائل: غَضَبُ الكَرِيم وَإِنْ تَأَبَّجَ نَارُهُ كَدُخَانِ عُودِ لَيْسَ فِيهِ سَوَادُ (1/82)
صفحة 83
82
الجزء الأول
كتاب الطهارات
وَقِيلَ بَلْ يَجُوزُ حِينَ يُشْتَرَطْ وَقِيلَ بَلْ عَلَى ثِقَاتِنَا فَقَطْ وَالنَّخْلُ إِنْ يُسْقَى بِمَاءِ العَذِرَة فَجَائِزُ لِلنَّاسِ أَكْلُ الثَّمَرَهُ كَذَلِكَ النَّابِتُ فِي الْأَقْذَارِ يَحِلُّ مَهْمَا كَانَ مِنْ أَشْجَارِ إِنْ نَالَتِ العُرُوقُ مِنْهَا الْأَرْضَا أَوْ لَا فَذَاكَ يُرْفَضَنَّ رَفْضَا وَبَعْضُهُمْ شَدَّدَ فِي النَّخِيلِ إِنْ سُقِيَتْ بِمَائِهَا العَلِيلِ قُلْتُ كَذَاكَ فِي الَّذِي يَلِيهِ وَذَلِكَ الْأَلْيَقُ فِي التَّنْزِيهِ وَالطَّهِرُ فِي الأَحْكَامِ عِنْدِي أَظْهَرُ لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَحَالَ الأَثَرُ وَجَائِزٌ خِيَاطَةُ اليَهُودِي مَا لَمْ يَنَلْ بِرِيقِهِ) المَعْهُودِ وَهَكَذَا غُسَالَةُ الشَّيَابِ وَمَنْعُهُ أَدْنَى إِلَى الصَّوَابِ وَهَكَذَا إِنْ كَنَزَ الجِرَابَا يَكُونُ عِنْدِي نَجِسًا مُرَابَا وَجَوَّزُوا شِرَاءَنَا لِلتَّمْرِ مِنْهُ إِذَا لَمْ نَعْلَمَنْ بِالْحَجْرِ
باب غُسل المُتَنَجِّسات
وَيَطْهُرَنْ مِنْ بَاطِنِ وَظَاهِرِ إِنْ زَالَتِ العَيْنُ بِمَاءٍ طَاهِرِ لَوْ لَمْ يَكُنْ يَنْوِي لِأَنَّ الغَرَضَا (2) إِزَالَةُ الخَبِيثِ حِينَ عَرَضَا
(1) قوله: «ما لم ينل بريقه أي ما لم يُصب الخيط شيء من ريقه، وفي نسخه «ما لم يَبُلُّ» من البلل، وهو موافق لما في شعر ابن النضر حيث قال: مَا لَمْ يَبُلُّ الخَيْطَ بِالتَّغْرِ. (2) الغرض: بالغين المعجمة أي القصد. (1/83)
صفحة 84
باب غُسْل المُتَنَجِّسات
الجزء الأول
83
وَالشَّاةُ إِنْ بَالَتْ عَلَى الجِرَابِ صُبَّ عَلَيْهِ المَاءُ بِالْسِكَابِ حَتَّى يُوَافِي مَبْلَغَ الْأَنْجَاسِ وَذَاكَ طُهْرُهُ بِلَا الْتِبَاسِ وَإِنْ تَكُنْ كَنَزْتَهُ بِنَجَسِ فَتَتْهُ (1) وَاغْسِلْهُ بِمَا وَيَبِّس بَوْلُ الرَّضِيعِ نَصْحُهُ مُطَهِّرُ وَالعَرْكُ فِي بَوْلِ الْإِنَاثِ أَكْثَرُ وَالعَرْكُ فِي الجَمِيعِ مَهْمَا طَعِمَا (2) وَلَيْسَ يُجْزِيهِ هُنَاكَ نَصْحُ مَا وَالعَرْكُ لَازِمٌ لِذِي التَّغْسِيلِ إِلَّا الَّذِي أُخْرِجَ بِالدَّلِيلِ وَقَدْ تَنُوبُ عَنْهُ نَفْسُ الحَرَكَة كَمَا إِذَا خَضْخَضَهُ وَحَرَّكَهُ كَذَاكَ مَنْ بِرِجْلِهِ قَدْ رَفَسَا فِي النَّهْرِ حَتَّى يُذْهِبَنَّ النَّجَسَا وَهُوَ مُخَالِفٌ لِحَالِ الأَدَبِ وَالْفَضْلُ كُلُّ الفَضْلِ فِي التَّأَدُّبِ وَمِنْهُمْ فَضَّلَهُ لِأَجْلِ دَخُولِهِ أَيْضًا شُقُوقَ الرِّجْلِ وَلَا أَرَى هَذَا مِنَ التَّحْقِيقِ وَالعَرْكُ لَا يَنْبُو عَنِ الشُّقُوقِ وَالطُّهَرُ لِلإِناءِ إِنْ تَنَجَّسًا يُغْسَلُ حَتَّى يَبْلُغَنَّ النَّجَسَا فَإِنْ يَكُنْ رَطْبًا فَلَا يَحْتَاجُ مَؤُونَةً أَوْ يَابِسًا يَحْتَاجُ يُوَزَّقَنَّ) ثُمَّ يُكْفَى مِنْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيَبْسَنْهُ
(1) قوله: «فتته» بفاء فمثناتين من فوق أولاهما مشددة مكسورة والثانية ساكنة؛ أي فَرّقْهُ. (2) قوله: «طعما» أي أكل الطعام.
(3) قوله: (لا ينبو أي لا يقصر عن الوصول إلى الشقوق.
(4) قوله: «يبلغن» يعني الماء.
(5) قوله: «يُوَزَّقَنَّ أي يترك في الماء بمقدار ما يرى أنه بالغ في تنظيفه من النجاسة. (1/84)
صفحة 85
??
الجزء الأول
كتاب الطهارات
وَذَاكَ فِي آنِيَةٍ مِنْ خَزَفِ وَنَحْوِهِ مِنْ خَشَبٍ مُنَشَّفَ وَطُهْرُهَا يَصِحُ مِنْ صَبِيٌّ إِذَا أَتَى بِغُسْلِهَا الْمَرْضِيّ وَالخُلْفُ فِي تَطْهِيرِهِ الثَّيَابَا وَمَنْ يَقُلْ بِطُهْرِهَا أَصَابَا وَلَا أَرَى لِلْمَنْعِ وَجْهَا أَبَدًا إِلَّا لِمَنْ يَجْعَلُهُ تَعَبُّدَا وَمَعَ ذَاكَ لَسْتُ أَرْتَضِيهِ إِلَّا إِذَا مَا كَانَ لِلتَّنْزِيهِ
باب قضاء الحاجة
وَلِقَضَاءِ حَاجَةِ الإِنْسَانِ جُمْلَةُ آدَابِ عَلَى الأَعْيَانِ فَيُبْعِدَنَّ إِنْ مَضَى فِي الصَّحْرَا وَيَسْتُرَنْ عَنْهُ الْعُيُونَ سِتْرَا لَوْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا كَثِيبَ رَمْلَ لَاذَ بِهِ أَوْ تَلْعَةٍ أَوْ رَحْل وَلَا تَكُنْ مُسْتَقْبلًا لِلْقِبْلَةِ وَلَا لَهَا مُسْتَدْبِرًا بِمَكَّةِ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ ذَاكَ أَبَدًا وَالمَنْعُ بِالصَّحْرَاءِ بَعْضُ قَيَّا وَفِي البُيُوتِ لَيْسَ يُمْنَعَنَّا لِمَا بِهَا مِنْ حَائِلٍ قَدْ عَنَّا وَهْوَ مَقَالُ قَدْ رَوَاهُ جَابِرُ عَنْ شَيْخِهِ البَحْرِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَالشَّمْسَ وَالنُّجُومَ لَا تَسْتَقْبِلَا وَالرِّيحَ كَيْلَا تَرْجِعَنَّ البَلَلَا وَوَضعُكَ الغَائِطَ فِي المَجَارِي حِجْرٌ كَذَاكَ مَسْقَطُ الثَّمَارِ
(1) التلعة: بفتح التاء بوزن القلعة ما ارتفع من الأرض وما انهبط، وهو من الأضداد، وهي معطوفة على الضمير المجرور بالباء في «بِهِ»، وهو جائز عند ابن مالك وكثير من النحويين. (1/85)
صفحة 86
باب الاستنجاء
الجزء الأول
85
وَهَكَذَا أَمَاكِنُ الضَّرَارِ كَذَاكَ أَيْضًا سُبُلُ المُرَّارِ وَالْبَوْلُ فِي المَاءِ الكَثِيرِ الجَارِي رُخَّصَ فِيهِ قُلْتُ لِاِضْطِرَارِ أَوْ أَنَّهُ قَدْ قُيدَ النَّهْي بِمَا كَانَ مِنَ الرَّاكِدِ وَصْفًا فَاعْلَمَا وَبَعْضُهُمْ كَرَّهَ أَنْ يُسْتَنْجَا فِي النَّهْرِ وَهْوَ لِلنَّجَاةِ أَنْجَا وَقِيلَ لَا يَجُوزُ فِيهِ البَوْلُ لا سِيَّمَا الرَّاكِدُ وَهُوَ القَوْلُ وَقِيلَ لَا بَأْسَ بِوَضْع الغَائِطِ فِيهِ كَذَاكَ تَحْتَ نَخْلِ الحَائِطِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَا فِيهِ مِنْ ثِمَارِ يَصْلُحُ لِلْأَكْلِ عَلَى اخْتِيَارِ وَإِنْ يَكُنْ يَصْلُحُ لِلْمَأْكُولِ فَيُمْنعَنْ مِنْ غَائِطِ وَبَوْلِ
باب الاستنجاء
وَمَنْ يَبُلْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَبْرِي وَهُوَ أَمِينُ نَفْسِهِ فِي الأَمْرِ وَيَأْخُذَنْ ثَلَاثَةٌ أَحْجَارَا وَيَفْعَلَنْ بِهِنَّ الاِسْتِجْمَارَا وَقِيلَ يُسْتَنْجَا بِمَاءِ زَمْزَمِ وَكُلُّ مُسْتَنْجِ بِهِ لَمْ يَأْثَم لِأَنَّهُ كَسَائِرِ الْمِيَاهِ حُكْمًا وَمَا بِهِ مِنَ اشْتِبَاهِ وَإِنْ يَكُنْ أَعْظَمَ مِنْهَا فَصْلَا فَذَاكَ وَصْفُ لَيْسَ يَنْفِي الحِلا وَمَنْ يَكُنْ حَرَّكَهُ (1) فِي المَاءِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي الاسْتِنْجَاءِ
(1) قوله: «حَرّكَهُ» يعني الذكر. (1/86)
صفحة 87
86
الجزء الأول
كتاب الطهارات
فَقِيلَ يُجْزِيهِ عَنِ العَرْكَاتِ وَقِيلَ لَا عِبْرَةَ بِالْمَرَّاتِ لِأَنَّمَا المُرَادُ رَفْعُ العَيْنِ وَهْوَ صَحِيحٌ مَا بِهِ مِنْ شَيْنٍ وَقَالَ قَوْمُ بِاعْتِبَارِ العَدَدِ وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّهِ المُحَدِّدِ أَكْثَرُ مَا قِيلَ بِأَرْبَعِينَا وَقِيلَ بَلْ أَكْثَرُهُ عِشْرُونَا
(1)
وَقِيلَ عَشْرٌ ثُمَّ بِالثَّلَاثِ قِيلَ وَذِي فِي أَقْذَرِ الْأَخْبَاثِ وَذَاكَ بَعْدَ أَنْ تَزُولَ الذَّاتُ إِذْ لَيْسَ لِلطُّهْرِ بِهَا (2) ثَبَاتُ وَقَالَ قَوْمٌ فِيهِ يَعْرُكَنَّا حَتَّى يَرَى القَلْبَ اطْمَأَنَّا به وَقِيلَ حَتَّى يَجِدَ الخُشُونَهُ وَيُذْهِبَنَّ خَبَثَ اللُّبُونَهُ وَالبَوْلُ قِيلَ يُعْرَكَنَّ خَمْسَا وَلَا دَلِيلَ عِنْدَ هَذَا أَمْسَى وَقِيلَ بِالثَّلَاثِ وَهُوَ أَرْجَحُ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ دَلِيلٍ يُلْمَحُ لِأَنَّهُ جَاءَ عَنِ الْمُخْتَارِ مُعْتَبَرًا فِي عَدَّ الاسْتِجْمَارِ
(1) قوله: «وذي إشارة إلى الثلاث العركات والمراد بأقذر الأخباث أي البول. (2) قوله: «بها» أي ذات الخبث فلعل الباء بمعنى اللام، ولو قال لها لكان أظهر. () الظاهر أنَّ الباء للسبيَّة، والمراد ليس للطهر بسبب وجود الذات ثبات. (إسماعيل) (1/87)
صفحة 88
باب الاستنجاء
الجزء الأول
87
كتاب الغُسل مِنَ الجَنابَة
وَيَجِبُ الغُسْلُ مِنَ الجَنَابَهُ بِسَبَبَيْنِ فَاعْرِفَنْ أَسْبَابَهُ إِمَّا خُرُوجُ المَنْي مِنْ إِنْسَانِ أَوْ بِدُخُولِهِ إِلَى الخِتَانِ) فَالنُّطْفَةُ المَيْتَةُ) وَالإِكْسَالُ عَلَى الصَّحِيحَ فِيهِمَا اغْتِسَالُ كَذَلِكَ المَرْأَةُ مَهْمَا احْتَلَمَتْ وَرَأَتِ المَاءَ اغْتِسَالًا أُلْزِمَتْ وَلَا اغْتِسَالَ إِنْ تَكُنْ قَدْ أَدْخَلَتْ جَنَابَةً مِنْ خَارِجٍ وَمَا مَنَتْ وَأَوْجَبَ الأَصْلُ عَلَيْهَا الغُسْلَا وَلَا أَرَاهُ فِي المَقَالِ عَدْلَا وَالأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُ تَعَبُدُ وَأَصْلُهُ مِنَ الكِتَابِ يُوجَدُ وَهْوَ مِنَ الأَمَانَةِ المَعْرُوضَة (3) وَحِفْظُهَا عَلَى الوَرَى مَفْرُوضَهْ وَشَرْطُهُ النِّيَّةُ فَالَّذِي قَصَدْ بِغُسْلِهِ الجُمُعَةَ قِيلَ لَا يُعَدْ وَقَالَ قَوْمٌ إِنَّهُ يُجْزِيهِ وَآخَرُونَ فَسَّرُوا مَا فِيهِ إِنْ كَانَ يَدْرِي حَالَهُ أَجْزَاهُ إِذْ يَدْخُلَنَّ فِي الَّذِي نَوَاهُ وَمَنْ أَرَادَ الاِغْتِسَالَ فَلْيَبُلْ لِيُذْهِبَ البَاقِي هُنَاكَ أَوْ يَقِلْ
(1) قوله: «أبو بدخوله إلى الختان يعني به الذكر، وإلى الختان غاية ما يوجب الاغتسال، والمراد به الختانان معا، فإذا التقى الختانان وولجت حَشَفَةُ الذكر في فرج المرأة وجب عليهما الغسل، أنزل أو لم ينزل واختلفوا فيما إذا غابت الحشفة في الدبر ولم ينزل فقيل يجب بذلك الغسل قياسا على الفرج وقيل لا إذ لم ينص عليه الدليل والله أعلم.
(2) قوله: «النطفة الميتة» هي الخارجة بغير لذة، و «الإكسال» النطفة التي تنفصل من مجاريها مع اللذة والانتشار، ثم يمنعها عن الخروج من ثقب الذكر.
(3) قوله: «المعروضة هذا إشارة إلى قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ..... الآية. (1/88)
صفحة 89
88
الجزء الأول
كِتابُ الغُسِلْ مِنَ الجَنابَة
وَمَا عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الغُسْلَا مِنْ بَعْدِ ذَاكَ إِذْ أَجَادَ الفِعْلَا وَالخُلْفُ هَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهُ إِنْ لَمْ يَبُلْ إِذَا رَأَى مَدِيدَهُ (1)
باب كيفية الغسل
يُقدِّمَنْ فِي غُسْلِهِ اليَدَيْنِ وَيَقْصِدَنَّ لِزَوَالِ العَيْنِ وَيَغْسِلَنَّ فَمَهُ وَأَنْفَهُ وَيَفْعَلَنْ مِنَ الوُضُوءِ وَصْفَهُ ثُمَّ يُفِيضُ المَاءَ فَوْقَ الرَّاسِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِلَا الْتِبَاسِ ثُمَّ يَعْمَّنَّ جَمِيعَ الجَسَدِ وَيَعْرُكَنَّهُ بِبَاطِنِ اليَدِ وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَعْرُكَا بل الوُجُوبُ مَسُّ مَاءٍ أَدْرَكَا وَضَرْبُ مُوْجِ البَحْرِ كَالعِرَاكِ كَذَاكَ صَبُّ المَاءِ بِانْسِبَاكِ وَمَنْ أَتَى فِي الْغُسْلِ بِالمَسْنُونِ (2) يُجْزِيهِ عَنْ وُضُوئِهِ المَصُونِ وَذَلِكَ الغُسْلُ الوُضُوءُ الْأَكْبَرُ وَعِنْدَهُمْ هَذَا المَقَالُ أَكْثَرُ لأَنَّهُ عَلَى الوُضُوءِ اشْتَمَلَا وَزَادَ فَوْقَهُ بِحَيْثُ اغْتَسَلَا
(1) قوله: «مَدِيده» هو كناية عن خروج شيء من بقية المني مع البول، وأما الذي يخرج بعده فهو الودي، واختار بعض مغاربتنا أن يبول على ليفة سوداء ليرى ما يبقى فيها من أثر المني وهو مبني على القول بوجوب إعادة الغسل إذا رأى شيئًا وعلى عدم وجوبه إن لم يره. (2) قوله: «بالمسنون أي بمسنون الغسل وهو أن يبدأ بوجهه ورأسه ويديه ثم الأيمن من جسده ثم الأيسر ثم الرجل اليمنى ثم اليسرى بعد غسل مواضع الْعَوْرِةِ، فقيل إن هذا يُجْزِيه عن الوضوء؛ ء؛ لأنه يشابهه، وعندي أنه إذا نوى بذلك الوضوء مع الغسل أجزأه عن الوضوء، وإلا فلا، وكأَنَّ هذا مراد الناظم الله. (1/89)
صفحة 90
باب كيفية الغسل
الجزء الأول
89
أَمَّا إِذَا لَمْ يَتَوَضَّا فِيهِ فَهْوَ عَنِ الوُضُوءِ لَا يَكْفِيهِ وَهَاهُنَا مَحَلُّ قَوْلِ المَنْعِ وَلَيْسَ لِلْخُلْفِ هُنَا مِنْ وَقْعِ لَكِنَّ قَوْمًا أَطْلَقُوا إِذْ ذَكَرُوا وَلَمْ يَعُوا مَاذَا أَرَادَ الْأَثَرُ وَمَنْ يَكُنْ قَدْ شَكَ فِي اغْتِسَالِهِ فَإِنَّهُ يُعِيدُهُ بِحَالِهِ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ الوُجُوبَا وَالشَّكُ لَا يُفِيدُ إِلَّا الرَّيْبَا أَقَلُّ مَا يُجْزِيهِ بِاسْتِقْصَاءِ صَاعٌ وَفِي الوُضُوءِ مُدُّ مَاءِ وَهْوَ عَنِ المُخْتَارِ وَالبَعْضُ نَفَا تَحْدِيدَهُ سِوَى الَّذِي مِنْهُ كَفَى وَاعْتَلَّ فِيهِ بِالَّذِي تَرَاءَى (1) فِي قَوْلِهِ لَيْسَ الوَرَى سَوَاآ يُحْسِنُهُ بَعْضُ وَبَعْضُ يَجْهَلُ وَهْوَ مِنَ التَّعْلِيلِ شَيْءٌ مُشْكِلُ وَالأَصْلُ قَالَ فِيهِ هُوَ الْأَعْدَلُ وَإِنَّنِي عَنْ قَوْلِهِ لَأَعْدِلُ وَيَظْهَرَنَّ مَوْضِعُ النِّزَاعِ إِنْ كَانَ لَمْ يَحْظَ بِغَيْرِ صَاعِ) وَكَانَ لَا يُحْسِنُ فِعْلَ الغُسْلِ فَالخُلْفُ فِي اللُّزُومِ فِي ذَا الفَصْلِ يَلْزَمُهُ عَلَى الْمَقَالِ الأَوَّلِ وَهْوَ الصَّوَابُ عِنْدَنَا فَاغْتَسِلِ وَغُسْلُهُ يُجْزِيهِ لَوْ تَعَرَّى (3) بَيْنَ الوَرَى وَدِينَهُ أَضَرًا
(1) تَرَاءَى: أي تظاهر، وهو إشارة إلى حديث مَرْوِيّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس الخَلْقُ في ذلك سواء» والله أعلم.
(2) «لم يحظ بغير صاع هو من الحظوة، وهي بكسر الحاء وضمها، يقال: حظي بكذا إذا ناله. (3) قوله: «لو تَعَرَّى» أي عند الناس، أو بحيث يراه الناس، إما لو تعرّى في مكان ساتر فلا شيء عليه، وهل يكون الاغتسال إلا مع التعري، لكن بحيث لا يكون تَعَرِّيهِ مَعْصِيَة. (1/90)
صفحة 91
90
الجزء الأول
كِتابُ الغُسِلْ مِنَ الجَنابَة
باب أحكام الجنب
وَيُمْنَعَنَّ مِنْ مَسِيس المُصْحَفِ ومِنْ تِلَاوَةِ الْكِتَابِ المُنْصِفِ وَجَوَّزُوا أَنْ يُمْسِكَ العِلَاقَا (1) ومَنَعُوا الحُرُوزَ وَالْأَوْفَاقَا لِأَنَّهَا تَكُونُ فَوْقَ الْجَسَدِ وَسَيْرُهُ فَقَطُّ فِي كَفَّ اليَدِ وَمَنَعُوهُ أَنْ يُبَسْمِلَنَّا وَلِتَعَوُّذٍ يُرَخَصَنَّا وَجَاعِلُ الرَّسْمِ كَمِثْلِ الكَلِم يَمْنَعُهُ مِنْ رَسْمِهَا بِالْقَلَمِ وَمَنْ يَقُلْ لَا مِثْلَهُ يُجَوِّزُ وَالْمَنْعُ فِي الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي أَحْرَزُ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ مَا مِنْهُ شَخَط (2) وَالخُلْفُ إِنْ لَمْ يَحْمِلَنَّهُ فَقَطْ وَقِيلَ لَا بَأْسَ إِذَا مَا أَذْنَا وَذَكَرَ اللَّهَ الْعَظِيمَ مُعْلِنَا وَالمَحْوُ مَا فِي شُرْبِهِ مِنْ بَاسِ گذاكَ ذَاتُ الْحَيْضِ وَالنَّفَاسِ وَالأَصْلُ فِيهِ قَدْ حَكَى الإِجْمَاعَا لَكِنْ أَرَاهُ يَقْبَلُ النِّزَاعَا وَالسُّوْرُ مِنْهُ طَاهِرُ وَالعَرَقُ وَإِسْمَ الِاسْتِحْمَامِ فِيهِ أَطْلَقُوا
(2)
(1) قوله: «العلاقا» هو الخيط أو الحبل الذي يعلق به المصحف والمراد بـ «الحروز والأوفاق» حملها أي أنه يمنع الجنب من حملها وهي ما كانت من آيات الكتاب أو أسماء العزيز الوهاب.
(2) قوله: «شخط» أي كتب يقال شخط الشيء إذا سَطَّرَهُ.
(3) قوله واسم الاستحمام يعني أن عرق الجنب يُسَمّى مستحمًا واستحمامًا. (1/91)
صفحة 92
باب أحكام الجنب
الجزء الأول
91
وَقِيلَ لَا بَأْسَ إِذَا تَحَنَّا كَذَاكَ أَيْضًا حِينَ يَذْبَحَنَّا فِي نَوْمِهِ وَشُرْبِهِ وَالأَكْلِ كَرَاهَةٌ لَهُ قُبَيْلَ الغُسْلِ فَمَنْ يَشَا النَّوْمَ تَوَفَّى قَبْلَهُ وَلْيَتَمَضْمَضْ إِنْ أَرَادَ أَكْلَهُ وَاكِلٌ مِنْ قَبْلِهِ يُخَلِّلُ أَسْنَانَهُ مَهْمَا أَرَادَ يَغْسِلُ وَالشُّرْبُ وَالسِّوَاكُ لِلإِنْسَانِ (3) يُكْرَهُ مِنْهُ خَرَسَ الأَسْنَانِ وَسُنّةٌ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ (3) النَّاسِ) غُسْلُهُمْ لِلمَيْتِ وَالنِّفَاسِ
(1) قوله: «تحنّا» أي وضع الحنّا على رجليه ويديه، أو على شيء من جسده، والحنا شجر معروف يحمر ما وضع عليه من الجسد إذا وضع عليه الليمون، والمختار عندي ألا استعماله يمنع من
الجنب.
(2) قوله: «والشرب والسواك للإنسان أي للإنسان الجنب؛ فشربه وتسوكه قبل الغُسْل يورث خرَس لِسَانِهِ وهي خاصية غريبة. (3) قوله: «وسُنَّةٌ على جميع الناس أي سُنَّةٌ واجبة، فأما غُسل الميت فهو من فروض الكفاية، وأما الغسل من النفاس فعلى من وجب عليها من النساء لا على جميع الناس، وإنما أُلْحِقَ بالسُنَّة لأن أصله وجوبه منها، والله أعلم. (1/92)
صفحة 93
92
الجزء الأول
كتاب الوضوء
كتاب الوضوء
طَهَارَةٌ تَخُصُّ بَعْضَ الأَعْصَا تَلْزَمُ إِنْ قُمْنَا نُؤَدِّي الفَرْضَا جُمْلَتُهَا فَرْضٌ وَفِي تَفْصِيلِهَا فَرْضٌ وَمَسْنُونُ لَدَى تَحْصِيلِهَا فَالفَرْضُ مَاءٌ طَاهِرُ، وَالنِّيَّة يَعْقِدُهَا لِخَالِقِ الْبَرِيَّة أَيْضًا وَغُسْلُ الْوَجْهِ وَاليَدَيْنِ وَالمَسْحُ لِلرَّاسِ وَلِلرِّجْلَيْنِ وَمَا عَدَاهُ سُنَّةٌ كَالمَضْمَضَهْ وَالِاسْتِنْشَاقُ هَكَذَا لَا تَرْفُضَهْ وَالْمَسْحُ لِلأُذْنَيْنِ ثُمَّ العُنُقِ وَمَسْحُ ذِي عَلَيْهِ لَمْ يُتَّفَقِ) وَقَدْ أَتَى بَيَانُ مَسْحُ الرِّجْلِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ نَفْسُ الغُسْلِ وَلَا يَجُوزُ نَتَعَمَّدَنَّا أَوْ نَقْصِدَنْ لِتَرْكِ مَا قَدْ سُنَّا
باب الماء الذي يتوضأ به
وَمَنْ يَشَا الوُضُوءَ يَقْصِدَنَّا إِلَى مُطَهِّرٍ فَيَعْمَلَنَّا وَذَاكَ مَاءٌ لَيْسَ بِالمُصَافِ فَلَا يَجُوزُ نَحْوُ مَاءِ الْغَافِ (2) كَذَاكَ أَيْضًا مَاءُ البَاقِلَاءِ (3) وَكُلُّمَا كَانَ كَهَذَا المَاءِ
(1) قوله: «لم يُتَّفَق بالبناء للمفعول أي لم يُتَّفق عليه، يعني على المسح على العنق، وفيه الاكتفاء
المعروف.
(2) قوله: «الغاف» هو شجر كبير مستطيل، وهو كثير بعمان، وأكثره في الباطنة وبلاد جعلان، وهو بالغين المعجمة وآخره فاء.
(3) قوله: «الباقلاء» هو الفول وأمثاله من البقولات. (1/93)
صفحة 94
باب الماء الذي يتوضأ به
الجزء الأول
93
كَذَاكَ مَا كَانَ مِنَ المِيَاهِ مُسْتَعْمَلًا فَالْكُلُّ عَنْهُ نَاهِي كَقَاطِرٍ مِنْ وَجْهِهِ عِنْدَ الوُضُو وَهَكَذَا القَاطِرُ مِنْ كُلِّ عُضو هَذَا هُوَ المُسْتَعْمَلُ المَوْصُوفُ لَا المَاءُ إِنْ وُزِّقَ) فِيهِ الصُّوفُ وَالْغَزْلُ وَالخَوْصُ كَذَاكَ الوَرَقُ وَكُلُّ طَاهِرٍ بِهِ يُوَزَّقُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ الظُّهْرِ كَمِثْلِ مَا يَجُوزُ مَاءُ النَّهْرِ إِلَّا إِذَا أَخْرَجَهُ التَّوْزِيقُ إِلَى المُصَافِ وَهُوَ التَّحْقِيقُ كَذَاكَ أَيْضًا جَائِزُ بِمَا النَّدَى (2) إِنْ كَانَ مَا يَكْفِي الْوُضُوءَ وُجِدَا وَهْوَ سَوَاءٌ رَاكِدٌ وَجَارِي فَلَيْسَ مَعْنًى لِاشْتِرَاطِ الْجَارِي وَسُوْرُ حَائِضِ نُهِينَا عَنْهُ في الطهر لِلصَّلَاةِ فَاتْرُكَنْهُ (3) أَبُو سَعِيدٍ قَالَ بِالتَّكْرِيهِ مَا لَمْ تَرَ الْأَنْجَاسَ صَارَتْ فِيهِ وَقِيلَ جَائِزٌ مِنَ الأَنْهَارِ إِنْ غُصِبَتْ مِنْ أَهْلِهَا الْأَبْرَارِ لِأَنَّمَا الْوُضُوءُ حَقٌّ فِيهَا لِكُلِّ مَنْ لِأَجْلِهِ يَأْتِيهَا وَغَاصِبٌ لِمَوْضِعِ بَنَى بِهِ مَطْهَرَةً أَبَاحَهَا لِصَحْبِهِ وَكَانَ قَبْلُ مَوْضِعًا مُبَاحَا لِمِثْل ذَا فَلَا أَرَى جُنَاحَا وَالِاخْتِلَافُ فِي الجَمِيعِ يَلْزَمُ وَعَامِلٌ فِيهِ بِوَجْهِ يَسْلَمُ وَالخَلُّ وَالنَّبِيدُ وَالأَلْبَانُ لَا يَتَوَضَّا بِهِمَا الإِنْسَانُ
(1) وزق غسل بلغة عُمان فيما يظهر. (أبو إسحاق)
(2) الندى بالفتح هو الطل، ويراد به المطر.
(3) والمذهب أن النهي هنا للتنزيه، إذ ثبت عنه أنه توضأ بفضل ميمونة. (أبو إسحاق). (1/94)
صفحة 95
94
الجزء الأول
كتاب الوضوء
وَيَنْبَغِي فِي المَاءِ أَنْ يَقْتَصِدَا فَلَا يَئُجُ المَاءَ فِيْهِ أَبَدَا (1) قَدْ قِيلَ أَنْ يَكُونَا كَالدُّهْنِ أَيْ يَجْعَلَهُ مَسْنُونَا فَلَطْمُهُ لِلْوَجْهِ يُكْرَهَنَّا كَثَبِّهِ كَذَا أَنْ يُسْرِفَنَّا وَقِيلَ فِي المَاءِ لَهُ شَيْطَانُ يُقَالُ إِنَّ إِسْمَهُ الْوَلْهَانُ (2) فَيُولِعَنَّ النَّاسَ بِالْإِسْرَافِ كَيْ يَدْخُلُوا بِذَاكَ فِي الخِلَافِ
باب النية
وَمَنْ يَشَا الْوُضُوءَ يَنْوِيَنَّا أَدَاءَهُ لِكَيْ يُصَلِّيَنَّا وَمَنْ تَوَضًا لِيَكُونَ طَاهِرَا كَانَ مِنَ الطَّاعَةِ ضَرْبًا ظَاهِرَا وَصَحَ طُهْرُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ الصَّلَاةَ فَهُوَ طُهْرٌ يَحْوِي يُجْزِيهِ لِلْفَرْضِ وَلِلأُجُورِ لِقَصْدِهِ فِيهِ إِلَى الطُّهُورِ كَذَاكَ مَنْ لِنَفْلِهِ تَوَفَّا صَلَّى بِهِ إِنْ شَاءَ ذَاكَ الفَرْضَا وَهَكَذَا مَا لَمْ يَكُنْ ذَا نَقْضِ وَصَلَّ نَفْلًا بِوُضُوءِ الفَرْضِ وَقِيلَ طُهْرُ النَّفْلِ لَا يُصَلَّى بِهِ مِنَ الفُرُوضِ شَيْءٌ أَصْلَا (3)
(1) النَّج: السَّيلان. (أبو إسحاق).
(2) في المسند الصحيح عن أبي بن كعب عنه أنه قال: «إن لبدء الوضوء شيطانا يقال له الولهان فاحذروه» قال الربيع وإنما قيل له الولهان لأنه يلهي النفوس أي يشغلها عن ذكر الله تعالى ويولعها بكثرة استعمال الماء والإسراف في كل شيء مذموم، وزعم ابن بدر الموصلي أنه لم يرد في هذا الباب شيء، وقد أخرجه الحاكم وابن خزيمة في صحيحهما أيضًا ـ (أبو إسحاق) (3) وأكثر القول أن الوضوء من خطاب الوضع، ولا يصح إلا بالنية. (1/95)
صفحة 96
باب صفة الوضوء
الجزء الأول
95
باب صفة الوضوء
(2)
وَابْدَأْ بِذِكْرِ اللهِ فَهُوَ يُنْدَبُ فَضْلًا وَقَالَ الأَصْلُ (1) فِيهِ يَجِبُ وَاغْسِلْ يَدَيْكَ قَبْلَ مَسِّ المَاءِ وَمَضْمِضَنَّ الْفَمَ بِاسْتِقْصَاءِ وَأَدْخِلَنَّ الأُصْبُعَ المُسَبِّحَة (2) لِكَيْ تَنَالَ فَضْلَهُ وَتُمْنَحَهْ وَبَالِغَنَّ عِنْدَ الاسْتِنْشَاقِ إِلَّا لَدَى الصِّيَامِ بِاتِّفَاقِ وَالوَجْهُ طُولًا يُغْسَلَنْ وَعَرْضَا وَالْحَدُّ طُولًا حَيْثُ تَلْقَى القَبْضَا تَقَبَّضَ الجَبْهَةِ عِنْدَ السُّخْطِ وَقِيلَ نَبْتُ الشَّعَرِ المُنْضَبِطِ وَالذِّقْنُ فِي الأَسْفَلِ مُنْتَهَاهُ وَالعَرْضُ لِلأُذْنَيْن غَايَتَاهُ وَغَايَةُ اليَدَيْنِ المِرْفَقَانِ وَذَانِ (3) فِي الغُسْل يُدَخَلَانِ وَمَسْحُكَ الرَّاسَ جَمِيعًا أَفْضَلُ لِأَنَّهُ بِلَا خِلَافٍ أَكْمَلُ وَإِنْ مَسَحْتَ النِّصْفَ مِنْهُ أَجْزَى وَقِيلَ لَا وَرُبِّحَنَّ الإِجْزَى وَالمَسْحُ لِلْأُذْنَيْنِ بَعْدَ الرَّاسِ وَالبَعْضُ قِيلَ رَافِعٌ لِلْبَاسِ فَكُلُّ مَنْ يَتْرُكُ مِنْهَا بَعْضًا لَا يُلْزَمَنَّ فِي الوُضُوءِ نَقْضَا وَيُسْتَحَبُّ قِيلَ مَسْحُ الرَّقَبَهُ وَهُوَ مِنَ الغُلِّ أَمَانٌ وَثُبَهُ (4) (5)
(1) قوله: «الأصل» يعني صاحب الأصل وهو الشيخ الصايغي.
(2) المسبحة: الأصبع التي تلي الإبهام.
(3) وفي نسخة: (وذاهما في الغسل يُدْخَلَانِ) والأصح ما هنا.
(4) الغل: واحد الأغلال، وهو ما يُغَلُّ به العنق يوم القيامة، وقوله: «ثُبَة» أي ثواب، يعني أن فيه
أمانًا من الغُل وثوابًا عند الله.
(5) المثوبة. (أبو إسحاق) (1/96)
صفحة 97
96
الجزء الأول
كتاب الوضوء
وَتُغْسَلُ الرَّجُلَانِ لِلْكَعْبَيْنِ وَالْكَعْبُ هُوَ جَوْزَةُ الرِّجْلَيْنِ وَأَسبِعْ المَاءَ وَثَلَّثَنَّا وَدُونَهُ يُجْزِي وَلَكِنْ سُنَّا وَقِيلَ مَسْحُ الرَاسِ فِيهِ السُّنَّهُ بَمَرَّةٍ كَذَاكَ أَيْضًا أُذْنَهُ (2) وَخَلَّل اللَّحْيَةَ وَالأَصَابِعَا حَتَّى تَكُونَ لِلهُدَى مُتَابِعَا فَإِنَّمَا تَخْلِيلُهَا بِالنَّارِ) لِتَارِكِ جَاءَ عَنِ المُخْتَارِ) وَذَاكَ يَقْضِي بِلُزُومِ الفِعْلِ لِأَنَّهُ بِهِ تَمَامُ الغُسْلِ فَهْوَ نَظِيرُ الغُسْلِ فِي الْأَعْقَابِ فَالكُلُّ فِيهِ الوَعْدُ بِالعِقَابِ لِأَنَّهُ فَرْضٌ وَتَرْكُ البَعْضِ مِنْهُ يَكُونُ مِثْلَ تَرْكِ الفَرْضِ وَذَاكَ فِي لِحْيَتِهِ مَنْدُوبُ وَلَيْسَ فِي تَخْلِيلِهَا وُجُوبُ وَرَتِّبَنَّ فِي الوُضُوءِ الأَعْضَا وَقَالَ قَوْمٌ لَيْسَ ذَاكَ فَرْضًا وَأَمَرَ الأَشْيَاخُ بِالدُّعَاءِ نَدْبًا وَمَا فِي التَّرْكِ مِنْ بَأْسَاءِ وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ فَوْقَ الْعَاتِقِ ثَوْبٌ وَمَا فِي ذَاكَ مِنْ وَثَائِقِ
(1) أراد بالإسباغ التعميم (أبو إسحاق).
(2) قوله: «أذنه» منصوب بفعل مقدر، أي وكذلك السنة أن أُذُنَهُ يمسح مرة واحدة. (3) قوله: «فَإِنَّمَا تَخْلِيلُهَا بِالنَّارِ إشارة إلى قوله: «خللوا بين أصابعكم قبل أن تخلل بمسامير من نار» رواه ربيع بمسنده. (4) يشير إلى ما ورد عنه من الوعيد في ترك التَّخْلِيل ففي المسند الصحيح من طريق ابن عباس عنه أنه قال: «خللوا بين أصابعكم في الوضوء قبل أن تخلل بمسامير من نار» وفي
النهاية: «خللوا بين الأصابع لا يخلل الله بينها النار». (أبو إسحاق) (5) العاتق ما بين المنكبين. (1/97)
صفحة 98
باب نواقض الوضوء
الجزء الأول
97
وَكَرَّهُوا أَنْ يَتَكَلَّمَنَّا إِلَّا لِحَاجَةٍ قَضَاهَا عَنَّا) وَكَرَّهُوا أَنْ يَتَوَفَّا قَائِمَا وَعَارِيَّا وَالسِّتْرُ كَانَ لَازِمَا (2) فإِنْ رَأَىهُ أَحَدٌ فَعَاصِي وَلَا يَصِحُ الطُّهْرُ وَلَا يَصِحُ الطُّهْرُ فِي الْمَعَاصِي وَقَدْ رَوَى المَسْحَ عَلَى الجَبَائِرِ رَبِيعُنَا عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ يَرْوِيهِ بِالبَلَاغ عَنْ عَلِيٌّ وَهُوَ يَرْوِيهِ عَنِ النَّبِيِّ وَقَدْ رَوَى المَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ قَوْمُ وَمَا صَحَ عَنِ الْأَمِينِ فَجَابِرٌ) قَدْ سَأَلَ الصَّحَابَهُ وَكُلُّهُمْ بِالنَّفْي قَدْ أَجَابَهُ)
باب نواقض الوضوء
وَيَنْقُصَنْ وُضُوءَهُ أَشْيَاءُ جَاءَتْ بِهَا الْآثَارُ وَالْأَنْبَاءُ فَخَارِجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ مَعَا كَانَ خَبِيثًا أَوْ سِوَاهُ طَلَعَا
(1) عنا: أي عَرَض. (المصنف)
(2) قوله: «والستر كان لازما الواو للحال، والمعنى أنهم كرهوا أن يتوضى الإنسان عاريًا وهو مستتر، فلو توضى عاريًا في غير مكان ساتر من الناس لم يصح وضوءه؛ لأن الطاعة لا تقوم
مع المعصية.
(3) قوله: «فجَابر» يعني جابر بن زيد وهو ما رواه الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد أنه قال أدركت جملة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألتهم هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على خفيه
فقالوا لا.
يمسح
(4) لم يثبت عند أصحابنا رحمهم الله شيء مما يرويه قومنا من أحاديث المسح على الخفين، ولا عند العترة، ولا عند الإمامية، وفي المسند الصحيح عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد أنه قال: أدركت جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألتهم: هل يمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على خفيه؟ قالوا: لا. وهذا ما أشار إليه الناظم في البيت. وفي شرح المسند للناظم بحث جليل في هذه المسألة. (أبو إسحاق) (1/98)
صفحة 99
98
الجزء الأول
كتاب الوضوء
فَالرِّيحُ نَاقِضُ سِوَى مَا قَدْ خَرَجْ مِنْ قُبُلِ المَرْأَةِ مَا بِهِ حَرَج لأَنَّهُ لَمْ يَنْشَ عَنْ طَعَامِ وَإِنَّمَا ذَاكَ مِنَ الْأَرْحَامِ كَذَاكَ مسُّ المَوْضِعَيْنِ يَنْقُضُ وَالنَّظَرُ المُبَاحُ لَيْسَ يَنْقُضُ فَنَاظِرُ لِفَرْجِهِ أَوْ زَوْجَتِهُ طُهُورُهُ بَاقٍ عَلَى كَيْفِيَّتِهُ وَمَسُّهَا إِيَّاهُ مِثْلُ مَسَّهِ وَالنَّقْصُ فِي لَامِسِهِ بِنَفْسِهِ وَمَا عَلَى المَمْسُوسِ نَقْضٌ قِيلَا لِأَنَّهُ لَمْ يَلْمَسِ السَّبِيلَا وَمَسُّهُ قِيلَ مِنَ البَهَائِم لَيْسَ بِنَاقِضِ لِطُهْرِ القَائِمِ إِلَّا إِذَا مَا كَانَ رَطْبًا فَإِذَنْ يَنْقُضُ حَيْثُ لِلْخَبِيثِ يَلْمِسَنُ وَالمَسُّ لِلْأَنْجَاسِ وَالْأَخْبَاتِ يَنْقُضُ مِثْلَ سَائِرِ الْأَحْدَاثِ فَالمَسُّ لِلْمَيْتَةِ نَاقِضُ سِوَى وَلِيهِ (1) إِنْ مَسَّهُ بَعْدَ التَّوَا (2) فَقِيلَ فِيهِ نَاقِضُ وَقِيلَ لَا إِذْ وَصْفُهُ بِالطَّهْرِ شَرْعًا نُقِلَا (3) وَلَامِسُ اليَابِسَ فِي يَبَاسِهِ طُهُورُهُ بَاقٍ عَلَى أَسَاسِهِ (4) وَتَنْقُضُ الغِيبَةُ وَالنَّمِيمَهُ وَمِثْلُهَا الْمَعْصِيَةُ النَّمِيمَة)
(1) قوله: «سوى وليه» أي لقوله صلى الله عليه وسلم إن المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا.
(2) التوا: الهلاك.
(3) يشير إلى ما ورد عنه عليه الصلاة والسَّلام أنه قال: «المؤمن لا ينجس حيًّا ولا ميتًا». (أبو إسحاق) (4) قوله: «على أساسه» أي على أصله.
(5) قيل: الكبيرة مطلقًا ناقضة قياسًا لما لم يرد فيه النص على ما ورد، وقيل: الناقضة هي التي ورد فيها النص بالنقض كالغيبة والنميمة وقيل: النقض بالإشراك والغيبة والنميمة والكذب واليمين الفاجرة ونظرة الشهوة إلى الأجنبية. (1/99)
صفحة 100
باب نواقض الوضوء
الجزء الأول
99
وَقِيلَ لَا تَنْقُضُ وَالحَقَّ أَرَى فِي نَقْضِهَا إِذَا تَعَمُّدًا جَرَى لأَنَّهُ جَاءَ عَنِ المُخْتَارِ) فِي بَعْضِهَا بِالنَّقْضِ وَالْإِفْطَارِ كَذَاكَ ذِكْرُ عَوْرَةِ الْإِنْسَانِ بِأَقْبَح الأَسْمَاءِ وَالْمَعَانِ وَالشَّتْمُ إِنْ كَانَ مِنَ الْعِصْيَانِ فَإِنَّهُ وَذِكْرَهَا سِيَّانِ وَلَيْسَ بِالْبَوْلِ يُقَيَّدَنَّا (3) كَمَا مِنَ التَّعْبِيرِ يُفْهَمَنَّا وَمِنْهُ أَيْضًا اسْتِمَاعُ السِّرِّ مَا بَيْنَ قَوْمٍ وفُتُوحِ السِّفْرِ عَنَيْتُ سِفْرًا فِيهِ سِرٌ لِلْوَرَى لَا دَفْتَرَ الحَاكِمِ أَوْ مَنْ تَجَرَا فَإِنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ سِرُّ فَمَا عَلَى النَّاظِرِ قَطْعًا حِجْرُ
وغيبة الفاسق لا تنقض اتفاقًا؛ لإباحتها بالنص عن الشارع، وقال ضمام بن السائب رحم الله: قيل لجابر بن زيد الله: أرأيت الرجل يكون وقاعًا في الناس فَأَقَعُ فيه أَلَهُ غيبة؟ قال: لا. قيل له: ومن الذي تحرم غيبته؟ قال: رجل خفيف الظهر من دماء المسلمين، خفيف البطن من أموالهم، أخرس اللسان عن أعراضهم، فهذا الذي تحرُمُ غيبته، ومَن سواه فلا حزمة له ولا غيبة فيه. قال ضمام قلت يا أبا الشعثاء ما تقول في الرجل يُعْرَفُ بالكذب أله غيبة؟ قال: لا. قلت والغاش لأُمَّةِ محمد؟ قال: لا غيبة له ولا حزمة. قلت: الصانع بيده يَغُش في عمله أله غيبة؟ قال: لا، قلت: ولِمَ؟ قال: من أكل الحرام فلا غيبة له ولا حرمة وهو مهتوك الستر، ألا لا غيبة لكل مهتوك، ولا حرمة له عند رب العالمين، فكيف عند الخلق. (أبو إسحاق)
(1) قوله: «جاء عن المختار» يعني ما رواه الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد .. إلخ. (2) قوله: «وذكرها» منصوب عطفا على الضمير المتصل بإنَّ، قال الله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء: 98].
(3) قوله: «وليس بالبول يقيدنا أي أن النقض بالشتم ليس مقيدًا بذكر البول فقط كما يفهم من عبارة بعض علماء عُمان؛ كابن النضر وغيره؛ ولكنه بكل ما يُعدُّ شتما، ولو لم يذكر
فيه البول. (1/100)
صفحة 101
الجزء الأول
كتاب الوضوء
وَاحْكُمْ عَلَى الدَّاخِلِ بَيْتَ الْغَيْرِ أَوْ نَاظِرِ فِيهِ بِنَيْلِ الصَّيْرِ إِلَّا الَّذِي يُؤْذَنُ فِي دُخُولِهِ كَبَرْزَةِ الحَاكِمِ فِي وُصُولِهِ وَالبَيْتُ فِيهِ الْجَمْعُ لِلعَزَاءِ أَوْ فِيهِ لِلْبَيْعِ وَلِلشِّرَاءِ وَهَكَذَا مَجَامِعُ الرِّجَالِ وَكُلُّ مَأْذُونَ بِهِ لِحَالِ وَحَاصِلُ المَقَامِ أَنَّ الحِجْرَا مَعْصِيَةٌ فَتَنْقُصَنَّ الطُّهْرَا وَحَيْثُ زَالَ الحِجْرُ جَازَ الفِعْلُ وَبَقِيَ الطَّهْرُ وَهَذَا الأَصْلُ وَالِاسْتَعْفَارُ دَائِمًا مَطْلُوبُ وَفِعْلُهُ لِرَبِّنَا مَحْبُوبُ فَيُنْمِرنَّ لِلْعِبَادِ الأَجْرَا فَكَيْفَ قِيلَ يَنْقُضَنَّ الطَّهْرَا إِنْ قَالَهُ العَاصِي عَلَى إِصْرَارِ لِأَنَّهُ مُعَانِدٌ لِلْبَارِي فَكَانَ نَفْسُ الاسْتِغْفَارِ كَذِبًا فَلَزَّمُوهُ النَقْضَ حِينَ كَذَبَا وَلَا أَقُولُ كَذِبٌ بَلْ ذَاكَا ذِكْرٌ وَطَاعَةٌ وَنَحْوُ ذَاكَا فَهَلْ تَرَى الطَّاعَةَ تَنْقُصَنَّا لَوْ لَمْ تَكُنْ فِي الغَيْبِ تُقْبَلَنَا لَوْ كَانَ بَعْضُ الِاسْتِغْفَارِ نَاقِضَا لَبَيَّنَ الشَّارِعُ مِنْهُ الْغَامِضَا وَهْوَ عَلَى الجُمْلَةِ مَأْمُورٌ بِهِ فَلْيَرْجِعَنَّ مَنْ عَصَى لِرَبِّهِ
(1) قوله: «كبرزة الحاكم أي مجلسه الذي يبرز فيه لعامة الناس، وأصلها من البروز وهو الظهور. (2) قوله: «للعزا» هو المكان الذي يجتمع فيه للمأتم، ويسمى عند أهل عُمان بيت العزاء، ومكانه مأخوذ من العزاء الذي هو الصبر، لأنهم يتواصون فيه بالصبر على المصاب، يقال: فلان تعزّى عن كذا إذا صبر وتسلى عنه، قال الشاعر: تَعَزَّ فَلَا شَيْءٌ عَلَى الْأَرْضِ بَاقِيَا وَلَا وَزَرٌ مِمَّا قَضَى اللهُ وَاقِيَا (1/101)
صفحة 102
باب نواقض الوضوء
الجزء الأول
101
(2)
وَقَاطِعُ الصَّلَاةِ لَا لِمَعْنَى فَطُهْرُهُ) قَدْ قِيلَ يَفْسُدَنَّا لِأَنَّهُ أَبْطَلَ فِيهِ عَمَلَهُ وَاللهُ قَدْ نَهَاهُ عَنْ أَنْ يُبْطِلَهُ وَيَفْسُدَنَّ طُهْرُ مَنْ قَدْ حَلَفَا عَلَى وُضُوئِهِ بِرَأْسِ الْمُصْطَفَى وَقِيلَ لَا يَفْسُدُ وَهُوَ عَاصِي فَالْخُلْفُ فِيهِ الْخُلْفُ فِي الْمَعَاصِي لِأَنَّهُ بِغَيْرِ رَبِّي أَقْسَمَا وَهْوَ مِنَ المَمْنُوعِ شَرْعًا فَاعْلَمَا وَإِنْ يَكُنْ لَمْ يَكْسِرَنَّ السَّيْنَا فَالْخُلْفُ ثَابِتٌ لِمَا عَنَيْنَا فَإِنَّهُ وَإِنْ يَكُنْ قَدْ لَحَنَا فِي لَفْظِهِ فَلِلْيَمِينِ قَدْ عَنَا وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ لَا بِالْمَقَالِ وَالتَّلَفُظَاتِ وَالْمَرْءُ مَأْخُوذُ بِمَا يَقُولُ وَفِعْلُهُ بِقَصْدِهِ مَعْقُولُ وَاخْتَلَفُوا فِي النَّقْضِ لِلطُّهُورِ بِالْمَشْيِ وَالوَطْءِ عَلَى القُبُورِ وَأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ المَعَاصِي فَالْخُلْفُ حَيْثُ كَانَ فِيهِ عَاصِي وَنَاظِرٌ عَمْدًا لِأَجْنَبِيَّهُ يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ فِي النِّيَّة فَالنَّقْضُ قِيلَ أَكثرُ الأَقْوَالِ وَعَكْسُهَا بِعَكْسِ هَذَا الحَالِ
(1) قوله: «فطهره» أي وضوءه، وذلك لأن قطع الصلاة لدون داع إبطال للعمل، وقد نهى الله عنه في قوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَكُمْ} [محمد: 33] فإذا تعمد لذلك صار عاصيا، وهو مبني على القول بأن المعصية تنقض الوضوء، والخلاف في ذلك مشهور، والله أعلم. (2) قوله: «لم يَكْسِرَنّ السِّينَا أي من سين الرأس كأن يقول: ورأس المُصطفى بالضم أو الفتح أو السكون؛ لأن واو القسم تجرها بعدها نحو والله وتالله فكأنه إذا لم يجر السين لم يحلف؛ لأنه لم يأتِ بوجه القسم، والصحيح ما قاله المصنف له من كون الاعتبار في ذلك بالقصد، فلا عبرة بلحن العوام مع القصد. (1/102)
صفحة 103
102
الجزء الأول
كتاب الوضوء
قُلْتُ وَكَانَ يَنْبَغِي وَيَلْزَمُ نَقْضُ الطُّهُورِ حَيْثُ كَانَ يَأْثَمُ وَيَلزَمَنْ بَقَاؤُهُ إِذْ يَسْلَمُ مِنْ إِثْمِهِ وَذَا المَقَالُ مُحْكَمُ وَالنَّوْمُ حَالَ الاضْطِجَاعِ يَنْقُضُ لَا جَالِسًا لِأَنَّهُ يَسْتَيْقِظُ (1) يُحِسُّ كُلَّ نَاقِضِ لِظُهْرِهِ وَالنَّقْضُ حَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يَدْرِهِ مِنْ ثَمَّ (2) كَانَ بِزَوَالِ العَقْلِ مُنْتَقِضًا إِذْ مَا دَرَى بِالْفِعْلِ فَمُتَوَضٌ جَاءَهُ الإِغْمَاءُ أَوِ الجُنُونُ كُلُّهُ سَوَاء فَإِنَّهُ يُعِيدُ عِنْدَ الصَّحْوِ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْرِ مَاذَا يَحْوِي مَا مَسَّتِ النَّارُ مِنَ الطَّعَامِ لَا يَنْقُصَنَّ الطُّهْرَ فِي الْأَحْكَامِ لِأَنَّهُ مِنَ الحَلَالِ الطَّاهِرِ فَأَكْلُهُ فِي النَّقْضِ غَيْرُ ظَاهِرِ وَذَابِحٌ وَمَا أَصَابَهُ الدَّمُ وُضُوءَهُ بَاقٍ وَلَا يَنْهَدِمُ كَذَاكَ أَيْضًا حَامِلُ الجَنَائِزِ إِذْ لَمْ يَكُنْ كَمَسٌ مَيْتٍ بَارِزِ وَهَاهُنَا قَدْ بَقِيَتْ مَسَائِلُ لَيْسَ لَهَا فِي بَابِنَا مَدَاخِلُ فَالتَمِسَنَّ حُكْمَها مِنْ بَابِهَا وَاللَّهُ يَهْدِينَا إِلَى صَوَابِهَا
(1) قوله: «يستيقظ هو بالظاء المعجمة المشالة. وروي الشطر الأول بالساقطة فلعله أخذ في هذا بلغة من يبادل بينهما لقرب بعضهما من بعض في النطق حتى إن كثيرًا من الناس لا يفرقون بينهما. (2) من ثم: أي من هنا فهي من الظروف المعنوية. (1/103)
صفحة 104
باب نواقض الوضوء
الجزء الأول
103
كتاب التيمم
طَهَارَةٌ إِلَى التُّرَابِ تُنْسَبُ إِنْ عُدِمَ الْمَاءُ هُنَاكَ تَجِبُ خَصَّ بِهَا الرَّحْمَنُ هَذِي الْأُمَّهُ فَكَانَ ذَاكَ مِنْ تَمَامِ النِّعْمَة وَضَاقَ جَهْلُهُ فَمَنْ صَلَّى بِلَا تَيَمُّم فَأَلْزِمَنْهُ البَدَلَا وَهَكَذَا عَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَا إِنْ تَرَكَ الْوَقْتَ إِلَى أَنْ غَبَرَا) وَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَهْلُ السَّفَرِ وَالخُلْفُ فِي جَوَازِهِ فِي الحَضَرِ فَقِيلَ إِنْ خَافَ الفَوَاتَ بِالطَّلَبْ فَلْيَتَيَمَّمْ وَلِيُصَلِّ مَا وَجَبْ وَقِيلَ بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَطْلُبَا وَلَوْ رَأَى الفَوْتَ عَلَيْهِ وَثَبَا لأَنَّما التَّرْخِيصُ لِلْمُسَافِرِ وَلَيْسَ يُعْطَى عِنْدَهُم لِلْحَاضِرِ وَهَؤُلَاءِ أَخَذُوا بِالظَّاهِرِ مِنَ الْخِطَابِ وَهْوَ ضِدُّ الشَّاهِرِ وَمَنْ رَأَىهُ فِي المَرِيضِ نَصَّا يَعْلَمُ أَنَّ فَرْضَهُ مَا خَصَّا وَمِنْ هُنَا رَخَّصَ مَنْ أَجَادَا لِمَنْ جَنَى السُّوعَ (2) أَوِ الجَرَادَا إِنْ خَافَ فَوْتَ مَا جَنَاهُ إِنْ طَلَبْ وَمِثْلُهُ مَنْ خَافَ مَالًا يُنْتَهَبْ وَقِيلَ إِنَّ رُحْصَةَ الجَنَاءِ لِلْفُقَراءِ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ فَالفُقَرَا فِي ذَاكَ مُحْتَاجُونَا وَالْأَغْنِيَا فِي ذَاكَ مُشْتَهُونَا
(1) غَبَر: أي مضى.
(2) الشوع هو شجرُ الْبَان المعروف. (1/104)
صفحة 105
104
الجزء الأول
كتاب التيمم
فَجَعَلُوا التَّرْخِيصَ لِلْمُحْتَاج وَقَابَلُوا الشَّهْوَةَ بِالْإِزْعَاجِ وَطَلَبُ الْمَاءِ مَعَ الإِيَاسِ فِيهِ اخْتِلَافُ عُلَمَاءِ النَّاسِ فَقَائِلُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَطْلُبَا لِأَنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ وَجَبَا وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ حَيْثُ يُرْتَجَى وُجُودُ مَا وَلَا يَجوزُ عِنْدَنَا التَّيَمُّمُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَهْوَ مُحْكَمُ لأَنَّهُ ضَرُورَةٌ يُصَارُ لَهَا إِذَا مَا جَاءَ الاِضْطِرَارُ وَلَا اضْطِرَارَ قَبْلَ وَقْتِ الْوَاجِبِ فَالْفِعْلُ قَبلَ الْوَقْتِ غَيْرُ صَائِبِ وَجائِزُ بَعْدَ الوُجُوبِ الْحَاضِرِ فِي أَوَّلٍ وَوَسَطِ وَآخِرِ وَقِيلَ فِيهِ بَلْ يُؤَخِّرَنَّا لَعَلَّهُ لِلْمَاءِ يُدْرِكَنَّا وَمَن رَأَى الْمَاءَ وَقَدْ تَيَمَّمَا فَإِنَّ ذَاكَ يُفْسِدُ التَّيَمُّمَا
(1)
وَلَوْ رَأَى ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَبُوءُ بِالْبَتَاتِ
مَنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا قَليلَ مَاءِ لَمْ يَكْفِهِ لِجُمْلَةِ الْأَعْضَاءِ فَإِنَّهُ يُقَدِّمَنَّ الأَقْدَمَا وَيَقْصِدَنَّ بَعْدَهُ التَّيَمُّمَا فَيَحْصُلَنْ بِفِعْلِهِ الْيَقِينُ وَالِاحْتِيَاطُ مِثْلُ ذَا يَكُونُ وَوَاجِدٌ لِجَامِدٍ (2) تَحَكُمَا يَفْعَلُ فِيهِ فِعْلَ مَنْ تَيَمَّمَا
(1) قوله: «تبوء»: أي تعود، والمعنى أنها تصير فاسِدَةً إذا رأى الماء في أثناء صلاته قبل أن يُسلّم منها. (2) أراد بالجامد الماء الذي صار ثَلْجا. (1/105)
صفحة 106
باب نواقض الوضوء
الجزء الأول
1.0
وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ التَّيَتُم بِالْمَاءِ يَأْتِيهَا لِحَالِ الْعَدَمِ لَكِنْ أَقُولُ إِنَّ فِيهَا نَظَرَا إِذْ لَمْ أَجِدْ فِي ذَا المَقَالِ خَبَرَا هُمَا طَهَارَتَانِ فِعْلُ هَذِي مُخَالِفٌ فِي الْوَصْفِ فِعْلَ هَذِي وَالْجَمْعُ مُحْتَاجُ إِلَى دَلِيلِ وَلَيْسَ يُجْزِي فِيهِ نَفْسُ القِيلِ وَإِنَّ وَصْفَ الطُّهر قَدْ تَقَدَّمَا وَهَاكَ وَصْفَ مَنْ يَشَا التَّيَمُّمَا يَقْصِدُ بِالنِّيَّةِ لِلْتُرَابِ وَيَضْرِبَنَّ فِيهِ لِلْإِيجَابِ يَبْسُطُ كَفَّيْهِ وَيَضْرِبَنَّا وَاحِدَةً وَالْوَجْهَ يَمْسَحَنَّا وَيَضْرِبَنَّ لِلْيَدَيْنِ أُخْرَى وَيَمْسَحَنَّ بَاطِئًا وَظَهْرَا فَيَنْتَهِي بِالْمَسْحَ لِلرُّسْغَيْنِ وَقِيلَ تُجْزِي ضَرْبَةٌ عَنْ تَيْنِ وَالأَوَّلُ الصَّوابُ لِلدَّلِيل وَالفَرْضُ فِيهِ نِيَّةُ التَّحْصِيل وَوَصْفُهُ المَذْكُورُ وَالصَّعِيدُ كَمِثْل مَا خَاطَبَنَا الحَمِيدُ أَمَّا الصَّعِيدُ فَهُوَ طُهُرٌ طَيِّبُ لَا رَمْلَةٌ وَلَا سِبَاخُ تَلْزُبُ) وَالهَبُّ (2) وَالرَّمَادُ وَالجَصُّ مَعَا وَالآجُرُ الْمَحْرُوقُ كُلٌّ مُنِعَا وَالمِلْحُ إِذْ لَمْ يَكُ بِالتُّرَابِ فَالمَنْعُ فِيهِ ظَاهِرُ الصَّوَابِ وَمُعْدَمُ التُّرَابِ يَقْصِدَنَّا أَقْرَبَهَا شِبْهَا وَيَعْمَلَنَّا
(1) تلزب: أي تلصق.
(2) الْهَكّ: ما تفرّق من الحطب ونَحْوه، حتى صار مثل التراب. (1/106)
صفحة 107
1.7
الجزء الأول
كتاب التيمم
وَمُعْدَمُ الجَمِيعِ يَضْرِبَنَّا بِكَفِّهِ الْهَوَى وَيَمْسَحَنَّا يَنْوِي بِهِ تَيَمُّمَّا وَقِيلَا يَنْوِ الوُضُوءَ فَاطْلُبِ الدَّلِيلا وَلَا أَرَى فِيهِ دَليلًا يُنْبِي لَكِنَّهُ مَعْذِرَةٌ لِلرَّبِّ فَإِنَّهُ غَايَةُ مَا يُمْكِنُهُ وَهْوَ احتياطُ وَالْهُدَى نُعْلِنُهُ وَالْمَوْضِعُ المَغْصُوبُ قِيلَ يَحْرُمُ مِنْهُ وَقِيلَ يُكْرَهُ التَّيَمُّمُ وَلَيْسَ فِي السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ تَيَمُّمُ المُصْحَفِ وَالثَّيَابِ كَذَاكَ أَيْضًا مَنْحَرُ النَّبِيحَهُ لَيْسَ بِهِ رِوَايَةٌ صَحِيحَة وَلَمْ أَجِدْ أَيْضًا لَهُ اسْتِنْبَاطًا وَإِنَّمَا قَالُوا وَإِنَّمَا قَالُوا بِهِ اِحْتِيَاطَا وَجَاءَ مَنْ لَمْ يَفْهَمَنَّ المَعْنَى فَظَنَّ أَنَّهُ اللُّزُومُ يُعْنَى) وَلَا يَصِحُ أَنْ يُقَاسَ فَاسْمَعَا عَلَى التَّيَمُّمِ الَّذِي قَدْ شُرِعًا لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ لَمْ يُعْلَم مُوجِبُهَا سِوَى مَقَامِ العَدَمِ مَوْضِعُها فِي الوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَلَا تَصِحُ فِي سِوَى هَذَيْنِ فَكَيْفَ بِالشَّيَابِ حِينَ تُسْحَبُ فِي التُّرْبِ وَالمُصْحَفُ إِذْ يُتَرَّبُ وَذَاكَ حِينَ نَالَتِ النَّجَاسَهُ جَمِيعَهُ أَوْ لَحِقَتْ قِرْطَاسَهُ لأَنَّ فِي الغُسْلِ لَهُ ضَرُورَهُ كَذَاكَ حُكْمُ الْكُتُبِ الْمَسْطُورَة وَهَاهُنَا تَمَامُ هَذَا الْبَابِ واللَّهُ يَهْدِينَا إِلَى الصَّوَابِ
(1) يُعْنَى: أي يُرَادُ ويقصد، وهو مبني على المفعول. (1/107)
صفحة 108
باب نواقض الوضوء
الجزء الأول
107
كتاب الصلاة
عِبَادَةٌ جَاءَتْ مِنَ السَّمَاءِ جَاءَتْ بِهَا جَمِيعُ الانْبِيَاءِ وَكُلُّ وَاحِدٍ بِهَا قَدْ أَوْصَى أُمَّتَهُ بِمَا بِهِمْ قَدْ خُصَّا وَكُلُّ أُمَّةٍ لَهَا سَبِيلُ فِي فِعْلِ ذَاكَ وَلَهَا تَفْصِيلُ وَكَانَ فِي أَوَّلِ هَذَا الشَّرْعِ لَهَا سَبِيلٌ شَاهِرٌ فِي السَّمْعِ تَنَقَّلَ التَّكْلِيفُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَلَا يَعُودُ مَا تَنَقَلَا بِمَوْتِهِ صَلَّى عَلَيْهِ اللهُ قَدْ سُدَّ بَابُ الْوَحْيِ عَنْ سِوَاهُ وَهْيَ مِنَ الْعَبْدِ إِلَى اللَّهِ صِلَهُ يَا حَبَّ مَنْ بِحَبْلِهِ قَدْ أَوْصَلَهُ لَعَمْرِي أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ لِأَنَّهَا رِضَى لِذِي الْجَلَالِ فَقُمْ إِلَيْهَا بِحُضُورِ قَلْبِ وَنِيَّةٍ خَالِصَةٍ لِلرَّبِّ مَعَ خُشُوعِ القَلْبِ وَالْجَوَارِحِ فَفِي افْتِرَاقِ ذَيْنِ أَيُّ قَادِحٍ فَإِنَّهُ النَّفَاقُ نَسْتَعِيذُ بِاللهِ مِنْهُ وَهُوَ المُعِيذُ وَقِيلَ مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَنْ مُنْكَرٍ فِي تَرْكِهِ نَجَاتُهُ تَزيدُهُ مِنَ الإِلَهِ بُعْدًا يَا خَيْبَةَ الْمَسْعَى لِمَنْ لَمْ يُهْدَى وَكُنْ مِنَ القَبُولِ فِي رَجَاءِ وَفِي مَخَافَةٍ مِنَ الجَزَاءِ فَإِنَّهَا عِبَادَةٌ تُقَدَّمُ لِنَاقِدٍ وَهْوَ الغَنِيُّ الْأَعْظَمُ يَقْبَلُ مَا شَاءَ بِمَحْضِ الفَضْلِ وَيَتْرُكَنَّ مَا يَشَا بِالعَدْلِ (1/108)
صفحة 109
108
الجزء الأول
كتاب الصلاة
وَإِنَّهَا لِدِينِنَاعِمَادُ إِنْ تُقْبَلَنَّ رَبِحَ الْعِبَادُ حَافِظٌ عَلَى فُرُوضِهَا مِنْ طُهْرٍ وَنِيَّةٍ وَبُقْعَةٍ وَسِتْرِ وَالوَقْتِ وَالقِبْلَةِ فَاسْتِقْبَالُهَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَبِهِ كَمَالُهَا يَقْصِدُهَا بِالْعَيْنِ أَوْ بِالوَصْفِ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِيهَا يَكْفِي وَنِيَّةُ اسْتِقْبَالِهَا تَكْفِيهِ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ يُصَلِّي مَا شَاءَ بِهَا (1) وَيَنْتَفِلْ مَا دَامَ عَنْ مَوْضِعِهِ لَمْ يَنْتَقِلْ وَقَالَ بَعْضُ العُلَمَا تُجْزِيهِ مَا دَامَ حَيًّا لِلَّذِي يَأْتِيهِ مَعْنَاهُ لَا يَلْزَمُهُ تَجْدِيدُهَا عِنْدَ صَلَاتِهِ الَّتِي يُرِيدُهَا وَنِيَّةُ الصَّلَاةِ بِالجَنَانِ فَقَط دُونَ اللَّفْظِ بِاللَّسَانِ وَاللَّفْظُ تَأْكِيدٌ لِمَنْ يَشَاهُ وَقِيلَ لَازِمٌ وَلَا نَرَاهُ كَيْفَ يَكُونُ اللَّفْظُ يَلْزَمَنَّا وَلَمْ يَكُنْ فِي القَصْدِ يَدْخُلَنَّا والواجِبُ النِيَّةُ دُونَ القَوْلِ فَلَا أَرَى صِحَّتَهُ مِنْ قَوْلِ
باب في الأذان والاقامة
(*) (2)
وَبِدُخُولِ وَقْتِهَا تُؤَدَّى يُقَدِّمَنَّ الأَبْدَى ثُمَّ الأَبْدَى وَاتَّخِذِ المُؤَذَنَ الأَمِينَا يَعْلَمُ وَقْتَ فِعْلِهَا يَقِينَا
(1) قوله: «بها» أي بالنية.
(2) قوله: «الأَبْدَى» أي يُؤْتَى منها بالأَوَّلِ فالَأَوَّلِ من أعمالها.
(*) تقرأ (الأبدى) الأولى بدال مفتوحة من غير مد الألف. (إسماعيل) (1/109)
صفحة 110
باب في الأذان والاقامة
الجزء الأول
1.9
لَا يَأْخُذُ الأَجْرَ عَلَى الأَذَانِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ بِالْمَنَّانِ وَاجْعَلْهُ لِلْأَذَانِ وَالإِقَامَةُ يُقِيمُهَا بِإِذْنِ ذِي الإِمَامَةً وَيَرْفَعْنَّ الصَّوْتَ بِالأَذَانِ وَيَجْعَلُ الإِصْبَعَ فِي الْآذَانِ وَقِيلَ إِنْ أَقَامَ وَهُوَ يَمْشِي فَإِنَّهُ يُكْرَهُ دُونَ فُحْش وَالخُلْفُ فِي أَذَانِهِ وَهْوَ جُنُبْ وَفِي اكْتِفَائِهِمْ بِهِ نَصُّ الكُتُبْ وَمَا عَلَى مَنِ اكْتَفَى مِنْ بَاسِ إِنَّ الْأَذَانَ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ وَمِثْلُهُ قَدْ قِيلَ فِي الإِقَامَهُ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ أَحْكَامَهُ فَقِيلَ سُنَّةٌ وَقِيلَ فَرْضُ وَثِقَةٌ يَشْرِطُ فِيهَا البَعْضُ فَإِنْ يَكُنْ لَيْسَ بِهَذَا الوَصْفِ أَسَرَّهَا الإِمَامُ فِيمَا يُخْفِي وَلَا دَلِيلَ عِنْدَنَا لِهَذَا إِنِّي أَرَى قَائِلَهُ قَدْ هَاذَى يَظُنُّ أَنَّ الإِحْتِيَاطَ فِيهِ وَهْوَ فَسَادٌ حَيْثُ لَا يَدْرِيهِ فَكَانَ مِنْهُ سَبَبُ انْصِرَافِ مَنْ بَعْدَهُ عَنْ سُنَّةِ الأَسْلَافِ فَجَعَلُوا إِمَامَهُمْ مُقِيمَا إِذْ كَانَ فِيهِ ثِقَةٌ سَلِيمًا وَقَبِلُوا الأَذَانَ مِمَّنْ حَضَرَا فَبَدَّلُوا سُنَّةَ سَيِّدِ الْوَرَى إِذْ كَانَ فِي سُنَّتِهِ مَنْ أَذَّنَا فَهْوَ يُقِيمُ وَعَلَيْهِ صَحْبُنَا حَتَّى أَتَى مَنْ جَهِلُوا الْمَسْنُونَا وَهُمْ لِلْاحْتِيَاطِ يَدَّعُونَا فَبَدَّلُوا وَلَيْتَهُمْ مَا بَدَّلُوا وَرَسَخَتْ بِقَلْبِ مَنْ لَا يَعْقِلُ (1/110)
صفحة 111
110
الجزء الأول
كتاب الصلاة
حَتَّى أَدَّعَاهَا سُنَّةً وَاحْتَالَا عَلَى ثُبُوتِهَا بِمَا قَدْ قَالَا وَهُوَ لَعَمْرِي جَدَلٌ مُحَرَّمُ لِأَنَّهُ يَقُولُ مَا لَا يَعْلَمُ وَأَنَّهُ سَاعٍ لِهَدْمِ السُّنَّة بِجَهْلِهِ كَفَى بِهَذَا مِحْنَهُ
لَوْ كَانَ سُنَّةً كَمَا قَدْ زَعَمَا لَمْ تَفْتَنْ أَسْلَافَنَا وَالعُلَمَا كَيْفَ تَكُونُ سُنَّةٌ مُخَالِفَة لِمَا عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ السَّالِفَة وَفِعْلُهُ صَلَّى عَلَيْهِ رَبُّهُ مُشْتَهِرٌ مَضَى عَلَيْهِ صَحْبُهُ وَالخُلفَاءُ الرَاشِدُونَ أَجْمَعُ إِلَى انْتِهَائِهِمْ عَلَيْهِ أَجْمَعُوا وَلَا تُؤَذِّنُ الْفَتَاةُ لِأَحَدُ وَلَا تُقِيمُ فَهُوَ مَنْعُ لِلأَبَدْ لَأَنَّ ذَاكَ صِفَةُ الرِّجَالِ لَا مِنْ صِفَاتِ رَبَّةِ الحِجَالِ وَإِنَّ خَفْصَ صَوْتِهَا النَّمِينِ مُخَالِفٌ لِحَالَةِ التَّأْذِين وَلَا أَذَانَ لَا وَلَا إِقَامَهُ عَلَى النِّسَا كَذَاكَ لَا إِمَامَهُ وَجَائِزٌ خُرُوجُهَا لِلْمَسْجِدِ بِشَرْطِ أَنْ لَمْ تَتَعَطَّرْ فَقَدِ صَلَاتُهَا فِي البَيْتِ أَعْلَا فَضْلَا وَقَعْرُ بَيْتِهَا بِذَاكَ أَوْلَى وَمِنْ تَعَدُّدِ الأَذَانِ مُنِعَا لأَنَّهُ خِلَافُ مَا قَدْ شُرِعَا فَقَوْلُهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَا فِي مَسْجِدٍ إِثْنَانِ لَيْسَ بَيِّنَا وَهَكَذَا ثَلَاثَةٌ أَوْ أَكْثَرُ قُلْتُ وَفِعْلُ ذَاكَ عِنْدِي مُنْكَرُ لَوْ كَانَ خَيْرًا لَمْ يَفُتْ مُحَمَّدًا وَصَحْبَهُ وَلَمْ يَكُنْ تَعَدَّدَا (1/111)
صفحة 112
باب التوجيه
الجزء الأول
111
وَإِنَّمَا يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ ثُمَّ يُقِيمُ وَبِذَاكَ يُعْلِنُ وَجَاءَ فِي التَّثْوِيبِ بِالْفَلَاحِ زِيَادَةٌ تُخَصُّ بِالصَّبَاحِ وَذَاكَ بَعْدَ أَنْ يُؤَذِّنَنَّا لَعَلَّهُ مَنْ نَامَ يُوقِظَنَّا وَالخُلْفُ فِي مَعْنَى الْفَلَاحِ اشْتَهَرَا فَقِيلَ إِنَّهُ أَرَادَ الظَّفَرَا وَقَالَ قَوْمٌ إِنَّهُ النَّجَاةُ وَآخَـ رآخَرُونَ إِنَّهُ الْحَيَاةُ وَقَالَ قَوْمٌ إِنَّهُ السَّعَادَهُ وَكُلُّهُمْ قَدْ قَصَدُوا مُرَادَهُ وَالْخُلْفُ لَفْظِيٌّ وَأَمَّا الْمَعْنَى فَإِنَّهُ الْفَوْزُ غَدَاةً يُعْنَى
باب التوجيه
وَإِنَّمَا التَّوْحِيهُ ذِكْرٌ خُصًا بِأَوَّلِ الصَّلَاةِ فِيمَا نُصَّا قَبْلَ الدُّخُولِ وَهُوَ قَولُ الأَكْثَرِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَيْسَ بِالْمُشْتَهِرِ وَإِنَّهُ فِي قَوْلِ بَعْضٍ فَرْضُ وَسُنَّةٌ قَدْ قَالَ أَيْضًا بَعْضُ وَهْوَ الصَّحِيحُ وَالْهَلَاكُ يَلْزَمُ لِتَارِكِ الْفَرْضِ كَذَاكَ يَأْتَمُ وَذَاكَ مُحْتَاجُ إِلَى دَلِيلِ وَمَا إِلَى التَّهْلِيكِ مِنْ سَبِيلِ وَهَلْ يُعِيدُ تَارِكُ التَّوْجِيهِ صَلَاتَهُ فَالْخُلْفُ جَاءَ فِيهِ وَكُلٌّ مَنْ قَدْ شَكَ فِي التَّوْجِيهِ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَحْرَمَ لَا يَأْتِيهِ لَكِنَّهُ عَلَى الصَّلَاةِ يَمْضِي فِي نَفْلِهِ إِنْ كَانَ أَوْ فِي فَرْضِ (1/112)
صفحة 113
112
الجزء الأول
كتاب الصلاة
لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ الدُّخُولَا وَالشَّكُ لِلْيَقِينِ لَنْ يُزِيلا وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي قَدْ فَطَرَا أَقْبَلْتُ لِلْقِبْلَةِ حَيْثُ أَمَرَا وَقِيلَ بَلْ قَصَدتُ بِالْكُلِّيَّة إِلَيْهِ بِالْأَفْعَالِ بَعْدَ النِّيَّهْ مَعْنَى حَنِيفًا مُسْتَقِيمًا فُسِّرَا وَهُوَ مِنَ الأَضْدَادِ فِيمَا ذُكِرَا لِأَنَّهُ فِي الأَصْلِ نَفْسُ الْمَيَلِ فَالْمُسْتَقِيمُ مَالَ نَحْوَ الْأَعْدَلِ
مُسْتَقِيمُ
مَالَ عَنِ الجُمْهُورِ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْهُدَى وَذَاكَ مُسْ إِذْ لَمْ يَكُنْ مُوَحَدًا (1) سِوَاهُ كَانَ حَنِيفًا فِي رِضَى مَوْلَاهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ تَعَالَى جَدُّهُ عَلَا وَجَلَّ شَأْنُهُ وَمَجْدُهُ
بابُ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ
تَكْبِيرَةٌ بِهَا المُصَلِّي يَدْخُلُ صَلَاتَهُ وَيَحْرُمُ الْمُحَلَّلُ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ نَصُّ الْخَبَرِ لَمْ يَدْخُلَنْ مَا دَامَ لَمْ يُكَبِّرِ فَلَا يَنُوبُ عَنْهُ ذِكْرٌ أَبَدَا لِأَنَّهُ النَّصُّ الَّذِي قَدْ وَرَدَا وَالصَّمُّ فِي تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ فِيمَا نَرَى أَوْلَى مِنَ الإِسْمَامِ وَالْكَسْرُ فِي تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ يُفْسِدُ لِلصَّلَاةِ عَنْ أَعْلامِ
(1) قوله: «مُوَحّدًا» كذا هو في نسخ هذا الكتاب بنصب «موحد» والظاهر أنه مرفوع على جعل يكن تامة. (1/113)
صفحة 114
باب الاستعادةِ والقِرَاءةِ
الجزء الأول
113
فَضْمَّ إِسْمَ اللهِ صَمَّا بَيِّنَا وَلَا تَشُمَّهُ (1) وَلَا تُسَكِّنَا وَقِيلَ فِي تَسْكِينِهِ لَا يَسَعُ مَنْ أَحْسَنَ الصَّمَّةَ مِنْهُ يُمْنَعُ مَنْ زَادَ بَيْنَ الْبَاءِ وَالرَّاءِ أَلِفْ فَإِنَّهَا يُعِيدُهَا وَلَا يَقِفْ (2) ثُمَّ الْقِيَامُ مَوْضِعُ التَّحْرِيمِ كَذَلِكَ القُعُودُ لِلتَّسْلِيمِ فَكُلُّ مَنْ أَحْرَمَ فِي القُعُودِ إِحْرَامُهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَرْدُودِ إِلَّا إِذَا مَا كَانَ ذَا اضْطِرَارِ فَضْرُّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْذَارِ
باب الاستعاذة والقراءة
وَبَعْدَ هَذَا فَاسْتَعِذْ بِاللهِ سِرًّا مِنَ الرَّحِيمِ وَالمُلَاهِي وَاخْتَلَفُوا فِي نَقْضِهَا عَلَيْهِ إِنْ كَانَ قَدْ أَسْمَعَهَا أُذْنَيْهِ وَبَسْمِلَنَّ وَأْتِ بِالْمَثَانِي وَفِي صَلَاةِ اللَّيْلِ بِالْقُرْآنِ (3) فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ وَكَذَا فِي الْفَجْرِ إِنْ كُنْتَ إِمَامًا مُحْتَذَى)
(1) ولا تَشُمَّهُ: أي لا تأْتِ فيه بالإشمام وهو إخفاء الضمة. (2) أي قال: أَكْبَار، وهذا الألف منشأه من مد فتحة الباء في الصوت، ولزمته الإعادة لفساد المعنى الناشئ منه، وأكبار جمع كُبَر، وهو الطبل، وفساد المعنى مُفْسِد للصلاة، ولو لم
يتعمد. (أبو إسحاق)
(3) المثاني من أسماء الفاتحة. (أبو إسحاق)
(4) أي إن كنت من أهل التَّقْوَى الذين يُقْتَدى بهم، وجواب الشرط محذوف، أي فاعمل بما
ذكرتُ لك. (أبو إسحاق) (1/114)
صفحة 115
114
الجزء الأول
كتاب الصلاة
وَاقْتَصِرَنَّ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ عَلَى الْمَثَانِي وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَحَيْثُ يَقْرَأُ الإِمَامُ سِرًّا فَالْحَمْدُ تَكْفِيهِ إِذَا مَا يَقْرَا وَحَيْثُ يَجْهَرَنْ عَلَيْهِ يُبْدِي قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْحَمْدِ وَيَسْمَعُ الْمَأْمُومُ لِلْقُرْآنِ وَإِنَّمَا يَقْرَأُ لِلْمَثَانِي وَيَقْرَأُ الْجَمِيعَ حَيْثُ انْفَرَدَا وَلَمْ يَكُنْ يَتْبَعُ فِيهِ أَحَدًا وَسُورَةُ الْحَمْدِ هِيَ الْمَثَانِي لِأَنَّهَا تُقْرَأُ فِي الْأَرْكَانِ تُثْنَى مِنَ الصَّلَاةِ كُلَّ رَكْعَهُ وَذَاكَ مِنْ تَعْظِيمِهَا مَا أَرْفَعَهُ وَقِيلَ مَعْنَى الحَمْدِ هُوَ المُلْكُ وَغَيْرُهُ فِي الْقَلْبِ عِنْدِي يَزْكُو لأَنْمَا الحَمْدُ هُوَ الثَّنَاءُ عَلَى الْجَمِيلِ وَهُوَ السَّنَاءُ وَبِسْمِلَنَّ عِنْدَ كُلِّ سُورَة مِنْ حَيْثُ مَا البَسْمَلَةَ الْمَسْطُورَة وَتَلْزَمَنْ فِي الحَمْدِ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا البَعْضُ مِنَ الآيَاتِ وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ بَعْضِ الْحَمْدِ وَالنَّقْصُ فِي تَارِكِهَا بِالْعَمْدِ وَتَرْكُهَا لَا يَنْبَغِي فِي السُّوَرِ وَلَا أَرَى بَأْسًا عَلَى الْمُقْتَصِرِ وَمَنْ يَكُنْ لَمْ يُحْسِنِ القُرْآنَا فِي وَقْتِهِ يُسَبِّحُ الرَّحْمَانَا وَمَنَعُوا تَكْرَارَهُ لِلْحَمْدِ وَلِلتَّحِيَّاتِ بِمَعْنَى الْعَمْدِ وَنَقَضُوا صَلَاةَ ذَا المُكَرِّرِ وَعَذَرُوا النَّاسِي هُنَاكَ فَاعْذُرِ (1/115)
صفحة 116
باب الركوع
الجزء الأول
باب الركوع
فَرْضُ الرُّكُوعِ فِي كِتَابِ اللهِ جَاءَ بِهِ الْأَمْرُ بِلَا اشْتِبَاهِ فَارْكَعْ بِتَعْظِيمِ لِذِي الْجَلَالِ وَكُنْ لَدَى الرُّكُوعِ ذَا اعْتِدَالِ وَضَعْ يَدَيْكَ فَوْقَ رُكْبَتَيْكَا فَإِنْ تَرَكْتَ قِيلَ لَا عَلَيْكَا وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ العَظِيمِ وَمِثْلُ ذَاكَ الذِّكْرُ بِالتَّعْظِي وَهْوَ عَلَى قَوْلٍ لِبَعْضِ العُلَمَا لِأَنَّمَا الْمَقْصُودُ أَنْ يُعَلِّمَا (1) وَالأَوَّلُ الصَّحِيحُ لَا سِوَاهُ لأَنَّهُ رَوَاهُ مَنْ رَوَاهُ وَاخْتَلَفُوا فِي مُنْتَهَى الرُّكُوعِ فَقِيلَ بِالْقِيَامِ لِلْخُضُوعِ وَقِيلَ بَالْهَوْيَةِ لِلسُّجُودِ وَالخُلْفُ فِيهِ الخُلْفُ فِي الحُدُودِ فَحَيْثُمَا تَمَّ الرُّكُوعُ دَخَلَا حُكْمُ السُّجُودِ وَإِلَيْهِ انْتَقَلَا وَمِنْ هُنَاكَ الخُلْفُ جَاءَ بَعْدَهُ (2) فِي سَمِعَ اللهُ الكَرِيمُ حَمْدَهُ مِنَ الرُّكُوعِ أَوْ مِنَ السُّجُودِ وَالأَوَّلُ الرَّاجِحُ بِالتَّأْبِيدِ وَهَوْيَةُ السُّجُودِ فِي الحُدُودِ أَقُولُ إِنَّهَا مِنَ السُّجُودِ وَسَمِعَ اللهُ لِمَنْ قَدْ حَمِدَا يُعِيدُ مَنْ يَتْرُكُهَا تَعَمُدَا وَيُعْذَرُ النَّاسِي فَلَا يُعِيدُ كَذَلِكَ التَّكْبِيرُ وَالتَّحْمِيدُ لِأَنَّهُ مِنْ سُنَن الصَّلَاةِ وَالتَّرْكُ لِلْأَرْكَانِ نَقْضُ آتِي
(1) يجوز فتح الظاء وكسرها، فالضم على أنه مبني للمجهول أي أن المقصود تعظيم الله، والكسر على بنائه للفاعل بمعنى أن المراد أن يعظم المصلي ربه تعالى.
(2) يجوز في هاء بعده، حمده» الإسكان والتحريك بالضمة. (1/116)
صفحة 117
116
الجزء الأول
كتاب الصلاة
باب السجود
وَإِنَّمَا السُّجُودُ فَرْضٌ أَيْضًا فَتَرْكُهُ يُوجِبُ حَتْمًا نَقْضَا جَاءَتْ بِهِ أَوَامِرُ الْكِتَابِ وَفَسَّرَتْهُ سُنَّةُ الأَوَّابِ وَإِنَّهُ لَحَالَةٌ تُقَرِّبُ اللَّهِ فَالْعَبْدُ هُنَاكَ أَقْرَبُ فَاسْجُدْ عَلَى السَّبْعَةِ مِنْ آرَابِ مِنْ غَيْرِ كَفَّ الشَّعْرِ وَالثِّيَابِ أَوَّلُهَا جَبْهَتُهُ الْمَصُونَة وَبِسُجُودِ أَنْفِهِ مَقْرُونَهُ وَبِالْيَدَيْنِ ثُمَّ الرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ اثْنَيْنِ بَعْدَ اثْنَيْنِ فَهَذِهِ السَّبْعَةُ وَالَّذِي تَرَكْ مِنْهُنَّ شَيْئًا فِي سُجُودِهِ رَكَكْ (1) فَتَارِكُ الجَبْهَةِ لَا صَلَاةَ لَهُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا فَنَنْقُلَهُ كَذَاكَ مَنْ يَرْفَعُ رِجْلَيْهِ مَعَا وَالخُلْفُ فِي وَاحِدَةٍ إِنْ رَفَعَا وَمَنْ يَكُنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْجُدَا فَإِنَّهُ يُومِي وَلَا يَقْعُدْ سُدَى وَإِنْ يُطِقْ أَنْ يَسْجُدَنْ بِالأَنْفِ فَإِنَّهُ يَفْعَلُهُ وَيَكْفِي الأَعْضَاءِ
وَقِيلَ بَلْ يَرْجِعُ لِلإِيمَاءِ وَهَكَذَا فِي سَائِرِ وَمَنْ رَأَى وُعُوثَةٌ (2) (3) فِي الحَالِ حَوَّلَ لِلْيُمْنَى أَوِ الشِّمَالِ وَقِيلَ لَا يُحَوِّلَنْ وَيَمْتَنِعْ أَنْ يَسْجُدَنَّ فَوْقَ مَا لَا يَنْزَرِعْ)
(1) رَكَكَ: أي نقص ووهن.
(2) الوعوثة: الخُشُونَة.
(3) الوعوثة: المشقة. (أبو إسحاق)
(4) اقتصر الناظم على القول الصحيح المشهور، قال قطب الأئمة في الذهب: وبطلت على غيرهما
= (1/117)
صفحة 118
بابُ السُّجُودِ
الجزء الأول
117
كَالصُّوفِ وَالرِّيشِ وَمِثْلِ الشَّعَرِ وَالْجِلْدِ مَعْ عِظَامِهَا وَالوَبَرِ وَجَائِزٌ يَلْبَسُهُ المُصَلِّي أَوْ يَقِفَنْ عَلَيْهِ إِذْ يُصَلِّي وَهَكَذَا الْمَعَادِنُ الْأَرْضِيَّةَ مِنَ النُّحَاسِ أَوْ مِنَ الْفِضَّيَّهْ كَذَلِكَ الْمَحْرُوقُ كَالرَّمَادِ وَالْجَصَّ وَالنُّورَةِ فِي الْجَمَادِ لأَنَّهُ قَدِ اسْتَحَالَ مُطْلَقَا عَنْ حَالِهِ الَّذِي عَلَيْهِ خُلِقَا قَدْ كَانَ أَرْضًا وَالرَّمَادُ حَطَبَا فَصَارَ بِالتَّحْرِيقِ شَيْئًا عَجَبًا وَقِيلَ فِي الْقِرْطَاسِ نَبْتُ الْأَرْضِ لَا بَأْسَ فِيهِ بِسُجُودِ الْفَرْضِ لَكِنْ إِذَا كَانَ بِهِ اسْمُ اللَّهِ فَبَادِرِ الْفَارِسَ بِالْمَنَاهِي لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ التَّعْظِيمِ فَاحْكُمْ عَلَى الْفَاعِلِ بِالتَّحْرِيمِ وَمَا سِوَى ذَلكَ مِنْ كِتَابِ يَجُوزُ إِلَّا آيَةَ الْكِتَابِ وَإِنْ تَعَذَّرَ الْمَكَانُ الطَّاهِرُ يُومِي وَلَا يَسْجُدُ وَهْوَ الظَّاهِرُ وَهَكَذَا قَدْ قِيلَ فِي الرُّكُوعِ وَقِيلَ يَنْحَنِي إِلَى الْخُصُوعِ فَيَنْتَهِي بِذَاكَ دُونَ الْأَرْضِ وَقِيلَ يَسْجُدَنْ لِأَجْلِ الْفَرْضِ وَعِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالإِيمَاءِ يُصَلِّي وَاقِفًا عَلَى سَوَاءِ وَقِيلَ بَلْ يُؤَخِّرَنَّ الْفَرْضًا حَتَّى يُلَاقِي لِلْسُّجُودِ أَرْضَا
(الأرض وما أنبتت كصوف وجلد، وكل ما يُصَلَّى به (نا)، أو صحت، أو كرهت ونسب لنا وللأكثر، وذلك في القيام والسجود وغيرهما. أو يعتبر السجود كما في بعض اللفظ، وظاهر الشيخ (كلامه) هنا (أقوال) اهـ. (أبو إسحاق) (1/118)
صفحة 119
118
الجزء الأول
كتاب الصلاة
وَهْوَ مَقَالُ خَالَفَ الظَّوَاهِرَا وَلَا أَرَاهُ فِي الصَّوَابِ ظَاهِرَا لأَنَّهُ يَقْضِي بِفَوْتِ الْفَرْضِ وَالنَّصُّ شَرْعًا بِسِوَاهُ يَقْضِي وَسَبِّحَنَّ فِي السُّجُودِ الأَعْلَى فَإِنَّ ذَاكَ بِالسُّجُودِ أَوْلَى
(1)
فَأَنْتَ فِي تَذَلُّلِ الدُّنُو وَهُوَ فِي تَعَرُّزِ الْعُلُو
وَجَائِزٌ بِصِفَةِ الْعَظِيمِ إِذْ كُلُّهُ مِنْ لَازِمِ التَّعْظِي وَالأَوَّلُ الْمَنْقُولُ فِي الْأَخْبَارِ وَالثَّانِي مِنْ نَتَائِجِ الْأَفْكَارِ أَقَلُّ مَا يُجْزِي مِنَ التَّسْبِيحَ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ تُجْزِي مَرَّةٌ وَالأَوَّلُ فِيهِ عَنِ الْمُخْتَارِ قَوْلُ يُنْقَلُ وَيُنْهَ (2) عَنْ نَقْرِ السُّجُودِ إِنَّهُ مِنْ شَأَنِ مَنْ نَافَقَ فَاتْرُكَنَّهُ
باب القعود للتشهد
ثُمَّ القُعُودُ وَهُوَ لِلتَشَهُدِ رُكْنٌ مِنَ الصَّلَاةِ يَا ذَا فَاقْعُدِ فَتَارِكُ الْقُعُودِ حَتْمًا تَنْتَقِضْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ مِمَّا فُرِضْ وَذِكْرُهُ وَهُوَ التَّحِيَّاتُ اخْتُلِفْ فِيهِ بِفَرْضِ أَوْ بِسُنَّةٍ وُصِفْ فَقِيلَ لَا نَقْضَ إِذَا مَا قَعَدَا حَتَّى وَلَوْ لَمْ يَقُلِ التَّشَهدَا وَهْوَ ضَعِيفٌ وَالصَّحِيحُ النَّقْصُ لَوْ لَمْ نَقُلْ بِأَنَّ ذَاكَ فَرْضُ
(1) هو: بتشديد الواو؛ لإقامة الوزن، وقيل: تشديدها لغة.
(2) قوله: «يُنْةَ» بالجزم بلام النهي المقدرة؛ أي لِيُنْه؛ وهو بضم الياء للبناء للمجهول. (1/119)
صفحة 120
باب التسليم
الجزء الأول
119
لِأَنَّ فِي الْمَسْنُونِ مَا يَنْتَقِصُ بِتَرْكِهِ تَعَمُّدًا مَا يُفْرَضُ) وَاخْتَلَفَ الْمُشَدِّدُونَ أَيْضًا فِي الْقَدَرِ الَّذِي يَكُونُ فَرْضَا فَقِيلَ بَعْدَ الطَّيِّبَاتِ يَمْضِي لَا يَلْتَفِتْ مِنْ بَعْدِهَا لِنَقْضِ وَقِيلَ يَنْتَهِي إِلَى رَسُولُهُ وَهْوَ مَقَالٌ ظَاهِرٌ دَلِيلُهُ وَقِيلَ لَا إِلَّا إِذَا مَا سَلَّمَا كَمِثْلِ لَا يَدْخُلُ حَتَّى يُحْرِمَا لأَنَّمَا تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ كَمِثْلِ مَا تَكْبِيرُهَا التَّحْرِيمُ) فَالنَّقْصُ بِالْحَادِثِ قِيلَ يَلْزَمُهُ إِنْ كَانَ عَمْدًا أَوْ خَطًا لَا يُؤْثِمُهُ (2) () وَكُلُّ مَنْ رَخَّصَ إِنَّمَا عَنَا بِذَاكَ حَيْثُ كَانَ عُدْرًا بَيِّنَا وَخَرَّجَ الْخِلَافَ حَالَ العَمْدِ أَبُو سَعِيدٍ الْفَقِيهُ المَهْدِي وَالخُلْفُ فِيهِ الْخُلْفُ فِي التَّسْلِيمِ هَلْ كَانَ لِلرُّكْنِ أَوِ التَّثْمِيمِ فَإِنَّهُ رُكْنُ عَلَى التَّشْدِيدِ وَدُونَهُ فِي عَكْسِهِ البَعِيدِ
باب التسليم
وَسَلَّمَنَّ يَمْنَةٌ وَيُسْرَى تَسْلِيمَتَيْنِ وَالشَّهِيرُ وِتْرَا (3) وَأَوَّلُ الْقَوْلَيْنِ عَنْ ضُمَامِ وَالثَّانِي عَنْ بَقِيَّةِ الأَعْلَامِ
(*) أي: من سنن الصلاة ما ينتقض بها الفرض. (إسماعيل) (1) قوله: «تكبيرها التحريم فيه نوع من أنواع البديع يسمى القلب، كقوله: «فديت بنفسه نفسي» ... إلخ. هاء السكت. (2) الهاء في قوله: «يؤثمه» هي (*) الجملة صفة لـ (خطأ) أي: خطاً لا يدخله في الإثم وإن كان ينقض الصلاة. (إسماعيل)
(3) قوله: «وترا» مفعول مطلق تقديره وَالشَّهِيرُ أن يسلمن وترا. (المصنف) (1/120)
صفحة 121
120
الجزء الأول
كتاب الصلاة
وَكُلُّهُمْ قَدِ اكْتَفَى بِمَرَّهُ وَهُوَ حَدِيثٌ لَا نُطِيلُ ذِكْرَهُ وَيَقْصِدُ الْخُرُوجَ بِالتَّسْلِيمِ وَحِلَّ مَا كَانَ مِنَ التَّحْرِيمِ وَيَمْسَحُ الغُرَّةَ (1) بِاليُمْنَاءِ وَتَرْكُهُ قِيلَ مِنَ الجَفَاءِ وَفِعْلُهُ (2) قَبْلَ الدُّخُولِ أَيْضًا مِنَ الْجَفَاءِ فَارْفُضَنْهُ رَفْصَا كَذَاكَ مَنْ لَا يَتْبَعُ الْمُؤَذِّنَا مِنَ الْجَفَا فَاتْبَعْهُ حِينَ أَذَّنَا وَمَنْ نَسِي التَّسْلِيمَ حَتَّى قَامَا يُسَلِّمَنَّ بَعْدَ ذَا قِيَامَا وَانْصَبْ إِلَى رَبِّكَ وَارَغَبَنَّا إِلَيْهِ فِي حُصُولِ مَا تَمَنَّا (3) فَإِنَّ ذَاكَ مَوْقِفٌ عَظِيمُ يُجِيبُ مَنْ شَاءَ بِهِ الْكَرِيمُ وَانْتَقِلَنْ لِلنَّفْل لَوْ قَلِيلا عَنْ مَوْضِعِ الفَرْضِ كَذَاكَ قِيلَا
بابُ سُجُودِ الشَّهُو
وَيُوجِبُ السَّهْوُ لِأَجْلِ الْجَبْرِ بَعْدَ السَّلَامِ سَجْدَتَيْنِ فَادْرِ فَيَهْدِمَانِ عَمَلَ الشَّيْطَانِ وَيُرْغِمَانِهِ وَيُخْزِيَانِ فَيَعْفُرُ التُّرَابَ فَوْقَ رَاسِهِ لِهَدْمِ مَا بَنَاهُ مِنْ أَسَاسِهِ يَقُولُ وَاوَيْلَاهُ قَدْ أَضَعْتُ أُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَامْتَنَعْتُ وَالآدَمِيُّ قَالَ قَدْ أَطَعْتُ أَوَامِرَ الرَّبِّ وَقَدْ سَمِعْتُ
(1) الغرة: موضع السجود من الجبهة. (2) قوله: «وفعله» يعني مسح الوجه. (3) تمنَّا: أي تَتَمَنَّى. (1/121)
صفحة 122
الجزء الأول
121
بابُ سُجُودِ الشَّهْوِ
فَكَانَ فِي
ذَاكَ رِضَى الرَّحْمَنِ وَالْوَيْلُ وَالْخَيْبَةُ لِلشَّيْطَانِ فَافْعَلْهُمَا مُمْتَشِلًا لِلْأَمْرِ مُسَارِعًا لِجَبْرِ ذَاكَ الْكَسْرِ وَلَا تَلَفَّظُ بِكَلَامٍ يُذْكَرُ بِهِ عَنِ النِّيَّةِ قَوْمٌ عَبَّرُوا لِأَنَّهُ جَبْرٌ لِمَا تَقَدَّمَا وَالقَوْلُ فَاصِلُ هُنَاكَ فَاعْلَمَا لِأَنَّمَا النِّيَّةُ بِالْفُؤَادِ لَا بِالتَّلَفُظَاتِ وَالتَّعْدَادِ وَفِي السُّجُودِ سَبِّحَنَّ الأَعْلَى وَقِيلَ يَسْتَغْفِرُ حِينَ زَلَّا وَقَالَ قَوْمٌ يَسْجُدَنَّ بَعْدَ أَنْ يُتَحْيَنَّ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَنْ وَقِيلَ إِنْ سَهَا بِنَقْصٍ سَجَدَا قَبْلَ السَّلَامِ لَا إِذَا مَا زَيَّدَا وَسَاجِدٌ مِنْ بَعْدِ أَنْ يُسَلِّمَا قِيلَ يُسَلِّمَنَّ حِينَ تَمَّمَا وَقِيلَ مَا عَلَيْهِ مِنْ سَلَامِ لَكِنَّهُ يَحْمَدُ لِلتَّمَامِ وَمَنْ سَهَا إِمَامُهُ وَمَا سَهَا فَمَا عَلَيْهِ قِيلَ يَسْجُدَنْ لَهَا لِأَنَّمَا يَتْبَعُهُ فِي عَمَلِهْ لَا فِي خَطَائِهِ) وَلَا فِي زَلَلِهْ وَإِنْ يَكُنْ تَابَعَهُ فِي وَهْمِهِ فَحُكْمُهُ يَكُونُ مِثْلَ حُكْمِهِ وَمَنْ سَهَا خَلْفَ الإِمَامِ وَحْدَهُ فَقِيلَ يُعْفَى بِالصَّلَاةِ عِنْدَهُ وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنَ السُّجُودِ وَهْوَ دَلِيلُ نَجِّهِ الْمَوْرُودِ إِذْ لَمْ يُفَرِّقِ الدَّلِيلُ أَبَدًا بَيْنَ جَمَاعَةٍ وَمَنْ تَفَرَّدَا
(1) خطائه: الخطاء كالعطاء، بِالْمَدِّ لُغَةٌ في الخطأ. (1/122)
صفحة 123
122
الجزء الأول
كتاب الصلاة
باب حُكْم تَارِكِ الصَّلَاةِ
وَالْجَهْلُ بِالصَّلَاةِ حُكْمًا يَسَعُ إِلَى دُخُولِ الْوَقْتِ ثُمَّ يُمْنَعُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَعْرِفَ الْكَيْفِيَّة مِنْ وَصْفِهَا وَشَرْطِهَا وَالنِّيَّة فَالْفِعْلُ لَا يُمْكِنُ دُونَ عِلْمٍ وَلَا يَكُونُ سَائِفًا فِي الْفَهْمِ وَوَقْتُهَا الْمَحدُودُ وَقْتُ فِعْلِهَا وَوَقْتُ ضِيقٍ تَرْكِهَا وَجَهْلِهَا فَتَارِكُ الصَّلَاةِ حَتَّى خَرَجَا (1) تَعَمُّدًا فِي الْكُفْرِ قَطْعًا وَلَجَا مَا لَقِيَ اللَّهَ () بِذَنْبٍ أَعْظَمَا مِنْ تَرْكِهَا تَعَمُّدًا تَجَهُمَا مَا بَيْنَ تَرْكِهَا وَبَيْنَ الْكُفْرِ حَدٌ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ عُذْرِ مِنْ ثَمَّ قِيلَ فِيهِ يُقْتَلَنَّا إِنْ لَمْ يَتُبْ وَقِيلَ يُضْرَبَنَّا وَيُجْعَلُ الضَّرْبُ عَلَيْهِ مُرْسَلَا حَتَّى يُصَلِّي أَوْ إِلَى أَنْ يُقْتَلَا (2) فَإِنْ يَمُتْ بِالضَّرْبِ مَاتَ كَافِرَا وَكُلُّ مَنْ يَضْرِبُ كَانَ ظَافِرَا وَقِيلَ لَا يُقْتَلُ حَتَّى يَجْحَدَا وُجُوبَهَا وَلَا أَرَاهُ أَبَدًا (3)
(1) قوله: «خرجا» أي الوقت.
() الفاعل ضمير يعود إلى تارك الصلاة، والمعنى ما لقي تارك الصلاة الله بذنب أعظم من ترك الصلاة. (إسماعيل) (2) إلى أن يُقْتَلَا: أي إلى أن يموت، وإنما عبر عنه بالقتل لأجل القافية، وهو في الحقيقة قتل؛ لأنه إنما حصل مَوْتُه بسبب الضرب والقتل يكون بالضرب، ومنه الموقوذة.
(3) ظاهر اختيار الناظم يُقْتَلُ كفرًا لَا حَدًّا، مع أن ما جرى عليه في حاشية المسند أن تارك الصلاة تَهاوُنَّا كَافِرٌ كُفْرَ نِعْمَةٍ وتارِكُهَا جُحُودًا كافرٌ شِركًا، ولعله رأى هذا الوجه، وهو ما عليه أكثر سلف الأمة، رعاية لجانب الصلاة التي. الركن الأعظم للدين بعد الإيمان وأن تاركها لا دين له، وكأنه لا قيمة لإقراره بوجوبها، ويؤيد هذا أحاديث كثيرة كقوله صلى الله عليه وسلم: «لا إيمان لمن لا
هي
صلاة له وقوله: «لا دِينَ إلا بالصلاة». (أبو إسحاق) (1/123)
صفحة 124
باب نواقض الصلاة
الجزء الأول
123
فَإِنَّهُ يُفْضِي إِلَى النَّهَاوُنِ بِأَعْظَمِ الشِّعَارِ فِي الْمَدَائِنِ وَقَاتَلَ الصِّدِّيقُ مَنْ قَدْ مَنَعَهُ مِنَ الزَّكَاةِ وَالْجَمِيعُ تَبِعَهُ (1) وَالْكُلُّ رُكْنٌ وَالصَّلَاةُ أَعْظَمُ لِأَنَّهَا هِيَ الشِّعَارُ الْأَعْظَمُ وَأَنَّهَا لِدِينِنَا عَمُودُ فَمَا الْبِنَا إِنْ ذَهَبَ الْعَمُودُ
باب نواقض الصلاة
وَإِنَّ فِي الصَّلَاةِ أَشْيَا تُمْنَعُ فَتَنْقُضُ الصَّلَاةَ حِينَ تَقَعُ فَبَعْضُ ذَاكَ عَارِضُ قَلْبِيُّ وَالْبَعْضُ مِنْهُ عَارِضٌ قَوْلِيُّ وَبَعْضُهُ لِلْفِعْلِ أَيْضًا نُسِبَا فَالْعَارِضُ الْقَلْبِيُّ أَنْ يَنْقَلِبَا وَذَاكَ أَنْ يَنْوِيَ تَرْكَهَا وَأَنْ يُحَوِّلَ الفَرْضَ إِلَى بَعْضِ السُّنَنْ وَقِيلَ إِنْ نَوَى وَلَم يَتْرُكْ فَلَا تَفْسُدُ وَالفَسَادُ إِنْ تَنَقَّلَا وَقِيلَ إِنْ لَمْ يَقْصِدِ الْمُصَلِّي تَأْدِيَةَ الْفَرْضِ بِذَاكَ الْفِعْلِ عَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَنْ وَيُبْدِلَا وَقِيلَ يُجْزِيهِ المَتَابُ مَثَلَا وَهَكَذَا مَنْ أَشْغَلَ الجَنَانَا بِغَيْرِهَا لَا خَطَأَ نِسْيانَا (2)
(1) في قول الناظم والجميع تَبِعَه، نظر، إذ الذين قاتلهم أبو بكر منهم المرتدون عن الإسلام، ومنهم المانعون للزكاة، توقفًا في أمرها لا رجوعًا عن الدين، وفي قتاله للكل حفظ لكيان الإسلام وصيانة لوحدة الأمة، ولو لم يفعل لارتد مُعْظَمُ الْعَرَب وقَويَ الشِّرْك على الإسلام
فحال أولئك لا كحال تاركِ الصلاة مع الإقرار بالوجوب: والله أعلم. (أبو إسحاق) (2) قوله: «نسيانا معطوف على قوله: (لا خَطَأَ)، والتقدير لا خطأ ولا نِسْيَانًا، وإنما حذفه لإقامة الوزن، وذلك جائز في النظم. (1/124)
صفحة 125
124
الجزء الأول
كتاب الصلاة
وَفَهْمُكَ الْحِسَابَ وَصْفٌ نَاقِضُ لِأَنَّهُ لَا شَكٍّ فِيهَا عَارِضُ وَلَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلَّا مَا عَقَلْ مِنَ الصَّلَاةِ هَكَذَا الْبَعْضُ نَقَلْ فَمَنْ يَكُنْ صَلَّى عَلَى حُضُورِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأُجُورِ وَلَا صَلَاةَ لِلَّذِي قَدْ غَفَلَا عَنْهَا جَمِيعًا فَلْيَقُمْ لِيُبْدِلَا وَإِنْ عَرَتْهُ غَفْلَةٌ فِي الْبَعْضِ فَالْخُلْفُ فِي مِقْدَارِ حَدِّ النَّقْضِ أَكْثَرُهَا قِيلَ وَقِيلَ رَكْعَهُ وَهْوَ أَشَدُّ مَا رَأَيْنَاهُ مَعَهُ كَذَاكَ مَنْ عَنْ دِينِهِ يَرْتَدُّ وَعَنْ يَقِينِهِ فَلَا يَعْتَدُّ لِأَنَّ هَذَا نَاقِضُ لِلظُّهْرِ وَقَاطِعٌ أَيْضًا خِصَالَ الْأَجْرِ وَإِنْ يَكُنْ فِي حَالِ الاِرْتِدَادِ مَضَى عَلَيْهِ الْوَقْتُ بِالْعِنَادِ فَلَا عَلَيْهِ بَدَلُّ إِنْ أَسْلَمَا لَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ فَاعْلَمَا لأَنَّهُ رُكْنٌ مِنَ الإِيمَانِ يَلْزَمُهُ كَسَائِرِ الْأَرْكَانِ وَلَيْسَ يُجْزِيهِ إِذَا مَا أَدَّى لِحَجِّهِ مِنْ قَبْل أَنْ يَرْتَدَّا لأَنَّ ذَاكَ الْحَجَّ رُكْنُ السَّابِقِ وَذَا الأَخِيرُ رُكنُ هَذَا اللَّاحِقِ كَذَاكَ مَنْ عَارَضَهُ الإِغْمَاءُ قِيلَ وَمَنْ عَارَضَهُ الرِّيَاءُ لَكِنْ إِذَا اسْتَرْسَلَ فِيهِ لَا إِذَا نَفَاهُ عَنْ فُؤَادِهِ وَتَبَذَا وَالشَّكُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مَا صَلَّى فَإِنَّهُ يُعِيدُ فَاعْلَمَا كَيْفَ يُصَلِّي وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مَا أَذَاهُ وَالْفَرْضُ عَلَيْهِ لَزِمَا وَإِنْ يَكُنْ يَغْلِبُ فِي خَيَالِهِ شَيْءٌ بَنَى عَلَيْهِ فِي أَفْعَالِهِ (1/125)
صفحة 126
باب نواقض الصلاة
الجزء الأول
125
فَغَالِبُ الظَّنِّ هُنَا يُعْتَبَرُ وَمَنْ بَنَى عَلَيْهِ فِيهَا يُعْذَرُ وَإِنْ يَكُنْ خَلْفَ الإِمَامِ سَجَدَا لِسَهْوِهِ وَلِلإِمَامِ قَلَّدَا وَالشَّكُ مِنْ بَعْدِ التَّمَامِ يَخْطُرُ فَذَاكَ عَفْقٌ وَالإِلَهُ يَغْفِرُ وَشَكُهُ فِي الْحَدِّ بَعْدَ فِعْلِهِ يَكُونُ مِثْلَ شَكِّهِ فِي أَصْلِهِ لَا يَرْجِعَنْ لَهُ بِنَفْسِ الشَّلِّ وَإِنَّمَا يَرْجِعُ عِنْدَ التَّرْكِ إِلَّا إِذَا مَا شَكٍّ فِي الإِحْرَامِ قِيلَ يُعِيدُهُ إِلَى التَّمَامِ لأَنَّهُ بِذَاكَ فِيهَا يَدْخُلُ فَهَلْ تَرَى الشَّكَ لَهُ يُدَخِّلُ وَإِنْ طَرَا عَلَيْهِ فِي حَالِ الأَدَا فَلَا يُجَاوِزْهُ بِشَكٍّ أَبَدًا وَمَنْ يَكُنْ قَدْ صَارَ فِي الْقُرْآنِ لَا يَرْجِعَنْ بِالشَّكِّ لِلْمَثَانِي وَقِيلَ يَرْجِعَنَّ لِلسُّجُودِ مَنْ شَكٍّ فِيهِ حَالَةَ الْقُعُودِ وَيَرْجِعَنَّ لِلتَّحِيَّاتِ مَعَا إِنْ شَكٍّ فِي إِتيَانِهَا حَالَ الدُّعَا مَا لَمْ يَكُنْ سَلَّمَ وَالْبَعْضُ يَرَى مُضِيَّهُ وَلَا يَعُودُ الْقَهْقَرَى وَقِيلَ لَوْ سَلَّمَ ثُمَّ شَكًا يُعِيدُهَا إِلَّا إِذَا مَا انْفَكَّا) وَهْوَ ضَعِيفٌ وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنْ يُلْغِيَ الشُّكُوكَ بَعْدَ الْحَدِّ فَهَذِهِ الْعَوَارِضُ الْقَلْبِيَّة وَدُونَكَ الْعَوَارِضَ القَوْلِيَّة تَكَلَّمُ اللَّسَانِ لَا بِذِكْرِهَا فَإِنَّهُ يَنْقُضُهَا بِأَسْرِهَا
(1) انفكا: أي قام من مكانه. (1/126)
صفحة 127
126
الجزء الأول
كتاب الصلاة
فَمَن يَقُلْ آمِينَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَبُوءُ بِالْبَتَاتِ كَذَلِكَ الْقُنُوتُ وَهُوَ أَعْظَمُ لِأَنَّهُ طَالَ به التَّكَلُّمُ وَكَانَ قَبْلَ النَّسْخِ لِلْكَلَامِ مُؤَثَرًا عَنْ سَيِّدِ الأَنَامِ وَذَاكَ وَقْتٌ قَدْ أُبِيحَ مُطْلَقَا فِيهَا الْكَلَامُ فَانْتَفَى مَا أُطْلِقَا فَنَسَخَتْهُ آيَةُ الْخُشُوع وَصَارَ ذِكْرُهُ مِنَ الْمَسْمُوعِ وَحِينَ عَمَّ الاِخْتِلَاطُ وَالْفِتَنْ أُحْيِي وَقَالُوا إِنَّهُ مِنَ السُّنَنْ وَهُوَ مِنَ السُّنَّةِ لَكِنْ نُسِخَا أَفَادَهُ مَنْ فِي الْعُلُومِ رَسَخَا وَالأَخْذُ بِالْمَنْسُوخ قَطْعًا يُمْنَعُ إِذْ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَعْدِ ذَاكَ يُشْرَعُ فَهْوَ مِنَ الْبِدْعَةِ حَتْمًا مِثْلَ مَا قَالَ بِذَاكَ بَعْضُ مَنْ تَقَدَّمَا وَمَنْ يُصَلِّي خَلْفَ مَنْ يُؤَمِّنُ أَوْ يَقْتُتَنَّ النَّقْصُ فِيهَا بَيِّنُ وَإِنْ يَكُنْ لَمْ يَعْلَمَنْ بِحَالِهِ فَإِنَّهُ يُعْذَرُ لِاسْتِحْلَالِهِ وَقانِتِينَ فِي الصَّلَاةِ يَعْنِي بِهِ الْقِيَامَ بِحُضُورِ الذَّهْنِ وَقِيلَ بَلْ يَعْنِي بِهِ التَّطْوِيلَا فِيهَا مِنَ الْقِيَامِ فِيمَا قِيلَا وَلَا تُخَافِتَنَّ فِي الصَّلَاةِ كَذَاكَ لَا تَجْهَرُ بِالنَّعْمَاتِ مَعْنَاهُ لَا تَتْرُكُهَا حَيَاءَ وَلَا تَكُنْ مُصَلِّيًا رِيَاءَ وَقِيلَ ذَاكَ فِي صَلَاةِ الأَجْرِ يَكُونُ بَيْنَ سِرِّهَا وَالْجَهْرِ
() (صلاة الأجر): صلاة النافلة. (إسماعيل) (1/127)
صفحة 128
باب نواقض الصلاة
الجزء الأول
127
وَقَدْ أَتَى التَّرْخِيصُ فِي أُمُورِ تَسْبِيحِهِ التَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ تَهْلِيلِهِ وَإِنْ عَطَسْتَ فَاحْمَدِ لَكِنْ بِلَا جَهْرٍ وَلَا تُمَدِّدِ كَذَلِكَ التَّسْلِيمُ فِيهَا خَطَأَ عَنْ رَكْعَتَيْنِ إِنْ يَكُنْ قَدْ أَخْطَاً وَقَدْ حَكَى فِي ذَلِكَ الإِجْمَاعَا لَكِنَّنِي أَحْكِي بِهِ نِزَاعًا وَاللَّحْنُ مُطْلَقًا لَدَيْهَا يُحْذَرُ وَبَعْضُهُ يَنْقُضُ حِينَ يُذْكَرُ مِنْ ذَاكَ كَسْرُ لَامِ الْعَالَمِينَا كَذَاكَ أَنْ تَصْمَّ مِنْهَا النُّونَا كَذَاكَ أَيْضًا فَتْحُ لَامٍ مَلِكِ لِأَنَّهُ بِالْفَتْحِ لَفْظُ مَلَكِ كَذَاكَ فَتْحُ دَالِ يَوْمِ الدِّينِ لِأَنَّ ذَاكَ إِسْمُ هَذَا الدَّيْنِ وَإِنْ كَسَرْتَ الْكَافَ مِنْ إِيَّاكَا فَالْقُبْحُ كُلُّهُ أَتَى هُنَاكَا وَإِنْ ضَمَمْتَ التَّاءَ مِنْ أَنْعَمْتَا لِنَفْسِكَ الإِنْعَامَ قَدْ نَسَبْتَا فَهَذِهِ نَواقِضُ الأَلْحَانِ وَضَبْطُهَا التَّعْكِيسُ لِلْمَعَانِي فَكُلُّ لَحْنٍ أَفْسَدَ الْمَعْنَى نَقَضٌ وَالْعَفْوُ فِي سِوَاهُ قَامَ وَنَهَضْ وَضَمُّ نُونِ الْعَالَمِينَ أَهْوَنُ كَذَاكَ كَسْرُ لَامِهَا إِذْ يَلْحَنُ وَهَذِهِ نَوَاقِضُ الْأَفْعَالِ مِنْ كُلِّ مَمْنُوعٍ مِنَ الْأَحْوَالِ نَذْكُرُهَا الأَوَّلَ ثُمَّ الأَوَّلَا حَتَّى يَكُونَ فِي السَّيَاقِ أَمْثَلَا فَنَاظِرُ بِعَيْنِهِ نَحْوَ السَّمَا فِي نَقْضِهَا جَاءَ اخْتِلَافُ الْعُلَمَا وَيُسْتَحَبُّ نَظَرُ الْمُصَلِّي حَالَ الْقِيَامِ مِنْ مَقَامِ الرِّجْلِ (1/128)
صفحة 129
128
الجزء الأول
كتاب الصلاة
لِمَوْضِع السُّجُودِ لَا يَعْدَاهُ وَلْيَحْذَرَنْ أَنْ تَغْمُصَنْ عَيْنَاهُ فَإِنْ يُغَمِّض لَا بِعُذْرٍ تَفْسُدُ وَقِيلَ لَا تَفْسُدُ وَهُوَ أَجْوَدُ وَقِيلَ إِنْ غَمَّضَ فِي أَكْثَرِهَا فَإِنَّهَا فَاسِدَةٌ بِأَسْرِهَا وَقِيلَ لَا بَأْسَ إِذَا لَمْ يَكُنِ مُغَمِّضًا فِي الْكُلِّ فَافْهَمْ وَافْطُنِ وَكَرَّةَ البَعْضُ بِلَا فَسَادِ وَالْكُلُّ مِنْ قَوْلِ أُولِي الرَّشَادِ وَإِنْ يَخَفْ شَيْئًا عَلَى الْعَيْنَيْنِ لَا بَأْسَ أَنْ يُغَمِّضَ الْجَفْنَيْنِ وَفَاتِحٌ مِنْ عَيْنِهِ لِلْعِرْقِ يُصَلِّيَنْ بِدَمِهِ مُسْتَلقِي مَا دَامَ لِلعُقْدَةِ لَمْ يَحِلَّا كَذَا فَتَى الصَّقْرِ) يُقَالُ صَلَّى وَبَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ الْفُضَلَا نَهَى فَتَى الْعَبَّاسِ حِينَ سَأَلَا وَقِيلَ لَا بَأْسَ عَلَى الْمُصَلِّي أَنْ يُخْرِجَ الذَّرَّةَ إِذْ يُصَلِّي يُخْرِجُهَا بِالْيَدِ مِنْ عَيْنَيْهِ إِنْ خَافَ بَأْسًا وَكَذَا أُذْنَيْهِ وَوَاجِبُ فِي الْوَجْهِ مِنْهُ الْكَشْفُ وَمِنْ ضَرُورَةٍ يُغَطَّى (2) الأَنْفُ كَمِثْلِ رِيحٍ نَتِنِ يَأْتِيهِ وَكَذَّبَابِ يَدْخُلَنَّ فِيهِ وَإِنْ يَكُنْ تَعَمَّدَ اسْتِنْشَاقَا فَالنَّقْصُ لَازمٌ لَهُ اسْتِحْقَاقَا وَفَاتِحٌ فَاهُ لِإِخْرَاج الجُشَا فَقِيلَ لَا نَقْضَ عَلَيْهِ إِذْ جَشَا
(1) فَتَى الصَّقْر: هُوَ العلّامة أبو معاوية عزّان بن الصقر الغلافقي النزوي.
(2) يُغَطَّى: بالبناء للمفعول. (1/129)
صفحة 130
باب نواقض الصلاة
الجزء الأول
129
وَإِنَّمَا يَضُرُّهُ اسْتِجْلَابُهُ لَا طَرْحُهُ عَنْهُ وَلَا اجْتِنَابُهُ وَالنَّفْخُ فِي العَمْدِ وَفِي الْخَطَا مَعَا يَنْقُضُهَا لَوْ لِلْجُشَاءِ وَقَعَا لأَنَّهُ مِمَّانُهِينَاعَنْهُ لَا كَوْنُهُ تَكَلُّمًا أَوْ مِنْهُ لِأَنَّمَا الْكَلَامُ مَا يُؤَلَّفُ مِنَ الحُرُوفِ لِمَعَانِ تُعْرَفُ وَيَكْظِمَنَّ الْفَمَ فِي التَّثَاؤُبِ وَيَتْرُكُ التَّمَاطِي فِي الْجَوانِبِ فَمَنْ تَمَاطَى فِي الصَّلَاةِ عَمْدَا تَفْسُدُ حَيْثُ كَانَ ذَاكَ قَصْدَا لِتَرْكِهِ لِوَاجِبِ الْخُشُوعِ وَتَرْكُهُ فِيهَا مِنَ الْمَمْنُوعِ وَالضَّحَكُ نَوْعَانِ فَمِنْهُ يَنْقُضُ صَلَاتَه وَطُهْرَهُ) إِذْ يَعْرِضُ وَيُسْمِعَنَّ صَوْتَهُ وَالآخَرُ يَنْقُضُهَا فَقَطُّ وَهْوَ الْكَاشِرُ وَقِيلَ مَنْ بَزَّقَ فِي الصَّلَاةِ يَدْفِنُهَا مِنْ غَيْرِ نَقْضٍ يَاتِي لَا يَبْصْقَنْ فِي قِبْلَةِ المُصَلِّي يَجْعَلُهَا إِنْ شَاءَ تَحْتَ الرِّجْلِ وَمَنْ جَشَا فَحَمِدَ الرَّحْمَانَا قِيلَ بَدَا فَسَادُهَا إِعْلَانَا وَقِيلَ مَنْ لَمْ يَقْلِدِ الْعِمَامَهُ فِي حَلْقِهِ لَيْسَ مَلَامَهُ به إِلَّا إِذَا شَاءَ خِلَافَ السُّنَّة فَالخُلْفُ فِيهَا جَاءَ فَاحْفَظَنَّهُ كَذَاكَ مَنْ لَمْ يَسْتُرِ المَثْنَيْنِ مِنْ ظَهْرِهِ فَالْخُلْفُ فِي قَوْلَيْنِ كَذَاكَ مَنْ يُقَلِّبُ الْحَصَاءَ فِي نَقْضِهَا الْخِلَافُ أَيْضًا جَاءَ
(1) قوله: «وَطُهْرَه» أي وُضُوءَهُ. (1/130)
صفحة 131
130
الجزء الأول
كتاب الصلاة
وَقَدْ أَسَا بِفِعْلِهِ مَنْ حَرَّكَا خَاتِمَهُ تَعَمُّدًا لَوْ أَدْرَكَا وَلْيُسْبِلَنْ يَدَيْهِ لَا يَكْفِتْهُمَا وَلَا عَلَى خَاصِرَةٍ يَضَعْهُمَا لِأَنَّمَا ذَلِكُمُ اخْتِصَارُ وَقَدْ نَهَى عَنْ فِعْلِهِ الْمُخْتَارُ وَقِيلَ مَنْ يَكْفِتُ فِي الصَّلَاةِ يُنْهَى وَيُخْبَرَنَّ بِالْغَلْطَاتِ إِنِ انْتَهَى كَانَ وَإِلَّا عُوقِبَا بِمَا اقْتِضَاهُ رَأْيُ مَنْ تَنَصَّبَا وَإِنْ يَكُنْ إِحْلِيلُهُ قَدِ انْتَشَرُ يُمْسِكُ حَتَّى يَسْكُنَنْ مِنْهُ الذَّكَرُ وَفِيهِ قَدْ قَالَ أَبُو عُثْمَانَا يَمْضِي وَلَكِنْ يَذْكُرُ النِّيرَانَا وَإِنْ يَكُنْ ظَنَّ خُرُوجَ الْبَلَلِ قِيلَ لَهُ يَنْظُرُهُ بِالْمُقَلِ وَإِنْ يَكُنْ بِاللَّيْلِ أَجْرَى الذَّكَرَا بِيَدِهِ فِي فَخْذِهِ مُخْتَبِرَا يَفْعَلُ ذَاكَ مِنْ وَرَاءِ التَّوْبِ وَيَلْمِسُ الْمَوْضِعَ عِنْدَ الرَّيْبِ فَإِنْ رَأَى شَيْئًا أَعَادَ وَمَضَى إِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا هُنَاكَ عَرَضَا وَرَخَصُوا فِي ذَاكَ لِلتَّبَيُّنِ حَتَّى يَكُونَ الْفِعْلُ عَنْ تَيَقُنِ وَلَا أَقُولُ يَنْظُرَنْ أَوْ يَلْتَمِسُ بَلْ يَمْضِيَنْ ويَتْرُكَنَّ الْمُلْتَبِسْ وَالشَّكُ فِي النَّاقِضِ عَفْوٌ نُقِلَا مَعْنَاهُ عَنْ نَبِيِّنَا مُتَّصِلَا وَقَدْ نَهَى الْمُخْتَارُ عَنْ صَلَاةِ مَنْ يُدَافِعَنَّ الأَخْبَتَيْنِ فَاسْمَعَنْ وَمِثْلُهُ عِنْدَ أُولِي الذَّكَاءِ كَمَنْ يَصُرُّ ذَاكَ فِي الْكِسَاءِ وَقِيلَ مَنْ صَلَّى وَرُكْبَتَاهُ بَارِزَتَانِ نَقُضُهَا جَزَاهُ (1/131)
صفحة 132
باب نواقض الصلاة
الجزء الأول
131
إِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ لَهُ بِحَالِ لأَنَّ رُكْبَتَيْهِ مِنْ عَوْرَتِهِ سَتْرُهُمَا يَلْزَمُ فِي سُتْرَتِهِ وَإِنْ يَكُنْ لِجَنْبِهِ قَدْ وَقَعَا بِلَا اخْتِيَارِ فَهْوَ عَفْرٌ فَاسْمَعَا يَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ وَيَرْجِعُ يَصْنَعُ مَا قَدْ كَانَ فِيهَا يَصْنَعُ وَقَدْ نُهِي فِيهَا عَنِ التَّرَبُّعِ وَهُوَ تَفَرْشُخُ الْقُعُودِ الْأَوْسَعِ وَهَكَذَا نُهِي عَنِ الإِقْعَاءِ أَوْ يُلْصِقَنَّ الْفَحْذَ بِالْأَحْشَاءِ وَمَنْ رَأَى حَالَ الصَّلَاةِ رَجُلَا يَقْتُلُ إِنْسَانًا لَهُ قَدْ جَهِلَا فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي الشَّرْعِ مَا بَيْنَ حِفْظِهَا وَبَيْنَ الْقَطْعِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا بِالْحَقِّ وَالْبَاطِل يَقْتُلُونَا وَذَاكَ إِنْ لَمْ يَسْتَغِتْ وَيَنْصُرُهُ إِذَا اسْتَغَاثَ مِنْ عَدُوٌّ يَقْهَرُهُ وَيَقْطَعُ المُسَبِّحُ التَّسْبِيحَا مِنْ مَطَرٍ أَوْ مِنْ صِيَاحٍ صِيحَا أَوْ مِنْ هَلَاكِ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ وَكُلٌّ مَا قَدْ كَانَ مِنْ أَمْثَالِهِ كَذَاكَ إِنْ رَأَى سِوَاهُ يَهْلِكُ فَإِنَّهُ نَجَاتَهُ يَسْتَدْرِكُ يُنْجِيهِ لَوْ وَقْتُ الصَّلاةِ فَاتَا لَكِنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الصَّلَايَا قُلْتُ إِذَا خَافَ فَوَاتَ الْوَقْتِ يَفْعَلُ مَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِي لَوْ لَمْ يُطِقْ مِنْهَا سِوَى الإِيمَاءِ يُومِي وَيَذْهَبَنَّ لِلإِنْجَاءِ وَقِيلَ لِلْمُرْضِع إِذْ تُصَلِّي تُرْضِعُ إِبْنَهَا لِخَوْفِ الشُّغْلِ وَمَنْ يَخَفْ مِنْ حَيَّةٍ أَوْ عَقْرَبِ فَإِنَّهُ يَقْتُلُهُ وَيَنْصَبِ
بِحَالِ وَذَاكَ هُوَ أَكْثَرُ الأَقْوَالِ (1/132)
صفحة 133
132
الجزء الأول
كتاب الصلاة
باب اللباس
وَيَلْزَمُ المُصَلِّي سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَتَرْكُهُ يَنْقُضُ عِنْدَ القُدْرَةِ وَمُعْدَمُ الثِّيَابِ فَلْيُصَلِّ كَذَاكَ عَارِيَّا لِفَوْتِ الْفِعْلِ قيلَ يُصَلِّي قَاعِدًا ويَسْتُرُ عَوْرَتَهُ بِمَا عَلَيْهِ يَقْدِرُ مِنْ شَجَرٍ يَجْعَلُهُ عَلَيْهَا أَوْ مِنْ تُرَابٍ جَرَّهُ إِلَيْهَا وَيُومِيَنَّ رَاكِعًا وَسَاجِدًا وَهْيَ صَلَاةُ مَنْ يُصَلِّي قَاعِدَا وَقِيلَ بَلْ يُصَلِّي وَهُوَ قَائِمُ لِأَنَّمَا الْقِيَامُ رُكْنُ لَازِمُ وَهْوَ وَإِنْ دَنَا مِنَ الصَّوَابِ مُخَالِفٌ لِهَيْئَةِ الْآدَابِ مِنْ ثَمَّ مَالَ أَكْثَرُ الأَصْحَابِ إِلَى قُعُودِ مُعْدَمِ الثِّيَابِ وَوَاجِدُ الثِّيَابِ فَلْيَسْتَكْمِلَا لِبَاسَهُ لَا سَادِلًا مُشْتَمِلا فَالسَّدْلُ فِي الشَّرْعِ نُهِينَا عَنْهُ كَذَاكَ الاِشْتِمَالُ فَاحْذَرَتْهُ لَا سِيَّما مُشْتَمِلُ الصَّمَاءِ وهَكَذَا تُنْهَى عَنِ احْتِبَاءِ أَقَلُّ مَا يُجْزِي مِنَ الأَثْوَابِ ثَوْبٌ وَمَا زَادَ فَلِلثَّوَابِ إِنْ كَانَ ذَاكَ مُلْكَهُ أَوْ عَارِيَهُ فَيَسْتَعِيرُهُ وَلَوْ مِنْ جَارِيَهُ قِيلَ وَلَوْ أَمَانَةٌ مُخْتَصَّا صَلَّى بِهِ وَيَصْمَنَنَّ النَّقْصَا وَإِنْ يَقُلْ صَاحِبُهُ بَعْدَ الأَدَا ذَا نَجِسٌ فَلْيَقْبَلَنْ وَلْيُعِدًا
(1) قوله: «عليها» أي على العورة. (1/133)
صفحة 134
بِابُ اللُّبَاسِ
الجزء الأول
133
إِنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ فِي قَوْلِهِ كَالْمُفْتِي وَقِيلَ إِنْ صَدَّقَهُ أَعَادَا إِنْ غَلَبَ الظَّنُّ بِهِ وَزَادَا وَلَا يُعِيدُ إِنْ يَكُنْ مُتَهَمَا بِأَنَّهُ فِي قَوْلِهِ قَدْ وَهِمَا وَقِيلَ لَا يُصَلِّيَنْ بِثَوْبِ مَنْ لَا يُوَالِيهِ لِخَوْفِ الرَّيْبِ لَكِنَّهُ فِي الاِخْتِيَارِ وَالسَّعَهُ وَالاِضْطِرَارُ حَالَةٌ مُوَسَّعَهُ وَثَوْبُ ذَاتِ الْحَيْضِ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَا بِثَوْبِ جُنُب فِي جَنْبِهِ لَوْ كَانَ فِيهِ مِنْهُمَا نَوْعُ عَرَقْ مَا لَم يَكُنْ بِنَجَسٍ قَدِ الْتَزَقْ وَلَا تُصَلِّ بِثَيَابِ قَذِرَهُ وَمَوْضِعَ الْأَنْجَاسِ مِنْهَا طَهَّرَهُ وَهَكَذَا الإِبْرَيْسَمُ المُمْتَنِعُ عَلَى الرِّجَالِ لُبْسُهُ لَا يَسَعُ وَهَكَذَا ثَوْبٌ بِهِ يُصَوَّرُ ـهِ يُصَوَّرُ تِمْثَالُ ذِي رُوحٍ فَذَاكَ يُحْجَرُ وَإِنْ يَكُنْ نَحْوَ يَدٍ وَرِجْلِ فَلَا أَرَى بَأْسًا عَلَى المُصَلِّي وَالرَّأْسُ فِيهِ مَعْدِنُ الرُّوحِ يُرَى فَامْنَعْهُ إِنْ كَانَ هُنَاكَ صُورَا وَجَائِزٌ غَيْرُ ذَوِي الْأَرْوَاحِ كَصُورَةِ الأَشْجَارِ وَالنَّوَاحِي وَصُورَةِ الرِّمَالِ وَالْجِبَالِ وَكُلٌّ مَا كَانَ بِهَذَا الحَالِ وَالثَّوْبُ إِنْ يُشْرَى مِنَ الْمَجُوسِي فَغُسْلُهُ أَطْيَبُ لِلنُّفُوسِ وَقِيلَ بِالتَّرْخِيصِ فِي الْمَقْمُوطِ وَالغُسْلُ فِي مَنْشُورِهِ الْمَبسُوطِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْمَعَانِي يَكُونُ فِي تَوَسُّع الإِنْسَانِ (1/134)
صفحة 135
134
الجزء الأول
كتاب الصلاة
وَجَائِز فِي الإِصْطِرَارِ بِالنَّجِسُ وَبِالْحَرِيرِ وَبِكُلِّ مَا لُبِسْ إِنْ لَمْ يَجِدْ سِوَاهُ وَلْيُيَمّم مُنَجَّسًا لِلْاحْتِيَاطِ فَاعْلَم وَقِيلَ بِالحَرِيرِ لَا يُصَلِّي فِي الإِصْطِرَارِ وَهُوَ غَيْرُ عَدْلٍ وَمَنْ يُصَلِّي وَهْوَ ذُو ارْتِيَابِ مَعْ ذَاكَ فِي نَجَاسَةِ الشَّيَابِ قَدْ عَلِمَ الخُبْثَ بِهَا وَشَكَّا هَلْ زَالَ فَالْخِلَافُ فِيهِ يُحْكَى وَذَاكَ إِنْ صَحَ بِأَنَّ الغُسْلَا قَدْ كَانَ لِلتَّوْبِ وَبَعْدُ صَلَّى أَمَّا إِذَا لَمْ يَعْلَمَنْ بِغُسْلِهِ فَالنَّقْصُ فِيهَا لَازِمٌ لِفِعْلِهِ وَالأَحْسَنُ الْبَيَاضُ فِي اللُّبَاسِ وَغَيْرُهُ لَيْسَ بِهِ مِنْ بَاسِ لَوْصُبِغَ الثَّوْبُ بِزَعْفَرَانِ وَالوَرْسِ فِيمَا قِيلَ وَالشَّوْرَانِ (1) لَا بَأْسَ إِنْ صَلَّى بِهِ الرَّجَالُ فَرْضًا وَنَفْلًا هَكَذَا يُقَالُ قُلْتُ إِذَا أَفْضَى إِلَى التَّشَبُّهِ بِلُبْسِ ذَاتِ الْخِدْرِ فَالْمَنْعُ بِهِ وَقَدْ أَتَى النَّهْيُّ بِنَيِّ الْخَبَرِ أَنْ يَلْبَسَ الرِّجَالُ لِلْمُعَصْفَرِ فَكَيْفَ بِالْمُزَعْفَرِ الْمَذْكُورِ إِنِّي أَرَى هَذَا مِنَ الْمَحْجُورِ مِنْ سُرَّةِ الْمَرْءِ إِلَى رُكْبَتِهِ يَسْتُرُهُ إِذْ ذَاكَ مِنْ عَوْرَتِهِ وَيُسْتَحَبُّ سَتْرُهُ لِصَدْرِهِ وَعَصْدَيْهِ وَكَذَا لِظَهْرِهِ أَمَّا النِّسَاءُ كُلُّهُنَّ عَوْرَهُ إِلَّا الَّذِي أُخْرِجَ لِلْضَرُورَهُ
(1) الشَّورَان: هو العُصْفُر وهو بفتح الشين. (1/135)
صفحة 136
بِابُ اللُّبَاسِ
الجزء الأول
135
الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ فَاعْلَمَنَّا وَمَا عَدَا هَذَيْنِ تَسْتُرَنَّا وَالْوَجْهُ لَا يُسْتَرُ فِي الصَّلَاةِ وَلَا فِي الإِحْرَامِ مِنَ المِيقَاتِ وَكُلُّ مَا جَازَ مِنَ الْحُلِيِّ فَفِي الصَّلَاةِ لَيْسَ بِالْمَنْهِيِّ وَكُلُّ مَا يُمْنَعُ لُبْسُهُ مُنِعْ بِهِ الصَّلَاةُ فَاسْمَعَنَّ وَامْتَنِعْ فَالذَّهَبُ الْمَمْنُوعُ لِلرِّجَالِ لَا يُمْنَعَنْ مِنْ رَبَّةِ الحِجَالِ وَجَائِز بِالفِضَّةِ الْبَيْضَاءِ فِي حِلْيَةِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَلِلرِّجَالِ كُلَّهُ مَحْجُورُ عَسْجَدُهُ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ فَقَوْلُهُ فِي الْخَاتَمِ الْمُذَهَّبِ بِقَدَرِ الدِّرْهَم نَوْعُ عَجَبِ لَا نَحْفَظَنَّهُ عَنِ الْمُخْتَارِ وَلَا عَنِ الْقَادَةِ فِي الآثَارِ وَرُبَّمَا يُوجَدُ ذِكْرُهُ وَلَا يُذْكَرُ مَنْ قَدْ قَالَهُ أَوْ نَقَلَا وَلَوْ عَلِمْنَاهُ لَكَانَ فِيهِ لَنَا مَقَالُ فِي الَّذِي يَرْوِيهِ إِذْ لَيْسَ مَا قِيلَ جَمِيعًا يُقْبَلُ إِلَّا الَّذِي عَنِ النَّبِيِّ يُنْقَلُ أَوْ كَانَ أَصْلُهُ مِنَ الْكِتَابِ يَنْزِعُهُ فَهُمُ أُولِي الأَلْبَابِ وَلَا يُصَلِّي بِالنُّحَاسِ وَالشَّبَهُ وَهْوَ مِنَ الْمَكْرُوهِ فَلْتَجْتَنِبَهْ كَذَلِكَ الْحَدِيدُ فِي الآثَارِ لِأَنَّهُ حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ وَالْخُلْفُ فِي الصَّلَاةِ فِي النِّعَالِ جَاءَ عَلَى ثَلَاثَةٍ أَقْوَالِ
(1) بفتحتين؛ أجود النحاس. (أبو إسحاق) (1/136)
صفحة 137
136
الجزء الأول
كتاب الصلاة
ثَالِنُّهَا الْجَوَازُ فِي الضَّرُورَهُ وَلَا أَرَى الإِجَازَةَ الْمَحْصُورَة لِأَنَّهُ جَاءَ عَنِ الْمُخْتَارِ جَوَازُهُ فِي غَيْرِ الاِضْطِرَارِ لَكِنْ نِعَالُ النَّاسِ فِي ذَا الْيَوْمِ مُخَالِفٌ نِعَالَ تِلْكَ الْقَوْمِ فَذِي النِّعَالُ تَرْفَعُ الرِّجْلَيْنِ عَنِ السُّجُودِ فَوْقَ أُصْبُعَيْنِ فَيَمْنَعَنَّ مِنْ أَدَاءِ الْفَرْضِ خِلَافَ نَعْلِ لَاصِ بِالْأَرْضِ مِنْ أَجْلِ هَذَا قِيلَ فِي حَالِ الصَّرَرْ يَجُوزُ دُونَ الِاخْتِيَارِ الْمُعْتَبَرُ هُمْ نَظَرُوا إِلَى اخْتِلَافِ الحَالِ مِنَ اللُّبَاسِ وَمِنَ النِّعَالِ وَلَا أَرَى لِلْمَانِعِينَ مُطْلَقَا سِوَى الَّذِي ذَكَرْتُهُ تَعَلَّقَا
وَإِنْ خَلَعْتَ النَّعْلَ فَاتْرُكَنْهَا عَلَى اليَسَارِ لَا تُيَمِّنَنْهَا لِأَنَّمَا اليَمِينُ مَوْضِعُ المَلَكْ فَاحْتَر مَنْ جَانِبَهُ حَيْثُ سَلَكْ وَمَوْضِعُ اليَسَارِ لِلشَّيْطَانِ أَحَقُّ بِالتَّصْيِيقِ وَالهَوَانِ فَالنَّعْلُ وَالبُصَاقُ مَهْمَا عَنَّا نَحْوَ اليَسَارِ عَنْهُ يَرْمِيَنَّا
باب الستْرَة
وَيُؤْمِرَنَّ بِاتِّخَاذِ السُّتْرَةِ حَالَ الصَّلَاةِ بَيْنَهُ وَالقِبْلَةِ لِأَنَّهَا مَنْعُ مِنَ القَوَاطِعِ وَلَيْسَ شَيْءٌ خَلْفَهَا بِقَاطِعِ
(1) تلك القوم: إنما أشار بتلك للقوم، وهي مما يشار به إلى المؤنث؛ لأنه قصد به الجماعة. (1/137)
صفحة 138
باب السُّتْرَة
الجزء الأول
137
وَلْيَدْنُ مِنْهَا خَوْفَ أَنْ يَحُولُ (1) مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا المَخْذُولُ
لَا بَأْسَ إِنْ دَقَّتْ (2) وَلَكِنْ تُرْفَعُ شِبْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فَتَمْنَعُ عَلَى اخْتِلَافِ جَاءَ فِي مِقْدَارِهَا مُحَمَّدًا فِي الطُّولِ مِنْ أَشْبَارِهَا وَآخِرُ القَوْلَيْنِ هُوَ الْأَشْهَرُ مِنْ ثَمَّ قَدْ مَالَ إِلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَإِنْ تَكُنْ فِي الغُلْطِ كَالجِدَارِ تَكُونُ أَقْوَى ثُمَّ كَالحِظَارِ (3) وَمِثْلُ ذَاكَ مَنْ يَصُفُّ الحَجَرَا أَمَامَهُ إِثْنَتَيْنِ أَوْ فَأَكْثَرَا وَالحَجَرُ الوَاحِدُ إِنْ لَمْ تَجِدِ سِوَاهُ يُجْزِي لأَدَا التَّعَبدِ وَالخَطُّ عِنْدَ عَدَمِ الجَمِيعِ قُدَّامَهُ كَافٍ عَنِ النَّصْيِيعِ وَقَدْ يُقَالُ حَجَرٌ لَوْ صَغُرَا أَوْلَى مِنَ الخَطُّ وَلَوْ قَدْ كَبْرًا وَالخُلْفُ فِي النَّهْرِ الكَبِيرِ ذَكَرُوا هَلْ يَسْتُرَنَّ وَالصَّحِيحُ يَسْتُرُ وَلَمْ يُرَى (4) ذَلِكَ فِي الصَّغِيرِ وَالفَرْقُ عُسْرُ غَايَةَ التَّعْسِير وَكُلُّ مَا كَانَ مِنَ الأُمُورِ فَسُتْرَةٌ فِيهِ لَدَى المُرُورِ إِلَّا الكَنِيفَ قِيلَ سُتْرَتَان وَفُرْجَةٌ بَيْنَهُمَا لِلدَّانه)
(1) قوله: «يحولُ» برفع المضارع على إهمال (أن).
(2) دقت: أي صغرت.
(3) الحائط وما يجعل كحائط من الشجر لوقاية الدواب البرد. (أبو إسحاق)
(4) قوله: «عُسْر» بضم العين وإسكان السين أي عَسِر، و (يُرى) غير مجزوم للضرورة أو على
إهمال (لم). (5) للدان: أي للقريب. (1/138)
صفحة 139
138
الجزء الأول
كتاب الصلاة
إِحْدَاهُمَا جِدَارُهُ وَالأُخْرَى سُتْرَةُ مَنْ صَلَّى فَنَالَ الأَجْرَا وَقَالَ بَعْضُ العُلَمَا جِدَارُ يُجْزِي وَقِيلَ يُجْزِيَنْ حِظَارُ وَمَقْصَدُ الكُلِّ يَكُونُ وَاحِدَا فَلَا أَرَى لِلْخُلْفِ مَعْنًى زَائِدَا فَالأَوَّلُونَ اعْتَبَرُوا جِدَارَهُ وَالْآخَرُونَ أَهْمَلُوا اعْتِبَارَهُ وَمَنْ يَكُنْ صَلَّى لِغَيْرِ سَاتِرِ فَإِنَّهُ يَكُونُ كَالمُخَاطِرِ لِأَنَّ أَشْيَاءَ هُنَاكَ تَقْطَعُ إِلَّا إِذَا بِفُسْحَةٍ تُوَسَّعُ الكَلْبُ وَالخِنْزِيرُ ثُمَّ القِرْدُ وَمُشْرِكٌ وَأَقْلَفٌ يُعَدُّ وَجُنُبْ وَحَائِضٌ وَنُفَسَا تَقْطَعُ إِنْ لَمْ يَكُ قَد تَنَفَّسَا خَمْسَةَ عَشْرَ أَذْرُعٍ قَالُوا وَذَا يَكُونُ حَدًّا لِلَّذِي مِنْ بَعْدِ ذَا مَنْ وَاجَةَ الإِنسَانَ بِالتَّعَدِّي فَإِنَّهُ يَنْقُضُ دُونَ الحَدِّ (1) وَقِيلَ لَا يَنْقُضُ فَوْقَ سَبْعَةِ وَقِيلَ بَلْ يَنقُضُ دُونَ عَشْرَةِ وَقِيلَ بَلْ ثَلَاثَةٌ مِنْ أَذْرُعٍ حَدِّ لَهُ وبَعْدَهَا لَمْ يَقْطِعِ كَذَاكَ مَنْ قَابَلَ نَارًا تُشْعَلُ لأَنَّ ذَاكَ بِالْمَجُوسِ أَمْثَلُ وَالجَمْرُ وَالسِّرَاجُ لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يُرِدْ نَوْعًا مِنَ التَّشَبُّهِ كَذَاكَ مَنْ صَلَّى إِلَى المَقَابِرِ لِأَنَّمَا تَعْظِيمُهَا لِلْكَافِرِ وَسَائِرُ الأَشْيَاءِ لَيْسَ تَقْطَعُ إِلَّا إِذَا دُونَ السُّجُودِ تَقَعُ
(1) قوله: «دون الحد» أي دون الحد المذكور وهو خمسة عشر ذراعًا على هذا القول. (1/139)
صفحة 140
باب صلاة الجماعة
الجزء الأول
139
مِنَ ذَلِكَ المُسْلِمُ غَيْرُ الجُنُبِ وَنَحْوُهُ مِنْ حَيَوَانٍ طَيِّبِ قِيلَ كَذَاكَ صَبْعٌ وَتَعْلَبُ وَالذِّتْبُ أَيْضًا وَكَذَاكَ الْأَرْنَبُ وَيَأْتُمَنَّ مَنْ يَكُنْ قَدْ مَرًا بَيْنَ يَدَيْهِ عَامِدًا تَجَرَّى وَلِلْمُصَلِّي قِيلَ أَنْ يُقَاتِلُهُ) لِأَنَّهُ الشَّيْطَانُ أَوْ يُمَائِلُهُ
باب صلاة الجماعة
وَالِاجْتِمَاعُ دَائمًا مَطْلُوبُ فِي الدِّينِ وَهْوَ فِي الهُدَى مَحْبُوبُ مِنْ ذَلِكَ الصَّلَاةُ فِى الجَمَاعَةُ فَإِنَّهَا مِنْ أَحَسَن البِضَاعَةُ وَاخْتَلَفُوا فَقِيلَ فَرْضٌ عَيْنٍ تَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ بِالْعَيْنِ وَقِيلَ إِنَّهَا عَلَى الْكِفَايَة وَقِيلَ سُنَّةٌ لَهَا عِنَايَهْ وَجَارُ مَسْجِدٍ فَلَا يُصَلَّي فِي غَيْرِهِ إِلَّا صَلَاةَ النَّفْلِ فَإِنَّهَا تُسَنُّ فِي الأَبَياتِ لِطَلَبِ الإِخْفَاءِ وَالإِخْبَاتِ مَنْ لَازَمَ الصَّلَاةَ فِي الجَمَاعَةُ فَنَحْرُهُ مَلَأَهُ بِالطَّاعَة وَفَضْلُهَا أَعْظَمُ بِالإِطْلَاقِ وَتَرْكُهَا عَلَامَةُ النِّفَاقِ مِنْ ثَمَّ قَالُوا إِنَّهُ رَفِيضُ لَوْ دَمْعُهُ مِنْ خَوفِهِ يَفِيضُ
(1) قوله: «يقاتله» في هذه النسخة مشكول بالضمة على اللام وكأنَّهُ بأمر الناظم الله على إهمال «أن» أو للضرورة، وعندي فيه جواز النصب فيكون أو يماثله منصوبا بأن مضمرة أي إلى أن
يماثله، أي يقاتله إلا أن يمتثل له يعني المار، ولكن الذي رآه الناظم أظهر. (1/140)
صفحة 141
140
الجزء الأول
كتاب الصلاة
وَمِنْ هُنَا قَالُوا خَسِيسُ الحَالِ بِتَرْكِهِ الفَضْلَ مِنَ الْأَعْمَالِ لَمْ يَعْذُرِ المُخْتَارُ خَيْرُ البَشَرِ سَائِلَهُ وَهْوَ ضَرِيرُ الْبَصَرِ بَلْ قَالَ فِيهِ أَجِبِ النِّدَاءَ وَلَمْ يَكُنْ يَعْتَبِرُ العَمَاءَ فَالفَاتِحُ البَصِيرُ أَوْلَى وَأَحَق أَنْ يُلْزَمَنَّ فِعْلَهَا إِذَا انْطَلَقْ يُؤَدِّبَنَّهُ إِمَامُ الأَدَبِ كَمَا اقْتَضَاهُ نَظَرُ المُؤَدِّبِ وَالمُصْطَفَى هَمَّ بِأَنْ يَنْطَلِقَا إِلَى بُيُوتِهِمْ لِكَيْ يُحَرِّقَا وَأَغْلَظَ المَقَالَ فِيهِمْ مُنْكِرَا أَفْعَالَهُمْ وَهُوَ حَدِيثُ شُهِرَا وَاظِبْ عَلَيْهَا وَاتَّخِذْهَا عَادَهُ فَإِنَّهَا مِنْ أَفْضَل العِبَادَهُ وَصَلِّيَنْهَا خَلْفَ كُلِّ بَرٌ وَفَاجِرٍ مَعْ عَدَمِ الأَبَرِّ وَلَا تَمِلْ لِمَنْ يَقُولُ صَلِّ مُنْفَرِدًا إِنْ لَمْ تَجِدْ ذَا عَدلِ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْسُّنَّة وَالحَقُّ فِي الْأَوَّلِ فَاتْبَعَنَّهُ
فصل الإمام في الصلاة
وَعِنْدَ الاخْتِيَارِ وَالإِمْكَانِ يُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ فِي الإِيمَانِ وَمِنْ ذَوِي الأَحْلَامِ وَالآدَابِ يُقَدَّمُ الأَقْرَأُ لِلْكِتَابِ فَإِنْ تَسَاوَوْا فَالَّذِي يَكُونُ أَعْلَمَهُمْ بِمَا هُوَ الْمَسْنُونُ
(1) قوله: «سائله» هو عبد الله ابن أم مكتوم، وفي بعض النسخ مصرّح باسمه، وذلك في قوله: «ابْنَ أُمّ مَكْتُوم صَرِيرَ البَصَرِ» وهو بإسقاط ألف ابن لفظا لإقامة الوزن. (1/141)
صفحة 142
فصل الإمام في الصلاة
الجزء الأول
141
فَإِنْ تَسَاوَوْا فَالَّذِي تَقَدَّمَا مِنْهُمْ إِلَى الهِجْرَةِ حِينَ أَسْلَمَا فَإِنْ تَسَاوَوْا قَدَّمُوا الأَسَنَّا فَإِنْ تَسَاوَوْا مَنْ يَفُوقُ حُسْنَا هَذَا هُوَ التَّرْتِيبُ عِنْدَ المُكْنَةِ وَغَيْرُهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَإِنْ رَأَيْتَ جَائِرًا تَقَدَّمَا بِالقَهْرِ صَلِّ خَلْفَهُ وَانْتَظِمَا وَلَا تَقُلْ لَهُ تَقَدَّمْ أَنْتَا كَيْلَا تَكُونَ أَنْتَ قَدْ قَدَّمْنَا وَمَنْ لَهُ قَدْ كَرِهَ الجَمَاعَهُ فَأَمَّهُمْ فَهُوَ خَلَافُ الطَّاعَهُ لِأَنَّهُمْ أُوْلَى بِأَنْ يُقَدِّمُوا مَنْ عَلِمُوهُ أَنَّهُ مُقَدَّمُ وَصَاحِبُ السُّلطَانِ فِي سُلْطَانِهِ أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ مِنْ أَعْوَانِهِ وَصَاحِبُ المَنْزِلِ فِي مَنْزِلِهِ أَوْلَى لِأَنَّهُمْ أَتَوْا مِنْ أَجْلِهِ وَالأُمِّي (1) لَا يُصَلِّيَنْ بِالقَارِي وَهَكَذَا البَادِي بِذِي القَرَارِ وَلَا يُصَلِّ قَاعِدٌ بَقَائِم وَقِيلَ جَائِةٌ بِغَيْرِ اللَّازِمِ وَقِيلَ إِنْ كَانَ إِمَامًا جَازَا وَمُطْلَقًا بَعْضُ رَأَى الجَوَازَا وَالخُلْفُ فِي مُسَافِرٍ بِحَاضِرِ وَالحَقُّ فِي الجَوَازِ أَيُّ ظَاهِرِ لَكِنَّهُ يُتِمُّ مَاعَلَيْهِ يَبْقَى وَلَا يَقْصُرُهَا لَدَيْهِ فَالمُصْطَفَى صَلَّى بِأَهْلِ مَكَّةِ قَصْرًا وَحَنَّهُمْ عَلَى التَّكْمِلَةِ وَهَكَذَا أَعْمَى يُصَلِّيَنَّا بِمُبْصِرٍ فِيهِ الخِلَافُ عَنَّا
(1) الأمي: هو الذي لا يقرأ الكتابة، وأراد به هنا الذي لا يحسن القراءة. (1/142)
صفحة 143
142
الجزء الأول
كتاب الصلاة
وَالقَوْلُ بِالجَوَازِ هُوَ الْأَقْوَى لِمَا عَلَيْهِ مِنْ دَلِيلِ يُرْوَى وَأَعْرَجُ إِنْ كَانَ قَدْ تَمَكَّنَا مِنَ السُّجُودِ فَلْيُصَلِّ مُعْلِنَا وَإِنْ يَكُنْ لَمْ يَتَمَكَّنَنَّا فَالخُلْفُ فِيهِ هَلْ يُقَدَّمَنَّا وَالعَبْدُ بِالْحُرِّ وَمَنْ تَيَمَّمَا بِمَنْ تَوَصَّى فِيهِ خَلْفُ العُلَمَا وَقِيلَ فِي مُشْتَمِلٍ بِمُرْتَدِي فَاسِدَةٌ وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُفْسِدِ) وَلَا تَؤُمُ امْرَأَةٌ بِرَجُلِ فِي فَرْضِهَا قِيلَ وَفِي التَّنَفُّلِ ـاءِ تَتَنَفَّلَنَّا وَلْتَكُ وَسْطَ الصَّفٌ بَيْنَهُنَّا وَجَائِزٌ قِيلَ صَلَاةُ الْخُنْثَى بِمِثْلِهِ أَيْضًا وَكُلِّ أُنْثَى لَكِنْ عَلَيْهِ يَتَقَدَّمَنَّا عَنْ صَفِّهِنَّ لَا كَمِثْلِهِنَّا
وَبِالنِّسَ
فصل أحكام الإمام في الصلاة
وَمَنْ يَكُنْ إِمَامَ قَوْمٍ يَنْوِيَنْ بِأَنَّهُ لَهُمْ إِمَامٌ مُؤْتَمَنْ وَأَنَّهُ الإِمَامُ لِلجَمِيعِ مِنْ حَاضِرٍ أَوْ غَائِبٍ سَرِيع (2) وَإِنْ نَوَى يُصَلِّيَنْ بِبَعْضٍ فَدَخَلَ البَاقُونَ تَحْتَ الفَرْضِ فَالدَّاخِلُونَ مَا عَلَيْهِمْ بَدَلُ لِأَنَّهُمْ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا وَفِي وُقُوفِهِ أَمَامَ الصَّفِّ مُسَاوِيَا خَيْرُ أُمُورِ الوَقْفِ
(1) أي وبعضهم لم يفسدها، أي لم ير فسادها. (2) أراد بالسريع الذي يلتحق بعد. (أبو إسحاق) (1/143)
صفحة 144
فصل أحكام الإمام في الصلاة
الجزء الأول
143
وَقِيلَ لَا بَأْسَ إِذَا مَا ارْتَفَعَا مَكَانَهُ عَنْ صَفِّهِمْ وَاتَّضَعَا وَقِيلَ يَعْلُوهُمْ وَلَا يَتَّضِعُ وَقِيلَ بَلْ جَمِيعُ هَذَا يُمْنَعُ وَلَا يَكُنْ عَنْهُمْ وَرَا حِجَابِ فيُكْرَهُ الوُقُوفُ فِي المِحْرَابِ وَإِنْ يَكُنْ سُجُودُهُ فِيهِ فَقَطْ فَلَا عَلَيْهِ أَبَدًا مِنْ ذَا شَطَطْ وَفَضْلُهَا فِي أَوَّلِ الوَقْتِ اشْتَهَرْ فَلَا يُؤَخِّرَنَّهَا لِيُنْتَظَرْ وَإِنْ يَكُنْ لِمَانِعَ تَأَخَّرَا يَنْتَظِرُونَهُ لِقُلْثٍ غَبَرَا وَهُوَ حَتَّى يَبْقَى تُلْثَانِ مَعَا يَنْظُرُهُمْ إِنْ كَانَ عُذْرٌ وَقَعَا (1) وَلْيَرْعَ فِي التَّخْفِيفِ وَالتَّطْوِيلِ لِحَالَةِ الصَّعِيفِ وَالعَلِيلِ وَلْيَمْضِيَنْ عَلَى صَلَاتِهِ مَتَى ضَاعَتْ صَلَاةُ مَنْ وَرَاءَهُ أَتَى وَلَا يَضُرُّهُ فَسَادُ مَنْ وَرَا لَكِنْ فَسَادُهُ يَضُرُّ إِنْ طَرَا فَقَطْعُهَا بَغَيْرِ عُذْرٍ مُفْسِدُ عَلَيْهِمُ وَالعُذْرُ لَيْسَ يُفْسِدُ وَجُنُبْ أَمَّ وَلَمَّا يَدْرِي حَتَّى أَتَمَّ الخُلْفُ فِيهِ يَجْرِي قِيلَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُعِيدُوا وَيَرَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ حُكْمٌ جَرَى وَإِنْ يَكُنْ حَالَ الصَّلَاةِ الْتَبَسَا عَلَيْهِ يَسَأَلَنَّ مَنْ بِهِ اتَّسَا (2) وَيَأْخُذَنْ بِقَوْلِهِمْ إِنْ قَالُوا صَحِيحَةٌ أَوْ جَاءَهَا الإِعْلَالُ
(1) يعني أنه إذا تأخر الإمام فإنهم ينتظرونه إلى أن يبقى من الوقت الثلث، وإن تأخرت الجماعة فإنه ينتظرهم إلى أن يمضي ثلث الوقت ويبقى الثلثان؛ لأن حق الإمام أعظم، وعندي أن انتظار الإمام الجماعة إلى أن يبقى ثلث الوقت أولى لأجل إقامة الجماعة. (2) به اتسا: أي اقتدى. (1/144)
صفحة 145
144
الجزء الأول
كتاب الصلاة
وَإِنْ يَكُونُوا عَدَدًا لَا يَتَّفِقُ فِي السَّهْوِ لَا يَسْأَلْهُمْ بَلْ يَنْطَلِقْ أَقَلُّ ذَاكَ سَبْعَةٌ مُتَّفِقَهُ وَقِيلَ خَمْسَةٌ وَفِيهِمُ الثَّقَهُ وَإِنْ يَكُنْ سَهَا يُسَبِّحُونَا لَهُ وَإِنْ عَيَّ فَيَفْتَحُونَا وَقَالَ قَوْمٌ إِنْ سَهَا يُجْهَرُ لَهُ بِفِعْلِهِ الَّذِي سَهَا أَنْ يَفْعَلَهُ وَكَرَّهُوا التَّسْبِيحَ وَهُوَ فَاسِدُ إِذْ قَدْ أَتَى بِهِ الدَّلِيلُ الوَارِدُ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ فَلِلنِّسَا التَّصْفِيقُ لِلإِخْفَاءِ وَإِنْ يَكُنْ إِمَامُهُمْ أَصَمَّا لَمْ يَسْمَعِ التَّسْبِيحَ حِينَ عَمَّا فَقِيلَ يَمْضُونَ وَيَتْرُكُونَهُ وَقَالَ بَعْضُ بَلْ بِحَرِّكُونَهُ
(1)
وَذَاكَ لِلصَّلَاحِ مَا فِيهِ حَرَجٌ وَقِيلَ يُبْدِلَنَّ مَنْ لَهُ عَرَجْ)
فصل في أحكام المأمومين
وَإِنْ يَكُ المَأْمُومُ فَرْدًا صَفًّا حَوْلَ الْإِمَامِ فِي اليَمِينِ صَفًّا وَلَا يَصُفّنَّ عَلَى الشِّمَالِ فَإِنَّهُ مِنْ أَقْبَحَ الخِصَالِ وَلَا يَصُفَّنَّ وَرَا الإِمَام أَخْشَى عَلَيْهِ عَدَمَ التَّمَامِ وَإِنْ يَكُونُوا اثْنَيْنِ أَوْ فَأَكْثَرَا تَأَخَرُوا عَنْهُ وَقَامُوا فِي الوَرَى صَفُوا وَرَاءَهُ عَلَى اسْتِوَاءِ بِلَا اعْوِجَاجِ وَبِلَا الْتِوَاءِ
6
(1) له عرج: أي ارتفع والمراد على هذا القول أن الذي تقدم إليه لينبهه فصلاته فاسدة. (1/145)
صفحة 146
فصل في أحكام المأمومين
الجزء الأول
145
وَلْيَرْ صِنُوا الصَّفِّ وَلَا يُفَرِّجُوا إِنْ فَرَّجُوا الشَّيْطَانُ فِيهِمْ يَلِجُ وَإِنْ يَكُ الصَّبِيُّ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَلَا أَرَى نَقْضًا عَلَى هَذَيْنِ وَلَا يَصْفُوا ثَانِيَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتِمَّ ذَا الصَّتُ الَّذِي يُقَدِّمَنْ وَالفَضْلُ فِي الصُّفُوفِ لِلْمُقَدَّمِ وَعَكْسُهُ صَتُ النِّسَاءِ فَاعْلَم فَالفَضْلُ فِي الْأَخِيرِ حَيْثُ كَانَا عَنِ الرِّجَالِ أَبْعَدَ المَكَانَا لَهُنَّ يَصْفُفْنَ وَرَا الرِّجَالِ بِلَا تَعَطُّرٍ وَلَا خَلْخَالِ وَليَتَبَاعَدْنَ قَلِيلًا عَنْهُمُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ يَكُنَّ مِنْهُمُ وَالخُلْفُ هَلْ عَلَى النِّسَاصُفُوفٌ وَالقَوْلُ بِالصَّفِّ هُوَ المَعْرُوفُ قِيلَ وَذَاكَ فِي أَدَاءِ الفَرْضِ وَالنَّفَلُ يُجْزِي بِانْفِرَادِ البَعْضِ وَيَقِفُ الخُنْثَاءُ صَفًّا مُتَحِد بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مُنْفَرِدْ لأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الرِّجَالِ وَلَا مِنَ النِّسَاءِ لِلإِشْكَالِ وَكُلُّهُمْ فِي تَبَعِ الإِمَامِ لَا يَسْبِقُونَهُ إِلَى التَّمَامِ
يُكَبِّرُونَ بَعْدَ مَا يُكَبِّرُ وَهَكَذَا الْأَرْكَانُ حِينَ تُذْكَرُ وَمَنْ يَكُنْ أَصَمَّ فَلْيُحْرِمْ إِذَا مَا أَحْرَمَ النَّاسُ إِذَا دَرَى بِذَا وَإِنْ يَكُنْ لَمْ يَدْرِ فَلْيُمْسِكْ إِلَى أَنْ يَرْكَعُوا وَلَيَدْخُلَنْ وَلْيُبْدِلَا يُبْدِلُ مَا فَاتَ مِنَ القُرَأَىنِ بَعْدَ تَمَامِ سَائِرِ الْأَرْكَانِ وَهَكَذَا إِذَا سَهَا المُصَلِّي عَنِ اسْتِمَاعِ الذِّكْرِ إِذْ يُصَلِّي فَإِنَّهُ عَلَيْهِ قِيلَ يُبْدِلُهُ مِنْ بَعْدِ مَا تَمَّ الإِمَامُ يَفْعَلُهُ (1/146)
صفحة 147
146
الجزء الأول
كتاب الصلاة
(1)
وَإِنْ يَكُنْ مُسْتَمِعًا لِلْبَعْضِ أَجْزَاهُ ذَاكَ لِأَدَاءِ الْفَرْضِ وَإِنْ يَكُنْ مُسْتَمِعًا لَمْ يَسْمَعِ شَيْئًا فَمَا عَلَيْهِ بَأْسُ فَاسْمَعِ لِأَنَّمَا المَفْرُوضُ الإِسْتِمَاعُ لَهُ إِذَا يَقْرَأُ لَا السَّمَاعُ لَا يَقْرَأُ المَأْمُومُ غَيْرَ الحَمْدِ وَاخَتَلَفُوا فِي زَائِرِ) بِالْعَمْدِ وَإِنْ يَكُنْ زَادَ عَلَى النِّسْيَانِ فَلَيْسَ فِيهِ النَّقْصُ بِالْقُرْآنِ وَالنَّقْصُ مَهْمَا رَكَعَ المَأْمُومُ قَبْلَ الإِمَامِ عِنْدَهُمْ مَعْلُومُ وَهَكَذَا السُّجُودُ مَهْمَا سَجَدَا قَبْلَ إِمَامِهِ كَذَا إِنْ قَعَدَا وَإِنْ يَكُنْ إِمَامُهُ قَدْ سَبَقَهُ بِفِعْلِ حَدٌ قِيلَ نَقْضٌ لَحِقَهُ وَإِنْ يَكُنْ فِي آخِرِ الحَدِّ لَحِقْ فَلَا يَكُونُ نَاقِضًا بِمَا سَبَقٌ وَإِنْ يَكُنْ مِنْ بَعْدِ مَا قَدْ دَخَلَا سَهَا عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى كَمَّلَا وَسَلَّمَ الإِمَامُ فَلْيَقُمْ إِلَى ذَاكَ الَّذِي عَنهُ سَهَا وَلْيُبْدِلَا وَإِنْ هُمْ قَدْ سَابَقُوا الإِمَامَا وَقَبْلَهُ صَلُّوا فَلَا تَمَامَا وَذَاكَ إِنْ كَانَ الْإِمَامُ صَلَّى جَمَاعَةً مِنْ بَعْدِهِمْ وَوَلَّى وَقِيلَ لَا نَقْضَ بِمَا قَدْ جَاؤُوا لَكِنَّهُمْ بِفِعْلِهِمْ أَسَاؤُوا وَمَا لَنَا تَتَبُّعُ الْمَسَاجِدِ لَا نَتْرُكُ الأَقْرَبَ لِلْأَبَاعِدِ إِلَّا إِذَا كَانَ لِعُذْرٍ حَصَلَا وَلَمْ يَكُنْ يَخْرَبُ هَذَا مَثَلًا
(1) المستمع الناصت للاستماع، سَمِعَ أَوْ لَمْ يَسْمَعْ.
(2) قوله: «في زائد أي فيما زاده من القرآن على الفاتحة عمدًا. (1/147)
صفحة 148
باب المساجد
الجزء الأول
147
باب المساجد
وَهَاهُنَا بَابٌ أَرَى أَنْ أَذْكُرَهُ فِي بَابِهِ وَالْأَصْلُ عَنْهُ أَخَرَهُ ذَكَرَهُ كَسَائِرِ الأَصْحَابِ فِيمَا لِحُكْمِ الْوَقْفِ مِنْ أَبْوَابِ لِأَنَّ غَالِبَ الْكَلَامِ ثَمَّا فِي حُكْمِ مَالِهِ وَمَا قَدْ لَمَّا وَهَا أَنَا لِحُكْمِهِ أُقَدِّمَنْ وَحُكْمَ مَالِهِ لَهُ أُؤَخِّرَنْ حَتَّى يَكُونَ الكُلُّ مَعْ مُنَاسِبِه لِيَسْهُلَنَّ أَخَذُهُ لِطَالِبِهْ فَيَنْبَغِي لِمَنْ يَخُطُّ البَلَدَا يُقَدِّمَنَّ لِلصَّلَاةِ مَسْجِدًا يَعْمُرُهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُعَمِّرُوا لِأَنَّ هَذَا لِلْإِلَهِ يُعْمَرُ يَبْنُونَهُ بِقَدَرِ البِلَادِ وَمَا بِهَا مِنْ كَثْرَةِ الْعُبَّادِ يُوَسِّعُونَ أَوْ يُصَيِّقُونَا وَهَكَذَا أَيْضًا يُوَسِّطُونَا وَلَا أَرَى فِي كَثْرَةِ المَسَاجِدِ فَضْلًا لِمَا فِيهَا مِنَ التَّبَاعُدِ وَالوَاحِدُ الجَامِعُ لِلْأَصْحَابِ أَحَقُّ بِالفَضْلِ وَبِالثَّوَابِ يَبْنُونَهُ وَلَا يُزَخْرِفُونَهُ وَالنَّقْسُ فِي المِحْرَابِ يَكْرَهُونَهُ لَا تَنْقُشَنَّهُ وَلَوْ مَجَّانَا لأَنَّهُ زَخْرَفَةٌ عِيَانَا وَحَرِّضَنْ فِيهِ عَلَى التَّصْوِينِ مِنَ التَّشَارِيفِ مَعَ القُرُونِ
وهي بفتح الثاء.
(1) «ثمَّا» بِالْمُثَلَّثَة، أي هناك؛ وهي ظرف مكان (2) «يخط البلدا» أي يبتداء في عمارتها؛ لأن من أراد عمارة الأرض يقدرها أولا بالخطوط
ويقيسها بها.
(3) «مجانا» أي بَرْحًا. (1/148)
صفحة 149
148
الجزء الأول
كتاب الصلاة
(2)
وَفَضْلُهَا مِنْ بَعْدِ أَنْ تُعَمَّرَا فَضْلُ عَظِيمٌ قَدْرُهُ لَنْ يُحْصَرَا ذَكَرَهَا القُرْآنُ فِي مَوَاطِنِ أَعْظِمْ بِهَذَا الذِّكْرِ لِلْمُعَايِنِ وَأَذِنَ الْإِلَهُ فِي كِتَابِهِ أَنْ تُرْفَعَنْ بِالذِّكْرِ فِي جَنَابِهِ وَإِنَّهَا قِيلَ نُجُومُ الْأَرْضِ لِمَا بِهَا مِنْ طَاعَةٍ وَفَرْضِ زُوَّارُهَا زُوَّارُ رَبِّي حُكْمَا لِأَنَّهَا لَهُ تُضَافُ إِسْمَا وَصَحَ فِيمَنْ قَلْبُهُ تَعَلَّقَا بِهِ مِنَ الْفَضْلِ إِذَا مَا انْطَلَقَا وَبَشِّرِ الْكَاسِحَ بِالأُجُورِ إِذْ كَسْحُهُ قِيلَ مُهُورُ الحُورِ) وَمُخْرِجٌ مِثْلَ نَوَى أَوْ تَمْرِ مِنْهَا فَلَا ضَمَانَ فِيهِ يَجْرِي وَهَكَذَا مَا كَانَ مِثلَ ذَاكَا لِأَنَّهَا لَمْ تُعْمَرَنْ لِذَاكَا وَمَا أَذَى العَيْنَ مِنَ الأَنَامِ يُقَالُ يُؤْذِي مَسْجِدَ الإِسْلَامِ كَذَلِكَ الطَّريقُ حَيْثُ اعْتُبِرَا بِأَنْ يَطِيرَ فَيَضُرَّ البَصَرَا وَهُوَ وَإِنْ كَانَ اعْتِبَارًا نَدَرَا يَكُونُ فِي بَعْضِ الزَّمَانِ ضَرَرَا وَجَاءَ لَا ضُرَّ وَلَا ضِرَارًا قَاعِدَةٌ نَبْنِي بِهَا آثَارَا فَكُنْ لَهُ مُنَزِّهَا عَنْ كُلِّ مَا يُقْذِيهِ (3) وَادْخُلْ بَابَهُ مُسَلَّمَا (4)
وَقَدِّمَنَّ فِي الدُّخُولِ اليُمْنَا وَأَخْرِ اليُسْرَى وَ
(1) «الكاسح»: الكناس
(2) الكسح الكنس. (أبو إسحاق) (3) القذى: القَذَرُ. (أبو إسحاق)
وَبَسْمِلَنَّا
(4) ويستحب إذا دخل المسجد أن يقول بعدما يسلم: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج يقول: اللهم افتح لي أبواب فضلك.
أن (1/149)
صفحة 150
باب المساجد
الجزء الأول
149
وَفِي الخُرُوجِ قَدِّمِ الْيَسَارَا وَالْعَكْسُ فِي الكَنِيفِ حُكْمًا سَارَا وَمَنْزِلَ المَسْكَنِ قَدِّمَنَّا إِنْ تَدْخُلَنْ أَوْ تَخْرُجَنَّ اليُمْنَا وَجَنَّبَنَّهُ صَبِيًّا يُخْشَى مِنْهُ النَّجَاسَاتُ إِذَا مَا يَغْشَى كَذَلِكَ المَجْنُونُ إِذْ لَا عَقْلَ لَهُ يُمْسِكُهُ عَنْ فِعْلِ مَا قَدْ فَعَلَهُ وَرُبَّمَا يَبُولُ فِيهِ يَوْمَا فَتَمْلَأُ الفُؤَادَ مِنْهُ لَوْمَا وَإِنْ يَكُنْ قُدِّرَ ذَاكَ فِي زَمَنْ فَطُهْرُهُ ذَنُوبُ (1) مَاءٍ يُسْكَبَنْ وَمَنْ يَكُنْ زَالَ بِسُكْرٍ فَهُمُهُ فَذَاكَ كَالْمَجْنُونِ أَيْضًا حُكْمُهُ يُطَرَدُّ لَوْ وَقْتَ الصَّلَاةِ دَخَلَا إِذْ لَا صَلَاةَ لِلَّذِي لَمْ يَعْقِلَا وَحَائِضٌ وَنُفَسَا وَجُنُبُ وَمُشْرِكٌ وَأَقْلَفٌ يُجَنَّبُ لِأَنَّهُمْ تَلَوَّنُوا بِخَبَثِ فَنَزِّهِ المَسْجِدَ عَنْ تَلَوُّثِ وَجُنُبٌ لَمْ يَجِدَنَّ المَاءَ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ إِلَيْهِ جَاءَ فَلْيَتَيَمَّمُ لِلدُّخُولِ إِنْ دَخَلَ وَيُخْرِجَنَّ المَاءَ نَحْوَ المُغْتَسَلْ وَذَاكَ مِنْ مَقَاصِدِ التَّنْزِيلِ يَدْخُلُ تَحْتَ عَابِرِ السَّبِيلِ وَالصَّيْفُ فِيهِ جَائِزَ يَنْزِلُهُ وَيُدْخِلَنَّ فِيهِ مَا يَأْكُلُهُ وَاللَّحْمَ لَا تُدْخِلُهُ طَرِيَّا وَتُدْخِلُ المَطْبُوحَ وَالْمَشْوِيًّا وَقِيلَ بِالتَّرْخِيصِ فِي المُذَكَّى مِنْ دُونِ غَيْرِهِ مَقَالًا يُحْكَى
(*) قد يجر على العطف على (الكنيف) أو منصوب على على نزع الخافض والتقدير: في منزل
المسكن. (إسماعيل) (1) «ذَنُوبُ» الذُّنوب بالفتح الدلو. (1/150)
صفحة 151
150
الجزء الأول
كتاب الصلاة
وَيُنْهَى أَنْ يُبَاعَ أَوْ أَنْ يُشْتَرَى فِيهِ وَأَنْ يُنْشَدَ ضَالٌ نَفَرَا وَالسَّيْفُ لَا يُسَلُّ فِيهِ أَبَدًا إِلَّا إِذَا مَا كَانَ دَفْعًا لِلْعِدَى وَعَنْ حَدِيثٍ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا إِلَّا لِحَاجَةٍ رُوِينَا نَهْيَا وَهَلْ لَنَا أَنْ تُنْفِذَ القَضَاءَ هُنَاكَ فَالخِلَافُ فِيهِ جَاءَ وَلَا يُقَامُ الحَدُّ فِيهِ أَبَدًا وَفِيهِ إِجْمَاعٌ لَدَيْهِمْ وَرَدَا وَيُنْشَدُ الشِّعْرُ وَلَا يُغَنَّى بِهِ وَذَاكَ أَنْ يُصَوِّتَنَّا وَالرِّيحَ لَا تُخْرِجُهَا اخْتِيَارَا فيهِ وَلَا بَأْسَ بهَا اضْطِرَارًا وَيُكرَهَنْ دُخُولُ شَخْصِ جَائِي مِنْ غَائِطِ جَاءَ بِلَا اسْتِنْجَاءِ وَيُسْرِجَنَّ فِيهِ بِالسِّرَاجِ لِيَسْتَبِينَ سَنَنَ المِنْهَاجِ وَفِي وَقِيدِ النَّارِ قِيلَ مَنْعُ وَرُخْصَةٌ إِنْ كَانَ فِيهَا نَفْعُ فَتَنْفَعُ المَسْجِدَ عَنْ دَثَارِهِ قِيلَ وَلَو لِلنَّفْعِ فِي عُمَّارِهِ) وَهَلْ لَنَا نَرْكُزُ فِيهِ النُّصْبَا لِكَيْ نُعَلِّقَنَّ فِيهِ القِرَبَا (2) لِيَشْرَبَ العُمَّارُ أَوْ مَنْ يَعْتَكِفْ فِيهِ لِكَيْلَا يَخْرُجُوا فِيهِ اخْتُلِفْ
وَاخْتَلَفُوا فِي العَمَلِ اليَسِـ لِقَاعِدِ فِيهَا عَنِ التَّقْصِيرِ كشفة (3) (4) وَالفَتْل (5) لِلْحِبَالِ وَنَحْوِهَا مِنْ سَائِرِ الْأَعْمَالِ
(1) «عُمَّارِهِ»: العُمَّار بالتشديد هم المصلون فيه. (2) «النُّصْبَا»: النُّصْبُ نَصْبَة: وهي الخشبة؛ سميت بذلك لأنها تُنْصَبُ، والقِرَب.
وهي معروفة.
جمع
جمع
قِرْبَة
(3) الشفة بضم أولها وفتح ثانيها معا الشد: ما ينسج من الخوص ويجعل مقدار الزبيل أو الجله. (أبو إسحاق)
(4) السفة بتشديد الفاء عمل الخوص.
(5) الفتل عمل الخوص حبالًا. (1/151)
صفحة 152
باب المساجد
الجزء الأول
151
فَقِيلَ جَائِزٌ لِمَنْ يَنْتَظِرُ وَقَالَ قَومٌ آخِرُونَ يُحْجَرُ لِأَنَّهَا لِلْعَمَلِ الأُخْرَاوِي تُبْنَى فَلَا تُجْعَلُ لِلدُّنْيَاوِي وَجَائِزٌ وَضْعُ المَتَاعِ فِيهِ إِنْ حَصَلَ العُذْرُ بِلَا تَكْرِيهِ أَمَّا البُزَاقُ فِيهِ ذَنْبٌ يُغْفَرُ بِالدَّفْنِ إِذْ ذَاكَ لَهُ مُكَفِّرُ لَا تَأْخُذِ القَمْلَ مِنَ الثِّيَابِ وَتَدْفِنَنْهُ فِيهِ بِالتُّرابِ وَجَائِزُ فِي الخَطَّ إِنْ تَرَبْتَهُ بِتُرْبِهِ إِذْ فِيهِ قَدْ كَتَبْتَهُ وَلَا تَجِيءُ مِنْ خَارِجِ تُتَرِّبُهُ فَإِنْ فَعَلْتَ فَهْوَ فِعْلٌ نَعْتِبُهُ وَصَرْحَةُ المَسْجِدِ مِنْهُ تُحْسَبُ مِنْ مَالِهِ تُعْمَرُ حِينَ تَخْرَبُ وَجَائِزٌ تَحْوِيلُ هَذِي الصَّرْحَةِ مِنْهُ إِلَى مَوْضِع تِلْكَ الصُّفَّةِ إِذَا اقْتَضَى ذَلِكَ فَهُمُ الْبَانِي وَدَرْبُهُ) مِنْ أَقْرَبِ المَكَانِ وَجَائِزٌ بِنَظَرِ العُدُولِ تَوْسِيعُهُ فِي العَرْضِ أَوْ فِي الطُّولِ وَرَفْعُهُ عَنْ حَالِهِ إِنْ شَاؤُوا وَكُلُّ مَا يَطْلُبُهُ الْبنَّاء) مِنْ كُوَّةٍ تَكُونُ لِلنَّسِيمِ أَوْ بُقْعَةٍ تَكُونُ لِلْمُقِيمِ حَرِيمُهُ قِيلَ ذِرَاعَانِ فَقَط وَقِيلَ بَلْ ثَلَاثَةٌ لَهُ تُخَطِّ وَقَالَ قَوْمٌ بِثَمَانِ عَشْرَهُ وَبِالثَّمَانِينَ أُنَاسٌ ذَكَرَهُ
(1) «ودربه»: أي طريقه.
(2) «الْكُوَّة»:
هي
النافذة.
() ويجوز أن يكون (البناء) بكسر الباء وفتح النون. إسماعيل) (1/152)
صفحة 153
152
الجزء الأول
كتاب الصلاة
وَإِنْ يَكُنْ قَدْ أُحْدِثَ الكَنِيفُ بَعْدَ الحَرِيمِ فَهُوَ المَصْرُوفُ لِأَنَّهُ بِرِيحِهِ أَذَاهُمُ وَلَا يَحِلُّ أَبَدًا أَذَاهُمُ وَإِنْ يَكُ المَسْجِدُ حَادِثًا فَلَا يُصْرَفُ لَكِنْ يُصْرَفَنْ رِيحُ البَلَا وَإِنْ يَشَأْ مَالِكُهُ أَزَالَهُ تَطَوُّعًا وَفَضْلَ ذَاكَ نَالَهُ وَمَنْ بَنَى الْمَسْجِدَ فِي الْمَغْصُوبِ نَهْدِمُهُ كَذَاكَ فِي الدُّرُوبِ وَهَكَذَا أَرْضُ السَّبِيلِ أَيْضًا كَذَا الصَّوَافِي حُكْمُهُنَّ أَرْضَا) وَالأَرْضُ تَبْقَى لِلَّذِي يَلِيهَا أَصْلًا فَلَا يُزِيلُهَا مَا فِيهَا فَمَسْجِدُ الصِّرَارِ حَيثُ بُنِيَا لِغَيْرِ تَقْوَى بِالحَرِيقِ كُوِيَا وَقَالَ قَومٌ حُكْمُهُ كَالمَسْجِدِ وَيَصْمَنَنَّ الْأَرْضَ هَذَا المُعْتَدِي وَلَا أَرَى هَذَا مِنَ الصَّوَابِ لبعْدِهِ مِنْ مُحْكَم الكِتَابِ وَقِيلَ أَحْكَامُ المُصَلَّيَاتِ (2) مِثْلُ بُيُوتِ اللهِ فِي الصِّفَاتِ فِي كُلِّ مَا يُحْجَرُ أَوْ يُبَاحُ لِأَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ مُبَاحُ وَالْأَرْضُ مَسْجِدٌ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ فِي حَالِهِ ذَلِكَ نَفْسَ المَسْجِدِ كَمَا يَكُونُ تُرْبُهَا مُطَهَّرَا وَهْيَ كَرَامَةٌ لَنَا فَلْنَشْكُرَا (3)
(1) قوله: «أرضا» منصوب على التمييز، أي حكم أرضهن. (2) «المُصلَّيَاتِ»: بفتح اللام: جمع مُصَلَّى أي المواضع المعدة للصلاة، ولم تُبنَ مساجد. (3) «فلنشكُرَا»: أصله فلنشكرن بنون التوكيد، فلما حذفت أقيمت الألف مقامها وهي وقد جاءت هكذا في كثير من أبيات هذا الكتاب.
دالة عليها، (1/153)
صفحة 154
باب صلاة السفر
الجزء الأول
153
وَذَاكَ مِنْ كَرَامَةِ المُخْتَارِ مَعْ رَبِّهِ صَلَّى عَلَيْهِ البَارِي وَالحَمْدُ للهِ عَلَى إِنْعَامِهِ بِهِ وَبِالتَّفْصِيلَ مِنْ أَحْكَامِهِ
باب صلاة السفر
فصل في الجمع والإفراد
وَالله قَدْ مَنَّ عَلَى العِبَادِ تَفَضُّلًا بِالضَّرْبِ فِي البِلَادِ وَزَادَنَا فَضْلًا بِأَنْ قَدْ يَسَّرَا إِذَا سَفَرْنَا نَجْمَعَنْ وَنَقْصُرَا (1) فَالقَصْرُ رَكْعَتَانِ بِالسَّوَاءِ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ وَفِي العِشَاءِ وَالفَجْرُ وَالْمَغْرِبُ يَبْقَيَانِ كَمَا هُمَا فَلَيْسَ يُقْصَرَانِ وَالجَمْعُ ضَمُّ هَذِهِ لِلأُخْرَى مِنَ الصَّلَاتَيْنِ عِشَا أَوْ ظُهْرَا إِنْ شَاءَ أَنْ يُقَدِّمَ العِشَاءَ أَوْ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ مَهْمَا شَاءَ وَالظُّهْرُ وَالعَصْرُ كَذَاكَ أَيْضًا فَقَدِّمَنْ أَوْ أَخْرَنَّ الفَرْضَا
(*)
وَقَدِّمَنْ لَا غَيْرُ يَوْمَ عَرَفَهُ وَأَخْرَنْ ذَلِكَ بِالْمُزْدَلِفَهُ
وَالجَمْعُ جَائِزُ لِأَجْلِ المَطَرِ لَكِنْ بِلَا قَصْرٍ كَمَا فِي السَّفَرِ
(1) مقابلة الجمع بالقصر اصطلاح عُماني، والصواب مقابلته بالإفراد؛ لأن صلاة السفر كلها قصر في الظهرين والعشاء، فإن ضمهما المسافر يسمى جامعا، وإن صلَّى كل صلاة في
وقتها سمي
مُفْرِدًا.
(*) (غَيْرُ) مبنية على الضم على القطع عن الإضافة. (إسماعيل) (1/154)
صفحة 155
154
الجزء الأول
كتاب الصلاة
كَذَاكَ إِنْ كَانَ سَحَابٌ سَتَرَا مَعْرِفَةَ الْأَوْقَاتِ عَمَّنْ نَظَرَا وَمُسْتَحَاضَةٌ إِذَا لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهَا وَمَبْطُونُ وَبَوْلٌ مُنْدَفِعْ كَذَلِكَ الرُّعَافُ مَهْمَا اتَّصَلَا وَالرِّيحُ إِنْ مِنْ دُبُرٍ تَسَلْسَلَا كَذَاكَ مَنْ كَانَ بِأَنْوَاعِ المَرَضِ مُلْتَبِسًا يُتْعِبُهُ إِذَا نَهَضْ وَلَيْسَ فِي الصَّلَاةِ بِالتَّكْبِيرِ جَمْعٌ لَهُ إِذْ لَيْسَ بِالعَسِيرِ إِلَّا إِذَا كَانَ مَرِيضًا فِي سَفَرْ فَيَجْمَعَنْ فِيهِ لِعِلَّةِ السَّفَرْ وَالخُلْفُ فِي النَّقْضِ إِذَا تَكَلَّمَا بَيْنَهُمَا وَالحَقُّ قَوْلُ القُدَمَا قَالُوا فَلَا نَقْصَ عَلَيْهِ إِنْ نَطَقْ وَهُمْ بِالاِتِّبَاعِ أَوْلَى وَأَحَقِّ قَدْ عَلِمُوا السُّنَّةَ وَالكِتَابَا وَجَمَعُوا الفُنُونَ وَالْأَبْوَابَا وَالوَتْرُ جَائِزٌ بِأَنْ تُقَدِّمَهُ مَعَ العِشَا فِي المَغْرِبِ المُقَدَّمَهُ فَيُجْمَعَنَّ وَيُصلَّى وَاحِدَهُ وَإِنْ يُؤَخَّرْ فَثَلَاثًا زَائِدَهُ وَقَالَ بَعْضُ كُلُّهُ سَوَاءُ وَذَاكَ فِي الأَسْفَارِ لَا سَوَاءُ وَمَا لِذَا التَّفْصِيل مِنْ دَلِيلِ وَلَيْسَ لِلآرَاءِ مِنْ سَبِيلِ وَتُفْرِدَنَّ إِنْ تَشَا أَوْ تَجْمَعُ فَالجَمْعُ وَالإِفْرَادُ كُلٌّ يَسَعُ وَالفَضْلُ لِلْمُقِيمِ فِي الإِفْرَادِ وَالجَمْعُ لِلْمُحِدِّ فِي التَّرْدَادِ وَفِيهِ قَوْلُ لَا يَجُوزُ يَجْمَعَنْ مَنْ فِي بِلَادٍ قَدْ أَقَامَ وَقَطَنْ
(1) المراد بالمقيم هنا من استقر بالمكان الذي سافر إليه فإن الجمع في حقه قيل: لا يجوز، والمختار عند بعض المحققين أن الإفراد أفضل، وقيل: إذا كان الجمع عن كسل فلا يجوز، فافهم. (أبو إسحاق) (1/155)
صفحة 156
فصل في حد السفر
الجزء الأول
155
وَكَانَ فِي صَدْرِ الزَّمَانِ أَفْرَدُوا وَتَرَكُوا الجَمْعَ الَّذِي يُعْتَمَدُ فَحَضَ بَعْضُ العُلَمَاءِ الفُضَلَا عَلَى الَّذِي أُهْمِلَ كَيْلَا يُهْمَلَا فَانْدَفَعَ النَّاسُ إِلَى جَمْعِهِمَا وَنُسِيَ الإِفْرَادُ حَتَّى عُدِمَا فَهَا أَنَا أَقُولُ إِنَّ الأَنْصَلَا إِحيَاءُ مَا عَنِ النَّبِيِّ نُقِلَا فَالجَمْعُ وَالإِفْرَادُ كُلٌّ يُعْمَلُ فِي حَدِّهِ وَذَاكَ هُوَ الأَفْضَلُ
فصل في حد السفر
وَحَدُّ ذَاكَ قَدْرُ فَرْسَخَيْنِ لِخَارِجِ فِي أَحَدِ النَّوْعَيْنِ فِي طَاعَةٍ أَوْ فِي مُبَاحٍ كَانَا لَا بَاغِيًا أَوْ قَاصِدًا عُدْوَانَا وَنَحْو عَبْدِ آبِقِ وَنَاشِزِ فَالقَصْرُ فِيهِمْ قِيلَ غَيْرُ جَائِزِ وَقِيلَ جَائِز (1) لِأَنَّ السَّفَرَا يَعْمُهُمْ وَحُكْمُهُ لَمْ يُحْجَرَا وَالأَوَّلُونَ قَصَدُوا التَّصْيِيقَا وَالآخَرُونَ نَظَرُوا التَّحْقِيقَا وَإِنْ قَصَدْتَ السَّفَرَ الْمَحْدُودَا قَصَرْتَ إِذْ تُجَاوِزُ الحُدُودَا وَذلِكَ المَعْرُوفُ بِالعُمْرَانِ وَقِيلَ فِيهِ بِمَقَالٍ ثَانِي يَقْصُرُ إِذْ يَخْرُجُ مِنْ مَحَلِّهِ وَهْوَ ضَعِيفٌ فَاسِدٌ مِنْ أَصْلِهِ وَقِيلَ لَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ إِلَّا إِذَا تَعَدَّى فَرْسَخَيْنِ
(1) قوله: «وقيل جائز ... إلخ» هذا هو الصحيح، لأن القصر في السفر ليست رخصة فتقصر على أحد دون أحد، وإنما هو عزيمة يستوي فيها الطائع وَالْعَاصي والله أعلم. (1/156)
صفحة 157
156
الجزء الأول
كتاب الصلاة
وَأَوَّلُ الأَقْوَالِ قَوْلُ الأَكْثَرِ وَهُوَ صَحِيحٌ ثَابِتُ فِي النَّظَرِ
الأَخْبَارُ بِأَنَّهُ يَفْعَلُهُ المُخْتَارُ
وَهْوَ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ
وَإِنْ خَرَجْتَ نَاوِيَّا بِالقَصْدِ تَبِيتُ أَوْ تَقِيلُ دُونَ الحَدِّ لَا تَقْصُرَنْ فِيهِ إِلَى أَنْ تَرْحَلَا مِنْهُ وَتَعْدُو حَدَّهُ المُمَثَلَا وَقِيلَ إِنْ رَحَلْتَ عَنْهُ فَاقْصُرَا وَالحَدُّ مَا عَلَيْكَ أَنْ تَعْتَبِرَا وَإِنْ عَرَاكَ الشَّكُ فِي حَدِّ السَّفَرْ فَالحُكْمُ لِلتَّمَامِ أَصْلًا مُعْتَبَرُ وَرَاكِبُ البَحْرِ يُرِيدُ سَفَرَا مِنْ حِينِ مَا يَرْكُبُهُ فَلْيَقْصُرَا وَلَوْ رَسَى مَرْكَبُهُ فِي البَحْرِ لِأَنَّمَا البَحْرُ خِلَافُ البَرِّ وَالْعُمْرَانُ النَّخْلُ وَالحِيطَانُ وَمَا الرُّرُوعُ عِنْدَهُمْ عُمْرَانُ وَذَلِكَ الحَدُّ لِقَصْرِ مَنْ رَحَلْ يَقْصُرُ مَا لَمْ يَكُ فِيهِ قَدْ دَخَلْ وَيَقْصُرُ البَادِي إِلَى أَنْ يَسْمَعَا أَصْوَاتَ حَيْهِ إِذَا مَا رَجَعَا
فصل الأوطان
وَوَطَنُ الإِنْسَانِ حَيْثُ يَسْكُنُ وَتَطْمَئِنُّ نَفْسُهُ وَيُوطِنُ يَرَاهُ خَيْرَ مَنْزِلٍ لَا يُخْرِجُهُ مِنْهُ سِوَى أَمْرٍ عَظِيمٍ يُزْعِجُهُ
(1) يصح رفع أصلا ونصبه، فالرفع على أنه خبر المبتدأ، والنصب على الحال إذا جعلنا الجار
والمجرور الخبر. (1/157)
صفحة 158
فصل الأوطان
الجزء الأول
157
كَجَائِرٍ يَخَافُ مِنْ صَولَتِهِ وَضَرَرٍ يَلْحَقُّ فِي عِيشَتِهِ وَلِلرِّجَالِ وَطَنْ أَوْ أَكْثَرُ إِلَى ثَلَاثَةٍ بِهَا يَسْتَأْثِرُ وَقِيلَ مَا شَاؤُوا مِنَ الْأَوْطَانِ وَهُوَ خِلَافُ الْحُكْمِ لِلنِّسْوَانِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ تَزِيدُ أَبَدًا عَنْ وَطَنْ يَمْنَعُهَا التَّرَدُّدَا إِلَّا الَّتِي قَدْ شَرَطَتْ لَهَا سَكَنْ وَاتَّخَذَتْ بِلَادَ زَوْجِهَا وَطَنْ فَإِنَّهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاطِنَهُ فَهِيَ تُتِمُّ حَيْثُ كَانَتْ سَاكِنَهُ إِذْ لَمْ يَكُنْ لِزَوْجِهَا المُشْتَرِطِ يَمْنَعُهَا مِنْ سَكْنِهَا المُشْتَرَطِ (1) وَهَلْ لَهَا تُتِمُّ إِنْ لَمْ تَشْتَرِطْ بِإِذْنِهِ فِيهِ الخِلَافُ قَدْ ضُبِط فَقِيلَ إِنْ كَانَ لَهَا قَدْ أَذِنَا فِي مَوْضِعِ تُصَلِّيَنَّ وَطَنَا وَوَطَنُ البُدَاةِ حَيْثُ نَصَبُوا عَمُودَهُمْ لِلْسَكْنِ حَيْثُ انْقَلَبُوا وَقِيلَ إِنَّ وَطَنَ الرُّعَاةِ أَغْنَامُهُمْ فِي وَسَطِ الفَلَاةِ وَوَطَنُ الوِلَاةِ حَيْثُ استُعْمِلُوا لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَعْمَلُوا وَمَا لَهُمْ عَنْهُ اخْتِيَارُ نُقْلَةِ إِلَّا إِذَا مَا عُيِّنُوا لِمُدَّةِ وَوَطَنُ الشُّرَاةِ حَيْثُ حَمَلُوا سُيُوفَهُمْ إِنْ نَزَلُوا أَوْ رَحَلُوا وَوَطَنُ السَّيَّاحِ فِي عُصِيِّهِمْ إِذْ قَطَعُوا الْأَوْطَانَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ
(1) المشترط الأول اسم فاعل، والثاني اسم مفعول. (1/158)
صفحة 159
158
الجزء الأول
كتاب الصلاة
كَذَلِكَ المَلَاحُ أَيْضًا وَطَنُهُ سَفِينَةٌ إِنْ كَانَ فِيهَا سَكَنُهُ وَالحِيقُ (21) مِثْلُ البَدُوِ فِي الْأَوْطَانِ إِذْ لَمْ يَقِرُّوا قَطُّ فِي مَكَانِ
وَصَابِطُ الكُلِّ بِأَنَّ الوَطَنَا يَكُونُ حَيْثُ القَلْبُ مِنْهُ سَكَنًا وَرُبَّمَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُوطِنَا وَقَلْبُهُ مُرَوَّعٌ مَا وَطَنَا كَمَنْ عَلَيْهِ طَاعَةُ الإِمَامِ فَعِنْدَهُ يُصَلِّي بِالتَّمَامِ وَامْرَأَةٌ تَتْبَعُ حُكْمَ بَعْلِهَا في دَارِهِ تُوطِنُ دُونَ أَهْلِهَا وَالعَبْدُ مَعْ سَيِّدِهِ إِنْ يَرْحَلَنْ وَإِنْ أَقَامَ مِثْلَهُ يُصَلِّيَنْ كَذَلِكَ الصَّبِيُّ يَتْبَعَنَّا وَالِدَهُ مِنْ حَيْثُ يَسْكُنَنَا وَهَكَذَا فِي الوَصْفِ وَالتَّقْدِيرِ صَلَاةُ عَبْدِ الوَلَدِ الصَّغِيرِ كَذَلِكَ الصَّلَاةُ لِلْمُدَبَّر مِثْلَ صَلَاةِ السَّيِّدِ المُدَبِّرِ لِأَنَّهُ وَمَالَهُ جَمِيعًا مُلْكُ لَهُ فَلْيَكُن المُطِيعَا وَإِنَّمَا يَزُولُ عَنْهُ المُلْكُ بِمَوْتِهِ وَحُكْمُهُ يَنْفَكُ وَإِنْ يَكُنْ مُسَافِرٌ قَدِ اشْتَرَى عَبْدًا يُتِمُّ فَعَلَيْهِ يَقْصُرَا وَيَتْبَعَنَّ مَنْ لَهُ قَدِ اكْتَرَى إِنْ لَمْ يَكُنْ لِمُدَّةٍ ذَاكَ الكِرَى وَهَكَذَا يُتِمُّ إِنْ قَالَ لَهُ سَيِّدُهُ أَقِمْ كَمَا أَنْزَلَهُ
(1) «الحيق»: قوم يترددون من بلد إلى بلد يعرفون بالحدادين، لأنه عملهم صنعة الحديد وليس لهم بلد مخصوص، ويعرفون عند أهل عمان بالعواشير.
(2) أي الزط. (أبو إسحاق)
(3) «المدبر في اصطلاح الفقهاء؛ من عُلّق عتقه
بمو
ت سيده (1/159)
صفحة 160
فصل الأوطان
الجزء الأول
159
وَرَجُلٌ مُسَافِرٌ تَزَوَّجَا مُقِيمَةً لَا تَقصُرَنْ أَوْ تَخْرُجَا (1) تَخْرُجُ حَتَّى تَبْلُغَنَّ السَّفَرَا وَتَرْجِعَنَّ بَعْدَ ذَا وَتَقْصُرَا وَهْيَ بِهَذَا الحَالِ ضِدُّ العَبْدِ فَالْعَبْدُ يَتْبَعَنَّ بَعْدَ العَقْدِ وَإِنْ يَكُنْ تَزَوَّجَ المُقِيمُ سَافِرَةٌ فَإِنَّهَا تُقِيمُ مِنْ بَعْدِ أَنْ سَاقَ إِلَيْهَا مَهْرَهَا وَقِيلَ بَعْدَ أَنْ يَحُوزَ ظَهْرَهَا (2) وَقِيلَ فِي الصَّبِيِّ إِنَّهُ يُتِمْ فِي بَلَدٍ أَدْرَكَ فِيهِ مُحْتَلِمْ) وَلَا كَذَاكَ مُشْرِكٌ قَدْ أَسْلَمَا فِي سَفَرٍ بَلْ يَقْصُرَنْ لِيَغْنَمَا لأَنَّ ذَا أَخُو (3) بِلَادٍ كَانَا بِنَفْسِهِ لَا تَابِعًا إِنْسَانَا وَإِنْ يَكُنْ حَالَ الصَّلَاةِ بَلَغَا (؟) أَعَادَهَا بِطُهْرِهَا لِيَبْلُغَا لِأَنَّهَا صَارَتْ عَلَيْهِ فَرْضَا وَفِعْلُهُ السَّابِقُ نَفْلُ يُرْضَى وَالفَرْضُ لَا يَقُومُ بِالتَّنَفُّل مِنْ هَاهُنَا قِيلَ بِوَصْفِ البَدَلِ وَتَتْبَعُ الإِنَاثُ حُكْمَ الوَالِدِ حَتَّى تَفُوزَ بِالحَلِيلِ الوَارِدِ لَوْ بَلَغْتْ لِأَنَّهَا لَمْ تَسْتَقِلْ بِنَفْسِهَا مِنْ دُونِهِ فَتَرْتَحِلْ
(1) «أو تخرجا منصوب بأن مقدرة، أي إلا أن تخرجا. (*) سافرة أي: المسافرة، وفي اللغة السافر المسافر. (إسماعيل) (2) أي بعد أن يزفها إليه، كنَّى بالظهر عن الدخول ومنه الظهار.
(*) يجوز (محتلم) مصدر ميمي والمقصود به الاحتلام، ويجوز (محتلم) على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي وهو محتلم أو حال على لغة من لا يقف بالألف. (إسماعيل)
(3) وفي بعض النسخ «أخا» بالنصب خبر كان مقدمًا والرفع على أن كان تامة أو زائدة. (4) قوله: «حال الصلاة بلغا انظر كيف يتصور ذلك، إني لا أعلمه لأنه إذا كان بلوغه بالاحتلام فهو غير واقع والاحتلام لا يكون إلا في حال النوم وخروج المني في الصلاة هو الناقض لا
مجرد البلوغ. (1/160)
صفحة 161
17.
الجزء الأول
كتاب الصلاة
فصل في حكم القصر
وَفِعْلُهُ يَلْزَمُ مَنْ قَدْ سَفَرَا وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكُمْ مُخَيَّرَا لَوْ كَانَ بِالتَّخْيِيرِ كَانَ المُصْطَفَى أَسْبَقَنَا عَلَى التَّمَامِ وَالوَفَا وَلَمْ يُتِمَّ أَبَدًا فِي سَفَرٍ كَيْفَ لَنَا نَقُولُ بِالتَّخَيُّرِ فَمَنْ أَتَمَّ وَهْوَ فِي حَالِ السَّفَرْ عَلَيْهِ أَنْ يُبْدِلَهَا قَوْلًا شُهِرْ وَبَعْضُهُمْ أَلْزَمَهُ يُكَفِّرَا لِأَنَّهُ خَالَفَ مَا قَدْ أُمِرَا وَقِيلَ قَدْ أَسَا وَمَا عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَكِنْ لَا يَعُدْ إِلَيْهِ وَذَاكَ أَنَّهُ أَتَمَّ اللَّازِمَا وَزَادَ بَعْدَهُ فَكَانَ سَالِمَا وَإِنْ يُصَلِّ مَوْضِعَ الثَّمَامِ قَصْرًا يُكَفِّرَنَّ بِالْإِرْغَامِ وَذَاكَ إِنْ لَمْ يُدْرِكِ الإِعَادَهُ فَإِنْ أَعَادَهَا فَلَا زِيَادَهُ وَإِنْ نَّسِيتَ لِلصَّلَاةِ فِي السَّفَرُ ثُمَّ ذَكَرْتَهَا وَأَنْتَ فِي الحَضَرْ عَلَيْكَ أَنْ تُصَلِّيَنْ تَمَامَا وَهَكَذَا مَنْ نَسِيَ الإِثْمَامَا يُصَلِّيَنَّهَا إِذَا مَا ذَكَرَا فِي سَفَرٍ صَلَاةَ قَصْرٍ وَالْبَرَا وَإِنْ يَكُنْ قَدْ فَسَدَتْ فَأَبْدِلَا كَمِثْلِ مَا قَدْ لَزِمَتْكَ أَوَّلَا وَذَاكَ أَنَّ النَّاسِي تَلْزَمَنَّهُ فِي حَالِ مَا أَدَرَكَ فِيهِ ذِهْنُهُ وَلَا كَذاكَ مَنْ عَلَيْهِ فَسَدَتْ فَإِنَّهَا تَلْزَمُهُ كَمَا أَتَتْ وَبِتَمَامِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ يَتِمُّ بَابُ القَصْرِ وَالثَّمَامِ (1/161)
صفحة 162
باب صلاة الجمعة
الجزء الأول
161
باب صلاة الجمعة
وَالأَصْلُ قَدْ أَخَرَهُ كَغَيْرِهِ وَلَا أَرَى الصَّوَابَ فِي تَأْخِيرِهِ لأَنَّهُ قَصْرُ صَلَاةِ الظُّهْرِ فَهْوَ عَلَى ذَا سَبَبٌ لِلْقَصْرِ لَهَا سُرُوطٌ وَلَهَا أَحْكَامُ فَمِنْ شُرُوطِ ذَلِكَ الإِمَامُ يُؤْتَى إِلَيْهَا مِنْ مَكَانٍ شَاسِعِ لِكَيْ تُصَلَّى فِي مَكَانٍ جَامِعِ مِنْ فَرْسَخَيْن وَاجِبٌ إِنْيَانُهَا وَمِنْ ثَلَاثَةٍ لِيُعْلَا شَانُهَا وَمَنْ يَكُنْ آوَاهُ لَيْلٌ مُدْلَهِمْ فِي أَهْلِهِ يَسْعَى إِلَيْهَا مُحْتَشِمْ وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْعَى إِنْ كَانَ قَدْ جَاوَزَ عَنْهَا جَمْعًا لأَنَّهَا لَا تَلْزَمُ المُسَافِرَا وَإِنَّمَا تَلْزَمُ شَخْصًا حَاضِرَا فَمَنْ أَجَابَ مِنْ بَعِيدٍ كَانَ لَهُ أَجْرٌ يَرَى عِنْدَ الإِلَهِ مَنْزِلَهُ تَلْزَمُ قَادِرًا عَلَى الحُضُورِ يَسْعَى إِلَيْهَا وَإِلَى البُكُورِ لَا تَلْزَمُ العَبْدَ وَلَا النِسَاءَ وَلَا المَجَانِينَ وَلَا الخُنْثَاءَ وَلَا صَبِيًّا قَبْلَ حَدَّ الحُلُمِ وَلَا مَرِيضًا مُبْتَلًى بِسَقَمِ وَمَنْ يَكُنْ مِنْ هَؤُلَاءِ صَلَّى عِنْدَهُمْ حَازَ بِذَاكَ فَضْلَا تُصَلَّى فِي المِصْرِ الَّذِي قَدْ مُصْرًا وَلَا تُصَلَّى فِي المَسَافِي (2) وَالقُرَى
(1) قوله: «مصرا» أي جُعِلَ مِصْرًا. (2) المسافي: جمع مسفاة بكسر الميم، وهي البلدة الصغيرة تكون في سفح الجبل، أو ما يقرب من ذلك. (المصنف) (1/162)
صفحة 163
162
الجزء الأول
كتاب الصلاة
وَفِي زَمَانِ المُصْطَفَى تُقَامُ فِي مَوْضِعِ وَهُوَ لِهَا إِمَامُ وَهُمْ مِنَ العَوَالِي يَنْتَابُونَهَا وَهْيَ قُرًى هُنَاكَ يَعْرِفُونَها وَبَعْضُهَا وَرَاءَ فَرْسَخَيْنِ تَزِيدُ فَوْقَ ذَاكَ بِالمِيلَيْنِ لَوْ كَانَتِ الجُمْعَةُ مِثْلَ غَيْرِهَا صَلَّوا هُنَاكَ وَاكْتَفَوْا بِخَيْرِهَا وَفِي زَمَانِ عُمَرَ الفَارُوقِ أَمْصَارُهَا مَعْلُومَةُ التَّحْقِيقِ مَدِينَةٌ وَمَكَةٌ وَالكُوفَة وَبَصْرَةٌ وَمِصْرُهَا (1) المَعْرُوفة وَالشَّامُ أَيْضًا وَعُمَانُ وَاليَمَنْ وَلَا تُصَلَّى قَطُّ قِيلَ فِي عَدَنْ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الأَمْصَارِ بَلْ إِنَّهَا جَدِيدَةُ العَمَارِ وَمِثْلُ هَذِي مِنْ عُمَانَ مَسْكَدُ (2) فَالْمُتَأَخِّرُونَ فِيهَا شَدَّدُوا
وَهَكَذَا نَزْوَى إِذَا مَا وَلَّى عَنْهَا الْإِمَامُ قِيلَ لَا تُصَلَّى
(1) أراد الناظم بالمصر المدينة لا خصوص أحد الأمصار السبعة فصلاة الجمعة تجب بوجود الإمام والاستقلال التام، وهو الذي في كنفه تقام حدود الشرع الشريف، وذلك هو المعبر عنه في اصطلاح أصحابنا بالظهور، وهو ضد الكتمان، وهو ظهور سيادة المسلمين بالقوة التنفيذية لسائر أحكام الدين، هنالك تجب صلاة الجمعة تحت لواء ذلك الإمام على أهل كل بلد من بلدانه العامرة، المشتمل على واليه، ومسجد جامع فيه يقوم الخطباء بالوعظ والإرشاد ونشر دعوة الحق وجمع الكلمة تحت لواء الإمام الذي تجب طاعته وولايته وتعزيز شوكته حتى يكون الدين كله الله، هذا ما يقتضيه عموم قوله وحل: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم: «واعلموا أن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا هذا في شهري القيامة، فمن تركها في حياتي أو بعدي وله إمام عادل أو جائر استخفافا بها أو الله شمله ولا بارك في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا حج له، ألا ولا صوم له، ولا له؛ حتى يتوب فمن تاب تاب الله عليه». (أبو إسحاق)
عامي
هذا إلى
جحودًا لها فلا
(2) مسکد
هي
يوم
جمع
ألا
مسقط.
(3) لا تصلى: أي فيها.
بر
من (1/163)
صفحة 164
باب صلاة الجمعة
الجزء الأول
163
وَإِنَّمَا تُقَامُ فِي صُحَارِ لِأَنَّهَا سَابِعَةُ الْأَمْصَارِ وَإِنَّمَا تُقَامُ مُنْذُ أَسْلَمَتْ فِيهَا فَلَا تَزَالُ عَنْهَا وَتُبَتْ (1) كَانَ بِهَا الإِمَامُ أَوْ وَالِيهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ لِلأَمْرِ مَنْ يَلِيهِ هَذَا هُوَ المَعْرُوفُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَغَيْرُهُ المَنْهُومُ مِنْ أَحْوَالِهِمْ لِأَنَّمَا التَّمْصِيرُ حَالٌ يَعْرِضُ فَيَسْتَقِيمُ تَارَةً وَيَمْرَضُ وَهَذِهِ صُحَارُ بَعْدَ العِزَّةِ وَبَعْدَ مَا كَانَ بِهَا مِنَ قُوَّةِ صَارَتْ كَأَدْنَى بَلَدٍ يُعْتَبَرُ وَمَسْكَدًا مَكَانَهَا قَدْ عَمَّرُوا وَالبَصْرَةُ الغَرَّاءُ كَانَتْ قَفْرَا صَيَّرَهَا الفَارُوقُ بَعْدُ مِصْرَا وَمَكَةٌ كَانَتْ قُبَيْلَ عُمَرَا مِنَ القُرَى لَكِنَّهَا أُمُّ القُرَى مَصَّرَهَا الفَارُوقُ فِيْمَا مَصَّرَا أَقَامَ لِلجُمْعَةِ فِيهَا مِنْبَرَا وَمِنْ هُنَا كَانَ النَّبِيُّ يَقْصُرُ فِيهَا لَيَالِي الفَتْحِ ثُمَّ يَأْمُرُ يَأْمُرُ أَهْلَهَا بِأَنْ يُتِمّوا فِي جُمْعَةٍ وَغَيْرِهَا ذَا الحُكْمُ فَيَجِبُ اعْتِبَارُ هَذَا المَعْنَى وَتَرْكُهُ لَا يَسْتَقِيمُ ذِهْنَا وَإِنَّمَا عَيَّنَهَا الفَارُوقُ لِأَنَّهَا فِي عَصْرِهِ تَرُوقُ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَمِثْلِهَا شَيْءٌ مِنَ البُلْدَانِ لَوْ كَانَ ذَا التَّعْيِينُ مِمَّا وُقِّفَا عَيَّنَهَا لَنَا النَّبِيُّ المُصْطَفَى
(1) تُبت: أي لا تقطع. (1/164)
صفحة 165
164
الجزء الأول
كتاب الصلاة
وَإِنَّمَا المُرَادُ مِصْرٌ جَامِعُ يَسْعَى إِلَيْهِ حَاضِرٌ وَشَاسِعُ يُقِيمُهَا بِهِ الإِمَامُ القَائِمُ أَوْ عَامِلُ الإِمَامِ إِذْ يُقَاوِمُ يَخْطُبُهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا يَؤَذِّنُ ثُمَّ يُقِيمُ ذَلِكَ المُؤَذِّنُ ثُمَّ يُصَلُّونَ مَعَ الإِمَام وَهُوَ خَطيبُهُمْ إِلَى السَّمَامِ يُصَلِّيَنَّ رَكْعَتَيْنِ جَهْرَا وَسُورَةٌ مِنْ بَعْدِ حَمْدٍ يَقْرَا وَالخُطْبَةُ الغَرَّاءُ قَامَتْ عِنْدَهُمْ عَنْ رَكْعَتَيْنِ فَلِذَاكَ لَمْ تُتَمْ) فَهْيَ عَلَى هَذَا المَقَالِ شَطْرُ (2) وَقِيلَ شَرْطٌ لَازِمٌ وَأَجْرُ فَيَجِبُ اسْتِمَاعُهَا وَيُهْجَرُ مَا يَشْغَلَنَّ وَالكَلَامُ يُحْجَرُ وَمَنْ يَكُنْ أَلْغَى يُقَالُ يَخْرُجُ وَيَلِجَنْ مِنْ بَعْدُ فِيمَنْ يَلِجُ وَفَاتَهُ بِذَاكَ فَضْلُ السَابِقِ لِأَنَّه يَكُونُ مِثْلَ اللَّاحِقِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْ بَعْدِ مَا قَدْ أَحْرَمَا سَارُوا جَمِيعًا قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَا يُتِمُّ رَكْعَتَيْنِ بِالتَّحَرِّي وَقِيلَ أَرْبَعًا صَلَاةَ الظُّهْرِ وَوَقْتُهَا بَعْدَ الزَّوَالِ حَالَا فَتَمْنَعَنَّ البَيْعَ وَالجِدَالَا وَكُلَّ شَاغِلٍ عَنِ الحُضُورِ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ المَحْجُورِ وَإِنْ يَكُنْ قَبْلَ الزَّوَالِ أُذْنَا فَالحِجْرُ لِلشِّرَاءِ لَيْسَ بَيِّنَا
(1) قوله: «لم تُتمّ» للبناء للمفعول، والنائب ضمير يعود إلى الصلاة، أي فلذلك قصرت الصلاة. (المصنف) (2) قوله: «شطر أي جزء من الصلاة، كما يقال إن شطر الشيء نصفه، وهذا القول غير ظاهر؛ لأن الخطبة ليست صلاة، لما فيها من الأمور التي تخالف الصلاة، وإنما الظاهر كونها شرطاً فقط. (1/165)
صفحة 166
باب في التطوع
الجزء الأول
165
لأَنَّمَا النِّدَاءُ فِي وَقْتِ العَمَلْ فَكَيْفَ يُدْعَوَنَ لِوَقْتٍ مَا دَخَل وَقِيلَ بِالتَّرْخِيصِ فِي ذَا اليَوْمِ لِأَجْلِ غَائِبِ نَأَى أَوْ نَوْمِ وَيُكْرَهُ التَّخَطِّي لِلرِّقَابِ لِأَنَّهُ أَذًى عَلَى الْأَصْحَابِ بَلْ يَجْلِسَنَّ حَيْثُ مَا قَدْ وَجَدَا لَوْ كَانَ ذَاكَ فِي مَحَلِّ بَعْدَا وَيُؤْمَرَنَّ أَنْ يُبَكِّرَنَّا وَذَاكَ مِنْ بَعْدِ اغْتِسَالٍ سُنَّا وَهَاهُنَا قَدْ بَقِيَتْ أَحْكَامُ نَتْرُكُهَا طَالَ بِنَا الكَلَامُ لأَنَّ أَصْلَ النَّظْم لَمْ يَسْتَوْفِي فَكَمْ أُولي ثُمَّ كَمْ أُوَفِّي أُوَفِّي
(2)
باب في التطوع
فصل في الوتر
ثُمَّ التَّطَوُّعَاتُ مِنْهَا المَحْضُ وَمِنْهَا مَا يُقَالُ فِيهِ فَرْضُ فَالوَتْرُ قِيلَ وَاجِبٌ وَإِنَّهُ إِنْ فَاتَهُمْ يَوْمًا فَيُبْدِلُونَهُ وَهْوَ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ يُفْصَلُ مَا بَيْنَهَا وَقِيلَ لَيْسَ يُفْصَلُ يَقْرَأُ فِي الكُلِّ مَعَ المَثَانِي بِمُتَيَسِّرِ مِنَ القُرْآنِ وَرَكْعَةٌ تُجْزِيكَ عِنْدَ العَجْزِ وَقِيلَ فِيهَا إِنَّهَا لَا تُجْزِي
(1) قوله: «بالترخيص» أي في تقديم الأذان قبل دخول الوقت في يوم الجمعة، لأجل حضور
الغائب والبعيد.
(2) التوفية: الزيادة على الشيء وإتمام ما نقص. (1/166)
صفحة 167
166
الجزء الأول
كتاب الصلاة
وَوَقْتُهُ بَيْنَ العِشَا وَالفَجْرِ مُتَّسِعُ يَدْرِيهِ مَنْ لَا يَدْرِي وَيَنْبَغِي لَهُ يُقَدِّمَنْهُ كَيْلَا يَنَامَ ثُمَّ يَتْرُكَنْهُ وَإِنْ يَكُنْ فَوَّتَهُ بِالْعَمْدِ عَلَيْهِ تَكْفِيرُ أَخِي التَّعَدِّي وَذَاكَ مَبْنُيٌّ عَلَى الوُجُوبِ وَهُوَ مَقَالٌ لِفَتَى مَحْبُوبِ وَلَا يُصَلَّى الوَتْرُ فِي جَمَاعَهُ وَمَنْ يُصَلِّيهِ فَقَدْ أَضَاعَهُ إِلَّا إِذَا مَا كَانَ فِي قِيَامِ قِيَامِ شَهْرِ الفَضْلِ وَالصِّيَامِ فَإِنَّهُ يَتْبَعُهُ فِي ذَاكَا يُصَلِّيَنَّ مِثْلَهُ كَذَاكَا وَمَنْ يَكُنْ صَلَّى القِيَامَ مُفْرَدَا أَفَرَدَهُ كَذَاكَ فِيمَا أَفْرَدَا وَجَائِزٌ يُصَلَّى فَوْقَ الرَّاحِلَهُ وَهُوَ دَلِيلُ مَنْ يَقُولُ نَافِلَهُ (1)
فصل في السنن
وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ فَرْضِ المَغْرِبِ يُصَلَّيَانِ دَائِمًا فِي الْقُرَبِ وَرَكْعَتَانِ عَقِبَ العِشَاءِ رَيْحَانَتَانِ لِذَوِي الصَّفَاءِ وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ فَرْضِ الفَجْرِ بَعْدَ طُلُوعِهِ لِنَيْل الأَجْـ
(1) أي ليس بواجب وهو الصحيح، وهو مذهب الربيع وجمع من المحققين منا لقوله: خمسة صلوات كتبهن الله على العبد الحديث، ولقوله في حجة الوداع: «وصلوا خمسكم» ولم ينزل حكم بعد حجة الوداع، ولقوله: «ثلاث هن عليّ فريضة وهن لكم تطوع: الوتر وركعتا الضحى والفجر» رواه أحمد والحاكم عن ابن عباس قال شيخنا: نسخ وجوب الوتر
بقوله: «الوتر واجب عَلَيَّ دونكم والجمهور منا على الوجوب. (أبو إسحاق)
: (1/167)
صفحة 168
فصل في صلاة الضحى
الجزء الأول
167
وَقِيلَ نِصْفُ لَيْلِهَا الْأَخِيْرِ وَقْتُ لَهَا لِلْفِعْلِ وَالتَّقْدِيرِ وَلَا أَرَاهُ ثَابِنَّا وَإِنَّمَا تَأَوَّلُوا الْكِتَابَ حَيْثُ أُبْهِمَا قَالُوا بِإِدْبَارِ النُّجُومِ عُيِّنَتْ قُلْنَا بِفِعْلِ الْمُصْطَفَى قَدْ بُيِّنَتْ وَهَذِهِ آكَدُ مِمَّا مَرًا فَهْيَ مِنَ التَّأْكِيدِ تَحْكِي الوَتْرَا) تُبْدَلُ إِنْ فَاتَتْ وَمَا تَقَدَّمَا لَا يُبْدَلَانِ بَدَلًا مُحيَّمَا وَكُلُّ مَنْ فَاتَتْهُ حَتَّى صَلَّى فَرِيْضَةَ الفَجْرِ لِعُذْرٍ حَلَّا أَخَّرَهَا إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَهُوَ مَقَالٌ شَاهِرُ فِي الأُنْسِ لِنَهْي المُصْطَفَى عَنِ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الأَحْوَالِ وَالأَوْقَاتِ وَقَالَ بَعْضُ إِنَّهُ يَأْتِيهَا بَعْدَ صَلَاةِ فَجْرِهِ يَقْضِيهَا (2) وَقِيلَ بَلْ يَفْعَلُهَا أَدَاءَ فِي وَقْتِهَا ذَلِكَ لَا قَصَاءَ وَأَنَّهُ كَمَنْ يُؤَخِّرَنَّا بَعْضَ صَلَاتِهِ لِيُدْرِكَنَّا
فصل في صلاة الضحى
وَهْيَ صَلاةُ أَوَّلِ النَّهَارِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ فِي المِقْدَارِ رُمْحٍ قَدَّرُوا وَذَكَرُوا قَبْلَ انْتِصَافِهِ لِمَنْ يُؤَخِّرُ
(1) تحكي: أي تشابه.
(2) يقضيها: أي يسميها حينئذٍ قضاء لا أداء، والنية تكفي في ذلك عن التسمية باللفظ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما
الأعمال بالنيات»، ومحل النية القلب، وصلاتها قضاءً بعد الفريضة أصح من صلاتها أداء. (1/168)
صفحة 169
168
الجزء الأول
كتاب الصلاة
وَأَفْضَلُ الوَقْتِ لَهَا يُقَالُ فِي حَالِ مَا قَدْ تَرْمُضُ الفِصَالُ (1) أَقَلُّهَا قَدْ قِيلَ رَكْعَتَانِ لِمَنْ أَرَادَ الفَضْلَ يُجْزِيَانِ وَقِيلَ فِي أَكْثَرِهَا اثْنَتَا عَشَرْ وَلَمْ يَرِدْ بِزَائِدٍ عَنْهَا خَبَرْ بَلْ جَاءَ فِي أَصَحٌ مَا قَدْ نُقِلا صَلَّى ثَمَانًا وَعَلَيْهَا عَوَّلًا (2) وَذَاكَ فِي مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي بِيْتِ أُمِّ هَانِيءٍ لِلْنُّجْحِ فَقَوْلُهُ (3) لَيْسَ لَهَا مِنْ غَايَةِ فِيْمَا عَرَفْنَاهُ مِنَ الرِّوَايَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ غَيْرَ إِنْ كَانَ عَنَى بِذَاكَ قَوْلًا عَنْ فَقِيهِ بَيَّنَا وَكَثْرَةُ الصَّلَاةِ خَيْرٌ وُضِعَا لَكِنَّنَا نَنْقُلُ مَا قَدْ شُرِعَا وَهَذِهِ لَهَا مِنَ الفَضَائِلِ مَا زَادَ وَصْفُهُ عَلَى النَّوَافِلِ وَمَنْ يُصَلِّيهَا فَقَدْ أَصَابَا صَلَاةَ دَاوُدٍ وَمَنْ أَنَابَا
فصل في صلاة العيدين
وَهِيَّ رَكْعَتَانِ بالتَّكْبِيرِ فِي صَحْوَةِ الإِصْحَاءِ وَالْفُطُورِ فَيَخْرُجُ الإِمَامُ لِلْمُصَلَّى وَصَفَّ مَنْ وَرَاءَهُ وَصَلَّى
(1) يشير إلى الحديث «صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال أي بركت من شدة حر الرمضاء
وإحراقها أخفافها. (أبو إسحاق)
(2) عوّلا: يحتمل بناؤه على الفاعل وعلى المفعول.
(3) قوله: «فقوله يعني الشيخ الصائغي صاحب الأصل. (1/169)
صفحة 170
فصل في صلاة العيدين
الجزء الأول
169
يَقْرَأُ بِالحَمْدِ وَمَا تَيَسَّرَا جَهْرًا وَذَاكَ بَعْدَ مَا قَدْ كَبَّرا وَالتَّكَابِيرِ وُجُوهَا ذَكَرُوا جَمِيعُهَا طُرْقٌ لِمَنْ يُكَبِّرُ فَمَنْ يَشَا كَبَّرَ فِيْهَا سَبْعًا وَمَنْ يَشَا كَبَّرَ أَيْضًا تِسْعًا وَمَنْ يَشَا يُكَبِّرَنْ إِحْدَى عَشَرْ وَمَنْ أَرَادَ فَثَلَائًا مَعْ عَشَرْ وَهَذِهِ أَقْصَى الْوُجُوهِ فَاعْلَمَا وَفِعْلُهَا مِنْ بَعْدِ مَا قَدْ أَحْرَمَا يُكَبِّرنَّ الخَمْسَ ثُمَّ يَقْرَا وَالبَاقِي يَفْعَلَنَّهُ فِي الْأُخْرَى فَالخَمْسُ بَعْدَ أَنْ قَرَا وَالبَاقِي بَعْدَ رُكوعِهِ بِلَا شِقَاقِ هَذَا هُوَ الحَالُ لِمَنْ قَدْ كَبَّرَا أَقْصَى التَّكَابِيرِ عَلَى مَا ذُكِرَا وَمَنْ يَكُنْ مَعَ الإِمَامِ دَخَلَا فَفَاتَهُ التَّكْبِيرُ حِينَ اشْتَغَلَا فَقِيلَ فِي المَوْجُودِ عَنْ مُنِيرِ (3) لَيْسَ عَلَيْهِ بَدَلُ التَّكْبِيرِ وَبَعْدَ مَا تَمَّ الإِمَامُ يَنْصِبُ مُوَاجِهَ القَوْمِ قِيَامًا يَخْطُبُ فَيَفْتَحُ الخُطْبَةَ بِالتَّكْبِيرِ وَبِالتَّنَا لِلْوَاحِدِ الْكَبِيرِ يُصَلِّيَنْ عَلَى المُختَارِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الأَبْرَارِ
ثُمَّ
"
(1) قوله: يقرأ، يعني الإمام. (2) قوله: «والباقي هذا الذي أدركنا عليه عمل أشياخنا بعُمان، ولكنني أختار أن يكبر الباقي بعد القراءة في الركعة الثانية، وذلك أن يكبر ستّا في الأولى بعد الإحرام ثم يكبر السبع بعد إتمام القراءة من الركعة الثانية هكذا إذا كبر ثلاث عشرة تكبيرة، وإن كبّر أقل من ذلك جعل الشفع في الأولى والوتر في الأخيرة؛ هذا الذي ذكره أصحاب المدونة.
(3) منير: هو الشيخ العلامة منير بن النير الريامي الجعلاني أحد حملة العلم من البصرة إلى عُمان. (1/170)
صفحة 171
170
الجزء الأول
كتاب الصلاة
وَيَأْمُرُنَّهُمْ بِمَا قَدْ أُمِرَا وَيَعِظَنَّهُمْ بِمَا تَيَسَّرَا يُبَيِّنَنَّ لَهُمُ فِي الخُطْبَةِ إِنْ كَانَ فِي الفِطْرِ) مَعَانِي الْفِطْرَةِ وَإِنْ يَكُنْ فِي يَوْمٍ أَضْحَى بَيَّنَا حُكْمَ صَحَايَاهُمْ وَمَا تَعَيَّنَا وَهَذِهِ الخُطْبَةُ قِيْلَ تَلْزَمُ وَقِيلَ لَا وَفِعْلُها مُلْتَزَمُ وَلْيَكُن الْخَطِيبُ حُرًّا ذَكَرَا وَلَا يَضُرُّ العَبْدُ مَهْمَا أُمِرَا وَإِنْ يَكُنْ لَمْ يَأْمُرَنْ مَوْلَاهُ قِيلَ يُعِيدُوهَا إِذَا نَهَاهُ (2)) لأنَّها (3) (3) الطَّاعَةُ لَا تَقُومُ بِفِعْلِ مَنْ بِفِعْلِهِ مَأْقُومُ
فصل النفل
وَالنَّفْلُ فَصْلٌ كُلُّهُ مَنْدُوبُ وَفِعْلُهُ لِرَبِّنَا مَحْبُوبُ لَا سِيَّما في الثُّلُثِ الأَخِيرِ فَأَجْرُهُ يُوصَفُ بِالْكَثِيرِ
(1) أي زكاة الفطر، وأراد معاني الإسلام أو السُّنَّة، أي يبين لهم الخطيب في خطبة عيد الفطر شرائع الإسلام وخلقه وسنن الأنبياء، والفضائل التي جاءت بها الحنيفية وما تُوصِّلُ إليه من سعادة سرمدية، لأن عيد الفطر لا يشغل بخلاف الأضحى فإنهم يشتغلون بالضحية فكان الاختصار به أليق. (أبو إسحاق) (2) إن هذا اللفظ عن المصنف فالضمير يعود إلى المصلين وراء العبد الدال عليهم المقام، ولعل الأصل قيل يعيدون ... الخ. (أبو إسحاق)
صح
(*) الضمير عائد إلى المصلين، وقد نص على ذلك أبو مسلم في نثار الجوهر: «وعبد يأذن مولاه وإلا أعادوها إذ لا تقوم طاعة بمعصية وحذف العلامة وهي النون مع أن الفعل مرفوع للضرورة، وهو مما يجوز للشاعر، فيجوز حذف النون والأصل إثباتها ويجوز الإثبات والأصل الحذف، قال الشاعر: وَالأَرْضُ أُورِثَتْ بَنِي آدَمَا مَا يَغْرِسُوهَا شَجَرًا أَيَّامَا
والأصل: يغرسونها لأنه لم يتقدمها ناصب ولا جازم. (إسماعيل)
(3) قوله: «لأنها» يعني الخطبة، والظاهر عندي أن يكون صوابه «الأنما» فإن ذلك أعم، فلعل ما في
نسخة الشيخ سهو من الكاتب. (1/171)
صفحة 172
فصل النفل
الجزء الأول
171
إِذْ يَنْزِلُ الْأَمْرُ إِلَى السَّمَاءِ يَدْعُو إِلَى الإِقْبَالِ وَالدُّعَاءِ هَلْ مِنْ فَتَى مُسْتَغْفِرٍ فَيُغْفَرَا لَهُ وَهَلْ مِنْ سَائِلٍ فَيُشْكَرَا نَاشِئَةُ اللَّيْلِ صَلَاةٌ قَامَا لَهَا بِلَيْلٍ بَعْدَ مَا قَدْ نَامَا وَهْيَ عَلَى العَدُوِّ أَقْوَى وَقْعَا وَلِلْمُصَلِّي فَهْيَ أَعْلَى نَفْعًا فَكَثْرَنْ إِنْ شِئْتَ أَوْ فَاتَّضِعَا (1) فَإِنَّهُ خَيْرٌ هُنَاكَ وُضِعَا كَذَا قِيَامُ رَمَضَانَ فَضْلُهُ فَضْلٌ عَظِيمٌ لَا يُنَالُ مِثْلُهُ فَخُذْ بِحَظِّ وَافِرٍ تَلْقَاهُ غَدًا إِذَا مَا عَدِمُوْا لِقَاهُ تَارِكُهُ قِيلَ عَلَيْهِ البَدَلُ وَفِيهِ قَوْلُ مَا عَلَيْهِ يُبْدِلُ لَكِنَّهُ قِيلَ خَسِيسُ الْحَالِ وَلَيْسَ يُبْرَا مِنْهُ فِي مَقَالِ يُصَلَّى (2) فِي مَسَاجِدِ الجَمَاعَهُ لِكَيْ يَكُونَ لِلْهُدَى إِشَاعَهُ وَسَائِرُ النَّفْلِ فَصَلِّيَنْهُ فِي البَيْتِ مُفْرَدًا وَأَخْفِيَنْهُ فَإِنَّهُ نُورٌ هُنَاكَ يَسْطَعُ وَفِعْلُهُ جَمَاعَةً مُتَسِعُ لِأَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِ اللهُ صَلَّى جَمَاعَةً بِمَنْ أَتَاهُ فَانْظُرْ مَبِيتَ البَحْرِ (3) (4) عِنْدَ خَالَتِهْ وَمَا بِهِ أَرْشَدَ مِنْ هِدَايَتِهُ
(1) قوله: «فاتضعا» أي أقلل. (2) قوله: «يُصَلَّى» أي القيام.
(3) البحر هو عبد الله ابن عباس. (المصنف)
(4) عبد الله بن عباس ها وخالته ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، يشير إلى ما ثبت في المسند الصحيح عن أبي الشعثاء: أن ابن عباس بات عند خالته ميمونة حتى إذا انتصف الليل أو قبيله أو بعيده استيقظ عليه
الصلاة والسلام فجعل يمسح النوم بيده عن وجهه ثم قرأ العشر الخواتم من آل عمران، ثم قام فتوضأ، فقام يصلي فصنعتُ مثل ما صنع، ثم ذهبت فقمت إلى جنبه ... الخ، الحديث.
= (1/172)
صفحة 173
172
الجزء الأول
كتاب الصلاة
حَوَّلَهُ مِنْ جَانِبِ لِجَانِبِ فَنَالَ مِنْهُ أَفْضَلَ الْمَنَاصِبِ وَقِيْلَ فِي الْقِيَامِ أَيْضًا يَنْفَرِدُ إِنْ كَانَ يُحْسِنُ الصَّلَاةَ مُنْفَرِدُ وَلَا أَرَاهُ فِي الصَّحِيح يُذْكَرُ وَهْوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ عُمَرُ وَالمُصْطَفَى كَانَ بِهِمْ قَدْ صَلَّى لَكِنَّهُ خَافَ عَلَيْهِمْ كَلَّا (1) فَتَرْكُهُ ذَاكَ عَلَيْهِمْ شَفَقَهُ وَفِعْلُهُ الآنَ إِلَيْنَا صَدَقَهُ (2)
تَفْعَلَنَّا
وَصُوْرَةُ النَّفْل تُصَلِّيَنَّا كَمِثْلِ مَا فِي الفَرْضِ وَجَائِزٌ تَقْتَصِرَنَّ فِيهِ تُصَلِّيَنَّهُ بِلَاتَوْجِيهِ وَتَقْرَأُ الحَمْدَ فَقَطْ إِنْ شِئْتَا وَإِنْ تَشَا سَبَّحْتَ وَاكْتَفَيْتَا وَإِنْ تَشَا صَلَّيْتَ بِالإِيمَاءِ وَبِالتُّرَابِ مَعْ وُجُودِ الْمَاءِ وَقَائِمًا وَقَاعِدًا وَمُضْطَجِعْ وَرَاكِبًا وَمَاشِيَّا وَمُضْطَلِعْ (3) وَتُعْلِنُ القُرْآنَ أَوْ تُخْفِيهِ فَهَذِهِ الوُجُوْهُ طُرًّا فِيهِ وَكُلُّ حَالَةٍ تَكُونُ أَكْمَلا يَكُونُ أَجْرُهَا هُنَاكَ أَجْزَلَا لِقَاعِدٍ نِصْفُ صَلَاةِ القَائِمِ وَهَكَذَا عَنِ النَبَيِّ الهَاشِمِي
وقد أخرج المصنف ثلاثة أحاديث في هذا الباب وكلها صحيحة. هذا وحديث أنس عند جدته مليكة، وحديث عائشة في قيام رمضان وكلها حجة في صلاة النافلة جماعة، وحديث عتبان مالك بن في البخاري ومسلم أيضًا، وهذا أصل في السُّنَّة لصلاة النفل جماعة وأبدع من زعمها بدعة. (أبو إسحاق)
(1) أي ثقلا. (أبو إسحاق)
(2) لعل الأصل آل إلينا صدقة. (أبو إسحاق)
(3) مضطلع: أي نائمًا على أضلاعك، والاضطجاع مثله، ولعله أراد به هنا الاستلقاء على الظهر. (1/173)
صفحة 174
فصل سجدة القرآن
الجزء الأول
173
وَمَنْ يُضَيِّعْ فَرْضَهُ لَمْ يُقْبَلِ مِنْهُ إِذَا مَا جَاءَ بِالتَّنَقُلِ لأَنَّ هَذَا تَابِعُ لِلفَرْضِ كَذاكَ مَنْ عَلَيْهِ فَرْضٌ يَقْضِي فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ الْقَضَاءَ عَنْ نَفْلِهِ الَّذِي بِهِ قَدْ جَاءَ وَقِيلَ لَا بَأْسَ إِذَا مَا صَلَّى لَكِنَّمَا الْأَوَّلُ فِيهِ أَوْلَى وَهَلْ عَلَيْهِ بَدَلُّ إِنْ صَلَّى بِنَجَسٍ لَمْ يَعْلَمَنْهُ أَصْلَا قِيلَ عَلَيْهِ بَدَلٌ وَقِيلَ لَا لِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمَنَّ أَوَّلَا
فصل سجدة القرآن
وَإِنْ قَرَأْتَ آيَةَ السُّجُودِ فَوَاحِبْ تَسْجُدُ لِلْمَعْبُودِ (2) لَوْ كَانَ فِي صَلَاتِهِ قَرَاهَا (3) فَرْضًا وَنَفْلًا لَازِمٌ أَدَاهَا (4) وَأَنَّهَا تَكُونُ مِثْلَ حَدٌ مِنْهَا فَلَا يُتْرَكُ بِالتَّعَدِّي
(1) قوله: «بنجس» أي صلَّى النفل، أما لو صلّى الفرض ثم علم أنه صلاه بنجس فعليه بدله قولاً
واحدا.
(2) الصحيح أن سجدة التلاوة سُنَّة، وعليه الجمهور، لا واجبة كما قال أبو حنيفة، ولا فرض كما قال بعض أصحابنا، وحديث أبي سعيد الخدري في المسند الصحيح يدل على مشروعية السجود لها، ولو وجبت السجدة لانتقضت الفريضة بتركها. والجمهور منا على أن السجدة بعد التسليم إذا كان التالي لها في الفرض. وداخل الصلاة إذا كان في النفل، ولا دليل على وجوب سجدة التلاوة. (أبو إسحاق)
(3) قوله: «قراها فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة.
(4) إن كان في الفرض فالسجود بعد التسليم عندنا، وإن كان في النفل فداخل الصلاة وكأن الناظم الله لم يعتد إلا بقول الوجوب، ولم يذكر خلافه. (أبو إسحاق) (1/174)
صفحة 175
174
الجزء الأول
كتاب الصلاة
مِنْ هَاهُنَا قِيلَ عَلَيْهِ نَقْصُ بِتَرْكِهَا وَقِيلَ لَيْسَ نَقْضُ وَيَسْجُدَنَّهَا بِلَا تَصْيِيقِ مَنْ كَانَ مَاشِيَّا عَلَى الطَّرِيقِ وَهْيَ لَهَا مَوَاضِعٌ فِي الذِّكْرِ أَذْكُرُهَا مُرَتِّبًا فَلْتَدْرِ في آخر الأَعْرَافِ مَهْمَا تَقْرَا وَالرَّعْدُ وَالنَّحْلُ كَذَاكَ الإِسْرَا وَمَرْيَمٌ وَالحَجُّ وَالفُرْقَانُ وَالنَّمْلُ وَالسَّجْدَةُ فِيهَا شَانُ كَذَاكَ فِي صَادٍ إِذَا مَا تَتْلُو وَفُصِّلَتْ لِحُكْمِهِنَّ تَتْلُو فَهَذِهِ مَوَاضِعُ السُّجُودِ وَقِيلَ فِيهَا غَيْرُ ذَا المَعْدُودِ وَفِي وُجُوبِها عَلَى الْإِنْسَانِ دَلَالَةٌ لِعِظَمِ القُرْآنِ
فصل في قضاء الفوائت
وَفِعْلُهَا فِي وَقْتِهَا أَدَاءُ وَبَعْدَ وَقْتِهَا هُوَ القَضَاءُ وَإِنْ يَكُنْ فِي الوَقْتِ لَكِنْ لِخَلَلْ فِي فِعْلِهِ السَّابِقِ كَانَ ذَا البَدَلْ فَهْيَ إِعَادَةٌ لِمَا قَدْ فَعَلَا وَحُكْمُهَا كَمَنْ يُصَلِّي أَوَّلَا لَكِنَّهُ يُعِيْدُهَا فُرَادَى مَنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ لَهَا أَعَادَا إِنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ صَلَّاهَا فَانْتَقَصَتْ مِنْ حِيْنِ مَا أَتَاهَا إِذْ كَرَّهُوا تَكَرُّرَ الجَمَاعَهُ فِي مَسْجِدٍ مِنْ أَجْلٍ مَا أَضَاعَهُ (2)
(1) مرتبا: إن كسرت تاؤه فهو حال، وإن فتحت فهو نعت لمصدر محذوف أي ذكرًا مرتبا. (2) قوله: «ما أضاعه ما موصولة أي من أجل الذي أضاعه. (1/175)
صفحة 176
فصل في قضاء الفوائت
الجزء الأول
175
وَالوَقْتُ فِيهِ دَرَجَاتٌ تَحْصُلُ أَفْضَلُهَا الْأَوَّلُ ثُمَّ الْأَوَّلُ فَأَوَّلُ الْوَقْتِ رِضَى الرَّحْمَنِ وَوَسْطُهُ الرَّحْمَةُ لِلْإِنْسَانِ وَالعَفْوُ فِي آخِرِهِ مَذْكُورُ وَسَبَبُ العَفْوَ هُوَ التَّقْصِيرُ وَإِنْ يَكُنْ أَخَرَهَا عَنْ وَقْتِهَا تَعَمُّدًا فَكُفْرُهُ بِفَوْتِهَا فَلْيَتَدَارَكْ أَمْرَهُ بَالتَّوْبِ لِيَمْحِيَنَّ مَا بِهِ مِنْ حَوْبِ وَلْيُبْدِلَنَّ وَلْيُكَفِّرَنَّا كَفَّارَةً عَسَاهُ يَغْفِرَنَّا وَإِنْ يَكُنْ قَدْ فَاتَ بِالنِّسْيَانِ أَوْ غَفْلَةٍ تَعْرِضُ لِلْإِنسَانِ أَوْ بِمَنَامٍ سَتَرَ الحِدَاقَا يُصَلِّيَنَّ حِينَ مَا أَفَاقَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي حَالِهِ الْمَمْنُوعِ فَإِنْ يَكُنْ أَخَرَ لِلطُّلُوعِ وَإِنْ يَكُنْ فِي الوَقْتِ نَامَ عَنْهَا فَبَعْضُهُمْ يُكَفِّرَنَّ مِنْهَا (1) وَلَا أَقُولُ بِالَّذِي رَأَىهُ إِنْ كَانَ قَدْ نَامَ لِمَا يَغْشَاهُ لِأَنَّهُ (2) المُخْتَارُ قَدْ نَهَانَا نُصَلِّيَنْ وَنَوْمُنَا يَغْشَانَا بَلْ نَرْقُدَنْ حَتَّى يَزُولَ عَنَّا وَعَنْ فَوَاتِ الوَقْتِ نَحْذَرَنَّا ومَا عَلَى المَجْنُونِ قَطُّ بَدَلُ وَلَوْ أَفَاقَ ثُمَّ صَارَ يَعْقِلُ إِلَّا صَلَاةٌ جُنَّ فِيهَا بَعْدَمَا دُخُولُ وَقْتِهَا عَلَيْهِ احْتَكَمَا
(1) أي فبعضهم تلزمه أن يكفرن عنها. (2) قوله: «لأنه» أي الشأن. (1/176)
صفحة 177
176
الجزء الأول
كتاب الصلاة
فَإِنَّهُ يُبْدِلُهَا إِنْ عَقَلا كَذَاكَ حَالُ البُرْءِ (1) أَيْضًا جُعِلَا كَذَلِكَ الْحَائِضُ مَهْمَا عَنَّا بَعْدَ دُخُولِ الوَقْتِ تُبْدِلَنَّا إِذْ سَبَبُ الوُجُوبِ قَدْ تَحَقَّقَا وَهُوَ دُخُولُ الوَقْتِ حِينَ حُقِّقَا وَمَنْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ جَنَابَهُ لَمْ يَعْلَمَنْ بِهِ مَتَى أَصَابَهُ فَقِيلَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ يُبْدِلَنْ وَقِيلَ بَلْ وَاحِدَةً وَتُجْزِيَنْ
خاتمة في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها
يَنْقَسِمُ الزَّمَانُ فِي المَصَالِحِ لِصَالِحٍ لَهَا وَغَيْرِ صَالِحٍ وَهَذِهِ الصَّلاةُ مِنْ أَعْلَى القُرَبْ لَهَا زَمَانٌ لَيْسَ فِيهِ تُسْتَحَبْ وَزَمَنْ تُحْجَرُ فِيهِ مُطْلَقَا مَا أَبْلَغَ الحِكْمَةَ مِمَّنْ حَقَّقَا
وَالمَنْعُ مُطْلَقًا رَوَاهُ مَن رَوَى حَالَ الطُّلُوعِ وَالغُرُوبِ وَاسْتِوَى وَذَاكَ فِي الحَرِّ الشَّدِيدِ تَقِفُ فِي كَبدِ السَّمَاء حَتَّى تُحْرَفُ (2) فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ الأَوْقَاتِ تَمْنَعُ حَتَّى الدَّفْنَ لِلْأَمْوَاتِ كَذَلِكَ الصَّلاةُ لَيْسَتْ تُقْضَى فِيهَا وَلَوْ كَانَتْ وُجُوبًا فَرْضَا
(1) قوله: «حال البرء» أي البرء من المرض والمعنى إذا مرض بعد دخول وقت الصلاة فلم
يتمكن من أدائها فليقضها إذا برء من مرضه.
(2) قوله: «تُحْرَفُ» بالبناء للمفعول وفي نسخة: (إِذَا تَقِفْ) و (حَتَّى تَنْحَرِفْ). (1/177)
صفحة 178
خاتمة في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها
الجزء الأول
177
فَمَنْ عَلَيْهِ وَاجِبٌ (1) يَنْتَظِرُ زَوَالَ وَقْتِهَا الَّذِي قَدْ حَجَرُوا وَهْوَ يَزُولُ بِكَمَالِ الحَالِ مِنَ الطُّلوع وَمِنَ الزَّوَالِ
كَذَلِكَ الغُرُوبُ فَافْهَمَنَّا وَالحَالُ مِنْ ذَلِكَ يُعْرَفَنَّا وَقِيلَ فِي الْجُمْعَةِ وَقْتَ الإِسْتِوَا لَا بَأْسَ بِالنَّفْلِ هُنَاكَ لَا سِوَى وَيَذْكُرُونَ عِلَّةَ التَّشْدِيدِ هَيْجَانَ تِلْكَ النَّارِ فِي الوَقُودِ وَأَنَّهُ فِي جُمْعَةِ الصَّلَاةِ يَكُونُ مِثْلَ سَائِرِ الْأَوْقَاتِ وَهَكَذَا بَعْدَ صَلَاةِ العَصْرِ وَهَكَذَا بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ كَذَاكَ بَعْدَ أَنْ تُصَلِّي الوَثْرَا وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَرَ هَذَا حَجْرَا وَالمُصْطَفَى أَدْرَى بِحُكْمِ الشَّرْعِ فَلَا أَرَى التَّرْخِيصَ عِنْدَ المَنْعِ فَمَنْ أَرَادَ يَتَنَفَّلَنَّا يُصَلِّ مَا شَاءَ وَيُوتِرَنَّا وَيَجْعَلُ الوَتْرَ خِتَامَ العَمَلِ وَذَاكَ مِنْ فِعْلِ خِتَامِ الرُّسُلِ صَلَّى عَلَيْهِ رَبُّهُ المَنَّانُ مَا ظَهَرَ الصَّوَابُ وَالبُطْلَانُ
(1) واجب: مبتدأ مؤخر خبره الجار والمجرور قبله. (1/178)
صفحة 179
178
الجزء الأول
كتاب الصوم
كتاب الصوم
مِنَ العِبَادَةِ الَّتِي تُقَدَّمُ عَنْ غَيْرِهَا الصِّيَامُ حِينَ يَلْزَمُ وَهْوَ مِنَ الْأَرْكَانِ لِلْإِسْلَامِ وَجُنَّةٌ) يَكُونُ لِلْأَنَامِ وَإِنَّهُ لِلَّهِ حَيْثُ يَخْفَى حَيْثُ يَخْفَى وَأَجْرَهُ لِصَائِمِيهِ وَفَّى فَالصَّوْمُ لِي أَنَا أُجَازِي عَنْهُ قَوْلُ صَحِيحٌ عَنْهُ نَرْفَعَنْهُ وَذَاكَ مُشْعِرٌ بِرَفْعِ الشَّانِ وَأَنَّهُ مِنْهُ عَلَى مَكَانِ وَقَدْ أَتَى فِي الصَّوْمِ وَالقُرَأَىنِ أَنَّهُمَا لِلْعَبْدِ يَشْفَعَانِ يَقُولُ فِيهِ الصَّوْمُ لِلجَبَّارِ مَنَعْتُهُ مِنْ شَهْوَةِ النَّهَارِ وَيَذْكُرُ القُرْآنُ أَنْ مَنَعْتُهُ مِنْ نَوْمِ لَيْلِهِ وَمَا أَطَعْتُهُ يَعْنِي بِهِ امْتِنَاعَ هَذَا الْعَبْدِ بِمَا حَوَاهُ مِنْ عَظِيمِ الوَعْدِ وَقِيلَ فِيمَنْ ذَنْبُهُ لَا يُغْفَرُ فِي رَمَضَانَ فَمَتَى يُكَفَّرُ الذُّنُوبُ تُمْحَا لِمَنْ لِرَبِّهِ يَتُوبُ
لأَنَّهُ شَهْرٌ بِهِ
وَذَا مِنَ التَّرْغِيبِ فِي مَكَانِ فَلَازِمِ الطَّاعَاتِ لِلْغُفْرَانِ
(1) جنة: بضم الجيم؛ أي سترًا ووقايةً. (1/179)
صفحة 180
باب انقسام الصوم إلى واجب وغيره
الجزء الأول
179
باب انقسام الصوم إلى واجب وغيره
وَعَيَّنَ الإِلهُ لِلصَّيَامِ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ كُلَّ عَامِ وَذَاكَ شَهْرُ رَمَضَانَ المُنْتَخَبْ وَمَا عَدَاهُ الصَّوْمُ فِيهِ مُسْتَحَبْ إِلَّا صِيَامَ الشَّلِّ وَالعِيدَيْنِ فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ فِي ذَيْنِ وَقِيلَ إِنَّ صَوْمَ يَوْمِ الشَكٍّ مُكَرَّهُ نَحْكِيهِ فِيمَنْ يَحْكِي كَذَلِكَ الخِلافُ فِي التَّشْرِيقِ فِي صَوْمِهَا قَوْلَانِ بِالتَّحْقِيقِ وَالأَصْلُ (1) فِي الشَّلِّ لَهُ كَلَامُ غَيْرُ الَّذِي مَرَّ بِهِ النِّظَامُ فِي صَوْمِ يَوْمِ الشَّلِّ بَعْضُ خَيَّرَا وَبَعْضُهُمْ أَحَبَّ لِي أَنْ أُفْطِرَا وَبَعْضُهُمْ أَحَبَّ لِي صِيَامَا وَأَنْ أُصَلِّي لَيْلَهُ قِيَامَا هَذَا الَّذِي قَدْ قَالَهُ فِي مَوْضِعِ وَغَيْرَهُ فِي مَوْضِعِ فَاسْتَمِعِ صِيَامُ يَوْمِ في السَّحَابِ أَحْوَطُ فِيمَا قَدْ رَوَى أَصْحَابِي لَكِنَّهُ فِي الصَّحْوِ قِيلَ يُنْظَرُ وُصُولُ مَنْ سَافَرَ حَتَّى يَحْضُرُوا وَذَاكَ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ يَكُونُ فِيهَا مَرْجِعُ السُّفَّارِ وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ عَنْ صِيَامِهِ رَوَاهُ مَنْ رَوَاهُ فِي أَحْكَامِهِ فَكَيْفَ يُنْدَبَنَّ أَوْ يُخَيَّرُ فَمَا أَرَى الصَّوَابَ فِيمَا يَذْكُرُ إِلَّا إِذَا كَانَ سَحَابًا (2)) يُنْتَظَرْ إِلَى وُصُولِ مَنْ يَجِيءُ بِالْخَبَرْ
الشَّكِّ
(1) قوله: «الأصل» يعني الشيخ العلّامة سالم بن سعيد الصائغي.
(*) بنصب (غَيْرَه) على أنها مفعول به، والتقدير وقال غَيْرَهُ. (إسماعيل)
(2) كذا في هذه النسخة بنصب سحابًا، والظاهر رفعه على الفاعلية وعلى أن كان تامة. (*) باب التقدير واسع، وقد بنى عليه المتقدمون نحوهم، والتقدير هنا مثلا: كان الجو سحابًا. (إسماعيل) (1/180)
صفحة 181
180
الجزء الأول
كتاب الصوم
فصل الصوم المستحب
وَيُسْتَحَبُّ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَهُ لِغَيْرِ مَنْ يَكُونُ فِيهَا وَقَفَهُ كَذَاكَ صَوْمُ العَشْرِ أَيْضًا فَاعْلَمِ وَصَوْمُ عَاشُورَاءَ مِنْ مُحَرَّمِ وَصَوْمُ سِتٌ مُتَوَالِيَاتِ مِنْ بَعْدِ عِيدِ الفِطْرِ مَذْكُورَاتِ وَهَكَذَا أَيْضًا ثَلَاثُ البِيضِ تُذْهِبُ بِالغِلَّ وَبِالتَّمْرِيضِ وَمَنْ يَكُنْ قَدْ لَازَمَ الصِّيَامَا فِيهَا فَمِثْلُ مَنْ يَصُومُ العَامَا وَهَكَذَا يُقَالُ شَهْرُ الصَّبْرِ فِي صَوْمِهِ قِيلَ عَظِيمُ الْأَجْرِ وَذَاكَ شَهْرُ رَجَبٍ وَذَكَرُوا لَهُ أَحَادِيثَ بِهِ تُؤَثَرُ لَكِنَّهَا ضَعِيفَةُ الإِسْنَادِ وَبَعْضُهُمْ بِوَضْعِهَا يُنَادِي وَالمُصْطَفَى أَكْثَرَ مَا يَصُومُ فِي شَهْرٍ شَعْبَانَ وَذَا مَعْلُومُ جَاءَتْ بِهِ صَحَائِحُ الأَخْبَارِ فَلَيْسَ فِي ثُبُوتِهِ مُمَارِي وَبَعْضُهُمْ قَدِ اسْتَحَبَّ صَوْمَا مِنْ أَشْهُرٍ تُعْرَفُ يَوْمًا يَوْمَا وَلَمْ أَجِدْ أَصْلًا لِلْإِسْتِحْبَابِ سِوَى عُمُومِ الفَضْلِ فِي ذَا البَابِ وَالعَبْدُ يَسْتَأْذِنُ فِي التَّطَوُّع سَيِّدَهُ إِنْ يَأْذَنَنْ أَوَ يَمْنَعِ كَذَلِكَ المَرْأَةُ تَطْلُبَنَّا مِنْ زَوْجِهَا فِي ذَاكَ يَأْذَنَنَّا لِأَنَّ حَقَّهُ عَلَيْهَا أَعْظَمُ لأَنَّهُ الوَاجِبُ وَالمُلْتَزَمُ
(1) قوله: «تَطْلُبَنَّا» أي في صوم التطوع. (1/181)
صفحة 182
باب ما يوجب الصوم والفطر من رمضان
الجزء الأول
181
وَمَا عَلَى الزَّوْجِ بِأَنْ يَسْتَأْذِنَا زَوْجَتَهُ فِي ذَاكَ حُكْمًا بَيِّنَا إِلَّا إِذَا مَا كَانَ يَضْعُفَنَّا عَنْ حَقِّهَا فَلَا يُضِيِّعَنَّا
باب ما يوجب الصوم والفطر من رمضان
وَكُلُّ شَيْءٍ فَلَهُ أَسْبَابُ حَتَّى المُبَاحُ وَكَذَا الإِيجَابُ وَالصَّوْمُ وَالإِفْطَارُ بِالهِلَالِ أَوِ انْقِضَاءِ مُدَّةِ اللَّيَالِي وَهْيَ ثَلَاثُونَ تَمَامُ الشَّهْرِ إِنْ لَمْ تَصِحَ رُؤْيَةٌ لِلْبَدْرِ وَشَاهِدٌ يُجْزِي لِصَوْمِ النَّاسِ وَالفِطْرُ عَدْلَانِ بِلَا الْعِبَاسِ وَقِيلَ بَلْ فِي الكُلِّ شَاهِدَانِ لِلصَّوْمِ وَالفِطْرِ مُعَدَّلَانِ وَقِيلَ يُجْزِي شَاهِدٌ مُعَدَّلُ فِي المَوْضِعَيْنِ وَهْوَ قَوْلُ يُقْبَلُ لأَنَّهُ حَقٌّ لِرَبِّ الأَرْضِ فَيُقْبَلَنَّ فِيهِ قَوْلُ الْمَرْضِي وَلِاخْتِلَافِ مَطْلَعِ الهِلَالِ تَخْتَلِفُ الأَحْوَالُ مِنْ شَوَّالِ فَهَؤُلَاءِ عِنْدَهُمْ صِيَامُ وَهَؤُلَاءِ أَفْطَرُوا وَقَامُوا وَذَاكَ مَعْنَى مَا رُوِي مَقَالُهُمْ لِكُلِّ قَوْمٍ يَا أَخِي هِلَالُهُمْ)
باب صفة الصوم وما يجوز فيه
وَالصَّوْمُ إِمْسَاكٌ عَنِ المُفَطَّرِ مِنْ فَجْرِهِ لِلَيْلِهِ المُسَكِّرِ بِنِيَّةٍ بَيَّتَهَا مِنْ لَيْلَتِهُ فَلَا يَصِحُ مَعَ تَرْكِ نِيَّتِهُ (1/182)
صفحة 183
182
الجزء الأول
كتاب الصوم
وَإِنْ يَكُنْ قَدْ صَارَ فِي النَّهَارِ وَحَوَّلَ النِّيَّةَ لِلْإِفْطَارِ لَكِنَّهُ لَمْ يَأْكُلَنْ أَوْ يَشْرَبَا فَقِيلَ إِنَّ صَوْمَهُ قَدْ وَجَبَا لِأَنَّهُ أَصْبَحَ ذَا صِيَامٍ وَلَا أُبَرِّيهِ مِنَ الآثَامِ وَالأَكْلُ وَالشُّرْبُ مَعَ الحِمَاعِ هُنَّ المُفَطَّرَاتُ بِالإِجْمَاعِ وَالخُلْفُ (1) فِي التَّفْطِيرِ بِالمَعَاصِي وَهْوَ عَلَى التَّحْقِيقِ عَبْدٌ عَاصِي وَيُسْتَحَبُّ الصَّوْمُ فِي الأَسْفَارِ وَجَاءَتِ الرُّحْصَةُ بِالْإِفْطَارِ قَدْ قَالَ رَبُّ العَرْشِ أَنْ تَصُومُوا خَيرٌ لَكُمْ فَذَا هُوَ المَفْهُومُ إِلَّا إِذَا كَانَ جِهَادُ يَخْشَى فِي الصَّوْمِ ضَعْفًا عَنْ عَدُوٌّ يَغْشَى أَوْ كَانَ يَخْشَى مِنْهُ ضَعْفَ الحَالِ فَيُسْتَحَبُّ الفِطْرُ لِلقِتَالِ وَنَحْوِهِ وَرُبَّمَا تَعَيَّنَا وُجُوبُهُ إِنْ كَانَ ضُرًا بَيِّنَا (2) فَالمُصْطَفَى شَدَّدَ عَامَ الفَتْحِ لِمُعْرِضْ عَنْ قَوْلِهِ وَالنُّصْحِ وَذَاكَ حَيْثُ أَمَرَ الرَّجَالَا بِالفِطْرِ حَتَّى يُظْهِرُوا النِّزَالَا وَمَنْ أَرَادَ عَمَلًا بِالفِطْرِ فَلْيَنْوِهِ قَبْلَ طُلوعِ الفَجْرِ وَمَنْ يَكُنْ أَرَادَ فِي غَدٍ سَفَرْ يَخْرُجُ قَبْلَ الْفَجْرِ إِنْ شَاءَ فِطَرْ (3)
(1) قوله: «والخُلْف»؛ يعني أن الصائم إذا تعمد فعل المعصية في نهار الصوم، ففي صومه قولان: قول إنه فاسد وعليه قضاؤه، وقول إن صومه تام وعليه التوبة.
(2) أي إن كان الصوم ضُرًّا بيِّنًا على المكلف من قبل الجهاد أو المرض ونحو ذلك فإن الإفطار عليه واجب لدفع الضر، وعليه قضاء ما أفطره من الأيام.
(3) فطر: بفتح الطاء المهملة لإقامة الوزن. (1/183)
صفحة 184
باب صفة الصوم وما يجوز فيه
الجزء الأول
183
وَإِنْ يَكُنْ أَصَبَحَ فِي بِلَادِهِ لَا يُفْطِرَنْ فِي اليَوْمِ فِي إِبْعَادِهِ وَيُفْطِرَنْ إِنْ شَاءَ بَعْدَ ذَاكَا مَا دَامَ فِي أَسْفَارِهِ هُنَاكَا يَصُومُ مَا شَاءَ وَيُفْطِرَنَّا فَإِنَّهُ فِي ذَا يُخَيَّرَنَّا وَفِيهِ قَوْلُ إِنْ يَكُنْ قَدْ أَفْطَرَا فَلَا يَصُومُ بَعْدَهُ فَيُهْدِرَا لِأَنَّ صَوْمًا بَعْدَ فِطْرٍ فِي سَفَرْ لَا يَسْتَقِيمُ هَكَذَا بَعْضُ نَظَرْ وَقِيلَ صَوْمٌ بَيْنَ فِطْرَيْنِ كَلَا صَوْمٍ فَلَا بُدَّ لَهُ أَنْ يُبْدِلَا وَقَالَ بَعْضُ إِنَّ مَا قَدْ صَامَا يَكُونُ فِي الحُكْمِ لَهُ تَمَامَا وَإِنَّهُ يُبْدِلُ مَا قَدْ أَفْطَرَا وَهُوَ صَحِيحٌ عَدْلُهُ قَدْ ظَهَرَا وَلِلْمَرِيضِ الفِطْرُ كَالمُسَافِرِ إِنْ كَانَ لِلصِّيَامِ غَيْرَ قَادِرِ وَذَاكَ أَنْ لَا يَسْتَطِيعَ يَأْكُلَا فِي لَيْلِهِ مَا يَكْفِيَنَّ مَثَلَا أَوْ كَانَ بِالصِّيَامِ يَزْدَادُ الْمَرَضٌ فَيُفْطِرَنْ حَتَّى يَزُولَ مَا عَرَضْ وَقَدْ أَجَازَ الفِطْرَ لِلْحَوَامِلِ وَالمُرْضِعَاتِ جُمْلَةُ الأَوَائِلِ وَاشْتَرَطُوا الخَوْفَ مِنَ الوُقُوعِ وَقِلَّةَ الدَّرِّ عَلَى المَرْضُوعِ لَكِنَّهَا بِعَدَدِ الأَيَّامِ تُطْعِمُ ذَا الْفَقْرِ مِنَ الأَنَامِ وَذَاكَ مِنْ مَالِ أَبِي الصَّغِيرِ تَأْخُذُهُ المُرْضِعُ لِلتَّكْفِيرِ كَذَلِكَ الشَّيْخُ عَلَاهُ الهَرَمُ فَضَرَّهُ يُفْطِرُ لَكِنْ يُطْعِمُ وَإِنْ يَكُنْ مُسَافِرٌ قَدْ أَفْطَرَا تَرَخُصًا وَكَانَ قَبْلُ نَذَرَا (1/184)
صفحة 185
184
الجزء الأول
كتاب الصوم
فَهَلْ لَهُ يَصُومُ أَوْ يُكَفِّرَا عَنِ الْيَمِينِ حَيْثُ كَانَ مُفْطِرَا فَمَذْهَبُ الأَصْحَابِ يَمْنَعَنَّا إِنْ كَانَ بِالصَّوْمِ يُكَفِّرَنَّا لِأَنَّ هَذَا الوَقْتَ لَيْسَ يُقْبَلُ إِلَّا صِيَامُ الفَرْضِ حِينَ يَفْعَلُ وَمَنْ يَصُمْ سِوَاهُ فِيهِ بَدَّلَا مَا شَرَعَ الإِلَهُ فِيمَا نَزَّلَا فَمَا لَهُ إِلَّا صِيَامٌ يُفْرَضُ أَوْ فِطْرُهُ لِعَارِضِ إِذْ يَعْرِضُ
باب الفطور والسحور
وَيَجِبُ الإِفْطَارُ بِالْأُفُولِ لِآكِلِ وَتَارِكِ المَأْكُولِ فَيَذْهَبُ الصَّوْمُ بِوَقْتِ المَغْرِبِ وَذَاكَ مَعْنَى مَا أَتَى عَنِ النَّبِي التَّعْجِيلُ لِلْفُطُورِ وَهَكَذَا التَّأْخِيرُ لِلسُّحُورِ فَهُمْ عَلَى الفِطْرَةِ مَهْمَا امْتَثَلُوا وَخَالَفُوا السُّنَّةَ مَهْمَا بَدَّلُوا فَيَسَعُ التَّأْخِيرُ مَا لَم يَنْفَلِقْ ضوْءُ الصَّبَاحِ وَبِذَاكَ يَنْغَلِقْ وَذَلِكَ الخَيْطُ الَّذِي قَدْ ذَكَرَا رَبُّ السَّمَاءِ وَهْوَ فَجْرٌ ظَهَرَا وَذَاكَ مَعْنَى مَا عَنِ الْبَحْرِ (3) نُقِلْ فَكُلْ إِلَى أَنْ لَا تَشُكَّ وَامتَثِلْ لأَنَّ حُكُمَ اللَّيْلِ قَالُوا بَاقِي حَتَّى يَبِينَ الصُّبْحُ بِانْشِقَاقِ
(1) قوله: «ليس يَقْبَلُ وعند أبي حنيفة أنَّ كل ما صامه في رمضان لغير صوم رمضان فإنه ينقلب
لرمضان، والله أعلم.
(2) بدلا: بالتشديد أي غيّرا.
(3) قوله: «عن البحر» يعني ابن عباس لله (1/185)
صفحة 186
باب نواقض الصوم
الجزء الأول
185
فَالشَّكُ فِي طُلُوعِهِ لَا يَمْنَعُ مَا كَانَ فِعْلُهُ لَنَا يَتَّسِعُ وَمَنْ يَكُنْ يَمْنَعُهُ احْتِيَاطُ (1) أَوْ شَكَ فَهُوَ رَجُلٌ مُحْتَاطُ وَجَائِزٌ تَرْكُ المُبَاحِ قَطَّعَا لِخَوْفِ أَنْ يُصَادِفَنَّ مَنْعَا وَيَنبَغِي لِلصَّائِمِ الإِفْطَارُ عَلَى طَعَامِ لَمْ تَمَسَّ النَّارُ يَأْكُلُ تَمْرًا أَوْ مِنَ المِيَاهِ يَحْسُو ثَلَاثًا وَهُوَ فَضْلُ اللهِ فَإِنَّ هَذَا كَانَ مِنْ أَفْعَالِ نِبِيِّنَا الهَادِي مِنَ الصَّلَالِ وَمَنْ يَكُنْ عَلَى حَرَامٍ أَفْطَرَا فَقِيلَ لَا نَقْضَ وَلَكِنْ وُزِرَا
باب نواقض الصوم
وَيُنْقَضُ الصَّوْمُ بِلَا نِزَاعِ بِالأَكْلِ وَالشُّرْبِ مَعَ الجِمَاعِ وَذَاكَ فِي العَمْدِ وَأَمَّا النَّاسِي فَقَدْ أَتَى فِيهِ اخْتِلَافُ النَّاسِ شَدَّدَ وَبَعْضُهُمْ فِي الجِمَاعِ لَوْ نَاسِيَّا بِعَدَمِ اتَّسَاعِ وَقِيلَ مَنْ أَصْبَحَ ذَا جَنَابَهُ أَصْبَحَ وَالإِفْطَارُ قَدْ أَصَابَهُ وَإِنْ يَكُنْ لِرَأْسِهِ قَدْ غَسَلَا وَفَرْجِهِ أَجْزَاهُ أَنْ لَا يُبْدِلَا وَقِيلَ مَنْ جَامَعَ وَقْتَ الصَّوْمِ زَوْجَتَهُ تَحْرُمُ بَعْدَ اللَّوْمِ وَذَا لِهَتْكِ حُرْمَةِ الصِّيَامِ وَقِيلَ لَا تَخْرُجُ بِالحَرَامِ
(1) قوله: «احتياط» هو فاعل يمنعه. (1/186)
صفحة 187
186
الجزء الأول
كتاب الصوم
وَإِنْ يَكُنْ أَمْدَى بِمَسٌ ذَكَرُهُ فَقِيلَ يَقْضِيهِ وَبَعْضُ يَعْذِرُهُ وَإِنْ زَنَى رَبُّ الصِّيَامِ لَيْلَا أَوْ شَرِبَ الخَمْرَ وَلَوْ قَلِيلًا فَمَا عَلَيْهِ النَّقْصُ لَكِنْ يَأْتَمُ وَإِثْمُهُ فِي ذَا الزَّمَانِ أَعْظَمُ) وَذَوْقُ مَا مَرَّ مِنَ الطَّعَامِ وَمَا حَلَا يَحِلُّ فِي الصِّيَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسِيغَهُ الإِنْسَانُ وَإِنَّمَا تَعْرِفُهُ اللَّسَانُ وَكَيْلُهُ الدَّقيقَ لَا بَأْسَ بِهِ وَهَكَذَا عِلَاجُهُ لِتُرْبِهِ لَوْ دَخَلَ الغُبَارُ فِي الخَيْشُومِ وَمِثْلُهُ الدُّخُولُ فِي الحُلْقُومِ لَكِنَّهُ يُؤْمَرُ بِاللِّثَامِ وَذَلِكَ الحَزْمُ عَلَى السَّمَامِ وَأَكْلُ مَا لَمْ يَكُ بِالْمُعْتَادِ فِي الْأَكْلِ كَالذُّبَابِ وَالجَمَادِ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَةٍ وَجِلْدِ يَنْقُضُ إِنْ أَدْخَلَهُ بِالْعَمْدِ كَذَاكَ إِنْ كَانَ لَهُ طَرِيقُ غَيْرَ طَرِيقِ حَلْقِهِ يَضِيقُ وَذَاكَ إِنْ كَانَ انْتَهَى لِلْجَوْفِ مِنْ دُبُرٍ وَأُذُنِ وَأَنْفِ وَقُبُلُ المَرْأَةِ لَيْسَ يُولِجُ لِلْجَوْفِ شَيْئًا فَلَهَا تُوَلِّجُ (2) تُدْخِلُ فِيهِ إِنْ تَشَا الدَّوَاآ لِكَيْ تُزِيلَ مَرَضًا وَدَاآ وَذَاكَ هُوَ الحُقْنَةُ المَوْصُوفَهُ إِنْ لَمْ تَكُنْ عِنْدَكُمُ مَعْرُوفَهُ
(1) قوله: «في ذا الزمان» يعني زمان الصيام، وذلك أنه تُضَاعَفُ فيه الحسنات، وهو يدل على أن
الذنب فيه أعظم وزرا. (المصنف)
(2) قوله: تولج بَيَّنَهُ بالبيت بعده فلاتهم. (أبو إسحاق) (1/187)
صفحة 188
باب نواقض الصوم
الجزء الأول
187
وَيُولِجَنْ فِي الجَوْفِ ذَاكَ الدُّبُرُ مِنْ ثَمَّ الِاحْتِقَانُ فِيهِ يُحْجَرُ وَمَنْ يَكُنْ يَصْنَعُهُ فِي صَوْمِهِ قِيلَ عَلَيْهِ بَدَلٌ لِيَوْمِهِ وَقِيلَ مَا مَضَى وَقِيلَ تَلْزَمُهُ مَعَ القَضَا كَفَّارَةٌ تُسَلِّمُهُ وَقِيلَ لَا كَفَّارَةٌ وَلَا قَصَا لِصَوْمِهِ بَلْ صَوْمُهُ لَهُ مَضَى وَذَا هُوَ القَوْلُ الَّذِي أَرَاهُ وَمِثْلُهُ كُلُّ الَّذِي ضَاهَاهُ وَالْكُحْلُ فِي الْعَيْنَيْنِ مَا بِهِ حَرَجٌ وَلَوْ رَأَيْتَ لَوْنَهُ مِنْكَ خَرَجْ وَمَنْ تَوَصَّى لِصَلَاةٍ فَسَبَقٌ لِجَوْفِهِ المَاءُ مَتَى لَهُ انْتَشَق فَمَا عَلَيْهِ حَرَجٌ وَلَا بَدَلْ إِنْ كَانَ وَقْتُ الْفَرْضِ حَالًا قَدْ دَخَلْ وَلَمْ يَكُنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ مُسْتَنْشِقًا كَفِعْلَةِ العُبَّاتِ وَهَذِهِ الشُّرُوطُ فِيمَا ذَكَرُوا تُبْنَى عَلَى مَقَاصِدٍ تُعْتَبَرُ وَإِنْ يَكُنْ أَقَامَ وَسْطَ المَاءِ أَوْ كَانَ قَدْ رَطَّبَ لِلرِّدَاءِ يُرِيدُ أَنْ يَقْوَى عَلَى الصِّيَامِ قَالُوا مُكَرَّهُ عَلَى الأَنَامِ وَلَا أَرَاهُ أَبَدًا مَكْرُوهَا حَتَّى وَلَوْ عَنَوْا بِهِ التَّنْزِيهَا فَالمُصْطَفَى قَدْ صَبَّ فَوْقَ الرَّاسِ مَاءً مِنَ الشِّدَّةِ وَسْطَ النَّاسِ وَذَاكَ فِي مَسِيرِهِ لِلْفَتْح فَهَذِهِ حُجَّتُنَا لِلصُّحٌ)
(1)
وَاخْتَلَفُوا فِي النَّقْضِ بِالمَعَاصِي مِنْ قَوْلَةٍ أَوْ فَعْلَةٍ لِلعَاصِي
(1) الصُّح بالضم بمعنى الصحة.
(2) القولة والفعلة بالفتح بمعنى القول والفعل. (1/188)
صفحة 189
188
الجزء الأول
كتاب الصوم
وَالأَكْثَرُ النَّقْصُ بِنَحْوِ الكَذِبِ وَغِيبَةِ الْمُؤْمِنِ فَلْتَجْتَنِبِ وَمِثْلُهَا كَبَائِرُ الذُّنُوبِ كَقَذْفِ المُحْصَنَاتِ بِالْعُيُوبِ
(1)
وَالكِذَّبُ إِنْ كَانَ بِهِ صَلَاحُ لَا يَنْقُضَنَّ إِذْ هُوَ المُبَاحُ) وَنَاظِرْ فَرْجًا حَرَامًا عَمْدَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ بِمَا تَعَدَّى وَبَعْضُهُمْ يَعْذِرُهُ عَن البَدَلْ وَهْوَ عَلَى الخِلَافِ قَامَ وَنَزَلْ
باب بدل رمضان
وَكُلُّ مَنْ أَفْطَرَهُ لِعُذْرِ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ ذَاكَ الفِطْرِ فَاللَّهُ قَدْ رَخَّصَ حِينَ رَخَّصَا وَأَوْجَبَ القَضَاءَ فِيمَا لَخَّصَا (2) فَلْتَقْضِهِ مُتَّصِلَ الأَيَّامِ بِنِيَّةِ القَصَاءِ لِلصِّيَامِ وَلَا تُقَدِّمَنْ عَلَيْهِ نَذْرَا وَلَا تُكَفِّرَنْ يَمِينًا مَرَّا (3) إِلَّا إِذَا مَا كَان نَذْرًا عُيْنَا فَإِنَّهُ يَصُومُ مَا قَدْ عَيَّنَا) وَالنَّفْلُ أَيْضًا لَا يُقَدَّمَنَّا وَذَا بِالِاحْتِيَاطِ يُعْرَفَنَّا وَمَنْ يَكُنْ أَخَرَهُ حَتَّى دَخَلْ مِنْ قَابِلٍ كَفَّرَ أَيْضًا وَبَدَلْ
(1) قوله: والكذب الخ، وذلك كالإصلاح بين الزوجين وبين متعاديين، وتثبيت قلوب
المسلمين في الحرب. (أبو إسحاق)
(2) أي بَيَّن. (3) مرا أي سَبَق.
(4) قوله: «عُيّنا» الأول بالبناء للمجهول، والثاني للفاعل. (1/189)
صفحة 190
باب بدل رمضان
الجزء الأول
189
عَنْ كُلَّ يَومٍ يُطْعِمَنْ مِسْكِيْنَا كَفَّارَةً لِلْمُتَهَاوِنِينَا وَفِيهِ قَوْلٌ إِنَّهُ لَا يَجِبُ وَهْوَ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ أَعْجَبُ وَمَنْ يَقُمْ وُرَّاتُهُ بِصَوْمِهِ لِكِبَرٍ أَضْعَفَهُ عَنْ رَوْمِهِ فَيُجْعَلُ الصِّيَامُ فِيهِمْ مُتَّصِلْ وَلَيْسَ يُجْزِي أَنْ يَكُونَ مُنْفَصِلْ يَصُومُ هَذَا مَعَ فِطْرِ هَذَا بِقَدَرِ المِيرَاثِ فِيهِمْ هَذَا وَلَمْ يَكُنْ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يُطْعِمَا وَأَنْ يَصُومَ الآخَرُونَ فَاعْلَمَا وَإِنْ أَرَادُوا كُلُّهُمْ أَنْ يُطْعِمُوا عَنْهُ فَقِيلَ إِنَّ ذَاكَ لَهُمُ فَجَابِرُ (1) أَفْتَى بِهَذَا وَبِذَا لِوَاحِدٍ فِي سَنَتَيْنِ فَشَذَا (2) (3) وَمَا عَلَى الْأَقْلَفِ فِيمَا صَامَا مِنْ بَدَلٍ حِينَ غَدَا تَمَامَا لَكِنْ عَلَيْهِ بَدَلُ لِلْحَجِّ وَلَمْ أَكُنْ فِي ذَاكَ بِالْمُحْتَجِ إِذْ لَسْتُ أَدْرِي فَارِقًا بَيْنَهُمَا فَالصَّوْمُ وَالحَجُّ لِمَنْ قَدْ أَسْلَمَا
(4)
(1) قوله: «فَجَابِرٌ» يعني جابر بن زيد له.
(2) قوله: ««فشذا» أي طاب الأخذ به.
(المصنف)
(3) كذا يوجد في بعض النسخ مقيدا عن الناظم لالالالاله.
(4) قوله: إذ لست أدري ... إلخ، قلت: الفارق بينهما ظاهر، فإن الحج والصوم من المشرك لا يصحان، فإن حج وهو مشرك لم يُجْزِهُ، وإن حج وهو مسلم ثم ارتد عن الإسلام ثم رجع إلى الإسلام كان الإسلام جبا لما قبله فليس عليه بدل الصلاة ولا الصيام، وكان حجه الذي حجه قبل الردة غير مجز عنه، فعليه أن يحج في إسلامه الذي لم يعقبه شرك، هذا مراد القائلين بذلك فهو غير مشكل، والله أعلم. (1/190)
صفحة 191
190
الجزء الأول
كتاب الصوم
وَأَنَّهُمْ قَدْ جَعَلُوا الأَقْلَفَ فِي أَحْكَامِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالتَّعَسُّفِ مَا بَالُهُ قِيلَ لَهُ الصِّيَامُ مِنْ دُونِ حَبَّةٍ وَلَا إِسْلَامُ وَإِنْ يَكُنْ فِي حَالِ عُذْرِ يَجِبُ ثُبُوتُ هَذَيْنِ لَهُ وَيُنْدَبُ وَيُمْكِنُ التَّفْرِيقُ مِنْ ذَا الفَجِّ لِضِيقِ صَوْمِ وَاتَّسَاعِ الحَجِّ وَالمُسْتَحَاضَاتُ إِذَا أَكَلْنَا فِي رَمَضَانَ مَنْعَهُ جَهِلْنَا فَإِنَّهَا تُبْدِلُ مَا قَدْ أَفْطَرَتْ لِجَهْلِهَا الَّذِي بِهِ قَدْ عُذِرَتْ وَبَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ قَالَ شَهْرًا تَصُومُهُ فَوْقَ الَّذِي قَدْ مَرَّا وَأَوَّلُ القَوْلَيْنِ عِنْدِي أَظْهَرُ وَلَا أَرَى لِلثَّانِي أَصْلًا يُذْكَرُ
باب فطرة الأبدان
وَشَرَعَ الإِلَهُ لِلصُّوَّامِ زَكَاةَ فِطْرٍ طُهْرَةَ الْآثَامِ وَقِيلَ إِنَّ صَوْمَهُ لَا يُرْفَعُ إِلَّا بِهَا فَهْوَ بِهَا مُشَيَّعُ فَيَا لَهُ مِنْ قَدَرٍ خَطِيرٍ لِقَدَرِ الصَّاعِ مِنَ الشَّعِيرِ فَلْتُخْرِجَنَّ فِي صَبَاحِ العِيدِ عَنْ جُمْلَةِ الأَوْلَادِ وَالعَبِيدِ وَكُلٌّ مَنْ كَانَ مِنَ العِيَالِ تَعُولُهُ مِنْ جُمْلَةِ الأَمْوَالِ وَهْوَ الَّذِي تَعُولُهُ بِالحَقِّ لَا كُلَّ مَنْ فِي البَيْتِ مِنْ ذَا الخَلْقِ صَاعٌ عَنِ النَّفْسِ مِنَ الطَّعَامِ مِنْ أَوْسَطِ المَأْكُولِ فِي ذَا الْعَامِ (1/191)
صفحة 192
باب فطرة الأبدان
الجزء الأول
191
فَالْبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالتَّمْرُ وَالأَقْطُ (1) هُنَا عَجِيبُ وَالْأُرْزُ فِي هَذَا الزَّمَانِ يُجْزِي فَالْفَضْلُ إِنْ أَخْرَجْتَ صَاعَ أُرْزِ لِأَنَّهُ فِي ذَا الزَّمَانِ النَّكِدِ صَارَ طَعَامَ النَّاسِ فِي ذَا البَلَدِ وَتَلْزَمَنَّ بِدُخُولِ الفِطْرِ وَقِيلَ لَا بَلْ بِطُلُوعِ الفَجْرِ وَيَظْهَرُ الخِلَافُ فِيمَنْ وُلِدَا فِي اللَّيْلِ قَبْلَ الفَجْرِ هَلْ عَنْهُ أَدَا وَوَالِدَاهُ إِنْ يَكُنْ يَلْزَمُهُ عَوْلَهُمَا حُكْمًا فَذِي تَلْزَمُهُ وَالخُلْفُ هَلْ يُفَطَّرَنْ (2) عَنْ زَوْجَتِهُ قِيلَ نَعَمْ لِأَنَّهَا مِنْ عَوْلَتِهْ (3) وَقِيلَ لَا لِأَنَّهَا مُكَلَّفَهُ بِنَفْسِهَا فَلْتُخْرِجَنْ وَلْتُنْصِفَهُ وَقِيلَ إِنْ كَانَتْ بَحَدِّ الفَقْرِ يُخْرِجُ عَنْهَا لِطِلَابِ الْأَجْرِ وَقِيلَ بَلْ يَدْفَعُهَا إِلَيْهَا لِتُخْرِجَنَّ وَاحِبًا عَلَيْهَا وَغَائِبٌ مِنْ أَهْلِهِ لَا يُدْرَى لَا يُخْرِجُونَ عَنْهُ يَومًا فِطْرَا حَتَّى تَصِحَ عِنْدَهُمْ حَيَاتُهُ لَعَلَّهُ حَلَّ بِهِ مَمَاتُهُ وَعَبْدُهُ الآبِقُ لَيْسَ يُخْرِجُ عَنْهُ وَقَالَ آخَرُونَ يُخْرِجُ وَقِيلَ مَنْ أُوصِي لَهُ بِعَبْدِ وَصِيَّةً ثَابِتَةً فِي العَقْدِ
(1) الأقط: اللبن الجامد.
(2) يُفَطِّرن: مشددة أي يخرج زكاة الفطر.
(3) عولته: أي عياله. (1/192)
صفحة 193
192
الجزء الأول
كتاب الصوم
(1)
وَمَاتَ مَنْ أَوْصَى قُبَيْلَ الفَجْرِ فَيَلْزَمُ المُوْصَى لَهُ بِالْفِطرِ) وَإِنْ يَكُنْ لَمْ يَقْبَلِ الوَصِيَّهُ فَهيَ عَلَى الوُرَّاثِ بِالْكُلِّيَّة وَفِطْرَةُ العَبْدِ عَلَى مَنْ صَارَا لَهُ إِذَا كَانَ اشْتَرَى خِيَارَا وَإِنْ يَكُنْ بِبَعْضِ مَالٍ رُهِنَا زَكَاتُهُ تَلْزَمُ مَنْ قَدْ رَهَنَا لِأَنَّهُ مَالِكُهُ وَالمُرْتَهِنْ لَيْسَ لَهُ سِوَى الَّذِي بِهِ ارْتَهَنْ
(1) قوله: «بالفطر» الباء زائدة في الفاعل كما زيدت في المفعول في قوله: ما يُقْرَأَنُ بالسُّوَرِ. (1/193)
صفحة 194
باب غُسْلُ الميت
الجزء الأول
193
كتاب الجنائز
وَكَتَبَ الإِلَهُ عَزَّ وَعَلَا عَلَى عِبَادِهِ الفَنَا وَعَدَلَا فَأَلْزَمَ الحَيَّ حُقُوقًا تَلْزَمُ بِمَوْتِ مَنْ مَاتَ وَهُوَ مُسْلِمُ (1) يُغَسّلُونَهُ يُكَفِّنُونَهُ وَبَعْدَ أَنْ صَلَّوْا فَيَدْفِنُونَهُ يُشَيِّعُونَهُ إِلَى أَنْ يَصِلَا لِدَارِهِ الَّتِي لَهَا تَحَوَّلَا فَالْقَبْرُ قَصْرُ الْمُؤْمِنِ المُوَفِّي وَسِجْنُهُ الدُّنْيَا لِضِيقِ الكَفِّ يَمْنَعُ فِيهَا نَفْسَهُ عَنْ شَهْوَتِهْ وَيَتَجَرَّعَنَّهَا بِغُصَّتِهُ
باب غسل الميت
وَيَنْبَغِي لِغَاسِلِ الأَمْوَاتِ أَنْ يَعْلَمَ الكُلَّ مِنَ الصَّفَاتِ وَكَيْفَ غُسْلُ الشُّهَدَا وَالمُحْرِمِ وَذِي السَّقَامِ وَالغَرِيقِ فَاعْلَمِ
بِالْمَاءِ
وهَكَذَا مُنْقَطِعُ الْأَعْضَاءِ يَعْرِفُ كَيْفَ غُسْلُهُ أَمَّا الشَّهِيدُ إِنْ يَكُنْ فِي المَعْرَكَة مَاتَ فَلَا تُغَسِّلَنْهُ وَاتْرُكَهُ وَيُغْسَلَنَّ إِنْ يَكُنْ قَدْ حُمِلَا حَيَّا وَمَاتَ بَعْدَ هَذَا مَثَلًا وَتُنْزَعُ الأَخْفَافُ وَالدُّرُوعُ عَنْهُ كَذَا بُرْنُسُهُ المَنْزُوعُ في ثِيَابِهِ يُزَمَّلَنَّا عَلَامَةً بِالفَضْلِ تَشْهَدَنَّا
(1) وفي نسخة: «بموت من قد مات وهو مسلم». (1/194)
صفحة 195
194
الجزء الأول
كتاب الجنائز
وَلَا يُزَادُ كَفَنَّا سِوَاهَا إِلَّا إِذَا لَمْ تَكْفِهِ تَرَاهَا وَصَلِّيَنْ عَلَيْهِ وَادْفِنَنْهُ مُسْتَغْفِرًا لَهُ وَرَاضٍ عَنْهُ وَمَنْ يَكُنْ فِي بَغْيِهِ قَدْ قُتِلَا فَلَا تُصَلِّيَنْ وَلَا تُغَسَّلَا وَمُحْرِمٌ مَاتَ فَلَا يُطَيَّبُ وَوَجْهُهُ وَرَأْسُهُ لَا يُحْجَبُ لِأَنَّهُ كَذَاكَ يُبْعَثَنَّا مُلَبِّيَّافَلَاتُغَيِّرَنَّا وَغَسل الغَرِيقَ لَا يَكْفِيهِ عَنْ ذَاكَ مَاءٌ يَغْرَقَنَّ فِيهِ وَالمَيْتُ إِنْ كَانَ أَخَا احْتِرَاقِ صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ بِانْدِفَاقِ مِنْ غَيْرِ عَرْكِ مَعْ مُرُورِ المَاءِ إِنْ خِفْتَ مِنْ تَقَطَّعَ الْأَعْضَاءِ وَقِيلَ إِنَّ غَسْلَهُ بِخِرْقَةِ تُمِرُّهَا عَلَى جَمِيعِ الجُنَّةِ كَذَلِكَ المَجْدُورُ أَيْضًا وَالدَّنِفْ مِنْ مَرَضِ تَخَافُهُ أَنْ يَنْشَطِفْ (1) وَذَا الجُذَامِ بِالتُّرَابِ يَمْمَا إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مِمَّنْ جَذِمَا غُسْلُ النِّسَا أَوْلَى بِهِ النِّسَاءُ كَذَلِكَ الرِّجَالُ (2) الانْقِيَاءُ وَامْرَأَةٌ مَاتَتْ مَعَ الأَجَانِبِ صُبَّ عَلَيْهَا المَاءُ مِنْ جَوَانِبِ كَذَلِكَ الفَتَى مَعَ النِّسَاءِ يَرْجِعُ مِنْهُنَّ بِصَبِّ المَاءِ وَالزَّوْجُ فَلْيُغَسّلِ الزَّوْجَاتِ وَيُمَنَحُ الغُسْلَ مِنَ الفَتَاةِ وَالِاخْتَصَاصُ مِنْ ذَوِي المَحَارِمِ لَيْسَ لَهُ فِي النَّاسِ مِنْ مُزَاحِمٍ
(1) أي ينقطع. (المصنف)
(2) كذلك الرجال: أي كذلك يُغَسِّلُ الرِّجَالُ الأتقياءُ الرِّجَالَ. (1/195)
صفحة 196
باب غُسْلُ الميت
الجزء الأول
195
وَلِلنِّسَا غُسْلُ الصَّبِي جَائِزُ إِلَّا إِذَا حَدَّ الصِّبَا يُجَاوِزُ وَهَكَذَا صَبِيَّةٌ صَغِيرَهُ مَعَ الرِّجَالِ لَمْ تَكُنْ بِالعَوْرَة وَغُسْلُهَا أَوْلَى بِهِ النِّسَاءُ فَمَا الفَتَى وَهَذِهِ سَوَاءُ كَذَلِكَ الخُنْثَى مَعَ الخِنَاثِ فَإِنْ عَدِمْنَ فَإِلَى الإِنَاثِ لَكِنَّهَا تَكُونُ ذَاتَ مَحْرَم مِنْهُ كَذَا الرِّجَالُ عِنْدَ العَدَمِ وَالسَّقْطُ (1) (2) فَاغْسِلَنْ وَلَا تُصَلِّ عَلَيْهِ وَالبَعْضُ يَقُولُ صَلَّ وَالخُلْفُ فِي ثَلَاثَةٍ فِي المَذْهَبِ فِي حَائِضِ وَنُفَسَا وَجُنُبِ فَقِيلَ غُسْل وَاحِدٌ يُجْزِيهِمْ وَقِيلَ بَلْ غُسْلَانِ حَتْمًا فِيهِمُ فَوَاحِدٌ لِحَدَثِ الحَيَاةِ وَالثَّانِي هُوَ الغُسْلُ لِلْمَمَاتِ وَلَمْ يَجِئْ عَنِ النَّبِيِّ أَبَدَا شَيْءٌ مِنَ التَّفْصِيل حَتَّى يُقْتَدَا بَلْ جَاءَ غُسْلُ وَاحِدٌ لِلْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلِ بِهَذَا الحَدِّ مَعْ كَثْرَةِ البَلْوَى بِهَذَا الحَالِ مِنَ النِّسَاءِ وَمِنَ الرِّجَالِ وَقِيلَ فِي المَيْتِ إِذَا مَا وُجِدَا نَاحِيَةٌ عَنْ قَبْرِهِ مُنْفَرِدَا فَلَا يُعَادُ غُسْلُهُ بَلْ يُكْتَفَى بِغُسْلِهِ الَّذِي لَهُ قَدْ سَلَفَا وَقِيلَ فِي المَيْتِ إِذَا مَا خَرَجَا غَائِطُهُ مِنْ بَعْدِ مَا قَدْ أُدْرِجَا فَلَا يُعَادُ غُسْلُهُ وَيُغْسَلُ ذَاكَ الَّذِي مِنْ بَطْنِهِ يَنفَصِلُ
(1) الشقط: بضم السين وكسرها.
(*) قلت وفيه لغة ثالثة بفتح السين. (إسماعيل) (1/196)
صفحة 197
196
الجزء الأول
كتاب الجنائز
وَالعَبْدُ مَا عَلَيْهِ لِلْأَمْوَاتِ غُسْلٌ وَلَا شَيْءٌ مِنَ الحَالَاتِ وَالمُسْتَحَبُّ أَنْ يَلِي لِلْغُسْلِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ غَيْرِهِ ذُو عَدْلِ لَا يَكْشِفَنْ سِتْرًا وَلَا يُحَدِّثُ بِمَا يَرَاهُ عِنْدَ ذَاكَ يَحْدُثُ أَحَقُّ مَنْ يَقُومُ فِي الأَنَامِ بِذَاكَ فِيهِ هُمْ أُولُوا الْأَرْحَامِ قِيلَ وَلَوْ كَانَ القَرِيبُ جُنُبَا أَوَ حَائِضًا يَغْسِلُهُ إِذْ قُرَّبَا وَمَا عَلَى الغَاسِل مَهْمَا سَقَطَا مَاءُ بَأَنْفِ المَيْتِ حِينَ غَلِطَا وَالغُسْلُ لِلْمَيْتِ بِلَا خَفَاءِ كَالْغُسْلِ مِنْ جَنَابَةِ الْأَحْيَاءِ يُوَفِّيَنَّهُ عَلَى الأَعْضَاءِ ثُمَّ يَعُمُّ حِسْمَهُ بِالمَاءِ لَكِنْ يُقَالُ عَفْوَكَ اللَّهُمَّا عِنْدَ وُضُوءِ المَيْتِ حَتَّى تَمَّا وَحَامِلٌ لَمْ يُعْلَمَنْ مَوْتُ ابْنِهَا لَا حَرَجٌ فِي غُسْلِهَا وَدَفْنِهَا وَدَافِنٌ مَيْتًا بِغَيْرِ غُسْلِ يَلْزَمُهُ المَتَابُ مِنْ ذَا الفِعْلِ إِلَّا إِذَا مَا كَانَ مَيْتًا مُشْرِكَا فَمَا لَهُ حَقٌّ بِمَا قَدْ أَشْرَكَا لَكِنَّهُ يُدْفَنُ تَحْتَ النُّرْبِ لَا يُؤْذِيَنَّ النَّاسَ مِثْلَ الكَلْبِ وَإِنْ رَأَيْتَ مَيْتًا لَمْ تَعْرِفَهُ وَمَا لَهُ عَلَامَةٌ مُعَرِّفَهُ فَاحْكُمْ لَهُ بِحُكْمِ أَهْلِ الدَّارِ مِنْ جُمْلَةِ الإِسْلَامِ وَالكُفَّارِ وَيَغْلِبُ الإِسْلامُ عِنْدَ الخِلْطَةِ فَامْنَحْهُ كُلَّ مَا لَنَا مِنْ خُطَّةِ إِلَّا الوَلَايَاتِ فَإِنَّهَا اصْطِفَا لَا تُمْنَحَنْ إِلَّا الَّذِي قَدْ عُرِفَا (1/197)
صفحة 198
باب التكفين
الجزء الأول
197
باب التكفين
وَكَفِّنَتْهُ بَعْدَ مَا غَسَلْتَهُ وَطَيِّبَنَّهُ بِمَا حَصَّلْتَهُ تَأْخُذُ قُطْنَّا وَذَريرَةً مَعَا تَحْشُو بِهَا مَنَافِدًا وَمَوْضِعَا مَوَاضِعَ السُّجُودِ مِنْهُ فَاعْلَم وَتَبْدَيَنْ بِوَجْهِهِ المُكَرَّمِ وَبَعْدَ ذَا فَاجْعَلْهُ فِي الْأَكْفَانِ إِنْ كَانَ مِنْ قُطْنٍ وَمِنْ كَتَّانِ أَوْ كَانَ مِنْ صُوفٍ وَلَا يُكَفَّنُ فِي التَّوبِ مِنْ إِبْرَيْسَم يُكَوَّنُ وَلِلنِّسَا جَاءَ الجَوَازُ فِيهِ وَقِيلَ أَيْضًا فِيهِ بِالتَّكْرِيهِ وَكُلُّ مَا جَازَتْ بِهِ الصَّلَاةُ جَازَ بِهِ يُكَفَّنُ الأَمْوَاتُ مِنْ ثَمَّ قَالُوا فِي أَقَلَّ الكَفَنِ ثَوْبٌ يُوَارَى مِنْهُ كُلُّ البَدَنِ وَقِيلَ فِي أَكْثَرِهِ ثَلَاثَةٌ إِزَارُهُ القَمِيصُ وَاللفَافَةُ وَزَادَ بَعْضُ فَوْقَهَا عِمَامَهُ فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ تَمَامَهُ وَسِئَةٌ قِيلَ فَلَا تُجَاوِزِ عَنْهَا فَمَا جَاوَزَ غَيْرُ جَائِزِ لِأَنَّمَا تَضَاعُفُ الثَّيَابِ فِي المَيْتِ مَكْرُوهُ بِلَا ارْتِيَابِ وَإِنْ يَكُنْ زَادَ عَلَى المَحْدُودِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْوَارِثِ المَعْهُودِ يَعْمَنُهُ لِأَنَّهُ إِسْرَافُ وَهْوَ لِأَمْرِ المُصْطَفَى خِلَافُ وَيُنْهَى عَنْ أَنْ يَخْرِقَ الأَكْفَانَا فَإِنْ أَتَاهُ قِيلَ لَا ضَمَانَا (1/198)
صفحة 199
198
الجزء الأول
كتاب الجنائز
وَعَلَّلُوا بِأَنَّهُ مَا فِيهَا لِلْبَعْثِ نَفْعٌ هَكَذَا يُمْلِيهَا فَوْقَ القَمِيصِ فَالْإِزَارُ يُجْعَلُ وَضِدُّ هَذَا بِالْفَتَاةِ يُفْعَلُ لِأَنَّمَا الحَالَةُ فِي المَمَاتِ تُخَالِفُ الحَالَةَ فِي الحَيَاةِ وَإِنْ عَلَيْكَ الثَّوْبُ قَدْ تَعَسَّرَا فَكَفِّنَنَّهُ بِمَاتَيَسَّرَا مِثْلُ بِسَاطٍ إِنْ يَكُنْ أَوْ شَجَرِ أَوْ سُمَّةٍ أَوْ صَخْبَرٍ أَوْ إِذْخِرِ مِنْ مَالِهِ يُؤْخَذْ هَذَا الْكَفَنُ لَوْ لَمْ يَكُنْ أَوْصَى بِهِ يُكَفَّنُ لِأَنَّهُ مِنْ حَقِّهِ يُقَدَّمُ عَنْ حَقِّ وَارِثِيهِ حِينَ يُحْكَمُ وَقِيلَ مَنْ أَوْصَى بَأَنْ يُكَفَّنَا بَكَفَنِ مِنْ مَالِهِ قَدْ عَيَّنَا فَلَايَكُونُ ثَابِنَّا وَإِنَّمَا يُعَيِّنُ الوَارِثُ هَذَا فَاعْلَمَا لَكِنَّنِي أَرَاهُ ثَابِنَّا إِذَا مَا كَانَ دُونَ ثُلُثِ مِقْدَارُ ذَا لِأَنَّهُ فِيهَا لَهُ التَّوَسُّعُ بِثْلُثِ المَالِ فَكَيْفَ يُمْنَعُ وَهَكَذَا إِنْ كَانَ لِلصَّلَاةِ عَيَّنَ إِنْسَانَا مِنَ الثَّقَاتِ صَلَاتُهُ أَوْلَى بِهَا الوَلِيُّ وَبَعْضُهُمْ قَالَ هُوَ الوَصِيُّ وَهَكَذَا فِي الدَّفْنِ وَالتَّطْهِيرِ بِالاخْتِلَافِ الوَارِدِ الشَّهِيرِ
(1) في نسخة فوق الإزار في القميص. (أبو إسحاق) (2) السمة بساط يعمل من الخوص وتسمى البواري. (1/199)
صفحة 200
باب الصلاة على الميت
الجزء الأول
199
باب الصلاة على الميت
وَهْيَ خِلَافُ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ فَمَا بِهَا شَيْءٌ مِنَ الصِّفَاتِ تُشْبِهُ حَالَ الرَّجُلِ الشَّفِيعِ بِلَا سُجُودِ وَبِلَا رُكُوعِ وَإِنَّهَا شَفَاعَةٌ لِلمَيِّتِ لَعَلَّهُ يَحْظَى بِسَتْرِ الزَّلَّةِ أَرْكَانُهَا التَّكْبِيرُ لَا سِوَاهُ وَالحَمْدُ وَالدُّعَاءُ لَا تَنْسَاهُ وَيُجْعَلُ المَيْتُ تُجَاهَ القِبْلَةِ يَسْتَقْبِلَنَّ الرَّاسَ مِنْ إِمْرَأَةِ وَقِفْ عَلَى المَرْءِ حِيَالَ صَدْرِهِ وَكَيْفَمَا صَنَعْتَ جَازَ فَادْرِهِ وَمَنْ يَكُنْ إِمَامُهُ قَدْ سَبَقَهُ فَمَا عَلَيْهِ بَدَلُّ إِذْ لَحِقَهُ وَقِيلَ مَنْ صَلَّى بِلَا ظُهُورِ) فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ بِالمَأْزُورِ وَالطُّهْرُ أَوْلَى فِي الجَمِيعِ وَأَحَقِّ وَقِيلَ لَازِمٌ هُنَاكَ مُسْتَحَق وَقِيلَ لَا تُصَلَّى خَلْفَ فَاسِقِ وَمَا أَنَا فِي ذَاكَ بِالمُوَافِقِ فَإِنَّهَا لَا شَلَّ دُونَ الفَرْضِ كَيْفَ لَنَا بِمَنْعِ هَذَا نَقْضِي وَالفَرْقُ مُحْتَاجُ إِلَى دَلِيلِ وَمَا لِذَاكَ قَطَّ مِنْ سَبِيلِ وَقِيلَ مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَهُ وَكَانَ يَقْرَا مِنْ كِتَابِ حَازَهُ صَلَاتُهُ جَائِزَةٌ وَبَعْضُ أَجَازَ أَنْ يُقْضَى بِذَاكَ الفَرْضُ وَالخُلْفُ فِي جَوَازِهَا فِي المَسْجِدِ بِالمَنْعِ وَالجَوَازِ فِي تَرَدُّدِ
(1) أي بلا وضوء. (1/200)
صفحة 201
الجزء الأول
كتاب الجنائز
وَقِيلَ فِي الطَّرِيقِ لَا تُؤَدَّى أَوْ مَوْضِعِ مِنَ المَنَاهِي عُدَّا وَهَلْ عَلَى القَبْرِ لَنَا نُصَلِّي فَالمَنْعُ وَالْجَوَازُ عِنْدَ الكُلِّ وَيَتْبَعُ الصَّبِيُّ فِي الصَّلَاةِ الصَّلَاةِ أَبَاهُ فِي الحَيَاةِ وَالمَمَاتِ فَلَا تُصَلِّ لِصَبِيٌّ مَاتَا أَبُوهُ فِي الشِّرْكِ غَدَا وَبَاتَا وَقَاتِلْ لِنَفْسِهِ كَذَاكَا إِلَّا إِذَا كَانَ خَطًا هُنَاكَا وَقِيلَ إِنْ كَانَ لِعُذْرٍ مُحْتَمَلْ صُلِّي عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلٌ قَدْ قُبِلْ وَمَنْ يَمُتْ بِالحَدِّ فِي إِصْرَارِ فَهْوَ حَقِيقٌ بِعَذَابِ النَّارِ وَلَا تُصَلِّيَنْ عَلَيْهِ أَبَدًا إِلَّا إِذَا أَقْلَعَ عَمَّا قَدْ بَدَا فَصَلِّيَنْ عَلَيْهِ مَهْمَا تَابَا لَعَلَّهُ يَحْظَى بِهَا الثَّوَابَا وَمَنْ يَمُتْ بِصَلْبِ أَهْلِ الظُّلْمِ صُلِّي عَلَيْهِ لَوْ رُمِي بِالإِثْمِ وَقِيلَ لَا تُصَلِّيَنْ عَلَيْهِ وَلَسْتُ أَدْرِي مَا بُنِي عَلَيْهِ وَهْيَ فَرِيضَةٌ عَلَى الكِفَايَةِ وَقِيلَ سُنَّةٌ إِلَى ذِي الغَايَةِ
باب دفن الميت
وَقِيلَ مِنْ كَرَامَةِ الأَمْوَاتِ أَنْ يُدْفَنُوا بِسُرْعَةٍ تُوَاتِي) لَا يَنْبَغِي لِحِيفَةٍ أَنْ تُحْبَسَا مَا بَيْنَهُمْ وَقْدَ كَوَتْهُمْ بِالأَسَا وَتُكْرَهُ العَجْلَةُ فِي المَسِيرِ بِالمَيْتِ إِذْ يُحْمَلُ فِي السَّرِيـ
(1) قوله: «تُواتي» بضم أوله أي تُمَكِّنُ وتُيَسِّرُ (المصنف) (1/201)
صفحة 202
باب القبر
الجزء الأول
201
وَكَرَهُوا أَنْ تُتْبَعَ الجَنَائِزُ بِالنَّارِ بَلْ عِنْدَ الظَّلَامِ جَائِزُ وَلْيَمْشِيَنْ وَرَاءَهَا المُشَيِّعُ وَإِنْ تَقَدَّمُوا فَلَيْسَ يُمْنَعُ إِلَّا لِمَنْ يُشَيِّعَنْهَا رَاكِبَا تَأْخِيرُهُ قِيلَ يَكُونُ وَاجِبَا وَيُكْرَهُ الكَلَامُ حَتَّى يُدْفَنَا وَقِيلَ لَا بَأْسَ إِذَا مَا طُيْنَا وَقِيلَ مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ جَازَا وَذَاكِرُ اللهِ كَثِيرًا فَازَا إِنْ دُفِنَ المَيْتُ وَلَمْ يُغَسَّلَ لَا يُنْبَشَنْ لِأَجْلِ ذَا المُغَسِّل) وَهَكَذَا إِنْ كَانَ فِي أَكْفَانِهِ دَرَاهِمْ لَا يُنْبَشَنْ مِنْ شَانِهِ وَهَكَذَا فِي أَكْثَرِ الأَقْوَالِ لَا يُنْبَشُ القَبْرُ لأَجْلِ مَالِ وَيَضْمَنُ الدَّافِنُ مَا قَدْ غَابَا دَرَاهِما قَدْ كَانَ أَوْ ثِيَابَا
باب القبر
وَالقَبْرُ مِنْ كَرَامَةِ المَنَّانِ يُسْتَرُ فِيهِ عَوْرَةُ الإِنْسَانِ لَمْ يُجْعَلِ الْإِنْسَانُ كَالبَهَائِمِ يُلْقَى عَلَى الصَّحْرَاءِ لِلْحَوَائِمِ قَدْ حَارَ قَابِيلُ الشَّقِيُّ إِذْ قَتَلْ أَخَاهُ ظُلْمًا بِئْسَ مَا كَانَ فَعَلْ لَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَسْتُرَنَّ سَوْأَتَهُ حَتَّى أَرَاهُ اللَّهُ فِيهِ آيَتَهْ فَبَعَثَ الغُرَابَ يَحْفِرَنَّا حَفْرًا أَخَاهُ فِيهِ يَدْفِنَنَّا
(*) المغسل: بتشديد السين وفتحها مصدر ميمي بمعنى الغسل، أي: لا ينبش لأجل الغسل، ويحتمل أن يكون المغسل بكسر السين وهو اسم فاعل من غسل. والمعنى: لا ينبش لأجل المغسل الذي يريد غسله. (إسماعيل) (1/202)
صفحة 203
202
الجزء الأول
كتاب الجنائز
فَكَانَ هَذَا أَصْلَ هَذَا القَبْرِ وَاسْتَعْمَلُوهُ فِي مُرُورِ الدَّهْرِ وَالشَّقُ وَاللَّحْدُ يَجُوزَانِ مَعَا وَالفَضْلُ فِي ثَانِيهِمَا قَدْ جُمِعَا لأَنَّ رَبَّ العَالَمِينَ قَدَّرَهُ لِخَيْرِ خَلْقِهِ عُلًا وَيَسَّرَهُ فِي بُقْعَةٍ مَاتَ بِهَا وَالْأَنْبِيَا كَذَاكَ يُدْفَنُونَ فِيمَا رُوِيَا وَإِنَّهُمْ فِي غَيْرِهَا لَا يُقْبَرُّوا إِجْمَاعُ أَهْلِ العِلْمِ فِيهِ يُذْكَرُ وَذَاكَ تَشْرِيفٌ لَهُمْ عَلَى الوَرَى خَصَّهُمُ بِهِ الَّذِي لَهُمْ بَرَى وَيُدْخَلُ المَيِّتُ بَعْدَ الحَفْرِ مِنْ جِهَةِ الرِّجْلَيْنِ بَابَ القَبْرِ وَقِيلَ لَا بَأْسَ إِذَا مَا قُبِرَا إِثْنَانِ فِي قَبْرٍ لِعُذْرٍ حَضَرَا وَهَكَذَا ثَلَاثَةٌ أَوْ أَكْثَرُ جَوَازُهُ لِلْعُذْرِ أَيْضًا ذَكَرُوا وَدَافِنٌ مَيْتًا بِأَرْضِ الصَّافِيَة تَلْزَمُهُ التَّوْبَةُ مِنْ ذِي الدَّاهِيَة وَالنَّبْشُ لِلْمَيِّتِ لَا يَلْزَمُهُ فِيمَا عَرَفْنَاهُ وَمَا نَعْلَمُهُ لَكِنْ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا قَدْ أَتْلَفَا مِنْ أَرْضِهَا يَجْعَلُهُ لَهَا وَفَا وَالمَاءُ إِنْ لِرَضٌ قَبْرٍ حُمِلَا لَا يُجْعَلَنْ فِي غَيْرِهِ إِنْ فَضَلَا وَفَضْلُهُ يُرَدُّ فَوْقَ القَبْرِ لأَنَّهُ بِهِ أَحَقُّ فَادْرِي أَوْ أَنَّهُ يُجْعَلُ فِي أَشْيَاءِ يَجُوزُ فِيهَا مِثْلُ ذَاكَ المَاءِ وَلَا يَجُوزُ الكَسْرُ لِلأَوَانِي عَلَى القُبُورِ لِبَيَانِ الشَّانِ
في نسخة: «القبر».
(*) (1)
النسخة التي علق عليها العبري (النهر)، وقد أثبتنا الصواب وهو ما أثبته
العلّامة أبو إسحاق. (إسماعيل) (1/203)
صفحة 204
باب القبر
الجزء الأول
203
لأَنَّهُ إِضَاعَةٌ لِلْمَالِ وَقَدْ نَهَانَا عَنْهُ ذُو الجَلَالِ وَشَدَّدُوا فِي الْمَشْيِ بِالنِّعَالِ عَلَى القُبُورِ لِاحْتِرَامِ الحَالِ مِنْ هَاهُنَا سُنَّ لَهَا التَّسْلِيمُ فَالشَّانُ فِي أَحْوَالِهِمْ عَظِيمُ وَيَجِبُ الصَّبْرُ مَعَ المَصَابِ (1) فَلَا يَجُوزُ الشَّقُ لِلشَّيَابِ وَلا يَجُوزُ اللَّطْمُ لِلْخُدُودِ وَلَا الدُّعَا بِالوَيْلِ وَالحُقُودِ وَلَا الدُّعَا بِالمَوْتِ وَالذَّهَابِ لِرَجُلٍ مُسْتَتِرِ الجَنَابِ إِلَّا إِذَا مَا كَانَ شَخْصًا فَاسِقَا وَمُؤْذِيًا مُنَافِقًا مُشَاقِقَا يُبِيحُ حُكْمُ الشَّرْعِ سَفْكَ دَمِهِ فَذَا الدُّعَاءُ مِثْلُهُ فِي حُكْمِهِ وَلَيْسَ بَعْدَ القَبْرِ حَتمًا دَارُ لِذِي الشَّقَا تُؤْوِيهِ إِلَّا النَّارُ وَبَعْدَهُ لِمَنْ أَطَاعَ البَارِي جَنَّةُ عَدْنٍ يَا لَهَا مِنْ دَارِ أَمَّا عَذَابُ القَبْرِ وَالتَّنْعِيمُ فَالخُلْفُ فِيهِ عِنْدَهُمْ مَرْسُومُ وَلَمْ يَصِحَ القَولُ بِالإِنْكَارِ عَمَّنْ عَرَفْنَاهُ مِنَ الأَخْيَارِ فَجَابِرٌ وَمُسْلِمٌ (2) وَالعُلَمَا يَرْوُونَ فِي الْإِثْبَاتِ قَوْلًا مُحْكَمَا جُمْلَةُ آثَارٍ عَنِ المُخْتَارِ تُنْبِتُهُ فَكَيْفَ ذَا التَّمَارِي مُنْكِرُهُ مُقَلِّدٌ لِلْوَهُم وَزَاعِمٌ فِي ذَاكَ شَرَّ الزَّعْمِ يَقُولُ إِنَّ المَيْتَ لَا يُحِسُّ بِأَلَم لِجِسْمِهِ يَمَسُّ
(1) المصاب بالفتح بمعنى المصيبة.
(2) جابر: هو ابن زيد، ومسلم بن أبي كريمة التميمي أكبر تلاميذ الإمام جابر بن زيد (1/204)
صفحة 205
204
الجزء الأول
كتاب الجنائز
لِأَنَّمَا الْإِحْسَاسُ بِالحَيَاةِ وَلَا يَكُونُ قَطُّ فِي المَمَاتِ قَالُوا وَلَا حَيَاةَ قَبْلَ الحَشْرِ قَطُّ لِمَنْ كَانَ حَلِيفَ القَبْرِ وَهَذِهِ الْأَوْهَامُ مِنْهَا يَعْجَبُ كُلُّ امْرِى بِالْوَحْيِ لَا يُكَذِّبُ لأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الغُيُوبِ وَعِلْمُهُ لَنَا مِنَ المَحْجُوبِ فَهْوَ مِنَ الأُمُورِ الأَخْرَوِيَّة فَيَلْزَمُ الإِيمَانُ بِالْقَضِيَّة وَهُوَ نَظِيرُ البَعْثِ وَالحِسَابِ وَالنَّارِ وَالجَنَّةِ وَالثَّوَابِ وَالرَّبُّ قَادِرٌ عَلَى مَا شَاء فَيَلْزَمَنْ قَبُولُ مَا قَدْ جَاءَ وَالمُشرِكُونَ (1) مِثْلُ هَؤُلَاءِ يَسْتَبْعِدُونَ البَعْثَ لِلْأَعْضَاءِ فَأَبْطَلَ القُرْآنُ مَا قَدْ ذَكَرُوا وَأَثْبَتَ الحَقَّ الَّذِي قَدْ أَنْكَرُوا هُمْ ضَرَبُوا الأَمْثَالَ فِي اسْتِبْعَادِهِ فَقَرَّبَ المَعْنَى عَلَى إِيجَادِهِ إِذْ لَمْ تَكُنْ نَشْأَتُنَا الجَدِيدَهُ أَشَدَّ مِنْ نَشْأَتِنَا البَعِيدَهُ بَلْ هَذِهِ أَقْرَبُ بَلْ وَأَهْوَنُ وَالكُلُّ فِي حَقٌّ الإِلَهِ هَيِّنُ فَمُنْكِرُ العَذَابِ فِي القُبُورِ تَشَبُّئًا بِتِلْكُمُ الأُمُورِ يُشَابِهُ اسْتِدْلَالَ هَؤُلَاءِ وَالكُلُّ بَاطِلٌ عَلَى سَوَاءِ
(1) قوله: المشركون، ليس المراد بهذه المماثلة مساواتهم في الحكم، بل مراده الله أن هؤلاء المنكرين للعذاب قد استبعدوا تعذيب الجسد الميت مثل استبعاد المشركين بعد تفرقه وفنائه وليس إنكار البعث كإنكار عذاب القبر؛ لأن إنكار البعث شرك، لتكذيب
النص والإجماع. (1/205)
صفحة 206
باب القبر
الجزء الأول
205
كتاب الزكاة
وَجَعَلَ الإِلَهُ لِلأَمْوَالِ طَهَارَةً تَحْصُلُ فِي أَحْوَالِ وَهْيَ الزَّكَاةُ بِالنِّصَابِ تَجِبُ وَهُوَ حُدُودٌ لِلْوُجُوبِ تُضْرَبُ وَالمَالُ مَا لَيْسَ بِهِ افْتِخَارُ لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُزَكَ نَارُ لَكِنَّهُ إِذَا يُزَكَّى كَانَا عَوْنًا عَلَى طَاعَةِ مَنْ أَحْيَانَا بِالصَّدَقَاتِ تُكْشَفُ الغُمُومُ عَنِ الفَتَى كَذَلِكَ الهُمُومُ فَضِيلَةٌ فِي الصَّدَقَاتِ حَاضِرَهُ بِالْأَجْرِ يَحْضَى رَبُّهَا فِي الْآخِرَهْ وَقِيلَ إِنَّ خَيْرَهَا مَا أَبْقَى غِنِّى رُوِي عَنِ النَّبِيِّ الْأَتْقَى وَخَيْرُهَا مَا كَانَ فِي الْأَرْحَامِ إِنْ فُقَرَا كَانُوا أُولِي إِسْلَامِ وَقَالَ فِي التَّشْدِيدِ وَالتَّحْذِيرِ وَلَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرِ مَا لَمْ يَرَوْا مَا أُمِّنُوهُ مَغْنَما ثُمَّ زَكَاةَ المَالِ عَنْهُمْ مَغْرَمَا فَلَا تَكُنْ عَنِ الأُجُورِ رَاغِبَا وَلَا لِشَيءٍ مِنْ زَكَاةٍ طَالِبَا وَقِيلَ مَنْ يَمْلِكُ قُوتَ يَوْمِهِ وَالصَّدَقَاتِ يَسْأَلَنْ مِنْ قَوْمِهِ جَاءَ وَفِي الوَجْهِ بِهِ كُدُوحُ فِي الحَشْرِ مَا بَيْنَ الوَرَى تَلُوحُ فَاحْرِصْ عَلَى الخَيْرَاتِ وَالأَوَامِرِ وَاهْرُبْ عَنِ الزَّلَّاتِ وَالمَنَاكِرِ (1/206)
صفحة 207
206
الجزء الأول
كتاب الزكاة
باب النصاب ولوازمه
وَجَعَلَ اللهُ لُكُلِّ قَدَرَا وَسَبَبًا لِحُكْمِهِ مُقَدَّرَا مِنْ ذَلِكَ النِّصَابُ فِي الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ أَصْلُ لِوَاجِبَاتِ وَهْيَ تَكُونُ فِي صُنُوفِ المَالِ لَا فِي الفُصُوصِ لَا وَلَا اللَّآلِي وَإِنَّمَا تَكُونُ فِي الثَّمَارِ وَالنَّقْدِ وَالمَتْجَرِ لِلتِّجَارِ وَإِبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمِ فَهَذِهِ أَصْنَافُها فَلْتَعْلَمِ لأَنَّ هَذَا كَانَ مَالَ العَرَبِ عِنْدَ نُزُولِ فَرْضِهَا المُرَتَّبِ وَذَكَرَ الإِلَهُ حَلْيَ البَحْرِ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ زَكَاةٌ تَجْرِي أَمَّا الثَّمَارُ فَهِيَ التُّمُورُ وَالبُرُّ وَالزَّبِيْبُ وَالشَّعِيْرُ وَالسُّلْتُ وَهْوَ أَقْشَرُ الشَّعِيْر وَقِيلَ حَبُّ العَلَسِ النَّضِيْرِ قُلْتُ الصَّحِيْحُ إِنَّ هَذَا العَلَسَا نَوْعٌ مِنَ البُرِّ بِقِشْرِ اكْتَسَى وَأَنَّهُ قَدْ قِيلَ بُرٌ صُنِعَا فَلَا يُعَدُّ فِي الحُبُوبِ نَوْعَا وَالدُّرَةُ الَّتِي بِهَا يُقْنَاتُ وَمِثْلُهَا الحُبُوبُ وَالْأَقْوَاتُ كَالدُّحْنِ وَالسَّهْوِيِّ وَالقَطَانِي وَقِيلَ لَا تَلْزَمُ فِي ذَا الثَّانِي وَلَيْسَ فِي الرُّمَّانِ شَيءٌ يُذْكَرُ كَذَلِكَ الدِّينُ كَذَاكَ السُّكَّرُ وَمَنْ يَقُلْ فِي حَامِضِ الرُّمَّانِ فَقَوْلُهُ يُفْضِي إِلَى البُطْلَانِ لأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مُسْتَنَدُ فَلَيْتَ شِعْرِي أَيَّ شَيْءٍ يَقْصِدُ فَمَا لَهُ أَصْلٌ مِنَ الكِتَابِ وَلَا لَهُ مِنْ سُنَّةِ الْأَوَّابِ (1/207)
صفحة 208
باب زكاة الثمار
الجزء الأول
207
وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِمَّنْ سَلَفْ فَكَيْفَ نَرْضَاهُ لَنَا مِنَ الخَلَفْ وَكُلُّ صِنْفِ فَلَهُ نِصَابُ يَكُونُ مِنْ حُصُولِهِ الإِيجَابُ فَفِي الثَّمَارِ خَمْسَةُ الأَوْسَاقِ وَفِي النُّقُودِ خَمْسَةُ الأَوَاقِي وَالذَّهَبُ الأَحْمَرُ مَهْمَا وَصَلَا عِشْرِينَ مِثْقَالًا وَدُونَهُ فَلَا وَخَمْسُ ذَوْدٍ فِي نِصَابِ الإِبِلِ وَالبَقَرِ المَأْخُونِ لِلْتَمَولِ وَالأَرْبَعُونَ فِي نِصَابِ الغَنَمِ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ كَانَ مِنْهَا فَاعْلَمِ وَالمَتْجَرُ المَشْهُورُ بالنَّمَاءِ فَرْعُ عَلَى الصَّفْرَاءِ وَالبَيْضَاءِ نِصَابُهُ وَشَرْطُهُ المَأْخُوذُ مِثْلُهُمَا وَالقَدَرُ المَنْفُوذُ وَالوَسْقُ سِتُّونَ مِنَ الْأَصْوَاعِ فَهْيَ ثَلاثٌ مِن مِثِينِ الصَّاعِ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا أُوقِيَّةً وَمِتَتَانِ خَمْسُها (1) فِضَّيَة وَالحَوْلُ فِي الجَمِيع طُرًّا يُشْتَرَطَ إِلَّا الثَّمَارَ فَبِدَرْكِهَا فَقَط
باب زكاة الثمار
وَيَجِبُ العُشْرُ مِنَ الثَّمَارِ إِنْ سُقِيَتْ بِالسَّيْل وَالأَنْهَارِ وَالبَعْلُ أَيْضًا وَهُوَ مَا لَمْ يُسْقَى لِأَنَّ أَرْضَهُ تَبْلُ العِرْقَا
وَنِصْفُ عُشْرٍ ثَمَر الأَمْوَالِ
الأَمْوَالِ فِيمَا سُقِي بِالغَرْبِ وَالدَّوَالِي
(1) قوله: «خمسها» يعني في كل مائتي أوقية خمس أواق؛ وذلك ربع العشر.
(2) الغَرْب: الدلو العظيمة، والدوالي: الدلاء الصغيرة. (1/208)
صفحة 209
208
الجزء الأول
كتاب الزكاة
وَالزَّرْعُ إِنْ أُسِّسَ بِالأَنْهَارِ ثُمَّ سُقِي مِنْ بَعْدُ بِالْآبَارِ فَهُوَ عَلَى التَأْسِيْسِ بِالزَّكَاةِ وَقِيلَ بِالإِدْرَاكِ لِلغَلَّاتِ وَقَالَ قَومٌ فِيهِ بِالحِسَابِ بِعَدَدِ الأَيَّامِ لِلشَّرَابِ وَالقَوْلُ بِالْإِدْرَاكِ فَهْوَ أَعْجَبُ لِأَنَّهُ بِهِ الزَّكَاةُ تَحِبُّ وَقِيلَ مَنْ أَطْنَى نَخِيلًا بُسْرًا فَأَكَلُوهَا رُطَبًا وَبُسْرَا لَيْسَ بِهَا شَيْءٌ مِنَ الزَّكَاةِ وَقِيلَ فِيهَا عُشْرُ الغَلَّاتِ وَقِيلَ إِنْ كَانَ سِوَاهُ تَمْرُ بَاقٍ لَهُ فَفِي الجَمِيعِ العُشْرُ وَإِنْ تَكُنْ قَدْ تُمْرَتْ فَتَلْزَمُهُ زَكَاتُهَا بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ مَا أُطْعِمَ الصَّارِمُ) فِيهِ مُخْتَلَفْ فِيهِ الزَّكَاةُ قَدْ رَأَى بَعْضُ السَّلَفْ إِنْ كَانَ قَدْ كِيلَ وَإِنْ لَمْ يُكَلِ فَمَا بِهِ شَيْءٌ مَقَالُ الْأَوَّلِ وَقَالَ بَعضُ فِي كِلَا الوَجْهَينِ لَيْسَ بِهِ شَيءٌ بِغَيْرِ مَيْنِ وَقِيلَ فِي الوَجْهَيْنِ مِنْهُ تُؤْخَذُ زَكَاتُهُ وَالعُشْرُ مِنْهُ يُنْفَذُ وَأُجْرَةُ الدَّوَّاسِ وَالْجَزَازِ وَأُجْرَةُ الشَّائِفِ وَالْقَرَّازِ)
(1) قوله: «الصارم» هو الجذاذ وهو الذي يقطع ثمر النخل، (المصنف) (*) بالرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف تقديره: ذلك مقال، والنصب على نزع الخافض، أي: في
مقال. (إسماعيل)
(2) الدواس: هو الذي يدوس الحب ليزول عنه القشر.
الجزاز: هو الذي يجز الزرع من الأرض.
الشائف:
هو الذي يطرد الطير عن
الأرض.
القراز: هو الذي يسوي الأرض ويقطعها بالشكل المخصوص لإلقاء البذور فيها (المصنف) (1/209)
صفحة 210
باب زكاة الثمار
الجزء الأول
209
جَمِيْعُهَا فِيهَا الزَّكَاةُ تَلْزَمُ تُخْرَجُ بَعْدَ أَنْ تُزَكَّى الأَسْهُمُ وَالخُلْفُ فِي الصَّارِمِ يَخْرُجَنَّا فِي هَذِهِ الوُجُوهِ فَافْهَمَنَّا وَالزَّرْعُ مِنْ بَعْدِ الدَّرَاكِ تَلِفَا وَكَانَ بِالنِّصَابِ يَومًا قَدْ وَفَا فَتُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْ بَاقِيهِ لَوْ قَلَّ وَالتَّالِفُ لَيْسَ فِيهِ وَإِنْ يَكُنْ قَدْ أَتْلَفُوهُ وَغُرِمْ دَرَاهِمَا فِيهَا النِّصَابُ مُسْتَتِمْ فَقِيلَ مَا عَلِيهِ أَنْ يُسَلِّمَا زَكَاتَهَا وَبَعْضُهُمْ قَدْ أَلْزَمَا وَمَن لَهُ زِرَاعَةٌ لم تَجِبِ فِيهَا الزَّكَاةُ لانْتِفَاءِ المُوجِبِ وَقَدْ حَوَى بِالْإِرْثِ زَرْعًا مُدْرِكَا زَكَاتُهُ تُحْمَلُ فِيمَا مَلَكَا وَلَيْسَ فِي الصَّوَافِي عُشْرٌ يُدْفَعُ إِلَّا عَلَى العَامِلِ أَوْ مَنْ يَزْرَعُ إِنْ بَلَغَتْ حِصَّتُهُ النِّصَابَا لأَنَّهُ مُلْكًا لَهُ قَدْ آبَا وَلَيْسَ فِي زِرَاعَةِ الذِّمِّيِّ لِأَنَّهَا طَهَارَةُ التَّقِيِّ وَإِنْ يَكُنْ فِي تِلْكُمُ الثَّمَارِ عِدْقُ مِنَ النَّخْلَةِ لِلْبِدَارِ زَكَاتُها فِي أَكْثَرِ الأَقْوَالِ مَحْمُولَةٌ عَلَى جَمِيعِ المَالِ وَامْرَأَةٌ خَالَطَتِ الحَلِيلَا فِي مَالِهَا وَدَفَعَتْ نَخِيلَا يَفْعَلُ فِيهَا كَيْفَمَا يَشَاءُ فَمَالُهُ وَمَالُهَا سَوَاء يُجْمَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ جِهَتِهُ وَيُحْمَلَنَّ فِي زَكَاةِ غَلَّتِهُ كَذَلِكَ الأَوْلَادُ مَعْ أَبِيْهِمُ إِنْ كَانَ فِي مَقَامِهِ يَحْوِيهِمُ وَكُلُّ قَومٍ أَصْلُهُمْ سَوَاءٌ فِي مَزْرَع فَحُكْمُهُمْ سَوَاءُ (1/210)
صفحة 211
210
الجزء الأول
كتاب الزكاة
فَيُؤْخَذُ العُشْرُ مِنَ الجَمِيعِ مِنْ غَيْرِ تَقْسِيمٍ وَلَا تَوزيع وَمَنْ كَرَا أَرْضًا بِحَبِّ سُمِّيَا مِنْ أَرْضِهِ كَيْلًا بِهِ قَدْ عَنِيَا) زَكَاتُهَا قِيلَ عَلَى مَنْ زَرَعَا لَيْسَ عَلَى الْأُجْرَةِ شَيءٌ شُرِعَا وَإِنْ يَكُنْ أَقْعَدَهَا بِخُمُسِ مِنْ زَرْعِهَا أَوْ رُبُعِ أَوْ سُدُسِ زَكَاتُهَا مِنَ الجَمِيعِ تَخْرُجُ لِأَنَّمَا الشِّرْكَةُ فِيهَا تَلِجُ وَالأَرْضُ مَهْمَا غُصِبَتْ تُعَشَّرُ وَقِيلَ لَا وَالغَصْبُ مَعْنِّى يُحْجَرُ
(1)
وَمُسْلِمٌ بَاعَ لِأَهِلَ الشِّرْكِ أَرْضًا فَقِيلَ دَائِمَا تُزَكَّي وَقَالَ قَومٌ لَا تُزَكَّى بَعْدَمَا بيعَتْ لِأَنَّهَا تَخُصُّ الْمُسْلِمَا
باب زكاة النقود والتجارة
وَتَجِبُ الزَّكاةُ فِي النُّقُودِ جَمِيعِهَا وَالْمَتْجَرِ الْمَعْهُودِ عَلَى سَوَاءٍ تُجْمَعَنَّ طُرًا وَتُخْرَجَنَّ فِصَّةٌ وَتِبْرَا وَيَحْمِلَنَّ بَعْضُهُ لِبَعْض لَكَيْ يُؤَدَّى مِنْهُ حَقُّ الفَرْضِ وَيُخْرَجَنَّ مِنْهُ رُبْعُ العُشْرِ مِنْ فِضَّةٍ وَذَهَبٍ وَمَتْجَر وَقَدْ مَضَى نِصَابُ كُلِّ وَاحِدِ وَهَاهُنَا أَذْكُرُ حُكْمَ الزَّائِدِ مَا زَادَ فَوْقَ المِائَتَيْنِ دِرْهَما (2) فَمَا بِهِ شَيْءٌ إِلَى أَنْ يَقْحَمَا
(*) أحسب غَنِيَا من الغنى. (إسماعيل)
(1) تزكي: بالبناء للفاعل على طريق المجاز المرسل.
(2) درهما منصوب على التمييز. (1/211)
صفحة 212
باب زكاة النقود والتجارة
الجزء الأول
211
لِأَرْبَعِينَ فَإِذَنْ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمْ (1) حَسَنْ
(2)
وَعَشْرَةُ الفِضَّةِ فِي المِقْدَارِ كَمِثْلِ مِثْقَالٍ مِنَ النُّصَارِ) فِي كُلِّ عِشْرِينَ مِنَ الْمَثَاقِلِ نُصَيْفُ (3) مِثْقَالٍ إِلَى تَكَامُلِ وَإِنْ تَكُنْ زَادَتْ عَلَيْهَا أَرْبَعَةً فَعُشْرُ دِينَارٍ تَضْمَّنْهُ مَعَهُ وَهَكَذَا تَصْنَعُ فِيمَا زَادَا حَتَّى يَفُوتَ الحَصْرَ وَالتَّعْدَادَا وَإِنْ يَكُنْ دَيْنًا عَلَى مَلِيٌّ فَحُكْمُهُ كَحَاضِرٍ سَنِيٌّ تُزَكِّهِ مَعْ مَا تُزَكِّي ذَهَبًا أَوْ فِضَةً إِنْ كَانَ دَيْنًا وَجَبَا وَمَا عَلَيْكَ مِنْ زَكَاةٍ عَنْهُ إِنْ كُنْتَ فِي حَدِّ الإِيَاسِ مِنْهُ وَلَا زَكَاةَ فِي صَدَاقِ الْغَانِيَة (5) مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْبِضَهُ عَلَانِيَهْ وَإِنْ يَكُنْ دَيْنُ عَلَيْكَ حَضَرَا فَارْفَعْ لَهُ مِنَ الزَّكَاةِ قَدَرَا وَذَاكَ فِي المَضْرُوبِ يَرْفَعَنَّا وَالْخُلْفُ فِي الحُلِيِّ يُرْفَعَنَّا) فَقِيلَ كَالدَّرَاهِمِ الْمَضْرُوبَةً تَرْفَعُ وَالْبَعْضُ يَرَى وُجُوبَهْ
(1) درهم: مبتدأ خبره الجار والمجرور قبله.
(2) النُّصَارُ: الذهب.
(3) نُصَيْفَ: بالتصغير.
(*) وقد يكون نَصِيفُ بفتح النون وكسر الصاد وهو النصف. (إسماعيل)
(4) دينًا: منصوب على أنه خبر كان، واسمها محذوف تقديره وإن يكن هذا النقد دينًا وفي بعض النسخ (دين) بالرفع على أنه إسم كان، والخبر محذوف تقديره وإن يكن لك دين.
(5) الغانيه: المرأة التي استغنت بزوجها وقيل بجمالها.
(6) يرفعنا: يرفعن الأول مبني للفاعل؛ أي يرفع الزكاة، والثاني بالبناء للمفعول بمعنى ينقلن عن
العلماء. (1/212)
صفحة 213
212
الجزء الأول
كتاب الزكاة
وَبَعْضُهُمْ خَرَّجَ حُكْمَ الدَّيْنِ بِالرَّفْعِ فِي غَيْرِ زَكَاةِ الْعَيْنِ وَقَالَ قَومٌ إِنَّهُ لَا يَرْفَعُ شَيْئًا مِنَ الزَّكَاةِ مِمَّا يُشْرَعُ وَكُلُّ شَيْءٍ يُشْتَرَى لِلْفَائِدَةُ فِيهِ الزَّكَاةُ نَحْوَ هَذِي القَاعِدَة مِنَ الثَّيَابِ أَوْ مِنَ السَّلَاحِ أَوْ مَعْدِنٍ أَوْ جَوهَرٍ وَضَاحِ أَوْ مِنْ أُصُولٍ أَوْ عُرُوضِ تُشْتَرَى أَوْ حَيَوانِ إِنْ أَرَادَ الْمَتْجَرَا فَهَذِهِ زَكَاةُ الاكْتِسَابِ دَلَّ عَلَيْهَا مُحْكَمُ الْكِتَابِ وَذَاكَ طَيِّبَاتُ مَا اكْتَسَبْنَا
مَيْنَا تُنْفِقُ مِنْهَا حَيْنَ مَا احْتَسَبْنَا
باب زكاة الماشية
وَفِي الْمَوَاشِي غَنَمًا (1) وَإِبِلَا وَبَقَرًا حَقُّ الزَّكَاةِ حَصَلَا وَكُلُّ صِنْفِ فَلَهُ مَرَاتِبُ يَكُونُ مِنْ تَعْدَادِهِنَّ الْوَاجِبُ في الإبل الخَمْسِ تَكُونُ شَاءُ وَالعَشْرِ شَاتَانِ هِيَ الزَّكَاةُ وَكُلُّ خَمْسٍ فَلَهَا شَاةٌ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ الْعِشْرِينَ عَدًّا كَمُلَا وَإِنْ تَزِدْ خَمْسٌ فَبِنْتُ سَنَةِ بِنْتُ مَخَاضِ تُدْعَى فِي التَّسْمِيَةِ وَإِنْ تَزِدْ عَلَى الثَّلَاثِينَ بِسِتْ بِنْتُ لَبُونِ بِنْتُ عَامَيْنِ كُسِتْ)
(1) غنمًا: غنمًا فما بعده منصوبان على التمييز، ويجوز نصبها على الحال.
(*) لعل الأصل: كسيت، فحذفت الياء مرعاة للوزن. (إسماعيل) (1/213)
صفحة 214
باب زكاة الماشية
الجزء الأول
213
وَإِنْ تَزِدِ عَشْرٌ فَفِيهَا تَجِبُ بِنْتُ ثَلَاثٍ حِقَّةٌ تُلقَّبُ وَفِي بَعِيرٍ صَاحَبَ السِّتِّينَا جَذَعَةٌ لِأَرْبع سِنِينَا وَإِنْ تَزِدْ سِرًّا عَلَى السَّبْعِينَا لَبُونَتَانِ حَقُهَا يَقِينَا وَإِنْ تَكُنْ إِحْدَى وَتَسِعِينَ عَدَدْ فَحِقَّتَانِ فَرْضُهَا حُكْمًا وَرَدْ وَمِائَةٌ مِنْ بَعْدِهَا عِشْرُونَا وَوَاحِدٌ ثَلَاثَةٌ لَبُونَا وَبَعْدَهَا فِي كُلِّ أَرْبَعِينَا لَبُونَةٌ وَالْحِقَّهُ) لِلْخَمْسِينَا لَوْ بَلَغَتْ مِنَ الأُلُوفِ عَدَدَا وَهَكَذَا الْبَاقِرُ فِيمَا وَرَدَا وَإِنَّمَا تَخْتَلِفُ الأَسْمَاءُ وَالسِّنُّ وَالحُكْمُ بِهَا سَوَاءُ وَلَيْسَ فِي قَتُوبَةِ (3) الْمُعَامِلِ شَيْءٌ وَلَا فِي البَقَرِ العَوَامِلِ وَإِنَّمَا تَكُونُ فِي السَّوَائِمِ لَا فِي الْعَلُونَاتِ مِنَ الْبَهَائِمِ وَفَرْضُهَا فِي سِنَّهَا الْمَذْكُورِ مِنَ الْإِنَاثِ لَا مِنَ الذُّكُورِ إِلَّا مَخَاصًا عُدِمَتْ فَيَكفِي ابْنُ لَبُونِ ذَكَرُ فِي الْوَصْفِ وَلَيْسَ فِيْمَا بَيْنَ ذِي الأَعْدادِ فَرِيضَةٌ تُنْقَلُ بِالْإِسْنَادِ
(1) بنت ثلاث: أي بنت ثلاث سنين، وحقةً منصوب على أنه مفعول ثانٍ لتُلَقَّبُ، والأول محذوف الضمير العائد إليها تسمى هي حقة. (2) الحقة: وفي نسخة والحق بحذف الهاء لإقامة الوزن، وعلى ما في هذه النسخة فهي بسكون
وهو
الهاء للضرورة.
(3) القتوبة: هي التي يحمل عليها الراعي متاعه وهي بفتح القاف. (1/214)
صفحة 215
214
الجزء الأول
كتاب الزكاة
ذكر زكاة الغنم
الأَرْبَعينَ الشَّاةَ شَاةٌ تَلَزَمُ وتَكْفِينْ حَتَّى تَزيدُ الغَنَمُ تَزِيدُ وَاحِدًا عَلى العِشْرِينَا وَمِائَةٍ شَاتَيْنِ يَأْخُذُونَا وَمَائَتَانِ بَعدَهُنَّ وَاحِدَهُ فِيهَا ثَلَاثُ مِنْ شِيَاءٍ زَائِدَهُ فِي أَرْبَعٍ مِنَ الْمِثِينِ أَرْبَعُ مِنَ الشَّيَاءِ تُؤْخَذَنْ وَتُرفَعُ وَبَعْدَهَا شَاةٌ لِكُلِّ مِائَةِ حَتَّى تَفُوتَ حَصْرُهَا مِنْ كَثْرَةِ وَقِيلَ أَرْبَعُ الشِّيَاءِ تَلْزَمُ وَاحِدَةٌ مَعَ ثَلَاثٍ تُعْلَمُ لَا تُؤْخَذَنْ أَكُولَةٌ وَرُبَّا (1) وَسَخْلَةٌ وَالْفَحَلُ حَيْثُ أَلْبَا وشَارِفٌ وَحَزَرَاتُ النَّاسِ (2) وَتُؤْخَذُ الوُسْطَى مِنَ الْأَجْنَاسِ وَهْيَ الَّتِي تَصْلُحُ لِلتَّصْحِيَةِ تُعْرَفُ فِي الْأَسْنَانِ بِالثَّنِيَّةِ وَالجَذَعُ السَّمِينُ قِيلَ يَصْلُحُ إِذَا رَأَىهُ الْمُسْلِمُونَ أَصْلَحُ (3) وَإِنْ تَكُنْ جَمِيعُهَا سِخَالَا فَالأَخْذُ مِنْهَا جَائِرٌ كَمَالَا
(1) قوله: «أكولة ... إلخ» الأكولة الشاة تطعم في المنزل لتُسَمَّن، والربّا التي تربي ولدها، والسخلة: الصغيرة من الغنم والفحل: التَّيْس الذي ينزو على الإناث. (2) الشارف المسنة، وحزرات المال خياره، والمراد من هذا بأن لا يأخذ الساعي شيئًا من هذه الأصناف الستة، وإنما يأخذ الوسط، وهو ما لا ضرر فيه على المالك، ولا حيف
على الزكاة.
(3) أصلح: كذا في هذه النسخة بالرفع ولعله على إلغاء رأى، أو لأجل الضرورة، أو لعدم اللبس بالفاعل، وذلك جائز، وفي بعض النسخ (يصلح). (1/215)
صفحة 216
باب إنفاذ الزكاة
الجزء الأول
وَقِيلَ لَا يَجُوزُ إِلَّا مَا فُرِضَ كَذَلِكَ الْخِلَافُ فِيمَا قَد مَرِضْ وَلَيْسَ فِيمَا بَيْنَ الرُّثْبَتَيْنِ فَرِيضَةً بَيْنَ الفَرِيضَتَيْنِ
باب إنفاذ الزكاة
وَهْيَ عَلَى صِنْفَيْنِ صِنْفٌ حَوْلِي إِنْفَاذُهُ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ كَذَهَبِ وَفِضَّةٍ وَمَتْجَرِ وَغَنَم وَإِبِلٍ وَبَقَرِ وَالثَّانِي بِالْحَصَادِ وَهْوَ الثَّمَرُ وَالْخُلْفُ فِي تَعْجِيلِ كُلِّ ذَكَرُوا فَتُدْفَعَنَّ لِلإِمَامِ الْعَادِلِ عِنْدَ وُجُودِهِ بِحُكْم عَادِلِ يَجْعَلُهَا فِيمَا بِهِ قَدْ أُمِرَا مِنَ الْمَسَاكِينِ وَجِنْسِ الْفُقَرا وَعامِلٍ لَهَا وَفِي الرَّقَابِ وَغَارِمٍ لَا مُسْرِفِ مُرْتَابِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَالْجِهَادِ وَابْنِ سَبِيلٍ نَازِحِ الْبِلَادِ الْمُؤَلَّفِينَ لِلإِسْلَامِ قَوْمُ إِلَيْهِمْ حَاجَةُ الإِمَامِ
وَفِي
(1)
قيلَ سَهْمُ هَؤُلَاءِ نُسِخَا مِنْ بَعْدِمَا الْإِسْلَامُ فِينَا رَسَخَا بِآيَةٍ فِي مُحْكَم مِنَ السُّوَرُ مَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ كَفَرْ وَأَظْهَرَ الْفَارُوقُ هَذَا الْحُكْمَا فِي زَمَنِ الصِّدِّيقِ حَتَّى تَمَّا وَقِيلَ إِنَّ سَهْمَهُمْ مُعَلَّقُ بِحَاجَةِ الإِمَامِ وَهُوَ أَوْفَقُ
(1) قوم خبر لمبتدأ محذوف أي هم قوم. (1/216)
صفحة 217
216
الجزء الأول
كتاب الزكاة
يَحمِي
(1)
فَيَنْتَفِي عِنْدَ انتِفَاءِ الْمَعْنَى وَيَبْقَى مَعْ بَقَائِهِ وَيُعْنَى) وَمَنْ عُنِي بِدُوَلِ الأَيَّامِ أَجَازَهُ لِحَاجَةِ الإِمَامِ تُقْبَضُ مِنْ مَوَاضِعَ الْأَمْوَالِ يَسْعَى إِلَيْهَا مُصْطَفَى العُمَّالِ إِلَّا النُّقُودَ وَالَّذِي تَفَرَّعَا مِنْهَا فَيَأْتُونَ بِهَا لِمَنْ سَعَى وَمَنْ أَبَى مِنْ دَفْعِهَا إِلَيْهِ بِحَقِّهَا قَاتَلَهُمْ عَلَيْهِ وَلَا تَصِحُ أَبَدًا جِبَايَهُ إِلَّا لِمَنْ كَانَتْ لَهُ حِمَايَهُ وَحَدُّهَا أَنْ الْبِلَادَ وَيَمنَعَنَّ الظُّلْمَ وَالْفَسَادَا وَذَاكَ دَفْعُ بَعضِهِمْ عَنْ بَعْضِ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ أَقَاصِي الأَرْضِ لَكِنَّهُ يُدَافِعَنَّ بِهِمُ وَيَجْهَدَنْ وَيَنْصَحَنَّ لَهُمُ وَمَا لَه أَنْ يَبْعَثَ الْعُمَّالَا إِلَّا إِذَا عَامًا حَمَى كَمَالَا إِلَّا الثَّمَارَ قِيلَ يَبْعَثَنَّا لَوْ كَانَ فِي الْمِصْطَاحِ (3) يُدرِكَنَّا (4) وَالْخُلفُ مَهمَا أَكَلَ الْجَابُونَا مِنَ الزَّكَاةِ حِينَمَا يَجْبُونَا بِغَيْرِ إِذْنِ مَنْ لَهُمْ قَدْ أَمَرًا فَقِيلَ جَائِزٌ وَقِيلَ حُجرَا وَلَيْسَ لِلإِمَامِ إِذْ تَقَهْقَرَا عَنِ الصَّوَابِ أَخْذُهَا مِنَ الْوَرَى
(2)
(1) ويُعنى: أي يعتنى به. (2) قوله: «وما عليه من أقاصي الأرض يعني إنما عليه أن يدفع ظلم بعض رعيته عن بعض وليس عليه أن يحمي عنهم العدو الذي يأتيهم من بعيد، ولكنه يدافعه بهم فيكون هو وهم سواء في حكم الدفاع عن الحِمى والحرم.
(3) المصطاح: هو (4) مكان يسوونه لدرس الحصيد فيه. (أبو إسحاق)
البيدر، أي الموضع الذي تجفف فيه الثمار، ويقال له الجرين. (1/217)
صفحة 218
باب إنفاذ الزكاة
الجزء الأول
217
وَلَا يَجُوزُ أَبَدًا تُشِيرُ بِأَخْذِهَا فَإِنَّ ذَاكَ جَوْرُ كَذَاكَ إِنْ أَعْطَوْكَ مِمَّا جَمَعُوا مِنْهَا فَإِنَّ ذَاكَ مِنْهُ يُمْنَعُ وَزَكِّ مَا قَدْ أَخَذَ الجَبَّارُ مَنْ بَعْدِ مَا قَدْ كِلْتَهُ إِذْ جَارُوا وَإِنْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ كَيْلِ أَخَذَا فَمَا عَلَيْكَ عَنْهُ يَوْمًا تُنْفِذَا وَزَكٌ مَا يَبْقَى مِنَ الْأَمْوَالِ مِنْ مَبْلَغَ الصَّاعِ أَوِ الْمِكْيَالِ وَفِي زَمَانِ الْجَوْرِ كُلُّ يُنْفِذُ زَكَاتَهُ وَذَاكَ هُوَ المَنْفَذُ إِلَّا إِذَا مَا اتَّفَقُوا وَقَدَّمُوا حَبْرًا بِإِنْفَاذِ الزَّكَاةِ يَعْلَمُ يَجْعَلُهَا فِي الْمَوْضِعِ الْمَشْرُوعِ فَإِنَّهُ جَامِعَةُ الْجَمِيعِ يَكُونُ فِي حُكْمِ الإِمَامِ لَهُمُ فَيَدْفَعُونَهَا وَيُجْزِي عَنْهُمُ وَذَاكَ قَبْلَ زَمَنِ التَّضييع قَدْ كَانَ فِي الْأَشْيَاحَ لِلرَّبِيعِ) وَمَنْ تَوَلَّى أَمْرَهَا تَخَيُّرًا فَيَدفَعَنَّهَا لِخَيْر الْفُقَرَا يُقَدِّمُ الأَفْضَلَ ثُمَّ الأَفْضَلَا وَمَذْهَبَ الحَقِّ عَلَى مَنْ عَدَلَا (3) وَقِيلَ بَلْ تَخُصُّ أَهْلَ الْوَرَعِ مِنْ دُونِ مَنْ عَصَى وَأَهْلِ البِدَعِ فَلَيْسَ تُعْطَى أَبَدًا لِعَاصِي لِأَنَّهُ يَقْوَى عَلَى الْمَعَاصِي
(1) عالم. (أبو إسحاق)
(2) يعني الإمام المحدّث الربيع بن عمرو الفراهيدي الأزدي أحد تلاميذ أبي عبيدة
مسلم بن أبي كريمة.
(3) «على من عدلا»: أي دون من عدل عن الحق. (1/218)
صفحة 219
218
الجزء الأول
كتاب الزكاة
وَلَيْسَ تُعْطَى لِذَوِي الْخِلَافِ مَعَ وُجُودِ صَحْيِنَا الْعُفَّافِ وَقِيلَ مَنْ يَدْفَعُهَا لِمُسْلِمِ لَوْ عَاصِيًا مُبْتَدِعًا لَمْ يَغْرَمٍ وَلَيْسَ تُعْطَى فِي شِرَاءِ مُصْحَفِ وَلَا بِنَاءِ مَسْجِدٍ مُشَرَّفِ وَكَفَنِ الْمَيْتِ وَلَا فِي دَيْنِهِ وَلَا لِحَجِّ الْبَيْتِ أَهْلَ دِينِهِ وَقِيلَ بَلْ يَحْجُ مِنْهَا ذُو غِنَا (1) لِلْمُسْلِمِينَ وَكَذَاكَ ذُو عَنَا وَالضَّيْفُ مِنْ زَكَاتِهِ لَا يُطْعِمُهُ إِلَّا إِذَا بِدَفْعِ ذَاكَ يُعْلِمُهُ وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ الإِعْلَامُ وَذَلِكَ التَّمْرُ أَوِ الطَّعَامُ أَمَّا الَّذِي يَحْتَاجُ لِلْعِلَاجِ كَالْأُرْزِ إِذْ يَحْتَاجُ لِلإِنْصَاحِ وَاللَّحْمِ إِذْ يَحْتَاجُ لِلذَّبَاحِ وَبَعْدَهُ يَحَتَاجُ لِلإِصْلَاحِ فَدَفْعُ ذَا وَنَحْوِهِ تَبْدِيلُ لِوَاجِبِ عَيَّنَهُ الرَّسُولُ فَالفَرْضُ غَيْرُ مَا لَهُمْ قَدْ دَفَعَا فَلَا أُجِيزُ مِثْلَ ذَا أَنْ يَدْفَعَا لِلْصَّيْفِ حَقٌّ غَيْرُ ذِي الزَّكَاةِ جَاءَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ عَنْ ثِقَاتِ وَفِي زَمَانِ المُصْطَفَى مَفْرُوضُ وَالفَرْضُ مَعْ عُمَّالِهِ مَقْبُوضُ أَمَّا الَّذِي قَدْ جَاءَ فِي الآثَارِ مِنَ الْجَوَازِ عَنْ ذَوِي الْأَبْصَارِ أَوْ عُمَّالِهِ لَا لِلَّذِي يَدْفَعُهَا مِنْ مَالِهِ
فَذَاكَ لِلإِمَامِ
(1) المراد بقوله «ذو غنا أي الذي يستغني به المسلمون، كالعالم والقائم بمصالح المسلمين
وأمورهم، وذو العنا) هو العاني فيها بالسعي والجباية. (1/219)
صفحة 220
باب إنفاذ الزكاة
الجزء الأول
219
وَقِيلَ لَا يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ مَنْ كَانَ ذَا يُسْرٍ وَذَا أَقْوَاتِ وَلَا لِمَنْ أَهْلُ الْغِنَى تَعُولُهُ لِأَنَّهُ كَمِثْلِ مَنْ يَعُولُهُ وَلَا مُكَافَاةً عَن الأَمْوَالِ وَلَا مُحَابَاةً لأَجْلِ حَالِ وَالْخُلْفُ فِي إِعْطَاءِ مَنْ أَبَانَا مِنْ وُلْدِهِ عَنْ عَوْلِهِ عِيَانَا فَقِيلَ إِنْ أَبَانَهُ مِنْ أَجَلِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْهَا فَلَيْسَ يُجْزِيَنْ وَهَكَذَا عَطِيَّةُ الزَّوْجَاتِ لَا يُعْطِهَا الزَّوْجُ مِنَ الزَّكَاةِ وَقَالَ بَعْضُ إِنَّهُ يُعْطِيهَا لَغَيْرِ مَا يَلْزَمُهُ إِلَيْهَا وَدَفْعُ بَعْضِهَا إِلَى البِيدَارِ (1) يَجُوزُ إِنْ كَانَ أَخَا افْتِقَارِ وَمَنْ لَهُ فِي التَّجْرِ رِبْحُ يَكْفِي لَا يُعْطَى وَالخُلْفُ إِذَا لَمْ يَكْفِ وَمَنْ رَأَى شِعَارَ الافْتِقَارِ فِي أَحَدٍ أَعْطَاهُ لِلشِّعَارِ وَمَا عَلَيْهِ لَازِمًا أَنْ يَسَأَلَهُ أَخَافُ إِنْ يَسْأَلُهُ أَنْ يُخْجِلَهُ وَإِنْ يَبِنْ مِنْ بَعْدِ ذَا غِنَاهُ فَلَا ضَمَانَ عِنْدَهُمْ يَغْشَاهُ لِأَنَّ عِلْمَهُ إِلَى بَارِيهِ لَكِنْ عَلَيْهِ رَدُّهُ إِلَيْهِ وَمُشْتَرٍ شَيْئًا مِنَ الْأُصُولِ نَسِيئَةٌ بِالدَّيْنِ فَوْقَ حَوْلِ قِيلَ لَهُ مِنَ الزَّكَاةِ يَأْخُذُ يَقْضِي بِهِ عَمَّا اشْتَرَى وَيُنْفِذُ وَوَجْهُهُ لِأَنَّ ذَاكَ غَارِمُ وَسَهْمُهُ مِنَ الزَّكَاةِ لَازِمُ
(1) البيدار: هو العامل في الحرث؛ لغة عُمانية مشهورة وقد اشتق من البيدر. (1/220)
صفحة 221
220
الجزء الأول
كتاب الزكاة
قُلْتُ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطْ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَاثِرٍ فَقَطْ وَقَدْ أَتَى النَّهْيُ عَنِ التَّأَثْلِ بِهَا فَلَا تُعْطَى لِذِي تَأَثْلِ وَقِيلَ مَنْ زَكَاتُهُ قَدْ خَلَطَا فِي مَالِهِ تَعَمُّدًا لَا غَلَطَا وَقَامَ يُعْطِي الْفُقَرَاءَ مِنْهَا شَيْئًا فَشَيْئًا وَنَوَاهُ عَنْهَا فَجَائِزٌ إِنْ كَانَ مَنْ أَعَطَاهُ مِنْ أَهْلِهَا وَالْخَلْطُ لَا نَرَاهُ وَتَارِكُ الزَّكَاةِ أَعْوَامًا وَلَمْ يَدْرِ الَّذِي ضَيَّعَهُ وَقَدْ نَدِمْ فَالبَعْضُ أَقْصَى الظَّنِّ قَالُوا يَتْبَعُ وَهُوَ صَوَابٌ عَدْلُهُ لَا يُدْفَعُ وَبَعْضُهُمْ قَالَ زَكَاةً عَامٍ تُجْزِيهِ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّمَامِ وَمَنْ يَكُنْ قَدْ شَكَ هَلْ أَخْرَجَهَا فَلَازِمٌ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَهَا وَإِنْ يَكُنْ قَدْ شَكَ بَعْدَ الوَقْتِ فَلَا عَلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ مُفْتِي لَا تُقْبَلُ الزَّكَاةُ مِنْ صَبِيَّ إِلَّا بِرَأْيِ ذَلِكَ الْوَلِيِّ مِنْ وَالِدٍ أَوْ مِنْ وَصَّي كَانَا أَوْ مِنْ وَكِيلٍ أَظْهَرَ الإِحْسَانَا فَيَلْزَمُ الْوَالِدَ أَنْ يُخْرِجَهَا وَالخُلْفُ فِي سِوَاهُ إِنْ أَخَرَجَهَا يَلْزَمُهُ قَدْ قِيلَ فِي الآثَارِ وَبَعْضُهُمْ قَدْ قَالَ بِالخِيَارِ وَبَعْضُهُمْ قَدْ قَالَ لَا عَلَيْهِ وَلَا لَهُ يَتْرُكُهَا لَدَيْهِ يَحْفَظُهَا لَهُ إِلَى أَنْ يَبْلُغَا وَيُخْبِرَنَّهُ بِهَا مُبَلِّغَا وَيَلَزَمُ اليَتِيمَ أَنْ يُصَدِّقَهُ فِيمَا بِهِ أَخْبَرَهُ وَحَقَّقَهُ (1/221)
صفحة 222
خاتمة في الجِزْيَةِ
الجزء الأول
221
وَفِيهِ قَوْلٌ إِنَّهَا لَا تَلْزِمُهُ عِنْدَ الَّذِي إِنْفَاذْهَا يُلَزِّمُهُ لِأَنَّهُ فِي فِعْلِهِ قَدْ ضَيَّعَا فَقَوْلُهُ بَاقِيَةٌ نَفْسُ ادْعَا وَلَا تَوَكَّلْ لِفَتَّى لَا يُخْرِجُ زَكَاةَ مَالِهِ فَذَاكَ حَرَجُ كَفَى بِهَذَا أَنْ يَكُونَ خَائِنَا فَلَا تَكُنْ لِخَائِنِ مُعَاوِنَا إِلَّا إِذَا إِنْفَاذَهَا تَشْتَرِطُ وَهُوَ يُجِيزُ ذَاكَ أَوْ يُسَلِّطُ
خاتمة في الجِزْيَةِ
(A)
وَالْمُشْرِكُونَ مِنْهُمُ الْحَرْبِيُّ الدُّهُمْ وَمِنْهُمُ الذِّمِّيُّ وَالْكُلُّ يَأْتِي ذِكْرُهُ فِي بَابِهِ وَهَاهُنَا نَذْكُرُ بَعْضَ مَا بِهِ فَالمُشْرِكُ الحَرْبِيُّ مَهْمَا قَدِمَا إِلَى بِلَادِنَا وَنَالَهُ الحِمَى يُؤْخَذُ مِنْهُ العُشْرُ مِنْ أَمْوَالِهِ لَا طُهْرَةً لَكِنْ لِصَوْنِ حَالِهِ وَقِيلَ بَلْ نَأْخُذُ مِثْلَ مَا أَخَذْ سُلْطَانُهُمْ مِمَّنْ بَأَرْضِهِ نَقَذْ وَهْيَ عُقُوبَةٌ لَهُمْ بِمِثْلِ مَا قَدْ فَعَلُوهُ فِي الَّذِي قَدْ أَسْلَمَا وَمَنْ يَكُنْ فِي ذِمَّةِ الإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ شَوْكَةِ الإِسْلَامِ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ جِزْيَةُ الصَّغَارِ بِحَدِّ مَا نَرَاهُ مِنْ مِقْدَارِ وَلَا زَكَاةَ أَبَدًا عَلَيْهِمُ إِنَّ الزَّكَاةَ لِلَّذِينَ أَسْلَمَوا
(1) توكل: بفتح التاء، وأصله ولا تَتَوَكَّل، فحذف إحدى التاءين تخفيفًا. (2) أَلَدُّهُمْ: أَي أَشَدُّهُمْ. (1/222)
صفحة 223
222
الجزء الأول
كتاب الزكاة
طَهَارَةً لِمَالِهِ مِنَ الخَبَتْ وَحُجَّةٌ لِحَالِهِ عَنِ الْحَدَثْ فَأَيْنَ ذَا الكَافِرُ مِنْ ذَا الْحَالِ لَا تَحْسَبِ الزَّكَاةَ غُرْمَ مَالِ وَحِينَ مَا أَبَى نَصَارَى تَغْلِب مِنْ جِزَيَةِ الصَّغَارِ فِي الْمُنْقَلَبِ وَطَلَبُوا أَنْ يَدفَعُوا الزَّكَاةَ وَدُونَهَا تَوَعَدُوا الشَّتَانَا)
(1)
صَالَحَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَا بِضِعْفِهَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَا هيَ سَيَاسَةُ أَرَاهُ اللهُ صَوَابَهَا وَخَيْرَهَا أَعَطَاهُ وَتَدْخُلُ المَجُوسُ تَحْتَ الذِّمَّةِ إِذَا أَقَرُّوا بِصَغَارِ الجِزْيَةِ سُنَّتُهُمْ فِي ذَاكَ كَالكِتَابِي وَقِيلَ هُمْ كَانُوا أُولِي كِتَابِ فَضَيَعُوهُ خَابَ مَنْ قَدْ ضَيَّعَا وَبِالصَّيَاعِ عَنْهُمْ قَدْ رُفِعَا كَذَلِكَ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى قَدْ ضَيَّعُوا فَهَاهُمُ حَيَارَى لَهُمْ مِنَ الإِنْجِيلِ وَالتَّوْرَاةِ عِدَّةُ نُسْخَاتٍ مُحَرَّفَاتِ لَا يَعْرِفُونَ أَيُّهَا الْمُنَزَّلُ فَأَمْرُهُمْ فِي ذَاكَ أَمْرٌ مُشْكِلُ إِنْ آمَنُوا بِالْكُلِّ كَانُوا فِي غَلَطِّ أَوْ تَرَكُوْا الْجَمِيعَ كَانُوا فِي شَطَطْ وَالْحَقُّ وَاحِدٌ وَلَيْسَ يُدْرَى عِنْدَهُمْ فَيَقْصِدُوهُ جَهْرَا
(*) أي: دون دفع الزكاة ينشقون عن البقاء في حكم المسلمين، وذلك إذا ألزموا دفع الجزية؛ فصالحهم عمر بن الخطاب الله على دفع ضعف الزكاة. (إسماعيل)
(1) يعني أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الا الله. (1/223)
صفحة 224
خاتمة في الجِزْيَةِ
الجزء الأول
223
فَكَانَ حَقُّهُمْ مِنَ الْكِتَابِ ضَلَالَهُمْ عَنْ سَنَنِ الصَّوَابِ فَنَسْأَلُ اللهَ بَقَا الْقُرْآنِ فِينَا إِلَى انْقِضَاءِ ذَا الزَّمَانِ وَنَسْأَلَنَّهُ بِأَنْ يُوَفِّقَا أُمَّتَنَا عَلَى الْمَعَالِي وَالتُّقَى وَأَنْ يُنيلَنَا مِنَ الإِيمَانِ أَوْفَرَ حَقٌّ وَمِنَ الإِحْسَانِ وَاخْتِمْ لَنَا اللَّهُمَّ بِالخَيْرَاتِ فَأَنْتَ رَبِّي وَاسِعُ الهِبَاتِ
(1) السَّنَن: بالفتح الطريق. (1/224)
صفحة 225
224
الجزء الأول
كتاب الحج
(1) 29
كتاب الحج
الحَجُّ مِنْ شَرَائِعِ الإِسْلَامِ لِلْمُسْتَطِيعِ ظَاهِرُ الإِنْزَامِ قَدِ ابْتَلَى اللهُ بِهِ العِبَادَا إِنْ عَرَفُوا أَوْ جَهِلُوا المُرَادَا تَعَبدًا عَلَيْنَا الاِمْتِنَالُ وَمَا لَنَا التَّنْقِيرُ وَالجِدَالُ مَوَاضِع عَظَمَهَا وَأَوْجَبَا تَعْظِيمَهَا وَفِي الوُصُولِ رَغَبَا جَعَلَهَا مَنَاسِكَا لِلْأُمَّةِ وَمُوجِبَاتِ لِحُصُولِ الرَّحْمَةِ فَمَنْ يُعَظِّمْ تِلْكُمُ الشَّعَائِرَا حَازَ مِنَ التَّقْوَى لِبَاسًا سَاتِرَا وَنَالَ أَجْرًا وَثَوَابًا وَافِرَا وَصَارَ عَبْدًا طَائِعًا وَشَاكِرَا وَمَنْ تَوَلَّى عَنْهُ فَاللَّهُ غَنِي وَإِنَّمَا يَضُرُّ نَفْسَهُ الدَّنِي
باب الاستطاعة
مِنْ لُطْفِهِ لَمْ يُوجِبَتْهُ مُطْلَقَا وَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ وَحَقَّقَا عَلَى غَنِيٌّ مُوسِرٍ بِالزَّادِ لَهُ وَلِلْأَهْلِينَ وَالأَوْلَادِ مَعَ الأَمَانِ وَوُجُودِ الرَّاحِلَهُ فَهَذِهِ فِيهِ شُرُوطٌ حَاصِلَهُ بَعْدَ قَصَاءِ الدَّيْنِ وَالصَّمَانِ عَمَّا جَنَى فِي سَالِفِ الزَّمَانِ إِنْ وُجِدَ الْمَذْكُورُ فِي أَشْهُرِهِ عَلَيْهِ يَسْعَى لِتَمَامِ أَمْرِهِ
(1) مواضع: يجوز أن تكون خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره هي مواضع، ويجوز أن تكون مبتدأ حذف خبره تقديره هنالك مواضع. (1/225)
صفحة 226
باب الاستطاعة
الجزء الأول
225
أَشْهُرُهُ شَوَّالُ مَعْ ذِي القِعْدَةِ وَالعَشْرِ السَّابِقَاتِ مِنْ ذِي الحِجَّةِ وَيَبْدَأُ الْخَارِجُ بِالْإِخْلَاصِ وَمِنْ حُقُوقِ النَّاسِ بِالْخَلَاصِ وَبَعْدَهُ يُكَفِّرُ الأَيْمَانَا وَيَصِلُ الْأَرْحَامَ وَالجِيرَانا خُرُوجُهُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ يَوْمَ الخَمِيسِ جَاءَ فِي الْآثَارِ وَبَعْدَ هَذَا يَقْصِدُ الطَّرِيقَا لِحَجِّهِ وَيَصْحَبُ الرَّفِيقَا فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الرَّفِيقِ مُقَدَّمُ أَيْضًا عَلَى الطَّرِيقِ يُوَسِّعُ الزَّادَ لِكَيْ يَتَّسِعَا خُلُقُهُ فَيُعْطِيَنْ أَوْ يَمْنَعَا وَجَائِز رُكُوبُ هَذَا البَحْرِ لِلْحَجِّ وَالجِهَادِ قَطْعًا فَادْرِ وَكَرَّهُوهُ لِالْتِمَاس الفَضل وَلَا أَرَى صَوَابَ هَذَا الفَصْلِ فَاللَّهُ بِالفُلْكِ عَلَيْنَا امْتَنَّا بِفَضْلِهِ فَكَيْفَ يُمْنَعَنَّا لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ قَدْ قَالَا فَالمَنْعُ لَا أَرَى لَهُ مَجَالًا وَإِنْ سَبِيلُ البَرِّ قَدْ تَعَذَّرَا وَلَا يُطِيقُ البَحْرَ يَوْمًا عُذِرَا لأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَخُوفِ فِي حَقِّهِ وَالدِينُ لِلرَّؤُوفِ فَيَنْوِيَ الحَجَّ مَتَى اسْتَطَاعَا وَلَا يُقَالُ إِنَّهُ أَضَاعَا وَقِيلَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَحُجَّا مِنْ مَهْرهَا لَوْ زَوْجُهَا قَدْ ضِجَّا (1) وَتَقْضِي مِنْهُ دَيْنَهَا إِنْ حَضَرَا وَفِطْرَةَ الأَبْدَانِ) فَلْتُفَطَّرَا
(*) اي: طلب الأرزاق. (إسماعيل) (1) ضجّا: ضج أي صاح إنكارًا عليها.
(2) زكاة الفطر. (أبو إسحاق) (1/226)
صفحة 227
226
الجزء الأول
كتاب الحج
لأَنَّهُ مِنْ مَالِهَا المَقَدَّرِ فَزَوْجُهَا لَيْسَ لَهُ مِنْ غَيْرِ وَإِنْ تَكُنْ لَمْ تَجِدَنَّ مَحْرَمَا يَسَعُهَا القُعُودُ (1) عِنْدَ العُلَمَا وَالخُلْفُ فِي إِلْزَامِهَا الوَصِيَّة (مَعَ وُجُودِ الْمَالِ فِي القَضِيَّة وَالعَبْدُ إِنْ حَجَّ وَبَعْدُ حُرِّرَا فَالخُلْفُ فِي إِجْزَائِهِ قَدْ ذُكِرَا كَذَلِكَ الصَّبِيُّ فِي صِبَاهُ إِنْ حَجَّ قِيلَ حَبُّهُ أَجْزَاهُ لَوْ كَانَ مِنْ بَعْدِ الْبُلُوغِ أَسْتَغْنَى وَوَجَدَ الزَّادَ وَكُلَّ مَعْنَى وَقِيلَ بَلْ عَلَيْهِ بَعْدَ الحُلُم يَحُجُّ وَهْوَ فَرْضُ كُلِّ مُسْلِمٍ
باب النيابة في الحج
مَنْ وجَدَ اسْتِطَاعَةً عَلَيْهِ بِالفَوْرِ أَنْ يُعَجِّلَنْ إِلَيْهِ هَمَّ أَبُو حَفْصٍ بِضَرْبِ الأَجَلِ وَجَعْلِ جِزْيَةٍ عَلَى التَّمَهُلِ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِالتَّهَاوُنِ وَهْوَ عَلَامَةُ الصَّلَالِ الْبَائِنِ وَبَعْضُهُمْ جَوَّزَ إِنْ تَمَهَّلَا مِنْ سَنَةٍ لِسَنةٍ لَا مُهْمِلا فَإِنْ غَشَاهُ المَوْتُ صَاقَ وَقْتُهُ وَنَابَ عَنْهُ إِبْنُهُ أَوْ أُخْتُهُ
(1) قوله: «يسعها القعود ... إلخ»، يحتمل أنه أراد بذلك أنها يسعُها القعود عن الخروج للحج لكونها معذورة، ويحتمل أن يكون أراد أنها يسعها القعود أي الخروج مع العلماء، وأراد بالعلماء
الثقات، وفاقًا لما قاله بعض العلماء، وأنها يسعها السفر بمعية ثقات المسلمين والله أعلم. (*) أي: هل للمرأة أن توصي بالحج ولا تحج بنفسها مع ملكها مالا يكفيها للحج؟ (إسماعيل) (2) الحلم البلوغ لقوله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنكُمُ الْحُلُم} [النور: 59]. (1/227)
صفحة 228
باب النيابة في الحج
الجزء الأول
227
يُوصِي بِهِ كَمِثْلِ دَيْنِ الْخَلْقِ كَذَاكَ فِي الْمِثَالِ دَيْنُ الْحَقِّ (1)
(*) (2)
بَلْ إِنَّهُ أَحَقُّ بِالقَصَاءِ لأَنَّهُ لِأَغْنَى (2)) الْأَغْنِيَاءِ وَقَدْ أَتَتْ نِيَابَةُ القَرِيبِ فِي فِعْلِهِ مِنْ سُنَّةِ الحَبِيبِ فَلَيْسَ لِلإِنْكَارِ مَعْنَى يُقْبَلُ بَعْدَ الَّذِي عَنِ النَّبِيِّ يُنْقَلُ لَكِنَّمَا ذَلِكَ حَيْثُ يُعْذَرُ لَا حَيْثُ مَا تَهَاوُنًا يُؤْخِّرُ وَأَكْثَرُ النَّاسِ يُؤَخِّرُونَا وَإِنَّهُ كَالدَّيْنِ يَزْعُمُونَا وَهُمْ لَعَمْرُ اللَّهِ مَغْرُورُونَا بِزُخْرُفِ الْقَوْلِ مُخَادَعُونَا وَلَا يَنُوبُ عَنْ سِوَاهُ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَنَّ مَا عَلَيْهِ يَلْزَمَنْ فَقَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ الْمُخْتَارُ وَرَخَّصُوا لِمَنْ بِهِ اضْطِرَارُ وَلَا يَنُوبُ الطِّفْلُ حَتَّى يَبْلُغَا وَيَصْلُحَنَّ أَنْ وَيَصْلُحَنَّ أَنْ يُرَى مُبَلِّغَا وَامْرَأَةٌ تَنُوبُ عَنْ أَبِيهَا وَهَكَذَا تَنُوبُ عَنْ أَخِيهَا كَذَلِكَ الأَعْمَى عَنِ البَصِيرِ كَذَلِكَ العَبْدُ مَعَ الأَجِيرِ
(3)
وَخَارِجُ بِالْحَجِّ عَنْ سِوَاهُ فَنَسِيَ (3) الإِسْمَ لذَاكَ مَا هُو يُجْزِيهِ إِحْرَامٌ لَهُ بِالنِّيَّة عَنْهُ وَفِيهِ يَبْلُغُ الْأُمْنِيَّة
(1) أي: دين الله. (2) قوله: «لأغنى» بفتح اللام أي الله سبحانه وتعالى هو أغنى الأغنياء، وذكرها بمعنى أن ذلك الحق هو لله، وهو أغنى الأغنياء، فهو أحق بالقضاء.
() ويمكن أن يكون بكسر اللام على أنها حرف جر بمعنى الملك وهو ظاهر. (إسماعيل)
(3) فنسي: أي نسي اسم الخارج عنه بالحج. (1/228)
صفحة 229
228
الجزء الأول
كتاب الحج
وَذَاكَ فِيمَا بَيْنَهُ وَرَبِّهِ وَالحُكْمُ (1) شَاهِدَانِ عِنْدَ صَحْبِهِ وَمَنْ عَلَيْهِ حِجَجٌ أَوْصَى بِهَا تُؤَدَّى بِالتَّرْتِيبِ فِي حِسَابِهَا في كُلِّ عَامٍ حَجَّةٌ وَقِيلَا لَا بَأْسَ أَنْ تُقْضَى جَمِيعًا حَوْلَا
باب العمرة
زِيَارَةُ البَيْتِ عَلَى التَّمَامِ مِنَ الطَّوَافِ وَمِنَ الإِحْرَامِ فِي سَائِرِ العَامِ تُسَمَّى عُمْرَهُ فَتَعْمُرُ الْبَيْتَ وَتُحْيِي ذِكْرَهُ فَضلُ مِنَ اللهِ عَلَى العِبَادِ لَا يُعْدَمُ الْبَيْتُ مِنَ التَّرْدَادِ وَالسَّعْيُّ مِنْ لَوَازِمِ الْأَفْعَالِ مَا بَيْنَ رَكْعَتَيْهِ وَالإِحْلَالِ وَهْيَ لَعَمْرِي حَجَّةٌ صَغِيرَهُ وَعِنْدَهَا فَضَائِلٌ كَثِيرَهُ فَقِيلَ سُنَّةٌ وَقِيلَ تَجِبُ وَقِيلَ لَا وُجُوبَ لَكِنْ تُنْدَبُ وَالْخُلْفُ هَلْ لَنَا نُكَرِّرَنْهَا فِي سَنَةٍ فَقِيلَ تُفْرِدَنْهَا فِي كُلِّ عَامٍ عُمْرَةٌ كَالحَجَّةِ وَقِيلَ بَلْ تُكَرَّرَنْ فِي سَنَةِ مِنْ عُمْرَةٍ لِعُمْرَةٍ يُكَفَّرُ مَا بَيْنَ ذَاكَ وَالذُّنُوبُ تُغفَرُ مَعْنَى حَدِيثٍ فِي الرَّبِيعِ وَرَدَا يُجَوِّزَنْ فِي عَامِهَا التَّعَدُّدَا وَالأَمْرُ فِي الْكِتَابِ بِالإِثْمَامِ يَسْتَلْزِمَنْ تَكْرَارَهَا فِي الْعَامِ
(1) قوله: «والحكم بالرفع على الابتداء، ويجوز جره عطفًا على الضمير المجرور، أو على تقدير في، أي عليه في الحكم شاهدًا. (1/229)
صفحة 230
باب الإحرام
الجزء الأول
229
باب الإحرام
وَذَاكَ أَمْرٌ لَا يَكُونُ أَبَدًا إِلَّا لِمَنْ تَنَسُّكًا قَدْ قَصَدًا وَلَا يَصِحُ نُسُكٌ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَالطَّوَافُ مِنْ إِيجَابِهِ وَهَيْئَةُ الإِحْرَامِ فِي الْأَحْوَالِ تُخَالِفَنَّ هَيْئَةَ الإِحْلَالِ فِي مَأْكَلٍ وَمَلْبَسٍ وَفِعْلِ لَا يَلْبَسُ الْأَخْفَافَ غَيْرَ النَّعْلِ وَإِنْ يَكُنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَيَقْطَعَنْ مِنْ كَعْبِهِ الْخُفَّيْنِ كَذَلِكَ الْمَخِيطُ أَيْضًا يُمْنَعُ إِلَّا النِّسَاءَ فَلَهَا لَا يُمْنَعُ وَهَكَذَا لَا يَلْبَسُ المُزَعْفَرَ ا (1) وَلَا مُوَرَّسًا (2) وَلَا مُعَصْفَرًا (3) وَيَكْشِفَنَّ الرَّأْسَ وَالوَجْهَ مَعَا فَإِنَّهُ عَنْ سَتْرِ ذَاكَ مُنِعَا وَتَكْشِفُ الْمَرَأَةُ وَجْهَهَا فَقَطْ وَلَا تُغَطِّيهِ فَإِنَّهُ غَلَطْ كَذَلِكَ الْحَرِيرَ تُمَنَعَنَّا وَالطَّيبَ أَيْضًا لَا تُقَرِّبَنَّا كَذَلِكَ الْحُلِيُّ أَيْضًا يُمْنَعُ وَقِرْطُهَا مِنْ أُذْنِهَا فَتَنْزِعُ
(1) المزعفر: المصبوغ بالزعفران.
(2) المورس: الثوب المصبوغ بالورس، وهو ضرب من النبات أصفر طيب الرائحة يُصبغ به، ولعل منعه لما فيه من تهييج الباءه، وإنما منع الطيب عن المحرم؛ لأنه يدعو إلى الجماع، ولأنه مناف لشعار الحج الذي كان منه البعد عن الزينة والترفه، وملاذ الدنيا المنافية لمقاصد الآخرة والاتصاف بالخشوع، والعصفر شجر القرطم. (أبو إسحاق) (3) المعصفر المصبوغ بالعصفر، وهو الشَّوْرَان بفتح الشين، وهو زهر نبت معروف يشبه الزعفران في اللون لا في العرف. (1/230)
صفحة 231
230
الجزء الأول
كتاب الحج
وَالْكُحْلُ لِلْمُحْرِمِ لَا بَأْسَ بِهِ إِنْ كَانَ ذَاكَ خَالِيًا مِنْ طِيبِهِ وَيَحْمِلُ الطَّيبَ أَخُو الإِحْرَامِ إِنْ كَانَ لِلبَيْعِ بِلَا مَلَامٍ وَذَاكَ إِنْ لَمْ يَلْصَقَنْ بِجَنْبِهِ وَلَا يَنَالُهُ بِفَضْلِ ثَوْبِهِ وَلَا يَجُوزُ أَبَدًا لِمُحْرِمِ يُرَاجِعُ الزَّوْجَةَ فَاسْمَعْ وَافْهَمِ وَلَا لَهُ يُزَوِّجُ النِّسَاءَ أَوْ يَتَزَوَّجْ غَادَةً حَسْنَاءَ قَدْ أَفْسَدَ الحَجَّ بِذَاكَ الْعَامِ مَنْ جَامَعَ الْمَرْأَةَ فِي الإِحْرَامِ وَحَجَّةٌ مِنْ قَابِلِ تَلْزِمُهُ بِهَا قَضَاءُ لِلَّذِي يَهْدِمُهُ نَهَى إِلَهُ العَرْشِ ذُو الْجَلَالِ عَنْ رَفَتْ (2) وَالْفِسْقِ وَالْجِدَالِ وَهْيَ الْحِمَاعُ وَالْمَعَاصِي وَالمِرَا فِي الحَجِّ مِنْهَا يَا فَتَى كُنْ حَذِرَا وَاعْتَزلَنَّ الطَّيبَ وَالنِّسَاءَ وَاتْرُكْ بِذَاكَ اللَّفْوَ وَالمِرَاءَ وَالشِّعْرُ لَا بَأْسَ بِهِ إِنْ أَنْشَدَا) لَوْ كَانَ فِي ذِكْرِ النِّسَاءِ وَرَدَا وَلَا يَقُصُّ ظُفُرًا وَلَا شَعَرْ مِنْهُ وَلَا يُؤَكِّرَنْ فِيهِ أَثَرْ
(1) قوله: «ولا له يزوج النساء .... إلخ» لعل الشيخ نور الدين اقتصر على قول بالمنع لكونه أصح عنده، وإلا ففي ذلك خلاف مشهور. (2) الرفث ما تضمن من الكلام لما يستقبح ذكره من دواعي الجماع وألفاظه، وكناية عن الجماع كما في قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَا بِكُمْ} [البقرة: 187] أي الإفضاء بالجماع، وأما الرفث في قوله تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ} (البقرة: 197) الآية، فعن ابن الخطاب هو الجماع، واقتصر عليه الناظم وهو الصحيح لما ورد أن ابن عباس كان ينشد في الطواف: فَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا. البيت. (أبو إسحاق)
(3) قوله: «إن أنشد» بالبناء للفاعل أي أنشده المحرم. (1/231)
صفحة 232
باب الإحرام
الجزء الأول
231
وَقَدْ رُوِي عَنْ بَحْرِنَا الفَقَامَهُ لَا بَأْسَ لِلْمُحِرِمِ بِالْحِجَامَهُ وَالشَّعْرُ لَا يُحْلَقُ تَحْتَ الْمِحْجَمِ إِنْ شَاءَ أَنْ يَسْلَمَ مِنْ حُكْمِ الدَّمِ وَإِنْ أَذَتْهُ ضِرْسُهُ أَبَانَهَا وَفِدْيَةٌ تَلْزَمُهُ مَكَانَهَا ومَا لَهُ أَنْ يَعْقِدَنَّ عَقْدَا وَرَخَصُوا فِي الْكِيسِ أَنْ يُشَدَّا كَذَلِكَ الْكَسْرُ يُجَبِّرَتْهُ وَالرَّأْسَ مِنْ ضُرٍّ يُغطِّيَنْهُ وَيَحْلِقَنَّهُ إِذَا أَذَاهُ وَفِدْيَةٌ تَلْزَمُ إِنْ أَتَاهُ وَإِنْ يَكُنْ سِوَاهُ قَدْ غَطَّاهُ لَا بَأْسَ إِنْ كَانَ بِلَا رِضَاهُ وَمَا لَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَنَّا لِلصَّيْدِ مُطْلَقًا فَيَقْتُلَنَّا إِلَّا إِذَا مَا كَانَ صَيْدَ بَحْرِ فَإِنَّ حِلَّهُ أَتَى فِي الذِّكْرِ وَأَكْلُ صَيْدِ الْبَرِّ فِي الإِحْرَامِ عِندَهُمُ مِنْ جُمْلَةِ الْحَرَامِ وَجَائِزٌ أَنْ يَذْبَحَ الأَهْلِيَّا وَيَأْكُلَنَّ لَحْمَهُ هَنِيَّا مِنْ غَنَمٍ أَوْ مِنْ دَجَاجِ كَانَا وَيَأْكُلَنَّ بَيْضَهُ عِيَانَا لأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الصُّيُودِ لَا يَدْخُلَنْ فِي جُمْلَةِ الْمَحْدُودِ وَيَقْتُلُ الْمُحْرِمُ سَبْعًا تُذْكَرُ حَدَأَةً وَالْكَلبَ مَهْمَا يَعْقِرُ وعَقْرَبًا وَحَيَّةٌ غُرَابَا وَقِيلَ يُرْمَى إِنْ أَتَى الرِّكَابَا
(1) قوله: «عندهم أي عند الجمهور، وبه قال أصحابنا، وبعضهم يقول بتحريم الاصطياد على المحرم، ولا يحرم عليه أكله إذا لم يصده هو، ولا صيد من أجله. (1/232)
صفحة 233
232
الجزء الأول
كتاب الحج
فَأَرَةً وَسَبْعًا أَتَاهُ وَمِثْلُهَا قِيلَ الَّذِي آذَاهُ (1) وَالْبَاغِي إِنْ أَتَاكَ فَادْفَعَنْهُ لَوْ كُنْتَ فِي الدِّفَاعِ تَقْتُلَنْهُ وَمَا عَلَيْكَ حَرَجٌ مِنْ ذَاكَا عَن الْهَلَاكِ رَبُّنَا نَهَاكَا اللَّهِ دَرُّ الشَّرْعِ مَا أَكْرَمَهُ قَدْ رَفَعَ الْبَاسَ وَقَدْ كَرَّمَهُ (2) وَالذُّلُّ لَمْ يُشْرَعْ لَنَا فِي مَوْطِن فَمَا الدَّلِيلُ عِنْدَنَا بِمُؤْمِنِ عَنَيْتُ ذُلَّا قَدْ نُهِينَا عَنْهُ فَالحِلْمُ وَالتَّقَاةُ (3) لَيْسَ مِنْهُ
ذكر بدء الإحرام
وَقَاصِدٌ لِنُسُكِ الإِسْلَامِ لَا يَعْدُونْ مَوَاضِعَ الْإِحْرَامِ لَا يَعْدُونَهَا وَهْوَ غَيْرُ مُحْرِمِ فَإِنْ تَعَدَّى قِيلَ فِيهِ بِالدَّمِ يَلَمْلَمُ مِيقَاتُ أَهْلِ اليَمَنِ وَذُو الحُلَيْفَةِ لِكُلِّ مَدَنِي وَجُحْفَةٌ أَيْضًا لَأَهْلِ الشَّامِ وَقَرَنٌ لَنَجْدِهَا النِّهَامِي وَذَاتُ عِرْقٍ للعِرَاقِ وَلِمَنْ أَتَى إِلَيْهَا لَوْ أَتَى مِنَ اليَمَنْ
(1) ورد أيضا في الحديث قتل الذئب والنمر وقتل الوزغ على ما رواه الطبراني: «اقتلوا الوزغ ولو في جوف الكعبة» فمجموع ما ورد قتله عشرة، وهي تقتل مطلقًا أو إذا خيف منها؟ فيه خلاف في غير الحية والعقرب وما شاكلها من ذوات السموم؛ لأن ضررها غير مأمون مطلقًا، وقال بعض: الأمر بالقتل على عمومه والتقييد بالخوف يحتاج إلى دليل، ولم يرد. (أبو إسحاق) (2) الضمير في (كرَّمَهُ) عائد إلى المؤمن المقصود بذلك. (3) التقاة: التقية قال الله تعالى: {إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَةً} [آل عمران: 28]. (4) قوله: «وقرن» بفتح الراء لإقامة الوزن، وإنما هو بإسكانها في الأصل. (1/233)
صفحة 234
ذكر بدء الإحرام
الجزء الأول
233
كَذَاكَ فِي بَقِيَّةِ المَوَاضِع لِمَنْ أَتَى مِنْ آهِلِ وَشَاسِعِ وَمَنْ يَكُنْ مَحَلُّهُ بِالْقُرْبِ مِنْ مَكَةٍ مِنْ أَهْلِهِ يُلَبِّي وَمَنْ يَكُنْ بِمَكَّةٍ مُقَامَهُ مِنْ مَكَةٍ لَا غَيْرِهَا إِحْرَامُهُ فَاحْرِمْ مِنَ البَطْحَا أَوِ الْمِيزَابِ أَوْ مَسْجِدِ الْجِنِّ مَعَ الْأَصْحَابِ وَإِنْ يَشَا الْعُمْرَةَ يَقْصِدَنَّا لِلْحِلِّ ثُمَّ فِيهِ يُحْرِمَنَّا وَبَعْدَ ذَا يَطُوفُ ثُمَّ يَسْعَى فَيَجْمَعَنَّ الْمَوْضِعَيْنِ جَمْعًا فَالْمَوْضِعَانِ الحِلُّ ثُمَّ الحَرَمُ جَمْعُهُمَا فِي النُّسُكَيْنِ يَلْزَمُ فَإِنْ بَلَغْتَ مَوْضِعَ الإِحْرَامِ فَاحْرِمْ وَلَبِّ خَالِقَ الأَنَامِ وَاذْهَنْ بُدُهْنِ مَا بِهِ مِنْ طِيبِ وَاغْتَسِلَنْ بِالمَاءِ لِلتَّطْبِيبِ مِنْ بَعْدِ أَنْ تُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ إِنْ لَمْ يَكُنْ فَرْضٌ بِذَاكَ الحِينِ وَإِنْ يَكُنْ فَرْضٌ فَأَحْرِمَنَّا مِنْ بَعْدِهِ وَذَاكَ يُجْزِيَنَّا أَمَّا اللُّزُومُ لَا نُزُومَ فِيهِ لَوْنَجَسًا أَوْ جُنُبًا يَكْفِيهِ إِذْ لَيْسَ مِنْ لَوَازِمِ الإِحْرَامِ طَهَارَةُ الأَبْدَانِ بِالتَّمَامِ كَذَلِكَ الْوُقُوفُ وَالْمَشَاعِرُ) وَلَا تَطْفْ إِلَّا وَأَنْتَ طَاهِرُ مِنْ ثَمَّ كَانَتِ النِّسَاءُ الْحُيَّضُ لَا تُمْنَعَنْ مِنْ كُلِّ فِعْلٍ يُفْرَضُ
(1) قوله: «كذلك الوقوف والمشاعر أي أنها تجزئ من الجنب إلا الطواف؛ فإنَّ الطهارة
شرط فيها. (1/234)
صفحة 235
234
الجزء الأول
كتاب الحج
إِلَّا الطَّوَافَ فَإِلَى أَنْ تَطْهُرَا وَيُحْبَسَنْ لَهَا الْمُكَارَى إِنْ طَرَا وَالْبَسْ إِزَارًا وَرِدَاءًا طَهُرَا لَمْ يُلْبَسَا مِنْ بَعْدِ مَا قَدْ طُهِّرَا وَانتَصِبَنْ مُلَبِّيَّا تَذْكُرُ مَا قَصَدْتَهُ مِنْ نُسُكَيْكَ مُحْرِمَا بِحَجَةٍ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا فَأَنْتَ قَارِنٌ مُضِيفٌ لَهُمَا فَمُفْرِدُ بِالْحَجِّ مَا عَلَيْهِ إِلَّا تَمَامُ حَجِّهِ لَدَيْهِ فَلَا ذِبَاحَ لَا وَلَا صِيَامَا عَلَيْهِ فِيهِ لَا وَلَا إِطْعَامَا وَمُفْرِدٌ بِعُمْرَةٍ لَا يَلْزَمُهُ سِوَى الَّذِي مِنْ فِعْلِهِ يَلْتَزِمُهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ اعْتَمَرُ ثُمَّ أَحَلَّ بَعْدَ ذَاكَ وَاسْتَقَرْ يَفْعَلُ مَا شَاءَ إِلَى أَنْ حَجَّا فِي عَامِهِ وَبِالتَّلَبِّي عَجَّا (2) فَذَاكَ ذُو تَمَتَّعِ مُشْتَهِرُ يَلْزَمُهُ هَدْيٌّ هُنَاكَ يَنْحَرُ إِنْ لَمْ يَجِدْ يَصُومُ عَشْرًا كَامِلَهْ ثَلَاثَةٌ فِي الحَجِّ قَبْلَ القَافِلَهُ (3) وَسَبْعَةً بَعْدَ الرُّجُوعِ تَلْزَمُ وَذَاكَ عَنْ تَمَتُّعِ مُلْتَزَمُ كَفَّارَةُ التَّلَذُّذِ الْمُحَدَّدِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُجَاوِرًا لِلْمَسْجِدِ وَالْخُلْفُ فِي الهَدْيِ عَلَى مَنْ قَرَنَا وَلَا أَرَى اللُّزُومَ شَيْئًا بَيْنَا
(1) قوله: «مُكَارَى» أي الجَمَّال أو الحَمَّار الذي استأجرته لحملها، فإنه يُحْبَس معها بمكة إلى أن تطهر من حيضها، وتطوف بالبيت طواف الإفاضة، وذلك إذا لم يوجد من يحملها إذا لم يقف
معها دفعًا للضرر.
(2) أي رفع صوته. (أبو إسحاق)
(3) قبل القافلة: أي قبل الرجوع. (1/235)
صفحة 236
باب الطواف
الجزء الأول
235
وَالْخُلْفُ فِي السَّعْيِ وَفِي الطَّوَافِ فَقِيلَ سَعْيٌّ وَطَوَافٌ كَافِي وَقِيلَ بَلْ يَلْزَمُهُ إِثْنَانِ مِنَ الطَّوَافِ وَكَذَا سَعْيَانِ لأَنَّهُ لِلنُّسُكَيْنِ جَمَعَا فَوَاحِبٌ فِعْلُهُمَا مُجْتَمِعَا وَمَنْ يَكُونُ نَائِبًا فِي الفِعْلِ فحُكْمُهُ فِي ذَاكَ حُكْمُ الْأَصْلِ وَمَنْ يَكُنْ قَدْ أَحْرَمَ الصَّبِيَّا فَمَا جَنَاهُ يَلْزَمُ الْوَلِيَّا
باب الطواف
وَمَنْ يَدُرُ بِالْبَيْتِ لِلتَّعَبدِ سَبْعًا فَذَلِكَ الطَّوَافُ فَاعْبُدِ يَكُونُ فِيهِ الذِّكْرُ وَالتَّسْبِيحُ وَالطُّهَرُ فِيهِ شَرْطُهُ الصَّحِيحُ وَهْوَ إِلَى فَرْضِ وَنَفْلٍ يَنْقَسِمْ مِثْلَ الصَّلَاةِ لَكِنْ جُوزَ الْكَلِمُ فَالفَرْضُ فِعْلُهُ لِحَالِ العُمْرَةِ وَبَعْدَ إِحْلَالِ لِحَالِ الْحَجَّةِ وَالنَّفْلُ مَا عَدَاهُمَا فَيُنْدَبُ لِمَنْ هُنَاكَ يَفْعَلَنْ وَيَرْغَبُ يُكْثِرُ فِي الدُّعَاءِ بِالْإِلْحَافِ بِالرُّكْنِ وَالمِيزَابِ وَالطَّوَافِ وَجَائِزُ يَحْفَظُ بِالْأَنَامِلِ عَدَّ الطَّوَافِ وَحَصَى الْجَنَادِلِ وَبِاللَّسَانِ أَيَّ ذَاكَ يَفْعَلُ وَجَائِةٌ لِطَائِفَ يَشْتَمِلُ وَمَا بِهِ قَدْ جَازَتِ الصَّلَاةُ جَازَ الطَّوَافُ قَدْ رَوَى الثَّقَاتُ وَغَيْرُهُ إِعَادَةُ الطَّوافِ تَلزَمُهُ قِيلَ بِلَا اخْتِلَافِ
(1) أحرمه: أي جَعَلَهُ محرمًا، أو أمره بالإحرام، أو ألْبَسَهُ لباس الإحرام وهو صبي. (1/236)
صفحة 237
236
الجزء الأول
كتاب الحج
وَفِي
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَطُوفَ عَارِي فِي فِعْلِ ذَاكَ غَضَبُ الجَبَّارِ وَاشْرَبْ إِذَا مَا شِئْتَ فِي الطَّوَافِ فَالحُكْمُ فِي ذَلِكَ غَيْرُ خَافِ الطَّوَافِ تَبْتَدِي بِالحَجَرِ وَتَخْتِمَنْ بِهِ تَمَامَ الأَثَرِ فَتَجْعَلُ الْبَيْتَ عَلَى اليَسَارِ حَتَّى تَتِمَّ سَبْعَةُ الْأَدْوَارِ وَاسْتَلِمِ الرُّكْنَ وَلَا تُزَاحِمَا أَشِرْ إِلَيْهِ إِنْ تَرَى تَزَاحُمَا وَصَلَّ رَكْعَتَيْنِ فِي المَقَامِ تَكُونُ لِلطَّوَافِ كَالخِتَامِ وَتَارِكُ الرُّكُوعِ يَرْجِعَنَّا مَا دَامَ بِالقُرْبِ وَيَرْكَعَنَّا فَإِنْ مَضَى فَقِيلَ حَبُّهُ فَسَدْ وَقِيلَ بَلْ يَلْزَمُهُ دَمُ فَقَدْ)
باب السعي
وَالسَّعْيُ بَيْنَ الْمَرْوَتَيْنِ يَلْزَمُ فَرْضًا وَقِيلَ سُنَّةٌ فِيهَا دَمُ مَحَلُّهُ بَعْدَ الطَّوَافِ الْوَاجِبِ فَمَنْ يُقَدِّمْهُ فَغَيْرُ صَائِبِ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهُ مِنْ بَعْدِ طَوَافِهِ فَيَظْفَرَنْ بِالرُّشْدِ تَخْرُجُ مِنْ بَابِ الصَّفَا وَتَبْتَدِي بِهِ إِلَى الْمَرْوَةِ سَبْعًا تَقْتَدِي فَتَحْسِبُ المَسِيرَ وَالرُّجُوعًا شَوْطَيْنِ حَتَّى تُكْمِلَ التَّسْبِيعَا تُهَرْ ولَنَّ فِي الْمَسِيلِ الْمُنْحَدِرُ وَتَمْشِيَنْ فِيمَا عَدَاهُ مُسْتَقِرْ
(1) قوله: «فالحكم» وفي نسخة فالحِلُّ.
(2) قوله: «فقد» أي فقط. (1/237)
صفحة 238
باب الإحلال
الجزء الأول
237
وَمَا عَلَى النِّسَاءِ أَنْ تُهَرْوِلَا لَكِنَّهَا تُؤْمَرُ أَنْ تُعَجِّلَا كَذَلِكَ الْمَرِيضُ إِنْ لَمْ يَقْدِرِ فَإِنَّهُ بِالعُذْرِ أَوْلَى فَاعْذُرِ وَمَنْ نَسِي فَلَمْ يُهَرْوِلَنَّا فَقِيلَ بِالنِّسْيَانِ يُعْذَرَنَّا كَذَاكَ مَنْ يَتْرُكُهُ لِجَهْلِهِ بِأَنَّهُ المَسْنُونُ عِنْدَ فِعْلِهِ وَمُرْمِلٌ فِي سَعْيِهِ جَمِيعًا جَهْلًا فَقِيلَ لَا نَرَى التَّصْيِيعَا وَإِنْ يَكُنْ أَسَاءَ فِي أَفْعَالِهِ فَالنَّقْصُ لَا يَدْخُلُ فِي أَعْمَالِهِ وَجَائِزُ تَسْعَى وَأَنتَ رَاكِبُ وَالفَضْلُ لِلمُشَاةِ فَضْلُ وَاجِبُ
باب الإحلال
وَذَاكَ مَعْنًى خَالَفَ الإِحْرَامَا يُبَاحُ مَا كَانَ بِهِ حَرَامَا مِنَ النِّسَا وَصَيْدِ غَيْرِ الْحَرَمِ وَالأَكْلِ وَاللَّبَاسِ طُرًّا فَاعْلَمِ يَكُونُ بَعْدَ السَّعْيِ لِلْمُعْتَمِرِ وَبَعْدَ نَحْرٍ لِلنَّسِيكِ الْأَكْبَرِ (1) وَالصَّيْدُ وَالنِّسَاءُ يُمْنَعَانِ قَبْلَ الطَّوَافِ لِلْمُحِلَّ الثَّانِي وَالطَّيبُ قَالَ فِيهِ بَعْضُ الْعُلَمَا كَمِثْلِهِ وَقِيلَ لَمْ يُحَرَّمَا وَمَنْ يَسُقْ لِلْهَدْيِ حِينَ اعْتَمَرَا فَذَاكَ لَا يُحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَا
(1) قوله: «النسيك الأكبر هو طواف الزيارة، والأصغر ما يكون من النحر والحلق قبله، فلا يحل له صيد البر ولا النساء إلا بعد الطواف والخلف في الطيب، هذا هو المشهور في ذلك. (*) (للمحل) بفتح الحاء على أنه مصدر ميمي بمعنى الإحلال أي قبل الطواف للإحلال الثاني أو بكسر الحاء على أنه اسم فاعل والمراد بالمحل الثاني من أحل الإحلال الثاني، وقد يكون (المحل)
بكسر الحاء بمعنى الإحلال؛ فهو من باب المجاز المرسل وعلاقته الاشتقاق. إسماعيل) (1/238)
صفحة 239
238
الجزء الأول
كتاب الحج
وَقَارِنُ يُقِيمُ فِي إِحْرَامِهِ وَيَعْمَلُ الحَجَّ إِلَى تَمَامِهِ وَإِنْ يَكُنْ لَمْ يَسْقِ الْهَدْيَ لَهُ يَجْعَلُهُ تَمَتُّعًا إِهْلَالَهُ وَالحَلْق وَالتَّقْصِيرُ لِلشُّعُورِ يُبِيحُ مَا كَانَ مِنَ المَحْجُورِ وَذَاكَ كَالتَّسْلِيم للمُصَلِّي يَخْرُجُ مِنْ تَحْرِيمِهَا لِلْحِلَّ فَالْحَلْقُ أَنْ تَسْتَقْصِيَنَّ (1) الشَّعْرَا وَفَضْلُهُ عَلَى سِوَاهُ اشْتَهَرَا وَالثَّانِي أَنْ تُقَصِّرَنَّ طُولَهُ وَتُبْقِيَنْ كَحَالِهَا أُصُولَهُ وَلَيْسَ لِلنِّسَاءِ إِلَّا الثَّانِي فَالْحَلْقُ لَا يَكُونُ فِي النِّسْوَانِ تَأْخُذُ مِنْهُ قَدْرَ أُصْبُعَيْنِ لَأَرْبَعِ أَصَابِعَ الْيَدَيْنِ
(*)
وَأَيْمَنَ الشَّقَيْنِ قَدِّمَنَّا في الحَلْقِ وَالقِبْلَةَ وَجَهَنَّا وَأَصْلَعُ الرَأْسِ يُمِرُّ الآلَهُ فِي رَأْسِهِ وَكَانَ ذَا إِخْلَالَهُ
باب عرفة والمشاعر
وَمَنْ يَكُنْ أَحَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ بِحَجَّةٍ يُحْرِمُ مِنْ مَكَّتِهِ فَقِيلَ إِنْ رَأَى هِلَالَ الْحَجِّ يُهِلُّ (2) فِي الْحَالِ بِذَاكَ الحَجِّ وَقِيلَ بَلْ يُهِلَّ يَوْمَ التَّرْوِيَهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ لِمَنِّى وَالتَّهْنِتَهُ
(1) قوله: «تستقصين» أي تستأصله بالموسى. (أبو إسحاق)
(*)
يجوز نصب (أصابع) على نزع الخافض والتقدير: بأصابع اليدين، ويجوز الجرُّ على أنه بدل من
(أربع). (إسماعيل)
(2) يُهِلُّ: أَي يُحْرِمُ. (1/239)
صفحة 240
باب عرفة والمشاعر
الجزء الأول
239
يُحْرِمُ عِنْدَ بَيْتِهِ مِنْ بَابِهِ وَإِنْ يَشَا فِي الْبَيْتِ مِنْ مِيزَابِهِ وَهْوَ الشَّهِيرُ وَعَلَيْهِ العَمَلُ ثُمَّ يُوَدِّعَنَّ ثُمَّ يَرْحَلُ وَذَا الوَدَاعُ بِطَوافِ الصَّدْرِ يُعْرَفُ فِي عُرْفِهِمُ الْمُشْتَهِرِ وَاقْصِدْ مِنِّي وَصَلِّ فِيهَا الظُّهْرَا وَالْعَصْرَ ثُمَّ هَكَذَا وَالْفَجْرَا
(1)
تُصَلِّي فِيهَا الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ وَكُنْ بِهَا إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا تَجَاوِزَنَّ لِلْمُحَسِّرِ قَبْلَ الطُّلُوعِ بَلْ لَهُ فَانْتَظِرِ وَامْضِ وَأَنْتَ دَائِمَا تُلَبِّي حَتَّى تُوَافِي عَرَفَاتِ الْقُرْبِ وَبَعْدَ أَنْ تَزُولَ (2) صَلِّيَنَّا جَمْعًا بِهَا وَلَا تُؤَخِّرَنَّا فَصَلَّ عِنْدَ النَّاسِ وَاسْمَعَنَّا خُطْبَتَهُ إِنْ قَامَ يَخْطُبَنَّا وَكُنْ إِلَى الْغُرُوبِ فِي ابْتِهَالِ وَفِي دُعَاءِ كَامِلِ الْأَحْوَالِ فَإِنَّهَا عَشِيَّةٌ مُبَارَكَهُ لَيْسَ لَهَا فِي الحُسْنِ مِنْ مُشَارِكَة () فَاخِرَةٌ تُبْهجُ مَنْ تَأَمَّلَا وَتُمْنَحُ الخُيَرَاتُ فِيهَا وَالْعُلَا مِنْ فَضْلِهَا وَالْكُلُّ فَضْلُ اللهِ بِأَهْلِهَا مَلَائِكًا يُبَاهِي فَاحْرِصْ عَلَى الخَيْرَاتِ فِي ذَا الْيَوْمِ وَسَارِعَنَّ فِي لِحَاقِ الْقَوْمِ فَأَسَأَلُ الرَّحَمَنَ مِنْ خَيْرِ نُزُلُ فِيهَا وَأَنْ يَجَعَلَنِي مِمَّنْ وَصَلْ
ض حجر
(1) الخمس بالخفض للمجاورة كقولهم هذا (2) تدخل الزوال أو أراد تزول الشمس. (أبو إسحاق)
خرب.
(*) عجز البيت تضمين، فهو للمحقق الخليلي في مقاليد التصريف. (إسماعيل)
(*) هذا الشطر أيضًا من مقاليد التصريف. (إسماعيل) (1/240)
صفحة 241
240
الجزء الأول
كتاب الحج
وَاللهُ حَسْبِي وَعَلَيْهِ الْمُتَّكَلُ فَلَمْ يُخَيَّبْ مَنْ عَلَى اللَّهِ اتَّكَلْ) وَكَرَّهُوا الصِّيَامَ مِمَّنْ يَقِفُ لِأَنَّهُ عَنِ الْوُقُوفِ يَضعُفُ وَالطَّهْرُ فِيهَا مُسْتَحَتْ فَاعْرِفَا وَجَائِزٌ لِحَائِضِ أَنْ تَقِفَا وَالنُّفَسَاءُ مِثْلُهَا وَالْجُنُبُ وَالطُّهْرُ إِنْ أَمْكَنَ فَهْوَ أَوْجَبُ وَلَا وُقُوفَ لِلَّذِي قَدْ سَكِرَا حَتَّى مَضَى النَّهَارُ وَهْوَ مَا دَرَى وَإِنْ يَكُنْ دَرَى وَلَوْ قَلِيلًا فَذَاكَ يُجْزِيهِ عَلَى مَا قِيلَا وَعَرَفَاتٌ لِلْوُقُوفِ مَوْضِعُ جَمِيعُهَا وَأَصْلُهَا مُتَسِعُ وَأَرْضُهَا تَضُمُّ الْوَاقِفِينَا ثُمَّ الْحَصَاةُ) لِلْعُمَانِيِّينَا وَعُرْنَةٌ) لَيْسَ لَنَا بِمَوْقِفِ مَوْقِفُ إِبْلِيسَ بِهَا لَا تَقِفِ مَوْضِعُهَا الْمَعْرُوفُ دُونَ عَرَفَهُ إِذَا جَهِلْتَ فَاسْأَلَنْ مَنْ عَرَفَهُ وَلَا تُفِضْ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَهَدْيْنَا مُخَالِفٌ لِلرِّجْسِ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ العَرَبُ فَإِنَّهُمْ لَا يَنْظُرُونَ تَغْرُبُ وَسِرْ وَلَا تُصَلِّ قَبْلَ جَمْعِ وَصَلِّيَنْ بِهَا صَلَاةَ الجَمْعِ تَجْمَعُ فِيهَا لِلْعِشَاءَيْنِ مَعَا مِنْ غَيْرِ فَاصِلٍ هُنَاكَ وَقَعَا وَقِفْ عَلَى الْمَشْعَرِ إِنْ نِلْتَ نَفَسٌ (2)
وَبِتْ وَصَلِّ الْفَجْرَ فِيهَا بَغَلَسْ
(****)
(*) البيت تضمين من مقاليد التصريف. (إسماعيل)
(1) الحصاة: موضع معروف في عرفة اعتاد الوقوف فيه أهل عُمان. (*) عُرَنة: بفتح الراء، وسكنها الناظم ضرورة. (إسماعيل) (***) ينظرون: أي ينتظرون. (إسماعيل)
(***) بغلس: أي في أول الفجر مع وجود الظلام. (إسماعيل)
(2) نفس: أي سعة.
(***) (1/241)
صفحة 242
باب رمي
الجمار
الجزء الأول
241
(1)
وَاذْكُرْ هَنَاكَ اللَّهَ ذِكْرًا وَاسِعَا تَلْقَاهُ عِنْدَ اللهِ يَوْمًا نَافِعَا وَقَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ شَمْسٌ فَاقْطَع مُحَسِّرًا إِلَى مِنِّى ثُمَّ ارْتَعِ وَارْمِ بِهَا جَمْرَتَهَا الْكَبِيرَهُ سَبْعًا لِكُلِّ رَمْيَةٍ تَكْبِيرَةَ وَاذْبَحْ أَوِ انْحَرْ فَمِنّى لِلْمَنْحَر (1) وَاحْلِقْ وَقَصِّرْ إِنْ تَشَا لِلشَّعَرِ وَامْضِ تَزُورُ البَيْتَ ثُمَّ تَسْعَى وَارْجِعْ وَلَا تَبِتْ هُنَاكَ قَطْعَا فَإِنَّمَا هَذِي الأَيَّالِي لِمِنَى وَالدَّمُ يَلْزَمَنَّ مَنْ بَاتَ هُنَا (2) وَالدَّمُ قِيلَ يَلْزَمَنْ مَنْ حَلَقَا ثُمَّ إِلَى رَمْي الحِمَارِ انْطَلَقَا كَذَاكَ إِنْ أَخَرَ مَا قَدْ قُدِّمَا أَوْ قَدَّمَ الأَخِيرَ يَذْبَحَنْ دَمَا
باب رمي الجمار
وَمِنْ تَمَامِ النُّسُكِ الْمُخْتَارِ لِلنَّاسِكِينَ الرَّمْيُ لِلْحِمَارِ وَهْيَ مَوَاضِعٌ أُعِدَّتْ بِمِنَى ثَلَاثَةٌ مَوْضِعُهَا قَدْ بُيِّنَا بَنَوا عَلَيْهَا نُقَصَا تُعَرِّفُ وَكُلُّهَا بَعْدَ الزَّوَالِ يُقْذَفُ (3) وَوَقْتُهُ إِلَى مَغِيبِ الشَّمْسِ وَجَمْرَةُ الْعَقْبَةِ تُرْمَى أَمْسِ (4) قَبْلَ الزَّوَالَ قَبْلَ أَنْ تُحِلَّا وَسَائِرَ الْأَيَّامِ تَرْمِي الْكُلَّا وَجَائِزٌ أَيْضًا بِلَا نِزَاع بِاللَّيْلِ رَمْيَّ خَائِفِ وَرَاعِي
(1) يعني أي موضع النحر في اليوم العاشر من ذي الحجة.
(2) هنا: أي في مكة أو غيرها مما سوى منى، وقيل ليس عليه شيء كما جاء في الحديث. (*) النقص مفردها نَقْصة، والمراد بها الأعمدة التي يقوم عليها البناء في لهجة العُمانيين. (إسماعيل)
(3) يُقذف: أي يُرمى. إسماعيل)
(4) أمس: أي في اليوم العاشر قبل الزوال. (1/242)
صفحة 243
242
الجزء الأول
كتاب الحج
يَرْمِي
فَالرَّمْيُّ وَالذَّبْحُ مَعَا وَالنَّحْرُ تُفْعَلُ فِي نَهَارِهَا وَالنَّفْرُ وَمَنْ نَسِي إِلَى الْغُرُوبِ يَقْضِي مَا قَدْ نَسِي مِنْ فِعْلِ هَذَا الْفَرْضِ غَدًا عَنْ يَوْمِهِ وَأَمْسِ وَذَاكَ يُجْزِيهِ إِذَا مَا أُنْسِي وَيَنْبَغِي لِمَنْ رَمَى الحِمَارَا يُكَبِّرُ اللهَ بِهِ جِهَارًا كُلُ حَصَاةٍ عِنْدَهَا تَكْبِيرَهُ وَيَحْمَدُ اللهَ مَعَ الأَخِيرَة وَمَنْ رَمَاهَا بِثَمَانٍ حَصَلَا بِالسَّبْعِ وَالأَخِيرُ جَهْلُ أُهْمِلَا وَالحَجَرَ السَّبْعِينَ هَيِّئَنَّا مِثْلُ حَصَى الخَذْفِ (1) يُقَدَّرَنَا يُلْقَطُ كُلُّهُ مِنَ الْمُزْدَلِفَهُ وَتَغْسِلَنَّهُ لِكَيْ تُنَطِّفَهُ وَجَائِزُ إِنْ كَانَ مِنْ أَرْضِ الحَرَمُ مَنْ أَيِّ مَوْضِعِ يَكُونُ مُحْتَرَمْ وَمِنْ مَسِيلِ الْوَادِي تَرْمِيَنًا كَمِثْل مَا الْمُخْتَارُ يَفْعَلنَّا وَجَائِزُ تَرْمِي وَأَنْتَ رَاكِبُ وَجَائِزُ يَنُوبُ فِيهِ النَّائِبُ إِنْ كَانَ مِنْ ضَرُورَةٍ قَدْ نَابَا فَإِنَّهُ فِي فِعْلِهِ أَصَابَا أَمَّا الطَّوَافُ لَا يُطَافُ عَنْهُ إِنْ مَرِضَ الْقَرِيبُ فَاحْمِلَنْهُ وَطُفْ بِهِ وَهَكَذَا يُرَكَّبُ وَإِنْ يَمُتْ يَطُوفُ عَنْهُ الْأَقْرَبُ وَبِمِنَى ثَلَاثَةُ الأَيَّامِ مَرْتَبَعُ الْمَبِيتِ وَالْمُقَامِ
(1) الخذف الرمي بالحصاة من بين إصبعين، ويقال من أعمال قوم لوط، وهو بالخاء المعجمة
والذال المعجمة.
التقطه
() دلت الآثار أن عبد الله بن عباس قد التقط للرسول الكريم من موقفه الذي وقف فيه لرمي جمرة ر، والله أعلم، والمراد أنه العاشر، من الحرم لا من الجل. (إسماعيل) بحصى يرمي (*) غسل الحصى الذي يرمى به لم يثبت فيه شيء منقول، وهو مما استحبه بعض العلماء. (إسماعيل)
العقبة
يوم (1/243)
صفحة 244
باب وداع البيت
الجزء الأول
243
وَيَكفِي يَوْمَانِ لِمَنَ تَعَجَّلًا وَكَانَ قَبْلَ اللَّيْلِ مِنْهَا رَحَلَا وَإِنْ أَتَى اللَّيْلُ عَلَيْهِ وَجَبَا عَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّهَا مُسْتَوْعِبَا وَأَوَّلُ النَّفْرَيْنِ هُوَ الأَوَّلُ وَالْفَضْلُ فِي الأَخِيرِ لَيْسَ يُجهَلُ)
باب وداع البيت
وَبِتَمَامِ هَذِهِ الأَشْيَاءِ يَتِمُّ حَبُّهُ عَلَى اسْتِيفَاءِ لَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يُودِّعَنَّا لِلْبَيْتِ مَهْمَا شَاءَ يَرْحَلَنَّا يَطُوفُ سَبْعًا وَيُصَلِّيَنَّا عِنْدَ الْمَقَامِ ثُمَّ يَدْعُوَنًا حَتَّى يَكُونَ الْبَيْتُ أَدْنَى عَهْدِهِ وَلَا يَبِعْ أَوْ يَشْتَرِي مِنْ بَعْدِهِ وَشَدَّدَ القَائِلُ حَيْثُ أَوْجَبَا دَمًا عَلَى مَنْ بَعْدَهُ قَدْ شَرِبَا وَتَارِكُ الوَدَاعِ عَمْدًا يَذْبَحُ كَفَّارَةً تَجْبُرُهُ وَتُصْلِحُ وَمَا عَلَى تَارِكِهِ لِعُذْرِ كَحَائِضِ وَمَرَضِ مِنْ جَبْرِ
باب الفدية والجزاء
وَمَنْ جَنَى يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ أَوْ لَوَّثَ (1) الإِحْرَامَ فَالفِدَاءُ لَوْ كَانَ مِنْ ضَرُورَةٍ أَوْ بَاسِ
يُلَوِّثُ الإِحْرَامَ حَلْقُ الرَّاسِ
6
(*) جاء في الآثار أن النبي الكريم تأخر فبقي ثلاثة أيام بمنى ونفر إلى مكة بعد زول اليوم
الثالث عشر، والله أعلم. (إسماعيل)
(1) لوث: أي أفسد، والمراد بتلويث الإحرام فعل شيء مما يحظر فيه. (1/244)
صفحة 245
244
الجزء الأول
كتاب الحج
وَمِثْلُهُ
فِي الرَّأْسِ أَيْضًا تَغْطِيَهُ) أَوْ لَبِسَ الْمَخِيطَ مِثْلَ الأَقْبِيَهْ أَوْ لَبِسَ الأَخْفَافَ عِنْدَ النَّعْلِ أَوْ قَطَعَ الأَظْفَارَ قَبْلَ الحِلِّ أَوْ يُدْمِيَنَّ الْجَسَدَ الْمُحَرَّمَا أَوْ يَقْطَعَنَّ الشَّعَرَ الْمُكَرَّمَا
فَهَذِهِ وَنَحْوُهَا مَمْنُوعَهُ تَلْزَمُ فِيهَا الْفِدْيَةُ الْمَشْرُوعَهُ يَصُومُ أَوْ يُطْعِمُ أَوْ يَنتَسِكُ بِذَبْحِ شَاةٍ لِيَتِمَّ النُّسُكُ وَمُتَمَتَّعُ مِنَ الآفَاقِ (3) عَلَيْهِ هَدْيٌ لَازِمُ الإِهْرَاقِ مَنْ لَمْ يَجِدْ يَصُمْ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَعُودَ وَالسَّبْعُ إِذَا أَمَّ الوَطَنْ وَقَاتِلُ للصَّيْدِ وَهْوَ مُحْرِمُ أَوْ كَانَ صَيْدًا قَدْ حَوَاهُ الحَرَمُ عُوقِبَ بِالْجَزَا بِمِثْلِ مَا قَتَلْ بِحُكْمِ عَدْلَيْنِ عَلَى هَذَا الْمَثَلْ أَوْ عَدلِهِ مِنَ الصِّيَامِ وَانْظُرَا فِي صِفَةِ العَدْلِ الَّذِي قَدْ ذُكِرَا أَشْكَلَ مَعْنَاهُ عَلَى مَنْ سَبَقَا وَحَلَّهُ الرَّبِيعُ حِينَ وُفِّقَا يَنْظُرُ فِي الْمِثْلِ مِنَ الْأَنْعَامِ كَمْ قَدْرُهُ مَعْ قَدَرِ الطَّعَامِ عَنْ كُلِّ مُدِّ يَجْعَلَنَّ يَوْمَا حَتَّى يَكُونَ عَدُّ ذَاكَ صَوْمَا وَقِيلَ فِي الثَّعْلَبِ شَاةٌ تَجِبُ عَلَى الَّذِي لِقَتْلِهِ يَرْتَكِبُ وَالكَبْشُ قِيلَ فِي جَزَاءِ الصَّبْعِ وَقَبْصَةُ الطَّعَامِ غُرْمُ الضَّفْدَعِ
(1) تغطية كتلبية أي تغطية الرأس وهو محرم.
(2) المتمتع من الآفاق أي من غير أهل مكة ومن كان داخل الحرم.
(3) أَمَّ: أي قصد. (1/245)
صفحة 246
باب الفدية والجزاء
الجزء الأول
245
وَالصَّدُّ (1) (2) وَالْجَرَادُ قِيلَ بَرِّي يَحْرُمُ وَالبَعْضُ يَقُولُ بَحْرِي وَمَنْ يَرُبُّ (3) الهِرَّ وَالْعِقَابَا يَلْزَمُهُ جَزَاءُ مَا أَصَابَا) وَلَا يَكُونُ حَكَمًا فِي الصَّيْدِ إِلَّا وَلِيٌّ عَنْ سَلِيلِ زَيْدِ وَالْحَكَمَانِ مِنْ ذَوِي الْأَيْمَانِ بَعْضُهُمَا بَعْضًا يُوَالِيَانِ وَوَاسِعٌ تَأْخِيرُهُ حَتَّى يَجِدْ عَدْلَيْنِ يَرْضَى حُكْمَهُمْ وَيَعْتَمِدْ وَالْحَرَمُ الْمَمْنُوعُ يَحْرُمَنَّا أَشْجَارُهُ إِلَّا الَّذِي يُسْتَثْنَى وَذَلِكَ الْإِذْخِرُ وَهُوَ الصَّخْبَرُ لأَنَّهُ بِهِ الْبُيُوتُ تُعْمَرُ وَفِي الدَّعَامِيصِ وَفِي الْحُمَّاضِ (5) تَرْخِيصُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مَاضِ وَقِيلَ بِالتَّرْخِيص لِلدَّوَاءِ بَقَدَرِ الْحَاجَةِ كَالسَّنَاءِ وَكَلُّ مَا كَانَ مِنَ الزُّرُوعِ لِلنَّاسِ فَهُوَ لَيْسَ بِالْمَمْنُوعِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِوَادِي زَرْعٍ فَحَرْتُهُمْ مُلَازِمٌ لِلْمَنْعِ كَقَطْعِ أَشْجَارٍ وَذَاكَ مُمْتَنِعْ وَالْأَرْضُ دُونَ قَطْعِهَا لَا تَتَّسِعْ مُ الْمَدِينَةِ الزَّهْرَاءِ جَاءَ عَنِ الْمُخْتَارِ فِي الْأَنْبَاءِ
(1) الصد: بالفتح هو حوت صغير يوجد في مياه البرّ كالأنهار ومياه الأودية. () المراد بالحوت السمك مطلقا، وذلك موافق للقرآن: {فَلَمَّا بَلَغَا يَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا ... [الكهف: 61]. (إسماعيل)
(2) والصد: هو حوت الأنهار والأودية البرية. (المصنف)
(3) قوله: ومن يَرُبُّ، أي يملك.
(*) أي: لزم صاحب الكلب المعلم أو الطير المعلم جزاء ما أصابه كلبه أو طيره. (إسماعيل) (4) سليل زيد هو جابر بن زيد له.
(5) الدعاميص والحماض: نبت برّي حامض الطعم، ينبت من مياه المطر في البراري. (1/246)
صفحة 247
246
الجزء الأول
كتاب الحج
وَمَا الْجَزَا فِي صَيْدِهَا بِمُلْتَزَمْ وَقِيلَ بَلْ لَهَا احْتِرَامٌ لَا حَرَمْ
(1) 28
وَأَوَّلُ الْقَوْلَيْنِ فِي الرَّبِي مَؤَنَّرُ (1) عَنْ سَيِّدِ الْجَمِيعِ
وَهَذِهِ مُحَمَّدُ الْكَرِيمُ
فَمَكَةً حَرَّمَ إِبْرَ عَلَيْهِمَا صَلَّى إِلَهِي كُلَّمَا تَرَنَّمَ الْوُرْقُ كَذَاكَ سَلَّمَا
باب النحر
وَالنَّحْرُ يَوْمَ النَّحْرِ يُنْدَبَنَّا مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ أَمْرٌ سُنَّا كَانَ الفِدَاءَ لِلْذَبِيحَ الْمُصْطَفَى إِذْ سَلَّمَ الأَمْرَ وَكُلٌّ قَدْ وَفَا وَبَقِيَتْ مِنْ بَعْدِهِ فَيَا لَهَا مَزيَّةً قَدْ نَالَهَا مَنْ نَالَهَا وَأَكَدَ المُخْتَارُ هَذِي السُّنَّةَ وَذُو تَمَتَّعِ فَتَلْزَمَنَّهُ وَكُلُّ مَا سِيقَ لِنَحْوِ الْحَرَمِ مِنْ إِبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمِ فَذَاكَ هَدْيٌّ لَازِمٌ أَوْ يُنْدَبُ وَبَعْدَ أَنْ قُلَّدَ فَهْوَ يَجِبُ يَصِيرُ بِالتَّقْلِيدِ (2) هَدْيًا وَاجِبَا يُبْدِلُهُ إِذَا رَأَىهُ عَاطِبَا لِأَنَّمَا مَحَلُّهُ المَوْصُوفُ لِلنَّحْرِ هُوَ الْحَرَمُ الْمَعْرُوفُ وَكُلُّ مَا كَانَ مِنَ الْجَزَاءِ لِلصَّيْدِ أَوْ مِنْ سَائِرِ الدِّمَاءِ فَهُوَ مَحَلُّهُ الَّذِي يُعْتَبَرُ وَلَيْسَ يُجْزِي دُونَهُ إِنْ نَحَرُوا أَمَّا صَحَايَا النَّاسِ فِي الأَمْصَارِ مَنْدُوبَةٌ وَهِيَ مِنَ الشِّعَارِ
(1) مؤثر: خبر المبتدأ وهو قوله: وأول القولين، ويجوز نصبه حالا أي جاء مؤثرًا.) يشير إلى وجود الخلاف بسوقه قبل التقليد والاشعار هل هو لازم أو لا؟ (إسماعيل) (2) التقليد: هو أن يعلق نعلاً أو قلادة على رقبة البعير علامة على أنه هدي فلا يعترضه أحد. (1/247)
صفحة 248
باب النحر
الجزء الأول
247
يَنْحَرُهَا مِنْ بَعْدِ أَنْ يُصَلَّى (1)
(1)
لِكَيْ يَحُوزَ بِالذَّبَاحِ فَضْلَا فَلَيْسَ لِلذَّابِحٍ قَبْلَهَا سِوَى لُحُومِهَا كَانَ قَدِيدًا أَوْ شِوَا يَسْبِقَنْ إِمَامَهُ فِي نَحْرِهِ لِكَيْ يَفُوزَ بِعَظِيمِ أَجْرِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَدْبَحَنَّ بِيَدِه وَيُجْزِهِ سِوَاهُ مِثْلُ وَلَدِهْ وَحَيْثُ كَانَ ذَبْحُهَا شِعَارَا يَذْبَحُ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى ويَنْبَغِي لِذَابِحَ الصَّحَايَا يُطْعِمُ مِنْهَا ثُلُثَهَا الْبَرَايَا وَجَائِزٌ أَنْ تُدْفَعَ الصَّحِيَّة إِلَى فَقِيرٍ وَاحِدٍ عَطِيَّهْ وَجَائِزٌ يَأْكُلُهَا جَمِيعًا مَا لَمْ يَكُنْ سَبَبُهَا التَّمْتِيعَا وَذُو تَمَتَّعِ وَذُو قِرَانِ يَأْكُلُ تُلْثَ لَحْمِهِ الْهَتَانِ)
أَمَّا جَزَاءُ الصَّيْدِ وَالدِّمَاءِ لِلْفُقَرَاءِ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ يَدْفَعُهُ لَا يَأْكُلَنَّ مِنْهُ إِلَى ثَلَاثَةٍ فَيُجْزِي عَنْهُ فَصَاعِدًا وَدُونَهُمْ لَا يَمْضِي وَاكِلٌ مِنْهُ عَلَيْهِ يَقْضِي فَقِيلَ يَقْضِي مِثْلَ مَا قَدْ أَكَلَا وَقِيلَ بَلْ جَمِيعُهُ قَدْ بَطَلا دَمُ الْفَتَاةِ أَكْلُهُ لِلْبَعْلِ) إِنْ لَمْ يَكُنْ تَفَاوُضٌ ذُو حِلّ
(1) قوله: «من بعد أن يُصَلَّى» بالبناء للمفعول، أي صلاة العيد فمن ذبح قبل صلاة العيد فهي شاة لحم لا ضحية، هكذا قال صلى الله عليه وسلم لمن ذبح قبل الصلاة، ولا يحرم أكلها ولكنها لا تجزي عن الضحية، وإن كانت مندوبة في سائر الأمصار، قال تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] أي صَلِّ صلاة العيد وانحر الضحية.
(*) الأصل في الهَيَّان المطر، والمراد به هنا الكثير. (إسماعيل)
أن
(2) يعني هدي المرأة أو ما لزمها من دم الجزاء يحل لزوجها الفقير إلا إذا كانت مفوضة له في مالها، وأما د دمه فلا يحل لها؛ لأن عليه نفقتها، وهذا على القول المشهور في المذهب. (1/248)
صفحة 249
248
الجزء الأول
كتاب الحج
إِنْ كَانَ ذَا فَقْرٍ وَأَمَّا دَمُهُ فَلَيْسَ لِلْزَّوجَةِ حَتْمًا طَعْمُهُ وَبِاتِّفَاقِ فِي الصَّحَايَا تُجْزِي ثَنِيَّةٌ وَدُونَهَا لَا يُجْزِي وَقِيلَ بَلْ يُجْزِيهِ بِنْتُ سَنَةِ وَالضَّأْنُ قِيلَ يُجْزِي إِبْنُ سِتَّةِ
(**)
وَذَاكَ فِي السَّمِينِ لَا سِوَاهُ لِنَظَرِ الصَّلَاح مَنْ رَأَىهُ وَلَا تَجُوزُ عِنْدَنَا الشَّرْماءُ ضَحِيَّةً كَلَّا وَلَا الْخَرْمَاءُ (2) وَهَكَذَا الْجَدْعَاءُ وَالعَصْبَاءُ (3) قَدْ قِيلَ وَالْعَوْرَاءُ وَالعَرْجَاءُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُضَحَى بِالطَّبَا وَكُلَّ وَحْشِ هَكَذَا فَاجْتَنِبَا لِأَنَّهَا مِنْ هَذِهِ الْبَهَائِمِ تَكُونُ دُونَ الصَّيْدِ وَالْحَوَائِمِ فَلَا أَقُولُ بِجَوَازِ التَّصْحِيَهُ بِبَقَرِ الْوَحْشِ لِأَجْلِ التَّسْمِيَهْ لِأَنَّمَا الْأَحْكَامُ بِالْمَعَانِي مَنُوطَةٌ لَا بِالْمَقَالِ الْعَانِي وَمَا عَلَى الْحَجِيجُ مِنْ جُنَاحِ فِي بَيْعِهِمْ لِأَدَمِ الْأَصَاحِي وَبَيْعَ شَحْمِهِنَّ حَتْمًا فَاحْجُرِ وَقِيلَ بِالجَوَازِ عِنْدَ الضَّرَرِ وَمَا يَكُونُ قُرْبَةً لِلْخَالِقِ فَلَا يُبَدَّلَنَّ بِالدَّوَانِقِ) فَيَا لَهَا تِجَارَةً رَبِيحَهُ لِمَنْ أَتَى بِنِيَّةٍ صَحِيحَة
(*) الثنية من المعز والضأن هي التي أتمت سنتين، ومن البقر ما أتمت سنتين أيضا، وفي الإبل ما أتم خمس سنين، والمراد بالثني ما تسقط ثنيته (ضرسه) في السنوات المذكورة. (إسماعيل)
(*) لا يؤتى بالياء لفظا عند قراءة البيت لإقامة الوزن. إسماعيل)
(2) الشرماء: مشتورة الأُذن، والخرماء: مخروقتها. (3) الجدعاء: مكسورة القرن العضباء: التي ليس لها قرون.
(4) الأدم: جمع أديم وهو الإهاب.
(5) الدوائق «جمع دانق» وهو سدس الدرهم. (1/249)
صفحة 250
باب النحر
الجزء الأول
249
كتاب الاعتكاف
وَالِاعْتِكَافُ سُنَةٌ فَضِيلَهُ
فَضِيلَة عَطِيَّةٌ مِنْ رَبِّنَا جَلِيلَهُ
لَازَمَهَا الْمُخْتَارُ كَلَّ عَامِ فِي وَسَطِ وَآخِرِ الصِّيَامِ وَهْوَ لُزُومُ الشَّيْءِ وَالإِقْبَالُ عَلَيْهِ وَالْفَضْلُ لَهُ أَحْوَالُ مَوْضِعُهُ فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَلَهُ إِمَامُ يَدْخُلُهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَيَخْرُجَنْ بَعْدَ الْغُرُوبِ المُمْسِي يُتِمُّ مَا يَنْوِيهِ وَهُوَ صَائِمُ وَالصَّوْمُ فِي الْمُخْتَارِ شَرْطٌ لَازِمُ وَقَالَ قَوْمٌ بَلْ يَصِحُ دُونَهُ وَالْفَضْلُ فِيهِ ثَابِتٌ يَرْوُونَهُ وَلَا يَجُوزُ يَعْمَلَنْ بِأُجْرَةِ إِلَّا لِقُوتِ نَفْسِهِ وَالصَّبْيَةِ وَأَهْلِهِ) وَكُلِّ مَنْ يَلْزَمُهُ مِنْ قَوْمِهِ بِأَجْرَةٍ يُطْعِمُهُ وَلَا يَجُوزُ يَخْرُجَنَّ مِنْهُ وَجَائِزُ لِلشَّيْءِ يَلْزَمَنْهُ فَيَخْرُجَنْ لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أُولِي العِرْفَانِ وَيَحْضُرُ الْجُمْعَةَ حَيْثُ تَلْزَمُهُ وَلْيَعْدِ الْمَرِيضَ حَيْثُ يَعْلَمُهُ مَا لَمْ يَلِجْ قَدْ قِيلَ تَحْتَ سَقْفِ وَقِيلَ بِالتَّرْخِيصِ فِي ذَا الوَصْفِ وَجَائِزٌ يُشَيِّعُ الْجَنَازَهُ وَالنَّصْرُ لِلْمَلْهُوفِ قَدْ أَجَازَهُ
(1) قوله: «وأهله» معطوف على نفسه، والصبية هي جماعة الصبيان أو جمع صبي. أي لا يعمل عملا بالأجر إلا لقوت نفسه وأولاده وأهله أي أزواجه ومن عليه نفقتهم. (1/250)
صفحة 251
250
الجزء الأول
كتاب الاعتكاف
كَذَاكَ نَصْرُ رَايَةِ الإِسْلَام وَلْيُعِدِ الْفَائِتَ بِالتَّمَامِ لَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلْ بِفِعْلِهِ الأَوَّلِ غَيْرَ مُنفَصِلْ وَالطَّيبُ لَا بَأْسَ بِهِ لِلْمُعْتَكِفْ وَيُكْرَهُ الْبَيْعُ لَهُ فَلْيَعْتَرِفْ وَرَخَّصُوا أَنْ يَشْتَرِي طَعَامَا لِمَنْ عَلَيْهِ قُوتُهُ إِلْزَامَا وَيَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ إِنْ وَطِئَا وَيَلْزَمَنْهُ عَوْدُهُ مُبْتَدِنَا)
(***)
ت فِي عِدَّةٍ مُعَلَّقَهُ
وَهَكَذَا تَلْزَمُهُ مُغَلَّظَهُ عُقُوبَة التَّصْبِيعِ فِيمَا اسْتُحْفَظَ) .. وَقِيلَ لَا تَعْتَكِفُ الْمُطَلَّقَة ما وَلَا تَبِيتُ اللَّيْلَ فِي مَكَانِ عَنْ بَيْتِهَا فِي الْخَوْفِ وَالْأَمَانِ كَذَاكَ لَا تَحُجُّ أَيْضًا نَفْلَا وَالفَرْضُ لَازِمٌ يَعُمُّ الْكُلَّا وَتَخْرُجَنْ لِصِلَةِ الْجِيرَانِ وَلِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ الْعَانِي إِنْ كَانَ مِنْ أَرْحَامِهَا وَالتَّعْزِيَة تُعزِّهِمْ وَهَكَذَا فِي التَّهْنِتَهُ وَهَكَذَا تَخْرُجُ يَوْمَ الْعِيدِ لأَنَّهُ مُجْتَمَعُ العَبِيدِ فَالِاجْتِمَاعُ فِيهِ أَمْرُ شُرِعَا يُورِثُ خَصْمَ الدِّينِ مِنْهُ فَزَعَا إِذَا رَأَى الْكَثْرَةَ فِي الإِسْلَامِ يَبُوءُ بِالْخَيْبَةِ وَالآثَامِ
(*) المراد أن ذلك الزمن الذي يخرج فيه من معتكفه بعذر جائز يلزمه أن يقضيه متصلا باعتكافه، فإن خرج خمس ساعات قضى خمس ساعات نهاية اعتكافه متصلة بالاعتكاف الأول. (إسماعيل)
(*) أي يلزمه استئناف اعتکافه لانهدامه بالجماع. (إسماعيل)
(***) مفعول لأجله. (إسماعيل)
(*) أي: طلب منهم حِفْظِهُ من شرع الله وَعَدَمُ تضييعه. (إسماعيل) (1/251)
صفحة 252
باب النحر
الجزء الأول
251
كتاب النذور
النَّذْرُ إِلْزَامُ الْفَتَى لِنَفْسِهِ مَا لَيْسَ لَازِمًا لَهُ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ اللَّهِ وَمَنْ قَدْ قَالَا نَذَرْتُ فَلْيُوفِ لَهُ تَعَالَى
لَوْ لَمْ يُسَمِّ اللَّهَ فِي فِي مَقَاله
وَمَنْ
به
لأَنَّهُ الْمَقْصُودُ فِي أَحْوَالِهِ يَقْصِدُ غَيْرَ اللَّهِ فَنَذْرُهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَنَاهِي
وَيَلْزَمُ الوَفَاء بِالنُّذُورِ إِلَّا إِذَا مَا كَانَ بِالْفُجُورِ قَدْ مُدِحَ المُوفُونَ فِي القَرْآنِ فِي هَلْ أَتَى حِينٌ عَلَى الْإِنْسَانِ وَالنَّذْرُ بِالعِصْيَانِ طُرًّا يُحْجَرُ بِهِ الْوَفَا وَالخُلْفُ هَلْ يُكَفِّرُ عَذَرَهُ بَعْضُ وَبَعْضُ أَلْزَمَا مُرْسَلَةٌ) بِالعَقْدِ حِينَ الْبَرَمَا وَهُوَ كَالظُّهَارِ يَلْزَمَنَّا مَعْ أَنَّهُ زُورٌ يُكَفِّرَنَّا وَالْقَائِلُونَ أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ يَنْفُونَ أَصْلَ العَقْدِ حَيْثُ يَأْثُمُ فَصَوْمُ كُلِّ الدَّهْرِ مِنْ ذَا الْحَالِ وَالصَّوْمُ فِي الْعِيدَيْنِ وَاللَّيَالِي وَكُلُّ نَذْرٍ كَانَ لِلشَّيْطَانِ فَذَاكَ حِجْرٌ وَاضِحُ البُطْلَانِ وَإِنْ يَكُنْ لِلْجِنِّ فَالفَقِيرُ يَحُوزُهُ وَهَكَذَا القُبُورُ (2)
(1) أي كفارة يمين مرسلة وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فمن لم يجد فصيام ثلاثة ولم أذكر العتق لأنه لا يوجد الآن.
أيام،
(2) أي وهكذا القبور يكون ما نذر لها راجعًا للفقراء، وهذا عقوبة للناذر، والأصح أن لا يلزمه شيء إلا التوبة؛ لأنه نذر لغير الله. (1/252)
صفحة 253
252
الجزء الأول
كتاب النذور
(*) (1)
وَنَاذِرٌ بِمَنٌ (1) (2) حَلٌّ يُسْرَجُ بِهِ عَلَى القَبْرِ فَقِيلَ يُخْرَجُ وَبَعْضُهُمْ لِلفُقَرَا قَدْ حَكَمَا بِهِ وَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فَاعْلَمَا لِأَنَّمَا السِّرَاجُ لِلْقُبُورِ مِنْ جُمْلَةِ الْمَمْنُوعِ وَالْمَحْجُورِ وَيَخْرُ جَنَّ فِيهِ قَوْلُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتَنْ شَيْءٍ فَيَلْزَمَنَّهُ وَهَكَذَا فِي أَكْثَرِ الأَقْوَالِ فِي النَّذْرِ للقُبُورِ بِالْأَمْوَالِ وَفِيهِ قَوْلٌ أَنهَا الْفُقَرَا وَأَحْوَطُ الْقَوْلَيْنِ مَا تأَخَّرَا وَالرَّاجِحُ الْبُطْلَانُ حَيْثُ نَذَرَا شَيْئًا بِهِ الوَفَاءُ حَتْمًا حُجِرَا وَنَاذِرٌ لأَفْضَلِ الْبُلْدَانِ يَحْمِلُهُ لِمَكَّةِ الرَّحْمَنِ لِأَنَّهَا أُمُّ الْقُرَى بِالنَّصَّ وَمَنْ يَعُدُّ فَضْلَهَا لَا يُحْصِي وَنَاذِرٌ يُصَلِّيَنْ فِي مَسْجِدِ فَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ فَبِالصَّلَاةِ حَوْلَهُ يَبَرُّ إِذْ مَانِعُ الدُّخُولِ فِيهِ عُذْرُ وَنَاذِرٌ بِرَكَعَاتٍ عِدَّهُ فَلَمْ يُطِقْ فَلْيَفْرُقَنْ مَا حَدَّهُ يُصَلِّيَنْهَا حَسْبَ مَا يُطِيقُ وَإِنْ يُطِقُ فَيُمْنَعُ التَّفْرِيقُ وَنَاذِرٌ يُصَلِّيَنَّ اللَّيْلَا أَوِ النَّهَارَ عَرْضَهُ وَالطَّولَا قِيلَ عَلَيْهِ يَقْضِيَنَّ الْفَرْضَا لِأَنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ الإِمْضَا وَلَا أَرَى هَذَا مِنَ السَّدَادِ إِذْ لَمْ يَكُنْ ذَاكَ مِنَ الْمُرَادِ وَالفَرْضُ مَعْلُومٌ فَيَخْرُجَنَّا كَذَاكَ وَقْتُ الْمَنْعِ يُحْجَرَنَّا
(1) المن: وزان معروف عند أهل عُمان.
(*) المشهور منَّان: مَن نزوى ويساوي 768 جراما، ومَن مسقط ويساوي 3840 جراما. (إسماعيل) (1/253)
صفحة 254
باب النحر
الجزء الأول
253
وَالنَّزْرُ وَاقِعٌ عَلَى سِوَاهُمَا وَغَيْرُ هَذَا لَا أَرَاهُ لَازِمَا وَنَاذِرٌ بِأَنْ يَصُومَ عَامَا مِنَ السِّنِينَ عَدَدًا تَمَامَا فَإِنَّهُ يُبْدِلُ شَهْرَ الصَّوْمِ وَالفِطْرَ وَالنَّحْرَ لِكُلِّ يَوْمِ كَذَاكَ قَالَ الأَصْلُ وَهْوَ مُشْكِلُ إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي النَّذْرِ هَذَا يَدْخُلُ فَهْوَ نَظِيرُ مَا مَضَى مِنْ قَوْلِ فِي النَّذْرِ بِالصَّلَاةِ كُلَّ اللَّيْلِ وَهَاهُنَا قَدْ نَقَضَ الْمُقَدَّمَا بِقَوْلِهِ مِنْ بَعْدِ مَا تَقَدَّمَا) لَكِنَّهُ لَا يُبْدِلُ الصِّيَامَا هْر مَهْمَا قَالَ هَذَا العَامَا وَإِنَّهُ يُبْدِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ قَدْ قِيلَ بِغَيْرِ شَجْرِ فَلَا يُفِيدُ قَوْلُ هَذَا الْعَامُ إِخْرَاجَ مَا يَسْتَلزِمُ الكَلَامُ إِنْ كَانَ وَاجِبَ الْقَضَا فَيَجِبُ فِي الْكُلِّ أَوْ لَا فَسِوَاهُ يُحْسَبُ وَنَاذِرٌ بِأَنْ يَصُومَ يَوْمَا مُعَيَّنَّا بِإِسْمِهِ مَرْسُومَا فَلَمْ يَصُمْ حَتَّى يَفُوتَ الْيَوْمُ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَلَوْمُ وَالاِخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي البَدَلِ كَالْخُلْفِ فِي الْقَصَا بِالِامْرِ الْأَوَّلِ)
أن
يصوم
(1) قوله: «وهو مشكل قلت إن صاحب الأصل يرى أن النكرة لفظ عام؛ فيجب عليه أن عامًا كاملًا ليس منه صوم رمضان؛ لأن صيامه فاصل لصيام نذره المقصود في نفسه، فإن نذر هذا العام بالتعريف دخل فيه صيام رمضان الصدقه أنه صامه، وهذه المسألة قابلة يصوم للخلاف، وما قاله الشيخ الصايغي قول صحيح، واعتبار قوي لمن تأمله، والله أعلم. (*) الشيخ الصايغي يفرق بين من نذر أن يصوم عاما بالتنكير وبين من نذر أن يصوم العام بالتعريف ففي تنكير عام يلزمه أن يقضي شهر رمضان وفي تعريف العام لا يلزمه قضاء شهر رمضان، والإمام نور الدين لا يرى التفريق، وما ذكره العلامة المعلق فيه نظر فالتعريف والتنكير لا يفيد تفريقًا بل تعيين العام في التعريف للدلالة على العهد وَعَدَم التعيين في التنكير؛ فيوفي بأي عام يصومه. (إسماعيل) (2) قوله: «بالأمر الأول» إشارة لما جاء عن علماء الأصول من الاختلاف في القضاء هل هو واجب بالأمر الأول، أم بأمر آخر غير الأمر الأول، وهو غير موجود في قضاء يوم النذر. (1/254)
صفحة 255
254
الجزء الأول
كتاب النذور
وَعَاجِةٌ فِيهِ عَنِ الصِّيَامِ يُفْتُونَهُ فِي ذَاكَ بِالإِطْعَامِ وَقِيلَ فِي الإِطْعَامِ يُجْزِي القَادِرَا أَيْضًا وَلَا أَرَاهُ قَوْلًا ظَاهِرَا وَقِيلَ فِي الصَّوْمِ يَنُوبُ النَّائِبُ بِالْعَجْزِ وَهْوَ فِي الْمَقَالِ صَائِبُ وَالْحَقُّ لَائِحُ عَلَى مَدَارِهِ وَالْأَصْلُ قَدْ بَالَغَ فِي إِنْكَارِهِ وَمَنْ يَمُتْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤَدِّيَهُ فَيَلْزَمُ الْوَارِثَ قِيلَ يَقْضِيَهْ (1) وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ وَالأَوَّلُ أَفْتَى بِهِ الْمُخْتَارُ فِيمَا يُنْقَلُ أَمَّرَ مَنْ يَسْأَلُهُ أَنْ يَقْضِي وَمِنْهُ عِلْمُ نَفْلِنَا وَالفَرْضِ وَهْوَ الْمُرَادُ مِنْ مَقَالِ الْكُدَمِي إِنْ عَلِمُوهُ لَا إِذَا لَمْ يُعْلَم) مُسَافِرُ صَلَّى صَلَاةَ نَذْرِ يَذْكُرُهَا ـ قِيلَ - صَلَاةَ سَفْرِ وَهَكَذَا قَدْ قِيلَ فِي التَّنقُلِ وَلَا أَرَاهُ لَازِمًا فِي الْمِقْوَلِ وَنَاذِرٌ بِطَاعَةٍ ثُمَّ بَدَا لَهُ بِأَنْ يَتْرُكَ ذَاكَ أَبَدًا يَلْزَمُهُ الْوَفَا وَبَعْضُ جَعَلَهُ كَالحِنْثِ فِي الْيَمِينِ فِيهِ مُرْسَلَهُ وَنَاذِرٌ قَالَ بِرَأْسِ غَنَم يُجْزِيهِ فِي الْوَفَاءِ جَدْيٌّ فَاعْلَمِ وَقِيلَ لَا يُجْزِيهِ إِلَّا الْوَسَطُ وَهْوَ ابْنُ عَامَيْنِ ثَنِيٌّ يُشْرَطُ
(1) يقضيه: منصوب بأن مقدرة.
(2) الكدمي: بضم الكاف نسبه إلى ناحية كُدَم من جوف عُمان، وهي أرض وطننا المبارك والمراد بالخدمى الإمام العلّامة الكبير أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي رضوان الله عليه.
(*) هذا على رأي، وهو أنَّ ما يصليه الإنسان في سفره يجعل النية فيه سفرًا حتى صلاة المغرب والفجر والجنازة، وهذا الرأي ليس عليه العمل، وعلى هذا من نذر أن يصلي مثلا ركعتين في
الحضر فنسي وتذكر في السفر نواها صلاة سفر. (إسماعيل) (1/255)
صفحة 256
باب النحر
الجزء الأول
255
وَالضَّأْنُ يُجْزِيهِ مِنَ الأَغْنَامِ لأَنَّهَا جِنْسٌ لَدَى الْأَحْكَامِ هَذَا إِذَا أَجْمَلَ حِينَ نَذَرَا وَإِنْ يُعَيِّنْ يَلْزَمَنْ مَا ذَكَرَا وَذَابِحُ) شَاةً لِنَذْرٍ وَقَعَا فَأَكَلَ السَّبَاعُ مِنْهَا قِطَعَا فَمَا عَلَيْهِ بَدَلٌ لِذَاكَا إِنْ كَانَ قَدْ حَدَّدَ مَا هُنَاكَا وَإِنْ يَكُنْ قَدْ أَهْمَلَ التَّحْدِيدَا قِيلَ عَلَيْهِ يَذْبَحَنْ جَدِيدَا وَنَاذِرٌ عَيَّنَ شَاةَ وَلَدَتْ فَإِبْنُهَا يَتْبَعُهَا حَيْثُ أَتَتْ وَلَيْسَ لِلنَّاذِرِ شَيْءٌ فِيهِ وَقَالَ قَوْمٌ إِنَّهُ يَلِيهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ الَّذِي قَدْ نَذَرَا بِهِ فَلَا يَتْبَعُهُ فِيمَا جَرَى وَالْحَقُّ فِي إِثْبَاعِهِ بِأُمِّهِ كَالْهَدْيِ إِذْ شَابَهَهُ فِي حُكْمِهِ وَنَاذِرٌ يُهْدِي إِلَى فُلَانِ هَدِيَّةً إِنْ عُونِيَ الْفُلَانِي فَإِنَّهُ يَبْرَأُ حِينَ أَهْدَى إِلَيْهِ لَوْ لَمْ يَقْبَلَنَّ الْمُهْدَى وَنَاذِرٌ لَيُعْطِيَنَّ زَيْدَا مِنْ حَبِّ أَرَضِ حَدَّهَا تَحْدِيدَا فِيهِ اخْتِلَافُ إِنْ يَكُنْ أَعْطَاهُ زَكَاتَهَا وَذَاكَ مَا سَمَّاهُ وَمَنْ يُرَاعِي الْقَصْدَ عِنْدَ النَّذْرِ لَمْ يَكْتَفِ بِذَاكَ عِنْدَ الْبِرِّ وَمَنْ يَكُنْ خِدْمَتَهُ قَدْ أَهْدَى لِلْبَيْتِ يُهْدِي أَجْرَ ذَاكَ الْمُهْدَى وَقِيمَةُ النَّفْعِ إِذَا أَهْدَاهُ لِلْبَيْتِ يُرْسِلَنَّهَا تِلْقَاهُ
(1) (ملحوظة) قوله: «وذابح ... إلخ» تأمل فيه أيها القاراء فإنه يتبين لك من هذا ما قاله صاحب الأصل في النذر بصيام عام أن فيه فرقا بينه وبين نذره هذا العام.
بصوم (1/256)
صفحة 257
256
الجزء الأول
كتاب النذور
وَقَائِلُ مَالِي لِبَيْتِ اللهِ يتِ اللهِ يَحْمِلُهُ طُرًا يَحْمِلُهُ طُرًّا لِبَيْتِ اللهِ هَذَا هُوَ المَعْرُوفُ فِي الآثَارِ وَهُوَ حَقٌّ هَذَا الإِعْتِبَارِ لَكِنَّ عُرْفَ النَّاسِ قَدْ تَحَوَّلَا فَالْهَدْيُّ فِي تَحْرِيمِ ذَاكَ اسْتُعْمِلَا يَقُولُ قَدْ أَهْدَيْتُهُ لِلْكَعْبَةِ يُرِيدُ لَا أَنَالُهُ بِجِهَةِ وَلَا يُرِيدُ هَدْيَهُ لِلْبَيْتِ وَذَاكَ كَالْيَمِينِ فِيمَا يَأْتِي لأَنَّهُ قَدْ حَرَّمَ الْحَلَاَلَا عَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَنْ إِرْسَالَا كَقَائِلٍ جَمِيعُ مَالِي صَدَقَهُ فَمُوجِبُ اليَمِينِ فِيهِ حَقَّقَهُ لأَنَّهُ لَمْ يُرِدِ التَّصَدُّقَا وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَوْثِقَا وَقَالَ بَعْضُ يُخْرِجَنَّ العُشْرَا مِنْهُ لِمَنْ يَرَى عَلَيْهِ فَقْرَا وَناذِرٌ بِنَفْسِهِ يُهْدِيهَا بَدَنَةً مِنْ بَيْتِهِ يُأْتِيهَا كَذَاكَ قَالَ وَأَنَا لَا أَعْرِفُ مَا أَصْلُ هَذَا فَلَهُ أَسْتَكْشِفُ وَقَدْ خُدِي الذَّبِيحُ وَهُوَ المُصْطَفَى بِذَبْحِ كَبْشٍ وَبِهِ كَانَ الْوَفَا
(1) أي إسماعيل؛ وقيل أخوه إسحاق، والأول أكثر. (1/257)
صفحة 258
باب النحر
كتابُ الْأَيْمَانِ
الجزء الأول
257
الْمُكَلَّف
عَنْ فِعْل مَا يَقْصِدُ هُوَ الْحَلِفُ
عَقْدٌ بِهِ يَمْتَنِعُ يَكُونُ حَقًّا وَهُوَ الْيَمِينُ بِاللهِ أَوْ صِفَاتِهِ تَكُونُ وَبَاطِلٌ (1) وَهُوَ بَغَيْرِ الْبَارِي كَحَالِفَ بِالْخَلْقِ وَالْأَحْجَارِ إِذْ لَا يَجُوزُ الْحَلْفُ بِالآبَاءِ وَلَا بِشَيْءٍ غَيْرِ ذِي الْآلَاءِ وَالْخُلْفُ فِيمَنْ قَالَ قَدْ أَقْسَمْتُ وَلَمْ يَقُلْ بِاللهِ قَدْ عَلِمْتُ وَمِثْلُ أَقْسَمْتُ أَرَى حَلَفْتُ وَقِيلَ دُونَ مَا بِهَا وَصَفْتُ وَلَا يَمِينَ بِـ (نَعَمْ) وَإِنْ قَصَدْ بِهَا اليَمِينَ قِيلَ فِيهَا مَا اعْتَقَدْ وَفِي (مَعَاذَ اللَّهِ خُلْفٌ ذُكِرَا وَأَنَّهَا لَيْسَ يَمِينًا شُهِرَا وَفِي (العَمْرُ اللَّهِ) قَطْعًا قَسَمُ وَهْيَ حَيَاةُ اللهِ قَطْعًا تُعْلَمُ لَعَمْرُكَ الْمَعْرُوفُ فِي الْخِطَابِ وَهُوَ الَّذِي قَدْ جَاءَ فِي الْكِتَابِ فَقَوْلُهُ هَلْ جَائِزٌ لَعَمْرِي قَالَ نَعَمْ وَقَدْ أَتَى فِي الذِّكْرِ لَيْسَ بِقَوْلٍ سَالِمٍ مِنَ الْغَلَطِّ فَاحْذَرْ وَلَا تُتَابِعَنَّ مَنْ غَلِطْ وَقَوْلُهُ قَدْ أَقسَمَ الرَّحْمَنُ به فَمَا لَهُ بِهِ بُرْهَانُ فَاللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ يُقْسِمَنَّا بِمَا يَشَا وَالعَبْدُ يُمْنَعَنَّا
(1) قوله: «وباطل» بالرفع مبتدأ خبره محذوف تقديره ومنه باطل، ويجوز نصبه خبرًا ليكون
معطوفا عليها. (1/258)
صفحة 259
258
الجزء الأول
كتابُ الْأَيْمَانِ
بِاللَّيْلِ وَالفَجْرِ وَبِالشَّمْسِ وَمَا أَشْبَهَهُ فِي الذِّكْرِ رَبِّي أَقْسَمَا فَهَلْ تَرَى لِلْعَبْدِ هَذَا قَسَمَا فَسَقَطَ احْتِجَاجُهُ وَانْهَدَمَا وَقِيلَ لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ حَلَفَا بِحُرْمَةِ الدِّينِ وَلَا بِالْمُصْطَفَى والْكُتُبِ وَالرُّسْلِ وَإِنْ يَكُنْ قَصَدْ بِذَاكَ رَبَّهُنَّ فَهُوَ مَا عَقَدْ وَكُلُّ حَالِفٍ لَهُ مَا أَضْمَرَا إِلَّا إِذَا حَلَّفَهُ قَاضِي الْوَرَى فَإِنَّمَا النِّيَّةُ فِي ذِي الْمَسْئَلَهُ لِذَلِكَ الْقَاضِي الَّذِي قَدْ حَمَّلَهُ وَقَدْ أَتَى فِي اللَّغْوِ فِي الْأَيْمَانِ عَفُوٌّ مِنَ الرَّحْمَنِ فِي الْقُرْآنِ فَيُشْرَطَنَّ الْقَصْدُ بِالْجَنَانِ وَهْوَ دَلِيلُ الْقَصْدِ فِي الْأَيْمَانِ فَلَا أَرَى اعْتِبَارَ لَفْظٍ أَبَدَا فِي الْحِنْثِ حَتَّى يَنْوِيَنْ وَيَقْصِدَا وظَاهِرُ اللَّفْظِ إِلَيْهِ تَنْصَرِفْ يَمِينُهُ إِلَّا إِذَا مَا يَنْحَرِفْ وَالعُرْفُ أَوْلَى مِنْ لُغَاتٍ تُهْجَرُ إِذْ قَلَمَّا عَلَى الْفُؤَادِ تَخْطُرُ وَحَالِفٌ لَا يَأْكُلَنَّ الرُّطَبَا فَلْيَأْكُل البُسْرَ إِذَا مَا رَغِبَا وَالْعَكْسُ مِثْلُهُ لأَجْلِ الإِسْم مُخْتَلِفٌ (1) فَاخْتَلَفَا فِي الحُكْمِ وَالأَصْلُ قَدْ فَرَّقَ حَيْثُ مَنَعَا تَارِكَ بُسْرٍ يَأْكُلَنْ مَا أَيْنَعَا وَقَالَ فِي الْخَلِّ وَفِي الدِّبْسِ مَعَا يَأْكُلُهُ مُؤْلٍ (2) عَنِ التَّمْرِ اسْمَعَا وَقَالَ يَشْرَبَنَّ حَلَّ السَّمْسِم مُؤْلٍ عَنِ السِّمْسِمِ أَيْضًا فَاعْلَمِ
(1) قوله: «مختلف» خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو. (2) مؤل: أي حالف. (1/259)
صفحة 260
باب النحر
الجزء الأول
259
وَهُوَ مِنَ التَّنَاقُضِ الْمَعْلُومِ لِصَاحِبِ الْمَعْقُولِ وَالْمَفْهُومِ فَالدِّبْسُ فِي ذَلِكَ مِثْلُ الرُّطَبِ تَحَوَّلَا كَذَاكَ بِالتَّقَلُّبِ وَالحَلُّ (1) سِمْسِمٌ وَقَدْ تَحَلَّلَا فَبَانَ عَنْهُ الْقِشْرُ حِينَ انْفَصَلَا وَالْمُخُ غَيْرُ اللَحْمِ أَمَّا ذَا الشَّوَى لَحْمٌ فَيَحْنَثَنَّ إِلَّا إِنْ نَوَى وَالبَيْضُ وَالْجُبْنُ مِنَ الإِدَامِ وَالْأَصْلُ قَدْ رَخَّصَ فِي الْأَحْكَامِ وَلَا أَرَى لِذَاكَ وَجْهَا غَيْرَ إِنْ كَانَ لَهُمْ هُنَاكَ عُرْفٌ يَخْرُجَنْ فَالْعُرْفُ هُوَ الْأَصْلُ فِي ذَا الْبَابِ لأَنَّهُ المَعْرُوفُ فِي الخِطَابِ وَمَنْ عَنِ الْحَلِيبِ إِلَى يَشْرَبُ سَمْنًا كَذَاكَ العَكْسُ أَيْضًا يَجِبُ وَقِيلَ مَنْ آلَى بِأَنْ لَا يَأْكُلَا قَيْظَ عُمَانَ بَعْضَهُ قَدْ أَكَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ حَانِنَّا لِمَا أَتَى مِنَ الْجِنْسِ الَّذِي قَدْ رَسَمَا وَحَالِفٌ عَنْ أَكْلِ هَذَا الشَّيِّ وَعَنْ ذَوَاقِهِ إِذَا مَا هُيِّي يَلْزَمُهُ حِنْثَانِ حِينَ أَكَلَا لَأَنَّمَا الْوَصْفَانِ فِيهِ دَخَلَا وَحَالِفٌ عَنْ أَكْلِ مَالِ الخَلْقِ لَا يَحْنَثَنْ بِبَيْتِ مَالِ الْحَقِّ وَمَالُ هَذَا النَّاسِ لَيْسَ يَدْخُلُ فيهِ الْمَسَاجِدُ الَّتِي تُمَوَّلُ وحَالِفْ لَا يَدْخُلَنَّ الْبَحْرَا يَحْنَثُ حِينَ يَدْخُلَنْ لَوْ شِبْرًا
(1) قوله: «والأصل» إلى قوله: «والحل عندي في ذلك كله أن قول الأصل هو الأصح والأظهر،
والله أعلم. (2) يعني الذوق والأكل. (1/260)
صفحة 261
260
الجزء الأول
كتابُ الْأَيْمَانِ
وَهَكَذَا إِنْ رَكِبَ السَّفِينَا يَحْنَثُ فَلْيُكَفِّرِ الْيَمِينَا وَحَالِفٌ لَا يَسْكُنَنَّ السُّفْنَا فَلَا يَرَوْنَ فِي السَّفِينِ مَسْكَنَا إِلَّا إِذَا مَا رَكِبَ الزَّوْجَانِ فِيهَا وَكَانَا يَتَجَامَعَانِ وَحَالِفٌ عَنْ أَكْل صَيْدِ البَرِّ جَمِيعِهِ وَأَكْل صَيْدِ البَحْرِ وَكَانَ فِي الأَنْهَارِ وَالْأَوْدِيَةِ صَيْدٌ فَلَا يَدخُلُ فِي التَّأْلِيَةِ وَذَاكَ بِالْعُرْفِ الَّذِي لَهُمْ طَرَا فَالْبَحْرُ لَا يَعُمُّ هَذِي الْأَنْهُرَ وَحَالِفٌ بِأَنَّهُ لَا يَزْنِي لَا يَحْتَثَنْ بَعَبَتْ فَيُمْنِي إِذِ الزِّنَا فِي الْوَصْفِ غَيْرُ الْعَبَثِ كَذَاكَ فِي الْحُكْمِ وَفِي التَّلَوُّثِ وَالْأَرْضُ فِي الْبِسَاطِ تَدْخُلَنَّا إِسْمًا وَفِيهَا الحِنْتُ يَلْزَمَنَّا قُلْتُ وَلَكِنْ تَدْخُلَنْ تَجَوُّزَا فَيَلْزَمُ الْحِنْتُ الَّذِي تَجَوَّزَا وَذَاكَ مَوْقُوفٌ عَلَى أَنْ يَقْصِدَهُ لَا يَحْنَثَنْ إِلَّا إِذَا مَا قَصَدَهُ وَحَالِفٌ عَنْ أَكْلِ حَبِّ ذَكَرَهُ وَبَعْدَهُ فِي أَرْضِهِ قَدْ بَذَرَهُ لَا يَحْنَشَنْ بِأَكْلِ هَذَا الثَّمَرِ لأَنَّهُ قَدِ اسْتِحَالَ فَانْظُرِ وَرَفَعَ الأَصْلُ عَنِ الصِّيَاءِ (1) () تُبُوتَ حِنْثِهِ لَدَى الإِفْتَاءِ
(1) كتاب الضياء من أشهر تأليف المتقدمين من أصحابنا المشارقة وهو في خمسين جزءا. قال أبو القاسم البرادي: وقفت على ثلاثة أسفار منه كل سفر، منها ضخم كبير، ومؤلف الضياء أبو المنذر سلمة بن مسلم الصحاري. (أبو إسحاق) (*) المعلق اعتمد كلام البرادي، والمعروف عندنا أن الضياء في أربعة وعشرين جزءا والمطبوع منه اثنان وعشرون جزءًا، فبعض الكتاب مفقود. (إسماعيل) (1/261)
صفحة 262
باب النحر
الجزء الأول
261
وَلَا أَرَاهُ بِالصَّوَابِ يُنْبِي لأَنَّ هَذَا غَيْرُ ذَاكَ الْحَبِّ فَحَالِفٌ لَا يَضْرِبَنَّ زَيْدَا فَيَضْرِبَنَّ إِبْنَهُ الْوَلِيدَا فَهَلْ تَرَاهُ حَانِيًّا بِذَاكَا فَالْبَدْرُ وَالغَلَّةُ مِثْلُ ذَاكَا وَحَالِفٌ بِالوَاحِدِ الْجَلِيلِ لَا يَشْتَرِي شَيْئًا مِنَ النَّخِيلِ فَبَاعَ مِنْ بَعْدُ لِزَيْدٍ نَخْلَا ثُمَّ اسْتَقَالَ البَيْعَ مِنْهُ أَصْلَا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ فِيمَا ذَكَرَا وَهُوَ عَلَى قَوْلٍ هُنَاكَ شُهِرَا لأَنَّهُ قَدْ قِيلَ فِي الإِقَالَهُ بَيْعٌ وَقِيلَ فَسْخُ مَا قَدْ نَالَهُ وَالعُرْفُ لَا يَجْعَلُهَا فِي التَّسْمِيَهْ بَيْعًا فَلَا حِنْتَ بِهَذِي التَّأْلِيَهْ وَحَالِفٌ لَا يَلْبَسَنَّ نَعْلَا فَقَطَعَ الْأَكْثَرَ مِنْهَا فِعْلَا لَا يَحْنَثَنْ بِلِبْسِ ذَاكَ الْبَعْضِ لأَنَّهُ لَيْسَ بِنَعْلِ مُرْضِي وَالْبَعْضُ لَا كَالْكُلِّ فِي التَّسْمِيَةِ وَالْحُكْمِ أَيْضًا عِنْدَ أَهْلِ الفِطْنَةِ وَقِيلَ مَنْ عَلَى خُرُوجٍ حَلَفَا إِلَى بِلَادٍ حَدَّهَا وَعَرَّفَا يَبَرُّ بِالْخُرُوجِ لَوْ لَمْ يَصِلِ وَذَاكَ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ الْمُجْمَلِ (2) أَمَّا إِذَا نَوَى الْوُصُولَ لَزِمَهُ أَنْ يَصِلَنَّ مِثْلَ مَا قَدْ فَهِمَهُ وَقِيلَ فِي جَمَاعَةٍ قَدْ حَلَفُوا عَنْ فِعْلِ شَيْءٍ ثُمَّ فِيهِ اخْتَلَفُوا
(2)
(1) قوله: «فحالف ليضربن زيدا» هكذا في النسخ القديمة وفي نسخة الأصل وهو مشكل وصوابه عندي (وحالف لا يضربن) فليتأمل.
(2) قوله: «لفظ المجمل» بإضافة الموصوف إلى صفته أي اللفظ المجمل. (1/262)
صفحة 263
262
الجزء الأول
كتابُ الْأَيْمَانِ
يَفْعَلُهُ الْبَعْضُ وَبَعْضُ أَمْسَكَا فَالْحِنْتُ لَازِمُ) لِمَنْ لَمْ يُمْسِكَا وَحَالِفٌ لِقَتْلِ نَفْسٍ بَرًا قَدْ قِيلَ مَهْمَا يَقْتُلَنَّ الذَّرَّا لأَنَّهُ نَفْسٌ وَذَاكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدٌ هُنَاكَ مُلْتَزَمْ وَآيَةُ الضَّغْثِ لأَيُّوبَ النَّبِي تُقَرِّبُ الْحَقَّ لِهَذَا الْمَذْهَبِ وَحَالِفْ لَا يَحْضُرَنَّ فَرَحَا لأُخْتِهِ سُخْطَا (2) لَهَا أَوْ تَرَحَا فَمَاتَ مِنْ بَعْدُ أَبُوهُ وَحَضَرْ مَأْتَمَهُ لَا حِنْثَ فِيهِ قَدْ ذُكِرْ لأَنَّهُ لِنَفْسِهِ قَدْ حَضَرَا لَيْسَ لَهَا وَالْحَقُّ فِيهِ ظَهَرَا أَمَّا الشَّرِيفُ فَمُطِيعُ اللَّهِ وَمَنْ لَهُ فِي النَّاسِ نَوْعُ جَاهِ وَحَالِفٌ بِأَنَّهُ شَرِيفٌ لَا يَحْنَثَنْ إِنْ كَانَ ذَا الْمَوْصُوفُ وَعِنْدَنَا الْعَاصِي هُوَ الْوَضِيعُ لأَنَّهُ لِدِينِهِ مُضِيعُ أَكْرَمُكُمْ بِالنَّصَّ أَتَقَاكُمْ فَلَا تَنْظُرْ إِلَى تَعْظِيمِهِمْ لِلسُّفَلَا (3)
(1) قوله: «فالحنث لازم أي أن الحنث على من لم يمسك منهم عن الفعل الذي حلفوا أن لا يفعلوه، ولقائل أن يقول: لا حنث عليهم إلا إذا فعلوا جميعًا كما أنهم حلفوا أن لا يفعلوه جميعا،
والأولى في هذا اعتبار المقاصد، وقوله: «لم يمسكا بالألف عوضا عن نون التوكيد المحذوفة. (2) قوله: «سخطا» منصوب على أنه مفعول لأجله، وقوله: «أو ترحا معطوف على فرحا، وأصل العبارة: أي هذا الرجل حلف أن لا يحضر لأخته فرحًا ولا ترحًا أي لا سرور ولا حزنًا سخطًا
منه عليها.
(3) قوله: «للسفلا» جمع سافل وهو الرجل الخسيس الدنيء، وقد حضرت مجلسًا حافلاً ببلدنا الحمراء أيام زارها نور الدين العلّامة المصنف، وأنا لم أبلغ الحلم، فاستدعى أن يُحْضَرَ
صبي
له قاموس اللغة لمطالعة هذا الجمع وهو يقرأ هذا البيت فحفظته من لسانه، فوجد له وجها،
فحمد الله، وذلك في سنة 1330 هـ. (1/263)
صفحة 264
باب النحر
الجزء الأول
263
وَحَالِفٌ بِاللهِ مَا الرُّمَّانُ فَاكِهَةٌ تَلْزَمُهُ الأَيْمَانُ وَفِيهِ قَوْلٌ أَنَّهَا لَا تَجِبُ وَالْحَقُّ فِي الْأَوَّلِ عِنْدِي أَقْرَبُ وَحَالِفٌ لَا يَرْكَبَنْ طَرِيقًا تَغِيظُ إِنْسَانَا لَهُ صَدِيقَا وَبَعْدَ أَنْ مَاتَ الصَّدِيقُ مَرَّا بِهَا فَقِيلَ الْخُلْفُ لَا يُعَرَّى وَحَالِفٌ لَيَضْرِبَنَّ ذَاكَا فَمَاتَ فَالْحِنْتُ أَتَى هُنَاكَا وَهَكَذَا جَمِيعُ مَا يَفُوتُهُ مِنْ فِعْلِهِ الَّذِي لَهُ تَوْقِيتُهُ وَحَالِفٌ بِاللهِ أَنْ قَدْ صَلَّى فَالْحِنْتُ إِنْ يَغْشَى الْفَسَادُ الفِعْلَا لأَنَّهَا لَيْسَ صَلَاةٌ ثَمَّا قُلْتُ وَفِي الْعُرْفِ بِذَا تُسَمَّى وَلَيْسَ يَخْلُو مِنْ مَقَالٍ إِنَّهُ لَا يَحْنَثَنْ بِذَاكَ فَاسْمَعَنَّهُ وَحَالِفٌ لَيَتْرُكَنَّ الْوَاجِبَا أَوْ يَعْصِيَنَّ اللَّهَ جَهْرًا خَائِبَا فَالْحِنْتُ فِيهِ لَازِمٌ بِحَالِهِ لأَنَّهُ الْحَرَامُ مِنْ أَفْعَالِهِ وَقِيلَ مَنْ آلَى عَنِ السَّلَامِ عَلَى أُناسٍ أَوْ عَنِ الْكَلَامِ فَالْحِنْتُ لَا يَلْزَمُهُ إِنْ كَلَّمَا بَعْضَهُمْ وَهَكَذَا إِنْ سَلَّمَا وَحَالِفٌ لَيَنْسِفَنَّ الْجَبَلَاَ أَوْ يَصْعَدَنَّ لِلسَّمَوَاتِ الْعُلَا أَوْ نَحْوِهِ مِنْ كُلِّ مَا تَعَذَّرَا عَلَيْهِ فَالْحِنْتُ عَلَيْهِ اشْتَهَرَا فِي حَالِهِ يَحْنَثُ دُونَ رَيْبِ وَهَكَذَا أَيْضًا يَمِينُ الْغَيْبِ كَحَالِفَ بِأَنَّ هَذَا وَقَعَا وَهُوَ لَمْ يَعْلَمْ وَلَمَّا يَسْمَعَا (1/264)
صفحة 265
264
وَمَا بِهِ
الجزء الأول
كتابُ الْأَيْمَانِ
أَخْبَرَنَا الْقُرْآنُ أَوِ الرَّسُولُ فَهُوَ الْعِيَانُ كَالْوَصْفِ لِلْجِنَانِ وَالنِّيرَانِ مِنْ ثَمَّ كَانَ ذَا مِنَ الإِيمَانِ وَمِنْ هُنَا القَطْعُ بِهَذَا الْمَذْهَبِ بِأَنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي عَنِ النَّبِي لَا يَحْنَشَنَّ حَالِفٌ بِذَاكَا وَإِنَّمَا سِوَاهُ لَا هُنَاكَا
باب الكفارات
مِنْ فَضْلِهِ سُبْحَانَهُ عَلَيْنَا أَنْ شَرَعَ التَّكْفِيرَ وَالْيَمِينَا فَحَالِفٌ عَنْ فِعْلِ شَيْءٍ فَيَرَى سوَاهُ خَيْرًا فَلَهُ يُكَفِّرَا لَا تَجْعَلِ الْيَمِينَ شَيْئًا مَانِعَا عَنْ فِعْل مَا تَكُونُ فِيهِ طَائِعَا يُجْزِيكَ أَنْ تُكَفِّرَنَّ عَنْهَا وَتُحْرِزُ الثَّوَابَ أَيْضًا مِنْهَا ثَلَاثُ كَفَّارَاتِ فِي الْكِتَابِ تَارِكُهَا يَهْلِكُ بِالْعِقَابِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ بِاسْمِ الْبَارِي وَالْقَتْلِ فِيمَا جَاءَ وَالظُّهَارِ وَجَاءَ فِي كَفَّارَةِ الصِّيَامِ مُؤَخَّرًا) عَنْ سَيِّدِ الأَنَامِ قَوْلُ صَحِيحٌ غَيْرَ أَنْ لَمْ يَشْتَهِرْ فَلَا هَلَاكَ فِيهِ كَالَّذِي شُهِرْ) وَقِيسَتِ الصَّلَاةُ فِي ذَا الْحُكْمِ عَلَى الصِّيَامِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ
(1) قوله: «مؤثرا» منصوب على الحال المقدمة على صاحبها النكرة كما في قوله: «لِمَيَّةَ مُوحِشًا طَلَلُ». (*) قد يكون المراد بالشهرة هنا التواتر والتعبير بالشهرة عن التواتر وارد، وقد ذكره الإمام نور الدين في مشارق الأنوار، وتارك الظني لا يُهلك؛ لأن التهليك أثر ترك المتواتر، وهو الدال
على القطع. إسماعيل) (1/265)
صفحة 266
باب الكفارات
الجزء الأول
265
ثَمَّ كَانَ الصَّوْمُ عَنْ ثِقَاتِ آكَدَ مِنْ كَفَّارَةِ الصَّلَاةِ) وَهُوَ مُخَيَّرٌ لَدَى الْأَحْكَامِ فِي الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ وَالإِطْعَامِ وَقِيلَ إِنَّ الْعِتْقَ فِيهَا أَوْلَى وَأَوَّلُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي أَعْلَا وَالاِخْتِلَافُ هَلْ لَهُ أَنْ يُطْعِمَا يَوْمًا وَأَنْ يَصُومَ يَوْمًا فَاعْلَمَا وَمَا لِقَاتِلِ هُنَا إِطْعَامُ لَكِنَّهُ الْعِتْقُ أَوِ الصِّيَامُ وَذَاكَ إِنْ لَمْ يَجِدَنَّ الرَّقَبَهُ يَصُومُ شَهْرَيْنِ لِمَا قَدْ رَكِبَهْ وَتَلْزَمُ الْمُخْطِئَ دُونَ الْعَمْدِ فَالعَمْدُ فِيهِ قَوَدٌ لِلْحَدِّ وَقَاتِلُ الْعَبْدِ عَلَيْهِ غُرْمُهُ فَقَطُّ وَالتَّكْفِيرُ لَا يَلْزَمُهُ وَقِيلَ عَنْ عَزَّانَ نَجْلِ الصَّقْرِ بِأَنَّهُ التَّكْفِيرُ فِيهِ يَجْرِي ومَا عَلَى مَنْ قَتَلَ الذَّمِّيَّا كَفَّارَةٌ إِذْ لَمْ يَكُنْ تَقِيَّا كَذَاكَ لَا تَخْيِيرَ فِي الظُّهَارِ فَالعِتْقُ أَوَّلًا فَلَا تُمَارِي فَالصَّوْمُ فَالإِطْعَامُ إِنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ صَوْمًا فَهَذَا حُكْمُهُ الَّذِي شُرِعْ وَالأَصْلُ فِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ مُرْسَلُهَا الْمَذْكُورُ فِي القُرْآنِ وَأَلْحَقُوا بِهَا الْمُغَلَّظَاتِ إِذْ غَلَّظَ النَّاسُ التَّأَلِّيَاتِ مِنْ ثَمَّ قَدْ أَنْكَرَهَا أُنَاسُ إِذْ لَمْ يَكُنْ يُثْبِتُهَا الْقِيَاسُ
(*) المراد أن كفارة الصيام أكد من كفارة الصلاة؛ لأن كفارة الصيام ثابتة بالنص، وكفارة الصلاة ثابتة بالقياس عند مثبتيها. إسماعيل) (1) قوله: «لكنه» يعني أن الشأن الواجب عليه العتق أولا، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين كما في الآية، وإنما عدل عن أن يقول: لكن له، لئلا يوهم التخيير بين العتق والصيام، وقال بعضهم: إنه إذا لم يستطع الصيام فعليه الإطعام، وهو قول ضعيف. (1/266)
صفحة 267
266
الجزء الأول
كتابُ الْأَيْمَانِ
فَالْأَصْلُ فِي النِّزَاعِ هَلْ كَمِثْلِهَا يَكُونُ ذَا الْقِيَاسُ مِثْلَ أَصْلِهَا وَصِفَةُ الإِرْسَالِ تَحْلِفَنَّا بِاللَّهِ عَنْ فِعْلِ الَّذِي قَدْ عَنَّا وَهُوَ مُبَاحٌ فِعْلُهُ فَتَرْغَبُ فِي فِعْلِهِ وَالحِنْتُ فِيهِ يَجِبُ وَاللهُ قَدْ خَيَّرَ فِي الإِطْعَامِ وَالْعِشْقِ وَالْكُسْوَةِ لِلْأَنَامِ إِلَّا الصَّيَامَ فَهُوَ بَعْدَ العَدَمِ وَالصَّوْمُ يَوْمَانِ وَيَوْمٌ فَاعْلَم وَالْعِتْقُ مَعْلُومٌ وَمَنْ شَا يُطْعِمَنْ فَعَشْرَةٌ مِنْ أَهْلِ فَقْرٍ يَقْصِدَنْ وَهَكَذَا يَكْسُوهُمُ إِنْ شَاءَ فَيُعْطِ كُلَّ وَاحِدٍ كِسَاءَ أَقَلُّهُ لِلرَّجُلُ الإِزَارُ وَهَكَذَا لِلْمَرْأَةِ الخِمَارُ وَمَنْ يَشَا الإِطْعَامَ غَذَا الْعَشَرَهُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَعَشَاءَ أَثَرَهُ أَوْسَطُ مَا يُطْعِمُهُ لأَهْلِهِ مِنْ تَمْرِهِ وَبُرِّهِ وَمِثْلِهِ وَمَنْ دَعَا الْمِسْكِينَ حَتَّى أَكَلَا مِنَ الْغَدَا وَعَنْ عَشَاهُ نَكَلَا فَإِنَّهُ مِقْدَارَهَا يُعْطِيهِ مِنَ الطَّعَامِ حَسْبَ مَا يَكْفِيهِ وَقَالَ بَعْضُ وَقْعَةٌ مَأْدُومَهُ تُجْزِيكَ فِي بَيَانِنَا مَرْسُومَهُ (1) (2) وَلَيْسَ يُجْزِيكَ الصَّبِيُّ حَيْثُ لَمْ يَسْتَوْفِ مَا يَأْكُلُهُ وَلَوْ فُطِمْ
(*) الأصل: قد يراد به الأصل المقيس عليه، فالأصل يختلف عن الفرع، فالظهار شيء يختلف عن اليمين، ولذلك لم يكن القياس ثابتًا. (إسماعيل) (1) قوله: «في بياننا» أي بيان الشرع وهو كتاب جامع الأصول المذهب وفروعه وهو في نيف وسبعين جزءا. (المصنف) (2) هو اسم «المصنف» في الفقه يبلغ سبعين جزءا للعلّامة الأفخم قاضي المسلمين محمد بن إبراهيم بن سليمان بن محمد بن عبد الله الكندي رحم الله. (أبو إسحاق) (1/267)
صفحة 268
باب الكفارات
الجزء الأول
267
وَجَائِنُ بِالْكَيْلِ يُعْطَى بَعْدَمَا يُفْطَمُ يُعْطَى قُوتَهُ مُتَمَّمَا أَوْ تَدْفَعَنَّ نِصْفَ صَاعِ الْبُرُ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْهُمْ لِلْفَقْرِ وَزِدْ رُبَيْعَ الصَّاعِ إِنْ دَفَعْتَا مِنَ الْحُبُوبِ ذُرَةً أَوْ سُلْتا وَثُلُثُ الصَّاعِ مِنَ الأَرزِّ لِكُلِّ وَاحِدٍ يُقَالُ يُجْزِي وَإِنْ دَفَعْتَ الدُّخْنَ فَادْفَعَنَّا صَاعًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مُعَنَّا وَإِنْ تَشَا فَقَوْمَنَّ الْبُرًا وَادْفَعْ بِهَا مِنَ الْحُبُوبِ طُرَا وَلَيْسَ يُجْزِي دَفْعُ نَفْسِ الْقِيمَهُ وَقِيلَ فِيهِ رُحْصَةٌ مَرْسُومَهُ وَامْرَأَةُ الفَقِير تُعْطَى مِنْهَا فَمَا زَوَاجُهُ بِمُغْنِ عَنْهَا وَامْرَأَةُ الْغَنِيِّ لَيْسَ تُعْطَى لأَنَّ حَقَّهَا عَلَيْهِ خُطَّا وَجَائِزٌ تُعْطِي الفَقِيرَ فِي السَّفَرْ حَتَّى وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا فِي الْحَضَرْ وَإِنْ يَكُنْ أَوْصَى بِهَا فَتُؤْخَذُ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ وَهُوَ الْمَنْفَذُ وَقِيلَ بَلْ مِنْ أَصْلِهِ وَذَانِ فِي كُلِّ حَقٌّ كَانَ لِلْمَنَّانِ وَمَنْ يَقُلْ مَهْمَا سَكَنْتُ يَثْرِبَا أَوْ زُرْتُ عَمْرًا أَوْ هَجَرْتُ قُطْرُبَا فَإِنَّهُ مِنْ سَاكِنِي النِّيرَانِ أَوْ أَنَّهُ مِنْ عَابِدِ الأَوْثَانِ أَوْ كَافِرٌ بِاللَّهِ أَوْ بِالرُّسُلِ أَوْ بِالقُرَأَىنِ الْمُحْكَمِ الْمُنَزَّلِ وَكُلَّمَا قَدْ يَجِبُ العَذَابُ لِمَنْ أَتَاهُ وَبِهِ يُصَابُ
(*) نوع من الحب صغير جدا. (إسماعيل) (1/268)
صفحة 269
268
الجزء الأول
كتابُ الْأَيْمَانِ
تَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ الْمُغَلَّظَهُ إِذَ قَالَ قَوْلًا فَاحِشًا وَغَلَّظَهُ وَقَائِلٌ إِنَّ الْإِلَهَ خَصْمُهُ فَإِنَّمَا تَغْلِيظُهُ يَلْزَمُهُ وَالْمَقْتُ وَالتَّقْبِيحُ إِنْ أَلَى بِهِ وَاللَّعْنُ وَالخِزْيٌ لَهُ مِنْ رَبِّهِ أَوْ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِنْ فَعَلْ أَوْ عَاهَدَ اللهَ فَخَانَ وَنَكَلْ أَوْ كَانَ فِي قَطْعِ الْحُقُوقِ الَى تَغْلِيظُهُ صَارَ لَهُ مَالَا كَذَاكَ قِيلَ لَاعِنُ الْبَهَائِمِ مُغَلِّظٌ وَقِيلَ غَيْرُ لَازِمٍ وَقِيلَ مَا عَدَا العُهُودَ مَا بِهَا مُغَلَّظٌ مَهْمَا أَتَى الْعَبْدُ بِهَا وَحَالِفٌ بِحِجَجٍ كَثِيرَهُ فَعَاقَهُ عَنْ فِعْلِهَا الضَّرُورَهُ قِيلَ عَلَيْهِ فِعْلُهَا لُزُومَا وَقِيلَ بَلْ يُجْزِيهِ أَنْ يَصُومَا يَصُومُ شَهْرَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدَهُ لَوْ بَلَغَتْ مِنَ الْأُلُوفِ الزَّائِدَة وَقِيلَ لِلْجَمِيعِ شَهْرَانِ فَقَطْ وَقِيلَ بَلْ صَوْمُ ثَلَاثَ يُشْتَرَطْ وَقَالَ بَعْضُ إِنَّهُ يَتُوبُ وَمَا عَلَيْهِ بَعْدَهَا وُجُوبُ وَهَذِهِ مَسْئَلَةٌ مَسْئُورَهُ تُبْذَلُ لِلنَّائِبِ مِنْ ضَرُورَهُ وَمَا لِصَائِمِ هُنَا إِفْطَارُ وَإِنْ يَكُنْ أَلْجَاهُ الإِصْطِرَارُ لِأَنَّهَا عُقُوبَةُ الْمُغَلَظَهُ تُنَاسِبُ التَّشْدِيدَ فِيمَا غَلَّظَهُ وَيُجْزِهِ الإِطْعَامُ مَهْمَا شَاءَ أَوْ شَاءَ الإِعْتَاقَ أَوِ الإِعْطَاءَ وَصَائِمٌ أَرْبَعَةً تَمَامَا عَنِ اليَمِينَيْنِ فَلَا مَلَامَا (1/269)
صفحة 270
باب الكفارات
الجزء الأول
269
وَبَعْضُهُمْ قَدْ قَالَ حَتَّى يَفْصِلَا بِنِيَّةٍ بِيْنَهُمَا وَيَعْزِلَا وَمَنْ عَلَيْهِ عَشْرُ كَفَّارَاتِ جَمِيعُهَا تَكُونُ مُرْسَلَاتِ قِيلَ لَهُ أَنْ يَعْقِدَ الصِيَامَا عَنهُنَّ شَهْرًا كُلَّهُ تَمَامَا وَهَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَا صِيَامَهَا أَوْ يُطْعِمَنْ أَوْ يُعْتِقَا كُلُّ ثَلَاثَةٍ مِنَ الأَيَّامِ عَلَى حِيَالِهَا مِنَ الصِّيَامِ وَلَا يُفْرِقِ الثَّلَاثَ أَبَدًا كَيْلَا يَكُونَ أَهْمَلَ التَّعَدُّدَا وَاللَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ مُطْلَقَا لَنَا وَلِلإِخْوَانِ مَّمَّنِ اتَّقَى
تم الجزء الأول من جوهر النظام وهو جزء الأديان ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني، وهو جزء الأحكام وأوله كتاب الأطعمة
(1) قوله: «على حيالها» أي على حِدَتِهَا. (1/270)
صفحة 271
[صفحة فارغة] (1/271)
صفحة 272
الجُزْءُ الثَّانِي (1/272)
صفحة 273
[صفحة فارغة] (1/273)
صفحة 274
بَابُ أَحْكَامٍ صُنُوفِ الْحَيْوَانَاتِ
الجزء الثاني
273
كِتَابُ الْأَطْعِمَة
بَابُ أَحْكَامِ صُنُوفِ الْحَيْوَانَاتِ
وَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ الطَّيِّبَاتِ فَضْلًا وَحَرَّمَ الْمُخَبَّثَاتِ (1) فَطَيِّبُ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ مُحَلَّلٌ لَيْسَ بِهِ مِنْ حُوبِ) وَإِنَّمَا يَحْرُمُ مِنهُ الضَّرَرُ وَالنَّجَسُ الْخَبِيثُ ثُمَّ الْمُسْكِرُ وَالدَّمُ وَالْمَيْتَةُ وَالخِنْزِيرُ والصَّارِيَاتُ الْوَحْشِ وَالطُّيور وَهْيَ مِنَ السَّبَاعِ ذَاتُ النَّابِ كَالأُسْدِ وَالفُهُودِ وَالذَّتَابِ وَذَاتُ مِخْلَب مِنَ الطَّيُورِ كَالْبَانِ وَالْعُقَابِ وَالنُّسُور عَنْ قَتْلِ نَحْلَةٍ وَقَتْلِ الصُّرَدِ نُنْهَى وَقَتْلِ ضِفْدَعِ وصِفْرِدِ (3) وَنَهْيُهُ عَنْ قَتْلِهِنَّ دَلَّا بأَنَّ ذَاكَ لَا يَحِلُّ أَكْلَا
إِذْ لَا سَبِيلَ أَبَدًا لِأَكْلِهِ إِلَّا طَرِيقَ ذَبْحِهِ وَقَتْلِهِ
(1) المخبثات بالتشديد الخبائث.
(**)
(2) الحوب بالضم الإثم. (3) مفرد: گزبرج أبو المليح وهو طائر جبان. قاموس. ولعله هو الطائر المعروف عندنا بوادي ميزاب بأبي عودَ والعامة تقول بعود بضم الباء، وهو نوع من العصافير الجميلة المطربة، وهو في غاية الجبن، ربما مات عندما تمسكه يد. سمعت شيخنا القطب يقول: لا يجوز قتله، وكنت أعلل نهيه باستئمانه إلى الناس وإلفه البيوت، حتى لا يلد في الأشجار خوف الطيور الكبيرة والله أعلم. (أبو إسحاق) (*) قلت: الصفرد معروف عند الناس في عُمان، والظاهر أن الذي ذكره أبو إسحاق ليس الذي
عندنا
في عُمان. (إسماعيل) (*) أي: نهي النبي الكريم عن قتلهن يدل على عدم جواز أكلهن لأنهن لو حللن لجاز ذبحهن فلا سبيل لأكلهن إلا الذبح. إسماعيل) (1/274)
صفحة 275
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
274
الجزء الثاني
وَسَائِرُ الطُّيُورِ كَالحَمَامِ لَيْسَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الْحَرَامِ وَالحَشَرَاتُ مِنْ ذَاوَاتِ السَّمِّ وَغَيْرِهِ مَكْرُوهَةٌ فِي الْحُكْمِ وَالْخَيْلُ وَالبِغَالُ وَالْحَمِيرُ فِي لَحْمِهَا خِلافُهُم مَذْكُورُ وَاللهُ قَدْ قَالَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً مَا قَالَ تَأْكُلُوهَا قُلْتُ كَذَاكَ ذَكَرَ الرُّكُوبَا فِي صِفَةِ الْأَنْعَامِ وَالمَشْرُوبَا) وَذَكَرَ الْمَأْكُولَ مِنْهَا أَيْضًا فَذِكْرُ بَعْضٍ لَا يُنافِي بَعْضًا وَإِنَّمَا يُذْكَرُ وَصْفُ الْأَغْلَبِ وَذِكْرُهُ لَا يَنْفِي مَا لَمْ يَغْلِبِ وَهَذِهِ الأَنْعَامُ حِلٌّ مُطْلَقَا إِنْ ذُكِّيَتْ وَالصَّيْدُ مَهْمَا لُحِقَا وَكُلُّ وَاحِدٍ إِذَا مَا نَفَرَا ذَكَاتُهُ بِالرَّمْي مِمَّنْ كَبَّرا خِنْزِيرَةٌ قَدْ نَتَجَتْ عَنَاقَا (2) (3) فَأَكْلُهَا حِلٌّ لِمَنَ قَدْ ذَاقَا لَكِنَّها تُحْبَسُ كَالجَلالَهُ (4) ليَسْتَطِيبَ أَكْلَهَا الأَكَّالَهُ لَوْ أَنْ شَاةً نَتَجَتْ خِنزِيرًا كَانَ حَرَامًا أَكْلُهُ مَحْجُورًا وَالصَّيْدُ مِنْهُ الْحُمُرُ الوَحْشِيَّة وَهْيَ الَّتِي تُوجَدُ فِي البَرِّيَّة قَصِيرَةُ الأَذَنَابِ وَالظُّهُورِ وَلَونُهَا السَّوَادُ فِي الْمَأْثُورِ وَفِي عُمَانَ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا فِيمَا رَوَى لِي مَنْ سَأَلْتُ عَنْهَا
(1) السم: مثلث السين.
(*) المعنى أنه ذكر الإسقاء والشرب في الأنعام أيضًا، وذكر ذلك لا يدل على منع غيره من أكل وركوب وَإِنَّ لَكُمْ} [النحل: 66]. (إسماعيل)
(2) الأنثى من أولاد المعز. (أبو إسحاق)
(3) العناق: بفتح العين الشاه.
(4) والجلالة: التي تقتصر على أكل النجاسات من الطيور والأنعام.
هي (1/275)
صفحة 276
بَابُ أَحْكَامٍ صُنُوفِ الْحَيْوَانَاتِ
الجزء الثاني
275
بَلْ بَيْنَهَا تُوجَدُ وَالْأَحْسَاءِ قَدْ قَالَهُ بَعْضُ أُولِي الذَّكَاءِ قِيلَ وَمِنْهُ ضَبْعٌ وَتَعْلَبُ فَأَكْلُهُ فِي ذَا الْمِقَالِ طَيِّبُ) وَالصَّبُّ أَيْضًا جَائِزٌ حَلَالًا وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَدْرِ فِيهِ الْقَالَا وَالخُلْفُ فِي الْغَيْلَم قِيلَ بَرِّي) وقَالَ بَعْضُ مِنْ صُيُودِ البَحْرِ فَلَا تَحِلُّ فِي الْمَقَالِ الْأَوَّلِ مَيْتَتُهَا وَجَائِةٌ فِيمَا يَلِي وَأَغْلَبُ الْحَالَيْنِ بَعْضُ ذَكَرًا وَهُوَ مِنَ الْحَقِّ عَلَى مَتْنِ الذَّرَى لَكِنَّنِي أَقُولُ مَهْمَا وُجِدَتْ مَيِّتَةً فِي البَرِّ حَتْمَا أُلْقِيَتْ وَإِنْ تَكُنْ مَيِّتَةً فِي الْبَحْرِ فَحُكْمُهَا كَحُكْمِ مَيْتٍ بَحْرِي وَمَا الْكِلَابُ عِندَنَا حَلَالُ وَلَا السَّنَانِيرُ كَمَا يُقَالُ لِأَنَّهَا مِنَ السَّبَاعِ الصَّارِيَهُ وَبَعْضُهُمْ أَحَلَّهَا عَلَانِيَهْ كَذَاكَ أَيْضًا لَبَنُ الْكِلَابِ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ مَسَّ لِلإِهَابِ وَإِنني مِنْ ذَاكَ فِي عُجَابِ وَلَسْتُ أَدْرِي أَصْلَ هَذَا الْبَابِ لَمْ يَنْجُسِ الْجِلْدُ لِشَيءٍ فِيهِ مِنْ ذَاتِهِ لَكِنْ لِمَا يَأْتِيهِ تِلْكَ الرَّطُوبَاتُ الَّتِي فِي اللَّحْمِ أَمَّلَتِ الجِلْدَ لِهَذَا الحُكْمِ كَيْفَ يَحِلُّ أَصْلُ هَذَا النَّجَسِ مَعَ حَرَامِ فَرْعِهِ الْمُنَجَّسِ هَذَا مِنَ التَّنَاقُضِ الْمَعْقُولِ لَا يَسْتَقِيمُ قَطُّ فِي الْعُقُولِ وَكُلُّ مَا كَانَ بِهِ انْتِفاعُ مُحَلَّلًا فَجَائِزِّيُبَاعُ
(*) أي يجوز أكله على القول إنه من الصيد. (إسماعيل)
(1) السلحفاة الذكر والضفدع أيضًا. (أبو إسحاق) (1/276)
صفحة 277
276
الجزء الثاني
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
وَإِنْ يَكُنْ مُحَرَّمًا فَلَا يَحِلُّ لِأَنَّهُ مِنَ الحَرَامِ مُنْتَقِلْ فَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ لِلْقُرُودِ وَلَا الأَفَاعِي لَا وَلَا الْأُسُودِ وَهَكَذَا فِي سَائِرِ السَّبَاعِ وَأُمَّهَاتِ السَّمِّ كَالأَفَاعِي وَبَيْعُكَ السَّنَّوْرَ قِيلَ حِلُّ لِنَفْعِهِ وَقِيلَ لَا يَحِلُّ كَذَلِكَ التَّعْلَبُ فِيهِ اخْتُلِفَا فَبَيْعُهُ عَلَى مَقَالِ سَلَفَا وَقِيلَ إِنَّ بَيْعَهُ حَرَامُ بَائِعُهُ تَلْحَقُهُ الآثَامُ وَهْوَ مَقَالُ مَنْ لِأَكْلِهِ مَنَعْ وَفِي مَقَامِ الاخْتِلَافِ مُتَسَعْ
باب الاصطياد
وَالإِصْطِيَادُ مَرَّةً بِالشَّبَكِ وَتَارَةً بِالرَّمْي عِنْدَ الدَّرَكِ وَتَارَةً بِالْكَلْبِ وَالعُقَابِ مُعَلَّمَاتٍ وَصْفُ الاكْتِسَابِ) يَمتثِلُ الأَمْرَ إِذَا أَمَرَتَهُ وَيَنْتَهِي عَنْهُ إِذَا نَهَيْتَهُ لَا يَأْكُلُ الصَّيْدَ وَمَهمَا أَكَلَا مِنْهُ فَإِنَّهُ حَرَ مِنْهُ فَإِنَّهُ حَرَامٌ حُظِلَا (1) لأَنَّهُ لِنَفْسِهِ قَدْ صَادَا بَنَهْشِهِ قَدْ بَلَغَ الْمُرَادَا وَإِنْ يَكُنْ عَلَّمَهَ الْمَجُوسِي فَصَيْدُهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَنجُوسِ (2)
() معلمات: حال منصوبة من الكلب والعقاب و (وصف) خبر لمبتدأ محذوف والمعنى ذلك وصف الاكتساب للكلب والعقاب وهو كونها معلمات. (إسماعيل)
(1) حُظِلَ: أي منع.
(2) قوله: «المنجوس» يعني أنه حرام لا يحل أكله وأنه ميتة، نجسة. (1/277)
صفحة 278
باب الاصطياد
الجزء الثاني
277
وَإِنْ يَكُنْ صَادَ الْمَجُوسِي يَومَا بِكَلْبِ مُسْلِمٍ يَكُونُ حُرْمَا فَصَيْدُهُ وَذَبْحُهُ سَوَاءٌ وَلَا تَحِلُّ هَذِهِ الأَشْيَاءُ وَيَذْكُرُ الْمُسْلِمُ إِسْمَ رَبِّهِ فِي رَمْي سَهْمِهِ وَوَسِّ (1) كَلْبِهِ وَهْيَ ذَكَاتُهُ إِذَا مَا مَاتَا مِنْ قَبْلِهِ وَلا يَقُولُ (2) فَاتَا وَمَا رُمِي يُبندُقٍ لَا يُؤْكَلُ (3) مَا لَمْ يُدَكَ وَكَذَاكَ الْجَنْدَلُ وَمَن رَمَى صَيْدًا وَقَدْ أَوْهَاهُ وَبَعْدَ ذَاكَ غَيْرُهُ رَمَاهُ وَعَاقَهُ الْمَوتُ بَرَمْيِ الثَّانِي فَطَالَبَ الْأَخِيرَ بِالصَّمَانِ لِأَنَّهُ بِرَمْيِهِ قَدْ قَتَلَهُ وَهُوَ مَالٌ غَيرُهُ قَدْ حَصَّلَهُ وقِيلَ فِي الصَّيْدِ إِذَا مَا وَقَعَا فِي شَبَكِ ثُمَّ لَهُ قَدْ قَطَعَا فَهْوَ لِمَن يَصِيدُهُ مِنْ بَعْدُ لأَنَّهُ صَيْدٌ هُنَاكَ يَعْدُو وَإِنْ يَكُنْ لَمْ يَنْطَلِقْ مِنَ الشَّبَكْ فَذَاكَ مَحْكُومٌ بِهِ لِمَنْ شَبَكْ فَالظَّبْي إِنْ كَانَ بِهِ حِبَالُ لو كَانَ بِالصَّحْرَاءِ لَا حَلَالُ لِأَنَّهُ عَلَامَةُ الإِمْسَاكِ مَرْجِعُهُ يَكُونُ لِلشَّبَاكِ (4)
(1) قوله: وش كلبه أي إغراؤه. يقال: وَسَّ الكلب يَوَسُّه إذا أغراه بالصيد ونحوه. اهـ. (المصنف) (2) وفي نسخة ولا يقال. (3) قوله: «وما رُمي ببندق لا يؤكل، هذا هو المشهور عند أصحابنا ورفع لي الشيخ الرقيشي أنه العلامة وجد عن الصبحي كم لله أنه يحل إذا ذكر اسم الله عند رميه إياه قلت: وهذا هو الصحيح
عندي، وقد ذهب إلى تحليله أكثر علماء المتأخرين من قومنا والله أعلم. (4) أي لواضع الشبك. (1/278)
صفحة 279
278
الجزء الثاني
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كَذَلِكَ الدَّجَاجُ مَهْمَا احْتُمِلَا فَفِي القُرَى يَكُونُ مِمَّا أُهْلَا (1) وَحُكْمُهُ إِنْ كَانَ فِي الصَّحَارِي كَحُكُم بَاقِي الصَّيْدِ فِي الْقِفَارِ وَكَرَّهُوا بِأَنْ تُصَادَ الْحَائِمَة عَلَى المِيَاهِ وَكَذَاكَ النَّائِمَة حَالِ شُرْبٍ كَانَ أَوْ مَنَامٍ وَلَا نَرَى ذَاكَ مِنَ الْحَرَامِ وَقِيلَ إِخْراجُ فُرُوحَ الطَّيْرِ حِلٌّ وَمَا فِي فِعْلِهِ مِنْ ضَيْرِ وَذَاكَ رِزْقٌ سَاقَهُ مَوْلَاهُ إِنْ عَتَ عَنْهُ فَهْوَ مَا أَوْلَاهُ وقَاتِلُ لِكَلْبِ صَيْدٍ يَغْرَمُ لِأَهْلِهِ كَمِثْلِ مَا يُقَوَّمُ لِأَنَّهُ قَدْ فَوَّتَ انَتِفَاعَهُ فَالغُرْمُ لَازِمٌ لِمَا أَضَاعَهُ
باب الذباح
وَالْحَيَوَانُ نِعْمَةُ الْمَنَّانِ جَادَ بِهِ الرَّحْمَنُ لِلْإِنسَانِ يَركَبُهُ وَيَأْكُلَنَّ لَحْمَهُ وَيشْرَبَنَّ دَرَّهُ وَدَسْمَهُ وَيَلْبَسَنَّ شَعْرَهُ وَجِلْدَهُ وَيُوعِيَنَّ جِلْدَهُ مَا عِنْدَهُ فَهُوَ أَثَاثُ الْبَيْتِ عِنْدَ الحَاضِرِ وَهْوَ وِعَاءُ الزَّادِ لِلْمُسَافِرِ وَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ إِلَّا إِذَا ذَكَّاهُ حَتَّى يَذَهَبَنْ مِنْهُ الْأَذَى وَحَيَوَانُ الْبَحْرِ حِلٌّ مَيْتَتُهُ فَالاصْطِيَادُ نَفْسُهُ تَذْكِيتُهُ
(1) أي صار أهليًا مملوكًا. (1/279)
صفحة 280
باب الذباح
الجزء الثاني
279
فَهْوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ صَحَّ بِهَذَا النَّقْلُ وَالسَّمَكُ الطَّافِي أَرَى النَّبِيَّا عَنْهُ نَهَى فَكُنْ لَهُ أَبِيَّا وَهْوَ الَّذِي قَدْ صَارَ فَوْقَ البَحْرِ ذَا نَتَنِ وَالنَّهَيْ لَا لِحَجْرِ) ثُمَّ الذَّكَاةُ تَشْمَلُ الذِّبَاحَا وَالنَّحْرَ وَالرَّمْيَ مَعَا صُرَاحَا والاصْطِيَادَ بِالْجَوَارِحِ الَّتِي قَدْ عُلِّمَتْ وَهْيَ الَّتِي قَدْ مَرَّتِ وَكُلُّ وَاحِدٍ لَهُ مَوْضُوعُ فَالنَّحْرُ فِي الْبُدْنِ هُوَ الْمَشْرُوعُ وَذَاكَ فِي لُبَّتِهَا تَمَامَا عَلَى ثَلَاثَ تُنحَرَنْ قِيَامَا إِنْ وَجَبَتْ جُنُوبُها أَي وَقَعَتْ فِي الْأَرْضِ سُلِّخَتْ وَبَعْدُ قُطِّعَتْ وَالنَّحْرُ وَالذَّبْحُ مَعًا فِي البَقَرِ وَالذَّبْحُ مَنْطُوقٌ بِهِ فِي السُّوَرِ وَسَائِرُ الْأَنْعَامِ وَالْبَهَائِمِ يَكُونُ فِيهَا الذَّبْحُ عَيْنُ اللَّازِمِ وَالذَّبْحُ فِي الْجِيدِ بِطُولِ الرَّقَبَهُ بِقَطْعِ أَوْدَاجِ وَقَطْعِ القَصَبَهُ وَلَا يَحِلُّ قَطْعُ كُلِّ الرَّاسِ وَمَا بِهِ عَلَى الخَطَا مِن بَاسِ وَلَا يَجُوزُ الذَّبْحُ مِنْ قَفَاهَا وَكُلُّ مَنْ يَفَعَلُهُ أَلْقَاهَا وَإِنْ تَكُنْ شُرَيْطَةً لَمْ يَقْطَعَا) حُلْقُومَهَا فَأَكْلُ ذَاكَ مُنِعَا لِأَنَّهَا ذَبِيحَةُ الشَّيْطَانِ وَالشَّاةُ إِنْ كَانَ لَهَا رَأْسَانِ فَذُ بِحَتْ مِنْ وَاحِدٍ أَجْزَاهَا إِنْ كَانَ مَوْتُهَا بِهِ يَغْشَاهَا
(1) يعني أن النهي لا يدل على الحجر أي التحريم. (2) الشُرَيْطَة: تصغير الشَرْطَة هي المرة الواحدة من إجراء المدية على الحلقوم. (1/280)
صفحة 281
280
الجزء الثاني
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
وذَابِحٌ بَهِيمَةٌ مَقْمُوطَهُ بِحَبْلِهَا وَهْيَ بِهِ مَرْبُوطَهُ فَإِنَّهَا فِي الْحُكْمِ لَيْسَ تَحْرُمُ وَتَرْكُهَا فِيمَا أَرَاهُ أَسْلَمُ ذَابِحُ طَيْرًا لَهُ قَدْ أَمْسَكَا خَوْفَ اضْطِرَابِ مِنْهُ أَوْ أَنْ يَهْلِكَا فَجَائِرٌ لِأَنَّهُ قَدْ قَصَدَا مَعْنَى صَحِيحًا مَا أَرَادَ الاعْتِدَا وَذَابِحُ طَيْرًا وَقَدْ رَمَاهُ في النَّارِ حَيَّا حُرْمُهُ يَغْشَاهُ وذابحُ بِمُدْيَةٍ مَسْمُومَهُ فَهيَ حَرَامٌ عِندَنَا مَذْمُومَهُ لِأَنَّهُ قَدْ قَيلَ إِنَّ السَّمَّا لِقَتْلِهَا عَوْنٌ فَصَارَتْ حُرْمًا تَذْبَحُهَا بِذَا الْحَدِيدِ الْقَاطِع وَنَحْوِهِ مِنْ كُلِّ جِنْسِ قَاطِع كَذَا الْحِجَارَةُ الَّتِي تُفْرِيهَا وَهْيَ الصَّرَابِيحُ) لِمَنْ يَرْوِيهَا وَكَرَّهُوا ذَلِكَ بِاللَّجَيْن) وَالذَّهَبِ الْمَعْرُوفِ بِاسْمِ الْعَيْنِ وَلَا يَجُوزُ الذَّبْحُ بِالزُّجَاجِ وَلَا بِعُودٍ جَاء فِي الْمِنْهَاجِ كَذَاكَ بِالضُّرُوسِ وَالْأَطْفَارِ وَتِلْكَ حَالَةٌ عَنِ الْكُفَّارِ وَهَكَذَا شِغْرَافَةُ النَّخِيل (3) (4) قَالَ فَلَا تُؤْكَلُ فِي ذَا الْقِيلِ
(1) الصرابيخ جمع صربوخ وهو الحجر الذي تكون فيه النار اهـ. (المصنف) لعل الصرابيخ الحجارة المعروفة بالصوان وهي ذات صلابة وحدة كادت تكون كالسكين بل أجاز العلماء الذبح بها لصلاحيتها لذلك فتأمل. (أبو إسحاق)
(2) اللجين: الفضة. (أبو إسحاق)
(3) الشغرافة قطعة من وعاء الطلع اليابس اهـ. (المصنف)
(4) صوابه شرغوفة أو شرعوفة وهو قشر طلعة الفحال من النخل، لكن الذي ذكره بعض جواز الذبح بوعاء الطلع لصلاحية بعضه لذلك، لصلابته وحدته، وهذا في ذكر النخل أقوى، وغير خفي أن هذا حين يفقد الذابح آلة الذبح، لا مطلقًا وهذا كالضرورة فتفهم الحق. (أبو إسحاق) (1/281)
صفحة 282
باب الذباح
الجزء الثاني
281
وَذَبْحُهُ بُمُدْيَةٍ لَمْ تُغْسَلَ فِيهِ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ الأُولِ وَلَا أَرَاهُ لَازِمًا وَالْمُصْطَفَى قَدْ نَحَرَ الْبُدْنَ مِرَارًا فَاعْرِفَا بِحَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ مَا ذُكِرَا بِأَنَّهُ غَسَّلَهَا إِذْ نَحَرَا يَذْبَحُهَا مُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ وَغَيْرُهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَأَكْلُهَا لَيْسَ بِهِ مِنْ بَاسِ لَوْ كَانَ فِي ذَاكَ خِلَافُ النَّاسِ وَيُسْتَحَبُّ بِاليَمِينِ الذَّبْحُ وَبِالشِّمَالِ ذَبْحُهُ يَصِحُ ويَذْكُرُ اسْمَ اللهِ فِي التَّذْكِيَةِ بِلُغَةِ العُرْبِ وَبِالْهِنْدِيَّةِ (1) وَكُلُّ إِسْم كَانَ لِلإِلَهِ يَصِحُ ذِكْرُهُ بِلَا اشْتِبَاهِ مَنْ قَالَ عِنْدَ ذَبْحِهِ سُبْحَانَا رَبِّي كَفَاهُ كَيْفَ مَا قَدْ كَانَا لَا يَنْفَعُ الذِّكْرُ عَلَى النَّبِيحَهُ إِلَّا مِنَ النَّابِحِ خُذْ تَصْرِيحَهُ إِلَّا إِذَا وَاطَى لِذِكْرِ الْبَارِي سِوَاهُ أَجْزَاهُ بِلَا إِنْكَارِ وَلَيْسَ يُجْزِي ذَابِحًا شَاتَيْنِ إِنْ سَمَّى فِي الْأُولَى مِنَ الثَّنْتَيْنِ
(2)
وَدَابِحُ وَلَمْ يُسَمٌ (2) تَحْرُمُ وَإِنْ تَكُنْ لِغَيْرِهِ يُغَرَّمُ
(1) أراد الناظم بالهندية العجمية مطلقًا بدليل مقابلتها بلغة العرب، وهكذا ذكر ضياء الدين في النيل، والقطب في شرحه، لكن العربية أفضل وأحق كما قال شيخنا، وقيد هذا بأن لا يكون الذابح عارفًا للعربية، والذي نراه أنه يبعد أن يكون شخص مهما بلغت عجمته غير مستطيع للنطق بلفظ الله أكبر، مثلا، اللهم إلا أن هذا القول مجرد افتراض، أما اللكنة في اللسان فقد تكون في العربي وفي العجمي، فالبربري الذي ينطق لسانه بآيوش وهو يا الله لا النطق بالله أكبر وما شابهها والله أعلم. (أبو إسحاق)
(2) قوله: «ولم يُسم» أي لم يذكر اسم الله.
يصعب عليه (1/282)
صفحة 283
282
الجزء الثاني
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
وَآمِرٌ سِوَاهُ يَدْبَحَنَّ لَهُ فَأَمَرَ الْمَأْمُورُ خِلَّا يَكْفُلَهُ فَإِنَّهُ يَأْكُلُهَا إِنْ شَاآ لِأَنَّهُ بِذَبْحِهَا قَدْ جَاآ
وَغَاصِبٌ وَسَارِقٌ قَدْ سَرَقَا بَهِيمَةً ذَبَحَهَا
وَانْطَلَقَا
ذَلِكَ اخْتِلَافُ أَهْلِ العِلْمِ وَهَلْ يَجُوزُ أَكْلُ هَذَا اللَّحْمِ
فَقِيلَ جَائِزٌ وَقِيلَ يَحْرُمُ وَفِي الْجَمِيعِ ضَامِنٌ فَيَغْرَمُ وَبَعضُهُمْ شَدَّدَ فِي الْمَسْرُوقَهُ لَكِنَّنِي لَسْتُ أَرَى تَفْرِيقَة وَتَذْبَحُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى إِنْ ذَكَرُوا اسْمَ رَبِّنَا جِهَارَا
(1) قوله: «وتذبح اليهود ... إلخ» اعلم أن ذبيحة أهل الكتاب لا تحل لنا إلا إذا كانت موافقة للذبيحة الشرعية، ولهذا اشترط أصحابنا أن يكونوا تحت المراقبة الإسلامية ونفوذ المسلمين، وقالوا: إذا كان أهل الكتاب تحت حكم المسلمين حلّت ذبيحتهم ونكاح الحرائر من نسائهم ويدل لهذا قوله سبحانه: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ} [المائدة: 5] الآية والذي تفيده الآية أن الحكم مُقيّد بحال نزول الآية وهي حال غَلَبة المسلمين وظهورهم على أهل الكتاب، إذ نزلت هذه الآية يوم عرفة في حجة الوداع حيث كانت جلالة الإسلام رافعة ألويتها في جميع اطراف الجزيرة والممالك المجاورة لها تخفق أفئدتهم من الرعب وهيبة الإسلام. واشترط مالك أن تكون ذبيحتهم تحت نظر المسلم، ولم يشترط كونهم تحت ذمة المسلمين، أما ما كان مخالفًا للذكاة الشرعية فهو ميتة حرام بنص الآية أو لم يذكر اسم الله عليها فلا تؤكل، كما لا تؤكل من المسلم الذي لم يذكر اسم الله، وسماها الله فسقا، أما من يدعي حِلِّيَّةَ ذبيحتهم كانت مَفْتُولَة أو مصروعة أو مقتولة بشق اليافوخ وما أشبه هذا فدعوى باطلة مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسَّلام، وإجماع المسلمين، ليت شعري لماذا يستخف المسلمون بأحكام دينهم ويثبون إلى أقوال باطلة فيأخذون بها، أليس هذا من ضعف الدين في نفوسهم، واستسلامًا للمحاربين لنا في كل جزئية وكلية محاربة أرادوا القضاء بها على الإسلام وأهله، ومن المعرة الواضحة ما بلغني أنه انتشر في أهل نفوسة أكل ذبيحة اليهود، وما ألجأهم إليها إلا استنكافهم أن يكونوا جزارين، ثم ما ظهر من إباحة بعض الضعفاء لشحوم أوروبا المنتشرة بقطرنا الجزائر وهي شحوم الميتة بلا ريب، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. (أبو إسحاق)
مطلقًا
ولو (1/283)
صفحة 284
باب الذباح
الجزء الثاني
283
وَلَا يَجُوزُ مِنْ ذَوِي الْأَوْثَانِ وَلَا الْمَجُوسِ وَلَا الْمَجُوسِ أَعْبُدِ النِّيرَانِ وَكُلُّ مُرْتَدَّ عَنِ الإِسْلَامِ ذِبَاحُهُ حَتْمًا مِنَ الْحَرَامِ وَالذَّبْحُ قِيلَ جَائِزٌ مِن صَابِي لِأَنَّهُمُ قِيلَ ذَوُو كِتَابِ وَأَخْرِسُ اللَّسَانِ مِثْلُ الْأَعْجَمِ ذِباحُهُمْ قِيلَ مِنَ الْمُحَرَّمِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ الذِّكْرَا وَتَرْكُ ذَاكَ يُورِثَنَّ الْحَجْرَا وَجَائِةٌ ذَبِيحَةُ الْعُمْيَانِ إِنْ أَحْسَنُوا وَذِبْحَةُ الْعُرْيَانِ وَهكَذَا مِنْ جُنُبٍ إِذَا ذَبَحْ لِأَنَّ شَرْطَ الطَّهْرِ فِيهِ مَا وَضَحْ وَذِبْحَةُ السَّكْرَانِ لَيْسَ تُؤْكَلُ وَهْوَ الَّذِي مِنْ سُكْرِهِ لَا يَعْقِلُ لأَنَّ ذَبْحَهُ كَنَهْشُ السَّبُعِ هُمَا سَوَاءٌ كُلُّهُ لَمْ يُشْرَعِ وَمَوضِعُ الذُّبَاحِ يُغْسَلَنَّا إِنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً يُيَمَّمَنَّا) كَذَاكَ قِيلَ وَالْإِلَهُ أَعْلَمُ وَلْيَرْمِ مِنْهَا كُلَّ مَا مَسَّ الدَّمُ وَقَدْ مَضَى فِي آخِرِ التَّيَمُّمِ خِرِ التَّيَمُّم بَحْتُ لَه يَشْتَاقُ ذُو التَّعَلُّم وَنَفْخُهَا لِيَسْلُخَ الْإِهَابَا لَا غَيْرِهُ) قَدْ قِيلَ لَنْ يُعَابَا
(1) أَعْبُدِ جمع عبد، أي: عبدة النيران. (2) ما أحق هذا القول بالهجران، والإعراض وما أولاه بالحذف فإنه قول ليس له دليل يستند إليه، ولو قياسًا، فالذابح إذا فقد الماء لتطهير المذبح كان له أن يقطع موضع الدم النجس وليس للتيمم هنا معنى، ولو استغنى المؤلف رحمه الله عن هذا القول لكان أجمل واكتفى بما نبه
عنه في باب التيمم ص 106 إذ قال: وليس في السُّنَّةِ والكتاب
كذاك أيضًا منحـ
الذبيحة
ولم أجد أيضًا استنباطًا .... إلخ. (أبو إسحاق)
المصحف والثياب
له رواية صحيحة
(*) (غيره) بالجر معطوف على المصدر المؤول (ليسلخ) والتقدير لسلخ الإهاب لا غيره. (إسماعيل) (1/284)
صفحة 285
284
الجزء الثاني
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
لَكِنْ عَلَيْهِ يُخْبِرَنَّ مَنْ شَرَى بِفِعْلِهِ كَيْلَا يَكُونَ غَرَرَا لِأَنَّهَا بِنَفْخِهِ تَكُونُ مُبْيَضَةً كَأَنَّهَا السَّمِينُ) إِنْ وُجِدَتْ فِي بَطْنِهَا سِخَالُ مَيِّتَةً فَأَكْلُهَا حَلَالُ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِأُمَّهَا ذَكَاتُهَا ذَكَاتُهَا فِي حُكْمِهَا وَإِنْ تَكُنْ ذَبَحْتَهَا وَانْطَلَقَتْ وَضَمَهَا الظَّلَامُ ثُمَّ لُحِقَتْ فَقِيلَ لَا تُؤْكَلُ إِذْ لَا تَدْرِي مَاذَا أَصَابَهَا بِذَاكَ السِّتْرِ لَعَلَّ غَيْرَ الذَّبْحِ قَدْ لَاقَاهَا وَذَاكَ إِنْ مَيِّتَةً يَلْقَاهَا وَقِيلَ لَا يُؤْكَلُ لَحْمٌ حَمَلَهُ ذُو الشِّرْكِ وَاخْتَفَى لِئَلَّا يُبْدِلَهُ وَذَاكَ مِنْ مَعَانِي الاحْتِيَاطِ وَيَدْخُلَنَّ تَحْتَ الاسْتِبَاطِ
باب منافع الحيوانات ومضارها
وَالحَيَوَانُ لِانْتِفَاعِ خُلِقَا وَمِنْهُ مَا يَكُونُ ضُرًا يُتَّقَى لِحِكْمَةٍ يَكُونُ ذَاكَ الضَّرَرُ وَحِكَمُ الإِلَهِ لَا تَنْحَصِرُ لَكِنَنَّا نُؤْمَرُ بِالدِّفَاعِ فَنَقْتُلُ الْحَيَّاتِ وَالْأَفَاعِي وَكُلَّ مُؤْذٍ لِلأَنَامِ فَاقْتُلِ وَلَا تَخَفْ فِي اللَّهِ لَوْمَ الْعُذَّلِ وقَاتِلُ الْحَيَّةِ فِي الْآثَارِ كَقَاتِلِ شَخْصًا مِنَ الْكُفَّارِ وَأَنَّهَا فَرْضٌ عَلَى مَنْ قَدَرَا يَلْزَمُ مَنْ صَادَفَ أَنْ لَا يُدْبِرَا
() المراد أن الدابة عند نفخها تبيض فتظهر كأنها سمينة مبيضة من الشحم. (إسماعيل) (1/285)
صفحة 286
باب منافع الحيوانات ومضارها
الجزء الثاني
285
وَتَارِكُ الْقَتْلِ لِخَوْفِ النَّارِ يُوجِبُ تَركُهُ عَذَابَ النَّارِ (1) مَنْ قَالَ لَا أَقْتُلُهَا بِغَيْرِ أَجْرٍ فَمَا فِي قَوْلِهِ مِنْ خَيْرِ وَيُعْطَى أَجْرَ مِثْلِهِ وَإِنْ طَلَبْ زِيَادَةً فَالخُلْفُ فِيهَا قَدْ وَجَبْ فَقِيلَ لَا يُزَادُ فَوْقَ الْمِثْل وَإِنْ وَعَدْتَهُ بِذَاكَ الْبَذْلِ وَقِيلَ مَنْ بِزَائِدٍ قَدْ أَخَرَا يَلْزَمُ إِنْ كَانَ غَنِيًّا مُوسِرَا وَمَا عَلَى الفَقِيرِ شَيْءٌ يَلْزَمُ وَتَرْكُ أَخْذِ الْأَجْرِ رَأْسًا أَسْلَمُ وَحَرْقُهَا بِالنَّارِ إِنْ تَعَذَّرَا سِوَاهُ لَا بَأْسَ بِهِ فِيمَا نَرَى كَذَلك الدِّبيَانُ (2) (3) وَالعَقَارِبُ وَكَلُّ مُؤْذٍ وَهُوَ قَولٌ صَائِبُ وَلَا يَجُوزُ الْحَرْقُ بِالنِّيرَانِ لِلْقَمْلِ وَالْجَرَادِ وَالصِّيبَانِ (4) لِأَنَّهَا عَذَابُ رَبِّ الْخَلْقِ وَلَيْسَ لِلْعِبَادِ نَفْسُ الْحَرْقِ لَكِنْ لَهُ أَنْ يَشْوِيَ الجَرَادَا إِنْ كَانَ أَكْلَ لَحْمِهِ أَرَادَا وَلَيْسَ ذَاكَ أَبَدًا تَعْذِيبُ) لَكِنَّهُ لِلَحْمِهِ تَطْبِيبُ وَرَمْيُكَ القَمْلَ إِذَا مَا كَانَا حَيَّا أَرَاهُ يَا فَتَى عِصْيَانَا
(1) يشير إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «من ترك قتل الحيات خشية الثَّارِ فقد كفر» أي كفر النعمة، وهذا
وعيد عظيم. (أبو إسحاق)
(2) الدبيان:
هي
الزنابير ذوات الحمة.
(3) الدبيان هي الزنابير الحمر والصفر لغة عُمانية.
(4) الصيبان صغار القمل.
(5) قوله: «تعذيب» بالرفع على جعله اسم ليس واسم الإشارة قبلها خبرها، ويحتمل أنه حذف في من الخبر لأجل إقامة الوزن وتقديره وليس في ذاك أبدا تعذيب. (1/286)
صفحة 287
286
الجزء الثاني
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
فِي قَتْلِهِ الطَّاعَةُ قِيلَ تُحْسَبُ وَنَبْذُهُ لِلْهَمِّ قِيلَ سَبَبُ قَتَلُ الْكِلَابِ عَبَنَّا عَنْهُ زَجَرْ خَيْرُ الْوَرَى وَقِيلَ بَلْ بِهِ أَمَرْ إِلَّا لِصَيْدٍ يُقْتَنَى أَوْ ضَرْعِ وَقِيلَ مِثْلُ ذَاكَ كَلْبُ الزَّرْعِ فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ لَا تُقْتَلُ إِذْ نَفْعُ أَهْلِهَا بِهِنَّ يَحْصُلُ وَجائِز قَتْلُ الْكِلَابِ السُّودِ بِلَا اخْتِلَافِ عَنْهُمُ مَوْجُودِ وَيُعْقَرُ السِّنَّوْرُ إِنْ أَضَرًا عَلَى أُناسٍ كَي يَكُفَّ الضُّرَّا وَيُرْجَعُ الْأَمْرُ إِلَى أَرْبَابِهِ إِنْ عُلِمُوا فَإِنَّهُمْ أَوْلَى بِهِ وَعَقْرُهُ تُقَلَّمُ الأَظْفَارُ مِنْهُ لِكَيْ مَا يَنْتَفِي الصِّرَارُ وَإِنَّ قَتْلَهُ لَدَيَّ أَقْرَبُ مِنْ عَقْرِهِ الَّذِي بِهِ يُعَذِّبُ أَهْلِهِ بِهِ مَنَافِعُ مِنْ بَعْدِ مَا تُقَطَّعُ الْأَصَابِعُ وَجَائِزٌ لَرَجُلٍ أَنْ يُطْعِمَا هر سِوَاهُ فِي مَقَالِ الْعُلَمَا إِنْ لَمْ يَكُن يَحْبِسُه عَن رَبِّهِ بِذَاكَ وَالبَعْضُ يَرَى الْمَنْعَ بِهِ وَرَجُلٌ كَانَ لَهُ حِمَارُ يَعْرِفُهُ بِأَنَّهُ عَقَّارُ) أَطْلَقَهُ فِي مَوْضِعِ وَعَقَرَا يَلْزَمُهُ الصَّمَانُ فِيما ذُكِرَا وَهَكَذَا رَبُّ الدَّجَاجِ يُؤْمَرُ بِحَبْسِهِ إِنْ بَانَ مِنْهُ الضَرَرُ وَإِنْ يَكُنْ أَفْسَدَ حَرْنًا ضَمِنَا صَاحِبُهُ مِنْ بَعْدِ مَا تَعَيَّنَا وَحَبْسُهُ حِلُّ لِرَبِّ الزَّرْعَ بَعْدَ امْتَنَاعِ رَبِّهِ فِي الشَّرْعِ
وَمَا
(1) عَقَّار: أي عَضَّاض. (1/287)
صفحة 288
باب منافع الحيوانات ومضارها
الجزء الثاني
287
وَيُمْنَعُ البَادِي مِنَ الْمُقَامِ حِيَالَ زَرْعِ النَّاسِ بِالْأَغْنَامِ لِخَوْفِ ضُرِّهَا وَأُمُّ الْجَرَبِ تُمْنَعُ مِنْ خِلَاطِ مَا لَم يَجْرَبِ إِنْ أَكَلَ الْكَلْبُ حُرُوثَ النَّاسِ فَما عَلَى أَرْبَابِهِ مِن بَاسِ وَإِنْ يَكُنْ قَدْ أَكَلَ الطَّعَامَا فَغُرْمُهُ يَلْزَمُهُمْ تَمَامَا وَكُلُّ مَنْ كَانَ لَهُ جَوَازُ فِي أَرْضِ قَوْمٍ فَلَهُ أَجَازُوا يُدْخِلُ مَا شَاءَ مِنَ الْبَهَائِمِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ لَهُ كَالَّلَازِمِ فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَالفِرَارِ مِنْ أَسَدٍ يُوجَدُ فِي الْأَخْبَارِ) وَيُمْنَعُ الْمَجْذُومُ فِي الْأَحْكَامِ مَجَالِسَ الْخَلْقِ مِنَ الْأَنَامِ وَلَا يَمَسُّ المَاءَ أَعْلَى النَّاسِ لَوْ كَانَ فِي النَّهْرِ لِخَوْفِ الْبَاسِ وَالْخُلْفُ فِي الْمَجْدُورِ قِيلَ يُعْزَلُ وَقَالَ قَومٌ إِنَّهُ لَا يُعْزَلُ قَالُوا فَلَيْسَ ذَاكَ فِي الْأَحْكَامِ مُسَاوِيًّا لِصَاحِبِ الْجُذَامِ وَالْمُوجِبُونَ عَزْلَهُ قَاسُوهُ عَلَيْهِ وَالْكُلُّ لَهُ وُجُوهُ وَالصِّرْسُ إِنْ زادَتْ كَذَاكَ الأَصْبُعُ لِخَوْفِ ضُرِّ جَائِزٌ أَنْ تُقْلَعُ) وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ غَيْرِ الضَّرَرِ قِيلَ وَمَنْ يَفْعَلُهُ لَمْ يُعْذَرِ
(1) في الأخبار: وفي أكثر النسخ يوجد في البراري، وما في هذه النسخة أصح عندي لأن فيه إقامة الدليل بالإشارة إلى الحديث المرفوع عنه في ذلك، وهو قوله عليه السلام: «فرّ من
المجذوم فرارك من الأسد». (2) قوله: «أن تقلع» على إهمال أن. (1/288)
صفحة 289
288
الجزء الثاني
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
لَا بَأْسَ أَنْ تُخْصَى فُحُولُ الْغَنَمِ وَفِيهِ تَكْرِيهُ يُقَالُ فَاعْلَم وَذَلِكُمْ يُكْرَهُ لِلْحِمَالِ وَالْخَيْلِ وَالْحُمْرِ بِلَا جِدَالِ كَذَلِكُمْ إِنْ خُصِيَ السِّنَّوْرُ جَوَازُهُ عَنْ بَعْضِهِم مَذْكُورُ كَسْرُ جَنَاحَ الطَّيْرِ أَنْ يَطِيرًا لَا عَبَنَّا حِلٌّ فَكُنْ خَبِيرًا وَقَابِضُ طَيْرًا يُقَالُ يُمْنَعُ إِرْسَالُهُ لِلْأَكْلِ مِمَّا يُزْرَعُ وَالْهَيْسُ بِالحَمِيرِ وَالحِمَالِ وَالزَّجْرُ كُلُّهُ مِنَ الْحَلَالِ (2) لِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ لِلنَّفْعِ فَإِنْ أَطَاقَتْ مَا بِهِ مِنْ مَنْعِ وَجَائِزٌ أَنْ يَرْكَبُوا عَلَى الْبَقَرُ وَيَحْمِلُوا إِنْ رَغِبُوا بِلَا ضَرَرْ وَالضَرْبُ فِي رُؤُوسِهَا لَا يَصْلُحُ لِأَنَّهَا بِرَأْسِهَا تُسَبِّحُ وَكُلُّ مَنْ قَدْ يَمْلِكُ الْبَهَائِمَا وَلَمْ يَكُنْ بِالْعَدْلِ فِيهَا قَائِمَا يُجْبَرُ أَنْ يَبِيعَهَا كَمِثْلِ جَبْرِ طَلَاقِ امْرَأَةٍ مِنْ بَعْلِ وَامْرَأَةٌ قَدْ دَخَلَتْ نَارَ لَظَى في هِرَّةٍ (3) أَخْبَرَنِي مَنْ قَدَ مَضَى قَدْ رَبَطَتْهَا وَالطَّعَامَ مَنَعَتْ عَنْهَا فَمَا أَقْبَحَ مَا قَدْ صَنَعَتْ وَلَمْ تَدَعْهَا مِنْ خِشَاشِ الْأَرْضِ تَأْكُلُ عِنْدَ طُولِهَا وَالعَرْضِ انْظُرْ أُخَيَّ تَعْرِفِ الْمَعَاصِي بِأَنَّهَا مَهْلَكَةٌ لِلْعَاصِي
)
(1) الهيس: لغة عُمانية وهو إثارة الأرض للحرث قال الله تعالى: {تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْخَرَثَ} [البقرة: 71]. (2) الهيس إثارة الأرض وشقها بالبقر والحمير والجمال لا السير. (أبو إسحاق)
(3) وفي نسخة: «في هرة وهو الأنسب لموافقتها للفظ الحديث.
(*):قلت وقد أثبت الصواب (في هرة). (إسماعيل)
(4) خشاش الأرض: حشراتها. (1/289)
صفحة 290
باب الأشربة
الجزء الثاني
289
باب الأشربة
ثُمَّ الشَّرَابُ مِنْهُ مَا قَدْ حُجِرَا وَهْوَ الَّذِي قَدْ صَارَ خَمْرًا مُسْكِرَا كَذَاكَ مَا يَضُرُّ مِثْلُ السَّمِّ فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ فِي الْحُكْمِ فَالْخَمْرُ أَصْلُ الْمُسْكِرَاتِ مُطْلَقَا وَكُلُّ مُسْكِرٍ بِهَا قَدْ أُلْحِقَا وَالسَّمُّ أَصْلُ أُمَّهَاتِ الضَّرَرِ فَكُلَّ ضُرٍّ مِثْلَهُ فَاعْتَبِرِ وَمِنْ هُنَا اخْتِلَافُهُمْ فِي الزِّثْبَقِ مُحَلَّلٌ وَقِيلَ لَا فَلْتَتَّقِي لأَنَّهُ قِيلَ مِنَ السُّمُومِ وَنَافِعٌ لِمَرَضِ مَعْلُومٍ وَالسَّمُّ قِيلَ بَيْعُهُ مَحْجُورُ لِمَنْ يُقَالُ ضُرُّهُ مَحْذُورُ وَقِيلَ فِي الْخَمْرِ إِذَا مَا حُوِّلَا خَلًّا بِمَا عَنْ عَيْنِهِ تَحَوَّلَا يَحِلُّ شُرْبُهُ وَذَاكَ خَلُّ وَقَالَ قَوْمٌ فِيهِ لَا يَحِلُّ) وَكُلُّ مَا اسْتُعْمِلَ لِلْشَرابِ مِنَ النَّبِيذِ يُلْقَى فِي الْإِهَابِ لَا فِي مُزَفَّتِ (2) (3) وَلا فِي الْجَرِّ وَلَا جُذوع نُقِبَتْ بِالنَّقْرِ
(1) هذا هو الصحيح والمعمول به عند أصحابنا، واختص القول بجواز تخليل الخمر بعض من أصحابنا أهل عُمان، ولم يُتَابَعُوا عليه، إذ لو كان صحيحًا لحافظ النبي صلى الله عليه وسلم على مال اليتيم، بل أمر في الخمر أن يهراق، فقال لأبي طلحة الأنصاري - وقد سأله عن خمر ليتيم تحت يده لما نزل تحريمها ـ أيتخذها خلا؟ «أهرقها واكْسِر الدِّنَان» (أبو إسحاق)
(2) المزفت هو الذي طلي بالزفت وهو القار. (3) المزفت: إناء يُطْلَى بالزِّفت وهو القار، نهى أن ينتبذ في المزفّت من الأوعية. والظاهر أن المراد بالمزفّت الإناء المطلي مطلقا. (أبو إسحاق) (1/290)
صفحة 291
290
الجزء الثاني
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
وَلَا بِقَرْعَةٍ (1) (2) لَأَنَّ مَا ذُكِرْ يُخَافُ مِنْهُ السُّكْرُ عِندَ الْمُعْتَبِرُ وَمِنْ هُنَا نَهَى النَّبِيُّ عَنْهُ وَمَا نَهاكَ عَنْهُ فَاحْذَرَنْهُ يُنْبَذُ فِي جُلُودِ تِلْكَ الشَّاءِ لَا فِي جُلُودِ الْبَاقِرِ الْكَحْلَاءِ وَلَا الجَمَالِ إِذْ بِذَا يُسَرَّعُ لَهُ الْفَسَادُ إِذْ بِهِ قَدْ يُوضَعُ نَظِيرُ الجَرِّ فِي الْمَوْجُودِ وَمِثْلُهُ مُضَاعَفُ الْجُلُودِ وَالخَلُّ لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْجَرِّ لِأَنَّهُ يُرَادُ لَا لِلْسُّكْرِ فَيُلقَى فِيْهِ المِلْحُ عِنْدَ صَنْعَتِه وَذَاكَ شَيْءٌ مَاحِقٌ لِشِدَّتِهُ وَقِيلَ مَا لِوَقِتِهِ مِنْ حَدٌ إِلَّا إِذَا طَابَ كَذَاكَ عِنْدِي وَإِنْ عَرَتْهُ فَوْرَةٌ يُمهَّلُ إِلَى سُكُونِهَا وَبَعدُ يُؤْكَلُ وَإِنْ يَكُنْ زَادَ عَلَى مَا طُلِبَا مِنْهُ وَصَارَ مُسْكِرًا وَانقَلَبَا يُعَالِجَنَّ (4) ذَلِكَ الْإِسْكَارَا حَتَّى يَرَى الْإِسْكَارَ عَنْهُ سَارَا وَيَبْقَى مِنْ بَعْدُ حَلَالًا مَا بِهِ بَأْسٌ عَلَى وُفْقِ مُرَادِ رَبِّهِ وَالبَنْجُ وَالأَفْيُونُ ثُمَّ التَّتَنُ مَحَرَّمَاتٌ شُرْبُهَا مُسْتَهْجَنُ (ه) لِأَنَّهَا مَعْرُوفَةٌ بِالسُّكْرِ فَالسُّكْرُ فِي الْوَصْفِ زَوَالُ الفِكْرِ
(1) والقرعة هي الدباء، وهو القرع.
(2) القرعة: أراد بها الدباء فإنه ورد في الحديث النهي عن الانتباذ فيها، لسرعة تأثيرها في النبيذ.
(أبو إسحاق)
(3) الفورة الغليان يقال فار إذا غلا واشتد.
(4) يعالجن بالبناء للفاعل.
(5) لعله أراد بالتتن الدخان فإنه منوم، وهو من المواد المخدرة وفيه كثير من الأوصاف التي ذكرها الناظم، أو أراد الخشخاش وهذا الاسم لا أعرفه له. (أبو إسحاق) (1/291)
صفحة 292
باب الأشربة
الجزء الثاني
291
وَهُوَ تَغَيُّرُ عَلَى الْعَقلِ طَرَا فَعُدَّ مَا أَحْدَثَ ذَاكَ مُسْكِرَا فَقَولُ مَنْ خَالَفَنَا فِي المَذْهَبِ فِي التَّتَنِ الخَبِيثِ لَمْ يُصَوَّبِ قَالَ بِأَنَّهُ مُرَقِّدٌ ولَا يُسْكِرُ قُلْتُ أَذْهَبَ التَعَقْلَا وَالغَرَضُ المَشْرُوعُ مِنْ ذَا البَابِ حِفْظُ عُقُولِنَا عَنِ الذَّهَابِ لَوْ لَمْ يَصِحَ سُكْرُهُ لَكَانَا مُحَرَّمًا لِضُرِّهِ عِيَانَا فَمِائَةٌ وَبَعْدَهَا عِشْرُونَا مِنْ عِلَلٍ فِي ذَاكَ يَذْكُرُونَا يُصَفِّرُ اللَّوْنَ يُنَتِّنُ الفَمَا يُسَوِّدُ الأَضْرَاسَ أَيْضًا فَاعْلَمَا وَيُورِثُ السِّلَ مَعَ الوَبَاءِ وَيَخْرِقُ الكَبْدَ مِنَ الأَحْشَاءِ وَيُورِثُ الْجُذَامَ ثُمَّ البَرَصَا وَمَنْ لَهُ يَشْرَبُ رَبَّهُ عَصَى يُفَكِّرُ الشَّهْوَةَ فِي الجِمَاعِ وَنَحْوُ هَذَا سَائِرُ الْأَنْوَاعِ بِعَدِّهَا طُرًّا يَضِيقُ الْحَالُ وَيَكْتَفِي بِبَعْضِهَا العُقَالُ وَحَرَّمُوا أَيْضًا لِأَجْلِ الضَّرَرِ أَكْلَ التُّرَابِ ثُمَّ أَكْلَ الْحَجَرِ كَذَلِكَ النَّوْرَةُ وَهْيَ حَجَرُ فَزَادَهَا التَّحْرِيقُ مَعَنِّى يُحْجَرُ وَقِيلَ بَيْعُ المُومِيَا (1) حَرَامُ وَلَسْتُ أَدْرِيهِ فَلَا مَلَامُ وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِالنَّجَاسَهُ يَعْرِفُ ذَاكَ مَنْ دَرَى أَسَاسَهُ وَفِي اليَهُودِيِّ إِذَا مَا غَمَسَا يَدَيْهِ فِي السَّمْنِ لَهُ قَدْ نَجَّسَا فَإِنَّهُ يُجْبَرُ أَنْ يَغْرَمَ مَا ضَيَّعَهُ لِرَبِّهِ وَحَرَّمَا
(1) الموميا: لفظة يونانية وهو دواء يستعمل شربًا ومروحًا وضمادًا. اهـ. (مصباح). (أبو إسحاق) (1/292)
صفحة 293
292
الجزء الثاني
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
قِيلَ وَهَلْ يُبَاعُ ذَاكَ السَّمْنُ عَلَى اليَهُودِ فِيهِ خُلْفٌ بَيِّنُ وَقَهْوَةُ البُنِّ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ فِيهَا خِلَافُ العُلَمَاءِ يُنْقَلُ قَدْ وَرَدَ التَّحْرِيمُ فِي الآثَارِ فِي ذَاكَ عَنْ سَادَاتِنا الْأَخْيَارِ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ اعْتبَارُ تَلُوحُ فِي غُرَتِهِ الأَنْوَارُ وَذَاكَ أَنَّ السُّفَهَاءَ جَعَلُوا ذَلِكَ عَادَةً عَلَيْهَا عَوَّلُوا فاسْتَعْمَلُوهَا فِي مَقَامِ اللَّهْوِ مَكَانَ خَمْرِهِمْ بِهَذَا النَّحْوِ يُدَارُ كَاسُهَا كَكَاسِ الْخَمْرِ وَسُمِّيَتْ بِاسْمِهَا فِي الذِّكْرِ كَخَمْرَةٍ وَقَهْوَةٍ وَكَاسِ فِي هَيْئَةٍ سَائِغَةٍ لِلْحَاسِي (1) تَشَبُّهَا مِنْهُمْ بِشُرْبِ الْمُسْكِرِ وَهْيَ أَمُورٌ مَنْعُهَا لَمْ يُنْكَرِ نَفسُ التَّشَبُّهِ الحَرامُ لَا سِوَى فَذَا هُوَ الْمَانِعُ لَا نَفْسُ الْهَوَى للَّهِ مَا أَطْوَلَ ذَاكَ النَّظَرَا فِي قَطْعِ مَادَّةِ الفَسَادِ إِنْ طَرَا وَبَعدَ أَنْ طَالَ الزَّمَانُ وَاخْتَفَى مُرَادُ مَا عَنَاهُ مَنْ قَدْ سَلَفَا قَامَ أُنَاسٌ مَا دَرَوْا بِالأَصْلِ يَستَبْعِدُونَ قَولَ غَيْرِ الْحِلَّ وَذَاكَ حَيْثُ انْدَرَسَ التَّشَبُّهُ وَصَارَ وَجْهُ الْحِلِّ فِيهَا أَوْجَهُ (2) وَرُبَّ شَيْءٍ يَحْرُمَنْ بِوَصْفِ وَيَنْتَفِي المَنْعُ بِنَفْيِ الْوَصْفِ لَهُ نَظَائِرٌ مِنَ الأَحْكَامِ يَفُوتُ حَصْرُهَا إِلَى التَّمَامِ
(1) الحاسي: الشارب.
(2) قوله: «أوجه مرفوع على أنه خبر المبتدأ الذي هو وجه الحل وإهمال عمل صار للضرورة أو على جعل المعرفة خبرها مقدمًا وهو اسمها. (1/293)
صفحة 294
باب الأشربة
الجزء الثاني
293
كتاب النكاح
ثُمَّ النِّكَاحُ سُنَّةُ الْمُخْتَارِ وَالْمُرْسَلِينَ صَفْوَةِ الأَبْرَارِ إِنْ كُنْتَ مِنْ إِخْوَانِنَا تَزَوَّجَ لِتُحْرِزَ الدِّينَ مِنَ التَّعَوُّج إِنَّ النِّكَاحَ يَكْسِرَنَّ النَّظَرَا وَيَحْفَظَنَّ الفَرْجَ عَمَّا حُجِرَا وَشَهْوَةُ الحِمَاعِ أَقْوَى شَهْوَةِ وَكَسْرُهَا يَحتَاجُ أَعْلَى قُوَّةِ وَفِتْنَةُ النَّاسِ عَلَى الْأَزْمَانِ أَكْثَرُهَا مِنْ شَهْوَةِ النِّسْوَانِ فَكَمْ صَرِيعِ لِلْغَوَانِي قُتِلَا وَكَانَ بِالنَّفْسِ شَحِيحًا أَبْخَلَا تَقُودُهُ شَهْوَتُهُ فَيَطْمَعُ فِي امْرَأَةٍ وَهْوَ عَلَيْهَا يُصْرَعُ يَا عَجَبًا مِنْ هَذِهِ الأَحْوَالِ أَيْنَ العُقُولُ مَعْشَرَ الرَّجَالِ مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَعِيشَ عَزَبَا فَذَلِكَ الفَوْزُ لَهُ قَدْ وَجَبَا قَدِ اسْتَرَاحَ مِنْ مُعَانَاةِ النِّسَا وَارْتَاحَ مِنْ قَولِ لَعَلَّ وَعَسَى وَهْيَ طَرِيقَةُ المَسِيحَ قَدْ وَفَا بِهَا وَلَكِنْ غَيْرُهَا لِلْمُصْطَفَى فَمَاتَ عَنْ تِسْعِ وحَنَّ أُمَّتَهُ عَلَى الزَّواجِ كَيْ يُصِيبُوا سُنَّتَهُ وَلَهُمْ بِذَا الزَّوَاجِ أَرْبَعُ وَبِالتَّسَرِّي كَيْفَ شَاؤُوا أَجْمَعُوا وَمَنْ رَأَى بِزَوْجَةٍ غِنَاءَ يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ مَهْمَا شَاءَ وَلَيْسَ كَالأَكْلِ إِذَا مَا شَبِعَا فَأَكْلُهُ مِنْ بَعدِ ذَاكَ مُنِعَا لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الإِسْرَافِ وَكَثْرَةُ التَّزْوِيجِ لِلْعَفَافِ (1/294)
صفحة 295
294
الجزء الثاني
كتاب النكاح
لَكِنَّهُ يُمنَعُ أَنْ يَزِيدَا إِنْ خَافَ أَنْ يَعُوجَ أَوْ يَحِيدَا فِي آيَةٍ مِنَ الكِتَابِ وَارِدَهُ إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة) كَذَاكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنْ خِفْتُمُ التَّصْبِيعَ فِي أَحْرَارِكُمْ اللهِ مَا أَكْرَمَ هَذَا الشَّرْعَا وَمَا أَتَمَّهُ عَلَيْنَا نَفْعًا
أَرْشَدَنا لِأَحْسَنِ الْمَرَاشِدِ وَدَلَّنَا لِأَسْلَمِ الْمَقَاصِدِ
باب المرأة التي يُرْغَبُ في نكاحها
وَزَوجَةُ الْمُؤْمِنِ فِي دُنْيَاهُ زَوْجَتُهُ قَدْ قِيلَ فِي أُخْرَاهُ وَإِنْ يَكُنَّ جُمْلَةٌ فَالأُخْرَى زَوجَتُهُ وَهْيَ بِذَاكَ أَحْرَى كَذَاكَ قَالَ وَهْوَ عِنْدِي غَلَطُ لِأَنَّهُ فِي البَعْل هَذَا يُصْبَطُ وَذَاكَ فِي الْأَزْوَاجِ إِذْ تَعَاقَبُوا فِي زَوْجَةٍ يَحُوزُ تِلْكَ العَاقِبُ أَمَّا الفَتَى مَعْ جُمْلَةِ الزَّوجَاتِ فَهيَ لَهُ فِي غُرَفِ الجَنَّاتِ نَبِيُّنا زَوْجَاتُهُ فِي الدُّنيا جَميعُهَا زَوْجَاتُهُ فِي الْحُسْنَى وَهُنَّ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَا تَحرِيمُهَا عَلَيْهُمُ يَقِينَا وَهْيَ لَهُ مِنَ الْخُصُوصِيَّاتِ وَكَمْ لَهُ فِي ذَاكَ مِنْ صِفَاتِ وَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِلْجَمَالِ وَدِينِهَا أَوْ حَسَبٍ أَوْ مَالِ نُورٌ عَلَى نُورٍ إِذَا مَا كَانَا دِينُ وَمَالٌ وَجَمَالٌ بَانَا
(*) خفتم ألا: حصل تخفيف للهمزة ثم نقلت حركتها إلى الميم. (إسماعيل) (1/295)
صفحة 296
باب المرأة التي يُرْغَبُ في نكاحها
الجزء الثاني
295
وَإِنْ ظَفِرْتَ بَذَوَاتِ الدِّينِ فَإِنَّهَا بَرَكَةُ اليَمِينِ وَانْكَحْ إِذَا مَا شِئْتَهَا كَعُوبَا ضَاحِكَةً مُضْحِكَةٌ لَعُوبَا وَلُودَةً وَهْيَ الَّتِي تَأَمَّلَتْ لِلنَّسْل لَا عَنْ وَقتِهِ تَرَحَلَتْ سَوْدَا وَلُودٌ خَيْرُ مِنْ حَسْنَاءَ عَقِيمةٍ لَوْ نَالَتِ السَّمَاءَ وَاحْذَرْ نِكَاحَ مَنْ تَرَاهَا هَيْذَرَهُ قَصِيرَةً ذَمِيمَةٌ وَلَهْبَرَهُ (1) طَوِيلَةً مَهْزِوْلَةً وَشَهْبَرَهُ بَذِيَّةٌ زَرَقَا أَتَتْ مَفْسَّرَهُ (2) (ه) كَذَاكَ أَيْضًا فَاحْذَرِ الْغَضُوبَا قَطُوبَةً وَجَانِبِ الرَّقُوبَا وَهْيَ الَّتِي تُراقِبُ الْمَمَاتَا لِتَأْخُذَ الْمَالَ إِذَا مَا فَاتَا كَذَا لَفُوتًا قَلْبُهَا قَدْ طَارًا مُعَلَّقٌ عَنْكَ بِمَنْ قَدْ سَارَا قَدْ طُلِّقَتْ أَوْ مَاتَ عَنهَا بَعْلُهَا يَلْفِتُها عَنِ الصَّحِيْعِ نَسْلُهَا وَاحْذَرْ عَجُوزًا طَعَنَتْ فِي السِّنِّ فَإِنَّهَا الْمَوْتُ بِدُونِ طَعْنِ
(1) لعل الأصل هيذره وهي المرأة الكثيرة الهذر من الكلام وفي الحديث: «لا تتزوجن هيذرة» أو هيذرة فصحفها الناسخ إلى هندرة، والهيدرة العجوز التي أدبرت شهوتها وحرارتها وفي الحديث: «لا تتزوجن (هيدرة واللهبرة المرأة القصيرة الذميمة أو مقلوب الرهبلة وهي التي لا تفهم جلباتها أو التي تمشي مشيا ثقيلا. (أبو إسحاق) (*) قلت: ويدل على أن الصواب هيذره لا هندره تفسيرها بـ قصيرة (ذميمة ولذلك أثبت الصواب. (إسماعيل) (2) قلت: الصحيح مفسرة بالفاء وذلك نظم حديث يوجد في كتاب أدب الدنيا والدين عن الماوردي البصري ونصه: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لزيد بن حارثة: أتزوجت يا زيد؟» قال: لا. قال: تستعفف «تزوج مع عفتك ولا تتزوج من النساء خمسًا قال: وما هن يا رسول الله؟ قال: لا تتزوج شهبرة ولا لهبرة ولا نهبرة ولا هيذرة ولا لفوتًا فقال: يا رسول الله إني لا أعرف مما قلت شيئًا قال: أما الشهبرة فالزرقا البذية، وأما اللهبرة فالطويلة، المهزولة، وأما النهبرة فالعجوز المدبرة، وأما الهيذرة فالقصيرة، الذميمة، وأما اللفوت فذات الولد من غيرك». (أبو إسحاق) (1/296)
صفحة 297
296
الجزء الثاني
كتاب النكاح
كَأَنَّهَا الصَّبْغُ مَعَ الإِقْبَالِ وَآلَةٌ حَدْبَاءُ فِي المِثَالِ وَكُلُّ مَا ذَكَرْتُهُ إِرْشَادُ لِمَا بِهِ يَنْتَفِعُ العِبَادُ وَاللهُ قَدْ أَبَاحَ أَنْ تَزَوَّجَا مِنَ الأَيَامَى (1) فَانْهَمَنَّ الحُجَجَا يُقَالُ أَيَّمٌ لِذَاتِ الْخِدْرِ مِنْ ثَيِّبٍ عَزْبَاءَ أَوْ مِن بِكْرِ
باب المرأة التي لا يجوز نكاحها
وَتَحْرُمَنْ مِنَ النِّسَاءِ الأُمُّ وَأَصْلُهَا وَفَرْعُهَا الْمُلِمُّ وَخَالَةٌ وَعَمَّةٌ أُخْتُ الأَبِ وَجَدَّةٌ إِنْ تَبْعُدَنْ أَوْ تَقْرُبِ وَالأَخَوَاتُ وَبَنَاتُ الْإِخْوَةِ إِلَى انْقِرَاضِ هَذِهِ المَرْتَبَةِ وَبِنْتُهُ وَبِنْتُ إِبْنِهِ مَعَا وَكُلُّ مَا مِنْ تَيْنِ قَدْ تَفَرَّعَا وبِنْتُ زَوْجَةٍ إِذَا مَا دَخَلَا بِأُمِّهَا وَالأُمُّ لَوْ لَمْ يَدْخُلَا وَمَا عَلَا مِنْ ذَاكَ أَوْ مَا سَفُلَا فَكُلُّهُ مُحَرَّمٌ قَدْ حُظِلَا وَهْيَ الْخُتُونَةُ التِي قَد ذَكَرُوا وَهْيَ الَّتِي بِالصَّهْرِ قَدَ تُفَسَّرُ وَزَوْجَةُ الأَبِّ وَزَوْجَةُ الْوَلَدْ فَكُلُّهُ مُحَرَّمُ عَلَى الأَبَدْ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأَخَوَاتِ حُرِّمَا وَمِثْلُهُ حُكْمُ الرَّضَاعَ فَاعْلَمَا إِنَّ الرَّضَاعَ مُلْحَقِّ بِالنَّسَبِ فِي حُكْمِهِ قَدْ صَحَّ مِنْ قَولِ النَّبِي
(1) الأيامى: جمع أيّم، والأيِّمُ مِنَ النِّسَاءِ من لا زوج لها، ومن الرجال من لا زوجة له. () الختونة من كان من جهة المرأة كالأب والأخ. إسماعيل) (1/297)
صفحة 298
باب المرأة التي لا يجوز نكاحها
الجزء الثاني
297
وَمَنْ زَنَى بِهَا عَلَيْهِ يَحْرُمُ نِكَاحُهَا وَالأُمَّهَاتُ تَحْرُمُ وَهَكَذَا بَنَاتُهَا قِيَاسَا عَلَى رَبَائِبِ لَهُ قَدْ قَاسَا وَهَكَذَا الَّتِي زَنَى أَبُوهُ بِهَا أَوِ ابْنُهُ فَجَنَّبُوهُ قيلَ وَلَوْ زَنَى بِهَا مَنْ بَعْدِ تَزَوجِ بِالْأَبِ أَوْ بِالْوَلَدِ فَإِنَّهَا بِذَلِكَ الزِّنَاءِ حُرْمُ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالجَمْعُ بَينَ امْرَأَةٍ وَامْرَأَةِ وَلَدِهَا لَيْسَ بِهِ مِنْ حُرْمَةِ وَهَكَذَا زَوْجُ الْفَتَى وَإِبْنَتُهُ مِنْ غَيْرِهَا ظَاهِرَةٌ إِبَاحَتُهُ وَقِيلَ بَلْ تُكْرَهُ وَالبَعْضُ يَرَى بِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ مِنْهُ حُجِرَا وَالْحُرْمُ فِي نِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ لِمُسْلِمِ إِلَّا الْكِتَابِيَّاتِ فَإِنَّهُ تَزْوِيجُهَا حَلَالُ وَذَاكَ فِي الصُّلْحِ عَلَى مَا قَالُوا وَإِنْ تَكُنْ حَربِيَّةً فَيَمْتَنِعْ لِأَنَّمَا السَّبْيُّ لَهَا يَوْمًا شُرِعْ وَإِنْ تَكُنْ ذِمِّيَّةً قَدْ مَلَكَتْ تَزْوِيجَهَا مِثْلُ الَّتِي قَدْ أَشْرَكَتْ فَإِنَّهَا وَالسَّامِريَّاتُ مَعَا وَالصَّابِئِيَّاتُ حَرَامٌ مُنِعَا
كَذَا المَجُوسِيَّاتُ أَيْضًا فَاعْلَمِ فَكُلُّ ذَا مُحَرَّمٌ لِلْمُسْلِمِ وَيَشْرِطُ الْمُسْلِمُ إِنْ تَزَوَّجَا مِنَ الْكِتَابِيَّاتِ شَرْطًا أَبْلَجَا تَغْسِلُ عَنْهَا الحَيْضَ وَالْجَنَابَهُ وَتَأْخُذُ الشَّعْرَ لِلاسْتِطَابَهُ وَلَا تُعَلِّقَنْ عَلَيْهَا صَنَمَا وَتَتْرُكُ الْخِنْزِيرَ لَوَ تَلَجَّمَا (1/298)
صفحة 299
كتاب النكاح
298
الجزء الثاني
فَهَذِهِ مِنْ أَصْلِهَا إِلَى انْتِهَا أَخْرَجَهَا أُولُو العُقُولِ وَالنُّهَيَ وَبَعْضُ ذَاكَ يَقْتَضِي اسْتِحْبَابًا وَبَعْضُهُ قَدْ يَبْلُغُ الْإِيجَابَا وَالْجَمْعُ مَا بَيْنَ بَنَاتِ الْعَمِّ فِيهِ خِلَافٌ عِنْدَهُمْ فِي الْحُكْمِ وَالقَوْلُ بِالْجَوَازِ لِلْجُمْهُورِ وَالْمَنْعُ لَا يُفْضِي إِلَى الْمَحْجُورِ بَلْ جَابِرٌ يَكْرَهُهُ تَخَوُّفَا مِنَ الْقَطِيعَةِ الَّتِي قَدْ وَصَفَا لَا تُجْمَعُ الْمَرْأَةُ عِنْدَ الْخَالَةَ أَوْ عَمَّةٍ وَلَا أَرَى حَلَالَهُ تَرِيكَةُ الأَجْدَادِ فَافْهَم مِنِّي نِكَاحُهَا حُرْمُ عَلَى ابْنِ الْإِبْنِ وَالحِلُّ فِي تَرِيكَةِ الرَّبِيبِ قَدْ قَالَ قَوْمٌ فِيهِ بِالتَّصْوِيبِ وَقَالَ قَومٌ إِنَّهُ مَكْرُوهُ وَذَاكَ عِنْدَهُمْ هُوَ التَّنْزِيهُ وَكَرَهُوا زَوْجَةَ زَوْجِ الأُمُّ بِغَيْرِ تَحْرِيمِ لَهَا فِي الْحُكْمِ حَلِيلَةُ الْخَالِ لِإِبْنِ الْأُخْتِ حِلٌّ وَبِالتَّكْرِيهِ فِيهَا أُفْتِي وَأُمُّ إِبْنِهِ مِنَ الرَّضَاعِ جَائِزَةٌ عِندِيَ بِالإِجْمَاعِ وَمَا رَأَىهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنَا فَهْوَ يَكُونُ دَائِمًا مُسْتَحْسَنَا فَضْلًا مِنَ اللهِ لِهَذِي الْأُمَّةِ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْهُدَى وَالْفِطْنَةِ وَأَنَّهُ لَمْ يَكُ بَعْدَ أَحْمَدَا قَطُّ نَبِيٌّ فَرُزِقْنَا ذَا الْهُدَى لَمْ نَجْتَمِعْ قَطُّ عَلَى ضَلَالٍ فَالْحَمْدُ للهِ عَلَى ذَا الْحَالِ
() التريكة. التي مات عنها زوجها في عرف العُمانيين. (إسماعيل)
هي (1/299)
صفحة 300
بابُ عَقدِ التَّزْوِيجِ وَشُرُوطِهِ
باب عقدِ التَّزويج وَشُروطه
الجزء الثاني
299
وَإِنْ رَّغِبْتَ فِي فَتَاةٍ تُخْطَبُ فَدَعْهَا حَتَّى يَتْرُكَنْ مَنْ يَخْطِبُ فَخِطْبَةُ الْمَرْءِ عَلَى مَا خَطَبَا أَخُوهُ بِالتَّحْرِيم فِيهِ انْقَلَبَا كَذَاكَ لَا يُسَاوِمَنْ فِي سَوْمِهِ إِذْ ذَاكَ دَاعِي بُغْضِهِ وَلَوْمِهِ صَحَ عَنِ الْمُخْتَارِ هَذَا الْحُكْمُ فَاسْتَخْرَجَ الْحِكْمَةَ مِنْهُ الْفَهِمُ وَوَصَفُوا الْخَاطِبَ بِالْإِيمَانِ لِأَنَّهُ أَخُوهُ فِي الْأَدْيَانِ فَخِطْبَةُ الْكَافِرِ وَالْمُصِرٌ لَا تَقتَضِي الْوَصْفَ بِهَذَا الحَجْرِ لِأَنَّ كُفْرَهُ أَفَادَ البُغْضَا فَهَجْرُهُ فِي الشَّرْعِ حَتْمًا يُرْضَى هَذَا الَّذِي نَفْهَمُهُ مِنْ قَالِهِمْ وَهُو صَوَابٌ ظَاهِرٌ مِنْ حَالِهِمْ فَإِنَّهُمْ كَانُوا أُولِي تَصَلُّبِ وَغَيْرُهُمْ يُنْعَتُ بِالتَّقَلُّبِ وَحَيْثُ إِنَّ الاِنْقِلَابَ شَاهِرُ فِي ذَا الزَّمَانِ فَالصَّوابُ الظَّاهِرُ فَنَأْخُذَنْ مِنَ الْحَدِيثِ الظَّاهِرَا وَنَمْنَعُ الْحَالَيْنِ مَنْعًا شَاهِرَا لأَنَّهُ دَاعِيَةُ التَّقَاطِع فَيَفْشَلُوا بِذَا عَنِ المُدَافَعِ) وَحَيْثُمَا تَمَّتْ أُمُورُ الْخِطْبَةِ فَقُمْ هُنَاكَ لِتَمَامِ وَشَرْطُهُ الْعَقْدُ بِلَفْظِ يُفْهَمُ مِنْهُ الْمُرَادُ وَبِهِ يُحْتَكَمُ يَفْهَمُهُ الْوَليُّ وَالزَّوْجُ مَعَا وَالشَّاهِدَانِ وَكَذَا مَنْ سَمِعَا
(1) أي يَجبُثُوا عن قتال العدو والمُدَافَع.
العُقْدَةِ (1/300)
صفحة 301
الجزء الثاني
كتاب النكاح
زَوَّجْتُ أَوْ أَنْكَحْتُ أَو مَلَكْتُ قَدْ جَوَّزُوا وَالْخُلْفُ فِي أَخْطَبْتُ وَفِي الْمَحِيضِ وَالنَّفَاسِ يُعْقَدُ وَالْحَمْلُ فِيهِ بَاطِلٌ لَا يُعْقَدُ لِأَنَّهَا فِي عِدَّةٍ لَا تَخْرُجُ إِلَّا بَوَضْعِ الْحَمْلِ حِينَ يَخْرُجُ وَيَنْظُرُ الْعَاقِدُ فِي الدَّمَيْنِ بِوَطْئِهِ الطُّهْرَ مِنَ الْحَالَيْنِ وَجَائِزُ تَقْبِيلُهُ وَشَمُّهُ وَنَوْمُهُ مَعْهَا كَذَاكَ ضَمُّهُ والْخُلْفُ فِي الصَّبَا وَفِي الْجُنُونِ وَعَقْدُهُ أَقْرَبُ لِلْمَسْنُونِ وَأذْكُرْ زَوَاجَ المُصْطَفَى لِإِبْنَةِ صِدِّيقِنَا تَعْرِفُ وَجْهَ السُّنَّةِ وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ مَنْ لَا يَعْقِلُ إِنْ كَانَ لِلصَّلَاحَ فِيهَا يُعْمَلُ وَمِثْلُ ذَاكَ أَخْرَسٌ وَأَعْجَمُ وَالدِّينُ سَهْلٌ مَا بِهِ تَأَثُّمُ وَقِيلَ إِنْ زَوَّجَهَا أَبُوهَا صَبِيَّةً لَا غَيَرُ) يَتْلُوهَا بَلْ لِلْيَتِيمَةِ يَكُونُ الْغَيَرُ وَقِيلَ لِلْكُلِّ إِذَا تُغَيِّرُ فَالْعَقْدُ فِي حَالِ الصَّبَا صَحِيحُ حَتَّى تُحِلَّهُ فَتَسْتَرِيحُ لِلْأَبِ مِنْ قَبْلِ البُلُوغ الأَمْرُ وَبَعْدَ ذَاكَ فَإِلَيْهَا النُّكْرُ وَالْجَدُّ إِنْ زَوَّجَ بِنْتَ الْوَلَدِ فَالْمَنْعُ مِنْ تَغْيِيرِهَا لَمْ يُوجَدِ وَجَائِةٌ تُعَلَّمُ التَّعْبِيرَ) إِنْ لَّمْ تَكُنْ قَدْ تُحْسِنُ التَّغْسِيرَا
(1) الغَير: في اصطلاح فقهائنا هو أن تختار الصَّبِيَّةُ فسخ الزواج بعد بلوغها، لأنها بالبلوغ تملك الخيار، كالأمة إذا أُعْتقَتْ. (2) التَّعْبِير الأول بمعنى العبارة التي تدل على اختيارها نفسها، والتغيير الثاني بالغين المعجمة هو إنكار التزويج واختيار الفسخ. (1/301)
صفحة 302
بابُ عَقدِ التَّزْوِيجِ وَشُرُوطِهِ
الجزء الثاني
301
وإِنْ تَكُنْ سَمَّتْهُ زَوْجًا عِنْدَمَا تُغَيِّرَنَّ مِنْهُ قِيلَ لَزِمَا وَلَا أَرَاهُ لَازِمًا إِذْ فِيهِ حُكْمُ بِنَفْسِ اللَّفْظِ وَالتَّمْوِيهِ وَنَعْلَمَنْ مُرَادَهَا وَالْمَعْنَى وَاللَّفْظُ قَالِبٌ لِذَاكَ يُبْنَى أَنأَخُذُ القِشْرَ وَنُلْقِي اللُّبَا وَنَرْتَضِيهِ مَا رُزِقْنَا قَلْبَا وَالْخُلْفُ هَلْ تُجْبَرُ لِلْمُعَاشَرَهُ حَالَ الصَّبَا إِذَا أَطَاقَتْ صَاغِرَهُ وَإِنَّنِي أَقُولُ تُجْبَرَنَّا وَذَاكَ فِي الصَّلَاحِ يُحْسَبَنَّا وَإِنْ تَكُنْ قَدْ غَيَّرَتْ مِن بَعْدِ دُخُولِهِ يَمْنَحُهَا بِالنَّقْدِ) وَإِنْ يَكُنْ قَبْلَ الدُّخُولِ الْغَيَرُ فَلَا لَهَا شَيْءٌ هُنَاكَ يُذْكَرُ قَدْ كَانَ تَزْوِيجًا وَبِالنَّقْضِ انْفَسَحْ فَهُوَ كَرِيحٍ هَبَّ حِينًا وَنَفَحْ وَهَلْ تَحِلُّ بَعَدَ ذَاكَ أُمُّهَا فَقَدْ جَرَى عَلَى الخِلَافِ حُكْمُهَا وَإِنْ يَكُنْ تَزَوَّجَ السَّكْرَانُ فَقَدْ عَرَى تَزْوِيجَهُ البُطْلَانُ وَجَدَّدَ التَّزْوِيجَ حِينَ عَقَلَا إِلَّا إِذَا بِزَوْجِهِ قَدْ دَخَلَا فَدَعْهُ فِي ذَلِكَ كَيْفَ انْقَلَبَا وَذَاكَ إِنْ لِمُسْكِرٍ قَدْ شَرِبَا وَيَثْبُتُ الطَّلَاقُ دُونَ فِكْرِ وَهْيَ عُقُوبَةٌ لِهَذَا السُّكْر (2)
وَهَل
(3)
لَّهُ الْمُتْعَةُ فِي التَّزْوِيجِ بِحَالَةٍ كَانَتْ عَنِ التَّحْرِيحِ)
(1) قوله: «بالنقد» أي الصداق من أجل الدخول.
(2) يعني إذا طلق السكران زوجته فإنها تطلق عقوبة له على شربه المسكر اختيارًا. (3) قوله: «كانت عن التحريج أي عن ارتكاب الحرج، والمراد به هاهنا الزني. (1/302)
صفحة 303
302
الجزء الثاني
كتاب النكاح
كَانَتْ مُبَاحًا أَوَّلَ الْإِسْلَامِ وَنُسِخَتْ فِي سَائِرِ الأَيَّامِ وَمَنْ أَبَاحَهَا يَقُولُ مَا ثَبَتْ نَسْخُ لَهَا وَالْحَقُّ أَنَّهُ ثَبَتْ بِآيَةِ الْمِيرَاثِ عِنْدَ الأَكْثَرِ وَفِي حَدِيثٍ كَانَ يَومَ خَيْبَرِ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَا وَلَحْمِ الْحُمُرِ نَهَى النَّبِيُّ المُصْطَفَى فِي الخَبَرِ وَشَرْطُهُ الرِّضَى مِنَ الزَّوْجَيْنِ وَالمَهْرُ لَوْ كَانَ بِدِرْهَمَيْنِ وَقِيلَ بَلْ أَرْبَعَةُ الدَّرَاهِم أَقَلُّهُ لَا دُونَهَا فِي اللَّازِمِ
وَهُوَ مَقِيسٌ بِنصَابِ الْقَطْعِ لِسَارِقٍ وَحَدِّهُ فِي الشَّرْعِ وَمَا ارْتَشَاهُ الأَبُ حِينَ فَنَّا (1) مِنْ جُمْلَةِ الصَّدَاقِ يُحْسَبَنَّا لهَ حَلَالٌ دُونَ بَاقِي الأَوْلِيَا أَوْضَحَهُ أهلُ الْعُلُومِ الأَنْقِيَا وَإِنْ تَزَوَّجَتْ بِلَا صَدَاقِ فَذَلِكَ الْحَرَامُ بِاتِّفَاقِ وَهِبَةُ الْفُرُوجِ لَا تُحِلَّلُ وَهْيَ مِنَ الزِّنَاءِ نَوْعًا يُجْعَلُ وَامْرَأَةٌ لِلمُصْطَفَى قَدْ وَهَبَتْ نَفْسًا وَذَاكَ مِنْ خُصُوصِهِ ثَبَتْ خَالِصَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَا لَهُ تَرَى الفَرْقَ بِهِ مُبِينَا وَقَدْ نَهَى عَنِ الشَّغَارِ الْمُصْطَفَى وَهُوَ القَيَاضُ بِالنِّسَاءِ فَاعْرِفَا وَذَاكَ إِنْ كَانَ بِلَا صَدَاقِ فَالنَّهْيُّ لِلْتَحْرِيمِ بِاتِّفَاقِ
(*) القياس هنا قياس خفي فقطع اليد يكون في أربعة دراهم وقالوا إتيان المرأة قطع أيضا لأن الإيلاج لا يكون إلا بشق الفرج فهو قطع والله أعلم. (إسماعيل)
(1) قوله: «فنا» أي شرط. (المصنف) (1/303)
صفحة 304
بابُ عَقدِ التَّزْوِيجِ وَشُرُوطِهِ
الجزء الثاني
303
وَإِنْ يَكُنْ عِندَ صَدَاقٍ عَيَّنُوا فَذَلِكَ التَّنْزِيهُ فِيهِ بَيِّنُ
وخُلُقُ الْكِرَامِ لَا يَقْبَلُهُ
لما
بِهِ مِنْ حَالَةٍ تُرْذِلُهُ
وَاسْتَأْذِنِ الْغَادَةَ يُسْتَحَبُّ لِيَظْهَرَ البُغْضُ وَمَنْ تُحِبُّ وَتُفْصِحُ الثَّيِّبُ عَنْ هَوَاهَا وَسَكْتَةُ العَذْرَاءِ مِنْ رِضَاهَا كَذَلِكَ الصِّحْكُ كَذَلِكَ البُكَا حَيْثُ تَرَى لِلْنُّكْرِ مِنها مَسْلَكَا لِأَنَّهَايُمْكِنُهَاتَقُولُ لَسْتُ أُرِيدُهُ فَمَا العَوِيلُ وَفِي رِضَى القَلْبِ ثُبوتُ العَقْدِ لَوْ كَانَ فِي النُّطْقِ بِهِ لَمْ تُبْدِ نَمَا لَهَا مِنْ بَعْدِهِ إِنْكَارُ وَعِنْدَ رَبِّي تَظْهَرُ الأَسْرَارُ وَلَا يَصِحُ النُّكْرُ دُونَ نُطْقِ وَذَاكَ مِنْ بَعدِ تُبُوتِ الْحَقِّ وَمَنْ أَرَادَ امْرَأَةٌ وتَرْغَبُ عَنْهَ فَهَلْ لَهُ بِذَاكَ يَكْتُبُ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِلْتَّوَدُّهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ يَضُرُّهَا فِي الجَسَدِ وَلَا أُحِلُّهُ لِمَنْ لَمْ يَعْرِفِ مِقْدَارَ مَا يَنفَعُ فِي التَّصَرُّفِ ثُمَّ الكِتَابَةُ الَّتِي قَدْ ذُكِرَتْ لَا أَعْرِفُ الوَجْهَ بِهَا لَوْ شُهِرَتْ حَادِثِةٌ فِي جَمْعِنَا الْمَعْهُودِ وَأَصْلُهَا قَدْ كَانَ فِي اليَهُودِ وَاللهُ قَدْ أَعْنَى العِبَادَ عَنْهَا بِأَدْعِيَاتٍ يُسْتَجَابُ مِنْهَا وَحَيثُمَا قَلَّ اليَقِينُ فِي الوَرَى قَامُوا لِزُخْرُفٍ لَهُمْ قَدْ سُطَّرَا يَرَوْنَ الأنْفِعَالَ مِنْهُ عِلْمَا وَهْوَ لعَمْرِي الْجَهْلُ مُدْلَهِمَّا وَمُتَعَاطِي الْعِلْمِ بِالْمُغَيَّبِ فَقُمْ إِلَيْهِ مُسْرِعًا وَكَذَّبِ (1/304)
صفحة 305
304
الجزء الثاني
كتاب النكاح
وَهْوَ مِنَ الْكَهَانَةِ الْمَعْلُومَهُ وحَالُهَا بَيْنَ الْوَرَى مَذْمُومَهُ كَقَولِهِ فِي سَارِقٍ قَدِ اخْتَفَى أَدُلُّكُمْ عَلَيْهِ حَيْثُ انْصَرَفَا وَقَولُهُ فِي مُدنِفِ مُصْطَرٌ ضَرَرَهُ فِي البَيْتِ أَوْ فِي القَفْرِ وَهَكَذَا مَنْ يَصْرَعُ الإِنْسِيَّا وَيُدْخِلَنْ فِي جَوْفِهِ جِنِّيَّا يُخْبِرُهُ عَنْ حَادِثٍ يَسْأَلُهُ عَنْهُ فَذَا فِي الْمَنْعِ أَيْضًا مِثْلُهُ وَهَكَذَا مَنْ يَدَّعِي شَيْطَانَهُ وَكُلُّ مَا ذَكَرْتُهُ كَهَانَهُ وَشَاهِدَانِ لَازِمٌ فِي العَقْدِ وَبَاطِلٌ بِدُونِ هَذَا الْحَدِّ وَإِنْ أَتَى بِشَاهِدٍ فَشَاهِدِ فَالخُلفُ قِيلَ وَارِدُ فِي العَاقِدِ وَأَشْهَرُ الأَقْوَالِ لَيْسَ يَصْلُحُ وَالْجَمْعُ مِنْ مَعْنَى الحَدِيثِ يَرْشَحُ وَفَاعِلٌ لِذَاكَ فَلْيُجَدِّهِ قَبلَ الدُّخُولِ عَقْدَهُ فِي عَدَدِ فَشُهْرَةُ النِّكَاحَ قَطْعًا تُطْلَبُ وَقِيلَ بِالدُّفٌ عَلَيْهِ يُضْرَبُ وَقَوْلُهُ بِأَنَّهُ فِي ذَا الزَّمَنْ يُمْنَعُ لَا أَرَاهُ فِي رَدُّ السُّنَنْ فَما أُبِيحَ فِي زَمَانِ الْمُصْطَفَى فَذَلِكَ الْمُبَاحُ حَتْمًا فَاعْرِفَا وَإِنْ يَكُنْ فَرُّوا عَنِ التَّشَبُّهِ فِي ضَرْبِهِ بِحَالِ أَهْلِ السَّفَهِ فَذَاكَ أَمْرٌ لَا يَعُمُّ غَيْرَ مَنْ نَوَاهُ بِالْقَصْدِ لَهُ إِذْ يَضْرِينْ فَمَنْ عَرَفْنَا مِنْهُ نَفْسَ الطَّرَبِ فِي ضَرْبِهِ قُلْنَا لَهَ لَا تَصْرِبِ إِخْفَاؤُهُ لَوْ بِالشُّهُودِ يُكْرَهُ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ أُمُورٍ تُكْرَهُ (1/305)
صفحة 306
بابُ عَقدِ التَّزْوِيجِ وَشُرُوطِهِ
الجزء الثاني
305
وَمِن هُنَا حَثَّ عَلَى الوَلِيمَهُ وَلَوْ بِشَاةٍ عِنْدَهُ سَلِيمَهُ وَوَاجِبْ إِجَابَةُ الدَّاعِي إِلَى وَلِيمَةِ العُرْسِ فَلَا تُهَمَّلَا وَصِفَةُ الشُّهُودِ أَنْ يَكُونُوا فِي الْعُقَلَا لَيْسَ بِهِمْ جُنُونُ بُلغُ أَحَرارٌ ذَوُو إِسْلَام فَلَا يَجُوزُ الْعَبْدُ فِي الْأَحْكَامِ وَلَا الصَّبِيُّ وَكَذَاكَ الْمُشْرِكُ شَهَادَةُ الْجَمِيعِ لَيْسَ تَسْلُكُ وَهَكَذَا شَهَادَةُ الْعُمْيَانِ لَا تُقْبَلَنَّ قَطُّ فِي الْأَعْيَانِ وَجَائِز أَنْ يَحْضُرُوا مَعْ غَيْرِهِمْ لِكَيْ يُصِيبُوا طَرَفًا مِنْ خَيْرِهِمْ وَهَكَذَا حُضُورُهِمْ فِي الرَّدِ يَجُوزُ مِثْلُ مَا مَضَى فِي العَقْدِ هَذَا هُوَ المُرَادُ مِنْ ذَا الْمَعْنَى لَا أَنَّهُ بِالْعُمْي قَدْ يُسْتَغْنَى كَمَا يُفِيدُ ذَاكَ لَفْظُ الْأَصْلِ وَهْوَ مَقَالٌ مَا لَهُ مِنْ أَصْلِ وَشَاهِدَانِ شَهِدَا لِرَجُلِ وَامْرَأَةٍ بِأَنَّهُ لَهَا وَلِيْ وَوَاحِدٌ يُرِيدُهَا تَزْوِيجَا فَلَا نَرَى جَوَازَهُ تَخْرِيجَا وَإِنْ يَقُلْ وَالِدُهَا زَوَّجْتُهَا فَالخُلْفُ فِيهِ هَلْ لَنَا نُثْبِتُهَا وَالأصْلُ قَدْ أَعجَبَهُ أَنْ تَطْلُبَا صِحَتَهُ مِنْ غَيْرِهِ لَوْ غَضِبَا ثُمَّ الْوَلِي مِنْ جُمْلَةِ الْحُدُودِ فَلَا نِكَاحَ دُونَهُ لِلْخُودِ كَرَامَةً مِنْ رَّبِّنَا تَعَالَى وَمِنَّةً خُصَّ بِهَا الرِّجَالَا فَهُمْ عَلَى النِّسَاءِ قَوَّامُونَا فَضْلًا وَهُمْ لَهُنَّ يُنْفِقُونَا (1/306)
صفحة 307
306
الجزء الثاني
كتاب النكاح
وَرَغْبَةُ الْمَرَأَةِ لَيْسَ تُؤْمَنُ فِي ذَاكَ أَنْ تَجُرَّ مَا يُسْتَهْجَنُ مِنْ هَا هُنا لَمْ يَلْزَمِ الْوَلِيَّا تَزْوِيجُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ مَرْضِيَّا كَمِثْلِ بَقَالِ وَكَالْحَجَّامِ وَحَائِكَ وَالْمَوْلَى فِي الْإِسْلَامِ وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ كُلِّ أَكْفَا وَقِيلَ حَتَّى يَسْتَوُونَ وَصْفَا فِي نَسَبٍ وَحَسَبٍ وَحَالِ وَهُوَ بَعِيدٌ ظَاهِرُ الْمُحَالِ وَالْأَبُ أَوْلَى مِنْ جَمِيعِ الْعَصَبَهُ وَبَعْدَهُ الْوَلَا بِوَصْفِ الْمَقْرُبَهُ يُزَوِّجُ الْأَقْرَبُ ثُمَّ الْأَقْرَبُ بِحَسَبِ الْمِيرَاثِ فِيهِمْ يُحْسَبُ وَإِنْ يُزَوِّج الْوَلِيُّ الأَبْعَدُ فَالْخُلْفُ فِي ذَلِكَ عَنْهُمْ يُوجَدُ وَلَيسَ لِلْأَرْحَامِ مِنْ ذَا البَابِ شَيْءٌ سِوَى مَا كَانَ لِلْأَصْحَابِ وَقِيلَ إِنْ كَانَ أَخٌ مِنْ أُمِّ زَوَّجَهَا أَيْضًا لِحَالِ الْعُدْمِ وَقِيلَ بَلْ جَمَاعَةُ الإِسْلَامِ أَوْلَى بِهَا فِي نَظَرِ الْحُكَّامِ أَبُو سَعِيدٍ اسْتَحَبَّ الْجَمْعَا بَيْنَهُمَا وَهْوَ أَتَمُّ نَفْعًا وَثَابِتُ إِنْ زَوَّجَ الوَصِيُّ فِي قَوْمِهَا لَوْ كَرِهَ الْوَلِيُّ وَصِيَّةُ التَّزْوِيجِ لَا تَكُونُ إِلَّا مَنَ الوَالِدِ إِذْ يَبِينُ وَمَا عَدَاهُ مِنْ جَمِيعِ الأَوْلِيَا لَيْسَ لَهُمْ فِي ذَاكَ جَعْلُ الْأَوْصِيَا وَإِنْ يَكُنْ وَكَّلَ فِي حَيَاتِهِ بِأَنْ يُزَوِّجَنَّ مِنْ بَنَاتِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْمُرَنْ سِوَاهُ يُزَوِّجَنَّ فَافْهَمَنْ مَعْنَاهُ
(1) البقال: الذي يبيع البقل. (1/307)
صفحة 308
بابُ عَقدِ التَّزْوِيجِ وَشُرُوطِهِ
الجزء الثاني
307
وَإِنْ يَكُنْ أَقَامَةَ مُقَامَهُ فِي ذَاكَ فَلْيُعْطَ لَهَ أَحْكَامَهُ وَوَلَدٌ زَوَّجَ أُمَّهُ وَقَدْ أَنْكَرَ ذَاكَ إِخْوَةٌ فَلَا يُرَدْ فَالإِبْنُ فِي ذَاكَ يُقَالُ أَقْدَمُ لَكِنْ أَخُوهَا عِنْدَ هَذَا أَكْرَمُ وَقِيلَ بَلْ إِخْوَتُهَا أَوْلَى بِهَا لأَنَّهُمْ مِنْ قَوْمِهَا وَصُلْبِهَا وَإِنْ يَكُنْ لَيْسَ لَهَا مِنْ أَحَدٍ يَلِي الزَّوَاجَ فَأَمِيرُ البَلَدِ وَإِنْ يَكُنْ زَوَّجَهَا الْغَرِيبُ عَنْ أَمْرِهَا فَذَاكَ لَا يَطِيبُ يُفَرَّقَنْ بَيْنَهُمْ وَقِيلَا نَسْكُتُ مَهْمَا فَعَلَ الدُّخُولَا وَبَعْضُهُمْ يَرَاهُ مَكْرُوهَا فَقَطْ لَوْ كَانَ بِالْوَلِيِّ أَمْرُهَا ارْتَبَطْ) إِنْ عُدِمَ الْوَلِيُّ فَالسُّلْطَانُ هُوَ الْوَلِيُّ وَكَذَا الإِخْوَانُ جَمَاعَةٌ مِنْ طَالِبِي الصَّلَاحِ فَيَمْلِكُونَ الْعَقْدَ لِلنِّكَاحِ وَمَا لَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى يَشْهَدَا عَدْلَانِ أَنْ لَيْسَ وَلِيٌّ وُجِدَا أَوْ أَنَّهُ لَهَا وَلِيٌّ غَابَا بِحَيْثُ كَانَ أَبْعَدَ الذَّهَابَا وَأَنَّها لَمْ تَكُ عِنْدَ بَعْلِ وَلَمْ تَكُنْ فِي عِدَّةٍ فِي الْأَهْلِ فَهَاهُنَا يَصِحُ أَنْ يُزَوِّجُوا لأَنَّهُ قَدِ اسْتَبَانَ الْمَنْهَجُ وَصَحَ لِلْإِمَامِ مَهْمَا رَغِبَتْ يُزَوِّجَنَّ نَفْسَهُ وَقَدْ ثَبَتْ وَالخُلْفُ فِي القَاضِي فَقِيلَ مِثْلُهُ وَقِيلَ لَا وَهُوَ صَوَابٌ كُلُّهُ
(*) المراد أنَّ بعضهم يرى العقد مكروها لا باطلا بناء على أنّ الولي ليس شرطا صحة ومعنى الشطر الثاني: لو كان بالولي أمرها ارتبط لكان مستحبا. (إسماعيل)
في
العقد، (1/308)
صفحة 309
308
الجزء الثاني
كتاب النكاح
وَمَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَلَا يَلِي تَزْوِيجَهَا فِي قَوْلِنَا بِرَجُلٍ وَهَكَذَا لَا يَشْهَدُ النِّكَاحَا لَهَا وَلَا نَعْرِفُهُ مُبَاحَا لَكِنَّ فِي تَزْوِيجِهَا يُوَكَّلُ مَنْ كَانَ مَا يَعْرِفُ مِنْهَا يَجْهَلُ
باب الأمور الْعَارِضَةِ على العقد بعد صحتِهِ
وَالْعَقْدُ بَعْدَ أَنْ يَصِحَ تَعْرِضُ عَلَيْهِ أَحْوَالٌ بِهَا يَنْتَقِضُ كَالفَسْحَ بِالتَّغْيِيرِ وَالخِيَارِ وَالخُلْعِ وَالإِيلَاءِ وَالظُّهَارِ كَذَاكَ إِذْ يَمْلِكُهَا أَوْ تَمْلِكُهُ وَمُلْكُهُ لَهَا التَّسَرِّي مَسْلَكُهُ وَمُلْكُهَا لَهُ يُنَافِي حِلَّهَا فَيَخْرُجَنَّ أَنْ يَكُونَ بَعْلَهَا وَكَالزِّنَاءِ الشَّاهِرِ الْمَعْلُومِ وَالِارْتِدَادِ الْمَحْضِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْمَوْتِ وَالطَّلَاقِ وَالْكُلٌّ لَهُ فِي بَابِهِ بَسْطٌ يُرِيكَ حَلَّهُ وَنَذْكُرُ الْخِيَارَ بِالْآفَاتِ كَالْعَفْلِ وَالرَّتْقِ مِنَ الْعَاهَاتِ وَكَالْجُنُونِ وَالجُذَامِ وَالبَرَضِ فَهَذِهِ بِهَا الْخِيَارُ قَدْ يُخَصْ وَالنَّخْشُ أَيْضًا وَهُوَ رِيحُ الأَنْفِ قَدْ فَاحَ مِنْهَا بِخَبِيثِ الْعَرْفِ وَالْعَفْلُ لَحْمَةٌ تَسُدُّ الْمَوْضِعَا وَالرَّنْقُ تَلْقَاهُ يَحْتَاجُ أَنْ يُشَقَّ لِلإِيلَاج وَسَنَةٌ تُمْهَل لِلْعِلاج وَالزَّوْجُ أَوْلَى أَنْ يُعَالِجَنَّا وَالأُمُّ وَالْأُخْتُ إِذَا أَحْسَنًا
بِهِ مُرَبَّعَا (1/309)
صفحة 310
بابُ الأمورِ الْعَارِضَةِ على العقدِ بَعدَ صِحَّتِهِ
الجزء الثاني
309
وَبَعْدَهُنَّ سَائِرُ النِّسَاءِ مِمَّنْ يَكُنْ يُحْسِنُ لِلدَّوَاءِ وَقِيلَ إِنَّ بَرَصَ الْفَتَاةِ يُوجَدُ فِي الْبَنِينَ وَالبَنَاتِ وَهَكَذَا الأَحْمَرُ ثُمَّ الأَسْوَدُ فِي النَّسْلِ لَوْ طَالَ الزَّمَانُ يُوجَدُ فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ الجَمَالَ وَالشَّرَفْ فَالْعِرْقُ دَسَّاسٌ رَوَاهُ مَنْ سَلَفْ وَالرَّثْقُ مَهْمَا أَنْكَرَتْهُ تَحْلِفُ بِأَنَّهَا لِذَاكَ لَيْسَ تَعْرِفُ وَامْرَأَةٌ غَايِطُهَا وَالْبَوْلُ مِنْ مَوْضِعِ تَزْوِيجُهَا مَحْظُولُ (1) كَذَاكَ أَيْضًا قِيلَ حُكْمُ الخُنْثَى وَهُوَ الَّذِي لَا ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى وَبَعْضُهَا أَيْضًا مَعِيبٌ فِي الذَّكَرُ كَذَاكَ مِخْصِيٌّ وَمَجْبُوبُ الذَّكَرْ كَذَلِكَ العِنّينُ لَكِنْ يُنْتَظَرْ عَامًا لِكَي يُعَالِجَنَّ مَا فَتَرْ وَخَمْسَةٌ فِي البَعْلِ عَيْبٌ قَالُوا حِجَامَةٌ حِيَاكَةٌ بَقَالُ وَالْعَبْدُ وَالْكَافِرُ وَالْبَعْضُ يَرَى لَا رَدَّ إِلَّا فِي الَّذِي قَدْ كَفَرَا وَرَجُلٌ بِالشِّرْكِ قَدْ تَكَلَّمَا جَهْلًا فَزَوْجُهُ بِذَا لَمْ تَحْرُمَا (2) لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدَنَّ الكُفْرَا فَحَالُهُ كَمُسْتَحِلُّ أَمْرًا وَامْرَأَةٌ قَدْ شَرَطَتْ خِيَارَا لِمُدَّةٍ فَجَائِزُ تَخْتَارَ)
(3)
(1) أي ممنوع.
(2) وفي نسخة «مجبوب ومخصي». (أبو إسحاق)
(3) أصله تَحْرُمَنْ، فحذفت نون التوكيد فعوضت عنها الألف، وقد جاء مثل هذا كثير في النظم.
(4) تختارا منصوب بأن مقدرة. (1/310)
صفحة 311
310
الجزء الثاني
كتاب النكاح
وَلَا خِيَارَ لِلْفَتَى بِذَاكَا لِأَنَّمَا الشَّرْطُ لَهَا هُنَاكَا وَإِنْ تَكُنْ قَدْ شَرَطَتْهُ لَا إِلَى وَقْتٍ فَإِنَّ شَرْطَهَا قَدْ بَطَلَا وَهَكَذَا لَهَا الخِيَارُ إِنْ نَكَحْ بِلَا رِضَاهَا أَمَةً بِهَا سَنَحْ) وَبِالدُّخُول يَبْطُلُ الخِيَارُ إِنْ عَلِمَتْ وَلَمْ يَكُنْ إِنْكَارُ وَإِنْ يَكُنْ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنْهَا فَحُكْمُهَا لَمْ يَتَحَوَّلُ عَنْهَا تَخْتَارُ مَهْمَا عَلِمَتْ وَإِنْ يَكُنْ جَامَعَهَا مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ يَبْطُلَنْ وَأَمَةٌ إِنْ أُعْتِقَتْ قَدْ قِيلَا لَهَا الخِيَارُ تَتْرُكُ الحَلِيلَا (2) تَخْتَارُ لَوْ كَانَ الحَلِيلُ حُرَّا وَقِيلَ بَلْ إِنْ كَانَ عَبْدًا جَرَّا وَلَا خِيَارَ فِي التَّسَرِّي قَطْعَا لأَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجِ شَرْعًا وَحُرَّةٌ تَكُونُ تَحْتَ عَبْدِ فَيُعْتَقَنَّ لَا خِيَارَ عِنْدِي وَقَالَ قَوْمٌ بَلْ لَهَا الخِيَارُ وَتَرْكُهُ عِنْدِي هُوَ المُخْتَارُ وَإِنْ تَكُنْ مَمْلُوْكَةٌ فَلَا لَهَا وَالبَعْلُ فَاقَ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهَا وَابْنُ الزِّنَاءِ فِيهِ قَوْلُ لَا يُرَدْ وَقِيلَ بَلْ يُرَدُّ لَوْ كَانَ عَقَدْ كَذَلِكَ الأَقْلَفُ لَكِنْ إِنْ خُتِنُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَهُوَ تَزْوِيجُ قَمِنْ (3) وَقِيلَ بَلْ يُجَدِّدَنَّ العَقْدَا وَذَلِكَ الأَحْوَطُ حِينَ عُدا
(1) سنح: أي سعد.
(2) اعلم أن الأمة إذا كانت تحت عبد فأعتقت فلها الخيار قولا واحدا، والدليل على ذلك قصة
بريرة مع مغيث وإن كانت تحت عبد ففيها قولان.
(3) قَمِن أي: حقيق مثل قَمِين. (1/311)
صفحة 312
بابُ الأمورِ الْعَارِضَةِ على العقدِ بَعدَ صِحَّتِهِ
الجزء الثاني
311
() (1)
وَيَقَعُ الْخِيَارُ بِالْأَفْرَنْجِ إِنْ كَانَ فِيهِ أَوْ بِذَاتِ الغُنْجِ) وَقِيلَ لَا خِيَارَ لَكِنْ يُمْنَعُ مِنْ وَطْئِهَا لِصَرَرٍ قَدْ يَقَعُ وَتَحْرُمُ المَرْأَةُ بِالزِّنَاءِ وَالْوَطْءِ فِي الْأَدْبَارِ وَالدِّمَاءِ أَعْنِي بِذَاكَ الحَيْضَ إِذْ تَعَجَّلَا صَارَ الجَزَاءُ عَكْسَ مَا تَأَمَّلَا وَجَابِرٌ وَمُسْلِمٌ تَوَقَّفَا كَذَلِكَ الرَّبِيعُ أَيْضًا فَاعْرِفَا وَإِنْ يَكُنْ فِي دُبُرٍ قَدْ غَلِطَا فَلَا يُحَرِّمَنَّهَا ذَاكَ الخَطَا وَهْوَ عَنِ الرَّبِيعِ أَيْضًا حُفِظَا يَا حَبَّذَا مَنْ لِلعُلُومِ حَفِظَا وَإِنْ يَكُنْ عَايَنَهَا حَالَ الزِّنَا فَإِنَّهَا تَحْرُمُ مِنْهُ فَافْطُنَا وَهَكَذَا إِنْ عَايَنَتْهُ فَاعْلَمَا وَالسِّرُّ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُحَرِّما وَهَكَذَا إِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ لَوْ لَمْ تَكُنْ أُقِيْمَتِ الحُدُودُ لأَنَّمَا الشُّهُودُ أَصْلُ الحَدِّ وَالكَشْفُ هُوَ السَبَبُ المُعَدِّي وَالْحَدُّ إِنْ كَانَ فَذَاكَ أَقْبَحُ لِأَنَّهُ عَلَى الزُّنَاةِ أَفْضَحُ وَامْرَأَةٌ بِابْنِ الحَلِيلِ قَدْ زَنَتْ أَوْ بِأَبِيْهِ مِنْهُ سِرًّا قَدْ دَنَتْ فَلَا يَحِلُّ مَعَهُ المُقَامُ لَهَا وَلَوْ لَمْ تَظْهَرِ الْأَعْلَامُ وَتَفْتَدِي بِمَالِهَا فَإِنْ أَبَى فَقِيلَ تَبْعُدَنَّ مِنْهُ هَرَبَا
(*) الأفرنج أو الفرنج وهو من الأمراض الجنسية التناسلية وهو مرض مزمن وهذا يبدأ بقرحة في الأعضاء التناسلية ويتطور حتى يصل إلى تقرحات في الفم والشفتين والبلعوم والحنجرة تخرج
منها إفرازات والمراد أن الخيار يقع سواء كان المرض فيه أو فيها. (إسماعيل)
(1) الأفرنج مرض الزهري، والغنج ملاحة العينين.
(الغُنْج: صفة في المرأة والمراد حسن العينين وتكبر من الدلال. (إسماعيل) (1/312)
صفحة 313
312
الجزء الثاني
كتاب النكاح
قَلْتُ وَبِالهُرُوبِ مِنْهُ يَظْهَرُ بِأَنَّهَا النَّاشِرُ وَالمُسْتَكْبِرُ وَمَا لَهَا أَنْ تُظْهِرَ البَرَاءَهُ مِنْ نَفْسِهَا فَلَا أَرَى آرَاءَهُ تُقِيمُ ثُمَّ تَطْلُبُ الغُفْرَانَا مِنْ رَبِّهَا وَتَحْذَرُ النِّيرَانَا مَا الصَّبِيُّ عِنْدَهُمْ كَالرَّجُلِ فَفَرْجُهُ كَأَصْبُعِ مِنْهُ اجْعَلِ وَإِنْ تَكُنْ دَانَتْ لِوَطْءِ الصَبُعَ وَنَحْوِهِ فَهْيَ حَرَامٌ فَاسْمَعِ وَامْرَأَةٌ جَامَعَهَا إِنْسَانُ تَظُنُّهُ حَلِيلَهَا فُلَانُ وَبَعْدُ لَمَّا عَلِمَتْهُ أَنْكَرَتْ عَلَيْهِ وَالزَّوْجَ بِهِ قَدْ أَخْبَرَتْ فَلَا نَرَى يَلْزَمُهُ التَّصْدِيقُ لَهَا وَإِنْ صَدَّقَ لَا يَضِيقُ وَجَائِزٌ يُمْسِكُهَا فِي حُكْمِنَا لأنَّ هَذَا لَمْ يَكُن مِثْلَ الزِّنَا وَمَنْ يَكُنْ قَدْ وَاعَدَ الخَلِيلَة فَاحِشَةً جَاءَتْهُ بِالحَلِيلَهُ جَامَعَهَا بِنِيَّةِ الزِّنَاءِ فَالْخُلْفُ فِي تَحْرِيمِ تِلْكَ جَائِي) وَمَن لَهُ مِنَ النِّسَاءِ جَارَهُ جَمِيلَةٌ فَاجِرَةٌ مَكَارَهُ إِذَا أَتَى زَوْجَتَهُ وَذَكَرَا جَارَتَهُ لَمَّا اشْتَهَاهَا نَشَرَا فِي زَوْجَتِهِ قَدْ ذُكِرَا وَالفِعْلُ فِي الكُلِّ حَرَامٌ حُجِرَا وَإِنْ تَكُنْ قَدْ وُطِئَتْ بِالْقَهْرِ فَلَيْسَ كَالزِّنَاءِ فِي ذَا الْأَمْرِ بَلْ جَائِزُ لَهُ بِأَنْ يُمْسِكَهَا لَكِنَّهُ يُؤْمَرُ أَنْ يَتْرُكَهَ حَتَّى تَحِيضَ بَعْدَ ذَلِكَ النَّكَدْ كَيْ لَا يُشَارِكُوهُ فِي نَفْسِ الوَلَدْ
فَالْخُلْفُ
() (فلان) خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: هو فلان. (إسماعيل)
(1) جائي: إسم فاعل من المجيء. (1/313)
صفحة 314
بابُ الأمورِ الْعَارِضَةِ على العقدِ بَعدَ صِحَّتِهِ
الجزء الثاني
313
وَإِنْ أَقَرَّ الزَّوْجُ بِالزِّنَاءِ مَعْ زَوْجِهِ تَحْرُمُ فِي الإِفْتَاءِ وَبَعْضُهُمْ قَالَ يُكَذِّبْ نَفْسَهُ قَبْلَ الجِمَاعِ ثُمَّ يُمْسِكْ عِرْسَهُ وَقِيلَ لَا تَحْرُمُ لَوْ لَمْ يُكْذِبِ وَهُوَ مَقَالُ سَائِعٌ فِي المَذْهَبِ وَإِنْ تَكُنْ قَدْ سَأَلَتْهُ يَوْمَا عَنِ الزِّنَا وَهْوَ يَرَاهُ لَوْمَا قَالَ نَعَمْ ذَلِكَ أَيَّامَ الصَّبَا فَقِيلَ لا بأسَ بذَاكَ وَجَبَا) وَإِنْ رَمَاهَا بِالزِّنَا يَسْتَغْفِرُ وَهَكَذَا إِذا رَمَتْ تَسْتَغْفِرُ وَأَيُّهُمْ مِنْ قَوْلِهِ يَتُوبُ مَقَامُهُ مَعْ خِلِّهِ يَطِيبُ وَإِنْ يَكُنْ إِلَى الْإِمَامِ رَفَعَا يَحُدُّهَا لِقَذْفِهِ إِذْ وَقَعَا وَإِنْ تَكُنْ قَدْ رَفَعَتْ عَلَيْهِ فَبَابُه لِعَانُهَا لَدَيْهِ (2) وَحُكْمُهُ فَصَّلَهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ النُّورِ بِصَدْرِهَا نَزَلْ وَرَجُلٌ رَأَى فَتَاةً تَرْكَبُ شَيْئًا مِنَ الصِّبَاعِ ثُمَّ يَرغَبُ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَهَا فَالْخُلْفُ فِي جَوَازِهَا وَالْحَقُّ التَّعَفُّف في وَإِنْ يَكُنْ جَامَعَ أَجْنَبِيَّهُ بِخَطأَ فَالخُلْفُ فِي القَضِيَّة بَعْضُ يَرَى الْأَخْذَ لَهَا حَلَالًا مِنْ بَعْدِهِ وَقَالَ نَاسٌ لَا لَا
(1) (يكذب) مجزوم بلام الأمر المقدرة، وهكذا (يمسك) أي ليكذب على حد قوله: مُحَمَّدٌ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ.
(2) قوله: «قد رفعت عليه ... إلخ» يعني إن قذف الزوج زوجته ورفعت ذلك إلى الإمام فإن باب حكمها اللعان، إن لم يكن عند الزوج أربعة شهود لاعَنَ بينهما وإن كان عنده شهود أقيم الحد عليها، والله أعلم. اهـ. (المصنف) () (وجبا) معناه هنا: وَقَعَا، على حد قول الله: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [الحج: 36]. (إسماعيل) (1/314)
صفحة 315
314
الجزء الثاني
كتاب النكاح
وَامَرَأَةٌ قَدِ ادَّعَاهَا اثْنَانِ وَلَيْسَ لِلْجَمِيعَ مِنْ بَيَانِ فِقِيلَ لِلْحَاكِمِ بِاتِّفَاقِ أَنْ يُجْبِرَ الكُلَّ عَلَى الطَّلَاقِ وَجَائِزٌ يُسْتَأْنَفُ التَّزْوِيجُ بِمَنْ تَشَا وَمَا بِهِ تَحْرِيجُ
باب ما يباحُ بِصَحِيحِ الْعَقْدِ
مَا كَانَ مَمْنُوعًا لَهُ فِي الحَدِّ،
(2)
الْعَقْدِ وَيُسْتَبَاحُ بِصَحِيح مِنْ ذَلِكَ الحِمَاعُ وَهُو أَعْلَى مُرَادِهُ بِهِ يَكُونُ حِلَّا وَالْمَسُّ فِي الْكِتَابِ فَالْحِمَاعُ مَذْهَبْنَا الْمُخْتَارُ لَا الْإِجْمَاعُ فَعِنْدَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُلَامَسَهُ قَوْلُ سِوَى مَقَالَةِ الْأَشَاوِسَهْ (1) يَقُولُ إِنَّ ذَاكَ نَفْسُ اللَّمْس فَيُوجِبُ الْوُضُوءَ نَفْسُ الْمَسِّ وَلَا نَرَى ذَاكَ مِنَ الصَّوَابِ إِنَّ الْكُنَى (2) مِنْ شِيمَةِ الْأَعْرَابِ إِدْخَالُهُ فِي فَمِهَا مُبَاحُ وَقِيلَ إِنَّ ذَاكَ لَا يُبَاحُ بَلْ تَحْرُمَنَّ زَوْجَةُ الإِنْسَانِ بِذَلِكَ الْفِعْلِ عَلَى الْأَزْمَانِ وَجَعَلُوهُ مِثْلَ وَطْءِ الدُّبُرِ وَذَا القِيَاسُ فَاسِدٌ فِي النَّظَرِ هَبْ إِنَّ ذَاكَ فِعْلُهُ مُحَرَّمُ فَمَا الدَلِيلُ أَنَّ زَوْجًا تَحْرُمُ وَجَائِزٌ يُجَامِعُ الزَّوْجَاتِ أَوْ زَوْجَةً يَجِيتُهَا مَرَّاتِ
(1) الظاهر أن المراد بالأشاوسة المناقضين للشافعي، فتأمل. (أبو إسحاق) (2) يشير بقوله: «إِنَّ الْكُنَى ... إلخ» إلى أن اللمس في الآية كناية عن الجماع، ومن طبيعة العرب الكناية عن أحوال النساء السرية. (أبو إسحاق) (1/315)
صفحة 316
بابُ ما يباحُ بِصَحِيحِ.
الْعَقْدِ
الجزء الثاني
315
وَيَغْسِلَنَّ بَعْدَهُنَّ غُسْلَا وَالِاسْتِنْجَاء بَيْنَهُنَّ أَوْلَى أَنفَعُ لِلْعَوْدِ إِذَا مَا عَادَا وَنَفْعُ أَكْل التِّين أَيْضًا زَادَا وَجَعْلُهُ فِي إِبْطِهَا لِيُنْزِلَا فِيهِ اخْتِلَافُ العُلَمَاءِ نُقِلَا (1) وَالرَّاجِحُ الجَوَازُ إِذْ لَمْ يَكُنِ كَعَابِتْ بِكَفِّهِ الْمُسْتَهْجَنِ وَهِيَّ حَرْتُهُ وَلَا يَمْتَنِعُ مِمَّا عَذَا الْعَجْزَ) هُنَاكَ مَوْضِعُ وَيَنْبَغِي يَنْظُرُهَا إِنْ سَبَقَا إِنزَالُهُ يَوْمًا إِلَى أَنْ تَلْحَقَا وَلَيْسَ وَاحِبًا وَلَكِنْ يُنْدَبُ وَهْوَ إِلَى الحُبِّ لَدَيْهَا أَقْرَبُ وَجَائِزٌ جِمَاعُهَا فِي النَّهْرِ فِي حَالِ الْاِغْتِسَالِ تَحْتَ السِّتْرِ وَالرِّجَالِ صَوْلَةٌ لَا تَفْتُرُ كَصَوْلَةِ الشُّجَاعِ حِينَ تَبْدُرُ يَا حَبَّذا مَنْ بِالْحَلَالِ كَسَرَا صَوْلَتَهُ وَضِدُّهُ قَدْ خَسِرَا يَا شَهْوَةً أَعْقَبَتِ الْخُسْرَانَا وَأَوْرَثَتْ صَاحِبَهَا النِّيرَانَا أَنْتِ لَعَمْرُ اللَّهِ فَتْنَةُ الْوَرَى وَأَنْتِ فَيْهِمْ أَشَدُّ خَطَرَا وَمَنْ لِأَفْخَاذِ النِّسَا تَعَوَّدَا فَذَاكَ لَا يُفْلِحُ عِنْدِي أَبَدًا مَاءُ الْحَيَاةِ صُبَّ فِي الْأَرْحَامِ مِنْ هَاهُنَا يَضُرُّ بِالْأَجْسَامِ
(1) هذه المسألة فيما إذا كانت المرأة حائضا، لقوله عليه الصلاة والسَّلام: «حل من الحائض غير الفرج» ولأنه ثبت أنه كان يباشر بعض نسائه وهي مؤتزرة في حالة الحيض، أي مشدودة الإزار، وهو الحائل الساتر للفرج، أما في حال الطهر فلا يحل ذلك لشموله بقوله تعالى: فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَبِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المؤمنون: 7]. (أبو إسحاق)
(*) العجز بضم العين، ولكن سكنت للضرورة، والعجز يراد به الدبر. (إسماعيل) ( .. ) ينظرها أي ينتظرها، فلا يَعْجَلُ في نزع ذكره إسماعيل) (1/316)
صفحة 317
316
الجزء الثاني
كتاب النكاح
هُوَ نُورُ عَيْنَيْكَ وَمُخُ السَّاقِ فَكُنْ لَهُ مُحَافِظًا وَوَاقِ وَفِي الْعَجُوزِ ضُرُّ هَذَا أَعْظَمُ جِمَاعُهَا سَمَّ رَمَاهُ الْأَرْقَمُ وَهَكَذَا يَضُرُّ حَالَ الاِمْتِلَا فَجَنَّبَنْ نَفْسَكَ هَذَاكَ الْبَلَا إِنْ جَهِلَ السُّبَّانُ هَذَا الضُّرَّا يَدْرُونَهُ إِذَا الشَّبَابُ مَرَّا وَإِنَّنِي مِنْ ذَاكَ فِي انْهِمَاكِ يَا رَبِّ سَلِّمْنِي مِنَ الهَلَاكِ
باب الصداق (1)
وَالصَّدُقَاتُ نِحْلَةُ (2) النِّسَاءِ لَكِنَّهَا وَاجِبَةُ الأَدَاءِ يَدْفَعُهَا الزَّوْجُ إِلَى زَوْجَتِهِ وَتَخْرُجَنْ بِذَاكَ مِنْ ذِمَّتِهِ وَإِنْ يَكُنْ قَدْ قَبَضَ الوَلِيَّا بِأَمْرِهَا كَانَ إِذًا مَقْضِيَّا وَإِنْ يَكُنْ بِغَيْرِ أَمْرٍ ضَمِنَا إِلَّا إِذَا وُصُولَهُ تَيَقَّنَا وَالْخُلْفُ فِي صَمَانِهِ إِنْ دَفَعَا إِلَى أَبِيهَا مَهْرَهَا قَدْ رَفَعَا وَإِنْ تَكُنْ صَبِيَّةٌ فَسَلَّمَهُ لَهَا فَأَتْلَفَتْهُ قِيلَ غَرِمَهُ وَقِيلَ لَا وَذَاكَ إِنْ أَخْبَرَهَا بِأَنَّ ذَاكَ هُوَ مَا أَمْهَرَهَا وَضَامِنٌ إِنْ لَمْ يُخْبَرَنَهَا فَيَغْرَمَنْ بِالْقَطْعِ ذَاكَ عَنْهَا
هذا
(1) أي وما يعتريه من الأحكام كإبطاله ولزوم العُقر - بالضم -، وذَكَرَ فيه أيضا ما يلزم الفاسق الغاصب لمن زنى بها كما ترى، وإنما اقتصر على تبويب الباب للصداق لأنه الأصل في الباب والأهم. (أبو إسحاق)
(2) النحلة: العطية عن طيب نفس مِنْ نَحَلَهُ كذا إذا أعطاه إياه، أو عطية من الله تعالى لَهُنَّ فضلا
منه عليهن. (أبو إسحاق) (1/317)
صفحة 318
باب الصداق
الجزء الثاني
317
وَالزَّوْجُ بِالنِّكَاحَ أَوْلَى وَهْوَ مَنْ بِيَدِهِ عَقْدُ النِّكَاحَ فَاعْلَمَنْ وَعَفْوُهُ المَذْكُورُ فِي الكِتَابِ مَزِيدُهُ عَنْ قَدَرِ الْإِيجَابِ وَعَفْوُهُنَّ عَنْهُ إِسْقَاطٌ لِمَا قَدْ كَانَ بِالْعَقْدِ عَلَيْهِ لَزِمَا وَذَاكَ نِصْفُ الْمَهْرِ وَالنِّصْفُ يَجِبْ عَلَيْهِ بِالدُّخُولِ حِينَ يَقْتَرِبْ وَبَعْدَمَا أَرْخَى الحِجَابَ إِنْ جَحَدُ فَقَوْلُهَا يَكُونُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقَبْلَ أَنْ يُرْخِي الحِجَابَ يُقْبَلُ مَقَالُهُ وَهْوَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَهَكَذَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إِذَا كَانَ الدُّخُولُ فِي المَحِيضِ وَالأَذَى وَفِي النَّفَاسِ وَنَهَارِ الصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ لِحَرَامِ الْحَوْمِ فَإِنَّهَا إِنِ ادَّعَتْ إِلْمَامَا عَلَيْهِ هَاهُنَا ادَّعَتْ حَرَامَا وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ مَهْرَهَا فَلَا تُجْبَرُ أَنْ تَتْرُكَهُ لِيَدْخُلَا وَإِنْ تَكُنْ قَدْ مَكَّنَتْهُ يَوْمَا فَمَا لَهَا النُّشُوزُ عَنْهُ دَوْمَا (1) وَيَبْقَى مَهْرُهَا عَلَيْهِ دَيْنَا وَبَخْسُهَا حِرْمَ عَلَيْهِ دِينَا) وَإِنْ تَكُنْ لِنَفْسِهَا قَدْ مَنَعَتْ إِلَّا إِذَا مُهُورُهَا قَدْ دُفِعَتْ وَأَعْسَرَ الزَّوْجُ يُؤَجَّلَنَا شَهْرًا لِكُلِّ مِائَةٍ يُؤَنَّا (3) وَهْيَ مِنَ الدَّرَاهِمِ الْمَعْدُودَهُ وَلَيْسَ مِنْ قُرُوشِنَا الْمَوْجُودَهُ
(1) أي دواما.
(*) جزم بكسر الحاء الحرام وأما الحُزم بضم الحاء فهو الإحرام. (إسماعيل)
(2) نسخة يمهلنا. (أبو إسحاق)
(3) يؤنا: أي يمهل من التأني وهو التمهل. اهـ. (المصنف) (1/318)
صفحة 319
318
الجزء الثاني
كتاب النكاح
فَمِائَةٌ عِنْدَهُمُ عَنْ عَشْرَةِ مِنْ هَذِهِ القُرُوشِ عِنْدَ الْخُبْرَةِ (*) وَهَكَذَا إِلَى انْقِضَاء سِتَّةِ مِنْ أَشْهُرٍ وَذَاكَ نِصْفُ سَنَةٍ وَبَعْدَهَا تَجْرِي عَلَيْهِ النَّفَقَهُ بِالرَّغْمِ أَوْ يَتْرُكَهَا مُطَلَّقَةٌ (1) وَرَجُلٌ لِإِبِنِهِ تَزَوَّجَا فَكَرِهَ الْإِبْنُ وَعَنْهُ خَرَجَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الصَّدَاقُ وَيَلْزَمُ الإِبنَ لَهَا الطَّلَاقُ وَهْوَ عَلَى القَوْلِ الشَّهِيرِ فِي الْأَثَرُ إِنَّ بِهِ أَبَاهُ أَوْلَى وَأَبَرُ (2) وَإِنْ يَكُ اسْتَثْنَى رِضَاهُ فَاعْلَمَا فَكَرِهَ الْإِبْنُ فَذَاكَ انْهَدَمَا لأَنَّهُ أَوْقَفَهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ يَرْضَى بِهِ لَدَيْهِ وَالشَّرْطُ فِي النِّكَاحِ وَالصَّدَاقِ يَثْبُتُ عِنْدَهُمْ عَلَى اتَّفَاقِ وَذَاكَ إِنْ كَانَ بِحَالِ العَقْدِ وَالخُلْفُ فِيهِ قَبْلَ هَذَا الحَدِّ فَعِنْدَ قَوْمٍ لَا يَكُونُ لَازِمًا مَا لَمْ يَكُنْ لِعَقْدِهِ مُلَازِمَا وَآخَرُونَ أَثْبَتُوهُ حَتْمَا إِذْ لَمْ يَكُ العَقْدُ لِذِاكَ هَدْمَا وَهْوَ مِنَ السَّدَادِ حَيْثُ يُعْلَمُ وَبِالرَّشَادِ فِعْلُهُ مُلْتَزَمُ يُثَبِّتُ الشَّرَائِطَ الْمَعْلُومَهُ وَيُذْهِبُ الخَدَائِعَ الْمُذْمُومَهُ وَالشَّرْطُ بَعْدَ العَقْدِ لَيْسَ يَلْزَمُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ وَعْدٌ يُعْلَمُ وَالمُؤْمِنُ الْمُوفِي بِمَا قَدْ وَعَدَا وَذُو النِّفَاقِ مَنْ بِغَدْرِهِ ارْتَدَى
(*) الخُبْرَة بضم الخاء العلم بالشيء، والخبرة بكسر الخاء الاختبار. (إسماعيل) (1) أو يتركها: منصوب بأن مقدرة أي إلا أن.
(2) باختلاس حركة الهاء من به لإقامة الوزن، وفي نسخة إن به أباه أولى وأبر. (1/319)
صفحة 320
باب الصداق
الجزء الثاني
319
وَرَجُلٌ يَشْرِطُ إِنْ مَاتَ فَلَا عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ صَدَاقٍ أُجِّلَا فَإِنَّهُ يَثْبُتُ ذَاكَ الشَّرْطُ إِنْ مَاتَ عَنْهُ مَهْرُهَا يَنْحَطُّ وَإِنْ يَكُنْ بِالضَّدِّ فَالصَّدَاقُ بَاقٍ لِمَنْ يَرِثُهَا يُسَاقُ وَشَرْطُهُ يَبْطُلُ لَا مَحَالَهُ هَذَا الَّذِي فِي هَذِهِ قَدْ قَالَهُ وَعَلَّ وَجْهَهُ بِأَنَّهُ غَدا لِغَيْرِهَا مِنْ حِين وَافَاهَا الرَّدَى وَامْرَأَةٌ قَدْ شَرَطَتْ بِأَنَّهَا تَلِي طَلَاقَ نَفْسِهَا قِيلَ لَهَا وَرَجُلٌ قَدْ أَبْرَأَتْهُ زَوْجَتُهُ مِنَ الصَّدَاقِ لِتَطِيبَ بَهْجَتُهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَزَوَجَنَّا فَالشَّرْطُ وَالبُرْآنُ يَبْطُنَّا وَرَجُلٌ يَخْطِبُ لِلْفَتَاةِ قَالَتْ لَهُ خُذْنِي وَخُذْ مَا تَاتِي تُرِيدُ مَا سَاقَ لَهَا مِنْ مَهْرٍ يَأْخُذُهُ قَبْلَ تَمَامِ شَهْرِ إِنْ نَكَثَتْ مِنْ بَعْدُ فِي الْوُعُودِ فَإِنَّهَا كَمِثْلِ غَرْسِ الْعُودِ إِمَّا جَنَى مِنْهُ الثَّمَارَ وَالرُّطَبْ صَاحِبُهُ أَوْ نَالَهُ كُلُّ العَطَبْ لَكِنَّهَا تُوصَفُ بِالنِّفَاقِ لِخُلْفِهَا لِلْوَعْدِ وَالْمِيثَاقِ وَإِنْ تَكُنْ قَدْ أَعْطَتِ الْحَلِيلَا ثِمَارَهَا وَقْتًا لَهَا طَوِيلًا عَنْ طِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهَا فَمَا لَهَا ذَلِكَ (1) لَكِنْ تَأْخُذَنَّ مَالَهَا وَإِنْ يَكُنْ لِذَاكَ مِنْهَا طَلَبَا فَالِاخْتِلَافُ فِي الرُّجُوعِ وَجَبَا
(1) قوله: «فما لها ذلك أي ليس لها الرجوع فيما أكله من ثمارها عن طيبة نفسها إلا ثمرة لم يستهلكها الزوج، وإنما لها أن تسترجع أصول أموالها من النَّخِيل والأشجار. (1/320)
صفحة 321
320
الجزء الثاني
كتاب النكاح
أَمَّا الصَّدَاقُ إِنْ تَكُنْ قَدْ أَبْرَأَتْ بِمَطْلَبِ مِنْهُ رُجُوعُهَا ثَبَتْ وَجَائِزُ إِنِ اسْتَرَى صَدَاقَا) زَوْجَتَهُ لَوْ لَمْ يَشَا الطَّلَاقَا لأَنَّ فِيهِ تَصْلُحُ الْعَطِيَّة كَذَلِكَ الشِّرَاءُ فِي الْقَضِيَّة وَقَالَ قَوْمٌ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ وَلَا الْعَطَا وَيَبْطُلُ الْجَمِيعُ وَظَاهِرُ الْكِتَابِ فِي النِّسَاءِ يُبيحُ أَكْلَ ذَاكَ بِالْإِعْطَاءِ إِنْ طِبْنَ نَفْسًا لَكُمْ عَنْ شَيِّ (2) مِنْهُ فَأَكْلُهُ مِنَ الهَنِيَّ وَامْرَأَةٌ قَدْ أَشْهَدَتْ لِعَمْرِو بِمَا عَلَى الزَّوْجِ لَهَا مِنْ مَهْرِ وَأَبْرَأَتْ حَلِيلَهَا مِنْ مَهْرِهَا وَالزَّوْجُ فَكَ نَفْسَهُ مِنْ قَهْرِهَا لَا يَلْحَقُ الزَّوْجَ الَّذِي قَدْ شَهِدَا لَهُ بِذَاكَ هَكَذَا قَدْ وُجِدَا وَالزَّوْجُ مِنْ صَدَاقِهَا بَرِيُّ وَهْوَ بِذَاكَ عِنْدَنَا حَرِيٌّ لأَنَّ إِعْطَاءَ الَّذِي فِي الذَّمَّةِ لَا يَثْبُتَنَّ قَبْلَ قَبْضِ مُثْبَتِ وَحَيْثُمَا أَبْرَأَتِ الْحَلِيلَا أَسْقَطَتِ الصَّمَانَ فِيمَا قِيلَا لَكِنْ لَهَا الرَّجْعَةُ فِي الْمَذْكُورِ إِنْ عَلِمَتْ بِهَذِهِ الْأُمُورِ لأَنَّهُ لَمْ يَكُ طِيبَ خَاطِرِ وَإِنَّمَا كَانَ بِجَهْلِ حَاضِرِ وَقِيلَ مَنْ بِامْرَأَةٍ قَدْ مَلَكَا عَلَى جَمِيعِ مَا لَهُ قَدَ مُلْكَا (3) لَيْسَ لَهُ مِنْ مَالِهِ يَبِيعُ بِلَا رِضَاهَا قَالَهُ الْجَمِيعُ
(1) قوله: «وجائز إن اشترى صداقًا يعني إذا أصدقها نخيلاً أو عقارًا أو حيوانًا فإنه يجوز له أن يشتريه منها. (2) وفي نسخة: «إِنْ طِبْنَ نَفْسًا لَكُمُ عَنْ شَيْ»، وهو أولى؛ لأن المنصوب على التمييز ضعيف.
(3) ويجوز على ماله قد ملكا.
جميع
جمع (1/321)
صفحة 322
باب الصداق
الجزء الثاني
321
لأَنَّ كُلَّ مَالِهِ صَدَاقُ لَهَا وَذَاكَ هُوَ الاِنْطِلَاقُ (1) وَفِي الصَّدَاقِ تَثْبُتُ الْجَهَالَهُ إِذْ لَيْسَ كَالْعُقُودِ فِي ذِي الْحَالَهُ لأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يُفْرِضَا وَمَهْرُ مِثْلِهَا لَهَا مَهْمَا مَضَى وَإِنْ يَكُنْ قَبْلَ الدُّخُولِ طَلَّقَا مَتَّعَهَا بِمَا رَأَى وَاتَّفَقَا بِحَسَبِ الْحَالِ مِنَ الْيَسَارِ وَغَيْرِهِ مِنْ حَالَةِ الْإِعْسَارِ وَمَا عَلَيْهَا عِدَّةٌ فَتُذْكَرَا لِكَوْنِهَا عَنِ الدَّخُولِ أَثَرَا وَإِنْ يُسَمِّي فَهْوَ مَا سَمَّاهُ وَرُبُعُ الدِّينَارِ مُنْتَهَاهُ
(2)
قِيلَ لَوْ بِخَاتَم حَدِيدِ كِنايةٌ عَنْ عَدَمِ التَّحْدِيدِ
وَفِي الْكَثِيرِ لَوْ إِلَى قِنْطَارِ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ انْحِصَارِ وَقِلَّةُ الْمَهْر عَلَيْهِ (3) أَرْشَدَا نَبِيُّنَا وَهْوَ مَنَارُ الاِهْتِدَا وَقِلَّةُ الْمُهُورِ فِي الزَّوْجَاتِ بَرَكَةٌ جَالِبَةُ الْخَيْرَاتِ مِنْ جُمْلَةِ الأَسْبَابِ لِلْفُجُورِ بَيْنَ الْوَرَى هُوَ غَلَا الْمُهُورِ فَتَشْتَهِي الرِّجَالَ وَهْيَ لَمْ تَجِدُ وَيَشْتَهِي النِّسَاءَ وَهْوَ لَمْ يَجِدْ. فَتَحْمِلُ الشَّهْوَةُ فِي الصِّنْفَيْنِ عَلَى ارْتِكَابِ مُفْضِحِ وَشَيْنِ
(1) قوله: «هُوَ الانطلاق كناية عن سوء تدبيره وقلة حزمه. يقال فلان منطلق إذا لم يكن حازمًا،
هو كناية عُرْفِيّة. (المصنف)
(2) قوله: «حديد» بالجر صفة لخاتم.
(3) قوله: «عليه صوابه عليها لرجوع الضمير إلى القلة.
() الفعل فضح لا أفضح فالصواب فاضح، وقد كان النظم يحتمله ويستقيم به. (إسماعيل) (1/322)
صفحة 323
322
الجزء الثاني
كتاب النكاح
وَاخْتَلَفَ الأَشْيَاخُ فِي الْقِنْطَارِ فَقَالَ قَوْمٌ مِائَتَا دِينَارِ وَأَلْفُ دِينَارٍ وَقِيلَ أَلْفُ) قَدْ جَاءَ فِي الْآثَارِ هَذَا الْوَصْفُ وَقَالَ قَوْمُ مِلْءُ جِلْدِ ثَوْرِ وَكُلُّهُ مِنْ ذَهَبٍ مُنِير وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فِضَّيَّه هِيَ الَّتِي تُعْرَفُ بِالْأُوقِيَّة وَخَمْسَةُ الدَّرَاهِمِ النَّوَاةُ وَذَاكَ فِي اصْطِلَاحِ مَنْ قَدْ مَاتُوا قَدْ بَقِيَتْ آثَارُهُمْ مُحَبَّرَهُ وَبَقِيَتْ لُغَاتُهُمْ مُعْتَبَرَهُ وَإِنْ يَكُنْ أَمْهَرَهَا نَخِيلَا وَكَانَ وَصْفُ نَخْلِهَا مَجْهُولًا وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الْقَصَاءِ فَأَمْرُ وَصْفِهِ لِلَاذْكِيَاءِ الْعَارِفِينَ بِأُمُورِ الْمَالِ فِي دَارِهِمْ رَخِيصِهِ وَالْغَالِي وَإِنْ عَلَى عَبْدٍ تَزَوَّجَنَّا (2) فَبَانَ حُرًّا فَلْيُؤَدِّيَنَّا يُؤَدِّيَنَّ قِيمَةَ الْغُلَامِ لَوْ كَانَ مَمْلُوكًا عَلَى التَّمَامِ وَإِنْ يَكُنْ وَالِدُهَا عَبْدًا وَقَدْ تَزَوَّجَتْ عَلَى شِرَائِهِ فَقَدْ وَمَاتَ قَبْلَ يَشْتَرِيهِ سَلَّمَا قِيمَتَهُ لَوْ كَانَ حَيًّا قُوَّمَا وَامْرَأَةٌ لِنَفْسِهَا قَدْ قَتَلَتْ فَمَهْرَهَا عَنْ زَوْجِهَا قَدْ أَبْطَلَتْ (3)
(1) قوله: «وقيل ألف» لعله أراد أنه، وقيل ألف دينار فوق الألف السابق ذكره، فيكون المعنى أنه في بعض الأقوال ألف وفي بعضها ألفان.
(2) معنى «تزوجنا» أي تتزوجنا فحذفت إحدى التاءين. (المصنف)
(3) يعني
أبطلت صداقها، بزناها، ووجب عليها رده إلى زوجها سواء كان موجودًا أو بعضه إن
استهلكته، وسواء علم زوْجُها بزناها أو لم يعلم، لأن العمدة في إبطال الصداق تفويت نفسها
= (1/323)
صفحة 324
باب الصداق
الجزء الثاني
323
في قَوْلِ بَعْضٍ مِنْ أُولِي الصَّوَابِ وَبَعْضُهُمْ قَدْ قَالَ بِالْإِيجَابِ وَلَا صَدَاقَ لِلَّتِي تَرْتَدُّ مِنْ بَعْدِ إِسْلَامٍ لَهَا يُعَدُّ وَلَا صَدَاقَ عِنْدَنَا لِغَانِيَة فِي الْحُكْمِ إِنْ صَحَ عَلَيْهَا زَانِيَهْ وَالبَعْضُ مِنْهُمْ لِلصَّدَاقِ أَوْجَبَا لأَجْلِ مَا مِنْ حَالِها قَدْ رَكِبَا وَرَجُلٌ لِاِمْرَأَةٍ قَدْ خَتَنَا بِرَأْيِهَا فَلَا صَدَاقَ عِنْدَنَا (1) وَامْرَأَةٌ قَدْ ضَيَّعَتْ (2) صَبِيَّهُ بِأَصْبَعِ فَالْمَهْرُ فِي القَضِيَّة وَرَجُلٌ قَد نَكَحَ الْغُلَامَا فَمَهْرُ ثَيِّبٍ لَهُ تَمَامَا (3) وَرَجُلٌ آوَى إِلَى مَحَلِّهِ وَامْرَأَةٌ نَائِمَةٌ فِي رَحْلِهِ وَاقَعَهَا يَظُنُّهَا الْحَلِيلَة فَمَا لَهُ عَنِ الصَّدَاقِ حِيلَهُ
فقد فوتتها عن زوجها، وسببت في حرمانه من التمتع بها، ومثلها من ارْتَدّت أو سَحَرَتْ أو قتلت نفسًا. (أبو إسحاق) (1) أي تحرم عليه لأنه اطلع على فرجها وهي أجنبية عنه، وعندنا أن من اكتشف فرج امرأة أجنبية فَلَا تَحِلُّ له. فافهم. (أبو إسحاق) (2) أي ضيَّعت بكارتها وأراد بالمهر العقر، والعقر بالضم دية فرج المرأة إذا غُصِبَتْ على نفسها ثم كثر ذلك حتى استعمل في المهر. (مصباح). وأضله أنَّ وَاطِئ البكر يعقرها إذا افتضها ما تعطاه للعقر عقرًا ثم صار عامًا لها وللثيب. اهـ نهاية ابن الأثير. وعقر الثيب نصف عشر ديتها والبكر عشر، ديتها، والأمة الثيب نصف عشر قيمتها والبكر الأمة عشر قيمتها على ما ذكر بعض ولا عبرة بمطاوعة في هذا الباب، سواء من طفلة أو طفل أو مجنونة أو أمة طفلة إذ لا سلطان لهؤلاء على أنفسهم. (أبو إسحاق) (3) أي زنى به ولو برضى منه، إذ لا يملك في نفسه تصرفًا؛ وهو طفل، فلزم ذلك الفاسق قدر ما يلزم الثيب من مهر العُقر، كما سبق ذلك في البيت قبل هذا، وهو الصحيح، وقال بعض: يلزمه اثني عشر دينارًا. شيخنا في شرح النيل، وهذا قصاص للمجني عليه لا يسقط الحد عن
فسُمِّيَ
الجاني، والله أعلم. (أبو إسحاق) (1/324)
صفحة 325
324
الجزء الثاني
كتاب النكاح
وَقَالَ قَوْمٌ إِنَّهُ مَعْذُورُ لأَنَّ فِعْلَهَا هُوَ الْمَحْجُورُ وَنَاكِحُ لِامْرَأَةِ بِالْقَهْرِ يَلْزَمُهُ لَهَا أَدَاءُ الْمَهْرِ وَهَكَذَا صَبِيَّةٌ لَمْ تُدْرِكِ لَوْ أَنَّهَا قَدْ طَاوَعَتْ فِي الْمَسْلَكِ إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهَا رِضَى يُعْتَبَرُ كَذَاكَ أَيْضًا أَمَةٌ لَا تُنْكِرُ لأَنَّهَا لَيْسَ لَهَا تَصَرُّفُ فِي نَفْسِهَا وَالسَّيِّدُ الْمُصَرِّفُ وَامْرَأَةٌ قَدْ طَاوَعَتْ فَمَا لَهَا مَهْرٌ عَلَيْهِ إِذْ أَبَاحَتْ حَالَهَا وَذَاكَ أَنْ تُطِيعَهُ فَيَرْفَعَا رِجْلَيْهَا وَالْمَنْعُ لَهُ أَنْ تَمْنَعَا وَإِنْ تَكُنْ قَدْ طَاوَعَتْهُ فَوَقَعْ فِي الْعَجْزِ فَالصَّدَاقُ هَاهُنَا ارْتَفَعْ إِذْ لَمْ يَكُنْ دُبُرُهَا أَشَدَّا مِنْ فَرْجِهَا حِينَ لَهُ تَبَدَّى وَإِنْ يُطَلِّقَ زَوْجَةً وَكَتَمَا وَمَسَّهَا فَمَهْرُ ثَانٍ لَزِمَا لأَنَّهُ فِي حُكْم مَنْ خَادَعَهَا كَأَنَّهُ بِالرُّغْمِ قَدْ وَاقَعَهَا وَرَجُلٌ يَأْمُرُهُ إِنْسَانُ يَطَأَهَا يَلْزَمُهُ الصَّمَانُ وَإِنْ يَكُ الْمَأْمُورُ عَبْدَ الآمِرِ أَوِ ابْنَهُ وَهُوَ لَهُ كَالْقَاهِرِ فَيَلْزَمَنَّ الْآمِرَ الصَّدَاقُ إِنْ غُصِبَتْ فَهْوَ لَهَا اسْتِحْقَاقُ وَإِنْ يَقُلْ فِي لَفْظِهِ لِرَجُلٍ زَوِّجُ فُلَانًا وَالصَّدَاقُ قِبَلِي فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الصَّدَاقُ إِنْ مَاتَ أَوْ صَحَ لَهَا الطَّلَاقُ
(*) يقرأ البيت بفتح هاء رِجْلَيْهَا) من غير مد الألف لإقامة الوزن. (إسماعيل)
(1) قوله: «يلزمه الضمان» أي يلزم الواطئ. (1/325)
صفحة 326
باب معاشرة الأزواج
الجزء الثاني
325
وَإِنْ تَكُنْ صَبِيَّةٌ وَمَاتَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ فَالْمُهُورُ فَاتَتْ فِي قَوْلِ بَعْضٍ وَالَّذِي أَقُولُ بِأَنَّ مَهْرَهَا هُنَا مَبْذُولُ وَإِنَّهَا فِي ذَاكَ كَالْكَبِيرَهُ لِصِحَّةِ التَّزْوِيج فِي الصَّغِيرَهُ وَكَوْنُهَا لَهَا الْخِيَارُ بَعْدَمَا تَبْلُغُ لَا يَحُطُّ مَا قَدْ لَزِمَا لأَنَّ ذَا الْخِيَارَ بَعْدُ لَمْ يَقَعُ فَحَبْلُ ذَا التَّزْوِيجِ قَبْلَهُ انْقَطَعْ لأَيِّ شَيْءٍ نَنْظُرُ الْخِيَارَا وَحُكْمُ ذَا التَّزْوِيجِ أَصْلًا سَارَا
باب معاشرة الأزواج
وَعِشْرَةُ الأَزْوَاجِ بِالْمَعْرُوفِ وَاحِبَةٌ بِشَرْطِهَا الْمَوْصُوفِ وَعِنْدَ مَا تَزَوَّجَ الإِنْسَانُ لِاِمْرَأَةٍ يُشتَرَطُ الإِحْسَانُ دَلَّ عَلَى ذَا مُحْكَمُ الْكِتَابِ يَفْهَمُهُ مِنْهُ أُولُو الْأَلْبَابِ وَهَكَذَا فِي سُنَّةِ الْمُخْتَارِ جَاءَتْ بِهِ صَحَائِحُ الْأَخْبَارِ وَبِالضَّعِيفَيْنِ لَقَدْ أَوْصَانَا مُحَمَّدٌ خَيْرُ الوَرَى إِحْسَانَا العَبْدُ وَالزَّوْجَةُ فَاعْلَمَنَّا وَمَا لَهُ بِالْقَوْلِ يُؤْذِيَنَّا وَأَنَّهَا فِي يَدِهِ أَمَانَهُ فَلْيَحْذَرِ التَّصْبِيعَ وَالْخِيَانَهُ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ لَهُ عَلَى الْآخَرِ حَقٌّ عَيْنِ
(1) وفي نسخة: «بامرأة» وكلا الأمرين صحيح. (1/326)
صفحة 327
326
الجزء الثاني
كتاب النكاح
لَهُنَّ مِثْلُ مَا عَلَيْهِنَّ أَتَى وَالفَضْلُ لِلرِّجَالِ حُكْمًا ثَبَتَا وَمَا لِكُلِّ فِيهِ أَنْ يَحِيفَا إِذَا رَأَى قَرِينَهُ ضَعِيفًا فَإِنْ يَشَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ يَشَا سَرَّحَهَا بِغَيْرِ ضُرٍّ قَدْ غَشَى (1) وَمَنْ يُؤَدِّ الْحَقَّ كَانَ أَعْظَمَا مَرْتَبَةً لَوِ الْقَرِينُ أَجْرَمَا وَإِنَّنِي يُعْجِبُنِي أَنْ يَصْبِرَا عَلَى أَذَى زَوْجَتِهِ كَيْ يُؤْجَرَا فَالمُبْتَلَى أَيُّوبُ لَمَّا صَبَرَا نَالَ مِنَ اللهِ مَقَامًا أَكْبَرَا رَدَّ إِلَيْهِ أَهْلَهُ وَزَادَا وَنَالَ مِنْ رِضْوَانِهِ الْمُرَادَا وَبَعْدَ أَنْ أَدَّى إِلَيْهَا الْمَهْرَا فَوَطْؤُهُ لَمْ تُلْفِ عَنْهُ عُذْرَا لَوْ أَنَّهَا فَوْقَ الْحِمَالِ رَاكِبَهْ لَيْسَ لَهَا تَمْنَعُهُ) مَطَالِبَهُ وَتَنْصَحَنْ لَهُ وَتَحْفَظَنَّا ـتِهِ وَالضُّرَّ تَدْفَعَنَّا تُرَبِّيَنْ أَوْلَادَهَا وَتُصْلِحُ فَاسِدَهُ وَهُوَ مَقَامٌ مُرْبِحُ فَإِنَّهُ الْجِهَادُ لِلنِّسَاءِ مُؤَثَرًا (2) فِي كُتُبِ الأَنْبَاءِ وَخِدْمَةُ البَيْتِ يُقَالُ سَاعَة مِنْهَا لِقَصْدِ بِرِّهِ وَالطَّاعَهُ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ مِنَ الْأَعْوَامِ تَعْبُدُ فِيهَا خَالِقَ الأَنَامِ وَالْكُلُّ نَفْلُ غَيْرَ أَنَّ الْفَضْلَا مَرَاتِبٌ لَوْ كَانَ ذَاكَ نَفْلَا فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ مَا عَلَيْهَا تَخْدُمُهُ لَكِنَّهُ إِلَيْهَا
(1) أي أصاب؛ أي أصابها. (أبو إسحاق)
() إن حذفت (أن) الناصبة جاز رفع الفعل المضارع ونصبه. (إسماعيل)
(2) مؤثرًا حال عاملها محذوف تقديره جاء مؤثرًا. (1/327)
صفحة 328
باب معاشرة الأزواج
الجزء الثاني
327
وَأَنْتَ إِنْ نَظَرْتَ سِيرَةَ السَّلَفْ رَأَيْتَهُ مِنَ اللُّزُومِ مُزْدَلِفْ) مَضَى زَمَانُ الْفَضْلِ فِيهِ الرَّجُلُ وَزَوْجُهُ وَالْكُلُّ مِنْهُمْ يَعْمَلُ وَالشَّرْعُ قَدْ حَرَّضَ كُلَّ وَاحِدِ عَلَى الْقِيَامِ وَعَلَى التَّعَاصُدِ وَلَمْ يُفَصِّلْ بَيْنَ مَا يَلْزَمُهَا مَنْ خِدْمَةِ الْبَيْتِ وَلَا يَلْزَمُهَا وَلَمْ يَقُلْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْدُمَهَا أَوَ يَطْبُخَنْ عَنْهَا لِكَيْ يُكْرِمَهَا وَفِي الْكِتَابِ الأَمْرُ بِالتَّعَاوُنِ فِي الْبِرِّ وَالتَّقْوَى عَلَى المُعَاوِنِ وَقَدْ أَخَذْنَا مِنْ جَمِيعِ مَا وُصِفْ بِأَنَّ ذَاكَ بِالوُجُوبِ مُتَّصِفْ وَقَدَرُ الْوَاجِبِ لَا يُحَدُّ كَذَلِكَ الْحُقُوقُ إِذْ تُعَدُّ كَصِلَةِ الْأَرْحَامِ بِرِّ الْوَالِدِ وَصِلَةِ الْجَارِ وَحَقِّ الْوَافِدِ فَكُلُّهَا يُوصَفُ بِالوُجُوبِ وَحَدُّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْغُيُوبِ وَقَالَ قَوْمٌ يَسَعُ الإِنْسَانَا أَنْ لَا يَطَا زَوْجَتَهُ زَمَانَا وَذَاكَ إِنْ لَمْ يَقصِدِ الضَّرَارَا وَلَمْ تَكُنْ تَطْلُبُهُ جِهَارًا وَإِنْ تَكُنْ قَدْ طَلَبَتْ إِيَّاهُ يَلْزَمُهُ إِنْ شَاءَ أَوْ أَبَاهُ فِي أَرْبَعِ الأَيَّامِ قِيلَ مَرَّهُ أَخْرَجَ هَذَا القَوْلَ قَاضِي الْبَصْرَهُ (2) وَهْوَ الْعُمَانِيُّ عَلَى التَّحْقِيقِ قَضَى بِهِ فِي حَضْرَةِ الفَارُوقِ فَاسْتَحْسَنَ الْفَارُوقُ ذَاكَ النَّظَرَا وَمِنْ هُنَاكَ صَارَ قَاضِي عُمَرا
(1) مزدلف: أي مقترب.
(2) «قاضي البصرة» هو كعب بن سوار الكندي العُماني. اهـ. (المصنف) (1/328)
صفحة 329
328
الجزء الثاني
كتاب النكاح
وَبَعْضُهُمْ قَالَ بِكُلِّ شَهْرٍ وَقِيلَ لَا لَكِنْ لِكُلِّ طُهْرٍ وَقِيلَ إِنْ جَامَعَها فِي الْعُمْرِ وَاحِدَةً لَمْ يُلْزَمَنْ بِالْقَهْرِ وَذَاكَ كُلُّهُ إِذَا اسْتَطَاعَا جمَاعَها وَشَاءَ الاِمْتَنَاعَا لِحَالَةٍ فِي نَفْسِهِ لَا ضَرَرَا لَهَا فَإِنَّ ضُرَّهَا قَدْ حُجِرَا وإِنْ يَكُنْ لَمْ يَسْتَطِعْ نِكَاحَا لِعَجْزِهِ فَعُذْرُهُ قَدْ لَاحَا فَمَرَّةً مِنْ عُمْرِهِ تَكْفِيهَا فِي أَشْهَرِ الأَقْوَالِ مِنْهُمْ فِيهَا وَذَاكَ فَرْعٌ لِلْمَقَالِ الْآخِرِ وَضِدُّهُ التَّفْرِيعُ لِلْأَوَاخِرِ فَمَنْ رَأَى وُجُوبَهَ فِي الْأَرْبَعِ فَإِنَّهُ فِي التَّرْكِ لَمْ يُوَسِّعِ وَهَكَذَا الْقَوْلُ بِكُلِّ شَهْرٍ وَهَكَذَا الْقَوْلُ بِكُلّ طُهْرٍ فَإِنَّ كُلَّ قَائِلِ بِقَوْلِ تَلْزَمُهُ فُرُوعُ ذَاكَ القَوْلِ وَإِنَّمَا لَمْ تُذْكَرِ الْفُرُوعُ لِأَنَّهُ خَالَفَهَا الْجَمِيعُ وَكَانَ بَعْضُ العُلَمَاءِ يَتْبَعُ بَعْضًا فَمِنْ هُنَاكَ لَمْ يُفَرِّعُوا وَامْرَأَةٌ أَرَادَتِ الإِنْصَافَا مِنْ زَوْجِهَا لَمَّا رَأَتْهَ حَافَا فَمَا عَلَيْهِ عِنْدَ قَاضٍ أَبْعَدِ لَكِنْ عَلَيْهِ عِنْدَ قَاضِي الْبَلَدِ وَامْرَأَةٌ لِزَوْجِهَا الْمَجْذُومِ مُطِيعَةٌ فِي فِعْلِهِ الْمَعْلُومِ تُمْنَعُ أَنْ تُخَالِطَ النِّسْوَانَا مَخَافَةَ الضُّرِّ الَّذِي قَدْ كَانَا
() الآخر بكسر الخاء أي الأخير والمراد أنه يسع في العمر مرة واحدة، والآخر بالفتح يطلق على الثاني وعلى الأخير. إسماعيل) (1/329)
صفحة 330
باب معاشرة الأزواج
الجزء الثاني
329
لَا ضَرَرٌ وَلَا ضِرَارَ قَالَا نَبِيُّنَا وَقَدْ رُوِي إِرْسَالَا وَيَلْزَمُ الزَّوْجَةَ أَنْ تَتَّبِعَا حَلِيلَهَا وَلَوْ مَكَانًا شَسَعَا (1) إِلَّا إِذَا سَارَ بِلَادَ الشِّرْكِ أَوْ دَارَ فِسْقٍ وَأَتَتْنَا تَشْكِي فَإِنَّنَا نَمْنَعُهُ مِنْ حَمْلِهَا مَخَافَةَ الْجَوْرِ لِبُعْدِ أَهْلِهَا وَهَكَذَا نَخَافُ الاِفْتِتَانَا مِمَّا هُنَاكَ مِنْ ضَلَالٍ بَانَا وَهَكَذَا إِذَا نَوَى ضِرَارًا لَهَا فَلَا تَتْبَعُهُ إِنْ سَارَا لَوْ أَنَّهُ لِبَلَدٍ حَلَالِ فَالضُّرُّ مَمْنُوعٌ بِكُلِّ حَالِ وَحَيْثُمَا أَدَّى إِلَيْهَا الْوَاجِبَا طَاعَتُهُ تَكُونُ فَرْضًا وَاجِبَا وَمَا لَهَا زِيَارَةٌ لأَهْلِهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ صَادِرٍ مِنْ بَعْلِهَا فَإِنَّهَا بِذَا تَكُونُ نَاشِرًا وَإِنْ يَحِفْ (2) كَانَ الخُرُوجُ جَائِزَا وَإِنْ تَكُنْ بِإِذْنِهِ قَدْ خَرَجَتْ يَلْزَمُهُ رُجُوعُهَا إِنْ طَلَبَتْ وَإِنْ يَكُنْ بِغَيْرِ إِذْنِ رَحَلَتْ فَمَا عَلَيْهِ رَدُّهَا إِنْ أَقْبَلَتْ وَإِنْ يَكُنْ خَلَّفَهَا فِي دَارِهِ وَطَوَّلَ الْمَغِيبَ فِي أَسْفَارِهِ إِنْ خَرَجَتْ قِيلَ لَهَا الْمَؤُونَهُ وَأَنَّهُمْ بِذَاكَ يُلْزِمُونَهُ إِلَّا إِذَا كَانَ لَهَا تَقَدَّمَا عَنِ الْخُرُوجِ فَهُنَا لَنْ يُلْزَمَا
وَامْرَأَةٌ قَدْ غَزَلَتْ لِزَوْجَهَا ثَوْبًا وَكَانَ قُطْنُهُ مِنْ عِنْدِهَا
(1) شَسَعَ: أَي بَعُدَ.
(2) يحف: من الحيف وهو الْجَوْرُ. (1/330)
صفحة 331
330
الجزء الثاني
كتاب النكاح
قَالَ لَهَا ضُمِّيهِ فَهُوَ يُرْضِي فَهْوَ لَهَا إِنْ مَاتَ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالزَّوْجُ فِي مَالِ الفَتَاةِ يَعْمَلُ فَمَا لَهُ الْعَنَاءُ حِينَ يَرْحَلُ وَوَلَدٌ يَعْمَلُ فِي مَالِ الْأَبِ فَمَا لَهُ عَنْهُ عَنَّا فِي الْمَذْهَبِ وَمَنْ أَرَادَ يَرْكَبَنَّ بَحْرَا وَخَافَتِ الزَّوْجَةُ مِنْهُ ضُرَّا وَطَلَبَتْ طَلَاقَهَا أَنْ يُجْعَلَا فِي يَدِ إِنْسَانٍ إِذَا مَا طَوَّلَا كَانَ لَهَا ذَلِكَ خَوْفَ الضَّرَرِ وَالضُّرُّ مَصْرُوفٌ لَدَى الْمُعْتَبِرِ وَامْرَأَةٌ سُكْنَى لَهَا قَدْ شَرَطَتْ فِي بَلَدٍ فَحَيْثُ شَاءَتْ سَكَنَتْ فَكُلُّ ذَاكَ بَلَدٌ مَشْرُوطُ لَكِنَّهُ لَيْسَ لَهَا تَحُوطُ (1) وَقِيلَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ضَرَرُ عَلَيْهِ فَالسُّكْنَى هُنَاكَ تُحْجَرُ وَمَا لِزَوْجَةٍ صِيَامُ نَفْلِ إِلَّا بِإِذْنِهِ لِخَوْفِ الشُّغْلِ وَجَائِزٌ بِدُونِ إِذْنِ الرَّجُلِ صِيَامُ نَذْرٍ وَصِيَامُ الْبَدَلِ وَهَكَذَا كَفَّارَةٌ تَلْزَمُهَا وَالإِذْنُ فِي غَيْرِ الَّذِي يَلْزَمُهَا وَامْرَأَةٌ قَدْ نَشَرَتْ تُذَكَّرُ عُقُوبَةَ الجَبَّارِ ثُمَّ تُهْجَرُ يَهْجُرُهَا الزَّوْجُ إِذَا مَا نَامَا وَيَقْطَعَنْ فِي شَأْنِهَا الْكَلَامَا لَعَلَّهَا تَتْرُكُ لِلتَّرَفْعِ بِسَبَبِ الْهِجْرَانِ عِنْدَ الْمَصْجَعِ فَإِنْ أَبَتْ فَالضَّرْبُ كَانَ جَائِزَا حَتَّى تَقُولَ لَسْتُ يَوْمًا نَاشِزَا
(1) أي تطوف بلا حاجة. اهـ. (المصنف) (1/331)
صفحة 332
باب معاشرة الأزواج
الجزء الثاني
331
يَضْرِبُهَا ضَرْبًا يَكُونُ نَافِعَا لِدَائِهَا لَا كَاسِرًا أَوْ صَادِعَا وَلَا يُؤَثِّرَنَّ فِيهَا أَثَرَا لَيْسَ يَزُولُ كَالَّذِي قَدْ حُجِرَا فَيُمْنَعُ الكَاسِرُ وَالْمُؤَثِّرُ وَصَادِعٌ لِلْعَظْمِ حِينَ يَصْدُرُ وَهُوَ الَّذِي يُعْرَفُ بِالْمُبَرِّح وَمَا سِوَاهُ لِلنُّشُوزِ أَبِح وَقَوْلُهُ فِي الضَّرْبِ بِالْكَلَامِ وَقِيلَ بِالْمِسْوَاكِ وَالْأَقْلَامِ لَيْسَ مِنَ الصَّوَابِ فِي قَبِيلِ وَلَا دَبِيرِ غَيْرَ نَفْسِ الْقِيلِ فَفِي الْكِتَابِ ذَكَرَ التَّخْوِيفَا أَعْنِي بِهِ التَّوْعِيظَ وَالتَّعْنِيفَا وَذَكَرَ الهِجْرَانَ فِي الْمَضَاجِعِ وَبَعْدَ ذَاكَ الصَّرْبَ لِلتَّمَانُعِ وَالضَّرْبُ بِالْكَلَامِ لَا يُفَسَّرُ فِي لُغَةِ الْعُرْبِ الَّتِي تُعْتَبَرُ وَبِالسَّوَاكِ ضَرْبُهَا وَالقَلَم يَزِيدُهَا نَوْعًا مِنَ اللَّهَكُم وَقَدْ تَعَالَى الشَّرْعُ عَنْ كُلِّ عَبَتْ فَاتَّبِعِ الْأَصْلَ وَدَعْ مَا قَد حَدَثْ وَجَائِزٌ أَنْ يَهْجُرَنَّ العَاصِيَهُ لَعَلَّهَا أَنْ تَرْجِعَنْ عَلَانِيَهْ لَوْ أَنَّهَا قَامَتْ بِحَقِّ البَعْلِ لِأَنَّهَا عَصَتْ إِلَهَ الْكُلِّ لَكِنَّهُ يُؤَدِّيَنَّ الوَاجِبَا لَهَا وَإِنْ كَانَ لَهَا مُجَانِبَا وَإِنْ تَكُنْ نِسَاؤُهُ تَعَدَّدَتْ فَالْعَدْلُ بَيْنَهُنَّ لَازِمٌ ثَبَتْ يَعْدِلُ مَا اسْطَاعَ وَيَعْفُو اللهُ عَنْ غَيْرِ ذَاكَ إِنْ يَكُنْ أَتَاهُ فَالْمَيْلُ كُلَّ الْمَيْلِ حَتْمًا حُجِرَا وَهُوَ الَّذِي يُطِيقُ فِعْلَهُ الْوَرَى (1/332)
صفحة 333
332
الجزء الثاني
كتاب النكاح
يَجْعَلُهَا بِذَاكَ كَالْمُعَلَّقَهُ لَا هِيَ زَوْجَةٌ وَلَا مُطَلَّقَهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ النِّسَاءِ عَادِلَا فَشِقُهُ يَأْتِي غَدَاةٌ مَائِلَا عَلَامَةٌ لَهُ عَلَى انْحِرَافِهِ فَأَسَأَلُ الرَّحْمَنَ مِنْ أَلْطَافِهِ وَقِيلَ لَا قِسْمَةَ فِي النَّهَارِ لأَنَّهُ فِي الاشْتِغَالِ جَارِي وَقِيلَ بَلْ عَلَيْهِ يَقْسِمَنَّا لأَنَّهُ بِهِنَّ يَخْلُوَنَّا وَمَا لَهُ يُجَمِّعُ الأَيَّامَا فَيَقْعُدَنْ مَعْ هَذِهِ أَيَّامَا وَيَقْعُدَنْ مَعْ هَذِهِ كَذَاكَا إِلَّا إِذَا طُرًّا رَضِينَ ذَاكَا لَكِنَّهُ يَقْسِمُ حَسْبَ مَا وَرَدْ فِي الشَّرْعِ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا لَا يَزِدْ يَفْعَلُهَا الْمُخْتَارُ حَتَّى فِي السَّقَمْ بِمِثْلِهَا مَنْ يَقْصِدُ الْعَدْلَ قَسَمْ وَإِنْ تَكُنْ أَدَيْتَ ذَاكَ الْفَرْضَا فَجَائِزُ تُوَفِّرَنَّ الْبَعْصَا تُوَفِّرَنْها بِالْعَطَا وَالْكُسْوَةِ لَا فِي حُقُوقِهَا وَلَا فِي العِشْرَةِ لأَنَّهُ بِمَالِهِ أَوْلَى وَمَا عَلَيْهِ شَيْءٌ فَوْقَ مَا قَدْ لَزِمَا وَلَمْ يَمِلْ فِي ذَاكَ كُلَّ الْمَيْلِ فَذَا هُوَ الْأَصْلُ لِهَذَا الْقَوْلِ وَقِسْمَةُ الْجِمَاعِ لَا تَلْزَمُهُ بَيْنَهُمَا وَقِيلَ بَلْ تَلْزَمُهُ لَا يَرْجِعَنْ لِهَذِهِ إِلَّا إِذَا أَصَابَ هَذِهِ عَلَى هَذَا الحِذَا وَذَا الْمَقَالُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَغْرِبِ أَكْرِمْ بِهِمْ أَئِمَّةً فِي الْمَذْهَبِ
(1) قوله: «يفعلها» يعني القسمة. (1/333)
صفحة 334
باب النفقات
الجزء الثاني
333
وَأَوَّلُ الْقَوْلَيْنِ لِلْمَشَارِقَهُ أَسْفَارُهُمْ بِذِكْرِ ذَاكَ نَاطِقَهُ وَعَلَّلُوهُ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ لِذَاكَ دَفْعًا إِنْ يَشَا أَنْ يَمْتَنِعْ كَأَنَّهُ عِنْدَهُمُ مِمَّا عُفِي وَأَنَّهُ الْمَعَفُو عَنْهُ فَاعْرِفِ لأَنَّهُ مِمَّا تَعُمُّ الْبَلْوَى بِهِ وَفِي الْأَخْبَارِ لَمَّا يُرْوَى)
باب النفقات
وَمِنْ حُقُوقِ الزَّوْجَةِ الْإِنْفَاقُ وَمَسْكَنُ وَكِسْوَةٌ تُسَاقُ يُسْكِنُهَا مِنْ حَيْثُ مَا قَدْ سَكَنَا مِنْ وُجْدِهِ (2) لِكَيْ تَطِيبَ مَسْكَنَا وَمَالَهُ يُضَيِّقَنْ عَلَيْهَا لِيَذْهَبَنْ بِبَعْضٍ مَا لَدَيْهَا وَصِفَةُ الإِنْفَاقِ فِي حَالِ السَّعَهُ وَحَالَةِ الضّيقِ لَهَا مُوَزَّعَهُ فَلَا يُكَلِّفُ الإِلَهُ نَفْسًا فَوْقَ الَّذِي مِنْ وُسْعِهَا قَدْ أَمْسَى يَلْزَمُهُ لِذَاكَ أَنْ يَبِيعَا مِنَ الأُصُولِ إِنْ يَكُنْ مُطِيعًا وَلَا يَبِيعُ ذَاكَ لِلْمُطَلَّقَهُ وَلَا لِوَالِدٍ إِذَا مَا أَنْفَقَهُ لَكِنَّهُ يَكُونُ دَيْنًا لَازِمَا لَهَا إِلَى أَنْ يَجِدَ الدَّرَاهِمَا وَقَبْلَ أَنْ تَطْلُبَهَا لَمْ يُحْكَم بِهَا إِلَى أَنْ تَطْلُبَنَّ فَاعْلَمِ لأَنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّسَامُحَا وَيَطْلُبَنْ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُسَامِحَا
(1) لما يُرْوَى: أي لم يُرْوَ.
(2) من وسعه وطاقته أو بتقدير مضاف أي أَمْكَنَةِ وسعه. (أبو إسحاق) (1/334)
صفحة 335
334
الجزء الثاني
كتاب النكاح
وَكُلُّ مَنْ يَعْجِزُ عَنْ إِنْفَاقِ زَوْجَتِهِ يُؤْخَذُ بِالطَّلَاقِ
و
إِنْ طَلَبَتْ ذَلِكَ مِنْهُ زَوْجَتُهُ وَالحَقُّ وَاضِحُ عَلَيْهِ حُجَّتُهُ وَمَنْ لَهُ مَالٌ هُنَاكَ مُشْتَبِهْ (1) فَأَبَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ تُنْفِقَ بِهْ فَذَاكَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ يُنْفِقُ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ أَنَّهُ يُطَلِّقُ وَقِيلَ لَا إِنْ لَمْ يَكُنْ حَرَامَا مَحْضَا فَلَا يَلْزَمُهُ إِلْزَامَا وَالزَّوْجُ إِنْ قَالَ أَنَا أُعْطِيهَا قُوتًا مِنَ الطَّعَامِ مَا يَكْفِيهَا قِيلَ لَهَا فِي ذَلِكَ الْخِيَارُ وَمَا تَشَاؤُهُ وَمَا تَخْتَارُ وَامْرَأَةٌ تَعْتَلُّ تَحْتَ رَجُل عَلَيْهِ مَا يُصْلِحُهَا مِنْ عِلَلٍ وَهَكَذَا مَا لَمْ يَكُنْ بُةٌ لَهَا مِنْهُ عَلَيْهِ لَازِمٌ يُوصِلُهَا وَمَا لَهُ تَحْتَاجُ مِنْ مَؤُونَهُ أَوِ الْقِيَامِ الْكُلُّ يُوجِبُونَهُ وَاعْلَمْ بِأَنَّ النَّفَقَاتِ تَأْتِي بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ وَالْأَوْقَاتِ فَحَالَةُ الْمَعَاشِ قَدْ تَغَيَّرُ وَحَاكِمُ الدَّارِ لَهَا يَعْتَبِرُ وَمِنْ هُنَا القَاضِي يَكُونُ لِلنَّظَرْ أَشَدَّ مِنْهُ حَاجَةً إِلَى الْأَثَرْ وَوَصْفُهَا فِي سَالِفِ الْأَزْمَانِ عَلَى خِلَافِهَا بِذَا الزَّمَانِ وَهَكَذَا تَكُونُ فِي بَعْضِ الْبَلَد عَلَى خِلَافِ بَعْضِهِ إِذَا بَعْدْ فَالعَيْشُ فِي عُمَانَ وَالسَّوَاحِل (2) مُخْتَلِفُ الأَحْوَالِ وَالْمَاكِلِ
(1) قوله: «مُشْتَبَه المال المشتبه الذي يُسْتَرَابُ؛ ولم تتحقق حُرمته.
(2) قوله: «السواحل» هي في عرف عُمان زنجبار وما وَالاها. (1/335)
صفحة 336
باب النفقات
الجزء الثاني
335
وَفِي عُمَانَ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ قَدَ حَدَّدُوا لِلبْسِهَا وَالْمَأْكَلِ فَمَن تَمْرِ بِوِزَانِ نَزْوَى وَرُبْعُ صَاعِ الْحَبِّ أَيْضًا يُرْوَى فِي زَمَنِ البُرِّ يَكُونُ بُرًا وَذُرَةٌ إِنِ الزَّمَانُ حَرَّا (2) وَالصَّاعُ إِلَّا رُبُعًا مِنْ رُطَبِ وَالبُسْرُ مَنَّانِ فَلَا تَسْتَعْجِبِ مِنْ أَوْسَطِ الثَّمَارِ كُلُّ ذَاكَا فِي كُلِّ يَوْمٍ يَدْفَعَنْ كَذَاكَا وَدِرْهَمَانِ لِإِدَامِ شَهْرِ يَلْزَمُهُ أَيْضًا لِذَاتِ فَقْرِ وَزِدْ غَنِيَّةٌ هُنَاكَ دِرْهَمَا لأَنَّ أُدْمَهَا يَكُونُ أَنْعَمَا في كُلِّ جُمْعَةٍ لِغَسْلِ الرَّاسِ وَنَحْوِهِ بِزِنَةِ الْكِيَاسِ كِيَاسُ نَزْوَى (3) وَهُوَ دُهْنُ عُلِمَا وَقِيلَ لَا دُهْنَ لَهَا فَلْتَعْلَمَا وَمَا عَلَيْهِ يَوْمَ عِيدِ الْفِطْرِ صَرْبٌ (4) لَهَا تَذْخُرُهُ فِي الجَرِّ وَهَكَذَا فِي النَّحْرِ مَا عَلَيْهِ يُضَحْيَنْ بَلْ ذَلِكُمْ إِلَيْهِ وَمَا لِنَاشِزِ عَلَيْهِ نَفَقَهْ حَتَّى تَعُودَ وَتَتُوبَ مُشْفِقَهُ وَكِسْوَةُ الْمَرْأَةِ قِيلَ بِحَسَبْ حَالَتِهَا مِنَ الغِنَاءِ وَالْحَسَبْ وَقِيلَ بَلْ بِحَسَبِ الرِّجَالِ مِنْ سَعَةِ الْمَالِ وَضِيقِ الْحَالِ
(1) مَنْ نزوى تقديره بالأرطال رطلان إلا ربع رطل.
(2) قوله: «إن الزمانُ حَرَّا أي إن كان الزمانُ حَرَّا، والمراد بالحر الصيف، وهو وقت أكل الذَّرَة. اهـ. (المصنف)
(3) کياس نزوى ثمانية مثاقيل
(4) قوله: «الصرب» هو الودك، ويسمى هميسًا، وشحم القلية. اهـ. (المصنف) (1/336)
صفحة 337
336
الجزء الثاني
كتاب النكاح
وَأَوَّلُ القَوْلَيْنِ هُوَ الْأَكْثَرُ لَكِنَّنِي إِلَى الأَخِيرِ أَنْظُرُ) لأَنَّهُ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ أَقْرَبُ وَهْوَ ظَاهِرُ الصَّوَابِ وَكِسْوةُ المِثْلِ مِنَ النِّسَاءِ تُعْطَى عَلَى مَقَالِ هَؤُلَاءِ وَإِنْ تَصَالَحَا فَذَاكَ أَقْرَبُ وَإِنْ تَحَاكَمَا عَلَيْهِ تَحِبُ سِتَةٌ أَنْوَابِ بِكُلِّ عَامٍ دِرْعَانِ جِلْبَابَانِ بِالتَّمَامِ ثُمَّ الإِزَارُ وَالْخِمَارُ وَالرِّدَا عَنِ الْخِمَارِ عِوَضٌ إِنْ وُجِدَا أَمَّا إِزَارُهَا فَهُوَ الْمِثْزَرُ وَمَا عَلَيْهِ صَبْغُهُ قَدْ ذَكَرُوا وَالصَّبْغُ لِلْجِلْبَابِ وَالدِّرْعِ مَعَا فِيهِ اخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ قَدْ وَقَعَا وَالدِّرْعُ بِالْقَمِيصِ يُعْرَفَنَّا بِبَضْعَةِ السَّاقِ يُحَدَّدَنَّا وَمَا لَهَا عَلَيْهِ ذَيْلٌ تَسْحَبُهُ فَإِنْ تَشَا مِنْ مَالِهَا تُقَرِّبُهُ وَإِنَّهَا مِثَلَ جَلَابِيبِ البَلَدْ تُعْطَى وَلَا تُنْقَصُ بَلْ وَلَا تُزَدْ وَقَالَ بَعْضُ طُولُهُ سُدَاسِي سِتَّةُ أَذْرُعٍ يَكُونُ كَاسِي وَإِنَّمَا الْقَمِيصُ بِالسَّاقِ يُحَدْ لأَنَّ تَحْتَهُ الإِزَارُ مُعْتَمَدْ فَيَسْتُرُ الإِزَارُ مَا لَمْ يَصِلِ لِسَتْرِهِ القَمِيصُ مِنْ ذِي الْأَرْجُلِ وَالثَّوْبُ لِلصَّلَاةِ فِيهِ اخْتُلِفَا أَوْجَبَهُ بَعْضُ وَبَعْضُ قَدْ عَفَا
(1) قوله: «لكنني ... إلخ» ما اختاره الله هو ما تؤيده الأدلة كقوله سبحانه: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ} [الطلاق: 7] والنفقة حق متعلق بذمة الرجل للمرأة، فإذا لم يراع فيه استطاعته من ضيق وسعة كان مكلفا بما لا يُطيق، والله يقول في حق النفقة: {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ, فَلْيُنفِقْ مِمَّا وَانَهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَنَهَا} [الطلاق: 7] (أبو إسحاق) (1/337)
صفحة 338
باب النفقات
الجزء الثاني
337
وَمَا عَلَيْهِ مَنْظَفُ الصَّلَاةِ فَالْأَرْضُ مَسْجِدُ الْمُصَلِّيَاتِ
وَمَا لَهَا عِطْرٌ وَلَا وُرُوسُ إِلَّا إِذَا طَابَتْ به النُّفُوسُ وَإِنْ كَسَاهَا الزَّوْجُ دُونَ حُكْمِ فَهُوَ لَهَا فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلمِ
وَإِنْ تَمُتْ فَهْوَ مِنَ الْأَثَاثِ يُقْسَمُ بَيْنَ جُمْلَةِ الْوُرَّاتِ وَإِنْ كَسَاهَا كِسْوَةً دُونَ طَلَبْ وَرَجَعَتْ تَطْلُبُ مِنْهُ مَا وَجَبْ قِيلَ لَهَا ذَاكَ الَّذِي كَسَاهَا وَتُفْرَضَنَّ كِسْوَةٌ سِوَاهَا وَقِيلَ بَلْ يَحْسِبُهَا عَلَيْهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ عَطِيَّةً إِلَيْهَا وَكِسْوَةُ الْحُكْمِ إِذَا مَا احْتَرَقَتْ فَالْخُلْفُ فِي إِبْدَالِهَا أَوْ سُرِقَتْ فَبَعْضُهُمْ أَلْزَمَهُ أَنْ يُبْدِلَا وَبُعْضُهُم لَمْ يُلْزِمَنْهُ بَدَلَا لَكِنْ عَلَيْهِ يُبدِلَنْ مَا أَنْفَقَا عَلَيْهَا أَنْ يُسْرَقَ (2) أَوْ أَنْ يُحْرَقَا وَذَاكَ عِنْدَهُمْ بِالاِتِّفَاقِ إِنْ لَمْ تَكُنْ هِي سَبَبَ الْإِحْرَاقِ وَلَازِمٌ يَجْعَلُهَا فِي مَسْكَنِ بِمِثْلِهَا يَلِيقُ عِنْدَ الفَطِنِ لَا فِيهِ خَوْفٌ مِنْ عَدُوٌّ لَا وَلَا هُنَاكَ وَحْشَةٌ تَكُونُ مَثَلَا وَخادِمٌ يَخْدِمُهَا إِنْ كَانَتْ عَادَةُ أَهْلِهَا كَذَاكَ بَانَتْ فَإِنَّ أَخْذَهُ لَهَا وَقَدْ عَلِمْ بِذَاكَ دَاعِ لِالْتِزَامِهِ الْخَدَمْ
(1) المنظف عند أهل عُمان؛ الحصير المعمول للصلاة بقدر ما يكفي الْفَدِّ في الصلاة. (2) بنصب يسرق ويحرق على جعل أن ظرفية مصدرية بمعنى أنها ضمنت معنى الظرف على
تقدير حين أن أو وقت أن تُشرَق إلخ. (1/338)
صفحة 339
338
الجزء الثاني
كتاب النكاح
مُخْتَارَهُ
وَإِنْ يَكُنْ أَنْفَقَهَا بِحُكْمِ مَا غَزَلَتْ فَهُوَ لَهُ فِي الْحُكْمِ بِشَرْطِ أَنْ يُعْطِيَهَا القُطْنَ وَفِي قَوْلٍ بِأَنَّ غَزْلَهَا لَهَا اعْرِفِ وَإِنْ يَكُنْ وَاحِدَةً قَدْ طَلَّقَا أَوِ اثْنَتَيْنِ فَعَلَيْهِ يُنْفِقَا مَا بَقِيَتْ فِي عِدَّة التَّطْلِيقِ وَالخُلْفُ فِي الْكِسْوَةِ بِالتَّحْقِيقِ وَإِنْ يَكُ الطَّلَاقُ بَائِنَّا فَلَا يَلْزَمُهُ إِنْفَاقُهَا عِنْدَ الْمَلَا وَهَكَذَا عِنْدَهُمُ الْمُخْتَارَهُ بِحَادِثٍ صَارَتْ به وَهَكَذَا قَدْ قِيلَ فِيمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِالْفِعْلِ الَّذِي يُحَرِّمُ وَذَاتُ حَمْلٍ فَعَلَيْهِ يُنْفِقَا فِي هَذِهِ الوُجُوهِ قَوْلًا مُطْلَقَا) وَإِنْ تَكُنْ مُمِيتَةً فَأَبْعَدُ مِنْ ذَاكَ لَوْ كَانَ هُنَاكَ وَلَدُ وَبَعْضُهُمْ أَوْجَبَهُ لِلْحَامِلِ وَلَوْ مُمِيتَةً بِحُكْمِ عَادِلِ تَأْخُذُهُ مِنْ مَالِ ذَاكَ الْهَالِكِ لِأَنَّهُ مِثْلُ الصَّمَانِ الدَّارِكِ وَأَوَّلُ القَوْلَيْنِ هُوَ الأَشَهَرُ وَهْوَ الَّذِي مَضَى عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَمَا لَهَا إِنْ مَاتَ دُهْنُ تَأْخُذُ إِلَّا إِذَا أَوْصَى بِهِ فَيُنْفَذُ وَمَنْ يُفَكِّرْ فِي مَعَانِي النَّصَّ يَمْنَعُهُ إِنْ أَوْصَى أَوْ لَمْ يُوصٍ
من
(1) قوله: «وإن يكن يعني أن الزوج إذا أنفق زوجته النفقة الشرعية بالحكم، فله ما تأخذه الأجر على الغزل، وقيل بل هو لها، وإن دفع لها قُطْنَا تَغْزِلُهُ فلا عناء لها عليه، وله ما غزلته على القول الأول، وقيل بل لها العناء، والله أعلم.
(2) وفي نسخة في هذه الوجوه طرا، ونصب يُنْفِقا بأن مقدرة. (1/339)
صفحة 340
بَابُ إِلْحَاقِ الْوَلَدِ
الجزء الثاني
339
بابُ الْحَاقِ الْوَلَدِ
وَالعَقْدُ يَجْعَلُ النِّسَا فِرَاشًا لَهَ الَّذِي تَلِدُهُ مَا عَاشَا فَهْوَ لَهُ إِبْنُ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَذَاكَ حُكْمُ رَبِّهِ فَالِابْنُ لِلْفِرَاشِ فِيمَا أَخْبَرَا نَبِيُّنَا وَالزَّانِي يُعْطَى الْحَجَرَا وَإِنْ أَقَرَّتْ أَنَّهُ لِغَيْرِهِ أَوْ أَشْبَهَ الْغَيْرَ لَدَى تَصْوِيرِهِ فَكُلُّ ذَاكَ مَا بِهِ اعْتِبَارُ وَلِلْفِرَاشِ حَكَمَ الْمُخْتَارُ وَإِنْ تَكُنْ جَاءَتْ بِهِ مِنْ قَبْلِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بِتَمَّ الشَّكْلِ وَكَانَ حَيًّا فَهُوَ قَبْلَ الْعَقْدِ تَخْرُجُ مِنْهُ قِيلَ دُونِ نَقْدِ أَنَّهَا بِنَفْسِهَا غَرَّتْهُ وَهْيَ عَلَى العَمْدِ لَهَا أَوْطَتْهُ وَقِيلَ بَلْ لَهَا الصَّدَاقُ يَلْزَمُ لأَجْلِ مَا اسْتَحَلَّ مِمَّا يَحْرُمُ وَالإِبْنُ لَاحِقٌ بِهَا فَقَطٌ وَأَمْرُهُ عَنِ الْفَتَى يَنْحَطُّ وَبَعْدَ سِتَّةِ الشُّهُورِ يَلْحَقُهُ حَتَّى وَلَوْ ظَنَّ بِأَنْ لَا يَعْلَقُهُ (3) وَأَوَّلُ السِّنَّةِ مُنْذُ عَقَدَا وَبَعْضُهُمْ مُنْذُ الدُّخُولِ حَدَّدَا
(1) قوله الابن أراد به الولد مطلقًا سواء أكان ذكرًا أو أنثى، والابن هنا للتغليب ولإقامة الوزن وفي القرآن: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور: 4] ومن يرم المحصنين من الرجال فهو مثلهم. (2) قوله: «فهو قبل العقد» أَي مُتَكَوِّنٌ في رَحِمٍ أُمِّهِ. (3) قوله: «يعلقه» مرفوع على إهمال أن، أو على مذهب من يقول إنَّ لا النافية كفت عملها كقوله. ولا تَدْفِنَنِّي بِالْفَلَاةِ فَإِنَّنِي أَخَافُ إِذَا مَا مِتْ أَنْ لَا أَذُوقُهَا (1/340)
صفحة 341
340
الجزء الثاني
كتاب النكاح
وَرَجُلٌ سَافَرَ ثُمَّ رَجَعَا فَوَجَدَ البَيْتَ ذَرَارِي جَمَعَا وَقَالَتِ الزَّوْجَةٌ هَؤُلَاءِ مِنْكَ فَيُعْطَى أَوَّلَ الْأَبْنَاءِ وَذَكَرَ الإِجْمَاعَ فِيهِ الأَصْلُ وَأَنَّهُ قَالَ بِذَاكَ الْكُلُّ وَمَا بَقِي مِنْهُمْ فَفِيهِ اخْتُلِفَا أَلْحَقَهُ قَوْمٌ وَقَوْمُ قَدْ نَفَى وَكُلَّمَا قَدِ انْتَفَى عَنِ الْأَبِ فَلَاحِقٌ بِأُمِّهِ فِي النَّسَبِ وَامْرَأَةٌ لَازَمَتِ الْخَلِيلَا (1) يَلْحَقُهُ ابْنُهَا كَذَاكَ قِيلَا إِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ مِنْهُ جَرَى وَلَا كَذَاكَ مَنْ أَبَاحَتْ لِلْوَرَى فَإِنَّهَا تَكُونُ مِثْلَ الْمَزْبَلَهُ (2) كُلٌّ خَبِيثٍ فَلَهُ مُحَصِّلَهُ وَبَعْدَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهُ يُلْحَقُ لِسَنَتَيْنِ إِبْنُهَا وَيَعْلَقُ فَإِنَّهُ فِي نَادِرِ الأَحْوَالِ تُقِيمُ عَامَيْنِ عَلَى حِمَالِ وَذَاكَ إِنْ عَلَامَةَ الْحَمْلِ تَرَى وَلَا تَرَى لِلْحَيْضِ فِيهَا أَثَرَا وَإِنْ تَكُنْ قَدْ خَرَجَتْ مِنْ عِدَّتِهُ فَلَا أَرَى الْإِلْحَاقَ مِنْ قَضِيَّتِهُ لأَنَّهُ بِذَاكَ يُسْتَبَاحُ تَزْوِيجُهَا وَهُوَ لَهَا مُبَاحُ فَخَرَجَتْ عَنْ حُكْمِ ذَاكَ الرَّجُلِ فَكَيْفَ نُلْحِقَنَّهُ بِالْأَوَّلِ بَلْ مَا أُتَتْهُ بَعْدَ ذَا بِمُدَّةِ تَحْتَمِلُ الْحَمْلَ بُعَيْدَ العِدَّةِ فَهْوَ لَهَا فِيمَا أَرَاهُ لَا لَهُ عِدَّتُهَا قَدْ قَطَعَتْ حِبَالَهُ
(1) الخليل: هنا بالخاء المعجمة، وهو الذي خاللها من أجل الزني.
(2) المزبلة: الموضع الذي تحمل فيه القاذورات. (1/341)
صفحة 342
بَابُ إِلْحَاقِ الْوَلَدِ
الجزء الثاني
341
وَذَا هُوَ القَوْلُ بِهِ أُقَيِّدُ مُطْلَقَ أَقْوَالٍ هُنَاكَ تُوجَدُ وَأَمَةُ الْمَرْءِ تُصَاهِي زَوْجَتَهُ فِي الافْتِرَاشِ إِنْ تَكُنْ سِرِّيَّتَهُ وَمُدَّةُ اسْتِبْرَائِهِ لِلْأَمَةِ تَتْرُكُهَا كَعِدَّةٍ لِلْحُرَّةِ وَلَا لُحُوقَ بَعْدَ الاسْتِبْرَاءِ لِصِحَّةِ التَّزْوِيجِ وَالْإِعْطَاءِ وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ فَعِنْدَهُمْ يَلْحَقُهُ لَوْ يُنْكِرُ مَا لَمْ يُمَلِّكْ فَرْجَهَا إِنْسَانَا أَوْ يَخْرُجَنْ مِنْ مُلْكِهَا عِيَانَا وَمُدَّةُ العِدَّةِ وَالإسْتِبْرَا تَقْطَعُ حُكْمَهَا الَّذِي قَدْ مَرَّا وَلَيْسَ لِلْحُوقِ قَطُّ مُسْتَنَدْ) سِوَى الَّذِي يُعْرَفُ مِنْ حَالِ الْوَلَدْ وَمَنْ مُقَامُهُ بِبَطْنِ الأُم فَيُلْحِقُونَهُ بِهَذَا الْحُكْمِ وَهْوَ مِنَ العَادَةِ حُكْمًا مُسْتَمِدُ وَهْيَ مِنَ الظَّنِ عَلَى أَقْصَى الْأَمَدُ تُسَلِّمَنَّهَا إِذَا لَمْ يُوجَدِ مُعَارِضِ لِحُكْمِهَا الْمُؤَيَّدِ وَهَاهُنَا عَارِضَهَا مَا مَرَّا مِنْ عِدَّةِ الْحُرَّةِ وَالإِسْتِبْرَا فَنُثْبِتُ اللُّحُوقَ إِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ حُكْمُ الزَّوَاجِ بِاعْتَدَادٍ قَدْ شُرِعْ وَنَنْفِيَنَّهُ إِذَا مَا انْقَطَعَا بِذَلِكَ الْوَصْفِ الَّذِي قَدْ شُرِعًا لأَنَّهُ لِحِكْمَةٍ قَدْ صَدَرَا وَهُوَ اخْتِبَارُ الْحَالِ هَل حَمْلٌ طَرَى
(1) انظروا إلى هذا التحقيق الذي أبرزه هذا العلّامة المحقق نور الدين وشيخ المسلمين ناظم هذا السفر الجوهر الثمين في هذه الصفحة، فلقد أتى في هذا المقام بما لم يسبق إليه ولا يستطيع أن يرده من وقف عليه، ذلك الفضل من الله والله ذو الفضل العظيم، جزاه الله عنا وعن المسلمين جزاء المحسنين. (1/342)
صفحة 343
342
الجزء الثاني
كتاب النكاح
فَبِانْقِضَاءِ ذَاكَ نَعْلَمَنَّا بِأَنَّ بَطْنَهَا لَهُ مَا جَنَّا فَأَيْنَ مَوْضِعُ اللُّحُوقِ قُلْ لِي هَذَا مَقَالِي مُتَحَرِّي الْعَدْلِ فَإِنْ تَرَاهُ لِلصَّوَابِ أَهْلَا فَهْوَ مِنَ اللَّهِ الْكَرِيمِ فَضْلَا وَإِنْ يَكُنْ ذَاكَ الْمَقَالُ غَلَطَا فَأَطْلُبُ الرَحْمَنَ غُفْرَانَ الخَطَا مَا قَصْدُنَا إِلَّا اتَّبَاعَ الرُّشْدِ وَالغَيُّ مَا كَانَ أَخِي مِنْ قَصْدِي وَإِنْ أَقَرَّ رَجُلٌ بِوَلَدِ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ لَهُ قَدِ (1) لَيْسَ لَهُ مِنْ بَعْدُ أَنْ يَنْفِيَهُ وَلْيَحْذَرِ الشَّيْطَانَ أَنْ يُغْوِيَهُ وَأَمَةٌ بَيْنَ أَخِي كُفْرَانِ وَمُسْلِمٍ مُلَازِمِ الْإِيمَانِ فَوَلَدَتْ كِلَاهُمَا ادَّعَاهُ لَهَ فَذُو الْإِسْلَامِ مَا أَوْلَاهُ فَيُلْحَقَنْ بِهِ وَبَعْضُ قَدْ يَرَى بِأَنَّهُ بَيْنَهُمَا مُقَدَّرَا) وَامْرَأَةٌ كَانَ لَهَا زَوْجَانِ مُوَحّدٌ وَكَافِرُ جَحْدَانِي (3) كِلَاهُمَا يَطَأُهَا فَوَلَدَتْ فَهُوَ لِذِي الإِسْلَامِ حُكْمًا قَدْ ثَبَتْ وَذَاكَ تَقْدِيرُ) إِذَا مَا وَقَعَا عَنْ جَهْلِهَا بِأَنَّهُ قَدْ مُنِعَا وَالأَوْلِيَاءُ مُتَعَدِّدُونَا يُزَوِّجُونَهَا وَلَا يَدْرُونَا وَمَنْ لَهُ إِبْنٌ وَعَبْدٌ جَهِلَا أَيُّهُمَا سَلِيلُهُ وَأَشْكَلَا
(1) قد: بمعنى قط أو بمعنى حسب. (2) أي مقسومًا، ونصبه على الحال. (3) جَحْدَانِي: منسوب إلى الجحود. (4) قوله: «تقدير» أي مقدر.
(3) (1/343)
صفحة 344
بابُ الحَضَانة
الجزء الثاني
343
قَالَ هُمَا فِي الْحُكْمِ وَارِثَاهُ لِأَنَّمَا كِلَاهُمَا إِبْنَاهُ لِأَنَّهَا تُغَلَّبُ الحُرِّيَّة عَلَى سِوَاهَا فَافْهَمِ القَضِيَّهْ فَالعَبْدُ قَدْ يَنَالُ يَوْمًا عِتْقَا وَالحُرُّ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَقًا
بابُ الحَصَّانة (1)
وَهْيَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّرْبِيَةِ لِوَلَدٍ مِنْ ذَكَرٍ أَوِ ابْنَةِ قَدْ شُرِعَتْ لِحِفْظِ هَذَا النَّسْلِ عَنِ الهَلَاكِ لِبَقَاءِ الشَّكْلِ وَحِكْمَةُ الْبَارِي اقْتَضَتْ لِذَاكَا لَوْ شَاءَ لَمْ يُوَقِّعِ الهَلَاكَا لَكِنَّهُ قَدْ وَضَعَ الأَسْبَابَا لِيَقْضِيَ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَا فَتَارِكُ الأَسْبَابِ حَيْثُ تَجِبُ عَلَيْهِ فَهْوَ عِنْدَهُ مُعَذِّبُ وَقَائِمُ بِهَا يُنَابُ حَتْمَا وَحِكْمَةُ اللهِ أَتَمُّ حُكْمَا مِنْ هَاهُنَا رُغْبَ فِي البَنَاتِ بگونِهَا لِلْنَّارِ سَاتِرَاتِ فَمَنْ بُلِي بِهِنَّ ثُمَّ أَحْسَنَا كُنَّ لَهُ مِنْهَا حِجَابًا بَيِّنَا لَكِنَّهُ قَدْ تَخْرِقُ الحِجَابَا كَبِيرَةٌ إِلَّا إِذَا مَا تَابَا فَلَا تَقُلْ إِنَّ المَتَابَ حَاجِبُ وَهَا أَنَا اليَوْمَ إِلَيْهِ آيَبُ فَحَصَلَ الْحِجَابُ دُونَهُنَّا لِأَنَّ هَذَا قَوْلُ مَنْ تَعَنَّا (2)
(1) الحضانة
الحاء. بفتح
(2) قوله: «تعنا»، أي: تعنت، فهو اكتفاء ببعض الكلمة، أو بمعنى تكلّف لما لا ينبغي، فلا اكتفاء
فيه اهـ. (المصنف) (1/344)
صفحة 345
344
الجزء الثاني
كتاب النكاح
فَالحُجْبُ لَيْسَ بَيْنَهَا تَنَافِي وَكُلُّ مَا زَادَ فَغَيْرُ خَافِي فَاثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَهُ عَنْ وَاحِدٍ أَعْظَمُ حَتْمًا مَنْفَعَهْ إِلَهِي فَاجْعَلْ بَيْنَنِي (1) وَبَيْنهَا بُعْدًا وَحُجْبًا لَيْسَ تُحْصِيهَا النُّهَى وَالأُمُّ يَلْزَمُهَا تُرَبِّيَهْ (3) لَوْ لَمْ يَجِدْ وَالِدُهُ مُرَبِّيَة إِلَّا إِذَا شَاءَتْ فَذَاكَ يُنْدَبُ وَرِزْقُهَا عَلَى أَبِيهِ يَجِبُ إِذَا مَا عَقَلَ الْخِيَارَا نَجْعَلُهُ قَد قِيلَ حَيْثُ اخْتَارَا إِلَّا إِذَا تَزَوَّجَتْ فَإِنَّمَا أَبُوهُ أَوْلَى عِنْدَ ذَاكَ فَاعْلَمَا وَقَالَ قَومٌ أُمُّهُ أَولَى بِهِ فِي كُلِّ حَالٍ وَهْوَ مِنْ صَوَابِهِ إِنْ كَانَتِ الْأُمُّ بِهِ مَأْمُونَهُ وَأَلْزَمُوا وَالِدَهُ الْمَؤُونَهُ وَالأُمُّ مَهْمَا عُدِمَتْ فَقَدِّمَنْ جَدَّتَهُ أُمَّ أَبِيهِ تَحْضِنَنْ وَأُمُّ أُمِّهِ تُقَدَّمَنَّا عَنْ عَمَّةٍ أُخْتِ الأَبِ اعْلَمَنَّا وَقِدِّمِ العَمَّةَ قَبْلَ الْخَالَهُ وَكُلُّ عَمِّ يَسْبِقَنْ أَخْوَالَهُ وَاحْكُمْ لِأُمِّهِ إِذَا مَا طُلِّقَتْ بِأَجْرَةِ الرَّضَاعَ مَهْمَا أَنْفَقَتْ لِكُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمَانِ وَإِذَا كَانَ غَنِيًّا فَثَلَاثَةٌ لِذَا وَذاكَ فِي العَصْرِ القَدِيمِ حَيْثُمَا كَانَ رِيَالُنَا يُضَاهِي دِرْهَمَا
(1) قوله: بينني بإثبات نون الوقاية في الظرف المضاف إلى ياء النفس محافظة على الفتحة المشابهة لفتحة البناء قياسًا على إثباتها في لَدُنّي. اهـ. (المصنف) وفي نسخة بيننا وليست بصحيحة لأن
المصنف هنا في مقام الدعاء والتضرع، فلا يصح أن يأتي بصيغة التعظيم. (أبو إسحاق)
(2) وفي نسخة «تربيا». (1/345)
صفحة 346
بابُ الحَضَانة
الجزء الثاني
345
لِرَغَدِ الْعَيْشِ وَرُخْصِ السِّعْرِ وَعَكْسُ هَذَا كَانَ فِي ذَا الْعَصْرِ فَيَنْبَغِي لِحَاكِمِ الزَّمَانِ أَنْ يُمْعِنَ الْأَنْظَارَ فِي الْمَعَانِي وَذَاكَ غَيْرُ أُجْرَةِ الرَّبَاءِ (1) فَإِنَّهَا بَقَدَرِ العَنَاءِ فَإِنْ تَصَالَحَا وَإِلَّا نَظَرَا حَاكِمُهُمْ وَمَا رَأَىهُ قَدَّرَا وَثُلُثَ الإِنْفَاقِ يُعْطَى بَعْدَمَا يَكُونُ مِنْ رَضَاعِهِ قَدْ فُطِمَا حَتَّى يُوافِي خَمْسَةَ الأَشْبَارِ فَنِصْفُهَا يُعْطَى بِلَا إِنْكَارِ وَإِنْ يَكن لِسِيَّةٍ قَدْ وَافَا بثُلُثَيْهَا عِنْدَهُمْ يُوَافَى وَبِالْبُلُوغَ يَكْمُلُ الإِنْفَاقُ وَذَاكَ تَقْدِيرٌ بِمَا يُطَاقُ أَخْرَجَهُ بَعْضُ أُولِي العُقُولِ بِحَسَبِ الْوُسْعَ مِنَ الْمَعْقُولِ وَإِنْ يَكُنْ لِلطَّفْلِ مَالٌ وُجِدَا فَقِيلَ مِنْهُ يُنفَقَنَّ أَبَدًا إِنْ كَانَ ذَا أَبِ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ وَقِيلَ بَلْ عَلَى أَبِيهِ فَافْطُنِ وَبْعدَ أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ الصَّبِي فَفَرْضُهُ يَزُولُ عَنْ حُكْمِ الْأَبِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَطْلُبَ الْمَعَاشَا لِنَفْسِهِ وَزَوْجِهِ مَا عَاشَا إِلَّا البَنَاتِ فَلَهُنَّ يُنْفِقُ حَتَّى يُزَوَّجْنَ بِمَنْ يَتَّفِقُ وَإِنْ يُطَلَّقَنْ فَفِيهِ اخْتُلِفَا أَوْجَبَهَا قَومٌ وَقومُ قَدْ نَفَى وَالِابْنُ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ يَكْتَسِبُ إِنْفَاقُهُ عَلَى أَبِيهِ يَجِبُ لَوْ كَانَ وَارِنَّا لَهُ سِوَاهُ يَلْزَمُ ذَاكَ كُلُّهُ أَبَاهُ
(1) الرباء بالفتح بمعنى التربية. (1/346)
صفحة 347
346
الجزء الثاني
كتاب النكاح
وَبَعْدَ مَوْتِ الأَبِ يُجْعَلَنَا بِحَسَبِ الْمِيرَاثِ يُقْسَمَنَّا وَالْعَبْدُ إِنْ كَانَ لَهُ بَنُونَا مِنْ حُرَّةٍ مِنْ أَيْنَ يُنْفِقُونَا أُمُّهُمُ لكَوْنِهِمْ أَحْرَارًا أَوْلَى بِهِمْ تُنْفِقُهُمْ جِهَارًا وَسَيِّدُ الْعَبْدِ فَمَا عَلَيْهِ شَيْءٌ وَأَمْرُ ذَاكَ لَا إِلَيْهِ وَقِيلَ لِلأُم بَأَنْ تَسْتَعْمِلَا صَبِيَّها وَلَوْ أَبُوهُ كَفَلَا لأَنَّهُ قِيلَ لَهَا مَا لِلأَبِ مِنَ ابْنِهِ وَقِيلَ لَا فَانْتخِبِ فَإِنْ تَشَأُ تَسْتَعْمِلَنْهُ عِنْدَ مَنْ يَمْنَعُهَا يَلْزَمُهَا تَسْتَأْذِنَنْ وَيَلْزَمُ الْوَالِدَ فِي الإِعْطَاءِ عَدْلٌ إِلَى البَنَاتِ وَالْأَبْنَاءِ بِحَسَبِ الْمِيرَاثِ فِيهِمْ يَقْسِمُ عَطَاهُ وَالأُمَّ كَذَاكَ يَلْزَمُ وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهَا وَالْأَوَّلُ عِنْدِي هُوَ القَوْلُ وَهُوَ الأَعْدَلُ وَإِنْ يَكُنْ لِفَقْرِهِ أَعْطَاهُ شَيْئًا فَلَا يَلْزَمُهُ سِوَاهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ الإِيثَارًا فَلَا يُقَالُ إِنَّهُ قَدْ جَارَا وَإِنَّمَا يُمْنَعُ أَنْ يُؤَكِّرَنْ بَعْضًا عَلَى بَعْضٍ هُنَاكَ فَاعْلَمَنْ وَوَلَدٌ مَالَ أَبِيهِ يَسْرِقَنْ فَلَيْسَ لِلوَالِدِ أَنْ يُعَوَّضَنْ لأَنَّ إِبْنَهُ لَهُ قَدْ ظَلَمَا وَلَا يُبيحُ ظُلْمُهُ أَنْ يَظْلِمَا وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنْ تَسْوِيَةِ لِسَائِرِ الْوُرَّاثِ مِثْلُ الزَّوْجَةِ وَذَاكَ أَنَّ سَائِرَ الوُرَّاثِ مُخْتَلِفُو الأَحْوَالِ فِي المِيرَاتِ وَالإِرْتُ لِلأَوْلَادِ ثَابِتٌ فَمَا نَالُوهُ بِالعَدْلِ عَلَيْهِمْ قُسِمَا (1/347)
صفحة 348
بابُ الحَضَانة
الجزء الثاني
347
وَحَيْثُمَا كَانَ الزَّمَانُ دَائِرَا فَالحَقُّ لِلْوَالِدِ صَارَ آخِرَا فَيَلْزَمُ الإِبْنَ بِأَنْ يَقُومَا بِوَالِدَيْهِ وَاحِبًا مَحْتُومَا فَيُنْفِقَنْ عَلَيْهِمَا إِنْ عَجَزَا وَيَمْنَحَنَّ الْكُلَّ أَحَسَنَ الجَزَا يَبِيعُ لَوْ مِنْ مَالِهِ إِنْ لَمْ يَجِدْ سِوَى الأُصُولِ فِي مَقَالٍ قَدْ وُجِدْ كَمِثْلِ بَيْعِهِ لِإِنْفَاقِ الْوَلَدُ قَبْلَ البُلُوغِ وَهُوَ مَعْنِّى مُتَّحِدْ وَقَدْ مَضَى قَولُ بِغَيْرِ مَا ذُكِرْ وَذَا هُوَ الصَّحِيحُ (1) عِنْدِي فَاعْتَبِرْ وَقِيلَ لِلْوَالِدِ أَنْ يَنْتَزِعا مَالَ ابْنِهِ إِنْ كَانَ دَاعِ قَدْ دَعَى كَالدَّيْنِ وَالتَّزْوِيجِ وَالْحَجِّ وَمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَهُ لِيَسْلَمَا وَبَعْضُهُمْ قَدْ قَالَ بِالتَّحْرِيج فِي النَّزْعِ لِلْحَجِّ وَلِلتزويج وَبَعْضُهُمْ يَمْنَعُ ذَاكَ مُطْلَقَا فَمَا لَهُ إِلَّا الَّذِي قَدْ أَنْفَقَا)
(1) قوله: «وذا هو الصحيح» يعني القول بأنه يلزمه أن ينفق على والديه ولو ببيع شيء من أصول ماله، إذا لم تكفه غلته ولا كسبه. (2) هذا ما يدل له قوله: (كل أحق بماله حتى الوالد والولد وفي رواية البيهقي في سننه عن الجمحي: «كل أحد أحق بماله من والده وولده والناس أجمعين وقد ترك كثير من الناس في بلادنا هذا الحق الواضح فعمدوا إلى شيء يسمونه الحيازة يتوصلون بها إلى ما سماه شيخ الإسلام موسى بن أبي جابر الله باللصوصية وما أحراه بهذه التسمية، فمنعوا حقًّا شرعه الله من الإرث وغيره، واستحوزوا على مال ولدهم الميت بدعوى عدم الحيازة حتى أن بعض الأبناء يضطرون إلى الافتداء من أبيهم بمال كبير، كأنه كان مملوكًا ثم كاتب على أنه كان من مبدأ التكليف له ما كسب وعليه ما اكتسب إذ بلغ الرشد، وما يجري بين الولد والوالد في بلادنا من التسامح في التصرف في المال لا يعدو أنه مجرد تبرع وتسامح لا يُستباح بهما ما كسبه أحدهما، ولا حجة لهم في حديث: «أنت ومالك لأبيك وكم وقع من مخالفة الشريعة في هذه المسألة نعوذ بالله. (أبو إسحاق) (1/348)
صفحة 349
348
الجزء الثاني
كتاب النكاح
وَابْنُ أَبِي جَابِرِ) يَمْنَعَنَّهُ وَكَانَ بِاللِّصٌ يُسَمِّيَنْهُ وَالضُّرُّ بِالإِبْنِ حَرَامٌ أَبَدَا فَمَنْ أَجَازَ لَا يَضُرُّ الوَالِدَا وَإِنَّمَا يُجِيزُهُ عِنْدَ السَّعَهُ فَإِنْ يَكُنْ ضُرٌ هُنَاكَ مَنَعَهُ وَشَرَطُوا فِي صِحَةِ انْتِزَاعِهِ حَاجَةَ وَالِدٍ إِلَى مَتَاعِهِ وَاخْتَلَفَ المُجَوِّزُونَ إِنْ نَزَعْ مَالَ ابْنَهِ وَهْوَ مَرِيضٌ هَلْ يَقَعْ فَمَنْ يُجِزْ تَصَرُّفَ المَرِيضِ أَجَازَهُ وَالْعَكْسُ فِي النَّقِيضِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْأُمِّ بَعْضُ جَعَلَا كَالأَبِ حُكْمَهَا لَهَا أَنْ تَأْكُلَا وَهْوَ مَقَالُ لِلرَّبِيعِ يُوجَدُ وَآخَرُونَ فَرَّقُوا وَشَدَّدُوا وَالَجَدُّ مِثْلُ غَيْرِهِ فَلَيْسَ لَهُ مِن مَالِ إِبْنِ الِابْنِ حَتْمًا مَأْكَلَهُ
مَالُ
صَبِي
فَجَائِزُ يَدْفَعُهُ إِلَى الأَبِ
وَمَنْ يَكُنْ فِي يَدِهِ قَدْ قِيلَ لَوْ لَمْ يُوصَفَنْ بِالثَّقَةِ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِهِ فِي الحُجَّةِ وَإِبْنُهُ مِنْ كَسْبِهِ وَأَطْيَبُ مَا يَأْكُلُ الْإِنْسَانُ مِمَّا يَكْسِبُ وَيُعْرَفُ الْبُلوغُ فِي الصَّبِيِّ إِذَا انْتَهَى لِسِنِّهِ الْبَهِيِّ خَمْسَةَ عَشْرَ مِنْ سِنِينٍ ذُكِرَا وَبَعضُهُمْ يَقُولُ سَبْعَ عَشَرَا وَبِنَبَاتِ الشَّعَرِ الْمُعْتَادِ وَالحُلُمِ المُعَروفِ فِي الْأَوْلَادِ
(1) قوله: «وابن أبي جابر» هو شيخ المسلمين العلّامة الشهير الشيخ موسى بن أبي جابر الأزكوي أحد الثلاثة الذين حملوا العلم من البصرة عن الإمام المحدث الربيع بن حبيب
إلى عُمان
رحمهم
الله. (1/349)
صفحة 350
بابُ الرَّضَاعِ
الجزء الثاني
349
فِي نَومِهِ يَرَى الْجِمَاعَ وَالْأَثَرْ يَرَاهُ بَعْدَ النَّوْمِ فِيمَا قَدْ نَظَرْ وَالْحَيْضُ فِي الْفَتَاةِ وَالْحَمْلُ مَعَا تَكَتُبُ الثَّدْيَيْنِ مِنْهَا فَاسْمَعَا فَهَذِهِ دَلَائِلٌ مُعْتَبَرَهُ بِهَا يُعَلَّق (1) الخِطَابُ أَثَرَهُ
بابُ الرَّضَاع
وَحُرْمَةُ التَّزْوِيجِ بِالرَّضَاعِ ثَابِتَةٌ فِي صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ قَدْ ذَكَرَ الْكِتَابُ مِنْهَا طَرَفَا وَبَيَّنَ الْبَاقِي النَّبِيُّ الْمُصْطَفَى وَنَقَلَ الإِجْمَاعُ عَنْهُ مَا وَرَدْ فَهْوَ صَحِيحٌ لَيْسَ فِيهِ مَا يُرَدْ وَإِنْ يَكُنْ أَفْضَى خِلَافُ النَّظَرِ بَيْنَهُمُ فِي حُكْمِ بَعْضِ الصُّوَرِ فَذَلِكَ الْخِلَافُ لَيْسَ يَقْدَحُ فِي وَصْفِ مَا صَحَ وَمَا قَدْ صَرَّحُوا
وَصَحَ فِي الْأَخْبَارِ مِنْ قَوْلِ النَّبِي أَنَّ الرَّضَاعَ حُكْمُهُ كَالنَّسَ يُحَرِّمُ القَلِيلُ مِنْهُ مِثلَ مَا كَانَ الكَثِيرُ أَبَدًا مُحَرَّمَا (2) وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي الْحَوْلَيْنِ فَلَا رَضَاعَ بَعْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ قَبْلَهُمَا قَدْ فُصِلَا فَحُكْمُهُ كَمِثْلِ لَوْ لَمْ يُفْصَلَا
(1) قوله: «بها يُعَلِّقُ الخِطَابُ» يحتمل بناء يُعَلِّق للفاعل على سبيل المجاز، أي بهذه الدلائل الدالة على بلوغ الصبي يعلق الخطاب أحكامه وآثاره عليه، ولكن بناءه على المفعول أظهر؛ أي بهذه الدلائل يُعَلَّقُ الخِطَابُ أي التكليف على أثر البلوغ، فيكون نصبه بنزع الخافض، والله أعلم. (2) مُحَرِّما: بكسر الراء أي محرمًا للزواج. (1/350)
صفحة 351
350
الجزء الثاني
كتاب النكاح
وَذَاكَ أَنْ يَبْلُغَ جَوْفَهُ وَإِنْ أَلْقَاهُ بِالْقَيْءِ فَغَابَ وَدُفِنْ وَإِنْ يَكُنْ مِنْ بَعْدِ حَوْلَيْنِ رَضَعْ فَلَا رَضَاعَ عِنْدَهُم هُنَا يَقَعْ وَرَاضِعُ لِلَبَن مِنْ زَوْجَتِهُ فَلَيْسَ يُفْضِي حَالُهُ لِحُرْمَتِهُ إِلَّا إِذَا مَا أَرْضَعَتْهُ قَبْلَ أَنْ يُفْطَمَ هَاهُنَا عَلَيْهَا يَحْرُمَنْ وَلَبَنُ الْمَرْأَةِ لِلزَّوْجِ فَمَنْ يَرْضَعُ مِنْهَا فَهْوَ إِبْنُهُ إِذَنْ وَكَالرَّضَاعَ شُرْبُهُ الأَلْبَانَ وَالْخُلْفُ فِيمَا دَخَلَ الْآذَانَا وَلَا يُبَاعُ لَبَنُ النِّسَاءِ فِي السُّوقِ خَوْفَ شِرْكَةِ الْأَبْنَاءِ إِذْ يَجْهَلُونَ الأُمَّ مِنْ سِوَاهَا وَهَاهُنَا الْفَسَادُ قَدْ تَنَاهَى وَجَائِةٌ لِلْأُمِّ أَنْ تَبِيعَهُ إِنْ عَلِمَتْ بِذَلِكُمْ رَضِيعَهُ إِذْ هَاهُنَا الْفَسَادُ عَنْهَا ارْتَفَعَا لِصِحَةِ الْعِلْمِ بِمَنْ قَدْ رَضَعَا وَأَثْبَتَ الأَشَيَاخُ بِالإِجْمَاعِ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ بِالرَّضَاعِ مِنْ قَبْلِ تَزْوِيجِ وَلَوْ ذُمِّيَّهْ وَبَعْدَهُ فَعَدْلَةٌ تَقِيَّهُ وَبَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فَالْعَدْلَانِ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي ذَاكَ يَشْهَدَانِ وَدُونَ ذَاكَ لَا يُفَرَّقَنَّا بَيْنَهُمَا خَوْفَ اتَّهَامٍ ظُنَّا وَلِلنِّسَا غَوَائِلٌ لَا تُدْرَى وَرُبَّما صَادَفَ مِنْهَا غَيْرَى (1) (2)
(1) قوله: «غيرى» أي ذات غيرَةٍ. (المصنف)
(2) يقال امرأة غيرى إذا كانت ذات غيرة. (1/351)
صفحة 352
بابُ الرَّضَاعِ
الجزء الثاني
351
وَإِنْ يَكُنْ قَدِ انْتَفَى الرَّيْبُ فَلَا أَرُدُّ قَوْلَهَا وَإِنْ قَدْ دَخَلَا كَامْرَأَةٍ قَاصِيَةٍ قَدِ ادَّعَتْ بِأَنَّهَا بِذَلِكُمْ مَا سَمِعَتْ وَصَدَّقَتْ مَقَالَهَا الدَّلَائِلُ وَالْحَالُ شَاهِدٌ هُنَاكَ عَادِلُ وَقِيلَ فِي شَهَادَةِ الْأَحْوَالِ أَعْدَلُ مِنْ شَهَادَةِ الأَقْوَالِ وَامْرَأَةُ قَالَتْ لِزَيْدٍ أَرْضَعَتْ وَبَعْدَ ذَا عَنْ قَوْلِهَا قَدْ رَجَعَتْ فَقِيلَ فِي رُجُوعِهَا لَا يُقْبَلُ وَبَعْضُهُمْ قَالَ الرُّجُوعُ يُقْبَلُ لِأَنَّهَا قَدْ أَبْطَلَتْ مَقَالَهَا بِنَفْسِهَا حَيْثُ ادَّعَتْ ضَلَالَهَا وَمَنْ يَقُلْ بِغَيْرِهِ يَقُولُ رُجُوعُهَا لَيْسَ لَهُ مَحْصُولُ إِذْ قَوْلُهَا الْأَوَّلُ حُجَّةٌ وَمَا قَالَتْ بِهِ مِنْ بَعْدُ دَعْوَى فَافْهَمَا وَالبِكْرُ إِنْ قَالَتْ رَضَعْتُ الْوَلَدَا لَا يُقْبَلَنْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُحَدِّدَا تَقُولُ قَدْ أَرْضَعْتُه مِنِّي لَبَنْ لأَنَّ مَاءَ ثَدْيِهَا لَا يَحْرُمَنْ وَهْوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الثَّيِّبُ إِذْ مَاؤُهَا مِثْلُ حَلِيبٍ تَحْلِبُ وَقِيلَ إِنَّ لَبَنَ الْخُنْثَاءِ فِي الْحُكْمِ لَا كَلَبَنِ النِّسَاءِ لَكِنَّنِي أَقُولُ فِيهِ مُشْتَبِهُ فَيَمْنَعُ التَّزْوِيجَ عِنْدَ الْمُنْتَبِهْ وَلَا يُبِيحُ خَلْوَةً بِهِنَّا وَمِثْلُهَا إِظْهَارُ حَلْيِهِنَّا وَلَبَنُ عَنِ السَّفَاحِ قَدْ طَرَا كَلَبَنِ عَنِ النِّكَاحَ صَدَرَا وَأَمَةٌ قَدْ أَرْضَعَتْ لِلسَّيِّدِ جَمِيعَ مَا كَانَ لَهُ مِنْ وَلَدِ (1/352)
صفحة 353
352
الجزء الثاني
كتاب النكاح
فَبَيْعُهَا حَتْمًا لَهُ حَلَالُ فَإِنْ يَمُتْ فَهَاهُنَا يُحَالُ إِذْ وَرَّثُوهَا مَنْ لَهُمْ قَدْ أَرْضَعَتْ يَسْتَخْدِمُوهَا وَالبُيوعُ مُنِعَتْ فَإِنْ يَبِيعُوهَا فَقِيلَ يَبْطُلُ وَقِيلَ لَا يَبْطُلُ حِينَ فَعَلُوا وَأَشْهَرُ القَوْلَيْن هُوَ الأَوَّلُ (1) وَمَنْ مَضَى مِنَّا عَلَيْهِ عَوَّلُوا
(1) يعني أن أشهر القولين هو القول الأول وهو القول بمنع بيع الأم من الرضاع والله أعلم. (1/353)
صفحة 354
بابُ الطَّلَاقِ
الجزء الثاني
353
كتابُ الفِرَاقِ وَأَنْوَاعِهُ
يَكُونُ بِالطَّلَاقِ وَالْخِيَارِ وَالخُلْعِ وَالإِيلَاءِ وَالظُّهَارِ وَهَا أَنَا أَذْكُرُهَا جَمِيعًا مُفَصِّلًا مُوَزِّعًا تَوْزِيعَا أَقَدِّمُ السَّابِقَ ثُمَّ السَّابِقَا حَتَّى يَكُونَ وَضَعُهُ مُوَافِقَا
بابَ الطَّلَاق
أَمَّا الطَّلَاقُ فَهُوَ لَفْظُ يُوجِبُ فِرَاقَ زَوْجِهِ فَلَا يُقَرِّبُ فَنِيَّةُ الإِنْسَانِ بِالطَّلَاقِ بِغَيْرِ لَفْظُ مِنْهُ وَالْعِتَاقِ لَمْ يَثْبُتَا) فِي الْحُكْمِ حَتَّى يَقَعَا بِنِيَّةٍ قَدْ قِيلَ وَاللَّفْظُ مَعَا وَقِيلَ مَنْ بِبَالِهِ قَدْ خَطَرًا طَلَاقُ زَوْجَاتٍ لَهُ إِذْ بَطَرَا فَلَا عَلَيْهِ عِنْدَنَا طَلَاقُ وَلَا عَلَيْهِ يَجِبُ الصَّدَاقُ وَهْوَ طَلَاقُ النَّفْسِ لَا يُؤَكِّرُ إِلَّا إِذَا عَنْ قَصْدِهِ يُعَبِّرُ وَكَاتِبٌ طَلَاقَهَا فَأَسِفَا تَطْلُقُ قِيلَ إِنْ لِذَاكَ عَرَفَا وَقِيلَ بَلْ تَطْلُقُ إِذْ قَرَاهُ وَالأَصْلُ فِيهِ العَدْلُ قَدْ يَرَاهُ وَاخْتَلَفُوا فِي لَفْظِهِ الْمَحْدُودِ فَقِيلَ مَا دَلَّ عَلَى الْمَقْصُودِ الطَّلَاقَا لَوْ كَانَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْفِرَاقَا
وَقِيلَ مَا نَوَى بِهِ
(1) قوله: «لم يَثْبُتَا» يعني الطلاق والعتاق، فإنهما لا يقعان بمجرد النية من دون تلفظ بهما. (1/354)
صفحة 355
354
الجزء الثاني
كِتَابُ الفِرَاقِ وَأَنْوَاعِهُ
لَوْ قَالَ سُبْحَانَ إِلَهِي وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ فَلَهُ أَيْضًا حَوَى وَلَا أَرَاهُ مِنْ صَوَابِ الْقَولِ وَلَسْتُ أَرْضَاهُ يُرَى مِنْ قَوْلِي وَالقَائِلُونَ لَفْظُهُ مَحْدُودُ تَقْسِيمُهُ عِندَهُمُ مَوْجُودُ إِلَى صَرِيحٍ وكِنَايَةٍ قُسِمْ عِنْدَهُمْ وَلَفْظُ كُلَّ قَدْ عَلِمْ أَمَّا الصَّرِيحُ فَهُوَ لَفْظُ جُعِلَا مِنْ أَصْلِهِ لِذَاكَ وَضِعًا نُقِلاَ وَلَيْسَ يَحْتَاجُ لِقَصْدٍ فِيهِ بَلْ نُطْقُهُ عِنْدَهُمُ يَكْفِيهِ لِأَنَّهُ لِذَالِكُمْ قَدْ وُضِعَا فَقَوْلُهُ لَمْ يَنْوِهِ نَفْسُ ادعا أَمَّا الْكِنَايَاتُ إِذَا مَا شَاآ بِهَا الطَّلَاقَ جَدَّدَ النُّوَاءَ (1) فَإِنْ يَقُلْ لَمْ أَنْوِهِ يُصَدَّقُ لِأَنَّهُ الْمَأْمُونُ فِيمَا يَنْطِقُ فَإِنْ يَخُنْ فَنَفْسَهُ قَدْ خَانَا وَمَا عَلَى الزَّوْجَةِ شَيْءٌ كَانَا وَذَاكَ أَنَّ اللَّفْظَ فِي الْكِنَايَةِ مَعْنَاهُ غَيْرُ ظَاهِرِ العِبَارَةِ فَهْوَ بِهِ يُرِيدُ غَيْرَ مَا وُضِعْ لَهُ لَمِعْنًى حَاصِلٍ فِي الْمُسْتَمِعْ مِنْ هَاهُنَا سُمِّي كِنَايَاتٍ وَمَا مَعْنَاهُ إِلَّا الاسْتِتَارُ فَافْهَمَا كَحَبْلِكِ الْيَوْمَ عَلَى غَارِبِكِ وَالْحَقِي بِالْأَهْلِ مَعْ طَالِبِكِ وَهَكَذَا إِنْ قَالَ قَدْ تَرَكْتُكِ أَوْ إِنَّنِي يَا هَذِهِ خَلَّيْتُكِ وَهَكَذَا إِنْ قَالَ أَنْتِ مِنِّي بَرِيئَةٌ فَهْوَ إِذًا مُكَنِّي
(1) النوى: بالضم بمعنى القصد والنية، ومده الناظم لإقامة الوزن عملاً بقول من أجاز مد المقصور للاضطرار. (1/355)
صفحة 356
بابُ الطَّلَاقِ
الجزء الثاني
355
وَهَكَذَا اعْتَدِّي وَرَأْسَكِ اسْتُرِي عَنِّي وَقَدْ نَزَعْتُ عَنْكِ فَانْظُرِي أَمَّا الصَّرِيحُ فَهُوَ قَدْ طَلَّقْتُكِ وَاخْتَلَفُوا إِنْ قَالَ قَدْ فَارَقْتُكِ فَقِيلَ مِنْ عِبَارَةِ التَّصْرِيحِ وَكُنْيَةٍ قِيلَ عَلَى الصَّحِيحِ وَإِنَّ عُرْفَ النَّاسِ فِي ذَا الْيَوْمِ إِلَى الصَّرِيحِ يَقْرُبَنْ وَيُومِي مَنْ قَالَ طَا أَوْ طَالِ ثُمَّ تَرَكَا لِلنُّطْقِ بَالْقَافِ وَعَنْهُ أَمْسَكَا فَقِيلَ إِنَّ زَوْجَهُ لَا تَطْلُقُ حَتَّى يُتِمَّ القَافَ حِينَ يَنْطِقُ لأَنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ حَتْمَا عَلَيْهِ لَكِنْ نَفْهَمَنْهُ فَهُمَا وَإِنْ يَكُنْ شَاءَ بِهِ الطَّلَاقَا وَحَذَفَ الْقَافَ هُنَا اتَّفَاقَا) فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا قَدْ نَوَى لِأَنَّ لَفْظَهُ لِمَعْنَاهُ حَوَى وَالاخْتِصَارُ فِي الْكَلَامِ وَرَدَا وَالاكْتِفَاءُ إِسْمُهُ مُقَيَّدَا وَطَالِقٌ أَنْتَ بَفَتْحِ النَّاءِ مُخَاطِبًا لَهَا عَلَى اسْتِهْزَاءِ تَطْلُقُ مِنْهُ وَالخِطَابُ جَاآ عَلَى صُنُوفٍ تَقْتَضِي الذَّكَاآ تُخَاطِبُ الأُنْثَى بِلَفْظِ الذَّكَرِ وَعَكْسُه لِنُكْتَةٍ فِي النَّظَرِ مَنْ قَالَ أَنتِ طَالِقٌ لَا طالِقُ أَوْ زَادَ بَلْ فَهِيَ مِنْهُ طَالِقُ وَقَوْلُهُ بِذَاكَ لَيْسَ نَافِعَا مِنْ بَعْدِ مَا كَانَ الطَّلَاقُ وَاقِعَا لأَنَّهُ الإِنْشَاءُ لِلْطَّلَاقِ فَمَا رُجُوعُهُ لَهُ بِوَاقِي
(1) قوله: «اتفاقا» أي موافقة والمعنى أنه وافقه حذف القاف في عبارته. (المصنف) (1/356)
صفحة 357
356
الجزء الثاني
كِتَابُ الفِرَاقِ وَأَنْوَاعِهُ
وَلِلرُّجُوع مَنْهَجٌ مَوْجُودُ مَنْ شَاءَ فَهْوَ الْمَنْهَلُ الْمَوْرُودُ في عِدَّةٍ يَرُدُّهَا إِلَيْهِ بِحَسَبِ الْحَالِ الَّذِي عَلَيْهِ وَإِنْ يَكُنْ طَلَّقَهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَطَأَهَا فَلَا رُجُوعَ فَاعْلَمَنْ إِلَّا إِذَا مَا جَدَّدَ النِّكَاحَا فَإِنَّهَا كَغَيْرِها مُبَاحَا) وَقُسْمَ الطَّلَاقُ فِي الْأَحْكَامِ لِسُنَّةٍ وَبِدْعَةِ اللَّنَامِ فَسُنَّةٌ طَلَاقُهُ مُسْتَقْبِلَا (2) لِعِدَّةِ النِّسَاءِ حِينَ حُلَّلَا يَكُونُ فِي طُهْرٍ لَهُ مَا مَسَّا فِيهِ فَإِنْ مَسَّ حَرَامًا أَمْسَى كَذاكَ فِي الْحَيْضِ وَفِي النَّفَاسِ مِنْ قَبْلِ طُهْرِهَا وَغُسْلِ الرَّاسِ وَمَنْ يُطَلِّق فَهُوَ الْمُبْتَدِعُ (3) طَلَاقُهُ وَهُوَ عَاصٍ يَقَعُ تَوبَتُهُ بِأَنْ يُرَاجِعَنَّا حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَنَّا فَإِنْ يَشَا مِنْ بَعْدِ ذَاكَ طَلَّقَا وَوَافَقَ السُّنَّةَ يَوْمًا وَاتَّقَى وَجَائِزٌ طَلَاقُهَا فِي الْحَمْلِ بِوَضْعِهِ تَدْخُلُ تَحْتَ الحِلِّ نَفْهَمُهُ مِنْ مُقْتَضَى الْخِطَابِ إِذْ ذَكَرَ الْعِدَّةَ فِي الْكِتَابِ عِدَّةُ ذَاتِ الْحَمْلِ حَتَّى تَضَعَا فَاسْتَلْزَمَ التَّطْلِيقَ أَن يَتَّسِعَا
(1) مباحا منصوب على الحال.
(2) مستقبلا منصوب على الحال.
(3) قوله: «ومن يطلق» أي في طهر جامعها فيه أو في حال الحيض أو النفاس؛ فهو مبتدع أي واقع في البدعة، لأن الطلاق في هذه الأحوال منه باتفاق أصحابنا وإن طلاق البدعة، وهو واقع يسمى كان عاصيا في ذلك، وعند ابن تيمية وابن القيم ومن وافقهما أنه لا يقع ولا تطلق به، والله أعلم. (1/357)
صفحة 358
بابُ الطَّلَاقِ
الجزء الثاني
357
وَهْيَ
وَقَدْ تَكُونُ بِدْعَةٌ فِي النُّطْقِ وَهُوَ طَلَاقٌ بِخِلَافِ الْحَقِّ أُمُورٌ عَدُّهَا لَا يُحْصَرُ أَشْيَاخُنَا لِبَعْضِهَا قَدْ ذَكَرُوا مِنْ ذَاكَ أَنتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَإِنَّهَا تَطْلُقُ حِينَ عَاثَا تَطْلُقُ بِالثَّلَاثِ عِندَ الأَكْثَرِ وَقِيلَ بَلْ وَاحِدَةً فِي النَّظَرِ لِأَنَّمَا الثَّلَاثُ إِيقَاعٌ عَلِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِفِعْلٍ لَا الْكَلِمُ فَالْقَوْلُ لَا يَنُوبُ عَنْ أَفْعَالِ كَالضَّرْبِ لَا يَكُونُ بِالْمَقَالِ فَذِكْرُهُ الثَّلَاثَ فِي الإِنْشَاءِ عِنْدَهُمْ يَكُونُ كَالْهَبَاءِ وَهَكَذَا قَدْ جَاءَ عَنْ ثِقَاتِ مَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقُ مَرَّاتِ وَبَعْضُهُمْ يَرُدُّهُ لِلنِّيَّةِ وَاحِدَةً إِذَا خَلَا مِنْ نِيَّةِ ثُمَّ ثَلَاثُ أَكْثَرُ الطَّلَاقِ وقِيلَ ثِنْتَانِ عَلَى الإِطْلَاقِ وَذَاكَ إِنْ قَالَ لَهَا طَلَّقْتُكِ يَا هِنْدُ أَكْثَرَ الطَّلَاقِ فَاسْتَكِي فَتَطْلُقُ الثَّنْتَيْنِ فِي الْمَرْوِيِّ عَنْ قاضِي مِصْرِنَا أَبِي عَلِيَّ (1) وَكَالثَّلَاثِ حُكْمُ مَنْ طَلَّقَهَا حَاكِمُنَا بِالْعَجْزِ أَنْ يُنفِقَهَا لَيْسَ لَهُ بَكُرْهِهَا مِنْ رَجْعَةِ لَكِنْ لَهُ تَزْوِيجُهَا بِالرَّغْبَةِ مِنْ أَجْلِ ذَاكَ بِالثَّلَاثِ شُبِّهَا لَا غَيْرِهِ فَافْهَمْ وَكُنْ مُنْتَبِهَا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَدْ قَالَا وَاحِدَةً تَطْلُقُ لَا جِدَالَا
(1) هو العلّامة الكبير الشيخ الشهير موسى بن علي بن عزرة الأزكوي العالم (1/358)
صفحة 359
358
الجزء الثاني
كِتَابُ الفِرَاقِ وَأَنْوَاعِهُ
فَالْخُلْفُ لَفْظِيٌّ وَأَمَّا الْمَعْنَى مُتَّحِدٌ إِذْ لَا سِوَاهُ يُعْنَى وَذَاكَ أَنَّ حَاكِمَ الْإِسْلَامِ يَحْكُمُ بِالْعَدْلِ عَلَى الْأَنَامِ وَرَدُّهَا مُخَالِفٌ لِحُكْمِهِ مُلَازِمٌ لِضُرِّهَا وَإِثْمِهِ فَكُلَّمَا طَلَّقَهَا الْقَاضِي رَجَعْ لِرَدِّهَا الزَّوْجُ مَتَى الضُّرُّ انْقَطَعْ وَإِنْ يُطَلِّقْهَا بِعَدِّ الشَّجَرِ فَكَالثَّلَاثِ وَبِعَدٌ الْحَجَرِ وَعَدَدِ الرَّمْلِ كَذَا النُّجُومُ وَكُلُّ مَا أَفْرَادُهُ تَقُومُ لِأَنَّمَا أَفْ أَفْرَادُهُ تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْأَعدَادِ فِيمَا أَجْمَلُوا فَتَقَعُ الثَّلَاثُ قَالَ البَحْرُ) وَمَا بَقِي فَهْوَ عَلَيْهِ وِزْرُ وَفِيهِ قَوْلُ أَنَّ ذَاكَ وَاحِدَهُ كَمَا مَضَى فِي ذِكْرِ تِلْكَ الْقَاعِدَهُ وَإِنْ يَكُنْ لَيْسَ لَهُ مِنْ عَدَدِ كَمِلءِ بَيْتٍ أَوْ بِمِلْءِ الْمَسْجِدِ أَوْ مِلْءِ ثَوْجٍ أَوْ قَفِيرِ طُلِّقَتْ وَاحِدَةً إِنْ لَمْ يَكُنْ قَصْدٌ ثَبَتْ لِأَنَّهُ يَظْهَرُ فِي التَّعْظِيم مُخَالِفًا لِعَدَدِ النُّجُومِ وَإِنْ نَوَى الثَّلَاثَ قِيلَ تَطْلُقُ بِهَا وَلَكِنْ مَا عَلَيْهِ اتَّفَقُوا وَاحِدَةً إِنْ قَالَ فِي الْمَقَالَهُ مَا طَلَعَتْ وَغَرَبَتْ غَزَالَهُ
(1) البحر ابن عباس.
(3)
(2) النَّوْجُ: بالمُثَلَّثَةِ وعاء يُجْعَلُ على الحمار يُحْمَلُ فيه الأشياء، وهو يصنع من سعف النخل. والقفير هو المِكْتَل. اهـ. (المصنف) (3) الثوج بالثاء المثلثة وعاء من خوص نخلة، تحمل فيه أشياء على ظهور الحمير، والقفير: ويقال له القفيز بالزاي إناء أيضًا من الخوص يحمل فيه على رأس الإنسان مثل التمر أو الحب أو الأرز. (1/359)
صفحة 360
بابُ الطَّلَاقِ
الجزء الثاني
359
لِأَنَّمَا التَّأْبِيدُ لَنْ يُفِيدا فِيمَا عَلِمْنَا عَدَدًا مَعْدُودَا وَإِنْ يُقَدِّمْ كُلَّ مَا تَعَدَّدَا طَلَاقُهَا حَيْثُ الطُّلُوعُ وُجِدَا كَذَا الْغُرُوبُ فَافْهَمَنَّ الْمَعْنَى وَاحِدَةً وَاحِدَةً فَتَفْنَى وَآلَةُ الشَّرْطِ إِذَا مَا كَرَّرَا وَعَلَّقَ الطَّلَاقَ فِيمَا ذَكَرَا تَعَدُّدُ الطَّلَاقِ مِثلُ الشَّرْطِ كَإِنْ تَقُمْ وَإِنْ تَسِرْ لِلْخَطَّ تَطْلِيقَةٌ مِنْ قَبْلِهَا تَطْلِيقَهُ تَمْضِي اثْنَتَانِ فَافْهَم الدَّقِيقَهُ مَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَاً إِلَّا اثْنَتَيْنِ فَلَهُ مَا لَاثَا) وَهْيَ لَهَا تَطْلِيقَةٌ تُمَثَلُ وَقَوْلُهُ إِلَّا ثَلَاثًا يَبْطُلُ وَمَنْ يَكُنْ مُسْتَثْنِيَا لِلْكُلِّ لَا يَنْفَعَنَّهُ بِرَأْيِ الْكُلِّ إِلَّا إِذَا اسْتَثْنَى الْأَقَلَّ كَانَ لَهُ مَا أَخْرَجَ اسْتَنَاؤُهُ وَحَوَّلَهُ مَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مُطَلَّقَهُ فَهْوَ اثْنَتَانِ عِنْدَهُ مُعَلَّقَهُ مَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقُ يَا طَالِقُ وَاحِدَةٌ وَهُوَ مَقَالُ صَادِقُ إِلَّا إِذَا كَانَ بِذَاكَ قَدْ نَوَى زِيَادَةٌ فَالْاعْتِبَارُ بِالنُّوَى وَطَالِقٌ عَيْنَاكِ أَوْ يَدَاكِ تَطْلُقُ فِيمَا قِيلَ أَوْ أُذْنَاكِ
(1) أراد بقوله: «فله ما لاثا أي ما استثنى والمعنى إذا قال لها: أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين فإنها تطلق واحدة، وذلك على جعل الاستثنا معتبرًا، فيما إذا استثنى الأكثر، وقيل: لا إلا إذا كان مساويًا، وقيل: لا يعتبر إلا إذا استثنى الأقل كقوله: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة، وقيل: لا يَنْفَعُهُ استثناؤه إذا قدم الطلاق، وأما إذا استثنى الكُلَّ فلا يعتبر استثناؤه قولًا واحدًا، كقوله: أنت
طالق ثلاثاً إلا ثلاثًا فإنها تطلق ثلاثًا عند جميع من يَرَى أنها تطلق بذلك ثلاثا، والله أعلم. (1/360)
صفحة 361
360
الجزء الثاني
كِتَابُ الفِرَاقِ وَأَنْوَاعِهُ
وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ إِذْ لَمْ يَكُ الطَّلَاقُ ذَا أَجْزَاءِ فِي طَالِقٍ أَمْسِ اخْتِلَافُ الْعُلَمَا نَفَاهُ قَوْمٌ وَسِوَاهُمْ أَلْزَمَا لأَنَّ أَمْسِ قَدْ مَضَى لَا يُدْرَكُ طَلَاقُهُ بِذَاكَ لَيْسَ يُسْلَكُ وَالْمُثْبِتُونَ أَلْغَوُا التَّقْبِيدَا وَأَثْبَتُوا طَلَاقَهُ الْمُفِيدَا مَنْ قَالَ لِلزَّوْجَةِ طَلَّقْتُ اسْمَكِ يَا هَذِهِ وَقَدْ تَرَكْتُ حِسْمَكِ فَالاسْمُ لَا يَطْلُقُ لَكِنْ جِسْمُهَا وَذَاتُهَا دَلَّ عَلَيْهَا إِسْمُها وَطَالِقٌ لِسُنَّةِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ بِاتِّفَاقِ وَطَالِقُ أَنْتِ طَلَاقَ السُّنَّةِ تَطْلُقُ بَعْدَ طُهْرِهَا مِنْ حَيْضَةِ إِنْ كَانَ قَدْ جَامَعَهَا وَلَمْ تَحِضْ مِنْ بَعْدِ أَنْ جَامَعَهَا حَتَى رَفَضٌ وَإِنْ يَكُنْ فِي طُهْرِهَا مَا مَسَّهَا فَإِنَّهَا تَطْلُقُ حِينَ حَسَّهَا (1) وَمَنْ عَلَى الصِّبْيَانِ يَوْمًا مَرَّا وَإِبْنُهُ فِيهِمْ وَلَمَّا يَدْرَى فَقَالَ أُمُّ وَاحِدٍ مُطَلَّقَهُ تَطْلُقُ زَوْجُهُ مَقَالًا وَثْقَهُ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي قَدْ يَقَعُ طَلَاقُهُ لَهَا إِذَا مَا يُوقِعُ وَالجَدُّ وَالهَزْلُ سَواءٌ هَاهُنَا وَكَانَ بِالصَّرِيح نُطْقًا أَعْلَنَا وَمِثْلُهُ مَنْ أَيْقَظَتْهُ خِدْنَتُهُ بِذَاكَ ظَنَّ أَنَّ تِلْكَ زَوْجَتُهُ فَقَالَ أَنْت طَالِقٌ فَتَطْلُقُ زَوْجَتُهُ لِلْقَصْدِ فِيمَا يَنْطِقُ
(1) أي حين طلقها، والحَش القطع، كنَّى به عن الطلاق لكونه يقطع عصمة الزواج. (1/361)
صفحة 362
بابُ الطَّلَاقِ
الجزء الثاني
361
وَلَيْسَ كَالوَهُم وَلَا كَالْغَلَطِ فَإِنَّهُ الْمَرْفُوعُ دُونَ شَطَطِ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ أَنْتِ أَصْلَحْتِنِي فَقَالَ قَدْ طَلَقْتِ لَا غَلَطٌ عَلَيْهِ وَالَّذِي رُفِعَ عَنْ جَابِرٍ بِالنَّا مَكَانَ الطَّا وَقَعْ لَا غَلَتْ قَالَ وَتِلْكُمُ لُغَهُ لِذَلِكَ الْمَعْنَى أَتَتْ مُبَلِّغَهُ لَا أَنَّ جَابِرًا كَمَا قَدْ زَعَمَا يَسْتَطِيعُ النُّطْقَ بِالطَّا فَاعْلَمَا فَإِنْ تَشَأْ ذَاكَ فَطَالِعَنَّا كُتبَ اللُّغَاتِ فِيهِ تَعْرِفَنَّا فَإِنَّهُمْ قَالُوا بِأَنَّ التَّاءَ فِي غَلَطِ الْحِسَابِ فَرْقًا جَاءَ وَجَابِرٌ أَطْلَقَهُ مَجَازَا وَقِيلَ فِيهِ لُغَةٌ قَدْ حَازَا وَشَيْخُهُ البَحْرُ (2) إِلَى هَذَا سَبَقَ فَإِنَّهُ لَا غَلَتْ بِهَا نَطَقْ وَمِثْلُهُ قَدْ جَاءَ فِي الْمَوْجُودِ عَنْ شَيْخِهِ أَيْضًا فَتَى مَسْعُودِ فَجَابِرٌ لِشَيْخِهِ قَدْ تَبِعَا لَا زَالَ يَقْفُو إِثْرَهُ مُتَّبِعَا وَإِنْ يُطَلِّق سَاهِيًا أَوْ نَاسِيَا قِيلَ الطَّلَاقُ صَارَ مِنْهُ مَاضِيَا وَأَحْفَظُ الْخِلَافَ فِي النِّسْيَانِ وَمِثْلُهُ السَّهْوُ لَدَى الْمَعَانِي وَمِثْلُهُ الْمَجْبُورُ حَتَّى طَلَّقَا فَالْخُلْفُ طَلَاقه قَدْ أُطلقا في وَالْعَفْوَ وَاقِعُ عَنِ الْجَمِيعِ مِنَ الْإِلَهِ الْوَاحِدِ السَّمِيعِ وَفِي الطَّلَاقِ إِنْ يُعَلِّقَنَّا فَذَلِكَ التَّعْلِيقُ قَسَمَنَّا
(1) يعني جابر بن زيد الذي روى خبر لا غَلَتَ على مسلم.
(2) البحر هو ابن عباس. (1/362)
صفحة 363
362
الجزء الثاني
كِتَابُ الفِرَاقِ وَأَنْوَاعِهُ
لِغَائِبِ لَمْ يُدْرَ كَيْفَ حَالُهُ وَذَاهِبٍ مَعْدُومَةٌ أَحْوَالُهُ وَمُمْكِن يُدْرَى وَلَكِنْ يَمْنَعُ وُقُوعَهُ الشَّرْعُ فَلَيْسَ يَقَعُ وَمُمْكِن يَجُوزُ فِعْلُهُ مَعَا وَتَرْكُهُ عَلَى سَوَاءٍ شُرِعَا وَكَلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَقْسَامِ يَخُصُّهُ حُكْمٌ مِنَ الْأَحْكَامِ فَإِنْ يُعَلِّقْهُ بِفِعْلٍ جَائِزِ كَقَوْلِهِ إِنْ سِرْتِ لِلْمَجَائِز (1) (0) فَأَنْتِ مِنِّي طَالِقٌ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ مِنْهُ وَكَذَا نَظِيرُهَا وَإِنْ يُعَلِّقْهُ بِمُمْكِن مَنَعْ وُجُودَهُ الشَّرْعُ فَحَالًا قَدْ يَقَعْ كَقَوَلِ مَنْ قَالَ إِذَا لَمْ أَشْرَبِ خَمْرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَاجْتَنِبِ فَإِنَّ شُرْبَهُ لِذَاكَ حُجْرَا فَيَقَعُ الطَّلَاقُ حِينَ ذَكَرَا وَقَيْدُهُ يَلْزَمُهُ الإِلْغَاءُ إِذْ فِي اعْتِبَارِ قَيْدِهِ إِغْرَاءُ يَحْمِلُهُ عَلَى شَرَابِ الْخَمْرِ لِتَسْلَمَنْ لَهُ ذَوَاتُ الخِدْرِ وَإِنْ بِمَعْدُومٍ يُعَلِّقَنَّا فَإِنَّهَا بِالْحَالِ تَطْلُقَنَا كَقَوْلِ مَنْ قَالَ إِذَا شَرِبْتِ (2) مَا دَاخِلَ الْكَوزِ فَقَدْ طُلَّقْتِ
(1) المجائز هي مواضع الصلاة للنِّسا فِي عُرْفِنَا.
(*) قلت: وتطلق على المواضع التي تغتسل فيها النساء من الأفلاج. (إسماعيل) (2) قوله: «كقول من قال إذا شربت أقول في هذا المثال نظر، والذي يظهر لي أنها لا تطلق في هذه الصورة، فإن قال لها: إذا شربت ما في داخل هذا الكوز فماذا عليها من الطلاق إذا لم تشربه؟ وما الفرق في هذا إذا كان في الكوز ماء أو لم يكن فيه ماء؟ إذا لم تشربه فالطلاق معلق بالشراب، فإن لم تشرب فلا شيء عليها، فلعل الشيخ أراد أن يُمَثْلَ للمعدوم بما إذا قال لها إن لم تشربي الماء الذي في داخل هذا الكوز فأنت طالق ولم يكن فيه ماء فإنها تطلق من حينها على ما يظهر، وليس هذا مثل الإيلاء الذي يؤجل أربعة أشهر، لأن فعل ما علق عليه
= (1/363)
صفحة 364
بابُ الطَّلَاقِ
الجزء الثاني
363
وَلَم يَكُنْ بِالْكُوز شَيْءٌ يُشْرَبُ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ ثُمَّ تَذْهَبُ إِذْ يَقَعُ الطَّلَاقُ وَالتَّعْلِيقُ يُلْغَى فَلَا يُعَلَّقُ التَّطْلِيقُ وَمِثْلُهُ الشَّرْطُ الَّذِي لَمْ يَقْدِرِ عَلَى وُقُوعِهِ صُنُوفُ الْبَشَرِ كَإِنْ صَعَدْتِ لِلسَّمَا فَأَنْتِ طَالِقَةٌ وَالبَحْرَ إِنْ شَرِبْتِ فَالشَّرْطُ فِي هَذِي الْوُجُوهِ يُهْدَرُ لَكِنْ طَلَاقُهَا إِذًا يُعتَبَرُ وَإِنْ يَكُنْ بِغَائِبِ قَدْ قَيَّدًا فَالْخُلْفُ فِي طَلَاقِهَا قَد وُجِدًا كَقَوْلِهِ إِنْ شَاءَ جِبْرَائِيلُ فَطَالِقُ أَوْ شَاءَ مِيكَائِيلُ وَهَكَذَا إِنْ شَاءَتِ الْبَهِيمَهُ إِذْ لَمْ تَكُنْ مَشِيئَةٌ مَعْلُومَهُ فَالغَيْبُ فِيهَا أَبَدًا مَعْهُودُ وَالْخُلْفُ فِي طَلَاقِها مَوْجُودُ وَأَكْثَرُ الْمَقَالِ فِيهَا تَطْلُقُ وَبَعْضُهُمْ بِالْوَقْفِ عَنْهَا يَنْطِقُ وَمَنْ يَقُلْ إِنْ كُنْتُ مَلْعُونًا كَمَا قُلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ تَحَكُمَا فَقِيلَ غَيْبٌ أَمْرُهُ لَمْ يُدْرَى وَرَبُّهُ أَوْلَى بِذَاكَ أَمْرًا لَكِنَّنِي أَقُولُ إِنْ كَانَ مُصِرْ فِي حَالِهِ تَطْلُقُ مِنْ حِينِ ذَكَرْ لأَنَّهُ الْمَلْعُونُ حُكْمًا ظَاهِرَا أَوْ لَا فَلَا طَلَاقَ عِنْدِي صَائِرَا
الطلاق صار مستحيلا ولا ينفعها شرب ما يوضع في ذلك من الماء في ذلك الكوز من بعد لأن التعليق واقع على أمر مستحيل الوجود في تلك الحال، وهو الماء المعرف بلام العهد فلا ينصرف إلى ماء غيره، فَلْيُنْظَر في ذلك، فإنه بحث مهم جدًا، وهكذا فيما قاله في المثالين
التاليين نظر أيضا.
وهو
قوله:
كأن صعدت والبحر إن شربتِ، فينبغي أن يكون التمثيل بقوله: إن لم تصعدي إلى السماء وإن
لم تشربي ماء هذا البحر. (1/364)
صفحة 365
364
الجزء الثاني
مُطَلَّقَة
كِتَابُ الفِرَاقِ وَأَنْوَاعِهُ
وَإِنْ أَكُنْ أَنَا قَلِيلَ الْعَقْلِ فَأَنْتِ طَالِقٌ مَقَالَ النَّذْلِ فإِنَّهَا تَطْلُقُ إِذْ لَمْ يُعْطَى مِنْهُ سِوَى الْقَلِيلِ حِينَ يُعْطَى وَكَامِلُ الْعَقْلِ عَدِيمُ الْمِثْلِ وَأَكْثَرُ النَّاسِ قَلِيلُ عَقْلِ وَقَوْلُ هَذَا النَّذْلِ (1) دَلَّنَا عَلَى قِلَّةِ عَقْلِهِ بِمَا قَدْ فَعَلَا وَقَائِلٌ إِنْ مِتُ أَنْتِ طَالِقُ تَطْلُقُ فِي الْوَقْتِ رَوَاهُ الصَّادِقُ وَذَاكَ شَرْطٌ بَاطِلٌ هَبَاءُ فَمِنْ هُنَا صَحَ لَهُ الإِلِغَاءُ وَبَعْضُهُمْ لِشَرْطِهِ يَعْتَبِرُ بِمَوْتِهِ طَلَاقَهَا يُقَدِّرُ تَكُونُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَحْكَامُهَا أَحْكَامُ مَنْ قَدْ طَلَّقَهُ فَإِنْ يَكُنْ طَلَاقُهَا رَجْعِيًّا تَأْخُذُ مِنْ مِيرَاثِهِ هَنِيَّا فَهيَ كَذَاتِ رَجْعَةٍ قَدْ مَاتَا عَنْهَا فَتَعْتَدُّ لِمَا قَدْ فَانَا أَوْ بَائِنَا فَتُمْنَعُ الْمِيرَانَا وَذَاكَ إِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثَا وَبَعْضُهُمْ قَدْ أَبْطَلَ الْجَمِيعًا وَلِلطَّلَاقِ لَمْ يَرَ الْوُقُوعَا فَاعْتَبَرَ الشَّرْطَ مَعًا وَالْحَالَا فَمِنْ هُنَاكَ قَالَ مَا قَدْ قَالَا وَطَالِقٌ شِئْتِ فَتِلْكَ تَطْلُقُ إِذْ لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ بِهِ يُعَلَّقُ وَإِنْ يَقُلْ إِنْ شِئْتِ فَهْيَ إِنْ تَشَا فِي مَجْلِسِ الْقَوْلِ فَأَمْرُهَا مَشَى وَإِنْ تَقُمْ وَلَمْ تَشَا وَشَاءَتْ مِنْ بَعْدُ لَا طَلَاقَ فِيمَا جَاءَتْ
() مقال منصوب على نزع الخافض أي في مقال. (إسماعيل)
(1) «النذل»: الخسيس الدنيء. (1/365)
صفحة 366
بابُ الطَّلَاقِ
الجزء الثاني
365
وطَالِقٌ إِذَا وَلَدْتِ ذَكَرَا فَوَلَدَتْ خَلْقًا خَفِيًّا مُنْكَرَا لَمْ يُدْرَ أَهْوَ ذَكَرٌ أَمْ أُنثَى فَتِلْكَ شُبْهَةٌ عَلَيْهَا تُحْثَى طَلَاقُهَا سَلَامَةٌ لِلرَّجُل وَذَلِكَ الْحُكْمُ لِكُلِّ مُشْكِل وَطَالِقٌ فِي رَمَضَانَ تَطْلُقُ أَوَّلَ فَجْرٍ مِنْهُ حِينَ يُشْرِقُ وَقِيلَ بَلْ عِندَ دُخُولِ اللَّيلِ مِنْهُ وَذَا الْقَولُ إِلَيْهِ مَيْلِي وَالأَصْلُ مَالَ لِلْمَقَالِ الأَوَّلِ وَلَا أَرَى تَصْوِيبَهُ مِنَ الْجَلِي لِأَنَّ لَيْلَ رَمَضَانَ مِنْهُ فَالشَّهْرُ بِالْهِلَالِ نَعْرِفَتْهُ وَقِيلَ فِيمَنْ بِالطَّلَاقِ حَلَفَا أَنْ يَفْعَلَ الْيَوْمَ كَذَا وَمَا وَفَى لَا يَطَأُ الزَّوْجَةَ حَتَّى يَفْعَلَا فِي يَوْمِهِ مَا قَالَهُ مُمْتَثَلَا وَالْخُلْفُ إِنْ وَطِئَهَا فَقِيلَا تَفْسُدُ وَالبَعْضُ يَرَى التَّحْلِيلَا وَقِيلَ إِنَّهَا مِنَ الإِيلَاءِ فَهْيَ كَحُكْمِهِ عَلَى سَوَاءِ وَحَلِفُ الطَّلَاقِ نَوْعُ مَعْصِيَة فَاعِلُهُ لَيْسَ لَهُ مِنْ تَزْكِيَهْ لأَنَّهُ بِغَيْرِ رَبِّي أَقْسَمَا فَهْوَ لِغَيْرِ رَبِّهِ قَدْ عَظَمَا وَذَاكَ مِن رَكَاكَةِ الْإِيْمَانِ إِذْ أَثَرَ الْمَخْلُوقَ فِي الْأَيْمَانِ وَلَيْسَ مِن لَفْظِ الطَّلَاقِ يُبْنَى لَا مِنْ صَرِيحِهِ وَلَا الْمُكَنَّى لَكِنَّهُ نَوْعٌ مِنَ التَّعْلِيقِ إِنْ جَاءَ بِالتَّعْلِيقِ فِي التَّطْلِيقِ وَإِنْ يَكُنْ أَرْسَلَهُ كَالقَسَم بِحَرْفِهِ فَهُوَ يَمِينُ الْمُقْسِم (1/366)
صفحة 367
366
الجزء الثاني
كِتَابُ الفِرَاقِ وَأَنْوَاعِهُ
كَقَوْلِ زَيْدٍ بِطَلَاقِ هِنْدِ زَوْجَتِهِ إِنَّ كَذَا مَا عِندِي وَالْخُلْفُ فِي طَلَاقِها إِنْ حَنَثَا وَالْقَوْلُ بِالطَّلَاقِ مِمَّا أُحْدِثَا فَرْعٌ عَلَى الطَّلَاقِ بِالنِّيَّاتِ وَهْوَ مِنَ الْمَرْجُوحِ كَيْفَ يَاتِي إِذْ غَايَةُ الْيَمِينِ أَنْ تُلَزِّمَهُ كَفَّارِةَ الْحِنْثِ إِذَا مَا الْتَزَمَهُ فَكَيْفَ يَلْزَمَنَّهُ مَا حَلَفَا بِهِ وَلَمْ يَقُلْ عَلَيَّ فَاعْرِفَا أَمَّا وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ تَحْرُمُ هِنْدٌ فَقِيلَ إِنَّ هَذَا يَلْزَمُ لأَنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ وَمَا أَلْزَمَهُ خِلَافُ مَا لَمْ يُلْزِمَا فَقَوْلُهُ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَا شَهْرًا مِنَ الْعَامِ لَهُ مَعْلُومَا خِلَافُ قَوْلِهِ لَدَى الأَقْسَامِ بِالْحَجِّ بِالصَّلَاةِ بِالصَّيَامِ فَقَوْلُهُ السَّابِقُ إِلْزَامٌ وَمَا مِنْ بَعْدِهِ طُرًّا يُسَمَّى قَسَمَا ثُمَّ الطَّلَاقُ حَلٌّ مَا قَدْ كَانَا مُنْعَقِدًا فَحَلُّهُ قَدْ بَانَا فَإِنْ يَجِي مِنْ بَعْدِهِ اسْتِثْنَاءُ فَذَاكَ بَعْدَ حِلَهِ هَبَاءُ فَطَالِقٌ إِلَّا إِذَا لَمْ تَرْحَلِي عَنِّي فَأَنْتِ فِي الْمَحَلِّ الْأَوَّلِ مِنْ حِينِهَا تَطْلُقُ وَهُوَ غَيْرُ مَا مَرَّ مِنَ التَّعْلِيقِ عِنْدَ الْعُلَمَا فذَلِكَ التَّعْلِيقُ أَمْرُ أُوقِفَا عَلَى سِوَاهُ إِنْ أَتَى أَوْ صُرِفَا وَذَا رُجُوعُ الْمَرْءِ عَمَّا كَانَا فَيَدْخُلُ النُّذُورَ وَالْأَيْمَانَا لَا يَدْخُلُ النِّكَاحَ وَالطَّلَاقَا وَلَا الطَّهَارَ لَا وَلَا الْعِتَاقَا (1/367)
صفحة 368
بَابُ الْخُلْعِ
الجزء الثاني
367
كَذَاكَ لَا يَدْخُلُ فِي الإِقْرَارِ لأَنَّهُ يَكُونُ كَالإِنْكَارِ لَكِنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْمُقَرِّ بِهْ (1) كَعَشْرَةٍ مِنْ مِئَةٍ فَلْتَنْتَبِهْ لأَنَّهُ بَيَانُ مَا أَقَرًا بِهِ وَذَا خِلَافُ مَا قَدْ مَرَّا وَمَنْ أَجَازَ فِي الطَّلَاقِ اسْتِثْنَا فَقَدْ أَرَادَ مِثْلَ هَذَا الْمَعْنَى وَذَاكَ مَعْ تَعَدُّدِ الطَّلْقَاتِ يَكُونُ الاسْتِثْنَاءُ فِيهَا آتِي كَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً فَالِاسْتِثْنَاءُ حَلَّا أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ مَا يُقَيِّدُ وَهْوَ بِالِاسْتِثْنَاءِ إِسْمًا يُعْهَدُ فَاتَّحَدَ الإِسْمُ وَأَمَّا الْمَعْنَى مُخْتَلِفٌ وَقَدْ أَحَارَ الذَّهْنَا وَغَلَطُ الْأَنْهَامِ مِنْ ذَا الْبَابِ يَفُوتُ عَدُّهُ عَنِ الْحِسَابِ وَبِاخْتِلَافِ الإِصْطِلَاحِ يَقَعُ فِي الْوَهْم مَنْ يَظُنُّ أَنْ لَا يَقَعُ فَتَسْأَلُ اللهَ ثَبَاتَ الْقَدَمِ وَنَسْأَلُ الْمَنَّانَ حِفْظَ الْقَلَمِ
بابُ الْخُلُعِ
الخُلْعُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ زَوْجَتِهِ عَنْ نَفْسِهَا غُرْمًا عَلَى رَغْبَتِهِ وَهْوَ مَعَ الْفِدَاءِ وَالبُرْآنِ مُخْتَلِفَاتُ اللَّفْظِ لَا الْمَعَانِي وَلِاخْتِلَافِ الاِعْتِبَارِ اخْتَلَفَا تَعْبِيرُهُمْ وَالْقَصْدُ مِنْهَا عُرِفَا
(1) قوله: «في الْمُقرّ بِهِ أل في المقر، موصولة، أي في الذي أقر بِهِ، وذلك في الإقرار. (1/368)
صفحة 369
368
الجزء الثاني
كِتَابُ الفِرَاقِ وَأَنْوَاعِهُ
لَوْ قَعَدَا فِي مَجْلِسٍ وَاتَّفَقَا يَثْبُتُ لَوْ قَدْ غَلِطَا إِذْ نَطَقَا دَلَالَةُ الْحَالِ عَلَى الْمَعَانِي أَدَلُّ مِنْ دَلَالَةِ اللَّسَانِ وَمِثْلُهُ شِرَاؤُهَا الطَّلَاقَا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ لَهُ اتِّفَاقَا وَإِنْ يَكُنْ قَدِ اشْتَرَى أَبُوهَا طَلَاقَهَا فَالْخُلْفَ أَصْحَبُوهَا فَقِيلَ خُلْحٌ وَأُنَاسٌ قَالُوا لَيْسَ بِخُلْعِ وَهُوَ الْمَقَالُ إِلَّا إِذَا كَانَ بِأَمْرِهَا اشْتَرَى فَإِنَّهُ كَنَفْسِهَا حِينَ شَرَى وَفِيهِ قَوْلٌ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ وَإِنَّمَا الْأَوَّلُ عِنْدِي أَثْبَتُ كَذَاكَ إِنْ كَانَتْ صَبِيَّةً فَمَا يَصْنَعُهُ الْوَالِدُ كَانَ مُحْكَمَا تَزْوِيجُهُ يَمْضِي وَمَهْمَا خَالَعَا يَجْرِي (1) وَكُلُّ مَا يَكُونُ صَانِعَا وَإِنْ تَكُنْ بِنَفْسِهَا تَوَلَّتِ ذَلِكَ قِيلَ تَخْرُجَنْ بِطَلْقَةِ لأَنَّ فِعْلَهَا يُرَدُّ دُونَهُ فَذَلِكَ الصَّدَاقُ يُلْزَمُونَهُ وَقِيلَ هَذَا الْخُلْعُ مَوْقُوفٌ إِلَى بُلُوغِهَا تُتِمُّهُ أَوْ لَا فَلَا وَالْخُلْفُ فِي مُرَاهِقٍ هَلْ يَمْضِي كَبَالِغِ وَقِيلَ لَيْسَ يَمْضِي وَإِنْ تَكُنْ قَدْ دَفَعَتْهُ يَوْمَا عَنْ بُضْعِهَا (2) فَنَالَ مِنْهَا غُرْمَا
(1) «يجري» بالراء المهملة، وفي أكثر النسخ بالزاي من الإجزاء والأول أظهر. (2) «البضع» بضم الضاد؛ الجماع والمراد أنها إذا أعطته عِوَضًا من المال على أن يترك جماعها يوما أو أيامًا، فقيل: إنّ ذلك خُلع، والراجح ما صححه المصنف رحمدلله، أنه ليس بخلع إلا إذا كان لمدة أربعة أشهر فما فوقها، وامتنع عن جماعها من أجل العِوَض فإنها تبين منه قِيَاسًا على الإيلاء لاتحاد العلة، وهي الامتناع عن الجماع هكذا عندي، والله أعلم. (1/369)
صفحة 370
بَابُ الْخُلْعِ
الجزء الثاني
369
فَقِيلَ خُلْعٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِخُلْعِ هَكَذَا يَرْوُونَهُ وَيُسْتَحَبُّ الْخُلْعُ بَعْدَ الطَّهْرِ مِنْ حَيْضِهَا قَبْلَ جِمَاعِ يَجْرِي وَإِنْ يَكُنْ خَالَعَهَا فِي مَرَض (1) بِمَطْلَبِ مِنْهَا وَبِالْمَهْرِ رَضِي وَمَاتَ قِيلَ إِنَّهَا تَعْتَدُّ كَمِثْل مَنْ قَدْ طُلِّقَتْ تُعَدُّ وَقِيلَ عِدَّةُ الْوَفَاةِ تَلْزَمُ لأَنَّ ذَاكَ الْخُلْعَ لَيْسَ يَلْزَمُ وَذَاكَ مِنْ تَصَرُّفِ الْمَرِيضِ قَدْ قِيلَ بِالتَّصْحِيحِ وَالتَّمْرِيضِ كَذَاكَ إِنْ خَالَعَهَا السَّكْرَانُ أَوْ مُكْرَةٌ جَبَرَهُ السُّلْطَانُ فَفِي وُقُوعِهِ خِلَافُ الْعُلَمَا كُلٌّ بِمَا بَانَ لَهُ تَكَلَّمَا فَقَائِلُ بِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إِذْ لَمْ يَكُنْ عَنِ اخْتِيَارِ يَنْبُتُ (2) وَقَائِلٌ بِأَنَّهُ يَكُونُ إِلَّا إِذَا خَالَعَهَا الْمَجْنُونُ أَوِ الصَّبِيُّ فَهُنَاكَ يَمْتَنِعْ إِذْ سَبَبُ التَّكْلِيفِ عَنْهُمَا رُفِعْ وَحُكْمَهُ مِثْلُ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَقِيلَ فَسْخُ لِلنِّكَاحِ الْبَائِنِ وَهُوَ مَقَالُ لِفَتَى عَبَّاسِ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ النَّبْرَاسِ لَوْ كَانَ قَدْ خَالَعَهَا مِرَارًا يَجُوزُ فِي قَوْلِهِمَا جِهَارًا
(1) قوله: «في مَرَض» أي وهو مريض، ولكن كان بمطلب منها، فالظاهر أن الخلع صحيح؛ لأن التصرف في المهر إنما كان منها، وهي صحيحة جائزة التصرف، أما إذا كانت المريضة ها على أن يُطَلِّقها فها هنا يكون الطلاق واقعًا، ويبقى المهر عليه؛ لأنها ممنوعة
فخالَعَتْه
بمهره
هي
التصرف إذا كان ذلك منها في مرض مانع من التصرف، وهل هو يرثها أم هو طلاق بائن،
أحسب أن فيه اختلافًا، والله أعلم.
(2) «ينبت»: بالنون أي يحدث، مأخوذ من نبت الزرع، وهو ظهور بعد عدم. (1/370)
صفحة 371
370
الجزء الثاني
كِتَابُ الفِرَاقِ وَأَنْوَاعِهُ
وَبِالثَّلَاثِ لَا يُقَيَّدَنَّا عِنْدَهُمُ كَمَنْ يُطَلِّقَنَّا وَكُلُّ مَنْ يَجْعَلُهُ طَلَاقَا فَبِالثَّلَاثِ قَيَّدَ الإِطْلَاقَا وَاللَّهُ رَبِّي ذَكَرَ الْفِدَاءَ فِي آيَةِ الطَّلَاقِ نَصَّا جَاءَ وَهُوَ دَلِيلُ أَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ مُسْتَنْبَطًا مِنْ مُحْكَم التَّنْزِيلِ وَالمُتَأَخِّرُون صَحَحُوهُ وَاعْتَمَدُوهُ حِينَ رَبَّحُوهُ بَنَوْا عَلَيْهِ أَكْثَرَ الفَتَاوِي وَجَعَلُوهُ لِلْفُرُوعِ حَاوِي وَسَكَتُوا عَنِ الْمَقَالِ الْأَوَّلِ وَهْوَ مِنَ الصِّحَّةِ أَعْلَى مَنْزِلِ (1) وَالبَحْرُ مِثْلُ إِسْمِهِ قَدْ جَمَعَا عِلْمًا وَجَابِرٌ لِذَاكَ قَدْ وَعَى مَا حَالَةُ الْأَنْهَامِ مَعْ أَنْهَامِهِمْ لَا يَبْلُغُ العَقْلُ إِلَى مَرَامِهِمْ وَالفَرْقُ بَيْنَ الفَسْحَ وَالطَّلَاقِ يَعْرِفُهُ مَنْ لِلْمَعَالِي رَاقِي فَالْفَسْخُ إِخْرَاجُ كَأَنْ لَمْ يَكُنِ وَذَا الطَّلَاقُ حَلٌّ ذَا الْمُعَيَّنِ تَبْقَى بَقِيَّةٌ مَعَ الطَّلَاقِ تَابِعَةً لِزَوْجِهَا الْمِطْلَاقِ) وَلَا كَذَاكَ عِنْدَ هَذَا الفَسْحَ فَحَالَةُ الفَسْحَ كَحَالِ النَّسْخِ وَمَا لِزَوْجِهَا إِلَيْهَا مَرْجِعُ كُرْهًا عَلَى القَوْلَيْنِ حِينَ يَخْلَعُ
(1) وَسَكَتُوا»: أي سَكَتُوا عن القول بأن الخُلْعَ فَسْخُ. «فائدة»: يظهر ثمرة الخلاف في الخُلْع أهو فشخ أو طَلَاقُ فيما إذا خالعها ثلاث مرات فعلى القول بأنه فسخ فله أن يتزوجها تزْوِيجًا جديدًا، وعلى القول بأنه طلاق فليس له ذلك حتى
تنكح زوجا غيره. (2) «المطلاق»: الرجل غير الحازم. (1/371)
صفحة 372
بَابُ الْخُلْعِ
الجزء الثاني
371
وَإِنْ يَكُنْ عَنْ إِذْنِهَا) يُخْتَلَفُ فِيهِ وَعِنْدِي لِلرُّجُوعِ ضَعْفُ وَمَنْهَجُ التَّجْدِيدِ عِنْدِي أَسْلَمُ إِنْ شَاءَهَا وَهْوَ السَّبِيلُ الْأَقْوَمُ لأَنَّهُ إِنْ كَانَ فَسْخًا فَهُوَ فِي أَوْجِ مِنَ الظُّهُورِ غَيرُ مُخْتَفِي وَإِنْ يَكُنْ مِنَ الطَّلَاقِ فَهْوَ مِنْ طَلَاقِهَا الْبَائِنِ حَتْمًا فَاسْتَبِنْ وَإِنَّهَا بِنَفْسِهَا لأَمْلَكُ فَلَيْسَ لِلرَّجْعَةِ ثَمَّ مَسْلَكُ وَالْخُلْعُ يَعْقُبُ الطَّلَاقَ الرَّجْعِي وَلَا يَجِي الطَّلَاقُ بَعْدَ الْخُلْعِ لأَنَّ فِي الرَّجْعِيٌّ مِنْ طَلَاقِهِ بَقَاءَ الِاعْتِدَادِ فِي وَثَاقِهِ لِذَاكَ إِنْ خَالَعَهَا يُقَالُ أَخْذُ الْفِدَا مِنهَا لَهُ حَلَالُ وَإِنْ يَكُنْ طَلَّقَهَا وَسَتَرَا وَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ بِمَا قَد أَمْهَرَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الْمَهْرَا لأَنَّهُ خَادَعَهَا وَغَرًا وَمَالُهَا مِنْ غَيْرِ طِيبِ الْأَنفُسِ لَيْسَ يَطِيبُ كَيْفَ بِالتَّدَلُّسِ لَا يَجِبُ الإِنْفَاقُ لِلْمُخْتَلِعَهُ إِلَّا لِحَامِلٍ إِلَى أَنْ تَضَعَهُ وَلَا لَهَا إِرْثُ إِذَا مَا مَاتَا وَإِرْتُهُ مِنْهَا كَذَاكَ فَاتَا وَلَا يَجُوزُ الأَخْذُ لِلصَّدَاقِ مِنْ زَوْجَةٍ قَالُوا عَلَى شِقَاقٍ ذَاكَ أَخْذُهُ بُهْتَانُ جَاءَ بِهِ عَنْ رَبِّنَا الْبَيَانُ
(1) قوله: «وإن يكن عن إذنها اعلم أن القول بأن له مراجعة المختلعة بإذنها دون إذن وَلِيّها كان مُعْتَمَدَ المتأخّرين من علماء عُمان، ولكن العمل في زماننا على القول بتجديد النكاح؛ لأنه
أصح وأسْلَمُ كما أشار إليه الناظم رحمدلله. اهـ. (1/372)
صفحة 373
372
الجزء الثاني
لَكِنْ إِذَا كَانَتْ
هيَ
كِتَابُ الفِرَاقِ وَأَنْوَاعِهُ
الْمُشَاقِقَهُ فَأَخْذُهُ حِلٌّ مِنَ الْمُنَافِقَهُ
وَإِنْ تَكُنْ خَافَتْ مِنَ الْعِصْيَانِ فِيهِ لِرَبِّ الْعِزَّةِ الدَّيَّانِ
في
فَإِنَّهَا تَسْلَمُ مِنْ أَنْ تَأْثَمَا كَذَاكَ الْقُرْآنِ رَبِّي حَكَمَا وَذَاكَ خَوْفُهَا بِأَنْ لَا تَقْدِرَا عَلَى الْقِيَامِ بِالْحُدُودِ فَانْظُرَا وَامْرَأَةٌ مِنْ زَوْجِهَا تَخْتَلِعُ مِنَ الأَذَى وَمَا بِهَا يُضَيِّعُ يَلْزَمُهُ رَدُّ الَّذِي قَدْ عَيَّنَهُ إِذَا أَقَامَتْ بِأَذَاهُ الْبَيِّنَهُ وَخُلْعُهَا مَاضٍ وَهِيَّ أَمْلَكُ بِنَفْسِهَا وَرَدَّهَا لَا يُدْرِكُ (1) كَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا مَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا لَأَجْلِ مَا قَدْ جُوِّعَتْ وَإِنْ تَكُنْ تَبَرَّأَتْ لأَجْلِ جِمَاعِهِ فَاحْكُمْ لَهُ بِالْحِلِّ لأَنَّهَا حَرْثٌ لَهُ وَيَأْتِي لِحَرْثِهِ إِنْ شَاءَ أَيَّ وَقْتِ إِلَّا إِذَا مَا قَصَدَ الصِّرَارًا فَقَاصِدُ الصِّرَارِ مِمَّنْ بَارَا وَإِنْ يَكُنْ قَدْ بَانَ مِنْهُ ضَرَرُ بِهَا فَخُلْعُهَا هُنَاكَ يُحْجَرُ يُخَفِّفَنْ عَنْهَا وَيَدْفَعُ الضَّرَرْ لَا ضُرَّ فِي الإِسْلَامِ جَاءَ فِي الْخَبَرْ وَفِدْيَةَ الْمَرْأَةِ بَعْضُ مَنَعَا لَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَذًى قَدْ وَقَعَا وَهْوَ خِلافُ ظَاهِرِ الْكِتَابِ كَذَا خِلَافُ سُنَّةِ الأَوَّاب
(1) قوله: «وَرَدّها لا يُدْرِك» أي لا يملك مراجعتها. (1/373)
صفحة 374
باب الخيار
الجزء الثاني
373
النُّقُولُ
فَإِنَّهُ صَحَ عَنِ المُخْتَارِ ذَلِكَ فِي صَحَائِحِ الْأَخْبَارِ وَبَعْضُهُمْ أَجَازَهَا وَقَدَّرَا ذَلِكَ بِالصَّدَاقِ لَيْسَ أَكْثَرَا وَبَعْضُهُمْ أَجَازَ فَوْقَ الْمَهْرِ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ دُونَ نُكْر وَالْمَانِعُونَ لَهُمُ التَّأْوِيلُ لِخَبَرِ جَاءَتْ به وَالْخُلْعُ إِنْ كَانَ عَلَى حَرَامِ كَانَ لَهُ شَرْوَاهُ) فِي الْأَحْكَامِ وَقِيلَ فِيمَنْ خَالَعَ الْحَلِيلَهُ شَرْطًا عَلَى أَنْ تَرْزُقَ السَّلِيلَهُ إِنَّ لَهَا النَّقْضَ بِلَا اخْتِلَافِ وَلَا لَهُ نَقْضٌ عَنِ الْأَسْلَافِ لأَنَّهُ الْمَجْهُولُ فِي الْأَحْكَامِ وَلَوْ أَتَى بِعَدَدِ الْأَيَّامِ
باب الخيار
ثُمَّ الْخِيَارُ مِنْهُ مَا يَكُونُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَلَهُ فُنُونُ وَقَدْ مَضَى بَيَانُهُ فِيمَا مَضَى فِيمَا عَلَى العَقْدِ الصَّحِيحَ عَرَضَا وَمِنْهُ مَا يَكُونُ عَنْ قَصْدٍ إِلَى تَخْيِيرِهَا وَهُوَ الَّذِي قَدْ نَزَلَا فِي آيَةِ الْأَحْزَابِ رَبِّي أَمَرَا مُحَمَّدًا نِسَاءَهُ يُخَيْرَا فَاخْتَرْنَهُ وَكَانَ ذَاكَ شَرَفَا لَهُنَّ حَيْثُ لَمْ يُرِدْنَ الْأَضْعَفَا
(1) «الشَّرْوى» في اصطلاح أهل عُمان هو بمعنى المثل، يقول: هذا الشيء شروى كذا أي مثله. (1/374)
صفحة 375
374
الجزء الثاني
كِتَابُ الفِرَاقِ وَأَنْوَاعِهُ
فَاللَّهَ وَالرَّسُولَ وَالأُخْرَى مَعَا آثَرْنَ حَيْثُ قَدْ تَرَكْنَ الطَّمَعًا وَمَنْ لَهُ سَابِقُ حَظِّ أَدْرَكَهُ فَضْلًا وَذَاكَ أَنْ يُصِيبَ مَسْلَكَهُ وَمَنْ يُجَاهِدْ فِي الإِلَهِ وُفِّقَا إِلَى رِضَاهُ وَارْتَقَى حَيْثُ ارْتَقَى يَا نِعْمَةَ الْعَيْنِ لِمَنْ يُوَفَّقُ لِذَاكَ وَاللَّهُ هُوَ الْمُوَفِّقُ وَذَاكَ أَنَّ الزَّوْجَ يَجْعَلَنَّا لَهَا الْخِيَارَ كَيْفَ تَنْظُرَنَّا تَخْتَارُهُ أَوْ نَفْسَهَا فَإِنْ تَكُنْ تَخْتَارُهُ تَبْقَى عَلَى حَالٍ زُكِنْ (1) وَذَاكَ حَالُهَا الَّذِي تَقَدَّمَا لأَنَّهُ عَنْ حُكْمِهِ لَنْ يُصْرَمَا وَإِنْ تَكُنْ لِنَفْسِهَا تَخْتَارُ تَخْرُجُ مِنْهُ وَهُوَ الْخِيَارُ تَكُونُ بَائِنَّا وَقِيلَ رَجْعِي وَإِنَّنَي أَرَاهُ شِبْهَ الْخُلْعِ
(2)
أَرَاهُ فَسْخًا لِلنِّكَاحِ حَيْثُمَا حَكَمَهَا فِي فَسْخِهِ وَالْتَزَمَا وَهْوَ شَبِيهُ غَيْرِ الصَّبِيَّةِ مَعْنَاهُمَا مُتَّفِقُ القَضِيَّةِ فَيُشْبِهُ الْخُلْعَ بِحَيْثُ جَعَلَا ذَلِكَ لِاخْتِيَارِهَا أَنْ تَفْعَلَا لَكِنَّهُ بِغَيْرِ مَا فِدَاءِ وَيُشْبِهُ التَّغْيِيرَ لِلنِّسَاءِ بِحَيْثُ نَالَتِ الْخِيَارَ بَعْدَمَا كَانَ عَلَيْهَا بَابُهُ مُعْتَجِمَا وَذَاكَ أَنْ تَقُولَ تِلْكَ الْغِيدُ (3) إِخْتَرْتُ نَفْسِي لَا لَهُ أُرِيدُ
(1) أي عُلِمْ.
(2) قوله: «أراه فسخًا أقول: هو الصحيح الذي يؤيده النقل والعقل. (3) «الغيد»: المرأة الحسناء. (1/375)
صفحة 376
بابُ الظُّهَارِ
الجزء الثاني
375
باب الظهار
وَجَعْلُ ظَهْرِ زَوْجِهِ عَلَيْهِ كَظَهْرٍ أُمِّهِ كَذَاكَ اخْتَيْهِ هُوَ الظَّهَارُ وَهُوَ تَعْبِيرٌ وَرَدْ عَنْ شِدَّةِ التَّحْرِيمِ حِينَ مَا نَقَدْ وَمَوْضِعُ الرُّكُوبِ فِي الْبَهَائِمِ ظَهُورُهَا فَكَانَ ذَا كَالْلَازِمِ فَالظَّهْرُ قَدْ كَنَّى بِهِ عَنْ غَيْرِهِ كَيْ لَا يَكُونَ الْقُبْحُ فِي تَعْبِيرِهِ فَكُلُّ مَا أَوْرَثَ هَذَا الْمَعْنَى فَهْوَ ظِهَارٌ إِنْ يَكُن قَدْ يُعْنَى مِنْ ظَهْرِ عَمَّةٍ وَظَهْرِ جَدَّةٍ وَنَحْوُهُ كُلُّ طَوِيلِ الْحُرْمَةِ وَمِثْلُهُ إِنْ قَالَ مَهْمَا جِئْتُكِ أَكُونُ آتِيَا لأُمِّي فَاتْرُكِي بَلْ هَذِهِ أَصْرَحُ فِي التَّقْبِيحِ فَهيَ مَعَ الظَّهَارِ كَالصَّرِيحِ وَأَصْلُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الأَوَلَ وَوَصْفُهُ بِالنُّورِ فِي الذِّكْرِ نَزَلْ فَيَلْزَمُ الْمُؤْمِنَ تَرْكُ النُّورِ وَيَتَدَارَكَنَّ بِالتَّكْفِيرِ مِنْ لُطْفِهِ سُبْحَانَهُ أَنْ جَعَلَا كَفَّارَةً وَأَمَدًا مُؤَجَّلَا أَجَلَهُ مِنَ الشَّهُورِ أَرْبَعَهُ لَعَلَّهُ يَدَّكِرَنَّ مَرْبَعَهُ (1) فَإِنْ مَضَتْ وَلَمْ يُكَفِّرَنَّا بَانَتْ بِذَاكَ عَنْهُ فَاسْمَعَنَّا وَصَارَ وَاحِدًا مِنَ الْخُطَّابِ فِي أَخْذِهَا إِنْ كَانَ غَيْرَ آبِي
(1) المربع المنزل، وأصله المنزل الذي ينزل فيه وقت الربيع، وقد كنى به هنا عن المرأة التي
ظاهر منها. (1/376)
صفحة 377
376
الجزء الثاني
كِتَابُ الفِرَاقِ وَأَنْوَاعِهُ
وَإِنْ يَكُنْ قَبْلَ مُضِيّ الأَجَلِ كَفَّرَ عَادَ فِي الْمَحَلِّ الْأَوَّلِ وَمَا لَهُ مِنْ قَبْل أَنْ يُكَفِّرَا يَطَأُهَا فَتَحْرُمَنْ إِذَا جَرَى وَذَلِكَ الْمَرُّ الَّذِي قَدْ ذَكَرَا فِي مُحْكَمِ الْكِتَابِ حِينَ فَسَّرَا وَمَسُّهَا فِي سَائِرِ الْجَنْبِ فَلَا بَأْسَ بِهِ فَإِنَّهُ قَدْ حُلِّلَا وَلَا يَمَرُّ الْفَرْجَ مِنْهَا وَيَرَى بَعْضُ بِأَنَّ مَسَّهُ لَمْ يُحْجَرَا وَأَنَّهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَمَنْ قَدْ طُلِّقَتْ رَجْعِيَّةٌ لِمَنْ فَطِنْ فَوَقْتُهُ الَّذِي لَهُ قَدْ أُنْظِرَا يَكُونُ عِدَّةً لَهَا مُقَدَّرَا مِنْ هَاهُنَا لَيْسَ عَلَيْهَا بَعْدَهُ مِنْ أَجَلٍ يَلْزَمُ أَنْ تَعْتَدَّهُ كَذَاكَ أَيْضًا أَجَلُ الإِيلَاءِ فَالحُكْمُ فِيهِمَا عَلَى سَوَاءِ وَأَجَلُ الظَّهَارِ فِي الإِمَاءِ مِثْلُ الْحَرَائِرِ مِنَ النِّسَاءِ لأَنَّهَا زَوْجَتُهُ حَتْمًا وَلَا ظهار فِي سُرِّيَّةٍ قَدْ جُعِلَا لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ فِي قَدْ سَمِع يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ رُفِعْ فَأَفَهَمَ التَّخْصِيصَ بِالْحَرَائِرِ وَمَا الإِمَاءُ مِثْلَهَا فِي الظَّاهِرِ إِذْ لَمْ تَكُنْ تُسَمَّى بِالنِّسَاءِ مَعَ الإِضافةِ لِهَؤُلَاءِ فَإِنْ أُضِيفَتِ النِّسَا إِلَيْنَا أَزْوَاجُنَا يُرَادُ دُونَهُنَّا مِنْ هَاهُنَا الزَّوْجَةُ لَوْ كَانَتْ أَمَهُ تَدْخُلُ فِي أَحْكَامِهَا الْمُقَدَّمَهُ وَالْحُكْمُ فِي الإِيلَاءِ كَالظَّهَارِ لَا يُوجَدُ الإِيلَاءُ فِي السَّرَارِي (1/377)
صفحة 378
بابُ الظُّهَارِ
الجزء الثاني
377
لأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ ذَكَرَهُ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ فِي البَقَرَة (1) فَذَا الدَّلِيلُ عَيْنُ مَا تَقَدَّمَا يَفْهَمُهُ مَنْ لِلْمَعَانِي أَحْكَمَا وَحَيْثُ شَارَكَ الظَّهَارُ الإِيلَا فِي هَذِهِ وَمَا حَوَى التَّأْجِيلَا وَمَا حَوَى أَيْضًا مِنَ الْخِطَابِ لَمْ يَفْرِزُوهُمَا لَدَى الأَبْوَابِ فَجَعَلُوا الْبَابَيْنِ فِي تَرْجَمَةِ وَإِنَّمَا أَفْرَدْتُهُ لِنُكْتَةِ فَذَاكَ بَابٌ مُفْرَدٌ وَهَذَا بَابٌ فَبَانَ جَعْلُهُ أَفْلَاذَا (2) مَعْ أَنَّهُ فِي أَكْثَرِ الأَحَوَالِ لَا يَتَشَارَكَانِ فِي أَحْوَالِ يَفْهَمُ ذَاكَ كُلُّ مَنْ أَتْقَنَ مَا حَوَى مِنَ الْبَابَيْنِ عِلْمًا فَافْهَمَا وَمَنْ يَقُلْ كَأُمِّهِ فِي الْمَنْزِلَهُ فَلَا ظِهَارَ عِنْدَنَا فِي الْمَسْأَلَهُ لأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ التَّحْرِيمَا بِهِ وَلَكِنْ قَصَدَ التَّكْرِيمَا وَهُوَ مَقَالٌ مُخْطِرٌ وَالْأَسْلَمُ سِوَاهُ فِيمَا يَسَعُ التَّكَلُّمُ ظِهَارُ ذَاتِ الزَّوْجِ مِنْ حَلِيلِهَا يُلْزِمُهَا كَفَّارَةٌ فِي قِيلِهَا لَكِنَّهَا لَيْسَ عَلَيْهَا وَقْتُ وَوَطْيُهُ لَهَا فَلَا يَنْبَتُ وَإِنَّمَا تَلْزَمُهَا الْكَفَّارَهُ لأَجْلِ ذَاكَ النُّورِ فِي الْعِبَارَة فَقَوْلُهَا أَنْتَ عَلَيَّ كَأَبِي كَقْوِلِهِ كَأُمَّهِ فِي الْكَذِبِ وَاللهُ قَدْ أَوْجَبَ أَنْ يُكَفِّرَا عَلَيْهِ حِينَ بِالْمَقَالِ زَوَّرَا
(1) أي في سورة البقرة. (2) أصل الأفلاذ القِطَع، واحدها فِلْذَة أي قطعة. أي فبان جعله متفرقًا كتفريق الأولاد بعضها عن
بعض. (1/378)
صفحة 379
378
الجزء الثاني
كِتَابُ الفِرَاقِ وَأَنْوَاعِهُ
فَمُوجِبُ التَّكْفِيرِ نَفْسُ النُّورِ فَيُوجِبُ الْمَقَالُ لِلتَّكْفِيرِ فَذَا هُوَ الْأَصْلُ لِهَذِي المَسْأَلَهُ لَكِنَّنِي فِيمَا أَرَاهَا مُشْكِلَهْ إِذِ الظَّهَارُ لَيْسَ لِلنِّسَاءِ لَكِنَّهُ يَخُصُّ هَؤُلَاءِ فَالْخُلْعُ وَالطَّلَاقُ وَالظَّهَارُ يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ وَالْخِيَارُ وَهَكَذَا الإِيلَاءُ فَافْهَمَنَّا لأَنَّهَا لِلْعَقْدِ تَتْبَعَنَّا وَلَيْسَ لِلنِّسَاءِ فِي ذَا أَثَرُ فَلَا أَقُولُ إِنَّهَا تُكَفِّرُ وَبِالرِّجَالِ قُصِدَ الْخِطَابُ فِي حُكْمِ ذَاكَ وَهُوَ الصَّوَابُ وَلَيْسَ لِلْقِيَاسِ ثَمَّ مَدْخَلُ وَإِنْ يَكُنْ قَالُوا بِهِ وَعَوَّلُوا أَنَّمَا الْعَوْدُ إِلَيْهَا مُوجِبُ لِذَاكَ لَا مَقَالُهُ إِذْ يَكْذِبُ لَوْ لَمْ يَكُنْ أَرَادَ يَرْجِعَنَّا لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَنَّا (1) ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَدْ قَالُوا بِهَذِهِ يَرْتَفِعُ الْجِدَالُ
فصل كفارة الظهار
وَاللَّهُ قَدْ فَصَّلَ فِي الْقُرْآن كَفَارَّةَ الظُّهَارِ بِالتِّبْيَانِ فَأَوْجَبَ الْعِتْقَ لِمَنْ قَدْ وَجَدَا وَالصَّوْمَ بَعْدَهُ لِمَنْ لَمْ يَجِدًا وَبَعْدَهُ إِطْعَامُ سِتِّينَ فَتَى مِنَ الْمَسَاكِينِ بِمِقْدَارٍ أَتَى
(1) انظروا إلى هذا التحقيق الكاشف لكل معنى رشيق، فَلِلَّهِ دره من علامة سباق. (1/379)
صفحة 380
فصل كفارة الظهار
الجزء الثاني
379
وَذَاكَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ يَصُومُ يَلْزَمَهُ إِطْعَامُهُ الْمَعْلُومُ يَمْنَحُهُمْ بِأَكْلَتَيْنِ فَاعْلَمَا فِي يَوْمِهِمْ إِذَا أَرَادَ يُطْعِمَا وَإِنْ يَكُنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَا بُرا فَلِلْإِثْنَيْنِ صَاعٌ مُطْلَقَا وَالْأَرْزُ تُلْتُ الصَّاعِ لِلْمِسْكِينِ وَذَاكَ عِنْدَهُمْ عَنَ اكْلَتَيْنِ يَجْعَلُهُ فِي فُقَرَاءِ بَلَدِهُ فَهُمْ أَحَقُّ بِجَمِيلِ مَدَدِهْ وَإِنْ يَكُنْ لَمْ يَكْمُلَنَّ العَدَدُ وَفَّاهُ (1) مِنْ جِيرَانِهِ لَا يُبْعِدُ وَهْوَ مِنَ الْمَنْدُوبِ لَا سِوَاهُ فَلْيُجْزِهِ فِي غَيْرِ مَا حَاذَاهُ وَالصَّوْمُ شَهْرَانِ بِلَا انْفِصَالِ يَلْزَمُ مَنْ كَانَ فَقِيرَ الْحَالِ وَصَائِمُ التَّكْفِيرِ لِلظَّهَارِ لَيْسَ لَهُ الإِفْطَارُ بِالنَّهَارِ لأَنَّهُ قَدْ قِيلَ لَا يُسَافِرُ صَائِمُهَا وَهْوَ مَقَالُ شَاهِرُ وَذَاكَ خَوْفَ الْفَصْلِ وَالتَّتَابِعُ شَرْطٌ وَمَا لِشَرْطِهِ مُدَافِعُ وَالعِتْقُ وَهُوَ أَوَّلُ الخِصَالِ يَلْزَمُ مَنْ كَانَ غَنِيَّ الْمَالِ فَإِنْ يَكُنْ يَمْلِكُ عَبْدًا أَعْتَقَهُ أَوِ اشْتَرَى مِن مَالِهِ وَأَطْلَقَهُ بِفَضْلَةِ الْمَالِ عَنِ العِيَالِ يَبْتَاعُهُ لَوْ بِالتَّمِينِ الْغَالِي وَرَجُلٌ كَانَ لَهُ إِمَاءُ وَالنَّخْلُ وَالْأَرْضُ مَعَا وَالْمَاءُ
(1) قوله: «وَفَّاهُ» من جيرانه أي من فقراء أهل بلد أقرب إليه. (*) (خَوْفَ) مفعول لأجله منصوب وخبر اسم الإشارة (ذاك) محذوف، تقديره: وذاك المَنْعُ
من السفر. (إسماعيل) (1/380)
صفحة 381
380
الجزء الثاني
كِتَابُ الفِرَاقِ وَأَنْوَاعِهُ
وَدَيْنُهُ يَسْتَهْلِكُ الْجَمِيعَا فَلَا عَلَيْهِ الْعِتْقُ كُنْ سَمِيعًا لأَنَّ دَيْنَ النَّاسِ أَوْلَى وَأَحَقُّ أَنْ يُقْضَى أَوّلًا لأَنَّهُ سَبَقْ وَمَنْ لَهُ سُرِّيَّةٌ يَطَاهَا فِي بَيْتِهِ لَيْسَ لَهُ سِوَاهَا فَقِيلَ يُجْزِيهِ الصِّيَامُ عَنْهَا وَقِيلَ بَلْ عَلَيْهِ يُعْتِقَنْهَا وَظَاهِرُ الْكِتَابِ يُوجِبَنَّا هَذَا الأَخِيرَ وَيُؤَيِّدَنَّا وَوَاجِدُ لِلْعِتْقِ قَبْلَ أَنْ يُتِمُ صِيَامَهُ يُعْتِقُهُ وَيَلْتَزِمْ وَبَعْدَ أَنْ يُتِمَّ صَوْمَهُ فَما عَلَيْهِ عِتْقُ لَوْ أَصَابَ مَغْنَمَا وَمُعْتِقٌ نِصْفَا لَهُ مِنْ عَبْدِ عَنِ الظُّهَارِ لَيْسَ يُجْزِي عِنْدِي وَقِيلَ بَلْ يُجْزِيهِ إِذْ يَلْزَمُهُ سَهْمُ شَرِيكِهِ لَهُ يَغْرَمُهُ وَآخِرُ القَوْلَيْنِ قِيلَ أَكْثَرُ لَكِنَّمَا الْأَوَّلُ عِنْدِي أَظْهَرُ لأَنَّ مَنْ أَعْتَقَ نِصْفَهُ بِلَا رَأْيِ شَرِيكِهِ أَرَاهُ بَدَّلَا لأَنَّهُ عَلَى الشَّرِيكِ قَدْ عَدَا وَالغُرْمُ وَالغُرْمُ جَبْرٌ لَا يُزِيلُ الاِعْتِدَا كَدِيَةِ الْمَقْتُولِ بَعْدَ الْقَتْلِ كَيْفَ يَكُونُ مُجْزِيَّا لِفِعْلِ
وَعِتْقُ مَنْ دُبِّرَ لَيْسَ يَكْفِي إِذْ لَيْسَ بِالْكَامِلِ عِنْدَ الْوَصْفِ وَهَكَذَا شِرَاءُ مَنْ قَدْ دُبِّرَا لِلْعِتْقِ لَا يُجْزِي عَلَى مَا ذُكِرَا
(1)
(1) قوله: «دُبّرا أي جُعل مدبرًا وهو العبد الذي علق إعتاقه بموت سيده. (1/381)
صفحة 382
فصل كفارة الظهار
الجزء الثاني
381
وَذَاكَ قَوْلُ مَانِعِي الرُّجُوع لأَنَّ بَيْعَهُ مِنَ الْمَمْنُوعِ وَإِنْ نُجَوِّزِ الرُّجُوعَ فِيهِ فَهَاهُنَا يُقَالُ بَلْ يَكْفِيهِ وَمَنْ يَكُنْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فَلَا يُعْتِقُهُ عَنْ لَازِمٍ تَحَمَّلَا
(1)
وَمَنْ يَكُنْ أَعْتَقَهُ فَوُلِدَا قَبْلَ مُضِي الْأَجَلِ اللَّذْ حُدِّدَا
فَإِنَّهُ يَنْفَعُهُ لَكِنْ لَزِمْ إِطْعَامُهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَحْتَلِمْ وَإِنْ يَكُنْ أَعْتَقَهُ تَنَفُلَا فَالْخُلْفُ) فِي إِطْعَامِهِ قَدْ نُقِلَا وَإِنْ يَكُنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَظَهَرْ بِأَنَّهُ مِنْ قَبْلُ حُرٌ مُقْتَهَرْ فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَعْتِقَنَّ أَصْلَا عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْنِفَنَّ الفِعْلَا وَهَكَذَا إِذَا اشْتَرَى عَبْدًا بِمَا يَحْرُمُ وَهُوَ كَالرِّبَا فَلْتَعْلَمَا لأَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَ الْغَيْرِ فَلَمْ يَزِدْهُ غَيْرَ نَفْسِ الصَّيْرِ وَلْيَتَحَرَّ كَامِلَ الْأَعْضَاءِ فَهْوَ الَّذِي يُوصَفُ بِالْإِجْزَاءِ فَلَيْسَ يُجْزِي عِتْقُهُ لِلْمُقْعَدِ وَلَا لِأَعْرَجِ وَمَقْطُوعِ الْيَدِ وَلَا لِمَجْنُونٍ وَلَا مَجْذُومٍ وَلَا لِمَجْبُوبٍ وَلَا مَصْلُومٍ وَلَا لَأَعْمَى وَأُجِيزَ الأَعْوَرُ وَهْوَ الَّذِي بِفَرْدِ عَيْنٍ يَنْظُرُ
(1) وفي نسخة (العدد).
(2) قوله: «فالخلف في إطعامه» أي في وجوب إطعامه عليه، فقيل عليه إطعامه إلى أن يبلغ وهو الصحيح، وقيل لا يلزمه، بل على بيت مال المسلمين.
(3) المجبوب هو المقطوع الذكر، والمصلوم هو مقطوع الأذن. (1/382)
صفحة 383
382
الجزء الثاني
كِتَابُ الفِرَاقِ وَأَنْوَاعِهُ
كَذَلِكَ الأَصَمُّ إِنَّ الصَّمَمَا لَا يَمْنْعَنَّ الِاكْتِسَابَ فَاعْلَمَا وَالْخُلْفُ فِي الْأَقْلَفِ مَهْمَا أُعْتِقَا لأَنَّهُ مُخَالِفٌ أَهْلَ التَّقَى وَأَنَّهُ مُتَهَمُ الإِيمَانِ عِنْدَهُمُ بِالتَّرْكِ لِلْخِتَانِ وَالْخُلْفُ هَلْ يُشْتَرَطُ الإِيمَانُ فِي مُعْتَقِ الظَّهَارِ قَدْ أَبَانُوا وَآيُّهَا فِي الذِّكْرِ جَاءَتْ مُطْلَقَهُ فَتَقْتضِي الإِجْزَاءَ مِمَّنْ أَعْتَقَهُ لَوْ كَانَ مُشْرِكَا سَلِيمَ الْحَالِ وَالْوَصْفُ بِالْإِيمَانِ لِلْكَمَالِ
باب الإيلاء
وَهْوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْيَمِينِ مِنْ زَوْجَةٍ لِذَلِكَ التَّمْكِينِ يُقَالُ آلَى إِنْ يَكُن قَدْ حَلَفَا بِاللَّهِ لَا يَقْرُبُ مِنْهَا فَاعْرِفَا دَلِيلُهُ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَلَا كَذَاكَ الْحُكْمُ فِي إِمَائِهِمْ عَنَيْتُ بِالإِمَاءِ السُّرِّيَّاتِ لأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالزَّوْجَاتِ وَبِقِيَاسِ ظَاهِرٍ قَدْ أَلْحَقُوا بِهَا حُرُوفًا تُدْرَى فِيمَا نَمَّقُوا كَقَوْلِهِ إِنْ لَمْ أَسِرْ لِلْمَسْجِدِ فَأَنْتِ مِنِّي طَالِقٌ فَلْتُبْعُدِ كَذَا إِذَا لَمْ وَكَذَا إِنْ وَإِذَا حِينَ اقْتَضَى مَنْعَ الْحِمَاعِ مِثْلُ ذَا وَضَبَطُوا ذَلِكَ فَلْيُراعًا كُلُّ يَمِين مَنَعَتْ جَمَاعَا
(1) قوله: «كذلك» أي وكذلك يُجزى عتق الأصم. (1/383)
صفحة 384
باب الإيلاء
الجزء الثاني
383
وَمَنْ تَكُنْ زَوْجَتُهُ فِي قَرْيَةِ فَآلَ لَا يَدْخُلُهَا لِنُكْتَةِ فَإِنْ وَفَا بِمَا بِهِ قَدْ حَلَفَا إِلَى تَمَامِ الْأَجَلِ اللَّذْ عُرِفَا قِيلَ تَبِينُ زَوْجُهُ إِذْ فِيهِ إِيلَاؤُهُ عَنْهَا بِمَا يُخْفِيهِ وَقِيلَ لَا إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدِ اشْتَرَطْ لَهَا سُكُونًا وَبِهِ قَدِ ارْتَبَطْ وَفِي كِلَا الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي نَظَرُ وَإِنْ يَكُنْ صَحَ بِذَاكَ الأَثَرُ لأَنَّمَا الإِيلَاءُ فِي الْقُرْآن عَنِ النِّسَاءِ لَا عَنِ الْبُلْدَانِ لَوْ كَانَ فِي الشَّرْطِ عَلَيْهِ سُكْنَى يُمْكِنُهُ إِتْيَانُهَا لِمَعْنَى تَتْرُكُ شَرْطَهَا لِمَا أَرَادَا أَوْ تَأْتِهِ لِيَبْلُغَ الْمُرَادَا فَهْوَ بِذَاكَ الْحَالِ قَدْ بَرَّ الْقَسَمْ وَنَالَ مِنْهَا مَا أَرَادَ وَالْتَزَمْ فَإِنْ عَرَفْتَ ذَلِكَ التَّأْوِيلَا أَخْرَجْتَهَا عَنْ حُكْمِ هَذَا الإِيلَا وَإِنْ يَكُنْ مُكَنِّيَّا عَنْ زَوْجَتِهُ بِدَارِهَا فَحُكْمُهَا لِنِيَّتِهُ إِذِ الْكِنَايَاتُ مِنَ الْكَلَامِ صِنْفٌ يَحُوزُ الشَّطْرَ فِي الْأَحْكَامِ وَعَلَّ مَنْ قَالَ بِمَا تَقَدَّمَا رَأَىهُ قَدْ أَرَادَ هَذَا فَاعْلَمَا وَشَاهِدُ الْحَالِ دَلِيلٌ قَاضِي فَلَا يَصِحُ أَنْ نَلُومَ الْمَاضِي وَإِنْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ أَخْذِهَا حَلَفْ لَا يَأْتِيَنَّهَا فَفِيهِ يُخْتَلَفْ فَقِيلَ بالأَخْذِ لَهَا يَلْزَمُهُ إِيْلَاؤُهُ وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ
(1) «فال» أي فآلى حذف ألفها تخفيفًا. (1/384)
صفحة 385
384
الجزء الثاني
كِتَابُ الفِرَاقِ وَأَنْوَاعِهُ
وَهْوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَدْ جَاءَ مَعْنَى الْحَدِيثِ فَاتْرُكِ الْمِرَاءَ فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ لَا ظِهَارًا قَبْلَ النِّكَاحَ فَانْتَفَى جِهَارًا وَإِنَّمَا الإِيلَاءُ فِي ذَا الْمَعْنَى مِثْلُ الظَّهَارِ وَبِهِ يُثَنَّى وَأَجَلُ الْإِيلَاءِ فِي الْقُرْآنِ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَشْهُرِ الزَّمَانِ يُمْهَلُ فِيهَا عَلَّهُ يَذَّكَّرُ فَيَرْجِعَنْ لِوَطْئِهَا وَيَشْكُرُ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ اليَمِينِ وَقَدْ مَضَى فِي ذِكْرِهَا تَبْيِينِي وَهُوَ مُصَدَّقٌ إِذَا مَا قَالَا كَفَّرْتُ عَنْهَا فَافْهَمِ الْمَقَالَا وَإِنْ يَقُلْ إِنْ لَمْ أَسِرْ صُحَارًا إِيْلَاؤُهُ يَنْحَطُّ حِينَ سَارَا فَإِنْ يَسِرُ مِنْ قَبْلُ تِلْكَ الْأَرْبَعَهُ يَنْحَطُّ عَنْهُ فَلْيُوَافٍ مَرْبَعَهُ وَنِصْفُهَا قَدْ قِيلَ فِي الْإِمَاءِ وَقِيلَ بَلْ كَسَائِرِ النِّسَاءِ وَهُوَ مِنَ الْعُمُومِ فِي الْأَسَاسِ وَأَوَّلُ الْقَوْلَيْنِ بِالْقِيَاسِ وَمُقْتَضَى الْعُمُومِ هُوَ الْأَكْثَرُ وَغَيْرُهُ دَلَّ عَلَيْهِ النَّظَرُ وَبَعْدَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ ذَاكَ الْأَمَدُ حَلَّ زَوَاجُهَا لِمَنْ لَهَا وَرَدْ وَصَارَ زَوْجُهَا مِنَ الخُطَّابِ لَا يَتَقَدَّمَنْ عَلَى الْأَصْحَابِ إِلَّا الَّتِي بِبَطْنِهَا حَمْلٌ فَلَا تُخْطَبُ) حَتَّى يَخْرُجَنْ مُكْمِّلا وَذَاكَ هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمَسَائِلِ لِكُلِّ بَائِنِ مِنَ الْحَوَامِلِ
(1) قوله: «فلا تخطب»، أي لا يخطبها الأجنبي، وأما الزوج الأول فله أن يخطبها لأن الحمل له. (1/385)
صفحة 386
باب في المفقود والغائب
الجزء الثاني
385
باب في المفقود والغائب
إِنَّ حَوَادِثَ الزَّمَانِ جَمَّهُ (1) وَكُلٌّ حَادِثٍ فَيُعْطَى حُكْمَهُ مِنْ ذَلِكَ الْغَائِبُ وَالْمَفْقُودُ حُكْمُهُمَا فِي كُتْبِنَا مَوْجُودُ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَاكَ فِي عَصْرِ النَّبِي شَيْءٌ لِضِيقِ الْحَالِ وَالتَّقَلُّبِ كَانَ اجْتِمَاعُهُمْ لِشَدَّ الْحَبْلِ وَالِافْتَرَاقُ مَا لَهُ مِنْ أَصْل وَتَحْتَ أَمْرِ الْمُصْطَفَى وَرَايَتِهُ كَانُوا حَرِيصِينَ عَلَى هِدَايَتِهْ وَالافْتِرَاقُ لاخْتِلَافِ الأَهْوَا تَسْلُكُ نَحْوَا (2) وَأَخُوكَ نَحْوَا لَا تَعْرِفَنَّهُ مَتَى مَا غَابَا كَذَاكَ لَا تَدْرِيهِ حِينَ أَبَى وَفِي زَمَانِ عُمَرٍ فَقَدْ وَقَعْ أَوَّلُ ذَاكَ حِينَ مَا الْحَالُ اتَّسَعْ فِي رَجُلٍ قَدْ أَخَذَتْهُ الجِنُّ وَرَدَّ بَعْدَ أَنْ تَقَضَى السِّنُّ فَكَانَ ذَاكَ سَبَبَ الْكَلَامِ فِي الْفَقْدِ فَاعْرِفْ مَوْضِعَ الْأَحْكَامِ فَاجْتَهَدُوا وَبَيَّنُوا وَوَضَحُوا وَحُكْمَ ذَاكَ كُلِّهِ قَدْ شَرَحُوا نَفْهَمُ بَعْضَهُ وَيُشْكِلَنَّا بَعْضُ وَكُلَّ ذَاكَ نَقْبَلَنَّا لِعِلْمِنَا بِفَضْلِهِمْ وَعِلْمِهِمْ فَأَيْنَ عِلْمُ مَنْ أَتَى مِنْ بَعْدِهِمْ نَتَهِمُ النُّفُوسَ فِيمَا أَشْكَلَا وَنَعْرِفُ الْفَضْلَ لَأَرْبَابِ الْعُلَا
(1) قوله: «جَمّة» أي كثيره. (2) قوله: «نحوا» أي جهة. (1/386)
صفحة 387
386
الجزء الثاني
كِتَابُ الفِرَاقِ وَأَنْوَاعِهُ
وَأَعْمَشُ الْعَيْنَيْنِ لَيْسَ يَنْظُرُ مِقْدَارَ مَا يَنْظُرُهُ مَنْ يُبْصِرُ وَالفَرْقُ بَيْنَ غَائِبٍ وَمَنْ فُقِدْ يُدْرَى لأَنَّ الْأَصْلَ غَيْرُ مُتَحِدْ فَغَائِبٌ مَنْ غَابَ دُونَ سَبَبٍ يُعْرَفُ إِلَّا بِاخْتِفَاءِ الْمَذْهَبِ وَالفَقْدُ أَنْ تَرَاهُ فِي الْحَرِيقِ أَوْ أَنَّهُ فِي الْمَاءِ كَالْغَرِيقِ وَمِثْلُهُ مَنْ رَكِبَ الْبَحْرَ إِلَى دَارٍ فَغَابَ عِلْمُهُ إِذْ رَحَلَا أَوْ أَنَّهُ يُطَارِدَنَّ السَّبْعَا وَبَعْدَ أَنْ طَارَدَهُ مَا رَجَعَا أَوْ أَنَّهُ قَدْ غَاصَ فِي الأَهْوَالِ وَكُلُّ مُخْطِرٍ كَهَذَا الْحَالِ فَأَرْبَعٌ مِنَ السِّنِينَ أَجَلُهُ يُنْظَرُ حَيٌّ أَمْ أَتَاهُ أَجَلُهُ وَذَاكَ عَدُّ الأَرْبَعِ الْجِهَاتِ لَعَلَّ ذِكْرَهُ بِهِنَّ يَاتِي وَحُكْمُهُ فِي زَمَنِ التَأْجِيلِ حُكْمُ الْحَيَاةِ يُعْطَى بِالتَّفْصِيلِ يَكُونُ وَارِثَا وَمَوْرُونًا إِلَى أَنْ يَنْقَضِي الْوَقْتُ الَّذِي قَدْ أُجِّلَا وَهَكَذَا الْإِنْفَاقُ يَلْزَمَنَّا مِنْ مَالِهِ لِمَنْ يُكَفَّلَنَّا) وَقِيلَ زَوْجُهُ تُزَادُ فَاسْمَعِ أَرْبَعَةَ الشُّهُورِ فَوْقَ الْأَرْبَعِ وَفَوْقَهَا عَشْرٌ مِنَ الأَيَّامِ تُنْفَقُ فِي ذَلِكَ بِالتَّمَامِ لأَنَّهَا لأَجْلِهِ تَحْتَبِسُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَا تُعَرِّسُ وَالأَصْلُ فِي الزَّوْجِيَّةِ الْبَقَاءُ فَكَيْفَ لَا يَنَالُهَا الإِعْطَاء
(1) قوله: «لمن يُكَفِّلَنَّا أي لمن جعله الشرع كفيلاً عليه بالنفقة. (1/387)
صفحة 388
باب في المفقود والغائب
الجزء الثاني
387
وَالْأَصْلُ مَالَ لِلْمَقَالِ الْأَوَّلِ لِكَوْنِهِ الْأَكْثَرَ عِنْدَ الْأُولِ وَهَا أَنَا أَمِيلُ لِلْأَخِير لِمَا أَرَى مِنْ أَصْلِهِ الْمَذْكُورِ وَبَعْدَ تَمِّ الْأَجَلِ الْمُقَدَّمِ يَحْكُمُ قَاضِينَا لَهُ بِالْعَدَمِ وَيَأْمُرُ الْوَلِيُّ بِالطَّلَاقِ لِيَخْرُجَ الْحَالُ عَنِ الشَّقَاقِ تَعْتَدُّ عِدَّتَيْنِ لِلْوَفَاةِ وَلِلطَّلَاقِ خَشْيَةَ الْفَوَاتِ وَكُلُّهُ لِلِاحْتِيَاطِ الْكَامِلِ وَيُقْسَمُ الْمَالُ بِقَسْم عَادِلِ (3) وَبَعْدَ ذَاكَ كُلِّهِ يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا بِمَنْ بِهِ تَفُوزُ وَإِنْ أَتَى الْأَوَّلُ يَوْمًا فَادْرِ خَيْرَ فِيهَا أَوْ أَقَلَّ الْمَهْرِ عَنَيْتُ مَهْرَهُ وَمَهْرَ الثَّانِي وَهْوَ مِنَ التَّرْغِيبِ فِي مَكَانِ مَا بَالُهُ لَمْ يُعْطَ إِلَّا الأَحْقَرَا مَا ذَاكَ إِلَّا كَيْ يَشَاهَا فَانْظُرَا
(1) قوله: «وها أنا أميل للأخير أي للقول بوجوب الإنفاق عليها من مال المفقود؛ لأن الأصل بقاء الزوجية، استصحابًا لحال أصل الحياة، ولأنها احتبست من أجله؛ فناسب أن تنال
النفقة من ماله.
(2) هكذا في هذه النسخة برفع الولي فاعلاً أي أن الولي يأْمُرُ الحاكم أن يطلقها، والظاهر العكس وذلك بأن يَأْمُرَ الْحَاكِمُ وَليَّ المفقود أن يُطَلَّقَ امْرَأَتَهُ جمعا بين الحكم بموت بَعْلِهَا وبين خروجها من عصمته بالطلاق الشرعي من الولي أو من الحاكم وهذا أخذ
بالحوطة.
(3) وفي المسألة خلاف مشهور قال بعضهم: إن تزويج الأخير أمر ماض؛ فلا خيار للأول فيها سواء دخل بها الأخير أو لم يدخل، وهو قول عبد الله بن عبد العزيز ومن وافقه، وقيل: إذا دخل بها الأخ فلا خيار للأول، وإن لم يدخل بها فله الخيار، وهو قول حاتم بن منصور وقول ابن عبد العزيز أظهر، والله أعلم. (1/388)
صفحة 389
388
الجزء الثاني
كِتَابُ الفِرَاقِ وَأَنْوَاعِهُ
فَإِنْ يُرِدْهَا فَلَهُ تَعْتَدُّ بِعِدَّةِ الطَّلَاقِ لَوْ تَمْتَدُّ وَذَاكَ مِنْ خَوْفِ اخْتِلَاطِ النَّسْلِ وَالقَوْلُ بِالحَيْضَةِ نَوْعُ عَدْلِ لأَنَّهُ بِهَا يَبِينُ الرَّحِمُ خُلُوهُ وَغَيْرُ ذَا لَا يَلْزَمُ لَكِنَّنِي لَمْ أَحفَظَنَّهُ لأَحَدُ فَانْظُرْ وَلَا تَأْخُذْهُ إِلَّا بِسَنَدْ وَإِنْ يَكُ اخْتَارَ الصَّدَاقَ عَنْهَا فَلَيْسَ لِلْأَخِيرِ بُدُّ مِنْهَا تُقِيمُ عِنْدَهُ بِذَاكَ الْعَقْدِ فَهَذِهِ أَحْكَامُ ذَاتِ الْفَقْدِ وَيَسَعُ الْحَاكِمُ أَنْ لَا يَدْخُلَا فِي مَالِهِ وَوَاسِعٌ إِنْ دَخَلَا إِنَّنِي يُعْجِبُنِي الدُّخُولُ لَهُ وَغَيْرِي هَكَذَا يَقُولُ وَزَوْجَةُ المَفْقُودِ إِنْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ فَقْدِهِ وَابْتَهَجَتْ مِنْ غَيْرِ تَطْلِيقٍ مِنَ الْحُكّامِ وَلَا الْوَلِيِّ قِيلَ بالتَّمَامِ وَقَالَ بَعْضُ لَا يَتِمُّ أَبَدًا لأَنَّهُ مِنْهَا كَمِثْلِ الاعْتِدَا قُلْتُ وَلَكِنْ إِنْ تَعذَّرَ الْحَكَمْ فَالْأَخْذُ بِالرُّحْصَةِ وَجْهُ مُلْتَزَمْ مَخَافَةَ الضَّرَّاءِ وَالإِصْرَارِ وَنَفْيُهُ يُعْلَمُ بِاضْطِرَارِ وُمُدَّةُ الْغَائِبِ فِي الأَحْكَامِ قِيلَ ثَمَانُونَ مِنَ الأَعْوَامِ مُذْ وُلِدَ الإِنْسَانُ لَا مُذْ غَابَا وَقِيلَ مُذْ غَابَ نَرَى الْحِسَابًا
وَقِيلَ بِالسَّبْعِينَ وَهُوَ مَغْرِبِي وَقَالَ قَوْمٌ مِائَةٌ فَلْتَحْسِ وَقَالَ بَعْضُ حُكْمُهُ الْحَيَاةُ حَتَّى يَصِحَ بَعْدَهَا الْمَمَاتُ (1/389)
صفحة 390
باب في المفقود والغائب
الجزء الثاني
389
وَهْوَ عَلَى ذَا الْقَوْلِ لَيْسَ يُحْكَمُ فِيهِ بِشَيْءٍ وَالإِلَهُ أَعْلَمُ وَفِيهِ أَقْوَالٌ لَهَا تَرَكْتُ وَهِيَّ غَيْرُ مَا لَهُ ذَكَرْتُ وَامْرَأَةُ الْغَائِبِ إِذْ تَقُولُ قَدْ صَحَ عِنْدِي مَوْتُهُ فَقُولُوا قِيلَ لَهَا تَزَوَجَنَّ (1) يَا فَتَى وَقِيلَ لَا لَأَنَّهُ مَا ثَبَتَا وَقَوْلُهَا بِذَلِكَ ادَّعَاءُ وَعَلَّهُ يَحْمِلُهَا اشْتِهَاءُ وَقَائِلُ إِنَّ فُلَانًا مَاتَا وَإِنَّنِي دَفَنْتُهُ إِذْ فَاتَا فَعِنْدَهُمْ بِقَوْلِهِ لَا يُحْكَمُ وَمَالُهُ بِقَوْلِهِ لَا يُقْسَمُ وَإِنْ أَرَادُوا نَبْشَهُ مِنْ قَبْرِهُ جَازَ لَأَجْلِ مَا أَتَى مِنْ خَبَرِة لِكَيْ يَطِيبَ قَسْمُهُمْ لِمَالِهِ هَذَا الَّذِي أَبْدَاهُ فِي مَقَالِهِ وَإِنَّنِي أَقَولُ إِنَّ الخَبَرَا فِي مِثْلِ ذَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَا وَأَنَّهُ يُبْنَى عَلَى التَّصْدِيقِ وَتَرْكُهُ نَوْعٌ مِنَ التَّصْيِيقِ وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ فِي الأَنَامِ عَنْ وَاحِدٍ تُؤْخَذُ فِي الْأَحْكَامِ يَرْفَعُهَا الْفَرْدُ عَنِ الْفَرْدِ إِلَى أَنْ تَصِلَ الْمُخْتَارَ مَا بَيْنَ الْمَلَا فَيَجِبُ الْحَقُّ بِهِ وَالأَيْدِي تُقْطَعُ بَلْ تُوجِبُ نَفْسَ الْحَدِّ فَكَيْفَ يُلْغَى هَاهُنَا وَالقَلْبُ يُصَدِّقَنَّهُ فَأَيْنَ اللُّبُّ وَإِنْ يَكُنْ مُتَهَمَّا فِي الخَبَرِ فَمِثْلُهُ لَمْ يَكُ بِالْمُعْتَبرِ
(1) تَزَوَّجَنَّ: أي تتزوجن. (1/390)
صفحة 391
390
الجزء الثاني
كِتَابُ الفِرَاقِ وَأَنْوَاعِهُ
فَالْغَيْبُ وَالْفَقْدُ بِهِ لَا يُحْكَمُ إِلَّا إِذَا مَا أَمْرُهُ يَسْتَعْجِمُ) فَلَوْ رَأَيْنَا آيَةَ الْمَمَاتِ بِأَيِّ حَالَةٍ مِنَ الْحَالَاتِ جَازَ لَنَا الْأَخْذُ بِهَا وَنَحْكُمُ بِهَا إِذِ الْمُرَادُ مِنْهَا نَفْهَمُ وَلَيْسَ ذَا الْبَابُ كَمِثْلِ الْحُكْمِ بَيْنَ الْخُصُومِ عِنْدَ أَهْلِ الْفَهْمِ لَوْ كَانَ كُلُّ حَالَةٍ تَحْتَاجُ لِشَاهِدَيْنِ ضَاقَتِ الفِجَاجُ وَالدِّينُ يُسْرٌ مَا بِهِ مِنْ عُسْرِ فَكَيْفَ ذَا التَّصْيِيقُ فِي ذَا الْأَمْرِ
(1) قوله: «يستعجم» أي: ينبهم قال الشاعر:
صَمَّ صَدَاهَا وَعَفَا رَسْمُهَا فَاستَعْجَمْتَ عَنْ مَنْطِقِ السَائِلِ (1/391)
صفحة 392
باب تزويج المماليك
الجزء الثاني
391
كتاب أحكام المماليك
باب تزويج المماليك
ثُمَّ النِّكَاحُ فِي الْمَمَالِيكِ كَمَا قَدْ كَانَ فِي الأَحْرَارِ حُكْمًا عُلِمَا لَا فَرْقَ إِلَّا فِي أُمُورٍ تَنْدُرُ وَهَا أَنَا أَكْشِفُهَا وَأَذْكُرُ مِنْ ذَاكَ أَنَّ أَمْرَهُ لِلسَّيِّدِ فَلَا نِكَاحَ دُونَهُ لأَحَدِ أَمَّا الْعَبِيدُ مِنْ إِنَاتٍ وَذَكَرْ فَمَا رِضَاهُمْ هَاهُنَا بِالْمُعْتَبَرُ لَوْ كَرِهَتْهُ فَعَلَيْهِ تُجْبَرُ إِذَا أَطَاقَتْ وَكَذَاكَ الذَّكَرُ وَالْمَالِكُونَ إِنْ تَعَدَّدُوا فَلَا يَصِحُ دُونَ الْأَخْذِ مِنْهُمْ أَوَّلَا أَنَّهُمْ فِي حُكْمِ فَرْدٍ وَاحِدِ وَذَاكَ لِاشْتِرَاكِ مُلْكِ النَّاقِدِ وَإِنْ يُزَوِّجُ بَعْضُهُمْ تَجَهُمَا يَصِحُ إِنْ بَاقِيهُمُ قَدْ تَمَّمَا وَإِنْ يُطَلِّقَ بَعْضُهُمْ أَوْ خَالَعَا فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْهُ وَاقِعَا لَكِنَّهُ لِلشُّرَكَاءِ يَضْمَنُ مَا أَتْلَفُوا فِي ذَاكَ وَهْوَ بَيِّنُ وَالْعَبْدُ إِنْ طَالَبَ ذَاكَ السَّيِّدَا بِأَنْ يُزَوِّجَنَّهُ وَاجْتَهَدَا قِيلَ عَلَيْهِ أَنْ يُزَوِّجَنَّهُ وَقِيلَ لَا يَلْزَمُ فَاعْلَمَنَّهُ وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ بِأَنْ يَنْتَصِرَا مِنْ مَالِهِ إِذَا أَبَى وَنَفَرَا إِلَّا إِذَا حَاكَمَهُ فَحَكَمَا بِذَلِكَ الْقَاضِي وَبَعْدُ ظُلِمَا فَهَاهُنَا يَصِحُ الاِنْتِصَارُ لأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ الْبَوَارُ (1/392)
صفحة 393
392
الجزء الثاني
كتاب أحكام المماليك
وَقَبْلَهُ يَحْتَمِلُ التَّمَسُّكَا بِرُحْصَةٍ فَلَا يُقَالُ هَلَكَا وَالْحُكْمُ بَتَ ذَاكَ الِاحْتِمَالَا وَصَيَّرَ الأَخْذَ لَهُ حَلَالًا لأَنَّهُ يَلْزَمُهُ يَنْقَادُ لِذَلِكَ الْحُكْمِ الَّذِي يُرَادُ وَجَائِزٌ بِأَنْ يُتِمَّ السَّيِّدُ عَقْدًا بِدُونِ إِذْنِهِ قَدْ عَقَدُوا وَإِنْ يَكُنْ قَدْ دَخَلَ الْعَبْدُ فَلَا يُصْلِحُهُ الإِثْمَامُ إِذْ تَعَجَّلَا لأَنَّمَا الدُّخُولُ قَبْلَ الصَّحَّةِ يَقْضِي عَلَيْهِمَا بِوَجْهِ الحُرْمَةِ فَهُوَ كَمَنْ وَاقَعَهَا مِنْ قَبْل تَزْوِيجِهَا فَأَيْنَ وَجْهُ الْحِلِّ وَأَمَةٌ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ تَزَوَّجَتْ بِرَجُلٍ فِي الْبَلَدِ وَأُعْتِقَتْ مِنْ قَبْل يَدْخُلَنَا وَتَمَّمَتْ فَذَاكَ يَفْسُدَنَّا وَذَاكَ مِنْ وَجْهَيْنِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَأَصْلُهُ الْفَسَادُ لَا يُحَوَّلُ وَالثَّانِي تَزْوِيجُ بِغَيْرِ مَا وَلِي فَهْوَ عَلَى الْبُطْلَانِ لَمْ يَنْتَقِلِ وَرَجُلٌ زَوَّجَ حُرًّا بِأَمَهُ لِغَيْرِهِ قَدْ غَرَّهُ وَكَتَمَهْ أَوْلَدَهَا الْبَنِينَ ثُمَّ جَاءَ سَيِّدُهَا لِيَأْخُذَ الْأَبْنَاءَ فَقِيمَةُ الْأَوْلَادِ تَلْزَمَنَّا ذَاكَ الَّذِي غَرَّ فَيَغْرَمَنَّا وَإِنْ يَكُنْ أَخْبَرَهُ بِالْأَمْرِ يَنْحَطُّ عَنْهُ الغُرْمُ دُونَ الْوِزْرِ وَالرَّقُ فِي الْأَوْلَادِ حَتْمًا لَازِمُ لأَنَّهُ عَلَى الزِّنَاءِ قَادِمُ وَجَائِزُ يُزَوِّجَنَّ عَبْدَهُ بِأَمَةٍ لَهُ وَيُعْطَ نَقْدَهُ (1/393)
صفحة 394
باب تزويج المماليك
الجزء الثاني
393
وَبَعْضُهُمْ يَمْنَعُهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْجَمِيعَ مَالُ هَذَا الْفَحْلِ فَالزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ وَالصَّدَاقُ جَمِيعُهُمْ فِي مُلْكِهِ يَنْسَاقُ فَمَا لَهُ يُزَوِّجَنَّ مَالَهُ بِمَالِهِ وَلَا أَرَى اعْتِلَالَهُ لِأَنَّمَا الصَّدَاقُ بِالإِطْلَاقِ يَكُونُ لِلزَّوْجَةِ بِاسْتِحْقَاقِ فَهُوَ لِلزَّوْجَةِ مِنْ ذَا الشَّانِ وَسَلْبُهُ مِنْهَا مَقَامٌ ثَانِي وَأَمَةٌ عَبْدٌ لَهَا قَدْ خَطَبَا فِي عِدَّةٍ حِينَ لَهَا قَدْ رَغِبَا فَالنَّهْيُّ فِي ذَلِكَ لِلْأَحْرَارِ دُونَ الْعَبِيدِ جَاءَ فِي الْآثَارِ وَأَمَةٌ تَطْلُبُ مِنْ مَوْلَاهَا تَزْوِيجَهَا أَوْ أَنَّهُ يَغْشَاهَا يَلْزَمُهُ فِي الْحُكْمِ أَنْ يَخْتَارَا مَا شَاءَهُ وَيَرْفَعَ الصِّرَارَا وَإِنْ أَبَى وَبَيْعَهَا أَرَادَا كَانَ لَهُ وَلْيَحْذَرِ الْفَسَادَا وَرَجُلٌ أَمَةَ قَوْمٍ بَضَعَا مِنْ بَعْدِ تَزْويجِ بِشَرْطٍ وَقَعَا بِأَنَّ مِنْهَا أَوَّلَ الْأَوْلَادِ حُرِّ وَصَحَ الشَّرْطُ بِالإِسْهَادِ فَوَلَدَتْ إِثْنَيْنِ فِي بَطْنٍ مَعَا فَيُعْتَقَانِ لاصْطِحَابِ جَمَعَا لَكِنَّهُ عَلَيْهِمَا نِصْفُ الثَّمَنُ لِسَيِّدِ الأُمِّ بِتَقْوِيمٍ حَسَنْ يَسْعَوْنَ مِنْ بَعْدِ الْبَلُوغِ فِيهِ وَإِنْ وَفَى أَبُوهُمَا يَكْفِيهِ وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ مِنَ الْحَرائِرِ سوَى اثْنَتَيْنِ فِي الْمَقَالِ الشَّاهِرِ
(1) قوله: «بضعا» أي جامع. (1/394)
صفحة 395
394
الجزء الثاني
كتاب أحكام المماليك
لأَنَّهُ فِي ذَاكَ نِصْفُ الْحُرِّ وَقِيلَ مِثْلُ الْحُرِّ أَيْضًا يَجْرِي وَأَرْبَعًا مِنَ الْإِمَاءِ يَجْمَعُ بِلَا خِلَافٍ هَاهُنَا فَيُرْفَعُ وَالْخُلْفُ فِي تَحْلِيلِهِ لِلْحُرَّةِ فَقِيلَ لَا يُزِيلُ وَجْهَ الْحُرْمَةِ وَأَكْثَرُ الأَقْوَالِ بَلْ يُزِيلُهَا لأَنَّهُ فِي حُكْمِهِ حَلِيلُهَا وَحُرَّةً وَأَمَةً قَدْ جَمَعَا حُرِّ وَبِالطَّلَاقِ يَوْمًا وَدَعَا طَلَّقَ تِلْكَ الأَمَةَ المَشْؤُومَهُ وَرَدَّهَا لِلْحَالَةِ المَعْلُومَهُ لِلْحُرَّةِ الخِيَارُ حِينَ ارْتَجَعَا لأَنَّهُ مِثْلُ نِكَاحٍ وَقَعَا قُلْتُ وَلَا أَرَى الْخِيَارَ هَاهُنَا لأَنَّهُ بَنَى عَلَى ذَاكَ الْبِنَا خِلَافَ تَزْوِيجِ لَهُ يَسْتَأْنِفُ فَهَاهُنَا لَهَا الْخِيَارُ يُعْرَفُ وَلَيْسَ لِلْعَبِيدِ بِاتِّفَاقِ شَيْءٌ مِنَ الإِيلَاءِ وَالطَّلَاقِ وَلَا الظَّهَارِ وَالْخِيَارِ إِلَّا بِإِذْنِ مَالِكِ لَهُمْ تَوَلَّى وَذَكَرُوا أَنَّ خِيَارَ الأَمَةِ مِثْلُ الطَّلَاقِ بِاتِّفَاقِ الأُمَّةِ وَعَلَّ وَجْهَ ذَاكَ لَمَّا خَيَّرَا كَأَنَّهُ مَلَّكَهَا مَا ذَكَرَا وَطَلْقَتَانِ لِلْإِمَاءِ تَقْطَعُ لَيْسَ لَهُ مِنْ بَعْدِ ذَاكَ يَرْجِعُ
وَحَيْصَتَانِ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَهُ
مِنْهُنَّ للتَّنْصِيفِ مَعْ مَنْ حَقَّقَهُ
وَذَاكَ أَنَّ حُكْمَ هَذِي الأَمَةِ ذَاكَ تُعْطَى نِصْفَ حُكْمِ الْحُرَّةِ
(1) قوله: «تحليله للحرة» أي المطلقة ثلاثًا. (1/395)
صفحة 396
باب تزويج المماليك
الجزء الثاني
وَطَلْقَةٌ وَحَيْصَةٌ لَا تُقْسَمُ فَجُعِلَتْ ثِنْتَيْنِ يَا مَنْ يَفْهَمُ مِنْ ذَاكَ أَنَّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ لَهُنَّ نِصْفُ عِدَّةِ الْحُرَّاتِ شَهْرَانِ مَعْ خَمْسٍ فَصَحَ النِّصْفُ فَافْهَمْ فَقَدْ أَتَاكَ مِنِّي الْكَشْفُ وَجَائِزُ قِيلَ طَلَاقُ الرَّجُل زَوْجَةَ عَبْدِ ابْنِهِ فِي المَثَلِ وَهَكَذَا تَزْوِيجُ مَمْلُوكَاتِهِ (1) حِلٌّ لَهُ إِنْ شَاءَهُ مِنْ ذَاتِهِ وَذَاكَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلٍ سَبَقَ فِي أَنَّ مَالَ إِبْتِهِ لَهُ بِحَقِّ وَالْعَبْدُ إِنْ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ عَقَدْ عَلَيْهِ عَقْدًا لِلنِّكَاحَ وَنَقَدْ وَبَقِيَ البَعْضُ مِنَ الصَّدَاقِ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ عَلَى اسْتِيثَاقِ بيع ذَاكَ الْعَبْدُ قِيلَ تُعْطَى مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ وَلَا تُخَطَّى وَقِيلَ يَبْقَى لَازِمًا لِلْعَبْدِ (3) يَقْضِيهِ إِنْ حُرِّرَ بِالتَّصَدِّي وَسَيَّدُ الْعَبْدِ لَهُ أَنْ يَدْخُلَا مَنَزِلَهُ (3) بِغَيْرِ إِذْنِ حَصَلاَ مَا لَمْ يَكُنْ مُنْفَرِدًا بِزَوْجَةِ فِيهِ فَيُمْنَعَنْ هُنَا لَنُكْتَةِ وَذَاكَ خَوْفَ الْكَشْفِ لِلْعَوْرَاتِ وَكَشْفُهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَرَجُلٌ لَأَمَةٍ قَدْ أَعْتَقَا لَوَجْهِ رَبِّي مُخْلِصًا وَصَدَقَا فَمَا لَهُ تَزْوِيجُهَا بِنَفْسِهِ لأَنَّهُ مِثْلُ رُجُوع أَمْسِهِ
(1) قوله: «مملوكاته» أي [مملوكات] الابن.
(2) قوله للعبد اللام فيه بمعنى على أي لازم عليه.
(3) قوله: «منزله» أي منزل العبد. (1/396)
صفحة 397
396
الجزء الثاني
كتاب أحكام المماليك
وَكُلُّ مَا كَانَ لِوَجْهِ الرَّبِّ لَا يَدْنُو مِنْهُ أَبَدًا بِالْقُرْبِ لأَنَّ حَقَّهُ مِنَ الثَّوَابِ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَاكَ الْاِرْتِكَابِ وَإِنْ يَكُنْ أَعْتَقَهَا لِيَنْكِحَا فَهَاهُنَا مَعْنَى الْجَوَازِ وَضَحَا قُلْتُ وَفِي الْوَجْهَيْنِ لَسْتُ أَمْنَعُ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ دَلِيلٍ يُرْفَعُ فَاعِلُهُ يَفُوزُ بِالْأَجْرَيْنِ فِي خَبَرٍ جَاءَ عَنِ الْأَمِينِ وَالْمُصْطَفَى صَفِيَّةٌ) قَدْ أَعْتَقَا ثُمَّ بِهَا عَلَى الزَّوَاجِ انْطَلَقَا تَرَاهُ (2) يَقْصِدَنَّ غَيْرَ اللهِ في كُلِّ فِعْلِ مِنْهُ لَا تُصَاهِي وَإِنْ يَكُنْ أَعْتَقَهَا وَكَتَمَا وَبَعْدَ عَقْدِهِ النِّكَاحَ عَلَّمَا فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ الْكِتْمَانُ وَبِيَدَيْهَا التَّمُّ وَالبُطْلَانُ لأَنَّهَا بِالنَّفْسِ مِنْهُ أَمْلَكُ فَذَلِكَ الْكِتْمَانُ لَيْسَ يَسْلُكُ مُعْتَقَةٌ لَهَا أَبٌ مَمْلُوكُ ثُمَّ أَخٌ مُحَرَّرٌ صُعْلُوكُ تَزْوِيجُهَا أَوْلَى بِهِ أَخُوهَا مَا دَامَ فِي الْمُلْكِ يُرَى أَبُوهَا
باب التسري
وَهُوَ الاِسْتِمْتَاعُ بِالْإِمَاءِ لَكِنَّهُ مِنْ بَعْدِ الِاسْتِبْرَاءِ فَالْمُلْكُ لِلْيَمِينِ أَقْوَى حَبْلَا مِنَ النِّكَاحَ مِنْ هُنَاكَ حَلَّا
(1) قوله: «صفية» هي أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب سيد اليهود.
(2) قوله: «تَراه» بحذف ألف الاستفهام أي أتَرَاهُ. (1/397)
صفحة 398
باب التسري
الجزء الثاني
397
يَكُونُ فِيهِ نَفْسُ مُلْكِ الرَّقَبَهُ وَفِي النِّكَاحِ مُتْعَةٌ مُسْتَصْحَبَهُ وَالْفَضْلُ لِلْإِلَهِ فِي الْجَمِيعَ لأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ التَّوْسِيعِ فَمَنْ يَشَا ذَلِكَ فَلْيَسْتَبْرِي بِحَيْضَتَيْنِ لِتمَامِ الْأَمْرِ وَقِيلَ تَكْفِي حَيْضَةٌ وَالأَوَّلُ أَكْثَرُ لَكِنَّ الْأَخِيرَ أَعْدَلُ لأَنَّمَا الْمُرَادُ كَشْفُ الرَّحِمِ وَهْوَ بِذَاكَ حَاصِلٌ فَلْتَعْلَمِ وَفِي حَدِيثِ السَّبْيِ فِي الحَوَائِلِ حَتَّى يَحِصْنَ بِالْمَحِيضِ الْحَاصِلِ وَذَاكَ لَيْسَ يَقْتَضِي تِكْرَارًا فَكَيْفَ نُوجِبَنَّهُ مِرَارًا وَالِاحْتِيَاطُ غَيْرُ مَعْنَى اللَّازِمِ بَلْ فِعْلُ الْاِحْتِيَاطِ شَأْنُ الْحَازِمِ وَخَمْسَةٌ) وَأَرْبَعِينَ يَوْمَا إِنْ كَانَ نَفْسُ حَيْضِهَا مَعْدُومَا وَقِيلَ يُجْزِي دُونَ هَذَا الْحَدِّ وَالقَوْلُ بِالعِشْرِينَ أَدْنَى الْعَدِّ وَهْوَ عَلَى الْقَوْلِ الأَخِيرِ يُبْنَى لأَنَّهَا كَحَيْضَةٍ فِي الْمَعْنَى وَالْخُلْفُ فِي الْبِكْرِ إِذَا تَيَقَّنَا بِأَنَّهَا بِكْرُ هَلِ اسْتِبْرَا هُنَا وَفِي صَغِيرَةٍ وَقَدْ رَبَّاهَا فِي بَيْتِهِ فَأَدْرَكَتْ مَدَاهَا فِي الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ أُنْثَى فَالِأُخْتِلَافُ فِي الثَّلَاثِ يُحْثَا (2) وَأَشَهْرُ الْقَوْلَيْنِ الإِسْتِبْرَاءُ وَهُمْ بِالِاحْتِيَاطِ فِيهِ جَاؤُوا
(1) قوله: «وخمسة» أي تتربص.
(2) قوله: «يحثا» بالبناء للمفعول بمعنى ينقل مأخوذ من حثا الرجل التراب يحثوه حثوا ويحثيه حثيًا إذا هاله بيده فهو مجاز استعاري. اهـ. (المصنف) (1/398)
صفحة 399
398
الجزء الثاني
كتاب أحكام المماليك
حُجَّتُهُمْ قَالُوا فَإِنَّ السُّنَّة جَاءَتْ بِهِ فَلَا تُبَدِّلَنَّهُ وَمَنْ يَقُلْ بِغَيْرِهِ يَرَاهُ جَاءَ لِمَعْنَى وَانْتَفَى مَعْنَاهُ وَذَلِكَ اسْتِكْشَافُ نَفْسِ الرَّحِمِ وَقَدْ عَرَفْنَاهُ بِلَا تَوَهُم ومُعْتِقٌ يَوْمًا لِمَنْ تَسَرَّى جَازَ لَهُ التَّزْوِيجُ دُونَ اسْتِبْرَا كَذَاكَ زَوْجُهُ (1) إِذَا اشْتَرَاهَا فَمَا عَلَيْهِ هَاهُنَا اسْتِبْرَاها لأَنَّ مَاءَهُ الَّذِي تَقَدَّمَا فَالِابْنُ إِبْنُهُ بِكُلِّ مِنْهُمَا لَكِنَّهَا لِغَيْرِهِ تَعْتَدُّ بِأَيِّ عِدَّةٍ لَهَاتُعَدُّ وَحُكْمُ الْإِسْتِبْرًا كَحُكْمِ الْعِدَّةِ لِحُرَّةٍ إِلَى تَمَامِ الْمُدَّةِ وَقِيلَ فِي مَمْلُوكةٍ قدْ نَظَرَا سَيِّدُهَا لِفَرْجِهَا إِذ بَطِرَا لِشَهْوَةٍ وَهْيَ صَبَيَّةٌ فَلَا يَكُونُ وَطُؤُهَا لَهُ مُحَلَّلَا وَلَسْتُ أَدْرِي وَجْهَ هَذَا الْمَنْعِ وَعَلَّهُ عُقُوبَةٌ لِلرَّدْعِ وَهْوَ عَلَى ذَا لَا يَصِحُ غَيْرَ أَنْ يُبْنَى عَلَى قَوْلِ الَّذِي يُشَدِّدَنْ يُوجِبُ الاِسْتِبْرَاءَ لِلصَّغِيرَة وَإِنْ تَكُنْ عَذْرَاءَ مُسْتَطِيرَة يَجْعَلُهُ عُقُوبَةَ التَّعَجُل وَلَيْسَ هَذَا كُلُّهُ عِنْدِي جَلِي وَقَائِلُ لَأَمَةٍ إِنْ بَاعَكِ مَوْلَاكِ يَوْمًا فَأَنَا أَبْتَاعُكِ (2)
(1) قوله: «كذاك زوجه» أي زوجته الأمة. (2) أي أشتريك. (1/399)
صفحة 400
باب التسري
الجزء الثاني
399
ثُمَّ
اشْتَرَاهَا فَلَهُ يَطَاهَا وَلَا يَضُرُّ وَعْدُهُ إِيَّاهَا
وَلَيْسَ مِثْلَ الْحُرَّةِ الْمَذْكُورَهُ بَلْ هَذِهِ مَمْلُوكَةٌ مَقْهُورَهُ سُرِّيَّةٌ قَدْ عَايَنَتْ مَوْلَاهَا يَزْنِي فَقِيلَ مَا لَهُ يَطَاهَا مِنْ بَعْدِ ذَاكَ وَأُنَاسٌ قَالُوا بِأَنَّ وَطْيَهَا لَهُ حَلَالُ وَمَنْ زَنَا لِغَيْرِهِ بِأَمَةِ فَجَائِةٌ شِرَاؤُهَا لِلْخِدْمَةِ وَلَا يَجُوزُ أَن يَطَاهَا أَبَدًا لِأَنَّهُ بِفِعْلِهِ قَدِ اعْتَدَى سُرِّيَّةٌ أَوْلَدَهَا أَوْلَادَا يَجُوزُ بَيْعُهَا إِذَا أَرَادَا وَإِنْ يَكُنْ لِغَيرِهِ الإِبْنُ فَلَا إِلَّا إِذَا مَا اسْتَغْنَى عَنْهَا أَوَّلَا لأَنَّهُ بِإِبْ بِإِبْنِهِ شَفِيقُ دُونَ سِوَاهُ وَهُوَ التَّفْرِيقُ وَأَمَةٌ دَبَّرَهَا لِلْأَجْرِ مَا دَامَ حَيًّا فَلَهُ التَّسَرِّي لِأَنهَا مَمْلُوكَةٌ فِي الْحَالِ فَحُكْمُهَا فِي ذَاكَ حُكْمُ الْمَالِ وَيُمْنَعَنْ إِنْ قَالَ أَنْتِ حُرَّهُ يَوْمَ أَمُوتُ وَطُؤُهَا بِالمَرَّهُ) لِأَنَّهَا أَوّلُ ذَاكَ الْيَوْمِ تَكُونُ حُرةً بِدُونِ لَومِ وَذَاكَ يَوْمٌ نَجْهَلَنَّهُ فَلَا يَكُونُ وَطُؤُهَا لِذَا مُحَلَّلَا قُلْتُ وَلفْظُ الْيَومِ لِلوَقْتِ يَرِدُ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ بِحَدٌ قَدْ وُجِدْ فَإِنْ عَنَاهُ فَلَهُ مَعْنَاهُ وَوَطْؤُهَا لَا يُمْنَعَنْ إِيَّاهُ
(1) قوله: «بالمره» أي بالحال. (1/400)
صفحة 401
40
الجزء الثاني
كتاب أحكام المماليك
وَقِيلَ مَنْ أَمَتَهُ قَد دَبَّرَا عَلَى سِوَاهُ) وَطْؤُهَا قَدْ حُجِرَا لأَنَّهُ لَمْ يَدْرِ مَوْتَ الْغَيْرِ فَمَوْتُهُ يُوقِعُهُ فِي الصَّيْرِ لِأَنَّمَا بِمَوْتِهِ تُحَرَّرُ وَهُوَ يَغِيبُ تَارَةً وَيَحْضُرُ يَفْتَرِقَانِ غَالِبَ الْأَحْوَالِ وَيَكْفِي نَفْسُ النَّوْمِ فِي اللَّيَالِي سُرِّيَّةٌ طَلَّقَهَا فَتُعْتَقُ مِنْهُ بِذَا وَقِيلَ لَيسَ تُعْتَقُ وَقَالَ بَعْضُ إِنْ نَوَى عِتَاقَا تُعْتَقُ وَهُوَ قَيَّدَ الإِطْلَاقَا وَهُوَ مُرَادُ جَابِرِ بِن زَيْدِ لَوْ أَنَّهُ أَهْمَلَ نَفْسَ الْقَيْدِ لأَنَّهُ قَدْ جَعَلَ الطَّلَاقَا تَجَوُّزًا عَنَى الْعِتَاقَا به وَنِيَّةُ الْمَجَازِ تُشْرَطَنَّا فِي صِحَّةِ الْمَجَازِ حَيْثُ عَنَّا وَقَالَ قَوْمٌ إِنَّهَا تُسْتَخْدَمُ لَكِنَّهُ لِوَطْئِهَا لَا يُقْدِمُ خَوْفًا مِنَ الشُّبْهَةِ فِي الْفُرُوجِ فَالْوَرَعُ الْكَامِلُ فِي الْخُرُوجِ
باب استخدام العبيد
وَاللَّهُ قَدْ فَضَّلَ بَعْضَ الْخَلْقِ وَقَدْ أَذَلَّ بَعْضَهُمْ بِالرِّقِ هْوَ ابْتِلَاءٌ مِنْهُ للصِّنْفَيْنِ لِيَشْكُرُوا وَيَصْبِرُوا لِذَيْنِ وَالْعَبْدُ إِنْ قَامَ بِحَقِّ الرَّبِّ وَحَقٌّ سَيِّدٍ لَهُ مُرَبِّي
(1) قوله: «على سواه أي على موت غيره من الناس. (1/401)
صفحة 402
باب استخدام العبيد
الجزء الثاني
401
كَانَ لَهُ أَجَرْانِ حَيْثُ صَبَرَا لِلطَّاعَتَيْنِ وَهُوَ عَبْدٌ شَكَرَا وَسَيِّئَءُ الْمَلْكَةِ فِيمَا نَسْمَعُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فِيمَا يُرْفَعُ فَالعَبْدُ مَهْمَا طَلَبَ التَّعْلِيمَا كَانَ عَلَى سَيِّدِهِ لُزُومَا وَذَاكَ حَيْثُ الْعِلْمُ فِيهِ يَلْزَمُهُ وَالنَّدْبُ فِي سِوَاهُ مَهْمَا يَعْلَمُهُ وَلَيْسَ لِلعَبْدِ بِأَنْ يَصُومَا نَفْلًا بِدُونِ إِذْنِهِ لَوْ يَوْمَا لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ فِي الصِّيَامِ ضَعْفُ عَنِ الْخِدْمَةِ وَالْقِيَامِ وَهَكَذَا لَيْسَ يُصَلِّي النَّافِلَهُ بِدُونِ إِذْنٍ حَيْثُ كَانَتْ شَاغِلَهُ وَجَائِزٌ أَنْ يَحْضُرَ الْجَمَاعَهُ فِي الْفَرْضِ لَا فِي غَيْرِهِ مِنْ طَاعَهُ لأَنَّما حُضُورُهَا شِعَارُ يَحْضُرُهُ العَبِيدُ وَالأَحْرَارُ وَقِيلَ لَا يُحْكَمُ لِلعَبِيدِ بِرَاحَةٍ لَوْ كَانَ يَوْمَ الْعِيدِ وَمَالَهُمْ قَيْلُولَةُ النَّهَارِ إِلَّا بِإِذْنِ السَّادَةِ الْأَحْرَارِ لَكِنْ لَهُ أَنْ يَسْتَرِيحَ لَيْلَا وَذَاكَ حَقٌّ يَلْزَمَنَّ الْمَوْلَى فَمَا لَهُ بَعْدَ الْعِشَا يَسْتَخْدِمُهُ إِلَّا بِطِيبٍ نَفْسِهِ إِذْ يُكْرِمُهُ وَجَازَ إِنْ أَرَاحَهُ مِقْدَارًا خِدْمَتِهِ أَرَاحَهُ نَهَارَا كَذَاكَ قِيلَ وَلِأَهْلِ البَاطِنَة فِي هَذِهِ الرُّحْصَةِ نَفْسٌ سَاكِنَهْ فَإِنَّهُمْ بِالَّيْلِ يَزْجُرُونَا وَبِالنَّهَارِ الزَّجْرَ يَتْرُكُونَا وَوَقَعَ الرَّيْبُ بِهَذَا الْحَالِ عَلَى الْإِمَامِ الْكَامِلِ الْمِفْضَالِ (1/402)
صفحة 403
402
الجزء الثاني
كتاب أحكام المماليك
(1) (*)
سَلِيلٍ عَبْدِ اللَّهِ غَسَّانَ الْفَتَى إِذْ ذَكَرَ الْعَدْلَ وَمَا بِهِ أَتَى وَأَنَّ عَدْلَهُ مَلَا أَمَاكِنَهُ وَلَمْ يَنَلْ مِنْهُ عَبِيدُ الْبَاطِنَة وَذَاكَ مِنْهُ رَضِيَ الإِلَهُ عَنْهُ مَقَامُ الْخَوْفِ مَا أَعْلَاهُ أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَرَ نَفْسَ الرُّحْصَةِ فَرَأْيُهُ الْأَخْذُ بِقَولِ الشِّدَّةِ وَلَيْسَ لِلمَمْلُوكِ يَخْدِمَنَّا لِغَيْرِ مَوْلَاهُ بَلَيْلِ جَنَّا (2) لأَنَّهُ وَقْتُ اسْتَراحَةٍ فَإِنْ يَخْدُمْ فَإِنَّ فِعْلَهُ لَهُ يُهِنْ (3) وَمَا لَهُ فِي الْحُكْمِ أَنْ يَسْتَعْمِلَهْ بِمَا يَرَاهُ عَاجِزًا أَن يَعْمَلَهُ
باب كسب العبيد
وَالعَبْدُ لِلْمَوْلَى وَمَا يَكْتَسِبُ فَأَكْلُهُ لَهُ حَلَالُ طَيِّبُ فَانْظُرْ إِلَى قَوْلِ الإِلَهِ فِيهِ تَلْقَاهُ لَا يَمْلِكُ مَا يَأْتِيهِ وَمَا أَتَى العَبْدُ مِن الثَّمَارِ عِنْدَ حَصَادِ النَّخْلِ وَالْأَشْجَارِ وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ مَوْلَاهُ مِنْ أَيْنَ جَاءَ فَهْوَ حِلٌّ جَاهُ (4) يَصِحَ أَنَّهُ حَرَامُ وَالْأَصْلُ حِلُّهُ فَلَا يُلَامُ
وَذَبْحُ مَا صَادَ فَيُمْنَعَنَّا إِلَّا بِإِذْنِهِ وَيَحْرُمَنَّا
(*) هو الإمام العدل غسان بن عبدالله الحداني. (إسماعيل)
(1) قلت: الإمام غسان من اليحمد وليس من بني
(2) جنّ أي ستر.
(3) قوله: «يهن» بضم الياء أي يوهن ويضعف.
(4) قوله: «جاه» أي جاءه.
الحدان. (1/403)
صفحة 404
باب أدب العبيد
الجزء الثاني
403
لأَنَّهُ قَدْ صَارَ مُلْكَ السَّيِّدِ ذَابِحُهُ بِدُونِ إِذْنٍ مُعْتَدِي وَإِنْ يَكُنْ قَدْ أَطْلَقَ الْإِبَاحَهُ فَهَاهُنَا لَا نَمْنَعَنْ ذِبَاحَهُ كَذَاكَ إِنْ رَأَى فَسَادَ الْمَالِ فَذَبْحُهُ بَابٌ مِنَ الْحَلَالِ وَفِي زَمَانِ الْمُصْطَفَى قَدْ كَانَا وَبِحَلَالِ أَكْلِهَا أَفْتَانَا وَمَا اسْتَحَقَّ العَبدُ بِالْوَصِيَّة مِنْ غَيْرِ مَوْلَاهُ أَوِ الْعَطِيَّة فَأَكْثَرُ الأَقْوَالِ أَنَّهُ لَهُ وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْكُلَهُ إِلَّا بِرَأْيِ ذَلِكَ الْعَبْدِ وَفِي قَوْلٍ لِمَولَاهُ يَكُونُ فَاعْرِفِ وَإِنْ يَبِعْهُ وَلَهُ مَالٌ فَذَا لِذَلِكَ الْبَائِعِ إِنْ شَا أَخَذَا وَإِنْ يَكُنْ أَعْتَقَهُ فَقِيلَا يَكُونُ حُكْمُهُ كَمِثْلِ الأُولَى وَقِيلَ لِلسَّيِّدِ مَا قَدْ بَطَنَا مِنْ مَالِهِ خِلَافَ مَا تَبَيَّنَا وَذَاكَ أَنَّ ظَاهِرَ الْأَحْوَالِ عِتَاقُهُ بِظَاهِرِ الْأَمْوَالِ وَالنَّفْسُ بِالْمَغْفِيَّ لَا تَطِيبُ لأَنَّهُ عَنْ عِلْمِهَا مَحْجُوبُ
باب أدب العبيد
وَحَيْثُ كَانَتْ طَاعَةُ الْمَلِيكِ وَاجِبَةً لَهُ عَلَى الْمَمْلُوكِ فَتَرْكُهُ الطَّاعَةَ يُوجِبَنَّا لَهُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّبَنَّا لأَنَّهُ الْعَاصِي بِلَا مَحَالَهُ وَأَكْثَرُ الفَسَادِ فِي ذِي الْحَالَة وَقَالَ فِي الأَصْلِ مَقَالًا فَاعْلَم لَا يُضْرَبُ الْعَبْدُ إِذَا لَمْ يَخْدُمِ (1/404)
صفحة 405
404
الجزء الثاني
كتاب أحكام المماليك
لَكِنْ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ يُضْرَبُ وَنَحْوهَا وَذَاكَ حِينَ يَجِبُ وَإِنَّنِي مِنْ ذَا الْمَقَالِ أَعْجَبُ مَعْ أَنَّنِي أَقُولُ فِيْهِ يُضْرَبُ وَقَدَرُ الضَّرْبِ الذِي يَزْدَجِرُ بِهِ وَمَوْلَاهُ لَهُ يَعْتَبِرُ وَقِيلَ يُضْرِبَنْ عَلَى الْأَدْبَارِ وَلَا يَجُوزُ ذَاكَ فِي الْأَحْرَارِ وَإِنْ يَخَفْ إِبَاقَهُ يُبَاحُ تَقْيِيدُهُ وَمَا بِهِ جُنَاحُ وَهَارِبٌ لَهُ يُحَوِّرَنَا لَعَلَّهُ بِذَاكَ يَرْجِعَنَّا (1) (2) وَلا يَجُوزُ لِفَتَى أَنْ يُطْعِمَهُ فِي حَالَةِ الإِبَاقِ أَوْ أَنْ يُكْرِمَهُ قِيلَ وَلَوْ مَاتَ بِذَاكَ جُوعًا إِلَّا إِذَا مَا قَصَدَ الرُّجُوعَا
باب العشق
وَأَمَرَ الإِلَهُ بِالتَّحْرِيرِ وَوَعَدَ الْمُعْتِقَ بِالْأُجُورِ وَذَكَرَ الْكِتَابُ فَكَ الرَّقَبَهُ وَأَنَّهُ مِثْلُ اقْتِحَامِ الْعَقَبَهُ مَنَّ عَلَيْنَا مَرَّتَيْنِ بِهِمُ مُلْكِهِمْ وَمَرَّةٌ عِتْقِهِمُ وَنِعَمُ الإِلَهِ لَا تَزَالُ مَبْسُوطَةٌ وَمَا لَهَا زَوَالُ وَالشُّكْرُ لِلنِّعْمَةِ يُوجِبَنْهَا وَكَافِرُ النِّعْمَةِ يُحْرَمَنْهَا
(1) قوله: «يُحَوِّرنا»، أي: يجعل له تحييره، وهي طريقة معروفة عند علماء الأسرار وأصحاب الحرف، سميت بذلك تفاؤلا برجوع الذاهب من قولهم حار أي رجع. (2) قوله: «يُحَوِّرنًا» هو بالراء المهملة والتحوير أمر يستعمله العُمانيون والحورة عندهم معروفة، وهي نوع من الرُّقى وهو دعاء وآيات من القرآن بركتها ظاهرة. (أبو إسحاق) (1/405)
صفحة 406
بابُ العِتْقِ
الجزء الثاني
405
وَالشُّكْرُ أَن يُؤَدِّيَنَّ الْوَاجِبَا وَيَقْضِيَ الْحُقُوقَ وَالْمَارِبَا وَالْكُفْرُ عِصْيَانُ الإِلَهِ بِالنِّعَمِ وَمَنْ عَصَاهُ مُسْتَحِقٌ لِلنَّقَمْ وَالعِتْقُ بِالأَلْفَاظِ وَالأَحْوَالِ يَكُونُ فَالْأَوَّلُ ذُو الْمَقَالِ وَذَاكَ أَنْ يَقُولَ قَدْ أَعْتَقْتُكَا أَوْ أَنْتَ حُرٌ وَكَذَا حَرَّرْتُكَا وَمَنْ يَقُلْ لِعَبْدِهِ يَاحُرُّ وَلَمْ يُرِدْ عِتْقًا فَلَا يَضُرُّ وَإِنْ يُحَاكِمُهُ فَقِيلَ يُحْكَمُ بِمُقْتَضَى اللَّفْظِ وَمَا يَلْتَزِمُ لأَنَّ ذَاكَ ظَاهِرُ الإِطْلَاقِ وَعَكْسُهُ دَعْوَى عَلَى العِتَاقِ وَالْحُكْمُ بِالظَّاهِرِ لَا بِالْقَصْدِ وَالْقَصْدُ بَيْنَ رَبِّنَا وَالْعَبْدِ وَإِنْ تَقُلْ اللَّهِ قَدْ سَرَّحْتُكَا فَالْعِتْقُ ظَاهِرُ فَخَلَّ عَبْدَكَا وَمَنْ يَقُلْ اللَّهِ أَنْتَ يَا فَتَى لَا يُوجِبُ الْعِتْقَ لِمَنْ بِهِ أَتَى وَمَنْ يَقُلْ أَنْتَ لِوَجْهِ اللهِ فَالعِتْقُ ظَاهِرُ بِلَا اشْتِبَاهُ وَإِنْ يَقُلْ أَعْتَقَكَ الإِلَهُ فَالْخُلْفُ فِي انْعِتَاقِهِ رَوَاهُ وَالقَولُ بِالعِشقِ لَدَيْهِ أَوْثَقُ قُلْتُ وَهُوَ بِالْمَقَامِ أَطْبَقُ وَإِنْ يَخَفْ عَلَيْهِ مِنْ سُلْطَانِ فَقَالَ حُرِّ فَبِهِ قَوْلَانِ وَجَزَمَ الْأَصْلُ بِقَوْلِ الْعِتْقِ وَهْوَ كَما تَرَى وِفَاقَ النُّطْقِ وَإِنْ يَقُل هَذَا أَخِي أَوْ صَاحِبِي أَوْ وَلَدِي فَالعِتْقُ غَيْرُ وَاجِبِ وَذَاكَ إِنْ خَافَ عَلَيْهِ وَكَذَا إِنْ قَالَهُ تَلَطُّفًا وَنَحْوَ ذَا (1/406)
صفحة 407
406
الجزء الثاني
كتاب أحكام المماليك
فَالْقَصْدُ عِنْدَنَا هُوَ الْمُعْتَبَرُ وَاللَّفْظُ قَالَبٌ لَهُ يُقَدَّرُ وَلَفْظَةُ الْحُرِّ بِهَا يُعَبَّرُ عَنْ حِدَّةِ الْإِنْسَانِ إِذْ يُؤَمَرُ كَذَلِكَ الْعَتِيقُ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْقَدِيمُ فَلَهُ الْمُرَادُ أَعْنِي إِذَا مَا قَالَهُ لِعَبْدِهِ وَقَدْ نَوَاهُ يُعْطَى حُكْمَ قَصْدِهِ وَمَنْ يَقُلْ فِي اللَّفْظِ إِذْ يُقِرُّ كُلُّ غُلَامٍ لِي قَدِيمٌ حُرُّ يُعْتَقُ مَنْ حَالَ عَلَيْهِ عَامُ وَدُونَهُ لَا يُعتَقُ الْغُلَامُ بِالْحَولِ يَسْتَحِقُّ هَذَا الْوَصْفَا وَآيَةُ الْعُرْجُونِ تُعْطِي الْكَشْفَا) فَإِنَّهُ مِنْ بَعْدِ حَوْلٍ يَسْتَحِق وَصْفَ الْقَدِيمِ وَبِهِ هَذَا لَحِقْ وَذَا الْقِيَاسُ فِيهِ عِنْدِي نَظَرُ وَقِدَمُ الأَشَياءِ لَا يَنْحَصِرُ فَبَعْضُهَا يَقْدُمُ فِي أَيَّامٍ قَلَائِلِ وَالْبَعضُ فِي أَعْوَامِ وَلَا أَرَى كَالعُرْفِ فِيهِ صَابِطَا فَإِنْ ضَبَطْتَ الْعُرْفَ صِرْتَ قَاسِطَا (2) فَأَعْمِلِ الْفِكْرَ هُنَا وَاجْتَهِدَا فَعَامِلُ الْفِكْرِ يُصَادِفُ الْهُدَى وَقَائِلٌ بَعْضُ غُلَامِي حُرُّ فَالْعِتْقُ فِي جَمِيعِهِ يَمُرُّ كَذَاكَ إِنْ أَعْتَقَ مِنْهُ أُصْبُعَا فَالْعِتْقُ وَاقِعٌ عَلَى الْعَبْدِ مَعَا لأَنَّهُ لَا يَتَجَرًّا وَهُوَا بِالسَّرَيَانِ يُعْرِفَنْ وَيُرْوَى
(1) وهي قوله تعالى: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [يس: 39]. (2) قوله: «قاسطا» أي عادلًا لدلالة المقام عليه، وأكثر استعمال القاسط لوصف الْجَائِر، قال الله تعالى: {وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) [الجن: 15] وهو من قسط إذا جار، وقد ورد في
بعض كتب اللغة أنها تستعمل بمعنى العادل وبهذه اللغة أخذ (المصنف) (1/407)
صفحة 408
بابُ العِتْقِ
الجزء الثاني
407
وَإِنْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِيهِ يُقَوَّمُ الْعَبْدُ بِمَا يَأْتِيهِ ويَغْرَمَنَّ لِلشَّرِيكِ سَهْمَهُ وَيَطْلُبُ الإِلَهَ يَغْفِرْ إِثْمَهُ لِأَنَّهُ مَالَ سِوَاهُ أَتْلَفَا بِذَاكَ فَالإِثْمُ مَعَ الْغُرْمِ لَفَا) وَإِنْ يَكُنْ لَا يَعْرِفَنَّ الْحُكْمَا فَخَطَةٌ يَدْفَعُ عَنْهُ الْإِثْمَا وَإِنْ يَكُنْ أَعْتَقَ عَبْدَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَمَا مِنْ ضَيْرِ لِأَنَّ عِتْقَهُ يَكُونُ بَاطِلَا لَا يُذْهِبَنْ مَا كَانَ قَبلُ حَاصِلَا كَذَلِكَ الْغَاصِبُ لَيْسَ يَجْرِي عِتَاقُهُ إِذْ ذَاكَ نَوْعُ حَجْرِ وَرَجُلٌ قَدِ اشْتَرَى مَغْصُوبَا وَكَانَ عَنْهُ أَمْرُهُ مَحْجُوبَا أَعْتِقَهُ يُرِيدُ نَفْسَ الْقُرْبَةِ فَفِي ثُبُوتِهِ خِلَافُ الأُمَّةِ فَبَعْضُهُمْ أَمْضَاهُ حَيْثُ كَانَا غَيْبًا وَبَعْضُ قَدْ رَأَى الْبُطْلَانَا وَقِيلَ مَنْ بَعْضَ الْعَبِيدِ أَعْتَقَا وَلَمْ يُسَمِّ أَيَّهُمْ إِذْ نَطَقَا إِنَّ الْعَبِيدَ كُلَّهُمْ أَحْرَارُ فِي حُكْمِنَا وَمَا لَهُ إِنْكَارُ مَنْ قَالَ يَوْمَ أَشْتَرِي فُلَانَا فَإِنَّهُ مُحَرَّرٌ إِعْلَانَا ثُمَّ اشْتَرَاهُ قِيلَ لَيْسَ يُعْتَقُ إِذْ لَا عِتَاقَ قَبْلَ مُلْكِ يَصْدُقُ كَذَلِكَ الْمَرْأَةُ فِي الطَّلَاقِ فَهْيَ كَهَذَا الْحُكْمِ فِي الْعِتَاقِ وَقِيلَ إِنْ سَمَّى فُلَانًا يُعْتَقُ كَذَلِكَ الْمَرْأَةُ مِنْهُ تَطْلُقُ
(1) قوله: «لفا» أي حصل. مأخوذ من ألْفَيْتُ الشيء إذا وجدته. اهـ. (المصنف) (1/408)
صفحة 409
408
الجزء الثاني
كتاب أحكام المماليك
وَأَوَّلُ القَوْلَيْنِ هُوَ الْأَكْثَرُ وَهْوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْخَبَرُ وَإِنْ يُعَلِّقِ الْعَتَاقَ يَعْتِقُ عِنْدَوُقُوعِ مَا بِهِ يُعَلِّقُ كَقَولِهِ إِنْ جَاءَ زَيْدٌ يَوْمَا فَأَنْتَ حُرِّ لَا تَخَافُ لَوْمَا فَإِنَّهُ عِنْدَ مَجِيءٍ زَيْدِ يَعْنِقُ لِاعْتِبَارِ هَذَا الْقَيْدِ وَامْرَأَةٌ قَالَتْ عَبِيدِي عُتَقَا إِنْ لَمْ أُصَلَّ فِي غَدٍ فَاتَّفَقَا إِنْ أَصْبَحَتْ وَالحَيْضُ قَدْ أَتَاهَا فَالْعِتْقُ فِي عَبِيدِهَا يَغْشَاهَا وَمُشْتَرٍ مِنْ رَجُلٍ عَبِيدَا ثُمَّ اسْتَرابَ بَيْعَهُ الجَدِيدَا قَالَ لَهُمْ مَنْ كَانَ مِنكُمْ حُرًا فَلْيَنْصَرِفْ وَلَا يَخَافُ ضُرَّا فَالْكُلُ قَالُوا إِنَّهُمْ أَحْرَارُ وَلَمْ يَصِحَ مِنْهُمُ إِقْرَارُ فَمُلْكُهُمْ حَجْرٌ بِهَذِي الصَّفَةِ إِلَّا بِإِقْرَارِهِمُ أَوْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ إِنْ جَاءَ سَلِيلي حَيَّا كَانَ عَبِيدِي عُتَقَا عَلَيَّا فإِنْ أَتَى مَيْتًا فَمَا مِنْ عِتْقِ يَلْحَقُهُمْ وَإِنَّهُمْ فِي الرِّقٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدِ الْقَيْدُ وَلَا عِنْقَ مَعَ انْتِفَائِهِ تَحَصَّلَا وَقَائِلٌ إِنْ وَلَدَتْ غُلَامًا مَمْلُوكَتِي فَذَاكَ حُرِّ دَامَا فَولَدَتْ إِثْنَيْنِ قِيلَ عُتِقَا كِلَاهُمَا وَقِيلَ بَلْ مَنْ سَبَقا
(1) العتاق بفتح العين، وأما العتق فيجوز فيه كسر العين وفتحها وقد يكون العتق بالكسر الاسم
وبالفتح المصدر. (1/409)
صفحة 410
بابُ العِتْقِ
الجزء الثاني
409
وَوَجْهُهُ الْخِلَافُ فِي غُلَامِ وَفِي احْتِمَالِ أَوْجُهِ الكَلَامِ فعِنْدَ قَومٍ يَقْتَضِي الإِطْلَاقَا وَبَعْضُهُمْ لِوَحْدَةٍ قَدْ سَاقَا (1) لِلأَوَّلِينَ أَوَّلُ الْقَوْلَيْنِ وَالآخِرِينَ الثَّانِي دُونَ مَيْنِ ثمَّ مِنَ التَّعْلِيقِ نَوْعٌ يُذْكَرُ يُقَالُ لِلْعَبْدِ بِهِ مُدَبَّرُ وَذَاكَ أَنْ يُعَلِّقَنَّهُ عَلَى وَفَاتِهِ أَوْ مَوتِ بَعْضِ الْعُقَلَا فَالْعَبْدُ مَملُولٌ قُبَيْلَ الأَجَلِ وَبَعْدَهُ يَكُونُ حُرًا فَاقْبَلِ وَإِنْ يُدَبِّرْهُ عَلَى شَخْصَيْنِ خِدْمَتُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَمَاتَ وَاحِدٌ فَلَا يَنْعَتِقُ وَيَخْدُمُ الثَّانِي إِلَى أَنْ يَلْحَقُ (2) وَإِنْ يَكُنْ مُدَبَّرٌ قَدْ قَتَلَا مَوْلَاهُ لِلْعِتْقِ وَقَدْ تَعَجَّلاً فَحَقَّهُ حِرْمَانُ ذَاكَ الْعِشْقِ وَأَنْ يَكُونَ دَائِمًا فِي الرِّقٌ كَمِثْلِ مَنْ قَدْ قَتَلَ الْمَوْرُونَا فَالْمَنْعُ صَارَ حُكْمَهُ الْمَبْثُونَا وَرَجُلٌ كَاتَبَ عَبْدَهُ انْعَتَقْ مِنْ حِينِ مَا كَاتَبَهُ الْعِتْقَ اسْتَحَقْ لَوْ عَجَزَ الْعَبْدُ عَنِ الْوَفَاءِ فَالعِتْقُ لَا يُشْرَطُ بِالأَدَاءِ وَذَاكَ أَنَّ الْعَبْدَ يَشْرِي نَفْسَهُ مِنْ سَيّدِ الْعَبْدِ بِمَا كَيَّسَهُ (3)
(1) قوله: «لوحدة» أي لمفرد.
(2) «يلحق برفع الفعل المضارع على إهمال أن المصدرية. (3) كيسه بالتشديد أي جعله في كيسه من الأموال. اهـ. (المصنف) (1/410)
صفحة 411
410
الجزء الثاني
كتاب أحكام المماليك
فَعِنْدَ مُلْكِ نَفْسِهِ يَنْعِتِقُ وَهُوَ خِلَافُ مَا بِهِ يُعَلَّقُ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ إِنْ أَدَّيْنَا فَأَنْتَ حُرٌ لَا إِذَا أَبَيْنَا فَلَا يُحَرَّرَنَّ مِنْ قَبْلِ الْأَذَا إِذْ كَانَ بِالْأَدَاءِ قَدْ تَقَيَّدَا وَهْوَ مُرَادُ الْقَوْمِ فِي المُكَاتَبِ فَالْخُلفُ رَاجِعُ إِلَى التَّخَاطِبِ فَصُورَةُ الْكِتَابَةِ الْمَذْكُورَة مَعْهُمْ خِلَافُ مَا لَنَا فِي الصُّورَة فَعْرْفُنَا يَجْعَلُهَا بَيْعَا وَمَا قَدْ صَوَّرُوهُ فَهْوَ شَرْطٌ لَزِمَا وَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ تَنْفِيَنَّا بِهِ الْخِلَافَ وَتُحَرِّرَنَّا وَالعِتْقُ قَدْ يَكُونُ بِالْأَحْوَالِ وَمَرَّةً يَكُونُ بِالأَفْعَالِ فَالْحَالُ أَنْ يُمَلَّكَ الإِنْسَانُ أَبَاهُ أَوْ أُمَّا لَهُ تُصَانُ كَذَلِكَ الْإِخْوَةُ وَالْأَبْنَاءُ مَلَّكَهُ الْبَيْعُ أَوِ الشِّرَاءُ فَإِنَّهُمْ بِذَاكَ يُعْتَقُونَا وَهُوَ حَقٌّ لَهُمْ يَرَوْنَا كَذَلِكَ الأَخْوَالُ وَالأَعْمَامُ وَكُلُّ مَنْ نِكَاحُهُ حَرَامُ وَلَا كَذَاكَ الصِّهْرُ وَالرَّضَاعُ فُمُلْكُ ذَيْنِ فِيهِ الاتِّسَاعُ لَكِنَّ ذَا الرَّضَاعُ لَا يُبَاعُ لِحُرْمَةِ الرَّضَاعَ الامْتِنَاعُ فَإِنْ يَبِعْهُ رُدَّ ذَاكَ الْبَيْعُ وَقِيلَ لَا يَرُدُّهُ الْمُبِيعُ) وَقِيلَ إِنَّ بَيْعَ ذِي الرَّضَاعِ يَجُوزُ فَالْمَنْعُ بِلَا إِجْمَاعِ
(1) قوله: «المبيع» بضم الميم بمعنى البائع، أي لا يرده بائعه. (1/411)
صفحة 412
بابُ العِتْقِ
الجزء الثاني
411
وَإِن يَكُنْ قَدْ وَرِثَ الرَّضِيعَا سِوَاهُ لَيْسَ بَيْعُهُ مَمْنُوعَا وَالْعَبْدُ إِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ السَّيِّدِ فَاحْكُمْ بِعِتْقِهِ دَوَامَ الْأَبَدِ لَوْ أَسْلَمَ الْمَوْلَى فَذَاكَ حَالُهُ فَمُلْكُهُ مِن بَعْدُ لَا يَنَالُهُ وَإِنْ يَكُنْ إِسْلَامُهُ بِالْقُرْبِ قَبْلَ فِرَاقِ الْعَبْدِ دَارَ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يُدْرِكُهُمْ كَالْحُكُم فِي الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ فِي التَّسَمِّي وَأَصْلُهُ فِي خَبَرِ بِالطَّائِفِ يَوْمَ ثَقِيفِ فِي الْحِصَارِ الْكَاشِفِ عَنِ النَّبِيِّ فِيهِ قَولُ يُذْكَرُ فِيمَنْ أَتَانَا مِنْهُمُ مُحَرَّرُ) مَنْ يَتَّقِ اللهَ يُلاقِي مَخْرَجًا فَالعَبدُ بِالتَّقْوَى إِلَى ذَا خَرَجَا وَحَيثُ كَانَ عِتْقُهُ بِحَقِّ فَلَا يَعُودُ أَبَدًا لِلرِّقٌ وَإِنْ يَكُنْ سَيِّدُهُ ذَا ذِمَّةِ لَا يُعْتَقَنْ مِنْهُ لِتِلْكَ الذَّمَّةِ لَكِنَّ بَيْعَهُ (2) عَلَيْنَا يُجْبَرُ كَيْلَا يَرُبَّ (3) مُسْلِمًا مَنْ يَكْفُرُ وَسَرَيَانُ الْعِتْقِ قَدْ تَقَدَّمَا وَبَابُهُ الْعِتْقُ بِحَالٍ فَاعْلَمَا لِأَنَّهَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْوَالِ وَدُونَكَ العِتَاقَ بِالْأَفْعَالِ مِنْ ذَلِكَ الْمُثْلَةُ يَقْطَعَنَّا يَدًا أَوِ الْأَنْفَ فَيَجْدَعَنَّا
(1) أي فهو محرر.
(2) قوله: «لكن بيعه» بتشديد النون أي لكنه يجبر على بيعه لنا، وفي بعض النسخ: «لكن ببيعه» بموحدتين أولاهما بمعنى على.
(3) قوله: «يرب» بفتح حرف المضارعة وضم الراء وتشديد الباء، أي يملك. (1/412)
صفحة 413
412
الجزء الثاني
كتاب أحكام المماليك
أَوْ عَيْنَهُ يَقْلَعُهَا أَوْ ذَكَرَهُ يَقْطَعُهُ كَذَاكَ مَا لَا أَذْكُرَهُ) فَإِنَّهُ بِذَا الْفِعَالِ يُعْتَقُ عُقُوبَةٌ وَرِقُهُ لَا يَلْحَقُ وَأَمَةٌ لَهُ وَفِيهَا رَغِبَا وَأَذْنَهَا لِلحُلْي يَوْمًا ثَقَبَا فَقِيلَ فِي تَحْرِيرِهَا بِذَاكَا خُلْفٌ وَلَا عِنْقَ أَرَى هُنَاكَا لأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ التَّمْشِيلَا وَإِنَّمَا قَدْ قَصَدَ التَّجْمِيلَا أَرَادَ مَعْنًى صَالِحًا فَكَيْفَا يُعَاقَبَنْ بِعِتْقِهَا وَيُوفَا لَوْ كَانَ ذَا التَّنْقِيبُ مُثْلَةً لَما كَانَ الْخَلِيلُ آمِرًا بِهِ اعْلَمَا فَقِيلَ إِنَّ سَارَةً قَدْ ثَقَبَتْ عَنْ أَمْرِهِ هَاجَرَ يَوْمًا فَثَبَتْ فَكَانَ ذَاكَ أَصْلَ هَذَا الْفِعْلِ ثُمَّ اسْتَمَرَّ فِعْلُهُ فِي الْكُلِّ وَأَمَةٌ لَهُ أَرَادَ يَأْمُرُ بِخَفْضِهَا فَلَيْسَ فِيهِ ضَرَرُ لأَنَّ ذَاكَ سُنَّةٌ وَفِيهِ كَرَامَةٌ لَزَوْجِهَا النَّبِيهِ وَسَيِّدٌ رَأَى بِعَبْدِهِ أَلَمْ فَجَاءَ بِالنَّارِ إِلَيْهِ وَوَسَمْ) فَقِيلَ إِنَّ عَبْدَهُ يَنْعَتِقُ وَقِيلَ لَا عِنْقَ بِذَاكَ يَلْحَقُ وَهْوَ الصَّحِيحُ إِذْ أَرَادَ الْعَافِيَة لَيْسَ لَنَا بِالْعِتْقِ أَنْ نُكَافِيَة وَالحَرَقُ (3) الْمُعْتِقُ لَا لِمَعْنَى إِذْ ذَاكَ مُثْلَةٌ فَيُعْتَقَنَّا
(ينصب الفعل مراعاة الأحوال النظم، ويجوز في النظم ما لا يجوز في غيره. (إسماعيل) (1) قوله: «بخفضها» أي ختانها.
(2) قوله: «ووسم» أي كوى مأخوذ من الوشم وهو العلامة أو بمعنى السمة.
(3) قوله: «والحرق» بفتحتين أي الكي بالنار. (1/413)
صفحة 414
باب الولاء
الجزء الثاني
413
باب الولاء (1)
وَهْوَ اتِّصَالُ يَبْقَ بَعْدَ الْعِتْقِ كَنَسَبِ الْإِنْسَانِ عِنْدَ الْحَقِّ قَالَ النَّبِيُّ الْهَاشِمِيُّ العَرَبِي إِنَّ الْوَلَاءَ لُحْمَةٌ كَالنَّسَبِ لَا بَيْعَ فِيهِ لَا وَلَا فِيهِ هِبَهُ فَهَلْ سَمِعْتُمْ مَنْ يَبِيعُ نَسَبَهْ فَيَعْقِلُ الْمَوْلَى وَيُعْقَلَنَّا عَنْهُ كَمِثْل مَنْ يُنَاسِبَنَّا وَذَلِكَ الْوَلَا لِمَنْ قَدْ أَعَتَقَهُ وَالشَّرْطُ فِيهِ بَاطِلٌ لَوْ أَطْلَقَهُ قَدِ اسْتَرَتْ عَائِشَةٌ بَرِيرَهُ مَعَ الْوَلَا إِلَيْهِمُ مَصِيرَة فَأَبْطَلَ الْمُخْتَارُ ذَاكَ الأَمْرَا وَزَجَرَ الْمُشْتَرِطِينَ زَجْرَا وَقَالَ فِي جُمْلَةِ مَا قَدْ نَطَقَا إِنَّ الوَلَا لِمَنْ لَهَا قَدْ أَعْتَقَا وَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ هِيَ الْمُعْتِقَهُ صَارَ الْوَلَا لَهَا بِمَا قَدْ حَقَّقَهُ وَتِلْكَ سُنَّةٌ عَلَيْهَا يَنْبَنِي كُلُّ وَلَاءٍ لِعَتِيقِ بَيِّنِ وَالْخُلْفُ فِي الْمُسْلِمِ إِنْ أَعْتَقَهُ ذُو الشِّرْكِ قِيلَ فِي وَلَائِهِ لَهُ وَأَنَّهُ تَحْتَ الْحَدِيثِ دَاخِلُ لِأَنَّهُ الْمُعْتِقُ وَالْمُحَامِلُ وَقَالَ قَوْمٌ إِنَّمَا وَلَاهُ لِلْمُسْلِمِينَ الْكُلُّ أَوْلِيَاهُ وَأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الرَّحْمَنُ لِمُشْرِكِ فِي مُسْلِمٍ سُلْطَانُ (2) مَا جَعَلَ الإِلهُ مِنْ سَبِيلِ لِلْكَافِرِينَ مَوْضِعُ الدَّلِيلِ
(1) الولاء بفتح الواو. (2) قوله: «سلطان» مبتدأ خبره الجار والمجرور قبله والفعل ملغي عن العمل. اهـ. (المصنف) (1/414)
صفحة 415
414
الجزء الثاني
كتاب أحكام المماليك
وَفِي مُكَاتَبٍ فَبَعْضُ قَالَا يَلِيهِ مَنْ كَاتَبَهُ إِجْمَالَا لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ مَنْ أَعْتَقَهُ وَإِنْ يَكُنْ بِعِوَض أَطْلَقَهُ وَقَالَ قَومٌ إِنْ يَكُنْ مَنْ كَاتَبَا كَمُعْتِقٍ إِذْ كَانَ مَالًا طَالِبَا فَهْوَ شَبِيهُ الْبَيْعِ لَا مَحَالَهُ فَذَا هُوَ الوَجْهُ لِذِي الْمَقَالَهُ وَإِنَّنِي بِمَا مَضَى أَقُولُ لَا يَقْطَعَنْ وَلَاءَهُ الْمَبْذُولُ لِأَنَّ مِنْهُ الْفَضْلَ فِي المُكَاتَبَة وَهُوَ كَعِتْقِ لِظِهَارٍ وَاثَبَهُ فَأَخْذُهُ الْمَالَ مِنَ الْعَبْدِ عَلَى عَتَاقِهِ كَرَدِّهِ مَنْ حَلَّلَا وَالْكُلُّ مُعْتِقٌ لِأَجْلِ غَرَضِ فَلَمْ يَكُنْ لِلانْقِطَاعِ مُقْتَضِي وَامْرَأَةٌ قَدْ أُعْتِقَتْ وَلَاهَا لِقَوْمِهَا مِنْ دُونِ مَنْ وَلَاهَا) وَالْعَبْدُ إِنْ مِنْ حُرَّةٍ قَدْ وَلَدَا فَإِنَّهَا تَجُرُّ ذَاكَ الوَلَدًا يَتْبَعُهَا إِلَى مَوالِيهَا وَإِنْ يُعْتَقَ أَبُوهُ فَإِلَيْهِ يُرْجَعَنْ وَإِنَّمَا كَانَ لِأُمِّهِ تَبَعْ الصُّورَةِ الأُولَى لِحَالٍ مُتَسَعْ وَذَاكَ أَنَّ العَبْدَ لَا يَجُرُّ شَيْئًا وَإِنَّمَا يَجُرُّ الْحُرُّ وَحَيْثُمَا صَارَ أَبُوهُ حُرًا ضُمَّ إِلَيْهِ حَالُهُ وَجُرًا وَالدَّعْوَى فِي الْأَنْسَابِ وَالْوَلَاءِ مَهْدُورَةٌ إِلَّا لِمَعْنَى جَائِي وَذَاكَ أَنْ يَدَّعِيَ الْمِيرَانَا بِذَاكَ أَوْ يَدَّعِيَ الأَحْدَانَا
(1) قوله من دون من ولاها» أي من دون زوجها. (1/415)
صفحة 416
باب الولاء
الجزء الثاني
415
وَذَاكَ أَنَّ دِيَةَ الْخَطَاءِ تُجْعَلُ فِي الْأَنْسَابِ وَالْوَلَاءِ وَلَيْسَ فِي الوَلَا إِذَا مَا أُنْكِرَا يُقْضَ بِأَيْمَانٍ عَلَى مَنْ أَنْكَرَا لَكِنَّهُ بِالْبَيِّنَاتِ يُحْكَمُ إِنْ عُدِمَتْ فَلَا وَلَاءَ يَلْزَمُ وَهُوَ كَمِثْلِ نَسَبِ الْإِنْسَانِ لَيْسَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَيْمَانِ (1/416)
صفحة 417
416
الجزء الثاني
كتاب العدد
كتاب العدد
وَتَلْزَمُ الْعِدَّةُ زَوْجَةَ الْفَتَى مُطَلِّقَا أَوْ كَانَ عَنْهَا مَيِّتَا أَوْ خَرَجَتْ بِالْخُلْعِ وَالْخِيَارِ فَالِاعْتِدَادُ فِي الْجَمِيعِ جَارِي إِنْ كَانَ مِنْ بَعْدِ الدُّخُولِ كَانَا وَمُطْلَقًا) إِنْ بِالْمَمَاتِ بَانَا وَقَدْ مَضَى العِدَّةُ للنِّسَاءِ مِنَ الظُّهَارِ وَمِنَ الإِيلَاءِ وَهَاهُنَا أَذْكُرُ بَاقِي الْعِدَدِ وَهْيَ عَلَى تَوْزِيعِهَا فِي عَدَدِ وَأَنْهَا لِلزَّوْجِ حَقٌّ نَصَّا بِذَلِكَ الْكِتَابُ حَيْثُ خَصَّا فَمَا لَكُمْ عَلَى المُطَلَّقَاتِ قَبْلَ الدُّخُولِ عِدَّةٌ تُوَاتِي (2)
(2)
فَقَوْلُهُ فَمَالَكُمْ دَلِيلُ أَنَّ لَهُمْ إِنْ وَقَعَ الدُّخُولُ وَقِيلَ حَقٌّ لِلْإِلَهِ وَهْوَا لَا يَنْفِيَنَّ السَّابِقَ الْمُقَوَّى لأَنَّهُ اللهِ حَقٌّ مِنْ جِهَهُ وَزَوْجِهَا مِنْ جِهَةٍ مُوَجَّهَهُ فَاللهُ قَدْ أَلْزَمهَا إِيَّاهَا لأَجْلِ زَوْجِهَا إِذَا أَتَاهَا فَهُوَ نَظِيرُ قَودٍ فِي الْقَتْلِ فَالْحَقُّ لَازِمٌ لأَجْلِ الْكُلِّ (3) وَبَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ إِنْ تَقَارَرَا بِعَدَمِ الْمَسِّ وَمَا تَنَاكَرَا
(1) قوله: «ومطلقا» أي أنها تلزمها عدة المميتة إن دخل بها قبل أن يموت أو لم يدخل عملاً بعموم قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا) [البقرة: 234] الآية.
(2) أي توافق.
(3) قوله: «الأجل الكُلّ» أي الله والعبد. (1/417)
صفحة 418
باب الولاء
الجزء الثاني
417
فَقِيلَ لَا عِدَّةَ تَلْزَمَنْهَا وَقِيلَ لَا تُعْذَرُ حَتْمًا مِنْهَا وَإِنْ تَنَاكَرًا فَتَلْزَمَنَّا قَوْلًا وَلَا سِوَاهُ نَعْلَمَنَّا وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا إِذَا مَا دَخَلَا بِأَنَّهُ قَدْ مَسَّهَا وَفَعَلَا يَلْزَمُهُ لَهَا الصَّدَاقُ أَجْمَعُ وَقَوْلُهُ مَا مَسَّهَا لَا يُسْمَعُ وَامْرَأَةٌ يَرْتَدُّ عَنْهَا الرَّجُلُ عِدَّتُهَا مِثْلَ الطَّلَاقِ تُجْعَلُ (2) وَقِيلَ فِي الَّتِي زَنَتْ تُجْتَنَبُ كَعِدَّةِ الطَّلَاقِ لَا تُقَرَّبُ وَهُوَ احْتِيَاطُ عَنْ وُجُودِ الْحَمْلِ مِنْ غَيْرِهِ فِيهَا بِذَاكَ الْفِعْلِ وَقِيلَ فِيمَنْ جَامَعَ الْجَبَّارُ رُغْمَا فَحَيْضَةٌ لَهَا مِطْهَارُ خَوْفًا مِنَ الْحَمْلِ وَمَهْمَا وُجِدَا حَمْلٌ فَحَتَّى تَضَعَنَّ الْوَلَدَا وَقِيلَ ذَاكَ فِي الَّتِي لَمْ تَتَّصِلْ بِحَبْلٍ زَوْجٍ وَأَرَادَتْ تَحْتَمِلْ وَذَاتُ زَوْجِ فَلِذَاكَ البَعْلِ إِثْيَانُهَا وَلَوْ بَيَوْمِ الفِعْلِ وَهُوَ مَقَالُ يَلْزَمَنْ جِرْيَانُهُ فِيمَنْ زَنَتْ وعِنْدَنَا بَيَانُهُ لأَنَّ إِبْنَهَا الَّذِي تُحَصِّلُهُ مِنَ الزِّنَاءِ لِلْفِراشِ نَجْعَلُهُ حُكْمًا مِنَ الْمُخْتَارِ فِي الْإِلْحَاقِ كَيْفَ لَنَا أَنْ نَمْنَعَ التَّلَاتِي
(1) قوله: «قولاً» أي قَوْلاً واحدًا بلا خلاف.
(2) قوله: «عدتها مثل الطلاق هذا على المشهور وقد سبق للمصنف رحم الله في مثل هذا أنها تعتد بحيضة فقط؛ لأنها ليست عدة، طلاق، وإنما هي عدة احتياط لكشف حال الرحم، والحيضة الواحدة تكفي لبراءة الرحم.
(*) يجوز في راء (رغما) الضم والفتح والكسر. (إسماعيل) (1/418)
صفحة 419
418
الجزء الثاني
كتاب العدد
وَذَاكَ إِنْ لَمْ يَقَعِ اللَّعَانُ بَيْنَهُمَا فَلِلِّعَانِ شَانُ وَعِدَّةُ الآيس وَالصَّبِيَّةِ ثَلَاثَةُ الأَشْهُرِ نَفْسُ الْعِدَّةِ وَهَكَذَا مَنْ لَمْ تَكُنْ تَحِيضُ خِلَافَ مَنْ عَاوَدَهَا الْمَحِيضُ وَإِنْ تَكُنْ صَبِيَّةٌ مُرَاهِقَهُ بِسَنَةٍ فِي الاحْتِيَاطِ وَاثِقَهُ ثَلَاثَةٌ عِدَّتُهَا وَالْبَاقِي خَوْفًا مِنَ الْحَمْلِ الَّذِي يُلَاقِي خِطْبَتُهَا (1) فِي النِّسْعَةِ الشُّهُورِ عِنْدَهُمْ لَيْسَ مِنَ الْمَحْجُورِ كَذَاكَ لَا يَلْحَقُهَا الْمُطَلِّقُ لأَنَّ لأَنَّ ذَا لِلْاحْتِيَاطِ يُلْحَقُ وَقَالَ بَعْضُ بِالثَّلَاثَةِ فَقَطْ مَا لَم يَبِنْ حَمْلٌ بِهَا فَيُشْتَرَطْ فَعِدَّةُ الْحَامِل حَتَّى تَضَعَا مِنْ هَذِهِ وَغَيْرِهَا فَاسْتَمِعَا إِلَّا مُمِيتَةً (2) قُبَيْلَ الأَجَل قَدْ وَضَعْتْ تُؤْمَرُ بِالتَّمَهُل عِدَّتُهَا الأَبْعَدُ مِنْ حَالَيْهَا مِنْ وَقْتِهَا وَوَضْعُ مَا عَلَيْهَا أَرَبَعَةُ الأَشْهُرِ عِنْدَ عَشْرِ مِنَ اللَّيَالِي وَقْتُها لِتَدْرِي وَنِصْفُهَا لِلأَمَةِ المَمْلُوكَهُ وَهَذِهِ الطَّرِيَقَةُ الْمَسْلُوكَة وَقَالَ قَوْمٌ وَضْعُهَا يُحَلِّلُ نِكَاحَهَا لَوْ لَمْ يَتِمَّ الْأَجَلُ دَلِيلُهُمْ حَدِيثُ الأَسْلَمِيَّة وَصَحْبُنَا خَصُّوهُ بِالْقَضِيَّةِ
(1) قوله: «خطبتها» لعل الذي ذكره المصنف أن التسعة إنما جُعِلت للاحتياط فقط، والصحيح أن السُنَّة كلها عدة، فلا تخطب فيها، ويلحقها المُطَلِّقُ في الرجعية.
عندي
(2) المميتة: هي التي قد مات زوجها. (1/419)
صفحة 420
باب الولاء
الجزء الثاني
419
وَقَوْلُنَا يُنْقَلُ عَنْ عَلِيٌّ وَعَنْ فَتَى عَبَّاسِنَا الْعَلِيِّ وَحَامِلٌ فِي بَطْنِهَا إِثْنَانِ تَخْلُصُ عِنْدَ وَضْعِهَا لِلثَّانِي وَهَكَذَا ثَلَاثَةٌ أَوْ أَكْثَرُ لأَنَّمَا الْجَمِيعُ حَمْلٌ يُذْكَرُ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ قَالَا رَبُّ الْعُلَى فَأَدْخَلَ الإِجْمَالَا لَوْ وَضَعَتْ بَهِيمَةً فَتَخْلُصُ بِهِ وَقِيلَ إِنَّهَا لَا تَخْلُصُ وَأَوَّلُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي أَقْرَبُ لأَنَّهُ حَمْلٌ وَلَا يُسْتَغْرَبُ وَعَلَّ أَرْبَابَ الْأَخِيرِ اعْتَلُوا بِأَنَّ ذَاكَ عِلَّةٌ لَا حَمْلُ وَذَاتُ حَيْضِ بِثَلَاثِ حِيَضِ إِنْ طُلِّقَتْ وَدُونَهَا لَا تَنْقَضِي وَهْيَ الَّتِي تُذْكَرُ بِالْأَقْرَاءِ فَالقُرْءُ هُوَ الْحَيْضُ فِي الْإِفْتَاءِ وَقِيلَ إِنَّ القُرْءَ نَفْسُ الظُّهْرِ لَا الحَيْضُ وَالْأَوَّلُ أَقْوَى فَادْرِ وَإِنْ تَكُنْ ذَاتَ مَحِيضِ فَانْقَطَعْ فَالِاخْتِلَافُ فِي اعْتِدَادِهَا وَقَعْ فَقِيلَ بِالْمَحِيضِ لَا سِوَاهُ عِدَّتُهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ تَنْظُرُهُ إِلَى الإِيَاسِ ثُمَّا تَعْتَدُّ بِالشُّهُورِ حِينَ تَمَّا وَقِيلَ عَامَيْنِ وَقِيلَ عَامَا تَعْتَدُّ ثُمَّ تَأْخُذُ الْغُلَامَا وَهْوَ مَقَالُ عُمَرَ الْفَارُوق وَجَابِرٍ وَمُسْلِمِ التَّوْفِيقِ (1)
(1) هو مسلم بن أبي كريمة التميمي، وفيه إضافة الفاعل إلى فعله الصادر منه، فإن التوفيق للمسلم من أفعال الله، وجعله من أفعال الرجل مجاز باعتبار موافقة أفعاله لمقتضى الشرع. آهـ. (المصنف) (1/420)
صفحة 421
420
الجزء الثاني
كتاب العدد
فَهْيَ كَمِثْل مَنْ يُرَاهِقَنَّا تَعْتَدُّ لِلْحَوْطَةِ مِثْلَهُنَّا فَتَدْخُلَنَّ فِي اللَّوَاتِي لَمْ تَحِضْ إِذْ دَمُهَا بِالِانْقِطَاعِ قَدْ رُفِضْ وَسَبْقُ ذَاكَ الدَّمِ لَيْسَ يَمْنَعُ مِنْ جَعْلِهَا مِنْهُنَّ حِينَ يُقْطَعُ هَذِهِ الآيسُ ذَاتُ دَم كَانَتْ وَصَارَ حَيْضُهَا لِلْعَدَمِ فَانْتَقَلَتْ عِدَّتُهَا لِلْأَشْهُرِ وَسَبْقُ ذَاكَ الدَّمِ لَمْ يُغَيِّرِ وَقَطْعُهُ بِسَائِرِ الْأَسْبَابِ كَقَطْعِهِ بِالسِّنِّ وَالْأَحْقَابِ) وَقِيلَ إِلَّا مُرْضِعًا يَنْقَطِعُ عَنْهَا فَذَاكَ شَأْنُ مَنْ قَدْ تُرْضِعُ فَيَسْتَحِيلُ دَمُهُنَّ لَبَنَا يَكُونُ لِلْإِبْنِ غِذَاءً بَيِّنَا فَهُوَ دَمٌ مُنْتَظَرُ الرَّجُوعِ بَعْدَ فِصَالِ ذَلِكَ الرَّضِيعِ فَلَا يُشَابِه الدَّمَ المُنْقَطِعَا بِسَبَبٍ غَيْرِ رَضَاعٍ وَقعَا وَإِنْ تَكُنْ عِدَّتْهَا الشُّهُورَا فَطُلِّقَ فَطْلِّقَتْ مِنْ شَهْرِهَا أَخِيرَا فَقِيلَ لَا تَحْسِبُ مَا قَدْ بَقِيَا مِنْ ذَلِكَ الشَّهْرِ الَّذِي قَدْ فَنِيَا وَقِيلَ بَلْ تَحْسِبُهُ وَالأَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَنْ مَضَى الْمُعَوَّلُ وَالْأَخْذُ بِالثَّانِي يَجُوزُ مِثْلُ مَنْ يَعْتَرِضُ الْأَيَّامَ لِلصَّوْمِ افْهَمَنْ وَالْحَيْضُ مَهْمَا أَدْرَكَ الصَّبِيَّة قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ الشَّهْرِيَّة فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ بِالْمَحِيضِ وَمَا مَضَى مِنْ جُمْلَةِ الْمَرْفُوضِ
(1) الأحقاب: السنون. (1/421)
صفحة 422
باب الولاء
الجزء الثاني
421
كَذَاكَ مَنْ قَدْ طُلِّقَتْ وَمَاتَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الَّتِي قَدْ فَاتَا) وَذَاكَ إِنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِي وَمَاتَ فِي الْعِدَّةِ عِنْدَ الْجَمْعِ وَلَا كَذَاكَ بَائِنُ وَمَنْ مَضَتْ عِدَّتُهَا لأَنَّهَا قَدِ انْقَضَتْ وَقِيلَ لَا عِدَّةَ لِلصَّبِيَّةُ مِنْ ذِي الصَّبَا إِنْ جَاءَتِ الْمَنِيَّهِ وَهَكَذَا إِنْ لِلنِّكَاحَ غَيَّرَا لَوْ كَانَ بِالْعُرْسِ عَلَيْهَا اشْتَهِرَا وَأَصْلُهُ الْقَوْلُ بِأَنَّ ذَاكَا وَقْفٌ إِلَى أَنْ يَصِلَ الدَّرَاكَا وَإِنَّنِي أَقُولُ حَيْثُ يَقَعُ تَزْوِيجُهُمْ فَالِاعْتِدَادُ يَتْبَعُ إنَّ الدُّخُولَ وَاعْتِدَادَهَا مَعَا كُلٌّ عَلَى التَّزْوِيجِ قَدْ تَفَرَّعَا إِنْ ثَبَتَ التَّزْوِيجُ يَوْمًا تَبِعَتْ أَحْكَامُهُ طُرًّا وَإِلَّا مُنِعَتْ أَمَّا تُبُوتُ بَعْضِهَا مَعْ مَنْعِ بَعْضٍ فَبَاطِلٌ بِحُكْمِ الشَّرْعِ لَا نَقْبَلَنَّ ذَاكَ مِمَّنْ كَانَا وَالْحَقُّ قَدْ أَظْهَرَتُهُ إِعْلَانَا رِسَالَةٌ سَمَّيْتُهَا الإِيصَاحَا أَوْصَحْتُ فِيهَا حُكْمَهَا إِيصَاحَا سُرِّيَّةٌ قَدْ مَاتَ عَنْهَا السَّيِّدُ كَعِدَّةِ الطَّلَاقِ قِيلَ تَقْعُدُ وَعِدَّةِ الْوَفَاةِ إِنْ دَبَّرَهَا وَذَاكَ حَيْثُ إِنَّهُ حَرَّرَهَا وَلَسْتُ أَدْرِي أَصْلَهُ وَلَا أَرَى ذَلِكَ مِنْ مَقَالِهِ مُعْتَبَرًا لأَنَّمَا الْعِدَّةُ لِلْوَفَاةِ عِدَّةُ لِلْوَفَاةِ فِي حُكْمِهَا تَخْتَصُّ بِالزَّوْجَاتِ
(1) قوله: «عدة التي قد فاتا أي عدة المتوفى عنها زوجها. (1/422)
صفحة 423
422
الجزء الثاني
كتاب العدد
وَهَذِهِ سُرِّيَّةٌ إِنْ تَرَكَا جِمَاعَهَا أَوْ كَانَ عَنْهَا هَلَكَا فَفِي الْجَمِيع حُكْمُهَا الإِسْتِبْرَا وَلَيْسَ الْإِعِتَدَادُ فِيهَا يُجْرَى وَإِنْ تَكُنْ قَدْ دُبِّرَتْ أَوْ حُرِّرَتْ بِمَوْتِهِ فَبِالطَّلَاقِ اعْتُبِرَتْ لِأَنَّهُ أَدْرَكَهَا التَّحْرِيرُ فهيَ إِذَنْ كَطَالِقٍ تَصِيرُ
باب أحكام العِدَدِ
وَكُلُّ عِدَّةٍ لَهَا أَحْكَامُ بِهَا عَلَى نِسَائِنَا الْإِلْزَامُ فَتَخْرُجُ الذُّمِّيَّةُ الدَّمِيمَهُ وَهَكَذَا الْمَمْلُوكَةُ الْكَلِيمَهُ لأَنَّ تَيْن لَيْسَ مِنْ نِسَائِنَا بَلْ مِنْ عَدُوِّنَا وَمِنْ إِمَائِنَا عَلَى الْمَمَالِيكِ اتَّبَاعُ السَّيِّدِ كَيْفَ لَنَا نَقُولُ هَاهُنَا اقْعُدِ وَهُوَ خِلَافُ الْحُكْمِ فِي الْحَرَائِرِ لُزُومُهَا الْبَيْتَ بِحُكْم ظَاهِرِ لَيْسَ لَهَا الْخُرُوجُ حَتَّى تَخْلُصَا وَلَا لَهُ يُخْرِجُهَا تَخَلُّصَا وَجَائِزٌ إِخْرَاجُهَا إِنْ فَعَلَتْ فَاحِشَةً وَذَاكَ مِثْلُ إِنْ زَنَتْ وَمِثْلُهُ يُقَالُ إِنْ آذَتْهُ لِسَانُهَا بِالشَّثْمِ إِنْ رَأَتْهُ وَإِنْ يَكُنْ طَلَاقُهَا رَجْعِيَّا فَتَلْبَسُ الْحَرِيرَ وَالْحُلِيَّا وَتَكْحَلَنَّ عَيْنَهَا النَّجْلَاءَ وَتَذْهَنَنَّ وَجْهَهَا الْوَضَّاءَ لَعَلَّ مَنْ طَلَّقَهَا يَعُودُ لِضَمِّهَا وَتَذْهَبُ الْحُقُودُ (1/423)
صفحة 424
باب أحكام العِدَدِ
الجزء الثاني
423
فَإِنَّهُ أَوْلَى بِهَا فِي الْعِدَّةِ إِذَا أَرَادَهَا بِوَجْهِ الرَّجْعَةِ لَيْسَ لِغَيْرِهِ بَأَنْ يَخْطِبَهَا وَلَا يُعَرِّضَنْ وَلَا يَطْلُّبَهَا فَإِنَّهَا بِذَاكَ قِيلَ تَحْرُمُ عَلَى الَّذِي يَخْطِبُهَا وَيَأْتَمُ وَهْوَ عُقُوبَةٌ لِمَا تَعَجَّلَا فَهُوَ كَمَنْعِ إِرْثِ مَنْ قَدْ قَتَلَا وَإِنْ تَكُنْ قَدْ مَنَعَتْهُ إِذْ خَطَبْ وَلَمْ تُجِبْهُ فَالزَّوَاجُ لَمْ يُعَبْ
وَهَكَذَا إِنْ خَطَبَتْهُ وَهُوَ لَمْ يُجِبْ إِلَى مَا طَلبتْهُ وَاحْتَرَمْ وَلَمْ
فَجَائِزُ أَنْ يَتَزَوَجَنَّا بِهَا وَذَاكَ لَا يُحَرِّمَنَّا وَإِنْ تَكُنْ صَبِيَّةٌ فَتَحْرُمُ بِوَعْدِ ذَاكَ الْوَالِدِ الْمُعَمَّمُ) وَقِيلَ لَا تَحْرُمُ وَالْمُقَدَّمُ أَكْثَرُ مَا قَالُوهُ فِيمَا حَكَمُوا وَهُوَ أَشَدُّ لِلْفَسَادِ سَدًّا فَاحْذَرْ هُدِيتَ تَتْرُكُ الأَشَدَّا وَإِنْ يَقُلْ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَأَخْبِرِينِي بِتَمَامِ الْمُدَّةِ فَأَخْبَرَتْهُ مَا عَلَيْهِ حَرَجٌ وَجَائِزٌ لَهُ بِهَا التَّزَوُّجُ كَذَاكَ قِيْلَ وَهْوَ عِنْدِي أَشْبَهُ بِحَالَةِ التَّعْرِيضِ وَهْوَ يُكْرَهُ بَلْ لَا يَجُوزُ فِي الْمُطَلَّقَاتِ وَجَائِزُ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ وَمَنْ يُعَرِّضْ فِي الطَّلَاقِ فَكَمَنْ فِي عِدَّةِ الْمَوْتِ لَهَا يُصَرِّحَنْ وَذَاكَ مَحْجُورٌ إِلَى أَنْ يَصِلَا مَحَلَّهُ الَّذِي لَهُ قَدْ أُجِّلَا
(1) المعمم بالرفع نعت مقطوع. اهـ. (المصنف) (1/424)
صفحة 425
424
الجزء الثاني
كتاب العدد
وَقَبْلَ أَنْ تُتِمَّ يُمْنَعَنَّا وَهَكَذَا عَمَّتُهَا وَالْخَالَهُ وَكُلُّ مَنْ كَانَ بَهَذِي الْحَالَهُ وَجَائِزٌ يَخْطِبُ مَنْ ذَكَرْنَا قَبْلَ تَمَامِهَا إِذَا أَرَدْنَا وَإِنْ تَكُنْ بَائِنَةً فَقِيلَ لَهُ تَزْوِيجُهَا وَالْبَعْضُ قَالَ لَيْسَ لَهُ لأَنَّهُ لَهُ بِهَاتَعَلُّقُ وَذَا بِالْاحْتِيَاطِ عِنْدِي أَوْفَقُ وَالأَخْذُ بِالسَّابِقِ لَا يَضِيقُ وَرُبَّمَا أَيَّدَهُ التَّحْقِيقُ لأَنَّ ذَا تَعَلُّقٌ لَا يَنْفَعُ يَنْفَعُ شَيْئًا فَكَيْفَ لِلزَّوَاجِ يَمْنَعُ وَمَنْ يَكُنْ ذَا أَرْبَعِ فَاسْتَبْدَلَا بِبَعْضِهَا إِلَى الخُلُوصِ مُهَّلًا كَيْلَا يَكُونَ جَامِعًا لِخَمْسِ لأَنَّ مَنْ طَلَّقَهَا فِي الحَبْسِ وَإِنَّهَا فِي حُكْمِ زَوْجَةٍ لَهُ مَأَوَّى وَإِنْفَاقًا وَمَا مَاثَلَهُ وَبِانْقِصَائِهَا تُصَدَّقَنَّا لأَنَّهَا بِهَا تُؤَمَّنَنَّا) وَلَا يَحِلُّ كَتْمُهَا لِذَاكَا قَدْ جَاءَ فِي الْكِتَابِ مَعْنَى ذَاكَا أَقَلُّ مَا تُصَدَّقَنَّ فِيهِ مِنْ عَدَدِ الأَيَّامِ إِذْ تَقْضِيهِ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ وَعِنْدَ قَوْمِ تِسْع وَشَهْرٌ عَدُّهُ بِالْيَومِ وَأَصْلُهُ اعْتِبَارُ مَا لِلطَّهـ وَحَيْضِهَا مِنْ قِلَّةٍ وَكُفْرِ
يُمْنَعَنَّا مِنْ أُخْتِهَا أَنْ يَتَزَوَّجَنَّا
(1) قوله: مأوى وإنفاقًا منصوبان على التمييز المحول عن المبتدأ، ويجوز أن يكون نصبهما بنزع
الخافض أي في المأوى والإنفاق.
(2) تؤمننا: أي تجعل فيها أمينة. (1/425)
صفحة 426
بابُ أحكام العِدَدِ
أَقَلُّهُ
الجزء الثاني
425
فِي أَكْثَرِ الأَقْوَالِ عَشْرٌ مِنَ الأَيَّامِ وَاللَّيَالِي وَالحَيْضُ بِالثَّلَاثِ فِي أَقَلِّهِ فِي أَكْثَرِ الأَقْوَالِ عِنْدَ أَهْلِهِ وَهْيَ ثَلَاثُ حِيَضِ فَمَا انْقَضَتْ إِلَّا بِشَهْرٍ عِنْدَ تِسْعِ قَدْ مَضَتْ وَالقَائِلُونَ بِالْمَقَالِ الأَوَّلِ يُلْغُونَ عَشْرَ الظَّهْرِ عَنْهَا فَاحْفِل تَخَلَّلَتْ طُهْرَيْنِ فَهْيَ مِنْ هُنَاكَ قُبِلَتْ
فَهْيَ ثَلَاثُ حِيَضِ فَأَوَّلُ العِدَّةِ إِذْ تَحِيضُ وَآخَرُ اعْتِدَادِهَا المَحِيضُ وَحَيْضَةٌ فِي وَسَطِ الطَّهْرَيْنِ فَذَاكَ وَجْهُ أَوَّلِ القَوْلَيْنِ وَقَبْلَ غُسْلِهَا بِأُخْرَى الحَيْضَةِ يُمْنَحُ مَنْ طَلَّقَهَا بِالرَّجْعَةِ كَذَاكَ حَامِلٌ وَإِبْنُهَا خَرَجْ مِنْهَا سِوَى الرِّجْلَيْنِ قِيلَ لَا حَرَجْ يَرُدَّهَا بِهَذَا الحَالِ بِشَاهِدَي عَدْلٍ مِنَ الرِّجَالِ وَلَيْسَ لِلنِّسَاءِ فِي ذَا مَدْخَلُ كَذَاكَ فِي التَّزْوِيجِ لَيْسَ تَدْخُلُ وَلَيْسَ يُجْزِي دُونَ شَاهِدَيْنِ وَبَعْضُهُمْ بِشَاهِدٍ أَمِينِ وَهْوَ مَقَالٌ قَدْ أَتَى عَنْ مَسْعَدَهُ نَجْلِ تَمِيمٍ وَسِوَاهُ بَعْدَهُ فَغَيْرُهُ مِنْ سَائِرِ الأَصْحَابِ جَمِيْعِهُم لَمْ يَرْضَ بِالْجَوَابِ بِهِ مُنْفَرِدٌ وَالأَمْرُ بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ يَقُولُ الذِّكْرُ فَنَحْنُ حَيْثُ أَمَرَ القُرْآنُ (1) لَا حَيْثُ مَا قَالَ لَنَا فُلَانُ
(1) قوله: «فنحن حيث أمر القرآن .. إلخ»، يعني قوله تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ} [الطلاق: 2]-
= (1/426)
صفحة 427
426
الجزء الثاني
كتاب العدد
وَالخُلْفُ
في
العَدْلِ عَلَى أَقْوَالِ أَرْجَحُهَا المَسْتُورُ فِي الأَحْوَالِ
لَا يَظْهَرَنْ سِوَى الجَمِيلِ مِنْهُ كَذَاكَ لَا يُنْقَلُ أَيْضًا عَنْهُ وَبَاطِنُ الأَمْرِ لِرَبِّ الأَمْرِ لَيْسَ لَنَا التَّفْتِيشُ عَمَّا يَجْرِي
وَهْوَ مِنَ اللَّهِ امْتِنَانُ ظَاهِرُ وَهْوَ عَلَى العَبْدِ حِجَابٌ سَاتِرُ فَالعَبْدُ فِي سِتْرِ الإِلَهِ يَسْعَى فَيَا لَهُ سِتْرًا أَتَمَّ نَفْعًا وَحِكْمَةُ الإِشْهَادِ نَقُلُ مَا جَرَى وَأَنَّهُ قَدْ رَدَّهَا وَابْتَكَرَا فَيَرْفَعُونَ ذَاكَ لِلْمَرْدُودَهُ لِتَعْمَلَنْ فِي أَمْرِهَا شُهُودَهُ وَإِنْ تَكُنْ حَاضِرَةً لِلرَّدِّ فَقِيلَ يُجْزِي دُونَ هَذَا الحَدِّ بِمَحْضَرِ الشُّهُودِ المُسْلِمِينَا دُونَ العُدُولِ قِيلَ يَكْتَفُونَا وَإِنْ يَكُنْ رَاجَعَهَا وَجَاهَا وَصَدَّقَتْهُ حِينَ مَا أَتَاهَا وَمَكَّنَتْهُ قِيلَ لَا يَضِيقُ وَقِيلَ بَلْ حَقُّهُمَا التَّفْرِيقُ لأَنَّهَا تَعَجَّلَتْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَسْمَعَ حُجَّةَ الرُّجُوعِ فَافْهَمَنْ وَقَوْلُهُ بِأَنَّهُ قَدْ رَدَّهَا بِنَفْسِهِ يَكُونُ دَعْوَى عِنْدَهَا وَإِنْ يَقُلْ بِحَقِّهَا رَدَدْتُ فُلَانَةً حَسْبَ الَّذِي قَدْ كُنْتُ
هو
وجمهور
الأمة،
وعند الإمامية
وهذا إذا جعلنا الأمر بالإشهاد على الرجعة كما قول أصحابنا وأبي حنيفة وكثير من علماء الأمة أن ذلك راجع إلى الطلاق وأن الرجعة أمر محبوب وفعل مطلوب فلا تحتاج إلى الإشهاد فلعل الشيخ مسعدة يلاحظ من تأويل الآية ما لاحظه ذكرناهم، والله أعلم.
من (1/427)
صفحة 428
باب أحكام العِدَدِ
الجزء الثاني
427
فَقِيلَ حَقٌّ غَيْرُ مَا قَدْ سَبَقَا كَمِثْلِهِ يَلْزَمُهُ أَنْ يُصْدِقَا وَقِيلَ لَا يَلْزَمُ غَيْرُ الأَوَّلِ لأَنَّهُ مُرَادُهُ بِالْمِقْوَلِ) وَهْوَ الَّذِي يَظْهَرُ فِي التَّحْقِيقِ إِذْ لَمْ يُرِدْ تَعَدُّدَ الحُقُوقِ يَقُولُ قَدْ رَاجَعْتُ أَوْ رَدَدْتُ فُلَانَةً وَوَصْلَهَا أَرَدْتُ وَإِنْ يُجَدِّدِ النِّكَاحَ كَانَا أَقْوَى مِنَ الرَّدُّ لَهَا أَرْكَانَا وَيَلْزَمُ المُمِيتَةَ الإِحْدَادُ فِي مُدَّةِ العِدَّةِ لَا تُزَادُ لَا تَلْبَسُ الحَلْيَ وَلَا المُعَصْفَرَا كَذَلِكَ الطَّيِّبُ عَلَيْهَا حُجِرَا كَذَلِكَ الدِّهَانُ وَالخِصَابُ وَكُحْلُ عَيْنِهَا لَهَا يُعَابُ وَتَلْزَمَنَّ بَيْتَهَا لِذَاكَا لَا تَخْرُجَنْ مَا لَمْ تَرَى هَلَاكَا إِنْ خَرجَتْ لِحَاجَةٍ فَتَرْجِعُ يَضُمُّهَا عِنْدَ الصَّلَاةِ المَوْضِعُ لَيْسَ لَهَا قَطُّ صَلَاةُ الخَمْسِ إِلَّا بِبَيْتِهَا مَقَامِ الحَبْسِ وَإِنْ تَكُنْ صَبِيَّةً فَيُؤْمَرُ وَلِيُّهَا يَأْمُرُهَا وَيَزْجُرُ يَمْنَعُهَا أَنْ تَلْبَسَ الحُلِيَّا أَوْ تَأْخُذَنَّ عِطْرَهَا الذَّكِيَّا كَمِثْل مَا يَأْمُرُهَا بِالطُّهْرِ وَبِالصَّلَاةِ وَمَعَانِي البِرِّ وَقَوْلُهُ فِي الأَصْلِ فِي القَضِيَّة وَلَا أَرَى هَذَا عَلَى الصَّبِيَّة
(1) أي بالمقال.
(*) الحَلْي ما يُتَزَيَّنُ به، وجمعه حُليّ. (إسماعيل) (1/428)
صفحة 429
428
الجزء الثاني
كتاب العدد
لَوْ جَعَلَتْ فِي رِجْلِهَا خَلْخَالَا يُبْنَى عَلَى قَوْلٍ بِهِ قَدْ قَالَا يُقَالُ فِي تَزْوِيجِهَا مَوْقُوفُ وَهْوَ مَقَالٌ عِنْدَهُمْ مَعْرُوفُ فَإِنْ يَمُتْ يُنْتَظَرُ الْبُلُوغُ إِنْ رَضِيَتْ تَعْتَدُّ لَا تَزِيعُ وَقَدْ مَضَى تَرْجِيحُ قَوْلِ الصَّحَّةِ فَيَلْزَمَنْ بِهِ ثُبُوتُ الْعِدَّةِ مِنْ ثَمَّ قَدْ قَدَّمْتُ الاعْتِدَادَا وَلَا أَرَى الْوُقُوفَ لِي مُرَادَا وَذَاتُ جِنَّةٍ تُوُفِّي عَنْهَا مِثْلُ صَبِيَّةٍ فَيَأْمُرَنْهَا يَأْمُرُهَا الْوَلِيُّ بِالإِحْدَادِ وَهَكَذَا يَأْمُرُ بِاعْتَدَادِ وَمَنْ تَكُنْ فِي الْمُلْكِ لَا تُحِدُّ (2) وَنِصْفُ حُرَّةٍ لَهَا تَعْتَدُّ وَقِيلَ فِي الْبَائِنِ بِالطَّلَاقِ تُمْنَعُ حَتَّى الْكُحْلَ فِي الحِدَاقِ وَلَا أَرَى لَهُ مِنَ الصَّوَابِ وَجْهَا فَأَعْزُوهُ (3) إِلَى الْإِيجَابِ وَإِنْ يَكُنْ نَدْبًا فيُمْكِنَنَّا وَهْوَ بِهَذَا الْحَالِ يَقْرُبَنَّا وَلَا أَرَى تُبُوتَهُ فِي الْكُلِّ لأَنَّهُ فِيهَا عَدِيمُ الْأَصْلِ (4) فَهَذِهِ أَحْكَامُ تِلْكَ العِدَدِ وَمِنْ إِلْهِنَا لَطِيفُ المَدَدِ
(1) قوله: «ذات جنة» بضم الجيم، أي: ذات جنون.
(2) قوله: «لا تُحد» أي ليس عليها إحداد.
(3) قوله: «فأعزوه» أي أنسبُهُ.
(4) قوله: عديم «الأصل» أي الدليل، يعني لا دليل عليه لا من الكتاب ولا من السنة. (1/429)
صفحة 430
باب الحيض
الجزء الثاني
429
كتاب الحيض والنفاس
وَذِكْرُهُ هُنَا (1) طَريقُ الْقُدَمَا مِنَ العُمانِيِّين طُرًا فَاعْلَمَا وَمِنْ هُنَا قَدْ رَتَّبَ التَّرْتِيبَا عَلَيْهِ شَيْخُنَا أَبُو يَعْقُوبَا (2) وَذَاكَ لِاعْتِبَارِ حَالِ الْعِدَدِ (3) فَإِنَّهُ الأَصْلُ لَهَا فِي الْمُدَدِ) فَبِانْقِضَاءِ الْحَيْضِ وَالنَّفَاسِ يَزُولُ عَنْهَا حُكْمُ الِالْتِبَاسِ
باب الحيض
فَالْحَيْضُ دَمٌ ((6) جَاءَ مِنْ فَتَاةِ قَدْ بَلَغَتْ تِسْعًا مِنَ السَّنْوَاتِ مِنْ مَوْضِعِ الْجِمَاعِ يَخْرُجَنَّا وَهُوَ مِنَ الصِّحَّةِ يُحْسَبَنَّا لأَنَّمَا نا طَبِيعَةُ النِّسَاءِ رُطُوبَةٌ تَنْصَبُّ بِالدِّمَاءِ تَدْفَعُهُ حَرَارَةُ الطَّبِيعَة فِي وَقْتِهِ بِحِكْمَةٍ بَدِيعَهُ
(1) إفراد الضمير في قوله: وذكْرُهُ للإشعار بأن الحيض والنفاس شيء واحد، وما النفاس إلا حيض زادت أيامه، وهو ما يراه جمع من المحققين منهم الإمام المجتهد أبو ساكن في الإيضاح وورد في الحديث: «النفاس بمعنى الحيض قال ابن الأثير: وقد نفست المرأة تنفسُ بالفتح إذا حاضت. والنهاية ج 3 ص 164. أو الضمير عائد إلى الكتاب. وأصحابنا المغاربة يُوردون
متاد
أحكام الحيض والنفاس في الطهارات؛ لعلاقتهما بها أصالة، ولكلّ وجهة. (أبو إسحاق) (2) أبو يعقوب هو الإمام العلّامة الكبير والمحقق الشهير والبدر النمير يوسف بن إبراهيم بن الوارجلاني المغربي صاحب العدل والإنصاف والدليل والبرهان، وهو الذي رتب مسند الإمام
المحدّث الربيع بن
(3) العدد بالكسر
عدة. جمع
مدة. (4) والمُدَد بضم الميم جمع
(5) في القاموس وَالدَّمُ ـ بِشَدّ الميم - نبات، ولغة في الدم المُخَفَّفَةُ. (أبو إسحاق)
(6) قوله: «دمّ» بتشديد الميم لغة في الدم بتخفيفها. (1/430)
صفحة 431
430
الجزء الثاني
كتاب الحيض والنفاس
فَهْوَ دَمُ لَكِنْ يُخَالِفُ الدِّمَا حُكْمًا وَوَصْفًا مَخْرَجًا وحِكَمَا (1) فَلَوْنُهُ يَكُونُ ذَا تَلَوُّنِ وَضَبْطُهُ بِالْوَصْفِ أَقْوَى مُمْكِنِ يُصْبَطُ بِالرِّيح لأَنَّهُ أَذَى فَمُنْتِنُ الرِّيحِ هُوَ الْحَيْضُ إِذَا وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ أَنَّهُ أَسِش (2) أَيْ مُنْتِنُ الرِّيحِ خَبيثُ وَنَجِسْ وَإِنْ أَتَى مِنْ خَارِجِ عَنِ الرَّحِمْ لَمْ يَكُ ذَاكَ حَيْضَةً فَتَلْتَزِمْ بَل اسْتِحَاضَةً وَذَا إِنْ تَنْبَجِسْ (3) بِهِ عُرُوقٌ وَلَهُ حُكْمُ النَّحِسُ عَلَى فَمِ الْفَرْجِ عُرُوقٌ تُذْكَرُ تُشَابِهُ الْحَيْضَ مَتَى تَنْفَجِرُ مِنْ هَاهُنَا شُقَ لَهَا مِنَ اسْمِهِ لِشِبْهِ لَوْنِ دَمِهَا بِدَمِهِ وَلَيْسَ تُعْطَى حُكْمَهُ بَلْ تُعْطَى أَحْكَامَ طُهْرٍ وَلِذَاكَ تُوطَى وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ تَغْسِلَنَّا لَهُ إِذَا مَا شَاءَ يَأْتِيَنَّا فَلَا يَطَاهَا عِنْدَ فَوْرَةِ الدَّمِ وَيُجْزِهِ غُسْلُ الصَّلَاةِ فَاعْلَمِ وَذَاكَ أَنْ تَغْسِلَ إِذْ تُصَلِّي وَبَعْدَهَا قَامَ لِذَاكَ الْفِعْلِ وَالْأَمْرُ بِالْغُسْلِ لَهُ اسْتِحْبَابُ (4) كَرَامَةً لَهُ وَلَا إِيجَابُ
جمع
حكمة.
(1) قوله: «حُكْمًا ... إلخ» الأول بضم الحاء وإسكان الكاف مفرد الأحكام. وقوله آخر البيت «وحِكَمَا» بكسر الحاء وفتح الكاف (2) أسس: بفتح الهمزة وكسر السين أي نتن. (3) تَنبجس أي تنفجر، ومنه قوله تعالى: (فَأَنْبَحَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} [الأعراف: 160] والمراد هنا خروج الدم وسيلانه منها.
(4) قوله: «والأمر بالغُسْل له استحباب لعل صوابه لها فيكون الضمير راجعا إلى المستحاضة،
وهذا هو فالضمير عائد إلى الزوج أي أنها تؤمر بالغسل كرامة لَهُ.
الحق، والقول بلزوم الغسل على المستحاضة مرجوح وعلى ما في هذه النسخة (1/431)
صفحة 432
باب الحيض
الجزء الثاني
431
وَإِنْ يَكُنْ مِنْ مَخْرَجَ الْبَوْلِ جَرَى فَإِنَّ ذَاكَ مَرَضٌ بِهَا طَرَا وَذَاكَ حُكْمُهُ كَبَوْلٍ سَالَا وَيُغْسَلُ الْمَوْضِعُ حِينَ زَالَا (1) كَذَاكَ دَمٌ قَدْ أَتَى لِحَامِلِ إِذْ لَمْ يَكُ الْمَحِيضُ (2) فِي الْحَوَامَلِ مَا جَعَلَ الْإِلَهُ فِي النِّسَاءِ فِي حَالَةٍ حَيْضًا وَحَمْلًا جَائِي (3) وَقِيلَ بَلْ يَكُونُ حَيْضًا مَعَهُ لِضَعْفِ ذَاكَ الْحَمْلِ أَنْ يَجْرَعَهُ (4) لإِنَّ ذَاكَ لِلْجَنِينِ قُوتُهُ فَيَخْرَجَنَّ عَنْهَ مَا يَفُوتُهُ وَذَاكَ بَعْضُ الْحَيْض يُعْطَى إِسْمَهُ وَيَلْزَمَنْ عَلَيْهِ يُعْطَى حُكْمَهُ وَمَا أَتَى مِنْ خَبَرٍ نَفَاهُ فَهُوَ عَلَى الْغَالِبِ لَا سِوَاهُ وَإِنْ أَتَى الآيسَ بَعْدَ مَا انْقَطَعْ دَم كَحَالِهِ الَّتِي بِهَا ارْتَفَعْ فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ حَيْضُ تَدَعُ به الصَّلَاةَ وَأُنَاسٌ مَنَعُوا وَهَؤُلَاءِ جَعَلُوهُ دَاآ بَعْدَ الإِيَاسِ يَطْرُقُ النِّسَاآ وَهْوَ مِنَ الْحَيْضِ أَرَاهُ أَقْرَبَا إِذْ حَالُهَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْقَلِبَا لأَنَّمَا يَرْفَعُهُ يَبَاسُهَا بِكِبَرِ السِّنِّ وَذَا إِيَاسُهَا وَيُمْكِنُ الصَّحَةُ أَنْ تَعُودَا كَحَالِهَا وَلَمْ يَكُنْ بَعِيدًا
(1) أي زال [ذلك الخارج الذي يشبه البول].
(2) المحيض الحيض، وقد يجيء المحيض بمعنى الحيض ووقته ومكانه كما في قوله تعالى: وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] أي الحيض، وقوله: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: 222] أي وقته أو مكانه على أن المصدر في هذا النحو من الفعل يجيء على مفعل نحو معاش ومعاد ومقبل ومجيء. (أبو إسحاق)
(3) جائي: صفة لحمل. (4) يَجْرعُهُ: أَي يَشْرَبهُ. (1/432)
صفحة 433
432
الجزء الثاني
كتاب الحيض والنفاس
إِنْ سَلِمَ الْعُودُ فَإِنَّ الْحَالَا يَعُودُ قَدْ رُوِي لَنَا أَمْثَالَا وَيَلْزَمُ الْمَرَأَةَ أَنْ تُمَيِّزَا بَيْنَ الدِّمَاءِ فَتَكُونُ أَحْرَزَا وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهَا وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ فِي جَنَابِهَا (1) إِذَ تَعْمَلُ لأَنَّمَا لَهَا بِهِ أَحْكَامُ مِنْ ذَلِكَ الصَّلَاةُ وَالصِيَّامُ وَهْيَ إِذَا لَمْ تَدْرِ مَا التَّفْرِيقُ فَحَالُ أَمْرِهَا بِهَا يَضِيقُ لَا تَدْرِي كَيْفَ تَفْعَلَنَّ بِالدَّمِ تُصَلِّي أَوْ تَصُومُ أَمْ لَمْ تَصْمِ وَبِالبَيَانِ تَعْرِفُ الطَّرِيقَا مُبَيَّنًا مَحَقَّقًا تَحْقِيقَاً وَصُفْرَةٌ أَوْ حُمْرَةٌ تَأْتِيهَا فِي وَقْتِهَا فَالخُلْفُ جَاءَ فِيهَا فَقِيلَ حَيْضُ وَأُنَاسٌ قَالُوا لَيْسَ بِحَيْضِ بَلْ هُوَ اعْتِلَالُ إِلَّا إِذَا مَا جَاءَ قَبْلَهَا الدَّمُ فَحُكْمُهُ تُعْطَى عَلَى مَا حَكَمُوا كَذَلِكَ الْكَامِنُ فِي الْأَرْحَامِ لَا يُعْطَى حُكْمَ الْحَيْضِ فِي الْأَحْكَامِ لَكِنَّهُ يَتْبَعُ مَا تَقَدَّمَا مِنْ قَاطِرِ الدِّمَاءِ حُكْمًا فَاعْلَمَا وَالحَيْضُ لَا يَكُونُ إِلَّا قَاطِرَا لَيْسَ لَهَا تُفَتِّشُ السَّرَائِرَا وَهْوَ يَدُومُ فِي النِّسَا أَيَّامَا أَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ تَمَامَا وَإِنْ يَكُنْ قَبْلَ الثَّلَاثِ أَنْقَطَعَا فَعِنْدَهُمْ لَيْسَ مَحِيضًا وَقَعَا
معر
(1) أي جنابها أي في حقها، وألزم العلماء المرأة. رفة الدماء الثلاثة، كما ألزموا الذكر البالغ معرفة المياه الثلاثة الخارجة منه لاستقلال كل منها بحكم، لكن التحقيق أنه يتعين على المرأة معرفة دم الحيض ودم الاستحاضة فقط، لأن دم النفاس يُعرفُ بالولادة، ولا وجه للزوم معرفته. قال شيخنا: تلزمها معرفة دم الحيض فقط لأنه إن لم يكن حيضًا فهو استحاضة، (أبو إسحاق) (1/433)
صفحة 434
باب الحيض
الجزء الثاني
433
بَلْ ذَاكَ دَاءٌ وَأُنَاسٌ قَالُوا بِأَنَّهُ الْحَيْضُ وَلَا جِدَالُ أَقَلُّهُ مَعْ هَؤُلَاء لَيْلَهُ وَيَوْمُهَا وَلَا أَرَى دَلِيلَهُ وَقِيلَ دَفْعَةٌ أَقَلُّ ذَاكَا لِمَا رَوَوْا مِنْ خَبَرٍ هُنَاكَا إِنْ أَدْبَرَ الْحَيْضُ فَصَلِّيَنَا أَوْ أَقْبَلَ الْمَحِيضُ فَاتْرُكَنَّا رَوَيْتُهَا مُلَخَّصا) لِلْمَعْنَى وَاللَّفْظُ لَمْ يُوَافِقَنَّ الْوَزْنَا فَعَلَّقَ الأَحْكَامَ بِالْإِقْبَالِ كَذَاكَ بِالْإِدْبَارِ فِي الْأَحْوَالِ لَمْ يَكُنْ يَعْتَبِرُ الْأَيَّامَا فَهَذِهِ حُجَّتُهُمْ تَمَامَا قَوِيٌّ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرْ أَيَّامَهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْخَبَرْ أَنْ نَجْعَلَ النِّسَاءَ مُوَزَعَاتٍ (2) بِاعْتِبَارٍ جَاءَ فَمَنْ تَعَوَّدَ اللَّيَالِي حَكَمَا بِذَاكَ وَالبَعْضُ لَهَا حُكْمُ الدِّمَا بِحَسَبِ الْعَادَةِ فِي الصِّنْفَيْنِ وَذَا هُوَ الْجَامِعُ لِلْقَوْلَينِ وَعَشْرُ أَيَّامٍ مَعَ اللَّيَالِي أَكْثَرُهُ فِي أَكْثَرِ الْأَقْوَالِ وَقِيلَ خَمْسٌ مَعَ عَشْرِ أَكْثَرُهُ وَقِيلَ غَيْرُ ذَا وَلَا نَعْتَبِرُهُ وَالطُّهَرُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَشْرًا فَصَاعِدًا وَالدُّونُ لَيْسَ طُهْرَا فَكُلُّ دَمٌ جَاءَ بَعْدَ عَشْرِ مِنْ طُهْرِهَا فَهْوَ مَحِيضٌ يَجْرِي وَهْوَ مَقَالُ شَيْخِنَا الرَّبِيع وَلَيْسَ بِالمَقَالِ لِلْجَمِيعِ
(1) مُلخّصًا: أي مبينا بكسر الخاء للفاعل. (2) قوله: «مُوَزَّعَاتِ» أي مفرقات. (1/434)
صفحة 435
434
الجزء الثاني
كتاب الحيض والنفاس
وَلأب
لِكِنَّمَا الْعُمَانِيُّونَ نَقَلُوا عَنْهُ وَقَولَهُ عَنْهُ وَقَولَهُ بِهِ قَدْ عَمِلُوا مِنْ هَاهُنَا تَلْقَى الْفُرُوعَ تُبْنَى فِي كُتُبِ الشَّرْقِ لِهَذَا الْمَعْنَى عُبَيْدَةَ العَلَّامَهُ قَوْلٌ فَنَنْقُرَنْ هُنَا أَعْلَامَهُ كُلُّ دَمٍ يَجِيتُهَا مِنْ قَبْلِ وَقْتِ مَحِيضِهَا بِهِ تُصَلِّي لأَنَّهُ فِي حُكْم الِاسْتِحَاضَةِ وَذَاكَ عِنْدَهُ بِحُكْمِ الْعَادَةِ وَالاحْتِيَالُ لِلنِّسَا مُبَاحُ فِي قَطْعِهِ عَنْهَا وَلَا جُنَاحٌ وَذَاكَ إِنْ لَمْ تَخْشَ مِنْهُ أَمْرًا فَقَدْ يَكُونُ الاحْتِبَاسُ ضُرَّا
باب أحكام الْحَيْضِ
وَيَرْفَعُ الْحَيْضُ الصَّلَاةَ عَنْهَا وَيَمْنَعُ الصِيَّامَ حَالًا مِنْهَا لِكِنَّهَا تَقْضِي الصِّيَامَ حَتْمَا وَلَا قَصَاءَ لِلصَّلَاةِ حُكْمَا وَإِنْ أَتَاهَا الْحَيْضُ بَعْدَمَا دَخَلْ وَقْتُ الصَّلَاةِ يَلْزَمَنَّهَا الْبَدَلْ لأَنَّهُ تَوَجَّهَ الْخِطَابُ بِهِ إِلَيْهَا وَكَذَا الْإِيجَابُ وَإِنْ تَكُنْ قَدْ طَهُرَتْ مِنْ قَبْلِ خُرُوجِهِ فَإِنَّهَا تُصَلِّي وَتُمْنَعُ الْمَسْجِدَ لَا تَدْخُلُهُ وَالْمَسَّ لِلْمَصْحَفِ لَا تَفْعَلُهُ كَذَلِكَ الْقُرْآنُ لَا تَقْرَاهُ وَإِنْ تَكُنْ خَافَتْ فَمَا يَدْرَاهُ (1)
(1) قوله: (وإن تكن خافت فما يدراه بتسهيل الهمزة، والأصل بتخفيفها، والمعنى إن الحائض إذا
= (1/435)
صفحة 436
بابُ أحكامِ الْحَيْضِ
الجزء الثاني
435
وَجَائِرٌ لَهَا تُبَسْمِلَنَّا) تَبَرُّكًا أَوْ تَتَعَوَّذَنَّا وَجَائِزٌ دُخُولُهَا فِي المَسْجِدِ لِضَرَرٍ فَإِنْ يَزُلْ لَا تَقْعُدِ وَيُمْنَعُ الْوَطْءَ (2) فَإِنْ وَطَاهَا فَقَدْ أَتَى الكَبِيرَ إِذْ أَتَاهَا (3) وَلَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافُ أَبَدًا بَلْ فِيهِ لِلأُمَّةِ إِجْمَاعٌ غَدًا مُسْتَنِدًا عَلَى مَعَانِي الْآيَةِ وَمَا أَتَى فِي ذَاكَ مِنْ رِوَايَةِ يُبْرَأُ مِنْ فَاعِلِهِ إِنْ لَمْ يَتُبْ وَالوَقْفُ عَنْهُ مِنْ أَغَالِيطِ الْكُتُبْ مَسْأَلَةٌ قَدْ قَالَهَا مَنْ قَالَا وَنَظَمَ الأَصْلُ وَنَظَمَ الْأَصْلُ بِهَا الْمَقَالَا رَأَى اخْتِلَافَ الْعُلَمَا فِي زَوْجَتِهُ فَظَنَّ أَنَّ خُلْفَهُمْ فِي فِعْلَتِهْ
خافت في ليلها أو في خلوتها فاضطرت لقراءة شيء من القرآن لذهاب الخوف، فلها أن تقرأ ما يدرأ الخوف أي يدفعه.
(1) وقوله: «تبسْمِلَنَّا» أي تقرأ البسملة وهي بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
(2) قوله: «ويمنع» بالبناء للفاعل وهو الحيض، أي ويمنع الحيض الجماع.
(3) الجماع في الحيض والنفاس مما احتدمت فيه آراء علمائنا، فمنهم من رأى أن المرأة تحرم به، ويرجع ترجيح هذا القول عند الأكثر إلى أن النهي يدل على فساد المنهي عنه، لكن التحقيق أن النهي الدال على الفساد فيما إذا كان راجعا إلى ذات المنهي عنه، ولكن النهي في مسألتنا راجع إلى صفة فيه نص عليها كلام الباري جل علا وهي الأذى، فمن هذا رأى فريق من عدم الحرمة، وهذا الحق الذي لا مرية فيه لما له من الأدلة الصريحة، وتحريم الزوجة
العلماء
من أصعب الصعب، مع الإجماع على أن هذا الفعل حرام، وألزم الفريق الأخير مرتكبه كفارة دينارًا لكل من الزوجين يؤديه إلى فقير تحل له الزكاة، وسموه دينار الفراش، وبين الفريقين ثالث توقف في الأمر، ولم يحلل ولم يحرم، وهو جمع من أئمة العلم كإمام المذهب أبي الشعثاء والإمام أبي عبيدة رحمهما الله، وهؤلاء نظروا إلى جانب ما في الفعل من الإثم العظيم، وما يكتنفه من الجرأة على نَهْي الله تعالى، وفي ذيل آية الحيض ما يتدبره أولو الألباب من الحكمة البالغة والإشارات اللطيفة، البديعة، كسُنَّة البديع الباري في ذيول الآيات إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] (أبو إسحاق) (1/436)
صفحة 437
436
الجزء الثاني
كتاب الحيض والنفاس
فَقَالَ لَا يُبْرَأُ مِنْ حَلِيلِهَا لأَنَّ الاِخْتِلَافَ فِي تَحْلِيلِهَا هَيْهَاتَ لَيْسَ ذَا الْمَقَالُ حَمَّا بَلْ حَقَّهُ وَرَا البُحُورِ يُلْقَى هَنَاكَ شَيْئَانِ فَأَمَّا الفِعْلُ مُحَرَّمٌ بِهِ يَقُولُ الْكُلُّ وَالثَّانِي تِلْكَ الزَّوْجَةُ الْمُفْتَرَشَهُ وَالخُلْفُ فِي بَقَائِهَا مُفْتَرَشَة) فَقِيلَ إِنَّهَا عَلَيْهِ تَفْسُدُ وَهْوَ عَنِ الْعُمَانِيِّينَ يُوجَدُ عُقُوبَةُ الْفِعْلِ الَّذِي تَعَجَّلَا فَهُوَ كَمَنْ مَوْرُوثَهُ قَدْ قَتَلَا وَبَعْضُهُمْ يَرَى بَقَاءَهَا لَهُ وَهُوَ أَبُو نُوحٍ وَتَدْرِي حَالَهُ
(2)
كَذَاكَ مُوسَى وَهْوَ مُوسَى الْأَوَّلُ (3) وَقَوْمُنَا عَلَيْهِ أَيْضًا عَوَّلُوا وَالأَصْلُ عَنْ أَسْلَافِنَا نَفَاهُ وَهُوَ مُوْجُودٌ وَمَا دَرَاهُ كَذَاكَ إِبْنُ النَّضْرِ) فِي مَقَالِهِ يَبينُ غَيْرَ عَارِفَ بِحَالِهِ لأَنَّهُ عَزَاهُ لِلْجَهُولِ وَبَعْدَهُ قَدْ قَالَ فِي التَّحْلِيلِ بِأَنَّهَا تَحِلُّ بِالدِّينَارِ فِي قَوْلِ ذَاكَ الْجَاهِلِ الْمُمَارِي وُهُوَ مَقَالُ جَاهِلِ بِالْحَالِ إِذْ لَيْسَ ذَا الدِينَارُ لِلْإِحْلَالِ
(1) أي فراشا للزوج.
(2) قوله: «أبو نوح» هو صالح الدهان أحد تلاميذ الإمام جابر بن زيد. (3) وأبو موسى الأول هو موسى بن أبي جابر الأزكوي، وقد سبق ذكره وموسى الثاني موسى بن علي بن عزرة الأزكوي أيضا وقد سبق.
هو
الشيخ
(4) ابن النضر: هو الشيخ العلامة أحمد بن سليمان بن النضر السموألي صاحب عقود الدعائم، قصائده مشهورة في الأديان والأحكام وبعض أصول الدين. (1/437)
صفحة 438
بابُ أحكام الْحَيْضِ
الجزء الثاني
437
وَإِنَّمَا ذَلِكَ تَكْفِيرٌ لِمَا أَتَاهُ مِنْ ذَنْبٍ عَلَيْهِ أَثِمَا مِثَالُهُ كَفَّارَةُ الإِفْطَارِ فِي رَمَضَانَ الأَكْلِ بِالنَّهَارِ فَذَلِكَ التَّكْفِيرُ لَا يُحَلِّلُ مَأَكُولَه إِذْ كَانَ فِيهِ يَأْكُلُ لَكِنَّهُ كَفَّارَةٌ لِلذَّنْبِ وَذَلِكَ الدِّينَارُ عَنْ ذَا الْقُرْبِ وَزَوْجَةُ الإِنْسَانِ لَا يُؤَكِّرُ فِي حِلِّهَا الدِّينَارُ إِذْ يُكَفِّرُ ثُمَّ أَبُو الشَّعْثَاءِ قَدْ تَوَقَّفَا وَمُسْلِمٌ كَذَا الرَّبِيعُ فَاعْرِفَا كَذَاكَ مَحْبُوبٌ (2) فَهَلْ تَرَاهُمُ قَدْ جَهِلُوا الْحُكْمَ بِمَا أَتَاهُمُ كَلَّا وَلَكِنْ وَقَفُوا مِنْ أَجْلِ مَا رَأَوْا مِنَ الْحَوْطَةِ فِيهِ فَاعْلَمَا إِذِ الدَّلِيلُ لَمْ يَكُنْ مُفَرِّقَا بَيْنَهُمَا فَيَجْعَلُوهُ مَوْثِقَا وَإِنَّمَا فَرَّقَ مَنْ قَدْ فَرَّقَا لِجَعْلِهِ بَابَ الْمَعَاصِي مُغْلَقَا رَأَوْا بِأَنَّ فَتْحَ هَذَا الْبَابِ بَيْنَ الْوَرَى يُفْضِي إِلَى العِطَابِ لأَنَّ غَالِبَ الْوَرَى يَخْشَوْنَا فِرَاقَهَا وَالرَّبَّ لَا يَخَشَوْنَا فَعَاقَبُوهُ بِفَسَادِهَا لِكَيْ يَنْسَدَّ بَابُ الفُحْشِ عَنْ ذَاكَ الفُتَيْ وَاسْتَنْبَطُوا حُجَّتَهُ أَنْ جَعَلُوا ذَلِكَ مِثْلَ إِرْثِ مَنْ قَدْ يَقْتُلُ
(1) قوله: «الأكل» بالجر بدل من الإفطار.
(2) قوله: «كذاك محبوب» هو الإمام الجليل محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة القرشي، من أهالي البصرة، ثم انتقل إلى عُمان وسكن مدينة صحار، وهو والد الإمام الشهير الشيخ محمد بن محبوب، وله ذرية طيبة مباركة، وبيتهم بصحار يعرف بآل الرحيل إلى زماننا هذا ولينظر
المنصف اللبيب إلى ما حققه الناظم في هذا المقام مما لم يسبق إليه، ولا يشق له فيه غمار. (1/438)
صفحة 439
438
الجزء الثاني
كتاب الحيض والنفاس
أَيْضًا وَفِي الْأُصُولِ أَنَّ النَّهْيَ قَدْ يُفْضِي إِلَى فَسَادِ مَا فِيهِ وَرَدْ مِنْ هَاهُنَا تَشَجَّعُوا وَفَرَّقُوا وَحَصَلَ الْمَطْلُوبُ حِينَ وُفِّقُوا وَفَرَّعُوا عَلَيْهِ أَشْيَا تُذْكَرُ فِي جُمْلَةِ الْفُرُوعِ مِمَّا أَثَرُوا مِنْ ذَاكَ لَا تَحْرُمُ حَتَّى تَدْخُلَا حَشَفَةُ القَضِيبِ طُرًّا فَاحْفِلَا لأَنَّمَا الْتِقَا الخِتَانَيْن بِذَا وَهُوَ الَّذِي يُوجِبُ أَحْكَامَ الْأَذَى بِالِالْتِقَا تُعَلَّقُ الْأَحْكَامُ وَلَيْسَ دُونَ الِالْتِقَا حَرَامُ) وَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْمُبَاشَرَهُ يَحْذَرُ فَرْجَهَا بِأَنْ يُبَاشِرَهُ يَأْمُرُهَا أَنْ تَجْعَلَنْ عَلَيْهِ كَخِرْقَةٍ تَمْنَعُهُ لَدَيْهِ وَشَأْنُهُ إِنْ شَاءَ مَا عَدَاهُ وَيَحْذَرَنْ أَنْ يَقْرَبَنْ إِيَّاهُ إذِ الدُّخُولُ مِنْ وَرَاءِ التَّوْبِ مِثْلُ دُخُولٍ دُونَهُ فِي الرَّيْبِ فَالْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ قَدْ فَرَّقُوا عَمْدًا بِهِ وَالْبَعْضُ لَا يُفَرِّقُ وَمَا عَلَيْهِمْ فِي الْخَطَا مِنْ حَرَجٍ إِنْ كَانَ ظَنُّهُمْ بِأَنْ لَمْ يَلِجِ وَإِنْ يَكُنْ جَامَعَهَا فِي الطَّهْرِ وَعِنْدَهُ رَأَى الْمَحِيضَ يَجْرِي فَإِنَّهُ يَنْزِعُ حَالًا عَنْهَا وَحَالَةُ الإِخْرَاج يُمْنَحَنْهَا فَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ مَا رَأَىهُ فَهْوَ كَمَنْ بِالْعَمْدِ قَدْ أَتَاهُ
(1) قوله: «وليس دون الالتقا حرام» أي تحريم؛ والمعنى أن الزوج لا يحرم عليه من زوجته الحائض إلا مباشرة، الجماع، وأقل ما يحصل ذلك بإيلاج الحشفة.
(2) قوله: عمدًا به أي بالدخول من وراء الثوب. (1/439)
صفحة 440
بابُ أحكام الْحَيْضِ
الجزء الثاني
439
وَقَوْلُهَا الْحُجَّةُ مَهْمَا كَذَّبَا مَقَالَهَا فَلِلْحَرَامِ ارْتَكَبَا وَإِنْ تَكُنْ قَدْ عَوَّدَتْهُ تَكْذِبُ فَلَمْ يُصَدِّقْهَا وَشَاءَ يَقْرُبُ وَبَعْدَ أَنْ مَضَى رَأَى الدِّمَاءَ فَالْخُلْفُ فِي فَسَادِها قَدْ جَاءَ فَقِيلَ لَا تَفْسُدُ وَهُوَ أَقْرَبُ لِأَنَّها قَدْ عَوَّدَتْهُ تَكْذِبُ وَأَنَّها حُجَّتَها قَدْ أَسْقَطَتْ بِعِذْبِهَا وَمَالَهُ تَعَوَّدَتْ وَإِنْ وَطَاهَا حَالَةَ الإِسْكارِ فَالْخُلْفُ أَيْضًا فِي الفَسَادِ جَارِي وَإِنْ يَكُنْ قَد قَذَفَ الْجَنَابَهُ فِي فَرْجِهَا تَعَمُّدًا أَصَابَهُ وَلَمْ يَمَسَّهَا بِنَفْسِ الذَّكَرِ فَقِيلَ تَفْسُدَنْ عَلَيْهِ فَانْظُرِ قَدْ شَبَّهُوا ذَلِكَ بِالْجِمَاعِ وَهْوَ مِنَ الْحَوْطَةِ فِي اتَّسَاعِ وَفِي الْقِيَاسِ نَظَرْ لَا يَخْفَى إِذْ لَمْ يَتِمَّ الْاِشْتِرَاكُ وَصْفَا وَإِنْ يَكُنْ جَامَعَها بِالْعَمْدِ وَبَعْدَهُ قَابَلَهَا بِالْجَحْدِ وَحَاكَمَتْهُ عِنْدَ قَاضِي الْبَلَدِ وَحَلَّفَتْهُ أَنَّهُ لَمْ يَعْمُدِ فَإِنَّهُ قِيلَ عَلَيْهَا تَفْتَدِي مِنْهُ بِمَا تَمْلِكُهُ مِنْ سَبَدِ) فَإِنْ أَبَى تَمْتَنِعَنَّ مِنْهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ لَا تُقَرِّبَنَّهُ وَإِنْ تَكُنْ لَمْ تَسْتَطِعْ دِفَاعَهُ فَما عَلَيْهَا فَوْقَ الاِسْتَطَاعَهُ وَمَا لَهَا أَنْ تَقْتُلَنَّهُ قَطْعَا لَعَلَّهُ يَرَى بَقَاهَا شَرْعًا
(1) أي المال. (1/440)
صفحة 441
440
الجزء الثاني
كتاب الحيض والنفاس
خِلَافَ مَنْ قَدْ طُلِّقَتْ بِالْبَتٌ وَأَنْكَرَتْ وَجَاءَهَا لِيَأْتِي فَإِنَّهَا تَدْفَعُهُ وَلَوْ قُتِلْ إِنْ لَمْ يَكُنْ يَرْجِعُ عَمَّا قَدْ عَمِلْ وَمَالَهَا بِالِاغْتِيَالِ تَقْتُلُهُ لِأَنَّمَا لهَا الدِفَاعَ تَفْعَلُهْ كَذَاكَ قِيلَ وَهُوَ قَوْلٌ ظَاهِرُ وَيَنْبَغِي فِيهِ مَقَالُ آخَرُ فَإِنَّ حَبْسَهُ لَهَا وَجَعْلَهَا مَنْزِلَةَ الزَّوْجَةِ إِضْرَارٌ لَهَا وَذَاكَ بَغْيِّ مِنْهُ وَاعْتِدَاءُ فَقَتْلُهُ لَيْسَ بِهِ هَبَاءُ لَكِنَّهَا تَسْتُرُهُ إِنْ يَلْزَمَا حُكْمٌ عَلَيْهَا وَكَذَا أَنْ تَغْرَمَا وَشَرْطُهُ يُطَلِّقَنْ مِرَارًا مُفَرَّقَاتٍ وَيَجِي الإِنْكَارَا (2) لفظة وَإِنْ يَكُنْ قَالَ بِهَا فِي وَاحِدَةٍ فَالخُلْفُ فِي القَضِيَّةِ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ ذَاكَ يُقْتَلُ لَعَلَّهُ فِيهِ بِرَأَي يَعْمَلُ وَإِنْ وَطَاهَا فِي الْمَحِيضِ وَجَحَدْ قِيلَ لَهَا تُعَاشِرَنْهُ إِنْ رَقَدْ لأَنَّها زَوْجَتُهُ فِي الظَّاهِرِ وَذَا الْمَقَالُ لَمْ يَكُنْ بِالشَّاهِرِ لَكِنَّمَا الصَّحَّةُ فِيهِ تُلْمَحُ وَعَامِلُ بالرَّأْيِ لا يُجَرَّحُ
(3)
(1) قوله: «بالْبَت» أي بالقطع والمراد به من طلّقَتْ طلاقًا بائنا، كمن طلقت ثلاث مرات، وتسمى المطلقة الطلاق البائن مبتوتة لانقطاع مراجعتها.
(2) قوله: «ويجي الإنكارا» أي ويجي الزوج بالإنكار. (3) قوله: «وإن يكن قال بها وذلك كأن يقول لها: أنت طالق ثلاثًا ولم تسبق منه تطليقتان فليس لها هنا أن تقتله إذا جحد الطلاق لأن في مسألته: قولين قيل تطلق واحدة وقيل
بعض قومنا لا تطلق أصلًا لأن هذا من طلاق البدعة.
ثلاثا
وعند (1/441)
صفحة 442
بابُ النِّفَاسِ
الجزء الثاني
441
وَالْوَطْيُّ فِي الْأَدْبَارِ عَمْدًا مُفْسِدُ وَالِاخْتِلَافُ بِالْخَطَا مُقَيَّدُ فَبَعْضُهُمْ أَفَسْدَهَا وَلَوْ خَطَا لِمَا بِهِ عَنِ النَّبِيَّ ضُبِطَا قَدْ قَالَ أَدْبَارُ النِّسَا حَرَامُ عليهِ مِنْ إِلَهِنَا السَّلَامُ قَالُوا وَإِنْ كَانَ حَرَامًا أَفْسَدَا إِنْ أَخْطَأَ الْفَاعِلُ أَوْ تَعَمَّدَا قُلْتُ وَلَكِنْ قَدْ أَتَى فِي العَفْوِ عَنْ مُخْطِيءٍ فِي خَطَا وَسَهْوِ وَإِنَّمَا إِنْسَادُهَا عِقَابُ وَمَا عَلَى الْمُخْطِئُ مَا يُعَابُ وَرَاكِبُ الفُرُوجِ بِالْحَرَامِ هُوَ الَّذِي يَبُوءُ بِالْآثَامِ وَهَاهُنَا مَسَائِلٌ تَقَدَّمَا نَظِيرُهَا فَنَقْطَعُ التَكُلُّمَا
بابُ النِّفَاسِ
وَهُوَ دَمٌ يَخْرُجُ عِنْدَ الْوَلَدِ كَالْحَيْضِ إِلَّا فِي مَزِيدِ الْأَمَدِ) فَإِنَّهُ بِالْأَرْبَعِينَ حُدًا أَكْثَرُهُ وَالعَشْرُ أَدْنَى عَدًا وَقِيلَ بَلْ أَكَثَرُهُ سِتُّونَا وَقِيلَ بَلْ أَكْثَرُهُ تِسْعُونًا وَفِي أَقلِّهِ أَقَاوِيلُ وَلَا نَذْكُرُ كُلَّ مَا بِهِ قَدْ نُقِلَا
وَلِلنِّسَا فِي ذَلِكَ اعْتِيَادُ تَلتَزِمُ الْفَتَاةُ مَا تَعْتَادُ
(1) الأمد: الأجل. (1/442)
صفحة 443
442
الجزء الثاني
كتاب الحيض والنفاس
وَكُلُّ مَا أَتَى مِنَ الدِّمَاءِ فِي وَقْتِهَا فَهْوَ نِفَاسٌ جَائِي وَإِنْ تَكُنْ قَدْ وَلَدَتْ بَهِيمَهُ أَوْ لَحْمَةً قَبِيحَةً ذَمِيمَهُ وَعِنْدَهَا قَدْ جَرَتِ الدِّمَاءِ فَهْوَ نِفَاسٌ مَا بِهِ مِرَاءُ وإِنْ تَكُنْ قَدْ وَلَدَتْ مِنْ غَيْرِ مَا دَم فَطَاهِرًا تَكُونُ فَاعْلَمَا وَالْغُسْلُ لِلصَّلَاةِ حَتْمًا وَاجِبُ وَهُو مِنَ السُّنَّةِ حُكْمًا وَاجِبُ (1) إِنْ سَالَ دَمٌ بَعْدَ أَنْ يَنْقَطِعَا أَوْ لَمْ يَسِلْ فَبَعْدَمَا أَنْ تَضَعَا وَقَبْلَ أَن يَخْرُجَ ذَاكَ الْوَلَدُ لَيْسَ لَهَا عَنِ الصَّلَاةِ تَقْعُدُ وَقَالَ بَعْضُ بِاِنفِقَاءِ الْهَادِي (2) وَقِيلَ إِنْ تَرْكُرَ لِلْمِبْلَادِ وَهُوَ مِنَ التَّخْفِيفِ يَقْرُبَنَّا وَاللَّهُ بِالْعِبَادِ يَلْطُفَنَّا وَحُكْمُ ذَاتِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ قَدِ اسْتَوَى عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ فِي كُلِّ حَالٍ دُوْنَ مَا اخْتِلَافِ فِي مَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ وَالخِلَافِ وَفِي النَّفَاسِ قَالَتِ الْأَعْلَامُ حَيْضُ وَلَكِنْ زَادَتِ الْأَيَّامُ وَوَطْيُهَا فِيهِ حَرَامٌ مِثْلَ مَا فِي الْحَيْضِ مِنْ أَحْكَامِهِ تَقَدَّمَا
(1) قوله: «واجب» الأول بمعنى لازم وهو الوجوب الشرعي، والثاني بمعنى ثابت وهو الوجوب اللغوي ففيه الجناس المماثل. اهـ. (المصنف)
(2) والعنق والمقدم استعارة للذي يسبق الولد من غشائه. (أبو إسحاق)
(*) انتصب الفعل بعد الجازم (إن) على حد قول الشاعر
فِي أَي يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أَفِرْ أَيَوْمَ لَمْ يُقْدَرَ أَمْ يَوْمَ قُدِرْ إسماعيل) (1/443)
صفحة 444
بابُ النِّفَاسِ
الجزء الثاني
443
وَبَعْضُ مَنْ أَفْسَدَهَا هُنَاكَا فَلَا يَقُولُ هَاهُنَا بِذَاكَا وَذَا الْمَقَالُ فِي القَدِيمِ أَكْثَرُ وَالْمُتَأَخِّرُونَ مِنْهُ اسْتَنْكَروا وَبَالَغَ الشَّيْخُ أَبُو نَبْهَانَا) أَنْكَرَهُ عَلَى الصِّيَا (2) (5) إِعْلَانَا وَإِنَّمَا الْمُصِيبُ فِي ذَاكَ الضَّيَا وَإِنْ يَكُنْ أَكْثَرُهُم مَّارَضِيَا لِأَنَّ نَصَّ الذِّكْرِ خَصَّ الْحَائِضًا وَصَارَ فِي النِّفَاسِ مَعْنًى عَارِضَا وَفِي النِّفَاسِ الْوَطْيُّ لَا يَحِلُّ وَإِنَّهُ قَالَ بِذَاكَ الْكُلُّ وَإِنَّهُ يُرْوَى عَنِ الْمُخْتَارِ مُحَمَّدٍ صَلَّى عَلَيْهِ الْبَارِي وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي إِفْسَادِهَا عَلَيْهِ بالإِثْيَانِ فِي مِيلادِها وَلَيْسَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الذِّكْرُ فِي شِدَّةِ الأَمْرِ كَحُكْم يَطْرُقُ وَإِنْ يَكُنْ عَنِ النَّبِيِّ نُقِلَا فَهُوَ مِنَ الْأَحَادِ وَصْفًا جُعِلَا وَإِنْ يَكُنْ فِي ذَلِكُمْ إِجْمَاعُ فَغَايَةُ الْإِجْمَاعِ الاِمْتِنَاعُ لِلنَّصَّ سِرُّ وَلَهُ خَصَائِصُ وَلَمْ تَكُنْ لِغَيْرِهِ الْخَصَائِصُ
(1) الشيخ أبو نبهان: هو العلّامة الكبير السيد الشهير شيخنا بل شيخ مشايخنا جاعد بن خميس بن مبارك الخروصي المتوفى يوم 5 ذي الحجة من سنة 1237 هـ ه. وجزاه عن الإسلام والمسلمين الجزاء الوافر في رياض الجنة والنعيم. (2) والضياء: كتاب مشهور جامع للأديان والأحكام في نحو ثلاثين جزءا ألفه العلّامة الحبر أبو إبراهيم
سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري وله أيضا كتاب الأنساب المشهور بكتاب تاريخ العوتبي. (*) قلت: تقدم التعليق أن الضياء في أربعة وعشرين جزءا طبع منه اثنان وعشرون جزءا ومن
الكتاب مفقود، وهو قليل. (إسماعيل) (1/444)
صفحة 445
444
الجزء الثاني
كتاب البيوع
كتاب البيوع
وَشَرَعَ الْبَيْعَ لَنَا تَعَالَى لِحِكْمَةٍ صَيَّرَهُ حَلَالًا لَوْ لَمْ يَحِلَّ البَيْعُ فِي الأَشْيَاءِ ضَاقَ عَلَيْنَا وَاسِعُ الفَضَاءِ نَحْتَاجُ لِلشَّيْءِ فَلَا نُدْرِكُهُ لِأَنَّ غَيْرَنَا غَدَا يَمْلِكُهُ وَبَيْعُهُ صَارَ لَنَا سَبِيلًا وَكَانَ حُكْمُ ذَلِكَ التَّحْلِيلَا وَالبَيْعُ مِنْهُ جَائِزٌ وَمِنْهُ مَا يُكْرَهُ وَالبَعْضُ غَدًا مُحَرَّمَا وَهَا أَنَا أَذْكُرُهُ جَمِيعًا لَكِنَّنِي أُقَدِّمُ الْمَمْنُوعَا لأَنَّ فِعْلَهُ حَرَامٌ فَوَجَبْ عَلَى العِبَادِ فِعْلُهُ أَنْ يُجْتَنَبْ وَبَعْدَهُ الْمَكْرُوهُ فَالْمُبَاحُ إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي فِعْلِهِ جُنَاحُ
باب الربا
وَحَرَّمَ الرَّبَا لِلابْتِلَاءِ مِنْ ثَمَّ أَخْفَى عِلَّةَ الرِّبَاءِ وشدّدَ الْقَوْلَ بِهِ تَشْدِيدَا وَأَغْلَظَ الوَعِيدَ وَالتَّهْدِيدَا حَرْبٌ مِنَ اللَّهِ لِمَنْ لَمْ يَنْتَهِ فَلْيَأْذَنَنْ بَحَرْبِهِ أَوْ يَنْتَهِ وَهْوَ يَجِيءُ قِيلَ مِنْ أَبْوَابِ وَعَدُّهَا سَبْعُونَ فِي الْحِسَابِ فِي شِدَّةِ الْحَرَامِ كَمَنْ أَتَى الْأُمُّ بِلَا احْتِرَامِ
أَقَلُّهَا (1/445)
صفحة 446
باب الربا
الجزء الثاني
445
وَذُو الرَّبَا مَرْدُودَةٌ أَعْمَالُهُ لَوْ كَانَ قِيرَاطًا حَوَاهُ مَالُهُ إِذَا دَرَى بِهِ وَذَاكَ مُبْطِلُ لِأَنَّهُ مِنَ الْكَبِيرِ يُجْعَلُ وَيَمْحَقُ الله الرِّبَا وَيُرْبِي لِلصَّدَقَاتِ فِي كَلَامِ الرَّبِّ وَذَلِكَ الْإِمْحَاقُ إِذْهَابُ لِمَا يَنْمُو وَيَرْبُو (1) أَيْ يَزِيدُ فِي النَّمَا وَيُحْبَسُ الْمُشْرِكُ إِنْ تَبَيَّنَا بَيْعُ الرِّبَا مِنْهُ مَقَالًا بَيِّنَا كَذَلِكَ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَدْ نُهُوا عَنْ أَكْلِهِ جِهَارَا وَقَدْ نُهُوا عَنِ الرِّبَا فَأَكَلُوا وَبَّخَهُمْ بِهِ الْكِتَابُ الْمُنْزَلُ وَتَائِبُ يَأْخُذُ رَأْسَ مَالِهِ وَمَا يَزِيدُ لَيْسَ مِنْ حَلَالِهِ وَإِنْ يَكُ الْمُرْبَى عَلَيْهِ مُعْسِرَا يَلْزَمُ ذَا الْحَقِّ لَهُ أَنْ يُنْظِرَا وَالنَّصُّ جَاءَ فِي صُنُوفٍ سِتَّةِ فِي ذَهَبٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَالْبُرِّ بِالبُرِّ وَفِي الشَّعِيرِ بِمِثْلِهِ وَالتَّمْرِ بِالتُمُورِ وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ وَطَوْرًا قَالَا مَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ بِعْ حَلَالًا فَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ لَا تُبَاعُ بَعْضًا بِبَعْضٍ وَهْوَ الْإِجْمَاعُ إِلَّا إِذَا يَدًا يَكُونُ بِيَدِ مِثْلًا بِمِثْلِ بَعْضُهَا لَمْ يَزِدِ وَإِن يَزِدْ بَعْضُ فَفِيهِ اخْتَلَفَا لَوْ حَاضِرًا بِحَاضِرٍ مَنْ سَلَفَا فَالبَحْرُ عَبْدُ اللهِ وَابْنُ عُمَرَا وَجَابِرٌ تِلْمِيذُهُم لَمْ يَحْجُرَا
الأظهر.
(1) في أكثر النسخ «ويربو» وهو () وقد أثبتنا الأظهر وكان المثبت «يَرْبَى». (إسماعيل) (1/446)
صفحة 447
446
الجزء الثاني
كتاب البيوع
وَصَحْبُنَا أَيْضًا عَلَيْهِ عَوَّلُوا فَلَا رِبًا إِلَّا إِذَا يُؤَجَّلُ وَذَاكَ مَعْنَى قَدْ رَوَاهُ البَحْرُ يَرْفَعُهُ وَفِيهِ ذَاكَ الْحَصْرُ (1) فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِهِ فِي الفَتْوَى بِهِ فِي الفَتْوَى كَيْلَا نُضَيَّعَ الدَّلِيلَ الأَقْوَى لِأَنَّهُ إِمَّا مُبَيِّنُ لِمَا قَدْ كَانَ فِي سِوَاهُ حُكْمًا مُبْهَمَا أَوْ نَاسِخُ لَمُقْتَضَى التَّسْوِيَةِ فِي حَاضِرٍ بِحَاضِرِ فِي الصَّفْقَةِ وَفِي الْقُرَانِ ذِكْرُ الانْتِظَارِ فِي رَبِّ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْإِعْسَارِ وَالانْتِظَارُ لِلنَّسِيئَةِ اقْتَضَى إِذْ لَا انْتِظَارَ لِلَّذِي كَانَ مَضَى وَأَجْمَعَ الْمُخَالِفُونَ طُرًا يُجْعَلُ مَا زَادَ رِبًا وَحِجْرَا وَنَقَلُوهُ عَنْ أَبِي سَعِيدِ مِنَ الصَّحَابَةِ أُولِي التَّمْجِيدِ وَنَقَلُوا عَنْ وَلَدِ الفَارُوقِ رُجُوعَهُ القَوْلِ بِالتَّصْيِيقِ وَزَعَمُوا بِأَنَّ الإِجْمَاعَ انْعَقَدْ عَلَيْهِ وَهْوَ عِنْدَنَا حَتْمَا يُرَدْ وَالْخُلْفُ جَاءَ مِنْ وُجُوهِ أُخْرَى بَيْنَ أَشْيَاحَ الْعُلُومِ تُطْرَى فَبَعْضُهُمْ قَدْ قَصَرَ الرِّبَا عَلَى مَوَاضِعِ النَّصِ وَلَمْ يُعَلِّلًا لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ التَّعْلِيلَا نَبِيُّنَا إِذْ ذَكَرَ الدَّلِيلَا فَهُوَ تَعْبُدُ وَلَسْنَا نَعْقِلُ مَعْنَاهُ وَالْجُمْهُورُ فِيهِ عَلَّلُوا
(1) قوله: «وفيه ذاك الحصر» يشير إلى الحديث المشهور عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الربا
النسيئة». (1/447)
صفحة 448
باب الربا
الجزء الثاني
447
فَاسْتَنبِطُوا عِلَّقَهُ بِالْقَهُم بِالكَيْلِ أَوْ بِالْوَزْنِ أَوْ بِالطَّعم وَقِيلَ الْاقْتِيَاتُ مِمَّا يُدَّخَرُ لَا مِثْلَ بَطَّيحَ وَمَا لَا يُدَّخَرْ لِأَنَّمَا الْمَذْكُورُ بِالخُصُوصِ أَنْوَاعُ الاقْتِيَاتِ فِي النُّصُوصِ وَذَكَرَ النَّقْدَيْنِ إِذْ هُمَا إِلَى ذَاكَ وَسِيلَةٌ بِهَا تُوُضِّلَا فَالاعْتِبَارُ بِمَنَافِعِ الْوَرَى فِي الاقْتِيَاتِ إِنْ يَكُنْ مُدَّخَرَا وَإِنْ يَكُنْ يُسْرِعُ لِلْفَسَادِ فَمَا الرِّبَا فِيهِ بِحُكْمِ بَادِي وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ حَدَّدُوا بِكَوْنِهِ قَبْلَ الثَّلَاثِ يَفْسُدُ وَقِيلَ إِنَّ عِلَّةَ الرِّبَاءِ جِنْسِيَّةُ الشَّيْئَيْنِ بِالسَّوَاءِ فَلَا يُبَاعُ حَجَرٌ بِحَجَرٍ لِأَنَّهُ جِنْسٌ لَدَى الْمُعْتَبِرِ وَذَاكَ كُلُّهُ كَذَلِكَ القِرْطَاسُ بِالقِرْطَاسِ بِبَيْعِ النَّاسِي وَقِيلَ إِنَّ جُمْلَةَ الْأَدْهَانِ جِنْسٌ كَمِثْلِ الْحَقِّ وَالْأَسْمَانِ فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ لَا يُبَاعُ هَذَا بِذَا وَقِيلَ بَلْ يُبَاعُ لأَنَّهُ جِنْسَانِ لَيْسَ جِنْسَا فَجَائِزٌ أَنْ يُنْقَدَنْ أَوْ يُنْسَا كَذَاكَ بَيْعُ الشَّحْمِ بِالْأَلْبَانِ لَيْسَ بِهِ بَاسٌ مَدَى الزَّمَانِ كَذَلِكَ الْحُوتُ بَحَبِّ عُلِمَا لِأَنَّهُ جِنْسَانِ عِنْدَ الْعُلَمَا
(2) (1)
(*) لا مثل بالجر عطفا على ما، ويجوز النصب على نزع الخافض، والأصل (لا كمثل). (إسماعيل)
(1) أي المؤجل. اهـ. (المصنف)
(2) ببيعُ النَّاسِي» أي النسيئة. (1/448)
صفحة 449
448
الجزء الثاني
كتاب البيوع
وَقِيلَ مَنْ بَاعَ الْكَسِيفَ (1) وَالسَّمَك نَسِيئَةً بِالْحَبِّ وَالتَّمْرِ هَلَكْ لِأَنَّمَا جَمِيعُهُ مَطْعُومُ فَالطَّعْمُ هُوَ جِنْسُهُ الْمَعْلُومُ وَأَنَّهُ جِنْسٌ بَعِيدٌ لَا أَرَى تُبُونَهُ فَيُمْنَعَنْ وَيُحْجَرَا وَاللَّحْمُ جِنْسٌ فَلُحُومُ الْغَنَمِ بَغَيْرِهَا لَيْسَ تُبَاعُ فَاعْلَم وَلَا يُبَاعَ حَيَوانٌ أَبَدًا بِحَيَوَانٍ أَمَدًا مُمَدَّدَا لِأَنَّ ذَاكَ إِنْ يَكُنْ مِن نَوْعِ فَالْبَيْعُ حِجْرٌ لِلرِّبَا الْمَمْنُوعِ أَوْ كَانَ مِن نَوْعَيْنِ فَالبَيْعُ مُنِعَ لِغَيْبَةِ الثَّانِي الَّذِي بِهِ تُبِعْ وَوَهَمَ الأَصْلُ هُنَا فَجَوَّزَا بَيْعَ بَعِيرٍ بِشِيَاءٍ جُوِّزَا نَسِيئَةً وَذَاكَ وَهُمْ قَدْ سَرَى لَهُ مِنَ ابْنِ النَّصْرِ حَيْثُ ذَكَرَا وَلَمْ يَكُنْ جَوَّزَهُ ابْنُ النَّصْرِ إِلَّا يَدًا وَلَمْ يُجِزُ فِي الصَّبْرِ وَالصَّائِغِيُّ (2) ظَنَّهُ فِي النَّسِئَهُ فَمِنْ هُنَاكَ قَدْ أَتَتْهُ التَّخْطِئَة وَبَعْدَ أَنْ كَتَبْتُ مَا كَتَبْتُهُ فَمَا حَكَاهُ الصَّائِغِي وَجَدْتُهُ بَعَيْنِهِ فِي بَعْضِ أَسْفَارِ الْأُولَ فَالعُذْرُ مِنْ تَوهِيمِهِ حَالًا حَصَلْ
(1) قوله: «الكسيف» هو حوت يُجَفَّفُ ويُمَلَّحُ ويُعرفُ عند أهل عُمان بالعوال. (2) قوله: «والصائغي» هو صاحب الأرجوزة الأصل الشيخ العلامة سالم ابن سعيد الصائغي المنحي، وله كتاب الإرشاد، وقد عكر هنا الإمام نور الدين ناظم الجوهر على الشيخ الصائغي، ثم إنه بعدما كتب هذا وجد في أثر القدماء عن بعض علماء السلف أنه لا ربا في الحيوان، ذكر ذلك الشيخ أبو غانم في المدونة، فاستدركه الناظم فقال: «وَبَعْدَ أَنْ كَتَبْتُ مَا كَتَبْتُهُ ... إلخ». (1/449)
صفحة 450
باب الربا
الجزء الثاني
449
وَيَشْمَلُ الْمِلْحَ نَبَاتُ الْأَرْضِ فِي قَوْلِ بَعْضٍ دُوْنَ قَوْلِ بَعْضٍ وَهْوَ مِنَ الجِنْسِ الْبَعِيدِ أَنْ يَقَعُ فَلَا أَرَى الْمَنْعَ بِهِ يَوْمًا وَقَعْ فَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ أَدْنَى مِنْهُ وَالْبَيْعُ فِيهَا لَيْسَ نَمْنَعَنْهُ مِنْ ذَلِكَ الفِصَّةُ بِالنُّحَاسِ وَالصِّفْرُ بِالْحَدِيدِ فِي الْقِيَاسِ وَالثَّوْبُ بِالطَّعَامِ وَالزَّبِيبُ بِالزَّيْتِ وَاللَّحْمُ كَذَا يَطِيبُ كَذَلِكَ اللَّحْمُ بِتَمْرٍ وَهُمَا فِي رَأْي قَوْمٍ دُونَ مَنْ قَدْ حَرَّمَا لأَنَّ قَوْمًا يَجْعَلُونَ الطُّعْمَا وَصْفًا لَهُمْ فَيُثْبِتُونَ الْحُرْمَا وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُ مَا يُكَالُ جِنْسًا إِذِ الْكَيْلُ لَهُ اعْتِلَالُ فَالاخْتِلَافُ فِي الْفُرُوعِ يُبْنَى عَلَى اخْتِلَافِ لَهُمْ فِي الْمَعْنَى وَكُلُّ قَائِلِ بِوَصْفِ يَجْعَلُهُ جِنْسًا لَهُ فَيَمْنَعَنْ مَا يَشْمَلُهُ وَرُبَّما قَدْ جَاءَ الْاخْتِلَافُ بِقُرْبِهَا أَوْ بُعْدِهَا الْأَصْنَافُ فَيَنْشَأُ الْخِلَافُ عِنْدَ صِنْفِ عِنْدَ مَقَالِهِمْ بِذَاكَ الْوَصْفِ إِذْ بَعْضُهُمْ يَعْتَبِرُ الْبَعِيدًا وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُهُ بَعِيدًا مِثَالُهُ الشَّحْمُ مَعَ الأَلْبَانِ فَاشْتَرَكَا فِي الْوَصْفِ يُطْعَمَانِ لَكِنَّ الاشْتِراكَ مِنْ بَعِيدِ فَالْمَنْعُ فِيهِ ظَاهِرُ التَّبْعِيدِ كَذَاكَ بَيْعُ القُطْنِ بِالكَتَّانِ لِأَنَّهُ تَبَاعَدَ الْجِنْسَانِ (1/450)
صفحة 451
450
الجزء الثاني
كتاب البيوع
كَذَلِكَ الثَّوبُ بَحَبِّ مَا بِهِ بَأْسٌ لِبُعْدِ جِنْسِهِ مِنْ قُرْبِهِ وَلَا يَجُوزُ الْحَبُّ بِالْمُبَسَّلِ نَسِيئَةً وَهْوَ مَقَالُ الْكُلِّ وَذَاكَ لِأَتَّفَاقِهِ فِي العِلَلِ فِي الوَزْنِ وَالْكَيْلِ وَطَعْمِ الْمَأْكَلِ وَأَنَّهُ الْمُقْتَاتُ وَالْمُزَكَّى فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ الْخِلَافُ يُحْكَى فَهُوَ نَظِيرُ التَّمْرِ بِالحُبُوبِ كَذَلِكَ الْحُبُوبُ بِالرَّبِيبِ وَهُوَ كَتَمْرٍ بِتُمُورٍ بِيعَا وَمِثْلُ حَبِّ بِحُبُوبِ تُوعَى (2) وَفِي جِرَابٍ بِجِرَابٍ تَمْرَا وَهَكَذَا جَرْيٌّ بِجَرْي بُرا) خُلْفٌ عَنِ الأَشْيَاحَ بَعْضُ حَلَّلَهُ وَأَنَّهُ كَالْقَرْضِ حُكْمًا جَعَلَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَائِدٍ عَلَى مَا كَانَ أَعْطَى فَلِذَاكَ حُلّلًا قُلتُ وَلَكِنْ صُورَةُ الْبَيَاعَ هِيَ الَّتِي تَقْضِي بِالامْتِنَاعِ وَإِنْ يَكُنْ قَدْ جَعَلُوهُ قَرْضًا فَالقَرْضُ لَا بَأْسَ بِهِ فَيُمْضَى وَقِيلَ بَيْعُ القَتْ بِالسَّمَادِ نَسِيئَةً يَلْحَقُ بِالْفَسَادِ لأَنَّهُ لَا سَلَفٌ فيُعْرَفَا وَلَا السَّمَادُ ثَمَنْ فُيوصَفَا
أَمَّا الرِّبَا فَلَيْسَ ذَا مِن بَابِهِ إِذْ لَمْ تَكُنْ أَوْصَافُهُ حَتْمًا
(1) قوله: «المُبسَل» هو البسر المطبوخ بعد يباسه، وذلك عند أهل عُمان.
(2) أي: تُجْمَعُ. (المصنف)
(3) تَمْرًا وُبّرًا منصوبان على التمييز.
(4) القت: نبات معروف ويُسَمّى القضب، والسَّمَاد»، هو الزبل وهو معروف أيضًا.
بِهِ (1/451)
صفحة 452
باب الربا
الجزء الثاني
451
وَحَيْثُ كَانَ العَبْدُ مُلْكَ السَّيِّدِ فَلَا رِبًا بَيْنَهُمَا لِأَحَدِ لِأَنَّمَا الْعَبْدُ وَمَالُهُ لَهُ فَهُوَ بِمَالِهِ يَزِيدُ مَالَهُ وَحَيْثُ كَانَ الاخْتِلَافُ فِي الْوَلَدُ هَلْ لِأَبِيهِ مَالُهُ أَيْضًا وَرَدْ كَذَاكَ أَيْضًا فَرَّعُوا عَلَيْهِ قَوْلَيْنِ فِي إِرْبَائِهِ لَدَيْهِ وَالابْنُ إِنْ أَرْبَى عَلَى وَالِدِهِ فَالمَنْعُ فِي الطَّارِفِ (1) أَوْ تَالِدِهِ وَإِنْ يَكُنْ قَدِ اقْتَضَى الإِطْلَاقَا كَلَامُهُمْ فَمَنْعُهُ اتِّفَاقَا لأَنَّ مَالَ الْوَالِدِ الْمُسَمَّى يَكُونُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ حُرْمَا بِلَا خِلَافٍ فَهْوَ مِثْلُ غَيْرِهِ مِنَ الْوَرَى فِي خَيْرِهِ وَضَيْرِهِ وَالصَّائِغِيُّ فِي الرِّبَا قَدْ ذَكَرا مَسْأَلَةٌ يَلْزَمُنَا أَنْ نُنْكِرَا يَذْكُرُهَا فِي رَجُلٍ قَدِ اشْتَرَى جَرْيا بِجَرْيَيْنِ لِضُرٍّ حَضَرَا فَقَالَ لَا بَأْسَ وَلَكِنْ يُعْلِمُ بَائِعَهُ بِأَنَّ ذَاكَ يَحْرُمُ وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلَّا الْجَرِي قَالَ حَفِظْتُ ذَاكَ عَن حَبْرٍ جَرِي وَهَكَذَا الْأَحْكَامُ فِي النُّمُورِ وَغَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الأُمُورِ يُعْلِمُهُ عِنْدَ حُضُورِ الْمُدَّهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَا حَدَّهُ إن صح مِنْهُ الأَخذ كَانَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ بَريَّا وَأَنَا مِنْهُ بَرِي صَحَ
(1) الطَّارِفُ: المال الجديد؛ وهو ما يحصل للإنسان بكسب أو هبة، و «التالد» وكذلك التليد هو المال القديم الموروث. (1/452)
صفحة 453
452
الجزء الثاني
كتاب البيوع
وَفِي كِتَابِ وَاضِح الآثَارِ مَوْجُودَةٌ فِي القَوْلِ لَا تُمَارِي رَفَعَهَا الشَّيْخُ سَلِيلُ دِرْعِ مُحَمَّدٍ مِنْهُ حَلِيفِ الشَّرْعِ قَالَ وَقَدْ وَجَدْتُهَا بِعَيْنِهَا بَخَطَّهِ قَدْ سَلِمَتْ مِن مَيْنِهَا (2) وَأَنْتَ تَدْرِي أَنَّ الاضْطِرَارًا لَيْسَ يُسَوِّعُ الرِّبَا اعْتِبَارَا لِأَنَّمَا فِعْلُ الرِّبَا مِثْلُ الزِّنَى فِي كُلِّ حَالٍ لَا يَكُونُ حَسَنَا وَمَا لَنَا نَقِيسُهُ بِالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَالخِنْزِيرِ فِي الضَّرُورَةِ مَعْ أَنَّ الإِسْتِثْنَاءَ فِيهَا نَصَّا فَهُوَ لَهَا بِذَاكَ حُكْمٌ خُصَّا وَذَاكَ أَنَّ الاِضْطِرَارَ يَحْصُلُ بِحَيْثُ لَا شَيْءَ هُنَاكَ يُؤْكَلُ وَالْبَيْعُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْبَلَد فَهْوَ لِمَأْكُولِ الْبِلَادِ قَدْ وُجِدْ يَلزَمُهُمْ أَنْ يُطْعِمُوهُ جَهْرَا وَيَدْفَعُوا عَنْهُ الأَذَى وَالضُّرَّا فَإِنْ أَبَوْا كَانَ لَهُ بِالقَهْرِ يَأْخُذُهُ لَا بِالرِّبَا وَالحِجْرِ وَالْجَرْيُ فَوْقَ حَاجَةِ الضَّرُورَهُ مِنْ ثَمَّ تَدْرِي أَنَّهَا مَنْكُورَهُ (3) وَمَنْ يَكُنْ أَرْبَى لَهُ يُخَاصِمُ صَاحِبَهُ أَوْ تَرْجِعَ الدَّرَاهِمُ وَفي الْقِصَاصِ (4) منه والْمُحَالَلَهُ خُلْفٌ عَنِ الْأَشْيَاحَ بَعْضُ قَالَ لَهُ
(1) الشيخ محمد بن درع من أهالي بلد أدم من عُمان ولم أقف على نسبه، وهو من علماء دولة
اليعاربة.
(2) المين: الكذب.
(3) أي مُنْكَرَة لغة عُمانية. اهـ. (المصنف)
(4) قوله: «القصاص» هو أن يقطع حقًا عليه عن حق له، والمراد هنا إذا كان له على أحد فضلة
= (1/453)
صفحة 454
باب مناهي البيوع
الجزء الثاني
453
لأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ فِي الذُّمَّةِ يَنْحَطُ بِالْقِصَاصِ وَالتَّبْرِئَةِ وَقِيلَ لَا يَنْحَطُّ إِلَّا بِالأَدَا لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِن مَعْنَى الْهُدَى لَكُمْ رُؤُوسُ مَالِكُمْ لَا تُظْلَمُوا نَرَى بِرَدِّهَا الْكِتَابُ يَحْكُمُ وَالحِلُّ وَالقِصَاصُ لَيْسَ رَدًّا فَكَيْفَ نَتْرُكَنَّ هَذَا الْحَدَّا قُلْتُ وَلَكِنْ يُثْبِتُ الإِحْلَالَا «وَإِنْ تَصَدَّقُوا فَعِ الْمَقَالَا لِأَنَّهُ فِي آيَةِ الرِّبَا وَمَا أَرَادَ إِلَّا الحِلَّ مِمَّا لَزِمَا لأَنَّهُ مِنْ بَعْدِ الاعْسَارِ ذُكِرْ وَمِثْلُهُ الْقِصَاصُ أَيْضًا فَاعْتَبِرْ وَرَدُّ رَأْسِ الْمَالِ لَا يَسْتَلْزِمُ مَنْعَ السُّقُوطِ وَهْوَ شَيْءٌ يُفْهَمُ لِأَنَّمَا الْمُرَادُ مَنْعُ الزَّائِدِ عَلَى الرُّؤُوسِ دُونَ حِلَّ الزَّائِدِ فَمَنْ أَحَلَّهُ فَقَدْ تَصَدَّقَا وَنَالَ مِنْ ذَاكَ الثَّوَابَ وَارْتَقَى
باب مناهي البيوع
وَحَيْثُمَا حَرَّمَ رَبُّنَا الرِّبَا فَقَدْ أَبَاحَ الْبَيْعَ حُكْمًا طَيِّبَا لَكِنَّهُ نَهَى عَنْ أَشْيَا فِيهِ فَجَانِبِ النَّهْيَ وَلَا تَأْتِيهِ
ربوية، يجب على المربي رَدُّهَا له، وكان عليه لذلك المربي حق يماثل ماله من الربا، فهل له أن يَقْتَصَّ ماله مما عليه قولان، والمُحَالَلَه أن يحل المربى عليه أخذ الربا مما صار له عليه منه، والصحيح جواز الوَجْهَيْن القصاص والجل، والله أعلم.
(1) يقول قوله تعالى: {وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 280] يثبت الإحلال من الزائد، لأنه شيء في الذمة تجب منه التبرئة والمحاللة. (أبو إسحاق) (1/454)
صفحة 455
454
الجزء الثاني
كتاب البيوع
وَكَانَ أَهْلُ الشِّرْكِ قَبْلَ الْمُصْطَفَى لَهُم بُيُوعٌ وَلَهَا الشَّرْعُ نَفَى وَالآنَ صَارَ ذِكْرُهَا مَنْسِيَّا وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا اسْمُهَا مَرْوِيًّا لا نَشْغَلُ النَّظْمَ بِذِكْرِهَا وَلَمْ يَذْكُرُهُ الْأَصْلُ إِذَا فَيُلَتَزَمْ وَإِنَّمَا أَذْكُرُ مَا مِنْهُ تَعُمْ بَلْوِيَ الْعِبَادِ وَبِهِ النَّظْمَ أُتِمْ لَا يَمْدَحُ الْبَائِعُ لِلْبِضَاعَهُ وَلَوْ بِهَا الْوَصْفُ الَّذِي أَذَاعَهُ لِأَنَّمَا الشَّارِي بِذَاكَ يَرْغَبُ وَرُبَّمَا زَادَ عَلَى مَا يَطْلُبُ وَإِنْ يَكُ الشَّارِي بِنَفْسِهِ سَأَلْ فَجَائِزٌ يُخْبِرُهُ بِمَا حَصَلْ وَلَا يَزِيدُ (1) فَوْقَهُ مِنْ خَبَرِ لِأَنَّهُ إِنْ زَادَ كَانَ مُفْتَرِي وَالْكِذْبُ مَمْنُوعٌ فَمَهْمَا كَذَبَا فِي نَعْتِهَا فَلِلْحَرَامِ ارْتَكَبَا وَلَا يَحِلُّ أَخْذُ مَالِ مُسْلِمٍ بِخُدْعَةٍ أَوْ بِاحْتِيَالٍ مُؤْلِم لِأَنَّ ذَاكَ لَيْسَ طِيبَ نَفْسٍ وَلَا يَحِلَّ دُونَ طِيبِ النَّفْسِ وَمِنْ هُنَاكَ قَدْ نَهَى خَيْرُ الْبَشَرُ أُمَّتَهُ عَنْ بَيْعِهِمْ بَيْعَ الْغَرَرْ وَذَاكَ بَيْعُ مَا اخْتَفَى وَاسْتَتَرَا وَلَمْ يَرَى (2) أَحْوَالَهُ مَنِ اشْتَرَى كَالتَّمْرِ فِي الطَّرْفِ بِدُونِ نَقْشِ وَكُلُّ مَسْتُورٍ كَذَاكَ يَمْشِي
(1) قوله: «ولا يزيد لا هنا نافية ولذلك لم تجزم الفعل.
(2) قوله: «ولم يرى على إهمال لم عن الجزم على لغة من قال:
ألم يأتيك والأنباء تنمى بما لاقت لبون بني زياد (1/455)
صفحة 456
باب مناهي البيوع
الجزء الثاني
455
(2)
نَهَى عَنِ النَّجْشِ وَذَاكَ أَنْ تَزِدْ فِي سِلْعَةٍ وَلَمْ تَكُنْ لَهَا تُرِدْ وَعَنْ مُصَرَّاةِ الْمَوَاشِي قَدْ نَهَى وَذَاكَ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَيَّنَهَا فَيَعْظُمُ الصَّرْعُ فَيَحْسَبَنَّا مَنْ يَشْتَرِي بِأَنَّهَا لَلَبْنَى (1) فَمِنْ هُنَاكَ ثَبَتَ الْخِيَارُ لَهُ إِلَى ثَلَاثَةٍ يَخْتَارُ فَإِن يَشَا الرَّدَّ يَرُدُّ صَاعَا مَعْهَا مِنَ التَّمْرِ لِمَا أَضَاعَا فَذَلِكَ الصَّاعُ عَنِ الدَّرِّ بَدَلْ وَمِثْلُ هَذَا الْحُكْمِ يَنْفِي لِلْحِيَلْ وَهَكَذَا الثَّمَارُ قَدْ نَهَانَا عَنْ بَيْعِهَا حَتَّى تُرَى أَلْوَانَا (3) تَصْفَرُّ أَوْ تَحْمَرُّ وَهْيَ حَالُ فِيهَا يَزُولُ عَنْهَا الاعْتِلَالُ فَنَأْمَنُ (4) الْعَاهَةَ وَالْفَسَادَا مِنْ كُلِّ مَا كَانَ لَهَا مُعْتَادا وَلَا اعْتِبَارَ بِجَوَائِحٍ تَجِي وَلَا بِحَادِثِ قَلِيلٍ فِي الْمَجِي وَالزَّهْوُ فِيهَا هُوَ الاحْمِرَارُ وَهُوَ الدِّرَاكَ وَهْوَ الاصْفِرَارُ وَبَيْعُ مَا لَمْ يُدْرِكَنْ مَمْنُوعُ وَنَقْصُ ذَاكَ عِنْدَنَا مَشْرُوعُ وَإِنْ يَكُنْ أَدْرَكَ بَعْضُ مِنْهَا فَالنَّقْصُ فِي الأَخِيرِ يَلْزَمَنْهَا وَقَالَ بَعْضُ إِنْ يَكُنْ قَدْ أَدْرَكَا جَمَاعَةُ النَّخْلِ طَنَاهُ سَلَا
(1) أي كثيرة اللبن. اهـ. (المصنف)
(2) الدر: بالفتح اللبن.
(3) قوله: «ألوانا» منصوب على التمييز.
(4) فنأمن: بالنون بعد
الْقَاء وهي نون الجمع. (1/456)
صفحة 457
456
الجزء الثاني
كتاب البيوع
فَيُعْطَى لِلأَقَلِّ حُكْمُ الْأَغْلَبِ لِكَثْرَةِ الْأَلْوَانِ وَالتَّقلُ وَقِيلَ إِنْ بَدَا بِهِ قَارِينُ (1) سَبْعٌ فَذَاكَ دَرَكًا يَكُونُ وَذَاكَ فِي اعْتِبَارِهِمْ لَا يَحْصُلُ إِلَّا إِذَا الزَّهْوُ بِهَا يَسْتَرْسِلُ وَلَا أَرَى التَّحْدِيدَ بِالْقَارِينِ وَالشَّرْعُ قَدْ حَدَّدَ بِالتَّلْوِينِ وَقَدْ نَهَى عَنِ التَّلَقِّي لِلسِّلَعْ فَالْمُتَلَفِّي فِعْلَهُ الشَّرْعُ مَنَعْ وَذَاكَ أَنْ يَلْقَاهُمُ فَيَشْتَرِي قَبْلَ الْوُصُولِ طَالِبًا لِلمَتْجَرِ (2) وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ بُيُوعِ الْغَرَرِ لِجَهْلِهِمْ بِسِعْرِهِ وَالْقَدَرِ وَقَدْ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَاضِرٍ لِمَنْ جَاءَ مِنَ الْبَدْوِ يُرِيدُ يَطْعَنَنْ (3) وَذَاكَ رِفْقُ بِالْعِبَادِ إِذْ سُرعْ مِنْ ثَمَّ الاحْتِكَارُ فِيهِمْ قَدْ مُنِعْ لِنقْمَةٍ يَنْتَظِرُ الْمُحْتَكِرُ وَهُوَ الَّذِي قُوْتَ الْوَرَى يَدَّخِرُ يَنْتَظِرُ الْغَلَا به وَالنَّاسُ قَدْ عَمَّهُمْ مِنْ عُدْمِ ذَاكَ الْبَاسُ لا يَرحَمُ الْمُضْطَرَّ إِذْ رَأَىهُ وَلَا يُؤَاوِي جَائِعًا أَتَاهُ فَدِرْهَمٌ يَزْدَادُهُ فِي السِّلْعَةِ أَغْلَى لَدَيْهِ مِنْ حَلِيفِ خُلَّةِ وَقَدْ نَهَى أَيْضًا عَنِ الْمُحَاقَلَهُ وَهُوَ كِرَا الْأَرْضِ بِزَرْعٍ حَاقَلَهُ
(1) قوله: «القارين» هو أول ما يبدو من الإرطاب في رأس البلح. (2) قوله: «طالبًا للمتجر» هذا قيل للنهي عن التلقي للجلب فلو أراد شراء ذلك لبيته لا للمتجر لم يكن مرتكبا للنهي. (3) قوله: «وقد نهى عن بيع حاضر .... إلخ» أي لا يكون الحاضر سمسارا للبادي «دَعُوا الناس يرزق الله بعضَهُمْ من بَعْضٍ. (1/457)
صفحة 458
باب مناهي البيوع
الجزء الثاني
457
يَزْرَعُ قِطْعَةٌ لَهُ وَأُخْرَى لِصَاحِبِ الْأَرْضِ تَكُونُ أَجْرَا فَقَدْ يَسُدَّانِ (1) كِلاَهُمَا وَقَدْ يَسَدُّ بَعْضُ وَسِوَاهُ لَم يَسَدْ وَقَدْ يَكُونُ فِيهِمَا الْعَطَابُ فَيَشْمَلَنْ جَمِيعَهُ الذَّهَابُ هَذَا مَحَلُّ النَّهْي لَا سِوَاهُ وَالآنَ مَتْرُوكٌ فَلَا نَرَاهُ فَبَقِيَ النَّهْي وَمَعْنَاهُ اخْتَفَى فَمِنْ هُنَاكَ فِي الْمُرَادِ اخْتُلِفَا وَكَرَّهَ الأَشْيَاخُ بَيْعَ الْمُصْحَفِ وَأُجْرَةَ الْكَاتِبِ أَيْضًا فَاقْتَفِ وَمَا شِرَاهَا عِنْدَنَا مَكْرُوهَا بَلْ يُسْتَحَبُّ ذَاكَ فَاشْتَرُوهَا وَذَلِكَ التَّكْرِيةُ للتَّنْزِيهِ لَا غَيْرِهِ مِنْ صِفَةِ التَّكْرِيهِ وَكَرَّهُوا بَأَنْ يَبِيعَ النَّارَا لِأَنَّ فِيهَا الْانْتِفَاعَ صَارَا وَحَاجَةُ النَّاسِ إِلَيْهَا بَادِيَهْ فَبَيْعُهَا مِنَ الْأُمُورِ الدَّانِيَة (2) وَقِيلَ بِالتَّرْخِيصِ فِيهَا وَهْوَا إِنْ بَاعَ جَمْرًا لَا يَبِيعُ الصَّوَّا (3) فَالصَّوْءُ يَكْفِي لِقَضَاءِ المَنْفَعَهُ وَالْجَمْرُ إِنَّ شَاءَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ وَالمَاءُ فِي الْآبَارِ لَا يُبَاعُ إِذْ فِيهِ طُرًّا لِلْوَرَى انْتِفَاعُ وَبَيْعُهُ يُفْضِي إِلَى التَّصْيِيقِ عَلَى الْوَرَى لِوَاسِعَ الطَّرِيقِ
(1) قوله: «يسدان» من السداد، وهو في اصطلاح أهل عُمان بمعنى زكاء الزرع وصلاحه، وسلامته
من الفساد، مأخوذ من السداد.
(2) الدانية: أي الحاضرة.
(3) الضو: لهب النار. (1/458)
صفحة 459
458
الجزء الثاني
كتاب البيوع
وَبَيْعُكَ الْمَاءَ مِنَ الْأَنْهَارِ فِيهِ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ جَارِي وَهْوَ سَوَاءٌ يَابِسٌ (1) وَيَجْرِي لِأَنَّهُ لَمْ يَدْرِ مَاذَا يَشْرِي فَبَعْضُهُمْ يُبْطِلُهُ وَالْبَعْضُ يَقُولُ مَا فِي بَيْعِ هَذَا نَقْضُ وَهْوَ الَّذِي مَضَى عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَالنَّقْصُ فِي الْآثَارِ قَوْلُ يُنْقَلُ وَعَملُ النَّاسِ وَفَتْوَى الْعُلَمَا يَكَادُ أَن يَجْعَلَ هَذَا عَدَمَا وَكَانَتِ الْأَنْهَارُ مِنْ قَدِيمِ قَبْلَ النَّبَيِّ الْمُصْطَفَى الْكَرِيمِ وَلَمْ يَرِد فِي بَيْعِهَا قَطُّ خَبَرُ مَعْ أَنَّهَا مَالٌ لَهُم قَدِ اسْتَقَرُ
b
وَجَهْلُ مَائِهَا الَّذِي فِي الأَصْلِ لَيْسَ يَضُرُّ مِثْلُ هَذَا الْجَهْلِ لأَنَّهُ قَدْ قَامَتِ الْبِلَادُ عَلَى الذِي مِن جَرْيِهَا يَعْتَادُ وَالنَّاسُ لَا تَطْلُبُ إِلَّا الْمَنْفَعَهُ وَالانْتِفَاعُ شَرْعُنَا لَمْ يَمْنَعَهُ (2) وَالاعْتِبَارُ لِجِهَالَةٍ بِمَا فِي أَصْلِ هَذَا النَّهْرِ مِنْ مِقْدَارِ مَا يُشْبِهُ أَنْواعًا مِنَ الْغُلُو فَلَا نَعُدُّ مِثْلَ هَذَا النَّحْوِ وَكُلُّ مَا كَانَ حَرَامًا يُمْنَعُ بَيَاعُهُ كَعَذْرَةٍ تَجَمَّعُ
(3)
كَذَلِكَ الْمَيْتَةُ وَالْخِنْزِيرُ وَالدَّمُ بَلْ كَذَلِكَ الْمَحْجُورُ
خبر
(1) قوله: «يابس» بالرفع على أنه. لمبتدأ محذوف تقديره هو ويجوز نصبه على الحال. () ظاهر الكلام أن منع بيعه بسبب الجهالة حيث لا يدري متى ييبس النهر ومتى يكون جاريا والمصنف رحمه الله بيَّن أن هذا القول صار مهجورًا. (إسماعيل)
(2) قوله: «لم يمنعه» بفتح العين على لغة من ينصب الفعل المضارع بلم. قال الشاعر: فِي أَيِّ يَوْمَيَّ مِنَ الْمَوْتِ أَفِرْ أَيَوْمَ لَمْ يُقْدَرَ أَمْ يَوْمَ قُدِرْ
(3) أي تتجمع. (1/459)
صفحة 460
باب مناهي البيوع
الجزء الثاني
459
وَالْبَيْعُ لِلمَغْضُوبِ لَيْسَ يَثْبُتُ مَا دَامَ مَغْصُوبًا وَقِيلَ يَثْبُتُ وَذَاكَ أَن يَبِيعَهُ مَنْ غُصِبَا لَا غَاصِبٌ عَلَى التَّعَدِّي وَثَبَا وَأَكْثَرُ الْقَوْلَيْنِ قَوْلُ الْمَنْعِ لَعَجْزِ مَنْ قَدْ بَاعَهُ عَنْ دَفْعِ لَا يَسْتَطِيعُ دَفْعَهُ لِلشَّارِي وَقُدْرَةُ التَسْلِيم شَرْطٌ جَارِي أَيْضًا وَمِنْ وَجْهِ وَلَوْ لَم يُغْصَبِ فَنَفْسُهُ بِبَيْعِهِ لَمْ تَطِبِ وَرُبَّمَا رَخَّصَ مِنْ قِيْمَتِهِ وَكُلُّ مَا ذَكَرْتُ مِنْ حُجَّتِهِ وَالْكُدَمِيُّ (1) قَالَ بِالتَّرخِيْص لأَنَّهُ مِنْ مُلْكِهِ الْمَخْصُوص قُلْتُ وَلَكِنْ لَيْسَ ذَاكَ يَكْفِي مَا لَمْ يَكُنْ شُرُوطَهُ مُسْتَوْفِي فَهَذِهِ الثَّمَارُ مُلْكُهُ وَلَا يَبِيعُهَا إِلَّا بِوَصْفٍ حَصَلَا وَالْعَبْدُ مُلْكُهُ وَمَهْمَا أَبَقَا فَبَيْعُهُ لَيْسَ يَصِحُ مُطْلَقَا وَمِثْلُهُ أَيْضًا جَميعُ مَا أَتَى بِأَنَّهُ فِي الْبَيْعِ شَرْطٌ ثَبَتَا فَسَقَطَ التَّعْلِيلُ بِالْمُلْكِ فَقَطْ وَمَا بُنِي عَلَيْهِ هَاهُنَا سَقَط وَالْعَبْدُ لَا يُبَاعُ لِلْكُفَّارِ مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ وَالْإِكْفَارِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْهُمْ فَلَا جُنَاحٌ (2) بِبَيْعِهِ لِأَنَّهُ مُبَاحُ
(1) الكدمي: بضم الكاف منسوب إلى كُدَم ناحية من جوف عُمان، وهو الإمام أبو سعيد محمد بن
سعيد له، وقد سبق ذكره. (2) «لا»؛ في قوله لا جناح؛ عاملة عمل ليس؛ على حد قول الشاعر: فأنا ابن قيس لا براح. ولا أن تكون لا مهملة لعدم تكررها وأجاز بعض النحويين إهمالها ولو لم تتكرر في الشعر خاصة كما نص عليه ابن هشام. (أبو إسحاق)
يصح (1/460)
صفحة 461
460
الجزء الثاني
كتاب البيوع
لأَنَّمَا الْمَحْذُورُ مِنْهُ ارْتَفَعَا وَبَيْعُهُ الْمُحَارِبِينَ امْتَنَعَا لِأَنَّهُ يَزِيْدُهُمْ فِي الْقُوَّةِ فَهْوَ نَظِيرُ الْبَيْعِ لِلأَسْلِحَةِ لَكِنَّهُ يُبَاعُ فِي الْأَعْرَابِ كَذَا إِلَى الذُّمِّيِّ وَالْكِتَابِي وَقِيلَ جَائِزٌ يُبَاعُ أَيْضًا فِي الْبَدْوِ عَبْدٌ يَتْرُكَنَّ الْفَرْضَا فَمَا جَفَاءُ الْبَدْوِ يَبْلُغَنَّا مَعْ فِعْلِ مَنْ لِلفَرْضِ يَتْرُكَنَّا وَإِنْ يَكُنْ مِنَ الإِبَاضِيِّينَا فَلَا يُبَاعُ فِي الْمُخَالِفِينَا مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ وَالصَّلَالِ وَبِعْهُ إِنْ كَانَ مِنَ الضُّلَّالِ وَلَا يُبَاعُ أَبَدًا مُحَرَّرًا وَمَنْ يَبِعْ حُرًّا بِعَبْدٍ كَفَرَا يَكُونُ مِثْلَ مَنْ لَهُ قَدْ قَتَلَا لِأَنَّهُ عَنِ الْوُجُودِ ارْتَحَلَا فَارَقَ أَهْلَهُ وَأَمْوَالًا لَهُ وَوَطَنَّا كَانَ لَهُ أَهْلَهُ وَصَيَّرُوهُ لَا يُطِيقُ أَمْرًا وَلَا يَرُدُّ عَنْهُ يَومًا ضُرَّا فَمَنْ بُلِي بِبَيْعِهِ وَتَابَا يَطْلُبُهُ مِنْ حَيْثُ كَانَ غَابَا يَبْذُلُ فِيهِ مَا لَدَيْهِ عَزَّا مِنْ مَالِهِ وَمَالَهُ اسْتَفَزَّا (1) وَيَسْتَعِينُ بِالْوَرَى فِي مَطْلَبِهُ أَوْ يُذهِبنَّ عُمْرُهُ (2) فِي طَلَبِهْ لَا يُعْذَرَنْ بِدُونِ هَذَا أَبَدًا إِلَّا إِذَا مَاتَ وَأُغْلِقَ الْفِدَا
(1) قوله: «استفزا» أي استخف والمراد أن عليه أن يبذل في استرداده ما عزّ وهان.
(2) قوله: «عُمْرُهُ» بالرفع على الفاعلية وبالنصب على المفعولية أو الظرفية. (1/461)
صفحة 462
باب مناهي البيوع
الجزء الثاني
461
وَبَعْدَ أَنْ مَاتَ فَيُعْتِقَنَّا عَبْدًا لَعَلَّ اللَّهَ يَرْحَمَنَّا فَرَبُّهُ أَوْلَى بِهِ مِنْ بَعْدُ وَحُكْمُهُ فِي الخَلْقِ لَا يُرَدُّ وَمَنْ يَكُنْ قَدِ اشْتَرَاهُ وَهُوَ حُرْ لَمْ يَدْرِهِ وَهْوَ بِذَاكَ لَمْ يُقِرْ لَكِنَّهُ بِمُلْكِهِ يُقِرُّ فَذَاكَ ضَامِنٌ عَلَيْهِ الْوِزْرُ أَعْنِي بِذَاكَ مَنْ يُبَاعُ يَا فَتَى وَالْخُلْفُ فِي صَمَانِهِ إِنْ سَكَتَا فَبَعْضُهُمْ أَلْزَمَهُ الإِنْكَارًا وَبَعْضُهُمْ قَدْ حَطَّهُ جِهَارًا وَإِنْ يَكُنْ لِعَبْدِهِ قَدْ دَبَّرَا فَالْخُلْفُ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ جَرَى وَأَكْثَرُ الْقَوْلِ مَعَ الْأَصْحَابِ يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ عَنِ الذَّهَابِ لأنَّهُ فِي حَالِهِ مَمْلُوكُ وَالدَّيْنُ لَازِمٌ فَلَا يَلُوكُ (1) وَوَرَدتْ بِمِثْلِهِ آثَارُ جَاءَتْ بِهَا عَنِ النَّبِي الْأَخْبَارُ فَإِنَّهُ بِمِثْلِهَا قَدْ حَكَمَا فِي رَجُلٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَزِمَا وَلَا يُبَاعُ عِنْدَهُمْ فِي غَيْرِ دَيْنِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّغْبِيرِ لأَنَّمَا التَّدْبِيرُ عَقْدٌ صَدَرَا وَالرَّبُّ بِالْوَفَا بِهَا (2) قَدْ أَمَرَا قَدْ قَالَ «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» وَيَرى بَعْضُهُمُ الرُّجُوعَ عَمَّا دَبَّرَا لأَنَّهُ وَصْفٌ لَهُ أَنْ يَرْجِعَا عَنْهُ وَذَاكَ إِنْ يَكُنْ لَمْ يَقَعَا
(1) قوله: «فلا يلوك أي لا يذهب، وأصله من الألوكة وهي الرسالة، أي لا يذهب إرسالاً. (2) قوله: «بها» أي بالعقود في قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]. (1/462)
صفحة 463
462
الجزء الثاني
كتاب البيوع
لِأَنَّهُ قَبْلَ وُقُوع الأَمْرِ يَكُونُ مَمْلُوكًا وَغَيْرَ حُرِّ وَبَائِعٌ أَخَاهُ بِالرَّضَاعِ يُرَدُّ لَكِنْ لَيْسَ بِالْإِجْمَاعِ وَقَدْ مَضَى فِي آخِرِ العَتَاقِ مَا فِيهِ مِنْ خُلْفَ أَوِ اتَّفَاقِ
باب أركان البيع
وَخَمْسَةٌ أَرْكَانُهُ عِنْدَ الشِّرَا الْعَقْدُ وَالبَائِعُ وَالَّذِي اشْتَرَى وَالرَّابِعُ المَبِيعُ ثُمَّ الثَّمَنُ خَامِسُهَا وَذَاكَ شَرْطٌ بَيِّنُ فَيَخْرُجَنْ بِهِ العَطَا إِذْ لَا ثَمَنْ عِنْدَ العَطَا إِلَّا ثَوَابَ ذِي الْمِنَنْ لَكِنْ حُضُورُ ذَاكَ لَا يُشْتَرَطُ بَلْ عَقْدُهُ يَصِحُ حَيْثُ يُصْبَطُ إِلَّا إِذَا مَا اتَّحَدَ الْجِنْسَانِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ يُحْضِرَانِ لأَنَّهُ إِنْ غَابَ يَدْخُلَنَّ فِي حُكْمِ الرِّبَا وَذَاكَ غَيْرُ مُخْتَفِي وَالثَّمَنُ المَعْهُودُ أَمَّا الذَّهَبُ أَوْ فِضَةٌ وَغَيْرُهَا قَدْ يَذْهَبُ وَإِنْ تَكُنْ تُدْعَى مُثَمَّنَاتِ فَالْإِسْمُ لَا يَدْفَعُ نَفْعَ الذَّاتِ فَجَائِزَ أَنْ تُشْتَرَى الأُصُولُ بِالتَّمْرِ أَوْ بِنَحْوِهِ أَقُولُ وَمَنْ عَلَيْهِ ذَهَبٌ يَجُوزُ يَقْضِي دَرَاهِمَا بِهَا يَفُوزُ (1)
(1) يعني أن من عليه ذهبًا فيجوز له أن يقضي عنه فضة، وهكذا العكس. (1/463)
صفحة 464
بابُ أركانِ البَيْعِ
الجزء الثاني
463
وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الرِّبَا لأَنَّهُ إِسْقَاطُ حَقٌّ كَانَ يَلْزَمَنَّهُ
وَلَيْسَ الإِسْقَاطُ كَمِثْلِ الْبَيْعِ فَيَدْخُلَنْ فِي حُكْمِهِ الْمَمْنُوعِ
وَمِثْلُهُ عِنْدِي قَضَاءُ التَّمْرِ وَنَحْوِهِ عَنْ فِضَّةٍ وَتِبْرِ
(1)
وَإِنْ يَكُنْ حِينَ اشْتَرَى قَدِ ادَّعَى تَسْلِيمَ مَا اشْتَرَى بِهِ لَمْ يُسْمَعَا وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْبَائِعِ إِلَّا بِعَدْلَيْنِ لَدَى التَّدَافُعِ وَإِنْ يَكُنْ قَدْ قَبَضَ الْمَبِيعَا فَكُنْ لِقَوْلِهِ إِذًا سَمِيعًا حِينَئِذٍ يُحْضِرُ رَبُّ السِّلْعَةِ بَيِّنَةً أَوْ يَرْضَ بِالأَلِيَّةِ (2) وَقِيلَ بَلْ فِي الْحَالَتَيْنِ يُحْضِرُ مَنِ اشْتَرَى بَيِّنَةً تُقَرِّرُ
(3)
وَحَيْثُ قُلْنَا الْقَوْلُ قَوْلُ أَحَدٍ فَمَعْ يَمِينِهِ تَكُونُ فَقَدِ (3) وَمَنْ يَكُنْ قَدْ بَاعَ شَيْئًا وَاحِدًا بِثَمَنَيْنِ غَائِبًا وَنَاقِدًا فَقِيلَ مَكْرُوهُ وَقِيلَ فَاسِدُ وَقِيلَ جَائِزٌ لَهُ مُعَاضِدُ كَنِصْفِ ثَوْبِ بَاعَهُ إِلَى أَجَلْ وَالنِّصْفُ حَاضِرٌ بِكَفِّهِ حَصَلْ وَإِنَّمَا الْمَمْنُوعُ أَنْ تَدْفَعَ لَهُ شَيْئًا بِقِيمَتَيْنِ أَيَّا فَعَلَهُ فَقِيمَةُ النَّقْدِ أَقَلُّ قَدَرَا وَأَخَذَ الشَّيْءَ لَهُ لِيَنْظُرَا
(1) التبر: الذهب.
(2) الألية: اليمين.
(3) أي فحسب. (1/464)
صفحة 465
?
الجزء الثاني
كتاب البيوع
هَذَا هُوَ الْمَمْنُوعُ يَلْزَمَنَّهُ أَقَلُّ قِيمَتَيْهِ يَدْفَعَنَّهُ قِيلَ وَأَقْصَى الْأَجَلَيْنِ يُعْطَى عُقُوبَةً لِبَائِعِ قَدْ أَخْطَا وَإِنْ يَكُنْ نَفْسَ الْمَبِيعِ يُدْرِكُ يُرَدُّ لِلْبَائِعَ لَا يُسْتَمْلَكُ وَالْعِلْمُ بِالْمَبِيعِ وَالْأَثْمَانِ يَثْبُتُ بَيْعُهُ عَلَى الْإِنْسَانِ لَوِ اشْتَرَى بِأَلْفِ دِينَارٍ رَسَنْ (1) وَكَانَ عَالِمًا بِمِقْدَارِ الثَّمَنْ أَوْ كُبَّةً) مِنْ غَزَلٍ قَدِ اشْتَرَى بِمَائَةِ الدِّينَارِ أُثْبِتَ (3) الشِّرَا أَثْبَتَهُ الشَّيْخُ فَتَى مَحْبُوبِ) إِذْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جُمْلَةِ الْعُيُوبِ لِعِلْمِ ذَاكَ الشَّارِي أَنَّ مَا اشْتَرِى يَسْوَى مِمَّا يَدْفَعَنَّ الْعُشْرَا فَهْوَ كَحُكْمِ الْمُعْطِي لِلْأَمْوَالِ أَلَيْسَ ذَا الْعَطَا مِنَ الْحَلَالِ لَكِنَّهُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَا ذَا سَفَةٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَجْنُونَا وَمِثْلُهُ الْحَاكِمُ يَحْجُرَنَّا عَلَيْهِ وَالتَّبْذِيرَ يَمْنَعَنَّا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ فِي الْقُرْآنِ ذَكَرَهُمْ مِنْ إِخْوَةِ الشَّيْطَانِ وَحَيْثُ كَانَ الْعَدْلُ فِي مَنْعِ الْفَتَى مِنْ ذَاكَ فَالْأَقْرَبُ أَنْ لَا يَثْبُنَا أَنَأْمُرَنْ بِمَنْعِهِ وَنَقْضِ بأَنَّ بَيْعَهُ بِذَاكَ يَمْضِي
(1) الرسن: الحبل الذي تُقاد به الدابة.
(2) والكُبَّة: الحزمة من الغزل.
(3) «أُثبت»: بالبناء للمفعول.
لا
(4) فتى محبوب العلّامة الكير الشهير أبو عبد الله محمد بن محبوب ابن الرحيل القرشي
سبق ذكره.
وقد (1/465)
صفحة 466
بابُ أركانِ البَيْعِ
الجزء الثاني
?
الْحَالَة
وَلِلْمُثَبِّتِينَ أَنْ يَقُولُوا نُثْبِتُهُ لأَنَّهُ مَعْقُولُ وَكَانَ قَبْلَ الحِجْرِ حَاصِلًا فَلَا نَقْوَى عَلَى النَّقْضِ وَقَد تَحَصَّلَا فَالنَّقْصُ عِنْدَهُمْ يَكُونُ ثَمَرَهُ لِلْحُكْمِ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَجَرَهُ وَالغَبْنُ فِي الْمَجْهُولِ لَا سِوَاهُ إِنْ بَاعَهُ لَا يُدِرِي مَا يَسْوَاهُ) ثُمَّ ادَّعَى فِي ذَلِكَ الْجَهَالَهُ فَإِنَّهُ يُنْقَضُ فِي ذِي إِنْ كَانَ غَيْنًا فَاحِشَا إِلَى سَنَهْ وَذَاكَ إِنْ صَدَّقَهُ مَنْ غَبَنَهْ وَإِنْ يَكُنْ أَنْكَرَهُ فَالبَيِّنَهُ بَيْنَهُمَا وَهْيَ أُمُورٌ بَيِّنَهُ إِنْ عُدِمَتْ يُحَلِّفَنَّ الْمُنْكِرَا وَبَعْدَ عَامِ لَا يُغَبَّنُ الشِّرَا (2) لأَنَّمَا الأَشْيَاءُ فِي الْأَزْمَانِ تَزْدَادُ مِنْ زَيْدٍ وَمِن نُقْصَانِ وَالْغَبَنُ الْفَاحِشُ مَا لَا يُغْبَنُ بِمِثْلِهِ مَنْ لِلْأُمُورِ يُحْسِنُ وَحَدَّهُ بَعْضُهُمُ بِالْعُشْرِ فِي الْأَصْلِ أَوْ بِخُمُسِ مُقَدَّرِ
وو
وَفِي العُرُوض (3) قِيلَ رُبْعُ القِيمَةِ أَوْ ثُلُثٌ قَدْ قِيلَ عِنْدَ السِّيمَةِ (؟) وَبَعْضُهُمْ قَدْ فَسَّرَ الْعُشْرَ بِأَنْ عَنْ عَشْرَةٍ يَأْخُذُ دِرْهَمًا حَسَنْ فَيُغْبَنَنَّ تِسْعَةَ الأَعْشَارِ وَهُوَ بَيَانُ مُجْمَل الآثَارِ حُجَّتُهُ بِأَنَّ نَفْسَ الْعُشْرِ لَيْسَ بِغُبْنٍ فَاحِشَ لِلْمُشْتَرِي
(1) قوله: «يسواه» أي ما يستحقه من الثمن.
(2) قوله: «وبعد عام» يعني أن البائع إذا طلب نقض البيع بعد انقضاء عام، فلا يدرك رد المبيع. (3) العُرُوض: هي ما ليس بأصول وهي التي تنتقل.
(4) السيمة: هي سوم المبيع قبل عقد البيع. (1/466)
صفحة 467
???
الجزء الثاني
كتاب البيوع
لَا
في غَالِبِ الْبُيُوعِ يُوجَدَنَّا كَمِثْلِ هَذَا الْغَبْنِ لَا يُشَنَّا (1) وَهُو خِلَافُ مَا أَرَادَ الْقَائِلُ بَلْ إِنَّ هَذَا الْوَجْهَ رَةٌ حَاصِلُ يَنْبَغِي أَنْ يُنْسَبَ الْمَقَالُ بذَاكَ لِلَّذِينَ قِدْمًا قَالُوا بَلْ هُوَ قَوْلٌ حَادِثُ وَعَلَّ مَنْ قَدْ قَالَ بِالْغَبْنِ يَرَى ذَاكَ غَبَنْ دَرُّ الْعُدَمِيُّ الصَّابِطِ إِذْ أَرْسَلَ الغَبْنَ بِغَيْرِ صَابِطِ إِلَّا عَلَى مَا يَتَعَامَلُونَا بِمِثْلِهِ لَا يَتَغَابَنُونَا وَإِنَّمَا قَدَّمْتُ ذِكْرَ الثَّمَنِ لِقِصَرِ الْكَلَامِ فِيهِ فَافْطُنِ
بابُ عَقْدِ البَيْعِ
وَهُوَ لَفْظُ يَنْقُلُ الشَّيْءَ إِلَى آخَرَ بَلْ عَنْ عِوَضٍ قَدْ حَصَلَا فَيَخْرُجُ الْمِيرَاتُ وَالعَطِيَّة وَالفَيْء بَلْ وَتَخْرُجُ الْوَصِيَّة
(2)
لأَنَّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ عِوَضُ لَكِنَّهُ رِزْقٌ إِلَيْهِ يَعْرِضُ (2) وَيَنْبَغِي لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ أَنْ يَصْفِقَا بَيْنَهُمَا الْيَدَيْنِ سُنَّةٌ مَنْ مَضَى وَفِيهَا بَرَكَهُ لَا يَنْبَغِي لِمِثْلِنَا أَنْ يَتْرُكَهُ وَالْكُلُّ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ تَفْتَرِقْ يَدَاهُمَا مِنْ صَفْقَةٍ بِهَا صَفِقْ
(1) قوله: لا يُشنَّا بالمعجمة مبنيًّا للمفعول أي يُسْتَنْكَرُ؛ لغة عُمانية. (المصنف)
(2) وفي نسخة «يفرض». (أبو إسحاق) (1/467)
صفحة 468
بَابُ عَقْدِ البَيْعِ
الجزء الثاني
467
وَهْوَ الْمُرَادُ بِخِيَار البَيِّع (1) فِي الخَبَرِ الصَّحِيحِ فَافْهَمْ وَاتَّبَعِ وَقِيلَ بَلْ أَرَادَ نَفْسَ الأَنفُسِ فَأَثْبَتُوا مِنْهُ خِيَارَ الْمَجْلِس وَهْوَ مَقَالُ بَعْضٍ قَوْمِنَا فَمَا كَانَا بِذَلِكَ الْمَكَانِ لَهُمَا حَتَّى يَبِينَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ وَلَمْ نَكُنْ نَحْنُ بِهَذَا نَقْضِى وَكُلُّهُ مِنْ فَهُم ذَاكَ الْخَبَرِ يُؤْخَذُ وَالْأَنْهَامُ لَمْ تَنْحَصِرِ يَقُولُ قَدْ بِعْتُ وَلَا يَقُولُ أَبَعْتُ ذَا الْمَالَ فَذَا مَعْلُولُ لأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْفَصِيحِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْ عَقْدِهِ الصَّرِيحِ وَهَكَذَا بِعْتُ إِلَيْكَ أَكْثَرُ مِنْ قَوْلِهِمْ بِعْتُ عَلَيْكَ يُذْكَرُ وَنَحْنُ نَخْتَارُ هُنَاكَ اللَامَا نَقُولُ قَدْ بِعْتُ لَكَ الْغُلَامًا وَإِنْ يَقُلْ هَذَا فَهَلْ رَضِيتَهُ أَوْ هَلْ قَبِلْتَهُ وَهَلْ أَخَذْتَهُ أَوِ اشْتَرَيْتَهُ وَذَاكَ الْمُشْتَرِي قَالَ نَعَمْ يَثْبُتُ لِلْمُعْتَبِرِ وَكُلُّ مَا كَانَ بِمَعْنَاهُ وَرَدْ فَإِنَّمَا الْبَيْعُ بِهِ قَدِ انْعَقَدْ وَفِيهِ وَجْهُ يُدْعَى بِالْمُسَالَمَهُ وَهْوَ الَّذِي يَأْتِي بِلَا مُكَالَمَهُ (2) لَكَنَّهُ قَبْضٌ وَدَفْعُ الثَمَنِ تَسَالَمَا فِيهِ لأَمْرِ بَيِّنِ فَلَا يُقَالُ إِنَّهُ حَرَامُ لَوْ لَمْ يَقَعْ فِي عَقْدِهِ كَلَامُ وَشَاهِدَانِ يَنْبَغِي أَنْ يَحْضُرَا لِكَيْ يَتِمَّ الْحَزْمُ فِي ذَاكَ الشِّرَا
(1) البيع بالتشديد إشارة إلى حديث: البيعان بالخيار ما لم يفترقا» وهما البائع والمشتري. (2) أي بدون كلام يقتضي طلب البيع. (1/468)
صفحة 469
468
الجزء الثاني
كتاب البيوع
بِالْحَزْمِ يَبْقَى الْوُدُّ مَا بَيْنَهُمُ وَيَسْتَرِيحُ الْقَاضِي مِنْ دَعْوَاهُمُ وَيُحْفَظُ الْمَالُ عَنِ الذَّهَابِ وَذَاكَ مِنْ مَرَاشِدِ الْكِتَابِ وَأَمَرَ الْكِتَابُ بِالْكِتَابَهُ لأَنَّ فِيهَا نَفْيَ الِاسْتِرَابَهُ إِلَّا تِجَارَةً لَدَيْنَا حَاضِرَهُ نُدِيرُهَا مَا بَيْنَنَا مُجَاهَرَهُ فَمَا عَلَيْنَا البَأْسُ إِنْ تَرَكْنَا كِتَابَهَا لأَجْلِ مَا أَدَرْنَا وَالبَيْعُ فِي اللَّيْلِ يُكَرِّهُونَهُ وَجَائِزٌ لِلكُلِّ يَنْقُصُونَهُ وَقِيلَ مَهْمَا عَرَفُوا الْمَبِيعَا فَمَا لَهُمْ نَقْضُ بِهِ جَمِيعًا (1) وَبَعْضُهُمْ لِلْحَيَوَانِ أَخْرَجَا فَأَبْطَلَ البَيْعَ لَهَا مَهْمَا دَجَا (2) وَبَعْضُهُمْ قَدْ قَالَ فِي الْأُصُولِ يَثْبُتُ لَوْ كَانَ بِجُنْحِ اللَّيْلِ أَمَّا الْعُرُوضُ لَيْسَ يَلْزَمَنَّا فِيهَا فَمَنْ شَاءَ فَيَهْدِمَنَّا وَهْيَ اعْتِبَارَاتٌ لَهَا يُعْتَبَرُ وَأَصْلُهَا اللَّيْلُ لِذَاكَ يَسْتُرُ فَهْوَ شَبِيةٌ عِنْدَهُمْ بِالْغَرَرِ أَوْ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ فَاعْتَبِرِ وَمُخْرِجٌ لِلْحَيَوَانِ جَعَلَهُ كَبَيْعِهِ فِي غَيْبَةٍ فَأَبْطَلَهُ وَمَنْ يَقُلْ بَيْعُ الْأُصُولِ يَثْبُتُ لأَنَّهَا مِنَ العُرُوضِ أَثْبَتُ فَإِنَّهَا لَا تَتَغَيَّرَنَّا إِلَّا بِطُولِ الْوَقْتِ فَانْهَمَنَّا
(1) قوله: (وقيل مهما عرفوا البيعا قلت: هذا هو الصحيح، ولا سيما في هذا الزمان التي انتشرت فيه الأنوار الكهربائية فيصير بها الليل مثل النهار في الإضاءة.
(2) قوله: «دجا» أي: أظلم، والمراد به الليل. (1/469)
صفحة 470
فَصْلُ الْقَبْضِ بَعْدَ العَقْدِ
الجزء الثاني
469
فَضْلُ الْقَبْضِ بَعْدَ العَقْدِ
وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ أَنْ يُسَلِّمَا ذَلِكَ لِلشَّارِي لَكَيْ يَسْتَلِمَا فَالقَبْضُ بَعْدَ البَيْعَ مِنْ تَمَامِهِ وَمِنْ تَمَامِ مُجْتَنَى أَحْكَامِهِ إِذْ لَا يُبَاعُ قَبْلَ قَبْضٍ أَبَدًا لِمَا بِهِ عَنِ النَّبِيِّ وَرَدَا وَقَدْ نَهَى عَنْ رِبْحٍ مَا لَمْ تَضْمَنِ وَالشَّارِي قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يُضَمَّنِ وَإِنَّمَا يَضْمَنُهُ مَنْ بَاعَا إِنْ أَبْدَى مِنْ تَسْلِيمِهِ امْتِنَاعًا وَإِنْ يَكُنْ مَا بَيْنَهُ وَالْمُشْتَرِي خَلَّى فَلَا يَصْمَنُهُ فَلْتَنْظُرِ لأَنَّ ذَاكَ الْمُشْتَرِي أَضَاعَهُ حِينَ أَبَى أَنْ يَقْبِضَ البِضَاعَهُ وَمُشْتَرِي الْعَبْدِ إِذَا مَا أَعْتَقَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقْبِضَهُ وَيُوثِقَهُ فَجَائِزُ وَالْعِتْقُ مِنْهُ قَبْضُ وَهُوَ صَحِيحٌ لَيْسَ فِيهِ نَقْضُ وَبَيْعُهُ (2) فِيهِ اخْتِلَافُ رُفِعَا أَجَازَهُ بَعْضُ وَبَعْضُ مَنَعَا وَالْقَوْلُ بِالْجَوَازِ لَا نَرْضَاهُ لأَنَّهُ خَالَفَ مُقْتِصَا عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يَكُ عِنْدَنَا نَهَى نَبِيُّنَا يَا حَبَّذَا مَنِ انْتَهَى وَذَاكَ شَامِلٌ لِمَا لَمْ تَقْبِضِ فَهْوَ لِمَعْنَى الْقَبْضِ أَيْضًا مُقْتَضِي
(1) قوله: «خَلَّى» أي ترك قال دريد بن الصمة:
فَإِنْ يَكُ عَبْدُ اللهِ خَلَّى مَكَانَهُ فَمَا كَانَ وَقَانًا وَلَا طَائِشَ الْيَدِ
(2) قوله: «وَبيعُهُ» أَيْ قبل قبضهِ. (1/470)
صفحة 471
470
الجزء الثاني
كتاب البيوع
وَقَدْ حَكَى بَعْضُهُمُ الْإِجْمَاعَا فِي الْمَنْعِ لِلْعُرُوضِ أَنْ يُبَاعًا مِنْ قَبْلِ قَبْضِهِ وَفِي الأُصُولِ خُلْفٌ أَتَى فِي جُمْلَةِ الْمَنْقُولِ فَقِيلَ عَقْدُ بَيْعِهَا يَكْفِيهِ عَنْ قَبْضِهَا وَقِيلَ لَا يَكْفِيهِ وَأَوَّلُ الْقَوْلَيْنِ هُوَ الْأَشَهَرُ عِنْدَهُمُ مَالَ إِلَيْهِ الأَكْثَرُ وَالبَحْرُ) لَا يَرَاهُ إِلَّا قَدْ دَخَلْ فِي جُمْلَةِ النَّهْيِ الَّذِي لَهُ نَقَلْ وَقِيلَ لَا بَأْسَ إِذَا مَا وَلَّى مِنْ قَبْلِ قَبْضِ مَا اشْتَرَاهُ الْخِلَّا) فِيمَا عَذَا الْمَوْزُونِ وَالْمَكْبُولِ (3) عَنِ الرَّبِيعِ جَاءَ فِي الْمَنْقُولِ وَذَاكَ غَيْرُ الْبَيْعِ بَلْ ذِي الْحَالَةُ تُعْرَفُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَوَالَة وَالقَبْضُ يُدْعَى عِنْدَهُمْ إِحْرَاذَا فِي عُرْفِهِمْ وَذَاكَ أَنْ يَجْتَازَا وَهُوَ تَصَرُّفٌ يَكُونُ فِيهِ فَوَاقِفٌ عَلَيْهِ لَا يَكْفِيهِ لَكِنْ إِذَا تَمَّرَهُ أَوْ هَاسَا أَوْ جَدَّهُ أَوْ وَجَزَ اليَبَاسَا (4) (5) وَنَحْوُهِ إِذَا بَنَى الْجِدَارَا عَلَيْهِ أَوْ هَدَّمَ مَا قَدْ دَارَا
(1) قوله: «البحر» يعني: عبد الله ابن عبّاس (2) قوله: «ولى» أي أحال والتَّوْلِيَة هي الحوالة المعروفة عند الفقهاء. () قلت: الخلا مفعول به للفعل ولى والمراد ولى الخل من قبل قبض ما اشتراه. (إسماعيل)
(3) المكيول كمبيوع لغة عُمانية، وافقت لغة تميم. اهـ. (المصنف) (4) قوله: «تَمَّرَهُ» أي أخذ تَمْرَهُ. و «هاسا» أي أثار الأرض. (5) «وَجَده» أي صرم ثمرته. و «وَجَزَ»: أي قَطَع. «واليباسا» هو والعراجين.
من الزور والكرب (1/471)
صفحة 472
فَصْلُ الْقَبْضِ بَعْدَ العَقْدِ
الجزء الثاني
471
وَهَكَذَا إِنْ غَرَسَ الأَشَجَارَا أَوْ قَلْعَهَا (1) (5) أَوْ أَخَذَ الثَّمَارَا وَالأَصْلُ قَالَ لَيْسَ فِي الزِّرَاعَة فِي الْمَالِ حَوْزُ فَاتْرُكِ الْإِضَاعَهُ وَإِنَّنِي أَرَاهُ حَوْزًا أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ فَكَيْفَ يُلْغَى الْأَقْوَى وَإِنَّهُ قَدْ قَالَ فِي الْإِيجَازِ) السَّقْيُّ لِلزَّرْعِ مِنَ الْإِحْرَازِ وَالزَّرْعُ فِي الْأَمْوَالِ أَقْوَى مَعْنَى مِنْ سَقْيِ نَفْسِ الزَّرْعِ فَافْهَمَنَّا وَالخَدُّ (3) فِي الْأَرْضِ فَلَا يُعَدُّ قَبْضًا سِوَى مَا كَانَ فِيهِ الْخَدُّ فَهْوَ لِذَاكَ الْخَدِّ إِحْرَازُ فَقَطْ وَسَائِرُ الْأَرْضِ عَنِ الْقَبْضِ فَرَطْ وَهْيَ فُرُوعُ شَارِطِينَ الْقَبْضَا لِمَنْ شَرَى أُصُولَهُ وَالْأَرْضَا وَالْقَائِلُونَ يَكْفِي نَفْسُ الْعَقْدِ لا حَاجَةٌ لَهُمْ بِهَذَا الْحَدِّ وَالْقَبْضُ لِلعُرُوضِ بِالْوِزَانِ وَالْكَيْلِ أَوْ بِسَائِرِ الْمَعَانِي فَالْحَيَوَانُ قَبْضُهُ بَقَوَدِهُ وَالسَّيفُ أَنْ يُمْسِكَهُ كَفُ يَدِهْ وَالْعَبْدُ أَنْ يَضُمَّهُ إِلَيْهِ فِي بَيْتِهِ أَوْ يَخْدُمَنْ عَلَيْهِ فَإِنَّ قَبْضَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبْ أَحْوَالِهِ وَالْعُرْفُ فِيهِ يُصْطَحَبْ
(1) قوله: «أو قلعها بإسكان اللام مصدر قلع، فأقام المصدر مقام الفعل الماضي، أي قلعها وذلك لإقامة الوزن.
(*) وذلك من باب عطف ما يشبه الفعل على الفعل على حد قول الله: إِنَّ الْمُصَّدِقِينَ وَالْمُصَدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [الحديد: 18]. (إسماعيل)
(2) الإيجاز: كتاب في الفقه ألفه الشيخ أبو خليل أحمد بن خليل السيجاني من أجوبة علماء
عصره، ومن قارب زمانه من العلماء.
(3) قوله: «والخَدُّ» هو الشق في الأرض. (1/472)
صفحة 473
472
الجزء الثاني
كتاب البيوع
وَيُحْضِرُ البَائِعُ لِلْمِيزَانِ وَلِلْمَكَابِيلِ وَلِلْأَوْزَانِ وَإِنَّهُ أَوْلَى بَوَزْنِ سِلْعَتِهِ وَكَيْلِهَا وَخُذْ مَعَانِي حُجَّتِهُ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ مِنْ قَائِلِ فِي سُورَةِ التَّطْفِيفِ وَصْفُ الْكَائِلِ وَهُمْ إِذَا اكْتَالُوا فَيَسْتَوْفُونَا لَهُمْ وَغَيْرَهُمْ يُنَقِّصُونَا وَهَكَذَا فِي الْوَزْنِ أَيْضًا ذَكَرَا فَالوَزْنُ وَالْكَيْلُ لَهُمْ مُعْتَبَرَا) وَيُوسُفُ الصِّدِّيقُ لِلصُّوَاعَ هَيَّأَهُ لِطَالِبِ البَيَاعِ وَبَخَسَ الْمِكْيَالَ وَالمِيزَانَا قَوْمُ شُعَيْبِ فَنَهَى إِعْلَانَا وَهُوَ دَلِيلٌ أَنَّ ذَاكَ عَادَهُ فِينَا وَفِيمَنْ قَبْلَنَا أَبَادَهُ (2) وَمِنْ هُنَاكَ كَرَّهُوا فِي الْأَثَرِ وَلَوْ رَضِي الْوَزْنَ وَكَيْلَ الْمُشْتَرِي) وَصِفَةُ الْكَيْل لَهُ أَنْ يَغْمِزَا غَمْزَةً رَافِعَةٌ (3) لَنْ يَهْمِزَا وَمَا عَلَيْهِ أَنْ يُرَبِّحَنَّا بِوَاجِبِ إِنْ كَانَ يُوزَنَنَّا وَذَاكَ مِن مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ لَا وَاجِبٌ حُكْمًا مَعَ الشَّقَاقِ وَعَمَلُ النَّاسِ عَلَيْهِ الْيَوْمَا يُرَبِّحُونَ لِيُزيلُوا اللَّوْمَا أَمَّا العِيَارُ) فَعَلَى وِزَانِ ذِي ثِقَةٍ وَقِيلَ بَلْ إِثْنَانِ
(1) معتبرا منصوب على الحال وهو بفتح الراء.
(2) أي أهلكه.
(*) أحسب أن المعنى أنهم كرهوا وزن المشتري وكيله للسلعة ولو رضي البائع؛ لأن البائع الذي يزن ويكيل على ما تدل عليه الأدلة التي ساقها الإمام نور الدين الله. (إسماعيل)
(3) وفي نسخة «رافقة». (أبو إسحاق)
(4) قوله: «أما العيار هو اعتبار اعتدال الميزان قبل الوزن.
هو (1/473)
صفحة 474
فصلُ الْإِقَالَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ
الجزء الثاني
473
وَإِن يَكُنْ قَدِ اشْتَرَى مِنْ ثِقَةِ وِزَانُهُ) بَاعَ بِهِ لِلسِّلْعَةِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْ غَيْرِ مَوْتُوقٍ بِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَنَّ بِهِ إِلَّا إِذَا صَحَّحَهُ وَعَلِمَا صِحَّتَهُ بَاعَ بِهِ وَالْتَزَمَا إِعَارَةُ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ يُكْرَهُ مَنْعُها عَلَى الإِخْوَانِ إِلَّا إِذَا مَا خَشِيَ الصَّيَاعَا فَجَائِز أَنْ يُظْهِرَ امْتِنَاعَا وَالْقَبْضُ قَدْ يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ مِنْ بَائِعِ لِمُشْتَرِي العَقَارِ) وَإِنْ تَنَاكَرًا فَبِالإِشْهَادِ إِنْ كَانَ نَفْسُ الْقَبْضِ غَيْرَ بَادِ وَقَابِضُ الْمَالِ يَكُونُ ذَا يَدِ لَا يُنْزَعَنَّ مِنْهُ بِالتَّرَدُّدِ لَكِنْ عَلَى الْخَصْمِ بِأَن يُشَهْدَا وَيَنْزِعَنْ إِذَا أَتَمَّ الْمَشْهَدَا
فصلُ الإِقَالَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ
وَالْمَرْءُ قَدْ تَبْدُو لَهُ الأَشْيَاء لِجَهْلِهِ وَالنَّفْعُ وَالصَّرَّاءُ وَيَشْتَرِي فَينْدَمَنَّ فِي الشِّرَا فَيَسْتَقِيلُ بَائِعًا إِذَا اشْتَرَى أَوْ يَنْدَمُ الْبَائِعُ فَالْمَأْمُورُ بِهِ إِقَالَةُ النَّادِمِ حِينَ يَنْتَبِهْ وَلَيْسَ ذَاكَ لَازِمًا وَإِنَّما يُعَدُّ حُسْنَ خُلُقٍ وَكَرَمَا
(1) قوله: «وزانه» مبتدأ خبره باع به للسلعة. (2) العقارات: البيوت والرموم التي لا تُحْرَثُ. (3) قوله: «يُشَهدَا» بتشديد الهاء أي يأتي بالشاهدين. (1/474)
صفحة 475
474
الجزء الثاني
كتاب البيوع
وَلِلْوَكِيل فِعْلُهُ إِنْ كَانَا مُفَوَّضًا فِيمَا يَشَا إِعْلَانَا وَإِنْ يَكُنْ غَيْرَ مُفَوَّضٍ فَلَا يُقِيلُهُ لأَنَّهُ لَمْ يُجْعَلَا) وَلَيْسَ لِلْوَصِيَّ أَنْ يُقِيلا مَنِ اشْتَرَى العُروضَ وَالنَّخِيلَا لِأَنَّهُ لَمْ يُجْعَلَنْ وَصِيَّا لِرَدِّ مَا قَدْ بَاعَهُ جَلِيَّا فَبَيْعُهُ قَدْ كَانَ بِالْوَصِيَّةِ وَرَدُّهُ مُخَالِفُ الْقَضِيَّةِ وَالْخُلْفُ فِيهَا (2) قِيلَ بَيْعٌ ثَانِ هُمَا عَلَى ذَا يَتَبَايَعَانِ وَقِيلَ بَلْ فَسْخُ لِذَاكَ العَقْدِ وَهُوَ صَحِيحٌ ظَاهِرُ فِي الرُّشْدِ وَالخُلْفُ فِيهَا يُشْبِهُ الْخِلَافَا فِي الخُلْعِ فَسْخُ أَمْ طَلَاقٌ وَافَى وَالخُلْفُ يَظْهَرَنَّ فِي الَّذِي طَلَبْ إِقَالَةٌ فِي مَا لَهُ النَّقْضُ وَجَبْ (3) بِسَبَبٍ هُنَاكَ يُوجِبَنَّا غَيَرَهُ فَقِيلَ يُبْطِلَنَّا لأَنَّهُ يَكُونُ مِثْلَ الطَّالِبِ لِبَيْعِهِ بَعْدَ النُّبُوتِ الْوَاجِبِ فَهُوَ دَلِيلٌ أَنَّهُ قَدْ رَضِيَهْ فَلَمْ نَكُنْ لِنَقْضِهِ أَنْ نُمْضِيَهْ
(1) قوله: «لم يجعلا أي لم يجعل لذلك أي للإقالة. (2) قوله: والخُلف فيها أي في الإقالة. (3) قوله: «والخُلف يظهرن معناه أن ثمرة الخلاف في الإقالة أهي بيع أم فسخ؟ تظهر فيما اشتراه من الأشياء المعيبة فيطلب من البائع الإقالة؛ فمن قال إنها بيع ثان ألزمه قبول المبيع، لأنه لما طلب الإقالة صار كمن سامه للبيع، لأن من اشترى معيبًا فسامه للبيع عُد ذلك منه قبولًا للبيع، وكذلك يدرك فيه الشفيع الشفعة إن أقاله، لأنها ثان على هذا القول، بيع والقول الثاني بأنها فسخ للبيع الأول، وهو الأصح؛ فلا يلزمه البيع بطلبها، ولا يُدرك بها الشفيع شفعته. (1/475)
صفحة 476
فصلُ الإِقَالَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ
الجزء الثاني
475
وَقِيلَ إِنَّ النَّقْضَ بِالْجَهَالَهُ لَا يَبْطُلَنْ بِطَلَبِ الإِقَالَهُ لأَنَّهُ قَدْ طَلَبَ الْفَسْخَ فَلَمْ يَحْصُلْ فَمَالَ لِلَّذِي لَهُ لَزِمْ وَحُكْمُ غَيْرِهَا مِنَ الْأَسْبَابِ كَحُكْمِهَا فِي النَّقْضِ وَالْإِيجَابِ وَالحُكْمُ فِيهَا وَاحِدٌ إِنْ طَلَبَا مَنْ بَاعَ أَوْ مَنِ اشْتَرَى وَرَغِبَا وَشَرْطُهَا فِي الْعَقْدِ قِيلَ تُفْسِدُ لأَنَّهَا قَدْ نَقَضَتْ مَا يُعْقَدُ وَقِيلَ لَا تُفْسِدُهُ لِأَنَّمَا تَكُونُ مِثْلَ الشَّرْطِ حُكْمًا لَزِمَا وَإِنَّنِي أَقُولُ إِنْ كَانَتْ إِلَى وَقْتٍ يُحَدُّ فَهْيَ شَرْطٌ مَثَلَا يَلْزَمُ فِيهَا مِثْلُ مَا يُقَالُ فِي الشَّرْطِ وَهْوَ الْخُلْفُ وَالجِدَالُ وَإِنْ تَكُنْ لِغَيْرِ وَقْتِ أَفْسَدَتْ مَبِيعَها لِحَلِّهَا مَا قَدْ ثَبَتْ فَهُوَ كَمَنْ يَقُولُ بِعْتُ مَالِي وَإِنْ أَرَدْتُ أَخْذَهُ فَحَالِي) فَلَا يُفِيدُ ذَاكَ بَيْعًا أَصْلَا لِأَنَّهُ قَدْ بَاعَهُ وَحَلًا وَإِنْ يَكُنْ قَالُوا بِهَا مِنْ بَعْدِ ثُبُوتِ بَيْعِهِمْ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فَذَاكَ وَعْدٌ إِنْ وَفَى بِهِ فَقَدْ فَازَ وَإِلَّا خَانَ فِيمَا قَدْ وَعَدْ وَالخُلْفُ لِلمَوْعِدِ مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ النِّفَاقِ فَاحْذَرِ الْآفَاتِ
(1) قوله: فحالي؛ أي فهو لي لغة عُمانية وأصله (حلالي) حُذِفَتْ لامه الأولى تَخْفِيفًا والله أعلم. (المصنف) (1/476)
صفحة 477
476
الجزء الثاني
كتاب البيوع
وَفِي ثَلَاثَةٍ تَشَارَكُوا وَقَدْ أَعْطَوْا إِقَالَةٌ وَوَاحِدٌ جَحَدْ وَصَاحِبَاهُ شَهِدَا عَلَيْهِ بِذَاكَ فَهْوَ ثَابِتٌ لَدَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَا مَا يُوجِبُ رَدَّ مَقَالِهِم إِذَا مَا أَوْجَبُوا (1)
فَصْلُ نَقْضِ الْبَيْعِ
(3)
وَحَيْثُ إِنَّ (2) الْعِشَ وَالْخَدِيعَهُ فِي الْبَيْعِ حُرُمٌ مُقْتَضَى الشَّرِيعَة قَدْ أَثْبَتُوا لِبَائِعِ أَوْ مُشْتَرِي طُرْقًا بِهَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْغَيَرِ أَعَمُّهَا الْجَهْلُ بِمَا قَدْ بِيعَا فَإِنَّهُ يَعُمُّهَا جَمِيعًا فَيَدْخُلُ الْمَغْشُوسُ وَالْمَعِيبُ فِي حُكْمِهَا وَتَدخُلُ الْغُيُوبُ (4) لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ جَهِلَا بِذَاكَ مَا كَانَ لَهُ أَنْ يُبْطِلًا لَكِنَّنِي أُفْرِدُ كُلَّ وَاحِدِ بِمَوْضِعِ لِأَجْلِ مَعْنًى زَائِدِ وَهَاهُنَا أَذْكُرُ نَفْسَ الْجَهْلِ لِلبَيْعَ فَهُوَ سَبَبٌ لِلبُطْلِ فَمُشْتَرِي الشَّيْءِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ لَهُ إِذَا شَا رَدُّهُ) لِرَبِّهِ
(1) قوله: «أوجبوا أي أثبتوا وهو من الإيجاب الذي هو نقيض السلب. (2) في ألف أَنّ بَعْدَ حَيْثُ وجهان؛ الكسر والفتح والأول أكثر. (3) قوله: «حُرم» بالتنوين أي حرام، ومقتضى منصوب بنزع الخافض أي في مقتضى، وتجوز
إضافة حرم إلى مقتضى.
(4) قوله: «الغيوب» أي الأشياء المغيبة بالمعجمة أي المجهولة.
(5) قوله: «رده» بالرفع مبتدأ وهو الأحسن وبالنصب مفعول لشاء. (1/477)
صفحة 478
فَصْلُ نَقْضِ الْبَيْعِ
الجزء الثاني
477
وَهَكَذَا مَنْ بَاعَ مَا لَا يَعْرِفُ بِرَدِّهِ إِنْ شَاءَ يَومًا يُتْحَفُ وَقِيلَ مَنْ بَاعَ لِزَيْدٍ مَالَا بِشِرْبِهِ أَجْمَلَهُ إِجْمَالَا
فَالنَّقْصُ لِلبَائِعِ بَلْ وَالْمُشْتَرِي إِذْ لَمْ يَحُدَّ شِرْبَهُ بالأَثَرِ
(2) (1)
وَمَنْ يَكُنْ لِلْبَيْتِ يَوْمًا اشْتَرَى وَلَمْ يَكُنْ بَاطِنَهُ قَدْ نَظَرَا بَلْ نَظَرَ الظَّاهِرَ إِذْ شَرَاهُ فَالنَّقْضُ ثَابِتٌ إِذَا رَأَىهُ وَقَصَبُ السُّكَّرِ فِيهِ النَّقْضُ إِنْ بِيعَ قَائِمًا حَوَتْهُ الْأَرْضُ لِأَنَّهُ يَسْتَصْحِبُ الجَهَالَهُ إِذْ لَمْ تَكُنْ تُدْرَكُ مِنْهُ الحَالَهُ وَمُشْتَرٍ حَبًّا عَلَى جُزَافِ قِيلَ لَهُ النَّقْضُ بِلَا خِلَافِ إِنْ ظَهَرَ الْأَعْلَى خِلَافَ الْأَسْفَلِ وَذَاكَ إِنْ لَمْ يَعْلَمَنْ بِهِ قُلِ وإِنْ يَكُنْ عَلَى سَوَاءٍ قِيلَا يَلْزَمُهُ مَا اشْتَرَطَاهُ كَيْلَا (3) وَذَاكَ إِنْ قَالَ لَهُ أَبِيعُ لَكَ كُلَّ جَرِيٌّ بِكَذَا مِنْ ذَا سَلَكْ فَالَبِيْعُ مَاضٍ فِي جَرِيٌّ (4) وَاحِدِ وَمَا لَهُ عَلَى الْجَرِي مِنْ زَائِدِ إِلَّا إِذَا شَاآ يُتَمِّمَانِ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ يَمْضِيَانِ
(*) الشرب هو القدر المخصوص من الماء كأثر أو أثرين أو ما شابه ذلك. (إسماعيل) (1) قوله: «بالأثَرِ» هو عبارة عن قدر مخصوص من الماء الجاري في العيون وهي عبارة عُمانية سموه بذلك لأن قسمته موقوفة عندهم على تقدير الظل بالأقدام، وموضع القدم يسمى والله أعلم. اهـ. (المصنف)
(2) قلت: وأظهر شيء في تبيين مُدّةِ الأثر مِنَ الزَّمَان أنه نصف ساعة أي ثلاثون دقيقة. (3) قوله: «كيلا» منصوب على التمييز المحول عن المفعول.
(4) قوله: «جري» هو عبارة عن كيل معروف عند أهل عُمان وهو عشرة آصَاع.
أثرًا (1/478)
صفحة 479
478
الجزء الثاني
كتاب البيوع
وَقِيلَ بَلْ يَثْبُتُ فِي الْجَمِيعِ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْمَبِيعِ قَدْ بَاعَهُ الْحَبَّ وَعَيَّنَ الثَّمَنْ مُقَدَّرًا بِالْجَرْيِ كَيْمَا يُعْرَفَنْ وَذَاكَ لَا يَسْتَلزِمَنَّ النَّقْصَا بَلْ حَقُّهُ عَلَى الْجَمِيعِ يُمْضَى وَالْخُلْفُ فِي البَيْعِ إِذَا مَا عُلَّا بِالنَّقْضِ قِيلَ يَثْبُتَنَّ أَصْلَا وَإِنَّمَا النَّقْصُ عَلَيْهِ يَعْرُضُ بِعِلَّةٍ إِذَا رَأَىهَا تَنْقُضُ فَهُوَ وَلَوْ رِضَى (3) بِهِ أَقَامَا عَلَيْهِ لَمْ يَرْتَكِبِ الْحَرَامَا وَقِيلَ بَلْ مُنْتَقِضٌ حَتَّى يُتِمُ لِأَنَّ فِيهِ وَصْفَهُ الَّذِي هَدَمْ فَهْوَ ضَعِيفُ الْأَصْلِ فَلْيُجَدِّدِا مِنْ بَعْدِ عِلْمِهِ وَإِلَّا فَسَدًا وَيَنْبَنِي عَلَى الْخِلافِ مَا قَبَضْ مِنْ غَلَّةِ الْمَعْلُولِ قَبْلَ أَنْ نَقَض فَالْقَائِلُونَ بِالنُّبُوتِ جَعَلُوا لِلْمُشْتَرِي غَلَّتَهُ فَيَأْكُلُ وَالْقَائِلُونَ بِالْفَسادِ قَالُوا يَرُدُّهُ وَمَا أَغَلَّ الْمَالُ فَإِنَّهُ وَأَصْلَهُ لِلْأَوَّلِ كَيْفَ لَهُ الْأَخْذُ وَلَمْ يُحَلَّلِ وَمَا الإِقَالَةُ كَهَذَا الْبَابِ بَلْ إِنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ
(1) قوله: «والخلف في البيع إذا ما عُلّا ... إلخ» يعني إذا باع إنسان شيئًا فقال للمشتري إني بايعتك هذا الشَّي وهو معيب أو معلول بعلة توجب نقضه، أو إني أنقضه متى شئت، أو قال ذلك المشتري، ولم يشترطا أو أحدهما إقالة إلى مدة، ففيه قولان: صحة البيع وفساده، كما
بينه الشيخ نه. (2) قوله: «رِضى» مفعول لأجله. (1/479)
صفحة 480
فَصْلُ نَقْضِ الْبَيْعِ
الجزء الثاني
479
فَهْيَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مِنْ فَسْحَ وَمِنْ بَيْعِ فَمَا غَلَّ لِمُشْتَرٍ زُكِنْ وَمِثْلُها الشُّفْعَةُ وَالْخِيَارُ إِنْ صَحَ بَيْعُهُ وَبَعْدُ اخْتَارُوا لأَنَّ ذَاكَ الْمُشْتَرِي يَأْكُلُ مَا شَرَاهُ بِالصِّحَّةِ لَمْ يُحَرَّمَا وَالنَّقْلُ بِالشُّفْعَةِ وَالْخِيَارِ مِنْ بَعْدِ مَا صَحَّ عَلَيْهِ طَارِي (2) وَهْوَ الَّذِي يُعْرَفُ بِاسْتِحْقَاقِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ وَلَا يَبِيعُ حَاكِمُ بِحُكْمِهِ إِلَّا لِمَنْ يَعْتَرِفَنْ بِعِلْمِهِ يَسْأَلُهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَبِيعَا يَقُولُ هَلْ عَرَفْتَ ذَا الْمَبِيعَا كَيْلَا يَكُونَ الْبَيعُ مَعْلُولًا فَإِنْ أَقَرَّ فَالْبَيْعُ هُنَاكَ يَثْبُتَنْ
الْحَالَة
وَلَا يَنَالُ النَّقْضَ بِالجَهَالَهُ بَعْدَ اعْتِرَافِهِ بِهَذِي كَذَلِكَ الْوَصِيُّ يُسْتَحَبُّ لَهُ يُقَرِرُّ الشَّارِي لِيَنْفِي عِلَلَهُ وَكُلُّ مَنْ أَقَرَّ بِالْعِلْمِ فَلَا يُسْمَعُ مِنْهُ إِنْ يَقُلْ قَدْ جَهِلَا إِذْ لَا رُجُوعَ بَعْدَ مَا أَقرَّ بِهِ وَإِنْ يَكُنْ إِقْرَارُهُ مِنْ كَذِبِهْ لِأَنَّمَا شَهَادَةُ اللِّسَانِ تُنْبِتُ مَا لَا يُثْبِتُ الْعَدْلَانِ وَفِي الزِّنَا (3) وَالقَذْفِ بِالزِّنَاءِ يَظْهَرُ ذَاكَ عِنْدَ الاذْكِيَاءِ
(1) قوله: «غل» أي أَغَلَّ فحذف الهمزة للوزن أو على لغة والله أعلم. (2) قوله: «طاري» أي حادث.
(3) قوله: «وفي الزنى والقذف بالزناء» يعني أن شهَادَةَ الشاهدين على أحد أنه زنى لا تكفي حتى
يشهد عليه أربعة شهود، فلو أقر على نفسه أنه زنى ثبت عليه إقراره؛ إذا كان صحيح العقل،
= (1/480)
صفحة 481
480
الجزء الثاني
كتاب البيوع
وَكُلُّ مَا بِيعَ مِنَ الْمَعْلُولِ بِعِلَّةِ النَّقْضِ أَوِ الْمَجْهُولِ فَإِنَّهُ يَقْوَى بِمَوْتِ الْمُشْتَرِي أَو الَّذِي قَدْ بَاعَهُ لَا تَمْتَرِي وَمَا لِوَارِثِيهِمَا مِنْ غِيَرِ لِأَنَّهُ مَاتَ وَلَمْ يُغَيِّرِ كَذَاكَ إِنْ أَتْلَفَهُ أَوْ بَعْضَهُ مَنِ اشْتَرى فَلَا يَنَالُ نَقْضَهُ مِنْ ذَاكَ إِنْ كَانَ بِأَرْضِهِ خَلَطْ أَرَضًا شَرَاهَا عَامِدًا دُونَ غَلَطْ وَهَكَذَا إِنْ كَانَ مِنْهَا فَسَلَا صَرْمًا (1) وَعَنْ مَوْضِعِهِ قَدْ عَزَلَاً وَإِنْ يَكُنْ قَدْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهْ فَذَاكَ إِتْلَافُ كَذَا إِنْ كَتَبَهْ وَقِيلَ إِنْ كَانَ لِوَارِثِ كَتَبْ ذَاكَ فَلَيْسَ فِيهِ إِتْلَافُ وَجَبْ كَذَلِكَ الْخِلَافُ إِنْ أَعْطَاهُ إِبْنَّا لَهُ ذَا صِغَرٍ رَبَّاهُ وَلَا أَرَى الإِتْلَافَ فِي القَضِيَّة وَالرَّهْنِ وَالْإِثْبَاتِ وَالْوَصِيَّهْ فَكُلُّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ تَلَفُ وَإِنْ يَكُنْ فِي بَعْضِهِ يُخْتَلَفُ كَذَلِكَ الْمَبِيعُ بِالْخِيَارِ فِيهِ اخْتِلَافُ الْعُلَمَا الْأَخْيَارِ
فيقام عليه الحد، فظهر أن إقرار اللسان يوجب على الإنسان ما لا يوجبه العدلان، وأما شهادة العدلين على القاذف فإنها تثبت ويقام عليه حد القاذف ثمانين جلدة، فأشكل علينا معنى قوله (والقذف بالزناء) فإن كان أراد بذلك إذا قذف أحد مسلمًا بالزنى فإن عليه أن يأتي عليه بأربعة شهداء وإلا فعليه حد القذف، فهذا صحيح ظاهر معناه، لكن يغني عنه قوله (وفي الزنى) فالله أعلم بما أراد رضوان الله عليه. (1) قوله: «صرما» الصرم جمع صرمة؛ هي الفَسِيلَةُ من النخل سُمِّيَتْ صَرْمَةِ لأَنها تُصْرَمُ من أصل
أمها. (1/481)
صفحة 482
فَصْلُ نَقْضِ الْبَيْعِ
الجزء الثاني
481
فَبَعْضُهُمْ يَرَاهُ إِتْلَافًا وَلَا يَرَاهُ بَعْضُ حَيْثُ لَمْ يُنَقَلَا فَالأَصْلُ بَاقٍ حَيْثُ كَانَ يُدْرِكُهُ بِنَقْضِ ذَاكَ الْبَيْعِ وَهْوَ مَسْلَكُمْ وَمُشْتَرٍ مَالًا وَمَاتَ الْفَلَجُ فَقِيلَ لا نَقْضَ هُنَاكَ يَلِجُ) وَالْقَسْمُ إِتْلَافُ وَقَالَ بَعْضُ لَوْ أَتْلَفُوهُ يُدْرَكَنَّ النَّقْضُ وَهُوَ قَلِيلُ وَالْكَثِيرُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الَّذِي طُرًّا عَلَيْهِ عَوَّلُوا وَمِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ الْقَلِيلِ مَا قِيلَ فِي الْمُبْتَاعِ لِلنَّخِيلِ مُدَّةَ أَعْوَامٍ لَهُ قَدْ عَمَّرَا وَيَأْخُذُ الْغَلَّةَ مِمَّا ثَمَّرَا وَبَعْدَ ذَا أَتَى عَلَيْهِ السَّيْلُ فَغَابَتِ الأَشْجَارُ وَالنَّخِيلُ أَنَّ لَهُ إِنِ ادَّعَى الْجَهَالَة نَقْضَ الشَّرَا فِيهِ لهِذِي الْحَالَهُ بَعْدَ يَمِين مِنْهُ بِاسْمِ الْبَارِي وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّدُ للشِّمَارِ وَالْقَوْلُ بِالنَّقْضِ بِهَذَا الْحَالِ يُفْضِي إِلَى مَفَاسِدٍ فِي الْمَالِ وَالشَّرْعُ فِي الْجُملَةِ يَأْبَى الْمَفَسَدَهُ وَرَدُّ ذَا الْمَالِ يُنَافِي مَقْصَدَهْ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَخَفِ الْجَبَّارَا يَجْعَلُهُ لِظُلْمِهِ مَدَارًا لَنَا نَسُدُّ الْبَابَا إِذَا رَأَيْنَا سَدَّهُ صَوَابَا
(1) الفلج ترعة الماء والنهر الصغير، أو كل ما شق في الأرض لتقسيم المياه على ما يظهر من عبارة أصحابنا المشارقة، واستعار الموت لذهاب مائه بجامع أنه انقطاع في كل لما
كانفصال الروح عن الجسد. (أبو إسحاق)
به
الحياة (1/482)
صفحة 483
482
الجزء الثاني
كتاب البيوع
فصلُ الشَّرَطِ في البَيْع
وَالشَّرْطُ فِي البَيْعِ إِذَا مَا وَقَعَا فِيهِ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ رُفِعَا فَبَعْضُهُمْ أَبْطَلَهُ وَالْأَكْثَرُ عَلَى ثُبُوتِهِ وَقَوْمٌ حَرَّرُوا فَجَعَلُوا الْمَجْهُولَ بَاطِلًا وَمَا يُعْلَمُ فَهُوَ ثَابِتٌ لِتَعْلَمَا. فَإِنْ يَكُنْ شَرْطَانِ فِي الْمَبِيعِ فَبَاطِلٌ إِلَّا عَنِ الرَّبِيعِ فَإِنَّهُ يُثْبِتُ نَفْسَ البَيْعِ وَيُبْطِلُ الشَّرْطَيْنِ لِلتَّصْيِيعِ كَبَائِعِ بَيْتًا عَلَى إِنْسَانِ وَيَشْرُطُ السُّكْنَى مَدَى الزَّمَانِ فَذَانِ شَرْطَانِ حُصُولُ السُّكْنَى فِيهِ وَمُدَّةٌ لَهُ لَا تَفْنَى) وَبَعْضُهُمْ لِلْبَيْعِ يُثْبِتَنَّا مَعَ شُرُوطِهِ لِتِلْكَ السُّكْنَى وَهْوَ خِلَافُ مَا نَهَى الرَّسُولُ عَنْهُ فَلَا مَعْنًى لَهُ أَقُولُ فَإِنَّ نَهْيَهُ عَنِ الشَّرْطَيْنِ فِي البَيْعِ مَا فِي نَقْلِهِ مِن مَيْنِ) وَلِلرَّبِيعِ فِيهِ أَعْلَى نَظَرِ لأَنَّمَا الشَّرْطَانِ نَهْيُ الْخَبرِ فَأَفْسَدَ الَّذِي نُهِينَا عَنْهُ وَالبَيْعَ فِيهِ لَمْ يُبطِّلَنْهُ وَالشَّرْطُ إِنْ خَالَفَ مَا يُرَادُ بِالْبَيْعَ فَهُوَ بَاطِلٌ يُذَادُ)
(1) لا تفنى: أي لا تنقضي.
(2) من مين: أي من كذب.
(3) أي يطرد؛ لأن الذود الطرد، والمراد به هنا المنع. (1/483)
صفحة 484
فصلُ الشَّرْطِ فِي البَيْعِ
الجزء الثاني
483
كَبَائِعِ لِخَالِدٍ غُلَامًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَصْرِفَ الْغُلَامَا يَقُولُ إِنَّهُ كَمِثْلِ وَلَدِي فَأَنْتَ لَا تَبِيعُهُ لِأَحَدِ فَالشَّرْطُ بَاطِلُ إِذَا مَا كَانَا يَبِيعُهُ إِنْ شَاءَهُ عِيَانَا وَقِيلَ ذَاكَ الشَّرْطُ يُفْسِدَنَّا أَصْلَ الْمَبِيعِ حِينَ يُعْقَدَنَّا وَإِنْ يَبِعْ بَهِيمَةً وَقَدْ شَرَطْ جَنِينَهَا (2) فَإِنَّ شَرْطَهُ سَقَط لِأَنَّهُ عَنْ بَيْعِ مَا فِي الرَّحِمِ نُهِي وَمِثْلُ الْبَيْعِ شَرْطُهُ اعْلَمِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْ أَمَةٍ يُخْتَلَفُ
فِيهِ وَمَعْنَى النَّهْي فِيهِ يَلْصُفُ
(8)
(3)
وَقَدْ رَأَى الأَصْلُ نُبُوتَهُ إِذَا مَا وَلَدَتْ لِسِيَّةٍ أَوْ دُونَ ذَا
وَاخْتَلَفُوا فِي شَرْطِ شَرْوَى الْمَالِ وَثَابِتُ فِي أَكْثَرِ الْأَقْوَالِ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مَعَ الْبَيْعِ وَقَدْ يُدْرَى بِمِقْدَارِ الَّذِي لَهُ يُحَدْ لِأَنَّهُ كَمِثْلِ ذَاكَ الْمَالِ يُشْرَطُ دَفْعُهُ لَهُ بِحَالِ إِذَا اسْتُحِقَ نَزْعُهُ) مِن مُشْتَرِي وَذَاكَ مَعْنَى قَوْلِ ذَاكَ الْأَكْثَرِ
(1) أي يبيع.
(2) أي ما في بطنها.
(3) قوله: «يلصف» أي يلمع. (المصنف)
(4) أي لستة أشهر فما دونها.
(5) الشَّرْوَى: المَثلُ.
(6) نَزَعُهُ: أَي أَخذُهُ. (1/484)
صفحة 485
484
الجزء الثاني
كتاب البيوع
وَمَنْ يَرَى بُطْلَانَهُ فَهْوَ كَمَنْ قَدْ بَاعَ مَا لَمْ يَكُ عِنْدَهُ اعْلَمَنْ لِأَنَّمَا الشَّرْطُ كَمِثْلِ البَيْعِ فِي حُكْمِهِ الْجَائِزِ وَالْمَمْنُوعِ
وَبَائِعٌ مَالًا لِمَيِّتٍ شَرَطْ شَرْوَاهُ لِلشَّارِي إِذَا عَنْهُ فَرَطْ يَلْزَمُهُ عَلَى مَقَالِ الأَكْثَرِ إِذا اسْتَحَقَّ ذَاكَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَاشْتَرَطَ الْأَصْلُ بِهَذِي الْحَالَهُ أَنْ يَدَّعِي الْبَائِعُ لِلْوَكَالَهُ وَالْوَجْهُ فِيهِ إِنْ يَكُنْ لَمْ يَدَّعِ فَالْمُشْتَرِي يُعْرَفُ بِالْمُضَيِّعِ وَالْقَوْلُ بِالبُطْلَانِ لَا تَنْسَاهُ فَهُوَ عَلَيْهِ تَبْطُلَنْ شَرْوَاهُ وَمُشْتَرٍ بَيْتًا وَفِيهِ شَجَرَهُ وَشَرْطُ قَطْعِهَا لَهُ قَدْ قَرَّرَهُ يَثْبُتُ شَرْطُهُ وَمَهْمَا يَشْتَرِطُ تَقْوِيرَهَا فَشَرْطُهُ لَمْ يَنْضَبِطْ لأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْمَجْهُولِ لَا يَدْرِي وَصْفَ عَرْضِهِ وَالطُّولِ وَمُشْتَرٍ شَجَرَةً لِتُقْطَعَا أَنَّ لَهُ الظَّاهِرَ مِنْهَا أَجْمَعَا وَحُكْمُ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ عُرُوقِ وَنَحْوِهَا لِبَائِعِ عَتِيقِ) لِأَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ لَا يُبَاعُ وَالْأَصْلُ عِنْدَهُ بِهَا إِجْمَاعُ وَإِنْ يَكُنْ فِي أَرْضِهَا قَدْ تُرِكَتْ مِنْ غَيْرِ قَطْعِ وَالثَّمَارُ أُدْرِكَتْ فَقِيلَ إِنَّ مَا بِهَا مِنْ ثَمَرِ لِبَائِعِ قَدْ قِيلَ أَوْ لِلْمُشْتَرِي
(1) قوله: «تقويرها» أي قَلَعَها من أصل قرارها من الأرض في شكل يصلح معه إعادة زراعتها وهو
اصطلاح عُماني. (2) أي قديم. (1/485)
صفحة 486
فصلُ الشَّرْطِ فِي البَيْعِ
الجزء الثاني
485
وَقَالَ قَوْمٌ إِنَّهُ لِلْفُقَرَا لِأَنَّهُ مُشْتَبَةٌ كَمَا تَرَى وَالشَّرْطُ فِي تَأْجِيل ذَاكَ الثَّمَنِ عَنْهُ إِلَى وَقْتِ لَهُ مُعَيَّنِ فَجَائِزُ وَذَاكَ بَيْعُ النَّسِئَة يُعْرَفُ بِالصَّبْرِ لَدَيْنَا تَسْمِيَهُ وَشَرْطُهُ يَثْبُتُ لَا مَحَالَهُ إِلَّا إِذَا مَاتَ فَقِيلَ لَا لَهْ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ صَيَّرَهُ الْمَوْتُ إِلَى تِرْكَتِهِ فَصَارَ فِي التِّرْكَةِ وَاجِبًا وَلَا يَكُونُ بَعْدَ مَوْتِهِ مُؤَجَّلَا وَقِيلَ بَلْ ذَلِكَ ثَابِتٌ إِلَى تَمَامِ مَا كَانَ لَهُ تَأَجَّلَا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُوَفَّفَنَّا مِقْدَارُهُ فَلَيْسَ يُقْسَمَنَّا وَقِيلَ مَنْ بَاعَ إِلَى أَيَّامِ فَهْيَ ثَلَاثٌ يُعْطَى بِالتَّمَامِ لِأَنَّهَا أَقَلُّ جَمْعِ نُكِّرَا وَإِنْ يَكُنْ عَرَّفَهَا حِيْنَ اشْتَرَى فَقَالَ قَدْ شَرَيْتُ لِلأَيَّامِ فَإِنَّهَا سَبْعٌ عَلَى تَمَامِ لِأَنَّهَا السَّبْعُ الَّتِي تَدُورُ لِنَحْوِهَا يَنْصَرِفُ التَّعْبِيرُ لِأَنَّهَا لَدَى الْخِطَابِ تَغْلِبُ وَذَاكَ إِنْ لَمْ يَكُ مَعْنِّى أَقْرَبُ فإِنَّهمُ إِنْ عَهِدُوا أَيَّامَا بَيْنَهُمُ فَهْيَ لَهُمْ تَمَامَا
(1)
(2)
وَجَائِزُ يَبْتَاعُ لِلنَّيْرُوزِ لِأَنَّهُ كَوَقْتِهِ الْمَفْرُوزِ)
(1) يبتاع: يشتري.
(2) أي المحدود. (1/486)
صفحة 487
486
الجزء الثاني
كتاب البيوع
وَإِنْ يَكُنْ قَالَ إِلَى الْحَصَادِ أَوِ الدِّيَاسِ (1) فَهْوَ ذُو فَسَادِ وَهَكَذَا إِلَى الْعَطَا وَالأَخْذِ لِأَنَّهُ الْجَهْلُ عَرَاهُ فِي ذِي وَإِنْ يَكُنْ لِلصَّيْفِ وَالْقَيْظِ أَخَذْ فَبَعْضُهُمْ يَنْقُضُ وَالبَعْضُ نَفَذ وَأَوْجَبُوهُ عِنْدَ دَوْسِ الْأَكْثَرِ فِي الصَّيْفِ وَالْقَيْظُ دَرَاكُ الثَّمَرِ) وَهْوَ إِذَا مَا اخْتَرَفُوا أَرْطَابَا وَالْكُلُّ بِالْأَرْطَابِ مِنْهُمْ طَابَا
فصل شرط الخيار
إِنَّ الْخِيَارَ فِي البُيُوعِ يُوجَدُ بِعِلَّةٍ أَوْ بِشُرُوطٍ تُعْقَدُ فَالأَوَّلُ الْمَوْجُودُ فِي الْأَخْبَارِ أُصُولُهُ فِي جُمْلَةِ الْآثَارِ وَالثَّانِي أَنْ يَشْتَرِطَنَّ المُشْتَرِي أَوْ بَائِعٌ مُدَّتَهُ لِلنَّظَرِ أَوْ يَجْعَلَانِ لَهُمَا الْخِيَارَا يَنْظُرُ كُلُّ وَاحِدٍ مَا اخْتَارَا إِلَى انْقِضَاءِ ذَلِكَ الزَّمَانِ ثُمَّ يَصِيرُ ثَابِتَ الْأَرْكَانِ وَهْوَ خِيَارُ الشَّرْطِ فِيهِ اخْتَلَفُوا أَثْبَتَهُ قَوْمٌ وَقَوْمٌ وَقَفُوا وَبَعْضُهُمْ أَفْسَدَهُ لأَجْلِ مَا حَوَى مِنَ الشَّرْطَيْنِ فِيهِ فَاعْلَمَا
(1) قوله: «الدياس» هو في الاصطلاح استخراج حب السنبل بالدوس أي بالضرب. (2) القيظ دراك الثمر.
(3) قوله: «اخترفوا أي جنوا يقال: اخترف النخل وخرفها إذا جنى من ثمرها. (1/487)
صفحة 488
فصل شرط الخيار
الجزء الثاني
487
هُمَا حُصُولُ مُدَّةِ الْخِيَارِ وَنَفْسُهُ) لِبَائِعِ وَشَارِي وَالْقَائِلُونَ بِالنُّبُوتِ قَالُوا يَثْبُتُ مَا لَمْ تُقْصَدِ الْغِلَالُ (2) فَإِنَّ قَاصِدَ الْغِلَالٍ مُرْبِي (3) فِي مَالِهِ عِنْدَ جَمِيعَ الصَّحْبِ وَإِنَّمَا يُسَوِّغُونَهُ لِمَنْ قَدْ قَصَدَ الْأَصْلَ الَّذِي يُثَبَّتَنْ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَهُ تَدَرُّجَا إِذْ لَمْ يَجِدْ لِلْقَطْعِ حَالًا مَنْهَجَا هَذَا الَّذِي قَدْ جَوَّزُوهُ لَا سِوَى لَكِنْ فَشَا فِي النَّاسِ أَتْبَاعُ الْهَوى فَلَا تَرَى مَنْ يَشْتَرِيهِ أَبَدًا مِنْهُم لِغَيْرِ غَلَّةٍ قَدْ قَصَدَا هُمْ جَعَلُوهُ مَنْهَجًا لِلْغِلَلِ وَاسْتَسْهَلُوا مَأْخَذَهُ لِلْمَأْكَلِ تَرَاهُمُ لِلْمَالِ يَشْتَرُونَا وَهُمْ لَهُ بِالْأَصْلِ لَا يَبْغُونَا إِنْ قَرُبَ الْوَقْتُ يُؤَخِّرُونَا وَمُدَّةً أُخْرَى يُمَدِّدُونَا وَيَجْعَلُونَ ذَاكَ حُسْنَ خُلُقٍ وَهُوَ ضَلَالٌ لَا يَكُونُ فِي تَقِي حَالُهُمَا كَحَالِ الزَّانِيَيْنِ كَانَا عَلَى ذَا مُتَرَاضِيَيْنِ وَقَدْ مَضَى أَنَّ الرِّبَا أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا فَالْوَصْفُ لَا يَشْتَدُّ وَمِنْهُمُ مَنْ يَزْعُمَنَّ أَنَّا مُرَادَهُ الأَصْلُ وَيَكْذِبَنَّا
(4)
(1) قوله ونفسه أي نفس الخيار والمعنى أن نفس اشتراط الخيار شرط على حده، وكونه إلى مدة معلومة شرط آخر، فاجتمع في هذا العقد شرطان.
(2) قوله: «الغلال» هي جمع غلة، والغلة ما يحصل من الثمرة أو النتاج أو أجر العقارات. (3) المُرْبِي: فاعل الربا.
(4) الأصل: المراد به البيع الناجز وهو بيع القطع. (1/488)
صفحة 489
488
الجزء الثاني
كتاب البيوع
يُخَادِعُ اللَّهَ بِقَوْلٍ كَاذِبِ مَعْ أَنَّهُ لِلأَصْلِ غَيْرُ طَالِبِ يَقُولُ لَوْ قَدْ تَرَكُوهُ يَوْمَا أُرِيدُهُ وَلَا أَخَافُ لَوْمَا
فَقَوْلُهُ لَوْ تَرَكُوهُ يَقْضِي عَلَيْهِ بِاسْتِلْزَامِهِ مَا يُفْضِي كَأَنَّهُ يَقُولُ لَسْتُ أَلْقَى بُدًّا فَلَا أَتْرُكُ مَالِي مُلْقَى أَمِثْلُ هَذَا مَنْ يُرِيدُ الأَصْلَا كَلَّا وَرَبِّي مَا أَرَادَ أَصْلَا لَكِنَّهُ يُرِيدُ مَا اسْتَغَلَّا مِنْ ذَاكَ تَلْقَاهُ يَبِيعُ الْأَصْلَا وَيَشْتَرِي مَالًا عَلَى خِيَارِ يَقُولُ فِي الْخِيَارِ رِزْقٌ جَارِ يَنَالُ فَوْقَ غَلَّةِ الأُصُولِ فَتَكْثُرُ الْخَيْرَاتُ فِي الْمَحْصُولِ غَدَّتُهُ لِبَيْتِنَانُسَاقُ تَكْثُرُ عِنْدَنَا بِهَا الْأَرْزَاقُ بَائِعُهُ يَقُومُ بِالْعَمَارِ يَا لَكَ مِنْ بَيْعِ بِذَا الْخِيَارِ وَهُوَ لَعَمْرُ اللَّهِ يَأْكُلَنَا رِبَّابِهِ غَدًا يُعَذِّبَنَّا إِلَّا إِذَا مَا تَابَ مِنْ خَطِيئَتِهْ وَدَانَ اللهِ بحُسْن تَوْبَتِهْ وَحَيْثُمَا عَمَّ الْفَسَادُ قُمْنَا عَنِ ارْتِكَابِهِ نُشَدِّدَنَا وَمَنْ يُوَقِّفُهُ يُوَقِّفَهُ إِلَى أَنْ يَنْقَضِي الْوَقْتُ الَّذِي قَدْ أُجِّلَا وَبَعْدَ أَنْ تَمَّ فَيَجْعَلَنَّهُ لِلْمُشْتَرِي وَقَبْلُ يَنْفِيَنْهُ
(1) يُفْضِي: أي يصير إليه.
(2) يا لك: مدح وتعجب. (1/489)
صفحة 490
فصل شرط الخيار
الجزء الثاني
489
فَيَجْعَلُ الْغَلَّةَ لِلْبَائِعَ مَا لَمْ يَنْقَضِ الْوَقْتَ الَّذِي قَدْ أَبْرِمَا كَذَاكَ كُلُّ مَغْرَمِ يَلْزَمُهُ فَصَاحِبُ الْأَصْلِ الَّذِي يَغْرَمُهُ وَبَعْضُهُمْ يُوَقِّفَنَّ الْكُلَّا حَتَّى يُرَى مَنْ يَأْخُذَنَّ الْأَصْلَا فَيَدْفَعُ الْغُرْمَ وَيَأْخُذُ الْغِلَلْ وَذَاكَ كُلُّهُ إِذَا تَمَّ الْأَجَلْ وَأَصْلُهُ الخُلْفُ الَّذِي عَنْهُمْ وُجِدْ فِي عَقْدِهِ مَتَى تَرَاهُ يَنْعَقِدْ فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ عِنْدَ الصَّفْقَةِ وَبَعْضُهُمْ عِنْدَ تَمَامِ الْمُدَّةِ وَقَبْلَهَا يَكُونُ مِثْلَ الْحَوَزِ وَهْوَ مُرَادُ أَكْثَرِ الْمُجَوِّزِ) كَانَتْ فَتَاوِيهِمْ عَلَى ذَا تَخْرُجُ وَالنَّاسُ عَنْهُ لِلْحَرَامِ انْدَرَجُوا وَذَاكَ أَنَّ بَعْضَ مَنْ تَأَخَّرَا صَحَّحَ عَقْدَهُ وَحَلَّلَ الشِّرَا فَأَخَذُوا بِقَوْلِهِ وَعَامَلُوا مَنْ بَاعَ بِالْوُقُوفِ إِذْ يُعَامَلُ هُمْ يَأْخُذُونَ غَلَةَ الْمَبِيعِ وَيُلْزِمُونَهُ عَنَا التَّصْيِيعِ وَأَنْتَ تَدْرِي أَنَّهُ تَخْلِيطُ بَيْنَ الْفُرُوعِ وَهُوَ التَّخْبِيطُ مُشَابِةٌ مَسْأَلَةَ الصَّبِيَّة حَالُهُمَا مُتَحِدُ الْقَضِيَّة قَدْ خَلَطُوا بَيْنَ فُرُوعِ الْكُلِّ وَقَدْ كَشَفْتُ فِيهِ مَعْنَى الْعَدْلِ
(1) أَبْرِمَا: أَي حُدّدَ.
(2) أي الصنف المجوّز من إقامة الصفة مقام الموصوف. (1/490)
صفحة 491
490
الجزء الثاني
كتاب البيوع
رِسَالَةٌ سَمَّيْتُهَا الْإِيصَاحَا أَوْصَحْتُ حَقَّهَا بِهَا إِيصَاحَا وَإِنْ نَظَرْتَ فِي فَتَاوَى الْأَثَرِ وَجَدْتَهَا عَلَى الْوُقُوفِ تَنْبَرِي فِي نَادِرِ الْأَحْوَالِ تَلْقَى مَسْأَلَهُ عَلَى نُبُوتِ عَقْدِهِ مُفَصَّلَهُ فَمِنْ غَبَاوَةٍ عَرَتْهُمْ حَسِبُوا بِأَنَّهَا فَرْعٌ لِمَا قَدْ رَكِبُوا قَالُوا: لَنَا غَلَّتَهُ حَلَالَا وَالْغُرْمُ أَنْتَ قُمْ بِهِ كَمَالَا وَالرِّبْحُ بِالصَّمَانِ حُكْمٌ يُعْرَفُ بَيْنَهُمْ فَمَا لَهُمْ تَخَلَّفُوا أَيَأْكُلُونَهُ طَرِيًّا غَيَّا وَالْغُرْمُ مَضَ الْبَائِعِينَ مَضَا (3) (4) وَهَذِهِ مَسَائِلٌ مَبْنِيَّهُ عَلَى الْوُقُوفِ فَاعْرِفِ القَضِيَّهْ لَمْ يَذْكُرِ الْأَصْلُ سِوَاهَا فَرْعَا كَأَنَّهُ لِغَيْرِهَا لَا يَسْعَى يَنْظِمُ مَا رَأَىهُ مِنْ فُرُوعِ مَعْ عَجْزِ فَهْمِهِ عَنِ التَّفْرِيعِ مِنْ ذَاكَ أَنَّ نَخْلَةَ الْخِيَارِ مَالَتْ عَلَى الْجِدَارِ نَحْوَ الْجَارِ فَصَرْفُهَا عَلَى الَّذِي قَدْ بَاعَا لَا يَلْزَمَنَّ صَرْفُهَا الْمُبْتَاعَاه)
(1) هي
رسالة سنيّة ميّز فيها المذاهب الثلاثة مذهب المُحَرِّمين لتزويج الصبيان، ومذهب الواقفين عن التحليل والتحريم، ومذهب المحللين وهم جمهور علماء الأمة، وردَّ كل فرع من أقوالهم إلى أصله، وأوضح فيها أحكام الصبيان إيضاحًا لا مزيد عليه، وسمّاها إيضاح البيان في نكاح
الصبيان، وهو اسم طابق مُسَمّاه، فَلِلَّهِ دَرُّهُ من محقق عظيم، جزاه الله عن الإسلام خيرا.
(2) حلالا منصوب على الحال.
(3) مضه وأمضه أحزنه أشد الحزن وآلمه. (أبو إسحاق)
(4) م: أي أتعب.
(5) أي المشترى. (1/491)
صفحة 492
فصل شرط الخيار
الجزء الثاني
491
وَهَكَذَا إِنْ مَالَ مَا قَدْ رُهِنَا فَصَرْفُهُ يَلْزَمُ مَنْ قَدْ رَهَنَا فَجَعَلَ الْمَبِيعَ كَالْمَرْهُونِ وَذَاكَ مَعْنًى كَاشِفُ الظُّنُّونِ وبَائِعُ بَيْتًا خِيَارًا ضَاعَا إِصْلَاحُهُ يَلْزَمُ إِصْلَاحُهُ يَلْزَمُ مَنْ قَدْ بَاعَا وَفِيهِ قَوْلُ إِنَّهُ لَا يُجْبَرُ وَأَوَّلُ القَوْلَيْنِ عِنْدِي أَكْثَرُ وَالتُّرْبُ وَالتَّوْلُ كَذَاكَ الْحَجَرُ لِبَائِعِ يَكُونُ حِينَ اسْتَجَرُوا كَذَاكَ كَبْسُ (2) (3) السَّيْلِ فِي الْأَفْلَاحِ بَائِعُهُ يُؤْخَذُ بِالإِخْرَاجِ وَهَكَذَا يَلْزَمُ مَنْ قَدْ قَعَدَا دُونَ الَّذِي صَارَ لَهُ مُقْتَعِدًا فَجَعْلُهُ الْبَيْعَ كَقُعْدِ الْمَاءِ يُنْبِيكَ عَنْ وَهْنٍ بِذَا الشِّرَاءِ وَحَيْثُ إِنَّ الصُّبْحِي) يُثْبِتَنَا بَيْعَ الْخِيَارِ الشَّارِي يُلْزِمَنَّا لِأَنَّمَا الْخَرَاجُ بِالصَّمَانِ وَأَنَّهُ الدَّرَاكُ لِلْمَعَانِي وَمَنْ يَكُنْ قَدِ اشْتَرَى خِيَارَا ثُمَّ بَنَى فِيمَا اشْتَرَى جِدَارًا لَيْسَ عَلَى الْبَائِعِ قِيلَ غُرْمُهُ وَجَائِزُ لِلشَّارِي قِيلَ هَدْمُهُ
(1) قوله: «التول» هو الطوب وهو التراب المبلول ثم يبس لأجل البنا. (2) الكبس الطم والامتلاء بالتراب. (أبو إسحاق)
(3) الكبس: إلقاء الحجر والتراب في المكان المنخفض.
(4) قعد الماء: بيع شربه إلى وقت محدود.
(5) والصبحي: هو العلامة المحقق الجليل سعيد بن بشير بن محمد الصبحي النزوي، كان آية في علم الفقه والزهد، وكان مكفوف البصر وكان معاصرًا للإمام سلطان بن سيف بن سلطان بن
سيف بن مالك اليعربي رضي الله عنهم
أجمعين. (1/492)
صفحة 493
492
الجزء الثاني
كتاب البيوع
وَلَيْسَ لِلبَائِعَ يَغْرِسَنَّا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَسْلًا عَنَّا (1) إِلَّا بِرَأْيِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ سَوَاءُ النَّخِيلُ وَالأَشْجَارُ لِأَنَّهُ كَمِثْل مَنْ تَصَرَّفَا فِي رَهْنِهِ وَهْوَ عَلَيْهِ أَوْقَفَا وَفَاسِلُ فِيمَ اشْتَرَى خِيَارَا صَرْمًا أَرَادَ قَلْعَهُ وَاخْتَارَا إِنْ كَانَ أَصْلُ الصَّرْمِ مِنْ ذَا الْمَالِ لَيْسَ لَهُ إِخْرَاجُهُ بِحَالِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْ غَيْرِهِ فَاحْكُمْ لَهُ بِقَلْعِهِ إِذَا أَرَادَ أَصْلَهُ وَالشَّارِي لَا يَلْزَمُهُ البِنَاءُ وَالفَسْلُ وَالسَّقْي إِذَا جَا الْمَاءُ وَرَفْعُهُ) يَبْطُلُ إِنْ لَمْ يُحْضِرِ دَرَاهِمَا بِهِنَّ كَانَ مُشْتَرِي لأَنَّهُ كَالرَّهْنِ لَا يَفْدِيهِ إِلَّا أَدَاءُ مَا جَعَلْتَ فِيهِ وَجَوَّزَ الصُّبْحِيُّ فَكَ الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ إِحْصَارٍ عَلَى التَّفْرِيعِ يَرَى ثُبُوتَ الْعَقْدِ مِنْهُ فَرَّعَا (3) جَوَازَ فَكِّهِ وَعَاهُ مَنْ وَعَى
(1) عَنَّا: أي عرض.
(2) قوله: «ورفعه» يعني به رفع الخيار والمراد به نقض البيع، فإن نقضه البائع ولم يُحضر الدراهم التي باعه بها خيارًا فلا ينتقض لأجل صيانة مال المشتري، لأنه لو كان يرتفع الخيار ويرجع المبيع لبائعه إذا نقضه ولم يُحضر الدراهم وكان معسرًا لكان في ذلك إتلاف لدراهم المشتري، فهذا الذي راعاه الجمهور من الأصحاب، وأما الذي قاله العلّامة الصبحي فهو أصح من جهة القياس، ولكن المصلحة لا تقتضيه فالاعتماد على ما عليه عامة المتأخرين من أصحابنا أولى، والله أعلم. (3) قوله: «فرَّعا» بتشديد الراء على أن فاعله مضمر يعود إلى قوله: «ثبوت» والمراد أن ثبوت العقد من البائع فرع جواز فكه أي نقض العقد، وهذا أصح مما يقرأه عامة الناس من تخفيف الراء. (1/493)
صفحة 494
فصل شرط الخيار
الجزء الثاني
493
شَبَّهَهُ بِالنَّقْضِ لِلْمَجْهُولِ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعْلُولِ وَنَقْصُهُ لَا يَتَوقَّفَنَّا عَلَى حُضُورِهَا فَيْلزَمَنَّا وَهْوَ خِلَافُ رَهْنِنَا الْمَقْبُوضِ فَقَبْصُهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَفْرُوضِ فَافْهَمْ مَعَانِي مَا لَهُ أَشَرْتُ فَقَلَّ مَن يَذْكُرُ مَا ذَكَرْتُ بَلْ لَا تَراهُ أَبَدًا مُسَطَّرَا فِي دَفْتَرٍ كَمَا تَرَى مُحَرَّرًا وَالْقَائِلُونَ بِقُبُوتِ الْعَقْدِ حَالًا يَقِلُّ ذِكْرُهُم فِي الْعَدِّ مِنْ هَاهُنَا تَرَى الْفُرُوعَ تُبْنَى عَلَى الْوُقُوفِ مِثْلَ مَا نَبَّهْنَا وَكُلُّ مَنْ أَثْبَتَهُ فِي الْحَالِ يُوجِبُ حَالًا فِيهِ مُلْكَ الْمَالِ لأَنَّهُ بَيْعٌ وَقَبْلَ النَّقْضِ جَمِيعُ حُكْمِ الْبَيْعِ فِيهِ يَمْضِي بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ فِيهِ وَاجِبَهُ لَفْظًا تُبَيِّنُ الشُّرُوطَ الْوَاجِبَهُ (1) وَكُلُّ مَنْ يَشْتَرِطُ الْخِيَارَا لِغَيْرِ وَقْتٍ بَيْعُهُ قَدْ هَارَا) وَقِيلَ بَلْ يَكُونُ بَيْعَ أَصْلِ وَشَرْطُهُ الْخِيَارَ نَوْعُ بُطْلٍ وَهُوَ نَظِيرُ الشَّرْطِ لِلإِقَالَهُ وَقَدْ مَضَى مَا فِيهِ مِنْ مَقَالَهُ وَعِندَهُمْ مُدَّتُهُ الْقَلِيلَهُ أَجْوَزُ مِنْ مُدَّتِهِ الطَّوِيْلَهُ لأَنَّ ضُرَّهَا أَقَلُّ حَتْمَا وَقِلَّةُ الضُّرّ تُرَادُ حُكمَا
(1) قوله: «واجبة» الأُولَى؛ المراد بها واجبة البيع أي عقده، والثانية بمعنى الثابتة. (2) أي فسد. (1/494)
صفحة 495
494
الجزء الثاني
كتاب البيوع
وَيَنْبَغِي رَسْمُ الشُّرُوطِ حَتَّى يَبْتَ (1) قَوْلَ الْجَاحِدِينَ بَنَّا وَإِنْ يَكُنْ قَدْ ذَهَبَ الْمَرْسُومُ وَلَمْ يَكُن (2) بَيْنَهُمَا مَعْلُومُ فَالْقَوْلُ فِي الْمُدَّةِ قَوْلُ الْمُشْتَرِي إِنِ ادَّعَى لِطُولِهَا وَالْقِصَرِ وَالْقَوْلُ فِي الْأَثْمَانِ قَوْلُ الْبَائِعِ كَذَاكَ قَالَ دُونَ مَا تَنَازُع وَالْتَمِسِ الْوَجْهَ لِمَا قَدْ قَالَا فَلَسْتُ أَدْرِي فِيهِ الإِعْتِلَالَا فَالْقَولُ بِالْوُقُوفِ (3) لَيْسَ يَنْبَنِي عَلَيْهِ وَالصِّحَّةِ غَيْرُ بَيِّنِ لأَنَّمَا الْحُكْمُ بَقَاءُ الْمُدَّةِ تَمَامُهَا يَحْتَاجُ لِلْبَيِّنَةِ فَالْقَولُ قَوْلُ مَن يَقُولُ بِالبَقَا مَعَ يَمِينِهِ عَلَى مَا أَطْلَقَا وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ لِأَنَّهُ يَكُونُ كَالْمُرْتَهِنِ هَذَا الَّذِي أَرَاهُ لَا سِوَاهُ وَمَا مَضَى لَا أَعْرِفَنْ مَعْنَاهُ وَيُمْنَعُ الْبَائِعُ أَن يَبِيعَا مَا بَاعَ بِالْخِيَارِ كُنْ سَمِيعًا لِأَنَّهُ إِنْ صَحَ عَقْدُ الأَوَّلِ فَبَيْعُهُ الثَّانِي مِنَ الْمُبَطَّلِ وَإِنْ يَكُ الْأَوَّلُ مَوْقُوفًا فَلَا أَقَلَّ أَنْ يُرَى بِهِ مُعَلَّلًا
(1) قوله: «يَبتُ أي يقطع، وفاعله يعود إلى رسم والرسم الصك، وهو المرسوم أيضًا. (2) قوله: «ولم يكن يكن هنا تامة لا خبر لها بمعنى لم يقع. (3) قوله: «فالقول بالوقوف يعني أن القول بوقف البيع إلى انقضاء المدة لا ينبني عليه ما قاله الشيخ الصائغي صاحب الأصل، من أن القول في المدة قول المشتري، وفي الثمن قول البائع، لأنه غير بين الصحة، فالصحة مجرورة بغير وقدمها على الجار لضرورة إقامة الوزن وهذا
ضعيف عند أكثر النحاة. (1/495)
صفحة 496
فصل شرط الخيار
الجزء الثاني
495
فَبَطَلَ الْبَيْعُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَذَاكَ ظَاهِرٌ لِذِي عَيْنَيْنِ قِيلَ بَلْ بِبَيْعِهِ الْأَخِيرِ يَكُونُ نَقْصُ ذَلِكَ التَّخْيِيرِ فَيَثْبُتُ الْبَيْعُ الأَخِيرُ قَطَّعَا وَيَبْطُلُ الْأَوَّلُ حُكْمًا شَرْعَا وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ إِحْصَارُ الثَّمَنُ وَلَيْسَ فِي إِحْصَارِهِ يُمَهَلَنْ لِأَنَّهُ بِبَيْعِهِ قَدْ وَجَدَا قَدْرَ الْوَفَا فَلَا يُمَهَّلْ أَبَدًا وَإِنْ يَكُنْ قَدْ بَاعَ مَا قَدْ بَقِيَا لَهُ وَكَانَ الشَّارِي فِيهِ رَضِيَا يَصِحُ وَالشَّارِي يَكُونُ بَدَلَهُ فِي نَقْضِهِ الْخِيَارَ إِنْ تَعَجَّلَهُ فَذَلِكَ الْمَبِيعُ مَعْنِّى لَا سِوَى وَهْوَ خِيَارٌ قَامَ فِيهِ وَاسْتَوَى إِذْ لَمْ يَكُن يَبْقَى لِذَاكَ الْبَائِعِ سِوَى الْخِيَارِ دُونَ مَا تَنازُعِ فَهُوَ كَمَنْ بَاعَ طَلَاقَ زَوْجَتِهُ وَنَحْوِهِ فَافْهَم مَعَانِي حُجَّتِهُ وَالْخُلْفُ فِي الْخِيَارِ) قِيلَ يُورَثُ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ مُوَرَّثُ وَقِيلَ لَا يُورَثُ حَيْثُ كَانَا وَصْفُ خِيَارٍ لَازَمَ الإِنْسَانَا إِنْ مَاتَ ذَاكَ الشَّخْصُ مَاتَ عِنْدَهُ أَوَصْفُهُ تَرَاهُ يَبْقَى بَعْدَهُ وَحَيْثُ كَانَ بَيْعُهُ مُسْتَظْهَرَا فَالْقَوْلُ بِالتَّوْرِيثِ صَارَ أَظْهَرَا
(1) قوله: «والخُلْفُ في الْخِيَارِ» يعني بذلك شرط الخيار، فقد قال من قال: إن شرط الإقالة لا يورث، فإذا مات البائع صار المبيع أصلا لمشتريه، إلا إذا جعل شرط الإقالة له ولوارثه من بعده، وقيل: ولو جعل لهم ذلك فليس لهم ما للبائع من الشرط، لأن الشروط لا تورث
والله أعلم. (1/496)
صفحة 497
496
الجزء الثاني
كتاب البيوع
وَالْخُلْفُ هَلْ عَلَيْهِ رَدُّ مَا مَضَى مِنْ غَلَّةٍ إِنْ مُشْتَرٍ قَدْ نَقَصَا فَقَائِلُ بِرَدِّهَا إِذْ حَصَلَا بِذَاكَ أَنَّهُ أَرَادَ الغِلَلَا وَقَائِلٌ لَيْسَ عَلَيْهِ رَدُّ إِذِ الْفَتَى لَهُ الْأُمُورُ تَبْدُو وَذَاكَ ظَاهِرٌ إِذَا مَا قُلْنَا بِصِحَةِ الْعَقْدِ عَلَيْهِ يُبْنَى وَالْقَوْلُ أَنَّهُ أَرَادَ الثَّمَرَهُ نَفْسُ انَّهَامٍ لَمْ تَكُنْ مُعْتَبَرَهُ وَهَاهُنَا تَمَّتْ فُصُولُ الْعَقْدِ تَلُوحُ مِثْلَ لُؤْلُو فِي العِقْدِ
باب البائع
وَصِفَةُ الْبَائِعِ أَنْ يَكُونَا حُرًّا صَحِيحًا لَمْ يَكُنْ مَجْنُونَا فَالْعَبْدُ لَا يَبِيعُ إِلَّا إِنْ أَذِنْ مَوْلَاهُ فَالإِذْنُ لَهُ يُسَوِّغَنْ وَجَائِزٌ قَدْ قِيلَ مِنْهُ نَشْتَرِي وَإِنْ جَهِلْنَا الْإِذْنَ لِلْمُحَتَقَرِ كَانَا مِنْ حَطَبٍ أَوْ مِنْ حَشِيشٍ وَنَحْوِهِ إِن بَاعَهُ عِيَانَا لِأَنَّمَا الْعَادَةُ فِيهِ جَارِيَهُ يَبِيعُهُ الْعَبْدُ كَذَاكَ الْجَارِيَة (1)
(1)
وَذَاكَ إِنْ لَمْ نَعْلَمَنَّ الْحَجْرَا عَلَيْهِ إِنْ كَانَ فَلَيْسَ يُشْرَى وَلَيْسَ لِلمَجْنُونِ وَالصَّبِيَّ تَصَرُّفٌ بَلْ ذَاكَ لِلْوَلِيِّ
(1) بين الجارية والجارية الجناس التام المتماثل؛ فالأول بمعنى ماشية، والثانية الأمة. (1/497)
صفحة 498
باب البائع
الجزء الثاني
497
وَهَكَذَا السَّفِيهُ) وَالضَّعِيفُ بِمَرَضِ وَضُرُّهُ مَخُوفُ وَحَدَّهُ بَعْضُهُمْ إِنْ كَانَا إِلَى الْقِيَامِ لَمْ يَجِدْ إِمْكَانَا إِلَّا إِذَا أَسْنَدَهُ سِوَاهُ لِمَا بِهِ مِنْ مَرَضِ يَغْشَاهُ فَهَاهُنَا يُرَدُّ بَيْعُه وَلَا يُمْضَى عَطَاؤُهُ إِذَا تَنَفَّلَا (2) وَهَكَذَا الْقَصَا إِذَا مَالًا قَضَى وَإِنْ يَشَا الْوَارِثُ ذَاكَ نَقَضَا إِلَّا إِذَا قَصَاهُ مَا قَدْ لَزِمَا عَلَيْهِ دِيْنَارًا قَضَى أَوْ دِرْهَمَا فَذَاكَ لَا يُرَدُّ إِنَّمَا يُرَدْ مَا كَانَ بِالْبَيْعِ شَبِيْهَا إِذْ يُحَدْ فَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ مِنْهُ أَبَدًا إِلَّا لِمَأْكُولٍ وَمُسْرُوبٍ بَدَا أَو الدَّوَا وَمَا إِلَيهِ تَدْعُو حَاجَتُهُ فَلَيْسَ فِيهِ مَنْعُ فَيَثْبُتُ الإِقْرَارُ وَالْوَصِيَّة مِنْهَ لأَجْلِ هَذِهِ الْقَضِيَّهْ لأَنَّهُ أَحْوَجُ مَا يَكُونُ لِتَيْنِ إِنْ خِيفَ بِهِ الْمَنُونُ يُقِرُّ بِالْمَالِ لِمَنْ قَدْ مَلَكَهُ وَيُوصِي قَبْلَ أَنْ يُوَافِي مَهْلَكَهْ وَأَوْجَبَ الْوَصِيَّةَ الْقُرْآنُ إِنْ خِفْتَ مَوْتًا وَهُوَ الْبَيَانُ وَحَامِلٌ أَدْرَكَهَا الْمَخَاصُ فَحُكْمُهَا كَمَنْ بِهِ أَمْرَاضُ
(1) السفيه: الذي لا يُحسن التدبير في أمر المال، ومنه قوله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ)
[النساء: 5].
(2) قوله: «تنفلا» أي إذا أعطى عن غريب لازم عليه، أما الحقوق اللازمة فإنها تثبت منه إذا أقر بها، وإنَّ أصدق ما يكون الإنسانُ عند الموت.
(*) الياء من (يوصي) لا يلفظ بها. (إسماعيل) (1/498)
صفحة 499
498
الجزء الثاني
كتاب البيوع
وَلَا يَجُوزُ عِنْدَنَا الإِدْلَالُ عَلَى الْمَرِيضِ مَا بِهِ جِدَالُ لِأَنَّهُ قَدْ مُنِعَ التَّصَرُّفَا وَذَاكَ مِنْ فُرُوعِهِ قَدْ عُرِفَا وَإِنْ يَكُنْ أَعْمَى فَبَيْعُهُ مُنِعْ لِجَهْلِهِ بِمَا يَبِيعُ فَاسْتَمِعْ فَالنَّقْضُ ثَابِتٌ لَهُ إِنْ شَاءَ وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُهُ رِبَاءَ فَلَا يَحِلُّ أَبَدًا وَلَا أَرَى ذَلِكَ إِلَّا غَلَطًا لَهُ سَرَى فَبَعْضُ مَن مَضَى يُعَبِّرَنَا بَـ (لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ) افْهَمَنَّا فَظَنَّ هَذَا الْبَعْضُ حِيْنَ جَازَا) مِنَ الْحَرَامِ إِذْ نَفَى الْجَوَازا وَإِنَّمَا الْجَوَازُ فِي عُرْفِهِمْ يَكُونُ كَالثَّبَاتِ فَافْهَمْ عَنْهُمُ فَلَا يَجُوزُ ذَاكَ لَيْسَ يَثْبُتُ عَلَيْهِ إِلَّا إِنْ يَشَا يُثَبِّتُ وَلَمْ يُرِيدُوا نَفْيَ مَا يُبَاحُ وَذَاكَ فِي عُرْفِهِمُ اصْطِلَاحُ وَبِاخْتِلَافِ الاصْطَلَاحِ تَقَعُ أَشْيَاءُ مِنْهَا مَنْعُ مَا لَا يُمْنَعُ وَبَيْعُهُ يَثْبُتُ فِي طَلَاقِ زَوْجَتِهِ وَالْمَاءِ بِاتِّفَاقِ وَجَائِزُ أَنْ يَقْضِيَ الْعُمْيَانُ دَرَاهِمَا إِنْ طَلَبَ الدِّيَّانُ (3)
(1) قوله: «الإدلال» يعني الدلالة المعروفة عند الفقهاء، وهو ما يتناوله الإنسان من مال أخيه المسلم في غيبته على جهة الاستدلال وطيبة النفس وسيأتي حكمها.
(2) قوله: «جازا» أي جازف فيه اكتفاء ببعض الكلمة. اهـ. (المصنف) (3) قوله: «الديَّان» بكسر الدال جمع دين والمراد بهم أصحاب الديون في اصطلاح
العُمانيين. (1/499)
صفحة 500
باب البائع
الجزء الثاني
499
وَلَا يَجُوزُ مِنْهُمُ الْقَضَاءُ لِغَيْرِهَا قَدْ وَرَدَ الْقَضَاءُ (1) لِأَنَّهُ كَبَيْعِهِمْ يَحْتَاجُ إِلَى الْوَكِيلِ وَهُوَ الْمِنْهَاجُ فَبِالْوَكِيلِ يَثْبُتَنَّ الْأَمْرُ وَيُمْنَعُ النَّقْصُ فَلَا يَكِرُّ وَإِنْ يَكُنْ قَدِ ادَّعَى الْجَهَالَهُ مِنْ بَعْدِ مَا مَاتَ أَخُو الْوَكَالهُ وَحِينَمَا كَانَ الْوَكِيلُ حَيَّا فَهُوَ كَمُبْصِرٍ يَبِيعُ شَيَّا وَإِنْ يَكُنْ بِنَفْسِهِ تَوَلَّى ذَاكَ فَجَائِزُ لَهُ يَحُلَّا (2) وَإِنْ يَكُنْ طَالَ الزَّمَانُ وَمَضَى عَلَيْهِ أَعْوَامٌ لَهُ أَنْ يَنْقُضَا وَإِنْ يَمُتْ فَمَا لِوَارِثِيهِ نَقْضٌ عَلَى الْقَوْلِ الشَّهِيرِ فِيهِ وَيَثْبُتَنْ نِكَاحُهُ طَلَاقُهُ إِقْرَارُهُ إِيصَاؤُهُ عَتَاقُهُ فيُكْتَبَنْ عَلَيْهِ مَا أَقَرًا وَمَا بِهِ أَوْصَى إِذَا مَا بَرَّا وَقِيلَ فِي الإِيصَاءِ بِالْأُصُولِ إِنْ شَاءَهُ يَحْتَاجُ لِلتَّوْكِيلِ وَإِنْ يُكَاتِبْ تَثْبُتُ الْمُكَاتَبَهُ لِعَبْدِهِ مِنْ حِينٍ مَا قَدْ كَاتَبَهُ لِأَنَّهَا فَرْعُ الْعَتَاقِ وَالْبَصَرُ لَيْسَ لَهُ فِي مِثْلِهِ قَطُّ أَثَرْ وَمِنْ هُنَاكَ بَيْعُهُ لِلْمَاءِ مَعَ الطَّلَاقِ صَحَ فِي الإِفْتَاءِ
(1) القضاء الأول الوفاء بغير الدراهم المضروبة، كأن يقضي الأعمى غريمه نخلا أو أرضًا أو بيتًا حقه، لأن القضاء مثل البيع، والقضاء الثاني الحكم، وبينهما الجناس التام المتماثل. (2) قوله: يحلا منصوب بأن مضمرة، ومعناه له أن ينقضه. اهـ. (المصنف)
عن (1/500)
صفحة 501
الجزء الثاني
كتاب البيوع
لِأَنَّمَا الطَّلَاقُ مَعْنِّى يُفْهَمُ وَالْمَاءُ بِالْعُيُونِ لَا يُقَوَّمُ وَحَاكِمُ يَبِيعُ مَالَ مَنْ هَلَكْ لِدَيْنِهِ يُشَاوِرَنَّ مَنْ تَرَكْ
إِنْ رَغِبُوا فِيهِ فَهُمْ أَحَقُّ وَلَيْسَ لِلغَرِيمِ إِلَّا الْحَقُّ وَإِنْ يَبِعْ وَلَمْ يُشَاوِرَنَّا فَالْخُلفُ
في
القُبُوتِ يُنْقَلَنَا وَالأَصْلُ لَا يَرَى سِوَى الْبُطْلَانِ فَالبَيْعُ غَيْرُ ثَابِتِ الْأَرْكَانِ إِذْ فِيهِ لِلْوُرَّاثِ حَقٌّ لَازِمُ لَا يَمْنَعَنْ حَقَّهُمُ ذَا الْحَاكِمُ وَمَنْ يَبِعْ مَالَ امْرِاءٍ قَدْ حَضَرَا وَلَمْ يَكُنْ مَالِكُهُ قَدْ أَنْكَرَا فقِيلَ فِيهِ ثَابِتٌ وَالثَّمَنُ لِرَبِّهِ كِمِثْلِ مَا قَدْ عَيَّنُوا وَقِيلَ لَا يَثْبُتُ ذَاكَ قَطْعَا لأَنَّهُ مِنَ الْفُضُولِ يُدْعَى وَبَائِعٌ مِنْ رَجُلٍ جِرَابَا وَالْمُشْتَرِي أَكَلَهُ وَطَابَا قَالَ لَهُ بِعْتُكَ مَالَ غَيْرِي وَلَمْ أَكُنْ أَمْلِكُهُ مِنْ خَيْرِي (2) لَيْسَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنْ يَقْبَلَا حَتَّى يَصِحَ عِنْدَهُم مَا نَقَلَا وَقِيلَ مَنْ فِي يَدِهِ أَمْوَالُ فِيهَا حَرَامٌ وَبِهَا حَلَالُ قَدْ قَالَ بَعْضُ حُكْمُ مَا فِي يَدِهِ مُلْكُ لَهُ وَيُشْتَرَى مِنْ عِندِهِ
(1) الجراب: وعاء من خوص يوضع فيه التمر.
(2) من خيري: أي من
ماله. (1/501)
صفحة 502
باب البائع
الجزء الثاني
0.1
وَقَالَ بَعْضُ إِنَّهُ لَا يُشْتَرَى مِنْهُ لأَجْلِ خَلْطِ مَا قَدْ حُجِرَا وَقَالَ بَعْضُ حُكْمُهُ لِلْأَغْلَبِ مِنَ الْحَرَامِ وَالْحَلَالِ الطَّيِّبِ وَبِعْ عَلَى مُسْتَرْسِلِ عِنْدَ الشَّرَى كَمِثْلِ مَن مَاكَسَ) حِينَ مَا اشْتَرَى (1) وَلَا يَجُوزُ غَبْنُ مَنْ يَسْتَرْسِلُ بَلْ بِعْهُ بِالْحَالِ الَّذِي يُؤَصِّلُ وَجَائِزُ تُسَاهِلَنَّ بَعْضًا عَنْ بَيْعِكَ الْمَعْرُوفِ حِينَ أَفْضَى وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَزِيدَ عَنْهُ مَنْ لَمْ يُمَاكِسْ فِيهِ فَافْهَمَنْهُ وَالإِثْمُ مَا فِي الصَّدْرِ مِنْهُ حَرَجٌ دَعْ عَنْكَ مَا يَريبُ أَوْ يُحَرِّجُ مَنْ بَاعَ شَيْئًا أَوْ لَهُ قَدْ وَهَبَا وَكَانَ عَنْهُ عِلْمُهُ قَدْ ذَهَبَا إِنَّ لَهُ الرَّجْعَةَ فِي الْجَمِيعِ فِي قَوْلِ كُلِّ عَالِمٍ مُطِيعِ وَإِنْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ بِالْوَصْفِ فَفِي رُجُوعِهِ مَقَامُ الْخُلْفِ وَإِنْ يَكُنْ بِهِ أَقَرَ الْمُشْتَرِي لِغَيْرِهِ لِخَوْفِ نَقْضٍ يَعْتَرِي فَلَيْسَ لِلبَائِعَ مِنْ يَمِينِ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ مِنَ الضَّنِين (3) ـرًّا بِمُلْكِهِ لَوْ كَانَ مِنْهُ فَرَّا
إِذْ
بعني
(1) المسترسل الذي يشتري الشيء بدون مُمَاكَسَة بل يجيء إلى البائع فيقول له: هذا ولم يماطله في ثمنه.
(2) والمماكس: هو الذي يسأل عن الثمن ويجتهد في تنقيصه.
(3) الضنين: الشيء الغالي الثمين.
الشيء (1/502)
صفحة 503
502
الجزء الثاني
كتاب البيوع
باب المشتري
وَالْمُشْتَرِي مَنْ يَأْخُذُ الْمَبِيعَا وَيَدْفَعَنَّ الثَّمَنَ الْمَدْفُوعَا وَوَصْفُهُ كَوَصْفِ مَنْ يَبِيعُ حُرٌ صَحِيحٌ بَالِغُ سَمِيعُ فَمَا اشْتَرَى الْأَعْجَمُ أَوْ مَا بَاعَا أَوْ كَانَ أَعْطَى فَاسِدٌ إِجْمَاعَا وَإِنْ يَكُنْ أُعْطِيَ شَيْئًا جَازَا وَلَمْ يَكُنْ يُلْزِمُهُ إِحْرَازَا) وَلَا تَبِعْ عَلَى صَبِيٌّ غَيْرَ إِنْ كَانَ أَبُوهُ حَاضِرًا وَقَدْ أَذِنْ كَذَلِكَ الْعَبْدُ بِإِذنِ السَّيِّدِ فَافْهَمْ مَعَانِي فَافْهَمْ مَعَانِي أَصْلِهِ وَقَيَّدِ وَبَعْضُهُمْ رَخَّصَ فِي الْأَسْوَاقِ مِنْ ذِي الصِّبَا لَكِنْ بِلَا اتِّفَاقِ وَقِيلَ لَا بَأْسَ مِنَ الصَّبْيَانِ أَوِ الْعَبِيدِ الْبَيْعُ بِالْأَثْمَانِ إِنْ كَانَ قَدْ بَاعُوا حَشِيشًا أَوْ حَطَبْ بِعَدْلِ سِعْرِهِ فَبَيْعُهُمْ وَجَبْ وَإِنْ يَكُنْ قَدْ سَمَّرَ السُّلْطَانُ وَجَبَرَ التُّجَارَ حَيْثُ كَانُوا فَلَا يَجُوزُ مِنْهُمُ الشِّرَاءُ لأَنَّهُ غَصْبٌ وَلَا مِرَاءُ وَإِنْ يَكُنْ لَمْ يُجْبِرَنَّهُمْ فَلَا بَأْسَ إِذَا لَمْ يَحْذَرُوا التَّنَكُلَا لأَنَّهُ مِثْلُ الْمُشِيرِ لَهُمُ وَالتَّرْكُ لِلتَّسْعِيرِ حَتْمًا أَسْلَمُ فَقَدْ غَلَا السَّعْرُ زَمَانَ الْمُصْطَفَى وَطَلَبُوا التَّسْعِيرَ مِنْهَ فَانْتَفَى
(1) قوله: «يُلْزِمه» بضم أوله، وفاعله ضمير يعود إلى الأصل، و (إحرازا) مفعوله الثاني. اهـ. (المصنف) (1/503)
صفحة 504
باب المشتري
الجزء الثاني
503
أَحَبَّ أَنْ يَلْقَى إِلَهَهُ وَلَا مَظْلَمَةٌ عَلَيْهِ حِينَ انْتَقَلَا وَالبَيْعُ قَدْ قِيلَ عَلَى مَنْ يَظْلِمُ شَرِيكَهُ فَإِنَّهُ مُحَرَّمُ وَقِيلَ إِنْ لَمْ يَكُ ذَا تَغَلُّبِ عَلَيْهِ فَالْجَوَازُ أَصْلُ الْمَذْهَبِ لأَنَّهُ بِنَفْسِهِ قَدْ أَشْرَكَهُ وَلَوْ يَشَا التَّرْكَ لَهُ لَتَرَكَهُ وَالْبَيْعُ لِلمَغْصُوبِ يَبْطُلَنَا وَالْمُشْتَرِي مَنْ بَاعَ يَطْلُبَنَّا يَطْلُبُهُ بِمَا إِلَيْهِ دَفَعَا وَالْغَصْبُ لِلمَالِكِ حَتْمًا رَجَعَا وَشِرْكَةُ الْكَافِرِ فِي التَّجَارَهُ مَكْرُوهَةٌ تُورِدُهُ الْخَسَارَهُ وَقَالَ بَعْضُ لَا تَجُوزُ أَبَدًا وَالْقَوْلُ بِالْجَوازِ قَوْلُ أَيَّدَا وَهَكَذَا شِرْكَةُ ذِي النِّفَاقِ مَكْرُوهَةٌ وَشِرْكَةُ الْفُسَّاقِ كَيْلَا يَجُرُّوا فِي الشِّرَا وَالْبَيْعَ مَا كَانَ مَكْرُوهَا مِنَ الصَّنِيعِ وَبَائِعٌ لِرَجُلٍ أَعْنَابَا قَدِ اشْتَرَاهَا مِنْهُ أَوْ أَرْطَابَا فَقَالَ أَخْرِجْهَا لأَشْتَرِيهَا أَخْرَجَهَا فَقَالَ لَا أَبْغِيهَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَغْرَمَا نُقْصَانَهَا وَذَاكَ أَمْرٌ لَزِمَا وَقَائِلٌ لِتَاجرِ نَاوِلْنِي لذَلِكَ التَّمْرِ كَذَا مِنْ مَنْ أَوْ أَعْطِنِي أَوْ لَافِنِي يَلْزَمُهُ لأَنَّهُ بِبَيْعِهِ يُعْلِمُهُ وَإِنْ يَقُلْ تَصَدَّقَنْ عَلَيَّا أَوْ قَالَ هَبْ لِي مِنْكَ هَذَا الشَّيَا (1/504)
صفحة 505
504
الجزء الثاني
كتاب البيوع
يَسْقُطُ عَنْهُ الثَّمَنُ الْمَعْلُومُ لأَنَّمَا مُرَادُهُ مَنْهُومُ وَالْقَلْعُ لِلصَّرْمَةِ قِيلَ يَلْزَمُ مَنِ اشْتَرَاهَا وَبِذَاكَ يُحْكَمُ وَقِيلَ بَلْ يَلْزَمُ مَنْ قَدْ بَاعَا وَإِنْ يَكُنْ شَرْطٌ فَلَا نِزَاعًا وَمُشْتَرٍ بَيْتًا عَلَيْهِ شَجَرُ أَوْ نَخْلَةٌ مَائِلَةٌ وَتُنْظَرُ لَا يَصْرِفَنْ عَنْهُ سِوَى مَا زَادَا بَعْدَ الشَّرَا إِنْ كَانَ قَدْ أَرَادَا وَمُوَرُ الأَرْزِ إِذَا لَمْ يُبْصِرِ مَا كَانَ فِي دَاخِلِهَا مَنْ يَشْتَرِي فَالبَيْعُ فِي ذِلِكُمْ مَعْلُولُ لأَنَّهُ فِي وَصْفِهِ مَجْهُولُ وَكُلُّ مُشْتَرٍ لِمَا لَمْ يَعْلَم لَهُ الْخِيَارُ إِنْ رَأَىهُ فَاعْلَم
باب المبيع
وَذَاكَ مَمْلُوكٌ بِهِ التَّصَرُّفُ يُبَاحُ وَالْحَلَالُ فِيهِ يُعْرَفُ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا قَدْ حُرِّمَا كَالخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ بَلْ وَكَالدِّمَا
وَمِثْلُهُ مُحَرَّمٌ بِطَارِ كَنَجَسٍ طَرَا وَكَالإِصْرَارِ (1) وَقِيلَ سَمُّ الْفَارِ كَالكِلَابِ لِقَنَ
لِقَنَصِ
فِيهِ مِنْ عِتَاب
وَالمُشْرِكُونَ لَا يُعَامَلُونَا فِي نَجَسٍ لَهُ يُبَاشِرُونَا
(1) قوله: «بطار» بكسر الباء الجارة معناه بحادث طرأ عليه فاقتضى تحريمه، فهو اسم فاعل من طرأ يطرؤ إذا حصل، وأصله الهمز فحذف تخفيفا. اهـ. (المصنف) (1/505)
صفحة 506
باب المبيع
الجزء الثاني
0.0
وَكَانَ فِي السَّابِقِ أَنَّ الْجِبْنَا مِنْ فَارِسِ الْكُفَّارُ يُجْلَبَنَّا (1) قَالُوا إِلَى الصَّامِنِ يُحْتَاجُ فَلَا يُشْرَى بِغَيْرِ ضَامِنٍ تَكَفَّلَا يَضْمَنُ أَنَّهُ مِنَ الْحَلَالِ أَوْ مِنْ طَعَامِ الْمُسْلِمِينَ الْخَالِي وَالسَّمْنُ حَيْثُ كَانَ مِنْ أَعْمَالِنَا يُشْرَى بِغَيْرِ ضَامِن لِمَالِنَا وَذَاكَ هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْجِبْنِ يُشْرَى وَبَيْنَ مُشْتَرٍ لِلسَّمْنِ وَأَغْلَبُ الْحَالَيْنِ هُوَ الْمُعْتَبَرُ فَاحْمِلْ عَلَى الْأَغْلَبِ مَا كَانَ نَدَرْ وَالْحَيَوَانُ لَا يُبَاعُ غَائِبَا وَالْعَبْدُ أَيْضًا لَا يُبَاعُ هَارِبَا فَإِنْ تَبَايَعَا فَثَمَّ يَدْخُلُ لِلْكُلِّ نَقْضٌ وَهُوَ الْمُعَلَّلُ لَوْ قَالَ قَدْ رَضِيتُ وَاشْتَرَيْتُ فَالنَّقْضُ لَازِمٌ وَلَا يَنْبَتُ (2) وَذَاكَ أَنَّ الْحَيَوَانَ أَقْرَبُ ذَهَابُهُ فَرُبَّمَا قَدْ يَذْهَبُ وَهْوَ خِلَافُ الْأَرْضِ وَالأَشْجَارِ وَالْمَاءِ بَلْ وَسَائِرِ الْعَقَارِ وَمُشْتَرٍ سَمْنًا بِهِ قَدْ وَجَدَا رُبَّا (3) بِبَطْنِ الْجَرِّ مِنْهُ قَدْ بَدَا قِيلَ عَلَى بَائِعِهِ يُعْطِيهِ عَنْهُ وَقِيلَ خَيْرَنْهُ فِيهِ
(1) قوله: «الجبن» بكسر الجيم، اللبن المنعقد، وهو معروف. وقوله: «الكفار» هو مبتدأ خبره يجلبنا بضم الياء أي يجلبونه، أو بإضافة فارس إلى الكفار
ويُجْلَبَنا مبني على المفعول (أي المجهول) وهذا أظهر.
(2) قوله: «لا يَنْبَتُ» أي لا ينقطع.
(3) قوله: «ربا» هو ودك منعقد من غير نوع السمن. اهـ. (المصنف) (1/506)
صفحة 507
506
الجزء الثاني
كتاب البيوع
مُشْتَرِ سَمَكَةً فَظَهَرا فِي بَطْنِهَا حَرْفٌ فَيُعْطَى الفُقَرَا وَقِيلَ إِنَّهُ لِمُشَتَرِيهَا وَقِيلَ لِلْبَائِعِ لَا يَدْرِيهَا وَلَوْ دَرَى مَا بَاعَها بِالْبَخْسِ وَالْحَرْفُ غَيْرُ لَحْمِهَا فِي الجِنْسِ وَلَا يَحِلُّ الْخَدْعُ فِي الأَمْوَالِ وَمِثْلُهُ الْجَوْهَرُ وَاللَّتَالِي وَلَا كَذَاكَ مَعْدِنٌ قَدْ ظَهَرا فِي الْأَرْضِ بَلْ هَذَا لِمَنْ قَدِ اشْتَرَى فَالبَيْعُ شَامِلٌ لَهُ إِذْ يَدْخُلُ فِي إِسْمِهَا وَهْيَ لَهُ تَشْتَمِلُ وَأَمَةٌ بِيعَتْ فَمَا عَلَيْهَا مِنَ الْكِسَا قِيلَ لِمُشْتَرِيهَا وَقِيلَ بَلْ لَهُ كِسَاءُ الْمِثْلِ فَإِنْ يَزِدْ فَهْوَ لِرَبِّ الأَصْلِ) وَبَائِعٌ شَاةٌ بِهَا حِبَالُ لَهُ حِبَالُهَا كَذَاكَ قَالُوا إِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ هُنَاكَ وَقَعَا بِبَيْعِهَا مَعَ الْحِبَالِ أَجْمَعَا وَبَائِعٌ دَارًا بِهَا أَقْفَالُ مَقْفُولَةٌ فَهْيَ لَهُ يُقَالُ وَهَكَذَا إِنْ لَمْ تَكُنْ مَقْفُولَهُ مَسْأَلَةٌ وَجَدْتُهَا مَنْقُولَهُ وَإِنْ تَكُنْ قَدْ شُرِطَتْ عِنْدَ الشِّرَا يَأْخُذُهَا الشَّارِي بِشَرْطٍ قَدْ جَرَى وَالبَيْتُ إِنْ بِيعَ لَهُ الطَّرِيقُ تَثْبُتُ وَالشَّارِي بِهَا حَقِيقُ إِنْ شُرِطَتْ فِي البَيْعِ أَوْ لَمْ تُشْتَرَطْ لأَنَّهَا مِنْ لَازِمِ البَيْعِ تُخَطِّ (2)
(1) قوله: «الأصل»، يعني: البائع. انتهى. (المصنف) (2) قوله تُخَطَّ» أي تُثْبَتُ، وهو بالبناء للمجهول. (1/507)
صفحة 508
باب المبيع
الجزء الثاني
507
وَبَائَعٌ دَارًا بِهَا أَخْشَابُ مَا صَحَ فِيهَا مِنْهُمَا خِطَابُ فَمَا بُنِي عَلَيْهِ يَدْخُلَنَا فِي البَيْعِ دَونَ خَشَبٍ لَمْ يُبْنَى وَالْمَالُ إِنْ بِيعَ وَفِيهِ بِيرُ فَهيَ لِمَنْ قَدْ بَاعَهُ تَصِيرُ إِلَّا إِذَا مَا شَرَطُوا دُخُولَهُ وَمِثْلُهُ البَيْتُ فَعِي أُصُولَهُ ونَخْلَةٌ بِيعَتْ فَتَأْخُذَنَّا قِيَاسَهَا مِنْ أَرْضِهَا اعْلَمَنَّا تُعْطَى حَرِيمَهَا وَإِنْ مِنْهَا دَنَا نَخْلٌ فَقَسْمُ الْأَرْضِ قَدْ تَعَيَّنَا وَالصَّرْمُ إِنْ أَدْرَكَ مِثْلُ النَّخْلِ فَيَأْخُذُ الْحَرِيمَ عِنْدَ الْفَسْل وَشَجَرٌ لِلنَّخْلِ لَا يُقَابِسُ وَقَالَ قَوْمٌ إِنَّهُ يُقَابِسُ والنينُ وَاللَّيْمُونُ وَالأترنج مِثلُ النَّخِيلِ قِيلَ وَالنَّارِنُجُ وَقَوْرَةُ الصَّرْمِ مِنَ التُّرَابِ يُرَدُّ مِثْلُهَا إِلَى الْأَرْبابِ لأَنَّمَا الصَّرْمَةُ وَحْدَهَا لَهُ إِنِ اشْتَرَى وَالتُّرْبُ يُعْطَى أَهَلَهُ وَذَاكَ فِي مَوَاضِعَ الْجِبَالِ لأَنْمَا التُّرَابُ فِيهَا غَالِي وَحَيْثُمَا كَانَ التُّرَابُ جَمَّا يَأْخُذُهُ إِنْ شَاءَهُ وَالصَّرْمَا وَبَيْعُكَ الزَّرْعَ لِغَيْرِ الْقَطْعِ قَبْلَ الدَّرَاكِ حُكْمُهُ فِي الْمَنْعِ وَبَعضُهُمْ رَخَّصَ فِيهِ وَأَبَى بَعْضُ وَقَالَ إِنَّهُ مِنَ الرِّبَا
(1) قوله: «وَقَوْرة» هي الحزمة من التراب المحيطة بالفسيلة الصَّغِيرَة المقتلعة من الأرض، أما التي تقطع من أمها فلا تسمى قورة، لأنه ليس عليها شيء من الطين المنعقد. (1/508)
صفحة 509
0.1
الجزء الثاني
كتاب البيوع
وَذَلِكَ التَّرْخِيصُ مِمَّنَ رَخَّصَا إِنْ كَانَ لِلشَّرِيكِ بَيْعًا خُصِّصَا وَالْقُطْنُ قِيلَ إِنَّهُ مِنَ الشَّجَرْ وَقِيلَ زَرْعٌ وَهْوَ قَوْلُ قَدْ شَهَرْ
دَرَاكُهُ يَكُونُ بِالْقَشَاشِ وَهْوَ انْفِتَاحُ الْكِمْ بِانْتِفَاشِ) فَمُشْتَرِ الْأَرْضِ بِهَا الْقُطْنُ فَمَا لَمْ يُدْرِكَنْ يَتْبَعُهَا لِتَعْلَمَا وَدَرَكُ اللَّيْمُونِ مَاءً (2) جَمَعَا وَقِيلَ بِالشَّخَاحَ أَنْ يُنْتَزَعَا وَدَرَكُ الْمَوْزِ بِأَنْ يَنْدَفِنَا مَا بَيْنَ حَدَّيْهِ امْتِلَاءً بَيِّنَا وَالْقَتْ أَنْ يَصْلُحَ لِلْجَزَازِ بَيْعُهُ يَصْلُحُ لِلْجُزَانِ وَدَرَكُ الأَعْنَابِ أَنْ تَسْوَّدَا وَدَرَكُ الْحُبُوبِ أَنْ تَشْتَدَّا وَأَبْيَضُ الْأَعْنَابِ دَرْكُهُ إِذَا حَلَا وَكَانَ مَاؤُهُ قَدْ أَخَذَا وَقَدْ مَضَى وَصْفُ دَرَاكِ النَّخْلِ وَأَنَّهُ بِالزَّهْوِ عِنْدَ الْكُلِّ وَذَاكَ أَنْ تَحْمَرَّ أَوْ تَصْفَرًا وَفِيهِ تَفْصِيلُ وَلَكِنْ مَرَّا ومُطَّنِي النَّخْلِ إِذَا مَا كَسَرا لِخُوصِهَا يَضْمَنُهُ إِذَا طَرَا
(1) قوله: «الكم» هو واحد الأكمام، وهو ما ظهر مستترًا من طلع النخل والأشجار قبل أن ينفتح. وقوله: «بانتفاش» هو بالفاء وهو انفتاحه من الكم، وهو بكسر الكاف، ويقال له: وعاء الطلع وانتفاشه ظهوره من الكم، وهو كناية عن ارتفاعه وتفرقه في جوانب الكم. قال الله تعالى: وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ) [القارعة: 5].
(2) قوله: «ماء» مفعول مقدم لجمعا، ويجوز رفعه خبرًا للمبتدأ، فيكون مفعول «جمعا» ضميرًا مقدرًا أي دركه ماء جمعه، والشخاخ ما في جوف الحبة من الليمون من اللحم، وانتزاعه سهولة إخراجه باليد، والقت البرسيم والجزاز القطع، وطناء النخل: بيع ثمرها، ومطنيها: مشتريها. (1/509)
صفحة 510
باب المبيع
الجزء الثاني
509
لأَنَّ ذَاكَ خَطَةٌ فِي الْمَالِ يَلْزَمُ مِثْلَ خَطَأَ فِي الْحَالِ وَالإِثْمُ لَا غَيْرُ هُوَ الْمَرْفُوعُ عَنْ مُخْطِيءٍ وَذَلِكَ الْمَشْرُوعُ قيلَ مَا زَادَ مِنَ الثَّمَارِ بَعْدَ طَنَا النَّخِيلِ وَالْأَشْجَارِ يُفْسِدُ ذَلِكَ الطَّنَا إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الطَّنَا شَرْطٌ بِأَنْ يُقْطَّعَنْ) وَذَاكَ إِنْ كَانَ الطَّنَا مِنْ قَبْلِ دَرَاكِ أَشْجَارٍ لَه وَنخْلِ وَإِنْ يَكُنْ بَعْدَ الدَّرَاكِ قَدْ طَنَا فَمَا بِهِ مِنْ حَرَجٍ إِنَ حَسْنَا فَالبُسْرُ لَا شَكٍّ يَصِيرُ رُطَبَا وَهَكَذَا فِي عِنَبٍ تَزَيَّبَا (3) وَأَنْتَ تَدْرِي أَنَّ بَيْعَ الثَّمَرِ جُوزَ لِلتَّمَتُعِ المُشْتَهِرِ يُؤْكَلُ مِنْهَا وَهْيَ فِي الْأُمَّاتِ وَقَطْعُهَا يَقْطَعُ لِلذَّاتِ بَيْعُ المُشَاعِ وَالَّذِي لَا يُوصَفُ بِحَدِّهِ فَالنَّقْصُ فِيهِ يُعْرَفُ لأَنَّهُ فِي حُكْمِنَا مَجْهُولُ كَذَاكَ جُلُّ العُلَمَا يَقُولُوا وَقِيلَ فِي المُشَاعِ لَا يُبَاعُ إِلَّا عَلَى مَنْ عَمَّهُ المُشَاعُ وَهْوَ الشَّرِيكُ فِيهِ فَافْهَمَنَّا وَإِنَّهُ لِلْغَيْرِ يَبْطُلَنَّا لأَنَّهُ يَحْتَاجُ لِلقَبْضِ وَلَا يُمْكِنُهُ فَمِنْ هُنَاكَ بَطَلَا
(1) يُقَطَّعَنْ: بتشديد الطاء.
(2) قوله: «دراك» هو الإدراك، يقال: أدرك الغلام إذا بلغ، والثمر إذا صلح. (3) تزيبا: أي صار زبيبًا، ومنه قول بعضهم: متى تزبَّبت وأنت حصرم. (4) قوله: «الأمات»، أي الأمهات وهي لغة مشهورة. (1/510)
صفحة 511
01.
الجزء الثاني
كتاب البيوع
وَ وَاجِبٌ تَسْمِيَةُ الْمَبِيعِ بِسُدُسٍ أَوْ رُبُعٍ رَبِيعِ وَالمَالُ إِنْ بِيعَ بِمَا اسْتَحَقَّا عَمَّ سَوَاقِيهِ وَعَمَّ الفُرْقَا وَلَا يَعُمُّ شُرْبُهُ لِلْمَاءِ إِلَّا إِذَا أُدْخِلَ فِي الشِّرَاءِ لأَنَّمَا الْمَاء يَكُونُ مُفْرَدَا وَالطَّرْقُ وَالسَّوَاقِي لَنْ تُفَرَّدَا فَمِنْ هُنَاكَ الطُّرْقُ وَالسَّوَاقِي يَعْمُهُنَّ مَعْنَى الاِسْتَحْقَاقِ
باب عيب المبيع
وَالعَيْبُ شَيْءٌ يُنْقِصَنَّ الثَّمَنَا فَيَلْزَمُ البَائِعَ أَنْ يُبَيِّنَا إِنْ لَمْ يُبَيِّنُهُ يَكُونُ غِشَا وَهْوَ يَمُشُ البَرَكَاتِ مَشَا (1) وَالنَّقْضُ لِلشَّارِي إِذا رَأَىهُ يَثْبُتُ بِالْعَيْبِ الَّذِي أَخْفَاهُ وَلَوْ تَبَرَّى مِنْ جَمِيعِ العَيْبِ فَالنَّقْضُ ثَابِتٌ بِدُونِ رَيْبِ حَتَّى يُرِيهِ ذَاكَ عَيْبًا عَيْبَا (2) وَيَرْضَى (*) شَارِيهِ وَيَنْفِي الرَّيْبَا (20) وَبَعْضُ أَصْحَابِ العِرَاقِ قَالَا يَثْبُتُ حَتَّى أَظْهَرَ الجِدَالَا يَقُولُ قَدْ رَضَاهُ ذَاكَ المُشْتَرِي مَعْ عَيْبِهِ الَّذِي بِهِ لَمْ يُخْبَرِ
(*) يستقيم البيت بحذف الألف في القراءة. (إسماعيل)
(1) قوله: «يمش» أي يذهب. اهـ. (المصنف)
(2) قوله: عيبًا عيبا» هما حالان جامدان.
(**) يستقيم البيت بحذف الألف في القراءة. (إسماعيل)
(3) يخبر بفتح الموحد (1/511)
صفحة 512
بابُ عَيْبِ المبيع
الجزء الثاني
511
لأَنَّ مَنْ بَاعَ يَبيعُهُ عَلَى حَالٍ يَكُونُ العَيْبُ فِيهِ دَخَلَا يَقُولُ كُلُّ العَيْبِ فِيهِ مُجْتَمِعْ وَالمُشْتَرِي يَقْبَلُهُ وَيَسْتَمِعْ وَنَحنُ لَا نُثْبِتُهُ بِمَا بِهِ مِنْ حِيلَةٍ عَلَى خِدَاعٍ صَحْبِهِ لَوْ أَنَّهُ بَيَّنَ ذَاكَ العَيْبَا لَمَا اشْتَرَاهُ وَأَزَالَ الرَّيْبَا فَبِخَفَائِهِ عَلِمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ غِشَهُ بِمَا أَكَنَّهُ (1) فَالشَّيْبُ عَيْبٌ فِي العَبِيدِ وَالرَّمَدُ إِنْ كَانَ قَدْ يَعْتَادُهُ بِلَا أَمَدْ وَصَلَعٌ (2) مَعَ الجُنُونِ والْعَشَا كَذَلِكَ التَّفْلِيجُ عَيْبٌ قَدْ فَشَا وَبَرَصٌ وَشَامَةُ اللِّسَانِ وَهَكَذَا زِيَادَةُ الأَسْنَانِ وَأَعْسَرٌ يُعَالِجَنْ بِالعُسْرَى وَكُلُّ مَا عَدَّ الأَنَامُ ضُرَّا وَلِحْيَةُ العَبْدِ إِذَا لَمْ تَنْبُتِ لَيْسَ بِعَيْبٍ عِنْدَهُمْ مُثَبَّتِ لأَنَّ ذَاكَ مِنْ كَمَالِ هَيْئَتِهُ خِلَافَ حَالِ الْحُرِّ عِنْدَ رُؤْيَتِهُ وَالأَصْلُ قَدْ جَاءَ هُنَا بِمَسْأَلَهُ وَجَعْلُهَا فِي ذَا الْمُقَامِ مُشْكِلَهُ فَإِنَّهُ قَيَّدَ نَفْسَ الغَيرِ بِالبَرَصِ الفَاحِشِ رَبُّ الضَّرَرِ وَهُوَ الطَّبِيعِيُّ الَّذِي تَوَلَّدَا بِالطَّبْعِ دُونَ سَبَبٍ لَهُ بَدَا
(1) أي كتمه.
(2) الصلع ذهاب شعر الرأس أو مقدمه، والعشا ضعف في البصر لا يبصر صاحبه بالليل؛ ويقل بصره بالنهار، وقيل العشا سوء البصر مطلقا، والتفليج الاعوجاج في اليدين وانقلاب القدمين على الوحشي، وزوال الكعب وانشقاق القدمين، ومرض يحصل به شلل في بعض الجسم (أبو إسحاق). والتفليج هنا افتراق بين الأسنان بحيث يَشِينُ العبد، والشام.
هي
الخال. (1/512)
صفحة 513
512
الجزء الثاني
كتاب البيوع
العِلَّهُ
وَلَيَسَ فِيمَا أَلَّدَتْهُ عِلَّهُ مِنْ غَيْرِ فَافُهُمْ مَعَانِيْ مِثْلُ الَّذِي أَوَّلُهُ مِنْ نَارِ وَهْوَ بَيَاضٌ لَاحَ فِي الْأَبْشَارِ وَأَنْتَ تَدْرِي أَنَّ هَذَا الوَصْفَا فِي غَيْرِ التَّزْوِيج حُكْمًا عُرِفَا أَمَّا العَبِيدُ فَبِدُونِ مَا ذُكرُ يُرَدُّ بَيْعُهُمْ وَيَثْبُتُ الغَيَرُ فَالْوَسْمُ بِالنَّارِ إِذَا لَمْ يَكُنِ عَلَامَةً عَيْبٌ بِهِمْ فَلْتَفْطُنِ وَالأَصْلُ قَدْ بَيَّنَ هَذَا أَيْضًا أَلَا (1) نَعِيبُ بَرَصًا مُبْيَضَا كذَلِكَ التَّأْنِيتُ (2) وَالبَوْلُ عَلَى فِرَاشِهِ فَلْتَفْهَمَنَّ العِلَلَا وَالأَكْلُ لِلطَّينِ وَشُرْبُ الخَمْرِ وَفِعْلُهُ الزِّنَاءَ أَيْضًا فَادْرِ وَوَلَدُ الزِّنَاءِ قِيلَ عَيْبُ وَقَالَ قَوْمٌ لَيْسَ فِيهِ عَيْبُ وَإِنْ يَكُنْ تَعَوَّدَ الإِبَاقَا عَيْبٌ كَذَاكَ إِنْ يَكُنْ سَرَّاقَا وَذَاكَ إِنْ كَانَ لِغَيْرِ مَالِ سَيِّدِهِ يَسْرِقُ فِي أَحْوَالِ وَالنَّقْبُ لِلْبَيْتِ وَكَسْرُ القُفْلِ عَيْبٌ وَفَكَّ الحَلْيِ مِنْ ذَا الطِّفْلِ لَوْ كَانَ مَعْ أَرْبَابِهِمْ قَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَالْبَيْعُ بِهِ مُعَلَّلُ وَإِنْ تَكُنْ لِلعَبْدِ زَوْجَةٌ فَلَا عَيْبٌ وَقِيلَ العَيْبُ فِيهِ دَخَلَا وَشَامَةُ اللِّسَانِ قَدْ تَقَدَّمَا بِأَنَّهَا العَيْبُ وَبَعْضُ أَلْزَمَا وَالحَمْلُ فِي الإِمَاءِ عَيْبٌ وَكَذَا مَعْدُومَةُ الدَّرِ لِإِبْنِهَا غِذَا
(1) قوله: «ألا بالتخفيف أداة افتتاح ونعيب بفتح أول المضارعة أي نعده عيبًا. (2) قوله: «التأنيث» أي لين حركة العبد وكلامه، بحيث يكون في ذلك مثل الإناث. (1/513)
صفحة 514
بابُ عَيْبِ المبيع
الجزء الثاني
513
فَالحَمْلُ يَمْنَعَنَّ وَطْيَهَا إِلَى أَنْ تَضَعَنَّ فَافِهَمَنَّ الْعِلَلَا وَالدَّرُّ لا يَسْتَغْنِي عَنْهُ الوَلَدُ فَعَدَمُ الدَّرِّ عُيُوبٌ تَرِدُ وَإِنْ تَكُنْ جَارِيَةً أَتَاهَا (1) ثُمَّ رَأَى العَيْبَ وَمَا رَضَاهَا فَقِيلَ أَرْسُ العَيْبِ عَنْهُ قَدْ يُحَطِّ وَذَلِكَ اللَازِمُ عِنْدَهَمْ فَقَطْ وَقِيلَ بَلْ لَهُ بِذَاكَ الغَيَرُ وَأَوَّلُ القَوْلَيْن هُوَ الأَكْثَرُ وَإِنْ يَكُنْ زَوَّجَهَا لِلْغَيْرِ فَالخُلْفُ أَيْضًا جَاءَ فِي التَّغْيِيرِ فَقِيلَ أَرْشُ الْعَيْبِ يُعْطَى وَيَرَى بَعْضُهُمُ أَنْ يُعْطَى فِيهَا غَيَرَا وَيَثْبُتُ التَّزْوِيجُ وَالْمَهْرُ إِلَى بَائِعِهَا يُدْفَعُ حِينَ بَطَلَا وَالحَيَوَانُ إِنْ بِهَا زَوَالُ فَذَاكَ عَيْبٌ ثَابِتٌ يُقَالُ وَالذُّعْرُ (2) وَالنَّفَارُ وَالرِّبَاضُ وَالعَضُ وَالخِرَاطُ وَالرِّكَاضُ وَالْمَصُّ لِلأَيْر (3) إِذَا مَا بَالَاَ مِنْ كُلِّ فَحْلٍ فَهْوَ عَيْبٌ آلَا وَالوَسْمُ فِي الجَمِيعِ عَيْبٌ غَيْرَ إِنْ غَيْرَ إِنْ كَانَ عَلَامَةً لِأَجْلِ يُعْرَفَن
(**)
(*) يستقيم البيت بحذف الياء في القراءة. (إسماعيل) (1) قوله: «أتاها» أي وطيها ففيها قولان: قول إنّ بيعها ثابت ويحط عن المشتري قيمة نقص العيب فقط، وقول إن له ردها، ولكن عليه عُقْرها وهو عشر قيمتها إن كانت بكرًا ونصف عشر قيمتها إن كانت ثيبًا.
(**) يستقيم البيت بحذف الألف في القراءة. (إسماعيل)
(2) قوله: «الذعر .. إلخ» الذعر بضم الذال الجفال، يقال: ذعرت الدابة إذا جفلت. والنفار: بالفتح الهروب. والرّباض: أن تقعد براكبها أو حملها عادة لأمن شدة ثقل ما عليها والعض: معروف. والخراط: مصدر خَرَط الشيء إذا جذبه وخراط الدابة اعتيادها جذب خطامها من يد قائدها، وهو من عيوبها التي يُرَدُّ بها البيع. والركاض: الرَّمْح. (3) والأير: الذكر. (1/514)
صفحة 515
514
الجزء الثاني
كتاب البيوع
وَإِنْ يَكُنْ بَعْضُ طَعَامِ البَلَدِ لَا يَأْكُلَنْ كَعَبَس وَقَرْفَدِ) وَكَالحَشِيشِ أَوْ كَمِثْلِ القَتْ فَالْعَيْبُ فِي الجَمِيعِ طُرًّا يَأْتِي وَشُرْبُهَا لِدَرِّهَا تُعَابُ بِهِ وَمَا فِي ذَلِكَ ارْتِيَابُ وَذَابِحٌ شَاةً فَبَانَتْ عَمْيَا فَلَايُرَدُّ لَحْمُهَا المُهَيَّا لِأَنَّهُ أَرَادَ مِنْهَا اللَّحْمَا وَلَا يَضُرُّهُ العَمَى المُعَمَّى وَإِنْ يَكُنْ بِهَا سِوَاهُ فَلَهُ أَرْضٌ لِنَقْصِهِ الَّذِي كَمَلَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ العَمَاءُ كَغَيْرِهِ بِنَقْصِهِ يُجَاءُ لأَنَّهُ وَلَوْ دَرَى لَمَا اشْتَرَى إِلَّا بِطَرْحٍ مَا لَهُ قَدْ قُدِّرَا وَالْحَيَوَانُ بَعْدَمَا يُسْتَعْمَلُ يُرَدُّ بِالعَيْبِ فَذَاكَ يُقْبَلُ وَمَا عَلَيْهِ أُجْرَةُ اسْتِعْمَالِهِ لِأَنَّهُ الصَّامِنُ فِي أَحْوَالِهِ وَإِنَّمَا الْخَرَاجُ بِالصَّمَانِ وَالْبَيْعُ كَانَ ثَابِتَ الْأَرْكَانِ وَفِيهِ قَوْلُ غَيْرُ هَذَا مَرًا في النَّقْضِ لَكِنْ مَا لَهُ أَقَرَّا (2) وَمُشْتَرٍ سَيْفًا فَبَانَ نَرْمَا فَذَاكَ عَيْبٌ فِيهِ حَيْثُ غَمَّا لِأَنَّهُ مِنْ عَادَةِ السُّيُوفِ فَوْرَى وَهَذَا لَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ
(1) العبس والقزفد: أردأ ثمر النخل.
(2) قوله: «وفيه قول ... إلخ» في أكثر النسخ السابقة بعد هذا البيت زيادة بيت وهو قوله: وَإِنْ عَلِمْ بِالعَيْبِ ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ لَرْمَهُ لِأَنَّهُ قَدْ قَبِلَهُ
وهو ليس من قول الناظم ولكن زاده شيخنا الفقيه ماجد بن خميس العبري تكميلا للفائدة. (3) قوله: «فبان (نرما انتصاب نرما على التمييز والحديد الفوري غير النرم. (1/515)
صفحة 516
بابُ عَيْبِ المبيع
الجزء الثاني
515
وَمُشْتَرِ أَرْضًا فَبَانَ المَاءُ مُرًّا فَلَا يَنْتَقِضُ الشِّرَاءُ وَمَتَقُ البِلَادِ (1) عَيْبٌ إِنْ يَكُنْ يَعْتَادُهَا وَالمُشْتَرِي لَمْ يَعْلَمَنْ وَشَجَرٌ قَدِ اشْتَرَى النَّجَّارُ يُعَابُ إِنْ بَانَ بِهِ أَغْوَارُ
(2)
وَقَرْفَدُ النَّخِيلَ وَالْغُلُوجُ (2) عَيْبٌ وَمَا عَنْ نَقْضِهِ وُلُوج وَمُشْتَرٍ تَمْرًا فَبَانَ حَشَفْ فِي جَوْفِهِ يَزِيدُ عَمَّا يُعْرَفُ فَذَاكَ عَيْبٌ وَإِذَا لَمْ يَزِدِ حَشَفُهُ عَنْ عُرْفِ ذَاكَ البَلَدِ فَلَيْسَ عَيْبًا وَإِذَا مَا قَدْ شَرَى تَمْرًا وَصَارَ فِيهِ يَبْذُلُ الْكِرَا وَنَقَضَ الشِّرَا بِعَيْبِ بَانَا فَلَا تُلَزِّمْ بَائِعًا ضَمَانَا إِلَّا إِذَا مَا قَالَ لَيْسَ فِيهِ عَيْبٌ فَنَقِّلْهُ وَخَسِّرْ فِيهِ فَهَاهُنَا يَلْزَمُهُ الصَّمَانُ إِذْ إِذْ غَرَّهُ بِقَوْلِهِ الخُسْرَانُ (3) وَالخُبْنُ إِنْ بَاتَ مَعَ الخَبَّازِ فَذَاكَ عَيْبٌ جَاءَ فِي الإِيجَازِ وَإِنْ يَبِنْ فِي التَّوْبِ مَا يَمْنَعُ مِنْ لِبَاسِهِ فَذَاكَ عَيْبٌ مُسْتَكِنْ سِمٌ يُرَى بِثَوبِ الرَّجُلِ مُحَرَّم مُحَرَّمٌ فَهْوَ مِنَ المُعَلَّلِ
(1) قوله: ومتق «البلاد أراد بالبلاد نخيل البلاد والمتق داء يظهر في سعف نخيل بعض البلدان ويمكث بها إلى خمس سنوات فأكثر فإذا اشتد بها صارت تقطر قطرات على الأرض بمثل
العسل، ويمنعها عن الثمرة إذا تبالغ ويقتل شيئًا منها إذا اشتد.
(2) قوله: «والقرفد» أن تظهر في القمعة الواحدة حبتان صغيرتان من البلح، ولا يرطبان أي لا يصيران رطبا، لأن ذلك يفسدهما معا، والغلوج: بالغين المعجمة انْزِوَاء الثَّمرة بحيث لا تصلح للأكل. (3) قوله: «الخسران» فاعل غره، وفيه وضع الظاهر موضع المضمر، وإطلاق المصدر على اسم الفاعل؛ إذ المراد المخسّر وهو البائع. اهـ. (المصنف) (1/516)
صفحة 517
الجزء الثاني
كتاب البيوع
وَأَبْيَضُ الشَّيَابِ فِيهِ الزَّوْلُ عَيْبٌ وَلَوْ بِالطُّهْرِ يَومًا يَزْكُو وَإِنْ شَرَى المَأْمُورُ ثَوْبًا مَا دَرَى بِعَيْبِهِ لَا يَلْزَمَنْ مَنْ أَمَرَا وَهَكَذَا إِذَا دَرَى المَأْمُورُ بِعَيْبِهِ أَوْ أَنَّهُ مَشْهُورُ
لَا يَلْزَمُ الأَمِرَ لَكِنْ يَلْزَمُ مَنِ اشْتَرَاهُ إِذْ بِهِ يُعَلِّمُ
(2)
وَإِنْ رَأَى مُرْتَهِنُ فِي الرَّهْنِ عَيْبًا يَرُدُّهُ لِذَاكَ الوَهْن وَيُعْطِهِ رَهْنَّا خَلَا مِنْ عَيْبِ لِكَيْ يَكُونَ حَافِظًا لِلْغَيْبِ وَكُلُّ مَا لَا تَسْمَعُ القُلُوبُ بِأَخْذِهِ فَذَلِكَ المَعْيُوبُ (3) وَكُلُّ مَا النَّاسُ بِهِ تَسَامَحُوا فَلَيْسَ عَيْبًا إِذْ بِهِ التَّسَامُحُ وَالحُكْمُ يَجْرِي فِيهِ مَجْرَى الْأَغْلَبِ مِنْ عَادَةِ النَّاسِ لَدَى التَّغَلُّبِ
باب الغش في المبيع
وَالغِشُ أَنْ يَسْتُرَ مَا قَدْ قَبْحَا مِنَ المَبِيْعِ فِي الشِّرَا) لِيَرْبَحَا وَهُوَ حَرَامٌ لِنُصُوصِ وَرَدَتْ وَمَنْ يَغُضُّ مُسْلِمًا قَدْ هَدَّدَتْ مَنْ غَشَّنَا فَليسَ مِنا يُحْسَبُ وَذَاكَ عَنْ طَرِيقِنَا مُنَكَّبُه)
(1) قوله: «الزَّوْك» هو ما يبقى من أثر، أي لون من غير البياض.
(2) قوله: «يُعلَّمُ» بالتشديد، أي: يختبر بتشديد الموحدة.
(3) قوله: «المعيوب» أي الذي صار فيه العيب، وأصله معاب ومعيوب لغة فيه.
(4) قوله: «في الشرا» أي في حال عقد البيع.
(5) قوله: «مُنَكَّب» بتشديد الكاف أي مُبَعد. (1/517)
صفحة 518
باب الغش في المبيع
الجزء الثاني
517
أَضَلَّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ زَيَّنَا لَهُ وَفِعْلَهُ القَبِيحَ حَسَّنَا يَظُنُّ أَنَّهُ يَنَالُ رِبْحَا وَهْوَ عَلَى الخُسْرَانِ مَعْنًى أَضْحَى فَالْغِشُ لِلْخَيْرَاتِ يَمْحَقَنَا وَأَنَّهُ لِلنَّارِ يُعْقِبَنَّا يُنْهَى فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِي يُؤَدَّبُ بِمَا يَرَى فِي حَقِّهِ المُحْتَسِبُ وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِشَ لِلْخَرَاج يُحْمَلُ لِلْجَائِرِ بِالإِزْعَاجِ قِيلَ يَجُوزُ غِشُّهُ لِأَنَّمَا) بِأَخْذِهِ الظُّلْمُ عَلَى مَنْ ظَلَمَا وَقِيلَ لَا لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ فَغِشُّهُ لِغَيْرِهِ قَدْ يَصِلُ وَلَا يَجُوزُ الْخَلْطُ لِلرَّدِيّ بِجَيِّدٍ مِنْ جِنْسِهِ عَلِيٌّ وَرَخَصُوا لِتَاجِرٍ لَمْ يَقْصِدَا غِشًا وَلَكِنْ لِلْوِعَاءِ فَقَدَا وَقَدْ أَجَازُوا بَيْعَ مَا قَدْ خُلِطَا للأكْل لَوْ بَائِعُهُ مَا شَرَطَا وَلَمْ يَكُنْ غِشًا لَنَفْسِهُ قَصَدْ مَنْ جَعَلَ الْغَيْرَ كَنفْسِهِ اقْتَصَدْ وَالنَّاسُ يَخْلِطُونَهُ لِلْأَكْلِ تَفَكَّهَا تَلَنُّذًا بِالدَّقْلِ
(3) (2)
(1) قوله: «لإنما»، يعني لأن الذي يأخذ الظالم إنما هو الظلم، أي: الشيء المظلوم على من ظلمه هو، فلا يحرم عينه فيه، وهذا هو القول الصريح والقول الصحيح، وتعليل من اعتل بالانتقال لا يقوم دليلا؛ لأن فيه شيء. اهـ. (المصنف) (2) الدقل أردأ أنواع التمر كذا في القاموس والمشهور الآن في ديارنا المغربية أن الدقل هو أجود أصناف التمر وألذها، ولكن في بعض الجهات يضيفون لفظة، النور، فيقولون دقل النور والظاهر أن هذه الإضافة نشأت للتمييز بين الغاية في الجودة وبين صنف رديء يسمى بالدقل
والله أعلم. (أبو إسحاق) (3) الدقل أنواع النخل. (المصنف) (1/518)
صفحة 519
518
الجزء الثاني
كتاب البيوع
وخَلْطُهُ لِلْبَيْعَ غِضٌ حُرِّمَا لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ التَّنَعُمَا وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُجَلِّزَا رَدِيَّهُ فَمِنْ هُنَا مَا جُوِّزَا
(2)
وَحَائِلُ التَّمْرِ (2) عَلَيْهِ يُخْبِرَا بِوَصْفِهِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ اشْتَرَى وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ إِنْ كَانَا يَنْظُرُهُ حَالَ الشِّرَا عِيَانَا وَإِنْ يَكُنْ مِنْ حَائِلٍ وَغَيْرِهِ يُخْبِرُهُ لِيَخْلُصَنْ مِنْ ضَيْرِهِ وَخَلْطُ لَحْمِ الشَّاءِ بِالْكُبْشَانِ غِضٌ لِأَنَّ ذَلِكُمْ جِنْسَانِ وَسَمَكٌ يَبْلُهُ لِيَثْقُلَا وَيَحْسُنَنَّ فَهْوَ غِضٌ فَاحْفِلَا وَالثَّوْبُ إِنْ بِسَوْجِهِ (3) قَدْ قَصْرَا فَذَاكَ غِشْ إِنْ يَكُنْ لَمْ يُخْبِرَا وَقَصْرُهُ بِغَيرِ سَوْحٍ لَا نَرَى بَأْسًا بِهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَخْبَرَا لِأَنَّمَا السَّوْجُ يُغَلِّظَنَّا وَغَسْلُهُ لِذَاكَ يُذْهِبَنَّا فَيَحْسَبُ النَّاظِرُ قَبْلَ الغَسْلِ بِأَنَّ ذَاكَ حَالُهُ فِي الأَصْلِ وَمَنْ لَهُ جَارِيَةٌ أَرَادَا يَبِيعُهَا وَحَاذَرَ الْكَسَادَا فَجَائِزُيُلْبِسُهَا ثِيَابَا غَالِيَةً وَصِيغَةً عُجَابَا
(1) قوله أن يُجَلِّزا» أي أراد أن يُرَوِّجه.
(2) قوله: «وحائل التمر الحائل من التمر هو ما مضى عليه عام كامل في ظروفه، يقال حال على هذا الشيء حول، إذا دار عليه عام كامل.
(3) السوج: هو ما يوضع على الثوب المنسوج من الدقيق ليغلظ. (1/519)
صفحة 520
باب الغش في المبيع
الجزء الثاني
519
لِيَرْغَبَ الشَّارِي إِذَا رَأَىهَا لِأَنَّهُ بِعَـ لِأَنَّهُ بِعَيْنِهِ يَرَاهَا وَيَعْلَمَنْ أَنَّ الحُلِيَّ وَالحُلَلْ يُزَيِّنُ النِّسَاءَ فِي رُؤْيَا المُقَلِّ) كَذَاكَ أَيْضًا مَنْ يُزَيِّنُ الفَرَسُ بِسَرْجِهَا فَلَيْسَ غِشًا وَلْيُقَسْ
(1) المقل: جمع وهي
مقلة،
العين الواحدة. (1/520)
صفحة 521
520
الجزء الثاني
كتاب الشفعة
كتاب الشفعة
وَالأَصْلُ قَدْ أَخَرَهُ وَلَا أَرَى تَأْخِيرَهُ مِنَ الصَّوَابِ فَانْظُرَا وَإِنَّمَا قَدَّمْتُهُ لِمَعْنَى إِذْ فِيهِ نَقْلُ البَيْعِ فَافْهَمَنَّا لأَنَّهُ اسْتِحقَاقُ مَالٍ بِيعَا لِلْغَيْرِ حَتَّى يُمْنَحَ الشَّفِيعًا يَأْخُذُهُ بِسَبَبٍ يُوجِبُهُ يَنْزِعُهُ مِنْ حِينِ مَا يَطْلُبُهُ أَسْبَابُهُ تُحْصَرُ فِي اشْتَرَاكِ فَلِلشَّرِيكِ شُفْعَةُ الإِدْرَاكِ وَتَظْهَرُ الشِّرْكَةُ فِي أَنْوَاعِ أَعْظَمُهَا الَّشِرْكَةُ فِي المُشَاعِ وَشِرْكَةُ الطَّرِيقِ وَالسَّوَاقِي وَالمَاءِ فِي البِثْرِ لِذَاكَ السَّاقِي ـركةُ المِيزَابِ وَالجِدَارِ وَالسَّيْلِ إِنْ جَاءَ مِنَ الْأَمْطَارِ وَشِرْكَةُ الْقِيَاسِ لِلنَّخِيلِ فَهَذِهِ الشِّرْكَاتُ بِالتَّفْصِيلِ جَمِيعُهَا يُوجِبُ لِلشَّفِيعِ لَكِنَّهَا تَبْطُلُ بِالنَّصْيِيعِ لِأَنَّهَا كَالْحَلِّ لِلْعِقَالِ تَبْطُلُ إِنْ لَمْ تُطْلَبَنْ فِي الْحَالِ وَلَيْسَ لِلأَعْجَمِ وَالْيَتِيمِ مِنْ شُفْعَةٍ قَدْ قِيلَ فِي المَقْسُومِ بَلِ المُشَاعُ يَشْفَعَانِ فِيهِ وذَلِكَ التَّخْصِيصُ لَا أَدْرِيهِ يَأْخُذُهَا الوَكِيلُ وَالوَلِيُّ لَهُ كَذَا يَأْخُذُهَا الوَصِيُّ
(1) يقال: «حَلَّ العقال» إذا أطلقه. (1/521)
صفحة 522
باب الغش في المبيع
الجزء الثاني
521
وَنَخْلَةٌ وَقِيعَةٌ) فِي مَالِ لَيْسَ لَهَا مِنْ سُفْعَةٍ بِحَالِ لأَنَّ حَقَّهُ بِذَاكَ الجِذْعِ بِقَلْعِهِ يَزُولُ أَوْ بِالْقَطْعِ لَكِنَّهَا تَشْفَعُ كُلَّ المَالِ إِنْ ثَبَتَتْ أَصْلًا بِلَا جِدَالِ وَالمَالُ مَهْمَا بِيعَ بِالْخَيَارِ وَكَانَ فِيهِ شُفْعَةٌ لِجَارِ فِيهِ اخْتِلَافُ قَالَ بَعْضُ يَطْلُبُ مِنْ حِينِهِ إِنْ كَانَ فِيهَا يَرْغَبُ وَقَالَ بَعْضُ مَا عَلَيْهِ طَلَبُ وَلَا يَرَى الشُّفْعَةَ فِيهِ تَحِبُّ وَقِيلَ إِنْ كَانَ لِذِي الشِّراءِ خِيَارُهُ يُشْفَعْ بِلَا امْتِرَاءِ وَإِنْ يَكُنْ لِبَائِعِ أَوْ لَهُمَا فَمَا لَهُ مِنْ مَطْلَبِ قَدْ لَزِمَا وَإِنْ نَقُلْ بِصِحَةِ الْخِيَارِ تَتْبَعُهُ الشُّفْعَةُ بِاضْطِرَارِ لأَنَّهُ بَيْعٌ صَحِيحٌ يَجِبُ أَنْ يُعْطَى حُكْمَ البَيْعِ حِينَ يَجِبُ (2) وَإِنْ نَقُلْ بِأَنَّهُ مَوْقُوفُ جَرَى عَلَى أَحْكَامِهِ التَّوْقِيفُ وَقَدْ مَضَى التَّحْقِيقُ فِي الْخِيَارِ مَعَ بَيانِ وَجْهِهِ المُخْتَارِ وَمُشْتَرِ ثَلَاثَةَ الأَمْوَالِ بِصِفْقَةٍ مِنْ أَحَدِ الرِّجَالِ وَوَاحِدٌ يَشْفَعَهُ إِنْسَانُ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ يُعَانُ
(1) قوله: «ونخلة وقيعة هي في اصطلاح أهل عُمان النخلة التي لصاحبها حق في الأرض ما دامت قائمة فإذا سقطت لم يكن له أن يغرس مكانها شيئًا.
(2) قوله: «يجب الأول بمعنى يلزم، والثاني بمعنى يثبت، يقال: وجب البيع إذا ثبت. (1/522)
صفحة 523
522
الجزء الثاني
كتاب الشفعة
يَأْخُذُهَا بِقِيمَةِ الْعُدُولِ يُوَزِّعُونَ ثَمَنَ النَّخِيلِ وَمَا عَلَيْهِ أَخْذُ بَاقِي القِطَع (1) لَوْ قِيلَ خُذْ جَمِيعَهَا أَوْ فَدَع أَمَّا القِيَاضُ قِيلَ لَيْسَ يُشْفَعُ وَقِيلَ بَيْعٌ وَعَلَيْهِ يُشْفَعُ كَذَلِكَ الْإِقْرَارُ أَيْضًا عَنْ عِوَضْ كَذَلِكَ الإِيصَاءُ عَنْ حَقٌّ عَرَضْ كَذلِكَ الْقَضَاءُ فَالْجَمِيعُ يُدْرِكُ فِيهِ يُدْرِكُ فِيهِ الشُّفْعَةَ الشَّفِيعُ وَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ مِنْ رَجَاءِ (2) فِي صَاحِبِ الإِعْطَاءِ وَالإِيصَاءِ إِنْ كَانَ عَنْ تَبَرُّعٍ قَدْ كَانَا ذَلِكَ وَالحَقُّ لَدَيْهِ بَانَا وَالْخُلْفُ فِيمَا بِيعَ بِالنَّدَاءِ يُشْفَعُ أَوْ لَا جَاءَ فِي الْإِفْتَاءِ وَقِيلَ لَا شُفْعَةَ فِيمَا بَاعَا عَلَى أَبِيهِ وحُكِي (3) إِجْمَاعَا وَأَوْجَبُوا شُفْعَةَ مَا بَاعَ الأَبُ عَلَى ابْنِهِ وَهِيَّ عِنْدِي تَحِبُّ وَالْفَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا قَدْ بَانَا لأَنَّهُ لَمْ يَنْتِقِلْ مَكَانَا لِلأَبِ مَالُ إِبْنِهِ حَلَالُ وَلَا كَذَاكَ العَكْسُ إِذْ يُنَالُ وَالإِبْنُ إِنْ بَاعَ لَهُ أَبُوهُ بَيْعًا رَخِيصًا فَلْيُقَوِّمُوهُ
قطعة
الطائفة
من النخل. اهـ. (المصنف)
(1) القطع: جمع وهي (2) قوله: «من رجاء»، أي ليس في العطية ولا في الوصية للشفيع شفعة، إذا كانتا عن تبرع أي عن غير عوض ولا حق، أما إذا كانت العطية عن عوض والوصية عن حق ففي ثبوت الشفعة
فيهما قولان.
(3) قوله: «وحكي» بالبناء للمفعول. «وإجماعًا» حال وهو واقع موقع المفعول الثاني، وانتصب
مكانًا على التمييز. (1/523)
صفحة 524
باب الغش في المبيع
الجزء الثاني
523
وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ ذَاكَ المَالَا بقيمَةِ العُدُولِ لَا مَحَالَا (1) وَالفَضْلُ قِيلَ إِنَّهُ لِلوَالِدِ وَقِيلَ بَلْ لِإِبْنِهِ المُسَاعِدِ لأَنَّهُ (2) قَدْ جَعَلَ المَالَ لَهُ وَأَخَذَ الشَّفِيعُ مِنْهُ مَالَهُ وَمَا اشْتَرَاهُ الزَّوْجُ مِنْ زَوْجَتِهِ يُنَيِّسُ الشَّفِيعَ مِنْ شُفْعَتِهِ كَذَاكَ أَيْضًا مَا اشْتَرَتْهُ مِنْهُ كَأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلَنَّ عَنْهُ بَيْنَهُمَا عَظِيمُ الإِنْحَادِ مَا مِثْلُهُ يُوجَدُ فِي العِبَادِ مِنْ هَاهُنَا لَا يُشْرَطُ الإِحْرَازُ بَلِ الْعَطَا بَيْنَهُمَا يُجَازُ (3) وَهَكَذَا فِي الجُرْحِ لَا قِصَاصُ بَيْنَهُمَا بَلْ يَجِبُ الخَلَاصُ وَمَنْ لَهُ الشُّفْعَةُ فِيمَا بَاعَا بِنَفْسِهِ شُفْعَتَهُ أَضَاعَا كَرَجُلٍ يَبِيعُ مَالَ وَلَدِهِ فَهْوَ الَّذِي أَخْرَجَ ذَاكَ مِنْ يَدِهْ فَكَيْفَ يُدْرِكَنَّهُ بِالشُّفْعَةِ كَذَا وَصِيُّ بَاعَ لِلوَصِيَّةِ كَذَا وَكِيلٌ بَاعَ مَالًا يَشْفَعُهُ وَقِيلَ بَلْ يَشْفَعُهُ وَيَنْفَعُهُ بَعْدَ تُبُوتِ البَيْعِ يُدْرِكَنَّا جَمِيعُهُمْ ذَاكَ وَيَشْفَعَنَّا لأَنَّمَا الشُّفْعَةُ فِيهِ تَجِبُ بَعْدَ تُبُوتِ البَيْعِ وَهُوَ أَقْرَبُ (4)
(1) محالا: بفتح الميم، إذا كان أراد لا محالة؛ فحذف الهاء للوزن، وبضمها إذا كان بمعنى الأمر
المستحيل.
(2) قوله: «لأنه» هذا القول أظهر من كون الفضل للوالد.
(3) قوله: «بل العطا» يعني أن عطية أحد الزوجين للآخر تَثْبت بدون إحراز.
(4) قوله: «وهو أقرب» أي إلى الحق، وهذا هو الصحيح عندي. (1/524)
صفحة 525
524
الجزء الثاني
كتاب الشفعة
لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُهُ ابْتِدَاءَ أَنْ يَجْعَلَنْ لِنَفْسِهِ الشِّرَاءَ وَكَوْنُهُ وَاسِطَةً لَا يُسْقِط حَقًّا لَهُ فِي أَخْذِهِ يَنْبَسِطُ وَالمُشْتَرِي إِنْ نَقَصَ الْمَبِيعَا قَبْلَ تَشَفُّعِ فَلَا شَفِيعًا وَذَاكَ إِنْ يَرُدَّهُ بِعِلَّةٍ أَوْ أَنَّهُ يُقِيلُهُ ذُو الصَّفْقَةِ وَهَكَذَا إِنْ قَطَّعَ الأَسْبَابَا وَصَرَّفَ الدُّرُوبَ (2) وَالْأَبْوَابَا أَوْ صَرَّفَ الْمَسْقَى (3) وَمَا يُشْتَرَكُ فِيهِ فَمَا الشُّفَعَةُ فِيهِ تُدْرَكُ وَذَاكَ كُلُّهُ إِذَا مَا كَانَا مِنْ قَبْلِ أَخْذِهَا فَعَ البَيَانَا وَمُشْتَرٍ أَرْضًا بَنَاهَا مَسْجِدًا فَلَيْسَ فِيهَا شُفْعَةٌ لِمَنَ بَدَا لأَنَّهَا اللَّهِ صَارَتْ وَيَرَى بَعْضُهُمُ تُبُوتَهَا مُعْتَبَرَا وَرَبُّنَا الغَنِيُّ وَالعَبْدُ إِلَى ذَلِكَ مُحْتَاجٌ فَلَا يُعَطِّلَا وَإِنْ يَكُنْ لِنَخْلَةٍ قَدْ قَطَعَا فَلِلشَّفِيعِ بَعْدَهَا أَنْ يَشْفَعَا وَيَأْخُذَنَّ الجِزْعَ ثُمَّ المَوْضِعَا وَقِيمَةَ النُّقْصَانِ حِينَ شَفَعَا
(1) قوله: «قَبْلَ تَشَفُع» التشفع مصدر تشفّعَ مُشَدَّدًا أي طلب الشفعة أو الشفاعة، والمعنى أن المشتري إذا نقض البيع بوجه يوجب له نقضه؛ كغبن أو جهالة قبل أن يأخذ الشفيع شفعته أو قبل أن يحكم له بها الحاكم فلا شفعة له؛ لأنها فَرْعٌ على ثبوت البيع، وقوله: «فلا شفيعًا» أي لا شفعة أو أنه أراد فلا شفيعًا يدرك فيه الشفعة، فيكون اسم لا النافية مطولًا كَلَا طالعا جبلًا. (2) قوله: «الدروب» جمع درب وهي الطريق قال امرؤ القيس:
بَكَى صَاحِبِي لَمَّا رَأَى الدَّرْبَ دَونَهُ وَأَيْقَنَ أَنَّا لَاحِقُونَ بِقَيْصَرَا (3) والمسقى: كالمرمى موضع مسلك الماء، وهو الساقية، والمراد أن المشتري إذا قطع هذه الأسباب قبل أن يأخذ الشفيع شفعته فلا شفعة، هكذا جاء عنه. (1/525)
صفحة 526
باب الغش في المبيع
الجزء الثاني
525
وَالبَيْعُ مَهْمَا كَانَ فَاسِدًا فَلَا يُوجِبُ شُفْعَةً لِمَنْ تَعَجَّلَا لأَنَّهَا فَرْعٌ عَلَى صِحَّتِهِ فَيَفْسُدُ الْمَبِيعُ مَعْ شُفْعَتِهِ لَا تُورَثُ الشُّفْعَةُ مِمَّنْ مَاتَا إِلَّا إِذَا طَالَبَ إِلَّا إِذَا طَالَبَ ثُمَّ فَاتَا فَإِنَّهُ بِنَفْسٍ ذَاكَ الطَّلَب قَدِ استَحَقَّهُ فَلَا تَسْتَعْجِب فَذَلِكَ المَوْرُوثُ مَالًا لَا سوى فَلَمْ يَكُ الوَارِثُ شُفْعَةً حَوَى وَفِي شَفِيعٍ خَلْفَ بَحْرٍ غَابَا لَايُدرِكُ الشُّفْعَةَ مَهْمَا آبَا قَدْ قِيلَ فِي المَقْسُومِ بِالْإِجْمَاعِ لَكِنَّهُ يُدْرِكُ فِي المُشَاعِ وَإِنْ يَكُنْ يَوْمًا لِغَزْوِ قَدْ خَرَجْ أَدْرَكَهَا طُرًا كَذَاكَ إِنْ لِحَجْ وَذَلِكَ التَّخْصِيصُ لَا أَرَاهُ إِلَّا إِيَالَةً) لِمَنْ رَأَىهُ لأَنَّمَا المُطِيعُ فِي الْأَمْوَالِ وَالْعَاصِي سِيَّانِ بِكُلِّ حَالِ
(**)
فَلَا المُطِيعُ يُعْطَى فَوْقَ حَقِّهِ
وَلَا سِوَاهُ دُونَ مُسْتَحَقِّهِ
فَلَسْتُ أَدْرِي الوَجْهَ فِيمَا ذُكِرَا إِلَّا إِيَالَةً لِمَنْ قَدْ نَظَرَا
(1) قوله: «لا تورث يريد أنه إذا مات الشفيع قبل طلب الشفعة؛ فلا شفعة لوارثه من بعده إلَّا إذا طلبها قبل موته، فمات قبل أن يُحْكَمَ له بها، وفيها قول آخر وهو أنها تُورث ويكون وارثه مثله إذا لم يصح أنه تركها عن طيبة نفس، والقول الأول قول الأكثر، وهو الأظهر. (2) قوله: «إلا إيالة أي إلا نظر، مصلحة فالإيالة في اصطلاح المشارقة هي النظر في الأمر الذي يُرجحه جانب المصلحة، وتؤيده السياسة الشرعية.
(*) يستقيم البيت بحذف الياء في القراءة. (إسماعيل) (**) يستقيم البيت بحذف الألف في القراءة. (إسماعيل) (1/526)
صفحة 527
526
الجزء الثاني
كتاب الشفعة
وَلَيْسَ فِيمَا بَاعَهُ الحُكَامُ لِدَيْنِ مَيْتِ شُفْعَةٌ تُقَامُ وَهَكَذَا بَيْعُ الوَصِيَّ أَيْضًا لَيْسَ به مِنْ شُفْعَةٍ فَتُمْضَى أَنَّهُمْ يُبَالِغُونَ يَوْمَا فِي بَيْعِهِ نِدَاءَهُ والسَّوْمَا (1) فِي طَلَبِ المَزِيدِ فَالِقَائِلُ لَمْ أَعْلَمْ بِهَذَا البَيْعِ يُدْخُلُ التُّهَمْ) وَلَا أَرَى القَوْلَ بِأَنْ يُشَفَّعَا مُسْتَبْعَدًا لِمَنْ دَرَاهُ وَوَعَى فَهُوَ كَمِثْلِ مَا يُبَاعُ بِالنَّدَا وَالخُلْفُ فِيهِ قَدْ مَضَى مُقَيَّدًا وَالخُلْفُ فِي العُرُوضِ (3) هَلْ يُسْتَشْفَعُ وَالحَيَوَانُ قِيلَ لَيسَ يُشْفَعُ وَقِيلَ بَلْ يُشْفَعُ إِلَّا الدِّرْهَمَا وَنَحْوُهُ المَضْرُوبُ طُرًّا فَاعْلَمَا وَالشُّفَعَاءُ أَيُّهُمْ قَدْ سَبَقَا لِأَخْذِهَا فَازَ بِهَا وَانْطَلَقَا وَمَا عَلَيْهِ أَنْ يُقَاسِمَنَّا سِوَاهُ مِمَّنْ كَانَ يَشْفَعَنَّا وَإِنْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ قَدْ طَلَبَا شُفْعَتَهُ فَلِلْهَلَاكِ ارْتَكَبَا لأَنَّ ذَاكَ الغَيْرَ لَيْسَ يَسْتَحِق لِنَزْعِهَا مِنْ مُشْتَرِيهَا فَيَحِقِّ (4)
(1) «نداءه والسوما» منصوبان على التوسع على حد قوله: كما عَسَلَ الطريق الثعلب، أو هما منصوبان على نزع الخافض.
(2) قوله: «يدخل التُهم يجوز بناؤه على الفاعل أي يدخل هو في الأمر الذي يتهم فيه؛ فيكون بفتح أوله، ويجوز أن يكون بضم أوله من أدخل أي يُدخل نفسه في أمر التهمة.
(3) قوله: «والخُلف في العُروض العُروض بضم العين اسم يطلق على الممتلكات المنتقلة، وما كان غير منتقل منها كالبيوت والنخيل والأروض فهي الأصول، هكذا في اصطلاح الفقهاء. ويُسْتَشْفَعُ» بالبناء للمجهول أي هل يحكم فيها بالشفعة، في
ذلك
قولان.
(4) قوله: «فيحق» أي فيحق له أخذها. (1/527)
صفحة 528
باب الغش في المبيع
الجزء الثاني
527
فَأَخْذُهَا بِذَا الطَّرِيقِ غَصْبُ وَذَاكَ أَمْرُ يَعْلَمَنْهُ الرَّبُّ فَلَيْسَ تَخْفَى عَنْهُ قَطُّ خَافِيَهُ فَرَاقِبِ البَاطِنَ كَالعَلَانِيَة وَلَيْسَ لِلْمَرِيضِ يَطْلُبَنَّا شُفْعَتَهُ حَتَّى يُعَافَيَنَّا لأَنَّهَا مِنْلُ الشِّرَاءِ حَتْمَا وَهْوَ مِنَ الْمَرِيضِ لَمْ يَتِمَّا وَعِنْدَ الِاخْتِيَارِ لَا يُمَهَّلُ فَإِنْ تَوَانَى بِاخْتِيَارٍ تَبْطُلُ لأَنَّهُ دَرَى بِهَا وَتَرَكَا وَلَوْ يَشَا شُفْعَتَهُ لَأَدْرَكَا وَأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى الإِصْرَارِ وَالضُّرُّ لِلْمُبْتَاعِ وَهْوَ الشَّارِي وَطَالِبُ الشُّفَعَةِ مَهْمَا لَقِيَا مَنْ كَانَ بِالبَيْعِ لَهَا مُشْتَرِيَا أَنكَرَهُ البَيْعَ وَلَمْ يُقِرَّا وَأَنَّهُ عَنْ أَخْذِهَا قَدْ فَرَّا فَإِنَّهُ يُدْرِكُهَا مَتَى عَلِمْ بِذَلِكَ البَيْعِ الَّذِي عَنْهُ كُتِمْ وَإِنْ يَكُنْ عَارَضَهُ النِّسْيَانُ عَنْ أَخْذِهَا وَاثَبَهُ البُطْلَانُ وَلِلشَّفِيعِ جَائِزٌ أَنْ يَسْأَلا عَنْ مُشْتَرِي شُفْعَتِهُ قَالَ الأَلَى) وَهَكَذَا فِي بَيْتِهِ يَسْتَأْذِنُ وَهْوَ مِنَ البُطْلَانِ فِيهَا يَأْمَنُ وَهَكَذَا جَاءَ عَنِ الرّبِيعِ تُعَلَّمُ الْأَلْفَاظُ لِلشَّفِيعِ
(2) (*)
(1) قوله: «قال الألى أي قال الذين علموا فالألى اسم موصول بمعنى الذين، وقد حذف الصلة لضيق النظم مع العلم بها فلا ضير، أو أنه أراد الألى الذين سبقوا. (2) قوله: «تَعلّم» مصدر تعلّم يعني أن هذه الأمور؛ و وهي الاستئذان في البيت، وسؤاله عن المشتري، والتماس من يُعَلِّمُه اللفظ الذي ينتزع به الشفعة، لا تفوته شفعته، بل هي من الأمور التي تؤكد طلب الشفعة. () وقلت: ويجوز أن يكون فعلا مبنيا لما لم يسم فاعله والألفاظ نائب فاعل، وهو واضح. (إسماعيل) (1/528)
صفحة 529
528
الجزء الثاني
كتاب الشفعة
كَيْفَ يَقُولُ إِنْ أَرَادَ النَّزْعَا وَالوَقْفُ لِلتَّعْلِيمِ لَيْسَ مَنْعَا وَمَا عَدَا هَذَا مِنَ الْكَلَامِ يُبْطِلُهَا قَدْ قِيلَ كَالسَّلَامِ وَالرَّدُّ لِلسَّلَامِ لَيْسَ يُبْطِلُ لِفَرْضِهِ وَالإِبْتِدًا مُنْتَفَلُ وَلَا أَقُولُ قَطُّ يُبْطِلَنْهَا فَسَلَّمَنْ إِنْ شِئْتَ وَاطْلُبَنْهَا قَوْلُ الشَّفِيعِ أَنَّهُ قَدْ طَلَبَا شُفْعَتَهُ يُقْبَلُ لَوْ شَارٍ أَبَى) لَكِنْ عَلَيْهِ تَلْزَمُ الْيَمِينُ إِنْ شَاءَهَا وَأَنَّهُ أَمِينُ وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ كُلَّ الثَّمَرَهُ وَيَدْفَعَنْ لِلشَّارِي مَا قَدْ خَسَّرَهُ (2) وَقِيلَ مَا خَسَّرَهُ وَمَا أَخَذْ فَلَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ وَنَفَذْ لأَنَّهُ قَدْ كَانَ مَالَهُ وَمَا أَغَلَّهُ لَهُ وَمَا قَدْ غَرِمَا وَكَوْنُهُ لِلثَّانِي قَدْ تَنَقَّلَا لَا يَمْنَعَنْ عَلَيْهِ مَا قَدْ حُلِّلا إِذْ كَانَ قَبْلَ الإِنتِقَالِ حِلَّا كَذَاكَ لَوْ لَمْ يَطْلُبَتْهُ أَصْلَا (3) كَيْفَ يُحَرِّمَنْ عَلَيْهِ الطَّلَبُ مَا قَدْ مَضَى وَهُوَ حَلَالٌ طَيِّبُ وَالأَوَّلُونَ نَظَرُوا لِلأَصْل لأَنَّ ذَاكَ البَيْعَ أَصْلُ النَّقْلِ
(1) أبى أي امتنع، أو هنا بمعنى أنكر طلب الشفيع بأن قال لم تطلبها مع العلم بها، فالقول في ذلك قول الشفيع مع يمينه. (2) قوله: «خَشرَة»، أي: غرمه.
(3) قوله: «لو لم يطلبنه» الضمير للانتقال والمعنى أن المال كان للمشتري قبل الانتقال بالشفعة وكذلك يكون له لو لم يطلب الشفيع نقله إليه بالشفعة، فكيف يحرم عليه غلة ماله حينما كان ملكا له. اهـ. (المصنف) (1/529)
صفحة 530
باب الغش في المبيع
الجزء الثاني
529
مَا نَالَهُ الشَّفِيعُ إِلَّا بَعْدَمَا بِيعَ فَذَاكَ البَيْعُ أَصْلٌ عُلِمَا بِهِ يَصِيرُ الْمَالُ لِلشَّفِيعِ مِنْ بَعْدِ مَا كَانَ أَخَا تَشْفِيعِ كَأَنَّمَا الشَّارِي شَرَى لِنَفْسِهِ أَوْ لِلشَّفِيعِ إِنْ أَتَى بِفَلْسِهِ فَإِنْ أَتَى الشَّفِيعُ يَوْمًا أَخَذَا مَا قَدْ شَرَى وَمَا عَلَيْهِ اسْتَحْوَذَا وَإِنْ أَبَى أَوْ أَبْطَلَ التَّشْفِيعًا فَالمُشْتَرِي يَحَونُهُ جَمِيعًا لَكِنْ أَرَى الشُّفْعَةَ شَيْئًا غَيْرَ مَا كَانَ مِنَ البَيْعِ لَهُ تَقَدَّمَا فَالمُشْتَرِي يَأْخُذُهُ بِالعَقْدِ ولِلشَّفِيعِ نَزْعُهُ مِنْ بَعْدِ) فَالعَقْدُ غَيْرُ النَّزْعِ فَاعْلَمَنَّا مِنْ هَاهُنَا قُمْتُ أُفَرِّقَنَّا
(1) قوله: «من بعد» بالجر على نية إضافتها أي من بعد ذلك على حد قوله: وَمِنْ قَبْل نَادَى كُلُّ مَوْلًى قَرَابَةً فَمَا عَطَفَتْ مَوْلًى عَلَيْهِ العَواطِفُ
أي من قبل ذلك. (1/530)
صفحة 531
530
الجزء الثاني
كتاب المضاربة
كتاب المضاربة
بِهِ لِغَيْرِهِ يُضَارِبُ
وَهِيَ أَنْ يَسْتَسْلِمَ المُضَارِبُ مَالًا بِجُزءٍ مِنْ رِبْحِهِ يُعَيَّنُ كَرُبُعٍ أَوْ خُمُسٍ يُبَيَّنُ جَوَازُهَا يَكُونُ بِالنُّقُودِ وَغَيْرُهَا مِنْ جُمْلَةِ المَرْدُودِ وَفِي الْعُرُوضِ لَا تَجُوزُ حَتْمَا إِلَّا مَقَالًا شَدَّ إِذْ تُسَمَّى يُسَمِّيَنْ دَافِعُهَا لِلثَّمَنِ وَالرِّبْحُ) فِيمَا زَادَ بَعْدُ فَافْطُن لأَنَّ مَنْ يَمْنَعُهَا لِلجْهَلِ بِقَدَرِ المَأْخُوذِ عِنْدَ الفِعْلِ وَذَلِكَ التَّنْبِينُ يَنْفِيَنَّا وَقِيمَةَ السِّلْعَةِ يُظْهِرَنَّا لَوْ كَانَ دَفْعُهَا مِنَ الرِّبَا لَمَا جَوَّزَهُ بِذَاكَ بَعْضُ العُلَمَا وَحَيْثُ كَانَ الْمَنْعُ لِلْجَهَالَةِ جَوَّزَهُ بَعْضُ بِهَذِي الْحَالَةِ وَرِبْحُ جُزْءٍ مِنْهُ مَهْمَا سُمِّي فَإِنَّهُ مُنْتَقِضٌ فِي الحُكْمِ لأَنَّ ذَاكَ الجُزْءَ وَهُوَ البَاقِي يَكُونُ كَالْقَرْضِ عَلَى الْأَعْنَاقِ فَكَانَ قَرْضًا جَرَّ نَفْعًا فَمُنِعْ وَهُوَ خِلَافُ حُكْمِهِ الَّذِي شُرِعْ وَمِنْ طَريقِ آخَرٍ تُقَسَّمَا بَيْنَ أَمَانَةٍ وَمَا قَدْ غُرِمَا وَأَجْمَعُوا أَنْ لَيْسَ مِنْ خُسْرَانِ عَلَيْهِ (3) قَد قِيلَ بِلَا نُكْرَانِ
(1) قوله والربح يجوز عطفه على الثمن، ويجوز رفعه على الاستئناف.
(2) قوله: «عليه» أي على المضارب. (1/531)
صفحة 532
باب الغش في المبيع
الجزء الثاني
531
وَلَا ضَمَانَ إِنْ يَكُنْ قَدْ سَلِمَا مِنَ التَّعَدِّي قَالَهُ مَنْ عَلِمَا وَإِنْ يَكُنْ يَوْمًا بِهِ تَعَدَّى فَفِي الصَّمَانِ عِنْدَنَا تَرَدَّى وَلَا لَهُ رِبْحٌ مَعَ الصَّيَاعِ حَتَّى يَتِمَّ المَالُ يَتِمَّ المَالُ بِاجْتِمَاعِ وَالرَّبْحُ مِنْ بَعْدِ تَمَامِ المَالِ بَيْنَهُمَا يُقْسَمُ بِالْكَمَالِ وَالأَجْرُ لِلْمَالِ يُقَالُ وَالْكِرَا مِنهُ كَذَاكَ كُلُّ مَا قَدْ خُسْرَا إِلَّا الَّذِي يَعْمَلُهُ المُضَارِبُ فَلَا لَهُ أَجْرٌ بِهِ يُطَالِبُ إِذْ أَجْرُهُ الرِّبْحُ الَّذِي قَدْ حَصَّلَهُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلَنْ فَلَيْسَ لَهُ وَجَائِزٌ يَشْرِطُ رَبُّ الْمَالِ عَلَى الَّذِي ضَارَبَ بِالْأَمْوَالِ يَتْجُرُ فِي نَوْعِ لَهُ قَدْ عَيَّنَهُ أَوْ بَلَدٍ مَعْرُوفَةٍ قَدْ بَيَّنَهُ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَنَا الخِلَافُ لِشَرْطِهِ وَمَا بِهِ اخْتِلَافُ وَأَنَّهُ يَضْمَنُ إِنْ تَعَدَّى أَمْرَ الَّذِي لِمَالِهِ قَدْ عَدَّا) وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِي الْمُضَارِبُ مِمَّا بِهِ فِي يَدِهِ يُضَارِبُ وَهَكَذَا قَدْ قِيلَ رَبُّ المَالِ يَشْتَرِي مِنْهُ بِلَا جِدَالِ لأَنَّمَا الأَوَّلُ فِيهِ عَامِلُ وَالثَّانِي أَخْذَ مَالِهِ يُحَاوِلُ فَيَبْطُلُ القِرَاضُ (2) فِيمَا أَخَذَا لَوْ كَانَ لِلْقِيمَةِ يَوْمًا أَنْفَذَا
(1) قوله: «عدا» أي نقد، والمراد به صاحب المال.
(2) قوله: «القراض» أي المضاربة. (1/532)
صفحة 533
532
الجزء الثاني
كتاب المضاربة
وَقِيلَ فِي الوَجْهَيْنِ بِاخْتِلَافِ وَذَاكَ فِي الْآثَارِ غَيْرُ خَافِ مُضَارِبٌ بِمَالِهِ قَدْ خَلَطَا ضَمَّنَهُ بَعْضُ وَبَعْضُ أَسْقَطَا وَهَكَذَا إِنْ رَكِبَ البَحْرَ بِهِ مُضَارِبًا بِغَيْرِ أَمْرِ رَبِّهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ عِنْدَ بَعْضٍ وَالبَعْضُ بِالنَّجَاةِ فِيهِ يَقْضِي وَقَالَ قَوْمُ تُنْظَرُ الأَحْوَالُ وَيُجْرَى فِيمَا يَقْتَضِيهِ الحَالُ وَذَاكَ إِنْ لَمْ يُجْرَ فِيهِ شَرْطُ فَالشَّرْطُ لَا يُلْغَى إِذَا يُخَطُّ وَجَائِزٌ يُقِيلُ (2) مَنْ يُبَايِعُ وَحَلٌّ شَيْءٍ عَنْهُ أَيْضًا وَاسِعُ
طَرَا
لأَنَّهُ يَنْظُرُ مِنْهُ الأَوْفَرَا لِرَبِّهِ وَنَفْسِهِ فِيمَا وَإِنْ يَكُنْ قَدْ تَجَرَ المُضَارِبُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِ مَنْ لَهُ يُضَارِبُ ضَمَانُ مَا ضَاعَ عَلَيْهِ لَزِمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ بِمَوْتِهِ قَدْ عَلِمَا لأَنَّهُ بِمَوْتِهِ قَدِ انْفَسَحْ فَلَا تَعْجُبٌ هُنا لِمَنْ رَسَخ فَهْوَ يَكُونُ مُخْطِئًا فِي المَالِ وَالجَهْلُ مِنْ جُمْلَةِ هَذَا الحَالِ وَهَكَذَا فِي الشُّرَكَاءِ يَجْرِي إِنْ مَاتَ وَالشَّرِيكُ لَمَّا يَدْرِي
(1) قوله: «يخط» أي يشرط ويكتب.
(3)
(2) قوله: «يقيل» أي أنه يجوز للمضارب أن يقيل من يشتري منه شيئًا من مال المضاربة إذا جاءه نادمًا، كما يجوز له أن يحط عنه شيئًا من الثمن إذا رأى في ذلك صلاحًا؛ لأن عليه أن يراعي المصلحة في ذلك. (3) قوله: «لَمَّا يدري» أي لم يدر، والمراد أن الشريك المأذون له في التصرف إذا مات شريكه ولم يعلم بموته فما أتلفه من نصيبه بإذنه من بعد موته فإنه يضمنه، وهكذا الوكيل فهو من الخطأ في المال يوجب الضمان على المخطاء فيه، والله أعلم.
المال، والخطأ (1/533)
صفحة 534
باب الغش في المبيع
الجزء الثاني
533
كَذَلِكَ الوَكِيلُ إِذْ جَميعُ مَا ذَكَرْتُهُ بِالمَوْتِ قَدْ تَهَدَّمَا وَمُشْتَرٍ شَيْئًا بِغَيْرِ نَقْدِ نَسِيئَةً مِنْ أَمَةٍ أَوْ عَبْدِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ (1) مُرَابَحَهُ حَتَّى يَقُولَ لِلَّذِي قَدْ رَابَحَهُ بِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِالنَّاسِي وَبَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ مَا مِنْ بَاسِ وَلَا يَبِيعُ الثَّوْبَ بَعْدَ اللُّبْسِ حَتَّى يُزِيلَ مَا بِهِ مِنْ لَبْسِ وَذَاكَ أَنْ يُخْبِرَ مَنْ يَبِيعُ لَهُ كَذَا قَالَ بِهِ الرَّبِيعُ كَذَلِكَ الْخَادِمُ (3) بَعْدَ العَمَلِ ونَحْوُهُ مِنْ نَاقَةٍ وَجَمَلِ وَالْعَمَلُ القَلِيلُ لَا يَعِيبُ وَهْوَ الَّذِي القَلْبُ بِهِ يَطِيبُ وَإِنْ يَكُنْ أَخْرَجَ مِنْهُ شَعْرَا فَلْيُخْبِرِ الشَّارِي بِهِ لِيَشْعُرَا وَكُلُّ مَا أَنْفَقَهُ مِنَ الْكِرَا وغَيْرِهِ يَحْسِبُهُ فِيمَا اشْتَرَى يَقُولُ قَدْ قَامَ عَلَيَّ بِكَذَا وَإِنْ يَكُنْ عَرَاهُ مِنْ بَعْدُ أَذَى
يجب
(1) قوله: «فلا يجوز بيعه ... إلخ» يعني أن ما اشتراه بالنسيئة فليس له أن يبيعه مرابحة بالنقد إلا إذا أخبر المشتري بذلك، لأن بيع النسيئة يكون بثمن أكثر من بـ النقد العادة، فلذلك في بيع عليه إعلام المشتري به نفيًا للخداع. (2) أي بالنسيئة.
(3) قوله: «كذلك الخادم ... إلخ» يعني أن هذه الأشياء المذكورة ليس له أن يبيعها مرابحة إلا بعد إعلام المشتري بأنه قد لَبِسَ هذا الثوب أو استعمل هذا العبد أو هذه الدابة إلا ما كان من العمل القليل الذي لا يستحق قيمة في العادة. (4) وقوله: «أخرج منه شعرا أي من الحيوان؛ كشعر وصوف ووبر، مما يكون له قيمة، وهذا كله في بيع المرابحة، وذلك بأن يقول للمشتري قد اشتريته بعشرة دراهم فأربحني درهمين، فإن
كان قد استفاد منه شيئًا مما تكون له قيمة فعليه أن يخبره به، والله أعلم. (1/534)
صفحة 535
534
الجزء الثاني
كتاب المضاربة
كَعَوَرٍ وَعَرَجٍ وَمَرَضِ فَيُخْبِرُ الشَّارِي إِذَا بِهِ رَضِي يَقُولُ قَدْ أَخَذْتُهُ صَحِيحَا فَإِنْ رَضِي بِهِ فَقَدْ أُبِيحَا وَهَذِهِ الْأُمُورُ فِي المُرَابَحَهُ وَغَيْرُهَا يَجْرِي عَلَى المُصَالَحَهُ وَهْيَ التَّرَاضِي بَيْنَ البَيِّعَيْنِ فِي زَيْنِهِ إِنْ كَانَ أَوْ فِي الشَّيْنِ أَمَّا الْمُرَابَحَاتُ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى زِيَادَةٍ عَلَى مَا أَنْفَقَا يُخْبِرُهُ بِمَا عَلَيْهِ قَامَا وَيَأْخُذُ الزَّائِدَ رِبْحًا رَامَا فَيَحْرُمُ الكِتْمَانُ حِينَ كَانَا خِيَانَةً إِلَّا إِذَا أَبَانَا)
(1) أي أظهر. (1/535)
صفحة 536
باب الغش في المبيع
الجزء الثاني
535
كتاب السلف
وَالسَّلَفُ المَعْرُوفُ يَوْمًا بِالسَّلَمُ دَفْعُ دَرَاهِم لِمَنْ قَدِ اسْتَلَمْ يَأْخُذُهَا لِيَدْفَعَ العُرُوضَا لأَجَلٍ صَيَّرَهُ مَفْرُوضَا (1) أَقَلُّهُ ثَلاثَةُ الأَيَّام مَعَ لَيَالِيهَا عَلَى التَّمَامِ وَلَيْسَ لِلْبَعِيدِ مِنْهُ حَدُّ مَا دَامَ يُحْصَى حِينَمَا يُعَدِّ وَقَبْلَ أَنْ يَتِمَّ ذَاكَ الأَجَلُ فَقَبْصُهُ البَاطِلُ لا يُحَلَّلُ وَإِنْ تَرَاضَيَا فَلَا يَصِحُ ذَاكَ ولا يَصِحُ فِيهِ الصُّلْحُ إِلَّا إِذَا أَجْزَاهُ مَا قَدْ دَفَعَا (2) مَا قَدْ دَفَعَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يُمْنَعَا وَهْيَ الدَّرَاهِمُ الَّتِي قَدْ سَلَّمَا فَدَفْعُهَا لَهُ يَجُوزُ فَاعْلَمَا وَهَلْ لَهُ بِأَنْ يُولِّيهِ فَتَى مِنْ قَبْلِهِ فَالْخُلْفُ فِيهِ قَدْ أَتَى وَهَكَذَا الْخِلَافُ فِي التَّوْلِيَةِ مِنْ قَبْلِ قَبْضِهِ وَبَعْدَ المُدَّةِ وَلَا يَجُوزُ فِيهِ غَيْرُ الصَّرْفِ فَسَلَفُ العُرُوضِ لَيْسَ يَكفِي وَالأَصْلُ عَن أَبِي الحَوَارِي قَد ذَكَرْ فِي سَلَفِ الصُّوفِ بِحَبِّ وَشَعَرْ
(1) قوله: «مفروضا» أي محدودا.
(4)
(2) قوله: «ما قد دفعا» أي الدراهم التي دفعها عند عقد السلف. (3) قوله: «بأن يوليه فتى بإهمال أن على العمل ضرورة، أو على لغة من يهملها، ومعنى يُوليه يحيله والتَّؤلية هي الحوالة وقوله: «من قبله» أي من قبل تمام أجل السلف. (4) قوله: «عن أبي الحواري هو الشيخ العلّامة الشهير محمد بن الحواري القُرّي كان ضرير البصر ولد بتنوف وانتقل إلى نزوى وكان شيخه العلّامة نبهان بن عثمان، وهما من القرن الرابع ولأبي الحواري هذا الجامع المشهور بجامع أبي الحواري، وهو ممن زادوا على جامع ابن جعفر. - رحمه الله وغفر له وجزاه عن المسلمين خيراً ـ.
علماء (1/536)
صفحة 537
536
الجزء الثاني
كتاب السلف
وَهْوَ مِنَ العُروضِ لَا مَحَالَهُ أَجَازَهُ الشَّيخُ بِهَذِي الْحَالَهُ وَبَعْضُهُمْ يَشْتَرِطَنَّ الْوَزْنَا فِي النَّقْدِ إِنْ أَسْلَفْتَهُ افْهَمَنَّا وَبَعْضُهُمْ يُرَخِّصَنَّ فِيهِ وَعَدُّهَا عِنْدَهُمُ يَكْفِيهِ وَالْخُلْفُ فِي غَيْرِ القُروسُ عَانِي لِأَنَّهَا مَضْبُوطَةُ الْوِزَانِ وَذَاكَ فِي الدَّرَاهِمِ المَعْدُودَه إِذْ لَمْ تَكُنْ عِندَهُمُ مَحْدُودَه تَزيدُ مَرَّةً وَتَنْقُصَنَّا مِنْ هَاهُنَا قَدْ قِيلَ تُوزَنَنَّا وَالرَّهْنُ فِيهِ يُبْطِلَنَّهُ فَلَا تَسْتَرْهِنَنْ وَإِنْ تَشَا فَاسْتَكْفِلَا فَلَيْسَ بِالْكَفِيل فِيهِ بَاسُ قِيلَ وَقَدْ أَجْمَعَ فِيهِ النَّاسُ وَإِنْ يَكُنْ قَدْ شَرَطَ الكِرَاءَ لِبَلَدٍ صَيَّرَهُ هَبَاءَ وَهَكَذَا إِنْ شَرَطُوا قَبْضَ السَّلَفْ مِنْ مَوضِعٍ فَفِي الفَسَادِ يُخْتَلَفْ وَالصَّائِغِي (2) بِنَقْضِهِ يَقُولُ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مَعْلُولُ وَقَبْضهُ مِنْ حَيْثُ مَا قَدْ عُقِدَا أَعْجَبَهُ فِيمَا يَرَى إِنْ بَعْدَا لَكنَّنِي يُعْجِبُنِي الْإِرْسَالُ يَقْبِضُهُ مِنْ حَيْثُ (3) مَا يُنَالُ وَالضُّرُّ وَالإِصْرَارُ مَرْفُوعٌ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَضُرَّهُ فَلْيُمْنَعَنْ وَيَبْطُلَنْ إِنْ عَيَّنُوا مِكْيَالَا لِأَنَّهُ يُمكِنُ أَنْ يُزَالَا
به
(1) قوله: «القروش» يعني الريالات المعروفة الآن بعمان. (2) الصائغي: هو العلّامة سالم بن سعيد المنحي، صاحب الأرجوزة التي هي الأصل لهذا الجوهر، فهو يشير إليه مرة بالصائغي ومرة بالأصل.
(3)
نسخة «حين». (1/537)
صفحة 538
باب الغش في المبيع
الجزء الثاني
537
فَيَذْهَبَنْ بِسَرَقٍ أَوْ حَرَقِ فَذَاكَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ بَقِي لَكِنْ يُعَيِّنُونَ كَيْلًا عُلِمَا كَقَوْلِهِمْ مِكْيَالُ نَزْوَى فَاعْلَمَا وَهَكَذَا الْوِزَانُ فَافْهَمَنَّا فَالْكُلُّ وَاجِبٌ يُبَيَّنَنا وَمَنْ يَكُنْ بِالكَيْلِ) يَوْمًا أَسْلَفَا لَا يَأْخُذَنْ بِالوَزْنِ عَنْهُ فَاعْرِفَا وَهَكَذَا الْعَكْسُ وَلَيْسَ يَقْبِضُ إِلَّا بِكَيْلٍ أَوْ بِوَزِنٍ يَعْرِضُ وَإِنْ يَكُنْ تَمْرًا وَحَبًّا سَلَّفَا وَلَمْ يَكُنْ لِكُلِّ صِنْفٍ عَرَّفَا فَنَجْلُ مَحْبُوبِ يُبَدِّلَنَّا مَا لَمْ يَكُنْ لِذَا يُمَيِّزَنًا وَلَا يَجُوزُ فِي الْأُصُولِ السَّلَفُ وَفِيهِ إِجْمَاعٌ وَلَا يُخْتَلَفُ وَفِي العُرُوضِ جَائِزُ وَيُخْتَلَفْ في الحَيَوانِ لَوْ بِسِنَّهِ وُصِفْ وَجَائِزُ فِي اللَّحْمِ وَالْحِيتَانِ والسَّمْنِ وَالْأَقْطِ مَعَ الْأَلْبَانِ وَلَا يَجُوز أَبَدًا عِندَ الْوَفَا أَنْ يَأْخُذَنَّ غَيْرَ مَا قَدْ سَلَّفَا وَهَاهُنَا مَسْأَلَةٌ لَا أَدْرِي (2) مَا أَصْلُهَا فِي النَّظْمِ جَاءَتْ تَجْرِي
(1) قوله: «ومن يكن بالكيل ... إلخ» يعني أن السلف إنما يكون على ما عقداه فإن أسلفه على كيل معلوم فلا يأخذه بالوزن، وهكذا العكس، وعندي أنه إذا ضبطوا وزن المكيال من الحب أو التمر ثم وزنوا الباقي على حساب وزان المكيال فلا يضيق ذلك، ولعل ذلك يكون أضبط من الكيل في الاعتبار. (2) قوله: «وهاهنا مسألة ... إلخ»، لا غرو إذا لم يعرف المؤلف نور الدين رحمه الله تعالى الفرق بين الذرة الحمراء والبيضاء؛ لأنه نشأ بأرض الباطنة، ثم قضى أكثر عمره ببلاد الشرقية من عُمان حيث لا تزرع الذرة، وإلا فعند من يزرعها من أهل عُمان فرق واضح، فالبيضاء عندهم أعز وأغلا من الحمراء، والقاعدة في السلف أن لا يأخذ الأعلى عن الأدنى، والله أعلم. (1/538)
صفحة 539
538
الجزء الثاني
كتاب السلف
فَإِنْ يَكُنْ قَدْ سَلَّفَ الحَمْرَاءَ مِنْ ذُرَةٍ لَا يَأْخُذُ البَيْضَاءَ ويَأْخُذُ الحَمْرَا عَن البَيْضَاءِ وَالْكُلُّ عِنْدَنَا عَلَى سَوَاءِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ قَبْل أَنْ يَقْبِصَهُ وَلَوْ عَلَى مَنْ يُسْلِفَنْ إِلَّا إِذَا مَا شَاءَ رَأْسَ مَالِهِ يَدْفَعُهُ لَهُ عَلَى كَمَالِهِ (1/539)
صفحة 540
باب القرض
الجزء الثاني
539
كتاب الديون
وَالدَّيْنُ حَقٌّ صَارَ فِي ذِمَةٍ مَنْ يَأْخُذُهُ يَبْقَى إِلَى أَنْ يَدْفَعَنْ يَكُونُ بِالقَرْضِ وَبِالْبَيْعِ مَعَا أَوْ سَلَفَ أَوْ مِنْ ضَمَانٍ تَبِعَا وكلُّهُ دَيْنٌ وَيَلْزَمَنَا أَدَاؤُهُ إِذْ لَمْ يُؤَخِّلَنَّا وَإِنْ يُؤَجِّلْ مَعْ تَمَامِ الأَجَلِ يَلْزَمُهُ مِنْ غَيْرِ مَا تَمَطَّل
باب القرض
فَالقَرْضُ وَهُوَ أَخذُكَ الشَّيْءَ عَلَى أَنْ تَدْفَعَنَّ مِثْلَهُ مُكَمَّلا وَهْوَ مِنَ اليُسْرِ عَلَى الْعِبَادِ أَبَاحَهُ مِنْ غَيْرِ مَا ازْدِيَادِ أَجْزَلَ فِيهِ الفَضْلَ وَالثَّوَابَا وَمَنْ يُرِدْ بِهِ الْمَزِيدَ خَابَا إِذْ نَفْعُهُ يَكُونُ أُخْرَوِيَّا كَيْفَ يُبَدِّلَنَّ دُنْيَوِيَّا وَكُلُّ قَرْضِ جَرَّ نَفْعًا فَرِبَا وَيَهْلِكُنَّ مَنْ لِذَاكَ رَكِبَا وَجَائِزُ لِمَنْ يَرُدُّ القَرْضَا إِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ يَزِيدُ أَيْضًا يَزِيدُهُ فَوْقَ الَّذِي قَدِ اقْتَرَضَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْعَلَهُ لَهُ عِوَضْ لَكِنْ لِكَيْ يَكُونَ فِي الْقَضَا حَسَنْ وَنَحْوَهُ يُوجَدُ فِيمَا قَدَ يُسَنْ)
(1) قوله: «فيما قد يسن» أي في السنة. (1/540)
صفحة 541
540
الجزء الثاني
كتاب الديون
فَاقْتَرَضَ المُخْتَارُ بَكْرًا وَقَضَى عَنْهُ رَبَاعِيَّا فَزَادَ فِي الْقَضَا وَأَنَّهُ الطَّاهِرُ وَالمُطَهَّرُ وَذَاكَ لِلمُقْرِضِ لَيْسَ يَظْهَرُ وَفِيهِ أَنَّ الْحَيَوانَ يُقْتَرَضَ فَالمَنْعُ لَا مَعنَى لَهُ وَإِنْ عَرَضَ وَالأَصْلُ قَالَ أَكْثَرُ الأَصْحَابِ بِمَنْعِهِ قَالُوا لَدَى الْجَوَابِ وَعَلَّ (1) مَانِعِيهِ لَمْ يَبْلُغْهُمُ مَا فَعَلَ المُخْتَارُ حَتَّى حَرَّمُوا أَوْ أَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ مَخْصُوصَا بِفِعْلِهِ وَلَا أَرَى التَّخْصِيصَا لأَنَّهُ القُدْوَةُ نَتْبَعَنَّهُ إِلَّا بِحُجَّةٍ تُخَصِّصَنَّهُ وَذَلكَ الحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ رَبِيعُ عِلْمِنَا وَمَا أَعْلَاهُ إِلَّا الْإِمَاءَ قَرْضُهَا حَرَامُ بِمَنْعِهِ أَجْمَعَتِ الْأَعْلَامُ لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى إِعَارَةِ فُرُوجِهِنَّ فَافْهَمَنْ إِشَارَتِي وَذَاكَ أَنَّ رَدَّ عَيْنِ المُقْتَرَض يَجُوزُ مِثْلَ رَبِّ ذَلِكَ العِوَض فَإِنْ يَرُدَّ عَيْنَهَا وَقَدْ دَخَلْ يَكُونُ مِثْلَ مَنْ لِفَرْجِهَا اسْتَحَلْ وَالشَّرْطُ أَنْ يَرُدَّ غَيْرَهَا فَلَا يَصِحُ فَالْوَجْهَانِ فِيهِ بَطَلا وَالشَّرْطُ أَنْ يَقْبِضَهُ مَعْ رَبِّهِ فِي مَوْضِع مِنْ قُرْبِهِ أَوْ بُعْدِهِ لَيْسَ يَجُوزُ وَعَلَيْهِ يَقْتَضِي مِنْ حَيْثُ مَا قَضَاهُ مَهْمَا يُقْرِضِ
(1) قوله: «عَلَّ» لغة مشهورة في لعل. (1/541)
صفحة 542
باب القرض
الجزء الثاني
541
وَالشَّرْطُ إِنْ أَقَرَضَهُ إِلَى أَجَلْ لَا يَثْبُتَنَّ فَلَهُ قَبْلَ الْأَجَلْ وَقِيلَ بَلْ يَلْزَمُهُ مَا أَجَّلَا فَمَا لَهُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعْجِلَا وَأَخْذُ غَيْرِ الْجِنْسِ عَنْهُ اخْتُلِفَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَالْجَوَازُ أَلِفَا) إِذْ لَمْ يَكُنْ مِنَ البُيُوعِ فَاعْلَمَا لَكِنَّهُ إِسْقَاطُ حَقٌّ لَزِمَا قَرْضُ الدَّنَانِيرِ أَوِ الدَّرَاهِم بِغَيْرِ وَزْنٍ بَاطِلٌ عَنْ عَالِمِ لأَنَّهُ فِي وَزْنِهَا تَفَاضُلُ فَيُخْشَى أَنْ يُرَدَّ ذَاكَ الفَاضِلُ فَيَدْخُلَنَّ فِي الرِّبَا المُحَرَّمِ فَهَذِهِ عِلَّتُهُ فَلْتَعْلَم وَجَائِزٌ (2) إِنْ لَمْ يَكُنْ تَفَاوُتُ لِأَنَّمَا الْمَحْذُورُ فِيهِ فَائِتُ (3) وَذَاكَ أَنْ يَعْلَمَ بِالتَّكْرَارِ بِأَنَّهَا وَاحِدَةُ الْمِقْدَارِ وَالقَرْضُ فِي الْبَيْضِ يَرَاهُ حِجْرَا (4) لأَنَّهُ مُخْتَلِفٌ لَا يُدْرَى كَذَاكَ مَا كَانَ مِنَ الأَشْجَارِ مُخْتَلِفًا قَدْ جَاءَ فِي الْآثَارِ وَهَكَذَا قَدْ قِيلَ فِي قَرْضِ السَّمَكْ لأَنَّهُ قَدْ لَا يَنَالُهُ الشَّبَكْ
(1) قوله: «ألفا» بالبناء للمفعول أي صار مألوفًا أي مشهورًا مأخوذا به. (2) قوله: «وجائز ..... إلخ» معناه أنَّ ما كان من النقود المضروبة متفق الوزن والمقدار، فلا يُشْتَرَطُ في قرضه الوزن ومثل ذلك ورق الأنواط المعروفة اليوم.
(3) أي معدوم. (4) قوله: «يراه حجرًا» يعني الشيخ الصائغي صاحب الأصل، وهذا الحجر منه في قرض البيض تشديد، وذلك لما رآه فيه من الكبر والصغر، فإن بعضه أكبر من بعض، وعندي أن مثل هذا الاعتبار منافٍ لسهولة الحنيفية السمحاء، وإنما المناسب لها الترخيص في مثل هذا إذ كان من بيض غير معروف، ألا ترى أنهم لا يفرقون بينه في الأثمان عِنْدَ بيعه. والله أعلم. (1/542)
صفحة 543
542
الجزء الثاني
كتاب الديون
لِكَثْرَةِ الأَجْنَاسِ فِيهِ مُنِعَا وَلِتَفَاوُتٍ هُنَاكَ وَقَعَا وَإِنْ يَكُنْ أَقْرَضَهُ مِنْ بَعْدِ أَنْ قَطَّعَهُ وَزُنًا فَلَيْسَ يُمْنَعَنْ لِأَنَّمَا الْمَحْذُورُ هَاهُنَا عُدِمْ إِذْ كَانَ قَرْضًا بِوِزَانٍ قَدْ عُلِمْ وَالقَرْضُ لِلْمَاءِ مِنَ الأَنْهَارِ مُقَدَّرًا بِعَدَدِ الآثَارِ) تَدُخُلُهُ عِنَدَهُمُ الْجَهَالَهُ لِمَنْ أَرَادَ النَّقْضَ لَا مَحَالَة وَقِيلَ لَا بَأْسِ بِقَرْضِ المَاءِ لَكِنْ يَرُدُّهُ عَلَى سَوَاءِ وَعِنْدَنَا القَرْضُ مِنَ الأَمَانَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ رَبِّهَا خِيَانَهُ وَإِنْ يَكُنْ صَاحِبُها يَتِيمَا أَوْ مَسْجِدًا فَاحْكُمْ بِهِ تَحْرِيمَا وَقِيلَ بَالجَوَازِ لَكِنْ يَضْمَنُ بِذَاكَ إِنْ ضَاعَ الَّذِي يُؤْتَمَنُ وَرِبْحُهَا فِيهِ خِلَافٌ بَعْضُ يَراهُ لِلَّذِي عَلَيْهِ القَرْضُ وَقِيلَ رِبْحُهَا لِرَبِّ الْمَالِ وَإِنَّ ذَا كَوَاحِدِ العُمَّالِ (2) وَلَمْ يُجَوِّزُ مَنْ يُجَوِّزَنَّا إِلَّا لِمَعْنَى وَاسِعَ قَدْ عَنَّا يَرَوْنَ أَنَّ القَرْضَ فِي الصِّيَانَهُ أَصْبَطُ حَيْثُ صَارَ فِي الصَّمَانَهُ
وَذَاكَ لِلْوَفِيِّ والمَلِيّ) لا في مَلِيٌّ غَيْرِ مَا وَفِيٌّ
لَافي
(1) قوله: «الآثار» جمع أثر، وهو عبارة عندنا عن مدة زمانية مقدرة بنصف ساعة أي ثلاثين دقيقة. (2) قوله: «العُمَّال» بتشديد الميم أي الأجراء العاملين.
هو
(3) قوله: «لِلْوَفِي» الوفي وكسر اللام واسع المال مأخوذ من امتلاء الكف أو الكيس.
الإنسان الذي لم يتعود المطل في أداء ما عليه، و «الملي» بفتح الميم (1/543)
صفحة 544
باب القرض
الجزء الثاني
543
وَلَا وَفِيٌّ غَيْرِ مَا غَنِيٌّ فَالعُسْرُ قَدْ يَمْنَعُ لِلْوَفِي وَقَدْ يَمُوتُ فَيَضِيعُ مَا اقْتَرَضَ إِذْ لَمْ يُخَلِّفْ بَعْدَهُ لَهُ عِوَضْ فَظَنَّ مَنْ لَمْ يَفهُمَنَّ الْمَعْنَى بِأَنَّهُ طُرًا يُجَوَّزَنَّا فَانْدَفَعُوا فِي الْقَرْضِ لِلْأَمَائِنِ فَكَانَ فِعْلُهُم كَفِعِلِ الخَائِنِ عَمَّ الْفَسَادُ بِالْبِلَادِ وَذَهَبْ بِقَرْضِهِمْ فِضَةٌ قَوْمٍ وَذَهَبْ (2) كَمْ مِنْ يَتِيمِ أَفْقَرُوا بِالْقَرْضِ وَمَسْجِدٍ إِذْ لَمْ يَجِدْ مَا يَقْضِي إِنْ عَاتَبُوه قَالَ قَدْ عَمِلْتُ بِقَوْلِ مَنْ رَخَّصَ قَدْ أَخَذْتُ وَضَاعَ مَالِي فَأَنَا لَمْ أَجِدِ وَإِنَّمَا الْخَلَاصُ مِنْ مُعتَقَدِي أَمِثْلُ (3) هَذَا مَنْ يُرَخَّصَنَّا لَهُ إِذَا جَاءَكَ يَسْأَلُنَّا لَوْ ظَهَرَ المُرَخِّصُونَ الْيَوْمَا لَوَجَّهُوا لِنَحْوِ هَذَا لَوْمَا كَانُوا يَقُولُونَ جَمِيعًا لَسْنَا نَقُولُ بِالتَّرْخِيصِ فِي ذَا الْمَعْنَى وَرُبَّما أَطْلَقَ قَوْمُ وَهُمُ قَدْ قَصَدُوا التَّقْبِيدَ فِيمَا يُفْهَمُ وَصَاحِبُ الْمَالِ لَوِ اسْتَأْذَنَهُ فِي قَرْضِ مَا لَهُ) قَدِ اسْتَأْمَنَهُ
(1) قوله: «طُرَّا» أي جميعًا.
(2) قوله: «وذهب الأول فعل ماضي بمعنى هلك، والثاني
الجناس المتماثل.
(3) قوله: أمثل بهمزة الاستفهام الإنكاري المفتوحة.
هو
المعدن المعروف وبينهما
(4) قوله: «في قرض ما له ما موصولة بمعنى الذي وله جار ومجرور، والهاء فيه ضمير عائد إلى الموصول. (1/544)
صفحة 545
544
الجزء الثاني
كتاب الديون
لَرُبَّمَا شَقَّ عَلَيْهِ فَإِذَنْ (1) بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِهِ يَقْتَرِضَنْ وَذَاكَ شَيْءٌ بِالتَّعَدِّي يُوصَفُ وَلَيْسَ فِي حَرَامِهِ يُخْتَلَفُ وَاللهُ قَدْ أَعْطَى الْوَرَى عُقُولَا مَا كُلُّ مَنْقُولٍ غَدَا مَقْبُولَا فَبِالْعُقُولِ تُدْرَكُ الْمَعَانِي وَمَا لَهُ أَرَادَ مَنْ يُعَانِي كَمْ مُطْلَقٍ مِنَ القُرَانِ قُيّدا بِالْعَقْلِ كَيْفَ بِمَقَالٍ وُجِدَا فَكُلُّ مَا جَرَّ الْفَسَادَ قُلْنَا لَيْسَ مِنَ الشَّرْعِ الَّذِي عَرَفْنَا فَشَرْعُنَا يَأْمُرُ بِالْمَصَالِحِ لَا بِمَفَاسِدٍ وَلَا فَضَائِحِ قَدْ طَهَّرَ اللهُ سَبِيلَ أَحْمَدَا عَنْ كُلِّ فَاسِدٍ وَعَنْ كَلِّ اعْتِدَا
باب الوثيقة في الدِّينِ
وَكُلُّ مَنْ يُقْرِضُ أَوْ يُدَيِّنُ (3) يَستَشْهِدَنْ فِي ذَاكَ أَوْ يَرْتَهِنُ أَرْشَدَنَا لِذَلِكَ القُرْآنُ إِنْ عُدِمَ الْكَاتِبُ فَالرَّهَانُ
و
(1) قوله: «فإذن» هي حرف مكافأة وجواب، قيل إنها تكتب بالنون كما هنا، وقيل إنها تكتب بالألف إلا إذا عملت في نحو قولك جوابًا لمن قال لك إني أزورك إذن أكرمك ويشترط في نصبها الفعل المستقبل اتصالها به، وأن لا يتقدمها شيء، قيل: ولا يضر فصلها عن الفعل بالقسم كقوله:
إِذَنْ وَاللَّهِ نَرْميهِمْ بِحَرْبٍ تشِيبُ الطَّفِلَ مِنْ قَبْل المَشِيب (2) قوله: «أو يُديَّنُ» أي يبيع إلى أجل، وذلك لأن الثمر يصير على المشتري دينًا قال تعالى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ .... [البقرة: 282] الآية. (1/545)
صفحة 546
بابُ الوثيقةِ فِي الدِّيْنِ
الجزء الثاني
545
وَوَصَفَ الرَّهَانَ بِالْمَقْبُوضَهُ فَالْقَبْضُ مِنْ شُرُوطِهِ المَفْرُوضَة وَبَاطِلُ إِذَا عَرَى مِنْ قَبْضِ إِذْ لَمْ يَكُنْ رَهْنَّا بِذَاكَ فَاقْضِ وَإِنْ يَكُنْ قَدْ جَعَلُوهُ عِنْدَا بَعْضِ الثَّقَاةِ فَالْخِلَافُ أَبَدًا فَقِيلَ رَهْنٌ وَأُنَاسٌ قَالُوا لَيْسَ بِرهْنِ بَلْ هُوَ الإِبْطَالُ وَقِيلَ إِنْ كَانَ أَخُو الحقِّ (1) طَلَبْ لِذَاكَ والرَّهْنُ بِذَاكَ قَدْ وَجَبْ لِأَنَّهُ يَكُونُ كَالْأَمِينِ لَهُ بِقَبْضِ ذَلِكَ الْمَرْهُونِ وَإِنْ يَكُنْ مَنْ يَدْفَعُ الرِّهَانَا أَرَادَهُ أَفْسَدَهُ إِعْلَانَا لأَنَّهُ أَحَالَ بَيْنَ المُرْتَهِنْ وَبَيْنَ قَبْضِ ذَلِكَ الَّذِي رُهِنْ (2) وَالرَّهْنُ إِنْ يَذْهَبْ بِمَا فِيهِ ذَهَبْ وَمَا لِذِي الْحَقِّ عَلَى الْخَصْمِ طَلَبْ لأَنَّ حَقَّهُ بِذَاكَ الرَّهْنِ فَإِنْ يَغِبْ غَابَ فَخَلَّ عَنِّي وَإِنْ يَكُنْ ذُو الْحَقِّ يَشرِطَنَّا حَقًّي مَعَ الذَّهَابِ يَلْزَمَنَّا
(3)
فَقِيلَ لَا يَثْبُتُ وَهْوَ الأَكْثَرُ لأَنَّهُ خَالَفَ مَا يُؤَنَّرُ النَّبِيَّ قَالَ يَذْهَبَنَّا بِمَا حَوَى وَهْوَ يُلَزِّمَنَّا
(1) قوله: «أَخُو الحق» أي صاحبه.
(2) قوله: «رهن» يصح فيه وجهان؛ بناؤه على الفاعل فيكون بفتح الراء؛ أي رهنه هو، وبناؤه على المفعول، أي الذي صيّر مرهونا فيكون بضمها.
(3) قوله: «وإن يكن ذو الحق يشرطنا ... إلخ قلت: الظاهر عندي أن اشتراط الضمان يثبت؛ لحديث العارية التي استعارها النبي صلى الله عليه وسلم من صفوان بن أبي أُمَيَّة حين اشترط عليه صفوان ضمان الإدراع فقال له إنها مضمونة، فقال له: «مضمونة»؛ والأصل في العارية عدم الضمان. (1/546)
صفحة 547
????
الجزء الثاني
كتاب الديون
وَغَلَّةُ الْمَرْهُونِ فِيهِ تَدْخُلُ وَكُلُّ مَا عَلَيْهِ قَدْ يَشْتَمِلُ فَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ يَأْخُذَنَّا مِنْ ذَاكَ حَتَّى الْحَقَّ يَدْفَعَنَّا وَجَائِزِّ لَهُ يُطَالِبَنَّا فِي حَقِّهِ مَتَى لَهُ قَدْ عَنَّا إِذْ لَمْ يَكُ الرَّهْنُ قَضَاءً لَزِمَا لَكِنَّهُ التَّوثِيقُ بَيْنَ الغُرَمَا فَإِنْ أَبَى الْغَرِيمُ أَنْ يُسَلِّمَا يَرْفَعُ أَمْرَهُ إِلَى مَنْ حَكَمَا فَهْوَ الَّذِي يَقْضِي عَلَيْهِ بِالْقَصَا أَوْ بَيْعِ مَا مِنْ رَهْنِهِ قَدْ قَبَضَا وَلَا يُبَاعُ الرَّهْنُ إِلَّا بِالنَّدَا إِذَا جَرَى الْحُكْمُ بِذَاكَ وَبَدَا وَمَا لَهُ يَسْتَعْمِلُ الْمَرْهُونَا لِأَنَّهُ صَارَ لَهُ أَمِينَا وَبَعْدَ الاسْتِعْمَالِ يَصْمَنَنَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ كَانَ يُؤَمَّنَنَّا وَقِيلَ فِي الْخَاتَمِ إِنْ أَدْخَلَهُ فِي الْأَصْبُعِ اليُسْرَى يُضَمَّنَنْ) لَهُ وَإِنْ يَكُنْ فِي الْأَصْبُعِ الْيَمِينِ فَإِنَّهُ خَلَا مِنَ النَّصْمِينِ وَذَاكَ إِنَّ جَعَلَهُ فِي اليُسْرى تَخَتُمْ وَلَا كَذَاكَ الأُخْرَى وَأَنَّهُ مِنَ الْفُرُوقِ الْمُشْكِلَهُ لأَنَّهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ اسْتَعْمَلَهُ فَكَوْنُهُ قَدْ خَالَفَ الْمَسْنُونَا تَخَتُمَا لَا يَرْفَعُ الْمَضْمُونَا بَلْ بِالْخِلافِ يَنْبَغِي أَنْ يُلْزَمَا إِذْ جَمَعَ الْخِلَافَ وَالتَّخَتُمَا
(1) قوله: «يُضَمَّنَنْ» بالبناء للمفعول؛ أي يحكم عليه بالضمان؛ لأنه إذا وضعه في أصبع يده اليسرى فقد استعمله، وذلك على قول من يقول إن السنة في لبس الخاتم وضعه على أصبع
اليد اليسرى، وأصح القولين كون لبسه في أصبع اليد اليمنى؛ لأن الخبر [ ... ].
(2) قوله: «تختما» تمييز أو بنزع الخافض أي في التختم. (1/547)
صفحة 548
بابُ الوثيقةِ فِي الدِّيْنِ
الجزء الثاني
547
فَهْوَ لِبَاسٌ لَم يُوَافِقَنَّا لِسُنَّةِ اللُّبَاسِ فَاعْلَمَنَّا مَعْ أَنَّهُ قَدْ قِيلَ إِنَّ اليُمْنَى مَحَلُّ لُبْسِهِ كَذَاكَ سُنَّا وَهْوَ الَّذِي أَرَاهُ لا سِوَاهُ لأَنَّهُ رَوَاهُ مَنْ رَوَاهُ وَإِنْ أَتَتْ بِضِدِّهِ أَخْبَارُ فَخَبَرَ اليُمْنَى إِذَا أَخْتَارُ لِأَنَّهَا أَوْلَى بُكُلِّ كَرَمِ وَضِدُّهَا لِعَكْسِ ذَاكَ فَاعْلَمِ
(1)
وَكَانَ مَحْبُوبًا لَهُ التَّيَامُنُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَهْوَ مَعْنَى بِائِنُ وَكُلُّ مَا لَيْسَ لَهُ بَقَاءُ فَرَهْنُهُ الْبَاطِلُ إِذْ يُجَاءُ وَذلِكَ البِطَّيحُ والقِنَّاءُ وَمَا إِلَيْهِ يُسْرِعُ الفَنَاءُ وَالْخُلْفُ فِي رَهْنِ العَبِيدِ وَرَدَا لَكِنَّنِي أَرَى الجَوَازَ أَجْوَدَا وَلَيْسَ لِلرَّاهِن فِيمَا رَهَنَا تَصرُّفٌ حَتَّى يَفُكَ الْمُرْهَنَا وَالْعَبْدُ (2) إِنْ أَعْطَاهُ أَوْ إِنْ وَهَبَهْ فَهْوَ عَلَى الْخِلافِ فِيمَا رَتَّبَهُ فَمَنْ يَقُولُ رَهْنُهُ صَحِيحُ فَإِنَّهُ لِذَاكَ لَا يُبِيحُ وَالْعَكْسُ فِي الْعَكْسِ وَمَهْمَا أَعْتَقَهُ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ حِينَ أَطْلَقَهُ يُعْتَقُ مِنْ قَبْلِ الْفِدَاءِ فَاعْلَمَا إِذْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الشَّرِيكِ أَلْزَمَا وَيَبْقَ حَقَّهُ عَلَى مَنْ رَهَنَا لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَدْ ضَمِنَا
له
(1) قوله: «وَكَانَ مَحْبُوبًا لَهُ يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وتقديره: كان النبي صلى الله عليه وسلم محبوبا له أي إليه فالام في بمعنى إلى، التيامن العمل باليمين أخذا وعطاء ودخولا وخروجًا إلا فيما يسـ حب فيه تقديم اليسار، كالخروج من المسجد ودخول الكنيف وما أشبه ذلك.
(2) قوله: «والعبد ... إلخ» يعني العبد المرهون. (1/548)
صفحة 549
548
الجزء الثاني
كتاب الديون
وَهَلْ لِمَنْ يَرْهَنُ يَوْمًا أَمَتَهُ يَطَأُهَا وَهْيَ بِذَاكَ مُثْبَتَهُ قِيلَ لَهُ وَقِيلَ لَا وَإِنَّمَا يُبْنَى عَلَى الخُلْفِ الَّذِي تَقَدَّمَا فَإِنْ نَقُلْ بِصِحَّةِ الرَّهْنِ فَلَا نَقُولُ إِنَّ فِعْلَهُ قَدْ حُلَّلَا لِأَنَّ ذَا الْحَقِّ شَرِيكٌ فِيهَا كَيْفَ لَهُ مَعْ ذَاكَ أَنْ يَأْتِيهَا وَقِيلَ مَنْ أَوْصَى بِمَا قَدْ رُهِنَا فِدَاؤُهُ) مِنْ مَالِ مَنْ قَدْ رَهَنَا وَإِنْ أَقَرَّ فَهْوَ مِنْ مَالِ الَّذِي لَهُ أُقِرَّ (2) خُذْهُ مِنْهُ وَانْفُذِ وَالرَّهْنُ لَا يُشْرَعُ فِيهِ الغُرَمَا إِنْ كَانَ مَقَبُوضًا رَوَاهُ العُلَمَا بِلَا اخْتِلَافِ إِنْ يَكُنْ مَنْ رَهَنا حَيًّا وَفِي الْمَوْتِ (3) اخْتِلَافُ الفُطَنَا وَأَكْثُرُ القَوْلِ بِهِ أَحَقُّ قَابِضُهُ حَتَّى يَتِمَّ الْحَقُّ وَالرَّهْنُ فِي الأُصُولِ بِالْإِثْبَاتِ يُعْرَفُ كَالنَّخِيلَ وَالأَبْيَاتِ فَبَعْضُهُمْ أَثْبَتَهُ وَالبَعْضُ يَنْفِيهِ إِذْ لَا يَتَأَتَى القَبْضُ فَعِنْدَ مَنْ أَثْبَتَهُ قَدْ حَكَمَا بِهِ لِذِي الإِثْبَاتِ دُونَ الغُرَمَا حَتَّى يَتِمَّ حَقُّهُ كَالرَّهْنِ فِي كُلِّ حُكْمِ فَافَهَمَنْهُ عَنِّي وَمَنْ يَرَى بُطْلَانَهُ يَقُولُ لِلْغُرمَاءِ كُلِّهِم دُخُولُ
(1) قوله: «فِدَاؤُهُ» أي فكه من الرهن. (2) قوله: «له أُقرّ» هو بضم الألف بالبناء للمفعول، يعني أنه إذا أقر لأحد بشيء مرهون ففداؤه في مال المقر له؛ لا من مال المقر، بخلاف الوصية، والفرق بينهما أن الوصية إنما تكون على جهة التبرع من الموصي، وأما الإقرار فهو اعتراف بالحق للغير فهو على ما اعترف له به، وفيما أحسب أن المسألة لا تخلو من الخلاف في الوجهين جميعًا.
(3) قوله: وفي الموت أي فيما بعد موت الراهن. (1/549)
صفحة 550
باب الوثيقة الدِّيْنِ
الجزء الثاني
549
فَتَشْرَعُ الدُّيَّانُ فِي الإِثْبَاتِ عِنْدَهُمْ فِي مُطْلَقِ الحَالَاتِ وَعَمَلُ النَّاسِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فَهُمْ يُعَامِلُونَ فِي أَحْوَالِهِ لَا يَدْخُلُ الغَرِيمُ مَهْمَا أَطْلَقَا مَعَ غَرِيمٍ مُثْبَتٍ قَدْ عَلَّقَا (1) إِلَّا إِذَا نَادَى مُنَادِي مَنْ حَكَمْ بِأَنَّمَا الإِثْبَاتُ بُطْلُّ يُلْتَزَمْ فَيَبْطُلَنْ ذَلِكَ فِي المُسْتَقْبَلِ وَالْمَاضِي يَبْقَى فِي السَّبِيلِ الْأَوَّلِ وَمَنْ يُجَوِّزْهُ يُجَوِّزَنَّا لِكَاتِبِ فِي ذَاكَ يَكْتُبَنَّا وَبَعْضُهُمْ أَجَازَهُ فِي السُّكَّرِ بَعْدَ ظُهُورِ زَرْعِهِ لِلنَّظَرِ وَأَنَّهُ مُصَدَّقٌ إِنْ قَالَا قَدْ نَبَتَ السُّكَرُ وَاسْتَحَالَا وَأَنَّهُ مِنْ مُشْكِلَاتِ الأَثَرِ كَيْفَ يَجُوزُ رَهْنُ هَذَا السُّكَّرِ وَبَيْعُهُ وَالْحَالُ هَذِي يَفْسُدُ فَكَيْفَ بِالرَّهْنِ إِذَنْ يُعْتَمَدُ وَكُلُّ شَيْءٍ بَيْعُهُ يَمْتَنِعُ فَرَهْنُهُ أَيْضًا كَذَاكَ يُمْنَعُ وَمَنْ يَكُنْ لِمَسْكَن مُسْتَرْهِنَا فَرَامَ أَنْ يَبْنِيَهُ بَعْضَ الْبِنَا وَيَجْعَلُ الغُرْمَ عَلَى أَرْبَابِهِ لَيْسَ لَهُ غُرْمٌ عَلَى أَصْحَابِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ أَمْرِهِمْ لَهُ بَنَى لَكِنْ لَهُ زَوَالُ ذَلِكَ البِنَا
بيوت
ته،
(1) قوله: «مُثْبَتِ» أي صاحب حق قد أثبت له غريمه حقه في شيء من نخيله أو شجره أو فإنه لا يدخل عليه في حقه أحد من الغرماء الذين لم تثبت لهم حقوقهم في شيء من الأموال، ولو لم تف أمواله بما عليه من الحقوق إلا فيما فضل من قيمة المال المثبت فيه عن حق صاحب الإثبات، وهذا كله على القول الصحيح المعمول به من ثبوت الإثبات في الأصول. (2) قوله: «في الشكر» أي في زَرْع الشكر بعد أن يظهر نَبتُه في الأرض. (1/550)
صفحة 551
550
الجزء الثاني
كتاب الديون
مِنْ جُمْلَةِ الْوَثَائِقِ الْكَفَالَهُ صَمَانَةٌ وَهَكَذَا الْحَوَالَهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا جَلِيُّ الْمَعْنَى فَبِالْكَفَالَةِ الْحُضُورُ يُعْنَى يَقُولُ قَد كَفَلْتُ عَنْ فُلَانِ أَحْضِرُهُ لِحَضْرَةِ الدُّيَّانِ) وَقْتَ كَذَا فَإِنْ يَمُتْ قَبْلَ الأَجَلْ فَالْحَقُّ لَا يَلْزَمُ مَنْ عَنْهُ كَفَلْ وَإِنْ يَمُتْ مِنْ بَعدِ مَا قَدْ أَجَلَا وَلَمْ يَكُنْ أَحْضَرَهُ مَنْ كَفَلَا فَالحَقُّ لِلْكَفِيلِ يَلْزَمَنَّا إِذْ لَمْ يَكُنْ وَفَّى (3) فَيَضْمَنَنَّا وَمُطْلَقًا يَلْزَمَهُ إِنْ غَابَا وَرَاءَ بَحْرٍ قَصَدَ الذَّهَابَا لِأَنَّهُ قَدْ ضَيَّعَ المُرَاقَبَهُ فِي حَقِّهِ وَلَوْ أَرَادَ رَاقَبَهْ وَالْحَقُّ بِالنَّصْيِيعِ يَلْزَمَنَّا مِنْ هَاهُنَا نَقُولُ يَغْرَمَنَّا (3) وَفِيهِ قَوْلٌ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا حُضُورُ مَنْ عَلَيْهِ يَعْرَمُهُ إِلَّا إِذَا مَا اشْتَرَطُوا عَلَيْهِ إِحْضَارَهُ أَوْ نَقْدَ مَا عَلَيْهِ فَهَاهُنَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْضِرَهُ أَوْ يَقْضِي حَقَّهُ الَّذِي قَدْ ذَكَرَهُ وَلَيْسَ فِي الْحُدُودِ مِنْ كَفَالَهُ وَلَا الْقِصَاصِ فَافْهَمِ الْمَقَالَهُ وَجَائِزٌ أَنْ يَكْفُلَنْ فِي غُرْمِهِ أَوْ فِي حُضُورِ الْجَانِي عِنْدَ حُكْمِهِ
(4)
(1) الدُّيَّان: جمع دين بتشديد الياء أي أصحاب الديون. (2) قوله: «وفَّى» أي أدَّى الحق؛ يقال أوفاه حقه ووفاه إياه.
(3) قوله: «يغرمه» يعني الذي عليه الحق.
(4) قوله: «وجائز أن يكفلن يعني أنه يجوز أن يكفل للحاكم بإحضار من عليه الحد من غير أن
يكون الحد عليه إذا لم يُحْضِرُه. (1/551)
صفحة 552
بابُ الوثيقةِ فِي الدِّيْنِ
الجزء الثاني
100
وَإِنَّمَا الْمَمْنُوعُ أَنْ يَكُونَا ذَلِكَ فِي الَّذِينَ يَكْفُلُونَا إِذْ لَا يَصِحُ قَوَدٌ فِي غَيْرِ مَنْ يَقْتُلُ وَالْحَدُّ عَلَى مَن يُجْرِمَنْ وَرَجُلٌ لَهُ عَلَى إِنْسَانِ حَقُّ أَحَالَهُ إِلَى سِنَانِ في مَحْضَرٍ مِنَ الْجَمِيعِ لَزِمَا وَهْيَ ضَمَانَةٌ إِذَا مَا الْتَزَمَا فَيُلْزِمُ الْغَرِيمُ أَيَّا شَاآ وَيَطْلُبَنَّ مِنْهُمَا الأَدَاآ أَيُّهُمَا يَقْصِدُهُ لَا يَمْتَنِعُ إِذْ حَقُّهُ فِي الذَّمَّتَيْنِ قَدْ شُرِعْ وَيَرْجِعُ الصَّامِنُ إِنْ قَضَاهُ بِحَقِّهِ عَلَى الَّذِي أَخَاهُ (1) وَإِنْ يَكُنْ عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ ضَمِنْ فَهْوَ تَبَرُّعُ وَلَيْسَ يَرْجِعَنْ وَإِنْ يَكُنْ ذُو الْحَقِّ أَبْرَى الْأَوَّلاَ فَحَقَّهُ إِلَى الأَخِيرِ انْتَقَلَا لَا يَرْجِعَنَّ أَبَدًا لِلأَوَّلِ لَوْضَاعَ مَالُهُ بِجَحْدِ الرَّجُلِ إِلَّا إِذَا كَانَ الَّذِي لَهُ الْتَزَمْ مُفَلَّسًا وَحَالُهُ عَنْهُ انْبَهَمْ فَهَاهُنَا حَتْمًا لَهُ أَنْ يَرْجِعَا فِي حَقِّهِ لِأَنَّهُ قَدْ خُدِعَا وَالنَّقْلُ لِلْحَقِّ بِهَذِي الْحَالَة هُوَ الَّذِي يُعْرَفُ بِالْحَوَالَهُ وَالكُلُّ مِنْ وَثَائِقِ الدُّيُونِ مِنْ ثَمَّ الْحَقْنَاهُ بِالْمَرْهُونِ
(1) قوله: «آخاه» أي جعله كالأخ حيث أنه ضمن عنه بما عليه من الحق. (2) قوله: «وإن يكن ذو الحق أي صاحب الحق، وذلك بأن يقول للضامن إني قبلت حقي منك وأبريت غريمي مما عليه لي، ففي هذا لا يرجع على غريمه الأول في حقه، ولو جحد الضامن له ضمانته أو جحد له حَقَّهُ إلا إذا كان هذا الضامن مُفَلّسًا وهو لم يعلم بإفلاسه حين ضمن له، فإنَّ له أن يرجع بحقه على الأول إذ لاتواء على مال امراء مسلم. (1/552)
صفحة 553
552
الجزء الثاني
كتاب الديون
باب الحقِّ الَّذِي فِي الدِّمة
وَالحَقُّ فِي الذِّمَّةِ قَدْ يَكُونُ مُؤَجَّلًا عَنْهُ وَلَا يَكُونُ فَالثَّانِي دَيْنٌ حَاضِرُ وَالأَوَّلُ عِنْدَهُمُ الدَّيْنُ الَّذِي يُؤَجَّلُ وَهْوَ إِلَى تَمَامِ ذَاكَ الأَجَلِ يَكُونُ مِنْ قَضَائِهِ فِي مَهَلٍ حَتَّى وَلَوْ أَعْطَاهُ قَبْلَ الْحِلِّ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْ ذَا الْفِعْلِ يَأْخُذُ مِنْهُ مَا لَهُ أَدَاهُ) حَتَّى يَتِمَّ أَجَلٌ سَمَّاهُ وَاخْتَلَفُوا فِي قَبْضِهِ إِذَا رَضِي غَرِيمُهُ وَلِلْجَوَازِ أَرْتَضِي وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَّا قَدْ أَبَى ذَاكَ لِأَنَّ ذَاكَ عِنْدَهُ رِبَا وَبَعْضُهُمْ جَوْزَهُ إِنْ حَقًّا بَقَدَرِ التَّعْجِيلِ حِينَ اسْتَطَا (3) لأَجْلِ مَا أَتَى عَن البَشِيرِ يَوْمَ جَلَا عَنْهُمْ بَنِي النَّضِيرِ كَانَ عَلَيْهِمُ دُيُونُ أُجُلَتْ قَالَ تَعَجَّلُوا وَحُطُوا وَثَبَتْ (4) وَالمَانِعُون جَعَلُوا التَّرْخِيصَا مُخَصَّصًا بِحَالِهِمْ تَخْصِيصَا لِحَالَةِ الإِخْرَاج وَالإِجلاء وَلَا كَذَاكَ حَالَةُ الرَّخَاءِ
(1) قوله قبل «الحل أي قبل حلول أجل الدين.
(2) قوله: «يأخذ من مَا لَهُ أدَّاه ما موصولة بمعنى الذي وله أداة صلة الموصول. (3) قوله: «اشتطا» أي تَعَجَّلَ. لغة عُمانية. اهـ. (المصنف)
(4) قوله: «وثبت» لو قال: فثبت بالفاء لكان أظهر، وهي الفاء التي تسمى الفصيحة أو الفصحى. (1/553)
صفحة 554
باب الحقِّ الَّذِي فِي الذِّمَّةِ
الجزء الثاني
553
قُلْتُ وَلَكِنْ حُكْمُهُ يَعُمُّ مَالَمْ يَكُنْ تَخْصِيصُهُ يَتِمُّ وَأَنَّهُ لَمْ يُنقَلِ المُخَصِّصُ فَبَقِيَ الْعُمُومُ لا يُخَصَّص (1) وَسَبَبُ العُمُومِ (2) لَوْ صَحَ فَلاَ يَخُصُّهُ عَلَى الصَّحِيحَ مَثَلا وَبِمَمَاتِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ يَصِيرُ حَاضِرًا (3) وَيُسْتَحَقُ لأَنَّهُ بِمَوْتِهِ قَدِ اسْتَقَلْ لِمَالِهِ فَلَيسَ يُنْظَرُ الأَجَلْ لأَنَّمَا الوُرَّاثُ يَحْتَاجُونَا لِما بَقِي مِنْهُ فَيَقْسِمُونَا وَبِانْتِظَارِ الْأَجَلِ الْمُقَدَّرِ يَدْخُلُهُمْ بِذَاكَ بَعْضُ الضَّرَرِ وَقَسْمُهُمْ مِنْ دُونِ أَنْ يُقْضَى فَلَا يَصِحُ بَلْ إِنْ فَعَلوه بَطَلا وَقِيلَ لا يَحِلُّ حَتَّى يَكْمُلا أَجَلُهُ الَّذِي لَهُ قَدْ أُجِّلا فَإِنْ يَشَا الْوُرَّاثُ قَسْمًا حَالَاَ فَلْيُخْرِجُوا بِقَدْرِ ذَاكَ مَالَا وَالأَوَّلُ الْمَنْسُوبُ لِلْجُمْهُورِ وَالثَّانِي عَنْ بَعْضٍ أُولِي الأُمُورِ وَالصَّلٌّ فِيهِ الدَّيْنُ لَمَّا يَحْضُرِ أَرَادَ أَنْ يُحِيلَهُ لِبَشَرِ فِيهِ خِلافُ وَالْجَوَانُ ذُكِرَا بِلَا خِلَافٍ بَعْدَ مَا قَدْ حَضَرَا
اللفظ».
(1) قوله: «لا يُخَصَّص» أي غير مخصص، لأنه لم يقم دليل على التخصيص فهو على عمومه. (2) قوله: «وسبب العموم ... إلخ» يشير إلى قولهم: لا عبرة بخصوص السبب مع عموم (3) قوله: «يصير حاضرًا» يعني ما خلا السلف فإنه يبقى إلى تمام أجله. (4) قوله: «الْوُرَّاثُ» بتشديد الراء جمع وارث، ويجمع على وزنه، كما يقال عمال وعمله في جمع عامل. (1/554)
صفحة 555
554
الجزء الثاني
كتاب الديون
باب قضاء الدين
وَمَعْ وُجُوبِ الدَّيْنِ يَلْزَمُ الْقَصَا مِنْ غَيْرِ مَطْلٍ بَلْ بِخَالِصِ الرِّضَا وَيَظْهَرُ الوُجُوبُ بِالْمُطَالَبَة فَيَتَعَيَّنُ الْقَصَا إِذْ طَالَبَهْ وَمَعْ سُكُوتِهِ فَلَا يَضِيقُ گذاكَ إِنْ شَطَ بِهِ الطَّرِيقُ لَا يَلْزَمُ الخُروجُ لِلأَدَاءِ لأَنَّهُ قَدْ كَانَ عَنْ رِضَاءِ إِلَّا إِذَا طَالَبَهُ وَمَطَلَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَرْحَلا لِأَنَّهُ يَكُونُ مِثْلَ الظَّالِم وَيَلْزَمُ الخُرُوجُ لِلْمَظَالِمِ حتَّى يُؤَدِّيهَا إِلَى أَرْبَابِها وَيَطْلُبُ النَّجَاةَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَقِيلَ كَالدَّيْنِ الخَلَاصُ فِي الرِّبَا لَا يَلْزَمُ الْخُرُوجُ حِينَ ذَهَبًا وَقِيلَ فِي الدَّيْنِ وَلَوْ لَمْ يَمْطُلِ يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ لِلتَّنَصُّلِ وَإِنْ يَكُنْ قَدْ نَسِيَ الْمَدْيُونُ دُيُونَهُ مِنْ كُلِّ مَا يَكونُ وَكَانَ فِي نِيَّتِهِ الأَدَاءِ فَذَاكَ مَعْذُورٌ وَلا تَوَاءُ (2)
ماطله
(1) قوله: «إن شط» أي بَعُدَ والمراد به الذي له الحق فلا يلزم الغريم أن إليه بحقه إلا إذا يسير وهو ملي، أو كان سبب تعلق وجوب الحق عليه من قبل الظلم أو الغصب، وقيل: بل يلزمه الخروج لأداء ما عليه مطلقا، والأول أكثر. (2) قوله: «ولا تواء» أي لا هلاك عليه، لأن الله سبحانه قد رفع عن عباده إثم النسيان، وقيل إنه غير
معذور بالنسيان في حقوق العباد، وثمرة الخلاف تظهر في جواز الانتصار من ماله، فمن قال
إنه معذور بالنسيان في حكم الظاهر فلا له الانتصار من ماله ومن قال إنه غير معذور
يبيح
في الحكم أباح للغريم الانتصار من ماله خفية، ولو كان لا يعذر به عند الله إذا لم يمتنع من أداء الحق إلا من أجل النسيان. (1/555)
صفحة 556
بابُ قضاء الدين
الجزء الثاني
000
وَقَالَ بَعْضُ ذَاكَ فِي حُقُوقِ رَبِّ الْعُلا لَا حَقٌّ ذَا المَخْلُوقِ أَمَّا حُقُوقُ العَبْدِ لَو نَسِيهَا بَاقِيَةٌ إِلَّا إِذَا يَقْضِيهَا وَذَلِكَ الخِلَافُ يَظْهَرَنَّا فِي الانْتِصَارِ أَنْ يُؤَيِّسَنًا فَمَنْ يَقُلْ بِأَنَّهُ مَعْذُورُ فَالِانْتِصَارُ عِنْدَهُمْ مَحْجُورُ وَمَنْ يَقُلْ بِأَنَّ ذَاكَ بَاقِي يُلْزِمُهُ التَّجْوِينُ بِالإِطْلَاقِ وَبِاتِّفَاقٍ لَا يُعَذِّبَنَّا لِأَنَّهُ النَّاسِي فَيُعْذَرَنَّا وَإِنَّمَا النِّسْيَانُ يَرْفَعنَّا لِلإِثْمِ وَالأَمَوالُ تُغْرَمَنَّا وَمَنْ لَهُ حَقٌّ عَلَى إِنْسَانِ بِهِ مُقِرٌ لَيسَ ذَا نُكْرَانِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمِقْدَارًا مِنْ مَالِهِ يُرِيدُهُ انْتِصَارَا لِأَنَّمَا ذَلِكَ بَعْدَ الظُّلْ وَمَا المُقِرُّ ظَالمًا فِي الحُكْمِ إِلَّا إِذَا كَانَ مُقِرًّا غَاصِبَا وَكَانَ ذَا تَمَرُّدٍ مُغَالِبًا فَهْوَ أَخُو ظُلْمَيْنِ يَزْدَادُ بِمَا يَقُولُهُ ظُلْمًا عَلَى مَا ظَلَمَا) وَقِيلَ فِيمَنْ كَانَ ذَا انْتِصَارِ مِنْ ظَالِم كَانَ أَخَا إِنْكَارِ ثُمَّ أَقَرَّ بَعدَ ذَا بِالحَقِّ فَالاِنتِصَارُ بَاطِلٌ فِي الحَقِّ وَمَالُهُ) يَأْخُذُهُ تَمَامَا وَلَوْ بَقِي فِي يَدِهِ أَعَوَامَا
(1) قوله: «على ما ظلما» أي على ظلمه فما هاهنا مصدرية.
(2) قوله: «وماله» الضمير فيه عائد إلى الجبار. (1/556)
صفحة 557
007
الجزء الثاني
كتاب الديون
لِأَنَّمَا ذَلِكَ مَشْرُوطُ بِمَا يَبْقَى غَرِيمُهُ عَلَى مَا ظَلَمَا (1) لَوْ قِيلَ (2) مَا عَلَيْهِ قَطُّ رَدُّ مَا كَانَ يَدخُلَنْهُ عِنْدِي بُعْدُ لأَنَّمَا الْكِتَابُ قَدْ أَبَاحَ لَهُ فَكَيْفَ يَنقُضَنَّ مَا قَدْ فَعَلَهُ وَمَنْ عَلَيْهِ لِأَخِيهِ دَيْنُ وَلَمْ يَكُنْ بِحَقِّهِ يَدِينُ ثُمَّ نَوَى أَدَاءَهُ وَمَاتَا قَبْلَ الأَدَاءِ هَالِكًا قَدْ فَاتَا لأَنَّهُ مَاتَ أَخَا إِصَرَارِ وَكَانَ مَأْوَاهُ غَدًا فِي النَّارِ وَلَمْ تَكُنْ تُجْزِيهِ نَفْسُ النِّيَّة عَنِ الأَدَاءِ فَاتْرُكِ الأُمْنِيَّة وَذَاكَ فِي القَادِرِ لَا سِوَاهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَدَاهُ وَحَيْثُمَا قَدْ تَرَكَ الأَدَاءَ فَمِنْ هُنَا هَلَاكُهُ قَدْ جَاءَ بِتَرْكِهِ الفِعْلَ الَّذِي قَدْ لَزِمَا مَعَ اسْتِطَاعَةِ الأَدَاءِ أَثِمَا وَمَنْ يَكُنْ عَنِ الأَدَاءِ عَاجِزَا أَوْصَى وَأَرْجُو أَنْ يَكُون فَائِزَا وَلَا يَحِلُّ الأَخْذُ لِلْعَطِيَّة مِنَ الْغَرِيم أَوْ أَخِي التَّقِيَّهْ أَمَّا الْغَرِيمُ يَطْلُبُ التَّأْخِيرَا مِنْ هَاهُنَا كَانَ الْعَطَا مَحْجُورًا فَهُوَ شَبِيةٌ بِالرِّبَا الْمُحَرَّمِ وَمِثْلُهُ طَعَامُهُ أَنْ يُطْعِم
(1) قوله: «على ما ظلما أي على ظلمه فهي مصدرية مثل الأولى. (2) قوله: «لو قيل ما عليه ... إلخ» أقول إن عندي في هذا تفصيلاً، فإن كان هذا الجبار لما أقر بحق المنتصر دفع له حقه فالانتصار باطل، وعليه أن يرجع إليه ما أخذه من ماله على سبيل الانتصار، وإن كان أقر بالحق ولم يسلمه لصاحبه فالانتصار صحيح، وليس عليه رد ما أخذه
ما لم يؤد إليه الحق. (1/557)
صفحة 558
بابُ قضاء الدين
الجزء الثاني
557
إِلَّا إِذَا كَانَ أَخَا ضِيَافَهُ فِي الدَّارِ مَعْرُوفًا بِالِاسْتِصَافَهُ) وَلَمْ يَزِدْهُ فَوْقَ قَدْرِ مِثْلِهِ فَيَنْبَغِي القَوْلُ هُنَا بِحِلِّهِ وَمَنْ يُدَارَى (2) بِاتِّقَاءِ مُنِعَا لِأَنَّهُ عَنْ غَيْرِ طِيبِ وَقَعَا وَمَنْ لَهُ حَقٌّ عَلَى إِنْسَانِ طَالَبَهُ بَعْضًا مِنَ الزَّمَانِ فَقَالَ بَايِعْنِي لأُوفِيكَ الثَّمَنْ جَوَازُهُ فِيهِ اخْتِلَافُ يُرْفَعَنْ وَجَائِزٌ قَدْ قِيلَ لِلْمَدْيُونِ أَنْ يَقْضِيَ البَعْضَ مِنَ الدُّيُونِ وَيَتْرُكَ البَعْضَ إِذَا لَمْ يَحْكُم عَلَيْهِ حَاكِمٌ بِحِجْرٍ فَاعْلَمِ إِنْ كَانَ مَالُهُ وَفَى أَوْ لَمْ يَفِ يَرْفَعُهُ الْأَصْلُ عَنِ الْمُصَنَّف (3) وَقِيلَ مَهْمَا طَلَبُوا إِلَيْهِ فَالْعَدْلُ فِيهِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَقِيلَ مَا لَمْ يَرْفَعُوا لِلْحَكَم فَثَابِتٌ قَضَاؤُهُ فَلْتَعْلَمِ وجَائِةٌ فِي المُتفَاوِضَيْنِ يَفْتَرِقَانِ عَنْ لُزُومِ دَيْنِ أَنْ يَأْخُذَنْ بِحَقِّهِ مَنْ شَاآ وَمِنْهُمَا فَلْيَطْلُب الْوَفَاآ
(1) قوله: «بالاستضافة الاستضافة بسين الطلب أي يطلب الناس ليُضَيَّفَهُمْ وهي بالضاد المعجمة كالضيافة.
(2) قوله: «ومن يداري بالبناء للمفعول أي من يداريه الناس إتقاء شره. (3) «المصنف» بفتح النون كتاب في نيف وأربعين جُزْءًا ألفَه الشيخ أبو بكر أحمد بن عبد الله ابن موسى الكندي اختصر فيه بيان الشرع بعبارات رائقة وزاد عليه فوائد جليلة.
اهـ. (المصنف)
(4) قوله: «للحكم أي للحاكم (1/558)
صفحة 559
558
الجزء الثاني
كتاب الديون
هُمَا كَشَخْصٍ وَاحِدٍ وَلَا يَرُدْ بَعْضُهُمَا لِلْبَعْضِ إِلَّا أَنَ يَزِدْ فَيطْلُبُ الشَّرِيكُ فِيمَا زَادَا عَنْ نِصْفِهِ حِينَ وَفَا وَعَادَا وَمَنْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَقٌّ لِأَحَدُ أَقَرَّ لِلْغَيْرِ بِهِ وَمَا جَحَدْ فَقِيلَ يَدْفَعَنَّهُ لِمَنْ أُقِرٌ لَهُ بِهِ وَجَوَّزُوا لِمَنْ أَقَرَ (1)
باب الإعسار بقَضاءِ الدَّيْنِ
مَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَقْضِيَنَّ الدَّيْنَا فَمُعْسِرُ عَنِ الْقَضَا يَقِينَا لُزُومُهُ ظُلْمٌ وَمَطْلُ ذِي الْغِنَى ظُلْمٌ عَنِ الْمُخْتَارِ قَدْ رُوِي لَنَا إِنْظَارُ مَنْ أَعْسَرَ فِي الْقُرْآنِ مُبَيَّنا (2) بَأَحْسَنِ التِّبْيَانِ وَمُنْظِرُ المُعْسِرِ يَوْمَ عُسْرِ يُظِلُّهُ اللَّهُ غَدًا فِي الْحَشْرِ وَرَخَصُوا لِرَجُلٍ قَدِ اشْتَرَى بِضَاعَةٌ نَسِيئَةٌ مِنَ الْوَرَى وَلَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ فِي يَدَيْهِ وَفَاءَ مَا صَحَ لَهُمْ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ لِلْفَتْحِ يَنْظُرَنَّا وَلِوَفَا الدُّيُونِ يَنْوِيَنَّا وَيَنْبَغِي أَنْ يُخْبِرَنْ مَنْ بَاعَا بِحَالِهِ لِيَنْفِيَ الْخِدَاعَا وَمُدَّعِي الإِعْسَارِ لِلْمُطَالِبِ فِي الدَّيْنِ بِالصَّحَّةِ فَليُطَالَبِ
(1) قوله: «أُقر» بضم الهمزة مبنيا للمفعول، والثاني في آخر البيت بالبناء للفاعل بمعنى المُقرّ. (2) قوله: «مبينًا» هو منصوب على الحال أي جاء مبينًا. (1/559)
صفحة 560
بابُ الإِعْسَارِ بِقَضاءِ الدِّيْنِ
الجزء الثاني
559
لِأَنَّهُ صَارَ لَهُ عَنْ عِوَضٍ وَالْحَالُ بِالْبَقَا لِذَاكَ يَقْتَضِي وَإِنْ يَكُنْ يَلْزَمُهُ مِنْ أَرْشِ أَوْ مِنْ ضَمَانٍ أَوْ صَدَاقٍ يُنْشِي فَجَائِزُ مَا يَدَّعِيهِ عِنْدَنَا حَتَّى يَصِحَ أَنَّهُ مِنْ ذِي الْغِنَا وَمُعْتِقٌ فِي مَرَضِ غُلَامًا وَالدَّيْنُ يَلْزَمَنَّهُ إِلْزَامَا وَمَالُهُ لَمْ يَكْفِ لِلأَدَاءِ إِلَّا بِبَيْعِ العَبْدِ ذِي اسْتِيفَاءِ يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ كَذَا مَوْجُودُ وَالْعِتْقُ مِنْهُ بَاطِلٌ مَرْدُودُ وَإِنْ أحَاطَ الدَّيْنُ بِالأَمْوَالِ أَنْفَقَ بِالْقُوتِ عَلَى الْعِيَالِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ الضُّيُّوفَا وَيَهَبَ الإِحْسَانَ وَالْمَعْرُوفًا كَذَاكَ حُكْمُ الْعِتْقِ لِلْعَبِيدِ) كَذَا التَّغَالِي فِي صَدَاقِ الْعِيدِ وَفِعْلُهُ لِذَاكَ إِنْ لَمْ يُحْجَرِ (3) عَليهِ مَاضٍ وَهْوَ قَوْلٌ فَانْظُرِ وَهْوَ بِذَاكَ بِاتِّفَاقِ يَأْثَمُ لِأَنَّهُ مُضَيِّعٌ مَا يَلْزَمُ وَلَا أَقُولُ بِثْبُوتِ (4) مَا فَعَلْ لِأَنَّ مِنْهُ الضُّرَّ لِلْخَصْمِ حَصَلْ وَفِي الأَحادِيثِ دَلَالَاتٌ عَلَى إِبْطَالِ فِعْلِهِ إِذَا مَا فَعَلَا وَمَنْ يُخَالِفْ مَا الإِلهُ شَرَعَا فَهْوَ حَقِيقٌ فِعْلُهُ أَنْ يُمْنَعَا
(1) «بالقوت» أي بقدر الاقتيات. (2) قوله: «العتق للعبيد ظاهرة كذاك حكم العتق للعبيد، ولكن لعله أراد بذلك ما العتق كالبيع والهبة، ولكن لا يبطل بيعهم إلا إذا كان لغير الدين.
(3) قوله: «إن لم يُحجَرا» أي إن لم يحجر عليه الحاكم ماله.
(4) قوله: «بثبات» وفي بعض النسخ بثبوت وهو أولى. (*) وقد أثبتنا الأولى، وكان المثبت «بثبات». (إسماعيل)
هو أعم من (1/560)
صفحة 561
560
الجزء الثاني
كتاب الديون
باب الحجر والتفليس
وَمَنْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَينْ لَا تَفِي أَمْوَالُهُ يُمْنَعُ مِنْ تَصَرُّفِ وَذَلِكَ الحَجْرُ وَلَكِنْ بَعْدَمَا يَطْلُبُهُ الْغَرِيمُ مِمَّنْ حَكَمَا كَذَاكَ إِنْ كَانَ أَخَا غَنَاءِ لَكِنَّهُ يَمْطُلُ بِالوَفَاءِ فَيطُلبُ الْغَرِيمُ وَهُوَ يَمْتَنِعْ مِنَ الأَذَا يُحْبَسُ حَتَّى يَرْتَدِعْ وَيَقْضِي مَا عَلَيْهِ وَالْحَاكِمُ لَا يَبِيعُ مَالَهُ إِذَا مَا نَكَلا (3) وَقِيلَ بَلْ يَبِيعُهُ إِذَا أَبَى وَذلكَ الْحُكْمُ الَّذِي قَدْ وَجَبَا وَلَيْسَ لِلْحَاكِم أَنْ يُحَجِّرَا فِي غَيْبَةٍ مِمَّنْ عَلَيْهِ حَجَّرَا فِي قَوْلِ بَعْضٍ وَأُنَاسٌ قَالُوا إِنْ غَابَ أَيْضًا تُحْجَرُ الْأَمْوَالُ يُعْلِنُ ذَاكَ فِي مَجَامِع الْوَرَى الْوَرَى أَنَّ فُلَانًا مَالُهُ قَدْ حُجِرَا
وَإِنْ خَفِي (4) فَلَيْسَ يَثْبُتَنَّـ وَجَائِزُ أَنْ يَتَصَرَّفَنَّا
(1) قوله: «لا تفي» أي لا تكفي.
(2) قوله: «غَنَاء» بفتح الغين ممدودًا لما سيأتي في باب الضوابط من قوله: «وَكَكَلام سدة لِلفَقْرِ» وأما الغنى الذي هو سعة المال فهو مقصور، ويحتمل أن يكون أراد به سعة المال ولكنه مده للضرورة، فيكون بكسر الغين قال في الخلاصة:
وَقَصْرُ ذِي الْمَدِّ اضْطِرَارًا مُجْمَعُ عَلَيْهِ وَالْعَكْس بِخُلْفِ يَقَعُ (3) قوله: «إذا ما نكلا» أي امتنع من بيع ماله فإنه يحبسه حتى يبيع هو ماله ولا يبيعه الحاكم، وقيل: بل يبيعه الحاكم إذا تماجن في الحبس أي تصلب ممتنعا عن البيع وهو الأصح. (4) قوله: «وإن خفي» أي إن خفي الحجر؛ لأنه لا يمنع تصرفه إلا إذا أعلن الحاكم للناس حجر
ماله عليه. (1/561)
صفحة 562
باب الحجر والتفليس
الجزء الثاني
561
وَإِنَّ فِي إِخْفَائِهِ مُخَادَعَهُ لِلنَّاسِ إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا مَوَانِعَه وَالْخُلْفُ هَلْ يُحْجَرُ كُلُّ الْمَالِ أَوْ قَدَرُ الدَّيْنِ عَلَى جِدَالِ (1) وَلَا أَرَى أَنْ يَحْجُرَنَّ (2) الكُلاً لِأَنَّمَا الْمُوجِبُ دَيْنٌ حَلَّا وَالْغَرَضِ الْوَفَاء لَا سِوَاهُ فَكَيْفَ يُحْجَرَنَّ مَا عَدَاهُ وَمَنْ عَلَيْهِ مَالُهُ قَدْ حُجرَا فَمَالُهُ لِلْغُرَمَاءِ صُيِّرَا وَلَيْسَ لِلزَّوْجَةِ فِيهِ نَفَقَهُ لِأَنَّهُ فِي دَيْنِهِ قَدْ غَلَّقَهُ كَذَلِكَ الأَوْلَادُ لَوْ صِغَارَا لِأَنَّهُ لِلْغُرَمَاء صَارَا وَلَيْسَ لِلْفَتَاةِ مِنْ مُخَالَعَة (3) مِنْ بَعدِ حَجْرٍ مَالِهَا المُخَالِعَهُ وَحَاصِلُ الْمَقَامِ يُمْنَعَنَّا تَصَرُّفُ الْمَدْيُون حَيْثُ عَنَّا وَكُلُّ مَا بِهِ أَقَرَّ يَدْخُلُ أَقَرَّ يَدْخُلُ فِي المَالِ عِندَ الْغُرَمَاءِ يُجْعَلُ وَزَوْجَةُ الْمَدْيُونِ مِثْلُ غَيْرِهَا تُحَاصِصُ الدُّيَّانَ فِي تَقْدِيرِهَا (4)
(1) قوله: «علي جدال» أي على خلاف. (2) قوله: «أَنْ يَحْجُرَنَّ» بالبناء للفاعل أي لا أرى للحاكم أَنْ يَحْجُرَ عليه جميع ماله إذا كان يكفي
بعضه لقضاء ما عليه من حقوق. (3) قوله: «من مُخَالَعَه يعني أن الزوجة إذا كان عليها دين يحيط بمالها فليس لها أن تخالع زوجها | بصداقها؛ لأنه مال استحقه عليها الغرماء، وهل ذلك بعد الحجر عليها أم يبطل خلعها ولو لم يحجر عليها التصرف؟ فيه قولان، وفي قوله: «بَعْدِ حَجْرِ مَالِهَا المُخَالِعَة»، بكسر اللام إعادة الضمير إلى متأخر لفظًا ورتبة وهو ضعيف ونادر.
(4) قوله: «في تقديرها» أي في صداقها المقرَّر لها عليه، وكذلك إذا كان لها عليه حق من غير الصداق، فهي في ذلك كله تحاصص سائر الغرماء. (1/562)
صفحة 563
562
الجزء الثاني
كتاب الديون
وَوَلَدُ الْمَدْيُونِ لَا يُحَاصِصُ قَدْ قِيلَ فِيمَا الْغُرَمَا تَحَاصَصُوا وَلَا يُعَذِّبُ الإِلهُ أَحَدًا بِدَيْنِ ابْنِهِ كَذَاكَ وُجِدَا وَمَنْ أَقَرَّ بِالَّذِي قَدْ يَمْلِكُ وَدَيْنُهُ لِمَالِهِ مُسْتَهْلِكُ فَإِنَّ حُكْمَ الْمَالِ لِلْمُقَرِّ لَهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ خُلْفَ يَجْرِي إِلَّا إِذَا مَا كَانَ إِلْجَاء فَلاَ يَثْبُتُ إِقَرَارًا لِمَنْ تَحَيَّلَا وَذَاكَ مَهْمَا ظَهَرَ الْمُرَادُ وَعَلِمُوا الَّذِي بِهِ يُرَادُ وَإِنْ خَفِي فَأَمْرُه لِرَبِّهِ وَحَسْبُهُ مِنْهُ ارْتِكَابُ ذَنْبِهِ لِلْغُرَمَا عَلَيْهِ مَهْمَا جَحَدَا يَحْلِفُ أَنَّهُ لِذَا (2) مَا قَصَدَا وَإِنْ يُرِدْ بَيْعَ الأُصُولِ أُمْهِلَا شَهْرًا وَلِلْعُرُوضِ مَا تَحَصَّلا أَقَلُّهُ ثَلاثَةُ الأَيَّامِ لِسَبْعَةِ الأَيَّامِ بِالتَّمَامِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْ بَعْدِ مَا قَدْ حُكِمَا بِحَجْرِهِ لَمْ يَقْضِ حَقَّ الْغُرَما وَقَدْ أَتَاهُ بَعْدَ ذَاكَ مَالُ فَدَاخِل فِيهِ كَذَا يُقَالُ وَكُلُّ مَا فَوْقَ الإِزارِ قِيلَا لِلْغُرَمَاءِ فَاطْلُبِ الدَّلِيلا وَبَعْضُهُمْ قَالَ إِزَارٌ وَرِدَا وَقِيلَ لَا إِلَّا إِزَارٌ أَبَدًا وَهُوَ إِزَارُ مِثْلِهِ لِتَعْلَمَا وَعَلَّ هَذَا فِي الَّذِي قَدْ ظَلَمَا
(1) قوله: «إلجاء» أي تحويلاً للمال إلى غيره على جهة الحيلة؛ لئلا يأخذه الغرماء. (2) قوله: «أنه لذا» أي للإلجاء يعني أنه عليه أن يحلف بالله أنه لم يقر بذلك لفلان إلجاء إن أراد
الغرماء منه اليمين. (1/563)
صفحة 564
باب الحجر والتفليس
الجزء الثاني
563
وَصَاحِبُ الدَّيْنِ لَهُ يُرَخَصُ كَمَا سَيَأْتِي وَبِهِ يُخَصَّصُ أَوْ أَنَّهَا الأَقْوَالُ فِي ذَا تُوجَدُ بَيْنَ مُرَخّص وَمَنْ يُشَدِّدُ مِنْ ذَلِكَ التَّرْخِيصُ مَا قَد ذَكَرُوا مِنْ مَنْزِلِ المَدْيُونِ فِيمَا أَذْكُرُ كَقَوْلِهِمْ فِي مَنْزِلِ المَدْيُونِ لَيْسَ يُبَاعُ فِي قَضَا الدُّيُونِ إِلَّا إِذَا كَانَ بِهِ اتَّسَاعُ عَنْ سَكْنِهِ فَفَضلُهُ يُبَاعُ وَالنَّعْلُ والمُصْحَفُ والْكِتَابُ لَيْسَ يُبَاعُ وَرَدَ الْجَوَابُ إِنْ كَانَ مِمَّنْ لِلْعُلُومِ طَالِبَا نَهارَهُ وَاللَّيلَ فِيهِ رَاغِبَا أَمَّا إِذَا كَانَ لَهَا لَمْ يَطْلُب يُبَاعُ عَنَهُ مَا حَوَى مِنْ كُتُبِ وَآلَةُ الْمَدْيُونِ لِلصَّنَاعَة تُبَاعُ فِي الدَّيْنِ مَعَ البضَاعَة وَلَا تُبَاعُ فِي مَقَالِ الأَمْجَدِ أَبِي عَلَيَّ الْحَسَنِ بنِ أَحْمَدِ (1) وَاجْعَلْ عَلَيْهِ إِنْ خَلَا مِنْ مَالِ فَريضَةً (2) بَقَدَرِ الْأَحَوالِ تُدْفَعُ لِلْغَرِيم حَتَّى يَقْضِي حُقُوقَهُ وَذَاكَ مِثْلُ الفَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ الْحَبْسُ وَالْكَفِيلُ وَلَا لِخَصْمِهِ بِذَا تَعْلِيلُ وَقِيلَ إِنْ كَانَ أَخَا صِنَاعَهُ وَخَافَ مِنْ مَغِيبهِ امْتَنَاعَه يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْضِرَ الْكَفِيلَا وَيَذْهَبَنَّ عَرْضَهَا وَالطُّولَا
(1) قوله: «أبي علي» تقدم ذكره.
(2) قوله: «فريضة» أي شيئًا مُحددًا مفروضًا شهريا، بحسب ما يراه الحاكم من وسعه. (1/564)
صفحة 565
564
الجزء الثاني
كتاب الضمانات
كتاب الضمانات
تَعَلُّقُ الحُقُوقِ بالإِنْسَانِ جِنَايَةً) يُعرَفُ بِالصَّمَانِ فَمَنْ جَنَى فِي مَالِ غَيْرِهِ ضَمِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ بِذَا أَذِنْ وَهَكَذَا جَانٍ عَلَى الْأَبْدَانِ فَأَرْشُهَا يَلْزَمُ ذَاكَ الْجَانِي وَالعَمْدُ فِيهِ وَالْخَطَا سَوَاءُ يَضْمَنُه رَاكِبُهُ الْخَطَّاءُ وَالفَرْقُ فِي الإِثْمِ فَلَا إِثْمَ عَلَى مَنْ كَانَ مُخْطِئًا لِذَاكَ فَعَلا وَالإِثْمُ والصَّمَانُ فِي العَمْدِ مَعَا وَإِنْ يَتُبْ فَالإِثْمُ عَنْهُ رُفِعَا وَيَبْقَى غُرْمُهُ فَلَا خَلَاصَ لَهُ إِلَّا بِغُرْمِ مَا تَحَمَّلَهُ به أَوْ بِبَرَاءَةٍ وحِلَّ صَافِي مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ عَلَى تَصَافِي
باب أسباب الضمان
وَهَا أَنا أَذْكُرُ فِي ذَا الْبَابِ مَا كَانَ لِلصَّمَانِ مِنْ أَسْبَابٍ مَنْ غَصَبَ الأَرْضَ وَفِيها زَرَعَا فَهْوَ لِرَبِّ الْأَرْضِ حُكْمًا شُرِعًا وَلَا لَهُ بَذْرٌ وَلَا عَنَاءُ لأَنَّهُ الْغَاصِبُ وَالخَطَّاءِ (2)
(1) قوله: «جناية» مفعول لأجله أي من أجل الجناية، ويجوز أن تكون مصدرًا واقعا موقع الحال،
أي حال كونه جناية.
(2) قوله: «والخطاء» بتشديد الطاء اسم فاعل من الخطأ. (1/565)
صفحة 566
باب أسباب الضمان
الجزء الثاني
وَبَعْضُهُمْ بِبَدْرِهِ قَدْ حَكَمَا وَالأَرْضَ (1) مَا أَنْقَصَهَا أَنْ يَغْرَمَا وَسَارِقُ صَرْمًا لَهُ قَدْ فَسَلَا (2) بِأَرْضِهِ فَصَارَ نَخْلًا أَطْوَلَا فَالنَّخْلُ فِي الْحُكْمِ لِرَبِّ الصَّرْمِ وَقِيلَ فِيهِ غَيْرُ هَذَا الْحُكْمِ وَغَاصِبٌ قُطْنًا أَوِ الْكَتَانَا فَحَاكَ مِنْهُ الثَّوْبَ حِينَ كَانَا فَإِنَّ ذَاكَ التَّوْبَ لِلْمَغْصُوبِ وَرَجَعَ الْغَاصِبُ بِالذُّنُوبِ وَسَارِقُ خَشَبَةً وَانْطَلَقَا بَنَى عَلَيْهَا بَيْتَهُ وَأَوْثَقَا فَإِنَّهُ بِمِثْلِهَا يُرْضِيهِ وَإِنْ يَشَا ثَمَنَهَا يُعْطِيهِ لِأَنَّ فِي إِخْرَاجِهَا إِفْسَادًا لِبَيْتِهِ وَلَا نَرَى الْفَسَادًا لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ (3) وَرَدَا يَمْنَعُ فِعَلَ مَا يَكونُ مُفْسِدَا وَهْوَ مِنَ اللَّطَائِفِ البَدِيعَة يُؤْخَذُ مِنْ مَوَارِدِ الشَّرِيعَة وَذَاكَ الاِسْتِحْسَانُ عِنْدَ بَعْضٍ بِهِ يَقُولُ وَبِهِ قَدْ يَقْضِي وَغَاصِبٌ أَرْضًا لَهَا قَدْ خَلَطَا بِأَرْضِهِ تَعَمُّدًا لَا غَلَطَا لَيْسَ لَهُ مِنْ زَرْعِهَا أَنْ يَنْتَفِعْ لِأَنَّمَا الْحَرَامُ فِيمَا قَدْ زُرِعْ
(1) قوله: «والأرض» مفعول به بفعل مقدر دل عليه ما أنقصها. يعني عليه أن يغرم ما أنقص الأرض. (2) قوله: «فسلا» بفاء فسين أي غرس و «الصرم جمع صرمة وهي الفسيلة الصغيرة من النخل، سميت بذلك لأنها تصرم من أمها أي تقطع، وقد سبق مثل ذلك. (3) قوله: «لا ضرر» بفتح الراء من غير تنوين اسم لا التي لنفي الجنس مع تشديد الواو لإقامة الوزن، ويجوز تنوين الراء مرفوعًا بضمتين، كقوله فلا لغو ولا تأثيمٌ فيها وهذا أسهل وأخف في الورن والمشار إليه هو الحديث المشهور: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» وهذا الحديث من القواعد الخمس التي بني عليها الفقه.
قاعدة (1/566)
صفحة 567
566
الجزء الثاني
كتاب الضمانات
وَيَغْلِبُ الْحَرَامُ لِلحَلَالِ إِنْ خَلَطُوا ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ وَخَالِطُ حَبًّا مِنَ الْحَرَامَ بِحَبِّهِ الطَّيِّبِ لِلطَّعَامِ فَذَلِكَ الْحَبُّ جَمِيعًا يُجْتَنَبْ لِأَنَّمَا الْحَرَامُ فِيهِ قَدْ غَلَبْ وَفِي جَمَاعَةٍ لِشَاةٍ سَرَقُوا وَاجْتَمَعُوا لِأَكْلِهَا وَانْطَلَقُوا وَوَاحِدٌ مِنْهُمْ تَوَلَّى الذَّبْحَا ضَمَانُهَا عَلَى الجَمِيعِ أَضْحَى نَّهُمْ فِي ذَاكَ مِثْلُ رَجُلِ فِي أَخْذِهَا وَذَبْحِهَا وَالْمَأْكَلِ وَفِي الشَّرِيكَيْنِ إِذَا مَا غَصَبَا بَعْضَهُمُ السُّلطَانُ حِينَ غَلَبَا (1) فَمَا بَقِي بَيْنَهُمَا مَقْسُومُ لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مَظْلُومُ وَذَاكَ كَالْخُسْرَانِ فِي التَّجَارَهُ فَالشُّرَكَا عَمَّتْهُمُ الْخَسَارَهُ وَمَنْ لِنَهْرِ غَيْرِهِ قَدَ هَدَمَا أَوْ بِثْرِهِ تَعَمُّدًا قَدْ ظَلَمَا يَضْمَنُ مِنْهُ (2) الزَّرْعَ والنَّخِيلَا إِنْ تَلِفَتْ فَلْيَدَعِ التَّعْلِيلَا لأَنَّمَا تَلَافُهَا بِسَبَبِهْ وَيَعْمَنُ الْمُثْلَفَ مِنْ تَسَبُّية وَمَنْ لِبَيْتِ غَيْرِهِ قَدْ خَرَقَا وَجَاءَ لِيٌّ مَا وَجَاءَ لِضٌ مَا بِهِ قَدْ سَرَقَا فَمَا عَلَى النَّاقِبِ مِنْ صَمَانِ إِلَّا الَّذِي أَضَاعَ مِنْ بُنْيَانِ
(1) قوله: «بعضهم» مفعول مقدم والسلطان فاعل مؤخر. (2) قوله: «يضمن منه .... إلخ» إن هذا وأمثاله، مما يكون ضمانه على الجاني، يسمى عندهم تأثير الأسباب؛ لأن السبب له تأثير فيما يقع على المتسبب له، فلو سلب شراب أحد في فلاة فهلك
عطئًا فعليه ديته. (1/567)
صفحة 568
باب أسباب الضمان
الجزء الثاني
567
وَإِنْ يَكُنْ قَدْ دَخَلَتْ بَهِيْمَهُ فَأَتْلَفَتْ فَضَامِنٌ لِلْقِيمَهُ ويَضْمَنُ الفَارِجُ لِلْحِظَارِ إِنْ أَكُلَ الْأَنْعَامُ لِلنَّصَارِ) والفَرْقُ بَيْنَ الصُّوْرَتَيْنِ يُفْهَمُ يَعْرِفُهُ مَنِ الأُصُولَ يَعْلَمُ لأَنَّمَا الصَّمَانُ قَدْ تَعَلَّقَا باللصّ حِينَ لِلْمَتَاعِ سَرَقَا لِأَنَّهُ مِنَ الْمُكَلَّفِينَا وَمَا عَلَى الْبَهْمِ نَرَى تَصْمِينَا وَرَجُلٌ مِنَ الْحَرَامِ نَبَّا (2) نَخْلًا وَطَابَ النَّخْلُ حِينَ نُبَتَا فَإِنَّهُ لِقيمَةِ النَّبَاتِ يَضْمَنُ لَا يَعْمَنُ لِلْغَلَّاتِ وَقَالِعُ الأَقَبَابِ بِاغْتِصَابِ قيلَ عَلَيْهِ قِيْمَةُ الأَقْبَابِ (3) لكِنْ عَلَيْهِ أدَبُ لِيَرعَوِي (4) عَنْ فِعْلِهِ مَنْ كَانَ مِثْلُهُ غَوِي وَغَاصِبٌ لِعَبْدِ غَيْرِهِ وَقَعْ عَلَيْهِ مِن نَخْلَتِهِ حِينَ طَلَعْ فَانْكَسَرَ الْغَاصِبُ أَوْ مَاتَ فَمَا شَيْءٌ عَلَى السَّيِّدِ مِنْهُ لَزِمَا وَمَنْ رَأَى فِي نَخْلَةٍ صَبِيَّا يَخْرُفُ (5) مِنْهَا رُطَبًا جَنِيَّا
(1) قوله: «للنضار» أوائل الزرع، ويقال له أيضًا نضرة ونضارة وهو أول ما يبدو من ذلك. اهـ. (المصنف) (2) قوله: «نَبَّتَا» أي أَبَّرَ والنبات في اصطلاح أهل عُمان هو ثمرة فحال النخل الذي يلقح به ثمرها. (3) قوله: «الأقباب» جمع قب وهي أكمام ثمرة النخيل وقلعها جذبها أو قطعها، وقوله: «قيل عليه» هذا مما أشكل معناه على عامة الناس إذ من المعلوم عندهم أنه لا قيمة لها فتذهب الثمرة على ذلك هدرًا، والجواب أن المراد بقيمتها هو ما نقص من قيمة تلك النخلة فإنها تقوم مثمرة وغير مثمرة، فما كان من النقصان فيما بين القيمتين فذلك الذي يُحكم به على قاطع الأقباب، وهذا التفسير لم أر من تعرّض له، وهو كذلك إن شاء الله.
(4) قوله: «لِيَرْعَوِي»: أي ليرجع ويتوب.
(5) قوله: «يخرف»: أي يجني. (1/568)
صفحة 569
568
الجزء الثاني
كتاب الضمانات
(1)
قَالَ لَهُ عَنْ نَخْلَةِ الأَنَامِ انْزِلْ وَخَلَّ مَذْهَبَ اللّثَامِ وَلَمْ يُرِدْ إِفْزَاعَهُ فَفَزِعَا فَلَا ضَمَانَ إِنْ بِذَاكَ صُرِعًا وَضَامِنٌ قِيلَ إِذَا أَرَادَا إِفْزَاعَهُ إِذْ رَكِبَ الْفَسَادَا وَمَنْ يَكُنْ قَدِ اسْتَعَانَ رَجُلا فِي رَفْعِ مَا شَاءَ لَهُ أَنْ يَحْمِلا فَوَقَعَ الْحِمْلُ عَلَى الْمُعَانِ إِذْ ضَعُفَتْ عَنْ ذَلِكَ الْيَدَانِ فَدِيَةٌ (2) تَلْزَمُهُ إِنِ انْكَسَرْ لِأَنَّهُ مِثْلُ الْخَطَا فِيمَا ظَهَرْ وَمَنْ يَكُنْ فِي بَيْتِهِ قَدْ أَضْرَمَا نَارًا وَهَاجَتِ الرِّيَاحُ وَنَمَا (3) وَاحْتَرَقَ الْبَيْتُ عَلَى الْجِيرَانِ فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنْ ضَمَانِ وَإِنْ عَلَتْ بِلَهَبٍ ضَمَانُ مَا تَحْرِقُهُ لِغَيْرِهِ قَدْ لَزِمَا لِأَنَّهُ قَرَّبَهَا مِنْ جَارِهِ فَضَامِنٌ لِهَالِكَ بِنَارِهِ إِنْ خَبَزَ الْخَبَّازُ فِي قَرَارِ سَفِينَةٍ سَارَتْ عَلَى الْبِحَارِ فَاحْتَرَقَتْ وَاحْتَرَقَ الْمَحْمُولُ فَلَا ضَمَانَ هَاهُنَا يَقُولُ (4) إِنْ كَانَ مَأْذُوْنًا لَهُ أَنْ يَخْبِرًا فِيهَا وَإِلَّا فَالصَّمَانُ أُخْرِزَا () ()
(1) قوله: «وَخَلَّ»: أي دَعْ.
(2) قوله: «فدية تلزمه» يعني إن مات بذلك، وإن انكسر ولم يمت فعليه دية الكسر. (3) ونماء أي زاد الحريق.
(4) قوله: «يقول» يعني صاحب الأصل، وفي بعض النسخ «نقول» بالنون.
(5) قوله: «حرزا» أي نالَ وحصل، وفي بعض النسخ «أحرزا».
() وقد أثبتنا الأولى، وكان المثبت «حَرَزا». (إسماعيل) (1/569)
صفحة 570
باب أسباب الضمان
الجزء الثاني
569
وَمَنْ يَكُنْ قَدْ أَخَذَ الْحِمَارَا مِنَ الْفَلَاةِ عَامِدًا جِهَارًا يَظُنُّهُ حِمَارَهُ وَبَانَا سِوَاهُ ثُمَّ رَدَّهُ عِيَانَا فَقِيلَ لَا يَصْمَنُهُ إِنْ ذَهَبَا إِنْ كَانَ بَعْدَ رَبِّهِ قَدْ عَطِبَا (1) وَقِيلَ بَلْ يَضْمَنُهُ بِالْقَبْضِ خَلَاصُهُ لِرَبِّهِ أَنْ يَمْضِي وآخِذٌ لِمُصْحَفِ مَغْضُوبِ مِنْ ظَالِمٍ وَصَاحِبِ الغُصُوبِ (2) فَضَامِنٌ إِنْ رَدَّهُ لِغَاصِبِهُ إِنْ كَانَ ذَا مَعْرِفَةٍ بِصَاحِبِهْ وَإِنْ يَكُنْ يَجْهَلُ مَنْ قَدْ غُصِبَا عَلَيْهِ فَلْيُعْطِ الَّذِي قَدْ غَصَبَا وَقَابِضُ شَيْئًا عَلَى النِّسْيَانِ فِي قَبْضِهِ يُحْكَمُ بِالصَّمَانِ حَتَّى يَصِيرَ فِي يَدِ الْأَرْبَابِ وَهُوَ مَقَالٌ ظَاهِرُ الصَّوَابِ وَكُلَّمَا قَبَضْتَ يَا صَفِيِّي مِنْ يَدِ عَبْدٍ كَانَ أَوْ صَبِيٌّ فَرُدَّهُ لِوَالِدٍ أَوْ سَيِّدِ وَفِيهِ قَوْلٌ غَيْرُ هَذَا قَيّد (3) وَمَنْ يَكُنْ لِحَاجَةٍ قَدْ قَبَضَا مِنْ يَدِ عَبْدٍ حِينَ مَالَهَا اقْتَضَى فَعُتِقَ العَبْدُ وَمَاتَ السَّيِّدُ فَالرَّدُّ لِلْعَبْدِ خَلَاصٌ يُوجَدُ وَتَارِكٌ لِحِفْظِ مَالِ صَاحِبِه حَتَّى يَضِيعَ ضَامِنٌ لِعَاطِية
(1) عطب: أي هلك. (2) أي الغصب. (3) قوله: «لوالد أو سيد يعني أن ما قبضته من صبي فُردَّه إلى والده، وما قبضته من عبد فرده إلى سيده، وقوله: «وفيه قول غير هذا أي فيه قول آخر أنه يرده إلى تلك اليد التي قبضه منها، وعندي بين العبد والصبي فرقًا، فالعبد البالغ الأمين حكمه غير حكم الصبي غير المميز في ذلك.
أن (1/570)
صفحة 571
570
الجزء الثاني
كتاب الضمانات
(1)
لِأَنَّ حِفْظَ مَالِهِ لُزُومُ وَعُذْرُهُ مَعْ عَجْزِهِ مَعْلُومُ
وَوَاحِدٌ بَهِيمَةً فِي زَرْعِ قَوْمٍ عَلَيْهِ طَرْدُهَا بِالدَّفْعِ كَذَلِكَ النَّهْرُ إِذَا مَا انْكَسَرَا يَسُدُّهُ لِكَيْ يُزِيْلَ مُنْكَرَا لأَنَّ ذَاكَ مُشْبِهُ الْمَنَاكِرِ تَغْيِيرُهُ يَلْزَمُ كُلَّ قَادِرِ وَهْوَ مِنَ الْحِفْظِ لِمَالِ الصَّاحِبِ وَقِيلَ لَيْسَ طَرْدُهَا بِوَاجِبِ وَإِنْ رَأَيْتَ سَارِقًا قَدْ مَرًا يَسْرِقُ مِنْ مَالِ أَخِيكَ تَمْرَا يَلْزَمُكَ الإِعْلَامُ وَالشَّهَادَهُ عِنْدَ أُولِي الْحُكْمِ مَتَى أَرَادَهُ وَمَنْ رَأَى مَنْ قَدْ يَمُوتُ جُوْعًا أَوْ عَطَشًا وَلَمْ يَكُن مَمْنُوعَا (2) يَقْدِرُ أَنْ يُطْعِمَهُ ويُسْقِيَهُ فَمَاتَ قَدْ قِيلَ عَلَى ذَاكَ الدِّيَهْ وَهَكَذَا يُرْشِدُهُ إِنْ زَلَّا عَنِ الطَّرِيقِ فِي الفَيَافِي صَلَّا فَأَلْزَمُوهُ دِيَةٌ إِنْ تَرَكَا إِرْشَادَهُ حَتَّى فَنِي (3) وَهَلَكَا وَقِيْلَ فِيمَنْ قَدْ رَأَى إِنْسَانَا يَلْطِمُ حُرًّا مُسْلِمًا عُدْوَانَا وَقَادِرٌ يُنْقِذَهُ (4) () مِنْ ظُلْمِهِ كَانَ عَلَيْهِ وَاجِبًا فِي حُكْمِهِ
(1) قوله: «لزوم»: أي لازم.
(2) انتصاب «جوعًا وعطشًا على التمييز.
(3) قوله: «فني» بكسر النون مخففة كما في قوله:
هُوَ الخَلِيفَةُ فَارْضَوْا مَا رَضِي لَكُمُ مَاضِي العَزِيمَةِ ما في حُكْمِهِ جَنَّفٌ
(4) قوله: «ينقذه» أي قادر على إنقاذه، وواجبًا خبر كان واسمها محذوف تقديره كان إنقاذه واجبًا
عليه في الحكم.
() (أَنْ) مضمرة قبل (ينقذه) وفي هذه الصورة يجوز نصب الفعل ورفعه. (إسماعيل) (1/571)
صفحة 572
باب أسباب الضمان
الجزء الثاني
571
لأَنَّهُ قَدْ تَرَكَ الإِعَانَهُ وأَلْزَمُوهُ عِنْدَ ذَا ضَمَانَهُ وَوَاجدٌ عَبْدَ أَخِيهِ هَارِبَا قَامَ يَرُدُّهُ إِلَيْهِ رَاغِبَا أَفْلَتَ ذَاكَ العَبْدُ حِينَ أُمْسِكَا فَالْخُلْفُ فِي ضَمَانِهِ إِنْ هَلَكَا وَقَوْلُ مَنْ يَعْذِرُهُ أَصَحُ لِأَنَّهُ أَرَادَ مَا يَصِحُ أَرَادَ حِفْظُ مَالِهِ وَقَدْ وَجَبْ فَكَيْفَ يَلْزَمَنَّهُ إِذَا عَطِبْ وَمَنْ يَكُنْ بَهِيْمَةً قَدْ طَرَدَا يَقُولُ أَمْسِكْهَا لِمَنْ قَدْ وَجَدَا فَجَائِزُ إِمْسَاكُهَا عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّهَمَّا لَدَيْهِ والعَبْدُ لَا يُمْسِكُهُ إِنْ كَانَا يَطْرُدُهُ وَاطْلُبْ لَهُ البَيَانَا (2) فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ عَبْدًا يُمْلَكُ فَجَائِزُ عَنِ الهُرُوبِ يُمْسَكُ بَلْ مَنْعُهُ يَكُونُ مِثْلَ اللَّازِمِ فَكَيْفَ لَا يَكُونُ كَالْبَهَائِمِ مَعْ أَنَّهُ يَزِيدُ بِالْعِصْيَانِ وَذَاكَ فِي التَّجْوِيزِ مَعْنًى ثَانِي وَمَنْ بِهِ عَيْنُ لَهَا قَدْ عُرِفَا فَعَانَ (3) إِنْسَانًا وَمِنْهُ تَلِفَا فَصَامِنْ إِذَا أَتَاهُ حَيْنُهُ (4) مِنْ أَجْلِهِ لَمَّا رَأَتْهُ عَيْنُهُ
(1) قوله: «أفلت» أي انفلت من يده بمعنى هرب منه بعدما قبضه لسيده، والعبد فاعل أفلت. (2) قوله: «واطلب له البيانا قلت بيانه واضح، وهو كون العبد مكلفا عاقلاً فلعله هرب عن سيده خوفًا من شره أو لضر مشه منه؛ لأن العاقل لا يهرب ممن أحسن إليه غالبًا، والحكم للأغلب، والبهيمة
لا تعقل شيئًا فهي تهرب من المسيء والمحسن؛ فلذلك جاز إمساكها لصاحبها دون العبد.
(3) قوله: «فعان» أي أصابه بعينه.
(4) حَيْنُهُ: بفتح الحاء الموت والهلاك. (1/572)
صفحة 573
572
الجزء الثاني
كتاب الضمانات
وَقَائِدُ الأَعْمَى إِذَا لَمْ يُرْشِدِ فَبِصَمَانِ مَا أَصَابَ يَرْتَدِي وَغَاصِبٌ لِأَرْضِ غَيْرِهِ حَفَرُ بِثْرًا بِهَا يَضْمَنُ مَا فِيهَا انْكَسَرْ وَقِيلَ إِنْ أَرْخَى الْفَتَى الصَّيَّادُ لِيخًا (1) لَهُ فِي بَحْرِهِ يَصْطَادُ مَرَّتْ بِهِ خَشَبَةٌ) فَقُطِعَا فَصَامِنْ صَاحِبُهَا مَا انْقَطَعَا وَحَامِلُ رُمْحًا عَلَى الطَّرِيقِ ثُمَّ بِهِ جَازَ عَلَى مَضِيقٍ فَطَعَنَتْ شَخْصًا بِغَيْرِ عَمْدِ فَأَرْشُهُ يَلْزَمُهُ بِالْجَدِّ) وَرَجُلٌ لِرَجُلٍ قَدْ قَلَعَا ضِرْسًا لَهُ وَقَدْ أَذَاهُ وَجَعَا (2) فَلَا ضَمَانَ وَإِذَا تَعَدَّى لِغَيْرِهِ ضَمَانُهُ تَبَدَّى لِأَنَّهُ خَالَفَ مَا قَدْ رُسِمَا لَهُ فَمِنْ ثَمَّ الصَّمَانُ لَزِمَا وَرَجُلٌ رَمَى الْعَدُوَّ فَوَقَعْ عَلَى بَعِيرِ المُسْلِمِينَ فَانْصَرَعْ فَقِيلَ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ إِذْ قَصَدْ عَدُوَّهَمْ فَلَا ضَمَانَ مُعْتَقَدْ وَإِنْ أَصَابَ السَّهْمُ مِنْهُ مُسْلِمَا فَدِيَةٌ أَوْجَبَ فِيهِ العُلَمَا وَالمَالُ وَالأَنْفُسُ فِي الصَّمَانِ وَغَيْرِهِ عَلَى الْخَطَا سِيَّانِ
(1) قوله ليخا هو الشبكة التي يصاد بها السمك.
() الخشبة يراد بها هنا السفينة. إسماعيل) (*) الجد: يراد به هنا القطع الذي حصل بالرمح. (إسماعيل)
(2) وجعا تمييز.
(3) قوله: «لغيره» أي لقلع سن غير التي أراد قلعها ولو خطأ فعليه أرشها أي ديتها، وهي خمسة أبعرة إذا لم ينبت مكانها سن غيره، وإلا فله عليه سوم عدلين أو عدل. (1/573)
صفحة 574
باب أسباب الضمان
الجزء الثاني
573
فَلَسْتُ أَدْرِي وَجْهَ هَذِي التَّفْرِقَهُ وَلَمْ أَجِدْهَا أَبَدًا مُنَمَّقَهُ (1) وَعَلَّهَا مِنْ أَجْلِ أَنَّ المَالَا نَبْذُلُهُ مَهْمَا نَرَى القِتَالَا فَهُيَ وَسِيلَةُ الْقِتَالِ فَاعْلَمِ مِنْ هَاهُنَا ضَمَانُهُ لَمْ يَلْزَمِ وَإِنَّ هَذَا الفَرْقَ لَيْسَ يُغْنِي شَيْئًا وَلَكِنْ قَدْ رَأَىهُ ذِهْنِي وَعَلَّ عِنْدَهُمْ سِوَى مَا عِنْدِي وَلَمْ أَجِدْهُ فَأَنَا فِي حَدِّي (2) وَصَارِبٌ شَاةً بِهَا جَنِينُ أَلْقَتْهُ مَيْتًا يَلْزَمُ التَّصْمِينُ يَلْزَمُهُ النَّاقِصُ (3) مِنْ قِيمَتِهَا تُقَوَّمَنَّ قَبْلَ طَرْحٍ بِنْتِهَا وَإِنْ يَكُنْ لِأَمَةِ الْغَيْرِ ضَرَبْ ألْقَتْ مِنَ البَطْنِ جَنِينًا وَعَطِبْ قِيْمَتُهُ إِنْ كَانَ فِيهِ الرُّوحُ أَوْ لَا فَعُشْرُ أُمِّهِ صَحِيحُ تُقَوَّمَنَّ الأُمُّ ثُمَّ يَغْرِمُ عُشْرَهَا وَهْوَ الَّذِي قَدْ يَلْزَمُ وَلَسْتُ أَدْرِي وَجْهَهُ وَهُوَ نَظَرْ مِنْ قَائِلِيهِ لَيْسَ فِيهِ مِنْ خَبَرْ وَغَاصِبٌ يَغْصِبُ لِلْفَتَاةِ) أَوْلَدَهَا البَنِينَ وَالْبَنَاتِ فَسَيَّدُ الْفَتَاةِ يَأْخُذَنَّا فَتَاتَهُ وَنَسْلَهَا اعْلَمَنَّا وَلَيْسَ لِلْغَاصِبِ مِنْ عَنَاءِ فِي قِيمَةِ الْبَنَاتِ وَالْأَبْنَاءِ
(1) أي مرسومة.
(2) في منزلتي. اهـ. (المصنف)
هذا
(3) قوله: «يلزمه الناقص ... إلخ» (4) يريد بالفتاة الأمة. اهـ. (المصنف)
هو المختار عندنا وقيل: أن عليه ربع قيمتها أي الأم. (1/574)
صفحة 575
574
الجزء الثاني
كتاب الضمانات
وَإِنْ يَكُنْ قَدِ اشْتَرَاهَا وَجَهِلْ لِغَصْبِهَا ثُمَّ تَسَرَّى وَنَسَلْ فَقِيمَةُ الأَوْلَادِ تَلْزَمَنَّا غَاصِبَهَا (2) السَّيِّدُ يَأْخُذَنَّا لا يُمْلَكُونَ إِذْ هُمُ أَحْرَارُ عَنْهُ إِلَى أَبِيهِمُ قَدْ صَارُوا لَكِنَّهُ يَأْخُذُ نَفْسَ الْأَمَةِ وَيَرْجِعُ الشَّارِي بِنَزْعِ الْقِيمَةِ يَنْزِعُهَا مِنْ عِندِ ذَاكَ الْبَائِعِ إِذْ غَرَّهُ بِهَذِهِ الْخَدَائِعِ وَلِلْإِمَاءِ عُقْرُهَا فِي البِكْرِ بِعُشْرِ الْقِيمَةِ غُرْمُ العَقْرِ وَنِصْفُ عُشْرِهَا لِعَقْرِ التَّيِّبِ إِنْ غُصِبَتْ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ تُغْصَبِ إِذْ لَيْسَ لِلْإِمَاءِ مِنْ مُطَاوَعَهْ (3) بَلْ ذَاكَ فِي الحُرَّةِ أَنْ تُطَاوِعَهْ وَشَابِكٌ فِي زَرْعِهِ فَقُتِلَتْ بَقَرَةٌ لِغَيْرِهِ إِذْ حَصَلَتْ ضَمَانُهُ فِيهِ خِلَافٌ يُذْكَرُ وَعَدَمُ التَّضْمِينِ عِنْدِي أَظْهَرُ لِأَنَّهُ فِي مَالِهِ أُبِيْحَ لَهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَقْتُلَنْ مَنْ قَتَلَهُ وَقِيلَ فِيمَنْ قَتَلَ البَعِيرَا لَمَّا أَرَادَ أَكْلَهُ لَا غَيْرَا لا يَضْمَنَنَّ غُرْمَهُ لِرَبِّهِ وَبَعْضُهُمْ ضَمَانَهُ أَفْتَى بِهِ وَأَوَّلُ القَوْلَيْن عِندِي أَرْجَحُ لِأَنَّهُ الصَّائِلُ حِينَ يَسْنَحُ
(1) قوله: «فقيمة الأولاد أي يقومون بفرض أن لو كانوا مماليك، وإلا فالحر لا يقوم.
(2) قوله: «غاصبها» مفعول به تنازعه عاملان تلزمنا ويأخذنا.
(3) قوله: «مطاوعة) مصدر طاوعه مطاوعة إذا امتثل لأمره ومراده. (1/575)
صفحة 576
باب أسباب الضمان
الجزء الثاني
010
لَا يُؤْخَذُ الثَّوْرُ لِيَعْلُوَ الْبَقَرُ بِدُونِ إِذْنِ رَبِّهِ الَّذِي اشْتَهَرْ وَيَضْمَنُ الْآخِذُ مَا أَنْقَصَهُ وَذَاكَ إِنْ فِي الشُّغْلِ قَدْ أَوْهَصَهُ (1) وَضَرْبَةٌ قَدْ وَقَعَتْ مِنْ مِدْفَع فَأَحْرَقَتْ لِلْقُطْنِ أَوْ لِلمَزْرَعِ ضمانُهُ يَلْزَمُ مَنْ قَدْ نَقَّعَا فِي مَالِهِ لِمَنْ لَهُ قَدْ وَقَعَا إِلَّا إِذَا أُرِيْدَ عِزُ الدِّيْنِ) بِهِ فَقَدْ خَلَا مِنَ التَّرْمِينِ وَهْيَ عَلَى القَوَاعِدِ الْمَعْرُوفَهُ مُشْكِلَةٌ إِذْ لَمْ تَكُنْ مَأْلُوفَهُ نَظِيرُها مَا قَدْ مَضَى فِيمَنْ رَمَى بَعِيرَ مُسْلِمٍ وَقَدْ تَقَدَّمَا يُريدُ أَنْ يَضْرِبَ أَهْلَ الْكُفْرِ فَقَالَ لَا ضَمَانَ فِيهِ يَجْرِي وأَنَّهُ مِنَ الْخَطَا فَلْيُنْظَرِ فِي وَجْهِهِ مِنْ خَبَرٍ أَوْ نَظَرِ وَقِيلَ فِي الجَبَّارِ لَمَّا ذَكَرَا شَخْصًا بِسُوءٍ وَفَتَّى قَدْ حَضَرَا فَقَالَ فِيهِ إِنَّهُ مَعْرُوفُ بِكُلِّ مَا قَدْ قُلْتَهُ مَوْصُوفُ فَقُتِلَ الْمَذْكُورُ أَوْ قَدْ نُهِبَا مِنْ قَوْلِهِ فَبِالصَّمَانِ انْقَلَبَا إِنْ كَانَ فِيهِ قَصَدَ الدَّلَالَهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لا مَحَالَهُ وَإِنْ يَكُنْ مُرَادُهُ أَنْ يَشْهَدَا بَالْحَقِّ فَالْخِلَافُ فِيهِ وُجِدَا
(1) أي أضعفه. المصنف
(2) قوله: «مَنْ قَدْ نَقَعا» أي أطلقه وهي لغة عُمانية، يقولون فلان نقع البندقية أو المدفع إذا أطلق ناره؛ لأن الرصاصة إذا أطلقت أثارت دخانًا كالنقع، وهو الغبار، فسموا الطلقة نقعة لذلك.
(3) قوله: «عز الدين أي إعزازه بإظهار ما يدل على قوته. (1/576)
صفحة 577
576
الجزء الثاني
كتاب الضمانات
(1)
وَخَارِصُ الجَبَّارِ مِنْهُ يُبْرَى (1) لِأَنَّهُ بِظُلْمِهِ تَجَرَّى وَمَنْ يُعِينُهُ وَمَنْ يَدُلُّ فَمِثْلُهُ فِي حُكْمِ ذَاكَ الكُلُّ وَمَنْ يَكُنْ قَدْ قَالَ لِلْخَرَاصِ إِطْرَحْ كَذَا قَدْ بَاءَ بِالْخَلَاصِ لَكِنْ إِذَا قَالَ لَهُ أَثْبِتْ (2) كَذَا فَضَامِنٌ إِذْ دَلَّهُ عَلَى كَذَا مَنْ سَارَ فِي الغَزْهِ مَعَ الجَبَّارِ لِخَشْي نَخْلِ أَوْ لِحَرْقِ دَارِ فَلَيْسَ فِي هَذَا مِنَ الصَّمَانِ إِلَّا إِذَا سَاعَدَ ذَاكَ الْجَانِي وَإِنْ رَأَى سَوَادَهُ (3) المَقْتُولُ فَبِالصَّمَانِ هَاهُنَا مَكْبُولُ لِأَنَّهُ أَفْزَعَهُ إِذْ نَظَرَا وَكَانَ فِي سَوَادِهِمْ قَدْ كَثَرَا وَهْوَ يُقَالُ ضَامِنٌ إِذَا نَظَرْ رَأْسَ القَتِيلِ فَهْوَ رَاكِبُ الخَطَرْ وَمَنْ يَكُنْ كَلَّفَهُ الْجَبَّارُ جِبَايَةً يَلْزَمُهُ الفِرَارُ إِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا الفِرَارَ مَهْرَبَا وَإِنْ جَبَى فَصَامِنُ لِمَا جَبَى
(1) قوله: «خارص الجبار الخارص هو الذي يخرص الثمار أي يحزرها لأخذ زكاتها. وقوله: منه يبرى» أي يُتبَرأُ منه لأجل إعانته الجبار على الظلم.
(2) قوله: أثبت كذا انظر إلى هذا الفرق الدقيق بين قوله أسقط عنه المائة من خمسين وبين قوله أثبت عليه خمسين مع أن المحصول واحد، ولكنه في الأولى أمر بالتخفيف عنه وفي الثانية أمر بالأخذ منه، وهنا يتجلى للناظر الفرق بين العالم والجاهل قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9]. (3) قوله: «سواده أي شخص، ومنه قولهم فلان كثر سواد القوم، حيث جمع شخصه إلى أشخاصهم، وقد اختلف الناس في تأويل هذا الكلام؛ فحمله بعضهم على المعنى الذي قدمناه أنه من يضمنه إذا رأى المقتول سواده مع المعتدين؛ لأن ذلك مما يؤثر في قلبه الفزع، ويثبطه عن الدفاع، وقيل إنما يضمنه إذا هو رأى سواد القتيل، والله أعلم. (1/577)
صفحة 578
باب أسباب الضمان
الجزء الثاني
OVV
فَإِنْ أَرَادَ التَّوْبَ يَغْرَمَنْ وَمَا عَلَى الذِي اسْتَحَلَّهُ أَنْ يَغْرَمَا وَالمُسْتَحِلُّ مَنْ يَرَى حَلَالَا مَا قَدْ أَتَى لَوْ قَدْ أَتَى صَلَالَا كَمِثْلِ حَالِ الْقَوْمِ يُؤْجِبِونَا طَاعَةَ مَنْ جَارَ وَيُلْزِمُونَا فَحُكْمُ مَنْ جَارَ وَحُكْمُ العَادِلِ سيَّانِ عِنْدَهُمْ بِزَعْمِ بَاطِلِ فَحُكْمُ هَؤُلَاءِ مَهْمَا تَابُوا تَحُكْمِ أَهْلِ الشِّرْكِ حِينَ آبُوا يُغْفَرُ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ ذَنْبِ بِغَيْرِ غُرْمٍ رَحْمَةً مِنْ رَبِّي وَمَنْ رَأَى الْفِعْلَ حَرَامًا وَفَعَلْ مُنْتَهِكًا يُدْعَى (1) وَلَا عُذْرٌ حَصَلْ فَيُغْفَرُ الذَّنْبُ إِذَا مَا تَابَا الْغُرْمُ يُلْزِمَنَّهُ إِيْجَابَا وَإِنْ يَكُنْ قَدْ أَمَرَ المُطَاعُ فَفِي صَمَانِ مَا جَرَى نِزَاعُ وَالقَوْلُ بِالتَّضْمِينِ فِيهِ آكَدُ لأَنَّ أَمْرَهُ كَسَهُم يَنْفُدُ وَرَجُلٌ أَهْدَى طَعَامًا وَضَعَا سَمَّا بِهِ لِمَنْ لَهُ قَدْ صَنَعَا أَطْعَمَهُ الْمُهْدَى لَهُ سِوَاهُ لِجَهْلِهِ بِمَا بِهِ سَوَّاهُ (2) (3) فَدِيَةُ الْهَالِكِ تَلْزَمَنَّا مُطْعِمَهُ وَلَيْسَ يُعْذَرَنَّا لِأَنَّ هَذَا خَطَةٌ فِي النَّفْسِ وَذَلِكَ الْمَضْمُونُ دُونَ لَبْسِ
(1) قوله: «منتهكا يدعى أي يسمى، وهذا هو الفرق بين المستحل والمحرّم بكسر الراء، فالمستحل من يعتقد حل ما أتاه من قتل أو نهب والمنتهك من يعتقد تحريمه فيأتيه.
(2) قوله: «سوّاه» بالتشديد أي. صنعه. اهـ. (المصنف) (3) [سوّاه] لغة عُمانية. (1/578)
صفحة 579
578
الجزء الثاني
كتاب الضمانات
وَالأَصْلُ لَمْ يَقْوَ عَلَى إِلْزَامِ مَنْ قَدْ وَضَعَ السَّمَّ ضَمَانًا يُعْلَمَنْ لأَنَّهُ أَرَادَ غَيْرَ مَنْ وَقَعْ إِذْ وَضَعَ السَّمَّ لِمَنْ لَهُ وَضَعْ وَلا أَقُولُ هَكَذَا وَإِنَّمَا أَقُولُ يَرْجِعَنْ لَهُ فَيَغْرَمَا يُغَرِّمُ الوَلِيُّ مَنْ أَطْعَمَهُ وَيَأْخُذُ المُطْعِمُ مِمَّنْ سَمَّهُ وَوَضْعُهُ لِلسَّمِّ فِي الطَّعَامِ يَكُونُ مِثْلَ الرَّمْيِ بِالسَّهَامِ فَمَنْ رَمَى يُريدُ شَخْصًا وَوَقَعَ فِي غَيْرِهِ فَبِالصَّمَانِ قَدْ رَجَعْ فَالسَّمُّ والسَّهْمُ سَوَاءٌ فِيهِ لِأَنَّهُ تَسَبُّبُ يَأْتِيهِ وَإِنْ يَكُنْ قَدْ غَرَّهُ بِمُسْكِرِ أَوْ كَانَ قَدْ أَفْزَعَهُ بِمُنْكَرِ (2) فَزَالَ عَقْلُهُ بِذَا يَصِيرُ كَحُكْمِ الإِغْمَاءِ لَهُ بَعِيرُ مَنْ جَالَسَ الحَدَّادَ فِي مَكَانٍ دُخُولُهُ حِلٌّ بِلا اسْتِثْذَانِ وَوَقَعَتْ فِي عَيْنِهِ شَرَارَهُ فاحْتَرَقَتْ مِنْ شِدَّةِ الحَرَارَة فَيَضْمَنُ الحَدَّادُ لِلْمُصَابِ وَهَكَذَا يَضْمَنُ لِلشَّيَابِ وَإِنْ يَكُنْ حِجْرًا بِلا اسْتِعْذَانِ فَلا عَلَى الحَدَّادِ مِنْ ضَمَانِ لَكِنَّهُ يَلْزَمُهُ إِنْ أَذِنَا وَدَخَلُوا عَنْ إِذْنِهِ مَا قَدْ جَنَى (3) إِذِ الْخَطَا فِي حُكْمِنًا مَضمُونُ فِي الْمَالِ وَالنَّفْسِ مَتَى يَكُونُ
(1) قوله: «وَلَا أَقُولُ .. إلخ» هذا لعمر الله التحقيق الدال على تبحر المؤلف له في علم الشريعة. (2) قوله: «بِمُنكَرِ» أي بقول منكر مفزع قال الله تعالى: {إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) [لقمان: 19]. (3) قوله: «مَا قَدْ جَنَى» ما فاعل «يَلْزَمُهُ». (1/579)
صفحة 580
باب ما لا ضمان فيه
الجزء الثاني
579
باب ما لا ضمان فيه
وَلَا ضَمَانَ فِي أُمُورٍ تُذْكَرُ مِنْ ذَلِكَ المُنْكَرُ) إِذْ يُغَيَّرُ كَمِثْل مَنْ قَدْ أَتْلَفَ الْمِزْمَارَا أَوْ وَثَنَّا كَانَ لَهُ كَشَارَا وَهكَذَا مَعَازِفٌ لِلَّهْوِ وَكُلُّ مَا كَانَ بِهَذَا النَّحْوِ وَهَكَذَا فِي مُصْحَفِ أَخَذْتَهُ مِنَ اليَهُودِي وَقَدْ مَنَعْتَهُ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ لَا وَلَا ثَمَنْ إِذْ نَزْعُهُ كَمُنْكَرٍ يُغَيَّرَنْ وَهَكَذَا إِنْ قَصَدَ الجَبَّارُ ظُلْمًا لِقَوْمٍ وَلَهُ أَنْصَارُ فَلِلدِّلِيلِ أَنْ يُزِلَّهُمْ مَعَا عَنِ الطَّرِيقِ وَالضَمَانُ ارْتَفَعَا وَلَيْسَ لِلْجَبَّارِ يَا ذَا جَارُ وَمَنْ أَجَارَهُ عَلَيْنَا جَارُوا
(2)
مَنْ قَتَلَ الْكَلْبَ الذِي لِغَيْرِ زَرْعٍ وَضَرْعٍ قَدْ نَجَا مِنْ ضَيْرِ) وَشَائِفُ الزَّرْعِ (3) فَضَرَّ الطَّيرُ زَرْعَ سِوَاهُ مَا عَلَيْهِ ضَيْرُ وَضَامِنُ إِذَا أَصَابَ أَحَدًا بِرَمْيِهِ أَوْ هَدَمَ المُشَيَّدَا وَإِنْ يَكُنْ فِي مَالِ غَيْرِهِ اجْتَمَعْ مِنْ رَمْيِهِ حَصًى أَزَالَ مَا وَقَعْ وكُلُّ شَيْءٍ مَا لَهُ أَثْمَانُ فَلَيْسَ فِيهِ عِنْدَهُمْ ضَمَانُ
فِي قَولِ بَعْضٍ مِنْ ذَوِي الْإِخْلَاصِ وَبَعْضُهُمْ قَدْ قَالَ بِالْخَلَاصِ
(1) قوله: «المنكر» مبتدأ خبره من
(2) أي من ضمان.
ذلك.
(3) شائف الطَّيْرِ: هو الذي يذودها ويطردها عن أكل الحروث. (1/580)
صفحة 581
01.
الجزء الثاني
كتاب الضمانات
وَلَا ضَمَانَ إِنْ يَكُنْ قَدْ طَلَبَا مِنْ جَارِهِ مَاءً لَهُ لِيَشْرَبَا أعْطَاهُ مَاءً فِي إِنَاءٍ فَسَقَطْ مِنْ يَدِهِ وَلَمْ يُقَصِّرْ فِيهِ قَطْ لأَنَّهُ فِيهِ أَمِينٌ مُعْتَبَرْ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ حَتَّى لَوْ كَسَرْ (1) وَإِنْ تَكُنْ جَعَلْتَ مَاءً فِي إِنَّا زَيْدٍ وَلَمْ يَكُنْ بَذَاكَ أَذِنَا فَعِنْدَنَا إِهْرَاقُهُ مُبَاحُ لَهُ وَمَا فِي فِعْلِهِ جُنَاحُ لِأَنَّهُ فِي وَضْعِهِ قَدِ اعْتَدَى بِغَيْرِ إِذْنِ فَأَزَالَ الاعْتِدَا لَا يَضْمَنُ الحَجَّامُ عِنْدَ فِعْلِهِ إِلَّا إِذَا جَاوَزَ فِعْلَ مِثْلِهِ وَهَكَذَا مُخَتَّنُ الصَّغَارِ وَمِثْلُهُ مُحَدِّرُ الثَّمَارِ) وَالْقَاضِي إِنْ أَخْطَا ضَمَانُ الْمَالِ يَلْزَمُهُ لِلْجَبْرِ فِي الْفِعَالِ وَهَكَذَا إِنْ أَخْطَأَ الطَّبِيبُ فَالأَرْضَ مِنْ إِخْطَائِهِ (3) يُصِيْبُ وَدِيَةٌ إِنْ مَاتَ مِنْ عِلاجِهِ لأَنَّهُ أَخْطَأَ فِي مِنْهَاجِهِ وَقَاطِعٌ عِرْقًا ولَكِنْ زَادَا فِي قَطْعِهِ فَوْقَ الَّذِي أَرَادَا فَإِنْ يَكُنْ زَادَ عَلَى مَا يُقْطَعُ فَدِيَةٌ إِنْ مَاتَ مِنْهُ تُشْرَعُ وَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُهُ إِنْ قَالَا مَا زَادَ فَوْقَ قَطْعِهِ مِثْقَالَا
(1) قوله: «كَسَر» أي انكسر على حد قول الشاعر: «وَجَبَرَ الدِّينَ الْإِلَهُ فَجَبَر». ا هـ. (2) قوله: «مُحَدِّرَ الثمار»: هو الذي ينزل عذوق ثمر النخل ويحنيها ليتناولها الجاني. (3) الإخطاء: كالإحصاء مصدره أخطأه. (4) قوله: «وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ» أي مع يمينه.
(المصنف) (1/581)
صفحة 582
بابُ الأموال المشتَبَهَةِ
الجزء الثاني
581
وَتَلْزَمُ الوَارِثَ فِيهِ الْبَيِّنَهُ إِنْ قَالَ زَادَ إِنْ أَتَاهَا ضَمِّنَهُ (1) وَهَكَذَا إِنْ قَالَ مَا قَدْ مَاتَا مِنْهُ وَقَالَ الوَارِثُونَ فَاتَا (2) فَالْقَوْلُ فِيهِ عِنْدَنَا مَا قَالَهُ لَا مَا ادَّعَوهُ فَافْهَم الْمَقَالَهُ وَهَكَذَا إِنْ ادَّعَى مَا قَطَعَا فَالقَوْلُ فِيهِ قَوْلُهُ إِذَا ادَّعَى لَكِنَّهُ تَلْزَمُهُ اليَمِينُ إِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ تُبِينُ وَالقَوْلُ فِي الصَّمَانِ قَولُ الْجَانِي لَكِنَّهُ يُؤْخَذُ بَالأَيْمَانِ وَهذِهِ ثَلَاثَةٌ جُبَارُ (3) البثرُ والمَعْدِنُ إِذْ يَنْهَارُ وَالثَّالِثُ الجُرْحُ مِنَ الْعَجْمَاءِ فَالْغُرْمُ لَا غُرْمَ بِهِؤُلاءِ
باب الأموال المشتَبَهَة
وَالرَّيْبُ فِي الْمَالِ يُصَيِّرَنَّهُ مُشْتَبِها لِذَاكَ نَتْرُكَنَّهُ نَتْرُكُهُ تَوَرُّعًا فَمَنْ نَزَلْ عَلَى غَشُومٍ فَاسْتَضَافَ وَأَكَلْ فَمَا عَلَيهِ الْبَأْسُ إِنْ لَمْ يَعْلَمَا بِأَنَّهُ أَطْعَمَهُ الْمُحَرَّمَا
(1) قوله: «ضمنه»: بتشديد الميم فعل أمر أي ألزمه ضمانه، ويصح أن يقرأ بتخفيف الميم
ماضيا بمعنى لزمه ضمانه. (2) فاتا: أي ذهب وهو كناية عن مَوْتِه.
فعلاً
(3) قوله: «جُبَار»: بضم الجيم وتخفيف الموحدة أي هدر والمراد أن الذي يقع في بئر غير ممنوعة الحفر في ذلك الموضع، والأجير يقع عليه المعدن فيموت، وما تصيبه الدابة بِرَمْحِهَا أو عضها أو نطاحها، وهي غير معروفة بذلك، ولم يتقدم على صاحبها، فهو مهدور لا يطالب فيه أحد بشيء. (1/582)
صفحة 583
582
الجزء الثاني
كتاب الضمانات
وَفِي عَطَايَا أُمَرَاءِ الظُّلْ وَأَخْذِهَا خُلْفٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ فَبَعْضُهُمْ نَهَى وَبَعْضُ حَرَّمَا وَقِيلَ بِالْحِلِّ إِذَا لَمْ تُعْلَمَا فَمَنْ نَهَى لِلرَّيْب (1) وَالمُحَرِّمُ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ حَرَامٍ يَلْزَمُ وَمَنْ يَقُلْ بِحِلِّهِ يَجْعَلُ مَا فِي يَدِهِ مُلْكًا لَهُ فَحَكَمَا كُلُّ امْرِيءٍ أَوْلَى بِمَا فِي يَدِهِ مِنْ ثَمَّ جَازَ أَخْذُهُمْ مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى يَصِحَ أَنَّهُ حَرَامُ حِيْنَئِذٍ يَمْتَنِعُ المُقَامُ فَمَنْ لَهُ (2) حَقٌّ عَلَى جَبَّارٍ فَأَخْذُهُ حِجْرٌ مِنَ الْأَنْبَارِ (3) وَمَوْضِعُ الْغُصُوبِ وَالْمَظَالِمِ فَأَخْذُهُ مِنْ ذَاكَ مِثْلُ الظَّالِمِ وَجَائِزٌ مِنْ غَيْرِ ذَاكَ المَوْضِع أَنْ يَقْبِضَ الحَقَّ الذِي قَدْ يَدَّعِي وَالْقَوْلُ بِالْأَخْذِ مِنَ الْجَبَابِرِ فَكَمْ لَهُ وَكَمْ لَهُ مِنْ نَاصِرِ قَدْ أَخَذَ الشَّيْحُ ابْنُ زَيْدٍ جَابِرُ جَائِزَةَ الْحَجَّاجِ وَهْوَ جَائِرُ وَأَخَذَتْ صَحَابَةُ المُخْتَارِ عَطَا بَنِي أُمَيَّةَ الفُجَّارِ لَكِنْ إِذَا نَظَرْتَ بَيْنَ مَنْ مَضَى وَمَنْ نَرَى رَأَيْتَ فَرْقًا مُرْتَضَى فَمَنْ مَضَى بِالْفَيْءِ قَدْ تَغَلَّبَا وَمَنْ نَرَى فِي غَصْبِهِ تَقَلَّبَا فَالصَّحْبُ والأَتْبَاعُ مِنْهُمْ أَخَذُوا مِنْ مَالِ بَيْتِ اللَّهِ حِينَ أَنْفَذُوا
(1) قوله: «للريب» أي للخروج من الريب فالنهي عنده في ذلك للتنزيه.
(2) وفي نسخة «ومن له».
(3) «الْأَنْبَارِ»: مواضع أخذ العشور. اهـ. المصنف (4) قوله: «الْجَبَابَرِ»: جمع جَبّار وأصله الجبابرة. (1/583)
صفحة 584
بابُ الأموال المشتَبَهَةِ
الجزء الثاني
583
وَهُمْ لَهُمْ بِهِ حُقُوقٌ تُرْسَمُ فَلَا يُقَالُ أَخْذُهُمْ مُحَرَّمُ وَهَؤُلاءِ غَصَبُوا وَانْتَهَبُوا وَبَيْتَ مَالِ اللهِ طُرًّا خَرَّبُوا فَكُلُّ مَا عِنْدَهُمُ مُغْتَصَبُ فَالْقَوْلُ بِالتَّحْرِيمِ فِيهِ يَغْلِبُ لَكِنْ لِجَهْلِ رَبِّهِ نَقُولُ بِأَنَّهُ فِي حُكْمِهِ مَجْهُولُ وَالخُلْفُ فِي المَجْهُولِ أَيْنَ يُنْفَذُ عَلَى أَقَاوِيلَ وَمِنْهُ يُؤْخَذُ بِأَنَّهُ يَحْتَاجُ لِلْحُكّامِ مِنْ هَاهُنَا خُصَّصَ بِالْإِمَامِ فَمِنْ هُنَاكَ قَدْ قَضَى فِيهَ عَلِي () فِيمَنْ لَهُ نَاصِرَ يَوْمَ الْجَمَلِ فَقَدْ جَبَى طَلْحَةُ والزُّبَيْرُ مَا جَبَى بِذَاكَ اليَوْمِ ثُمَّ انْهَزَمَا أَخَذَهُ حَيْدَرَةٌ (21) وَفَرَّقَهُ عَلَى جُنُودِهِ وَفِيهِمْ أَنْفَقَهُ وَطَالِبُ الْحَقِّ (3) (4) بِصَنْعَا حَكَمَا بِجَعْلِهِ فِي أَهْلِهَا وَاحْتَشَمَا لَمْ يَأْخُذَنْ عِنْدَ مَضِيقٍ يَوْمِهِ شَيْئًا لِنَفْسِهِ وَلَا لِقَوْمِهِ تَعَفُّفًا مِنْهُمْ وَمَنْ كَمِثْلِهِمْ أَكْرِمْ بِهِمْ مِنْ عُصْبَةٍ أَكْرِمْ بِهِمْ كَانُوا يَمُوتُونَ عَلَى مَا أَبْصَرُوا مِنَ الهُدَى مَا بَدَّلُوا وَغَيَّرُوا (ه)
الله
وجهه
(إسماعيل)
() الإمام علي بن أبي طالب ـ كرم (1) حيدرة هو علي بن أبي طالب، وهو القائل: «أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي
(2) حيدرة اسم لأبي الحسن علي بن أبي طالب. (أبو إسحاق)
أُمّي
حَيْدَرَهُ».
(3) قوله: «طَالِبُ الْحَقِّ» هو الإمام عبد الله بن يحيى الكندي الإباضي اليمني
(4) هو عبد الله بن يحيى بن عمر بن الأسود بن عبد الله بن الحارث الكندي الإباضي اليمني ولي
الإمامة سنة (129 هـ). (أبو إسحاق)
(5) أي: وما غيروا. (1/584)
صفحة 585
584
الجزء الثاني
كتاب الضمانات
وَلَمْ يَكُنْ أَخْذُ أَبِي بِلَالِ) مَالَ عُبَيْدِ اللهِ (2) مِنْ ذَا الحَالِ لأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ الْعَطَايَا فَذَ الْعَطَايَا وَتَرَكَ البَاقِي عَلَى المَطَايَا وَذَاكَ أَنَّ عُمَرَ الفَارُوقَا قَدْ ضَبَطَ المَحْصُولَ والتَّفْرِيقًا وَرَبَّبَ النَّاسَ عَلَى مَنَازِلِ وَقَدَّرَ العَطَا عَلَى تَفَاضُل وَضَبَطَ الجَمِيْعَ فِي الدَّوَاوِنِ لِكَيْ يَكُونُوا فِي سَبِيلٍ بَائِنِ وَقَدْ قَفَا ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ أَتَى مِنْ بَعْدِهِ فَمِنْ هُنَاكَ ثَبَتَا حُقُوقُ لَهُمْ فِي الْفَيءِ وَلَمْ يَزِيْدُوا فَوْقَهَا بِشَيْءٍ وَذَلِكَ الْمَالُ الَّذِي مِنْهُ أُخِذْ مِنْ خُرَسَانَ (3) جِزْيَةً لَهَا نَفَدْ
وَذَلِكَ الجَبَّارُ قَدْ حَمَاهُمُ وَهْيَ مُكَافَاةٌ عَلى حِمَاهُمُ فَمَا اسْتَحَلَّ أَخْذَهُ الْمِرْدَاسُ (4) لِأَنَّهُ مَا فَرَّغَتْهُ النَّاسُ بَايَعَ صَحْبَهُ عَلَى الشِّرَى وَمَا طَالَ زَمَانُهُ إِلَى أَنْ أُكْرِمَا نَالُوا الشَّهَادَةَ الَّتِي قَدْ طَلَبُوا وَبِرِضَى الرَّحْمَنِ فِيهَا انْقَلَبُوا
(1) قوله: أَبي بلال: هو المرداس بن حدير بالحاء المهملة إمام الشراة وقدوة المجاهدين البائعين أنفسهم الله ابتغاء رضوانه، وله وللإمام طالب الحق قصص وآثار مشهورة.
(2) عبيد الله: هو عبد الله بن زياد الملقب بالفاسق. (3) قوله: «خرسان» بحذف الألف للتخفيف وخراسان كورة معروفة مشهورة.
(4) هو أبو بلال مرداس بن حدير، يشير الناظم إلى المال الذي مر على أبي بلال وأصحابه إلى ابن زياد أمير البصرة، فأخذ منه أعطيتهم دون سواها. (أبو إسحاق) (1/585)
صفحة 586
بابُ الأموال المشتَبَهَةِ
الجزء الثاني
585
وَفِي بَنِي الْيَحْمَدِ مِنْ أُسْدِ الشَّرَى إِمَامُ صِدْقٍ كَانَ يُدْعَى عُمَرَا) كَذَا أَبُوهُ يُدْعَى بِالْخَطَّابِ مُسَامِيَّا لِعُمَرَ الصَّحَابِي مِنْ نَسْلِ شَاذَانَ وَذَاكَ العَلَمُ دَوَّخَ أَهْلَ الظُّلْمِ حِينَ ظَلَمُوا فَقَدْ قَضَى عَلَى بَنِي نَبْهَانَا جَبَابِرًا كَانُوا عَلَى عُمَانَا قَضَى بِأَنَّ مَالَهُمْ لِمَنْ ظُلِمْ مِنَ العُمَانِيِّينَ لَكِنْ مَا عُلِمْ فَجَعَلُوا ذَلِكَ بِيْتَ مَالِ لِجَهْلِهِمْ بِمَالِكِ الأَمْوَالِ وَكَانَ ذَا يُعْرَفُ بِالتَّغْرِيقِ مَا أَشْبَهَ الفَارُوقَ بالفَارُوقِ
شَابَهَهُ فِي الإِسْمِ والتَّصَلُّبِ عَلَى أُولِي الظُّلْمِ فَلَا تَسْتَعْجِبِ
وَلِخَفَاءِ هَذِهِ الدَّقَائِقِ وَعُسْرِ فَهْمِهَا عَلَى الخَلَائِقِ قَامُوا يُخَاصِمُونَ مَنْ بِهَا حَكَمْ أَيَّامَ عَزَّانَ وَذَلِكَ العَلَمُ
أَفْتَى بِهِ فِي الْمَاءِ وَالنَّخِيلِ إِمَامُنَا الْمُحَقِّقُ الْخَلِيلِي
(3)
(1) قوله: «وَفِي بَنِي الْيَحْمَدِ أي: أولا واليحمد بن شاري اليمني الأزدي، وهم بنو خروص، ومن
ناسبهم ممن يجمعهم اليحمد. (2) هو عمر بن الخطاب بن محمد أحمد بن بن شاذان الخروصي أحد أئمة عُمان الذين قاموا بالأمر حق قيام، فكان في أعماله مثالاً للعظمة الإسلامية زمن الفاروق، وقد طهر الأرض من كل ظلم وفساد، وجدد للإسلام عِزّه وأنار أيامه بالعدل والإصلاح، ولا غرو أن تكون أيامه كأيام عمر بن الخطاب رحمهما الله. (أبو إسحاق)
(3) قوله: «إِمَامُنَا الْمُحَقِّقُ الْخَلِيلَي هو الشيخ العلّامة الكبير صاحب التصانيف المفيدة أبو محمد» سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي الخروصي المتوفى بمسقط بعد وفاة الإمام الشهيد عزان بن قيس ببضعة أيام، وكان ذلك في شهر ذي القعدة سنة 1287 هـ، وهو جد إمام المسلمين العلّامة
محمد بن عبد الله بن سعيد الخليلي أجمعين. (1/586)
صفحة 587
586
الجزء الثاني
كتاب الضمانات
فَاسْتَنْكَرُوْهُ وَهُوَ لَمْ يُسْتَنْكَرِ لِأَنَّهُ الوَاضِحُ مِثْلُ الْقَمَرِ وَفي عُمَانَ بُقَعٌ مَجْهُولَهُ وَهْيَ بِذَاكَ عِنْدَهُمْ مَعْلُوْلَهُ لِجَهْلِ مَنْ لَهَا مِنَ الْأَرْبَابِ مَعَ اخْتِلَافِ الأَصْلِ وَالْأَسْبَابِ فَبَعْضُهُمْ يُجْهَلُ لِلذَّهَابِ بَالسَّيْلِ أَوْ بِعَدَمِ الإِيَابِ كَمِثْلِ بُدْبُدِ (1) وَمِثْلِ الْبَاطِنة ذَهَابُ كُلٌّ بِالسُّيُولِ الْبَائِنَهُ مِنْ هَاهُنَا الزَّرْعُ بِهَا لِلْفُقَرَا جَوَّزَهُ لِأَجْلِ مَا قَدْ سُطِرَا وَاليَومَ قَدْ صَارَتْ لَهُمْ مَمْلُوكَهُ وَهْيَ بَأَيْدِي أَهْلِهَا مَتْرُوكَهْ وَفِي زَمَانِ عَدْلِنَا تُزَكِّي (2) أَفَادَنَا هَذَا نُبُوْتَ المِلْكِ لَا نَعْرِفُ الأَصْلَ الذِي نَقَلَهَا لَعَلَّ حَاكِمًا لِذَا حَوَّلَهَا فَإِنَّ لِلحُكّامِ أَنْ يَقْتَطِعُوا مَصْلَحَةٌ وَيَمْنَحُوا وَيَمْنَعُوا وَحَيْثُ كَانَ الانْتِقَالُ مُمْكِنَا فَنَزْعُهَا يَكُونُ ظُلْمًا بَيِّنَا وَإِنَّ مَا سُطَّرَ فِي الآثَارِ يَكُونُ كَالتَّارِيخ فِيهَا جَارِي لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَمَسَّكَنَّا فِي نَزْعِهِ إِنْ كَانَ يُمْلَكَنَّا وَالْجَهْلُ فِي بَعْضِ النَّوَاحِي حَصَلَا بِغَصْبِهَا مِنْ هَاهُنَا مَا حُلِّلا فَحَرَّمُوا الأَكْلَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ مِنْ غَيْرِ مَجْلُوبِ لَهَا بِالْعَيْنِ
(1) قوله: «بُدْبُد كهدهُد والعامة تقول بديد بكسر الموحدتين، وهي بلد مشهور بعمان، وهي من قرى وداي سمايل، فيها معقل مشهور يقطنه والي البلد ويسمى حضنا.
(2) قوله: «تزكي» للبناء للفاعل على المجاز. (1/587)
صفحة 588
بابُ الأموالِ المُشْتَبَهَةِ
الجزء الثاني
587
وَقَوْلُنَا فِي عِزَّ وَالمَحْيُولِ قَوْلُ أُولِي الإِيمَانِ وَالْعُقُولِ وَمِثْلُهَا لَيْسَ لَنَا كَلامُ فِيهَا لِما قَدْ صَحتِ الْأَحْكَامُ بِأَنَّهَا مُلْكٌ لِمَنْ فِي يَدِهِ حَتَّى يَصِحَ نَقْلُهَا مِنْ عِنْدِهِ وَإِنْ يَكُنْ قَدْ وَقَفَ الْكُتَابُ (2) عَنْهَا فَمَا فِي ذَلِكَ ارْتِيَابُ لَعَلَّهُمْ بَانَ لَهُمْ مَا لَمْ يَبِنْ لِغَيْرِهِمْ فِي ذَاكَ فَافْقَهُ وَاسْتَبِنْ قِيلَ وَعَنْ نَبِيِّنَا مَنْقُولُ إِنَّ هَدَايَا الأُمَرَا غُلُولُ مَعْنَاهُ أَنَّهَا خِيَانَةٌ فَمَنْ أَهْدِى إِلَيْهِمْ فَلِمَعَنْيَّ يَطْلُبَنْ فَخَائِنُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي العَمَلْ العَمَلْ مَنْ قَبِلَ المُهْدَى إِلَيْهِ إِذْ وَصَلْ وَمَنْ لَهُ حَقٌّ فَلا يَسْتَوْفِي مِنْ ثَمَنِ الحَرَامِ مِمَّنْ يُوفِي وَذَاكَ أَنَّ ثَمَنَ الحَرَامِ كَمِثْلِهِ فِي مُطْلَقِ الْأَحْكَامِ وَقِيلَ إِنْ كَانَ الَّذِي اشْتَرَاهُ يَعْلَمُ حُكْمَهُ وَقَدْ رَضَاهُ فَهْوَ الَّذِي اسْتَبْدَلَ عَنْ حَلَالِهِ مُحَرَّمًا وَهْوَ مُضِيعُ مَالِهِ فَلَا عَلَى مَنْ يَأْخُذَنَّ مِنْهُ بَأْسٌ كَذَاكَ مَنْ يُعَامِلَنْهُ
(3)
وَقِيْلَ فِي المَالِ إِذَا مَا قُسِمَا مَا بَيْنَ قَوْمٍ وَرِثُوهُ أَسْهُمَا) وَفِيهِ قِطْعَةٌ مِنَ الحَرَامِ صَحَتْ لِوَاحِدٍ مِنَ الْأَقْسَامِ
(1) قوله: «في عِزَّ وَالمَحْيُول»: هما بلدان صغيران بعُمان، وهما من أعمال نزوى. (2) قوله: «الكتاب: جمع كاتب. (3) قوله: «وَرِثُوهُ أَسْهُمَا» منصوب على التمييز، ويجوز أن يكون حالاً من ورثوه. (1/588)
صفحة 589
588
الجزء الثاني
كتاب الضمانات
فَمَا عَلَى الشَّرِيكِ بَأْسٌ إِنْ أَخَذْ سَهُما حَلَالًا وَبِهِ عَنْهُمْ نَقَذْ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمُ مَنْ أَخَذَ الحَرَامَ وَصْفَ مَا حَرُمْ لأَنَّهُ اخْتَارَ مِنَ الأَمْوَالِ مُحَرَّمًا عَنْ جُمْلَةِ الْحَلَالِ أمَّا مَعَ الجَهْلِ فَذَاكَ غِشُ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْتِنَا نَغُشُ وَهُوَ خِدَاعٌ فِي اسْتِلَابِ الْمَالِ فَلَيْسَ قَسْمُهُ مِنَ الحَلَالِ وَإِنْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ) مَنْ لَمْ تَقُمْ بِقَوْلِهِ الحُجَّةُ أَدَّى مَا عَلِمْ فَمَنْ رَضَاهُ بَعْدَ مَا قَد أُخْبِرًا فَمَا عَلَى الشَّرِيكِ سَهُمْ حُجِرَا وَقَوْلُ مَنْ لَمْ تَقُمِ الحُجَّةُ بِهِ يُدْخِلُ فِي ذَا المَالِ وَصْفَ المُشْتَبِهْ مِنْ ثَمَّ قُلْنَا إِنَّهُ يُخَبَّرُ كَيْ لَا يُعَدَّ أَنَّ ذَاكَ غَرَرُ وَشَاهِدَانِ شَهِدَا فِي المَالِ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْحَلَالِ أَوْ أَنَّ هَذَا الثَّوْبَ غَيْرُ طَاهِرِ قَدْ أَطْلَقَا مِنْ غَيْرِ وَصْفٍ ظَاهِرِ فَقِيلَ لا يُقْبَلُ مَا قَالُوهُ فِي ذَاكَ إِلَّا أَنْ يُفَسِّرُوهُ
(2)
يُفَسِّرُونَ سَبَبَ الْحَرَامِ وَسَبَبَ التَنْجِيسِ فِي الْأَحْكَامِ وَإِنْ يَكُونَا عَالِمَيْنِ قُبِلَا مِنْهُمْ وَإِنْ كَانُوا عَلَيْهِ أَجْمَلَا
(1) قوله: «وَإِنْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ» وفي نسخة «أعلمه» أي أخبره، وهو أظهر، ومعناه أنه إذا أخبره بتحريمه من لا تقوم به حجة العلم فلا يلزمه تصديقه، وهو قد أدى شهادة علمه. (2) قوله: «ما قالوه» إنما عدل إلى صيغة الجمع عن صيغة المثنى؛ ليتفق له حرف الروي والردف في الشطرين معًا، وهو جائز. (1/589)
صفحة 590
بابُ الأموال المشتَبَهَةِ
الجزء الثاني
589
لِأَنَّ قَوْلَ الْعُلَمَا فِي الْحُكْمِ يُقْبَلُ مِثْلُ نَجِسٍ وَحُرْمِ فَهُمْ بِوَصْفِ الْحُكْمِ عَالِمُونَا مِنْ هَاهُنَا يُقْبَلُ مَا يُفْتُونَا وَالجَاهِلُونَ دُونَ ذِي الْمَنَازِلِ قَدْ قَصَرُوا عَنْ ذَاكَ بِالْمَرَاحِلِ وَرَجُلٌ خَلَّفَ لِلْعِيَالِ مِنْ بَعْدِهِ شَيْئًا مِنَ الأَمْوَالِ وَصَحَ عِنْدَ الابْنِ أَنَّ الْمَالَا غَصَبَهُ وَالِدُهُ رِجَالَا فَقِيْلَ أَخْذُهُ لَهُ حَلَالُ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ احْتِمَالُ لَعَلَّهُ أَرْضَاهُمُ بِوَجْهِ مِنَ الْوُجُوهِ عِنْدَ أَهْلِ الْفِقْهِ وَلَا أَقُولُ إِنَّهُ حَلَالُ إِذَا انْتَفَى لَدَيْهِ الاحْتِمَالُ وَذَاكَ مَعْ دَلالَةِ الأَحْوَالِ عَلَى بَقَاءِ الْغَصْبِ فِي الْأَمْوَالِ كَمِثْلِ قَومٍ يَطْلُبُونَ الغَاصِبَا وَمِثْلِ جَبَّارٍ غَدًا مُغَاضِبًا فَلَا احْتِمَالَ هَاهُنَا يَكُونُ فَتَنتَفِي عَنْ حِلَّهِ الظُّنُّونُ وَقَائِلُ لِرَجُلٍ مَا تَرَكَا أَبُوكَ حُرْمُ مَا عَلَيْهِ يَتْرُكَا) وَلَا عَلَيْهِ يَبْحَثَنْ عَنْ صِحَّةِ مَقَالِهِ أَوْ يَبْحَثَنْ عَنْ حُجَّةِ لأَنَّ حُكْمَهُ لَهُ بِالشَّرْعِ فَمَا عَلَيْهِ يَطْلُبَنْ لِلْمَنْعِ إِلَّا إِذَا صَحَّ بِوَجْهِ يَحْكُمُ بِهِ الْقُضَاةُ فَهُنَاكَ يَحْرُمُ وَقِيلَ فِي الَّذِي عَلَيْهِ حَقٌّ لِمَنْ لَهُ مِيْرَاتُهُ يَحِقُّ
(1) قوله: «يَتْرُكَا» منصوب بأن مقدّرة. (1/590)
صفحة 591
590
الجزء الثاني
كتاب الضمانات
وَمَاتَ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فَحَقُهُ بَاقٍ كَذَا لَدَيْهِ وَأَخْذُهُ الْمِيْرَاثَ لَا يُبْرِيهِ (1) مِنْ حَقِّهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ وَجَوَّزَ الشُّرْبَ أُولُو الْقِيَاسِ بِأَثْرَةٍ مِنْ قَابِضِ الْفِنْطَاسِ (2) بِغَيْرِ إِذْنِ الرَّاكِبِينَ يَا فَتَى وَقِيلَ لَا إِلَّا بِإِذْنِ ثَبَتَا وَمَنْ فَدَى مَالًا مِنَ الْجَبَّارِ لِرَجُلٍ بِمِائَتَيْ دِيْنَارِ بِغَيْرِ إِذْنٍ قِيلَ لَا يَلْزَمُهُ وَفِيهِ قَوْلُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إِنْ كَانَ فِي ذَاكَ صَلاحُ الْحَالِ لأَنَّهُ مُحْتَسِبُ فِي الْمَالِ فَهُوَ كَمُنْقِذٍ لِمَالِ صَاحِبِهْ لِمَا رَأَى عَلَيْهِ مِنْ مَعَاطِيهُ وَأَخْذُ غَيْر الْجِنْسِ (3) مِمَّا يُنْتَصَرْ فِيهِ اخْتِلَافُ عَنْهُمْ قَدِ اشْتَهَرْ
باب الخلاص من الضمان
وَذَاكَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ يَعْرِفُ صَاحِبَهُ أَوْ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ فَإِنْ يَكُنْ يَعْرِفُ يَلْزَمَنَّا أَدَاؤُهُ إِلَيْهِ فَاعْلَمَنَّا
(1) قوله: «وَأَخْذُهُ الْمِيْرَاثَ لَا يُبْرِيهِ» إنما اقتصر عليه المؤلف الله لكونه هو الأصح عنده، وإلا ففي ذلك قول آخر؛ وهو أنه يكون له حلالا؛ لأنه مال رده إليه كتاب الله، وهو قول عبد الله بن عبد العزيز، وأن التوبة تجزيه في ذلك.
(2) الفنطاس بفاء ونون فمهملة وعاء يحمل فيه الماء لأهل المركب. اهـ. (المصنف) (3) قوله: «وَأَخْذُ غَيْرِ الْجِنْسِ ... إلخ» يعني أنه إذا ظلمه أحد دراهم فليس له أن ينتصر من بشيء من العروض ولا العكس، وقيل: بل له أخذ ذلك بالقيمة وهو الأصح.
ماله (1/591)
صفحة 592
باب الخلاص من الضمان
الجزء الثاني
591
فَوصُولِهِ إِلَيْهِ يَبْرَى وَيُعْذَرَنْ مِنَ الصَّمَانِ عُذْرَا وَإِنْ يَكُنْ غَابَ فَيَجْعَلَنَّا ذَلِكَ فِي الأَمْوَالِ يُصْلِحَنَّا يُصْلِحُ مَالَهُ وَإِنْ شَا جَعَلا في حَالَةٍ تَلْزَمُ مَنْ قَدْ رَحَلَا كَمِثْلِ إِنْفَاقٍ عَلَى عِيَالِهِ أَوْ مِثْلِ إِنْفَاقٍ عَلَى أَمْوَالِهِ إِنْ كَانَ مِمَّا يَحْكُمُ الحُكَّامُ بِهِ وتَثْبُتَنْ بِهِ الْأَحْكَامُ وَغَيْرُ هَذَا قِيلَ لَا يُجْزِيهِ إِنْفَاذُهُ أَنْ يُنْفِذَنَّ فِيهِ وَإِنْ يَقُلْ بَعْضُ ثِقَاتِ النَّاسِ أَنَا أُؤَدِّي عَنْكَ مَا مِنْ بَاسِ يَبْرَأَ إِنْ كَانَ ادَّعَى قَضَاهُ مَا لَمْ يَكُنْ لِعِوَض أَتَاهُ وَإِنْ يَكُنْ أَرَادَ مِنْهُ عِوَضَا فَهَاهُنَا تَصْدِيقُهُ قَدْ مَرِضَا وَآخِذُ طَفَالَةٌ مِنْ جُدُرٍ بِرَدٌ مِثْلِهَا يُقَالُ قَدْ بَرِي وَهْوَ خِلَافُ الأَخْذِ مِنْ حِظَارِ إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي الصَّوْنِ كَالْجِدَارِ وَكُلُّ مَنْ أَتْلَفَ مَا لَا يُوزَنُ وَلا يُكَالُ يَلْزِمَنْهُ الثَّمَنُ وَإِنْ يَكُنْ يُوزَنُ أَوْ يُكَالُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمِثَالُ إِلَّا إِذَا يَرْضَى بِدُونِ الْمِثْلِ مِنْ قِيْمَةٍ وَلَوْ رَضِي بِالحِلِّ فَإِنَّهُ يَبْرأُ مَهْمَا أَبْرَى مَهْمَا أَبْرَى صَاحِبُهُ وَالمُبْرِي نَالَ الأَجْرَا
(1) قوله: «طَفَالَةً» قطعة هي
لها اللبنة.
من الطين توضع في قالب من الخشب ويبنى بها الجدران، ويقال (1/592)
صفحة 593
592
الجزء الثاني
كتاب الضمانات
وَكَاسِرُ الخَلْخَالِ يُلْزَمَنَّا خِدْمَتَهُ حَتَّى يُقَوَّمَنَّا وَإِنْ أَرَادَ قِيمَةَ الْخَلْخَالِ مَالِكُهُ تَلْزَمُهُ بِحَالِ يُقَوَّمَنَّ سَالِمًا مِنْ كَسْرِ وَيُعْطِ مَا أَنْقَصَهُ بِالْكَسْرِ (1) وَسَارِقُ خَشَبَةٌ ثُمَّ بَنَى وَخَافَ مِنْ إِخْرَاجِهَا هَدْمَ الْبِنَا فَقِيلَ فِي خَلَاصِهِ بِمِثْلِهَا يُجْزِي كَذَا بِثَمَنِ لِأَصْلِهَا وَذَاكَ خَوْفَ ضَرَرِ الإِنْسَانِ بِهَدْمِ مَا بَنَى مِنَ الْجُدْرَانِ وَآخِذُ مِنَ الفَلَا بَعِيرًا فَرَدَّهُ فِيهَا فَلَا مَحْذُورَا وَقِيلَ لا يَبْرَأُ حَتَّى يَعْلَمَا وصُولَهُ لِرَبِّهِ مُسَلَّمَا وَقِيلَ مَنْ لَزِمَهُ ضَمَانُ مِنْ نَهْرِ قَوْمٍ هُمْ بِهِ أَعْوَانُ وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ مِنْ مَاءٍ مَنْ فَالِاحْتِلَافُ فِي الْخَلَاصِ يُنْقَلَنْ فَقَالَ قَوْمٌ يُنْفَذَنْ فِي الْفُقَرَا وَقِيلَ بَلْ يُصْلِحُ مِنْهُ النَّهَرَا وَذَاكَ إِنْ لَمْ يُمْكِنِ انْتِقَالُ شَيْءٍ مِنَ المَالِ وَلا يُزَالُ وَإِنْ يَكُنْ يُمْكِنُ فَالإِصْلَاحُ أَوْلَى به لأَنَّهُ صَلَاحُ كَذَاكَ قَالَ وأَقُولُ يَرْشَحُ (2) حِيْنتَذٍ لِلْفُقَرَاءِ أَرْجَحُ وَمَنْ جَنَى جِنَايَةٌ بِبَلَدِ وَجَهِلَ الْأَرْبَابَ عِنْدَ الرَّشَدِ
(1) قوله: «وَيُعْط» مجزوم بلام الأمر المقدرة على حد قوله: محمد تَفْدِ نفسُكَ كل نفس. وقد سبق
ذكر ذلك.
(*) منصوب على نزع الحافض والتقدير من خوف أو لخوف. (إسماعيل) (2) قوله: «يَرْشَحُ أَي يَحْسُن. (1/593)
صفحة 594
باب الخلاص من الضمان
الجزء الثاني
593
(2)
خَلَاصُهُ فِي الفُقَرَا يُجْزِيهِ فِي غَيْرِهِ) وَقِيلَ لَا يُجْزِيهِ لَعَلَّهُ يُصِيبُ ذَا الصَّمَانِ بِبَعْضٍ مَا يُنْفِذُ فِي الْمَكَانِ وَهُوَ مَقَالُ يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَا وَلَمْ يَكُنْ يَسْتَلْزِمُ الإِيجَابًا وَقِيلَ فِي الْعَبْدِ إِذَا مَا هَرَبَا ثُمَّ أَرَادَ التَّوْبَ حِينَ انْقَلَبَا وَلَمْ يَجِدْ مِنَ المَوَالِي أَحَدًا لأَنَّهُ أَفْنَاهُمُ كَرُّ الرَّدَى (2) فَإِنَّهُ عَنْ وَارِثِيهِمْ يَسْأَلُ لِأَنَّهُ مُلْكُ إِلَيْهِمْ يُنْقَلُ وَإِنْ يَكُونُوا جَهِلُوا فَإِنَّهُ لِلْفُقَرَا يَكُونُ فَافْهَمَنَّهُ وَكُلُّ مَا قَدْ جُهِلُوا أَرْبَابُهُ فَإِنَّهُ لِلْفُقَرَا إِيَابُهُ وَقَالَ قَوْمٌ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي دَوْلَةِ الإِسْلَامِ ذَا مَصْرُوفُ وَفِيهِ قَوْلٌ أَنَّهُ أَمَانَهُ فِي بَيْتِ مَالِ اللَّهِ لِلصَّيَانَهُ
(3)
وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلَهُ حَشْرِيَّا وَكَانَ عَنْ إِنْفَاذِهِ أَبِيَّا وَهُوَ مِنَ التَّوَرُّعِ المَحْمُودِ وَالْأَوَّلُ الْأَنْفَعُ فِي المَعْهُودِ وَإِنَّهُ الصَّائِعُ وَالْمَشْرُوعُ أَنَّ ضَيَاعَ مَالِنَا مَمْنُوعُ فِي دَوْلَةِ الإِسْلَامِ يُجْعَلنَّا مَا كَانَ فِي الْأَمْلاكِ يُجْهَلَنَّا مَنْفَعَةً تَعُمُّ كُلَّ النَّاسِ فَلَيْسَ فِي إِنْفَاذِهِ مِنْ بَاسِ
(1) قوله: «فِي غَيْرِهِ» أي في غير ذلك البلد. (2) قوله: «كرُّ الرَّدَى» أي الموت؛ سمي بذلك لأنه يكر على الخلق مرة بعد أخرى.
(3) قوله: «حَشْرِيَّا» أي مؤبدا إلى يوم الحشر. (1/594)
صفحة 595
594
الجزء الثاني
كتاب الضمانات
وَالفُقَرَا إِنْ عُدِمَ القُوَّامُ أَوْلَى بِهِ فَلْيَحْكُم الحُكَامُ وَإِن نَظَرْتَ في حَدِيثِ اللُّقَطَهُ وَفِي الَّذِي ذَكَرْتُ لَمْ تُغَلِّطَة وَقِيلَ إِنَّ مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ إِنْفَاذُهُ فِي الفُقَرَا يَحِقُ يَجُوزُ أَنْ يُبْرأَ مِنْهُ نَفْسَهُ لِفَقْرِهِ وَقَالَ بَعْضُ عَكْسَهُ وَلَا أَرَى تَلَفُّظَ اللَّسَانِ شَيْئًا يُبَرِّيهِ مِنَ الصَّمَانِ لأَنَّهُ المَأْخُوذُ بِالْحَقِّ وَمَنْ يُؤْخَذْ لَهُ الْحَقُّ سِوَاهُ فَافْهَمَنْ وَالفُقَرَاءُ جُمْلَةٌ وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَاكَ حِلُّهُ تَهَدَّمَا إِذْ لَمْ يَكُ الوَاحِدُ مِنْهُمْ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ وَالغَيْرُ لَمْ يُحِلَّا وَلَيْسَ الإِنْفَاذُ كَمِثْلِ الحِلِّ العُسْرِ أَنْ يَنْفِذَهُ فِي الكُلِّ وَلِلْإِمَامِ يُبْرِ أَنَّ مِنْهُ لِأَنَّهُ النَّائِبُ فَاعْرِفَتْهُ نَابَ عَنِ الْجَمِيعِ فَالبُرْآنُ مِنْهُ عَنِ الْجَمِيعِ حَيْثُ كَانُوا وَهْوَ عَن الأُمَّةِ طُرًّا نَابَا فَيَا لَهُ مِنْ شَرَفٍ أَصَابَا وَوَالِدٌ وَلَدَهُ قَدْ ضَرَبَا مُبَرِّحًا (2) يَضْمَنُ مَا قَدْ عَطِبَا وَلَا لَهُ يُبْرِأُ مِنْهُ نَفْسَهُ فِي أَكْثَرِ الأَقْوَالِ فَاتْرُكُ لَبْسَهُ وَمَنْ عَلَيْهِ لِيَتِيْم حَقُّ وَبِالْخَلَاصِ مِنْهُ مُسْتَحِقُّ
(1) قوله: «القُوَّام» بضم القاف جمع أقوام بفتحها وهم الذين يقومون بأمر المسلمين وشؤونهم، جعله مفردًا أي إن عدم الإمام أو السلطان العدل القائم بالأمر. (2) قوله: «مُبَرِّحًا» صفة لمصدر محذوف أي ضربا مبرحًا.
ويصح (1/595)
صفحة 596
باب الخلاص من الضمان
الجزء الثاني
595
فَقِيلَ يَبْرَا مِنْهُ إِنْ كَسَاهُ مِنْهُ وَإِنْ أَطْعَمَهُ إِيَّاهُ وَقِيلَ فِي الكِسْوَةِ يُلْحَظَنَّا حَتَّى يَرى لِبَاسَهُ قَدْ أَفْنَى وَبِفَنَائِهَا عَلَيهِ يَبْرَى وَقَبْلَهُ لَيسَ يُلاقِي عُذْرَا مَخَافَةَ التَّصْيِيع لِلْبَاسِ لأَنَّهُ خَالٍ مِنَ الْقِيَاسِ وَقِيلَ ذَاكَ لَا يَجُوزُ إِلَّا يَجُوزُ إِلَّا بِالْحُكْمِ عِنْدَ حَاكِمِ تَوَلَّى لَكِنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَصِيَّ كَذَا وَكِيلٍ صَحَّ لِلصَّبِيِّ ثُمَّ مِنَ الْخَلَاصِ أَنْ يُحِلَّهُ لِأَنَّهُ الإِسْقَاطُ فَانْهَمْ أَصْلَهُ كَذَلِكَ البُرْآنُ وَهْوَ أَوْكَدُ وَالحِلُّ وَجْهٌ جَائِزٌ إِذْ يُقْصَدُ وَقَوْلُهُ أَنْتَ بِحِلَّ أَوْلَى مِنْ قَولِ مَنْ يُعَرِّفَنَّ الحِلَّا) وَجَائِزٌ تَعْرِيفُهُ وَيَسْقُطُ بالكُلِّ مَا مِنَ الحُقُوقِ يُسْقَطُ وَقَائِلٌ جَعَلْتَنِي فِي حِلٌ فَقَالَ إِيهِ بِاصْطِلاحِ الكُلِّ فَقِيلَ يَبْرَا مِنْهُ لِلتَّعَارُفِ لِأَنَّهُ كَالْإِذْنِ عِنْدَ العَارِفِ وَالْحُكْمُ يَأْبَى حِلَّهُ وَلَا أَرَى فِي الْحُكْمِ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ عُذِرَا لِأَنَّمَا الْأَحْكَامُ فِي ذَا الْبَابِ تَتْبَعُ الإِصْطِلاحَ فِي الْخِطَابِ
(1) قوله: «يعرفن الحلا يعني أنه إن قال له أنت في حل من كذا أو مما عليك لي فهو أولى من قوله أنت في الحل؛ لأنه يحتمل أنه أراد به الموضع أي لست في الحرم، والصحيح ما قاله المصنف رحم الله أن الحق يسقط بذلك؛ لأن الأمور بمقاصدها ولا يُصار إلى الاحتمال إذا خلا من القرينة الدالة عليه. (1/596)
صفحة 597
596
الجزء الثاني
كتاب الضمانات
وَكُلُّ مَا بِعَيْنِهِ مَوْجُودُ فَالحِلُّ فِيهِ بَاطِلٌ مَرْدُودُ لِأَنَّ هَذَا بِالعَطَا يَنْتَقِلُ أَوْ بِالشِّرَا أَوْ مَا لَهُ يُنَقِّلُ وَالحِلُّ وَالبُرْآنُ لَا يُحَوِّلُ لِلْمُلْكِ لَكِنْ لِلسُّقُوطِ يُجْعَلُ يَسْقُطُ مَا فِي ذِمَّةِ الإِنْسَانِ إِنْ جَاءَهُ بِالْحِلَّ وَالبُرْآنِ وَإِنْ دَرَى صَاحِبُهُ بَقَاهُ وَعِنْدَ ذَا أَحَلَّ أَوْ أَبْرَاهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ كَالْعَطَاءِ لِجَعْلِهِمْ ذَاكَ مِنَ الإِعْطَاءِ وَإِنْ يَكُنْ صَاحِبُهُ تَظَلَّمَا مِنْهُ فَلَا يَبْرَأُ حَتَّى يُعْلَمَا بِأَنَّهُ بَاقٍ وَيَدْفَعَنَّا إِلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُ يُبْرِأَنَّا فَإِنْ أَحَلَّ عِنْدَ هَذَا الحَالِ فَإِنَّ حِلَّهُ مِنَ الحَلَالِ وَالخُلْفُ هَل يَسْقُطُ أَمْ لَمْ يُسْقِطِ بُرْآنُهُ مِنَ الْحَيَاءِ المُفْرِطِ وَلا يَجُوزُ مِنْ مَرِيض أَبَدَا لِوارِثِيهِ لَوْ بِهِ لَهُمْ بَدَا لِأَنَّهُ يُلْحَقُ بِالْوَصَايَا وَهُوَ مِنَ الْمَمْنُوعِ فِي الْبَرَايَا وَإِنْ يَكُنْ لِغَيْرِ وَارِثِيهِ فَالِاخْتِلَافُ جَاءَ أَيْضًا فِيهِ
(1)
(3)
لِأَنَّهُ يُلْحَقُ بِالعَطِيَّةِ وَمَنْ أَجَازَ قَالَ كَالْوَصِيَّةِ
(1) قوله: «يُسْقِط بضم حرف المضارعة من أسقط الرباعي، والمعنى أن العلماء اختلفوا إذا أبرأ الإنسان أحدًا من له عليه مع الحياء المفرط أي الشديد هل يسقط برآنه حقه وهل يبرأ غريمه من حقه أم لا، والأصح أنه لا يبرأ إذا علم ذلك منه.
حق
(2) قوله: «يُلحق بالعطية، أي أن إبراء المريض من حق له، بعضهم يجعله مثل العطية وعطية المريض مردودة، وبعضهم يجعله كالوصية فيكون من ثلث ماله. (1/597)
صفحة 598
باب الخلاص من الضمان
الجزء الثاني
597
فَيُلْزِمَنَّ حَصْرَهُ فِي الثُّلُثِ وأَطْلَقَ البَعْضُ لِغَيْرِ العَبَثِ وَإِنْ تَكُنْ قَدْ حُجِبَتْ فِي خِدْرِ وَلَمْ يَكُنْ وُصُولُهَا بِالْيُسْرِ فَقِفْ عَلَى الْبَابِ وَأَرْسِلَنَّ مَنْ أَدْرَكْتَهُ مِمَّنْ هُنَاكَ يُبْلِغَنْ كَانَ أَخَا أَوْ غَيْرَهُ فَأَرْسِلِ بِحَقِّهَا فَإِنْ أَتَاكَ فَاقْبَلِ فَالْحِلُّ وَالْخَلَاصُ مِنْهُ يُقْبَلُ إِنْ لَمْ يَجِدْ سِوَاهُ مِمَّنْ يُرْسَلُ لَكِنْ يُخَوِّفَنَّهُ الإِلَهَا وَأَنَّهُ أَمَانَةٌ أَتَاهَا وَأَنَّهُ يَسْأَلُهُ عَنْهَا غَدَا عِنْدَ الإِلَهِ وَكَفَاهُ ذَا الأَدَا وَإِنْ يَكُنْ لِرَجُلٍ قَدْ ضَمِنَا أَبْرَاهُ فِي كِتَابِهِ إِذْ شَطَنَا) فَإِنَّهُ إِنْ صَحَّ مِنْهُ الْخَطُّ فَكُلُّ مَا يَلْزَمُهُ يَنْحَطُّ (2) وَمَالِكُ الْعَبْدِ أَوِ الْبَهِيمَهُ بُرْآنُهُ يَثْبُتُ لَوْ فِي الْقِيمَهُ وَالْخُلْفُ فِي الْوَالِدِ إِنْ أَبْرَاهُ مِنْ حَقِّ ابْنِهِ وَلَا أَرَاهُ يَبْرَأَنْ لِأَنَّ لِلْوَالِدِ يَأْخُذَنَّا لِنَفْسِهِ مِنْ مَالِهِ إِذْ عَنَّا (3)
(4)
وَمَالَهُ لِلْغَيْرِ يُبْرِيَنَّا وَهْوَ خِلَافُ أَخْذِهِ إِنْ قُلْنَا
يَأْخُذُهُ وَالْخُلْفُ قَدْ تَقَدَّمَا في أَخْذِهِ مِنَ ابْنِهِ مُتَمَّمَا
(1) قوله: «شَطَنَا»: أي بَعُدْ.
(2) قوله: «يَنْحَ»: أي يسقط.
(3) عَنَّا: أي عرض.
(4) قوله: «وَمَالَهُ لِلْغَيْرِ» يعني أنه ليس للأب أن يُبري أحدًا من حق عليه لولده، وإنما يجوز له أن
يبري
نفسه في قول بعضهم. (1/598)
صفحة 599
تم الجزء الثاني من جوهر النظام في الأديان والأحكام
ويليه إن شاء الله الجزء الثالث
وأوله كتاب الإباحة (1/599)
صفحة 600
تقديم: معالي الوزير عبد الله بن محمد بن عبد الله السالمي
مقدمة
ترجمة المؤلف
الجزء الأول
كتاب العلم.
كتاب أصول الدين.
باب التوحيد.
باب صفات الله تعالى باب في ألفاظ الصفات.
باب في أفعاله تعالى.
باب خلق القرآن.
باب في الإيمان
باب في الكفر.
باب الولاية والبراءة.
باب في بيان شيء مِنَ المعاصي.
الفهرس
26
34
کے سلام کے کے کے
مد مد مد قد کے
46
03
11
O (1/600)
صفحة 601
64
70
73
79
82
??
85
87.
88
90
92
92
94
95
97.
103.
600
كتاب أصول الفقه.
كتاب الطهارات.
باب المياه.
فصل في ماء البئر.
باب الطهارة بغير الماء
باب أنواع النجاسات
بابُ المُتَنَجِّسَات.
باب غُسْل المُتَنَجِّسات.
باب قضاء الحاجة.
باب الاستنجاء
كِتابُ الغُسل مِنَ الجَنابَة.
باب كيفية الغسل ...
باب أحكام الجنب
كتاب الوضوء.
باب الماء الذي يتوضأ به
باب النية.
باب صفة الوضوء
باب نواقض الوضوء
كتاب التيمم. (1/601)
صفحة 602
601
1 V.
108
111
112
113.
115
116
118.
119
120
122
123.
132
136
139
18.
144
147 .
153
153.
الفهرس
كتاب الصلاة ..
باب في
الأذان والاقامة.
باب التوجيه
باب تكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ.
باب الاستعادةِ والقِرَاءةِ. باب الركوع.
بابُ السُّجُودِ.
باب القعود للتشهد
باب التسليم.
بابُ سُجُودِ السَّهو.
بابُ حُكْم تَارِكِ الصَّلَاةِ.
باب نواقض الصلاة. باب اللباس.
باب السُّتْرَة.
باب صلاة الجماعة
فصل الإمام في الصلاة.
فصل أحكام الإمام في الصلاة ..
فصل في أحكام المأمومين.
باب المساجد.
باب صلاة السفر
فصل في الجمع والإفراد. (1/602)
صفحة 603
فصل في حد السفر. فصل الأوطان.
فصل في حكم القصر.
باب صلاة الجمعة.
باب في التطوع. فصل في الوتر. فصل في السنن.
فصل في صلاة الضحى فصل صلاة العيدين
فصل النفل.
فصل سجدة القرآن.
فصل في قضاء الفوائت.
خاتمة في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها
100
160
171
? ? ?
177.
167.
168.
170
173
176.
17800
179.
180
181
181
184
185
188.
190
602
كتاب الصوم.
باب انقسام الصوم إلى واجب وغيره.
فصل الصوم المستحب.
باب ما يوجب الصوم والفطر من رمضان.
باب صفة الصوم وما يجوز فيه.
باب الفطور والسحور.
باب نواقض الصوم.
باب بدل رمضان.
باب فُطرة الأبدان. (1/603)
صفحة 604
603
193
193
197.
199
200
201
206
207.
210
212
214
215
221
2240
2240
226
228.
229
232
الفهرس
كتاب الجنائز. باب غُسْلُ الميّت.
باب التكفين.
باب الصلاة على الميت. باب دفن الميت.
باب القبر.
كتاب الزكاة.
باب النصاب ولوازمه ...
باب زكاة الثمار.
باب زكاة النقود والتجارة.
باب زكاة الماشية.
ذكر زكاة الغنم.
باب إنفاذ الزكاة. خاتمة في الجِزْيَةِ
كتاب الحج.
باب الاستطاعة.
باب النيابة في الحج.
باب العمرة. باب الإحرام.
ذكر بدء الإحرام.
باب الطواف. (1/604)
صفحة 605
236
2370
2380
241
243
2430
246
249
251
257.
264
273.
273.
2760
278.
284
289
293
2940
الجزء الثاني
604
باب السعي. باب الإحلال.
باب عرفة والمشاعر.
باب رمي الجمار
باب وداع البيت.
باب الفدية والجزاء باب النحر.
كتاب الاعتكاف.
كتاب النذور.
كتابُ الأَيْمَان.
باب الكفارات.
كتاب الأطعمة.
باب أحكام صنوف الحيوانات.
باب الاصطياد ...
باب الذباح
باب منافع الحيوانات ومضارها.
باب الأشربة.
كتاب النكاح.
باب المرأة التي يرغب في نكاحها. (1/605)
صفحة 606
605
296
299
316.
325
339
343
3490
353
353
367.
373
378.
382
385
391
391
396
400
402
الفهرس
باب المرأة التي لا يجوز نكاحها. بابُ عَقدِ التَّزْوِيجِ وَشُرُوطِهِ
باب الأمورِ الْعَارِضَةِ على العقدِ بعدَ صِحَّتِهِ.
باب ما يباحُ بِصَحِيح باب الصداق.
باب معاشرة الأزواج.
باب النفقات
بابُ إِلْحَاقِ الْوَلَدِ.
باب الحَصانة.
بابُ الرَّضَاع.
كتابُ الفِرَاقِ وَأَنْوَاعُهُ. باب الطلاق. بابُ الْخُلَعِ
باب الخيار.
باب الظهار.
فصل كفارة الظهار.
باب الإيلاء.
العقد
باب في المفقود والغائب كتاب أحكام المماليك. باب تزويج المماليك.
باب التسري.
باب استخدام العبيد
باب كسب العبيد. (1/606)
صفحة 607
403
404
416
422
4290
429
434
441
444
444
4530
462.
466
469
473.
476.
482
486
496
606
باب أدب العبيد
باب العشق
باب الولاء
كتاب العدد
باب أحكام العِدَدِ.
كتاب الحيض والنفاس
باب الحيض.
بابُ أحكامِ الْحَيْضِ باب النفاس
كتاب البيوع. باب الربا.
باب مناهي البيوع.
باب أركانِ البَيْع. بابُ عَقْدِ البَيْعِ. فَصْلُ الْقَبْضِ بَعْدَ العَقْدِ.
فصلُ الإِقَالَةِ بَعْدَ الْعَقْد.
فصل نقض الْبَيْع.
فصلُ الشَّرْطِ في البَيْعِ
فصل شرط الخيار.
باب البائع (1/607)
صفحة 608
607
502
504
510
210
520
530
535
539
539
544
552
554
5580
579.
581
590
الفهرس
باب المشتري.
باب المبيع.
باب عيب المبيع.
باب الغش في المبيع. كتاب الشفعة.
كتاب المضاربة.
كتاب السلف.
كتاب الديون.
باب القرض.
باب الوثيقة في
الدين.
باب الحقِّ الَّذِي فِي
الذِّمَّةِ.
باب قضاء الدين.
باب الإعسار بقَضاءِ الدَّيْن.
باب الحجر والتفليس.
كتاب الضمانات.
باب أسباب الضمان.
باب ما لا ضمان فيه.
باب الأموال المشتبهة.
باب الخلاص من الضمان (1/608)
صفحة 609
[صفحة فارغة] (1/609)
صفحة 610
سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
جوهر النظامية
فِي عِلْمَ الْأَدْيَانِ وَالْأَحْكَامِ
الإمام نور الدين عبد الله بن محمد السالمي
(ت: 1322 هـ ـ 1914 م)
علقَ عَلَيْهِ الشَّيْحَانِ العَلامَتَانِ
أبو اي حان أطفيش ابراهيم العبري
ضَبَطَ نَضَهُ
إسماعيل بن ناصر العوني
الجُزْءُ الثَّالِثُ والجُزْءُ الرَّابِعُ (2/1)
صفحة 611
جوهر النظامية
في عِلْمَى الأَدْيَانِ وَالْأَحْكَامِ
الجُزْءُ الثَّالِثُ والجُزْءُ الرَّابِعُ) (2/2)
صفحة 612
حقوق الطبع محفوظة
لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية سلطنة عمان
الطبعة الثانية 1439 هـ ـ 2018 م
لا يجوز نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب في أي شكل من الأشكال أو بأية وسيلة من الوسائل - سواء التصويرية أو الالكترونية، بما في ذلك النسخ الفوتوغرافي أو سواه وحفظ المعلومات واسترجاعها - إلا بإذن خطي من الناشر. (2/3)
صفحة 613
جوهر النظامية
في عِلْمَى الْأَدْيَانِ وَالْأَحْكَامِ
الإمام نور الدين عبد الله بن محمد السالمي
ت: 1332 هـ ـ 1914 م)
عَلَقَ عَلَيْهِ الشَّيْحَانِ العَلامَتَانِ
أبو اي حان أطفيش
ابراهيم العبري
ضَبَطَ نَصَّهُ
إسماعيل بوناصر العوفي
الجزء الثالث والجزء الرابع (2/4)
صفحة 614
? (2/5)
صفحة 615
الجُزْءُ الثَّالِثُ (2/6)
صفحة 616
[صفحة فارغة] (2/7)
صفحة 617
بابُ التَّعَارُفِ
الجزء الثالث
V
كتاب الإباحة (1)
وَهْيَ أُمُورٌ تُدْرَى بِالأَحْوَالِ مَعَ انْتِفَاءِ الرَّيْبِ كَالْإِدْلَالِ وَكَتَعَارُفٍ مِنَ الْجَمِيعِ وَكلَّ مَا أَفْضَى إِلَى التَّوْسِيعِ فَحَاجَةُ النَّاسِ إِلَى التَّعَامُلِ يَكُونُ كَالْإِذْنِ وَكَالدَّلائِلِ وَبَابُهُ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَا بِالِاسْتِدْلَالِ يُعْرَفَنْ يَقِينَا
بابُ التَّعارف
وَهُوَ إِبَاحَةٌ بِهَا تَعَارَفُوا وَلَمْ يَكُنْ فِي أَمْرِهَا تَخَالُفُ يَعْرِفُهَا أَهْلُ الْبِلاَدِ طُرًّا بَأَنَّ ذَا لَمْ يُحْجَرَنَّ حِجْرَا فِي مِثْلِهِ تَسَامُحُ النُّفُوسِ وَلَمْ يَكُنْ رَيْبٌ مِنَ المَحْسُوسِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الرَّيْبِ فِي ذَا الشَّانِ يُعْرَفُ حِلُّهُ بِذَا الْمَكَانِ وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهِ أَجَازَهُ بَعْضُ وَبَعْضُ لا يَرَى الإِجَازَهُ وَالْقَوْلُ بِالْجَوَازِ قَوْلُ الأَكْثَرِ أَيَّدَهُ أَيْضًا مَعَانِي الْخَبَرِ فَإِنَّهُ يُوجَدُ فِي الأَخْبَارِ مَعْنَاهُ مَنْصُوصًا فَلَا تُمَارِي وَبَعْضُهُمْ يَمْنَعُهُ فِيْمَا غُصِبْ وَفِي يَتِيمِ مَسْجِدٍ وَمَنْ يَغِبْ
(1) أي: المباح، فالمصدر بمعنى اسم المفعول يعني المباحات، وما يجري مجرى العرف بين الناس. (أبو إسحاق)
(2) قوله: «تسامح مضاف والنفوس مضاف إليه. (2/8)
صفحة 618
الجزء الثالث
كتاب الإباحة
يَقُولُ مَا عَلَيْهِمُ تَعَارُفُ لأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدَنْهُ الوَاصِفُ وَبَعْضُهُمْ يَمْنَعُهُ فِي الكُلِّ وَلَمْ يَرَوْهُ حُجَّةٌ لِلْحِلِّ تَعَلُّقًا بِمُقْتَضَى الْأَحْكَامِ وغَيْرُهُ) قَالُوا مِنَ الْحَرَامِ وَعِنْدَهُمْ لَهُ فُرُوعٌ تُذْكَرُ نَذْكُرُ بَعْضَهَا كَمَا قَدْ ذَكَرُوا فَرَجُلٌ لِرَجُلٍ قَدْ أَذِنَا يَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ حَوَاهُ فِي إِنَا فَإِنْ تَوَضَّا مِنْهُ أَوْ تَغَسَّلَا فَضَامِنٌ لِمَا بِهِ قَدْ غَسَلَا وَهَكَذَا إِذَا سَقَى سِوَاهُ إِذْ لَمْ يَكُنْ لِمِثْلِ ذَا أَعْطَاهُ وَمَنَعُوا اللَّقَاطَ (2) لِلْخَلَالِ إِلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِ الأَمْوَالِ وَهَكَذَا السَّابِحُ فِي الْأَنْهَارِ فِي زَمَنِ الْقَيْظِ مِنَ الثَّمَارِ يُمْنَعُ إِلَّا إِنْ يَكُنْ تَعَذَّرَا مَالِكُهُ فَإِنَّهُ لِلْفُقَرَا وَجَائِزُ لِلَّاقِطِ الْفَقِيرِ يَنْتَفِعَنْ بِهِ كَمِثْلِ الْغَيْرِ وَمَنْ دَعَا إِلَى طَعَامٍ رَجُلًا وَلَمْ يَكُنْ أَمَّرَهُ أَنْ يَأْكُلَا لَيْسَ لَهُ يَأْكُلُ حَتَّى يُؤْمَرَا وَهْوَ مَقَالُ مَنْ لِهَذَا حَجَرَا وَفِي جَمَاعَةٍ عَلَى طَعَامِ دَعَاكَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْإِطْعَامِ لَا تَأْكُلَنْ حَتَّى يَقُولُوا طُرًا كُل يَا فَتِي فَكُلْ وَلَا تَصْطَرًا
(1) قوله: «وغيره» مبتدأ خبره ما بعده، والمعنى: أن الأحكام تقضي بأن كلا أولى بما يملكه؛ فلا يحل ملكه لأحد إلا بإذنه، وغير ما خرج بإذنه أو بيعه أو عطيته فهو حرام.
(2) اللقاط بالفتح وهو تناول ما يتساقط من ثمر النخيل مدركًا كان أو غير مدرك، والخلال منه ما لم يَزْهُ. (2/9)
صفحة 619
بابُ التَّعَارُفِ
الجزء الثالث
وَإِنْ يَكُنْ دَعَاكَ رَبُّ المَنْزِلِ أَجِبْهُ فِي الحَالِ وَمِنْهُ فَكُلِ فَإِنَّهُ أَوْلَى بِمَا فِي الْبَيْتِ وَغَيْرُهُ تَجَمَّعُوا لِلْقُوتِ وَالحُكْمُ أَنَّ ذَلِكَ الطَّعَامَا (1) فَلَا نَرَى لِغَيْرِهِ كَلَامَا وَمَنَعَ الشَّيْخُ سَلِيْلُ صَقْرِ) في قَوْلِهِ أَنْ يُتَكَى بِالْجُدْرِ فَإِنَّهُ قَدْ أَلْصَقَ الْجِدَارَا بِإِصْبَعِ وَنَظَرَ الْغُبَارَا وَقَالَ فِيهِ إِنَّ هَذَا مَالُ وَرَبُّهُ أَوْلَى بِهِ وَقَالُوا الإِنَّكَا بِجُدُرِ الْأَنَامِ يَجُوزُ مَا لَم يَكُ ذَا انْهِدَامِ) وَهْوَ مَقَالُ مَنْ يَرَى التَّعَارُفَا فَكُنْ إِلَيْهِمْ مِثْلَ هَذَا صَارِفَا وَالشُّرْبُ وَالْوُضُوءُ مِنْ نَهْرٍ غُصِبْ نَهْرٍ غُصِبْ فَالِاخْتِلَافُ عِنْدَهُمْ فِيهِ يَجِبْ بِثْرُ الْيَتِيمِ جَائِزٌ أَنْ يَشْرَبَا مِنْهَا وَأَنْ يَغْسِلَ مِنْهَا الْجَرَبَا) إِنْ كَانَ مَنْ يَفْعَلُ ذَاكَ يَسْتَقِي بِدَلْوِهِ وَلِلْإِلَهِ يَتَّقِي وَقِيلَ حُكْمُ الْمَاءِ فِي الْآبَارِ لِمَنْ لَهُ يَنْزِعُ لَا تُمَارِي لَوْ أَنَّهُ بَالْأَجْرِ مِنْهَا يَنْزِعُ أَوْ كَانَ مَمْلُوكًا كَذَاكَ يُشْرَعُ
(1) قوله: «أن ذلك الطعاما خبر أن محذوف تقديره له وإنما حذفه لإقامة الوزن وللعلم به. (2) قوله: الشيخ سليل صقر؛ هو العلامة الشهير أبو معاوية عزان بن الصقر الغلافقي النزوي من العلماء المتقدمين السابقين علمًا وزمانًا. (أبو إسحاق)
(3) قوله: «ذا انهدام»، أي: ما لم يكن ينهدم إذا اتكأ عليه؛ فإن كان كذلك امتنع الاتكاء به. (4) قوله: الجربا: هو داء معروف يكون في الإبل والغنم، وليس المراد به حصر الإباحة لغسله من تلك البئر وحده بل هو تكملة للبيت والمراد أن الشرب والغسل لا يمنع من بئر اليتيم، وإذا
جاز غسل الجرب منها جاز غيره من باب أولى، والله أعلم. (أبو إسحاق) (2/10)
صفحة 620
الجزء الثالث
كتاب الإباحة
فَهَذِهِ فُرُوعُ مَنْ قَدْ مَنَعُوا وَعَكْسُهَا تَلْقَاهُ مَعْ مَنْ وَسَعُوا وَلِلْمُوَسِّعِينَ تَفْرِيعَاتُ تَأْتِي بِهَا فِي نَظْمِنَا الْأَبْيَاتُ وَلَقْطُكَ التَّمْرَ مِنَ الْمَحْصُونَ حِجْرٌ لِهَتْكِ حُرْمَةِ الْحُصُونِ لِأَنَّهُ مِنْ حِينٍ مَا قَدْ حَصَّنَا (1) تَعْرِفُ مَنْعَهُ لِمَا لَهُ بَنَى فَيَخْرُجَنْ ذَاكَ عَنِ الْإِبَاحَهُ إِلَّا إِذَا بِقَوْلِهِ أَبَاحَهُ وَمَا عَدَاهُ فَحَلَالٌ يُلْتَقَطَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِخَارِبِ الرِّيحِ سَقَطْ وَصِفَةُ الْخَارِبِ مَا قَدْ يَسْقُطُ مِنْهَا ثَلَاتٌ (2) دَفْعَةٌ لَا يُلْقَطُ وَهَكَذَا مَا أَسْقَطَ الطُّيُورُ فَلَقْطُهُ عِنْدَهُمْ مَحْجُورُ فِي أَكْثَرِ الْقَوْلِ وَبَعْضُ رَخَّصَا إِذِ الدَّلِيلُ فِيهِ لَمْ يُخَصِّصَا وَقِيلَ لَا بَأْسَ عَلَى مَنْ لَقَطَا مِنْ أَرْضِ قَوْمٍ سُنْبُلًا إِذْ سَقَطَا وَهَكَذَا أَيْضًا لِقَاطُ التَّمْرِ بَعْدَ الْجَدَادِ (3) وَذَهَابِ الْأَمْرِ لأَنَّهُ الْمَشْرُوكُ وَالتَّرْكُ لِمَا يَمْلِكُ لَا يَجْعَلُهُ مُحَرَّمَا إِلَّا إِذَا كَانَ مِنَ الْحُصُونِ فَلَا يَجُوزُ اللَّقْطُ لِلْمَحْصُونِ وَبَعْضُهُمْ يَمْنَعُ لَقْطَ التِّينِ إِذْ لَمْ يَكُنْ كَالتَّمْرِ فِي التَّعْيِينِ
(1) قوله: حصَّنا» بالبناء للفاعل، أي: بنى عليه حائِطًا.
(2) غير موجودة، أي: ثلاث حبات من ثمرة النخلة الواحدة، ودفعة مصدر واقع موقع
الحال. (أبو إسحاق)
(3) الجداد: هو صرام الثمر. (2/11)
صفحة 621
بابُ التَّعَارُفِ
الجزء الثالث
11
فَرُبَّما شَجَّتْ
به
النُّفُوسُ لِعُدْمِهِ فَرَيْبُهُ مَحْسُوس
وَاللَّقْطَ لِلتَّمْرِ أَبَاحَ الأَثَرُ وَلَمْ يَكُنْ فِي التِّينِ عَنْهُمْ خَبَرُ لَعَلَّهُ لأجل مَعْنَى خُصَّا مِنْ ذَاكَ فِي التَّمْرِ عَلَيْهِ نُمَّا وَعَلَّهُ لِأَجْلِ الاِقْتِيَاتِ وَالنَّبِنُ يُؤْتَى لِلتَّفَكُهَاتِ هَذَا هُوَ الْوَجْهُ لِمَا قَدْ قِيلاً لكِنَّنِي فِيهِ أَرَى التَّحْلِيلَا لِأَنَّهُ يَكُونُ كَالْأَرْطَابِ وَذَاكَ عِنْدَ نَفْي الْمُسْتَرَابِ وَجَائِزَ قَدْ قِيلَ أَخَذُ الْحَطَبِ مِنَ الْمُبَاحَاتِ لِكُلِّ الْعَرَبِ وَضِدُّهَا وَهُوَ الَّذِي يُحَصَّنُ لَيْسَ يَجُوزُ فَادْرِ مَا يُبَيَّنُ كَذَلِكَ الحَشِيْسُ فِي الزُّرُوعِ فَأَخْذُهُ لَيْسَ مِنَ الْمَمْنُوعِ وَهْوَ الَّذِي يَنْبُتُ دُونَ بَذْرِ لِأَنَّهُ الْكَلَا فَغَيْرُ حِجْرِ لكِنَّهُ يَنْفُضُ مَا تَعَلَّقَا بِهِ مِنَ التُّرَابِ حِينَ انْطَلَقَا وَمَا بَقِي مِنْه يَرُدُّ مِثْلَهُ قَالَ أَبُو الْمُؤْثِرِ) فَاعْرِفْ عَدْلَهُ وَإِنْ أَضَرَّ وَطْبُهُ بَالزَّرْعَ يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ فِي الشَّرْعِ أَمَّا الْمُرُورُ فِي أُرُوضِ النَّاسِ بِلا ضِرَارٍ مَا بِهِ مَنْ بَاسِ لَوْ حَرَّمَ الْمَشْيَ عَلَيْهَا الْمَالِكُ فَلَا تَضِيقُ هَاهُنَا الْمَسَالِكُ
(1) أبو المؤثر: هو العلامة الشهير الصلت بن خميس الخروصي البهلوي، والمؤثر بضم الميم وكسر الثاء المثلثة على زنة المؤمن. (أبو إسحاق) (2/12)
صفحة 622
12
الجزء الثالث
كتاب الإباحة
وَقِيلَ إِنَّ عَالِمًا أَتَاهُ آتِ بِهَذَا الْقَوْلِ قَدْ أَفْتَاهُ قَالَ عَلَى أُرُوضِهِ يُجَدِّرُ (1) إِنْ شَاءَ عَنْهَا لِلْمُرُورِ يَحْجُرُ وَقِيلَ إِنَّ مَانِعَ الْمُبَاحِ كَمَنْ أَبَاحَ الْحِجْرَ فِي الْجُنَاحِ وَوَضعُ مَا لَمْ يُؤْذِ بِالرِّجْلَيْنِ فِي أَرْضِ قَومٍ قِيلَ بِالْوَجْهَيْنِ) وَذَاكَ إِنْ لَمْ يُخْشَ مِنْهُ ضَرَرُ فِي الْمَالِ فَالْضّرَارُ فِيهِ يُحْجَرُ وَآخِذُ التُّرَابِ مِنْهَا يَبْرَا بِرَدِّهِ لِمَثْلِ مَا قَدْ جَرَّا (3) قِيلَ وَلَوْ فِي غَيْرِهَا قَدْ رَدًّا مَا كَانَ مِنْ أَمْلَاكِهِمْ قَدْ عُدَّا لكِنَّهُ يَحتَاجُ لِلتَّحْرِيرِ فَلَا أَقُولُ فِيهِ بِالتَّقْرِيرِ فَهَذِهِ الْأُرُوضُ بَعْضُهَا نَرَى زَيَادَةَ التُّرَابِ فِيهَا ضَرَرَا وَبَعْضُهَا نُقْصَانُهُ يَضُرُّ فَهَاهُنَا التَّفْصِيلُ مُسْتَمِرُّ وَمَنْ رَأَى فِي نَخْلَةٍ إِنْسَانَا يَجْهَلُهُ يَخْرِفُهَا عِيَانَا أَعْطَاهُ مِمَّا قَدْ جَنَى مِنْ تَمْرِ فَأَكْلُهُ حِلٌّ بِغَيْرِ شَجْرِه) وَجَائِزُ أَخْذُ ذَوِي التَّعْلِيم هَدِيَّةَ الْمَمْلُوكِ وَالْيَتِيمِ
(1) يُجَدِّر، أي: يبني
الْجُدُر
(2) بالوجهين، يعني: الإباحة والمنع.
(3) جَرّا، أي: أخذ.
(4)
(4) قوله للتحرير أي للتبيين والتفصيل. (أبو إسحاق)
(5) قوله: بغير شجر: بغير خُلْف. (أبو إسحاق) (2/13)
صفحة 623
بابُ التَّعَارُفِ
الجزء الثالث
13
وَإِنْ أَتَاكَ الإِبْنُ مِنْ مَالِ الْأَبِ بِالتِّينِ واللَّيْمُونِ أَوْ بِالرُّطَبِ فَلَا يَحِلُّ أَخْذُهُ فِي الْحُكْمِ إِذْ لَمْ يَكُنْ ذَا ثِقَةٍ وَحَزْمِ وَكَثْرَةُ التَّجَرِّي فِي الأَوْلَادِ أَوْرَثَنَا الشُّبْهَةَ فِي الْفُؤَادِ وَرَجُلٌ عَلَى يَتِيمِ وَضَعَا يَدًا لَهُ تَوَدُّدًا تَخَشُعَا فَعَلِقَ الدُّهْنُ بِهَا مِنْ رَاسِهِ فَإِنَّ هَذَا سَالِمٌ مِنْ بَاسِهِ تَسْتَعْمِلُ الْعَبْدَ مَعَ الصَّبْيَانِ بِغَيْرِ إِذْنٍ لا يُجَوَّزَانِ فَالإِذْنُ فِي العَبِيدِ مِنْ سَيِّدِهِمْ وَالإِذْنُ فِي الصَّبْيَانِ مِنْ وَالِدِهِمْ قِيلَ وَلَا مَوْضِعَ لِلتَّعَارُفِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عِنْدَ عَبْدِ خَائِفِ وَإِنْ نَظَرْتَ سِيرَةَ الصَّحَابَهُ تَرَاهُمَا قَدْ لَازَمَا (2) انْسِحَابَهُ وَرَجُلٌ قَدْ قَالَ لِلصَّبِيَّ سَلَّمْ عَلَى وَالِدِكَ الأَبِيَّ فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَعْمِلا لَهُ وَقَالَ (3) يَنْبَغِي أَنْ يُهْمِلا وَلَا أَقولُ يُهْمِلُ السَّلَامَا وَلَوْ مَعَ الْصِّبْيَانِ وَالْكَلَامَا لِأَنَّهُ تَحِيَّةُ الْإِسْلامِ وَلَيْسَ بِالْكَلَامِ مِنْ كَلَامِ)
(1) توددا: مفعول لأجله.
الحق.
(2) قوله: «تراهما قد لازما هما الصبي والمجنون، والمعنى: أنك إذا نظرت إلى سيرة الصحابة رأيت هذين في معاني التعارف، وهذا هو (3) قوله: «وقال» يعني: أنه قال ذلك صاحب الأصل الشيخ الصائغي و «الكلاما» عطف على
«السلاما». (أبو إسحاق)
(4) قوله: «من كلام»، أي: ليس في القول من حرج. (المصنف) (2/14)
صفحة 624
14
الجزء الثالث
كتاب الإباحة
(1)
إِنْ رَفَعَ الْعَبْدُ عَلَى سَيِّدِهِ مَعَ الَّذِي الْحُكْمُ غَدَا فِي يَدِهِ لَيْسَ لَهُ قَدْ قِيلَ أَنْ يُؤَمِّرَهُ يَأْتِي بِهِ إِلَيْهِ حَتَّى يُحْضِرَهُ وَجَائِز أَنْ يَرْبِطَ الْإِنْسَانُ حِمَارَهُ قَدْ وَرَدَ الْبَيَانُ فِي نَخْلَةٍ لِغَيْرِهِ أَوْ شَجَرَهُ مَا لَمْ يَخَفْ مِنْهُ عَلَيْهَا ضَرَرَهُ وَضَامِنٌ إِنْ بَانَ فِيهَا ضَرَرُ مِنْهُ كَذَا قَدْ جَاءَ فِيهِ الأَثَرُ وَالحَطَبُ المَغْصُوبُ مِنْهُ الجَمْرُ لَا يُقْتَبَسْ فَإِنَّ ذَاكَ حِجْرُ وَقِيلَ لَا بَأْسَ بَأَخْذِ اللَّهَبِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَفْسِ الْحَطَبِ وَالانْتِفَاعُ جَائِةٌ فِي الْمَاءِ إِنْ فَاضَ مِنْ مَجْرَاهُ فِي الْأَجْرَاءِ (2) وَذَاكَ مَاء رَبَّهُ (3) قَدْ غَلَبَا وَلَمْ يَجِدْ عَنِ الصَّيَاعَ مَهْرَبَا وَصَائِعُ الْأَمْوَالِ لَا يُضَيَّعُ فَالِانْتِفَاعُ مِنهُ لَيْسَ يُمْنَعُ وَمَا عَلَى مَنْ غَسَلَ الثِّيَابَا فِي فَلَجٍ يَعْصِرُهَا إِيجَابَا بَلْ يُسْتَحَبُّ عَصْرُهَا فِي الْفَلَج) وَمَا عَلَى تَارِكِهِ مِنْ حَرَجٍ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُكْسَرَ الْأَنْهَارُ يُطْفَا بِهَا مَا أَحْرَقَتْهُ النَّارُ
(1) قوله: «يؤمره» بتشديد الميم والمراد به هنا الأمر لا التأمير، فلا يأمره أن يحضر سيده إليه بل يأمر غيره لذلك.
(2) قوله: «في الأجراء» هي جمع جرية، وهي الساقية التي يجري فيها الماء. (3) قوله: «ربَّه» مفعول به مقدم من غلبا، والفاعل مضمر، وهو راجع إلى الماء، أي: ربه إذا لم يقدر أن يحفظه ويمنعه عن الفيضان.
(4) قوله: الفلج: النهر الصغير. (أبو إسحاق)
هو ماء غلب (2/15)
صفحة 625
بابُ التَّعَارُفِ
الجزء الثالث
15
(1)
لَكِنْ يَجُوزُ الغَرْفُ بِالْجِرَارِ مِنْهَا وَبِالقُدُورِ وَالصَّفَارِي (1) وَفِيهِ قَوْلٌ جَائِزٌ أَنْ تُكْسَرا إِذَا رَأَى فِي كَسْرِهَا أَنْ يَظْفَرَا بَعْدَ اعْتِقَادٍ مِنْهُ لِلصَّمَانِ لِرَبِّهِ بِالْمِثْلِ وَالْأَثْمَانِ وَالنَّصْحُ لِلْبَيْتِ مِنَ الْأَنْهَارِ حِجْرٌ وقِيلَ الْحِلُّ فِيهَا جَارِي وَقِيلَ عَنْ مُوسَى (2) فَتَى عَلِيٌّ أَازَهُ لِرَجُلٍ وَلِيّ وَجَائِزٌ أَنْ يَأْخُذَ الإِمَابَا مِنْ مَيْتَةٍ إِنْ رَبُّهَا قَدْ غَابَا وَلَا يَجُوزُ أَخْذُهُ مَا دَامَا صَاحِبُهَا حِيَالَهَا أَقَامَا لأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُرِيدَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ يُعْطِيَنْ عَبِيدَهُ وَحِينَ مَا غَابَ عَرَفْنَا أَنَّهُ لَيْسَ يُرِيدُهُ فَيَأْخُذَنَّهُ وَرَأْسُ شَاةٍ سَائِحُ فِي الفَلَجِ فِي أَكْلِهِ قَدْ قِيلَ نَوْعُ حَرَجٍ لِأَنَّهُ كَمَيْتَةٍ وَإِنْ تَرَى لِذَبْحِهِ الشَّرْعِيَّ فِيهِ أَثَرَا فَلُقْطَةٌ يَلْزَمُ أَنْ تُعَرَّفَا وَلَيسَ لِلْعُرْفِ (3) عَليهِ مُقْتَفَى والشَّاةُ إِنْ تَتْرُكَهَا الْأَرْبَابُ حِينَ عَيَتْ (4) عَنْهُمْ وَعَنْهَا غَابُوا
(1) الجرار: جمع جرة والصفاري: جمع صفرية، وهي قدور تعمل من الصفر، يحمل فيها الماء ويطبخ فيها الطعام.
(2) هو
أجمعين.
العلّامة أبو علي موسى بن علي بن عزرة العزري الأزكوي كان معاصرًا للعلّامة أبي عبد الله محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي رضي الله (3) قوله: «وليس للعزف»، أي: لا يتبع في هذا عُرف أهل البلد، ولا يدخل في معنى التعارف؛ لأنه
من الأمور النادرة.
عنهم
(4) عَيت: أي: أصابها الإعياء، وأصله عييت بياءين حذف إحداهما تخفيفًا. (2/16)
صفحة 626
16
الجزء الثالث
كتاب الإباحة
فَأَخْذُهَا يَجُوزُ حِينَ تُرِكَتْ وَهَكَذَا إِنْ ذُبِحَتْ وأُكِلَتْ وَقِيلَ فِي بَهِيمَةٍ قَدْ غَابَتْ مِقْدَارَ مَا تُنْتِجُ ثُمَّ آبَتْ وَعِنْدَهَا إِبْنُ صَغِيرٌ يَرْضَعُ لِدَرِّهَا) وَهْيَ لَهُ لا تَمْنَعُ فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ ذَاكَ الوَلَدُ لِرَبِّهَا وَالْبَعْضُ فِيهِ شَدَّدُوا وَلَا أَرَى التَّشْدِيدَ إِلَّا قَوْلَ مَنْ يَمْنَعُ هَذَا البَابَ أَصْلًا فَاعْلَمَنْ (2) وَقِيلَ فِيمَنْ يَجِدُ الطَّعَامَا فِي الطُّرْقِ لَيْسَ أَكْلُهُ حَرَامَا وَإِنْ يَكُنْ عَلَى وِعَاءِ جُعِلاَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَنْ قَدْ أَكَلَا لأَنَّهُ يُحْتَمَلُ التَّرْكُ إِلَى أَنْ يَرْجِعَنْ صَاحِبُهُ وَيَحْمِلَا وَإِنْ تَكُنْ عَلَى الطَّرِيقِ تُجْعَلُ أَوْعِيَةٌ مِنْهَا الشَّرَابُ يَحْصُلُ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ فِي التَّعَارُفِ يَشْرَبُ مَنْ لَيْسَ لَهَا بِعَارِفِ لِأَنَّهَا مَجْعُولَةٌ لِلشُّرْبِ وَتِلْكَ حَالَةٌ بِهَذَا تُنْبِي وَقِيلَ مَهْمَا وَصَلَ الْكِتَابُ جَمَاعَةً مُعَنْوَنًا يُصَابُ فَجَائِزٌ يَقْرَؤُهُ إِنْسَانُ مِنْهُمْ وَفِي الفَتْحِ لَهُ يُعَانُ لِأَنَّهُمْ فِي الْحُكْمِ فِيهِ شَرْعُ وَهْوَ شَرِيْكٌ مَا عَلَيْهِ مَنْعُ وَقِيلَ فِيمَنْ كَتَبَ الْكِتَابَا لِصَاحِب لَهُ وَكَانَ غَابَا عَرَّفَهُ (3) بَأَنْ يَبِيْعَ جَانِبَا مِنْ مَالِهِ أُجِيْزَ حِيْنَ كَاتَبَا
(1) قوله: لِدَرِّها بفتح الدال، أي: لبنها. (أبو إسحاق)
(2) قوله: «يمنع هذا الباب»، أي: باب التعارف.
(3) قوله: عَرَّفه، أي: كتب إليه يأمره أن يبيع له شيئًا من ماله وهو اصطلاح عُماني. (أبو إسحاق) (2/17)
صفحة 627
بابُ التَّعَارُفِ
الجزء الثالث
17
وَمَا عَلَيْهِ حَرَجٌ إِنْ بَاعَا وَلَمْ يَكُنْ لِمَالِهِ أَضَاعَا لأَنَّهُ يُعْرَفُ بِالتَّعَارُفِ جَوَازُهُ فِي قَوْلِ كُلِّ عَارِفِ وَمِثْلُ هَذَا كَانَ عَنْ بَشِيرٍ إِلَى أَخِيهِ الْعَبْدِ لِلْقَدِيرِ وَأَنَّهُ لَمَّا رَآهُ جَبُنَا قَالَ لَهُ خَلَّ صِفَاتِ الْجُبَنَا فَإِنَّ أَمْرَ النَّاسِ لَمَّا يَزَلِ يَجْرِي بِهِ آخِرُهُمْ عَنْ أَوَّلِ وَدَافِعُ لِرَجُلٍ كِتَابًا يُرِيدُ مِنْهُ يَكْتُبُ الْجَوَابَا يَلْزَمُهُ رَدُّ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ لَوْ لَمْ يُرِدْهُ لِلتَّوَرُّعِ الْجَلِي إِلَّا إِذَا كَانَ لَهُ دَلَالَهُ فَتَرْكُهُ يَصِحُ فِي ذِي الْحَالَهُ وَجَائِزٌ لِغَيْرِهِ أَنْ يَكْتُبَا حَقًّا لَهُ بِدَفْتَرٍ إِنْ طَلَبَا وَذَاكَ لَيْسَ عِنْدَنَا شَهَادَهُ لَكِنَّهُ ضَبْطُ لِمَا أَرَادَهُ وَقَالَ بَعْضُ إِنَّهُ لَا يَكْتُبُ لِأَنَّهُ قَدِ ادَّعَى مَا يَطْلُبُ وَمَنْ دُعِي إِلَى طَعَامٍ نَظَرَا فِيمَنْ دَعَاهُ كِيفَ حُكْمَهُ يَرَى فَإِنْ رَآهُ أَنْ يُجَابَ أَهْلَا أَجَابَهُ بِمَرْحَبًا وَأَهْلَا (2) وَكُلُّ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ لَا خَيْرَ فِيهِ وَهْوَ كَالْمُبَاهِي (3) وَعِنْدَهُمْ إِنْ وُضِعَ الطَّعَامُ لِلنَّاسِ فَالآكِلُ لَا يُلَامُ
الله
(3)
بن محمد بن
(1) قوله: «عَنْ بَشِيرِ هو العلّامة الفقيه بشير بن محمد بن محبوب وأ وأخوه العلّامة عبد محبوب وبه يكنّى والداهما الإمام محمد بن محبوب وللشيخ بشير كتاب المحاربة. (أبو إسحاق) (2) قوله: «أهلا» الأولى مفعول ثانٍ لرأى والثانية مصدر غير مشتق.
(3) المباهي: المفاخر من المباهات وهي المفاخرة. (2/18)
صفحة 628
18
الجزء الثالث
كتاب الإباحة
وَلَوْ بِلَا إِذْنِ وَذَا مَعْرُوفُ لِأَنَّهُ لِكُلِّهِمْ مَصْرُوفُ وَإِنْ يَكُنْ بِبَعْضِهِمْ قَدْ خُصًا فَأَكَلَ الْغَيْرُ يَكُونُ لِصَّا
باب الدلالة
إِبَاحَةٌ تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ بِغَيْرِ قَوْلٍ مُتَصَافِيَيْنِ هِيَ الَّتِي تُعْرَفُ بِالدَّلَالَة وَضَبْطُهَا عِنَدَهُمْ بِحَالَهُ لَا يَجِدُ الْإِنْسَانُ مِنْ صَاحِبِهِ مَا يَسْتَرِيبُ فِي الَّذِي يَأْتِي بِهِ وَلَوْ رَآهُ يَأْكُلَنْ مِنْ مَالِهِ دَاخَلَهُ السُّرُورُ مِنْ أَحْوَالِهِ لَا يَخْجَلُ الآكِلُ إِنْ رَآهُ إِنَّ الْحَيَاءَ رِيبَةً نَرَاهُ فَإِنَّهُ وَلَوَ صَفَا مَا خَجِلَا مِنْهُ وَلَكِنْ طَابَ حِينَ أَكَلَا مِيزَانُهَا بِالْقَلْبِ يُعْرَفَنَّا وَكُلُّ مَا يَريبُ (1) فَاحْذَرَنَّا تَعْرِيْفُهَا بِالْقَوْلِ لَيْسَ يَلْزَمُ لِأَنَّهَا بِالقَلْبِ حَالٌ يُعْلَمُ مِنْ هَاهُنا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة (2) لَا أَدْرِي مَا قُلْتُمْ وَلَا تَحْدِيدَهْ لَكِنَّنِي وَلَوْ أَشَا أَخَذْتُ مِنْ كِيس حَاجِبِ لِمَا أَرَدْتُ وَهِيَ مِنَ التَّعَارُفِ المُقَدَّمِ أَخَصُّ فِي الْمَعْنَى وَفِي التَّقَدُّمِ
(1) قوله: «يريب» بفتح الياء؛ من رابه يريبه إذا أدخل في قلبه الريب وهو الشك. (2) أبو عبيده: هو الإمام المحدّث مسلم بن أبي كريمة التميمي، مولى لهم وهو شيخ الإمام الربيع بن حبيب أخذ عن شيخه الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد وضمام بن السائب الندابي وحاجب: هو أبو مودود حاجب بن مودود، وكلاهما من تلاميذ جابر بن زيد، وهما من أهالي
البصرة أصلًا ومنشأ،
رضي
الله عن الجميع. (2/19)
صفحة 629
باب الدلالة
الجزء الثالث
19
(3)
وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهَا وَالْأَكْثَرُ عَلَى جَوَازِهَا وَبَعْضُ يَحْجُرُ وَبَعْضُهُمْ قَيَّدَهَا بِالْأَوْلِيَا وَحُكْمُهَا فِي غَيْرِهِمْ مَا رَضِيَا كَأَنَّهُ خَافَ مِنَ التَّصَنُّع أَنْ يُخْفِيَنْ خِلَافَ مَا قَدْ يَدَّعِي يُظْهِرُ أَنَّهُ بِذَاكَ رَاضِي وَقَلْبُهُ مِنْ ذَاكَ فِي أَمْرَاضِ وَذَاكَ رِيْبَةٌ وَمِنْهَا يَنْفِرُ مَنْ قَلْبُهُ مُوَفَّقٌ مُطَهَّرُ وَإِنْ يَكُنْ قَدْ أُمِنَ التَّصَنُّعُ (3) فَلَا أَقُولُ بِالْخُصُوصِ تُشْرَعُ لأَنَّ أَصْلَهَا التَّرَاضِي فَاعْلَمَا يُبَاحُ إِنْ رِضَاهُمَا قَدْ عُلِمَا وَلَيْسَ لِلْوَلَايَةِ الدِّينِيَّة فِي الْمَالِ مَدْخَلٌ كَذِي الْقَضِيَّهْ وَإِنْ نَظَرْتَ سِيرَةَ الْأَسْلَافِ رَأَيْتَ فِعْلَهَا مَعَ التَّصَافِي وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا إِذْ فَصَّلَا بُيُوتُ آبَائِكُمْ وَمَا ذَكَرْ مِنْ بَعْدِهَا إِلَى الصَّدِيقِ مُعْتَبَرْ فَالأَكْلُ مِنْ مَالِ الصَّدِيقِ يُدْعَى دَلَالَةٌ فِي الاِصْطِلاح وَضْعَا وَجَاءَ فِي السُّنَّةِ مَا يَدُّلُ قَوْلًا وَفِعْلًا إِنَّ هَذَا حِلُّ دَلاَلَةُ الْحَالِ عَلَى الْمَعَانِي أَدَلُّ مِنْ دَلَالَةِ اللَّسَانِ فَرُبَّ قَوْلٍ لا يُفيدُ الْحِلًا وَرُبَّ حَالٍ قَدْ يُفيدُ الْكُلَّا (4)
(1) قوله: «في حكمها»، أي: في حكم الدلالة. (2) والمراد بالأولياء الأولياء في الدين. (أبو إسحاق) (3) قوله: التصنع: هو إظهار الجميل مع إخفاء ضده. (أبو إسحاق) (4) قوله: الكُلّا، أي القول والفعل معا. (أبو إسحاق) (2/20)
صفحة 630
الجزء الثالث
كتاب الإباحة
ضَابِطُهُ انْتَفَاءُ الإِسْتِرَابَهُ مِنْ هَاهُنَا جَاءَتْ بِهِ الصَّحَابَةُ وَإِنَّ قَوْمًا دَخَلُوا بَيْتَ الحَسَنُ (1) فَانْدَفَعُوا فِي أَكْلٍ مَا يَدَّخِرَنْ وسُرَّ قَلْبُهُ وَقَدْ تَهَلَّلا بِأَكْلِهِمْ مِن بَعْدِ مَا قَدْ دَخَلَا قَالَ كَذَاكَ كَانُوا يَفْعَلُونَا يَعْنِي بِهِ الصَّحْبَ المُفَصَّلِينَا ثُمَّ مَحَلُّ هَذَا الإِسْتِدْلَالَ يُقَالُ فِي الْعَبِيدِ وَالْأَمْوَالِ وَلَيْسَ فِي الأَوْلَادِ يُسْتَدَلُّ لِأَنَّهَا وَلَايَةٌ تَحُلُّ فَالشَّرْعُ قَدْ خَصَّصَهَا بِالْوَالِدِ أَوْ بِوَلِيٍّ بَعْدَهُ مُعَاضِدِ فَلْيُمْلِلَنْ وَلِيُّهُ إِنْ كَانَا فِي آيَةٍ أَحْكَمَتِ الْبَيَانَا وَبِرِضَى وَالِدِهِ يَسْتَعْمِلُ عَنْ أَمْرِهِ بِالْقَوْلِ فِيمَا يَفْعَلُ كَأَنَّهُمْ قَدْ جَعَلُوا الْمَقَالا تَوْلِيَةٌ فَجَوَّزُوا الْأَنْعَالَا وَالْحَالُ لَا يُوجِبُ لِلتَّوْلِيَةِ وَذَاكَ مِثْلُ الْعَقْدِ للزَّوْجِيَّةِ مِنْ هَاهُنَا قَدْ أُخْرِجَ الْأَوْلَادُ اللَّهِ دَرُّهُمْ فَقَدْ أَجَادُوا وَجَائِزُ لِلْمُسْتَدِلَّ يَلْبَسَا ثَوْبَ صَدِيقِهِ وَلَمْ يَكُنْ أَسَا إِلَّا إِذَا كَانَ بِهِ نَوْعُ مَرَضٌ فَهَاهُنَا الرَّيْبُ عَلَيْهَا قَدْ عَرَضْ
(1) هو: الحسن البصري التابعي المشهور.
(2) قوله تهللا، أي أشرق فرحًا وسرورًا. (أبو إسحاق)
(3) قوله: «وليس في الأولاد يعني أن الدلالة لا تدخل في الأولاد، لأنها كالولاية وإنما ولاية
الأولاد لآبائهم وليس لها محل إلا في الأموال.
(4) يلبسا منصوب بأن المقدره. (2/21)
صفحة 631
باب ما يباح في جانب
الجزء الثالث
21
وَحَيْثُ كَانَ الرَّيْبُ فَالْحِلُّ انْتَفَى لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا قَدْ عُرفَا مِنْ هَاهُنَا نَمْنَعُ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْوَرَى مِنْ أَكْلِ مَا يَأْكُلُهُ يَأْكُلُهُ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ فَإِنْ رَآهُ قَالَ أَبْرِنِي وَلَا تَمُنْ) وَهُوَ الَّذِي يُعْرَفُ بِالْجَسَارَهُ عِنْدَهُمْ وَأَنَّهَا خَسَارَهُ لَوِ انْتَفَى الرَّيْبُ لَمَا احْتَاجَ إِلَى بُرْآنِهِ عَمَّا أَتَاهُ أَوَّلَا مِنْ هَاهُنَا قَالَ الخَلِيْلِيُّ (2) لِمَنْ قَدْ جَاءَهُ لِذَاكَ لَا تُنَافِقَنْ يَعْنِي وَلَوْ كَانَ لَهُ اسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ مَا كَانَ لَهُ اسْتِحْلَالُ لِأَنَّمَا الْحِلُّ عَنِ الصَّمَانِ وَهُوَ الَّذِي فِي ذِمَّةِ الْإِنْسَانِ وَمَا أُبِيحَ لَيْسَ فِيهِ أَبَدَا تَعَلُّقُ الصَّمَانِ وُفِّيتَ الرَّدَى فَأَخْذُهُ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّهُ سَيَسْتَحِلُّهُ نِفَاقٌ عَنَّهُ (3)
باب ما يباح في جانب الأيتام
(4)
وَأَمَرَ القُرآنُ فِي الأَيْتَامِ وَمَالِهِمْ بِالْقِسْطِ في الْقِيَامِ لَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِفِعْلِ أَحْسَنِ الْأَمُورِ فِعْلَا)
: ((
(1) قوله: «لا تَمُن» من المنّ أي لا تمن عليّ بما أكلته أو مِنْ مانه يمونه. (أبو إسحاق) (2) قوله: «قال الخليلي هو العلّامة الشيخ المحقق أبو محمد سعيد بن خلفان بن أحمد جدّ الإمام محمد بن عبد الله بن سعيد الخليلي وقد سبق ذكره. (أبو إسحاق)
(3) عَنَّه، أي: عارضه.
(4) قوله: «ومالهم»: معطوف على قوله: «في الأيتام». (أبو إسحاق) (5) تمييز. (أبو إسحاق) (2/22)
صفحة 632
22
الجزء الثالث
كتاب الإباحة
وَخِلْطَةُ الْأَيْتَامِ فِي الطَّعَامِ جَوَازُهَا يُوجَدُ فِي الْأَحْكَامِ
إِنْ كَانَ مَنْ خَالَطَ لَا يَرْزَاهُ (1) فِيمَا به خَالَطَ إِذْ أَتَاهُ فإِنْ تُخَالِطُهُمْ فَهُمْ إِخْوَانُ لَنَا بِهَذَا جَاءَنَا الْقُرْآنُ قَدْ عَلِمَ الْإِلَهُ مِنَّا الْمُفْسِدَا وَالْمُصْلِحِينَ قَالَهُ تَهَدُّدَا لَوْ شَاءَ أَنْ يَعْنِتَنَا (2) لَفَعَلَا لَكِنَّهُ أَبَاحَهَا تَفَضُّلَا وَيَلْزَمُ الحَاكِمِ وَالْوَصِيَّا أَو الوَكِيلَ يُنْفِقَ الصَّبِيَّا مِنْ مَالِهِ لَوْ كَانَ بِالْبَيْعِ فَقَطْ يَبِيعُهُ وَلَا يُقَالُ (3) أَوْ يُحَط (4) لِأَنَّمَا إِقَالَةُ الْمَبِيْعِ تُفْضِي إِلَى التَّبْدِيلِ وَالتَّصْيِيعِ وَإِنَّهَا نَقْضٌ لِمَا قَدْ أُبْرِمَا وَالْحَطُّ غُرْمٌ فَاحْذَرَنْ أَنْ تَغْرَمَا وَجَائِةٌ يَبِيعُهُ بِلَا نِدَا إِذَا رَأَى الصَّلَاحَ فِي ذَاكَ بَدَا
(6)
وَمِثْلُهُ الْغَائِبُ وَالْمَعْتُوهُ (ه) يُنْفِقُ مَنْ يَلْزَمُ يُنْفِقُوهُ
وَالسَّيْفُ لِلْيَتِيم لا يُبَاعُ إِلَّا إِذَا خِيفَ بِهِ الصَّيَاعُ
(1) قوله: «لا يَرْزاه» بتسهيل الهمزة وأصله، لا يرزئه، أي لا يُدخل عليه الرزية بأكله أكثر مما خالطه به. (أبو إسحاق)
(2) قوله: «يَعْنتُنَا» أي: يضيّق علينا بمنع الخلطة. (أبو إسحاق)
(3) ولا يُقال: في الإقالة، وهو رد البيع.
(4) الحط: إسقاط شيء من ثمن المبيع.
(5) قوله: «المعتوه» المجنون الذي لا يفارقه الجنون. (أبو إسحاق)
(6) قوله: «ينفق من يلزم أي أن الغائب والمجنون ينفق من أموالهما من تلزمهما نفقته، فيقوم بذلك عن الغائب وكيله وعن المجنون وليه. (2/23)
صفحة 633
باب ما يباح في جانب
الجزء الثالث
23
لأَنَّهُ إِذَا نَشَا) يَحْتَاجُ لَهُ وَفِي الصَّلَاحِ جَائِزُ يُبَاعُ لَهُ
وَإِنْ يَكُ الْيَتِيمُ ذَا تَعْلِيمِ فَأَجْرَنْ مِنْ مَالِ ذَا الْيَتِيمِ (2) وَجَائِزٌ أَنْ يُضْرَبَ الْيَتِيمُ به صَلَاحُهُ مَعْلُومُ وَالْخُلْتُ مَهْمَا أَبْرَأَ المُعَلِّمَا أُمُّ الْيَتِيمِ إِذْ بِضَرْبٍ أَلَّمَا)
وَأَكْثَرُ الْأَقْوَالِ لَا يَبْرَا بِهِ (4) وَذاكَ إِنْ بَرَّحَهُ بِضَرْبِهِ وإِنْ ضَرَبْتَ لا يَكَنْ مُبَرِّحَا مُؤَكِّرًا كَلَّا وَلا مُجَرِّحَا وَإِنْ تَشَا أَنْ تَضْرِبَ الصَّبِيَّا فَشَاوِرَنْ وَالِدَهُ الْأَبِيَّا وَقِيلَ إِنْ بَانَ كَلَامُ الكُفْرِ مِنَ الصَّبِيِّ وَخِلافُ الْأَمْرِ أُدبَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى يَرْجِعَا وَلَيْسَ يُقْتَلَنَّ قَطُّ فَاسْمَعَا وَجَائِزٌ فِي كُتُبِ الْيَتِيمِ يَنْظُرُ ذُو التَّلْقِينِ وَالتَّعْلِيم إِلَّا إِذَا مَا غَيَّرَ الْقِرْطَاسَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ قِيَاسَا وَفِي الْيَتِيمِ إِنْ أَتَى وَقَالَا هَذَا لَكُم مِنْ عِنْدِ زَيْدٍ أَلَا فَلَا يَجُوزُ أَخَذُهُ وَإِنْ يَقُلْ أَرْسَلَنِي بِهِ فَهَاهُنَا يَحِلْ
(1) إذا نَشَا، أي: كَبِرَ.
(2) قوله: «فأجرَن»، أي: مَن يعلمه. (3) ألما: بالبناء للفاعل، أي: أوجعه.
(4) قوله: «لا يبرا به»، أي: ببرآن الأم، والضرب المبرح المؤثّر، أو هو الذي يحبس المضروب عن المشي من قولهم فلان لا يبارح المكان إذا لم ينتقل عنه. (2/24)
صفحة 634
24
الجزء الثالث
كتاب الإباحة
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ مُشْكِلُ (1) لِأَنَّمَا الْيَتِيمُ لَا يُفَصِّلُ ألَفَاظُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى سِوَاهُ إِنْ أَعْطَاهُ أَوْ إِنْ أَرْسَلَا وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ الْعَادَاتُ فِي ذَاكَ فَهْوَ الْمَنْهَجُ الثَّبَاتُ وَجَائِزٌ يُفْدَى مِنَ الْجَبَّارِ مَالُ يَتِيمِ زَادَ فِي الْمِقْدَارِ وَإِنْ يَكُ الْفِدَا مُسَاوِيًا فَلَا يَفْدِيهِ إِذْ مِنَ الصَّلَاحِ قَدْ خَلَا وَلَا يَجُوزُ الدَّفْعُ لِلظُّلَّامٍ مِنْ مَالِ مَنْ غَابَ أَوِ الْأَيْتَامِ قَبْلَ وُقُوعِ الظُّلْمِ حَتَّى لَوْ خَشَى وُقُوعَهُ وَلِلْبِلَادِ قَدْ غَشَا لأَنَّ رَبَّ العَالَمِينَ يَقْدِرُ ـرُدَّهُ قَبْلَ يَعُودَ (4) النَّظَرُ وَهْوَ مِنَ التَّشْدِيدِ فِي مَكَانِ وَالْأَنْسَبُ التَّرْخِيصُ (5) بِالْمَعَانِي لِأَنَّهُ بِالْخَوْفِ قَدْ تَعَلَّقَا جُمْلَةٌ أَحْكَامٍ وَصَارَ يُتَّقَى يُحْفَظُ مَالُهُ إِلَى أَنْ يُؤْنَسَا بَعْدَ البُلُوغِ رُشْدَهُ مُكَيَّسَا)
معي
(1) قوله: «والفرق بين الحالتين مشكل قلت: لا إشكال في ذلك، فإن قوله: «هذا لكم» ليس بحجة من الصبي، وأما إذا قال له: أرسلني إليك بهذا فلان، أو أرسل لك هذا فلان، فهو مما تقتضيه عادة الناس في إرسال الصبيان بالشيء اليسير الذي يحتمله حال الصبي في العادة. (2) الظُّلام جمع ظالم، ويصح أن يكون بفتح الظاء وتشديد اللام مرادا به الواحد مبالغة في
الظلم، قال الله تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46].
(3) قوله خشى بالفتح مبينًا للفاعل. (أبو إسحاق) (4) قوله: «يعود» منصوب بأن المقدرة.
(5) قوله: «والأنسب الترخيص قلت: هذا الذي أيده المحقق الخليليه وهو الحق إن شاء الله. (6) مكيسا: حال ومعناه عاقلاً والكَيْسُ العاقل، وروي: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد
الموت». (2/25)
صفحة 635
باب ما يباح في جانب
الجزء الثالث
وَذَاكَ أَنْ يَحْفَظَ مَالَهُ فَلَا يُبَدِّرَنَّهُ وَلَا يُهَمِّلَا وَقِيلَ بَلْ وَلَايَةٌ في الدِّينِ إِيْنَاسُ رُشْدِهِ بِلا تَحْمِينِ لأَنَّمَا الْفَاسِقُ لَا بُدَّ وَأَنْ يُبَدِّرَنَّ مَالَهُ إِذْ يَعْصِيَنْ لِأَنَّمَا التَّبْذِيرُ إِنْفَاقٌ عَلَى مَعْصِيَةِ الْإِلَهِ أَوْ مَا حُظِلَا (1) وَأَوَّلُ القَوْلَيْنِ فَهْوَ أَوْسَعُ إِلَيْهِ مَالُهُ بِذَاكَ يُدْفَعُ وَلْيُشْهِدِ الْعَدْلَيْنِ عِنْدَ دَفْعِهِ لِأَنَّهُ الْأَحْزَمُ عِنْدَ وَضْعِهِ لَا يَبْقَ فِيهِ أَبَدًا نِزَاعُ وَلَا يَنَالُهُ بِهِ صُدَاعُ (3) وَقَبْلَ أَنْ يُؤْنِسَ رُشْدَهُ فَلَا يَدْفَعْ لَهُ إِذْ دَفْعُهُ قَدْ حُظِلا حَتَّى وَلَوْ رَأَى البُلُوغَ فِيهِ إِذِ البُلُوغُ لَمْ يَكُنْ يَكْفِيهِ
(2)
(1) حظلا منع.
(2) وليشهد: الأصل وفي نسخة: «يشهد».
(3) صداع: استعاره للأذى. (2/26)
صفحة 636
26
الجزء الثالث
كتاب العطايا
كتاب العطايا
وَالمَالُ بِالْإِعْطَاءِ قَدْ يَنْتَقِلُ مِنْ مَالِكَ لِمَالِكَ يُحَوَّلُ لَا يَطْلُبُ المُعْطِي بِذَا التَّمْلِيكِ سِوَى ثَوَابِ مَالِكِ الْمُلُوكِ فَإِنَّهُ حَثَّ عَلَى التَّصَدُّقِ وَأَجْزَلَ الثَّوَابَ أَيْ لِلْمُنْفِقِ وَقَصَرَ (1) الْبِرَّ عَلَى إِنْفَاقِ مَا وَذَاكَ بَعْضُ مَا نُحِبُّ فَاعْلَمَا فَإِنَّ مَنْ أَنْفَقَ بَعْضَ مَا أَحَبْ آثَرَ غَيْرَهُ عَلَيْهِ وَاسْتَحَبْ فَحَصَّلَ الْبِرَّ بِمَا قَدْ أَنْفَقَا لِأَنَّهُ لِأَجْلِهِ تَصَدَّقَا فَبَذْلُهُ الْمَحْبُوبَ (2) يُقْضَى إِنَّمَا يَطْلُبُهُ لَدَيْهِ أَعْلَا مَغْنَمَا وَهُوَ اخْتِبَارُ لِلْعِبَادِ وَرَدَا بِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ تَقَيَّدَا مَنْ يُقْرِضِ اللَّهَ يُضَاعِفَهُ لَهُ وَهْوَ غَنيٌّ إِنَّمَا الْقَرْضُ لَهُ فَأطْلَقَ القَرْضَ عَلَى الْإِنْفَاقِ لِأَنَّ نَفْعَهُ يَكُونُ بَاقِي فَهُوَ كَمَالٌ سَارَ عَنْهُ وَرَجَعْ حِينَ افْتِقَارِهِ عَلَيْهِ وَانْتَفَعْ وَإِنْ يَكُنْ لِعِوَضِ أَعْطَاهُ نَحَظُهُ ذَاكَ الَّذِي نَوَاهُ وَإِنْ يَكُنْ فِي غَضَبٍ أَعْطَى فَلَا تَثْبُتُ إِلَّا إِنْ مَضَى إِذْ عَقَلَا (3) وَيَثْبُتُ الْبَيْعُ مَعَ الْإِقْرَارِ فِي غَضَبٍ وَحُكْمُ ذَاكَ جَارِي وَالخُلْفُ فِي الهَدْيِ وَفِي النُّذُورِ وَالْقَوْلُ بِالنُّبُوتِ لِلْكَثِيرِ
(1) قوله: «وقصر» يشير إلى قوله تعالى: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]. (2) المحبوب مفعول به من المصدر وهو البذل، وبذل مضاف إلى ضمير فاعله. (3) وفي نسخة «غفلا». (أبو إسحاق) (2/27)
صفحة 637
باب ما يباح في جانب
الجزء الثالث
27
وَقِيلَ مَنْ آلَى وَكَانَ قَدْ غَضِبْ بِلا طَلَاقٍ وَعِتَاقٍ لَمْ تَجِبْ) وَوَصْفُهُ أَنْ يَحْمِلَنْهُ الْغَضَبُ لِذَاكَ فَهْوَ يُعْطِي حِينَ يَغْضَبُ تَحْمِلُهُ الحَرَارَةُ الْأَصْلِيَّة وَلَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَاهَا نِيَّهْ وَإِنْ يَكُنْ مَنْ بَعْدِ مَا أَعْطَى ادَّعَى بِأَنَّهُ فِي غَضَبٍ قَدْ وَقَعَا وَلَمْ يُصَدِّقَهُ الَّذِي أَعْطَاهُ عَلَيْهِ أَنْ يُثْبِتَ مَا ادَّعَاهُ بَيِّنَةٌ (2) عَادِلَةٌ تَشْهَدُ لَهْ بِأَنَّهُ فِي غَضَبٍ قَدْ فَعَلَهُ وَالْخُلْفُ فِي عَطِيَّةِ الْمُشَاعِ) أَجَازَهَا قَوْمٌ عَلَى نِزَاعِ وَأَكْثَرُ الْأَقَوَالِ فِيهَا تَبْطُلُ وَقِيلَ لِلشَّرِيكِ لَيْسَ تَبْطُلُ وَإِنْ يَكُنْ أَتْلَفَهَا المُعْطَى فَلَا يُدْرِكُهَا المُعْطِي لِمَا تَنَقَّلَا لأَنَّهُ بِوَاسِعِ أَتْلَفَهَا وَلَمْ يَكُنْ بِالْاعْتِدَا صَرَّفَهَا وَالْقَبْضُ شَرْطٌ فَالعَطَايَا لَا تَصِحٌ إِلَّا بِقَبْضِهَا وَقِيلَ بَلْ تَصِحٌ فَهِبَةُ الْوَاهِبِ فِي الْحُكْمِ لَهُ حَتَّى يَصِحَ الْقَبْضُ فَاعْرِفْ عَدْلَهُ
(1) قوله: «لم تجب»، أي: الأليَّة، ومعناه: لم تلزمه اليمين التي حلفها في حال الغضب إذا لم تكن بالطلاق ولا العتاق، أما الطلاق والعتاق فإنهما يقعان من الرجل ولو كانا في حال الغضب عندنا، خلافًا لمن قال: إنهما لا يلزمان الحديث: «لا طلاق في إغلاق».
(2) قوله: «بينة عادلة يحتمل أن تكون مرفوعة على الابتداء، أو فاعلة لفعل دل عليه قوله «تشهد له».
(3) المُشَاع: المال المشترك بين أناس.
(4) قوله: «وقيل للشريك ليس تبطل»، أي: الشريك في المشاع فإن كانت العطية لأحد الشركاء في المشاع فإنها تثبت، بخلاف غير الشريك، فقد قيل إنها لا تثبت إلا للشريك، وهذا هو قول الأكثر؛ لأن الأجنبي لا يمكنه قبض الْعَطِيَّة. (2/28)
صفحة 638
28
الجزء الثالث
كتاب العطايا
لَوْ مَاتَ (1) مَوْهُوبٌ لَهُ مِنْ قَبْلِ قَبْضِ يُرَدُّ عِنْدَهُمْ لِلأَصْلِ وَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ القَبْصَا شَرْطٌ وَفِي الْعَكْسِ انْعِكَاسُ يُمْضَى وَمَا عَلَى الزَّوْجَينِ إِحْرَازُ (2) لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ اتِّحَادٍ عُلِمَا حُكْمُ الْإِلهِ جَعَلَ الزَّوْجَيْنِ فِي الاِتِّحَادِ وَاحِدًا لَا اثْنَيْنِ عِبَارَةٌ عَنْ شِدَّةِ التَّالُفِ وَعَدَمِ التَّفْرِيقِ وَالتَخَالُفِ وَقِيلَ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ قَبْضِ وَلَوْ بَيْنَهُمَا وَهُوَ قَلِيْلٌ إِذْ رَوَوْا وَلَيْسَ لِلْحَمْلِ مِنَ الْعَطِيَّة وَإِنَّمَا تَثْبُتُ فِي قَضِيَّهْ وَهْيَ إِذَا وَالِدُهُ قَضَاهُ عَنْ مَا بِهِ (3) أَوْلَادَهُ أَعْطَاهُ لِأَنَّهُ يَكُونُ مِثْلَ الْحَقِّ لَهُ فَيَأْخُذَنَّهُ بِحَقِّ عَطِيَّةُ الْوَالِدُ لِلْبَنِينَا قَبْلَ البُلُوغ لا يُثَبِّتُونَا وَإِنَّمَا تَثْبُتُ بِالْإِحْرَازِ إِنْ بَلَغُوا وَقِيلَ بِالْجَوَازِ) لَكِنْ لَهُ الرُّجُوعُ لَوْ حَازَ الوَلَدُ لأَنَّ مَالَ إِبْنِهِ لَهُ يُعَدْ وَمِنْ هُنَا الْخِلَافُ فِي الْحُلِيِّ يَجْعَلُهَ الوَالدُ فِي الصَّبِيِّ يَمُوتُ الْوَالِدُ الْمُحَلِّي فَقَالَ قَوْمٌ إِنَّهُ لِلْكُلِّ
(1) قوله: «لو مات اختلف العلماء متى يستحق الموهوب له الهبة؟ فقيل: بانفصالها من الواهب، وقيل: بل باتصالها إلى الموهوبة له. (2) إحراز: أي قبض.
(3) في نسخة: «عما به» بالإدغام وهو أخف للوزن.
(4) قوله: «وقيل بالجواز»، أي جواز العطية وهي عبارة عن ثبوتها عند من قال به، كما بين ذلك
في قوله: ومن هنا الخلاف ..... إلخ. (2/29)
صفحة 639
باب ما يباح في جانب
الجزء الثالث
29
يَكُونُ مِيرَانًا كَتِرْكَةِ الْأَبِ إِذْ لَمْ يَكُنْ قَبْضُ وَقِيلَ لِلصَّبِي وَإِنْ يَكُنْ أَعْطَاهُ غَيْرُ الْوَالِدِ يَثْبُتُ دُونَ قَبْضِهِ لِلزَّائِدِ وَقِيلَ إِنْ لَمْ يُحْرِزِ الْوَكِيلُ أَوِ أَوِ الْوَلِيُّ بَاطِلٌ عَلِيْلٌ وَيَثْبُتُ الْعَطَاءُ لِلْمَسَاجِدِ مِنْ غَيْرِ إِحْرَازِ مِنَ الْأَمَاجِدِ وَيَلْزَمُ الْإِحِرَازُ فِي الأَفْلَاج أَرْبَابَهَا يُوجَدُ فِي الْمِنْهَاجِ) وَوَاحِدٌ مِنْهُمْ عَنِ البَاقِينَا يَكْفِي إِذَا أَحْرَزَهُ يَقِيْنَا لِأَنَّهُ فِيهِ شَرِيْكٌ فَهُمُ فِيهِ سَوَاءٌ قَبْضُ كُلِّ يَلْزَمُ وَإِنْ يَكُنْ أَعْطَاهُ أَصْلَ مَالِ وَبَاعَهُ (2) الْمُعْطَى لَهُ بِالْحَالِ لَا يُدْرِكُ الْمُعْطِي بِهِ رُجُوعًا مِنْ بَعْدِ أَنْ صَارَ لَهُ مَبِيعَا وَإِنْ أَمَرْتَ رَجُلًا يُعْطِي رَجُلْ فَقَالَ قَدْ أَعْطَيْتُهُ وَلَمْ يَقُلْ) فَقِيلَ قَوْلُهُ بِذَاكَ يُقْبَلُ وَقِيلَ دُونَ حُجَّةٍ لَا يُقْبَلُ وَأَوَّلُ الْقَوْلَيْنِ أَقْوَى مَعْنَى لِأَنَّهُ مِثْلُ الْأَمِين مَعْنَا)
(1) قوله: «المنهاج» هو كتاب منهاج العدل لمؤلفه الشيخ عمر بن سعيد المعدي البهلوي الله. (2) قوله: «وباعه»، أي باع له ما أعطاه إياه، فإنه لا يُدْرِكُ الرجوع في العطية بعدما اشتراها من
المعطى بالفتح.
(3) قوله: «ولم يقل»، أي: لم يقل المعطى شيئًا، أو هو بضم الياء من الإقالة أي لم يرد العطية. (4) الأول من المعاني، والثاني هي مع موصولة بضمير جماعة المتكلمين أو الواحد المعظم نفسه. «تنبيه»: إن قيل ما الفرق بين العطية والهدية والهبة والصدقة والنّحْلَة فالجواب؛ أما العطية: فهي تكون بين المتساويين من الناس والهدية: تكون من الأدنى للأعلى بدليل {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةِ} [النمل: 35] لأن سليمان أعلى منها، والهبة من الأعلى إلى من دونه، والصدقة إنما تكون من الغني للفقير والنحلة من الآباء للأولاد، واسم العطية أعم، ولكل واحدة من هذه الخمس حكم يخصها مبين في محله، والله أعلم. (2/30)
صفحة 640
الجزء الثالث
كتاب العطايا
سَلَّطَهُ فَكَيْفَ يُطْلَبَنَّا بِحُجَّةٍ أَمْ كَيْفَ يَغْرَمَنَّا وَكُلُّ مَا مَرَّ يُسَمَّى صَدَقَهُ لأَنَّهُ لِرَبِّهِ قَدْ أَنْفَقَهُ وَحَيْثُ كَانَتْ لِلْوَرَى فِيهَا مِنَنْ وَيَدُ مَنْ أَعْطَى عَلَيْهِ تُرْفَعَنْ حَرَّمَهَا الرَّبُّ عَلَى الْمُخْتَارِ لِيَبْرَى مِنْ مِنَّةٍ غَيْرِ البَارِي وَفي الهَدَايَا صِفَةُ التَّعْظِيمِ لأَنَّهَا تُهْدَى إِلَى العَظِيمِ مِنْ أَجْلِ ذَا كَانَتْ لَهُ حَلَالًا لَكِنْ يُعَوِضَنَّهُ أَمْثَالَا وَكُلُّ مَنْ أَهْدَى لأَجْلِ عِوَضٍ إِلَيْكَ فَاقْبَلْهَا وَلَكِنْ عَوَّضِ قِيلَ وُجُوبًا وَأُنَاسٌ قَالُوا بِأَنَّهُ مَكْرُمَةٌ تُنَالُ وَقِيلَ إِنْ أَهْدَى الفَقِيرُ لِلْغَنِي يَلْزَمُهُ يُكَافِيَنْ بِالثَمَّنِ وَأَخْذُهَا حِلٌّ بِلَا خِلَافِ وَأَنَّهَا مِنْ سِيرَةِ الأَسْلَافِ حَثَّ عَلَيْهَا المُصْطَفَى وَبَيَّنَا بَأنَّ فِيهَا الْحُبَّ قَدْ تَعَيَّنَا وَالْقَلْبُ مَطْبُوعٌ بِحُبِّ المُحْسِنِ إِلَيْهِ إِنْ شِئْتَ وِدَادًا أَحْسِنِ أَنْتَ لِمَنْ أَعْطَيْتَهُ أَمِيرُ وَأَنْتَ لِلْمُعْطِي إِذَا أَسِيرُ وَإِنْ يَكُنْ أَعْطَاكَ مَالًا تَأْكُلُهُ أَنْتَ إِلَى أَنْ يَأْتِيَنَّهُ أَجَلُهُ فَهَذِهِ عَطِيَّةٌ ضَعِيفَهُ لأَجْلِ شَرْطِهَا أَرَى تَضْعِيفَهُ وَهْوَ مُخَالِفٌ لِحَالِ العُمْرَى لأَنَّهَا تَسْتَقْصِي مِنْهُ العُمْرَا يُعْطِيْهِ ذَاكَ الشَّيْءَ عُمْرَ الْمُعْطَى لَا عُمْرَ مَنْ أَعْطَى إِذَا مَا أَعْطَى
(1) قوله: «وأنت للمعطي»: المعطي اسم الفاعل. (أبو إسحاق) (2/31)
صفحة 641
باب ما يباح في جانب
الجزء الثالث
31
يَقُولُ هَذَا لَكَ طُولَ (1) عُمْرِكَا وَالْخُلْفُ هَلْ تَرْجِعُ بَعْدَ ذَلِكَا فَقِيلَ لَا تَرْجِعُ نَحْوَ الأَوَّلِ بِمَوْتِ مَنْ عُمَرَ بَلْ لِمَنْ يَلِي وَقِيلَ بَلْ تَرْجِعُ مَا لَمْ يَجْعَلاَ عَقِبَهُ كَمِثْلِهِ إِذْ جَعَلَا وَمَانِحُ شَيْئًا وَمَاتَ يُنْقَلُ لِوَارِثِيهِ وَالْمِنَاحُ يَبْطُلُ إِلَّا إِذَا أَوْصَى بِهِ أَنْ يُمْنَحَا فَذَاكَ بِالْإِيصَاءِ مَنْهُ رَبِحَا وَمِنْحَةُ الْأَرْضِ لِزَرْعِ القَتْ ثَابِتَةٌ إِلَى تَمَامِ الْوَقْتِ لِلْجَزَّةِ (2) الْأُولَى وَبَعْدَهَا سَنَهُ تَمَامُ هَذَا الْوَقْتِ فِيمَا بَيَّنَهُ وَإِنْ يَكُنْ لِزَرْعَ مَوْزِ مَنَحَا تَثْبُتُ حَتَى يَسْتَغِلَّ المِنَحَا (3) وَيَأْكُلَ الأَبْكَارَ والأُمَاتِ وَمَا لَهَا مِنْ بَعْدُ مِنْ ثَبَاتِ وَلَا تَجُوزَ مِنْحَةُ الرُّمُومِ (4) إِلَّا بِإِذْنِ مِنْ جِبَاهِ الْقَوْمِ وَذَاكَ إِنْ كَانُوا مِنَ الثَّقَاتِ إِذْ غَيْرُهُمْ مِنْ المُبَطَّلَاتِ لأَنَّمَا أَمْرُ الثَّقَاتِ جَارِ بِالْحَقِّ دُونَ الأَمْرِ للفُجَّارِ
(1) طول: منصوب على الظرفية المعنوية؛ أي: مدة عمره. (2) الجَزَّة: في اصطلاح أهل عُمان عبارة عن قطع جميع المدرَك من زرع القضب (البرسيم) وهو القت، ثم إذا نبت وأدرك وَجُزَّ؛ أي: قطع، سمي ذلك الجزة الثانية وهي بالجيم والزاي المعجمة. (أبو إسحاق)
(3)
جمع
منحة، والمراد به الشيء الممنوح. (أبو إسحاق) (4) الرموم جمع رم وهي الأثارات جمع أثارة، وهي بقايا العمران من الأطلال والأشجار والأراضي والسواقي والمياه، وما يجري مجرى ذلك، على ما بينه الصَّائِغي الله. قال في المضنون به على
غير أهله، في الباب السابع عشر والأثارة ما كان قد سبق فيه العمران، وقال في الباب قبله: والرموم المشهورة في أيدي الناس والقرى والمزارع التي فيها الأنهار والآبار، وَيَدْعُونَهَا أثارات لهم، وفيها أثر العمارات فتلك رموم لأهلها، وهي قسم في الجاهلية ثبت في الإسلام ... إلخ. (أبو إسحاق) (5) وجوه القوم وأعيانهم. (أبو إسحاق) (2/32)
صفحة 642
32
الجزء الثالث
كتاب الإقرار
يُبَيِّنَنَّ
كتاب الإقرار
الْمُشْتَبِهْ
إِقَرَارُهُ أَنْ يُفْصِحَ الْمَقَالَا أَنَّ عَلَيَّ لِفُلاَنٍ مَالَا عَدَدَ الْمُقَرِّبِه وَذَاتَهُ وَوَصْفَهُ فِي وَاخْتَلَفُوا إِنْ لَمْ يُبَيِّنَنَا فَبَعْضُهُمْ أَلْغَاهُ) فَاعْلَمَنَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعِ الْإِقْرَارُ مَوْقِعَهُ إِذَا انْتَفَى الْمِقْدَارُ فَحُكْمُهُ (2) حُكْمُ الَّذِي لَمْ يَقُلِ إِذْ أَجْمَلَ الْقَوْلَ وَلَمْ يُفَصِّلِ وَبَعْضُهُمْ أَثْبَتَهُ وَأَلْزَمَهُ بِأَنْ يُفَسِّرَنَّ مَا قَدْ أَبْهَمَهُ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ الْحَقُّ وَمَا بَقِي سِوَى التَّفْصِيلِ مِنْهُ فَاعْلَمَا وَأَكْثَرُ التَّفْرِيعِ فِي الْآثَارِ عَلَى تُبُوتِ نَحْوِ ذَا الْإِقْرَارِ وَهَا أَنَا أَذْكُرُهَا مُفَصَّلَا (3) مُبِيِّنًا إِثْبَاتَ مَا قَدْ جُهِلًا فَإِنْ يَكُنْ بِمَائَتَيْ مِثْقَالِ أَقَرَّ مَا بَيَّنَ فِي الْمَقَالِ فَإِنْ يَكُنْ حَيَّا فَبِالتَّفْسِير يُؤْخَذُ فِيمَا جَاءَ عِنْ بَشِيرِ وَإِنْ يَكُنْ مَاتَ فَلَا عَلَيْهِ شَيْءٌ يَكُونُ ثَابِنَّا لَدَيْهِ لِعَدَمِ الحُجَّةِ وَالْبَيَانِ فَمِنْ هُنَا نَقُولُ بِالْبُطْلانِ
(1) قوله: ألغاه: أي أبطله. (أبو إسحاق)
(2) قوله: «فحكمه حكم الذي لم يقل»، أي: حكم من لم يقر إذا لم يبيّن الإقرار. (أبو إسحاق) (3) مفصلاً: حال من أذكرها وهو بكسر الصاد، أو صفة لمصدر محذوف، أي: ذكرًا مفصلاً فيكون بفتح الصاد. (2/33)
صفحة 643
باب ما يباحُ في جانب الأيتام
الجزء الثالث
33
وَرَجُلٌ بِمُلْكِهِ أَقَرًا وَبَعْضُ مُلْكِهِ اخْتَفَى وَمَرَّا إِقْرَارُهُ يَثْبُتُ فِيمَا عَلِمَا مِنْ ذَاكَ دُونَ مَا عَلَيْهِ انْبَهَمَا وَقِيلَ بَلْ يَثْبُتُ فِي الْمَجْهُولِ لأَنَّهُ يَدخُلُ فِي الْمَقُولِ وَلَا أَرَاهُ دَاخِلًا لِأَنَّمَا إِقَرَارُهُ يَكُونُ فِيمَا عَلِمَا وَأَخْذُهُ بِمُقْتَضَى الْمَقَالِ يُخَالِفُ الْقَصْدَ بِكُلِّ حَالِ وَاللَّفْظُ قَالَبُ المَعَانِي لَا سِوَى فَيَثْبُتُ الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ نَوَى مِنْ هَاهُنا قَدْ ثَبَتَ الْمَجَازُ وَهْوَ عَلَى مَقْصُودِهِ يُجَازُ وَذَاكَ لَفْظُ عَنْ مَعَانِيهِ انْصَرَفْ بِقَصْدِ مَنْ عَبَّرَ يَوْمًا وَوَصَفْ وَامْرَأَةٌ لِزَوْجِهَا تُقِرُّ بِكُل مَا فِي بَيْتِهَا يَقِرُّ وَهْيَ بِذَاكَ الْبَيْتِ وَالثِّيَابُ فِيهَا وَفِيهَا الْحَلْيِ الْمُسْتَطَابُ فَقِيلَ إِنَّ مَا عَلَيْهَا يَدْخُلُ فِي قَوْلِهَا يَأْخُذُ ذَاكَ الرَّجُلُ وَذَاكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (1) نُقِلَا وَإِنَّنِي أَرَاهُ مِمَّا أُغْفِلَا فَاللَّفْظُ يَقْتَضِيهِ دُونَ الْحَالِ مَا لَمْ يَكُنْ يُقْصَدُ بِالْمَقَالِ فَلَا أَرَى ثبُوتَ ذَاكَ أَبَدًا إِلَّا إِذَا كَانَ إِلَيْهِ قُصِدَا
عنه إلى ما سوا
(1) قوله: «عن أبي سعيد .. هو الشيخ العلّامة قدوة أهل الإستقامة محمد بن سعيد بن محمد الكدمي له وقوله: «مما أغفلا بضم الهمزة مبنيًا للمفعول أي مما ترك من القول، وعدل راه، وإنما قال هذا لأنه يعتبر المقاصد في غالب الأمور الشرعية، ولا يعتبر مقتضى ظواهر الألفاظ، والذي ذهب إليه الكدمي له وجه لكون ما عليها من الحلي هو في داخل البيت، وقد عمه الإقرار؛ فالعموم يدخله فيما أقرت به، ومن اعتبر القصد فهو وجه صحيح، فالقولان متجهان في المسألة، والله أعلم. (أبو إسحاق) (2/34)
صفحة 644
34
الجزء الثالث
كتاب الإقرار
وَكُلٌّ مَا خَلَّفْتُهُ مِنْ مَالِ فَهُوَ لِزَوْجَتِي عَلَى الْإِجْمَالِ فَثَابِتٌ قِيلَ وَبَعْضُ لَا يَرَى تُبُوتَهُ إِذْ لَمْ يَكُنْ قَدْ فَسَّرَا وَمَنْ يَقُلْ دَارِي لِزَيْدٍ فَالشَّجَرُ لَا يَدْخُلَنْ فِي الدَّارِ إِذْ بِهَا أَقَرْ وَإِنْ يَكُنْ قَدْ قَالَ هَذَا الْمَنْزِلُ أَشْجَارُهُ قَدْ قِيلَ فِيهِ تَدْخُلُ وَمَنْ يَقُلْ إِنَّ لِزَيْدٍ سَيْفَا وَذَاكَ فِي بَيْتِي فَلَا تَحِيفَا (1) وَوُجِدَتْ جُمْلَةُ أَسْيَافٍ فَمَا (2) يُعْطَى فَفِي ذَاكَ اخْتِلَافُ العُلَمَا فَقِيلَ أَدْنَاهَا وَقِيلَ الْأَعْلَى وَبَعْضُهُمْ حَاصَصَ فِيهِ الْكُلَّا وَمَنْ يَقُلْ أَكْثَرُ مَالِي أَوْ يَقُلْ أَجَلُّهُ فَهُوَ لِذَلِكَ الرَّجُلُ فَمَا عَدَا النَّصْفَ لَهُ يُقَرَّرُ لأَنَّهُ أَجَلُهُ وَالْأَكْثَرُ وَقِيلَ فِي الْأَجَلَّ يُعْطَى الْأَفْضَلَا مِنْ كُلِّ نَوْعِ إِذْ غَدَا الْمُفَضَلَا) وَمَنْ بِجُزْءِ مَالِهِ أَفَرًا فَقِيلَ بَاطِلُ إِذَا لَمْ يُدْرَى وَقِيلَ بَلْ يَثْبُتُ مِنْهُ الرُّبُعُ وَقَالَ قَوْمٌ يَثْبُتَنَّ السُّبُعُ
(4)
وَمَنْ يَقُلْ سُدُسُ مَالِي لِعُمَرُ وَعَطَفَ التَّوْبَ عَلِيْهِ وَاقْتَصَرْ
(1) من الحيف وهو الجور. (أبو إسحاق)
(2) فما ما استفهامية ها هنا.
(3) المفضلا: يعني: الأجل لأنه صار مفضلاً عنده إذ سماه أجل ماله وفي نسخة: مفضلا، أي: هو صار مفضلا لما أقر به لغيره.
(4) قوله: «ومن يقل سدس مالي إذا أقر يعني: إذا قال في إقراره: سدس مالي وثوبي لفلان صار للمقر له سدس المال وسدس الثوب، حيث عطف الثوب على سُدُس المال. (أبو إسحاق) (2/35)
صفحة 645
باب ما يباح في جانب
الجزء الثالث
35
فَسُدُسُ الثَّوْبِ كَذَاكَ يُعْطَى إِذْ عَطْفُهُ بِذَاكَ يَقْضِي ضَبْطَا
(2)
وَمَنْ أَقَرَّ بِقَفِيرُ) حَبَّا يَلْزَمُهُ جَرِيٌّ بُرِّ يُعْبَى وَذَاكَ لِلْعُرْفِ الَّذِي تَقَدَّمَا فَالْحَبُّ بِالْبُرِّ لَدَيْهِمْ عُلِمَا كَذَلِكَ القَفِيزُ بِالْجَرِيِّ مُقَدَّرٌ بِكَيْلِهِ الْوَفِيّ وَبِاخْتِلَافِ الإِصْطِلاح أَشْكَلَا مَعْنَاهُ حَيْثُ لَفْظُهُ تَنَقَلَا وَعُرْفُنَا صَيَّرَهُ مَجْهُولًا لَيْسَ عَلَيْنَا نُثْبِتُ الْمَقُولَا نَقُولُ إِنَّ مَنْ أَقَرَّ الْيَوْمَ بِه يَلْزَمُهُ التَّفْسِيرُ عِنْدَ الْمُنْتَبِهْ إِذِ الْقَفِيزُ يَصْغُرَنْ وَيَكْبَرُ وَالْحَبُّ مُبْهَمْ لِذَا يُفَسَّرُ وَالْعُرْفُ فِي الْإِقْرَارِ حَتْمًا يُعْتَبَرْ لِأَنَّهُ الْمَعْنَى الَّذِي مِنْهُ ظَهَرْ وَإِنْ أَقَرَّ لِمَسَاجِدِ الدُّنَا فَبَعْضُهُمْ تَضْعِيفَهُ قَدْ حَسَّنَا فَهْوَ عَلَى ذَا لِلْمُقِرِّ يَرْجِعُ لِأَنَّمَا إِقَرَارُهُ لَا يَقَعُ وَحَسَنُ نُبُوتُهُ وَيُجْعَلُ فِي الفُقَرَا إِذِ الْبُيُوتُ تُجْهَلُ وَالفُقَرَاء مِنْ مَسَاجِدِ البَلَدْ أَقْرَبُ مَعْنًى لِلَّذِي كَانَ قَصَدْ وَإِنْ تَكُنْ وَضَعْتَهُ فِي الْجَامِعِ فَقَدْ أَخَذْتَ بِمَقَالٍ وَاسِعِ
(1) بقفيز القفيز المعروف و حَبَّا تمييز، أي: قفيز من حب، والقفير بالراء المهملة معروف أيضًا، وهو إناء يعمل من سعف النخل يَسَعُ جَرْيَ حب فما دونه، وظاهر كلام المؤلف أنه يقتضي ذلك. (2) قوله: «يعبى»، أي: يجمع.
(المصنف)
(3) الدنا: يعني: الدنيا. (2/36)
صفحة 646
36
الجزء الثالث
كتاب الإقرار
وَهْوَ الَّذِي أَرَاهُ لَا سِوَاهُ وَغَيْرُ هَذَا الْقَوْلِ لَا أَرَاهُ لِأَنَّهَا مَصْلَحَةٌ تَجْتَمِعُ وَإِنْ تُفَرِّقْهُ فَلَيْسَ يَنْفَعُ وَمَنْ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مُشْتَرَكْ أَرَادَ ضُرًّا بِالشَّرِيكِ وَسَلَكْ أَزَالَهُ (1) لِفُقَرَا سِيرَافِ (2) فَإِنَّ هَذَا لِلزَّوالِ كَافِي مِنْ مُلْكِهِ يَخْرُجُ لَكِنْ يَلْزَمُ يُقَاسِمُ الشَّرِيكَ حِينَ يَقْسِمُ وَبِحُصُولِ الْقَسْمِ زَالَ الصَّرَرُ وَقَصْدُهُ الضُّرَّ عَلَيْهِ يُؤْزَرُ فَهِذِهِ مَسَائِلُ الْمَجْهُولِ وَكُلٌّ مَا فِيهَا مِنَ الْمَقُولِ وَإِنْ يَكُنْ أَقَرَّ بِالْمَحْدُودِ أَوْ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْمَعْهُودِ فَذَاكَ ثَابِتٌ وَلَوْ أَشَارًا إِلَيْهِ حِينَ أَظْهَرَ الْإِقْرَارَا يَقُولُ هَذَا الْبَيْتُ أَوْ ذَا الْمَالُ لِخَالِدٍ يَثْبُتُ هَذَا الْحَالُ لِأَنَّمَا إِشَارَةُ الْبَنَانِ تُفِيدُ عِلْمًا واضِحَ التِّبْيَانِ وَقَوْلُنَا الْمَحْدُودُ مَا قَد عُرِفَا بِعَيْنِهِ وَوَصْفِهِ وَانْكَشَفَا وَيَثْبُتُ الْإِقْرَارُ لِلْأَطْفَالِ وَمَسْجِدٍ وَغَائِبِ بِحَالِ لِأَنَّهُ يُمكِنُ أَنْ قَدْ لَزِمَهُ حَقٌّ لَهُمْ أَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَهُ وَإِنْ أَقَرَّ لِبَنِي فُلَانِ يَكُونُ فِيمَا قِيلَ لِلنُّكْرَانِ
(1) أزاله أي أقرّ به لفقراء سيراف؛ أو غيرها من المواضع الشاسعة إضرارًا بالشريك.
(2) هي كورة مشهورة بناحية بلاد العجم. (أبو إسحاق) (2/37)
صفحة 647
باب ما يباح في جانب
الجزء الثالث
37
وَلفْظَةُ الأَوْلاَدِ تَشْمَلَنَّا مَعَ النِّسَا الذَّكُورَ فَاعْلَمَنَّا لَا يَثْبُتُ الْإِقْرَارُ مِنْ حَلَائِلِ (1) لِغَيْرِ زَوْجِ بِالصَّدَاقِ الْآجِلِ لأَنَّهُ حَقٌّ بَأَسْبَابٍ تَقَعْ لَيْسَ لِغَيْرِهِ إِلَيْهَا مُتَسَعْ وَقِيلَ فِي الْإِقْرَارِ بِالْمَغْصُوبِ يَثْبُتُ عَنْ حَيَّانِنَا (2) الْأَرِيبِ وَلَسْتُ أَدْرِي مَا أَرَادَ الرَّجُلُ لَعَلَّهُ أَرَادَ قَدْ يَنْتَقِلُ وَإِنْ يَكُنْ إِقْرَارُهُ لِمَنْ غُصِبْ مِنْهُ فَثَابِتٌ بِلَا خُلْفَ يَجِبْ رفِي الْمَرِيضِ إِنْ أَقَرَّ لِسِوَى وَارِثِهِ يَثْبُتُ مَا بِهِ نَوَى بِغَيْرِ خُلْفَ وَالْخِلافُ إِنْ أَقَرَّ لوَارِثِيهِ مَنْ نَفَى وَمَنْ أَقَرْ (3) وَإِنْ يَكُنْ قَالَ بِحَقِّ أَوْجَبَهْ فَهْوَ إِلَى النُّبُوتِ أَدْنَى مَرْتَبَهْ ومَنَ نَفَى (4) يَجْعَلُهُ وَصِيَّهْ وَمَنْ أَقَرَّ يُثْبِتُ القَضِيَّة مِنْ بَابِهَا إِذْ بَابُهَا الْإِقْرَارُ وَمَا لِغَيْـ وَمَا لِغَيْرِهِ بِهَا اعْتِبَارُ
العلماء
(1) حلائل جمع حليلة وهي الزوجة. (2) «عن حياننا» هو الشيخ العلامة حيان المعروف بلقبه الشهير؛ وهو الأعرج، وهو من القدماء الذين في طبقة الربيع، وقد ظن المصنف رحمةالله أن حيانًا يثبت إقرار الغاصب حيث علله باحتمال الانتقال، وهو لم يرد ذلك، وإنما أراد إقرار المغصوب منه، وقد ذهب جمهور العلماء إلى عدم ثبوته، إذ لا يصح بيعه ولا تثبت هبته فيه، وذهب الشيخ حيان الأعرج إلى ثبوت الإقرار به؛ لأن الإقرار أثبت من البيع في الاعتبار، فهذا هو مراده لا ما توهمه المصنف
رحمة الله عليه. (أبو إسحاق) (3) أقر الثاني بمعنى أثبت.
(4) قوله: «ومن نفى»، أي: من أبطل إقرار المريض لمن يرثه جعل إقراره مثل الإيصاء للوارث، ولا وصية لوارث، ومن أقر» أي جعله إقرارًا أثبته وهو الأصح إذا لم يتهم بقصد إلجاء المال للوارث المحبوب. (2/38)
صفحة 648
38
الجزء الثالث
كتاب الإقرار
وَحَمْلُهُ عَلَى خِلَافِ مَا اقْتَضَى تَعْبِيرُهُ نَفْسُ اتَّهَامٍ عَرَضَا لَا يَثْبُتُ الْإِقْرَارُ مِنْ مَجْنُونِ وَأَخْرَس وَذَاهِبِ الْعُيُونِ كَذَلِكَ الْمَسْجُونُ إِنْ أَقَرَّا في سِجْنِهِ بَعْضُ يَرَاهُ هَدْرَا) وَقِيلَ ثَابِتٌ وَقِيلَ يَبْطُلُ فِي سَبَبِ السِّجْنِ (2) الَّذِي قَدْ يَحْصُلُ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَقَرَّ مِنْ خَوفِ النَّكَالِ إِنْ جَحَدْ وَذُو الْعَمَى إِقْرَارُهُ إِذَا أَقَرْ بِالْحَقِّ فِي ذِمَّتِهِ قَدِ اسْتَقَر يَثْبُتُ وَالْبُطْلَانُ فِي إِقْرَارِهِ بِمَالِهِ (3) إِنْ كَانَ أَوْ بَدَارِهِ وَقِيلَ مَنْ بِالْمُلْكِ (4) وَالْعِتْقِ مَعَا أَقَرَّ فَالْعِتْقُ لَهُ نَفْسُ ادَّعَى وَيَثْبُتُ الْمُلْكُ وَيَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ بِأَنَّهُ تَنَقَّلَا وَيَثْبُتُ الْإِقْرَارُ بالزَّوْجِيَّةِ مِنْ جَانبَيْهَا فَادْرِ وَالْبُنُوَّةِ وَهَكَذَا الْإِقْرَارُ بِالْأُبُوَّةِ وَتَثْبُتُ الْأَحْكَامُ فِي الْقَضِيَّةِ وَيَثْبُتُ الْعُرفُ هُنَا فَمَنْ يَقُلْ لِلزَّوْجِ مِنْهُنَّ فُلاَنٌ لِي رَجُلٌ
(1) هدرًا: أي: باطلاً، كما أراد امرؤ القيس بالباطل الهدر في قوله: والله لا يذهب شيخي باطلاً. (2) قوله: «في سبب السجن ... إلخ» يعني أن في إقرار المسجون إطلاقين وتفصيلا، فبعضهم أبطله مطلقًا، وبعضهم أثبته مطلقًا؛ وبعض أبطله فيما سجن من أجله، كما إذا اتهم بأخذ شيء على وجه السرقة فأنكره؛ ثم أقر به في السجن، فهو لا يثبت عليه، ولا يؤخذ به إذا أنكره بعد الإفراج عنه على هذا القول ويثبت فيما عدا ذلك مما لا علاقة له بأمر السجن. (3) بماله، يعني: بشيء من أصول الأموال، وهو ما عدا العُرُوض المتناقلة، وهذا جارٍ على اصطلاح أهل عُمان يسمون النخيل وأروض الزراعة أموالًا. (4) قوله: «وقيل من بالملك ... إلخ» يعني: أن العبد إذا قال: أنا مَمْلُوك فلان ولكنه أعتقني فإن يثبت عليه الإقرار بالملكية، ويكون قوله أعتقني دعوى منه محتاجة إلى البينة والله أعلم. (أبو إسحاق) (2/39)
صفحة 649
باب ما يباح في جانب
الجزء الثالث
39
أَوْ أَنَّهُ يَقُولُ «جَوْزَتِي» (1) وَقَدْ عَنَى بِهَا الزَّوْجَةَ أَثْبِتْ مَا قَصَدْ إِنْ كَانَ ذَاكَ عُرْفُهُمْ إِنْ خَاطَبُوا لِأَنَّمَا يُعْتَبَرُ التَّخَاطِبُ وَثَابِتُ إِنْ حَ فُلَانٍ قَالَا وَبَعضُهُمْ رَأَى بِهِ الْإِبْطَالَا وَهَكَذَا حَالَ فُلاَنٍ دِرْهَمُ عَلَيَّ قِيلَ إِنَّ هَذَا يَلْزَمُ وَهْوَ الَّذِي أَرَاهُ لَا سِوَاهُ لِأَنَّهُ يُـ لأَنَّهُ يُعْرَفُ مَا مَعْنَاهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ يُعْتَبَرُ الْعُرْفُ هُنَا مَا ثَبَتَ الْإِقْرَارُ مِمَّنْ بَيَّنَا عَلَى اخْتِلَافِ أَلْسُنِ الْوَرَى نَرَى إِقْرَارَ كُلِّ مِنْهُمْ مُعْتَبَرَا وَهْوَ دَلِيلٌ يَقْضِي بِالْإِثْبَاتِ عَلَى اخْتِلَافِ الْعُرْفِ وَاللُّغَاتِ وَمَنْ يَقُلْ فِيمَا أَرَى أَوْ مَا مَعِي أَنَّ عَلَيَّ دِرْهَمَا لِلْمُدَّعِي وَهَكَذَا فِيمَا أَظُنُّ قِيلَا لَيْسَ بِإِقْرَارٍ فَعَ التَّفْصِيلا لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ ظَنِّ حَصَلَ وَالظَّنُّ لَا يُثْبِتُ حَقًّا لِلرَّجُلْ وَقَوْلُهُ فِيمَا أَرَى آكَدُ مِنْ فِيمَا مَعِي وَلَا يُفِيدُ غَيْرَ ظَنْ وَثَابِتٌ إِنْ قَالَ فِيمَا أَعْلَمُ إِذْ عِلْمُهُ بِالْحَقِّ قَطْعًا يُلزِمُ وَإِنْ يَكُنْ قَدْ كَذَّبَ الْمُقَرُّ لَهُ (3) مَنْ كَانَ بِالْحَقِّ أَقَرَّ أَبْطَلَهُ
(1) جوزته بالجيم هكذا يقول بعض الأعراب بعمان. (2) قوله: «وثابت إن حَ فُلان هذا أيضًا كذلك اصطلاح العامة من أهل عمان فأقاموا الحاء مقام الملك اصطلاحًا عرفيًا، والناس يعاملون على مقتضى اصطلاحاتهم في التعبير، ومثل هذا
لام
تؤيده السُّنَّة النبوية والحمد لله. (أبو إسحاق)
(3) المقر له فاعل كذب ومَنْ الموصولة مفعولة. (2/40)
صفحة 650
40
الجزء الثالث
كتاب الإقرار
وَهَكَذَا إِنْ قَالَ لَا أَرَاهُ عَلَيْكَ لِي وَمِنْهُ قَدْ أَبْرَاهُ لأَنَّمَا الْبُرْآنُ وَالْإِنْكَارُ يَبْطُلُ عَنْهُ بِهِمَا الْإِقْرَارُ وَإِنْ يَكُنْ أَفَرَّ ثُمَّ اسْتَثْنَى شَيْئًا فَلَا يَلْزَمُ مَا يُسْتَثْنَى وَذَاكَ تَبْيِينُ لِمَا عَلَيْهِ لِجَعْلِهِ مُتَّصِلًا لَدَيْهِ كَقَوْلِهِ عَلَيَّ عِشْرُونَ سِوَى قِرْشِ فَلَفْظُهُ لِبَاقِيهَا حَوَى وَهْوَ بِلاَ خُلْفٍ وَلَكِنْ يُخْتَلَفْ إِنْ أَخْرَجَ الْأَكْثَرَ مِمَّا قَدْ وَصَفْ كَقَوْلِهِ عَلَيَّ أَرْبَعُونَا إِلَّا ثَلَاثَةً مَعَ الْعِشْرِينَا فَأَخْرَجَ الْأَكْثَرَ مِمَّا ذَكَرَا فَهَاهُنَا الْخِلَافُ عَنْهُمْ ذُكِرَا كَذَلِكَ الْخِلَافُ إِنْ سَاوَاهُ وَقَوْلُنَا أَنَّ لَهُ اسْتَفْنَاهُ كَقَوْلِهِ عِشْرُونَ إِلَّا عَشَرَهُ فَحَالَةُ اسْتِثْنَائِهِ مُعْتَبَرَهُ لَكِنَّهُ إِنْ أَخْرَجَ الْجَمِيعَا فَلا نَرَى اسْتِثْنَاءَه مَسْمُوعًا كَتِسْعَةِ عَلَيَّ إِلا تِسْعَهُ فَهَاهُنَا تَنْبُتُ تِلكَ التَّسْعَهُ لِأَنَّهُ أَقَرَّ ثُمَّ أَنْكَرَا وَمَا لَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ يُنْكِرا وَيَثْبُتُ الْإِقْرَارُ بِالتَّمَامِ كَأَنَّهُ مَا اسْتَثْنَى فِي الْكَلَامِ
(1) بالتمام أي بالجميع، وفيه براعة ختم الباب. (2/41)
صفحة 651
باب ما يباح في جانب الأيتام
كتاب الأمانة
الجزء الثالث
41
وَالْمَالُ إِنْ حَفِظْتَهُ لِلْغَيْرِ فَهُوَ أَمَانَةٌ خَلَا مِنْ ضَيْرِ فَصَوْنُهُ يَلْزَمُ وَالْأَدَاءُ لِأَهْلِهِ إِذَا إِلَيْهِ جَاؤُوا وَلِوُجُوبِ حِفْظِهَا الْمُعْتَادِ يَنْحَطُ عَنْهُ السَّيْرُ لِلْجِهَادِ إِنْ خَافَ بِالْمَسِيرِ أَنْ تَضِيعًا وَضَامِنٌ إِنْ فَعَلَ التَّصْيِيعَا وَحَاضِرُ الْفُرُوضِ لَا يُعَطَّلُ لِفِعْلِ غَائِبِ وَلَا يُمَهَّلُ وَمِنْ هُنَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَا إِنْ جَائِرٌ أَرَادَهَا لِيَنْزِعَا وَمَا عَلَيْهِ إِنْ يَغِبْ دِفَاعُ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الاِمْتِنَاعُ وَمِنْ وُجُوبِ حِفْظِهَا يَكونُ خَصْمًا وَأَنَّهُ لَهُ الْيَمِينُ وَقِيلَ لَا يَكُونُ (1) فِيهَا خَصْمَا بَلْ أَهْلُهَا يُعْطَوْنَ هَذَا الْحُكْمَا وَالْأَصْلُ يَخْتَارُ بَأَنْ يَكُونَا خَصْمًا وَعِرْضَهُ إِذَا يَصُونَا وَمَنْ لَهُ دَرَاهِمْ قَدْ دُفِعَتْ أَمَانَةٌ بِخَلْطِهَا (2) قَدْ ضُيِّعَتْ
(1) قوله: «يكون .... إلخ» اختلف في الأمين إذا ضاع شيء من أمانته من غير تضييع، فادَّعَى على أحد من الناس أنه ضيعها بسرق أو حَرَق هل تُسْمع دعواه عليه؟ وهل تنصب بينهما خصومة في ذلك؟ فقال بعضهم: إنها تسمع وإن له أن يخاصم فيها؛ لأن ذلك من تمام حفظ الأمانة، وقال بعضهم: لا تُسْمع وإنما يكون ذلك لصاحبها، إلا إذا كان لها ضامنًا، فإن يوجب عليه ضمانها فله أن يخاصم فيها؛ لأنه صار يخاصم لنفسه، وهذا
مما ضَمِنَها بشيء هو الأظهر، والله أعلم.
(2) بخلطها: أي: مع دراهمه حتى لا يتميز بعضها من بعض. (2/42)
صفحة 652
42
الجزء الثالث
كتاب الأمانة
إِنْ كَانَ خَلْطُهَا بِغَيْرِ إِذْنِ أَرَى بَخَلْطِهَا الضَّمَانَ يَجْنِي وَقِيلَ لَا بَأْسَ إِذَا رَآهُ أَحْرَزَ لِلْمَالِ وَلَا أَرَاهُ وَلَا يَجُوزُ وَضْعُهَا فِي مُثْلِفِ وَضَامِنٌ بِوَضْعِهَا إِنْ تَتْلَفِ قِيلَ وَلَوْ بَأَمْرِ مَنْ قَدْ أَمَّنَا بِوَضْعِهَا وَاضِعُهَا قَدْ ضَمِنَا لِأَنَّهُ إِضَاعَةٌ لِلْمَالِ فَلَيْسَ وَضْعُهَا مِنَ الْحَلَالِ قُلْتُ وَلَكِنْ إِذْنُهُ يُسْقِطُ مَا كَانَ لَهُ لَوْلَاهُ حَقًّا لَزِمَا وَقِيلَ لَا تَسْتَأْمِنِ الْخَثُونَا وَلَا تَكُنْ لِخَائِنِ أَمِينَا إِذْ جَعْلُهَا مَعْ خَائِنٍ تَضِيِيعُ لِمَالِهِ وَذِلِكُمْ مَمْنُوعُ وَمِنْ هُنَا (2) قَالَ أُولُو الصَّيَانَهُ جَزَاؤُهُ فِي فِعْلِهِ الْخِيَانَهُ وَإِنْ تَأَمَّنْتَ لِخَائِن فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَأْتِي بِسَرْقَةِ الْمَلَاَ
وَخَائِنُ أَنْتَ إِذَا عَلِمْتَا بِأَنَّهَا خِيَانَةٌ أُمِّنْهُ شَارَكْتَهُ إِذْ خَانَ فَهْوَ يَسْرِقُ وَأَنْتَ بِالسَّرْقَةِ ذَا مُنْطَلِقُ وَمَنْ تَكُنْ فِي يَدِهِ أَمَانَهُ فَجَعْلُهَا مَعْ خَائِنِ خِيَانَهُ وَهْوَ بِذَاكَ ضَامِنٌ وَإِنْ يَكُنْ أَمَّنَهَا الْأَمِينَ لَيْسَ يَصْمَنَنْ
(1) حقا: خبر كان.
(2) قوله: «ومن هنا .... إلخ» يشير إلى قول بعض علماء السلف؛ كفى بالمرء خيانة أن يؤمن خائنًا، أو يكون أمينًا لخائن. (3) خيانة: يحتمل رفعها على أنها خبر لأن ونصبها على أنها مفعول ثان ويكون اسم إن ضمير الشأن، أي: إذا علمت بأن شأن القضية أنك أمنت خيانة، أي: مالا حَرَامًا. (2/43)
صفحة 653
باب ما يباح في جانب
الجزء الثالث
43
لَوْ تَلِفَتْ مِنْ غَيْرِ مَا تَصْبِيعِ مِنْهُ فَلَا ضَمَانَ لِلْجَمِيعِ وَإِنْ يُضَيِّعِ الأَخِيرُ ضَمِنَا وَسَالمٌ مَنْ لِلْأَمِين أَمَنَا وَالْغَيْبُ اللَّهِ وَلَا يَدْرِيهِ وَظَاهِرُ الْحَالِ هُنَا يَكْفِيهِ وَمَا عَلَى الْأَمِينِ مِنْ ضَمَانِ إِنْ لَمْ يُقَصِّرْ فَافْهَمِ الْمَعَانِي وَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ لِلْأَمَانَهُ إِذْ لَيْسَ بَيْعُهَا مِنَ الصِّيَانَهُ إِلَّا إِذَا خَافَ الْفَسَادَ وَالْعَطَبْ فَبَيْعُهَا لِذَا الصَّلَاحِ مُسْتَحَبْ وَإِنْ يَكُنْ فِي الْبَحْرِ أَلْقَاهَا لِمَا رَأَى مِنَ الحَبِّ فَلَا يُغَرَّمَا وَمَنْ فَدَى النَّفْسَ مِنَ الْجَبَّارِ) بِهَا فَغُرْمُهَا عَلَيْهِ جَارِي وَسَاقِطٌ ضَمَانُهُ إِنْ غُلِبَا عَلَيْهِ وَالْعُذْرُ لَهُ قَدْ وَجَبَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِذَاكَ عَمَلُ وَلَا دَلَالَةٌ لَهُمْ إِذْ دَخَلُوا وَقِيلَ فِي مُسْتَوْدَعِ لِحَبِّ أَفْسَدَهُ السُّوسُ معًا بِالضَّرْب (2) فَحَطَّهُ (13) فَوْقَ سُطُوحٍ الْمَنْزِلِ لِيَذْهَبَ السُّوسُ مَعَ التَّأْكُلِ
(1) قوله: «ومن فدى النفس من الجبار .... إلخ» أقول: هنا عندي تفصيل، فإن كان هذا الجبار إنما قصد الأمين لغير أخذ الأمانة، وإنما أراد أن يكلفه غرم شيء من ماله، وتوعده بالقتل ففدى نفسه منه بأمانته؛ فها هنا عليه غُرمها لصاحبها إلا إذا لم يجد شيئًا إلا الأمانة، فبعضهم يعذره ويقول: كان على صاحبها أن ينجيه بها لو حضر، وإن كان اغتصب منه الأمانة ولم يقدر على منعها منه؛ لم يكن عليه شيء فوق جهده وطاقته.
(2) قوله: «الضرب» عبارة عن فساد الحب بأكل السوس (المصنف)
(3) وقوله: «فحطه» أي: وضعه. و «سطوح المنزل» سقوفه وهما لغتان عُمانيتان. (المصنف) (4) قلت: لا وجه لتخصيصها بلغة عمان بل هما لغة عامة العرب كما في المعاجم اللغوية. (أبو إسحاق) (2/44)
صفحة 654
44
الجزء الثالث
كتاب الأمانة
فَهَاجَتِ الرِّيحُ عَلَيْهِ فَغَدَا (1) وَلَمْ يُحَصِّلْ مِنْهُ شَيْئًا أَبَدًا فَسَاقِطٌ ضَمَانُهُ مِنْ حِينِهِ لأَنَّ هَذَا قِيلَ مِنْ تَحْصِينِهِ وَإِن يَكُنْ وَدَّعَهُ (2) وَاشْتَرَطَا ضَمَانَهَا فَذَاكَ شَرْطٌ سَقَطَا لِأَنَّهُ مُخَالِفُ الْمَشْرُوعِ فَجَعْلُهُ فِيهَا مِنَ الْمَمْنُوعِ وَكُلُّ مَا خَالَفَ أَمْرَ الْمُصْطَفَى فَذَاكَ رَدُّ وَهْوَ بَاطِلُ الْوَفَا وَقِيلَ إِنَّ الشَّرْطَ ثَابِتٌ وَقَدْ جَرَى عَلَى رِضَاهُمَا فَلَا يُرَدْ وَآخِذٌ مِنْ رَجُلٍ كِتَابًا قَوَّمَهُ بِقِيمَةٍ إِنْ غَابَا زَائِدَةٍ عَنْ قِيمَةِ الْكِتَابِ ثُمَّ أُصِيبَ مِنهُ بِالذَّهَابِ فَقِيلَ مَا عَلَيْهِ فِي الْقَضِيَّة فِي الْحُكْمِ غَيْرُ الْقِيمَةِ الْأَصْلِيَّة وَيُقْبَلُ الْقَوْلُ مِنَ الْأَمِينِ بِأَنَّهَا ضَاعَتْ مَعَ التَّصْوِينِ لِأَنَّهُ أَمِينُهُ إِذْ أَمَّنَا فَمَا لَهُ مِنْ بَعدُ أَنْ يُخَوِّنَا وَالْخُلْفُ فِي تَحْلِيفِهِ إِنِ ادَّعَى بِأَنَّهُ لِحِفْظِهَا قَدْ ضَيَّعَا وَالْقَوْلُ بِالتَّحْلِيفِ يُذْكَرَنَّا فِي أَكْثَرِ الْأَقْوَالِ فَاعْرِفَنَّا وَمَنْ تَكُنْ فِي يَدِهِ وَدِيعَهُ فَجَاءَهُ لِأَخْذِهَا رَبِيعَة)
(1) غدا: ذهب، ويقال: غدا فلان، أي: مات. (2) ودعه: بتشديد الدال: أي: أودعه فأقام الشَدَّة مقام ألف التعدية أي ترك عنده وديعة. (أبو إسحاق) (3) قوله: «لأنه مخالف المشروع» قلت: لعل المؤلف رحم الله لم يثبت عنده خبر اشتراط صفوان ضمان أدراعه؛ لما استعار منه النبي صلى الله عليه وسلم، أو أنه يرى فرقًا بين الأمانة والعارية. (4) إذ أمنا: يصح أن يكون مبنيا للفاعل أو للمفعول.
(5) ربيعة: اسم رجل على صورة الفرض والتقدير. (2/45)
صفحة 655
باب ما يباحُ في جانب الأيتام
الجزء الثالث
45
وَعِنْدَهُ مِنْ رَبِّهَا كِتَابُ بِدَفْعِهَا (1) وَمَا بِهِ ارْتِيَابُ فَقِيلَ مِنْ تَعَارُفِ الْأَنَامِ جَوَازُ هَذَا لَيْسَ فِي الْأَحْكَامِ وَصَامِنْ لَهَا إِذَا مَا أَنْكَرَا صَاحِبُهَا إِرْسَالَ مَنْ قَدْ ذَكَرَا وَمَا لَهُ عَلَى الرَّسُولِ يَرْجِعُ إِذْ بِاخْتِيَارِهِ جَرَى مَا يَصْنَعُ وَرَجُلٌ دَرَاهِمَا قَدْ أَوْدَعَا وَقَالَ لِلْأَمِينِ ابْنِي فَامْنَعَا إِنْ مَتُّ بَلْ فِي الْفُقَرَاءِ ضَعْهَا فَبَاطِلٌ مَا قَالَهُ فَدَعْهَا إِلَّا إِذَا أَوْصَى بِهَا لِلْفُقَرَا فَإِنَّهُ يُنْفَذُ مَا قَدْ ذَكَرَا لأَنَّهَا وَصِيَّةٌ وَالْأَوَّلُ أَمْرٌ وَقِيلَ الأَمْرُ فِيهَا يَبْطُلُ لأَنَّهُ قَيَّدَهُ بِالْمَوْتِ وَمَالُهُ يَفُوتُ بَعْدَ الْفَوْتِ وَقِيلَ إِنَّ الْأَمْرَ كَالْوَصِيَّةِ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ فِي الْقَضِيَّةِ قَدْ قَصُرَتْ عِبَارَةُ الْمُعَبِّرِ مَعْ أَنَّهُ أَرَادَهَا فِي النَّظَرِ وَإِنْ أَقَرَّ صَاحِبُ الْأَمَانَهُ بَأَنَّهُ سَرَقَهَا) فُلَانَهُ فَدَفْعُهَا فِيْمَا أَرَى مُبَاحُ لِمَنْ يَشَاءُ مَا بِهِ جُنَاحُ إِنْ شَاءَ أَنْ يُعْطِيَهَا الْمُقَرَّا لَهُ وَإِنْ شَاءَ الَّذِي أَقَرًا لَكِنْ هُنَاكَ عِندَنَا أَحْوَالُ يَلْزَمُ بِاعْتِبَارِهِنَّ حَالُ إِنْ كَانَ قَادِرًا وَخَافَ مِنْهُ ظُلْمًا لَأَهْلِهَا فَيَمْنَعَنْهُ
(1) بدفعها بالموحدة، أي: يأمره فيه بدفعها.
(2) سرقها فلانة: أي: من فلانة. (2/46)
صفحة 656
الجزء الثالث
كتاب الأمانة
وَرَدُّهَا لِأَهْلِهَا مِنْ بَابِ نُصْرَةِ مَظْلُومٍ مِنَ الْأَصْحَابِ وَهَاهُنَا لَفْظَانِ لَا بُدَّ وَأَنْ تَدْرِيهِمَا وَدَّعَهُ أَوِ اثْتَمَنْ هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ (1) وَالنُّطْقُ مُخْتلِفٌ فَمِنْ هُنَاكَ الفَرْقُ قَوْمٌ يُعَبِّرُونَ بِالْأَمَانَهُ وَبَعَضُهُمْ وَدِيْعَةً لِسَانَهُ (2) () وَإِنْ يَكُنْ أَخَذَهَا لِيَنْتَفِعْ بِهَا وَبَعْدَ ذَاكَ رَدُّهَا شُرِعْ فَإِنَّهَا عِنْدَهُمُ بِالْعَارِيَة تُعْرَفُ وَهْيَ لِلْأَنَامِ جَارِيَة يَأْخُذُهَا وَيَعْمَلَنْ مَا يُعْمَلُ بِهَا وَلَا ضَمَانَ فِيهَا يُجْعَلُ وَإِنْ يَكُنْ قَدْ شَرَطَ الصَّمَانَا فَالْخُلْفُ فِي ضَمَانِهَا قَدْ كَانَا وَصَامِنْ إِذَا لَهَا يَسْتَعْمِلُ فِي غَيْرِ مَا لِأَجْلِهِ قَدْ تُجْعَلُ وَذَاكَ كَالْخَصِينِ) يَضْرِبُ الْحَجَرْ بِهِ فَضَامِنٌ لَهُ إِذَا انْكَسَرْ وَاللَّحْمُ لِلْأَكْلِ يُقَطِّعَنْهُ بِخِنْجَرٍ إِنْ ضَاعَ يَصْمَنَنْهُ
(1) قوله: «هما بمعنى واحد فإن كان أراد أنهما متحدان في الحكم فَمُسَلَّم، وإلا فالفرق بينهما من جهة العموم والخصوص، فالأمانة أعم من الوديعة؛ لأن الوديعة لا تكون إلا من مستودع، وأما الأمانة
فإنها تكون لمن يملك أمره ومن لا يملك أمره، بل وتكون لقطة فكل وديعة أمانة ولا عكس.
(2) قوله: «لسانه»، أي لغته وانتصب على الظرفية المعنوية. (المصنف) (*) قلت: المراد أنها منصوبة على نوع الخافض. (إسماعيل)
(3) قوله: «بالعارية» هي بتشديد الياء على المشهور، وتخفيفها قليل، وإنما عدل إليه المؤلف لخفته في النظم ولإقامة الوزن.
(4) الخصين: هو الفأس. (5) قوله: واللحم للأكل اعلم أن بعض العلماء يرى الضمان بمجرد مخالفة العمل، فإن استعمل العارية لما لم تجعل له فضاعت فعليه ضمانها، وإن كان ذلك العمل أخف مما جعلت له، كما
مثل به المؤلف من تقطيع اللحم بالخنجر ومن المعلوم أن تقطيع اللحم أخف من الطعن بها
= (2/47)
صفحة 657
بابُ اللُّقَطَة
الجزء الثالث
47
وَالثَّوْبُ يَجْعَلَنَّهُ رِشَاءَا وكَلُّ شَيْءٍ نَحْوُ هَذَا جَاءَا وَمُسْتِعِيرُ لِحِمَارَةٍ إِلَى نَزْوَى فَجَاوَزَ الْمَحَلَّ وَعَلَا تَلْزَمُهُ إِنْ تَلِفَتْ مَعَ الْكِرَا وَقِيلَ بَلْ قِيمَتُها بِلا كِرَا (1) وَجَائِزُ نَسْخُكَ لِلْكِتَابِ إِنِ اسْتَعَرْتَهُ مِنَ الْأَصْحَابِ لَوْ مَنَعُوا مِن نَسْخِهِ لِأَنَّمَا تَأْخُذُهُ العِلْمُ الَّذِي قَدْ رُسِمَا وَلَا يَجُوزُ أَبَدًا لِأَحَدٍ مَنْعُ الْعُلُومِ طَالِبًا (2) وَمُهْتَدِي
بابُ اللَّقَطَة
وَمَالُ مُسْلِمٍ تَرَاهُ سَاقِطَا فَكُنْ لِمَا ضَاعَ عَلَيْهِ لَاقِطَا تَحْفَظُهُ لَهُ إِلَى أَنْ تَجِدَهُ أَوْ يَبْلُغَ الْحَدَّ الَّذِي قَدْ حَدَّدَهُ تُعَرِّفَنَّهُ بِمَا حَوَاهُ وعَاؤُهُ عِفَاصه وكاه (3) فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ الْأَوْصَافِ فَدَفْعُهُ بِهِنَّ قِيلَ كَافِي وَإِنْ يُعَرَّفْ بِثَلَاثٍ أُخَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ جَائِرٌ فِي النَّظَرِ
في الأجساد، وبعضهم يقول: إذا كان ذلك العمل أخف لها مما جعلت له فلا ضمان عليه فيها
إذا ضاعت والله أعلم. (أبو إسحاق)
() رشاء: حبل. إسماعيل)
(1) قوله: «بلا كرا»، أي: لأن الخَرَاجَ بالضمان.
(2) طالبًا: مفعول ثان لمنع.
(3) وعاؤه: هو الإناء أو الكيس العفاص: ما يسد به فم القارورة، وهو بكسر العين، الوكاء: الخيط
الذي يُشد به فم الإناء. (2/48)
صفحة 658
??
الجزء الثالث
كتاب الأمانة
وَقِيلَ بَلْ عَلامَةٌ تَكْفِيهِ وَاحِدَةٌ إِذَا رَآهَا فِيهِ وَقِيلَ لا تَكْفِيهِ غَيْرُ الْبَيِّنَهُ وَهْوَ مَقَالُ مَا لَهُ مِنْ بَيِّنَهُ الْمُصْطَفَى يَعْتَبِرُ الْأَوْصَافَا وَنَحْنُ نَحْكِي بَعْدَهُ خِلَافَا لَا نَقْبَلُ الْخِلَافَ فِيمَا وَرَدَا فِيهِ عَنِ الْمُخْتَارِ حُكْمٌ أُسْنِدَا وَنَعْذِرُ الْقَائِلَ حَيْثُ قَالَا لَعَلَّهُ لَمْ يَسْمَعِ الْمَقَالَا أَوْ أَنَّهُ ضَعَفَ مَا قَدْ سَمِعَا أَوْ أَنَّهُ أَوَلَهُ) أَوِ ادَّعَى لَكِنْ إِذَا أَتْلَفَهَا مِنْ بَعْدِمَا عَرَّفَهَا وَجَاءَ مَنْ لَهَا انْتَمَى فَهَاهُنَا قَدْ قِيلَ يَطْلُبَنَّا بَيِّنَةً مِنْهُ تُبَيِّنَنَا فَإِنْ أَتَى بَيِّنَةٌ خَيَّرَهُ إِنْ شَاءَ غُرْمَهُ وَإِنْ شَا أَجْرَهُ (2) لِأَنَّمَا الْخَلَاصُ بِالْإِنْفَاقِ مُعَلَّقٌ بِعَدَمِ التَّلَاقِ فَإِنْ لَقِي صَاحِبَهَا مِنْ بَعْدِمَا أَنْفَذَهَا خَلَاصُهُ تَهَدَّمَا قَالَ أَبُو نَبْهَانَ (3) وَالْمُهَنَّا لَيْسَ عَلَيْهِ بَعْدُ يَغْرَمَنَّا
(1) أَوّلَهُ: مِنْ أوّل الكلامَ إذا فسره بغير ما يقتضيه ظاهر لفظه.
(2) أَجْرَهُ: أي ثوابه.
(3) أبو نبهان: هو الشيخ العالم الرباني جاعد بن خميس بن مبارك بن يحيى الخروصي الأزدي العُماني المتوفى سنة 1236 هـ ببلد العليا من وادي بني خروص. (أبو إسحاق) والمهنا: هو الشيخ العلّامة السيد مهنا بن خلفان بن محمد البوسعيدي؛ من أهالي شريعة سمد الشأن شرقية عُمان، وسكن والده بندر مسقط، وكان وكيل المالية للسلطان سلطان بن أحمد وأولاده، ولذلك صار يُعرف هنا بالوكيل، ونشأ ولده السيد مهنا معه بمسقط وكان معاصرًا لأبي نبهان. وكان يقول فيه إن العلم لا يذهب من عُمان ما بقي فيها السيد مهنا بن
من
خلفان وكان زاهدًا عابدا في غاية من الورع رحمهما الله وغفر لنا ولهم. (أبو إسحاق) (2/49)
صفحة 659
بابُ اللُّقَطَة
الجزء الثالث
49
وَذَانِ مِنْ خِيَارِ مَنْ تَأَخَّرَا مِنْ صَحْيِنَا قَالَا بِهَذَا نَظَرَا (1) لأَنَّمَا الْخَلَاصُ لَا يُكَرَّرُ عِنْدَهُمَا قُلْتُ وَلكِنْ يُنْظَرُ إِنَّ الْخَلَاصَ عِنْدَ مَنْ تَقَدَّمَا مُعَلَّقٌ إِنْ رَبُّهَا قَدْ عُدِمَا فَلَا خَلَاصَ إِنْ يَكُنْ قَدْ وُجِدَا صَاحِبُهَا لِشَرْطِهِ اللَّذْ عُهِدَا وَمِنْ هُنَا يَلْزَمُهُ الْإِيصَاءُ بِهَا إِذَا مَا جَاءَهُ الْفَنَاءُ وَكُلُّ مَا لَيْسَ لَهُ وِعَاءُ يَضُمُّهُ وَلَا بِهِ وِكَاءُ لَيْسَ عَلَى اللَّاقِطِ تَعْرِيفٌ بِهِ إِنْ كَانَ فِيهِ جَاهِلًا بِرَبِّهِ وَجَعْلُ عَدِّهَا عَلَامَةٌ عَلَى خُلْفَ عَلَى قَوْلَينِ عَنْهُمْ نُقِلَا وَجَعْلُهُ عَلَامَةً أَظْهَرُ مِنْ إِلْغَائِهِ لِأَنَّهُ وَصْفٌ زُكِنْ (3) وَإِنْ يَكُنْ قَدِ ادَّعَاهَا ذُو ثِقَهُ بِلَا عَلَامَةٍ لَهُ مُوَثَقَهُ فَجَائِةٌ تَسْلِيمُهَا إِلَيْهِ لِمَا نَرَى مِنْ ثِقَةٍ عَلَيْهِ لَا يَدَّعِي سِوَى الَّذِي لَهُ وَلَا هُنَاكَ خَصْمٌ يَدْفَعَنَّ الْمِقْوَلَا وَقِيلَ لَا لِأَنَّ هَذَا مُدَّعِي وَلَيْسَ يُعْطَى أَحَدٌ مَا يَدَّعِي تَعْرِيفُهَا عِنْدَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ يَقُولُ مَنْ مُضِيِّعٌ أَوْ نَاسِ يُعَرِّفَنَهَا مُدَّةً بِالنَّظَرِ فِي حَدٌ طُولِهَا وَحَدَّ الْقِصَرِ
(1) قوله: «قالا بهذا نظرًا» يحتمل أنهما لم يجداه لغيرهما، أو هو قول قد سبق إليه غيرهما، وهو في غاية القوة، اللهم إلا إذا كانت في القول الأول سُنَّة صحيحة؛ فاتباع السنة أولى وأحق.
(2) ركن علم. (2/50)
صفحة 660
50
الجزء الثالث
كتاب الأمانة
وَلَاقِطٌ مِقْدَارَ دِرْهَمَيْنِ تَعْرِيفُهَا فِي قَوْلِهِمْ شَهْرَيْنِ وَإِنْ تَزِدْ مِقْدَارَ دِرْهَم فَزِدْ شَهْرًا وَهَكَذَا تَكُونُ إِنْ تَزِدْ وَأَطْوَلُ الْمُدَّةِ عَامٌ كَامِلُ لِأَنَّمَا النَّاسُ بِهِ تَكَامَلُوا وَحَمَلُوا تَعْرِيفَهَا عَامَيْنِ لِلِاحْتِيَاطِ زَمَنَ الْأَمِينِ وَقَالَ قَوْمٌ إِنَّهَا تُعَرَّفُ ثَلَاثَةَ الْأَيَّامِ ثُمَّ تُصْرَفُ وَذَاكَ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مَعْهُمْ وَلَا أَرَضى بِذَا التَّقْدِيرِ أَيَأْمُرُ الْمُخْتَارُ أَنْ تُعَرَّفَا عَامًا فَعَامًا وَنَقُولُ بَلْ كَفَى أُجْرَةٌ مَنْ شَادَى عَلَى مَنْ لَقَطَا وَبَعْضُهُم قَدْ قَالَ مِمَّا الْتُقِطَا
وَجْهَانِ بَلْ قَوْلَيْنِ صَارَا بَعْدَمَا قَدْ خُرِّجَا وَقَبْلُ كَانَا عَدَمَا وَتُصْرَفَنْ مِنْ بَعْدِ ذَا وَتُنْفَذُ فِي الْفُقَرَا وَذَاكَ فِيهَا الْمَنْفَذُ لِأَنَّهَا مَجْهُولَةُ الْأَرْبَابِ وَالْفُقَرَا مَوْضِعُ هَذَا البَابِ وَإِنْ يَكُنْ لَاقِطْهَا فَقِيرًا أَوْلَى بِهَا مِنْ غَيْرِهِ مَصِيرًا وَجَائز مِنْ عِنْدِهِ أَنْ تُشْتَرى وَأَنْ يُقَبَّضَنَّ قِيمَةَ الشِّرَا وَمَنَعَ الْأَصْلُ لَهُ دَفْعَ الثَّمَنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الثَّقَاتِ فَاعْلَمَنْ وَلَا أَرَى لِلْمَنْعِ وَجْهَا غَيْرَ مَا يُخْشَى مِنَ التَّصْيِيعِ فِيمَا لَزِمَا
(1) قوله: «أجرة من شادى»، أي: من عرّف بها في المجامع، قال بعضهم: هي على اللاقط لها وقال آخرون على صاحبها وهذا أولى من باب المروءة هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ)
[الرحمن: 60]. (أبو إسحاق)
(2) قوله: «الأصل» أي الشيخ الصائغي. (أبو إسحاق) (2/51)
صفحة 661
بابُ اللُّقَطَة
الجزء الثالث
51
وَإِنْ مَنَعْنَا خَشْيَةَ التَّصْيِيع كَانَ الشِّرَا مِنْ جُمْلَةِ الْمَمْنُوعِ لِأَنَّمَا يُخْشَى بَأَنْ يُضَيِّعَا تَعْرِيْفَهَا وَذَاكَ شَيْءٌ وَقَعَا وَبِعْدَ أَنْ يَجُوزَ بَيْعُهَا فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ إِنْ لَهَا قَدْ أَكَلَا وَلِلْغَنِيّ أَكْلُ مَا اشْتَرَاهُ مِنْهُ كَذَاكَ أَكْلُ مَا أَعْطَاهُ وَذَاكَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ لِمَنْ يَشَا وَذَاكَ عِنْدَنَا مَعْنَى السُّنَنْ وَقَبْلَ أَنْ تَسْتَكْمِلَ التَّعْرِيفَا فَهْيَ أَمَانَةٌ فَلَا تَحِيفَا حَافِظُ عَلَيْهَا وَأَبَ (1) أَنْ تَسْتَعْمِلَا لَهَا وَلَا تُضَيِّعَنْ أَوْ تُهْمِلَا وَلَاقِطٌ ثَوْبًا فَلَا يُصَلِّي فِيهِ وَجَازَ لِاضْطَرَارِ الفِعْلِ إِنْ لَمْ يَجِدْ سِوَاهُ صَلَّى وَضَمِنْ مِنْهُ بِمِقْدَارِ الَّذِي يَسْتَعْمِلَنْ وَإِنْ تَكُنْ دَرَاهِمٌ قَدْ وُجِدَتْ فِي أَرْضِ قَوْمٍ دُفِنَتْ وَمَا بَدَتْ فَحُكْمُهَا لِرَبِّ تِلْكَ الْأَرْضِ وَقِيلَ بَلْ لُقَطَةٌ تَسْتَقْضِي وَهَكَذَا الْخِلَافُ فِي كَنْزِ وُجِدْ فِي أَرْضِهِمْ فَقِيلَ لِلَّذِي وَجَدْ وَيُخْرَجُ الْخُمْسُ إِلَى الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ فُقَرَا الْأَنَامِ مَعْ عَدَمِ الْإِمَامِ كَالْغَنِيْمَهُ لِأَنَّهُ غَنِيمَةٌ مُقِيمَهُ وَاحِدُهُ فِي حُكْمِ مَنْ قَدْ جَاهَدَا وَخُمْسُهُ لِمَنْ يَكُونُ بَاعِدَا (2) وَقِيلَ بَلْ لِمَالِكِ الْأَرْضِ وَمَا لِغَيْرِهِ فِي مِثْلِ ذَا أَنْ يَغْنَمَا
(1) وَأْبَ: فعل أمر؛ أي: امتنع.
(2) قوله: «لِمَنْ يكون بَاعِدا»، أي: باعدا عن الجهاد. (2/52)
صفحة 662
52
الجزء الثالث
كتاب الأمانة
وَإِنَّمَا يُغْنَمُ فِي الْخَرَابِ أَوِ الْمُبَاحِ دُونَ ذِي الْأَرْبَابِ وَذَاكَ كَنْزُ وُجِدَتْ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْكُفَّارِ فِي يَدَيْهِ مِثْلُ صَلِيبٍ عِنْدَهُ قَدْ دُفِنَا أَوْ حَالَةٍ نَعْرِفُ مِنْهَا الْمُدْفِنَا (1) وَإِنْ تَكُنْ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ فِيهِ فَمَجْهُولٌ لَدَى الْأَحْكَامِ وَذَاكَ مَعْ تَعَذُّرِ الْأَرْبَابِ أَوْ لَا فَحُكْمُهُ كَهَذَا الْبَابِ وَمَا عَلَى الْمُنْكِرِ لِلْخَزِينِ إِنْ جَاءَ مِنْ حَبْسٍ وَلَا يَمِينِ وَوَاحِدٌ لُؤلُؤَةً فِي الْبَرِّ بِحَيْثُ يُمْكِنَنَّ رَمْيُ البَحْرِ فَإِنَّهَا لِمَنْ لَهَا قَدْ وَجَدَا وَلَا كَذَاكَ حُكْمُهَا إِنْ بَعْدَا (3) بَلْ إِنَّهَا تَكُونُ مِثْلَ اللُّقَطَهُ كَذَاكَ إِنْ مَثْقُوبَةٌ مُلْتَقَطَهُ فَالْبُعْدُ والتَّقْبُ يَدُلَّانِ عَلَى تَقَدُّمِ المُلْكِ عَلَيْهَا مَثَلَا وَلُؤْلُؤُ البَحْرِ حَلَالٌ طَيِّبُ وَمَعْدِنٌ لَوْ كَانَ فِيهِ ذَهَبُ فَحُكْمُهُ لِمَنْ إِلَيْهِ سَبَقَا إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مُلْكِ قَوْمٍ فُتِقَا)
لَكِنَّهُ يُزَكِّيَنَّ الْمَعْدِنَا
مِنْ حِين
(1) المدفنا بكسر الفاء، أي: الدافن أهو مسلم أم كافر.
(2) الخزين: أي: المال المخزون.
(3) بعدا: يعني: البحر بحيث لا يبلغ هناك مده.
(4) مثقوبة: خبر لكان المقدرة بعد إن، قال ابن مالك:
مَا صَفَاهُ حُكْمًا بَيِّنَا
ويحذفونها ويبقون الخبر وبعد إن ولو كثيرا ذا اشتهر
(5) فتقا: أي: أخرج.
(6):يزكين بنون التوكيد وهو مبني للفاعل. (2/53)
صفحة 663
بَابُ الْوَقْفِ
الجزء الثالث
53
لَا يَنْظُرَنْ بِهِ تَمَامَ الْعَامِ كَثَمَرٍ يَبْدُو مِنَ الْأَكْمَامِ) يُزَكِّهِ زَكَاتَهُ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ مُطَيَّبٍ مُنْتَخَب (3)
(2)
وَلَيْسَ فِي غَيْرِهِمَا زَكَاهُ وَلَوْ غَلَتْ فِي بَيْعِهِ الْقِيمَاتُ فَهَذِهِ الْفُصُوصُ وَالَّلآلِي قَدْرُهُمَا فِي النَّاسِ قَدْرُ غَالِي وَذَكَرَ الْمَنَّانُ حَلْيَ الْبَحْرِ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ زَكَاةٌ تَجْرِي
بابُ الْوَقْف
ثُمَّ مِنَ الْأَمَانَةِ الْأَوْقَافُ تُجْعَلُ حَيْثُ اشْتَرَطَ الوُفَّافُ (3) إِنْ كَانَ شَرْطًا يَقْبَلَتْهُ الشَّرْعُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهِ مَنْعُ وَبَاطِلٌ شَرْطُ عَلَى خِلَافِ مَا يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ فِي الْأَوْقَافِ كَمَنْ يُوَقِفَنَّ لِلْأَوْلادِ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ بِلَا اسْتِنَادِ لِأَنَّهُ مِثْلُ وَصِيَّةٍ إِلَى وَرَّاثِهِ لِذَاكَ قُلْنَا بَطَلَا وَإِنْ يَكُنْ مُسْتَنِدًا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَفْنَوْا إِلَى بَابِ مِنَ الْخَيْرِ حَسَنْ فَقِيلَ بَاطِلٌ كَمِثْلِ الْأَوَّلِ لِمَا بِهِ مِنْ أَثْرَةِ التَّنَفُّل
(1) جمع كم وهو غلاف الطلع. (أبو إسحاق)
(2) وفي نسخة:
يَزَكَّهِ حَينَ يُزَكِّي ذَهَبَا أَوْ فِضَةٌ مُطَيَّبًا مُنْتَخَبًا أبو إسحاق. (3) الوقاف: بالتشديد مبالغة في الواقف أو هو جمع واقف أي بضم الواو، وجمع واقف كالعمال في جمع عامل والكتاب في جمع كاتب، والواقف فاعل من وقف المال، أي: حبسه فهو واقف، ويجوز فيه أن يجعل رباعيًا من أوقف فهو موقف بكسر القاف، والأول أكثر،
والثاني هو المألوف عند أهل عُمان. (2/54)
صفحة 664
54
الجزء الثالث
كتاب الأمانة
وَقِيلَ ثَابِتٌ لِأَنَّهُ اسْتَنَدْ (1) لِلْبِرِّ بَعْدَ أَنْ فَنَى ذَاكَ الْوَلَدْ قُلتُ وَلَكِنْ جَعْلُهُ لِلْبِرِّ مِنْ بَعْدِهِ يُشبِهُ نَوْعَ مَكْرِ لَمْ يَقْصِدِ الْبِرَّ وَلَكِنْ قَصَدًا يُؤَاثِرَنَّ (2) مِنْهَ ذَاكَ الْوَلَدَا فَالْبِرُّ حِيلَةٌ بِهَا تَسَتَّرَا كَيْ لَا يُقَالَ إِنَّهُ قَدَ غَيَّرَا وَإِنَّمَا الْأُمُورُ بِالْمَقَاصِدِ وَالْحَالُ شَاهِدٌ وَأَيُّ شَاهِدِ وَرَجُلٌ وَقَفَ مَالًا وَاشْتَرَطْ أَنْ يَقْرَؤُوا بِهِ عَلَى الْقَبْرِ فَقَطْ فَالْوَقْفُ ثَابِتٌ وَمَا يَشْتَرِطُ فَقِيلَ ثَابِتٌ وَقِيلَ يَسْقُطُ وَأَكْثَرُ الْأَقْوَالِ مِمَّنْ سَلَفَا إِثَبَاتُهُ إِنْ قَبْرُهُ قَدْ عُرِفَا قِيلَ وَيَقْعُدَنَّ إِنْ لَمْ يُعْرَفِ بَيْنَ الْقُبُورِ ثُمَّ يَقْرَا وَيَفِي وَلَا أَرَى تُبُوتَ هَذَا الشَّرْطِ وَلَسْتُ لِلْمُثْبِتِ بِالْمُخَطِّي أَتُعْمَرَنْ (3) قُبُورُنَا الدَّوَارِسُ وَيَتَرَدَّدَنْ إِلَيْهَا الدَّارِسُ وَهَذِهِ الْمَسَاجِدُ المُعَدَّة نُخْرِبُهَا وَهْيَ لِذَاكَ عُدَّهُ لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا إِلَى خَرَابِهَا أَتَى مُشِيرًا إِذْ لَمْ تَكُنْ فِي الذِّكْرِ وَالْعِبَادَهُ مِثْلَ بُيُوتِ اللَّهِ وَالْإِفَادَة بَلْ إِنَّهَا مَوَاضِعُ الْخَرَابِ وَمَوْضِعُ الثَّوَابِ وَالْعَذَابِ قَدْ نُقِلُوا أَصْحَابُهَا عَنِ الْعَمَلُ فَلَيْسَ لِلْأَعْمَالِ فِيهَا مِنْ مَحَلْ
(1) قوله: «استند» أي اعتمد. (أبو إسحاق)
(2) يؤاثرن: هو من الأثرة، وهي التخصيص يقال أثره بكذا إذا خصصه به.
(3) أَتُعْمرن بالبناء للمفعول بعد همزة الاستفهام الإنكاري. (2/55)
صفحة 665
بابُ الْوَقْفِ
الجزء الثالث
55
وَالنَّفْعُ إِنْ كَانَ لَهُ انْتِفَاعُ يَأْتِيهِ حَيْثُ كَانَ لَا يُضَاعُ وَالْمُصْطَفَى قَدْ زَارَهَا وَمَا قَرَى إِلَّا سَلَامًا وَدَعَا وَأَدْبَرَا وَلَمْ تَكُنْ قِرَاءَةُ الْقُبُورِ بِسُنَّةٍ تُوجَدُ فِي الْمَأْنُورِ لَوْ كَانَ خَيْرًا سَبَقَ الْمُخْتَارُ لَهُ وَصَحْبُهُ مَتَى مَا زَارُوا فَشَرْطُ مَنْ وَقَفَ لَا أَرَاهُ بَاقٍ لِخُلْفِهِ لِمَا رَوَاهُ وَكُلُّ مَا خَالَفَ أَمْرَ المُصْطَفَى يَبْطُلُ لَوْ يَشْرِطُهُ مَنْ وَقَفَا ثُمَّ زِيَارَةُ الْقُبُورِ إِنَّمَا تُفْعَلُ لِلتَّذْكِيرِ بِالْأُخْرَى اعْلَمَا يَزُورُهَا وَلَا يَقُولُ هُجْرَا مَنْ زَارَهَا بَلْ يَذْكُرَنَّ الْأُخْرَى وَلَا تُزَارُ أَبَدًا تَعَبُدَا إِنْ شِئْتَ هَذَا فَاقْصِدَنَّ الْمَسْجِدَا وَاقْرَأْ هُنَاكَ وَخُذَنْ مَا وُقِّفَا لِلْقَبْرِ وَاعْلَمَنْ بِأَنَّهُ وَفَا لِأَنَّمَا الْقِرَاءَةُ الْمَطْلُوبَهُ جَاءَ بِهَا وَأَنَّهَا مَحْبُوبَهُ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ فَلَا نَلْتَزِمُهُ وَإِنْ يَكُنْ مَنْ قَدْ مَضَى يَلْتَزِمُهُ حَسْبُكَ أَنْ تَتَّبِعَ الْمُخْتَارَا وَإِنْ يَقُولُوا خَالَفَ الْآثَارَا (2) كَذَاكَ مَا أُوقِفَ لِلسِّرَاجِ عَلَى الْقُبُورِ بَاطِلُ الْمِنْهَاجِ لَكِنَّهُ يُجْعَلُ فِي الْمَسَاجِدِ لِكُلِّ قَارِئِ بِهِ وَعَابِدِ
(1) هجرا: بضم الهاء، أي: فُحْشًا.
(2) قوله: «حسبك ... إلخ» انظر إلى تمسك هذا الشيخ العلامة المؤلف بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: {قُل إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [آل عمران: 31]. (أبو إسحاق) (2/56)
صفحة 666
56
الجزء الثالث
كتاب الأمانة
كَذَاكَ مَا أُوقِفَ لِلْبَنَاءِ عَلَى القُبُورِ بَاطِلُ الْوَفَاءِ وَقَدْ مَضَى فِي النَّذْرِ لِلْقُبُورِ مَا يُشْبِهُ الْحُكْمَ لِذَا الْمَذْكُورِ وَإِنْ يَكُنْ شَرْطًا يُوَافِقُ الْهُدَى إِبْطَالُهُ لَيْسَ يَجُوزُ أَبَدًا وَمِنْ هُنَاكَ مَنَعُوا أَنْ تُحْمَلاَ كُتُبُ بِبَلْدَةٍ تُخَصُّ (1) مَثَلَا وَإِنْ تَكُنْ قَدْ وُقِفَتْ لِقَوْمٍ فَمَا عَلَى حَامِلِهَا مِنْ لَوْمِ لِأَنَّهَا تَكُونُ كَالرُّمُومِ فَحَمْلُهَا بِشَرْطِهِ الْمَعْلُومِ وَلَا يَصِحُ الْبَيْعُ لِلْمَوْقُوفِ لِخُلْفِهِ لِحَالَةِ الْوُقُوفِ مُوَقَّفٌ (2) وَنَقْلُهُ مُخَالِفُ لِذَاكَ فَالتَّوْقِيفُ لَا يُخَالَفْ النَّقْلُ وَالتَّوْقِيفُ ضِدَّانِ فَلَا يُنَقِّلَنَّهُ غَيْرُ مَنْ قَدْ بَدَّلَا وَمَنْ يُوَقِّفَنَّ لِلسَّبِيلِ فَهُوَ سَبِيلُ رَبِّنَا الْجَلِيل وَهُوَ طَريقٌ (3) مَا بِهِ رِضَاهُ يُجْعَلُ فِي الْخَيْرَاتِ مَا جَنَاهُ وَرَجُلٌ أَرْضَ السَّبِيلِ فَسَلَا (4) مِنْ مَالِهَا حِينَ رَآهُ أَمْثَلَا (ه) وَمَاتَ ذَاكَ الصَّرْمُ مَا عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ لِأَنَّ فِعْلَهُ فِيهِ حَسَنْ وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِ مِنْ سَبِيلِ قَدْ جَاءَ فِي الذِّكْرِ عَنِ الْجَلِيلِ
(1) تُخصَّ بضم حرف المضارعة مبنيا للمجهول.
(2) مُوَقفُ بالبناء للمفعول، وهكذا لا يُخالف).
(3) وهو طريق: بإضافة طريق إلى ما أي طريق العمل الذي فيه مرضاته.
(4) فسَلا: الفشل الغرس.
(5) أمثلاً: أي: أصلح. (2/57)
صفحة 667
بابُ الصَّافِيَةِ
الجزء الثالث
OV
باب الصافية
ثُمَّ مِنَ الأَمَانَةِ الصَّوَافِي (1) لأَنَّهَا فِي الْحُكْمِ كَالْأَوْقَافِ وَأَنَّهَا فِي زَمَنِ الْإِمَامِ فَأَمْرُهَا إِلَيْهِ بِالتَّمَامِ لَيْسَ لِغَيْرِهِ بِهَا تَصَرُّفُ إِلَّا بِإِذْنِهِ كَمَا يُعَرِّفُ تُنْفَذُ فِي مَصَالِحِ الإِسْلَامِ وَعِزَّهِ بِنَظَرِ الْإِمَامِ لَوْ شَاءَ يَبِيعَهَا أُصُولَا (2) يَبِيعُهَا وَعَكْسُ هَذَا قِيلَا وَالمَنْعُ قَوْلُ الكُدَمِيّ (3) البَرِّ حُجَّتُهُ مَا قَدْ أَتَى فِي الذِّكْرِ لِلْفُقَرَا الْمُهَاجِرِينَ قَالَا وِلِلدَّوَامِ جَعَلَ الْمَقَالَا فَهْيَ لَهُمْ وَلِلَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ تُصْرَفُ كَيْفَ شَاؤُوا وَبَاطِلٌ بَيْعُ إِمَامِ الْجَوْرِ لَهَا فَلَا يَثْبُتُ فِي الْمَأْثُورِ فَالْعَدْلُ فِيهِ الاخْتِلَافُ وُجِدًا فَكَيْفَ بَيْعُ جَائِرٍ قَدِ اعْتَدَى وَجَائِزٌ أَخْذُ الإِمَامِ الصَّافِيَة بِشُهْرَةٍ تَكُونُ فِيهَا قَاضِيَة وَذَاكَ لَا يَحْتَاجُ لِلْبَيِّنَةِ بَلْ يُكْتَفَى فِيهِ بِمَعْنَى الشَّهْرَةِ
(4)
(1) الصوافي جمع صافية، هي الأملاك والأراضي التي جلا عنها أهلها أو ماتوا ولا وارث لها، وقال الأزهري: يقال للضّياع التي يستخلصها السلطان الصوافي اهـ والصوافي ما أفاء الله على رسوله من أموال بني النضير. (أبو إسحاق)
هي
الأصول من الأروض التي غنمها المسلمون من المشركين من البلدان التي أخذوها
عنوة فجعلوها بيت مال.
يبيع أموالها. (أبو إسحاق)
(2) قوله: «أصوالا تمييز محول عن المفعول أي لو شاء أن (3) قوله: «الكدمي» هو الإمام أبو سعيد ه. (أبو إسحاق) (4) إمام الجور: من إضافة الموصوف إلى الصفة، أي: الإمام الجائر. (2/58)
صفحة 668
58
الجزء الثالث
كتاب الأمانة
وَإِنْ رَأَى بَقَاءَهَا فِي يَدِ مَنْ فِي يَدِهِ مَصْلَحَةٌ فَهْوَ حَسَنْ وَالزَّرْعُ لِلْفَقِيرِ مَهْمَا زَرَعَا مَعْ عَدَمِ الإِمَامِ ثُمَّ طَلَعَا) وَمَا لَهُ مِنْ بَعْدِ مَا قَدْ مُنِعَا وَتَلْزَمَنْهُ أُجْرَةٌ إِنْ زَرَعَا وَلَيْسَ لِلْجَائِرِ فِيهَا أَبَدًا أَمْرٌ وَإِنَّ أَمْرَهُ فِيهَا اعْتِدَى وَالْمُسْلِمُونَ كُلُهُمْ سَوَاءُ فِيهَا وَمَا فِي ذَلِكُمْ خَفَاءُ وَأَكْلُهَا بَرْخًا (2) يَجُوزُ فَاعْلَم لِلأَغْنِيَاءِ وَلِكُلِّ مُعْدِم) وَقِيلَ مَا لِلْأَغْنِيَاءِ حَقُّ فِيهَا بَلِ الْفَقِيرُ مُسْتَحِقُّ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً فِي الْأَغْنِيَا تَمْنَعُ ذَا الْغِنَاءِ أَنْ يَسْتَوْفِيَا وَقَوْلُهُ لِلفُقَراءِ دَلَّا بِأَنَّهُ لِغَيْرِهِمْ مَا حَلَّا إِلَّا غَنِيًّا كَانَ فِي الإِسْلَامِ مُنَزَّلًا مَنْزِلَةَ الإِمَامِ أَوْ أَنَّهُ يَقُومُ بِالْأَحْكَامِ أَوْ بِمَصَالِحٍ أَوِ الْمُحَامِي (3) فَإِنَّهُ بِبَيْتِ مَالِ اللَّهِ أَحَقُّ لِلصَّلَاحِ لَا الْمَلَاهِي وَقِيلَ أَرْضُ الفُقَرَا يُكْرِيهَا مَنْ قَامَ بِالْحَقِّ لِمُكْتَرِيهَا وَلَا يَجُوزُ جَبْرُ أَهْلِ الدُّورِ عَلَى الْبِنَا عِنْدَ انْهِدَامِ السُّورِ)
(1) طلعا: أي: ظهر.
(2) قوله: «برخا»، أي: مَجَّانًا. (المصنف)
(*) والفعل (أَعدَمَ)، واسم الفاعل (مُعْدِم). (إسماعيل)
(3) المحامي: يعني: الذي يحامي عن الإسلام والمسلمين وبلادهم.
(4) السور: هو البناء الحائط على المحلة أو على القرية لمنع العدو عن احتلال المحلة أو القرية
والدور هي البيوت. (2/59)
صفحة 669
بابُ أَمْوالِ الْمَسَاجِدِ
الجزء الثالث
59
مَا لَمْ يَكُونُوا حَاذَرُوا الْعُدْوَانَا فَأَلْزِمَنْهُمْ هَاهُنَا الْبُنْيَانَا لأَنَّهُ كَالنُّرْسِ يَحْفَظَنَّا بِلَادَهُمْ وَالْخَصْمَ يَدْفَعَنَّا فَجَبْرُهُمْ كَالْجَبْرِ لِلدِّفَاعِ عَنِ الْبِلَادِ وَعَنِ الْمَسَاعِي)
نَّهُمْ
بابُ أَمْوالِ الْمَسَاجِدِ
وَهْيَ أَمَانَةٌ تَكُونُ فِي يَدِ وَكِيلِهِ أَوْ ذِي احْتِسَابِ مُهْتَدِي وَلَيْسَ لِلْمَسْجِدِ مِنْ أَمْوَالِ لأَنَّهُ بَيْتُ مِنَ الطَّفَالِ (3) لَكِنْ بِتَصِيرِ الْوَرَى إِلَيْهِ مَالَهُمْ تَقَرُّبًا عَلَيْهِ مُخْتَصَّابِهِ فَيُنْفَذُ فِيهِ وَمَا لَهُ سِوَاهُ مَنْفَذُ فِي ذَاكَ يَجْعَلُونَهُ فَكَيْفَ مَنْ جَاؤُوا يُحَوِّلُونَهُ وَإِنَّمَا تَحْوِيلُهُ تَبْدِيلُ لِمَا عَلَيْهِ وَقَعَ الْمَبْذُولُ فَلْيَتَّقِ اللهَ امْرُؤٌ تَوَكَّلَا وَلْيَحْذَرَنْ مِنْ أَنْ يُقَالَ بَدَّلَا وَلَا يَغْرَّنَّكَ خُلْفٌ نُقِلَا حَقُّ لِرَبِّنَا وَبَعْضُ قَالَ لَا فَإِنَّهَا لِرَبِّنَا حُقُوقُ إِذْ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُهَا مَخْلُوقُ بَلْ إِنَّهَا قَدْ أُخْرِجَتْ لِلْفَصْلِ وَهْيَ لِنَوْعِ مِنْهُ لَا لِلْكُلِّ
(1) الْمَسَاعِي: أي: الأماكن التي يَسْعَى فيها أهالي البلاد، أو هي الطرق التي يذهبون ويعودون فيها
لقضاء حوائجهم. هي
(2) الطَّفَال:
اللبن التي تعمل من الطين المبلول لبناء الجدران والحوائط. (2/60)
صفحة 670
60
الجزء الثالث
كتاب الأمانة
كَذَاكَ مَا أَشْبَهَهَا يَكُونُ فَهْوَ لِنَوْعِهِ الَّذِي يَصُونُ فَهَذِهِ الزَّكَاةُ وَالْكَفَّارَهُ لَهَا مَوَاضِعٌ لَهَا مُخْتَارَهُ وَوَضْعُهَا فِي غَيْرِهَا مَمْنُوعُ بَلْ وَاجِبٌ أَنْ يُنْفَذَ الْمَشْرُوعُ وَهْيَ مِنَ الْحُقُوقِ للهِ وَمَا مَعْنَاهُ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ حَكَمَا وَلَا يَصِحُ جَعْلُهَا كَالصَّافِيَة وَلَا كَمَالِ الْفُقَرَا عَلَانِيَهْ لأَنَّ مَالَ الْفُقَرَا لِلفْقَرَا وَلِلصَّوَافِي حُكْمُهَا كَمَا جَرَى وَكُلُّ مَوْضِع لَهُ أَحْكَامُ وَاضِعُهَا فِي غَيْرِهِ مُلَامُ) وَالْكُلُّ حَقُّ اللَّهِ فِيهِ وَجَبَا لَكِنَّهُ يَمْنَعُ أَنْ يُقَلَّبَا) والْخَلقُ خَلْقُ اللَّهِ طُرًّا هَلْ تَرَى أَحْكَامَهُ مُتَّحِدَاتٍ فِي الْوَرَى هِ الأَنْعَامُ خَلْقٌ وَالْبَشَرُ خَلْقُ كَذَا السَّبَاعُ خَلْقُ وَالْحَجَرْ فَهَلْ يَجُوزُ عِنْدَكُمْ فِي الْحَقِّ تَسْوِيَةُ الْحُكْمِ لِمَعْنَى الْخَلْقِ كَذَلِكَ الأَحْكَامُ في الأَمْوَالِ عَلَى اخْتِلَافِهَا كَمَا فِي الْحَالِ وَإِنْ أَضَاعَهَا فَقِيلَ يَلْزَمُ إِبْدَالُهَا وَقِيلَ لَيْسَ يَلْزَمُ وَأَوَّلُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي أَظْهَرُ وَهْوَ الَّذِي مَضَى عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ
ملوم
(لو قال الإمام لله (يلام) على حد قول الله: {فَنَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ} [الذاريات: 54] لكن أظهر في الدلالة على المراد، والفعل (لام) وهو ثلاثي واسم الفاعل منه لائم واسم المفعول لا ملام. وأما الملام فهو اسم مفعول من أَلَامَ، و (أَلَامَ) أتى بما يلام به أو صار ذا لائمة، فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} [الصافات: 142]، وقد ذكر صاحب القاموس أَنَّ (أَلَامَهُ) مبالغة في (لامه) مثل (لَوْمَه)، وعلى هذا يصح (ملام). إسماعيل) (1) يُقَلَّبَا: أي: يغيَّرَ ويُبَدِّل.
ومنه (2/61)
صفحة 671
بابُ أَمْوالِ الْمَسَاجِدِ
الجزء الثالث
? ?
به
لأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِمَعْنَى وَمَنْ أَضَاعَهَا فَيُبْدِلَنَّا وَبَعْضُهُمْ قَدْ خَرَّجَ الْخِلَافَا عَلَى خِلَافٍ فِي الْحُقُوقِ وَافَى يَعْذُرُهُ إِنْ كَانَ حَقَّ اللَّهِ وَغَيْرُ مَعْذُورٍ لِغَيْرِ اللهِ إِنْ صَحَ ذَا التَّخْرِيجُ فَالْعُذْرُ لِمَا قَدْ كَانَ فِيهِ مُخْطِئًا لَنْ يَأْثَمَا لأَنَّهُ يُعْذَرُ بِالنِّسْيَانِ وَبِالْخَطَا فِي الْحَقِّ لِلْمَنَّانِ) وَلَا كَذَاكَ مَنْ لَهَا تَعَمَّدَا لأَنَّهُ يَضْمَنُ مَنْ فِيهَا اعْتَدَى وَانْظُرْ إِلَى الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَمَا خُصَّا مِنَ الْأَحْكَامِ فَمَنْ نَسِي الصِّيَامَ حَتَّى أَكَلَا لَسْنَا نَرَى عَلَيْهِ فِيهِ بَدَلَا فَهَذِهِ حُكْمُ مُحُقُوقِ اللهِ لَا أَكْلُهَا عَمْدًا لِغَيْرِ السَّاهِي (2) وَرَجُلٌ أَوْصَى لِمَسْجِدٍ ذَهَبْ بِالسَّيْلِ ثُمَّ مَاتَ فَالإِيصَا وَجَبْ لأَنَّمَا مَوْضِعُهُ بِحَالِهِ فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ فِي إِبْطَالِهِ مَنْ قَالَ إِنْ مِتُ (3) فَهَذِي نَخْلَتِي لِمَسْجِدٍ سَمَّى بِهِ مِنْ حِلَّةِ مِتُّ (3) فِي قَوْلِ بَعْضٍ أَنَّهُ إِقْرَارُ لَا رَجْعَةٌ فِيهِ وَلَا إِنْكَارُ وَقَالَ بَعْضُ إِنَّهَا وَصِيَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْقَضِيَّة وَرَجُلٌ بِنَخْلَةٍ لِمَسْجِدِ أَوْصَى وَلَمْ يُسَمِّهِ مِنْ بَلَدِ
(1) أي: في حق الله.
(2) قوله: «لغير الساهي» أي الناسي. (أبو إسحاق)
(3) مت: بضم الميم وكسرها. (2/62)
صفحة 672
62
الجزء الثالث
كتاب الأمانة
فَإِنَّهَا ثَابِتَةٌ فَانْتَبِهِ إِنْ كَانَ ذَا المَسْجِدُ لَمْ يَشْتَبِهِ وَنَاذِرٌ لِمَسْجِدِ إِرْسَالَا) فَلِلْعَمَارِ حُكْمُهُ مَالًا وَهَكَذَا الإِقْرَارُ وَالْوَصِيَّهْ كَمِثْلِهِ قَدْ قِيلَ وَالْعَطِيَّة وَإِنْ يَكُنْ مَعْنًى بِهِ قَدْ خُصَّا مِنَ الْمَعَانِي فَهْوَ مَا قَدْ نُصَّا وَرَجُلٌ دَرَاهِمَا قَدْ أَرْفَدَا أَرَادَ أَنْ يَبْنِي بِهِنَّ مَسْجِدًا يُؤْخَذُ مِنْهَا آلَةُ الْبِنَاءِ كَذَلِكَ الدَّلْوُ لِنَزْعِ الْمَاءِ لأَنَّهَا مِنَ الْبِنَاءِ تُجْعَلُ إِذْ لَمْ يَكُنْ بِغَيْرِهَا قَدْ يَحْصُلُ ورَجُلٌ مُسْتَرْفِدُ (2) لِمَسْجِدِ فَفَضَلَتْ عَنْهُ وَلَمْ يَسْتَنْفِدِ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ يُجْعَلَنَّا فَاضِلُهَا وَالبِرُّ يُقْصَدَنَّا وَهْوَ مَقَالُ عَنْ أَبِي الْمُؤْثِرِ قَدْ (3) حَكَاهُ فَافْهَم الَّذِي لَهُ قَصَدْ وَإِنْ أَعَانَ الْمُسْلِمِينَ ذِمِّي عَلَى بِنَاءِ مَسْجِدٍ قَدْ سُمِّي فَمَا بِهِ بَأْسٌ كَمَا حَكَاهُ وَلَا أُحِبُّـ ـهُ وَلَا أَرَاهُ لأَنَّهَا مَرْدُودَةٌ قُرْبَاهُ وَهْوَ عِبَادَةٌ لَنَا بِنَاهُ
(1) إرسالا: أي: نذرًا مطلقًا غير مخصص لشيء، معلوم والمراد بالنذر هنا العطاء للمسجد على وجه القُرْبَة، فإن لم يخص به شيئًا من وظائف المسجد، فإنه ينفذ في عمارة من بناء أو ترميم، ويدخل في ذلك تنويره وفراشه؛ لأنه من عَمَارِه، وفي قول بعضهم: إِنَّ كل ما يُرَغْبُ المصلين فيه من الأمور التي تدعوهم إلى عمارته بالصلاة والذكر فهو من عَمَارِه، فالعَمَارُ على هذا حسي ومعنوي، وهذا معنى وجيه سائغ.
(2) طلب الرّفد: أي المعونة من أرفدته أعطيته وأعنته. (أبو إسحاق)
(3) أبو المؤثر: الصلت بن خميس وقد سبق ذكره. (أبو إسحاق) (2/63)
صفحة 673
بابُ أَمْوَالِ الْمَسَاجِدِ
الجزء الثالث
63
قَدْ مَنَعُوا الذَّبْحَ لِيَوْمِ الْعِيدِ مِنَ النَّصَارَى وَمِنَ الْيَهُودِ لأَنَّمَا الذَّبْحُ بِهِ عِبَادَهُ فَكَيْفَ نَقْبَلَنْ هُنَا إِرْفَادَهُ وَالْخُلْفُ فِي النَّابِتِ فِيهَا ذُكِرَا قِيلَ لَهَا وَقِيلَ بَلْ لِلْفُقَرَا وَالْأَخْذُ مِن مَالِ عَمَارِ المَسْجِدِ لِفِطْرَةٍ مُحَرَّمٌ فَأَبْعِدِ لأَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ صَلَاحًا وَبَعْضُهُمْ لِذَاكَ قَدْ أَبَاحَا لأَنَّهَا مَصْلَحَةُ العُمَّارِ وَالْفَضْلُ لِلْمُعْطِي بِذَاكَ جَارِي وَإِنْ يَكُنْ لِفِطْرَةِ يُعَيَّنُ فَمَنْهَجُ التَّفْطِيرِ فِيهِ بَيِّنُ يُؤَكَلُ لِلْفُطُورِ وَقتَ الْفِطْرِ مِنْ قبل أَنْ يَأْكُلَ شَيْئًا فَادْرِ فَأَكْلُهُ بَعْدَ الْعَشَا مَحْجُورُ لأَنَّهُ قَدْ فَاتَهُ الْفُطُورُ وَهَكَذَا مَنْ كَانَ قَبْلَهَا أَكَلْ فَأَكْلُهُ مِنْ بَعْدُ مِنْهَا لَا يَحِلْ قِيلَ وَلَوْ لَيْمُونَةٌ قَدْ مَصَّا لأَنَّهُ بِفِطْرَةٍ قَدْ خُصَّا وَذَاكَ قَدْ أَفْطَرَ قَبْلَهَا فَلَا يَبْقَى لَهُ حَقٌّ بِهَا فَيَأْكُلَا وَهُوَ تَمَسُّكُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَاكَ اللَّفْظُ الْمُسْتَقِلُ وَمَنْ يُرَاعِ مَقْصَدَ الْمُوَقِّفِ لَا يَمْنَعَنَّ مِثْلَ هَذَا فَاعْرِفِ لأَنَّمَا (2) قَدْ قَصَدَ الأُجُورَا بِأَكْلَةٍ قَدْ سُمِّيَتْ فُطُورَا وَإِنَّهَا لَأَكْلَةُ الْغُرُوبِ فَلَا أَرَى الْكَفَّ مِنَ الْوُجُوبِ
(1) لِفِطْرَةٍ: هوَ ما يُهَيَّأ لِلصَّائِمين من المأكول أوّل كل ليلة من شهر رمضان؛ كما
مساجد عُمان.
(2) لأنَّما لو قال لأنه لكان أنسب.
هو المعتاد في (2/64)
صفحة 674
?
الجزء الثالث
كتاب الأمانة
كَذَاكَ أَيْضًا صَائِمٌ قَدْ فَسَدَا صِيَامُهُ وَلَمْ يَكُنْ تَعَمَّدَا يَجُوزُ أَنْ يُفْطِرَ مِنْهَا فَاعْلَم لأَنَّهُ بِذَاكَ لَمْ يُؤَنَّم فَهْوَ بِحُكْمِ الصَّائِمِينَ رَجَعَا مِنْ هَاهُنَا فُطُورُهُ مَا مُنِعَا وَمُفْطِرٌ مِنْهَا وَلَكِنْ قَامَا يُصَلِّيَنَّ حِينَ مَا أَقَامَا وَالْخُلْفُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا سَبَقَا مِنَ اعْتِبَارِ (2) الْحَالِ أَوْ مَا نَطَقَا وَإِنْ يَكُنْ صَامُوا بِشَاهِدٍ فَقَطْ فَالْفِطْرُ مِنْهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ سَقَطْ فَالأَصْلُ (3) قَالَ لاَ يَجُوزُ أَبَدًا وَمَنْعُهُ فَرْعُ عَلَى مَنْ قَيَّدَا وُجُوبَ صَوْمِهِ بِشَاهِدَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ فَرْعًا عَلَى الْقَوْلَيْنِ بَلِ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا وَالأَشْهَرُ وُجُوبُهُ بِشَاهِدٍ إِذْ يَنْظُرُ فَصَائِمٌ بِشَاهِدٍ قَدْ صَامَا مِنْ رَمَضَانَ يَوْمَهُ تَمَامَا وَيُعْطَى حُكْمَهُ فَكَيْفَ يُمْنَعُ مِنْ فِطْرَةٍ فِي رَمَضَانَ تُوقَعُ
(1) لَم يُؤَثّم: بتشديد المثلثة، أي: لم ينسب إلى الإثم. (2) قوله: «من اعتبار الحال .... إلخ» مراده أن الخلف مبني على أمرين؛ الأول أن الاعتبار في هذا على قصد الواقف، فيكون كل ما يحصل له من الأجر والثواب واسعا، ولو خالف مقتضى اللفظ، والثاني أن الحكم في هذه الأمور يبنى على ما تقتضيه الألفاظ، فكل شيء يكون خارجًا عن مقتضى ظاهر اللفظ فهو غير واسع، والذي يقتضيه اللفظ في وقف الفطور أن يكون لما يأكله الصائم أوَّلَ كل شيء، لأنه يسمى فطورًا، فمن أكل منه بعد ما أكل من غيره فلا يكون مفطرًا به، ولكن إذا حملنا جواز الأكل على مقتضى اللفظ لم نُجز له أن يأكل من ذلك الطعام إلا ما يصدق أن يسمى فطورًا، وإنما ذلك يصدق لغة على أول لقمة أو تمرة يتناولها في أول فطره، وهذا غير مراد عرفًا ولا عادة؛ فالأولى في هذا الجواز كما مال إليه المؤلف رحم الله بناءً على قصد الواقف والعلم عند الله. (أبو إسحاق)
(3) الأصل المراد به صاحب الأصل وهو الشيخ الصائغي. (أبو إسحاق) (2/65)
صفحة 675
بابُ أَمْوالِ الْمَسَاجِدِ
الجزء الثالث
65
وَفِطْرَةُ الْمَسْجِدِ قِيلَ يَسَعُ فِطْرُ النِّسَا مِنْهَا وَقَوْمٌ مَنَعُوا لأَنَّهَا تُخَصُّ بِالرِّجَالِ عِنْدَهُمُ فِي غَالِبِ الأَحْوَالِ إِذْ لِلنِّسَا مَوَاضِعٌ مَعْرُوفَهُ وَهْيَ بِذَاكَ عِنْدَهُمْ مَوْصُوفَهُ فَمِنْ فَسَادِ الدَّهْرِ قَدْ مَنَعْنَا
نِسَاءَنَا مَسْجِدَنَا لِمَعْنَى
(1)
تَزَيُّنٌ تَعَطَّرٌ أَحْدَثَنَا تَبَرُّجُ وَالنَّهْيَ لَا يَسْمَعْنَا قَدْ رَخَّصَ الْمُخْتَارُ لِلنِّسَاءِ فِي غَيْرِ ذِي الْحَالِ بِلَا مِرَاءِ وَقَدْ نَهَى مَنْ شَاءَتِ الْحُضُورَا مَسْجِدَهُمْ (2) أَنْ تَضَعَ الْعُطُورَا (3) وَقَدْ فَهِمْنَا مَا أَرَادَ الْمُصْطَفَى مِنْ ذَاكَ وَالْحَالُ بِهِنَّ اخْتَلَفَا مِنْ شِدَّةِ الْمَنْعِ لَهُنَّ حَجَرُوا مِنْ فِطْرَةِ الْمَسْجِدِ حِينَ تُفْطَرُ (4) وَالْحَالُ مِنْ مُوَقِّفِ الأَمْوَالِ يَقْضِي بِأَنَّ ذَاكَ لِلرِّجَالِ وَمَنْ يُرَاعِي مُقْتَضَى الظَّوَاهِرِ يَقُولُ مَنْعُهُنَّ غَيْرُ ظَاهِرِ وَمَا بِهِ مِنْ سُنَّةٍ مَوْجُودَهُ فَإِنَّهَا سُنَّتُهُ الْمَقْصُودَهُ
(0)
(1) قوله: «لمعنى» جار ومجرور، ومعنى مضاف إلى ما بعده في أول البيت الثاني، ويجوز قطعه عن الإضافة فيكون (تَزَيُّن) وما بعده مستأنفا استئنافا بيانيًا، فكأنه قيل له: وما هذا المعنى؟ فقال: هو تزين وتعطر، ويجوز نصبها بأحدثنا، والله أعلم.
(2) مسجدهم: منصوب بالحضور على التوسع أو بنزع الخافض تقديره بمسجدهم. (أبو إسحاق) (3) في نسخة البخورا.
(4) تُقْطَرُ بالبناء للمفعول؛ أي: حين يفطرها، أي: يأكلها الناس. (5) قوله: «يقول منعهن أقول هذا هو الصحيح، لأن للنساء الصائمات حقًا في الفطرة كما للرجال فما معنى منعهن منها والله يقول: {وَالصَّمِينَ وَالصَّبِمَتِ} [الأحزاب: 35] فهن من جملة
الصائمين الذين قصدوا بتوقيف مال الفطور. (أبو إسحاق) (2/66)
صفحة 676
??
الجزء الثالث
كتاب الأمانة
فَلَا تُبَدَّلْ لَا وَلَا تُغَيَّرِ مَا لَمْ تُسَنَّ لِفِعَالِ مُنْكَرِ وَإِنْ بَدَا بَاطِلُهَا فَتُطْرَحُ وَيُفْعَلُ الْجَائِزُ ثُمَّ الأَصْلَحُ وَحُكْمُ ذِي السُّنَّةِ فِي الأَوْقَافِ جَمِيعِهَا يَأْتِي بِلَا اخْتِلَافِ وَمَسْجِدٌ يُسْرَجُ فِي الشَّتَاءِ مِنْ مَغْرِبِ الشَّمْسِ إِلَى الْعِشَاءِ فَالخُلْفُ فِي الإِسْرَاجِ وَقْتَ الْحَرِّ إِنْ جَاءَهُمْ سَيْلٌ لِدَفْعِ الضُّرِّ وَالأَصْلُ لِلتَّرْكِ يَمِيلُ وَأَرَى نَفْسِي تَمِيلُ لِلْجَوَازِ فَانْظُرَا فَالتَرْكُ عِنْدَ الأَصْلِ لِلسَّلَامَهُ وَالْفِعْلُ عِنْدِي دَافِعُ ظَلَامَهُ (2) وَهْوَ مُرَادُ مَنْ لَهُ قَدْ أَوْقَفَا وَإِنْ يَكُنْ تَعْبِيرُهُ لَمْ يُعْرَفَا كَذَلِكَ الْخِلَافُ فِي إِسْرَاجِ بَعْدَ الْعِشَا لِلعِلْمِ وَالإِخْرَاجِ يُخَرِّجُ الْحَدِيثَ مِنْ أَخْبَارِهِ وَيَقْرَأُ الْعُلُومَ مِنْ أَسْفَارِهِ وَيَنْشُرُ الْفَوَائِدَ الْمَوْجُودَهُ وَهْيَ لَعَمْرِي خَصْلَةٌ مَحْمُودَهُ مَنْفَعَةٌ فِي الدِّينِ أَيُّ مَنْفَعَهُ كَيْفَ لَنَا فِي مِثْلِ ذَا أَنْ نَمْنَعَهُ وَنَخْلَةُ الْمَسْجِدِ لَمَّا أَثْمَرَتْ ثَمَرَةً كَثِيرَةً قَدْ أَظْهَرَتْ فَجَائِزُ يَخُفُهَا (3) (5) مَنْ قَامَا بِهِ وَلَا يَتْرُكُهَا تَمَامَا
الأمر بتنوير
(1) قوله فلا تبدل هو وما بعده مجزومان بلا الناهية، وقد يكون النهي للغائب في صيغة الكلام قال تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 28]. (2) ظلامة أي ظلام المسجد أو ظلام الجهل، وهذا هو الصحيح المؤيد، وقد روي المساجد، وقال علي بن أبي طالب: نور الله قبر عمر بن الخطاب كما نور مساجدنا. (3) يخفها: أي: يخف من حملها بقطع شيء من ثمرتها لئلا تضعفها كثرة الثمر، فلا تثمر في العام
القابل نظرًا لما هو أصلح.
(*) ويفعل الناس ذلك رجاء جودة الثمرة أيضًا. (إسماعيل) (2/67)
صفحة 677
بابُ أَمْوالِ الْمَسَاجِدِ
الجزء الثالث
67
وَذَاكَ إِنْ رَأَى الصَّلَاحَ لَائِحَا وَمَنْعُهُ إِنْ لَمْ يَرَ الْمَصَالِحَا وَإِنْ يَخَفْ عَلَى الثَّمَارِ الْفَارَا لَا يَشْتَرِي السَّمَّ لَهُ جِهَارًا لأَنَّمَا صَلَاحُهُ مَجْهُولُ يَكُونُ أَمْ لَا هَكَذَا يَقُولُ قُلْتُ وَلَكِنْ نَفْعُهُ مَظْنُّونُ وَمَا يُظَنُّ نَفْعُهُ يَكُونُ فَهَؤُلَاءِ النَّاسُ يَفْعَلُونَهُ فِي مَالِهِمْ وَلَا يُضَيِّعُونَهُ وَلَمْ يُرِيدُوا أَبَدًا ضَيَاعَا لِفُلْسِهِمْ بَلْ طَلَبُوا انْتِفَاعًا فَظَهَرَ الصَّلَاحُ مِنْ ذَا الْمَعْنَى فَجَازَ فِي الْأَوْقَافِ أَنْ يُسَنَّا وَالْخُلْفُ فِي الصُّرُومِ قِيلَ أَصْلُ فَبَيْعُهَا عَلَيْهِ لَا يَحِلُّ وَقِيلَ غَلَّةٌ وَبَيْعُهَا يَحِلْ وَبَيْعُهَا يَحِلْ قُلْتُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ بَيْعُهَا قُبِلْ إِذْ لَيْسَ فِي بَقَائِهَا صَلَاحُ وَرُبَّمَا الضُّرُّ بِهَا يَلْتَاحُ وَإِنْ يَكُنْ أَرَادَ مِنْهَا فَسْلَا يَفْسِلُ مِنْهَا لَا يَبِيعُ الْكُلَّا وَزَارِعٌ فِي أَرْضِ مَسْجِدٍ بِلَا إِذْنٍ فَلِلْمَسْجِدِ مَا تَحَصَّلَا وَرَهْنُ مَالِ (2) الْمَسْجِدِ الشَّرِيفِ لَيْسَ يَجُوزُ لِامْرِى عَقِيفِ وَيُؤْخَذُ الرَّاهِنُ فِيهِ بِالْفِدَا لأَنَّ رَهْنَهُ لَهُ نَوْعُ اعْتِدَا
(1) الصروم: سبق ذكرها.
(2) قوله: «ورهن مال .... إلخ» هذا البيت برمته من أبيات أرجوزة الصائغي جرى فيه على اصطلاح أهل زمانه من أهل عمان من تسميتهم بيع الإقالة رهنا تشبيها برهن العروض التي يملك فيها صاحبها الفدا، والله أعلم. (2/68)
صفحة 678
68
الجزء الثالث
كتاب الأمانة
وَالْخُلْفُ فِي الْقِيَاضِ لِلصَّلَاحِ بِمَالِهِ قِيلَ مِنَ الْمُبَاحِ وَبَعْضُهُمْ يَمْنَعُهُ إِذْ فِيهِ تَبْدِيلُ حَالِهِ الَّذِي تُلْفِيهِ وَبَائِعٌ ثِمَارَهَا وَغَابَا مَنِ اشْتَرَى فَبِالصَّمَانِ آبَا إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَلِيٌّ بَاعَا وَلَا وَفَيٌّ يَضْمَنَنْ مَا ضَاعَا وَلَا يَمِينَ عِنْدَنَا فِي مَالِهِ وَلَا بِهِ نَحْكُمُ فِي أَحْوَالِهِ إِلَّا الَّذِي إِنْ لَمْ يُقِرَّ الْخَصْمُ بِهْ يَضْمَنُهُ (2) الْقَائِمُ حُكْمًا فَانْتَبِهْ وَذَاكَ إِنْ بَاعَ لَهُ وَجَحَدَا ثَمَنَهُ وَلَمْ يُقِرَّ أَبَدًا فَإِنَّهُ فِي ذَا الْمَقَامِ يَحْلِفُ لَهُ يَمِينًا إِنْ يَشَا يُحَلِّفُ (3) وَقَدْ أَجَازُوا لِوَكِيلِ الْمَسْجِدِ يَصْرِفُ مَا نَافَ مِنَ الْمُعَضَدِ (؟) إِنْ وُجِدَ الْحُكَامُ بَعْدَ حُكْمِهِمْ ويُصْرَفَنْ عَنْ رَأْيِهِ مَعْ عُدْمِهِمْ وَإِنْ أَبَى عَنْ قَطْعِهِ الْوَكِيلُ فَحَالُهُ عِنْدَهُمْ عَلِيلُ لأَنَّهُ عَنْ وَاحِبٍ قَدِ امْتَنَعْ لأَنَّمَا بَقَاؤُهُ ضُرٍّ وَقَعْ وَالْجَارُ إِنْ كَانَ لَهُ الإِنْكَارُ إِذْ غُرِسَ النَّخِيلُ وَالْأَشْجَارُ
(1) القياض: إبدال مال بمال من جنسه غالبًا. (2) قوله: «يضمَنُه» يعني أنه ليس لوكيل الوقف أن يقطع دعواه للوقف بيمين المنكر، إلا فيما يكون الوكيل ضامنًا له، فإنَّ له أن يحلّف عليه المنكر، لأن حق الوقف ثابت عليه، فليس يضيع بيمين (3) يُخلف: أي: يُحَلِّفه.
الحالف.
(4) قوله: «المُعَصَّدِ»، أي: المسطر يقال: نخل معضد، وعضد النخل والأشجار إذا سطرها عند
الغرس، لغة عُمانية. (المصنف)
(5) غُرس: بالبناء للمفعول. (2/69)
صفحة 679
بابُ أَمْوالِ الْمَسَاجِدِ
الجزء الثالث
69
فَتَرَكَ الإِنْكَارَ حَتَّى غَـ فَقِيلَ ثَابِتٌ عَلَيْهِ فَسْلَا كَذَلِكَ الْأَحْكَامُ فِي الْوُقُوفِ جَمِيعِهَا فِي الْأَثَرِ الْمَعْرُوفِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْقُعْدِ مِنْ مُقْتَعِدِ مَاءً وَقَدْ عَرَفْتَهُ لِمَسْجِدِ وَكَانَ مَنْ أَقْعَدَهُ خَرُّونَا (1) أَوْ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهُ مَأْمُونَا قِيلَ لِمَنْ شَا يَأْخُذَنَّ سَهْمَا وَيُعْطِهِ مَا نَابَ عَنْهُ غَرْمَا (2) لأَنَّهُ بِقُعْدِهِ قَدِ انْتَقَلْ لِمَنْ غَدًا مُقْتَعِدًا وَقَدْ حَصَلْ وَقِيلَ لَا لأَنَّ مَنْ قَدْ خَانَا لَيْسَ لَهُ تَصَرُّفٌ عِيَانَا فَالْخُلْفُ فِي هَذَا الْمَقَامِ يُبْنَى عَلَى جَوَازِ القُعْدِ (3) فِيمَا مَعْنَا وَيَثْبُتُ التَّوْكِيلُ فِي الْأَوْقَافِ ذَا ثِقَةٍ عَدْلًا) بِلَا خِلَافِ مِنْ حَاكِمِ قَدْ قِيلَ أَوْ جَمَاعَهُ أَوِ احْتِسَابِهِ) مَا بِهِ إِضَاعَهُ وَيُعْذَرُ الْوَكِيلُ بِالأَسْفَارِ لأَنَّهُ عُذْرٌ مِنَ الأَعْذَارِ لَكِنَّهُ لِبَيْتِهِ لَا يَرْجِعُ مِنْ قَبْل أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ نَسْمَعُ
(1) خؤونا: أي: كثير الخيانة فهو فعول بمعنى فاعل، كما في قوله تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْئُورًا} [الإسراء: 45]
(2) غرما: مصدر؛ أي: يغرمه غرمًا أو واقع موقع الحال بمعنى غارمًا.
(3) القعد: في اصطلاح العمانيين في الأرض كراؤها، وفي الماء طناؤه، أي: بيعه للسقي في وقت
مخصوص
مقدر بالساعات.
(4) ذا ثقة عدلاً منصوب بالتوكيل على حد قوله:
ضعيف النكَايَةِ أَعْدَاءَهُ يَخَالُ الفِرَارَ يُرَاخِي الأَجَلْ
(5) احتساب أي محتسب. (2/70)
صفحة 680
70
الجزء الثالث
كتاب الأمانة
لأَنَّهُ أَمَانَةٌ تُرَاعَى يَحْذَرُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَضَاعَا وَالْحَاضِرُونَ عِنْدَنَا الْقِيَامُ يَلْزَمُهُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ حُكَامُ وَإِنْ يَكُنْ فِي بَعْضِهِ مُحْتَسِبَا وَذَلِكَ الْبَعْضُ عَلَيْهِ وَجَبَا وَلَمْ يَكُنْ يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ بِالْكُلِّ بَلْ فِي الْكُلِّ لَا يُلَامُ وَجَائِزٌ أَنْ يَعْزِلَ الْوَكِيلَا جَمَاعَةُ الْمَسْجِدِ (1) فِيمَا قِيلَا إِذَا رَأَوْا مِنْهُ ضَيَاعًا قَدْ بَدَا أَوْ أَنَّهُ فِي مَالِهِ قَدْ أَفْسَدَا لِحِفْظِهِ وَلِلصَّلَاح يُجْعَلُ وَكِيلُهُ وَإِنْ أَضَاعَ يُعْزَلُ وَلَا تُؤَمِّنْ خَائِنَا مَوْقُوفَا وَلَا الَّذِي لَمْ يَكُنِ المَعْرُوفًا فَمَنْ يُؤَمِّنْ خَائِنَا قَدْ خَانَا لأَنَّهُ سَاعَدَهُ عِيَانَا وَهَاهُنَا قَدْ تَمَّ مَعْنَى الْبَابِ وَإِنْ يَكُنْ يَدْخُلُ فِي أَبْوَابِ فَكُلُّ مَا اسْتَحْفَظَنَا إِيَّاهُ إِلَهُنَا أَمَانَةً) نَرَاهُ لَكِنَّنَا نُفْرِزُهُ أَبْوَابَا وَنَذْكُرَنَّ مَا يَخُصُّ الْبَابَا
(1) جماعة المسجد: هم الذين يُصَلُّون فيه الصلوات الخمس جماعة، ولا يتخلفون عنها إلا من عذر، ويختص بذلك أهل العقول والبصائر من أهل الحل والعقد.
(2) قوله: «ولا) الذي»، يعني به المجهول الحال الذي لا يعرف رشده ولا غيّه. (3) أمانةً: فيه اشتغال الفعل عن المفعول بضميره، فجاز الوجهان الرفع والنصب. (4) قوله: «نفرزه» من فرز الشيء إذا ميز بعضه عن بعض. (أبو إسحاق) (2/71)
صفحة 681
بابُ الإِجَارَةِ
الجزء الثالث
71
كتابُ الأَمْوَال
وَاللَّهُ رَبِّي خَلَقَ الأَجْسَامَا وَجَعَلَ الْمَالَ لَهَا قَوَامَا وَجَعَلَ الصَّلَاحَ فِي الأَمْوَالِ مُعَلَّقًا بِصَالِحِ الْعُمَّالِ يَحْتَاجُ لِلأَجِيرِ فِي أَحْيَانِ وَلِلشَّرِيكِ فِي مَقَامٍ ثَانِ وَلِاقْتِعَادِ الْأَرْضِ وَالْمِيَاهِ لِيَزْرَعَ الْأَرْضَ وَيَسْقِي الْوَاهِي (1) وَيُصْلِحَ الدُّرُوبَ وَالسَّوَاقِي وَيَضْرِبَ الْحُدُودَ فِي الْآفَاقِ وَيَجْعَلَ الْحَرِيمَ خَوْفَ الضَّرَرِ بَيْنَ نَخِيلِهِمْ وَبَيْنَ الشَّجَرِ وَلِلْمَوَاتِ غَيْرُ حُكْمِ الْمُلْكِ وَالْكُلُّ مَنْظُومُ بِهَذَا السِّلْكِ") نَجْعَلُهُ مُرَيَّبًا أَبْوَابَا وَالْكُلُّ نَجْعَلَنَّهُ كِتَابًا
باب الإجارة
وَالْبَيْعُ لِلْمَنَافِعِ الْمَعْلُومَهُ مُقَدَّرًا بِوَقْتِهَا وَالْقِيمَهْ إِجَارَةٌ تَكُونُ فِي الإِنْسَانِ وَفِي بَهِيمَةٍ وَفِي الْمَكَانِ وَيَجْرِي فِي الْعَبِيدِ وَالأَحْرَارِ عَلَى سَوَاءٍ حُكْمُ الاسْتِنْجَارِ
(1) العطشان.
(2) السلك: بكسر السين الخيط الذي يُجْعَل فيه اللؤلؤ.
(3) مقدرًا: منصوب على الحال.
(4) إجارة: خبر المبتدأ السابق في البيت الأول وهو قوله: والبيع. عرف الإجارة بهذا التصريف
اللطيف. (أبو إسحاق) (2/72)
صفحة 682
72
الجزء الثالث
كتابُ الأَمْوَالِ
لَكِنَّمَا الْعَبْدُ بِإِذْنِ سَيّدِهُ وَالْحُرُّ أَمْرُهُ يَكُونُ بِيَدِة وَمَا بِهَا مِنْ وَصْمَةٍ فِي الْحُرِّ لأَنَّهَا بَعْضُ خِصَالِ البِرِّ (1) فَذَلِكَ الْكَلِيمُ مُوسَى اسْتَأْجَرَا عَلَى عَفَافِ فَرْجِهِ كَمَا تَرَى «يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ» تَعْنِي مُوسَى أَنْكَحَهُ إِبْنَتَهُ عَرُوسًا وَمَهْرُهَا يَرْعَى لَهُ أَغْنَامَا ثَمَانِيَا عَدَدُهَا أَعْوَامَا وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَدْ رَعَى عَشْرَ سِنِينٍ هَكَذَا قَدْ سَمِعَا وَشَرْطُهُ اللَّازِمُ فِي الثَّمَانِ وَالسَّنَتَانِ الْفَضْلُ لِلرُّجْحَانِ مِنْ عِنْدِهِ تَفَضُّلًا أَتَمَّا عَشْرًا وَسَارَ بَعْدَ مَا قَدْ تَمَّا سَارَ بِأَهْلِهِ وَلَاحَ السَّعْدُ مِنْ طُورِهِ بِمَا رَآهُ يَبْدُو بِشَاطِئ الْوَادِي الَّذِي يُدْعَى طُوَى حَوَى مِنَ التَّكْلِيمِ فِيهِ مَا حَوَى مِنْ بَعْدِ الاِسْتِنْجَارِ كَانَ ذَاكَا فَهَلْ تَرَى مِنْ وَصْمَةٍ هُنَاكَا وَإِنَّمَا الْوَصْمَةُ وَالإِثْمُ عَلَى مَنْ رَكِبَ الْحَرَامَ فِيهَا مَثَلَا كَأَجْرِ مَنْ يَلْعَبُ بِالْمَلَاهِي وَأَجْرِ سَاعٍ فِي مَعَاصِي اللَّهِ وَالنَّائِحَاتْ مَا لَهَا أُجُورُ لِنَوْحِهَا لأَنَّهُ مَحْجُورُ وَحَرَّمَ الْمُخْتَارُ عَسْبَ (2) الْفَحْلِ وَهْوَ ضِرَابُهُ لأَجْلِ النَّسْلِ
(2)
(1) وصمة: بفتح الواو العيب والنقيصة.
(2) عشب: قال في المختار: العسب بوزن العَدْبِ كراء ضراب الفحل. (2/73)
صفحة 683
بابُ الإِجَارَةِ
الجزء الثالث
73
وَهَكَذَا مَهْرُ الْبَغِيِّ (1) يُحْجَرُ لأَنَّهُ عَلَى الزِّنَاءِ يُمْهِرُ وَالْحِلُّ (2) يُجْزِي فِيهِ إِنْ أَبْرَاهَا مِنْ بَعْدِ تَوْبَةٍ لَهُ يَرَاهَا وَإِنْ يَكُنْ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ تُعْطَى مَعْ أَنَّهَا تُعْطَى لأَجْلِ تُوطَى فَقِيلَ لَا رَدَّ عَلَيْهَا إِنْ تَتُبْ وَالرَّدُّ فِي المَشْرُوطِ حَتْمًا قَدْ يَجِبْ وَأُجْرَةُ الْكَاهِنِ فِي الكَهَانَهُ حُرُمٌ وَيُدْعَى عِنْدَهُمْ حُلْوَانَهُ (3) وَاخْتَلَفُوا فِي أُجْرَةِ الْحَجَّامِ وَعِنْدَنَا لَيْسَتْ مِنَ الْحَرَامِ فَإِنْ تَكُنْ بِغَيْرِ مَا جِدَالِ فَإِنَّهَا نَوْعٌ مِنَ الْحَلَالِ لَكِنَّهَا مِنَ الْحَلَالِ الْقَذِرِ فَأَكْلُهَا الْخَسِيسُ عِنْدَ الْحَذِرِ (4) وَأُجْرَةُ الدِّينَارِ وَالدَّرَاهِم مَحْجُورَةٌ فِي قَوْلِ كُلِّ عَالِمِ لأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الرِّبَا وَمَا كَمِثْلِهِ حَرَامُهُ قَدْ عُلِمَا وَلَا يَجُوزُ عَمَلٌ فِيمَا غُصِبْ إِلَّا بِإِذْنِ رَبِّهِ إِذَا رَغِبْ وَالثَّوْرُ وَالعَبْدُ إِذَا أَكْرَاهُ فِي مَالِ مَغْصُوبٍ وَقَدْ دَرَاهُ فَمَا عَلَيْهِ مِنْ ضَمَانٍ يُذْكَرُ إِنْ لَمْ يَبِنْ بِذَاكَ فِيهِ ضَرَرُ وَإِنْ يَكُنْ مَا عَمِلُوا صَلَاحًا لِلْمَالِ فَالْجَوَازُ فِيهِ لَاحَا
البغي: هو ما يُعطى للزانية من الأجر على الزنا، والبَغِيُّ: الزانية والجمع: بغايا.
(1) مهر (2) الحل: يعني: البُرْآن.
(3) قوله: «حلوانه» الحلوان أجر الكاهن على الكهانة، والكاهن هو الذي يتعاطى الأمور المُغَيَّبة.
(أبو إسحاق)
(4) الحذر: بوزن الْقَذِر، فَعِل بمعنى فاعل، قال الشاعر:
حَذِرٌ أُمُورًا لا تَضُرُّ وَتَارِكٌ مَا لَيْسَ مُنْجِيهِ مِنَ المَقْدُورِ (2/74)
صفحة 684
74
الجزء الثالث
كتابُ الأَمْوَالِ
لَكِنَّهُ يَسْتَغْفِرُ الرَّحْمَانَا كَيْ لَا يَكُونَ فِعْلُهُ عِصْيَانَا وَالأَجْرُ لِلْمِيزَانِ وَالْمِكْيَالِ مُجتَنَبٌ فِي مُدَّةِ اللَّيَالِي لأَنَّمَا ذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ عَدْلٌ يُبِينُ الْحَقَّ بِالْمِقْيَاسِ وَمَنْعُ مِثْلِ ذَاكَ لَا يَصِحُ مِنْ هَاهُنَا لَيْسَ عَلَيْهِ رِبْحُ (1) وَمَا يَكُونُ فِعْلُهُ مَفْرُوضَا (2) يَكُونُ أَجْرُهُ إِذَا مَرْفُوضَا بِلَا خِلَافٍ وَالْخِلَافُ نُقِلَا فِيمَا يَكُونُ فِعْلُهُ تَنَفُلَا (3)
مِنْ هَاهُنَا جَاءَ الْخِلَافُ فَاعْلَمِ بَيْنَهُمُ فِي أُجْرَةِ المُعَلِّم وَقِيلَ مَهْمَا عَلَّمَ الآدَابَا فَأَخْذُ أَجْرِهِ عَلَيْهَا طَابَا) لَا يُؤْخَذُ الأَجْرُ عَلَى الرُّقَاءِ وَفِيهِ تَرْخِيصٌ عَلَى الْعَنَاءِ وَذَاكَ مَهْمَا كَانَ بِالْقُرْآنِ أَوْ كَانَ بِاسْمِ اللَّهِ وَالرَّحْمَنِ أَحَقُّ مَا قَدْ تُؤخَذُ الأُجُورُ عَلَيْهِ قُرْآنٌ لَنَا وَنُورُ مَعْنَى حَدِيثٍ فِي الصِّحَاحِ يُوجَدُ عَلَيْهِ مَنْ أَجَازَهَا يَسْتَنِدُ وَإِنْ يَكُ الرُّقَى بِنَوْعِ كُفْرِ فَأَجْرُهُ الْحَرَامُ دُونَ شَجْرِ
(1) ربح: أي: أُجر.
(2) مرفوضا: أَي: مُحَرَّمًا مَتْرُوكًا.
(3) تَنْفُلا أي: مَندُوبًا.
(4) المعلم أي معلم القرآن وقوله عليها في الشطر الثاني راجع إلى الآداب.
(5) قوله: «عليها» أي: على الآداب. (أبو إسحاق)
(6) الرُقَى: بضم الراء: جمع رُقية بالضم وهو مصدر رقاه يرقيه رقيًا. (أبو إسحاق) (2/75)
صفحة 685
بابُ الإِجَارَةِ
الجزء الثالث
Vo
أَخْذُ الْكِرَا لِمَكَةٍ مَحْجُورُ لَكِنْ عَلَى بِنَائِهَا يَدُورُ فَأَرْضُهَا جَمِيعُهَا أَرْضُ حَرَمْ وَمُلْكُهَا مُحَرَّمٌ عَلَى الأُمَمْ فِيهِ سَوَاءٌ عَاكِفٌ وَبَادِي وَمُلْحِدٌ فِيهِ أَخو اسْتِبْدَادِ لَكِنْ عَلَى السِّيرَانِ وَالْأَبْوَابِ أَخْذُ الْكِرَا وَسَائِرُ الْأَسْبَابِ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَنَا التَّرَاضِي بِأُجْرَةٍ بَاطِلَةِ الْأَغْرَاضِ كَذَاكَ حُكْمُ الْحِلَّ وَالإِثْمَامِ لأَنَّ أَصْلَهَا مِنَ الْحَرَامِ وَاخْتَلَفُوا فِي أُجْرَةِ الْحُلِيِّ (2) وَالْمَنْعُ مَا كَانَ مِنَ الْمَرْضِيّ إِذْ كُلُّ مَا جَازَ مِنَ الْأَعْمَالِ فَإِنَّ أَجْرَهُ مِنَ الْحَلَالِ إِلَّا إِذَا مَا دَخَلَتْهُ عِلَلُ فَإِنَّهُ بِهَا إِذًا مُعَلَّلُ مِثْلُ جَهَالَةٍ تَكُونُ فِي الْكِرَا أَوْ مُدَّةٍ أَوْ فِي مَسَافَةٍ تُرَى وَهَكَذَا جَهَالَةُ الْمَعْمُولِ وَكُلُّ مَا كَانَ مِنَ الْمَجْهُولِ مَنِ اكْتَرَى إِلَى الْعِرَاقِ فَسَدَا مَا قِيلَ فِيهِ بِالتَّمَامِ أَبَدًا لأَنَّ ذَاكَ الأَمْرُ (3) فِيهِ يَتَّسِعُ وَهَكَذَا لِخْرَسَانَ فَاسْتَمِعْ وَأُجْرَةُ الْمَرْءِ يَبُلُّ الطَّينَا مَجْهُولَةُ الْمِقْدَارِ مَا يَحْوِينَا
(1) أرض حرم: يجوز أن تكون (أرض) مضافة إلى حرم وَأن تُنَوَّنَ وتكون «حَرَمٌ» صِفَةً لها. (2) قوله: «أُجرة الحُلِي» وذلك بأن يستأجر من أحد حُليًّا معروفًا بأجر معلوم إلى مدة معلومة يلبسه فيها، أي: يُلْبِسَه أَهله.
(3) (الأمر): مبتدأ و (يتسع) خبره، وجملة المبتدأ وخبره خبر إنَّ. (2/76)
صفحة 686
76
الجزء الثالث
كتابُ الأَمْوَالِ
لَكِنْ عَنَا (1) الْمِثْلِ عَلَى مَنْ أَجْرَا يَكُونُ لَأَزِمَّا إِذَا مَا اسْتَجَرَا (2) وَقِيلَ مَنْ أُجُرَ أَنْ يَصْطَادَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ عَلَى مَا اعْتَادَا فَإِنَّهُ فِي حُكْمِنَا مَجْهُولُ لَهُ عَنَاءُ مِثْلِهِ مَبْذُولُ كَذَلِكَ الْقِنْيَةُ) بِالنَّتَاحِ مَجْهُولَةٌ تُبْنَى عَلَى اعْوِجَاج لَكِنْ لَهُ الْعَنَا إِذَا قَنَاهَا يُقَدِّرُ الْحُذَاقُ مَا عَنَاهَا وَأَكْثَرُ الأَقْوَالِ لِلأَصْحَابِ لَا تَثْبُتُ الْقِنْيَةُ فِي الدَّوَابِّ حَتَّى يَكُونَ مُدَّةً مَعْلُومَهُ وَغَيْرُ هَذَا خَصْلَةٌ مَذْمُومَهُ وَهَكَذَا بِنِصْفِ رِبْحِ الشَّاةِ فَسَادُهَا عَنْ جُمْلَةِ الثَّقَاتِ لَكِنْ لَهُ الْعَنَا وَبَعْضُ قَالَا لَهُ إِذَا مَا شَاءَ أَنْ يَحْتَالَا يَبِيعُ نِصْفَهَا عَلَيْهِ وَبِذَا كَانَ شَرِيكًا لَا أَجِيرًا يُحْتَذَى وَإِنْ يَكُنْ أَجَرَهُ أَنْ يَعْمَلَا فِي مَالِهِ وَقِطْعَةً قَدْ أَدْخَلَا أَدْخَلَهَا فِي عَمَلِ الْعُمَّالِ وَأَجْرُهَا مِنْ أَجْرٍ بَاقِي الْمَالِ
(1) الْعَنَا والعَنَاء بالقصر والمد التعب، واستعمل اللفظ فيما يقدَّر من الأجر للعامل، إطلاقًا للسبب وإرادة المسبب. (أبو إسحاق)
بضم
(2) قوله: «اشتجرا» أي اختلفا. (أبو إسحاق) (3) القنية: يقال: قنوت الغنم وغيرها قُنوة وقنيتها قُنية القاف وكسرها فيهما إذا اقتنيتها لنفسك لا للتجارة أي اتخذتها، وفي عرف أهل عُمان أن يعطي الإنسان إنسانًا آخر شاة أو أكثر على أن يقوم برعيها وعلفها، ويكون له نصف ثمنها؛ أو نصف أولادها أو أقل أو أكثر سنة أو أكثر، فهذا الذي عناه المؤلف الله، حيث أوجب له العناء فقط، على ما يراه له أهل الحذق من المسلمين الذين لهم الخبرة بتقويم المقوّمات بحسب العناء والإطعام، ورأي المؤلف إذا كانت القنية إلى مدة معلومة فهي ثابتة ولكن لا تزايلها الجهالة ولو إلى مدة، فالأولى إذا لم يتفقا على ما اشترطاه بينهما أن يكون للذي اقتضاها العناء. (أبو إسحاق) (2/77)
صفحة 687
بابُ الإِجَارَةِ
الجزء الثالث
VV
وَنَفْسُهَا لَيْسَ عَلَيْهَا أَجْرُ فَقَالَ قَوْمٌ إِنَّ هَذَا حِجْرُ بَلْ شَرْطُهُ يَبْطُلُ وَالْعَنَا لَزِمْ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا عَلَيْهِ قَدْ عَلِمْ وَبَعْضُهُمْ أَثْبَتَ ذَاكَ الشَّرْطَا وَإِنَّهُ مِنْ ذَاكَ لَيْسَ يُعْطَى وَرَجُلٌ لِرَجُلٍ قَدْ حَمَلَا (1) لِبَلَدٍ قَدْ عَرَّفَاهَا مَثَلَا يَلْزَمُهُ تَبْلِيغُهُ لِمَنْزِلِهُ لأَنَّ هَذَا مِنْ تَمَامِ عَمَلِهْ وَرَجُلٌ قَدِ اكْتَرَى حِمَارَا يَحْمِلُ شَيْئًا فَوْقَهُ جِهَارًا وَزَادَ فِي الحَمْلِ عَلَى مَا ذَكَرَا يَلْزَمُهُ بِقَدْرِ مَا زَادَ الْكِرَا وَإِنْ يَكُنْ قَدِ اكْتَرَى لِيَرْكَبَا بِنَفْسِهِ فَقِيلَ لَا يُرَكَّبَا) سِوَاهُ لَوْ كَانَ سِوَاهُ أَصْغَرَا لأَنَّهُ خَالَفَ مَا قَدِ اكْتَرَى وَبَعْضُهُمْ رَخَّصَ إِنْ لَمْ يَكُنِ أَثْقَلَ مِنْهُ بِقِيَاسِ بَيِّنِ وَلَمْ يَكُنْ لِمُشْتَرِي الْخِيَارِ قَدْ قِيلَ عَزْلُ ذَلِكَ البِيدَارِ 3 قَبْلَ تَمَامِ مَا لَهُ قَدْ عَمِلَا لَكِنْ لَهُ النَّقْصُ بِهِ إِنْ جَهِلَا وَإِنْ رَعَى بِأَجْرَةٍ مَعْلُومَهُ لِمُدَّةٍ مَعْرُوفَةٍ مَنْهُومَهُ
(4)
أَرَادَ رَبُّهَا أَنْ يَحْبِسَا لَهَا أَوِ الْبَيْعَ لَهَا إِذْ أَفْلَسَا قَبْلَ تَمَامِ الْوَقْتِ وَالأَيَّامِ فَأُجْرَةُ الرَّاعِي عَلَى السَّمَامِ
(1) حملا: أي: على دابته بالكراء.
(2) لا يركبا: أصله لا يُرَكِبَنْ فحذف نون التوكيد وعوض عنها الألف.
(3) البيدار: تقدم بيانه، وهو العامل في النخيل أو الحرث بجزء ما يخرج من ثمره.
(4) رعى: أي: غنمًا بالأجر.
(5) قوله: «قبل التمام» أي قبل تمام المدة، وأجرة مبتدأ خبره ما بعده. (2/78)
صفحة 688
V?
الجزء الثالث
كتابُ الأَمْوَالِ
(2)
وَإِنْ يَكُ الرَّاعِي لَهَا قَدْ تَرَكَا قَبْلَ التَّمَامِ أَجْرُهُ قَدْ هَلَكَا وَإِنْ أَتَى الْعُذْرُ مِنَ الْجَمِيعِ لَهُ الْعَنَا) عَنْ شَيْخِنَا الرَّبِيعِ (2) وَأُجْرَةُ الرَّاعِي لِمَا قَدْ ذَهَبَا مِنَ الْمَوَاشِي حُكْمُهَا قَدْ وَجَبَا لِأَنَّمَا الأُجْرَةُ عَنْ نَفْسٍ الْعَمَلْ وَلَا يَحُطُّهَا الذَّهَابُ إِنْ حَصَلْ وَيُعْزَلُ الْعَامِلُ مَهْمَا أَفْسَدَا لَوْ كَانَ قَبْلَ وَقْتِهِ اللَّذْ حُدِّدَا لِأَنَّهُ أُرِيدَ لِلْعَمَارِ لَا لِفَسَادِ الزَّرْعِ وَالدَّمَارِ لَكِنَّهُ يُعْطَى عَنَا مَا عَمِلَا مُقَدَّرًا مُقَسَّطًا مُفَصَّلَا وَمَا لَهُ أَجْرٌ إِذَا لَمْ يُكْمِلِ مَا كَانَ قَدْ عَيَّنَهُ مِنْ عَمَل وَإِنْ يَكُنْ عَمَلُهُ مَجْهُولًا كَانَ عَنَا الْمِثْلِ لَهُ مَبْذُولَا وَقِيْلَ فِي الْعَامِلِ مَهْمَا وَقَفَا بِنَفْسِهِ عَنْ زَرْعِهِ وَانْصَرَفَا فَلَا عَنَا وَإِنْ يَكُنْ بِعُذْرِ وَقُوْفُهُ فَازَ بِبَعْضِ الأَجْرِ) وَإِنْ يَكُنْ قَدِ اكْتَرَى عَبِيدَا لَيَعْمَلُوا أَرْضًا لَهُ بَعِيْدَا فَهَرَبُوا قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الْعَمَل فَلَا عَلَيْهِ أُجْرَةٌ وَلَا بَدَلْ وَإِنْ يَكُنْ لِعَمَلٍ مَجْهُولِ كَانَ عَلَيْهِ أَجْرُهُم فِي قَوْلِ (4)
(1) له العنا أي له ما يستحق من عناء العمل الماضي.
(2) والربيع هو الإمام المحدث الربيع بن حبيب السابق الذكر. (أبو إسحاق) (3) فاز ببعض الأجر: أي: يعطى عناء ما عمل.
(4) أجرهم: أي أجر ما عملوا، أو لهم أجر ما أشغلهم عن سيدهم. (2/79)
صفحة 689
بابُ الإِجَارَةِ
الجزء الثالث
79
وَمَنْ يَكُنْ أَنْقَذَ لِلْغَرِيقِ مِنْ وَالِجِ الْمَاءِ أَوِ الْحَرِيقِ بِأُجْرَةٍ زَائِدَةٍ لَيْسَ لَهُ إِلَّا عَنَاءُ مَنْ يَكُونُ مِثْلَهُ كَذَلِكَ الْعَطْشَانُ إِنْ أَحْيَاهُ بِزَائِدِ الأَجْرِ لَهُ عَنَاهُ مَعْ ثَمَنِ الْمَاءِ بِذَاكَ الْمَوْضِعِ وَلَا يُزَادُ فَوْقَهُ فَاسْتَمِعِ كَذَاكَ فِيمَنْ مَالُهُ قَدْ ذَهَبَا فِي البَحْرِ بِالْكِسَارِ مَا قَدْ رَكِبَا فَقَالَ مَنْ أَخْرَجَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ فَغَاصَ إِنْسَانُ لَهُ وَحَصَّلَهُ فَإِنَّهُ يُعْطَى عَنَاءَ الْمِثْل وَلَا يَجُوزُ أَخْذُهُ لِلْكُلِّ وَإِنْ يَكُنْ قَالَ بِجُزءٍ مِنْهُ فَثَابِتٌ لَيْسَ يَزُولُ عَنْهُ (1) وَهَكَذَا فِي رَجُلٍ قَدْ سُرِقَا مَالٌ لَهُ لَمْ يَدْرِ مَنْ قَدْ سَرَقَا قَالَ لَهُ زَيْدٌ أَنَا آتِيكَ بِه لَكِنْ عَلَيكَ مِائَةٌ بِسَبَبِهْ إِنْ كَانَ ذَاكَ عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُهُ فَلَا لَهُ ذَاكَ الثَّمَنْ وَإِنْ يَكُنْ مَوْضِعَهُ قَدْ جَهِلَا فَذَلِكَ الأَجْرُ لَهُ قَدْ حَصَلَا وَقِيلَ قَطْعُ أُجْرَةِ الأَجِيرِ لِعَمَلِ الْحَجِّ مِنَ الْمَحْجُورِ وَبَعْضُهُمْ رَخَّصَ وَالْمَانِعُ لَا يَرَى لَهُ سِوَى الذِي قَدْ بَذَلَا (2)
(1) قوله: «وإن يكن قال بجزء منه فثابت»، أي: لأنه جُعل، وهكذا المؤاجرة شيء زائد على العناء
فإنه يثبت له ذلك.
(2) قوله: «قد بذلا»، أي ما بذله الأجير من الزاد والكراء. (2/80)
صفحة 690
80
الجزء الثالث
كتابُ الأَمْوَالِ
وَكُلُّ مَا يَفْضُلُ مِنْ إِنْفَاقِهِ يَرْجِعُ لِلْوَارِثِ بِاسْتِحْقَاقِهِ وَقِيلَ فِي الْحَجِّ وَفِي سَبِيلِهِ يُنْفِذُ لَا يَرْجِعُ عَنْ مَبْذُولِهِ وَخَارِجُ بِالْحَجِّ عَنْ إِنْسَانِ وَلَمْ يَزُرْ قَبْرَ النَّبِي العَدْنَانِي إِنْ وَقَعَ الشَّرْطُ عَلَى الزِّيَارَهُ يُحَطُّ عَنْهَ رُبُعُ الإِجَارَهُ وَالثَّلْتُ قَدْ قِيلَ وَقِيلَ النِّصْفُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَصْبِطَنْهُ الْعُرْفُ يَنْظُرُ فِي مَغَارِمِ الزُّوَّارِ وَفِي الْعَنَا بِالْكَيْفِ وَالْمِقْدَارِ عَلَى اخْتِلَافِ الْوَقتِ وَالأَسْعَارِ فَيُجْعَلَنْ هَذَا مِنَ الْمِعْيارِ (2) بِقَدْرِهِ يَكُونُ الانْحِطَاطُ وَذَاكَ عِنْدِي هُوَ الاحْتِيَاطُ وَإِنْ أَبَى الدَّلَّالُ أَنْ يَأْخُذَ مَا تَعَامَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ حُكِمَا عَلَيْهِ بِالْأَخْذِ وَلَوْ بِالْحَبْسِ إِذْ عُرْفُهُمْ خَلَّصَهُ عَنْ لَبْسِ وَعَنْ فِتَاكِ الْقُطْنِ تَأْخُذُ النِّسَا أَجْوَدَهُ) طَابُوا بِذَاكَ أَنْفُسَا) (3) وَإِنْ أَبَوْا فَلَا أَرَى الْخِيَارَا يَأْخُذْنَ مِنْهُ لَا وَلَا الشَّرَارَا وَإِنَّمَا لَهُنَّ مِنْ ذَاكَ الْعَنَا وَذَاكَ أَجْرُ مِثْلِهِنَّ إِنْ عَنَا
(1) قوله: «ينفذ»، أي: ما فضل عن نفقته.
(2) المعيار الميزان.
(3) فتاك القطن هو نزعه وإخراجه من أكمامه بعد انتفاشه
(4) قوله: «أجوده» كانت العادة بعُمان في فتاك القطن أن تنتقي النساء أجوده ويضعنه على رؤوسهن، وذلك أجرهن، فإن طابت نفوس أصحابه بذلك فليس له أخذ خيار القطن ولا
شراره وإنما لهن العناء. تمييز
(5) أَنفسا: (2/81)
صفحة 691
بابُ الإِجَارَةِ
الجزء الثالث
81
وَفِي قَصِيَّةٍ) مَعَ النَّسَاحِ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ بِلَا احْتِجَاج وَلَيْسَ لِلنَّتَاجِ شَيْءٌ مِنْهَا وَعِنْدَ طِيبِ النَّفْس يَأْخُذَنْهَا وَإِنْ جَرَى الْعُرْفُ بِتَرْكِهَا لَهُ يَأْخُذُهَا فَالْعُرْفُ قَدْ حَلَّلَهُ وَرَجُلٌ مُسْتَأْجِرٌ لِبَقَرَهُ (2) سَمَادُهَا قِيلَ لِمَنْ قَدْ أَجَرَهُ وَقِيلَ بَلْ لِرَبِّهَا السَّمَادُ وَلِلأَخِيرِ الْفِعْلُ وَالْحَصَادُ وَسَاكِنُ الْمَنْزِلِ بِالسَّمَادِ (3) أَوْلَى بِهِ مِنْ رَبِّهِ الْجَوَادِ إِنْ كَانَ فِي أَحْوَالِهِ مُجْتَمِعَا فَإِنَّهُ يَأْخُذُ ذَاكَ أَجْمَعَا وَإِنْ يَكُنْ مُفَرَّقًا فِي الْمَنْزِلِ فَهْوَ لِرَبِّ الْمَنْزِلِ الْمُحَصِّلِ وَرَجُلٌ يَسْكُنُ دَارَ رَجُل مِن بَعْدِ أَنْ غَابَ وَلَمْ يَنْتَقِلِ فَاجْتَمَعَ السَّمَادُ مِنْ سُكْنَاهُ فَهْوَلَهُ جَمِيْعُهُ نَرَاهُ لَكِنْ عَلَيْهِ أُجْرَةُ السُّكْنَى تَجِبْ وَهْوَ بِذَاكَ الْحَالِ مِثْلُ الْمُغْتَصِبْ وَعَامِلُ النَّخْلِ لَهُ مِنَ الْعِسِي حِصَّتُهُ إِلَّا بِطِير الأَنْفُسِ
(0) (2)
(1) القصية: هي ما يقطعه النساج ـ وهو الحائك ـ من أقصى عمل الثوب وهو الذي لا يتأتى إدخاله في الثوب. (المصنف) (2) قوله: «مستأجر لبقره»، أي: استأجرها من مالكها لينتفع بلبنها مدة معلومة بأجر معلوم فسمادها أي زبلها ـ له، وقيل لصاحبها، والأول أصح إذا كان طعامها من عنده.
(3) قوله: وساكن المنزل بالسماد الباء متعلقة بأولى، يعني أن ساكن المنزل بالأجر أو بالإباحة من صاحبه فهو أولى بما يجتمع فيه من سماد دوابه، وإن كان شرط سكناه فيه أن يكون
السماد لصاحب المنزل فلا بأس به، والله أعلم.
(4) العسي: جمع عسوة وهو العذق بعد إخراج التمر منه.
(5) النبات الذي غلظ (أبو إسحاق) ويبس. (2/82)
صفحة 692
82
الجزء الثالث
كتابُ الأَمْوَالِ
وَحَطَبُ الْقُطْنِ وَتِبْنُ الْبُرِّ كَمَثْلِهِ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْبِرِّ وَهَكَذَا قِيلَ عِسِيُّ الدُّرَةِ) بِقَدْرِ مَا كَانَ لَهُ مِنْ حِيَّةِ وَإِنْ يَكُنْ شَرْطٌ عَليهِ اشْتُرِطَا فَالشَّرْطُ لَازِمٌ إِذَا مَا اشْتَرَطَا (2) وَلَيْسَ لِلعُمَّالِ مِنْ نِصَارِ وَهْوَ الَّذِي يَنْظُرُ فِي الْآثَارِ) لَيْسَ لَهُمْ فِيهِ نَصِيبٌ إِنَّمَا نَصِيبٌ إِنَّمَا نَصِيبُهُمْ مِنَ الْجُذُورِ فَاعْلَمَا وَعَامِلُ أَرَدْتَ مِنْهُ الْعَمَلَا فَاشْتَرطَ القَرْضَ عَلَى أَنْ يَعْمَلَا أَقْرَضَهُ عَشْرَ دَنَانِيرَ عَلَى خِدْمَتِهِ أَوْ يَتْرُكَنَّ الْعَمَلَا فَقِيلَ ذَاكَ الْقَرْضُ جَائِزُ وَلَا يَكُونُ قَرْضًا جَرَّ نَفْعًا مَثَلَا لِأَنَّهُ قَرْضٌ عَلَى إِجَارَهُ فَهُوَ كَمَنْ عَجَلَ الِاسْتِتْجَارَهُ وَإِنْ يَكُنْ أَجْرَهُمْ بِالتَّمْرِ أَوْ بِالشَّعِيرِ أَوْ صُنُوفِ الْبُرِّ فَقِيلَ لَا يَقْضِيهِمُ الدَّرَاهِمَا وَالْعَكْسُ قِيلَ جَائِزٌ كُنْ فَاهِمَا وَأُجْرَةُ الأَجِيرِ عِنْدَ الأَكْثَرِ بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ الْمُقَرَّرِ لَا يَسْتَحِقُ أَخَذْهَا مِنْ قَبْلِ ذَاكَ لأَنَّ ذَاكَ أَصْلُ الْبَذْلِ
(1) عسي الذرة: سنبلها.
(2) اشترطا الأول مبني للمفعول والثاني للفاعل.
جمع
(3) قوله: في الآثار أثر بمعنى العقب، والمراد به ما ينظر في عقب الجزة الأولى يقال: جاء فلان في أثر فلان، أي: عقبه حالا، والمعنى: أن العامل إذا أراد تنضير نصيبه من النابت الثاني فليس له ذلك، إنما له نصيبه من جذوره فقط (مصنفه). (أبو إسحاق)
(4) قوله: «فقيل لا يقضيهم الدراهما لا يدل قوله: فقيل أن في ذلك قولاً آخر بل إن هذا لا يجوز قولا واحدا، وهكذا إذا كان عليه حب أو تمر من قبل السلف فليس له أن يأخذ عنه دراهم
بالقيمة إلا إذا رجع إلى رأس ماله. (2/83)
صفحة 693
بابُ الإِجَارَةِ
الجزء الثالث
83
وَقِيلَ يَسْتَحِقُهَا مُذْ عَقَدَا فَالْعَقْدُ أَصْلُ الْأَجْرِ إِذْ تَقَيَّدَا يُجْبَرُ هَذَا لِتَمَامِ الْعَمَلِ وَذَا عَلَى مَبْذُولِهِ المُفَصَّل وَأَقْذَرُ الذُّنُوبِ ظُلْمُ الأُجْرَةِ أَجِيرَهُ بَعْدَ تَمَامِ الْخِدْمَةِ فَأَعْطِهِ الْأُجْرَةَ قَبْلَ أَنْ يَجِفْ (1) عَرَقْهُ وَذَاكَ قَبْلَ أَنْ يَخِفْ وَهْوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمُسَارَعَة فَكُنْ مَؤَدِّيَا لَهُ مَنَافِعَهُ وَذَلِكَ الْحَالُ يَدُلُّ إِنَّمَا أُجْرَتُهُ مِنْ بَعْدِ أَنْ يُتَمِّمَا مِنْ قَذَرِ الذُّنُوبِ (") أَيْضًا مَا وَرَدْ ظُلْمُ النِّسَا صَدَاقَهَا إِذَا نَقَدْ وَهَكَذَا إِنْ تُقْتَلِ الْبَهَائِمُ لِغَيْرِ مَعْنًى كُلُّهَا مَظَالِمُ وَيُقْبَلُ القَوْلُ مِنَ الأَجِيرِ فِي كُلِّ مَا غَابَ مِنَ الأُمُورِ (3) كَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ مَعْ شَحْبِ) الفَلَجْ) إِنِ ادَّعَى بِأَنَّهُ صَامَ وَحَجْ
(6)
لَكِنَّهُ فِي حَاضِرِ الأَعْمَالِ لا يُكَتَفَى فِيهِ بِنَفْسِ الْقَالِ لأَنَّهُ مُشَاهَدٌ وَالأَوَّلُ فِيهِ أَمِينُ نَفْسِهِ فَيُقْبَلُ وَإِنْ يَكُنْ قَدْ شَرَطَ الإِشْهَادَا عَلَيْهِ فِي الْحَجِّ كَمَا أَرَادَا
(1) قوله: «يجف» أي ييبس. (أبو إسحاق)
(2) (من قذر (الذنوب أي من أحسها. (أبو إسحاق) (3) قوله: «ما غاب من الأمور، أي: لم يظهر للمستأجر كما إذا أجر إنسانًا بأن يصوم شهرًا أو أيامًا معينة أو يحج أو يقرأ القرآن أو نحو ذلك من الأمور التي يخلو فيها الأجير بنفسه، فهي إلى أمانته ويكون قوله مقبولاً إذا قال إنه عملها، إلا إذا ادعى شيئًا لا يتأتى إتمام عمله في الوقت الذي ادعى فيه إتمام العمل، كما إذا ادعى أنه أتم صيام الشهر والشهر لم يتم بعد وهكذا. (أبو إسحاق) (4) قشره بمسحاة. (أبو إسحاق) (5) قوله: «شحب الفلج»، أي: إخراج ما في ساقية النهر من التراب والحصى. (6) القال: أي: القول. (2/84)
صفحة 694
??
الجزء الثالث
كتابُ الأَمْوَالِ
يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ مَنَاسِكَ الحَجِّ عَنِ الرَّبِيعِ وَإِنْ يَكُنْ قَدِ ادَّعَى الدَّلَّالُ أَنْ ذَهَبَتْ سِلْعَتُهُ وَالْمَالُ فَإِنَّهُ) يَكُونُ فِي ذَا مُدَّعِي تَلْزَمُهُ بَيِّنَةٌ إِذْ يَدَّعِي وَإِنْ يَكُ ادَّعَى ذَهَابَ الثَّمَنِ مِنْ يَدِهِ مِنْ بَعْدِ بَيْعِ المُثْمَنِ فَقِيلَ قَوْلُهُ هُنَا مَقْبُولُ مَعَ يَمِينِهِ لِمَا يَقُولُ وَقِيلَ فِي الْحَالَيْنِ مُدَّعٍ وَلَا يُسْمَعُ إِلَّا بِبَيَانٍ قُبِلَا وَبَائِعُ بِالأَجْرِ قِيلَ يَضْمَنُ ضَائِعَهُ وَقِيلَ لَيْسَ يَضْمَنُ وَحَامِلٌ لِرَجُلٍ مَتَاعًا بِالْكَيْلِ جَرْيًا كَالَهُ أَوْ صَاعَا ثُمَّ رَأَى صَاحِبُهُ النُّقْصَانَا تَلْزَمُهُ يَمِينُهُ مَا خَانَا حَتَّى يَصِحَ عِنْدَ أَهْلِ الْحُكْمِ تَضْيِيعُهُ فَيَحْكُمُوا بِالغُرْمِ وَرَجُلٌ أُعْطِي بَهِيْمَةً لِكَيْ يَعْلِفَهَا بَالْجُزْءِ مِنْهُ لِلْفُتَيْ ثُمَّ ادَّعَى ذَهَابَهَا بِلَا سَبَبْ منْهُ فَلَا ضَمَانَ هَاهُنَا وَجَبْ كَذَلِكَ الرَّاعِي (2) فَلَيْسَ يَلْزَمُهُ ضَمَانُ مَا غَابَ وَلَيْسَ يَغْرَمُهُ
(1) قوله: «فإنه .... إلخ»، أي: لأنه أجير في السلعة أمين في الثمن، فلذلك يقبل قوله في الثمن إن ادعى تلفه، وقيل: إنه أجير فيهما، وفي قول ثالث أنه أمين فيهما، ولكن العادة الآن صيَّرته أجيرًا فيهما معا، لأنه هو الذي يستوفي الثمن. (2) قوله: كذلك الراعي؛ اعلم أن كل من أخذ الأجر على شيء فهو له ضامن إلا أربعة، وقد معهم شيخنا بقية السلف ماجد بن خميس العبري الله في قوله:
كُلُّ أَجِيرٍ ضَامِنٌ فِي الحُكْ إِلَّا الأُلَى استَثْنَيْتُهُمْ فِي النَّظْمِ مِنْ شَائِفِ وَرَاقِبِ المَتَاع مُوَكَّل بِالأَجْرِ ثُمَّ الرَّاعِي (2/85)
صفحة 695
بابُ الإِجَارَةِ
الجزء الثالث
85
لِأَنَّهُ مِمَّنْ عَلَيْهِ يَحْفَظُ بِعَيْنِهِ وَالْعَيْنُ مِنْهُ تَلْحَظُ إِلَّا إِذَا فِي حِفْظِهِ قَدْ قَصَّرَا أَوْ أَنَّهُ لِغَيْرِهِ قَدْ أَجَرَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ إِنْ لَمْ يَكُنِ أَجِيرُهُ مِنَ الثِقَاتِ فَافْطُنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنَ الثَّقَاتِ عُذِرَا لِأَنَّهُ فِي شَأْنِهَا مَا قَصَّرَا وَحَافِظٌ بِأُجْرَةٍ طَعَامَا قِيلَ لَهُ فِي الحُكْمِ أَنْ يَنَامَا وَقْتَ الْمَنَامِ وَالصَّمَانُ يَسْقُطُ عَنْهُ وَشَرْطُ النَّوْمِ عِنْدِي أَحْوَطُ مَنْ دَفَعَ الْمَتَاعَ لِلْجَمَّالِ يَحْمِلُهُ بِأَجْرَةِ الْحِمَالِ فَقَالَ قَدْ ضَاعَ مِنَ الْعِثَارِ مِنَ الْبَعِيرِ أَوْ مِنَ النِّفَارِ فَضَامِنٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ سَرَقِ صَيَاعُهُ أَوْ غَرَقٍ أَوْ حَرَقِ وَدَافِعُ ثَوْبًا إِلَى قَصَارِ يَقْصِرُهُ فَضَاعَ بِالْمِقْصَارِ إِنَّ الخَطَا يُضمَنُ فِي الأَمْوَالِ وَالنَّفْسُ قَدْ قِيلَ بِكُلِّ حَالِ كذَلِكَ الصَّانِعُ فِيمَا صَنَعَا وَالْعَمْدُ أَوْلَى بِالصَّمَانِ فَاسْمَعَا مَا أَحْدَثَ الْعَامِلُ وَالأَجِيرُ ضَمَانُهُ عَلَيْهِمَا يَصِيرُ وَالمَاءُ إِنْ كَانَ لَهُ قَدْ سَدًا سَدًّا وَثِيقًا بَعْدَ مَا قَدْ رَدَّا فَمَا عَلَى البِيدَارِ فِيمَا انْدَحَقَا (1) (2) لِأَنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يُوَفِّقَا
وجمعهم ولده الشيخ عبد الله بن ماجد في بيت مُفْرَدٍ وهو قوله: وَلَا يَضْمَنُ الرَاعِي كَشَائِفِ رَاقِب وَكِيلًا بِأَجْرِ وَلْيَالُوا لِطَالِبِ وقوله: «وليآلوا»: أي: يحلفوا. (أبو إسحاق)
(1) انْدَحَقَا: أي: اندَفَق.
هو القائم بحراسة السدود كما يرشد إليه قوله فيما يأتي:
(2) اندلق واندفع، والبيدار فيما يظهر (وذلك البيدار في عناء) البيت. (أبو إسحاق) (2/86)
صفحة 696
86
الجزء الثالث
كتابُ الأَمْوَالِ
فللاً.
بَابُ الشَّرِيكِ فِي الْعَمل
وَحَيْثُ كَانَ الْعَجْزُ فِي هَذَا البَشَرُ طَبْعًا فَلِلْمُعِينِ حَالُهُ افْتَقَرْ فَاحْتَاجَ لِلتَّأْخِيرِ وَالتَّشْرِيكِ بِالأَخْذِ لِلأَجِيرِ وَالشَّرِيكِ مَا اسْتَقَرَّ مِنْ كِرَا وَحُكْمُهُ مُفَصَّلًا قَدْ ذُكِرَا وَلِلشَّرِيكِ حِصَّةُ الثَّمَارِ بِحَسَبِ الْوَاقِعِ فِي الْمِقْدَارِ وَهَكَذَا يَلْزَمُهُ فِي الْعَمَلِ نَصِيبُهُ بَالْقَدَرِ الْمُفَصَّلِ مِثْلُ سَمَادِ الْقَتْ وَالْحِلَالِ وَنَحْوِهِ مِنْ سَائِرِ الْأَعْمَالِ وَإِنْ يَمُتْ شَرِيكُهُ يَلْزَمُ مَنْ يَرِثُهُ الْقِيَامُ حَتَّى يُدْرِكَنْ فَيَلْزَمُ الْبَالِغَ وَالْيَتِيمَا كُلًّا مَنَابُهُ) لِيَسْتَقِيمَا وَفِي الشَّرِيكَيْنِ إِذَا مَا أَحْضَرَا بَدْرًا لَأَرْضِ رَغِبَا أَنْ يَبْذُرَا فَبَدْرُ بَعْضٍ مِنْهُمَا قَدْ نَبَنَا فَالِاشْتِرَاكُ بَيْنَهُمْ قَدْ ثَبَتَا وَذَاكَ إِنْ لَمْ يَخْلِطَا لِلْبَذْرِ وَخَلْطُهُ مُؤَكِّدٌ لِلْأَمْرِ وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ زِرَاعَهُ بَيْنَ زُرُوعِ النَّاسِ وَالْجَمَاعَهُ قِيلَ عَلَيْهِ أَنْ يَشُوفَ الطَّيْرًا كَمِثْلِ مَا يَلْزَمُ فِيهِ الْغَيْرَا (3)
(1) قوله: «الحلال» بمهملة هو تنقية الزرع من الكلا، وهي لغة عُمانية. (المصنف) (2) قوله: «كُلًّا مَنَابُه»، أي: يلزم كلا منهما ما ينوبه من أجر العمل؛ أي: يصير عليه بقدر حصته من المبتاع. (3) قوله: «أن يشوف الطير وعبارة عن طرد الطير عن الزرع؛ لغة عُمانية، وأصلها مجاز إرسالي؛ لأنه عبر بالشوف وهو عبارة عن النظر عن ثمرته، وهو طرد الطير، ثم اشتهر استعماله فصار
حقيقة عُرْفِيّة. (المصنف) (2/87)
صفحة 697
بَابُ الشَّرِيكِ فِي الْعَمَلِ
الجزء الثالث
87
قَالَ بِهِ مُوسَى فَتَى عَلِيٌّ أَكْرِمْ بِهِ مِنْ ثِقَةٍ وَلِيّ وَالهَيْسُ (1) (2) لِلْأَرْضِ عَلَى المُقْتَعِدِ بِحَسَبِ الْمَعْرُوفِ وَالْمُعَوَّدِ وَقَالَ بَعْضُ إِنَّمَا الْهِيْسُ يَجِبْ لَهَا إِذَا الزَّرْعُ لَهَا قَدِ انْتُخِبْ كَذَا عَلَى الْمُقْتَعِدِ الْأَمِينِ شَحْبُ السَّوَاقِي) ثُمَّ حَفْرُ الطِّينِ لَكِنَّمَا زِيَادَةُ الأَحْدَاثِ سَاقِطَةٌ عَنْهُ بِلَا أَنْكَاثِ وَقِيلَ فِي مُقْتَعِدِ الدُّكَّانِ أَقْعَدَهُ بِزَائِدِ الْأَثْمَانِ بِأَنَّ لِلْمُقْتَعِدِ الزِّيَادَهُ وَقِيلَ لِلْأَوَّلِ مَا اسْتَفَادَهُ وَقَالَ بَعْضُ إِنْ يَكُنْ قَدْ أَصْلَحَا فِيهِ صَلَاحًا فَلَهُ مَا رَبِحَا وَالأَرْضُ وَالنَّخْلُ إِذَا مَا قُعِدَا بِجُمْلَةٍ عَنِ الصَّوَابِ بَعْدَا وَذَاكَ مِنْ بَيْعِ السِّنِينِ قَدْ مُنِعْ مُنِعْ وَالنَّهْيُ فِيهِ عَنْ نَبِيِّنَا رُفِعْ وَلَا مُبَانَاةَ عَلَى الْأَمْوَالِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لِسِتْرِ الْحَالِ بَلِ الَّذِي نَحْفَظُ مِنْ ثُبُوتِ ذَلِكَ فِي السِّتْرِ عَلَى الْبُيُوتِ
(1) قوله: «والهيس» هو إثارة الأرض بآلة الحرث، و (المقتعد) هو آخذ الأرض بالأجرة. (المصنف) (2) وسبق لنا أن شرحنا الهيس بالدق والكسر على ما في القاموس وغيره من معاجم اللغة، وعلى ما ذكر المصنف فلغة عُمانية غير مشهورة ولا مدونة. (أبو إسحاق)
(3) شحب السواقي: اخراج ما فيها مما يحبس الماء عن الجري كتراب وحجر ويجوز ذلك وقد سبق ذكره. (أبو إسحاق)
(4) «زيادة الأحداث» كالهدم وخراب الساقية؛ بسيل أو نحوه؛ مما يزيد على الشحب المعتاد عند أهل البلاد، ومثل ذلك تصريح الساقية فذلك كله على مالك الأرض لا على المُقْتَعِد. (أبو إسحاق) (5) قوله: «ولا مباناة المباناة مفاعلة من البناء، وهو أن يبني كل واحد حائطا على بستان، والمقصود أن هذا لا يلزم في البساتين؛ فلا يجبر الجار على بناء حائط على بستانه، لأن الستر إنما يجب في البيوت لا في الأموال. (2/88)
صفحة 698
88
الجزء الثالث
كتابُ الأَمْوَالِ
لِأَنَّمَا الْبَيْتُ لِسِتْرِ الأَنْفُسِ وَالْمَالُ لِلْفُرْجَةِ والتَنَفس وَهْوَ عَلَى الْأَعْلَى إِذَا مَا كَانَا بَعْضُهُمَا أَعْلَاهُمَا مَكَانَا
شتُرُهُ بِالطِّينِ لَا بِالْخُوصِ فَالْخُوصُ لَا يَكْفِي سِوَى مَخْصُوصٍ يَكْفِي لِمَنْ تَعَوَّدَ السِّتْرَ لِعِزَّةِ الطِّينِ وَبُعْدِ تُرْبِهِ وَفِي ثَلَاثَةٍ إِذَا مَا وَصَلُّوا بِثْرًا بِهَا مَاءً إِلَيْهَا رَحَلُوا أَرَادَ كُلٌّ مِنْهُمْ أَنْ يَسْتَقِي مِنْ قَبْلِ أَصْحَابِ لَهُ لَا يَتَّقِي فَإِنْ هُمُوا قَدْ وَصَلُّوا جَمِيعًا تَقَارَعُوا وَقَدَّمُوا الْمَقْرُوعَا (2) وَإِنْ يَكُنْ بَعْضُهُمْ قَدْ سَبَقَا عِنْدَ الْوُصُولِ قَدَّمُوهُ وَاسْتَقَى وَإِنَّمَا يَسْبِقُهُمْ بِدَلْوِ لَيْسَ لَهُ لِلْمَاءِ طُرًّا يَحْوِي خَوْفًا مِنَ الضُّرَّ عَلَى الأَصْحَابِ وَدَفْعُ ضُرِّهِمْ مِنَ الإِيجَابِ وَمَنْ لَهُ شُرْبٌ (3) لِأَرْضِ بَيْضَا لَا شَجَرٌ فِيهَا وَنَخْلٌ أَيْضًا لَيْسَ لَهُ يَفْسِلُهَا إِذَا كَرِهُ مَنْ كَانَ شُرْبُهَا عَلَيْهِ فَانْتَبِهْ لِأَنَّمَا الْفَسْلُ لَهَا تَغْيِيرُ فَمَا الَّذِي بِفَسْلِهَا يَصِيرُ وَقِيلَ مَهْمَا غَصَبَ الْجَبَّارُ مِنْ رَجُلٍ مَالًا بِهِ بِيدَارُ فَحِصَّةُ البيدَارِ فِيمَا قَدْ ثَمَرُ لَوْ كَانَ فِيهِ الْغَصْبُ وَالزَّرْعُ حَضَرْ
(1) التَّنَفُسِ: أي: التَّوَسُّعِ. (2) المقروع: الذي أصابته القُرعة.
(3) شرب: أي: شراب غير محدد بالساعات، بل على الكفاية من الماء، والأرض البيضاء الخالية
من النخيل والأشجار كما فسره الله. (2/89)
صفحة 699
بَابُ الشَّرِيكِ فِي الْعَمَلِ
الجزء الثالث
89
وَالْغَيْتُ قَدْ قِيلَ لِرَبِّ الثَّوْرِ وَقِيلَ لِلزَّارِع فِي المَأْثُورِ إِلَّا إِذَا اسْتَأْجَرَهُ أَيَّامَا مَعْلُومَةً يَزْجُرُهَا تَمَامَا فالَغَيْثُ لَا شَكٍّ لِرَبِّ التَّوْرِ بِغَيْرِ حَيْفَ وَبِغَيْرِ جَوْرِ وَالسَّيْلُ إِنْ كَسَّرَ ظَهْرَ النَّهْرِ يَجُوزُ أَنْ يُسْقَى بِذَاكَ الْكَسْرِ وَإِنْ يَكُنْ قَدْ ضَمَّهُ الْمَسْقَى فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ أَوْ يُحَوَّلَا وَقِيلَ لِلسَّاقِي مِنَ الْمِقْدَارِ كَأَصْلِهِ السَّابِقِ فِي الْأَنْهَارِ وَمَا عَدَاهُ فَهُوَ لِلْجَمِيع (2) مِنْ كَافِرٍ وَمُسْلِمٍ مُطِيعِ كَانَ لَهُ مَاءٌ بِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَاللَّهُ يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ وَيَمُنْ وَنَاقِصٌ بِالسَّيْلِ يَنْقُصَنَّا مِنْهُ عَلَى الجَمِيعِ فَافْهَمَنَّا وَمِثْلُ ذَاكَ قِيلَ مَا يُغْتَصَبُ فَنَقْصُهُ عَلَى الْجَمِيعِ يَجِبُ وَقَالَ بَعْضُ إِنَّهُ يَكُونُ عَلَى الَّذِي يَغْصِبُهُ الْخَؤُونُ وَمَنْهَجُ التَّفْصِيلِ عِنْدِي أَظْهَرُ إِنْ قَصَدَ الْجَائِرُ شَخْصًا يَقْهَرُ
(1) قوله: «والغيث قد قيل .... إلخ» يعني: أن الزارع إذا استأجر رجلًا أن يزجر له زرعه على ثوره إلى أن يحصد الزرع، فصار في بعض الأيَّام يسقيه المطر ويستغني عن الزجر، فهل يكون ذلك الغيث حظ صاحب الثور فيكون له أجره تاما؟ أم يكون ذلك للزارع فيُسْقِط من أجر الزاجر مقدار ما
من
عندي
أن
سقاه الغيث، فإن قدر بثلث السقي أسقط من أجره الثلث؟ ففي ذلك قولان، أصحهما من حظ صاحب الثور، وأما إذا استأجره أن يسقيه له شهرًا أو أقل أو أكثر لمدة معلومة فما
ذلك
سقاه الغيث فهو من حظ صاحب الثَّوْر، وكأن المصنف الله يري له ذلك من غير اختلاف، والذي عندي أن ذلك مما يسوغ فيه الاختلاف أيضًا، ولكن الأصح أنه لصاحب الثور، والله أعلم. (2) قوله: «وما عداه .... . إلخ» أقول: أن الظاهر هو القول الأول فما جمعته ساقيته من ماء السبيل فهو له، كما أنه إذا نقص ماؤه بشيء من الأسباب يكون عليه ما دام ذلك الماء له، والله أعلم. (2/90)
صفحة 700
90
الجزء الثالث
كتابُ الأَمْوَالِ
فَذَلِكَ الْغَصْبُ عَلَى مَنْ غُصِبَا أَوْ عَمَّ فَهْوَ فِي الْجَمِيعِ انْسَحَبَا وَالْأَرْضُ مَعْ مُغْتَصِبٍ هَلْ تُقْتَعَدْ مِنْ مَالِكِيهَا خُفْيَةً وَتُنْتَقَدْ
فَهْوَ
فَقِيلَ لَا وَهْوَ مَقَالُ الأَكْثَرِ وَقِيلَ بِالتَّرْخِيصِ عِنْدَ النَّظَرِ لأَنَّهُ مَالِكُهَا فَإِنْ رَضِي فَصِحَّةَ الْعَقْدِ (1) رِضَاهُ يَقْتَضِي قُلْتُ وَلَكِنْ ذَا الرِّضَى مَشُوبُ بِالْكُرْهِ حَيْثُ مَالُهُ مَغْصُوبُ وَظَاهِرُ الْأَحْكَامِ أَنَّ مَنْ زَرَعْ أَتَى بِشَيْءٍ فِعْلَهُ الشَّرْعُ مَنَعْ بِذَا مُرْتَكِبْ لِلْمَنْعِ وَمُظْهِرٌ خِلَافَ حُكْمِ الشَّرْعِ مِنْ هَاهُنَا قَالَ أَنَا بَرِيُّ مِنْهُ إِذَا لَمْ يَتُبِ الأَبِيُّ وَزَارِعُ أَرْضًا بِلَا إِدْلَالِ لِغَيْرِهِ مِنْ أَحَدِ الرِّجَالِ فَإِنَّهُ مِثْلُ الَّذِي قَدِ اغْتَصَبْ حَتَّى يَصِحَ الزَّرْعُ مِنْهُ بِسَبَبْ (2) وَزَرْعُهَا لِرَبِّهَا حَتْمًا وَجَبْ وَمَا لَهُ فِيهَا عَنَاءٌ مُكْتَسَبْ وَهْوَ مُخَالِفٌ لِمَنْ قَدْ زَرَعَا بِسَبَبٍ فَافْهَم مَقَالِي وَاسْمَعَا لا عَرَقٌ (3) لِظَالِم وَلَا تَوَى (4) فِي مَالِ مُسْلِمٍ رَوَاهُ مَنْ رَوَى
(1) قوله: «فصحة العقد صحة مفعول به مقدم، ورضى فاعله والهاء مضاف إليها. (أبو إسحاق) (2) قوله: «بسبب» كما إذا اقتعدها من أحد الشركاء، وهو لا يدري أن له فيها شريكا، أو اشتراها ثم رُدّ البيع بوجه من الوجوه، أو استحقت الأرض ممن كانت بيده فهذا داخل بسبب؛ فتكون له زراعته إلى حصادها، ويكون الأجر لمن له الأرض، وأما الغاصب لها ومن زرعها بدون
سبب فليس له شيء، كما قيل لا عِرْق ولا عَرَق لغاصب.
(3) قوله: «عَرَق» بفتحتين؛ أي: لا عناء لتعبه الذي أعرقه. (4) التَّوَى: الهلاك، أي: لا يذهب مال المسلم شدى ولا يهلك، بل غرمه وضمانه على من ضيعه أو أتلفه على التعدي. (2/91)
صفحة 701
بَابُ الشَّرِيكِ فِي الْعَمَلِ
الجزء الثالث
91
وَهَكَذَا الزَّرْعُ عَلَى السَّوَاقِي فَإِنَّهُ لِمَالِكِ وَسَاقِي وَإِنْ يَكُنْ فِي جَائِز (1) فَيُوضَعُ ذَلِكَ فِيمَا النَّفْعُ فِيهِ يُجْمَعُ وَبَاذِرُ أَرْضًا لَهُ فَطَارَا فِي أَرْضِ مَنْ صَارَ لَهُ حِوَارَا وَنَبَتَ الْبَدْرُ هُنَاكَ تَلْزَمُ قِيْمَةٌ بَذْرِهِ لَهُ يُغَرَّمُ وَلَا أَقُولُ فِيهِ بِالْغَرَامَهُ بَلْ ذَاكَ مَالٌ صَائِعٌ أَمَامَهُ وَكُلُّ مَالٍ ضَائِعِ لَا يَقْدِرُ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ لَيْسَ يُحْجَرُ بَلْ جَائِزُ لِلْغَيْرِ أَنْ يَنْتَفِعَا بِهِ كَذَا مَا بِاخْتِيَارٍ ضُيِّعَا (3) وَالأَرْضُ إِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ فَلَا يُلْتَقَطُ السَّمَادُ مِنْهَا مَثَلَا لَوْ كَانَ حَادِثًا بِهَا مِنْ سَيْلِ لأَنَّهُ مَنْفَعَةُ النَّخِيلِ وَرَبُّهَا بِأَخَذِهِ لَا يَسْمَحُ خِلَافَ مَا بِهِ النُّفُوسُ تَسْمَحُ وَمَا سِوَاهُ مِنْ جُذُوعِ وَحَطَبْ أَتَى بِهِ السَّيْلُ فَمَا وَمُكْتَرٍ أَرْضًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَا بُرا (4) بِهَا عَنْ غَيْرِهِ قَدْ مُنِعَا فَمَا لَهُ يَزْرَعُ غَيْرَهُ فَإِنْ يَزْرَعْ فَرَبُّهَا بِذَا الزَّرْعِ قَمِنْ)
بِهِ عَتَبْ
(1) الجائز نوع من السواقي، وهو ما كان منها مشتركا بين متعدد في توزيع وسقي، ومنها الإجالة والحملان والقائد وستأتي في باب السواقي. (أبو إسحاق)
(2) قوله: «ولا أقول فيه بالغرامة» أي: قياسًا على المال الضائع الذي لا يدركه ربه، ولا يقدر عليه،
وهذا هو الصحيح المؤيَّد بالدليل والنظر.
(3) في نسخة وضعا. (أبو إسحاق)
(4) قوله: «برا» هو بضم الباء، حبّ الحنطة. (5) قمن: أي: حقيق. (2/92)
صفحة 702
92
الجزء الثالث
كتابُ الأَمْوَالِ
لِأَنَّهُ كَمِثْلِ مَنْ يَغْتَصِبُ وَمَا لِغَاصِبٍ عَنَاءُ يَجِبُ وَزَرْعُهُ لَهُ إِذَا لَمْ يُمْنَع مِنْ غَيْرِهِ لَوْ كَانَ بُرًا يَدَّعِي
لأَنَّهُ
بِسَبَبٍ
قَدْ دَخَلَا وَالْمَنْعُ عَنْ خِلَافِهِ مَا حَصَلَا
(3)
وَعَامِلٌ حَظَّرَ (2) أَرْضَ الهَنْقَرِي (3) فَافْتَرَقَا عَنْ سَبَبٍ مُقَدَّرِ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مَا قَدْ حَفَّرَا بِهِ وَذَا الْغَنِيُّ مِنْهُ اسْتَنْكَرَا فَإِنْ يَكُنْ مِنَ الْمُبَاحِ جَاءَ بِهِ أَخْرَجَهُ إِنْ شَاءَ عِنْدَ حَطَبِهْ وَهَكَذَا إِنْ كَانَ مِنْ مَالٍ لَهُ جَاءَ بِهِ إِخْرَاجُهُ حِلٌّ لَهُ وَإِنْ يَكُنْ مِنْ مَالِ رَبِّ الْأَرْضِ جَاءَ بِهِ فَبِبَقَاهُ نَقْضِي وَرَجُلٌ قَدْ بَاعَ أَرْضًا بَعْدَ مَا أَقْعَدَهَا لِغَيْرِهِ وَالْتَزَمَا فَقِيلَ إِنَّ بَيْعَهُ لَهَا فَسَدْ إِلَّا إِذَا مَا بَاعَهَا لِمَنْ قَعَدْ وَقِيلَ بَلْ يُقْسَمُ بِالأَيَّامِ مَعَ ثُبوتِ الْبَيْعِ وَالتَّمَامِ لِلْمُشْتَرِي مِنْ يَومِ صِحَّةِ الشِّرَا وَمَا مَضَى مِنْهَا لِمَنْ بَاعَ يُرَى وَالنَّفْعُ لِلْمُقْتَعِدِ الْمَعْلُومِ إِلَى تَمَامِ الأَجَلِ الْمَرْسُومِ مَنِ اكْتَرَى أَرْضًا لَهَا لِيَزْرَعَا فَغَابَ عَنْهَا بَعْدَ مَا قَدْ زَرَعَا
((
(1) قوله: «لو كان بُرا يَدَّعِي أي: صاحب الأرض. (2) قوله: «حظر» بتشديد الظاء، أي: وضع عليها الحظار، وهو الشوك ليمنع دخول الدَّوَابٌ فيها. (3) قوله: «الهنقري» هو صاحب المال، وهو مقابل للعامل، وذلك اصطلاح عُماني، وعامل النَّخْل سمي عندهم ببيدار، وكراء الأرض والماء يسمى قعد، فالقاعد هو فاعل ذلك،
والمقتعد قابله. (المصنف) (2/93)
صفحة 703
باب ما تستحِقُهُ الْأَمْوَالُ مِن حَريمٍ وَغَيْرِهِ
الجزء الثالث
93
وَتَرَكَ الزَّرْعَ إِلَى أَنْ ذَهَبًا فَالْأَجْرُ لِلْأَرْضِ عَلَيْهِ وَجَبَا إِذِ الْكِرَا لَمْ يَتَوَفَّفَنَّا عَلَى صَلَاحٍ زَرْعِهِ اعْلَمَنَّا وَمُكْتَرِي الْمَنْزِلِ لَا يَنَامَا فِي ظَهْرِهِ إِلَّا بِشَرْطٍ قَامَا وَلَا لَهُ يَرْكُزُ فِي الْجِدَارِ خَشَبَةً كَوَتَدٍ مِسْمَارِ وَهَكَذَا التَّحْمِيمُ فِي التَّنُّورِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي شَرْطِهِ الْمَذْكُورِ وَبَعْضُهُمْ (2) قَالَ لَهُ مَا كَانَا لِرَبِّهِ بِغَيْرِ ضُرِّ بَانًا وَإِنْ يَكُنْ بِإِذْنِهِ فَلَا حَرَجٌ لَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطٍ قَدْ خَرَجْ وَتَمَّ هَذَا البَابُ جَامِعًا لِمَا فِيهِ مِنَ الشِّرْكَةِ مَعْنى فَافْهَمَا فَبَعْضُ ذَاكَ ظَاهِرٌ لِلنَّظَرِ وَبَعْضُهُ يَخْفَى لِغَيْرِ المُبْصِرِ فَالِاقْتِعَادُ شِرْكَةُ فِي الْمَعْنَى كَذَا كِرَا الأَرْضِ كَذَلِكَ الْبِنَا وَيَدْخُلُ الْجَمِيعُ فِي اشْتِرَاكِ وَيُدْرَى مَعْنى ذَاكَ بِالإِدْرَاكِ
باب ما تستحقه الأَمْوَالُ من حريمٍ وَغَيْرِهِ
وَحَيْثُ كَانَ الضُّرُّ مَصْرُوفًا فَلَا يَثْبُتُ حُكْمٌ فِيهِ ضُرٌ حَصَلَا فَهَذِهِ النَّخِيلُ وَالأَشْجَارُ جَمِيعُهَا يَضُرُّهَا الصِّرَارُ فَيَثْبُتُ الْحَرِيمُ وَالْقِيَاسُ لَهَا وَدَفْعُ ضُرِّهَا أَسَاسُ
(1) قوله: «لا يناما» أصله لا ينامنَّ بنون التوكيد، فحذفت وعوض عنها الألف. (المصنف) (2) قوله: «وبعضهم قال له .... إلخ قلت هذا هو الصحيح المعروف بين الناس. (2/94)
صفحة 704
94
الجزء الثالث
كتابُ الأَمْوَالِ
(1)
تُقَايِسُ النَّخْلَةُ مَا شَاكَلَهَا مَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قَاطِعٌ لَهَا وَاخْتَلَفُوا فِي الْقَطْعِ بِالْجِدَارِ وَبِالسَّوَاقِي قِيلَ وَالْحِظَارِ وَالأَوَّلَانِ قاطِع فِي الأَكْثَرِ دُونَ الْحِظَارِ فَافْهَمَنَّ وَانْظُرِ وَيَنْبَغِي اعْتِبَارُهُ فَيُجْعَلُ فِي مَوْضِعِ قَطْعًا عَلَيْهِ عَوَّلُوا وَلَا يُعَدُّ قَاطِعَا فِي مَوْضِع لَيْسَ بِقَاطِع لَدَيْهِمْ فَاسْمَعِ وَجَائِز أَنْ يَفْسِلَ الأَشْجَارَا فِي مَالِهِ يَجْعَلُهَا حِظَارَا إِلَّا إِذَا كَانَ بِبَطْنِ الْوَادِي إِذْ ضُرُّهُ عَلَى سِوَاهُ بَادِي وَالنَّخْلُ مِنْهُ (عَاضِدِيٌّ) وَهْوَ مَا كَانَ عَلَى السَّوَاقِي فَسْلًا (2) (0) عُلِمَا دُونَ ثَلَاثِ أَذْرُعٍ وَمَا عَدَا هَذَا يُسَمَّى (ذَا الحِيَاضِ) أَبَدًا وَنَخْلَةٌ مِنْ دُونِ أَرْضِ تُدْعَى (وَقِيعَةٌ) (3) وَلَا تَنَالُ مَدْعَى إِنْ سَقَطَتْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْسِلَا مَكَانَهَا وَلَا يَنَالُ مَسْجَلا (4) (ه)
(1) قوله: «واختلفوا في القطع بالجدار أي: في قطع وجوب الحريم للنخيل والأشجار بالجدار فقال بعض العلماء: إن الجدر تقطع الحريم؛ فلا يجب على من أراد أن يفسل في بستانه المحاط بالجداران يحرم عن مال جاره الذي خلف جداره، وقيل: إنها لا تقطع الحريم فعليه أن يحرم عن جاره الحريم الشرعي، ولو كان من خلف الجدار، ولم يذكر المصنف حد ارتفاع الجدار، وأحب أَنْ يُقَدَّرَ بقامة الإنسان المتوسط فصاعدا، لا ما دون ذلك.
(2) قوله: «فسلا» مصدر واقع موقع الحال.
(*) ويقرأ البيت بحذف الياء من كلمة (السواقي). (إسماعيل)
الأرض.
(3) قوله: «تدعى» أي تسمى. والوقيعة النخلة التي ليس لها حق من الأرض إلا ما دامت قائمة عليها فإذا وقعت أي سقطت فلا حق لصاحبها في (4) قوله: «مسجلا»، أي: سجالاً، والسجال هو ما يوضع على النخلة من الجذوع أو الخشب ليمنعها عن الوقوع، ومنه قولهم فلان عذيقها المرجب. (*) وقد يكون المراد بالمسجل مكان السجل. ويدل عليه منع الدكانة لأنهما يحتاجان إلى مكان. (إسماعيل) (2/95)
صفحة 705
باب ما تستحِقُهُ الْأَمْوَالُ مِن حَريمٍ وَغَيْرِهِ
الجزء الثالث
95
كَذَاكَ لَا يَبْنِي لَهَا دُكَّانَهُ (1) لأَنَّ ذَاكَ لَمْ يَكُنْ مَكَانَهُ وَلِلْبِنَا فِي أَرْضِ غَيْرِهِ يَدُ مِنْ هَاهُنَا بِنَاءَهُ قَدْ بَعَدُوا وَبَعْضُهُمْ أَجَازَ أَنْ يُدَكِّنَا إِنْ خَافَ أَنْ تَسْقُطَ مِنْ عُدْمِ البِنَا وَهَكَذَا أَبُو عَلِيٌّ قَالَا إِنَّ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ السِجَالَا إِنْ خَافَ مِنْ سُقُوطِهَا وَلَوْ كَرِهُ ذُو الْأَرْضِ إِذْ بِمَنْعِهِ صَارَ شَرِهُ (2) وَذَاكَ حَقٌّ لِأَخِيهِ قَدْ وَجَبْ كَجَارِهِ إِنْ شَاءَ يَغْرِزُ الْخَشَبِ هَذَا هُوَ الْوَجْهُ فَمَا التَّعْجُبُ مِنْ قَوْلِهِ وَكَيْفَ عَنْهُ يُرْغَبُ لَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يُزِيلَ مَا وَضَعْ لَهَا إِذَا مَا جِذْعُهَا قَدِ انْقَلَعْ (3) وَصَرْمُهَا لِرَبِّهَا إِنِ اتَّصَلْ بِجِذْعِهَا وَلَا كَذَاكَ مَا انْفَصَلْ وَقَلْعُهُ) يَلْزَمُهُ لَأَنَّمَا مَوْضِعُهُ لِغَيْرِهِ إِنْ أَلْزَمَا) وَإِنْ يَشَا ذُو الْأَرْضِ فَسْلًا أَحْرَمَا عَنْهَا ثَلَاثَ أَذْرُعٍ مُتَمَّمَا لَيْسَ لِرَبِّ الْأَرْضِ فِيهَا حَدَثُ حَتَّى يَزُولَ جِذْعُهَا الْمُوَرَّثُ وَقِيلَ مَا لَهَا حَرِيمٌ أَبَدًا لِأَنَّهَا كَمِثْلِ جِذْعِ أُسْنِدَا
(1) قوله: «دگان» هي بناء يجعل في أصل جذع النخلة لئلا تسقط مشتق من التدكين وهو التطيين،
أي: البناء بالطين.
(2) قوله: «صار شَرِه»، أي: حريصًا.
(3) قد انقلع: أي: سقط.
(4) قلعه أي: إزالته قال قلع سنه إذا أزالها. (أبو إسحاق)
(5) قوله: «ألْزَمَا»، أي: إن ألزمه ذلك. (2/96)
صفحة 706
96
الجزء الثالث
كتابُ الأَمْوَالِ
وَلَمْ تَكُنْ وَقِيعَةً إِلَّا إِذَا أَوْصَى بِهَا أَوْ بَاعَهَا عَلَى كَذَا يَشْرِطْهَا) وَقِيعَةً إِنْ ذَهَبَتْ فَمَا لَهُ مِنْ بَعْدِهَا حَقٌّ ثَبَتْ كَذَا إِذَا أَعْطَى كَذَا إِذَا أَقَرْ بِهَا عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي قَدِ اسْتَقَرْ وَنَخْلَةٌ لِخَالِدٍ بَأَرْضِ زَيْدٍ تَخَالَفَا بِمَاذَا نَقْضِي زَيْدٌ يَقُولُ إِنَّهَا وَقِيعَهُ وَخَالِدٌ فِي ذَاكَ لَنْ يُطِيعَهُ فَإِنَّهَا شَاهِدَةٌ بِأَصْلِهَا وَالْمُدَّعِي مَنْ قَالَ لَا أَصْلَ لَهَا حَتَّى يَجِي بِشَاهِدَيْنِ عَدْلِ بِأَنَّهَا لَيْسَ لَهَا مِنْ أَصْلِ وَقِيلَ إِنَّ الْمُدَّعِي مَنِ ادَّعَى بِأَنَّهَا أَصْلٌ تَحُوزُ الْمَوْضِعَا لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي الْمُلْكِ يَحْتَاجُ لِلْإِشْهَادِ عِندَ الدَّرْكِ (3) لِلْعَاضِدِيَّاتِ ثَلَاثُ أَذْرُعٍ وَقَالَ قَوْمٌ بَلْ ذِرَاعَانِ فَعِي بِوَسَطِ الدَّرْعِ وَآخَرُونَا بِالْعُمَرِيِّ الْحَدِّ يَذْرَعُونَا وَهْوَ ذِرَاعُ هَاشِمٍ جَدَّ النَّبِي فَإِنَّهُ قَدَّرَ أَرْضَ الْعَرَبِ ذِرَاعُهُ نِصْفُ ذِرَاعٍ زَادَا عَلَى سِوَاهُ فَافْهَمِ الْمُرَادَا
(1) قوله: «يشرطها»، أي أنها لا تكون وقيعة إلا إذا باعها على أنها وقيعة، أو أوصى بها وقيعة أو أقر بها لأحد أنها وقيعة أو أعطاها أحدًا على أنها وقيعة. (2) قوله: «بشاهدين عدل» عدل صفة لشاهدين وإنما إفراد الوصف لأنه مصدر قال في الخلاصة: ونَعَدُّوا بِمَصْدَرٍ كثيرا والتزموا الإفراد والتذكيرا
وفي نسخة: «بشاهدي عدل» بحذف نون المثنى لإضافته إلى عدل ولكن لا يستقيم الوزن في الشطر إلا بتشديد الياء من شاهدي والوجه الأول أخف، ولذلك عدل عنه المصنف في
النسخة. (أبو إسحاق)
(3) الدرك: أي: عند طلب درك المطلوب.
هذه (2/97)
صفحة 707
=
باب ما تستحِقُهُ الْأَمْوَالُ مِن حَريمٍ وَغَيْرِهِ
الجزء الثالث
97
تَحُوزُ ذَرْعَهَا بِلَا ارْتِيَابِ مِنَ الْوَجِينِ (1) (2) وَمِنَ الْخَرَابِ لَا مِنْ أُرُوضِ النَّاسِ وَالدُّرُوبِ إِذْ مَا لَهَا فِي ذَاكَ مِنْ نَصِيبٍ وَإِنْ تَكُنْ فِي جَائِزِ السَّوَاقِي قِيلَ لَهَا بِحُكْمِ الِاسْتِحْقَاقِ مَا فَوْقَهَا وَلَوْ إِلَى سِيرَافِ (3) (4) مَا لَمْ تَكُنْ بِقَاطِعَ تُوَافِي وَإِنَّهَا تُقَايِسُ الأُخْرَى وَلَوْ طَالَ الْمَدَى بَيْنَهُمَا كَذَا حَكَوْا لأَنَّ أَهْلَ النَّخْلَتَيْنِ لَحِقُوا بِسَبَبٍ خِلَافَ مَنْ لَمْ يَلْحَقُوا وَقِيلَ مَا فَوْقَ الثَّلَاثِ الْأَذْرُعِ يُوقَفُ عَنْ هَذَا وَعَنْ ذَا فَاسْمَعِ وَقَالَ قَوْمٌ بَلْ لَهَا ثَمَانِيَهُ وَالْوَقْفُ عَمَّا بَعْدَهَا عَلَانِيَهْ وَهْوَ مِنَ الأَقْوَالِ عِنْدِي وَسَطُ وَرَدُّهُ لِلْعُرْفِ (5) هُوَ الْأَصْبَط وَإِنْ تَكُنْ حَوْضِيَّةٌ (6) يُقَدَّرُ مَا بَيْنَهَا وَأُخْتِهَا وَيُنْظَرُ فَإِنْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا سِتَّ عَشَرْ مِنْ أَذْرُعٍ يُقْسَمُ ذَلِكَ الْقَدَرْ
(7)
(1) الوجين شاطئ الساقية، والوجين أيضا شاطئ الوادي، والوجين أيضًا الأرض الغليظة الصلبة والعارض من الأرض. (أبو إسحاق)
(2) قوله: الوجين هو الحاجز المنصوب بالتراب بين عواضد النخيل، ويقال له عندنا: الوعب، وكذلك يسمى جانب الساقية وجينا، والخراب الأرض الموات غير المحروثة. (أبو إسحاق) (3) سيراف هي من بلاد العجم قريبة من بحر القلزم خرَّبتها الزلازل ولم يبق الآن إلا اسمها. (أبو إسحاق)
(4) بلد بفارس كبيرة. (أبو إسحاق)
(5) للعُرف أي للعادة المعروفة بين أهل كل بلد.
(6) الحوضية: النخلة التي لها قياسها من الأرض بخلاف الوقيعة.
(7) قوله: «فإن يكن بينهما ست عشر .... إلخ» يعني أنه إذا كان بين النخلة والنخلة الأخرى التي
:
تقايسها، وهي لغير صاحب النخلة الأولى ستة عشر ذراعًا فما دونها فلكل نخلة منهما ثمانية (2/98)
صفحة 708
98
الجزء الثالث
كتابُ الأَمْوَالِ
وَإِنْ يَزِدْ تَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدَهُ إِلَى ثَلَاثِ أَذْرُعٍ لَا زَائِدَهُ وَقِيلَ إِنَّ قَدَرَ الْمَقْسُومِ سَبْعَةَ عَشْرٍ قَدَرَ الْحَرِيمِ فَإِنْ يَزِدْ عَنْ ذَلِكَ الْمُقَدَّرِ تَرْجِعْ إِلَى حَرِيمِهَا الْمُقَرَّرِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ إِذًا أَنْ يَفْسِلَا مِنْ بَعْدِ سِتٌ أَذْرُعٍ فَمَا عَلَا وَقِيلَ فِي الأَشْجَارِ مِنْ ذِي السَّاقِ تُقَايِسُ النَّخْلَ بِالِاسْتِحْقَاقِ وَقِيلَ لَا تُقَايِسُ النَّخِيلَا بَلْ تُعْطَى مَا قَامَتْ عَلَيْهِ قِيلًا وَتَقْطَعُ الْقِيَاسَ وَالبَعْضُ يَرَى بِأَنَّهَا لَا تَقْطَعَنَّ مَا وَرَا وَتِسْعَةُ الأَذْرُعِ لِلْكِبَارِ مِنْ شَجَرٍ كَالْجَوْزِ وَالصَّبَارِ) كَذَلِكَ الْأَمْبَا كَذَاكَ السَّوْقَمُ وَنَحْوُهَا وَالْقَرَطُ المُعَظَّمُ وَالنُّومِي (2) وَالنَّارِنْجُ كَالنَّخِيلِ وَسِئَةُ الأَذْرُعِ بَعْضُ الْقِيلِ
لِلرُّمَّانِ وَالخَوْحَ وَالْأُتُرُنْجِ فِي المَكَانِ
ثَلَاثَةُ الْأَذْرُعِ لِلِرُّمَّانِ
كَذَلِكَ النِّينُ وَبَعْضُ قَالَ لَهُ سِتَّةُ أَذْرُعٍ حَرِيْمًا حَصَّلَهُ
أذرع حريما، وليس لكل واحد منها أن يغرس نخله في هذه الثمانية الأذرع، لأنها حريم لنخلته السابقة، وإنما له أن يزرعها ويحرثها بما لا يضر نخلة جاره، إلا أن يتفقا معا على الغرس في هذا الحريم وإلا فلا يغرس واحد منهما إلا مكان نخلته أو فيما خلفها، دفعًا للضرر، وإن زاد القياس على هذا المقدار رجعت كل نخلة إلى حريمها المقرر، وهو ثلاثة أذرع، والذي اختاره في هذا كله، أن يكون لكل نخلة من الحريم مثل طول عسيبها، لأن ضرر المفاسلة لا يرفعه إلا هذا الاعتبار، وقد روى هذا بعضُهم حديثا، والله أعلم بصحته.
(1) الصبار: هو شجر الحومز، وهو التمر الهندي.
(2) اللومي رمي:
هو
الليمون الحامض المعروف. (2/99)
صفحة 709
باب السواقي
الجزء الثالث
99
وَالسَّنَّةُ الأَذْرُعِ قِيلَ تَكِفي لِلسِّدْرِ وَالْأَمْبَا بِهَذَا الوَصْفِ وَهْيَ اعْتِبَارَاتٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ مِنَ اخْتِلاطِ نَخْلِهِمْ وَالشَّجَرِ وَالآسُ وَالْحِنَّا يُقَالُ شَجَرُ وَالْفَسْحُ عَنْهُ ثَابِتٌ لَا يُنْكَرُ وَقَالَ بَعْضُ إِنَّهُ زِرَاعَهْ لَا فَسْحَ فِيهِ لَا وَلَا إِضَاعَهُ وَالنُّورِيَانُ (1) مِثْلُهُ قَدِ اخْتُلِفْ فِيهِ وَفِي القُطْنِ كَذَاكَ فَاعْتَرِفْ وَسِمْسِمْ وَمُشْمُشُ وَالأَثَبُ وَالقَاوُ مِنْ ذِي السَّاقِ قِيلَ يُحْسَبُ وَلَيْسَ لِلزَّرْعِ وَلَا لِلنَّجْمِ قَطَّ حَرِيمٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالنَّجْمُ مِنْ أَشَجَارِنَا مَا لَيْسَ لَهُ سَاقٌ وَلَا جِذْعُ لَهُ فَيَحْمِلَهُ
باب السواقي
وَمَسْلَكُ الْمَاءِ يُسَمَّى سَاقِيَهُ تَجَوزا (2) لِسَقْيِهَا لِلصَّاحِيَة (3) وَالعُرْفُ قَدْ صَيَّرَهَا حَقِيْقَهُ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِ ذِي الطَّرِيْقَهُ
(1) التوريان: هو من أنواع البقولات يزرع غالبًا على حافة زرع السكر، حتى صار عند أهل عمان في ذلك مثل يضرب وهو قولهم: التوريان حظار الشكر، وشجره أطول من شجر الفول، وحبه أصفر. (2) قوله: «تجوزًا»، أي: مجازًا لأن الساقي حقيقة هو الماء، والساقية مَسْلَكه، فسميت بذلك مجازا مرسلًا، من وصف المحل باسم الحال.
القطعة (3) «الضاحية» هي من الأرض المحروثة المحددة بحدود معروفة، وقد اختلفت الاصطلاحات بين أهل عُمان فعند أهالي الظاهرة من عمان أن الضاحية هي القطعة الكبيرة من النخل، وعند غيرهم هي أرض الزراعة التي ليس بها نخل ولا شجر. (2/100)
صفحة 710
الجزء الثالث
كتابُ الأَمْوَالِ
وَهْيَ (جَوَائِزُ وَحُمْلَانٌ) (1) تُرَى فَالْجَائِرُ الَّذِي يَكُونُ أَكْبَرا خَمْسَ أَجَابِلٍ حَوَى مِنْ أَسْفَلِ وَقِيلَ أَرْبَعًا حَوَى لَا مِنْ عَلِي تَسْقِي مِنَ الأَمْوَالِ مَا تَعَدَّدَا مُلاكُهَا شَرْطًا بِهَذَا حُدِّدَا وَإِنْ يَكُنْ يَمْلِكُهَا فَتَّى فَقَطْ فَوَصْفُهَا بِجَائِزِ هُنَا سَقَطْ إِلَّا إِذَا تَفَرَّقَتْ أَمْوَالُهُ وَانْفَصَلَت بِغَيْرِهِ خِلَالُهُ فَهَاهُنَا يُعَدُّ جَائِزًا لِمَا كَانَ مِنَ الْفَصْل هُنَاكَ فَاعْلَمَا لِأَنَّهُ بِالِانْفِصَالِ حُسِبَا كَمَالِكَيْن حَيْثُمَا تَقَلَّبَا وَإِنْ تَكُنْ صَارَتْ إِلَيْهِ بَعْدَ مَا كَانَتْ لِشَتَّى فَهْوَ جَائِزٌ نَمَا لأَنَّمَا الْجَائِزُ لَا يَنْتَقِلُ عَنْ أَصْلِهِ كَلَّا وَلَا يُحَوَّلُ بَلْ حُكْمُهُ بَاقٍ وَإِنْ تَحَوَّلَا فَحُكْمُ هَذَا حُكْمُ ذَاكَ أَوَّلَا لأَنَّ بِالتَّأْسِيس الاعْتِبَارَا وَلَيْسَ بِالْحَالِ الَّذِي قَدْ صَارَا وَالْحُمْلَانُ حُكْمُهُ يَنْتَقِلُ لِجَائِزِ وَقِيلَ لَا يَنْتَقِلُ وَالْحُمُلَانُ مَسْلَكُ تَشَعَبَا مِنْ جَائِزِ لِسَقْي مَا قَدْ قَرُبَا مَسْقَاهُ دُونَ الْمَسْقَى لِلْجَوَائِزِ هَذَا الَّذِي يُقَالُ غَيرُ جَائِزِ و (القَائِدُ السَّاقِيَةُ الْكَبِيرَة وَهْيَ الَّتِي بِهَا اعْتِمَادُ الدِّيرَهُ (2)
(1) قوله: «وهي جوائز وحملان هذه التسميات إنما هي اصطلاحات عُمانية، فالساقية الجائزة عندهم ما جمعت خمسة فتوح وقيل أربعة فقط لمالكين متفرقين، أي: كل فتح منها لمالك غير مالك الفتح الآخر، والحملان ما كان فيها دون ذلك، والفتح هو الباب الصغير الذي يفتح من الساقية لسقي البساتين، ثم يفتح من بعده فتح آخر لسقي بساتين أخرى، وهكذا. (2) الديره: هي البلد، لغة عُمانية. (2/101)
صفحة 711
باب السواقي
الجزء الثالث
101
وَقَدْرُهَا فِي الْعَرْضِ وَالْعُمْقِ عَلَى مِقْدَارِ مَا يَأْتِي مِنَ الْمَاءِ اجْعَلَا وَكُلُّ مَا يَمْنَعُ جَرْيَ الْمَاءِ يُخْرِجُهُ الشَّاحِبُ فِي الإِفْتَاءِ) وَإِنْ يَكُنْ بِغَيْرِ ذَاكَ قَطَعَا فَضَامِنٌ إِنْ كَانَ مُلْكًا يُدَّعَى وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسُدَّ النَّهْرَا ثُمَّ رَأَى السَّبْيَةَ (2) وَسْطَ الْمَجْرَى قِيلَ يَسُدُّ مَاءَهُ عَلَيْهَا وَأَنَّهُ لَا حَرَجٌ لَدَيْهَا لأَنَّ ذَاكَ فِعْلُهُ مَعْرُوفُ بَيْنَهُمُ وَضُرُّهُ مَصْرُوفُ وَبَعْضُهُمْ شَدَّدَ وَالتَّشْدِيدُ عَنْ يُسْرِ دِينِ يُسْرِ دِينِ أَحْمَدٍ بَعِيدُ وَإِنْ يَكُنْ فِي كَبْسِهَا صَلَاحُ فَإِنَّ كَبْسَهَا إِذًا يُبَاحُ كَذَلِكَ الطَّرِيقُ وَالْمَقْصُودُ فِعْلُ الصَّلَاحِ وَالْهَوَى مَرْدُودُ وَلَمْ يُجِيزُوا ذَاكَ بِالْحِجَارَهُ لِأَنَّهَا جَرَّاحَةٌ كَسَّارَهُ وَرَجُلٌ فِي مَالِهِ ثِقَابُ (3) فَسَمُّهَا لِزَرْعِهِ يُعَابُ إِلَّا إِذَا مَا الْأَرْضُ كَانَتْ أَصْلَا مَوْضِعُهَالَهُ فَثَمَّ حَلَّا وَالإِذْنُ مِنْ جِبَاهِ) أَهْلِ الفَلَج مُعْتَبَرٌ فِيهِ وَمَا مِنْ حَرَجٍ
(1) في الإفتاء: أي: الفتوى يعني عند أهل الفتوى. (2) قوله: «السبية» هو الماء الجاري في الساقية بعد رد النهر، ويسمى أيضًا المجرى. (المصنف) (3) ثقاب ثقبة وهي: ا: الفرض التي تحفر إلى ساقية الفلج، قبل أن يسيح ماؤه في الأرض التي يسقيها؛ لإخراج الحفر من التراب والحجارة. «وسَمُّها»: ختمها وسدها. و «ثُمَّ» بالفتح
جمع
ذلك
لا واحد له من لفظه في الوجه وهو جمع هو
ظرف مكان بمعنى هنالك وهنا. (4) جباه بالجيم والباء، أي: إشرافهم كما والمراد بالجباه هنا أهل الحل والعقد من أرباب النهر. (2/102)
صفحة 712
102
الجزء الثالث
كتابُ الأَمْوَالِ
)
وَرَجُلٌ مِنْ فَلَج يُطَرحُ فِي فَلَحٍ لأَجْلِ مَعْنَى يَصْلُحُ لَا بَأْسَ إِنْ كَانَ لَهُ تَمَامَا لَا غَائِبُ (2) فِيهِ وَلَا أَيْتَامَا فَجَائِنٌ مِنْ مَالِهِ فِي مَالِهِ وَكَيْفَ نَمْنَعَنَّ ذَا مِنْ حَالِهِ
(3)
وَإِنْ يَكُنْ قَدْ شَارَكُوهُ مَسْقَى فَالضُّرُّ عَنْ كُلِّ شَريكَ يُلْقَى إِلَّا إِذَا مَا قَدْ رَضُوا وَكَانُوا مِمَّنْ لَهُ الرِّضَا كَذَا النُّكْرَانُ وَقِيلَ فِي سَاقِيَةٍ تُسَاوِي مَالَيْنِ ذَا حَاوِ وَهَذَا حَاوِي بِأَنَّهَا فِي الحُكْمِ لِلْمَالَيْنِ مَقْسُومَةٌ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَإِنْ تَكُنْ بَعْضُهُمَا مُسَاوِيَهُ فَهْيَ لَهُ قَالَ أَبُو مُعَاوِيَة) وَقِيلَ لَا يَعْمُرُ رَبُّ المَالِ وَحِينَ مَسْقَى غَيْرِهِ بِحَالِ لِأَنَّمَا الْوَجِينُ لِلسَّوَاقِي مِثْلُ الْوِعَى لَهَا وَمِثْلُ الْوَاقِي وَهَكَذَا الْعَمَارُ فِي الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ يُصْرَفُ لِلتَّصْيِيقِ مَمَرُّ لِغَيْرِهِ وَلَمْ يَكُنْ يَمُرُّ
وَمَنْ لَهُ مَالٌ بِهِ
(1) يُطَرِّحُ: أي: يَصُب، يقال: طرح الماء إذا انصب، والمراد به هنا ضم ماء فلج إلى ماء فلج آخر،
والفلج النهر كما مر.
(2) قوله: «لا غائب ولا أيتاما» إنما جاز رفع (غائب) ونصب (أيتاما) للمغايرة في إعراب ما بعد لا إذا تكررت كما في قوله: فَلَا لَغْوٌ وَلَا تَأْثِيمَ فِيهَا.
(3) مسقى: أي: في المسقى وهي الساقية.
(4) تساوي: أي تحاذي.
(5) أبو معاوية: هو عزان ابن الصقر النزوي، وقد سبق ذكره. (2/103)
صفحة 713
باب السواقي
الجزء الثالث
103
لَيْسَ لَهُ يَفْسِلُهُ خَوْفَ اليَدِ لأَنَّهُ مُلْكُ سِوَاهُ فَاهْتَدِي وَمَنْ أَرَادَ فِي طَرِيقٍ يَفْتَحُ سَاقِيَةً لِمَالِهِ وَيَرْبَحُ قِيلَ لَهُ لَكِنْ عَلَيْهِ يَضَعُ قَنْطَرَةٌ (1) (5) خَوْفَ ضَمَانٍ يَقَعُ وَصَامِنْ مَا ضَيَّعَتْهُ الْقَنْطَرَة أَيْضًا كَذَا المَسْقَى وَلَوْ قَدْ قَنْطَرَهُ وَمَا حُكِي عَنْ نَجْلٍ إِبْرَاهِيمَا (2) خِلَافُ مَا يُظَنُّ كُنْ فَهِيمَا سَاقِيَةً تَحْتَ الطَّرِيقِ ثَقَبَا مِنْ مَالِهِ لِمَالِهِ وَانْقَلَبَا وَذَاكَ مَوْضِعٌ مِنَ العُمْقِ عَلَى حَالٍ بِهِ يَأْمَنُ مَنْ قَدْ فَعَلَا فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ غَدًا يَشُقُ طُرْقَ الْمُسْلِمِينَ وَاعْتَدَى وَفِعْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ الفَرَجُ لِمَنْ غَدَا يَنْهَجُ مَا قَدْ نَهَجُوا (3) وَوَقَعَ الخِلَافُ فِي القَنَاطِرِ حُدُوثِهَا عَلَى طَرِيقِ السَّائِرِ (4) أَجَازَهُ البَعْضُ وَبَعْضُ حَكَمُوا بِتَرْكِهِ وَالتَّرْكُ حَتْمًا أَسْلَمُ وَقِيلَ لَا تُحَوَّلُ () السَّوَاقِي وَالطُّرُقَاتُ حَيْثُ مَا تُلَاتِي وَبَعْضُهُمْ أَجَازَ أَنْ تُحَوَّلَا إِنْ لَمْ يَكُنْ ضُرٌّ بِهِ تَحَصَّلَا
(1) قَنْطْرَه: أي: سَقَفَه.
(*) القنطرة: الممر بين جانبي الساقية؛ فهو أشبه بالجسر الصغير. (إسماعيل) (2) نجل إبراهيم: هو الشيخ العلّامة الكبير محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي السمدي النزوي، صاحب كتاب بيان الشرع في 73 جزءًا، رحمه الله تعالى. (أبو إسحاق)
(3) ينهج: يسلك.
(4) حدوثها بدل من القناطر السائر أي السالك في الطريق والذاهب فيه. (5) قوله لا تحول»: أي لا تنقل ولا تصرف عن موضعها. (أبو إسحاق) (2/104)
صفحة 714
104
الجزء الثالث
كتابُ الأَمْوَالِ
وَاخْتَلَفُوا فِي مُحْدِثِ الإِجَالَهُ في فَلَجٍ أَعْلَاهُ أَوْ سِفَالَهُ) فَقِيلَ مِنْ دُونِ ثَلَاثَ حِجْرُ وَالْمُحْدِثُونَ فَعَلَيهِمْ وِزْرُ وَقِيلَ بَلْ يُحْجَرُ دُونَ أَرْبَعِ أَجَائِلٍ وَقِيلَ خَمْسٌ فَاسْمَعِ وَقِيلَ بَلْ إِجَالَةٌ مِنْ أَعْلَا تُجْزِي وَقَالَ الْأَصْلُ هَذَا أَوْلَى وَلَا أَقُولُ بِجَوَازِ مَا ذَكَرْ إِلَّا عَلَى رِضَاهُمُ وَإِنْ شَهَرْ وَإِنَّهُ لَحَدَتْ عَلَيْهِمْ فَلَا أُجِيْزُ فِعْلَهُ لَدَيْهِمُ وَلَوْ أَجَزْنَا الْفَتْحَ مِنْ غَيْرِ رِضَى لَاتَّسَعَ الْخَرْقُ وَكُلٌّ عَرَضَا يَأْخُذُ ذَا إِجَالَةً لِمَالِهِ وَذَا إِجَالَةٌ عَلَى مِثَالِهِ مَتَى تَرَى هَذَا الْفَسَادَ يَنْقَطِعْ وَالشُّحُ فِي النُّفُوسِ وَصْفًا قَدْ طُبع تَرَى السَّوَاقِي مُتَقَطِّعَاتِ أَجَابِلًا (2) وَالْمَاءُ فِيهَا يَأْتِي وَذَلِكَ الْبِيدَارُ فِي عَنَاءِ مِنْ كُشْرِهَا لِسَدِّ ذَاكَ المَاءِ فَلَا أَرَى الْفَتْحَ مِنَ الإِنْصَافِ بِلَا تَرَاضٍ وَبِلَا إِسْعَافِ وَقِيلَ فِي الْمَالِ الْمُشَاعِ يُحْسَبُ إِجَالَةً إِذَا هُمْ قَدْ حَسَبُوا وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُهُ أَجَابِلَا لِكَوْنِهِ لِمَالِكِينَ آبِلَا وَأَوَّلُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي أَقْرَبُ وَهُوَ الَّذِي لِلأَصْلِ صَارَ يُعْجِبُ
(1) الإجالة: هي الفتح الذي سبق بيانه. سفاله: أي: أسفله.
(2) أجايلًا: نصبه على الحال. (2/105)
صفحة 715
بابُ الْحَرِيمِ
الجزء الثالث
1.0
(1)
وَالْخُلْفُ هَلْ تُصَرَّجُ السَّوَاقِي (1) وَعَاضِدُ النَّخْلِ عَلَيْهَا بَاقِي وَرَبُّ ذَاكَ العَاضِدِ المُذْكُورِ يَمْنَعُ مِنْ تَصْرِيحِهَا الْمَشْكُورِ فَقِيلَ لَا إِلَّا إِذَا مَا قَدْ رَضِي لِأَنَّ ضُرَّ نَخْلِهِ بِهِ قُضِي وَقِيلَ لَا بَأْسَ لِأَنَّ الْعَاضِدَا لَا شَكٍّ بَعْدَ النَّهْرِ صَارَ زَائِدَا وَإِنْ يَكُنْ تَقَدَّمَ التَّصْرِيجُ فَهَاهُنَا قَدِ انْتَفَى التَّحْرِيجُ لَا يَلْزَمُ الصَّارُوجُ حِينَ صَرَّجُوا أَهْلَ الشَّرَابَاتِ (2) إِذَا تَحَرَّجُوا كَذَاكَ لَا يَلْزَمُ أَهْلَ الْفَلَجِ إِنْ كَرِهُوا قَطْعَ الصَّفَا المُنْدَرِحِ إِلَّا صَفًّا يَمْنَعُ جَرْيَ الْمَاءِ فَقَطْعُهُ يَلْزَمُ فِي الإِفْتَاءِ لأَنَّ نَفْعَ قَطْعِهِ تَبَيَّنَا كَالْكَبْسِ إِذْ إِخْرَاجُهُ تَعَيَّنَا فَإِنَّهُمْ فِي الْكَبْسِ يُجْبَرُونَا عَلَى زَوَالِهِ وَيُقْهَرُونَا
بابُ الْحَرِيمِ
إِنَّ الْحَرِيمَ مَوْضِعٌ يُحْتَاطُ بِهِ عَنْ ضَرَرِ الْجَارِ فَرَاعِ وَانْتَبِهْ وَلَيْسَ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَنْتَهِذَا حَرِيمَ غَيْرِهِ وَإِنْ تَمَلَّكَا
(1) تصريح السواقي طلاؤها بالصاروج، وهو شيء يخلط بالنورة، ويطلى به الحياض ونحوها، وهو معرب، وتسمى بركة الماء صهريجًا لذلك. (أبو إسحاق) (2) أهل الشرابات أي أصحاب الأموال التي صار سقيها من ماء النهر من دون قسم معلوم، إلا ما تحتاج إليه من الماء على السنة المدركة فيها عندهم، فهؤلاء ليس لهم شركة في النهر إلا ما يكفي أموالهم في الوقت المعروف (2/106)
صفحة 716
1.7
الجزء الثالث
كتابُ الأَمْوَالِ
وَالْعَدْلُ بَيْنَ النَّفْسِ وَالْجِيرَانِ مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الْبِرِّ وَالإِيمَانِ وَيُفْسَحُ الفَسْلُ عَنِ الْمَجَارِي ثَلاثَةَ الْأَذْرُعِ لِلْحِوَارِ وَقِيلَ بَلْ يَكْفِي ذِرَاعَانِ وَقَدْ قَالَ أُنَاسٌ بِذِرَاعٍ وَانْفَرَدْ وَحَدُّهُ مِنْ حَدٌ ضَرْبِ الْمَاءِ لَا غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْأَرْجَاءِ (2) وَإِنَّ لِلْأَنْهَارِ فِيمَا قِيلَا خَمْسَ مِئِينٍ أَذْرُعًا (3) تَفْصِيَلا لَا يُحْدَثَنَّ قَطُّ فِي ذَا الْقَدْرِ شَيءٌ مِنَ الْآبَارِ بَلْ وَالْأَنْهُرِ (4) وَبِثَلَاثٍ مِنْ مِثِينٍ حَكَمَا بَعْضُ وَبَعْضُ مِائَتَيْنِ) أَحْرَمَا وَبَعْضُهُمْ بِالْأَرْبَعِينَ يَكْتَفِي لِمَنْ يُرِيدُ حَفْرَ بِثْرٍ فَاعْرِفِ وَبَعْضُهُمْ (2) لَيْسَ يَرَى التَّحْدِيدَا بِالذَّرْعِ بَلْ يَجْعَلُهُ بَعِيدًا وَإِنَّمَا يُنْظَرُ نَفْسُ الضَّرَرِ فَيُمْنَعُ الضُّرُّ لَدَى المُعْتَبِرِ فَإِنْ رَأَى النَّقْصَ بِهَذَا الْحَفْرِ أَزَالَهُ إِذْ فِيهِ نَفْسُ الضُّر وَقَبْلَ أَنْ يَبِينَ ضُرُّهُ فَلَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَحْفِرَنَّ مَثَلَا
(1) قوله: «ثلاثة الأذرع» هو على لغة من قال: وَهَلْ يَرْجِعُ التَسْلِيمَ أَوْ يَكْشِفُ العَمَى ثَلَاثُ الأَثَافِي وَالدِّيَارُ البَلَاقِعُ
(2) الأرجاء: أي الجهات.
(3) أذرعا منصوب على التمييز.
(4) الأنهر: جمع نهر كالأشهر في جمع شهر.
مبني
أساس الحريم إنما هو لمراعاة
(5) قوله: «وبعض مائتين بجر مائتين على تقدير وجود الباء الموحدة، أي: وبعض بمائتين. (6) قوله: وبعضهم» أقول: هذا هو القول الأصح عندي، لأن منع الضرر؛ فإذا لم يمتنع بالذرع المحدد سقط اعتبار هذه القاعدة من أصله، ولكن مدار هذه الأمور على رفع الضرر ودفعه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام. (2/107)
صفحة 717
بابُ الْحَرِيمِ
الجزء الثالث
107
و و (1)
وَأَرْبَعِينَ مِنْ ذِرَاعٍ يُحْرِمُ مَنْ شَاءَ بِثْرًا حَوْلَ بِثْرٍ يَحْدُمُ) ومَوْرِدُ الصَّحْرَاءِ مِثْلُ البِثْرِ إِنْ شَاءَهُ مَعْ مَوْرِهِ لِلْغَيْرِ وَالْبِثْرُ) عَنْ أَرْضِ ثَلَاثُ أَذْرُعٍ وَقِيلَ قَدْرُ عُمْقِهَا الْمُخْتَرَعِ وَأَوَّلُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي أَصْوَبُ مَا لَمْ يَخَفْ لِلْأَرْضِ هَدْمًا يَثِبُ وَمَنْ أَرَادَ يَعْمُرُ الْمَوَاتَا يَفْسَحُ عَنْ قَبْرٍ إِذَا مَا وَاتَى (3) مِقْدَارَ مَا لَيْسَ يَنَالُهُ الصَّرَرْ وَالذَّرْعُ لَمْ يَكُنْ هُنَا بِالمُعْتَبَرُ ولِصُعُوبَةِ الأُرُوضِ أَثَرُ بِهَا عَنِ الْقُبُورِ يُنْفَى الضَّرَرُ خِلَافَ أَرْضِ سَهْلَةٍ فَالسَّهْلُ لَا شَكٍّ بِالْمَاءِ إِذًا يَنْحَلُ) وَالبَحْرُ فِيهِ قِيلَ كَالأَنْهَارِ حَرِيمُهُ وَقِيلَ كَالآبَارِ وَحَدُّهُ مِنْ حَيثُ مَدَّ البَحْرِ) إِنْ مَدَّ مَاءَهُ لِنَحْوِ الْبَرِّ خَمْسُ مِئِيْنِ) أَذْرُعِ لِلْبَلَدِ لِسَعَةِ النُّهُوبِ وَالتَّرَدُّد
(1) يخدم أي: يحفر.
المضاف
مع حذفه، وثلاث أذرع خبره
(2) قوله: «والبئر» مبتدأ وهو من إقامة المضاف إليه مقام وتقدير الكلام وحرم البئر عن أرض الغير ثلاثة أذرع، ويصح أن تكون البئر فاعلا مجازا وثلاث مفعول به أي وتحرم البئر عن الأرض ثلاثة أذرع.
(3) قوله: «واتى»، أي: عارض ومنع. (أبو إسحاق)
(4) ينحل: أي: ينهال ويتداعى.
(5) قوله: «من حيث مد» بإضافة حيث إلى المفرد وهو قليل، ومنه قوله:
أَمَا تَرَى حَيْثُ سُهَيْل طَالِعَا نَجْمًا يُضِيءُ كَالشَّهَابِ لَامِعَا (6) قوله: «خمس مئين» بإضافة مئين إلى أذرع ويصح نصب أذرع تمييزا وتنوين مئين. (2/108)
صفحة 718
108
الجزء الثالث
كتابُ الأَمْوَالِ
وَقِيلَ بَلْ حَرِيمُهُ حَيْثُ وَصَلَ حَافِرُهُمْ وَخُقُهُمْ إِذَا انْفَصَلْ) يَرْتَفِقُونَ لَا يُشَارَكُونَا بِالِاشْتِرَاكِ يَتَضَرَّرُونَا وَهُمْ بِهِ أَحَقُّ فَالْمُرِيدُ إِحْيَاءَهُ فَفِعْلُهُ مَرْدُودُ وَبَعْضُهُمْ أَجَازَ فِيهِ الإِحْيَا لِمَنْ يَشَا إِذِ الْمَوَاتُ يُحْيَى حَدُّ صُحَارٍ (2) مَشْرِقًا وَادِي مَجَزْ وَوَادِي صَلَّانَ بِغَرْبِهَا يَحُزْ (3)
بابَ الطَّرق
لَا بُدَّ لِلْعُمْرَانِ مِنْ طَرِيقِ كَيْلَا يَكُونَ النَّاسُ فِي مَضِيقٍ مَنْ ضَيَّقَ الطَّرِيقَ لَا جِهَادُ لَهُ لأَنَّ فِعْلَهُ فَسَادُ وَيُحْبِطُ الذَّنْبُ الْكَبِيرُ الْعَمَلاَ مِنْ هَاهُنَا جِهَادُهُ قَدْ بَطَلَا
(1) قوله: «حافرهم وخفهم أي دوابهم ذوات الحافر كالخيل والحمير، وذوات الخف كالإبل ومثلهما ذوات الظلف كالبقر والغنم والمراد أن حريم كل بلاد إلى حيث تبلغ أسامة دوابهم، واعتبار الحريم بهذا يجعله بعيدًا جدًا، والأولى أن يكون دون ذلك، ولا سيما إذا تقاربت البلدان، بحيث لا يكفي أن يكون حريم كل واحدة منهما إلى حيث يبلغ خفهم وحافرهم، فإن لم يتفقوا على تداخل الحريم قُسِمَ ما بينهما نصفين. (أبو إسحاق) (2) صحار قصبة عُمان، وهي عاصمة إمامة عُمان منذ الفتح الإسلامي حتى استبدلها بعض الأئمة الله بغيرها؛ كنزوى ومسقط وغيرهما؛ لكثرة ما توالى عليها من إغارة الأعداء من جهة البحر، وقد وصفها بعض الكاتبين يوم كانت مزدهرة بالعلم وزينة الملك، وجمال العدل، بقوله: صحار قصبة عُمان، وهي مَدِينَةٌ ليس على بحر الصين أَجَلُّ منها، وهي عامرة ومشهورة بطيب هوائها وخيراتها وأسواقها. وإليها يشير مهيار الديلمي بقوله:
رحمهم
تَنِمُّ بِمَا فِيهَا كَانَ طُرُوسَهَا لَطَائِمُ أَهْدَتْهَا إِلَيْكَ «صُحَارُ»
واللطائم: جمع لطيمة أوعية المسك. (أبو إسحاق)
(3) أي: يحد.
(4) قوله: يحبط»: أي يبطل ويذهب. (أبو إسحاق) (2/109)
صفحة 719
بابُ الطُّرُقِ
الجزء الثالث
1.9
وَكَالْجِهَادِ سَائِرُ الأَعْمَالِ إِذِ الْكَبِيرُ مُحْبِطُ بِحَالِ إِلَّا إِذَا تَابَ فَمَنْ تَابَ رَجَعْ لَهُ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا كَانَ صَنَعْ وَحَدُّهَا فِي عَرْضِهَا بِقَدَرِ حَاجَةِ مَنْ يَمُرُّ فِيهَا فَانْظُرِ فَلِلْقُرَى كَذَاكَ لِلْمَنَازِلِ أَرْبَعَةُ الْأَذْرُعِ فِي الْمَسَائِلِ وَسِنَّةٌ لِجَائِزِ الطَّرِيقِ وَذَاكَ أَدْنَاهَا إِلَى التَّصْبِيقِ وَقِيلَ لِلْجَائِزِ سَبْعُ أَذَرُعِ وَقِيلَ بِالثَّمَانِ لِلتَّوَسُّعِ ثَلَاثَةُ الأَذْرُعِ لِلسَّمَّادِ ثُمَّ الذَّرَاعَانِ لِسَاقِي الآدِ) وَكُلُّ نَافِذٍ فَذَاكَ جَائِزُ وَهْوَ الَّذِي للدَّرْعِ طُرًّا حَائِزُ وَإِنْ تَكُ الطَّرِيقُ فِي الصَّحَارِي يُعْطَى مِنَ الْحَرِيمِ كَالْآبَارِ مِنْ كُلِ وَجْهِ قِيلَ أَرْبَعُونَا مِنْ أَذْرُعٍ وَقِيلَ بَلْ عِشْرُونَا لَا يُحْدِثُوا فِي حَدِّ هَذَا الدَّرْعِ شَيْئًا مِنَ الْبِنَاءِ أَوْ مِنْ زَرْعِ وَمَنْ أَرَادَ يُحْدِثَنْ كَنِيفَا عَلَى الطَّرِيقِ فَلْيَكُنْ عَقِيفًا يُفْسِحُ عَنْهَا خَمْسَةٌ مَعْ عَشَرَهُ مِنْ أَذْرُعٍ حَتَّى يُنَجِّي ضَرَرَهُ وَبَعْضُهُمْ قَدْ أَوْجَبُوا مِقْدَارًا مَا لَا يَضُرُّ رِيحُهُ المُرَّارَا (4)
(1) أدناها: أي: أقربها.
(2) «الآد» اسم لدوران الماء في الفَلَج؛ اصطلاح عُماني. (المصنف)
(3) الصحاري: جمع صحراء وهي الأرض الواسعة التي لم تُحرث، وهذا الجمع فيه الفتح والإمالة
ومثله العذارى في جمع
عذراء.
(4) المُرَّارا: جمع مار بتشديد الراء، وهو المجتاز بالطريق، أي: الماشي فيها. (2/110)
صفحة 720
110
الجزء الثالث
كتابُ الأَمْوَالِ
وَهَؤُلَاءِ لَمْ يُقَيِّدُوهُ بِالدَّرْعِ إِذْ بِالضُّرِّ عَوَّدُوهُ فَقَدْ يَضُرُّ مَعَ بُعْدِ الْحَدِّ وقَدْ يَخِفُّ ضُرَّهُ الْمُعَدِّي) وَفِي مَوَاتٍ بِالطَّرِيقِ اتَّصَلَا مُسْتَوِيًّا وَلَيْسَ عَنْهُ انْفَصَلَا فَلَا يَجُوزُ عِنْدَنَا أَنْ يُفْسَلَا فِيهِ لِأَنَّهُ انِّسَاعٌ حَصَلَا وَفِيهِ قَوْلُ قَدْ أَشَارَ الأَصْلُ إِلَيْهِ وَهْوَ أَنْ يَجُوزَ الْفَسْلُ وَالمَانِعُونَ يَجْعَلُونَ الدَّرْبَا أَوْلَى بِهِ إِذْ كَانَ أَدْنَى قُرْبَا إِلَّا إِذَا صَحَ لَهُ حُكْمٌ سِوَى هَذَا فَيُعْطَى حُكْمَهُ الَّذِي اسْتَوَى وَفِي طَرِيقِ بَيْنَ قَوْمٍ قَدْ بَنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ وَأُنْكِرَ) الْبِنَا أَنْكَرَهُ بَعْضُ وَبَعضُ سَكَتَا فَذَلِكَ الْمُنْكِرُ خَصْمٌ قَدْ أَتَى
(4)
يُخَاصِمُ الْبَانِي كَذَا يُحَلِّفُ إِنْ وَجَبَتْ فِيهِ يَمْينٌ تُحْلَفْ (5) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ خَصِيمُ لَهُ فَمَنْ شَا مِنْهُمْ يَقُومُ وَالشَّجَرُ المُثْمِرُ فِي الطَّرِيقِ يُخْرَجُ) مَهْمَا كَانَ فِي مَضِيقٍ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمَنَاكِرِ وَصَرْفُهُ يَلْزَمُ كُلَّ قَادِرِ
(1) المعدى الكثير، الزائد، هكذا في الاصطلاح العُماني.
(2) قوله: «في موات»: هو الأرض التي لم تحي بالحرث، وفي الحديث: «من أخي مواتًا فهو له».
(أبو إسحاق) (3) أنكر بالبناء للمفعول.
(4) قوله: «فذلك المنكر خصم»، أي: تسمع دعوى إنكاره، ولو سكت الباقون.
(5) تُخلَفُ بالبناء للمفعول.
(6) يخرج: أي: يقطع ويُصرف. (2/111)
صفحة 721
بابُ الطُّرُقِ
الجزء الثالث
111
وَقِيلَ فِي شَجَرَةٍ شَرِيْفَهُ عَلَى الطَّرِيقِ كُلِّهَا مُنِيفَهُ ثَمَرُهَا لِرَبِّهَا وَالْفُقَرَا لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُونَ الثَّمَرَا لَكِنَّهُ بِصَرْفِهَا مَلْزُومُ وَضُرُّهَا فِي دَرْبِهِم مَعْلُومُ
(1)
الله
وَلاَ يَجُوزُ عِنْدَنَا لِأَحَدِ يُحْدِثُ مَسْقَى فِي الطَّرِيقِ فَاقْتَدِي
لأَنَّ ذَاكَ حَدَثٌ مُزَالُ يُنْكِرُهُ النِّسَاء وَالرِّجَالُ وَحَامِلٌ تِبْنَا وَمِنْهُ وَقَعَ (2) عَلَى الطَّرِيقِ فَعَلَيْهِ يَرْفَعَا (3) فَإِنْ يَكُنْ أَمْكَنَهُ وَإِلَّا يَحْمِلُ مِثْلَهُ وَقَدْ أُحِلَّا) وَالْخُلْفُ فِي ضَمَانِ مَا يُوَطَّى فِي الدَّرْبِ إِنْ ضَاعَ إِذَا مَا يُوطَى وَهَكَذَا الْمَوْضُوعُ بِالسَّوَاحِلِ فِيهِ اخْتِلَافُ الْعُلَمَا الأَوَائِل وَسَادِعُ (6) مِنَ الطَّرِيقِ حَجَرَا إِخْرَاجُهُ فِيهِ اخْتِلَافُ ذُكِرَا) فَبَعْضُهُمْ أَلْزَمَهُ الإِخْرَاجَا لِأَنَّهُ حَرَّكَهُ إِزْعَاجَا وَبَعْضُهُمْ يَعْذُرُهُ إِذَا وَطَا ذَلِكَ لَا بِالعَمْدِ لَكِنْ بِالْخَطَا
(1) مسقى: أي: ساقية.
(2) قوله: «وقعا» أي سقط. (أبو إسحاق)
(3) يرفعا منصوب بأن مقدّرة.
(4) أحلا: أي: برئ.
(5) يُوَطَّى: بتشديد الطاء، أي: يوضع؛ ويترك، لغة عُمانية.
(6) السدع: الاصطدام. (أبو إسحاق)
(7) قوله: «وسادع»، أي: ضارب، يقال: سَدَعه إذا ضربه وأصابه ومعناه إذا أصابت قدم الماشي
على الطريق حجرًا فحرَّكه عن موضعه فهل يلزمه إخراجه من الطريق فيه قولان، وذلك إذ لم
يتعمد تنقيله من موضعه وإلا لزمه إخراجه قولا واحدًا. (2/112)
صفحة 722
112
الجزء الثالث
كتابُ الأَمْوَالِ
إِنْ وَقَعَ الشَّوْكُ مِنَ الْجِدَارِ عَلَى الطَّرِيقِ أَوْ مِنَ الْحِظَارِ فَرَفْعُهُ قَالُوا عَلَى أَرْبَابِهِ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ أَسْبَابِهِ وَلَا يَحِلُّ أَخَذُهُ لِأَحَدٍ تَمَلُّكًا إِلَّا بِإِذْنِ المُرْفِدِ وَوَاضِعُ عَلَى الطَّرِيقِ حَجَرَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا قَدْ كَسَرَا وَإِنْ يَكُنْ سِوَاهُ) بَعْدُ نَقَلَهُ فَمَا جَنَاهُ الثَّانِي قَدْ تَحَمَّلَهُ لِأَنَّهُ بِوَضْعِهِ مِنْ بَعْدِ تَنْقِيلِهِ يَكُونُ كَالتَّعَدِّي وَقَائِمُ عَلَى الطَّرِيقِ فَسُدِعْ فَلَا ضَمَانَ يَلْزَمُ الَّذِي سَدَعْ لأَنَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ اعْتَرَضَا وَلَمْ يَكُنْ سَادِعُهُ مُعْتَرِضَا وَقِيلَ لَا بَأْسَ عَلَى مَنْ سَقَفَا عَلَى طَرِيقِ جَائِرٍ قَدْ عُرِفَا (4) حَتَّى يَكُونَ يَمْنَعُ الرُّكْبَانَا عَنِ المُرُورِ تَحتَهُ مَا كَانَا وَبَعْضُ أَهْلُ العِلْمِ مِنْهُ مَنَعَا لِأَنَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ وَقَعَا فَلِلطَّرِيقِ أَرْضُهَا مَعَ الهَوَا كَغِيْرِهَا مِمَّنْ لِمِثْلِ ذَا حَوَى
(1) تملكا: مفعول لأجله.
(2) سواه: أي: غيره.
(3) فسدع: الأول بالبناء للمفعول والثاني بالبناء للفاعل، أي: لا ضمان على الذي سدعه إذا كان
وقوفه معترضا في الطريق لغير عذر.
(4) سقفا: أي: وضع سقفًا على هواء الطريق من بيته إلى بيته إذا كانت الطريق بينهما، والأكثر على جوازه إذا ارتفع ولم يُصب الماشي ولا الراكب كما سيأتي. (2/113)
صفحة 723
بابُ صَرْفِ الْمَضَارٌّ
الجزء الثالث
113
بابُ صَرْفِ الْمَضَارٌ
وَالضُّرُّ مَصْرُوفٌ عَن الْجِيرَانِ وَصَرْفُهُ مِنْ شُعَبِ الإِيمَانِ (1) وَهَكَذَا عَن الطَّريقِ يُصْرَفُ كَيْلَا يَضُرَّ مَنْ عَلَيْهَا يَخْطُفُ (2) (0) فَانْهَضَ أُخَيَّ لِزَوَالِ الضَّرَرِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُضَمَّ بَيْنَ الْحُفَرِ فَإِنَّهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِ الْمُحْدِث يُوقَفُ عَنْ زَوَالِ ذَاكَ الْحَدَث لأَنَّهُ مَاتَ وَمَاتَتْ حُجَّتُهُ لَعَلَّهُ بِحُجَّةٍ يُثَبِّتُهُ وَذَاكَ الاِحْتِمَالُ لَا يُغْنِيهِ مِنْ رَبِّهِ شَيْئًا وَلَا يَقِيهِ فَيَبْقَى إِثْمُهُ عَلَى كَاهِلِهِ (3) وَعَاشَ وَارِثُوهُ فِي حَاصِلِهِ وَفَاسِلْ عَلَى حَرِيمِ الجَارِ أَوْ نَحْوِهِ يُزَالُ بِالإِنْكَارِ إِنْ سَكَتَ الْجَارُ إِلَى أَنْ نَسَعَا (4) أَقْلَابُهُ وَحَالُهُ تَوَسَّعَا
(1) يشير إلى الحديث المشهور عنه: الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها كلمة لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن
الطريق».
(2) يسرع في المشي. (أبو إسحاق)
(*) يَخْطُف: أي يمشي، لغة عُمانية. (إسماعيل)
(3) کاهله أي على ظهره مأخوذ من قوله تعالى: {يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ} [الأنعام: 31]. (4) قوله: «إلى أن وسعا» عبارة أصحاب الآثار العمانية إن سكت الجار عن الإنكار، أي: عن إنكار الفشل إلى أن نسعت أقلابه، أي: خرجت وظهرت، والأقلاب هي الأعساب التي تظهر على رؤوس النخل، فكل عسيب يبدو أولًا من رأس النخلة فهو يسمى (قلب) تشبيها بقلب الإنسان وجود الأقلاب في النخلة يدل على حياتها، ومتى فقدت الأقلاب ماتت النخلة والظاهر أن عبارة الأثر هي الأصح، لأن المقصود أنه إذا تبينت حياة الفسيلة ولم ينكرها الجار، ثم الأقلاب الدالة على حياتها لم يسمع إنكاره على هذا القول، وهناك أقوال
لأن
أنكرها بعد نسوع أخرى كما ذكرها المصنف. (أبو إسحاق) (2/114)
صفحة 724
114
الجزء الثالث
كتابُ الْأَمْوَالِ
وَصَارَ فَسْلًا ثُمَّ قَامَ يُنْكِرُ لَا يُسْمَعَنْ وَقِيلَ بَلْ يُغَيَّرُ وَقِيلَ إِنْ أَثْمَرَ لَيْسَ يُسْمَعُ إِنْكَارُهُ وَلَيْسَ عَنْهُ يُقْلَعُ وَقِيلَ بَلْ يُزَالُ مَا لَمْ يَمُتِ مُحْدِثُهُ إِذْ لَمْ يَكُنْ بِحُجَّةِ تَرْكُ النَّكِيرِ مِنْهُ حُجَّةٌ عَلَى ثُبُوتِهِ مَعْ مَنْ يَقُولُ الْأَوَّلَا وَذَاكَ فِي الأَحْكَامِ أَمَّا الْإِثْمُ يَلْزَمُهُ إِذِ التَّعَدِّي ظُلْمُ
حَتَّى وَلَوْ بِأَرْضِهِ قَدْ غَرَسَا وَنَافَ (1) بَعْضُهَا عَلَى الجَارِ وَذَاكَ إِنْ لَمْ يَصْرِفَتْهُ حَالَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنْكِرَ أَوْ يُزَالَا فَغَرْسُهُ بِيَدِهِ لَا يَقِفُ عَلَى النَّكِير ضُرُّهُ بَلْ يُصْرَفُ وَمَا عَلَيْهِ إِنْ يَكُنْ لَمْ يَفْسِلِ بِيَدِهِ إِلَّا بِإِنْكَارٍ جَلِي وَكَرْمَةٌ) لِرَجُلٍ حَشَاهَا فِي مَالِ غَيْرِهِ وَقَدْ مَشَاهَا وَذَلِكَ الْغَيْرُ لَهَا لَمْ يُنْكِرِ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ لَمْ يُغَيِّرِ وَبَعْدَ ذَاكَ قَامَ بِالإِنْكَارِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ ذَاكَ الْجَارِي وَإِنَّمَا يُصْرَفُ مَا قَدْ زَادَا مِنْ بَعْدِ ذَاكَ فَافْهَمِ الْمُرَادَا وَهَكَذَا إِنْ زَالَ عَنْهُ بِالشِّرَا فَإِنَّهُ يَثْبُتُ مَا كَانَ جَرَا وَإِنَّمَا يُصْرَفُ مَا زَادَ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ البَيْعِ قَدْ تَحَصَّلَا وَالْخَوْصُ إِنْ نَافَ عَلَى الجَارِ صُرِفْ حَتَّى يُرُى ضَرَرُهُ قَدِ انْصَرَفُ
(1) علا. (أبو إسحاق)
(2) قوله: «وكرمة شجرة العنب المعروفة. (أبو إسحاق)
(3) الخوص: هو سعف النخل، هكذا عند أهل عُمان، وهو العسيب، قال كعب بن زهير: تَمُرَّ مِثْلَ عَسِيبِ النَّخْلِ ذَا خُصَلٍ في غَارز لَمْ تُخَوِّنُهُ الأَحَالِيلُ (2/115)
صفحة 725
بابُ صَرْفِ الْمَضَارٌّ
الجزء الثالث
وَقَالَ بَعْضُ إِنَّهُ مَصْرُوفُ لَوْ كَانَ لَا ضُرَّ بِهِ مَعْرُوفُ لَوْ كَانَ فِي سَمَائِهِ قَدِ ارْتَفَعْ مَا دَامَ فِي أَرْضِ سِوَاهُ قَدْ يَقَعْ وَلَا أَقُولُ يُصْرَفَنْ مَا لَمْ يَضُرُ وَالْجَيُّ اللَّهِ فَإِنْ شَاءَ يَفِرُ (1) لَكِنَّهُ يُصْرَفُ بِالتَّحْقِيقِ جَمِيعُ مَا نَافَ عَلَى الطَّرِيقِ إِلَّا إِذَا لَمْ يَنْشِ) الرُّكْبَانَا إِنْ وَقَفُوا فَوْقَ رِفَاعِ كَانَا إِذْ لَهُمْ أَنْ يَرْكَبُوا قِيَامَا عَلَى الرِّفَاعِ فَافْهَمِ الْأَحْكَامَا وَإِنْ يَكُ الْمِيزَابُ فِي الدَّرْبِ فَلَا يَجُوزُ عَنْ مَوْضِعِهِ يُحَوَّلَا قَدْ قِيلَ فِي أَعْلَا وَلَا فِي أَسْفَلِ وَلَا حِدَاهُ مَا لَهُ مِنْ مَدْخَلِ لأَنَّهُ يَكُونُ بِالتَّحْوِيلِ مُبْتَدِعًا لِذَلِكَ التَّنْقِيلِ قَدْ تَرَكَ الَّذِي لَهُ قَدِ اسْتَحَقِّ وَاخْتَرَعَ الثَّانِي لَهُ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ وَإِنْ يَكُنْ أَخْطَأَ مَنْ يُرَكَّبُهُ (3) مَوْضِعَهُ فَمَا عَلَيْهِ نَعْتِبُهْ إِذْ لَيْسَ فِي الْخَطَا هُنَا مِنْ بَاسِ وَإِنَّمَا يَأْثَمُ فِيهِ الآسِي) وَجَاءَ فِي التَّكْمِيمِ لِلْجِدَارِ بِالشَّوْكِ نَهْيُّ العُلَمَا الْأَبْرَارِ لأَجْلِ مَا فِيهِ مِنَ الْأَضْرَارِ فَإِنَّهُ يَضُرُّ بِالْمُرَارِ
(1) يفر: أي: يرتفع. (أبو إسحاق)
(4)
(2) يَنش: يَنَلْ، قال الله تعالى: {وَأَنَّكَ هُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} [سبأ: 52] أي التناول. (أبو إسحاق) (3) يُركبه: أي: يضعه في موضعه، وقد رأيت أصحابنا يشددون في وضع الميازيب على سقف البيوت لإخراج الشيل منها، وهذا مما عمت فيه البلوى، ولا يستغني عنه أحد، فلا يناسب هذا الحال إلا الترخيص ورفع الحرج، وفي السُّنَّة وأفعال الصحابة ما يؤيد ما أشرت إليه، والعلم عند الله. (4) الآسي: المتعمد لأن المتعمد لذلك آسي، أي: مرتكب للإساءة. (2/116)
صفحة 726
116
الجزء الثالث
كتابُ الأَمْوَالِ
إِذْ يَسْقُطُ الشَّوْكُ عَلَى الطَّرِيقِ فَيَطْعَنُ الخَاطِفَ (1) بِالتَّحْقِيقِ وَإِنْ يَكُنْ مُكَمَّمَّا مِنْ قَبْلُ وَزَالَ فَالتَّجْدِيدُ لَا يَحِلُ وَلَا يَكُونُ ذَاكَ فِي الصَّوَابِ يُشَابِه التَّجْدِيدَ لِلمِيزَابِ وَوَاضِعُ شَيْئًا عَلَى جِدَارِهِ فَطَاحَ (2) (3) لَا يَعْمَنُ فِي آثَارِهِ حَتَّى وَلَوْ أَصَابَ مَنْ قَدْ مَرَّا إِذْ وَضْعُهُ هُنَاكَ لَيْسَ حِجْرَا لَكِنَّنِي أَقُولُ بَلْ يُعْتَبَرُ إِنْ كَانَ فِي الْعَادَةِ مِمَّا يُنْكَرُ وَطَلَبُوهُ صَرْفَهُ ثُمَّ أَبَى (4) فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا قَدْ جَلَبَا وَذَاكَ كَالْجِدَارِ خِيفَ مِنْهُ وقُوعُهُ عَلَى الْوَرَى اعْلَمَنْهُ وَقِيلَ فِي البَيْتِ إِذَا مَا اتَّصَلَا بِمَوْضِعٍ يُسْقَى لِقَوْمٍ فُضَلَا) أَرَادَ مَنْعَ سَقْيِهِمْ مِنْ قَبْلِ دَوْرَانِ آدِهِمْ (6) (7) لِهَذَا الْأَصْلِ فَالسَّقْي لَا يُمْنَعُ لَكِنْ يُمْنَعُ مَسُّ (8) الْجِدَارِ الْمَاءُ حِينَ يَدْفَعُ
(1) الخاطف أي: الماشي على الطريق. لغة عُمانية.
:
(2) فطاح: أي: فسقط.
(3) سقط. (أبو إسحاق)
(4) «أبي أي امتنع (أبو إسحاق)
(5) فضلا
جمع
فاضل.
(6) آدهم: هو وقت حضور نصيب كل شريك من ماء النهر، سمي بذلك لرجوعه مرة بعد أخرى. (أبو إسحاق)
(7) الآد هنا نَوْبَة السقي. (أبو إسحاق) (8) مَسُّ: مضاف إلى الجدار من إضافة المصدر إلى مفعوله، والأصل الماء الجدار، فقلبت الإضافة، والماء فاعل المس، والمراد بالمس هنا إصابة بلل الماء الجدار؛ لأن البلل يهدمه إذا
مس
كان مبنيا بالطين. (2/117)
صفحة 727
بابُ المَوَاتِ وَالْأَوْدِيَةِ
الجزء الثالث
117
بابُ المَوَاتِ وَالأَوْدِيَة
أَمَّا الْمَوَاتُ فَهْوَ أَرْضٌ لَمْ يَقَعُ مُلْكُ لِمَخْلُوقٍ عَلَيْهَا مُخْتَرَعْ وَالمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ فِيهَا سَوَا فَكُلُّ مَنْ أَحْيَاهُ فَضْلَهُ حَوَى وَلَمْ يَكُ الذِّمِّيُّ فِيمَا أَحْيَا مِنْ بَلَدِ الإِسْلَامِ يُعْطَى شَيَّا يُنْزَعُ مِنْهُ صَاغِرًا فَلَا يَدُ لِمُشْرِكٍ فِي أَرْضِ مَنْ يُوَدِّدُ وَمَا بِهِ مِنْ أَثَرِ الْعِمَارَهُ يَأْخُذُهُ) وَيَمْحُونْ آثَارَهُ وَمَنْ يَكُ الْفَيَافِي مُلْكًا ادَّعَى يَدْعِي بِعَدْلَيْنِ عَلَى ذَا الْمُدَّعَى فَيَشْهَدَانِ أَنَّهُ أَحْيَاهَا إِنْ شَهِدَا كَانَ لَهُ وَلَاهَا أَوْ لَا فَهِيَ مِثْلُ غَيْرِهَا فَلَا يَمْنَعُ مَنْ سِوَاهُ أَنْ يُحَصِّلَا وَالْأَرْضُ اللَّهِ فَمَنْ أَحْيَاهَا فَهْيَ لَهُ مِنْ رَبِّهِ مَوْلَاهَا وَصِفَةُ الإِحْيَاءِ أَنْ يَسْقِيَهَا بِالْمَاءِ وَهُوَ قَاصِدٌ يُحْيِيَهَا كَذَاكَ إِنْ كَانَ لَهُ بِهَا عَمَلْ كَمِثْل أَنْ يَهِيسَهَا عَلَى عَجَلْ كَذَلِكَ الْجِدَارُ إِنْ بَنَاهُ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ مَا حَوَاهُ وَالْخُلْفُ فِي الْحِظَارِ وَالْمُخْتَارُ أَنْ لَا يَحُوزَ أَرْضَنَا الْحِطَارُ وَفِي مَوَاتٍ بَيْنَ مَالَيْنِ قُسِمْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فِيمَا قَدْ عَلِمْ
(1) قوله: «يأخذه»، يعني: أن الذمّيّ إذا أخذ شيئًا من أراضي المسلمين لم يكن له تملكه بالإحياء، ولكنه يُنْزَعُ منه صاغرًا، وإن كان غَرَسَ أو بنى فيما أحياه فله إخراجه، والأرض ترجع للمسلمين. (2/118)
صفحة 728
118
الجزء الثالث
كتابُ الأَمْوَالِ
وَإِنْ يَكُنْ بَعْضُهُمَا أَعْلَى فَقَدْ قِيلَ لَهُ ثُلْقَاهُ حَظًّا مُنْتَقَدْ وَقِيلَ بَلْ لِلأَسْفَلِ الثَّلْثَانِ وَالقُلْتُ لِلأَعْلَى مِنَ الْمَكَانِ وَقَالَ بَعْضُ إِنَّهُ مَوْقُوفُ وَحَدَثُ الْكُلِّ بِهِ مَصْرُوفُ وَالفَرْقُ بَيْنَ الجَدْوَلِ الْمَشْهُورِ وَذَا المَوَاتِ حَالَة () فَالْجَدْوَلُ الْوَعْبُ عَلَى السَّوَاقِي أَوْ غَيْرِهَا مِنْ كُلِّ وَعْبٍ بَاقِي
التَّصْوِيرِ
وَذَلِكَ الْوَعْبُ يُسَمَّى دَكَّا فِي عُرْفِ بَعْضِنَا لِنَنْفِي الشَّكَا وَهْوَ مِنَ الْخَرَابُ لَكِنْ صُوِّرَا بِهَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ كَمَا تَرَى وَغَالِبُ الأَحْوَالِ أَنْ تَرَاهُ مُلْكًا لِمَنْ يَكُونُ قَدْ حَاذَاهُ وَالْوَادِي مَجْرَى الْمَاءِ فِي السُّيُولِ مِنْ جُمْلَةِ الشِّعَابِ وَالفُحول (2) فَإِنْ يَكُنْ عَن الْقُرَى بَعِيدُ فَلَيْسَ فِيهِ أَبَدًا تَشْدِيدُ (3) وَحُكْمُ مَا فِيهِ مِنَ الأَشْجَارِ لِلْفُقَرَا وَالْأَغْنِيَاءِ جَارِ فَلِلْجَمِيعِ نَفْعُهُ مُبَاحُ وَلَيْسَ فِي تَحْوِيلِهِ جُنَاحٌ) كَنَخْلَةٍ فِي جَبَلٍ قَدْ نَبَتَتْ إِبَاحَةُ النَّفْ قَدْ نَبَتَتْ إِبَاحَةُ النَّفْعِ بِهَا قَدْ ثَبَتَتْ
(1) قوله: «حظا» منصوب على الحال من المبتدأ على قول لمن أجاز مجيء ء الحال منه. (*) (حالة) منصوب على نزع الخافض والمعنى في حالة التصوير، وقد يكون الجار والمجرور هو خبر (الفرق). (إسماعيل)
(2) قوله: «الشعاب» جمع شعب بالكسر، وهو الوادي الصغير، و (الفحول) جمع فحل وهو الوادي الكبير. (المصنف)
(3) وقوله: «بعيد» مبتدأ والجار والمجرور قبله خبره، والجملة خبر كان. (المصنف)
(4) جناح: أي: حرج. (أبو إسحاق) (2/119)
صفحة 729
بابُ المَوَاتِ وَالْأَوْدِيَةِ
الجزء الثالث
119
وَلَا أَرَى فِي مَنْعِهَا عَنِ الْغَنِي دُونَ الْفَقِيرِ مِنْ دَلِيلِ بَيْنِ بَلْ لَا يَجُوزُ قَطْعُ سِدْرِ الْوَادِي إِذْ تَرْكُهُ أَنْفَعُ لِلْعِبَادِ فَهْوَ غِذَا إِنْ عُدِمَ الْغِذَاءُ وَظِلُّهُ مَأَوَّى إِذَا مَا جَاؤُوا وَالشُّوعُ أَيْضًا قَطْعُهُ مَكْرُوهُ لأَنَّ مِنْهُ الْحَلَّ يَعْصِرُوهُ وَإِنَّمَا التَّشْدِيدُ فِي الأَوْدِيَةِ إِنْ وَقَعَتْ بَيْنَ الْقُرَى وَالبَلْدَةِ فَلَيْسَ لِلإِنْسَانِ فِيهَا حَدَثُ لأَنَّ ضُرَّهَا بِذَاكَ يَحْدُثُ وَبَالغُوا فَمَنَعُوا أَنْ يُلْقَى فِيهَا النَّوَى مَخَافَةً أَنْ يَبْقَى فَينْبُتُ النَّخْلُ فَيَحْدُثُ الضَّرَرْ لِصَدِّهِ المَاءَ خِلَافَ مَا اسْتَقَرْ وَقِيلَ لَا تُحَوَّلُ السُّيُولُ عَنِ الْمَجَارِي حَيْثُ مَا تَسِيلُ لأَنَّهَا فِي سَيْرِهَا مَأْمُورَهُ فِي حُكْم خَلَّاقِ الوَرَى مَقْهُورَهُ فَلَوْ أَتَى السَّيْلُ عَلَى أَرْضِ فَلَا لَأَهْلِهَا أَنْ يَصْرِفُوهُ مَعْزِلَا (3) وَلَوْ أَرَادُوا صَرْفَهُ لِلْمَوْضِعَ وَقَدْ أَتَاهُمْ مِنْهُ فَافْهَمْ وَاسْمَعِ وَإِنْ يَكُنْ لَيْسَ بِرَدِّهِ ضَرَرْ لِغَيْرِهِ يَجُوزُ ذَاكَ فِي النَّظَرْ لأَنَّمَا الْمَانِعُ هَاهُنَا ارْتَفَعْ وَذَاكَ خَوْفُ الضُّرِّ بِالْغَيْرِ يَقَعْ وَمُشْتَرِ أَرْضًا وَفِيهَا السَّيْلُ يَجْرِي الْكَثِيرُ مِنْهُ وَالقَلِيلُ
(1) فهو غذا: أي: قوت.
(2) الشوع: هو شجر البان، وقد سبق ذكره في باب التيمم. والحَلّ بفتح الحاء هو ما يخرج منه من الزيت. (3) معزلا: أي: مكانًا آخر. قال تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ أَبْنَهُ، وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ} [هود: 42] وهو بكسر
الزاي وفتحها. (2/120)
صفحة 730
120
الجزء الثالث
كتابُ الأَمْوَالِ
فَجَائِزُ يَسُدُّهُ إِنْ سَلِمَا مِنْ أَنْ يَضُرَّ غَيْرَهُ فَيَأْثَمَا كَذَاكَ قَالَ الْأَصْلُ وَهْوَ شَاهِدِي لِمَا (1) ذَكَرْتُهُ مِنَ الْفَوَائِدِ ثَمَرَةُ النَّخْلِ الَّتِي فِي الأَوْدِيَة مِنَ القُرَى لِلْفُقَرَاءِ تَغْذِيَهْ (2) وَهَكَذَا أَوْدِيَةٌ بَيْنَ الْقُرَى مَا أَنْبَتَتْهُ حُكْمُهُ لِلْفُقَرَا وَهَكَذَا مَا كَانَ فِي الطَّرِيقِ لِلْفُقَرَا قَالَ أُولُو التَّحْقِيقِ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِصَرْفِهِ قَدْ حُكِمَا فَصَرْفُهُ حِينَئِذٍ قَدْ لَزِمَا (3) كَذَاكَ مَا أَنْبَتَتِ المَقَابِرُ وَالْحُكْمُ بِالتَّكْرِيهِ فِيهِ شَاهِرُ ثِمَارُهُ لِلْفُقَرَاءِ حُكْمَا (4) وَقِيلَ لِلْقُبُورِ نَفْعًا عَمَّا لِلْحَفْرِ وَالتَّوْلِ (1) وَحَمْلِ الْمَاءِ وَنَحْوِهَا مِنْ سَائِرِ الأَشَيَاءِ
بابُ قَسْمُ الأموال
وَالْقَسْمُ تَوْزِيعٌ لِمَالٍ مُشْتَرَكْ مَا بَيْنَ أَهْلِهِ لِكُلِّ مَا اشْتَرَكْ وَشِرْكَةُ الأَمْوَالِ طَوْرًا تُكْتَسَبْ وَمَرَّةً تَأْتِيكَ مِنْ غَيْرِ سَبَبْ فَأَوَّلُ القِسْمَيْنِ فِي الْبُيُوعِ يَكُونُ وَالْكَسْبِ مِنَ الْمَزْرُوعِ
(1) في نسخة: «بما» والمثبت أولى.
(2) تغذيه: أي: غذاء.
(3) حُكِما بالبناء للمفعول
(4) قوله: «حُكْمَا»، أي: في الحكم.
(5) نفعًا: حال.
(6) قوله: «والتَّوْلِ» هو الطين؛ ويراد به ما يحمله الكفَّان منه. (2/121)
صفحة 731
بابُ قَسْمُ الأموال
الجزء الثالث
121
وَمِنْهُ مَالُ الْغَانِمِينَ فَاعْرِفِ لأَنَّهُ بِالسَّيْفِ كَسْبًا قَدْ يَفِي) قِسْمَتُهُ تَأْتِيكَ فِي الْجِهَادِ تَأْثِيرُهَا عَنِ النَّبِيِّ الْهَادِي وَالثَّانِي بِالْمِيرَاثِ وَالْوَصَايَا وَهْوَ بِهَا يَكُونُ فِي قَضَايَا وَقَسْمُهُ بِحَسَبِ الْوَصِيَّة وَحَسَبِ الْمِيرَاثِ فِي الْقَضِيَّهْ وَهَاهُنَا نَذْكُرُ وَصْفَ الْقَسْمِ لَا غَيْرَهُ مِنْ أَنْصِبَاءِ القِسْم) لأَنَّمَا لِلْأَنْصِبَا مَوَاضِعُ قَد بَسَطَتْ بَيَانَهَا الْجَوَامِعُ (3) نَذْكُرُ ذَاكَ فِي مَحَلِّهِ كَمَا قَدْ ذَكَرُوهُ فِيهِ جُلُّ العُلَمَا فَإِنْ يَشَا الْوَارِثُ قَسْمَ الْمَالِ قَضَوْا دُيُونَ الْمَيْتِ بِالْأَمْوَالِ كَذَا وَصَايَاهُ إِذَا لَمْ تَزِدِ عَنْ ثُلُثَ وَإِنْ تَزِدْ لَمْ تُزَدِ وَالقَسْمُ قَبْلَ ذَاكَ أَمْرٌ بَاطِلُ إِذْ لَهُمُ مِنْ بَعْدِ ذَاكَ الْفَاضِلُ قَدْ أَكَدَ القُرْآنُ حَيْثُ كَرَّرَا قَضَاءَ ذَاكَ فِي النِّسَا وَقَرَّرَا (4) فَقَالَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ إِلَى آخِرِ مَا قَدْ قَالَهُ رَبُّ الْعُلَى فَقَوْلُهُ مِنْ بَعْدِ يُشْعِرَنَّا بِأَنَّ سَبْقَ الْقَسْمِ يَبْطُلَنَّا
(1) كسبا: مصدر حذف فعله، أي يكسب كسبًا، ويجوز أن يكون واقعا موقع الحال. (أبو إسحاق) (2) القسم: الأول بالفتح مصدر قسم المال يقسمه قسما، والثاني بالكسر أحد الأقسام، أي: الأنواع أو الأجزاء. (3) الجوامع: هي الكتب الجامعة لأحكام الشريعة، أو المراد بها الكتب المسماة بهذا الا كجامع أبي جعفر وجامع أبي صفرة وجامع أبي الحواري وجامع الأشياخ، وجامع أبي محمد، وجامع البسيوي وجامع أبي قحطان وغيرها.
(4) النِّسَا: أي: سورة النساء.
س (2/122)
صفحة 732
122
الجزء الثالث
كتابُ الأَمْوَالِ
(4)
وَبَعْدَ ذَاكَ قَسَمُوا مَا يُقْسَمُ وَهُوَ الَّذِي لَا ضُرَّ فِيهِ يُعْلَمُ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ فِي الْقَسْم ضَرَرْ لِلشُّرَكَا فَقَسْمُهُ لَا يُعْتَبَرْ بَلْ يَقْسِمُونَ مِنْهُ تِلْكَ الْمَنْفَعَهُ بَيْنَهُمُ يُصِيبُ كُلٌّ مَوْقِعَهُ وَالْغُرْمُ أَيْضًا بَيْنَهُمْ مَقْسُومُ كُلُّ مَنَابُهُ وَذَا مَعْلُومُ وَوَرَدَ الْخِلَافُ هَلْ يُبَاعُ أَمْ تُقْسَمَنْ غَلَّتَهُ الْمُشَاعُ) إِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ مَعْنَى الْقَسْمِ كَنَخْلَةٍ وَاحِدَةٍ لِقَوْمِ فَإِنْ هُمْ قَدْ قَسَمُوا لِلْغَلَّةِ فَالْغُرْمُ لَازِمٌ بَقَدْرِ الشِّرْكَةِ وَلَا يَجُوزُ الْقَسْمُ لِلدُّيُونِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُقْبَضَ مِنْ مَدْيُونِ لأَنَّهُ كَبَيْعِ مَا فِي الدِّمَمِ وَبَيْعُ ذَاكَ بَاطِلٌ فَلْتَعْلَم وَالْقَسْمُ كَالْبَيْعِ لَدَيْهِمْ حُكْمَا فَمَا يَصِحُ ثَمَّ صَحَّ ثَمَّا وَمِنْ هُنَاكَ الْمَنْعُ فِي الآثَارِ قَبْلَ الدَّرَاكِ القَسْمُ) لِلثَّمَارِ كَذَلِكَ الزُّرُوعُ قَبْلَ النَّضَج (4) فِي قَسْمِهَا يَكُونُ نَوْعُ حَرَجٍ وَمِنْ هُنَاكَ قِيلَ لَا مَحَالَهُ مِنْ نَقْضِهِ بِحَالَةِ الْجَهَالَهُ وَإِنْ يَمُتْ مِنْ قَبْل أَنْ يُغَيِّرَا بَعْضُهُمُ فَالْقَسْمُ بَعْدَهُ جَرَى
(1) كل مبتدأ والخبر (منابه»، والتقدير كل واحد منهم عليه، منابه أي ما ينوبه من الغرم، ويجوز جر كل بدلا من الضمير الذي في بينهم.
(2) غلته المشاع: بإعادة الضمير إلى متأخر لفظًا متقدم رتبة، وقد شاع جوازه.
(3) القسم: هو بالرفع على توهم كونه نائب فاعل المنع، وتقدير الكلام؛ ومن هنا منع قسم الثمار قبل إدراكها. (أبو إسحاق)
(4) النضج: بتحريك الضاد هو اشتداد حبّها. (2/123)
صفحة 733
بابُ قَسْمُ الأموال
الجزء الثالث
123
لَا نَقْضَ فِيهِ أَبَدًا لِلْوَارِثِ لَوْ كَانَ مَعْلُولًا بِوَصْفِ نَاكِتْ (1) وَهَكَذَا الأَعْمَى إِذَا مَا قَاسَمَا شَرِيكَهُ وَمَاتَ صَارَ لَازِمَا وَقَسْمُهُ فِي الْمَاءِ يَثْبُتَنَا وَمَا عَلَيْهِ أَنْ يُوَكِّلَنَّا لِأَنَّمَا الْأَعْمَى بِهِ وَذُو الْبَصَرْ بِهِ وَذُو الْبَصَرُ سِيَّانِ فِي خِبْرَةِ) هَذَاكَ القَدَرْ وَفِي الأُصُولِ يَلْزَمُ التَّوْكِيلُ وَفِي الْعَقَارِ) يَقْسِمُ الْوَكِيلُ قَسْمُ الْمَرِيضِ مَالَهُ لِلْوَرَثَهُ لَيْسَ يَجُوزُ لَوْ رَضِي مَنْ وَرِثَهُ وَالنَّقْصُ فِيهِ جَائِزٌ جَمِيلُ لأَنَّ مَنْ يَقْسِمُهُ عَلِيلُ وَهْوَ مِنَ التَّصَرُّفِ الْمَمْنُوعِ كَمِثْلِ مَا قَدْ قِيلَ فِي البُيُوعِ وَهَكَذَا مَا بِيعَ بِالخِيَارِ فَقَسْمُهُ الْبَاطِلُ لَا تُمَارِي لأَنَّهُ الْمَعْلُولُ بَيْنَ الْعُلَمَا بِمَا بِهِ مِنَ الشُّرُوطِ الْتُرْمَا كَذَاكَ قِيلَ نَقْصُهُ بِالْغَبْنِ كَالْبَيْعِ فِي مِقْدَارِهِ الْمُبَيَّنِ وَذَاكَ أَنْ يُغْبَنَ قَدْرَ الْعُشْرِ فَصَاعِدًا، لَا دُونَ هَذَا الْقَدَرِ وَقِيلَ إِنْ كَانَ بِرَمْيِ السَّهُم فَالنَّقْضُ لِلغَبْنِ لِذَاكَ القَسْمِ وَثَابِتٌ إِنْ صَارَ بِالْخِيَارِ إِلَيْهِ إِذْ كَانَ عَنِ اخْتِيَارِ
(4)
(1) بوصف ناكث، أي: بشيء من الأوصاف التي يُدْرَكُ بها رَدُّ الْقَسْم.
(2) في خبرة هذا: أي: في علمه ومعرفته. وقوله: «هذاك» إشارة إلى البعيد، قال طرفة: رَأَيْتُ بِنَي غَبْرَاءَ لَا يُنْكِرُونَنِي وَلَا أَهْلُ هَذَاكَ الطَّرَافِ المُمَدَّدِ
والطراف بكسر الطاء بيت من الأُدم وهي الجلود. (أبو إسحاق)
(3) العقار: هو بفتح العين مخففًا الأرض والضياع والنخل فهو مرادف للأصول.
(4) برمي
السهم: أي: بالقرعة المعروفة. (2/124)
صفحة 734
124
الجزء الثالث
كتابُ الأَمْوَالِ
وَقَدْ أُجِيزَ الْقَسْمُ لَوْ لَمْ يُخْرِجِ غَبْنَا لَأَيْتَامِ فَمَا مِنْ حَرَجَ وَتَنْبُتُ الْحُجَّةُ لِلأَيْتَامِ إِنْ بَلَغُوا فِي النَّقْضِ وَالإِثْمَامِ وَالْقَسْمُ لِلأَيْتَامِ وَالْغُيَّابِ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ بِلَا ارْتِيَابِ قَالَ (2) أَبو مُحَمَّدٍ يَحْضُرُهُ مِنَ الثَّقَاتِ كُلُّ مَنْ يَخْبُرُهُ لَوْ لَمْ يَكُونُوا أَوْلِيَا فِي الدِّينِ كَالْبَيْعَ وَالْحُقُوقِ وَالدُّيُونِ فَفِي الْجَمِيعِ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ مِنْهُمْ كَذَاكَ قَسْمُهُمْ أَفَادَهُ وَآخَرُونَ شَدَّدُوا وَاشْتَرَطُوا وَلَايَةَ القُسَّامِ حُكْمًا يُصْبَطُ وَلَيْسَ ذَا الْخِلافُ مَعْنَوِيًّا حَتَّى نُلَزِّمَنَّهُمْ وَلِيَّا بَلْ إِنَّهُ لِلَّفْظِ رَاجِعٌ فَقَطْ يُدْرِكُهُ امْرُةٌ عَلَى الْمَعْنَى سَقَطْ وَذَاكَ أَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَا بَيْنَهُمَا لَيْسَ يُفَرِّقُونَا فَكُلُّ مَنْ وَصَفْتَهُ بِالثَّقَةِ فَهْوَ وَلِيٌّ عِنْدَهُمْ بِحُجَّةِ وَاخْتَلَفَ التَّعْبِيرُ بَعْضُ عَبَّرَا بِذَا وَبَعْضُهُمْ بِذَاكَ اقْتَصَرَا
(1) قوله: «غبنًا لأيتام بنصب غبنًا على بناء يخرج للفاعل، أي: ولو لم يخرج القاسم غبنًا، والظاهر بناء الفعل على المجهول، ورفع غبنًا على أنه نائب الفاعل، وغبن الأيتام في اصطلاح المشارقة بأن تطلع لهم شيء من المال قبل القسمة لأجل الاحتياط، وقد قدره بعضهم بربع
عشر المال الذي يقسم.
(2) أبو محمد: هو العلّامة عبد الله محمد بن بن بركة السليمي صاحب الجامع المشهور باسمه وكتاب التقييد وكتاب الموازنة وغيرها، كان معاصرًا للإمام أبي سعيد الكدمي، وكان مسكنه بمحلة الضرْح (كالصرح) من بلد بهلا من عُمان، ونسبه من بني سليمة بن مالك بن
فهم الأزدي. (2/125)
صفحة 735
بابُ قَسْمُ الأموال
الجزء الثالث
وَالْكُلُّ قَدْ أَرَادَ مَعْنَى وَاحِدَا وَضَلَّ فَهْمُ مَنْ لِهَذَا عَانَدَا وَمَنْ يَكُنْ لَا يَدْرِي حَقَّ الْقَسْمِ لَيْسَ لَهُ الدُّخُولُ فِي ذَا الْحُكْمِ وَالْقَسْمُ بَاطِلٌ إِذَا لَمْ يَحْضُرِ فِيهِ مِنَ الثَّقَاتِ أَهْلُ البَصَرِ وَجَائِزٌ إِنْ أَخَذَ الْقُسَامُ أَجْرًا مَتَى مَا صَحَتِ السِّهَامُ وَذَاكَ وَاجِبٌ عَلَى الْكَبِيرِ مِمَّنْ لَهُ الْقِسْمَةُ وَالصَّغِيرِ وَهُمْ سَوَاءٌ مَنْ لَهُ الْقَلِيلُ مِنْ وَارِثِيهِ قِيلَ وَالْجَلِيلُ) لِأَنَّهَا عَلَى الرُّؤُوسِ تُجْعَلُ لَيْسَ عَلَى السِّهَامِ فِيمَا يُنْقَلُ وَأَجْرَةُ الشَّحْبِ (2) كَذَاكَ قِيلَا تُقْسَمُ بَيْنَهُمْ وَلَا تَفْضِيلًا وَبِالسِّهَامِ الْقَسْمُ عِنْدِي أَفْضَلُ فِي الأَصِلِ لِلْأَيْتَامِ حِينَ يُفْعَلُ وَهْيَ الَّتِي تُعْرَفُ بِالْقُرْعَةِ (3) فِي عُرْفِ الْحِجَازِيِّينَ طُرًّا فَاعْرِفِ تُفْعَلُ فِي الأُمُورِ الْمُشْكِلَاتِ تُجْعَلُ فِيهَا مِثْلَ الْبَيِّنَاتِ لِلْمُصْطَفَى فِيهَا اعْتِنَاءُ نُقِلَا لِطَلَبِ الْإِنْصَافِ فِيمَا أَشْكَلَا وَيُونُسٌ سَاهَمَ ثُمَّ وَقَعَا عَلَيْهِ ذَاكَ السَّهْمُ فِيمَا صَنَعَا وَوَصْفُهَا قِيلَ بِلَا انْدِفَاعِ أَنْ تُكتَبَ الأَسْمَاءُ فِي رِقَاعِ
(1) في نسخة والعليل أي المريض، أي: كلهم في ذلك سواء من له الكثير ومن والصحيح منهم والسقيم، وفي نسخة:
وَهُمْ سَوَاءٌ مَنْ لَهُ الكَثِيرُ مِنْ وَارِثِيهِ قِيلَ وَاليَسِيرُ
له القليل
(2) الشحب: أي: شحب الساقية.
(3) «القرعة» بضم القاف. (2/126)
صفحة 736
126
الجزء الثالث
كتابُ الأَمْوَالِ
وَكُلُّ ذِي سَهُم يَكُونُ إِسْمُهُ فِي رُقْعَةٍ يُعْرَفُ مِنْهَا سَهْمُهُ تُجْعَلُ فِي بَنَادِقٍ مِنْ طِينِ تُبْنَى عَلَى الْأَسْمَاءِ بِالْيَقِينِ يَطْرَحُهَا قَدْ قِيلَ مَنْ لَمْ يَحْضُرِ رِقَاعَهُمْ وَمَا بِهَا لَمْ يَنْظُرِ وَكُلُّ نَهْرٍ يُقْسَمَنْ بِحِدَةِ لَا تُحْمَلُ الأَنْهَارُ عِنْدَ الْقِسْمَةِ إِلَّا إِذَا مَا كَانَ عَنْ تَرَاضِ مِنْهُمْ فَبِالتَّرَاضِي ذَاكَ مَاضِي حِلٌّ (1) سُكُونُ الْبَيْتِ قَبْلَ الْقَسْمِ لِلشُّرَكَا بِغَيْرِ أَجْرٍ سُمِّي وَغَارِسٌ فِيمَا سِوَى الْمَقْسُومِ لَهُ الْعَنَا وَقِيمَةُ الصُّرُومِ) وَالْغَرْسُ مَقْسُومٌ عَلَى السِّهَامِ جَمِيعِهَا بَحَسَبِ الْأَقْسَامِ وَشَرْطُ رَفْعِ الْفَسْلِ عِنْدَ الْقَسْمِ) يَثْبُتُ قَدْ قِيلَ بِكُلِّ سَهْمِ لَوْ شَرَطُوا الْفَسْحَ بِسِتَّةِ عَشَرْ كَانَ عَلَيْهِمُ كَمِثْلَ مَا اسْتَقَرْ لَوْ كَانَ خَلْفَ نَخْلَةٍ مِنْ قَبْلِ (4) نَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَاكَ الْفَسْل فَذَلِكَ الشَّرْطُ عَلَيْهِ لَازِمُ وَالشَّرْطُ عِنْدَ المُسْلِمِينَ قَائِمُ
(1) حل: خبر مقدم، وسكون مبتدأ مؤخر، وفاقًا لمذهب البصريين.
(2) الصروم: جمع صَرْمة، وهي الفسيلة من صغار النخل وقد سبق بيانها. (أبو إسحاق) (3) قوله: «وشرط»، يعني: إذا اتفق أصحاب السهام على أن يجعلوا لِلْمُفَاسَلَةِ فيما بين نخيلهم وأشجارهم حريما محدودًا بذرع معلوم ثبت ذلك عليهم، ولم يكن لأحدهم أن يغير ذلك الشرط، وهكذا إذا اشترط بعضهم على بعض أن لا يفسل أحدهم إلا مكان نخلته أو شجرته ثبت ذلك عليهم. (4) قوله: «من قبل»، أي: من قبل ذلك، على نية إضافة قبل، ولذلك لم تُبنَ على الضمة. (2/127)
صفحة 737
بابُ قَسْمُ الأموال
الجزء الثالث
127
كتاب الصكوك
قِرْطَاسَةُ الْحُقُوقِ فِي التَّعَارُفِ بِالصَّلِّ تُدْعَى عِنْدَ كُلِّ عَارِفِ يَكْتُبُهَا مَنْ يُحْسِنُ الْأَوْضَاعَا كَيْلَا يُقَالَ حَقٌّ زَيْدٍ ضَاعَا يَكْتُبُهَا مُصَرِّحًا بِالْعَرَبِي مِنْ دُونِ عُجْمَةٍ وَدُونِ مَتْرَبِي (1) وَدُونِ تَعْرِيحٍ وَطَمْسِ الْأَحْرُفِ وَدُونِ تَبْدِيلِ لِرَسْمِ فَاعْرِفِ يُصَدِّرُ اسْمَ اللهِ فِي أَوَّلِهَا تَبَرُّعًا لِخَيْرِهَا وَفَضْلِهَا فَكُلُّ مَا لَمْ يُبْدَ بِاسْمِ الذَّاتِ فَإِنَّهُ مُنْقَطِعُ الْخَيْرَاتِ لَكِنَّهُ إِنْ صَحَ بَاقِي اللَّفْظِ مِنْهُ فَذَاكَ ثَابِتٌ فِي حِفْظِي وَلَيْسَ بِالتَّعْرِيج (2) فِيهَا بَاسُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي وَضْعِهِ الْتِبَاسُ وَالْمَتْرَبِيُّ مِثْلُهُ وَقَالَا بَعْضُ نَرَى بِوَضْعِهِ إِشْكَالَا فَاسْتَحْسَنُوا التَّرْكَ لَهُ لِهَذَا كَيْلَا يَرَى الْخَصْمُ وَأَنْتَ تَدْرِي أَنَّمَا الْكِتَابَهُ وَضْعُ اصْطِلَاحٍ يُشْبِهُ الْخَطَابَهُ لِكُلِّ قَوْمٍ فِيهِ مَا تَعَارَفُوا وَكُلُّ مَا عَلَيْهِ قَدْ تَآلَفُوا وَالقَدْحُ بِالإِشْكَالِ وَهُوَ مُخْتَلِفْ (3) يُشْكِلُ مَعْ بَعْضٍ وَعَنهُ فَيَقِفْ
(2)
(1) قوله: «متربي» القلم الهندي ـ (المصنف)
مَلَاذَا بِهِ
(2) قوله وليس بالتعريج التعريج وضع الحرف على صورة غير صورته الرسمية، فكتابة التعريج هكذا هو نفس التعريج، اصطلاحًا عُمانيا. (3) قوله: «والقدح»، يعني: الأمر الذي يقدح في صحة الأمر إذا داخله الإشكال، فمن أشكل عليه
أمر وقف عنه. (2/128)
صفحة 738
128
الجزء الثالث
كتابُ الصُّكوك
وَلَيْسَ عِنْدَ آخَرِينَ يُشْكِلُ بَلْ فَهْمُهُ بَادٍ عَلَيْهِ عَوَّلُوا (1) فَعِنْدَ هَؤُلَاءِ لَا يُعَدُّ نَقْدًا (2) وَعِنْدَ الآخَرِينَ نَقْدُ مِنْ هَاهُنَا أَجَازَ بَعْضُ يُرْسَمُ قُرْآنُنَا بِمَتْرَبِيِّ يُعْلَمُ وَالمَتْرَبِيُّ قَلَمْ هِنْدِيٌّ وَمِثْلُهُ فِي ذَاكَ الأَعْجَمِيُّ مِنْ هَاهُنَا التَّطْمِيسُ فِي الْحُرُوفِ يَثْبُتُ إِنْ كَانَ مِنَ الْمَعْرُوفِ وَمِنْ هُنَا يُكْتَبُ نُطْقُ الْبَادِي (3) بِالْقَافِ لَوْ قَالَ بجيم بَادِي فَعُرْفُهُمْ بِذَاكَ يُبْدِلُونَا بِالْقَافِ حِيمًا حِينَ يَنْطِقُونَا
فَفِي عَتِيقٍ بِعَتِيجٍ عَبَّرُوا وَقَاسِمًا لِجَاسِم قَدْ غَيَّرُوا كَذَاكَ فِي نَقِيَّةٍ قَدْ قَالُوا نَجِيَّةٌ وَتُنْظَرُ الأَحْوَالُ لِلْكَاتِبِ الْمُثْقِنِ أَنْ يَرْسُمَ مَا قَالُوهُ بِاللَّفْظِ الَّذِي قَدْ أُحْكِمَا وَلَيْسَ ذَاكَ أَبَدًا تَبْدِيلُ (؟) لِأَنَّهُ يُعْرَفُ مَا يَقُولُوا وَالسِّينُ وَالشَّينُ إِذَا مَا كَتَبَا حَرْفَيْنِ مِنْ ثُبُوتِهِ الصُّبْحِي أَبَى (5)
(1) عولوا: أي: اعتمدوا.
(2) نقدا: أي: عيبًا.
(3) البادي: الأول بمعنى الأعرابي، والثاني بمعنى ظاهر، من بدا الشيء إذا ظهر.
(4) تبديل: بالرفع، والظاهر أنه هو خبر ليس؛ فحقه أن ينصب فلعل المصنف رحمة الله جعله اسمها وجعل اسم الإشارة الخبر عملا بقول شاذ كما في قوله: قفِي قَبْلَ التَّفَرُّقِ يَا ضُبَاعًا وَلَا يَكُ مَوْقِفٌ مِنْكَ الوَدَاعَا
ويمكن أنه جعلها بمنزلة الحرف النافي، وأهمل عملها كما في قوله:
كَيْفَ المَفَرُّ وَالإِلهُ الطَّالِبُ وَالأَشْرَمُ المَغْلُوبُ لَيْسَ الغَالِبُ
(5) الصبحي: هو العلّامة سعيد بن بشير بن محمد الصبحي السمدي النزوي، وهو هنا بتخفيف
ياء النسب لأجل إقامة الوزن. (2/129)
صفحة 739
بابُ قَسْمُ الأموال
الجزء الثالث
129
إِذْ لَمْ يَكُنْ ذَاكَ بِسِينٍ يُعْرَفُ وَلَا بِشِينٍ بَلْ هُوَ التَّعَسُّفْ وَالْحَقُّ بِالْبَاطِلِ لَا يَقُومُ قُلْتُ وَلَكِنْ قَصْدُهُ مَفْهُومُ وَالْغَرَضُ الْمَقْصُودُ فِي الْكِتَابَهُ إِدْرَاكُ مَعْنَاهُ وَلَا اسْتِرَابَهُ وَلَا ضَمَانَ قِيلَ مَهْمَا بَدَّلَا بِالصَّادِ ظَاءً مَنْ لِهَذَا جَهِلَا وَقَالَ قَوْمٌ إِنَّهُ لَا يُعْذَرُ بِذَاكَ إِذْ بُطْلَانُهُ مُشْتَهِرُ لِلصَّادِ مَعْنًى غَيْرُ مَعْنَى الظَّاءِ فَاخْتَلَفَ الْحَالَانِ فِي الإِمْلَاءِ لَكِنَّهُ يُسْرِعُ لِلإِصْلَاحِ وَمَا عَلَيْهِ بَعْدُ مِنْ جُنَاحِ لَكِنَّ بَعْضَ الْعُرْبِ يُبْدِلَنَّا بِالصَّادِ ظَاءً حِينَ يَنْطِقَنَّا وَبَعْضُهُمْ يَعْكِسُ وَالأُولَى تَرَى وُجُودَهَا مَا بَيْنَنَا مُشْتَهِرَا كَأَنَّنَا الْقَوْمُ الَّذِينَ نُقِلَتْ عَنْهُمْ فَكَيْفَ نَتْرُكَنَّ مَا ثَبَتْ فَلَا أَرَى إِبْطَالَ صَكٌ فِيهِ ذَلِكَ لِلْمَعْنَى الَّذِي أَحْكِيهِ
(11)
إِنْ شِئْتَ نَقْلَ ذَاكَ بِالإِيْصَاحِ مِنْ (ضَوَدٍ)) طَالِعْهُ فِي الْمِصْبَاحِ (2)
(1) قوله: «وَالأُولَى ترى»، أي: إبدال الضاد ظاء صار بيننا معاشر العُمانيين عملا مشهورًا، فنحن
ننطق بها ظاء مشالة.
(*) من (صَوَدٍ) أي من مادة (صَوَدٍ) من الكتاب المذكور، وقد تكون طريقة إبدال الظاء ضادا مؤدية إلى ما يعرف بالضاد اليابسة، وهي التي تكون في نطقها أقرب إلى الضاد، وهذه طريقة
مذكورة في اللغة. (إسماعيل)
(2) أي في كتاب المصباح. (أبو إسحاق) (2/130)
صفحة 740
130
الجزء الثالث
كتابُ الصُّكوك
لَكِنَّهُ مَعْ ذَاكَ لَيْسَ يُقْرَا بِهِ الْقُرَآنُ إِذْ يُسَنُّ الْمَقْرَا) بِمِائَةٍ بِالْيَاءِ يُكْتَبَنَّا وَرَسْمُهُ بِالْهَمْزِ يَبْطُلَنَّا لأَنَّ هَذَا يَاءُهُ أَصْلِيَّة وَقِيلَ لَا فَسَادَ فِي الْقَضِيَّة وَالْفَرْدُ مِنْ بَنِي هَنَاةَ يُنْسَبُ إِلَى هَنَائِيٌّ بِهَمْزِ يُكْتَبُ بِهَمْزَةٍ تُجْعَلُ فَوْقَ الأَلِفِ وَذَاكَ مِنْ وَضْعِهِمُ الْمُؤْتَلِفِ وَخَفْضْكَ الْمَرْفُوعَ مَمْنُوعٌ وَفِي إِبْطَالِهِ فِي الصَّلِّ خُلْفٌ فَاعْرِفِ وَلَا أَقُولُ بَاطِلٌ (2) إِنْ فُهِمَا مَعْنَاهُ فَهُمَا صَالِحًا مُتَمَّمَا وَالرَّدُّ فِي الْحَوَاشِي يُذْكَرَنَّا مَنْ رَدَّهُ ذِكْرًا يُبَيِّنَنا
(3)
وَثَابِتٌ إِنْ كَانَ بَيْنَ الْأَسْطُرِ ذَلِكَ لَوْ كَاتِبُهُ لَمْ يُذْكَر وَالأَصْلُ قَدْ رَآهُمَا سَوَاءَ لِعَدَمِ الْفَارِقِ فِيهِ جَاءَا وَمَا يُدَمِّرْهُ) الْخَطَا لَا يَعْمَنُ قُرطَاسَهُ كَاتِبُهُ الْمُبَيِّنُ كَذَاكَ لَا يَعْمَنُ مَهْمَا تَرَكَا تَأْرِيخَ صَلِّهِ إِذَا مَا صَكَكَا)
(1) قوله: «إذ يُسَنَّ المَقْرا»، أي: أن قراءة القرآن الكريم يُراعى فيها اتباع السنة والاقتداء بقراءة القرّاء المشهورين فلا يقرأ بالقراءات الشاذة.
(2) قوله: «باطل» مرفوع خبر مبتدأ محذوف تقديره: ولا أقول هو باطل.
(3) يُذكر: بالبناء للمفعول، ويجوز بناؤه للفاعل، أي: لم يذكر نفسه. (4) قوله: «رآهما»، أي: الرد في الحاشية أو بين السطرين، فهما عند الشيخ الصايغي على سواء، فلا بد من ذكر اسم الراد بأن يكتب رَدَّهُ فلان ابن فلان.
(5) وما يُدَمّره بالجزم لأجل الضرورة، وإسناد التدمير إلى الخطأ مجاز مرسل.
(6) صككا: أي: كتب الصك. (2/131)
صفحة 741
بابُ قَسْمُ الأموال
الجزء الثالث
131
مَا
لِأَنَّهُ فِي الْحُكْمِ ثَابِتٌ وَقَدْ قَالَ أُنَاسٌ دُونَ تَأْرِيخِ يُرَدُ وَيَكْتُبُ الْمُقِرُّ بِالْأَصَمَّ إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِهَذَا الإِسْمِ كَذَلِكَ الأَعْمَى كَذَاكَ الأَعْوَرُ كَذَلِكَ الأَعْرَجُ حِينَ يُشْهَرُ لَم يُرِدْ تَنْقِيصَهُ فَإِنْ يُرِدْ تَنْقِيصَهُ فَالْمَنْعُ هَاهُنَا يَرِدْ وَفِي عَبِيدِهِ (1) الإِنَاتُ تَدْخُلُ إِنْ رُسِمُوا وَقِيلَ لَيْسَ تَدْخُلُ بَلِ الإِنَاتُ بِالإِمَاءِ تُعْرَفُ قُلْتُ وَلكِنْ ذَاكَ لَيْسَ يَصْرِفُ فَإِنَّهَا عَبْدَتُهُ كَمِثْل مَا أَمَتُهُ كَانَتْ تُسَمَّى فَاعْلَمَا فَالشَّيْءُ قَدْ يَكُونُ ذَا إِسْمَيْنِ وَقَدْ يَجِي التَّغْلِيبُ فِي النَّوْعَيْنِ وَالجَمْعُ تَكْسِيرُ وَفِيهِ الرَّجُلُ مِنْهُمْ مَعَ الإِنَاثِ طُرًّا يَدْخُلُ
حَصَلَا
لَكِنَّ سَبْقَ مُلْكِهِ أَقْوَى فَلَا تُنْقَلُ عَنْهُ بِاحْتِمَالٍ فَيَلْزَمُ الْكَاتِبَ أَنْ يَخْتَارًا إِنْ شَاءَهَا مَا عَمَّهَا جِهَارَا كَيْ لَا يَكُونَ الأَمْرُ فِيهَا مُلْتَبِسْ فَيَفْسُدُ الْمَعْنَى بِهِ وَيَنْعَكِسْ وَبِالأَرِقًا يُجْمَعُ الرَّقِيقُ وَهُوَ الَّذِي بِمُلْكِهِ مَوْثُوقُ وَبِالْمَمَالِيكِ اجْمَعِ الْمَمْلُوكَا وَبِالصَّعَالِيكِ اجْمَعِ الصُّعْلُوكَا وَالْقِنُ بِالْأَقْنَانِ يُجْمَعَنَّا وَالْعَبدُ فِيهِ أَوْجُهُ اسْمَعَنَّا
(1) قوله: «وفي عبيده»، أي: إذا أقرّ أو أوْصَى بعبيده وكان فيهم الذكور والإناث دخلت الإناث في الإقرار بحكم التبعية والأغلبية، وقيل إنها لا تدخل، والأول أظهر لُغَةً، وينبغي اعتبار العرف في ذلك شرعًا. (أبو إسحاق) (2/132)
صفحة 742
132
الجزء الثالث
كتابُ الصُّكوك
عِبَادُ عَبْدُونَ عَبِيدٌ أَعْبُدُ وَفِيهِ غَيْرُ مَا ذَكَرْتُ يُوجَدُ وَهَذِهِ الأَلْفَاظُ فِي الْكِتَابِ يَقْبُحُ جَهْلُهَا عَلَى الْكُتَابِ وَامْرَأَةٌ تُرِيدُ يُكْتَبَنَّا عَنْهَا فَلِلْكَاتِبِ تَظْهَرَنَّا تَكْشِفُ وَجْهَهَا عَنِ اللُّثَامِ كَيْ لَا يَكُونَ الْأَمْرُ فِي إِبْهَامِ وَإِنْ أَبَتْ عَنْ كَشْفِهِ لَا يُكْتَبُ عَنْهَا لِخَوْفٍ مِنْ أُمُورٍ تَعْقِبُ لَعَلَّهَا تَشَبَّهَتْ بِأُخْرَى مِنْ مِثْلِهَا خَدِيعَةً وَمَكْرًا وَبِانْكِشَافِ وَجْهِهَا يَزُولُ بَيْنَ الْوَرَى مَحْذُورُهُ الْمَعْلُولُ وَقِيلَ فِي التَّسْجِيلِ لِلْأَوْرَاقِ كَالْحُكْمِ وَالْإِمْضَاءِ بِاتِّفَاقِ وَتُكْتَبُ الشُّهُودُ فِيهَا لَوْ بِخَطْ كَاتِبِهَا السَّابِقِ مِنْهُمُ فَقَطْ فَإِنَّمَا الشُّهُودُ حُجَّةٌ عَلَى ثُبُوتِهَا فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْمَلَا (2)
(3)
وَقَالَ قَوْمٌ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إِنْ كَانَ عَدْلًا ثَابِتٌ وَمَاضِي " بِنَفْسِهِ يَمْضِي بِلَا شُهُودِ لأَنَّهُ كَحُكْمِهِ الْمَعْهُودِ فَقَوْلُهُ أَوْصَى فُلَانٌ أَوْ أَمْرُ فِي رَسْمِهِ كَقَوْلِهِ هَذَا اسْتَقَرْ وَبَعْضُهُمْ أَثْبَتَ فِي حَيَاتِهِ ذَاكَ وَلَمْ يُثْبِتْهُ فِي مَمَاتِهِ إِذْ فِي الْحَيَاةِ يُمْكِنُ النَّكِيرُ مِنْهُ إِذَا مَا وَقَعَ التَّصْوِيرُ
(1) قوله: «في الكتاب»، أي: الصك، والكتاب في آخر البيت جمع كاتب
(2) قوله: «الملا»، أي: الخلق.
(3) ثابت استدلالاً بقوله تعالى: {وَلْيَكْتُب بَيْنَكُمْ كَاتِبُ بِالْعَدْلِ} [البقرة: 282]. (2/133)
صفحة 743
بابُ قَسْمُ الأموال
الجزء الثالث
133
وَبَعْضُهُمْ جَوَّزَ فِي الْوَصِيَّةِ بِخَطِّ عَدْلٍ ثَابِتِ الْقَضِيَّةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَاضٍ إِذَا مَا اشْتَهَرَا بِخَطَّهِ مَعْ مَنْ يَرَى مَا سُطَّرَا وَبَعْضُهُمْ عَلَى الشُّهُودِ أَوْقَفَا تُبُوتَ ذَاكَ كُلِّهِ تَخَوُّفَا خَافُوا مِنَ التَّبْدِيلَ فِي الْكِتَابَةِ فَوَقَفُوا لِنَفْي الإِسْتِرَابَةِ وَالْقَاضِي مِنْ أَهْلِ الْخِلَافِ يُوقَفُ عَنْ خَطَّهِ مَعَ الَّذِينَ سَلَفُوا حَتَّى يَصِحَ بِشُهُودِ الْعَدْلِ ثُبُوتُهُ كَمِثْلِ مَا فِي الْأَصْلِ وَلِلْمُخَالِفِينَ أَهْوَا تَحْمِلُ صَاحِبَهَا عَلَى أُمُورٍ تُفْعَلُ رَجَوْ شَفَاعَةً مَعَ الْكَبَائِرِ أَرْجَو عَذَابَهُ عَنِ الْمُكَابِرِ وَقَطَعُوا أَنْ يَدْخُلُوا الْجِنَانَا لَوْ أَنَّهُمْ قَدْ عَانَدُوا الرَّحْمَانَا فَهَذِهِ الْأُمُورُ تَحْمِلَنَا عَلَى ارْتِكَابِ مَا يُحَرَّمَنَّا مِنْ هَاهُنَا عَلَى الْمَعَاصِي جَسَرُوا وَلَازَمُوهَا، وَالإِلَهُ يَسْتُرُ وَقِيلَ مَنْ بِخَطَّهِ قَدْ كَتَبَا حَقًّا عَلَيْهِ لِفُلَانٍ وَجَبَا بِأَنَّ ذَاكَ حُجَّةٌ وَقِيلَ لَا وَبَعْضُهُمْ بَيَّنَهُ وَفَصَّلَا إِنْ كَانَ مِمَّنْ خَطُّهُ يَجُوزُ فِي الْمُسْلِمِينَ فَبِهِ يَفُوزُ وَإِنْ يَكُنْ بَيْنَهُمُ لَا يَثْبُتُ فَإِنَّهُ لِلْحَقِّ لَا يُثَبِّتُ
(1) قوله: «رجوا»، أي أخروا بمعنى أنهم رجؤا تأخير العذاب عنهم يوم القيامة، تمسكا بمجرد الإقرار بالشهادة؛ وبذلك سميت المرجئة مرجئة: قلت: ولكنهم مع هذا لا يستحلون شهادة الزور، وفيهم من العدول من يتحاشى عن سفساف الأمور، فالأولى قبول شهادة عدولهم، والله أعلم. (2/134)
صفحة 744
134
الجزء الثالث
كتابُ الصُّكوك
به
وَإِنَّنِي أَرَى تُبُوتَهُ بِمَا قَدْ خَطَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَبْهَمَا أَجْعَلُ خَطَّهُ إِذَا مَا عُرِفَا مَنْزِلَةَ الْإِقْرَارِ مِنْهُ فَاعْرِفَا قَدْ أَثْبَتُوا الطَّلَاقَ إِنْ كَتَبْ كَذَلِكَ الْحَقُّ بِهِ أَيْضًا وَجَبْ وَوُضِعَ الْكَلَامُ لِلإِنْهَامِ وَالْخَطُّ فِي ذَلِكَ كَالْكَلَامِ قَدْ وَجَبَ الثَّنَا لِبَارِيُّ النَّسَمْ أَنْ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مِنْ رَسْمِ الْقَلَمُ عَلَّمَهُ بِذَاكَ مَا لَمْ يَعْلَم وَذَاكَ نِعْمَةٌ كَبَاقِي النِّعَمِ بِهِ قَدِ امْتَنَّ عَلَيْنَا اللهُ فَكَيْفَ مَعْ هَذَا لَنَا إِلْغَاهُ وَإِنَّهُ قِيلَ لِسَانُ ثَانِي وَذَاكَ لِلَّتْبِينِ لِلْمَعَانِي جُلُّ عُلُومِ الأَوَّلِينَ فِيهِ كَيْفَ لَنَا مَعْ هَذِهِ نُلْفِيهِ مَا حُفِظَ الْقُرْآنُ وَالأَخْبَارُ إِلَّا بِهِ وَهَكَذَا الْآثَارُ فَيَا لَهَا مِنْ نِعْمَةٍ بِالْقَلَمِ يَفُوقُ وَصْفُهَا جَزِيلَ النِّعَمِ وَرَجُلٌ قَدِ ادَّعَى وَرَفَعَا صَلًّا بِهِ حَقٌّ عَلَى مَنِ ادَّعَى أَنْكَرَهُ قِيلَ لِمَنْ قَدْ أَنكَرَا تَحِلِيفُهُ عَلَى بَقَا مَا سُطَّرَا
(1) قوله: «أجعل خطه .... إلخ» قلت: هذا هو الحق الذي لا امتراء فيه.
(2) لبارئ النسم: أي: خالق الخلق. (3) قوله: «أنكر» بفتح الهمزة للبناء للفاعل، يعني: إذا أنكر من عليه الحق بقاء الحق، وادعى تسليمه؛ فإن له على صاحب الحق اليمين بالله على بقاء حقه المكتوب له في ذلك الصك على هذا المقر، ولا يدفع وجود الصك الذي بيده عنه اليمين إذا طلبها منه غريمه على بقاء
حقه عليه. (2/135)
صفحة 745
بابُ قَسْمُ الأموال
الجزء الثالث
135
لأَنَّمَا الأَوْرَاقُ قَدْ تَبْقَى وَقَدْ تُقْصَى الْحُقُوقُ فَلِهَذَا يُعْتَمَدْ وَمَنْ يَكُنْ عَنِ الْيَمِينِ نَكَلَا فَإِنَّهُ لِحَقِّهِ قَدْ أَبْطَلَا نَقْلُ الصُّحُوكِ جَائِزٌ إِنْ خِيفَا ذِهَابُهَا وَاحْذَرْ بِأَنْ تَحِيفا يَنْقُلُهَا بِحَسَبِ المَوْجُودِ مِنْ غَيْرِ تَنْقِيصٍ وَلَا تَزْيِيدِ يَقُولُ هَذَا مَا وَجَدْتُهُ كُتِبْ حَرْفًا بِحَرْفٍ بِطَرِيقِ المُحْتَسِبْ وَيَشْهَدَنْ عَلَى الَّذِي قَدْ نَقَلَا غَيْرُ شُهُودِ الأَصْلِ حَتَّى يُقْبَلَا فَخُلْفُهُمْ قَدْ جَاءَ فِي الْمَنْقُولِ فَبَعْضُهُمْ كَشَاهَدٍ مَقْبُولِ وَبَعْضُهُمْ كَأَصْلِهِ الَّذِي نُقِلْ مِنْهُ وَبِالشُّهُودِ يَقْوَى فَاحَتَفِلْ وَقِيلَ فِي وَصِيَّةٍ مُنقَطِعَة إِنْ لُفُقَتْ تَلَفَّقَتْ مُجْتَمِعَهُ لَيْسَ يَجُوزُ الْحُكْمُ بِالثَّبَاتِ بِهَا وَلَيْسَ تَخْلُوا مِنْ إِثْبَاتِ لأَنْمَا المُرَادُ فَهُمُ الْمَعْنَى مِنْهَا وَهَذَا نَحْنُ قَدَ عَرَفْنَا وَيَثْبُتُ الإِقْرَارُ وَالْوَصَايَا بِكُلِّ لَفْظٍ كَانَ لِلْبَرَايَا لِكُلِّ قَوْمٍ وَضْعُهُمْ وَإِنْ نَطَقْ بِلُغَةٍ يُعْرَفُ مَعْنَاهَا فَحَقْ فَعَرَبِيُّ يُحْسِنُ الهِنْدِيَّهُ إِقْرَارُهُ يَثْبُتُ وَالوَصِيَّة كَذَاكَ ذُو الْعُجْمَةِ إِنْ أَقَرَّا) بِعَرَبِيَّةٍ دَرَاهَا جَهَرَا
() يقرأ البيت بإسقاط الواو لإقامة الوزن. (إسماعيل) (1) ذو العجمة: يريد به الأعجمي لا الأعجم. (2/136)
صفحة 746
136
الجزء الثالث
كتابُ الصُّكوك
فَالْغَرَضُ التَّعْبِيرُ عَنْ مَعْنَى عُلِمُ بِأَيِّ لَفْظِ كَانَ مِمَّا قَدْ فُهِمْ فَيَرْسُمُ الْكَاتِبُ مَا قَدْ ذُكِرَا بِوَضْعِهِ الَّذِي بِهِ قَدْ شُهِرَا يُتَرْجِمَنْ عَنْهُ بِلَفْظِ عَرَبِي إِنْ كَانَ مِنْهُمْ أَوْ بِلَفْظِ الْمَغْرِبِي بِشَرْطِ أَنْ يُنْقِنَ مَا أَقَرَّ بِهْ وَمَا بِهِ تَرْجَمَ عَنْهُ فَانْتَبِهْ وَإِنْ يَكُنْ فِي الصَّكَ لَفْظُ يَحْتَمِلْ وَجْهَا قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا قَدْ نُقِلْ فَإِنَّمَا الْحَاكِمُ بِالْقَرِيبِ يَحْكُمُ لَا بِوَجْهِهِ الغَرِيبِ لأَنَّهُ يَسْبِقُ فِي الْأَذْهَانِ مَا كَانَ مَأْلُوفًا مِنَ الْمَعَانِي وَكَاتِبٌ أَخْطَأَ مَعْ مَعْرِفَتِهُ بِالْوَضْعِ لَا يَضَمَنُ ذَا فِي غَلْطَتِهْ لأَنَّهُ مِنْ خَطَأَ الْبَنَانِ وَذَاكَ مَرْفُوعٌ عَنِ الْإِنْسَانِ كَمِثْلِ مَنْ أَخْطَأَ فِي فَتْوَاهُ مَعْ عِلْمِهِ بِأَصْلِ مَا أَفْتَاهُ لأَنَّ ذَا مِنْ زَلَّةِ النِّسَانِ وَمِثْلُ ذَاكَ عَشْرَةُ الْبَنَانِ وَإِنَّمَا يَضْمَنُ مَنْ أَخَطَا عَلَى جَهْلٍ يَرَى الصَّوَابَ فِيمَا جَهِلَا لأَنَّ ذَا وَنَحْوَهُ مُرْتَكِبُ جَهْلًا وَجَهْلُهُ بِهِ مُرَكَّبُ (1) وَيَلْزَمُ الْجَاهِلَ يَسْأَلُنَّا لَيْسَ لَهُ يُفْتِي وَيَكْتُبَنَّا
(1) قوله: «مُرَكَّبُ»، أي: من جهلين، فالأول جهله بالشيء، والثاني جهله لنفسه بأنه جاهل. (2/137)
صفحة 747
بابُ الإِيصَاءِ
الجزء الثالث
137
كتابُ الْوَصَايَا
ثُمَّ الْوَصَايَا نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّي لِمَنْ يَخَافُ مَوْتَهُ بِالْقُرْبِ زِيَادَةٌ لَهُ عَلَى مَا عَمِلَا تَكُونُ عِنْدَ مَوْتِهِ تَفَضُّلَا
باب الإيضاء
وَذَاكَ لَفْظُ يَقْتَضِي إِنْفَاذَ مَا يُنْفَذُ بَعْدَ الْمَوْتِ عَنْهُ فَاعْلَمَا مِنْ مَالِهِ يَقُولُ قَدْ أَوْصَيْتُ أَنْ يُنْفَذَنْ عَنِّي كَذَا أَكَدْتُ وَأَمْرُهُ (1) بِالشَّيْءِ فِي الْحَيَاةِ وَلَمْ يُقَيِّدْ ذَاكَ بِالْمَمَاتِ وَمَاتَ مِنْ قَبْلِ نَفُوذِ مَا أَمَرْ هَلْ يُنْفَذَنْ خِلَافُهُمْ فِيهِ اسْتَقَرْ فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ كَالْوَصِيَّةِ وَبَعْضُهُمْ فَرَّقَ فِي الْقَضِيَّةِ وَهَوْلَاءِ نَظَرُوا اللَّفْظَ فَقَطْ وَقَوْلُ مَنْ أَثْبَتَ فِي الْمَعْنَى سَقَطْ يَكُونُ فَرْضًا وَهُوَ مَا أَوْصَى بِهِ لِمَنْ يَكُونُ مِنْ أُهَيْلِ قُرْبِهِ كَذَاكَ مَا أَوْصَى بِهِ بِحَقِّ عَلَيْهِ يُنْفَذَنْ لِمُسْتَحِقٌ وَمِنْهُ نَفْلٌ وَهْوَ مَا يَكُونُ تَبَرُّعًا وَهَذِهِ فُنُونُ وَمِنْهُ بِالْحَرَامِ يُعْرَفَنَّا وَذَاكَ أَنْ يَحِيفَ فَافْهَمَنَّا
(1) قوله: «وأمره»، أي: بأن يقول أعطوا عني فلانًا كذا، أو ادفعوا من مالي لعمل كذا، فيموت قبل أن ينفذ ما أمر به، ولم يقل بعد موتي، فقيل: إنه بمثابة الوصية؛ فيُخْرَجُ عنه من ثلث تركته، وقيل: إن هذا الأمر يبطل بالموت، والله أعلم. (2/138)
صفحة 748
138
الجزء الثالث
كِتَابُ الْوَصَايَا
وَالْحَيْفُ هَوَ الْجَوْرُ وَهْوَ الْجَنَفُ مِنْ آيَةِ الإِيصَاءِ هَذَا يُعْرَفُ فَإِنْ يَجُرْ بِغَيْرِ عَمْدٍ فَجَنَفْ وَهُوَ الَّذِي بِالْجَهْلِ وَالْخَطَا اعْتَسَفْ وَالإِثْمُ ذَنْبٌ قَدْ أَتَى عَنْ عِلْمٍ بِهِ وَبِالْعَمْدِ لِذَاكَ الظُّلْمِ وَذَاكَ مَعْنَى الأَصْلِ فِي القَضِيَّةِ فِي الإِثْمِ قَصْدُ الجَوْرِ فِي الوَصِيَّةِ وَعَادِلٌ فِيمَا بِهِ قَدْ أَوْصَى فَهْوَ الَّذِي بِالْفَضْلِ فِينَا خُصَّا يَكُونُ مِثْلَ مُنْفِقِ الأَمْوَالِ إِلَى سَبِيلِ اللَّهِ ذِي الْجَلَالِ وَشُبِّهَ الْمُوصُونَ بِالْقُضَاةِ مِنَ المُطِيعِينَ أَوِ الْعُصَاةِ فَعَادِلُ عِنْدَ الْقَصَا يُنَابُ وَجَائِرٌ حَلَّ بِهِ العِقَابُ فَأَسْأَلُ الْمَنَّانَ فِي الْحَالَيْنِ عَدْلًا وَتَوْفِيقًا عَلَى الْأَمْرَيْنِ وَجَائِزٌ يُوصِي بِكُلِّ الْمَالِ مَنْ عَدِمَ الْوَارِثَ فِي مَقَالِ وَعِنْدَهُ) فَفَوْقَ تُلْثِ الْمَالِ بِدُونِ إِذْنِ بَاطِلٌ بِحَالِ وَجَائِزٌ إِنْ أَذِنَ الْوُرَّاثُ (2) وَاخْتَلَفَوا هَلْ لَهُمُ الإِنْكَانُ فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ مَهْمَا رَجَعُوا مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا وَقِيلَ لَا رَجْعَةَ وَهْوَ الْأَرْجَعُ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ دَلِيلٍ يُلْمَعُ فِي آيَةِ الإِيصَاءِ جَاءَ الصُّلْحُ فِي ذَلِكَ وَهْوَ لِلنُّبُوتِ يَقْتَفِي
(1) قوله: «وعنده»، أي: عند وجود الوارث. (2) الوراث: جمع، وارث، وقوله: «هل لهم الإنكاث»، أي: الرجوع فيما أذنوا، وسواء كان رجوعهم عن الإذن في حياة الموصي أو بعد موته، ولكن الرجوع في حياته لا يفيد شيئًا؛ فالظاهر عدم اعتباره. (2/139)
صفحة 749
بابُ الإِيصَاءِ
الجزء الثالث
139
وَلَا تَجُوزُ عِنْدَنَا الْوَصِيَّةُ لِوَارِثِ عَنْ سَيِّدِ الْبَرِيَّة وَذَلِكَ الْمَمْنُوعُ مَا تَنَفَّلَا) بِهِ وَيُوصِي لِلصَّمَانِ مَثَلَا لأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ فُرِضَا وَالمَنْعُ أَنْ يُفَضِّلَنَّ الْبَعْضَا يُوصِي لَهُ بِحَقِّهِ لَوْ هَلَكَا فِي ذَاكَ كُلُّ مَا لَهُ قَدْ تَرَكَا لأَنَّهُ كَمِثْلِ بَاقِي الْغُرَمَا يُؤَدِّيَنْ إِلَيْهُمُ مَا لَزِمَا وَالْوَقْفُ لِلْوَارِثِ مِثْلُ الإِيصَا كِلَاهُمَا الْبَاطِلُ حِينَ أَوْصَى لأَنَّ فِيهِ إِثْرَةً لَهُ وَقَدْ أُجِيزَ إِنْ لِنَوْعِ بِرِّ اسْتَنَد (2) وَإِنْ يَكُ الإِيصَاءُ مِنْ ضَمَانِ وَلَمْ يَكُنْ يَظْهَرُ لِلْعِيَانِ وَطَلَبَ الْوَارِثُ أَنْ يَحْلِفَ مَا أَلْجَا إِلَيْهِ فِي الَّذِي قَدْ عَلِمَا كَانَ عَلَى المُوصَى لَهُ الْيَمِينُ بِذَاكَ حَتَّى يَثْبُتَ التَّصْمِينُ وَلَا يَمِينَ فِي التَّنَفُلَاتِ لِأَنَّهُ خَالٍ مِنَ النُّهْمَاتِ وَذُو الْعَمَى يُوَكَّلَنْ إِنْ شَاءَا بِالأَصْل مِنْ أُصُولِهِ الإِيصَاءَا فَيُوصِي عَنْهُ ذَلِكَ الوَكِيلُ نِيَابَةً إِنْ ثَبَتَ (3) التَّوْكِيلُ وَمَا عَدَا ذَلِكَ يُثْبَتُنَا إِيْصَاؤُهُ لَوْ لَمْ يُوَكَّلَنَّا
(1) ما تنفلا: أي: تبرع به على وجه الفضيلة، لا عن حق واجب عليه، فالحق اللازم يجب إنفاذه سواء كان لوارث أو لغيره. (2) قوله: «إن لِنَوع بِرِّ اسْتَنَد»، أي: بأن يسنده إلى عمل بر؛ إذا انقرضت ذريته، كأن يوقفه لشيء من المساجد أو الفقراء أو في سبيل الله أو لابن السبيل، أو نحو ذلك من أبواب الخير. (أبو إسحاق) (3) إن ثبت: أي: إن صح. (2/140)
صفحة 750
140
الجزء الثالث
كتابُ الْوَصَايَا
و
وَجَائِزٌ قِيلَ بِكُلِّ حَالِ بِسُدُسٍ أَو رُبُعٍ مِنْ مَالِ وَهَكَذَا إِيصَاؤُهُ بِالْمَاءِ مِنْ فَلَجِ يَثْبُتُ بِالإِيصَاءِ مِنْ ذِي الصَّبَا الإِقْرَارُ وَالوَصَايَا لَا يَثْبُتَانِ فَافهم القَضَايَا وَبَعْضُهُمْ أَجَازَ مَا أَوْصَى بِهِ تَنَفُّلًا فِي الْبَابِ مِنْ أَبْوَابِهِ قِيلَ وَلَوْ أَعْتَقَ لَيْسَ يَبْطُلُ عِتَاقُهُ إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَعْقِلُ لَوْ كَانَ مِنْهُ ذَاكَ حَالَ الْمَرَضِ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَلِيُّهُ بِهِ رَضِي وَبَاطِلُ إِيصَا الْفَتَى لِعَبْدِهِ إِلَّا بِقَيْدِ عِتْقِهِ مِنْ بَعْدِهِ يُوصِي لَهُ إِذَا اسْتَحَقَّ الْعِتْقَا وَقِيلَ هَذَا بَاطِلُ فَيُلْقَى وَيُعْتَقَنْ إِنْ كَانَ قَدْ أَوْصَى لَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بَعْضٍ نَفْسِهِ لَهُ وَبَاطِلٌ إِنْ كَانَ أَوْصَى بِالثَّمَنْ أَوْ بَعْضِهِ لَهُ فَلَا تُثَبِّتَنْ وَإِنْ يَكُنْ فِي مَرَضِ قَدْ وَهَبَا (3) لِلْعَبْدِ نَفْسَهُ عَلَيْهِ وَجَبَا مِنْ ثُلُثِ المَالِ يُحَرَّرَنَّا إِذْ ذَاكَ كَالْإِيصَاءِ يُجْعَلَنَّا
(1) قوله: «وجائز قيل»، أي: بدون الوكيل، وذلك في كل ما يكون فيه البصير والأعمى سواء كالسهم المشاع والماء والدراهم المعدودة، وعندي أن الأعمى العاقل المميز كالبصير في ذلك لأني رأيت كثيرًا من العميان أعظم خبرة بالأموال وأكثر بصيرة بالأعمال، وهو قول ذكره العلامة الصبحي الله في بعض جواباته. (أبو إسحاق)
جميع
(2) قوله: «وهبا .... إلخ» وذلك بأن يقول: اشهدوا عليّ بأني قد وهبت لهذا العبد أو لعبدي فلان نفسه، أو قال ذلك ولم يقل اشهدوا عليه؛ فإن هذا يكون كناية عن العتق فيعتق العبد، ويكون إعتاقه من ثلث المال، فإن وسعه الثلث وإلا استسعى العبد بما يبقى عليه من قيمته للورثة أو
لأصحاب الدين. والله أعلم. (2/141)
صفحة 751
بابُ الإِيصَاءِ
الجزء الثالث
141
وَبَاطِلُ إِقْرَارُهُ لِمَنْ مَلَكْ مِنَ الْعَبِيدِ إِذْ جَمِيعُ ذَاكَ لَكْ (1) وَفَرَسٌ أَوْصَى بِهِ لِرَجُلٍ يَرْكَبُهُ حَيَاتَهُ لَمْ يَبْطُلِ وَبَدَلُ الصَّلَاةِ لَا يُوصِي بِهِ إِذْ لَا يَصِحُ أَبَدًا مِنْ صَحْبِهِ إِذْ لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ لأَنَّهَا عِبَادَةٌ مِنْ جَسَدِ وَالصَّوْمُ قِيلَ فِيهِ كَالصَّلَاةِ وَقِيلَ فِي الْجَمِيعِ بِالإِثْبَاتِ وَأَكْثَرُ الأَقْوَالِ فِي الصِّيَامِ ثُبُوتُهُ فِي ظَاهِرِ الأَحْكَامِ وَفِيهِ آثَارٌ عَنِ المُخْتَارِ جَاءَتْ بِهَا صَحَائِحُ الْآثَارِ وَيَبْطُلُ الإِيصَاءُ لِلْمَعْدُومِ وَيَرْجِعَنْ لِلْوَارِثِ الْمَعْلُومِ إِلَّا إِذَا مَا كَانَ مِنْ صَمَانِ أَوْصَى لَهُ فَذَاكَ حَقٌّ عَانِي يُقْسَمُ بَيْنَ وَارِثِي الْمُوصَى لَهُ كَمِثْل مَا القُرْآنُ قَدْ فَصَّلَهُ كَذَلِكَ الإِقْرَارُ إِنْ أَقَرًا لِمَيِّتِ كَحُكْمِ مَا قَدْ مَرَّا وَإِنْ يَكُنْ أَوْصَى لِشَخْصِ عُلِمَا يَظُنُّهُ حَيًّا وَكَانَ انْعَدَمَا فَإِنَّهُ تَبْطُلُ مِثْلَ الأَوَّلِ وَظَنُّهُ حَيَاتَهُ لَمْ يَعْمَلِ لَكِنَّهَا تَنْبُتُ لِلْمُخْتَارِ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ فَلَا تُمَارِ كَذَاكَ قَالَ (3) وَهُوَ لَمْ يُبَيِّنَنْ وَجْهَ الَّذِي قَدْ قَالَهُ لِيُعْلَمَنْ
(1) قوله: «إذ جميع ذاك لك فيه التفات من الغيبة إلى الحضور ومثل هذا في القرآن وفي كلام العرب كثير. (أبو إسحاق) (2) قوله: «للمعدوم»، أي: للميت، ويرجع ذلك لورثة الموصي، وذلك فيما كان تبرعًا، وأما ما كان عن حق أو ضمان فإنه يثبت ويكون ذلك لورثة الموصى له.
(3) قوله: «كذاك قال .... إلخ» قلت: لعل وجهه أنَّ ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من المال كان الله، وما
= (2/142)
صفحة 752
142
الجزء الثالث
كتابُ الْوَصَايَا
وَعَلَّهُ لأَجْلِ مَا تَيَقَّنَا بِأَنَّهُ حَيٌّ وَإِنْ قَدْ دُفِنَا وَأَنْتَ تَدْرِي أَنَّ ذِي الْحَيَاتَا لا تَنْفِيَنْ عَنْ حُكْمِهِ الْمَمَانَا وَأَنَّهَا لَا شَكَ أُخْرَوِيَّهُ مِثْلُ حَيَاةِ الشُّهَدَا العَلِيَّة مِنْ رَبِّهِمْ لَا شَكَ يُرْزَقُونَا فَهُمْ عَنِ الدُّنْيَاءِ مُسْتَغْنُونَا فَلَسْتُ أَدْرِي وَجْهَ مَا قَدْ قَالَا إِلَّا إِذَا قَالَ لِبِرِّ أَلَا وَذَاكَ مِثْلُ أَنْ يَقُلْ للَّهِ فَثَابِتٌ هَذَا بِلَا اشْتِبَاهِ فَيَجْعَلُ الرَّسُولَ فِي التَّعْبِيرِ ذَرِيعَةً لِذَلِكَ التَّقْدِير مِنْ هَاهُنا قَدْ قَالَ يُعْطَى الْفُقَرَا مَا كَان فِي الإِيصَا لِسَيِّدِ الوَرَى وَلَسْتُ أَرْضَاهُ وَلَا أَقُولُ بِأَنَّ هَذَا ثَابِتٌ مَقْبُولُ وَالعَبْدُ (1) لَا يَدْخُلُ حَرْبًا حَتَّى يُوصِي بِمَا يَلْزَمُ إِنْ تَأَنَّى كَذَاكَ لَا يَرْكَبُ بَحْرًا أَيْضًا وَلَا يُسَافِرَنَّ قَبْلَ الْإِمْضَا كَذَاكَ دَيْنُهُ الَّذِي عَلَيْهِ إِذْ وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيهِ يُشَهدُ الثَّقَاتِ مِنْ شُهُودِ كَيْ يَسْلَمَنْ مِنْ جُمْلَةِ الرُّدُودِ وَإِنْ يَكُنْ قَدْ عَدِمَ الْعُدُولَا يُشْهِدُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْمَقْبُولَا
كان الله كان للمسلمين يجاهدون به عدوهم ويسددون به ثغورهم، ويفكون من أساراهم، ويحملون منه كلهم، ويواسون منه فقراءهم، وفي بقاء سهمه من خمس الغنيمة إلى يوم القيامة دليل واضح لما قاله صاحب الأصل، والله أعلم. (أبو إسحاق)
(1) قوله: «والعبد»، أي: الحر ولو قال: والمرء، لما احتاج إلى بيان. (2/143)
صفحة 753
بابُ الإِيصَاء
الجزء الثالث
143
وَإِنْ يَكُنْ لَمْ يَجِدَنَّ بَشَرَا (1) يَجْهَرُ بِالإِيصَاءِ حَتَّى يُعْذَرَا يَجْهَرُ حَتَّى تَسْمَعَ المَلَائِكَهُ وَرَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ دَارِكَهُ (2) وَإِنْ يَكُنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَكْتُبَا ذَلِكَ فِي قِرْطَاسَةٍ فَلْيَكْتُبَا حَتَّى وَلَوْ أَمْكَنَهُ فِي الْأَرْضِ فَإِنَّهُ يَكْتُبُهَا وَيَمْضِي مَعْذِرَةً (3) لِرَبِّهِ تَعَالَى وَهْوَ الْخَبِيرُ يَهَبُ الأَفْضَالَا وَإِنْ يَكُنْ فِي مَرَضِ أَوْ فِي سَفَرْ أَوْصَى وَصَحَ أَوْ أَتَى إِلَى الْحَصَرْ فَقِيلَ إِنَّ النَّقْضَ فِي وَصِيَّتِهْ إِلَّا إِذَا ثَبَّتَهَا فِي صِحَّتِهُ كَذَاكَ إِنْ ثَبَّتَهَا مِنْ بَعْدِ وصُولِ دَارِهِ كَهَذَا الْحَدِّ لِفُقَهَائِنَا اصْطِلَاحُ جَاءَ فِي لَفْظِ مَنْ يُمَيِّزُ الإِيصَاءَا فَقَسَّمُوهُ لِلْمُصَافِ فَاعْلَم وَمُودَعٍ مَفْصُولِهِ والمُعْلَم وَمُبْهَم وَهُوَ اصْطِلَاحُ حَسَنُ لأَنَّهُ لِوَجْهِهَا مُبَيِّنُ وَعَارِفٌ بِمُقْتَضَى التَخَاطُبِ يَعْرِفُ وَجْهَ هَذِهِ المَرَاتِبِ
(1) بشرًا: أي أحد من البشر، وهم من كان من بني آدم لي
(2) دارگه لاحقه.
(3) معذرة: مفعول لأجله، أي: لأجل المعذرة.
(4) قوله: «وإن يكن .... إلخ» يعني: إذا أوصى في سفره أو في مرضه فعاد من سفره أو عوفي من مرضه، فقيل: إن تلك الوصية إنما هي لذلك السفر أو لذلك المرض خاصة، إلَّا إذا أثبتها في وطنه أو في صحته، وقيل ثابتة إلا إذا أبطلها، وهو الأصح عندي.
(5) قوله: «لفقهائنا» اصطلاح، قيل: إن أول من وزّع الوصايا إلى هذه الخمسة الأقسام التي ذكرها المؤلف؛ أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي البهلوي رحمه الله تعالى. (أبو إسحاق) (2/144)
صفحة 754
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فقه
------------------------------------------
العنوان: جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام
المؤلف: نور الدين عبد الله بن حميد السالمي
علق عليه: أبو إسحاق أطفيش - إبراهيم العبري
ضبط نصه: إسماعيل بن ناصر العوفي
الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1439ه/ 2018م
الطبعة: 2
عدد الأجزاء: 2 (مجلدين في كل مجلد جزآن)
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/286
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 04 ربيع الأول 1447ه/ 28 - شهر 08 - 2025م. 144
الجزء الثالث
كِتَابُ الْوَصَايَا
وَجَهْلُهُ بِالإِسْمِ لَا يَضُرُّ لأَنَّمَا الإِسْمُ لَدَيْهَا قِشْرُ وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ الْمَعَانِي وَهْيَ الَّتِي تَسْبِقُ لِلأَذْهَانِ فَقَوْلُهُ بِالْبَيْتِ مِنْ بُيُوتِي هُوَ الْمُصَافُ يَثْبُتَنْ بِالْمَوْتِ وَهَكَذَا بِالسَّيْفِ مِنْ سُيُوفِي وَنَحْوِهِ مِنْ مِثْلِ ذَا الْمَوْصُوفِ وَإِنْ يَكُنْ أَوْصَى لَهُ فِي مَالِهِ بِدِرْهَم فَمُودَعْ بِحَالِهِ وَنِصْفِ عَبْدِهِ وَنِصْفِ سَيْفِهِ فَذَاكَ مَفْصُولٌ أَتَى فِي وَصْفِهِ وَإِنْ يَكُنْ أَوْصَى بِشَيْءٍ يُعْلَمُ مُعَيَّنَّا فَذَاكَ هُوَ الْمُعْلَمُ كَمَا إِذَا بِعَبْدِهِ فَرْحَانَا أَوْصَى لِزَيْدٍ حَيْثُ مَا قَدْ كَانَا وَمُبْهَم كَذَا كَمَا مَا أَوْصَى بِدِرْهَم أَوْ تَفَقٍ مَا خُصَّا فَهَذِهِ أَقْسَامُهَا فَلْتُعْلَمِ وَحُكْمُ مَا أُنْهِمَ غَيْرُ الْمُعْلَم كَذَاكَ حُكْمُ مَا يُضَافُ أَيْضًا كَذَاكَ مَا أُودَعَ حَيْثُ يُمْضَى لِكُلِّ قِسْمِ أَبَدًا أَحْكَامُ تَقْضِي بِذَاكَ عِنْدَنَا الْأَنْهَامُ ثُمَّ الرُّجُوعُ فِي الْوَصَايَا يُسْمَعُ مَا دَامَ فِي الحَيَاةِ إِنْ شَا يَرْجِعُ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا بِهِ لِلْبِرِّ أَوْصَى فَقِيلَ لَا رُجُوعَ يَجْرِي لأَنَّهُ مَنْ قَصَدَ الْخَيْرَاتِ لَيْسَ لَهُ يُغَيَّرُ النِّيَّاتِ وَالبِرُّ اللَّهِ وَمَا قَدْ قُصِدَا بِهِ الإِلَهُ لَا يُرَدُّ أَبَدًا وَآخَرُونَ جَوَّزُوا الرُّجُوعَا وَلَمْ يَرَوْهُ أَبَدًا مَمْنُوعَا (2/145)
صفحة 755
بابُ الإِيصَاءِ
الجزء الثالث
145
إِذْ لَا رُجُوعَ فِي الَّذِي قَدْ أَمْضَى وَهُوَ بِمَوْتِهِ فَقَطٌ يُمْضَى مِنْ ذَلِكَ العِتْقُ وَمِنْهُ الحَجُّ وَكُلُّ مَا بِهِ الثَّوَابَ يَرْجُو وَيَقَعُ الرُّجُوعُ بِالأَقْوَالِ وَتَارَةً يَكُونُ بِالأَحْوَالِ كَمِثْلِ بَيْعِ مَا بِهِ قَدْ أَوْصَى فَإِنَّهُ مِنَ الرُّجُوعِ يُحْصَى (1) فَجَائِزٌ أَنْ تَشْتَرِي عَبْدًا به أَوْصَى وَلَوْ بِعِثْقِهِ مِنْ رَبِّهِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَالتَّدْبِيـ إِذْ لَا رُجُوعَ فِيهِ فِي الْكَثِيرِ وَالْخُلْفُ فِيمَا بَاعَهُ خِيَارَا (2) قِيلَ رُجُوعٌ فِيهِ حِينَ سَارَا وَقِيلَ لَا رُجُوعَ وَالْخِلَافُ فِي هَذَا كَخُلْفَ مَرَّ فِيهِ فَاعْرِفِ لَيْسَ مِنَ الرُّجُوعِ إِنْ زَادَ عَلَى مَا كَانَ قَدْ أَوْصَى بِهِ وَكَمَّلَا لَكِنَّمَا تَنْقِيصُهُ لِلْبَعْضِ مِنْهُ رُجُوعٌ فِي مَقَالِ بَعْضٍ لَيْسَ مِنَ الرُّجُوعِ أَخْذُ الثَّمَرِ مِنْ نَخْلَةٍ أَوْصَى بِهَا لِعُمَرِ كَذَاكَ أَخْذُ الْكَرْبِ وَالزَّوْرِ مَعَا لَيْسَ رُجُوعًا وَكَذَا إِنْ زَرَعَا لأَنَّهُ بِمَوْتِهِ يَنْتَقِلُ عَنْهُ وَفِي حَيَاتِهِ لَا يُنْقَلُ
(1) يحصى: أي: يعد.
(2) قوله: «خيارًا صفة لمصدر محذوف؛ أي باعه بيعًا خيارًا، والمعنى: إذا أوصى بقطعة لأحد أو لنوع من أنواع البر، ثم باع تلك الأرض بيع خيار ـ وهو بيع الإقالة ـ فهل يعد هذا البيع رجوعًا في الوصية أم لا؟ خلاف، مثاره: هل هو بيع صحيح أم فاسد لوجود الشرط فيه، فمن قال بصحة البيع عده رجوعًا عن الوصية، ومن قال بفساده لم يعده رجوعا، والأصح الأول. (2/146)
صفحة 756
146
الجزء الثالث
كتابُ الْوَصَايَا
بابُ الْوَصِيِّ
وَهْوَ الَّذِي يَنُوبُ عَنْ مَنْ مَاتَا لِيَقْضِي مَا أَوْصَى بِهِ إِنْ فَاتَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ (1) الْوَصِيَّا فَتًى تَقِيًّا ثِقَةً مَرْضِيَّا لأَنَّهُ لَمْ يُرْضَ لِلأَمَانَهُ إِلَّا أَمِينُ مَا بِهِ خِيَانَهُ وَإِنْ ظَفِرْتَ بِأَخِي عِلْمٍ ثِقَهُ يَعْرِفُ مَا أَمْسَكَهُ وَأَنْفَقَهُ ظَفِرْتَ بِالْكَمَالِ وَاللَّهَ اشْكُرِ فَهْوَ الَّذِي مَنَّ بِهَذَا الظَّفَرِ وَقِيلَ مَنْ أَوْصَى لِغَيْرِ ثِقَةِ كَمِثْلِ مَنْ عَطَّلَ لِلْوَصِيَّةِ لأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ التَّصْيِيعُ مِنْهُ فَمَا وَصِيَّةٌ تَضِيعُ وَقِيلَ إِنْ بَانَ مِنَ الوَصِيِّ خِيَانَةٌ إِذْ لَيْسَ بِالْوَلِي فَيَلْزَمُ الْحَاكِمَ أَنْ يُقِيمَا مُقَامَهُ ذَا ثِقَةٍ حَلِيمَا وَإِنْ يَكُنْ مُتَهَمَّا فَيَجْعَلُ عَلَيْهِ مُشْرِفًا (2) يَرَى مَا يَفْعَلُ وَيَبْطُلُ الإِيصَاءُ إِنْ أَوْصَى إِلَى عَبْدِ فَبِيعَ الْعَبْدُ حِينَ انْتَقَلَا وَإِنْ يَكُ الْمُوصَى (3) لَهَا قَدْ قَبِلَا يَلْزَمُهُ فِي ذَاكَ أَنْ لَا يُهْمِلَا وَمَا لَهُ قَدْ قِيلَ مِنْ تَبَرِّ) إِلَّا بِأَمْرٍ وَاضِح فِي الْعُذْرِ
(1) يجعل بالبناء للفاعل.
(2) مشرفًا: أي: رقيبًا.
(3) الموصى لها أي الموصى إليه، والمراد به الوصي.
(4) تَبَرَّ: أي: تعذر عن الوصاية بَعْدَ ما قبلها، والصحيح أن له ذلك في حياة الموصي، ولا سيما إذا
كان يجد من يقوم بها عنه من بعده. (2/147)
صفحة 757
بابُ الْوَصِيِّ
الجزء الثالث
147
وَإِنْ يَكُنْ قَدِ اسْتَقَالَهُ فَمَا أَقَالَهُ قَدْ قِيلَ لَنْ تَنْهَدِمَا وَقِيلَ بِالتَّبَرِّي مِنْهَا يُعْذَرُ إِذَا تَبَرَّى وَهُوَ حَيٌّ يَقْدِرُ وَيَنْبَغِي لَهُ الْوَفَا بِمَا وَعَدْ إِذِ التَّبَرِّي فِيهِ نَكْثُ مَا عَقَدْ وَلَا يُقَصِّرْ فَإِذَا مَا قَصَّرَا بِغَيْرِ عُذْرٍ غُرْمُهُ قَدْ ظَهَرَا (1) إِنْ ذَهَبَ الْمَالُ بِغَيْرِ عُذْرِ وَلَا ضَمَانَ عِنْدَ ذَاكَ الْعُذْرِ وَلْيَكُنِ الْإِنْفَاذُ مَهْمَا قَدَرَا عَنْ أَمْرِ حَاكِمِ لَهُ إِنْ أَمَرَا
(2)
لَعَلَّهُ يُقِرُّهُ أَوْ يَنْزِعُ عَنْهُ فَيَسْتَرِيحَ مِمَّا يَقَعُ وَيَرْفَعُ الْأَمْرُ مِنَ الْحُكَّامِ عَنْ مُنْفِذِيهَا مُؤْنَةَ (3) الْخِصَامِ وَقِيلَ إِنَّ صِحَةَ الدُّيُونِ عَلَى وَصِيُّ الرَّجُلِ الْمَدْيُونِ لَازِمَةٌ إِنْ كَانَ مِنْهُ طَلَبَا وَارِثُهُ تَصْحِيحَ مَا قَدْ وَجَبَا إِنْ لَمْ يَصِحَ فَالَّذِي قَدْ بَاعَا رَدُّ عَلَى وَارِثِهِ إِجْمَاعَا لأَنَّمَا بَاعَ لأَجْلِ الدَّيْنِ وَالدَّيْنُ لَمْ يَصِحَ بِالْعَدْلَيْنِ وَلِلْوَصِيَّ عِنْدَنَا يَمِينُ عَلَى أُولِي الْإِرْثِ بِمَا يَكُونُ فَيَحْلِفُونَ أَنَّهُمْ مَا عَلِمُوا بِأَنَّهُ أَوْصَى بِهِ أَوْ يَلْزَمُ
(o)?
(1) غرمه: أي: ضمانه. (2) أو ينزع: أي: ينزع عنه الوصاية ويؤخره عنها؛ لأنه يلزمه امتثال أمر الحاكم. (3) مُؤْنَةَ: أي: محنة الخصام وعناءه.
(4) قوله: «وقيل إن صحة الديون، أي أن على الوصي أن يقيم البينة على صحة الديون التي يريد
قضاءها
من مال الهالك إذا لم يصدقه ورثته.
(5) رد: أي: مردود. (2/148)
صفحة 758
148
الجزء الثالث
كِتَابُ الْوَصَايَا
إِنْ نَكَلُوا عَنِ الْيَمِينِ تَرَكُوا وَصِيَّهُ يَسْلُكُ حَيْثُ يَسْلُكُ وَإِنْ يَقُلْ وَصِيتِي أُنْفِذْهَا وَلَوْ لَمْ تَثْبُتَنْ فِيهِ خِلَافٌ قَدْ رَوَوْا فَبَعْضُهُمْ قَالَ لَهُ أَنْ يُنْفِذَا وَقِيلَ ذَاكَ لَا يُفِيدُ مُنْفِذَا صَوَّبَهُ الأَصْلُ وَعِنْدِي فِيهِ نَوْعٌ مِنَ التَّفْصِيل وَالتَّنْبِيهِ فَإِنْ يَكُنْ يُطْلَانُهَا قَدْ وَقَعَا مِنْ جِهَةِ الأَمْرِ الَّذِي قَدْ مُنِعَا گكَوْنِهَا وَصِيَّةً تَزيدُ عَنْ ثُلُثِ الْمَالِ لَهَا يُرِيدِ فقَوْلُهُ أَنْفِذْ مِثْلُ قَوْلِ الْعَابِثِ
(*)
أَوْ كَوْنِهَا وَصِيَّةً لِوَارِثِ اللهُ يَنْهَاهُ عَنِ الإِنْفَادِ) فَقَوْلُهُ فِي ذَاكَ غَيْرُ جَادِي وَإِنْ يَكُنْ يُطْلَانُهَا مِنْ جِهَةِ وضعِ الصُّكُوكِ فَهُنَا فَأَثْبِتِ لأَنَّهُ فِي حُكْمِ مَنْ يَقُولُ وَصِيَّتِي هَذَا الَّذِي أَقُولُ لَا رَسْمُهُمْ إِنْ رَسَمُوا (2) سِوَاهُ مِنْ هَاهُنَا أُثْبِتُ مَا عَنَاهُ بَيْعُ الْوَصِيِّ جَائِزُ فِي الْمَرَضِ (3) إِنْ كَانَ الْإِنْفَاذُ لِبَيْعِ يَقْتَضِي
(الظاهر أن المصنف الله نظم هذا البيت على اللهجة العُمانية و وصيتي) بفتح الواو وكسر الصاد وسكون الياء وكسر التاء، والفعل (أنفذها) ساكن الذال. (إسماعيل) (**) بسكون الهاء في (فقوله) وسكون الذال في أنفذ). (إسماعيل)
المعنى صير
(1) الإنفاد بالدال المهملة كالإنفاذ بالذال المعجمة وزنًا ومعنى. (2) قوله: «لا رسمهم مراده أن الاعتبار بالوصية لا باللفظ، فإن فهم إليه لانه هو اللب، والألفاظ قشور لا تعتبر ولا تضيع بها الحقوق، إذا كان تغييرها من أجل جهل الكاتب، لأن الكاتب عليه أن يكتب كما علمه الله.
6
(3) قوله: «بيعُ الوصي .... إلخ»، أي: بيعه لمال الموصي لإنفاذ الوصية في مرضه، أي: الْوَصِيّ ثابتًا ولا يُرَدُّ بالمرض ما دام يعقل البيع، بخلاف بيع ماله وهو مريض.
يصير (2/149)
صفحة 759
بابُ الْوَصِيِّ
الجزء الثالث
149
وَلَيْسَ ذَاكَ مِثْلَ بَيْعَ مَالِ لأَنَّ هَذَا وَاجِبٌ فِي حَالِهِ فَبَيْعُهُ لِذَاكَ نَوْعُ فَرْضِ لأَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْضِي وَبَيْعُهُ لِمَالِهِ فِي الْمَرَضِ رَدُّ لأَنَّهُ مِنَ الْمُنْتَقِضِ إِلَّا إِذَا بَاعَ لِيُنْفِذَنَّا وَصِيَّةٌ عَنْهُ فَيَثْبُتَنَّا إِنْ كَانَ قَدْ بَاعَ بِعَدْلِ السِّعْرِ وَفِيهِ لِلْورَّاثِ نَقْضٌ يَجْرِي إِنْ طَلَبُوا الْخِيَارَ فَلْيَخْتَارُوا إِذْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْخِيَارُ إِنْ نَقَضُوهُ فَعَلَيْهِمُ الثَّمَنْ لِيُنْفِذَ الْإِيصَاءَ مِنْهُ فَاعْلَمَنْ وَلِلْوَصِيَّ (1) جَائِزٌ أَنْ يُوصِي بِمَا بِهِ أَوْصَى إِلَيْهِ الْمُوصِي وَفِيهِ قَوْلُ إِنْ يَكُنْ قَدْ جَعَلَا ذَاكَ لَهُ جَازَ وَإِلَّا بَطَلَا وَقَوْلُهُ يُقْبَلُ فِي الإِنْفَاذِ إِنْ قَالَ مَا أَنْفَذْتُ غَيْرُ هَذِي أَوْ قَالَ قَدْ أَنْفَذْتُهَا جَمِيعًا يَكُونُ قَوْلُهُ هُنَا مَسْمُوعًا لَوْ أَنكَرَ الوَارِثُ مَا ادَّعَاهُ فَإِنَّهُ أَمِينُ مَنْ أَوْصَاهُ كَانَ مِنَ الثَّقَاتِ أَوْ لَمْ يَكُنِ لأَنَّهُ قَدْ صَارَ كَالْمُؤَمَّنِ إِنْ شَاءَ مِنْهُ الْوَارِثُ الْيَمِينَا فَالْخُلْفُ فِي وُجُوْبِهَا رُوِينَا وَإِنْ يَكُنْ وَلِيُّهُ أَوْصَى بِحَجْ (3) يُحَجِّجُ الوَلِيَّ عَنْهُ إِنْ خَرَجْ
(1) قوله: «وَلِلْوَصِيّ .... إلخ»، أي: يجوز لِلوَصِي أن يجعل لإنفاذ ما جعل فيه وصيا إذا خاف الموت ولو لم يجعل له الموصي ذلك، وقيل: لا إلَّا إذا جعل له ذلك، والأول أظهر وأقرب إلى الصحة؛ لئلا تضيع الوصية. (2) قوله: «وإن يكن وليه أي إذا كان الموصي وليا عنده أي يتولاه ويثق به، فلا يستأجر من يحج عنه إذا أوصى بالحج إلا وليا ثقة عنده. (2/150)
صفحة 760
10.
الجزء الثالث
كتابُ الْوَصَايَا
يَحُوزُ
وَإِنْ يَكُنْ مِنْ سَائِرِ الأَنَامِ أَجْزَاهُ مَنْ كَانَ أَخَا إِسْلَامِ وَلَا يَجُوزُ لِوَصِيِّ المَيِّتِ يَخْرُجُ عَنْهُ لِقَضَاءِ حَجَّةِ إِلَّا بِإِذْنِ وَارِثٍ قَدْ بَلَغَا أَوْ حَاكِمِ فِي قَوْلِ بَعْضِ الْبُلَغَا وَفِيهِ قَوْلٌ إِنَّهُ يَجُوزُ بِغَيْرِ إِذْنٍ مِنْهُمَا وَإِنْ يَكُنْ أَوْصَى بِإِطْعَامٍ فَلَا يُجْزِي بِأَنْ يُفَرَقَنَّ مَثَلَا لأَنَّهُ خَالَفَ مَا أُوصَى بِهِ وَجَوَّزُوا تَفْرِيقَهُ لِحَبِّهِ لِأَنَّهُ يَكُونُ كَالْإِطْعَامِ عِنْدَ المُرَخْصِينَ فِي الْمَقَامِ وَلِلْوَصِيَّ يَسْتَعِينُ يَوْمَا بِغَيْرِهِ وَلَا يَخَافُ لَوْمَا وَإِنْ يَكُنْ قَدِ اسْتَعَانَ بِثِقَهُ يُنْفِذُ مَا حَدَّ لَهُ وَصَدَّقَهُ فَمَا عَلَيْهِ وَاجِبٌ أَنْ يَسْأَلُه (2) فِي ذَاكَ عَنْ فِعْلِ الَّذِي قَدْ حَدَّ لَهُ وَإِنَّمَا سُؤَالُهُ احْتِيَاطُ إِذْ بِالسُّؤَالِ يَحْصُلُ انْضِبَاطُ وَاخْتَلَفُوا فِي أُجْرَةِ الإِنْفَاذِ مِنْ أَصْلِ رَأْسِ الْمَالِ قِيلَ هَذِي وَقِيلَ بَلْ مِنْ ثُلُثِ الْوَصَايَا فَهْيَ إِذًا تُحَاصِصُ الْقَضَايَا وَقِيلَ إِنَّ أُجْرَةَ الْمُنَادِي مِنْ رَأْسِ مَالِ الْمَيْتِ إِذْ يُنَادِي وَذَاكَ فِيمَا بَاعَهُ الْوَصِيُّ فِي لَازِم المَيْتِ بِهِ حَرِيٌّ وَإِنْ تَوَصَّى (3) مُسْلِمٌ لِذِمِّي فَقِيلَ هَذَا جَائِزُ فِي الْحُكْمِ
(1) قوله: «بإطعام»، أي: مطبوخ فلا يجزيه أن يعطي كل فقير كيلاً من حب أو رُز أو تمر، لأن في ذلك مخالفة لما أوصى به الموصي وهكذا العكس، وقيل بالجواز في التفريق.
(2) واجب: صفة لمبتدأ محذوف أي ما عليه أمر واجب بأن يسأله.
(3) وإن توصّى: أي: صار وَصِيَّا. (2/151)
صفحة 761
باب إنفاذ الوصايا
الجزء الثالث
151
باب إنفاذ الوصايا
وَذَاكَ أَنْ يُخْرِجُهَا الْوَصِيُّ إِنْ كَانَ أَوْ يُخْرِجَهَا الْوَلِيُّ عَلَى وِفَاقِ مَا بِهِ قَدْ أَوْصَى مَنْ مَاتَ حَتَّى يَبْلُغَنَّ الْأَقْصَى وَيَنْبَغِي التَّعْجِيلُ فِي الإِنْفَاذِ لأَنَّهُ أَقْرَبُ لِلإِنْفَانِ وَفِي وَصِيٌّ أَخَرَ الإِنفَاذَا يَغْرَمُ مَا ضَاعَ وَلَا مَلَاذَا إِنْ كَانَ تَأْخِيرًا) لِغَيْرِ عُذْرِ وَهْوَ بِذَاكَ حَامِلٌ لِلْوِزْرِ لَا يَنْظُرُ الْوَصِي وُضُوعَ حَمْلِ وَلَا رُجُوعَ غَائِبِ لِلأَهْلِ وَلَيْسَ مِثْلَ الْقَسْمِ لِلأَمْوَالِ فَفِيهِ الانْتِظَارُ لِلأَحْمَالِ إِذْ لَيْسَ يُدْرَى مَا الَّذِي بِالْبَطْنِ أَذَكَرُ أَمْ غَيْرُهُ أَمْ تُثْنِي) كَذَلِكَ الْغَائِبُ يُحْتَاجُ إِلَى حُضُورِهِ أَوْ نَائِبٍ قَدْ كَفَّلَا وَكُلُّهَا مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ سِوَى مَا كَانَ مِنْ حَقٌّ عَلَيْهِ قَدْ حَوَى وَقِيلَ فِي الْحَجِّ وَفِي الزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا مِنْ كُلِّ الْوَاجِبَاتِ بِأَنَّهَا مِنْ رَأْسِ مَالِ الْمَيِّتِ وَقِيلَ بَلْ مِنْ ثُلُثِ الْوَصِيَّةِ كَذَلِكَ الإِيصَاءُ بِالْعِتْقِ فَقَدْ قِيلَ مِنَ الْأَصْلِ وَبَعْضُ انْتَقَدْ (3)
(1) قوله: «تأخيرًا» مصدر حذف فعله، أي: أخره تأخيرًا، ويجوز رفعه على كون كان تامة، أي: وقع
منه تأخير.
(2) قوله تُثْنِي بضم أوله، أي: تأتي باثْنَيْن. (المصنف)
(3) انتقد: أي: لم يرَ القول به، كأن عابه، بل يراه من ثلث المال. (2/152)
صفحة 762
152
الجزء الثالث
كِتَابُ الْوَصَايَا
وَأَكْثَرُ الأَقْوَالِ فِيمَا ذُكِرَا بِأَنَّهَا مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ تُرَى) وَمَنْ يَكُنْ أَوْصَى لِمَنْ يَقُومُ فِي مَرَضِ بِهِ فَقَامَ قَوْمُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى سَوَاءِ وَقِيلَ بَلْ بِقَدَرِ الْعَنَاءِ وَقِيلَ بَلْ يَكُونُ لِلمُنْقَطِع عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ فَاتَّبِع وَقِيلَ مَنْ أَوْصَى لِحَفْرِ قَبْرِهِ فَهيَ لِكُلِّ دَاخِلٍ فِي حَفْرِهِ كَذَاكَ مَنْ أَوْصَى لِمَنْ يُغَسِّلُهُ تَعُمُّ مَنْ غَسَّلَهُ وَتَشْمَلُهُ وَسُنَّةُ الإِطْعَامِ) أَيَّامَ العَزَا خِلَافُ فِعْلِ النَّاسِ مَعْ مَنْ مَيَّزَا جِيرَانُ مَنْ أُصِيبَ يُرْسِلُونَا لَهُمْ طَعَامًا مِنْهُ يَأْكُلُونَا لأَنَّهُمْ عَنِ الْعِلَاحِ شَغِلُوا بِحُزْنِهِمْ عَلَى فَقِيدٍ تَكَلُوا فَهَذِهِ السُّنَّةُ أَيَّامَ النَّبِي لَكِنَّهَا قَدْ عُكِسَتْ فِي الْعَرَبِ فَصَارَ أَهْلُ الْمَيْتِ يُطْعِمُونَا مَنْ جَاءَ نَحْوَهُمْ مَعَذِّبِينَا جَاؤُوا يُعَزُونَ فَزَادُوا هَمَّا وَأَكَلُوا التُّرَاثَ أَكْلًا لَمَّا وَعَاوَنُوا مَصَائِبَ الزَّمَانِ بِحَمْلِهِمْ عَلَى المُصَابِ الْعَانِي (3) فَالمَوْتُ بِالأَرْوَاحِ مِنَّا انْقَلَبَا وَالْمَالُ بِالْعَزَاءِ عَنَّا ذَهَبَا
(1) قوله: «ترى»، أي: الوصية بالعتق؛ ولذلك أنث الضمير في قوله بأنها. (2) قوله: «وسنة الإطعام»: ما أحسن هذا النقد وهذا الجهبذ المحقق نور الدين وسراج المذهب على الذين ارتكبوا هذه الجريمة الأليمة والرذية العظيمة المخالفة لما عليه رسول الله وأصحابه المهتدون رضوان الله عليهم قال: اصنعوا لآل جعفر طعاما ... إلخ». (أبو إسحاق) (3) العاني: أي: الأسير، جعله أسير الأحزان. (2/153)
صفحة 763
باب إنفاذ الوصايا
الجزء الثالث
153
حِينَئِذٍ قَدْ رَحِمَ الْآبَاءُ أَبْنَاءَهُمْ وَأُحْدِثَ الإِيصَاءُ يُوصُونَ بِالطَّعَامِ وَالإِدَامِ لِحَاضِرِ الْمَأْتَمِ فِي أَيَّامٍ وَفَرَّعُوا لَهُ فُرُوعًا تُذْكَرُ وَذَاكَ عِنْدَ الْبَعْضِ مِنَّا مُنْكَرُ لأَنَّهَا وَصِيَّةٌ مُخِالِفَهُ لِمَا عَلَيْهِ الأَنْقِيَاءُ السَّالِفَة وَكُلُّ مَا كَانَ عَلَى خِلَافِ أَمْرِ مُحَمَّدٍ فَلِلتَّلَافِ) أَيْضًا وَفِي اجْتِمَاعِهِمْ مَا لَا يَحِلُّ مِنْ نَوْحٍ نَائِحٍ وَحَالِ مَنْ ثَكِلْ وَلأَبِي نَبْهَانَ (3) فِي أَجْوِبَتِهُ مَيْلٌ إِلَى تَبْطِيلِهِ بِجِهَتِهْ وَالمُثْبِتُونَ لَهُمُ تَفْرِيعُ وَلَهُمْ فِي وَصْفِهِ تَنْوِيعُ مِنْ ذَاكَ إِنْ بِشَاتِهِ قَدْ أَوْصَى تُؤْكَلُ فِي مَأْتَمِهِ وَخَصَّا إِنْفَاذْهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمَأْتَمِ حِجْرٌ وَمَنْ يَفَعَلُهُ لَمْ يَسْلَم لأَنَّمَا أَيَّامُهُ ثَلَاثُ وَبَعْدَهَا يَأْخُذُهَا الْوُرَّاتُ وَهَكَذَا أَيْضًا جُلُودُ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ المُوْصَى بِهَا لِلْمَأْتَمِ لِوَارِثِ الْمَيْتِ عَلَى السَّهَامِ مَقْسُومَةً مِنْ غَيْرِ مَا إِنْهَامِ لأَنَّمَا الْإِيصَاءُ وَاقِعُ عَلَى مَا كَانَ مَأْكُولًا وَغَيْرُهُ فَلَا وَجَازَ لِلْوَارِثِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ هَذَا الَّذِي أَوْصَى بِهِ أَنْ يُؤْكَلَنْ
(1) الإدام ككتاب ما يؤدم به الخبز؛ كالزيت والخل ونحو ذلك، وفي الحديث: نِعْمَ الإدام الخل. (2) فللتلاف: أي: الهلاك. (3) هو العالم الرباني جاعد بن خميس بن مبارك له الخروصي، وقد تقدم ذكره. (أبو إسحاق) (2/154)
صفحة 764
154
الجزء الثالث
كتابُ الْوَصَايَا
لأَنَّهُمْ قَدْ حَضَرُوا الْعَزَاءَ وَلَمْ يَكُنْ قَدْ خَصَّهُمْ إِيصَاءَ وَإِنَّمَا المَمْنُوعُ أَنْ يَقصِدَ فِي إِيصَائِهِ لِوَارِثِ فَلْتَعْرِفِ وَفِي الإِدَامِ يَدْخُلُ اللَّيْمُونُ إِذْ عَصْرُهُ عَلَى الْحِلَا يَكُونُ وَقَدْ أَتَى نِعْمَ الإِدَامُ الْخَلُّ عَنِ النَّبِيِّ قَدْ حَكَاهُ النَّقْلُ وَفِي البِزَارِ الهِيلُ قِيلَ يَدْخُلُ وَهَكَذَا الْجَوْزَةُ وَالقَرنْفُلُ وَتَدْخُلُ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَة فِي الْعِطْرِ حَيْثُ إِنَّهَا عَطِيرَة وَكُلُّ مَا فِي الْمَعْنَيَيْنِ يَدْخُلُ فَهْوَ عَلَى صِنْفَيْنِ قِيلَ يُجْعَلُ وَذَاكَ إِنْ بِالْعِطْرِ وَالإِدَامِ أَوْصَى لِإِثْنَيْنِ مِنَ الأَنَامِ وَجَعْلُنَا الْجَوْزَةَ فِي الْبِزَارِ قَوْلٌ حَكَاهُ الْأَصْلُ فِي الْآثَارِ وَلَا أَقُولُ إِنَّهَا بِزَارُ إِذْ قِيلَ فِي كَثِيرِهَا إِسْكَارُ وَكُلُّ مَا كَثِيرُهُ قَدْ أَسْكَرَا فَذَلِكَ القَلِيلُ مِنْهُ حُجِرَا وَالعِطْرُ طِيبٌ وَجَمِيعُ الطَّيبِ عِطْرٌ لَدَى الْأَلْفَاظِ فِي التَّقْرِيبِ إِلَّا إِذَا مَا كَانَ عِنْدَ قَوْمِ عُرْفٌ فَمَا فِي عُرْفِهِمْ مِنْ لَوْمِ وَالوَرْسُ عِطْرُ قَالَ بَعْضُ العُلَمَا (1) وَقِيلَ لَا وَالْحَقُّ مَا قَدْ قُدِّمَا وَالآسُ طِيبٌ وَكَذَاكَ الْحَلُّ إِنْ جُعِلَ الْكَاذِي بِهِ يَحِلُّ وَالْيَاسَمِينُ عَرْفُهُ يَطِيبُ مِنْ ذَاكَ قِيلَ فِيهِ هَذَا طِيبُ
(1) قوله: «الوَرْس» هو نبت أصفر له رائحة، ويسمى الحُص، قال عمرو ابن كلثوم: مُعْشَعَةٌ كَأَنَّ الْحُصَّ فِيهَا إِذَا مَا المَاءُ خَالَطَهَا سَخِينَا
(*) (الحلا) في لهجة العُمانيين ما يكون مع الطعام من سمك ولحم ونحوهما. (إسماعيل) (2/155)
صفحة 765
باب إنفاذ الوصايا
الجزء الثالث
155
وَرَجُلٌ أَوْصَى إِلَى فُلَانِ أَنْ يَتَصَدَّقَنَّ بِالْأَوَانِي كُلُّ وِعَاءِ تُوضَعُ الأَشْيَاءُ فِيهِ يَعُمُّ ذَلِكَ الإِيصَاءُ (1) فَيَخْرُجُ الْهَاوُنُ وَهْيَ المُوقَعَهُ إِذْ لَمْ تُصِبْ مِنَ الدُّخُولِ مَوْضِعَهْ وَسَفَنُ (2) الحَدِيدِ أَيْضًا يَخْرُجُ وَالمِيلُ وَهْوَ الْمِرْوَدُ المُدَمْلَجُ وَتَخْرُجُ الرَّحَا وَكُلُّ مَا ذُكِرْ لَيْسَ مِنَ الْأَوَانِي عِنْدَ المُعْتَبِرُ آنِيَةُ الصِّينِيَّ لَيْسَ خَزَفَا كَلَّا وَلَا الْأَزْوَرْدُ فِيمَا عُرِفَا بَلْ إِنَّهَا ثَلَاثَةٌ أَنْوَاعُ وَكُلُّ نَوْعِ فَلَهُ اتِّسَاعُ وَقِيلَ إِنْ أَوْصَى لَهُ بِالْخَشَبِ مِمَّا حَوَاهُ بَيْتُهُ وَالْحَطَبِ إِنَّ الْمَنَادِيسَ (3) بِهِ لَا تَدْخُلُ وَلَا السَّفَاتِيرَ عَلَى مَا نَعْمَلُ لأَنَّهَا مِنَ الأَوَانِي تُحْسَبُ وَأَصْلُهَا عَنْهُ الخِطَابُ يَذْهَبُ ويُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَى مَا ابْتَدَرَا لِلذَّهْنِ مِنْ مَعْنَاهُ حِينَ ذُكِرَا بَلْ رَخَصُوا أَنْ تُنْفَذَ الوَصَايَا بِالإِطْمِنَانَاتِ مِنَ البَرَايَا وَلَيْسَ ذَاكَ غَيْرَ أَنَّ المَعْنَى يَلُوحُ لِلقَلْبِ فَيَطْمَئِنَّا
(1) الإصاء فاعل يعم. (أبو إسحاق)
(2) سَفَن: هو المدق ويسمى المعول سَفَنًا كما في قول أبي كبير:
تُخَوِّفُ الرَّحْلَ منها تَامِكًا قَرْدًا كما تُخَوِّفُ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ
يصف ناقة كبيرة السنام وإن دوام الرحل عليها وطول السفن تخوف ذلك السنام الضخم أي
تنقطه شيئا فشيئا. (أبو إسحاق)
(3) المناديس: هي الصناديق الكبار والسفاتير الصناديق الصغار، ولكن المناديس إنما تعمل من الخشب والسفاتير من الخشب والحديد. وتسمى في القديم الجوالق. (أبو إسحاق) (2/156)
صفحة 766
156
الجزء الثالث
كتابُ الْوَصَايَا
وَيُلْغَى مَا وَرَاءَهُ مِنْ مُحْتَمَلْ لأَنَّهُ عَنْ فَهْمِهِ قَدِ اعَتَزَلْ وَبَعْضُهُمْ يُلَاحِظُ الْمَعَانِي وَيَمْنَعُ الإِنْفَاذَ بِاطْمِثْنَانِ يَمْنَعُهُ إِلَّا بِحُكْمِ يَقْطَعُ بِأَنَّهُ مُرَادَهُ لَا يَدْفَعُ وَإِنْ يَكُنْ أَوْصَى بِكُتُبِهِ دَخَلْ مُصْحَفُهُ فِيهَا بِإِسْم قَدْ شَمِلْ لأَنَّهُ الْكِتَابُ بَلْ أَصْلُ الْكُتُبْ فَهْوَ لِهَذَا الْإِسْمِ أَوْلَى مَا انْتُخِبْ وَقِيلَ لَا يَدْخُلُ حَتَّى يُذْكَرَا بَأَنَّهُ الْمُرَادُ فِيمَا سُطَّرَا لأَنَّهُ بِرَأْسِهِ جِنْسٌ كَمَا شَأْنِ النَّبِيِّ عِنْدَ بَاقِي العُلَمَا فَالأَنْبِيَاءُ عُلَمَا وَالِاسْمُ يَصْرِفُهُ لِغَيْرِهِمْ ذَا الْفَهْمُ فَهُمْ لِهَذَا الْحَالِ مُمْتَازُونَا بِرُتْبَةٍ بِهَا يُمَيَّزُونَا بِالأَنْبِيَاءِ (1) اسْمًا يُخَصَّصُونَا وَهُمْ بِوَصْفِ الْعِلْمِ يُنْعَتُونَا) كَذَلِكَ الْمُصْحَفُ عِنْدَ الْكُتُبِ جِنْسٌ بِرَأْسِهِ فَلَا تَسْتَغْرِبِ وَإِنْ يَكُنْ أَوْصَى بِسَيْفِهِ فَلَا يَكُونُ (3) فِيهِ جَفْتُهُ قَدْ دَخَلَا إِلَّا إِذَا خَصَّصَهُ بِالْوَصْفِ لأَنَّ جَفْنَ السَّيْفِ غَيْرُ السَّيْفِ وَإِنْ يَكُنْ أَوْصَى بِنَخْلَةٍ وَقَدْ آنَ دَرَاكُهَا عَلَى رَأْسِ الأَمَدُ
(1) قوله: «بالأنبيا» هكذا في نسخة الأصل، ولكن إسقاط ألف اسم للدرج أولى من قصر الأنبياء. فيكون هكذا بالأنبياء اسما .. الخ). () وقد أثبت الصواب. (إسماعيل) (2) يُنعتون: أي: يوصفون.
(3) قوله: «فلا يكون قلت: إن المقصود في الإيصاء عندنا اليوم إدخال الجفن مع السيف، فإن أوصى بسيفه لأحد أعطيناه إياه مع جفنه. (2/157)
صفحة 767
باب إنفاذ الوصايا
الجزء الثالث
157
فَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُ تِلْكَ الثَّمَرَهُ تَابِعَةٌ لأُمِّهَا الْمُقَرَّرَة فَهْيَ لِمَنْ أَوْصَى لَهُ مَا لَمْ تَبِنْ عَنْهَا بِجَةٌ) فَاصِلٍ كَمَا زُكِنْ وَقِيلَ بَلْ لِجُمْلَةِ الْوُرَّاثِ كَمِثْلِ مَا خَلَّفَ مِنْ تُرَاثِ لَكِنَّهَا قَبْلَ الدَّرَاكِ تَتْبَعُ لأُمِّهَا بِلَا خِلَافٍ يُرْفَعُ وَضِدُّهُ الإِقْرَارُ فَهْيَ مُطْلَقَا لِمَنْ بِهَا (3) أَقَرَّ حِينَ أَطْلَقَا مُدْرِكَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ بِمُدْرِكَهُ إِذْ لَمْ يَكُنْ مَلَّكَهُ مَا مَلَّكَهُ وَإِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّ ذَاكَ لَهُ فَهْيَ لَهُ مِنْ قَبْلُ لَا مُحَوَّلَهُ وَفِي الْعَطَا وَالْبَيْعِ مَا لَمْ يُدْرِكِ لأَوَّلِ وَعَكْسُهُ فِي الْمُدْرِكِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ لَا الْإِجْمَاعُ إِذْ فِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَا نِزَاعُ (4) ذَكَرْتُ ذَاكَ فِي شُرُوحِ الْمُسْنَدِ) فَرَاجِعُ الثَّالِثَ مِنْهُ تَهْتَدِي
(1) تبن: تنفصل. (2) بجذ بالجيم والذال المعجمة، أي: قطع، يقال: جد الثمرة إذا قطعها، وأهل عُمان يقولون: جَدّ النخل بالمهملة إذا حصد ثمارها. (3) قوله: «لمن بها أقر» أصل العبارة هي لمن أقرّ بها له، فالثمرة في الإقرار تابعة لأصلها مدركة كانت أو غير مدركة. (4) قوله: «نزاع»، أي: خلاف؛ لأن جمهور العلماء من قومنا، بل عامتهم أن ثمرة النخيل تكون للبائع بالتأبير، ما روي عنه عليه الصلاة والسلام: «من باع نخلا مؤبَّرة فثمرتها للبائع إلا أن
يشترطها المبتاع»، وكان الإمام الخليلي يعمل بذلك اتباعا للسنة. (أبو إسحاق) (5) قوله: «في شروح إنما جمعها باعتبار كون كل حديث منه له شرح مخصوص، والمسند هو صحيح الإمام الحجة الثبت أبي عمرو الربيع بن حبيب، وعامة الناس يسمونه مسند الربيع، وقد شرح المصنّف الأجزاء الثلاثة منه، ولم يتمكن من شرح الجزء الرابع منه؛ لأنه اشتغل في آخر عمره بأمور المسلمين، فمات قبل أن يشرع فيه، وإنما لكل امرئ ما نوى، رحمه الله، وجزاه عنا وعن المسلمين خيرًا. (أبو إسحاق) (2/158)
صفحة 768
158
الجزء الثالث
كتابُ الْوَصَايَا
وَإِنْ يَكُنْ أَوْصَى لَهُ بِالْغَلَّةِ فَيَابِسُ الزَّوْرِ أَتَى فِي الْجُمْلَةِ وَالْكَرْبُ) وَالشُّغْرَافُ والعِسْقُ مَعَا فَهُوَ مِنَ الْغَلَّةِ قَدْ تَجَمَّعَا وَوَرَقُ الْحِنَّا يَكُونُ مِنْهَا وَمَا لَهُ عِنْدِي مَحِيصٌ عَنْهَا وَوَرَقُ السِّدْرِ كَذَاكَ قِيلًا إِذْ قَدْ يُفِيدُ عِنْدَنَا التَّغْسِيلا يُؤْخَذُ مِنْهُ ثُمَّ يُورِقَنَّا سِوَاهُ كَالْأَشْجَارِ تُنْمِرَنَّا وَخِدْمَةُ الْعَبْدِ إِذَا مَا أَوْصَى بِهَا لِخَالِدٍ وَعَمْرةٍ خَصَّا يَخْدِمُ شَهْرًا خَالِدًا وَعَمْرَا لَهُ يُغِلُّ بَعْدَ ذَاكَ شَهْرَا إِنْفَاقُهُ بَيْنَهُمَا وَمَغْرَمُهُ عَلَيْهِمَا بِحَسْبٍ مَا قَدْ يَلْزَمُهُ وَقِيلَ فِي الْعَبْدِ مِنَ السُّودَانِ يَدْخُلُ فِي وَصِيَّةِ الحِيَوَانِ) وَهَكَذَا يَدْخُلُ فِي الدَّوَابِ وَبِعْضُهُمْ مِنْ ذَاكَ فِي اسْتِعْجَابِ يَرَاهُ لَا يَدْخُلُ تَعْوِيلًا عَلَى مَا عَهِدُوا مِنْ عُرْفِهِمْ إِذْ فَصَّلَا وَهْوَ إِلَى الصَّوَابِ عِنْدِي أَقْرَبُ لأَنمَّا الْفَهْمُ إِلَيْهِ يَذْهَبُ وَقِيلَ مَنْ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدِهِ مِنْ مَالِهِ لَمْ يَنْعَتِقْ مِنْ بَعْدِهِ إِلَّا إِذَا أَعْتَقَهُ وَصِيُّ أَوْ وَارِثُ أَوْ حَاكِمٌ رَضِيُّ وَإِنْ يَكُنْ أَعْتَقَهُ مُحْتَسِبُ فَفيه خُلْفٌ قَدْ حَكَتْهُ الْكُتُبُ
(1) قوله: «الكرب .... إلخ» الكرب معروف، والشُّغراف هو ما يَبِسَ من أكمام الطلع، والعِشق هو العرجون، والخوص: هو السعف والزور هو العَسِيب.
(2) والحيوان: بكسر الحاء وسكون الياء لغة عُمانية. (المصنف) (2/159)
صفحة 769
باب إنفاذ الوصايا
الجزء الثالث
159
وَفِيهِ قَوْلُ إِنَّهُ يَنْعَتِقُ مِنْ غَيْرِ إِعْتَاقٍ وَهَذَا أَرْفَقُ
وَإِنْ يَكُنْ دَبَّرَهُ وَمَاتَا مَا قَدْ فَاتَا فَعِتْقُهُ مِنْ حِينِ إِذْ كَانَ عِتْقُهُ مُعَلَّقًا عَلَى مَمَاتِهِ وَبِالْمَمَاتِ انْفَعَلَا وَقِيلَ إِنْ أَوْصَى بِصَوْمٍ لَمْ يُسَمْ فَصَوْمُ يَوْمٍ مُسْقِطٌ لِمَا انْبَهَمْ وَقِيلَ مَنْ أَوْصَى بِكَفَّارَاتِ وَلَمْ يُبَيِّنُهَا مُعْلَّظَاتِ (1) أَوْ مُرْسَلَاتٍ (2) قَالَ بَعْضُ العُلَمَا بِأَنَّهَا بَاطِلَةٌ إِذْ أَبْهَمَا وَبَعْضُهُمْ (3) لِلمُرْسَلَاتِ صَرَفَا ذَاكَ وَقَالَ إِنَّ هَذَا قَدْ كَفَى لأَنَّهَا أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ هَذَا الإِسْمِ إِذْ يُحَقَّقُ وَالْمُرْسَلاتُ الأَصْلُ فِي التَّكْفِيرِ فَهْيَ إِذَا تَغْلِبُ فِي التَّعْبِيرِ وَإِنْ يَكُنْ أَوْصَى بِكَفَّارَاتِ مُسَمَّيَاتٍ وَمُعَيَّنَاتِ لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الإِطْعَامَا وَهَكَذَا لَمْ يَذْكُرِ الصِّيَامَا فَلِلْوَصِيَّ مِثْلُ مَا لِلْمُوصِي فِيهِ مِنَ التَّخْيِيرِ حِينَ يُوصِي
(1) قوله: «مغلظات» حال من (ولم يبينها). (2) قوله: «أو مُرسلات» الفرق بين اليمين المرسلة واليمين المغلظة في اصطلاح فقهائنا، بأن المغلظة ما أكدها الحالف وأغلظ فيها، كأن يقول بعد الحلف بالله: إن فعلت ذلك فديني دين المجوس أو اليهود، أو إنه كافر بالله أو عليه لعنة الله وغضبه ونحو ذلك، والمرسلة ما أرسل فيها الحلف ولم يأت بشيء من ألفاظ التغليظ، فكفارة المغلظة ككفارة الظهار، وكفارة المرسلة عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وعند الشيخ أبي محمد الأيمان كلها مرسلة، وهو الأصح عندي. (أبو إسحاق) (3) قوله: «وبعضهم .... إلخ» أقول هذا هو القول الصحيح الموافق لأصل الكفارة. (2/160)
صفحة 770
17.
الجزء الثالث
كِتَابُ الْوَصَايَا
وَقَالَ بَعْضُ مَا لَهُ تَخْيِيرُ فَهْوَ إِذَا يَلْزَمُهُ التَّحْرِيرُ وَإِنْ يَكُنُ أَوْصَى بِحَجَةٍ فَلَا تُدْفَعُ إِلَّا لِتَقِيٌّ عُدِّلا وَالْخُلْفُ فِي غَيْرِ التَّقِيِّ وَرَدَا وَمَنْ أَجَازَ يُلْزِمَنْ) أَنْ يُشْهِدَا وَمَا بِهِ لأَعْقَلِ الْعِبَادِ أُوصِي فَمَصْرُوفٌ عَلَى الزُّهَادِ لأَنَّهُمْ بِزُهْدِهِمْ فِي الْحَاضِرِ فَاقُوا بِعَقْلِهِمْ عَلَى الْأَكَابِرِ وَلَا يُسَمَّى الْكَافِرُونَ عُقَلَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَنَا قَدْ نُقِلَا لأَنَّهُمْ لَوْ عَقَلُوا مَا كَفَرُوا فَنِعْمَةُ الْعَقْلِ لَهَا قَدْ سَتَرُوا أَوْلَاهُمُ الرَّحْمَنُ عَقْلًا مُبْصِرَا فَطَمَسُوهُ بِصَلَالٍ خَطَرَا فَصَارَتِ الْقُلُوبُ عُمْيًا إِنَّمَا عَمَى الْقُلُوبِ عِنْدَنَا هَوَ الْعَمَى وَذَلِكَ الْحَالُ هُوَ الْخَتْمُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَهُوَ غِلَافٌ (2) حَصَلَا هُمْ جَعَلُوا الْقُلُوبَ فِي أَكِنَّةِ وَذَاكَ مَا يُعْرَفُ بِالتَّغْطِيَةِ وَهْيَ الْغِشَاوَةُ عَلَى الْقُلُوبِ وَالرَّانُ مِنْ تَرَادُفِ الذُّنُوبِ هُمْ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الدُّنَا وَلَيْسَ يَدْرُونَ الَّذِي قَدْ بَطَنَا عَمُوا وَصَمُّوا عَنْ مَعَانِي الْحَقِّ وَأَبْصَرُوا الظَّاهِرَ بَيْنَ الْخَلْقِ وَكَانَ مِنْ شَأْنِ الْعُقُولِ النَّظَرُ لِبَاطِن الأُمُورِ طُرًا تُبْصِرُ وَالْعِلْمُ بِالظَّاهِرِ مِنْ حَيَاةِ مَعَ الْعَمَى عَنْ بَاطِنِ الْحَالَاتِ
(1) يلزمن: بضم الياء من المضارع الرباعي، أي: يُلْزِمَنَّهُ الأشهاد. (2) غلاف: أي غطاء وقلوبهم، غلف أي: مغطاه عن الصواب. (2/161)
صفحة 771
باب إنفاذ الوصايا
الجزء الثالث
171
لَيْسَ بِعَقْلٍ كَامِلٍ فَيُذْكَرَا مِنْ جُمْلَةِ الْعُقَالِ مَنْ قَدْ كَفَرَا وَلِلتَّكَالِيفِ بِهِمْ تَعَلُّقُ لَا يُعْذَرُونَ بِفُؤَادٍ يُغْلَقُ لأَنَّمَا الْإِغْلَاقُ مِنْهُمْ كَانَا وَالرَّبُّ قَدْ بَيَّنَهُ تِبْيَانَا وَالْأُرْزُ) بِالْإِسْمِ يُخَصُّ إِنْ يَرِدْ لَا يَدْخُلَنْ فِي الْحَبِّ عُرْفًا إِنْ جَحَدْ لَكِنَّمَا أَهْلُ بَدِيَّةٍ (2) (3) لَهُمْ عُرْفٌ يَخُصُّهُمْ وَبَيْنَهُمْ عَلِمْ فَالْأُرْزُ بِالْحَبِّ لَدَيْهِمْ يُدْعَى وَالْفَهْمُ نَحْوَهُ لَدَيْهِمْ يَسْعَى إِنْ أَطْلَقُوا فَهْوَ الْمُرَادُ عِنْدَهُمْ أَوْ قَيَّدُوا يَعْتَبِرُونَ قَيْدَهُمْ فَهُمْ بِعُرْفِهِمْ يُعَامَلُونَا فِيمَا أَقَرُّوا وَبِمَا يُوصُونَا وَإِنْ يَكُنْ بِبَيْتِهِ قَدْ أَوْصَى وَكُلِّ مَا فِيهِ لِمَنْ قَدْ خَصَّا وَكَانَ فِيهِ تَفَقٌ (4) مَرْهُونُ فَهْوَ لِمَنْ أَرَهَنَهُ يَكُونُ وَفِي الْفِدَا خُلْفٌ فَبَعْضُ أَتْبَعَهُ بِمَا حَوَى الْبَيْتُ وَبَعْضُ مَنَعَهُ وَإِنْ يَكُنْ أَوْصَى بِبَعْضِ الْمَنْزِلِ فَنِصْفَهُ (5) الْمُوصَى لَهُ قِيلَ يَلِي وَقِيلَ إِنَّ الْبَعْضَ يَصْدُقَنَّا بِأَيِّ جُزءٍ مِنْهُ يَخْرُجَنَّا
(1) قوله: «والأرز .... إلخ» يعني أنه إذا أوصى بأرز فلا يشمل الحب، وكذلك العكس. (2) أهل بدية: بالباء الموحدة على وزن نَدِيّة قُرَى من ناحية الشرقية متقاربة، أشهرها بلد المُنْتَرِب كالمنتدب، وكلها لآل حجر، قبيلة مشهورة في عُمان، كان فيها رجال من أهل العلم والزهد والفضل، وهي من كندة القبيلة الأزدية المشهورة، وسميت هذه القرى بدية؛ لأنها واقعة في صحراء البادية، طيبة الهواء ذات رمال لينة عالية، كأنها جبال ممتدة في تلك الصحارى تماثل رمال عالج.
(3) بدية ناحية من الشرقية - مقاطعة بعُمان ـ بها الحجريون. (أبو إسحاق)
(4) تفق: هو البندقية المعروفة.
(5) فنصفه: مفعول يلي، أي: يأخذ. (2/162)
صفحة 772
162
الجزء الثالث
كتابُ الْوَصَايَا
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَبْطُلُ لأَنَّ ذَاكَ الْبَعْضَ مِنْهُ يُجْهَلُ وَالقَائِلُونَ ضِدَّ ذِي الْمَقَالَهُ لَا يُبْطِلُونَ ذَاكَ بِالْجَهَالَهُ وَقِيلَ مَنْ أَوْصَى بِسُكْنَى بَيْتِهِ لِزَوْجَةٍ قَدْ قَالَ بَعْدَ مَوْتِهِ فَالغُرَمَاءُ لَا يُشَارِكُونَهَا لَوْ لَمْ يُخَلِّفْ قَطُّ مَا يُوفُونَهَا) وَذَاكَ إِنْ كَانَ زَمَانَ الْعِدَّةِ فَظَاهِرُ الْمَعْنَى مِنَ الأَدِلَّةِ لأَنَّهَا فِي بَيْتِهِ تُحْتَبِسُ وَنَزْعُهُ خِلَافُ مَا قَدْ أَسَسُوا إِيصَاؤُهُ قَدْ وَافَقَ السُّنَّةَ فِي مُقَامِهَا فِي بَيْتِهَا فَلْتَعْرِفِ وَإِنْ يَكُنْ أَطْلَقَ فِي الإِيصَاءِ مِنْ غَيْرِ مَا حَدَّ وَلَا اسْتِقْصَاءِ أَوْ أَنَّهُ زَادَ عَلَى عِدَّتِهَا فَبَاطِلٌ مَا زَادَ عَنْ مُدَّتِهَا لأَنَّهَا وَارِثَةٌ وَالإِيصَا لِوَارِثَ يَبْطُلُ حِينَ أَوْصَى وَمَنْ يَكُنْ أَوْصَى بِهَدْمِ دَارِهِ أَوْ بَيْتِهِ قَدْ قَالَ أَوْ جِدَارِهِ فَالأَصْلُ قَدْ أَعْجَبَهُ أَنْ يُهْدَمَا لأَنَّهُ بِحَالِهِ قَدْ عَلِمَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ بَنَاهُ بِبَاطِلِ وَخَافَ مِنْ مَوْلَاهُ وَإِنْ يَكُنْ أَوْصَى إِلَى إِنْسَانِ بِنَخْلَةٍ مِنْ ذَلِكَ الْبُسْتَانِ وَلَمْ يُسَمَّ نَخْلَةً مَعْلُومَهُ مِنْ غَيْرِهَا بِصِفَةٍ مَفهُومَهُ قِيلَ لَهُ الأَعْلَى وَبَعْضُ قَالَا أَدْنَى النَّخِيلِ فَافْهَمِ الْمَقَالَا
(1) يُوفُونَهَا: بالبناء للمفعول، والضمير عائد إلى الديون، وفيه رائحة من الاستخدام المعروف. (2/163)
صفحة 773
باب إنفاذ الوصايا
الجزء الثالث
163
وَبَعْضُهُمْ حَاصَصَهُ فِي الْكُلِّ وَقَدْ رَأَى ذَلِكَ نَوْعَ عَدْلِ وَإِنْ يَكُنْ أَوْصَى بِكُلِّ الْمَالِ لِخَالِدٍ أَوْ أَحَدِ الرِّجَالِ فَثُلُثُ الْمَالِ لَهُ فَقَطُّ وَالظُّلُتَيْنِ وَارِثِوهُ بَطُوا) وَإِنْ يَكُنْ قَدْ ذَهَبَ الْمَالُ (2)
سوى وَاحِدَةٍ فَقَسْمُهَا بِذَا اسْتَوَى هَذَا هُوَ الْحُكْمُ وَلَوْ قَدْ أَكَدَا بِكُلِّ تَأْكِيدٍ لَهُ فِيهِ بَدَا مَا لَمْ يَكُنْ حَقٌّ عَلَيْهِ لَزِمَا وَلَمْ يَكُنْ أَقرَّ فِيمَا رَسَمَا لأَنَّمَا حَقُّ الْوَصَايَا الثَّلُثُ وَذَلِكَ التَّأْكِيدُ فِيهَا عَبَثُ فَمَا حَكَاهُ الْأَصْلُ فِي ذَا المَوْضِع مِنْ ضِلَّ مَا ذَكَرْتُهُ لَمْ يُسْمَعِ وَإِنْ يَكُنْ أَوْصَى لِزَيْدِ بِن عُمَرْ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ بِغَيْرِ مَا ذَكَرْ فَإِنَّ ذَاكَ بَاطِلٌ لِلْجَهْلِ بِه أَمَيِّتٌ أَمْ كَانَ حَيًّا مُنْتَبِهْ إِلَّا إِذَا مَا كَانَ عَنْ ضَمَانِ فَذَاكَ لَا يُفْضِي إِلَى البُطْلَانِ لَكِنَّهُ يَكُونُ حَقًّا جُهِلَا أَرْبَابُهُ وَفِيهِ حُكْمٌ قَد خَلَا (3) كَذَلِكَ الإِقْرَارُ أَيْضًا مِثْلُهُ لَا يُبْطِلُ الإِقْرَارَ فِي ذَا جَهْلُهُ وَوَالِدَاهُ إِنْ أَقَرَّ لَهُمَا فَقَدْ أَقَرَّ لِلَّذِيْن عُلِمَا فَثَابِتُ إِقْرَارُهُ لِذَيْنِ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدَ ذَكَرَ الإِسْمَيْنِ
(1) قوله: «بطوا بموحدة ثم مهملة مُشَدَّدَة: أي: أخذوا، عرف لبعض العامة عندنا. (المصنف) (2) قوله: «وإن يكن قد ذهب»، يعني: إذا أوصى بكل ماله فلم يوجد له إلا نخلة واحدة فله ثلثها. (3) خلا: أي: مضى. (أبو إسحاق) (2/164)
صفحة 774
164
الجزء الثالث
كتابُ الْوَصَايَا
وَلَيْسَ يَخْلُو ذَاكَ مِنْ مَقَالِ بِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى الإِبْطَالِ وَالْحَقُّ فِي الْقَوْلِ الَّذِي تَقَدَّمَا إِذْ وَالِدَاهُ أَمْرُهُمْ لَمْ يُبْهَمَا وَامْرَأَةٌ قَالَتْ لِبِنْتِي جُمْلٍ وَلَمْ تَكُنْ بِنْتَا لَهَا فِي الْأَصْلِ بَلْ قَدْ تَبَنَّتْهَا فَقِيلَ يَبْطُلُ وَقِيلَ بَعْدَ أَنْ تُسَمَّى يُقْبَلُ وَالأَوَّلُونَ لِلتَّبَنِّي نَظَرُوا فَمَنَعُوا مَا الْأَصْلُ فِيهِ يُحْجَرُ إِذِ التَّبَنِّي عِنْدَنَا مَمْنُوعُ وَحُكْمُ مَا اسْتَلْزَمَهُ مَقْشُوعُ (2) وَالآخَرُونَ نَظَرُوا الْمَقْصُودَا وَأَثْبَتُوا إِيصَاءَهَا الْمَحْدُودَا لأَنَّهُ قَدِ انْتَفَى التَّرْدَادُ بِإِسْمِهَا وَعُلِمَ الْمُرَادُ وَعِنْدَ ذَا تَبْطِيلُهَا بَعِيدُ فَمِنْ هُنَا لَا يَثْبُتُ التَّشْدِيدُ وَامْرَأَةٌ أَوْصَتْ بِنَخْلَةٍ لِمَنْ يَزُورُ قَبْرَهَا فَمَاتَتْ بَعْدَ أَنْ (3) (4) فَلِلْوَصِيَّ أَنْ يَبِيعَهَا وَأَنْ يُعْطِي ثِمَارَهَا لِمَنْ يَسْتَوْجِبَنْ وَإِنْ يَبِعْهَا دَفَعَ الْأَثْمَانَا لِمَنْ يَزُورُ ذَلِكَ الْمَكَانَا وَإِنْ يَكُنْ مَحَلُّ قَبْرِهَا جُهِلْ فَهَاهُنَا الْخِلَافُ فِيهَا قَدْ نُقِلْ فَبَعْضُهُمْ قَدْ قَالَ بِالْوُقُوفِ كَالْمَالِ إِذْ لَمْ يَكُ بِالْمَعْرُوفِ
(1) جُمل بضم فسكون: اسم امرأة. (المصنف)
(2) مقشوع: أي: مهدوم.
(3) قوله: «بعد أن»، أي بعد أن أوصت، ففيه اكتفاء
عن
كلمة.
(4) أي بعد أن أوصت إلخ. (المصنف) (2/165)
صفحة 775
باب إنفاذ الوصايا
الجزء الثالث
165
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ لِلْورَّاثِ كَمِثْل مَا تَتْرُكُ مِنْ تُرَاثِ (1) وَإِنْ تَكُنْ قَدِ انْتَفَتَ جَهَالَتُهُ لَكِنَّهَا تَعَذَّرَتْ زِيَارَتُهُ فَهَاهُنَا يَقْعُدُ مَنْ قَدْ زَارَا فِي مَوْضِعِ يَنْوِي بِهِ الْمَزَارَا وَيَسْتَحِقُ تِلْكُمُ الْوَصِيَّة وَنُسِبَ الجَوَابُ فِي الْقَضِيَّة عَمَّنْ إِلَيْهِ الشَّرْحُ وَالتَّحْرِيرُ قَدِ انْتَهَى وَهْوَ بِهِ خَبِيرُ أَبُو سَعِيدِ (3) الكُدَمِيُّ الْمُفْرَدُ مَنْ مُطْلَقَاتِ الْعِلْمِ عَنْهُ قَيَّدُوا وَهَكَذَا أَيْضًا عَنِ الصُّبْحِيِّ حَكَاهُ فِي جُمْلَةِ ذَا الْمَحْكِي قَالَ كَذَا أَصْحَابُنَا الْمَغَارِبَة قَالُوا بِهِ صِرْتُ لِهَذَا كَاتِبَهْ وَقَدْ مَضَى مَا فِيهِ مِنْ كَلَامِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ مِنَ الْأَحْكَامِ فِي الْوَقْفِ مِنْ بَابِ الأَمَانَةِ اطْلُبِ تَحْقِيقَهُ تَظْفَرُ بِنَيْلِ الْمَطْلَبِ وَإِنْ يَكُنْ لَيْسَ لَهَا قَبْرٌ كَمَا إِنْ أُخْرِقَتْ أَوْ أُغْرِقَتْ فَانْبَهَمَا فَهَاهُنَا لِلْوَارِثِينَ يَرْجِعُ قَوْلًا خَلَا مِنْ ضِدِّهِ إِذْ يُرْفَعُ وَمَا بِهِ أَوْصَى لِإِصْلَاح رَحَى وَذَهَبَتْ فَقَالَ بَعْضُ الصُّلَحَا لَيْسَ يَجُوزُ يَشْتَرِي سِوَاهَا مِنْهُ وَبَعْضُ قَدْ رَأَى شِرَاهَا
(1) تراث: أي: مال.
(2) قوله: «أبو سعيد» تقدم التعريف به، والمفرد الذي لا نظير له في العلم والفضل، ومن: موصولة بدل من أبو، ومطلقات مفعول مقدم منصوب بالكسرة عوضا عن الفتحة،
جمع
ملحق
بجمع المؤنث السالم. (2/166)
صفحة 776
166
الجزء الثالث
كتابُ الْوَصَايَا
(1)
وَأَوَّلُ الْقَوْلَيْنِ قَوْلُ الْأَكْثَرِ تَعَلَّقُوا بِلَفْظِهِ الْمُنْحَصِرِ لَكِنَّمَا الْمُرَخِّصُونَ نَظَرُوا مَصْلَحَةَ الْقَصْدِ فَلَمْ يَنْحَصِرُوا رَأَوْا بِأَنَّهُ أَرَادَ مَعْنَى مِنَ الثَّوَابِ لَا حَصَاةً تُعْنَى وَفِي أُولِي الْبِرِّ إِذَا مَا أَوْصَى إِنْفَاذُهُ بِالأَقْرَبِينَ خُصَّا وَهَكَذَا فِي أَفْضَلِ الْبِرِّ فَهُمْ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ بِرِّ قَدْ عَلِمْ وَذَاكَ إِنْ لَمْ يَكُ قَدْ أَوْصَى لَهُمْ بِمَا يَخُصُّهُمْ فَإِنْ أَوْصَى لَزِمْ وَأُنْفِذَتْ حِينَئِذٍ فِي أَفْضَلَ بِرِّ يَرَاهُ نَظَرُ الْمُفَضّلِ) وَفِي أُولِي الْبِرِّ لأَهْلِ الْفَضلِ مَعْ صِحَّةِ الإِيمَانِ عِنْدَ الْكُلِّ أُوصِي لِلسَّبِيلِ بَعْضُ يَقُولُ فِيهِ بِالتَّبْطِيلِ لأَنَّهُ هَوَ الطَّرِيقُ إِسْمَا فَخَالَفَ الْمُرَادَ مَا يُسمَّى أَرَادَ مَعْنًى قَصُرَتْ عِبَارَتُهُ عَنْهُ وَمَا تَمَّتْ لَهُ إِشَارَتُهُ فَاللَّفْظُ لَمْ يُطَابِقِ الْمُرَادَا فَلَمْ يَكُنْ يَثْبُتُ مَا أَرَادَا وَبَعْضُهُمْ أَثْبَتَهُ وَقَالُوا بِأَنَّهُ لِلْفُقَرَا حَلَالُ وَقِيلَ بَلْ لِلأَغْنِيَاءِ أَيْضًا وَقِيلَ ذَا مِثْلُ الصَّوَافِي فَرْضًا (3)
وَمَا
(1) قوله: «المنحصر»، أي الخاص بالإصلاح، فهو محصور عليه لفظًا لا قصدًا، فمن ذهب إلى الأخذ بمقتضى اللفظ مَنَعَ الشراء، ومن ذهب إلى مراعاة القصد أجازه، وهو الأصح. والله أعلم. (أبو إسحاق) (2) المفضل: بفتح الضاد وكسرها، فالفتح على أنه مفضّل على غيره، وهكذا النظر في الأمور إنما يرجع إلى من هو الأفضل، والكسر بمعنى العالم بما هو أفضل من أنواع البر.
(3) فرضًا: أي: تقديرًا، مصدر بمعنى الحال. (2/167)
صفحة 777
باب إنفاذ الوصايا
الجزء الثالث
167
يُنْفَدُ فِيمَا تُنْفَذُ الصَّوَافِي فِيهِ مِنَ التَّقْويمِ وَالْكَفَافِ وَمَا لأَبْنَاءِ السَّبِيلِ جُعِلَا فَهْوَ لِذِي الأَسْفَارِ قَالَ الْفُضَلَا وَمَا بِهِ أُوصِيَ لِلرَّسُولِ لِلْفُقَرَاءِ ثَابِتٌ فِي قَوْلِ وَفِيهِ وَجْهُ يُجْعَلَنْ فِي عِزّ دِينِ الإِلَهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِزَّ كَمِثْلِ سَهْمِهِ مِنَ الْغَنَائِمِ يُجْعَلُ فِي السَّلَاحِ وَالْكَرَائِمِ مَا بِهِ أُوصِي لِبَيْتِ الْمَالِ إِنْفَاذُهُ فِيهِ بِكُلِّ حَالِ وَلَا يَصِحُ جَعْلُهُ فِي الْفُقَرَا وَالْعَكْسُ مِثْلُهُ فَدَعْ عَنْكَ الْمِرَا مَعْ صِحَّةِ الإِمَامِ عِنْدَ الْكُلِّ وَفِي أُولِي الْبِرِّ لَأَهْلِ الْفَضْلِ وَقِيلَ بِالتَّرْخِيصِ فِي الْوَجْهَيْنِ فَالْأَصْلُ فِيهِ يَعْرِفَنْ رَأْيَيْنِ وَإِنَّهُ قَدْ خَرَجَ الْوَجْهَانِ فِي نَظَرِ الشَّيْحَ فَتَى سِنَانِ (1) وَمَا لِفُقْرَ) بَلَدٍ أُوصِى بِهِ فَإِنَّهُ يُنْفَذُ فِي أَرْبَابِهِ هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوهُ وَطَنَا لَا كُلُّ مَنْ كَانَ بِهِ قَدْ سَكَنَا وَمَنْ يَكُنْ لِلْفُقَرَاءِ مُطْلَقَا أَوْصَى وَلَمْ يُقَيِّدَنْ بَلْ أَطْلَقَا فَقِيلَ فِي ثَلَاثَةٍ فَأَكْثَرَا تُنْفَذُ لَا أَقلَّ مِمَّا ذُكِرَا
هو
العلّامة خلف
بن سنان
بن
(1) فتى سنان. خلفان بن عثيم الغافري ولد بوادي بني غافر، ثم انتقل إلى نزوى في أيام الإمام سيف بن سلطان بن سيف اليعربي، وكان من شيوخ العلّامة الصبحي على ما يظهر من كلام الشيخ، الصبحي وكان له يد في الشعر والبلاغة، وقد أولع في شعره ونثره بالجناسات، وديوان شعره جامع كبير، ولم أقف على تاريخ وفاته رحمه الله وغفر له. (أبو إسحاق)
(2) قوله: «وما لفقرا» بإسكان القاف لضرورة الوزن. (2/168)
صفحة 778
168
الجزء الثالث
كتابُ الْوَصَايَا
لأَنَّهُمْ أَقَلُّ جَمْعِ يُعْتَبَرْ وَقِيلَ فِي الإِثْنَيْنِ يُجْزِي إِنْ قَصَرْ إِذْ فِيهِمَا عِبَارَةُ الجَمْعِ تَرِدُ وَهْوَ لَدَى الْخِطَابِ بَيْنَهُمْ عُهِدْ وَقِيلَ يُجْزِي وَاحِدٌ لأَنَّمَا أَلْ فِيهِ لِلْجِنْسِ كَمَا قَدْ عُلِمَا فَالْفُقَرَا مُعَرَّفا (1) يُرَادُ بِه مَنْ كَانَ هَذَا الْوَصْفُ فِيهِ فَانْتَبِهْ وَهْوَ عَلَى الْوَاحِدِ صَادِقٌ كَمَا يَصْدُقُ فِي الْإِثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ اعْلَمَا وَإِنْ يُنَكَّرْ فَإِلَى ثَلَاثَةِ يُصْرَفُ لَا مَا دُونَ لِلدَّلَالَةِ لأَنَّهُ جَمْعٌ مُنَكَّرٌ وَلَا يَكُونُ فِيمَا دُونَهَا قَدْ قُبِلَا وَإِنْ يَكُنْ أَوْصَى لَهُمْ بِأَصْلِ فَبَيْعُ ذَاكَ الأَصْلِ غَيْرُ حِلٌّ بَلْ يَأْخُذُونَ مَا لَهُمْ قَدْ غَلَّا وَقِيلَ إِنَّ بَيْعَهُ قَدْ حَلَّا وَبَيْعُهُ يَكُونُ مِنْ وَصِيَّ أَوْ مِنْ إِمَامٍ قَائِم رَضِيّ يَبِيعُ أَصْلَهُ وَيُنْفِقَنَّا قِيمَتَهُ فِيهِ وَيَبْرَأَنَّا وَلَيْسَ لِلْفَقِيرِ مَهْمَا قَبَضَا يَبِيعُهُ بِغَيْرِ أَمْرِ مَنْ مَضَى وَلَوْ أَجَزْنَا فِيهِ ذَاكَ لَزِمَا جَعْلُ حُقُوقِ الْفُقَرَاءِ عَدَمَا مَفْسَدَةٌ فَيَلْزَمُ أَنْ يَتَجَنَّبَنَّهَا مَنْ يَعْلَمُ
وَإِنَّها
(1) قوله: «مُعَرَّفا حال، أي: في حال تعريف هذا الاسم.
(2) قوله: «قد غلا» جرى في هذا الفعل على لغة أهل عُمان، يقولون غلّ المال، والأصل فيه أغل ولو قال: بل يأخذون ما لهم أغلا لوافق المراد. (2/169)
صفحة 779
باب إنفاذ الوصايا
الجزء الثالث
169
وَجَائِزٌ لِمَنْ لَهُ أُوصِيَ أَنْ يَأْخُذَ مَا أُوصِي لَهُ وَيَقْحَمَنْ) لَوْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّ ذَاكَا مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ وَلَا هَلَاكَا (2)
لأَنَّ مَنْ أَوْصَى هُوَ الْمُخَاطَبُ بِذَاكَ وَالْحُكْمُ الْمَقَالُ الصَّائِبُ وَإِنْ دَرَى بِأَنَّهُ قَدْ جَارَا في ذَاكَ فَالْأَخْذُ حَرَامًا صَارَا إِذْ مَا لَهُ أَنْ يَقْبَلَنَّ الظُّلْمَا مِنْ أَحَدٍ إِذَا أَحَاطَ عِلْمًا) وَدِرْهَمْ أَتَى بِهِ غَيْرُ ثِقَهُ إِلَيْكَ كَيْ يُنْفِذَهُ وَيُنْفِقَهُ فَقَالَ هَذَا لَكَ مِنْ وَصِيَّةِ زَيْدٍ فَمَا فِي أَخْذِهِ مِنْ حُرْمَةِ وَإِنْ عَلِمْتَ أَخْذَهُ مِنْ مَالِ مَنْ مَاتَ فَاتْرُكْهُ لِهَذَا الْحَالِ لأَنَّهُ بِقَوْلِهِ لَا يُوثَقُ خِلَافَ مَنْ كَانَ وَصِيَّا يُنْفِقُ مِنَ الْوَصِيِّ الثَّقَةِ الأَمِينِ نَأْخُذُ مَا أَعْطَى بِلَا تَوْهِينِ وَفِي الوَصِيَّيْنِ إِذَا مَا شَهِدَا عَلَى الَّذِي أَوْصَى بِدَيْنٍ قَدْ بَدَا فَجَائِزُ إِنْ لَمْ يَكُونَا دَفَعَا ذَاكَ إِلَى الَّذِي لَهُ كَانَ ادَّعَى وَإِنْ يَكُنْ قَدْ دَفَعَاهُ تَبْطُلُ لأَنَّ نَفْسَ الإِدْعَا لَا يُقْبَلُ لأَنَّهُمْ قَدِ ادَّعَوْا مَا يَرْفَعُ عَنْهُمْ ضَمَانَ مَا لَهُ قَدْ دَفَعُوا
(1) يقحمن يقفزن، وهو كناية عن انصرافه مسرعًا بما استفاده من الوصية. (2) هلاكًا: أي: لا إثم عليه في ذلك ولا تَبِعَة.
(3) المخاطب: أي: المكلف بالعدل في وصيته.
:
(4) علما تمييز محول عن الفاعل. (2/170)
صفحة 780
170
الجزء الثالث
كِتَابُ الْوَصَايَا
وَقَبْلَ أَنْ يَمُوتَ مَنَ أَوْصَى فَلَا يُحَازُ مَا أَوْصَى بِهِ مُسْتَعْجَلَا (1) إِذْ بِالْمَمَاتِ تَثْبُتُ الْوَصِيَّة لَا قَبْلَ ذَاكَ فَافْهَمِ الْقَضِيَّة وَإِنْ يَكُنْ مِنَ الصَّمَانِ قَالَا فَالْخُلْفُ فِي اسْتِقْصَاءِ ذَاكَ حَالَا وَأَكْثَرُ الْأَقْوَالِ أَنْ لَيْسَ لَهُ يَحُوزُهُ بِالْحَالِ إِذْ أَجَلَهُ وَقَسْمُهُ عَلَى سَوْا إِنْ أَوْصَى لِوارِثِي عَمْررٍ وَلَمْ يَخُصَّا وَإِنْ يَقُلْ بِحَسْبِمَا قَدْ وَرِثُوا مِنْهُ فَبِالتَّوْرِيثِ مِنْهُ يَشْبُثُ (2) وَإِنْ يَكُنْ أَوْصَى لِمَنْ قَدْ مَاتَا مِنْ قَبْلِهِ يَبْطُلُ حِينَ فَاتَا إِلَّا إِذَا مَا كَانَ مِنْ ضَمَانِ عَلَيْهِ وَاجِبِ لِذَاكَ الْفَانِي فَهَاهُنَا يَثْبُتُ بَلْ وَيَلْزَمُ بِحَسَبِ الْمِيرَاثِ فِيهِمْ يُقْسَمُ وَقِيلَ إِنْ أَوْصَى بِحَبِّ يُنْثَرُ لِلطَّيْرِ إِنَّ ذَاكَ لَيْسَ يُنْكَرُ إِنْ كَانَ قَدْ عَيَّنَ فِيهِ مَوْضِعَا فَإِنَّهُ يَثْبُتُ مَا قَدْ وَقَعَا وَالْأَصْلُ مِنْ ثُبُوتِهِ تَعَجَّبَا لَكِنَّهُ اتِّبَاعَهُ قَدْ أَوْجَبَا إِذْ لَيْسَ لِلْآرَاءِ حَقٌّ وَالنَّظَرْ عِنْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ مِنْ أَهْلِ الْبَصَرْ وَأَنْتَ تَدْرِي أَنَّ هَذَا الْأَثَرَا وَنَحْوَهُ لَا يَمْنَعَنَّ النَّظَرَا وَالْأَثَرُ الْمَانِعُ مَا قَدْ وَرَدَا عَنِ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى مُؤَكَّدًا
(1) مستعجلا: بفتح الجيم وكسرها، فالفتح على أن المراد به الضمير الراجع إلى الموصول، أي: الموصى به، والكسر على أن المراد به الموصى له، وهو حال على الوجهين.
(2) يشبث: يتعلق. يقال تشبث بكذا أي تعلق به. (أبو إسحاق) (2/171)
صفحة 781
باب إنفاذ الوصايا
الجزء الثالث
171
فقَوْلُهُمْ عِنْدَ وُرُودِ الْأَثَرِ لَا حَظَّ فِيهِ أَبَدًا لِلنَّظَ مَعْنَاهُ (1) (2) مَا أَتَى عَنِ الْمُخْتَارِ يَنْفِي خِلَافَهُ مِنَ الْأَنْظَارِ وَبِاخْتِلَافِ الاِصْطِلاح فِي الْأَثَرْ قَدِ اخْتَفَى الْمَعْنَى عَلَى مَنْ قَدْ نَظَرْ مَا كُلُّ قَوْلٍ سَطَّرُوهُ يَمْنَعُ ذَاكَ وَلَا الْخِلَافُ طُرًّا يُسْمَعُ
لَوْ كَانَ ذَاكَ انْسَدَّ بَابُ الْعِلْمِ وَلَزِمَ التَّقْلِيدُ عِنْدَ الْفَهْـ وَهُمْ مِنَ التَّقْلِيدِ يَمْنَعُونَا لِأَنَّهُمْ لِلْحَقِّ يَتْبَعُونَا حَثُوا عَلَى اسْتِعْمَالِ فِكْرِ النَّاظِرِ وَرَفَعُوهُ فِي الْمَقَامِ الشَّاهِرِ مَا الْحَبُّ لِلطُّيُورِ عِنْدِي يَقَعُ فَإِنَّ مَنْ أَوْصَى بِهِ مُضَيِّعُ وَالْمَالُ أَنْ نُضِيعَهُ نُهِينَا وَالنَّهْي عَنْ نَبِيِّنَا رُوِينَا فَلَا أَرَى النُّبُوتَ لِلْوَصِيَّةِ بِهِ وَلَوْ كَانَ حَمَامَ مَكَّةِ فَهْيَ إِلَى الْوُرَّاثِ تَرْجِعَنَّا كَذَلِكَ التَّوْقِيفُ يَبْطُلَنَّا
حقه
(1) قوله: «معناه .... إلخ» إن هذا وأمثاله مما يدل دلالة قطعية على اعتماد المصنف نور الدين السالمي على اتباع السنة المحمدية وتقديسها والوقوف معها ونبذ التقليد والتعصب ظهرِيًّا وإعطاء العقل من النظر في أقوال المجتهدين ووزنها بميزان الحق والعدل فما وافقهما قبله، وما رآه غير موافق لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب به وجه الحائط ولو كان القائل به من أكابر العلماء المشار لأنَّه ممن لا يعرف الحق بالرجال، وهكذا حال رجال العلم والدين.
إليهم؛ (2) هذه المسألة.
من ضمن المسائل التي نقلت نور الدين السالمي من شرقية عُمان في رحلة وفاته لتهدئة العاصفة التي نشبت بينه وبين بعض علماء عصره، ومنهم: الشيخ ماجد بن خميس العبري إجلالا لقدره وجمعا لكلمة المسلمين، ومما قدره الله عليه في قرية بني صبح بالقرب من حمراء العبريين أن صدعه فرع شجرة أمبا، فألقاه على ظهره، فحُمِلَ على أكتاف الرجال إلى تنوف حيث مرض تحت إشراف الشيخ حمير النبهاني، فانتقل إليه الشيخ ماجد لعيادته، وأصرَّ النور السالمي على تصفية الوضع، فأبى المجتمعون لثقل المرض عليه، ولكن تم ما أراد بموافقة الشيخ ماجد على رأيه، وبعد عدة أيام قامت
روحه الشريفة، ودفن في سفح الجبل الأخضر، لهلهلهلهلهله وجزاه عن المسلمين خيرًا. (أبو إسحاق) (2/172)
صفحة 782
172
الجزء الثالث
كِتَابُ الْوَصَايَا
وَإِنْ يَكُنْ مَالٌ لِذَاكَ وُجِدَا مِنْ سَالِفٍ وَرَبُّهُ لَمْ يُعْهَدَا فَإِنَّهُ فِي الْفُقَرَاءِ يُجْعَلُ كَمِثْلِ مَالٍ رَبُّهُ لَا يُعْقَلُ)
باب وصِيَّةِ الأَقْرَبينَ
لأَقْرَبِيهِ فِي الْحَيَاةِ حَقٌّ وَبَعْدَ مَوْتِهِ فَيَسْتَحِقُوا) وَصِيَّةً أَلْزَمَهَا الْمَنَّانُ لَهُمْ بِهَا قَدْ نَطَقَ الْقُرْآنُ مَنْ تَركَ الْخَيْرَ عَلَيْهِ تَجِبُ وَالْخَيْرُ فِي التَّفْسِيرِ مَالٌ يُحْسَبُ وَإِنْ يَخُصَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ وَلَمْ يُوصٍ لِبَاقِيهِمْ بِمَا لَهُمْ يَعُمْ فَقِيلَ يُجْزِي لِسُقُوطِ الْفَرْضِ وَلَيْسَ يُجْزِي فِي مَقَالِ الْبَعْضِ لِلْأَقْرَبِينَ قَالَ فِي التَّعْبِيرِ فَقِيلَ ثَابِتٌ بِلَا نَكِيرِ وَقِيلَ لَا يَثْبُتُ حَتَّى يَجْعَلَا ذَاكَ مُصَافًا لِلصَّمِيرٍ مَثَلًا ـهِ مَثَلًا يَقُولُ حِينَئِذٍ فَيَثْبُتُ الْمَبْذُولُ
إِنَّنِي أَقُولُ بِالْإِثْبَاتِ حَتَّى مَعَ الْإِطْلَاقِ فِي الصِّفَاتِ لأَنَّ أَنْ لِلْعَهْدِ فِيهِ وَوَرَدْ فِي الذِّكْرِ مُطْلَقًا كَمَا قَدِ اسْتَنَدْ لِلْوَالِدَيْنِ ثُمَّ الأَقْرَبِينَا فِي الذِّكْرِ قَالَ رَبُّ الْعَالَمِينَا
(1) لا يعقل بالبناء للمفعول أي لا يُعلم؛ يريد به المال المجهول ربه، أي: مالكه. (2) فيستحقوا: يحذف النون للضرورة. (3) قوله: «للوالدين .... إلخ» يشير بهذا إلى الآية الكريمة؛ وهي قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا (2/173)
صفحة 783
بابُ وَصِيَّةِ الْأَقْرَبِينَ
الجزء الثالث
173
=
لَكِنَّهُ مَكَانَ ثُمَّ عَطَفَا بِالْوَاوِ وَالْآيَةُ مَا فِيهَا خَفَا وَبِالتُّرَاثِ (1) نُسِخَ الْإِيصَاءُ لِلْوَالِدَيْنِ حَيْثُمَا قَدْ جَاؤُوا كَذَلِكَ الْوَارِثُ مِنْ أَقَارِبِهُ جَمِيعِهِمْ أَوْ كَانَ مِنْ أَجَانِبِهْ فَسَهْمُهُ مِنَ التُّرَاثِ مَنَعَا أَنْ يُوصِيَ الْمُوصِي لَهُ تَبَرُّعًا وَبَقِيَ الْقَرِيبُ مِمَّنْ لَمْ يَرِثْ أُنْحِفَ بِالإِيصَا وَفِيهِ قَدْ شَبَتْ (2) وَمَنْ لِجَدِّ سَادِسِ يُلَاقِي فَهُوَ قَرِيبٌ مَا لَهُ مِنْ وَاقِي وَقِيلَ مَنْ فِي عَاشِرِ الْجُدُودِ يَدْخُلُ فِي قَرِيبِهِ الْمَعْهُودِ وَقِيلَ مَا صَحَ اتَّصَالُ النَّسَبِ فَهُوَ قَرِيبٌ مَا بِهِ مِنْ عَجَبِ وَقِيلَ مَا لَمْ يَفْصِلِ الشِّرْكُ فَلَا يُعَدَّ قطُّ عَنْهُمْ مُنْفَصِلا وَالشِّرْكُ قَاطِعْ فَلَا حَقَّ لِمَنْ أَشْرَكَ فِي حَقِّ الْقَرَابَةِ اعْلَمَنْ وَالْبَحْرُ قَاطِعٌ لِأَنَّهَا عِوَضْ عَنْ صِلَةٍ مِنْ قَبْلِ مَوْتٍ قَدْ عَرَضْ وَمَا عَلَيْهِ أَنْ يُوَاصِلَنَّا مَنْ رَكِبَ الْبَحْرَ فَيُعْطِيَنَّا كَذَلِكَ الْمَوْتُ فَمَنْ مَاتَ فَلَا يُعْطَى مِنَ الْإِيصَاءِ حِينَ انْتَقَلَا لِأَنَّنَا نَعْتَبِرُ الْقَسْمَ فَمَنْ يُوجَدُ حَالَ الْقَسْمِ مِنْهُمْ يُعْطَيَنْ
حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 180] فالعطف في الآية بالواو لا بثم، ولكنه عطفها بثم لأجل الوزن.
(1) وبالتراث: أي: بالميراث، وقد اختلفوا في ناسخ الوصية للوالدين، فقال بعضهم: نسختها آية الميراث، وقال الآخرون: نسخها قوله صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث».
(2) قوله: «شبث» أي تعلق. (أبو إسحاق) (2/174)
صفحة 784
174
الجزء الثالث
كِتَابُ الْوَصَايَا
فَيُلْحَقُ الْمَوْلُودُ مَهْمَا وُلِدَا مِنْ قَبْلِ قَسْمِهَا إِذَا لَمْ يُفْقَدَا وَالْخُلْفُ فِي هَذَا وَفِيمَا سَبَقَا أَتَى عَنِ الْأَشْيَاحَ فِيهِ مُطْلَقَا
)
فَإِنَّ بَعْضًا يَجْعَلَنَّهُ حَقًّا لَا يُدْفَعَنْ عَنْهُ إِذَا اسْتَحَقَّا مَنْ مَاتَ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ يُعْطَى وُرَانُهُ يُقْسَمُ فِيهِمْ قِسْطَا نَسْلُ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ أَوَّلَا مِنْ دَرَجَاتِ الْأَقْرَبِينَ جُعِلَا لَوْ سَفَلُوا وَبَعْدَهُمْ أَجْدَادُهُ مِنْ جِهَتَيْهِ لَوْ عَلَا اِبْتِعَادُهُ وَإِخْوَةُ الْمَيِّتِ قَبْلَ الْعَمِّ يُعْطَوْنَ بِالسَّوَاءِ عِنْدَ الْقَسْمِ إِخْوَتُهُ مِنْ أُمِّهِ أَوْ مِنْ أَبِ أَوْ جَمَعُوا الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ النَّسَبِ فَهُمْ بِذَا الْبَابِ سَوَاءٌ حُكْمَا وَكُلُّهُمْ يُعْطَوْنَ سَهْمَا سَهْمَا ذُكْرَانُهُم مِثْلُ الْإِنَاثِ قَطْعَا كَذَاكَ بَاقِي الدَّرَجَاتِ شَرْعًا وَبَعْدَ ذَا الْأَعْمَامُ وَالْعَمَّاتُ قَدْ قِيلَ وَالْأَخْوَالُ وَالْخَالَاتُ وَيَأْخُذُ الْعَمُّ كَضِعْفِ الْخَالِ وَهَكَذَا الْعَمَّةُ فِي الْمِثَالِ لِأَنَّمَا الْأَخْوَالُ بالأُمِّ دَنَوْا وَتِلْكُمُ الْأَعَمَامُ بَالْآبَا سَمَوْا وَسَهُمُ عَمِّ الْأُمُّ فِي الْجَوَابِ فِي الْأَقْرَبِينَ مِثْلُ خَالِ الْآبِ مَنْ دَنَا بِنَسَبَيْنِ نُظِرَا أَقْوَاهُمَا وَيُعْطَ (3) ذَاكَ الْأَوْفَرَا
(1) قوله: «يعطى»، أي نصيبه من الوصية، يعطى ورثته. (2) قوله: «ذكرانهم»، أي أن الذكر والأنثى في وصية الأقارب سواء، لا يُفضل الذكر على الأنثى. (3) قوله: «ويُغط» بالجزم على تقدير لام الأمر. (2/175)
صفحة 785
بابُ وَصِيَّةِ الْأَقْرَبِينَ
الجزء الثالث
175
(1)
وَقِيلَ بَلْ يُعْطَى مِنَ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ صَارَ أَخَا أَصْلَيْنِ وَكُلُّ أَصْلٍ جَاءَهُ برِزْقِ كَحَالَةِ التَّوْرِيثِ بَيْنَ الْخَلْقِ وَهْوَ الَّذِي لِلْكُدَمِيّ أَعْجَبَا لِأَنَّهُ لَاحَظَ فِيهِ السَّبَبًا وَقَطْعُهَا بِدَانِقَيْنِ فَاعْلَم أَوْ دَانِقٍ أَيْ سُدُسٍ مِنْ دِرَهَم (2) أَعْنِي إِذَا مَا كَانَ هَذَا الحَدُّ فَقَسْمُهَا لِدُونِهِ لَا يَعْدُو بَلْ يَقْطَعُونَهَا وَلَوْ بَقِي أَحَدٌ مِنْ أَقْرَبِيهِ إِذْ بِذَاكَ قَدْ يُحَدْ وَلَسْتُ أَدْرِي أَصْلَ هَذَا القَطْعِ لَعَلَّهُمْ قَدْ نَظَرُوا لِلنَّفْعِ إِذْ دُونَ دَانِقٍ فَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ عَلَى عَهْدِهِمُ فَيُقْطَعُ وَحَيْثُ كَانَ الاِنْتِفَاعُ يَحْصُلُ بِدُونِهِ فَالْقَسْمُ لَيْسَ يُفْصَلُ وَإِنْ يَكُنْ أَوْصَى لِأَقْرَبِيهِ فَعُدِمُوا فَهُيَ لِوَارِثِيهِ وَقِيلَ بَلْ فِي الْفُقَرَاءِ تُجْعَلُ كَمِثْلِ مَالٍ أَهْلُهُ قَدْ جُهِلُوا أَبُو سَعِيدٍ فَصَّلَ الْإِجْمَالَا وَأَوْضَحَ الصَّوَابَ فِيمَا قَالَا إِنْ عُدِمُوا مِنْ أَصْلِهِمْ فَتَبْطُلُ وَالْمَالُ فِي الْوَارِثِ طُرًّا يُجْعَلُ أَو وُجِدُوا لَكِنَّهُمْ قَد جُهِلُوا فِي الْفُقَرا أَشْبَاهُ هَذَا يُجْعَلُ
عُمان
(1) قوله: «للكدمي» بضم الكاف نسبة إلى الناحية المعروفة بكدم في ناحية الجوف من وهو الإمام أبو سعيد، وقد سبق ذكره. (2) قوله: أو دانق هو من الصرف القديم الذي بقي اسمه، وذهب رسمه، وهو سدس درهم والدرهم عشر الريال المعروف. (2/176)
صفحة 786
176
الجزء الثالث
كتاب الميراث
كتاب الميراث
وَحَيْثُ إِنَّ المَوْتَ فِي الرِّقَابِ وَسَائِرُ الخَلْقِ إِلَى ذَهَابِ لَكِنَّهُمْ تَدَرُّجًا يَفْنُونَا وَالْمَالَ بَعْدَهُمْ يُخَلِّفُونَا فَلِبَيَانِ وَضْعِهِ يُحْتَاجُ لِيَسْتَبِينَ لَهُمُ الْمِنْهَاجُ) فَاقْتَضَتِ الْحِكَمَةُ أَنَ قَدْ أَنْزَلَا إِلَهُنَا بَيَانَهُ مُفَصَّلَا فَصَّلَهُ فِي غَايَةِ التَّفْصِيلِ مِنْ غَيْرِ تَفْوِيضِ إِلَى الرَّسُولِ قَدْ فَرَضَ المَنَّانُ أَسْهَامَهُمُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ فَرْضًا يُفْهَمُ وَالْعَصَبَاتُ وَذَوُو الْأَرْحَامِ قَدْ أُلْحِقُوا بَعْدَ ذَوِي السَّهَامِ فَالْعَصَبَاتُ بَيَّنَ الرَّسُولُ بِأَنْ يَصِيرَ لَهُمُ الْفُضُولُ يُعْطَوْنَ مَا عَنِ السِّهَامِ فَصَلَا إِنْ كَانَ شَيْءٌ فَاضِلًا أَوْ لَا فَلَا وَإِنْ يَكُنْ مُنقَطِعًا فِي النَّسَبِ مِنَ السِّهَامِ وَذَوِي التَّعَصُّبِ فَإِنَّمَا أَرْحَامُهُ أَوْلَى بِمَا خَلَّفَهُ فِي قَوْلِ جُلٌ الْعُلَمَا فَهَذِهِ أَصْنَافُ الْوَارِثِينَا ثَلَاثَةٌ فَلْتُحْفَظَنْ يَقِينَا وَمِنْ طَريقِ آخَرٍ قَدْ قُسِّمَا لِسَبَبٍ وَنَسَبٍ فَلْيُعْلَمَا (3) مَا هَذَيْنِ
فَسَبَبُ يَكُونُ لِلزَّوْجَيْن وَنَسَر
(1) تدرجا مصدر واقع موقع الحال، أي: درجة بعد درجة. (2) المنهاج: الطريق.
(3) قوله: «فليعلما» كانت في نسخة الأصل فيعلما» وصوابه ما دون. (2/177)
صفحة 787
بابُ وَصِيَّةِ الْأَقْرَبِينَ
الجزء الثالث
177
لِأَنَّمَا النِّكَاحُ فِيهِ سَبَبُ بَيْنَهُمَا وَلَوْ تَنَاءَى النَّسَبُ وَجَامِعٌ لِسَبَبٍ وَنَسَبِ يَأْخُذُ بِالْوَجْهَيْنِ إِنْ لَمْ يُحْجَبِ وَقِيلَ فِيمَنْ سَأَلَ الرَّحْمَانَا يُعْطِيهِ مِنْ أَوْلَادِهِ ذُكْرَانَا لِكَيْ يَحُوزَ الْإِرْثَ عَنْ أَقَارِبِهُ بِقَصْدِهِ يَهْلِكُ فِي مَعَاطِية لأَنَّ قَصْدَهُ كَبِيرُ ذَنْبِ لِأَنَّهُ كَالْحَسَدِ الْمُعَنِّي وَمَا سُؤَالُ زَكَرِيَّا إِلَّا لِيُحْفَظَنَّ مَا عَلَيْهِ يُتْلَى فَذَاكَ إِرْتُهُ وَقَدْ تَسَلْسَلا مِنْ آلِ يَعْقُوبَ إِلَى أَنْ وَصَلَا يَرِثُنِي وَيَرِثَنَّ أَلَا فَمَنْ قَرَاهَا دَفَعَ الْإِشْكَالا إِذْ لَمْ يَكُن لآلِ يَعْقُوبَ هُنَا مَالٌ يَحُوزُهُ الَّذِي قَدْ عَيَّنَا إِذْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ يَعْقُوبَ مَدَى وَعَدَدًا مِنَ الْقُرُونِ عُدّدًا لَوْ كَانَ مَالًا حَازَهُ مَنْ سَبَقَا وَلَمْ يَنَلْ مِنْهُ الَّذِي قَدْ لَحِقَا وَإِنَّمَا مِيرَاتُ الأَنْبِيَاءِ عِلْمٌ وَتَقْوَى اللَّهِ ذِي الْآلَاءِ مَا تَرَكُوا مِنْ ذِي الدُّنَا فَصَدَقَهُ يُنْفِقُهُ الْإِمَامُ فِيمَا أَنْفَقَهُ مَنْ قَالَ إِنَّ وَارِثِي فُلَانُ بَعْدَ مَمَاتِي أَيُّهَا الْخِلَّانُ فَإِنَّهُ يَرِثُهُ إِنْ عُدِمَا وَارِثُهُ عَصَبَةً أَوْ رَحِمَا (2) وَيُمْنَعَنَّ مَعْ ذَوِي السَّهَامِ وَالْعَصَبَاتِ وَأُولِي الْأَرْحَامِ
(1) المعبي: أي: المجتمع هكذا فسره المؤلف، وهو من قولهم: عبّا الأمير جيشه، أي: جمعه. (2) عصبةً أو رحما: تمييز أو حال. (2/178)
صفحة 788
178
الجزء الثالث
كتاب الميراث
لأَنَّ هَؤُلَاءِ بِالقُرْآنِ قَدْ وَرِثُوا لَا بِإِذْعَا فُلَانِ وَإِنَّمَا وُرِّثَ عِنْدَ الْعَدَمِ إِذْ ذَاكَ كَالإِيصَا لَهُ فَلْتَعْلَم وَجَائِةٌ يُوصِي بِكُلِّ الْمَالِ مَنْ عَدِمَ الْوَارِثَ بَالْكَمَالِ وَقِيلَ مَنْ بِزَوْجَةٍ أَقَرًا فِي مَرَضِ كَانَ بِهِ أَضَرَّا تَوْرِيتُهَا فِيهِ اخْتِلَافُ الْعُلَمَا يُبْنَى عَلَى إِقْرَارِهِ إِنْ سُلِّمَا وَالرَّاجِحُ الْمَعْرُوفُ فِي الْآثَارِ مِنْهُ ثُبُوتُ ذَلِكَ الْإِقْرَارِ إِذْ لَمْ يَكُنْ كَسَائِرِ التَّصَرُّفِ حَتَّى نَقُولَ الْخُلْفُ فِيهِ قَدْ يَفِي أَمَّا الصَّدَاقُ لَا صَدَاقَ يَلْزَمُ مَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ تَسْتَلْزِمُ
باب ذوي السِّهام
هُمُ الَّذِينَ فِي الْكِتَابِ ذُكِرَتْ سِهَامُهُمْ وَبُيِّنَتْ وسُطَّرَتْ عَدُّهُمْ قَدْ قِيلَ إِثْنَا عَشَرِ مِنْ كُلِّ أُنْثَى فِي، فِيهِمُ أَوْ ذَكَرِ زَوْجُ وَجَـ ـد وَأَخٌ لِأُمِّ وَوَالِدٌ يَسْبِقُهُمْ بِالسَّهْمِ أَرْبَعَةٌ مِنَ الرِّجَالِ الْفُضَلَا وَالْبَاقِي مِنْ نِسَائِهِمْ فَاحْتَفِلَا فَزَوْجَةٌ وَجَدَّةٌ وَأَمُّ إِبْنَةٌ إِبْن وَابْنَةٌ تَتِمُّ ثُمَّ الثَّلَاثُ الْأَخَوَاتُ فَاطْلُب وَاحِدَةٌ لأُمِّهِ أَوْ لأَبِ كَذَا شَقِيقَةٌ تَكُونُ أَسْبَقَا لأَنَّ فِيهَا الطَّرَفَيْن لَحِقَا (2/179)
صفحة 789
باب ذوي السِّهام
الجزء الثالث
179
وَسَهُمُ كُلِّ وَاحِدٍ مَحْتُومُ إِذَا انْتَفَى حَاجِبُهُ الْمَعْلُومُ فَإِنَّ بَعْضَ هَؤُلَاءِ يَحْجِبُ بَعْضًا فَلِلْمِيرَاثِ لَا يَسْتَوْجِبُ لَا شَيْءٍ لِلْجَدَّةِ مَعْ أُمِّ وَلَا لِلْجَدِّ عِنْدَ الْأَبِ فَافْهَمْ وَاقْبَلَا وَهَكَذَا الْإِخْوَةُ لَا شَيْءَ لَهُمْ عِنْدَ وُجُودِ الأَبِ أَو جَدِّ عَلِمْ وَالنَّسْلُ وَالآبَاءُ يَمْنَعُونَا لِإِخْوَةِ الْأُمِّ فَلَا يُعْطَوْنَا فَيُمْنَعُونَ عِنْدَ نَسْلِ الْمَيِّتِ مِنْ ذَكَرٍ قَدْ كَانَ أَوْ مِنْ إِبْنَةِ كَذَا بَنَاتُ الصُّلْبِ يَحْجِبَنَّا بِنْتَ ابْنِهِ إِنْ لَمْ تُعَصَّبَنَّا (1) كَذَاكَ أُخْتُ الأَبِ (2) بِالشَّقَائِقِ تُحْجَبُ عَنْ سُدُسِهَا الْمُطَابِقِ والْجَمْعُ لِلثَّنْتَيْنِ يَشَمْلَنَّا فَصَاعِدًا فَالْكُلُّ يُحْجَبَنَّا لِلْبِنْتِ نِصْفٌ إِنْ خَلَا مِنْ ذَكَرٍ وَسُدُسُ لِبنْتِ الابْنِ فَانْظُرِ تَحْمِلَةٌ لِلثُّلُثَيْن تُقْبَلُ وَالِابْنَتَانِ حَازَتَا مَا يَفْضُلُ فَالثَّلُنَانِ كُلُّهُ فَرْضُهُمَا وَلَا يُزَادَانِ عَلَيْهِ فَاعْلَمَا لَوْ انْتَهَيْنَ لِلْأُلُوفِ عَدًا فَسَهُمُهُنَّ عَنْهُ لَا يُعَدَّا (3) فَسَقَطَتْ بِنْتُ ابْنِهِ حِينَئِذِنْ لأَخْذِهِنَّ الثُّلُثَيْنِ فَاسْتَبِن
(1) قوله: «إن لم تُعَصَّبَنَّا»، أي: بأخيها أو ابن أخيها وإن سفل، فإن كانت ابنتان وابنة ابن فلا شيء لبنت الابن إلا أن يكون معها ابن ابن محاذيًا لها أو أسفل منها، ولا يعصب من كانت أسفل منه. (2) قوله: «كذاك أخت الأب»، أي: إذا كانت أختان شقيقتان وأخت من أب فلا شيء للأخت من الأب إلا أن يكون معها أخ من أب، ولا يعصبها ابن أخيها بخلاف بنات الابن. (3) أي: لا يزاد. (أبو إسحاق) (2/180)
صفحة 790
180
الجزء الثالث
كتاب الميراث
(1)
وَهَكَذَا أُخْتُ أَبِيهِ الطَارِقَة إِنْ وَافَقَتْ
إِنْ وَافَقَتْ فِي أَرْثِهِ شَقَائِقَهُ
فَإِنَّهَا عِنْدَ شَقِيقَةٍ فَقَط كَمِثْلِ بِنْتِ الْإِبْنِ مَعْ بِنْتِ تُحَطِّ) فَالنِّصْفُ لِلْشَقِيْقَةِ الْمَعْلُومَةِ وَسُدُسُ لِهَذِهِ الْمَرْسُومَةِ والثُّلْتَيْنِ تَأْخُذُ الشَّقَائِقُ فَتُحْرَمُ الْأُخُتُ الَّتِي تُفَارِقُ وَثُلُثٌ لِإِخْوَةٍ مِنْ أُمّ إِنْ سَلِمُوا مِنْ حَاجِبِ فِي الْحُكْمِ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى سَوَاءِ مِنَ الذُّكُورِ وَمِنَ النِّسَاءِ وَهُمْ مِنَ الإِثْنَيْنِ فِيهِ شُرَكَا فَصَاعِدًا فَالْكُلُّ فِيهِ اشْتَرَكَا وَاحِدُهُمْ فَقَطُّ يُعطَى السُّدُسَا مِنَ الرِّجَالِ كَانَ أَوْ مِنَ النِّسَا وَالأُمُّ تُعْطَى سُدُسًا مَعْ إِخْوَتِهْ وَمَعْ بَنِيهِ مِنْ جَمِيعَ تِرْكَتِهُ وَعِنْدَ عُدْمٍ هَؤُلَاءِ الثُّلْتُ لَهَا وَبَاقِيهِ أَبُوهُ يَرِثُ وَعِنْدَ نَسْلِهِ فَلِلْأَبِ السُّدُسُ (4) وَالْجَدُّ مِثْلُهُ إِذَا الْأَبُ اخْتُلِسْ
(1) الطارقة بالقاف أي الآتية ليلاً، وهو كناية عن مجرد وجودها؛ لأن كل طارق موجود. (2) تحط: أي: تُجْعَلُ. (3) قوله: «فتحرم»، يعني: الأخت من الأب، فإنها لا ترث مع الأختين الشقيقتين فصاعدًا، كما تقدم، ومعنى قوله: تفارق أي لم تكن موافقة لهما في كونها أختًا للميت من الأب أو الأم بل فارقتهما مع الأم.
البنات
(4) وعند نسله فللأب السدس: أي: فرضه مع البنين أو البنات السدس مطلقا، ولكنه مع يأخذ السدس بالسهم، ويأخذ ما فضل عن سهام البنات بالتعصيب فلو كان عند الميت ابنة وأب كان للبنت النصف وللأب السدس، فبقي من الفريضة التي أصلها من الستة سهمان يأخذهما الأب بالتعصيب، وأما مع الذكر فلا يزاد على السدس شيئًا كما سيأتي. (أبو إسحاق) (2/181)
صفحة 791
بابُ ذوِي السهام
الجزء الثالث
181
وَإِنْ يُخَلِّف زَوجَةٌ وَجَدًا وَأُمَّهُ فَسَهْمُهَا تَعَدَّى) تُلُتُهَا تَأْخُذُهُ مِنْ قَبْل أَخْذِ نَصِيبٍ زَوْجَةٍ أَوْ بَعْلِ وَثُلُثَ الْبَاقِي فَقَطٌ تُدْرِكُ إِنْ كَانَ عِنْدَ الأَبِ زَوْجًا يَتْرُكُ لِلزَّوْجِ نِصْفُهُ فَسَهُمُ الأُمّ سُدُسُهُ وَثُلُنَا قَدْ سُمِّي كَيْ لَا تَفُوقَ الْأَبَ فِي الْمِيرَاثِ إِذْ دُونَهُ تَكُونُ فِي التُّرَاثِ وَالْجَدُّ لَا نَصَّ عَلَيْهِ فَلِذَا تَفُوقُهُ الْأُمُّ إِذَا كَانَ كَذَا وَسُدُسُ لِجَدَّةٍ فَإِنْ تَزِدْ جَدَّاتُهُ فَبَيْنَهُنَّ قَدْ يُبَدْ (3) فَسَهُمُهُنَّ عَنْهُ لَا يَزِيدُ وَحَجْبُهُ بِأُمِّهِ مَعْهُودُ وَجَدَّةٌ مِنْ أَبِهِ هَلْ تُحْجَبُ (4) بِأَبِهِ فِيهِ خِلَافٌ يُطْلَبُ وَأَكْثَرُ الْقَوْلِ مِنَ الْأَصْحَابِ لَمْ يَكُ حَاجِبًا مِنَ الْحُجَابِ وَالنِّصْفُ
للزَّوْجِ إِذَا النَّسْلُ انْعَدَمُ وَرُبُعُ لَهُ إِذَا النَّسْلُ الْتَزَمُ وَثُمُنُ الْكَائِنِ مِنْ تِلَادِهِ) لزوْجَةِ الإِنْسَانِ مَعْ أَوْلَادِهِ
(1) تعدي زاد.
(2) قوله: «والجد .... إلخ» هذا هو مذهب زيد بن ثابت وقد أخذ به أصحابنا، وعند ابن عباس ومن وافقه من الصحابة والتابعين أن الجد كالأب على سواء، كما أن ابن الابن كالابن مع عدمه، وهو مذهب الصديق له فيما حكي عنه. (أبو إسحاق)
(3) يُبَد: أي: يُقسم.
(4) قوله: «هل تحجب الصحيح أنها لا تُحْجَبُ بابنها وأنه لا يحجب الجدات إلا الأم.
(5) التَزَم: أي: وُجد.
(6) تلاده: أي: من ماله، طارفًا كان أو تالدا. (2/182)
صفحة 792
182
الجزء الثالث
كتاب الميراث
وَرُبُعُ لَهَا إِذَا مَا عُدِمُوا عَنْ أَصْلِهِمْ) وَهْوَ مَقَالٌ مُحْكَمُ إِذَ وَاحِدُ الْأَوْلاَدِ فِي ذَا الْمَوْضِعَ كَجَمْعِهِمْ يَمْنَعُ أَخْذَ الربع وَإِنْ يَكُنْ تَعَدَّدَتْ زَوْجَاتُهُ فَحَقُهُنَّ مَا مَضَى مِيقَاتُهُ فَهْوَ لَهُنَّ ثُمُنُ أَوْ رُبُعُ وَاحِدَةٌ تَأْخُذْهُ وَالْأَرْبَعُ يُقْسَمُ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوَاءِ مِنْ غَيْرِ تَفْضِيلٍ وَلَا أَحْبَاءِ
بابُ الْعَصَبَةِ
وَمَا بَقِي بَعْدَ ذَوِي السَّهَامِ فَهُوَ لِعَاصِبِيهِ فِي الْأَحْكَامِ يَأْخُذُهُ الْأَقْرَبُ مِنْهُمْ نَسَبَا إِنْ كَانَ إِبْنَهُ وَإِنْ كَانَ أَبَا أَوَّلُهُمْ أَوْلَادُهُ وَبَعْدُ بَنُو ابْنِهِ ثُمَّ أَبٌ فَجَدُّ بَعْدَ انْقِضَاءِ النَّسْل يَرْجِعِنَّا لِرُتْبَةِ (2) الْآبَاءِ فَاعْلَمَنَّا وَرُتْبَةُ الْإِخْوَةِ بَعْدَ ذَاكَا وَنَسْلُهُمَ مَا وُجِدُوا هُنَاكَا فَإِنْ تَقَضَوْا فَإِلَى الْأَعْمَامِ وَنَسْلِهِمْ مِنْ بَعْدُ فِي الْأَحْكَامِ ثُمَّ إِلَى مَنْ فَوْقَهُمْ قَدِ ارْتَفَعْ إِنْ نَسْلُ هَؤُلَاءِ يَوْمًا انقَطَعْ التَّرْتِيبِ فِيمَا ذُكِرا وَتَحْسِبَنَّ فِي الْجَمِيعِ الذَّكَرَا لِلْإِنَاثِ مِنْ تَعَصُّبِ إِلَّا مَوَاضِعًا أَتَتْ بها (ه)
بِحَسَبِ
وَليْسَ
(1) قوله: «عن أضلهم أي: لم يوجد منهم أحد أصلاً، أي: قطعًا.
(2) لرتبة: أي: مَرْتَبَة وهي بمعنى الدرجة.
() يقرأ بحذف الألف بعد الهاء لإقامة الوزن. (إسماعيل)
اخشب (2/183)
صفحة 793
بابُ الْعَصَبَةِ
الجزء الثالث
183
فَأَخَوَاتُهُ يَرِثْنَ الْبَاقِي مَعَ بَنَاتِهِ بِلَا شِقَاقِ وَذَاكَ حُكْمُ الْعَصَبَاتِ عُلِمَا وَهُنَّ وَالْبَنَاتُ أَيْضًا فَاعْلَمَا يَرِثْنَ عِنْدَ ذَكَرٍ مَوْجُودِ مَا كَانَ فَاضِلًا مِنَ الْحُدُودِ وَهَكَذَا أَيْضًا بَنَاتُ الإِبْنِ مَعْ إِخْوَةٍ لَهُنَّ فَافْهَمْ عَنِّي فَهُنَّ بِالتَّعْصِيبِ فِي الْمَوَاضِعِ قَدْ نِلْنَ مَا نِلْنَ بِلَا تَنَانُعِ وَمَا لِنَسْلِ الْبِنْتِ وَالْبَنَاتِ تَعَصُّبُ وَالْأُخْتِ وَالْخَوَاتِ (1) (2) وَهَكَذَا أَيْضًا بَنَاتُ الْإِخْوَةِ هُنَّ كَهَؤُلَاءِ فِي الْمَرْتَبَةِ فَالْأَبُ وَالْجَدُّ يَكُونُ طَوْرَا مُعَيِّبًا وَفِي السِّهَامِ أُخْرَى فَيَأْخُذَنَّ فِي السَّهَامِ السُّدُسَا وَيَأْخُذُ الْبَاقِي بِتَعْصِيبٍ رَسَا مِثَالُهُ إِنْ مَاتَ ابْنُهُ وَلَمْ يَتْرُكُ سِوَى بِنْتِ فَهَاهُنَا احْتَكَمْ فَسُدُسٌ لِأَبِهِ بِالسَّهُم وَالنِّصْفُ لِلْبِنْتِ بِغَيْرِ وَهْم فَيَبْقَى بَاقِي الْمَالِ وَهْوَ الثُّلُثُ بِسَبَبِ التَّعْصِيبِ هَذَا يَرِثُ فَيَأْخُذُ النَّصْفَ عَلَى تَمَامِ مِنْ جِهَةِ التَّعْصِيبِ وَالسَّهَامِ وَمِثْلُهُ الْجَدُّ إِذَا مَا عُدِمَا أَبُوهُ فَالْوَصْفَانِ فِيهِ الْتُزمَا
(1) قوله والخوات، أي الأخوات وحذف الهمزة تخفيفًا لغة عُمانية. (المصنف) (2) قلت: ليس جمع الأخت على خوات لغة عُمانية كما قال المصنف رحمه الله فقط، فقد وجدت هذا الجمع هكذا في بعض الشعر القديم لغير العُمانيين ولكني لا أذكر قائله الآن، وقد كتبته على هامش بعض نسخ الجوهر، لكنها لم تحضرني الآن، والشعر المذكور في التنديد على مذهب
المجوسي، وهذا شطر فيه:
يُحِلُّ البَنَاتِ لَنَا وَالْخَوَاتِ
(أبو إسحاق) (2/184)
صفحة 794
184
الجزء الثالث
كتاب الميراث
وَهَكَذَا إِنْ كَانَ زَوْجًا وَابْنَ عَمْ أَوْ كَانَ إِبْنَ عَمِّهِ أَخًا لِأُمْ
فَازَا
فَإِنَّهُ لِلْجِهَتَيْنِ حَاذَا بِالسَّهُم وَالتَّعْصِيبِ فِيهِمْ وَالْعَاصِبُ الشَّقِيقُ أَدْنَى مَقْرَبَهُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْمَرْتَبَهُ أَخٌ شَقِيقٌ وَأَخُ مِنْ أَبِهِ فَلِلَّسْقِيقِ مَالُهُ فَانْتَبِهِ وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ كُلَّ عَاصِبٍ بِحَسَبِ التَّرْتِيبِ فِي الْمَرَاتِبِ وَمَا لِأَوْلَادِ الْأَخِ الشَّقِيقِ شَيْءٌ مَعَ ابْنِ الْأَبِ فِي التَّحْقِيقِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْهُمُ مَنْزِلَهُ مِنْ هَاهُنَا قَدْ صَارِ كُلُّ الْمَالِ لَه وَإِنْ يَكُنْ قَدْ عَدِمَ التَّعَصُّبَا فَفِي السَّهَامِ رَدُّهُ قَدْ وَجَبَا فَمَا بَقِي مِنَ السَّهَامِ فَلْيُرَدُ فِيهِمْ عَلَى مِقْدَارِ مَا فِيهِمْ وَرَدْ يُرَدُّ فِيهِمْ مَا عَدَا الزَّوْجَيْنِ فَالرَّدُّ قِيلَ لَا يَنَالُ ذَيْنِ وَالْعَوْلُ يَدْخُلَان فِيهِ حَتْمَا فَهُمْ كَغَيْرِهِمْ بِهَذَا سَهْمَا (2) وَذَاكَ مَهْمَا تَكْثُرُ السِّهَامُ يُزَادُ حَتَّى يَنْتَهِي الثَّمَامُ مِثَالُهُ زَوْجٌ وَأُخْتَانِ مَعَا وَإِخْوَةٌ مِنْ أُمِّهِ فَاسْتَمِعَا فَالنِّصْفُ لِلزَّوْجِ بِغَيْرِ مَيْنِ وَالثُّلُنَانِ وَاجِبُ الْأُخْتَيْنِ وَإِخْوَةُ الأُمِّ لَهُمْ مِنْهُ الثُّلُتْ فَزَادَتِ السَّهَامُ وَالْكُلُّ يَرِثْ
وو
(1) قوله: «إن كان زوجا» هو خبر كان، واسمها محذوف تقديره: إن كان الوارث زوجا وابن عم.
(2) سَهْمَا: أي: في السهم. (3) بغير مين: أي: بغير كذب. (2/185)
صفحة 795
بابُ الْعَصَبَةِ
الجزء الثالث
185
فَتَجْعَلُ الزَايِدَ بَيْنَ الْكُلِّ مِنْ هَاهُنَا تَزِيدُهَا فِي الْأَصْلِ فَأَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ وَتُقْسَمُ مِنْ تِسْعَةٍ لِكَيْ تَتِمَّ الْأَسْهُمُ فَيَأْخُذُ الزَّوْجُ ثَلَاثًا تُدْعَى بِالنِّصْفِ لَفْظًا لَيْسَ نِصْفًا نَفْعًا أَرْبَعَةٌ تَكُونُ لِلْأُخْتَيْنِ وَإِخْوَةُ الأُمِّ عَلَى سَهْمَيْنِ وَإِنْ تَرْدْ فِي أَصْلِ هَذِي الْمَسْأَلَهُ أُمِّ فَلِلْعَشَرَةِ فَلْتُعَوِّلَهُ إِذْ سُدُسُ الْمَالِ لَهَا فَيُجْعَلُ مِنْ أَجْلِهَا عَشَرَةً إِذْ عُوِّلُوا (1) سُدُسُهَا قَدْ صَارَ عُشْرًا شَاهِرَا وَالنَّقْصُ فِي الْبَاقِي تَرَاهُ ظَاهِرَا إِذْ لَمْ يَكُنْ لَنَا نُفَرِّطَنَّا بَعْضًا وَنُعْطِي الْبَعْضَ فَاعْلَمَنَّا مِنْ هَاهُنَا احْتَجْنَا إِلَى التَّعْوِيلِ بِحَسَبِ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ وَقِسْ عَلَى مَا قُلتُ مَا لَمْ أَقُلِ مِنْ كُلِّ فَرْضِ زَائِدٍ مُعَوَّلِ فَإِنَّهَا إِنْ زَادَتِ السَّهَامُ تَزيدُ فِي الْعَوْلِ وَلَا تُلَامُ وَمَا يَكُونُ أَصْلُهُ مِنْ سِتَّةِ فَلَا يَزِيْدُ عَوْلُهُ عَنْ عَشْرَةِ لِأَنَّمَا السَّهَامُ لَا تَجْتَمِعُ فِي أَصْلِهَا فَتَرْتَقِي وَتُرْفَعُ وَهْيَ تَعُولُ مَرَّةً لِلْفَرْدِ وَمَرَّةً لِلزَّوْجِ حَالَ الْعَدِّ وَمَرَّةً لَيْسَتْ تَعُولُ أَصْلَا إِذْ لَمْ تَزِدْ سِهَامُهُمْ فَتُعْلَا
(1) قوله: «إذ عُوّلوا» بالبناء للمفعول، أي: جعلوا أهل عؤل، والعول في اللغة الزيادة، يقال: عالت الفريضة إذا زادت. (2/186)
صفحة 796
186
الجزء الثالث
كتاب الميراث
وَمَا عَدَاهَا مِنْ أُصُولٍ لَمْ يَعُلْ إِلَّا إِلَى فَرْدٍ إِلَيْهِ يَنْتَقِلْ فَمَا يَكُونُ أَصْلُهُ إِثْنَيْ عَشَرْ (1) فَمُنْتَهَى الْعَوْلُ لَهُ سَبْعَ عَشَرْ وَلِثَلَاثَ عَشْرَةٍ يَعُولُ وَخَمْسَةٍ مَعْ عَشْرَةٍ مَنْقُولُ وَمَا يَكُونُ أَصْلُهُ عِشْرِينَا وَأَرْبَعًا فَعَوْلُهُ رُوِينَا لِسَبْعَةٍ تَفُوقُ عِشْرِينَ فَقَطْ وَمَا لَهُ عَوْلُ لِغَيْرِهَا يُخَطِّ (2) فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ الْأُصُولِ أَصْلُ الْمَوَارِيثِ لَدَى التَّفْصِيل أَكْثَرُهَا مَا أَصْلُهُ مِنْ سِتَّةِ وَمَا يَلِيهِ دُونَهُ فِي الْكَثْرَةِ مِثَالُ مَا يَعُولُ مِنْ إِثْنَيْ عَشَرْ (3) لِوَاحِدٍ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى الْأَثَرُ أَنْ يَترُكَنَّ زَوْجَةً إِذَا اخْتُرِمْ مَعَ شَقِيقَتَيْهِ مَعْ أُخْتِ لِأُمْ
(2) °
فَأَصْلُهَا اثْنَا عَشَرِ لِلزَّوْجَةِ ثَلَاثَةُ الأَسْهُمُ عِنْدَ الْقِسْمَةِ وَالثُّلُثَانِ وَهْوَ فِي ثَمَانِيَهُ تَأْخُذُهُ الشَّقِيقَتَانِ وَافِيَهْ وَسُدُسٌ يَكُونُ فِي سَهْمَيْنِ لِأُخْتِهِ مِنْ أُمِّهِ بِذَيْنِ فَجُمْلَةُ الأَسْهُم عِنْدَ النَّظَرِ صَارَتْ إِلَى ثَلَاثَةٍ مَعْ عَشَرِ وَإِنْ تَزِدْ أَمْ عَلَى مَا ذُكِرَا فَعَوْلُهَا يَبْلُغُ خَمْسَ عَشَرَا وَإِنْ يَكُنْ إِخْوَةُ أُمِّ أَكْثَرَا مِنْ وَاحِدٍ تَبْلُغُ سَبْعَ عَشَرَا
(1) قوله: «إثني عشر» بقطع الهمزة للوزن. (2) يخط: أي: يكتب.
(3) قوله: «إثني عشر» بقطع الهمزة أيضًا. (4) اخترم أي مات. (2/187)
صفحة 797
بابُ الأَرْحام
الجزء الثالث
187
وَثَالِثُ الأُصُولِ أَنْ يَمُوتَ عَنْ زَوْجَتِهِ وَإِبْنَتَيْهِ مَنْ ظَعَنْ) وَأَبَوَيْهِ أَصْلُهَا مِنْ أَرْبَعَهُ مِنْ بَعْدِ عِشْرِينَ أَتَتْ مُوَزَّعَهُ لَكِنَّمَا أَسْهُمُهَا تَزِيدُ فَعَوْلُهَا لِسَبْعَةٍ مَعْدُودُ لِلْأَبَوَيْنِ هَاهُنَا ثَمَانِيَهُ ثَلَاثَةٌ لِزَوْجَةٍ مُوَافِيَهُ سِتَةٌ عَشْرَ تَأْخُذُ الْبِنْتَانِ أَيْ ثُلُثَيْهِ دُونَ مَا نُقْصَانِ وَهَاهُنَا قَدْ تَمَّ ذَاكَ الْعَدَدُ وَلَيْسَ فِي الْأَرْحَامِ عَوْلٌ يُوجَدُ كَذَاكَ مِيرَاثُ أُولِي التَّعَصُّبِ لَيْسَ بِهِ عَوْلٌ فَلَا تَسْتَغْرِبِ لِأَنَّمَا الْعَوْلُ سَهَامُ تَكْثُرُ عَنْ أَصْلِهَا لَيْسَ بِهِ تَنْحَصِرُ
باب الأرحام
إِنْ عُدِمَتْ مَوَاضِعُ السَّهَامِ وَالْعَصَبَاتِ فَأُولُوا الْأَرْحَامِ وَلَيْسَ لِلْأَرْحَامِ شَيْءٌ إِنْ وُجِد ذُو السَّهْمِ أَوْ عَاصِبُهُ حِينَ فُقِدْ وَعِنْدَ عُدْمِهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَرْحَامُهُ أَوْلَى عَلَى شِقَاقٍ فَإِنَّ فِي تَوْرِيثِهِمْ خِلَافَا وَمَذْهَبُ الْأَصْحَابِ فِيهِمْ وَافَى فَإِنَّهُمْ أَوْلَى بِهِ وَأَقْرَبُ مِنَ الَّذِي إِلَيْهِ لَا يَنْتَسِبْ جَاءَ الْكِتَابُ أَنَّهُمْ أَوْلَى بِهِ لِكَوْنِهِمْ فِي الْأَصْلِ مِنْ أَنْسَابِهِ
(1) ظعن: أي: مات وأصل الظعن السفر والارتحال، وسمي الموت ظعنا لأنه السفر البعيد. (2/188)
صفحة 798
188
الجزء الثالث
كتاب الميراث
وَلَمْ يَرِدْ شَيْءٌ مِنَ الدَّلِيلِ يُبِينُ إِرْثَهُمْ عَلَى التَّفْصِيل فَمِنْ هُنَاكَ اخْتَلَفُوا فَأَوْجَبَا بَعْضُهُمْ ذَاكَ لِمَنْ قَدْ قَرُبَا فَهْوَ يُرَاعِي أَقْرَبَ الْمَرَاتِبِ فَيُعْطِهِ المِيرَاثَ لِلتَّنَاسُبِ وَبَعْضُهُم يُلَاحِظُ الْأُصُولَا فَيُعْطِ فَرْعَهَا كَمَا فِي الْأُولَى طَرِيقَةٌ تُعْرَفُ بِالتَّنْزِيلِ لِجَعْلِهِ الفُرُوعَ كَالْأُصُولِ مِثَالُهُ ابْنُ بِنْتِهِ مَعَ ابْنِ لِّأُخْتِهِ فَالْكُلُّ مِنْهُمْ يَبْنِي
الحَالَةِ
عَلَى مَقَالِهِ فَفِي القَرَابَةِ يَكُونُ لَابْنِ الْبِنْتِ فِي ذِي وَإِنْ تُنَزِّلُهُمْ يَنَالُ الْكُلُّ مِيرَاثَ أُمِّهِ وَهَذَا أَصْلُ فَالنِّصْفُ لابْنِ بِنْتِهِ وَالنِّصْفُ لِلثَّانِي مِنْهُمَا وَتَمَّ الْكَشْفُ وَيَأْخُذُ الدُّكْرَانُ كَالإِنَاثِ إِذْ هُمْ سَوَاءٌ قِيلَ فِي الْمِيرَاثِ كَإِخْوَةِ الأُمُّ إِذَا مَا اسْتَهَمُوا فَإِنَّهُ فِيهِمْ سَوَاءٌ يُقْسَمُ وكُلُّ مَنْ كَانَ بِأُنْثَى يُدْلِي فَرَحِمٌ ذَلِكَ عِنْدَ الْكُلِّ كَنَسْلِ بِنْتِهِ وَنَسْلِ الْأُخْتِ وَنَسْلِ جَدَّةٍ بِهَذَا فَافْتِي بَنُو بَنِينَا فَهُمُ بَنُونَا بَنُو بَنَاتِنَا لِلَابْعَدِينَا وَالْخَالُ مِنْ أَرْحَامِهِ وَالْخَالَهُ كَذَلِكَ الْعَمَّاتُ لَا مَحَالَهُ
(1) يدلي: أي: يتعلق.
(2) قوله: بنو (بنينا فيه تضمين قول القائل:
(1)
بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبِنَاتُنَا بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأَبَاعِدِ (2/189)
صفحة 799
بابُ الأَرْحام
الجزء الثالث
189
وهَكَذَا بِنْتُ أَخِيهِ أَيْضًا فَلَا تُسَاوِي عَاصِبًا أَوْ فَرْضَا وَلَيْسَ لِلرَّضَاعَ فِي ذَا الْبَابِ حَقٌّ فَلَا يُحْسَبُ فِي الْأَسْبَابِ وَرِحِمٌ يَكُونُ طَوْرًا عَصَبَهْ وَذَاكَ فِي الزَّنِيمِ مَعْ مَنْ صَوَّبَهْ عَصَبَةُ الزَّنِيمِ فِيمَا ذُكِرَا عَصَبَةُ الأُمِّ رَوَوْهُ خَبَرَا فَخَالُهُ يَكُونُ مِثْلَ عَمِّهِ وَجَدُّ هَذَا جَدُّهُ مِنْ أُمِّهِ لأَنَّهُ لِأُمِّهِ يَكُونُ فَهْيَ كَامٌ وَأَبِ تَكُونُ مِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ تَمْنَعُ مَنْ يَكُونُ بَعْدَهَا فَلَا يُوَرَّثَنْ كَالْجَدِّ مَا لِلْجَدِّ عِنْدَ الأَبِ شَيْ فَأُمُّهُ كَأَبِهِ ذَاكَ الْفُتَيِّ وَلَا أَرَى فُجُورَهَا يَزِيدُهَا مَرْتَبَةً بَلْ يَقْتَضِي تَبْعِيدَهَا فَلَا تَنَالُ فَوْقَ فَرْضِ الْإِرْثِ شَيْئًا لِأَجْلِ مَا أَتَتْ مِنْ غَيٍّ (2) وَقَالَ قَوْمٌ إِنَّهُ لِلْفُقَرَا وَقِيلَ مَوْقُوفٌ إِلَى أَنْ يُحْشَرَا وَقِيلَ إِنَّهُ لِبَيْتِ الْمَالِ وَهَذِهِ ثَلَاثَةُ الأَقْوَالِ تَخْرُجُ عِنْدَ عَدَمِ الْأَرْحَامِ بَعْدَ انْعِدَامٍ مِنْ ذَوِي السَّهَامِ فَمَنْ لَهُ السَّهْمُ يَكُونُ أَقْرَبَا وَالرَّحِمُ الْمَعْرُوفُ لَمْ يُخَيَّبَا وَرُبَّمَا تَخْرُجُ عِنْدَ مَنْ مَنَعْ ذَا الرَّحِمُ الْإِرْثَ عَلَى مَا قَدْ وَقَعْ وَفُسِّرَ الزَّنِيمُ بِالدَّعِي وَمَنْ أَبُوهُ يُجْهَلَنْ لِغَيّ
(1) قوله: «فأمه كأبه» بإعادة الضمير إلى متأخر لفظًا ورتبة، وهذا قليل نادر. (2) من غثّ: من باطل. (2/190)
صفحة 800
190
الجزء الثالث
كتاب الميراث
إِرْثُ اللَّقِيطِ يُعْطَى مَنْ رَبَّاهُ لِأَنَّهُ مُشَابِةٌ أَبَاهُ وَقِيلَ بَلْ يُعْطَى لِبَيْتِ الْمَالِ وَالْخُلْفُ فِي الْعَقْلِ كَهَذَا الْحَالِ فَقِيلَ مَنْ رَبَّاهُ يَعْقِلَنَّا عَنْهُ وَقِيلَ لَيْسَ يَعْقِلَنَّا وَقِيلَ مَا خَلَّفَهُ لِلْفُقَرَا والْقَوْلُ بِالْوَقْفِ هُنَا مَا ذُكِرَا وَإِنَّهُ لَسَائِغٌ أَرَاهُ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ مَعْنَاهُ وَمَن رَأَى مَعَ اللَّقِيطِ مَالَا فِي ثَوْبِهِ أَوْ فِي الْفِرَاشِ آلَا فَإِنَّهُ عَلَيْهِ يُنْفَقَنَّا وَلَيْسَ فِي سِوَاهُ يُنْفَذَنَّا وَآمِرٌ بِغُسْلِ مَنْ قَدْ جُهِلَا وَارِثُهُ فَقَامَ حَتَّى غُسْلَا يَكُونُ أَوْلَى قِيلَ بِالثَّيَابِ إِلَيْهِ تُدْفَعَنْ بِلَا ارْتِيَابِ وَلَمْ يَرَ هَذَا مِنَ الصَّوَابِ بَعْضُ لِبعْدِهِ عَنِ الْأَسْبَابِ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ لِلْفَقْرِ فَلَا مَعْنَى لِذِكْرِ الْغُسْلِ مَهْمَا غَسَّلَا وَقَدْ يَكُونُ مَنْ ذَوِي الْغِنَى فَمَا أَحَقَّهُ حِينَئِذٍ أَنْ يُحْرَمَا قُلْتُ وَلَكِنْ يَنْبَغِي التَّقْبِيدُ إِذْ قَدْ يَكُونُ الْفُقَرَا يُرِيدُ وَأَنَّهُ بِالْأَمْرِ يَوْمًا اسْتَحَقَّ ثِيَابَهُ كَمِثْل مَنْ لَهُ سَبَقٌ كَمِثْل مَا اسْتَحَقَّهُ بِالْجِنْسِ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ الْفَقْرِ فِيهِ يُمْسِي فَالزِّنْجُ جِنْسُ وَكَذَاكَ الْهِنْدُ كَذَا الْحُبُوسُ وَكَذَاكَ السِّنْدُ
(*) العقل: دفع دية القتل الخطأ. (إسماعيل) (2/191)
صفحة 801
بابُ الأَرْحام
الجزء الثالث
191
كَذَلِكَ النُّوبَانُ أَيْضًا جِنْسُ كَذَلِكَ الْعُرْبُ كَذَاكَ الفُرْسُ وَكُلُّ مَنْ كَانَ إِلَيْهِ أَقْرَبَا مِنْ جِنْسِهِ فَهُوَ بِهِ قَدْ ذَهَبًا مِثْلُ الْخُزَاعِيِّ إِذَا لَمْ يُعْرَفَا خُزَاعَةٌ أَوْلَى بِمَا قَدْ خَلَّفَا إِلَى كَبِيرٍ مِنْ خُزَاعَةٍ صُرِفْ مَالُ امْرِءٍ مِنْهُمْ غَدًا وَمَا عُرِفْ (1) صَرَفَهُ الْمُخْتَارُ فِي أَيَّامِهِ فَصَارَ هَذَا الْأَصْلُ فِي أَحْكَامِهِ وَقَالَ بَعْضُ إِنَّ أَهْلَ الْفَقْرِ أَوْلَى مِنَ الْجِنْسِ بِهَذَا الْأَمْرِ قُلتُ وَلكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُجْمَعَا بَيْنَهُمَا لِكَيْ يَحُوزَ الْأَرْفَعَا فَيُعْطِهِ مِنْ أَهْلِ جِنْسِهِ لِمَنْ كَانَ فَقِيرًا وَبِهَذَا يُجْمَعَنْ وَمَنْ يَكُنْ فِي دَارِهِ مُقِيمَا فَهْوَ بِهِ أَوْلَى فَلَا تَعْمِيمَا لأَنَّهُ مِثْلُ زَكَاةِ الْبَلَدِ فِي فُقَرَاءِ أَهْلِهَا فَلْتُنْفَدِ وَكَانَ لِلْحَلِيفِ فِي صَدْرِ الزَّمَنُ مِنَ الْحَلِيفِ إِرْثَهُ يُوَرَّثَنْ) مَنْ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ آتُوهُمْ نَصِيْبَهُمْ مَعْنَاهُ وَرِّثُوهُمْ وَبَعْدَ ذَاكَ نُسِخَتْ بِآيَةٍ فِي آخِرِ الْأَنْفَالِ فِي الْقَرَابَةِ فَالْيَوْمَ لَا مِيرَاثَ لِلْحَلِيفِ لِأَجْلِ مَا فِيهِ مِنَ التَّخْفِيفِ
(1) غدا: أي: مات، لغة لبعض العُمانيين، وكأن أصلها صار أي غدا إلى الفناء، ثم حذف الخبر لكثرة الاستعمال اهـ. (المصنف) (2) قوله: «إرثه» مصدر مقدم على فعله، أي: يُوَرَّثَنَّ إرثَه، ويجوز أن يكون بهمزة فمثلثة فراء فنون توكيد مخففة من التأثير، أي: إثباته أثرًا مؤثرًا. (2/192)
صفحة 802
192
الجزء الثالث
كتاب الميراث
باب موانع الإرث
وَيَمْنَعُ الإِرْثَ أُمُورٌ مِنْهَا تَخَالُفُ الدِّينَيْنِ فَافْهَمَنْهَا لَا يَرِثُ الْكَافِرُ قَطُّ مُسْلِمَا إِلَّا إِذَا مِنْ قَبْلِ قَسْم أَسْلَمَا فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَسْمِ أَسْلَمَ يُضْرَبَنْ لَهُ بِسَهُم كَذَلِكَ الْمُسْلِمُ مِنْ ذِي الْكُفْرِ لَا يَرِثَنْ شَيْئًا لِهَذَا الْأَمْرِ قَطِيعَةً قَدْ أَمَرَ الْمُخْتَارُ بِهَا وَأَصْلُ ذَلِكَ الْإِكْفَارُ لِعُظُم جُرْمِهِ يُقَطِّعُ النَّسَبُ وَيَقْطَعَنَّ فِي الْمَوَارِيثِ السَّبَبْ وَالْخُلْفُ فِي الْمُرْتَدَّ قِيلَ مَالُهُ لِأَهْلِ دِينِهِ كَذَاكَ حَالُهُ وَقِيلَ بَلْ لِوُلْدِهِ الصَّغَارِ إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنَ اخْتِيَارِ وأَقْلَفٌ مُوَحّدٌ لِلْأَهْل (2) مِيَرَانُهُ مِنْ كُلِّ مَنْ يُصلِّي لِأَنَّهُ قَدْ فَارَقَ الْكُفَّارَا لِأَنَّهُ قَدْ أَظْهَرَ الْإِقْرَارَا وَهْوَ بِتَرْكِهِ الْخِتَانَ عَاصِي وَالْإِرْثُ لَا يُقْطَعُ بِالْمَعَاصِي وَسُوْرُهُ فِيهِ اخْتِلَافُ نَجَّسَهُ بَعْضُ كَأَهْلِ الشِّرْكِ فِيمَا لَمَسَهْ لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَا يَمْتَنِعْ مِنَ النَّجَاسَاتِ بِهَذَا قَدْ جُمِعْ
(1) قوله: «لولده» بضم الواو وإسكان اللام لغة في الأولاد، أي: لأولاده. (2) قوله: «للأهل»، أي: لأهله من المسلمين. لأنه وإن كان كافرًا بتركه الختان، فإن له حكم الإقرار بالقول، فما دام على إقراره فليس له حكم المشركين في ذلك. (2/193)
صفحة 803
باب موانع الإرث
الجزء الثالث
193
وَالْقَتْلُ مَانِعُ فَمَا لِقَاتِلِ إِرْثُ مِنَ الْمَقْتُولِ عِنْدَ الْفَاصِلِ (1) وَالْوَارِثُونَ بَعْدَهُ أَحَقُّ إِذْ مَالُهُ فِي ذَاكَ قَطْعًا حَقٌّ فَقَاتِلُ لِإِبْنِهِ يَدِيهِ بِرَغْمَ أَنْفِهِ لِوَارِثِيهِ وَقَوْلُهُ أَبْرَأْتُ مِنْهُ نَفْسِي لَيْسَ بِشَيْءٍ عِنْدَ أَهْلِ الْحِسَ لِأَنَّهَ حَقٌّ عَلَيْهِ قَدْ وَجَبْ لِغَيْرِهِ يَلْزَمُهُ لَهُ الطَّلَبْ لَكِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ قَوَدُ بِهِ لِكَوْنِهِ أَبَا يُقَيَّدُ) وَإِنْ يَكُنْ بِضَرْبِهِ قَدْ أَمَرَا وَمَا أَرَادَ قَتْلَهُ لَكِنْ جَرَى فَقِيلَ إِنَّ إِرْثَهُ لَمْ يَبْطُلَا لِأَنَّهُ بِيَدِهِ مَا فَعَلَا وَأَلْزَمُوا ضَارِبَهُ الْكَفَّارَهُ لِأَنَّهُ كَمُخْطِئُ أَبَارَهُ (3) وَإِنْ يَكُنْ عَلَى الطَّرِيقِ وَضَعَا شَيَّا أَصَابَهُ وَمِنْهُ صُرِعَا فَمِثْلُ مَا قَدْ مَرَّ لَا يُحَرِّمُ ذَلِكَ إِرْثَهُ وَلَكِنْ يَغْرَمُ وَقَالَ بَعْضُ إِنَّهُ لَا يُعْطَى مِنْ مَالِهِ شَيْئًا وَلَوْ قَدْ أَخْطَا كَذَاكَ مَنْ مَوْرُوثَهُ قَدْ قَتَلَا بِالْحُكْمِ قِيلَ إِرْثُهُ لَمْ يَبْطُلا لِأَنَّمَا يُحَرِّمُ الْعُدْوَانُ مُسْتَعْجِلًا فَيَلْزَمُ الْحِرْمَانُ
(1) الفاصل: أي: الحاكم بالفصل، وهو العدل.
(2) قوله: «يُقيّد»: أي: يُسَمَّى، وهذا فيما إذا كان القاتل أبًا، وأمّا إذا لم يكن أبا فإنه يقاد بوليه في
قتل العدوان.
(3) أباره: أي: أهلكه. (المصنف) (2/194)
صفحة 804
194
الجزء الثالث
كتاب الميراث
أَرَادَ أَنْ يَسْتَعْجِلَنَّ الْمَالَا وَالشَّرْعُ قَدْ نَاقَضَهُ إِبْطَالا
(1)
وَالْخُلْفُ فِي الصَّبِيِّ (وَالْمَجْنُونِ هَلْ يَرثَانِ لِلْفَتَى الْمَدْفُونِ حَرَمَهُمْ) قَوْمٌ بِمَعْنَى الْخَبَرِ إِذْ لَمْ يُخَرِّجُ قَاتِلًا فِي الْبَشَرِ وَبَعْضُهُمْ وَرَّثَهُمْ لِأَجْلِ مَا رَأَوْا مِنَ الْمَعْنَى الَّذِي تَقَدَّمَا كَذَلِكَ الْخِلَافُ أَيْضًا وُجِدَا فِي قَاتِلٍ بِخَطَأَ لَمْ يَعْمَدًا إِذْ لَيْسَ فِي ذَا كُلِّهِ اسْتِعْجَالُ مِنْ ثَمَّ قِيلَ إِرْتُهُ حَلَالُ وَفِي حَدِيثٍ فِي رَبِيعِ الْمُسْنَدِ (3) تَعْمِيمُ مُخْطِئ مَعَ التَّعَمُّدِ بِهِ مُصَرَّحًا فَلَا أَرَى لِطَرْحِهِ مَعْنَى بِمَا قَدْ ذُكِرَا لِأَنَّنَا نُرَبِّحُ الصَّحِيحَا عَلَى الْقِيَاسِ لَوْ غَدًا رَجِيحَا وَامْرَأَةٌ مِنَ الزِنَاءِ حَمَلَتْ إِبْنَّا وَفِي الْوَضْعِ لَهُ قَدْ قَتَلَتْ فَقَالَ بَعْضُ لِأَبِيهِ الْفَاجِرِ دِيَّتُهُ وَفِي مَقَالٍ آخَرِ
جَاءَ
(1) قوله: «والخُلف في الصبي»، يعني: إذا قتلا موروثهما فقيل: إنهما لا يرثانه لعموم الحديث الصحيح الذي رواه الربيع بسنده، وهو قوله: «لا يرث المقتول قاتله كان القتل عمدا أو خَطَأ فدخل في ذلك الصبي والمجنون، لأن عمدهما كالخطأ لرفع القلم عنهما، وقيل: بل
يرثانه، وذلك عند من لا يمنع إرث القاتل المخطئ.
(2) قوله: «حرمهم» بتخفيف الراء، أي: منعهم من الميراث. (3) قوله: «في ربيع المسند»، أي: في مسند الربيع ففيه نوع القلب المعروف، عند أهل البديع على
حد قوله:
فَدَيْتُ بِنَفْسِهِ نَفْسِي وَمَالِي وَمَا آلُوهُ إِلَّا مَا أُطِيقُ
أي فديت نفسه بنفسي. (أبو إسحاق) (2/195)
صفحة 805
باب موانع الإرث
الجزء الثالث
195
عَصَبَةُ الْأُمِّ لِذَاكَ تَسْتَحِقْ وَقِيلَ بَلْ أَرْحَامُهَا بِهَا (1) أَحَقُّ وَالرِّقُ مَانِعٌ فَمَا لِلْعَبْدِ إِرْثُ مِنَ الْحُرِّ وَلَا مِنْ عَبْدِ (2) وَالْعَبْدُ مَمْلُوكُ فَمَا يُخَلِّفُ فَذَاكَ لِلْمَوْلَى إِلَيْهِ يُصْرَفُ لأَنَّمَا الْعَبْدُ وَمَا حَوَاهُ جَمِيعُهُ يَمْلِكُهُ مَوْلَاهُ فَالحُرُّ إِنْ مَاتَ وَكَانَ خَلَّفَا أَنْسَابَهُ حُرًّا وَعَبْدًا فَاعْرِفَا فَالْمَالُ لِلْحُرِّ إِلَيْهِ يُدْفَعُ وَذَلِكَ الْمَمْلُوكُ مِنْهُ يُمْنَعُ وَإِنْ يُخلِّفُ وَالِدًا أَوْ وَلَدَا عَبْدَيْنِ فَالتَّوْقِيفُ هَا هُنا بَدَا حَتَّى يَصِحَ الْعِتْقُ أَوْ يُبَاعُ فَيُشْتَرَى مِنْهُ وَلا إِجْمَاعُ (3) وَغَيْرُهُمْ لَا يُحْبَسُ الْمِيرَاثُ عَلَيْهِ بَلْ يَأْخُذُهُ الْوُرَّاتُ وَفِيهِ قَوْلُ أَنَّهُ لَا يُحْبَسُ لأَحَدٍ وَهْوَ مَقَالُ أَنْفَسُ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ رِقُهُ مَنَعْ مِيْرَاثَهُ فَكَيْفَ حَبْسُهُ يَقَعْ هَذَا هُوَ التَّوْرِيثُ عِنْدَ الرّقٌ وَلَا أَرَاهُ ظَاهِرًا فِي الْحَقِّ
(1) بها: أي: بالدية.
(2) قوله: «ولا من عبد أي: لا ميراث من العبد لأحد إلا للحرّ؛ لأن الحر لا يرث العبد ولا لعبد لأن ما يخلفه العبد لسيده. (3) قوله: «ولا إجماع أي: ليس في ذلك إجماع؛ لأن إيقاف إرث الهالك الحر إلى أن يباع والداه الرقيقان أو يعتقا لم يجتمع عليه العلماء، وإنما هو قول ذكره صاحب بيان الشرع، واعتمد عليه المشارقة وقد أنكره القطب له الا الله، والصحيح أنه لا يوقف الإرث كما رجحه المصنف. (أبو إسحاق)
6 (2/196)
صفحة 806
196
الجزء الثالث
كتاب الميراث
وَإِنْ يَكُنْ مَاتَ وَلَمْ يُخَلِّفَنْ غَيْرَ ابْنِهِ أَوْ أَبِهِ يُوَقِّفَنْ إِذْ هَا هُنا التَّوْقِيفُ لَيْسَ يَمْنَعُ حَقَّ سِوَاهُمَا وَلَيْسَ يَدْفَعُ فَإِنْ يُبَعْ فَلْيُشْتَرَى وَإِنْ عَتَقَ فَلْيَأْخُذِ المَالَ الَّذِي لَهُ اسْتَحَقُّ وَبَعْدَ أَنْ يُشْرَى بِذَاكَ الْمَالِ يَصِيرُ وَاحِدًا مِنَ الرِّجَالِ (1) وَإِنْ يَمُتْ فِي رَبِّهِ فَلْيُصْرَفِ إِلَى الْإِمَامِ الْعَادِلِ الْمَوْلَى الْوَفِي يُنْفِذُهُ فِي دَوْلَةِ الْإِسْلَامِ وَبَعْدَهُ لِفُقَرَا الْأَنَامِ وَقَدْ مَضَى مَا فِيهِ مِنْ مَقَالِ مِنْ جَعْلِهِ فِي جِنْسِهِ بِحَالِ وَإِنْ تَكُنْ قَدْ طُلِّقَتْ ثَلَاثَا فَلَيْسَ تُعْطَى عِنْدَهُمْ مِيرَانَا كَذَاكَ لَيْسَ يَرِثَنَّ مِنْهَا لأَنَّهُ بِذَاكَ بَانَ عَنْهَا إِلَّا إِذَا كَانَ مَرِيضًا مُدْنَفَا (2) فَالْإِرْثُ مَا بَيْنَهُمَا قَدْ عُرِفَا كَذَلِكَ الْبُرْآنُ وَالْخُلْعُ فَمَا بَعْدَهُمَا تَوَارُثٌ قَدْ عُلِمَا وَالْخُلفُ إِنْ خَالَعَهَا فِي الْمَرَضِ فَقِيلَ لِلْمِيرَاتِ مِنْهُ تَقْتَضِي وَمَا لَهَا مَهْرٌ لِأَنَّهُ عِوَضْ عَنْ ذَلِكَ الْبُرَآنِ فِي حَالِ المَرَضٌ وَإِنْ يَكُنْ فِي مَرَضِ مِنْهَا وَقَعْ بُرْآنُهُ صَدَاقُهَا مِنْهُ انْتُزِعْ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَرَضِ وَذَاكَ مَرْدُودٌ لِهَذَا الْغَرَضِ
(1) من الرجال: أي: من الأحرار.
(2) مدنفًا بصيغة المجهول، أي: أدنفه المرض. (2/197)
صفحة 807
باب موانع الإرث
الجزء الثالث
197
وَيُعْطَى إِرْثَهُ وَهَذَا قَوْلُ وَبَعْضُهُمْ بِغَيْرِهِ يَقُولُ وَامْرَأَةٌ بالرَّتْقِ قَدْ أَقَرَّتِ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا فِي الحَضْرَةِ مِيرَاثُهَا لَهَا وَفِي الصَّدَاقِ يَقُولُ لَا لَهَا بِالاِتِّفَاقِ وَذَاكَ إِنَّ لَمْسَهَا لِمَنْ لَمَسْ كَلَامِس الصَّخْرَةِ لَا مَهْرَ بِمَسْ إِذْ لَيْسَ (1) ثَمَّ مَوْضِعٌ فَيُمْهَرَا لِأَنَّمَا الإِيلَاجُ قَدْ تَعَذَّرَا وَامْرَأَةٌ زَنَتْ وَلَمَّا يَظْهَرِ زِنَاؤُهَا وَمَاتَ زَوْجُهَا الْبَرِي تُوَرَّثَنَّ ظَاهِرًا وَتُصْدَقُ وَفِي حَيَاتِهِ كَذَاكَ تُنْفَقُ بِأَخْذِهِ قَدْ قِيلَ تَأْثَمَنَّا فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ لِمَا قَدْ كَنَّا (2) وَلَا أَقُولُ إِنَّ حُكْمَ الْبَاطِنِ يُخَالِفُ الظَّاهِرَ فِي الْمَوَاطِنِ لِأَنَّهَا لَا تَحْرُمَنْ عَلَيْهِ بِذَاكَ إِنْ لَمْ يَظْهَرَنْ لَدَيْهِ قَدْ شُرعَ السِّتْرُ لِمَنْ أَتَى القَذِرْ مِنَّا فَلَا حُرْمَةَ حِينَ مَا اسْتَتَرْ وَفِي اللَّعَانِ قَالَ هَلْ مِنْ تَائِبِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُوَنْ مِنْ كَاذِبِ لَوْ بِالزِّنَا تَحْرُمُ لَوْ لَمْ يَظْهَرِ بَيَّنَهُ الْمُخْتَارُ بَيْنَ الْبَشَرِ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ بِالْبَيَانِ فَلَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ حُكْمَ الزَّانِي وَلَيْسَ ذَاكَ مِثْلَ بَابَ الْحُكْمِ فِي أَخْذِهِ بِلَحْنِهِ وَالظُّلْ
(1) قوله: «إذ ليس» قلت لقائل أن يقول أي لها الصداق كاملاً قياسًا على التي يموت عنها
زوجها، أو تموت هي قبل الدخول. (2) كَنَّا: أي: ستر. (2/198)
صفحة 808
198
الجزء الثالث
كتاب الميراث
فَإِنَّهُ يَقْضِي لَهُ بِلُغَتِهُ لِأَجْلِ مَا أَظْهَرَهُ مِنْ حُجَّتِهُ فَمُدَّعِ خِلَافَ حَقِّهِ ظَلَمْ سِوَاهُ فَالْإِثْمُ بِذَاكَ قَدْ لَزِمْ وَالشَّرْعُ قَدْ بَيَّنَ حُكْمَهُ فَلَا يُشْبِهُهُ حُكْمُ الْمَقَامِ مَثَلَا وَهَا هُنا بَابُ الْمَوَارِيثِ انْقَضَى وَالْأَصْلُ فِيهِ لَمْ يُفِدْنَا غَرَضَا إِلَّا الْيَسِيرَ وَلَهُ الْفَضْلُ عَلَى ذاكَ الْيَسِيرِ حَيْثُ كَانَ أَوَّلَا وَاعْلَم بَأَنَّ الضَّرْبَ فِي الْحِسَابِ يُميّزُ الْخَطَا مِنَ الصَّوَابِ وَالْمُعْتَنِي بِالْإِرْثِ قَدْ يَحْتَاجُ لَهُ فِي كَشْفِ مَا أَجْمَلَهُ وَفَصَّلَهُ وَالْأَصْلُ لَمْ يَذْكُرُهُ حَيْثُ كَانَا فَنَّا (1) يَرَى اسْتِقْلَالَهُ عِيَانَا تَرَكْتُهُ لِأَنَّ فِيهِ كُتُبَا قَدْ صُنِّفَتْ يَقْصِدُهَا مَنْ طَلَبَا
(1) فنا: أي: نوعًا من فنون العلم على حده. (2/199)
صفحة 809
باب موانع الإرث
الجزء الثالث
199
كتاب نظام العالم
وَالِاهْتِمَامُ بِمَصَالِحِ الْوَرَى فَرْضٌ عَلَى كُلِّ امْرِئٍ مَا قَدَرَا فَلَوْ بَذَلْنَا الْجُهْدَ فِي الإِصْلَاح فُزْنَا بِنَيْلِ الْعِزِّ وَالْفَلَاحِ فَالْعِزُّ فِي الدَّارَيْنِ بِالْإِرْشَادِ وَالرُّشْدُ بَيْنَ حَاضِرٍ وَبَادِي وَإِنَّهُ لَا يُصْلِحُ الْبَرِيَّة شَيْءٌ سِوَى الْعَدْلِ مَعَ الرَّعِيَّهْ وَالْمُلْكُ لَا يَصْلُحُ دُونَ طَاعَهْ فَالْعَسْفُ في الْمُلْكِ هُوَ الإِضَاعَهُ وَالظُّلْمُ لَا تُبْنَى عَلَيْهِ دَارُ لأَنَّهُ الْخَرَابُ وَالْبَوَارُ وَالْعَدْلُ لَا شَلَّ أَسَاسُ الْمُلْكِ وَهْوَ أَسَاسُ الْخَيْرِ دُونَ شَكٍّ وَالْحُزْنُ لِلطَّاعَةِ دُونَ نَهْضَةِ لَهَا غُرُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْفِطْنَةِ وَالْقَوْلُ دُونَ الْفِعْلِ مَقْتُ (2) لَازِمُ جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ وَهْوَ الْحَاكِمُ فَانْهَضْ إِلَى الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتَا وَادْعُ لِذَاكَ مَنْ لَهُ قَدَرْتَا
(1) والحزن: هكذا في جميع نسخ الجوهر فلينظر ما معناه ولعله أراد أن من حزن على ترك الطاعة من غير أن يقوم لها ويتعاطاها فذلك منه غرور؛ لأن حزنه على تركها لا ينفعه إذا لم يشمر لها، والمناسب عندي في هذا أن يقول: والحب للطاعة ... إلخ. فإن من أحب الطاعات ولم يعملها فهو كمن يقول ما لا يفعل كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 3].
(2) مقت: أي: بغض. (2/200)
صفحة 810
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
أَنْتَ إِذَا أَحْسَنُ قَوْلًا فَاعْلَم حُزْتَ الدُّعَا وَحُزْتَ وَصْفَ المُسْلِمِ وَمَا نِظَامُ النَّاسِ حَتْمًا يَقَعُ إِلَّا إِذَا مَا اتَّفَقُوا وَاجْتَمَعُوا فِي فَشَلِ الرَّأْيِ وَفِي التَّنَازُعِ عَنْ رُتَبِ الدَّارَيْنِ أَيُّ مَانِعِ وَاللهُ قَدْ أَوْصَى الْعِبَادَ أَجْمَعَا بِتَرْكِ مَا لِجَمْعِهِمْ قَدْ ضَيَّعَا كُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا وَلَا تَنَازَعُوا تَفَرُّقًا وَفَشَلَا سِيَاسَةُ الْوَحْيِ هِيَ السَّيَاسَهُ أَيْنَ عُقُولُكُمْ أُولِي الرِيَاسَة فَوَاحِبٌ تَقَدُّمُ الْوَحْيِ عَلَى عُقُولِنَا وَنَتْرُكَنَّ الْفَشَلَا وَلَا يَتِمُّ الإِجْتِمَاعُ دُونَ أَنْ يَكُونَ فِينَا قَائِدٌ يُقَدَّمَنْ وَذَلِكَ الْقَائِدُ بِالإِمَامِ يُعْرَفُ بَيْنَ فُقَهَا الْأَنَامِ فَيَخْلُفُ الْمُخْتَارَ فِي أُمَّتِهِ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ فِي سِيرَتِهِ مِثْلُ أَبِي بِكْرٍ وَمِثْلُ عُمَرَا وَمَنْ عَلَى سِيرَتِهِمْ قَدِ انْبَرَى (2) وَلِلْعُمَانِيِّينَ وَالْمَغَارِبَهُ وَحَضْرَمَوْتٍ أُمَرَاءُ غَالِبَهُ يُشَابِهُونَ العُمَرَيْنِ عَدْلَا وَوَرَعَا وَثِقَةٌ وَفَضْلَا مَضَوْا عَلَى نَهْجِ الصَّوَابِ فَلَهُمْ حُسْنُ النَّنَا مَعَ الرِّضَا مِنْ رَبِّهِمْ
(1) قوله: «أنت إذا أحسن ... إلخ» يشير إلى قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت: 33].
(2) قوله: «انبرى»، أي: سار مباريًا لهم، أي: مماثلاً لهم. (2/201)
صفحة 811
باب الإمام
الجزء الثالث
201
باب الإمام
يَلْزَمُ نَصْبُ قَائِمٍ فِي النَّاسِ فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا أَكْيَاسِ مُتَفِقُونَ (1) لَا يُخَالِفُونَا بَعْضُهُمُ (2) بَعْضًا مُوَافِقُونَا وَكُلُّ وَاحِدٍ بِخِلِّهِ اتَّثَقِّ بِمَا عَلَيْهِ مَعَهُ قَدِ اتَّفَلْ وَسِتَةٌ مِنْ أَهْلِ عِلْمٍ فِيهِمُ يُبَيِّنُونَ الْحُكْمَ حَيْثُ يَحْكُمُوا وَهُمْ أُولُوا مَشُورَةِ الإِمَامِ نَصْبُهُمْ فَرْضٌ عَلَى الْأَنَامِ وَقِيلَ إِنْ مَاتَ الإِمَامُ وَنُصِبْ مِنْ بَعْدِهِ سِوَاهُ فَالْبَحْثُ يَجِبْ نَبْحَثُ عَنْ أَحْكَامِ تِلْكَ الْعُقْدَةِ كَيْ لَا نُطِيعَ جَائِرًا فِي الأُمَّةِ وَذَاكَ حَيْثُ الأَمْرُ يُسْتَرَابُ وَإِنْ دَرَيْنَاهُ انْتَقَى الإِيجَابُ وَإِنْ يَكُنْ فِي مَوْضِعِ تَغَلَّبَا بِهِ أُولُوا الْفَضْلِ وَمَا تَقَلَّبَا فَالبَحْثُ لَا يَلْزَمُ بَلْ يُطَاعُ مِنْ حِينِ مَا قِيلَ لَهُ مُطَاعُ وَدَاخِل فِي بَيْعَةٍ قَدْ أَشْكَلَتْ فَحُكْمُهُ حُكْمُ إِمَامِهِ ثَبَتْ فِي مَوْضِعِ الإِشْكَالِ إِشْكَالُ وَفِي أَحْوَالِهِ مِنْ جَائِرٍ وَمُنْصِفِ وَبَيْعَةُ الْأَعْلَامِ تَكْفِي مَنْ رَضِي بِهَا وَمَنْ كَانَ لَهَا لَمْ يَنْقُضِ
(1) قوله: «متفقون خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هم متفقون. (2) بعضهم: إنَّ رفعه على الابتداء أفصح من نصبه على المفعولية. (2/202)
صفحة 812
202
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
وَمُتَمَنِّعُونَ يُجْبَرُونَا يُبَايِعُونَ لَوْ يُقَاتَلُونَا إِذْ فِي امْتِنَاعِهِمْ تَلَاشِي الْبَيْعَةِ وَفِي تَلَاشِيهَا فَسَادُ الأُمَّة وَبَيْعَةُ عَلَى الشِّرَى كَبَيْعَةِ عَلَى الدِفَاعِ فِي وُجُوبِ الصَّفْقَةِ وَالكُلُّ وَاجِبٌ بَأَنْ يُطَاعَا وَلَا يَصِحُ خُلْفُهُمْ إِجْمَاعَا وَهُمْ أُولُو الأَمْرِ فَتَلْزَمَنَّا طَاعَتُهُمْ فِي الذِّكْرِ يُذْكَرَنَّا وُجُوبُ طَاعَةِ الإِمَامِ الْعَادِلِ كَطَاعَةِ الرَّسُولِ فِي الدَّلَائِلِ قَدْ ذَكَرَ الْقُرْآنُ كُلًّا مِنْهُمَا في آيَةٍ مُقْتَرِنَيْنِ فَاعْلَمَا لَا شَكَّ أَنَّ مَنْ عَصَى الإِمَامَا عَلَى مَعَاصِي رَبِّهِ أَقَامَا وَهُوَ خَلِيعٌ عِنْدَنَا فَيُبْرَى مِنْهُ لأَنَّهُ أَصَابَ الْكُفْرَا فَلَا يُؤَاوِيهِ عَنِ الإِمَامِ إِلَّا مُكَابِرٌ مِنَ الأَنَامِ وَجائِز (1) قَدْ قِيلَ أَنْ يُحَلَّفَا مَنْ خِفْتَ مِنْهُ الْغَدْرَ وَالتَّخَلَّفَا يُحَلَّفَنْ قَدْ قِيلَ بِالطَّلَاقِ وَسَائِرِ الْأَيْمَانِ وَالْعِتَاقِ
(1) قوله: «وجائز .... إلخ» قلت: إن كان أراد أنهم أجازوا أن يُحَلِّفُوا من خافوا منه الغدر بالطلاق والعتاق بمعنى القسم بهما فهذا لم يقل به أحد من العلماء، وإن كان قاله أحد فهو مردود على قائله وإنما أرادوا في هذا الأمر إلزامه الطلاق والحنث إذا خان البيعة، وذلك أن يُحَلِّفُوهُ أولا برب العزة، ويغلظوا عليه، ثم يزيدوه فوق ذلك، وقل: إذا نكثت بيعتي فكل امراة عندي أو أتزوجها فهي طالق مني، وكل عبد ملكته أو أملكه فهو معتوق، ونحو ذلك من الإلزامات، فهذا الذي رأيناه في آثار علمائنا من تحليف الخائن، أو من خيفت منه الخيانة، وهذا ومثله ليس من باب الحَلِفِ بغير الله؛ فليعلم،
والله أعلم. (2/203)
صفحة 813
باب الإمام
الجزء الثالث
203
وَجَوَّزُوا ذَلِكَ لِإِسْتِيثَاقِ وَلَا أَرَى التَّحْلِيفَ بِالطَّلَاقِ لِأَنَّهُ مِنْ حَلِفِ الْفُسَّاقِ فَنَمْنَعَنَّهُ عَلَى الإِطْلَاقِ وَتَارِكٌ مَعُونَةَ الإِمَامِ بِغَيْرِ عُذْرٍ سَاقِطُ الْمَقَامِ وَقِيلَ مَنْ يَبْرَأُ فِي السَّرِيرَةِ مِنَ الْإِمَامِ عِنْدَ ضَعْفِ السِّيرَةِ وَكَانَ عَاجِزًا عَنِ التَّنْوِيبِ لَهُ لِبُعْدِهِ عَنِ التَّقْرِيبِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْصُرَنَّهُ لِمَا رَأَى مِنَ الْعِصْيَانِ فِيهِ فَاعْلَمَا وَيَتَوَلَّى مَنْ لَهُ قَدْ نَصَرَا إِنْ لَمْ يَكُنْ يُبْصِرُ مَا قَدْ أَبْصَرَا لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ قَدْ خُصَّا بِعِلْمِهِ فِيهِ كَمَا قَدْ نُيَّا مَنِ ادَّعَى عَلَى الإِمَامِ حَدَثَا يُوجِبُ كُفْرًا فَهْوَ عَبْدٌ أَحْدَثَا تَلْزَمُهُ التَّوْبَةُ لَا مَحَالَهُ وَلَيْسَ مِنْهُ تُقْبَلُ الْمَقَالَهُ إِذْ مُوجِبُ الْعَزْلِ عَلَى الإِمَامِ ظُهُورُ ذَنْبِهِ لَدَى الأَنَامِ وَأَنَّ أَهْلَ الفَضْلِ وَالْمَشُورَةِ قَدْ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ ضَعْفَ السِّيرَةِ وَطَالَبُوهُ بِالرُّجُوعِ لِلْهُدَى وَكَانَ قَدْ خَالَفَهُمْ تَمَرُّدَا هَذَا هُوَ المُوجِبُ لَا سِوَاهُ فَلَيْسَ تُقْبَلَنْ لِذَا دَعْوَاهُ فَإِنْ أَبَى الْمَتَابَ يُبْرَأَنَّا مِنْهُ إِذِ الْمُصِرُّ لَيْسَ مِنَّا وَاخْتَلَفُوا هَلْ تَسَعُ التَّقِيَّهُ لَهُ إِذَا تَخْذُلُهُ الرَّعِيَّة فَبَعْضُهُمْ أَلْزَمَهُ الْقِيَامَا وَلَوْ رَأَى الْمَوْتَ إِذَا مَا قَامَا (2/204)
صفحة 814
204
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
وَهْيَ الَّتِي أَفْتَى بِهَا هِلَالُ (1) إِمَامَهُ وَهْوَ الْفَتَى الْمِفْضَالُ أَعْنِي الجُلَنْدَاءَ ابْنَ مَسْعُودِ الوَلِي أَفضَلُ مَنْ قَامَ بِقُطْرِنَا الْعَلِي قَاتَلَهُ جَيْشُ بَنِي الْعَبَّاسِ فِي سَيْفِ شَيْبَانَ الْفَتَى الدَّعَاسِ يَطْلُبُهُ المَعْرُوفُ بِاسْمِ خَازِمِ فِي أَخْذِ سَيْفِهِ وَأَخْذِ الْخَاتِمِ قَالُوا لَهُ ذَلِكَ لِلْوُرَّاثِ وَأَنْتَ لَسْتَ مِنْ ذَوِي التُّرَاثِ وَانْتَشَبَتْ بَيْنَهُمُ الْحَرْبُ فَلَمْ يَنْشَبْ إِلَى أَنْ قُتِلُوا فَمَا انْهَزَمْ وَقَدْ بَقِي هَلَالُ وَالإِمَامُ فَرْدَيْنِ لَمْ يَغْشَهُمَا انْهِزَامُ قَالَ الإِمَامُ لِهِلَالٍ مَا تَرَى قَالَ تَقَدَّمْ وَأَنَا فِيمَنْ جَرَى تَقَدَّمَ الإِمَامُ حَتَّى قُتِلَا وَقُتِلَ الْقَاضِي وَرَاهُ مُقْبِلَا كَانَ لَهُمْ كَأَسَدٍ فِي الصَّوْلَةِ وَكَعْقَابِ الْجَوِّ عِنْدَ الْجَوْلَةِ تَعَجَّبَ الْخَصْمُ وَمَنْ رَآهُ فِي ذَلِكَ الْحَالِ بِمَا أَبْدَاهُ أَبْدَى ثَقَافَةً تُحِيرُ الذِّهْنَا مَعَ بَسَالَةٍ عَلَيْهَا يُثْنَى فَاسْتُشْهِدُوا (3) وَقَدْ حَوَتْ جِلْفَارُ مَشْهَدَهُمْ جَاءَتْ بِذَا الْأَخْبَارُ
(1) قوله: هلال: هو ابن عطية الخراساني، والجلندى بن مسعود، وهو أول أئمة عُمان، وهو من بني الجلندى من معولة بن شمس، وهو أفضل الأئمة، وقيل: أفضلهم الإمام سعيد بن عبد الله بن جمع العلم والعدل والشهادة، وكلهم أولوا، فضل، رحمة الله عليهم جميعًا.
لأنه
محمد بن محبوب؛ (*) لم يَنْشَب يفعل كذا: أي ما زال، والمعنى استمر في القتال إلى أن قُتِل. (إسماعيل) (2) فاستُشْهِدُوا: بالبناء للمفعول. وجلفار هي الصير، وتسمى اليوم رأس الخيمة بجانب ساحل الخليج العربي، وهي تعد من إمارات الساحل المتصالح.
وهي
بلد
واسع (2/205)
صفحة 815
باب الإمام
الجزء الثالث
205
عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ وَالرّضْوَانُ مِنْ رَبَّنَا وَالعَفْوُ وَالغُفْرَانُ لَوْ دَفَعُوا الْخَاتِمَ وَالسَّيْفَ لَمَا كَانَ هُنَاكَ أَبَدًا سَفْكُ دِمَا (1) لَكِنَّهُمْ لَمْ يَرْتَضُوا الْمُدَاهَنَهُ فَقَدَّمُوا الأَنْفُسَ غَيْرَ خَائِنَهُ كَانَ مُرَادُهُمْ رِضَى الرَّحْمَنِ لَا دُولَةً مِنْ دُوَلِ السُّلْطَانِ وَقَالَ قَوْمٌ تَسَعُ التَّقِيَّهُ لِطَلَبِ الصَّلَاحِ فِي الْبَرِيَّة لأَنَّهُ لَا شَكَ أَقْوَى نَفْعَا فِي الدِّينِ أَنْ يَبْقَى الإِمَامُ يَسْعَى لَوْ دَفَعُوا الْخَاتِمَ وَالسَّيْفَ غُرِمْ لِوَارِثِ الْمَقْتُولِ حِينَمَا عُلِمْ فَتَبْقَى دَوْلَةُ الإِمَامِ ظَاهِرَة سِيرَتُهَا بِالْعَدْلِ فِينَا زَاهِرَهْ وَقِيلَ إِنْ لَمْ يَقْدِرِ الإِمَامُ يَقُومُ بِالْحَقِّ فَلَا يُلَامُ لَكِنْ عَلَيْهِ يُحْضِرُ الإِخْوَانَا مُسْتَعْفِيًا إِلَيْهِمُ إِعْلَانَا وَالْخَلْفُ فِي عَزْلِ الْإِمَامِ الشَّارِي بَعْدَ اتِّفَاقٍ مِنْهُ وَالْأَخْيَارِ أَكْثَرِ الأَقْوَالِ جَائِزُ وَفِي قَوْلٍ قَلِيلٍ لَا يَجُوزُ فَاعْرِفِ وَهْيَ الَّتِي تُعْرَفُ بِالإِقَالَةِ إِقَالَةُ البَيْعَةِ فِي ذِي الْحَالَةِ قَدْ طَلَبَ الصِّدِّيقُ أَنْ يُقَالاَ قَالُوا لَهُ إِنَّكَ لَنْ تُقَالَا لَوْ لَمْ تَكُنْ جَائِزَةً مَا طَلَبَا ذَاكَ أَبُو بَكْرٍ وَلَا تَرَغَبَا
(1) دما: بكسر الدال جمع دم. (2/206)
صفحة 816
206
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
وَالْمُسْلِمُونَ عَزَلُوا الْجُلَنْدَا فَزَالَ عَنْهُمْ وَمَا تَعَدَّى غَدًا كَوَاحِدٍ مِنَ الشُّرَاةِ يُمْسِي وَيُصْبِحَنَّ فِي الثَّقَاتِ للاخْتِبَارِ عَزَلُوهُ لَا سِوَى وَطَلَبُوا الرَّجْعَةَ مِنْهُ فَالْتَوَى (2) فَلَمْ يَفُكُوهُ إِلَى أَنْ رَجَعَا لَأَمْرِهِمْ وَقَامَ فِيهِمْ وَسَعَى وَإِنْ يَكُنْ بِرَأْيِهِ قَدِ اعْتَزَلْ مِنْ دُونِ رَأْبِهِمْ فَذَاكَ لَا يَحِلُّ يُتَوَبَنْ مِنْهُ فَإِنْ لَمْ يَرْجِعِ فَهُوَ مُصِرٌّ وَبِهِ فَلْيُخْلَعِ وَهَكَذَا عَنْ رَأْبِهِمْ مِنْ دُونِ أَنْ يُوَافِقَنَّهُمْ فَلَيْسَ يُعْزَلَنْ لأَنَّمَا الْعَزْلُ لَهُ أَسْبَابُ إِلَّا إِذَا سَتَرَهَا الْمَتَابُ وَقِيلَ بِالْعَجْزِ عَنِ الإِمَامَهُ يَجُوزُ عَزْلُهُ وَلَا مَلَامَهُ وَقِيلَ لَا يُعْزَلُ بَلْ يُقَوِّمُ دَوْلَتَهُ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَعْلَمُ قَدْ عَجَزَ الإِمَامُ عَبْدُ الْمَلِكِ نَجْلُ حُمَيْدِ الْفَاضِلِ الْحَبْرِ الزَّكِي أَقَامَ مُوسَى بْنُ عَلَيِّ أَمْرَهُ إِخْوَانُهُ كَذَاكَ شَدُّوا أَزْرَهُ فَبَقِيَ الإِمَامُ فِي إِمَامَتِهُ حَتَّى غَدَا (4) فِيهَا عَلَى اسْتِقَامَتِهْ وَلَيْتَ مُوسَى نَجْلَ مُوسَى تَبِعَا وَالِدَهُ فِي وَالِدَهُ فِي ذَاكَ حِينَ طَلَعَا
(1) فزال: أي فما زال فحذف ما النافية كما قال ابن دريد:
أَزَالُ حَشْوَ رِيطَةٍ مَوْضُونَةٍ
أي: لا أزل والمعنى أنه ما زايلهم ولا فارق جماعتهم، ولم يسخطه ذلك العزل.
(2) فالتوى: أي: امتنع. (المصنف)
(3) وبه: أي: بالإصرار.
(4) غدا فيها: أي: مات. (المصنف) (2/207)
صفحة 817
باب الإمام
الجزء الثالث
207
وَلَمْ يَسِرْ بِالْجَيْشِ لِلصَّلْتِ لِكَيْ يَعْزِلَهُ عَنْ أَمْرِهِ مِنْ غَيْرِ شَيْ وَأَثَرَتْ فِتْنَتُهُ فِي الدِّينِ فَتْقًا غَدَا فِي النَّاسِ ذَا شُجُونِ مِنْ أَجْلِهَا أَهْلُ عُمَانَ افْتَرَقُوا حِزْبَيْنِ فَازَ بَعْضُهُمْ وَوُفِّقُوا حِزْبُ أَبِي سَعِيدٍ الْمُوَفَّقِ عَلَى الْهُدَى وَمَنْ بَرِي مِنْهُ شَقِي وَحِزْبُهُمْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ أَحَدُ ذَهَابُهُمْ بِالْحَقِّ فِينَا يَشْهَدُ إِذْ لَيْسَ تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ مُحِقِّ فِيهَا يَكُونُ حُجَّةً فِي الْحَقِّ ذَهَابُهُمْ بِسَبَبِ الإِمَامِ نَاصِرِنَا الْمُرْشِدِ لِلأَنَامِ سَلِيلٍ مُرْشِدٍ فَكَانَ نَاصِرَا وَمُرْشِدًا فِي الدِّينِ رُشْدًا ظَاهِرَا وَإِنْ يَكُ الإِمَامُ قَدْ أَصَرًا عَلَى الذُّنُوبِ مِنْهُ حَتْمًا يُبْرَا وَعَزْلُهُ يَلْزَمُ كُلَّ قَادِرِ إِنْ لَمْ يَتُبْ إِذْ حُكْمُهُ كَالْجَائِرِ وَهكَذَا يُعْزَلُ مَهْمَا اتُّهِمَا عَلَى أُمُورِ المُسْلِمِينَ فَاعْلَمَا لَكِنَّهُ لَا يُبْرَأَنَّ مِنْهُ لأَجْلِ تُهْمَةٍ تَرَاءَتْ عَنْهُ لأَنَّ () () الاتِّهَامَ يُخْرِجَنَّهُ عَنِ الْوُنُوقِ كَيْفَ نَتْرُكَنَّهُ وَإِنْ يَكُنْ بِقَسْوَةِ الْقَلْبِ عُرِفْ وَبِخُشُونَةٍ عَلَيْهَا قَدْ أُلِفْ فَجَائِنُ بِمِثْلِ ذَا أَنْ يُعْزَلَا بِمِثْلِهَا قَدْ قِيلَ مُوسَى عَزَلَا (2)
(1) قوله: لكنَّ، وفي نسخة: لأن الاتهام، وهذا أولى عندي من الاستدراك.
() وقد أثبتنا الصواب، وهو لأنَّ. (إسماعيل) (2) عزلا: بالبناء للفاعل، أي أن موسى بن أبي جابر الأزكوي أحد حملة العلم عزل محمد بن
أبي
عفان عن الإمامة بمثل ذلك. (2/208)
صفحة 818
208
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
نَجْلُ أَبِي جَابِرِ قُدْمًا نَصَبَا نَجْلَ أَبِي عَفَّانَ ثُمَّ انْقَلَبَا أَخْرَجَهُ لِكَوْنِهِ جَسُورًا لَا يَقْبَلُ النُّصْحَ وَلَا الْمُشِيرًا وَنَصَبُوا الْوَارِثَ نَجْلَ كَعْبٍ (1) فَقَامَ بِالْحَقِّ لَهُمْ مُلَبِّي وَقِيلَ إِنْ وَلَّى سِوَى الثَّقَاتِ يُعْزَلُ إِلَّا إِنْ أَتَى التَّوْبَاتِ وَفِي عَدُوٌّ أَسَرُوا الإِمَامَا وَغَيْرُهُ فِي المُسْلِمِينَ قَامَا وَأَطْلَقُوْهُ بَعْدُ قِيلَ الأَوَّلُ إِمَامُهُمْ وَالثَّانِي عَنْهُمْ يُعْزَلُ وَقِيلَ بَلْ إِمَامَةُ الأَخِيرِ تَثْبُتُ لَا إِمَامَةُ الأَسِيرِ لأَنَّمَا الأَسِيرُ بِالأَسْرِ غَدَا كَوَاحِدٍ مِنَ الْوَرَى مُنْفَرِدَا وَبَيْعَةُ الأَخِيرِ فِي ذَا الْحَالِ ثَابِتَةٌ مِنْ غَيْرِ مَا جِدَالِ فَكَيْفَ بَالِإِيَابِ مِنْهُ تُنْزَعُ وَيُنْزَعَنَّ عِنْدَ ذَا وَيُخْلَعُ مِنْ غَيْرِ مَا جُرْمِ سِوَى إِيَابِ مَنْ أَسَرَ الْعَدُوُّ لِلأَصْحَابِ وَوَقَعَتْ فِي زَمَنِ الْخَلِيلِ سَلِيلِ شَاذَانَ الْفَتَى النَّبِيلِ فَالتُّرْكُ قِيلَ أَسَرُوهُ وَرَجَعْ إِلَيْهِمُ مِنْ بَعْدِ مَا الْعَقْدُ وَقَعْ فَرَجَعُوا إِلَى الخَلِيلِ وَاعْتَزَلْ ثَانِي الْإِمَامَيْنِ اخْتِيَارًا لَا فَشَلْ رَأَوْا بِأَنَّ النَّاسَ يَرْغَبُونَا إِمَامَةَ الْخَلِيلِ يَطْلُبُونَا (2)
(1) قوله: الوارث هو أول أئمة بني خروص، ولم أعلق على هؤلاء الأئمة؛ لأن لهم سيرًا معلومة وتاريخا مفردًا.
(2) قوله: إمامة: تنازعها يرغبونا ويطلبونا؛ فانتصابها على الأول على نزع الخافض، وعلى الثاني
مفعول به. (2/209)
صفحة 819
باب الإمام
الجزء الثالث
209
وَبَاطِلٌ تَعَدُّدُ الإِمَامَةِ فِي سِيرَةٍ كَذَاكَ فِي وِلَايَةِ وَجَائِزٌ قَدْ قِيلَ إِنْ كَانَ قَطَعْ بَيْنَهُمَا الْعَدُوُّ أَوْ بَحْرٌ مَنَعْ كَانَ زَمَانُ الرُّسْتُمِيِّينَ (1) ظَهَرْ بِالْعَدْلِ فِي الْغَرْبِ عَلَى مَا قَدْ شَهَرْ وَهْوَ زَمَانُ العَدْلِ فِي عُمَانَا أَئِمَّةٌ قَدْ أَظْهَرُوا الإِحْسَانَا وَإِنْ تَلَاقَى مُلْكُهُمْ وَاتَّصَلَا فَكُلُّ وَاحِدٍ بِذَاكَ انْعَزَلَا لِلْمُسْلِمِينَ يَرْجِعَنَّ النَّظَرُ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمُ تَخَيَّرُوا مَنْ يَرْتَضُونَهُ لِهَذَا الأَمْرِ يُقَدِّمُونَهُ بِغَيْرِ شَجْرِ وَمَنْ يَكُنْ حُدَّ عَلَى الزِّنَا فَلَا يُقَدَّمَنَّ هَاهُنَا وَإِنْ عَلَا وَقِيلَ بَلْ يُقَدِّمَنْ إِنْ صَلَحَا إِذْ ذَاكَ عَنْهُمْ بِمَتَابِهِ امْتَحَى وَأَنْتَ تَدْرِي أَنَّهُ لَا يَصْلُحَنْ كُفْوًّا عَقِيفَةً بِهِ تُزَوَّجَنْ فَكَيْفَ يَصْلُحَنَّ لِلْخِلَافَة أُشْهِدُكُمْ أَنِّي أَرَى خِلَافَهُ كَذَاكَ مَنْ حُدَّ عَلَى الْقَذْفِ فَقَدْ يُمْنَعُ مِنْهَا يَقْعُدَنْ حَيْثُ قَعَدْ وَقِيلَ بَلْ هَذَا يُقَدَّمَنَّا وَلَا أَرَى فِيهِ الصَّوَابَ عَنَّا
(1) قوله: الرُّستميين: هم قوم من فارس قيل إنهم هم الذين عناهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «لو تعلق الدين بالثريا لنالته رجال من فارس»، وهم أئمة عدل مشهورون، ظهرت دولتهم في المغرب في القرن الثالث، وقد تتابع منهم خمسة أئمة كلهم في ولاية المسلمين، أولهم: عبد الرحمن بن رستم ثم ابنه عبد الوهاب بن عبد الرحمن ثم ابنه أفلح بن عبد الوهاب ثم ابنه محمد بن أفلح ثم ابنه حاتم بن محمد، وقد عَمَرُوا في أيامهم تيهرت، وسيرتهم فيها وفي غيرها مشهورة، وبالعدل مذكورة، رضي الله عنهم وجزاهم عن المسلمين أفضل الجزاء، وجمعنا بهم في دار النعيم الذي لا ينفد بجاه سيدنا ونبينا محمد (2/210)
صفحة 820
210
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
فَالخُلْفُ فِي الْقَبُولِ لِلشَّهَادَةِ مِنْهُ إِذَا تَابَ بِهَذِي الحَالَةِ فَكَيْفَ نَقْبَلَنَّهُ إِمَامَا وَإِنَّ لِلْجَلْدِ بِهِ ارْتِسَامَا كَذَلِكَ الأَعْمَى فَلَا يُقَدَّمُ كَذَلِكَ الأَخْرَسُ ثُمَّ الأَعْجَمُ نَخْتَارُهُ لِصَحَةٍ فِي جِسْمِهِ وَعَقْلِهِ وَسَعَةٍ فِي عِلْمِهِ قَدْ نَعَتَ القُرْآنُ طَالُوتَ بِمَا ذَكَرْتُهُ فَاسْتَوْجَبَ التَّقَدُّمَا فَلَا يُقَدَّمْ جَاهِلٌ وَجُوِّزًا لِلِاضْطِرارِ عِنْدَ مَنْ تَجَوَّزَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُمْضِيَنَّ نَظَرَا مِنْ دُونِهِمْ وَلَا يُجَهِّرْ عَسْكَرَا لأَنَّهُ بِالعِلْمِ لَا بِالجَهْلِ يُقَامُ فِي النَّاسِ مَنَارُ العَدْلِ وَقِيلَ فِي مَشُورَةِ الإِمَامِ فَرْضٌ عَلَيْهِ لأُولِي الإِسْلَامِ وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ مَنْ قَدْ حَضَرَا مِنْهُمْ لأَنَّ جَمْعَهُمْ تَعَذَّرَا وَقِيلَ بَلْ نَدْبٌ إِذَا لَمْ تُشْتَرَطْ عَلَيْهِ وَالوُجُوبُ بِالشَّرْطِ فَقَطْ وَإِنْ يَكُنْ لِلأَمْرِ أَهْلًا جَمَعَا عِلْمًا وَرَأْيَا وَسِيَاسَةٌ مَعَا فَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ وَإِنْ شَرَطْ ذَاكَ بَل الشَّرْطُ لَدَيْهِ قَدْ سَقَط لأَنَّ شَرْطَهَا يُخَالِفَنَّا لِمَا عَلَيْهِ الأَمْرُ فِيمَا سُنَّا لأَنَّهُ قَدْ سُنَّتِ الإِمَارَهُ لِيَتْبَعَنْ جَمِيعُنَا آثَارَهُ يَلْزَمُنَا اتَّبَاعُهُ وَلَوْ لَزِمْ عَلَيْهِ أَنْ يَتْبَعَ فِيهَا يَنْهَدِمْ يَكُونُ تَابِعًا وَمَتْبُوعًا فَلَا أَرَاهُ إِلَّا الدَّوْرَ فِيهِ دَخَلَا (2/211)
صفحة 821
باب الإمام
الجزء الثالث
211
(1)
أَفْتَى الرَّبِيعُ وَأَبُو غَسَّانَا بِأَنَّ ذَاكَ بَاطِلُّ عِيَانَا
وَذَاكَ فِي النُّكَارِ (2) حَيْثُ أَنْكَرُوا إِمَامَةَ الإِمَامِ حِينَ غَيَّرُوا وَزَعَمُوا بِأَنَّهُمْ قَدْ بَايَعُوا عَلَى اشْتِرَاطِ الشَّوْرِ فِيهِ نَازَعُوا فَأَرْسَلُوا رَسُولَهُمْ لِلْمَشْرِقِ فَكَانَ فِي الْحَجِّ بِذَيْنِ يَلْتَقِي فَأَفْتَيَاهُ بِقُبُوتِ الْعَقْدِ وَبُطْلِ شَرْطِهِمْ بِهَذَا الْحَدِّ فَقَاتَلُوهُ قَبْلَ أَنْ يَرجِعَ مَنْ قَدْ أَرْسَلُوهُ بِالْجَوَابِ لِلْفِتَنْ فَكَانَتِ الْفُرْقَةُ فِيهِمْ بَاقِيَهُ وَعَنْ قَضَاءِ اللهِ مَا مِنْ وَاقِيَهْ لَكِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ الإِمَامُ عَلَيْهِمُ وَانْتَشَرَ الإِسْلَامُ وَإِنْ عَرَاهُ صَمَمٌ مِنْ بَعْدِ مَا صَارَ إِمَامًا أَوْ أَصَابَهُ الْعَمَى لَا يُعْزَلَنْ (3) بِذَاكَ لَكِنْ يُجْعَلُ عَنْهُ لِذَاكَ نَائِبًا يُفَصِّلُ) شُعَيْبُ الرَّسُولُ قَدْ أُصِيبَا بِآفَةِ الْعَمَى وَفِي يَعْقُوبَا
مَنْ
دِ
تَبْلِيغِ فَلَايَتُمُّ لِقَائِلٍ فِي ذَاكَ لَا يَؤُمُّ وَيَلْزَمُ الإِمَامَ أَنْ يَخْتَارًا فِي النَّاسِ مَنْ وَلَّاهُمُ جِهَارًا
(1) قوله: أفتى الربيع: هو ابن حبيب المحدث المشهور، وأبو غسان حاتم بن منصور، وهما من تلاميذ أبي عبيدة مسلم ابن أبي كريمة ..
(2) قوله: النكار: هم قوم من الإباضية أنكروا إمامة الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن، وخرجوا طاعته، فخالفوا المسلمين، وكان منهم العالم الحافظ نفاث بن نصر فلم تطل أيامهم ...
عن
إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81].
(3) قوله لا يعزلن عزل الإمام عن الإمامة خلعه منها.
(4) يُفَصِّلُ: أي: يُبَيِّن. (2/212)
صفحة 822
212
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
لأَنَّهَا أَمَانَةُ اللهِ فَلَا تُؤَمَّنَنَّ خَائِنَا مِنَ الْمَلَا (1) وَيُسْتَتَابُ حِينَ وَلَّى السُّفَهَا إِذْ قَدْ يَكُونُ مِنْهُ ذَاكَ سَفَهَا وَلَيْسَ فِي الْقُرْبِ لَهُ بِالنَّسَبِ مُسَوَّةٌ لِذَاكَ فَلْيُجْتَنَب إِذْ لَيْسَ لِلأَنْسَابِ هَاهُنَا مَحَلْ بَلْ حَالَةُ التَّقْوَى تُرَاعَى أَنْ تَحِلْ أَكْرَمُكُمْ أَتْقَاكُمُ لَمْ تَدَعِ قط لِذِي الْأَنْسَابِ مَا قَدْ يَدَّعِي وَفِي أَئِمَّةِ الْعُمَانِيِّينَا تَقْدِمَةً كَانَتْ لِلَاقْرَبِينَا فَارْتَابَ مِنْهَا أَهْلُ حَضْرَمَوْتِ فَسَأَلُوا عَنْ ذَاكَ أَيَّ مُفْتِي وَمَا دَرَوْا بِأَنَّ ذَاكَ مَصْلَحَهْ وَجَمْعُهُ الْأَمْرَيْنِ وَصْفًا (2) أَصْلَحَهْ فَذَلِكَ الْوَالِي غَدًا وَلِيَّا إِذْ كَانَ فِيهِمْ فَاضِلًا تَقِيَّا فَالْقُرْبُ مِنْ إِمَامِهِ فِي النَّسَبِ مَا زَادَهُ إِلَّا عَظِيمَ الرُّتَبِ إِنْ طَلَبَ الْجِبَاهُ (3) عَزَّلَ وَالِي يَعْزِلُهُ إِمَامُهُ فِي الْحَالِ وَلَا يُكَلِّفُونَ أَنْ يُبَيِّنُوا عَلَيْهِ مَا أَحَدَثَهُ وَيُعْلِنُوا وَسِتْرُ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِي الْوَرَى لَا يَنْبَغِي أَنْ يُهْتَكَنْ مَا سَتَرَا وَلِلإِمَامِ يَشْتَرِي الْعَبِيدَا مِنْ بَيْتِ مَالِ اللَّهِ وَالْحَدِيدَا لأَنَّهُ الأَمِينُ وَالنَّاظِرُ فِي مَصْلَحَةِ الأُمَّةِ طُرًّا فَاعْرِفِ
(1) الملا: الخلق. (2) قوله: وصفا: تمييز.
(3) قوله: الجِبَاه هم أعيان القوم، أصحاب الحل والعقد. (2/213)
صفحة 823
باب الأمر بالمعروفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ
الجزء الثالث
213
وَكُلُّ مَا فِيهِ اخْتِلَافُ الْعُلَمَا فَتَرْكُهُ وَأَخْذُهُ لَمْ يَلْزَمَا بَلْ لِلإِمَامِ أَخْذُهُ إِذَا رَأَى ذَاكَ وَتَرْكُهُ لَهُ إِذَا يَشَا وَلِوُجُوبِ طَاعَةِ الإِمَامِ يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ فِي الْأَنَامِ فِي كُلِّ قَوْلَيْنِ إِذَا مَا حَكَمَا بِوَاحِدٍ فَأَخْذُ ذَاكَ لَزِمَا وَلَيْسَ لِلْوَالِي بأَنْ يُقِيمَا مُعَدِّلًا لَوْ كَانَ مُسْتَقِيمَا إِلَّا إِذَا أَمَّرَهُ الإِمَامُ مَعَ وُجُودِهِ أَوِ الْحُكَامُ وَلَا يُقَامُ مِنْ أُولِي الخِلَافِ مُعَدِّلٌ قِيلَ بِلَا خِلَافِ لأَنَّمَا اعْتِقَادُهُ يَحْمِلُهُ عَلَى تَسَاهْلِ إِذَا عَدَّلَهُ لأَنَّهُ يَعْتَقِدُ الْفَوْزَ وَإِنْ عَصَى فَكَيْفَ مِثْلُ ذَا يُعَدِّلَنْ وَالشَّارِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَا للنَّاسِ بَعْدَ قَطْعِهِ ذَاكَ الشَّرَى لأَنَّهُ الأَجِيرُ لِلإِسْلَامِ وَأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْخُدَّامِ وَجَائِزُ لِنَفْسِهِ إِذَا خَلَا مِنْ خِدْمَةِ الإِمَامِ فِيمَا نُقِلَا
باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وَالأَمْرُ وَالنَّهْي عَلَى العِبَادِ فَرْضٌ عَلَى القَادِرِ فِي الْبِلادِ وَهُوَ عَلَى الوِلَاةِ وَالأَئِمَّةِ أَشَدُّ مِنْ وُجُوبِهِ فِي الأُمَّةِ لأَنَّهُمْ لِذَاكَ قَدْ تَجَرَّدُوا وَقَصَدُوهُ فِي الَّذِي قَدْ قَصَدُوا
(1) قوله: مُعَدّل: هو الذي يعدل الشهود، ومن يريدونه واليا أو جابيًا أو وكيلاً. (2/214)
صفحة 824
214
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
وَقِيلَ مَنْ قَدْ تَرَكَ الإِنْكَارَا عَنْ مُنْكَرٍ فِيهِ شَرِيكًا صَارَا لِكَوْنِهِ قَدِ اسْتَحَقَّ اللَّعْنَا مَنْ لَمْ يُغَيِّرُ مُنْكَرًا قَدْ عَنَّا وُجُوبُهُ بِالعَقْل وَالْبَعْضُ يَرَى وُجُوبَهُ بِالشَّرْعِ وَهُوَ مَا أَرَى وَالأَوَّلُ الْمَأَتُورُ عَنْ بَشِيرٍ نَجْلٍ مُحَمَّدِ الْفَتَى الْخَبِيرِ وَالثَّانِي عِنْدَنَا مَقَالُ الأَكْثَرِ إِذْ لَيْسَ لِلْعَقْلِ هُنَا مِنْ أَثَرِ فَالشَّرْعُ قَدْ بَيَّنَ مَا يَحِلُّ وَمَا عَلَيْنَا يَحْرُمَنْ لَا الْعَقْلُ فَمَنْ رَجَا الْقَبُولَ يُنْكِرَنَّا حَتْمًا وَمَنْ خَافَ فَيُعْذَرَنَّا وَإِنْ يَكُنْ لَمْ يَخَفِ الضُّرَّ وَلَمْ يَرْجُ الْقَبُولَ فَالْخِلَافُ قَدْ رُسِمْ فَبَعْضُهُمْ أَلْزَمَهُ أَنْ يُنْكِرَا فِي ذَاكَ وَالبَعْضُ يَرَى أَنْ يُعْذَرَا وَإِنْ يَخَفْ ضُرًّا فَبِالْجَنَانِ) يُنْكِرُ وَهْوَ بُغْضُ ذَاكَ الْجَانِي وَذَاكَ هُوَ أَضْعَفُ الإِنْكَارِ فَإِنْ يَزِدْ فَالْفَضْلُ فِيهِ جَارِي لِأَنَّهُ إِنْ رَكِبَ الْمَحْذُورَا يَكُونُ فِي ذَاكَ إِذًا مَأْجُورَا وَذَاكَ هُوَ النَّفْلُ فِي التَّغْييرِ وَقَدْ يَكُونُ النَّفْلُ فِي المَأْمُورِ كَمِثْلِ مَنْ بَادَرَ لِلْإِرْشَادِ مَا بَيْنَ حَاضِرٍ وَبَيْنَ بَادِي وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةٍ مَعَانِي بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ وَالْجَنَانِ
(1) قوله: بشير: تقدم ذكره.
(2) قوله: فبالجنان: هو بفتح الجيم القلب، وهو أضعف الإنكار. (2/215)
صفحة 825
باب الأمر بالمعروفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ
(1)
الجزء الثالث
215
يَلْزَمُ بِالْأَيْدِي ذَوِي الْأَحْكَامِ وَبِاللِّسَانِ سَائِرَ الْأَنَامِ وَمَنْ يَكُنْ لَمْ يَسْتَطِعْ لِعَجْزِ إِنْكَارُهُ بِقَلْبِهِ قَدْ يُجْزِي كَذَلِكَ الْمَرْأَةُ بِالْجَنَانِ إِنْكَارُهَا لَا النُّطْقُ بِاللَّسَانِ وَالْكُلُّ فِي العَجْزِ عَلَى مَكَانِ فَيَرْحَمُ اللَّهُ الضَّعِيفَ الْعَانِي وَاسْتَخْرَجَ الْمُحَقِّقُ الْخَلِيلِي إِنْكَارَهَا بِالْفِعْلِ أَوْ بِالقِيلِ مِنْ قَوْلِهِ فِي وَصْفِ الْمُؤْمِنِينَا وَالْمُؤْمِنَاتِ فِي الْهُدَى يَقِينَا بِأَنَّهُمْ بِالْعُرْفِ يَأْمُرُونَا وَهَكَذَا عَنْ ضِدِّهِ يَنْهُوْنَا قَدْ جَعَلَ الْمَرْأَةَ فِي التَّسْوِيَةِ مِثلَ الْفَتَى فِي آيَةٍ فِي التَّوْبَةِ وَالاشْتِرَاكُ يَقْتَضِي التَّسَاوِي فِي الْوَصْفِ فَالكُلٌّ لِذَاكَ حَاوِي وَهْوَ لَعَمْرُ اللَّهِ تَخْرِيجُ حَسَنْ وَاللَّهُ يُؤْتِي فَضْلَهُ لِمَنْ وَمَنْ (2) وَحَيْثُ كَانَتِ النِّسَاءُ تُؤْمَرُ بِخَفْضِ صَوتِهَا بِذَاكَ تُعْذَرُ وَذَا هُوَ الْوَجْهُ لِقَوْلِ الأَكْثَرِ إِذْ لَا يُغَيَّرْ مُنْكَرٌ بِمُنْكَرِ مِنْ ثَمَّ فِي الإِحْرَامِ لَا تُلَبِّي جَهْرًا وَلَكِنْ خُفْيَةً لِلرَّبِّ وَإِنَّ فِي الْأَمْرِ وَفِي الإِنكَارِ مَنَاصِبًا تَخْتَصُّ بِالْأَحْرَارِ وَهْيَ الرِّيَاسَاتُ وَمَا لِنِسْوَةِ مِنْهَا نَصِيبٌ عِنْدَ أَهْلَ الْمِلَّةِ
خلفان بن
أحمد، وقد سبق ذكره.
(1) هو العلّامة سعيد بن (2) قوله: لِمَنْ ومَنْ: أي لمن شاء ولمن أراد. (2/216)
صفحة 826
216
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
وَقَائِلُ أَرْسَلَنِي فُلَانُ إِلَيْكُمُ أَتَاكُمُ السُّلْطَانُ يُرِيدُ تَفْرِيقَهُمُ عَنْ مُنْكَرِ لَا بَأْسَ لَوْ كَانَ بِذَاكَ مُفْتَرِي لِأَنَّهُ مِثْلُ خِدَاعِ الْحَرْبِ وَمَا عَلَى مُخَادِعِ مِنْ كِذَّبِ وَالأَمْرُ بِالطَّاعَةِ هُوَ الأَمْرُ بِالْعُرْفِ وَالعِصْيَانُ هُوَ النُّكْرُ فَسُمِّيَ الْمَعْرُوفُ حَيْثُ عُرِفَا شَرْعًا وَبَيْنَ المُسْلِمِينَ أَلِفَا وَضِدُّهُ الْمُنْكَرُ حَيْثُ أُنْكِرَا شَرْعًا وَصَارَ بَيْنَنَا مُسْتَنْكَرَا وَمَنْ رَأَى مَنْ يَفْعَلَنَّ فِعْلَا يَحْتَمِلُ الحَقَّ مَعَا وَالْبُطْلَا فَلِاحْتِمَالِ الْحَقِّ لَيْسَ يَلْزَمُهُ إِنْكَارُهُ عَلَيْهِ فِيمَا نَعْلَمُهُ مِثَالُهُ عَبْدٌ لَهُ قَدْ غَسَلاَ مِنْ مَاءٍ قَوْمِ وَجْهَهُ قَدْ جَهِلَا فَلِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مُسْتَأْذِنُ لِرَبِّهِ إِنْكَارَهُ مَا عَيَّنُوا وَهَكَذَا إِذَا سَقَى بِمَاءِ قَوْمٍ هُمَا فِي ذَاكَ بِالسَّوَاءِ ولِلْنَّزَاهَاتِ وَلِلتَّوَرُّعِ عَنْ مِثْلِ ذَا أَيَّ مَقَامٍ أَرْفَعِ وَمُنْكَرٌ إِحْرَاقُ الْبَانِيَانِ مَوْتَاهُمُ بَيْنَ أُولِي الْإِيمَانِ إِنْ سَتَرُوْهُ مَا عَلَيْنَا الْبَحْثُ عَنْ فِعْلِهِمْ أَوْ أَظْهَرُوهُ يُنْكَرَنْ وَلَعِبُ الْعَبِيدِ مُنْكَرُ فَمَنْ رَآهُمُ يَزْجُرْهُمْ وَيَمْنَعَنْ وَلَعِبُ الشِّطْرَنْحِ يُنْهَى عَنْهُ وَهْوَ حَرَامٌ فَلْيُغَيِّرَنْهُ وَمَنْ أَرَادَهُ لِعِلْمِ الْحَرْبِ جَازَ عَلَى بَعْضٍ مَقَالِ الصَّحْبِ وَآلَةُ اللَّهْوِ الَّتِي لَا تُصْلُحُ لِغَيْرِهِ تُكْسَرُ حِينَ تُلْمَحُ (2/217)
صفحة 827
باب الأمر بالمعروفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ
الجزء الثالث
217
مِنْ كُلِّ مَا كَانَ مِنَ الأَنْوَاعِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِذِي انْتِفَاعِ رَوَى ابْنُ مَحْبُوبِ لَنَا عَنْ صَحْبِهِ بِأَنَّ ضَرْبَ الطَّبْلِ لَا بَأْسَ بِهِ في قَوْلِهِمْ وَيُخْرَقُ الأَدِيمُ) ذَاكَ الَّذِي عَلَيْهِ مُسْتَقِيمُ وَلَمْ يُرَخّصُوا بِضَرْبِ الطَّبْلِ لِلَّهْوِ لَكِنْ لِمَعَانِ الْعَدْلِ وَذَاكَ كَالإِرْهَابِ لِلْأَعْدَاءِ وَكَإِجَابَةِ الصَّرِيحُ النَّائِي وَكَدُعَاءِ لِصَلَاةِ الْعِيدِ أَوِ اجْتِمَاعِ بَيْنَهُمْ سَدِيدِ وَكَسْرُ بَيْتِ جَائِرٍ وَمُغْتَصِبْ يَجُوزُ لِاِمْتِنَاعِهِ إِنْ لَمْ يُجِبْ لِأَنَّمَا الأَقْفَالُ وَالبُيُوتُ لَا تَمْنَعُ الْحَقَّ وَلَا يَفُوتُ وَلَمْ يُجِيزُوا ذَاكَ فِي الْمَدْيُونِ فَالْبَيْتُ لَا يُكْسَرُ لِلدُّيُونِ وَالْخَمْرُ إِنْ بَانَ يُرَاقُ وَالتَّتَنْ (2) يُتْلَفُ وَالبَنْجُ وَمَا فِيهِ ثَمَنْ وَكُلُّ مُسْكِرٍ بِهَذَا الْحَالِ يُتْلَفُ دُونَ الْغُرْمِ لِلأَمْوَالِ فَقَدْ أَرَاقَ الْمُصْطَفَى الْخَمْرَ وَقَدْ هَمَّ بِتَحْرِيقِ بُيُوتٍ فَقَعَدْ هَدَّدَهُمْ بِذَاكَ لَوْ لَمْ يَجُزِ تَحْرِيقُهَا مَا هَمَّ فَافْهَمْ رَجَزِي وَكَسَّرَ الْأَصْنَامَ إِبْرَاهِيمُ مَنْ حَرَّقَ الْعِجْلَ هُوَ الكَلِيمُ
(1) قوله: الأديم: أي: الإهاب (2) التتن: هو الدخان، وسبق لنا التردد فلا عبرة به طبعًا، إذ صح أن هذا اللفظ يطلق في جزيرة العرب وغيرها على ما يعرف في غيرها بالدخان أو التبغ، وحكم ما يشاكلها من المخدرات حكم هذه التي ذكرها المصنف؛ إذ في إتلافها تغيير المنكر وإزالة المفاسد. (أبو إسحاق) (2/218)
صفحة 828
218
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
وَكَانَ قَدْ صِيغَ مِنَ الْحُلِيِّ إِذْ فُتِنُوا بِذَلِكَ الشَّقِيَّ) في شوقِنَا مَنْ شَهَرَ السَّلَاحَا يَكُونُ قَطْعُ يَدِهِ مُبَاحَا لِأَنَّهُ بِأَمْرِنَا اسْتَخَفَّا فَلَمْ يَكُنْ مِنْ سَارِقٍ أَخَفَّا لأَنَّمَا السَّارِقُ لِلْحِرْزِ انْتَهَكْ وَذَا لِسُوقِ الْمُسْلِمِينَ قَدْ هَتَكْ فِي هَتْكِ مِثْلِهِ عَلَى الْأَمْرِ خَلَلْ فَمِنْ هُنَاكَ قَطْعُهُ جَازَ وَحَلْ وَمَنْ أَبَى عَنِ امْتِثَالِ الأَمْرِ أَوْ أَنَّهُ لَازَمَ فِعْلَ النُّكْرِ فَلِلإِمَامِ السِّجْنُ وَالتَّعْزِيرُ وَنَفْيُهُ إِذَا اقْتَضَى الْمَنْظُورُ (2) وَقِيلَ دُونَ رَأْيِهِ لَا يُنْفَى مِنْ بَلَدٍ وَلَوْ أَصَابَ الْعَسْفَا قَالَ أَبُو الْمُؤْثِرِ أَصْحَابُ الرِّيَبْ يُنْفَوْنَ مِنْهَا وَهْوَ عِندِي الْمُسْتَحَبْ وَذَاكَ إِنْ كَانَ عَلَيْهَا نَزَلُوا وَلَمْ يَكُنْ مِنْ مَالِهَا تَأَصَّلُوا فَمَنْ لَهُ أَصْلٌ بِهَا لَا يُطْرَدُ وَهَكَذَا القَدِيمُ فِيهَا يُوجَدُ لَكِنَّهُ بِالْحَبْسِ وَالتَّعْزِيرِ أَوْ بِالْقَيْدِ يُرْدَعَنَّ حَسْبَ مَا رَأَوْا وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ فِي الْمُحَارِبِ يُفيدُ أَنَّ النَّفْيَ لِلمُعَاقَبِ عُقُوبَةٌ كَالْقَطْعِ وَالْقَتْلِ وَإِنْ كَانَ عُقُوبَةً فَكَيْفَ يُمْنَعَنْ وقَدْ نَفَى المُخْتَارُ وَالصَّحَابَهُ فِي عَصْرِهِمْ لِأَجْلِ الإِسْتِرَابَهُ إِنْ وَجَبَ الْحَبْسُ عَلَى الفَتَاةِ وَامْتَنَعَتْ عَنْ صُحْبَةِ الثَّقَاتِ
(1) قوله: «بذلك الشقي»، يعني: السامري. (2) قوله: «المنظور»، أي: النظر. (المصنف) (2/219)
صفحة 829
باب الأمر بالمعروفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ
الجزء الثالث
219
فَجَائِةٌ فِي جِيدِهَا أَنْ يُجْعَلَا حَبْلُ وَيَسْحَبُونَهَا لِتَقْبَلَا وَإِنْ أَبَتْ مِنْ كُلِّ ذَا فَتُصْرَبُ بَأَمْرِ مَنْ بَأَمْرِهِ تَسْتَوجِبُ وَحَامِلٌ تَسْتَوجِبُ الْحَبْسَ فَلَا يَضُرُّ فِي الْمَضِيقِ أَنْ تُدَخَلَا لأَنَّ ذَاكَ لَا يَضُرُّ الْحَمْلَا مَا دَامَ فِي الْبَطْنِ لِذَاكَ حَلَّا لَا يُمْنَعُ الْمَحْبُوسُ مِنْ أَنْ يَعْمَلَا لِنَفْسِهِ أَوْ أُجْرَةٍ إِنْ عَمِلَا لأَنَّ ذَاكَ لَا يُنَافِي الْمَقْصَدَا مِنْ سِجْنِهِ وَلَا إِذَا تَقَيَّدَا وَكُلُّ مَسْجُونٍ بِحَقِّ فَتَلِفْ فَفِي صَمَانِهِ عَلَيْنَا يُخْتَلَفْ بَعْضُهُمُ لَيْسَ يَرَى التَّصْمِينَا لِجَعْلِهِ إِمَامَنَا أَمِينَا فَذَلِكَ الْمَسْجُونُ كَالأَمَانَهُ وَبَعْضُهُمْ كَانَ يَرَى ضَمَانَهُ مِنْ مَالِهِ يَضْمَنُهُ أَوْ يُجْعَلُ فِي بَيْتِ مَالِ اللَّهِ وَهْوَ الْأَمْثَلُ لأَنَّ ذَاكَ خَطَةٌ جَنَاهُ رَأْيُّ الصَّلَاحِ حَيْنَ مَا رَآهُ رَأَى الصَّلَاحَ لِلأَنَامِ طُرًا فَكَيْفَ بِالْغُرْمِ يَكُونُ أَحْرَى وَالْقَوْلُ أَنَّهُ أَمَانَةٌ تَلِفْ أَقْوَى وَأَوْلَى مِنْ جَمِيعِ مَا سَلَفْ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَاكَ قَدْ تَعَدَّى وَإِنْ تَعَدَّى بِالصَّمَانِ يُفْدَى مِنْ مَالِهِ يَغْرَمُهُ لِلتَّعْدِيَهُ فَمَا لَهُ فِي الْمُسْلِمِينَ تَأْدِيَهُ وَوَارِثُ بْنُ كَعْبِ الْخَرُوصِي فَازَ هُنَا بِفَضْلِهِ الْمَخْصُوص
(1) قوله: رَأي: هو فاعل جناه. (2/220)
صفحة 830
220
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
(1)
كَانَ لَهُ فِي السِّجْنِ قَوْمُ فَجَرَى سَيْلٌ عَلَيْهِمْ رَآهُ مُخْطِرَا سَارَ إِلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ وَقَدْ قَالَ أَمَانَتِي فَسَارَ وَقَصَدْ فَزَادَ ذَاكَ السَّيْلُ حَتَّى غَرَقَا وَمَنْ غَدًا وَرَاءَهُ مُنْطَلِقَا سَبْعُونَ مُؤْمِنًا مَعَ الإِمَامِ مَاتُوا لِأَجْلِ الْحِفْظِ لِلذَّمَامِ وَالْحَبْسُ بِالتُّهْمَةِ قِيلَ جَائِزُ لِأَنَّهُ لِلْحَزْمِ فِيهِمْ حَائِزُ وَلَمْ يُجِيزُوا أَنْ يُعَزِّرَنَّا بِتُهمَةٍ بَلْ ذَاكَ يُسْجَنَنَّا وَلِأَبِي حَاتِمِنَا (2) الأَخِيرِ فِي مِثْلِ هَذَا عَمَلُ التَّعْزِيرِ وَهْوَ إِمَامٌ فِي الْهُدَى لَا شَكَا فَكَانَ عَنْهُ الْفِعْلُ فِي ذَا يُحْكَى فَهْوَ إِذًا رَأْيِّ لَهُ وَكَانَا قَوْلًا لِمَالِكِ كَمَا قَدْ بَانَا وَقِيلَ إِنَّ قَوْلَ أَهْلِ التُّهَم يُقْبَلُ فِي مِثْلِهِمُ مُتَهَم إِنْ رَفَعُوا شَيَّا مِنَ الْكَلَامِ يَقْبَلُهُ الْقَائِمُ فِي الْأَحْكَامِ الثَّقَاتُ عَنْهُمْ فِي مَعْزِلِ فَرَدُّهَا دَاعِيَةُ التَّعَطُّلِ كَذَاكَ مَا قَدْ قَالَ قُصَاصُ الأَثَرُ إِنْ قَالَ فِي مُتَهَم هَذَا الْخَبَرْ فَقِيلَ يُقْبَلَنَّ قَوْلُهُ وَقَدْ قِيلَ يُرَدُّ وَهُوَ قَوْلٌ مُعْتَمَدْ وَأَوَّلُ الْقَوْلَيْر ن لِلشَّوَافِع بِهِ اعْتِنَاءُ إِذْ رَآهُ الشَّافِعِي
إِذِ
(1) أي: أسارى. يتجلّى في هذه القضية كمال دين هذا الإمام، ومروءته وجلال نفسه، حيث ذهب ضحية المحافظة على أسراه، ومحاولة إنقاذهم، رحمه الله ورحم أصحابه. (أبو إسحاق)
(2) قوله: «ولأبي حاتمنا هو الإمام أبو حاتم محمد بن أفلح الله. (2/221)
صفحة 831
باب الأمر بالمعروفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ
الجزء الثالث
221
وَإِنْ يَكُنْ بِتُهْمَةِ القَتْلِ سُجِنٌ وَكَانَ بِالقَتْلِ أَقَرَّ إِذْ خُزِنْ لَا يُقْتَلَنْ بِذَاكَ بَلْ مِنْهُ الدِّيَهُ تُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِهِ مُؤَدَّيَهُ لِأَنَّ ذَاكَ سُبْهَةٌ وَالْقَوَدُ كَالْحَدِّ بِالشُّبْهَةِ عَنْهُ يُفْقَدُ وَرَجُلٌ أَحْرَقَ بَيْتًا فَاحْتَرَقْ فَتًى هُنَاكَ فَجَزَاؤُهُ الْحَرَقْ إِذْ قِيلَ فِي المُحْرِقِ لِلإِنْسَانِ جَزَاؤُهُ يُحْرَقُ بِالنِّيرَانِ وَقِيلَ بَلْ بِالسَّيْفِ قَتْلُهُ يَجِبْ وَالنَّارُ فِي الأُخْرَى لَهُ إِنْ لَمْ يَتُبْ وَقِيلَ فِيمَنْ يُحْرِقُ الْمَتَاعًا تُقْطَعُ مِنْهُ يَدُهُ إِجْمَاعَا وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ تُقْطَعَنَّا مَعْ يَدِهِ الرَّجُلُ وَمَا تُؤَنَّا (1) لِأَنَّهُ مُحَارِبًا يَكُونُ عِنْدَهُمُ وَالْبَعْضُ لَا يَكُونُ وَهْوَ سَوَاءٌ أَحْرَقَ الْقَلِيلَا أَوِ الْكَثِيرَ فَافْهَم التَّأْصِيلًا وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ حَتَّى يُحْرِقَا مَا يَجِبُ القَطْعُ بِهِ لَوْ سَرَقَا وَامْرَأَةٌ لإبْنِهَا قَدْ أَحْرَقَتْ فَالأَرْسُ وَاجِبٌ لِمَا فِيهِ أَتَتْ وَلاَ يَجُوزُ قَطْعُهَا اعْلَمَنَّا وَحَقُهَا الثَّابِتُ يَلْزَمَنَا وَمُظْهِرُ لِلْسِّحْرِ قَتْلُهُ لَزِمْ وَهْوَ عَنِ الْمُخْتَارِ حُكْمًا قَدْ عُلِمْ إِذْ لَا يَكُونُ سَاحِرًا إِلَّا إِذَا أَشْرَكَ فَالسِّحْرُ بِهِ قَدِ احْتَذَى وَيُقْتَلُ الشَّاتِمُ لِلْمُخْتَارِ إِذْ شَتْمُهُ مِنْ أَعْظَمِ الإِكْفَارِ
(1) قوله: «وما تُؤَنَّا»، أي: تؤخر. (2/222)
صفحة 832
222
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
وَإِنْ يَكُ الشَّاتِمُ ذِمِّيَّا فَلَا ذِمَّةَ تَبْقَى عِنْدَهُ فَلْيُقْتَلَا وَيُلْطَمُ الشَّيعِيُّ حِينَ سَبَّا لِلْعُمَرَيْنِ أَوْ يَعَافَ (1) السَّبَّا وَقَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ يُقْتَلُ وَالْأَصْلُ قَالَ إِنَّهُ يُمَهَّلُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ مِمَّا اقْتَرَفَا قُلْتُ وَلَا أَرَاهُ يَقْبَلُ الْوَفَا
إِذِ اعْتِقَادُهُ يُضَاهِي الزَّنْدَقَهُ فَيُظْهِرَنْ لِعَجْزِهِ تَمَلُّقَمْ يُرِيكَ أَنَّهُ مِنَ الأَبْرَارِ مَعْ عَجْزِهِ وَهْوَ مِنَ الْفُجَّارِ إِنْ أَمْكَنَتْهُ فُرْصَةٌ لَهَا وَثَبْ وَأَظْهَرَ المَكْتُومَ حَالًا وَانْقَلَبْ بِقَتْلِ مِثْلِهِ يَعِزُّ الدِّينُ وَتَذْهَبُ الشُّكُوكُ وَالظُّنُونُ إِنْ لَطَمَ الذَّمِّيُّ مُسْلِمًا قُطِعْ يَمِينُهُ عَلَّ سِوَاهُ يَرْتَدِعْ وَإِنْ يَكُنْ لِلعَبْدِ يَوْمًا لَطَمَا يَلْزَمُ أَنْ يُؤَدَّبَنْ وَيَغْرَمَا مَنْ قَالَ يَا كَلْبُ وَيَا حِمَارُ تُوَجِّبَنْ تَعْزِيرَهُ الآثَارُ وَقِيلَ فِي الْقُبْلَةِ (2) وَالمُقَاعَدَة (3) وَالصَّمَّةِ التَّعْزِيرُ بِالْمُعَانَدَهُ زَجْرًا لَهُمْ عَنْ فِعْلِهِمْ وَرَدْعَا كَمَا يَرَى القَائِمُ فِيهِ شَرْعًا
(1) قوله: «أو يعاف»، أي: يترك، ومعناه: أنه يلطم إلَّا أن يدع السب.
(2) قوله: «القُبلة»، أي: في تقبيل الأجنبية. (3) والمقاعدة: أن يقعد معها مقعد الريبة. (4) الضمة: هو الضم، وهو أن يضمها. (2/223)
صفحة 833
باب الحدود
الجزء الثالث
223
باب الحدود
وَالْحَدُّ رَبُّ العَالَمِينَ أَوْجَبَهُ عُقُوْبَةٌ لِمَنْ يُوَافِي سَبَبَهْ أَوْجَبَهُ لِأَجْلِ الاِزْدِجَارِ عَنِ ارْتِكَابِ غَضَبِ الْجَبَّارِ فَهْوَ إِذَا نَظَرْتَ فِيهِ لُطْفُ مِنْ رَبِّنَا وَعَنْ كَثِيرٍ يَعْفُو أَوْجَبَهُ عَلَى الإِمَامِ الْقَائِمِ وَهَكَذَا عَلَى الظُّلُومِ الغَاشِمِ لِأَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى مَنْ قَدَرَا كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَاتْرُكِ الْمِرَا مَنْ فَعَلَ الْعَدْلَ فَقَدْ أَجَادَا لَوْ كَانَ مِمَّنْ يَرْكَبُ الْفَسَادَا فَجَابِرٌ (1) أَثْنَى عَلَى عَبْدِ المَلِكْ حِينَ أَقَامَ الْحَدَّ فِيمَنِ انْتَهَكْ جيءَ لَهُ (3) بِبَدَوِيٌّ نَكَحَا زَوْجَ أَبِيهِ فَلَهُ قَدْ ذَبَحَا وَقَالَ لَا جَهْلَ وَلَا تَجَاهُلَا فِي الدِّينِ مِمَّنْ يَرْكَبَنَّ الْبَاطِلَا يَعْنِي بَأَنَّ الشَّرْعَ قَدْ جَاءَ بِمَا يَشْفِي فَلَا يُعْذَرُ هَذَا بِالْعَمَى قَالَ أَبُو الشَّعْثَاءِ فِيمَا رُفِعَا أَحْسَنَ أَوْ أَجَادَ فِيمَا صَنَعَا وَقِيلَ مَا لِجَائِرٍ فِي الْحَدِّ حَقٌّ لِأَنَّهُ أَخُو تَعَدِّي فَهُوَ كَوَاحِدٍ مِنَ الرَّعِيَّةِ قَامَ عَلَى النَّاسِ بِقَهْرِ القُوَّةِ
(1) قوله فجابر: أي: جابر بن زيد، وعبد الملك هو ابن مروان الخليفة الأموي.
(2) قوله: «له»، أي: إليه. (2/224)
صفحة 834
224
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
يَلْزَمُهُ فِي الحَقِّ أَنْ يَنْخَلِعَا وَيَتْرُكَ الْأَمْرَ لِمَنْ تَوَرَّعَا يَجْمَعُ مِنْ ثِقَاتِ أَهْلِ الفَضْلِ مَنْ يُعْرَفَنَّ بِطِلابِ العَدْلِ وَيَتَبَرَّى مِنْ تَغَلُّبِ عَلَى أُمُورِنَا وَيَتْرُكَنَّ العِلَلَا هَذَا هُوَ الوَاجِبُ فِيمَنْ جَارَا أَوْ يَتَأَهَّبَنْ لِيَصْلَى النَّارَا بَعْدَ وُجُوبِ الحَدِّ لَا يُؤَجَّلُ مَخَافَةَ الْفَوْتِ وَمَا يُسْتَقْبَلُ لَكِنَّهُ بِاللَّيْلِ لَا يُقَامُ بَلْ يُمْهَلَنْ لِيَذْهَبَ الظَّلَامُ وَلَا يُقَامُ الْحَدُّ فِي الْمَسَاجِدِ لِأَجْلِ الاحْتِرَامِ بَلْ فَبَاعِدِ إِنْ مَاتَ مَنْ قَدْ حَدَّهُ الإِمَامُ قَبْلَ تَمَامِ الْحَدِّ إِذْ يُقَامُ فَلَا صَمَانَ يَلْزَمُ الإِمَامَا لأَنَّهُ بِالْحَقِّ فِيهِ قَامَا وَنَجْعَلُ الْحُدُودَ فِي فُصُولِ بِحَسَبِ الْأَسْبَابِ فِي الْحُصُولِ
فصل حد المرتد
فَالِارْتِدَادُ مُوجِبْ لِلْقَتْلِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعَدْلِ إِذَا أَبَى الْمَتَابَ يُقْتَلَنَّا بَعْدَ ثَلَاثٍ لَا يُمَهَّلَنَّا لأَنَّمَا التَّتْوِيبُ فِي الثَّلَاثِ وَكَالرِّجَالِ الْحُكْمُ فِي الإِنَاثِ فَتُقْتَلُ الْمَرْأَةُ إِنْ تَرْتَدَّا وَقِيلَ بَلْ تُسْجَنُ حَتَّى تَرْدَى (1)
(1) [تردى] أي: تهلك. (المصنف) (2/225)
صفحة 835
فصل
حد المحارب
الجزء الثالث
225
وَإِنْ يَكُنْ قَدْ طَلَبَ الإِنْطَارَا فِي أَمْرِهِ لِيَسْبُرَ) الْأَنْظَارَا فَلِلإِمَامِ إِنْ يَشَا أَنْ يُنْظِرَهُ وَإِنْ يَشَا يَقْتُلَهُ وَيَقْبُرَهُ مَنْ دِينَهُ بَدَّلَ يُقْتَلَنَّا ظَاهِرُهُ الإِنَاثَ يَشْمَلَنَّا وَيَشْمَلُ الْعَبْدَ وَلَكِنْ يَخْرُجُ لِكَوْنِهِ مَالًا فَلَا يَنْدَرجُ إِكْفَارُهُ) ضُرٍّ عَلَى مَوْلَاهُ يُبَاعُ فِي الْأَعْرَابِ لَا يَرَاهُ لِأَنَّمَا الأَعْرَابُ أَهْلُ جَفْوَةِ وَأَهْلُ إِغْلَاظٌ وَأَهْلُ قَسْوَةِ فَذَلِكَ التَّشْدِيدُ فِي دُنْيَاهُ وَالنَّارُ إِنْ لَمْ يَرْجِعَنْ عُقْبَاهُ
فصل حد المحارب
وَلِلْمُحَارِبِينَ قُطَّاعُ الطَّرْق حَدٌ بِهِ الْقُرْآنُ فِيهِمْ قَدْ نَطَقَ وَمَنْ سَعَى فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ وَبِهَلَاكِ الْحَرْثِ وَالْعِبَادِ فَهُوَ مِنَ الْمُحَارِبِينَ يُنْفِذُ فِيهِ حُدُودَ اللَّهِ ذَاكَ المُنْفِذُ (3) وَلَهُمْ عُقُوَبَةً يُقَتَّلُوا حَدًّا بِلَا عَفْوِ إِذَا مَا قَتَلُوا وَإِنْ عَفَا الْوَلِيُّ عَنْهُمْ لَا يَصِحْ أَنْ يَعْفُوَ الإِمَامُ وَهْوَ مُتَّضِحْ وَإِنْ هُمُو قَدْ قَتَلُوا وَسَلَبُوا مَالًا فَبَعْدَ قَتْلِهِمْ يُصَلَّبُوا
(1) قوله: ليسبر: أي: يَنْظِرَه.
(2) قوله: إكفاره: أي: كفره.
(3) قوله: المُنْفِذُ: أي: الإمام الذي يتولى إنفاذ أمور المسلمين. (2/226)
صفحة 836
226
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
وَقِيلَ لَا صَلْبَ عَلَى مُوَحِدِ وَقِيلَ صَلْبُ الرَّأْسِ مِنْهُ فَقَدِ) وَالمُشْرِكُونَ يُصْلَبُونَ جَمْعًا لِكَيْ يَكونَ لِسِوَاهُمْ رَدْعَا وَقِيلَ إِنَّ الصَّلْبَ فِي الْحَيَاةِ مِنْ غَيْرِ مَا شُرْبٍ وَلَا أَقْوَاتِ حَتَّى يَمُوتَ هَكَذَا بِالْجُوعِ وَغَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ التَّصْبِيعِ وَقِيلَ يُصْلَبُونَ ثُمَّ يُقْتَلُوا فِي الصَّلْبِ بِالطَّعْنِ بِهِ يُنَكَّلُوا وَإِنْ هُمُ قَدْ أَخَذُوا الْمَالَ فَقَطْ فَيُقْطَعُونَ مِن خِلَافٍ لَا وَسَط يُمْنَى يَدَيْهِمُ وَيُسْرَى الرِّجْلِ مِنْ رُسْغِهَا وَمَفْصِلِ لِلْفَصْلِ يُتْرَكُ عَقْبُهَا (2) وَلَكِنْ يُفْصَلُ قَدَمُهَا مِنْ حَيثُ مَا يَنْفَصِل وَإِنْ أَخَافُوا سُبُلَ المُرَّارِ يُنفَوْنَ فِي الْحُكْمِ مِنَ الدِّيَارِ وَنَفْيُهُمْ أَنْ يُطْلَبُوا فَيَهْرُبُوا وَيُطْلَبُونَ حَيْثُمَا قَدْ ذَهَبُوا حَتَّى يُفَارِقُوا بِلَادَنَا وَقَدْ يُقَالُ سِجْنُهُمْ هُوَ النَّفْيُّ الْأَشَدُ لِأَنَّهُمْ إِنْ سُحِنُوا فَقَدْ نُفُوا نَفْيًا يَغِيبُونَ بِهِ لَمْ يُعْرَفُوا وَنَفْيُهُمْ فِي الْأَرْضِ رَاحَةٌ لَهُمْ وَهُوَ أَذًى لِمَنْ يُجَاوِرُونَهُمْ وَعُمَرُ الْفَارُوقُ كَانَ أَوَّلَا مَنْ جَعَلَ السِّجْنَ لَهُمْ تَأَؤُلَا فَهَذِهِ عُقُوبَةُ الْمُحَارِبِ تَرْتِيبُهَا بِحَسَبِ الْمَرَاتِبِ
(1) قوله: فقد: أي: فحسب.
(2) قوله: عقبها: أي: عرقوبها، وجمع العقب أعقاب وجمع العرقوب عراقيب، وفي الحديث: «ويل للعراقيب من النار».
(3) قوله المرّار بضم الميم وتشديد الراء جمع مار، وهو السائر في طريقه. (2/227)
صفحة 837
فصل
حد المحارب
الجزء الثالث
227
فَـ (أَوْ) لِتَنْوِيعِ الْعُقُوبَاتِ بِهَا بِحَسَبِ الْجُرْمِ الَّذِي مِنْ صَحْبِهَا
فَاعْلَمَا
وَقِيلَ لِلتَّخْيِيرِ (أَوْ) وَإِنَّمَا يُخَيَّرُ الإِمَامُ فِيهِمْ وَهْوَ مَقَالُ لِلْمُخَالِفِينَا وَمَا مَضَى عَنْ صَحْيِنَا رُوِيْنَا إِلَّا تَفَاصِيلًا مَضَتْ فِي الصَّلْبِ فَإِنَّ بَعْضَهَا لِغَيْرِ الصَّحْبِ وَمَنْ يَتُبْ مِنْهُمْ قُبَيْلَ القُدْرَةِ فَالْحَدُّ عَنْهُ سَاقِطٌ بِالتَّوْبَةِ وَذَاكَ حُكْمُ مُشْرِكِ وَمُسْتَحِلْ بِالتَّوْبِ يُهْدَرَنَّ عَنْهُ مَا فَعَلْ وَالْخُلْفُ فِي مُنْتَهِكَ هَلْ يُهْدَرُ عَنْهُ بِتَوْبِهِ الَّذِي يُؤَنَّرُ وَإِنْ يَكُنْ بِنَفْسِهِ قَدْ قَتَلَا أَوْ كَانَ قَائِدَ البُغَاةِ مَثَلَا فَلِلإِمَامِ قِيلَ إِنْ شَا قَتَلَهُ وَإِن يَشَا أَطْلَقَهُ وَأَرْسَلَهُ
حَقًّا
وَإِنْ يَكُنْ بِيَدِهِ قَدْ أَلْقَى إِلَيْهِمُ مِنْ غَيْرِ تَوْبِ حَ مِنْ بَعْدِ قُدْرَةٍ عَلَيْهِ خُيْرًا فِي قَتْلِهِ وَتَرْكِهِ كَمَا يَرَى قَدِ اسْتَشَارَ وَارِثُ فِي قَتْلِ عِيسَى بْنِ جَعْفَرٍ بِهَذَا الْفِعْلِ وَكَانَ عِيسَى قَائِدَ الرَّشِيدِ جَاءَ إِلَى عُمَانَ بِالْجُنُودِ قَاتَلَهُ وَالِي صُحَارَ فَانْهَزَمْ فَأُودِعَ السِجْنَ عَلَى أَنْفٍ رَغِمْ فَمُذْ أَتَى الْبَشِيرُ لِلإِمَامِ قَامَ يُشَاوِرَنَّ لِلأَعْلَامِ قَالَ لَهُ ابْنُ عَزْرَةٍ) أَلْقَتْلُ (2) يَجُوزُ وَالْمَنُّ عَلَيْهِ فَضْلُ
(1) قوله: ابن عزرة: هو علي بن عزرة والد الشيخ موسى بن علي الأزكوي رحمهما الله تعالى. (2) القتل: بهمزة القطع للوزن. (2/228)
صفحة 838
228
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
وَأَنَّهُ أَسْلَمُ لِلإِمَامِ قَالَ تَرَكْتُ ذَاكَ لِلسَّلَامَ) فَتَرَكَ الإِمَامُ قَتْلَهُ وَقَدْ قَامَ إِلَيْهِ بَعْضُ مَنْ لَهُ حَقَدْ تَسَوَّرَ السِجْنَ عَلَيْهِ فَقُتِلْ فَلَمْ يُعَاقِبِ الإِمَامُ مَنْ قَتَلْ وَمُشْرِكُ أَسْلَمَ بَعْدَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ يُعْفَى عَنْهُ كُلُّ زَلَّةِ لَكِنَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ مَغْنَمَا صَارَ عُقُوبَةً لِمَا قَدْ أَجْرَمَا عُقُوبةً لِشِرْكِهِ قَدِ اسْتُرِقْ إِذْ لَمْ يَكُنْ إِسْلَامُهُ قَبْلُ سَبَقٌ وَإِنْ أَبَى الإِسْلامَ فِيهِ النَّظَرُ إِلَى الْإِمَامِ إِلَى الْإِمَامِ أَنَّهُ مُخَيَّرُ يَقْتُلُهُ وَإِنْ يَشَا يُفَادِي بهِ أُهَيْلَ الشِّرْكِ وَالْعِنَادِ وَإِنْ يَشَا يَبِيعُهُ فِي البَدْوِ إِنْ كَانَ بَيْعُهُ لَنَا يُقَوِّي
فصل حد الشارق
وَالقَطْعُ فِي السَّارِقِ حُكْمُ الشَّرْعِ عَلَى شُرُوطٍ قَدْ أَتَتْ فِي القَطْعِ وَذَاكَ أَنْ يَسْتَرِقَ المَصُونَا بِالْقَطْعِ مِنْ سِوَاهُ لَا يُفْتُونَا فَالْحِرْزُ شَرْطٌ فِي الْمَقَالِ الشَّاهِرِ وَلَمْ يُخَالِفْ غَيْرُ أَهْلِ الظَّاهِرِ
(1) قوله للسلام: أي: لطلب السلامة، وقد كانت هذه الشورى من الإمام وارث بن كعبه ببلد سَيْفَم من ناحية جوف عُمان، وكان الإمام خارجًا بجيشه، فوافاه الرسل بهزيمة عيسى بن جعفر بسَيْفَم، فرجع منها إلى نزوى، ثم سار رجال من خيار المسلمين إلى صحار فقتلوا عيسى بن جعفر خفية، ولما بلغ الإمام خبر قتله بنزوى كان معه الشيخ بشير بن المنذر المعروف بالشيخ، قال في قاتل عيسى بن جعفر: لا تمسه النار. (*) أي صار رقيقًا. (إسماعيل) (2/229)
صفحة 839
فصل حد الشارق
الجزء الثالث
229
بِرُبع الدِّينَارِ يُقْطَعَنَّا فَصَاعِدًا أَوْ مَا يُقَوَّمَنَّا وَذَاكَ بِالثَّلَاثَةِ الدَّرَاهِم مُقَدَّرٌ بَيْنَ أُولِي التَّفَاهُم وَبَعْضُهُمْ قَدَّرَهُ بِأَرْبَعَهُ وَالأَوَّلُ الْمَشْهُورُ فَلْتَتَّبِعَهُ لَكِنَّمَا العُمَانِيُّونَ مِنَّا مَالُوا إِلَى الْأَخِيرِ فَافْهَمَنَّا وَفِي مَقَالِ الْحَسَنِ الْبِصْرِيِّ بِدِرْهَم يُقْطَعُ فِي الْمَرْوِيِّ وَلَمْ يَكُنْ هَذَا مِنَ الأَصْحَابِ لَكِنَّهُ لَمْ يَخْلُ مِنْ صَوَابِ وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ مُخَالِفِينَا لَا حَدَّ فِي الْقَطْعِ كَمَا رُوِينَا) وَالْحَقُّ مَا قَدَّمْتُهُ عَنْ صَحْيِي لِمَا عَلَيْهِ مِنْ دَلِيلٍ يُنْبِي مِنَ الْأَحَادِيثِ عَنِ الْمُخْتَارِ مَا يَشْرُطَنَّ رُبعَ الدِّينَارِ وَذَاكَ أَنْ يُقِرَّ أَوْ أَنْ يَشْهَدَا عَلَيْهِ عَدْلَانِ بِمَا تَقَلَّدَا وَإِنْ يَكُنْ فِي السِّجْنِ قَدْ أَقَرَا أَوْ كَانَ فِي إِقْرَارِهِ مُضْطَرًا فَذَاكَ شُبْهَةٌ بِهَا الْحَدُّ سَقَطْ فَمَا عَلَيْهِ هَاهُنَا قَطْعُ يُقَطِّ (2) كَذَاكَ إِنْ أَقَرَّ ثُمَّ رَجَعَا فَالِاشْتِبَاهُ هَاهُنَا قَدْ وَقَعَا أَوْ رَجَعَ الشَّاهِدُ عَمَا شَهِدَا وَلَوْ بَقِي صَاحِبُهُ مُؤَكِّدَا وَسَارِقٌ دَرَاهِمًا مُشْتَرَكَهُ فِي قَطْعِهِ أَقْوَالُهُمْ مُعْتَرِكَهُ
() تقرأ من غير تشديد للياء للضرورة. (إسماعيل)
(1) قوله: كما روينا بالبناء للفاعل، أي: كما رَوَيْنَا من حد القطع، أو للبناء للمفعول، أي: كما رُوِينَا
عن قومنا.
(2) [يقط] أي: يمضي. (المصنف) (2/230)
صفحة 840
230
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
وَهَكَذَا إِنْ سَرَقُوا جَمَاعَهُ أَرْبَعَةً دَرَاهِمَا مُشَاعَهُ فَالِاخْتِلَافُ فِيهِمَا قَدْ نُقِلَا يُقْطَعُ فِي الكُلِّ وَبَعْضُ قَالَ لَا وَسَارِقٌ مَالَ صَبِيٌّ طَلَبَا وَالِدُهُ يُقْطَعُ لَوْ كَانَ أَبَى لِأَنَّمَا الإِبْنُ وَمَالُهُ لِمَنْ كَانَ لَهُ أَبَا لِهَذَا يُقْطَعَنْ وَمَا عَلَى السَّارِقِ مِنْ غَنِيمَهُ قَطْعُ وَلَكِنْ تَلْزَمَنَّ القِيمَهُ كَذَاكَ لَا قَطْعَ عَلَى مَجْنُونِ وَلَا عَلَى صَبِيِّنَا الْمَصُونِ وَلَا عَلَى عَبْدٍ لِمَالِ سَيِّدِهُ لِشُبْهَةٍ تَمْنَعُ لِشُبْهَةٍ تَمْنَعُ قَطْعًا لِيَدِهْ وَيُقْطَعَنْ لِغَيْرِهِ إِنْ سَرَقَا إِنْ كَانَ فِيهِ شَاهِدَانِ اتَّفَقَا وَلَيْسَ يُقْطَعَنَّ بِالإِقْرَارِ لأَنَّهُ عَلَى سِوَاهُ جَارِي إِقْرَارُهُ يَضُرُّ بِالْمَوْلَى وَإِنْ أَقَرَّ وَالْمَسْرُوقُ عِنْدَهُ اقْطَعَنْ وَالْوَالِدَانِ سَرَقَا مَالَ الْوَلَدُ فَلَيْسَ يُقْطَعَانِ فِي هَذَا السَّبَدُ (2) لِأَنَّهُ كَسَارِقٍ لِمَالِهِ وَإِنْ نُحَرِّمُهُ فَمِثْلُ حَالِهِ إِذْ لَا يُقَادُ قَاتِلُ بِإِبْنِ وَالْمَالُ دُونَ الْقَتْلِ فَأَنْهَمْ عَنِّي كَذَاكَ مَنْ يَسْرِقُ بَيْتَ الْمَالِ لَا تُقْطَعَنَّ يَدُهُ بِحَالِ كَذَاكَ مَالُ الْكَعْبَةِ الشَّرِيفَة لَا يُقْطَعَنَّ إِذْ نَرَى تَخْفِيفَهُ
(1) قوله: إن سرقوا لو قال إن سرقت لَسَلِمَ من لغة البراغيث؛ لأن الجماعة مؤنثة لفظًا. (2) السيد: أي: المال مطلقا، وأصله الشعر واللَّبَد: الصوف؛ يقال: ليس له سبد ولا لبد، أي: لا ذات شعر ولا ذات صوف. (2/231)
صفحة 841
فصل حد الشارق
الجزء الثالث
231
وَهَكَذَا السَّارِقُ لِلثَّمَارِ إِنْ كَانَ فِي النَّخْلِ أَوِ الْأَشْجَارِ وَإِنْ تُوَارِي ذَلِكَ الْحُصُونُ فَالْقَطْعُ فِيهِ لَازِمًا يَكُونُ وَمَنْ تَعَاطَى نَائِفًا مِنَ الثَّمَرُ لَا قَطْعَ فِيهِ إِنْ يَكُنْ خَلْفَ الْجُدُرْ وَسَارِقٌ ثَوْبًا مِنَ الْحَمَّامِ لَيْسَ عَلَيْهِ القَطْعُ فِي الْأَحْكَامِ لأَنَّهُ يُؤْذَنُ بِالدُّخُولِ لِجُمْلَةِ الْخَلْقِ بِغَيْرِ قَوْلِ وَمِثْلُهُ الْمَأْذُونُ فِي دُخُولِهِ مِنْ كُلِّ مَوْضِعِ عَلَى تَفْصِيلِهِ وَسَارِقُ السَّارِقِ لَيْسَ يُقْطَعُ لِأَنَّهُ بِشُبْهَةٍ مُصْطَلِعُ وَسَارِقُ الطَّيْرِ وَمَنْ قَدْ بَلَغَا لَا يُقْطَعَنَّ لَا إِذَا لَمْ يَبْلُغَا لأَنَّ لِلْبَالِغِ أَنْ يَمْتَنِعَا فَحِيْتُ مَا طَاوَعَهُ لَمْ يُقْطَعَا قَدْ آثَرَ الْحَيَاةَ إِذْ طَاوَعَهُ أَوْ آثَرَ الْهَوَى مَتَى طَالَعَهُ إِذْ رُبَّمَا يَصْحَبُهُ اخْتِيَارَا وَرُبَّمَا طَاوَعَهُ اضْطِرَارَا وَفِي الْجَمِيعِ شُبْهَةٌ لَا يُقْطَعُ بِهَا فَكَيْفَ عَنْهُ لَا يَمْتَنِعُ وَهَذِهِ الأَحْكَامُ فِي الْعَبِيدِ وَالحُرُّ فَوْقَهُمْ بِلَا تَحْدِيدِ إِذْ لَمْ يَكُ الْحُرُّ بِمَالٍ فَإِذَا مَا أَخَذَ الْحُرَّ فَفِيهِ أُنْفِذَا يُنْفَذُ فِيهِ مَا مَضَى مِنْ حَدٌ فِيمَنْ يُحَارِبَنَّ بِالتَّعَدِّي
(1) قوله: «ومن قد بلغا» أي من العبيد، فإن سارق العبد البالغ لا يُقطع، لاحتمال أن يوافقه على ذلك راغبًا، ففي ذلك شبهة والحدود تدرأ بالشبهات. (2/232)
صفحة 842
232
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
وَأَوْجَبَ الرَّبِيعُ وَابْنُ جَعْفَر (1) ذَلِكَ فِي الْحُرِّ الصَّغِيرِ فَانْظُرِ إِنْ كَانَ مِنْ بَيْتِ وَمِنْ سِوَاهُ سَلِيلُ جَعْفَرٍ كَذَا حَكَاهُ وَأَطْلَقَ الأَصْلُ بِهِ الْمَقَالَا كَمِثْل مَا الشَّيْخَانِ فِيهِ قَالَا
وَقِيلَ بَلْ فِي الطَّيْرِ يُقْطَعَنَّا
وَيُرْفَعُ الْقَطْعُ عَنِ اللَّذْ أُرْسِلَا (3)
(2)
إِنْ كَانَ مِنْ حِرْزِ لَهُ تَعَنَّى (2)
مِنْهُ لِعُدْمِ الْحِرْزِ فِيهِ مَثَلَا
وَسَارِقٌ بَهِيمَةً مِنْ مَنْزِلِ ذَبَحَهَا فِيهِ وَلَمْ يُنَقِّلِ وَبَعْدَ ذَا أَخْرَجَهَا فَقِيلَ لَا يُقْطَعُ إِذْ ضَمَانُهَا قَدْ حَصَلَا) وَقِيلَ بَلْ يُقْطَعُ وَالطَّعَامُ إِنْ يَأْكُلْهُ فِي الْبَيْتِ بِهِ الْخُلْفُ زُكِنْ وَمُسْتَعِيرُ يُنْكِرَنَّ الْعَارِيَة فَلَا يُحَدُّ عِنْدَهُمْ عَلَانِيَهُ لِأَنَّهُ كَمُنْكِرِ الْحُقُوقِ وَلَيْسَ فِيهِ حَالَةُ الْمَسْرُوقِ وَسَارِقُ النُّقْطَةِ لَيْسَ يُقْطَعُ وَيُقْطَعَنْ سَارِقُ مَا يُسْتَوْدَعُه) وَسَارِقُ هِرًا وَكَلْبَ الْغَيْرِ مُقَوَّمًا بِقِيمَةِ التَّقْدِيرِ
(1) ابن جعفر: هو الشيخ محمد بن جعفر الأزكوي الدرمكي، صاحب الجامع المشهور. (2) تَعَنَّى: أي: أخذ والتعنّي تكلف العناء في طلب الشيء.
(3) ويرفع: أي يدفع، والمرسل من الطيور المتروك يذهب حيث يشاء، هكذا المراد به هنا. (4) قوله: «إذ ضمانها قد حصلا»، أي: صار عليه، لأنه أتلفها قبل أن يخرجها من حرزها فصارت عليه، إذ لا تصلح لغيره، فكان حملها حين صارت له لتعلق حق صاحبها في ذمته، فلعل هؤلاء يشترطون في قطع السارق إخراجه المسروق من الحرز، ولا يعدون إتلافه في داخل الحرز سرقة، ولو قال قائل إن الإتلاف كالإخراج وإنه سرقة لم يكن بعيدًا عندي.
(5) قوله: «سارق ما يستودع»، أي: سارق الوديعة يقطع إذا سرقها من الحرز. (2/233)
صفحة 843
فصل حد الشارق
الجزء الثالث
233
مِنْ حِرْزِهِ فَقِيلَ فِيهِ يُقْطَعُ وَإِنَّنِي لِقَطْعِ هَذَا أَمْنَعُ لِمَا أَتَى فِي ثَمَنِ الْكَلْبِ وَفِي تَمَلُّكِ الصِّنْفَيْنِ خُلْفٌ فَاعْرِفِ لَوْ لَمْ يَكُنْ سِوَى حُصُولِ الشُّبْهَةِ لَكَانَ كَافِيًا لِدَفْعِ الْحُجَّةِ وَيُقْطَعُ النَبَّاسُ لِلْقُبُورِ إِنْ أَخَدَ الْمِقْدَارَ فِي الْمَأْثُورِ لأَنَّ ذَاكَ الْقَبْرَ حِرْزُهُ وَقَدْ قِيلَ بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُحَدْ كَذَاكَ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ سَرَقَا مَا أَخْرَجَ النَبَّاسُ ثُمَّ انْطَلَقَا وَمَا عَلَى الطَّرَارِ قَطْعُ وَهُوَ مَنْ يَأْخُذُ مَا فِي طُرَّةٍ وَيَذْهَبَنْ كَذَاكَ لَا قَطْعَ عَلَى مُخْتَلِسِ وَهُوَ الَّذِي يَأْخُذُ بِالتَّخَلُّسِ كَاخِذِ لِخَاتِمِ مِنْ أَصْبُعِ دَرَى بِهِ أَوْ نَائِمًا وَلَمْ يَعِ وَسَارِقٌ لِمَالِ غَائِبِ فَلَا يُقْطَعُ لَوْ جَاءَ الَّذِي قَدْ وُكِّلا) قِيلَ يُقْطَعَنَّا إِنْ طَلَبَ الْوَصِيُّ فَافْهَمَنَّا
وَلِلْيَتِي
وَإِنْ يَقُلْ مَالِي الَّذِي أَخَذْتُ أَوْ أَنَّنِي هَذَا قَدِ اشْتَرَيْتُ فَشُبْهَةٌ تَدْفَعُ عَنْهُ الْحَدَّا كَانَ مُحِقًا فِيهِ أَوْ تَعَدَّى وَقِيلَ لِلسَّارِقِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ إِقْرَارِهِ مِنْ قَبْل أَنْ يُؤَلَّمَنْ) وَالْقَطْعُ مِن رُسْغِ الْيَدِ الْيَمِينِ لَا فَوْقَهُ عِنْدَ أُولِي التَّبْبِينِ
(1) أي: ولو طلب وكيله ذلك لاحتمال أن يسوّغ له الغائب أخذ ذلك أن لو حضر.
(2) من قبل الشروع في قطعه. (2/234)
صفحة 844
234
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
وَغَيْرُ هَذَا لِلْمُخَالِفِينَا إِذْ قِيلَ فِيهِ غَيْرُ مَا حَكَيْنَا وَالْخُلفُ هَلْ عَلَيْهِ غُرُمُ مَا سَرَقْ مِنْ بَعْدِ قَطْعِهِ وَمَا الْقَوْلُ الْأَحَقِّ قُلْتُ عَلَيْهِ ذَاكَ عِنْدَ رَبِّهِ لَكِنَّهُ لَا يُحْكَمَنْ لَهُ بِهِ وَإِنْ يَمُتْ مِنْ قَبْلِ قَطْعِ أُخِذَا مِنْ مَالِهِ ذَاكَ وَعَنْهُ أُنْفِذَا
فصل حد الزَّانِي
وَالْحَدُّ فِي الزِّنَى عَلَى أَصْنَافِ بِالْجَلْدِ وَالرَّجُمِ وَبِالْأَسْيَافِ فَالْجَلْدُ فِي البِكْرِ بِنَيِّ الذِّكْرِ وَالرَّجْمُ بِالسُّنَّةِ فِي ذَا الْحُرِّ إِنْ كَانَ مُحْصَنًا وَذَاكَ إِنْ نَكَحْ ثُمَّ زَنَى فَرَجْمُهُ هُنَا اتَّصَحْ وَالْعَقْدُ يَكْفِي قِيلَ فِي الإِحْصَانِ وَقِيلَ لَا وَرَبَّحُوا ذَا الثَّانِي وَالْحُرُّ إِنْ لِأَمَةٍ تَزَوَّجَا كَانَتْ لِدَفْعِ الرَّجْمِ عَنْهُ مُلْتَجَا لِأَنَّهُ بِذَاكَ لَيْسَ يُحْصَنُ وَهَكَذَا مُجْنُونَةٌ تُمَكِّنُ ومَنْ زَنَى بِمَحْرَمٍ بِالسَّيْفِ يُقْتَلُ حَدُّهُ بِدُونِ حَيْفِ فِي الْبِكْرِ وَالْمُحْصَن هَذَا عَمَّا يُرْوَى عَنِ الْمُخْتَارِ فِيهِ حُكْمَا أَصْنَافُ هَذَا الْحَدِّ وَوَضْعُ ذَا مَكَانَ ذَا تَعَدِّي
فَهَذِهِ
بمجرد
(1) قوله: «ورجحوا ذا الثاني»، أي: رجحوا القول بأن الإحصان إنما يحصل بالدخول؛ لا العقد، وقول الإمام جابر: من ملك له فقد أحصن مرجوح، لدرء الحدود بالشبهات، والجلد
أسهل من الرجم.
(2) قوله: «بمحرم» أي: بذات محرم منه، وهي من لا يحل له نكاحها أبدًا. (2/235)
صفحة 845
فصل حد الزَّانِي
الجزء الثالث
235
بالسَّيْفِ يُعْطِي الْإِثْمَا (1)
ضَمَانَا
فَمَنْ يَكُنْ قَدِ اسْتَحَقَّ الرَّجْمَا فَقَتْلُهُ فَاعِلُهُ يَسْتَغْفِرُ الرَّحْمَانَا قِيلَ وَلَمْ يَرَوْا بِهِ وَمَنْ يَكُنْ قَدْ حَدَّهُ بِالْجَلْدِ وَصَحَ إِحْصَانُ لَهُ مِنْ بَعْدِ فَإِنَّهُ يُرْجَمُ وَالْأَرْسُ غُرِمْ مِنْ بَيْتِ مَالِ اللَّهِ حَسْبَمَا لَزِمْ وَقِيلَ فِي الخُنْثَى إِذَا تَزَوَّجَا بِمِثْلِهِ خُنْثَى بِهَا قَدْ وَلَجَا أَنَّهُمَا بِذَاكَ يُحْصَنَانِ إِنْ زَنَيَا فِي الْحَدِّ يُرْجَمَانِ وَقِيلَ لَا حَدَّ عَلَى الْمَجُوسِي وَعَابِدِ الْأَوْثَانِ وَالنُّحُوسِ (2) حَتَّى تَرَاهُمْ أُحْصِنُوا مِنْ بَعْدِ إِسْلَامِهِمْ فَاحْكُمْ لَهُمْ بِالْحَدِّ وَإِنْ زَنَى الْمُشْرِكُ ثُمَّ أَسْلَمَا فَالْحَدُّ بِالإِسْلَامِ عَنْهُ انْهَدَمَا وَالعَبْدُ إِنْ أُعْتِقَ مِنْ بَعْدِ الزِّنَا فَحَدُّهُ فِيهِ اخْتِلَافُ عِنْدَنَا وَقَبْلَ عِشْقِهِ يُعَزَرَنَّا إِنْ كَانَ بِكْرًا أَوْ فَيُجْلَدَنَّا يُجْلَدُ نِصْفَ الْحَدِّ خَمْسِينَ فَقَطْ لِخِسَّةِ الْحَالِ تَرَى النِّصْفَ سَقَط وَاقْرَأْ إِذَا مَا شِئْتَ إِنْ أُحْصِنَّا فِي سُورَةِ النِّسَا تَبَيَّنَنَّا وَحَيْثُما قَدْ سُرِعَ الْمَوْصُوفِ فَالرَّجْمُ لَا يَدْخُلُهُ التَّنْصِيفُ مِنْ ذَاكَ قُلنَا يُجْلَدَنْ خَمْسِينَا إِذْ مِائَةٌ فِي حُرِّنَا يَقِينَا
(1) قوله: «يعطي الإثما، أي: يوجبه؛ لأنه خلاف المشروع فيه من الرجم، وإن كانا سواء في إتلاف الناس، فالإثم من جهة مخالفة الشرع ولكن لا ضمان عليه؛ لأنه لم يزد على ما يكون في الرجم من إتلاف النفس.
(2) قوله والنُّحوس أي كل شيء يُعْبَدُ من دون الله من النجوم وغيرها. (2/236)
صفحة 846
236
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
وَإِنَّمَا النُّكُورُ وَالنِّسَاءُ فِيهِ سَوَاءٌ وَكَذَا الْخُنْثَاءُ وَقِيلَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُقِيمَ فِي عَبِيدِهِ الْحَدَّ بِلَا تَعَسُّفِ وَقِيلَ لَا بَلْ يَحْمِلَنَّهُ إِلَى إِمَامِهِ إِذْ غَيْرُهُ لَنْ يَفْعَلَا وَإِنَّمَا يَلْزَمُ بِالإِقْرَارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِلَا إِنْكَارِ يُقِرُّ أَنَّهُ زَنَى وَالرَّابِعَهُ تُوجِبُ حَدَّهُ بِلَا مُمَانَعَهُ إِنْ كَانَ قَدْ خَلَا مِنَ الْجُنُونِ وَعَتَهِ) فِي عَقْلِهِ الْمَصُونِ وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِالتَّمَهُلِ بِهِ مَخَافَةَ الْفَسَادِ الْمُخْبِلِ قَالَ النَّبِيُّ إِذْ أَقَرَّ مَاعِزُ (2) أَفِيكَ شَيْءٌ مِنْ جُنُونٍ غَامِنُ فَقَالَ لَا لَكِنَّنِي أَرَدْتُ تَطْهِيرَ مَا كُنْتُ لَهُ صَنَعْتُ وَجَائِزٌ قَدْ قِيلَ أَنْ يُقِرًّا إِنْ كَانَ لِلْحَقِّ أَرَادَ ظَهْرَا (3) لِقَوْلِهِ قُومُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ بِالحَقِّ قَدْ أَنْزَلَهُ اللهُ لَكُمْ وَلَمْ يُعَنِّفِ النَّبِيُّ مَاعِزَا فَدَلَّ أَنَّ ذَاكَ كَانَ جَائِزَا وَإِنْ يَكُنْ أَرَادَ يُتْلِفَنَّا لِنَفْسِهِ بِالْقَصْدِ يَهْلِكَنَّا وَإِنْ يَكُنْ أَقَرَّ ثُمَّ رَجَعَا قَبْلَ الشُّرُوعِ حَدَّهُ قَدْ مَنَعَا وَهَكَذَا يُقَامُ بِالشُّهُودِ إِنْ شَهِدُوا فِي حَضْرَةِ الْمَحْدُودِ
هو
(1) قوله: وَعَتَهِ الْعَتَه أشد الجنون؛ وقيل المعتوه هو الذي لا يفارق الجنون. (2) ماعز: هو ماعز بن مالك رجل أقرَّ بالزنى عند النبي صلى الله عليه وسلم. (المصنف) (3) أي: قوة. (المصنف) (2/237)
صفحة 847
فصل حد الزَّانِي
الجزء الثالث
237
أَرْبَعَةٌ مِنَ الْعُدُولِ لَيْسَ فِي جُمْلَتِهِمْ أُنْثَى وَلَا عَبْدُ وَفِي فَيَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ رَأَوُا بِلَا شَكٍّ بِأَنَّ ذَاكَ فِيهَا دَخَلَا مِثْلَ دُخُولِ الْمِيلِ فِي الْمِكْحَلَةِ بِهَذِهِ تَثْبُتُ نَفْسُ الْحُجَّةِ سِتْرًا مِنَ اللهِ أَلَا فَلْيَشْكُرُوا سِتْرَ الإِلَهِ وَالْعُيُوبَ يَسْتُرُ وَمَنْ أَتَى فَلْيَسْتُرَنَّ مَا أَتَى وَإِنْ يَكُنْ عِنْدَ الإِمَامِ ثَبَتَا فَجَائِزٌ لَهُ بِأَنْ يُحَتَالَا بِدَفْعِهِ إِذَا رَأَى مَجَالًا وَجَائِزُ قَدْ قِيلَ يَهْرُبَنَّا إِذَا رَجَا الْمَتَابَ حَيْثُ عَنَّا وَإِنْ يَكُنْ قَدِ اسْتَخَفَّ الأَمْرَا كَانَ هُرُوبُهُ لِهَذَا حِجْرَا وَإِنْ يَكُنْ مِنْ بَعْدِ جَلْدِهِ زَنَى فَحَدُّهُ ثَانِيَةً تَعَيَّنَا وَإِنْ يَكُنْ مِنْ ضَرْبِهِ الْأَوَّلِ لَمْ يَبْرَأَ فَحَدُّهُ أَخِيرًا قَدْ لَزِمْ وَإِنْ يَمُتْ فَمَا عَلَى الْإِمَامِ شَيْءٌ مِنَ الصَّمَانِ فِي الْأَحْكَامِ وَإِنْ تَكَرَّرَ الزِّنَى مِنْ قَبْلِ أَنْ يُحَدَّ قِيلَ الْحَدُّ لَا يُكَرَّرَنْ وَحَامِلٌ مِنْ غَيْرِ زَوْجٍ قِيلَ لَا تُحَدُّ مِنْ أَجْلِ احْتِمَالٍ حَصَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُغْصَبَ أَوْ أَنْ تُؤْتَا نَائِمَةً أَوْ أَنْ تَخَافَ الْمَوْتَا وَإِنْ أَقَرَّتْ بِالزِّنَى تُحَدُّ لِأَنَّمَا إِقْرَارُهَا يُعَدُّ)
مِنْ هَاهُنَا إِنْ وَلَدَتْ غُلَامًا مِنْ رَجُلٍ زَنَى بِهَا حَرَامَا
(1) يُعد: أي: يحم (2/238)
صفحة 848
238
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
فَقَتَلَتْهُ فَعَلَيْهَا الْحَدُّ إِنْ كَانَ رَجْمٌ أَوْ يَكُونُ الْجَلْدُ (1) لِأَنَّمَا إِقْرَارُهَا بِالْفِعْلِ أَوْجَبَ ذَاكَ لَا بِنَفْسِ الْحَمْلِ أَوْ أَنَّ قَتْلَهَا الْغُلَامَ دَلَّا بِأَنَّهُ مِنْهَا الزِّنَاءُ حَلَّا (2) وَقَوْلُهُ تُقْتَلُ بَعْدَ الْجَلْدِ بِهِ إِذَا لَمْ تَمُتَنْ بِالْحَدِّ مُنَاقِضُ لِقَوْلِهِ فِي الْبِكْرِ لَا تُقْتَلَنْ بِهِ لِهَذَا الْأَمْرِ لِأَنَّ مَنْ أُحْصِنَّ يُرْجَمَنَّا وَالْجَلْدُ حَدُّ الْبِكْرِ فَافْهَمَنَّا فَمِنْ هُنَاكَ حَصَلَ التَّنَاقُضُ وَثَمَّ مَانِعٌ سِوَاهُ عَارِضُ وَذَاكَ أَنَّهَا بِإِبْنِهَا فَلَا تُقَادُ فَالْمَانِعُ فِيهِ حَصَلَا وَلَهُمُ أَنْ يَجْعَلُوا الْقَتْلَ هُنَا عُقُوبَةٌ لَا قَوَدًا مُبَيَّنَا مِنْ ثَمَّ مَا قَالُوا بِرَأْيِ الْعَصَبَهُ تُقْتَلُ فَافْهَمَنَّهَا مُهَذَّبَهُ وَإِنْ زَنَى الْبَالِغُ بِالصَّبِيَّةِ كَانَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي القَضِيَّةِ وَالْخُلْفُ فِي بَالِغَةٍ إِذَا زَنَتْ بِذِي الصَّبَا هَلْ حَدُّهَا هُنَا ثَبَتْ فَبَعْضُهُمْ يَحُدُّها وَقِيلَ لَا حَدَّ عَلَيْهَا لاشْتِبَاءٍ حَصَلَا وَمَنْ زَنَى بِأَمَةٍ لِأُمِّهِ أَوْ لِأَبِيهِ الْحَدُّ أَصْلُ حُكْمِهِ وَالْخُلْفُ فِي الْحَدِّ إِذَا مَا رَضِيَا مَالِكُهَا بِوَطْئِهَا إِذْ وَطِيَا
(1) قوله: رجم: فاعل على أن كان تامة، أي: ثبت، أو على أنه اسم كان؛ وخبرها محذوف أي إن
كان عليهما رجم ... إلخ. (2) أي: وقع. (المصنف) (2/239)
صفحة 849
فصل حد الزَّانِي
الجزء الثالث
239
وَإِنْ يَكُنْ لَهُ بِهَا نَصِيبُ فَالْحَدُّ بِالشُّبْهَةِ لَا يَطِيبُ وَقِيلَ بَلْ يُحَدُّ فِي ذَا الْمَوْضِعِ لِأَنَّهُ أَتَى الْحَرَامَ فَاسْمَعِ وَالْحَدُّ إِنْ أَوْطَأَتِ الْحِمَارَا أَوْ غَيْرَهُ لِنَفْسِهَا جِهَارًا وَمَنْ وَطَا بَهِيمَةً يُخْتَلَفُ فِي حَدِّهِ بِالسَّيْفِ قِيلَ يُتْلَفُ وَقِيلَ بَلْ يُحَدُّ مِثْلَ الزَّانِي إِنْ كَانَ بِكْرًا أَوْ أَخَا إِحْصَانِ وَقِيلَ يُهْدَفَنَّ مِنْ فَوْقِ جَبَلْ وَالْخُلْفُ فِي اللَّائِطِ نَحْوَهُ حَصَلْ وَيَضْمَنُ النَّاكِحُ لِلْبَهِيمَةِ لِرَبِّهَا قَدْ قِيلَ كُلَّ الْقِيمَةِ لِأَنَّهَا بِفِعْلِهِ تُحَرَّمُ أَلْبَانُهَا وَلَحْمُهَا مُحَرَّمُ بَلْ رَبُّهَا بِذَبْحِهَا قَدْ أُمِرَا وَدَفْنِهَا مُوَارِيًا تَحْتَ الثَّرَى يَقُولُ لَا يَأْكُلُ مِنْهُ سَبْعُ أَوْ طَائِرٌ إِذْ مِنْهُ لَا يُنْتَفَعُ وَأَعْجَبَ الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدِ تَحْلِيلُهَا وَبَعْضَ أَهلِ سَمَدِ (2) وَفَرَّعُوا بَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ ضَمَانُهَا عَلَيْهِ لَكِنْ يَأْثَمُ وَمَنْ وَطَى زَوْجَتَهُ مِنْ بَعْدِ وَفَاتِهَا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْحَدِّ وَيَلْزَمَنَّهُ الصَّدَاقُ حَقًّا وَيُوجَعَنَّ أَدَبَّا وَدَقَّا وَهَكَذَا الْخِلَافُ فِيمَنَ طَلَّقَا وَاحِدَةً جَامَعَهَا وانْطَلَقَا
(1) قوله: «أبا محمد هو الشيخ عبد الله بن محمد بن بركة البهلوي، وقد سبق ذكره. (2) وسمد هي الجانب العلوي من نزوى، منها العلماء المشهورون من آل كندة أصحاب المؤلفات المباركة المعتمدة عند المشارقة من أصحابنا رحمهم
الله. (2/240)
صفحة 850
240
الجزء الثالث
عِي
كتاب نظام العالم
(5) أَحْكَامَهَا
فَبَعْضُهُمْ يَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدَّا وَبَعْضُهُمْ يَرَى بَأَنْ يُحَدًا وَإِنْ أَتَى فِي ذَاكَ بِاسْتِدْلَالِ فَشُبْهَةٌ تُشْعِرُ بِاسْتِحْلَالِ وَيُدْرَأُ الْحَدُّ بِهَذَا عَنْهُ وَنَحْوُهُ مِمَّا يُشَابِهَنْهُ وَرَجُلٌ خَامِسَةٌ تَزَوَّجَا وَيَعْلَمُ التَّحْرِيمَ فِيهَا مَنْهَجَا يُحَدُّ بِالدُّخُولِ لَا بِالْعَقْدِ لِأَنَّهُ زَانٍ بِحُكْمِ الْعَمْدِ وَامْرَأَةٌ تَزَوَّجَتْ غُلَامَهَا بِوَطْئِهِ تُحَدُّ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَا تُعَزّرُ مَا دُونَ جَلْدِ الْحَدِّ فِيمَا يُذْكَرُ وَإِنْ تَكُنْ قَدِ ادَّعَتْ تَأْوِيلَا فَحَدُّهَا يَسْقُطُ فِيمَا قِيلَا وَنَاكِحٌ مَمْلُوكَةً قَدْ زَوَّجَا لَهَا بِزَوْجٍ حَازَهَا وَابْتَهَجَا فِي قَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَا يُحَدُّ وَقَالَ بَعْضُ مَا عَلَيْهِ حَدُّ وَيَلْحَقَنَّ إِبْنُهَا أَبَاهُ فِي شَرْطِهِ الَّذِي شَرْطِهِ الَّذِي بِهِ وَاطَاهُ وَمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الصَّدَاقَا مِنْ زَوْجِهَا إِنْ طَلَبَ الطَّلَاقَا وَمَنْ زَنَى بِأَمَةٍ وَوَهَبَا مَالِكُهَا الْعُقْرَ لَهُ إِذْ وَجَبَا فَالعُقْرُ عَنْهُ سَاقِطٌ وَالْحَدُّ يَلْزَمُهُ وَالْحَقُّ لَا يُرَدُّ وَهَكَذَا الْحُكْمُ إِذَا مَا وَهَبَا ذُو الحَقِّ لِلسَّارِقِ مَا قَدْ نَهَبَا وَمَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ مِنْ فَوْقِ ثَوْبِ يُحَدُّ عِنْدَ أَهْلِ الذَّوْقِ
(*) فعل أمر والأصل (ع) على حرف واحد وهو العين؛ فهو من اللفيف المفروق الذي تحذف فاؤه ولامه في الأمر، وأثبتت الياء هنا على جهة الإشباع مراعاة للوزن. إسماعيل) (2/241)
صفحة 851
فصل حد القاذِفِ
الجزء الثالث
241
وَقِيلَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ فَاعْلَم وَيَلْزَمُ الصَّدَاقُ بِالتَّجَهُم وَمُسْقِطُ الْحَدِّ لِأَجْلِ الشُّبْهَةِ بِذَلِكَ الْحَائِلِ عِنْدَ الْفِعْلَةِ وَجَامِعٌ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَا فِي حَدَّهِ خُلْفٌ أَتَى مُؤَسَّسَا قِيلَ يُحَدُّ وَأُنَاسٌ قَالُوا يُعَزّرَنَّ وَهْوَ الْمَقَالُ وَيُحْبَسَنَّ قَدْرَ مَا يَدْفَعُهُ عَنْ سَيِّيءِ الْأَفْعَالِ إِذْ يَصْنَعُهُ وَقِيلَ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ عَبِنَا بِفَرْجِهِ وَلَوْ سِنِينَ لَبِثَا وَذَاكَ فِعْلٌ عِنْدَنَا مَحْجُورُ عَلَى الَّذِي يَفْعَلُهُ مَنْكُورُ وَهْوَ الزِّنَا الأَصْغَرُ فِيمَا قِيلَا فَلَا نَرَى قَطُّ بِهِ تَحْلِيلَا وَقَالَ بَعْضُ إِنْ يَكُنْ خَافَ الْعَنَتْ فَلَا عَلَيْهِ إِنْ ضَرُورَةً عَنَتْ لَكِنَّنِي بِذَاكَ لَا أَقُولُ مَعْ أَنَّهُ عَنْ مَاهِرٍ مَنْقُولُ وَلَا يَمُوتُ ذُو الزِّنَى حَتَّى يَرَى بِعَيْنِهِ الْفَقْرَ جَزَاءً حَضَرَا وَلَعَذَابُ اللهِ فِى الأُخْرَى أَشَدَّ إِلَّا إِذَا تَابَ سَرِيعًا وَرَشَدْ
فصل حد القاذف
وَالْحَدُّ فِي الْقَذْفِ لِصَوْنِ الْعِرْضِ عَلَى وَلِي الْأَمْرِ فِيهِ يَقْضِي إِنْ قَذَفَ الْبَالِغُ حُرًّا يُجْلَدُ حَدًّا ثَمَانِينَ وَلَا يُقَيَّدُ وَذَاكَ بِالزِّنَى فَمَنْ قَدْ قَذَفَا بِغَيْرِهِ لَيْسَ يُحَدُّ فَاعْرِفَا وَذِكْرُهُ فِي سُورَةِ النُّورِ نَزَلْ فَالْمُحْصَنَاتُ قَذْفُهُنَّ لَا يَحِلْ (2/242)
صفحة 852
242
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
وَمِثْلُهَا الرِّجَالُ الْمُحْصَنُونَا مَعْنَاهُ بِالْعِفَّةِ يُعْرَفُونَا وَذَاكَ وَصْفُ المُسْلِمَاتِ طُرًا وَالْمُسْلِمِينَ غَيْرَ) مَنْ تَجْرَّى فَقَاذِفٌ مَنْ بِالزِّنَاءِ اشْتَهَرَا لَيْسَ يُحَدُّ لِاشْتِبَاءٍ خَطَرًا وَلَا نَقُولُ قَذْفُهُ حَلَالُ وَإِنَّمَا الْحَدُّ بِهِ يُزَالُ وَيَدْفَعُ الْحَدَّ إِذَا مَا أَحْضَرَا أَرْبَعَةَ مِنَ الشُّهُودِ الْكُبَرَا (2) إِنْ شَهِدُوا يُحَدُّ ذَاكَ الزَّانِي أَوْ جَبْنُوا يُحَدُّ هَذَا الْجَانِي (3) وَإِنْ هُمْ قَدْ شَهِدُوا وَرَجَعُوا مِنْ بَعْدِ حَدِّهِ الصَّمَانُ يَقَعُ فَيَضْمَنُونَ الْجَلْدَ مَهْمَا جُلِدًا وَدِيَةَ الْمَرْجُومِ وُفِّيتَ الرَدَّى وَقِيلَ هَذَا فِي ادَّعَاءِ الْغَلَطِ عِنْدَ رُجُوعِهِمْ بِغَيْرِ شَطَطِ أَمَّا إِذَا لَمْ يَدَّعُوا فِيهِ غَلَطْ يُقَادُ مَنْ يَرْجِعُ مِنْهُمُ فَقَطْ وَقِيلَ بَلْ يُرْجَمُ مِثْلَ مَا رُحِمْ صَاحِبُهُ بِقَوْلِهِ وَمَا سَلِمْ وَلَيْسَ لِلْمَقْذُوفِ فِي الْأَحْكَامِ عَفْرٌ إِذَا صَارَ إِلَى الإِمَامِ وَلَا يُحَدُّ قَاذِفُ الْعَبْدِ وَمَنْ يَقْذِفْ مُكَاتَبًا عَلَيْهِ يُجْلَدَنْ لأَنَّهُ قَدْ صَارَ حُرًّا وَمَضَى فِيهِ كَلَامُ يَشْفِيَنَّ الْمَرَضا وَلَا يُحَدُّ قَاذِفُ الصِّبْيَانِ وَقَاذِفُ الْمَجْنُونِ فِي الْبَيَانِ
(1) قوله: غَيْرَ منصوب على الاستثناء الموجب.
(2) قوله: الكُبَرَا: أي: العدول؛ لأن العدل في دينه كبير عند المسلمين. (3) قوله: الجاني أي القاذف؛ لأن القذف جناية على المقذوف. (4) قوله: فيضمنون الجلد: أي: أرش الضرب. (2/243)
صفحة 853
فصل حد القاذِفِ
الجزء الثالث
243
(1)
لِأَنَّمَا التَّكْلِيفُ عَنْهُمْ رُفِعَا فَفِعْلُهُمْ لَيْسَ كَبِيرًا وَقَعَا وَقَذْفُهُمْ لَيْسَ يَحِلُّ فَاعْلَم وَالْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ لَمْ يُلْتَزَمِ وَقَاذِفُ الْأَعْجَمِ وَالأَصَمَّ يُحَدُّ وَالْأَعْمَى بِغَيْرِ وَهُم وَقَاذِفُ الْمَيْتِ إِذَا مَا طَلَبَا وَارِثُهُ فَحَدُّهُ قَدْ وَجَبَا وَالْخُلْفُ إِنْ وَارِثُهُ لَمْ يَطْلُبِ يُحَدُّ أَمْ لَا فَافْهَمَنْ وَانْتَخِبِ وَقَاذِفُ الشَّيْطَانِ لَا يُحَدُّ إِذْ عِرْضُهُ مُبْتَدَلًا يُعَدُّ وَقَاذِفُ الإِنْسَانِ بِالجِنِّي يُحَدُّ فِي قَوْلِهِمُ الجَلِي مَنْ قَالَ يَا لُوطِيُّ فَهُوَ قَاذِفُ يُحَدُّ وَالأَصْلُ هُنَا يُخَالِفُ فِي نَفْسِهِ مَيْلٌ إِلَى سِوَاهُ وَلَا أَقُولُ بِالَّذِي رَآهُ لأَنَّهُ قَدْ صَارَ عُرْفًا يُعْرَفُ مِنْهُ مُرَادُ مَنْ بِهِ قَدْ يُقْذَفُ وَاللَّفْظُ لِلْمَعْنَى يُرَادُ لَا سِوَى وَيُعْرَفُ الْمُرَادُ مِمَّا قَدْ حَوَى وَالْحَدُّ إِنْ قَالَ لَهُ يَا رَجُلُ كَقَوْمٍ لُوطٍ أَنْتَ عِنْدِي تَعْمَلُ يُحَدُّ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ نُقِلَا وَيَا سَلِيلَ الزَّانِيَيْنِ جُعِلَا حَدَّيْن وَالبَعْضُ يَرَاهُ حَدًّا لِأَنَّهُ بِلَفْظِهِ تَعَدَّى وَإِنْ يَقُلْ سَلِيلُ الزَّانِيَيْنِ زَانٍ يُحَدُّ هَاهُنَا حَدَّيْن وَقِيلَ بَلْ ثَلَاثَةٌ وَقِيلَا يُحَدُّ وَاحِدًا فَعِ التَّأْصِيلَا
(1) قوله: «بالجنّي» وذلك بأن يقول للمرأة: قد وطئك أو زنى بك جني، أو الجني، أو يقول لرجل: إني رأيت الجني يلوط بك، أو لاط بك، أو نحو ذلك. (2/244)
صفحة 854
244
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
فَمَنْ رَأَى تَعَدُّدَ الْحُدُودِ يَنْظُرُ فِي تَعَدُّدِ الْمَحْدُودِ وَآخَرُونَ نَظَرُوا لِلْكَلِمِ وَالأَوَّلُ التَّحْقِيقُ عِنْدَ الْفَهِم وَإِنْ يَقُلْ يَا زَانِ نَجْلَ الزَّانِيَهُ يَلْزَمُهُ حَدَّانِ فِي الْعَلَانِيَة وَالْخُلفُ فِيمَنْ أَنَّثَ الذُّكْرَانَا فِي قَذْنِهِ أَوْ ذَكَّرَ النِّسْوَانَا كَقَوْلِهِ زَانِيَةٌ لِلْرَّجُلِ وَقَوْلِهِ زَانٍ لِأُنْثَى فَاقْبَلِ قِيلَ يُحَدُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ فِي قَلْفِهِ صَرِيحُ وَذَلِكَ التَّعْكِيسُ لَا أَرَاهُ يُسْقِطْ عَنْهُ حَدَّ مَا أَتَاهُ وَرُبَّمَا قَدْ يَقْتَضِي الْمُبَالَغَهُ لِحِكْمَةٍ فِيهَا الْمَعَانِي بَالِغَهْ وَقِيلَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ حَيثُمَا لَمْ يَأْتِ بِالْقَذْفِ كَمَا قَدْ عُلِمَا فَحَصَلَتْ بِذَاكَ شُبْهَةٌ وَفِي هَذَا لِدَرْءِ الْحَدِّ مَا لَا يَخْتَفِي بِفَاسِقِ الْفَرْجِ إِذَا مَا قَذَفَا فِي حَدِّهِ عَنْهُمْ خِلَافٌ عُرِفَا قِيلَ يُحَدُّ إِذْ بِهِ قَدْ يُعْنَى نَفْسُ الزِّنَى وَقِيلَ بَلْ يُكَنَّى بِهِ عَنَ اشْيَاء (1) لَهَا احْتِمَالُ فَحَدُّهُ لِأَجْلِهَا يُزَالُ يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ كَشْفُ الْعَوْرَةِ إِذْ ذَاكَ فِسْقٌ إِنْ يَكُنْ فِي حَضْرَةِ وَلَا يُحَدُّ إِن يَقُلْ يَا بَغْلُ لِلِاحْتِمَالِ وَكَذَا يَا نَغْلُ يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ سُوءُ الْخُلُقِ أَوْ أَنَّهُ فِي الْوَصْفِ غَيْرُ مُتَّقِي
(1) قوله: «عن أشياء» بإسقاط الهمزة لأجل استقامة الوزن.
() وقع تخفيف للهمزة ثم نقلت حركتها وهي الفتحة إلى النون. (إسماعيل) (2/245)
صفحة 855
فصلُ اللَّعانِ
الجزء الثالث
245
وَإِنْ يَكُنْ (1) فِي عُرْفِهِمْ قَذْفٌ فَلَا يُتْرَكُ مَا عُرْفُهُمْ تَحَمَّلَا لِكُلِّ قَوْمٍ عُرْفُهُمْ فَالْهِنْدُ بِعُرْفِهِمْ قَذْفُهُمْ وَالسِّنْدُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى لُغَاتِ الْعَرَبِ ذَلِكَ مَوْقُوفًا فَلَا تَسْتَغْرِبِ بَلْ كُلُّ لَفْظٍ يَقْتَضِي مَا ذُكِرَا مَا بَيْنَ أَهْلِيهِ فَقَذْفٌ حُجِرَا
فصل اللعان
وَقَاذِفٌ لِزَوجَةٍ لَمْ يَكُن لَهُ شُهُودٌ بِالْمَقَالِ الْبَيِّنِ وَأَنْكَرَتْ زَوْجَتُهُ مَا قَالَا فَهَاهُنَا حُكْمُ اللَّعَانِ آلَا (2) وَذَاكَ أَنَّ الْحَاكِمُ الْمَنْصُوبَا يَأْمُرُ (3) ذَا وَتِلْكَ أَنْ يَتُوبَا يَقُولُ لَا بُدَّ لَكُمْ مِنْ كَاذِبِ فَلْيَتَّقِ الْكَاذِبُ هَلْ مِنْ تَائِبِ فَإِنْ أَبَوْا دَعَا الْفَتَى لِيَشْهَدَا بِاللهِ أَرْبَعًا يَحُدُّ الْمَشْهَدَا يَشْهَدُ بِاللهِ بِأَنِّي صَادِقُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ بِهَا يُنَاطِقُ وَيَلْعَنَنَّ نَفْسَهُ فِي الْخَامِسَهُ إِنْ كَانَ كَاذِبًا وَهِيَ جَالِسَهُ وَتَشْهَدَنْ بِاللهِ بَعْدَهُ عَلَى كَذِبِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَلَا (4)
(1) قوله: «وإن يكن» كان هنا تامة، وقذف فاعل بيَكُن، أي: إن يثبت عندهم قذف في عرفهم بشيء
الألفاظ. من
(2) أي: صار. (المصنف)
(3) قوله: يأمرُ ذا: إشارة للرجل، وتلك للمرأة، أي: يأمر كلا منهما بالمتاب.
(4) أي: متواليات. (المصنف) (2/246)
صفحة 856
246
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
وَغَضَبُ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ يَكُنْ فِيمَا ادَّعَاهُ صَادِقًا ثُمَّ لْتَبِنْ بَيْنُونَةً مَا بَعْدَهَا اجْتِمَاعُ وَلَيْسَ فِي هَذَا لَهُمْ نِزَاعُ وَالْوَلَدُ الَّذِي يُلَاعِنَنَّا عَلَيْهِ بِالْأُمِّ فَيُلْحَقَنَا وَمَا لَهُ يَسْتَرْجِعُ الصَّدَاقَا لِمَا اسْتَحَلَّ وَلِمَا قَدْ ذَاقَا وَذَاكَ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي مَسْجِدٍ وَقِيلَ بَعْدَ الظُّهْرِ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ لَا يَلْتَئِمُ عِنْدَ اللعَانِ بَلْ هُوَ الْمُقَدَّمُ قَدَّمَهُ القُرْآنُ وَالنَّبِيُّ فِي حُكْمِهِ وَذَا هُوَ الْمَرْضِيُّ وَغَيْرُهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَلَا لِعَانَ أَبَدًا لِأَمَّةِ كَذَاكَ لَا لِعَانَ لِلذِّمِّيَّةِ وَلَا لِزَوْجَةٍ لَهُ صَبِيَّةِ وَلَا لِمَنْ طَلَّقَهَا فِي الأَكْثَرِ وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ لِعَانُ فَانْظُرِ وَلَا لِأَعْمَى إِنَّهُ لَم يُبْصِرِ صَنِيعَهَا فَحُكْمُهُ كَالْمُفْتَرِي وَرَاجِعُ عَنْ قَذْفِهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَمْضِي اللَّعَانُ فَعَلَيْهِ يُجْلَدَنْ وَهْيَ لَهُ وَإِبْنُهَا أَيْضًا لَهُ يَرِثُهُ وَيَحْمِلَنَّ نُقْلَهُ وَرَاجِعُ مِنْ بَعْدِ أَنْ يُتِمَّا لِعَانَهُ صَارَتْ عَلَيْهِ حُرْمَا
وَالإِبْنُ إِبْنُهُ وَيُجْلَدَنَّا عَلَى افْتِرَائِهِ بِمَا تَعَنَّى
(1)
وَهْيَ إِذَا مَا صَدَّقَتْهُ تُرْجَمُ وَهْوَ مِنَ الْمِيرَاثِ قِيلَ يُحْرَمُ
(1) أي: تَعَنَّتْ. (2/247)
صفحة 857
فصل
حد الشارب
الجزء الثالث
247
فصل حد الشارب
وَشُرِعَ الْحَدُّ () () عَلَى مَنْ سَكِرَا لِصَوْنِ عَقْلِهِ أَلَا فَلْيَشْكُرَا فَالسُّكْرُ لَا شَكَ جُنُونٌ عَاجِلُ فَكَيْفَ يَسْعَى فِي جُنُونٍ عَاقِلُ فَشَارِبُ الخَمْرِ وَلَوْ لَمْ يَسْكَرِ يُجْلَدُ حَدَّ شَارِبٍ فِي النَّظَرِ لأَنَّ نَفْسَ قُرْبِهَا مُحَرَّمُ «فَاجْتَنِبُوهُ فِي القُرَانِ يُعْلَمُ وَغَيْرُهَا مِنَ الشَّرَاب يُجْلَدُ إِنْ زَالَ عَقْلُهُ وَلَا يُفَنَّدُ (2) لَا يَعْرِفُ السَّمَا مِنَ الْأَرْضِ وَلَا يُمَيِّزَنَّ مَا لَدَيْهِ حَصَلَا فَهَاهُنَا يَسْتَوْجِبُ الْحَدَّ وَمَا قَدْ كَانَ قَبْلَهُ فَلِلسِّجْنِ انْتَمَى وَلِلإِمَامِ إِنْ رَأَى تَعْزِيرَهُ بِالْجَلْدِ حَتَّى يَتْرُكَنْ أُمُورَهُ وَإِنْ يَكُنْ فِي شُرْبِ هَذَا مُسْتَحِلْ عَاقَبَهُ الإِمَامُ حَتَّى يَنْتَقِلْ وَجَلْدُهُ مِنْ أَوْسَطِ الْجَلْدِ ذُكِرْ حَدًّا ثَمَانِينَ (3) عَلَى مَا قَدْ أُمِرْ لَا تُنْزَعُ الثَّيَابُ عَنْهُ فِيهِ (4) بَلْ جَلْدُهُ مِنْ فَوْقِهَا يَكْفِيهِ وَقِيلَ إِنَّ الْمُصْطَفَى قَدْ جَلَدَا فِي الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ جَاءَ مُسْنَدًا
(1) قوله: «وشرع الحد على من سكرا ... إلخ» في هذا نظر، لأن مشروعية الحد غير متوقفة على وجود الإسكار فقط فلو شرب الخمر فإنه يحد ولو لم يسكر، ولو قال: وَشُرعَ الحَدْ عَلَى مَنْ شَرِبَا خَمْرًا لِصَوْنَ عَقْلِهِ وَأَدَبَا لكان أولى في نظري لسلامته من هذا الإيراد، ولصدقه على المراد.
(*) الظاهر أن الشيخ العبري شطب على هذا التعليق. (إسماعيل) (2) ولا يفند: لا يميز. (المصنف)
(3) قوله: «حدا ثمانين» منصوبان على التمييز أو على الحال، والأول أظهر. (4) قوله: فيه: أي: في حال الحد. (2/248)
صفحة 858
248
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
وَجَلَدَ الصَّدِّيقُ مِثْلَهُ وَفِي صَدْرِ زَمَانِ عُمَرٍ بِهِ اكْتُفِي وَدَخَلَتْ فِي دِينِنَا أَعَاجِمُ فَشَا) بِهِمْ فِي شُرْبِهَا الْمُلَازِمُ) وَجَلْدُ الارْبَعِينَ مَا كَفَاهُمُ فَشَاوَرَ الْفَارُوقُ مَنْ لَاقَاهُمُ قَالَ عَلِيٌّ: إِنَّ مَنْ قَدْ سَكِرَا هَذَى وَمَنْ هَذَى فَإِنَّهُ افْتَرَى فَاسْتَخْرَجُوا هُنَاكَ حَدَّ مَنْ قَذَفْ لَهُ لأَنَّهُ بِذَاكَ قَدْ عُرِفْ أَعْطُوْهُ حَدَّ مَا بِهِ قَدْ عُرِفَا لَوْ أَنَّهُ فِي وَقْتِهِ مَا قَذَفَا مَصْلَحَةٌ وَأَصْلُهَا فِي السُّنَّةِ كَالْقَصْرِ فِي الْأَسْفَارِ لِلمَشَقَّةِ فَالْقَصْرُ ثَابِتٌ وَلَوْ لَمْ تَحْصُلِ مَشَقَّةٌ فَافْهَمْ مَعَانِي الْعِلَلِ فَثَبَتَ الإِجْمَاعُ بَعْدَهُ فَمَنْ خَالَفَهُ قَدْ قِيلَ مِنْهُ يُبْرَأَنْ وَبَقِيَ الإِشْكَالُ كَيْفَ سَاغَ أَنْ يُزَادَ فِي الْحَدِّ عَلَى مَا قَدْ يُسَنْ وَإِنْ أَبَى عَنِ الْمَتَابِ عُزِلَا إِذْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ فِيمَا نُقِلَا كَذَا عَنِ الرَّبِيعِ يُنْقَلَنَّا وَإِنَّهُ المَاهِرُ فِيمَا سُنَّا (3) جَوَابُهُ) صَحَابَةُ الْمُخْتَارِ مَا قَابَلُوا ذَلِكَ بِالإِنْكَارِ
وَكَانَ فِي عَصْرِهِمْ مَا نُقِلَا فِي ذَاكَ بَحْثُ عَنْهُمْ فَيُقْبَلَا
(المصنف)
(1) قوله: فشا: أي: كَثُرَ بسببهم. (2) الملازم أي: الملازم للخمر. (المصنف) (3) قوله: فيما سُنا: بالبناء للمفعول، أي في المسنون، وهو ما ثبت من الأحكام والشرائع من
جانب السنة قولا أو عملا أو تقريرا، ولا شك أن الربيع بن حبيب من علماء السنة. (4) قوله: جوابه: مبتدأ، وصحابة المختار مبتدأ ثان والمبتدأ الثاني وخبره خبر عن المبتدأ الأول، فهي من الجمل التي محلها الرفع. (2/249)
صفحة 859
فصل
حد الشارب
الجزء الثالث
249
فَأَنْتَ
هُمُ
فِي ذَا الْعَصْرِ لَيْسَ يُقْبَلُ بَحْتُكَ فَاذْهَبْ وَهَوَاكَ مُشْكِلُ الْعُدُولُ فِي الَّذِي قَدْ نَقَلُوا يَلْزَمُنَا قَبُولُ مَا قَدْ قَبِلُوا وَأَنْتَ إِنْ خَالَفْتَ الْمُؤْمِنِينَا وُلِّيتَ مَا قَصَدْتَهُ يَقِينَا) وَإِنْ تَقُلْ أُرِيدُ وَجْهَ الْحِكْمَةِ فَدُونَكَ الْجَوَابَ فِي الْمَسْئَلَةِ هُمْ جَلَدُوهُ أَرْبَعِينَ حَدًّا وَعَزَّرُوهُ أَرْبَعِينَ جَلْدَا فَحَصَلَ الْحَدُّ مَعَ التَّعْزِيرِ لِتَشْمَلَنْ مَصْلَحَةَ النَّكِيرِ وَمِنْ طَرِيقِ آخَرِ يُمْكِنُ أَنْ نَقُولَ إِنَّ ذَاكَ لَمْ يُحَدَّدَنْ بَلْ إِنَّهُ إِلَى اجْتِهَادِ الْقَائِمِ مُفَوَّضٌ لَا مِثْلُ حَدٌ لَازِم وَمِنْ هُنَاكَ وَصْفُ فِعْلِهِ اخْتَلَفْ عَنِ النَّبِيِّ قَدْ رَوَاهُ مَنْ سَلَفْ فَبِالْجَرِيدِ (1) قَدْ رُوِي فِي حَالِ وَقَدْ رُوِي بِالأَيْدِي وَالنِّعَالِ وَقَدْ رُوِي بِأَرْبَعِينَ مُطْلَقَا وَبِثَمَانِينَ أَتَى مُعَلَّقَا
وَبِاخْتِلَافِ هَذِهِ الأَفْعَالِ نَعْرِفُ عُدْمَ ضَبْطِهِ بِحَالِ وَإِنَّمَا الْفَارُوقُ قَدْ أَصَابَا وَجْهَا مِنَ الْحَقِّ وَمَا اسْتَرَابًا وَحَيْثُ إِنَّ الْوَجْهَ مَا تَعَيَّنَا كَانَ الْتِزَامُ فِعْلِهِ مُعَيَّنَا وَقَطَعَ الإِجْمَاعُ الاحْتِمَالَا وَصَارَ حُجَّةً لَنَا كَمَالَا
(1) قوله: فبالجريد: أي: بجريد النخل، وهي جمع جريدة، وهي الزورة الصغيرة؛ سميت جريدة لتجريدها من السعف، أي: الخوص. (*) يشير إلى الآية: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]. (إسماعيل) (2/250)
صفحة 860
250
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
باب الجهاد
إِنَّ الْجِهَادَ لَقِتَالُ الْمُسْلِمِ لِلْمُشْرِكِينَ أَوْ بُغَاةِ الأُمَمِ بِهِ الإِلَهِ يُظْهِرُ الإِسْلَامَا فَالدِّينَ بِالْجِهَادِ حَقًّا قَامَا مَا مِثْلُهُ جِهَادَ نَفْسِهِ وَلَا كَسْبَ الطَّعَامِ لِلأُولَى قَدْ كَفَلَا
(1)
نَعَمْ جِهَادُ النَّفْسِ فَرْضٌ لَازِمُ كَذَلِكَ الْكَسْبُ لِمَنْ يُلَازِمُ لَكِنَّ نَفْعَهُ عَلَى النَّفْسِ اقْتَصَرْ فَكَيْفَ يَفْضُلَنْ (2) جِهَادَ مَنْ كَفَرْ فَجَعْلُهُ (3) مِنْ أَصْغَرِ الجِهَادِ قِتَالَ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالْفَسَادِ فَذَاكَ بِاعْتِبَارِ مَا النَّفْسَ يَخُصْ لَا بِاعْتِبَارِ مَا عَلَيْهِ الذِّكْرُ نَصْ وَمِنْ هُنَا قَالَ الْجِهَادُ الأَكْبَرُ هُوَ جِهَادُ النَّفْسِ عَمَّا يُحْجَرُ أَوْسَطُهُ الْكَدُّ عَلَى الْعِيَالِ وَطَلَبُ القُوتِ مِنَ الْحَلَالِ وَهُوَ عَلَى صِنْفَيْنِ دَفْعٌ فِيهِ قِتَالُ مَنْ لِبَيْتِهِ يَأْتِيهِ مَنْ قَدْ قَصَدَ الْبِلَادَا لِيُظْهِرَ الصَّلَالَ وَالْفَسَادَا وَمَنْ عَلَيْهِ فِي طَرِيقِهِ اعْتَدَى وَمَنْ أَرَادَ مَالَهُ بِالاعْتِدَا فَكُلُّ ذَا دَفْعُ يَكُونُ لَازِمَا فَرْضًا عَلَى مَنْ كَانَ فِيهِ قَائِمَا
كَذَاكَ
(1) للأولى: اسم موصول بمعنى الذين.
(2) قوله: «فكيف يفضلن .... إلخ» فجهاد مفعول به والمعنى أن جهاد النفس نفعه مقصور على: صاحبه، وجهاد الكفار منفعة عامة، فكيف يكون الجهاد المقتصر نفعه على النفس أفضل من
جهاد الكفار الذي يعم نفعه المسلمين، في أمر الدنيا والدين.
(3) قوله: «فجعله» الضمير عائد على صاحب الأصل الشيخ الصائغي. (2/251)
صفحة 861
بَابُ الجِهَاد
الجزء الثالث
251
حَتَّى أَخُو الدَّيْنِ إِذَا مَا دَهَمَهْ يَنْوِي خَلَاصَهُ بِأَنْ يُسَلِّمَهُ ثُمَّ لْيُدَافِعَنَّ مَا اسْتَطَاعَا وَيُوسِعَنَّ خَصْمَهُ دِفَاعَا قِتَالُنَا مَنْ ضَلَّ فِي عُمَانَا دَفْعٌ لِجَعْلِهِمْ لَهَا مَكَانَا لِأَنَّهَا مِصْرُ (1) قَدِ اسْتَقَلًا إِنْ حُلَّ (2) بَعْضُهُ غَدًا يَنْحَلَّا وَالْغَزْوُ أَنْ تَخْرُجَ أَنْتَ قَاصِدَا دَارَ الْعَدُوِّ تُظْهِرُ الْفَوَائِدَا تَنْشُرُ فِيهَا الْعَدْلَ وَالإِحْسَانَا وُجُوبُهُ كِفَايَةٌ قَدْ كَانَا بِفِعْلِ بَعْضٍ يَسْقُطَنَّ الْفَرْضُ وَالدَّفْعُ فِيهِ لَيْسَ يَكْفِي البَعْضُ وَالدَّيْنُ عُذْرٌ يُسْقِطُ الْغَزْوَ وَلَا يُسْقِطُ فَرْضَ مَا عَلَيْهِ نَزَلَا وَمِنْ هُنَا جَبْرُ الرَّعَايَا مُنِعَا لِلْغَزْو وَالبَعْضُ يَرَى أَنْ يَسَعَا إِنْ كَانَ بِالجَبْرِ رَجَا أَنْ يَقْهَرَا عَدُوَّهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَجْبُرَا وَأَنْتَ إِنْ نَظَرْتَ سِيرَةَ السَّلَفْ تَرَى الْجَوَازَ وَاضِحًا لِمَنْ عَرَفْ قَدْ هَجَرَ الْمُخْتَارُ مَنْ تَخَلَّفَا عُقُوبَةٌ إِذْ أَثَرُوا التَّخَلُّفَا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ بِمَا قَدْ رَحْبَتْ وَأَظْهَرُوا التَّنَدُّمَا تَابَ الإِلَهُ عَنْهُمُ فَكَانَا هَذَا دَلِيلًا فِي الْجَوَازِ بَانَا
هي
(1) أي: مصرها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وجعلها مملكة مستقلة قصبتها يومئذ صحار، التمصير تحديد الحدود. (أبو إسحاق) (2) قوله: حُلّ: بالبناء للمفعول، وغدًا ظرف والمعنى: إن حُلَّ اليوم بعضُه انحل غدًا كله، أو بمعنى صار فتكون فعلا ماضيًا، وهذا أظهر، ونصب ينحل للضرورة؛ إذ لا موضع هنا لإضمار أن، ولا لتقدير نون التوكيد. (2/252)
صفحة 862
252
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
الْعُدَدْ
لِأَنَّهُ إِلَى تَبُوكَ خَرَجَا وَوَبَّحَ الإِلَهُ مَنْ تَوَلَّجَا) وَهُدْهُدٌ عِنْدَ سُلَيْمَانَ وَقَعْ عَلَيْهِ مِنْ تَهْدِيدِهِ مَا قَدْ وَقَعْ سِيَاسَةٌ لأَجْلِ حِفْظِ الْمَمْلَكَهُ لَوْ لَمْ يَجِئْ بِحُجَّةٍ لأَهْلَكَهُ مَعْ أَنَّهُ طَيْرٌ وَلَمْ يُكَلَّفَ بِطَاعَةٍ فَكَيْفَ بِالْمُكَلَّفِ لَكِنَّهُ مُسَخَّرٌ لَهُ كَمَا قَدْ سُخَّرَتْ لَنَا الْمَوَاشِي نِعَمَا وَإِنَّمَا عِقَابُهُ فِي الْمَثَلِ كَمِثْلِ تَأْدِيبٍ لَنَا مُحَلَّلٍ وَمِثْلِ ذَبْحٍ مَا يُحَلَّلَنَا ذِبَاحُهُ فَلَيْسَ يُشْكِلَنَّا وَيَلْزَمُ الْجِهَادُ مَنْ كَانُوا عَدَدْ نِصْفِ الْعَدُوِّ وَكَذَاكَ في وَمَنْ عَنِ الزَّحْفِ يُوَلِّي هَارِبَا يَكُونُ بِالنَّارِ غَدًا مُعَاقَبَا إِلَّا إِذَا لِفِئَةٍ تَحَيَّرًا أَوْ لِمَكِيدَةِ الْقِتَالِ أَحْرَزَا يُكْرَهُ لِلإِمَامِ أَنْ يُبَاشِرَا بِنَفْسِهِ الْحَرْبَ وَأَنْ يُخَاطِرَا سِيَاسَةً لأَنَّهُ إِنْ قُتِلَا إِمَامُهُمْ فَأَمْرُهُمْ تَخَلْخَلَا وَالْمُصْطَفَى كَانَ يُبَاشِرَنَّا لِعِصْمَةٍ حَمَتْهُ فَاعْلَمَنَّا ثُمَّ المُحَارَبُونَ صِنْفَانِ فَقَطْ صِنْفٌ عَلَى الإِشْرَاكِ مِنهُمُ سَقَطْ وَهُمْ عَلَى صِنْفَيْنِ أَهْلُ وَثَنِ وَذُو كِتَابٍ فِي قَدِيمِ الزَّمَنِ وَالْكُلُّ يُدْعَوْنَ إِلَى الإِسْلَامِ وَمَا بِهِ أَتَى مِنَ الْأَحْكَامِ
(1) قوله: تَوَلَّجَا: أي: تخلف. (2/253)
صفحة 863
بَابُ الجِهَاد
الجزء الثالث
253
إِنْ قَبِلُوهُ فَهُمُ إِخْوَانُنَا لَهُمْ مِنَ الْأَحْكَامِ مَا كَانَ لَنَا فَإِنْ أَبَوْا قَاتَلَ أَهْلَ الصَّنَمِ لَا تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ مِنْهُمْ فَاعْلَم وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ فِي صُلْحِهِمُ شَيْئًا مِنَ القُوَّةِ جَازَ لَهُمُ لأَنَّهُ يَنْظُرُ مَا كَانَ أَسَدُ للدِّين وَالدَّوْلَةِ حَيْثُمَا وَجَدْ قَدْ هَادَنَ الْمُخْتَارُ أَهْلَ مَكَّةِ فَكَانَ فَتْحًا لِعُمُومِ الأُمَّةِ وَمَنْ يُشَدِّدَنَّ فِي ذَا الْأَمْرِ يَقُولُ مَنْسُوخٌ بِنَيِّ الذِّكْرِ فِي الصَّدْرِ مِنْ بَرَاءَةِ إِذَا انْقَضَتْ أَشْهُرُهُمْ يُقَاتَلُونَ قَدْ ثَبَتْ فِي كُلِّ مَرْصَدٍ لَهُمْ فَلْيُقْعَدِ لِلْمُشْرِكِينَ لِلْحِصَارِ الأَبَدِي فَلَهُمُ السَّيْفُ أَوِ الإِسْلَامُ وَمَا لَهُمْ صُلْحُ وَلَا ذِمَامُ إِلَّا إِذَا أُمِّنَ مِنْهُمْ أَحَدُ يُبَلَّغَنْ مَأْمَنَهُ وَيَقْعُدُ وَإِنْ يَكُنْ (2) أَهْلَ كِتَابٍ تُقْبَلُ جِزْيَتُهُمْ عَلَى صَغَارٍ تُبْدَلُ يُدْعَوْنَ لِلإِسْلَامِ أَوْ لِلْجِزْيَةِ أَوْ لِلْقِتَالِ إِنْ أَتَوْا بِأَنْفَةِ (3) إِنْ بَذَلُوا الْجِزْيَةَ كَانَتْ لَهُمُ بِذَاكَ ذِمَّةٌ وَلَوْ لَمْ يُسْلِمُوا وَإِنْ هُمْ قَدْ نَقَضُوا الدِّمَامَا مَا بَيْنَنَا فَالْحَرْبُ فِيهِمْ قَامَا وَالْكُلُّ يُسْبَوْنَ إِذَا مَا حَارَبُوا وَتُغْنَمُ الْأَمْوَالُ فِيمَنْ نَاهَبُوا
(1) قوله: «قد هادَن ... إلخ» يشير إلى ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية.
(2) قوله: «وإن يكن»، أي: وإن يكن المحاربون أهل كتاب إلى آخره.
(3) قوله بأنفة: أي بامتناع. (2/254)
صفحة 864
254
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
وَقِيلَ لَا تُسْبَى (1) ذَرَارِي الْعَرَبِ وَقِيلَ تُسْبَى وَهُوَ قَوْلٌ مَغْرِبِي أَمَّا العُمَانِيُّونَ فَالنَّسْخُ وَرَدْ عِنْدَهُمْ فِي سَبْيِهِمْ دُونَ السَّبَدُ (2) نَاسِخُهُ قَدْ كَانَ فِي أَوْطَاسِ (3) عِنْدَهُمُ مِن بَعْدِ سَبْيِ النَّاسِ بِقَوْلِهِ لَا رِقَ بَعْدَهَا عَلَى عُرْبِ بِنَحْوِ هَذِهِ قَدْ نُقِلَا قُلْتُ ولِلإِخْبَارِ قَدْ يَحْتَمِلُ بِأَنَّهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا وَأَقْبَلُوا وَأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ شِرْكٌ فِيهِمُ مِنْ بَعْدِهَا حَتَّى بِهِ) قَدْ يُحْكَمُ حَرْبُ النَّصَارَى الْيَوْمَ بِالدَّوَاهِي وَالكُلُّ مِنَّا غَافِلٌ وَلَاهِي) فَيَأْخُذُونَ الدَّارَ بِالْخَدَائِعِ وَإِنَّهَا أَقْوَى مِنَ الْمَدَافِعِ فَمَا لَهُمْ مِنْ دَعْوَةٍ عَلَيْنَا وَمَا لَهُمْ مِنْ ذِمَّةٍ لَدَيْنَا
(1) قوله: «وقيل تسبى ... إلخ»، مختار المحققين من أصحابنا أهل المغرب أن حكم الوثنية واحد، لا فرق بين العربي وغيره، وإنما المستثنى هم من يناله نسب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سَبَى النبي صلى الله عليه وسلم هوازن وهم من قريش، وأما غزوة أوطاس - وادٍ بديار هوازن ـ فإنها وقعت بعدها بعض غزوات، فسبى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم السبايا، وهي من العرب كغزوة الفلس - صنم لطيء ـ فوقوع السبي بعد أوطاس دليل على أن حكم السبي في العربي باق غير منسوخ، والله أعلم. (أبو إسحاق)
(2) دون السَّبَد: أي دون غنم أموالهم، والسبد المال.
(3) قوله: في أوطاس: هي المعروفة بغزوة حنين، وأوطاس ماء لهوازن، كان فيه معسكر هوازن
وثقيف لحرب النبي صلى الله عليه وسلم. (4) قوله: حتى به: أي: بالسبي.
(5) من
هنا يعرف المرء مكانة الناظم الله في العلم والسياسة الشرعية والخبرة بحال الاستعمار ومكر أهله، وغفلة الأمة الإسلامية، ولا غرو فهو الذي كان يهتف باستقلال عُمان، وهو الركن للإمامة، جزاه الله عن علمه وجهاده في الدين أحسن جزاء. (أبو إسحاق) (2/255)
صفحة 865
بَابُ الجِهَاد
الجزء الثالث
255
وَمَا الخِيَانَاتُ تَحِلُّ فَاعْلَم لَكِنْ بِضَرْبِ الصَّارِمِ المُخَدَّمِ وَحِينَ مَا يَنْهَزِمُونَ تُقْسَمُ أَمْوَالُهُمْ غَنِيمَةً إِذْ تُغْنَم يُدْفَعُ خُمْسُهَا إِلَى الإِمَامِ يُنْفَذُ فِي أَرْبَعَةٍ أَقْسَامِ اللهِ سَهْمٌ (2) ثُمَّ لِلنَّبِيِّ قَرِيبِ المُصْطَفَى الأُمِّيِّ
(2)
السبيل
وَرَابِعُ الأَقْسَامِ فِي الأَيْتَامِ وَفِي الْمَسَاكِينِ عَلَى السَّمَامِ بِيلِ فِي ثَلَاثَةِ يُقْسَمُ فَافْهَمْ لِمَعَانِي الآيَةِ سَهُمُ الإِلَهِ ثُمَّ سَهْمُ الْمُصْطَفَى يُجْعَلُ فِي عِزَّةِ أَرْبَابِ الْوَفَا سَهُمُ قَرَابَةِ النَّبِيِّ يُجْعَلُ فِيهِمْ وَلَكِنْ عِلْمُهُمْ مُسْتَشْكَلُ إِنْ عُلِمُوا فَهُمْ بِهِ أَحَقُّ أَوْ جُهِلُوا يُنْصَرُ مِنْهُ الْحَقُّ مِنْهُ يُزَوِّجُونَ يُحْمَلُونَا وَيُنْفَقُونَ ثُمَّ يُخْدَمُونَا كَمِثْل مَا كَانَ الرَّسُولُ يَفْعَلُ فِيهِمْ وَمَا الدَّعْوَى بِهَذَا تُقْبَلُ وَمَا عَدا الْخُمْسَ فَفِي الْجَيْشِ قُسِمْ لِلفَارِسِ السَّهْمَانِ حَقُهُ عَلِمْ
(1) الصارم السيف والمخدم القاطع.
سهم،
(2) قوله: «الله سهم إلى آخره هذا القسم غير موافق لما في كتب المشارقة من أهل المذهب، وإنما هو عندهم أن يكون من ستين سهمًا، فيخرج من الستين خمسها وهو اثنا عشر؛ فيكون منها لله سهم، وللرسول ولذي القربي سهم، ولليتامى ثلاثة أسهم، وللمساكين ثلاثة أسهم، ولابن السبيل ثلاثة أسهم، فذلك اثنا عشر، فهذا قسمها المعروف عند أصحابنا، وقد رأيت في بعض نسخ هذا الكتاب ما يوافق هذا القسم، ولكنني لم أحفظها ولم أظفر بها في الأوان، ولعل المصنف رأى لهذا القسم وجهًا آخر غير الذي عليه أصحابه، استدلالا من معاني الآية، فجعل لما فيه اللام ثلاثة أرباع الخمس، وجعل ولما لا لام فيه الربع فقط. والله أعلم. (2/256)
صفحة 866
256
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
وَالسَّهْمُ لِلرَّاجِلِ وَالغُلُولُ (1) كَثِيرُهُ يَحْرُمُ وَالْقَلِيلُ وَقِيلَ مَنْ غَلَّ يُحَرَّمَنَّا مِنْهَا وَقِيلَ بَل يُقَاصَصَنَّا وَالْقَسْمُ بِالقُرْعَةِ فِيهَا حَسَنُ مِنْ بَعْدِ تَوْزِيعِ لَهَا يُبَيَّنُ وَكُلُّ حُكْم لِذَوِي الْكِتَابِ فَلِلْمَجُوسِ وَلِكُلِّ صَابِي إِلَّا النِّكَاحَ وَالذِّبَاحَ فَهْوَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ دُونَهُمْ يُحَلَّلَنْ وَذَاكَ فِي الصُّلْحِ وَأَمَّا مَنْ حَرَبْ مِنْهُمْ فَقِيلَ مِنْهُ ذَاكَ يُجْتَنَبْ وَالْخُلْفُ فِي الْأُصُولِ قِيلَ تُقْسَمُ وَقِيلَ بَلْ تُحْبَسُ حِينَ تُغْنَمُ وَقِيلَ إِنْ شَاءَ الإِمَامُ قَسَمَا وَإِنْ يَشَا وَقَفَهَا وَعَمَّمَا فَهُوَ لِرَأْيِهِ فَقَطُ يَرْجِعُ فَكُلُّ مَا أَرَادَ مِنْهَا يَصْنَعُ قَدْ قَسَمَ الْمُخْتَارُ أَصْلَ خَيْبَرَا وَوُقِّفَتْ فَارِسُ عَصْرَ عُمَرَا فَجُعِلَتْ لِلْمُسْلِمِينَ صَافِيَهْ (2) مَصْلَحَةً عَلَى الْجَمِيعِ مَاضِيَهْ وَمَنْ بَغَى فَيُطْلَبُ الرُّجُوعُ مِنْهُ إِلَى مَا يَقْتَضِي الْمَشْرُوعُ فَإِنْ أَبَى فَإِنَّهُ يُقَاتَلُ وَتُقْطَعُ الأَسْبَابُ وَالوَسَائِلُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُغْنَمَ مَالُهُ وَلَا تُسْبَى ذَرَارِيهِ فَكُلُّ حُظِلَا (3)
(1) قوله: «والغلول» هو الأخذ من الغنيمة على وجه الاختلاس والسرقة، قال الله تعالى: {وَمَن يَعْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ} [آل عمران: 161].
(2) قوله: صافيه: أي: بيت مال يستغله الإمام أو من يقوم مقامه، وينفذ غلته في مصلحة الدين، وتقويم أمر المسلمين.
(3) حظلا: أي: منع. (2/257)
صفحة 867
بَابُ الجِهَاد
الجزء الثالث
257
كَذَاكَ لَا يُتْبَعُ مِنْهُمْ مُدْبِرُ كَذَا الْجَرِيحُ مَا عَلَيْهِ يُجْهَرُ إِلا إِذَا كَانَ لَهُمْ سُلْطَانُ يُمِدُّهُمْ أَوْ لَهُمُ أَعْوَانُ فَيُتْبَعُ الْمُدْبِرُ وَالْجَرِيحُ يُجَازَ) إِذْ بَغْيُهُمُ صَرِيحُ لِذَا عَلِيٌّ كَانَ فِي يَوْمِ الْجَمَلْ لَمْ يَتْبَعِ الْمُدْبِرَ بَلْ مِنْهُ حَظَلْ وَلَمْ يُجِزْ عَلَى جَرِيحٍ وَعَكَسْ فِي حَرْبِ صِفِّينَ إِذِ الْأَمْرُ انْعَكَسُ وَقَاتِلُ الزُّبَيْرِ يَوْمًا بَشَرَهُ بِالنَّارِ حَيْثُ إِنَّهُ قَدْ حَجَرَهُ نَادَى مُنَادِيهِ بِأَنْ لَا يُتْبَعُ مُدْبِرُهُمْ وَأَمْرُهُ مُتَّبَعُ فَأَدْبَرَ الزُّبَيْرُ قَبْلَ الوَاقِعَة قَامَ لَهُ قَاتِلُهُ وَتَابَعَهُ وَلأَبِي الحُرِّ مَعَ الْمُخْتَارِ حَلٌّ عَلَى الْقَتْلِ مَعَ الْإِدْبَارِ يَوْمَ قُدَيْدٍ إِذْ لَهُمْ جَبَّارُ رِدْءُ (3) وَمَا سَاعَفَهُ الْمُخْتَارُ وَكَانَ فِيهَا لأَبِي الْحُرِّ النَّظَرُ لأَنَّهُ مَارَسَهُمْ وَقَدْ نَظَرْ وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ نَجْلُ قَيْسٍ بِرَأْيِهِ يَأْخُذُ عِنْدَ الْبَأْسِ
(4)
وَمَنْ رَأَى أَبَاهُ فِي الْقِتَالِ جَازَ لَهُ الإِعْرَاضُ فِي الْمَجَالِ
(1) قوله: يجاز: أي: يقتل. (2) المختار بن عوف أبو حمزة الشاري، وأبو الحر هو علي بن الحصين العنبري، وكان من خيار علماء المسلمين وفُقَهَائِهِمْ ورجال الدين في القرن الثاني من أهل مكة، ومن الأغنياء الذين
خدموا الدين بأموالهم، وهو من رجال أبي حمزة رحمهم الله. (أبو إسحاق)
(3) قوله: ردء: أي: عون وظهير.
(4) قوله إبراهيم هو الإمام العدل إبراهيم بن قيس بن سليمان الحضرمي، البطل الكرار، والفارس المغوار، والشاعر البليغ، والفقيه الكبير
رحمه الله ورضي عنه. (2/258)
صفحة 868
258
يَتْرُكُهُ
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
ـهُ يَقْتُلُهُ سِوَاهُ لأَنَّهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ رَبَّاهُ وَإِنْ تَوَلَّى قَتْلَهُ جَازَ لِمَا يَفْهَمُهُ مَنْ لِلْمَعَانِي فَهِمَا إِذْ فِي مَعَانِي الذِّكْرِ الْوَالِدَانِ كَغَيْرِهِمْ فِي الْحَقِّ هُمْ سِيَّانِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَقُومُوا وَالوَالِدَيْنِ مِنْ هُنَا مَنْهُومُ وَيُعْقَرُ الْكُرَاعُ (2) وَالسَّلَاحُ يُكْسَرُ فِي الْبَغْيِ لِمَا يُبَاحُ وَلَا ضَمَانَ فِيهِ بِالإِجْمَاعِ لأَنَّ بَغْيَهُمْ عَلَيْهِ سَاعِي وَذَاكَ إِنْ لَمْ يَقْدِرَنْ عَلَيْهِمُ مِنْ دُونِ عَقْرٍ أَوْ بِكَسْرِ لَهُمُ وَالْحَرْقُ لِلْبُيُوتِ وَالأَمْوَالِ فِيهِ اخْتِلَافُ الْعُلَمَا بِحَالِ كَانَ طَرِيقُ الْمُتَقَدِّمِينَا عَلَى امْتِنَاعِهِ بِذَا يُفْتُونَا مِنْ ثَمَّ أَرْسَلَ الْمُهَنَّا الْأُمَنَا إِلَى تُوَامِ يَكْشِفُوا مَا ضُمِنَا كَانَ بِهَا بَنُو الْجُلَنْدَا طَلَبُوا مُلْكًا وَبِالْخَيْبَةِ مِنْهُ انْقَلَبُوا قَامَ لَهُمْ وَالِي صُحَارَ فَهَزَمْ وَحَرَقَ القَائِدُ فِيهَا وَهَدَمْ فَأَرْسَلَ الإِمَامُ مَنْ يَدْعُوهُمُ لأَخْذِ حَقِّهِمْ وَمَا يَلْتَزِمُ
(1) قوله: وَالْوَالِدَيْنِ: بالعطف على «ولو على أنفسكم».
(2) قوله: الكُراع: بضم الكاف، أي: الخيل. (3) قوله: المهنا: هو الإمام المهنا بن جيفر الخروصي وتوام هي صحار، وقيل: ما بعد عن البحر فهو صحار؛ وما قرب منه فهو توام، كذا سمعت بعض الرواة عن ذلك بصحار.
(*) ذكر الشيبة في نهضة الأعيان أن البريمي تسمى قديما توام، وهذا هو المعروف. (إسماعيل) (2/259)
صفحة 869
بَابُ الجِهَاد
الجزء الثالث
259
وَالْمُتَأَخِّرُونَ قَدْ تَرَبَّصُوا فَعَمَّمُوا تَضْيِيعَهُ مَا خَصَّصُوا رَأَوْهُ قُوَّةً) عَلَى الْبَغْيِ فَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ قُوَّةٍ فَلتُحْسَمَا (2) حَتَّى إِذَا مَا أُمِنَ الشَّرُّ مُنِعْ مَا كَانَ قَبْلَ ذَاكَ غَيْرُ مُمْتَنِعْ لأَنَّهُمْ إِخْوَانُنَا وَلَهُمْ جَمِيعُ مَا لَنَا كَذَا عَلَيْهِمْ وَمَالُ أَهْلِ الْبَغْيِ لَا يَحِلُّ وَإِنْ يَكُنْ قَوْمُ لَهُ اسْتَحَلُّوا خَوَارِجٌ غَلَتْ (3) وَصَارَتْ مَارِقَهُ مِنْ دِينِهَا صُفْرِيَّةٌ أَزَارِقَهُ فَحَكَمُوا بِحُكْمِ الْمُشْرِكِينَا جَهْلًا عَلَى بُغَاةِ الْمُسْلِمِينَا فَعَرَضُوا لِلنَّاسِ بِالسَّيْفِ كَمَا قَدِ اسْتَحَلُوا الْمَالَ مِنْهُمْ مَغْنَمَا وَأُمَّةُ الْمُخْتَارِ فَارَقَتْهُمُ وَضَلَّلَتْهُمْ وَفَسَّقَتْهُمُ وَوَرَدَتْ فِيهِمْ عَنِ الْمُخْتَارِ جُمْلَةُ أَخْبَارٍ مَعَ الآثَارِ وَفِيهِمُ المُرُوقُ (4) يُعْرَفَنَّا وَمِنْهُمْ لَا شَكٌّ نَبْرَأَنَّا وَلَمْ يَكُنْ غُنْمٌ بِيَوْمِ الْجَمَلِ وَيَوْمِ صِفِّينَ وَسَبْيٌّ مِنْ عَلِي يَوْمَ الدَّارِ أَيْضًا لَمْ يَكُنْ سَبْيٌّ وَلَا غُنْمٌ فَكَيْفَ يُقْبَلَنْ
كَذَاكَ
(1) قوله: «رأؤه قوة»، يعني: إحراق النخيل والمنازل.
(2) أي تقطع.
(3) قوله: غلت: تجاوزت الحد في الْغُلُو في الدين؛ ولذلك يُسَمَوْنَ بالغلاة.
(4) قوله: «وفيهم المروق يعرفنا»، أي: الخروج من الدين؛ المَعْنِي بقوله: «يمرقون من الدين
كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة». (2/260)
صفحة 870
260
الجزء الثالث
كتاب نظام العالم
فِعْلُهُمُ الْحُجَّةُ فِيمَا فَعَلُوا وَنَقْلُهُمْ فِيمَا لَهُ قَدْ نَقَلُوا وَلَمْ يَكُنْ لِلعُمَرَيْنِ فِيهِمُ سَبْيٌّ وَلَا غُنْمٌ كَمَا قَدْ زَعَمُوا لأَنَّ خَصْمَهُمْ بِالِارْتِدَادِ يَدْعُونَ لَا بِالْبَغْيِ وَالْفَسَادِ تَأَوَّلَ السَّابِي لَهُمْ يَوْمَ (دَبَا) (2) وَأَنْكَرَ الْفَارُوقُ ذَاكَ المَذْهَبَا فَزَعَمَ الْغُلَاةُ أَنَّ هَذَا وَجْةٌ يَكُونُ لَهُمْ مَلَاذَا تَعَلَّقُوا فِيهِ بِنَفْسِ الزَّلَلِ وَمَا أَتَى مِنْ نَحْوِ ذَا لَمْ يُقْبَلِ لَا يَسْتَوِي مَنْ كَانَ ذَا جِهَادِ وَقَاعِدِ بِيْنَ النِّسَا فِي النَّادِي وَاللهُ مَعْ كُلِّ امْرِئٍ مُجَاهِدِ يُمُدُّهُ بِالنَّصْرِ وَالفَوَائِدِ وَأَنْتَ مَأْمُورٌ بِهِ فِي الذِّكْرِ فَقُمْ لَهُ مُمْتَشِلًا لِلأَمْرِ مَنْ يَنْصُرِ الرَّحْمَنَ يَنْصُرْهُ وَمَن يُطِعْهُ فَالْخَلْقَ لَهُ يُسَخَّرَنْ هَبُوا لِرَبِّي أَنْفُسًا تَمُوتُ يَرُدُّهَا لَكُمْ فَلَا تَمُوتُ وَأَقْرِضُوهُ أَنْفُسًا سَاعَاتِ يَرُدُّهَا فِي الْخُلْدِ خَالِدَاتِ
(1) قوله للعمرين هما: أبو بكر وعمر
لما
(2) قوله: يوم دبا: أي: يوم وقعة دَبا، وهي ملحمة مشهورة، كانت في خلافة سيدنا الصديق له، منع أهلها الزكاة ونادت امرأة منهم قومها بقولها يا قوماه فظنها قائد أبي بكر أنها قد ارتدت عن الإسلام؛ أولًا بمنعها الزكاة وثانيا بندائها لقومها بدعاء الجاهلية، فلما تعصب لها قومها قاتلهم ذلك القائد، فظهر عليهم، وسبا ذريتهم، وحمل السبي معه إلى المدينة، فرده الخليفة الثاني عمر ه. ودبا بفتح الدال قرية واسعة على شاطئ الخليج العربي من عُمان، بالقرب من جبال الشحوح المعروفة. (2/261)
صفحة 871
بَابُ الجِهَاد
الجزء الثالث
261
يُعْطِكُمُ مَرَاتِبًا سَنِيَّهْ وَدَرَجَاتٍ عِنْدَهُ عَلِيَّهُ مَوْتُ الشَّهِيدِ لَهُوَ الْحَيَاةُ دَلَّتْ عَلَيْهِ عِنْدَنَا الْآيَاتُ فَاقْرَأْ إِذَا مَا شِئْتَ بَلْ أَحْيَاءُ وَيُرْزَقُونَ ثَمَّ مَا يَشَاؤُوا إِنَّ الشَّهِيدَ يَسْتَقِلُّ مَا جَرَى مِنْ قَتْلِهِ مَعْ مَا مِنَ الْفَضْلِ يَرَى يَوَدُّ أَنْ لَوْ يَرْجِعَنْ فَيُقْتَلَا جُمْلَةَ مَرَّاتٍ لِيُحْرِزَ الْعُلَى مَا مِنْ فَتًى يَوَدُّ يَرْجِعَنَّا إِلَى الدُّنَا) مِن بَعْدِ يَخْرُجَنَّا إِلَّا الشَّهِيدَ هِيدَ كَيْ يُجَاهِدَنَّا فَيُدْرِكَنْ بِذَاكَ مَا تَمَنَّى
لَوْ عَشْرَ مَرَّاتٍ يَوَدُّ الْقَتْلَا لِمَا رَأَى مِنْ شَرَفٍ لِلْقَتْلَى
(2)
فَمَنْ غَزَا لَوْ مَرَّةً يَسْتَوْجِبُ بِذَاكَ جَنَّةٌ بِهَا يُرَغَبُ فَاسْتَفْتِحُوا الْجَنَّةَ بِالسَّيْفِ فَفِي ظِلَالِهِ جَنَّةُ خُلْدِنَا تَفِي فَأَسْأَلُ الرَّحْمَنَ مَوْتًا فِيهِ أَعْلَا الشَّهَادَاتِ بِهَا أُرْضِيهِ وَرَحِمَ اللهُ امْرَأَ قَدْ سَمِعَا وَقَالَ يَا رَبِّ اسْتَجِبْ هَذَا الدُّعَا
(1) قوله: الدنا: أي: الدنيا.
(2) جمع قتيل. (2/262)
صفحة 872
262
الجزء الثالث
كتاب القضاء
كتاب القضاء
بابُ صفةِ الْقَاضِي وَآدَابِهُ
وَالفَصْلُ بَيْنَ المُتَخَاصِمَيْنِ هُوَ القَصَا مِنْ حَاكِمِ أَمِينِ حُرِّ فَلَيْسَ لِلرَّقِيقِ يَقْضِي وَقِيلَ مَهْمَا وَقِيلَ مَهْمَا حَكَمَاهُ يَمْضِي. وَذَاكَ فِيمَا حَكَمَاهُ فِيهِ إِنْ كَانَ عَنْ إِذْنِ الَّذِي يَلِيهِ كَذَلِكَ الْأَعْجَمُ لَا يُحَكِّمُ كَذَا الأَصَمُّ إِنْ يَفْتُهُ الكَلِمُ وَإِنْ يَكُنْ يَسْمَعُ قَوْلَ الْخُصَمَا كَانَ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَحْكُمَا وَالْخُلْفُ فِي الأَعْمَى فَقِيلَ يَقْضِي بَيْنَهُمَا وَقِيلَ لَيْسَ يَقْضِي إِذْ لَا يَكُونُ حَاكِمًا مَنْ لَمْ يَكُنْ يَصْلُحُ شَاهِدًا عَلَى وَصْفٍ زُكِنْ لأَنَّمَا الْحُكْمُ عَلَى الأَشْخَاصِ يَحْتَاجُ لِلْإِبْصَارِ وَالإِشْخَاصِ وَالْمَنْعُ ظَاهِرٌ إِذَا مَا كَانَا هُنَاكَ جَبْرٌ يَلْزَمُ الإِنْسَانَا أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُ فِيهِ جَبْرُ فَلَيْسَ لِلْمَنْعِ مَحَلَّ يَعْرُو مَا كَلَامُهُ مُوَجَّهُ فِي الْحُكُم فِي الدَّعْوَى الَّتِي تَوَجَّهُ وَذَاكَ كَالْإِفْتَاءِ هَلْ مِنْ مَانِعِ لَهُ مِنَ الْإِفْنَا بِأَمْرِ نَافِعِ وَقِيلَ مَنْ جَازَتْ لَهُ الشَّهَادَهُ جَازَ لَهُ الْحُكْمُ خَلَا أَوْلَادَهُ فَإِنَّهُ لَا يَشْهَدَنْ لَهُمْ وَلَا يَحْكُمْ وَقِيلَ يَشْهَدَنْ فَيُقْبَلَا نَخْتَارُ لِلْقَضَا فَتًى ذَا عِلْمٍ فِيمَا قَضَى عَنْ ذَنْبِهِمْ ذَا حِلْمِ
(*) أي يمضي حكمه أو يمضي هو في ا
القضاء
بين المتخاصمين. إسماعيل) (2/263)
صفحة 873
بابُ صفةِ الْقَاضِي وَآدَابِهْ
الجزء الثالث
263
مُحْتَمِلًا لِلَّوْمِ عَنَّا ذَا وَرَحْ لَمْ يَتَحَرَّكَنَّ قَطُّ لِطَمَعْ
الْقَصَا يَرَى
(1)
مُشَاوِرًا أَهْلَ الْهُدَى فِيمَا عَنَا فِيهِ بَلَاءً بَيِّنَا فَمَنْ أَحَبَّ أَنَّهُ لَمْ يُعْزَلِ لَا يَسْتَحِقُ لِلْقَضَا فَلْيُعْزَلِ إِنَّ السَّعِيدَ مَنْ بِغَيْرِهِ اكْتَفَى وَذُو الشَّقَا مَنْ بِالْهَوَى تَعَسَّفَا فَقَاضِيَانِ قَدْ رُوِي فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي جَنَّةِ الأَبْرَارِ فَالْأَوَّلانِ جَائِرٌ وَجَاهِلُ وَالثَّالِثُ الْعَالِمُ وَهْوَ الْعَادِلُ وَذَا يَدُلُّ أَنَّ الْاشْقِيَاءَ أَكْثَرُ فِي النَّاسِ كَمَا تَرَاءَى وَهُوَ وَإِنْ كَانَ عَظِيمَ الْخَطَرِ فَفَضلُهُ أَيْضًا عَظِيمُ الْخَطَرِ) وَإِنَّهُ مَضَلَّةُ الأَنْهَامِ بَلْ إِنَّهُ مَزَلَّةُ الأَقْدَامِ مِنْ ذَاكَ قِيلَ إِنَّهُ قَدْ ذُبِحَا بِغَيْرِ سِكِّينٍ حَدِيثًا وَضَحَا كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الْأَمْرِ بِهِ وَقِيلَ بَلْ كِنَايَةٌ عَنْ فَضْلِهِ وَسَاعَةٌ (2) يَعْدِلُ فِيهَا الوَالِي أَفْضَلُ مِنْ قِيَامِهِ لَيَالِي وَلَيْسَ لِلْوَالِي وَلَا لِلْقَاضِي يَزِيدُ فَوْقَ مَا الْإِمَامُ قَاضِي يَحْكُمُ فِيمَا عَيَّنَ الإِمَامُ فَإِنْ يَزِدْ فَإِنَّهُ يُلَامُ وَيَضْمَنَنْ جِنَايَةَ التَّعَدِّي إِنْ زَادَ شَيْئًا فَوْقَ ذَاكَ الْحَدِّ
(1) قوله: عظيم الخطر: الأولى بمعنى المخاطرة، والثاني بمعنى القدر ـ فهو جناس تام متماثل. (المصنف) (2) قوله: وساعة: مبتدأ على الاتساع في الظرف، سوغ الابتدا بها ما فيها من معنى الوصفية، ويجوز نصبها على الظرفية. (2/264)
صفحة 874
264
الجزء الثالث
كتاب القضاء
وَخَطَلُ الْحَاكِمِ يُخْرَجَنَّا مِن بَيْتِ مَالِ اللَّهِ يُنْفَذَنَّا وَمَا عَلَيْهِ أَنْ يُضَيِّفَنَّا فَإِنْ يُضَيِّفْهُمْ فَيُنْصِفَنَّا) يُضَيِّفُ الْخَصْمَيْنِ طُرًّا مُنْصِفَا أَوْ يَتْرُكُ الْجَمِيعَ إِنْ تَعَفَّفَا كَذَلِكَ الْكَلَامُ لَا يُكَلِّمُ بَعْضَهُمُ أَكْثَرَ حِينَ يَحْكُمُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ فَلَا يَرُدُّ سَلَامَ بَعْضِهِمْ إِذَا مَا يَبْدُو لَكِنْ يَرُدُّهُ إِذَا مَا حَكَمَا وَقِيلَ بَلْ يَرُدُّ حِينَ سَلَّمَا لأَنَّمَا السَّلَامُ لَيْسَ فِيهِ إِيثَارُ بَعْضِهِمْ فَيَسْتَجْفِيهِ " وَبَعْضُهُمْ أَحَبَّ أَنْ يُعَمِّمَا فِي رَبِّهِ كَقَوْلِهِ عَلَيْكُمَا
(4)
وَالقَاضِي لَا يَفْتَحُ لِلْخُصُومِ مِنْ حُجَّةٍ فِي ذَلِكَ الْمَعْلُومِ لَكِنَّهُ يَلْزَمُ حُكْمَ الْبَارِي لِكَيْ يَفُوزَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ
الْعُلَمَا
وَقِيلَ فِي الْحَاكِمِ لَمَّا حَكَمَا لِرَجُلٍ بِرَأْيِ بَعْضِ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَنَا أَنْ يَحْكُمَا لِغَيْرِهِ بِضِدِّهِ لِيَسْلَمَا وَإِنْ رَأَى الْعَدْلَ بِهِ تَحَوَّلَا إِلَيْهِ عَمَّا بِهِ تَحَوَّلَا إِلَيْهِ عَمَّا قَدْ أَتَاهُ أَوَّلَا
(0)
وَيَلْزَمُ الْحَاكِمَ لِلرَّعِيَّةِ يَجْعَلَهُمْ فِي الْحُكْمِ بِالسَّوِيَّةِ
(1) قوله: وخطأ: أي: ضمان الخطأ في الحكم، وما يلزم فيه من الغُرم، فإنه يخرج من بيت المال. (2) قوله: يُضَيِّفَنَّا أي ليس عليه إطعام الضيوف الذين يقصدونه للحكم بينهم.
(3) قوله: فيستجفيه: أي: يُدخل عليه الجفاء.
(4) قوله: يُعَمِّما أي: يعم بردّه السّلام بأن يأتي بصيغة الجمع.
(5) قوله: يجعلهم منصوب بأن مقدرة، فاعل يلزم. (2/265)
صفحة 875
بابُ صفةِ الْقَاضِي وَآدَابِهْ
الجزء الثالث
265
حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ كَالأَسْنَانِ أَسْنَانِ مِشْطِ فَافْهَم الْمَعَانِي وَمَا لَهُ أَنْ يَقْبِضَ الْهَدَايَا إِنْ أُهْدِيَتْ لَهُ مِنَ الرَّعَايَا إِلَّا لِمَنْ كَانَ لَهُمْ يُهَادِي قَبْلَ الْقَصَا مِنْ صَاحِبِ جَوَادِ وَإِنْ يَكُنْ قَدْ قَبَضُوهَا جَهْلَا تُرَدُّ لِلَّذِي يَكُونُ أَهْلَا إِمْسَاكُهَا عَنْ أَهْلِهَا حَرَامُ أَمْسَكَهَا الْقَاضِي أَوِ الإِمَامُ إِنْ تَلِفَتْ فَمِثْلُهَا يُرَدُّ أَوْ قِيمَةُ الْمِثْلِ لَهُمْ يُعَدُّ وَعُمَرُ الثَّانِي وَهُوَ نَجْلُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ لَا تَحِلُّ قَدْ أُهْدِيَتْ لَهُ فَرَدَّهَا إِلَى مَنْ كَانَ أَهْدَاهَا وَمَا تَقَبَّلَا قِيلَ لَهُ الْمُخْتَارُ مِثْلَهَا قَبِلْ قَالَ هَدَّيَةٌ لَهُ حَتْمًا تَحِلْ وَإِنَّهَا فِي مِثْلِنَارُشَاءُ بِرَدِّهَا طَابَ لَهُ النَّنَاءُ وَالْخُلْفُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَّجِرَا وَالِي الإِمَامِ بَعْضُهُمْ قَدْ حَجَرَا وَهَكَذَا الْقَاضِي كَذَا الشُّرَاةُ لأَنَّهُمْ عَلَى الْوَرَى وَلَاةُ وَكَانَ بَعْضُ مِنْ شُرَاةِ عُمَرَا بمصْرَ قَامَ يَزْرَعَنَّ وَالْبَرَى وَكَانَ نَجْلُ الْعَاصِ لَمْ يُمَانِعَهُ بَلْ عَرَّفَ الْفَارُوقَ بِالْمُزَارَعَهُ فَأَزْعَجَ الفَارُوقُ ذَاكَ الزَّارِعَا إِلَيْهِ ثُمَّ أَغْلَظَ الثَّمَانُعَا
هَدَّدَهُ بِمَا بِهِ يَعْتَبِرُ
سِوَاهُ كَيْفَ الْحَالُ فِيمَنْ يَتْجُرُ
وَقَدْ رُوِي فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ لَعْنُ فَمَا الْجَوَازُ بِالْمَرْضِيِّ
(1)
أَغْلَظَ،
وفي نسخة: غَلَّظ. (2/266)
صفحة 876
266
الجزء الثالث
كتاب القضاء
وَإِنْ يُرِدْ شِرَاءَ شَيْءٍ أَمَرَا مَنْ يَشْتَرِي لَهُ وَلَا يُخَبِّرًا كَذَاكَ بَيْعُهُ لِمَا يَشَاءُ كَرَاهَةً يَدْخُلُهُ الحَيَاءُ كَذَاكَ قَدْ يُخْشَى بِأَنْ يُدَاهَنَا فَيُرْخَصَنْ لَهُ وَلَمْ يُزَابَنَا) مِنْ هَاهُنَا الإِمَامُ لَا يُحَلُّ بِطَلَبِ الْحِلَّ وَإِنْ قَدْ حَلُّوا لَكِنْ إِذَا مَا بَدَلُّوا بِالْحِلَّ جَازَ لَهُ الْقَبُولُ عِنْدَ الكُلِّ إِنْ نَسِيَ الْحَاكِمُ مَا قَدْ حَكَمَا وَمَا بِهِ أَقَرَّ مَنْ قَدْ خَصَمَا فَمَا عَلَيْهِ فِيهِ مِنْ ضَمَانِ إِذْ ثَبَتَ الْعَفْوُ عَنِ النِّسْيَانِ وَإِنْ يَكُنْ بِصَرْفِ شَيْءٍ قَدْ حَكَمْ وَلَمْ يَكُنْ فِي الشَّرْعِ صَرْفُهُ لَزِمْ فَهَاهُنَا يَضْمَنُ وَالإِنْفَاذُ مِنْ بَيْتِ مَالِ اللَّهِ وَالْإِنْقَاذُ وَقِيلَ يُجْزِي رَجُلٌ فِي الْحُكْمِ لِحُجَّةِ الْحَاكِمِ عِنْدَ الْخَصْمِ ذُو ثِقَةٍ يُرْسِلُهُ فَيَنْظُرُ مَا كَانَ ثَمَّ فِيهِ قَدْ يُشْتَجَرُ (2) فَيَحْكُمَنْ بِقَوْلِهِ إِذْ قَوْلُهُ يَكُونُ عِنْدَ اللهِ حُجَّةً لَهُ وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ وَالْفَقِيهِ زِيَادَةٌ عَمَّا تُدُوعِي فِيهِ قَدِ ادَّعَى مَنِ ادَّعَى نَخِيلَا وَشُرْبَهَا فِيمَا لَنَا قَدْ قِيلَا فَحَكَمَ الشَّيْخُ فَتَى مَحْبُوبِ بِالنَّخْلِ دُونَ الشُّرْبِ فِي الْوُجُوبِ فِي ذَاكَ إِذْ لَمْ يَقُلِ بِشُرْبِهَا مِنْ مَائِهِ المُحَصَّلِ
(1) المزابنة: المزايدة في الثمن اهـ. (المصنف) (2) يُشْتَجَرُ: أَي: يُخْتَلَفُ. (2/267)
صفحة 877
باب الدعاوي
الجزء الثالث
267
قِيلَ لَهُ فَلَا يَكُونُ الشُّرْبُ إِلَّا مِنَ الْمَاءِ تَرَاهُ الْعُرْبُ قَالَ لَهُمْ لَيْسَ لَنَا زِيَادَهُ عَلَى الدَّعَاوِي فَافْهَمِ الإِفَادَهُ وَلَيْسَ لِلْقَاضِي بِأَنْ يَحْكُمَ فِي شَيْءٍ إِذَا كَانَ لَهُ لَمْ يَعْرِفِ وَلَا لَهُ أَنْ يَتَخَيَّرَنَا مَا شَاءَ مِنْ قَوْلٍ فَيَحْكُمَنَّا بَلْ يَتَحَرَّى الْعَدْلَ فِيمَا يَحْكُمُ وَيَأْخُذُ الْأَرْجَحَ فِيمَا يَعْلَمُ إِنْ عَدِمَ التَّرْجِيحَ فَلْيُشَاوِرِ فِي أَمْرِهِ إِلَى فَقِيهِ مَاهِرِ وَلْيَتَحَرَّ الْحَقَّ إِنْ لَمْ يَجِدِ لِذَاكَ مَنْ بِرَأْيِهِ قَدْ يَقْتَدِي فَإِنَّمَا الْمَمْنُوعُ إِتْبَاعُ الْهَوَى وَإِنَّمَا لِكُلِّ شَخْصٍ مَا نَوَى
باب الدعاوي
وَيَنْظُرُ الْحَاكِمُ فِي الدَّعَاوِي فِي قَاصِرٍ مِنْ لَفْظِهَا وَحَاوِي فَفِي الدَّعَاوِي صَادِقٌ وَكَاذِبُ وَالْمُدَّعِي فِيهَا هُوَ الْمُطَالِبُ (1) وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَهْمَا اعْتَرَفَا فَالْأَمْرُ سَهْلٌ أَلْزِمَنَّهُ الْوَفَا وَإِنْ يَكُنْ لِذَاكَ يُنْكِرَنَّا فَصَاحِبُ الدَّعْوَى يُبَيِّنَنَّا بِشَاهِدَيْنِ يُثْبِتَنَّ الْحَقَّا أَوْ فَيَمِينَ خَصْمِهِ اسْتَحَقَّا وَالْحُكْمُ بِالَّذِي هُنَا قَدْ ذُكِرَا فَصْلُ الْخِطَابِ إِسْمُهُ بَيْنَ الوَرَى أُوتِيهِ دَاوُدَ النَّبِيَّ الْمُصْطَفَى وَقَدْ مَضَى عَلَيْهِ مَنْ قَدْ سَلَفَا
(1) قوله: هو المطالب: بكسر اللام، أي: فاعل الطلب، وهو تعريف للمُدَّعِي، كما أَنَّ المُدَّعَى عليه هو المطالب بفتح اللام أي المطلوب، فالمُدَّعِي هو الطالب، والمُدَّعَى عليه هو المطلوب. (2/268)
صفحة 878
268
الجزء الثالث
كتاب القضاء
أَقَرَّهُ الْمُخْتَارُ فِيمَا رُفِعَا فَتَرْكُهُ خِلَافُ مَا قَدْ شُرِعَا لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بِحَسْبِ الدَّعْوَى لَكَانَ كُلُّ يَدَّعِي مَا يَهْوَى وَلَاسْتَحَلَّ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ دِمَاءَهُمْ وَمَالَهُم فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُصَدِّقَا خَصْمًا عَلَى خَصْمٍ وَلَوْ مُوَثَّقَا لَوْ كَانَ كَالصِّدِّيقِ فِي الْفَضْلِ ادَّعَى فِي دَانِقٍ مَقَالُهُ لَمْ يُسْمَعَا لَوْ كَانَتِ الدَّعْوَى عَلَى يَهُودِي إِلَّا إِذَا مَا جَاءَ بِالشُّهُودِ وَقَالَ غَسَّانُ سَلِيلُ الْخَضِرِ (1) (2) مَسْأَلَةً نَذْكُرُهَا لِلنَّظَرِ وَذَاكَ فِي الْمُسْلِمِ وَالذُّمِّيَّ تَخَاصَمَا بَيْنَهُمَا فِي شَي وَلَمْ يَكُنْ فِي يَدِ وَاحِدٍ وَلَا هُنَاكَ شَاهِدَانِ فِيهِ قُبِلَا قَالَ بِهِ الْمُسْلِمُ هَاهُنَا أَحَقُّ سَلِيلُ مَحْبُوبِ إِلَى هَذَا سَبَقٌ وَكَانَ مُوسَى بْنُ عَلِيٌّ حَكَمَا بِأَنَّهُ نِصْفَانِ مَا بَيْنَهُمَا وَهْوَ نَظِيرُ الْحُكْمِ بَيْنَنَا وَمَا أَحْسَنَ هَذَا عِنْدَ مَنْ قَدْ عَلِمَا لأَنَّهُ أَقْرَبُ لِلإِنْصَافِ لِجَعْلِنَا الْعَدَقَ كَالمُصَافِي وَأَوَّلُ الْقَوْلَيْنِ فِي التَّصَلُّبِ أَقْوَى فَمَا الْمُسْلِمُ فِي ذَا كَالأَبِي" وَرَاكِبٌ وَقَائِدُ الْبَهِيمَهُ كِلَاهُمَا ذُو الْيَدِ فِي الْخُصُومَة
(3)
(1) قوله: عشان سليل الخضر: وهو غَسَّان بن محمد بن الخضر الصلاني، يكنى أبا مالك، وهو شيخ أبي محمد. (المصنف)
(2) قوله: غَسَّان هو أبو مالك غسان بن الخضر الصلاني نسبة إلى صلان، بلد على ساحل الخليج العربي تبعد عن صحار ثلاثة أميال من جهة الشمال، وهو شيخ العلامة إبي محمد عبد الله بن محمد البهلوي. (3) كالأبي: أي: كالكافر الممتنع عن الإسلام. (2/269)
صفحة 879
باب الدعاوي
الجزء الثالث
269
في
إِنَّ عَلَى الْوَاحِدِ فِيهَا بَيِّنَهُ عَادِلَةٌ تَأْتِي بِمَا قَدْ بَيَّنَهُ إِنْ عَجَزَاهَا اسْتُحْلِفَا جَمِيعًا وَقُسِمَتْ بَيْنَهُمَا تَوْزِيعَا فَإِنْ أَبَاهَا وَاحِدٌ فَمْنَ حَلَفْ فَهْيَ لَهُ حُكْمًا وَلَيْسَ يُخْتَلَفْ وَالْقَوْلُ لِلْحَيِّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ وَهَكَذَا فِي الْمُتَسَاكِنَيْنِ إِذَا ادَّعَى شَيْئًا لَهُ فِي الْمَنْزِلِ لَكِنْ مَعَ الْيَمِينِ إِنْ لَمْ يَقْبَلِ وَقِيلَ كُلُّ وَاحِدٍ يُصَدَّقُ فِيمَا يُلَائِمَنَّهُ (1) لَا يُطْلَقُ آلَةِ الْحَرْبِ الْمَقَالُ لِلرَّجُلْ وَنَحْوِهَا وَكُلِّ مَا قَدْ يَشْتَمِلْ وَآلَةُ النِّسَا فَقَوْلُ الْمَرْأَةِ يُقْبَلُ فِيهَا دُونَ مَا بَيِّنَةِ وَإِنْ يَكُنْ قَدِ ادَّعَى مَا لِلنِّسَا أَوِ ادَّعَتْ مَا أَمْرُهَا قَدْ عُكِسَا يُطْلَبُ كُلُّ وَاحِدٍ بِحُجَّةِ لَمْ يَكْفِهِ الْيَمِينُ عِنْدَ الْقَوْلَةِ) وَأَعْجَبَ الأَصْلَ الْمَقَالُ الأَوَّلُ لِمَا بِهِ مِنْ حَالَةٍ تَحْتَمِلُ إذْ تَمْلِكُ النِّسَاءُ آلَةَ الرَّجُلُ كَذَلِكَ الْفَتَى إِلَيْهِ يَنْتَقِلْ وَالْخَصْمُ إِنْ قَالَ عَلَيْهِ لِي فَلَا يُلْزِمُهُ الْحَاكِمُ أَنْ يُفَضِّلَا وَإِنْ يَقُلْ لِي عِنْدَهُ فَيَلْزَمُ سُؤَالُهُ إِنْ شَاءَهُ مَنْ يَخْصِمُ) إِذْ قَوْلُهُ عَلَيْهِ غَيْرُ عِنْدَهُ مِنْ هَاهُنَا يَلْزَمُ أَنْ يَحُدَّهُ
(1) قوله: يُلائِمَنَّهُ: أي: يوافقنه ويَلِيقُ به.
(2) القولة هنا الدعوى. (*) الإمام نور الدين الله يستعمل خَصَمَ بمعنى نازع في الشيء، وقد يكون ذلك جريا على الاستعمال العُماني، والأصل أنّ خصم بمعنى غلبه في الحجة. (إسماعيل) (2/270)
صفحة 880
270
الجزء الثالث
كتاب القضاء
وَيَمْنَعُ الْحَاكِمُ مَالًا فِيهِ تَنَازُعٌ لَا أَحَدٌ يَحْوِيهِ وَإِنْ يَكُنْ لأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ فِيهِ يَدٌ لَا يَمْنَعُ الْيَدَيْنِ لِأَنَّها دَعْوَى عَلَيْهِ لَمْ تَصِحُ عَلَيْهِ فَالْمَنْعُ لِذَا لَمْ يَتَّضِحْ وَرَجُلٌ جَاءَ لِقَوْمٍ فَادَّعَى مَالًا لَهُ مَعْ مَيِّتٍ قَدْ وَدَّعَا وَإِنَّ أَهْلَ الْإِرْثِ صَدَّقُوهُ وَفِي يَدَيْهِ الْمَالَ أَطْلَقُوهُ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا عَلَيْهِ فِيمَا بِهِ قَدْ دَفَعُوا إِلَيْهِ وَبَعْضُهُمْ قَالَ لَهُمْ رُجُوعُ لِأَنَّهُ بِقَوْلِهِ مَدْفُوعُ وَرَجُلٌ قَدِ ادَّعَى فِي بَيْتِ شَيْئًا لَهُ وَالبَيْتُ بَيْتُ مَيْتِ وَقَدْ أَتَى بِشَاهِدَيْنِ عَدْلِ (1) فَقِيلَ أَخْذُ ذَاكَ غَيْرُ حِلٌ حَتَّى يُفَضِّلَا بِأَنَّهُ سُرِقَ أَوْ أَنَّهُ وَدِيعَةٌ قَدِ اسْتُحِقْ لأَنَّهُ مَاتَ وَمَانَتْ حُجَّتُهُ لَعَلَّهُ نَقَّلَ ذَاكَ هِبَتُهُ أَوِ اشْتَرَاهُ وَأُنَاسٌ قَالُوا بِشَاهِدَيْهِ أَخْذُهَا حَلَالُ لَوْ لَمْ يُفَضِّلَا كَمَا تَقَدَّمَا وَالاحْتِمَالُ لَا يُرَاعَى فَاعْلَمَا وَرَجُلٌ عَلَى فَتَاةٍ ادَّعَى بِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ مُنْدَفِعَا فَقَالَتِ الْفَتَاةُ كَانَ رَجُلِي " أَوْ كَانَ زَوْجِي بِكَلَامٍ عَجِلٍ فَبَعْضُهُمْ يَحْكُمُ بِالزَّوْجِيَّة حَيْثُ أَقَرَّتْ فَافْهَمِ الْقَضِيَّة
(1) قوله: «عدل» صفة لشاهدين، وإنما أفرده لكونه مصدرًا، وقد سبق بيانه.
(2) قوله: «كان رجلي»، أي: زوجي حقيقة عرفية عندنا. (2/271)
صفحة 881
باب الدعاوي
الجزء الثالث
271
وَقَوْلُهَا كَانَ فَلَيْسَ يُعْتَبَرْ وَقَالَ قَوْمٌ إِنَّ هَذَا يُعْتَبَرْ إِذْ لَمْ يَكُنْ إِقْرَارُهَا صَرِيحًا فَكَانَ قَوْلُهَا بِهِ مَطْرُوحَا إِذِ الأُمُورُ تَنْقَضِي فَيُخْبَرُ عَنْهَا بِكَانَ هَكَذَا إِذْ يُذْكَرُ وَامْرَأَةٌ قَدِ ادَّعَتْ طَلَاقَا مِنْ زَوْجِهَا لِتَأْخُذَ الصَّدَاقَا بِمَحْضَرٍ مِنْهُ فَقَالَ الزَّوْجُ قَدْ صَدَقَتْ صَحَ لَهَا الْخُرُوجُ الْمُصَدَّقَة فَلَا تَصِيرُ هَاهُنَا مُطَلَّقَهُ
وَإِنْ يَكُنْ قَالَ
هي
لأَنَّمَا تَصْدِيقُهَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ سِوَاهُ فِيمَا تَنْطِقَنْ وَمُدَّعِ زَوْجَتُهُ تَمْنَعُهُ مِنْ نَفْسِهَا تَحْلِفُ مَا تَمْنَعُهُ وَإِنْ تَكُنْ قَدْ رَدَّتِ الْيَمِينَا عَلَيْهِ حَلَّفْهُ لِيَسْتَبِينَا إِنْ حَلَفَ الزَّوْجُ فَتُحْبَسَنَّا لِكَيْ تُطِيعَهُ وَتُدْعِنَنَّا وَمَنْ لَهُ وَرَقَةٌ) قَدْ كُتِبَا حَقٌّ بِهَا عَلَى فَتَّى قَدْ وَجَبَا ثُمَّ ادَّعَى تَسْلِيمَهُ ذَاكَ الْفَتَى فَقَالَ بَعْضَهُ قَبَضْتُ إِذْ أَتَى فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَقِيلَ بَلْ (2) ثَانِيهِمَا أَحَقُّ وَرَجُلٌ قَدِ ادَّعَى دَرَاهِمَا عَلَى فَتًى فَقَالَ كَانَ لَازِمَا قَدْ كَانَ ذَاكَ فَهُنَا قَدِ اخْتُلِفْ فَقِيلَ لَا لُزُومَ إِذْ لَمْ يَعْتَرِفْ إِذْ لَمْ يُقِرَّ أَنَّهَا عَلَيْهِ بَلْ إِنَّهَا كَانَتْ فَمَا عَلَيْهِ
(1) ورقة: أي: صكّ؛ لأن أهل عُمان يسمون الصك ورقة.
.
(2) قوله: «وقيل بل إلخ» قلت: هذا هو الأصح عندي، ولا سيما في هذا الزمان، إذ قلّ أن تجد اليوم واحدا يؤدّي الحق وقَتَ حُلُولِهِ، ولو كان مُيَسْرًا. (2/272)
صفحة 882
272
الجزء الثالث
كتاب القضاء
وَهَكَذَا إِنْ قَالَ قَدْ أَوْفَيْتُهُ أَوْ أَنَّهُ اسْتَوْفَى وَقَدْ أَعْطَيْتُهُ وَإِنْ يَقُلْ عَلَيَّ ثُمَّ اسْتَوْفَى فَيُشْهِدَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَوْفَى فَإِنْ أَتَى بَيِّنَةً وَإِلَّا كَانَ عَلَيْهِ الْحَقُّ مُسْتَقِلًا لأَنَّهُ قَدِ ادَّعَى الْوَفَاءَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَقَرَّ فِيمَا جَاءَا وَمُدَّعِ أَنَّ فَتًى قَدْ حَازَا مَالًا لَهُ بِقَبْضِهِ قَدْ فَازَا إِنْ أَنْكَرَ الْقَابِضُ كَانَ ذَا يَدِ فِي الْمَالِ بِالإِقْرَارِ مِنْهُ بِالْيَدِ فَإِنَّهُ بِقَبْضِهِ أَفَرًا ثُمَّ ادَّعَى الظُّلْمَ فَمَا اسْتَقَرَّا وَكَرْمَةٌ فِي مَالِ زَيْدٍ أَصْلُهَا لَكِنَّهَا فِي مَالِ عَمْرٍو حَشْوُهَا كِلَاهُمَا قَدِ ادَّعَاهَا أَصْلَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَحُوزُ الأَصْلَا لِأَنَّمَا الفُرُوعُ تَتْبَعَنَّا أُصُولَهَا بِذَاكَ فَاحْكُمَنَّا
بابُ الْبَيْنَةِ
وَحَيْثُ كَانَ الْحُكْمُ بِالْبَيِّنَةِ يَلْزَمُ أَنْ نَكْشِفَ مَعْنَى الْحُجَّةِ فَحُجَّةٌ شَهَادَةُ الْعَدْلَيْنِ مُذَكَّرَيْنِ غَيْرَ مَا عَبْدَيْنِ فَفِي شَهَادَةِ الْعَبِيدِ اخْتُلِفَا يَقْبَلُهَا بَعْضُ وَبَعْضُ زَيَّفَا وَمَا النِّسَا وَلَوْ كَفُرْنَ تُقْبَلُ إِلَّا إِذَا كَانَ هُنَاكَ رَجُلُ شَهَادَةُ الثَّنْتَيْنِ عَنْ شَهَادَةِ عَدْلٍ كَمَا جَاءَ بِنَيِّ الآيَةِ (2/273)
صفحة 883
بابُ الْبَيِّنَةِ
الجزء الثالث
273
وَقَدْ مَضَى مَا فِي الرَّضَاعِ قِيلَا مِنْ كَوْنِ قَوْلِهَا بِهِ مَقْبُولَا وَهَكَذَا يُقْبَلُ فِيمَا يَمْتَنِعْ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ أُمُورٍ تَمْتَنِعْ كَالْقَوْلِ فِي الْمَوْلُودِ حِينَ يَنْزِلُ بِأَنَّهُ حَيٌّ فَذَاكَ يُقْبَلُ لأَنَّ فِيهِ الْقَوْلَ قَوْلُ الْقَابِلَهُ وَهَكَذَا إِنْ قُلْنَ هَذِي حَامِلَهُ وَهَكَذَا فِي ثَيِّبٍ وَبِكْرِ أَوْ بَالِغِ بِالدَّمِ حِينَ يَجْرِي فَكُلُّ ذَا وَنَحْوُهُ النِّسَاءُ حُجَّتُهُ فِي قَوْلِهَا الإِجْزَاءُ شَهَادَةُ الْعُمْيَانِ فِي الْأَنْسَابِ تَصِحُ لَا فِي سَائِرِ الْأَبْوَابِ وَمَنْ لِنَفْسِهِ يَجُرُّ نَفْعًا نَدْفَعُ قَوْلَهُ هُنَاكَ دَفْعَا لَا نَقْبَلَنَّهُ وَلَوْ كَانَ ثِقَهُ وَإِنْ يَكُنْ فُؤَادُنَا قَدْ صَدَّقَهُ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ مَنْ قَدْ شَهِدَا لِنَفْسِهِ لِذَا نَرُدُّ الْمَشْهَدَا شَهَادَةُ الْوَالِدِ لِلإِبْن فَلَا تُقْبَلُ لَوْ كَانَ فَنِّي قَدْ عُدِّلا وَقِيلَ بَلْ تُقْبَلُ وَالْبِنَا عَلَى مَا قَد مَضَى مِنَ الْخِلَافِ أَوَّلَا هَلْ مَالُ إِبْنِهِ لَهُ فَمَنْ مَنَعْ يَقْبَلُهَا وَالبَعْضُ عَكْسَهُ صَنَعْ مَنْ لَمْ يَرَى مَالَ ابْنِهِ لَهُ يَرَى (1) تُبُوْتَهَا فِيمَا بِهِ الْقَوْلُ جَرَى وَإِنْ يَكُنْ عَلَيْهِ يَشْهَدَنَّا فَثَمَّ بِاتِّفَاقِ تُقْبَلَنَّا
(1) قوله: «من لم يرى بإثبات حرف العلة على إهمال العمل بلم. (2/274)
صفحة 884
274
الجزء الثالث
كتاب القضاء
وَهَكَذَا شَهَادَةُ الإِبْنِ عَلَى وَالِدِهِ نَقْبَلُهَا إِنْ فَعَلَا وَهَكَذَا إِذَا لَهُ قَدْ شَهِدَا فَفِي الْجَمِيعِ نَقْبَلَنَّ الْمَشْهَدَا شَهَادَةُ السَّاكِنِ لِلَّذْ سَكَنَهُ مَرْدُودَةٌ حَتَى يُزِيلَ مَسْكَنَهُ وَهَكَذَا الْعَامِلُ وَالْوَكِيلُ وَكُلُّ مَنْ كَانَ لَهُ تَحْصِيلُ (1) خَوْفًا مِنَ الْمَيْلِ وَلَيْسَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْخُصُومِ لَوْ قَدْ عُدِّلُوا وَمَنْ لَهُ ضِغْنِّ فَإِنَّهُ يُرَدْ إِنْ كَانَ بِالْحَقِّ عَلَيْهِ قَدْ شَهِدْ وَهَكَذَا شَهَادَةُ الْفُسَّاقِ لَيْسَ تَجُوزُ قِيلَ بِالإِطْلَاقِ لَوْ قَاوَمُوا فِي كَثْرَةٍ أَهْلَ مِنَى لأَنَّمَا الْقَبُولُ لِلْعَدْلِ هُنَا فَمَنْ رَضِينَاهُ مِنَ الشُّهُودِ شَرْطٌ أَتَى مِنْ رَبِّنَا الْحَمِيدِ وَلَيْسَ نَرْضَى فَاسِقًا فِي الدِّينِ فَكَيْفَ نَرْضَاهُ عَنِ الْأَمِينِ وَفَاسِقُ التَّأْوِيل مَهْمَا عُدِّلا في دِينِهِ فِيهِ خِلَافٌ نُقِلَا وَذَاكَ فِي غَيْرِ الحُدُودِ فَاعْلَم وَغَيْرِ مَا بَرَاءَةِ مِن مُسْلِمٍ فإِنَّهَا فِي المَوْضِعِيْنِ تُمْنَعُ لِمَا بِهَا مِنْ شُبْهَةٍ قَدْ تَقَعُ وَالشِّرْكُ مِلَّةٌ (2) وَقِيلَ مِلَلُ بَيْنَهُمُ الإِشْهَادُ قِيلَ يُقْبَلُ فَفِي اليَهُودِ تُقْبَلُ الْيَهُودُ وَفِي النَّصَارَى مِثْلُهُمْ مَحْدُودُ
(1) قوله: وكُلُّ من كان له تحصيل: أي: حصول منفعة في شهادته.
(2) قوله: ملّة: أي: ملّة واحدة وقيل ملل. (2/275)
صفحة 885
بابُ الْبَيِّنَةِ
الجزء الثالث
275
وَالمُشْرِكُونَ وَكَذَا الْمَجُوسُ وَالصَّابِئُونَ هَكَذَا وَالرُّوسُ ()
(2) (1)
(3)
وَالْمُشْرِكُونَ مِنْ ذَوِي الْأَصْنَامِ تُقْبَلُ فِي مِثْلِهِمُ المُسَامِي 3 هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ مِلَلْ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِمَعَانِ وَعِلَلْ وَالأَكْثَرُونَ جَعَلُوهُمْ وَاحِدَهُ لأَنَّهَا لِدِينِنَا مُعَائِدَهُ فَبِاعْتِبَارِ ذَا العِنَادِ جُعِلُوا وَاحِدَةً لَكِنَّنِي أَفَضْلُ فَفِي الشَّهَادَاتِ أَرَى لَا تُقْبَلُ هَذِي عَلَى هَذِي لِمَا قَدْ يَدْخُلُ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ وَلَمْ تَزَلْ وَذَاكَ فِي الإِشْهَادِ مِنْ أَقْوَى الْعِلَلْ إِنْ كَانَ فِي الإِسْلَامِ لَيْسَ يُقْبَلُ خَصْمٌ عَلَى خَصْمٍ أَلَا نُفَصِّلُ إِنِّي أَقُولُ فِي مَقَالِ الأَوَّلِ بِأَنَّهُمْ فِي مِلَّةٍ لَا مِلَل بِأَنَّ ذَاكَ فِي الَّذِي تَقَلَّبَا مِن مِلَّةٍ لِمِلَّةٍ وَانْقَلَبَا لَا يُحْكَمَنْ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ كَمَا) بِهِ لِتَارِكِ الْهُدَى قَدْ حُكِمَا إِذِ الْجَمِيعُ مِلَّةٌ فِي الشِّرْكِ يَجْمَعُ بَيْنَهُمْ خَبِيثُ الشَّلِّ
(1) الروس هم الروسيا قوم من المشركين بالمغرب يَدَّعُونَ النصرانية. (المصنف) (2) أراد بالمغرب الاصطلاح الحديث، وهو إطلاق الغرب على أوروبا مقابلة للشرق، والمراد به الأقطار الإسلامية وما يجاورها من الأمم. وعبر بيدعون؛ لأن الروس ليسوا نصارى في الحقيقة، ولكنهم إباحيون ملحدون في النصرانية، وأكثرهم اليوم لا دينيون، شيوعيون. (أبو إسحاق)
(3) أي المشابه. (المصنف) (4) ألا: بالتخفيف أداة استفتاح.
(5) قوله: لا يحكمن عليه بالقتل يعني أن الذي تحول من ملة من ملل الشرك إلى ملة أخرى منها فإنه لا يقتل؛ لأنها في حكم ملّة واحدة، وأن المراد بقوله: «من بدل دينه فاقتلوه» أي: دين الإسلام إلى غيره من ملل الكفر. (2/276)
صفحة 886
276
الجزء الثالث
كتاب القضاء
هَذَا هُوَ الْمُرَادُ فَافْهَمَنَّا وَلَمْ يُرِيدُوا حَيْثُ يَشْهَدَنَّا شَهَادَةُ الْمُرْتَكِبِ المُحَرَّمِ مَرْدُودَةٌ وَدَافِعَ لِمَغْرَمِ كَذَاكَ ذُو التُهُمَةِ وَالصَّلَالَهُ وَهَكَذَا الْخَصْمُ وَذُو الْوَكَالَهُ إِلَّا وَكِيلًا كَانَ لِلْمَجْنُونِ أَوْ لِيَتِيم فِي الصِّبَا مَصُونِ فَإِنَّهُ يُنَازِعَنْ وَيَشْهَدُ لَهُ كَذَا الوَقْفُ كَذَاكَ المَسْجِدُ وَمَنْ يَكُنْ قَدْ ظَلَمَ الأَنَامَا مَا لَهُمُ أَوْ أَكَلَ الْحَرَامَا فَلَا يَجُوزُ أَبَدًا مَا شَهِدَا وَلَوْ طُولَ الزَّمَانِ عَبَدَا إِذِ الحَرَامُ يُبْطِلُ الطَّاعَاتِ إِنْ لَمْ يَتُبْ وَيَهْدِمُ الخَيْرَاتِ وَقِيلَ فِي الْوَلِيِّ مَهْمَا كَثْرَتْ زَلَّاتُهُ وَفِي الْوَرَى قَدْ ظَهَرَتْ يَصِيرُ فِي عِدَادِ مَنْ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ الشَّهَادَاتُ وَلَا يُعَدَّلُ شَهَادَةُ الشَّاعِرِ وَهْوَ مَنْ يَذُمْ طَوْرًا وَيَمْدَحَنَّ طَوْرًا لَمْ تَتِمْ يَمْدَحُ إِنْ أُعْطِي وَمَهْمَا حُرِمَا هَجَا فَفِعْلُهُ غَدًا مُحَرَّمَا وَمَرَّةً يَهْجُو أُهَيْلَ الدِّينِ زُورًا لأَجْلِ دَائِهِ الدَّفِينِ وَتَارَةً قَدْ يَمْدَحُ الْمُنَافِقَا مُعَانِدًا مُكَابِرًا وَفَاسِقَا وَالأَصْلُ فِي خِتَامِهِ قَدْ قَالَا فِي الشِّعْرِ قَوْلًا فَاسْمَعِ الْمَقَالَا وَلَمْ أَكُنْ أُقَرِّضُ (2) الأَشْعَارَا ذَا ثَرْوَةٍ أَوْ مَلِكًا جَبَّارًا
(1)
(1) قوله: «أُعْطِي وحُرِمَا» بالبناء للمفعول فيهما. (2) قوله: «أقرض» أي: أنظم، والقريض الشعر. (2/277)
صفحة 887
بابُ الْبَيِّنَةِ
الجزء الثالث
277
لِأَنَّهُ فِعْلُ حَرَامٌ بَاطِلُ فَاعِلُهُ عَنِ الصَّوَابِ عَادِلُ وَأَنَّهُ قَدْ قَالَ غَيْرَ الْحَقِّ بِمَدْحِهِ لِغَيْرِ مُسْتَحِقٌ وَأَحْسَنُ الْأَشْعَارِ مَا قَدْ كَانَا شَرْعًا وَوَعْظًا يَرْدَعُ الإِنْسَانَا وَفِيهِ ذِكْرُ النَّارِ وَالْجِنَانِ مُشَوَّقًا لِلْخُرَّدِ الْحِسَانِ لأَنَّهُ صَقَالَةُ القُلُوبِ مِنْ رَيْنِهَا نَاجِ مِنَ الْكُذُوبَ هَذَا وَفِي بَابِ الشَّهَادَاتِ يَرَى رَدَّ شَهَادَةٍ أَتَتْ عَنْ شُعَرَا مُعَلِّلًا ذَاكَ بِمَا تَقَدَّمَا مِنْ نَظْمِنَا فِيمَا قَرِيبًا نُظِمَا وَالْحَقُّ فِيمَا قَالَهُ يَلُوحُ وَإِنَّهُ مِنْ قَوْلِهِ صَحِيحُ فَفِي القُرَآنِ قَدْ أَتَى وَصْفُهُمُ بِأَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِمُوا وَإِنَّمَا الْغَاوُونَ يَتْبَعُونَهُمْ وَالْغَاوِي مَنْ ضَلَّ وَيَسْمَعُونَهُمْ فَهُمْ يَقُولُونَ وَلَمَّا يَفْعَلُوا وَذَاكَ مِنْ أَعْظَمِ مَقْتٍ) يُجْعَلُ كَبُرَ مَقْتًا أَنْ تَقُولُوا قَوْلَا وَلَمْ تُصَدِّقُوهُ مِنْكُمْ فِعْلَا أَنْ يَمْتَلِي جَوْفُ امْرِيُّ قَيحًا يُرَى خَيْرًا لَهُ مِنْ مَلْئِهِ مَا شُعِرَا) خَبَرٍ أَتَى عَنِ الْمُخْتَارِ وَذَاكَ تَقْبِيحُ لِذِي الْأَشْعَارِ
(3)
(1) قوله: من رينها: أي: دَرَنِها ودنسها.
(2) المقت: البغض.
(3) قوله: أن يمتلي بفتح همزة أنَّ أي: لأن فاللام لتوطئة القسم، وفي هذا البيت عقد الحديث
المروي عنه: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا».
(4) قوله: ما شعرا بضم الشين وكسر العين، أي خير له من ملئه شعرا، فما مصدرية. (2/278)
صفحة 888
278
الجزء الثالث
كتاب القضاء
فَذَاكَ
وَأَنَّهُ مِزْمَارُ إِبْلِيسَ وَرَدْ فِيهِ فَكَيْفَ قَوْلُهُ لَيْسَ يُرَدْ وَمَا أَتَى مِنَ اللَّنَا فِي الشِّعْرِ وَفِي الْبَيَانِ أَنَّهُ كَالسِّحْرِ فِي الْخَالِي مِنَ الْمَعَاصِي لَا مِثْلِ مَدْحِهِ لِعَبْدٍ عَاصِي بَلْ ذَاكَ بِاعْتِبَارِ مَا لِلْبُلَغَا مِنْ مَنْهَجٍ إِلَى الْمَعَانِي بَلَغَا وَذَاكَ عِنْدَ قَطْعِهِ لِلنَّظَرِ عَنْ جَائِرٍ مِنْهُ وَعَنْ مُحْتَجِرِ (1) لأَنَّمَا بَلَاغَةُ اللِّسَانِ سَالِبَةٌ كَالسِّحْرِ لِلْجَنَانِ فَسُمِّيَتْ سِحْرًا بِهَذَا الْمَعْنَى وَلَيْسَ حُكْمُهُ بِهَذَا يُعْنَى وَشَاهِدُ النُّورِ وَلَوْ قَدْ تَابَا لَا يُقْبَلَنَّ فَافْهَمِ الْخِطَابَا لأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ مَنَعَا ذَاكَ بِمَنْعِ أَبَدِيٌّ شُرِعًا في سُورَةِ النُّورِ أَتَى لَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً فَكَيْفَ تُقْبَلُ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ إِنْ تَابَ قُبِلْ وَالرَّدُّ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا (2) جُعِلْ فَقَوْلُهُ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا» يَشْمَلُ مِنْهُمُ الَّذِينَ آبُوا وَفِي الَّذِي رُدَّتْ بِهِ (3) لَا تُقْبَلُ بَلْ يُقْبَلَنْ مِنْ ذَاكَ مَا يُسْتَقْبَلُ
(1) أي: ممتنع.
(2) قوله: قبلها: أي: قبل التوبة.
(3) قوله: وفي الذي ردت به: أي: في الشهادة التي زوّر فيها؛ فإنها لا تقبل أبدا، وإنما تقبل فيما يشهد به بعد التوبة، وقال بعضهم: إن شهادته لا تقبل مطلقًا ولو تاب؛ لقوله تعالى: {وَلَا نَقْبَلُوا لهُمْ شَهَدَةٌ أَبَدًا} [النور: 4]. (2/279)
صفحة 889
بابُ الْبَيِّنَةِ
الجزء الثالث
279
وَشَاهِدُ النُّورِ ثَلَاثَةً قَتَلْ لِنَفْسِهِ وَمَن لِنَفْسِهِ وَمَن لَهُ زُورًا فَعَلْ) وَمَنْ عَلَيْهِ وَإِذَا مَا كَانَا حَقِّ لِإِنْسَانٍ رَأَى جُحْدَانَا فَلَا يَجُوزُ يَتَوَصَّلَنَّا بِشَاهِدِ النُّورِ) فَيَشْهَدَنَّا وَأَخَذُهُ بِالنُّورِ قِيلَ يَحْرُمُ وَيَحْرُمُ الْمَالُ الَّذِي يُسَلَّمُ وَالْكُدَمِيُّ قَالَ لَا يُحَرِّمَنْ زُورُهُمْ حَقًّا لَهُ يُحَلَّلَنْ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَا مِنْ فِعْلِهِ إِذْ رَكِبَ الذُّنُوبَا قُلْتُ وَمَا لَا يُتَوَصَّلَنَّا لَهُ بِغَيْرِ بِغَيْرِ الإِثْمِ يَحْرُمَنَّا مَهْرُ البَغِيِّ (3) يَحْرُمَنْ إِذْ كَانَا سَبَبُهُ بَيْنَهُمَا الْعِصْيَانَا وَذَلِكَ الزَّانِي بِطِيبِ نَفْسٍ يَبْذُلُهُ وَرَغْبَةٍ فِي النَّفْسِ مَا كَانَ طِيبُ نَفْسِهِ يُحِلُّ مَا كَانَ فِيهِ بِالْمَعَاصِي الْبَذْلُ وَوَاجِبُ تَأْدِيَةُ الشَّهَادَهُ مَعَ الَّذِي طَاعَتُهُ عِبَادَهُ وَذَلِكَ الإِمَامُ وَالأَمِيرُ وَالْخُلْفُ فِي سِوَاهُمَا مَذْكُورُ
(1) قوله: فَعَلَ: أي: شهد.
(2) قوله: بشاهد الزور: أي: بشهادة الزور.
(3) قوله: «مهر البغي أنظر ما وجه هذا القياس بين مهر الزانية وبين توصل الإنسان إلى حقه بشاهدي الزور، فإنَّ شهادة الزور في هذه الصورة يتوصل بها إلى حق، ومهر البغي إنما أراد أن يتوصل به إلى باطل، فهو قياس مع الفارق، وقول الإمام الكدمي له في هذا هو الصحيح؛ لأنه لم يأخذ بتلك الشهادة إلا حقه، وإن كان في ذلك عليه ذنب، فإنما عليه التوبة، وليس عليه رد ما تناوله من مال بل ليس له أن يطعم المشهود عليه حراما، والله أعلم. (2/280)
صفحة 890
280
الجزء الثالث
كتاب القضاء
وَإِنْ يَشَا حَمْلَ الشُّهُودِ مِنْ بَلَد لِبَلَدٍ يَحْمِلُهُمْ بِلَا نَكَدْ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ مَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ فِيمَا يُؤَدِّيهِ لَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ أَجْرًا عَلَى الشَّهَادَةِ وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى الْوِفَادَةِ لِأَنَّمَا الْإِشْهَادُ بِاللِّسَانِ إِنْ حَضَرُوا وَلَيْسَ بِالْأَبْدَانِ وَيَكْتُبُ الْوَالِي إِلَى الْحُكَّامِ مَعْ ثِقَةٍ مَا صَحَ فِي الْأَحْكَامِ وَذَاكَ مَهْمَا بَعُدَ الشُّهُودُ يُشْهِدُهُمْ وَالِيهِمُ الْمَوْجُودُ وَيَرْسُمَنْ مَا صَحَ عِنْدَ ثِقَةِ يَخْتِمُهُ بِطَابِعِ لِلثَّقَةِ وَجَائِزُ تُحَمَّلُ الشَّهَادَهُ عِنْدَ الضَّرُورَاتِ لِمَنْ أَرَادَهُ فَيَحْمِلُ الإِثْنَانِ قَوْلَ الْوَاحِدِ فَالشَّاهِدَانِ مِنْهُمَا عَنْ شَاهِدِ وَالْحَاضِرُونَ لَيْسَ يُحْمَلَنَّا عَنْهُمْ سِوَى ذِي مَرَضِ مُعَنَّى وَذُو الْقَضا يُحْمَلُ عَنْهُ مَا شَهِدْ وَذاتُ خِدْرٍ تَسْتَحِي وَتَجْتَهِدْ فَيُمْضِي هَذَا الْقَاضِي مَا هُنَاكَ صَحْ لِأَنَّهُمْ كَرَجُلٍ فِيمَا اتَّضَحْ إِنْ نَقَصَ الشَّاهِدُ فِي الشَّهَادَهُ أَوْ كَانَ فِيهَا قَدْ أَتَى زِيَادَهُ فَذَاكَ مِنْ قَبْلِ انْقِطَاعِ الْحُكْمِ يُقْبَلُ مِنْهُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ وَقَالَ بَعْضُ إِنَّهُ لَا يُقْبَلُ وَأَوَّلُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي أَعْدَلُ وَرَجُلٌ لِشَاهِدٍ قَدْ وَجَدَا فَقَط لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَشْهَدَا لِأَنَّهُ بِنَفْسِهِ لَا يُقْبَلُ فَلَيْسَ لِلْزُومِ فِيهِ مَدْخَلُ (2/281)
صفحة 891
بابُ الْبَيِّنَةِ
الجزء الثالث
281
إِلَّا إِذَا ضَمَّ إِلَيْهِ ثَانِي فَهَاهُنَا الْجَمِيعُ يَشْهَدَانِ وَإِنْ يَكُنْ قَدْ عَدَّلَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَنْ لِلْمُدَّعِي شُهُودُ يَلْزَمُهُ ذَاكَ وَقِيلَ يَثْبُتُ أَيْضًا بِتَصْدِيقٍ لَهُمْ يُثَبِّتُ وَذَاكَ إِنْ قَالَ أُصَدِّقَنَّهُمْ وَقِيلَ لَا حَتَّى يُعَدِّلَنَّهُمْ وَإِنْ يَكُنْ قَدْ شَهِدُوا فَاتَّهَمَا قِيلَ لَهُ بِأَنْ يُحَلِّفَنْهُمَا فَيَحْلِفُونَ أَنَّهُمْ مَا شَهِدُوا بِبَاطِلِ عَلَيْهِ فِيمَا حَدَّدُوا وَلَا أَقُولُ (2) إِنَّ ذَاكَ لَازِمُ لأَنَّهُمْ حُجَّةً مَنْ يُخَاصِمُ وَمَنْ يَكُونُ حُجَّةً لَا يُتَّهَمْ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ يَمِينِ يُلْتَزَمْ لَوْ كَانَ ذَاكَ وَاجِبًا لَوَجَبَا فِي الْقَاضِي وَالْإِمَامِ حِينَ احْتَسَبَا يُحَلِّفَتْهُ أَنَّهُ لَمْ يَحْكُم بِبَاطِلِ عَلَيْهِ فِي الْمُسَلَّم وَأَنْتَ تَدْرِي أَنَّ هَذَا بَاطِلُ وَمِثْلُهُ الَّذِي لَهُ يُمَاثِلُ وَرَجُلٌ لِرَجُلٍ قَدْ كَتَبَا شَهَادَةً بِغَيْرِ إِذْنِ وَثَبَا لَا بَأْسَ فِيهِ إِذْ نَرَى السَّمَاعَا شَهَادَةً حُكِي بِهَا إِجْمَاعَا
(1) قوله: عَدَّلَ: أي: جعلهم عدولاً بمعنى اعترف بِعَدَالَتِهِمْ، وكذلك إذا قال: إني أرضى شهادتهما؛ فشهدا عليه؛ فإنه يحكم عليه بشهادتهما، وإن لم يكونا، عدلين، إلَّا إذا كان هنالك تقية أو أمر لا يمكنه معه رد شهادتهما، والله أعلم.
(2) قوله: «ولا أقول إنَّ ذلك لازم يعني أنه لا يقول بأن على الشاهدين يمينًا، وهذا هو الحق؛:
لأنهما إذا كانا عدلين فهما حجة لازمة بدون استحلاف.
(3) أي: الحق المؤدى. (المصنف) (2/282)
صفحة 892
282
الجزء الثالث
كتاب القضاء
وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ إِذَا كَتَبْ وَلَا شَهِيدٌ فِي الْقُرَآنِ قَدْ وَجَبْ فَذَلِكَ التَّحْرِيجُ مِمَّنْ يَطْلُبُ شَهَادَةَ الْإِنْسَانِ أَوْ مَنْ يَكْتُبُ يَقُولُ لَا أَبْرِيكَ حَتَّى تَشْهَدَا أَوْ تَكْتُبَ الأَمْرَ الَّذِي لِي قَدْ بَدَا ثُمَّ الشَّهَادَاتُ فَمَعْنَيَانِ شَهَادَةُ الْحُضُورِ لِلْإِنْسَانِ وَذَاكَ أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُ الْمَحْضَرُ لِكَيْ يَصِحَ ذَلِكَ الْمُقَرَّرُ وَذَاكَ فِي النِّكَاحَ وَالإِمَامَةِ لِيَثْبُتَ الأَمْرُ عَلَى الْجَمَاعَةِ ثَانِيهُمَا شَهَادَةُ التَّحَمُّلِ تَكُونُ فِي الْحَقِّ لِرَفْعِ الْخَلَلِ فَيَحْضُرُ الشَّاهِدُ كَيْمَا يَحْمِلَا مَشْهَدَهُ لَهُمْ إِلَى أَنْ يُسْأَلَا شَهَادَةُ الشُّهْرَةِ فِي الأَنْسَابِ ثَابِتَةٌ بَيْنَ أُولِي الْأَلْبَابِ كَذَاكَ فِي الْمَوْتِ وَفِي النِّكَاحَ إِنْ شَهِدُوا عَنْ شُهْرَةٍ صِحَاحِ وَالْحُكْمُ بِالشُّهْرَةِ فِي الأَمْوَالِ لَيْسَ تَجُوزُ عِنْدَهُمْ فِي حَالِ لِأَنَّمَا الْأَمْوَالُ قَدْ تَنْتَقِلُ مِنْ وَاحِدٍ لِوَاحِدٍ وَتُبْدَلُ وَقِيلَ مَهْمَا دَلَّتِ الأَحْوَالُ بِصِدْقِهَا يَثْبُتُ ذَاكَ الْمَالُ لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ فِيهِ دَفْعُ مَفْسَدَةٍ أَوْ لَا فَالَاوْلَى الْمَنْعُ وَظَهَرَتْ مَفاسِدٌ فِي النَّخْلِ أَيَّامَ رَاشِدِ الإِمَامِ الْعَدْلِ فَيَقْطَعُ مَالَ سِوَاهُ ثُمَّ عَنْهُ يَدْفَعُ
فَكَانَ ذُو الظُّلْمِ
(1) قوله: «راشد»، أي: الإمام راشد بن سعيد. (2/283)
صفحة 893
فصلُ تعارضِ الْبَيِّنَاتِ
الجزء الثالث
283
يَقُولُ مَالِي فَإِذَا مَا قَالَا ذُو الْحَقِّ مَالِي قَالَ هَذَا لَا لَا فَكَتَبَ الإِمَامُ لِلْوَالِي بِأَنْ يَأْخُذَ بِالشُّهْرَةِ فِيهِ وَيُسَنْ وَأَنَّهُ كُلُّ فَنِّى قَدْ وَضَعَا يَدًا عَلَى مَالِ أَخِيهِ أُوجِعَا (1) فَانْحَسَمَتْ بِذَلِكَ الْمَفَاسِدُ بِمَا رَأَى ذَاكَ الإِمَامُ الرَّاشِدُ أَرْشَدَهُ اللَّهُ إِلَى الإِصْلَاح فَعُدَّ رَأْيَا لِأُولِي الصَّلَاح وَالْخُلْفُ فِي الْحَاكِمِ هَلْ يَحْكُمُ فِي شَيْءٍ بِعِلْمِهِ بِلَا تَكَلُّفِ فَقِيلَ يَحْكُمَنَّ وَالْبَعْضُ يَرَى بِأَنَّ حُكْمَهُ بِهَذَا حُجِرَا لَكِنَّهُ يَدْفَعُهُمْ لِلْغَيْرِ وَهْوَ يَكُونُ شَاهِدًا فِي الْخَيْرِ وَقِيلَ مَا فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ دَرَى فَحُكْمُهُ بِهِ لَنْ يُحْجَرَا وَالْحَدُّ لَا يُقِيمُهُ بِعِلْمِهِ فِيهِ بِلَا خُلْفٍ أَتَى فِي حُكْمِهِ
فصل تعارض الْبَيِّنَاتِ
وَالبَيِّنَاتُ رُبَّمَا تَخْتَلِفُ فَيَطْلُبَ التَّرْجِيحَ فِيهَا المُنْصِفُ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ حَتْمًا تَرْجُحُ بَيِّنَةَ الذِّمِّيِّ وَهُوَ الْأَوْضَحُ بَيِّنَةٌ بِصِحَةِ الْعَقْلِ تَجِي أَوْلَى مِنَ النُّقْصَانِ عِنْدَ الْحُجَجِ
(1) قوله: أوجعا أي عوقب وأدب.
(2) قوله: فَعُد: أي: حُسِبَ فعله هذا قولاً ورأيًا؛ يجوز العمل به لمن رآه.
(3) قوله: دَرَى أَي عَلِمَ. (2/284)
صفحة 894
284
الجزء الثالث
كتاب القضاء
(1)
وَهَكَذَا قِيلَ شُهُودُ الْعَرَبِ مِنَ الْوَلِي أَوْلَى لِأَجْلِ النَّسَبِ وَهَكَذَا بَيِّنَةُ الْحُرِّيَّة أَوْلَى مِنَ الرِّقٌ فَعِ الْقَضِيَّة وَالرَّمُ مِنْ شَهَادَةِ الأُصُولِ أَوْلَى كَذَا فِي الْأَثَرِ الْمَنْقُولِ بَيِّنَةُ الأَحْدَاثِ فَهْيَ أَوْلَى مِن الْبَرَاةِ (2) إِذْ يَؤُولُ أَوْلَا بَيِّنَةُ الشَّارِي (3) مِنَ الْمَغْصُوبِ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنَ الْوُجُوبِ وَبِالرِّضَى أَوْلَى مِنَ التَّغْيِيرِ إِذْ فِيهِ زَادَ الْعِلْمُ لِلْخَبِيرِ بَيِّنَةُ البَائِعِ فِيمَا زَادَا مِنْ ثَمَنٍ أَوْلَى بِهِ اسْتَزَادَا بَيِّنَةُ الْمُلْكِ مِنَ السَّبِيلِ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنَ التَّأْصِيلِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَدْ مَرًا فِي الرَّمِّ وَالفَرْقُ أَرَاهُ عُسْرَا بَيِّنَةُ القَرْضِ مِنَ الأَمَانَهُ أَوْلَى لِمَا فِي القَرْضِ مِنْ ضَمَانَهُ وَشَاهِدَانِ شَهِدَا بِمَوْتِ مَنَ غَابَ عَنْ أَهْلِيهِ وَالبُيُوتِ وَآخَرَانِ شَهِدَا وَأَخْبَرَا بِأَنَّهُ حَيٌّ فَذَانِ أُهْدِرَا إِنْ صَحَ مَوْتُهُ بِوَجْهِ الصَّحَةِ حَيَاتُهُ لَا تَثْبُتَنْ بِحُجَّةِ
(1) الروم عبارة عن وقف لقوم مخصوصين. (المصنف) (2) قوله: البَرَاةِ: أي براءة الذمة، والمعنى: إذا شهد شاهدان بحدثه و آخران ببراءته قدمت الأولى؛ لأن الحدث يؤول، أي: يحدث. (المصنف)
(3) قوله: «بينة الشاري لو قال بيّنة الشرا من المغصوب لكان أظهر، والمعنى: إذا جاء المدعي بشاهدي عدل أن هذا المال قد آل إليه بالشراء، وأقام الخصم شاهدي عدل أنه اغتصبه، فشهادة الشراء أولى من شهادة الغصب. (2/285)
صفحة 895
فصلُ تعارضِ الْبَيِّنَاتِ
الجزء الثالث
285
وَشَاهِدَانِ شَهِدَا بِفِعْل وَعُورِضَتْ بِمِثْلِهَا فِي الْفَصْلِ لَا تُقْبَلُ البَيِّنَةُ المُعَارِضَة وَالْحَقُّ لَا يَصِحُ أَنْ تُعَارِضَهْ وَقِيلَ فِي بَيِّنَةِ الطَّلَاق (1) أَوْلَى مِنَ التَّزْوِيجِ بِاتِّفَاقِ وَالقَطْعُ مِنْ شَهَادَةِ الْخِيَارِ أَوْلَى كَذَا جَاءَ عَنِ الْأَخْيَارِ وَقِيلَ فِي بَيِّنَةِ الشِّرَاءِ أَوْلَى مِنَ الرَّهْنِ بِلَا مِرَاءِ وَالمُدَّعِي إِنْ جَاءَنَا بِبَيِّنَهُ وَعَارَضَ الْخَصْمُ بِمَا قَدْ بَيَّنَهُ لِلمُدَّعِي الحُجَّةُ وَالضّدُّ نُبِذْ الحُجَّةُ إِذْ هي
فَإِنَّمَا الأُوْلَى وَإِنْ يَكُ الشَّيْءُ (2) يَحُوزُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَالْخُلْفُ هُنَا قَدْ وَقَعَا فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ مِثْلُ الأُولَى وَبَعْضُهُمْ يَرَى الأَخِيرَ أَوْلَى لأَنَّهُ بِحُجَّتَيْنِ أَدْلَى يَدٍ وَحُجَّةٍ فَكَانَ أَهْلَا (3) وَالصُّلْحُ جَائِزٌ إِذَا لَمْ يَقَعِ عَلَى حَرَامٍ فَافْهَمَنَّ وَاسْمَعِ وَالْخُلفُ فِي الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ فَبَعْضُهُمْ يَرَاهُ غَيْرَ جَارِي
(1) قوله: «وقيل في بيّنة الطلاق»، أي: إذا شهد شاهدان أن هذا الرجل قد طلق هذه المرأة وشهد آخران أنه تزوجها فشهادة الطلاق أولى، والثانية معارضة. (2) قوله: «وإن يك الشيء .... إلخ»، يعني: إذا كان الشيء المتداعى فيه بيد أحد الخصمين، فجاء المدعي ببينته أنه له، وجاء الذي في يده الشيء بأنه له، ولم يخرج من ملکه ففي ذلك قولان: قول أن بينة المدعي أولى؛ لأنه هو المطالب بها، لقوله صلى الله عليه وسلم: «على المدعي البينة وعلى المدعى عليه اليمين فالبينة بينة المدَّعِي، والأخرى معارضة، وقيل: إِنَّ بَيْنَةَ الذي بيده الشيء
أولى؛ لأنه أدلى بحجتين يد وشهادة، والأول أصح.
(3) قوله: «فكان أهلا وفي نسخة فكان أولى، وهذا أحسن عندي. (2/286)
صفحة 896
286
الجزء الثالث
كتاب القضاء
وَبَعْضُهُمْ يُثْبِتُهُ وَإِنْ وَقَعْ عَلَى الَّذِي يَجْهَلُهُ مَنْ قَدْ صَنَعْ فَنَقْصُهُ لِمَنْ يَشَا يَصِحُ لِأَنَّهُ كَالْبَيْعَ قِيلَ الصُّلْحُ وَحَاكِمٌ أَعْطَاهُ مُدْرَةٌ) لِكَيْ يَأْتِي بِهَا زَيْدًا فَجَاءَ بِعُلَيَّ فَذَاكَ فِعْلٌ عِنْدَنَا مَمْنُوعُ لِأَنَّهُ لِغَيْرِهِ مَصْنُوعُ كَأَنَّهُ عَلَيْهِ قَدْ تَقَوَّلَا مِنْ هَاهُنَا نَقُولُ فِعْلٌ حُظِلَا
بابُ الْيَمِين
وَيَحْلِفُ الْمُنْكِرُ إِنْ لَمْ تَشْهَدِ شُهُودُهُ (3) أَوْ لَهُمْ لَمْ يَجِدِ يَحْلِفُ بِاللَّهِ لَمَا عَلَيَّا حَقٌّ لَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَدَيَّا يَمِينُهُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ دَعْوَاهُ مِنْ قَلِيلِهَا وَالْوَافِي وَإِنْ يَكُ الْحَقَّ ادُّعِي مِنْ قِبَلِ سِوَاهُ فَالْيَمِينُ بِالْعِلْمِ جَلِي يَحْلِفُ بِالْقَطْعِ إِذَا مَا قَالَا أَنْتَ الَّذِي أَخَذْتَ هَذَا الْمَالَا وَإِنْ يَقُلْ عَلَى أَبِيكَ مَثَلَا يَحْلِفُ مَا عَلِمْتُهُ مُبْتَهِلَا
(1) قوله: «كالبيع يعني أن الصلح مثل البيع، فكل شيء يملك أحد المتبايعين رده بغبن أو جهل أو فساد أصل؛ فكذلك يكون حكم المتصالحين في رد الصلح.
(2) مدرة: هي بضم الميم الورقة التي يرسلها الحاكم لمن يطلب حضوره للحكم، هكذا في القدماء من أهل عُمان، وعُلَيّ بضم الميم تصغير علي.
اصطلاح
(3) شهوده: أي: شهود المدعي. (2/287)
صفحة 897
بابُ الْيَمِينِ
الجزء الثالث
287
وَإِنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ حَلَفَا أَنَّ لَهُ ذَاكَ وَإِلَّا تَلِفَا وَالقَاضِي لَا يُحَلِّفَنَّهُ بِلَا إِهْدَارٍ شَاهِدَيْهِ إِنْ تَحَصَّلَا لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ إِنْ لَمْ يُهْدِرِ ثُمَّ أَتَى بِحُجَّةٍ لَمْ تُهْدَرِ وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ يُهْدِرَنَّا بَيِّنَةَ الْأَيْنَامِ فَاعْلَمَنَّا وَإِنْ يَكُنْ أَهْدَرَهَا وَاسْتَحْلَفَا فَحَقُّهُمْ بَاقٍ عَلَى مَنْ حَلَفَا إِنْ حَلَفَ الْخَصْمُ بِغَيْرِ حُكْمِ لَا يُجْزِ عَنْهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بَلْ إِنَّهُ يُحَلِّفَتْهُ الْحَاكِمُ أُخْرَى إِذَا شَاءَ الَّذِي يُخَاصِمُ وَيَسَعُ الْقَاضِي السُّكُوتُ إِنْ رَضِي عَنْهُ بِأَنْ يُحَلِّفَتْهُ الْمُقْتَضِي وَتَقَعُ الْيَمِينُ حَسْبَ مَا قَصَدْ حَاكِمُهُمْ لَا حَسْبَ مَا الْخَصْمُ اعْتَقَدْ خِلَافَ مَا مَرَّ بِبَابِ الْقَسَمِ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ خَصْمٍ يَسْتَمِي وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَلَّفَنَّا بِغَيْرِ رَبِّ الْعَرْشِ فَاعْلَمَنَّا وَذَاكَ أَنْ يَحْلِفَ بِالْقُبُورِ أَوْ بِمَسَاجِدٍ أَوِ الصُّحُورِ وَيَلْزَمُ الْحَاكِمَ أَنْ يَزْجُرَ مَنْ يَسْمَعُهُ بِمِثْل ذَا يُحَلِّفَنْ لأَنَّ هَذَا مُنْكَرُ يُغَيَّرُ فَمَا السُّكُوتُ إِنْ تَرَاءَى (3) المُنْكَرُ
(1) قوله: إهدار البينة إلغاؤها.
(2) قوله: وَيَسَعُ القاضي: أي إذا رَضِيَ المُدَّعَى عليه بأن يحلفه المدعي بنفسه.
السكوت واكتفى بها.
(3) قوله: «إن تراءى»، أي: تظاهر واشتهر.
القاضي (2/288)
صفحة 898
288
الجزء الثالث
كتاب القضاء
وَالنَّصْبُ (1) فِي الْأَيْمَانِ بِالْحَجِّ وَمَا أَشْبَهَهُ جَوَّزَهُ مَنْ عَلِمَا وذَاكَ أَنْ يُلَزِّمَنَّ الْحَالِفَا إِنْ كَانَ حَانِيًّا بِهَا تَكَالِفَا) وَلَمْ يُجِيزُوا ذَاكَ بِالطَّلَاقِ ذَاكَ بِالطَّلَاقِ وَمِثْلُهُ قَدْ قِيلَ بِالعِتَاقِ وَلَمْ يُجَوِّزْهُ أَبُو سَعِيدِ وَلَمْ يُشِرْ إِلَيْهِ مِنْ بَعِيدِ لَكِنَّهُ عَنْ صَحْبِهِ قَدْ نَقَلَا أَنْ لَا يَمِينَ فِي النِّكَاحِ مَثَلَا وَقَدْ حُكِي الْعَكْسُ عَنِ الْقَومِ وَقَدْ أَعْجَبَهُ ذَاكَ فَهَذَا مَا وَرَدْ وَأَنْتَ تَدْرِي أَنَّ هَذَا غَيْرُ مَا أَرَادَهُ الْأَصْلُ وَمَا قَدْ فَهِمَا وَإِنَّمَا ذَا فِي فَتًى قَدْ أَنْكَرَا طَلَاقَ نِسْوَةٍ بِهَا تَمَكَّرَا وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا مِنْ بَيِّنَهُ فَلَا يَمِينَ هَاهُنَا مُبَيَّنَهُ كَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تُنْكِرُ الرّضَا بِهِ وَزَوْجُهَا يَقُولُ عَرَضَا فَإِنْ أَتَى الشُّهُودُ فِيهِ لَزِمَا أَوْ لَا (2) فَلَا يُدْرِكُ فِيهِ قَسَمَا هَذَا الَّذِي أَبُو سَعِيدٍ رَمَزَا بَأَنَّ فِيهِ حَلِفًا مُجَوَّزَا
(1) قوله: «والنصب .... إلخ» هو أمر اصطلح عليه علماء بلد إزكي في القديم في التغليظ على الحالف إذا استحلفوه على مال وافر وأمر عظيم، بأن يقول له الحاكم الذي يُحَلِّفُه: وإن كنتُ كاذبًا في هذه اليمين فمالي صدقة وأزواجي طوالق مني، وعبيدي عتقاء عليَّ، وعلي أن أحج كذا كذا حجة، وأن أصوم كذا كذا شهرًا، تغليظا عليه في اليمين، وكان بعض العلماء لا يرى هذا النصب، وقال: إن اليمين بالله هكذا جاء في الشرع، وهذا هو الصحيح، وقد صار العمل
بهذا النصب في اليمين متروكا منذ قرون عديدة.
() تكالف أي: تكاليف. (إسماعيل) (2) قوله: أو لا: لا نافية أي وألا يأتي عليها بالبينة، فليس له عليها يمين بأنها لم ترض به، هذا على رأي من لم ير اليمين على ما في القلوب. (2/289)
صفحة 899
بابُ الْيَمِينِ
الجزء الثالث
289
(1)
وَهُوَ لَعَمْرُ اللَّهِ غَيْرُ القَسَم بِحَالَةِ الطَّلَاقِ عِنْدَ الْفَهِمِ كَيْفَ يُجَوَّزَنَّ بِالطَّلَاقِ وَإِنَّهَا مِنْ حَلِفِ الْفُسَّاقِ وَلَا يَمِينَ فِي الْحُدُودِ أَبَدًا وَالْقَذْفِ والشَّتْمِ إِذَا لَمْ يَجْحَدَا وَإِنْ يَكُنْ قَذَفَهُ أَوْ شَتَمَا وَجَحَدَ الْفِعْلَ فَقِيلَ أُلْزِمَا يَلْزَمُهُ الإِقْرَارُ أَوْ يَمِينُ وَبَعْضُهُمْ لَيْسَ هُنَا يَمِينُ وَقِيلَ لَا يَمِينَ فِي ذَا البَابِ فِي الرَّدِ وَالنِّكَاحِ وَالْأَنْسَابِ كَذَاكَ مَا كَانَ لِرَبِّي حَقٌّ فَلَا يَمِينَ فِيهِ تُسْتَحَقُّ وَقَدْ أَجَازُوهَا عَلَى مَنْ تُهِمَا (2) بِأَنَّهُ زَكَاتَهُ قَدْ كَتَمَا وَالْخُلْفُ فِي التُّهْمَةِ فِي الْحُقُوقِ مِنْ كُلِّ حَقٌّ كَانَ لِلْمَخْلُوقِ فَقِيلَ لَا يَمِينَ وَهُوَ الأَكْثَرُ وَقِيلَ بَلْ فِيهَا يَمِينُ تُذْكَرُ وَبَعْضُهُمْ قَيَّدَهَا بِمَوْضِع يَسْتَوجِبُ الْحَبْسَ بِهَا لِلْمُدَّعِي فَحَيْثُمَا النُّهْمَةُ تُوجِبَنَّا حَبْسًا فَهَاهُنَا يُحَلَّفَنَّا وَذَاكَ أَنْ تَظْهَرَ أَسْبَابُ التُّهَمْ أَوْ لَا فَلَا يَمِينَ لِلَّذِي أَنَّهُمْ وَلَيْسَ فِي التُّهْمَةِ رَدُّ القَسَمِ لِأَنَّهَا عَنْ غَيْرِ قَطْعِ فَاعْلَم إِلَّا إِذَا رَضِي بَأَنْ يَحْلِفَ لَهُ بِأَنَّهُ يَتْهُمُهُ فِي الْمَسْأَلَهُ
(1) قوله: «حق» مبتدأ وخبره محذوف والتقدير وكذلك ما كان فيه الله حق، فليس فيه يمين، فعلى هذا فكان تامة.
(2):تُهِمَا: أي: اتهما بالبناء للمفعول فحذف الألف للوزن أو حذفها لغة. (2/290)
صفحة 900
290
الجزء الثالث
كتاب القضاء
وَمَا أَرَى هَذَا بِمُغْنِ عَنْهُ) شَيْئًا فَكَيْفَ الرَّدُّ يَلْزَمَنْهُ وَمَا عَلَى الْوَالِدِ
للإِبْنِ قَسَم وَالأُمُّ مِثْلُهُ وَقِيلَ تُلْتَزَمْ وَقِيلَ فِي الأُمِّ كَبَاقِي النَّاسِ تَلْزَمُهَا الْيَمِينُ فِي الْقِيَاسِ وَقِيلَ بَلْ وَالِدُهُ يُخَيَّرُ لَدَى الْيَمِين لَا عَلَيْهَا يُجْبَرُ إِنْ شَاءَ أَنْ يَحْلِفَ أَوْ يَرُدَّا عَلَى ابْنِهِ الْيَمِينَ فِيمَا حَدًّا وَلَمْ يَكُنْ مِنْ حَقِّ وَالِدَيْهِ إِحْصَارُهُمْ لِلاِدِّعَا عَلَيْهِ غَذَوْهُ بِالنِّعْمَةِ حَالَ الصِّغَرِ كَيْفَ يَكُونُ خَصْمَهُمْ فِي الْكِبَرِ يَجْنُونَ مِنْ ثِمَارِهِ كُلَّ نَكَدْ طِفْلًا وَكَهْلًا وَمَمَانًا إِنْ فُقِدْ وَرَجُلٌ مَاتَ أَخُوهُ فَادَّعَى بِأَنَّ زَيْدًا سَمَّهُ (2) فَصْرِعًا إِنَّ لَهُ تَحْلِيفَهُ إِنْ أَنْكَرَا وَالْخُلْفُ إِنْ خَلَّفَ إِبْنَّا ذَكَرَا قِيلَ لَهُ تَحْلِيفُهُ وَقِيلَا لَيْسَ لَهُ ذَاكَ فَعَ التَّأْصِيلًا وَذَاكَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا فِي القَوَدْ أَهْوَ (3) أَحَقُّ هَاهُنَا أَمِ الوَلَدْ وَرَجُلٌ قَدِ ادَّعَى عَلَى عُمَرْ بِأَنَّهُ بَعِيرَهُ حَيًّا نَحَرْ فَقَالَ بَعْدَ الْمَوْتِ قَدْ نَحَرْتُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ غَارِمٍ وَجَدْتُهُ
(1) قوله: بمغن: الباء فيه زائدة كما زيدت في قوله: لا يقرأن بالسور.
(2) قوله: سَمَّه: أي: أطعمه السم. وصرع، أي: مات.
(3) قوله أهو بهمزة الاستفهام وإسكان الهاء للوزن.
((
(4) قوله: «فالقول قول غارم» أقول: إن عندي في هذا غير ما قيل؛ وذلك لأن الذبح حدث متلف، فقوله: ذبحته بعد موته دَعْوَى منه، فإن أقام البيّنة وإلا فعليه قيمته، وله على صاحب البعير اليمين. (2/291)
صفحة 901
باب القضاء في الدماء
الجزء الثالث
291
إِنْ عَجَزَ الشُّهُودُ فَلْيُحَلَّف بِاللهِ قَدْ نَحَرْتُ بَعْدَ التَّلَفِ وَحَائِضٌ تُحَلَّفَنَّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بِهَا شَيْءٌ يُحَرِّمُ الْقَسَمْ فَالْحَيْضُ لَا يَمْنَعُ ذِكْرَ الْبَارِي وَإِنْ يَكُنْ يَمْنَعُ حَظِّ الْقَارِي (2)
باب القضاء في الدِّماءِ
وَلِلقَضَا مَوَاضِعُ وَقَدْ مَضَى أَكْثَرُهَا فِيمَا مَضَى وَمَا انْقَضَى وَمَا بَقِي مِنْهَا سِوَى بَابِ الدِّمَا وَبَعْضُهُ (3) كَذَاكَ قَدْ تَقَدَّمَا وَهَاهُنَا أَذْكُرُ مَا مِنْهُ بَقِي كَدِيَةٍ وَقَوَدٍ لَمْ يَسْبِقِ فَقَاتِلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٌّ يَلْزَمُهُ يَنْقَادُ لِلْمُحِقِّ يَقْتُلُهُ وَلِيُّهُ وَإِنْ عَفَا عَنْ قَتْلِهِ فَالْعَفْوُ أَدْنَى لِلْوَفَا وَإِنْ عَفَا بَعْضُهُمُ فَلَا قَوَدْ مِنْ بَعْدِ عَفْوِهِ يَكُونُ لِأَحَدُ لَكِنْ عَلَيْهِ دِيَةُ الْمَقْتُولِ وَهَكَذَا كَفَّارَةٌ فِي قَوْلِ وَقِيلَ لَا كَفَّارَةٌ فِي الْعَمْدِ بَلْ فِي الْخَطَا لِعِظَمِ التَّعَدِّي)
(1) يُحَرِّم: أي: يَمْنع. (2) قوله: «وإن يكن يمنع حَظِّ القاري أي: أجره، وعندي أنه لا يرفع الأجر؛ لأن ذكره تعالى لا يُمنع بحال فحيث جاز ذكره ثبت أجره، وإنما يمنع قراءة القرآن كما يمنعها النفاس والجنابة.
(3) قوله: «وبعضه ... إلخ»، يعني بالبعض بَابَي الحدود والجهاد اهـ. (المصنف) (4) قوله: «لعظم التعدي اختلف في وجوب الكفارة على المخطئ، فقال بعضهم: عليه الكفارة؛ لأنها إذا وجبت في قتل الخطأ فوجوبها في قتل العمد أولى؛ لأن الحكم إذا شُرع في الأخف
= (2/292)
صفحة 902
292
الجزء الثالث
كتاب القضاء
يَلْزَمُهُ عِنْقٌ فَإِنْ لَمْ يَجِدِ يَصُومُ شَهْرَيْنِ بِلَا تَفَنُّدِ) وَلَيْسَ لِلإِطْعَامِ مِنْ سَبِيلِ لِعُدْمِ ذِكْرِهِ مِنَ الدَّلِيلِ وَقَالَ بَعْضُ العُلَمَا إِنْ أَطْعَمَا أَجْزَاهُ وَالأَكْثَرُ مَا تَقَدَّمَا وَهُوَ مُوَافِقُ لِمَعْنَى الذِّكْرِ إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ مِنْ ذِكْرِ قَدْ ذَكَرَ القُرَانُ الأَوَّلَيْنِ (2) وَهَكَذَا تَتَابُعُ الشَّهْرَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ إِطْعَامَهُمْ قَدْ ذَكَرَا كَمِثْلِ مَا فِي غَيْرِهَا قَدْ ذُكِرَا وَرَجُلٌ عَشَرَةً قَدْ قَتَلَا ثُمَّ أَرَادَ التَّوْبَ مِمَّا فَعَلَا كَانَ عَلَيْهِ لَهُمْ يَنْقَادُ فَيَفْعَلُونَ فِيهِ مَا أَرَادُوا إِمَّا عَفَوْا عَنْهُ أَوِ الْقِصَاصُ أَوْ دِيَةٌ وَهْوَ لَهُ خَلَاصُ إِنْ قَتَلُوهُ كَانَ عَنْ نَفْسٍ وَفِي تِرْكَتِهِ بَاقِي الدِّيَاتِ فَاعْرِفِ وَقِيلَ لِلْأَوَّلِ قَتْلُهُ فَقَط وَالْبَاقِي فِي تِرْكَتِهِ غُرْمًا يُحَطِّ (3) وَقِيلَ بَلْ فِي قَتْلِهِ أَكْفَاءُ أَوَّلُهُمْ وَآخِرٌ سَوَاء فَإِنْ عَفَا بَعْضُهُمْ لَا يُقْتَلُ بَلْ لَهُمُ الدِّيَاتُ عَنْهُ تُبْذَلُ مِنْ مَالِهِ وَقِيلَ إِنْ بَعْضُ قَتَلْ فَلَيْسَ لِلبَاقِينَ شَيْءٍ قَدْ حَصَلْ
فهو في الأعظم أولى وأحق وقيل لا كفارة عليه؛ لأنها لم تُشْرَع عليه، فليس لنا أن نشرع شيئًا بالقياس، وكذلك الخلاف في كفارة ترك الصلاة عمدًا على نحو ما ذكرنا. والله أعلم.
(1) أي: بلا تفرقة بينهما، والمراد متتابعا. (المصنف)
(2) قوله: «الأولَيْن يعني: العتق والصوم. (3) يُحَطَّ: أي: يُجْعَل. اهـ. (المصنف) (2/293)
صفحة 903
باب القضاء في الدماء
الجزء الثالث
293
وَفِي جَمَاعَةٍ بَشَخْصِ فَتَكُوا قِيدَ بِهِ جَمِيْعُهُمْ وَهَلَكُوا وَذَاكَ لِلْفَتْكِ الَّذِي قَدْ وَقَعَا فَدَمُهُمْ بِفَتْكِهِمْ قَدْ ضُيِّعًا وَهُمْ مِنَ السَّاعِينَ فِي البِلَادِ بَيْنَ الْوَرَى بِالْقَتْلِ وَالْفَسَادِ وَهُمْ مِنَ الْمُحَارِبِينَ قَطْعَا يُقَتَّلُونَ لَوْ كَأَهْل صَنْعَا وَلَيْسَ تُجْزِي عَنْهُمُ قَطُّ دِيَهُ وَإِنْ تَكُنْ بِعَدِّهِمْ مُؤَدَّيَهُ وَإِنْ يَكُنْ تَصَالَحُوا مِنْ قَبْلِ تَرَافُعِ إِلَى الإِمَامِ العَدْلِ جَازَ لَهُ حِيْنَئِذٍ يَأْخُذُ مَا صَالَحَهُمْ عَلَيْهِ قَوْلًا مُحْكَمَا لَوْ أَنَّهُ زَادَ عَلَى أَلْفِ دِيَهُ فَإِنَّ ذَاكَ جَائِزٌ فِي التَّأْدِيَهُ وَإِنْ أَرَادَ دِيَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يُصالِحَنْ فَدِيَةٌ تُلَزَّمَنْ لأَنَّمَا الْمَقْتُولُ نَفْسٌ وَاحِدَهُ وَلَا يَجُوزُ يَأْخُذَنَّ زَائِدَهُ وَقِيلَ فِيهِ وَرَوَاهُ عَنْهُمْ (1) بِدِيَةٍ تَلْزَمُ كُلًّا مِنْهُمُ وَعَلَّهُمْ قَدْ شَبَّهُوهُ بِالْفِدَا لِلنَّفْسِ حَيْثُ كَانَ قَتْلُهُ اعْتِدَا فَهُمْ بِهِ لَا شَكٌّ مَقْتُولُونَا لَوْ رُفِعُوا لِحُكْمِ الْحَاكِمِينَا وَهْوَ بِمَا يَقْبَلُهُ مِنْهُمْ غَدَا كَمِثْلِ مَنْ يَقْبَلُ عَنْهُمُ الْفِدَا وَلَا أَرَى هَذَا وَإِنْ لَمْ يُذْكَرِ خِلَافُهُ عِنْدَهُمُ فِي الأَثَرِ وَرُبَّمَا تُوجَدُ فِيهِ مَسْأَلَهُ مَنْقُوْلَةٌ وَهْيَ لَعَمْرِي مُشْكِلَهُ
و (1)
(1) قوله: «ورواه عنهم»، أي: رواه الصائغي عن بعض أهل العلم. (2/294)
صفحة 904
294
الجزء الثالث
كتاب القضاء
وَرُبَّمَا يُوجَدُ قَوْلٌ يُرْسَمُ فِي مَوْضِعِ وَضِدُّهُ لَا يُعْلَمُ وَهُوَ لَهُ مُخَالِفٌ قَدْ ذُكِرَا فِي مَوْضِعِ لَكِنَّهُ مَا سُطَّرَا فَذِكْرُهُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْعَكْسِ يُورِثُ عُدْمَ عَكْسِهِ فِي النَّفْسِ وَالْخُلْفُ إِنْ صَالَحَهُمْ بِأَكْثَرَا مِنْ دِيَةٍ بَيْنَهُمْ قَدْ أُثِرَا قِيْلَ لَهُ مَا زَادَ وَالْبَعْضُ يَرَى بِأَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهِ حُجِرَا بَلْ دِيَةُ النَّفْسِ وَمَنْ كَانَ فَعَلْ فَذَاكَ شَأْنُ الْجَاهِلِيَّةِ الأُول وَفِي الْحَدِيْثِ إِنْ يَزِدْ بَعِيرًا فَذَاكَ جَاهِلِيَّةٌ تَعْيِيرَا (1) وَإِنْ يَكُنْ نَائِرَةٌ (2) بَيْنَهُمُ فَوَاحِدٌ بِوَاحِدٍ يُلْتَزَمُ فَعَشْرَةٌ قَدْ قَتَلُوا إِنْسَانَا يُّهُ يَقْتُلُ أَيَّا كَانَا وَتِسْعَةُ الْأَعْشَارِ مِنْ أَصْلَ الدِّيَهْ تَلْزَمُ مَنْ لَمْ يُقْتَلَنْ (3) فِي التَّأْدِيَهْ تُدْفَعُ لِلْمَقْتُولِ بَعْدَ الْقَتْلِ) لِأَوْلِيَائِهِ بِغَيْرِ مَطْلِ وَقِيلَ بَلْ إِلَيْهِ تُدْفَعَنَّا مِنْ قَبْل قَتْلِهِ وَيُقْتَلَنَّا
(1) قوله: «تَغييرا»، أَيْ: عَيَّرَهُمْ بكونه من فعل الجاهلية، والتعيير بالعين المهملة تذكير المرء بما من العار على معنى التنقيص.
فعله
(2) نائرة أي فتنة وعداوة، وهو الذي يعبر عنه باللَّوْث في القَسَامة. (3) قوله: «من لم يُقتلن» بضم الياء بالبناء للمفعول، يعني: إذا قتل عشرة رجال رجلا قيد به واحد من العشرة وهو الذي يختاره الوَليّ أو الذي تكون عليه القرعة، فيكون على كل واحد من التسعة الذين لم يقتلوا مائة وعشرة قروش من الدية المقدرة باثني عشرة مائة قرش لأولياء المقاد منهم، وهذا في قتل النائرة. (*) المراد أن الدية تدفع لأولياء المقتول قبل قتل من اختاره الولي، وقيل: تدفع بعد القتل. (إسماعيل) (2/295)
صفحة 905
الجزء الثالث
295
باب القضاء
في الدماء
وَالأَوَّلُ الْمَنْسُوبُ لِلأَصْحَابِ وَالثَّانِي لَا يَخْلُو مِنَ الصَّوَابِ وَإِنْ أَرَادَ دِيَةً فَتُدْفَعُ إِلَيْهِ وَهْيَ بَيْنَهُمْ تُوَنَّعُ وَإِنْ رَمَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَا أَوْ بَعْرَةٍ أَوْ بِنَوَاةٍ مَثَلَا وَقَصَدَ الْقَتْلَ عَلَيْهِ القَوَدُ عَنْ نَجْلٍ مَحْبُوبِ كَذَاكَ يُوجَدُ لِأَنَّهُ لِقَتْلِهِ قَدْ قَصَدَا فَهْوَ كَمَنْ يَقْتُلُهُ تَعَمُّدَا وَقِيلَ إِنْ رَمَاهُ لَا بِقَاتِلِ وَلَمْ يُؤَفِّرْ لَمْ يُقَدْ لِلْعَامِلِ وَذَاكَ مِثْلُ إِنْ رَمَى بِقُطْنَةِ أَوْ رِيشَةٍ أَوْ نَحْوِهَا كَخِرْقَةِ حَكَى أَبو المُؤْثِرِ هَذَا عَنْهُمُ وَهْوَ إِلَيْهِ مَالَ فِيمَا يُفْهَمُ وَعَلَّ مَبْنَى الْاِخْتِلَافِ مَا وُجِدْ هَلْ ذَاكَ كَالْحَدِّ أَمِ الْحَقُّ عُهِدْ) فَمَنْ يَقُلْ كَالْحَدِّ يُسْقِطَنَّهُ بِشُبْهَةٍ وَالْحَدَّ يَدْرَأَنَّهُ (2) وَمَنْ يَقُلْ حَقٌّ فَلَا يَنْدَفِعُ بِذَاكَ وَالْحَقُوقُ حَتْمًا تُدْفَعُ (3) وَإِنْ دَرَأْنَا القَتْلَ عَنْهُ لَزِمَهُ إِنْ مَاتَ مِنْهُ دِيَةٌ مُتَمَّمَهْ وَمَا الْخَطَا يُوجِبُ قَطْعًا قَوَدَا لِأَنَّهُ لِقَتْلِهِ مَا قَصَدًا يُرِيدُ أَنْ يَرْمِي سِوَاهُ فَوَقَعْ عَلَيْهِ أَوْ مَاتَ بِهِ حِينَ سَدَعْ
(1) قوله: «أم الحقُّ» ضبطه الكاتب هنا بشكل الضمة ولعله بأمر من المصنف، ولعله مبتدأ أو خبر
لمبتدأ محذوف أو
هو
الحق المعهود.
(2) درء الحد: رفعه.
(3) أي: تُؤدَّى إلى أهلها. اهـ. (المصنف) (2/296)
صفحة 906
296
الجزء الثالث
كتاب القضاء
فَذَا هُوَ المُخْطِئُ تَلْزَمَنَّا عَشِيرَةَ الْقَاتِلَ تَدْفَعَنَّا) تَدْفَعُ عَنْهُ دِيَةَ الْقَتِيلِ عَلَيْهِ بِالتَّوْزِيعِ فِي التَّأْجِيلِ يُقَدَّمُ الأَقْرَبُ ثُمَّ الأَقْرَبُ وَهَكَذَا حَتَّى يَتِمَّ النَّسَبُ وَذَلِكَ القَاتِلُ مِثْلُ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَلَا يَزِيدُ فِي الغُرْمِ الْجَلِي لَكِنَّهُ يَزِيدُ بِالْكَفَّارَةِ وَقَدْ مَضَى مَا فِيهِ مِنْ عِبَارَةِ جِنَايَةُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ مِنَ الْخَطَا وَالأَعْجَمِ الْغَبِيِّ لِأَنَّهَا عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ تَقَعُ فَهيَ عَلَى أَهْلِيهِمُ تُوَزِّعُ وَلَا يُقَادُ وَالِدٌ بِالْوَلَدِ لأَنَّ هَذَا مَانِعٌ لِلْقَوَدِ وَلَا يُقَادُ مُسْلِمٌ بِذِمِّي عِنْدَ أُولِي الْحَقِّ وَأَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا يُقَادُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ وَلَا يُقَادُ أَعْجَمُ إِذَا مَا قَتَلَا
(2)
وَلَا يُقَادُ ذَكَرٌ بِأُنْثَى إِلَّا مَعَ الفَتْكِ ? وَلَا بِالْخُنْثَى وَإِنْ أَرَادُوا قَتْلَهُ بِهَا لَزِمْ أَنْ يَدْفَعُوا الفَاضِلَ مِمَّا قَدْ غُرِمْ لِأَنَّهَا فِي نِصْفِ غُرْمِ الرَّجُلِ وَالنِّصْفُ مَرْدُودٌ إِلَى المُقَتَّلِ وَذَاكَ فِي نَائِرَةٍ إِنْ قُتِلَتْ وَإِنْ يَكُنْ بِالْفَتْكِ لَا رَدَّ ثَبَتْ
(1) قوله: تدفعنا في محل فاعل تلزم على حذف أن المصدرية. (2) قوله: «ولا يقاد أعجم»، أي لتعذر أن يبين عذره، فلعل له في ذلك عذرًا، والقَودُ إن لم يكن حدا فهو أشبه بالحد، والحد يُدْرَءُ بالشبهات.
(3) قوله: «إلا مع الفتك»، يعني: القتل العمد العُدْوَانِي (2/297)
صفحة 907
باب القضاء في الدماء
الجزء الثالث
297
وَتُقْتَلُ الْأُنْثَى بِأُنْثَى وَكَذَا عَبْدُ بِعَبْدٍ فَافْهَمَنَّ المَأْخَذَا وَعَشْرَةٌ مِنَ العَبِيدِ قَتَلُوا عَبْدًا فَوَاحِدٌ بِهِ يُقَتَّلُ وَيَغْرَمَنَّ سَادَةُ الْبَاقِينَا تِسْعَةَ أَعْشَارٍ كَمَا حَكَيْنَا لَكِنْ هُنا تُقْسَمُ نَفْسُ الْقِيمَةِ وَمَا مَضَى تُقسَمُ نَفْسُ الدِّيَةِ وَقِيلَ مَهْمَا فَتَكُوا فَالْقَتْلُ عَلَى الْجَمِيعِ وَهُوَ قَوْلٌ عَدْلُ وَحَيْثُمَا يَمتَنِعنَّ القَوَدُ يَمْتَنِعُ الْقِصَاصُ وَهْوَ أَبْعَدُ لأَنَّمَا الزَّوْجَانِ لَا قِصَاصَا بَيْنَهُمَا فِي الْجُرْحِ حِينَ غَاصَا وَقَدْ يُقَادُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فِي الْقَتْلِ مَعْ رَدُّ عَلَيْهَا يَمْضِي (1) وَلَا قِصَاصَ فِي الْعِظَامِ وَالْبَصَرُ وَالسَّمْعِ مَهْمَا نَقَصَا عَنِ الْقَدَرْ وَوَارِثُ بِالْجِنْسِ لَا يَقْتَصُّ لِأَنَّهُ بِذَاكَ لَا يَخْتَصُّ بَلِ الْقِصَاصُ لِذَوِي السَّهَامِ وَالْعَصَبَاتِ قِيلَ وَالْأَرْحَامِ وَقِيلَ لَا قِصَاصَ أَيْضًا لِلرَّحِمْ وَلَا لِذِي السَّهَامِ طُرًّا يُلْتَزَمْ إِذْ قِيلَ لَيْسَ لِلنِّسَا مِنْ قَوَدِ وَقِيلَ بَلْ لَهُنَّ فِي التَّقَيُّدِ وَلَا قِصَاصَ إِنْ عَفَا وَيَلْزَمُ إِنْ بَطَلَ الْقِصَاصُ إِرْسُ يُعْلَمُ
(1) قوله: «مع رد عليها أي رد نصف الدية إن هي قيدت بالزوج؛ لأنها كنصف الرجل، فليس بينهما بواء. (2) قوله: «ووارث بالجنس .... إلخ»، أي ليس لمن يرث بالجنس أن يقتص، وذلك كالسند والحبشة والنوبان إذا مات منهم أحد ولم يوجد له وارث غير أهل جنسه، عند من يرى
الميراث بالجنس، فالوارث بالجنس ليس له قصاص ولا قود. (2/298)
صفحة 908
298
الجزء الثالث
كتاب القضاء
وَإِنْ عَفَا الْمَجْرُوحُ عَمَّا صُنِعَا فِيهِ (1) بِعَمْدٍ عَفْوُهُ قَدْ وَقَعَا وَلَا يَصِحُ عَفْوُهُ إِنْ بِخَطَا قَدْ جَرَحُوهُ إِذْ لِأَهْلِهِ الْخَطَا فَدِيَةٌ لِأَهْلِهِ مُسَلَّمَهُ مِنْ آيَةٍ فِي الذِّكْرِ جَاءَتْ مُحْكَمَهُ وَلَا قِصَاصَ فِي الْجِرَاحَ قَبْلَ أَنْ يَبْرَأَ مِنْ جِرَاحِهِ وَيُعْرَفَنْ وَلَا قِصَاصَ لِصَبِيٌّ لَا وَلَا مِنْ قَوْدٍ عَلَيْهِ فَادْرِ الْعِلَلَا فَلا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ مَبْلَغَ الرِّجَالِ بَنَّا (2) وَقَاتِلٌ مِنْ بَعْدِ عَفْوِ يُقْتَلُ حَدًّا وَلَيْسَ الْعَفْوُ عَنْهُ يُقْبَلُ وَقَاتِلُ مِنْ بَعْدِ أَخْذِ الدِّيَةِ كَمِثْلِهِ يُقْتَلُ لِلتَّعْدِيَةِ وَمِثْلُهُ القَاتِلُ فِي الأَمَانِ فَقَتْلُهُمْ حَدٌ عَلَى الْإِنْسَانِ وَهُمْ مِنَ السَّاعِينَ بِالْفَسَادِ قَتْلُهُمُ فَرْضٌ عَلَى الْعِبَادِ وَإِنْ عَفَا الْبَعْضُ فَمَا لِلْبَعْضِ مِنْ قَوَدٍ بَلْ دِيَةٌ يَسْتَقْضِي وَقِيلَ بَلْ بِالْعَفْوِ يَسْقُطَنَّا حَقُّ الْجَمِيعِ عَنْهُ فَاعْلَمَنَّا يُوجَدُ هَذَا فِي شُرُوحِ النِّيلِ لَكِنَّهُ خَالٍ مِنَ الدَّلِيلِ)
(1) قوله: «صُنِعَا»، أي: فُعِلَ به من قتل أو جراح؛ يعني إذا عفا المقتول قبل موته عن قاتله بالعمد ثبت عفوه، وإن عفا عن قاتله خطأ لم يثبت عفوه عن الدية، لقوله تعالى: {فَدِيَةٌ مُسلَمَةُ إلَى أَهْلِي) [النساء: 92]. (2) قوله: بتا: أي: قطعا.
(3) قوله: «في شروح النيل»، أي: شرح النيل لمؤلفه العلّامة محمد بن يوسف المغربي، والنيل كتاب لم يؤلف مثله في المذهب لمؤلفه العلّامة عبد العزيز بن إبراهيم الثميني رضي الله عنهم أجمعين. (2/299)
صفحة 909
باب القضاء في الدماء
الجزء الثالث
299
وَالْخُلْفُ إِنْ عَفَا عَنِ الْقَتْلِ وَلَمْ يَنْزِلْ إِلَى الْغُرْمِ فَهَلْ غُرْمٌ لَزِمٌ وَإِنْ يَكُنْ عَنْهُ إِلَى الغُرْمِ نَزَلْ فَهَاهُنَا الغُرْمُ لَهُ قَطْعًا حَصَلْ وَإِنْ يَكُنْ عَنْ قَتْلِهِ لَمْ يَعْفُ وَمَاتَ قَبْلَ الْقَتْلِ فِيهِ خُلْفُ قِيلَ لَهُ مِن مَالِهِ الْغُرْمُ) وَقَدْ يُقَالُ لَا غُرْمَ لَهُ حِينَ افْتُقِدْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَمٌ فَذَهَبْ فَهُوَ كَمَنْ لَهُ بَعِيرٌ فَعَطَبْ وَالْمَالُ لِلْوَارِثِ لَيْسَ يُدْرِكُ ذُو الدَّمِ شَيْئًا مِنْهُ حِينَ يَهْلِكُ مَا كَانَ فِي النَّفْسِ فَلَا يَنْتَقِلُ لِلْمَالِ لَكِنْ غَيْرُهُ يَنْتَقِلُ ذَاكَ الَّذِي يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ بِمَوْتِهِ يَصِيرُ فِي تِرْكَتِهِ نَعَمْ وَلَوْ عَفَا فَثَمَّ يَنْتَقِلْ لِذِمَّةٍ وَبَعْدُ فِي الْمَالِ جُعِلْ هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ لِلأَخِيرِ وَالأَوَّلُ الْمَوْجُودُ فِي الْكَثِيرِ وَرَجُلٌ لِرَأْسِ مَيْتٍ قَطَعَا فَلَا عَلَيْهِ قَوَدٌ قَدْ وَقَعَا لَكِنْ عَلَيْهِ دِيَةٌ تُؤَدَّى عَنْهُ إِذَا مَا كَانَ ذَاكَ عَمْدَا وَفِي الْخَطَا لَيْسَ عَلَيْهِ أَبَدًا غُرْم بَلِ الْغُرْمُ إِذَا تَعَمَّدَا وَإِنْ يَكُ الْمَيِّتُ عَبْدًا أُهْدِرَا عَنْهُ وإِنْ كَانَ بِعَمْدٍ خَطَرَا لِأَنَّهُ مَالٌ وَلَيْسَ الْمَالُ مِنْ حُرمَةِ الْحُرِّ عُلًا يَنَالُ وَرَجُلٌ مِنْ بَيْنِ قَوْمٍ قَدْ رَمَى فِيمَنْ رَمَى أَصَابَ شَخْصًا مُبْهَمَا
(1) قوله: الغُرم: الدية. (2/300)
صفحة 910
الجزء الثالث
كتاب القضاء
فَإِنَّهُ فِي الْحُكْمِ لَا يَلْزَمُهُ حَتَّى يَكُونَ مِنْهُمْ يَعْلَمُهُ وَفِي الْخَلَاصِ لِجَمِيعِ الْقَوْمِ يَلْزَمُهُ مِنْ دِيَةٍ وَسَوْمِ وَأَخْذُ غُرْمِهِ إِذَا أَقَرًا بِهِ لِأَهْلِهِ حَلَالٌ يَطْرَاَ وَسَامِعُ مَنْ يَتَامَرُونَا بِأَنَّهُمْ غَدًا سَيَقْتُلُونَا وَأَنَّه يَعْرِفُ مَنَ سَيُقْتَلُ عَلَيْهِ أَن يُنْذِرَهُ أَنْ يَفْعَلُوا وَإِنْ يَكُنْ قَصَّرَ عَنْ إِنْدَارِ فِإِنَّهُ يَبُوءُ بِالْأَوْزَارِ إِنْ قَتَلُوهُ هَلْ عَلَيْهِ تَلْزَمُ دِيَتُهُ فِيهِ خِلَافٌ يُرْسَمُ فَبَعْضُهُمْ يُلْزِمُهُ وَالْبَعْضُ لَا يُلْزِمُهُ حَيْثُ احْتِمَالٌ حَصَلَا لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا أَوْ لَا يَكُونَ فَغَدَا مَظْنُونَا وَإِنْ دَرَى بِأَنَّ قَتْلَهُمْ بِحَقِّ لَهُ فَلِلإِنْذَارِ لَيْسَ يَسْتَحِقْ إِنْ أَمَرَ السَّيِّدُ مَنْ قَدْ مَلَكًا بِقَتْلِ إِنْسَانٍ وَمِنْهُ هَلَكَا فَهْوَ عَلَى السَّيِّدِ مَأْخُوذُ بِهِ لِأَنَّهُ أَمَّرَهُ بِضَرْبِهِ وَالْمَاشِيَانِ إِنْ هُمَا قَدْ سَدَعَا) بَعْضُهُمَا الْآخَرَ ثُمَّ انْصَرَعَا يَضمَنُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهْ مَا كَانَ فِيهِ أَثَرًا مِنْ صَارِبِهْ وَامْرَأَتَانِ يَتَطَاحَنَانِ عَلَى رَحَى وَيَتَعَاوَنَانِ زَلَّ الْعَصَا مِنَ الرَّحَى وَقَتَلَا وَاحِدَةً يَصْمَنُهَا مَنْ عَقَلَا (2)
(1) قوله: سَدَعَا: أي: صدما. (2) يعني: العاقلة. اهـ. (المصنف) (2/301)
صفحة 911
باب القضاء في الدماء
الجزء الثالث
301
وَرَاكِبُ بِهِيمَةً فِي يَدِهِ رُمْحٌ وَقَدْ تَفَلَّتَتْ مِنْ عِنْدِهِ فَصَامِنْ لِمَا أَصَابَ وَهْوَ فِي بَابِ الْخَطَا يُحْسَبُ حُكْمًا فَاعْرِفِ وَضَارِبٌ بَهِيمَةً قَدْ رَكِبَا يَضْرِبُهَا يُرِيدُ مِنْهَا تَذْهَبَا فُقُتِلَتْ إِنْ كَانَ بِالْمُقَدَّمِ فَضَامِنٌ أَوْ لَا فَلَا غُرْمَ اعْلَمِ مَقْدَمُهَا كَسَهْمِهِ وَالْمُؤْخَرُ مِنْ جُرْحِهَا (2) وَذَاكَ جُرْحٌ يُهْدَرُ وَرَجُلَانِ فِي الطَّرِيقِ اصْطَحَبَا أَتَاهُمَا مَنْ يَقْتُلَنْ مَنْ صَحِبَا فَانْهَزَمَ الآخَرُ عَنْهُ فَقُتِلْ يَلْزَمُهُ الصَّمَانُ فِيمَا قَد نُقِلْ وَلَا ضَمَانَ إِنْ يَكُنْ لِعُذْرِ فِرَارُهُ عَنْهُ بِأَصْلِ الْأَمْرِ وَطَارِحٌ عَلَى أَخِيهِ عَقْرَبَا فَأَثَّرَتْ فِيهِ الصَّمَانُ وَجَبَا فَسَوْمُ عَدْلَيْنِ عَلَيْهِ وَهْوَ مَا نَذْكُرُهُ فِيمَا يَلِيهِ فَافْهَمَا وَذَاكَ مَا قَدْ يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ مِنْ عَارِفَيْنِ بِالدِّمَا إِنْ نَظَرُوا وَقِيلَ عِشْرُونَ مِنَ الدَّرَاهِم سَوْمُهُمَا وَذَاكَ غَيْرُ لازِمِ بَلْ ثُلُثُ الْغُرْمِ وَقِيلَ نِصْفُهُ وَقِيلَ مَا بَيْنَهُمَا وَكَشْفُهُ أَنْ تَنْظُرَنَّ دِيَةَ الْمُؤَنَّرِ مِنْ يَدِهِ أَوْ أُصْبُعِ أَوْ ذَكَرِ وَتُخْرِجَنَّ ثُلُثَ الْمُقَدَّرِ أَوْ نِصْفَهُ عَلَى اخْتِلَافِ النَّظَرِ وَامْرَأَةٌ قَدْ سَقَتِ الدَّوَاءَ سَلِيلَها شَاءَتْ لَهُ النِّفَاءَ
(1) قوله: وقد تفلتت أي سقطت من يده وأصل الفَلَت الانفصال. (2) قوله: من جرحها: أي: من جرح العجماء، وجرح العجماء جبار، أي: هدر. (2/302)
صفحة 912
302
الجزء الثالث
كتاب القضاء
فَمَاتَ لَا يَلْزَمُهَا قَتِيلُ (1) إِذْ لَمْ تُرِدْ أَنْ يَهْلِكَ السَّلِيلُ قُلْتُ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُنظَرَا فِيمَا سَقَتْ أَقاتِلُ قَدْ أَثَرَا غَيْرُ قَاتِلِ فَأَمَّا الأَوَّلُ فَحُكْمُهُ قَتْلُ الْخَطَا إِذْ تَفْعَلُ لأَنَّهَا سَقَتْهُ قَاتِلًا وَلَوْ لَمْ تَعْلَمَنْ فَالْغُرْمُ فِيمَا قَدْ أَتَوْا (2) وَإِنْ يَكُ الدَّوَاءُ غَيْرَ قَاتِل طَبْعًا فَلَيْسَتْ هَاهُنَا بِقَاتِلِ وَقِيلَ مَنْ حَائِطُهُ قَدْ مَالَا عَلَى طَرِيق لَيْسَ عَنْهَا زَالَا إِنْ وَقَعَ الْحَائِطُ فَوْقَ عَمْرِو فَلَيْسَ فِيهِ مِنْ ضَمَانٍ يَجْرِي إِلَّا إِذَا كَانَ لَهُ تُقُدِّمَا فِي صَرْفِهِ فَبِالصَّمَانِ حُكِمَا وَإِنْ يَكُنْ لَمْ يَتَقَدَّمَنَّا فَلَيْسَ بِالصَّمَانِ يُحْكَمَنَّا لَكِنَّهُ يَضْمَنُ عِنْدَ رَبِّهِ إِذَا رَآهُ مُخْطِرًا فِي دَرْبِهِ وَرَجُلٌ عَلَى الطَّرِيقِ أَشْرَعَا خَشَبَةً يَضْمَنُ مَا قَدْ صَرَعَا وَرجُلٌ قَدْ أَشْرَعَ الجَنَاحَا عَلَى الطَّرِيقِ ظَنَّهُ مُبَاحَا وَباعَ ذَاكَ الْبَيْتَ أَنَّ الْمُشْتَرِي مِنْ غُرْمِ مَنْ يُصِيبُهُ هَذَا بَرِي وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَاكَ الْمُحْدِنَا لِأَنَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ أَحْدَثَا وَالْعَبْدُ إِنْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الْمَتْجَرِ وَمَالَ مِنْ ذَلِكَ بَعْضُ الْجُدُرِ
(1) قوله: «لا يلزمها قتيل»، أي دية قتيل فأقام المضاف إليه مقام المضاف.
(2) قوله: «قد أتَوْا»، أي: أَتَتْ، عبر عنها بالجمع عن المفرد. (3) قوله: تقدما بالبناء للمفعول، أي: تقدّم عليه الحاكم أو جماعة المسلمين بأن يصرفه أو يُقيمه. (4) قوله: الجَنَاحَا: أي: أخرج طرفًا من بيته كرَوْشَنْ ونحوه. (2/303)
صفحة 913
باب القضاء في الدماء
الجزء الثالث
303
تَقَدَّمُوا عَلَيْهِ وَهُوَ قَدْ أَبَى مِنْ صَرْفِهِ ثُمَّ الْجِدَارُ انْقَلَبَا أَصَابَ إِنْسَانًا عَلَى عَشِيرَةِ سَيِّدِهِ تَوْزِيعُ تِلْكَ الدِّيَةِ وَمَا جَنَى بِيَدِهِ يُحْكَمُ بِه فِي نَفْسٍ ذَاكَ الْعَبْدِ عِنْدَ الْمُنْتَبِهْ (1) وَرَجُلٌ قَدْ قَتَلَ الْمُدَبَّرَا يَلْزَمُهُ ثَمَنُهُ مُدَبَّرَا) وَقِيلَ بَلْ خِدْمَةٌ مَنْ قَدْ دَبَّرَهُ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ عَنَا مَنْ أَجَرَهُ وَمَنْ رَمَى عَبْدًا وَلَكِنْ حُرِّرَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُصِيبَهُ مَا ذُكِرَا يُقْتَصُّ مِنْهُ إِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ وُقوعُ سَهْمِهِ كَمَا قَدْ أَثَرُوا وَدِيَةُ الإِنْسَانِ بِاعْتِبَارِ أَمْوَالِ قَاتِلِيهِ فِي الْمِقْدَارِ فَمِائَةٌ مِنْ إِبِلِ تَلْزَمُ مَنْ أَمَوَالُهُ إِبِلُهُ فَيَدْفَعَنْ عَلَى تَفَاصِيلٍ بِهَا مُفَصَّلَهُ مِنَ الْعِشَارِ (3) وَمِنَ الْمُعَطَّلَة (4) وَهَكَذَا يَلْزَمُ أَصْحَابَ الْبَقَرُ بِمِائَتْي بَقَرَةٍ غُرْمًا شُهِرْ وَالْغُرْمُ أَلْفَانِ عَلَى أَهْلِ الْغَنَمْ وَذَاكَ لِلتَّيْسِيرِ فِيمَا قَدْ غَرِمْ وَأَلْفُ دِينَارٍ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبْ وَكُلُّ دِينَارٍ بِمِثْقَالٍ وَجَبْ (5) وَالأَصْلُ قَالَ مِائَنَا مِثْقَالِ مِقْدَارُهَا مِنَ النُّصَارِ الْغَالِي
(1) قوله: «في نفس ذاك العبد»، أي: في قيمته، ولا يلزم سيده من جنايته أكثر من قيمته؛ إلا فيما
يأمره به من الجنايات.
(2) قوله: مُدَبَّرا منصوب على الحال.
(3) قوله: العِشَار: هي الإبل الحوامل.
(4) قوله: المعطَّلة: هنا الإبل الخالية من الحمل.
(5) قوله: وجب: أي: ثبت. اهـ. (المصنف) (2/304)
صفحة 914
304
الجزء الثالث
كتاب القضاء
(2) (1)
وَذَاكَ بِاعْتِبَارِ وَزْنِ الدَّارِ مِثْقَالُهُ عَنْ خَمْسَةٍ لِلدَّارِي وَعَشَرَةُ الآلافِ حَدُّ الدِّيَةِ دَرَاهِمَا فِي حَقٌّ أَهْلِ الْفِضَّةِ وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُهَا أَلْفَيْنِ وَذَاكَ لِاخْتِلَافِهَا وَزُنَيْنِ لِأَنَّمَا الدَّرَاهِمُ الْقَدِيمَهُ مُخْتَلِفَاتٌ وَزْنُهَا وَالْقِيمَهُ فَبَعْضُهَا الْعَشْرَةُ عَنِ إِثْنَيْ عَشَرْ فَاجْمَعْ بِذَا الْقَوْلَيْنِ فِي حَدِّ الْقَدَرْ وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ الرَّجُلِ فِي النَّفْسِ وَالْجُرُوح وَالتَّعَطُّلِ لِأَنَّهُ مُضَاعَفٌ عَلَيْهَا فِي كُلِّ حَالٍ ثَابِتٍ لَدَيْهَا وَاحْكُمْ عَلَى مَنْ أَذْهَبَ الْجِمَاعَا مِنْ رَجُلٍ بِدِيَةٍ إِجْمَاعَا وَهَكَذَا الْحَمْلُ إِذَا مَا أُذْهِبَا مِنَ الْفَتَاةِ دِيَةٌ قَدْ أَوْجَبَا وَدِيَةٌ كَامِلَةٌ فِي الْبَوْلِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَمْسِكًا فِي قَوْلِ وَالْبَيْضَتَانِ فِيهِمَا قِيلَ الدِّيَة كَامِلَةٌ إِلَيْهِمُ مُؤَدَّيَهُ وَهَكَذَا قَدْ قِيلَ فِي الْيَدَيْنِ وَمِثْلُهَا قَدْ قِيلَ فِي الرِّجْلَيْنِ وَنِصْفُهَا يَلْزَمُهُ فِي الْوَاحِدَهُ مِنْهُنَّ لَا يَسْتَوْجِبَنَّ زَائِدَهُ وَرُبْعُهَا فِي رُكْبَةٍ قَدْ كُسِرَتْ وَجُبِرَتْ شَلَّاءَ حِينَ انْجَبَرَتْ وَدِيَةٌ تَلْزَمُ فِي الْعَيْنَيْنِ كَامِلَةٌ كَذَاكَ وَالْأُذُنَيْنِ
(1) أي المنتبه، مأخوذ من درى بالشيء أي علم به. اهـ. (المصنف) (2) قوله: «الدار» الأول المراد به البلد، والثاني المراد به العالم بالشَّيء. (2/305)
صفحة 915
باب القضاء في الدماء
الجزء الثالث
305
وَالنِّصْفُ فِي وَاحِدَةٍ إِنْ ذَهَبَتْ وَبَصَرُ الْعَيْن كَمِثْلِهَا ثَبَتْ وَالسَّمْعُ مِثْلُهَا إِذَا مَا ذَهَبَا مِنْ جَانِبِ فَنِصْفُهَا قَدْ وَجَبَا وَدِيَةٌ كَامِلَةٌ فِي الْكُلِّ كَذَلِكَ الشَّمُّ بِهَذَا الْمِثْلِ وَالنُّطْقُ فِيهِ دِيَةٌ تَمَامَا وَالْحَاجِبَانِ فَاعْرِفِ الْأَحْكَامَا كَذَلِكَ اللَّحْيَة إِنْ لَمْ تَنْبُتِ وَشَعَرُ الرَّاسِ كَذَاكَ أَثْبِتِ وَلَطْمَةُ الْوَجْهِ إِذَا مَا أَثَرَتْ أَصَابِعُ الْكَفِّ بِهَا قَدْ ظَهَرَتْ لَهَا بَعِيرٌ إِنْ تَكُنْ فِي رَجُلٍ وَإِنْ تَكُنْ أُنْثَى فَنِصْفُ الْجَمَلِ وَنِصْفُهُ إِنْ لَمْ تَؤَثَّرَنَّا فِي رَجُلٍ فَافْهَمْ هُدِيتَ عَنَّا دَامِيَةُ (1) الرَّاسِ لَهَا بَعِيرُ وَضِعْفُهَا فِي وَجْهِهِ يَصِيرُ مُؤَخَّرُ الرَّأْسِ وَبَاقِي الْجَسَدِ نِصْفُ مُقَدَّمٍ لِرَأْسِ فَقَدِ) وَطَاعِنُ بِإِبْرَةٍ إِنْسَانَا دَامِيَةٌ تُحْسَبُ حَيْثُ كَانَا وَهَكَذَا إِنْ كَانَ بِالسَّلَاةِ لِجَهْلِ مَا زَادَ مِنَ الصَّفَاتِ وَإِنْ يَكُنْ مَبْلَغُهَا قَدْ عُلِمَا مَرْتَبَةً فَحُكْمُهَا قَدْ لَزِمَا لِأَنَّمَا الْجُرُوحُ فِي مَرَاتِبِ وَكُلُّ وَاحِدٍ بِأَرْشِ وَاجِبِ
(1) الدامية: الجرح الذي قطع الجلد، وفاض منه الدم، وهو إن بقي خدشا فصغرى، وإن قطع الجلد ولم يصل اللحم فَكُبْرَى. (أبو إسحاق)
(2) فَقَدِ: فحسب.
(3) السلاة الشوكة. (المصنف) (2/306)
صفحة 916
306
الجزء الثالث
كتاب القضاء
فَبَاضِعُ (1) تَزِيدُ فَوْقَ الدَّامِيَة بِضِعْفِهَا وَلَمْ تَكُنْ مُسَاوِيَهْ
(2)
وَمُلْحِمٌ (2) تَزِيدُ فَوْقَ الْبَاضِعَهُ
بَعِيرَهَا وَهَكَذَا المُتَابِعَهُ
وَهْيَ الَّتِي تُعْرَفُ بِالسِّمْحَاقِ (3) جرَاحَةٌ تَبْلُغُ قِشْرًا وَاقِي فَأَرْشُهَا أَرْبَعَةٌ بُعْرَانَا وَخَمْسَةٌ إِنْ أَوْضَحَتْ (4) عُظْمَانَا وَذَاكَ كُلُّهُ إِذَا مَا بَلَغَتْ رَاجِبَةً) طُولًا وَعَرْضًا وَثَبَتْ وَإِنْ تَكُنْ قَدْ نَقَصَتْ عَنْ ذَاكَا فَأَرْشُهَا بِقَدْرِهَا هُنَاكَا كَذَاكَ إِنْ زَادَتْ يُقَدَّرَنَّا زَائِدُهَا إِنْ زَادَ فَافْهَمَنَّا وَنِصْفُهُ يَكُونُ لِلأُنْثَى وَإِنْ قَدْ هَشَمَتْ (6) فَعَشْرَةٌ لَهَا زُكِنْ وَإِنْ تُنَقِّلْ (7) عَظْمَهَا فَصَيَّرَهُ خَمْسَةَ عَشْرَ وَالجَمِيعُ أَبْعِرَهُ وَذَاكَ إِنْ فِي مَقْدَمِ الرَّأْسِ فَقَطْ وَضِعْفُهَا فِي الْوَجْهِ يُعْطَى مُقْتَسَطْ
(8)
وَثُلُثٌ مِنْ دِيَةٍ مَعْلُومَهُ تَكُونُ فِي الْجَائِفِ وَالْمَأْمُومَهُ (8)
(1) والباضعة: هي الجرح الذي خرق الجلد، ووصل السفاق فشقه. (أبو إسحاق)
التي
بلغت اللحم. (أبو إسحاق)
(2) والمتلاحمة هي (3) وهي البالغة إلى سفاق العظم ولم تؤثر فيه. (أبو إسحاق)
(4) والموضحة: هي الكاشفة للعظم ولم تكسره. (أبو إسحاق)
(5) ما بين عقدتي الأصبع من داخل وقياس الجروح براجبة الإبهام الأولى. (أبو إسحاق) (6) الهاشمة: هي التي كسرت العظم. (أبو إسحاق)
(7) الناقلة: هي التي تحول بها العظم من مكانه. (أبو إسحاق)
(8) والجائفة: هي الجرح الذي بلغ جوف الإنسان وتختص بالبطن، والمأمومة هي الجرح البالغ أم الرأس، وهي مختصة بالرأس والجروح خمسة عشر، والمصنف ذكر منها تسعة كما ترى، الباقي ستة، وبعض العلماء يجعلها عشرة فلتطلب من كتاب الديات. (أبو إسحاق) (2/307)
صفحة 917
باب القضاء في الدماء
الجزء الثالث
307
وَرَجُلٌ لِرَجُلٍ قَدْ ضَرَبَا ضَرْبًا وَجِيْعًا وَبِهِ قَدْ عَطِبَا حَتَّى أَتَاهُ سَبْعٌ فَأَكَلَهُ كَانَ عَلَى الصَّارِبِ مَا قَدْ فَعَلَهُ وَمَا عَلَيْهِ غُرْمُ أَكْلِ السَّبْعِ إِلَّا إِذَا سَلَّمَهُ لَهُ فَعِ قُلْتُ فَإِنْ كَانَ بِضَرْبِهِ احْتُبِسْ يَدِيهِ) إِذْ كَانَ لِأَجْلِهِ افْتُرِسْ وَامْرَأَةٌ قَدْ ثَقَبَتْ لِلإِبْنِ أَوْ ابْنَةٍ لَكِنْ بِغَيْرِ إِذْنِ فَمَا عَلَيْهَا قِيلَ مِنْ صَمَانِ لِأَنَّهُ تُشَقَّبُ الأُذْنَانِ لَكِنَّهُ لَا يَنْبَغِي بَغَيْرِ إِذْنِ أَبِيهِ وَهْوَ فِعْلُ خَيْرِ وَإِنْ يَكُنْ بِمَنْعِهَا تَقَدَّمَا فَثَقَبَتْ يَلْزَمُهَا أَنْ تَغْرَمَا لَا يَلْزَمُ الأَرْحَامَ عَقْلُ غَيْرَ مَنْ كَانَ زَنِيمًا (2) فَهُنَاكَ يَلْزَمَنْ لِأَنَّهُمْ إِذًا يَكُونُوا عَصَبَهُ لَهُ لِكَوْنِهِ خَلَا مِنْ مَقْرَبَهُ وَعَصَبَاتُ الْمَرْءِ يَعْقِلُونَا مَا قَدْ جَنَى لَا كُلُّ الْأَقْرَبِينَا وَكُلُّ مَوْلًى لِأُنَاسِ فَهْوَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَعْقِلُهُمْ وَيُعْقَلَنْ (3) وَكُلُّ مَنْ أَعْتَقَهُ النِّسَاءُ لِقَوْمِهِنَّ يَرْجِعُ الْوَلَاءُ وَلَيْسَ لِلزَّوْج نَصِيبٌ مِنْهُ إِذْ لَمْ يَكُنْ مَالٌ يُوَرَّثَنْهُ وَقَدْ مَضَى بِأَنَّ لُحْمَةَ الْوَلَا كَلُحْمَةِ الأَنْسَابِ حَيْثُ اتَّصَلَا
(1) قوله: يَديه: أي: يُسلم ديته.
(2) دَعِيّ النسب. (أبو إسحاق)
(3) قوله: «يعقلهم ويعقلن»، أي: يعقلهم ويعقلونه، وهو حديث مروي عنه (2/308)
صفحة 918
308
الجزء الثالث
كتاب القضاء
وَكُلُّ مَيْتٍ لَيْسَ فِيهِ أَثَرُ فَمَا بِهِ قَسَامَةٌ تُؤَثَرُ وَإِنَّمَا الْحُكْمُ بِهَا فِيمَنْ وُجِد مَيْتًا عَلَيْهِ أَثَرٌ) بَيْنَ بَلَدْ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ أَهْلَ الْبَلَدِ قَسَامَةٌ بِحَدِّهَا الْمُحَدَّدِ خَمْسُونَ يَحْلِفُونَ مَا قَدْ قَتَلُوا وَلَا لَهُمْ عِلْمٌ بِمَنْ قَدْ فَعَلُوا وَمَا عَلَى الْغَائِبِ وَالصِّبْيَانِ وَلا عَلَى الْعَبِيدِ وَالْعُمْيَانِ وَلَا عَلَى الْغَرِيبِ وَالنِّسَاءِ وَلَا الْمَجَانِينِ وَلَا الزَّمْنَاءِ (2) وَتَلْزَمَنَّ الْوَالِي وَالإِمَامَا قَسَامَةٌ كَغَيْرِهِمْ تَمَامَا وَتَلْزَمُ الْقَاضِي لِأَنَّهُ احْتَمَلْ كَغَيْرِهِ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ قَتَلْ وَإِنْ تَكُنْ رِجَالُ تِلْكَ الْبَلَدِ أَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ عِنْدَ الْعَدَدِ قِيلَ تُضَاعَفُ الْيَمِينُ فِيهِمُ إِذْ دُونَ عَدِّهَا فَلَا يُجْزِيهِمُ وَبَعْدَ ذَاكَ دِيَةٌ مُسَلَّمَهُ لِأَهْلِهِ عَلَيْهِمُ مُتَمَّمَهُ إِذِ الْيَمِينُ تُسْقِطَنَّ الْقَوَدَا وَالغُرْمُ لَازِمٌ عَلَيْهِمْ أَبَدًا إِذْ لَا يَضِيعُ دَمُ مُسْلِمٍ هَدَرْ وَدَمُهُ مَا بَيْنَهُمْ قَدِ اشْتَهَرْ وَذَاكَ حَيْثُ لَمْ يَصِحَ الفَاعِلُ فَإِنْ يَصِحَ يُؤْخَذَنَّ الْقَاتِلُ
(1) قوله: «عليه أثر»، أي أثر القتل، كجرح أو خدش أو نافذ رصاص، فإن لم يُرَ عليه أثر القتل فلا
قسامة فيه، فلعله مات حتف أنفه فُجَاءَةً.
(2) قوله ولا الزمناء أي أصحاب الزَّمانة، وهم الشيوخ الْمُسِنُّون. (2/309)
صفحة 919
باب القضاء في الدماء
الجزء الثالث
309
وَيُقْبَلُ الْعَدْلَانِ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدُ إِنْ شَهِدَا بِقَتْلِهِ عَلَى أَحَدٌ وَلَا يُقَالُ دَفَعُوا لِمَغْرَمِ عَنْهُمْ فَإِنَّ مِثْلَ ذَا لَمْ يَلْزَمِ لِبُعْدِهِ عَنْ تُهْمَةِ الشُّهُودِ وَمِثْلُهُ أَشْيَاء فِي الْمَوْجُودِ وَقِيلَ بَلْ ثَلاثَةٌ فَصَاعِدًا لِلِاحْتِيَاطِ فَافْهَمِ الْمَقَاصِدَا وَإِنْ يَكُنْ وَلِيُّهُ قَدِ اتَّهَمْ بِقَتْلِهِ شَخْصًا لَهُ قَدِ الْتَزَمْ فَتَبْطُلَنَّ هَاهُنَا الْقَسَامَة وَتُنْصَبَنْ بَيْنَهُمَا الْخِصَامَهُ وَلَيْسَ فِي الْمَمْلُوكِ وَالْبَهَائِمِ وَنَحْوِها قَسَامَةُ الْمُخَاصِمِ لِأَنَّهُ مَالٌ إِذَا مَا عُرِفَا فَاعِلُهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ بِالوَفَا
تم الجزء الثالث من جوهر النظام
ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الرابع وهو جزء السنن والآداب (2/310)
صفحة 920
[صفحة فارغة] (2/311)
صفحة 921
الجُزْءُ الرَّابِعُ (2/312)
صفحة 922
[صفحة فارغة] (2/313)
صفحة 923
بَابُ الْعِلْمِ
الجزء الرابع
313
السُّنَةُ وَالْآدَابُ
وَقَدْ وَعَدْنَا أَوَّلَ الْكِتَابِ أَنْ نَذْكُرَ الْبَاقِي مِنَ الْأَبْوَابِ وَالْحُرُّ مَنْ يَفِي بَمَا قَدْ وَعَدَا وَذَاكَ فِي الْإِيمَانِ شَرْطٌ عُهِدَا وَتِلْكَ أَبْوَابٌ بِهَا قَدْ ذَكَرَا أَشْيَاءَ شَتَّى حِكَمًا وَعِبَرَا مَعْ سُنَنِ سُنَّتْ وَمَعْ آدَابِ فِي النَّفْسِ أَوْ فِيهَا مَعَ الْأَصْحَابِ وَضَبْطُ أَلْفَاظِ وَتَفْسِيرُ أُخَرْ وَذِكْرُ أَحْكَامٍ إِلَيْهَا يُفْتَقَرْ وَقَدْ جَمَعْتُ حِكَمًا تَفَرَّقَتْ فِي سَائِرِ الْأَبْوَابِ مِنْهُ عَلِقَتْ جَعَلْتُ كُلًّا مَعْ مُنَاسِبِيهِ حَتَّى تَرَى السَّلِيلَ مَعْ أَبِيهِ جَعَلْتُهَا كَمَا تَرَى أَبْوَابَا لِتَسْتَمِيلَ نَحْوَهَا الْأَلْبَابَ (2)
بَابُ الْعِلْمِ
الْعِلْمُ إِلْهَامُ مِنَ الْحَمِيدِ فِي مَذْهَبِ الشَّيْخ أَبِي سَعِيدِ وَعِنْدَهُ التَّعْلِيمُ كَالنَّبَاتِ لِلنَّخْلِ لِلتَّلْقِيحِ وَالثَّبَاتِ وَخَالَفَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ فَقَالَ بِالْجِد يُنَالُ فَاجْهَدِ
(1) قوله: «أول الكتاب إنما كان ذلك آخر كتاب أصول الفقه، وذلك قوله: وَهَا هُنَا قَدْ بَقِيَتْ أَبْوَابُ نَأْتِي بِهَا إِنْ كَمُلَ الْكِتَابُ اهـ. (المصنف) (2) قوله: «لِتَسْتَمِيَلَ نَحْوَهَا الْأَلْبَابَا»، أي: يكون ترتيبها على هذا الحال سببًا لميل العقول إليها، فيحصل للسامع منها الفوائد واستمالة القلوب إليها لهذا المعنى محمود، بخلاف طلب استمالتها إلى المؤلف نفسه، فإن ذلك والعياذ بالله مذموم، لأنه حظ عاجل يطلب بأمر ديني، وفيه الذم المنصوص فيمن طلب العلم ليصرف به وجوه الناس. اهـ. (المصنف) (2/314)
صفحة 924
314
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَلَا أَرَى الْخِلَافَ فِي ذَا الْبَابِ يُفْضِي لِغَيْرِ اللَّفْظِ وَالْخِطَابِ فَلَيْسَ لِلْجِدٌ بِنَفْسِهِ أَثَرُ مِنْ غَيْرِ تَوْفِيقِ وَإِلْهَامٍ صَدَرْ وَلَمْ يَكُ الْإِلْهَامُ دُونَ كَلٌّ فِي الشَّرْعِ يَنْفَعَنْ لِمُسْتَعِدٌ فَكُل وَاحِدٍ مِنَ الشَّيْخَيْنِ جَاءَ بِوَجْهِ وَهْوَ ذُو وَجْهَيْنِ وَإِنْ نَقُلْ خِلَافُهُمْ فِيمَ الْأَهَمْ مِنْ ذَيْنِ فَالْأَهَمُّ إِلْهَامُ الْحِكَمْ كَمْ قَدْ رَأَيْنَا مِنْ فَتَّى مُجْتَهِدِ وَهْوَ بِبَابٍ مِنْهُ لَمَّا يَسْعَدِ وَآخَرٍ لَمْ يَقْرَ إِلَّا الْبَعْضَا وَهُوَ يَفْضُ الْمُشْكِلَاتِ فَضَا وَقَالَ بَعْضُ مِنْ أُولِي الْحُلُوم ثَلَاثَةٌ مَطَالِعُ الْعُلُوم أَوَّلُهَا قَلْبٌ به يُفَكِّرُ ثُمَّ لِسَانٌ نَاطِقٌ مُعَبِّرُ ثُمَّ بَيَانُ لِلْمَعَانِي صَوَّرَا يَفْهَمُهُ مَنْ قَدْ قَرَا أَوْ نَظَرَا عَلَيْكَ بِالْعِلْمِ وَبِالْإِكْثَارِ مِنْهُ تَكُن مِنْ جُمْلَةِ الْأَخْيَارِ فَالْعِلْمُ خَيْرٌ مِنْهُ) مَنْ قَدْ حَمَلَهُ وَالْمَالُ خَيْرٌ مِنْهُ مَنْ قَدْ بَذَلَهُ وَثُلْمَةٌ قَدْ قِيلَ فِي الْإِسْلَامِ مَوْتُ أَخِي الْعِلْمِ بِلَا الْتِتَامِ
(1) قوله: «فَالْعِلْمُ خَيْرٌ مِنْهُ مَنْ قَدْ حَمَلَهُ ... البيت» هكذا في جميع نسخ الجوهر، ولم يبن لي معناه، والذي عندي أن هذا تصحيف وصوابه أن يكون بـ (ما) في الوجهين بدل «من» فيكون هكذا: فَالْعِلْمُ خَيْرٌ مِنْهُ مَا قَدْ حَمَلَهُ وَالْمَالُ خَيْرٌ مِنْهُ ما قَدْ بَذَلَهُ
فيكون معناه أن خير العلم ما حمله الإنسان في صدره، كما قال الشافعي: لَيْسَ فِي الْكُتُبِ وَالدَّفَاتِرْ عِلْمٌ إِنَّمَا الْعِلْمُ فِي صُدُورِ الرِّجَالِ وإن خير المال ما بذله الإنسان وقدمه في رضى الرحمن، ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت. (2/315)
صفحة 925
بَابُ الْعِلْمِ
الجزء الرابع
315
وَكُلُّ عِزِّ لَمْ يَكُنْ بِالْعِلْمِ مَصِيرُهُ لِلذُّلِّ وَالتَّعَمِّي وَمَعْدِنُ التَّقَوَى قُلُوبُ الْعُلَمَا قَدْ عَرَفُوا فَالْتَزَمُوا مَا لَزِمَا فَهُمْ وَإِنْ عَمَّهُمُ الْفَنَاءُ بِمَا رُوِينَا عَنْهُمُ أَحْيَاءُ وَمَنْ عَدَاهُمْ فَهُمُ الْأَمْوَاتُ وَإِنْ يَكُونُوا بَيْنَنَا مَا مَاتُوا وَالْمُؤْمِنُونَ وُصِفُوا بِالْأَحْيَا فَهُمْ لأَجْلِ الاِمْتِثَالِ أَحْيَا ثَلَاثَةٌ بِمَكَةٍ عَبَادِلَهُ قَدْ عُرِفُوا بِالْعِلْمِ وَالْمُسَاءَلَهُ وَهُمْ فَتَى الْعَبَّاسِ وَابْنُ عُمَرَا وَابْنُ الزُّبَيْرِ هَكَذَا قَدْ ذُكِرَا وَلَمْ يَكُنْ لِابْنِ الزُّبَيْرِ أَثَرُ فِي كُتْبِنَا بَلْ صَاحِبَاهُ أَثَرُوا وَأَكْثَرُ النَّقْلِ مَعَ الْأَصْحَابِ عَنْ نَجْلٍ عَبَّاسِ الْفَتَى الْأَوَّابِ وَنَقَلُوا أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَا عَنِ ابْنِ عُمَرَا وَنَجْلٍ مَسْعُودٍ لَدَيْهِمْ شُهِرَا وَنَقَلُوا عَنْ أَنَسٍ كَثِيرًا وَغَيْرُهُ قَدْ أَنَّرُوا تَأْثِيرًا سَبْعُونَ بَدْرِيًّا حَوَى مَا عِنْدَهُمْ جَابِرُنَا وَقَدْ وَعَى وَقَدْ عَلِمْ وَأَهْلُ النَّهْرَوَانِ كَانُوا طُرًا قَدْ عُرِفُوا بِالْفُقَهَا وَالْقُرًا قَالَ عَلَيٌّ قَدْ قَتَلْنَا الْفُقَهَا مِنَّا وَأَحْيَارًا لَدَيْنَا نُبَهَا شَهَادَةُ الْخَصْمِ لِخَصْمِهِ فَيَا لَهَا شَهَادَةً تُزَكِّي أَنْقِيَا كَذَا أَبُو بِلَالٍ (1) الْمُفَضَلُ وَصَحْبُهُ الْكِرَامُ عِلْمًا حَمَلُوا
(1) أبو بلال مرداس بن حدير بالحاء كجبير، وصحار العبدي، وجعفر ابن السماك، وسالم ابن ذكوان، وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، وأبو نوح صالح الدهان، وضمام ابن السائب، والربيع بن حبيب. . كل هؤلاء من علماء المسلمين وسلف المهتدين أصحاب علم وورع وفضل وجهاد واجتهاد. (2/316)
صفحة 926
316
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
كَذَا صُحَارٌ (1) وَكَذَاكَ جَعْفَرُ وَنَجْلُ ذَكْوَانَ وَمَنْ قَدْ ذُكِرُوا هُمْ تَابِعُونَ أَخَذُوا عَنْ صَحْبِ مُحَمَّدٍ صَلَّى عَلَيْهِ رَبِّي وَبَعْدَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْبَصْرَةِ مَنْ زَادَ ذِكْرُهُمْ عَلَى التَّسْمِيَةِ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدَةٍ قَدْ أَدْرَكَا مَنْ كَانَ جَابِرٌ هُنَاكَ مُدْرِكَا كَذَا أَبُو نُوحٍ كَذَا ضِمَامُ كَذَا الرَّبِيعُ كُلُّهُمْ أَعْلَامُ" وَبَعْدَهُمْ إِلَى عُمَانَ انْتَقَلَا وَضَرَبُوا فِي الاِنْتِقَالِ مَثَلَا بِطَائِرٍ فَرَّخَ فِي الْعِرَاقِ وَلِعُمَانَ طَارَ بِانْطِلَاقِ كَذَاكَ أَيضًا طَارَ نَحْوَ الْمَغْرِبِ فَامْتَلَأَتْ بِالْعُلَمَاءِ النُّجُبِ كَذَاكَ نَحْوَ الْيَمَنِ الْمُبَارَكِ فَاتَّصَحَتْ أَرْجَاؤُهُ لِلسَّالِكِ وَلِخُرَاسَانَ وَفِيهِمْ عُلَمَا وَالْآنَ مِنْ غَالِبِهَا قَدْ عَدِمَا بَدَا غَرِيبًا وَسَيَرْجِعَنَّا كَمَا بَدَا وَاللهُ يُخْلِفَنَّا إِنْ غَلَبَ الشَّقَا عَلَى سَفِيهِ أَبْدَى تَنَطُّعًا عَلَى الْفَقِيهِ وَالْعِلْمُ قَالَ سَيِّدُ الْأَنَامِ هُوَ عِمَادُ الدِّينِ وَالْإِسْلَامِ
(1) صحار بن العباس العبدي، وجعفر بن السماك العبدي أحد رجال الوفد إلى عمر بن عبد العزيز، وابن ذكوان هو المعتمر بن عمارة بن سالم بن ذكوان الهلالي هؤلاء الثلاثة كانوا من خيار المسلمين علما وعملا وجهادًا، لهم المقام الأعلى والحظ الأوفى في خدمة الدين ومن الكاتبين من يكتب صحار بن العبد وهو خطأ من الناقل تبعه عليه بعض
رحمهم
الله.
وصوابه ما رأيته، كما يرشد إليه التاريخ الصحيح من كتب أصحابنا وغيرهم. (أبو إسحاق) (2) أبو نوح صالح الدهان، وضمام بن السائب والربيع أبو عمر بن حبيب؛ أحد أئمة الحديث، وصاحب المسند الصحيح. (أبو إسحاق) (2/317)
صفحة 927
بَابُ الْعِلْمِ
الجزء الرابع
317
وَأَنَّهُ يَزيدُ أَهْلَ الشَّرَفِ حَظًّا عَظِيمًا دُونَ مَا تَكَلُّفِ وَعِلْمُ أَصْحَابِ الْغِنَى جَمَالُ وَالْمُقْتِرِينَ ثَرْوَةٌ وَمَالُ وَيَسْأَلُ الْعَالِمُ مِثْلَ الْجَاهِلِ لَكِنَّهُ يَحْفَظُ حِفْظُ الْعَاقِلِ وَيَلْزَمُ الْإِنْسَانَ أَنْ يُعَلِّمَا أَهْلِيهِ مِنْ دِينِهِمُ مَا لَزِمَا لِقَوْلِ رَبِّ الْعَرْشِ قُوا أَنْفُسَكُمْ نَارًا وَأَهْلِيكُمْ فَقُوهُمْ مَعَكُمْ وَبِأَدَاءِ اللَّازِمَاتِ تُتَّقَى وَذَاكَ بِالتَّعْلِيم حَتْمًا يُلْتَقَى مَنْ كَانَ ذَا عِلْمٍ وَلَمْ يَزْدَدْ هُدَى يَزِيدُهُ مِنْ رَبِّهِ تَبَعُدَا وَإِنَّ خَيْرَ الْعِلْمِ مَا قَدْ دَخَلَا) عِنْدَكَ فِي الْقَبْرِ إِذَا خِلٌّ خَلَا وَشَرُّهُ قَدْ قِيلَ مَا خَلَّفْتَا إِرْنًا وَبِالْجَمْعِ لَهُ حَصَّلْنَا وَذَاكَ عِلْمٌ لَمْ يُرِدْ بِهِ سِوَى جَلْب قُلُوبِ النَّاسِ حُبًّا وَهَوَى وَإِنْ يَكُنْ أَرَادَ بِالتَّأْثِيرِ وَجْهَ الْإِلَهِ فَازَ بِالْأُجُورِ صَدَقَةٌ دَائِمَةٌ تَجْرِي لَهُ إِذْ صَارَ جُلُّ الْعُلَمَا عِيَالَهُ جَزَى إِلَهُ الْعَرْشِ بِالْجِنَانِ أَهْلَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ وَالْبَيَانِ إِذْ أَنَّرُوا لِخَلْقِهِ الْآثَارَا تَلُوحُ كَالْبَدْرِ إِذَا اسْتَنَارًا وَالْمَرْءُ مَجْزِيٌّ بَمَا قَدْ عَمِلَا إِنْ كَانَ خَيْرًا أَوْ بِشَرٌ حَصَلَا فَكُنْ مُلَازِمًا لِصَالِحِ الْعَمَلْ فَالْعِلْمُ لَا يَنْفَعُ إِنْ كَانَ خَلَلْ
(1) قوله: «مَا قَدْ دَخَلَا»، أي: إن خير العلم ما عملت به فسعدت به ودخل معك في قبرك، والمراد به لازم العمل، وهو الثواب الذي وعد الله به عباده العاملين لوجهه الكريم، بما علمهم من معرفته وتعظيمه وامتثال أمره ونهيه فعلا وتركًا. (2/318)
صفحة 928
318
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَالْوَرَعُ الْحَامِي وِعَاءُ الْعِلْمِ فَحَاذِرَنْ مِنْ كَسْرِهِ وَالتَّلْمِ فَإِنَّهُ إِنْ خُرِقَ الْوِعَاءُ لَا شَلَّ يَذْهَبَنَّ مِنْهُ (1) الْمَاءَ وَاسْأَلْ أُهَيْلَ الْعِلْمِ فَالسُّؤَالُ نِصْفُ الْعُلُومِ هَكَذَا يُقَالُ قَدْ جَاءَ فِي الْأَمْثَالِ) إِنْ لَمْ تَدْرِ وَلَمْ تُسَائِلْ كَيْفَ أَنْتَ تَدْرِي وَأَنَّهُ لَا شَلَّ مَنْ تَعَسَّفَا مَذَاهِبَ الْأَشْيَاحَ مِمَّنْ سَلَفَا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَاتَهُ التَّوْفِيقُ وَأَنَّهُ بِذَلِكُمْ حَقِيقُ فَكُنْ مُحَافِظًا عَلَى الْأُصُولِ تَعْرِفُ وَجْهَ ذَلِكَ الْمَنْقُولِ فَتَقْبَلُ الْمَقْبُولَ مِنْهَا وَتَرُدْ مَا كَانَ بَاطِلًا بِعِلْمٍ وَسَنَدْ فَالْمُؤْمِنُونَ يُرْفَعُونَ دَرَجَهُ وَالْعُلَمَاء فَوْقَهُمْ مُعَرِّجَهُ وَفَضْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَيْسَ يُحْصَى وَلَا بِعَد أَبَدًا يُسْتَقْصَى مَدَارِجُ الْعُلْيَا لِأَهْلِ الدِّينِ مَجَالِسُ الْأَعْلَامِ لِلتَّبْيِينِ فَاعْمَلْ بِمَا قَالَ أُولُوا الْعُلُومِ تَنْجُ مِنَ النَّارِ وَمِنْ يَحْمُومٍ) فَإِنَّهُمْ أَدِلَّةَ لِلْخَلْقِ مِنْ رَبِّهِمْ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ وَإِنْ أَرَدْتَ النَّعْتَ بِالنَّبَاهَهُ فَلَا تُجَالِسْ لِذَوِي السَّفَاهَهُ
(1) في نسخة: «ذاك».
(2) قوله: «قد جاء في الأمثال .... إلخ» ومثله قول من قال:
إِذَا كُنْتَ لَا تَدْرِي وَلَا أَنْتَ بِالْذِي يُسَائِلُ مَنْ يَدْرِي فَكَيْفَ إِذَا تَدْرِي
(3) اليحموم يَفْعُول من الحميم، أو أصله الدخان الشديد السواد، وتسميته إما لما فيه من فرط الحرارة كما فسره تعالى بقوله: {لَّا بَارِدِ وَلَا كَرِيمٍ} [الواقعة: 44]، أو لما تصور فيه من الحُمَّة، ويقال للأسود:
يحموم، وعطف المصنف اليحموم على النار يدل على تغاير المعنى الذي أراد. (أبو إسحاق) (2/319)
صفحة 929
بَابُ الْعِلْمِ
الجزء الرابع
319
تَكَلَّمُوا فِي الْعِلْمِ مَا لَمْ يَنْزِلِ فَخْرٌ مِنَ الْجُلَّاسِ أَهْلِ الْمَحْفَلِ إِنْ نَزَلَ الْفَخْرُ مِنَ الْأَنَامِ أَوِ الْمِرَا كُفُّوا عَنِ الْكَلَامِ زَمَانُنَا صَعْبٌ عَلَى مَنْ عَلِمَا إِذْ جَاوَرُوا فِيهِ لِمَنْ قَدْ ظَلَمَا وَهَكَذَا صَعْبُ عَلَى الْجُهَالِ إِنْ يَرْكَبُوا مَا لَيْسَ بِالْحَلَالِ وَاللهَ رَبَّ الْعَرْشِ نَسْتَعِينُ عَلَى التَّقَى فَإِنَّهُ الْمُعِينُ مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ فَقَدْ تَكَفَّلَا خَالِقُهُ بِرِزْقِهِ تَفَضُّلَا طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَهُ مُهِمَّا فَإِنَّهُ يُكْفَى لِمَا أَهَمَّا إِنْ شِئْتَ أَنْ تُرْزَقَ عِلْمًا نَافِعَا تَجِدْهُ فِي يَوْمِ الْحِسَابِ شَافِعَا عَلَيْكَ بِالْقُرْآنِ وَالتَّفْسِيرِ تَأْخُذُهُ مِنْ عَالِم نِحْرِيرِ يَفْضُّ مَعْنَى الْآيِ كُلَّ فَضٌ يُولِيْكَ مِنْ نَضِيحِهِ وَالْغَضٌ ثُمَّ حَدِيثُ الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارِ وَبَعْدَهُ بِطَيِّبِ الْآثَارِ تَأْخُذُ مِنْ صِحَاحِهَا مَا أَمْكَنَا وَتُلْقِ مِنْ ضِعَافِهَا الْمُسْتَهْجَنَا وَلَمْ يَكُنْ إِحْيَا عُلُومِ الدِّينِ بِجَامِعٍ لَنَا عُلُومَ الدِّينِ بَلْ فِيهِ مَا لَا يَأْمَنُ الْإِنسَانُ مِنْ أَنْ يُصِيبَهُ بِهِ خُسْرَانُ قَدْ نَقَلَ الْمَوْضُوعَ مِنْ أَخْبَارِ وَذَكَرَ الضَّعِيفَ فِي الْأَسْفَارِ مِنْ غَيْرِ تَبْبِينِ لِمَا قَدْ وُضِعَا فَيْتَقَى وَلَا ضَعِيفَ سُمِعَا
(1) قوله: «إِحْيَا عُلُومِ الدِّينِ» هو الكتاب المشهور للشيخ محمد بن محمد [بن محمد بن حامد الغزالي الطوسي جعله أربعة أقسام قسم في العبادات، وقسم في المعاملات، وقسم في
المهلكات، وقسم في المنجيات، وهو كتاب نفيس لولا ما ذكره المصنف عنه. (2/320)
صفحة 930
320
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَفِيهِ مَا يُخَالِفُ الصَّوَابَا في الِاعْتِقَادِ فَافْهَمِ الْخِطَابَا وَغَاصَ فِي عُلُومِ أَهْلِ الْفَلْسَفَهُ فَلَمْ يَجِدْ إِلَى الْخُرُوجِ مَزْلَفَهُ نَعَمْ حَوَى كَشْفَ عُيُوبِ النَّفْسِ كَشْفًا بَلِيفًا قَدْ خَلَا مِن لَبْسِ فَبَيَّنَ الْمُهْلِكَ مِنْ خِصَالِهَا وَذَكَرَ الْعِلَاجَ مِنْ أَحْوَالِهَا وَبَيَّنَ الْمُنْجِي بِمَا لَمْ يُسْبَقِ إِلَيْهِ فِي تَفْصِيلِهِ الْمُنَمَّقِ مِنْ هَاهُنَا أَثْنَى عَلَيْهِ الْأَصْلُ إِذْ مِنْهُ دَاءُ النَّفْسِ قَدْ يَنْحَلُّ وَلَمْ يَكُنْ كِتَابُ الاِسْتِقَامَهُ (1) يَجْمَعُ دِينَنَا وَلَا أَحْكَامَهُ لِأَنَّمَا صَنَّفَهُ الْمُصَنِّفُ لِرَدِّ بِدْعَةٍ هُنَاكَ تُعْرَفُ بَالَغَ فِي إِنْكَارِهَا وَأَطْنَبَا مُسْتَطْرِدًا فِي الْعِلْمِ حَيْثُ انْقَلَبَا فَعَدَّ مَا يَخُصُّ تِلْكَ الْمَسْأَلَهُ قَوَاعِدًا لَمْ تُبْقِ قَطُّ مُشْكِلَهُ فَحَصَلَ الْمَطْلُوبُ مِنْهَا فَاسْتَحَقُّ حُسْنَ الثَّنَا بِمَا بِهِ فِيهَا نَطَقْ خَزَائِنُ الْعِلْمِ لَهَا السُّؤَالُ مِفْتَاحُ مَا فِيهَا بِهِ يُنَالُ نُقْصَانُ أَرْضِ اللَّهِ مَوْتُ الْعُلَمَا وَزِيْنَةُ الْأَرْضِ هُمُ لِتَعْلَمَا وَالْعُلَمَا إِنْ فَسَدُوا أَشَرُّ مِنْ غَيْرِهِمْ وَفِعْلُهُمْ أَضَرُّ لِأَنَّهُمْ لِلنَّاسِ قَادَةٌ فَمَا جَاؤُوا بِهِ يَتْبَعُهُمْ أَهْلُ الْعَمَى
(1) قوله: «ولم يكن كتاب الاستقامة .... إلخ» هو السفر الجليل الذي ألفه الشيخ الكبير العلّامة الشهير أبو سعيد محمد بن سعيد الناعبي الكدمي العُماني في الرد على الجماعة الذين جعلوا الفتنة الواقعة في آخر زمان الإمام الصلت بن مالك الخروصي من الأمور التي لا يسع جهلها، وكَلَّفُوا عامة الناس أن يهاجروا للسؤال عن حكمها حتى يتولوا الإمام ويبرأوا من الخارجين عليه، فبالغ
في رد هذه البدعة وأوضح المحجة بنور الحجة جزاه الله عن [الإسلام والمسلمين خيرًا]. (2/321)
صفحة 931
بَابُ الْعِلْمِ
الجزء الرابع
321
(1)
أَمَّا الْمُوَفَّقُونَ يَهْتَدُونَا لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلَ لَا يَرْضَوْنَا وَلَا يَزَالُ الْعَبْدُ مِن مَوْلَاهُ ذَا قُرْبَةٍ بَالْفَوْز مَا أَوْلَاهُ مَا لَمْ يَكُنْ يُخْدَمُ مَهْمَا خُدِمَا أَبْعَدَهُ مِنْ قُرْبِهِ مُدَمَّمَا فَالْوَيْلُ كُلُّ الْوَيْلِ فِيمَا عِنْدَنَا لِعَالِم أَسْكَرَهُ حُبُّ الدُّنَا طُوبَى لِمَنْ مِنْ سَكْرَةِ الْغَيِّ صَحَا وَتَابَ مِنْ غُرُورِهِ وَأَصْلَحَا وَمِنْ أَذَلُّ النَّاسِ عَالِمٌ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ جَاهِلِ تَكَبُّرَا وَقِيلَ مَنْ بِعِلْمِهِ تَشَجَّعَا فَهُوَ كَمَنْ بِعِلْمِهِ تَوَرَّعَا وَمَنْ يُرِدْ بِهِ الْإِلَهُ خَيْرًا فَقَهَهُ فِي الدِّينِ كُنْ خَبِيرًا وَقِيلَ مَنْ عَاشَ أَخَا تَعْلِيمِ مَاتَ أَخَا عِلْمٍ وَذَا تَعْظِيمِ وَيَحْسُنُ التَّعْلِيمُ بِالْإِنْسَانِ وَلَا يُخَصُّ ذَاكَ بِالْأَزْمَانِ) وَاللهُ مَعْ كُلِّ فَتَى مُجَاهِدِ بِالْعَوْنِ وَالتَّوْفِيقِ لِلْفَوَائِدِ وَالْعِلْمُ فَحْلُ لَا يُطِيقُ حَمْلَا لَهُ سِوَى مَنْ كَانَ مِنَّا فَحْلَا وَقِيلَ إِنْ رَأَيْتُمُ الْفَقِيهَا يَأْتِي السَّلَاطِينَ وَيَقْتَفِيهَا فَاتَّهِمُوهُ إِنَّ ذَاكَ لِصُّ وهُ إِنَّ ذَاكَ لِصُّ وَيَنْبَغِي أَنْ بِالْجَفَا يُخَصُّ
(1) قوله: «مَا لَمْ يَكُنْ يَخْدَمُ، أي ما لم يتكبر على الناس، ويجعلهم يخدمونه في جميع شؤونه على جهة التسخير والجبروت، وأما إذا كانت الخدمة من الأولاد والتلاميذ على الرغبة منهم والتكريم له؛ لعلو
منزلته عندهم من غير أن يرى نفسه مستحقة لذلك، وأنه أهل للخدمة، فلا يضره ذلك، إن شاء الله. (2) قوله: «ولا يخص ذاك بالأزمان»، أي: لا يختص طلب العلم بزمان الصغر دون زمان الكبر، وإن كان تحصيل الصغير أعظم من تحصيل الكبير، فالتعليم مطلوب دائما في كل وقت
وزمان، وقد قيل: اطلب العلم من المهد إلى اللحد. (2/322)
صفحة 932
322
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَالْعُلَمَا عَلَى الْعِبَادِ أُمَنَا مَا لَمْ يُخَالِطُوا الَّذِي تَسَلْطَنَا إِنْ خَالَطُوا (1) خَانُوا بِهِ الرَّحْمَانَا وَعَبَدُوا بِذَلِكَ الشَّيْطَانَا فَهُمْ إِذًا مُتَّهَمُونَ فِي الْوَرَى وَالدِّينُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فَاحْذَرَا وَكَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي نِفَارِ عَنْ كُلِّ مَنْ يُعْرَفُ بِالْجَبَّارِ وَفَتَحَ الزُّهْرِيُّ فِيمَا قِيلَا بَابَ الدُّخُولِ عِنْدَهُم تَجْلِيلًا فَخَالَطُوهُمْ وَبَقِي فِي النَّفْرَةِ مَنْ عَصَمَ الْإِلَهُ مِنْ ذِي الْأُمَّةِ عَنْ مُسْلِمٍ (2) لا تَقْصِدِ الْجَبَّارَا وَتَدْخُلِ الْبَيْتَ لَهُ وَالدَّارَا لأَيِّ شَيْءٍ تَأْتِهِ جِهَارًا وَتَتَّخِذْهُ صَاحِبًا أَمَارَا وَلَيْسَ فِيهِ خَصْلَةٌ مَحْمُوْدَهُ دِينًا وَدُنْيَا لِلْوَرَى مَقْصُودَهُ وَقُرْبُهُ يُبْعِدُ مِن رَبِّ الْوَرَى أَقْبِحْ (3) بِمَن لِمِثْلِ هَذَا شَكَرَا وَقِيلَ مَنْ قَرَّبَ مِنْهُ شِبْرَا يُبْعِدُهُ اللهُ ذِرَاعًا خُسْرَا وَقَدْ أَتَى أَنَّ هَلَاكَ الْأُمَّةِ مِنْ رَجُلَيْنِ الْتَبَسَا بِالظُّلْمَةِ مِنْ عَالِم كَانَ أَخَافُجُورِ وَعَابِدٍ يَجْهَلُ لِلْأُمُورِ عِبَادَةٌ لَيْسَ بِهَا تَفَقُهُ (4) لَا خَيْرَ فِيهَا إِنَّهَا لَبَلَهُ)
(1) وفي نسخة: «دَاخَلُوا».
(2) قوله: «مسلم»، أي: مسلم بن أبي كريمة اهـ. (3) قوله: «أقبح أراد بذلك التعجب، أي: ما أقبحه كما يقال في المدح أكرم بفلان، أي: ما أكرمه فللتعجب صيغتان إحداهما بصيغة فعل الأمر قال الله تعالى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِر [مريم: 38]
والثانية بما التعجبية.
(4) قوله: «تَفَقُهُ»، أي: علم.
(5) وقوله: «بَلَهُ»، أي: جَهْلَ ويقال للجاهل أبله إذا كان لا يعقل المصالح.
، (2/323)
صفحة 933
بَابُ الْعَقْلِ
يُخْطِئُ مِنْ حَيْثُ يَظُنُّ الْحَقَّا
لِلْمَقْتِ
الجزء الرابع
323
ذَاكَ قَدْ اسْتَحَقَا في
وَكُلُّ ذِي عِلْمٍ بِهِ لَمْ يَنْتَفِعُ فَذَاكَ شَرُّ النَّاسِ وَهُوَ الْمُبَتِدِعْ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَانِ سَبَبًا فِي كَوْنِ مَنْ يَتَبَعُهُمْ قَدْ عَطِبَا لأَنَّ ذَا الزُّهْدِ يُظَنُّ فِيهِ خَيْرٌ كَذَا يُظَنُّ فِي الْفَقِيهِ فَيُتْبَعُونَ وَهُمْ قَدْ ضَلُّوا وَكُلُّ مَنْ يَتْبَعُهُمْ يَضِلُّ وَالْعِلْمُ لَا يُمْنَحُ غَيْرَ أَهْلِهِ مَخَافَةَ التَّضييع عِنْدَ فِعْلِهِ وَلَا يَجُوزُ مَنْعُهُ مَنْ كَانَا مِنْ أَهْلِهِ نَعْرِفُهُ عِيَانَا مَنْ مَنَحَ الْحِكْمَةَ غَيْرَ أَهْلِهَا تَخْصِمُهُ قَدْ قِيلَ عِنْدَ رَبِّهَا وَالدُّرُّ لَا يُلْقَى عَلَى الْكِلَابِ يُقَالُ ذَا النَّهْي عَنِ الْأَوَّابِ يَعْنِي بِهِ الْعِلْمَ نَهَى أَنْ يُمْنَحَا مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الرِّجَالِ الصُّلَحَا لِأَنَّهُ بِذَاكَ يَسْتَعِينُ عَلَى الْخَطَا وَشَيْخُهُ مُعِينُ
بَابُ الْعَقْلِ
وَالعِلْمُ والْعَقْلُ هُمَا إِقْبَالُ لِمَنْ بِهِ لَوْ قَلَّ مِنْهُ الْمَالُ وَالْجَهْلُ وَالْحُمْقُ هُمَا إِدْبَارُ لَا يَنْفَعَانِ مَنْ لَهُ يَسَارُ (1) أَغْنَى الْغِنَا فِيمَا يُقَالُ الْعَقْلُ وَهُوَ صَحَيحُ جَاءَ فِيهِ النَّقْلُ وَأَكْبَرُ الْفَقْرِ فَذَاكَ الْحُمُقُ إِذْ يَجْنِي مَا يُفَقِّرَنَّ الْأَحْمَقُ
(1) يَسَارُ، أي: مال. (2/324)
صفحة 934
324
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
عَرْضُ الْجُسُومِ بَاطِلٌ وَالطُّولُ إِنْ لَمْ تَزِنْهَا يَا أَخِي عُقُولُ لَا فَقْرَ لِلْعَاقِلِ لَا كَرَامَهُ لِكَاذِبِ بَلْ طَبْعُهُ الْمَلَامَهُ مِنَ العُقُولِ رُكَّبَتْ مَلَائِكَهُ مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ عَلَيْهِمْ سَالِكَة مِنْ شَهْوَةٍ بِغَيْرِ عَقْلٍ رُكَّبَتْ بَهَائِمٌ مَا ذُبِحَتْ أَوْ رُكِبَتْ وَمِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ ابْنُ آدَمِ مُرَكَّبٌ مِنْ جَاهِلِ أَوْ عَالِمِ مَنْ عَقْلُهُ شَهْوَتَهُ قَدْ غَلَبَا فَاقَ عَلَى مَلَائِكَ مُحْتَسِبَا وَضِدُّهُ شَرٌّ مِنَ الْبَهَائِمِ إِذْ أَهْمَلَ الْعَقْلَ وَفِعْلَ اللَّازِمِ وَالْعَقْلُ عَقْلَانِ فَعَقْلٌ مُكْتَسَبْ ثُمَّ غَرِيزِيٌّ بِهِ مَا قَدْ وَجَبْ قَدْ شُقَّ فِي الأَصْل مِنَ الْعِقَالِ يَعْقِلُ نَفْسَ الْمَرْءِ عَنْ أَفْعَالِ وَأَعْوَنُ الْأَشْيَا عَلَى تَقْوِيَتِهْ تَعْلِيمُ مَنْ يُعَلَّمَنْ مِنْ رُفْقَتِهُ فَعَقْلُ ذِي الدُّنْيَا عَقِيْمٌ لَا سِوَى وَمُثْمِرٌ عَقْلُ الَّذِي الْأُخْرَى نَوَى وَسَيِّدُ النَّاسِ الَّذِي قَدْ عَقَلَا وَمَعْدِنُ التَّقْوَى قُلُوبُ الْعُقَلَا وَالْعَقْلُ مَخْلُوقٌ بِلَا اكْتِسَابِ وَالْكَسْبُ لِلتَّعْلِيمِ وَالآدَابِ وَإِنَّهُ خَيْرُ هِبَاتِ الْبَارِي لِمَا حَوَى مِنْ حَسَنِ الآثَارِ وَمِنْ تَمَامِ الْعَقْلِ نَقْصُ الْكَلِمِ فَإِنَّ فِي الصَّمْتِ بَيَانَ الْحِكَمِ وَقِيلَ نِصْفُ عَقْلِنَا التَّوَدُّدُ لِلنَّاسِ إِذْ لِضِغْنِهِمْ يُبَعدُ لَا يَسْتَخِفُ عَاقِلُ بِالأَنْقِيَا وَلَا بِإِخْوَانٍ لَدَيْهِ أَزْكِيَا (2/325)
صفحة 935
بَابُ الْعَقْلِ
الجزء الرابع
325
(1)
وَلَا بِسُلْطَانِ زَمَانِهِ فَمَنْ بِالأَتْقِيَا اسْتَخَفَّتَ فَهْوَ يُحْرَمَنْ تَذْهَبُ أُخْرَاهُ وَمَنْ بِالإِخْوَةِ قَدِ اسْتَخَتَ ذَاهِبُ الْمُرُوَّةِ وَمَنْ بِسُلْطَانِ زَمَانِهِ اسْتَخَفْ تَذْهَبُ دُنْيَاهُ وَمَسَّهُ التَّلَفْ وَغَضَبُ الْجَاهِلِ فِي مَقَالِهِ قَدْ قِيلَ وَالْعَاقِلِ فِي أَفْعَالِهِ لَوْ صُوِّرَ) الْعَقْلُ مَعَ الشَّمْسِ لَمَا نَارَتْ وَيُمْسِي ضَوْؤُهَا قَدْ أَظْلَمَا وَالجَهْلُ لَوْ صُورَ عِنْدَ الظُّلْمَةِ زَادَ عَلَيْهَا ظُلُمَةً فِي الشِّدَّةِ وَصُورَةُ الْجَهْلِ يُقَالُ أَقْبَحُ مِنَ الْقُرُودِ إِنَّهَا لَأَفْضَحُ وَقَدْ أَتَى أَنَّ قُلُوبَ الْعُقَلَا حُصُونُ أَسْرَارِ الْوَرَى بَيْنَ الْمَلَا وَالْعَقْلُ مُحْتَاجُ إِلَى التَّجَارِبِ لِأَنَّهَا تَكْشِفُ وَصْفَ الْغَائِبِ وَقَدْ أَتَى صَقَالَةُ الْقُلُوبِ ذِكْرُ إِلَهِي عَالِمِ الْغُيُوبِ عَافِيَةُ الْقَلْبِ هِيَ الإِيْمَانُ بِاللهِ وَهْوَ الْوَاحِدُ المَنَّانُ فَأَيُّ قَلْبِ سَكَنَتْهُ الْعَافِيَة أَمْرَاضُهُ تُصْبِحُ عَنْهُ نَائِيَهْ سَأَلْتُ اللهَ ذَا الْآلَاءِ شِفَاءَ قَلْبِي مِنْ جَمِيعِ الدَّاءِ وَالْمَرْءُ بِالْعَقْل وَبِاللَّسَانِ وَإِسْمُ ذَيْنِ مِنْهُ الْأَصْغَرَانِ
إِنِّي
(1) قوله: «لَوْ صُوِّرَ الْعَقْلُ ... إلخ» قد سبق في هذا المعنى قول الشيخ العالم الفصيح عبد الله بن مداد ـ كشدّاد ـ النزوي، وهذا نصه:
لَوْ صُوِّرَ الْعقلُ عَلَى صُورَةٍ لأَظْلَمَتْ مِنْ نُورَهِ الشَّمْسُ أَوْ صُوَّرَ الْجَهْلُ عَلَى هَيْئَةٍ لَصَاءَ مِنْ ظُلْمَتِهِ الدِّمْسُ
والدمس: الظلام. (2/326)
صفحة 936
326
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَمَا بَقِي فَصُورَةٌ مُصَوَّرَهُ لَحْمٌ وَدَمٌ وَعِظَامٌ نَخِرَهْ فَالْقَلْبُ هُوَ الْأَصْلُ وَالنِّسَانُ مُعَبِّرٌ عَنْهُ وَتُرْجُمَانُ
فَاجْعَلْ لِسَانِي يَا إِلَهِي ذَاكِرَا وَأَعْطِنِي يَا رَبِّ قَلْبًا شَاكِرَا وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالنَّفْسِ فَمَا نَدْرِيهِ لَوْ قَالَ بِهِ مَنْ عَلِمَا فَالرُّوحُ قَدْ قِيلَ بِهَا الْحَيَاةُ وَالْعَقْلُ بِالنَّفْسِ لَهُ ثَبَاتُ وَأَقْرَبُ الْأَشْيَاءِ أَنْ نَقُولَا فِي الْعَقْلِ نُورٌ يَكْشِفُ الْمَعْقُولَا مَحِلُّهُ فِي الْقَلْبِ مِثْلُ الْبَصَرِ فِي الْعَيْنِ يُدْرِكَنَّ كُلَّ مُبْصَرِ وَالرُّوحُ وَصْفُ وَبِهِ الْحَيَاةُ وَالنَّفْسُ مَعْنَى وَلَهُ صِفَاتُ صِفَاتُهُ كُلُّ رَدِيٌّ مَعْنَوِي فَإِنْ صَفَا مِنْهَا فَخَيْرًا يَحْتَوِي وَهْيَ الَّتِي تُدْعَى بِمُطْمَئِنَّةُ رَاضِيَةٌ عَنْ رَبِّهَا مَرْضِيَّةً وَضِدُّهَا أَمَّارَةٌ بَالشَّرِّ مُهْلِكَةٌ صَاحِبَهَا بِالضَّرِّ بَيْنَهُمَا لَوَّامَةٌ تُلَوِّمُ صَاحِبَهَا بِفِعْلِهِ فَيَنْدَمُ وَذَلِكَ التَّقْسِيمُ بِاعْتِبَارِ صِفَاتِهَا الْخِيَارِ وَالشِّرَارِ وَقِيلَ مَهْمَا قَلَّتِ الْعُقُولُ تَكْثُرُ مِنْ أَصْحَابِهَا الْفُضُولُ وَقَالَ بَعْضُ مِنْ أُولِي الْعُلُومِ قَدْ زُيِّنَ السَّمَاءُ بِالنُّجُومِ والْأَرْضُ بِالنَّبَاتِ وَالْإِنْسَانُ بِالْعَقْلِ قُلْتُ وَكَذَا النِّسَانُ وَالْعَقْلُ فِي قَلْبِ الَّذِي أُعْطِيهِ نُورٌ لِتَقْوَى رَبِّهِ يَهْدِيهِ فَأَسْأَلُ الرَّحْمَنَ أَنْ يُعْطِينِي عَقْلًا صَحِيحًا نُورُهُ يَهْدِينِي (2/327)
صفحة 937
بَابُ النِّيَّةِ
الجزء الرابع
327
بَابَ النِّيَّة
خَالِي
وَالْقَصْدُ بِالْآمَالِ وَالْأَنْعَالِ يُعْرَفُ بِالنِّيَّةِ فِي الْأَحْوَالِ إِنْ قَصَدَ الْخَيْرَ يُلاقِي خَيْرَا أَوْ قَصَدَ الصَّيْرَ يُلاقِي ضَيْرَا فَإِنَّمَا لِكُلِّ شَخْصِ مَا نَوَى فَاحْذَرْ هُدِيتَ مِنْ مَسَالِكِ الْهَوَى وَأصْلِحَ النِّيَّةَ كَيْمَا تَرْبَحَا وَخَالِفِ الْهَوَى لِكَيْمَا تُفْلِحَا فَإِنَّهُ لَا تُدْرِكُ الْأُمْنِيَّهُ إِلَّا إِذَا أَخْلَصْتَ مِنْكَ النِّيَّة فَقَدِّم النِّيَّةَ قَبْلَ الْعَمَلِ تَحْظَى بِمَا أَرَدْتَهُ مِنْ أَمَلِ فَإِنَّهَا لِجُمْلَةِ الْأَعْمَالِ لُبِّ فَمَا خَلَا فَذَاكَ وَالنِّيَّةُ الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّة أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةٍ خَلِيَّهُ وَنِيَّةٌ وَاحِدَةٌ تَكْفِيهِ طُولَ حَيَاتِهِ لِمَا يَأْتِيهِ يَنْوِي جَمِيعَ فِعْلِهِ اللهِ يُؤْجَرُ حِينَ مَا يَكُونُ سَاهِي وَذَاكَ يُجْزِيهِ إِلَى أَنْ يُبْطِلَهُ بِنِيَّةٍ بَاطِلَةٍ مُعَطَّلَهُ وَيَنْبَغِي التَّجْدِيدُ مَهْمَا ذَكَرَا لِأَنَّهُ يَكُونُ أَعْلَى قَدَرَا وَهِيَ بِالْقَلْبِ وَبِاللَّسَانِ فِي قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ مِنْ عُمَانِ وَأَهْلُ نزْوَى عِنْدَهُمْ بِالْقَلْبِ وَهُوَ الَّذِي مَالَ إِلَيْهِ قَلْبِي لِأَنَّمَا النِّسَانُ لِلنُّطْقِ فَقَطْ وَالْقَصْدُ بِالْقَلْبِ لَهُ حَتْمًا صَبَطْ فَكَيْفَ بِاللَّسَانِ نُوجِبَنَّا قَصْدًا فَلَا أَرَاهُ يَلْزَمَنَّا (2/328)
صفحة 938
328
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
لَكِنَّهُ إِنْ نَطَقَ النِّسَانُ بَمَا نَوَاهُ فَهُوَ الْإِحْسَانُ وَقِيلَ مَنْ أَسَرَّهُ أَنْ يُفْلِحَا أَرْبَعَةً يَنْوِي إِذَا مَا أَصْبَحَا أَوَّلُهَا أَدَاءُ مَا قَدْ فَرَضَا عَلَيْهِ رَبِّي مِثْلُ مَا قَدْ فُرِضَا ثُمَّ اجْتِنَابُ كُلِّ مَا عَنْهُ نَهَى مُحَرَّمًا) قَدْ كَانَ أَوْ مُكَرَّهَا ثَالِثُهَا أَنْ يُقْصَدَ (3) الْإِنْصَافُ لِخَلْقِهِ إِنْ خَصَمُوا أَوْ صَافُوا رَابِعُهَا الْإِخْلَاصُ فِي الْأَعْمَالِ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ ذِي الْجَلَالِ مَنْ لَمْ يُقَدِّمْ نِيَّةً صَحِيحَهُ لِعَمَلِ الْخَيْرَاتِ وَالنَّصِيحَهُ فَذَلِكَ الْمَغْبُونُ مِنْ نَصِيبِهِ يَوْمَ الْجَزَا وَيْلٌ لَهُ مِنْ حُوبِهِ (3) وَنِيَّةُ الْأَكْلِ غِذَاءً لِلْجَسَدُ تَقْوِيَةً لِطَاعَةِ الْفَرْدِ الصَّمَدْ وَلِلْجِمَاعِ طَلَبًا لِلْوَلَدِ وَالْكَسْرَ لِلشَّهْوَةِ حِينَ تَبْتَدِي وَمِثْلُهُ الْمَرْأَةُ تَنْوِي وَتَهُمْ طَاعَةَ زَوْجِهَا وَرَبِّهَا الْحَكَمْ وَيَنْوِي بِالسَّلَامِ إِحْيَا السُّنَنِ وَرَدُّهِ لِفَرْضِهِ الْمُعَيَّنِ وَيَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَحْتَرِنَا بِنِيَّةٍ إِذَا رَأَى أَنْ يَبْرُزَا فَخَارجٌ بِغَيْرِ نِيَّةٍ إِلَى بَعْض النَّوَاحِي قِيلَ ذَنْبًا فَعَلَا
(1) قوله: «مُحَرَّمَا» يعني: سواء كان النهي للتحريم أو للتكريه. (2) قوله: «أَنْ يَقْصِدَ» بالبناء للمفعول.
(3) الحوب: الإثم.
(4) قوله: «وَرَدِّه»، أي: وينوي برد السلام أداء فرض الرد.
(5) قوله: «إذا رأى»، أي: أراد الخروج من بيته. (2/329)
صفحة 939
بَابُ سُنَنِ الْفِطْرَةِ
الجزء الرابع
329
وَعَنْ هَدَادٍ أَنَّهُ كَبِيرَهُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ يَرَى مَسِيرَة (1) وَلَسْتُ أَدْرِي وَجْهَهُ وَإِنَّمَا أَرَاهُ مِنْ زَلَّةٍ بَعْضِ الْعُلَمَا وَقَدْ يَزِلُّ الْفَهْمُ مِثْلُ الْقَدَمِ تَزِلُّ عَنْ مَوْضِعِهَا الْمُحَكَّمِ لِأَنَّمَا الْخُرُوجُ وَالتَّرَدُّدُ مِنَ الْمُبَاحَ وَكَذَاكَ الْمَقْعَدُ) وَإِنَّمَا يَحْرُمُ أَوْ يَحِلُّ بِعَارِضِ يَنْوِيهِ ذَاكَ الْعَقْلُ فَمَا خَلَا مِنْ نِيَّةٍ مُبَاحُ وَلَيْسَ فِي ارْتِكَابِهِ جُنَاحُ وَمَن نَوَى الْخَيْرَ بِهِ يُثَابُ وَضِدُّهُ يَلْزَمُهُ الْعِقَابُ فَخَارِجٌ لِنُصْرَةِ الْإِسْلَامِ يُنَابُ فِي الْمَسِيرِ وَالْإِقْدَامِ وَخَارِجٌ فِي نُصْرَةِ الْبُغَاةِ عَلَيْهِ إِثْمُ الْبَغْيِ وَالثَّبَاتِ كَذَاكَ مَنْ يَخْرُجُ لِلْمَعَاصِي لِأَنَّهُ بِذَا الْخُرُوجِ عَاصِي
بَابَ سُنَنِ الْفِطْرَةِ
وَسُمِّيَتْ بِذَاكَ حَيْثُ إِنَّهَا فِي خِلْقَةِ الْأَبْدَانِ فَافْهَمَنَّهَا فَفِطْرَةُ الْأَبْدَانِ أَيْ خِلْقَتُهَا وَسُنَنُ الْفِطْرَةِ أَيْ سُنَّتْهَا مِنْ ذَلِكَ الْخِتَانُ فَهُوَ شَرْطُ فِي صِحَّةِ الْإِسْلَامِ لَا يُحَطُّ
(1) قوله: «هَدَاد» هو هداد بن سليمان؛ ولم أقف على شيء من تاريخ حياته، ولا على عصره وزمانه، وأظنه العلماء القدماء. من الظاهر أن المراد هداد بن سعيد بن سليمان أبو سليمان، عاش في القرن الخامس وتولى القضاء للإمام سعيد بن عبد الله في صحار.
(2) أي القعود. (2/330)
صفحة 940
330
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
إِلَّا بِعُذْرٍ مِثْلَ أَنْ يَخَافَا عَلَيْهِ مِنْ مَوْتٍ إِلَيْهِ وَافَى فَإِنَّهُ يُعْذَرُ حَتَّى يَأْمَنَا وَبَعْدَهُ يُلْزَمُ أَنْ يَخْتَتِنَا وَحُكْمُهُ مَعَ الَّذِي قَدِ اخْتَفَى عَلَيْهِ عُذْرُهُ يَكُونُ أَقْلَفَا أَحْكَامُهُ إِنْ تَرَكَ الْخِتَانَا عَمْدًا كَحُكْم عَابِدٍ أَوْثَانَا وَذَاكَ لِلاِشْتِرَاكِهِمْ فِي النَّجَسِ فَالْكُلُّ مِنْهُمْ نَجَسٌ فَلْيُقَسِ وَمَنْ يَدِنْ بِتَرْكِهِ كَمَنْ يَدِنْ بِكُفْرِهِ يَلْزَمُ أَنْ يُقَتَلَنْ) وَذَاكَ أَنْ يُزَالَ جِلْدٌ يَجْمَعُ نَجَاسَةً يُزَالُ مِنْهُ أَجْمَعُ حَتَّى تَبِينَ مِنْهُ تِلْكَ الْحَشَفَهُ جَمِيعُهَا وَاضِحَةٌ مُنْكَشِفَهُ وَقِيلَ يُجْزِي كَشْفُهُ لِلْأَكْثَرِ مِنْهَا وَقِيلَ نِصْفُهَا) فِي النَّظَرِ لأَنَّمَا الْمُرَادُ إِذْهَابُ النَّجَسُ مِنْهُ وَكَشْفُ نِصْفِهَا لَهُ يَحُسْ (3) وَمَنْ يَكُنْ بِلَا خِتَانٍ مُنْكَشِفْ فَرْضُ الْخِتَانِ عَنْهُ حَتمًا مُنْصَرِفْ لِأَنَّمَا الْمَقْصُودُ بِالْخِتَانِ ظُهُورُ رَأْسِ الذَّبْذَبِ الْفَتَانِ
(4)
وَجَائِزٌ أَنْ يُخْرِجَنَّ الذَّكَرَا لِلِاخْتِتَانِ إِنْ سِوَاهُ سَتَرَا يُخْرِجُ مَا إِلَيْهِ يُحْتَاجُ فَقَطْ وَسَائِرُ الْإِحْلِيل (5) فِي السِّتْرِ يُحَطِّ كَذَاكَ حَلْقُ الْعَانَةِ الْمَسْنُونُ مِنْ سُنَن الْفِطْرَةِ ذَا يَكُونُ
(1) يُقَتَّلَن بالتشديد لإقامة الوزن، وللمبالغة بمعنى يُقْتَل. (2) قوله: «وَقِيلَ نِصْفُهَا»، أي: كشف نصفها.
(3) أي: يقطع. اهـ. (المصنف)
(4) قوله: «الذبذب»: أي الذكر.
(5) قوله: «الإحليل»: الإحليل الذكر أيضا. (2/331)
صفحة 941
بَابُ سُنَنِ الْفِطْرَةِ
الجزء الرابع
331
يَحْلِقُهَا إِنْ شَاءَ بِالْمُوسَى وَإِنْ شَاءَ بِنُورَةٍ) وَلا تُنَتَّفَنْ فَإِنَّهُ خَالَفَ مَنْ قَدْ نَتَفَا عَانَتَهُ أَوْ جَرَّ مِنْهَا مَا عَفَا وَقِيلَ نَتْفُهَا يُضَعَّفَنَّا شَهْوَتَهُ حِينَ يُجَامِعَنَّا وَحَلْقُهَا يَكُونُ مِنْ شَهْرٍ إِلَى شَهْرٍ إِذا مَا كَانَ ذَاكَ رَجُلًا وَبَعْضُهُمْ يَزِيْدُهُ عَشْرًا وَإِنْ كَانَ لِأُنثَى فَبِعِشْرِينَ قَمِنْ) وَالنَّتْفُ لِلْإِبْطِ وَجَنُّ الشَّارِبِ مِنْ سُنَنٍ تُعَدُّ فِي الرَّوَاتِبِ ينْتِفُهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مَا بَيْنَ عَصْدَيْهِ وَسَائِرِ الْبَدَنْ وَقِيْلَ جَزُ الْإِبْطِ بِالْمِقْرَاضِ يَجُوزُ وَالْحَلْقُ بِمُوسَى مَاضِي وَالنَّتْفُ سُنَّةٌ وَهَذَا رَاحَهُ يَقْصِدُهُ مَنْ شَاءَ الاِسْتِرَاحَهُ وَالجَرُّ لِلشَّارِبِ لَا سِوَاهُ سُنَّةٌ مَنْ خَالِقُهُ اصْطَفَاهُ وَنَتْفُهُ إِذَا نَوَى التَّقْلِيلَا لِشَعْرِهِ جَوَازُهُ قَدْ قِيلَا وَلَا يَجُوزُ ذَاكَ لِلتَّزْيِينِ وَالفَرْقُ مُحْتَاجُ إلَى التَّبْيِينِ بَلْ كُلُّهُ يُمْنَعُ فِيمَا عِنْدِي لِأَنَّهُ خِلَافُ فِعْلِ الْمَهْدِي (3)
(3)
وَالْمَلَكَانِ قِيلَ الشَّارِبَانِ مَقْعَدُهُمْ مِنْ ثَمَّ يُقْطَعَانِ فَطَهِّرِ الْمَوْضِعَ تَكْرِيمًا لَهُمْ وَخَالِفِ الْأَعْجَامَ فِي أَفْعَالِهِمْ
(1) قوله: «بِنُورَةٍ» هي الكلس، والنتف معروف.
(2) قَمِنٌ: بمعنى حقيق.
(3) أي النبي فهو هادي مهدي. (أبو إسحاق) (2/332)
صفحة 942
332
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
هُمْ لِلَّحَا مِنْهُمْ يُحَلِّقُونَا وَشَعَرَ الشَّارِبِ يَتْرُكُونَا وَأَنْتَ خَالِفْهُمْ فَجُنَّ الشَّارِبَا وَوَفِّر اللَّحْيَةَ حُكْمًا وَاجِبَا أَتَى عَنِ الْمُخْتَارِ هَذَا الْحَالُ صَحَ بِذَاكَ الفِعْلُ وَالْمَقَالُ بَلْ قِيلَ (1) إِنَّ قَصَّهَا كَبِيْرَهُ فَالْمَنْعُ سُنَّةٌ بِهَا شَهِيْرَهُ (2) وَقَوْلُ مَنْ قَالَ بِأَحْذِ الْفَاضِل مِنْ قَبْضَةِ الْإِنْسَانِ شِبْهُ الْبَاطِلِ
وَمَا رَوَوْهُ عَنْ فَتَى الْخَطَّابِ غَيْرُ صَحِيْحٍ عَنْهُ فِي الْخِطَابِ بَلْ قِيلَ ذَاكَ جَازَ فِي الْحَرْبِ فَقَطْ إِنْ كَافِرٌ لِمُسْلِمٍ بِهَا رَبَطْ فَذَاكَ تَرْخِيصٌ لِأَجْلِ الضَّرَرِ إِنْ كَانَ صَحَ فِيهِ نَقْلُ الْخَبَرِ وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ حَلْقُ الرَّاسِ مِنْ كَثْرَةِ القَمْلِ بِلَا الْتِبَاسِ لأَنَّ رَأْسَهَا كَلِحْيَةِ الْفَتَى فَالمَنْعُ مِنْ قَطْعِهِمَا قَدْ ثَبَتَا وَإِنْ تَكُنْ خَافَتْ هَلَاكَ النَّفْسِ فَحَلْقُهُ حِلٌّ بِغَيْرِ لَبْسِ وَقَالَ بَعْضُ عِنْدَ خَوْفِ الضَّرَرِ مِنْهُ يَجُوزُ حَلْقُهُ فِي النَّظَرِ وَهْوَ الصَّحِيحُ وَبِرَاسِ الْمُحْرِمِ وَحَلْقِهِ لَهَا دَلِيلٌ فَاعْلَمِ
(1) وفي نسخة: «به».
(2) قوله: «بل قيل» ليس لفظ قيل هنا للتمريض، لأن قص اللحية ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أحاديث صريحة في النهي عنه، وأخرى في الوعيد عليه ففي المسند الصحيح من طريق أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بإحفاء الشارب وإعفاء اللحى. وإعفاؤها توفيرها، وفي صحيحي البخاري ومسلم من حديث ابن عمر يرفعه: «خالفوا المشركين جُرُّوا الشوارب ووفروا اللحى فالأمر بالمخالفة يفيد إطلاق المنع من التشبه بهم، وذلك حكم معلل بالمخالفة، فهي علة عامة، وما بعدها بعض معلولاتها، والأحاديث الواردة في الكتب الصحاح في موضوعنا هذا كثيرة. (أبو إسحاق) (2/333)
صفحة 943
بَابُ سُنَنِ الْفِطْرَةِ
الجزء الرابع
333
فَإِنَّهُ يَجُوزُ إِنْ آذَاهُ يَحْلِقُهُ وَيُلْزَمَنْ فِدَاهُ وَذَاكَ نَصُّ فِي الْكِتَابِ وَرَدَا أَفْتَى بِهِ الرَّسُولُ كَعْبًا) فَاهْتَدَى وَشَعَرُ الرَّاسِ مِنَ الرِّجَالِ تَوْفِيرُهُ الْمَشْهُورُ فِي الْأَحْوَالِ وَفَرْقُهُ مَا بَيْنَ الْمِفْرَقَيْنِ سُنَّةٌ مَنْ قَدْ نَوَّرَ الكَوْنَيْنِ وَحَلْقُهُ يُسَنُّ بَعْدَ النُّسْكِ وَقِيلَ مُطْلَقًا جَوَازُهُ زَكِي يَنْشُلُهُ وَلَا يُعَقِّصَنَّا لِيَسْجُدَنَّ حِينَ يَسْجُدَنَّا وَحَلْقُهُ بِالْمُوسَى لَا بِالنُّورَةِ لِأَنَّ ذَا خِلَافُ فِعْل الأُمَّةِ وَامْرَأَةٌ لِغَيْرِهَا قَدْ أَمَرَتْ يَحْلِقُ رَأْسَهَا بِلَا ضُرٍّ رَأَتْ يَلْزَمُهُ دِيَّةُ ذَاكَ الرَّاسِ بِحَسَبِ التَّقْدِيرِ فِي الْقِيَاسِ إِنْ نَبَتَ الرَّاسُ فَسَوْمُ عَدْلِ وَدِيةٌ كُبْرَى لِفَوْتِ الْأَصْلِ هَذَا الَّذِي إِلَيْهِ قَدْ أَشَارَا وَالإِذْنُ لَا يَنْفَعُهُ جِهَارًا لأَنَّهُ قَدْ صَارَ آمِرًا بِمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْمُرَنْ قُلْتُ وَعِنْدِي فِيهِ غَيْرُ مَا ذُكِرْ لِأَنَّمَا الْغُرْمُ لِمَنْ كَانَ أَمَرْ فَأَمْرُهُ يُسْقِطْ حَقَّهُ وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ فَاسْتَبِنْ كَمِثْل مَا يُسْقِطْ حَقَّ الْفَاجِرَهُ إِذَا أَبَاحَتْ نَفْسَهَا مُجَاهَرَهُ
(1) أي: كعب بن عجرة. اهـ.
(المصنف)
(2) ينشله يرفعه ويعقص يضفره ويفتله. (أبو إسحاق)
به
اعْلَمَا (2/334)
صفحة 944
334
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
إِبَاحَةُ الفَرْجِ حَرَامٌ وَسَقَط بِذَلِكَ الصَّدَاقُ عَنْهُ حِينَ قَطْ (1) وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ لِحْيَةٌ فَمَنْ أَزَالَ لِحْيَةَ النِّسَا لَا يَغْرَمَنْ
وَحَلْقُهَا لَهَا يَجُوزُ فَاعْلَمَنْ إِذْ بِالرِّجَالِ فِي الْبَقَا تَشْتَبِهَنْ وَأَنَّهَا تُمْنَعُ أَنْ تَشَبَّهَا وَنَزْعُ شَعْرِ وَجْهِهَا قَدْ كُرّهَا كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ حَيْثُ وَرَدَا نَ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ مُسْنَدَا وَلِحْيَةُ الخُنْثَى كَلِحْيَةِ الرَّجُلُ يُمْنَعُ حَلْقُ شَعْرِهَا وَإِنْ يَطُلْ وَقِيلَ مَنْ كَانَ كَثِيرَ الشَّعْرِ فِي ظَهْرِهِ وَبَطْنِهِ وَالصَّدْرِ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالتَّطْهِيرِ مِنَ الْقَلِيْلِ وَمِنَ الْكَثِيرِ وَلَيْسَ ذَاكَ وَاجِبًا وَإِنَّمَا يَكُونُ لِلتَّطْهِيرِ مِنْهُ سُلَّمَا وَتَحْلِقُ الْمَرْأَةُ سَاعِدَيْهَا بِنُورَةٍ وَالشَّعْرَ مِنْ سَاقَيْهَا مَنْ شَابَ فِي الْإِسْلَامِ كَانَ الشَّيْبُ نُورًا لَهُ يَوْمَ الْجَزَا لَا عَيْبُ (2) وَهُوَ وَقَارٌ أَكْرِمِ الْوَقَارَا إِنْ حَلَّ وَجْهَ الْمَرْءِ مِنْهَ نَارَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَرَنْ بِالْحِنَّا وَلَا بِغَيْرِهِ يُسَتَرَنَّا وَسِتْرُهُ إِنْ كَانَ بِالسَّوَادِ لِشُبْهَةِ الشَّبَابِ حُرُمٌ بَادِي وَقِيلَ لَا بَأْسَ عَلَى مَنْ حَتَّى لِحْيَتَهُ وَرَأْسَهُ الْمُكَنَّى
(1) قوله: «قط»، أي: أمضى في فعله اهـ. (المصنف) (2) قوله: «لَا عَيْبُ» خبر لمبتدأ مقدّر، أي: لا هُوَ عيب. (3) قوله: «الْمُكَنَّى» أي: المُستَر. (2/335)
صفحة 945
بَابُ سُنَنِ الْفِطْرَةِ
الجزء الرابع
335
(1)
وَإِنَّمَا يُكْرَهُ فِي اليَدَيْنِ مِنَ الرِّجَالِ قِيلَ وَالرِّجْلَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ فِي بَاطِنِ الأَقْدَامِ فَجَائِزُ لِلنَّفْعِ لِلْأَنَامِ وَقَلْم الأَظْفَارَ طُرًّا تُصِبِ بِذَلِكَ التَّقْلِيم سُنَّةَ النَّبِي لِأَنَّهَا تَجْمَعُ لِلْجَنَابَة وَسَائِرِ الأَشْيَاءِ الْمُسْتَرَابَهُ يَبْدأُ بِالْيُمْنَى مِنَ الْمُسَبِّحَهُ وَبَعْدَهَا الْإِبْهَامُ حَيْثُ الْمَصْلَحَهُ وُسْطَى فَبُنْصُرُ يَلِيهَا الْخُنْصُرُ وَقِيلَ ذَا عَنِ النَّبِيِّ يُذْكَرُ وَفِي الْيَسَارِ قَدِّمَنَّ الْوُسْطَى سَبَّابَةً إِبْهَامَهَا لَا تَخْطَا وَبُنْصُرًا مِنْ بَعْدُ ثُمَّ يَخْتِمُ بِخُنْصْرٍ وَاللَّهُ رَبِّي أَعْلَمُ ثُمَّ السَّوَاكُ طُهْرَةُ الْأَسْنَانِ وَإِنَّهُ مَفْصَحَةُ اللِّسَانِ يُشَدِّدُ اللَّثَةَ يَنْفِي الْبَلْغَمَا يُحَدِّدُ الْإِبْصَارَ) أَيْضًا فَاعْلَمَا حَتَّ عَلَيْهِ الْمُصْطَفَى لِمَا عَلِمْ مِنْ نَفْعِهِ وَأَجْرِهِ لِلْمُحْتَرِمْ (3) وَمَنْ يَكُنْ قَدْ تَرَكَ السِّوَاكَا دِيَانَةً) لَا يُتَوَلَّى ذَاكَا وَفِي السَّوَاكِ دَاخِلَ الْحَمَّامِ يُورِثُ بَخْرَ الفَمِ فِي الْأَنَامِ مِنْ سُنَن الْفِطْرَةِ الإِسْتِنْجَا وَقَدْ مَضَى بِبَابِهِ الَّذِي مِنْهُ يُعَدْ
(1) قوله: «الْمُسَبِّحَه»: هي الأصبع التي تلي الإبهام سميت بذلك لأنها يشار بها في التسبيح. (2) قوله: «يُحَدِّدُ الْإِبْصَارَ»، أي: يُحدها بمعنى يقويها قال الله تعالى: {فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 22]. (3) للمحترم أي المحترم للأوامر الشرعية والسنة النبوية. (4) قوله: «دِيَانَةً»، أي: تركه دينًا بمعنى دانَ الله بتركه، فإنه ليس له، ولاية، أي: محبة ونُصْرَة عند المسلمين لأنه دان بما فيه خلاف المسلمين ونصبها على المفعول له. (2/336)
صفحة 946
336
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَذَاكَ فِي الطَّهْرِ مِنَ النَّجَاسَهُ لِأَنَّمَا تَطْهِيرُهَا أَسَاسَهُ) كَذَلِكَ التَّطْهِيرُ لِلْبَرَاجِمِ مِنْهَا فَطَهِّرْهَا مِنَ الدَّسَائِمِ لِأَنَّهَا مَجْمَعُ كُلِّ دَسْمِ تَخْصِيصُهَا بِالْغُسْلِ نَوْعُ حُكْمِ
بَابُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ
وَالسِّتْرُ لِلْعَوْرَةِ بِالشَّرْعِ وَجَبْ لِأَنَّهُ بِهِ الْخِطَابُ قَدْ وَجَبْ (2) وَقَالَ بِالْعَقْلِ أُنَاسٌ وَأَرَى فِي أَوَّلِ الْقَوْلَيْنِ نُورًا ظَهَرَا إِذْ لَيْسَ لِلْعَقْلِ مِنَ الْأَحْكَامِ مَا يَقْضِي بِالْأُجُورِ وَالْآثَامِ وَإِنَّمَا أَحْكَامُهُ تُصَوِّرُ (3) أَشْيَاءَ يُثْبِتَنَّهَا أَوْ يُنْكِرُ وُجُوبُ سِتْرِهَا عَلَى مَنْ وَصَلَا حَدَّ الْبُلُوغِ وَهْوَ شَخْصٌ عَقَلَا فَعَوْرَةُ الذَّكْرَانِ الرُّكْبَتَانِ فَصَاعِدًا لِسُرَّةِ الْإِنْسَانِ وَبَعْضُهُمْ أَخْرَجَ نَفْسَ السُّرَّةِ وَأَدْخَلَ الرُّكْبَةَ تَحْتَ الْعَوْرَةِ وَبَعْضُهُمْ رَخَّصَ فِي تَيْنِ اعْلَمَا وَجَعَلَ الْعَوْرَةَ مَا بَيْنَهُمَا فَقَوْلُهُ يَأْتَمُ مَنْ قَدْ أَظْهَرَا إِلَى الْوَرَى رُكْبَتَهُ لَمْ يُعْذَرَا (4)
(*) قد يكون النصب على تقدير (يكون) وأساسه خبرها. (إسماعيل) (1) قوله: «للبراجم»: هي العقد التي تكون في وسط الأصابع، لأنها تجمع الوسخ والدسم والدهن. (2) وجب: الأولى بمعنى لزم والثانية بمعنى ثبت اهـ. (المصنف)
(3) قوله: «تصور»، أي: تتصور فحذف إحدى التاءين تخفيفًا.
(**) قد يكون تصور بالبناء للفاعل والفاعل ضمير عائد إلى أحكام، وفاعل يثبتها ضمير عائد
إلى الشرع. إسماعيل)
(4) أي: لم يعذرن. (2/337)
صفحة 947
بَابُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ
الجزء الرابع
337
فَهْوَ عَلَى قَوْلٍ (1) يَكُونُ فَاعْلَمَنْ وَصَاحِبُ التَّرْخِيصِ لَا يُؤَفِّمَنْ وَجَسَدُ الْمَرْأَةِ عَوْرَةٌ وَمَا يَحِلُّ إِلَّا الْوَجْهَ وَالْكَفَّ اعْلَمَا بَاطِنُ كَفَّيْهَا وَأَمَّا الظَّاهِرُ فَفِيهِ فِيمَا بَيْنَهُمْ تَشَاجُرُ (2)
(2)
إِلَّا لِمَن يَكُونُ مِنْهَا مَحْرَمَا (3) إِظْهَارُ حَلْبِهَا لَهُ لَمْ يَحْرُمَا وَجَائِزٌ يَنْظُرُ مِنْهَا () الشَّعْرَا والظَّهْرَ وَالبَطْنَ مَعَا والصَّدْرَا وَإِنَّمَا تَكُونُ فِي ذَا الْحَالِ عَوْرَتُهَا كَعَوْرَةِ الرِّجَالِ وَذَاكَ إِنْ كَانَ بِدُونِ شَهْوَةِ فَالِاشْتِهَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحُرْمَةِ وَفَاسِقٌ (6) أَخٌ مِنَ الرَّضَاعَ تَكُونُ عَنْهُ قِيلَ فِي امْتِنَاعِ إِذْ لَا يَكُونُ فَاسِقٌ ذَا مَحْرَمِ قَدْ قَشَعَ الْحُرْمَةَ بِالتَّأْتُم وَلا يَجُوزُ كَشْفُهُ لِلْعَوْرَةِ إِلا مَعَ الزَّوْجَةِ وَالسُّرِّيَّةِ كَذَلِكَ الْمَرْأَةُ عِنْدَ الْبَعْل تَكْشِفُ لَا مَعْ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ
(1) قوله: «فَهْوَ عَلَى قَوْل»، أي: هو مبني على قول من أدخلهما في حكم العورة، لا على قول من أخرجهما أعنى الركبتين
(2) قوله: «تَشَاجُرُ»: أي اختلاف، فبعضهم قال فيه إنه عورة، وقال بعضهم غير عورة؛ وهو الأنسب لتسهيل الخطب.
(3) قوله: «مَحْرَما»: أي: ممن يحرم عليه نكاحها. (4) قوله: «حَلْيِهَا»: بفتح الحاء وإسكان اللام الصوغ المتخذ للحلية، والحلي بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء الذهب والفضة.
(5) قوله: ينظر منها، أي: ذو محرمها وذلك عند أمن الفتنة وعدم الشهوة. (6) قوله: «وفاسق»، يعني: إنه إذا كان أخوها من الرضاع فاسقًا، أي خارجًا عن الطاعة غير مجتنب للمعاصي فعليها أن تمتنع منه كما تمتنع من الأجنبي، لهتكه الحرمة بارتكاب المعاصي والفسوق. وقشع الحرمة: هتكها فلو عبّر عنه به فقال: قد هتك لكان أظهر فلعله أراد بالقشع المبالغة والمراد واحد. (7) قوله: «فاسق» هو اسم يكون وإنما جاز أن يكون اسمها مع كونه نكرة لأنه صفة لموصوف محذوف فأقامه مقامه، والنكرة الموصوفة تكون اسمًا لكان كما يجوز الابتداء بها. (2/338)
صفحة 948
338
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَجَائِزٌ لِعِلَّةٍ أَنْ تَكْشِفَا ذَاكَ لِمَاهِرٍ طَبِيبٍ عُرِفَا مِنَ النِّسَاءِ وَمِنَ الرِّجَالِ قَضَى بِحِلِّهِ اضْطِرَارُ الْحَالِ حِجَامَةُ الْمَرْأَةِ لِلْفَتَى فَلَا تَجُوزُ إِلَّا لِاضْطِرَارٍ حَصَلَا يُبَرِّئُ القَلْبَ مِنَ الرَّيْبِ فَإِنْ كَانَ بِهِ رَيْبٌ هُنَاكَ يُمْنَعَنْ فِلَايَةُ (1) النِّسَاءِ لِلنِّسَاءِ فِيهَا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ جَائِي وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِي الْأَرْحَامِ لَا فِي الْبَعِيدَاتِ مِنَ الْأَنَامِ لِأَنَّهُ قَيَّدَ فِي الْكِتَابِ ذَلِكَ بِالضَّمِيرِ فِي الْخِطَابِ فَقَالَ أَوْ نِسَائِهِنَّ فَافْهَمَا فَكَانَ فِي مَعْنَاهُ خُلْفُ الْعُلَمَا وَلَا يُقَبِّلُ الرِّجَالُ بَعْضا (2) () بَعْضًا وَلَا يَلْتَزِمُونَ الْبَعْضًا وَالسِّتْرُ لِلْعَوْرَاتِ عَمَّنْ عَقَلَا يَلْزَمُهُ دُونَ الَّذِي لَمْ يَعْقِلَا مِنْ هَاهُنَا لَا بَأْسَ بِالْجِمَاعِ عِنْدَ الصَّبِيِّ حَالَةَ الرَّضَاعِ لأَنَّهُ لَا يَعْقِلَنَّ مَا يَرَى فَإِنْ يَكُنْ يَعْقِلُهَا فَلْتُسْتَرَا وَالْكَفْ عَنْ هَذَا احْتِيَاطًا حَسَنُ لِأَنَّ فِي الصِّبْيَانِ مَنْ قَدْ يَفْطُنُ وَنَظَرُ الْعَوْرَاتِ حَجْرُ وَرَدَا فِي ذَاكَ لَعْنُ إِنْ يَكُنْ تَعَمَّدَا وَفِي الْخَطَا لَا بَأْسَ لَوْ تَكَرَّرَا وَيَلْزَمَنْهُ أَنْ يَغْضَ الْبَصَرَا
(1) قوله: «فِلَايَةُ» بالفاء هي إخراج القمل من الرأس، قال الشاعر:
وَمَا عَلَيَّ أَنْ تَكُونَ جَارِيَهْ تَغْسُلُ رَأْسِي وَتَكُونَ الْفَالِيَة
(2) قوله: «بَعْضا» مفعول يُقبل، وهكذا الثاني فكل من قبلته فقد قبلك فهي مفاعلة؛ فلذلك نصبا جميعًا على المفعول به والالتزام الإمساك، أي: لا يمسك بعضهم بعضها.
(*) وقد تكون (بعض) الثانية بالرفع على أنها بدل من (الرّجال). (إسماعيل) (2/339)
صفحة 949
بَابُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ
الجزء الرابع
339
بِغَضّهِ قَدْ أَمَرَ الْكِتَابُ وَالْحِفْظُ لِلفَرْجِ بِهِ إِيجَابُ فَإِنَّمَا النَّاظِرُ كَالْمَنْظُور سِيَّانِ فِي اللَّعْنِ وَفِي الْمَحْجُورِ بِغَضْهِ يَلْتَنُّ بِالْعِبَادَةِ إِرْسَالُهُ يَذْهَبُ بِالْحَلَاوَةِ) سَهُمْ مُسَوَّمٌ (2) يُقَالُ النَّظَرُ لأَنَّهُ يُصِيبُ مَا قَدْ يُحْجَرُ وَنَاظِرٌ بِشَهْوَةٍ مَأْنُومُ لِأَنَّهُ بِالِاشْتِهَا مَلُومُ لَوْ كَانَ جَائِزًا بَأَصْلِ الْأَمْرِ فَالِاشْتِهَا حَجْرٌ وَلَوْ لِصَخْرِ (3) وَإِنْ يَكُنْ نَظَرُهُ تَعَجُبَا جَوَازُهُ بِلَا تَشَةٌ وَجَبَا (4) شَمُّ رِيحَ الطَّيبِ مِمَّن مَرَّا مِنَ النِّسَاءِ قِيلَ لَيْسَ حِجْرَا مَنْ عَفَّ عَنْهُ فَلَهُ صَلَاحُ تَعَفُّفًا إِذْ شَمُّهُ مُبَاحُ لَا تَنْظُرُ الْمَرَأَةُ وَجْهَ الرَّجُل لِغَيْرِ حَاجَةٍ إِلَيْهِ تَنْجَلِي وَهَكَذَا لَا يَنْظُرُ الرِّجَالُ وَجْهَ الْفَتَاةِ عَبَنَّا يُقَالُ وَرَخَصُوا أَنْ يَهْجُمَ الْبِيدَارُ (5) لِرَةٌ مَاءٍ وَقْتُهُ نَهَارُ (6)
(1) قوله: «بِالْحَلاَوَةِ»، أي: يُذهِبُ حلاوة الإيمان.
(2) قوله: «مُسَوَّمٌ» أي مُصَوَّب.
(3) قوله: «وَلَوْ لِصَخْرِ» فيه المبالغة للتنفير عن النظر شهوةً، وأنه يحرم ولو كان إلى حجر، إذا كان
لمعنى الشهوة.
(4) وجبا: أي: ثبت جوازه، أو هو من الواجب لأنه يجب على العبد النظر إلى عجائب مخلوقات الله عز وجل، للتدبر في حكمته والتفكر في قدرته .. {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا
مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191].
(5) البيدارُ: هو العامل في سقي النخيل والحرث والقيام بها، و «وقته» مبتدأ.
(6) «نَهَارُ» خبره. (2/340)
صفحة 950
340
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَكَانَ وَسْطَ الْفَلَجِ النِّسَاءُ مُنكَشِفَاتٍ مَا بِهَا كِسَاءُ لأَنَّهُ يَخْشَى ضَيَاعَ الْمَاءِ وَهُوَ مِنَ الْمَالِ بِلَا مِرَاءِ نُهِي عَنِ التَّصْيِيعِ لِلْأَمْوَالِ تَصْيِيعُهُ لَيْسَ مِنَ الْحَلَالِ لكِنْ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَا أَنْ يُخْبِرَا وَأَنْ يَغْضَ فِي الدُّخُولِ النَّظَرَا وَكُلُّ مَا جَازَ إِلَيْهِ النَّظَرُ فَمَسُّهُ فِيهِ اخْتِلَافُ يُذْكَرُ بِذَاكَ تَدْرِي أَنَّمَا الْمَسُّ أَشَدُ مِنْ نَظَرٍ وَتَرْكُهُ عِنْدِي أَسَدْ مَرُّ الْفَتَاةِ الْحُرَّةِ الْكَبِيرَهُ مِنْ فَوْقِ ثَوْبِ عَامِدًا (2) كَبِيْرَهُ لأَنَّ ذَاكَ عَوْرَةٌ وَالسِّتْرُ لَا يُبِيحُ فِي الْعَوْرَةِ مَسَّا حَصَلَا وَمَسُّ شَعْرِ رَأْسِهَا حَرَامُ وَلَيْسَ فِي تَحْرِيمِهِ كَلَامُ وَفِي النِّسَاءِ الْمُتَبَرِّجَاتِ (3) يُوجَدُ تَرْخِيصٌ عَنِ الثَّقَاتِ فَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْكَثِيرِ (؟) نَظَرُهَا لَيْسَ مِنَ الْمَحْجُوْرِ قَدْ قَالَ ذَاكَ فِي نِسَا تِهَامَهُ قَالَ فَمَنْ رَأَى فَلَا مَلَامَهُ خَلَعْنَ الاحْتِرَامَ كَالإِمَاءِ فَهُنَّ وَالْإِمَا عَلَى سَوَاءِ
(1) «الْفَلَج»: النهر. (2) قوله: «عَامِدًا» أصله عمدًا، ولكنه لم يساعده الوزن فعدل إلى اسم الفاعل لإقامة الوزن، والتقدير: إذا مسه عامدًا. (3) قوله: «الْمُتَبَرِّجَاتِ»، أي: اللواتي لا يستترن في بيوتهن، ولا يسترن ما حرّمه الله عليهن من
ظهور زينتهن.
(4) قوله: «الكَبِيرِ» هو مسلم بن أبي كريمة، وأبو عبيدة الصغير هو عبد الله بن القاسم السلوتي من أهالي سلوت من وادي قريات. (2/341)
صفحة 951
بَابُ اللُّبَاسِ
الجزء الرابع
341
قَالَ بَشِيرٌ) لَا لَعَمْرِي إِنَّمَا يَكُونُ مَالًا لَا كَمَنْ قَدْ حَرُمَا وَهَكَذَا فِي فَحْلَةِ النِّسَاءِ (2) قَدْ قِيلَ بِالْقَوْلَيْنِ فِي الْإِفْتَاءِ وَرَخَّصَ الْكِتَابُ لِلْقَوَاعِدِ أَنْ تَضَعَ الْحِلْبَابَ عِنْدَ الْوَافِدِ مِنْ غَيْرِ مَا تَبَرُّج لِزِينَةِ وَتَرَكُهُ أَفْضَلُ لِلْمَصُونَةِ) وَهْيَ الَّتِي لَمْ تَشْتَهِ أَوْ تُشْتَهَى لِأَجْلِ حَالِهَا الَّذِي تَشَوَّهَا (4)
بَابُ اللَّبَاسِ
وَبِاللِّبَاسِ سِتْرُهَا يَكُونُ بِذَاكَ لَا تُدْرِكُهَا الْعُيُونُ قَدْ أَنْزَلَ اللهُ لِبَاسًا يَسْتُرُ سَوْءَتَنَا لَهُ تَعَالَى نَشْكُرُ فَفِي الدُّنَا نَعْمَلُهَا بِالْأَيْدِي وَكِسْوَةُ الْجَنَّةِ مِنْ ذِي الْأَيْدِي وَذَاكَ مِنْ كَرَامَةِ الْمَنَّانِ يَرَوْنَهَا مِنْهُمْ عَلَى الْأَبْدَانِ أَوْ إِنَّمَا خَدَمُهُمْ تَطُوفُ بِهَا عَلَيْهِمْ هَكَذَا مَوْصُوفُ وَعَلَّ ذَاكَ كُلَّهُ قَدْ يَقَعُ عَلَى اخْتِلَافِ رُتَبِ تُوَنَّعُ
(1) قوله: «قَالَ بَشِيرٌ لَا لَعَمْرِي .... إلخ»، يعني أن الشيخ يشير قال لا تكون حرمة الحرة كحرمة الأمة المملوكة لأنها مال ولا تكون حرمة المال كحرمة الأحرار.
(2) فَحْلَةِ النِّسَاءِ: هي التي تتشبه بالرجال. (3) أي: للصيانة على حد قوله تعالى: {بِأَيَتِكُمُ الْمَفْتُونُ} [القلم: 6]، أي: الفتنة. اهـ. (المصنف) (4) قوله: «تَشَوَّهَا»، أي: قبح. (5) قوله: «بِالْأَيْدِي» الأولى جمع يد وهي العضو المعروف، والثانية بمعنى القوة وبينهما الجناس
التام المتماثل. (2/342)
صفحة 952
342
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
لِأَنَّهَمْ فِيهَا عَلَى مَرَاتِبِ تَفَاضُلًا لَهُمْ بِحُكْمِ وَاجِبِ وَالْقُطْنُ وَالْكَتَّانُ وَالصُّوفُ مَعَا لِبَاسُهُ لَنَا جَمِيعًا شُرِعَا وَإِنَّمَا يَجْتَنِبُ الرِّجَالُ إِبْرَيْسِمًا وَلِلنِّسَا حَلَالُ مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ) فِي الدُّنَا فَلَا يَلْبَسُهُ غَدًا فَلَا تَبَدَّلَا مَعْنَاهُ لَا يَدْخُلُ فِي النَّعِيمِ وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي الْجَحِيمِ وَمِثْلُهُ قَدْ جَاءَ فِي لِبْسِ الذَّهَبْ فَهْوَ عَلَى الرّجَالِ تَعْذِيبُ وَجَبْ وَقِيلَ فِي النَّوْمِ عَلَى الْحَرِيرِ يَجُوزُ مَا فِي ذَاكَ لِأَنَّمَا النَّصُّ أَتَى فِي اللُّبْسِ لَا فِي الْفَرَاشِ عِنْدَ أَهْلِ الْحِسَ وَبَعْضُهُمْ قَدْ جَعَلَ الْفِرَاشَا لِبْسًا فَيَمْنَعَنَّ الاِفْتِرَاشَا وَاحْتَجَّ أَنَّ أَنَسَا (2) قَدْ نَعَتَا بِهِ الْحَصِيرَ فِي حَدِيثٍ ثَبَتَا وَجَائِز أَنْ يَلْبَسَنَّ الْجَوْهَرَا (3) وَلُؤْلُؤًا وَنَحْوَهُ مَا حُجِرَا وَقِيلَ يُحْبَسَنَّ مَنْ قَدْ لَبِسَا ثَوْبَ الْحَرِيرِ وَالَّذِي قَدْ وُرِّسَا (4)
أنس
من نكير
بن
مالك أنه
(1) قوله: «مَنْ لَبَسَ الْحَرِيرَ ... إلخ» فيه إشارة إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: الذهب والحرير حرام على رجال أمتي حلال لنسائها، من لبسهما في الدنيا لم يلبسهما في الآخرة». (2) قوله: «وَاحْتَجَّ أَنَّ أَنَا .... إلى آخره» يشير بهذا إلى الحديث المشهور عن قال: صنعت جدتي مليكة طعامًا فدعت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل منه، ثم قال: «قوموا فلنصلّ لكم قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس ... رواه الربيع بن حبيب بسنده المتصل، ورواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. (3) قوله: «أَنْ يَلْبَسَنَّ الْجَوْهَرَا»، يعني: الرجال.
(4) قوله: «ورسا»، أي: صبغ بالورس. (2/343)
صفحة 953
بَابُ اللُّبَاسِ
الجزء الرابع
343
إِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ لَهُ فِي اللُّبْسِ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ دُونَ لَبْسِ لِأَنَّهُ خَالَفَ فِيمَا ذُكِرَا سُنَّةَ أَحْمَدٍ وَمَا قَدْ أُثِرَا فَإِنَّهُ نَهَى عَنِ الْحَرِيرِ وَعَنْ مُعَصْفَرٍ بِلَا نَكِيرِ رَأَى مُعَصْفَرًا عَلَى ابْنِ عُمَرَا فَقَالَ ذَا لِبَاسُ مَنْ قَدْ كَفَرَا فَقَاسَ أَهْلُ الْعِلْمِ مَا قَدْ وُرِّسَا بِهِ فَمِنْ هُنَاكَ قَالُوا حُبِسَا وَصَبْغُهُ بِصُفْرَةٍ فِيمَا رُوِي ذَاكَ لِمَعْنًى حَاصِلٌ قَدْ يَحْتَوِي لَعَلَّهُ لِضَرَرٍ عَرَاهُ أَوْ كَانَ مَعْنَى نَحْنُ لَا نَرَاهُ وَمَعَ ذَاكَ فَهُوَ حَالٌ قَدْ نَدَرُ مِنْ ثَمَّ لَمْ يَرْوِيهِ إِلَّا ابْنُ عُمَرْ وَالْحَبْسُ فِيمَنْ كَانَ قَدْ تَعَوَّدَا ذَاكَ لِغَيْرِ ضَرَرٍ لَهُ بَدَا وَاحْذَرْ أَخِي مِنْ لِبْسَةٍ مَشْهُورَةِ مَعَ الْوَرَى وَلِبْسَةٍ مَحْفُورَةِ وَاسْتَعْمِلَنَّ وَسَطَ اللُّبَاسِ تَنْجُ بِذَاكَ مِنْ جَمِيعِ الْبَاسِ وَقَدْ يُقَالُ فِي الْعُرِي لَوْ فَدَحَا خَيْرٌ مِنَ الزِّيِّ الَّذِي قَدْ فَصَحَا وَالْحُكَمَا تَنْطِقُ لَيْسَ الْعِزَّهُ فِي حُسْنِ أَثْوَابِ الْفَتَى وَالْبِزَّة (2) مُرُوءَةُ الْإِنْسَانِ فِيهِ ظَاهِرَهُ فِيمَا يُقَالُ فِي الثِّيَابِ الطَّاهِرَة وَقِيلَ تَشْمِيرُ الْقَمِيصِ عَيْبُ فَلاَ يَكُنْ فِي الْقَلْبِ مِنْكَ رَيْبُ
(1) قوله: «مِنْ لِبْسَةٍ مَشْهُورَةِ هي المخالفة لما يلبسه أهل بلاده، ويستنكرها كل من رآها عليه منهم، فتكون له بها شهرة في البلاد، أو هي التي تكون غالية جدًا لا يلبسها أحد غيره في بلده. (2) البزة: الثياب. (2/344)
صفحة 954
344
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
الْمُخْتَارِ
وَفُسِّرَ التَّشْمِيرُ بِالتَّقْصِيرِ وَذَاكَ أَنْ يَخْرُجَ لِلنَّكِيرِ يَخْرُجُ عَنْ زِيٌّ أُولِي الْإِسْلَامِ إِلَى لِبَاسِ الْكُفْرِ وَالْأَعْجَامِ كَذَلِكَ التَّذْيِيلُ لِلْإِزَارِ يُمْنَعُ لِلنَّهْي مَا جَاوَزَ الْكَعْبَ يَكُونُ فِي لَظَى كِنَايَةٌ بِهَا النَّبِيُّ غَلَّظَا وَفِي السَّرَاوِيل اخْتِلافُ قِيلا مِثْلَ الْإِزَارِ فَاحْذَرِ التَّذْيِيلًا وَذَا هُوَ الْكَثِيرُ فِي الْفَتَاوِي وَغَيْرُهُ الْقَلِيلُ عِنْدَ الرَّاوِي لكِنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُطِيلَا مِنْ لِبْسِهَا قَدْرَ ذِرَاعٍ ذَيْلَا لِأَجْلِ أَنْ تَسْتُرَ ظَاهِرَ الْقَدَمُ وَإِنْ تَزِدْ عَلَى الذَّرَاعِ فَلْتُلَمْ وَذَاكَ إِجْمَاعٌ بِلَا خِلَافِ مِنْ صَحْبِنَا وَمِنْ ذَوِي الْخِلَافِ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ يُرْوَى خَبَرُ وَهْوَ خِلَافُ مَا بِهِ يُؤْتَزَرُ لَا بَأْسَ بِالْغَلَائِلِ الرِّقَاقِ لِمَن بِهِ الْمِنْزَرُ) بِاتِّفَاقِ إِنْ كَانَ مِنْهُ رُكْبَتَيْهِ سَتَرَا وَهَكَذَا سُرَّتُهُ لَمْ تُنْظَرَا لأَنَّمَا وَرَاءَ ذَا لَا يَحْرُمُ إِظْهَارُهُ عَلَى الْفَتَى لَوْ يَعْلَمُ وَالطَّيْلَسَانُ لِلنِّسَا مَكْرُوهُ قُلْتُ وَلِلرِّجَالِ فَاتْرُكُوهُ لِأَنَّ ذَاكَ مِنْ لِبَاسِ الْعَجَمِ كَالْكُوتِ)) فِي هَذَا الزَّمَانِ الْمُؤْلِمِ
(1) قوله: «المئزر» هو السراويل.
(2) قوله: «کالکوت» قلت: إن لباس الكوت أصبح اليوم من الأمور الضروريات لأن لابسه يتقي
= (2/345)
صفحة 955
بَابُ اللُّبَاسِ
الجزء الرابع
345
عَلَيْكَ يَا أُخَيَّ بِالْعِمَامَهُ فَإِنَّهَا زِيَادَةٌ فِي الْقَامَهُ وَإِنَّهَا عِزُّ الرَّجَالِ مَنْ تَرَكَ لِعِزَّهِ فَمَسْلَكَ الذُّلِّ سَلَكْ وَقَدْ رُوِي بِأَنَّهَا لِلْعَرَبِ تَاجٌ عَلَى الرَّأْسِ فَلَا تَسْتَعْجِبِ لَا شَكَ فِيهَا أَنَّهَا وَقَارُ وَهْيَ لَهُ يَوْمَ الْجَزَا أَنْوَارُ كَذَلِكَ النِّعَالُ يُؤْمَرَنَّا بِلِبْسِهَا وَالضُّرَّ تَدْفَعَنَّا فَلَا يَزَالُ رَاكِبًا مَنِ انْتَعَلْ وَهُوَ عَلَيْهَا مَاشِيَا قَدِ اسْتَقَلْ وَالْبَسْهُمَا مَعًا وَإِلَّا فَاخْلَعَا مَعًا وَلَا تُفْرِدْهُمَا لِتَتْبَعَا وَقَدِّمِ الْيُمْنَى لَدَى اللَّبْسِ وَإِنْ تَنْزِعُ فَأَخَّرْهَا لِكَيْمَا تُكْرَمَنْ وَالْكُحْلُ وِتْرًا يَنْبَغِي وَالدُّهْنُ غِبًا وَمَا فِي ذَا الْمَقَالِ وَهْنُ طِيبُ الرّجَالِ قِيلَ مَا قَدْ ظَهَرَا رَيحَتُهُ (1) وَاللَّوْنُ مِنْهُ اسْتَتَرَا وَضِدُّهُ يُقَالُ لِلنِّسَاءِ كَالْوَرْسِ وَالْعُصْفُرِ وَالْحِنَّاءِ مَنْ شَمَّ طِيبًا وَهُوَ بِالصَّبَاحِ لَمْ يَفْقِدِ الْعَقْلَ إِلَى الرَّوَاحِ وَهَكَذَا قَدْ قِيلَ فِيمَنْ أَكَلاَ حَلْوَى وَلَا أَعْرِفُ مَا قَدْ نَقَلَا
بها البرد ويحفظ فيها ماله وفيما عندي أن لباسه لا يكره، ولا سيما في هذا الزمان، وأمر اللباس ليس هو من العبادات وإنما هو من العادات، إلا ما كان خاصًا بالكفار، أو بالنساء في حق الرجال، وهكذا العكس والله أعلم.
(1) قوله: «ريحته»، أي: عزفه ورائحته. (2/346)
صفحة 956
346
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
بَابُ الْأَكْلِ والشَّرْبِ
وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ مِنَ الْمَنَّانِ لُطْفٌ بِهِ تَقْوِيَةُ الْأَبْدَانِ مَنَّ عَلَيْنَا رَبُّنَا تَفَضُّلَا إِذْ كَانَ ذَاكَ فِي الْكِتَابِ نَزَلَا لِكَوْنِهِ تَقْوِيَةٌ يُقَالُ تَرْكُ الْعَشَا مَهْرَمَةٌ تُنَالُ فَإِنْ تَجِدْ تَعَشَ لَوْ بِكَ مِنْ حَشَفْ (1) مَا أَمَرُوا بِالْكَفِّ وَقَدْ مَضَى فِي سَالِفِ الْأَبْوَابِ مَا جَازَ مِنْ أَكْلٍ وَمِنْ شَرَابِ وَإِنَّمَا نَذْكُرُ فِي ذَا الْبَابِ مَا كَانَ فِيهِمَا مِنَ الْآدَابِ لَوَازِمُ الْأَكْلِ لَهَا قَدْ عُدًا أَرْبَعَةٌ تَسْمِيَةٌ تُبَدَّى وَالْحَمْدُ وَالشُّكْرُ مَعَ الْإِقْرَارِ بِأَنَّ ذَاكَ نِعْمَةُ الْجَبَّارِ وَسُنَّ فِيهِ بِالثَّلَاثِ الْأَكْلُ وَجَوْدَةُ الْمَصْغِ وَذَاكَ فَضْلُ وَبَعْدَهُ فَيَلْعَقُ الْأَصَابِعَا وَلْيَحْتَمِلْ عَلَى الشِّمَالِ رَابِعَا
(1) الحشف: رديء التمر.
کا
(2) قوله: «وشن فيه بالثلاث .... إلخ» إعلم أن آداب الأكل تجري مجرى العرف في كل بلد. وما ورد فيها عن السنة فمن المستحبات، فمثلًا يوجد من الآداب الواردة في السنة في بلادنا المغرب؛ وفي أنحاء جزيرة العرب وغيرها من أقطار الإسلام ما جرى استعماله واعتياده؛ كالأكل باليد حتى صار كالعادة، إذا خالفها المرء كان محط انتقاد، وفي أقطار أخرى كمصر وتونس وغيرهما من الأقطار الإسلامية أيضًا يُعَدُّ ذلك من قبيل حطة النفس وما يزدرى، لأنهم لم يعتادوا إلا الأكل بالمعالق وما يشاكلها، ولم يكن من المروءة والعدالة أن يضع العاقل نفسه موضع الهزء والاحتقار، بل لا يجوز هذا شرعًا، لأن التجميل واجب، وليس أجمل من التجمل بالصفات الحسنة، والآداب المرعية في كل مكان ما لم يقصد المرء إلى مخالفة السنة؛ فإن ذلك يصل به إلى الكفران والعياذ بالله تعالى فتنبه. (أبو إسحاق) (2/347)
صفحة 957
بَابُ الْأَكْلِ وَالتُّرْبِ
الجزء الرابع
347
وَعِنْدَهُ فَيُكْرَهُ اتِّكَاهُ إِنْ كَانَ يَتَّكِي عَلَى يُسْرَاهُ لِأَنَّهُ مِنْ عَمَلِ الْجَبَابِرَهُ فَجَانِبَنَّ فِعْلَهُمْ وَحَاذِرَهُ وَقِيلَ مِنْ بَعْدِ الْغَدَا تَمَدَّدُوا لَكِنَّكُمْ بَعْدَ الْعَشَا تَرَدَّدُوا وَالْمَكْرُمَاتُ الْأَكْلُ مِنْ قُدَّامِهِ وَالْغُسْلُ لِلْيَدَيْنِ مِنْ أَحْكَامِهِ
(2)
وَالِإِلْتَفَاتَ لِلْجَلِيسِ يُقْصِرُ ثُمَّ اللُّقَيْمَاتِ لَهَا يُصَفِّرُ فَصَفِّرِ اللُّقْمَةَ حِينَ تَأْكُلُ وَطَوّلِ الْمَصْغَ فَذَاكَ أَجْمَلُ وَالْأَكلُ بِالْيَمِينِ لَا تَنْسَاهُ فَقَدْ نَهَى أَنْ تَأكُلَنْ يُسْرَاهُ وَالنَّفْخُ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ يُكْرَهُ لَيْسَ ذَا مِنَ الْآدَابِ وَفِي الرُّقِي (3) وَالنَّفْخُ فِي الصَّلاةِ يَنْقُضُهَا بِالْعَمْدِ حِينَ يَاتِي وَيُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ قَبْلَهُ لِمَا قِيلَ بَأَنَّ ذَاكَ يَنْفِي اللَّمَمَا) وَبَعْدَهُ قَدْ قِيلَ يَنْفِي الْفَقْرَا وَاظِبْ عَلَيْهَا وَاتَّخِذْهَا ذُخْرَا وَلَمَمٌ قِيلَ هُوَ الْجُنُونُ وَقِيلَ بَلْ صَغَائِرٌ تَكُونُ الطَّعَامِ مَا الْتَقَتْ عَلَيْهِ أَيْدِي الْوَرَى وَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ رُوِي لَنَا أَنَّ أَنَاسًا الْتَجَوْا إِلَى النَّبِي جُوعًا إِلَيْهِ قَدْ شَكَوْا
خَيْرُ
(1) قوله: «مِنْ قُدَّامِهِ»، أي: من أمامه.
(2) قوله: «يُقْصِرُ»، أي: لا يكثر النظر والالتفات إلى الذي يأكل معه لئلا يُخْجله.
(3) قوله: «وَفِي الرُّقي» جمع رقية وهي ما يرقى به من القرآن، أو شيء من أسماء الله تعالى، ومعناه: أن النفخ في الرقي مكروه، كما يكره في الطعام، وأما في الصلاة فيحرم على العمد.
(4) قوله: «اللَّمَمَ» المرادُ بِاللَّمَم هنا الجنون. (2/348)
صفحة 958
348
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
قَالَ لَهُمْ عَلَى الطَّعَامِ اجْتَمِعُوا فَفَعَلُوا لِأَمْرِهِ وَشَبِعُوا لَا تُسْرِفُوا فِي الْأَكْلِ وَالشَّرَابِ فَعَنْهُ جَاءَ النَّهْيُ فِي الْكِتَابِ وَقَدْ نَهَى الرَّسُولُ أَيْضًا عَنْهُ وَمَا نَهَاكَ عَنْهُ فَاحْذَرَنْهُ بُطُونَكُمْ لَا تَجْعَلُوهَا أَوْعِيَهْ خَوْفًا عَلَيْهَا أَنْ تَسِيلَ أَوْدِيَهْ وَقَدْ رُوِي فِيمَا أَتَى فِي الْبِطْنَهُ بَأَنَّهَا تُذْهِبُ مِنْهُ الفِطْنَة أَضَرُّ مَا فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ بَشْمَتُهُ) فَاحْذَرْ عَلَى الْأَبْدَانِ لَوْ سُئِلَ الْأَمْوَاتُ قَالُوا كُلُّهُمْ مِنْ بَشْمَةِ الْبُطُونِ كَانَ قَتْلُهُمْ) وَإِنَّمَا الْإِسْرَافُ مَا قَدْ زَادَا عَنْ شِبَعِ فَحَاذِرِ ازْدِيَادَا أَتَدْرِي أَنْتَ مَا يُكَنَّى (3) الشِّبَعُ يُكْنَى أَبَا الْكُفْرِ عَلَيْهِ اجْتَمَعُوا يُمِيتُ قَلْبَهُ فَتَقْوَى شَهْوَتُهُ فَتَبْطَرُ النَّفْسُ فَتَنْمُو) غَفْلَتُهُ وَالْأَكْلُ فِي السُّوقِ دَنَاءَةٌ وَلَا بَأْسَ بِهِ فِي سَاتِرٍ إِنْ حَصَلَا وَذَاكَ أَنْ يَكُونَ فِي حَانُوتِ فَإِنَّهُ يَكُونُ كَالْبُيُوتِ إذِ الْمُرَادُ الإِسْتِتَارُ فَحَصَلْ إِنْ كَانَ فِي الْحَانُوتِ عَنْهُمْ قَدْ دَخَلْ مِنَ الْجَفَا أَنْ يَأْكُلَ الإِنْسَانُ مَعْ ضَيْفِهِ إِنْ حَصَلَ الْإِمْكَانُ
(1) البشمة:
هي
التخمة. اهـ. (المصنف)
(2) قوله: «قتلهم»، أي: موتهم.
(3) قوله: «يُكْنى» بالتخفيف، أي: يكنى بالتشديد، والكنية ما كان بأب وأُمّ نحو: أبو الفضل وأم
الحارث.
(4) قوله «فتنموا» أي تزيد من النماء، وهو الزيادة. (2/349)
صفحة 959
بَابُ الْأَكْلِ وَالتُّرْبِ
الجزء الرابع
349
إِلَّا إِذَا كَانَ الَّذِي قَدْ ضَيَّفَا مِنَ الْمُلُوكِ وَالرِّجَالِ الشُّرَفَا وَكَانَ مِنْهُ صَاحِبُ الطَّعَامِ أَدْنَى فَلَا بَأْسَ بِذِي الْمَقَامِ لأَنَّمَا الضَّيْفُ هُنَا لَا يَخْجَلُ وَغَيْرُهُ قَدْ يَسْتَحِي إِذْ يَأْكُلُ وَصَاحِبُ الْمَنْزِلِ لِلْخِدْمَةِ لَا لِغَيْرِهَا يَأْكُلُ حِينَ أَكَلَا وَلَا تُنَاوِلْ بَعضَ مَنْ أَضَفْتَا وَتَتْرُكِ الْبَعْضَ إِذَا قَدَرْتَا وَلَا تُنَاجِي بَعْضَهُمْ عَنْ بَعْضٍ فَإِنَّهُ مِنَ الْجَفَا وَالْبُغْضِ وَصَاحِبُ الْمَنْزِلِ يَخْدُمَنَّا (3) لِلصَّيْفِ وَالْعَكْسُ فَيُكْرَهَنَّا لَا تَشْرَبَن مِنْ عُرْوَةِ الْكَوْنِ وَلَا مِنْ ثُلْمَةٍ فِي قَدَحٍ تَخَلْخَلَا فَإِنَّهُ يَقْعُدُ شَيْطَانٌ بِهِ (4) فَيَرْصُدُ الْإِنْسَانَ عِنْدَ شُرْبِهِ قَدْ قِيلَ لَوْ سَمَّى فَلَا يَنْفَعُهُ لأَجْلِ هَذَا الْحَالِ لَا يَمْنَعُهُ وَلَا تَنَفَّسْ فِي الْإِنَا لَكِنْ أَبِنْ عَنْكَ الْإِنَا وَبَعْدَ ذَا تَنَفَّسَنْ وَمَصُّكَ الْمَاءَ فَيُسْتَحَبُّ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ فِيهِ الْعَبُّ
(1) قوله: «ضَيَّفَا»، أي إلا أن يكون الذي ضيَّفه مَلِكًا أو أميرًا ويصح بناؤه على المفعول. (2) قوله: «وصاحب المنزل .... إلخ»، يعني: أن من حق من كان مستأجرًا في المنزل لخدمة أهل المنزل أو لخدمة الضيفان أن يأكل من بعد أكل الضيف إذا كان مجعولًا للخدمة لا لغيرها. (3) قوله: «يَخْدُ مَنَّا»، يعني: أن صاحب المنزل أحق بخدمة ضيفه وأن خدمة الضيف لصاحب المنزل مما يكره، لأنها ليست من المروءة، ولا من مكارم الرجال، إلا أن يكون الضيف من خواص صاحب المنزل ودونه في الرتبة. (4) قوله: «فَإِنَّهُ يَقْعُدُ شَيْطَانٌ بِهِ» قلت: إن هذا ومثله إنما هو كناية عن ارتكاب الأمور المكروهة التي يعد فعلها وارتكابها من طاعة، الشيطان، ولا يلزم من ذلك أن يكون المراد حقيقة القعود قال الله تعالى في ضد ذلك: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115]. (2/350)
صفحة 960
350
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
فَعَبُّهُ يُورِثُ ضِيقَ النَّفَس وَذَاكَ مِنْ أَشَقُّ دَاءِ الْأَنْفُسِ وَالشُّرْبُ قَائِمًا يُكَرَّهَنَّا جَانِبُهُ إِلَّا لِاضْطِرَارٍ عَنَّا وَالشُّرْبُ مِنْ فَمِ السِّقَا مَكْرُوهُ لِحَالَةِ الْإِشْفَاقِ فَاتْرُكُوهُ فَصَبُّهُ إِنْ شِئْتَ فِي إِنَاءِ أَوْ كَفِّكَ الدَّافِعُ ضُرَّ الدَّاءِ وَالصُّفْرُ والزُّجَاجُ وَالنُّحَاسُ فَلَيْسَ فِي الشُّرْبِ بِهِنَّ بَاسُ لَكِنْ لِأَجْلِ الطِّبِّ يُكْرَهَنَّا شُرْبُ النُّحَاسِ فَافْهَمَنَّ الْمَعْنِى وَأَطْيَبُ الشَّرَابِ بَلْ أَهْنَاهُ فِي الطَّينِ إِنْ أَمْكَنَنَا إِنَاهُ (1) وَقَدْ نُهِي عَنْ ذَاكَ فِي اللُّجَيْنِ وَالذَّهَبِ الْمَعْرُوفِ بِاسْمِ الْعَيْنِ وَذَا مَحَرَّمٌ بِلَا خِلافِ لأنهُ مِنْ صِفَةِ الْإِسْرَافِ مَنْ يَشْرَبَنْ فِيهِ يُجَرْ جَرَنَّا نَارَ جَهَنَّمِ بِهِ اعْلَمَنَّا جَاءَ عَنِ الْمُخْتَارِ هَذَا الْمَعْنَى وَذَاكَ بِالتَّغْلِيطِ يُشْعِرَنَّا وَالْأَكْلُ مِثْلُهُ وَفِيهِ خَبَرُ أَيضًا فَلَا يَسُوغُ فِيهِ النَّظَرُ فَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ عَلَى سَوَاءِ مُحَرَّمُ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ فَقَوْلُ مَنْ قَالَ بِحِلَّ الْأَكْلِ فِيهِ أَرَاهُ دَاخِلًا فِي الْبُطْلِ بَلِ التَّأَنِّي نَفْسُهُ مَمْنُوعُ لِأَنَّمَا ذَلِكُمُ تَصْبِيعُ
(1) قوله: «إِنْ أَمْكَنَنَا»، أي: حضرنا إناء الطين. (2) يجرجرنا: أي: يصبن، وهذا عقد حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أكل أو شرب في إناء من ذهب أو فضة فكأنما يجرجر في جوفه نار جهنم» رواه الربيع وغيره. (2/351)
صفحة 961
بَابُ الطَّب
الجزء الرابع
351
إِذْ جَعَلَ اللهُ اللُّجَيْنَ وَالذَّهَبْ وَسِيلَةٌ لَنَا لِنَقْضِيَ الْأَرَبْ نَدْفَعُهُنَّ فِي حَوَائِجِ الدُّنَا وَفِي حَوَائِجِ لَنَا بَعْدَ الْفَنَا وَجَعْلُهُ آنِيَةً خِلَافُ مَا قَدْ شَرَعَ اللهُ وَمَا قَدْ حَكَمَا وَذِي الدُّنَا جَنَّةُ مَنْ قَدْ جَهِلَا وَزُخْرُفُ الدُّنْيَا لَهُ قَدْ عُجِّلَا وَاللهُ قَدْ أَرَادَ أَنْ يُعَذِّبَا بِهِ فَتًى لَمْ يَعْرِفِ الْمُنْقَلَبًا فَلَا تَكُنْ مِمنْ إِلَيهِ عُجِّلَا لَذَّاتُهُ وَحُرِمَ الْمُؤَجَّلَا فَكُلُّ مَا فِيهَا غُرُورٌ بَاطِلُ وَهُوَ لَعَمْرِي عَنْ قَرِيبٍ زَائِلُ
بَابَ الطَّب
مَنْ أَنْزَلَ الدَّاءَ عَلَى الْأَجْسَامِ قَدْ أَنْزَلَ الدَّوَاءَ لِلْأَنَامِ وَكُلُّ دَاءٍ فَلَهُ دَوَاءُ إِلَّا الْمَمَاتَ وَهُوَ الْفَنَاءُ فَإِنَّمَا الْإِلَهُ قَدْ قَضَاهُ وَلَا يُرَدُّ إِنْ أَتَى قَضَاهُ وَيَلْزَمُ الْمَرَيضَ أَنْ يَجْتَنِبَا مَا خَافَ ضُرَّهُ إِذَا مَا رَكِبَا لَا سِيَّمَا إِنْ خَالَفَ الطَّبِيعَة لِأَنَّ فِي الْأَكْلِ لَهُ تَضْيِيعَهُ وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَحَرِّي صَلَاحِهِ وَقْتَ الشَّتَا وَالْحَرِّ وَالْمَرْءُ نَاظِرُ لِنَفْسِهِ فَمَا يَرَاهُ ضُرًّا فَعَلَيْهَ حَرُمَا فَمَعْدَةُ الْإِنْسَانِ بَيْتُ الدَّاءِ رَأْسُ الدَّوا الْتِزَامُ الاحْتِمَاءِ
(1) قوله: «به»، أي: بزخرف الدنيا. (2/352)
صفحة 962
352
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
بِهِ مُرُوتَهُ
وَمَنْ أَمَاتَ يَا أُخَيَّ شَهْوَتَهُ فَمَوْتُهَا أَحْيَا وَكُلُّ جِسْمِ فَاعْطِهِ) مَا اعْتَادَا فَعَادَةُ الْأَجْسَامِ أَمْرٌ زَادَا
قَدْ قِيلَ فِي الْأَمْثَالِ إِنَّ الْعَادَهُ طَبِيعَةٌ يَلْقَى بِهَا مُرَادَهُ وَالتُّخْمَاتٌ (2) دَاؤُهَا مَوْجُودُ لَكِنَّمَا دَوَاؤُهَا مَفْقُودُ وَالصَّدَقَاتُ لِلْفَتَى دَوَاءُ بِدَفْعِهَا يَنْدَفِعُ الْبَلَاءُ قَالَ النَّبِيُّ عَالِجُوا مَرْضَاكُمُ بِالصَّدَقَاتِ هَكَذَا أَوْصَاكُمُ وَأَبْرِدُوا (3) حَرَارَةَ الْحُمَّى بِمَا فَإِنَّهَا تَفُوحُ مِنْ جَهَنَّمَا وَقِيلَ حُمَّى سَاعَةٍ تُكَفِّرُ ذُنُوبَ شَهْرٍ ذَاكَ حِينَ يَصِيرُ وَقِيلَ تَكْفِيرُ ذُنُوبِ سَنَةِ حُمَّاءُ يَوْمٍ قَدْ أَتَى أَوْ لَيْلَةِ وَجَائِزٌ إِنْ أَخْبَرَ الْعَلِيلُ أَنْ قَدْ عَنَاهُ مَرَضٌ ثَقِيلُ إِنْ لَمْ يُرِدْ شِكَايَةً وَإِنَّمَا أَرَادَ مَعْنًى جَازَ أَوْ مَا لَزِمَا والْفَضْلُ أَن يَسْتُرَهُ إِنْ قَدَرَا إِنْ لَمْ يَخَفْ مِنْ سِتْرِ ذَاكَ ضَرَرَا وَقِيلَ مَنْ عَادَ مَرِيضًا نَزَلا فِي غُرَفِ الْجَنَّةِ حِينَ انْتَقَلَا وَقَالَ مَوْلَاهُ لَهُ قَدْ طِبْنَا وَطَابَ مَمْشَاكَ وَمَا قَصَدْتًا
(1) قوله: «فَاعْطِهِ» بإسقاط حركة ألف الفعل لأجل إقامة الوزن، وهذا جائز في الشعر كما في قوله: أَلَا ابْلِغْ قُضَاعَةَ إِنْ جِئْتَهُمْ وَخُصَّ سَرَاةَ بَنِي سَاعِدَهُ
(2) التخمات:
هو
جمع
تخمة
التخمة. (أبو إسحاق)
وهي
استثقال الطعام في البطن، وعدم استمرائه، ومن التخمة ينشأ أو
(3) قوله: «وأبردوا قلت: هذا لا يتفق إلا في البلاد الحارة نحو جزيرة العرب وما ماثلها، ولا
يناسب إلا الجسم القوي في غير فصل الشتاء، اللهم إلا إذا كان في امتثال أمر النبي خاصية تخالف أوهام غيره من الناس، كما في حديث أمره أن يسقي المبطون العسل. (2/353)
صفحة 963
بَابُ الرِّزْقِ
الجزء الرابع
353
بَابُ الرِّزْقِ
وَقِيلَ مِنْ خَالِقِنَا الْمَعُونَهُ نَازِلَةٌ بِقَدَرِ الْمَؤُونَهُ وَقدْ رُوِي خَزائِنُ الْأَرْزَاقِ مَكْنُونَةٌ فِي سَعَةِ الْأَخْلَاقِ مَا ادَّخَرَ الْإِنْسَانُ مِنْ دُنْيَاهُ لِدَهْرِهِ سَأَلَهُ إِيَّاهُ وَكُلُّ مَا عَنْهُ تَغَانَا اللَّهُ (1) لَا شَكَ يَرْزُقَنَّهُ سِوَاهُ وَهْوَ مُقَدَّرُ مِنَ الْوَهَّابِ بِالْكَسْبِ أَوْ بِغَيْرِ الْإِكْتِسَابِ فَالْإِرْثُ يَأْتِي دُونَ كَسْبٍ وَالْهِبَهُ كَذَا الْوَصَايَا لَمْ تَكُنْ مُكْتَسَبَهْ فَمَنْ غَدَا يَظُنُّ إِنْ لَمْ يَعْمَلِ لَمْ تَأْتِهِ أَرْزَاقُهُ عَنْ كَمُل) فَإِنَّهُ قَدْ ظَنَّ مَا لَا يَسَعُ وَالْخَلْقُ عَنْ أَرْزَاقِهِمْ لَمْ يُمْنَعُوا وَالرِّزْقُ مَقْسُومٌ عَلَى الْجَمِيعِ مِنْ كَافِرٍ وَمُسْلِمٍ مُطِيعِ كُلٌّ يَنَالُ مَالَهُ قَدْ قُدِّرَا مِنْ رِزْقِهِ سُبْحَانَهُ مَنْ قَدَّرَا وَاعْلَمْ بَأَنَّ الرِّزْقَ بِالتَّقْدِيرِ مِنَ الْإِلَهِ لَيْسَ بِالتَّدْبِيرِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِالْأَسْبَابِ بَلْ إِنَّهُ أَمْرٌ مِنَ الْوَهَّابِ لِقَوْلِهِ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَإِنَّهُ حَقٌّ كَمِثْلِ نُطْقِكُمْ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَن يَهْرُبَا مِنْ رِزْقِهِ حِينَ لَهُ قَدْ طَلَبَا وَأَنَّهُ يُدْرِكُهُ كَمِثْلِ مَا يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ إِذَا مَا هَجَمَا
(1) قوله: «وكل ما عنه تغانا .... إلخ»، يعني أن كل ما فضل من رزق الإنسان عن حاجته واستغنى عنه فهو صائر إلى غيره من الورثة والله مبتدأ، ويرزقنه سواه خبره. () لغة في كَمَال. إسماعيل) (2/354)
صفحة 964
354
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَاللَّهُ رَبِّي قَسَمَ الْأَرْزَاقَا كَمِثْلِ مَا قَدْ قَسَمَ الْأَخْلَاقَا فَالرِّزْقُ بِالْقِسْمَةِ لَا بِالْجُهْدِ قَسَمَهَا الفَرْدُ الْمُعِيدُ الْمُبْدِي قُلْتُ وَهَذَا نَظَرٌ مِنْهَ إِلَى أَصْلِ الَّذِي قَدْ كَانَ رَبِّي جَعَلَا وَالْكَسْبُ مَأْمُورٌ بِهِ وَهُوَ سَبَبْ إِذْ بَعْضُ رِزْقِهِ يَكُونُ مُكْتَسَبْ مِنْ هَاهُنَا قَدْ فُرِضَ الْكَسْبُ فَمَنْ لَمْ يَكْتَسِبْ مُضَيِّعٌ مَا يَلْزَمَنْ فَالرِّزْقُ بِالتَّقْدِيرِ لَكِنْ قُدِّرَا بَقَاؤُهُ لِلْعَبْدِ أَنْ يُدَبِّرَا فَالْيُسْرُ مِنْهُ قِلَّةُ الْعِيَالِ إِذِ الْعِيَالُ قِيلَ سُوسُ الْمَالِ فَأَحَدُ الْيُسْرَيْنِ ذَاكَ وَالْغِنَى ثَانِيهِمَا وَالِاقْتِصَادُ صَوَّنَا (1) فَكُلُّ بَيْتٍ لَيْسَ فِيهِ تَمْرُ فِي أَرْضِنَا فَالْجُوعُ فِيهِمْ يَعْرُو لِأَنَّهُ يُحْضَرُ لِلْمُحْتَاج حَالًا بِلَا طَبْحْ وَلَا عِلَاجٍ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ يُؤْصَفُ فَبِالْحَرَامِ رِزْقُهُ لَا يُوصَفُ نَعْلَمُ أَنْ لَا رَازِقٌ سِوَاهُ لَكِنَّهَا تَقَدَّسَتْ أَسْمَاهُ فَلَا يُقَالُ رَازِقُ الْحَرَامِ لَكِنْ يُقَالُ رَازِقُ الْأَنَامِ وَقِيلَ مَنْ كَانَ لَهُ طَعَامُ يَكْفِيهِ شَهْرًا وَبِهِ اهْتِمَامُ إِنْ كَانَ مُهْتَمَّا بِأَنْ لَا يَرْزُقَهُ خَالِقُهُ فَإِنَّهُ مَا أَحْمَقَهُ وَإِنْ يَكُنْ فِي طَلَبِ الْمَعَاشِ لَا بَأْسَ إِذْ ذَلِكَ أَمْرٌ فَاشِي
(1) قوله: «صَوَّنَا» بالتشديد والبناء للفاعل وفاعله ضمير يعود إلى الاقتصاد. والمعنى: الاقتصاد صون المال، أي: حفظه من الذهاب بخلاف التبذير فإنه سبب لذهاب المال. اهـ. (المصنف) (2/355)
صفحة 965
بَابُ الرِّزْقِ
الجزء الرابع
355
مَنْ أَظْهَرَ الْحَاجَةَ أَوْ أَبْدَاهَا إِلَى الْوَرَى لَمْ يَسْتَطِعْ إِخْفَاهَا فَلَا يَكُونُ سَاخِطًا لِرِزْقِهِ إِنْ لَمْ تَكُنْ شِكَايَةً لِخَلْقِهِ (1) مَنْ أُلْبِسَ النِّعْمَةَ فَضْلًا يُكْثِرُ حَمْدًا وَمَنْ بُلِي بِفَقْرٍ يَصْبِرُ وَهَكَذَا قَدْ قِيلَ مَنْ أُهِمَّا يَسْتَغْفِرُ الرَّحْمَنَ يُكْفَى الْهَمَّا وَمَنْ عَلَيْهِ رِزْقُهُ قَدْ أَبْطَا يُحَوْقِلَنَّ (2) دَائِمًا فَيُعْطَى وَقِيلَ خَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ الْقَانِعُ وَشَرُّهُمْ فِيمَا يُقَالُ الطَّامِعُ وَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَعِزَّ فَاقْنَع وَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَذِلَّ فَاطْمَع وَقَدْ يُقَالُ أَفْضَلُ الْبِضَاعَهُ لَا شَكٍّ فِيهَا أَنَّهَا الْقَنَاعَهُ وَمَنْ يَكُنْ أَعْطَاهُ رَبِّي رِزْقًا عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهُ الْحَقَّا (3) يَحْفَظُهُ وَلَا يُضِيَّعَنَّا لِأَنَّمَا التَّصْيِيعُ يَحْرُمَنَّا فَلَا يَجُوزُ لِفَتِّى أَنْ يَتْرُكَا (4) مَالًا لَهُ بِغَلَّةٍ قَدْ أَدْرَكَا عَنْ هَاشِمٍ لَا تُطْعِمِ الْحَمِيرَ خُبْزًا بَل أَطْعِمَنَّهُ فَقِيرَا
(0)
(1) قوله: «الخلقه»، أي لخلق الله تعالى. والمعنى: أن إظهار الحاجة من غير سَخَطِ لخلق الله، ولا شكاية من الله فلا بأس به ـ اهـ. (المصنف)
(2) قوله: «يُحَوْقِلَنَّ»، أي: يكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
(3) قوله: «الحقا»، أي: حق الزكاة والصدقة.
(4) قوله: «أن يتركا»، أي: لا يجوز لأحد أن يهمل حصاد غلة نخيله وأشجاره ولو استغنى عنها، لأن تركها وإهمالها إضاعة للمال وإضاعته حرام.
(5) قوله: «عن هاشم» هو الشيخ العالم الجليل هاشم ابن غيلان السَيجَاني نسبة إلى بلد «سيجا»
من أعمال سمائل. (2/356)
صفحة 966
356
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَقِيلَ بَلْ يَجُوزُ حَيثُ كَانَا غَيْرَ مُضَيِّعِ لَهُ عِيَانَا وَالْغُسْلُ لِلْيَدَيْنِ بِالتَّمْرِ مُنِعْ لِأَنَّهُ مِنَ الصَّيَاعِ الْمُمْتَنِعْ كَذَاكَ جَعْلُهُ لأَجْل ضُرٍّ فِي جَسَدٍ يُقَالُ نَوْعُ حِجْرِ وَلَيْسَ ذَا مِنَ الصَّبَاعِ فَادْرِ لِأَنَّهِ أُرِيدَ دَفْعُ الضُّرّ وَبَذْلُهُ فِي حَقِّهِ سَخَاءُ بِهِ يَحِلُّ لِلْفَتَى الثَّنَاءُ وَمَنْعُهُ بُخْلُ فَمْنَ قَدْ مَنَعَا يَكُونُ مَذْمُومًا لَدَى مَنْ سَمِعَا عَلَى السَّخَا قَدْ حَتَّنَا الرَّسُولُ وَهْوَ بِهِ مُتَّصِفٌ مَأْمُولُ لَمْ يُسْأَلِ الْمُخْتَارُ شَيْئًا أَبَدَا فَقَالَ لَا يُرِيدُ أَنْ لَا يَرْفِدَا وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا قَدْ زَلَّا عَلَيْهِ رَبُّنَا الْكَرِيمُ صَلَّى فَلَا تَكُنْ مَصَادِقًا بَخِيلَا لَوْ مَلَكَ الْأَشْجَارَ وَالنَّخِيلَا وَالنَّاسُ خُلَّانُ أَخِي الْكَرَامَهُ وَكُلُّهُمْ يَسْتَمِعُوا كَلَامَهُ أَمَّا الْبَخِيلُ فَهُوَ النَّمِيمُ يُبْغِضُهُ الْأَبْعَدُ وَالْحَمِيمُ) مَوْتُ الْفَتَى عَنِ ابْنِهِ أَهْوَنُ مِنْ سُؤَالِهِ الْبَخِيلَ شَيْئًا فَاحْذَرَنْ لمَّا رَأَيْتُ الْبُخْلَ يَزْرِي بَالرَّجُلُ أَكْرَمْتُ نَفْسِي أَنْ يُقَالَ قَدْ بَخِلْ (2)
(1) الحميم: القريب.
(2) هذا البيت مأخوذ من قول القائل:
وَإِنِي رَأَيْتُ الْبُخْلَ يُزْرِي بِأَهْلِهِ فَأَكْرَمْتُ نَفْسِي أَنْ يُقَالَ بَخِيلُ (2/357)
صفحة 967
بَابُ حَقِّ الْوَالِدَيْنِ
الجزء الرابع
357
بَابَ حَقُّ الْوَالِدَيْنِ
لِلْوَالِدَيْن يَلْزَمَنَّ حَقٌّ وَيَحْرُمَنْ أَذَاهُمَا وَالْعَقُ فَقَدْ نَهَاكَ عَن مَقَالِ أُفٍّ رَبُّ الْعُلَى فَسَارِعَنْ لِلْكَفِّ وَهُوَ كِنَابِةٌ تَكُونُ عَنْ أَقَلْ أَذَاهُمَا فَكَيْفَ بِالْأَذَى الْأَجَلْ صَاحِبُهُمَا مَا عِشْتَ بِالْمَعْرُوفِ تَنَلْ بِهِ الْفَضْلَ مِنَ الرَّؤُوفِ وَقُلْ إِلَهِي ارْحَمْهُمَا كَمِثْلِ مَا قَدْ رَبَّيَانِي وَصِلَنْ وَأَكْرِمَا
(*)
أَطِعْهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي كُفْرِ فَطَاعَةُ الْإِلَهِ أَوْلَى فَادْرِ وَقَدْ مَضَى مَالَهُمَا مِنْ حَقٌّ فِي مَالِ مَنْ قَدْ رَبَّيَا بِحَقِّ وَقِيلَ إِنَّ صِفَةَ الْعُقُوقِ مَنْعُهُمَا عَنْ سَائِرِ الْحُقُوقِ وَأَصْلُهُ الشَّقُ يَقُالُ عَمَّا ثِيَابَهُ مَتَى لَهَا قَدْ شَقًا قُلْتُ وَهَذَا الْأَصْلُ يَقْضِي إِنَّمَا مَعْنَى الْعُقُوقِ فِعْلُ مَا قَدْ حُرِّمَا وَهْوَ الْأَذَى أَوِ الْجَفَا فَمَنْ جَفَا فَبِالْعُقُوقِ وَصْفُهُ قَدْ عُرِفا وَدَعْوَةَ الْوَالِدِ فَاحْذَرُوهَا أَمْضَى مِنَ السَّيْفِ يُقَدِّرُوهَا وَدَعْوَةُ الْأُمِّ تَكُونُ أَسْرَعَا إِجَابَةً فَحَاذِرَنْ وَقْعَ الدُّعَا وَمَنْ يَكُنْ قَدْ عَقَّ حَتَّى مَانَا وَالِدُهُ فَأَمْرُهُ قَدْ فَاتَا لَكِنَّهُ يَسْتَغْفِرُ الرَّحْمَانَا وَيَنْدَمَنَّ فِي الَّذِي قَدْ كَانَا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبَرَّ خَالَتَهُ وَعَمَّهُ لِيُصْلِحَنَّ حَالَتَهُ
(*) بحذف الياء في قراءة (إلهي). (إسماعيل) (2/358)
صفحة 968
358
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
بَابُ حَقٌّ الرَّحِمِ
وَإِنَّ لِلْأَرْحَامِ حَقًّا وَجَبَا قَامَ بِهِ مِنَ الرِّجَالِ النُّجَبَا طُوبَى لِمَنْ للَّهِ أَدَّى الْفَرْضَا وَأَقْرَضَ اللَّهَ الْعَظِيمَ قَرْضَا وَصِلَةُ الْأَرْحَامِ جَاءَ فِيهَا مِنَ الْهُدَى مَا يَقْتَضِي التَّنْبِيهَا لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ قَدْ قَطَعَا رَحِمَهُ كَذَا لَنَا قَدْ رُفِعَا وَهُوَ الَّذِي قَدْ يَلْتَقِي فِي النَّسَبِ بِهِ مِنَ الْأُمِّ وَمِنْ نَحْوِ الْأَبِ لِسَبْعَةِ الْأَجْدَادِ أَوْ لِخَمْسَةِ وَقِيلَ لَا يُحَدُّ بِالتَسْمِيَةِ مَا عَلِمُوهُمْ فَهُمُ الْأَرْحَامُ إِلَّا الَّذِي فَارَقَهُ الْإِسْلَامُ فَالشِّرْكُ قَاطِعٌ حُقُوقَ الرَّحِمِ وَكُلُّ حَقٌّ وَاجِبِ لِمُسْلِمِ وَمَا عَلَى مَنْ جَهِلَ الأَرْحَامَا أَنْ يَسْأَلُنَّ عَنْهُمُ الْأَنَامَا وَسَامِعُ وَالِدَهُ يَقُولُ أَنَّ فُلَانًا رَحِمِي الْمَوْصُولُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْبَلَ الْمَقَالَهُ وَيَصِلَنَّهُ لِهَذِي الْحَالَهُ وَهَكَذَا وَصِيَّةُ الْأَقَارِبِ يَأْخُذُ مِنْهَا مَالَهَا بِالْوَاجِبِ وَتَلْزَمُ النِّسَاءَ إِلَّا إِنْ مَنَعْ أَزْوَاجُهَا فَهَاهُنَا الْعُذْرُ وَقَعْ لِأَنَّ أَمْرَ الزَّوْجِ فَرْضٌ حَاضِرُ وَهْوَ مُقَدَّمٌ فَلَا يُكَابَرُ فَإِنْ نَوَى وَصْلَهُمُ بِالْقَلْبِ فَفِي اجْتِزَائِهِ اخْتِلَافُ الصَّحْبِ
(1) قوله: وَتَلْزَمُ النِّسَاءَ»، أي صلة الأرحام إلا إذا منعهن أزواجهن. (2/359)
صفحة 969
بَابُ حَقِّ الْجَارِ
الجزء الرابع
359
فَقِيلَ يُجْزِيهِ وَبَعْضُ قَالَ لَا يُجْزِيهِ إِلَّا إِنْ يَكُنْ قَدْ وَصَلَا يَصِلْهُمْ بِمَالِهِ وَحِسْمِهِ وَخُلْقِهِ الزَّاكِي وَصَافِي حِلْمِهِ يَصِلْهُمْ فِيمَا لَهُم أَسَرًا وَفِي الَّذِي كَانَ لَهُمْ أَضَرًا فَفِي الْمُصَابِ يَقْصِدَنَّ التَّعْزِيَهُ وَيَقْصِدَنْ حَالَ السُّرُورِ التَّهْنِيَهْ وَصِلَةُ الْأَرْحَامِ بِالْهَدَايَا أَفْضَلُهَا قَدْ قِيلَ وَالْعَطَايَا وَإِنَّمَا أَقَلُّهَا السَّلَامُ وَمَنْ لَهُ الْعُذْرُ فَلَا يُلَامُ وَصِلَةُ الْمَجْنُونِ دَفْعُ الضَّرَرِ فَإِنْ يُفِقٌ فَمِثْلُ بَاقِي الْبَشَرِ وَقَاطِعُ أَرْحَامَهُ إِنْ رَجَعَا فَقِيلَ يَسْتَحِلُّ (2) مَنْ قَدْ قَطَعَا وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْتَحِلْ إِذْ ذَاكَ حَقٌّ لِلْإِلَهِ قَدْ نَزَلْ وَالثَّوْبُ كَافٍ فِيهِ دُونَ الْحِلِّ وَالْخُلْفُ فِي الْوُجُوبِ لَا فِي النَّفْلِ
بَابُ حَقِّ الْجَارِ
وَصِلَةُ الْجِيرَانِ كَالْأَرْحَامِ لَازِمَةٌ لِجُمْلَةِ الْأَنَامِ وَحَدُّهُ (3) قَدْ قِيلَ أَرْبَعُونَا بَيْتًا كَذَا أَشْيَاخُنَا يَرْوُونَا وَحَدُّهُ فِي الْبَدْوِ بِاقْتِبَاسِ نَارِهِمْ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ
(1) قوله: «فإن يفق»، أي: من جنونه صار مثل غيره في حق الرحم. (2) قوله: «فقيل يستحل»، أي: قيل عليه أن يطلب منه؛ أي: ممن وقيل، بل تجزيه التوبة.
(3) وفي نسخة: «وحدها».
قطعه من أرحامه الحل والرضى، (2/360)
صفحة 970
360
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَلَيْسَ حَقُّ الْجَارِ أَنْ تَكُفَّا عَنْهُ الْأَذَى وَتَبْسُطَ الْأَكْفَّا بَلْ حَقُّهُ أَنْ تَحْمِلَنْ أَذَاهُ وَتَدْفَعَنْ عَنْهُ الَّذِي آذَاهُ وَقِيلَ مَنْ بِجَارِهِ اسْتَعَانَا فِي جَائِزِ يَلْزَمُ أَنْ يُعَانَا إِنِ اسْتَرَيْتَ طُرَفًا أَسْتَرْهَا وَوَاجِبٌ تُعْطِيهِ إِنْ تُظْهِرْهَا وَهَكَذَا إِذَا طَبَخْتَ قِدْرَا (3) أَنِلْهُ أَوْ فَأَخْفِ ذَاكَ سِرًا وَإِنَّهُ لَا يَسَعُ الإِنْسَانَا أَنْ يَمْنَعَ الْأَرْحَامَ وَالْجِيرَانَا مِنْ نَفْعِ بَيْتِهِ بِغَيْرِ حَقٌّ وَإِنَّمَا الْمَنْعُ لِمُسْتَحَقِّ وَقِيلَ فِيمَن يَصِلَنَّ رَحِمَهُ وَصَلَهُ الْبَارِي بِهِ وَرَحِمَهُ وَهَكَذَا فِيمَنْ أَجَارَ جَارَهُ (3) أَعَانَهُ الْخَالِقُ أَوْ أَجَارَهُ وَقِيلَ جَارُ السُّوءِ يُفْشِي السَّرَّا وَيَهْتِكُ السِّتْرَ وَيُبْدِي الشَّرًا إِنَّ رُكُوبَ الْبَحْرِ خَيْرٌ يُوجَدُ يُوجَدُ مِنْ جَارِ سُوءٍ وَهْوَ مَنْ يُنَكِّدُ وَمَنْ أَذَى فِيمَا يُقَالُ جَارَهُ أَوْرَثَهُ اللهُ الْعَظِيمُ دَارَهُ فَالْتَمِسُوا لِلْجَارِ قَبْلَ الدَّارِ لِتَسْلَمُوا مِنْ عِشْرَةِ الْأَشْرَارِ
(1) قوله: «طرَفًا» والمآكل.
جمع
طرْفَة كغرف في جمع غرفة، والطرفة هو كل ما يستطرف من الفواكه
(2) قوله: «قدرا»، أي: لحمًا أو نحوه مما له قَتَار، أي: رائحة تصل إلى الجار. (3) قوله: «أجار جاره»، أي: أنقذه ممن أراده بسوء وَأَعَانَهُ عليه. (2/361)
صفحة 971
بَابُ السَّلَامِ وَهُوَ مِنْ حُقُوقِ الْإِسْلَامِ
الجزء الرابع
بَابُ السَّلَام وَهُوَ مِنْ حَقُوقِ الْإِسْلام
361
حَقٌّ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُسَلِّمَا عَلَى أَخِيهِ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَا وَهُوَ تَحِيَّةٌ أَتَى الْإِسْلَامُ بِهَا فَلَا يَخْلُفُهَا كَلَامُ) فَلَيْسَ يُغْنِي عَنْهُ قَدْ مَسَّاكَا رَبِّي بِخَيْرٍ أَوْ بِنَحْوِ ذَاكَا فَإِنَّهَا مُحْدَثَةٌ وَالْخَيْرُ فِي مَا قَدْ أَتَى عَنِ النَّبِيِّ الرَّيْفِ وَلَا تَقُلْ لِرَجُلٍ سَلَامُ عَلَيْكَ يَا هَذَا بِهِ تُلَامُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي حُكْمِهِ وَلِيَّا لَكِنْ بِمِيمِ الْجَمْعِ كُنْ سَخَيَّا لأَنَّهُ يَعُمُّ الْمُؤْمِنِينَا إِنْ كَانَ مِنْهُمْ عَمَّهُ يَقِينَا وَلَسْتُ أَدْرِي وَجْهَ هَذَا الْمَنْعِ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مُفْرَدٍ وَجَمْعِ فَإِنَّهُ بِصِيْغَةِ الْجَمْعِ قَصَدْ إِلَى الَّذِي خَاطَبَهُ حِينَ اعْتَقَدْ تَحِيَّةٌ لِذَلِكَ الْمُخَاطَبِ صَارَتْ لَهُ بِحُكْمِ شَرْعٍ وَاجِبِ فَهْوَ بِذَا التَّوْجِيهِ لِلْخِطَابِ يَدْخُلُ فِي الْمَعْنَى بِلَا ارْتِيَابِ وَإِنَّمَا أُحِبَّ لَفْظُ الْجَمْعِ مِنْ وَجْهِ سِوَى هَذَا وَهُوَ مَا يُسَنْ فَيَقْصِدُ الْمُسلِّمُ التَّسْلِيمَا عَلَيْهِ مَعْ مَلَائِكَ تَعْمِيمَا يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ فَانْهَمَنَّا عَلَى الَّذِي لَاقَاهُ يَمْشِيَنَّا كَذَلِكَ الْمَاشِي يُسَلِّمَنَّا عَلَى الَّذِي فِي الْأَرْضِ يَقْعُدَنَّا
(1):قوله فلا يخلفها كلام»، أي لا يعوّض عنها شيء من سائر الكلام. (2/362)
صفحة 972
362
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَالْأَكْثَرُونَ هُمْ يُسَلِّمُونَا عَلَى الْأَقَلَّ الْبَعْضُ يَعْكِسُونَا (1) وَبِالسَّلَامِ يَنْمُو خَيْرُ بَيْتِكَا فَسَلَّمَنْ فِيهِ وَلَوْ لِنَفْسِكَا وَالْعَبْدُ فِي السَّلَامِ مِثْلُ الْحُرِّ كَذَا النِّسَا لِأَجْلِ مَعْنَى الْبِرِّ إِذِ الْجَمِيعُ مُسْلِمُونَ وَاسْتَحَبْ بَعْضُهُمْ عَلَى النِّسَا أَنْ يُجْتَنَبْ (2) إِنْ أَعْرَضَتْ عَنْكَ فَلَا تَسْتَعْرِضِ لَهَا وَلَكِنْ عَنْ لِقَاهَا أَعْرِضِ فَإِنَّهُ أَبْرَأُ لِلصُّدُورٍ مِنْ حَالَةِ الْوَسْوَاسِ وَالْأُمُورِ وَإِنْ تَكُنْ لَمْ تُعْرِضَنْ فَسَلَّمَا وَرُدَّ مَهْمَا سَلَّمَتْ وَاحْتَرِمَا عَلَى نِسَاءِ الْمُصْطَفَى قَدْ حُجِبَا وَمِنْ وَرَائِهِ الْكَلَامُ انْتَسَبَا إِنْ تَسْأَلُوهُنَّ مَتَاعًا فَأَسْأَلُوا ذَلِكَ مِنْ وَرَائِهِ فَاخْتَلَفُوا فَهْوَ يُبِيحُ أَنْ تُكَلَّمَنَّا وَالْعِلْمُ عَنْهُنَّ فَيُنْقَلَنَّا وَإِنَّ مُوسَى سَأَلَ الْبِنْتَيْنِ بِنْتَيْ شُعَيْبٍ هَاكَ حُجَّتَيْنِ وَالْكُلُّ قَدْ أَبَاحَ أَنْ تُكَلِّمَا تِلْكَ النِّسَا فَكَيْفَ أَنْ تُسَلِّمَا) وَلِلصَّحَابِيَّاتِ فِي الْمُدَاخَلَهُ أَيُّ اخْتِلَاطِ لِأُمُورٍ حَاصِلَهُ تَخْرُجُ لِلسُّؤَالِ بَلْ وَتَخْرُجُ عِنْدَ الْقِتَالِ وَهُوَ لَا يُحَرِّجُ (3)
(1) قوله: «الْبَعْضُ» بحذف الواو للعلم بها، أي: والبعض يعكسون في ذلك، ويقولون على الأقل أن يسلم على الأكثر.
(*) بحذف الواو في قراءة (ينمو). (إسماعيل)
(2) قوله: «أَنْ يُجْتَنَبْ»، أي: يجتنب عن السلام على المرأة، طلبًا للسلامة.
(**) التقدير فكيف لاتباعز أن تسلما. (إسماعيل)
(3) قوله: «لَا يُحْرَجُ» بالبناء للمفعول، أي: لا يحجر، ويحتمل أن يكون الضمير راجعا إلى، أي والنبي لا يضيق عليهن إذا خرجن للسؤال أو عند القتال.
النبي (2/363)
صفحة 973
بَابُ السَّلَامِ وَهُوَ مِنْ حُقُوقِ الْإِسْلَامِ
الجزء الرابع
363
وَذَاكَ مَعْ سَلَامَةِ الْقُلُوبِ وَيُسْتَحَبُّ الْمَنْعُ عِنْدَ الرِّيَبِ مَنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ لَا تُسَلِّم عَلَيْهِ خَوْفَ الاِشْتِغَالِ فَاعْلَم وَلَا عَلَى مَنْ كَانَ فِي قَضَاءِ حَاجَتِهِ فِي الْبَيْتِ وَالْفَضَاءِ وَلَا يَرُدُّ الْبَائِلُ السَّلَامَا عَلَى الَّذِي سَلَّمَ وَالْكَلَامَا وَبَعْضُهُمْ قَالَ إِذَا مَا فَارَقَا حَالَتَهُ يَرُدُّ ذَاكَ نَاطِقَا وَهَكَذَا مَنْ كَانَ نَائِمًا فَلَا تُسَلِّمَنْ عَلَيْهِ فَافْهَمْ وَاقْبَلَا وَمَا عَلَى مُسَلِّم مِنْ إِثْمِ إِنْ لَمْ يُرِدْ خِلَافَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَآثِمٌ مَهْمَا أَرَادَ الْخُلْفَا لأَنَّهُ تَمَرُّدٌ لَا يَخْفَى وَحَيْثُ كَانَ ذَاكَ لِلْإِيمَانِ حَقًّا فَلَا يَجُوزُ لِلنَّصْرَانِي كَذَاكَ لَا يَجُوزُ لِلْيَهُودِي أَصْلًا وَلَا لِكَافِرٍ كَنُودِ (1) وَإِنْ يُسَلَّمَ الْيَهُودِي قُلْ لَهُ عَلَيْكَ مَا قُلْتَ وَحَاذِرُ غِلَّهُ وَمَنْ يَكُنْ بُمُنْكَرٍ أَقَامَا فَلَا يَجُوزُ يُمْنَعُ السَّلَامَا لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ كَرَامَهُ حَالَ الْعُكُوفِ فِيهِ وَالْإِقَامَهُ بَلْ حَقَّهُ يُرْدَعُ عَمَّا رَكِبَا فَإِنْ أَبَى فَبِالسَّيَاطِ ضُرِبَا وَالرَّدُّ وَاجِبٌ عَلَى الجَمِيعِ وَوَاحِدٌ يَكْفِي عَنِ التَّصْيِيعِ لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَإِنْ يَرُدَّ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ يَسْقُطَنْ
(1) قوله: «كَنُودِ»، أي: جحود والمراد به هنا عابد الوثن. (2/364)
صفحة 974
364
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَالْخُلْفُ فِي الصَّبِيِّ (1) بَعْضُ قَالَا يُجْزِي وَبَعْضُ قَالَ فِيهِ لَا لَا وَلَيْسَ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ أَهْلَا فِي رَبِّهِ أَوْ أَنْ يَقُولَ سَهْلَا لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا قَدْ سُنَّا فَذَاكَ عَنْهُ لَيْسَ يُجْزِيَنَّا وَلَيْسَ يُجْزِي أَنْ يَرُدَّ سِرًّا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْمِعَ مَنْ قَدْ مَرَّا وَمَا عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ رَدُّ الصَّبَاحِ بَلْ وَلَا الْمَسَاءِ وَسَمِّتِ (2) الْعَاطِسَ مَهْمَا حَمِدَا وَلَا تُسَمِّتْهُ إِذَا لَمْ يَحْمَدَا وَذَاكَ حَقٌّ لِأُولِي الْإِسْلَامِ قَاطِبَةً كَالْحَقِّ فِي السَّلَامِ
بَابُ الاسْتِثْدَان
وَذَاكَ شَيْءٌ مِنْ حُقُوقِ الْمَنْزِلِ إِنْ كَانَ مَسْكُونًا فَآذِنْ وَادْخُلِ إِنْ أَذِنُوا وَرُدَّ إِنْ لَمْ يَأْذَنُوا لِأَنَّمَا الرَّأْيُّ لِمَنْ قَدْ سَكَنُوا ثَلَاثُ مَرَّاتٍ وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَاكَ وَذَا الْحَدُّ حَدِيثًا نُقِلَا وَقِفْ عَلَى يَمِين ذَاكَ الْبَابِ أَوْ جِهَةِ الشِّمَالِ لِلْآدَابِ وَلَا تَقِفْ مُقَابِلًا فَتَسْبِقَا عَيْنَاكَ فِي الْبَيْتِ الَّذِي قَدْ أُغْلِقَا
(1) قوله: «والخلف في الصبي»، أي: إذا رد السلام عن الجماعة صبي، فهل يجزي رده عنها أم لا؟ قولان، والله أعلم.
(2) قوله: وسَمِّتِ»، أي: قل له يرحمك الله، وهو بالسين المهملة واختاره ثعلب، وقيل بالشين المعجمة، قال أبو عبيد: الشين أعلى في كلامهم
وأكثر.
(3) قوله: «وَرد»، أي: ارجع. (2/365)
صفحة 975
بَابُ السَّارِقِ
الجزء الرابع
365
فَإِنَّ الإِسْتِثْذَانَ مِنْ أَجْلِ النَّظَرْ إِدْخَالُهُ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ مُحْتَجَرْ هَمَّ النَّبِيُّ يَفْقَأَنَّ عَيْنَ مَنْ مِنْ كُوَّةِ الْبَيْتِ إِلَيهِ يَنْظُرَنْ وَقَدْ نَفَاهُ وَهُوَ الطَّرِيدُ فَحَظُهُ عَنِ الْهُدَى بَعِيدُ وَالْخُلْفُ فِي الْإِدْلَالِ (2) قِيلَ تُدْخَلُ بِهِ الْبُيُوتُ وَأُنَاسٌ حَظَلُوا (3) وَهْوَ الصَّوَابُ إِنَّ الإِسْتِثْذَانَا اللَّهِ قَدْ حَمَى بِهِ الْإِنْسَانَا فَهُوَ نَظِيرُ السِّترِ لِلْعَوْرَاتِ فَهْل يُبَاحُ كَشْفُهَا لِآتِي وَإِنَّمَا إِبَاحَةُ الْإِدْلالِ إِنْ صَحَ بِالنَّهَارِ لَا اللَّيَالِي إِذْ لَيْسَ بِاللَّيْلِ هُنَا تَعَارُفُ مِنْ ثَمَّ يَسْتَأْذِنُ فِيهِ الطَّائِفُ) وَدَاخِلُ بَيْتًا بِغَيْرِ إِذْنِ عَزَرَهُ الْإِمَامُ حَقَّ الْإِذْنِ وَالْمَشْيُ فَوْقَ الْبَيْتِ مِثْلُ دَاخِلِهُ فالْإِثْمُ وَالتَّعْزِيرُ - حَقٌّ فَاعِلِهْ
بَابُ الشارق
وَسَارِقُ قَدْ قِيلَ لِلْأَمْوَالِ فِي الْبَيْتِ قَتْلُهُ مِنَ الْحَلَالِ لِهَتْكِهِ بِذَاكَ نَفْسُ الْحُرْمَةِ وَالْمُصْطَفَى هَمَّ بِهِ لِنَظْرَةِ
(1) يَفْقَأَنَّ الْكُوَّة: النافذة في البيت. (2) قوله: «وَالْخُلْفُ فِي الإِدْلَالِ»، أي: إذا كان بينك وبين أحد من إخوانك دلالة ومصافاة فقيل لك أن تدخل عليه في بيته بدون استئذان، وقيل: لا، وهو الأصح لأنما الاستئذان من أجل النظر. (3) و «حَظَلُوا»: أي: منعوا. (4) «الطائف» هو الخادم الذي يطوف بأهل البيت، ويتردد عليهم في قضاء حوائجهم. وفي حديث الهرة: إنها من الطوافين والطوافات عليكم اهـ. (المصنف) (2/366)
صفحة 976
366
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَمِثْلُهُ بَلْ إِنَّهُ أَشَدُّ إِنْ جَامَعَ الزَّوْجَةَ بَلْ يُحَدُّ لأَنَّهُ لِلْحُرْمَتَيْنِ انْتَهَكَا فَدَمُهُ هَدْرٌ إِذَا مَا سُفِكَا وَثَاقِبٌ بَيْتًا فَقَطْعُ رَاسِهِ يَجُوزُ وَهُوَ آمَنْ مِنْ بَاسِهِ إِنْ كَانَ مِنْ دَاخِلِ بَيْتِهِ ضَرَبْ وَلَيْسَ يَضْرِبَنَّهُ إِذَا انْقَلَبْ
بَابُ السَّفَرِ
وَالصَّرْبُ فِي الْأَرْضِ حَلَالٌ طَيِّبُ لِتَاجِرٍ لِأَهْلِهِ يَكْتَسِبُ فَيَبْتَغِي فِي الضَّرْبِ فَضْلَ اللَّهِ غَيْرَ مُكَاثِرِ وَلَا مُبَاهِ) وَكَرِهُوا رُكُوبَ هَذَا الْبَحْرِ إِنْ كَانَ مَنْ يَرْكَبُهُ لِلتَّجْرِ قُلتُ وَلَكِنْ فِي امْتِنَانِ الرَّبِّ بِالْفُلْكِ فِي ابْتِغَاءِ فَضْلٍ يُنْبِي بِأَنَّ ذَاكَ جَائِزُ فِي الابْتِغَا لِلْفَضْلِ يَفْهَمَنَّهُ مَنْ قَدْ صَغَى وَالسَّيْرُ فِي الْأَرْضِ لِأَجْلِ الْغَزْوِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَضْلًا يَحْوِي وَإِنْ قَصَدْتَ يَا أَخِي طَرِيقًا فَخُذْ لَهُ مُصَاحِبًا رَفِيقًا وَالْمَرْءُ مَنْهِيٌّ عَنِ الْأَسْفَارِ مُنْفَرِدًا فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ بِمَا فِي الْوَحْدَهُ مَا سَارَ إِنْسَانٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ وَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ إِنَّ الْمُفْرَدَا لَا شَكٍّ شَيْطَانٌ إِذَا مَا انْفَرَدَا
(1) أي: غير مكاثر بالمال ولا مفاخر للرجال. (2/367)
صفحة 977
بَابُ النَّصِيحَةِ
الجزء الرابع
367
الْآدَابِ
كَذَلِكَ الْإِثْنَانِ شَيْطَانَانِ بَلْ يَنْبَغِي الثَّالِثَ يَصْحَبَانِ ثَلَاثَةُ الْأَنْفُس رَكْبٌ إِنْ نَقَصْ بِصِفَةِ الشَّيْطَانِ وَصْفُهُمْ يُخَصْ تَشَبَّهُوا بِفِعْلِهِ فَوُصِفُوا بِوَصْفِهِ إِنْ جَهِلُوا أَوْ عَرَفُوا وَكُلُّ مَا زَادَ مِنَ الْأَصْحَابِ فَذَاكَ فَضْلُ زَادَ فِي يَنْبَغِي لِلْقَوْمِ أَنْ يُؤَمِّرُوا مِنْهُمْ أَمِيرًا وَبِهِ يَأْتَمِرُوا لِأَنَّهُ بَرَكَةٌ لِلْكُلِّ كَذَاكَ خَلْطُ الزَّادِ نَوْعُ فَصْلِ وَالإِنْفِرَادُ قِيلَ وَصْفُ لُؤْمِ لَا تَنْفَرِدُ بِالزَّادِ دُونَ الْقَوْمِ فَإِنَّمَا الشَّيْطَانُ يَأْكُلَنَا مُنْفَرِدًا فَلَا تُشَابِهَنَّا وَلَيْسَ لِلنِّسَا تُسَافِرَنَّا مَعْ غَيْرِ مَحْرَمٍ لَهَا اعْلَمَنَّا وَإِنْ يَكُنْ زَوْجٌ لَهَا تُسَافِرُ مَعْهُ وَذَاكَ فِي الْجَوَازِ ظَاهِرُ وَتُوصِي بَالْحَجِّ إِذَا لَمْ تَجِدَا لِمَحْرَمٍ أَوْ زَوْجَهَا الْمُؤَيَّدا وَذَاكَ مَهْمَا وَجَدَتْ لِلْمَالِ وَالْعَجْزُ عُذْرٌ ظَاهِرُ فِي الْحَالِ
بَابُ النَّصِيحَةِ
وَفِي رِوَايَةٍ أَتَتْ صَحِيحَهُ إِنَّ تَمَامَ دَينِنَا النَّصِيحَهُ تَنْصَحُ اللَّهِ بَأَنْ تُطِيعَهُ وَالْمُصْطَفَى بَأَنْ تَكُنْ سَمِيعَهُ وَلِأَئِمَّةِ الْهُدَى أَنْ تَتْبَعَا رُشْدَهُمُ وَتَنْصَحَنْ وَتَسْمَعَا وَبَاقِي الْمُسْلِمِينَ تَنْصَحَنَّا فَلَا تَغُشَّهُمْ وَتَخْدَعَنَّا (2/368)
صفحة 978
368
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
فَلِأَخِي الدِّينِ تُحِبُّ مَا تُحِبْ لِلنَّفْسِ هَذَا مُنْتَهَى النُّصْحِ حُسِبْ وَكُلُّ مَنْ قَدْ أَحْسَنَ النَّصِيحَة نَجَا بِهَا مِنْ تُهْمَةٍ قَبِيحَهُ إِنْ دَخَلَ الرِّفْقُ بِشَيْءٍ زَانَهُ وَالْحُمْقُ مَا يَدْخُلُ إِلَّا شَانَهُ وَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي النَّصِيحَهُ فِي مَلَإِ النَّاسِ مِنَ الفَضِيحَة فَإِنْ أَرَدْتَ يَا أُخَيَّ نُصْحَا لِأَحَدٍ فَاجْعَلْ لِذَاكَ فُسْحَا) إِيَّاكَ أَنْ تَسْمَعَ قَوْلَ الْأَعْدَا فَمَا الْعَدُوُّ قَطُّ نُصْحًا أَبْدَا لكِنْ أُولَئِكَ الرَّجَالُ الصُّلَحَا يَأْتُونَ فِي الْأَعْمَالِ مَا قَدْ صَلَحَا وَيَتْرُكُونَ كُلَّ مَا نَهَاهُمُ عَنِ ارْتِكَابِ فِعْلِهِ مَوْلَاهُمُ فَكُنْ بِهِمْ يَا ذَا النُّهَى مُقْتَدِيَا وَبِالْهُدَى مِنْ فِعْلِهِمْ مُهْتَدِيَا
بَابُ الإعتذار
وَقِيلَ إِيَّاكَ وَمَا تَعْتَذِرُ مِنْهُ عَنِ الْمُخْتَارِ هَذَا يُذْكَرُ مَعْنَاهُ مَا احْتَاجَ إِلَى اعْتِذَارِ جَانِبُهُ بِاللَّيْلِ وَبِالنَّهَارِ وَإِنْ عَشَرْتَ فِي فَنِّى أَوْ عَثَرَا فِيكَ أَقِلْهُ إِنْ أَتَى مُعْتَذِرًا فَمَنْ أَقَالَ نَادِمًا أَقَالَهُ إِلَهُهُ فَاغْفِرْ لَهُ فِعَالَهُ وَمَنْ يَكُنْ عَوْرَةَ مُسْلِمٍ سَتَرْ فَيَسْتُرُ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ حُشِرْ وَقِيلَ مَنْ لَمْ يَقْبَل اعْتِدَارَا مُعْتَذِرٍ فَلَيْسَ مِنَّا صَارَا
() بضم الفاء أي مكانا والمعنى عدم النصح في حضور الناس. إسماعيل) (2/369)
صفحة 979
بَابُ الْغِيبَةِ
الجزء الرابع
369
فَلَا تَرُدَّ يَا أُخَيَّ الْمَعْذِرَهُ مِمَّنْ أَتَاكَ طَالِبًا أَنْ تَعْذَرَهُ فَالسَّيْفُ يَنْبُو وَالْجَوَادُ يَكْبُو فَكَيْفَ رَأْيُّ الْمَرْءِ لَيْسَ يَنْبُو وَالِاعْتِدَارُ صَادِقٌ أَوْ كَاذِبُ سِيَّانِ فِي الْقَبُولِ فَهْوَ وَاجِبُ
بَابَ الْغِيبَة
إِيَّاكَ وَالْغِيْبَةَ وَالنَّمِيمَهُ لَا تَأْتِهَا فَإِنَّهَا ذَمِيمَهُ تَجَسُّس (1) وَاللَّمْرُ وَالْأَلْقَابُ عَنِ الْجَمِيعِ قَدْ نَهَى الْكِتَابُ لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنَ الإِنْسَانِ أَعْمَالَهُ مَا دَامَ فِي الْعِصْيَانِ إِنَّ الذُّبَابَ يَتْرُكُ الصَّحِيحَا مِنَ الْجُسُومِ يَقْصِدُ الْقُرُوحَا كَذَلِكَ الْأَشْرَارُ يَتْرُكُونَا مَحَاسِنَ الْمَرْءِ وَيَذْكُرُونَا وَيَذْكُرُونَ مِنْهُ سُوءَ الْفِعْلِ تِلْكَ صِفَاتُ ضُعَفَاءِ الْعَقْلِ وَغِيبَةُ الْمُؤْمِنِ بِاتِّفَاقِ بِأَنَّهَا فَاكِهَةُ الْفُشَاقِ فَإِنْ تَكُنْ قَدْ قُلْتَ فِي الْإِنْسَانِ مَا لَيْسَ فِيهِ فَمِنَ الْبُهْتَانِ وَإِنْ يَكُنْ فِيهِ فَذَاكَ غِيبَهُ فَخَلَّ عَنْكَ مَا يَكُونُ رِيبَهْ وَاعْلَمْ يَقِينًا أَنَّكَ الْمَسْؤُولُ عَنْ كُلِّ مَا أَنْتَ بِهِ تَقُولُ
(1) قوله: «تَجَسُّس» هو البحث عن العيوب والعورات و «اللَّمْزُ العيب؛ يقال: لمزه إذا عابه، وأصله الإشارة بالعين ونحوها، ورجل لَمَّاز وَلُمَزَة بوزن هُمَزَة، أي: عياب، والألقاب جمع لقب، وهو النبز والمراد النهي عن التسمية بوصف ناقص. (2/370)
صفحة 980
370
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَمَنْ يَقُلْ فِيمَنْ يَغِيبُ قَوْلَا مَعَ الْحُضُورِ لَمْ يُطِقْ يَقُولَا كَرَاهَةً لِذَلِكَ الْمَقَالِ فَذَاكَ غِيبَةٌ بِلَا جِدَالِ فَغِيبَةُ الْمُؤْمِن مِنْ كَبَائِرِ ذُنُوبِهِ وَقِيلَ مِنْ صَغَائِرِ وَهَكَذَا مَنْ حَالُهُ لَا يُعْرَفُ إِذْ جَهْلُهُ يَمْنَعُ مَا قَدْ يُوصَفُ وَهْوَ عَلَى الْمِيْثَاقِ وَالسَّلَامَهُ فَمَا عَلَيْهِ أَبَدًا مَلَامَهُ بَلِ السُّكُوتُ فَرْضُنَا فِي حَقِّهِ حَتَّى نَرَى مِنْ حَقِّهِ أَوْ فِسْقِهِ (1) وَأَطْلَقَ الْقُرْآنُ فِي التَّجَسُّسِ فَعَنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ مَنْعُ الْأَنْفُسِ
(2)
مَنْ طَلَبَ الْعَشْرَاتِ لِلْأَنَامِ أَفَسَدَهُمْ وَكَانَ فِي مَلَامِ
وَالْخُلْفُ إِنْ تَابَ مَنِ اسْتَغَابَا فَقِيلَ يُجْزِيهِ إِذَا مَا تَابَا وَقِيلَ بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْتَحِلْ صَاحِبَهُ بَلْ يُرضِهِ حَتَّى يُحِلْ
جمهور
(1) قوله أو فسقه يريد إن ظهر المجهول الحال فاسقًا استبيحت غيبته وإباحتها مما اشتهر عند العلماء ومنعها بعضهم لعموم قوله تعالى: {وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا} [الحجرات: 12]. والأحاديث المخصصة لعموم الآية منها: اذكروا الفاسق بما فيه حتى يعرفه الناس» ومنها: «اترعون عن ذكر الفاجر، إن تذكروه فاذكروه يعرفه الناس» رواه الخطيب ورواه مالك عن أبي هريرة، وقال الذهبي: هذا الحديث موضوع، وتعقب بأن له عاضدا، وهو ما رواه ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة والحكيم في نوادر الأصول، والحاكم في الكُنَى والشيرازي في الألقاب وابن عدي
والطبراني في كبيره والبيهقي في سننه، والخطيب عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عنه «أترعون عن ذكر الفاجر متى يعرفه الناس اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس» والفاسق الذي لا غيبة له، هو المجاهر بفسقه المنتهك لحرمات الله بدون مبالاة ما من وقع في معصية واستتر، ولم يعد، فهذا ممن تحرم غيبته على الصحيح، إذ لم يكن له قصد لانتهاك الحرمة العامة، والعاقل مأمور بستر ذنوبه؛ لقوله: من أصاب منكم ذنبًا فستره ستره الله عليه». (أبو إسحاق) (2) قوله: «أفسدهم يحتمل وجهين الأول: أن يكون فعلاً ماضيًا، أي: أدخل بينهم الإفساد، الثاني: أن يكون خَبَرًا لِمُبْتَدَأ محذوف والتقدير هو أفسدهم، أي: هو أشد
:
منهم
فسادًا. (2/371)
صفحة 981
بَابُ الْحَسَدِ
الجزء الرابع
371
بَابُ الْحَسَدِ
ذُو الْفَضْلِ فِي زَمَانِهِ مَحْسُودُ وَبِالْأَذَى فِي نَفْسِهِ مَقْصُودُ وَكُلُّ رَبِّ نِعْمَةٍ كَذَاكَا وَذَاكَ عُنْوَانٌ لِمَا هُنَاكَا لأَنَّمَا الْفَضْلُ لِمَنْ قَدْ يُحْسَدُ فِي مَثَلٍ قَدْ جَاءَ فِيمَا يُوجَدُ إِنَّ الْحَسُودَ لَا يَسُودُ قَوْمَا لَا شَكٍّ فِيهِ لَيْلَةً أَوْ يَوْمَا وَكُلُّ مَنْ يَغْرِسُ مِنَّا الْحَسَدَا فَيَجْتَنِي فِي الْحَالِ مِنْهُ الْكَمَدَا (2) وَقِيلَ لَا رَاحَةَ لِلْحَسُّودِ يَتْعَبُ مِنْ حَسَدِهِ الْمَوْجُودِ فَذَاكَ فِي نِعْمَتِهِ يَنْقَلِبُ وَذَا بِغَمِّهِ غَدًا يُعَذِّبُ قَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ مِنَ الرَّحْمَنِ لِلْمُصْطَفَى الْمُخْتَارِ فِي الْقُرْآنِ) يَأْمُرُهُ أَنْ يَسْتَعِيدَ مِنْهُ فَاحْذَرْهُ يَا صَاحَ وَجَانِبَنْهُ فَإِنَّهُ مِنْ مُهْلِكَاتِ النَّاسِ وَهْوَ مِنَ الْبَاطِلِ فِي الْأَسَاسِ فَسَيِّدُ النَّاسِ الَّذِي يَجُودُ بِمَالِهِ لَا الْخَبُّ (4) وَالْحَسُودُ وَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنَ الْعُقَالِ لَا يَحْسِدَنَّ قَطُّ رَبَّ مَالِ كُنْ حَاسِدًا كَلْبًا عَلَى مَا أَكَلَا مِنْ عَظْمِهِ الَّذِي لَدَيْهِ حَصَلَا
(1) قوله: «لَمَنْ قَدْ يُحْسَدُ» بالبناء للمفعول.
(2) الْكَمَدَ: الحزن. (3) قوله: «في القرآن وهو في سورة الفلق، أمره فيها أن يستعيذ من أشياء، آخرها {وَمِن شَرّ
حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} [الفلق: 5] اهـ. (المصنف)
(4) قوله: الْخَبُّ: هو بضم الخاء الرجل اللئيم.
(*) الذي وجدته أن الخَبَّ بفتح الخاء وبكسرها. (إسماعيل) (2/372)
صفحة 982
372
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَيَحْرُمَنَّ حَسَدٌ لِمُسْلِمِ وَغَيْرُهُ فَلَيْسَ بِالْمُحَرَّمِ فَيُقْتَلُ الْكَافِرُ بَلْ وَتُغْنَمُ أَمْوَالُهُ كَيْفَ إِذَا يُحَرَّمُ
بَابُ الْعُجْبِ وَالْكِبْرِ
وَقِيلَ لَا شَكٍّ مِنَ الْآدَابِ تَرْكُ الْفَتَى لِلْفَخْرِ وَالْإِعْجَابِ فَالْعُجْبُ بِالصَّفَاتِ وَالْأَحْوَالِ وَنَحْوِهَا يُحْبِطُ لِلْأَعْمَالِ وَإِنَّهُ فِيهَا كَمِثْلِ النَّارِ فِي أَكْلِهَا لِخَشَبِ الْأَشْجَارِ سَأَلْتُ رَبَّ الْعَرْشِ أَنْ يَقِيْنَا ذَاكَ وَأَنْ يَزيدَنَا يَقِينَا وَقَارِئُ الْقُرْآنِ مَهْمَا أُعْجِبَا بِصَوْتِهِ لِإِثْمِ ذَاكَ اسْتَوْجَبًا
الْعَذَابِ
تَبَّا وَقُبْحًا لِذَوِي الْإِعْجَابِ وَالْكِبْرِ وَالْوَيْلُ من لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ تَكَبَّرَا عَلَى الْوَرَى كَذَاكَ مَنْ تَجَبَّرَا فَالْكِبْرِيَا للَّهِ لَا لِلْبَشَرِ فَمُدَّعِيهَا دُونَهُ فِي سَقَرِ لَوْ كَانَ كَالذَّرَّةِ فِي الْقَلْبِ مَنَعْ ذَاكَ دُخُولَ جَنَّةٍ إِذَا وَقَعْ مَنْ كَانَ أَصْلَهُ (1) مَنِيٌّ قَذِرُ وَجِيفَةٌ آخِرُهُ لَا يَفْخَرُ
(1) قوله: «مَنْ كَانَ أَصْلُهُ .... إلخ» أصله بالنصب خبر كان، ومني اسمها وقذر صفة لمني، وهذا إما للضرورة أو على مذهب بعض النحاة ومن ذلك قوله:
قِفِي قَبْلَ التَّفَرُّقِ يَا ضِبَاعًا وَلَا يَكُ مَوْقِفٌ مِنْكَ الْوَدَاعَا
فجعل موقفًا وهو نكرة اسمها، والوداعا وهو معرفة خبرها، ومن ذلك قول حسّان: كَأَنَّ سَبِيئَةٌ مِنْ بَيْتِ رَأْسِ يَكُونُ مَزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ (2/373)
صفحة 983
بَابُ النِّفَاقِ
الجزء الرابع
373
بَابُ النِّفَاقِ
ثُمَّ النِّفَاقُ حَالَةٌ مَذْمُومَهُ خِسَّتُهَا بَيْنَ الْوَرَى مَعْلُومَهُ يُظْهِرُ لِلنَّاسِ أُمُورًا يُضمِرُ خِلَافَهَا وَهْوَ بِذَاكَ يَكْفُرُ فَيُخْلِفُ (1) الْوَعْدَ يَخُونُ الْعَهْدَا يَكْذِبُ فِي الْحَدِيثِ حِينَ أَبْدَى إِنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ عِنْدَ كُفْرِ فُؤَادِهِ فَهْوَ نِفَاقُ السِّرِّ أَوْ كَانَ مُسْلِمًا وَلَكِنْ فَعَلَا تَعَمُّدًا لِفِعْلِهِ مَا حُظِلَا فَهْوَ نِفَاقُ عَمَلِيٌّ يُدْعَى إِذْ فِعْلُهُ خَالَفَ فِيهِ الشَّرْعًا فَذُو اللَّسَانَيْنِ وَذُو الْوَجْهَيْنِ لَعْنُهُمَا حِلٌّ بِغَيْرِ مَيْنِ كَذَلِكَ الفَتَّانُ وَالْمَنَّانُ إِذْ نَافَقَ الْمَنَّانُ وَالفَتَّانُ وَهَكَذَا الْمَلَاقُ بِالنِّفَاقِ يُعْرَفُ فَاحْذَرْ صِفَةَ الْمِلَّاقِ وَجَائِزٌ أَنْ يَتَمَلَّقَنَّا لِشَيْخِهِ الَّذِي يُعَلِّمَنَّا وَهَكَذَا لِلْوَالِدَيْنِ إِذْ بِهِ طَابَا وَيَنْوِيهِ رِضًا لِرَبِّهِ وَهَكَذَا تَقِيَّةُ اللَّسَانِ لَيْسَ مِنَ النِّفَاقِ لِلْإِنْسَانِ لأَنَّهَا (2) أَبَاحَهَا الرَّحْمَنُ لُطْفًا فَلَا يَنْهَدِمُ الإِيْمَانُ فَجَائِزُ إِرْضَاءُ مَنْ تَخْشَاهُ بِمَنْطِقٍ فِي قَلْبِهِ يَهْوَاهُ
(1) قوله: «فَيُخْلِفَ الْوَعَدَ» هذا مأخوذ من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أحدثكم عن آية المنافق» وفي رواية: «ألا أخبركم» ـ وفي أخرى ـ: «آية المنافق ثلاث: إذا وعد أخلف وإذا عاهد فجر وإذا حدث كذب». (2) وفي نسخة: «لأنه». (2/374)
صفحة 984
374
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
لِتَدْفَعَ الضُّرَّ أَوِ الْهَلَاكَا أَوْ تَجْلِبَنَّ نَفْعَهُ بِذَاكَا وَنَفْعُهُ إِنْ كَانَ لِلإِسْلامِ فَذَاكَ جَائِةٌ بِلَا مَلَامٍ وَإِنْ يَكُنْ نَفْعًا لِدُنْيَاهُ فَقَطْ وَالضُّرُّ لَا يَخَشَاهُ فَالْمَنْعُ أَقَطِّ (1) وَذَاكَ فِي تَقِيَّةِ الْأَقْوَالِ وَالْمَنْعُ فِي تَقِيَّةِ الْأَفْعَالِ إِذْ لَا يَجُوزُ يَقْتُلَنَّ بَشَرًا لِيَدْفَعَنْ بِذَاكَ عَنْهُ الضَّرَرَا وَالْخُلْفُ فِي إِتْلَافِ مَالٍ يَعْتَقِدُ ضَمَانَهُ لِرَبِّهِ إِذَا وُجِدْ فَقِيلَ لَا لِأَنَّ هَذَا فِعْلُ وَقَالَ بَعْضُ إِنَّهُ يَحِلُّ وَجَائِزُ يَا شَيْخَنَا لِمَنْ فَجَرْ أَوْ سَيِّدِي لِيَدْفَعَنْ عَنْهُ الضَّرَرْ لِأَنَّ ذَا قَولٌ وَمَا فِي الْقَوْلِ بَأْسٌ لِدَفْعِ حَيْفِهِ وَالْمَيْلِ وَعَرَّضَنْ إِنْ كَانَ فِي التَّعْرِيضِ مَنْدُوحَةٌ) عَنْ كَذِبِ مَرِيضِ وَالْحَرْبُ خِدْعَةٌ فَلَيْسَ الْكَذِبُ فِيهِ نِفَاقًا لِلَّذِي يَحْتَسِبُ وَالصُّلْحُ بَيْنَ اثْنَيْنِ لَا بَأْسَ وَإِنْ كَانَ بِقَوْلٍ كَاذِبِ يُقَرِّبَنْ كَمِثْل أَنْ يَقُولَ قَدْ سَمِعْتُ فِي حَقِّكُمْ قَولًا بِهِ شَرِرْتُ وَذَاكَ لَمْ يَقُلْ سِوَى مَقَالِ مُنَكِّدٍ لِخِلِّهِ الْمُوَالِي وَرُفِعَ الْخَطَا مَعَ النِّسْيَانِ مَعَ حَدِيثِ النَّفْسِ لِلْإِنْسَانِ إِذْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِمَّا يَقْدِرُ عَلَى ذَهَابِهِ فَثَمَّ يُعْذَرُ وَإِنْ يَكُنْ أَخْطَأَ فِي الْأَمْوَالِ فَضَامِنٌ كَذَاكَ فِي الْأَحْوَالِ
(1) أي: أقْوَى وَأَقطع. اهـ. (المصنف) (2) قوله: «مَنْدُوحَةٌ»، أي سعة ومخرجٌ. ويُرْوَى: إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب. (2/375)
صفحة 985
بَابُ آدَابِ التَّلَاوَةِ
الجزء الرابع
(1)
375
وَإِنَّمَا يُرْفَعُ إِثْمُهُ فَقَطْ أَمَّا الصَّمَانُ فَبِجِيدِهِ ارْتَبَطْ
وَقَدْ مَضَى الْمَقَالُ فِي الْمُخْطَى فِي قَتْلِ وَمَا فِيهِ مِنَ التَّخَفُّفِ
بَابُ آدَابِ التَّلَاوَة
وَإِنَّمَا قَدْ ذَكَرَ الْيَسِيرًا مِنْهَا وَإِنِّي أَذْكُرُ الْمَذْكُورَا عَلَيْكَ بِالتَّعْلِيمِ لِلْقُرْآنِ فَإِنَّهُ حِرْزُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَخَيْرُكُمْ قَدْ قِيلَ مَنْ تَعَلَّمَا كِتَابَ رَبِّي أَوْ لَهُ قَدْ عَلَّمَا وَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ فِي الْقُرْآنِ رَبِيعُ مَنْ كَانَ أَخَا إِيمَانِ كَالْغَيْثِ قَدْ كَانَ رَبِيعَ الْأَرْضِ تَحْيِي بِهِ فِي طُولِهَا وَالْعَرْضِ وَكُلُّ (2) مَا قَدْ كَانَ فِي الْقُرْآنِ أَمْرًا فَفَرْضٌ لَازِمُ الْإِنْسَانِ وَهَكَذَا مَنْهِيُّهُ كَبِيرَهُ إِذْ لَيْسَ فِيهِ قِيلَ مِنْ صَغِيرَهُ كَذَاكَ قِيلَ وَأَقُولُ فِيهِ تَأَمُّلُ لَا يَنْبَغِي أُخْفِيهِ فَالْأَمْرُ فِيْهِ جَاءَ ذَا أَنْوَاعِ وَالنَّهْيُ مِثْلُهُ لِلإِنْسَاعِ لِلِامْتِنَانِ كَكُلُوا مِنْ ثَمَرِهُ وَنَحْوِهِ فَافْهَمْ مَعَانِي عِبَرِهْ وَقِيلَ إِنَّ حَامِلَ الْقُرْآنِ إِذَا أَتَى شَيْئًا مِنَ الْعِصْيَانِ
(1) قوله: «فَبِجِيدِهِ» الباء بمعنى في، والجيد: العنق. (2) قوله: «وكل ما .... إلخ»، يعني: أن كل أمر ورد في القرآن فهو للوجوب، وكل نهي جاء أيضا فيه فهو للتحريم، والصحيح ما اختاره المصنف رضوان الله عليه.
(3) قوله: «كَكُلُوا»، أي: كقوله تعالى: (كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]. (2/376)
صفحة 986
376
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
يَخْرُجُ عَنْهُ وَيَقُولُ لَمْ تَكُنْ حَمَلْتَنِي لِمِثْلِ هَذَا عَنْهُ بِنْ وَاقْرَأْهُ فِي طَهَارَةٍ تَعْظِيمَا وَلَيْسَ نَهْي غَيْرِهِ تَحْرِيمَا وَإِنَّمَا يَحْرُمُ أَنْ يَقْرَا الْجُنُبْ أَوْ حَائِضٌ أَوْ نُفَسَاءُ فَاجْتَنِبْ وَغَيْرُهُمْ مِنْ بَاقِي الْمُحْدِثِينَا لِأَجْلِ تَعْظِيم لَهُ يُنْهَوْنَا وَمَنْ قَرَاهُ فَلَهُ ثَوَابُ إِذْ لَيْسَ فِي النَّهْيِ بِهِ عِقَابُ وَمَنْ قَرَاهُ وَعَلَيْهِ ثَوْبُ بِهِ جَنَابَةٌ فَفِيهِ رَيْبُ قَدْ كَرَّهُوا ذَلِكَ لِلتَّنْزِيهِ وَلَيْسَ فِيهِ حُرْمَةُ التَّكْرِيهِ فِي سَكَرَاتِ النَّوْمِ كُفَّ عَنْهُ) تَأَدُّبًا كَيْلَا تُخَلِّطَنْهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ بِالْبَدَاوَهُ فِي الْقَافِ تَحْرِيفًا عَنِ التَّلَاوَهُ إِنْ كَانَ مِنْ عُذْرٍ فَلَا يُكَلَّفُ فَوْقَ الَّذِي يُطِيقُهُ وَيَعْرِفُ وَإِنْ يَكُنْ ذَاكَ بِغَيْرِ عُذْرِ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ نَوْعُ حِجْرِ وَحَرَّمُوا تِلَاوَةَ الْأَلْحَانِ إِذْ لَمْ تَكُنْ مِنْ صِفَةِ الْقُرْآنِ إِنَّ أَبَا أَيُّوبَ (2) لَمَّا سَمِعَا ذَاكَ ثِيَابَهُ عَلَيْهِ جَمَعَا
(1) قوله: «كُفَّ»، أي: أخّر عن تلاوته مخافة التخليط. (2) قوله: «إِنَّ أَبَا أَيُّوبَ هو وائل بن أيوب من تلاميذ الربيع، وهو من علماء المذهب المشهورين قديمًا وحديثًا ومعنى جمعه لثيابه وضعها على أذنيه لئلا تلك القراءة المحدثة، وعندي أن يسمع قراءة الألحان على وجهين فما كان منها على وجه المد والتطويل والتطريب كالأغاني فهي حرام، وما كان منها على وجه الترتيل وإعطاء الحروف حقها من مد وإشباع وتفخيم وترقيق وحسن ترتيل وتناسب في الوقف والوصل مع الخشوع والتعظيم فهي مباحة بل مستحبة، وإليها يصرف ما ورد في الأحاديث من التغني بالقرآن والإذن فيه لمن كان حسن الصوت، والله أعلم. (2/377)
صفحة 987
بَابُ آدَابِ التَّلَاوَةِ
الجزء الرابع
377
وَقَالَ لَمْ أَسْمَعْهُمُ يَتْلُونَا كَذَاكَ أَيْ أَصْحَابُنَا يَنْفُونَا وَلَيْسَ مِنْهُ صِفَةُ التَّغَنِّي فِي خَبَرٍ بَلْ ذَاكَ نَوْعُ حُسْنِ أَعْنِي بِهِ تِلَاوَةً مُرَتَّلَهُ عَلَى وِفَاقِ مَا الْإِلَهُ أَنْزَلَهُ فَذَلِكَ التَّغَنِّي لَا الْأَلْحَانُ فِيهِ فَعَنْ أَمْثَالِهَا يُصَانُ وَقَارِئُ بِصَوْتِهِ قَدْ أُعْجِبَا لِحُسَنِهِ فَإِثْمَ ذَاكَ اسْتَوْجَبًا وَالْوَقْفُ فِي الْقُرْآنِ بَعْدَ الْبَسْمَلَهُ فِي تِسْع سُورَاتٍ أَتَتْ مُفَصَّلَهُ مُحَمَّدٌ، قِيَامَةٌ، وَعَبَسُ وَسُورَةُ التَّطْفِيفِ فِيهَا أَسَسُوا وَبَلَدٌ، وَلَمْ يَكُنْ أَلْهَاكُمْ حُطَمَةٌ، مَعْ لَهَبٍ، فَهَاكُمْ وَسُوْرَةُ الْأَنْعَامِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُتِمَّهَا الْقَارِي إِذَا مَا يَقْرَأَنْ وَمَا سِوَاهَا فَلَهُ مَا شَاءَا يَقْطَعُ أَوْ يُتِمُّهُ سَوَاءَ (2) وَجَائِزٌ قَدْ قِيلَ قَسْمُ الْآيَةِ إِنْ صَحَ فِيمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ مَنْ كَتَبَ الْآيَةَ فِي اللَّوْحِ وَقَدْ أَرَادَ مَحْوَهَا بِرِيقٍ قِيْلَ يَجُوزُ وَأَقُولُ يُكْرَهُ فَتَرْكُهُ عِنْدِي هُوَ التَّنَرُّهُ وَذَاكَ إِنْ لَمْ يَقْصِدِ التَّحْقِيرَا بِقَصْدِهِ لَهُ غَدًا كَفُورًا وَقَارِئُ الْقُرْآنِ يَنْوِيهِ لِمَنْ مَاتَ عَلَى إِيمَانِهِ فَيَنْفَعَنْ
وَقَصَدْ
(1) قوله: «يُسْتَحَبُ أَنْ يُتِمَّهَا ... إلخ» هذا الاستحباب لم يقم عليه دليل، وقد أنكره كثير من العلماء
كالإمام النووي وغيره. (2) وسواء منصوب على الحال. (2/378)
صفحة 988
378
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَهَكَذَا أَنْ يَتَصَدَّقَنَّا عَنْهُ كَذَاكَ حِينَ يَعْتِقَنَّا كَذَلِكَ الدُّعَا لَهُ بِالْمَغْفِرَهُ كَذَاكَ يُعْطَى أَجْرَ عِلْمٍ أَثَرَهُ كَذَاكَ يُعْطَى أَجْرَ نَهْرٍ أَجْرَى وَنَحْوِهِ مِمَّا يُنِيلُ الْأَجْرَا وَإِنْ يَكُنْ مَاتَ مُصِرًّا بَطَلَا جَمِيعُ مَا كَانَ لَهُ قَدْ عُمِلَا لأَنَّمَا الْإِحْبَاطُ بِالْكَبِيرِ أَمْرُ أَتَى مِنْ غَيْرِ مَا نَكِيرِ بِهِ الْكِتَابُ وَالْحَدِيثُ نَطَقَا فَاللَّهُ يَغْفِرَنَّ مَا قَدْ سَبَقَا
بَابُ تَفْسِيرِ كَلِمَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ
وَحَيْثُ مَا كَانَ الْكِتَابُ عَرَبِي وَاتَّسَعَ التَّعْبِيرُ عِنْدَ الْعَرَبِ لِأَنَّهَا بِضِدٌ غَيْرِهَا لَهَا مُتَّسَعٌ يُعْرَفُ عَنْدَ أَهْلِهَا يُحْتَاجُ أَنْ يُبَيَّنَنَّ بَعْضُ مَا كَانَ عَلَى بَعْضِ الْوَرَى مُنْبَهِمَا لِأَنَّهُ بِلُغَةِ الْحِجَازِ جَاءَ وَبِالْأَصْلِ وَبِالْمَجَازِ وَحَيْثُ كَانَ الْقَصْدُ ذِكْرَ مَا ذَكَرُ (1) مِنْهَا فَلَا لَوْمَ عَلَى مَنِ اقْتَصَرْ إِذْ لَمْ يَكُ التَّفْسِيرُ مَقْصُودًا لَنَا فِي ذَاتِهِ بَلْ نَذْكُرُ الْمُبَيَّنَا فَقِيلَ مَعْنَى أَسْتَعِيذُ أَعْتَصِمْ بِاللَّهِ مِنْ كُلِّ لَعِينِ قَدْ رُحِمْ خَتْمٌ أَكِنَّةٌ غِشَاوَةٌ مَعَا غِلَافَةٌ غَطَّى لِقَلْبٍ مَا وَعَى
(1) قوله: «ذِكْرَ مَا ذَكَرْ بالبناء للفاعل، أي: ذكر ما ذكره صاحب الأصل وهو الشيخ الصائغي. (2/379)
صفحة 989
بَابُ تَفْسِيرٍ كَلِمَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ
الجزء الرابع
379
أَكِنَّةٌ فِي قَلْبِ مَنْ قَدْ كَفَرَا أَغْطِيَةٌ تَمْنَعُ مِنْهُ الْبَصَرَا فَقَلْبُهُ عَنِ الْهُدَى أَضْحَى عَمِي وَالْوَقْرُ قَدْ فَسَّرَهُ بِالصَّمَمِ وَجَنَّةُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي السَّمَا مَحَلُّهَا أَيْ فِي ارْتِفَاعِ قَدْ سَمَا
وَهْيَ عَلَى يَمِينِ عَرْشِ رَبِّي كَذَا وَلِلوُقُوفِ مَالَ قَلْبِي وَمَا السَّمَاءُ تَسَعَنَّ البَعْضًا مِنهَا فَإِنَّهَا تَزِيدُ عَرْضَا وَالنَّارُ فِي الْأَرْضِ وَذَاكَ يُجْعَلُ أَسْفَلَ مَوْضِعِ عَلَيْهِ يُحْمَلُ أَهْلُ الْجِنَانِ مَا بِهِمْ كَبِيرُ مِنْ هَرَمٍ وَلَا بِهِمْ صَغِيرُ بَلْ هُمْ عَلَى سِنِّ يَكَوْنُونَ سَوَى مُنَعَمِينَ وَلَهُمْ طِيبُ الثَّوَى سِوَى هَارُونَا فَإِنَّ فِيهِ لِحْيَةً يَرْرُونَا
وَكُلُّهُمْ
وَهْيَ إِلَى سُرَّتِهِ تَخْصِيصَا كَرَامَةً مِنْ رَبِّهِ مَخْصُوصَا وَالْأَرَضُونَ طَبَقَاتٌ سَبْعُ بَيْنَهُمَا تَبَائِنُ وَوَسَعُ وَأَمَرَ الْإِلَهُ بِالسُّجُودِ مَلَائِكًا لِآدَمَ الْمَحْمُودِ وَكَانَ مِن نُورٍ لَهُمْ قَدْ خَلَقَا فَيَا لَهَا مَنْزِلَةً قَدِ ارْتَقَى وَوَسَطُ تَفْسِيرُهُ خِيَارُ أُمَّةٌ أَحْمَدٍ هُمُ الْخِيَارُ وَهُمْ عَلَى النَّاسِ غَدًا شُهُودُ وَهْوَ مَقَامُ فِي الْوَرَى مَحْمُودُ وَفُسِّرَ الْمَيْسِرُ بِالْقُمَارِ وَالْحَدُّ بِالْفَرْضِ فَلَا تُمَارِي فَقِيلَ تَفْسِيرُ حُدُودِ اللهِ فَرَائِضُ اللَّهِ بِلَا اشْتِبَاهِ (2/380)
صفحة 990
380
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَفُرِضَ الْعَطَا إِذَا مَا حَدًا حَدًّا لَهُ وَلَمْ يَكُنْ تَعَدَّى فَهْيَ فَرِيضَةٌ لِكُلِّ شَهْرٍ قَدَّرَهَا لَهُ وَلِيُّ الْأَمْرِ وَأَلْفُ أَلْفِ قِيلَ فِي الْأَضْعَافِ وَلَا أَرَى التَّحْدِيدَ بِالْآلَافِ هِيَّ عِبَارَةٌ عَنِ التَّكْثِير فِي الْأَجْرِ لَا الْحِسَابِ وَالتَّقْدِيرِ وَإِنْ يَكُنْ فِي ذَاكَ يُرْوَى خَبَرُ قَدْ صَحَ يَسْقُطَنَّ هَذَا النَّظَرُ فَالْمُصْطَفَى مُبَيِّنٌ مَا نُزِّلَا لَا نَبْتَغِي عَمَّا يَقُولُ مُحْوِلَا () وَبَسْطَةٌ طُولًا وَقُوَّةٌ مَعَا ذَاكَ لِطَالُوتَ الْإِلَهُ جَمَعَا مَنِ الَّذِي مَرَّ عَلَى الْقَرْيَةِ قَدْ قِيلَ عُزَيْرٌ وَلَهُ شَانٌ وَرَدْ كَانَ نَبِيَّا فَمَحَاهُ اللهُ إِنْ صَحَ مَا الْأَصْلُ هُنَا حَكَاهُ إِذْ سَأَلَ الْإِلَهَ عَنْ سِرِّ القَدَرْ قَالَ وَقَدْ نَهَاهُ لَكِنْ مَا ازْدَجَرْ قُلْتُ وَهَذَا يَسْتَحِيلُ فِي نَبِي فَعَلَّ هَذَا كَانَ نَوْعَ كَذِبِ مِنْ كَذِبِ الْيَهُودِ فِيمَا أَحْسَبُ ذَاكَ فَهُمْ فِي الْأَنْبِيَاءِ كَذَبُوا وَبَعْضُ مَنْ فَسَّرَ يَأْخُذُونَا عَنْهُمْ لِأَنَّهُمْ يُصَدِّقُونَا وَرُبَّمَا قَدْ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ مُسْلِمِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ لِيَكْذِبَنْ لَكِنَّهُ مَنْ قَبْلَهِ قَدْ كَذَبَا وَقَدْ رَوَاهُ مَا يَرَاهُ كَذِبَا بَلْ كَذَبَ الْيَهُودُ فِي عُزَيْرِ قَالُوا ابْنُ رَبِّي وَهُوَ أَيُّ جَوْرِ
(*) محول: مضى عليه حول، والمراد هنا لازمه وهو التبديل أي لا نبتغي تبديلا، وقد يقرأ بفتح الواو، فيكون مصدرا ميميا وخففت الواو للضرورة. إسماعيل) (2/381)
صفحة 991
بَابُ تَفْسِيرِ كَلِمَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ
الجزء الرابع
381
بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ وَلِيُّ وَقَالَ قَوْمٌ إِنَّهُ نَبِيُّ وَذَلِكَ الصَّفْوَانُ صَافِي الْحَجَرِ وَوَابِلٌ فَهْوَ أَشَدُّ الْمَطَرِ أَيْبْقَى ذَلِكَ التُّرَابُ فِيهِ تَرَاهُ بَعْدَ وَابِلِ يَأْتِيهِ وَهْوَ مِثَالُ عَامِلٍ لِغَيْرِ رَبِّي فَقَدْ حُرِّمَ كُلَّ خَيْرِ وَزَكَرِيَّا بِالْعَشِيِّ أُمِرًا يُسَبِّحُ اللَّهَ وَأَنْ يُبَكِّرَا إِنَّ الْعَشِيَّ آخِرُ النَّهَارِ أَوَائِلُ النَّهَارِ بِالْإِبْكَارِ وَأَكْمَةٌ يُبْرِؤُهُ الْمَسِيحُ فَذَاكَ مَنْ بَصَرُهُ مَمْسُوحُ يُولَدُ أَعْمَى فَإِذَا مَا أَبْصَرَا هَذَا فَلِاعْجَازُ (2) لَهُ قَدْ بَهَرَا وَقَالَ قَوْمٌ إِنَّهُ الْأَعْمَى وَلَمْ يَشْتَرِطُوا وِلَادَةً فَتُلْتَزَمْ مِنْ قَبْلِ تَوْرَاةِ الْكَلِيمِ حَرَّمَا يَعْقُوبُ شَيْئًا فَلَهُ لَمْ يَطْعَمَا وَذَاكَ فِيمَا قِيلَ لَحْمُ الْإِبِلِ وَكَانَ قَبْلَهُ مِنَ الْمُحَلَّلِ وَشَرْعُنَا أَحَلَّهُ فَنَحْنُ مِنْ قَوْمٍ تُخَالِفُ الْيَهُودَ فَاعْلَمَنْ وَكَانَ دِينُهُمْ مِنَ التَّحْرِيجِ فِي غَايَةٍ زَادُوهُ بِالتَّعْوِيجِ وَلَمْ يَكُنْ فِي دِينِنَا مِنْ حَرَجٍ وَذَلِكَ النِّيقُ وَسُوءُ الْمَخْرَجِ وَمَا الْغُرَابُ غَيْرَ طَائِرٍ عُهِدْ يُعَمَّرَنَّ أَلْفَ عَامٍ قَدْ وُجِدْ
(1) قوله: «مِثَالُ» هو مضاف إلى عامل.
(2) «فَلِاعْجَازُ»: بكسر اللام وإسقاط حركة الألف لإقامة الوزن.
(3) قوله: «لَحْمُ الإبل»، أي: أن يعقوب حرم لحم الإبل قال الله تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ جلا لِبَنِي إِسْرَاءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَاءِ يلُ عَلَى نَفْسِهِ} [آل عمران: 93]، وإسرائيل هو يعقوب. (2/382)
صفحة 992
382
الجزء الرابع
به
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
قَالَ الْعَدُوُّ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي مَعْنَاهُ عَنْ قُرْبِكَ قَدْ خَيَّبْتَنِي سَوْءَتُهُ عَوْرَتُهُ وَأَنْزَلَا لَنَا لِبَاسًا بِالشَّيَابِ حَصَلَا وَالرّيسُ قِيلَ الْمَالُ وَالْمَتَاعُ وَلِلتَّقَى مِنْ سِتْرِهَا أَنْوَاعُ وَذَلِكَ الْعَفَافُ وَالْكَفَافُ وَوَرَعٌ تَمَّتْ الْأَوْصَافُ وَلَيْسَ كَالتَّقْوَى لِبَاسٌ يُذْكَرُ لِكُلِّ سَوْأَةٍ تَرَاهَا تَسْتُرُ وَهْوَ يَرَاكُمْ حَيثُ لَا تَرَوْنَهُ وَيَدْخُلَنَّ حَيْثُ لا تَدْرُونَهُ مَعْنَاهُ يَخْتَفِي فَلَا نَرَاهُ وَمِثْلُهُ كُلُّ الَّذِي ضَاهَاهُ وَهُمْ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ فَلَا نَرَاهُمْ إِذْ سِتْرُهُمْ قَدْ حَصَلَا فَكُلُّ مَنْ قَالَ يَرَى الْجِنَّ فَقَدْ خَالَفَ ذَا فَقَوْلُهُ حَتْمًا يُرَدْ بَلْ قِيلَ يُبْرَأَنَّ مِنْهُ وَوَقَفَ بَعْضُ فَلَمْ يَبْرَأْ مِنَ الَّذِي وُصِفْ وَلَا أَقُولُ يُبْرَأَنَّ مِنْهُ وَالْآيِّ لَا أَقُولُ تَمْنَعَنْهُ لأَنَّ مَا فِيهَا هُوَ التَّخْبِيرُ عَنْ حَالِهِمْ وَذَلِكَ التَّحْذِيرُ وَرَصَدُ الْإِنْسِ إِذَا مَا رَصَدُوا لَسْنَا نَرَاهُ وَيَرَانَا الرَّصَدُ مُلْكُ سُلَيْمَانَ لَهُمْ يُصَرِّحُ رُؤْيَتَهُمْ فَالمَنْعُ لَيْسَ يَصْلُحُ وَالْمُصْطَفَى قَدْ أَمْسَكَ الشَّيْطَانَا وَهَمَّ أَنْ يَرْبِطَهُ عِيَانَا لِيَنْظُرُوهُ ثُمَّ بَعْدُ ذَكَرَا دُعَا سُلَيْمَانَ وَعَنْهُ أَخَرَا وَقَدْ رَآهُمْ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِي وَلَمْ يَكُنْ مُتَهَمَّا بِكَذِبِ (2/383)
صفحة 993
بَابُ تَفْسِيرِ كَلِمَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ
الجزء الرابع
383
تَصَوَّرَ الْجِنِّ (1) أُنَاسٌ أَنْكَرُوا وَقَالَ قَوْمٌ لَهُمُ تَصَوُّرُ
(2)
وَفِي دُخُولِهِمْ بِجِسْمِ الْإِنْسِ خُلْفٌ وَلِلْجَوازِ مَالَتْ نَفْسِي (2) وَقَوْلُهُمْ مِنَ المُحَالِ جِسْمُ يَدْخُلُ جِسْمًا لَمْ يَكُنْ يَعُمُّ إِذْ قَدْ يَكُونُ الْحِسْمُ ذَا أَجْوَافِ يَدْخُلُ فِي الْجَوْفِ بِلَا اخْتِلَافِ فَالْمَاءُ والطَّعَامُ حِسْمٌ دَخَلَا في جَوْفِ مَن يَمْنَعُ ذَا التَّدَخُلَا وَالكُلُّ جِسْمُ وَالْمُحَالُ جِسْمُ يَدْخُلُ جِسْمًا لَيْسَ فِيهِ الْحُكْمُ
(1) قوله: «تَصَوُّرَ الْجِنَّ»، أي: انقلاب صورهم على هيئات مختلفة، وهذا ممكن إذا كان من نوع قلب الأعيان كما يقع ذلك من أصحاب القمار، وأما الاقتدار على تبديل الصورة الحقيقية التي خُلق عليها الجني فهو عندي من المستحيل في حقه، والله أعلم. (2) مسألة دخول الجن في جسم الإنسان ليس لها استناد شرعي في الحقيقة، لا من الكتاب ولا السنة فقد أُلّفَ فيها كتب خاصة كآكام المرجان؛ وغيره. فأنت إذا جمعت ما يستدل به
من
حللناها
القائلون بصحة دخول الجني في جسم الإنسان؛ لا تجد إلا التأويل والتخمين. فالمسألة إذا من حيث الحقيقة فإننا نجد القول بثبوت ذلك دعوى لا نصيب لها من الصحة. فالجسم الحي لا يدخل في مثله، ولو كان الجني يستطيع أن يتشكل بحسب لَطَافِتِهِ بالحيوان الطفيلي، فلا منفذ له إلى الجسم وامتزاجه به امتزاج الدم؛ كما حملوا عليه حديث: «إن الشيطان ليجري من ابن آدم إلخ وما استدل به المصنف من دخول الطعام في جوف الإنسان لا ينهض شيئًا إذ الطعام مادة ميتة والجن أجسام حية، والعجب من ميله إلى قبوله مع تحقيقه وتدقيقه. نعم ميله يفيدنا مجرد استرواح منه دون الجزم، ولكنَّ القول بنفيه هو الذي يقبل عند التحقيق، ولو قلنا أن الجوف يبعد أن ينفذ إليه الجني وَلَوْ شديد اللطافة جدًا فتجاويف الهيكل الجسماني التي هي مجاري الدم غير ممكن أن ينفذ فيها جسم ذو روح، وهذا ما ينفيه النافون، والمس الذي ذكره القرآن، والجَرْيُ الذي ذكره الحديث كلاهما بمعنى الوسوسة والتخييل، وهذا في استطاعة الجن، وهم أجسام نارية في غاية اللطف، كما في استطاعة الملائكة التحدث إلى الإنسان وَإلْهَامُهُ وهم أجسام نورانية في غاية اللطافة، ولمذاهب الأعراب دخل كبير في راجت على الكثير، فاشتبه عليهم الأمر، ولا تنسى ما يبديه الدجالون من استخدام مردة الجن، الذين يوحون إلى أوليائهم ما صرف عن إدراك الحقيقة والله أعلم بالصواب. (أبو إسحاق)
المسألة، (2/384)
صفحة 994
384
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَالْجِنُّ قِيلَ يَتَنَاكَحُونَا كَمِثْلِنَا وَيَتَنَاسَلُونَا وَمِنْهُمُ الْكُفَّارُ وَالْأَبْرَارُ وَنُصَحَاءُ الدِّينِ وَالْأَخْيَارُ وَهُمْ عَلَى مَذَاهِبٍ تَفَرَّقُوا فَفِيهِمُ كَالْإِنْسِ أَيْضًا فِرَقُ وَالْخُلْفُ فِي تَزَوُّحِ الْإِنْسِيَّ جِنِّيَّةً يُذْكَرُ فِي الْمَحْكِي مَانِعُهُ يَمْنَعُهُ لأَجْلِ مَا كَانَ مِنَ الْغَيْبَةِ فِيهِمْ عُلِمَا
(1)
فَهُمْ يَغِيبُونَ عَنِ الْأَبْصَارِ يَكُونُ بِالزَّوْجَةِ غَيْرَ دَارِي لَعَلَّ غَيْرَهَا أَتَاهُ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهَا فَمِنْ هُنَاكَ حُظِلَا وَمَنْ يُجَوِّزْهُ يُجَوِّزْهُ لِمَا كَانَ مِنَ التَّكْلِيفِ فِيهِمْ لَزِمَا فَهُمْ كَمِثْلِنَا مُكَلَّفُونَا حِلًّا وَحُرْمَةً بِمَا يُنْهَوْنَا وَمَنْعُهُ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي إِنِّي أَرَى الْفِعْلَ لَهُ تَعَدِّي وَتَلْزَمُ الزَّكَاةُ الْإِغْنِيَاءَ مِنْهُمْ كَمَا تَلْزَمُنَا سَوَاءَ كَذَلِكَ الْحَجُّ كَذَا الصَّلَاةُ تَلْزَمُهُمْ وَالصَّوْمُ وَالصَّلَاتُ (2) حَتَّى يَصِحَ عُذْرُهُمْ مِن بَعْضٍ مَا قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ سُقُوطِ الْفَرْضِ وَدَعْوَةُ الرَّسُولِ أَيْضًا فِيهِمُ كَمِثْلِنَا بِلَا خِلَافٍ لَهُمُ لِأَنَّهُ لِلَّثقَلَيْنِ أُرْسِلَا فَبَلَّغَ الْجَمِيعَ مَا قَدْ حُمِّلَا وَرَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يَسْتَخْدِمَا لِلْجِنِّ نَالُوهُ بِمَا قَدْ أَلَّمَا
(1) قوله: «مِنَ الْغَيْبَةِ» بفتح الغين من الغياب.
(2) قوله: «الصَّلَاتُ»
جمع
صلة؛ وهي
ما كان مندوبا إليه من الصدقة والمعروف والتواصل. (2/385)
صفحة 995
بَابُ تَفْسِيرِ كَلِمَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ
الجزء الرابع
385
فَإِنْ يَكُنْ فِي نَفْسِهِ قَدْ قَدَّرَا يَقْوَى فَإِنَّهُ بِذَاكَ عُذِرَا وَإِنْ يَكُنْ قَدَّرَ عَجْزَهُ ضَمِنْ لِمَا أَصَابَهُ إِذَا لَمْ يَقْدِرَنْ وَمَا ضَمَانُهُ سِوَى الْإِثْمُ فَإِنْ تَابَ فَرَبُّ الْعَرْشِ عَنْهُ يَغْفِرَنْ وَأُمُّ بِلْقِيسَ مِنَ الْجِنِّ وَقَدْ قِيلَ كَذَاكَ أُمُّ دَجَالٍ تُعَدْ أَتَدْرِي أَنْتَ مَنْ هُمُ الْأَبَالِسَة هُمُ الشَّيَاطِينُ هُمُ الْأَخَانِسَهُ وَالْفَرْدُ إِبْلِيسُ فَهُمْ جَمْعٌ وَمَا يَكُونُ فِيهِمُ الْمُطِيعُ فَاعْلَمَا يَفْنَوْنَ إِلَّا جَدَّهُمْ إِبْلِيسَا يَكُونُ فِي تَعْمِيرِهِ مَنْحُوسَا وَإِنَّمَا الْأَعْرَافُ حَائِطٌ غَدَا مَا بَيْنَ جَنَّةٍ وَنَارٍ مَقْعَدَا وَأَهْلُهُ قَوْمٌ لَهُمْ أَفْعَالُ قَدِ اقْتَضَتْ حَبْسَهُمُ يُقَالُ فَيُحْبَسُونَ فِيهِ حَتَّى يُقْضَى مَا بَيْنَ هَذَا الْخَلْقِ ثُمَّ يُمْضَى ثُمَّ إِلَى الْجَنَّةِ يُحْشَرُونَا لِأَنَّهُمْ فِي ذَاكَ يَطْمَعُونَا يُسَلَّمُونَ وَيُهَنَّنُونَا بِذَلِكُمْ مِنْ قَبْلِ يَدْخُلُونَا ثُمَّ يُوَبِّخُونَ أَهْلَ النَّارِ عَلَى الَّذِي كَانَ مِنَ الْإِكْفَارِ وَقِيلَ إِنَّ أَهْلَهُ مَلَائِكَهُ تَشْهَدُ أَحْوَالًا لِقَوْمٍ سَالِكَة
و (1)
وَأَوَّلُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي أَظْهَرُ لِمَا إِلَيْهِ الْحَيُّ قَدْ تُؤَشِّرُ (1)
فَيَطْمَعُونَ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ يُرَجِّحَنَّهُ بِأَقْوَى حُجَّةِ
(1) قوله: «تؤشر»، أي: تشير. (2/386)
صفحة 996
386
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَقَوْمُهُ أَتَوْهُ يُهْرَعُونَا لِفُحْشِهِمْ مَعْنَاهُ يُسْرِعُونَا بُرْهَانَ رَبِّهِ أَتَى لِيُوسُفَا عِصْمَةُ رَبِّهِ لَهُ عَلَى الْوَفَا وَقِيلَ كَلٌّ مَا بِهِ ذِرَاعُ بِهِ عَنِ الذُّنُوبِ الاِمْتِنَاعُ وَقَالَ بَعْضُ قَدْ رَأَى يَعْقُوبَا عَضَ عَلَى إِبْهَامِهِ غَضُوبَا وَقَالَ بَعْضُ هَاتِفٌ قَدْ هَتَفَا وَقَالَ لَا تَفْعَلْ كَفِعْلِ مَنْ هَفَا وَقَالَ بَعْضُ صَنَمٌ قَدْ كَانَا غَطَّتْهُ قَالَتْ أَسْتَحِي يَرَانَا فَقَالَ تَسْتَحِينَ مِنْ جَمَادِ خَلَا مِنَ الْإِصْلَاحَ وَالْإِفْسَادِ كَيْفَ أَنَا لَا أَسْتَحِي مِنْ خَالِقِي فَبَادَرَ الْبَابَ بِلَا تَعَانُقِ فَأَمْسَكَتْهُ مِنْ قَمِيصِ مِنْ وَرَا لِيَرْجِعَنَّ نَحْوَهَا إِذْ نَفَرَا فَانْقَدَّ ذَلِكَ الْقَمِيصُ وَانْطَلَقْ فَبَادَرَ الْبَابَ وَكَانَ قَدْ خُلِقْ إِذَا بِزَوْجِهَا هُنَاكَ وَهْيَ فِي طِلابِهِ مِنْ غَيْرِ مَا تَوَقُفِ قَالَتْ فَمَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَا بِأَهْلِكَ السُّوءَ أَوِ الْفَسَادَا فَقَالَ إِنَّهَا هِيَ الْمُرَاوِدَهُ فَأَنْكَرَتْ أَقَامَ رَبِّي شَاهِدَهُ مِنْ بَعْدِ أَنْ رَأَوْا بَرَاءَةَ الْفَتَى بَدَا لَهُمْ أَنْ يَسْجُنُوهُ فَأَتَى سِيَاسَةً لِيَقْطَعُوا الْكَلَامَا وَيَدْفَعُوا مِنَ الْوَرَى الْمَلَامَا فَكَانَ فِي السِّجْنِ لِأَهْلِ السِّجْنِ أُنْسَا مُسَلِّيًا لِكُلِّ حُزْنِ عَلَّمَهُ إِلَهُهُ التَّعْبِيرَا فَكَانَ بِالرُّؤْيَا إِذًا خَبِيرًا (2/387)
صفحة 997
بَابُ تَفْسِيرِ كَلِمَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ
الجزء الرابع
387
فَكَانَ ذَاكَ سَبَبًا لِلْفَرَج إِذْ نَالَ بِالتَّعْبِيرِ حُسْنَ الْمَخْرَجِ مَنْزِلَةً عَالِيَةً قَدْنَالَا لَمَّا انْقَضَى مِنْ سِجْنِهِ مَا طَالَا مَلَّكَهُ خَالِقُهُ رِقَابَا عِبَادِهِ وَأَحْسَنَ الْمَآبَا أَكْثَرُ مَا قَدْ قِيلَ فِي الْأَحْلَامِ جُزْءٌ مِنَ الْوَحْيِ بِلَا تَمَامِ سِقَايَةً فِي رَحْلِهِ قَدْ جَعَلَا يَعْنِي إِنَاءً حَسَنًا مُكَلَّلَا وَهْوَ الَّذِي يَشْرَبُ فِيهِ الْمَلِكُ لِأَنَّهُ مِنْ ذَهَبٍ مُسَبَّكُ وَقَالَ بَعْضُ إِنَّهُ مِكْيَالُ مِنْ فِضَّةٍ كَانَ بِهِ يُكَالُ وَأَبَوَيْهِ فَوْقَ عَرْشِهِ رَفَعْ وَهْوَ سَرِيرُهُ الَّذِي لَهُ ارْتَفَعْ وَعَرْشُ بِلْقِيسَ سَرِيرُهَا وَقَدْ أَتَى بِمَعْنَى الْقَصْرِ فِيمَا قَدْ وَرَدْ عَرْسُ الْإِلَهِ أَيْ سَرِيرٌ دَبَّرَا فِيهِ أُمُورَ الْخَلْقِ مِمَّا قَدْ بَرَى فَمِنْ هُنَاكَ يَنْزِلُ التَّدْبِيرُ لِلْأَرْضِ ثُمَّ نَحْوَهُ يَصِيرُ وَهْوَ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى أَيْ قَهَرَا وَهُوَ كِنَايَةٌ لِمَنْ قَدْ ظَهَرَا [قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ مِنْ غَيْرِ سَيْفِ وَدَمٍ مُهْرَاقِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَهَا قَدْ قَهَرَا بِغَيْرِ سَيْفَ لِقِتَالٍ شَهَرَا وَذَلِكَ الصَّنْوَانُ فِي النَّخِيلِ هُوَ الْقَرِينُ عِنْدَنَا فِي الْقِيلِ أُمُّ الْكِتَابِ اللَّوْحُ حَيثُ جَمَعَا كُلَّ كِتَابٍ قَدْ أَتَى وَسُمِعَا
(1) الْأَحْلَام: جمع حُلم بضم الحاء واللام، هو ما يراه النائم في نومه من الأمور. (2/388)
صفحة 998
388
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَفِيهِ مَا لَمْ يَعْلَمَنْهُ أَحَدُ مِنْ خَلْقِهِ وَهْوَ الْعَظِيمُ الصَّمَدُ يُثْبِتُ مَا يَشَاءُ بَلْ وَيَمْحُو مَا دُونَهُ وَلَيْسَ يُمْحَا اللَّوْحُ وَخَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالِ وَذَاكَ طِينُ يَابِسٌ فِي الْحَالِ وَكَانَ ذَاكَ حَمَةً مَسْنُوْنَا أَيْ حُمْدَةٌ مُنْتِنَةً يَرْوُونَا فَصَارَ كَالْفَخَّارِ يَابِسًا وَمَا ذَلِكَ إِلَّا خَزَفًا قَدْ عُلِمَا وَكَانَ قَبْلَهُ تُرَابَا حَصَلَا بِذَاكَ جَمْعٌ مَالَهُ تَنَقَّلَا وَالْجِنُّ مِنْ نَارِ السَّمُومِ وَهْوَ مَا يَدْخُلُ فِي مَنَافِذٍ تَسَمُّمَا وَذَلِكَ الْمَارِجُ وَهْوَ مَا صَفَا مِنْ لَهَبِ النَّارِ كَذَاكَ وُصِفَا مَا أَبْدَعَ الْأَمْرَينِ هَلْ يُصوِّرُ إِمْكَانَ هَذَا عَقْلُكَ المُصَوِّرُ فاللهُ قَادِرٌ عَلَى مَا شَاءَا لَا تُنْكِرَنْ مَا كَانَ عَنْهُ جَاءَا نَقْبَلُ مَا نَعْقِلُهُ أَوْ نَجْهَلُ إِنْ صَحَ فِيهِ النَّقْلُ حَيْثُ يُنْقَلُ فَمَا عَذَابُ الْقَبْرِ وَالتَّنْعِيمُ مَا الْبَعْثُ مَا الْعَذَابُ مَا النَّعِيْمُ جَمِيعُ ذَاكَ مُمْكِنُ فِي الْقُدْرَةِ كَمَبْدَ الْحَالِ بِأُولَى النَّشْأَةِ وَسُجَّدًا للهِ دَاخِرُونَا أَيْ صَاغِرُونَ مُتَذَلِّلُونَا وَيَدْخُلُونَ النَّارَ دَاخِرِينَا جَبَابِرٌ مَعْنَاهُ صَاغِرِينَا أَنَقْفُ مَا لَيْسَ لَنَا بِعِلْمٍ وَقَدْ نُهِينَا فَهْوَ نَوعُ حُرْمِ فَمَا التَّعَاوِيدُ الَّتِي تُعَلَّقُ وَمَا الرُّقَى مَعْ جَهْلِنَا مَا نَنْطِقُ وَكَيْفَ نَكْتُبَنَّ مَا لَمْ نَدْرِ لَعَلَّ فِي ذَلِكَ نَوعَ كُفْرِ (2/389)
صفحة 999
بَابُ تَفْسِيرِ كَلِمَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ
الجزء الرابع
389
وَفِي التَّعَاوِيذِ إِذَا مَا عُلِمَتْ تَعْلِيقُهَا فِيهِ اخْتِلَافُ قَدْ ثَبَتْ أَجَازَهُ قَوْمٌ وَقَوْمٌ مَنَعُوا وَإِنَّنِي أَرْكَنُ مَعْ مَنْ يَمْنَعُ وَالْأَصْلُ قَدْ يَقُولُ بِالْجَوَازِ حَقِيقَةٌ وَلَيْسَ بِالْمَجَازِ يَقُولُ لَا أَرَى دَلِيلًا مَنَعَا مِنْهَا فَيُقْبَلَنَّ مَا قَدْ رُفِعَا قُلْتُ وَلَكِنْ فِعْلُهُ مُبْتَدَعُ وَالْأَصْلُ أَنْ يُمْنَعَ مَا يُبْتَدَعُ لِلْمَانِعِينَ أَنْ يَقُولُوا هَاتِ بِحُجَّةٍ تُؤْذِنُ بِالثَّبَاتِ فَمُثْبِتُ الْأَشْيَاءِ يَحْتَاجُ إِلَى ذَاكَ وَلَا يَحْتَاجُ مَنْ قَدْ حَظَلَا (1) مَنْ قَالَ بِالجَوَازِ قَالُوا يُكْرَهُ عَلَى بَهِيمَةٍ وَذَا تَنَزُّهُ وَلَا يَجُوزُ حَصْرُ بَوْلِ اللَّيِّ لِأَنَّهُ لِلضُّرِّ قَدْ يَسْتَقْصِي وَاللَّعْنُ فِي الْإِسْرَى (2) أَتَى لِلشَّجَرَهُ فَقِيلَ أَنَّهُ أَرَادَ الْكَفَرَهُ وَبَعْضُهُمْ قَالَ أَبُو جَهْلٍ وَمَا عَمَّمَ بَلْ خَصَّ لِمَا قَدْ فَهِمَا لأَنَّهُ الْمُنْكِرُ لِلرَّقُوم تَنَطَّعًا وَالنَّارِ وَالْيَحْمُوم وَقَالَ قَوْمٌ إِنَّمَا الْمَلْعُونُ آكِلُهَا مِنْ كُلِّ مَا يَكُونُ وَالْجَمَلُ الْمَلْعُونُ فِي التَّوْرَاةِ جَاءَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ عَنْ ثِقَاتِ يُرِيْدُ لَعْنَ مَنْ لَهُ قَدْ رَكِبَا وَذَاكَ مَخْصُوصٌ لِشَيءٍ طُلِبَا
(1) أي: منع.
(2) قوله: «في الإسرى»، أي: في سورة الإسرى. (2/390)
صفحة 1000
390
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَقِيلَ بَلْ شَجَرَةُ الزَّقُومِ تَنْبُتُ لِلكُفَّارِ فِي الْجَحِيمِ مَلْعُونَةٌ مُبْعَدَةٌ عَنْ رَحْمَتِهُ لِأَنَّ مَنْشَاهَا بِأَصْلِ نَقْمَتِهْ وَقَوْلُهُ أَرَاكَ مَثْبُورًا فَمَا أَرَادَ إِلَّا هَالِكًا عَلَى الْعَمَى وَقِيلَ مَصْرُوفًا عَنِ الْخَيْرَاتِ مَا دَامَ حَيًّا وَإِلَى الْمَمَاتِ فَصَدَّقَ الْإِلَهُ ظَنَّ مُوسَى إِذْ ظَنَّ فِي عَدِوِّهِ التَّأْبِيسَا (1) وَفَجْوَةٌ فِي كَهْفِهِمْ مُتَسَعُ لَهُمْ بَهَا مِن بَيْنِهِ تَوَسُّعُ وَقِيلَ ذُو الْقَرْنَينِ إِنَّهُ نَبِي وَقِيلَ عَبْدٌ صَالِحُ غَيْرُ أَبِي عَضَدَهُ إِلَهُهُ بِالْخَضِرِ مُؤَازِرًا فَحَبَّذَا مِنْ وَزَرِ) وَسَدُّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ بَنَى وَهُمْ مِنَ الْإِنْسِ عَلَى مَا بُيِّنَا أَوْلَادُ يَافِثٍ وَقِيلَ التُّرْكُ مِنْهُمْ فَجَرَّهُمْ إِلَيْنَا التَّرْكُ كَانُوا غُزَاةً فَبَنَى السَّدَّ فَلَمْ يَرَوْا سَبِيلًا فَأَقَامُوا وَانْحَسَمْ رِكْزًا هُوَ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ قِيلَا هَلْ تَسْمَعَنْ رِكْزًا لَهُمْ وَقِيلَا يَذَرُهَا قَاعًا مَكَانًا مُسْتَوِي وَصَفْصَفًا لَا نَبْتَ فِيهِ يَسْتَوِي إِذْ نَفَشَتْ فِي الْحَرْثِ أَغْنَامُ الْوَرَى فَذَاكَ أَكْلُ اللَّيْلِ فِيمَا فُسِّرَا وَأَكْلُهَا إِنْ كَانَ بِالنَّهَارِ فَذَاكَ رَعْيٌّ دُونَ مَا تَمَارِي وَالْوَيْلُ فَشَرُوا بِهِ النُّبُورَا وَهَالِكِينَ قِيلَ مَعْنَى بُورَا
(1) قوله: «التأييسا»، أي: الإياس من إيمانه فكان كذلك.
() الوزر: النصير. (إسماعيل). (2/391)
صفحة 1001
بَابُ تَفْسِيرِ كَلِمَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ
الجزء الرابع
391
وَالْهَبَأُ الْمَنْفُورُ شَيْءٌ يُنْظَرُ فِي الشَّمْسِ إِنْ مِنْ كُوَّةٍ يَنْتَشِرُ وَهْوَ مِثَالُ عَمَلِ الْكُفَّارِ يَصِيرُ فِي الْأُخْرَى كَمِثْلِ الذَّارِي) يَلْقَى أَثَامًا أَيْ جَزَاءَ الْإِثْمِ وَقِيلَ وَادٍ خَصَّهُ بِالْإِسْمِ وَذَاكَ فِي جَهَنَّمٍ وَقِيلَا غَيٌّ فَلَا يُوَفَّقُ السَّبِيلَا أَهْوَنُ يَعْنِي هَيِّنًا عَلَيْهِ مَا شَاءَهُ وَطَائِعًا لَدَيْهِ كَأَكْبَرِ يَعْنِي بِهِ كَبِيرًا فَأَفْعَلُ قَدِ اقْتَضَى التَّفْسِيرًا إِذْ بَابُهُ أَفْعَلَ لَكِنْ صُرِفَا عَنْ أَصْلِهِ لِأَجْلٍ مَعْنَى عُرِفَا إِذْ كُلُّهَا فِي قُدْرَةِ الْمَوْلَى سَوَا فَالْقَهْرُ فِي جَمِيعِهَا قَدِ اسْتَوَى وَلَمْ يُشَارِكْهُ تَعَالَى فِي الْعِظَمْ شَيْءٌ فَيَحْتَاجُ إِلَى الْفَضْلِ الْأَعَمْ وا عَلَيْهِ فَالصَّلَاةُ تَنْفَعُ قِيلَ وَلِلْعَيْنِ خُصُوصًا تَدْفَعُ
إِذَا رَأَيْتَ مَا بِهِ تُسَرُّ صَلِّ عَلَى الْمُخْتَارِ يُنْفَى الضُّرُّ وَقَدَّرَ الرَّبُّ مَنَازِلَ الْقَمَرُ بِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ وَفْقَ الْقَدَرْ تَسْبِيرُهُ وَالشَّمْسَ (2) فِي الْمَنَازِلِ بَهِيْئَةٍ يُعْرَفُ فِي الْأَوَائِل وَذَاكَ يُدْعَى عِنْدَنَا بِالْفَلَكِ ذَاتُ الْبُرُوحِ بَلْ وَذَاتُ الْحُبُكِ (3)
(1) قوله: «الذَّارِي» وهو ما تذريه الريح من التراب، وأصله المَذْرِي، فأطلق اسم الفاعل على المفعول، وكثر استعماله عندنا فصار حقيقة عرفية اهـ. (المصنف)
(*) وَفْقَ بفتح الواو الموافقة. (إسماعيل) (2) قوله: «وَالشَّمْسَ مفعول له أي مع الشمس، ويجوز أن يكون الواو للعطف؛ ولكنه ضعيف. (3) قوله: «ذات الحبك هي السماء والحبك مسالك الملائكة عليهم السلام فيها. (2/392)
صفحة 1002
392
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
يَعْنِي السَّمَا فَفِي جَمِيعِ الْآيِ حُجَّةً مَنْ أَثْبَتَهُ بِالرَّايِ وَإِنَّ فِيهِ لِلْوَرَى لَعِبَرَا لَا نَمْنَعَنَّ فِي النُّجُومِ النَّظَرَا وَإِنَّمَا نَمْنَعُ أَنْ تُرَاعَى فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ وَأَنْ تُرَاعَا) فَلَيْسَ لِلصَّحْبِ وَلَا لِلْمُصْطَفَى بِهَا اعْتِنَاءُ وَكَذَا مَنْ سَلَفَا
لَكِنَّهُ أُحْدِثَ بَعْدُ وَانْتَشَرْ وَكَانَ مِنْ عِلْمٍ قَدِيمِ قَدْ وَنَظْرَةُ النُّجُومِ مِنْ خَلِيلِ إِلَهِنَا حُجَّةٌ هَذَا الْقِيلِ وَالِاعْتِدَادُ بِالنُّجُومِ مُنِعَا فِي شَرْعِنَا فَفَارِقِ الَّذِي ادَّعَى (2) وَلِلْجَبِين تَلَّهُ أَلْقَاهُ بِشِدَّةٍ لِيُرْضِيَنْ مَوْلَاهُ مَنْهُ الذَّبِيحُ؟ قِيلَ إِسْمَاعِيلُ وَقِيلَ إِسْحَاقُ وَذَا عَلِيلُ إِذ أَصْلُهُ قَدْ كَانَ فِي الْمَوْجُودِ يُحْكَى لَنَا عَنْ حَسَدِ الْيَهُودِ وَالْقِطُّ قَدْ فُسْرَ بِالْكِتَابِ وَهُوَ الَّذِي يَجْمَعُ لِلْحِسَابِ فَقِطَّنَا عَجِّلْهُ أَيْ مَا كُتِبَا لَنَا فَعَجِّلْهُ لَنَا مُقَرَّبَا
(1) قوله: «تراعى» الأولى بمعنى تلاحظ، والثانية من الروع وهو الخوف. اهـ. (المصنف) (2) قوله: «وَالاعْتِدَادُ»، يعني: أن الاعتداد بالنجوم؛ على معنى التصديق بما يستدل به المنجمون من سعد أو نحس أو خير أو شر؛ ممنوع في شرع الله بل الخير والشر والنفع والضر كله دَع النُّجُومَ لِطُرْقِيَّ يَعِيشُ بِهَا وَبِالْعَزَائِمِ فَانْهَضْ أَيُّهَا الْمَلِكُ
إِنَّ النَّبِيَّ وَأَصْحَابَ النَّبِيِّ نُهُوا عنِ النُّجُومِ وَقَدْ أَبْصَرْتَ مَا مَلَكُوا
(3) تله: أي: صرعه.
من
الله.
(4) قوله: «وَالْقِطُّ»، يعني: الوارد في القرآن في قوله تعالى: {رَبَّنا عَجَل لَّنَا قِطَنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ) [ص: 16]، أي: كتاب أعمالنا. (2/393)
صفحة 1003
بَابُ تَفْسِيرِ كَلِمَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ
الجزء الرابع
393
وَذَاكَ مِنْ أَبْلَعْ تَكْذِيبٍ كَمَا قَالُوا فَأَسْقِطْ كِسَفًا مِنَ السَّمَا إِنَّ الشُّرُوقَ وَكَذَا الْإِشْرَاقُ وَقْتُ الطُّلُوعِ وَبِهِ اتَّفَاقُ لهُ مَقَالِيدُ السَّمَا فَرَبِّي لَهُ مَفَاتِيعُ السَّمَا لِلْقُرْبِ وَسَامِدُونَ قِيلَ شَامِخُونَا وَبَعْضُهُمْ قَالَ مُبَرْطِمُونَا يُقَالُ قَدْ بَرْطَمَ حِينَ انْتَفَخَا مِنْ غَضَبٍ وَهْوَ مَقَالُ رَسَخَا وَقِيلَ سَاهُونَ وَلَاعِبُونَا وَكُلُّهَا مَعَانِي سَامِدُونَا وَأَشَرٌ مَعْنَاهُ قِيلَ بَطَرُ فَذَلِكَ الْكَذَّابُ هُوَ الْأَشِرُ وَالنَّجْمُ أَشْجَارٌ بِغَيْرِ سَاقِ وَذَاكَ مِثلُ الْبَقْلِ بِاتِّفَاقِ وَمَا لَهُ سَاقٌ فَذَاكَ شَجَرُ جَمِيعُهَا يَسْجُدُ ثُمَّ يَشْكُرُ لَا يُنْزَفُونَ بِشَرَابِ الْجَنَّةِ لَا تَذْهَبَنْ عُقُولُهُمْ بِسَكْرَةِ وَذَاكَ مَعْنَى قَولِهِ مَا فِيهَا غَوْلُ (1) خِلَافَ خَمْرَةٍ يَأْتِيهَا ظِلُّ الْأَعَادِي فِي غَدٍ يَحْمُومُ وَهْوَ دُخَانُ أَسْوَدٌ بَهِيمُ وَالْمُزْنُ قَدْ فُسِّرَ بِالسَّحَابِ يَحْمِلُ لِلْمَاءِ وَلِلشَّرَابِ
وَبَعْضُهُمْ
قَدْ خَصَّهُ بِالْأَبِيضِ مِنَ السَّحَابِ وَالْعُمُومَ أَرْتَضِي
(2)
(1) الغؤل من الاغتيال، وبه سميت المادة المخدرة في الخمور لأنها تغتال العقول، والظاهر أن تسمية الكحول بهذا الاسم أخذ من الغول صحفت إلى كؤول باللغة الإفرنجية، فعربت ممسوخة ـ ككثير من العربية الأصل المفرنجة الفرع ـ إلى كحول فمن تأمل أصل الاشتقاق وقف على صحة هذا، والله أعلم. (أبو إسحاق) (2) قوله: «والْعُمُومَ أَرْتَضِي»، أي: أختار أن المزن اسم عام للسِّحاب كله لا يختص بالأبيض منه. (2/394)
صفحة 1004
394
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
(1)
وَالْمَاءُ يَأْتِيهِ مِنَ السَّمَاءِ وَهْوَ لَهُ يَكُونُ كَالْوِعَاءِ (1) وَقِيلَ فِيهِ يَتَكَوَّنَنَا وَقِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَا اعْلَمَنَّا مَوَاقِعُ النُّجُومِ رَبِّي أَقْسَمَا بِهَا وَذَاكَ الذِّكْرُ يَأْتِي أَنْجُمَا
قَدْ جَاءَ جُمْلَةً لِبَيْتِ الْعِزَّةِ وَجَاءَ لِلْمُخْتَارِ غَيْرَ جُمْلَةِ نُجِّمَ أَنْجُمًا وَيَعْنِي وُقِّتَا جُمْلَةَ أَوْقَاتٍ بَهَا لَهُ أَتَى كَمِثْلِ غَيْثَ أَعْجَبَ الْكُفَّارَا يَعْنِي بِهِ الزُّرَّاعَ لَا يُمَارَى سُمُّوا بِهِ إِذْ يَسْتُرُونَ الْبَذْرَا وَأَصْلُ مَعْنَى الْكَفْرِ كَانَ السِّتْرَا وَحِزْبُ رَبِّي مَنْ أَطَاعَ رَبِّي وَالْحِزْبُ لِلشَّيْطَانِ شَرُّ حِزْبِ يَجُرُّ حِزَبَهُ إِلَى النَّيْرَانِ وَاوَيْلَكُمْ يَا شِيْعَةَ الشَّيْطَانِ قَدْ كَبُرَ الْمَقْتُ لِمَنْ قَدْ قَالَا قَوْلًا وَلَمْ يُزَكِّهِ أَفْعَالَا فَالْمَقْتُ هُوَ الْبُغْضُ فَالْبَغِيْضُ عِنْدَ إِلَهِنَا هُوَ الرَّفِيضُ يُنْفَخُ فِي النَّاقُورِ قَرْنُ الصُّورِ إِذْ كَانَ يُدْعَى فِيهِ (2) بِالنَّاقُورِ شَرَابُ أَهْلِ النَّارِ مِنْ غَسَّاقِ وَهُوَ صَدِيدُهَا بِالاِتِّفَاقِ وَالْقَصْبُ قَتْ هَكَذَا قَدْ فُسَّرَا وَالطَّلْعُ مَوْنٌ وَهْوَ قَدْ تَأَخَّرَا
(1) قوله: «وَهْوَ لَهُ يَكُونُ كَالْوِعَاءِ قد كان هذا في نظر بعض القدماء، وأما الآن فلا يقول به أحد، بعدما أسفر عنه الكشف والبيان، وكون المطر تصعيدا من البحار والخلجان أعظم آية وأدل على قدرة الله عزَّ وجلَّ من صبه من السماء إلى السحاب.
وَفِي كُلِّ شَيءٍ له آيةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْوَاحِدُ
(2) قوله: «فيه»، أي في القرآن والمعنى أن الصور يسمى في القرآن بالناقور ـ اهـ. مصنفه. (2/395)
صفحة 1005
بَابُ تَفْسِيرِ كَلِمَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ
الجزء الرابع
395
(3)
مَحَلُّهُ قَدْ كَانَ عِندَ الْوَاقِعَهُ فَلَمْ أَجِدْهُ لِأَكُونَ رَافِعَهُ هَلْ ثُوبَ الْكُفَّارُ؟ أَيْ هَلْ عُوقِبُوا وَكَانَ تَوْبِيخُ لَهُمْ إِذْ عُوتِبُوا وَالشَّفْعُ خَلْقُ وَالْإِلَهُ وَتْرُ وَالْعَقْلُ فِي التَّفْسِيرِ هُوَ الْحِجْرُ وَيُطْلَقُ الْحِجْرُ عَلَى الْحَرَامِ فِي غَيْرِ ذَا الْمَوْضِعِ فِي الْكَلَامِ وَقتُ الضُّحَى مُنْذُ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ إِلَى انْتِصَافِهِ بِغَيْرِ لَبْسِ وَمَا أَتَى فِي الْوَصْفِ لِلْقُرْآنِ بِأَنَّهُ مَأْدُبَةُ الرَّحْمَنِ مَعْنَاهُ مَدْعاةٌ إِلَى الْحَقِّ الْجَلِي فَدَعْوَةُ الْقُرْآنِ للرَّبِّ الْعَلِي قَالَ النَّبِي (3) أَمْتَهَوِّكُونَا أَنْتُمْ فَيَعْنِي مُتَحَيِّرِينَا كَمِثْلِ مَا تَهَوَّكَتْ يَهُودُ تَحَيَّرَتْ وَدِينُهَا مَوْجُودُ وَعِتْرَةُ الْإِنْسَانِ أَيْ قَرَابَتُهُ وَالْآلُ أَهْلُ بَيْتِهِ جَمَاعَتُهُ وَمَنْ يَكُنْ فِي دِينِهِ قَدْ تَبِعَهْ فَذَاكَ أَيْضًا آلُهُ فَاتَّبِعَهُ وَالْأَصْلُ قَدْ فُسِّرَ بِالْجَنَانِ وَالْفَصْلُ قَدْ فُسِّرَ بِاللَّسَانِ وَالْحَنْتَمُ الْخَصْرَا هِيَ الْجِرَارُ وَهْيَ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الْأَخْبَارُ وَمَا الشَّرِيدُ غَيْرَ خُبْزِ أُدِمَا بِاللَّحْم كَيْ يَأْكُلَهُ مَنْ طَعِمَا وَهُوَ الَّذِي يُعْرَفُ بِالْمُقَطَّعِ فِي عُرْفِنَا فَقَرِّبَنْ وَقَطَّع
(3) «قَالَ النَّبِي»: بإسكان ياء النبي لإقامة الوزن. (4) قوله: «وَالْأَصْلُ»، أي: قولهم أصل فلان وفصله، أي قلبه ولسانه، وقيل: أصله آباؤه وفصله أولاده. (5) قوله: «أُدِمَاء، أي: وضع في الإدام. (2/396)
صفحة 1006
396
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
دَرَاهِمَا قَدْ زُبِّقَتْ بِزَيْبَقِ وَزُيِّفَتْ فَمِنْ هُنَا لَمْ تَنْفُقِ) فَذَاكَ وَجْهُ مَا يُقَالُ عَنْ ثِقَهُ بِأَنَّهَا دَرَاهِمٌ مُزَيَّقَهُ وَقَدْ وَجَدْنَا الذِّكْرَ لِلْبَوَارِي وَهْيَ السَّمِيمُ) فِي اسْمِهَا الْمُخْتَارِ وَمَا عَسِيبُ فَهْوَ اسْمُ جَبَلِ بِبَلَدِ الرُّومِ يُقَالُ فَاقْبَلِ وَالسَّامُ فَهْوَ الْمَوْتُ عِندَ الْعَرَبِ وَالسَّامُ أَيْضًا قِيلَ عِرْقُ الذَّهَبِ وَلَيْتَ شِعْرِي لَيْتَ عِلْمِي فُسِّرَا كَذَاكَ يَوْمًا مَا إِذَا مَا ذُكِرَا فَإِنَّهُ يُرَادُ مُبْهَمُ الزَّمَنْ فَذَاكَ الْوَقَتْ لَمْ يُعَيَّنَنْ
به
بَابُ الضَّوَابِط
وَذَكَرَ الْأَصْلُ لِبَعْضِ الْكَلِمِ ضَوَابِطًا كَمُتْعَةٍ وَدِرْهَم فَمِتْعَةُ النِّكَاحِ بِالْكَسْرِ وَمَا فِي الْحَجِّ مُتْعَةٌ بِضَمِّ فَاعْلَمَا وَدِرْهَم بِكَسْرِ دَالِهِ وَقَدْ يُفْتَحُ وَالْكَسْرُ الْكَثِيرُ الْمُعْتَمَدُ وَالْحَجْرُ بِالْفَتْح هُوَ الثَّبَانُ وَكَسْرُهُ جَاءَ بِهِ الْبَيَانُ يُقَالُ فِي حَجْرِ فُلَانٍ قَدْ نَشَا مَعْنَاهُ فِي تُبَانِهِ قَدِ انْتَشَا وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْحَصَانَةِ وَمَا بِهَا مِنْ لَازِمِ الرِّعَايَةِ وَالْحِجْرُ بِالْكَسْرِ هُوَ الْعَقْلُ فَقَطْ وَهْوَ عَلَى الْحَرَامِ أَيْضًا قَدْ سَقَطْ
(1) قوله: «لَمْ تَنْفُقِ»، أي: لم تَرُج ولم تَمْشِ فِي الصَّرْفِ.
() المراد الحصير، ويسمى عندنا سُمَّة، ويجمع
على
سميم. (إسماعيل) (2/397)
صفحة 1007
بَابُ الضَّوَابِطِ
الجزء الرابع
397
وَسَعَةُ الْمَالِ غِنِّى بِالْقَصْرِ وَكَكَلَام سُدَّةٌ لِلْفَقْرِ وَالْمَدُّ أَيْضًا صَوْتُ مَنْ يُغَنِّي فَهْوَ الْغِنَاءُ حِرْفَةُ الْمُغَنِّي وَالْغِمْدُ بِالْكَسْرِ غِلَافُ السَّيْفِ وَمِثْلُ عُثْمَانَ لِقَصْرِ سَيْفِ (1) فَذَاكَ عُمْدَانَ لَقَصْرِ مَا بُنِي كَمِثْلِهِ لِحِمْيَرٍ فِي الْيَمَنِ وَهْوَ بِصْنَعَا وَالْمُلُوكُ تَسْكُنُهُ وَكُلُّ سَاكِن لَهُ يُحَصِّنُه دَعَا عَلَيْهِ الْمُصْطَفَى فَانْهَدَمَتْ أَرْكَانُهُ بِلَا حَدِيدٍ هُدِّمَتْ لَمَّا رَأَتْهُ ابْنَتُهُ يَلُوحُ مِثْلَ سُهَيْلٍ هَكَذَا مَشْرُوحُ وَذَاكَ أَنَّهُ بَنَاهُ يَعْرُبُ وَقِيلَ يَشْرُحُ وَهَذَا أَقْرَبُ بَنَاهُ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ أَحْمَرِ وَأَبْيَضِ وَأَصْفَرٍ وَأَخْضَرِ وَطَبَقَاتُهُ يُقَالُ سَبْعُ صَاعِدَةٌ مَا بَيْنَ كُلِّ ذَرْعُ فَأَرْبَعُونَ مِنْ ذِرَاعٍ يُوجَدُ عُلُو كُلِّ طَبْقَةٍ تَصَعَّدُ وَكُلٌّ مَا كَانَ بِهَذَا الْحَالِ يَلُوحُ كَالنَّجْمِ بِلَا إِشْكَالِ لَكِنَّنِي لَمْ أَجِدَنَّ مَا ذُكِرْ فِي خَبَرٍ وَلَمْ أَجِدْهُ فِي أَثَرْ وَعَلَّهُ رَآهُ فِي كُتُبِ الْقَصَصْ وَظَنَّ حَقَّهُ فَضَمَّهُ وَقَصْ بَلِ الَّذِي وَجَدْتُ فِي غُمْدَانَا وَهَدْمِهِ عَلَى يَدَيْ عُثْمَانَا
(1) قوله: «مثل عثمان»، أي: بضم أوله فهو غمدان؛ قصر لحمير، وآخرهم سيف ابن ذي يزن، إضافة إليه للوزن والجناس المتماثل بين السيف وسيف. اهـ. مصنفه.
(*) أي غَنَاء ـ على وزن كلام - ما يُسَدُّ به الفقر وفي الحديث لا يجد غَنَاء يُغْنِيهِ). (إسماعيل) (2/398)
صفحة 1008
398
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
فتْيَا بِضَمِّ الْفَاءِ وَالْكَسْرُ وُجِد وَإِنْ تَقُلْ فَتْوَى بِفَتْحِهَا فَقَدْ (1) زِرَاعَةٌ وِجَازَةٌ) شِرَاطَهُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ نَرَى انْضِبَاطَهُ وَهَكَذَا كُلُّ فِعَالَةٍ أَتَتْ مِنْ حِرْفَةٍ عَلَى قِيَاسِ قَدْ ثَبَتْ وَخَتَنُ بَفَتْحَتَيْنِ قِيلَ لَا يُنَوَّنَنَّ فَاطْلُبَنَّ الْعِلَلَا بَل مَنْعُ صَرْفِهِ لِأَجْلِ الْعَلَمِ وَوَزْنِ فِعْلِ الْمَاضِي عِنْدَ الْفَهِم فَهْوَ عَلَى قَرَابَةٍ لِلزَّوْجَةِ يُطْلَقُ فَهْوَ عَلَمُ الْجِنْسِيَّةِ وَرُبَّمَا التَّأْنِيثُ فِيهِ يَرْشَحُ (3) إِنْ صَحَّ هَذَا الْوَجْهُ فَهْوَ أَوْضَحُ وَاسْمٌ كَقُفْلٍ وَكَحِمْلٍ أَيْ بِضَمْ أَوَّلِهِ وَكَسْرِهِ طُرًّا رُقِمْ (بُهْلَا) بِضَمِّ الْبَاءِ أَيْضًا وَ (كُدَمْ)) بِالضَّمِّ وَ (الرُّسْتَاقُ) مِثْلُهَا تُضَمْ وَمِثْلُهَا (بُسْيَا) وَ (إِزْكِي) تُكْسَرُ كَذَاكَ (إِبْرا) هَمْزَهَا قَدْ كَسَرُوا وَالْفَتْحُ فِي الْحَمْرَا) وَأَمَّا (أَدَمُ) بِفَتْحَتَينِ وَالْإِلَهُ أَعْلَمُ (عبْرِي) بِكَسْرِ الْعَيْنِ ثُمَّ (يَنْقُلُ بِالْفَتْحِ فَالصَّمِ بِوَزْنِ يَقْتُلُ أَمَّا (فِدَى فَهْيَ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالْفَتْحُ فِي (نَزْوَى) بِلَا مِرَاءِ وَ (مَنَحُ) بِفَتْحَتَينِ ثُمَّ ضُمْ صَادِ (صُحَارَ) وَبِهَذَا قَدْ تَتِمْ
(1) أي: فقط.
(2) الْوِجَازَة: عند أهل عُمان قطع سعف زور النخلة بالمنجل من فوق الكربة، والشراطة قطعة بالمخلب مع الكربة وتسمى خلابة.
(3) قوله: «يَرْشَحُ»، أي: يحسن.
(4) قوله: «بهلا وما ذكره بعدها من القرى كلها من قرى عُمان المشهورة. (2/399)
صفحة 1009
بَابُ جَامِعِ الْآدَابِ
الجزء الرابع
399
وَقِيلَ كَسْرُ السِّينِ فِي الشِّطْرَنْجِ وَفَتْحُهَا مِنْ لُعَبِ الْإِفْرَنْحِ وَأَنِّثِ الْمَنْسُولَ لَا تُذَكَّرِ وَهْيَ الَّتِي تَكُونُ لِلتَّدَتُّرِ وَإِنَّمَا دَاوُدُ عِندَ الْأَمْجَدِ كَمِثلِ طَاوُسٍ بِوَاوِ مُفْرَدِ فَوَاؤُهُ قَدْ أُخِذَتْ لِعَمْرِو يَعْنِي بِوَادٍ كَتَبُوهُ فَادْرِ فَحَقُهَا تُزَادُ فِي دَاوُدِ فَلَمْ يَكُنْ كَذَاكَ فِي الْمَوْجُودِ فَكَتَبُوا عَمْرًا بِوَاوِ لِيَصِحُ تَمْيِيرُهُ عَنْ عُمَرٍ وَيَتَّضِحْ وَإِنَّمَا السَّوَاقِي كَالْغَوَاشِي وَالنَّقْصُ فِي أَشْبَاءِ هَذَا فَاشِي بِالْيَاءِ فِي التَّعْرِيفِ تُكْتَبَنَّا أَوْ نُكِّرَتْ فَالْيَاءُ تُحْذَفَنَا وَكُلُّ وَاحِدٍ لَهُ مَحَلُّ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَقُولُ الْأَصْلُ وَتُكْتَبَنَّ سَكَنًا وَسُكْنَى وَكُلُّ وَاحِدٍ يَحُوزُ مَعْنَى
بَابُ جَامِع الْآدَابِ
وَمَا زَكَى فِي الْمَرْءِ مِنْ خِصَالِ يُعْرَفُ بِالْآدَابِ فِي الْأَحْوَالِ فَحِلْيَةُ الرِّجَالِ مَعْنَى الْأَدَبِ وَحِلْيَةُ النِّسَاءِ لِبْسُ الذَّهَبِ وَالْمَرْءُ مَعْرُوفٌ بَمَا قَدِ اتَّصَفْ بِهِ فَكُنْ مِمَّنْ بِخَيْرٍ قَدْ عُرِفْ وَالْفَخْرُ فِيمَا بَيْنَنَا فِي الْأَدَبِ وَالدِّينِ لَا فِي غَيْرِهِ مِنْ نَسَبٍ أَحَبُّ إِخْوَانِي لِيَ الْمَدِينُ (5) نَّنِي بِحُبِّهِ أَدِينُ
(5) قوله: «المدين»، أي: صاحب الدين وهو المتمسك بأمره، القائم بجميع شروطه. (2/400)
صفحة 1010
400
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
إِنْ غِبْتُ عَنْهُ غَيْبَةً يَعْذُرُنِي وَإِنْ رَدَدَتْ نَحْوَهُ يَقْبَلُنِي حُبُّكَ لِلشَّيءِ يُغَطِّي عَيْبَهُ وَيَسْتُرَنَّ عَيْبَهُ وَرَيْبَهُ حُبُّكَ يُعْمِي وَيُصِمُّ فَاحْذَرِ مِنَ الْهَوَى فَإِنَّهُ لَمْ يَذَرِ بَلْ حُبَّ مَا يُحِبُّهُ مَوْلَاكَا مِنْ دِينِهِ فَهْوَ الَّذِي هَدَاكَا فَأَنْتَ عَبْدٌ لِلَّذِي تُحِبُّ تَجْرِي عَلَى وِفْقِ الَّذِي يُحِبُّ هَاكَ كَلَامًا خُتِمَ التَّوْرَاةُ بِهِ رَوَاهُ الْقُدْوَةُ الثَّقَاتُ كُلُّ أَمِيرٍ لَا يَكُونُ عَادِلَا فَهْوَ لِفِرْعَوْنَ غَدًا مُمَائِلَا وَكُلُّ ذِي عِلْمٍ وَلَمَّا يَعْمَلِ بِهِ فَإِبْلِيسُ لَهُ فِي الْمَثَل وَكُلُّ ذِي مَالٍ بِهِ لَمْ يَسْتَرِحْ فَهُوَ سَوَاءٌ وَالْفَقِيرُ قَدْ شُرِحْ وَكُلُّ ذِي فَقْرٍ أَخُو سُؤَالِ لِلْأَغْنِيَا كَلْبٌ بِلَا جِدَالِ وَكُلُّ خَوْدٍ بَيْتَهَا لَمْ تَلْزَمِ فَهيَ سَوَاءٌ وَالْإِمَاءُ فَاعْلَمِ وَمَنْ يَكُنْ قَدْ طَلَبَ الرِّيَاسَة فَلْيَحْتَمِلْ لِمَصَضِ السَّيَاسَهُ وَقِيلَ إِنَّ غَضَبَ الْإِنْسَانِ لَا شَكٍّ فِيهِ مُفْسِدُ الْإِيْمَانِ كَمِثْلِ مَا قَدْ يُفْسِدُ الصَّبْرُ) الْعَسَلَ وَالْعَفْوُ يُصْلِحَنَّهُ إِذَا حَصَلْ مَا سَادَ مَنْ لَمْ يَعْفُ عَمَّنْ أَذْنَبَا لَوْ كَانَ بِالْعَمْدِ لَهُ مُرْتَكِبًا
إِيَّاكُمُ وَكَثْرَةَ الْمِزَاحِ فَإِنَّهُ يُفْضِي إِلَى التَّلَاحِي
(1) الصبر: هو المر.
(2) أي: التخاصم.
(2) (2/401)
صفحة 1011
بَابُ جَامِعِ الْآدَابِ
الجزء الرابع
401
التَّكْثِيرُ
فَشَرُّهُ لَا شَكٍّ لَا يُحَالُ وَخَيْرُهُ قَدْ قِيلَ لَا يُنَالُ وَإِنْ مَزَحْتَ فَاحْذَرَنَّ الزُّورَا وَاجْتَنِبِ الْبَاطِلَ وَالْفُجُورَا فَالْمُصْطَفَى يَمْزَحُ لَكِنْ لَمْ يَقُلْ عِنْدَ الْمِزَاحِ غَيْرَ حَقٌّ قَدْ قُبِلْ قَلِيلُهُ يُحْمَدُ وَالْكَثِيْرُ يُذَمُّ فَلْيُحْذَرْ به وَالصَّدْقُ مِنْ شِيمَةِ أَهْلِ الْكَرَم قَدْ أَمَرَ اللهُ بِهِ ذُو الْعِظَمِ وَالْكِذْبُ فَهْوَ شِيْمَةُ اللُّثَامِ فَلَا يَجُوزُ كَذِبُ الْأَنَامِ مَنْ أَكْرَمَ الْكَرِيمَ يَمْلِكَنْهُ مَنْ أَكْرَمَ اللَّئِيمَ يُبْطِرَنْهُ وَقِيلَ فِي الْأَسْفَارِ تَكْشِفَنَّا عَنْ خُلُقِ الْفَتَى فَيُعْرَفَنَّا فَيَظْهَرَنْ مَعَادِنُ الرِّجَالِ وَضِدُّهَا وَكَرَمُ الْفِعَالِ إِيَّاكُمْ وَصُحْبَةَ الْأَشْرَارِ فَإِنَّهَا دَاعِيَةٌ لِلنَّارِ فَيُفْسِدُ الْقَرِينُ فِي الْيَوْمِ كَمَا قَدْ يُفْسِدُ اللَّعِينُ فِي الشَّهْرِ اعْلَمَا وَالنَّفْسُ مِنْ ذَيْن أَشَدُّ فَاحْذَرٍ مَكَائِدَ النَّفْسِ وَسُوءَ الْمَخْبَرِ وَإِنَّمَا جَوَاهِرُ الرِّجَالِ تُعْرَفُ فِي تَقَلُّبِ الْأَحْوَالِ وَقِيلَ إِنَّ الصَّدْقَ فِي الْكَلَامِ أَعَزُّ لِلْمَرْءِ مِنَ الْحُسَامِ عَلَيْكَ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَا يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ لَهُ يُلَقَّى وَالْبِرُّ يَهْدِيهِ إِلَى الْإِيمَانِ وَذَاكَ يَهْدِيهِ إِلَى الْجِنَانِ وَالْكِذْبُ يَهْدِيهِ إِلَى الْفِجَارِ وَذَاكَ يَهْدِيهِ غَدًا لِلنَّارِ فَإِنْ تَشَا النَّجَاةَ لَا تَكَلَّمِ إِلَّا بِمَا يَعْنِيكَ يَا ذَا تَسْلَمِ (2/402)
صفحة 1012
402
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَلَا تَقُوْلَنَّ مَقَالًا هُجْرَا وَهَكَذَا لَا تَفْعَلَنَّ شَرًا إِنَّ اللَّسَانَ يَقْطَعُ الْآجَالَا مِثْلُ الْحُسَامِ يَقْطَعُ الْأَوْصَالَا (2) وَيَحْصُدُ الْإِنْسَانُ مَا قَدْ زَرَعَا وَإِنَّهُ يُجْزَى بِمَا قَدْ صَنَعَا إِنَّ الْعَزِيزَ مَنْ يُعِزُّ الْحَقُّ وَضِدُّهُ الَّذِي يُذِلُّ الْفِسْقُ مَنْ حَفِظَ الْأَسْرَارَ حَالَ الْغَضَبِ فَهْوَ الْكَرِيمُ عِنْدَ أَهْلِ الْأَدَبِ لَيْسَ الَّذِي إِنْ زَلَّ مَنْ صَافَاهُ بَثَّ مِنَ الْأَسْرَارِ مَا أَعْطَاهُ وَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ الْإِنْسَانُ يُهِينُ مَنْ أَكْرَمَهُ الْمَنَّانُ وَمَنْ يُهِنْهُ اللهُ مَا لَهُ مُعِزْ فَكُنْ مِنَ التَّقْوَى عَلَى حَالٍ تَعِزْ وَإِنْ رَضِيتَ بِقَلِيلِ الْقُوتِ أَصْبَحْتَ حُرًّا لَيْسَ بِالْمَمْقُوتِ خَيرُ الْأُمُورِ يا فَتَى أَوْسَطُهَا وَاللَّهُ أَرْزَاقَ الْوَرَى يَبْسُطُهَا فَكُلْ لَذِيذَا وَالْبَسِ الْجَدِيدَا وَعِشْ حَمِيدًا ثُمَّ نَمْ شَهِيدًا
فَأَكْلُكَ اللَّذِينَ أَكْلُ كَانَا مِنْ بَعْدِ جُوعٍ فَافْهَمِ الْبَيَانَا وَلِبْسُكَ الْجَدِيدَ لِبْسُ التَّوْبِ تَغْسِلُهُ عَنْ دَنَسٍ وَرَيْبِ تَلْقَاهُ كَالْجَدِيدِ حِينَ تَلْبَسُ ولَمْ يُرَدْ جَدِيدُ مَا قَدْ يُلْبَسُ وَنَمْ شَهِيدًا طَاهِرًا مِنْ كُلِّ مُنَجِّسٍ تَظْفَرْ بِنَيْلِ الْفَصْلِ
(1) قوله: «هُجْرَا» بضم الهاء، أي: فُحْشًا وباطلاً. (2) قوله: «يَقْطَعُ الْآجَال»، أي: يكون سببًا لموت صاحبه، فينقضي أجله بسببه، وليس المراد ما طائفة من المعتزلة أن المقتول يموت قبل أجله، الذي قدر له لو لم يقتل؛ فإن هذه
تزعمه
مقالة باطلة ـ اهـ. مصنفه. (2/403)
صفحة 1013
بَابُ جَامِعِ الْآدَابِ
الجزء الرابع
403
وَعِشْ حَمِيدًا زَاكِيَ الْخِصَالِ مُتَّقِيَّا فِي الْقَولِ وَالْفِعَالِ وَوَلَدُ السُّوءِ يَشِينُ السَّلَفَا وَيَهْدِمَنَّ يَا أُخَيَّ الشَّرَفَا وَتُكْرَهُ الْعَجْلَةُ فِي الْأُمُورِ وَفِي التَّأَنِّي الدَّفْعُ لِلْمَحْذُورِ قَدْ أَمَرَ الرَّحْمَنُ بِالتَّبَيُّنِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ لِلتَّيَقُنِ كَيْ لَا نُصِيبَ الْقَوْمَ بِالْجَهَالَهُ فَنَنْدَمَنْ عَلَى ارْتِكَابِ الْحَالَهُ وَحَافِرٌ حُفْرَةَ سُوءٍ لِأَخِ يَسْقُطُ فِيهَا فَانْهَمَنْ وَأَرْخِ مَنْ شَاءَ خِلَّا لَمْ يَكُنْ مَعْيُوبَ لَمْ يَلْقَهُ لَوْ رَكِبَ الصَّعُوبَا (2) وَفَاتَهُ الدَّهْرُ بِلَا أَصْحَابِ وَهْوَ صَحِيحُ لَيْسَ بِارْتِيَابِ إِذِ الْكَمَالُ فِي الْوَرَى عَزِيزُ وَالْكَامِلُ الْفَرْدُ هُوَ الْعَزِيزُ مَنِ اسْتَعَانَ بِذَوِي الْعُقُولِ فَازَ إِذَا بِدَرَكِ الْمَأْمُولِ اسْتَشَارَ لِذَوِي الْأَلْبَابِ يَسْلُكْ طَرِيقَ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ مَا خَابَ قَدْ قِيلَ مَنِ اسْتَخَارًا كَلَّا وَلَمْ يَنْدَمْ مَنِ اسْتَشَارَا فهيَ إِذًا حِصْنٌ مِنَ النَّدَامَهُ وَإِنَّهَا أَمْنُ مِنَ الْمَلَامَهُ مَنْ لَمْ يُشَاوِرْ رَجُلًا رَشِيدًا عَنْهُ الصَّوَاب قَدْ غَدَا بَعِيدًا اسْتَشَارَ رَجُلًا قَدْ شَرَّكَهُ فِي عَقْلِهِ وَقَدْ أَرَاهُ مَسْلَكَهُ
مَن
مَنِ
(1) قوله: «مَعْيُوبَا» لغة عُمانية موافقة للغة تميم والمشهور معيب - اهـ. (المصنف) (2) قوله: «الصَّعُوبَا» هي الدابة التي تعصي راكبها، وأكثر ما يعرف بهذا الإسم صعاب الإبل يقال:
مطية صعباء وفرس شموس. (2/404)
صفحة 1014
404
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَإِنْ أَرَدْتَ مِنْ فَتَّى مُشَاوَرَهُ فَانْظُرْ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تُشَاوِرَهْ فَإِنْ تَرَى فِيهِ وِدَادًا خَالِصَا ثُمَّ وُفُورَ الْعَقْلِ فِيهِ شَاخِصَا وَعَارِفًا حَالَكَ بِالْحَقِيْقَة شَاوِرْهُ وَاقْصِدْ سَالِكًا طَرِيقَة وَإِنْ تَكُنْ لَمْ تَجِدِ الْمَذْكُورَا فِيهِ فَجَانِبُهُ وَخَلّ السُّورَى ومَنْ أَتَى الْأُمُورَ دُونَ فِكْرَةِ يَكُونُ مَعْرُوفًا بِسُوءِ الْعَثْرَةِ مَعْ قِلَّةِ الْفِكْرَةِ تَكْثُرَنَّا عَشْرَتُهُ إِنْ لَمْ يُفَكِّرَنَّا وَكُلُّ مَنْ قَدْ قَبِلَ النَّصِيحَة تَصُونُهُ عَنْ فِعْلَةِ الْقَبِيحَة زُيِّنَ هَذَا الدِّينُ بِالسَّمَاحَ وَحُسْنِ أَخْلَاقِ الْوَرَى يَا صَاحِ لَا تَقْطَعَنَّ عَادَةَ الْإِحْسَانِ عَنْ أَحَدٍ مَا دُمْتَ ذَا إِمْكَانِ فَإِنَّ ذَاكَ عِنْدَهُمْ عَادَاتُ وَالْمُحْسِنُونَ فِي الْوَرَى سَادَاتُ مَنْ قَطَعَ الْعَادَةَ عَنْكَ عَادَى فِي مَثَلِ يُضْرَبُ فِينَا عَادَا (1) أَشَدُّهُ فِي الْأَهْلِ وَالْجِيرَانِ إِذْ لَهُمْ فَضْلٌ مِنَ الْإِحْسَانِ وَيُعْرَفُ الْجَاهِلُ بِالْتِفَاتِهِ وَيُعْرَفُ الْعَاقِلُ مِنْ سَمَاتِهِ فَإِنْ تَرَى مُلْتَفِتًا كَثِيرًا فَقُلْ أَرَاهُ جَاهِلًا كَبِيرًا فَإِنَّ ذَا الْعِلْمِ يَغُضُّ الْبَصَرَا عَنِ الَّذِي لَمْ يَعْنِهِ وَالنَّظَرَا وَهَكَذَا يَجْتَنِبُ الْفُضُولَا مِنَ الْكَلَامِ لَا تَكُنْ جَهُولًا
(1) قوله: «عادى» أي عاداك، وعادا الثانية بمعنى صار وبينهما الجناس المتماثل ـ اهـ. مصنفه. (2/405)
صفحة 1015
بَابُ جَامِعِ الْآدَابِ
الجزء الرابع
405
وَأَبْخَلُ النَّاسِ فَتَّى قَدْ بَخِلَا عَلَى أَخِيهِ بِسَلَامٍ بُذِلَا وَأَجْوَدُ النَّاسِ فَتَى قَدْ أَعْطَى مَنْ كَانَ عَنْهُ مَانِعًا لِلْإِعْطَا وَأَحْلَمُ النَّاسِ فَذَاكَ مَنْ عَفَا عَنِ الَّذِي يَظْلِمُهُ إِذَا هَفَا وَأَعْجَزُ النَّاسِ فَتَى عَنِ الدُّعَا يَعْجِزُ لَا تَكُنْ لَهُ مُضَيَّعَا وَأَسْرَقُ النَّاسِ فَتَّى قَدْ يَسْرِقُ صَلَاتَهُ فَهُوَ بِهَا مُنْطَلِقُ مَنْ ظَنَّ أَنْ يُدْخِلَهُ مَا عَمِلَا دَارَ الثَّوَابِ مُتَعَنِّ جَهِلَا وَمَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ بِلَا عَمَلْ يَدْخُلُهَا فَمُتَمَنِّ فِي الْمَثَلْ بَلْ يَنْبَغِي يَعْمَلُ مَا عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ نَاظِرًا إِلَيْهِ وَقِيلَ مَنْ لِذِي الْغِنَا تَضَعْضَعَا مِنْ دِينِهِ ثُلُثَاهُ قِيلَ انْقَشَعَا لِأَنَّهُ عَظَمَ مَا قَدْ حَقَّرَا إِلَهُهُ فَمِنْ هُنَاكَ خَسِرَا فَالدِّينُ مِنْ ثَلَاثَةٍ قَدْ رُكَّبَا قَوْلٍ وَفِعْلٍ وَهُمَا قَدْ ذَهَبًا وَبَقِيَتْ نِيَّتُهُ إِذْ لَمْ يُرِدْ كُفْرًا وَذَا تَفْسِيرُهُ الَّذِي قُصِدْ وَقِيلَ بَلْ أَرَادَ بِالنُّلْتَيْنِ عِبَارَةٌ عَنْ هَدْمِ ذَاكَ الدِّينِ لِأَنَّهُ إِنْ هَدَمَ الْبَعْضَ انْهَدَمْ جَمِيعُهُ وَمَا مَضَى هُوَ الْأَتَمْ لَا تَطْلُبِ الْحَاجَةَ لِلْعُمْيَانِ زَالَ الْحَيَا إِنْ ذَهَبَ الْعَيْنَانِ إِنَّ الْحَيَا يُقَالُ فِي الْعُيُونِ فِي مِثْلِ مَاءٍ بَيْنَنَا مَصُونِ وَمِنْ صَبِيح الْوَجْهِ تُطْلَبَنَّا فَإِنَّهَا فِي الْحَالِ تُقْصَيَنَّا (2/406)
صفحة 1016
406
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَقِيلَ حُكْمُ الْبَشَرِ الْأَمَانَهُ فِي الدِّينِ إِنْ لَمْ تَظْهَرِ الْخِيَانَهُ مَنْ نَبَّهَ النَّائِمَ لِلصَّلَاةِ يُؤْجَرُ بَلْ يَوْثَمُ بِالْفَوَاتِ فَإِنَّهُ لَوْ عُذِرَ النَّائِمُ لَا يُعْذَرُ مَنْ رَآهُ ثُمَّ أَهْمَلَا وَجَازَ لِلطَّعَامِ وَالشَّرَابِ تَنْبِيهُهُ مِنْ غَيْرِ مَا إِيجَابِ وَتَارِكٌ لِحَقِّهِ مِنْ خَوْفِ أَنْ يُقَالَ مُبْطِلُ رِيَاءً يُحْسَبَنْ وَلَا أَقُولُ إِنَّهُ رِيَاءُ إِلَّا إِذَا الرِّيَا بِذَا يَشَاءُ إِذْ يُبْذَلُ الْمَالُ وَتُقْطَعَنَّا لِسَانُ مَنْ بِالْبُطْلِ يَشْتُمَنَّا وَيُسْتَحَبُّ لِلَّذِي قَدْ مَرَّا تَحْتَ مَخُوفٍ يُسْرِعُ الْمَمَرَّا كَمِثْل مَا قَدْ فَعَلَ الْمُخْتَارُ صَلَّى عَلَيْهِ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ إِذْ مَرَّ تَحْتَ حَائِطٍ قَدْ مَالَا أَسْرَعَ عَنْهُ مَاشِيَّا وَقَالَا مِنَ الْمَمَاتِ فَجْأَةً أَخَافُ قَالَ وَهَذَا مَا خِلَافُ إِعَانَةُ الصَّعِيفِ وَالْمَلْهُوفِ قِيلَ هُمَا مِنْ أَفْضَلِ الْمَعْرُوفِ وَكُلُّ مَنْ قَدْ هَجَرَ الْوَلِيَّا فَوْقَ الثَّلَاثِ لَمْ يَكُنْ صَفِيَّا وَفي الثَّلَاثِ عُذْرُهُ مِنْ أَجْلِ مَا يَدْخُلُ فِي نَفْسِ الْفَتَى لِيُرْحَمَا لِأَنَّمَا رُكَّبَ طَبْعُ الْبَشَرِ مِنَ السُّرُورِ مَرَّةً وَالْكَدَرِ قَدْ غَدًا مُخَسَّرَا لِخِلِّهِ يُعَدُّ خَصْمًا أَكْبَرَا
كُلُّ صَدِيقٍ نَقْلُ الْفَتَى لِقُلَلِ الْجِبَالِ خَيرٌ لَهُ مِنْ مِنَنِ الرِّجَالِ (2/407)
صفحة 1017
بَابُ جَامِعِ الْآدَابِ
الجزء الرابع
407
وَلَيْسَ بَعْدَ الدِّينِ شَيءٌ أَحْسَنَا مِنَ الْغِنَى فَلْتَشْكُرَنْ فَضْلَ الْغِنَى وَلَيْسَ بَعْدَ الْكُفْرِ بِالْمَنَّانِ شَرًّا مِنَ الْفَقْرِ) عَلَى الْإِنْسَانِ فَالْفَقْرُ كَادَ أَنْ يَكُونَ كُفْرَا لِأَنَّهُ يُرْكِبُ مَا قَدْ ضَرَّا وَالْمَالُ إِنْ كَانَ مِنَ الْحَلَالِ يُعِينُ فِي طَاعَةِ ذِي الْجَلَالِ فَالْمَالُ رَائِحُ بِأَهْلِهِ إِلَى دَارِ الثَّوَابِ حَبَّذَا مَنْ رَحَلَا يَا رَبِّ يَسِّرْ لِي غِنِّى يَكْفِينِي يُعِينُ لِلطَّاعَةِ لَا يُطْغِينِي وَالْفَقْرُ عِنْدَ النَّاسِ طُرًّا عَارُ لَكِنَّهُ لِذِي التُّقَى شِعَارُ مَنْ كَانَ ذَا فَقْرِ فَلَا يُهَابُ وَلَا تُوَقِّرَنَّهُ الْأَصْحَابُ لِأَنَّمَا الدُّنْيَا لَدَيْهِمْ تَعْظُمُ لَا الدِّينُ وَهْوَ لِلْفُؤَادِ مُؤْلِمُ وَالْفَقْرُ جُنْدُ رَبِّنَا فِي أَرْضِهِ بِهِ يُذِلُّ مَنْ أَبَى عَنْ فَرْضِهِ وَهَكَذَا قَدْ قِيلَ فِي الْأَمْرَاضِ وَالْمَوْتُ ذُلُّ لِأُولِي الْإِعْرَاضِ مِنْ خُلُقٍ لِلْمُرْسَلِينَ يُنْقَلُ حُبُّ أُولِي الْفَقْرِ إِذَا مَا أَقْبَلُوا ثُمَّ مِنَ النِّفَاقِ أَنْ تَفِرًا مِنْ صُحْبَةِ الْفَقِيرِ حِينَ مَرَّا وَقِيلَ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ وَيَرَى فِيهِ الْوَرَى الْخَيْرَ فَذَا شَرُّ الْوَرَى لَوْلَا الْهَوَى لَمْ يَهْوِ فِي النِّيرَانِ خَلْقٌ مِنَ الْإِنْسِ وَلَا مِنْ جَانِ
(2)
(1) قوله: «شرًا مِنَ الْفَقْرِ» منصوب خبرًا لِلَيْس، واسمها محذوف تقديره ليس بعد الكفر شيء من الأمر شرًا من الفقر.
(2) قوله: «وَهْوَ»، أي: هذا التعظيم الذي صاروا يعظمونه الدنيا ومن أعطته مناه. (2/408)
صفحة 1018
408
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَلَا حَلَا عِنْدَ أُولِي الْعِصْيَانِ كُفْرٌ مِنَ الْفِسْقِ أَوِ الْكُفْرَانِ لَكِنْ هَوَى النَّفْسِ يَكُونُ مُهْلِكًا لِكُلِّ مَنْ فِي عَقْلِهِ تَمَلَّكَا وَقَدْ أَتَى فِي الْأَثَرِ الْمَنْقُولِ بِأَنَّهُ الْآفَةُ لِلْعُقُولِ وَجَنَّةُ الْمَأْوَى تَكُونُ مَأْوَى لِمَنْ نَهَى النُّفُوسَ عَمَّا تَهْوَى وَقَلَّلِ الْكَلَامَ فَالْكَلَامُ إِنْ يَكْثُرَنْ تَكْفُرْ بِهِ الْآثَامُ وَكُلُّ مَنْ قَدْ كَثُرَ اسْتِمَاعُهُ فَعِلْمُهُ يَكْثُرُ وَانْتِفَاعُهُ وَالدِّينُ يُسْرٌ لَمْ يَكُنْ عَسِيرًا فَبَشِّرُوا لَا تُظْهِرُوا التَّنْفِيرًا وَكُنْ عَلَى دِرَاسَةِ الْآثَارِ مُوَاظِبًا بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَلَازِمَنَّ لِبَيَانِ الشَّرْعِ حَوَى الْأُصُولَ عِنْدَ كُلِّ فَرْعَ وَمَالِكُ لِنَفْسِهِ عِنْدَ الْغَضَبْ فَهْوَ الشَّدِيدُ الْبَطَلُ الَّذِي انْتَجَبْ (2)
وَالْجَهْلُ قِيلَ صُحْبَةُ الْجَهول مِنَ الْوَرَى وَكَثْرَةُ الْفُضول فَصَاحِبَنَّ يَا أَخِي الْأَخْيَارَا مُلَازِمًا وَاسْتَعْمِلِ الْوَقَارَا والْفَضْلُ بِالْعَقْلِ وَبِالْآدَابِ مَا كَانَ بِالْأَصْلِ وَبِالْأَحْسَابِ وَقِيلَ فِي الْحِكْمَةِ حُسْنُ الْأَدَبِ يَزِينُ مَنْ كَانَ قَبِيحَ النَّسَبِ أَفْضَلُ أَشْيَاءَ تَنَالُ الْعَافِيَة وَأَطْيَبُ الدَّارَيْنِ فَهْيَ الْبَاقِيَهُ
(1) قوله: «فَبَشِّرُوا» وفي سائر النسخ فيسروا بالمهملة أمر بالتيسير على الناس، ولكل من الكلميتين وجه سائغ ومعنى محتمل والثاني أحسن.
(2) قوله: «انتَجَب»: أي: صار نجيبًا. (3) قوله: «وَكَثْرَةُ الْفُضُولِ»، أي: فضول الكلام. (2/409)
صفحة 1019
بَابُ جَامِعِ الْآدَابِ
الجزء الرابع
409
غَطَشَا
إِنَّ الْيَقِينَ لِأَخِيهِ نُورُ وَالدِّينُ حِرْزُ لِلْفَتَى وَسُورُ فِي الْجَهْلِ مَوْتُ قَبْلَ وَقْتِ الْأَجَلِ وَالْعِلْمُ لَا شَكٌّ حَيَاةُ الرَّجُلِ وَلَا سَمِيرَ لِلْفَتَى كَالْعِلْمِ وَلَا ظَهِيرًا أَبَدًا كَالْحِلْمِ وَالْجِسْمُ مِنْ ذِي الْجَهْلِ قَبْرٌ قَبْلَ أَنْ يَضُمَّهُ الْقَبْرُ فَلَا تَسْتَجْهِلَنْ (1) لَمَّا رَأَيْتُ الْجَهْلَ فِي النَّاسِ فَشَا أَظْهَرْتُ أَنَّ الْجَهْلَ فِي تَجَاهُلًا إِذْ يُنْكِرُونَ الْعِلْمَا وَالْجَهْلُ بَيْنَهُمْ فَلَمْ يُذَمَّا لَكِنَّنِي مَا دُمْتُ فِي الْحَيَاةِ لَا أَسْأَلَنْ شَيْئًا مِنَ السَّادَاتِ بَلْ لَا أَقُولُ حِينَمَا يَسِيرُوا هَلْ رَكِبَ الْجُنْدُ أَوِ الْأَمِيرُ وَإِنَّمَا بِوَحْدَتِي أَنِسْتُ وَقَعْرَ بَيْتِي عَنْهُمْ لَزِمْتُ فَدَامَ أُنْسِي وَنَمَا السُّرُورُ بَلْ زَالَ بِانْفِرَادِيَ الْمَحْذُورُ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَا فِي الدَّيْنِ بِأَنَّهُ لَا شَكٍّ شُوْمُ الدِّينِ بَلْ قِيلَ إِنَّ الدَّيْنَ بِالنَّهَارِ ذُلُّ وَبِاللَّيْلِ فَهَمُ عَارِي يُعْرَفُ ذُو الْجَهْلِ بِلَا ارْتِيَابِ فِي قَوْلِهِ بِسُرْعَةِ الْجَوَابِ لأَنَّ ذَا الْعِلْمِ لَهُ تَدَبُّرُ بِعَقْلِهِ فِيمَا عَنَا يُفَكِّرُ حَتَّى يَرَى صَوَابَ مَا قَدْ سُئِلَا عَنْهُ وَلَا يُفْتِي بِمَا قَدْ جَهِلَا وأَفْضَلُ الْأَعْمَالِ مَا قَدْ وُفِّقَا لَهُ وَخَيْرُ الْمَالِ مَا قَدْ أَنْفَقَا (2)
(1) قوله: «فَلَا تَسْتَجْهِلَنْ»، أي: لا تكن جاهلًا. (2) قوله: «وَخَيْرُ الْمَالِ مَا قَدْ أُنْفِقَا»، أي: في أبواب الخير ووجوه البر. (2/410)
صفحة 1020
21.
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
كُلُّ امْرِئٍ يَحْصُدُ مَا قَدْ زَرَعَا وَأَنَّهُ يُجْزَى بِمَا قَدْ صَنَعَا وَقِيلَ إِنَّ أَنْفَعَ الْأَمْوَالِ مَا أَعْقَبَ الْأَجْرَ مَعَ الْمَالِ فَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ جَلَّ وَارْتَفَعْ وَمَنْ عَصَاهُ ذَلَّ يَا ذَا وَاتَّضَعْ فَالْعِلْمُ مِنْ تَمَامِهِ اسْتِعْمَالُهُ وَمِنْ تَمَامِ الْعَمَلِ اسْتِقْبَالُهُ) وَكُلُّ مَنْ هَانَ عَلَيْهِ الْمَالُ تَوَجَّهَتْ فِي نَحْوِهِ الْآمَالُ وَكُلُّ مَنْ بِمَالِهِ قَدْ ضَنَّا بِنَفْسِهِ يَجُودُ فَاعْلَمَنَّا وَأَنَّهُ مَنْ شَحَّ بِالْأَمْوَالِ عَرَّضَ عِرْضَهُ إِلَى الْأَنْذَالِ لَكِنَّمَا مَنْ يَعْرِفُ الْجَمِيلَا مِنَ الْوَرَى أَرَاهُمُ قَلِيلا وَمَنْ بِهِ الشِّيمَةُ وَالْمُرُوهُ قَدْ قَلَّ وَالْحَافِظُ لِلْأُخُوَّة وَالْعِلْمُ قَدْ قِيلَ خَلِيلُ الْمُؤْمِنِ عَنِ النَّبِيِّ صَفْوَةِ الْمُهَيْمِنِ وَالْحِلْمُ قَدْ صَارَ لَهُ وَزِيرَا مُسَاعِدًا فِي أَمْرِهِ ظَهِيرًا وَالرّفْقُ فِيمَا عِنْدَنَا أَخُوهُ وَالْبِرُّ فِيمَا قَدْ رُوِي أَبُوهُ وَالصَّبْرُ مِنْ جُنُودِهِ أَمِيرُ لَهُ عَلَى أَعْدَائِهِ نَصِيرُ وَالْعِلْمُ خَيْرٌ مِنْ كُنُوزِ الْأَرْضِ وَأَفْضَلُ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْفَرْضِ وَجَاءَ فِي الْآثَارِ مَنْ لَمْ يَعْلَم لَا شَكٍّ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَسْلَمِ
(1) قوله: «اسْتِقْبَالُهُ» هكذا في جميع نسخ الكتاب، والموجود في غيره من الكتب، أن من تمام العلم استعماله، أي: الانتفاع به في الأعمال، وبذله لمستحقيه من الرجال والنساء، وإن من تمام العمل استقلاله، أي: بأن يعده العامل قليلا؛ لأن استقلاله يستدعي الزيادة منه، وهذا عندي أولى وأصح، وقد أصلحته بهذه في بعض النسخ فلينظر فيه. (2/411)
صفحة 1021
بَابُ جَامِعِ الْآدَابِ
الجزء الرابع
411
وَإِنْ تَكُنْ أَعْطَيْتَ شَيْئًا أَجْزِلِ وَإِنْ تَكُنْ مَنَعْتَهُ فَأَجْمِلْ مَنْ مَنَّ بِالْإِحْسَانِ يَا ذَا كَدَّرَهُ مَنْ جَارَ فِي سُلْطَانِهِ قَدْ صَغَرَهُ مَنْ جَمَعَ الْمَالَ لِنَفْعِ النَّاسِ أَطَاعَهُ النَّاسُ بِغَيْرِ بَاسِ وَمُنْفِقُ الْأَمْوَالِ فِي الْبِرِّ فَلَا يُدْعَى مُبَشِّرًا إِذَا لَمْ يُحْظَلَا (1) وَإِنَّمَا التَّبْذِيرُ فِي الْمَعَاصِي مَنْ أَنْفَقَ الدَّانِقَ فِيهَا عَاصِي مَنْ عِلْمُهُ لِعَقْلِهِ قَدْ غَلَبَا عَلَيْهِ عِلْمُهُ وَبَالًا جَلَبَا وَالظُّلْمُ قَالَ فِيهِ أَهْلُ الْحِكَمِ بِأَنَّهُ مَسْلَبَةٌ لِلنَّعَمِ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ لَا تُرَدُّ لَوْ كَافِرًا فَهْيَ سِهَامٌ تَعْدُو لَا تَظْلِمَنَّ مَا حَبِيتَ أَحَدَا لَا بُدَّ أَنْ تَنْدَمَ مِنْهُ أَبَدًا تَنَامُ مِنْكَ الْعَيْنُ وَالْمَظْلُومُ يَدْعُو عَلَيْكَ مَا هَنَاهُ نَوْمُ وَلَا تُعَاوِنْ ظَالِمًا فِيمَا ظَلَمْ بِمَدَّةِ الدَّوَاةِ أَوْ بَرْيِ الْقَلَمْ إِذْ يُحْشَرُ الظَّالِمُ وَالْمُعِينُ مَعًا عَذَابُهُمْ بِهَا مُهِينُ وَالْبَغْيُّ فَاحْذَرَنَّهُ فِي الْأُمَمِ فَإِنَّهُ مَجْلَبَةٌ لِلنَّقَمِ وَقِيلَ مَنْ جَارَ عَلَى فَقِيرِ كَهَادِمِ الْكَعْبَةِ فِي التَّقْدِيرِ يَهْدِمُهَا عَشْرَ مِرَارٍ وَهْوَ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ فِي الْكَلَامِ يُحْسَبَنْ وَمِثْلُ مَنْ يَقْتُلُ أَلْفَ مَلَكِ مُقَرَّبِينَ هَكَذَا أَيْضًا حُكِي وَكُلُّهُ يُعْرَفُ بِالْمُبَالَغَهُ لِحِكْمَةِ التَّنْفِيرِ وَهْيَ الْبَالِغَهُ
(1) قوله: «إِذَا لَمْ يُحْظَلَا»، أي: إذا لم ينفقه في الأشياء المحجورة. (2/412)
صفحة 1022
412
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَقِيلَ فِي طَبْعِ الْفَتَى المُسْتَصْحَب أَثْبَتْ مِنْ أَدَبِهِ الْمُسْتَجْلَبِ يُرْفَعُ مَنْ آثَرَ لِلتَّوَاضُعِ وَالْكِبْرُ لِلْإِنْسَانِ غَيْرُ رَافِعِ وَخَيرُ مَالٍ مَا اسْتَرَقَّ حُرًا وَخَيْرُ سَعْيِ مَا اسْتَحَقَّ شُكْرَا أُنْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا مَظْلُومًا عَنِ النَّبِيِّ قَدْ رُوِي مَرْسُومَا نَصْرُكَ فِي الظُّلْمِ لَهُ أَنْ تُنْقِذَهُ مِنْهُ وَأَنْ تَمْنَعَهُ أَنْ يُنْفِذَهُ وَإِنْ تَكُنْ رَأَيْتَهُ مَظْلُومَا تِعِينُهُ وَتَمْنَعُ الظُّلُومَا مَنْ حَارَبَ الدِّينَ الْقَوِيمَ حُرِبَا مَنْ غَالَبَ الْحَقَّ الْمُبِينَ غُلِبَا وَقَدْ رَأَيْتُ الْعَدْلَ أَقْوَى جَيْشِ وَالْأَمْنَ فِي الْبِلَادِ أَهْنَا عَيْشِ وَأَنَّهُ لَا سَيْفَ مِثْلُ الْحَقِّ وَلَا يُرَى عَوْنُ كَمِثْلِ الصِّدْقِ مَنِ اسْتَخَفَّ بِالرِّجَالِ ذَلَّا وَمَنْ يُفَرِّطُ فِي الْمَقَالِ زَلَّا وَمَنْ رَقَى فِي دَرَجَاتِ الْهِمَمِ عُظْمَ حَقًّا فِي عُيُونِ الْأُمَمِ وَإِنَّ مِنْ كُفْرانِهِ لِلنَّعَمِ يَسْتَوجِبُ الْمَرْءُ حُلُولَ النَّقَمِ لَا يَشْكُرُ الرَّحْمَنَ مَنْ لَمْ يَشْكُرِ عِبَادَهُ وَمَعْنَى ذَا فِي خَبَرِ وَذَا خِلَافُ مَدْحِهِ الْمَذْمُومِ فَالشُّكْرُ غَيْرُ الْمَدْحِ فِي الْمَرْسُومِ فَالشُّكْرُ أَنْ يَعْتَرِفَنْ بِالنِّعْمَةِ وَأَنْ يُؤَدِّيَنَّ حَقَّ الْمِنَّةَ وَالْمَدْحُ أَنْ يَقُولَ إِذْ يَقُولُ وَلَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ مَحْصُولُ
(*) على وجه رفع الجزاء وهو جواب الشرط، وجعل بعضهم منه قول الله: {وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} [آل عمران (30) على جعل (ما) شرطية. إسماعيل) (2/413)
صفحة 1023
بَابُ جَامِعِ الْآدَابِ
الجزء الرابع
413
(1)
فِي وَجْهِ مِثْلِهِ التّرَابُ يُحْشَى) إِنْ كَانَ لِلْمَدِيحَ قَصْدًا بَنَّا فَالْمَدْحُ لِلْأَنَامِ قِيلَ ذَبْحُ فَقَابِلُ الْمَدْحِ عَدَاهُ الرَّبْحُ وَالْغَضُّ لِلصَّوْتِ مِنَ الْآدَابِ وَوَصْفُهُ قَدْ جَاءَ فِي الْكِتَابِ
فَأَنْكَرُ الْأَصْوَاتِ صَوتُ الْحُمُرِ وَجَائِزُ لِحَاجَةٍ أَنْ تَجْهَرِ
ه
(2)
صَوْتُ أَبِي طَلْحَةَ فِي الْجَيْشِ وُصِفْ يَقُومُ عَنْ جَيْشِ وَذَاكَ قَدْ عُرِفْ وَعُمَرُ إِنْ قَالَ قَوْلًا أَسْمَعَا أَوْ ضَرَبَ الْمُسِيءَ ضَرْبًا أَوْجَعَا وَهْوَ إِذَا مَشَى يُقَالُ أَسْرَعَا وَهُوَ لَعَمْرُ اللَّهِ كَانَ أَوْرَعَا وَالنَّاسُ أَطْبَاعٌ فَمِنْهُمْ جَهْوَرِي فَالطَّبْعُ فِي الْإِنْسَانِ لَمْ يُغَيَّرِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَوْتُهُ لَطِيفُ فَطَبْعُهُ فِي نُطْقِهِ التَّخْفِيفُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَكَلَّفَنَّا مَا فَوْقَ طَبْعِهِ فَيَسْمُجَنَّا (3) مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْفَتَى أَنْ يَتْرُكَا مَا قَدْ كُفِي فَهْوَ إِذَا عَبْدٌ زَكَا فَالْمُنْجِيَاتُ طَاعَةُ الْمَنَّانِ رَبُّ السَّمَا فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ وَالْعَدْلُ فِي حَالِ الرِّضَا وَالْغَضَبِ فِيهِ النَّجَاةُ مِنْ جَمِيعِ الْعَطَبِ وَالْقَصْدُ فِي الْفَقْرِ وَفِي الْغَنَاءِ يَنْجُو بِهِ الْمَرْءُ مِنَ الْعَنَاءِ
(1) قوله: «يُحْشَى»، أي: يُرمى.
(2) قوله: «أَنْ تَجْهَرَ بالجزم عملاً بلغة من يجزم الفعل المضارع بأن المصدرية ومن ذلك قوله: إِذَا مَا غَدَوْنَا قَالَ وِلْدَانُ أَهْلِنَا تَعَالَوْا إِلَى أَنْ يَأْتِنَا الصَّيْدُ نَحْطِب
فجزم يأتنا بأن.
(3) قوله: «فَيَسْمُجَنَّا»، أي: يقبح. (2/414)
صفحة 1024
414
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَالْمُهْلِكَاتُ الشُّحُ وَالْإِعْجَابُ كَذَا الرِّيَا وَكُلُّهَا خَرَابُ ثُمَّ ثَلَاثٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ كِتْمَانُ فَقْرٍ مَرَضِ عَطِيَّةِ ثُمَّ ثَلَاثٌ هَزْلُهُنَّ جِدُّ وَجِدْهُنَّ وَهْي مَا تُعَدُّ نِكَاحُهُ طَلَاقُهُ عِتَاقُهُ فَكُلُّ ذَا يُوقِعُهُ انْطِلَاقُهُ (2) قِيلَ وَقَالَ وَضَيَاعُ مَالِ مَكْرُوهَةٌ وَكَثْرَةُ السُّؤَالِ ثَلَاثَةٌ تُبَاحُ مِنْ جِنْسِ اللَّعِبْ يُلَاعِبُ القَوْسَ لِأَجْلِ أَنْ يُصِبْ يُلَاعِبُ الْخَيْلَ لِأَجْلِ الرَّكْبَةِ يُلَاعِبُ الْعِرْسَ لِحُسْنِ الْعِشْرَةِ ثَلَاثَةٌ غِيبَتُهُمْ تُبَاحُ إِمَامُ جَوْرٍ مَا بِهِ جُنَاحُ وَشَارِبُ الْخَمْرِ لِحَسْوِ الْكَاسِ وَمُعْلِنُ بِفِسْقِهِ فِي النَّاسِ ثَلَاثَةٌ صَلَاتُهُمْ مَرْدُودَهُ إِمَامُ قَوْمٍ كَرِهُوا وُجُودَهُ وَعَبْدُ قَوْمٍ عَنْهُمُ قَدْ هَرَبَا وَامْرَأَةٌ حَلِيلُهَا قَدْ غَضِبَا تَمْنَعُهُ مَا يَلْزَمَنَّهَا لَهُ وَبَاتَ عَاتِبًا عَلَيْهَا لَيْلَهُ ثَلَاثَةٌ تُبِيحُ قَتْلَ النَّفْسِ مَنْ قَتَلَ النَّفْسَ بِغَيْرِ نَفْسٍ وَمَنْ زَنَى مِنْ بَعْدِ إِحْصَانٍ وَمَنْ يَرْتَدُّ عَنْ إِيمَانِهِ وَيَكْفُرَنْ ثَلَاثَةٌ بِالْمَاءِ لَيْسَ يَنْظُفُوا فَحَائِضُ وَمُقْرِنٌ (3) وَأَقْلَفُ
(1) قوله: «جد»: بكسر الجيم ضد الهزل. (2) قوله: «انْطِلاقُهُ»، أي انفلاته، وهو عبارة عن تضييع الحزم ـ اهـ. (المصنف) (3) قوله: «وَمُقْرِنٌ» قال الناظم الله في معارج الآمال لما ذكر الحديث المروي عن النبي أربعة لا يُطَهِّرْهُم الماء المشرك والأقلف والحائض والمقرن»؛ وأما المقرن فهو الذي يزحمه الغائط
أنه قال:
= (2/415)
صفحة 1025
بَابُ جَامِعِ الْآدَابِ
الجزء الرابع
415
ثَلَاثَةٌ تَشَارَكُوا فِيهَا الْمَلَا الْمَاءُ وَالنَّارُ جَمِيعًا وَالْكَلَا ثَلَاثَةٌ وَلَهُمُ يُقَامُ وَالِدُهُ الْعَالِمُ وَالْإِمَامُ أَرْبَعَةٌ تَلْزَمُ مَنْ قَدْ قَعَدَا عَلَى الطَّرِيقِ أَوْ يُخَلِّ الْمَقْعَدَا رَدُّ السَّلَامِ ثُمَّ غَضُّ الْبَصَرِ إِرْشَادُ مَنْ ضَلَّ وَدَفْعُ الضَّرَرِ يَدْفَعُهُ عَنِ الصَّعِيفِ إِنْ قُصِدْ بِالسُّوءِ فَلْيُعِينُهُ مَنْ قَدْ قَعَدْ وَأَرْبَعُ لَا يَأْنَفُ الْإِنْسَانُ مِنْهَا وَكُلُّهَا لَهُ إِحْسَانُ قِيَامُهُ إِلَى أَبِيهِ أَوَّلَا وَخِدْمَةُ الصَّيْفِ إِذَا مَا نَزَلَا وَثَالِثُ أَنْ يَتَعَاهَدَنَّا مَرْكُوبَهُ يَسْقِي وَيَعْلِفَنَّا وَرَابِعُ خِدْمَتُهُ لِلْعَالِمِ لِيَسْتَفِيدَ كُنْ لَهُ كَالْخَادِمِ تَقِيَّةٌ وَالثَّوْبُ وَالْأَحْكَامُ تَعَارُفٌ نَجَا بِهَا الْأَنَامُ وَسِتَةَ قَدْ كَرِهَ الْإِلَهُ أَنْ يَعْبَثَنْ فِي الْفَرْضِ إِنْ صَلَّاهُ وَرَفَثَ الصَّائِمُ مَنَّ الْمُنْفِقِ كَذَا الْأَذَى فَجَانِبَتْهُ وَاتَّقِ وَالصِّحْكَ مَا بَيْنَ الْقُبُورِ وَكَذَا أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ مَنْ بِهِ أَذَى
والبول جميعًا؛ أو إحداهما، فإنه لا يطهره الماء؛ لأن ذلك النجس يكون بمنزلة النجس المجتمع قُلْفَة الأقلف وبمنزلة الدم المجتمع في ر الحائض، حتى قال حيّان: كأنه رحـ مصرور في ثوبه، يعني: أن النجس المزاحم للمقرن؛ كالنجس الذي يكون في ثوبه، وذلك لانحداره عن موضع استقراره إلى موضع لو لم يمنعه لخرج، فلما منعه من الخروج صار كأنه صره في ثوبه، وقيل: المقرن الذي يدافع البول والغائط مدافعة تشغله عن حفظ صلاته أو شيء منها. اهـ. وهذا الحديث الذي ذكره الله لم يذكر له سندًا غير أن أصحابنا يَرْوُونَه، فلعله قد صح عندهم والله أعلم.
(1) قوله: «الْعَالِمُ» بحذف واو العطف، أي: والده والعالم والإمام. (2/416)
صفحة 1026
416
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
أَعْنِي بِذَاكَ جُنُبًا لَمْ يَغْتَسِلْ وَمِثْلُهُ الْحَائِضُ فَالْكُلُّ حُظِلْ وَسَادِسُ إِدْخَالُكَ الْعُيُونَا بُيُوتَ قَوْمٍ لَيْسَ يَأْذَنُونَا لأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْمُطَّلِعِ كَمِثْلِ مَنْ يَدْخُلُ لَا تَطَّلِعِ وَهَاكَ مَا قَدْ يَلْزَمُ الْإِنْسَانَا مِنَ الْفُروضِ كُلَّ يَوْمٍ كَانَا أَوَّلُهَا مَعْرِفَةُ الرَّحْمَنِ وَذِكْرُهُ بِالْقَلْبِ وَاللَّسَانِ ثُمَّ مُعَادَاةُ أَخِي التَّلْبِيس التَّلْبِيس ذي الطَّرْدِ عَنْ خَالِقِهِ إِبْلِيسِ وَالسِّتْرُ لِلْعَوْرَةِ وَالطُّهُورُ عِنْدَ الصَّلَاةِ وَهْوَ فِيهَا نُورُ
ثُمَّ الصَّلَاةُ وَهْيَ فَرْضٌ وَجَبَا تَارِكُهَا يَسْتَوْجِبَنَّ الْغَضَبَا وَالصِّدْقُ فِيمَا قَالَ وَالْغِذَاءُ مِنَ الْحَلَالِ حِينَ مَا يَشَاءُ وَغَضُهُ عَنِ الْحَرَامِ النَّظَرَا وَحِفْظُهُ الْأُذْنَيْنِ عَمّا أُنْكِرَا حِفْظُ اللَّسَانِ ثُمَّ حِفْظُ الْقَلْبِ عَنْ كُلِّ مَا يُمْنَعُ عَفْوَ الرَّبِّ فَالْقَلْبُ عَنْ سُوءِ الظُّنُّونِ يُحْفَظُ وَالنُّطْقُ بِالْقَبِيحِ لَيْسَ يُلْفَظُ كَالشَّتْمِ وَالْغِيبَةِ وَالْبُهْتَانِ وَالسُّخْرِيَا وَاللَّمْزِ لِلْإِنْسَانِ وَوَاجِبُ أَنْ يَتْرُكَ التَّجَسُّسَا عَنْ عَوْرَةِ النَّاسِ فَلَا تَجَسَّسَا وَوَاجِبْ أَنْ يَتَوَكَّلَنَّا عَلَى الْإِلَهِ فَتَوَكَّلَنَّا ثُمَّ الرِّضَا بِمَا قَضا الْإِلَهُ وَالصَّبْرُ حِينَ الضُّرُّ قَدْ أَتَاهُ وَالشُّكْرُ اللهِ عَلَى مَا وَهَبَا وَالتَّوْبُ مِنْهُ إِنْ يَكُنْ قَدْ أَذْنَبَا (2/417)
صفحة 1027
بَابُ الحِكَمِ
الجزء الرابع
417
وَيُخْلِصُ الْأَعْمَالَ اللَّهِ فَلَا يَبْغِي بِهَا رِضا سِوَاهُ مَثَلَا وَيَسْتَعِدُّ لِلْمَمَاتِ زَادَا وَهْوَ التَّقَى وَيَقْصِدُ الرَّشَادَا وَيَعْمَلَنْ بِحُجَّةِ الْإِلَهِ فِي قَصْدِهِ وَلَا يَكُونُ لَاهِي وَيُظْهِرَنَّ لِلإِلَهِ الْفَقَرًا فَمُظْهِرُ الْفَقْرِ لَهُ قَدْ بَرَّا فَرَبُّنَا الْغَنِيُّ لَا سِوَاهُ وَهْوَ الْكَرِيمُ فَاطْلُبَنْ غِنَاهُ فَهَذِهِ الْخِصَالُ تَجْمَعَنَّا كُلَّ صُنُوفِ الْخَيْرِ تَلْزَمَنَّا
بَابُ الحِكَمِ
وَكُلُّ مَا مَضَى فَإِنَّهُ حِكَمْ وَبَقِيَتْ أَشْياءُ هَاهُنَا تُتَمْ تُخَصُّ عِنْدَهُمْ بِإِسْمِ الْحِكَمِ لِجَمْعِهَا أَشْيَاءَ ضِمْنَ الْكَلِمِ فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونُ حُرًا دَعِ الْهَوَى وَكُلَّ مَا قَدْ ضَرَّا إِنَّ الْهَوَى بِهِ يَصِيرُ الْحُرُّ عَبْدًا فَلَا يَهْوَاهُ قَطُّ حُرُّ وَكُلُّ مَنْ قَدْ زَرَعَ الْعُدْوَانَا بَيْنَ الْأَنَامِ حَصَدَ الْخُسْرَانَا سيَاسَتُة قَدْ بَطَلَتْ عَنْ قَوْمِهِ رِيَاسَتُهُ
وَكُلُّ مَنْ ضَاعَتْ به وَأَنْتَ إِنْ أَقْلَلْتَ فِي الْمَقَالِ أَمِنْتَ يَا صَاحٍ مِنَ الْمِلَالِ تَمَّ عَقْلُ الْمَرْءِ يَنْقُصَنَّا كَلَامُهُ بِذَاكَ يُعْرَفَنَّا وَقِيلَ فِي الْحِكْمَةِ صَمْتُ الْجَاهِلِ سِتْرَ لَهُ مِنْ جُمْلَةِ الرَّذَائِلِ (2/418)
صفحة 1028
418
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
إِنْطُقْ بِخَيْرٍ يَا خَلِيلِي تَغْنَمِ أَوْ أَمْسِكَنْ عَنِ الْكَلَامِ تَسْلَمِ وَأُمَّهَاتُ الْخَيْرِ هِيَ أَرْبَعُ يُقَالُ إِنَّ الْخَيْرَ فِيهَا أَجْمَعُ حَقٌّ لَهَا أَنْ تُرْسَمَنْ بِالنُّورِ فِي وَجَنَاتِ الْبَهْكَنَاتِ الْحُورِ أَوَّلُهَا أُمُّ جَمِيعِ الْأَدْوِيَة تَقْلِيلُ أَكْلِهِ وَفِيهِ الْأُمْنِيَهُ وَالصَّبْرُ أُمُّ جُمْلَةِ الْآمَالِ فَلَا تَرَى كَالصَّبْرِ فِي الْأَحْوَالِ وَإِنَّ أُمَّ جُمْلَةِ الْآدَابِ تَقْلِيلُ نُطْقِهِ بِلَا ارْتِيَابِ وَإِنَّ أُمَّ جُمْلَةِ الْعِبَادَهُ تَرْكُ الذُّنُوبِ وَهِيَ الزَّهَادَهُ أَرْبَعَةٌ تُنْبِتُ لِلْجَفَاءِ فِي الْقَلْبِ مِثْلُ الزَّرْعِ عِنْدَ الْمَاءِ سُكُنُ الْبَوَادِي وَاتَّبَاعُ الصَّيْدِ ثُمَّ اسْتِمَاعُ اللَّهْوِ وَالتَّغْرِيدِ رَابِعُهَا أَنْ يَلْزَمَ السُّلْطَانَا وَذَا كَمَنْ قَدْ عَبَدَ الشَّيْطَانَا وَكُلُّ مَنْ قَدْ غَرَسَ الْوَقَارَا يَجْنِي جَنَا الْهَيْبَةِ حَيْثُ صَارَا مَنْ غَرَسَ الْإِحْسَانَ فَالْمَحَبَّهُ جَنَاهُ وَالْجَمِيعُ قَدْ أَحَبَّهُ مَنْ غَرَسَ الْعِلْمَ جَنَى النَّبَاهَهُ مَنْ غَرَسَ الْجَهْلَ جَنَى الْبَلَاهَهُ وَمَنْ مُدَارَاةَ الْوَرَى قَدْ غَرَسَا يَجْنِي سَلَامَةٌ وَلَمْ يَجِدْ أَسَا مَنْ غَرَسَ الصَّبْرَ جَنَى الْعِزَّ وَمَنْ يَغْرِسْ لَهُ الْأَطْمَاعَ ذَلَّ وَيَهُنْ مَنْ غَرَسَ الْحِرْصَ جَنَى الْخِزْيَ وَمَا يَرْضَاهُ حُرِّ فَإِلَهِي سَلَّمَا وَيَجْنِيَنَّ لِلْفُؤَادِ كَمَدَا مَنْ كَانَ يَعْرِسَنَّ مِنَّا الْحَسَدَا (2/419)
صفحة 1029
بَابُ الحِكَمِ
الجزء الرابع
419
وَالْبَغْيُّ فَهْوَ يَصْرَعُ الرِّجَالَا وَيَهْدِمَنْ بِسُؤْمِهِ الْجِبَالَا لَا تَسْتَهِنْ يَا صَاحِ بِالشَّرِيفِ وَلَا تَمِلْ قَطُّ إِلَى سَخِيف (1) مَا فِي الرَّخَا لِلْمَرْءِ مِنْ عُدْوَانِ وَمَا لَهُ فِي الضّيقِ مِنْ إِخْوَانِ إِنْ عَظُمَ الْمَطْلُوبُ قَلَّ مَن يُعِنْ فَانْظُرْ عَوَاقِبَ الْأُمُورِ وَاسْتَبِنْ وَكُلُّ مَن لَيْسَ لَهُ مُرُوهُ فَلَا لَهُ دِينُ وَلَا أُخُوَّهُ وَقِيلَ إِنَّ الْعَجْزَ وَالتَّوَانِي تَنَاكَحَاهُمَا وَيَنْسِلَانِ فَكَانَ مِنْ نَسْلِهِمَا النَّدَامَهُ وَهْيَ صِفَاتُ نَفْسِكَ اللَّوَامَهُ وَنَكَحَ الشُّوْمُ الْقَبِيحُ الْكَسَلَا فَأَنْتَجا الْحِرْمَانَ حِينَ نَسَلَا وَلَوْ لِكَانَ نَكَحَتْ فَأَنْتَجَتْ لَيْتَ تَمَنَّ لِأُمُورٍ فُوتَتْ وَيُبْغِضُ اللَّهُ مِنَ الْأَنَامِ فِيمَا يُقَالُ كَثْرَةَ الْمَنَامِ وَكَفْرَةَ الْأَكْلِ كَذَاكَ الرَّاحَة فَانْصَبْ فَفِي الْأُخْرَى تَرَى اسْتِرَاحَهُ وَآفَةُ الْجِد يُقَالُ الْهَزْلُ وَزِينَةُ الْمُلُوكِ فَهْوَ الْعَدْلُ وَإِنْ تَزُرْ غِبًّا (2) تَزِدْ حُبًّا فَلَا تُكْثِر مِنَ التَّرْدَادِ تَلْقَى الْمَلَلَا وَعَدْلُ مَنْ لَا يَرْعَوِي بَلِيَّة خِطَابُ مَنْ لَا يَفْهَمَنْ رَزِيَّهُ مَنْ ذَاقَ مِنْ حُلْوِ الزَّمَانِ طَعِمَا مِنْ صَابِهِ بَلْ ذَا يَكُونُ أَعْظَمَا (3)
(1) إلى سخيف، أي: إلى جاهل قليل العقل.
(2) قوله: «غبا»، أي: طويلاً.
(3) الصاب: هو المرّ ـ ا هـ. (المصنف) (2/420)
صفحة 1030
420
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَلَمْ يَكُنْ سَمَّنَ مَنْ قَدْ سَمَّنَا إِلَّا لِقَبْضِهِ فَحَاذِرِ الْعَنَا فِي كُلِّ مَيْتٍ عِظَةٌ بِحَالِهِ لِمَنْ بَقَى وَعِبْرَةٌ فِي مَالِهِ وَخَيْرُ أَعْمَالِكَ مَا اسْتَحَقَا شُكْرًا وَخَيْرُ الْمَالِ مَا اسْتَرَقًا (1) إِنْ شِئْتَ أَنْ تَمْلِكَ حُرًّا أَحْسِنِ إِلَيْهِ فَالْحُرُّ رَقِيقُ الْمُحْسِنِ وَأَنْتَ إِنْ أَحْسَنْتَ فِي اللَّقَامِ تَمَرَّدُوا وَأُبْتَ بِالْمَلَامِ وَلَا يَضُرُّ الْقَوْمَ مَوْتُ الْأَكْرَمِ مِنْهُمْ إِذَا النَّسْلُ نَشَا فِي كَرَمِ وَإِنمَّا يَضُرُّهُمْ إِنْ خَدَّ جَا نَسْلُهُمْ فَفَضلُهُمْ قَدِ أَرْتجَا (3)
خَدَّجَا (2)
لَا تُكْثِرِ الْهَمَّ بِمَا قَدْ قُدِّرَا فَإِنَّهُ يَكُونُ لَوْ قَدْ حُذِرَا فَحِيلَةُ الْمُحْتَالِ فِيهِ بَاطِلَهُ وَحَذَرُ الْإِنْسَانِ قَبْلَ النَّازِلَهُ مَا لَا يَكُونُ لَمْ يُنَلْ بِحِيلَةِ فَحِيلَةُ الْمُحْتَالِ تَرْكُ الْحِيلَةِ مَا قَدْ قُضِي فِي وَقْتِهِ يَكُونُ لَا زَائِدٌ فِيهِ وَلَا مَمْنُونُ) وَخَيْرُ إِخْوَانِكَ مَنْ وَاسَاكَا لَكِنَّ خَيْرًا مِنْهُ مَنْ كَفَاكَا وَوَضْعُكَ الْمَعْرُوفَ فِي الرِّجَالِ يُعَدُّ مِنْ عَلَامَةِ الْإِقْبَالِ عُقُودُ كُلِّ غَادِرٍ مَحْلُولَهُ عُهُودُهُ كَذَلِكُمْ مَدْخُولَهُ
(*) بقى بفتح الباء والقاف ضد فَني، ويجوز قراءتها بكسر القاف. (إسماعيل)
(1) قوله: «اسْتَرَقَا»، أي استرقَ حرًا ففيه اكتفاء اهـ. (المصنف)
(2) قوله: «خدجا» أصل الخداج ما لا يصلح للأكل من ثمر النخل، وكل صلاة لا يقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداج، أي ناقصة وتخدج النسل فساده.
(3) قوله: «أرْتَجا»، أي: أغلق.
(4) أي: ولا منقوص. (المصنف) (2/421)
صفحة 1031
بَابُ الحِكَمِ
الجزء الرابع
421
وَقِيلَ إِنَّ صُحْبَةَ الْأَشْرَارِ تُورِثُ سُوءَ الظَّنِ بِالْأَخْيَارِ يَظُنُّ فِي الْإِنْسَانِ مَا رَآهُ فِي ذَلِكَ الْقَرِينِ إِنْ لَاقَاهُ إِنَّ الْقَرِينَ بِالقَرِينِ يُعْرَفُ وَهُوَ لَهُ مُنَاسِبٌ فَيُوصَفُ فَاخْتَرْ قَرِينًا صَالِحَ الْأَعْمَالِ تَرْقَى بِهِ مَدَارِجَ الْكَمَالِ وَلَا تُصَاحِبْ غَاشِمًا فَتَغْشَمَا وَلَا تُصَاحِبْ ظَالِمًا فَتَظْلِمَا قَدْ وَعَدَ الْإِلَهُ بِالرُّكُونِ لِلظَّالِمِينَ بِعَذَابِ الْهُونِ وَإِنَّمَا الْأَصْدَادُ لَا تَتَّفِقُ وَهَكَذَا الْأَشْكَالُ لَا تَفْتَرِقُ فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَاتَّقُوهَا وَطَاعَةَ الرَّحْمَنِ فَانْتَقُوهَا (1) فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ يَنْظُرَنَّا بِنُورِ رَبِّهِ أَلَا احْذَرَنَّا وَمَنْ يُرِدْ شَيْئًا مِنَ الْحَاجَاتِ يَكْتُمْ أُمُورَهُ إِلَى الْغَايَاتِ فَإِنَّمَا كِتْمَانُهُ يُعِينُ وَالرَّبُّ لَا شَكٍّ هُوَ الْمُعِينُ وَمَنْ أَرَادَ مَوْضِعًا لِسِرِّهِ (2) شَادَى بِهِ وَصَارَ مِثْلَ جَهْرِهِ إنْ ضَاقَ صَدْرُ الْمَرْءِ عَنْ أَسْرَارِهِ فَغَيْرُهُ أَضْيَقُ فِي إِسْرَارِهِ أَنْتَ لِسِرٌ صُنْتَهُ أَمِيرُ وَأَنْتَ إِنْ أَبْدَيْتَهُ أَسِيرُ وَقُلْ إِذَا شِئْتَ لِمَنْ تُصَدِّقُ إِنْ قَالَ قَوْلًا إِنَّنِي أُصَدِّقُ وَلَا تَقُلْ بِالْقَطْعِ هَذَا صَادِقُ فَالْأَمْرُ غَيْبٌ وَهُوَ قَدْ يُنَافِقُ
(1) أي: اختاروها اهـ. (المصنف) (2) قوله: «وَمَنْ أَرَادَ مَوْضِعًا لِسِرِّهِ»، أي: من أراد أن يضع سره موضعا غير صدره فقد ضيعه، و «شادَى به، أي أظهره كما بينه في البيت التالي. (2/422)
صفحة 1032
422
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَاعْلَمْ بَأَنَّ الصِّدْقَ فِي الْكَلَامِ أَعَزُّ لِلْمَرْءِ مِنَ الْحُسَامِ فَلَازِمِ الصِّدْقَ فَإِنَّ الصَّدْقَا يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ مَقَالًا حَقًّا
نَمِيْمَةُ الْإِنْسَانِ سَيْفٌ قَاتِلُ وَهُوَ الَّذِي لِمَا يُقَالُ نَاقِلُ فَلَا تَكُنْهُ وَالَّذِي قَدْ سَمِعَا مَقَالَ سَوْءٍ فِي أَخِيهِ وَقَعَا فَقِيلَ لَا بَأْسَ بَأَنْ يُخَبِّرَهُ لِيَعْرِفَ الْعَدُقَ حَتَّى يَحْذَرَهُ قُلتُ وَذَاكَ فِي أُمُورٍ تُحْذَرُ وُقُوعُهَا لَا فِي الَّذِي لَا يُحْذَرُ فَرُبَّمَا قَدْ نَقَلَ النَّاقِلُ مَا يُهَيِّجُ الْأَضْغَانَ بَيْنَ الْخُصَمَا وَالشَّرْعُ قَدْ أَبَاحَ فِي ذَا الْمَوْضِعِ لِأَجْلِ صُلْحِ الْحَالِ قَوْلًا فَاسْمَعِ أَبَاحَ أَنْ نَذْكُرَ مَا لَمْ يُقَلِ لِأَجلِ جَمْعِ الشَّمْلِ وَالتَّجَمُّلِ كَيْفَ لَنَا نَنْقُلُ مَا يُكَدِّرُ وَلَيْسَ ثَمَّ مِنْ أُمُورٍ تُحْذَرُ وَكُلُّ مَنْ قَدْ شَكَرَ النَّعْمَاءَ يَسْتَوْجِبَنْ مِنْ رَبِّهِ الْعَطَاءَ فَبِالْمَزِيدِ وَعَدَ الْإِلَهُ تَفَضُّلًا مَنْ يَشْكُرَنْ نَعْمَاهُ وَالصَّمْتُ فَهُوَ أَفْضَلُ الْمُرَادِ وَإِنَّهُ الْأَنْفَعُ لِلْعِبَادِ وَفِي الْكَلَامِ مَا يُعَدُّ لَيْنَا وَيُحْسَبَنْ عِنْدَ الْمَقَالِ هَيَّنَا وَإِنَّهُ أَحَدُّ مِنْ حُسَامِ بَلْ إِنَّهُ أَشَدُّ مِنْ حِمَامِ لَا تَجْزَعَنْ إِنْ نَازِلُ قَدْ نَزَلَا فَالصَّبْرُ بِالْحُرِّ يَكُونُ أَجْمَلَا وَكُلُّ مَنْ قَدْ كَثُرَ اعْتِبَارُهُ مِنَ الْوَرَى قَلَّ بِهِ عِثَارُهُ (2/423)
صفحة 1033
بَابُ الحِكَمِ
الجزء الرابع
423
وَمَنْ يَكُنْ بِغَيْرِهِ قَدْ وُعِظَا فَهْوَ سَعِيْدٌ فَلتَكُنْ مُتَّعِظَا وَمَنْ بِهِ يَتَّعِظَنْ سِوَاهُ فَهُوَ شَقِيٌّ فَاحْذَرَنْ شَقَاهُ وَأَيُّ عَيْشِ لِلْفَتَى يَطِيبُ وَلَيْسَ لِلْمَوْتِ لَهُ طَبِيبُ وَكُلُّ مَا قَدْ جَمَعَ الْإِنْسَانُ يُفَرِّقَنَّهُ لَهُ الزَّمَانُ إِنَّ انْتِهَازَ فُرْصَةِ الْمَالِ بِأَنْ تَجْعَلَهُ فِي مَوْضِعِ لَهُ حَسَنْ إِيَّاكَ وَالدَّجَاجَ فِي الْحَاجَاتِ فَمَا قُضِي الْحَاجَاتُ بِاللَّجَّاتِ كَمْ طَامِعِ فِي حَاجَةٍ مَا نَالَهَا وَآيس وُفِّقَ أَنْ يَنَالَهَا وَمَنْ تَعَدَّى فِيكَ مَا قَدْ حَدًا إِلَهُنَا فَأَنْتَ لَا تَعَدَّى وَرُدَّ فِيهِ الْأَمْرَ لِلْخَلَّاقِ وَاصْبِرْ فَفِي الصَّبْرِ ثَوَابٌ بَاقِ وَمَنْ عَصَى الْإِلَهَ فِيكَ أَطِع فِيهِ الْإِلَهَ وَالْهُدَى فَاتَّبِع وَلَا تُجَازِ مَنْ عَصَى الرَّحْمَانَا بِمِثْلِهِ تَرْتَكِبِ الْعِصْيَانَا بَلْ جَازِهِ بِطَاعَةِ اللهِ فَمَنْ بَغَى عَلَيْكَ فَلَهُ فَلْتَدْفَعَنْ وَذُو السَّخَا مِنْ رَبِّهِ قَرِيبُ وَهْوَ لِجُمْلَةِ الْوَرَى حَبِيبُ وَسُوْدَدٌ كَانَ بِغَيْرِ جُودِ كَمَلِكِ كَانَ بِلَا جُنُودِ وَاعْتَزِلِ الْخَلْقَ فَإِنَّ الْخَلْقَا قَدْ يَسْرِقُونَ لِلْعُقُولِ سَرْقَا وَاسْتَعْمِلَنَّ عَنْهُمُ التَنَكَّرَا لِمَنْ عَرَفْتَ وَاحْذَرَنْ أَنْ تُشْهَرَا
(1) اللجاج والإلجاج في الشيء بمعنى الإلحاح والإلفاظ. (2/424)
صفحة 1034
424
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَلَا تَعَرَّفْ لِلَّذِي لَمْ تَعْرِفِ مَعْهُ لِتَنْجُو مِنْهُ لَا تَعَرَّفِ
وَذَاكَ مَا تُرْجَى بِهِ السَّلَامَهُ مِنَ الْوَرَى وَمَا
به
نَدَامَهُ
إِنَّ هَلَاكَ الْمَرْءِ فِي هَوَاهُ مِنْ قِبَلَ الْحُبِّ لِمَا يَهْوَاهُ إذ كُلُّ مَنْ يُحِبُّ شَيئًا كَادَا يُهْلِكُهُ فَحَاذِرِ الْفَسَادَا وَاجْتَنِبِ الظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّا إِثْـ
وَذَاكَ أَنْ تُحَقِّقَنَا
وَيُدْخِلُ الْجَنَّةَ حُسْنُ الْخُلُقِ فَكِنْ بِهِ أُخَيَّ ذَا تَخَلُّقِ وَالْأَجْوَفَانِ يُدْخِلَانِ النَّارَا بَطْنُّكَ وَالْفَرْجُ فَخُذْ حِذَارَا مَنْ لَمْ يَكُن لِلْمُسْلِمِينَ يَنْفَعُ لَا خَيْرَ فِيهِ وَهْوَ الْمُصَيِّعُ وَكُلُّ مَنْ قَدْ نَفَعَ الْأَنَامَا فِي الْمُسْلِمِينَ أَحْسَنَ الْإِسْلَامَا مَنْ جَاءَهُ الشَّيْبُ وَلَمْ يَتَّعِظِ فَإِنَّهُ بَهِيمَةٌ فَاتَّعِظِ فَإِنَّمَا الشَّيْبُ نَذِيرُ الْمَوْتِ فَرَاعِهِ قَبْلَ حُلُولِ الْقَوْتِ وَالتَرْكُ لِلذُّنُوبِ لِلْعَبْدِ أَخَفْ مِنْ طَلَبِ التَّوْبَةِ حِينَ مَا اقْتَرَفْ
(1) قوله: «وَلَا تَعَرّف» بفتح التاء والعين؛ أصله تتعرف فحذف إحدى التاءين تخفيفًا، ومعناه: أن من لا يعرفك من الناس فلا تتعرف إليه، أي: لا تطلب معرفته لكي تسلم من شره وأذاه، وهذا جار على مذهب من قال:
جَزَى اللهُ عَنَّا الْخَيْرَ مَنْ لَيْسَ بَيْنَنَا وَلَا بَيْنَهُ وُدُّ وَلَا نَتَعَارَفُ
فَمَا سَامَنَا خَسْفًا وَلَا عَمَّنَا أَذًى مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَنْ نَوَدُّ وَنَعْرِفُ
وإني أقول: ليس هذا الكلام على إطلاقه، ولا يصح حمله على جميع الناس، فكم من أناس تنال بمعرفته الآمال فلا يحمل عليهم قول شاعر متبرم من بعض قرابته وإخوانه، ويحتمل أن يكون أغلب الناس على ما قال. (2/425)
صفحة 1035
بَابُ الحِكَمِ
الجزء الرابع
425
وَإِنْ هَفَا رَأْيُّ الْحَلِيمِ لَا عَجَبْ وَالْعُدْرُ مِنْ هَفْوَتِهِ لَهُ وَجَبْ فَإِنَّهُ قِيلَ الْجَوادُ يَكْبُوا لَا شَكٍّ فِيهِ وَالْحُسَامُ يَنْبُو مِنْ ذَاكَ لَا غَرْوَ إِذَا مَا قَدْ هَفَا رَأْيُّ الْحَلِيم قَالَهُ مَنْ عَرَفَا وَمَنْ أَرَادَ دِيْنَهُ أَنْ يَطْرَحَا فَلْيَسْكُنَنَّ مَسْكَدًا أَوْ مَطْرَحَا لِأَنَّهُ يَأْوِي بِهَا كُلُّ غَوِي فَاحْذَرْ سُكُونَ مَسْكَدٍ ثُمَّ رُوِي) وَمَا كَتَقْوَى رَبِّنَا مِنْ مَنْصِبٍ وَلَا كَفَخْرِ الْحَقِّ فَخْرُ الْحَسَبِ وَإِنْ طَلَبْتَ الْعِزَّ كُنْ بِالطَّاعَهُ طَالِبَهُ يَا صَاحَ بِالْقَنَاعَهُ وَاعْلَمْ أَخِي أَنَّ وُجُودَ النِّعَمِ لِلْمُذْنِبِينَ مِنْ أَجَلَّ النِّقَمَ وَصِحَةُ الْجِسْمِ مَعَ الْمَعَاصِي خَدِيعَةٌ يَهْلِكُ فِيهَا الْعَاصِي وَاقْرَأْ إِذَا مَا شِئْتَ لَا تُعْجِبْكَا أَمْوَالُهُمْ تَدْرِي وَلَمْ تَشُكًا فَإِنَّهُ قَدْ ذَكَرَ التَّعْذِيبَا بِهَا لَهُمْ لَمْ يَذْكُرِ التَّقْرِيبَا وَذَاكَ الاِسْتِدْرَاجُ فَاحْذَرَتْهُ وَالذَّنْبُ إِنْ عَقِلْتَ فَاتْرُكَنْهُ وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِلَا احْتِرَامِ أُجِيبَ فِي الْحَالِ بِلَا احْتِشَامِ
(1) قوله: «يكبو»، أي يعثر وينبو»، أي: يجبن، و «الحسام السيف، وهو بضم الحاء كغراب. (2) قوله: «روي» بضم الراء؛ قرية ذات مزارع سقيها من الآبار وهي قريبة من مطرح، لا تبعد عنها أكثر من ميل شرعي، وهذا البيت والذي قبله هما من نظم صاحب الأرجوزة الشيخ الصائغي، التي هي أصل لهذا الجوهر فأثبتهما المصنف كما وجدهما، وليته لم يثبتهما لما فيهما من التشديد والتنفير فليس كل غوي من الناس يسكن هذه البلدان الثلاث، وليس كل من فيها غويا، بل هي كغيرها من البلدان التي تجمع الصالح والطالح. (2/426)
صفحة 1036
426
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَكُلُّ قَوْلٍ فَلَهُ جَوَابُ وَكُلُّ فِعْلٍ فَلَهُ مَابٌ وَكُلُّ مَنْ فِي خُلُقٍ قَدْ جَازَا يُشْبِهُ فِيهِ ذَلِكَ الْمُجَازَى () فَالْفَضْلُ لِلْكَاظِمِ لَا لِلْمُنْتَقِمْ وَالْفَضْلُ لِلَّذِي عَفَا عَنْ مُجْتَرِمْ وَمَنْ عَصَى خَالِقَهُ مَا رَحِمَا لِنَفْسِهِ أَدْخَلَهَا جَهَنَّمَا كَمْ مِنْ بَعِيدٍ مُخْلِصِ الْوِدَادِ وَرَحِمِ آذَنَ بِالْبِعَادِ كُمْ مِنْ صَدِيقٍ قَصَرَ الزِّيَارَهُ عَنْ خِلْهِ وَكَمْ عَدُوٌّ زَارَهُ
بَابُ أَسْبَابِ الْإِثم
وَالْإِثْمُ فِي أَشْيَاءَ فَاحْذَرَتْهَا وَهَا أَنَا أَذْكُرُ بَعْضًا مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي وَاحِدَةٍ قَدْ ضَيَّعَا مِنْ وَاجِبَاتٍ إِثْمُهُ قَدْ وَقَعَا أَوْ رَكِبَ الْخَصْلَةَ مِنْ حَرَامِ وَلَمْ يَتُبْ يَبُوءُ بِالْآثَامِ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ ذُو الْإِصْرَارِ بِحَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فِي النَّارِ لَيْسَ كَمَا قَالَ أَخُو الْجَهَالَهُ بِالْعَفْوِ عَمَّنْ رَكِبَ الصَّلَالَهُ قَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ فِي الْوَعِيدِ إِذْ لَمْ يُوَافِقُ لِلْهَوَى الْبَعِيدِ تَمَسُّكًا بِمُجْمَلِ قَدْ جَاؤُوا كَأَنْ يَغْفِرَ مَا يَشَاءُ
(1) قوله: «وكل من .... إلخ» هو مأخوذ من قول القائل:
به
إِذَا أَنْتَ جَازَيْتَ الْمُسِيءَ بِفِعْلِهِ فَفِعْلُكَ مِنْ فِعْلِ الْمُسِيءِ قَرِيْبُ (2/427)
صفحة 1037
بَابُ أَسْبَابِ الْإِثْمِ
الجزء الرابع
427
قَالُوا فَقَدْ أَخْبَرَنَا بِأَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الشِّرْكَ فَنَحْذَرَنَّهُ وَيَغْفِرَنْ مَا دُونَهُ لِمَنْ يَشَا قُلْتُ وَقَدْ أَصَابَ عَيْنَيْكَ الْعَشَا أَعْمَاكَ ذَا الْهَوَى عَنِ التَّبَصُّرِ فَاسْمَعْ هُدِيتَ مَا أَقُولُ وَانْظُرِ مَا هَذِهِ الْآيَةُ إِلَّا طِبْقُ مَا قَدْ أَخْبَرَ الْإِلَهُ فِيمَا حَكَمَا فَإِنَّهُ يَعْفُو عَنِ الصَّغِيرِ لِلْمُسْلِمِينَ دُونَ ذَا الْكَفُورِ فَاقْرَأْ إِذَا مَا شِئْتَ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ الْمَنْهِيِّ أَيْنَ تَذْهَبُوا تُنْبِيكَ عَنْ تَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ مَعَ اجْتِنَابِنَا لِلْمُوبِقَاتِ وَالِاجْتِنَابُ لَا يَكُونُ أَبَدًا لِمُشْرِكٍ قَدْ خَانَ يَومًا وَاعْتَدَى فَمِنْ هُنَا يَلْقَى كِتَابَهُ غَدًا يَحْوِي الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَالرَّدَى يَقُولُ يَا وَيْلَاهُ مَا لِهَذَا لِآخِرِ الْآيَةِ فَافْهَمْ هَذَا يُؤْخَذُ بِالْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ مِنْ ذَنْبِهِ لِشِرْكِهِ الْخَطِيرِ وَمُسْلِمٌ جَانَبَ لِلْكَبَائِرِ يُعْفَا لَهُ حَقًّا عَنِ الصَّغَائِرِ وَهْوَ الْمُرَادُ عِنْدَ قَوْلِهِ لِمَنْ يَشَاءُ أَيْ يَشَا الْإِلَهُ يَغْفِرَنْ وَاللهُ قَدْ يَعْفُو عَنِ الْكَثِيرِ بِالتَّوْبِ مَا فِي التَّوْبِ مِنْ كَبِيرِ فَعَفْوُهُ لِلتَّائِبِينَ أَعْظَمُ مِنْ ذَنْبِهِمْ وَهُوَ تَعَالَى أَرْحَمُ أَمَّا الْمُصِرُّ فَهُوَ الْمُحَادِدُ أَيَقْبَلُ الْإِلَهُ مَنْ يُحَادِدُ أَيَقْبَلَنَّ مُدْبِرًا عَنْهُ أَمَا تَوَعَدَ الْمُصِرَّ فَاتْرُكِ الْعَمَى (2/428)
صفحة 1038
428
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
(1)
وَقَالَ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَقُلْتَ بِالتَّبْدِيلِ أَقْصِرْ يَا أُخَيَ أَتَدْرِ أَنْتَ مَنْ تُكَذِّبَنَّا كَذَّبْتَ مَنْ أَنْشَاكَ فَاعْلَمَنَّا صَرَفْتَ مَا قَدْ قَالَهُ تَوَعُدَا وَقُلْتَ قَدْ قَالَ تَهَدُّدَا به نوَ يُرِيدُ غَيْرَ مَا قَدْ قَالَا مِنْ عَفْوِهِ سُبْحَانَهُ تَعَالَى يُخْبِرُ بِالْأَمْرِ وَأَنْتَ تَزْعُمُ بِأَنَّهُ سِوَاهُ شَيْئًا يَكْتُمُ أَقْصِرْ فَقَدْ طَالَ بِكَ الضَّلَالُ وَهَوَّنَنْ فَمَا هُنَا جِدَالُ وَمَا رَوَيْتُمْ مِنْ أَحَادِيْثَ بِهَا مَا قَدْ زَعَمْتُمْ فَاحْكُمُوا بِكِذْبِهَا إِلَّا إِذَا كَانَ هُنَاكَ مُحْتَمِلْ لِلْقَيْدِ بِالتَّوْبِ قَبُولَهُ احْتَمِلْ إِنْ صَحَ أَنَّ ذَاكَ عَنْ عَدْلٍ رُوِي فَالدِّينُ لَا نَأْخُذُهُ مِنَ الْغَوِي كَانَ لَنَا عَصْرُ الْعُلُومِ مُشْرِقَا وَبِأَفُولِهِ بَدَا مَنْ فَسَقَا عَضَ (2) عَلَى سِيرَةِ أَهْلِ الْحَقِّ وَلَا تَمِلْ عَنْهَا لِأَهْلِ الْفِسْقِ وَإِنْ تَشَا اتِّبَاعَهُمْ فَاسْتَمِعَا خَمْسًا بِهَا دِينُ الْإِلَهِ جُمِعَا مَعْرِفَةُ) الْإِلَهِ وَالتَّوْحِيدُ لَهُ كَذَا التَّقْدِيسُ وَالتَّمْجِيدُ ثُمَّ أَدَاءُ الْفَرْضِ فِي أَوْقَاتِهِ وَتَرْكُهُ الْكَبِيرَ مِنْ زَلَّاتِهِ ثُمَّ الْمُوَالَاةُ لِأَهْلِ الطَّاعَةِ فَإِنَّهَا مِنْ أَرْبَحَ الْبِضَاعَهُ
(2)
(1) رويتم يصح بناؤه على الفاعل وعلى المفعول. (2) قوله: «عَضَّ» بفتح العين أمر من العض، وهو من عض يعض بفتح عين المضارع، قال الله تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ} [الفرقان: 27] وقد قرئ بضم العين، ولكن الفتح أكثر وأفصح. (3) قوله: «معرفة» خبر لمبتدأ محذوف، أي: هي معرفة الله والتوحيد وما بعده معطوف على معرفة. (2/429)
صفحة 1039
بَابُ أَسْبَابِ الْإِثْمِ
الجزء الرابع
429
إِنْ تَرَكَ النَّاسُ صَلَاةَ الْعِيدِ وَالْمَيْتِ وَالْجِهَادِ لِلتَّأْبِيدِ إِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا جَمِيعًا إِنْ لَمْ يَتُوبُوا إِنْ لَمْ يَتُوبُوا كُلُّهُمْ سَرِيعا
ذَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَة فَتَرْكُهُ الصَّلَالُ وَالْغِوَايَة وَالْبَعْضُ إِنْ قَامَ بِهِ فَيَكْفِي عَمَّنْ سِوَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعُرْفِ عَجِبْتُ مِمَّنْ (1) كَانَ ذَا احْتِمَاءِ مِنَ الطَّعَامِ عَنْ حُدُوثِ الدَّاءِ فَكَيْفَ لَا يَكُفُّ عَنْ أَوْزَارِ مَخَافَةً مِنْ غَضَبِ الْجَبَّارِ وَكُفْرُ إِبْلِيسَ مِنَ النِّفَاقِ أَوَّلُهُ قَدْ قِيلَ بِاتِّفَاقِ لَكِنَّهُ لَمَّا دَعَا الْعِبَادَا لِلشِّرْكِ صَارَ مُشْرِكًا مُعَادَا وَهْوَ إِمَامَ الْمُذْنِبِينَ صَارَا أَدْخَلَهُ اللهُ الْعَظِيمُ النَّارَا وَآدَمٌ إِمَامُ التَّائِبِينَا فَانْظُرْ لِمَا بَيْنَهُمَا تَمْعِينَا وَاخْتَرْ إِمَامًا مِنْهُمَا لِنَفْسِكَا مَنْ جَرَّ لِلثَّوَابِ أَوْ مَنْ أَهْلَكَا وَقِيلَ مَنْ مَاتَ بِنَفْحَ الصُّورِ فَذَاكَ غَيْرُ سَالِمٍ مِنْ بُورِ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ رَحَلُوا حِيْنَئِذٍ لَمْ يَبْقَ إِلَّا الرُّدَّلُ وَهُمْ شِرَارُ الْخَلْقِ يُحْشَرُونَا إِلَى الْجَحِيمِ هَكَذَا يَرْوُونَا الْحَالِ يُخَبِّرَنَّا لَا عَنْ شَقَاوَةٍ تَعُمُّ هُنَّا (2)
عَنِ
(1) قوله: «عَجِبْتُ مِمَّنْ كَانَ ذَا احْتِمَاءِ .... إلخ» هو مأخوذ من قول القائل: جِسْمَكَ بِالْحَمِيةَ عَوَّدَتَهُ مَخَافَةً مِن ألم طاري من المعاصي خَشْيَةَ الْبَارِي
وَكَانَ أَوْلَى بك أن تحتمي بِكَ أَنْ
(2) هُنَّا بالتشديد أي: هنالك. اهـ. (المصنف) (2/430)
صفحة 1040
430
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
فَلَيْسَ لِاعْتِرَاضِهِ بِمَا عُهِدْ مَعْنًى إِذَا صَحَ الَّذِي فِيهِ وُجِدْ وَلَا يُنَافِيَنَّهُ لَا تَجْتَمِعْ أُمَّتُهُ عَلَى الصَّلَالِ فَاسْتَمِعْ لِأَنَّمَا الصَّلَالُ لَا يُجْتَمَعُ عَلَيْهِ إِذْ طَرِيقُهُ مُنَوَّعُ يَفْعَلُ هَذَا مِنْهُ مَا قَدْ يَهْوَى وَذَاكَ مَا يَهْوَى فَمَا تَسَوَّى)
بَابُ التَّوْبَة
مِنْ فَضْلِ رَبِّي جَعَلَ الْمَتَابًا يَمْحُو الذُّنُوبَ لِلَّذِي قَدْ تَابَا نَجَاةٌ مَنْ أَذْنَبَ أَنْ يَتُوبَا فَاعْجَبْ لِمَنْ لَمْ يَتْرُكِ الذُّنُوبَا أَلَيْسَ تَعْجَبَنَّ مِمَّنْ يَهْلِكُ وَعِنْدَهُ إِلَى النَّجَاةِ مَسْلَكُ لَوْلَا ثَلَاتٌ هَلَكَ الْأَنَامُ تَقِيَّةٌ وَالتَّوبُ وَالْأَحْكَامُ وَأَنَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ نُورُ وَنُورُ مَنْ يُذْنِبُ أَوْ يَجُورُ يَسْتَغْفِرُ اللهَ بِقَلْبِ صَادِقِ وَنِيَّةٍ وَعَمَلٍ مُوَافِقِ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْهَلَاكُ إِلَّا عَلَى الْمُصِرٌ حَيْثُمَا تَوَلَّى وَقَدْ رُوِي فِي ذَاكَ مِنْ قَولِ النَّبِي مَنْ تَابَ مِنْ ذَنْبٍ كَمَنْ لَم يُذْنِبِ لَوْ أَنَّ فِرْعَوْنَ اللَّعِينَ إِذْ كَفَرْ تَابَ إِلَى اللَّهِ مُنِيبًا وَازْدَجَرْ
(1) قوله: «فَمَا تَسَوَّى»، أي: فما تساوى هكذا فسره المصنف
رحمه
الله. (2/431)
صفحة 1041
بَابُ التَّوْبَةِ
الجزء الرابع
431
لَمْ يَجِدِ الرَّحْمَنَ إِلَّا غَافِرَا لَكِنَّهُ أَبَى وَمَاتَ كَافِرًا وَتَوْبُهُ حِينَ رَأَى الْإِغْرَاقَا مَا كَانَ نَافِعًا لَهُ اتِّفَاقَا لِأَنَّهُ حِينَ رَأَى الْهَلَاكَا تَابَ فَهَلَّا تَابَ قَبْلَ ذَاكَا مَا حَالُ مَنْ تَابَ بِذَاكَ الْحَالِ إِلَّا كَتَائِبٍ مَعَ الْمَالِ فَالمُشْرِكُونَ اعْتَرَفُوا بِالذَّنْبِ فِي النَّارِ مَا كَانَ لَهُمْ بِتَوْبِ فَهْوَ مَتَابٌ كَانَ بِاصْطِرَارِ وَإِنَّمَا يُقْبَلُ الاخْتِيَارِي وَهُوَ الَّذِي يَتُوبُ مِنْ قَرِيبٍ قَبْلَ حُضُورِ الْمَوْتِ فِي التَّقْرِيبِ فَمَنْ رَأَى الْمَوْتَ عَلَيْهِ يَنْزِلُ تَوْبَتُهُ إِذْ ذَاكَ لَيْسَ تُقْبَلُ وَالتَّوْب مَقْبُولٌ إِلَى أَنْ تَطْلُعَا مِنْ غَرْبِهَا أَوْ أَنْ يَرَى الْمَوْتَ سَعَى وَقِيلَ مَا لَمْ يَتَغَرْغَرَنَّا بِرُوحِهِ فَالتَّوْبُ يُقْبَلَنَّا تَابَ نَصُوحًا إِنْ يَكُنْ لَمْ يَقْصِدِ يَعُودُ لِلذَّنْبِ دَوَامَ الْأَبَدِ كَمِثْلِ مَا لَا تَرْجِعُ الْأَلْبَانُ إِلَى الضُّرُوعِ وَبِذَا يُدَانُ وَإِنْ يَعُدْ مِنْ بَعْدُ فَلْيَسْتَغْفِرِ فَإِنَّمَا الرَّحْمَةُ لَمْ تُحَجَّرِ) وَالْمِسْلِمُونَ يَقْبَلُونَ مِنْهُ مَا تَابَ لِلرَّحْمَنِ فَاقْبَلَنْهُ وَقَالَ بَعْضُ لِثَلَاثِ يُقْبَلُ وَبَعْدَهَا فَلَيْسَ مِنْهُ تُقْبَلُ
(1) أي: لم تمنع. (2/432)
صفحة 1042
432
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
لِأَنَّهُ بِعَهْدِهِ مِرَارًا مُتَّهَمٌ بِمَا إِلَيْهِ صَارَا وَتَوْبَةُ الْمَرْءِ إِذَا لَمْ تَكُنِ لَهَا عَلَامَةٌ تُرَى فِي الْبَدَنِ مَا أَسْرَعَ الرُّجُوعَ عَنْهَا فَاعْلَمِ مَنْ لَمْ يُؤَفِّرْ تَوْبُهُ فَاتَّهِم يَنْكَسِرُ الْقَلْبُ وَيَنْدَمَنَّا فِي مَا مَضَى وَالذَّنْبَ يَتْرُكَنَّا وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ خَوْفَهُ إِلَى أَنْ يُبْغِضَ الدُّنْيَا بِمَا قَدْ فَعَلَا لأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ الذُّنُوبَا فِيهَا فَلَمْ تَكُنْ لَهُ مَحْبُوبَا قَدْ أَدْرَكَ التَّوْبَةَ غَيْرَ أَنَّ فِي قَبُولِهَا شَكَّا عَلَى تَخَوُّفِ وَالذَّنْبُ كَانَ بِيَقِينِ مِنْهُ وَمَا قَبُولُ النُّوْبِ يَعْلَمَنْهُ إِذْ ذَاكَ غَيْبٌ وَالْإِلَهُ وَعَدَا عَلَى النَّصُوحٍ فَهُنَا تَرَدَّدَا هَلْ صَادَفَ النَّصُوحَ أَمْ لَا فَحَصَلْ لَهُ تَرَدُّةٌ بِمَا فِيهِ دَخَلْ وَلَمْ يَكُنْ فِي وَعْدِ رَبِّي شَكَا فَالشَّكُ فِي الْوَعْدِ يَكُونُ شِرْكَا مَنْ لَمْ يَكُنْ بِعِلْمِهِ قَدْ عَمِلَا فَلَيْسَ بِالتَّائِبِ عَمَّا فَعَلَا كَذَاكَ مَنْ لَمْ يُرْضِ خَصْمَهُ بِمَا لَهُ عَلَيْهِ فِي رِضَا رَبِّ السَّمَا وَهَكَذَا مَنْ لَمْ يُغَيِّرُ مَطْعَمَا أَوْ مَشْرَبًا كَانَ لَهُ مُحَرَّمَا وَهَكَذَا مَنْ لَمْ يُغَيِّرَنَا لِبَاسَهُ إِنْ كَانْ يُكْرَهَنَّا (2)
(1) قوله: «شگا» اسم إن وفي نسخة: شك، وهو فعل ماض أي غير التائب قد شك في قبول توبته فلذلك اشتد خوفه وعلى هذا فاسم إن محذوف، أي: أنه إلخ.
(2) قوله: «إن كان يُكْرَهَنَّا»، أي: إن كان اللباس مكروها، إذ من علامة التائب تغيير الزي المكروه. اهـ. (المصنف) (2/433)
صفحة 1043
بَابُ التَّوْبَةِ
الجزء الرابع
433
وَهَكَذَا مَنْ لَمْ يُقَصِّرْ أَمَلَهُ فَلَيْسَ بِالتَّائِبِ مِمَّا عَمِلَهُ وَلَيْسَ بِالتَّائِبِ مَنْ لَمْ يَزْدَدِ عِبَادَةً فِي كُلِّ يَوْمٍ فَازَدَدِ وَلَيْسَ بِالتَّائِبِ مَنْ لَمْ يَحْفَظِ لِسَانَهُ عَنِ الْفُضُولِ فَاحْفَظِ مَنْ لَمْ يُقَدِّمْ فَضْلَ مَا حَوَاهُ مِنْ مَالِهِ فَلَمْ يَتُبْ أَرَاهُ وَإِنَّمَا التَّائِبُ مَنْ كَانَتْ هَذِي الْخِصَالُ كُلُّهَا فَانْتَبِهِ
به
ثَلَاثَةٌ لَيْسَ لَهُمْ مَتَابُ إِبْلِيسُ قَابِيلُ بمَا أَصَابُوا وَثَالِثُ مَنْ لِنَبِيٌّ قَتَلَا مَأْوَاهُمُ النَّارُ فَسَاءَ مَوْئِلًا وَمَنْ عَدَاهُمْ فَلَهُ إِنْ تَابَا تُمْحَى الذُّنُوبُ وَيَرَى الثَّوَابَا فَاللهُ يَمْحُو ذَنْبَهُ وَيُنْسِي ذَلِكَ حَافِظِيهِ دُونَ لَبْسِ وَيُعْطَى كُلَّ صَالِحٍ قَدْ عَمِلَهُ إِنْ كَانَ رَبُّهُ لَهُ قَدْ قَبِلَهُ وَقِيلَ إِنْ تَابَ مِنَ الْفُسُوقِ يُعْطَى خِلَافَ شِرْكِهِ الْمَضِيقِ (1) فَعَامِلُ الْخَيْرَاتِ فِي الشِّرْكِ فَلَا يُعْطَى ثَوَابَهَا إِذَا مَا انْتَقَلَا لَكِنَّهُ يُجَدَّدَنَّ الْعَمَلُ لَهُ وَيُعْطَى الْفَضْلَ فِيمَا يُقْبِلُ (2) وَلَا كَذَاكَ مُسْلِمٌ قَدْ أَذْنَبَا وَتَابَ لِلرَّحْمَنِ حِينَ انْقَلَبَا فَذَنْبُهُ يُغْفَرُ وَالثَّوَابُ لَهُ إِذَا مَا وَقَعَ الْمَتَابُ
(1) أي: الضيق. (2) قوله: «يقبل»، أي: يستقبل. (2/434)
صفحة 1044
434
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَقَدْ مَضَى فِي شَرْحِيَ الْأَنْوَارَا (1) (2) هُنَا كَلَامُ بِالصِّيَاءِ نَارًا لِكُلِ ذَنْبٍ تَوبَةٌ تَلْزَمُهُ فَالسِّرُّ بِالسِّرِّ كَمَا نَعْلَمُهُ وَالْجَهْرُ بِالْجَهْرِ فَمَنْ قَدْ ظَهَرَا عَلَيْكَ إِنْ تُبْتَ فَقُمْ وَأَخْبِرَا لِأَنَّهُ تَلزَمُهُ الْبَراءَةُ مِنَ الْمُصِرِّ وَكَذَا الْعَدَاوَةُ فَهُوَ عَدُوٌّ لَكَ إِنْ لَمْ يَعْلَمٍ مِنْكَ الْمَتَابَ فَإِخَاهُ اغْتَنِمِ وَقِيلَ مَا عَلَيْهِ أَنْ يُخَبِّرًا بِتَوْبِهِ إِذَا بِهِ قَدْ جَهَرَا إِذْ مَا عَلَى النَّائِبِ أَنْ يَتُوبَا لِلخَلْقِ مَهْمَا تَرَكَ الذُّنُوبَا وَأَوَّلُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي أَظْهَرُ وَهْوَ الَّذِي مَضَى عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ لَكِنَّهُ يَكْفِيهِ مَهْمَا اشْتَهَرَا مَتَابُهُ مِنْ غَيْر أَنْ يُخَبِّرَا فَشُهْرَةُ الْمَتَابِ أَقْوَى خَبَرَا مِنْ خَبَرِ اللَّسَانِ مَا بَيْنَ الْوَرَى
(1) قوله: «في «شرحي الأنوارا»، أي: في شرحه الكبير الذي سماه مشارق الأنوار على أرجوزته العصماء التي سماها أنوار العقول، وهي في أصول الدين وقد انتفع بها وبشرحها المذكور كثير من طلبة العلم وغير الطلبة من رجال العلم والدين بل إن هذه الأرجوزة أصبحت عقيدة يتحفظها طلاب العلم وهي في غاية من السهولة وجزالة المعاني وحسن العبارة وناهيك بشرحها المذكور الذي كشف فيه مخدرات علم الكلام تحقيقًا وتحريرًا بما لم يسبق إليه وله عليها شرح متين مختصر لطيف جدًا طبع على هامش طلعة الشمس بالقاهرة جزاه الله عنا وعن المسلمين خيرًا جزيلا في جنة الخلد وملك لا يبلى. (2) «الأنوار»: أرجوزته «أنوار العقول في أصول الدين من أجمل متون التوحيد. للناظم شرحان عليها مختصر ومطول والثاني أجمع وأحفل بمسائل الفن، وله في قوله: وفي مصر قد أتى الطاعة هل له ثوابها إذ الغفران حل.
(أبو إسحاق)
(3) قوله: «لِكُلِّ ذَنْب تَوْبَةٌ هذا موافق لحديث معاذ، إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معاذ أحدث
لكل ذنب توبة، السر بالسر والعلانية بالعلانية». أو كما قال صلوات الله عليه وسلامه. (2/435)
صفحة 1045
بَابُ التَّوْبَةِ
الجزء الرابع
435
وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى مَا ابْتَدَعَا فَصَحَ مِنْهُمْ عَمَلٌ بِمَا دَعَا عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِبَاطِلِهُ وَأَنَّهُ التَّائِبُ مِنْ فَعَائِلِهْ وَأَنَّ دِينَ المُسْلِمِينَ دِينُهُ وَأَنَّهُ النَّارِكُ مَا يَشِينُهُ فَإِنْ هُمُ قَدْ تَبِعُوهُ أُحِرَا وَإِنْ هُمُ لَمْ يَتْبَعُوهُ عُذِرَا وَمُسْتَحِلُّ لِأُمُورٍ شَاءَا مِنْهَا الْمَتَابَ يَذْكُرُ الْأَشْيَاءَا ثُمَّ يَكُونُ تَوْبُهُ مُفَصَّلَا ذَنْبًا فَذَنْبًا لَا يَكُونُ مُجْمَلَا لأَنَّهُ يَعْتَقِدَنَّ حَقَّ مَا نَعِيبُهُ عَلَيْهِ حِينَ كَتَمَا فَتَوْبُهُ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ يَحْتَمِلْ بَأَنْ يُرِيدَ غَيْرَ مَا قَدْ يَسْتَحِلْ وَإِنْ يَكُنْ مُنْتَهِكًا مَا فَعَلَا أَجْزَاهُ فِي التَّوْبِ إِذَا مَا أَجْمَلَا وَقِيْلَ مَنْ عَلَى الصَّغِيرِ قَدْ أَصَرْ مُنْتَهِكًا كَمُسْتَحِلٌّ فِي النَّظَرْ لَمْ يَكْفِهِ الْإِجْمَالُ بَلْ يُفَصِّلُ بَأَنَّهُ عَنْ ذَنْبِهِ مُنْتَقِلُ وَمُسْتَحِلُّ أَتْلَفَ الْأَمْوَالَا فَمَا عَلَيْهِ الْغُرْمُ حِينَ آلَا (2) إِلَّا الَّذِي فِي يَدِهِ مَوْجُودُ فَإِنَّهُ لِأَهْلِهِ مَرْدُودُ وَقِيلَ بَلْ يَغْرَمُ مَا قَدْ أَتْلَفَا وَلَا أَقُولُ يَغْرَمَنَّ فَاعْرِفَا
(1) قوله: «وَمُسْتَحِلَّ المستحل هو الذي يرى الشيء المحجور عند المسلمين حلالاً، كالخوارج الذين يستحلون أموال المسلمين ودماءهم بالمعصية فإذا تاب من هذا اعتقاده فلا تجزيه توبته إجمالا عند المسلمين؛ لأنه يعتقد استحلال دماء المسلمين، وأموالهم بالمعصية طاعة، فهو لا يتوب من الطاعة حتى يتوب من ذلك الاستحلال الذي خالف فيه المسلمين، وقس على ذلك. والمنتهك من يأتي الذنب غير مستحل له ويعلم أنه ارتكبه فإن تاب من ذنوبه دخل في توبته ما ارتكبه من الذنوب التي يعتقد أنها ذنب. (2) أي: تاب ورجع. (2/436)
صفحة 1046
436
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَكَانَ ذَاكَ
صَحَابَةُ الرَّسُولِ حِينَ اخْتَلَفُوا لَمْ يُلْزِمُوا التَّائِبَ مَا قَدْ أَتْلَفُوا فَكَانَ إِجْمَاعًا فَلَيْسَ يُقْبَلُ مِنْ بَعْدِ ذَا فِيهِ خِلَافٌ يُنْقَلُ أُسَامَةٌ قَدِ اسْتَحَلَّ قَتْلَ مَنْ وَحَدَ وَالصَّمَانُ لَمْ يُلَزَّمَنْ (1) (2) فِي زَمَانِ الْمُصْطَفَى وَهْوَ عَلَى الْقَتْلِ لَهُ قَدْ عَنَّفَا لَوْ كَانَ فِيهِ دِيَةٌ لَبَيَّنَا ذَاكَ نَبِيُّنَا وَلَمْ يُبَيِّنَا وَأَصْلُ ذَاكَ جَعْلُهُ كَمُشْرِكِ تَابَ لِجَامِعٍ لَهُمْ مُشْتَرَكِ عَمَاوَةُ الْجَهْلِ تَعُمُّ الْكُلَّا تَعُمُّ مُشْرِكًا وَمُسْتَحِلًا لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُصَلِّلُ سِوَاهُ إِنْ خَالَفَ مَا يُؤَوِّلُ وَتَوْبَةُ النَّبَاش (3) أَنْ يَسْتَغْفِرَا خَالِقَهُ مِنْ كُلِّ مَا مِنْهُ جَرَى وَأَنْ يَرُدَّ قِيمَةَ الْأَكْفَانِ يَرُدُّهَا فِي وُرَثَاءِ الْفَانِي إِنْ عُرِفُوا وَمَنْ يَكُنْ قَدْ جُهِلَا نَصِيبُهُ فِي الْفُقَرَاءِ جُعِلَا
(1) قوله: «أُسامة» هو ابن زيد بن حارثة مولى النبي، صحابي مشهور، والمراد بقتله الموحد يوم بعثهم سرية إلى حُرَقَةٍ وهم بطن من جهينة للرجل الذي قال لا إله إلا الله، فلما علم بذلك النبي قال له: «يا أسامة أتقتل رجلا قال لا إله إلا الله؟!»، فقال له: إنه لم يقلها إلا تعوذا
من حز السيف، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «هل شققت عن قلبه؟ وما زاده على ذلك ولم يلزمه ديته، فدل ذلك ـ على ما قال رحمه الله أن المستحل ليس عليه ضمان ما أتلفه باستحلاله من نفس أو مال. من
المصنف
-
(2) قوله: «أسامة .... إلخ» يشير إلى ما روي من أن أسامة بن زيد الله بعثه رسول الله على سرية إلى بني ضمرة فلقي مرداس بن نهيك؛ وهو رجل منهم، ومعه قطعة غنم وجمل، فلما شاهد السرية فر إلى كهف فأدخل غنمه وجمله فيه، فاستقبل الصحابة بكلمة التوحيد، فقتله أسامة وأخذ الغنم والجمل، فلما بلغ الخبر إلى رسول الله غضب على أسامة، فقال: يا رسول الله مُتَعَوِّذُ تعوَّذَ بها، فقال له عليه الصلاة والسَّلام: هلا شققت عن قلبه فنظرت إليه» فنزل قوله تعالى: {وَلَا نَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} [النساء: 94] الآية. (أبو إسحاق)
(3) قوله: «النباش»: هو من ينبش قبور الموتى ليأخذ أكفانهم. (2/437)
صفحة 1047
بَابُ التَّوْبَةِ
الجزء الرابع
437
كَذَاكَ قِيلَ وَأَقُولُ يُجْعَلُ فِي كَفَنِ الْفَقِيرِ حِينَ يَحْصَلُ وَتَوْبَةُ الَّذِي يَدُمُ الْمُسْلِمَا يُجْزِيهِ أَنْ يَتُوبَ مَهْمَا نَدِمَا وَرَبُّنَا الرَّؤُوفُ وَهْوَ يَغْفِرُ بِتَوْبَةٍ ذُنُوبَ عَبْدٍ يَكْفُرُ فَكَيْفَ لَا يَغْفِرُ ذَنْبَ عَاصِي مَعَ مَتَابِهِ عَنِ الْمَعَاصِي وَقِيلَ فِي المَادِحِ لِلْجَبَابِرَهُ تَوْبَتُهُ ذَمُّهُمُ مُجَاهَرَهُ وَإِنْ يَكُنْ قَدْ خَافَ مِنْهُمْ ضَرَرَا إِنْ ذَمَّهُمْ مَعَ الْمَتَابِ غُفِرَا وَلَا أَرَى الذَّمَّ مَتَابًا لِأَحَدُ بَلْ يُجْزِهِ أَنْ يَرْجِعَنَّ لِلْأَحَدُ وَإِنَّمَا قَدْ قَالَ مَنْ قَالَ بِهِ لِيَظْهَرَنَّ صَدِقُهُ مِنْ كِذْبِهِ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا فَعَلْ ذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ قَدْ قُتِلْ يُؤْاثِرَنْ فِيهِ رِضَى الرَّحْمَنِ عَلَى بَقَائِهِ بِهَذَا الْفَانِي (1) أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الذَّمَّا كَفَّارَةٌ لَهُ فَتَمْحُو الْإِثْمَا أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَشْتَهِرَا مَتَابَهُ بِمَدْحِهِ إِذْ شُهِرَا يَسُوؤُهُ كَمِثْلِ مَا قَدْ سَرَّهُ بِمَدْحِهِ الَّذِي إِلَيْهِ جَرَّهُ أَوْ أَنَّهُ يَجْعَلُهُ مِنْ بَابِ مَنْ دَعَى إِلَى بِدْعَتِهِ إِذْ يَرْجِعَنْ وَتَابَ مَعْنَاهُ يُقَالُ رَجَعَا وَمِثْلُهُ آبَ إِذَا مَا أَقْلَعَا وَظَالِمٌ لِلنَّفْسِ مَنْ لَمْ يَكُنِ مُسْتَغْفِرًا لِرَبِّهِ الْمُهَيْمِنِ الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ فِي الْغَدَاةِ وَفِي العَشِيَّاتِ إِذَا مَا تَاتِي
فِي
(1) قوله: «بِهَذَا الْفَانِي»، أي: يختار رضى الله عزَّ وجلَّ على البقاء في هذا العيش الفاني، والمراد
بذلك هذه الحياة الدنيا. (2/438)
صفحة 1048
438
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَمِنْ جَمِيعِ
أَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنَ الْمَعَاصِي فَإِنَّنِي لَا شَكٌّ عَبْدٌ عَاصِي أَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنَ الْمَلَاهِي وَلَعِبٍ وَكُلِّ شَيْءٍ لَاهِي الْكِذْبِ فِي الْكَلَامِ وَجُمْلَةِ الْأَوْزَارِ وَالْآثَامِ وَتَائِبُ لللَّهِ ذِي الْجَلَالِ مِمَّا بِهِ دِنْتُ مِنَ الصَّلَالِ) وَكُلُّ مَا خَالَفْتُ فِيهِ الْحَقَّا وَلَمْ أَكُنْ فِي فِعْلِهِ مُحِقًا وَشَتُم أَعْرَاضِ ذَوِي الْإِيمَانِ وَمَدْحَ أَهْلِ الْفِسْقِ وَالْكُفْرَانِ أَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنَ النِّسْيَانِ وَمِنْ زِيَادَاتٍ وَمِنْ نُقْصَانِ أَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنَ الرِّضَا بِمَا يُسْخِطْهُ مِنْ كُلِّ مَا قَدْ حَرَّمَا وَتَائِبُ لِلْوَاحِدِ الْفَرْدِ الصَّمَدْ مِنْ كُلِّ عُجْبٍ وَرِيَاءِ وَحَسَدْ وَكُلِّ مَا ضَيَّعْتُ مِنْ صَلَاةِ وَشَرْطِهَا وَالْمَنْعِ لِلزَّكَاةِ وَتَائِبٌ مِنْ كُلِّ مَا أَفْسَدْتُ مِنَ الصِّيَامِ كُلَّ مَا ضَيَّعْتُ (2) وَتَائِبُ اللهِ مِنْ ذُنُوبِي صَغِيرِهَا وَمِنْ كَبِيرِ الْحُوبِ (3) وَتَائِبُ لِلْوَاحِدِ الْمَنَّانِ مِنْ كُلِّ بَخْسِ الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ وَتَائِبٌ مِنْ كُلِّ مَنْظُورٍ حَرُمْ وَكُلِّ مَسْمُوعٍ وَكُلِّ مَا يُشَمْ
(1) يريد ما دان به من الخطأ في الاجتهاد بغير علم منه، أنه مأجور، أو أراد ما أخطأت فيه من مع اعتقاد الخطأ صوابًا، إن كان ولم أعلم به، كما ورد في الدعاء: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك مما لا أعلم» (أبو إسحاق)
(2) قوله: «كُلَّ مَا ضَيَّعْتَ يجوز كونها بدلاً من الصيام أو تأكيدًا، وأن تكون ما متصلة بكل مصدرية ظرفية، أي تائب من إفساد الصيام كلما وقع مني إفساده.
(3) الحوب الذنب. (2/439)
صفحة 1049
بَابُ الزُّهْدِ
الجزء الرابع
439
وَكُلِّ مَا كَانَ مِنَ الْبُيُوعِ غَيْرُ صَحِيحِ وَالرِّبَا الْمَمْنُوعِ وَكُلِّ غِضٌ فَأَنَا أَسْتَغْفِرُ مِنْهُ وَرَبُّ الْعَالَمِينَ يَغْفِرُ وَكُلٌّ لَمْزِ كَانَ بِالْأَلْقَابِ وَكُلِّ هَمْزِ كَانَ لِلْأَصْحَابِ وَكُلٌّ سَعْيِ كَانَ بِالْأَقْدَامِ أَتُوبُ فِي الْجَمِيعِ لِلْعَلَّامِ وَكُلٌّ (1) شِرْكِ وَنِفَاقٍ وَقَعَا وَكُلِّ فِعْلٍ قَدْ غَدًا مُضَيَّعَا مِن مُوَالَاةِ أُولِي الصَّلَالِ أَتُوبُ فِي الْقَوْلِ وَفِي الْأَفْعَالِ وَدَائِنُ لِلْوَاحِدِ الْمَنَّانِ بِكُلِّ مَا عَلَيَّ مِنْ صَمَانِ مُعْتَقِدًا تَأْدِيَةَ الْحُقُوقِ لِلْوَاحِدِ الْفَرْدِ وَلِلْمَخْلُوقِ مُفَوِّضًا أَمْرِي لِذِي الْجَلَالِ فِي كُلِّ مَا كَانَ مِنَ الْأَحْوَالِ فَهَذِهِ التَّوْبَةُ رَبِّي فَاقْبَلَا تَفَضُّلًا يَا خَيْرَ مَنْ تَفَضَّلَا
بَابُ الزُّهْدِ
وَالتَّرْكُ لِلشَّيءِ احْتِقَارًا زُهْدُ أنْوَاعُهُ ثَلَاثَةٌ تُعَدُّ زُهْدٌ عَنِ الْحَرَامِ وَهُوَ وَاجِبُ تَارِكُهُ إِنْ لَمْ يَتُبْ مُعَاقَبُ وَالثَّانِي زُهْدٌ عَنْ مُبَاحِ يَحْذَرُ مِنْ أَخْذِهِ الْبَأْسَ وَلَيْسَ يُحْجَرُ وَثَالِثُ الْأَنْوَاعِ زُهْدُ مَا بِهِ بَأْسٌ وَلَكِنْ زُهْدُهُ لِرَبِّهِ وَذَا هُوَ النَّوْعُ الَّذِي بِهِ ارْتَفَعْ مَنْ كَانَ مِنْ أَشْيَاخِنَا لَهُ صَنَعْ
(1) تقدم تفسيره. (2/440)
صفحة 1050
440
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَفَوْقَ ذَاكَ رُتْبَةُ الْعِرْفَانِ عِلْمٌ وَزُهْدٌ عَنْ جَمِيعِ الْفَانِي فَالزَّاهِدُونَ لِلْعُلَا يَسِيرُوا والْعَارِفُونَ نَحْوَهَا يَطِيرُوا فَهَلْ تَرَى السَّائِرَ يُدْرِكَنَّا بِسَيْرِهِ مَنْ طَارَ مُطْمَئِنَّا أَبُو الْحَوَارِي مِنْ حِمَالِ الْأَثَبِ يَأْكُلُ زُهْدًا لَا لِعُدْمِ النَّشَـ وَرُبَّمَا عَلَيْهِ قَدْ تُصُدِّقَا وَذَاكَ فِي حَلَّ السِّرَاجِ أَنْفَقَا وَبَعْضُهُمْ مِنْ وَرَقِ الْأَشْجَارِ يَأْكُلُ مَا يَكْفِيهِ وَالْأَنْمَارِ أَبُو سَعِيدٍ نَحْلَةً وَكَرْمَهُ يَمْلِكُ كَانَ شَاكِرًا لِلنِّعْمَة مِنْهَا طَعَامُهُ وَمِنْ كَرْمَتِهِ (3) ثِيَابُهُ لَا مِنْ غِنَا زَوْجَتِهِ كَانَتْ لَهُ الزَّوْجَاتُ مَعْهَا الْمَالُ يَعِفُ عَنْهُ وَهُوَ الْحَلَالُ وَالْعَبْدُ لَا يَذُوقُ حُلْوَ الْأُنْسِ بِاللَّهِ قَبْلَ رَفْضِهِ لِلنَّفْسِ وَذَاكَ مَهْمَا قَطَعَ الْعَلَائِقَا عَنْ نَفْسِهِ وَرَفَضَ الْخَلَائِقَا وَصَارَ غَائِصًا عَلَى الْحَقَائِقِ مُطَّلِعَا فِيهَا عَلَى الدَّقَائِقِ لَوْ تَعْلَمُ الْأَنْعَامُ مَا عَلِمْتُمُ مِنْهَا سَمِينًا قَطُّ مَا أَكَلْتُمُ أُوصِيكَ يَا صَاحِ بِتَقْوَى الصَّمَدِ عَسَاكَ تَحْظَى بِنَعِيمِ الْأَبَدِ تُبْ مُخْلِصًا لِلْوَاحِدِ الْجَلِيل تَوْبَةَ بَرٌّ صَادِقٍ فِي الْقِيلِ
(1) هو
الشيخ محمد بن الحواري، الضرير المشهور، وقد سبق ذكره. (2) قوله: «حِمَالِ الْأَثَبِ» ثمره، والأثب شجر ينبت بنفسه في بلدان الجبل. اهـ. (المصنف) (3) و «الكرمة»: شجرة العنب اهـ. (المصنف) (2/441)
صفحة 1051
بَابُ الزُّهْدِ
الجزء الرابع
441
وَاحْمَدْهُ حَمْدَ مُخْلِصِ الْأَعْمَالِ فِي الْقَوْلِ وَالنِّيَّةِ وَالْفِعَالِ يَا حَسَنَ الْوَجْهِ دَعِ الْعِصْيَانَا لَا تَخْلِطِ الزَّيْنَ بِمَا قَدْ شَانَا وَيَا قَبِيحَ الْوَجْهِ حَسِّنِ الْعَمَلْ لَا تَجْمَعَنْ بَيْنَ الْقَبِيحَيْنِ مَثَلْ فَلَيْسَ مُؤمِنًا سِوَى مَنْ جَمَعَا هَذِي الصِّفَاتِ فَافْهَمَنْ مُسْتَمِعَا مَنْ كَانَ مِنْهُ الْخَلْقُ ذَا أَمَانِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ وَفِي الْأَبْدَانِ مُلَازِمًا لِلْحَقِّ فِي حَالِ الرَّخَا وَحَالِ الاشْتِدَادِ حَافِظَ الْإِخَا يَرْجُو وَيَخْشَى خَالِقَ الْبَرَايَا وَعَامِلًا بِمُقْتَضَى الْوَصَايَا وَقَلْبُهُ يَخْشَعُ وَالْأَعْضَاءُ تَخْضَعُ مِنْهُ فَلَهُ الثَّنَاءُ لأَنَّهُ بِقَلْبِنَا الْخُشُوعُ يَكُونُ وَالْأَعْضَا بِهَا الْخُضُوعُ وَيَجْعَلَنَّ مَنْ يَكُونُ مُؤْمِنَا رَجَاءَهُ وَخَوْفَهُ مُتَّزِنَا وَلَيْسَ يَرْجُو اللَّهَ إِلَّا خَائِفُ ولَيْسَ يَخْشَى اللَّهَ إِلَّا عَارِفُ سَأَلْتُ رَبَّ الْعَرْشِ أَنْ أَكُونَا مِمَّنْ رَجَا وَخَافَهُ يَقِينَا إِنَّ مِلَاكَ الدِّينِ يَا صَاحِ الْوَرَعْ وَإِنَّمَا يَهْدِمُهُ مِنْكَ الطَّمَعْ نَفْسُكَ وَالدُّنْيَا مَعَ الشَّيْطَانِ إِنْ تَعْصِهِمْ تَنْجُ مِنَ النَّيْرَانِ طُوبَى لِمَنْ يَعْصِمُهُ مَوْلَاهُ مِنْ كَيْدِهِمْ وَيَمْلُكَنْ هَوَاهُ وَإِنَّهُ لَا شَكٍّ مِنْ طُولِ الْأَمَلُ يَكُونُ تَرْكَ الْخَيْرِ مَعْ كُلِّ كَسَلْ لأَنَّ مَنْ يَطُولُ فِيهِ أَمَلُهُ لَا شَكَ أَنَّهُ يَسُوءُ عَمَلُهْ أَمَلُهُ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ قَاطِعُ طَمَعُهُ عَنْ كُلِّ حَقٌّ مَانِعُ (2/442)
صفحة 1052
442
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَمَنْ رَأَى الْآجَالَ فِي مَسِيرِهَا (1) يُبْغِضُ ذِي الْأَمَالَ (2) فِي غُرُورِهَا وَأَشْجَعُ النَّاسِ فَتَّى قَدْ جَاهَدَا هَوَاهُ حَتَّى صَارَ فِيهَا زَاهِدَا أَرْبَعَةٌ مِنْ شَأْنِهِمْ قَدْ عُجِبَا مَنْ بُسِطَتْ دُنْيَاهُ ثُمَّ ذَهَبًا صَارَ إِلَى النَّارِ لَدَى عُقْبَاهُ وَآخَرُ قَدْ قُبِضَتْ دُنْيَاهُ فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ غَدًا مَأْوَاهُ وَوَاحِدٌ يَفُوتُهُ دَارَاهُ وَآخَرٌ قَدْ حَازَ لِلدَّارَيْنِ فَأَسْأَلُ الرَّحْمَنَ خَيْرَ ذَيْنِ وَأَرْبَعُ نَالَ بِهَا الْأَبْدَالُ مَنْزِلَةَ الْأَبْدَالِ فِيمَا قَالُوا بِالْجُوعِ وَالصَّمْتِ وَبِاعْتِزَالِ عَنِ الْوَرَى وَسَهَرِ اللَّيَالِي وَصَابِرُ عَلَى الْقَضَا أَفْضَلُ مِنْ عَبْدٍ عَلَى النَّعْمَاءِ أَمْسَى يَشْكُرَنْ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ فِي الْمَشَقَّةِ وَعِنْدَ ذَاكَ شَاكِرٌ لِلنِّعْمَةِ فَهْوَ صَبُورٌ وَشَكُورٌ جَمَعَا وَصْفَيْن صَارَ بِهِمَا مُرْتَفِعَا وَأَفْضَلُ الطَّاعَةِ مَا قَدْ جَبَرَا عَلَيْهِ نَفْسَهُ عَلَيْهَا صَبَرَا وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَا مَا نَشِطَتْ إِلَيْهُ نَفْسُهُ وَفِيهِ انْبَسَطَتْ وَقِيلَ أَحْوَالُ النُّفُوسِ تَخْتَلِفْ وَكُلُّ شَخْصٍ فَلَهُ مَا قَدْ أَلِفْ وَكُلُّهَا مُوَصِّلُ لِلْجَنَّةِ إِنْ وَافَقَ الْفِعْلُ طَرِيقَ السُّنَّةِ وَبَدَلُ الْفَرْضِ يُقَالُ أَفْضَلُ مِنْ نَفْلِهِ إِنْ شَاءَهُ الْمُنْتَفِلُ
(1) «وَمَنْ رَأَى الْآجَالَ .... إلخ» هذا عقد حديث مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو رأيتم الأجل ومسيره
لأبغضتم الأمل وغروره».
(2) الآمال مفعول به بدلاً من اسم الإشارة. (2/443)
صفحة 1053
بَابُ الزُّهْدِ
الجزء الرابع
443
لِأَنَّهُ نَفْلُ حَوَى احْتِيَاطَا إِنْ كَانَ تَضْيِيعُ فَهَذَا احْتَاطَا وَلَسْتُ أَرْضَاهُ وَمَا قَدْ عُلِّلَا بِهِ فَذَاكَ الْوَصْفُ وَصْفٌ أُهْمِلَا الْمُصْطَفَى وَصَحْبُهُ الْأَبْرَارُ تَنَفَّلُوا أَلِلدَّنِي اخْتَارُوا؟ حَتَّ عَلَى التَّنَفُلَاتِ الْمُصْطَفَى مَا حَتَّنَا لِبَدَلٍ لَمْ يُعْرَفَا وَفِي حَدِيثٍ جَاءَ عَنْهُ يُجْبَرُ فَرْضٌ بِنَفْلٍ وَهْوَ فَضْلٌ يُشْكَرُ فَمَا عَنَاهُ مَنْ يُفَضِّلُ الْبَدَلْ يَحْصُلُ فِي النَّفْلِ لِمَنْ قَدِ انْتَفَلْ ثُمَّ قِيَامُ اللَّيْلِ قِيلَ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ نَفْلٍ لَيْسَ عَنْهُ يُعْدَلُ وَالْفَضْلُ فِي الْفَرْضِ هُوَ الْإِبْدَاءُ وَالْفَضْلُ فِي النَّفْلِ هُوَ الْإِخْفَاءُ مِنْ هَاهُنَا الصَّلَاةُ فِي الْجَمَاعَهُ أَفْضَلُ وَهْيَ أَرْبَحُ الْبِضَاعَهُ وَالصَّدُقَاتُ مِثْلُ هَذَا الْحَالِ فِي فَرْضِهَا الْإِظْهَارُ لِلْأَفْعَالِ وَنَفْلِهَا الْإِخْفَاءُ فِيهِ أَفْضَلُ إِلَّا لِلِاقْتِدَا بِمَنْ قَدْ يَفْعَلُ فَإِنَّ مَنْ يَكُونُ الاِقْتِدَاءُ بِهِ فَفَضْلُ فِعْلِهِ الْإِبْدَاءُ لأَنَّهُ بِذَا يَكُونُ سَبَبًا نَجَاتِهِمْ وَالْفَضْلُ فِيهِ وَجَبَا وَإِنْ أَتَى الْأَمْرُ مِنَ السَّمَاءِ فَلَيْسَ غَيْرُ الصَّبْرِ لِلْقَصَاءِ وَمَا عَلَيْكَ إِنْ فَرَرْتَ مِنْهُ عَارٌ وَلَا يُطَاقُ تَدْفَعَنْهُ وَلَمْ يَفِرَّ الْمُرْسَلُونَ وَالنَّبِي مَا فَرَّ نَحْوَ الْغَارِ خَوفَ الرَّهَبِ لَكِنْ خُرُوجُهُ لِمَا قَدْ أُمِرَا بِهِ مِنَ الْهِجْرَةِ حَيْثُ اثْتَمَرَا لَمْ يُؤْمَرَنَّ بِالْقِتَالِ فَاعْلَمَا كَيْفَ يَصِحُ أَنْ يُقَالَ انْهَزَمَا (2/444)
صفحة 1054
444
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
فَفَرْضُهُ الْخُرُوجُ نَحْوَ يَثْرِبَا وَبِدُخُولِهَا الْقِتَالُ وَجَبَا وَالْمُصْطَفَى لَمْ يَتأَخَّرْ شِبْرًا فِي مَوْقِفِ كَيْفَ يُقَالُ فَرَّا فَنِسْبَةُ الْفِرَارِ فِي جَنَابِهِ كَبِيرَةٌ إِذْ لَمْ تَكُنْ مِنْ بَابِهِ وَالصَّائِغِيُّ بِأَبِي مُحَمَّـ في نِسْبَةِ الْفِرَارِ صَارَ مُقْتَدِي وَتِلْكَ غَلْطَةٌ بِهَا قَدْ قَذَفَا وَهُمُ أَبِي مُحَمَّدٍ وَانْحَرَفَا وَهَذِهِ دُنْيَاكُمُ مَنَازِلُ فَرَاحِلٌ فِيهَا الْوَرَى وَنَازِلُ وَإِنَّهَا تُشْبِهُ حُلْمَ النَّائِمِ مَا خَيْرُ عَيْشٍ لَمْ يَكُنْ بِدَائِمِ فَكُلَّمَا اسْتَغْنَيْتَ عَنْ شَيْءٍ دَعِ فَلَا تُحَاوِلُهُ وَلَوْ لَمْ يُمْنَعِ وَرُبَّ حَتْفَ فَوْقَهُ يَاقُوتُ أَوْ ذَهَبٌ وَكُلُّهُ يَفُوتُ مَنْ عَاشَ فِي الدُّنْيَا رَأَى مَا سَاءَا وَمَا يَسُرُّهُ جَمِيعًا جَاءَا لَكِنَّ مَا يَسُرُّهُ قَلِيلُ وَمَا يَسُوؤُهُ بِهَا جَزِيلُ وَأَعْرَفُ الْخَلْقِ بِنَقْصِ النَّفْسِ أَتَمُّهُمْ فِي عَقْلِهِ وَالْحِس وَأَجْهَلُ الْخَلْقِ فَتّى أَعْمَاهُ عَنِ اتِّبَاعِ دِينِهِ هَوَاهُ لَوْلَا الْهَوَى لَمْ يَهْوِ فِي النَّيْرَانِ خَلْقُ مِنَ الْجِنِّ أَوِ الْإِنْسَانِ وَلَا حَلَا عِنْدَ أُولِي الْكُفْرَانِ كُفْرٌ مِنَ الْفِسْقِ أَوِ الْعِصْيَانِ لَكِنْ هَوَى النَّفْسِ يَكُونُ مُهْلِكًا لِكُلِّ مَنْ لِعَقْلِهِ تَمَلَّكَا لَقَدْ أَتَى فِي الْأَثَرِ الْمَنْقُولِ بِأَنَّهُ الْآفَةُ لِلْعُقُولِ (1) «أَتَمهُم»، أي: أكملهم. (2/445)
صفحة 1055
بَابُ الزُّهْدِ
الجزء الرابع
445
وَجَنَّةُ الْخُلْدِ تَكُونُ مَأْوَى لِمَنْ نَهَى النَّفْسَ وَطَابَ مَثْوَى دُنْيَاكُمُ مَشْحُوْنَةُ الرَّزَايَا فَهْيَ بَهَا مَمْلُوءَةُ الزَّوَايَا إِيَّاكَ وَالدُّنيا فَدَعْهَا وَاسْلَمِ وَكَنْ لَهَا أَخَا اجْتِنَابٍ تَغْنَمِ كَمْ أَهْلَكَتْ مَنْ كَانَ ذَا غُرُورِ بِمَا بِهَا نَالَ مِنَ السُّرُورِ أُنْظُرْ إِلَى تِلْكَ الْقُرُونِ الْمَاضِيَة قُصُورُهُمْ قَدْ تَرَكُوهَا خَالِيَهْ فَأَيْنَ عَادٌ وَابْنُهُ شَدَّادُ وَمَنْ لَهُ كُلُّ الْوَرَى يَنْقَادُ لَا شَكٍّ فِيهَا أَنَّهَا غَدَّارَهُ صَرَّاعَةٌ لِأَهْلِهَا مَكَارَهُ وَحُبُّهَا رَأْسُ الْخَطَايَا فَاعْلَمِ فَحُبُّهَا آفَةٌ كُلِّ مُجْرِمِ أَيْقَنْتُ أَنَّ مَنْ عَلَيْهَا فَانِي وَيَبْقَ وَجْهُ رَبِّنَا الدَّيَّانِ لَوْ أَنَّ إِنْسَانًا بِهَا يُخلَّدُ كَانَ الرَّسُولُ (1) الْمُصْطَفَى مُحَمَّدُ صَلَّى عَلَيْهِ رَبُّهُ وَسَلَّمَا مَا حَنَّ رَعْدٌ بِالدُّجَى وَهَمْهَمَا لَوْ عَدَلَتْ قُلَامَةَ الظُّفْرِ لَمَا أَعْطَى الْإِلهُ مُلْكَهَا مَنْ ظَلَمَا بَلْ جُعِلَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ سِجْنَا وَجَنَّةً لِلْكَافِرِينَ تَفْنَى يَا وَيْلَ مَنْ جَنَّتْهُ الدُّنْيَا وَمَا لَهُ مِنَ الْأُخْرَى نَصِيبٌ قُسِمَا وَجَاءَ فِي الدُّنيا لَنَا الْخِطَابُ مُصَرِّحًا بِأَنَّهَا خَرَابُ
(1) قوله: «كَانَ الرَّسُولُ» اسم كان وخبرها محذوف تقديره: كان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم مخلدًا فيها، لو
كان بها خلود مخلوق. (2) القلامة: ما يقص من الظفر. (2/446)
صفحة 1056
446
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَكُلُّ مَنْ يَعْمُرُهَا فَأَخْرَبُ مِنْهَا وَبِالْخَيْبَةِ مِنْهَا انْقَلَبُوا دَعْ عَنْكَ دُنْيَا عَنْ قَرِيبٍ تَخْرَبُ وَمَا بِهَا عَمَّا قَلِيلٍ يَذْهَبُ وَاعْمَلْ لِأُخْرَى إِنَّهَا لَدَارُ تَبْقَى وَمَا فِي سَكْنِهَا أَكْدَارُ وَإِنْ طَلَبْتَ الْعِزَّ كُنْ بِالطَّاعَةِ طَالِبَهُ وَلِلْغِنَى الْقَنَاعَهُ إِنَّ الْغِنَا عَنِ الْمُلُوكِ أَفْضَلُ حَالًا وَبِالْإِنْسَانِ طُرًّا أَجْمَلُ أَيَا زَمَانًا أَلْبَسَ الْأَحْرَارَا مَهَانَةً وَذِلَّةً وَعَارَا فَلَسْتَ عِنْدِي بِزَمَانِ خَيْرِ وَهَكَذَا قَدْ قَالَ فِيكَ غَيْرِي وَقَالَ أَهْلُ الصِّدْقِ وَالْأَمَانَهُ لَسْتَ زَمَانًا أَنْتَ بَلْ زَمَانَهُ (1) إِنْ دُمْتَ (2) لَا نَبْكِي عَلَى مَفْقُودِ كَذَاكَ لَا نَفْرَحُ بِالْمُولُودِ خَمْسَةٌ أَشْيَاءَ طَهُورُ الْقَلْبِ يَذْكُرُهَا عَنِ النَّبِيِّ الْحِبِّ (3) أَنْ يَذْكُرَ الْمَوْتَ كَثِيرًا حَتَّى يَلِينَ مِنْهُ القَلْبُ أَوْ يَنْفَتَا) وَيَذْكُرَ الذَّنْبَ إِلَى أَنْ يَسْتَحِي مِنْ رَبِّهِ عَنِ الْمَعَاصِي يَنْتَحِي وَيَذْكُرَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَرْغَبَا فِيهَا فَإِنَّهَا أَجَلُّ مَطْلَبَا وَيَذْكُرَ النَّيْرَانَ وَالْعَذَابَا حَتَّى تَخَافَ نَفْسُهُ الْعِقَابَا
(1) قوله: «زَمَانَهُ»، أي: هَرم وضعف.
(2) قوله: «إن دمت .... إلخ» هذا مأخوذ من قول القائل:
هَذَا الزَّمَانُ الَّذِي كُنَّا نَحْاذِرُهُ في قول كَعْبٍ وَفِي قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ دَهْرُ بِهِ الْعَدْلُ مَرْدُودُ بِأَجْمَعِهِ وَالْبَغْيِّ وَالظُّلْمُ فِيهِ غَيْرَ مَرْدُودِ
الحبيب.
(3) الحب بالكسر هو (4) قوله: «أو ينفتا»، أي: يتصدع ويتفرق. (2/447)
صفحة 1057
بَابُ الزُّهْدِ
الجزء الرابع
447
(2)
وَيَذْكُرَنْ بَارِثَهُ كَثِيرًا حَتَّى يَرَى مِنْ نَفْسِهِ التَّقْصِيرَا مَنْ يَعْشُ (1) عَنْ ذَكْرِ الْإِلَهِ قُرِنَا بِهِ عَدُوُّهُ الَّذِي قَدْ لُعِنَا يَمُدُّهُ فِي الْغَيِّ وَالصَّلَالِ يَجُرُّهُ لِسَيِّءِ الْأَعْمَالِ مَا عُبِدَ اللهُ بِشَيء يَا فَتَى أَفْضَلَ مِنْ فِقْهِ كَذَا القَوْلُ أَتَى وَلَفَقِيةٌ (2) وَاحِدٌ أَشَدُّ مِنْ أَلْفِ أَلْفِ عَابِدٍ يُعَدُّ أَشَدُّ فِي الْأَمْرِ عَلَى الشَّيْطَانِ لِأَنَّهُ الْعَارِفُ بِالْمَعَانِي يَدْرِي مَصَائِدَ الْعِدَى فَيَحْذَرَا وَقُوعَهَا وَيُخْبِرَنْ بِهَا الْوَرَى أَبْكِي عَلَى مَا فَاتَ مِنْ زَمَانِي فَارَقْتُ فِيهِ طَاعَةَ الْمَنَّانِ وَلَمْ أَكُنْ بِالْعِلْمِ ذَا انْتِفَاعِ فِيهِ مَضى بِاللَّهْوِ وَالصَّيَاعِ صَارِفًا عَنْ قَلْبِهِ الْقِيَامَهُ وَذِكْرِ مَا فِيهَا مِنَ النَّدَامَهُ لَا تَنْسَيَنْ نَارَ الْجَحِيمِ وَالْعِبَرْ فَإِنَّهَا لِمَنْ يَرَى إِحْدَى الكُبَرْ وَخَفِّفَ الْحِمْلَ فَإِنَّ الْعَقَبَهُ طَوِيلَةٌ تَكْسِرُ مِنْكَ الرَّقَبَهُ وَأَكْثِرِ الزَّادَ فَإِنَّ السَّفَرَا مَسَافَةٌ بُعْدَى تَلُمُّ الْخَطَرَا وَالْبَحْرُ لَا شَكٍّ
يَا
عَمِيقُ فَاعْمَل لَهُ سَفِيْنَةً تُطِيقُ (3) به
وَأَخْلِص النِّيَّةَ يَا غَرِيرُ فَإِنَّمَا نَاقِدُهَا بَصِيرُ
(1) قوله: «مَنْ يَعْشُ»، أي: من يُعْرِض وهو مأخوذ من الآية الكريمة: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ
نُقَيِّضُ لَهُ شَيْطَنَا فَهُوَ لَهُ قَرِين) [الزخرف: 36].
(2) قوله: «وَلَفَقِية .... إلخ» قد سبقه إلى هذا من قال:
وَإِنَّ فَقِيهَا وَاحِدًا مُتَوَرِّعا أَشَدُّ عَلى الشَّيْطَانِ مَنْ أَلْفِ عَابِدِ
(3) تُطيق، أي: تطيق
عبر هذا البحر الزاخر العميق. (2/448)
صفحة 1058
448
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَنَسْأَلُ اللهَ لَنَا السَّلَامَهُ مِنَ الدِّمَا وَالْإِثْمِ وَالظُّلَامَة إنَّ الدُّنَا سَرِيعَةُ الزَّوَالِ وَهَذِهِ الْأُخْرَى عَلَى إِقْبَالِ أَشْرَاطُهَا (2) مَنْذُ زَمَانٍ وُجِدَتْ وَهْيَ الَّتِي بِالْعَقْلِ مِنْهَا أُدْرِكَتْ فَإِنَّهَا عَقْلِيَّةً تَكُونُ وَبَعْضُها الْحِنِّيُّ إِذْ يَبِينُ أَخْبَرَنَا بَأَنَّهَا قَرِيبُ إِلَهُنَا وَالْمُصْطَفَى الْحَبِيبُ بَعْثُ مُحَمَّدٍ لَهَا عَلَامَهُ وَجَعْلُهُ آخِرَهُمْ كَرَامَهُ فَهْوَ خِتَامُ الرُّسْلِ لَا يُوحَى إِلَى مَنْ بَعْدَهُ وَلَا يَكُونُ مُرْسَلَا وَإِنَّمَا الْمَسِيحُ يَحْكُمَنَّا بِشَرْعِهِ إِنْ قِيلَ يَنْزِلَنَّا فَهُوَ كَوَاحِدٍ مِنَ الْأُمَّةِ لَا يَخْتَصُّ دُونَهُمْ بِشَرْعٍ مَثَلَا كَذَاكَ مِنْ عَلَامَةِ السَّاعَةِ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَشْرَارِ تَمْلِيكُ الزَّمَنْ وَالْمَكْرُ قَدْ يَكُونُ فِي الْكِبَارِ وَالْعِلْمُ قَدْ يَكُونُ فِي الصَّغَارِ وَيَكْثُرُ التَّسَرِّي حَتَّى تَلِدَا رَبَّتَهَا الْأُنْثَى كَمَا تُعُوِّدَا وَتَشْرَعُ الْأَعْرَابُ فِي الْبِنَاءِ وَالْكُلُّ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ جَائِي (ه)
(1) قوله: «الدنا»، يعني:
الدنيا.
(2) قوله: «أشراطها»، أي: علاماتها.
(3) وفي نسخة: «دونه».
(4) قوله: «حَتَى تَلِدَ رَبَّتَهَا .... إلخ» قد قيل في تأويله بوجوه وأحسنها وأقربها إلى الفهم ما قاله
بعضهم: من
أنه يكثر بيع الإماء فيبيع السيد سريته أم بنته الصغيرة في مكان غير بلده، ثم لا
تزال تباع من مكان إلى مكان آخر، ثم بعد طول المدة تجلب إلى بلد ابنتها فتشتريها، وهي تعرفها أنها أمها، فتملكها فتكون ربَّتها وقيل بل هذا إخبار عما يقع في آخر الزمان من كثرة التسري فتلد السَّرّية من سيدها فتكون ابنتها الحرة منه مع أمها الأمة بمنزلة السيدة والله أعلم. (5) قوله: «جَائِي»: هو صفة الأمر.
لا (2/449)
صفحة 1059
بَابُ الزُّهْدِ
الجزء الرابع
449
وَبَقِيَ الدَّجَّالُ وَالْمُكَلَّمَهُ (1) وَفَتْحُ يَأْجُوجٍ فَلَا تَسْتَبْهِمَهُ وَالشَّمْسُ إِنْ تَطْلُعَ مِنْ مَغْرِبِهَا يَنْسَدُّ بَابُ التَّوْبِ مِنْ مَطْلَبِهَا لِأَنَّهَا تُؤْذِنُ بِالتَّدَاعِي وَبِخَرَابِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ أَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنَ الذُّنُوبِ وَكُلِّ عِصْيَانٍ جَرَى وَحُوبِ عَلِمْتُ هَذَا أَوْ أَكُنْ لَمْ أَعْلَم مِنْ عَمَلٍ قَدْ كَانَ أَوْ مِنْ كَلِم) لَا فَوْزَ إِلَّا لِلْمُطِيعِ الزَّاهِدِ أَوْ رَجُلٍ عَنِ الْحَرَامِ بَاعِدِ أَوْ رَجُلٍ تَابَ وَلَمْ يُصِرًا مِنْ بَعْدِ مَا عَصَى وَأَبْدَى الْكُفْرَا وَاللَّهِ لَا أَرْضَى سِوَى الْإِيمَانِ دِينًا وَلَا رَبَّا سِوَى الْمَنانِ وَقَدْ رَضِيتُ بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّ وَبِالْقُرَآنِ مُقتَدًا فِي مَذْهَبِي كَذَاكَ بِالْإِسْلَامِ دِينًا أَرَضَى لَا غَيْرَهُ وَإِنْ عَلَيَّ يُقْضَى يَا رَبِّ وَفِّقْنِي لِمَا فِيهِ رِضَى وَنَجِّنِي اللَّهُمَّ مِنْ حَرِّ لَظَى
(3)
(1) قوله: «والمكلمه»: هي الدابة التي ذكرها الله تعالى في آخر سورة النمل {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِايَتِنَا لَا يُوقِنُونَ}، واختلفوا في التكليم ما هذا، فقيل: هو من الكلام، وقيل: هو من التجريح ليكون لهم علامة من أجل ذلك قرأ بعضهم إن
بكسر همزة. (2) أي من فعل أو قول. (3) وفي نسخة: «في المذهب».
(4) أي: يحكم. والمعنى: وإن أجبرت على غير الإسلام لا أرضى بمفارقته اهـ. (المصنف)
(5) قوله: «يُقضي»، أي: أقتل.
(6) قوله: «رضى» بالضاد الساقطة ولظى بالمشالة، فكان اتحاد الرويين من أجل قصر الكلمتين، ولتعامد لقرب الحرفين في اللفظ. (2/450)
صفحة 1060
450
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَاجْعَلْ لِّي يَا رَبِّ مِنَ الْإِيمَانِ حَظًّا وَإِعْصِمْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ وَاجْعَلْ إِلَهِي جَنَّةَ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَايَ وَاصْرِفْ عَنِّي كُلَّ بُؤْسِ وَجِرْنِي يَا رَبِّ مِنَ النِّيرَانِ وَوَقِّنِي جَوَامِعَ الْعِصْيانِ وَارْزُقْنِي يَا رَبِّ قَرِينًا عَالِمَا أَكُنْ بِهِ مِنَ الذُّنُوبِ سَالِمَا
وَفِي
بَابُ الدُّعَاءِ
إِنَّ الدُّعَاءَ لَسِلَاحُ الْمُؤْمِنِ فَإِنْ دَعَوَتَ فَبِهَا فَاسْتَيْقِنِ قَدْ وَعَدَ الْإِلَهُ بِالْإِجَابَهُ لِمَنْ دَعَا مُمْتَشِلًا خِطَابَهُ فَإِنْ دَعَوْتَ لَا تُقَيَّدَنَّا فَلَا تَقُلْ إِنْ شِئْتَ فَاغْفِرَنَّا فَإِنَّهُ لَيْسَ لِرَبِّي مَكْرِهُ يَفْعَلُ مَا يَشَا وَلَا يُنَبَّهُ الدُّعَاءِ رَحْمَةٌ قَدْ أُهْدِيَتْ فَاعْتَنِمِ الرَّحْمَةَ حِينَ مَا أَتَتْ وَفِي ثَلاثَةٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ إِجَابَةُ الدُّعَا مَعَ الْإِخْبَاتِ) عِنْدَ الْقِتَالِ وَنُزولِ الْمَطَرِ وَبَعْدَ فَرْضِ الصَّلَوَاتِ فَاشْكُرِ تُفْتَحُ أَبْوَابُ السَّمَا وَتُرفَعُ أَعْمَالُنَا بِهَا الدُّعَاءُ يُسْمَعُ وَإِنْ فَرَغْتَ مِنْ صَلَاةٍ فَانْصَبِ وَادْعُ الْإِلَهَ وَلَهُ فَلْتَرْغَبِ وَهَكَذَا فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنْ لَيْلِهِ يُسْمَعُ لِلشَّكُورِ
(1) قوله: «فبها»، أي: بإجابة الدعاء، لأن الله وعد بها، والله لا يخلف الميعاد.
(2) أي مع التضرع والإخلاص. (2/451)
صفحة 1061
بَابُ الدُّعَاءِ
الجزء الرابع
451
وَبِبْطُونِ الْأَيْدِي) يُكْرَهْنَّا مِنْكَ الدُّعَا يُقَالُ فَاتْرُكَنَّا لِأَنَّهُ شِعَارُ قَومِنَا وَلَا يُكَرَهُ أَنْ تَرفَعَ الْايْدِي مَثَلَا قَدْ رَفَعَ الْمُخْتَارُ فِي مَوَاطِنِ عِنْدَ الدُّعَا بِظَاهِرٍ وَبَاطِنِ وَحَاجِبٌ (3) وَهْوَ أَبُو مَودُودِ يَفْعَلُهُ فِي مَوقِف مَشْهُودِ فِي عَرَفَاتٍ كَانَ ذَاكَ مِنْهُ فَأَخَذُوا جَوازَ ذَاكَ عَنْهُ وَقِيلَ بَلْ فِي غَيْرِهَا مَكْرُوهُ هَا مَكْرُوهُ وَجَائِزُ فِيهَا لِمَا رَوَوْهُ وَأَنْتَ تَدْرِي إِنَّ ذَا التَّقْبِيدَا مِنْ فِعْل حَاجِبِ يُرَى بَعِيدًا لأَنَّهُ لَوْ كَانَ شَرْعًا مَثَلًا مَا صَحَ أَنْ يُقَيِّدَنَّ الْمُرْسَلَا (3) يَكُونُ فِي سِوَاهُ مَنْعًا حُظِلَا فَكَيْفَ وَهُوَ فِعْلُ عَالِم فَقَطْ لَا يُؤْمَّنَنْ مِنَ الْخَطَا أَوِ الْغَلَطْ مَعْ أَنَّهُ فِي مَشْهَدٍ قَدْ فَعَلَهُ وَلَمْ يَقُلْ فِي غَيْرِ ذَا لَا تَفْعَلَهُ يَا رَبِّ أَدْعُوكَ بِمَا دَعَاكَا ذُو النُّونِ) لَمَّا خَشِيَ الْهَلَاكَا فَنَجِّنِي يَا رَبِّ مِنْ كُلِّ الْبَلَا كَمِثْلِ مَا نَجَّيْتَهُ إِذْ حَصَلَا
لأَنَّ فِعْلَهُ بِمَوْضِع
فَلَا
(1) قوله: «وببطون الأيدي»، أي: يجعل ظهورها في الفخذين وبطونها إلى السماء، قلت: ولكن كونه شعار قومنا لا يدل على الكراهة إذا لم يكن عليها دليل آخر. (2) قوله: «وحاجب» هو أبو مودود حاجب بن مَؤدُود من تلاميذ الشيخ أبي عبيدة، وقد مر ذكره عند قوله في باب الدلالة حاكيًا قول أبي عبيدة:
لَكِنَّنِي وَلَوْ أَشَأَ أَخَذْتُ من كيس حَاجِب لَمَا أَرْدْتُ.
(3) المرسلا: أي: المطلق. اهـ. (4) ذو النون: هو نبي الله يونس بن متى، قال الله تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذ ذَهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: 87] الآية، وقد قيل في معنى «فَظَنَّ أَلَّن نَقْدِرَ عَلَيْهِ»، أي: فظن أن لن نُضَيَّق عليه، وقيل: «فَظَنَّ أَن لَن نَقْدِرَ عَلَيْهِ إلقاءه في البحر، والتقاء الحوت له، والنون هو الحوت فيما قيل. (2/452)
صفحة 1062
452
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَمِثْلُ مَا حَسَّنْتَ رَبِّي خَلْقِي فَحَسنِ اللَّهُمَّ مِنِّي خُلْقِي أَقُولُ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ وَمَنْ هُوَ الْعَالِمُ بِالْغُيُوبِ ثَبِّتْ عَلَى الطَّاعَةِ رَبِّي قَلْبِي حَتَّى أَمُوتَ فِي رِضَاكَ رَبِّي وَنَجِّنِي مِنْ دَرَكَاتِ النَّارِ إِنَّكَ أَنْتَ عَالِمُ الْأَسْرَارِ وَارْزُقْنِي يَا رَبِّ الْخُلُودَ فِي غَدِ بِجَنَّةِ الْمَأْوَى وَعَيْشِ رَغَدِ فَأَنْتَ أَهْلُ الْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ لَيْسَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ثَانِي وَالْحَمدُ للهِ عَلَى مَا يَشَرَا مِنْ نَظْمِهَا فَقَدْ نَظَمْتُ جَوْهَرَا)
(*) (1)
وَمَا رَأَيَتَهُ مِنَ التَّحْرِيرِ فَهْوَ مِنَ اللهِ لِذَا الضَّرِيرِ وَعِنْدَ ذَاكَ فَأَنَا أَشْكُرُهُ لِكَوْنِهِ الْأَصْلَ الَّذِي أَذْكُرُهُ قَدْ صَارَ لِي أَصْلًا وَصِرْتُ أَتَبَعُ آثَارَهُ لَكِنَّنِي أُفَرِّعُ وَأَذْكُرُ الْوَجْهَ أَوِ التَّعْلِيلَا وَتَارَةً قَدْ أَذْكُرُ الدَّلِيلا وَأَكْشِفُ اللُّثَامَ عَمَّا أَشْكَلَا مُفَصِّلًا لِمَا لَهُ قَدْ أَجَمَلَا مُبَيِّنًا تَضْعِيفَ (2) مَا أَرَاهُ مُسْتَضْعَفًا وَإِنْ يَكُنْ رَآهُ مُرَجِّحًا فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ مَا كَانَ رَاجِحًا مِنَ الْأَقْوَالِ وَرُبَّمَا أُخَالِفُ الْمَشْهُورَا أَوْ أَذكُرَنْ مَا لَمْ يَكُنْ مَذْكُورَا
(1) الضرير: أي: الأعمى، لأنه كان له أصابه العمى في صغره؛ بسبب الجدري فيما أحسب. (*) الجدري أصاب الإمام الله في رحلته إلى الحج وذلك سنة 1323 هـ. وفقد البصر كان في الصبا، وقد يكون بسبب ما يعرف الآن بالتراخوما. (إسماعيل)
(2) قوله: «تضعيف بمعنى ضعف أي أبين ما أراه ضعيفًا من الأقوال، وإن رآه صاحب الأصل. (2/453)
صفحة 1063
بَابُ الدُّعَاءِ
الجزء الرابع
453
لأَنَّنِي أَقْفُو الدَّلِيلَ فَاعْلَمَا لَمْ أَقْتَصِرْ عَلَى مَقَالِ الْعُلَمَا) فَالْعُلَمَاءُ اسْتَخْرَجُوا مَا اسْتَخْرَجُوا مِنَ الدَّلِيلِ وَعَلَيْهِ عَرَّجُوا فَهُمْ رِجَالٌ وَسِوَاهُمْ رَجُلُ وَالْحَقُّ مِمَّنَ كَانَ حَتْمًا يُقْبَلُ فَمَوْرِدُ الْكُلِّ هُوَ الدَّلِيلُ يَقصِدُهُ مَنْ لَهُمُ التَّحْصِيلُ (2) وَرُبَّمَا تَفَاوَتْ (3) الْأَنْهَامُ فِيهِ فَيَكْثُرَنْ بِهِ الزِّحَامُ فَيَنْشَأُ الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ كَمَا تَرَاهُ فِي الْخِلَافِ بَيْنَ الْعُلَمَا كَذَلِكَ التَّحْقِيقُ لِلدَّلَائِل كَذَلِكَ التَّحْرِيرُ لِلْمَسَائِلِ لَمْ يَذْكُرِ الْأَصْلُ سِوَى الْيَسِيرِ لَا يَبْلُغُ الْمِعْشَارَ فِي التَّقْدِيرِ وَأَحْمَدُ اللهَ عَلَى مَا وَهَبَا بِمَنْهِ مَا لَمْ أَكُنْ مُحْتَسِبًا أَلْهَمَنِي رُشْدِي وَأَوْلَى فِكْرِي فَهِما وَعِلْمًا قَدْ حَشَى فِي نَحْرِي لَسْتُ أُطِيقُ شُكْرَ مَا أَوْلَانِي وَعَدُّه كَلَّتْ (ه) بِهِ لِسَانِي
کلامه
(1) يخبرنا المصنف رك الله في هذه الأبيات؛ تحدثًا بنعمة الله أنه يستند على الدليل لا على نقل كلام العلماء ولا على مجرد الترجيح شأن العلماء المجتهدين، الذين نبذوا التقليد وراءهم ظهريًا، واعتمدوا على الاعتداد بالدليل، واستنباط الأحكام منه، وذلك مشاهد في تأليفه، ويشير في إلى ما روي عن بعض من أهل الصدر الأول، لما سئل فقال: ما جاء عن الله ورسوله فعلى الرأس والعين وما جاء عن الصحابة فبعضه مقبول وبعضه، مردود، وما جاء عن التابعين فهم رجال ونحن رجال. وليس الناظم رحمدلله ممن يسودون ويقولون نحن مؤلفون. ولا من الذين يتهوّكون ويحتطبون بالليل، ولكنه محقق مدقق. جزاه الله عن الدين والعلم خير جزاء، ونفعنا بتآليفه. (أبو إسحاق) (2) أي: حصول المعرفة.
(3) قوله: «تَفَاوُتَ»، أي: تتفاوت بمعنى تتخالف. (4) قوله: «فَيَكْثُرَنْ»، أي: فيشتد بينهم الخلاف.
(5) قوله «گلتْ»، أي: عَييَتْ وعَجَزَتْ. (2/454)
صفحة 1064
454
الجزء الرابع
السُّنَنُ وَالْآدَابُ
وَيَرْحَمُ
فَاجْعَلَهُ فِي رِضَاكَ رَبِّي وَانْفَعَا بِهِ الْعِبَادَ وَاسْتَجِبْ مِنِّي الدُّعَا اللهُ فَتًى دَعَالِي مِنْ قَلْبِهِ فِي مِنْ قَلْبِهِ فِي ظُلَمِ اللَّيَالِي وَصَلِّ رَبِّي ثُمَّ سَلَّمَنَّا عَلَى النَّبِيِّ بَلِّغَنَهُ عَنَّا وَأَعْطِهِ يَا رَبِّ مَا وَعَدتَهُ مِنْ رُّتْبَةٍ بِهَا غَدًا رِفْعَتُهُ وَاحْشُرْنَا يَا رَبَّاهُ فِي زُمْرَتِهِ) وَاجْعَلْنَا يَا رَبَّاهُ فِي جِيرَتِهِ وَأَبْلِعْ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَا أَصْحَابَهُ وَآلَهُ الْكِرَامَا وَاغْفِرْ لِأَشْيَاخِي وَلِلإِخْوَانِ فِي حَاضِرٍ وَسائِرِ الزَّمَانِ وَاخْتِمْ لِيَ اللَّهُمَّ بِالْغُفْرَانِ مِنْكَ وَبِالرَّحْمَةِ وَالرَّضْوَانِ
تمت الأرجوزة المسماة بجوهر النظام
في يوم إحدى عشر من شهر ربيع الآخر سنة 1329 هـ وكان تمام نقلها من المسودة يوم 19 من شهر جمادى الآخرة سنة 1329 هـ والحمد لله ربّ العالمين.
(1) قوله: «فِي زُمْرَتِهِ»، أي: في جماعته وأصحابه. (2/455)
صفحة 1065
كلمة المصحح
أحْمَدُك يا الله على تمام النعمة، فأنت المستحق لجميع المحامد يا ذا المنة، وأصلي وأسلم على نبيك العظيم، ورسولك الكريم الذي أرسلته بشرائع الإسلام، واصطفيته على جميع الأنام المبعوث بجواهر النظام. سيدنا محمد بن عبدِ الله الشفيع يؤم تثبتُ فيه أقدام وتزل فيه أقدام، وعلى آله وأصحابه أهل الفضائل والإعظام. الذين بلغوا عن المصطفى؛ ما ملأ الكون وجلالا، فكانوا أهل إجلال وتفخيم على مرور الأيام.
عظمةً
وبعد فقد نجز - بحمد الله وتسديده ـ كتاب «جَوْهَرِ «النِّظامِ». في عِلْمَي الأَدْيَانِ والأَحْكام، وظهر في ثوب قشيب يليق به، وقد وشي بتعليقات للمصنف، وللفقير إلى الله مصححه، في طبع متقن نقي، ندر أن يظهر فيه الْغَلَط. في جمال يُبهر الناظر، ويبهج الخاطر.
و «جوهر النظام كتابٌ لا يملك المرء أن يعبّر عن كنوزه، وما احتوى عليه من غوالي المسائل، وذخائر العلم، إنك لترى جاذبية عند مطالعته، وروعة تمتلك النفس بتحقيقه، وسهولة نظمه، وحسن تأليفه يقذف إليك بدون مشقة درَرَ، مسائله، ويُوَصَّلكَ إلى عويص منها بلا عناء. ويُقَرِّب ما صَعُب من مرامي الفقه البعيد المدى، وكثيرًا ما يُوضح المسألةَ بِعِلَّتِها ومشلك مَأخذها؛ حتى يكونَ القارئ مستجمعًا لما يَكتَنِفُها من البرهان، أو يحيط بها من التبيان. وهو (2/456)
صفحة 1066
456
الجزء الرابع
منظوم لا كالنَّظم، بل مُنَصَّد بديع وسِفر جامع، حوى ما لم تخوه ضخام المؤلفات، وحَرَّر ما لم يُحَرِّرُه الأصل ولغيره، فات، وقد ينأى كثير من الناس عن المنظوم وتستثقل النفسُ الأَراجيز في الفنونِ الشرعية، وَلكِنَّ المؤلف في هذه الأرجوزة بذل عنايته، وأبدى مهارته، فأفرغها في قالب مقبول سائغ لكل مطالع، كالشراب المعسول.
ثم ميّز أرجوزته بحسن التبويب والتَّرتيب. وأضاف إليها شيئًا كثيرًا مما نعتقد أنه من اجتهاده، ومَازَها من التعقيد والفتاوى الواهية، وربما دعاه الأصل إلى إيراد مسألة منها، ولكنه يُعْقِبُها بأوجه البطلان.
ومن مزاياها شمولها لكثير من المصطلحات الفقهية، وإضافته إلى فنونها مهمات للعالم بها ملابسة كباب الضوابط؛ فإنه جاء فيه بضبط ألفاظ، لم نقف على ضبطها في المطولات.
ومن مزاياها استعمال كثير من مفردات اللغة العُمانية، الخاصة بتلك القبائل ذات الأرومة العربية العريقة، قد أهملها أصحاب المعاجم اللغوية، وَلَوْ اعتنى بها وبمدلولاتها بعض أهل العلم لكان فيها تأليف مهمة، تزيد العربية اتساعًا وثَرْوَةً، ولعناية المؤلف بإفادة العامة، وما أحوجها إلى تلقينها العلم بكل وسيلة جعل أرجوزته في غاية السهولة، واحتوائها على ألفاظ تفهمها هنالك العامة، بل تناول حتى بعض ألفاظ عامية في ذلك الوسط، على ما يغلب في الظن. ومن مزاياها أن اختصت بجمع كثير من الآداب الإسلامية وحكم التشريع وألمَّتْ ببعض أسرار اللغة العربية في الاستعمال. فقد استعمل اللغة الشاذة وغير المشهورة، كنصبه بـ (لم) تارة وإهمالها طورًا، وجزمه بها بالسكون المقدّر على حرف العلة، وكل ذلك وارد في اللغة، على أنه لغة لقوم من العرب عند بعض أهل العلم، على ما فيه من القول، ووجوه من الإعراب عند الجمهور من العلماء، وفي النصب بـ (لم) شواهد، لكنها مُؤوَّلة بما يقرب من (2/457)
صفحة 1067
كلمة المصحح
الجزء الرابع
457
المشهور، فما يقال هنالك يقال هنا، أما ورود الفعل بعد لم مرفوعًا فلغة أثبتها
ابن مالك، من شواهدها:
لَوْلَا فَوَارِسُ مَنْ نِعْمَ وَأَسْرَتُهُمْ يَوْمَ الصُّلَيْفَاءِ لَمْ يُوفُونَ بِالْجَارِ
ومن شواهد الجزم بالسكون المقدر على حرف العلة قوله:
أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالْأَنْبَاءِ تَنْمِي بَمَا لَاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادِ
وفي هذا المقام تأويلات ليس هذا محلها فلتطلب من كتب العربية. وهل لنا أن نحكم بكون ما استعمله المؤلف من لغات بعض قبائل عُمان، ذلك ما لا يجوز لنا القول فيه. واللغات مما لا يصح الحكم فيه لغير من وقف عليها بملابسة أهلها واستقر البحث في ربوعها، كما كان أئمة اللغة يفعلون في
الصدر الأول.
وبالجملة أن مزايا هذه الأرجوزة كثيرة، يقف عليها من تصفحها، وكلما أجاد التأمل في مواضعها انكشف له من مكنونها ما لا يقدر من لبَابِ الْعِلْمِ، ووقف على براعة المؤلف وتبحره في العلم، ودرجة اجتهاده، مع وقوفه على دقائق الحال الحاضرة؛ من حيث السياسة الاستعمارية التي طالما لعبت أدوارًا في تلك الأرجاء النائية، ولم تزل كذلك مما هو جدير بأهل العلم أن يحيطوا به علما قبل غيرهم، بل من الواجب عليهم كي يعطوه حكمه الشرعي، ويعلموا كيف يكون العمل تلقاءه وبابتعاد أهل العلم عن تلك المواقف اتخذ العدو المعاول، لهدم ما يعترضه في سبيل مطامعه ومن سكوتهم وجد حجة يلعب بها على عقول الذين ضعفت نفوسهم، وسذجت أفكارهم فطوَّقَهم بمكائِدِه ودهائه، الهالكين يَجُرُّون وراءهم ويلاتٍ ونكبات لقومهم، ولا حول ولا
حتى
أمسوا في
قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم انصر من نصر الدين وَاخْذُلْ مَن خَذَله، وانصرنا على القوم الكافرين والظالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله. (2/458)
صفحة 1068
[صفحة فارغة] (2/459)
صفحة 1069
V
21
26
32
41
47 .
53
09
71
71
860
93
99
الفهرس
الجزء الثالث
كتاب الإباحة.
بابُ التَّعَارُف.
باب الدلالة.
باب ما يباح في جانب الأيتام ...
كتاب العطايا. كتاب الإقرار كتاب الأمانة.
باب اللقطة
بابُ الْوَقْف.
بابُ الصَّافِيَةِ ..
بابُ أَمْوالِ الْمَسَاجِد. كتاب الأَمْوَالِ ..
باب الإجارة ..
بابُ الشَّرِيكِ في الْعَمل
باب ما تستحقه الأَمْوَالُ من حريم وَغَيْرِه.
باب السواقي .. (2/460)
صفحة 1070
140
108.
113.
117.
120
127 ..
137.
137.
146.
151
172
176.
178.
182.
187.
192
199
201
213
223
2240
225
228
2340
460
بابُ الْحَرِيم ... باب الطرق.
بابُ صَرْفِ الْمَصَارٌ.
باب المواتِ وَالأَوْدِيَةِ ..
بابُ قَسْمُ الأموال ..
كتاب الشكوك.
كتاب الوصايا.
باب الإيصاء .. بابُ الْوَصِي.
باب إنفاذ الوصايا.
باب وصِيَّةِ الأقربين.
كتاب الميراث.
باب ذوِي السِّهام. بابُ الْعَصَبَةِ ..
باب الأرحام.
باب موانع الإرث.
كتاب نظام العالم.
باب الإمام.
باب الأمر بالمعروفِ والنَّهْي عنِ المُنْكَرِ.
باب الحدود.
فصل حد المرتد.
فصل حد المحارب ..
فصل حد الشارق.
فصل حد الزَّانِي. (2/461)
صفحة 1071
461
241
245
247.
250
262
262.
2670
272
283
286
291
313.
313.
323
32700
329
336
346
351
الجزء الرابع
الفهرس
فصل حد القاذف. فصل اللعان.
فصل حد الشارب
باب الجهاد.
كتاب القضاء ..
باب صفةِ الْقاضِي وَآدَابِهُ. باب الدعاوي. باب الْبَيِّنَة.
فصل تعارض الْبَيِّنَاتِ. بابُ الْيَمِين ..
باب القضاء في
الدماء.
السنن والآداب.
باب العلم.
بابُ الْعَقْل.
باب النِّيَّة.
بابُ سُنَن الْفِطْرَةِ.
بابُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ .. باب اللباس.
باب الأكل والشرب. باب الطب .. (2/462)
صفحة 1072
353.
357
358.
359
361
364
365
366
3670
3680
369
371
372
373
375
378
396
3990
417.
426
430
439
450
455
462
بابُ الرِّزْقِ ..
باب حقِّ الْوَالِدَيْن.
باب حق الرَّحِم ..
باب حق الجار.
بابُ السَّلام وَهُوَ من حقوقِ الإِسْلام ...
باب الاستئذان
باب السَّارِقِ.
بابُ السَّفَرِ.
بابُ النَّصِيحَةِ.
باب الاعتذار ...
باب الغيبة.
باب
الْحَسَدِ.
بابُ الْعُجْبِ وَالْكِبْر.
بابُ النِّفَاق.
باب آدابِ التَّلَاوَةِ ..
باب تفسير كلماتٍ مِنَ القرآنِ وغيْره.
باب الصَّوَابط ..
باب جامع الآداب ..
باب الحكم ... باب أسباب الإثم.
بابُ التَّوْبَةِ ..
باب الزهد.
باب الدعاء ...
كلمة المصحح. (2/463)
صفحة 1073
تنبيه
نبين للقارئ الكريم أن المصحح المذكور تحت التعليق (2) في صفحة (171) هو غير الشيخ أبو إسحاق اطفيش وكذلك نستدرك على التعليق المذكور أن زيارة الشيخ ماجد للنور السالمي كانت في قرية بني صبح والمحادثة كانت بها ونتيجتها جعل المسألة اجتهادية وأن الشيخ ماجد راجع تخطئته فيها. انظر نهضة الأعيان
عن
ص
133 - 131 (2/464)
صفحة 1074
[صفحة فارغة] (2/465)