صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه - فقه
------------------------------------------
العنوان: حوار حول حجاب المرأة بين السائل والمجيب
المؤلف: سليمان بن عبد الله اللويهي الغافري
تقديم: سعيد بن خلف بن محمد الخروصي - عبد الله بن سلطان بن راشد المحروقي
الناشر: مكتبة محمد بن أحمد بن سعود آلبوسعيدي
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: 1426ه/ 2005م
الطبعة: 1
الإيداع القانوني: 2005/177
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1987&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/480
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 08 رجب 1446ه/ 08 - شهر 01 - 2025م. حوار حول حجاب المرأة
بين السائل والمجيب
بقلم فضيلة الشيخ القاضي سليمان بن عبد الله اللويهي الغافري
الطبعة الأولى
1426 هـ / 2005 م (1/1)
صفحة 2
الناشر
مكتبة معالي السيد
محمد بن أحمد بن سعود البوسعيدي (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم (1/3)
صفحة 4
تقديم (1/5)
صفحة 5
الحمد لوليه، والصلاة على نبيه، سيدنا محمد، خليله وصفيه، وآله وصحبه، وكل متبع لحزبه، وبعد:
فقد قرأت رسالة الشيخ الفقيه، الأخ سُليمان بن عبد الله اللويهي الغافري، في أحكام الحجاب، بصفة سائل أديب ومُجيب لبيب، وقد أجاد (جزاه الله خيراً)، وكثر في شباب المُسلمين من أمثاله، وزاده الله علماً، وفهماً، وحكمة: وَمَن يُوْتَ الحِكمَةَ فَقَد أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً (1)
666
والله الموفق
سعيد بن خلف بن محمد بن نصير الخروصي
(1) سورة البقرة: 269 (1/7)
صفحة 6
قليل أولئك الذين يكتبون أحسن ما يسمعون، ويحفظون
أحسن ما يكتبون، ويتحدثون بأحسن ما يحفظون.
ولا يخالني شك، بأن علامتنا اللويهي، الشيخ القاضي سليمان بن عبد الله الغافري، هو من أولئك: الَّذِينَ
يَستَمِعُونَ القَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} ().
في رسالته هذه، ذات الحوار العاطفي بين السائل والمُجيب، نشعر بحنانية المربي والمربى، إنها بحق دروس توصل إلى المعرفة حالاً، وتزيح عن القلب أوحالاً، فهنيئاً لفلذاتنا، وهنيئا لكل من يلتمس الحقيقة من
مضانها.
(1) سورة الزمر: 18 (1/9)
صفحة 7
وختاماً، نشكر فضيلة شيخنا، لما قدمه في هذه الرسالة
من جهد، وحسن إختيار، لمادة الحجاب؛ وشكراً له مع كل كلمة، أو شعر، أو فن؛ وفي الحديث الشريف عن رسول الله): " من سن سنة حسنة، كان له أجر من عمل بها إلى يوم القيامة
والله ولي التوفيق،،،
بقلم / عبد الله بن سلطان بن راشد المحروقي السناوى (1/10)
صفحة 8
مُقدمة (1/11)
صفحة 9
الحمد لله العلي الوهاب، غافر الذنب وقابل التوب، ذي الطول، إليه المرجع والمآب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يُحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، أوجب في حق المؤمنات المسلمات الحجاب، وأنزل فيه قُرآناً يتلى، حتى يرث الأرض وارثها، بلا شك ولا إرتياب
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، الناطق
بالحق والصواب، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله
وأصحابه، السالكين طريق الصواب
وبعد:
لقد تاقت لي نفسي، بأن أضع هذه الرسالة الوجيزة، بين (1/13)
صفحة 10
يدي قرائنا الكرام، وما قصدت بها التأليف، لكوني قليل الإطلاع، وقصير الباع، وإنما كان مقصدي، المذاكرة والإطلاع للإخوان، ولذا جعلتها مرتبة على سبيل جواب
للسؤال، حسب رغبة الطالب، وسميتها:
حوار حول حجاب المرأة بين السائل والمجيب سائلاً الله العلي القدير، أن ينفع بها من قرأها، وعمل بها، وأن يجعلها من أعمالي الخالصة لوجهه الكريم، فهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين
والله من وراء القصد،،،
سليمان بن عبد الله اللويهي الغافري (1/14)
صفحة 11
المرأة في الجاهلية
س: التلميذ يقول في سؤاله: كيف كانت حالة المرأة عند عرب الجاهلية؟ إشرح لي تلك الحالة؟
ج: أيها التلميذ العزيز، إن حالة المرأة كانت عند عرب الجاهلية سيئة ومزدرأة، فهي عندهم كسقط المتاع، لا قيمة لها، لأن العرب كانوا في جاهليتهم يكرهون البنات كراهة شديدة، ويبغضونهن ويربطون العار
بالبنت، ويخشون الفقر بها، ولذا تجد قائلهم يقول إذا وجد إمرأته ولدت له بنتاً: ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرها سرقة، فشاع عندهم قتلهن، ووأدهن في الرمال وهن أحياء، فإذا جاء العربي من (1/15)
صفحة 12
سفره، وعلم أن إمرأته ولدت له بنتاً، تغير لونه وإسود وجهه، وحزن حزناً عظيماً، ثم إنه يأخذ البنت المولودة، ويلقي بها من أعالي الجبال، أو يحفر لها قبراً ويرميها فيه، وهي حية تنظر إليه، تختلط
دموعها مع دمائها، لا تأخذه بها رأفة ولا رحمة.
هذه بعض حالات المرأة عند عرب الجاهلية، وقد سجل القُرآن الكريم هذه الفعلة البشعة التي تنتابهم، حيث يقص الله تعالى لنا دأبهم، فيقول: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالأُنثَى ظَلَّ وَجهُهُ مُسوَدًا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ القَومِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيْمُسِكُهُ عَلَى هُونِ أَم يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)).
(1)
التلميذ: نعم - يا أستاذي - قد عرفت ما شرحته لي، عن حالة المرأة في الجاهلية، والآن أوجه سؤالي إليك
(1) سورة النحل: 58 - 59. (1/16)
صفحة 13
عن كيفية مكانة المرأة في ذلك المجتمع الجاهلي؟
صفها لي؟
ج: أيها التلميذ الذكي، لا مكانة محترمة للمرأة في ذلك المجتمع الجاهلي، حيث أنها كانت مهانة ممقوتة، لا إعتبار لها ولا وزن، وذلك لضعفها وعدم الناصر لها، ولهذا كانت كثيراً ما تخضع للتعسف، والظلم، والعضل عن الزواج، فإذا مات الرجل وترك زوجة وأولاداً من غيرها، فللابن من الميت الحرية الكاملة، والحق في تزويجها بمن شاء هو، ولو كانت هي كارهة ذلك الزوج الذي زوجها به، كما كان له أن يمنعها من التزويج بمن تشاء، فله حرية الولاية في المنع، إلا إذا
أرضته بمال، هذا هو النوع الأول من هضم حقها
النوع الثاني: الإضرار بالمرأة، وهو: أن يطلقها زوجها ما شاء من التطليقات، فإذا إقترب إنقضاء (1/17)
صفحة 14
عدتها، راجعها لكي يضارها، وهكذا يجعلها كالمعلقة لا هي مطلقة فتذهب إلى سبيلها، ولا هي زوجة تتمتع بحياة الزوجية، بل تبقى محرومة من هذا كله
س: يا أستاذي الكريم، هل هناك ضوابط وحدود، تقيد المرأة بالآداب العامة، التي تلتزم بها في مجتمعها؟
أجبني مشكوراً؟
ج: أيها التلميذ الفطن، ليست هناك ضوابط ولا قيود، تحفظ المرأة وتمنعها، وتهذبها بالآداب المطلوبة، بل
كان التحلل والتخلي عن هذه الضوابط والصفات
الحسنة، هو الشائع المعروف في المجتمعات الجاهلية
وقد أشار القُرآن الكريم إلى شيء من هذا التخلي
الجاهلي، قال تعالى: (وَلَا تَبَرَّجنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ
الأولى) (1).
(1) سورة الأحزاب: 33 (1/18)
صفحة 15
س: نعم - أيها الأستاذ الكريم عرفت مكانة المرأة في المجتمع الجاهلي، من خلال شرحك لي، والآن أريد منك أن تعرفني عن مكانة المرأة في الإسلام، فما هي؟
ج: أيها التلميذ العزيز، إعلم أن للمرأة مكانة عظيمة في الإسلام، ومنزلة عالية، لحيث أن الإسلام كرمها، ورفع شأنها، وجعلها تتمتع بحياتها الإنسانية، فأخرجها، أولاً: من حيز الظلم، والطغيان، والغضب، والقهر، فأبدلها بالذل عزاً، وبالهوان كرامة، وبالضعف قوة؛ وثانياً: منحها حقوقاً عديدة كانت
محرومة منها.
التلميذ: يا أستاذي الكريم، هل كرم الإسلام المرأة؟ عرفني مأجوراً؟
ج: يا ولدي، إسمع لمقالتي وانصت لها، نعم، الإسلام (1/19)
صفحة 16
كرم المرأة، وأعلى شأنها، لأنه دين عز، ورفعة، ومساواة، وتكريم، فقد كرمها أنواعاً عديدة من
التكريم.
التلميذ: يا أستاذي، فهمت من إجابتك لي، فأوضح لي هذه المواضع التي كرم الإسلام بها المرأة تفصيلاً
واضحاً؟
ج: إليك - أيها التلميذ - ما طلبته: إعلم - هداني الله وإياك - أولاً: أن الإسلام حفظ كرامة المرأة في جميع أطوار
حياتها، وساوى بينها وبين الرجل في الأجر
والثواب، قال تعالى: إنَّ المُسلِمِينَ
وَالمُسلِمَاتِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالقَانِتِينَ وَالقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالخَاشِعِينَ وَالخَاشِعَاتِ وَالمُتَصَدِّقِينَ وَالمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ (1/20)
صفحة 17
وَالصَّائِمَاتِ وَالحَافِظِينَ فُرُوجَهُم وَالحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (1)، وأيضاً سميت
سورة في القرآن الكريم بإسمها [سورة
النساء]، وهذا نوع من التكريم
ثانياً: جعل الإسلام للمرأة (الأم) ثلاثة حقوق فوق حق الرجل (الأب)، كما يرشدنا إلى ذلك قول الرسول (للصحابي الذي سأله: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ فقال له (): أُمك؛ قال: ثم من؟ قال: أُمك؛ قال: ثم من؟ قال: أمك؛ قال: ثم من؟ قال: أبوك.
ثالثاً: جعل الإسلام للمرأة ولياً ينفق عليها، دون أن.
ينقص من ميراثها المقرر.
(1) سورة الأحزاب: 35 (1/21)
صفحة 18
رابعاً: ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة في الإنسانية، قال تعالى: {وَلَقَد كَرَّمنَا بَنِي أَدَمَ وَحَمَلْنَاهُم فِي البَرِّ وَالبَحرِ (1)، ويقول سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوجَهَا وَبَثَّ مِنهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُم
رَقِيباً) (2)، فكلمة: النَّاسُ}، تشمل في مفهومها ومدلولها الرجل والمرأة.
خامساً: قرر الإسلام أهلية المرأة للقيام بالعبادات المفروضة على الرجال، وأعطى لها نفس
الأجر والثواب جزاء عملها، قال تعالى:
فَاستَجَابَ لَهُم رَبُّهُم أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ
(1) سورة الإسراء: 70.
(2) سورة النساء: 1 (1/22)
صفحة 19
مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَو أُنثَى)، إلا أن الإسلام أسقط عنها بعض العبادات أيام الحيض
والنفاس
س: يا أستاذي الكريم، هل يجيز الإسلام للمرأة حضور صلاة الجمعة وصلاة الجماعة؟ أفدني؟
ج: نعم - يا ولدي - إن الإسلام يجيز للمرأة أن تحضر صلاة الجمعة وصلاة الجماعة، شريطة أن يكون مكانها منفصلاً عن مكان الرجال، وأن تترك الطيب خوفاً من
الفتنة
س: أيها الإستاذ، لدي سؤال آخر: هل يبيح الإسلام للمرأة أن تتعلم العلوم النافعة في دينها؟ أجبني مأجوراً؟
ج: نعم - أيها التلميذ الفطن - إن الإسلام يبيح للمرأة أن تتعلم العلوم الدينية النافعة لها ولمجتمعها، وذلك يكون
(1) سورة آل عمران: 195 (1/23)
صفحة 20
بالكيفية المناسبة والملائمة لطبيعتها، وبشرط عدم إختلاطها بالرجال، مع مراعاة الإلتزام التام بالآداب الإسلامية، كما يبيح لها الإسلام أيضاً بالكيفية الملائمة لها إبداء النصح الإرشاد، وذلك مثل: الكتابة، والتأليف، وعقد الإجتماعات للنساء لتعليمهن أمور الدين، وتوجيههن إلى الجادة المستقيمة، وذلك بالتمسك بالأخلاق الحسنة، والآداب الفاضلة، إلى غير ذلك من الأمور النافعة
س: يا أستاذي العزيز، قد عرفت مما ذكرت من تكريم الإسلام للمرأة، والآن أوجه سؤالي إليك: هل الإسلام أوجب للمرأة المسلمة حقوقاً؟ وما هذه الحقوق؟
أوضحها لي.
ج: الإسلام - ياولدي الكريم - نعم، الإسلام قد أوجب للمرأة حقوقاً عديدة، وأنا إن شاء الله أجيب عنها. (1/24)
صفحة 21
قد حفظ الإسلام حقوق المرأة، منذ أن تلدها أمها إلى أن تموت، فرعى حقها طفلة، وفتاة، وزوجة، وأُماً، وصان هذه الحقوق لها، في جميع مراحل
حياتها.
س: ما هي حقوق المرأة في مرحلة الطفولة؟
ج: لما كانت العرب - يا ولدي - في جاهليتها على ما عليه من وأد البنات، وقتلهن أحياء، خشية الخزي، والعار، وخوف الفاقة، فقد وجه الإسلام بتعاليمه العالية، ومحاسنه الجميلة، إهتماماً خاصاً لدفع المسلمين، وحثهم على الإحسان إلى البنات، وجعل جزاء ذلك كله الجنة
س: يا أستاذي، هل من دليل في هذا الموضوع الذي ذكرته في شأن الرأفة للبنات؟
ج: نعم - يا ولدي - قد وردت أحاديث عدة عن النبي)، أذكر لك بعضاً منها، وهي كما يلي: (1/25)
صفحة 22
أ - روى أنس (ه)، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: " من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو
كهاتين " (1)
ب - عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله: " من كان له ثلاث بنات، أو أخوات، أو
بنتان، أو أختان، فأحسن صحبتهن واتقى الله
فيهن، فله الجنة " (2)
جـ - وعن عائشة رضي الله عنها)، قالت: قال رسول الله): " من إبتلى من هذه البنات بشيء، فأحسن إليهن، كن له ستراً من النار " (3)
فمن خلال هذه الأحاديث، يتضح لنا أن الإسلام حث المسلم على حُسن رعايته للمرأة، بنتاً صغيرة لا تقدر
(1) رواه مسلم.
(2) رواه الترمذي وأبو داود.
(3) متفق عليه (1/26)
صفحة 23
على شيء، ولذلك أوجب على الرجل أن يحفظ إبنته، ويرعاها رعاية تامة، ويكفل لها الحياة الكريمة، ويستمر بالإنفاق عليها حتى تتزوج، كما جعل لها الإسلام نصيباً مفروضاً من تركة أبويها إذا ماتا، أو
من ترثه من قرابتها وعصبتها
س: ما هي حقوق المرأة في مرحلة الزواج؟ بينها لي.
ج: يا ولدي، إعلم أنه لا منهج للمرأة يرعاها ويحافظ عليها، كمنهج الإسلام الحنيف، فقد رعى المرأة بنتاً صغيرة في المهد إلى الصبا، ورعاها أيضاً صبية على أبواب الزواج، فأعطاها أقدس ما يمكن أن يعطى لمخلوق من الحقوق، فمن ذلك جعل لها إختيار زوجها
بكراً، أو ثيباً، بشرط البلوغ والعقل فقط
س: فهمت - يا أستاذي الكريم - ما ذكرت، فهل هناك من
دليل؟ وما هو؟ (1/27)
صفحة 24
ج: نعم - يا ولدي - هناك دليل واضح من السنة النبوية الشريفة، على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم،
في هذا الموضوع، وهو كما يلي:
أ - قال رسول الله): " لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن، قالوا: يا رسول
الله، وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت "
ب - عن الخنساء بنت خدام الأنصارية: أن أباها زوجها وهي ثيب، فكرهت ذلك، فأتت رسول الله)، فرد نكاحها، أي: أبطله
جـ: عن ابن عباس (ه)، قال: قال رسول الله الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر
تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها
د - جاء في بعض الروايات عنه (: " إلحقوا (1/28)
صفحة 25
النساء بأهوائهن "
هـ - روي أن فتاة جاءت إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، فجعل رسول الله () الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أُعلم النساء، أنه ليس للآباء شيء من أمر النساء؛ إلى غير
ذلك من الأحاديث في هذا الباب
وبالجملة، إن الإسلام حريص غاية الحرص على إعطاء المرأة هذا الحق، لأن الله عز وجل جعل المرأة سكناً لزوجها، وجعل رباط الزوجية من الروابط المقدسة، بجانب ما هناك من الرحمة، والمودة،
والعطف، والإيجاد بين الزوجين.
س: يا أستاذي، فهمت - مما سبق ذكره - من حقوق المرأة (1/29)
صفحة 26
في حال كونها فتاة، فما حقوق المرأة في مرحلة
الأمومة؟
ج: أيها التلميذ، إعلم أن حقوق المرأة كونها أُمَّا كثيرة، وأنا أذكر لك بعض حقوقها، وذلك أن الإسلام كما ذكرنا أنه حفظ المرأة بنتاً صغيراً، وفتاةً، وزوجةً، وأوجب لها حقوقاً، ولما أصبحت أمّا، قرن البر إليها، والرفق بها، بعبادته، قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعَبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَاناً) (1)، وقد أمر الله سبحانه وتعالى بإخلاص العبادة له وحده، وفي نفس الأمر أمر عباده بالإحسان إلى الوالدين، وقد جاءت عدة آيات في القُرآن الكريم تأمر وتحث بحقوق الوالدين، كما جاءت السنة النبوية المطهرة، على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، تؤكد قدسية هذا الحق للأم
(1) سورة الإسراء: 23 (1/30)
صفحة 27
أ - ما روي عن المقدام بن معد يكرب، قال: قال رسول الله (): " إن الله يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بالأقرب
فالأقرب " (1)
وأوجب
هذا وقد بلغ من تعظيم الإسلام للمرأة، حينما تصبح أُمَّاً، أن جعل عقوقها من أكبر الكبائر، الإحسان إليها، وإن كانت مشركة، كما ترشد إلى ذلك بعض الآيات القرآنية، وقد جاء عنه)، أنه قال: .. ألا أنبئكم بأكبر الكبائر [قالها ثلاثاً | الإشراك بالله،
و عقوق الوالدين " (2)
وبالجملة، أن للمرأة حقوقاً كثيرة، وليس هنا
بسطها، فنكتفي بما ذكرنا في هذه العجالة، والحمد لله.
(1) رواه أحمد والبخاري في " الأدب المفرد "
(2) رواه البخاري ومسلم (1/31)
صفحة 28
التبرج
س: يا أستاذي، ما هو التبرج في اللغة؟ أفدني.
: إعلم - أيها التلميذ - أن التبرج في اللغة، هو: الظهور ومنه سُميَّ البرج برجاً لظهوره، ويقال: سفينة بارج، ظاهرة لا غطاء عليها، وأصله: الخروج من البرج، وهو القصر، ثم إستعمل في خروج المرأة من الحشمة والعفاف، بإظهار مفاتنها، وإبراز محاسنها، من تبختر، وتحسين مشية، وجمع شعر خلف العنق متكعباً، ونحو ذلك من ظهور قرط وقلادة في العنق، وزينة في الوجه، وذلك كالنقط فيه، وتحميره وتجميله، إلى غير ذلك من إظهار المحاسن المثيرة
للغريزة.
س. نعم - أيها الأستاذ - قد فهمت معنى التبرج اللغوي في (1/32)
صفحة 29
إجابتك لي، والآن بحثي عن صفة التبرج الجاهلي؟
ج: يا ولدي، إن صفة التبرج الجاهلي فيه أقوال، وهي
كما يلي:
أ - قال مجاهد: كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي
الرجال، فذلك تبرج الجاهلية
ب - وقال قتادة: إذا خرجن - يعني النساء - من بيوتهن، كانت لهن مشية تكسر وتغنج، فنهى الله
عن ذلك
ج ـ قال مقاتل: التبرج الجاهلي: أن تلقي المرأة الخمار على رأسها ولا تشده، فيواري قلائدها،
وقرطها، وعنقها، ويبدو ذلك كله منها
س: يا أستاذي: ما هو ضرر التبرج الجاهلي على المجتمع
المسلم؟ (1/33)
صفحة 30
ج: يا ولدي، إعلم أن ضرر التبرج خطير على المرأة، وعلى المجتمع المسلم، وأي ضرر أعظم، وأي فتنة أشد، من أن تخرج المرأة من بيتها متبرجة،
متكسرة، متغنجة في مشيها، في الشوارع والطرقات متسكعة في المحلات التجارية، لابسة الملابس الضيقة، كاسية عارية، أليس هذا يسقط من قيمتها ويحط من قدرها، ويجلب لها السخط والبعد من رحمة الله، وأي فتنة - يا ولدي - أعظم من هذا على المجتمع
المسلم، إن هذا لداء عضال، وجرثومة فتاكة لأبناء الأمة المسلمة، وهدم لأركانها، وإنحلال وهبوط للحضيض، وفساد عظيم في الأرض، وإنه لأكبر معولٍ في هدم الأخلاق الفاضلة، وتمزيق كيان الأمة، إلى
غير ذلك من إنتشار الفوضى.
س: يا أستاذي، هل جاء ذكر التبرج في القرآن الكريم؟
وفي كم موضع ذكر؟ (1/34)
صفحة 31
ج: نعم - ياولدي - قد ورد ذكر التبرج في القُرآن الكريم،
وجاء ذكره في موضعين:
الأول: جاء ذكره في سورة النور، لقوله سبحانه
وتعالى: (وَالقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا
يَرجُونَ نِكَاحاً فَلَيسَ عَلَيهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ
ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتِ بِزِينَةٍ وَأَن يَستَعِفِفْنَ خَيرٌ
لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)
الثاني: جاء ذكره في سورة الأحزاب، لقول الحق سبحانه وتعالى: {وَلَا تَبَرَّجِنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأولى (2)، وهذا هو الذي ورد عنه النهي
(2)
والتشنيع عليه، والتشديد فيه والوعيد
س: يا أستاذي، ما هي منافاة التبرج للدين الأسلامي
(1) سورة النور: 60.
(2) سورة الأحزاب: 33 (1/35)
صفحة 32
الحنيف؟
ج: يا ولدي، إعلم أن منافاة التبرج للدين شيء واضح: يدرك بأدنى تفكر، لأن الإسلام يهدف في تشريعاته إلى غاياتٍ سامية، وأغراض نبيلة، ويحرص لأبناء أمته كل الحرص، في نظافة المجتمع المسلم، وأنت ـ يا ولدي - تعرف يقيناً، أن أهم ما يتميز به الإنسان البشري، المكرم عن سائر الحيوانات، إتخاذ الملابس الكاسية، الساترة له، من التجرد الحيوي، وأخذ الزينة المميزة له عن غيره، ألم تسمع لقول الله
تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُم عِندَ كُلِّ مَسجِد} ()، وقوله سبحانه وتعالى: يَا بَنِي آدَمَ قَد أَنزَلْنَا عَلَيْكُم لِبَاسًا يُوَارِي سَوءَاتِكُم وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيرٌ ذَلِكَ مِن أَيَّاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُم يَذَّكَّرُونَ} ().
(1) سورة الأعراف: 31 (2) سورة الأعراف: 26
(2) (1/36)
صفحة 33
ومن هذا السياق القُرآني الكريم، يتضح لنا أن
الملابس والزينة، هما مظهران عظيمان من مظاهر التزين، والمدنية، والحضارة، والتخلي والتجرد عنهما، إنما هو مفسدة شنعاء، وردة إلى الحيوانية وعودة إلى الحياة البدائية، ومن المعلوم أيضاً أن الحياة تسير سيرها الطبيعي، لا يمكن لأحد أن يتصور أنها ترجع عن سيرها إلى الوراء، إلا إذا حدثت لها نكسة، تبدد آرائها، وتغير أفكارها، وتجعلها تعود القهقري، ناسية متناسية مكانتها الحضارية، ورقيها الإنساني، فإذا عرفنا - يا ولدي - أن إتخاذ الملابس الساترة، مظهر من مظاهر الحياة، ومن لوازم الإنسان الراقي، فإنه لا شك في حق المرأة ألزم، لأنها عورة كلها، إلا ما إستثنى منها، ولأن هيئة المرأة تختلف عن هيئة الرجل، فهو في جانبها أوجب، لأنه (1/37)
صفحة 34
هو الحافظ، الذي يحفظ لها دينها وشرفها، وكرامتها ويصون لها عفافها وحياءها، ويراعي حقوقه ومكانتها، ويحمي منزلتها، ويميزها في مجتمعها الذي تعيش فيه، فالمحافظة - يا ولدي - على هذه الصفات، محافظة على إنسانية المرأة، في أسمى صورها، وليس من صالح المرأة، ولا من صالح المجتمع المسلم، أن تتخلى المرأة من هذه الصفات، فإنه لا شك إن تخلت عنها، فقد نبذت أوامر الإسلام، وأسقطت كرامتها، وأصبحت لا قيمة لها في المجتمع
المسلم النظيف
توجيهات الإسلام للمرأة
س: أيها الأستاذ، ما هي توجيهات الإسلام للمرأة؟ أذكرها
لي مفصلاً. (1/38)
صفحة 35
ج: نعم - يا ولدي - يوجه الإسلام إلى المرأة عدة
توجيهات:
التوجيه الأول: هو وجوب إستقرار المرأة في بيتها، حيث يبين لنا الحق سبحانه، موقع المرأة الذي يجب أن تكون فيه، فيقول: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّ جِنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى) (1)، وهذا الخطاب في هذه الآية الكريمة موجه إلى زوجات النبي (صلى الله عليه وسلم)، وهن على ما هن عليه من عفاف، وحياء، وشرف، وحشمة، وخلق عظيم عند الله، وعند رسوله ()، وإذا كان هذا الخطاب موجهاً إلى زوجات الرسول، وهن خير النساء عفة وصيانة، فنساء المؤمنين من باب أولى دخولهن في هذا الخطاب، لأنهن أكثر عرضة للفتن والإغراء، ولذا قال بعض
(1) سورة الأحزاب: 33. (1/39)
صفحة 36
العُلماء في تفسير هذه الآية: لا تخرج المرأة من بيتها
إلا للضرورة، كأن لم يكن لها عائل فيعيلها وأولادها عندئذٍ، تذهب وتعمل للضرورة، كما فعلت إبنتا شُعيب (العليا)، في رعي أغنام أبيهما، وإعتذرتا لموسى (ال)، لما سألهما: مَا خَطْبُكُمَا} ()، أي: ما مصيبتكما العظيمة التي أخرجتكما من داركما وخدر كما؟ فأجابتاه بقولهما: وَأَبُونَا شَيخ كَبِيرٌ} (1)، فكان
عذرهما للخروج من أجل العمل، عدم قدرة الأب وعدم وجود المعين، الذي يكفل رعي الأغنام؛ أما خروج المرأة من بيتها في الطرقات والشوارع بلا حاجة، فلا ينبغي لها، كما يرشدنا إلى هذا قول النبي): " إن المرأة عورة، فإذا خرجت، إستشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من رحمة ربها، وهي في قعر بيتها "، أما المرأة الكاسية العارية، التي تخرج
(1) سورة القصص: 23 (1/40)
صفحة 37
إلى الأسواق، تتبختر بين الرجال، وتغري الشباب بميوعتها، وتستهوي النفوس برائحتها، ما هي إلا إمرأة قد إستشرفها الشيطان، وساعدها على الإنحلال
والإنحراف
التوجيه الثاني: يقول الرسول (): " لأن تُصلي المرأة في غرفة نومها، خير لها من أن تصلي في حجرتها، ولأن تصلي في حجرتها، خير لها من أن تُصلي في الدار، ولأن تصلي في الدار، خير لها من أن تُصلي في المسجد "، فهذا الحديث يدل دلالة واضحة أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، فإذا كان لزومها البيت وقت الصلاة أفضل من الخروج، فغير وقت الصلاة أحق باللزوم.
التوجيه الثالث: إن خروج المرأة من بيتها لا لضرورة ماسة فتنة، يقول الرسول (): " إتقوا (1/41)
صفحة 38
النساء، فإن أول فتنة في بني إسرائيل كانت من النساء "، ومن أجل خشية الوقوع في الفتنة، أعفى الإسلام المرأة من وجوب صلاة الجمعة والجماعة، وأسقط عنها الآذان وإقامة الصلاة، وأعفاها أيضاً من الإمارة، ومن الجهاد، واشترط لحجها وجود المحرم، وأسقط عنها تشييع الجنازة والصلاة عليها.
التوجيه الرابع: يوجه الإسلام إلى المرأة المنع من خلع ثيابها خارج بيتها، يقول الرسول (ل)
أيما
إمرأة نزعت ثوبها في غير بيت زوجها، فقد هتكت ما بينها وبين الله من ستر "
ومن صور تعري المرأة وخلع ثيابها، ما شاع وذاع في أيامنا هذه، حيث المرأة تدخل محلات بيع الملابس النسائية، فتأتي إلى الخياط وتجلس أمامه، ثم تأخذ في خلع ثيابها الموجودة عليها، لتلبس الثوب (1/42)
صفحة 39
الجديد، لتعرف إذا كان يناسبها، ويناسب حجمها، أليس هذا من أفظع وأبشع الإنحلال للمرأة، بل للمجتمع المسلم، وما هذه إلا حالة محزنة، لمن كان في قلبه رمق إيماني.
التوجيه الخامس: يوجه الإسلام إلى المرأة لزوم الحياء، لأن الحياء شعبة من الإيمان، وقد أخبر عنه الرسول (صلى الله عليه وسلم)، حيث قال: الإيمان بضعة وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان "، وجاء أيضاً في
الحديث الشريف الذي يروى في وصف النبي
أنه كان أشد حياءً من العذراء في خدرها.
ولقد كان العرب المسلمون يضربون للفتاة العذراء التي لم تتزوج بعد، يضربون لها خباءً في البيت، لنلا ينظر إليها أحد من الأجانب، ولا يدخل عليها أحد منهم، وإذا أرادت الخروج من بيتها، ضرب لها خباء (1/43)
صفحة 40
على ظهر الناقة، وهو ما يسمونه بالهودج، حتى لا يراها أحد من الناس، لأنها عذراء، ولأنها حيية، تستحي أن يراها الرجال.
فهذا - أيها التلميذ الفطن - كان حال المرأة عند العرب السالفة؛ وجدير بالمرأة المسلمة اليوم أن تكون مثلها، فلا تخرج إلى الأسواق، والحدائق، والشواطيء، دون ضرورة لاجئة، ولا تختلط بالرجال الأجانب، ولا تزاحمهم، ولا تتبرج، ولا تتعرى أمام
الغرباء.
التوجيه السادس: يوجه الإسلام إلى المرأة، المنع من ترقيق صوتها، وليونتها، وتغنجها، ومن اللهجة الخاضعة، التي تستميل إليها القلوب، ويأمرها أمراً جازماً، أن يكون حديثها في أمور معروفة غير منكرة، حيث أن الله تعالى يخاطب النساء، وينهاهن حين (1/44)
صفحة 41
يخاطبن الأغراب من الرجال، أن يكون في نبراتهن هذا الخضوع اللين المطمع، الذي يثير شهوات الرجال، ويحرك غرائزهم، ويطمع مرضى القلوب، فيقول سبحانه: {فَلا تَخضَعْنَ بِالقَولِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلبِهِ مَرَضٌ وَقُلنَ قَولاً مَّعْرُوفاً (1)
التلميذ: أيها الأستاذ، الذي أفهم من هذه الآية، أن الخطاب فيها موجه إلى زوجات النبي (صلى الله عليه وسلم)، فكيف
يدخل فيه النساء المؤمنات؟
ج: أيها التلميذ، إعلم أن هذا الخطاب الذي فيه التحذير الشديد، وإذا كان موجهاً إلى زوجات الرسول (صلى الله عليه وسلم)،
مع عفتهن، وشرفهن، وإلتزامهن بالآداب، وكان نزوله أيضاً في عهد الصفوة المختارة، فالنساء المؤمنات دخولهن فيه من باب أولى، لأن الله تعالى
(1) سورة الأحزاب: 32 (1/45)
صفحة 42
الذي خلق الرجال والنساء، يعلم أن في صوت المرأة، حين تخضع بالقول، وتترقق في اللفظ، ما يثير الطمع في قلوب بعض الناس، ويهيج الفتنة في قلوب الآخرين، وأن القلوب المريضة التي تتأثر وتطمع،
موجودة في كل عهد، وفي كل عصر، وفي كل بيئة واتجاه كل إمرأة، وأنه لا طهارة من الدنس، ولا خلوص من الرجس، ولا وقاية من الفتنة، إلا بقطع الأسباب المثيرة من الأساس؛ فكيف - يا ولدي - بهذا المجتمع الذي نحن الآن نعيش فيه، في عصرنا هذا، الذي تهاج فيه الفتن، وتثور فيه الشهوات، وترف فيه الأطماع، كيف بنا بهذا الجو، ونساء يتميعن في أصواتهن، ويجمعن كل فتنة، وكل هتاف للجنس، في نبرات ونغمات، فأين الوقاية من هذا: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ (1)؛ فعلى كل إمرأة تؤمن بالله واليوم
(1) سورة البقرة: 156 (1/46)
صفحة 43
الآخر، أن تراعي أوامر الله تعالى، وتجتنب نواهيه، وتحافظ على كرامتها وشرفها، فلا يجوز للمرأة أن يكون بينها وبين الرجل الأجنبي لين في قول، ولا إيماء، ولا هذر، ولا هزل، ولا دعابة، ولا مزاح، كي لا يكون مدخلاً إلى شيء آخر، من قريب أو من بعيد، لأن الله تعالى هو الخالق العليم بخلقه، وطبيعة تكوينهم، وما تنطوي عليه قلوبهم، وما يخطر فيها من مطامع.
س: يا أستاذي، عرفني ما معنى الحجاب في اللغة؟ ج: أيها التلميذ الفطن، إعلم أن الحجاب معناه اللغوي: الستر، يقال: حجبه، أي: منعه من الدخول، ومنه: الحجب في الميراث، ومنه أيضاً: سمي الحاجب حاجباً لأنه يحجب الناس من الدخول، أي: يمنعهم، ويقال أيضاً: إحتجب الأمير عن الناس، أي: إستتر عنهم، (1/47)
صفحة 44
أي: جعل بينهم وبينه حاجباً.
: أيها الأستاذ الكريم، قد فهمت مما سبق من معنى الحجاب، فالآن أريد أن تخبرني عن شروط الحجاب
الشرعي؟
ج: إعلم - أيها التلميذ - أن شروط الحجاب الشرعي واضحة غاية الوضوح، فقد إعتنى الإسلام عناية تامة في لباس المرأة، حيث نجد القُرآن الكريم يتناول لباس المرأة بصفة خاصة بخلاف عادته، حيث يوجه الله تعالى الخطاب للنبي ()، أن يأمر نساءه، وبناته، ونساء المؤمنين، فيقول: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعرَفنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (1) فالشروط التي تكون ملازمة لهذا الحجاب هي كما يلي
(1) سورة الأحزاب: 59. (1/48)
صفحة 45
أ - أن يكون اللباس ساتراً لجميع بدن المرأة.
ب - أن يكون كثيفاً، بحيث لا يشف، ولا يصف معالم جسمها، لأن الغرض منه الستر
جـ - أن لا يكون فيه زينة، أو ألوان صارخة جذابة
ملفتة للنظر
د - أن يكون واسعاً فضفاضاً، غير ضيق، لكي لا يمثل أماكن الفتنة في جسم المرأة:
هـ - أن لا يكون معطراً، لما فيه إثارة للرجال، لما ثبت عن النبي (): " إن المرأة إذا إستعطرت
فمرت على قوم ليجدوا ريحها، فهي زانية"
و - أن لا يكون الثوب الذي ترتديه المرأة المسلمة فيه تشبه، لما ورد عنه (): " أنه لعن
المتشبهات من النساء بالرجال " (1/49)
صفحة 46
س: يا أستاذي الكريم، ما موقف أعداء الإسلام ضد حجاب
المرأة المسلمة؟ بينه لي؟
ج: يا ولدي، إعلم أن موقف أعداء الإسلام ضد حجاب المرأة خطير، ومهدّم للحجاب بشتى الوسائل، وبأساليب مختلفة، ألا ترى الصحف والمجلات. مملوءة بالدعوات المناشدة للمرأة بخلع حجابها ووسائل الإعلام تنادي جهاراً إلى سفور المرأة، وخروجها كاسية عارية، تتبرج: تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى (1)، ونحن إذا أمعنا النظر، وتتبعنا صحف التاريخ، وجدنا أعداء الإسلام يكافحون كل الكفاح، ويبذلون كل الجهد، لإخراج المرأة من دارها، ومن سترها وعفافها، وذلك تحقيقاً لمآربهم الخبيثة، وأغراضهم المدمرة، لذا ترى كتابهم وَشُعراءهم
(1) سورة الأحزاب: 33 (1/50)
صفحة 47
ينادون المرأة، ويناشدونها بخلع الحجاب، والتعري
والسفور، ألم تسمع لقول قائلهم:
مزقي يا إبنة العراق الحجابا
واسفري فالحياة تبغي إنقلابا
مزقيه واحرقيه بلا ريـ
ت فقد كان حارساً كذابا
فهم يعتبرون اليوم تمزيق الحجاب، وخروج المرأة سافرة، من أنصح وجوه الحضارة، ومن أهم ركائزها،
ومن أجمل محاسن التقدم، ومن أجل عوامل الرقي
ولذلك يقول أحدهم:
اسفري بالحجاب يا إبنة فهر
هو داء في الإجتماع وخيم
فهم لا يزالون يشقون الطريق إلى الأمام ضد حجاب (1/51)
صفحة 48
المرأة الشرعي، ويحملون بأيديهم معاول التهدم في صرح كياننا الداخلي المتين، ويحاولون كل المحاولات في تدمير حضارة إسلامنا الحنيف، في شتى المجالات، فتراهم يحرضون المرأة في أدبهم على الخروج، على الآداب الصالحة التي عُرفنا بها، ويغرونها بأن تتبع المرأة الغربية في زيها، وينادون بألسنتهم الحادة بإسم حرية المرأة.
وبالجملة، أن هؤلاء الدعاة العابثين، قد أثروا بدعاياتهم المدمرة، في قلوب بعض ضعفاء الإيمان فعمت البلوى، وانتشر الداء الوخيم في بلاد الإسلام.
س: أستاذي الكريم، ما هو الهدف من الحجاب الشرعي؟
ج: أيها التلميذ الفطن، الهدف من الحجاب الشرعي، هو صيانة المجتمع المسلم من التلوثات الموبنة، أما عرفت - يا ولدي - أن الإسلام يهدف في تشريعاته إلى (1/52)
صفحة 49
غاية سامية، وأغراض نبيلة، ومحاسن جليلة، تراه يوجه إرشاداته لأبناء أمته في جلب المصالح، ودفع المفاسد، فالإسلام حريص كل الحرص إلى إقامة مجتمع طاهر نظيف، لا تهاج فيه الشهوات في كل
لحظة
، ولا تستثار فيه دفعات اللحم والدم في كل حين،
لأن عمليات الإستثارة المستمرة، والإلتهاب الشهواني لا يتوقفان على حد، فالنظرة الخائنة، والحركة المثيرة،
والزينة المتبرجة، والجسم العاري، مجمع عظيم الإستثارة الغرائز الجنسية بين الصنفين، وإحدى وسائل الإسلام إلى إنشاء مجتمع نظيف نقي، هي الحيلولة المانعة لإستثارة الغرائز الجنسية، وبهذه الوسائل المانعة بين الجنسين، يصبح المجتمع المسلم
مجتمعاً نظيفاً نقياً.
س: أيها الأستاذ، هل يوجد دليل في الحجاب من الكتاب والسنة؟ فإن قلت: نعم، فما هو؟ (1/53)
صفحة 50
ج: نعم - أيها التلميذ الفطن - هناك أدلة واضحة من الكتاب والسنة، توضح هذه الأدلة وضوحاً بيناً، بمشروعية
الحجاب ووجوبه، وهذه الأدلة تأتيك كما يلي:
أولا: قال الله تعالى في كتابه العزيز، في سورة
? الله النور: قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أَبصَارِهِم وَيَحفَظُوا فُرُوجَهُم ذَلِكَ أَزْكَى لَهُم إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِن أَبصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلِيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَو آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ (1/54)
صفحة 51
الَّذِينَ لَم يَظْهرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤمِنُونَ لَعَلَّكُم
تُفْلِحُونَ} ().
الثاني: قوله تعالى: {وَقَرنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجِنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى)).
الثالث: قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُم أَطهَرُ
()
لِقُلُوبِكُم وَقُلُوبِهِنَّ}).
الرابع: قوله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزَوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدنِينَ عَلَيهِنَّ
مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدنَى أَن يُعرَفنَ فَلَا يُوَذِّينَ
(1) سورة النور: 30 - 31. (2) سورة الأحزاب: 33 (3) سورة الأحزاب: 53. (1/55)
صفحة 52
وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (1)
ومن السُنة: ما روي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: بينما رسول الله (في المسجد، دخلت إمرأة من مزينة، ترفل في زينة لها في المسجد، فقال النبي (: " يا أيها الناس، إنهوا نساءكم عن لبس الزينة، والتبختر في المسجد، فإن بني إسرائيل لم يلعنوا، حتى لبس نساؤهم الزينة، وتبختروا في المسجد "؛ وعن أبي هريرة (ه)، قال: قال رسول الله): " أيما إمرأة أصابت بخوراً، فلا تشهدن العشاء " (2)، أي: الآخرة؛ وعن عائشة رضي الله، قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: وَليضَرِبنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) (3) شققن مروطهن فاختمرن بها، وقيل في هذا المعنى:
عنها)
(1) سورة الأحزاب: 59 (2) رواه أبو داود والنسائي.
سورة النور: 31 (1/56)
صفحة 53
منع السفور كتابنا ونبينا
فاستنطقي الآثار والآيات
تلك الوجوه هي الرياض بها ازدهت
للناظرين شقائق الوجنات
من أن تمس حصانة الخفرات
كانت تكتم في البراقع خفية
صوني جمالك بالبراقع إنها
ستر الحسان ومظهر الحسنات
وقال آخر:
نص الكتاب على الحجاب ولم يبح
للمسلمين تبرج
العذراء
ماذا يريبك من إزار مانع
وزر الفؤاد وضلَّة الأهواء (1/57)
صفحة 54
ما في الحجاب سوى الحياء فهل من
التهذيب أن يهتكن ستر حياء
هل في مجالسة الفتاة سوى الهوى
لو أصدقتك ضمائر الجلساء
أسفينة الوطن العزيز تبصري
بالقعر لا يغررك سطح الماء
التلميذ: عرفت - يا أستاذي - هذه الأدلة التي سقتها في الحجاب، فالآن فضلا منك، أن تشرح لي بعض هذه الأدلة، وهي قوله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواً مِن أَبصَارِهِم وَيَحفَظُوا فُرُوجَهُم (1)، وقوله تعالى: وَقُل لِّلْمُؤمِنَاتِ يَعْضُضنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ
فُرُوجَهُنَّ).
الأستاذ: أجل أيها التلميذ، إليك ما سألت عنه: فاعلم أن في هذه الآية والتي بعدها، دلالة واضحة، حيث يوجه الله تعالى الخطاب إلى المؤمنين، أولاً: بأن
(1) سورة النور: 30
(2) سورة النور: 31 (1/58)
صفحة 55
يغضوا من أبصارهم، فلا يمدونها إلى ما لا يجوز إليه
النظر، فلا ينظرون بها نظر شهوة، لأن النظر بريد
الزنا، ورائد الفجور
فالنظرات الجائعة المتلصصة، أو الهاتفة المثيرة، تستثير كوامن الفتنة في صدور الرجال، والله تعالى عالم بأحوال عباده، وما تكنة خواطرهم، فبدأ بسد طريق النظر، الموصل إلى الفاحشة الكبرى، حتى لا يقترب منها المؤمنون حقاً، لعلمه سبحانه وتعالى، أن الأبصار هي تكون السبب الفظيع، إلى التطلع لما وراء الحجب من العورات والشهوات، وإنها سبب الإفتتان وبداية الخطر الجسيم، كما يشير إلى ذلك قول الشاعر:
نظرة فابتسامة فسلام
فكلام فموعد فلقاء
وكذلك يأمر الله سبحانه المؤمنين بحفظ فروجهم، (1/59)
صفحة 56
أي: بسترها عن الإنكشاف، وعدم إستعمالها فيما لا يجوز ولا يحل من الزنا، وكذلك الله سبحانه وتعالى يوجه الخطاب إلى المؤمنات، أن يغضضن أبصارهن، ويحفظن فروجهن، فلا يحل لإمرأة تؤمن بالله ورسوله ()، أن تنظر إلى رجل أجنبي منها نظر شهوة، ولا يحل لها أن تملأ عينها، وتتأمل جماله وحسنه، وقد جاء في الآثر: أن المرأة التي تملأ عينها بغير زوجها ملعونة، لأن النظر إلى محرم سهم مسموم من سهام إبليس، فمن تركه وجد حلاوة الإيمان في قلبه، بجانب ما فيه من مضار عديدة، فيورث أمراضاً قلبية للنساء والرجال، ترى المرأة رجلاً جميلاً فيعجبها، فتكره زوجها، وتقلى رؤيته فتزدريه، وربما يفضي الحال بها إلى الفرقة منه، إلى غير ذلك من أمراض عصبية. (1/60)
صفحة 57
حوار
التلميذ: يا أستاذي، أود أن أسألك عن شيء لمحته في هذه الآية، وذلك إني لحظت أن لفظة: " من "، لم تأت في قوله تعالى: {وَيَحفَظُوا فُرُوجَهُم) ()،
(2)
(1)
وفي قوله سبحانه: (وَيَحفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} (2)، كما أتت في الأبصار.
ج: بارك الله فيك - أيها التلميذ - على هذه الملاحظة، فاعلم أن الأمر في حفظ الفروج، أمر نهائي جازم، وبصفة كاملة تامة، لأن الأصل في الفروج التحريم، إلا ما إستثنى من الزوجة، أو ما ملكت اليمين، لذلك لم تأت من "، أما النظر، فقد إستخدمت فيه لفظة
لفظة
" من "، لأن الأصل فيه الإباحة، إلا ما إستثنى من
النظر المحرم.
(1) سورة النور:.
(2) سورة النور: 31 (1/61)
صفحة 58
ج:
حوار آخر
التلميذ: أيها الأستاذ، إني لمحت شيئاً آخر، وهو: أن هذه الآية الكريمة بدأت بغض الأبصار، ولم تبدأ
بحفظ الفرج؟
: نعم - أيها التلميذ - إن هذه الآية بدأت بغض الأبصار من المؤمنين والمؤمنات - كما ذكرت - لأن النظر هو أول إتصال بين الذكر والأنثى، وهو بريد الزنا - كما ذكرنا - لأنه منبع الشرور، وأول فتنة تقع بين الصنفين، ولذا رد الشاعر العربي شرور الحوادث وكوارثها، من النظرة الخائنة، حيث قال:
كل الحوادث مبدأها من النظر
ومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرة فتكت في قلب صاحبها
فتك السهام بلا قوس ولا وتر (1/62)
صفحة 59
والمرء ما دام ذا عين يقلبها
يسر
في أعين العين موقوف على الخطر
مقلته ما ضر مهجته
لا مرحبا بسرور جاء بالضرر
،،
وهو على فعله المؤثر، لا نجد هناك مانعاً يمنعه، ولا ساتراً يحجبه، مهما بالغنا في التحرز والحيطة
والحذر، اللهم إلا الوازع النفسي الإيماني، القوي
اليقظ.
س: أيها الأستاذ، ما معنى قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} ()؟ فأود - فضلا منك - أن تبين لي عن هذه الأشياء الت سأذكرها لك، أولاً: هل في هذه الآية دلالة على
(1) سورة النور: 31. (1/63)
صفحة 60
مشروعية الحجاب؟ أجبني.
ج: أجل - أيها التلميذ - إن هذه الآية الكريمة أقوى دلالة وأصرح آية، على مشروعية الحجاب، حيث يوجه الله النهي إلى النساء المؤمنات عامة، أن لا يبدين شيئاً
من زينتهن، إلا ما ظهر منها، وهو: الوجه، والكف والقدمان، للضرورة، فيجب على المرأة المسلمة أن تحذر إظهار زينتها للرجال الأجانب، فلا تبدي شيئاً منها، فلا يبدو منها شعر، ولا نحر، ولا قرط، ولا عقد، ولا ساق، ولا جسم، ولا سوار، ولا خلخال، لأن هذه الأشياء زينة.
كما على المسلمات، أن يضربن بخمرهن على جيوبهن، كما أمرهن الله سبحانه وتعالى، والخمر، هي: المقانع، فقد أمرن بإلقائها على صدورهن، تغطية لنحورهن، لحيث كانت قمصهن مفروجة (1/64)
صفحة 61
الجيوب، يبدو منها صدورهن، فأمرن بإلقاء الخمر لسترها، ليدارين مفاتنهن، فلا يعرضها للعيون
الجائعة، ولا حتى نظرة الفجأة.
فعلى المسلمات أن يمتثلن هذا الأمر، ويلتزمن به، بأن يغطين رؤوسهن، وصدورهن، وجميع أجسامهن، بثوب غير ملفت لنظر الرجال، ولا يحل لهن أن يظهرن شيئاً من أجسامهن، عدا الوجه والكفين، لقول الرسول ()، لأسماء بنت أبي بكر (ه): " إن المرأة إذا بلغت المحيض، لن يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا "، وأشار إلى وجهه وكفيه؛ كما ورد عن صفية بنت شيبة، قالت: بينما نحن عند عائشة (رضي
الله عنها، قالت: فذكرن نساء قريش وفضلهن فقالت عائشة (رضي الله عنها): إن لنساء قريش، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار
لفضلا، (1/65)
صفحة 62
أشد تصديقاً لكتاب الله، ولا إيماناً بالتنزيل، لما نزل قوله تعالى: {وَليَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} () إنقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله فيها، ويتلوا الرجل على إمرأته، وإبنته، وأخته، وعلى كل ذي قرابته، فما منهن إمرأة، إلا قامت إلى مرطها المرجل، فاعتجرت به، تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله (معتجرات، كأن على رؤوسهن الغربان.
حوار:
التلميذ: فهمت - أيها الأستاذ - من شرحك هذا، وما سقته من أدلة، ومن هذا المنطلق، ألحظ أن رفع ذوق المجتمع الإسلامي، وطهر إحساسه بالجمال الإنساني المهذب، وأحاطه بالنظافة والطهارة في الحس والخيال.
(1) سورة النور: 31 (1/66)
صفحة 63
ج: أجل يا ولدي حسبما ذكرت، فاعلم أن هذا التحشم
وسيلة من الوسائل الوقائية للفرد والجماعة، ومن هنا
نجد القُرآن الكريم يبيح ترك هذا التحشم، عندما يأمن الفتنة، فيستثني المحارم الذين لا تتوجه ميولهم عادة، ولا تثور شهواتهم، وهم: الآباء، والأبناء، وأباء الأزواج، وأبناؤهم، والإخوة، وأبناؤهم، وأبناء الأخوات، كما يستثنى النساء المؤمنات، وما ملكت اليمين، والتابعين، والأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء، وهؤلاء كلهم عدا الأزواج، ليس عليهم ولا على المرأة جناح، أن يروا منها إلا ما تحت السرة إلى تحت الركبة، أما الزوج فله رؤية جسدها
كله
س: أيها الأستاذ، كيف إستثنى القُرآن النساء المؤمنات
دون غيرهن؟ (1/67)
صفحة 64
ج: أجل ـ يا ولدي - إن الإستثناء لم يشمل غير المؤمنات بل إقتصر عليهن، وذلك لأن النساء غير المؤمنات لا
يوْمَنَّ عليهن، لأنهن قد يصفن لأزواجهن، وإخوتهن وأبناء ملتهن، مفاتن نساء المسلمين وعوراتهن، لو
إطلعن عليها، فالإسلام حكيم في تشريعاته
س: يا أستاذي، من هم: التَّابِعِينَ غَيْرِ أَوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ
الرجال (1)؟
ج: أيها التلميذ، التَّابِعُونَ: هم الَّذِينَ لَا يَشتهون النساء أصلاً، لسبب من الأسباب: كالحجب، والعنة، والبلاهة، وسائر ما يمنع الرجل أن تشتهي نفسه
المرأة، وذلك لإنتفاء الفتنة.
س: أيها الأستاذ، ما المراد بالطفل المستثنى في الآية؟ وهل كان سواء مراهقاً، أو غير مراهق في الإستثناء؟
(1) سورة النور: 31 (1/68)
صفحة 65
ج: يا ولدي، المراد بالطفل المذكور في الآية، هم: الأطفال الذين لا يثير جسم المرأة فيهم الشعور بالجنس الشهواني، أما إذا كانوا مراهقين مميزين، فهم غير داخلين في هذا الإستثناء، بدليل آية الإستئذان، وهي قوله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَليَستَاذِنُوا كَمَا إِستَاذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم).
:حوار
التلميذ: يا أستاذي الكريم، لحظت شيئا من هذه الآية، وهي: أنها لم تذكر الأعمام والأخوال، ولم تذكر
المحارم من الرضاع في الإستثناء.
الأستاذ: أيها التلميذ، كما ذكرت، أن الآية لم يأت فيها إستثناء لمن ذكرت، ولكن قد عرفت أن الأعمام والأخوال بمنزلة الأبوة، أما الأرحام من الرضاع، فقد
(1) سورة النور: 59 (1/69)
صفحة 66
ثبت إستثناؤهم من السُنة، بدليل ما جاء عن أبي عبيدة، عن جابر بن زيد، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: إن أفلح أخا أبي القعيس هو عمي من الرضاعة، إستأذن عَلَيَّ، وذلك بعد أن نزل الحجاب، فابيت أن أأذن له، فجاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأخبرته، فقال: " إنذني له فإن الرضاع مثل النسب
حوار آخر:
التلميذ: يا أستاذي، كثيراً ما أقرأ في القُرآن الكريم، فأجد الخطاب موجهاً إلى الرجال المؤمنين خاصة في الغالب، دون تصريح بذكر النساء، وهكذا التعبير القُرآني، كن يدخلن بالتبعية في الخطاب مع الرجال، فلمحت في هذه الآية، لم تأت فيها صورة التغليب، بل وجدت الخطاب توجه إليهن خاصة، بين لي ذلك؟ (1/70)
صفحة 67
الأستاذ: أجل - أيها التلميذ - إن النساء كثيراً ما يدخلن في الخطاب مع الرجال بالتبعية، في عدة من الأوامر. والنواهي، كما يوحي التعبير القُرآني الكريم، ولكن في
هذه الآية الكريمة، وجه الحق سبحانه وتعالى الخطاب
إلى النساء خاصة، دون دخولهن مع الرجال بالتبعية وذلك لخطورة هذه المسألة ووقاحتها، ولأن الأمر في حقهن أأكد، وفتنتهن أعظم من الرجال، هذا ما ظهر
لي.
التلميذ: يا أستاذي الكريم، أود أن تبين لي ما معنى
الزينة المذكورة في هذه الآية؟
ج: إعلم - أيها التلميذ العزيز - أن معنى الزينة، هو: ما أدخلته المرأة على بدنها، حتى زانها وحسنها في
العيون، وفي هذا المعنى قال الشاعر: (1/71)
صفحة 68
يأخذن زينتهن أحسن ما ترى
وإذا عطلن فهن غير عواطل
والزينة، هي: كلمة عامة، يدخل فيها كل لون من ألوان الثياب الملفتة للنظر، وكل ما يوضع على الوجه، والشفتين، واليدين، من أصباغ وغيرها، فهو زينة
أيضاً، وكذلك ما تتحلى به المرأة من الحلي: كالذهب والفضة، وأنواع المجوهرات زينة، وهذه الزينة تنقسم إلى: زينة ظاهرة وباطنة، أما الزينة الظاهرة: ففيها عدة أقوال:
أحدها: أنها الثياب، قاله ابن مسعود (به)
الثاني: الكحل والخاتم، قاله ابن عباس (ه)
والمسور بن مخرمة
الثالث: الوجه والكفان، قاله ابن الحسن ومن معه (1/72)
صفحة 69
أما الزينة الباطنة: قال ابن مسعود: القرط،
والقلادة، والدملج، والخلخال، والسوار، وهذه الزينة الباطنة، يجب على المرأة سترها عن الأجانب. أما ذوو المحارم، وغيرهم من الأباء، والأبناء، والإخوة، يجوز لهم النظر إليها، ويحرم عليهم التلذذ، أما الزوج يجوز له النظر والتلذذ بها
س: قد فهمت ـ يا أستاذي - معنى الزينة وما فيها، والآن - فضلا منك - أن تشرح لي معنى قوله تعالى: ولا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} ()، فما
صفة هذا الضرب الذي نهيت عنه المرأة؟
ج: إعلم - أيها التلميذ الفطن - إنه لما كانت الوقاية خيراً من العلاج، وهي المقصودة بهذا الإجراء، فقد مضت الآية الكريمة تنهى المؤمنات عن الحركات، والتي تعلن
(1) سورة النور: 31 (1/73)
صفحة 70
عن الزينة الخفية، وتهيج الشهوات الكامنة، وتوقظ المشاعر النائمة، ولو لم تكشف المرأة عن الزينة، وإذا تدبرنا معنى هذه الآية، وأطلنا الفكر في هذا النهي الموجه إلى النساء المؤمنات، لوجدنا فيها معرفة
عميقة، بتركيب النفس البشرية، وإنفعالاتها وإستجاباتها، وما جبلت عليه من ميول جنسية، فإن
الخيال يكون أحياناً أشد في إثارة الشهوات من العيان، وكثير من الناس تثير شهواتهم رؤية حذاء المرأة، أو ثوبها، أو حليها، أكثر مما يثيرها رؤية جسد المرأة ذاته، كما أن طائفة من الناس يثيرهم طيف المرأة، يخطر في خيالهم، أكثر مما يثيرهم شخص المرأة بين أيديهم، وهذه حالات معروفة عند علماء الأمراض
النفسية
وكذلك - أيها التلميذ - سماع وشوشة الحلي، أو شم شذى العطر من بعيد، يثير حواس رجال كثيرين، ويهيج (1/74)
صفحة 71
أعصابهم، ويفتنهم فتنة جارفة، حتى لا يملكون لها رداً، والقُرآن الكريم يأخذ الطريق على هذا كله، لأن
منزله هو الذي خلق، وهو الذي: يَعلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ (1)
وأما صفة الضرب الذي نهيت عنه المرأة، هو: أن تضرب المرأة رجلا برجل، ضرباً تُسْمِعَ بِهِ رنة الخلخال، وكذلك أن تضرب المرأة برجلها الأرض، لقصد إثارة هذه الفتنة الخفية، لأن من شأن غريزة الفحولة، تتأثر بأدنى شيء من أنوثة المرأة، حتى من جرس الحلي، ونفحة الطيب، بل أن مجرد إحساسها، مثير لغريزة بعض من الناس
فليتق الله النساء، وليعلمن علماً يقيناً، أنهن
مطالبات بتنفيذ هذا الأمر، والإلتزام به.
(1) سورة الملك: 14 (1/75)
صفحة 72
س: أيها الأستاذ، ما معنى هذه الآية في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لَّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعرَفْنَ فَلَا يُؤْذِينَ
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (1)؟
ج: أيها التلميذ، إعلم أن معنى هذه الآية، إن الله تعالى يأمر نبيه الكريم)، أن يأمر نساءه، وبناته، خاصة، ويأمر نساء المؤمنين عامة، إذا خرجن لحاجتهن، أن يغطين أجسامهن، ورؤوسهن،
وجيوبهن، وهي: فتحة الصدر، بجلباب كاس فيميزهن هذا الزي، ويجعلهن في مَامَنِ من معابثة الفساق، لأن معرفتهن وحشمتهن معا، تلقيان الخجل والتحرج في نفوس الذين كانوا يبتغون النساء لمعابثتهن؛ وقال السدي، في تفسير هذه الآية: كان ناس من فساق أهل المدينة، يخرجون بالليل حين
(1) سورة الأحزاب: 59 (1/76)
صفحة 73
يختلط الظلام، إلى طرق المدينة، فيعرضون للنساء، وكانت مساكن أهل المدينة ضيقة، فإذا كان الليل خرج النساء إلى الطرق يقضين حاجتهن، فكان أولئك الفساق يبتغون ذلك منهن، فإذا رأوا المرأة عليها جلباب، قالوا: هذه حرة، فكفوا عنها، وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب، قالوا: هذه أمة، فوثبوا عليها؛ وقال مجاهد: يتجلبين فيعلم أنهن حرائر، فلا يتعرض لهن فاسق بأذى ولا ريبة؛ وقيل: يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عيناً
واحدة، والله أعلم.
حوار
التلميذ: يا أستاذي، ما هو حد غض البصر، لأن الإنسان يفاجأ أحياناً بمنظر وهو لا يتعمده، فهل يحاسب عليه، مع أني لمحت من الآية التي سبق (1/77)
صفحة 74
ذكرها، فيها الغض من الأبصار، ولم يأت ذكر غض البصر كله؟
الأستاذ: نعم - أيها التلميذ - إعلم أن بصر الإنسان أمانة عنده، ومسؤول عنه، ولكن إذا وقع بصره على محرم من غير قصد، يجب عليه صرف نظره عنه سريعاً، لقول رسول الله ()، لعلي بن أبي طالب (كرم الله وجهه: " يَا عَلَيَّ، لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليس لك الآخرة ".
وأما قولك: لم يأت في الآية، غض جميع البصر فإن الآية تأمر بغض بعض الأبصار، عن النظر إلى المحرمات، من العورات، أما إلى غير المحرمات، تبيح النظر، بل يجب النظر إلى عجائب ملكوت السماوات، وعجائب الأرض، وما فيها من عجائب، ومنافع، وعبر، لقوله تعالى: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي (1/78)
صفحة 75
السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ} ()، وقوله تعالى: {قُل سِيرُوا
فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلقَ} ().
س: يا أستاذي الكريم، عرفت مما سبق من أدلة الحجاب التي ذكرتها لي، والآن - فضلا منك - أن تخبرني عن
سبب نزل آية الحجاب؟
ج: إعلم - أيها التلميذ - أن سبب نزول آية الحجاب كما يلي: قال القرطبي في تفسيره " الجامع لأحكام القرآن في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَن يُؤذَنَ لَكُم إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِن إِذَا دُعِيتُم فَادخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُم فَانتَشِرُوا وَلَا مُستَانِسِينَ لحَدِيثِ إِنَّ ذَلِكُم كَانَ يُوَذِي النَّبِيَّ فَيَستَحي مِنكُم وَاللَّهُ لَا يَستَحْيِ مِنَ الحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُم وَقُلُوبِهِنَّ} (3)، فقال:
(1) سورة يونس: 101 (3) سورة الأحزاب: 53
(2) سورة العنكبوت: 20. (1/79)
صفحة 76
هذه الآية تضمنت قصتين، إحداهما: الأدب في أمر الطعام والجلوس؛ والثانية: في أمر الحجاب
أما القصة الأول: فالجمهور من المفسرين، قالوا: أن رسول الله ()، لما تزوج زينب بنت جحش، أولم عليها، فدعا الناس، فلما طعموا، جلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وزوجته مولية وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول الله، قال أنس: ما أدري أنا أخبرت النبي (صلى الله عليه وسلم): أن القوم قد خرجوا، أو أخبرني، قال: فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب، قال: ووعظ القوم بما وعظوا به، وأنزل الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيَّ إِلَّا أَن يُؤذَنَ لَكُم إِلَى طَعَامٍ غَيرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِن إِذَا دُعِيتُم فَادخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُم (1/80)
صفحة 77
فَانتَشِرُوا وَلَا مُستَانِسِينَ لِحَدِيثِ إِنْ ذَلِكُم كَانَ يُوَذِي النَّبِيَّ فَيَستَحيِ مِنكُم وَاللهُ لا يَستَحيِ مِنَ الحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَسَأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُم وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُم أَن تُؤذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُم كَانَ عِندَ اللَّهِ
عظيماً} ().
وأما قصة الحجاب: فقال أنس وجماعة: سببها أمر القعود في بيت زينب، وقالت عائشة رضي الله عنها) وجماعة: سببها أن عُمر بن الخطاب (ه)، قال: قلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخلن عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت الآية
ضي عنب
وروي عن ابن عُمر، قال: قال عُمر بن الخطاب ه: وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي
(1) سورة الأحزاب: 53 (1/81)
صفحة 78
الحجاب، وفي أسارى بدر، وهذا أصح ما قيل في أمر
الحجاب، إنتهى من كلام القرطبي.
وذكر الزمخشري، في تفسيره " الكشاف ": أن سبب نزول آية الحجاب، فيما نصه: قيل: إن عُمر بن الخطاب (ه) كان يحب ضرب الحجاب عليهن محبَّة شديدة - يعني زوجات النبي () - وكان يذكره كثيراً، ويود أن ينزل فيه قُرآناً، وكان يقول: لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، وقال: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فنزلت
الآية.
وقيل: أن رسول الله ()، كان يطعم ومعه: بعض أصحابه، فأصابت يد رجل منهم يد عائشة (رضي الله عنها، فكره النبي (صلى الله عليه وسلم) ذلك، فنزلت آية الحجاب، وهي قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً (1/82)
صفحة 79
فَسَأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُم
وَقُلُوبِهِنَّ} (). إنتهى بتصرف من كلامه.
(1) سورة الأحزاب: 53 (1/83)
صفحة 80
بحمد الله
ما تيسر من جمع هذه الرسالة:
حوار حول حجاب المرأة بين السائل والمجيب بخط مُؤلَّفه سُليمان بن عبد الله اللويهي الغافري وكان تمامها في شهر ذو الحجة من شهور سنة ألف وأربعمائة وخمسة عشر للهجرة، الموافق شهر مايو لعام ألف وتسعمائة وخمسة وتسعون للميلاد، والصلاة والسلام على سيد الأنام،
وعلى آله، وأصحابه، وأزواجه أمهات المؤمنين، ولا حول
ولا قوة إلا بالله
ـعلي
العظيم (1/84)
صفحة 81
بحمد الله (1/85)
صفحة 82
رقم الإيداع: 177/ 2005 م (1/86)