صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: شريعة - فقه
------------------------------------------
العنوان: رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
المؤلف: سعيد بن مبروك القنوبي
الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1430ه
الطبعة: 1
الإيداع القانوني: 2009/220
الكلمات الدالة: أحكام رؤية الهلال
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=2956&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/645
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 22 شعبان 1446ه/ 21 - شهر 02 - 2025م. سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
الشيخ العلامة سعيد بن مبروك القنوبي
الطبعة الأولى
1430 ه (1/1)
صفحة 2
سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
الشيخ العلامة سعيد بن مبروك القنوبي
الطبعة الأولى
1430 ه (1/2)
صفحة 3
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل أجمعين
الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
عسى
أما بعد فهذه أجوبة على بعض المسائل المتعلقة بالهلال الله أن ينفع بها عباده إنه تعالى أهل ذلك والقادر عليه،
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب.
المسألة الأولى: هل يوجد أحد من أصحاب المذاهب الأخرى يأخذ باختلاف المطالع غير الإباضية؟
الجواب: لقد اتفقت كلمة علماء الفلك على أن مطالع الهلال مختلفة ونص على ذلك أيضا غير واحد من علماء الشريعة، وهذا أمر لا يمكن أن يجادل أحد فيه لوضوحه، لا سيما في عصرنا هذا، وإنما اختلف العلماء في اعتبار ذلك في دخول الشهر، وخروجه، فذهب كثير من العلماء إلى عدم اعتبار ذلك، وذهب أكثر أصحابنا وجمهور الشافعية وطائفة من المحققين من الحنفية والمالكية والحنابلة وغيرهم من المتقدمين (1/3)
صفحة 4
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
والمتأخرين إلى اعتبار ذلك، وهذا هو القول الحق الحقيق بالقبول لحديث كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام، فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟، فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه فقلت أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟، فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله لها.
رواه مسلم والنسائي في "السنن الصغرى" وفي "السنن الكبرى" وأبو داود والترمذي وابن خزيمة والدارقطني والبيهقي وأبو نعيم في "المستخرج على صحيح مسلم" وابن عبد البر في "التمهيد" وفي "الاستذكار".
فهذا الحديث الصحيح الثابت يحتمل احتمالين اثنين: أحدهما: أن يكون البحر ابن عباس -رضي الله عنهما - قد سمعه من النبي الله، وحينئذ لا كلام إلا السمع والطاعة، كما هو الواجب على كل مسلم تجاه سنته، وقول من يقول: إن ابن عباس -رضي الله عنهما - لو سمع حديثا في ذلك لأورده (1/4)
صفحة 5
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
بلفظه مجانب للصواب بل يدل على قلة اطلاع وقصر باع في معرفة سنة النبي الا الله ولذلك أن كثيرا من الأحاديث قد أوردها
عن
رواتها بلفظ: أمرنا رسول الله له بكذا، أو: نهى رسول الله الله كذا، أو كنا ننهى عن من غير أن يذكروا لفظ الأمر كذا، أو لفظ النهي عن النبي لا الله، وهذا أمر معروف مقرر في علمي الحديث والأصول أوضح تقرير ومحرر فيهما أحسن تحرير. والثاني: أن يكون ابن عباس -رضي الله عنهما وهو البحر الزاخر - قد استنبط ذلك من حديث: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، وحينئذ لا إشكال في الاحتجاج به أيضا، ذلك أن المدينة المنورة كانت مملوءة بفقهاء الصحابة والتابعين، و لم ينقل أن أحدا خالفه في ذلك، وهذه المسألة ليست من باب الإجماع السكوتي حتى يقال: إنهم لم ينكروا عليه أو يخالفوه؛ لأن المسألة قابلة للخلاف، وذلك لأن الكل متعبد فيها إما بالصوم وإما بالفطر، والأمر فيهما يدور بين الحرمة والوجوب، فلا مجال للسكوت أو الخروج من الخلاف أو نحو ذلك، وهذا واضح لا يحتاج إلى إطالة بيان ..
وهناك أدلة أخرى سيأتي ذكرها خلال النقول عن أهل
العلم إن شاء الله تعالى. (1/5)
صفحة 6
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
واستدل الفريق الآخر بحديث أبي عمير بن أنس قال: حدثني عمومة لي من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قوما رأوا الهلال فأتوا النبي اللهم فاشهدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمر رسول الله الهلال الناس أن يفطروا ويخرجوا لعيدهم من الغد.
رواه النسائي في "السنن الصغرى" وفي السنن الكبرى وفي "الإغراب" وأبو داود وابن ماجه وأحمد وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن الجعد وابن المنذر في "الأوسط" وابن الجارود والطحاوي في "شرح معاني "الآثار" والطبري في "تهذيب الآثار والدارقطني وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات"، وابن عبد البر في "الاستذكار" والبيهقي في "السنن الكبير" وابن السكن كمـ في "التلخيص" وابن حزم في "المحلى" والخطيب في "تاريخ بغداد" وابن الشجري في "الأمالي" وأبو نعيم في "معرفا الصحابة وابن الأثير في "أسد الغابة" وابن الجوزي في "التحقيق" والمزي في تهذيب الكمال". وصححه إسحاق بر راهويه والخطابي وابن المنذر وابن السكن والبيهقي وابن حز والنووي في "المجموع" وفي "الخلاصة" وابن كثير وابن حجر
وقال الدارقطني: "إسناده حسن" (1/6)
صفحة 7
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
ورواه من طريق أنس
الله
بن مالك رضي عنه - عن
عمومة له بنحوه ابن حبان والبزار وعبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" والبيهقي في "السنن "الكبير" والضياء في "المختارة" وهو
خطأ واضح. واستدلوا أيضا بحديث ربعي بن خراش عن بعض أصحاب رسول الله الله قال: أصبح الناس لتمام ثلاثين يوما، فجاء أعرابيان فشهدا أنهما أهلاه بالأمس عشية، فأمر رسول الله له الناس أن يفطروا.
رواه أبو داود وأحمد وعبد الرزاق والطبراني في "المعجم الكبير" والدارقطني والبيهقي. وقال الدارقطني: "إسناده حسن ثابت"، وقال في موضع آخر: "هذا صحيح
واستدلالهم بهذين الحديثين باطل كما لا يخفى؛ وذلك لأنهم كانوا في منطقة قريبة من المدينة، وبيان ذلك أنهم خرجوا من منطقتهم يوم العيد بعد ما أدوا الصلاة فيما يظهر، ووصلوا إلى المدينة في اليوم نفسه وليست عندهم وسائل عصرنا هذا، بل إما أن يكونوا قد خرجوا على جمال أو خيول أو حمير، وإما مشاة، ومثل هذه المسافة لا تختلف فيها المطالع.
وأما استدلال بعضهم بعموم قول النبي: "إذا رأيتموه
فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا" فجوابه أن كان في مكان
من (1/7)
صفحة 8
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
لا يوافق مكان الرائي في مطالع الهلال لم يكن رآه حقيقة ولا
حكما.
وكما أن البلاد تختلف في الإمساك والإفطار اليومي فكذلك يقال في الإمساك والإفطار الشهري، ومن المعلوم أن الاختلاف اليومي له أثره باتفاق المسلمين، فمن كانوا في الشرق فإنهم يمسكون قبل من كانوا في الغرب، ويفطرون قبلهم أيضا، فإذا حكمنا باختلاف المطالع في التوقيت اليومي فإنا نحكم به في التوقيت الشهري، ولا يمكن أن يقول قائل: إن قوله تعالى: فَالْتَنَ بَشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا
حتى يتبيَّنَ لَكُم الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (البقرة: 187) وقوله: "إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم" لا يمكن لأحد أن يقول: إن هذا عام لجميع المسلمين في الأقطار كلها، وكذلك يقال في حديث: "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا"، على أنه قد نقلت طائفة من أهل العلم الإجماع كما سيأتي إن شاء الله تعالى على اعتبار اختلاف المطالع في البعد الشاسع، وهذا يدل على أن الحديث ليس على عمومه، وما دام الأمر كذلك فلا يصح أن يستدل به على العموم، والله تعالى أعلم.
- (1/8)
صفحة 9
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
هذا ونظرا لجهل كثير من الناس بأقوال أهل العلم في هذه المسألة وظنهم أنه لم يقل به أحد إلا الإباضية رأيت أن أنقل طائفة كبيرة من أقوال أهل العلم من الإباضية وغيرهم الناصة على اعتبار اختلاف المطالع، والله تبارك وتعالى ولي
التوفيق.
قال الشيخ سلمة بن مسلم العوتي في "الضياء" ج 6 ص 290: "وإذا صام أهل عمان شهر رمضان برؤية الهلال وأفطروا لرؤيته، وكان عندهم تسعة وعشرين يوما، ثم قدم مكة، ووصل الخبر من البصرة أنهم صاموا لرؤية
الحاج من الهلال وأفطروا لرؤيته، وكان عندهم ثلاثين يوما فلا بدل على أهل عمان عن الذي فاتهم ولو شهد به جماعة من العدول، وقد تم صوم الجميع".، وقد رفع الحديث عن ابن عباس أنه قال: "لكل" قوم هلالهم".
وقال الشيخ عبد العزيز الثميني في "كتاب النيل وشفاء العليل" ج 1 ص 165: "والبلاد إن لم تختلف مطالعها كل الاختلاف وجب حمل بعضها على بعض في الرؤية، وقيل: كل بلد برؤيته ولو تقاربت".
(1) هكذا ذكره بعض أصحابنا وبعض المالكية، ولا أصل له مرفوعا إلى النبي، ولا موقوفا على ابن عباس رضي الله عنهما، وإنما هو من قول بعض أهل العلم. (1/9)
صفحة 10
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وقال الإمام القطب في تعليقه على مدونة أبي غانم الخراساني ج 2 ص 29: وكانت الصحابة لا يرون لأهل بلد
أن يصوموا برؤية أهل بلد بعيد، عملا باختلاف المطالع". وقال الإمام السالمي في معارج الآمال ج 5 ص 162 - 165: "فإن كانت البلدان متقاربة يجمعها مطلع واحد، وصح الخبر عند من لم يره وجب الأخذ برؤية من رآه إذا صح عندهم بأحد الطرق الآتي ذكرها قريبا إن شاء الله، وإن كانت البلدان متباعدة يمكن معها اختلاف المطالع فإنه لا يلزم من لم يره رؤية من رأى، وإن صح معهم ذلك".
ذلك
ثم ذكر ما ذكره صاحب الضياء ثم ذكر حديث كريب ثم عرض أقوال أهل العلم في هذه المسألة ثم قال: "والجميع من هؤلاء يحتجون بقول ابن عباس في الخبر المتقدم، ووجه الاحتجاج به أن ابن عباس لم يعمل برؤية أهل الشام، وقال في
آخر الحديث هكذا أمرنا رسول الله.
فدل ذلك على أنه قد حفظ من رسول الله أنه لا
يلزم أهل بلد العمل برؤية أهل بلد آخر.
وذكر ابن عبد البر: أن الناس أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلدان كخراسان والأندلس. (1/10)
صفحة 11
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
والعقل يوجب أن اختلاف المطالع بين الجهتين يستلزم اختلاف الحكمين، فهذه الشمس تكون عند قوم طالعة وعند آخرين غير طالعة، فهؤلاء يصلون العصر الحضور وقتها عندهم، والآخرون يصلون الظهر لحضور وقتها عندهم، فإن سيرها
يكون بالتدريج، ولكل قوم حكمهم.
وكذا الأهلة، فإن الهلال قد يرى في بعض النواحي دون بعض؛ لاختلاف مطلعيه بين الجهتين، فيلزم هؤلاء حكم الهلال، وهؤلاء حكم ما قبله وهذا مما لا يشك فيه عاقل.
واعترض بأن الحجة إنما هي في المرفوع من رواية ابن عباس لا في اجتهاده الذي فهم عنه الناس قالوا والمشار إليه بقوله: "هكذا أمرنا رسول الله " هو قوله: "فلا نزال نصوم حتى نكمل الثلاثين".
والأمر الكائن من الرسول صلى الله عليه وسلم هو قوله: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين". قالوا: وهذا لا يخص بأهل ناحية على جهة الانفراد، بل هو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين، فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من البلدان أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم؛ لأنه إذا رآه أهل بلد فقد
رآه المسلمون فيلزم غيرهم كما لزمهم. (1/11)
صفحة 12
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
قالوا: وعدم عمل ابن عباس برؤية أهل الشام مع عدم البعد الذي يمكن معه الاختلاف عمل بالاجتهاد، وليس بحجة، قالوا: ولا يشك عالم أن الأدلة قاضية بأن أهل الأقطار يعمل بعضهم بخبر بعض وشهادته في جميع الأحكام الشرعية، والرؤية من جملتها، قالوا: وسواء كان بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع أم لا، فلا يقبل التخصيص إلا بدليل، قالوا: ولو سلم صلاحية حديث كريب هذا للتخصيص فينبغي أن يقتصر فيه على محل النص إن كان النص معلوما، أو على المفهوم منه إن لم يكن معلوما؛ لوروده على خلاف القياس.
قالوا: ولم يأت ابن عباس بلفظ النبي ولا بمعنى
حتى
لفظه
نجعله
ذلك
حتى ننظر في عمومه وخصوصه، إنما جاءنا بصيغة مجملة أشار بها إلى قصة هي عدم عمل أهل المدينة برؤية أهل الشام، على تسليم أن ذلك المراد و لم نفهم منه زيادة على ذلك مخصصا لذلك العموم، فينبغي الاقتصار على المفهوم من الوارد على خلاف القياس وعدم الإلحاق به، فلا يجب على أهل المدينة العمل برؤية أهل الشام دون غيرهم، قالوا: والإجماع الذي ذكره ابن عبد البر لا يتم لوجود المخالف في هذه المسألة. والجواب: لا نسلم أن المشار إليه كلام ابن عباس هو قوله: "فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين"، وأن الأمر الكائن (1/12)
صفحة 13
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
من رسول الله الله هو قوله: "لا تصوموا حتى تروا الهلال" فقط؛ بل نقول: إن المشار إليه هو ما ذكره أصحابنا من طريق ابن عباس: "أن لكل قوم هلالهم، فدل هذا على أن مطالع الأهلة تختلف، وأن كل قوم متعبدون برؤيتهم.
وفهمنا من ذلك اشتراط بعد المكان، بحيث يمكن اختلاف المطالع وقصر الخبر على محل النص الواقع لابن عباس خلاف المفهوم من أحوال الشريعة؛ لأن أمر التعبد لا يؤثر فيه نفس الأمكنة.
ولو لم يثبت مرفوعا في هذا المعنى إلا قول ابن عباس: "هكذا أمرنا رسول الله " لكان كافيا في المطلوب؛ لأن عباراته تقتضي بأن في ذلك أمرا من رسول صلى الله عليه وسلم، وصرفه عن الرفع إلى الاجتهاد صرف له عن ظاهره وإدخال على ابن
عباس في رفيعته.
والإجماع الذي ذكره ابن عبد البر سابق على الخلاف، فهو الحجة على من جاء بعده، فمن خالف في صورة الإجماع
فهو محجوج بالإجماع قبله، والله أعلم".
وقال الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري في جواباته ص 79 - 80: "وأيضا فإن المطالع إذا اختلفت فيما بين البلاد التي سافر إليها وبين بلده فإنه يصار في هذا إلى ما قالوه: لكل (1/13)
صفحة 14
14
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
أهل بلد هلالهم، وفي الأثر: روى المدنيون عن مالك: إن الرؤية لا تلزم بالخبر عند أهل البلد الذي وقعت فيه الرؤية، إلا أن يكون الإمام يحمل الناس على ذلك، وبه قال ابن الماجشون والمغيرة من أصحاب مالك، وأجمعوا أنه لا يراعى ذلك في البلدان النائية كالأندلس والحجاز، وروى مسلم وغيره عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، فقضى حاجتها، واستهل عليه رمضان بالشام، فقال: رأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة آخر الشهر فسألني عبد الله
ت:
ابن عباس، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟، فقلـ رأيته ليلة الجمعة فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية قال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه".
وقال الشيخ أحمد بن أحمد الخليلي في الفتاوى ج 1
"
ص 312 - 313: الصيام" والإفطار منوطان برؤية الهلال بالنص الشرعي، فالنبي الله، قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين، والحديث مروي من طرق متعددة وبألفاظ متنوعة مؤداها واحد ورؤية الهلال تختلف اختلاف البلاد في طلوع الشمس وغروبها، فلذلك لا
حسب
يمكن التعويل على ثبوتها في بلد ناء يمكن أن يؤثر نأيه في (1/14)
صفحة 15
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
اختلاف الليل والنهار إما تقدما، وتأخرا، أو طولا وقصرا؛ ذلك لأن المناط في هذا الحكم ثبوت الرؤية في غير وجود ما يمنع من سريان حكمها، والاختلاف مانع عند التحقيق؛ إذ الصيام لا يختلف عن الصلاة، وحيث إنّ كل واحد منهما نيط بأمر طبيعي من حيث التوقيت فالصلاة نيطت بالزوال ظهرا، وبكون ظل كل شيء قدره بعد القدر الذي زالت عليه الشمس عصرا، وبالغروب، مغربا، وبغيبوبة الشفق عشاء، ويبدو الفجر الصادق فجرا، وذلك معتبر في كل مكان بحسبه، فلا يجوز لأهل بلد مثلا أن يصلوا الظهر عندما تزول الشمس في غير ذلك البلد، أو المغرب عندما تغرب في بلد آخر وهكذا، ولو كانت البلد التي زالت فيها الشمس أو غربت هي التي تمثل الإسلام في نظر المصلي، وكذلك الصيام، على أن ادعاء كون بعض البلاد أولى بتمثيل الإسلام غير صحيح؛ فإن الإسلام يُمثل حيثما حل، وما ذكرته في أمر الصيام هو الذي ورد به الشرع، ومضى عليه العمل عند السلف ودليل ذلك ما أخرجه مسلم وأصحاب السنن عن كريب قال: أرسلتني أم الفضل بنت الحارث والدة عبد الله بن عباس إلى معاوية بالشام، فاستهل علي هلال رمضان وأنا بالشام فلما قضيت حاجتها، ورجعت إلى المدينة سألني عبد الله بن عباس فقال: متى رأيتم الهلال؟، فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟، فقلت: نعم، ورآه (1/15)
صفحة 16
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
الناس وصاموا وصام، معاوية فقال ولكن رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نرى الهلال أو نكمل ثلاثين، فقلت: أوما تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله وهو صريح في الحكم، وقول الصحابي: أمرنا رسول له حكم الرفع بإجماع، ولئن كان ذلك فيما بين المدينة والشام مع تقاربهما، فما بالكم بالأقطار المتنائية؟!، فالأخذ بما جرى عليه عملكم من قبل هو الرأي السديد ولا تلتفتوا إلى ما يثير الجهلة من الشبه والشغب والله المستعان، وهو ولي التوفيق".
وقال صاحب "تحفة الملوك (1) ص 258: "ولا يلزم أحد المصرين برؤية الآخر". قال العيني في "منحة السلوك في شرح تحفة الملوك" ص 258: قوله: (ولا) يلزم أحد المصرين برؤية الآخر) أي لا يلزم الصوم ولا الإفطار أحد المصرين برؤية أهل المصر الآخر؛ لأن كل قوم مخاطبون بما عندهم، إلا إذا اتحدت المطالع فحينئذ يلزم أحد المصرين برؤية الآخر، حتى إذا صام أهل أحدهما ثلاثين يوما وأهل الآخر تسعة وعشرين يوما: يجب عليهم قضاء يوم".
وقال الكاساني في "بدائع الصنائع" ج 2 ص 83: " ... هذا
(1) اختلف في مؤلفه، فلذلك لم أذكره. (1/16)
صفحة 17
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
17
إذا كانت المسافة بين البلدين قريبة لا تختلف فيها المطالع، فأما إذا كانت بعيدة فلا يلزم أحد البلدين حكم الآخر؛ لأن مطالع البلاد عند المسافة الفاحشة تختلف فيعتبر في أهل كل بلد مطالع بلدهم دون البلد الآخر".
وقال عبد الرحمن بن محمد الكليبولي في "مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر" ج 1 ص 352 - 353: "وقيل: يختلف باختلاف المطالع)، وفي "التبيين": والأشبه أن يعتبر هذا القول؛ لأن كل قوم يخاطبون بما عندهم وانفصال الهلال عن شعاع الشمس يختلف باختلاف الأقطار كما أن دخول الوقت وخروجه يختلف باختلافهما، وقال في "الدرر": يؤيده ما مر في أول كتاب الصلاة أن صلاة العشاء والوتر لا تجب بفاقد وقتهما، وفي "الاختيار" وذكر في فتاوى الحسامية إذا صام أهل مصر ثلاثين يوما برؤية وأهل مصر آخر تسعة وعشرين يوما برؤية فعليهم قضاء يوم إن كان بين المصرين قرب بحيث تتحد المطالع، وإن كان بعد بحيث تختلف لا يلزم أحد المصرين حكم الآخر، وحده على ما في "الجواهر" مسيرة شهر فصاعدا اعتبارا بقصة سليمان عليه السلام فإنه انتقل كل غدو ورواح من إقليم إلى إقليم وبين كل منهما مسيرة شهر، لكن يفهم من عبارة المصنف عدم الاعتبار مطلقا، وهو المذهب وظاهر (1/17)
صفحة 18
18
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
الرواية، وعليه الفتوى كما في أكثر المعتبرات".
وقال الشيخ مرتضى الزبيدي في "إتحاف السادة المتقين شرح إحياء علوم الدين" ج 4 ص 200: "وقد تختلف المطالع وتكون الرؤية في أحد البلدين مستلزمة للرؤية في الآخر من غير عكس، وذلك أن الليل يدخل في البلاد الشرقية قبل دخوله في البلاد الغربية، ومتى اتحد المطلع لزم من رؤيته في إحداهما رؤيته في الآخر، ومتى اختلف لزم من رؤيته في الشرق رؤيته في الغرب ولا ينعكس، فإن الشام غربية بالنسبة إلى المدينة، فلا يلزم من رؤيته في الشام رؤيته في المدينة، وعلى ذلك حديث كريب ... ".
وقال الشيخ محمد بخيت المطيعي الحنفي في "إرشاد أهل الملة إلى إثبات "الأهلة ص 191: اعلم أن اختلاف المطالع لا خلاف فيه لأحد من العلماء؛ لأنه من الأمور الثابتة بالمشاهدة وقد وافق الشرع العقل على ذلك أيضا، كما أنهما متفقان على الدوام، ألا أترى أن الشارع بنى على اختلاف المطالع كثيرا من الأحكام فبنى عليه اختلاف أوقات الصلاة ووقت الحج فإن العبرة بمطلع أهل مكة فيه وبنى عليه أيضا معرفة من تقدم أو تأخر موته في المواريث وغير ذلك كثير وكل ذلك متفق عليه،
وإنما اختلفوا بعد ذلك في اعتباره وعدم اعتباره بالنظر لرؤية (1/18)
صفحة 19
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
هلال رمضان وشوال ووجوب الصوم والفطر ... ".
19
وقال ص 193 - 194: "وأنت إذا رجعت إلى الواقع ونفس الأمر تجد أن اختلاف المطالع معلوم بالضرورة، واختلاف الأوقات باختلافها مشاهد معاين؛ فإن سكان البلد التي يستمر فيها ظهور الشمس شهرين أو ثلاثة يشاهدون ذلك، وكذلك كل من ذهب إلى بلادهم يشاهد ذلك، وكذلك صار من المعلوم بالضرورة أن الشمس تظهر ستة أشهر وتختفي ستة أشهر لدى سكان جهة القطب، فهل يمكن إذا رأى أهل مصر هلال رمضان وقت الغروب عندهم أن نكلف هؤلاء بالصوم برؤية أهل مصر، كما أنه صار من الضروري التخالف في الأوقات بيننا وبين أهل أمريكا، فهل يمكن أن نكلفهم بالصوم برؤية أهل مصر للهلال بعد الغروب؟! مع أن هذا الوقت عندهم ربما كان وقت طلوع الفجر أو وقت شروق
الشمس.
وبالجملة فالقول بعدم اعتبار اختلاف المطالع مخالف
من
للمعقول والمنقول أما مخالفته للمعقول فلما علمته مخالفته لما هو ثابت بالضرورة من اختلاف الأوقات، وأن النهار عند قوم قد يكون ليلا عند آخرين وأما مخالفته للمنقول فلأنه مخالف لما تقدم عن كريب، وذلك لأن المتبادر من قول كريب لابن (1/19)
صفحة 20
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
عباس نعم رأيته ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، وقول ابن عباس: لكنا رأيناه إلى آخره وقول كريب بعد ذلك: أولا تكتفي برؤية معاوية؟، وقول ابن عباس في جوابه: لا، أي: لا نكتفي برؤية معاوية إن قوله: هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجع إلى عدم الاكتفاء برؤية معاوية ورؤية كريب والناس، وصومهم
وصوم معاوية، وهذا ظاهر في أن كل قوم مكلفون برؤيتهم. ولا شك أن مورد هذا النص في الشام والحجاز، وقد وجد بينهما مسافة القصر، واختلاف الإقليم، واختلاف المطالع واحتمال عدم الرؤية، فاستند كل طائفة إلى واحد منها وأيد به، قوله كذا قال الإمام الإسنوي، لكن احتمال عدم الرؤية بعد أن قال ابن عباس: لكريب أنت رأيته؟ فقال له: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية ومعاوية كان الخليفة، بعيد جدا لا يلتفت إليه، فلم يبق إلا احتمال مسافة القصر واختلاف الأقليم واختلاف المطالع.
فإذا رجعنا إلى الواقع نجد أنه لا دخل في اختلاف الناس في رؤية الهلال بعد الغروب لمسافة القصر، ولا لاختلاف الإقليم، وأن المدار في ذلك على اختلاف المطالع، فإنه ليس المراد باختلاف الناس في الرؤية أن هذا يرى وهذا لا يرى، بل
المراد أن رؤية هذا للهلال بعد الغروب لا تعتبر رؤية للآ (1/20)
صفحة 21
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
لأنه لا غروب ولا هلال في بلده، وهذا إنما يكون باختلاف
المطالع، فليكن عليه المعول".
وقال ص 195 - 196: "وأما ما تمسك به القائلون بعدم
اعتبار اختلاف المطالع من تعلق الخطاب عاما بمطلق الرؤية في حديث: "صوموا لرؤيته فمسلم، لكنهم لا ينكرون أن
لم
الخطاب إنما تعلق عاما بالرؤية بعد الغروب لا مطلقا، فلا إلا كل من تحقق لديهم الرؤية بعد الغروب، أما من لم توجد عندهم الرؤية بعد الغروب بل وقت الغروب عند من رأوه هو وقت طلوع الشمس عند الآخرين، فكيف نوجب عليهم الصوم ولم يوجد عندهم سبب الوجوب وهو رؤية الهلال بعد الغروب؟!، فعلم أن الحديث عام في كل قوم تحقق بالنسبة إليهم رؤية الهلال بعد الغروب فلا يدل على عدم اعتبار اختلاف المطالع ولذلك قال الزيلعي و الأشبه أنه يعتبر"، واقتصر عليه في "البدائع"، فإنه بعد أن ذكر أن الهلال إذا رآه أهل بلد يلزم أهل البلدة الأخرى قال: "هذا إذا كانت المسافة بين البلدتين قريبة لا تختلف فيها المطالع فأما إذا كانت بعيدة لا يلزم أهل أحد البلدين حكم الآخر؛ لأن مطالع البلاد عند المسافة الفاحشة مختلفة فيعتبر في كل أهل بلد مطلع بلدهم دون البلد الآخر" اهـ المراد منه. (1/21)
صفحة 22
22
وإن
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
كان قوله عند المسافة الفاحشة ليس بقيد بل المدار
في الحكم على اختلاف المطالع، وهو باختلاف عرض البلدين بلا مدخل لبعد المسافة، وقربها، ولذلك اتفقوا على اعتبار اختلاف المطالع في وجوب الحج، فاعتبروا مطلع مكة، وفي الأضحية أو جبوا على كل قوم الأضحية في يوم النحر وهو
العاشر من شهر ذي الحجة على حسب
فلا
معني
العبادات".
ما يرى
هلاله
عندهم،
للاختلاف بعد ذلك في الصوم دون سائر أوقات
وقال الشيخ محمد يوسف الحسيني في "معارف السنن" جه ص 336 - 340: قال" شيخنا الإمام: ثم إذا رأى الهلال أهل بلدة وانتقلت الرؤية إلى بلدة أخرى بشروطها المذكورة في الكتب وثبت لديهم الهلال بثبوت شرعي فهل يلزم أهل هذه البلدة الأخرى حكم الأولى أم لا؟ ففي عامة كتبنا اللزوم، ولو كان بين البلدتين بعد المشرقين ويلقبون هذه المسألة بقولهم: لا عبرة باختلاف المطالع، وذكروا أن في المواقيت ووقت الفطر لاختلافها عبرة كما ورد في رد المحتار"، وقيل: يعتبر المطالع في البلاد البعيدة. قال الزيلعي شارح "الكنز": وهو الأشبه، وهو الذي اختاره القدوري في "التجريد"، وبه قال الجرجاني. قال الشيخ وهذا هو الصواب، ولا بد من تسليم
11
اختلاف (1/22)
صفحة 23
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
قول الزيلعي، وإلا لزم وقوع العيد يوم السابع والعشرين والثامن والعشرين والحادي والثلاثين والثاني والثلاثين (1) إذا كان بين البلدتين مسافة بعيدة كالهند والقسطنطينية، فربما يتقدم طلوع الهلال في بلاد القسطنطينية يومين، فإذا رئي الهلال في بلاد الهند بعد رؤية الهلال هناك بليلتين ثم بلغتنا رؤيتهم، فإن لزمنا رؤيتهم لزم تقدم العيد، وإن رأى رجل الهلال في القسطنطينية، ثم جاءنا قبل العيد فهل يعمل برؤيته أو برؤية أهل بلدنا؟ لم أجد هذه الصورة في كتبنا، والظاهر أنه يتبع أهل بلدنا نظير ما يقوله الشافعية فيمن صلى الظهر في بلد ثم وصل من فوره إلى بلد لم يدخل وقتها أنه يصلي معهم، والله أعلم.
قال الشيخ وكنت قطعت القول بما قاله الزيلعي ثم رأيت في "قواعد ابن رشد" نقل الإجماع على اعتبار الاختلاف في البلاد البعيدة أيضا، وحد البعد مفوض إلى رأي المبتلى به وليس له حد معين وذكر الشافعية في تحديده شيئا.
بمعنى
قال الراقم اعلم أن نفس اختلاف المطالع لا نزاع فيه أنه قد يكون بين البلدتين بعد بحيث يطلع الهلال ليلة كذا في إحدى البلدتين دون الأخرى، وكذا مطالع الشمس؛ لأن انفصال الهلال عن شعاع الشمس يختلف باختلاف الأقطار
(1) لا يمكن الاختلاف بأكثر من يوم واحد عند من يعتبر الرؤية. (1/23)
صفحة 24
24
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
يجب
حتى إذا زالت الشمس في المشرق لا يلزم أن تزول في المغرب، وكذا طلوع الفجر وغروب الشمس، بل كلما تحركت الشمس درجة، فتلك طلوع فجر لقوم وطلوع شمس لآخرين وغروب لبعض ونصف ليل لغيرهم كما في الزيلعي" شارح "الكنز"، وإنما الخلاف في اعتبار المطالع بمعنى أنه: هل يجـ على كل قوم اعتبار مطلعهم ولا يلزم أحد العمل بمطلع غيره أم لا يعتبر اختلافها بل يجب العمل بالأسبق رؤية، حتى لو رئي في المشرق ليلة الجمعة وفي المغرب ليلة السبت وجب على أهل المغرب العمل بما رآه أهل المشرق؟ فقيل بالأول، واعتمده الزيلعي وصاحب "الفيض" وهو الصحيح عند الشافعية؛ لأن كل قوم مخاطبون بما عندهم كما في أوقات الصلاة، وأيده في "الدرر" بعدم وجوب العشاء والوتر على فاقد وقتهما، وظاهر الرواية الثاني. قال ابن عابدين وهو المعتمد عندنا وعند المالكية والحنابلة. قال ابن الهمام والأخذ بظاهر الرواية أحوط، وذكر ابن الهمام أيضا: ومختار صاحب "التجريد" وغيره من المشايخ اعتبار اختلاف المطالع. اهـ. وذكر اعتباره في "الاختيار شرح المختار" عن الفتاوى الحسامية، انظر (1 - 128) من "الاختيار". واحتج لهذا بحديث ابن عباس عند مسلم والنسائي
وأبي داود والترمذي، فهذا ملخص ما دار بينهم. (1/24)
صفحة 25
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
25
قال الراقم: والذي يظهر أن الأئمة لم ينقل عنهم إلا قول عدم العبرة للاختلاف مطلقا من غير فرق بين قرب وبعد ومن غير تفصيل، وإنما المنقول عنهم قول إجمالي، ومنشأ ذلك أن طي مسافة بعيدة يختلف في مثلها مطلع الهلال ما كان يمكن في شهر واحد، نظرا إلى نظام المواصلات في ذلك العهد، ونظرا إلى النظام المعهود في قطع المسافة عند ذلك، فما كان يمكن أن يرى رجل الهلال ثم يصل قبل تمام الشهر إلى بلد يختلف مطلعه فكان الحكم هو اللزوم بالوجه الشرعي وعدم العبرة للاختلاف، فجاء قول عدم العبرة من هذه الجهة، وظاهر أن نفس اختلاف المطالع الشرقية والغربية لم يكن ليخفى على مثل الأئمة حكماء الأمة، ثم إذا جاء من بعدهم فوسعوا دائرة قولهم إلى ما لم يريدوه، وأخذوا قولهم بأوسع معنى الكلمة عاما في كل مطلع، وأرى أن هذا غير ملائم، ولا بد أن يراعى تلك الظروف المحيطة والأحوال المحاطة والأغراض الدائرة في الباب،
وليس الجمود على الظاهر من باب التفقه في مثل هذا أصلا.
ثم إن قصة كريب مولى ابن عباس في رؤية أهل الشام قبل أهل المدينة وإن كان يحتمل وجوها في عدم قبول ابن عباس قوله "وقد بينوها"، كما في "الفتح" و"البحر" غير أن ذلك القدر ليستأنس به للقول بالعبرة للاختلاف في أقدم عهد (1/25)
صفحة 26
26
شرعي
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
السلف، بل يكاد يحتج به، ثم أضف إلى ذلك أنهم لم يعتبروه للصوم دون الفطر، وذلك مراعاة للأحوط، فإن لزمهم الحكم في الصيام لم يلزمهم في الفطر لظاهر الرواية، وإنما هذا تدقيق أساسه على الاحتياط فحسب لا غير، وبالجملة إذا وقفنا على نقل الإجماع على عبرة الاختلاف في البلاد المتباعدة لا بد أن نقيد قولهم المطلق بذلك الإجماع، وهذا الذي يريده شيخنا رحمه الله فقال ابن رشد: أجمعوا أنه لا يراعى ذلك في البلدان البعيدة النائية كالأندلس والحجاز، قال: والسبب في هذا الخلاف تعارض الأثر والنظر، أما النظر، فهو أن البلاد إذا لم يختلف مطالعها كل الاختلاف فيجب أن يحمل بعضها على بعض؛ لأنها في قياس الأفق الواحد، وأما إذا اختلفت اختلافا كثيرا فليس يجب أن يحمل بعضها على بعض، وأما الأثر فما رواه مسلم عن كريب ... إلخ فذكره ثم قال: فظاهر هذا الأثر يقتضي أن لكل بلد رؤيته قرب أو بعد، والنظر يعطي الفرق بين البلاد النائية والقريبة، وبخاصة ما كان نأيه في الطول، والعرض كثيرا، اهـ، وكذلك يقول الحافظ في "الفتح" (4 - 105)، لكن حكى ابن عبد البر الإجماع على خلافه، وقال: أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلاد كخراسان والأندلس، اهـ اهـ والمتبادر من نقل الإجماع هو إجماع العلماء من أهل المذاهب دون المالكية خاصة كما يتوهم، فعلم إذن أن (1/26)
صفحة 27
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
27
قول الأئمة المجمل مخصوص بالبلاد القريبة التي لا يختلف أفقها
اختلافا فاحشا ...
وعلى كل حال بلاد الهند واسعة الأرجاء تختلف عروضها من ست عشرة درجة إلى أربع وثلاثين درجة، والمسافة بينها تبلغ إلى نحو ألفي، ميل وحققوا وقوع الاختلاف في المطلع بنحو خمسمائة ميل، فكيف يتصور الجهد للتوحيد في مثله؟ فكل ذلك نبوء وبعد عن السهلة السمحة البيضاء. نعم إذا تواترت أخبار "راديو" متعددة من شتى الجهات ولا تختلف جهات الأنباء عن البلد الذي لم ير فيه الهلال ببعد يختلف فيه المطلع فيسوغ العمل بهذه الأنباء المرسلة، وتدخل في حد الاستفاضة المفيدة للطمأنينة".
وقال ص 351 - 352: "والمذاهب ثلاثة:
1 لكل أهل بلد رؤيتهم، وإليه ذهب عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق، وهو وجه للشافعية كما في "الفتح" و"المغني".
2 يلزم رؤية بلد أهل البلاد كلها بعد ثبوت شرعي، وإليه ذهب الحنفية كما تقدم والمالكية كما في "الفتح" وغيره، وهو مذهب الحنابلة وقول الليث كما في "المغني"، وإليه ذهب بعض الشافعية. (1/27)
صفحة 28
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
حكم اللزوم في البلاد المتقاربة كالبصرة وبغداد دون المتباعدة كالأندلس، وخراسان وهو المختار عند بعض المشايخ الحنفية والمشهور عند الشافعية بل حكى الحافظ أبو عمر عليه الإجماع، ولو ثبت الإجماع يقيد ما خالفه بالبلاد القريبة التي لا تختلف، مطلعها، وعند قيام البرهان العقلي الصحيح يتأول في السمعيات القطعية فضلا عن باب المجتهدات الشرعية وحديث ابن عباس على إجماله يدل على هذا الذوق الفقهي العقلي، وإن كان للكلام في وجه استنباطه مساغ، بحث وقد فصلنا القول في بعض أطرافها تفصيلا قبل أبواب فراجعه وربما يكون قول بعض مشايخنا في الاعتبار لاختلاف مطالع البلاد تفصيل لقول الأئمة وبيان لمحمل قولهم المجمل دون أن يكون هو قولا جديدا على خلاف المذهب، ومن ظن قول الأئمة مطلقا عاما ظن قول بعض المشايخ شيئا جديدا في المذهب، وإلا فيمكن أن يكون قول الأئمة خاصا في الحقيقة، وهؤلاء المشايخ أبدوا خصوصه للناس، ويؤيد ذلك أن صاحب البدائع يعتبر اختلاف المطالع في البلاد المتباعدة من غير تنبيه على خلاف في المذهب فيقول في البدائع (2 - 83): فأما إذا كانت بعيدة فلا يلزم أحد البلدين حكم الآخر؛ لأن مطالع البلاد عند المسافة الفاحشة تختلف فيعتبر في أهل
28 (1/28)
صفحة 29
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال رفع
29
كل بلد مطالع بلدهم دون البلد الآخر، قال: وحكى عن أبي عبد الله بن أبي موسى الضرير أنه استفتى في أهل أسكندرية أن الشمس تغرب بها ومن على منارتها يرى الشمس بعد ذلك بزمان كثير، فقال: يحل لأهل البلد الفطر، ولا يحل لمن على رأس المنارة إذا كان يرى غروب الشمس؛ لأن مغرب الشمس يختلف كما يختلف مطلعها، فيعتبر في أهل كل موضع مغربه اهـ.
11
وقال المباركفوري في مرعاة المفاتيح" ج 12 ص 297 - :301: "وقال المحققون من الحنفية والمالكية وعامة الشافعية: إن كان بين البلدين مسافة قريبة لا تختلف المطالع لأجلها كبغداد والبصرة مثلا لزم أهلهما الصوم برؤية الهلال في أحدهما، وإن كان بينهما بعد كالعراق والحجاز والشام فلكل أهل بلد
رؤيتهم.
قال في "الدر المختار: اختلاف المطالع غير معتبر على ظاهر المذهب وعليه أكثر المشايخ وعليه الفتوى، فيلزم أهل المشرق برؤية أهل المغرب إذا ثبت عندهم برؤية أولئك بطريق موجب (كأن) يحتمل اثنان الشهادة أو يشهدا على حكم القاضي أو يستفيض الخبر، وقال الزيلعي شارح) الكنـ الأشبه أنه يعتبر لكن قال الكمال الأخذ بظاهر الرواية أحوط.
ز): (1/29)
صفحة 30
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
انتهى، وهكذا في "النهر الفائق". وقال في "مراقي الفلاح": إذا ثبت الهلال في بلدة لزم سائر الناس في ظاهر المذهب، وعليه الفتوى، وهو قول أكثر المشايخ فيلزم قضاء يوم على أهل بلدة صاموا تسعة وعشرين يوما لعموم الخطاب، وهو "صوموا لرؤيته"، وقيل: يختلف أي الحكم باختلاف المطالع، واختاره صاحب "التجريد" وغيره كما إذا زالت الشمس عند قوم وغربت عند غيرهم فالظهر على الأوليين لا المغرب لعدم انعقاد
السبب في
انتهى ملخصا.
وقال المفتي أبو السعود في "شرح مراقي الفلاح": قوله كما ذهب إليه صاحب "التجريد" وهو الأشبه؛ لأن انفصال الهلال من شعاع الشمس يختلف باختلاف الأقطار كما في دخول الوقت وخروجه وهذا مثبت في علم الأفلاك والهيئات، وأقل ما تختلف به المطالع مسيرة شهر كما في "الجواهر". انتهى
ملخصا.
وفي "التتارخانية": أهل بلدة إذا رأوا الهلال هل يلزم في حق كل بلدة؟ اختلف المشايخ فبعضهم قالوا: لا يلزمه. فإنما المعتبر في حق أهل بلدة رؤيتهم وفي "الخانية": لا عبرة باختلاف المطالع في ظاهر الرواية، وفي القدوري إن كان بين البلدتين
تفاوت تختلف به المطالع لا يلزمه وذكر الشيخ شمس الأئمة (1/30)
صفحة 31
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
الحلواني أنه الصحيح من مذهب أصحابنا. انتهى.
وقال الزيلعي في شرح الكنز": أكثر المشايخ على أنه لا يعتبر باختلاف المطالع والأشبه أن يعتبر؛ لأن كل قوم مخاطبون بما عندهم، وانفصال الهلال عن شعاع الشمس يختلف باختلاف الأقطار، والدليل على اعتباره ما روي عن كريب أن أم الفضل بعثته إلى معاوية ... الحديث. انتهى.
وقال في "مختارات النوازل": أهل بلد صاموا تسعة وعشرين يوما بالرؤية وأهل بلدة أخرى صاموا ثلاثين يوما بالرؤية، فعلى الأوليين قضاء يوم إذا لم تختلف المطالع بينهما، واما إذا اختلفت لا يجب القضاء. انتهى"
11
إلى أن قال المباركفوري: "قلت: لا مناص من اعتبار اختلاف المطالع في باب الصوم أيضا، وقد اضطر إلى الاعتراف
11
يعتبر
به صاحب "فتح الملهم حيث قال بعد تقوية مذهب عامة الحنفية (أي القول بعدم اعتباره ما لفظه: نعم ينبغي أن اختلافها إن لزم منه التفاوت بين البلدتين بأكثر من يوم واحد؛ لأن النصوص مصرحة بكون الشهر تسعة وعشرين أو ثلاثين، فلا تقبل الشهادة، ولا يعمل بها فيما دون أقل العدد، ولا في أزيد من أكثره. انتهى. (1/31)
صفحة 32
رفع
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
11
وقال صاحب العرف الشذي في عامة كتبنا أنه لا عبرة لاختلاف المطالع في الصوم، وأما في فطر كل يوم والصلوات الخمس وكذا الحج والأضحية) فيعتبر اختلاف المطالع، وقال الزيلعي شارح الكنز): إن عدم عبرة اختلاف المطالع إنما هو في البلاد المتقاربة لا النائية. انتهى.
وقال كذلك في تجريد القدوري، وقال به الجرجاني. أقول: لا بد من تسليم قول الزيلعي وإلا فيلزم وقوع العيد يوم السابع والعشرين أو الثامن والعشرين أو الحادي والثلاثين أو الثاني، والثلاثين فإن هلال بلاد قسطنطينية ربما يتقدم على هلالنا بيومين فإذا صمنا على هلالنا ثم بلغنا رؤية هلال بلاد قسطنطينية يلزم تقديم العيد، أو يلزم تأخير العيد إذا صام رجل من بلاد قسطنطينية ثم جاءنا قبل العيد. انتهى".
وقال ابن عبد البر في التمهيد ج 7 ص 159 - 160: " واختلف العلماء في الحكم إذا رأى الهلال أهل بلد دون غيره البلدان، فروي عن ابن عباس وعكرمة والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله أنهم قالوا لكل أهل بلد رؤيتهم، وبه قال
من
إسحاق بن راهويه.
وحجة من قال هذا القول ما حدثناه عبد الله بن محمد
ابن عبد المؤمن قال: حدثنا محمد بن بكر بن داسة قال: حدثنا (1/32)
صفحة 33
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
أبو داود قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا إسماعيل ابن جعفر قال: أخبرني محمد بن أبي حرملة قال: أخبرني كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، فاستهل رمضان وأنا بالشام فرأينا الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس، ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ قال: قلت: رأيته ليلة الجمعة قال: أنت رأيته؟ قلت نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية؛ قال: لكن رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين يوما أو نراه قلت ولا تكتفي برؤية معاوية؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله.
وفيه قول آخر روي عن الليث بن سعد، والشافعي وأحمد بن حنبل قالوا: إذا ثبت عند الناس أن أهل بلد رأوه فعليهم قضاء ما أفطروا، وهو قول مالك فيما روي لابن القاسم، وقد روي عن مالك وهو قول المدنيين من أصحابه- أن الرؤية لا تلزم غير البلد الذي حصلت فيه إلا أن يحمل الإمام على ذلك، وأما مع اختلاف الكلمة فلا إلا في البلد بعينه وعمله هذا معنى قولهم، وقد لخصنا مذاهبهم في ذلك في "الكتاب الكافي". (1/33)
صفحة 34
34
ومع
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
قال أبو عمر: إلى القول الأول أذهب لأن فيه أثرا مرفوعا وهو حديث حسن تلزم به الحجة وهو قول صاحب كبير لا مخالف له من الصحابة، وقول طائفة من فقهاء التابعين، هذا إن النظر يدل عليه عندي؛ لأن الناس لا يكلفون علم ما غاب عنهم في غير بلدهم ولو كلفوا ذلك لضاق عليهم، أرأيت لو رئي بمكة أو بخراسان هلال رمضان أعواما بغير ما كان بالأندلس، ثم ثبت ذلك بزمان عند أهل الأندلس أو عند بعضهم أو عند رجل واحد منهم أكان يجب عليه قضاء ذلك، قد صام برؤية، وأفطر برؤية أو بكمال ثلاثين يوما كما أمر، ومن عمل بما يجب عليه مما أمر به فقد قضى الله عنه، وقول ابن عباس عندي صحيح في هذا الباب والله الموفق للصواب".
وهو
وقال في الاستذكار ج 3 ص 282 - 283: "واختلف العلماء في حكم هلال رمضان أو شوال يراه أهل بلد دون
غيرهم.
فكان مالك فيما رواه عنه ابن القاسم والمصريون إذا
ثبت عند الناس أن أهل بلد رأوه فعليهم القضاء لذلك اليوم
الذي أفطروه، وصامه غيرهم برؤية صحيحة. (1/34)
صفحة 35
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
(1)
وهو قول الليث والشافعي (1) والكوفيين وأحمد.
35
وروى المدنيون عن مالك، وهو قول المغيرة وابن دينار وابن الماجشون أن الرؤية لا تلزم غير أهل البلد الذي وقعت: فيه إلا أن يكون الإمام يحمل الناس على ذلك.
أما الاختلاف الأعمال والسلاطين (2) فلا، إلا البلد الذي
رئي فيه الهلال، وفي عمله هذا بمعنى قولهم.
وروي عن ابن عباس أنه قال: لكل قوم رؤيتهم، وبه قال عكرمة والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله، وإليه ذهـ ذهب ابن المبارك وإسحاق بن راهويه وطائفة.
قال أبو عمر حجة من قال بهذا القول ما أخبرنا به أبو الله محمد عبد محمد، قال حدثنا أبو بكر محمد بن بكر قال: بن حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، قال: حدثنا موسي بن إسماعيل، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر قال: حدثني محمد بن أبي حرملة قال: أخبرني كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، فاستهل رمضان وأنا بالشام فرأينا الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني ابن عباس ثم ذكر الهلال فقال:
(1) لم يثبت هذا عن الشافعي، وإنما نقله بعض العلماء بغير بينة. (2) كذا ورد في الأصل. (1/35)
صفحة 36
36
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
متى رأيتم الهلال؟ قلت: رأيته ليلة الجمعة، قال: أنت رأيته؟، قلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، قال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين يوما أو نراه؛ فقلت: أفلا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله له
وأخبرنا أبو محمد عبد الله محمد بن
أسد: قال: حدثنا بن
حمزة بن محمد بن علي، قال حدثنا أحمد بن شعيب النسوي، قال: أخبرنا علي بن حجر، قال أخبرنا إسماعيل بن جعفر قال: حدثنا محمد بن أبي حرملة قال أخبرني كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها فاستهل علي هلال رمضان، وذكر رمضان .. ، الحديث سواء كما تقدم لأبي بكر.
(1)
قال أبو عمر قد أجمعوا أنه لا تراعى الرؤية فيما أخر (1 البلدان كالأندلس وخراسان وكذلك كل بلد له رؤيته إلا ما كان كالمصر الكبير وما تقاربت أقطاره من بلاد المسلمين،
من
والله أعلم".
وقال ابن العربي في "أحكام القرآن" ج 1 ص 84 - 85: إذا أخبر مخبر عن رؤية بلد فلا يخلو أن يقرب أو يبعد؛ فإن
(1) كذا ورد في الأصل. (1/36)
صفحة 37
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال رفع
37
قرب فالحكم واحد وإن بعد فقد قال قوم لأهل كل بلـ
رؤيتهم.
وقيل: يلزمهم ذلك.
وفي الصحيح عن كريب أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بن أبي سفيان بالشام، قال: فقدمت الشام، فقضيت حاجتها، واستهل علي هلال رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس، ثم ذكر الهلال فقال متى رأيته؟ فقلت ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟، قلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية]، قال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فقلت له: أولا تكتفي برؤية معاوية؟، قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله، واختلف في تأويل قول ابن عباس هذا، فقيل: رده لأنه خبر واحد، وقيل: رده لأن الأقطار مختلفة في المطالع وهو الصحيح؛ لأن كريبا لم يشهد، وإنما أخبر عن حكم ثبت بشهادة؛ ولا خلاف في أن الحكم الثابت بالشهادة يجزي فيه خبر الواحد، ونظيره ما لو ثبت أنه أهل ليلة الجمعة بأغمات وأهل بإشبيلية ليلة السبت، فيكون لأهل كل بلد رؤيتهم، لأن سهيلا يُكشف من أغمات ولا
ماش
يُكشف من أشبيلية، وهذا يدل على اختلاف المطالع".
وقال أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي في "المفهم لما (1/37)
صفحة 38
38
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
أشكل من تلخيص كتاب "مسلم" ج 3 ص 142 - 144: "وقول ابن عباس: فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه) ثم قال في آخره: (هكذا أمرنا رسول الله هلال كلمة تصريح برفع ذلك للنبي، وبأمره، به فهو حجة على أن البلاد إذا تباعدت كتباعد الشام من الحجاز أو ما قارب ذلك فالواجب على أهل كل بلد أن تعمل على رؤيته دون رؤية غيره، وإن ثبت ذلك عند الإمام الأعظم، ما لم يحمل الناس على ذلك فلا تجوز مخالفته؛ إذ المسألة اجتهادية مختلف فيها؛ ولا يبقى مع حكم الإمام اجتهاد، ولا تحل، مخالفته ألا ترى أن معاوية أمير المؤمنين قد صام بالرؤية وصام الناس بها بالشام ثم لم يلتفت ابن عباس إلى ذلك، بل بقي على حكم رؤيته هو، ووجه هذا يعرف من علم الهيئة والتعديل، وذلك أنه يتبين فيها: أن ارتفاعات الأقاليم مختلفة؛ فتختلف مطالع الأهلة ومغاربها، فيطلع الهلال ويغرب على قوم قبل طلوعه وغروبه علي،آخرين وعلى هذا فلا يظهر تأثير هذا إلا فيما بعد جدا لا فيما قرب، والله تعالى أعلم. وإلى ذلك صار ابن عباس وسالم والقاسم وعكرمة، وبه قال إسحاق، وإليه أشار الترمذي؛ حيث بوب: لأهل كل بلد رؤيتهم، وحكى أبو عمر بن عبد البر الإجماع على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلدان كالأندلس من خراسان، قال: ولكل بلد رؤيتهم إلا ما كان كالمصر الكبير وما تقاربت أقطاره من (1/38)
صفحة 39
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال رفع
39
يدل
بلدان المسلمين. قلت: وهذا الإجماع الذي حكاه أبو عمر على أن الخلاف الواقع في هذه المسألة إنما هو فيما تقارب من البلاد ولم يكن في حكم القطر الواحد. ونحن نذكره إن شاء الله تعالى. قال ابن المنذر: اختلف في الهلال يراه أهل بلد ولا يراه غيرهم، فقال قوم: لأهل كل بلد رؤيتهم، وذكر من تقدم ذكر أكثرهم، وقال آخرون: إذا ثبت أن أهل بلد رأوه فعليهم قضاء ما أفطروا، وهو قول الليث والشافعي وأحمد، ولا أعلم إلا قول المدني والكوفي، وقال شيوخنا: إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع، ثم نقل إلى غيرهم بشهادة شاهدين لزمهم الصوم، وقال عبد الملك: أما ثبوته بالشهادة فلا يلزم فيها الصوم إلا لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشهادة، إلا أن يثبت عند الإمام الأعظم فيلزم الناسَ كلهم الصيامُ، وعلل هذا: بأن البلاد كلها كبلد واحد؛ إذ حكمه نافذ في الجميع.
قلت: هكذا وقع نقل المشايخ لهذه المسألة، ولم يفرقوا بين البعيد والقريب من الأقاليم، والصواب: الفرق؛ بدليل الإجماع الذي حكاه أبو عمر، فيحمل إطلاق المشايخ على
البلاد المتقاربة، والله تعالى أعلم".
وقال أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي في الجامع لأحكام "القرآن ج 2 ص 295 - 296: "واختلفوا إذا أخبر مخبر (1/39)
صفحة 40
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
عن رؤية بلد، فلا يخلو أن يقرب أو يبعد، فإن قرب فالحكم واحد، وإن بعد فلأهل كل بلد رؤيتهم، روي هذا عن عكرمة والقاسم، وسالم وروي عن ابن عباس وبه قال إسحاق، وإليه أشار البخاري حيث بوب: "لأهل كل بلد رؤيتهم
(1) n
وقال آخرون: إذا ثبت عند الناس أن أهل بلد قد رأوه فعليهم قضاء ما أفطروا، هكذا قال الليث بن سعد والشافعي. قال ابن المنذر ولا أعلمه إلا قول المدني والكوفي.
قلت: ذكر ألكيا الطبري في كتاب "أحكام القرآن" له: وأجمع أصحاب أبي حنيفة على أنه إذا صام أهل بلد ثلاثين يوما للرؤية، وأهل بلد تسعة وعشرين يوما أن على الذين صاموا
تسعة وعشرين يوما قضاء يوم.
وأصحاب الشافعي لا يرون ذلك؛ إذ كانت المطالع في
البلدان يجوز أن تختلف.
وحجة أصحاب أبي حنيفة قوله تعالى: وَلِتُكْمِلُوا
الْعِدَّةَ، وثبت برؤية أهل بلد أن العدة ثلاثون فوجب على
هؤلاء إكمالها.
ومخالفهم يحتج بقوله: "صوموا لرؤيته وأفطروا
(1) هذا للترمذي، وليس للبخاري، وقد وقع هذا الخطأ لغير واحد. (1/40)
صفحة 41
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
لرؤيته" الحديث، وذلك يوجب اعتبار عادة كل قوم في بلدهم. وحكى أبو عمر الإجماع على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلدان كالأندلس من خراسان، قال: ولكل بلد رؤيتهم، إلا ما كان كالمصر الكبير وما تقاربت أقطاره من بلدان المسلمين. روي مسلم عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما - ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟، فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله.
قال علماؤنا قول ابن عباس (هكذا أمرنا رسول الله
كلمة تصريح برفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبأمره.
فهو حجة على أن البلاد إذا تباعدت كتباعد الشام من الحجاز فالواجب على أهل كل بلد أن تعمل على رؤيته دون (1/41)
صفحة 42
42
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
رؤية غيره، وإن ثبت ذلك عند الإمام الأعظم، ما لم يحمل الناس على ذلك، فإن حمل فلا تجوز مخالفته.
وقال ألكيا الطبري: قوله هكذا أمرنا رسول الله)
يحتمل أن يكون تأول فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته
وأفطروا لرؤيته).
11
وقال ابن العربي: واختلف في تأويل قول ابن عباس
لأنه
هذا، فقيل: رده في المطالع، وهو الصحيح؛ لأن كريبا لم يشهد وإنما أخبر عن حكم ثبت بالشهادة، ولا خلاف في الحكم الثابت أنه يجزي فيه
خبر واحد، وقيل: رده لأن الأقطار مختلفة
خبر الواحد.
ونظيره ما لو ثبت أنه أهل ليلة الجمعة بأغمات، وأهل بأشبيلية ليلة السبت فيكون لأهل كل بلد رؤيتهم؛ لأن سهيلا من أغمات ولا يكشف من أشبيلية، وهذا يدل على
يكشف
اختلاف المطالع".
قلت: وأما مذهب مالك - رحمه الله- في هذه المسألة فروى ابن وهب وابن القاسم عنه في المجموعة أن أهل البصرة إذا رأوا هلال رمضان ثم بلغ ذلك إلى أهل الكوفة والمدينة
واليمن أنه يلزمهم الصيام أو القضاء إن فات الأداء. (1/42)
صفحة 43
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
43
وروى القاضي أبو إسحاق عن ابن الماجشون أنه إن كان ثبت بالبصرة بأمر شائع ذائع يستغنى عن الشهادة والتعديل له فإنه يلزم غيرهم من أهل البلاد القضاء، وإن كان إنما ثبت عند حاكمهم بشهادة شاهدين لم يلزم ذلك من البلاد إلا من كان يلزمه حكم ذلك الحاكم ممن هو في ولايته، أو يكون ثبت ذلك عند أمير المؤمنين فيلزم القضاء جماعة المسلمين.
قال: وهذا قول مالك".
وقال القرافي في "الذخيرة" ج 2 ص 490 - 491: "نصب الله تعالى الأوقات أسبابا للأحكام كالفجر والزوال ورؤية، الهلال، كما نصب الأفعال أسبابا نحو السرقة والزنا، والأوقات تختلف بحسب الأقطار، فما من زوال لقوم إلا وهو فجر لقوم وعصر لقوم ومغرب لقوم ونصف الليل لقوم، بل كلما تحركت الشمس درجة، فتلك الدرجة بعينها هي فجر وطلوع شمس وزوال وغروب ونصف ليل ونصف نهار وسائر أسماء الزمان ينسب إليها بحسب أقطار مختلفة، وخاطب الله تعالى كل قوم بما يتحقق في قطرهم لا في قطر غيرهم، فلا يخاطب أحد بزوال غير بلده ولا بفجره، وهذا مجمع عليه، وكذلك الهلال مطالعه مختلفة، فيظهر في المغرب ولا يظهر في المشرق إلا في الليلة الثانية بحسب احتباسه في الشعاع، وهذا معلوم بالضرورة لمن ينظر (1/43)
صفحة 44
44
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
فيه، ومقتضى القاعدة أن يخاطب كل أحد بهلال قطره، ولا يلزمه حكم غيره ولو ثبت بالطرق القاطعة، كما لا يلزمنا الصبح وإن قطعنا بأن الفجر قد طلع على من شرق عنا كما قاله (ح) [يعني أبا حنيفة]. وإلى هذا أشار البخاري في هذا الحديث بقوله بأن لأهل كل بلد رؤيتهم، ولو كان ذلك، لم ينقل عن عمر بن الخطاب ولا غيره من الخلفاء أنه كان يكتب إلى الأقطار و يبعث البريد إني قد رأيت الهلال فصوموا، بل كانوا يتركون الناس مع مرئيهم فيصير حدا مجمعا عليه ويشكل على هذا المشهور، وقول عبد الملك أيضا في قصره اللزوم على محل الولاية في الحكم دون الاستفاضة، وكذلك إذا ثبت عند الإمام الأعظم وحكم به بالشاهدين إن حكم به على أهل قطره لا يتعداهم، أو على غيرهم فينبغي ألا ينفذ حكمه؛ لأنه حكم بغير سبب، وكل حكم بغير سبب لا يلزم ولا
ينفذ".
وقال في "الفروق" ج 1 ص 83 - 84: "وثانيهما: حصول الإجماع في أوقات الصلوات على أنها مختصة بأقطارها بخلاف الأهلة، مع أن الجميع يختلف باختلاف الأقطار عند العلماء بهذا الشأن، فقد يطلع الهلال في بلد دون غيره بسبب البعد عن المشرق والقرب منه فإن البلد الأقرب إلى المشرق هو بصدد أن (1/44)
صفحة 45
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
لاير
45
يرى فيه الهلال، ويرى في البلد الغربي؛ بسبب مزيد السير
الموجب لتخلص الهلال من شعاع الشمس، فقد لا يتخلص في البلد الشرقي، فإذا كثر سيره ووصل إلى الآفاق الغربية تخلص فيه، فيرى الهلال في المغرب دون المشرق، وهذا مبسوط في كتب هذا العلم، ولهذا ما من زوال لقوم إلا وهو غروب لقوم وطلوع الشمس عند قوم ونصف الليل عند قوم، وكل درجة تكون الشمس فيها فهي متضمنة لجميع أوقات الليل والنهار لأقطار مختلفة، فإذا قاست الشافعية الهلال على أوقات الصلوات اتجه القياس وعسر الفرق، وهو مشكل والحق أنه يعتبر لكل قوم رؤيتهم وهلالهم كما يعتبر لكل قوم فجرهم وزوالهم". وقال أيضا ج 2 ص 627 - 628: "الإشكال الثاني أن المالكية جعلوا رؤية الهلال في بلد من البلاد سببا لوجوب الصوم على جميع أقطار الأرض، ووافقتهم الحنابلة -رحمه الله على ذلك، وقالت الشافعية -رحمهم الله -: لكل قوم رؤيتهم، واتفق الجميع على أن لكل قوم فجرهم وزواله وعصرهم ومغربهم وعشاءهم فإن الفجر إذا طلع على قوم يكون عند آخرين نصف الليل، وعند آخرين نصف النهار، وعند آخرين غروب الشمس، إلى غير ذلك من الأوقات، وما من درجة تطلع من الفلك أو تتوسط أو تغرب إلا وفيها جميع (1/45)
صفحة 46
46
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
القطر
الأوقات بحسب آفاق مختلفة وأقطار متباينة، فإذا طلعت الشمس في أقصى المشرق كان نصف الليل عند البلاد المغربية منهم، أو أقل من ذلك أو أكثر على حسب البعد عن ذلك الأفق، فإذا غربت الشمس في أقصى المغرب كان نصف الليل عند البلاد المشرقية أو أقل أو أكثر بحسب قرب ذلك القطر من الذي غربت فيه الشمس، وكذلك بقية الأوقات تختلف هذا الاختلاف، وكذلك وقع في الفتاوى الفقهية مسألة أشكلت على جماعة من الفقهاء -رحمهم الله - في أخوين ماتا عند الزوال أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب أيهما يرث صاحبه، فأفتى الفضلاء من الفقهاء بأن المغربي يرث المشرقي؛ لأن زوال المشرق قبل زوال المغرب، فالمشرقي مات أولا فيرثه المتأخر
لبقائه بعده حيا ومتأخر الحياة يرث فيرث المغربي المشرقي.
إذا تقرر الاتفاق على أن أوقات الصلوات تختلف باختلاف الآفاق وأن لكل قوم فجرهم وزوالهم وغير ذلك من الأوقات فيلزم ذلك في الأهلة؛ أن البلاد المشرقية إذا بسبب كان الهلال فيها في الشعاع وبقيت الشمس تتحرك مع القمر إلى الجهة الغربية فما تصل الشمس إلى أفق المغرب إلا وقد خرج الهلال من الشعاع فيراه أهل المغرب، ولا يراه أهل المشرق، هذا أحد أسباب اختلاف رؤية الهلال، وله أسباب (1/46)
صفحة 47
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة المتعلقة برؤية الهلال
47
أخر مذكورة في علم الهيئة لا يليق ذكرها هاهنا، إنما ذكرت ما
يقرب فهمه.
وإذا كان الهلال يختلف باختلاف الآفاق وجب أن يكون لكل قوم رؤيتهم في الأهلة كما أن لكل قوم فجرهم، وغير ذلك من أوقات الصلوات وهذا حق ظاهر، وصواب أما وجوب الصوم على جميع الأقاليم برؤية الهلال بقطر
متعين
منها فبعيد عن القواعد والأدلة لم تقتض ذلك فاعلمه". وقال أبو عبد الله محمد بن راشد الشنقيطي في "المذهب في ضبط مسائل المذهب" ج 2 ص 510: "وإذا نقل إلى بلد بالانتشار أو الشهادة على شرطها أن بلدا انتشر عندهم رؤية الهلال لزمهم الصوم والقضاء، وإن نقل بأحدهما أنه ثبت بالشهادة وأن الإمام أمر بالصيام لزمهم أيضا، وروى ابن الماجشون: إنما يلزم إذا ثبت عند أمير المؤمنين، وكتب بما عنده ذلك، وأما إن ثبت عند حاكم بشهادة عدلين لم يلزم من خرج عن ولايته كسائر الأحكام ومذهب الشافعي أن لكل
من
قوم رؤيتهم، وهو مقتضى النظر؛ لأن البلاد تختلف بالف
والبعد".
وقال ابن رشد في "بداية المجتهد" ج 1 ص 210: "وإذا
قلنا إن الرؤية تثبت بالخبر في حق من لم يره، فهل يتعدى ذلك (1/47)
صفحة 48
48
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
من بلد إلى بلد؟ أعني هل يجب على أهل بلد ما إذا لم يروه أن يأخذوا في ذلك برؤية بلد آخر، أم لكل بلد رؤية؟، فيه خلاف، فأما مالك، فإن ابن القاسم والمصريين رووا عنه أنه إذا ثبت عند أهل بلد أن أهل بلد آخر رأوا الهلال أن عليهم قضاء ذلك اليوم الذي أفطروه، وصامه غيرهم، وبه قال الشافعي،
وأحمد.
وروى المدنيون عن مالك أن الرؤية لا تلزم بالخبر عند غير أهل البلد الذي وقعت فيه الرؤية، إلا أن يكون الإمام يحمل الناس على ذلك، وبه قال ابن الماجشون والمغيرة من أصحاب
مالك.
وأجمعوا أنه لا يراعى ذلك في البلدان النائية كالأندلس
والحجاز.
والسبب في هذا الخلاف تعارض الأثر والنظر، أما النظر فهو أن البلاد إذا لم تختلف مطالعها كل الاختلاف فيجب أن
يحمل بعضها على بعض؛ لأنها في قياس الأفق الواحد.
وأما إذا اختلفت اختلافا كثيرا فليس يجب أن يحمل
بعضها على بعض. (1/48)
صفحة 49
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وأما الأثر: فما رواه مسلم عن كريب" (فذكر الحديث) إلى أن قال: "فظاهر هذا الأثر يقتضي أن لكل بلد رؤيته قرب أو بعد، والنظر يعطي الفرق بين البلاد النائية والقريبة، وبخاصة
ما كان نأيه في الطول والعرض كثيرا".
وقال ابن جزي الكلبي في قوانين" الأحكام الشرعية" ص 111: "إذا رآه أهل بلد لزم الحكم عند غيرهم من أهل البلدان وفاقا للشافعي، وخلافا لابن الماجشون، ولا يلزم في البلدان البعيدة جدا كالأندلس والحجاز إجماعا".
وقال المرابط بن محفوظ الأنصاري الشنقيطي في "التحفة
المرضية" ص 93 - 94:
"واثبته بالرؤية للبلاد إذا تقاربت بلا عناد والعكس إن تباعدت جدا فلا ورؤية النهار أمرها جلا يكون للآتي من الليل لذا على خلاف نص في خصوص ذا ثبوته في وسط النهار إن حصل يعمل بمقتضاه عن وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن عبد الرزاق في العذب الزلال" ج 1 ص 29: "بل" أحاديث الرؤية كلها تدل على ذلك أي على اعتبار اختلاف المطالع، وخصوصا حديث كريب كما علمت وكذلك المشاهدة والنظر؛ حيث إن الرؤية الواقعة عشية بعد الاجتماع والخروج من الشعاع (1/49)
صفحة 50
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
المعتبرة في تحديد بدء الصوم وانتهائه كتابا وسنة وإجماعا هي مما
تختلف باختلاف الآفاق قطعا".
وقال ص 29: "وقوله أي
الله عنه-: عمر رضي
الوضح إلى الوضح، يعني من الرؤية إلى الرؤية. وهذا هو المطلوب شرعا والواجب اتباعه وما عداه فهو خارج عن دائرة الحق والصواب، وسيأتي مزيد بسط في ذلك في الفصل الثاني
والثالث من المبحث الأول".
وقال ص 31 - 32:" وبما ذكرناه من كلام الباجي وابن عبد الحكم وابن عبد البر والقرطبي يتبين غلط نسب لمالك من وأصحابه القول بعموم الرؤية، ولو مع البعد جدا، مع أنهم مجمعون على أنه لا نقل مع البعد جدا، بل لا يجوز ولا يلزم؛ حيث يمكن أن يراه قوم ولا يراه آخرون كما قال ابن عبد الحكم؛ وذلك لأن الرؤية المعتبرة كتابا وسنة وإجماعا هي الرؤية الواقعة عشية بعد الاجتماع والخروج من الشعاع الشعاع كما علمت قد تكون واضحة في بعض الآفاق وممتنعة في نفس اليوم في البعض الآخر، وذلك بالمشاهدة والحساب الفلكي القطعي المبني على الرصد والمشاهدة في السنين الطويلة".
11
وقال ص:33 و عليه، فمن قال بأن رؤية بلد تلزم جميع
البلاد، ولو مع البعد جدا فقد خالف الأثر والنظر؛ حيث إنهما (1/50)
صفحة 51
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
متفقان على أنه لا نقل مع البعد الكثير الذي يمكن معه أن يرى
الهلال قوم ولا يراه آخرون.
،وأيضا كيف يصح بالعموم مطلقا، وقد قدمنا أنه وقع الإجماع على أن المراد بالرؤية التي حدد بها الشرع بدء الصوم وانتهاءه هي الرؤية الواقعة عشية بعد الاجتماع والخروج من الشعاع، وأنه من المقطوع به أن الرؤية بعد الغروب قد تكون واضحة في بعض الآفاق وممتنعة في بعضها، بحسب الاختلاف في الطول أو في العرض أو فيهما معا".
وقال ص 33 - 34: على أن قوله عليه السلام-: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" هو مفسر بحديث آخر، وهو: "إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا"؛ وذلك لأن معنى "صوموا لرؤيته" أي: صوموا لرؤيتكم للهلال، بدليل: "إذا رأيتم الهلال فصوموا" .. إلخ. وعليه فالخطاب في كل منهما هو موجه لكل طائفة من المسلمين ولا إشكال، وليس في ذلك أدنى إشارة إلى أن رؤية بعض تعم جميع أهل الأرض"
وقال ص 34 - 35: "وأيضا، قوله عليه السلام-: صوموا لرؤيته ... إلخ"، هو كقوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يتبيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ، فالخطاب في الآية وفي الحديث موجه لجميع الأمة ولا إشكال، ولكن (1/51)
صفحة 52
52
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
حيث حدد في الآية بدء الإمساك وانتهاءه بطلوع الفجر وغروب الشمس، وحدد في الحديث بدء الصيام وانتهاءه برؤية الهلال بعد الغروب، والكل مما يختلف باختلاف الآفاق قطعا، فلا بد من مراعاة فجر كل قوم وغروب كل قوم بعد الغروب، ولا فرق بين الجميع، ومن ادعى الفرق فعليه بالدليل المقبول شرعا وهيئة وعقلا، وهذا كله لو فرضنا أن النبي عليه السلام - اقتصر على قوله: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، وأما حيث زاد: "فإن غُم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"، وفي رواية: "فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا العدة ثلاثين"، فلا معنى لحمل الحديث على العموم مطلقا، بل قوله عليه السلام-: "فإن حال بينكم وبينه سحاب" مما يدل على أن كل قوم مخاطبون بما عندهم من غير فرق بين البعد البعيد أو غيره؛ وذلك لأن هذا اللفظ فيه أمرنا بإكمال العدة ثلاثين إذا حال بيننا وبين الهلال سحاب وهو يصدق بما إذا لم ير في. في جميع الأرض، وبما إذا رئي في مكان بعيد، وبما إذا رئي في مكان قريب، وحيث إنه صادق بالصور الثلاث، فكيف يصح حمل قوله عليه السلام-: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" على
العموم مطلقا، بل ذلك من الأخذ بأول الحديث على فرض
عمومه والغفلة عن آخره مع أن الكلام بآخره. (1/52)
صفحة 53
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وأيضا حيث عدل الشارع عن اللفظ الصريح في عموم
يعم
حكم الرؤية إلى هذا اللفظ الشامل للصور الثلاث، فذاك دليل على أن الرؤية في محل واحد لا حكمها جميع أهل الأرض؛ إذ لو كانت تعم لأتى بلفظ صريح في ذلك وهو: صوموا لمطلق رؤيته وأفطروا لمطلق رؤيته، فإن لم تروه أصلا .. إلخ؛ لأنه بعث ليبين للناس ما نزل إليهم وليس من البيان العدول عن لفظ صريح في الحكم إلى غيره، وأيضا التعميم يحتاج معه إلى تقدير في الحديث وهو المطلق رؤيته أو ولو في موضع واحد والأصل عدمه".
وقال ص 35 - 36: على أن أحاديث الرؤية وردت بألفاظ، مختلفة، وكلها تفيد أن كل طائفة تبني على ما تشاهده من رؤية أو غيم منها ما في "الموطأ" وصحيحي البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ذكر رمضان فقال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن
بن
غُم عليكم فاقدروا له"، وفي رواية للبخاري عن عبد الله أن رسول الله الله قال: "الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا
عمر
تصوموا حتى تروه، فإن غُم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"، وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُم عليكم فصوموا (1/53)
صفحة 54
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
الله
ثلاثين يوما"، وفي رواية لأبي داود عن عبد الله بن أبي قيس قال: سمعت عائشة -رضي عنها تقول: كان رسول الله يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن عُم عليه عدّ ثلاثين يوما ثم صام"، وفي رواية له عن ابن عباس قال: قال رسول الله الله: "لا تقدموا الشهر بصيام يوم ولا يومين إلا أن يكون شيء يصومه أحدكم، ولا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى تروه فإن حال دونه غمامة فأتموا العدة ثلاثين ثم أفطروا، والشهر تسع وعشرون".
وقال ص:37: وفي صحيح مسلم عن أبي البختري قال: خرجنا للعمرة فلما نزلنا ببطن نخلة قال: تراءينا الهلال، فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، قال: فلقينا ابن عباس فقلنا: إنا رأينا، الهلال، فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، فقال: أي ليلة رأيتموه؟ قال: فقلنا: ليلة كذا وكذا، فقال: إن رسول الله قال: "إن الله مده للرؤية فهو لليلة رأيتموه" ..
وفي رواية عن أبي البختري قال: أهللنا رمضان ونحن بذات عرق، فأرسلنا رجلا إلى ابن عباس يسأله، فقال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله قد أمده لرؤيته، فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة" اهـ. فتأمل قول فتأمل قوله: "إن الله مده (1/54)
صفحة 55
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
للرؤية"، وقوله: "فهو لليلة رأيتموه" الأمر الذي يدل بوضوح على أن كل قوم مخاطبون برؤيتهم، وسواء رأوه صغيرا أو كبيرا، والروايتان عن أبي البختري ذكرهما مسلم عقب حديث كريب المتقدم الذي يدل بصراحة على أن البلاد المتباعدة لا يقلد بعضها بعضا في رؤية الهلال، وأن ذلك بأمر من النبي الله وليس من اجتهاد ابن عباس كما زعمه الشوكاني ومن تبعه". وقال ص 38 - 39: "فقد تبين بما ذكر أن أحاديث الرؤية ليس فيها ما يدل على أن الرؤية في محل تعم جميع أهل الأرض، بل فهم العموم منها من قلة التأمل ومن عدم اعتبار الرؤية المعتبرة كتابا وسنة وإجماعا وهي الرؤية الواقعة عشية بعد الاجتماع والخروج من الشعاع؛ إذ كيف يصح لأحد أن يلزم قوما برؤية غيرهم، والحال أن الرؤية عندهم بعد غروبهم ممتنعة أليس ذلك من مخالفة قول الله: يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مواقيتُ للنَّاسِ وَالْحَجِّ، وقول النبي عليه السلام-: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن عُمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"، أليس ذلك من مخالفة الإجماع، مخالفة النظر الذي يعطي الفرق بين البلاد النائية والقريبة، كما تبين أيضا أنّ الأحاديث الدالة على أن لكل قوم رؤيتهم، هي مقيدة بحديث أبي عمير وحديث الأعرابيين.
ومن (1/55)
صفحة 56
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وقد تبين أيضا أن أحاديث الرؤية لا تعارض بينها وبين النظر، بل الكل متفق على أنّ الرؤية تعم القريب ولا تعم البعيد الذي يمكن معه أن يراه قوم ولا يراه آخرون".
وقال ص 40: "وقال ابن البناء في رسالته الهلالية في المعنى الثالث ما نصه وقال محمد بن نسيم في كتاب "المواقيت": لا خلاف بين العلماء في اعتبار البعد البعيد بين المهل واختصاص الرائي معه بحكم الرؤية دون غيره، ومن أطلق لزوم حكم الرؤية والاستواء فيه بين الرائي وغيره من غير فرق بين بعد غير بعيد ممن بحكم القرب وبين بعد بعيد له حكم آخر يخالف فيه حكم ما فصل بينهما ذلك البعد البعيد فقد أساء التعليم، وغلط فيما قال، وجهل حكمة الله في وجوده وحكم الله على عباده. وقال أبو الحسن القابسي في كتاب "الأسئلة": جهلة المتفقهين يطلقون لزوم حكم الرؤية عن موضعها من غير تقييد ولا فرق بين بعيد فقط وبين بعيد أبعد بما تختلف به أحوال الأقاليم وتتباعد فيه الأراضي بانخفاض وارتفاع وبحسب ذلك تختلف المطالع والمغارب والاستواءات وغير ذلك مما لا خفاء به عند أهل المعرفة بوضع الأرض وتسيير الأفلاك وإطلاق ذلك الحاجة إليه من الخطأ البين الذي لا
الافتقار إلى البيان ومسيس
يشك فيه أحد".
مع (1/56)
صفحة 57
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وقال ص 41: "وقال محمد بن سابق في "البارع في الفقه: إطلاق اللزوم والتسوية بين بلد الرؤية وغيره وإن بعد ما بينهما غلط فاحش وجهل بين ومخالفة سنّة وخرق إجماع؛ إذ لا يصوم أهل قيروان برؤية أهل مكة والمدينة وما يشبه ذلك في
البعد إجماعا.
منه
وذكر أبي عن أبي محمد بن بكر الفاسي - رحمه الله - وقد سُئل: هل نصوم برؤية الإسكندرية؟ قال: لا؛ إنما ذاك فيما قرب منا ولم يتباعد جدا، ثم قال ابن البناء: قلت: والمغلط لأهل عصرنا وخصوصا أهل مصرنا ما رواه من إطلاق علمائنا في قولهم: إذا ثبت في موضع رؤية الهلال لزم الصوم ما ما قرب أو بعد من سائر البلدان وسبب هذا الإطلاق، إما جهل وإما اعتقاد الكلية بالمهل وإما غفلة مع الإحاطة به حتى إنه لو ذكر لتذكر، وإما تنزيل للكلام على الأكثر، وإما تنزيله على الغالب من الحال وإما اشتهار الفرق بين ما يجوز من ذلك وما لا يجوز، إلى أن قال وأما اعتقاد كليّة المهل حتى يقال: يعم بأول طلوعه أول المشرق وآخر المغرب، فقد تقدم استحالته فهو من الجهل، فإنه جزئي لا كلي وربما أجاب بعضهم إذا سئل عنه بأنه ليس من وظيفة الفقيه وإنما هو من وظيفة المنجم والمعدل غلط فاحش؛ إذ تقدم إجماع العلماء على أنه جزئي
وهو (1/57)
صفحة 58
58
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وجودي مقطوع ببراهينه شرعا ومشاهدة، وأنه حكم شرعي
وعلى الفقيه بيانه اهـ. كلام ابن البناء"
وقال ص 42: "هذا، وممن نقل الإجماع الذي حكاه ابن
عبد البر البرزلي في نوازله وقد اعتمده وكذلك نقله القرطبي في "المفهم" واعتمده أيضا، وكيف لا يكون معتمدا وهو موافق للمعقول والمنقول، وقد ارتضاه الأئمة الفحول؟! "
وقال ص 46: "وقد تقدم في الفصل قبل هذا قول السبكي: وإلزام جميع البلاد إذا رئي في بلد ضعيف جدا .. إلخ. وأقول: بل هو من مخالفة المعقول والمنقول، كما علمت وكما تقدم عن الشيخ بخيت الحنفي، بل هو من الخروج عما حدد به الشرع بدء الصوم وانتهاءه، وهو الرؤية البصرية الواقعة بعد الغروب؛ إذ كيف يصح لأحد أن يلزم قوما بالصوم أو الفطر استنادا على رؤية غيرهم والحال أن الرؤية المعتبرة كتابا وسنة وإجماعا هي ممتنعة عندهم وقت غروبهم؟!، أليس ذلك كمن ألزم قوما بالإمساك قبل فجرهم، أو بالإفطار قبل غروبهم استنادا على فجر أو غروب غيرهم؟!، أليس من التقدم على الرؤية المعتبرة شرعا؟!، أليس ذلك من مخالفة قول ابن المنذر: صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال مع الصحو لا يجب عنه، نرجو الله أن يلهم الجميع
بإجماع الأمة؟!؛ بل هو منهي - (1/58)
صفحة 59
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
للصواب".
وقال ص 51: "وأما قوله يعني ابن العربي: (وفيه إعراض عن حديث ابن عباس ففيه أن موضوع حديث ابن عباس في الشام والمدينة وبينهما بعد كثير يوجب الاختلاف في الرؤية، كما صححه هو بنفسه في أحكامه في نصه المتقدم قريبا، وموضوع كلام مالك في البصرة والكوفة والمدينة واليمن والبعد بين هذه أقل بكثير من البعد بين الشام والمدينة، وعليه فليس في كلام مالك إعراض عن حديث ابن عباس، ولهذا فإن كلامه في "الأحكام" هو المعول عليه، وأيضا فإن مالكا اقتصر على تلك البلاد حتى كان يعرف هو و أصحابه أن الرؤية بعد الغروب في أحدها يستلزم الرؤية في باقيها إلا لعارض، وأنه مع البعد جدا يمكن أن يرى الهلال قوم ولا يراه
آخرون"
لا
وقال ص 51 - 52: "ولهذا، فإن من قال من فقهائنا: إنه يعتبر اختلاف المطالع في رؤية الهلال يجب تقييد كلامه بما إذا كان اختلافها لا يؤدي إلى تفاوت في رؤية الهلال بعد الغروب وإلا كان مخالفا لكلام الإمام وأصحابه ومخالفا لما يقتضيه الوضع الفلكي، وقد تقدم قول الشيخ بخيت، وبالجملة فالواجب التوفيق بما وفقت به المالكية، فيحمل قول من قال (1/59)
صفحة 60
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
بعدم اعتبار اختلاف المطالع على ما إذا كان اختلافها لا يؤدي إلى تفاوت في رؤية الهلال بعد الغروب وقول من قال باعتباره على ما إذا كان اختلافها يؤدي إلى ذلك، وهذا هو الذي يتعين المصير إليه حملا لكلامهم على السداد؛ لأن الشرع لا يأتي بالمستحيلات اهـ. وتقدم قول القرطبي فيحمل إطلاق المشايخ على البلاد المتقاربة".
"1
وقال ص 53: وعليه فالاستدلال به على العموم بالنسبة للبلاد التي لا تختلف فيها الرؤية غير صواب، ومن باب أولى وأحرى البلاد المتباعدة جدا، وقد علمت ما قدمناه في هذا
الحديث وغيره مما لا مزيد عليه ولله الحمد".
وقال 54: "وإذا كان التعلق بعموم حديث: "لكل أهل بلد رؤيتهم" غلطا فاحشا، فكذلك يقال في القول بعموم حكم الرؤية ولو مع البعد جدا لوجوه منها مخالفته للمعقول والمنقول كما قدمناه، ومنها مخالفته لكلام مالك وأصحابه، ومنها مخالفته لما وقع به تحديد بدء الصوم وانتهائه كتابا وسنة وإجماعا، وهو الرؤية الواقعة عشية بعد الاجتماع والخروج من الشعاع؛ لأنه إذا كانت هذه الرؤية ممتنعة عند قوم وقت غروبهم وواضحة وقت غروب قوم آخرين في نفس اليوم، فكيف يصح لنا شرعا أن نلزم بالصوم أو الفطر من
کانت (1/60)
صفحة 61
رفع
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
عندهم الرؤية ممتنعة بوجودها عند
من كانت عندهم الرؤية
واضحة؟!، إن هذا كمن ألزم قوما بالفطر في رمضان قبل غروبهم بوجود الغروب عند غيرهم، وذلك مما لا يصح شرعا
أبدا.
ومنها: أنه إذا صام جميع أهل الأرض برؤية الهلال في قطر، فقد لا يأتي اليوم الثامن والعشرون من تلك الرؤية حتى يظهر الهلال في قطر آخر فيكون شهر رمضان من ثمانية وعشرين يوما، في حين أن النبي عليه السلام- يقول: "الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غُم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"، وفي حين أنه وقع الإجماع على أن الشهر لا ينقص عن تسعة وعشرين يوما، ولا يكون أكثر من ثلاثين يوما، ومنها أن الخلفاء الراشدين ما ماتوا حتى انتشر الإسلام شرقا وغربا-شمالا وجنوبا، ومع ذلك ما ثبت عنهم أنهم كانوا يكتبون إلى الآفاق بتعميم حكم الرؤية"
وقال ص 56: وعلى كل حال، فالقول بعموم حكم الرؤية مطلقا فيه مشاكل وفيه إلزام ما لا يلزم شرعا وهيئة وينتهي في الأخير إلى إلغاء الرؤية المعتبرة كتابا وسنة وإجماعا". وقال ص 57: إذا كان تعميم حكم الرؤية مع البعد جدا مخالفا لما هو معتبر في تحديد بدء الصوم وانتهائه كتابا وسنة (1/61)
صفحة 62
62
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وإجماعا وهو الرؤية الواقعة عشية بعد الاجتماع والخروج من الشعاع التي تختلف باختلاف الآفاق، قطعا، ومخالفا لما أسلفناه من أحاديث الرؤية، وغيرها ومخالفا للنظر والقياس، فكيف يكون الأمر بالنسبة لمن بنى صومه أو فطره أو حجه على اجتماع القمر بالشمس قبل الغروب أو على وجود الهلال بعد الغروب ببضع دقائق لا تمكن معها الرؤية المطلوبة شرعا أو على حساب العلامة، وهو شهر من ثلاثين وشهر من تسعة وعشرين دائما، إلا ذا الحجة فمن ثلاثين يوما في السنة الكبيسة؟!، إن ذلك كله لمن التحديد بما هو غير مشروع كتابا وسنة وإجماعا ولا يعتبر بحال في المسائل الشرعية من صوم وحج وغير ذلك. وسيأتي مزيد إيضاح في إبطال ذلك في الفصل الخامس من المبحث الثاني بحول الله"
11
هذه وقال ص 75 - 76: وعلى كل حال فقد اتضح من النصوص لهؤلاء الأقطاب المالكية والشافعية والحنفية والحنابلة، أن الحق والصواب والصحيح هو أن رؤية بلد إنما تعم القريب ولا تعم البعيد، وقد قدمنا أن ذلك هو الموافق لأحاديث الرؤية وللنظر، وذلك هو الموافق للواجب كتابا وسنة وإجماعا، وهو الرؤية البصرية بعد الغروب.
وإذا كان هذا
هو الحق والصواب لموافقته للشرع والواقع (1/62)
صفحة 63
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
فينبغي للجميع أن يتمسك به ويعمل بمقتضاه وأن لا يلتفت لغيره لمنافاته للشرع والعقل والواقع كما علمت وخصوصا حيث إنه مرتكز في الحقيقة على اعتبار كون الأرض مسطحة، وأن الشمس تطلع دفعة واحدة وتغرب دفعة واحدة، ويظهر الهلال بعد الغروب دفعة واحدة".
وقال ص 77 - 78: "قول ابن قدامة في "المغني": وأجمع المسلمون على وجوب صوم شهر رمضان، وقد ثبت أن هذا اليوم من شهر رمضان بشهادة الثقات، فوجب صومه على المسلمين، ولأن شهر رمضان ما بين الهلالين، وقد ثبت أن هذا اليوم منه في سائر الأحكام ... إلخ.
جميع
أقول: صوم شهر رمضان هو واجب على جميع الأمة بالكتاب والسنة والإجماع، وهذا مما لا شك فيه، ولكن بدء الصوم وانتهاؤه منوطان بالرؤية بعد الغروب بالكتاب والسنة والإجماع، وهذه الرؤية هي مما تختلف باختلاف الآفاق بالإجماع ولا يخالف فيها إلا من يقول بأن الأرض مسطحة كالمرآة، وهذا باطل بالحس والمشاهدة كما علمت وعليه فمما هو معقول وواجب أن من ثبتت عنده الرؤية بعد الغروب ببلده أو ببلد قريب منه وجب عليه بدء الصوم بالكتاب والسنة والإجماع ومن لم تثبت عنده الرؤية بعد الغروب لكونها ممتنعة (1/63)
صفحة 64
64
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
في أفقه فلا يجب عليه بدء الصوم بالكتاب والسنة والإجماع؛ لأن الرؤية بعد الغروب هى الأصل في وجوب الصوم ولا رؤية بالنسبة للآفاق الممتنعة هي فيها، وأيضا تحديد بدء الصوم وانتهائه برؤية الهلال بعد الغروب هو مثل تحديد وقت الإمساك والإفطار بطلوع الفجر وغروب الشمس ولا فرق بينهما-كما
علمت مما قدمناه.
وقوله أي صاحب "المغني" -: ولأن شهر رمضان ما بين الهلالين .. إلخ، أقول: هذا بالنسبة للآفاق التي رئي فيها الهلال والقريبة منها، مسلم وأما الآفاق الممتنعة فيها الرؤية فلا؛ لأنه لا هلال فيها حتى يقال: ولأن الشهر ما بين الهلالين، على أن ذلك حجة عليه لأنه مقر بأن الشهر مابين الهلالين في حين أنه لا هلال بالنسبة للآفاق الممتنعة فيها الرؤية. وعلى كل حال، من أقر بأنّ الرؤية بعد الغروب هي الأصل في وجوب الصوم، وأقرّ بأن هذه الرؤية هي مما تختلف باختلاف الآفاق وجب عليه أن يعتبر ما قاله المحققون من علماء المذاهب من أنّ البلاد المتقاربة يعمّ فيها حكم الرؤية والبلاد المتباعدة جدا؛ حيث يمكن أن يرى الهلال قوم ولا يراه آخرون، لأهل كل بلدة منها رؤيتهم وهذا حق ظاهر وصواب متعين، ومن غيره فقد أخطأ المحجة البيضاء".
سلك (1/64)
صفحة 65
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
" I
وقال 11 - 114: وعلى كل حال، فاختلاف رؤية
الهلال بعد الغروب له، عوامل منها اختلاف البلاد في العرض شمالا وجنوبا، قلة وكثرة ومنها اختلافها في الطول، ومنها كثرة البعد بين الشمس والقمر وقت الغروب، وبعد الاجتماع وقلته، ومنها كثرة عرض القمر وقلته وكونه شماليا أو جنوبيا ومنها صفاء الجو وكدرته إلى غير ذلك، ولهذا فمن أراد أن يعرف كون البلاد متفقة في الرؤية أو مختلفة فيها على التحقيق فعليه باستخراج حدود رؤية الهلال بعد الغروب وبعد الاجتماع لكل أفق أفق، فإن كانت الحدود متوفرة في الجميع، فإن الهلال إذا رُئي في أحده رئي في الجميع إلا لعارض من غيم أو كدرة، وفي هذه الصورة يمكن الاتفاق وإن كانت حدود الرؤية متوفرة في بعض البلاد وناقصة في بعضها، ففي هذه الحالة تختلف رؤية الهلال ولا إشكال ويكون لكل قوم رؤيتهم" وقال ص:171 ولهذا نقول: لو كان لجميع الناس اعتناء كبير بأمر الهلال وكان ثبوت الرؤية لا يقع إلا حقيقيا ولا يدخله أدنى غرض و لا تبنى أوائل الشهور على حساب العلامة ولا على الاجتماع ولا غير ذلك لكان الغالب هو الاتفاق في الجملة في الأعياد والمواسم بالنسبة لكثير من الأقطار ولكر لوجود التساهل في رؤية الهلال بالنسبة للبعض وحصول الغلط (1/65)
صفحة 66
66
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
للبعض وللأغراض المختلفة لآخرين وللبناء على حساب العلامة أو على الاجتماع أو على مقدار معين بين وقت الاجتماع والغروب عند البعض إلى غير ذلك نرى دائما كثرة الاختلافات المؤلمة في هذه المسألة الدينية المهمة التي ينبني عليها كثير من الأحكام الدينية والدنيوية، حتى إنه ربما يقع الاختلاف بيومين أو أكثر مع أن ذلك مناف للنصوص الشرعية والفلكية إذ النبي عليه السلام - يقول: "لا" يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين" ويقول: "لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه" ويعني بالرؤية الرؤية البصرية الصادقة، وأما غيرها فليس بها اعتبار كما أن الفلكيين يقولون: إذا كان الهلال في ماع وقت غروب الشمس في البلاد الشرقية وبقيت الشمس تتحرك مع القمر إلى الجهة الغربية فما تصل إلى أفق المغرب إلا وقد خرج الهلال من الشعاع فيراه أهل المغرب ولا يراه أهل المشرق إلا في الليلة الثانية لاحتباسه في الشعاع وذلك معلوم بالضرورة كما قال القرافي".
الشعا
وقال أبو عبد الله الإسفراييني في "ينابيع الأحكام في
"
معرفة الحلال والحرام ج 1 ص 285 - 286: "وثبوته في موضع يثبته لما دون مسافة القصر؛ لأنه حد البعد شرعا، وفي وجه لمتحد المطلع، وفي وجه لذلك الإقليم، وفي وجه عندهم: للكل؛ (1/66)
صفحة 67
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
67
إذ حكمه واحد، قلنا ممنوع؛ إذ سير القمر يختلف باختلاف التباعد، لنا قول ابن عباس: لكريب: لا، هكذا أمرنا ". وقال أبو إسحاق الشيرازي في "المهذب" ج 2 ص 593 - 594: "وإن رأوا الهلال في بلد ولم يروه في آخر، فإن كانا بلدين متقاربين وجب على أهل البلدين الصوم، وإن كانا متباعدين وجب على من رأى و لم يجب على من لم ير؛ لما روى كريب قال: قدمت الشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة، فقال عبد الله بن عباس: متى رأيتم الهلال؟، فقلت: ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيت؟ قلت نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل العدة أو نراه قلت: أولا تكتفي برؤية معاوية، قال: هكذا أمرنا رسول الله ".
وقال النووي في "المجموع شرح المهذب" ج 6 ص 274: إذا رأوا الهلال في رمضان في بلد ولم يروه في غيره، فإن تقارب البلدان فحكمهما حكم بلد واحد، ويلزم أهل البلد الآخر الصوم بلا خلاف، وإن تباعدا فوجهان مشهوران في
الطريقتين:
أصحهما: لا يجب الصوم على أهل البلد الأخرى، وبهذا
قطع المصنف والشيخ أبو حامد والبندنيجي وآخرون، وصححه (1/67)
صفحة 68
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
العبدري والرافعي والأكثرون
والثاني: يجب وبه قال الصيمري، وصححه القاضي أبو الطيب والدارمي وأبو علي السنجي وغيرهم، وأجاب هؤلاء عن حديث كريب عن ابن عباس أنه لم يثبت عنده رؤية الهلال في بلد آخر بشهادة عدلين والصحيح الأول، وفيما يعتبر به البعد والقرب ثلاثة أوجه:
أصحها وبه قطع جمهور العراقيين والصيدلاني وغيرهم- أن التباعد يختلف باختلاف المطالع كالحجاز والعراق وخراسان والتقارب أن لا يختلف كبغداد والكوفة، والري وقزوين؛ لأن مطلع هؤلاء مطلع هؤلاء، فإذا رآه هؤلاء فعدم رؤيته للآخرين لتقصيرهم في التأمل أو لعارض بخلاف مختلفي
المطلع.
والثاني: الاعتبار باتحاد الإقليم واختلافه، فإن اتحد فمتقاربان، وإلا فمتباعدان وبهذا قال الصيمري وآخرون. والثالث: أن التباعد مسافة القصر، والتقارب دونها، وبهذا قال الفوراني وإمام الحرمين والغزالي والبغوي وآخرون من الخراسانيين، وادعى إمام الحرمين الاتفاق عليه؛ لأن اعتبار المطالع يحوج إلى حساب تحكيم المنجمين، وقواعد الشرع تأبى ذلك، فوجب اعتبار مسافة القصر التي علق الشرع بها كثيرا من (1/68)
صفحة 69
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
الأحكام، وهذا ضعيف؛ لأن أمر الهلال لا تعلق له بمسافة القصر، فالصحيح اعتبار المطالع كما سبق".
وقال أبو الحسين يحيى بن أبي الخير العمراني اليمني في "البيان في مذهب الإمام الشافعي" ج 3 ص 478 - 480: "وإن رأوا الهلال في بلد و لم يروه في بلد آخر نظرت فإن كانا متقاربين وجب الصوم على الجميع وإن كانا متباعدين ففيه
وجهان
أحدهما -وهو قول القاضي أبي الطيب واختيار الصيمري-: أنه يلزم الجميع الصوم، وهو قول أحمد بن حنبل كما لو كان البلدان متقاربين.
والثاني و لم يذكر الشيخ أبو حامد في "التعليق" والشيخ أبو إسحاق في "المهذب" غيره -: أنه لا يلزم أهل البلد الذين لم يروه، لما روي عن كريب" فذكر الحديث.
ثم قال: "فإذا قلنا بهذا ففي اعتبار القرب والبعد وجهان: أحدهما وهو قول المسعودي والجويني: أن البعد
مسافة القصر فما زاد والقرب دون ذلك.
جميع
والثاني - حكاه الصيمري: إن كان إقليما واحدا لزم أهله برؤية بعضهم، وإن كانا إقليمين لم يلزم أهل أحدهما (1/69)
صفحة 70
برؤية أهل الآخر.
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال المتة
وقال ابن الصباغ: إن كانا بلدين لا تختلف المطالع لأجلهما كبغداد والبصرة لزمهم برؤية بعضهم، وإن كانا بلدين تختلف المطالع فيهما كالعراق والحجاز والشام وخراسان، وما أشبه ذلك لم يلزم أحدهما برؤية الآخر، وحكاه عن الشيخ أبي
حامد".
وقال الرافعي في العزيز شرح الوجيز" ج 3 ص 179 - 180: "إذا رئي الهلال في بلدة ولم ير في أخرى، نظر إن تقاربت البلدتان فحكمهما حكم البلدة الواحدة، وإن تباعدتا
فوجهان
لما
وهو اختيار
أظهرهما وبه قال أبو حنيفة رحمه الله - الشيخ أبي حامد - أنه لا يجب الصوم على أهل البلدة الأخرى؛ روي عن كريب قال: رأينا الهلال بالشام ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة، فقال ابن عباس رضي الله عنهما -: متى رأيتم الهلال؟ قلت: ليلة الجمعة فقال أنت رأيت؟، قلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام، معاوية فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل العدد أو نراه، قلت: أولا
تكتفى برؤية معاوية؟ قال: هكذا أمرنا رسول الله.
والثانى: يجب وهو اختيار القاضي أبي الطيب، ويروى (1/70)
صفحة 71
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
عن أحمد لأن الأرض مسطحة فإذا رئي في بعض البلاد عرفنا أن المانع في غيره شيء عارض؛ لأن الهلال ليس بمحل الرؤية، وبم يضبط تباعد البلدتين؟ اعتبر في الكتاب مسافة القصر، وكذلك نقله الإمام وصاحب "التهذيب".
المسافة
قال الإمام ولو اعتبروا مسافة يظهر في مثلها تفاوت في المناظر لكان متجها في المعنى، وقد يوجد التفاوت مع قصور عن مسافة القصر للارتفاع والانخفاض، وقد لا يوجد مع مجاوزتها لها، ولكن لا قائل به هكذا ذكره لكن العراقيين والصيدلاني وغيرهم اعتبروا ما قلناه وضبطوا التباعد بأن يكون حيث تختلف المطالع كالعراق والحجاز، والعراق وخراسان، والتقارب بأن لا تختلف كبغداد والكوفة، والري وقزوين
ومنهم من اعتبر اتحاد الإقليم واختلافه".
وقال الغزالي في "الوسيط في المذهب" ج 2 ص 515 - 516: "فإذا رأى في موضع فهل يتعدى حكمه إلى سائر
البلاد؟ فيه وجهان:
أحدهما:
نعم؛ لأن مناط التعبد أن يصير مرئيا ببعده عن
الشمس ولو في موضع واحد.
والثاني: لا بل مناطه أن يصير مرئيا في قطر المكلفين،
وذلك يختلف باختلاف البلاد، وعلى هذا لا ضبط إلا مسافة (1/71)
صفحة 72
72
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
القصر، فإن تحكم المنجم قبيح شرعا".
وقال ابن الصلاح في شرح مشكل الوسيط" في تعليقه
"
على كلام الغزالي هذا وشرح" ما ذكره في الوجه الثاني أن مناط التعبد بالصوم أن يكون الهلال مرئيا في قطر المكلفين به وذلك يختلف باختلاف البقاع المتباعدة واختلافها في المناظر
والمطالع.
قال الإمام أبو المعالي: قد يبدو الهلال في ناحية ولا أن يتصور يرى في ناحية أخرى، ولا خلاف في اختلاف البقاع في طلوع الصبح وغروب الشمس وطول الليل وقصره فقد تطلع الشمس في إقليم ونحن في بقية صالحة من الليل، وعلى هذا فلا ضابط للبعد إلا مسافة القصر التي هي ضابط البعد في أحكام كثيرة، فإنا لا نجد ضابطا آخر وراءها؛ إذ الضابط باختلاف المطالع يخرج إلى تحكيم المنجمين في ذلك، وهو غير سائغ شرعا.
إن الإمام أبا المعالي حكى ضبط ذلك بمسافة القصر عن الأصحاب، وذكر أنه لو ضبط بتفاوت المناظر والمطالع لكان متجها في المعنى، ولكن لا قائل به وتبعه هو في "البسيط" فادعى اتفاق الأصحاب على مسافة القصر، وذلك منهما كالعجب، فإن العراقيين وأبا بكر الصيدلاني من الخراسانيين (1/72)
صفحة 73
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
73
وغيرهم ضبطوا ذلك باختلاف المطالع، ومنهم من قال: يعتبر
اختلاف الأقاليم.
ثم إن الأصح من الوجهين أنه لا يعم الحكم مع التباعد لما ذكرنا، ولأن ابن عباس -رضي الله عنهما- لم يعتبر رؤية أهل الشام وهو بالمدينة وقال: هكذا أمرنا رسول الله، ثم إن الأصح اعتبار التباعد باختلاف المطالع.
قلت: فإن علم ذلك كما في إقليمين متباعدين ولا إشكال، وإن كان التباعد بحيث يشك في تأثيره في اختلاف المطالع فيلتحق بما إذا شك في رؤية الهلال من أصله، وحكمه
أنه لا يجب الصوم عملا بالأصل، وهذا متجه، والله أعلم". وقال السبكي في العلم "المنشور" ص 27 - 29: "وقد يكون محل خلاف إذا رئي في بلد دون بلد، وبينهما إما مسافة القصر أو اختلاف المطالع فقد اختلف العلماء في ذلك، فعن أحمد بن حنبل والليث بن سعد: أنه إذا رئي في بلد لزم جميع البلاد، وعن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق وابن المبارك:
لكل بلد رؤيته، وبوّب البخاري باب: "لكل بلد رؤيتهم". والمذهب الثالث: يلزم إقليم بلد الرؤية دون غير ذلك
الإقليم. (1/73)
صفحة 74
74
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
والرابع: كل بلد لا يتصور خفاؤه عنهم بلا عارض.
والخامس: يلزم دون مسافة القصر، وهذا اختيار جماعة من الخراسانيين من أصحابنا.
والسادس: يلزم كل بلد يوافق بلد الرؤية في المطلع وهذا هو الصحيح عند العراقيين من أصحابنا وغيرهم، وفيه جنوح إلى الحساب؛ لأن المطلع إنما يعرف بالحساب، والمراد بالمطلع مطلع الهلال، ومعرفة توافق البلدين في مطلع الهلال تحتاج إلى حظ جيد من علم الهيئة، ولا يُستنكر نظر الأكثرين إلى الحساب هاهنا وإعراضهم عنه إذا لم ير الهلال؛ لأن هناك تجرد الحساب وحده، وهنا انضاف إلى الرؤية في بعض البلاد، فمن هنا نأخذ أن الحساب ليس ملغى لكن الرؤية في الجملة شرط للحديث.
والقول بأن لكل بلد رؤيته على إطلاقه ضعيف لما روى سعيد بن منصور في مصنفه بسند صحيح عن أبي عمير بن أنس قال: أخبرني عمومة لي من الأنصار من أصحاب النبي قالوا: علينا هلال شوال فأصبحنا صياما فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله الله أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول الله له أن يفطروا ثم يخرجوا لعيدهم من
الغد.
وفي رواية: قدم أعرابيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر (1/74)
صفحة 75
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
75
رمضان فشهدا عنده بالله لأهلاً الهلال بالأمس عشيّة، فأمر
رسول الله له الناس أن يُفطرُوا.
واعتبار مسافة القصر في هذا المحل ضعيف، لكنها معتبر
شرعي في الجملة.
لأن
و اعتبار كل بلد لا يتصور خفاؤه عنهم جيد، واعتبار الإقليم ضعيف، وإلزام جميع البلاد إذا رئي في بلد ضعيف جدا؛ عمر بن الخطاب وسائر الخلفاء الراشدين لم ينقل أنهم كانوا إذا رأوا الهلال يكتبون إلى الآفاق، ولو كان لازما لهم لكتبوا إليهم لعنايتهم بأمور الدين، ولأنا نقطع بأنه قد يُرى في بعض البلاد في وقت لا يمكن رؤيته في بلد آخر، كما أنا نقطع بأن الشمس تغرب في مكان قبل أن تغرب في غيره. وكذا الطلوع والزوال والفجر وغياب الشفق.
وما من حركة تتحركها الشمس إلا وهي فجر عند
،قوم وزوال عند قوم وغروب عند قوم وليل عند قوم. وأجمع العلماء في أوقات الصلوات على أن المعتبر عند كل قوم فجرهم وزوالهم وغروبهم، ولا يلزمهم حكم غيرهم، فكذلك الهلال بالقياس عليه وبأن الله ما يخاطب قوما إلا بما يعرفونه مما هو عندهم". (1/75)
صفحة 76
76
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وقال الزركشي في الديباج" في توضيح المنهاج" ج 1
عن
ص 345 - 346: فإن رئي في بلد دون أخرى لزم حكمه البلد القريب، وفي البعيد وجهان أصحهما لكل حكمه لما صـ صح ابن عباس لما رأى الهلال بالمدينة ليلة السبت وأخبره كريب برؤيته مع الناس ليلة الجمعة بالشام فلا نزال نصوم حتى يتم
العدد أو نراه، هكذا أمرنا رسول الله ".
وفي ضابط البعيد وجوه أظهرها في "المحرر" و"الصغير" مسافة القصر، والثاني وبه قال العراقيون والصيدلاني وغيرهم-: مسافة تختلف بها المطالع كالحجاز والعراق.
قلت: هذا أصح وخبر ابن عباس يدل عليه، ولو شك في
اتفاق المطالع فلا وجوب للأصل، والله أعلم".
وقال الشيخ عبد الله
بن حميد في "تبيان الأدلة بن محمد
في إثبات الأهلة" ص 3 - 11:
"أما
بعد: فإنه لما كان في سنة ألف وثلاثمائة وإحدى
وتسعين في شعبانها قرر أعضاء المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الثالثة عشرة بمكة المكرمة عدة قرارات من جملتها قرار يقضي بتوحيد الأهلة في الأقطار المنتسبة إلى الإسلام، بحيث إذا رئي الهلال في المغرب أو في إيران أو غيرهما لزم جميع مسلمي الأرض أن يصوموا ويفطروا بتلك الرؤية (1/76)
صفحة 77
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وأن أمانة الرابطة ستكتب بذلك لكافة ملوك ورؤساء الدول الإسلامية للعمل بموجبه على أن هذا هو مقتضى الشرع، وكنت حاضرا الجلسة الختامية حينما تليت تلك القرارات التي من جملتها القرار المشار إليه، فأبديت معارضة على أن هذا لا الأحاديث عن، رسول الله، ولا مع ما ذهب
يتفق مع صحيح إليه كثير من محققى العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، ولا مع ما يتفق مع علم الهيئة الجديدة والجغرافية الحديثة، وإن كان ما ذهب إليه بعض أعضاء المجلس من لزوم أهل الأرض أن يصوموا ويفطروا برؤية بعض البلاد قال به بعض من العلماء، إلا أنه لم يستند على دليل يؤيده لا عقلا ولا نقلا، بل من المعلوم بالضرورة عدم صحة هذا القول كما ستقف عليه إن شاء الله.
ولهذا رأيت أن أكتب في الموضوع رسالة تبين الحق وتوضح الغرض، وأن المطالع تختلف باتفاق أهل المعرفة، فلكل أهل بلد رؤيتهم على التفصيل الذي سنبينه، مع ع أن حالة الأقطار المنتسبة إلى الإسلام وبعدهم عن أوامر دينهم وعدم تمسكهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم ومخالفتهم لذلك أمر يعلمه كل أحد، وسميتها: "تبيان الأدلة في إثبات الأهلة"، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. (1/77)
صفحة 78
78
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
ذكر الأحاديث على أن لكل بلد رؤيتهم: قال مسلم في صحيحه" (وذكر حديث كريب إلى أن قال: "وهذا صريح في أن لكل بلد رؤيتهم وقول ابن عباس: هكذا أمرنا رسول الله الله يدل على أنه أمر ثابت عن رسول الله له في ذلك، ولم يرد ابن عباس خبر كريب بناء على أنه كريب بناء على أنه خبر واحد؛ إذ لو كان كذلك لكتب لمعاوية يسأله عن رؤية الهلال لديه أو أن معاوية كتب لأهل المدينة بثبوت رؤية الهلال عندهم ليلة الجمعة من أجل قضاء صوم ذلك اليوم الذي أفطروه، وحيث لم يكن شيء ذلك دل على أن لكل بلد رؤيتهم كما هو المعهود في زمن رسول الله الله ومن خلفائه؛ إذ لم يكتبوا إلى الأمصار ولا أن أهل الأمصار يكتبون لهم برؤية الهلال عندهم مع بالدين وحرصهم على الخير.
من
شدة عنايتهم
وقد ترجم الإمام النووي على هذا الحديث في شرحه على مسلم بقوله: (باب: بيان أن لكل بلد رؤيتهم وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم)، وأيضا قال أبو داود في سننه (باب): إذا رئي الهلال في بلد قبل الآخرين بليلة)، وقال الترمذي في جامعه باب ما جاء لكل أهل بلد رؤيتهم)، وقال بعد سياقه حديث كريب والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم أن لكل بلد رؤيتهم، و لم يذكر خلافا. (1/78)
صفحة 79
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
79
وقال النسائي في سننه اختلاف أهل الآفاق في الرؤية، وساقوا كلهم حديث كريب مولى ابن عباس مما يدل على أن هؤلاء الأئمة يرون أن لكل بلد رؤيتهم كما تدل عليه تراجمهم
له.
الله
وقول ابن عباس -رضي عنه لكريب حين قال له: أفلا تكتفي برؤية معاوية وصيامه قال: لا، هكذا أمرنا رسول لله يريد -رضي الله عنه- أن أهل المدينة لا يفطرون برؤية أهل الشام مستدلا بحديث: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه". وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر رضي عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له، وقال: الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين".
وفي رواية: "فاقدروا له ثلاثين".
الله
وفي رواية: "إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه
فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له".
وفي رواية: "فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوما". (1/79)
صفحة 80
80
ثلاثين".
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وفي رواية: "فإن غمي عليكم فأكملوا العدة".
وفي رواية: "فإن غمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين".
وفي رواية: "فإن أغمي عليكم فعدوا ثلاثين".
وفي رواية: "فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان
هذه الروايات تدل على أن الصوم منوط بإكمال عدة
11
شعبان ثلاثين أو بالرؤية: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، وهذا وإن كان خطابا لجميع الأمة فالصوم والإفطار يكونان عند وجود السبب الذي هو الرؤية، فالأمة التي ترى الهلال يلزمها الصوم والإفطار لوجود سببه ومن لم تتحقق عندها الرؤية فلا يلزمها الصوم ولا الفطر، لتخلف سببه كمواقيت الصلاة فإن الله أمر نبيه الله بإقامة الصلاة عند دلوك الشمس وهو زوالها، فبتحقق الزوال في المدينة يدخل وقت صلاة الظهر، ولا يلزم منه دخول وقت صلاة الظهر في المغرب حتى يوجد عندهم دلوك الشمس، وهو زوالها، كما أن أهل المشرق يصلون الفجر والظهر والعصر والمغرب قبل أهل المغرب لوجود السبب عندهم قبل المغرب فكذلك قوله: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" وحديث: "لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه" علق الحكم بالسبب الذي هو الرؤية، فقد توجد الرؤية في بلد (1/80)
صفحة 81
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
كمكة والمدينة وزمنها يكون نهارا عند آخرين، فكيف يؤمرون
بالصيام؟.
وهذا لا شك- يدل على اختلاف المطالع كما حكى الإجماع غير واحد من أهل العلم، وقد ترجم ابن أبي شيبة في مصنفه بقوله: (في القوم يرون الهلال ولا يراه الآخرون: حدثنا بن سعيد قال: (ذكروا بالمدينة رؤية
ابن إدريس عن عبد
الله
،الهلال، وقالوا إن أهل أستاره قد رأوه، فقال القاسم وسالم ما
لنا ولأهل أستاره) ..... ".
ثم ذكر بعض أقوال الحنفية التي نقلناها آنفا ثم قال ص 21 - 22: "فهذه نصوص محققي أئمة الحنفية كما ترى من قولهم باختلاف المطالع وأنه إذا رئي في بلد لا يلزم رؤيته في البلد الآخر إلا إذا اتفقت المطالع، فلو رئي الهلال بالمغرب مثلا، كما لو رآه أهل فاس لا يلزم من رؤيتهم رؤيته في المشرق كمكة مثلا؛ لأن الشمس حينما مرت بهم والهلال مستتر بشعاعها فلا تمكن رؤيته عندهم فكلما اتجهت الشمس غربا فالهلال ينفصل عنها بالخروج من شعاعها فتمكن رؤيته، وكلما ذهبت غربا ازداد الهلال بعدا عنها فيزيد نوره ويتضح ظهوره بخلاف العكس، فإذا رئي الهلال في مكة المكرمة مثلا فلا بد أن يرى في المغرب لولا المانع، فالهلال اسم لما استهل به وظهر (1/81)
صفحة 82
82
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
ولارتفاع الأصوات عند رؤيته من قولهم: استهل الصبي، والإهلال بالحج وهو رفع الصوت بالتلبية أو من رفع الصوت بالتهليل عند رؤيته، وقد يطلق الهلال على الشهر كما يطلق الشهر على الهلال ويقال أهل الهلال واستهل، وأهللناه واستهللناه هذا قول عامة أهل اللغة، وقال شمر: يقال: استهلّ الهلال أيضا يعني مبنيا للفاعل وهو الهلال، وشهر مستهل،
وأنشدوا:
أهللناه
وشهر مستهل بعد شهر وحول بعده حول جديد
ويقال أيضا استهل بمعنى، تبين ولا يقال: أهل، ويقال:
عن
ليلة كذا ... ". اهـ من البحر المحيط".
ثم ذكر بعض أقوال المالكية التي ذكرناها سابقا ثم قال
"
ص 29 - 31 فهذه أقوال أئمة المالكية ومحققيهم كما ترى كلها دالة على أن لكل بلد رؤيتهم لا سيما مع التباعد كما يدل له حديث كريب مولى ابن عباس حينما قدم من الشام وقول ابن عباس -رضي الله عنه-: فلا نزال نصومه حتى نرى الهلال أو نكمل العدة ثلاثين وقال هكذا أمرنا رسول الله، وهو صريح في أن أهل المدينة لا يعملون برؤية أهل الشام لما بينهما من التباعد وقوله: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" وقوله: "لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه"
11 (1/82)
صفحة 83
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
83
صريح في أن الصوم والفطر لا يجب إلا عند وجود سببه، وهو الرؤية كنظيره في مواقيت الصلاة؛ فإن النبي له أمر بصلاة الفجر حين يطلع الفجر، وبصلاة الظهر إذا زالت الشمس، وصلاة العصر إذا صار ظل كل شيء مثله، وصلاة المغرب حين تغيب الشمس، وصلاة العشاء إذا غاب الشفق الأحمر، فهذه مواقيت الصلاة، فهل يقال: إن أهل بلد مأمورون بإقامة صلواتهم إذا وجد السبب وهو دخول الوقت في مكة أو المدينة؟، لا يقول بهذا أحد من المسلمين، بل لكل أهل بلد فجرهم وزوالهم وغروب شمسهم وغيبوبة شـ شفقهم، الأهلة لكل أهل بلد رؤيتهم لا سيما مع البعد الذي لا يمكن أن يروا الهلال عندهم مع رؤية الاخرين له، لما بينهم من التباعد وهذا واضح لا غبار عليه كما قرره أئمة العلماء ممن نقلنـ كلامهم وغيرهم".
فكذلك
39 - 38
ثم ذكر بعض اقوال الشافعية ثم قال ص " وأقوال أئمة الشافعية في هذا المعنى كثيرة جدا فلا نطيل المقام
بذكرها، فإنه لا يلزم أهل بلد رؤية البلاد الأخرى مع البعـ كما تقدم في أقوال أئمة الحنفية والمالكية والشافعية، وذلك لاختلاف المطالع.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن المطالع تختلف (1/83)
صفحة 84
84
باتفاق أهل المعرفة.
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
فكيف يقال بلزوم الصوم والفطر لجميع مسلمي الأرض
برؤية أهل بلد؟
فإن نصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم المتقدم بيانها دالة على أن لكل أهل بلد رؤيتهم، وكذلك عمل الصحابة والتابعين، فلم ينقل عن واحد منهم البتة الكتابة لأهل الآفاق برؤية الهلال عندهم لأجل قضاء ذلك اليوم.
وهذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله مما يدل على أن المعروف عندهم والمعمول به لديهم أن لكل أهل بلد رؤيتهم
كما كان ذلك في بقية الشرائع الإسلامية المتعلقة بالأوقات".
وقال ص 40 - 43: قال" شيخ الإسلام ابن تيمية: تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة بهذا، فإن اتفقت لزم الصوم وإلا فلا، وهو الأصح للشافعية، وقول في مذهب أحمد، وقال أيضا الرؤية تختلف باختلاف التشريق والتغريب؛ فإنه متى رئي في المشرق وجب أن يرى في المغرب، ولا ينعكس؛ لأنه يتأخر غروب الشمس بالمغرب عن وقت غروبها بالمشرق، فإذا كان قد رئي ازداد بالمغرب نورا وبعدا عن الشمس، وشعاعها وقت غروبها فيكون أحق بالرؤية وليس كذلك إذا رئي بالمغرب؛ لأنه قد يكون سبب الرؤية تأخر غروب الشمس عندهم فازداد (1/84)
صفحة 85
رفع
11
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
بعدا وضوءا، ولما غربت بالمشرق كان قريبا منها، ثم إنه لما رئي بالمغرب كان قد غرب عن أهل المشرق، فهذا أمر محسوس في غروب الشمس والهلال وسائر الكواكب؛ ولذلك إذا دخل وقت المغرب بالمغرب دخل بالمشرق ولا ينعكس، وكذلك الطلوع إذا طلعت بالمغرب طلعت بالمشرق" إلى أن قال ص 42: وقال أيضا والحجة فيه أنا نعلم بيقين أنه ما زال في عهد الصحابة والتابعين يرى الهلال في بعض الأمصار بعد بعض، فإن من الأمور المعتادة التي لا تبديل لها، ولا بد أن يبلغهم الخبر في أثناء الشهر، فلو كان يجب عليهم القضاء لكانت هممهم تتوفر على البحث عند رؤيته في سائر بلدان الإسلام كتوفرها على البحث عن رؤيته في بلده، ولكان القضاء يكثر في أكثر الرمضانات، ومثل هذا لو كان لنقل، ولما لم ينقل دل على أنه لا أصل له، وحديث ابن عباس يدل على هذا. اهـ
هذا
الله
عنهم-
وقال: "فهذه أقوال أهل العلم من كل مذهب كلها تدل على أنه لا يلزم أهل البلد البعيدة العمل برؤية أهل البلد الأخرى إذا اختلفت المطالع، وأن الصحابة -رضي لم يكونوا يكتبون أو يبحثون عن رؤية الأهلة في البلاد الأخرى معتمدين ما جاء في حديث ابن عباس، وحديث "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته على أن لكل أهل بلد رؤيتهم، ونكتفي
" (1/85)
صفحة 86
?
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
بما نقلناه في ذلك، ففيه كفاية ومقنع لمريدي الحق وطالبيه، والله
الموفق الهادي إلى سواء السبيل"
وقال ص 52: "ولكن الحق والله الحمد- واضح جلي: أن لكل بلد رؤيتهم كما وضحناه توضيحا شافيا معتمدين في ذلك على كتاب الله العزيز وما صح من هدي خير المرسلين، وما قرره العلماء الأجلاء من كل مذهب، والله أعلم".
وقال الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي في "السلسبيل في معرفة الدليل ج 1 ص 321 - 322 في شرح عبارة صاحب زاد المستقنع: (وإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم): "قوله: لزم) الناس كلهم (الصوم وهو قول أبي حنيفة وكثير من علماء السلف، لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، وهذا خطاب لجميع الأمة.
قلت: والأرجح عندي إذا اختلفت المطالع أن لكل قطر وأهل بلد حكما يخصهم، وهو قول الشافعي، فلا يجب الصوم على الجميع مع اختلاف المطالع، والواقع يشهد بأن المطالع
مختلفة.
ومن
قال الشيخ تقي الدين تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة، أدلة هذا القول ما أخبر به كريب (وذكر الحديث) ". (1/86)
صفحة 87
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
87
وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم العاصمي في حاشية
الروض المربع على شرح زاد المستقنع ج 3 ص 357 - 358: ج 3
"
والصواب أنه إنما يلزم من قرب مطلعهم، ولأصحاب أبي حنيفة قول فيما يختلف فيه المطالع، حكاه الوزير، وقال الشافعي: إذا كانت البلدان متقاربتين. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أن الرؤية لا تراعى مع البعد، كالأندلس من خراسان، وخولف، وصحح النووي وغيره اعتبار اختلاف المطالع؛ فإن اختلاف المنازل لا نزاع فيه، بحيث إنه يطلع في إحدى البلدتين دون الأخرى، بل كلما تحركت الشمس درجة، فتلك طلوع فجر لقوم وشمس الآخرين وغروب لبعض ونصف ليل لغيرهم، وقدر بمسيرة شهر فأكثر، وذكر شيخ الإسلام أن المطالع تختلف باتفاق أهل المعرفة بهذا، وقال: إن اتفقت لزم الصوم، وإلا فلا اهـ. وقطع به غير واحد، وصححوه، القمر عن الشمس معلوم بالحس؛ فإنه يطلع خلفها
وتأخر
سير
ويغرب بعدها في نصف كرة الأرض، فضلا عن كلها، فرؤية أهل المغرب لا تكون لأهل المشرق بخلاف عكسه".
وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين كما في "مجموع الفتاوى" ج 19 ص 39 - 41: "وأفيد فضيلتكم بأنا من موظفي سفارة خادم الحرمين الشريفين حفظه الله تعالى في .... ونحن هنا (1/87)
صفحة 88
88
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
نعاني بخصوص صيام شهر رمضان المبارك وصيام يوم عرفة، وقد انقسم الإخوة هناك إلى ثلاثة أقسام:
1. قسم يقول: نصوم مع المملكة ونفطر مع المملكة.
2. قسم يقول نصوم مع الدولة التي نحن فيها ونفطر معهم. قسم يقول: نصوم مع الدولة التي نحن فيها رمضان، أما يوم عرفة فمع المملكة.
وعليه آمل من فضيلتكم الإجابة الشافية والمفصلة لصيام شهر رمضان المبارك، ويوم عرفة مع الإشارة إلى أن دولة ... وطوال الخمس سنوات الماضية لم يحدث وأن وافقت المملكة في الصيام لا في شهر رمضان ولا في يوم عرفة؛ حيث إنه يبدأ صيام شهر رمضان ويوم عرفة هنا في .... بعد إعلانه في المملكة أو يومين، وأحيانا ثلاثة أيام، حفظكم الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
بيوم
فأجاب بقوله: "اختلف العلماء -رحمهم الله - فيما إذا رئي الهلال في مكان من بلاد المسلمين دون، غيره هل يلزم المسلمين العمل به أم لا يلزم إلا من رأوه ومن وافقهم
جميع
في المطالع، أو من رأوه، ومن
كان
على أقوال متعددة، وفيه خلاف آخر.
معهم
تحت ولاية واحدة، (1/88)
صفحة 89
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
والراجح
89
أنه يرجع إلى أهل المعرفة، فإن اتفقت مطالع
الهلال في البلدين صارا كالبلد الواحد، فإذا رئي في أحدهما ثبت حكمه في الآخر، أما إذا اختلفت المطالع فلكل بلد حكم نفسه،
d
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى – وهو ظاهر الكتاب والسنة ومقتضى القياس
أما الكتاب فقد قال الله تعالى: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، فمفهوم الآية: أن من لم يشهده لم يلزمه الصوم. وأما السنة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا" مفهوم الحديث إذا لم نره لم يلزم الصوم ولا
الفطر.
وأما القياس فلأن الإمساك والإفطار يعتبران في كل بلد
وحده وما وافقه في المطالع والمغارب وهذا محل إجماع، فترى أهل شرق آسيا يمسكون قبل أهل غربها ويفطرون قبلهم؛ لأن الفجر يطلع على أولئك قبل هؤلاء، وكذلك الشمس تغرب على أولئك قبل هؤلاء، وإذا كان قد ثبت هذا في الإمساك والإفطار اليومي فليكن كذلك في الصوم والإفطار الشهري ولا
فرق.
ولكن إذا كان البلدان تحت حكم واحد وأمر حاكم (1/89)
صفحة 90
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
البلاد بالصوم، أو الفطر وجب امتثال أمره؛ لأن المسألة خلافية،
وحكم الحاكم يرفع الخلاف.
وبناء على هذا صوموا وأفطروا كما يصوم ويفطر أهل البلد الذي أنتم فيه سواء وافق بلدكم الأصلي أو خالفه، وكذلك يوم عرفة اتبعوا البلد الذي أنتم فيه".
وسئل ص 44 - 46: "عن الهلال وهل يمكن توحيده بحيث إذا رئي في بلد وجب على جميع المسلمين الصوم في هلال رمضان والفطر في هلال شوال؟ ".
فأجاب بقوله: "الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم
على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين:
العلم.
هذه المسألة أعني مسألة الهلال مختلف فيها بين أهل
فمنهم من يرى أنه إذا ثبتت رؤية الهلال في مكان على
وجه شرعي، فإنه يلزم جميع المسلمين الصوم إن كان هلال رمضان، والفطر إن كان هلال شوال وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد الله رحمه فعلى هذا إذا رئي في المملكة العربية السعودية مثلا وجب على جميع المسلمين في كل الأقطار أن يعملوا بهذه الرؤية صوما في رمضان وفطرا في شوال، (1/90)
صفحة 91
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
واستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وعموم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، قالوا والخطاب للمسلمين، فيشمل جميع المسلمين في جميع أقطار الأرض.
ومن العلماء من يقول: إنه لا يجب الصوم في هلال رمضان ولا الفطر في هلال شوال إلا لمن رأى الهلال، أو كان موافقا لمن رآه في مطالع الهلال؛ لأن مطالع الهلال تختلف باتفاق أهل المعرفة بذلك، فإذا اختلفت وجب أن يحكم لكل بلد برؤيته، والبلاد الأخرى إن وافقته في مطالع الهلال فهي تبع له، وإلا فلا، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، واستدل لهذا القول بقوله تعالى: الله فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا" أي بنفس الدليل الذي استدل به من يرى عموم وجوب الصوم على كل أحد إذا ثبتت رؤيته في مكان من بلاد المسلمين، لكن الاستدلال يختلف، فوجه الاستدلال عند شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه الآية والحديث: أن الحكم علق بالشاهد والرائي، وهذا يقتضي أن من لم يشهد ولم ير لم يلزمه حكم الهلال، وعليه فإذا اختلفت المطالع فإن البلاد المخالفة لبلاد الرؤيا لا يكون قد شوهد فيها الهلال ولا رؤي، (1/91)
صفحة 92
92
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وحينئذ لا تثبت أحكام الهلال في حقهم، وهذا ولا شك وجه قوي في الاستدلال، وأقوى من الأول، ويؤيده النظر والقياس، فإنه إذا كان الشارع قد علق الإمساك للصائم بطلوع الفجر والفطر بغروب الشمس، فقال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ تلَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ، فالشارع على الحكم بتبين طلوع الفجر إمساكا، وبالليل إفطارا، والنبي عليه الصلاة والسلام- قال: "كلوا" واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر، وقال: "إذا أقبل الليل من هاهنا"، وأشار إلى المشرق وأدبر النهار من هاهنا، وأشار إلى المغرب "وغربت الشمس فقد أفطر الصائم"، ومعلوم بإجماع المسلمين أن هذا الحكم ليس عاما لجميع البلدان، بل هو خاص في كل بلد يثبت فيه هذا الأمر، ولهذا تجد الناس في الشرق يمسكون قبل الناس في الغرب، ويفطرون قبلهم حسب تبين طلوع الفجر وغروب الشمس، فإذا كان التوقيت اليومي متعلقا في كل بلد بحسبه، فكذلك التوقيت الشهري يتعلق في كل بلد بحسبه، وبهذا يتبين أن القول الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله - هو القول الراجح أثرا ونظرا. انتهى المراد منه.
وسئل ص 47 - 48: "هناك من ينادي بربط المطالع كلها (1/92)
صفحة 93
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
93
مطالع مكة حرصا على وحده الأمة في دخول شهر رمضان
المبارك وغيره، فما رأي فضيلتكم؟ "
فأجاب بقوله: "هذا الناحية الفلكية مستحيل؛ لأن من الله - مطالع الهلال كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه تختلف باتفاق أهل المعرفة بهذا العلم، وإذا كانت تختلف فإن
مقتضى الدليل الأثري والنظري أن يجعل لكل بلد حكمه.
أما الدليل الأثري فقال الله تعالى: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشهرَ فَلْيَصُمْهُ، فإذا قدر أن أناسا في أقصى الأرض ما شهدوا الشهر أي الهلال وأهل مكة شهدوا الهلال فكيف يتوجه الخطاب في هذه الآية إلى من لم يشهدوا الشهر؟! وقال النبي "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، متفق عليه، فإذا رآه أهل مكة مثلا فكيف نلزم أهل باكستان ومن وراءهم من الشرقيين بأن يصوموا، مع أننا نعلم أن الهلال لم يطلع في أفقهم، والنبي
ليل على ذلك بالرؤية.
أما الدليل النظري فهو القياس الصحيح الذي لا تمكن معارضته، فنحن نعلم أن الفجر يطلع في الجهة الشرقية من الأرض قبل الجهة الغربية، فإذا طلع الفجر على الجهة الشرقية، فهل يلزمنا أن نمسك ونحن في ليل؟ الجواب: لا. وإذا غربت الشمس في الجهة الشرقية، ولكننا نحن في النهار فهل يجوز لنا أن (1/93)
صفحة 94
94
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
نفطر؟ الجواب: لا. إذن الهلال كالشمس تماما، فالهلال توقيته توقيت شهري، والشمس توقيتها توقيت يومي، والذي قال: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ: هو الذي قال: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ هو وقف الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) فمقتضى الدليل الأثري والنظري أن نجعل لكل مكان حكما خاصا به فيما يتعلق بالصوم والفطر، ويربط ذلك بالعلامة الحسية التي جعلها الله في كتابه، وجعلها نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في سنته ألا وهي شهود القمر، وشهود الشمس، أو
الفجر.
وسئل ص 48 - 50: "إذا رئي الهلال في بلد من بلاد المسلمين فهل يلزم المسلمين جميعا في كل الدول الصيام، وكيف يصوم المسلمون في بعض بلاد الكفار التي ليس فيها رؤية شرعية؟ "
فأجاب بقوله: "هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم أي إذا رئي الهلال في بلد من بلاد المسلمين وثبتت رؤيته شرعا، فهل يلزم بقية المسلمين أن يعملوا بمقتضى هذه الرؤية؟.
فمن أهل العلم من قال إنه يلزمهم أن يعملوا بمقتضى
هذه الرؤية، واستدلوا بعموم قوله تعالى: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ (1/94)
صفحة 95
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
95
الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أيامٍ أُخَرَ، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتموه فصوموا" قالوا: والخطاب عام لجميع المسلمين. ومن المعلوم أنه لا يراد به رؤية كل إنسان بنفسه؛ لأن هذا متعذر، وإنما المراد بذلك إذا رآه من يثبت برؤيته دخول الشهر، وهذا عام في كل مكان.
وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنه إذا اختلفت المطالع فلكل مكان رؤيته. وإذا لم تختلف المطالع فإنه يجب على من لم يروه إذا ثبتت رؤيته بمكان يوافقهم في المطالع أن يعملوا بمقتضى هذه الرؤية واستدل هؤلاء بنفس ما استدل به الأولون فقالوا: إن الله تعالى يقول: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ. ومن المعلوم أنه لا يراد بذلك رؤية كل إنسان بمفرده، فيعمل به في المكان الذي رئي فيه، وفي كل مكان يوافقهم في مطالع الهلال. أما من لا يوافقهم في مطالع الهلال فإنه لم يره لا حقيقة ولا حكما. قالوا: وكذلك نقول في قول النبي: "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا"، فإن من كان في مكان لا يوافق مكان الرائي في مطالع الهلال لم يكن رآه لا حقيقة ولا حكما، قالوا: والتوقيت الشهري كالتوقيت اليومي، فكما أن البلاد تختلف في الإمساك والإفطار اليومي، فكذلك يجب أن تختلف في الإمساك والإفطار الشهري، ومن المعلوم أن (1/95)
صفحة 96
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال الاختلاف اليومي له أثره باتفاق المسلمين، فمن كانوا في الشرق فإنهم يمسكون قبل من كانوا في الغرب، ويفطرون قبلهم
أيضا.
فإذا حكمنا باختلاف المطالع في التوقيت اليومي، فإن
مثله تماما في التوقيت الشهري.
ولا يمكن أن يقول قائل: إن قوله تعالى: {فَالْتَنَ بَشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْط الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا القِيَامَ إِلَى الَّيْلِ، وقوله: "إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم " لا يمكن لأحد أن يقول: إن هذا عام لجميع المسلمين في كل الأقطار.
وكذلك نقول في عموم قوله تعالى: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وقوله: " إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا "، وهذا القول كما ترى له قوته بمقتضى اللفظ والنظر الصحيح والقياس الصحيح، أيضا قياس التوقيت الشهري على التوقيت اليومي".اهـ المراد منه.
وسئل ص 51 - 52 - : "يعيش المسلمون خارج العالم الإسلامي في خلافات مستمرة حول قضايا متعددة كدخول (1/96)
صفحة 97
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
97
شهر رمضان، و خروجه وخلاف حول المناصب الدعوية، ويحدث هذا في كل عام مع اختلاف في حدتها من وقت لآخر، ومرد ذلك إلى الجهل بالدين واتباع الهوى والتعصب المذهبي والحزبي أحيانا، دون مراعاة لموافقة الشريعة الإسلامية، والأخذ بآراء أهل العلم المشهود لهم بالفقه والورع، فهل هناك من كلمة توجيهية حفظكم الله لما لفضيلتكم من المكانة لعل الله ينفع بها ويندفع بها كثير من الشر وفقكم الله ورعاكم؟
فأجاب بقوله: الواجب على المسلمين أن يكونوا أمة، واحدة، وألا يتفرقوا في دين الله، كما قال الله تبارك وتعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا، وكما قال الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وكما قال الله تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَتْ وَأُوْلَيْكَ هُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ،
الله
فالواجب أن تكون كلمتهم واحدة، وألا يتفرقوا في دين وأن يكون صومهم واحدا وفطرهم واحدا، وهم يتبعون المركز الذي عندهم أعني المركز الديني الذي يوجه من تحت نظره من المسلمين وأن لا يتفرقوا حتى لو تأخر صومهم عن صوم (1/97)
صفحة 98
98
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
المملكة، أو أي بلاد إسلامية أخرى فليتبعوا ما يقوله المركز".
وقال ص 54 - 55: "بسم الله الرحمن الر -
الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد،
وعلى آله وصحبه أجمعين.
عام
وبعد، فقد سألني بعض الناس عن دخول شهر شوال
1420 هـ حيث اختلفت الأمة الإسلامية فيه:
فأجبته بأن هذا أمر لا غرابة فيه، فإن مطالع الهلال تختلف باختلاف الجهات كما تختلف مطالع الشمس، وهذا ثابت باتفاق أهل المعرفة بهذه الأمور، فقد يرى الهلال في جهة
من الجهات ولا يرى في جهة أخرى.
ويثبت دخول شهر رمضان بواحد من أمرين:
إما برؤية هلاله، وإما بإكمال شهر شعبان ثلاثين يوما؛
"
لقول النبي: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته". وفي حديث آخر: "إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له". وفي رواية للبخاري: "فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين". وفي حديث آخر: "فأكملوا عدة شعبان ثلاثين". انتهى المراد منه. (1/98)
صفحة 99
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
??
وقال ص 57 - 59: "القول الثاني: أنه متى ثبتت رؤية الهلال في بلد من بلاد المسلمين ثبت حكمه لأهل هذه البلد ولمن كان مثلهم في مطالع الهلال دون من خالفهم إلا أن يروه، فمثلا إذا رئي الهلال في السعودية لم يلزم من كان بعيدا عنها في خطوط العرض شمالا، أو جنوبا إلا أن يروه؛ لأن مطالعهم تخالف السعودية، وكذلك لا يلزم من كان بعيدا عنها من ناحية الشرق وإن وافقها في خط العرض؛ لأن القمر أبطأ سيرا من الشمس كما قال تعالى: وَالْقَمَرِ إِذَا نَلَها، أي عند إهلاله، فربما يكون محاذيا للشمس، أو سابقا عليها في البلاد الشرقية، ثم في خلال المسافة يتأخر عنها ويهل، ويلزم من كان عنها غربا موافقا لها في خط العرض.
وخلاصة القول: إن الهلال إذا ثبتت رؤيته في بلد من بلاد المسلمين ثبت حكمه لأهل هذه البلد ولمن كان عنهم غربا موافقا لهم في خط العرض، ولا يثبت حكمه فيما كان بعيدا عنها شرقا، أو شمالا، أو جنوبا إلا أن
يروه.
وعلى هذا فإذا ثبت الهلال في السعودية لم يلزمكم حكمه إلا أن تروه أو يراه من كان قريبا منكم، بحيث يوافقكم
في المطالع؛ لأن الولاية التي أنتم فيها بين خطي
4
والسعودية بين خطي 20 - 30 وهذا القول أصح من القول (1/99)
صفحة 100
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
الأول أي أن كل بلد لهم حكم رؤيتهم ولمن وافقهم في مطالع الهلال دون من خالفهم إلا أن يروه، كما أن كل بلد له حكمه
في طلوع الفجر وغروب الشمس.
وعلى هذا فاتباعكم لمنظمة اتحاد الطلبة المسلمين أولى من اتباعكم لبلد أبعد منها؛ لأنكم أقرب إلى موافقتها في المطالع من البلد البعيدة". انتهى المراد منه.
"
وقال ص 60 - 61: ومن العلماء من يقول: إنه لا يجب
الصوم من هلال رمضان ولا الفطر في شوال إلا لمن رأى الهلال، أو كان موافقا لمن رآه في مطالع الهلال؛ لأن مطالع الهلال تختلف باتفاق أهل المعرفة، فإذا اختلفت وجب أن يحكم لكل بلد برؤيته والبلاد التي توافق في مطالع الهلال، فهي تبع له
وإلا فلا.
وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، واستدل على هذا بقوله تعالى: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وبقول النبي: " إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا" أي بنفس الدليل الذي استدل به من يرى عموم وجوب حكم الهلال، لكن وجه الاستدلال عند ابن تيمية في هذه الآية وهذا الحديث مختلف؛ إذ إن الحكم قد علق بالشاهد والرائي، وهذا يقتضي أن من لم يشهد ومن لم ير لا (1/100)
صفحة 101
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
يلزم الحكم، وعليه إذا اختلفت المطالع لا تثبت أحكام الهلال
بالتعميم.
وهذا لا شك وجه قوي في الاستدلال ويؤيده النظر
والقياس".
11
وقال ص 6261: يرى" بعض العلماء أنه إذا ثبتت رؤية الهلال في مكان ثبت حكمه في جميع البلدان، ويرى آخرون أنه لا يثبت حكمه إلا للبلد التي رئي فيها وما وافقها في مطالع الهلال وهذا أصح، لكن هذا يخاطب به ولاة الأمور". انتهى المراد منه
وسئل ص 65: "إذا بدأنا الصوم في المملكة العربية السعودية ثم سافرنا إلى بلادنا في شرق آسيا في شهر رمضان حيث يتأخر الشهر الهجري هناك يوما، فهل نصوم واحدا وثلاثين يوما، وإن صاموا تسعة وعشرين يوما فهل يفطرون أم
لا؟ ".
فأجاب بقوله: "إذا سافر الإنسان من بلد والتي صام فيها أول الشهر إلى بلد تأخر عندهم الفطر فإنه يبقى لا يفطر حتى يفطروا، ونظير هذا لو سافر في يومه إلى بلد يتأخر فيه غروب الشمس، فإنه يبقى صائما حتى تغرب الشمس، ولو بلغ عشرين ساعة إلا إن أفطر من أجل السفر، فله الفطر من أجل السفر، (1/101)
صفحة 102
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وكذلك العكس لو سافر إلى بلد أفطروا قبل أن
يتم
الثلاثين
فإنه يفطر معهم إن كان الشهر تاما قضى يوما، وإن كان غير
تام فلا شيء عليه، فهو يقضي إذا نقص الشهر، وإذا زاد الشهر يتحمل الزيادة، والله أعلم".
وسئل ص 65 - 66: "ما حكم من صام في بلد مسلم ثم انتقل إلى بلد آخر تأخر أهله عن البلد الأول ولزم من متابعتهم صيام أكثر من ثلاثين يوما أو العكس؟ "
فأجاب بقوله: "إذا انتقل الإنسان من بلد إسلامي إلى بلد إسلامي وتأخر إفطار البلد الذي انتقل إليه فإنه يبقى معهم حتى يفطروا؛ لأن الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس، وهذا وإن زاد عليه يوم، أو أكثر فهو كما لو سافر إلى بلد تأخر فيه غروب الشمس، فإنه يبقى صائما حتى تغرب، وإن زاد على اليوم المعتاد ساعتين أو ثلاثا، أو أكثر، ولأنه إذا انتقل إلى البلد الثاني فإن الهلال لم ير فيه وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام- أن لا نصوم ولا نفطر إلا لرؤيته فقال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته".
وأما العكس وهو أن ينتقل من بلد تأخر فيه ثبوت الشهر إلى بلد تقدم ثبوت الشهر فيه فإنه يفطر معهم، ويقضي ما فاته من رمضان إن فاته يوم قضى، يوما، وإن فاته يومان (1/102)
صفحة 103
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
قضى يومين، فإذا أفطر لثمانية وعشرين يوما قضى يومين إن كان الشهر تاما في البلدين، ويوما واحدا إن كان ناقصا فيهما
أو في أحدهما". وسئل ص 67 - 68: يحصل أن بعض البلدان يرى أهلها الهلال قبلنا أو بعدنا، فهل نلتزم برؤيتهم أم برؤية بلادنا؟ فمثلا سافر الإنسان من المملكة إلى باكستان وقد ثبت الشهر في. المملكة دون باكستان وكيف نفعل في البلاد الكافرة؟ ". فأجاب بقوله: "إذا كنت في بلد لا تدري أرأوا الهلال أم لا؟ فإنك تبني على الأصل فإن شككت هل رئي الهلال أم لا؟ فإن كنت في شعبان فلا يلزمك الصوم، وإن كنت في رمضان فلا تفطر، والسؤال الذي ورد يفترض أن الإنسان سافر من المملكة السعودية إلى باكستان ونزل في باكستان، وباكستان لم يروا الهلال والسعودية ثبت عندها رؤية هلال شوال، نقول في هذه الحالة: تبقى صائما؛ لأنك في مكان لم ير فيه الهلال لأن النبي الله قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، فلو فرض أنك رجعت في اليوم نفسه فلك أن تفطر، والعكس إذا ذهبنا إلى الغرب ونزلنا في بلد رأوا هلال رمضان ولم ير في السعودية فإننا نصوم؛ لأن المكان رئي فيه الهلال لأن الله تعالى قال: فَمَن شهد مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتموه (1/103)
صفحة 104
1. {
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فالعبرة بمكانك الذي أنت فيه،
فمتى ما رئي الهلال فاعمل به إفطارا وصوما.
وأما في البلاد الكافرة إذا رأيته فصم، وإذا لم تره فابن
على الأصل.
إذا أشكل عليكم ابنوا على اليقين، وفي الحقيقة أنتم مسافرون ولكم أن تفطروا، وليعلم أن الهلال إذا رئي في السعودية فسيرى في أمريكا قطعا؛ لأن البلاد الشرقية ترى الهلال قبل البلاد الغربية، والعكس إذا كنتم في الباكستان أو اليابان وما أشبه ذلك.
وسئل ص 69 - 71: فلقد بحثنا بالسابق من زمن الثمانينيات فيما أظن في مسألة مرت عليَّ في سفر، فقد سافرت في منتصف رمضان وكان ابتداء صيامنا الثلاثاء في المملكة يوم إلى الشام وكان ابتداء صيامهم يوم الأربعاء، فأكملت صيامي قبل يوم الثلاثين عندهم بحيث تكون عيدا لي وهم في آخر يوم من الشهر وقد أفطرت لاستكمال الثلاثين وهم صيام؟
فأجاب على السؤال ثم قال في آخر الجواب: "هذا ما ظهر لنا في هذه المسألة بأدلتها وهو مبني على القول الراجح من اختلاف الحكم باختلاف المطالع". انتهى المراد منه. (1/104)
صفحة 105
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وسئل الشيخ عبد الرزاق عفيفي كما في فتاويه ج 1 و 2 ص 423: هل الراجح أن لكل بلد رؤية يصوم بها أم يصوم
البلد برؤية غيره من البلدان؟ "
فأجاب بقوله: "يرجح أن لكل بلد رؤيتهم ... ".
وسئل: "تختلف بداية شهر رمضان في دولة عنها في الدول الأخرى، وكذلك يختلف وقت بداية الفطر، فكيف يفعل المسلم هل يصوم مع بلده أم يصوم إذا رأت إحدى الدول الإسلامية الهلال؟ وماذا تفعل الجالية الإسلامية التي تعيش في إحدى الدول الكافرة؟ ".
فأجاب بقوله: "إذا كان الإنسان في دولة إسلامية تتراءى الهلال وتعتني به يجب عليه الصوم تبعا لرؤية دولته، ولا يجب عليه أن يتبع دولة أخرى إلا إذا كانت البلد التي يعيش فيها دولة كافرة لا تتراءى الهلال، وهم جماعة أو جالية إسلامية ولا يتراءون الهلال بأنفسهم فإنهم يصومون مع أقرب دولة إسلامية إليهم تعتني برؤية الهلال فيصومون بصومها ويفطرون بفطرها.
فإن كانت هناك جالية إسلامية لها كيان منظم وتعتبر نفسها مستقلة بأمورها كأنها دولة داخل الدولة وتراءوا الهلال فإنهم يصومون برؤية أنفسهم ... إلخ". (1/105)
صفحة 106
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وسئل الشيخ عبدالله بن عبد العزيز بن عقيل كما في فتاويه ج 2 ص 475 - 476: سائل" يسأل عن رجل أدركه رمضان في غير وطنه. فثبت دخول الشهر في بلاده، ولم يثبت في البلد الذي هو فيه؛ ولهذا لم يصم أول يوم من رمضان. وفي اليوم الثاني ثبت في البلد الذي هو فيه؛ فصام معهم. وفي أثناء الشهر انتقل إلى بلاده، فكمل معهم الصيام. ولما ثبت العيد فإذا هو لم يصم إلا ثمانية وعشرين يوما، مع العلم أن رمضان تلك السنة تسعة وعشرون يوما في كلا البلدين ... والسؤال: هل يفطر مع أهل بلده تبعا لهم أم يصوم؛ لأنه لم يكمل الشهر؟ وإذا أفطر فهل يقضي يومين أم يوما واحدا؟ وإذا قلتم: يقضي يوما واحدا، فهل هو بدل ما فاته من أول الشهر حينما كان بتلك البلد أم بدل ما سيصومه أهل تلك البلد من آخر الشهر؛ لأن العيد لم يثبت عندهم إلا بعد ذلك بيوم؟ أو يقال: يفطر، ولا قضاء عليه؛ لأنه فعل ما وجب عليه في أول الشهر من عدم الصيام؛ لعدم ثبوته بتلك البلد وفعل ما وجب عليه في
الشهر من الفطر يوم العيد؟
فأجاب: أما عدم صيامه أول يوم لعدم ثبوته بتلك البلد
الذي هو فيها فهذا صواب؛ لأنه صام بصيام أهل تلك البلد التي هو فيها. وهو مأمور بذلك شرعا. (1/106)
صفحة 107
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وأما فطره في بلده حينما ثبت دخول شوال فهذا واجب؛ لأن صيام يوم العيد لا يجوز. وأما القضاء فإنه يقضي يوما واحدا فقط؛ لأن رمضان تلك السنة تسعة وعشرون؛ وهو
لم يصم إلا ثمانية وعشرين يوما. هذا المذهب.
وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين كما في "فتاوى الصيام" ص 9 - 11: "لو ثبتت رؤية هلال رمضان في قطر دون آخر فهل يلزم الصوم للجميع، أم أن لكل إقليم
مطالعه الخاصة به؟ ".
فأجاب بقوله: "إذا ثبتت رؤية الهلال في قطر ثبوتا
شرعيا وجب الصوم أو الإفطار على أهل ذلك القطر كان ومن مسامتا له أو متقدما عليه في جهة المغرب، فإذا رئي في المنطقة الشرقية فإنه يظهر بوضوح في المنطقة الغربية، وإذا هل في المملكة العربية السعودية لزم أن يهل في مصر والمغرب وما سامته، ولا يلزم العكس، فقد يرى في مصر ولا يرى في
المملكة،
ويرى في المملكة ولا يرى في باكستان أو الهند".
وسئل: إذا رأى المسلمون الهلال في بلد فهل يجب على
المسلمين في البلاد الأخرى الصيام؟ ".
فأجاب بقوله: "لا نشك في اختلاف المطالع وتفاوت ما
بين البلاد في رؤية الهلال ولأجل هذا الاختلاف ترجح عند (1/107)
صفحة 108
108
كثير من
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
العلماء أن لكل أهل بلدة رؤيتهم إذا كان هناك
الهلال
تفاوت محسوس ودليلهم قصة كريب مولى ابن عباس لما أهله رمضان وهو بالشام فصام أهل الشام يوم الجمعة ولم ولم ير في المدينة إلا ليلة السبت فأخبر ابن عباس بأن معاوية وأهل الشام صاموا يوم الجمعة فقال ابن عباس: لكن الجمعة فقال ابن عباس: لكنا صمنا يوم السبت فلا نزال نصومه حتى نرى الهلال أو نكمل ثلاثين كذلك أمرنا رسول الله، وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية
كان
وجوب الصيام على أهل البلاد التي رأت الهلال وعلى من أمامهم من البلاد وحقق أنه متى رئي في بلدة فلا بد أن يرى في البلاد بعدها لأنه يتأخر غروبه عن الشمس وكلما تأخر ازداد
بعدا
عن الشمس وتجليا وظهورا، فإذا رئي في البحرين مثلا
وجب الصيام على البلاد التي بعدها كنجد والحجاز ومصر
والمغرب ولم يجب على ما قبلها كالهند والسند وما وراء النهر
اهـ. المراد منه.
"
وقال د. صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان في "تسهيل
ص
ص
الإلمام بفقه الأحاديث من بلوغ المرام لابن حجر" ج 3 206 - 207: "وأيضا لماذا الصلاة في العالم تختلف باختلاف الأقاليم والمناطق والصيام لا يختلف هل الناس يصلون جميعا الآن في دقيقة واحدة في وقت واحد على جميع و ه الأرض، (1/108)
صفحة 109
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
عندنا ليل وعند الآخرين نهار لا يمكن أن يصلوا في وقت واحد؛ لأن المطالع تختلف والأرض تختلف ويحصل التفاوت في التوقيت بيننا وبين، الآخرين لا يمكن أن نصلي في وقت واحد، لماذا لا يقولون يجب على الناس أن يصلوا في وقت واحد، الظهر والعصر حتى يتحد المسلمون، تصح الصلاة على هذه الطريقة؟! يصلون العصر وهم عندهم ليل أو الفجر وعندهم نهار أو العشاء وعندهم نهار، لا يجوز هذا؛ إذا كان هذا في الصلاة فكذا في الصوم، هذا أمر ضروري، مسألة اختلاف التوقيت في الصلوات وفي الأعياد وفي الصيام، هذا أمر ضروري، الله خلق الكون هكذا يكون عند هؤلاء ليل وعند هؤلاء نهار عند هؤلاء صلاة العصر وعند هؤلاء صلاة الظهر، والحمد لله، الله لم يكلف المسلمين، حرجا، كل بحسب موقعه وحسب توقيته الزمني ما كلف الله المسلمين بهذا الأمر، فهؤلاء الذين يحاولون توحيد الرؤية والصيام والإفطار، والقول بأنه لا
ينضبط إلا بالعمل بالحساب كل هذا هراء، جهل في جهل،
تكلف ما أنزل الله سلطان".
وقال ص
به من
209 - 208: "بقيت مسألة مهمة جدا
يع
إذا رئي الهلال في بلد فهل يلزم الناس كلهم الصوم برؤية ذلك
البلد؟ الجواب أنه إذا كان البلد لا تختلف فيه المطالع فيلزم (1/109)
صفحة 110
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
الجميع الصوم، أما إذا كان تختلف المطالع من إقليم إلى إقليم آخر لما بينهم من المسافات فلا يلزم هذا الإقليم الصوم حتى يروا الهلال بأنفسهم، كل قوم لهم رؤيتهم، لقوله: "صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته" [اخرجه البخاري (1909)، ومسلم
[(1081)
فإذا كانت المطالع تختلف وهناك فرق بين الأقاليم أو بين القارات، فإن لكل قوم رؤيتهم، ولا يلزم أهل الإقليم أن
قول
تختلف
يصوموا برؤية الإقليم البعيد عنهم لاختلاف المطلع هذا قـ لأهل العلم، وهذا هو الراجح عند المحققين؛ لأن المطالع باتفاق أهل النظر والمحسوس أيضا والقول الثاني: أنه يلزم المسلمين في جميع الأقطار أن يصوموا، والمسألة فيها خلاف بين العلماء فهي محل للنظر والترجيح، هذا يرجع إلى أهل العلم في هذا البلد، فإذا رأوا توحيد الصيام و لم يعتبروا اختلاف المطالع فلهم اجتهادهم، وإذا رأوا العمل باختلاف المطالع فهذا هو الصحيح وهو الراجح، وابن عباس -رضي الله عنه- عنه في المدينة لم يعمل برؤية أهل الشام أهل الشام رأوه يوم الجمعة وصاموا، أهل المدينة لم يروه إلا يوم السبت، بدؤوا الصيام من يوم السبت ومعلوم أنه صار بينهم تفاوت، يوم، فقال ابن عباس: لكنا لا نفطر حتى نرى الهلال، و لم يعمل برؤية أهل الشام، هذا (1/110)
صفحة 111
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
دليل على الأخذ باختلاف المطالع، وهذا هو الراجح". وسئل الشيخ كما في فتاويه ج 3 ص 123 - 124: "إذا كان أول رمضان مثلا يوم السبت بالنسبة للمملكة العربية السعودية، وبالنسبة للجزائر كان أول الشهر يوم الأحد؛ فمن
ومع
كان يقطن في الجزائر وصام مع المملكة، هل يجوز له هذا؟ من يفطر؟ لأنه إذا أفطر مع السعودية كان ذلك اليوم صياما في بلده، وإذا صام هذا اليوم كان يوم عيد في البلد التي صام
معها؟ ".
فأجاب: "قال النبي: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، فعلق اللهو و و وجوب الصيام برؤية الهلال، وذلك يختلف باختلاف المطالع على الصحيح من قولي العلماء، ولا شك أن المطلع في الجزائر قد يختلف عن المطلع في المملكة، فكل إنسان يصوم مع أهل الإقليم وأهل البلد الذي هو فيه إذا رأوا الهلال فأنت حكمك حكم المسلمين الذين تسكن معهم
ويفطر معهم، في أي إقليم كان سواء في الجزائر أو في غيرها، تصوم معهم
وتفطر معهم.
وسئل أيضا: "إذا ثبت دخول رمضان في إحدى الدول
الإسلامية؛ كالمملكة مثلا، وفي بلاد أخرى لم يعلن دخوله؛ فما (1/111)
صفحة 112
112
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
الحكم؟ هل نصوم مع المملكة؟ وما الأمر إذا اختلف الأمر في
الدولتين".
فأجاب: "كل مسلم يصوم ويفطر مع المسلمين الموجودين في بلده وعلى المسلمين أن يهتموا برؤية الهلال في قطرهم الذي هم فيه ولا يصوموا برؤية قطر آخر يبعد عن قطرهم؛ لأن المطالع تختلف".
وقال الشيخ أحمد بن يحيى النجمي في "تأسيس الأحكام
على ما صح عن خير الأنام" ج 3 ص 215 - 216:
" والذي يظهر لي في هذه المسألة وفي هذا الزمن الذي قد تبين فيه واتضح وضوحا لا مزيد عليه أن البلدان مختلفة باختلاف مطالعها، وعلى هذا فإنه لو رئي الهلال في مشرق الأرض لزم من بعده من باب أولى.
فمثلا لو رئي الهلال في باكستان لزم من بعد هذه الدولة من الدول الأخرى التي يأتي وقت مغيب الشمس فيها بعد باكستان تلزمهم جميعا؛ لأنه إذا تقدمت الشمس على القمر في الباكستان مثلا لزم أن تتقدم عليه أكثر فيما بعدها، وكذلك لو وجدت الرؤية في السعودية مثلا فإنه يلزم الصوم على من بعدها ولا يلزم على من قبلها، فمثلا إذا ثبتت الرؤية في السعودية كما قلنا مثلا لزم السودان ومصر ومن بعدهم من دول أفريقيا (1/112)
صفحة 113
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
113
وأوربا التي يأتي مغيب الشمس فيها بعد السعودية ولا يلزم من قبلها كالباكستان وأفغانستان والعراق وما أشبه ذلك؛ لأنه قد علم الآن بأن ما بعد كل بلد أي ما كان بعدها إلى جهة المغرب فإن الغروب يكون فيه بعد البلد الذي قبله من جهة الشرق وهذا أمر أصبح معروفا لا يتمارى به اثنان؛ لأنه أصبح من المحسوس، وهذا هو القول الفصل في هذه المسألة وبالله
التوفيق".
وقال الدكتور عبد الله بن صالح الفوزان في "فقه الدليل" ص 176 - 178: " (قوله: ورؤية بلد لجميع الناس) أي: إن الهلال إذا رئي ببلد ثبت الحكم لجميع الناس، وهذا هو مذهب أبي حنيفة، وأحمد، وظاهر كلام المصنف أنه لا فرق بين أن تكون البلاد التي رئي فيها الهلال قريبة أو بعيدة. ودليل هذا حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عنه أن النبي الله قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" قالوا: هذا خطاب عام لجميع المسلمين ولا يشترط رؤية كل إنسان إجماعا، فإذا رآه أهل بلد فقد رآه المسلمون جميعا.
والقول الثاني: أنه لا يلزم الجميع الصوم بل من رأى الهلال، وهذا قول الشافعي لما ورد عن كريب" (وذكر الحديث إلى أن قال: فهذا صريح في أن لكل بلد رؤيتهم، (1/113)
صفحة 114
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
ولهذا لم يكتب معاوية لأهل المدينة بثبوت رؤية الهلال عندهم ليلة الجمعة من أجل قضاء ذلك اليوم قال الترمذي: "والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم أن لكل بلد رؤيتهم"، ولم يذكر خلافا. وقد أجاب الأولون القائلون بوجوب الفطر على الجميع بأنهم لم يفطروا؛ لأن المخبر واحد والفطر لا يكون إلا باثنين، ولكن هذا خلاف ظاهر الحديث؛ لأن ابن عباس لم يقل: لا نفطر حتى نراه لأنك، واحد وإنما قال: هكذا أمرنا
رسول الله.
والأظهر والله أعلم أن الصوم أو الفطر لا يجب على مكان الرؤية إذا اختلفت المطالع؛ لأن الشرع علق
البعيد عن الحكم على الرؤية، وهنا لم ير الهلال لا حقيقة ولا حكما. وهذا وإن كان خطابا لجميع الأمة فالصوم والإفطار يكونان عند وجود السبب الذي هو الرؤية، فالأمة التي ترى الهلال يلزمها الصوم والإفطار لوجود سببه، ومن لم تتحقق عندها الرؤية فلا يلزمها ذلك لتخلف سببه كمواقيت الصلاة. وأما الأمر بالحديث فالخطاب فيه نسبي، فإن الأمر بالصوم أو الفطر موجه إلى من وجد عندهم الهلال، أما من لم يوجد عندهم هلال فإن الخطاب لا يتناولهم إلا حين يوجد
عندهم". (1/114)
صفحة 115
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وسئل الشيخ ابن منيع كما في مجموع فتاويه ج 2 ص 274: "أحدهم يسأل فيقول: مسلم أدركه رمضان في إحدى بلاد الإسلام فصام بصوم أهلها، ثم أدركه الفطر في بلاد إسلامية أخرى فأفطر بفطر أهلها، وهو لم يصم إلا ثمانية وعشرين يوما مع أنه لم يفطر في رمضان مطلقا، فما حكم صومه وفطره، وهل يلزمه شيء؟ ... ".
"
مخاطب
فأجاب بقوله: "الحمد الله صيامه بصيام أهل ذلك البلد الإسلامي الذي أدركه رمضان وهو فيه صحيح، وكذلك فطره بفطر أهل البلد الإسلامي الآخر الذي أهل عليه شهر شوال وهو فيه صحيح أيضا، وذلك لدخوله في عموم قوله: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" متفق عليه؛ إذ هو بخطاب أهل البلد الذي كان فيه عند دخول الشهر أو عند خروجه، فله حكم أهل ذلك البلد الذي أهل عليه فيه الشهر دخولا أو خروجا، وحيث إنه لم يصم إلا ثمانية وعشرين يوما، وحيث إن أقل شهر قمري تسعة وعشرون يوما، فإن الراجح والمشهور من أقوال أهل العلم -وهو المشهور في المذهب الحنبلي أن عليه قضاء يوم تكمل به عدة رمضان تسعة وعشرين يوما".
وقال ص 277: وقد بحث فقهاء المسلمين موضوع (1/115)
صفحة 116
المسألة
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
رؤية هلال رمضان وهل تعتبر رؤية بعض المسلمين الهلال رؤية للجميع أو أن لكل رؤيته؟، فكان لفقهاء المسلمين في هذه قولان هما ما ذكر، وصدر قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية بأن لكل حكومة إسلامية الحق في أن يختار أهل الحل والعقد فيها ما يرونه من تقليد غيرهم في إثبات
الرؤية أو الاستقلال منهم برؤية أهل بلدهم".
"
وقال أيضا ص 294: وسبق أن نُظرت هذه المسألة في إحدى دورات هيئة كبار العلماء في المملكة وأصدروا فيها قرارا يتضمن الإشارة إلى الخلاف القوي في المسألة، وإلى أن اختلاف البلدان الإسلامية في الصوم والفطر لا يترتب عليه شيء من المحاذير، وأن اختيار أحد القولين مما يختص به أهل الحل والعقد في كل بلد من علماء وولاة أما ما قيل بأن ذلك يترتب عليه صوم يوم يحرم صيامه أو فطر يوم واجب صيامه فليس كذلك؛ لأن العبرة في تعيين الصوم والفطر بما يتفق عليه أهل الحل والعقد في البلاد من الأخذ بأحد القولين حسب الرؤية الشرعية، والعلم عند الله تعالى، وهو المستعان".
"
وقال الأستاذ الدكتور عبد الله بن عبد العزيز الجبرين في شرح عمدة الفقه ص 571 - 572: "والأقرب أن أهل كل بلد لهم رؤيتهم .... والأقرب أنه إذا رئي الهلال لدخول الشهر (1/116)
صفحة 117
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
أو خروجه في بلد لم يجز لمن لا يوافقهم في مطالع الهلال العمل برؤية ذلك البلد لقوله تعالى: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، (البقرة: (185)، وقياسا على الاختلاف في وقت الإمساك ووقت الفطر لكل يوم بين شرق الأرض وغربها المجمع عليه بين أهل العلم".
خالد
وقال الدكتور عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار الله والدكتور إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الغصن والدكتور بن علي بن محمد المشيقح في تعليقهم على "الروض المربع شرح زاد المستقنع " ج 4 ص 273 - 275: "واستدل الجمهور بقوله تعالى: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، فالآية عامة، فدل على وجوب الصوم على الجميع عند تحقق مسمى الرؤية، ونوقش هذا الاستدلال من وجوه:
الأول: أن المقصود بشهود الشهر وجوب الصوم على من كان حاضرا غير مسافر صحيحا غير مريض لقوله تعالى:
ومن كان مريضا أو علَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ
أخر
والثاني: أنها خطاب لكل جماعة تشترك في مطلع الهلال
بدليل قوله: منكم. (1/117)
صفحة 118
118
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
والثالث: على تسليم العموم فإنها مخصوصة بالأدلة الدالة
على وجوب الصوم على من يوافق بلد الرؤية في المطلع دون
غيرهم.
واستدلوا أيضا بحديث ابن عمر "صوموا لرؤيته وأفطروا
11
لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له متفق عليه، ونوقش بالوجه الثاني والثالث من المناقشة الواردة على الآية.
وحجة الرأي الثاني حديث كريب" (فذكروا الحديث) إلى أن قالوا: "فدل هذا الحديث على انه لا يثبت دخول الشهر في البلد المخالف لبلد الرؤية في مطلع الهلال؛ لأن ابن عباس لم
يعتد برؤية معاوية ورفع ذلك إلى النبي ..
والأقرب ما ذهب إليه الشافعية لحديث كريب، ولم يثبت عن النبي عليه أنه كتب إلى من بعد من المدينة بشأن هلال رمضان أو شوال، ولو كانت رؤية البلد لازمة للجميع لكتب إليهم تعاونا على تحري الميقات، ولأن الصحابة والتابعين يبلغهم الخبر أثناء الشهر بتقدم رؤية بعض الأمصار، فلو كانت الرؤية لازمة للجميع لوجب القضاء، ولتوفرت الهمم على البحث عن رؤيته في سائر البلدان، ولكثر القضاء".
وقال الدكتور عبد العزيز بن صالح الشاوي في "أحكام الصيام والاعتكاف" ص 12: إذا رأى الهلال أهل بلد فلا يلزم (1/118)
صفحة 119
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
غيرهم الصيام أو الإفطار إلا مع اتحاد المطالع دون اختلافها". وقال الدكتور عبد الكريم النملة في "تيسير مسائل الفقه
شرح الروض المربع" ج 2 ص 348 - 349:
""
مسألة: إذا ثبتت رؤية هلال رمضان لأهل بلد فيجب على جميع المكلفين في هذا البلد والبلدان القريبة منه والمشتركين في مطلع الهلال أن يصوموا كمكة والمدينة، أو بغداد والبصرة أما البلدان البعيدة فلا يجب عليهم الصوم إلا إذا رأوا الهلال
مطلعه بأنفسهم من عندهم، هذا ما صححه النووي وابن تيمية
وغيرهما من محققي العلماء؛ لقاعدتين:
الأولى: الكتاب حيث قال تعالى: فَمَن شَهِدَ مِنكُم الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، فأوجب الشارع الصوم على من شهد هلال رمضان وعلى من هم في منزلتهم ممن يساويهم في مطلع الهلال، وهذا من اللوازم، أما أهل البلدان البعيدة فلا يجب عليهم الصوم حتى يشاهدوه بأنفسهم.
الثانية: السنة القولية حيث قال: " صوموا لرؤيته"، فأوجب الصوم عند وجود سببه، وهو رؤية الهلال، أما من لم
يره فلا
صوم
عليه لعدم وجود سببه، فإن قلت: لم شرع هذا؟،
قلت: لاختلاف التوقيت والمنازل حيث إن هذا قد أجمع العلماء (1/119)
صفحة 120
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
عليه كما ذكر النووي: أنه كلما تحركت الشمس درجة فذلك طلوع فجر عند قوم وطلوع شمس عند آخرين وغروبها عند فريق ثالث ونصف ليل عند فريق رابع وهكذا.
تنبيه: قوله: إن خطاب "صوموا" للأمة كاملة لا يسلم؛
إذ الراجح ما فصلناه".
وقال زيد بن محمد بن هادي المدخلي في "الأفنان الندية شرح منظومة السبل السوية لفقه السنن المروية" لناظمها الشيخ
حافظ
بن أحمد الحكمي ج 3 ص 135 - 136:
ان: وإن رئي في بلد هل يلزم بقية البلدان خلف لهم بعد اتفاقهم على لزوم وفاق أهله على العموم
الصوم:
ش: تضمن هذان البيتان مسألتين من مسائل كتاب
الأولى منهما اتفاق العلماء على أنه متى ثبتت رؤية هلال رمضان في بلد فقد لزم جميع أهل ذلك البلد الصيام، وقد أشار الناظم إلى هذه المسألة بقوله:
(بعد اتفاقهم على لزوم وفاق أهله على العموم) " المسألة الثانية: إذا رئي الهلال في بلد فهل يلزم بقية بلدان العالم الصيام برؤية أهل ذلك البلد أم لا؟ والجواب أن هذه (1/120)
صفحة 121
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
121
المسألة محل خلاف بين العلماء، وحاصله:
1. ذهب الفقهاء كالقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وإسحاق إلى أن لأهل كل بلد رؤيتهم، وحكاه الترمذي
عن أهل العلم و لم يحك سواه، واستدل هؤلاء بما رواه أحمد ومسلم والترمذي عن كريب -رضي الله عنه (فذكر الحديث).
-
2. وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه إذا رئي هلال رمضان في بلد لزم أهل البلاد كلها أن يصوموا لأن الخطاب في قوله: صوموا لرؤيته" الحديث عام لجميع المسلمين، ولأن رمضان ثبت دخوله فتثبت أحكامه، فوجب صيامه على
"
عموم المسلمين برؤية عدل منهم في أي مكان كان.
وفصل بعض الفقهاء كالشافعي في المشهور عنه، فقال: إن اختلفت المطالع فلكل قوم، مطلعهم، وإن اتفقت المطالع فحكم الجميع واحد في الصوم والإفطار، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو كما ترى اختيار وجيه لاختلاف زمن المطالع والمغارب لا سيما بالنسبة لأهل الشرق الأقصى والمغرب كذلك"
وقال الدكتور محمد جبر الألفي في بحث له بعنوان "منهجية إثبات الأهلة في ظل المتغيرات المعاصرة" نشر ضمن (1/121)
صفحة 122
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
مجلة البحوث الفقهية المعاصرة في العدد الثالث والسبعين ص 21: "وبناء على ذلك نقول: إن مسالة اعتبار اختلاف المطالع أو عدم اعتباره من المسائل الاجتهادية التي يسوغ الخلاف فيها، ولا يرجح الدليل أحد الاتجاهين على الآخر لتقارب الأدلة. ومع ذلك فإني أميل إلى الاتجاه الذي يعتبر اختلاف المطالع؛ لأنه يضم ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن وعكرمة والقاسم وسالم وإسحاق، وهو قول جمهور الشافعية، وقول في المذهب الحنبلي، وبه قال بعض الحنفية – الزيلعي - وبعض المالكية - منهم ابن عبد البر، وهذا المتبادر إلى الفهم من قول الرسول: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين"، ذلك أن الهلال لا يظهر في نفس الوقت لكل أهل الأرض، ولا يحجبه الغيم عن كل أهل الأرض، فتكون لكل بلد رؤيته، وفق الضوابط الآتية ... ".
منهم
وقال مفلح بن علي الشمري في "البدر التمام" ص 20 اختلاف المطالع على البلدان معمول به، ولكل بلد حكمه إلا إذا كان ممن ضمن ولاية شرعية فيكفي رؤية بعض البلاد عن بعض إذا قربت المسافة ولم يؤثر اختلاف الوقت اليسير (ضمن الأقاليم المتقاربة) أما إذا بعدت المسافة وتغيرت الأزمنة من ليل (1/122)
صفحة 123
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
ونهار فالصواب أن لكل بلد حكمه ولو كانت تحت ولاية
واحدة".
وقال خالد بن علي المرضي الغامدي في كتاب "الصيام مسائل وأحكام" ص 11: "هل" بلاد الإسلام لها رؤية واحدة أو لكل بلد رؤيته؟ والجواب لكل بلد رؤية تخصه لقصة ابن عباس مع الرجل القادم من الشام".
وقال الدكتور محمد المختار بن محمد الأمين الشنقيطي في "شرح زاد المستقنع ": "وإذا تعددت الأمصار كأن يكون رؤيته في المشرق هل يصوم أهل المغرب برؤية أهل المشرق أو لا يصومون؟ للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال، منهم من يقول كل أهل بلد يرجعون إلى رؤيتهم فمثلا أهل الجزيرة يرجعون إلى رؤيتهم إن رأوه لزمتهم الرؤية في خاصتهم ولا تلزم أهل الشام ولا تلزم أهل المغرب ولا أهل المشرق والعبرة في كل
مصر وقطر بحسبه وهذا دليله حديث ابن عباس رضي الله عنهما" فذكر الحديث ثم قال: "ففصل رؤية بلده عن رؤية غيرهم، قالوا: فهذا يدل على أن كل قطر ومنطقة بحسبها، وهذا هو الذي تدل عليه الرواية الصحيحة في قول ابن عباس رضي الله عنهما، ويدل عليه الأصل؛ لأن المطالع مختلفة والمنازل متباعدة، بل قد يكون هناك فرق بين البلدين بقدر يومين (1/123)
صفحة 124
124
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
فحينئذ يصعب أن تلزم أهل المشرق بأهل المغرب، فلما وجد التفاوت دل على أنه لا يمكن جعلهم بمثابة المكان الواحد؛ إذ لو قلت: إن قوله عليه الصلاة والسلام -: "صوموا لرؤيته" على العموم فمعنى ذلك أن يصوم أهل الأرض كلهم برؤية بلد واحد بل رؤية قرية واحدة وهذا لا شك أنه غير وارد؛ لأنه قد يكون في بلد اليوم ثمانية وعشرين ويكون في بلد في المغرب اليوم الثلاثين فيكون الفارق يومان ولا يمكن بحال أن تقول لأهل اليوم الثمانية وعشرين أن يصوموا برؤية الذين هم من بعدهم وعلى هذا قالوا: كل بلد يعتد برؤيته.
القول الثاني: أن رؤية البلد الواحد رؤية للجميع واحتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته قالوا: وهذا يدل على أن الجميع تكون رؤيتهم
واحدة.
11
القول الثالث: التفصيل، قالوا: إذا تقاربت الأماكن وكانت المنزلة واحدة فإنه يصام برؤية البلد الواحد والعكس بالعكس، وقالوا: لأنهم إذا كانوا في منزلة واحدة أمكننا أن نلزمهم بقوله: صوموا لرؤيته" أي نلزمهم بالعموم، والذي يترجح والعلم عند الله - أن لكل أهل بلد رؤيتهم؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قصد من قوله: صوموا لرؤيته" أن رؤية الرجل الواحد
"
" (1/124)
صفحة 125
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
في البلد الواحد رؤية لجميعه، وليس المراد أنها رؤية لجميع من في الأرض ولا يختلف اثنان أن الليل يكون هنا والنهار يكون عند غيرنا، وتتفاوت الأماكن يوما ويومين ولذلك لا يمكننا أن
"
نقول: إن حديث صوموا لرؤيته على العموم، يقول العلماء: إن العموم قد يخص بدلالة الحس وقد يدل الحس على تخصيصه، يمثل لها علماء الأصول بقوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ
ربها، وقالوا: وهذ العموم مخصص بالحس؛ لأنها ما دمرت كل شيء، وإنما دمرت كل شيء عذابا ونكالا، وإلا كان ما دمرت الأرض؛ لأنه قال: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ، وهذا عام يشمل كل شيء في الأرض، ومع ذلك قالوا: هذا العام مخصص بدلالة الحس بدليل الوجود، كذلك دليل الحس عندنا هنا لا يمكننا أن نقول: إن رؤية بلد رؤية للجميع، وهذه المسألة يقع فيها خطأ كثير وخلط كبير وكذلك تجد المسلمين في مشرق الأرض ينقسمون قرابة ثلاث فرق فرقة تقول: نصوم مع بلد وفرقة تقول: نصوم ببلد كذا وفرقة تقول لا نصوم لا ببلد كذا ولا بلد كذا ولا بغيره، بل نصوم برؤيتنا.
كذا،
والصحيح الذي يظهر - والله أعلم من خلال النصوص وسنة النبي وهديه التي تقطع النزاع أن كل بلد ملزمون بالرؤية، فإذا رأوا الهلال فالحمد الله، وحينئذ يلزمهم ما يلزم (1/125)
صفحة 126
126
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
الرائي من صيام ذلك الشهر، وأما إذا لم يروا الهلال فهم باقون على الأصل؛ لأن النبي الله قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم ... "، فنجعل لكل بلد رؤيتهم ولو أن كل منطقة تراءت الهلال مثلا منطقة المشرق تتراءاه ومنطقة المغرب تتراءاه فإن ثبت عندهم فبها ونعمت وإن لم يثبت أكملوا العدة فكل على خير، أما لو قلنا: إن رؤية بلد هي رؤية لغيره يتنازعون هل هذا البلد أو نتبع هذا البلد هل نعتد بهذه الرؤية أو هذه الرؤية، ولذلك تقع كثير من الفتن وتقع كثير من المشاكل بسبب جعل الرؤية الواحدة رؤية للجميع، والذي يظهر من
نتبع
خلال السنة خاصة حديث ابن عباس الذي قال فيه الـ "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" يقول: لا نفى هذا، وقال: هكذا أمرنا رسول الله الله فصار تفسيرا لقوله: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" أي صوموا يا أهل الشام لرؤيتكم وصوموا يا أهل الحجاز لرؤيتكم، فجعل لكل أهل منطقة رؤيتهم، وهذا الذي يندفع به الإشكال ويزول به اللبس إذا جعل لكل بلد رؤيتهم المعتبرة، وحينئذ إذا رأوا الهلال عملوا بالرؤية، وإذا لم يروه أكملوا العدة ثلاثين يوما، وذكر هذه المسألة أيضا في "شرح العمدة" وذكر فيها نحوا مما ذكره هنا ثم قال: "إضافة إلى أن التحري في الرؤية قد يكون فيه التساهل في بعض البلدان فإلزام المسلمين بتساهل البعض مع وجود الحيطة عند البعض (1/126)
صفحة 127
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
127
أمر فيه نظر لذلك فإن الذي تطمئن إليه النفس وتميل إليه من
ظاهر السنة أن لكل بلد رؤيته".
الأيتوبي
وقال الشيخ محمد بن علي بن آدم بن موسى اللولوي في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" ج 20 ص 281 - 283: "المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في حكم اختلاف
المطالع:
قال النووي -رحمه الله تعالى- في "شرح مسلم": (باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم فيه حديث كريب عن ابن عباس، وهو ظاهر الدلالة للترجمة، والصحيح عند أصحابنا أن الرؤية لا تعم الناس، بل تختص بمن قرب على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، وقيل: إن اتفق المطالع لزمهم، وقيل: إن اتفق الإقليم وإلا فلا، وقال بعض أصحابنا: تعم الرؤية في موضع جميع أهل الأرض، فعلى هذا نقول: إنما لم يعمل ابن عباس بخبر كريب؛ لأنه شهادة فلا تثبت بواحد لكن ظاهر حديثه أنه لم يرده لهذا،
وإنما رده لأن الرؤية لم يثبت حكمها في حق البعيد. انتهى. وقال الحافظ في "الفتح": وقد اختلف العلماء في ذلك
على مذاهب
(أحدها: أن لأهل كل بلد رؤيتهم، وفي "صحيح (1/127)
صفحة 128
128
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
مسلم من حديث ابن عباس ما يشهد له، وحكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق، وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سواه، وحكاه الماوردي وجها للشافعية. (الثاني): مقابله: وهو أنه إذا رئي ببلدة لزم أهل البلاد كلها، وهو المشهور عند المالكية، لكن حكى ابن عبد البر الإجماع على خلافه، وقال: أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلاد كخراسان والأندلس. قال القرطبي: قد قال شيوخنا إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم. وقال ابن الماجشون: لا يلزمهم بالشهادة إلا لأهل البلد الذي يثبت فيه الشهادة إلا أن يثبت عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم؛ لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد إذ حكمه نافذ في الجميع.
وقال بعض الشافعية: إن تقاربت البلاد كان الحكم واحدا، وإن تباعدت فوجهان: لا يجب عند الأكثر، واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب وحكاه البغوي عن الشافعي.
وفي ضبط البعد أوجه: (أحدها) اختلاف المطالع قطع به العراقيون والصيدلاني وصححه النووي في "الروضة" و "شرح المهذب". ثانيها): مسافة القصر قطع به الإمام والبغوي وصححه الرافعي في "الصغير"، والنووي في "شرح مسلم". (1/128)
صفحة 129
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
129
(ثالثها): اختلاف الأقاليم (رابعها) حكاه السرخسي فقال: يلزم كل بلد لا يتصور خفاؤه عنهم بلا عارض دون غيرهم.
(خامسها قول ابن الماجشون المتقدم. ذكره في الفتح.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأرجح هو القول
باعتبار اختلاف المطالع.
وحاصله أن لكل أهل بلد تختلف مطالعهم لهم رؤيتهم الخاصة بهم؛ لأن حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- ظاهر في الدلالة عليه، وأيضا اختلاف المطالع معتبر في أوقات الصلاة وخروجها بلا خلاف فلا تجب صلاة الظهر مثلا على جميع أهل الأرض بالزوال في بلد من البلدان، وإنما تلزم من زالـ عنده فقط، فكذلك هنا من دون فرق، والله تعالى أعلم.
وقد أطال الشوكاني في نيل الأوطار" في رد قول ابن عباس، وأنه اجتهاد منه، فأتى في ذلك بما يتعجب منه؛ حيث يرد على ابن عباس -رضي الله عنهما- بدون دليل مقنع، فتأويل قوله: "هكذا أمرنا رسول الله " بأنه أراد قوله: صوموا لرؤيته ... " تأويل بارد، وتعسف كاسد، فابن عباس – الله عنهما - من أهل اللسان والفقه، وقد أخبر أنه أمرهم هكذا، فالظاهر أنه أمرهم بأن لا يصوموا برؤية البلدان النائية، حتى يروا بأنفسهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
"
رضي (1/129)
صفحة 130
المرجع والمآب".
فقد
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وقال الحسن بن أحمد الجلال في "ضوء النهار المشرق على صفحات الأزهار" ج 2 ص 420 - 421: " ... إلا إن تتباعد النواحي تباعدا يصحح عدم اعتبار رؤية ناحية للأخرى صحح الإمام يحيى للمذهب أنه إذا تباعد قطران مسافة قصر واختلفا ارتفاعا وانحدارا قيل أو كان كل واحد منهما إقليما لم تعتبر الرؤية في أحدهما للأخر؛ لقول ابن عباس -رضي الله عنهما- في المدينة عند مسلم وأبي داود والترمذي والنسائي، وقد قال له كريب إن معاوية والناس رأوا الهلال في الشام ليلة الجمعة فصاموها، ولم يره أهل المدينة إلا ليلة السبت فصاموه، فقال ابن عباس: لا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، فقال كريب: أولا تكتفي برؤية معاوية والناس؟، قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم".
وقال الصنعاني في حاشيته "منحة الغفار على ضوء النهار" ج 2 ص 421: قوله (لا) هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) أقول: اعلم أن قوله: لا اكتفاء بالنافي عن المنفي أي لا تكتفي برؤية معاوية والناس، وعلل عدم الاكتفاء بأمره -صلى الله عليه وآله وسلم، ومعلوم أنه لم يرد عنه - صلى الله عليه وآله وسلم - لفظ واحد في عدم الاكتفاء برؤية (1/130)
صفحة 131
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
أئمة
معاوية بخصوصه وناس من بلد الشام لهلال رمضان، فالإشارة إلى أمر عام دخلت فية مسألة كريب دخول خاص تحت عام، وهو إما عدم الاكتفاء برؤية أهل جهة عن جهة أخرى فنسب الأمر بعدم الاكتفاء إليه صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا منهم فيكون دليلا لما ذكر، وقد رفعه ابن عباس لتصريح الأصول أن قول الصحابي: أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم مرفوع عند الجماهير، وإن لم يعرف صيغة الأمر الوارد بما ذكره ذلك الصحابي عنه صلى الله عليه وآله وسلم، هذا الواضح من السياق.
وأما القول بأنه أراد ابن عباس: لا نكتفي برؤية معاوية والناس لكون المخبر عنهم واحدا فبعيد جدا لا يفيده السياق؛ لأنه ينبني على عدم قبول رواية الآحاد؛ لأنه يقول: أنت واحد مخبر عن رؤية جماعة فلا نكتفي بخبرك وحدك؛ لأنا لا نقبل الآحاد، وأبعد هذا أن المراد: أنت راء وحدك ولا نكتفي من برؤيتك وحدك بل لا بد من رؤية اثنين أما بعد الأول فلأنه لا يعرف عن ابن عباس -رضي الله عنه- أنه لا يقبل الآحاد، ولأنه يكون التعليل غير مطابق للدعوى؛ لأنه قال لا نكتفي برؤية معاوية والناس لأن راويها عنهم واحد، وكان الأظهر أن يقول: لا نكتفي برؤيتك وحدك عنهم؛ لأنه أمرنا رسول الله – (1/131)
صفحة 132
132
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
عنه- هو
صلى الله عليه وآله وسلم- أن لا نقبل خبر الآحاد مطلقا في أي مخبر عنه أو في هلال رمضان، وابن عباس -رضي الله الذي روى خبر الأعرابي الذي شهد وعمل به النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، وأمر الناس بالصيام اكتفى بها، و به تعرف بطلان قول من ذهب إلى أن رد ابن عباس كان لذلك كما في " البحر" و"حاشية "المنار"، وأما بعد الثاني فلأنه قال: لا، أي لا يكتفي برؤية معاوية والناس فإنه لا يخفى أن هذه الجملة هي المنفية فلا يطابق؛ لأنك رأيته، فإن كريبا إنما سأل عن برؤية معاوية والناس وإن كان كريب داخلا في الناس إلا أنه ما تعرض لرؤية نفسه، وبهذا تعرف أن أظهر الاحتمالات
الأول".
"
الاكتفاء
وقال في سبل" "السلام" ج 2 ص 422: "وقيل: لا يعتبر؛ لأن قوله: "إذا رأيتموه" خطاب لأناس مخصوصين به، وفي المسألة أقوال ليس على أحدها دليل ناهض، والأقرب لزوم أهل
بلد الرؤية وما يتصل بها من الجهات التي على سمتها".
وبهذا صدر القرار السابع من قرارات مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة في الفترة من 7 إلى 17 من شهر ربيع سنة 1401 هـ دورته الرابعة كما في قرارات المجمع ص 82 - 83:
في (1/132)
صفحة 133
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
"1
عدمه الأهلة
بيان توحيد
الحمد
الله
بعده ... أما بعد:
لقد درس
من
133
وحده والصلاة والسلام على من لا نبي
المجمع الفقهي الإسلامي مسألة اختلاف المطالع في بناء الرؤية عليها فرأى أن الإسلام بني على أنه دين يسر وسماحة تقبله الفطرة السليمة والعقول المستقيمة لموافقته للمصالح، ففي مسألة الأهلة ذهب إلى إثباتها بالرؤية البصرية لا على اعتمادها على الحساب كما تشهد به الأدلة الشرعية القاطعة كما ذهب إلى اعتبار اختلاف المطالع لما في ذلك التخفيف على المكلفين مع كونه هو الذي يقتضيه النظر الصحيح فما يدعيه القائلون من وجوب الاتحاد في يومي الصوم والإفطار مخالف لما جاء شرعا وعقلا.
من
أما شرعا فقد أورد أئمة الحديث حديث كريب وهو: أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال: فقدمت الشام، فقضيت حاجتها، فاستهل علي شهر رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله الله بن عباس -رضي عنهما- ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت نعم ورآه الناس وصاموا وصام (1/133)
صفحة 134
134
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
،معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه فقلت: أولا نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟، فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله " (رواه مسلم في
صحيحه).
وقد ترجم الإمام النووي على هذا الحديث في شرحه على صحيح مسلم بقوله: (باب) بيان أن لكل بلد رؤيتهم وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم، ولم يخرج
عن
من
أصحاب الكتب
هذا المنهج من أخرج هذا الحديث الستة أبي داود والترمذي والنسائي في تراجمهم له.
وناط الإسلام الصوم والإفطار بالرؤية البصرية دون غيرها لما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما- قال قال رسول الله: " لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له، رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما. فهذا الحديث علق الحكم بالسبب الذي هو الرؤية وقد توجد في بلد كمكة والمدينة ولا توجد في بلد آخر فقد يكون زمانها نهارا عند آخرين فكيف يؤمرون بالصيام أو الإفطار أفاده في بيان" الأدلة في إثبات الأهلة". وقد قرر العلماء من كل المذاهب أن اختلاف المطالع هو المعتبر عند كثير، فقد روى ابن عبد البر الإجماع على ألا تراعى الرؤية فما تباعد من
" (1/134)
صفحة 135
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
البلدان كخراسان من الأندلس ولكل بلد حكم يخصه، وكثير من كتب أهل المذاهب الأربعة طافحة بذكر اعتبار اختلاف
المطالع للأدلة القائمة من الشريعة بذلك وتطالعك الكتـ الكتب
الفقهية بما يشفي الغليل.
وأما عقلا فاختلاف المطالع لا اختلاف لأحد من العلماء فيه؛ لأنه من الأمور المشاهدة التي يحكم بها العقل فقد توافق الشرع والعقل على ذلك فهما متفقان على بناء كثير من الأحكام على ذلك التي منها أوقات الصلاة، ومراجعة الواقع تطالعنا أن اختلاف المطالع من الأمور الواقعية. وعلى ضوء ذلك قرر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي أنه لا حاجة إلى الدعوة إلى توحيد الأهلة والأعياد في العالم الإسلامي؛ لأن توحيدها لا يكفل وحدتهم كما يتوهمه كثير من المقترحين لتوحيد الأهلة والأعياد، وأن تترك قضية إثبات الهلال إلى دور الإفتاء والقضاء في الدول الإسلامية؛ لأن ذلك أولى وأجدر بالمصلحة الإسلامية العامة وأن الذي يكفل توحيد الأمة وجمع كلمتها هو اتفاقهم على العمل بكتاب الله وسنة رسوله في جميع شئونهم، والله ولي التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم".
هذا وقد ذهب بعض أهل العلم من القائلين بعدم تأثير (1/135)
صفحة 136
136
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
اختلاف المطالع إلى أنه يجب على من كان في بلد أن يصوم ويفطر ويضحي مع أهل بلده، ولو ثبتت الرؤية في بلد آخر قبل ذلك البلد، وإليك بعض أقوالهم في ذلك:
قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز كما في "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة ج 15 ص 90 - 96 بعد كلام:
"الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله
اهتدى بهداه، أما بعد:
وأصحابه ومن فقد سألني كثير من الإخوان عن حكم الاعتماد على الإذاعة في الصوم والإفطار، وهل هذا يوافق الحديث الصحيح: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته الحديث. وهل إذا ثبتت الرؤية بشهادة عدل في دولة مسلمة يجب على الدولة المجاورة لها الأخذ بذلك؛ وإذا قلنا بذلك فما دليله وهل يعتبر اختلاف
المطالع؟
والجواب عن هذه الأسئلة أن يقال: قد ثبت عن رسول الله من طرق كثيرة أنه قال: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين"، وفي لفظ آخر: "فأكملوا العدة ثلاثين يوما، وفي رواية أخرى: "فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما". (1/136)
صفحة 137
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
137
وثبت عنه الله أنه قال: "لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة"، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وهي تدل على أن المعتبر في ذلك هو الرؤية أو إكمال العدة، أما الحساب فلا يعول عليه، وهذا هو الحق، وهو إجماع من أهل العلم المعتد
بهم.
وليس المراد من الأحاديث أن يرى كل واحد الهلال بنفسه وإنما المراد ثبوت ذلك بشهادة البينة العادلة، وقد خرج أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما- قال: "تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي له الا الله أني رأيته فصام وأمر الناس بالصيام". إلى أن قال: ومن هذا يتضح أن المراد بالرؤية هو ثبوتها بطريقها الشرعي، وليس المراد أن يرى الهلال كل أحد، فإذا أذاعت الدولة المسلمة المحكمة لشريعة الله كالمملكة العربية السعودية أنه ثبت لديها رؤية هلال رمضان أو هلال شوال أو
11
هلال ذي الحجة فإن على جميع رعيتها أن يتبعوها في ذلك. وعلى غيرها أن يأخذ بذلك عند جمع كثير من أهل العلم؛ لعموم قول النبي: "الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" رواه البخاري (1/137)
صفحة 138
138
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
في صحيحه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وأخرجه مسلم بلفظ: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمي عليكم فاقدروا له ثلاثين، وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة – أن النبي الله قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين"، وأخرجه مسلم بهذا اللفظ لكن قال: فإن أغمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين" فإن ظاهر هذه الأحاديث وما جاء في معناها
رضي
!!
الله عنه -
يعم جميع
يعم
الأمة.
ونقل النووي -رحمه الله - في شرح المهذب عن الإمام ابن المنذر -رحمه الله -: أن هذا هو قول الليث بن سعد والإمام الشافعي والإمام أحمد رحمة الله عليهم، قال يعني ابن المنذر: ولا أعلمه إلا قول المدني والكوفي يعني مالكا وأبا حنيفة رحمهم الله" انتهى. انتهى. قال جمع من العلماء إنما حكم الرؤية إذا اتحدت المطالع، أما إذا اختلفت فلكل أهل مطلع رؤيتهم. وحكاه الإمام الترمذي -رحمه الله - عن أهل العلم، واحتجوا على ذلك بما خرجه مسلم في صحيحه عن ابن عباس -رضي الله عنهما - أن كريبا قدم عليه في المدينة من الشام في آخر، رمضان، فأخبره أن الهلال رئي في الشام ليلة الجمعة، وأن معاوية والناس صاموا بذلك فقال ابن عباس: "لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نراه أو نكمل العدة"، فقال له (1/138)
صفحة 139
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
139
كريب: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه فقال: لا، هكذا أمرنا
رسول الله ".
قالوا: فهذا يدل على أن ابن عباس يرى أن الرؤية لا تعم، وأن لكل أهل بلد رؤيتهم إذا اختلفت المطالع، وقالوا: إن المطالع في منطقة المدينة غير متحدة مع المطالع في الشام، وقال آخرون: لعله لم يعمل برؤية أهل الشام؛ لأنه لم يشهد بها عنده إلا كريب، وحده والشاهد الواحد لا يعمل بشهادته في الخروج، وإنما يعمل بها في الدخول.
وقد عرضت هذه المسألة على هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في الدورة الثانية المنعقدة في شعبان عام 1392 هـ فاتفق رأيهم على أن الأرجح في هذه المسألة التوسعة في هذا الأمر وذلك بجواز الأخذ بأحد القولين على
يراه اه علماء البلاد.
ما حسب قلت: وهذا قول وسط وفيه جمع بين الأدلة وأقوال أهل العلم. إذا علم ذلك، فإن الواجب على أهل العلم في كل بلد أن يعنوا بهذه المسألة عند دخول الشهر وخروجه وأن يتفقوا على ما هو الأقرب إلى الحق في اجتهادهم، ثم يعملوا بذلك ويبلغوه الناس، وعلى ولاة الأمر لديهم وعامة المسلمين متابعتهم في ذلك ولا ينبغي أن يختلفوا في هذا الأمر؛ لأن ذلك يسبب (1/139)
صفحة 140
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
انقسام الناس وكثرة القيل والقال؛ إذا كانت الدولة غير
إسلامية.
أما الدول الإسلامية فإن الواجب عليها اعتماد ما قاله
أهل العلم، وإلزام الناس به من صوم أو فطر، عملا بالأحاديث المذكورة، وأداء للواجب، ومنعا للرعية مما حرم ومعلوم أن الله
الله عليها.
يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وأسأل الله أن
يوفقنا وجميع المسلمين للفقه في الدين والثبات عليه والحكم به والتحاكم إليه والحذر مما يخالفه إنه جواد كريم. وصلى الله
وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.
وقال ص 98 - 99: "أما ما أشرتم إليه من أن بعض المملكة،
الموظفين في السفارة السعودية في باكستان صام مع والبعض منهم صام مع أهل البلد بالباكستان بعد المملكة بثلاثة أيام، وسؤالكم عن الحكم في ذلك فقد فهمته والجواب: الظاهر من الأدلة الشرعية هو أن كل إنسان يقيم في بلد يلزمه الصوم أهلها؛ لقول النبي الله: " الصوم يوم تصومون، والإفطار يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون، ولما علم من الشريعة من الأمر بالاجتماع والتحذير من الفرقة والاختلاف؛ ولأن المطالع تختلف باتفاق أهل المعرفة كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وبناء على ذلك فالذي صام من موظفي السفارة في (1/140)
صفحة 141
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
الباكستان
مع الباكستانيين أقرب إلى إصابة الحق ممن صامه
مع
السعودية؛ لتباعد ما بين البلدين ولاختلاف المطالع فيها، ولا
شك أن صوم المسلمين جميعا برؤية الهلال أو إكمال العدة في أي بلد من بلادهم هو الموافق لظاهر الأدلة الشرعية، ولكن إذا لم يتيسر ذلك فالأقرب هو ما ذكرنا آنفا، والله ب هو ما ذكرنا آنفا، والله سبحانه ولي
التوفيق.
وسئل ص 102 - 1: "أنا رجل مصري الجنسية أعمل في العراق، سبق أن أفطرت اليوم الأخير من رمضان بالعراق بعد سماعي بثبوت الهلال في إذاعة المملكة العربية السعودية، وفي إذاعة سوريا وغيرهما. وقد أفطرت بناء على ذلك. علما بأنني أعرف أن البلد الذي أقيم به مازال أهله صائمين. فما الحكم في ذلك وما السبب في اختلاف الناس في رمضان؟ ".
11
"
فأجاب بقوله: عليك أن تبقى مع أهل بلدك، فإن صاموا فصم معهم وإن أفطروا فأفطر معهم؛ لقول النبي: الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون"، ولأن الخلاف شر فالواجب عليك أن تكون مع أهل بلدك فإذا أفطر المسلمون في بلدك فأفطر معهم وإذا صاموا
فصم معهم. أما السبب في الاختلاف فهو أن البعض يرى الهلال (1/141)
صفحة 142
142
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
والبعض لا يرى الهلال ثم الذين يرون الهلال قد يثق بهم الآخرون ويطمئنون إليهم ويعملون برؤيتهم، وقد لا يثقون بهم ولا يعملون برؤيتهم فلهذا وقع الخلاف. وقد تراه دولة وتحكم به وتصوم لذلك أو تفطر، والدولة الأخرى لا تقتنع بهذه الرؤية ولا تثق بالدولة؛ لأسباب كثيرة، سياسية وغيرها.
فالواجب على المسلمين أن يصوموا جميعا إذا رأوا الهلال ويفطروا برؤيته لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتم الهلال فأفطروا، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" فإذا اطمأن الجميع إلى صحة الرؤية وأنها رؤية حقيقية ثابتة، فالواجب الصوم بها والإفطار بها، لكن إذا اختلف الناس في الواقع ولم يثق بعضهم ببعض، فإن عليك أن تصوم مع المسلمين في بلدك وعليك أن تفطر معهم، عملا بقوله الصوم يوم تصومون، والإفطار يوم تفطرون، والأضحى
يوم تضحون".
وثبت عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن كريبا لما أخبره أن أهل الشام قد صاموا يوم الجمعة قال ابن عباس: نحن رأيناه يوم السبت فلا نزال نصوم حتى نرى الهلال أو نكمل ثلاثين، ولم يعمل برؤية أهل الشام لبعد الشام عن المدينة واختلاف المطالع بينهما، ورأى رضي الله عنهما- أن هذا (1/142)
صفحة 143
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
143
محل اجتهاد، فلك أسوة بابن عباس ومن قال بقوله من العلماء
في الصوم مع أهل بلدك والفطر معهم، والله ولي التوفيق". وسئل: "إذا ثبت دخول شهر رمضان في إحدى الدول الإسلامية كالمملكة العربية السعودية وأعلن ذلك ولكنه في الدولة التي أقيم بها لم يعلن عن دخول شهر رمضان فما الحكم هل نصوم. بمجرد ثبوته في المملكة أم نفطر معهم ونصوم معهم متى أعلنوا دخول شهر، رمضان وكذلك بالنسبة لدخول شهر شوال (أي يوم العيد ما الحكم إذا اختلف الأمر في الدولتين؟ وجزاكم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء".
فأجاب بقوله: على المسلم أن يصوم مع الدولة التي هو فيها ويفطر معها؛ لقول النبي الله: "الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون". وبالله التوفيق". وسئل ص 103 - 10: ذكرتم أن الرؤية في الباكستان لهلال رمضان وشوال تتأخر بعد السعودية يومين وسألتم هل تصومون مع السعودية أو مع الباكستان؟ ".
فأجاب بقوله: الذي يظهر لنا من حكم الشرع المطهر أن الواجب عليكم الصوم مع المسلمين لديكم؛ لأمرين: أحدهما: قول النبي: "الصوم يوم تصومون، والفطر (1/143)
صفحة 144
144
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
يوم تفطرون، والأضحى يوم "تضحون خرجه أبو داود وغيره بإسناد حسن، فأنت وإخوانك مدة وجودكم في الباكستان ينبغي أن يكون صومكم معهم حين يصومون وإفطاركم معهم حين يفطرون؛ لأنكم داخلون في هذا الخطاب، ولأن الرؤية تختلف بحسب اختلاف المطالع، وقد ذهب جمع من أهل العلم ابن عباس -رضي الله عنهما - إلى أن لأهل كل بلد
منهم
رؤيتهم.
الأمر الثاني: أن في مخالفتكم المسلمين لديكم في الصوم والإفطار تشويشا ودعوة للتساؤل والاستنكار وإثارة للنزاع والخصام، والشريعة الإسلامية الكاملة جاءت بالحث على الاتفاق والوئام والتعاون على البر والتقوى وترك النزاع والخلاف؛ ولهذا قال تعالى: وَأَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا
ولَا تَفَرَّقُوا.
وقال النبي له لما بعث معاذا وأبا موسى -رضـ عنهما - إلى اليمن: بشرا" ولا تنفرا" وتطاوعا ولا تختلفا "".
"
الله
وقال ص 113 - 114: "هذا وينبغي الانتباه إلى أن اختلاف المطالع من المسائل التي حصل فيها الاختلاف بين أهل العلم، وقد درستها هيئة كبار العلماء في إحدى دوراتها السابقة واتخذت قرارا بالأكثرية مضمونه: أن الأرجح قول من قال: إن (1/144)
صفحة 145
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
145
لكل بلد رؤيته وعليهم أن يرجعوا إلى علمائهم في ذلك عملا بما رواه مسلم في صحيحه من حديث كريب عن ابن عباس ونصه عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية في الشام، قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة آخر الشهر فسألني عبد بن عباس، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟، فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟، فقلت نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل الثلاثين أو نراه، فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية؟ فقال: لا، هكذا أمرنا
رسول الله ". اهـ.
الله
فأما قول من مكة خاصة، فلا أصل له ولا دليل عليه، ويلزم منه أن لا
قال إنه ينبغي أن يكون المعتبر رؤية هلال
يجب الصوم على من ثبتت رؤية الهلال عندهم من جهات أخرى إذا لم ير الهلال بمكة".
سكان
وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (1) ج 10 ص 96 - 98: "نسمع من المذياع خبر بدء الصيام في المملكة العربية السعودية في وقت لم نر فيه الهلال في ساحل
(1) اللجنة مختلفة فيما بينها في مسألة اعتبار اختلاف المطالع في دخول الشهر. (1/145)
صفحة 146
146
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
العاج ولا في غينيا ولا في مالي ولا في السنغال رغم العناية برؤيته، ومن أجل ذلك يقع الاختلاف بيننا، فمنا من يصوم اعتمادا على ما سمع من، الإذاعة وهم قليل، ومنا من ينتظر حتى يرى الهلال في بلادنا؛ عملا بقوله تعالى: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وبقوله: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، وبقوله: "لكل" قطر رؤيته، وقد بلغ الجدال أشده بين الفريقين. فأفتونا في ذلك".
فأجابت: "اختلاف مطالع الأهلة الأمور التي علمت من
بالضرورة حسا وعقلا، ولم يختلف في هذا أحد من
المسلمين
ولا غيرهم، وإنما وقع الاختلاف بين علماء المسلمين في اعتبار
هذا أن هذه المسألة وسبب
اختلاف المطالع في ابتداء صوم شهر رمضان والفطر منه، وعدم اعتباره في ذلك؛ من المسائل النظرية التي للاجتهاد فيها مجال ولذا اختلف علماء الإسلام فيها قديما وحديثا على قولين فمنهم من رأى اعتبار اختلاف المطالع في ابتداء صوم الشهر ونهايته ومنهم من لم ير اعتباره في ذلك، واستدل كل فريق بأدلة من الكتاب والسنة والقياس، وربما استدل الفريقان بالنص الواحد كاشتراكهما في الاستدلال بقوله تعالى: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وقوله تعالى: يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ، وبقوله (1/146)
صفحة 147
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
147
صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" إلخ، وغير هذا من النصوص، وذلك لاختلاف الفريقين في فهم النصوص وسلوك كل منهما طريقا في الاستدلال بها، ولم يكن لهذا الاختلاف أثر بينهم سيء تخشى عاقبته لحسن قصدهم واحترام كل مجتهد منهم اجتهاد الآخر، وحيث اختلف السابقون من أئمة الفقهاء في هذه المسألة وكان لكل أدلته، فعليكم إذا ثبت لديكم بالإذاعة أو غيرها ثبوت الرؤية في غير مطلعكم أن تجعلوا الأمر بالصيام أو عدمه إلى ولي الأمر العام لدولتكم، فإن حكم بالصيام أو عدمه وجبت عليكم طاعته، فإن حكم الحاكم يرفع الخلاف في مثل هذا، وعلى هذا تتفق الكلمة على الصيام أو عدمه تبعا لحكم رئيس دولتكم وتنحل المشكلة.
أما كلمة لكل) قطر (رؤيته فليست حديثا عن وإنما هي من قول الفريق الذي يعتبر اختلاف مطالع الهلال في ابتداء صوم شهر رمضان وفي نهايته".
وسئلت ص 98 - 100: إنه من غير الممكن رؤية الهلال 1: بالعين المجردة قبل أن يصبح عمره ثلاثين ساعة، وبعد ذلك فإنه من غير الممكن رؤيته بسبب حالة الجو، آخذين بعين الاعتبار هذا الوضع، فهل يمكن لسكان انجلترا استعمال المعلومات الفلكية لهذه البلاد في حساب الموعد المحتمل لرؤية القمر الجديد (1/147)
صفحة 148
148
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وموعد بدء شهر رمضان أم يجب علينا رؤية القمر الجديد قبل بدئنا بصوم شهر رمضان المبارك؟ ".
فأجابت: تجوز الاستعانة بآلات الرصد في رؤية الهلال ولا يجوز الاعتماد على العلوم الفلكية في إثبات بدء شهر رمضان المبارك أو الفطر؛ لأن الله لم يشرع لنا ذلك، لا كتابه ولا في سنة نبيه الله، وإنما شرع لنا إثبات بدء شهر رمضان ونهايته برؤية هلال شهر رمضان في بدء الصوم ورؤية هلال شوال في الإفطار والاجتماع لصلاة عيد الفطر، وجعل الأهلة مواقيت للناس وللحج، فلا يجوز لمسلم أن يوقت بغيرها شيئا من العبادات من صوم رمضان والأعياد وحج البيت، والصوم في كفارة القتل خطأ وكفارة الظهار ونحوها، قال الله تعالى: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وقال تعالى: يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَج،
"
وقال الله: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غـ غم عليکم فأكملوا العدة ثلاثين، وعلى ذلك يجب على من لم ير الهلال في مطلعهم في صحو أو غيم أن يتموا العدة ثلاثين إن لم يره غيرهم في مطلع آخر فإن ثبت عندهم رؤية الهلال في غير مطلعهم لزمهم أن يتبعوا ما حكم به ولي الأمر العام المسلم في بلادهم من الصوم أو الإفطار؛ لأن حكمه في مثل هذه المسألة (1/148)
صفحة 149
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
149
يرفع الخلاف بين الفقهاء في اعتبار اختلاف المطالع وعدم اعتباره، فإن لم يكن ولي أمرهم الحاكم في بلادهم مسلما
الصوم
عملوا بما يحكم به مجلس المركز الإسلامي في بلادهم من تبعا لرؤية الهلال في غير مطلعهم أو الإفطار؛ عملا باعتبار
اختلاف المطالع".
وسئلت ص 102 - 104: "هل يمكن أن يصوم أهل
أفريقيا برؤية أهل مكة؟ ".
فأجابت: "قد" صدر" بهذه المسألة قرار من هيئة كبار
العلماء في المملكة العربية السعودية هذا مضمونه:
أولا: اختلاف مطالع الأهلة الأمور التي علمت من بالضرورة حسا وعقلا و لم يختلف فيها أحد من العلماء، وإنما ولم وقع الاختلاف بين علماء المسلمين في اعتبار خلاف المطالع، وعدم اعتباره.
ثانيا: مسألة اعتبار اختلاف المطالع وعدم اعتباره من المسائل النظرية التي للاجتهاد فيها مجال والاختلاف فيها واقع ممن لهم الشأن في العلم والدين وهو من الخلاف السائغ الذي فيه المصيب أجرين أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة، ويؤجر فيه المخطئ أجر الاجتهاد. وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين فمنهم من رأى اعتبار اختلاف المطالع،
يؤجر (1/149)
صفحة 150
"
150
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
ومنهم من لم ير اعتباره، واستدل كل فريق منهما بأدلة من الكتاب والسنة، وربما استدل الفريقان بالنص الواحد کاشتراكهما في الاستدلال بقوله تعالى: يَسْتَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَج، وبقوله: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته الحديث، وذلك لاختلاف الفهم في النص وسلوك كل منهما طريقا في الاستدلال به ونظرا لاعتبارات رأتها الهيئة، وقدرتها ونظرا إلى أن الاختلاف في هذه المسألة ليست له آثار تخشي،عواقبها، فقد مضى على ظهور هذا الدين أربعة عشر قرنا لا نعلم فيها فترة جرى فيها توحيد الأمة الإسلامية على رؤية واحدة. فإن أعضاء مجلس هيئة كبار العلماء يرون بقاء الأمر على ما كان عليه. وعدم إثارة هذا الموضوع، وأن يكون لكل دولة إسلامية حق اختيار ما تراه بواسطة علمائها من الرأيين المشار إليهما في المسألة؛ إذ لكل منهما أدلته ومستنداته". اهـ المراد منه.
وسئلت ص 109 - 112: "نحن" الطلبة المسلمين في الولايات المتحدة وكندا، يصادفنا في كل بداية لشهر رمضان مشكلة تسبب انقسام المسلمين إلى ثلاث فرق:
1. فرقة تصوم بتحري الهلال في البلدة التي يسكنون فيها.
2 فرقة تصوم مع بداية الصيام في المملكة العربية السعودية. (1/150)
صفحة 151
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
151
فرقة تصوم عند وصول خبر من اتحاد الطلبة المسلمين في أمريكا وكندا الذي يتحرى الهلال في أماكن متعددة في
أمريكا، وفور رؤيته في إحدى البلاد على المراكز
يعمم
المختلفة برؤيته فيصوم مسلمو أمريكا كلهم في يوم واحد على الرغم من المسافات الشاسعة التي بين المدن المختلفة، فأي الجهات أولى بالاتباع والصيام برؤيتها وخبرها؟ أفتونا مأجورين أثابكم الله".
فأجابت: "قد سبق أن نظر مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية هذه المسألة وأصدر فيها قرارا
مضمونه ما يلي:
أولا: اختلاف مطالع الأهلة الأمور التي علمت من بالضرورة حسا وعقلا و لم يختلف فيها أحد من العلماء، وإنما وقع الاختلاف بين علماء المسلمين في اعتبار اختلاف المطالع وعدم اعتباره.
ثانيا: مسألة اعتبار اختلاف المطالع وعدم اعتباره من المسائل النظرية التي للاجتهاد فيها مجال والاختلاف فيها واقع ممن لهم الشأن في العلم والدين، وهو من الخلاف السائغ الذي يؤجر فيه المصيب أجرين أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، ويؤجر فيه المخطئ أجر الاجتهاد. وقد اختلف أهل العلم في هذه (1/151)
صفحة 152
152
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
المسألة على قولين فمنهم من رأى اعتبار اختلاف المطالع، ومنهم من لم ير، اعتباره واستدل كل فريق منهما بأدلة من الكتاب والسنة، وربما استدل الفريقان بالنص الواحد كاشتراكهما في الاستدلال بقوله تعالى: يَسْتَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَج، وبقوله: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" الحديث، وذلك لاختلاف الفهم في النص وسلوك كل منهما طريقا في الاستدلال به ونظرا لاعتبارات رأتها الهيئة وقدرتها ونظرا إلى أن الاختلاف في هذه المسألة ليست له آثار تخشى عواقبها فقد مضى على ظهور هذا الدين أربعة عشر قرنا لا نعلم فيها فترة جرى فيها توحيد الأمة الإسلامية على رؤية واحدة فإن أعضاء مجلس كبار العلماء يرون بقاء الأمر على ما كان عليه، وعدم إثارة هذا الموضوع، وأن يكون لكل دولة إسلامية حق اختيار ما تراه بواسطة علمائها من الرأيين المشار إليهما في المسألة؛ إذ لكل منهما أدلته
ومستنداته ... ".
إلى أن قالت: وبناء على ما جاء في الفقرة الثانية من قرار مجلس الهيئة يكون لهذا الاتحاد حق اختيار أحد القولين: إما اعتبار اختلاف المطالع وإما عدم اعتبار ذلك، ثم يعمم ما رآه على المسلمين في الدولة التي هو فيها وعليهم أن يلتزموا بما رآه (1/152)
صفحة 153
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
11
153
وعممه عليهم؛ توحيدا للكلمة، ولبدء الصيام وخروجا من الخلاف والاضطراب، وعلى كل من يعيش في تلك الدول أن يتراءوا الهلال في البلاد التي يقومون فيها، فإذا رآه ثقة منهم أو أكثر صاموا بذلك، وبلغوا الاتحاد ليعمم ذلك. وهذا في دخول الشهر. أما في خروجه فلا بد من شهادة عدلين برؤية هلال شوال أو إكمال رمضان ثلاثين يوما؛ لقول رسول الله: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة
ثلاثين يوما".
وسئلت ص 116: "سمع إذاعة القاهرة وإذاعة الكويت تذيعان أن الأحد هو يوم العيد وأنه أفطر ذلك اليوم، مع العلم أن إذاعة الرياض أذاعت أن العيد هو يوم الاثنين. فما الذي
يلزمه؟ ".
فأجابت: إذا كان المستفتي مقيما في بلادنا السعودية ليلة الأحد ويومه فيلزمه الالتزام بما التزمت به من أن يوم الأحد يوم من رمضان؛ لعدم ثبوت ما يثبت عند غيرها من أنه أول شهر شوال وعليه فيلزمه قضاء ذلك اليوم والاستغفار عن الشذوذ عن المسلمين في بلادنا، وعدم العودة لمثل ذلك.
وسئلت ص 123 - 124: "تقدم إلينا أحد المواطنين ويدعى خويلد الجدعي المطيري من أهالي قرية بسؤال قائلا: (1/153)
صفحة 154
154
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
بأنه كان ليلة الثلاثين من شهر شعبان لهذا العام موجودا في الكويت، وقد نشرت إذاعة الكويت بيانا ذكرت فيه بأنه قد ثبت لديهم شرعا رؤية هلال رمضان ليلة الثلاثاء الموافق بتقويم أم القرى الثلاثين من شعبان، وأنه كان جالسا عند الراديو فسمع إذاعة الرياض قد أصدرت بيانا عن مجلس القضاء الأعلى ذكرت فيه أنه لم يثبت لديهم رؤية هلال شهر رمضان ليلة الثلاثاء الموافق بتقويم أم القرى الثلاثين، فأصبح صائما مع أهل البلد الذي كان موجودا فيه أثناء رؤيتهم الهلال حسب قولهم، ثم عاد إلى المملكة بعد يومين فوجد الناس قد صاموا يومين من رمضان، وبالنسبة له هو اليوم الثالث، وقد أشكل عليه الأمر في نهاية الشهر فيما لو كمل رمضان ثلاثين يوما، هل يلزمه أن معنا أو يفطر، فيما لو أذاعت الكويت بيانا ليلة الثلاثين من رمضان بأنها قد رأت هلال شوال فيفطر مع من صام معهم أو لا؟ مع أن المذكور يعتقد أن ما أصدرته إذاعة الرياض هو ب في نظره، وأنه ما صام مع أهل الكويت إلا لحرمة
يصوم
الأصوب
الزمن فنرجو الإفادة حول هذا الإبلاغ المذكور".
فأجابت: "إذا وجد الإنسان في بلد بدأ أهلها الصيام
وجب عليه أن
يصوم معهم؛ لأن حكم من وجد في بلد في هذا
الأمر حكم أهله؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "الصوم يوم (1/154)
صفحة 155
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
تصومون والإفطار يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون" رواه
أبو داود بإسناد جيد وله شواهد عنده وعند غيره.
أهله
وعلى فرض أنه انتقل من البلد الذي بدأ الصيام مع إلى بلد آخر فحكمه في الإفطار والاستمرار حكم البلد الذي انتقل إليه فيفطر معهم إن أفطروا قبل البلد الذي بدأ الصيام به، لكن إن أفطر لأقل من تسعة وعشرين يوما لزمه أن يقضي يوما؛ لأن الشهر لا ينقص عن تسعة وعشرين يوما ويقضي ما
فاته".
السنة"
"هذا
مشاهد
وقال الشيخ الألباني في "تمام" المنة في التعليق على فقه
ص
11
هو
399 - 397
واختار المؤلف هذا المذهب الأخير معلقا عليه بقوله:
المشاهد ويتفق مع الواقع".
قلت: وهذا كلام عجيب غريب؛ لأنه إن صح أنه
موافق للواقع، فليس فيه أنه موافق للشرع أولا، ولأن الجهات - كالمطالع - أمور نسبية ليس لها حدود مادية يمكن للناس أن يتبينوها ويقفوا عندها ثانيا.
وأنا والله - لا أدري ما الذي حمل المؤلف على اختيار هذا الرأي الشاذ، وأن يعرض عن الأخذ بعموم
الحديث (1/155)
صفحة 156
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
الصحيح، وبخاصة أنه مذهب الجمهور، كما ذكره هو نفسه، وقد اختاره كثير من العلماء المحققين مثل شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى المجلد) (25) والشوكاني في "نيل الأوطار"، وصديق حسن خان في "الروضة الندية" (224/ 1 - 225)، وغيره، فهو الحق الذي لا يصح سواه، ولا يعارضه حديث ابن عباس لأمور ذكرها الشوكاني رحمه الله، ولعل الأقوى أن يقال: إن حديث ابن عباس ورد فيمن صام على رؤية بلده، ثم بلغه في أثناء رمضان أنهم رأوا الهلال في بلد آخر قبله بيوم، ففي هذه الحالة يستمر في الصيام مع أهل بلده حتى يكملوا ثلاثين يوما أو يروا هلالهم، وبذلك يزول الإشكال، ويبقى حديث أبي هريرة وغيره على عمومه يشمل كل من بلغه رؤية الهلال من أي بلد أو إقليم من غير تحديد مسافة أصلا، كما قال ابن تيمية في "الفتاوى" (107/ 25)، وهذا أمر متيسر اليوم للغاية كما هو معلوم، ولكنه يتطلب شيئا من اهتمام الدول الإسلامية حتى تجعله حقيقة واقعية إن شاء الله تبارك وتعالى.
وإلى أن تجتمع الدول الإسلامية على ذلك، فإني أرى على شعب كل دولة أن يصوم مع دولته ولا ينقسم على نفسه، فيصوم بعضهم معها، وبعضهم مع غيرها، تقدمت في صيامها أو تأخرت، لما في ذلك من توسيع دائرة الخلاف في (1/156)
صفحة 157
نع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
157
الشعب الواحد، كما وقع في بعض الدول العربية منذ بضع
سنين، والله المستعان".
وقال محمد بن إبراهيم التويجري في "مختصر الفقه الإسلامي" ص 626 - 627: إذا رأى الهلال أهل بلد لزمهم الصوم، وحيث إن مطالع الهلال مختلفة، فلكل إقليم أو قطر حكم يخصه في بدء الصيام ونهايته حسب رؤيتهم، وإن صام المسلمون جميعا في أقطار الأرض برؤية واحدة فهذا حسن، وهو مظهر يدل على الوحدة والإخاء والاجتماع، وإلى أن يتحقق ذلك - إن شاء الله تعالى - فعلى كل مسلم أن يصوم مع دولته، ولا ينقسم أهل البلد على أنفسهم بعضهم معها
وبعضهم مع غيرها، حسما لمادة الفرقة التي نهى الله عنها". وجاء في مجموعة الفتاوى الشرعية الصادرة بالكويت ج 1 ص 233 - 234: "تم بحث مسألة دخول شهر رمضان هذا العام، فنظرا لكثرة التساؤلات التي وردت إلى مكتب الإفتاء بخصوص الاختلاف في دخول شهر رمضان المبارك، وما يترتب عليه من أحكام فقد رأت اللجنة إصدار البيان التالي:
"إن دخول شهر رمضان في الكويت طبقا لما ثبت لدى هيئة الرؤية الشرعية فيها كان الأحد الموافق 83/ 06/12، يوم واختلف عن إعلان دخوله لدى بعض البلاد الإسلامية بيوم (1/157)
صفحة 158
158
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
السبت الموافق 83/ 06/11، وقد ورد إلى مكتب الإفتاء من التساؤلات يستفسر أصحابها عن أنه هل يلزم صيام يوم قضاء عن يوم السبت الذي اعتبر في بعض البلاد هو أول رمضان؟ ولدى عرض الموضوع على لجنة الفتوى أجابت:
إنه بالنسبة لأهل الكويت والمقيمين فيها يجب التقيد بما
قررته هيئة الرؤية الشرعية في الكويت؛ لأنها الجهة المختصة
المعينة من الدولة لهذه المهمة الشرعية.
وبناء عليه لا يلزم قضاء يوم السبت المشار إليه؛ لأن أول
رمضان في حق أهل الكويت والمقيميين فيها هو يوم الأحد
الموافق 1983/ 06/12.
وجاء في ج 3 ص 65 - 66: "عرض على اللجنة
الاستفتاء المقدم من السيد وليد ونصه الآتي:
لقد ظهرت مشكلة في (بلدتنا) إحدى ولايات أمريكا مع حلول العيد وهي: لقد أعلنت الدول العربية العيد مساء الإثنين على أن يوم الثلاثاء سيكون أول يوم العيد، وفي تلك الأثناء أيضا كانت مجتمعة لجنة الرؤية في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن كما تعرفون نتيجة لفرق الزمن بين المغرب عندكم وعندنا فقد علمنا أن لديكم عيد وما زال لدينا الوقت عصرا، وبعد أذان العشاء هنا في بلدتنا أعلنت لجنة الرؤية أن (1/158)
صفحة 159
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
يوم
159
الثلاثاء اليوم الثلاثين من رمضان في الولايات المتحدة لعدم
توفر أحد من المسلمين للشهادة برؤية الهلال، واختلف الناس هنا في بلدتنا فمنهم من قال: يوم الثلاثاء عيد، ونحن لنا الحق نتبع بلادنا حيث إنهم رأوا الهلال وقال آخرون: لا، بل نتبع مسلمي أمريكا ولجنة الرؤية هنا فأصبح البعض مفطرا والبعض الآخر صائما، وللمعلومات فقط فلجنة الرؤية هنا مكونة من مجموعة منتخبة من رجال العلم في أمريكا، وقد تم تكوين هذه
اللجنة
عن
فما رأيكم؟
طريق ISNA الاتحاد الإسلامي لأمريكا الشمالية،
وقد أجابت الهيئة بما يلي:
اختلف العلماء في أمر الأهلة على رأيين، فمنهم من يرى أن العبرة باختلاف المطالع بمعنى: أن لكل بلد رؤية تخصها، وأن الرؤية في بلد ما لا يلزم البلد الآخر، والرأي الثاني: أنه إذا رئي الهلال في أي بلد إسلامي لزم جميع المسلمين الأخذ به متى علموا بذلك، وكلا الرأيين مؤيد بأدلة والهيئة العامة للفتوى بالكويت ترجح الرأي الثاني توحيدا لكلمة المسلمين حتى يصوموا في يوم واحد ويعيدوا في يوم واحد، وتأمل الهيئة العامة للفتوى بالكويت من زعماء المسلمين اتخاذ الإجراءات اللازمة
للعمل بهذا الرأي مع ملاحظة ما لا بد منه من الضوابط العلمية (1/159)
صفحة 160
?
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
المسلمة.
ولكن لما كان العمل في البلاد الإسلامية جاريا على
-
الرأي الأول وهو اختلاف المطالع وأن لكل بلد رؤية فترى الهيئة العامة للفتوى بالكويت أنه ينبغي على المسلمين في أمريكا الشمالية اتباع اللجنة المشكلة جماعة المسلمين هناك، وأنه من ينبغي طاعتها في هذا الأمر وسائر ما فيه مصلحة المسلمين؛ لأنها تقوم بالنسبة لمسلمي أمريكا مقام الهيئات الدينية الرسمية في البلاد الإسلامية، والله أعلم".
المتخصصة المشكلة
وجاء في ج 16 ص 77 - 87: 2. لولي الأمر في البلاد الإسلامية أو من يفوضه وكذا للمجالس العلمية الإسلامية من الأكفاء في البلاد غير الإسلامية أو هيئات الفتوى فيها اختيار أحد الرأيين لرجحان أدلته عنده ويلزم المسلمين حينئذ اتباع الرأي المختار، والحكم المختار من هذه الجهة يرفع الخلاف في هذه الحالة.
إلا أنه إذا رأى شخص الهلال بعينه ولم يؤخذ برؤيته فإنه يلزمه هو فقط الصيام سرا، أو الإفطار سرا، منعا لوقوع
الخلاف والفتنة.
يؤخذ بقول الجهة الشرعية المنوط بها إثبات رؤية الهلال
وذلك توحيدا للعبادة، ومن ثم فلا يحق لأحد ممن في هذا البلد (1/160)
صفحة 161
رفع
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
مخالفة ما قررته تلك الجهة". (1/161)
صفحة 162
162
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
المسألة الثانية: ما رأي فضيلتكم فيما يقوله بعضهم: إنه ينبغي أن يتفق المسلمون في صيامهم وعيدهم بدلا من أن يكونوا مختلفين؛ لأن ذلك يدعوهم للوحدة أو ما هذا معناه؟ الجواب: لا ريب أن تحقيق الوحدة الإسلامية واجب شرعي، ومطلب اجتماعي، وضرورة يقتضيها واقع الأمة المرير، فإن النصوص الشرعية تجمع في دعوتها بين التوحيد وبين، الاتحاد، وتحذر من الفرقة والشقاق كما تحذر من الشرك والنفاق قال الله تعالى -: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا (آل عمران (103)، وقال جل شأنه: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَتْ وَأَوْلَيكَ هُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (آل عمران: 105)، وقال أيضا: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَزَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُم وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِرِينَ (الأنفال: (46، وقال أيضا: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَضَيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ ومُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا نَتَفَرَّقُوا فِيهِ} (الشورى: 13)، ولم يمتن تعالى بنعمة تأليف قلوب المؤمنين وجمع كلمتهم وتوحيد صفهم في نطاق أمة واحدة إلا لما ينطوي عليه ذلك من عوائد جمة وفوائد عديدة على كل فرد من أفراد الأمة من جميع
الله (1/162)
صفحة 163
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
النواحي كما قال الله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخوانا کر کے
(آلعمران: 103)، فلو لم يرشح من هذه الوحدة إلا إطفاء نار العداوة التي تتأجج بها القلوب، فتمتد ألسنة لهبها لتهلك الحرث والنسل، وتلتهم في طريق أوارها الطارف والتليد حتى تغدو النفوس غير مطمئنة على سلامة أعراضها وأموالها بله
دمائها.
بيد أن
إدراك معنى الوحدة المنشودة قد يهون على المؤمن
الغيور على أمته الساعي لعزتها ما يلمسه من واقع فرقتها وتمزق غدت لقمة سائغة لعدوها الذي يتربص بها، ولعلها
كلمتها حتى
رضيت بالفتات المتساقط من موائده بعدما توهمنت أنها ضمنت منه سلامتها، ولا شك أن ذلك حال يغري فيها عدوها، ويزيده طمعا في خيراتها ونهب ثرواتها، فضلا عن نسف مبادئها وهد أركانها، والقضاء على قواها، وربما أشفق رغم عداوته على حالها، فأذن لها أن تعيش على هامش الحياة مع المنبوذين أو الأرقاء الذين حرموا نعمة الحرية والقيادة، أو ضمن حفنة المتسولين والمشردين الذين فقدوا معنى العزة والإباء.
وحقيقة الوحدة تتجلى في ولاية المؤمنين بعضهم لبعض
بحيث تتآلف قلوبهم وتذوب بينهم الفوارق وتتلاشى من (1/163)
صفحة 164
178
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
على
نفوسهم الضغائن والأحقاد فتنصهر في بوتقة الإيمان، فلا يبقى افتخار بنسب أو نحوه ولا إلى مبدأ غير مبدأ الإسلام، قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (الحجرات:10)، تتحد مبادئهم وأهدافهم وتتفق آمالهم وآلامهم ويتشاطرون أفراحهم وأتراحهم، كما قال النبي: " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وقال أيضا: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، وأموالهم بينهم، حرام وهم يد على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم"فيشفق بعضهم بعض، ويعينه وينصحه ويرفع عنه الظلم والأذى كما قال النبي "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه"، وكما يقول: "حق المسلم على المسلم ست"، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: "إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه، وكما يقول: "انصر أخاك (1/164)
صفحة 165
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
??
ظالما أو مظلوما، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان، مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟، قال: "تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره"، وكما يقول: "الدين النصيحة"، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" وكما يقول: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما الله ستره القيامة"، يوم و كما يقول: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، وكما يقول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، وكما يقول - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وكما يقول -صلوات الله وسلامه عليه -: "والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن"، قيل: من يا رسول الله قال: "الذي لا يأمن جاره بوائقه. ائقه".
فرابطة العقيدة أقوى من رابطة الدم واللسان وغيرهما، وبذلك تعرف بأنه لا يفت من عضد هذه اللحمة الصلبة اختلاف الألوان، ولا يهز أصل دوحتها الثابتة تباين اللسان.
وربط الوحدة بين الأمة بأشياء اقتضت العادة (1/165)
صفحة 166
166
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
الاختلاف فيها ما هو إلا تحميل لهذا المبدأ ما لا يحتمل، وتكلف يوقع في العسر والشطط، وربما أدى ذلك إلى ردة فعل عكسية، باعتبار الوحدة غير قابلة للتحقيق، وبهذا تدرك أنه لا علاقة لهذه المسألة بالوحدة المنشودة كما لا علاقة لاختلاف أوقات الصلوات واختلاف وقتي الإمساك والإفطار بذلك، هذا وقد اعترض بعضهم بهذا الاعتراض منذ فترة من الزمان، فرد عليه بما يشفي العليل ويروي الغليل الشيخ الحاج محمد بن عبد الوهاب
بن عبد الرزاق، وإليك بعض ما قاله في ذلك:
يخفى
فقد قال في كتابه "العذب الزلال" ص 163 - 165: "لا أن لهجة هذا الكاتب تقتضي أن الاتحاد في الأعياد والمواسم دائما هو أمر مأمور به شرعا وعقلا، وأن الاختلاف فيها مناف للاتحاد المطلوب وللشرع والعقل، وهذا غير صحيح لما علمت من أن الاتحاد فيها دائما في جميع الأقطار أمر غير ممكن شرعا وعقلا وأن الاختلاف فيها لا يعد منافيا للاتحاد المطلوب، وتقدم من الدلائل على ذلك ما فيه كفاية، على أن جميع ما ذكره هذا الكاتب هنا غير مقبول، بل هو للمعقول والمنقول، وإليك البيان فأقول قوله: كيف يعقل أن أمما تجمعها رابطة الإسلام ووحدة الدين تختلف في رمز هذه الرابطة وعنوان تلك الوحدة؟ لا يخفى أن هذا كلام في غير
مخالف (1/166)
صفحة 167
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
167
محله؛ وذلك لأن هذه المسألة ليست من المسائل التي كلفنا الشارع يجعلها في زمان واحد في جميع الأقطار، حتى يقال: كيف يعقل .. إلخ. بل إنما كلفنا بالصوم أو الإفطار -مثلا-بعد رؤية الهلال، لقوله عليه السلام: "لا تصوموا حتى تروا الهلال .. إلخ"، وقوله: لأهل كل بلد رؤيتهم. وقد علمت من كلام القرافي وغيره أن الرؤية يمكن اختلافها بيوم بسبب تباعد الأقطار، وأيضا فاتحاد الأعياد وغيرها في سائر الأقطار لا يساعد عليه الوضع الفلكي؛ لأنه إذا فرضنا أن أول العيد-مثلا- من غروب الشمس في أفق، مراكش، فهذا الوقت قد يكون نصف ليل أو وقت فجر أو شروق أو زوال عند آخرين، فإذا فرض أن الشمس إذ ذاك كانت في أول الحمل أو الميزان، فالغروب في جميع الأقطار حينئذ يكون على الساعة السادسة ولا إشكال فإذا وصل وقت الغروب في مراكش وهو الساعة السادسة، كانت الساعة إذ ذاك في تونس 7 و 12 دقيقة ليلا، وفي القاهرة 8 و 37 دقيقة ليلا، وفي مكة والمدينة 9 و 12 دقيقة ليلا، وفي بومباي بالهند 11 و 23 دقيقة ليلا، وفي طوكيو باليابان 3 و 51 دقيقة بعد نصف الليل، وفي هاواي 8 و 12 دقيقة صباحا، وفي نييورك 1 و 35 دقيقة بعد الزوال.
فكيف مع مع هذا يمكن الاتحاد؟ إذ مقتضى لفظة الاتحاد هو (1/167)
صفحة 168
168
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
الاتفاق في الابتداء والانتهاء، على أنه إذا اعتبرنا الاتحاد في هذه المسألة أمرا ضروريا، فما هي البلدة التي ينبغي أن تعتبر رؤيت وغروبها؟ وعلى فرض تعيينها فما هو المرجح لها عن غيرها، وأيضا لماذا لم نقل بذلك في أوقات الصلاة، مع أن كون الصلاة
رمز الرابطة الإسلامية وعنوان الوحدة أظهر من غيرها؛ إذ
مي
أعظم أركان الإسلام بعد كلمة الشهادة؟ وأيضا؛ إذا كانت الشهور والأيام العجمية تختلف ببعض يوم؛ حيث إن مبدأها من نصف ليل البلد، فكيف بالشهور والأيام العربية المبنية على
الغروب وعلى رؤية الهلال في العشية؟
وقوله: وكيف يعقل أن أمما قبلتها واحدة واتجاهها واحد تقيم أعيادا دينية مشتركة هذه في يوم وتلك في يوم آخر،
ثالث؟ والثالثة في يوم
لا يخفى أن الاختلاف باعتبار الرؤية الصادقة والحساب الصحيح لا يمكن أن يقع في أكثر المعمور من الأرض إلا بيوم واحد، ولا يمكن أن يقع بأكثر من يوم أبدا، حتى إنه إذا وقع بأكثر من يوم فإما لأجل الغلط في رؤية الهلال، وإما للتساهل في إثبات الرؤية وإما للبناء على حساب العلامة عند الجمهور الذي يتقدم على الرؤية الصادقة بيوم أو يومين. وسيأتي إيضاح هذه المسألة بما لا مزيد عليه بحول الله. (1/168)
صفحة 169
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
169
وقوله: فهل يعقل أن يكون البيت الحرام في عيد ونحن في انتظار هلال العيد؟ فيه أن المدار في العيد أو غيره على رؤية الهلال، باعتبار محل الرؤية أو ما قاربه لا على ثبوتها في البيت الحرام؛ إذ لو كان ذلك مرادا لقال عليه السلام-: "صوموا
"
لرؤية أهل مكة، وأفطروا لرؤيتهم، مع أنه إنما قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته على أنه سيأتي أن تقدم المشارقة على المغاربة في الرؤية غير ممكن، والممكن إنما هو العكس؛ لأنه إذا رئي الهلال في البلاد الشرقية البعيدة عنا جدا، فلا بد أن يرى عندنا أتم ظهورا وأضوا نورا، وخصوصا الأقطار الشرقية المتحدة معنا في العرض كمصر والشام وبعض جزيرة العرب، وكذا العراق العربي والعجمي، وبعض الهند والصين واليابان. وعليه فعدم رؤيتنا له مع ثبوته عندهم دليل على أن ذلك الثبوت فيه غلط أو تساهل أو مبني على حساب العلامة أو دخله غرض، وسيأتي ما في ذلك بحول الله.
وقوله: أم من المسموح به شرعا أن يصوم المغاربة عرفة وقد علموا يقينا أنه يوم عيد في الحرم الشريف مهد الإسلام ومنبع التوحيد؟ قد علمت مما تقدم أنه مع وجود البعد جدا، فلا نقل إجماعا ولو مع تيقن صحة ثبوت الرؤية والقطع بها. فقوله: أمن المسموح به ... إلخ جوابه أن ذلك من المسموح به (1/169)
صفحة 170
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
شرعا وعقلا ولو على فرض صحة الثبوت ولو علمنا يقينا بذلك؛ لأن لكل قوم رؤيتهم مع وجود البعد جدا كما تقدم. وأيضا فإنّ الرؤية بعد الغروب هي المعتبرة كتابا وسنة وإجماعا،
وهي
مما تختلف باختلاف الآفاق قطعا كأوقات الصلاة".
وقال ص 166: وعلى كل حال فقوله: وقد علمت يقينا .. إلخ هو كلام ناشئ عن عدم الالتفات إلى الأحكام الفقهية والحسابات الفلكية؛ لأنه على فرض ثبوت رؤيتهم فلا تعمنا رؤيتهم بالإجماع للبعد المفرط، فما بالك حيث وقع ثبوت الرؤية قبل حصول الاجتماع، وقوله أليس صيام هذا اليوم سوى تقرب وزلفى وسعي في موافقة الحجيج في لحظات وقوفهم بعرفة ودعائهم بالتلبية والتهليل؟ هذا مبني على أن المدار في الرؤية ثبوتها في مكة وقد علمت بطلانه من الناحية الشرعية والعقلية، على أنه لو كان المراد من صيام يوم عرفة ما قال لما أمر بصيامه من كان وقت الفجر عنده هو وقت الغروب عند أهل مكة؛ إذ من الضروري أن وقت الوقوف بعرفة هو ليل بالنسبة لهؤلاء، فقد تبين بهذا أن هذه الأسئلة كلها صادرة عن غير إمعان نظر وتثبت وعدم اطلاع على ما للأئمة المحققين والعلماء الفلكيين، فهي كلها واهية لا ينبغي اعتبارها ولا الالتفات إليها بحال".
خصوص (1/170)
صفحة 171
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
171
وقال ص 170: "وقوله: إما تقليدا للشرق، تقليد المغاربة لأهل المشرق في الرؤية لا يصح بحال لوجود البعد جدا، وهذا على فرض صحة ثبوت الرؤية، وأما حيث إن الرؤية مستحيلة في عشية يوم الخميس وعشية يوم الجمعة فهي أي في ذلك العام غير معتبرة حتى بالنسبة لمحلها كما يأتي، وعلى كل، فمن قلد المغاربة أهل المشرق في الرؤية فعمله باطل من ويعد ذلك من الجهل.
وقال ص:170: قوله أي الخضري-: وإما لثبوت الهلال لديهم ثبوتا عيانيا ادعاء ثبوت رؤية الهلال عشية يوم الجمعة 29 ذي القعدة ثبوتا عيانيا يعد غلطا أو كذبا، لمنافاته للحسابات القطعية، وعليه فكل عمل انبنى على ذلك، فهو غير
صحيح كما تقدم ويأتي".
معني
"
وقال ص 187 - 188: (وقوله: إن اختلاف الرؤية في
البلاد لا يكون إلا باختلاف المطالع ... إلخ)، هذا الحصر مما لا له؛ لأن كلا من الاختلاف في العرض أو في الطول له تأثير في اختلاف رؤية الهلال، وإن كان تأثير الاختلاف في العرض أكثر من تأثير الاختلاف في الطول، وقد رجع عن الحصر في آخر كلامه؛ حيث قال وأما اختلاف الطول، إلخ. وعلى كل حال فاختلاف رؤية الهلال يكون باختلاف العرض
هذا (1/171)
صفحة 172
172
نقطة
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وباختلاف الطول وبكثرة البعد بين الشمس والقمر وقت الغروب وبعد الاجتماع وقلته وبكثرة عرض القمر وقلته وبكونه شماليا أو جنوبيا وبصفاء الجو وكدرته. وقد قال البيروني في "الآثار الباقية: فأما أصحاب الهيئة ومن تأمل الحال بعناية شديدة، فإنهم يعلمون أن رؤية الهلال غير مطردة على سنن واحد لاختلاف حركة القمر المرئية بطيئة مرة وسريعة أخرى، وقربه من الأرض، وبعده وصعوده في الشمال والجنوب وهبوطه فيهما، وحدوث كل واحد من هذه الأحوال له في كل من فلك البروج، ثم بعد ذلك لما يعرض من سرعة غروب بعض القطع من فلك البروج وبطء بعض وتغير ذلك على اختلاف عروض البلدان واختلاف الأهوية، أما بالإضافة إلى البلاد الصافية الهواء بالطبع والكدورة المختلطة بالبخارات دائما، والمغبرة في الأغلب وأما بالإضافة إلى الأزمنة إذا غلظ في بعضها ورق في بعض وتفاوت قوى بصر الناظرين إليه في الحدة والكلال، وإن ذلك كله على اختلافه بصنوف الاقترانات كائنة في كل أول شهر رمضان وشوال على أشكال غير معدودة وأحوال غير محدودة، فيكون لذلك شهر رمضان ناقصا مرة وتاما أخرى، وإن ذلك كله يتغير بتزايد عروض البلدان وتناقصها، فيكون الشهر تاما في البلدان الشمالية- مثلا- وناقصا هو بعينه في الجنوبية منها، وبالعكس ثم لا يجري ذلك (1/172)
صفحة 173
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
173
فيها على نظام واحد، بل يتفق فيها أيضا حالة واحدة بعينها لشهر واحد مرارا متوالية وغير متوالية على أن اختلاف الرؤية ليس متولدا من جهة العروض فقط، لكن لاختلاف أطوال البلدان فيها أوفر نصيب؛ لأنه ربما لم ير في بعض البلاد ورئي فيما كان أقرب منه إلى المغرب، وربما اتفق ذلك فيهما
اهـ. المراد".
"
جميعا
وقال ص 201: وقال الكرخي: إن الليل والنهار كما يختلفان بالطول والقصر في الأزمنة، فهما مختلفان في الأمكنة فكل ساعة عينتها فتلك الساعة في موضع من الأرض صبح، وفي موضع آخر ظهر، وفي آخر، عصر، وفي آخر مغرب، وفي آخر عشاء وهلم جراء هذا إذا اعتبرنا البلاد المختلفة في الطول، أما البلاد المختلفة في العرض فكل بلد يكون عرضه للشمال أكثر كانت أيامه الصيفية أطول وأيامه الشتوية بالضد من فهذه الأحوال المختلفة في الأيام والليالي بحسب اختلاف أطوال
البلاد وعروضها أمر عجيب
"._
ذلك،
وجاء في القرار السابع من قرارات مجلس المجمع الفقهـ الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة في الفترة من 7 إلى 17 من شهر ربيع سنة 1401 هـ في دورته الرابعة كما في قرارات المجمع ص 83: "وعلى ضوء ذلك قرر (1/173)
صفحة 174
174
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
مجلس المجمع الفقهي الإسلامي أنه لا حاجة إلى الدعوة إلى توحيد الأهلة والأعياد في العالم الإسلامي؛ لأن توحيدها لا يكفل وحدتهم كما يتوهمه كثير من المقترحين لتوحيد الأهلة والأعياد، وأن تترك قضية إثبات الهلال إلى دور الإفتاء والقضاء في الدول الإسلامية؛ لأن ذلك أولى وأجدر بالمصلحة الإسلامية العامة وأن الذي يكفل توحيد الأمة وجمع كلمتها هو اتفاقهم على العمل بكتاب الله وسنة رسوله في جميع شئونهم، والله
ولي التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم". وقد ورد في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ج 10 ص 98: "ولم يكن لهذا الاختلاف بينهم أثر سيء تخشى عاقبته لحسن قصدهم واحترام كل مجتهد منهم اجتهاد الآخر، وحيث اختلف السابقون من أئمة الفقهاء في هذه المسألة وكان لكل أدلته، فعليكم إذا ثبت لديكم بالإذاعة أو غيرها ثبوت الرؤية في غير مطلعكم أن تجعلوا الأمر بالصيام أو عدمه إلى ولي الأمر العام لدولتكم، فإن حكم بالصيام أو عدمه وجبت عليكم طاعته، فإن حكم الحاكم يرفع الخلاف في مثل هذا، وعلى هذا تتفق الكلمة على الصيام أو عدمه تبعا لحكم رئيس دولتكم وتنحل المشكلة".
11
وقالت ص 104: ونظرا لاعتبارات رأتها الهيئة وقدرتها، (1/174)
صفحة 175
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
175
ونظرا إلى أن الاختلاف في هذه المسألة ليست له آثار تخشى عواقبها، فقد مضى على ظهور هذا الدين أربعة عشر قرنا، لا نعلم فيها فترة جرى فيها توحيد الأمة الإسلامية على رؤية واحدة. فإن أعضاء مجلس هيئة كبار العلماء يرون بقاء الأمر على ما كان عليه وعدم إثارة هذا الموضوع، وأن يكون لكل دولة إسلامية حق اختيار ما تراه بواسطة علمائها من الرأيين
المشار إليهما في المسألة؛ إذ لكل منهما أدلته ومستنداته". (1/175)
صفحة 176
176
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
المسألة الثالثة: ما حكم استطلاع الهلال، وما الأحكام الشرعية المترتبة على إثباته؟
الجواب: استطلاع الهلال واجب على الكفاية، وينبغي إعلام المسلمين بذلك وحثهم عليه؛ لما يترتب عليه من المسائل الشرعية الكثيرة، قال السبكي في فتاويه ج 2 ص 207: "والمواقيت التي تحتاج إلى الهلال ميقات صلاة العيد والزكاة وصدقة الفطر وصيام رمضان والفطر منه وصيام البيض وعاشوراء وكراهة الصوم بعد النصف من شعبان وصيام ست من شوال ومعرفة سن شاة الزكاة وأسنان الإبل والبقر فيها والاعتكاف في النذر والحج والوقوف والأضحية والعقيقة والهدي والآجال والسلم والبلوغ والمساقاة والإجارة واللقطة وأجل العنة والإيلاء وكفارة الوقاع والظهار والقتل بالصوم والعدة في المتوفى عنها زوجها وفي الآيسة والاستبراء والرضاع ولحوق النسب وكسوة الزوجة والديات وغير ذلك، فكان من المهم صرف بعض العناية إلى ذلك ومعرفة دخول ذلك شرعا"
اهـ.
وهناك مسائل أخرى تنبني على ذلك لم يذكرها لا أرى داعيا لتفصيل القول فيها، وإنما أرى أن أنبه على ثلاث مسائل
لأهميتها: (1/176)
صفحة 177
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
1. عدم ثبوت النهي عن الصوم بعد منتصف شعبان.
2. ثبوت صيام الست من شوال.
177
أن الوقوف بعرفة ينتهي وقته بطلوع فجر اليوم العاشر من ذي الحجة.
أما المسألة الأولى فقد ورد فيها حديث عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا.
رواه النسائي في "السنن الكبرى" وأبو داود والترمذي والدارمي وابن ماجه وأحمد وابن أبي شيبة وعبد الرزاق وإسحاق بن راهويه وابن حبان والطحاوي في "شرح معاني "الآثار" والطبراني في "المعجم الأوسط" والدارقطني والبيهقي في "السنن الكبير" وأبو نعيم في ذكر أخبار أصفهان" والخطيب في تاريخ "بغداد" وابن حزم في "المحلى" وابن المقرئ في "المعجم" وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات".
قال الترمذي حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ"، وصححه أيضا ابن حبان وابن حزم وابن عبد البر وابن عساكر وغير واحد، وحكم بنكارته طائفة من المحققين منهم ابن معين، قال أبو داود: "قال أحمد بن حنبل منكر، قال: كان عبد الرحمن -يعني (1/177)
صفحة 178
178
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
ابن مهدي- لا يحدث به قلت لم؟ قال: لأنه كان عنده أن
النبي هل يصل شعبان برمضان، وقال عن النبي خلافه". وقال أحمد أيضا: "العلاء يعني راوي هذا الحديث - ثقة لا ينكر من حديثه إلا هذا وقال في رواية المروذي: "سألت ابن مهدي عنه فلم يحدثني به وكان يتوقاه ثم قال: "هذا خلاف الأحاديث التي رويت عن النبي، وقال أبو داود: " لم يجئ به غير العلاء عن أبيه"، وقال النسائي: "لا نعلم أحدا روى هذا الحديث غير العلاء بن عبد الرحمن
مدني
وقال البرذعي في أسئلته لأبي زرعة الرازي: "شهدت أبا
11 11
زرعة ينكر حديث العلاء بن عبد الرحمن "إذا انتصف شعبان وقال الأثرم: "الأحاديث كلها تخالفه"، وقال أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد": "العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة مختلف فيه؛ لأنه تفرد بأحاديث لا يتابع عليها كحديثه عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي " وذكر هذا الحديث، وقد أخرج مسلم في الصحيح المشاهير من حديثه دون هذا والشواذ" وأورده الحافظ أبو الفضل بن طاهر المقدسي في أطراف
الغرائب والأفراد.
وقال ابن رجب في "لطائف المعارف": "واختلف العلماء
في صحة هذا الحديث ثم العمل به فصححه غير واحد منهم (1/178)
صفحة 179
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
179
الترمذي وابن حبان والحاكم والطحاوي وابن عبد البر، وتكلم فيه من هو أكبر من هؤلاء وأعلم، وقالوا: هو حديث منكر منهم عبد الرحمن بن مهدي وأحمد وأبو زرعة الرازي والأثرم ورده أحمد بحديث: "لا" تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين"، فإن مفهومه جواز التقدم بأكثر من يومين".
قلت: وهذا هو الحق ويرد أيضا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان
يصوم شعبان كما هو مشهور عنه.
وادعى السخاوي أن العلاء لم ينفرد به وأن له متابعا فقد
روى الطبراني في الأوسط والبيهقي في الخلافيات قال الطبراني:
حدثنا أحمد محمد
بن نافع قال: أخبرنا عبيد الله بن عبد الله بن
ابن المنكدر حدثني أبي عن أبيه عن جده عن عبد الرحمن بن
يعقوب الحرقي عن أبي هريرة.
محمد
وقال الطبراني بعد أن أورده: " لم يرو هذا الحديث عن
المنكدر إلا ابنه عبد الله". بن
قال
وهذ المتابعة لا يفرح بها ولا كرامة؛ لأنها مسلسلة بمن لا يصلح في هذا الباب أعني باب المتابعات، ولذلك قال من ـن أهـ أهل العلم: إن الحديث تفرد به العلاء عن أبيه. فأحمد
بن
محمد بن نافع قال عنه نافع قال عنه الذهبي في الميزان: "لا أدري من ذا؟ "،
وذكره ابن الجوزي مرة وقال: "اتهموه"، كذا قال، و لم يزد. (1/179)
صفحة 180
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وعبد الله بن المنكدر قال عنه العقيلي: "عن أبيه، ولم
يتابع عليه".
وقال الذهبي: فيه" جهالة وأتى بخبر منكر"، وقال مرة:
"لا يعرف".
والمنكدر بن محمد قال عنه أبو حاتم: "كان رجلا صالحا لا يقيم الحديث، وكان كثير الخطأ لم يكن بالحافظ لحديث أبيه"، وقال النسائي: "ضعيف"، وقال مرة: "ليس بالقوي"، وبنحوه قال أبو زرعة، وقال ابن حبان: "قطعته العبادة عن مراعاة الحفظ والتعاهد والإتقان فكان يأتي بالشيء الذي لا أصل له عن أبيه توهما".
وأما المسألة الثانية فقد توهم البعض أني أضعف الأحاديث الواردة فيها، وليس الأمر كذلك، وإليك البيان:
جاء من طريق أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- نه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال "من
كان كمن صام الدهر".
رواه الربيع في مسنده معضلا ورواه مسلم والنسائي في "السنن" "الكبرى" وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأبو عوانة في
11
"المستخرج على صحيح مسلم وأحمد وابن أبي شيبة في (1/180)
صفحة 181
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
181
"المصنف" وعبد الرزاق في "المصنف" والحميدي وعبد بن حميد وأبو داود الطيالسي في مسانيدهم وابن خزيمة في صحيحه وفي "حديث علي بن حجر" وابن حبان في صحيحه والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده والطحاوي " في شرح مشكل الآثار" والطبراني في "المعجم "الكبير" وأبو نعيم في "المستخرج على صحيح مسلم" والبيهقي في "السنن الكبير" وفي "السنن الصغير" وفي "معرفة السنن والآثار" وفي "فضائل الأوقات" وفي "شعب الإيمان" والخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" وابن الأعرابي في "المعجم" وابن عبد البر في "الاستذكار" وابن البخاري في مشيخته وابن عساكر في "معجم الشيوخ والقطيعي في فوائده وابن منده في فوائده وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب" وابن الجوزي في "التحقيق" والمزي في "تهذيب الكمال" والذهبي في "معجم الشيوخ".
وقال ابن البخاري: هذا حديث صحيح انفرد بإخراجه
مسلم دون البخاري، وقال ابن منده "صحيح مـ ثقة". سعد بن سعيد ومحمد بن عمرو
ديث
قلت: إسناده ضعيف فيه سعد بن سعيد الأنصاري وهو
الحفظ. سيئ
وتابعه صفوان بن سليم رواه عنه النسائي في "السنن (1/181)
صفحة 182
182
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
"الكبرى" وأبو داود والدارمي وابن خزيمة وابن حبان والحميدي والطحاوي في شرح مشكل "الآثار" والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده والطبراني في "المعجم الكبير" والبيهقي في "شعب الإيمان وابن عبد البر في "الاستذكار" وابن عساكر في "معجم
الشيوخ".
وتابعه أيضا زيد بن أسلم عند الطحاوي في "شرح مشكل الآثار".
وتابعه أيضا أخوه يحيى بن سعيد عند النسائي في "السنن
الكبرى" والدارقطني في "العلل".
وتابعه أيضا أخوه عبد ربه بن سعيد رواه عنه أبو عبد
الله بن منده في غرائب سننه.
وقال العلائي في "رفع الإشكال": "وهذا إسناد صحيح"، ثم قال عن حديث أبي أيوب: "فقد تبين ولله الحمد- أن حديث أبي أيوب -رضي الله عنه- في صيام الستة من صحيح محتج به لا مطعن لأحد فيه، والله أعلم".
وقال البيهقي: "هذا حديث صحيح
ثابت من
أبي أيوب الأنصاري"، وقال ابن عساكر: "صحيح".
شوال
حديث (1/182)
صفحة 183
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
183
وللحديث شاهد من حديث ثوبان مولى رسول الله الله رواه النسائي في "السنن الكبرى والدرامي وابن ماجه وأحمد وابن خزيمة وابن حبان والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" والطبراني في "المعجم الكبير" وفي مسند الشاميين" والروياني في مسنده والبزار في البحر الزخار وابن الشجري في "الأمالي" والبيهقي في "السنن "الكبير" وفي شعب الإيمان" وفي "فضائل الأوقات" وابن عبد البر" في "الاستذكار" والخطيب البغدادي في تاريخ "بغداد" والضياء في "المختارة" كما في "رفع الإشكال" وصححه العلائي.
وله شاهد آخر من طريق شداد بن أوس -رضي الله
عنه عند ابن أبي حاتم في "العلل".
ذكره
قال العلائي بعد أن أورده فهذا أبو حاتم الرازي قد ه بسند متصل رواته عن آخرهم ثقات، وليس فيهم مجروح و لم أجده في غير هذا الكتاب"، وقال أيضا: "فهذا أبو حاتم أحد الأئمة الكبار من أصحاب الجرح والتعديل والمطلعين على صحيح الأخبار وسقيمها قد صحح الحديثين حديث ثوبان وحديث شداد بن بن أوس".
وفي الباب عن أبي هريرة وجابر بن عبد الله ولكنهما لا يصلحان في الشواهد. (1/183)
صفحة 184
184
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وبذلك تعرف صحة هذا الحديث وقد قال الحافظ
العلائي في "رفع الإشكال" بعد أن ذكره: "وبالجملة فالحديث قد صح بحمد الله من حديث أبي أيوب وثوبان وشداد بن أوس
و الله
عن النبي ... إلخ".
وأما المسألة الثالثة ففيها خلاف بين أهل العلم والصحيح ما ذكرته، والدليل على ذلك حديث عروة بن مضرس -رضي الله عنه- عنه - قال: يا رسول الله، إني جئت من جبلي طيء أكلت راحلتي وأتعبت نفسي ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، هل لي من حج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا، فقد أتم حجه، وقضى تفته".
رواه النسائي في "السنن الصغرى" وفي "السنن الكبرى"، وأبو داود والترمذي والدارمي وابن ماجه والبخاري في "التاريخ الكبير" وأحمد وابن أبي شيبة في "المصنف" وفي "المسند" وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود وأبو داود الطيالسي والحميدي وأبو يعلى وأبو علي الطوسي في "المستخرج على جامع الترمذي" والطحاوي في شرح معاني الآثار" وفي "شرح مشكل الآثار والطبراني في "المعجم الكبير" وفي "المعجم
"
الصغير" وابن قانع في معرفة الصحابة" وأبو نعيم في "معرفة (1/184)
صفحة 185
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
185
الصحابة" وفي حلية الأولياء" وابن سعد في "الطبقات" وابن أبي خيثمة والسراج في حديثه والدارقطني والحاكم في "المستدرك" والبيهقي في "السنن الكبير" وفي "السنن الصغير" وفي "معرفة السنن والآثار وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" والمخلص في حديثه وابن البخاري في مشيخته وابن حزم في "المحلى" وفي حجة الوداع" وابن عبد البر في "التمهيد" وفي "الاستذكار" وابن الأثير في "أسد الغابة" والمزي في "تهذيب
11
الكمال" وأبو بكر المراغي في مشيخته.
11
عن
قال الترمذي حديث حسن صحيح"، وقال الحاكم في "المستدرك: "هذا حديث صحيح على شرط كافة ائمة قاعدة من قواعد الإسلام، وقد أمسك الحديث، وهي إخراجه الشيخان على أصلهما أن عروة بن مضرس لم يحدث عنه غير الشعبي"، وقال في "المدخل إلى الإكليل": "وهذا حديث من أصول الشريعة مقبول متداول بين فقهاء الفريقين، ورواته كلهم ثقات ولم يخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين" وقال أبو نعيم: "حديث صحيح ثابت"، وقال أبو بكر المراغي: "صحيح"، وصححه غير واحد.
وحديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي -رضي الله عنه - أن أناسا من أهل نجد أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة، فسألوه، (1/185)
صفحة 186
??
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
فأمر مناديا ينادي "الحج عرفة، من جاء من ليلة جمع قبل طلوع
الفجر فقد أدرك الحج".
رواه النسائي في "السنن الصغرى" وفي "السنن الكبرى"، وأبو داود والترمذي والدارمي وابن ماجه والبخاري في "التاريخ الكبير" ومسلم في "التمييز" والشافعي في "سنن حرملة" كما في معرفة" "الآثار" وأحمد وابن أبي شيبة في "المصنف" وفي "المسند" وأبو داود الطيالسي والحميدي وعبد بن حميد وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود وابن سعد في "الطبقات" وأبو علي الطوسي في "المستخرج على جامع الترمذي والدار قطني والحاكم والبيهقي في "السنن" "الكبير" وفي السنن الصغير" وفي "معرفة السنن والآثار" وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" وفي "حلية الأولياء" وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" والطحاوي في شرح معاني "الآثار" وفي شرح مشكل الآثار" وابن قانع في "معرفة الصحابة" وأبو القاسم في معرفة الصحابة" وابن حزم في "المحلى" وفي "حجة الوداع" والسراج في في حديثه وابن عبد البر في "التمهيد" وفي "الاستذكار وابن البخاري في مشيخته والبغوي في "شرح السنة وابن الأثير في "أسد الغابة" والمزي في "تهذيب الكمال".
"
وهذا الأمر لمن اضطر إلى ذلك كمن جاء متأخرا أو (1/186)
صفحة 187
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
187
كان مريضا ونحو ذلك، ولا ينبغي لأحد أن يتعمد ذلك وهو
قادر لمخالفته فعل النبي. (1/187)
صفحة 188
188
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
المسألة الرابعة ما قول فضيلتكم في جواز الاعتماد على الحساب الفلكي في دخول الشهر، وهل يعتمد عليه في رد
الشهادة التي تتعارض معه؟
آله
الجواب: لقد ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى
11
وصحبه وسلم - أنه قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته،
فإن غم عليكم فاقدروا له، وفي رواية: "فأكملوا العدة ثلاثين يوما"، وفي رواية: "لا" تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى
تروه ... إلخ".
-
فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال
رسول الله له في رمضان: "لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا
تفطروا حتى تروه، فإن غمي عليكم فاقدروا له"، وفي رواية
أخرى: "فأتموا ثلاثين يوما".
رواه الربيع في مسنده.
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله الله قال: "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له، وفي رواية: "فإن غبي" وفي رواية لمسلم: "فإن أغمي فاقدروا له ثلاثين، وفي رواية للبخاري: "فأكملوا العدة ثلاثين"، وكذا هو عند الشافعي. (1/188)
صفحة 189
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
189
رواه مالك والبخاري ومسلم والنسائي في "السنن الصغرى" وفي السنن" "الكبرى" وأبو داود والدارمي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والشافعي وأحمد وأبو داود الطيالسي وعبد الرزاق والطحاوي في شرح مشكل الآثار" وأبو يعلى والدارقطني والبيهقي في "السنن الكبير" وفي "معرفة السنن والآثار" وابن حزم في "المحلى" والبغوي في "شرح السنة".
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن أغمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين". رواه مسلم والنسائي والشافعي والدارقطني والبيهقي في "السنن الكبير" وفي "معرفة السنن والآثار" ورواه البخاري بلفظ: فإن غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين.
وعن عبد
الله
بن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول
الله ذكر رمضان فقال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا
تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين".
رواه مالك في الموطأ وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" والشجري في أماليه والبيهقي في "السنن الكبير" وفي "بيان خطأ أخطأ على "الشافعي وأبو القاسم الجوهري في "مسند
من
11
"الموطأ وابن الحطاب الرازي في مشيخته قال الدارقطني "مرسل"، وكذا قال الجوهري يعنيان أنه منقطع، وهو
كذلك. (1/189)
صفحة 190
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
ورواه النسائي في "السنن الصغرى" وفي "السنن الكبرى" وأبو داود والترمذي والدارمي وأحمد وأبو داود الطيالسي وابن أبي شيبة وابن خزيمة وابن حبان وأبو يعلى والطبراني والحاكم والبيهقي في "السنن" "الكبير" وابن عبد البر في "التمهيد" والبغوي في "شرح السنة" من طريق سماك عن عكرمة.
قال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وصححه أيضا الحاكم وابن عبد الهادي، وقال ابن حجر في "التلخيص": "وهو من صحيح حديث سماك لم يدلس فيه ولم يلقن أيضا فإنه من رواية شعبة عنه وكان شعبة لا يأخذ عن شيوخه ما دلسوا فيه ولا ما لقنوا".
وقد تابع سماكا في روايته أشعث عند الطبراني في "الأوسط" ولكن الأشعث ضعيف.
وجاء من طريق محمد بن حنين وعند بعض مخرجيه بن جبير- رواه النسائي في "السنن الصغرى" وفي "السنن "الكبرى والدارمي والشافعي وأحمد والحميدي وعبد الرزاق وابن الجارود والطحاوي في "شرح معاني الآثار" وفي "شرح مشكل الآثار والبيهقي في "السنن "الكبير" وفي "معرفة السنن
والآثار".
وعن بعض أصحاب النبي الا الله قال: "لا تقدموا الشهر (1/190)
صفحة 191
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة".
رواه النسائي في "السنن الصغرى" وفي "السنن الكبرى" وأحمد وعبد الرزاق والبزار والطحاوي في "شرح معاني الآثار" والدارقطني وابن عبد البر في "التمهيد".
ورواه النسائي في "السنن الصغرى" وفي "السنن الكبرى" وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان والبزار والبيهقي وابن الجوزي في "التحقيق" من طريق حذيفة رضي الله عنه.
قال البيهقي في "السنن الكبير": "وصله جرير عن منصور بذكر حذيفة فيه، وهو ثقة حجة، ورواه الثوري وجماعة عن منصور عن ربعي عن بعض أصحاب النبي عن النبي " اهـ. وقال النووي في "المجموع" لما ذكر حديث حذيفة: "رواه أبو داود والنسائي بإسناد على شرط البخاري ومسلم".
وقال أحمد: ليس ذكر حذيفة فيه بمحفوظ"، وتلقف ذلك ابن الجوزي فقال في "التحقيق": "الجواب أن أحمد ضعف حديث حذيفة وقال: ليس ذكر حذيفة بمحفوظ"، وتعقبه ابن عبد الهادي في التنقيح كما في نصب الراية" فقال: "وهذا وهم منه، فإن أحمد إنما أراد أن الصحيح قول من قال: عن رجل من أصحاب النبي، وأن تسمية حذيفة وهم من جرير، فظن ابن الجوزي أن هذا التضعيف من أحمد للحديث، وأنه مرسل، (1/191)
صفحة 192
192
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وليس هو مرسل، بل متصل إما عن حذيفة وإما عن رجل من أصحاب النبي عليه السلام، وجهالة الصحابة ليست بقادحة في صحة الحديث"، قال: "وبالجملة فالحديث صحيح، ورواته محتج بهم في الصحيح"، وقال في "التنقيح" أيضا: "ومن زعم أن حديث حذيفة الذي رواه ربعي عنه مرسل فقد وهم، بل متصل، إما عن حذيفة وإما عن رجل من أصحاب النبي، وجهالة الصحابي غير قادحة في صحة الحديث كما. بعضهم، والله أعلم".
هو
ظنه
وقال ابن القيم في "تهذيب" السنن": "هذا الحديث وصله صحيح، فإن الذين وصلوه أوثق وأكثر من الذين أرسلوه، والذي أرسله هو الحجاج بن أرطأة عن منصور، وقول النسائي: لا أعلم أحدا قال في هذا الحديث عن حذيفة غير جرير إنما عنى تسمية الصحابي، وإلا فقد رواه الثوري وغيره عن ربعي عن بعض أصحاب النبي، وهذا موصول ولا يضره عدم تسمية الصحابي ولا يعلل بذلك".
وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" بعد أن أورده: "وقيل
الصواب فيه عن ربعي عن رجل من الصحابة مبهم، ولا يقدح
في صحته". اهـ.
قلت: وهذا هو الصواب. (1/192)
صفحة 193
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
193
وفي الباب أحاديث أخرى لا نطيل المقام بذكرها، وكلها تدل بأوضح دلالة وتنادي بأعلى صوت بأن الصيام والإفطار منوطان بالرؤية أو إكمال الشهر ثلاثين يوما، وأنه ليس هناك وسيلة أخرى يثبت بها دخول الشهر أو خروجه لا الحساب ولا غيره ومن ادعى خلاف ذلك فعليه إقامة الدليل، ولا سبيل له إليه، وعدم اعتبار الحساب في إثبات الهلال ليس لعدم قطعيته وإنما لأن الشارع ألغاه، وما دام أن الشارع قد
ألغاه فلا يمكن أن يعتبر به وهذا أمر واضح لا غموض فيه. قال القرافي في الفروق ج 2 ص 624 - 626: "الفرق الثاني والمائة بين قاعدة أوقات الصلوات يجوز إثباتها بالحساب والآلات وكل ما دل عليها وبين قاعدة الأهلة في الرمضانات لا يجوز إثباتها بالحساب:
الله تعالى،
وفيه قولان عندنا وعند الشافعية رحمهم والمشهور في المذهبين عدم اعتبار الحساب، فإذا دل حساب تسيير الكواكب على خروج الهلال من الشعاع من جهة علم الهيئة يجب الصوم، قال سند من أصحابنا: فلو كان الإمام يرى الحساب فأثبت الهلال به لم يتبع لإجماع السلف على خلافه، مع أن حساب الأهلة والكسوفات والخسوفات قطعي، فإن الله تعالى أجرى عادته بأن حركات الأفلاك وانتقالات الكواكب (1/193)
صفحة 194
194
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
السبعة السيارة على نظام واحد طول الدهر بتقدير العزيز العليم، قال تعالى: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} (يس: 39)، وقال - تعالى -: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
ذلك
بحُسْبَانٍ (الرحمن: (5) أي هما ذوا حساب، فلا ينخرم أبدا، وكذلك الفصول الأربعة لا ينخرم حسابها، والعوائد إذا استمرت أفادت القطع كما أنا إذا رأينا شيخا نجزم بأنه لم يولد كذلك، بل طفلا لأجل عادة الله تعالى بذلك، وإلا فالعقل يجوز ولادته كذلك، والقطع الحاصل فيه إنما هو لأجل العادة، وإذا حصل القطع بالحساب ينبغي أن يعتمد عليه كأوقات الصلوات، فإنه لا غاية بعد حصول القطع، والفرق -وهو المطلوب هاهنا، وهو عمدة السلف والخلف أن الله تعالى نصب زوال الشمس سبب وجوب الظهر، وكذلك بقية
الأوقات لقوله تعالى: أَقِمِ الصَّلوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ (الإسراء (78) أي لأجله، وكذلك قوله تعالى: فَسُبْحَنَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ والْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظهِرُونَ) (الروم: 17 - 18)، قال المفسرون: هذا خبر معناه الأمر بالصلوات الخمس في هذه الأوقات، حين تمسون المغرب والعشاء، وحين تصبحون (1/194)
صفحة 195
رفع
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
195
الصبح، وعشيا العصر، وحين تظهرون الظهر، والصلاة تسمى سبحة، ومنه سبحة، الضحى، أي صلاتها، فالآية أمر بإيقاع هذه الصلوات في هذه الأوقات، وغير ذلك من الكتاب والسنة الدال على أن نفس الوقت سبب، فمن علم السبب بأي طريق كان لزمه حكمه.
فلذلك اعتبر الحساب المفيد للقطع في أوقات الصلوات، وأما الأهلة فلم ينصب صاحب الشرع خروجها من الشعاع سببا للصوم، بل رؤية الهلال خارجا من شعاع الشمس هو السبب، فإذا لم تحصل الرؤية لم يحصل السبب الشرعي، فلا يثبت الحكم، ويدل على أن صاحب الشرع لم ينصب نفس خروج الهلال عن شعاع الشمس سببا للصوم قوله: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، و لم يقل لخروجه عن شعاع الشمس،
كماق
الى: أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ *
قال تعالى:
(الإسراء: 78)، ثم قال: "فإن" غم عليكم" أي خيفت عليكم رؤيته "فاقدروا له"، وفي رواية: "فأكملوا العدة ثلاثين"، فنصب رؤية الهلال، أو إكمال العدة ثلاثين، ولم يتعرض لخروج الهلال
عن الشعاع.
وأما قوله تعالى: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
(البقرة: 185)، فلا دلالة فيه على هذا المطلوب، قال أبو علي: (1/195)
صفحة 196
196
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
لأن (شهد) لها ثلاثة، معان شهد بمعنى حضر، ومنه: شهدنا صلاة العيد، وشهد بدرا وشهد بمعنى: أخبر، ومنه: شهد عند الحاكم أي أخبره بما يعلمه، وشهد بمعنى: علم، ومنه قوله تعالى: وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (المجادلة:6) أي عليم، وهو في الآية بمعنى: حضر، قال وتقدير: الآية فمن حضر منكم المصر في الشهر فليصمه، أي حاضرا مقيما احترازا من المسافر؛ فإنه لا يلزمه الصوم، وإذا كان شهد بمعنى حضر لا بمعنى شاهد ورأى لم يكن فيه دلالة على اعتبار الرؤية ولا على اعتبار الحساب أيضا، فإن الحضور في الشهر أعم من كونه ثبت بالرؤية، أو بالحساب، فلأجل هذا الفرق قال الفقهاء -رحمهم الله تعالى-: إن كان هذا الحساب غير منضبط فلا عبرة به، وإن كان منضبطا لكنه لم ينصبه صاحب الشرع سببا فلم يجب صوم، والحق من ترديد الفقهاء -رحمهم الله هو القسم الثاني دون
الأول".
-
وأما رد الشهادة إذا دلت الحسابات الفلكية على عدم إمكان الرؤية كأن يكون الهلال لم يولد بعد، أو كان مولود لكنه يغرب قبل غروب الشمس أو مع غروبها أو بعد غروبها بوقت قصير فهو موافق لروح الشريعة ونصوصها التي تدل على عدم جواز أن يسبق بصوم يوم أو يومين من شعبان لمن لم يعتد (1/196)
صفحة 197
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
197
ذلك، ولأن شرط المشهود به أن يكون ممكنا حسا وعقلا
وعادة وشرعا وما هنا ليس كذلك ومن المعلوم أن الحسابات الفلكية من أدق الحسابات، ومن المعلوم أن الفقهاء يردون الشهادة إذا وجدت هناك ريبة في صحتها، ولو كان الشاهد أعدل الناس وأفضلهم، وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة - إن من شاء الله تعالى من خلال النقول عن العلماء، والله ولي التوفيق. قال السبكي في العلم المنشور" ص 37 - 40: "فصل: وعلى القاضي التثبت في إثبات ذلك فإنه يحتاج مع ما يحتاج إليه في غير ذلك إلى زيادة لما يقع في الهلال من الاشتباه والتخيل لبعده وصغر جرمه، وقد حُكي عن أنس بن مالك رضي
من
الله
الجماعة،
تعالى عنه وهو ما هو - حضر مع جماعة فيهم إياس بن معاوية فأخبر أنس -رضي الله عنه- أنه رآه و لم يره أحد. فتفطن إياس بذكائه ونظر إلى عين أنس وجد عليها شعرة بيضاء قد نزلت من حاجبه فرفعها إياس بيده وقال له: أرني الهلال، قال: لا أنظره.
فينظر القاضي في حال الشهود بعد تحقق عدالتهم وتيقظهم وبراءاتهم من الريبة، والتهمة وسلامة حواسهم وحدة نظرهم، وسلامة الأفق، ومحل الهلال مما يشوش الرؤية، ومعرفة
منزلة الهلال التي يطلع فيها، وما يقتضيه الحساب
من
إمكان (1/197)
صفحة 198
198
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
ذلك
رؤيته وعدمها فإن المشهود به شرطه الإمكان، وإذا كان يشترط في الإقرار الإمكان، والمقر مخبر عن نفسه محترز عليها، فما ظنك بالشهادة، فيكون هذا عند القاضي عتيدا، ولا يعتقد أن هذا هو الذي قدمناه من أن الحساب هل يعمل به أو لا؟ فإن ذاك فيما إذا دلّ الحساب على إمكان الرؤية لم ير هل يعتبر الإمكان أو لا؟ لإلغاء الشرع إياه. وهاهنا بالعكس من ولا أقول بالعكس على التحقيق؛ لأن العكس أن يُرى مع عدم الإمكان وذلك مستحيل، وإنما المراد أن يخبر مخبر برؤيته مع عدم الإمكان والإخبار يحتمل الصدق والكذب، والكذب يحتمل التعمد والغلط ولكل منهما أسباب لا تنحصر، فليس من الرشد قبول الخبر المحتمل لذلك أو الشهادة به مع عدم الإمكان؛ لأن الشرع لا يأتي بالمستحيلات.
وهذه المسألة لم نجدها مسطورة فتفقهنا فيها، ورأينا فيها عدم قبول الشهادة، وإنما سكت الفقهاء عنها؛ لأنها نادرة الوقوع، ولما وقعت في هذا الزمان احتجنا إلى الكلام فيها، والفقه بحر لا ساحل، له ومسائله تتجدد بتجدد وقائعه، وقد رأينا من يوثق بعقله ودينه يغلط في رؤيته الهلال كثيرا، وسمعنا عن بعض الجهال أنه يقصد التدين بالشهادة بذلك، ويعتقد أنه له بذلك أجر من صام، بقوله، وسمعنا عن بعض السفهاء أنه (1/198)
صفحة 199
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
199
يقصد بذلك ترويج تزكيته وثبوت عدالته، وللناس أغراض
مختلفة.
فإذا سلمت البينة من هذه الأمور كلها، وسلم موضع الهلال من الموانع، وحاسة الشاهد من الآفات، قبلناه إذا جوّزنا الرؤية، فإن أحلناها بدليل قام عندنا لم نقبل تلك الشهادة، وحملناها على الغلط أو الكذب، ولم نكن بذلك خارجين عن القانون الشرعي؛ لأن دلالة الحساب القطعي أو القريب من القطعي على عدم الإمكان أقوى من الريبة، والريبة موجبة لرد الشهادة، فاعتقادنا عدم الإمكان كذلك أو أقوى، ومقصودنا بذلك القطع بردها، وأنه لا يجري فيها الخلاف المتقدم. وأما إذا استرحنا فالذي يقول بوجوب الفطر بالحساب إذا دلّ على إمكان الرؤية، يقول به هنا بطريق الأولى.؟
وينبغي للقاضي أن يكون له حظ من معرفة علم الهيئة، أو يقلد من يثق به في ذلك، ليكون على بصيرة مما يقبل في ذلك أو يردُّ ولا يتسرّع.
وقد نقل محمد بن الحسن التميمي الجوهري في كتاب "أدب الشاهد" في قوله تعالى: فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارتبتُم أنه منسوخ، وأن الإجماع على أن شهادة المرتاب به (1/199)
صفحة 200
في شهادته غير مقبولة.
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وللأصحاب فروع كثيرة تدل على ذلك، وما نحن فيه أقوى من الريبة؛ لأنه مستحيل عادة، ولو شهد شاهدان عند حاكم أنهم رأيا فيلا بحضرتنا ونحن لا نراه كانت شهادتهما مردودة، وحكم الحاكم بذلك، مردودا، كما صرح به الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب، وإن كان ذلك أوضح من أن ينقل عن أحد فإنا نقطع به.
ومما ينبغي للقاضي معرفته تسبير منازل الشمس والقمر وقربه وبعده منها ووقت مفارقته شعاعها وقوس النور - وهو قدر باقي جرمه وقوس المكث. وقالوا: إذا كان قوس الرؤية ت درج وقوس النور تسع درج وقوس المكث تسع درج استحالت رؤيته، ونعني بالاستحالة الاستحالة العادية. وإن زادت كلُّ واحدة من الثلاثة درجة أمكنت بعسر، وكذلك إذا
زاد اثنان دون الثالث، وكلما حصلت الزيادة قوي الإمكان. ويحتاج إلى النظر أيضا في صفاء الجو وكدرته، وكون الهلال في جهة الشمال أو جهة الجنوب واختلاف مطالعه ومطالع البروج ومغاربها، ولا نقول نحن إن ذلك واجب على القاضي مطلقا؛ لأنه في الغالب يُحمل الأمر على السلامة
ما
وحسن الظن بالشهود، وأنهم ما شهدوا إلا بما رأوا، وأنهم مـ (1/200)
صفحة 201
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
رأوا إلا وهو ممكن، وإنما الكلام فيمن قامت عنده ريبة أو بلغه الحساب ما قاله الحساب في ذلك الوقت فإنه يجب عليه التثبت والنظر في ذلك ليعلم صحته أو عدمها، وهو أمين الله على نفسه، فإذا انتفت عنه الريب وانشرح صدره أثبت، وإن كان يقول مع دلائل الحساب القطعي أو القريب منه على عدم الإمكان أنه انشرح صدره فهو أخرق".
وقال 55 - 56: "والحامل على تصنيف هذه المسألة أن رأينا بعض القضاة الكبار يتسرع في إثبات الهلال، وجربنا ذلك منه في عشرين عيدا منها عيد النحر في هذه السنة، سنة وهي ثمان وأربعين وسبعمائة، تراءى الناس هلال ذي الحجة ليلة الأحد بدمشق فلم يروه، ودلّ الحساب على أنه لا تمكن رؤيته تلك الليلة، فلما كان يوم الاثنين الثامن منه شهد عند القاضي المذكور اثنان برؤيته قدما فأثبته وحكم به، ونفذه حنفي فتوقفت في تنفيذه وامتنعت وما أعجبني أن أقول: إن المانع ما عرف من القاضي من التسرع فأخرجت هذه الطريقة الفقهية في رد الشهادة إذا كانت بشيء مستحيل في العادة صيانة لكلامي أن يحصل في حاكم، ثم جاءت الأخبار من سائر البلاد بأنهم عيّدوا الأربعاء على خلاف ما عيّدوا في دمشق الثلاثاء، ثم ليلة أربع عشرة من تاريخ الأحد لم يكن القمر كاملا، ثم ليلة (1/201)
صفحة 202
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
الاثنين خامس عشرة طلع قبل الغروب، وإن كان هذان الأمران لا يترتب عليهما شيء من جهة، الصنعة ثم ليلة الثلاثاء الحادي والثلاثين من تاريخ الأحد تراءاه الناس والموقتون العارفون بمنزلته بالجامع الأموي في المنارة الغربية والشرقية والعروس، وفي مواضع أخر كثيرة بدمشق ونظائرها مع الصحو وصفاء الجو، ولا علة أصلا، فلم يروا شيئا مع أنه تمكن الرؤية بعـ بخلاف الشهر الخارج فإنه مستحيل الرؤية.
بعسر
فعلم بالقطع أن ما شهدت به الشهود من رؤية هلال ذي الحجة ليلة الأحد باطل، وإن كان الصحيح من مذهبنا أن مجرد عدم رؤيته ليلة الحادي والثلاثين لا تقدح في الشهادة المتقدمة، لكن الذي اتفق في هذه الواقعة من مجموع هذه الأمور يقدح، ومرادي بالقدح القدح في الثبوت والحكم، لا في الحاكم ولا في الشهود، معاذ الله، وإنما الشهادة بالهلال من أصعب الأشياء لكثرة أسباب الغلط فيها، وجاء الحُجَّاجُ فأخبروا أنهم تراءوه ليلة الأحد والسماء مصحية والجمع عظيم - فلم يروا شيئا ووقفوا الثلاثاء، وقيل: بعض الناس احتاط فبات في عرفة ليلة الثلاثاء، فلم يبلغنا عن البلاد أنه ثبت فيه رؤيته ليلة الأحد غير دمشق، وبلغني أن آخرين
بلد من
قالوا: إن هلال ذي القعدة كان ليلة الجمعة، وهذا أشد بطلانا (1/202)
صفحة 203
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
ولا يثبته ويحكم به إلا مغفل".
وقال ص 57: " (فصل ما ذكرناه من صعوبة مرتبة المفتي والقاضي ينبغي التفطن للخطر في ذلك، وأن لا يتسرع أحد في شيء معين بإطلاق الحل والحرمة حتى يتحقق حكم الشرع في الكلي ويتحقق اندراج ذلك الجزئي فيه.
ومتى لم يتحقق ذلك وتحقق الحكم الكلي فقط، يقوله كليا ولا يزيد عليه كما قال عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - لما سُئل عن الذي نذر ووافق نذره يوم العيد فقال: أمر
الله
بوفاء النذر، ونهى النبي الله عن صوم يوم العيد، ولم يزد على عنه- إذ تعارض عنده الدليلان، فتوقف
الله
ذلك لورعه -رضي في الأمر الكلي، وما نحن فيه أولى فإنه جزئي، فهو أولى بالتوقف، وانظر إلى قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ، فمن قال لشيء مشخص: هذا حلال، وهذا حرام، بغير دليل بين عنده من الشرع يخشى عليه أن تشمله هذه الآية، وإنما قلنا هذا؛ لأنا سمعنا شخصا يقول: صوم غد حرام بالإجماع، وليس عنده من الحامل على هذا إلا ما اتفق من تلك الشهادة، والحكم المرتاب
فيهما".
وقال ص 59 - 60: "فصل في التضحية الاحتياط أن (1/203)
صفحة 204
204
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
يضحى في هذا العام في الثاني أو الثالث لتحقق إجزائها فيهما، وأما التضحية في اليوم الذي وقعت الريبة فيه وقلنا: إن الشهادة والحكم به مردودان، فلا يجوز ولا يجزئ، ومن ضحى فيه فإن كانت أضحيته منذورة لم تجزئه وكان عليه ضمانها عالما كان أو جاهلا لان الجهل ليس عذرا في الضمان وكذا إذا كان عينها للأضحية؛ لأن المعينة في حكم المنذورة، وإن كانت تطوعا فإن كان ممن يعتقد وجوبها وكان من أهل الوجوب فكذلك، وإلا فلا ضمان عليه، ولكن لا تجزئه عن الأضحية، ولا يحصل له أجر الأضحية وهي شاة لحم".
وقال جمال الدين القاسمي في مقدمته لـ"العلم المنشور" ص 16: "وأفاد -يعني: السبكي - في الفصل الأول في شرح حديث: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" فوائد لا يستغنى
عليه،
الله
عنها، منها أن الأمية تمدح بها لكونها معجزة للنبي صلوات ومنها أن عدم تشريع إثبات الهلال بالحساب لليسر ورفع الحرج؛ ليكون إثباته بأمر يعرفه كل أحد، ومنها أنه ليس معنى الحديث النهي عن الكتابة والحساب ولا ذمهما وتنقيصهما، ومنها أنه ليس معنى الحديث إبطال قول الحاسب في قوله أن الهلال تمكن رؤيته أو لا وإنما في الحديث عدم إناطة الحكـ الشرعي به إلى غير ذلك من الفوائد البديعة". (1/204)
صفحة 205
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وقال في تعليقه على العلم المنشور" عند قول السبكي في ص:39:38: فإن أحلناها أي الشهادة بدليل قام عندنا لم نقبل تلك الشهادة وحملناها على الغلط أو الكذب ولم نكن بذلك خارجين عن القانون الشرعي، قال: "توضيحه أن ما: يدل عليه الفن من استحالة الرؤية بإجماع أهله يوجب رد تلك الشهادة؛ لأنه بمنزلة جرح أولئك الشهود، ومن المقرر أنه يؤثر في جرح الشهود وسقوط عدالتهم أقوال الجارحين وإن كانت مظنونة غير معلومة فكيف وهي مقطوع بها كالقطع
بأن الواحد نصف الاثنين، وأن العلم نور والجهل ظلمات وكل من شدا طرفا من هذا الفن فن الهيئة والميقات- صار هذا لديه من البديهيات ودين الحنيفية يتبعه العقل أنى سار وتؤيده علومه أين اتجه وقد حقق هذا البحث في غير هذا الموضع ولنا في كتاب دلائل" "التوحيد" كلام مسهب فيه راجعه في بحث "مطابقة الشرع للعقل ومؤاخاة العلم للدين،
ص 341.
ومما قاله الإمام ابن حزم في هذا المعنى وفي كتابه "الفصل" (2: 95): ومعاذ الله أن يأتي كلام الله سبحانه وتعالى- وكلام نبيه بما يبطله عيان أو برهان إنما ينسب هذا إلى
القرآن والسنة من لا يؤمن بهما ويسعى في إبطالهما إلخ. (1/205)
صفحة 206
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وقال أعني القاسمي - في تعليقه على "العلم المنشور" عند قول السبكي في ص 39 - 40: ولو شهد شاهدان عند أنهما رأيا فيلا بحضر تنا ... إلخ قال: "حكى لي صديقنا
حاکم، الشيخ عبد القادر الطنطاوي الفلكي الميقاتي ابن شيخنا العلامة الشيخ محمد الطنطاوي أنه في أحد الأعوام رصد أول رمضان على حساب الفن فتحققه أنه يوم كذا؛ لأن هلاله يرى ليلته ثم يذهب إلى المحكمة الشرعية في الليلة التي يظن أن يثبت الحاكم بها الشهر - وتلك الليلة على حسابه يستحيل أن يرى فيها الهلال - فإذا بصديقنا يبلغه جلبة ضوضاء ومظنة من يشهد من بعض العامة بأنه رئي الهلال للوجوه التي ذكرها المؤلف هنا، ولوجه آخر وهو أنه كان يُعطى الشاهدان جائزة، وقد أبطلها -والحمد لله بعض عقلاء القضاة، قال صديقنا: فتقدمت لنائب القاضي وقلت له: لا تخجلونا بإثبات الشهر الليلة أمام النصارى الفلكيين وأمثالهم؛ فإنه الليلة يستحيل رؤيته واسعوا في إفساد شهادة الشهود، واسترونا ولقد صدق -حفظه الله- فإن القضاء حينئذ حالته ما ترى ولا قوة إلا بالله اهـ.
"
وقال الشيخ محمد بخيت المطيعي في "إرشاد أهل الملة" ص 201 - 202: ومتى أنصفت تجد أن كلام الأمام السبكي صريح في أن المقصود هو تحري القاضي وتثبته، حتى لا تكون (1/206)
صفحة 207
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
207
علماء
شهادة من شهد عنده مظنة الغلط أو الكذب، وقد صرح الحنفية بأن الشهادة ولو في حقوق العباد - إذا قامت على مستحيل عقلا أو عادة، أو خالفت الظاهر لا تقبل، وقد تقدم عن مبسوط السرخسي أنها تردُّ إذا خالفت الظاهر.
وليس ما قاله السبكي من قبيل رد الشهادة الشرعية بحساب أهل الميقات كما فهمه من اعترضوا عليه، ودعواهم أن مثل هذا الاحتمال قائم في كل شهادة دعوى باطلة؛ لأن الشهادة و إن كانت خبرا تحتمل الصدق والكذب، لكن عدالة الشهود وموافقة شهادة كل منهما في المعنى لشهادة الآخر، وموافقة شهادتهم للدعوى، كل ذلك يرجح جانب الصدق على جانب الكذب، فإذا وقعت الشهادة بمستحيل عقلا أو عادة أو خالفت مشهورا ظاهرا فقد وُجد ما يرجح جانب الكذب على جانب الصدق، أو يوجب القطع بالكذب، فترد
الشهادة حينئذ.
وما نحن بصدده من دلالة الحساب القطعي أو القريـ منه على عدم إمكان الرؤية قد وجد فيه ما يرجح يرجح جانب الكذب أو يوجب القطع به فترد الشهادة، وليس هذا المعارض
لمرجح قدمناه - أن التفرد بالشهادة في رمضان وغيره متى كان مظنة
الصدق موجودا في كل شهادة، وقد علمت مما (1/207)
صفحة 208
208
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
عن
الغلط أو الكذب يمنع من قبولها، وقد قدمنا لك "الولوالجية" أنه متى تعارض مرجح الصدق وهو العدالة في شهادة الواحد
العدل ومرجح الرد -وهو مخالفتها للظاهر - يقدم على الصحيح مرجح الرد على مرجح القبول، وقدمنا أن المدار على أن التفرد في الشهادة يكون مظنة الغلط بلا فرق بين الواحد والأكثر وإذا ردت الشهادة عندما يكون التفرد مظنة الغلط أو الكذب، وذلك عندما يرى الهلال جمع قليل دون أضعافهم، فكيف لا ترد إذا وجد دليل قاطع أو قريب من القاطع على عدم إمكان الرؤية، لا شك أن عدم قبول الشهادة هنا أولى؛ لأنه إذا رأى القليل ولم يره أضعافهم، فعدم رؤية أضعافهم يوجب غلبة الظن بغلط القليل، أو كذبه في دعواه الرؤية، وأما هنا فالدليل قاطع أو قريب منه على ذلك، كيف وقد جعلوا من شروط إفادة الخبر المتواتر العلم للسامع أن لا يكون السامع معتقدا لنقيض ما يقتضيه الخبر إما لشبهة أو تقليد أو اعتقاد فإذا كان هذا حال الخبر المتواتر فكيف بغيره، وحينئذ إذا قبل القاضي شهادة من شهد عنده برؤية الهلال مع دلالة الحساب القطعي، أو القريب منه على عدم إمكان الرؤية كان ذلك على خلاف ما يعتقده، ولذلك قال السبكي إنه أخرق، وليس هذا من قبيل معارضة الحساب للشهادة حتى يقال: يعمل بالشهادة دون الحساب، بل إن ذلك من قبيل وجود دليل عند القاضي (1/208)
صفحة 209
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
المشهود عنده اعتقد بموجبه خطأ الشاهد أو كذبه، فإن حساب الحاسب العدل الراسخ في الفن إذا دلّ على عدم إمكان الرؤية، أوجب غلبة الظن بغلط الشاهد، أو كذبه بلا شبهة، فكيف يستطيع القاضي أن يقبل مع هذا شهادة هذا الشاهد، ومثل القاضي فيما ذكرناه من يخبره العدل برؤية الهلال إذا لم تمكن رؤيته، وكلام السبكي صريح في أنه لا فرق في رد الشهادة حينئذ بينما إذا كان الحساب قطعيا أو قريبا من القطعي، وهو ما يوافق قواعد مذهبنا من أن المدار في رد الشهادة على كونها خالفت الظاهر؛ بأن قامت على مستحيل عقلا أو عادة أو على خلاف المشهور المعروف، أو عارضها ما جعلها مظنة الغلط أو الكذب". انتهى المراد منه.
وقال محمد بن عبد الوهاب بن عبد الرزاق في "العذب
"
الزلال" ج 1 ص 213: وليس عدم الاعتماد على الحساب لبطلانه وعدم صحة مقدماته في الواقع، ونفس الأمر وتزييفه
وتكذيب قائله؛ بل لأن الشارع ألغاه في هذا الحكم لما ذكرنا. والإلغاء شيء والإبطال شيء آخر، فإن الشارع قد ألغى أمورا في مواضع من غير أن يبطلها، فقد ألغى إصابة القبلة إذا صلى بلا تحرّ واجتهاد واعتبر الخطأ فيها إذا صلى بلا تحرّ واجتهاد عند اشتباهها عليه، وألغى العلم القطعي الذي يحصل (1/209)
صفحة 210
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
للإمام أو القاضي من المشاهدة في إقامة الحدود والقتل، واعتبر الظن الذي يحصل له من شهادة الشهود فمنعه من إقامتها في الأول وأوجب عليه إقامتها في الثاني مع أن الأول من قبيل الحس وهو يفيد العلم القطعي، قطعا، والثاني من قبيل خبر لا يفيد إلا الظن. قال ابن كثير: اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه وإن اختلفوا في سائر
الأحاد وهو
الأحكام".
وقال بعد كلام ص 295 نقلا عن طنطاوي جوهري: "ذلك نوع ما ينقل عن السلف الصالح أنهم قد يخطئون في نظر الهلال لعارض، ولم يتعمدوا الكذب، ولكن الناس بعد الصدر الأول تفننوا في الفسوق والغش والخداع والتزوير والكذب، فاضطر علماء الحنفية والشافعية حتى إمامهم وكثير من المالكية إلى الحساب المدقق في الفلك، وقال قائلهم: إذا جاز أن نرفض شهادة من شهد أن بحضرتنا فيلا فلنرفض من شهد بالهلال وهو لا تمكن رؤيته بقول الحاسبين".
وقال ص 301 - 302: "وقال" أيضا في "تقريب البعيد": نعم عدم ثبوت الرؤية بقول الحاسب أنه يرى لا ينافي أن العالم بذلك من طرقه تتيسر له أسباب تعين على الرؤية البصرية المعتبرة شرعا كما قال. (1/210)
صفحة 211
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
(لكنه أي حساب الرؤية، بالنظر لما يحصل لدى العارف بها المباشر لعلمها من المعلومات المتعلقة بالهلال كمقدار ارتفاعه عند غروب الشمس أو بعد غروبها، وسمت ذلك الارتفاع، وكسعة مغرب الهلال ونحو ذلك هو (للرؤية) البصرية (المعتبرة) شرعا أجل (مرشد إليها، أي إلى إدراك رؤيته بسبب تعين موضعه في ناحية الأفق الغربي (لمن قد سبره)، أي اختبر ذلك وباشره. قال ابن الرقام في "المستوفى ": وأما إن كان الهلال في أول حدود رؤيته، فإنه يرى خفيا فيحتاج حينئذ إلى شدة صفاء الجو وحدة البصر، ومعرفة الناظر بموضع القمر لوقت الرؤية من جهة سمته وارتفاعه، فاستخرج ارتفاعه المرئي في الطول والعرض، وانظره في تلك الجهة التي وجدته فيها، وحقق ذلك بشيء من الآلات النجومية المتخذة لذلك، ذلك ونة على رؤيته. اهـ. ". معوا
ففي
11
وقال:320: من المعلوم المقرر أن الشهادة إذا وقعت
بشيء مستبعد عقلا أو عادة فإنها ترد ولا تقبل.
قال الشيخ خليل في باب الشهادات عطفا على ما ترد به الشهادة ولا إن استبعد). قال الزرقاني: أي استغرب (کبدوي) يشهد في الحضر في الأموال (الحضري) قروي أو مصري على، حضري لأن ترك شهادة الحضري ريبة (1/211)
صفحة 212
212
واستغراب اهـ. ".
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وقال ص 320 - 321: "وقال في "تبيين وجوه
الاختلال"
ص 115: ليست كل شهادة تقبل ويعمل بها؛ إذ الشهادة التي قامت عليها شواهد الريبة ترد ولا تقبل من شاهديها بالإجماع. وقد أبطل الله شهادة الشهود المرتاب في شهادتهم في غير موضع من كتابه العزيز، ومنه قوله تعالى: وَلَا نَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَدَةٌ أَبَدًا الآية" الآية" ... ، .... فتبين أن من شهد شهادة إنما تقبل ويعمل بها إن سلمت من الريبة، ولأجل ذلك سطرت شروط قبول الشهادة في كتب الفقه اه" ... ، وتقدم أن الحطاب نقل عن القرافي في الفرق الثاني والمائة ما نصه عن حساب الأهلة والخسوف والكسوف قطعي؛ فإن الله سبحانه أجرى عادته بأن حركات الأفلاك وانتقالات الكواكب السبعة على نظام واحد طول الدهر، وكذلك الفصول الأربعة والعوائد إذا استمرت أفادت القطع كما إذا رأينا شيخا نجزم بأنه لم يولد كذلك، بل طفلا للعادة، وإلا فالعقل يجوز ولادته كذلك، فالقطع الحاصل فيه إنما هو لأجل العادة اهـ.
وقد تقدم قول ابن رشد: إن الشمس والقمر مسخران الله تعالى في السماء، يجريان في أفلاكهما من برج إلى برج على ترتيب وحساب وقدر لا يتعديانه، قال الله عز وجل: (1/212)
صفحة 213
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
213
وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، وقال:
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ، وقال: وَكُل فِي فَلَكٍ
يَسْبَحُونَ
فالقمر سريع
الذهاب يقطع جميع بروج السماء في شهر
واحد ولا تقطعها الشمس إلا في اثني عشر شهرا، فهو يدرك الشمس في آخر كل شهر ويصير بإزائها من البرج الذي هي فيه ثم يخلفها فإذا بَعُد عنها استهل، وكلما زاد بعده عنها زاد ضوءه إلى أن في البعد ليلة أربعة عشر، فتكمل استدارته ينتهي وضوءه لمقابلته الشمس، ثم يأخذ في القرب منها، فلا يزال ضوءه ينقص إلى أن يدرك الشمس فيصير بإزائها على م أحكمه خالق الليل والنهار لا إله إلا هو. اهـ
"
وقال ص:322: وعلى كل حال، فكون حساب الأهلة والخسوف والكسوف والأوقات قطعيا، فهو أمر ضروري كالقطع بأن الواحد نصف الاثنين، وأن العلم نور، والجهل ظلمات. ويأتي مزيد كلام في ذلك بحول الله ".
ص
328 عن الشيخ
ثم نقل كلام الشيخ المطيعي، ثم قال طنطاوي جوهري أنه قال: "ليس" قصدنا في هذا أن نتكلم على مسألة القاضي، فليس ثبوت هلال رمضان موقوفا على حكم (1/213)
صفحة 214
0214
القاضي
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
عند الحنفية ولا المالكية ولا الحنابلة، وإنما نريد أن الأمة أدركت من قديم مسألة الشهود في هلال رمضان فمنهم
الكاذبون لشهرة ولإثبات عدالة أو قربى إلى
الله
جهلا،
والمخطئون لضعف الحاسة أو الوهم أو غير ذلك مما لا حصر له، فهذا هو الذي ساق العلماء- رضي الله عنهم- إلى اعتبار الحساب مع ما في الشريعة من السهولة ولوضوح الهلال في أوائل الشهور، فخيف إذ ذاك من أن يكون الصيام بالشهادة قبل دخول الشهر، وهذا في الحقيقة لا يجوز، فالحساب إذن مستحسن مطلوب ليكون حصنا يقي من غلط الحس ومن تعمد الكذب ومن التنطع بالشهادة قربى وغير ذلك اه".
"
وقال ص 328: وقد ذكر شيخنا في "تقريب البعيد" ص 158 أن العلامة الشيخ رشيد رضا ذكر في الجزء الأول من المجلد الثاني والعشرين من "المنار" ص 163 المؤرخ بتاسع وعشري شعبان سنة 1345 هجرية ما نصه: "ما زلنا منذ بلغنا سن الرشد إلى أن أدركنا سن الشيخوخة الشيخوخة نسمع المسلمين يتألمون من الاضطراب والاختلاف الذي يحدث في إثبات أول شهر رمضان لأجل الصيام الواجب، وإثبات أول شوال لأجل الفطر الواجب في يوم العيد، وكذا هلال ذي الحجة لأجل وقوف عرفة، وقد عرض لنا في هذا اليوم الجمعة 30 شعبان، (1/214)
صفحة 215
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
215
يعني من العام المذكور أن سمعنا قبيل ذرور (أي طلوع) الشمس دوي المدافع تنفجر من قلعة القاهرة إعلانا لإثبات شهر، رمضان، وكان الحاسبون من الفلكيين قد نشروا في جميع الجرائد تذكيرا بما دوّن في جميع النتائج لهذه السنة الهجرية، من أن أول رمضان فيها ليلة السبت؛ لأن هلاله يولد في ليلة الجمعة بعد ثلاث ساعات ونصف ساعة ودقيقة واحدة من غروب الشمس، فرؤيته مستحيلة قطعا في ليلة الجمعة، وممكنة لكل معتدل البصر في ليلة السبت وقد تبرم الناس بهذا الإثبات اليوم؛ أهل المعرفة منهم يعتقدون أن هذا اليوم من شعبان، جميع فإن ما أثبته الحاسبون من اليقينات القطعية والشهادة برؤية الهلال إذا انحصرت في واحد أو اثنين أو ثلاثة لا تفيد إلا الظن لكثرة ما يقع فيها من الاشتباه، وقد وقع لي بعض السنين وأنا
لأن
في سورية أن رأيت الشمس غربت كاسفة في اليوم التاء
والعشرين من شعبان ثم شهد شاهدان ذوا عدل بعد غروبها بساعة زمانية أنهما رأيا، الهلال فحكم القاضي الشرعي بإثبات الشهر بالرؤية، ومن المعلوم باليقين أن رؤية الهلال كانت من المحال؛ لأنه غرب مع الشمس فلا يمكن أن يكون عاد ورأياه، وأنا أعتقد أن ذينك الشاهدين لم يتعمدا الكذب، فهما من أهل التقوى والعلم ولكنهما تخيلا الهلال تخيلا؛ ولأجل مثل هذا الاشتباه قال المحققون من الفقهاء في مثل هذه المسألة: إن (1/215)
صفحة 216
216
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
الشهادة برؤية الهلال في أيام الصحو لا تثبت إلا برؤية جمـ كثير، وينبغي تقييد هذا بما إذا تراءى الهلال كثيرون، كما هي العادة؛ وذلك لأن العبرة في الرؤية رؤية معتدل البصر لا أمثال
زرقاء اليمامة في حدة البصر. اهـ. المراد منه".
11
وقال ص 330: وقال الشيخ طنطاوي جوهري في رسالته ص 44 ما نصه: قلت قد سبق فيما بيناه ونقلناه عن إياس وغيره من العلماء أن رؤية الهلال قد يدخلها الوهم وغلط الحس والأغراض المختلفة"
وقال:390 هذا وقد علمت أن رد الشهادة إذا دل الحساب على استحالة الرؤية ليس منافيا لعدم اعتبار الشرع الحساب في إثبات الشهر؛ وذلك لأن الشهادة إنما بطلت بذلك حيث إنها وقعت بشيء مستحيل عادة، ومن المعلوم أن الشهادة كيفما كانت إذا وقعت بشيء مستحيل أو مستغرب فإنها ترد ولا تقبل، بل من قبل الشهادة مطلقا يعد أخرق كما قال السبكي. على أن حساب الرؤية ليس ملغى بالمرة".
وقال ص 397 - 398: "والحق في هذه المسألة أن يقال: المدار في تكذيب الشهود إنما هو على تعدد الحساب وعلى كونهم من الراسخين في الفن لأجل انتفاء احتمال الغلط ليس
إلا. (1/216)
صفحة 217
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
217
ولا يقال: لماذا لم يعتبر الحساب في إثبات الشهر إذا أفاد القطع برؤية الهلال ولكن منع منها نحو السحاب وعمل به في رد الشهادة بالرؤية إذا دل على استحالتها؟ لأنا نقول: قصد النبي الله في ثبوت الشهر بالرؤية أو إكمال العدة دون الحساب هو التخفيف على هذه الأمة الأمية وعدم تكليفها بما هو عسير ولا يدركه إلا الخواص.
على أنهم لو كلفوا به لضاق عليهم، فحينئذ عدم ثبوت الشهر بالحساب هو من باب الترخيص من المشرع الأعظم الله رحمة بهذه الأمة ورأفة بها، فلذلك لم يعتبر الحساب في إثبات
الشهر لا بالنسبة للحاسب ولا بالنسبة لغيره.
على أنه لو اعتبر الحساب في إثبات الشهر لوجب على الحاسب أن يحسب كل شهر وخصوصا الشهور ذات المواسم
الدينية، وفي ذلك من المشقة ما لا يخفى.
وأيضا فإن الحساب تارة يدل على امتناع الرؤية، وتارة
يدل على إمكانها مع عسر أو مع رجحان، وتارة يدل على أنها قطعية، وبما أن صورة القطع هي نادرة فلا ينبغي تعليق الحكـ عليها كما قدمنا ذلك في أواسط الفصل الثاني من
الشرعي
المبحث الثاني.
على أن هذه الصورة قد سن لنا الشارع فيها طريقة (1/217)
صفحة 218
218
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
واضحة أسهل من الحساب وهي طريقة نقل رؤية بلد لبلد بحيث إذا وصل الهلال لحد الرؤية فإن لم ير في محل فيه الغيم فلا بد أن يرى في محل آخر فيه الصحو فتنقل الرؤية حينئذ.
وعليه فلا داعي لاعتبار الحساب في ثبوت الشهر كيفما
كان الأمر للاستغناء عنه بطرق أسهل منه.
وأما اعتباره في رد الشهادة إذا دل على استحالة الرؤية فليس هنا ما يمنع منه ولا علة تقتضي عدم اعتباره في رد تلك الشهادة، بل مقتضى الإجماع على أن كل شهادة فيها ريبة واستغراب لا تقبل أن ترد ولا تقبل في هذه المسألة بالأحرى كما علمت؛ لأنها شهادة بمستحيل قطعا والشرع لم يأت
بالمستحيلات.
وأيضا لم يأت لنا نص من الشارع أن كل شاهدين تقبل
شهادتهما.
قال في "تبيين وجوه الاختلال" ص 134: ليست كل
الله
شهادة تقبل ويعمل بها إذ الشهادة التي قامت عليها شواهد الريبة ترد ولا تقبل من شاهديها بالإجماع. وقد أبطل شهادة الشهود المرتاب في شهادتهم في غير موضع من
كتابه
العزيز، ومنه قوله تعالى: {وَلَا نَقْبَلُوا لَمْ شَهَدَةً أَبَدًا الآية، (1/218)
صفحة 219
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وقد قال خليل: فإن لم ير بعد ثلاثين صحوا كذبا.
219
وسيأتي أن العلة في ذلك هي أن عدم رؤيته عشية الثلاثين يقين، وقول الشاهدين ظن فلا يترك اليقين بالظن". وقال ج 2 ص 15: " ثم نقل طنطاوي جوهري- عن المدير العام لمرصد حلوان قوله إذا أمكن مشاهدة الهلال في مكة المكرمة، أمكن مشاهدته غالبا في دمشق الشام ومصر؛ إذا كانت السماء صافية، لكنه لا يتحتم رؤيته في جميع البلدان، التي على خط طول مكة إذا كانت تلك تختلف عنها كثيرا من
خط العرض. ثم قال الشيخ طنطاوي جوهري ص 63: وكل بلد ثبت الهلال فيه بالرؤية الصادقة، فإن كل بلدة غربيها، يرى فيها الهلال قطعا ويكون أتم ظهورا وأضوأ نورا، رأوه أو لم يروه يعني لمانع.
وليس يلزم من رؤية أهل البلد الغربي، وهي التي كانت أقل طولا أن يراه أهل البلد الشرقي، وهي التي كانت أكثر طولا، فإذا رآه أهل الكويت وطولها 48 درجة، فليس يلزم أن يراه أهل مسقط وطولها 58 درجة؛ لأنهم شرقيهم، ولا أهل سرجة، وطولها 54 درجة ولا القطيف وطولها 50 درجة، بل
يراه أهل بغداد، وطولها 44 درجة، والنجف وطولها 44 درجة (1/219)
صفحة 220
220
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وكربلاء وطولها 44 درجة، وسماوة وطولها 45 درجة".
11
عند
وقال ج 2 ص 30: ولا بأس أن نذكر هنا كلام البيروني بتمامه، لما فيه من الرد الشنيع على الذين يتقدمون الرؤية بيوم أو يومين وبيان عدم إمكان توحيد أوائل الشهور القمرية، باعتبار الرؤية الشرعية المطلوبة كتابا وسنة وإجماعا. قال في كتابه المذكور ص 64: ويبتدئ العرب بالشهر من رؤية الهلال، وكذلك شرع في الإسلام، كما قال الله تعالى: يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ، ثم بعد أن ذكر ما نقله عن المقريزي قال فأما أصحاب الهيئة ومن تأمل الحال بعناية شديدة فإنهم يعلمون أن رؤية الهلال غير مطردة على سنن واحد؛ لاختلاف حركة القمر المرئية، بطيئة مرة وسريعة أخرى. وقربه من الأرض وبعده وصعوده في
هذه
الشمال والجنوب، وهبوطه فيهما، وحدوث كل واحد من الأحوال له في كل نقطة من فلك البروج، ثم بعد ذلك لما يعرض من سرعة غروب بعض القطع من فلك البروج، وبطء بعض وتغير ذلك على اختلاف عروض البلدان، واختلاف الأهوية، إما بالإضافة إلى البلاد الصافية الهواء بالطبع، والكدورة المختلطة بالبخارات دائما والمغبرة في الأغلب، و إما بالإضافة إلى الأزمنة إذا غلظ في بعضها، ورق في بعض وتفاوت قوى (1/220)
صفحة 221
بصر
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
الناظرين إليه في الحدة، والكلال وإن ذلك كله على اختلافه بصنوف الاقترانات كائنة في كل أول شهر رمضان وشوال على أشكال غير معدودة، وأحوال غير محدودة، فيكون لذلك شهر رمضان ناقصا مرة وتاما أخرى، وإن ذلك كله يتغير بتزايد عروض البلدان وتناقصها، فيكون الشهر تاما في البلدان الشمالية-مثلا- وناقصا هو بعينه في الجنوبية منه، وبالعكس. ثم لا يجري ذلك فيها على نظام واحد، بل يتفق فيها أيضا حالة واحدة بعينها لشهر واحد مرارا متوالية وغير متوالية. فلو صح عملهم -مثلا- بتلك الجداول والحسابات، واتفق مع رؤية الهلال، أو تقدمه يوما واحدا كما أصلوا لاحتاجوا إلى إفرادها لكل عرض.
على أن اختلاف الرؤية ليس متولدا من جهة العروض فقط، لكن لاختلاف أطوال البلدان فيها أوفر نصيب؛ لأنه ربما لم ير في بعض البلاد ورئي فيما كان أقرب منه إلى المغرب، وربما اتفق ذلك فيهما جميعا وذلك مما يحوج أيضا إلى إفراد الحساب والجداول لكل واحد من أجزاء الطول.
فإذن لا يمكن ما ذكروه من تمام شهر رمضان أبدا، ووقوع أوله وآخره في جميع المعمور من الأرض متفقا، كما
يخرجه الجدول الذي يستعملونه. (1/221)
صفحة 222
222
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
فأما قولهم: إن مقتضى الخبر المأثور-تقديم الصوم والفطر على الرؤية فباطل؛ وذلك لأن حرف اللام يقع على المستأنف كما ذكروه ويقع على الماضي، كما يقال كتب لكذا مضى من الشهر، أي من عند مضي كذا، فلا يتقدم الكتبة الماضي من الشهر، وهذا هو مقتضى الخبر دون الأول. ألا ترى إلى ما روي عنه عليه السلام- أنه قال: نحن" قوم أميون لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا"، وكان يشير في كل واحدة منها بأصابعه العشر، يعني تماما ثلاثين يوما. ثم أعاد فقال: وهكذا وهكذا، وخنس إبهامه في إبهامه في الثالثة، ناقصا يعني تسعة وعشرين يوما فنص عليه السلام - نصا لا يخفى على أحد، أن الشهر يكون تاما مرة وناقصا أخرى، وأن الحكم جار عليه بالرؤية دون الحساب بقوله: "لا نكتب ولا نحسب".
فإن قالوا عني أن كل شهر تام فإن تاليه ناقص، كما يحسبه مستخرجو التواريخ، كذبهم العيان إن لم ينكروه، وعرف تمويههم الصغير والكبير فيما ارتكبوه.
على أن تتمة الخبر الأول، يفصح باستحالة ما ادعوه، وهو قوله عليه السلام-: "فإن غم عليكم فعدوا شعبان ثلاثين يوما" وفي رواية: فإن حال بينكم وبين رؤيته سحاب
أو قتام فأكملوا العدة ثلاثين". (1/222)
صفحة 223
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
223
وإذا كان شهر رمضان أيضا تاما أبدا، ثم عرف أوله
لاستغنى به عن الرؤية لشوال، وجرى قوله: " وأفطروا لرؤيته" مجرى هذا.
غير أن العصبية تعمي الأعين البواصر، وتصم الآذان السوامع، وتدعو إلى ارتكاب ما لا تسامح باعتقاده العقول. ولولا ذلك لما هجس في قلوبهم هذه الهواجس ... إلخ
وقال ص 67: "وأما إذا كانت مستحيلة فترد تلك الشهادة ولا إشكال لما تقدم، من أن دلالة الحساب القطعي أو القريب من القطعي على عدم الإمكان أقوى من الريبة. والريبة موجبة لرد الشهادة فترد حيث وقعت بمستحيل
عادة من باب أولى وأخرى"
وقال الدكتور نصر فريد محمد واصل في "الفتاوى الإسلامية" ص 181 - 182: "أما بالنسبة لمخالفتنا لرؤية البلد التي أعلنت رؤية هلال شوال وترتب عليها تمام رمضان في اليوم التاسع والعشرين عندهم حيث لم نأخذ بها وأتممنا نحن عدة رمضان ثلاثين يوما فإن ذلك إنما كان لتأكيد صحة رؤيتنا من الناحية الشرعية والعلمية والحسابية وعدم اطمئناننا للرؤية التي خالفتنا بناء على شهادة الشاهد الواحد فقط عندهم، والذي لا تؤيده أدلة قطعية الدلالة ولا شرعية ولا علمية، ومعارضة هذه (1/223)
صفحة 224
224
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
الشهادة عندهم بالشهادة المتواترة الراجحة عليها من الناحية الشرعية والعلمية عندنا، وفي مجال الأحكام الشرعية إذا تعارضت الأدلة فإنه يقدم المقطوع بصحته على المظنون منها عند الحكم والقضاء، وهذا ما حصل بالنسبة لنا نظرا لأن شهادة اللجان الشرعية والعلمية عندنا في أنحاء محافظات مصر قد أجمعت على عدم الرؤية مع صفاء الجو التام عند الغروب وبعد الغروب، وذلك في ليلة الثلاثين من رمضان وأكد ذلك الحساب الفلكي الذي دل على أن الهلال بمصر يغرب من
غروب الشمس في بعض البلاد وقبل غروب الشمس بدقيقة في بعض البلاد الأخرى كما أن الشمس تغرب في المملكة العربية السعودية قبل غروب الشمس من ثلاث إلى أربع دقائق في كل أنحاء المملكة وكذا في كل دول الخليج العربي علما بأن المملكة العربية السعودية في المشرق بالنسبة لمصر والقاعدة الشرعية تقول: إنه إذا لم يظهر الهلال في بلاد المغرب ولم يثبت رؤيته فيها فلا تثبت رؤيته في بلاد الشرق من باب أولى.
وهذا هو السبب الذي جعلنا لا نأخذ برؤية البلاد التي لم تكمل عدة رمضان ثلاثين يوما حيث كانت الرؤية غير شرعية بالنسبة لنا وقد اشترطنا في الرؤية التي نأخذ عنها أن تكون رؤية شرعية لا يخالفها الشرع أو الحس أو الواقع". (1/224)
صفحة 225
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وقال ابن منيع في مجموع فتاوى وبحوث" ج 2 ص 265 - 270: إلا أن مسألة الرؤية أول ما تعرض على القضاء تعتبر خبرا قابلا للصدق أو الخطأ أو التوهم، ولهذا ينبغي للقاضي أن يبذل جهده في التحري عن حقيقة هذا الخبر وصدقه بكل وسيلة من وسائل التحري والتحقيق، ومن أن يكون هذا الخبر منفكا عما يكذبه حسا أو عقلا. ومن ارتباط الخبر بما يكذبه حسا أن يقرر الحساب أن
ذلك
الهلال المدعى رؤيته بعد غروب الشمس لم يولد بعد. هذه المسألة تحتاج إلى مزيد من الإيضاح، وإلى بيان في اعتقاد أو ظن أن مسائل الحساب والفلك مبنية على الظن لا على اليقين، وأن علماء الحساب أنفسهم مختلفون في
الخطأ
مسائله.
وهذا القول لا يمكن التسليم به إلا ممن هو على علم
وثيق بعلم الفلك وذي ثقة وأمانة واعتدال، ومن عدد تحصل
بقولهم الثقة وأسباب القبول.
فلا صحة للقول باختلاف علماء الفلك في ولادة الهلال بل هم متفقون تمام الاتفاق على تحديد ولادة الهلال بالدقيقة الزمنية بالنسبة لتوقيت (غرنتش)، وتوقيت (غرينتش) يستطيع كل إنسان في كل مكان أن يحدد هذه الدقيقة الزمنية بتوقيت (1/225)
صفحة 226
226
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
محله المتواجد فيه، ومن ذلك سكان المملكة، فإذا قيل: إن الهلال يولد في الساعة الحادية عشرة وخمس وعشرين دقيقة بتوقيت (غرينتش)، فهذا يعني أن الهلال يولد في المملكة الساعة الثانية وخمس وعشرين دقيقة ليلا، وهكذا كل إقليم من أقاليم الأرض يستطيع أهله أن يعرفوا توقيت بلدهم بالنسبة لتوقيت (غرنتش)، وقد اتفق علماء الفلك في كافة أنحاء الأرض على
اعتبار ساعة (غرنتش) توقيتا عالميا بالنسبة لولادة الهلال. وأحب أن أوضح مسألة من مسائل الهلال لدى أهل الحساب والفلك هي محل الخلاف بينهم، وهي مسألة إمكان رؤية الهلال بعد ولادته وقد حصل لدى بعض الناس الخلط بين هذه المسألة ومسألة ولادة الهلال فظنوا أن مسألة ولادة الهلال مسألة إمكان الرؤية، وقالوا: إن علماء الفلك مختلفون فيما بينهم. والصحيح أن الاختلاف في إمكانية الرؤية لا في ولادة
هي
الهلال.
للهلال ولادة وله إمكان، رؤية أما الولادة فتفسيرها: انفصال الهلال عن الشمس بحيث تكون الشمس متقدمة عليه جهة المغرب، وهو متخلف عنها جهة المشرق؛ حيث تغيب الشمس ثم يغيب الهلال بعدها، هذه هي الولادة، وعلماء الفلك متفقون تمام الاتفاق على تحديد زمن هذه الولادة بأقل من (1/226)
صفحة 227
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
227
الدقيقة، وذلك حسب التقدير الرباني لزمن هذه الولادة، ولا
مطلقا سواء في ذلك علماء المسلمين أو علماء
خلاف بينهم الفلك من غيرهم.
وفي البلاد الإسلامية ومنها بلادنا عدد كبير من علماء الفلك يمكن الرجوع إليهم وسؤالهم عن حقيقة ذلك، ويمكن أن يحدد لقاء علمي بين مجموعة من علماء الفلك وعلماء الشريعة للاستزادة من العلم والتحقق.
ولعلماء الفلك آراء مختلفة في إمكان رؤية الهلال بعد ولادته، فبعضهم يحدد إمكان الرؤية بسبع درجات وبعد زاوي معين، وبعضهم بخمس درجات وبعضهم بأقل من ذلك، هذه
المسألة
: هي محل الخلاف فيما بينهم.
قد يقول قائل: أنت ذكرت أن قرار هيئة كبار العلماء قرار صائب مبني على نصوص صريحة من كتاب الله وسنة رسوله في الاقتصار في إثبات الهلال على الرؤية، فما حاجتنا
إلى معرفة وقت ولادة الهلال أو إمكان رؤيته.
خبر
الجواب عن
هذا التساؤل: أن خبر رؤية الهلال ممن يدعيه
قابل للصدق والوهم والتحري عن حقيقة هذا الخبر أمر متعين، ومن أسباب رد الخبر أن يقترن بما يكذبه حسا أو عقلا أو عادة، وحتى لو اعتبره القاضي وأثبته فهو خبر ظني، فإذا جاء (1/227)
صفحة 228
228
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
من يخبر برؤية هلال رمضان بعد غروب شمس يوم السبت مثلا وجاءت تقارير وأخبار علماء الفلك أن الهلال لا يولد إلا في
الساعة العاشرة مساء ليلة الأحد، فهذا الخبر مرتبط بما يكذبه وهو: أن الهلال الذي ادعى رؤيته بعد غروب شمس يوم السبت لم يولد إلا بعد غروب الشمس بقرابة ثلاث ساعات، وقد مر بنا تعريف الولادة بأنها انفصال القمر عن الشمس، بحيث تكون الشمس حاجبة له أو أنه متقدم عليها جهة المغرب؟!.
وتوضيحا لما ذكرت وطردا لتوهم تناقض القول فأقول:
في التصور أربع حالات:
الحال الأولى ما إذا ذكر علماء الفلك أن الهلال مولود يوم السبت قبل غروب الشمس، وجاء مسلم عدل يخبر برؤيته، الهلال، فقوله منفك عما يكذبه حسا، فبعد التحري عن والإجراءات القضائية فيما يتعلق بتصور رؤيته يعتبر خبره
صحيحا.
عدالته
وإثبات الهلال بناء على خبره برؤيته إثبات صحيح إن شاء الله، ولا اعتبار بقول أي أحد من علماء الفلك لرد هذا الخبر بعدم إمكان الرؤية، فقدرة الله -سبحانه وتعالى- على
منح أي أحد من عباده قدرة بصرية تتجاوز اعتبارات عدم
إمكان الرؤية قدرة مطلقة، وعليه فقد اجتمع في هذه الحال (1/228)
صفحة 229
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
الواقع الفلكي وصحة الرؤية الشرعية.
الحال الثانية: ما إذا ذكر علماء الفلك أن الهلال مولود يوم السبت قبل غروب الشمس، ولكن لم يتقدم أحد بخبر رؤيته بعد غروب الشمس فحيث إن المعتبر شرعا في إثبات الهلال رؤيته ولم يتقدم أحد بأنه رآه فلا اعتبار لقول علماء الفلك بولادته؛ لأننا نقول باعتبار الرؤية المنفكة عما يكذبها لا باعتبار الحساب.
الحال الثالثة: أن يذكر علماء الفلك أن الهلال لا يولد إلا بعد غروب شمس يوم السبت مثلا بساعة أو أكثر أو أقل، ثم جاء من يدعي رؤية الهلال السبت بعد غروب الشمس. يوم
خبر
غير
هذه الرؤية لم ينفك عما يكذبه حسا فهو خبر فكيف يرى الهلال بعد غروب الشمس، والحال أن صحيح،
الشمس غربت قبل انفصال الهلال عنها (ولادة الهلال؟! هذا الخبر قريب من خبر من يخبر برؤيته الهلال ليلة ثمان وعشرين، فمهما بلغ في العدالة والصلاح فخبره مردود عليه، فكذلك خبر
من يخبر برؤيته الهلال قبل ولادته.
الحال الرابعة أن يذكر علماء الفلك أن الهلال لا يولد إلا بعد غروب الشمس، ولم يتقدم أحد بدعوى رؤيته، فهذه الحال واضح أمرها أن الرؤية غير ثابتة شرعا، والفلك يؤيد عدم (1/229)
صفحة 230
230
الثبوت.
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وأما الاحتجاج على رد علم الفلك بقوله: "إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب" متفق عليه. فهو احتجاج فيه نظر، فرسول الله الله يشير إلى رفع التكليف عنا في الأخذ بالحساب ومستلزماته من قراءة وكتابة ويذكر تعليل ذلك بأننا أمة أمية، ولكن بعد أن تغيرت الحال وأخذنا بقسطنا من تعلم الحساب والقراءة والكتابة والعلوم المختلفة من فلك وعلوم طبيعية من هندسة وطب وتقنيات مختلفة، هل يبقى العذر لنا قائما في انتفاء التكليف والحال أننا بعلمائنا المختصين في علوم ساب والفلك والقراءة والكتابة نستطيع أن نعرف ونعلم؟ الذي يظهر لي أن العذر قد زال، وأن الأمر يقتضي منا الاستفادة مما علمنا، والله المستعان".
وقال ص 280 - 282: "الحمد لله، أقوال الفلكيين مبنية الأفلاك على نظريات فلكية تعتمد الحساب في تقدير سير ومنها الشمس والقمر من حيث تلاقيها وتباعدها، ومن نتائج هذه العلوم الفلكية: معرفة الكسوف والخسوف ابتداء وانتهاء زمانا ومكانا وهي علوم يؤكد مجموعة كبيرة من الإسلام في الفلك قديما وحديثا صحة نتائجها، ولكن الأمر بالنسبة لنا معشر المسلمين، ميسر فلسنا مكلفين بالأخذ بهذه
علماء (1/230)
صفحة 231
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
النتائج، فالله سبحانه وتعالى - يقول: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (البقرة: 185)، ويقول: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" متفق عليه، وقد صدرت فتاوى معتبرة من
مجامع فقهية على اعتبار الرؤية فقط وهي فتاوى مبنية على مجموعة وسنة رسوله، ومن
من النصوص من
كتاب الله
أقوال مجموعة كبيرة من علماء المسلمين قديما وحديثا.
وأرى أن من تمام الإجابة على هذا السؤال ذكر ما يلي: لا شك أن علم الفلك في عصرنا الحاضر قد تطور وأصبحت بعض مسائله حقائق علمية ومن ذلك مسألة ولادة الهلال، وتعريف الولادة هي: انفصال القمر عن الشمس بعد اجتماعهما بحيث تكون الشمس أمامه مما يلي الغرب، وهو خلفها مما يلي المشرق، بحيث لو كانت هذه الولادة وقت غروب الشمس لغربت قبل القمر.
التالية:
وأرى أن ولادة الهلال بهذا التعريف تنبني عليها الأحكام
(أ) إذا اتفق الفلكيون على أن الهلال لا يولد إلا بعد غروب الشمس من المملكة بساعتين -مثلا- وجاء من يشهد برؤية الهلال في سماء المملكة، فأرى أن هذه الشهادة غير (1/231)
صفحة 232
232
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
صحيحة، ويجب ردها؛ لأن الواقع يكذبها".
وقال ص 284 - 286: "ولكن يجب أن يعطى طريق إثبات الرؤية ما يستحقه من النظر والتثبت فعلماء الفلك في جميع أنحاء المعمورة من مسلمين وغيرهم لا يختلف بعضهم على
بعض في توقيت ولادة الهلال.
وولادة الهلال تعني انفصال الشمس عن القمر بتقدمها عليه، بغض النظر عن إمكان رؤية الهلال بعد الانفصال، واتفاقهم على توقيت الولادة كاتفاق الناس على أن الواحد مع الواحد اثنان وأن الخمسة مضروبة في الأربعة هي عشرون، والمجادل في ذلك يلزمه التحقق قبل الجدال حتى لا يكون جداله مثار استغراب، أقول: فإذا قال علماء الفلك بأن الهلال لا يولد قبل غروب الشمس وجاء من يدعي الرؤية قبل الولادة فدعواه الرؤية دعوى يكذبها الحس والعقل وكل دعوى كانت كذلك فيجب ردها على صاحبها مهما كان هذا المدعي؛ حيث إنها دعوى باطلة.
وقبل أن أدخل في الحديث عن مجموعة حالات للهلال ورؤيته أحب أن أذكر التفريق بين ولادة الهلال وبين إمكان رؤيته، فتوقيت ولادته قضية علمية لا تقبل الجدل ولا الاختلاف إلا عند منكري القضايا العلمية المعروفة لدى العلماء (1/232)
صفحة 233
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
233
بالضرورة، أما إمكان الرؤية بعد الولادة فهذا مما اختلف فيه علماء الفلك هل يرى الهلال بعد الولادة مباشرة أم يكون لرؤيته تقدير معتبر؟ وما ذلك التقدير المعتبر؟ هذا محل نظر بينهم
وفيه اختلاف كثير.
وخلاصة رأيي أن إثبات الهلال يجب أن يكون بالرؤية،
وأن الرؤية يجب أن تكون منفكة عما يكذبها".
وجاء في مجموعة الفتاوى الشرعية بالكويت في ج 3 ص 70: "وسئل أيضا هل رئي هلال شوال هذا العام مساء
يوم
العيد وهو يوم السبت وهل صيامنا صحيح من
الفلكية؟
الناحية
فقالت هيئة الإفتاء: في العيد الفائت لم يولد الهلال ليلة الجمعة ولم يولد إلا مساء السبت في الساعة الخامسة قبل يوم غروب الشمس بتوقيت الكويت، ولا بد لكي يظهر النور في الهلال أن يمر عليه بعد الولادة أكثر من 8 أو 9 أو 10 أو 12 ساعة فإذا كان العيد لا بد فيه من رؤية الهلال فعيدنا يوم الإثنين وليس الأحد ولا السبت، والفلكيون يؤكدون أنه في العيد الفائت عندما كنا نكبر لصلاة العيد كان القمر موجودا أي قمر رمضان في الصباح، وفي المساء قبل غروب الشمس ولد الهلال فيحتاج إلى مدة حتى يرى فالهلال لن يرى ليلة (1/233)
صفحة 234
234
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعـ المتعلقة برؤية الهلال
الأحد وإنما يرى في مساء الأحد ليلة الإثنين، ويمكن أن يرى في أماكن في الغرب ولكن في منطقتنا العربية لن يرى، فصيامنا فلكيا غير صحيح وحسب الرؤية نحن صمنا 28 يوما؛ لأنه إذا شاهد الناس الهلال قبل طلوع الشمس فإنه فلكيا لا مجال لرؤيته
في المساء.
وقد استعرضت الهيئة الأمور التي حصرت البحث فيها بالنسبة للموضوع المعروض عليها بخصوص هلال شوال للعام الهجري 1406 هـ، وقد أبدت عليها بعض الملاحظات والإضافات فكانت كما يلي:
1. في هلال رمضان وهلال شوال وسائر الشهور؛ إذا دل الحساب القطعي على استحالة الرؤية فلا تقبل الشهادة برؤيته، ولو كان الشهود عدولا وترد شهادتهم بها، نقله القليوبي عن العبادي ثم قال القليوبي: "وهو ظاهر جلي ولا يجوز الصوم حينئذ وإنكار ذلك "مكابرة" حاشية قليوبي
" ... (49/ 2)
وجاء في ج 3 ص 73 - 74 وفي ج 7 ص 88 - 89: "إذا دل الحساب القطعي على استحالة رؤية الهلال لم تقبل الشهادة؛ لأن من شروط البينة عدم مخالفة الواقع نقل القليوبي من الشافعية عن العبادي قوله إذا دل الحساب القطعي على عدم (1/234)
صفحة 235
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
235
رؤيته لم يقبل قول العدول برؤيته وترد شهادتهم بها، ثم قال: "وهو ظاهر جلي ولا يجوز الصوم حينئذ وإنكار ذلك معاندة ومكابرة" حاشية قليوبي (49/ 2)، ومما يدل على ذلك قوله تبارك وتعالى: {وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ ايَنَيْنِ فَمَحَوْنَا ءَايَةَ الَّيْلِ وجَعَلْنَا ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عدَدَ السِنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَضَّلْنَهُ تَفْصِيلًا} (الإسراء: 12)، وقوله تبارك وتعالى: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (الرحمن: 5)، ومن أمثلة الاستحالة ما يلي:
1. أن يدل الحساب القطعي على أن الهلال سيغرب مع الشمس أو قبلها.
2. أن يدل الحساب القطعي على أن الهلال موجود وله مكث بعد غروب الشمس لكن رؤيته مستحيلة، ويرجع في تقدير المدة التي تستحيل فيها الرؤية بعد ولادة الهلال إلى قول أهل الخبرة، وقد أفاد د. صالح محمد العجيري- الفلكي الكويتي بما حاصله: "إن الرؤية بالعين المجردة لا تكون ممكنة قبل مضي عشرين دقيقة على غروب الشمس، وإذا كانت الرؤية بالأجهزة الحديثة فلا يمكن أن يرى قبل مضي سبع دقائق على غروب الشمس". (1/235)
صفحة 236
236
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
3. أن يعرف بالحساب القطعي أن هناك كسوفا سيقع بعد غروب الشمس من يوم التاسع والعشرين من الشهر لأن ولادة الهلال لا تكون قبل الكسوف ولا تكون إلا بعده، فإذا ادعيت الرؤية ثم حصل الكسوف تبين أن الرؤية باطلة
لمخالفة الواقع. وكذلك ترد الشهادة إذا تمكنت التهمة في أمر
الشهادة أو غيرها لسبب آخر غير الحساب، ومع ذلك ترى الهيئة أنه لا بد من
الاستعانة في هذه الأمور برأي خبيرين على
الأقل للتوثق من هذه الحقائق العلمية".
وجاء في ج 13 ص 76: " ... فإنه مخالف لما أفتت به اللجنة سابقا بجواز الاعتماد على الحساب في نفي إثبات الهلال إذا كان الحساب قطعي الدلالة، أما إذا كان غير قطعي الدلالة فلا يجوز الاعتماد عليه ولكن على الرؤية فقط، أما إثبات الهلال فلا يجوز فيه الاعتماد على الحساب ولكن يمكن الاستئناس والاستنارة به فقط، والله أعلم".
قال الدكتور ماجد أبو رخية في "إثبات الأهلة" المنشور في مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية العدد الثالث عشر ص 402 - 407: من خلال عرض أدلة العلماء وأقوالهم في هذه المسألة يتبين لنا ما يلي: (1/236)
صفحة 237
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
237
1 - أن صوم يوم صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا غم الهلال مساء
التاسع والعشرين من شعبان كما يرى الحنابلة في المشهور عندهم اعتمادا على فعل ابن عمر رضي الله عنهما - رأي، مرجوح وأن رأي غيرهم من الفقهاء أرجح لأمرين: الأول: مخالفته لمنطوق الأحاديث الصحيحة الدالة على أن عدة شعبان تكمل ثلاثين يوما إذا غم الهلال، وأن هذه الأحاديث قد جاءت مفسرة للمجمل الذي ورد في
قوله: "فاقدروا له" ..
الآخر: أنه قد صح عن ابن عمر: صح عن ابن عمر: أنه كان يفي
بإكمال العدة في مثل هذه الحالة، وفتواه أصح من فعله،
لتطرق التأويل إلى فعله.
فعن عبد العزيز بن حكيم قال: (سألوا ابن عمر،
فقالوا نسبق قبل رمضان حتى لا يفوتنا منه شيء، فقال ابن عمر أف أف صوموا مع الجماعة، وأفطروا م
مع
الجماعة، إسناده صحيح، إلا عبد العزيز بن حكيم. وعنه قال: سمعت ابن عمر يقول: (لو صمت السنة كلها لأفطرت ذلك اليوم الذي يشك فيه من رمضان ومن ناحية أخرى فإن ابن عمر هو راوي حالة الغيم،
الأحاديث التي تبين للمسلمين إكمال العدة في فلا تعقل مخالفته لما ثبت عنه عن رسول الله. (1/237)
صفحة 238
238
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
يقول الخطيب فيجب أن يحمل ما روي عن ابن
ممسكا يصبح
عمر، من صوم يوم الشك: على أنه كان حتى يتبين بعد ارتفاع النهار: هل تقوم بينة بالرؤية؟ فظن
الراوي: أنه كان صائما، ويدل عليه: أنه كان لا يحتسب
به، ولا يفطر إلا مع الناس
التقدير
2 - وأما ما روي عن ابن رشد من القول: بأن معنى المأمور به في الحديث هو النظر في الشهور التي سبقت
شعبان ....... الخ فهو قول لا يستند إلى دليل وهو قول مدحوض بالحجة المتمثلة في أقواله التي كان فيها كشف للغموض، وإزالة للإشكال الواقع في معنى التقدير حيث بين عليه الصلاة والسلام- أن التقدير هنا هو إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما، وليس الرجوع إلى الأشهر السابقة لمعرفة
عددها.
-3 - إن استدلال كل من المعتمدين للحساب والمانعين له بالآيات القرآنية الكريمة، استدلال ليس في محله، فليس في
قوله تعالى: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وقوله تعالى: يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ
لِلنَّاسِ وَالْحَج دلالة على المراد في مسألتنا هذه. (1/238)
صفحة 239
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
239
فالآية الأولى تعني فمن كان منكم حاضرا مقيما غير مسافر فليصم الشهر، فشهد هنا: بمعنى حضر، لا بمعنى شاهد ورأى فلا دلالة فيها على اعتبار الرؤية، وكذلك فإنه لا دلالة في الآية على اعتبار الحساب، لأن الحضور في الشهر هو أعم من أن يكون هذا الشهر قد ثبت بالرؤية أو الحساب، كما يقول القرافي.
وأما الآية الثانية فظاهرها يدل على أنه يستدل
بالأهلة لمعرفة المواقيت والشهور وليس فيها ما يحصر إثبات الأهلة بالرؤية أو بالحساب.
4 - إن قول المانعين لاعتماد الحساب الفلكي في إثبات الهلال: بأن الحساب نوع من أنواع الكهانة والتنجيم، وقد نهينا
عنه شرعا يرد عليه بما يلي:
أ. إن هذه الشبهة ناشئة من أن كثيرا من الذين كانوا يعملون بالحساب كانوا يعملون بالتنجيم، وكانوا يعملون بالكهانة أيضا، الأمر الذي أدى إلى أن توصف
أعمالهم على أنها كهانة وتنجيم.
وهذه الشبهة وإن كان لها نصيب من الواقعية والمصداقية في العصور السالفة إلا أنها تفقد واقعيتها ومصداقيتها في الوقت الحاضر، الذي أصبح فيه علم
الفلك علما مستقلا ومتخصصا، وعلى غاية من
الدقة (1/239)
صفحة 240
240
والوضوح.
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
فعلم الفلك اليوم ليس رجما بالغيب، وليس حدسا ولا تخمينا، ولا أخذا بما تمليه الشياطين على أوليائها، وإنما هو علم قائم على تجارب محسوسة تعتمد على قوانين مدروسة، وإن الحسابات الفلكية المتعلقة بمعرفة تحركات الشمس والقمر ووقت اقترانهما، والوقت الذي يحصل فيه كل من الخسوف والكسوف كلها حسابات قطعية، أو شبه قطعية فهي حسابات دقيقة لا يصل فيها الخلاف إلى واحد بالألف من الثانية.
-
وبناء على هذه الدقة في الحسابات الفلكية: فقد تمكنت بعض الدول من إطلاق المركبات الفضائية التي تحمل في طياتها أجهزة متخصصة لرصد تحركات الشمس والقمر والنجوم، ولو لم تكن الحسابات بتلك الدقة لكانت التجارب المبنية عليها تجارب فاشلة. إن القول بأن الأخذ بالحساب الفلكي لا يستقيم، يؤدي إلى تقدم الشهر الفلكي بيوم أو يومين، اعتمادا على أن بداية الشهر الفلكي لحظة ميلاد الهلال، أي لحظة انتهاء اقترانه بالشمس وإن بداية الشهر القمري تعتمد على رؤية الهلال بعد خروجه من حالة الاقتران، قول لا
هي
لأنه (1/240)
صفحة 241
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
241
يصلح للاستدلال به على عدم الأخذ بالحساب، ذلك أن علماء الفلك أنفسهم يميزون بين بداية الشهر الفلكي وبداية الشهر القمري ويرون أن بداية الشهر القمري الذي تتعلق به الأحكام من صوم وحج، وغيرهما، تكون بناء على رؤية الهلال، أو إمكان الرؤية إذا وجد الحائل من غيم ونحوه، ولذلك فإن التقدم بيوم أو يومين أمر غير
حاصل.
ولا خلاف بين الفقهاء وأهل الفلك في أن المعول عليه في إثبات بداية شهر الصوم هو رؤية الهلال، التي تقع بعد الاجتماع والخروج من الشعاع من جهة الغرب
مساء.
ولا خلاف
بينهم
أيضا في إكمال العدة ثلاثين يوما
إذا كان الجو غائما ولم ير الهلال، وفي الوقت نفسه دلت الحسابات على عدم إمكان الرؤية وإن كان الفقهاء هنا يعتمدون ظاهر الأحاديث التي تأمر بإكمال العدة، بينما يعتمد أهل الحساب على حسابهم.
وإنما الخلاف جرى في الصورة التي تكون فيها رؤية الهلال ممكنة لولا وجود الغيم ونحوه- وفقا لحسابات الفلك؛ حيث إن جمهور الفقهاء يرون إكمال
العدة ثلاثين يوما، وبعدها تحسب بداية الشهر القمري، (1/241)
صفحة 242
242
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
بينما يرى أهل الفلك بناء على حسابهم: أن يوم
هو في الحقيقة اليوم الأول من الشهر القمري.
الثلاثين
6 - إن القول بعدم اعتماد الحساب الفلكي في إثبات رؤية الهلال؛ لأنه قائم على اعتبار أن الشهر الأول ثلاثون والثاني تسعة وعشرون وأن هذا الكلام منقوض بأنه قد يتوالى شهران أو أكثر ثلاثين وقد يتوالى شهران أو أكثر تسعة وعشرين .... إلخ يرد عليه بأن القائمين على الحسابات الفلكية لا ينطلقون في معرفة أوائل الشهور من هذا المنطلق، وإنما يعتمدون وقت اقتران القمر بالشمس، والوقت الذي يبدأ فيه تولد الهلال إيذانا بميلاد شهر
جديد وهذان الوقتان يعرفان عند الفلكيين بحسابات غاية في الدقة والضبط.
وبناء على الوقت الذي يتولد فيه الهلال يقدر الفلكيون ما إذا كانت الرؤية البصرية للهلال ممكنة أو غير ممكنة، ولذلك فقد يتوالى شهران أو أكثر عند عند أهل الحساب تسعا وعشرين وقد يتوالى شهران أو أكثر
ثلاثين.
إن قوله: " إنا أمة أمية ........ إلخ" ليس فيه إسقاط للحساب، والكتابة جملة بل إنه يدل على أن الشرع علق (1/242)
صفحة 243
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
243
حكم الصوم برؤية الهلال، وهو يدل أيضا على أن الشهر القمري إما أن يكون تسعة وعشرين أو ثلاثين يوما، وهذه قاعدة مسلم بها، ومن ناحية أخرى فإن الحديث بظاهرة متفق مع الأحاديث الأخرى التي بينت لنا إكمال
العدة ثلاثين إذا غم الهلال.
إن منطوق هذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة الذي دل على تعليق حكم الصوم بثبوت الهلال بالرؤية البصرية أو بإكمال العدة مقدم على المفهوم الذي ذهب إليه وأخذ به بعض العلماء المحدثين، وهو أن تعليق الحكم بالرؤية البصرية كان أن كانت الحسابات
يوم
الفلكية حسابات بدائية بسيطة يشوبها الدخن ويتطرق الشك إلى صحتها، إضافة إلى أن الغالبية من أبناء المسلمين آنذاك لا عهد لهم ولا معرفة بمثل تلك الحسابات، الأمر الذي جعل وسيلة الرؤية هي الوسيلة الوحيدة المعتمدة في إثبات، الهلال، نظرا لتعذر غيرها من الوسائل، فإن حصل ووجدت وسائل علمية دقيقة نستطيع من خلالها معرفة الوقت الذي يرى فيه الهلال فإنه لا يوجد مانع من
اعتمادها.
8 - إن القول بوجوب رد الشهادة برؤية الهلال إذا كانت (1/243)
صفحة 244
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
الحسابات الفلكية تدل على استحالة رؤية الهلال في مثل ذلك المساء الذي حصلت فيه الشهادة قول جدير بالأخذ والاعتبار، وهو موافق لروح الشريعة ونصوصها التي يدل ظاهرها على عدم جواز أن يسبق رمضان بصوم شيء من شعبان، ولأن من شرط المشهود به أن يكون ممكنا حسا أو عقلا، أو شرعا، لا سيما وأن الحسابات الفلكية تعد من أدق الحسابات في هذا العصر.
والمعروف أن الفقهاء يردون الشهادة عموما بسبب الريبة، وعلى وجه الخصوص: فقد تحدث الفقهاء عن رد القاضي شهادة من رأى هلال رمضان وشهد برؤيته، وفي مثل هذه الحالة فقد بحث الفقهاء أيضا مسألة إفطار أو صيام ذلك اليوم في حق الشاهد الذي ردت
شهادته.
وبين الحنفية: أن إفطاره لا يوجب كفارة، وإنما يوجب القضاء فقط؛ لأن القاضي رد شهادته بدليل شرعي، وهو تهمة الغلط، فأورثت شبهة، وهذه الكفارة تندرئ بالشبهات؛ لأنها لا تجب على المخطئ، ولا ينظر إلى قول من قال: أفترد) الشهادة التي أمر الشارع بقبولها بقول الحاسب؟)؛ لأن الشهادة التي لا ترد هي الشهادة
المعتبرة شرعا بتوافر شروطها".
244 (1/244)
صفحة 245
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
ومن
245
ناحية أخرى: فإن رد الشهادة هنا ليس من
باب رد الشهادة بالحساب لذاته وإنما هو من باب رد
الظني بالقطعي، فالشهادة إنما ردت لوقوعها بشيء
مستحيل عادة
وقال ص 412:
11
4 - إذا شهد شهود برؤية هلال رمضان وفي الوقت دلت الحسابات الفلكية على استحالة الرؤية فإنه ينظر: أ- إن كانت الشهادة برؤية الهلال مستفيضة فلا بد أن يفيد الحساب الصحيح في هذه الحالة إمكان الرؤية، ولا يمكن أن يفيد استحالتها لكونهما قطعيين، والتعارض لا يقع بين قطعيين مطلقا.
ب إن كانت الشهادة برؤية الهلال غير مستفيضة ففي مثل هذه الحالة ترد الشهادة ولا يعتد بها لوقوعها بشيء مستحيل في العادة ومن المعلوم أن الشهادة إذا وقعت بشيء مستحيل فإنها ترد ولا تقبل، ولأن الأخذ أن بها على هذا الوجه يعني يسبق رمضان بصوم يوم من شعبان، وهذا ما نهت عنه الأحاديث الصحيحة
بصراحة.
إن عدم الاعتماد على الحساب في إثبات الهلال ليس (1/245)
صفحة 246
246
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
لبطلان الحساب وعدم صحة مقدماته في الواقع، وليس تكذيبا للقائل به، بل لأن الشارع ألغاه في هذه المسألة، و لم يعلق الحكم عليه وإنما علق الحكم بالرؤية البصرية، ويفرق الشيخ المطيعي بين الإلغاء والإبطال".
وقال الشيخ محمد الصالح العثيمين في فتاويه ج 16 ص 297 - 298: "إذا كسفت الشمس بعد الغروب وادعى أحد رؤية القمر هالاً في بلد غابت الشمس فيه قبل كسوفها فإن دعواه هذه غير مقبولة؛ للقطع بأن الهلال لا يرى في مثل هذه الحال، فيكون المدعي متوهما إن كان ثقة وكاذبا إن لم يكن ثقة، وقد ذكر العلماء قاعدة مفيدة في هذا: "أن من ادعى ما يكذبه الحس لم تسمع دعواه"".
وقال ص 299: "والكسوف، أو الخسوف له سببان:
سبب طبيعي: يدرك بالحس والحساب، فهذا يعلم لأهل الحساب ويعرفونه ويقدرون ذلك بالدقيقة ... إلخ".
وسئل ص 300 - 303: "إذا حصل كسوف كلي أو جزئي للشمس بعد غروبها في المملكة العربية السعودية وشوهد هذا الكسوف في المناطق التي تقع غرب المملكة فما حكم اليوم التالي لتلك الليلة التي حصل فيها الكسوف؟ هل هو تكملة (1/246)
صفحة 247
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
247
الشهر ثلاثين يوما؟ وإذا دخل الشهر التالي في ذلك اليوم سواء عن طريق الحساب، أو عن طريق الرؤية فما الحكم؟ ". فأجاب بقوله: إذا وقع كسوف الشمس بعد غروبها في أي مكان الأرض فإنه يتعذر أن يكون فيه اليوم التالي أول من شهر جديد؛ وذلك لأنه من المعلوم عند المحققين من أهل العلم شرعا، وأهل الخبرة حسا أن سبب كسوف الشمس الحسي حيلولة القمر بينها وبين الأرض، ومن المعلوم عند العامة والخاصة أن دخول الشهر لا يكون إلا حيث يرى الهلال بعد غروب الشمس متأخرا عنها، فإذا كان كذلك فإنه لا يمكن أن يحكم بدخول الشهر في الليلة التي يقع فيها كسوف الشمس بعد الغروب؛ لأن ذلك مستحيل حسب العادة التي أجرى الله تعالى في مسير الشمس والقمر، قال الله تعالى: وَجَعَلَ الَّيْلَ سكَنَا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وقال تعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ
العليمِ (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ، وقال تعالى: وَالشَّمْسِ وَضُحَهَا وَالْقَمَرِ إِذَا نكها، ففي هذه الآية نص على أن القمر ليلة الهلال تال (1/247)
صفحة 248
248
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
للشمس، فإذا كان تاليا لها فهو متأخر عنها بعيد عن الحيلولة بينها وبين الأرض فكيف يقفز حتى يحول بينها وبين الأرض؟!. والناظر في سير الشمس والقمر يرى أن القمر دائما متأخر عن الشمس في سيره، فتراه في أول ليلة من الشهر (مثلا) يبعد عنها بقدر مترين أو ثلاثة وفي الليلة الثانية بأكثر، وفي الليلة الثالثة بأكثر وهلم جرا، حتى يكون في منتصف الشهر في الجانب المقابل لها من الأفق فيكون بينهما ما بين المشرق
والمغرب.
وعلى هذا فمن زعم دخول الشهر في الليلة التي تكسف فيها الشمس بعد الغروب فهو كمن زعم أن القمر يكون بدرا ليلة الهلال، أو أن الشمس تخرج قبل طلوع الفجر، أو أن الجنين يستهل قبل أن يخرج من بطن أمه، ومن المعلوم أن هذا لا يمكن السنة التي أجراها الله تعالى في هذا الكون البديع في
حسب
نظامه وإتقانه.
أما حسب القدرة الإلهية فلا إشكال في أن الله تعالى على كل شيء قدير، وأنه قادر على جمع القمرين وتفريقهما وطمسهما وإضاءتهما في كل وقت، قال الله تعالى: فَإِذَا بَرق البصر) وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَيذٍ
A (1/248)
صفحة 249
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
249
أين المفر لكن السنة التي أجراها الله تعالى في سير الشمس
والقمر في هذه الدنيا سنة مطردة لا تختلف إلا حيث تقع آية
لنبي أو كرامة لولي".
وسئل ص 303 - 30: إذا" وقع كسوف للشمس فهل
يمكن أن يهل القمر؟ ".
فأجاب بقوله: "إنه من المعلوم أنه يستحيل عادة أن يقع الكسوف بعد الهلال؛ لأن الكسوف سببه حيلولة القمر دون جرم الشمس، فإذا وقع بعد الغروب فقد علم أن القمر لم يتأخر عن الشمس حتى يمكن أن يهل، ومن زعم أنه يمكن أن يهل في هذا الحال فهو كمن زعم أن الجنين يمكن أن يستهل قبل أن يخرج من بطن أمه أو زعم أن الشمس تطلع قبل الفجر، وسير الشمس والقمر مقدر من قبل الله عز وجل، كما قال الله تعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العزيز الْعَلِيمِ ال وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ القَدِيمِ) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ.
وقد أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- أن يقع خسوف القمر ليلة العاشر، حين ذكر بعض أهل العلم أنه لو (1/249)
صفحة 250
25
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وقع في عرفة صلى الحجاج ثم، دفعوا وقال: إن هذا لا يمكن؛ لأنه خلاف العادة التي أجراها الله عز وجل.
وقال: "أما العلم بخسوف القمر، أو كسوف الشمس فليس من علم الغيب؛ لأن له أسبابا حسية معلومة، وقد ذكر علماء المسلمين من قديم الزمان أن العلم بالخسوف، أو
الكسوف ليس من علم الغيب".
وسئل ص 306 - 307: "يقول بعض الناس: إن
الكسوف لا يدرك بالحساب فما توجيهكم؟ ".
فأجاب بقوله: الدين" لا يمكن أن يأتي بإنكار شيء محسوس أبدا، ولذلك يرى المحققون من العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - وغيره أن الكسوف أمر يدرك بالحساب، وليس من أمور الغيب، ولذلك لا يقع إلا في أيام معلومة من الشهر، كآخر الشهر تسع وعشرين وثلاثين من الشهر في كسوف الشمس، ووسطه كأربع عشرة وخمس عشرة في كسوف القمر، وهذا لا ينافي ما ذكره النبي له من أن الله تعالى يخوف به العباد، فإن الله تعالى هو الذي يقدر اختلاف سير الشمس والقمر فيقع الكسوف لهذه الحكمة التي ذكرها النبي
وفي هذا الكلام الذي ذكرناه عن الشيخ ابن عثيمين (1/250)
صفحة 251
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
251
دلالة واضحة على أن الحساب قطعي، وأن الشهادة ترد إذا خالفت القطعي، وهذا هو المراد من إيرادنا لكلامه هنا، ولا يمكن أن يقال: إنه يفرق بين معرفة غروب الهلال وبين الكسوف والخسوف فيعرف الثاني دون الأول كما هو واضح جلي لا يخفى على أحد. (1/251)
صفحة 252
252
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
المسألة الخامسة: ما قول فضيلتكم في حكم صيام يوم الشك؟ الجواب: لقد ثبت عن النبي الله أنه نهى عن تقدم رمضان بصيام يوم أو يومين لمن لم يعتد ذلك كما في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا
يومين إلا رجل كان يصوم
وما فليصمه".
صوما
رواه البخاري ومسلم والنسائي في "السنن الصغرى" وفي "السنن الكبرى" وأبو داود والترمذي والدارمي وابن ماجه وأبو عوانة في مستخرجه على صحيح مسلم والشافعي وأحمد وأبو داود الطيالسي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن الجعد وابن حبان وابن الجارود والطحاوي في "شرح معاني الآثار" وأبو نعيم في "حلية الأولياء" والبيهقي في "السنن الكبير" وفي "معرفة السنن والآثار" والبغوي في "شرح السنة".
وورد النهي عن صيام يوم الشك كما ورد في الحديث
الذي رواه الإمام الربيع من طريق جابر بن زيد قال: نهى رسول
الشك الله له عن صوم وهو آخر
ويوم
الأضحى، وقال: "من صامها فقد قارف إثما".
وعن عمار بن ياسر رضي
اليوم الذي يشك فيه فقد
عصى
يوم من شعبان، ويوم الفطر
الله عنهما قال: من صام
أبا القاسم. (1/252)
صفحة 253
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
253
علقه البخاري، ووصله النسائي في "السنن الصغرى" وفي "السنن الكبرى" وأبو داود والترمذي والدارمي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والبزار وأبو يعلى وإبراهيم الجربي وأبو علي الطوسي في "مختصر "الأحكام والدارقطني والحاكم والبيهقي في "السنن الكبير" وفي السنن الصغير" وفي "الخلافيات" والبغوي في "شرح السنة وابن الجوزي في "التحقيق" وأبو سعيد الأشج جزئه وابن حجر في "تغليق" "التعليق" من طريق عمرو بن قيس
عن أبي إسحاق السبيعي عن صلة بن زفر.
11
قال الترمذي: حديث حسن صحيح"، وتابعه على
ذلك أبو علي الطوسي في مستخرجه والبغوي في "شرح
السنة".
وقال الدارقطني: "هذا إسناد حسن صحيح ورواته كلهم ثقات"، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين"، وتعقبه الحافظ ابن حجر في "تغليق التعليق" فقال: لم يخرج البخاري لعمرو بن قيس في صحيحه شيئا، وللحديث مع ذلك علة خفية، ذكر الترمذي في العلل أن بعض الرواة قال فيه: عن أبي إسحاق حدثت عن صلة فذكره" اهـ. وقال ابن عبد الهادي بعد أن أورده في المحرر وذكر تصحيح الترمذي له: "وقد أُعل"
اهـ. (1/253)
صفحة 254
254
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
قلت: وأبو إسحاق مدلس مشهور، ثم هو قد اختلط بآخره، والرواية التي أشار إليها الترمذي في العلل رواها أبو سعيد الأشج في جزئه لكنه لم يتفرد به، فقد رواه عبد الرزاق في "المصنف" عن سفيان الثوري عن المعتمر عن ربعي بن حراش عن رجل عن عمار نحوه، وفيه جهالة الرجل المبهم. ورواه ابن أبي شيبة عن عبد العزيز بن عبد الصمد العمي عن منصور عن المعتمر عن ربعي عن عمار، فأسقط الرجل
المبهم. قال ابن حجر في تغليق التعليق": "وفي رواية الثوري دليل على أن ربعيا لم يدرك هذه القصة وإن كان الرجل المبهم في روايته هو صلة بن زفر فهي متابعة قوية لحديث أبي إسحاق"
اهـ.
وقد اختلف العلماء في حكم صيام يوم الشك، والصحيح التحريم أو الكراهة الشديدة على أقل تقدير، والله
تعالى أعلم. (1/254)
صفحة 255
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
255
المسألة السادسة: قد يرى بعض الناس الهلال مرتفعا كبيرا في الليلة الأولى، فيظنون أنه هلال الليلة الثانية لا سيما إذا الشهر الذي قبله، فهل يعني ذلك أنه وقع خطأ في دخول
الشهر.
الجواب: لا عبرة لكبر الهلال ولا صغره ولا ارتفاعه ولا انخفاضه، وإنما العبرة برؤيته كما تدل على ذلك السنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فقد روى أبو البختري قال: خرجنا للعمرة فلما نزلنا ببطن نخلة قال تراءينا الهلال فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، قال فلقينا ابن عباس فقلنا: إنا رأينا الهلال فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم هو ابن ليلتين فقال: أي ليلة رأيتموه؟ قال: فقلنا: ليلة كذا وكذا، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله مده للرؤية فهو لليلة رأيتموه".
وفي رواية أخرى أن أبا البختري قال: أهللنا رمضان
الله
ونحن بذات عرق فأرسلنا رجلا إلى ابن عباس رضي عنهما- يسأله فقال ابن عباس -رضي الله عنهما- قال رسول الله: " إن الله قد أمده لرؤيته، فإن أغمي عليكم فأكملوا
العدة". (1/255)
صفحة 256
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
...... ....
256
رواه مسلم وأبو نعيم في مستخرجه على صحيح مسلم، ورواه باللفظ الثاني أبو عوانة في مستخرجه، وعنون له بـ"باب: ذكر الخبر المبين أن الأهلة بعضها أعظم من بعض وأنه إذا كان عظيما لا يعد إلا لليلة والدليل على أن الهلال
حيث يهل الليل".
"
وقد نص على ذلك غير واحد من أهل العلم، وإليك
بعض أقوالهم في ذلك:
قال أبو غانم الخراساني في "المدونة" ج 2 ص 31: "والسنة في الرؤية عند غروب الشمس، وليس كبره ولا صغره بشيء، ولو كان الصغر أو الكبر يدل على الهلال ما قال النبي:
صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته عند غروب الشمس".
وقال ابن العربي في "أحكام القرآن" ج 1 ص 99 -
100: "إذا رأى أحد الهلال كبيرا.
قال علماؤنا: لا يعول على كبره ولا على صغره، وإنما هو من ليلته لما روي عن عمر -رضي روي عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: إن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتموه بعدما تزول الشمس
فهو لليلة المستقبلة. وقد روى مالك أن هلال شوال رئي بعشي
فلم يفطر عثمان
-رضي
الله عنه- حتى حتى أمسى. (1/256)
صفحة 257
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
257
وروي عن أبي البختري قال: قدمنا حجاجا حتى إذا كنا بالصفاح رأينا هلال ذي الحجة كأنه ابن خمس ليال فلما قدمنا على ابن عباس سألناه فقال: جعل الله الأهلة مواقيت يصام
لرؤيتها ويفطر لرؤيتها".
وقال أحمد بن عبد الله بن أحمد البعلي في "الروض الندي شرح كافي المبتدي" ج 1 ص 294: " ويختلف الهلال بالكبر والصغر والعلو والانخفاض وقربه من الشمس اختلافا شديدا لا ينضبط، فيجب طرحه والعمل على ما عول الشرع عليه، وروى البخاري في تاريخه عن طلحة بن أبي حدرد مرفوعا من أشراط الساعة أن يروا الهلال يقولون: ابن ليلتين".
وقال النووي في "شرح صحيح مسلم" ج 7 ص 197: "باب: بيان أنه لا اعتبار بكبر الهلال وصغره وأن الله تعالى أمده للرؤية فإن غم عليكم فليكمل ثلاثون".
وقال اللكنوي في "القول المشهور" ص 153 - 155: "مسألة: لا عبرة للمجرَّباتِ في هذا الباب، حتى لو ظهر خلافها أخذ به فمنها ما نقله الصفوري في "نزهة المجالس" عن
"عجائب المخلوقات" للقزويني عن جعفر الصادق خامس رمضان الماضي أول رمضان الآتي، وقد امتحنوا ذلك خمسين مرة فوجدوه كذلك. (1/257)
صفحة 258
258
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
قلت وقد امتحنته أيضا، فوجدته كذلك؛ ذلك لا
ومع
اعتماد عليه، حتى لو رئي الهلال بحيث يكون أول رمضان رابع
الماضي، يعتبر به لتعلق الصوم بالرؤية.
ومنها ما ذكره ابن عبد البر والنووي انه قد ينقص الشهران متواليا، وقد ينقص ثلاثة شهور وأربعة شهور متوالية، ولا ينقص أكثر من أربعة أشهر، هذا حكم استقرائي.
مسألة: لو رئي الهلال نما را قبل طلوع الشمس يوم
التاسع والعشرين من، شعبان ثم شهد شاهدان برؤية هلال الثلاثين، تقبل الشهادة ولا يعتبر حينئذ ما اشتهر
رمضان يوم أنه إذا كان الشهر كاملا يغيب القمر ليلتين، وإذا كان
من
ناقصا يغيب ليلة.
قلت: وهو صريح مدلول الأحاديث، وقد صـ
الرملي الشافعي في فتاويه.
مسألة: لا اعتبار لكبر الهلال وصغره؛ لما روى مسلم عن أبي البختري قال: خرجنا للعمرة، فلما نزلنا بطن نخلة قال: تراأينا الهلال فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين قال فلقينا ابن عباس فقلنا إنا تراءينا الهلال، فقال بعض القوم هو ابن ثلاث وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، فقال: أي ليلة رأيتموه؟ فقلنا: ليلة كذا، فقال: قال (1/258)
صفحة 259
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
259
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "إن الله تعالى
مده للرؤية، فهو لليلة رأيتموه".
مسألة: لو غاب القمر في الليلة الثالثة قبل غروب الشفق؛ لا يحكم به بأن الهلال كان يوم التاسع والعشرين من، شعبان، بناء على أن الهلال يغيب في الليلة الثالثة عند غروب
الشفق، إنما الاعتبار للرؤية.
فإن قلت: قد روى أبو داود عن النعمان بن بشير قال: "أنا أعلم الناس بهذه الصلاة صلاة العشاء الآخرة، كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصليها لسقوط
القمر لثالثة".
فهذا نص صريح في أن القمر يغرب في الليلة الثالثة عند
غروب الشفق لا قبله.
قلت: ليس في الحديث ما يدل على الدوام، فقد يكون هكذا، ولا تغتر بقوله: "كان". فإنه لا يدل على الاستمرار، كما بسطه النووي في شرح صحيح مسلم" في أبواب النوافل
فنشكر، والله أعلم، وعلمه أحكم".
وقال الحاج محمد بن عبد الوهاب بن عبد الرزاق في
"العذب الزلال" ص 250: ذكر الناصر في جواب سؤال (1/259)
صفحة 260
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
نصه: أما الهلال إذا رئي ليلة إحدى وثلاثين كبيرا و لم يغب إلا عند العشاء وقد كان لم ير ليلة الثلاثين فهو ولد ليلة واحدة
ولا يعتبر كبره ولا صغره اهـ.
وقال ص 254: قال" الشيخ منصور البهوتي الحنبلي في شرح منتهى الإرادات والهلال يختلف في الكبر والصغر، والعلو والانخفاض وقربه من الشمس وبعده عنها، اختلافا شديدا لا ينضبط، فيجب طرحه والعمل بما عول الشرع عليه. قال وروى البخاري في تاريخه عن طلحة بن أبي حدرد مرفوعا: من أشراط الساعة أن يروا الهلال يقولون: ابن ليلتين اهـ
فتحصل أن الحديث المذكور أولا دليل ظاهر في هذا الباب، وأن فقهاء المذاهب لا يعتبرون كبر الهلال ولا صغره، وإنما هو من ليلته، وأن ما يقوله بعض الناس حين يرونه: هو ابن ليلتين أو ثلاث ليس بطريق شرعي، وإنما هو حدس وتخمين لا دليل عليه ولا يعمل به ما لم تسبق له رؤية محققة بالأمس مع سلامة البصر وعدم الغيم المطبق الذي يمنع الرؤية عادة، فاعلم ذلك اهـ. كلام المواكب بزيادة من شرح مسلم للنووي اهـ. كلام ابن عوض".
وقال الشيخ ابن باز في فتاويه ج 15 ص 148 - 150:
"والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وكلها تبين للأمة أنه لا اعتبار (1/260)
صفحة 261
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
في الشرع المطهر للحساب ولا لضعف منازل القمر، ولا لكبر الأهلة وضعفها، ولا لرؤية الهلال قبل طلوع الشمس من اليوم التاسع والعشرين سواء كان منخفضا أو مرتفعا، وإنما الاعتبار شرعا بالرؤية الشرعية بعد المغرب أو إكمال العدة، ولو كان ضعف المنازل، أو صغر الأهلة أو رؤية الهلال في المشرق قبل طلوع الشمس من اليوم التاسع والعشرين مما يؤثر في الرؤية لنبه عليه النبي صلى الله عليه وسلم وبينه للناس؛ لأنه عليه الصلاة والسلام- هو أنصح الناس وأقدرهم على البيان، وقد أوجب الله عليه أن يبلغ الناس ما أنزل إليهم من ربهم وقد فعل ذلك -عليه الصلاة والسلام على خير وجه وأكمله.
ومعلوم عند العقلاء أن الأهلة تختلف اختلافا كثيرا بحسب قربها من الشمس وبعدها وحسب صفاء الجو وكدره، اختلاف أبصار الناس في القوة والضعف، ولذلك أناط وحسب المصطفى الله له الحاكم في هذا الأمر العظيم بالرؤية أو إكمال العدة و لم يجعل مناطا آخر ...
الله
و خرج مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي عنهما- أن النبي عليه الصلاة والسلام- قال في الهلال: "إن الله مده للرؤية وفي رواية أخرى: "إن الله قد أمده لرؤيته فإن غمي عليكم فأكملوا العدة". (1/261)
صفحة 262
262
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وترجم عليه الإمام النووي رحمه الله - بما نصه: "باب
بيان أنه لا اعتبار بكبر الهلال وصغره وأن الله أمده للرؤية فإن
غم فليكمل ثلاثون".
وقال أبو وائل شقيق بن سلمة أتانا كتاب عمر بن
الله
الخطاب -رضي رأيتم الهلال فلا تفطروا حتى يشهد رجلان مسلمان أنهما رأياه بالأمس. قال الإمام النووي - رحمه الله -: أخرجه الدارقطني
عنه أن الأهلة بعضها أكبر من بعض فإذا
11
انتهى"
11
والبيهقي بإسناد صحيح ... وقال الشيخ عبدالله بن عبد العزيز بن عقيل في فتاويه ج 1 ص 502 - 503: "وأما ما زعمه بعض الناس من صغر الهلال، وكونه لم ير ليلة السبت، فقد قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: "باب: بيان أنه لا اعتبار بكبر الهلال وصغره، وأن الله أمده للرؤية فإن غم فليكمل ثلاثين". وقال أبو وائل شقيق بن سلمة أتانا كتاب عمر بن الخطاب أن الأهلة بعضها أكبر من بعض. فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى يشهد رجلان مسلمان أنهما رأياه بالأمس.
وثبت عن النبي الله أنه قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا
لرؤيته، وانسكوا لها فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين. فإن شهد
شاهدان فصوموا وأفطروا". (1/262)
صفحة 263
رفع
الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وفي معنى
263
هذا جملة أحاديث تبين أنه لا اعتبار
للحساب، ولا لضعف منازل القمر ولا لكبر الأهلة وصغرها. وإنما الاعتبار الشرعى بالرؤية الشرعية". (1/263)
صفحة 264
264
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
المسألة السابعة: لقد جاء في الحديث أن الرسول كان يصلي العشاء لسقوط القمر لثالثة، ونحن صلينا العشاء في شهر ذي الحجة من العام الماضي 1429 هـ قبل سقوط
القمر، فهل يمكن أن يستدل بذلك على وقوع الخطأ في رؤية
الهلال؟
الجواب: نعم
لقد جاء عن
بن بشير أنه قال: أنا النعمان
أعلم الناس بوقت هذه الصلاة صلاة العشاء الآخرة كان رسول الله له يصليها لسقوط القمر لثالثة.
رواه النسائي في "السنن الصغرى" وفي "السنن الكبرى" وأبو داود والترمذي والدارمي وأحمد وأبو داود الطيالسي وابن حبان والطحاوي في شرح مشكل "الآثار" والدارقطني والحاكم
في "المستدرك" والبيهقي في "السنن الكبير".
إلا أنه قد ورد عن النبي الله أنه كان يؤخر العشاء كما
ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما من طريق أبي برزة الأسلمي
-رضي
الله عنه -
وله شاهد آخر من طريق جابر بن سمرة عند
الله
مسلم، ونحن الآن نقدمها، وإن كانت رواية التأخير محمولة على بعض الأوقات بدليل حديث جابر بن عبد الله -رضي عنهما- عند البخاري ومسلم وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجل أحيانا صلاة العشاء، وأحيانا يؤخرها إذا رآهم اجتمعوا عجل (1/264)
صفحة 265
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
وإذا رآهم أبطأوا أخر ثم إن ما رواه النعمان محمول على بعض الأوقات حتما بدليل اختلاف وقت غروب القمر في الليلة الثالثة بين شهر وآخر، وقد بين ذلك الشيخ أحمد محمد شاكر
في تعليقه على جامع الترمذي ج 1 ص 308 - 310: أحسن بيان، وإليك نص ما قال:
"
وقد استدل بعض علماء الشافعية بهذا الحديث على
استحباب تعجيل العشاء (انظر "المجموع" 55:3 - 58)، وتعقبهم ابن التركماني كما في "الجوهر النقي" (450:1) فقال: "إن القمر في الليلة الثالثة يسقط بعد مضي ساعتين ساعة ونصف ساعة ونصف سبع ساعات تلك الليلة المجزأة من على اثنتي عشرة ساعة، والشفق الأحمر يغيب قبل ذلك بزمن كثير، فليس في ذلك دليل على التعجيل عند الشافعية ومن
يقول بقولهم".
وقد يظهر هذا النقد صحيحا في بادي الرأي، وهو صحيح من جهة أن الحديث لا يدل على تعجيل العشاء، وخطأ من جهة حساب غروب القمر، فلعل ابن التركماني راقب غروب القمر في ليلة ثالثة من بعض الشهور، ثم ظن أن موعد
غروبه متحد في كل ليلة ثالثة من كل شهر.
وليس الأمر كذلك، كما يظهر لك من الجدول الآتي (1/265)
صفحة 266
266
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
لوقت غروب القمر في الليلة الثالثة من كل شهر من شهور العام الهجري الحاضر وهو عام 1345 هـ، وقد استخرناه من التقويم الرسمي للحكومة المصرية المسمى "نتيجة الجيب" وقد ذكرنا فيه وقت العشاء ووقت الفجر ووقت غروب القمر بالساعة التي تسمى في اصطلاح أهل العصر الحاضر الساعة العربية، بتقسيم اليوم والليلة إلى 24 ساعة، واحتساب مبدئها من غروب الشمس.
ومنه يظهر خطأ ابن التركماني، فإنك إذا قسمت الوقت بين غروب الشمس وبين طلوع الفجر إلى اثني عشر قسما - سماها ابن التركماني ساعات وجدت أن القمر يغرب في بعض الليالي الثالثة قبل الوقت الذي ذكر وفي بعض الليالي
بعده.
ومنه يظهر أن النعمان بن بشير لم يستقرئ أوقات صلاة النبي صل الاول العشاء استقراء تاما، ولعله صلاها في بعض المرات في ذلك الوقت، فظن النعمان أن هذا الوقت يوافق غروب القمر
لثالثة دائما.
ومما يؤكد ذلك أن رسول الله لم يلتزم وقتا معينا في صلاتها، كما قال جابر بن عبد الله في ذكر أوقات صلاة النبي: "والعشاء أحيانا يؤخرها وأحيانا يعجل، إذا رآهم اجتمعوا (1/266)
صفحة 267
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
267
عجل، وإذا رآهم أبطأوا أخر، وهو حديث صحيح، رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
وها هو الجدول الذي وعدنا به فيما مضى، ولقد رجعت أيضا إلى تقاويم لسنين أخرى غير هذه السنة، فوجدت
أن ما ذكرته من اختلاف وقت غروب القمر صحيح، ولولا خشية الإطالة لذكرت الجدول في بضع سنين.
جدول أوقات غروب القمر
في الليالي الثالثة من شهور سنة 1345 هـ
بحساب مدينة القاهرة المعزية
العشاء
الفجر غروب القمر
ــوم
ق س ق س
ق س
16 يوليو
الثلاثاء
محرم
1:01
8:21
1:32
سنة 1926 م
الأربعاء
3 صفر
11 أغسطس
1:20
9:03
1:20
الجمعة
ربيع الأول
10 سبتمبر
1:33
10:00
1:19
الأحد
ربيع الثاني
10 أكتوبر
1:47
10:56
1:17
الإثنين
جمادى الأولى
نوفمبر
الأربعاء
جمادى الثانية
ديسمبر
1:31
11:42
1:19
12:11
1:23
يناير
الجمعة
2:51
12:10
1:23
رجب
سنة 1927 م
السبت
3 شعبان
ه فبراير
2:24
11:40
1:19 (1/267)
صفحة 268
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
3:04
10:52
1:17
2:39
9:56
1:19
3:21
8:09
1:25
2:46
8:18
1:32
268
الإثنين
رمضان
7 مارس
الثلاثاء
شوال
ه إبريل
الخميس
ذي القعدة
، مايو
الجمعة
ذي الحجة
3 يونية
تنبيه هذا البحث كتبته في سنة 1345 هـ في شرحي
على كتاب "التحقيق" لابن الجوزي، ولكنه لم يطبع و
نقلته هنا.
ولذلك
وزيادة في تأييد ما قلته أنقل جدولا آخر بهذه المواقيت
عن
السنة الحاضرة 1356 هـ:
العشاء
الفجر
غروب القمر
ـوم
ق س
ق
ق س
16 مارس
الثلاثاء
3:03
10:30
1:17
محرم
سنة 1937 م
الأربعاء
3 صفر
14 إبريل
2:45
9:38
1:20
الخميس
ربيع الأول
13 مايو
2:17
8:45
1:27
السبت
ربيع الثاني
12 يونية
2:30
A:11
1:34
الأحد
جمادى الأولى
11 يوليو
1:42
8:19
1:32
الثلاثاء
3 جمادى الثانية 10 أغسطس
1:39
9:.1
1:25
الأربعاء
3 رجب
8 سبتمبر
1:16
9:56
1:19
الجمعة
3 شعبان
أكتوبر
السبت
رمضان
6 نوفمبر
1:21
10:02
1:17
1:33
11:39
1:19
الإثنين
شوال
6 ديسمبر
2:09
12:10
1:23 (1/268)
صفحة 269
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
ه يناير
الأربعاء
ذي القعدة
سنة 1938 م
الخميس
ذي الحجة
فبراير
انتهى
2:33
12:12
1:23
"1:00
11:43
1:20
269
كلام الشيخ أحمد محمد شاكر، وهاك جدولا
لوقت غروب القمر ليلة الثالث من كل شهر لأعوام 1427، 1429، 1430 هـ لمسقط استخرجه الأخ العزيز الدكتور
صالح بن سعيد الشيذاني:
م
ز
غروب غروب
التاريخ
التاريخ الشمس
القمر
مکث الفارق القمر بالدقائق
التأخر اليومي
اليوم
الهجري
الميلادي
3 محرم
ا فبراير
الأربعاء
5:04 م 9:02 م
64
188
03:08
Y .. 7
1427
62
الخميس
3 صفر
2 مارس
6:11 م
8:49 م
02:38
ربيع
السبت
1 إبريل
6:23 م
9:42 م
199
03:19
F
??
الاول
ربيع
الأحد
30 إبريل
6:30 م 9:31 م
176
02:56
10
الثاني
جمادي
الثلاثاء
30 مايو
6:50 م
10 م
50
193
03:13
الأولى
جمادي
الأربعاء
28 يونيو
6:07 م 9:21 م
144
02:24
133
الثانية
الجمعة
رجب
28 يوليو
6:52 م
8:08 م
30
126
02:06
السبت
3 شعبان 26 أغسطس 6:31 م 7:57 م
29
86
01:26
14
الإثنين
رمضان
25 سبتمبر 6:01 م
7:30 م
33
89
01:29 (1/269)
صفحة 270
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتـ عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
02:49
270
الأربعاء
شوال
25 أكتوبر
5:33 م
7:32 م
الجمعة
ذو القعدة 24 نوفمبر
5:20 م 8:16 م
السبت
ذو الحجة 23 ديسمبر
8:15 م 5:27 م
محرم
11 يناير
الجمعة
5:37 م
8:26 م
2008
1429
الأحد
3 صفر
10 فبراير
5:08 م
9:13 م
60
195
•1:10
ربيع
الإثنين
10 مارس
6:13 م 9:06 م
64
173
02:53
الأول
ربيع
الثلاثاء
إبريل
6:25 م
02:40
9:00
113
الثاني
جمادي
الخميس
8 مايو
6:38 م
64
211
03:31
10:09
الأولى
جمادي
الجمعة
6 يونيو
6:01 م
9:45 م
02:54
24
الثانية
السبت
رجب
ه يوليو
6:07 م
9:04 م
43
127
02:07
الإثنين
3 شعبان
أغسطس
6:47 م
8:45 م
33
118
•1:04
الأربعاء
رمضان
3 سبتمبر 6:22 م
8:22 م
36
120
02:00
الخميس
شوال
2 أكتوبر
5:52 م 7:33 م
39
101
السبت
ذو القعدة
انوفمبر
5:27 م 7:46 م
139
02:19
الأحد
ذو الحجة 30 نوفمبر
5:19 م
7:25 م
03
126
02:06
محرم
الثلاثاء
30 ديسمبر
5:30 م
8:02 م
03
152
02:32
03
167
02:47
8:38 م
1430
29 يناير
الخميس
3 صفر
2009 (1/270)
صفحة 271
271
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
ربيع
السبت
28 فبراير
57
189
03:09
9:14
6:09
الأول
ربيع
الأحد
29 مارس
6:21 م
9:14 م
63
173
02:53
الثاني
جمادي
الإثنين
27 إبريل
6:32 م 9:12 م
160
02:40
الأولى
جمادي
الأربعاء
27 مايو
6:47 م
10:00 م
193
03:13
الثانية
الخميس
رجب
25 يونيو
9:25 م
25
46
149
02:29
السبت
3 شعبان
25 يوليو
6:52 م 9:17 م
41
140
02:25
الأحد
رمضان
23 أغسطس
6:32 م
8:25 م
الثلاثاء
شوال
22 سبتمبر
6:03 م
8:21 م
38
113
01:03
44
138
02:18
الأربعاء | ذو القعدة 21 أكتوبر
5:35 م
7:47 م
132
02:12
الخميس | 3 ذو الحجة 19 نوفمبر
5:20 م
7:23 م
03
123
02:03
المعدل
01
152
2:31:55
69
211
3:31:00
29
86
1:26:00
03
2:35:00
هـ: التاريخ هنا بداية ليلة الثالث من الشهر، وقبل غروب الشمس كان نمار الثاني
م التاريخ هنا مساء اليوم أي نهايته قبل انتصاف الليل بالتقويم الميلادي
الأعلى
الأدنى
ز: اليوم هنا حسب الشائع عند الناس وهو التوقيت الزوالي بحيث تستمر تسمية اليوم لمنتصف الليل وإلا فأعتبر اليوم التالي حسب التقويم الهجري فغير المتوسط
الأربعاء إلى الخميس
وبهذا تنتهي
الأجوبة، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على
سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله أجمعين، والحمد لله رب العالمين. (1/271)
صفحة 272
272
رفع الإشكال عن بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال
المحتويات
المسألة الأولى: اعتبار اختلاف المطالع
المسألة الثانية: عدم وجود علاقة بين مسألة اختلاف المطالع
وبين قضية توحيد الأمة على تأريخ واحد
المسألة الثالثة: حكم استطلاع الهلال
162
............
IV ............
المسألة الرابعة حكم الاعتماد على الحساب الفلكي في إثبات
الشهر، وحكم الأخذ به في جانب النفي.
المسألة الخامسة: حكم صيام يوم
الشك
المسألة السادسة: عدم اعتبار كبر الأهلة وارتفاعها
188
252
255
........
المسألة السابعة: أنه لا علاقة بين سقوط القمر في الليلة
الثالثة وأداء صلاة العشاء
رقم الإيداع 2009/ 2200
264 (1/272)