صفحة 1
المجال: غير المطبوعات، منشور رقمي
المادة: فقه
------------------------------------------
العنوان: شرح بعض أبيات باب فطرة الأبدان من كتاب جوهر النظام
المؤلف: حمود بن حميد الصوافي
اعتنى بها: غسان بن محمد الحبسي
الناشر: د.ن
تاريخ النشر: [1441ه]
------------------------------------------
مصدر النسخة الرقمية للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/622
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 16 شعبان 1446ه/ 15 - شهر 02 - 2025م. شرح بعض أبيات باب
فطرة الأبدان
من كتاب جوهر النظام
للإمام نور الدين السالمي الله
فَضِيلَةُ الشَّيْخ العَلَامَة
حمود بن حميد الصوافي
اعتنى به: أ. غسان بن محمد الحبسي (1/1)
صفحة 2
مقدمة
الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الْخَلْقِ وَالْمُرْسَلِينَ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَبَعْدُ:
فَهَذِهِ مُذَكِّرَةٌ لَطِيفَةٌ حَولَ أَحْكَامِ زَكَاةِ الفِطْرِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ سِلْسِلَةِ دُرُوس مُتَفَرِّقَةٌ لِشَيْخِنَا الْمُرَتِي / حمود بن حميد الصَّوَّافي - مَتَّعَنَا اللَّهُ بِحَيَاتِهِ، وَهِيَ عَلَى النَّحْوِ الآتي:
1 - سِلْسِلَةُ دُرُوسٍ فِي شَرْحِ كِتَابِ الصَّوْمِ، أَلْقَاهَا شَيْخُنَا الْمُرَتِي فِي جَامِعِ سَنَاوِ خِلَالَ شَهْرٍ شَعْبَانَ سَنَةً 1423 هـ.
2 - سِلْسِلَهُ دُرُوسِ رَمَضَانَ 1432 هـ، وَقَدْ نَشَرَتْهَا مُؤَسَّسَةُ الْمَجْدِ الْقَادِمِ فِي قَرْضِ مُفْرَدٍ فِي وَاحِدٍ وَعِشْرِينَ دَرْسًا صَوْتِيًّا.
3 - سِلْسِلَةُ دُرُوسِ رَمَضَانَ 1436 هـ، وَهِيَ مُسَجَّلَةٌ بِالصَّوْتِ وَالصُّورَةِ فِي ثَلَاثِينَ دَرْسًا مَرْثِيًّا.
وَسَتَجِدُونَ فِيها - بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى - أَهَمَّ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِقَةِ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ، فَدُونَكُمْ يَا طَلَبَةَ العِلْمِ هَذِهِ الدُّرَرَ السَّنِيَّة، واللآلئ الْبَهيَّة، وَالْجَوَاهِرَ النَّفِيسَة.
غسان محمد بن حارب الحبسي
يوم الأربعاء 26 | رمضان | 1441 هـ
ولاية المضيبي. (1/3)
صفحة 3
بَابٌ فِي فِطْرَةِ الأَبْدَان
تَوْطِئَةٌ قَبْلَ الْبَدْءِ فِي الْمَوْضُوع:
هَذَا هُوَ الْبَابُ السَّابِعُ مِنْ أَبْوَابِ كِتَابِ الصَّوْمِ مِنْ جَوهَرِ النِّظَامِ للإِمَامِ السالميّ رَحِمَهُ اللهُ، وَعُنْوانُهُ: بَابٌ فِي فِطْرَةِ الأَبْدَانِ)، وَتُسَمَّى زَكَاةَ الْفِطْرِ، أَوَ فِطْرَةَ الأَبْدَانِ، أَمَّا زَكَاةُ الْفِطْرِ فَلِأَهَا تُؤَدَّى يَوْمَ الْفِطْرِ، وَهُوَ الْيَوْمُ الأَوَّلُ مِنْ شَوَّالٍ، وَأَمَّا فِطْرَةُ الأَبْدَانِ فَلِأَنَّمَا تُؤَدَّى عَنِ الأَبْدَانِ وَلَيْسَتْ عَنِ الْمَالِ، فَهِيَ عَلَى عَدَدِ الْأَشْحَاصِ، وَلِذَلِكَ عَرَّفَ بَعْضُهُمُ الزَّكَاةَ فَقَالَ: مَا يُخْرَجُ مِنْ مَالٍ عَنْ مَالٍ أَوْ بَدَنٍ)، فَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا التَّعْرِيفِ زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي زَكَاةَ الْمَالِ هُوَ الْمَالُ: هَلْ بَلَغَ النِّصَابَ أَوْ لَمْ يَبْلُغْ وَالْمُعْتَبَرُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ هُوَ عَدَدُ الأَبْدَانِ ...
وَقَبْلَ أَنْ نَشْرَعَ فِي الْمَوْضُوعِ سَنَذْكُرُ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ لَهَا عَلَاقَةٌ رَبَّكَاةِ الْفِطْرِ:
1 - عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: (سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى الحر والعَبْدِ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، صَاعًا مِنْ تَمرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ بُرٍ، أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ مِنْ أَقِطِ)
2 - عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: (فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تمرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى الْعَبْدِ وَالحَرِ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِمَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ) (1/4)
صفحة 4
3 - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ)
وَسَوْفَ يَكُونُ حَدِيثُنَا في هَذَا الْبَابِ فِي ثَمانِ مَسَائِلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهِيَ عَلَى النَّحْوِ الآتي:
1 - مَا حُكْمُ زَكَاةِ الْفِطْرِ؟
2 - مَا الْحِكْمَةُ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ زَكَاةِ الْفِطْرِ؟
3 - مَتَى تَحِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ؟
4 - عَلَى مَنْ تَحِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ؟
5 - عَمَّنْ تُخرج زكاة الفطر؟
6 - مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تُخْرَجُ زَكَاةُ الْفِطْرِ؟
7 - مَا الْمِقْدَارُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ؟
8 - لِمَنْ تُدْفَعُ زَكَاةُ الْفِطْرِ؟ (1/5)
صفحة 5
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: مَا حُكْمُ زَكَاةِ الْفِطْرِ؟
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي حُكْمِ زَكَاةِ الْفِطْرِ: هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ أَوْ سُنَّةٌ مُؤَكَدَةٌ أَوْ سُنَّةٌ مُرَغَبٌ فِيهَا؟ فَقِيلَ: هِيَ فَرْضٌ وَاجِبٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَعَلَيْهِ أَصْحَابُنَا الْمَشَارِقَةُ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى الْوُجُوبِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: قَدْ أَفْلَحَ مَن تَرَكَى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (سورة الأعلى:14 - 15)
قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِرِينَ: (الكَاة زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَالصَّلَاةُ صَلَاةُ الْعِيدِ، وَالذِّكْرُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ حُرُوحِ النَّاسِ إِلَى الْمُصَلَّى)، وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ)، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: (فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ).
وَقِيلَ: هِيَ سُنَّةٌ مَنْدُوبَةٌ مُرَغَبٌ فِيهَا، وَعَلَيْهِ أَصْحَابُنَا الْمَغَارِبَةُ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى السُّنِيَّةِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ: (سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ، إِلَّا أَنَّ الْجُمْهُورَ أَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ ....
وَظَاهِرُ كَلَامِ النَّاظِمِ يُشِيرُ إِلَى وُجُوبَهَا، فَقَدْ قَالَ:
وَقِيلَ إِنَّ صَوْمَهُ لَا يُرْفَعُ إِلَّا بِهَا فَهْ
فَيَا لَهُ مِنْ قَدَرٍ خَطِ لِقَدَرِ الصَّاعِ مِنَ الشَّعِـ (1/6)
صفحة 6
وَفِي الْبَيْتَيْنِ إِشَارَةٌ إِلَى حَدِيث: (شَهْرُ رَمَضَانَ مُعَلَّقٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يُرْفَعُ إِلَّا رَبَّكَاةِ الْفِطْرِ) 1، وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ فِيهِ مَقَالٌ ...
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ قُلْنَا بِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ أَوْ سُنَّةٌ فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ الَّذِي يُحِبُّ الْخَيْرَ لِنَفْسِهِ أَنْ يَتَهَاوَنَ فِي إِخْرَاجِهَا، وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَحُضُونَ عَلَيْهَا، وَيُرَغْبُونَ فِيهَا، وَيَحْرِصُونَ كُلَّ الْحِرْصِ عَلَى إِخْرَاجِهَا، فَقَدْ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ التَّمِيمِيِّ يَسْأَلُهُ هَلْ تَلْزَمُهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ؟ فَرَأَى عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ حَسَنَيْنِ، فَقَالَ: بِعْ هَذَيْنِ، وَاشْتَرِ أَخَفَّ مِنْهُمَا، وَأَدِ زَكَاةَ الْفِطْرِ)، وَرَدَ عَنِ الإِمَامِ سَالِمِ بْنِ رَاشِدِ الْخَرُوصِيِّ 2 - رَحِمَهُ اللهُ – أَنَّهُ حَضَرَتْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ إِلَّا مَنْسُولًا 3 يَلْتَحِفُ بِهِ، فَبَاعَ مَنْسُولَهُ، وَاشْتَرَى بِقِيمَتِهِ طَعَامًا، وَأَخْرَجَ مِنْهُ زَكَاةَ الْفِطْرِ
رَوَاهُ أَبُو حَفْصِ بْنِ شَاهِين فِي فَضَائِلِ رَمَضَانَ – كَمَا فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب لِلْمُنْذِرِي (97/ 2) - وَالدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ (235/ 1)، وَابْنُ الْجُوْزِي فِي الْعِلَلِ الْمُتَنَاهِيَة (824) - 8/ 2، وَالصّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ فِي الأَحَادِيثِ الْمُخْتَارَةِ – كَمَا فِي الجَامِعِ الصَّغِير (7156/ 1) - عَنْ جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ...
سَالِمُ بْنُ رَاشِدِ الْخَرُوصِيُّ (ت: 1339 هـ): وُلِدَ بِبَلْدَةِ مَشَايِقِ مِنْ قُرَى الْبَاطِنَةِ سَنَةَ 1301 هـ، وَنَشَأَ في حِجْرٍ وَالِدِهِ الزَّاهِدِ، وَعَلَيْهِ قَرَأَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى بَلَدِ الْعَوَايِي لِتَلَقِّي الْعُلُومِ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الشَّرْقِيَّةِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ عَلَى يَدِ الإِمَامِ نُورِ الدِّينِ السَّالِمِي، وَقَدْ بُويعَ لَهُ بِالإِمَامَةِ سَنَةَ 1331 هـ. انْظُرْ: نَفْضَةُ الأَعْيَان بِحُرِّيَّةِ عُمَان ص 197 ..
الْمَنْسُول عَبَاءَةٌ أَوْ ثَوْبٌ يُلْبَسُ فِي الْبَرْدِ. (1/7)
صفحة 7
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا الْحِكْمَةُ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ زَكَاةِ الْفِطْرِ؟
بَيَّنَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسِ الْحِكْمَةَ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الكَاةِ بِقَوْلِهِ: (فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ)، فَهِيَ أَوَّلًا طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ اللَّذَيْنِ فَى عَنْهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَقْتِ الصَّوْمِ كَمَا جَاءَ الْحَدِيثِ الآخَرِ: (الصَّوْمُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُتْ وَلَا يَجْهَلْ)، وَهِيَ ثَانِيَا طُعْمَةٌ لِلْمَسَاكِينِ، وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الأَحَادِيثِ: (أَغْنُوهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ) 4، وَالْخِطَابُ فِيهِ لِلْأَغْنِيَاءِ بِأَنْ يُغْنُوا الْفُقَرَاءَ فِي هَذَا الْيَوْمِ حَتَّى يَتَفَرَّغُوا وَيُشَارِكُوا إِخْوَانَهُمْ فِي فَرْحَةِ الْعِيدِ، وَفِي صَلَاةِ الْعِيدِ، لِئَلَّا يَشْغَلَهُمُ الْكَسْبُ عَلَى الْعِيَالِ، فَهُنَاكَ مِنَ الْفُقَرَاءِ مَنْ هُوَ بِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ إِلَى الْمَالِ، بِحَيْثُ إِذَا لَمْ يَكْتَسِبْ شَيْئًا فِي يَوْمِهِ يَبْقَى مُعْدِمًا لَيْسَ عِنْدَهُ مَالٌ يُنْفِقُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ يَعُولُهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ إِغْنَاءُ الْفَقِيرِ لِيَتَفَرَّغَ فِي هَذَا الْيَوْمِ لِمَسَرَّاتِ الْعِيدِ، وَبِذَلِكَ يَشْتَرِكُ الْجَمِيعُ فِي بَهْجَةِ الْعِيدِ: الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، والقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ، وَقَدْ أَشَارَ النَّاظِمُ إِلَى الْحِكْمَةِ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ زَكَاةِ الْفِطْرِ بِقَوْلِهِ:
وَشَرَعَ الْإِلَهُ لِلصُّوَّامِ زَكَاةَ فِطْرِ طُهْرَةَ الآثَامِ
وَ (الصُّوَّامُ): جَمْعُ صَائِمٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَنَّ الصَّائِمَ يُجْمَعُ عَلَى: (صُوَّام، وَصُيَّامٍ، وَصُوَّم، وَصُيَّم، وَصِيَّمٍ، وَصَيَامَى، وَصِيَامٍ)، فَلَهُ سَبْعَةُ جُمُوعٍ ..
4 رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى (7739) بَاب: وَقْتُ إِخْرَاج زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَالدَّارَقُطْني (2133) كِتَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (1/8)
صفحة 8
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: مَتَى تَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ؟
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ: هَلْ تَحِبُ بِدُخُولِ شَوَّالٍ أَوْ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ شَوَّالٍ؟
فَقِيلَ: (نَحِبُ بِدُخُولِ شَوَّالٍ)، وَيَتَحَقَّقُ دُخُولُ شَوَّالٍ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَوْ بِإِكْمَالِ رَمَضَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَإِذَا رُوِيَ الْهِلَالُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنَ الْيَوْمِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَدْ تَحَقَّقَ دُخُولُ شَوَّالٍ، وَإِذَا لَمْ يُرَ الْهِلَالُ أَكْمَلُوا عِدَّةَ رَمَضَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَقِيلَ: (تَحِبُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَوَّالٍ، وَقَدْ نَصَّ النَّاظِمُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ في قَوْلِهِ:
وَتَلْزَمَنَّ بدخول الفِطر وَقِيلَ لَا بَلْ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِ النَّاظِمِ: (وَتَلْزَمَنَّ بِدُخُولِ الْفِطْرِ) أَيْ بِدُخُولِ شَهْرِ الْفِطْرِ، وَهُوَ شَهْرُ شَوَّالٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَنَّهُ يَدْخُلُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَوْ بِغُرُوبِ شَمْسِ الْيَوْمِ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ
وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ هَذَا الْخِلَافِ فِي الْمَسَائِلِ الآتِيَةِ:
1 - مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ زَكَاةَ الْفِطْرِ؟ الجواب: خِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ: هَلْ تَحِبُ بِدُخُولِ الشَّهْرِ أَوْ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ؟ فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا تَحِبُ بِدُخُولِ الشَّهْرِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ (1/9)
صفحة 9
أَنْ يُؤَدِّيَهَا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ بَعْدَ وُجُوبِهَا، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا تَحِبُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَهَا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ وُجُوبِهَا، يَقُولُ النَّاظِمُ:
وَيَظْهَرُ الْخِلَافُ فِيمَنْ وُلِدَا فِي اللَّيْلِ قَبْلَ الْفَجْرِ: هَلْ عَنْهُ أَدَا؟
قِيلَ: نَعَمْ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا تَحِبُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ.
وَقِيلَ: لَا، بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا تَحِبُ بِدُخُولِ الشَّهْرِ.
2 - مَنْ تُؤيّ وَلَدُهُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ زَكَاةَ الْفِطْرِ؟
الجواب: خِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ تَحِبُ بِدُخُولِ الشَّهْرِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَهَا عَنْهُ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَالْوَلَدُ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّها تَحِبُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَهَا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ وُجُوبِهَا.
وَأَمَّا عَنْ تَوْقِيتِ إِخْرَاحِ زَكَاةِ الْفِطْرِ: فَهُنَاكَ فَضْلٌ، وَهُنَاكَ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَهُنَاكَ جَوَاز:
1 - فَالْفَضْلُ: أَنْ تُؤَدِّيَهَا بَعْدَ تَحَقُّقِ دُخُولِ شَهْرٍ شَوَّالٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَنَّهُ يَدْخُلُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَوْ بِغُرُوبِ شَمْسِ الْيَوْمِ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ ...
2 - وَالأَفْضَلُ: أَنْ تُؤَدِّيَهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ – صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعِيدِ – حُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ: (1/10)
صفحة 10
فَلْتُخْرَجَنَّ فِي صَبَاحَ الْعِيدِ عَنْ جُمْلَةِ الْأَوْلَادِ وَالْعَبِيدِ
وَلَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ لَا يَتَأَنَّى هُمْ إِخْرَاجُهَا فِي صَبِيحَةِ الْعِيدِ لِبَعْضِ الْمَوَانِعِ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ لَوْ أَخْرَجُوهَا فِي لَيْلَةِ الْعِيدِ؛ لِأَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ بِأَنَّهَا تَحِبُ بِدُخُولِ الشَّهْرِ، وَقَدْ أَيَّدَ الإِمَامُ السَّالِمِيُّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ – هَذَا الْقَوْلَ فِي الْمَدَارِجِ حِينَ قَالَ:
لِأَنَّهَا بِسَبَبِ الْهِلَالِ تَلْزَمُ لَا بِالْفَجْرِ مِنْ شَوَّال 5
3 - وَالْجَوَازُ: أَنْ تُقَدَّمَ قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ عَلَى قَوْلِ بَعْضٍ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَأَمَّا آخِرُ وَقْتِهَا: فَهُوَ عِنْدَ حُرُوجِ النَّاسِ إِلَى صَلَاةِ الْعِيدِ، فَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: (وَأَمَرَ بِمَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ)، وَلِذَلِكَ لَا تُؤَخَرُ زَكَاةُ الْفِطْرِ إِلَى مَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ.
5 مَدَارِجُ الْكَمَال نَظْمُ مُختَصَرِ الخِصَال ص 106. (1/11)
صفحة 11
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: عَلَى مَنْ تَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ؟
تَحِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ لَمَّ يَتَكَلَّفْهَا بِدَيْنٍ، فَهِيَ لَا تَحِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ إِلَّا إِذَا كَانَ يَمْلِكُ فَضْلَةً تَزِيدُ عَنْ حَاجَتِهِ وَحَاجَةٍ مَنْ يَعُولُهُ بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَفْتَرِضَ لِأَجْلِ إِخْرَاجِهَا، وَأَمَّا مَنْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إِخْرَاجِهَا إِلَّا بِأَنْ يَفْتَرِضَ مَالًا فَهَذَا لَا تَحِبُّ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَانْظُرُوا إِلَى الإِمَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ حِينَ أَمَرَ الرَّجُلَ بِأَنْ يَبِيعَ التَّوْبَيْنِ، وَيَشْتَرِيَ بِهِمَا ثَوْبَيْنِ أَخَفَّ مِنْهُمَا، وَيُخْرِجَ مِنْ تِلْكَ الْفَضْلَةِ زَكَاةَ الْفِطْرِ، فَهَذَا الرَّجُلُ هَلْ تَكَلَّفَهَا بِدَيْنٍ؟
الْجَوَابُ لَا.
وَبِالْمِثَالِ يَتَّضِحُ الْمَقَالُ وَيَزُولُ الإِشْكَالُ: رَجُلٌ يَمْلِكُ فِي بَيْتِهِ كِيسَ أُرْزِ بِهِ عِشْرُونَ صَاعًا، وَهُوَ وَعَائِلَتُهُ ثَلَاثَةُ أَشْخَاصِ فَقَطْ، فَإِذَا أَخْرَجَ مِنْ هَذَا الْكِيسِ زِكَاةِ الْفِطْرِ ثَلَاثَةَ أَصْوُعِ عَنْ ثَلَاثَةِ أَشْخَاصِ فَقَدْ بَقِيَ لَهُ فِي الْكِيسِ سَبْعَةَ عَشَرَ صَاعًا، فَهَلْ هَذَا الرَّجُلُ تَكَلَّفَ زَكَاةَ الْفِطْرِ بِدَيْنٍ؟
الجوَابُ لَا. (1/12)
صفحة 12
الْمَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: عَمَّنْ تُخْرَجُ زَكَاةُ الْفِطْرِ؟
يُخْرِجُهَا الْغَنِيُّ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ كُلِّ مَنْ يَلْزَمُهُ عَوْلُهُ لُزُومًا شَرْعِيَّا: كَالأَوْلَادِ الصَّغَارِ، وَالْعَبِيدِ، يَقُولُ النَّاظِمُ - رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ -
فَلْتُخْرَجَنَّ فِي صَبَاحَ الْعِيدِ عَنْ جُمْلَةِ الْأَوْلَادِ وَالْعَبِيدِ
وَكُلِّ مَنْ كَانَ مِنَ الْعِيَالِ تَعُولُهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَمْوَالِ
وَهْوَ الَّذِي تَعُولُهُ بِالْحَقِّ لَا كُلُّ مَنْ فِي الْبَيْتِ مِنْ ذَا الْخَلْقِ
وَأَمَّا مَنْ لَا يَلْزَمُهُ عَوْهُمْ لُزُومًا شَرْعِيَّا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُفَطَّرَ عَنْهُمْ: كَالأَوْلَادِ الْبَالِغِينَ، وَالْعُمَّالِ، وَالْمُزَارِعِينَ، وَنَحْوِهِمْ، فَهَؤُلَاءِ وَإِنْ كَانُوا يَسْكُنُونَ مَعَهُ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، وَيَعُوهُمْ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُمْ زَكَاةَ الْفِطْرِ، لِأَنَّ عَوْهُمْ لَا يَلْزَمُهُ لُزُومًا شَرْعِيَّا، وَإِنَّمَا يَعُوهُمْ تَبَرُّعًا وَتَطَوُّعًا، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّاظِمُ:
وَهْوَ الَّذِي تَعُولُهُ بِالْحَقِّ لَا كُلُّ مَنْ فِي الْبَيْتِ مِنْ ذَا الْخَلْقِ
ثُمَّ ذَكَرَ النَّاظِمُ بَعْضَ الْفُرُوعِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْفُرُوعُ الآتِيَةُ: (1/13)
صفحة 13
الْفَرْعُ الأَوَّلُ: قَالَ النَّاظِمُ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ –
وَوَالِدَاهُ إِنْ يَكُنْ يَلْزَمُهُ عَوْلُهُمَا حُكْمًا فَذِي 6 تَلْزَمُهُ
كَانَ عَوْلُ الْوَالِدَيْنِ يَلْزَمُ الْوَلَدَ لُزُومَا شَرْعِيَّا بِأَنْ يَكُونَا فُقَرَاءَ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُمَا زَكَاةَ الْفِطْرِ.
الْفَرْعُ الثَّانِي: قَالَ النَّاظِمُ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -
وَالْخُلْفُ هَلْ يُفَطِرَنْ عَنْ زَوْجَتِهُ قِيلَ نَعَمْ لِأَنَّهَا مِنْ عَوْلَتِهْ
وَقِيلَ لَا لِأَنَّهَا مُكَلَّفَة بِنَفْسِهَا فَلْتُخْرِجَنْ وَلْتُنْصِفَة
وَقِيلَ إِنْ كَانَتْ بِحَدِ الْفَقْرِ يُخْرِجُ عَنْهَا لِطِلَابِ الْأَجْرِ
وَقِيلَ بَلْ يَدْفَعُهَا إِلَيْهَ لِتُخْرِجَنَّ وَاجِبًا عَلَيْهَا
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الرَّجُلِ: هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ زَوْجَتِهِ؟
فَقِيلَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ عَوْلَ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا، فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ يَعُولُهُ.
وَقِيلَ: لَا؛ لأَنها مُكَلَّفَةٌ بِنَفْسِهَا، فَهِيَ مُخَاطَبَةٌ بِأَنْ تُخْرِجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ نَفْسِهَا.
وَقِيلَ: إِذَا كَانَتْ غَنِيَّةً فَإِنَّها تُخْرِجُ عَنْ نَفْسِهَا، وَإِذَا كَانَتْ فَقِيرَةً أَخْرَجَ عَنْهَا زَوْجُهَا.
وَقِيلَ: إِذَا كَانَتْ فَقِيرَةً دَفَعَ إِلَيْهَا زَوْجُهَا صَاعًا مِنَ الطَّعَامِ حَتَّى تُخْرِجَ الْفِطْرَةَ عَنْ نَفْسِهَا.
6 الإِشَارَةُ فِي قَوْلِ النَّاظِمِ (فَذِي) تَرْجِعُ إِلَى زَكَاةِ الْفِطْرِ الشَّيْخُ الْمُرَتِي). (1/14)
صفحة 14
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تُخْرَجُ زَكَاةُ الْفِطْرِ؟
تُخْرَجُ زَكَاةُ الْفِطْرِ مِنْ غَالِبِ مَا يَفْتَاتُ بِهِ أَهْلُ بَلَدِهِ، فَإِذَا كَانَ غَالِبُ اقْتِيَاتِهِمُ الْبُرَّ فَلْيُخْرِج الْبُرَ، وَإِذَا كَانَ غَالِبُ اقْتِيَاتِهِمُ الْأَرْزَ فَلْيُخْرِجِ الأَرْزَ، وَإِذَا كَانَ غَالِبُ اقْتِيَاتِهِمُ التَّمْرَ فَلْيُخْرِحِ التَّمْرَ، وَإِذَا كَانَ غَالِبُ اقْتِيَاتِهِمُ الشَّعِيرَ فَلْيُخْرِجِ الشَّعِيرَ، وَقَدْ بَيَّنَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ الأَطْعِمَةِ الَّتِي تُخْرَجُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، فَفِي حَدِيثِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ: (صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ بُرٍ، أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ مِنْ أَقِط) 7، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: (صَاعًا مِنْ تَمْرِ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ)، يَقُولُ النَّاظِمُ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
صَاعٌ عَنِ النَّفْسِ مِنَ الطَّعَامِ مِنْ أَوْسَطِ الْمَأْكُولِ فِي ذَا الْعَامِ
فَالْبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَالرَّبِيبُ وَالتَّمْرُ وَالْأَقْطُ هُنَا عَجِير
وَقَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: إِنَّ الأُرْزَ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْحَدِيثِ، فَكَيْفَ جَازَ إِخْرَاجُهُ؟
الجوَابُ / لِأَنَّهُ صَارَ فِي هَذَا الزَّمَانِ هُوَ أَغْلَبَ قُوتِ النَّاسِ، فَلَا بَأَسْ بِإِخْرَاجِهِ، يَقُولُ النَّاظِمُ - رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ.
وَالْأُرْزُ فِي هَذَا الزَّمَانِ يُجْزِي فَالْفَضْلُ إِنْ أَخْرَجْتَ صَاعَ أُرْزِ
لِأَنَّهُ فِي ذَا الزَّمَانِ النَّكِدِ صَارَ طَعَامَ النَّاسِ فِي ذَا الْبَلَدِ
7 الأَقِط: اللَّبَنُ يُطْبَحُ وَيُجَفَّفُ الشَّيْخُ الْمُرَتِي). (1/15)
صفحة 15
وَالْمُرَادُ بِالطَّعَامِ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (صَاعًا مِنْ طَعَامِ) هُوَ الْبُرُّ.
فَائِدَةٌ: يَسْأَلُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَنْ حُكْمِ إِخْرَاج الْقِيمَةِ، وَيَرْغَبُونَ فِي إِخْرَاجِ الْقِيمَةِ أَكْثَرَ مِنْ رَغْبَتِهِمْ فِي إِخْرَاجِ الطَّعَامِ، وَلَا شَكٍّ أَنَّ الأَصْلَ هُوَ إِخْرَاجُ الطَّعَامِ، كَيْفَ وَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ – عَلَى صَاحِبِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّحِيَّةِ – فَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطِ، عَلَى أَنَّ فِي إِخْرَاج الطَّعَامِ شِعَارًا حَسَنًا، وَمَظْهَرًا طَيِّبًا، فَتَجِدُ الْأَغْنِيَاءَ فِي لَيْلَةِ الْعِيدِ أَوْ فِي صَبِيحَتِهِ يُوَزّعُونَ الطَّعَامَ فِي أَوَانِي، وَتَرَى الأَوْلَادَ يَخْرُجُونَ بِتِلْكَ الْأَوَانِي مِنْ بُيُوتِهِمْ لِيَضَعُوهَا في مُسْتَحِقِّيهَا: الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين، فَهَذَا الْوَلَدُ يَتَّجِهُ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَالثَّانِي يَتَّجِهُ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، وَالثَّالِثُ يَتَّجِهُ إِلَى مَكَانٍ ثَالِثٍ، وَهَكَذَا ... هَذَا مَاشٍ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ، وَرُبَّمَا يَلْتَقُونَ فِي الطَّرِيقِ، فَهَذَا فِي الْوَاقِعِ مَظْهَرٌ طَيِّبٌ وَسُلُوكٌ حَمِيدٌ.
وَأَمَّا إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ فَهُوَ أَمْرٌ لَا يُشَجَّعُ عَلَيْهِ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَمْنَعُ مِنْ إِخْرَاجِ الْقِيمَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَخّصُ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الأَوْلَى وَالأَحْسَنَ وَالأَفْضَلَ هُوَ إِخْرَاجُ الطَّعَامِ: (مِنْ غَالِبِ مَا يَفْتَاتُ بِهِ أَهْلُ بَلَدِهِ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوَاسِيَ الْفُقَرَاءَ بِالتُّقُودِ فَلْيَبْسُطُ يَدَهُ بِالصَّدَقَاتِ ... (1/16)
صفحة 16
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: مَا الْمِقْدَارُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ؟
مِقْدَارُ زَكَاةِ الْفِطْرِ صَاعٌ عَن كُلِّ نَفْسٍ، فَفِي حَدِيثِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ: (صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ بُرٍ، أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ مِنْ أَقِطِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: (صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ)، يَقُولُ النَّاظِمُ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ-:
صَاعٌ عَنِ النَّفْسِ مِنَ الطَّعَامِ مِنْ أَوْسَطِ الْمَأْكُولِ فِي ذَا الْعَامِ
فَإِذَا كُنْتَ لَا تَعُولُ أَحَدًا فَلْتُخْرِجْ زَكَاةَ الْفِطْرَ صَاعًا وَاحِدًا، وَإِذَا كُنْتَ أَنْتَ وَمَنْ تَعُولُ خَمْسَةَ أَشْخَاصٍ فَلْتُخْرِجْ خَمْسَةَ أَصْوُعِ، وَإِذَا كُنْتُمْ عَشَرَةً فَلْتُخْرِجْ عَشْرَةَ أَصْوُعٍ، وَإِذَا كُنْتُمْ عِشْرِينَ فَلْتُخْرِجْ عِشْرِينَ صَاعًا، وَهَكَذَا، وَالصَّاعُ مِنَ الأَرزِ يُسَاوِي كِيلُوَّيْنِ وَثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ جَرَامًا ... (1/17)
صفحة 17
الْمَسْأَلَةُ النَّامِنَةُ: لِمَنْ تُدْفَعُ زَكَاةُ الْفِطْرِ؟
تُدْفَعُ زَكَاةُ الْفِطْرِ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، فَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ)، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: (أَغْنُوهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ).
فَائِدَةٌ: يَجُوزُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُدْفَعَ زَكَاةُ الْوَاحِدِ لِشَخْصِ وَاحِدٍ أَوْ لِأَشْخَاصِ، وَيَجُوزُ أَنْ تُدْفَعَ زَكَاةُ الْجَمَاعَةِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ أَوْ لِأَشْخَاصِ، وَبِالْمِثَالِ يَتَّضِحُ الْمَقَالُ:
1 - مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ صَاعًا وَاحِدًا عَنْ نَفْسِهِ، فَقَط، فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَ هَذَا الصَّاعَ لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ أو أكثر.
2 - مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ خَمْسَةَ أَصْوُعٍ: عَنْهُ وَعَمَّنْ يَعُولُهُ، فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَ هَذِهِ الْأَصْوُعَ الْخَمْسَةَ لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ، وَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا لاثْنَيْنِ، أَوْ لِثَلَاثَةٍ، أَوْ لِأَرْبَعَةٍ، أَوْ لِخَمْسَةٍ، أَوْ لِأَكْثَرَ ..
3 - مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَشْرَةَ أَصْوُعِ: عَنْهُ وَعَمَّنْ يَعُولُهُ، وَبِجَوَارِهِ فَقِيرٌ مُحْتَاجٌ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ هَذِهِ الْأَصْوُعَ الْعَشْرَةَ لِفَقِيرِ وَاحِدٍ؟
الْجَوَابُ نَعَمْ، وَإِنْ كَانَ الأَوْلَى وَالأَحْسَنُ تَوْزِيعَهَا عَلَى أَكْثَر مِنْ فَقِيرٍ، وَلَكِنْ قَدْ تَكُونُ حَاجَةُ هَذَا الْفَقِيرِ مُلِيَّةً، فَلَا بَأْسَ بِإِعْطَائِهِ الكَاةَ كُلَّهَا ...
وَبِذِكْرِ هَذِهِ الْفَائِدَةِ نَكُونُ قَدْ وَصَلْنَا إِلَى خِتَامِ شرح هذا الباب من كِتَابِ الصَّوْمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. (1/18)
صفحة 18
المحتويات
المسألة الصفحة
مقدمة 3
توطئة 4
مَا حُكْمُ زَكَاةِ الْفِطْرِ؟ 6
مَا الْحِكْمَةُ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ زَكَاةِ الْفِطْرِ؟ 8
مَتَى تَحِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ؟ 9
عَلَى مَنْ تَحِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ؟ 12
عَمَّن تُخرج زكاةُ الْفِطْرِ؟ 13
مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تُخْرَجُ زَكَاةُ الْفِطْرِ؟ 15
مَا الْمِقْدَارُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ؟ 17
لِمَنْ تُدْفَعُ زَكَاةُ الْفِطْرِ؟ 18 (1/19)
صفحة 19
قناة فضيلة الشيخ المربي حمود بن حميد الصوافي
@ Hmalsawafi
@hmalsawafi 38 (1/20)