صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فقه
------------------------------------------
العنوان: فتاوى الإمام الشيخ بيوض
المؤلف: إبراهيم بن عمر بيوض
ترتيب وتقديم وتخريج: بكير بن محمد الشيخ بالحاج
الناشر: مكتبة أبي الشعثاء
مكان النشر: السيب - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1411ه/ 1990م
الطبعة: 2
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/658
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 18 ربيع الأول 1447ه/ 11 - شهر 09 - 2025م. فتاوى
9
فضيلة الشيخ ابراهيم بن عمر بوض
ترتيب وتقديم وتخرج بكير محمد الشيخ بالمحاج
مكتبة أبي السَّماء السبب. سلطنة عمان
M (1/1)
صفحة 2
الطبعة الثانية
1411 هـ - 1990 م (1/2)
صفحة 3
فتاوى
الأنا الشخ بورن
فضيلة الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض
ترتيب وتقديم وتخريج
بكير محمد الشيخ بالحاج
مكتبة أبي الشعثاء
سيب - سلطنة عمان (1/3)
صفحة 4
والله الرحمن الرحيم (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وبه نستعين، ونصلي ونسلم على نبيئه الكريم، محمد الهادي الأمين، وعلى آله وصحابته
الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان الى يوم الدين
وبعد، فيقول الله عز وجل في كتابه الكريم وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)
فإذا كان جهاد المشركين فرضا على المؤمنين فإن محاربة الجهل أكد عليهم وأوجب، لاسيما الجهل بالدين، وحري بكل مسلم حريص على سعادته في الدنيا والآخرة أن يتفقه في دينه وأن لا يألو في سبيل ذلك جهدا، وإن لم يستطع فواجب عليه أن لا يأتي أمرا إلا وهو على بصيرة من
أمره وذلك بسؤال من أوجب الله سؤالهم، قال الله فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)
عز وجل
هذا وممن أخذوا من فقه الدين بحظ وافر ونصيب كبير،
فكانوا
مرجع
الناس في الفتوى وقبلتهم في حل معضلاتهم
فقيد العربية والإسلام الشيخ الإمام ابراهيم بن عمر بيوض
- رحمه الله (1/5)
صفحة 6
إن ترجمتي هذه التي أضعها بين يدي القارئ الكريم
والتي أقدم بها لمجموعة فتاوى شيخنا، ترجمة موجزة لا أقصد بها أن أحيط بتفاصيل حياته الحافلة بجليل الأعمال أو أن أتقصى بها كل جوانب شخصيته الفذة ... فإنه البحر الذي لا ساحل له والطود المنيف الذي يصعب مرتقاه، ولا يفي بذلك الا كتاب مستقل وربما استغرق إعداده زمنا. وغرضي الآن التعجيل بإخراج فتاواه الى الناس باكورة يقتطفها من هفت أنفسهم الى الاطلاع على تراثه القيم.
ولد في 12 ذي الحجة 1318 ه، 22 أفريل 1899، وأنجبته عائلة كريمة عريقة في الفضل والصلاح من مدينة. القرارة من ولاية غرداية.
عاش في بيئة طبيعية اجتماعية طبعته بالنبل والعقل الراجح وجب العلم والصلاح فكان من طلائع العلماء الذين هيؤوا لأممهم أسباب عزتها وكرامتها بما بذلوه من جهد في نشر الوعي الديني والوطني وبما رفعوا من ألوية للإسلام واللغة العربية، فأيقظوا الشعوب واستنهضوا هممها للسير في
طريق العزة والكرامة
دراسته:
لما بلغ السادسة من عمره أدخله والده كتاب تحفيظ
القرآن الكريم وتعليم مبادئ اللغة العربية عند المرحوم الفقيه
محمد بن يوسف العطفاوي (1/6)
صفحة 7
انتقل بعد ثلاث سنوات الى معهد الشيخ الحاج ابراهيم بن عيسى البريكي الذي كان ذا شخصية فذة وخلق كريم ولسان عربي فصيح مما حبب إليه طلبته وجعله قدوتهم فتعلقوا به وغمرهم بروحه العالية وانتفعوا بعلومه وتربيته وكان شيخنا ابراهيم بيوض أبرز الطلبة وأحبهم الى معلمهم لما حباه الله من مواهب ممتازة وشمائل طيبة، فأعجب بمعهده أيما إعجاب وعمر أوقاته نشاطا وكدا في التحصيل وسرعان ما
ظهر نبوغه وتفوقه على الأقران.
كان
بعد حفظ حصته من القرآن الكريم يجلس وراء الحلقة التي لا يسمح بالجلوس فيها الا لحملة القرآن فيصغي بانتباه الى كل ما يلقى الى الطلبة من دروس وهو من أصغرهم سنا ولكنه كان لا يفلت عن فهمه ولا عن حافظته حديث نبوي شريف ولا مسألة فقهية ولا قاعدة نحوية ولا شاهد من شواهدها يعي كل ذلك وعيا تاما، وكان شيخه
حينما يشاهده وهو يزاحم طلبة الحلقة يشجعه ويقول له، زاحمهم بركبتيك، يابني
أتم حفظ القرآن الكريم واستظهره عن ظهر قلب وهو
يناهز الحادية عشرة من السنين فانخرط في الحلقة وأقبل على الدروس يعب منها عبا.
تلقى على شيخه دروسا في العربية وأصول العقيدة
والفرائض وسيرة الرسول الله وتاريخ الخلفاء الراشدين
وفتوح الشام والعراق ومصر وإفريقيا.
V (1/7)
صفحة 8
بعد وفاة الشيخ لبريكي عام 1329 هـ 1911 م تولى التدريس في المعهد الشيخ عبد الله بن ابراهيم أبو العلا، تتلمذ عليه الشيخ بيوض نحوا من سنتين وانتقل سنة 1913 م الى ما معهد الشيخ الحاج عمر بن يحي المليكي.
كان نظام هذا المعهد وسابقه واحدا تقريبا في المناهج فدرس عليه نحوا من سنتين ازدادت قدمه خلالها رسوخا في العلوم الشرعية والعربية، وما لبث أن رشحه للتدريس فعمل معه نحوا من خمس سنين الى أن توفاه الله في سنة 1921، ولكن الشيخ بيوض بقي يدرّس في معهد شيخه نحوا من أربع سنين انتقل بعدها الى دار وقفها أبوه للتعليم.
تأسيس معهد الحياة:
كانت هذه الدار نواة لمعهد الحياة الذي تأسس بافتتاح الدروس فيها في يوم الجمعة 28 شوال عام 1343 ه، 21 ماي
سنة 1925
سار الشيخ بيوض بمعهده سيرا حثيثا في مضمار الرقي والازدهار وذاع صيته فازداد إقبال وفود الطلبة عليه من قرى وادي ميزاب وغيرها من القطر الجزائري وخارجه فتخرج على يديه أجيال تلو الأجيال من الرجال المثقفين المستنيرين الذين انبثوا في البلاد فكانوا حيثما حلوا نجوما ساطعة تشع بنور العلم والصلاح وبذورا طيبة مباركة في شتى الميادين. (1/8)
صفحة 9
درس في الحديث النبوي مسند الربيع بن حبيب بحاشية الشيخ أبي ستة ثم صحيح البخاري بشرح فتح الباري لابن حجر في غضون خمس عشرة سنة. أقيم بمناسبة اختتامه حفل مشهود بتاريخ يوم الاثنين 22 ربيع الأول 1365، 25 فيفري 1946 م.
ودرس في التفسير كتاب الشيخ البيضاوي ثم تفسير المنار فختمه ثم فسر جزء عم وواصل درس التفسير من حيث انتهى كتاب المنار مستعينا بتفاسير مشايخ الحاج أمحمد اطفيش والرازي والقرطبي والألوسي وغيرهم.
بدأ التفسير سنة 1934، وختمه في يوم
25
ربيع
الثاني
1400 0 12 فيفري 1980، وأقيم بمناسبة الختم مهرجان كبير
حضرته وفود كثيرة من جهات شتى من القطر الجزائري
درس الى جانب الحديث والتفسير أصول الدين وأصول الحديث وأصول الفقه كما درس المنطق والنحو والصرف والبلاغة والأدب
اتخذ من دروس التفسير والوعظ بالمسجد ومن التعليم بالمعهد ومن خطبه القيمة وتوجيهاته الحكيمة حيثما وجد وأينما حل وارتحل ميادين لنشر تعاليم الدين الإسلامي في المجتمع وطبعه بفضائل الأخلاق والعقيدة الاسلامية
الراسخة وتعميق أسس شخصيته العربية المسلمة (1/9)
صفحة 10
بين يدي الفتاوى
إن هذه المجموعة من الفتاوى ليست ثروة فقهية فقط ولكنها أيضا مجموعة مهمة من الآداب والتوجيهات التي يحتاجها من يبتلى بمسؤولية الإفتاء للناس فعلى مثله لم يتثبت في فهم السؤال الموجه الى اليه ويتعمق فيه، فإن لم يتضح له السؤال فلا يجرؤ على الفتوى ولا يستنكف عن: صرح قوله: لم أفهم السؤال. وكثيرا ما أستاذنا بذلك، وقد يضع السائل لفظة في غير موضعها لجهله باللغة فيصحح
ما
الشيخ السؤال وينبه السائل الى ذلك ثم يفتيه على نحو تراءى له من عبارة السائل، وأحيانا يعيد صياغة السؤال بتعبيره هو - وهذا كثير - رغبة منه أن يكون الجواب امنضبطا منبنيا على سؤال واضح محدد، وتارة يمتنع من الإجابة ويطلب من السائل إعادة الكتابة إليه بعد أن يستوضحه عن جوانب من مسألته أو مشكلته، كما يرشده اذا لم يتيسر له الاتصال المباشر بالمفتي أن يختار كاتبا عليما خبيرا بالتعبير الصحيح ليفصح عن المراد ويبين المشكل فضل بيان.
وربما احتاج الى أخذ رأي أهل الاختصاص من أطباء وخبراء في مجال المصارف المالية (البنوك) وغيرهم فلا يتردد
عن مراجعتهم واستشارتهم قبل استصدار فتواه. (1/10)
صفحة 11
ومن خلال هذه الفتاوى تدرك مدى فهم الشيخ لروح
التشريع الاسلامي وصلاحيته بكل زمان فلم يكن يكتفي بحفظ النصوص الفقهية - وذلك شأن المقلدين ـ ولكنه تجاوزه الى مناقشة فتاوى العلماء من قبله وترجيح بعضها على بعض، الى اصدار فتاوى في قضايا العصر مما جد في حياة الناس لأن المجتهد كما قيل لا يجتهد في فراغ بل في وقائع تنزل بالأفراد والمجتمعات ولا بد من مراعاة القواعد الكلية والمقاصد الشرعية التي جاء الدين لتحقيقها، وهو مع ذلك ذو ثقافة عصرية جعلته يتفهم عصره ويسبر غوره ويواكب تطوره، ولذلك برزت أغلب فتاواه حللا من الفن البديع وقطعا من الأدب الرفيع تنسيك وأنت تقرأ واحدة منها أنك تطالع فتوى فقهية شرعية، وهو مع هذا لا يجري وراء الخيال ولكنه الوصف الأمين للواقع والتصوير الدقيق للحياة.
•
ينصح
هذا ولا تكاد تخلو فتاواه كلها من توجيه حكيم أو نصح كريم أو دعاء طيب مخلص لأخيه المسلم. المريض بالصبر ويملأ قلبه طمأنينة ورضا بالقضاء وأملا. بالشفاء ويرشد شباب الخدمة الوطنية ويملأ نفوسهم شجاعة وحماسة وشعورا بالواجب الوطني ويذكرهم بواجب الحفاظ على الدين، في حدود الاستطاعة مهما كانت الظروف
وتقلبت بهم الأحوال.
11 (1/11)
صفحة 12
ويشجع آخر على نهوضه من كبوة أتت على كل ماله ويثني عليه خيرا ويتمنى له الربح الوفير ويوحي اليه أن ما أتاه من عمارة دكانه معتمدا على قروض اقترضها إنما هو من خلق المؤمن الذي يرضى بالقضاء ولا يثني عزمه ما يصيبه من البلاء.
أحكامه
ومما يأسر قلبك ويملأ نفسك إعجابا بالشيخ روحه العالية التي تنأى به عن التعصب والنزعة الذاتية في مهما كانت هوية السائل فليس له في إجابته هدف ولا رجاء الا أن يكون في جوابه قد أصاب كبد الصواب كما كان يختم بهذه العبارة غالب فتاواه، ولا فرق في نظره بين موافق ومخالف في المذهب والمشرب، كما لا تأخذه في قول الحق رأفة ولا يخاف فيه لومة لائم، ولا قرابة قريب ولا مودة حبيب.
هذا وقد تعمدت عند كتابة أسئلة الفتاوى عدم ذكر أسماء أصحابها خشية أن أحرج أحدا ولكن من الاطلاع على الرسائل الموجهة من الشيخ الى أصحابها مفتيا اياهم ومجيبا لهم يتضح جليا أنه كان قبلة المستفتين من عدة أنحاء من القطر وخارجه، ومن الموافق وغيره، من العالم الجليل ومن المثقف والعامي، ممن يطلب الفتوى وكفى وممن يشترطها مدعمة بالأدلة المقنعة
وهذا هو سر التفاوت بين الفتاوى طولا وقصرا، تركيزا
وتبسيطا وبين الفتوى المؤيدة بالدليل وغيرها.
12 (1/12)
صفحة 13
ولهذا السبب أيضا أثبت كل الفتاوى التي تجمعت لدي ولو تشابهت، غير أنك واجد في كل منها غالبا ما لا تجده في غيرها ففي كل منها زيادة إفادة. ومن أبرز الأسئلة التي تكررت كثيرا وتعددت أجوبتها تلك التي لها علاقة باستعمال حبوب منع الحمل وتنظيم النسل، أو التي يطلب أصحابها إرشادهم الي كيفية التنصل مما جنت أيديهم من آثام
وارتكبوا من ذنوب
•
هذا وربما لاحظ القارئ الكريم شيئا من الاختلاف في بعض الفتاوى مما يوجبه تباعد ما بين القديم والجديد ولكن السبب الداعي لذلك تغير الظروف والأحوال
وأخيرا ننبه القارئ الكريم إلى أن ما جمعناه في هذا الكتاب من الفتاوى هو ما كان عند الشيخ مما استبقى أصله وبعث بنسخة منه الى السائل. وهذا ما لم يفعله إلا في أواسط الخمسينيات من هذا القرن وأما ما كان قبلها فقد ضاع
أغلبه وهناك فتاوى مسجلة ضمن دروسه المتعددة في مناسبات شهور رمضان ومواسم الأعياد وفي دروس التفسير التي امتدت
قرابة ستين سنة.
ونرجو ممن اطلع على ملاحظة أو خطا أن يتفضل
بالكتابة إلينا وينظر الى عملنا المتواضع بعين الإنصاف والله
ولي التوفيق، والحمد لله رب العالمين
بكير بن محمد الشيخ بالحاج
13 (1/13)
صفحة 14
[صفحة فارغة] (1/14)
صفحة 15
أصول الدين
العدل الإلهي وخلق القرآن
سؤال: هل تبلورت فلسفة خاصة للإباضية في الإرادة الإنسانية والعدل الإلهي وخلق القرآن قبل ظهور المعتزلة والأشاعرة؟ وإذا كان ذلك فهل تعتبر الإباضية أستاذة الفرق الإسلامية في تأصيل قضايا العقيدة؟
الجواب: إن هذا ينبني على معرفة تاريخ إمام المذهب ولادة ووفاة، وإمام الإباضية بإجماع الإباضية وإجماع سائر الفرق الإسلامية هو جابر بن زيد، وكانت ولادته سنة ثماني عشرة للهجرة، وقيل لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب أي في سنة إحدى وعشرين للهجرة، أما وفاته فقيل كانت سنة ثلاث وتسعين وقيل سنة مائة وثلاث في خلافة يزيد بن عبد الملك، وشهر أن موته كان في جمعة واحدة مع موت انس بن مالك سنة ست وتسعين وأدرك مئات من الصحابة، منهم سبعون بدريا، وقد روي عنه قال: لقيت سبعين رجلا من أهل بدر فحويت ما عندهم من العلم ما عدا ابن عباس فإني لم أحو ما عنده كله لأنه
البحر. (شرح عقيدة التوحيد، طبع الجزائر، صفحة 133) وقال فيه الشيخ أبو العباس أحمد بن سعيد بن عبد الواحد
الشماخي في كتاب «السير» - ص 70 طبع القاهرة - (جابر ابن زيد الأزدي رحمه الله بحر العلم وسراج الدين، أصل
المذهب وأسه الذي قامت عليه آطامه، صاحب ابن عباس
، (1/15)
صفحة 16
رضي
الشعثاء
الله عنه وكان أشهر من صحبه، وقرأ عليه، وكان صديقا للحسن البصري، المتوفى في سنة 109 للهجرة) وقال في صفحة 72: ودخل ثابت البناني على جابر بن زيد حين احتضر فقال: هل تشتهي شيئا فقال: إني لأشتهي أن ألقى الحسن البصري قبل أن أموت، فخرج ثابت فأعلمه بقول جابر وكان مستخفيا من الحجاج فركب بغلة ثابت على السرج وركب خلفه ثابت بطيلسانه فلما دخل على أبي وهو مضطجع انكب الحسن عليه وهو يقول: قل لا إله إلا الله فرفع جابر عينيه وهو يقول: أعوذ بالله من غدو ورواح إلى النار فقال له: قل لا إله إلا الله فقال: أعوذ بالله من غدو ورواح إلى النار ثم قال: يا أبا سعيد (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا) (1) فقال الحسن: هذا والله الفقيه العالم ثم قال ياأباسعيد أخبرني عن حديث ترويه عن رسول الله في المؤمن إذا حضرته الوفاة فقال: إن المؤمن إذا حضرته الوفاة وجد على كبده بردا (2) فقال جابر: الله أكبر، اللهم إني أجد بردا على كبدي، ثم قبض رحمة الله عليه
وكان الأصل أن ينسب المذهب الإباضي، والإباضية إلى جابر فيقال المذهب الجابري لكنه اشتهر يومئذ بلقب
(1) الآية 158 من سورة الانعام
(2) لم أجد هذا الحديث
16 (1/16)
صفحة 17
الإباضي، والإباضية نسبة إلى عبد الله بن إباض الذي ذاع صيته واشتهر بمناظراته مع الخوارج وغيرهم من الفرق وبقيادته لأتباعه في حروب التحرير، قال فيه صاحب السير - ص 77: عبد الله بن إباض المري التميمي إمام أهل التحقيق والعمدة عند شعب أولي التفريق سلك بأصحابه محجة العدل وفارق سبل الضلالة والجهل، وكان رحمه الله على ما حفظت ممن خرج إلى مكة لمنع حرم رسول الله من مسلم عامل يزيد الملقب بمسرف، وكان كثيرا ما يبدي النصائح لعبد الملك بن مروان، وفي حفظي أنه يصدر في أمره عن رأي جابر بن زيد وله مناظرات مع الخوارج
وغيره
قال الشيخ اطفيش في رسالته «وإن لم تعرف الإباضية» مطبوعة بالقاهرة ص 25: وكانت الصفرية والنجدية والأزارقة وأصحابنا يسمون كلهم بالإباضية ولما قالت الصفرية والنجدية والأزارقة بتحليل الدماء والأموال بالمعصية تبرأ منهم أصحابنا وخرجوا عنهم والحديث الوارد في الخوارج إنما هو في هؤلاء لأن في آخر الحديث أنهم يستحلون الدماء والأموال بالمعصية ونحن لا نستحلها بالمعصية
وقال الشيخ السالمي في حواشيه على هذه الرسالة تعليقاً على قوله: «يسمون كلهم إباضية الظاهر أن التسمية بذلك حادثة بعد خروج الأزارقة والصفرية كما يعرف ذلك بالوقوف على سبب الافتراق، والاسم الشامل لهم قبل
17 (1/17)
صفحة 18
الافتراق «المحكمة» سموا بذلك لقولهم «لاحكم إلا لله» وصار هذا القول شعارا لهم لعلمهم أنه لا يقول هذه المقالة إلا أهل
طريقتهم المرضية، ثم لما كثر بذل نفوسهم في رضا ربهم وكانوا يخرجون للجهاد طوائف سموا «خوارج» وهو جمع
خارجة، وهي الطائفة التي تخرج في سبيل الله أخذا من قوله تعالى: (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله) (1) فهذا أصل تسميتهم بالخوارج وهي تسمية محمودة وسبب مشكور، ولهذا كان يفتخر به إبراهيم بن قيس في أشعاره. ولما فارقنا الأزارقة والصفرية أخذوا عنا اسم
الخوارج فتركناه لهم وعرفوا به فانقلب المدح ذما واختصصنا باسم أهل الاستقامة وهو الشهير في عبارات الشيخ أبي سعيد الكدمي رضي الله عنه وسمانا المخالفون بالإباضية فرضينا به إذ لم يكن فيه شيء من النقص واشتهر هذا الاسم عند الناس، فهذه أصل تسميتنا
وقال الشيخ طفيش في شرح التوحيد صفحة 125: كانت الإباضية والصفرية حزبا واحدا ولما ظهر من الصفرية القول بأن كل ذنب أو كل كبيرة شرك تبرأ منهم الإباضية بأصنافها
واعتزلوا عنهم وقال في صفحة 126: وكان أصحابنا والأزارقة جندا واحدا ولما ظهر منهم القول باباحة الدم والمال بالذنب فارقهم
أصحابنا كابن وهب عبد الله
(1) الآية 100 من سورة النساء.
18 (1/18)
صفحة 19
وفي كتاب عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان: إننا نبرأ إلى الله من ابن الأزرق وأتباعه من الناس،
لقد كانوا حين خرجوا على الاسلام، فيما ظهر لنا، ولكنهم ارتدوا عنه وكفروا بعد إسلامهم فبرئ الله منهم (شرح
التوحيد ص (259)
ذلك
قال ابن الأثير في الكامل: (طبع مصر سنه 1356 هـ ج 3: ص 336 - (337) عند الكلام على خروج نافع بن الأزرق: فلحق نافع بالأهواز في شوال سنة أربع وستين، وخرج من بقي منهم بالبصرة إلى ابن الأزرق إلا من لم يرد الخروج يومه. منهم عبد الله بن الصفار، وعبد، وعبد الله بن إباض، ورجال معهما على رأيهما. ونظر نافع فرأى أن ولاية من تخلف عن الجهاد من الذين قعدوا من الخوارج لاتحل له وأن من تخلف عنه لانجاة له فقال لأصحابه ذلك ودعاهم إلى البراءة منهم وأنهم لا يحل لهم مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم ولا يجوز قبول شهادتهم وأخذ علم الدين عنهم ولا يحل ميراثهم ورأى قتل الأطفال والاستعراض وأن المسلمين كفار جميع مثل كفار العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل فأجابه إلى ذلك بعضهم وفارقه بعضهم وممن فارقه نجدة بن عامر وسار
إلى اليمامة فأطاعه الخوارج الذين بها وتركوا أباطالوت. فكتب نافع إلى إبن إباض وابن الصفار يدعوهما ومن معهما إلى ذلك فقراً ابن الصفار الكتاب ولم يقرأه على أصحابه خشية أن يتفرقوا ويختلفوا فأخذه ابن إباض فقرأه:
19 (1/19)
صفحة 20
فقال: قاتله الله، أي رأي رأى؟ صدق نافع لو كان القوم مشركين كان أصوب الناس رأيا وكانت سيرته كسيرته في المشركين ولكنه قد كذب فيما يقول: إن القوم برآء من الشرك ولكنهم كفار بالنعم والأحكام ولا يحل لنا إلا دماؤهم وما سوى ذلك فهو حرام علينا، فقال له ابن الصفار برئ الله منك فقد قصرت، وبرئ الله من ابن الأزرق فقد غلا. فقال
الآخر: برى الله منك ومنه. فتفرق القوم.
•
ولا يخفاكم أن جابر بن زيد معدود في أئمة التابعين وفقهائهم ومن مشاهير رواة الصحاح، وقد وثقه أئمة الحديث ورجال الجرح والتعديل، وتعلمون أن حياته كلها كانت في القرن الأول الهجري، وتعلمون أن أول مسألة عقائدية افترق المسلمون بسببها (بعد الخلاف السياسي الذي بدأ في أواخر عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان) هي مسألة القدر التي عبرتم عنها في كتابكم الإرادة الإنسانية في العدل الإلهي» والذي تولى كبرها واصل بن عطاء الغزال إمام الواصلية أو المعتزلة، ثم مسألة تحديد معنى الكفر والإيمان أو المنزلة بين المنزلتين ولا منزلة بين المنزلتين والذي تولى كبرهما
هم
الخوارج المستحلون لأموال البغاة من المسلمين وسبي ذراريهم تبعا لدمائهم إذا حلت بالبغي. ثم مسألة خلق القرآن أو قدمه التي أثارها أبو شاكر الديصاني الفارسي الذي تظاهر بالإسلام ليفتن المسلمين ويفرق كلمتهم، فاغتر به المغفلون من الدهماء وأثاروها فتنة شعواء، فأما واصل بن عطاء فقد
20 (1/20)
صفحة 21
قال عنه الشهرستاني صاحب الملل والنحل الواصلية أصحاب أبي حذيفة واصل بن عطاء الغزال كان تلميذ الحسن البصري يقرأ عليه العلوم والأخبار، وكان في أيام عبد الملك، وهشام بن عبد الملك،. وولاية عبد الملك كما يذكر
المؤرخون كانت سنة خمس وستين، ووفاته سنة ست وثمانين، وولاية هشام من 105 إلى 125 فيكون اتصالة بالحسن البصري في النصف الأخير من عمره، ـ ويروى - كما ذكر الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم في كتابه الدليل والبرهان» أن واصل بن عطاء لزم مجلس الحسن البصري عشرين سنة قبل أن يعتزله، ولانعلم على وجه التحديد السنة التي اعتزل فيها واصل مجلس الحسن ويستفاد من مجموع الروايات والتواريخ أن ذلك كان في أواخر أيام الحسن وفي أواخر القرن الأول للهجرة، وعلى ذلك يكون إمام الإباضية متقدما كثيرا على إمام الواصلية المعتزلة، وتكون فلسفة الإباضية في الإرادة الإنسانية والعدل الإلهي «القدر» قد تبلورت قبل أن يظهر واصل بن
بمذهبه.
عطاء
الله من
وملخص فلسفتهم الإيمان بالقدر خيره وشره أنه واعتقاد الإنسان أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الله عدل لا يجور، وأنه خالق لجميع المخلوقات أبدانها وأرواحها ونفوسها وأعمالها، وأنه أعطى المكلفين من خلقه إرادة حرة واختيارا في كسبهم وعملهم
21 (1/21)
صفحة 22
وحركاتهم وسكناتهم يستشعرونها من نفوسهم ويجدونها وجدانا ضروريا، ويدركون إدراكا يقينيا ضروريا وجدانيا الفرق بين حركتي الجبر والاختيار، وبين كسبي الإرادة والاضطرار، وبهذا الكسب الإرادي الاختياري يتعلق الثواب والعقاب، وعن هذه الفلسفة كان الإباضية ينافحون ويكافحون ضد الفرقتين الضالتين اللتين أحدثتا بدعة الجبر وبدعة خلق الأفعال، فأنت ترى أن المذهبين حادثان، وأن فلسفة الإباضية أقدم منهما، وهي متمسكة بالأصل الذي سبق
الإجماع عليه.
•
وأما بدعة الخوارج الذين جعلوا المعاصي العملية كلها شركا يحل به الدم والمال الذرية، فإنها محدثة
كذلك.
وعبد
وسبي
وكان جابر بن زيد وأبو عبيدة مسلم من أكبر تلامذته الله بن إباض وغيرهم من أتباع الإمام جابر يناظرون الخوارج، وقد نقلنا فيما نقلناه لك قبل قول صاحب السير في عبد الله بن إباض: وله مناظرات مع الخوارج وغيرهم وفي السير أيضا ص 76: قال ضمام كان جابر يأتي الخوارج فيقول لهم: أليس قد حرم الله الله دماء المسلمين بديانته؟. الخ. فأنت ترى أن جابرا سبق هذه
الفرق وكان يناظرها وسلك تلامذته طريقته هذه
في
•
المناظرة في حياته وبعد وفاته
22 (1/22)
صفحة 23
وأما مسألة خلق القرآن أو قدمه، فلا نعلم على وجه التحقيق السنة التي أثيرت فيها، ويبدو أنها متأخرة عن مسألة القدر ومسألة الكفر والإيمان، فإن فتنتها اشتدت في
عن
الذات
عهد العباسيين، ومهما يكن فإن مذهب الإباضية وإمامهم جابر بن زيد يرون أن صفة الكلام ذاتية كالحياة والعلم والسمع والبصر وهي عينية لا غيرية، أي ليست صفة زائدة، فهي بذلك قديمة قدم الذات، فالله تبارك وتعالى لم يزل حيا عليما قديرا سميعا بصيرا متكلما، ونقف عند هذا الحد ولا نزيد عليه. بيد أنه قد تفسر معانيه للعامة وقصار النظر كالنساء بنفي أضدادها ونقائضها فيقال حي ليس بميت، عليم ليس بجاهل، قدير ليس بعاجز، سميع ليس بأصم،، بصير ليس بأعمى، متكلم ليس بأخرس، مريد ليس بمستكره، فإن الحجة بنفي الأضداد والنقائض يسهل إدراكها واعتقادها، وبذلك ترسخ في النفس عقيدة ثبوت صفات الكمال المناقضة لصفات العجز، وبذلك تطمئن نفوس العجزة من الناس، ولولا ذلك لما كان ينبغي لنا أن نقتحم باب التفسير والتأويل، ولكفانا أن نعتقد ونفوض ونسلم، وأنت خبير أن هذا في الكلام النفسي الذاتي، إذ يجب وصف الله تبارك وتعالى بأنه متكلم، فكلامه بمعنى صفة التكلم فيه قديم لاشك فيه، ولا يجوز القول بخلافه وأما تكليمه ووضعه للناس كلاما يقرأ ويكتب تحويه الصحف وتحفظه الصدور ويتصف بصفات أخرى لا يمكن أن يتصف
23 (1/23)
صفحة 24
بها الكلام النفسي الذاني فأمر آخر وشيء آخر، لا يخفى
صفة من
صفات الذات
الفرق بينه وبين الكلام الذي هو العلية، أولا يجوز أن يقال إنه من وحي الله وخلق الله
ووضع الله وصنع الله، وما إلى ذلك؟ وليت شعري هل يجوز أن يقال في التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى وسائر ما أوحى الله إلى أنبيائه ورسله إنه كلام قديم، أم أن هذا الوصف خاص بالقرآن؟ إن الموضوع شائك لانريد الخوض فيه، ويسعنا السكوت عنه كما سكت الصحابة الأولون، وإنه لمذهب السلف لولا أن الضرورة تدعوهم إلى رد البدع إذا ظهرت، ودحض الشبه إذا أثيرت.
وبناء على ما تقدم يمكن أن تعتبر الإباضية أستاذة الفرق الإسلامية في تأصيل العقيدة
وبعد، فهذا ما من الله به في الجواب، وأرجو لكم النجاح، كما أرجو أن تجدوا في هذا النزر اليسير الذي بعثنا
به إليكم بعض العون على ما أنتم
خطواتكم.
بصدده، وفقكم الله،
وسدد
سؤال: أسألكم عن مسائل في علم الكلام الإباضي
وخاصة:
1 - مسألة الولاية والبراءة والولاية خاصة) ما هي الجوانب التي تبدو لكم أساسية في الولاية؟ هل كانت الولاية متركزة على ضرورة تماسك المجتمع الإباضي أي
24 (1/24)
صفحة 25
لأسباب اجتماعية (سوسيولوجية) أم متركزة على أسباب دينية صرفة مثلا: الفطرة، الإيمان بالله، الانتماء إلى المذهب)؟ هل تطورت فكرة الولاية في الوقت الحديث؟ 2 - صفات الله: هل كانت صفات الله زائدة على الذات الإلهية أم هي الذات نفسها؟ مسألة العدل: اتفق علماء المذهب على أن الإنسان حر إلا أن بعض العلماء مثل الشيخ عامر من نفوسة) يرى أن الإنسان جبل ليفعل أعماله بينما يرى الآخرون (مثل عمر التلاتي) أن للانسان الاختيار والكسب. . . فما هو الأرجح في رأيكم؟
4 - طالعت عند أحد المستشرقين أن اقتضاء
الله
الطهارة والكف عن الذنوب، والوعي بوجود وبما يقتضيه هذا الوعي قد بلغ أقصى الحد في المذهب الإباضي: أي المؤمن الذي عمل الصالحات طيلة حياته إذا ارتكب كبيرة ولم يتب قبل موته يدخل النار ولا
ينفعه الخير الذي فعله في حياته هل هذا
صحيح
؟
وإذا صح ذلك فما هي المقتضيات التي يتضمنها هذا
المبدأ؟ (1)
(1) هذا هو نحس الأسئلة التي وجهها السيد يبار كوييرلي. المنتمي لمدرسة الأباء البيض بغرداية بتاريخ 17 جانفي 1973. وقد أجابه الشيخ الامام بيوض عن اسئلته وسجل الحديث في شريط ومنه أخذنا هذا الجواب بشيء من التصرف والاختصار.
20 (1/25)
صفحة 26
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
تسألون عن الولاية والبراءة في المذهب الإباضي إن الولاية والبراءة مرتكزتان على أسباب دينية، فليست نظاما من النظم الاجتماعية، إنما أصلها ما ورد في القرآن الكريم من الأمر بولاية المؤمنين بعضهم لبعض وبالبراءة من الكفار والمنافقين، والآيات الواردة في هذا كثيرة جدا منها قوله تبارك وتعالى: (قد كانت لكم إسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء) (1) فهذا أصل من أُصول دين أبينا إبراهيم عليه السلام والله تبارك وتعالى أمرنا بالإقتداء به وبعد إبراهيم جاءت رسل ومنهم موسى وعيسى عليهما السلام - ثم جاء خاتم النبيئين محمد بن عبد الله بكتاب مصدق لما بين يديه من الكتب وفيه يقول الله تبارك وتعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (2)
(1) الآية 4 من سورة الممتحنة (2) الآية 71 من سورة التوبة
26 (1/26)
صفحة 27
وفي شأن البراءة يقول الله عز وجل: (لا تجد قوما
بروح
يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) (1) ومثل هذه في القرآن كثير فمحبة المؤمنين والدعاء لهم بخير الدنيا والآخرة هو معنى الولاية وبغض الكافرين وترك الدعاء لهم بذلك هو معنى البراءة وهذا ما يسمى بولاية الجملة وبراءة الجملة وهو متفق عليه بين جميع المسلمين
أما النوع الثاني من الولاية والبراءة فيسمى ولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص وهذا مما تمسك به الإباضية اعتمادا على الأصول المتقدمة فمن رأينا منه خيرا وسمعنا عنه خيرا أحببناه ودعونا له بالخير وهذا معنى الولاية، ومن رأينا منه شرا أو سمعنا عنه شرا أبغضناه في قلوبنا لوجه الله
وهذا معنى البراءة، يقصد بهما الأشخاص بأعيانهم.
اما من حيث معاملة مثل هؤلاء العصاة فيلاحظ ما يلي: إذا بلغنا عن شخص ما معصية ولكنها خاصة بنفسه ليس فيها ضرر كبير للمجتمع ولا هتك للحرمات جهارا بحيث لم ينزع
(1) الآية 22 من سورة المجادلة
27 (1/27)
صفحة 28
جلباب الحياء عن نفسه فإن مثل هذا يترك لا يعلن عنه البراءة ما لم يجاهر بمعصيته، ففي الناس عصاة كثيرون نعاملهم معاملة دنيوية بالبيع والشراء والأخذ والعطاء ونعتقد بالقلب أنهم عصاة ونترك أمرهم إلى الله
أما إذا كان العاصي قد جاهر بمعصيته بحيث تحدث ضررا في الناس رجالا ونساء وصبيانا يرون الفاحشة ترتكب والحرمات تنتهك جهارا فهذا يجب إعلان البراءة منه في المساجد، وهنا يدخل الاعتبار الاجتماعي السوسيولوجي للمحافظة على المجتمع فلو علمنا - مثلا ـ أن إنسانا يشرب الخمر في بيته أو في حانة ولم تظهر منه عربدة في الطرقات سكتنا عنه أعني لانعلن براءته على رؤوس الملا غير أننا نبغضه في قلوبنا لأنه عاص لله، ولكنه إذا مر في شارع وهو معربد يسب الله وينطق بالهجر أو يكشف عن عورته فهنا يجب إعلان البراءة منه في المساجد وفي مجتمعات المسلمين حتى يقاطع تمام المقاطعة حفاظا على سلامة المجتمع، وقل مثل ذلك في السرقة والزني وسائر الفواحش فمن واجب الهيئة الدينية القائمة بالمحافظة على الآداب العامة ومحاربة الآفات الاجتماعية أن توقفه عند
حده
هذا ملخص الكلام عن ولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص عند الإباضية وأظن أن فيما ذكرت كفاية وإذا كان لديك (1/28)
صفحة 29
سؤال في الموضوع فتفضل به قبل الانتقال إلى الموضوع
الثاني
سؤال: وجدت في بعض النصوص الإباضية أن مما يدخل في الولاية الخاصة ولاية الله لعباده. . . أرجوكم توضيح ذلك.
الجواب: أما ولاية الله لعباده فمأخوذة من بعض الآيات القرآنية ومنها قوله تعالى: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبيء والذين آمنوا والله ولى المؤمنين (6) ومنها قوله تبارك تعالى: الله ولي الذين آمنوا يحرجهم من الظلمات الى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم
من النور إلى الظلمات (2) ومنها قوله تبارك وتعالى: ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم (3) فمعنى ولاية الله لعباده المؤمنين محبته لهم ورضاه عنهم ويترتب على هذا قبول دعائهم سواء دعاء الدنيا أم دعاء الآخرة، فقد يطلب العافية والولد والمال والحسنة في الدنيا وغفران الذنوب والنجاة من النار ودخول الجنة في الأخرى، والله عز وجل يستجيب لدعائه لأنه ولي
له ولكن يلاحظ في استجابة الله لدعاء عبده المؤمن إذا دعاه
(1) الآية 68 من سورة آل عمران
(2) الآية 257 من سورة البقرة (3) الآية 11 من سورة محمد
29 (1/29)
صفحة 30
أنها ليست واجبة على الله لأن الله مريد وليس بمستكره ولأنه يمكن لإنسان أن يطلب من الله الولد وكان هو وليا لله يحبه ويرضاه، ولكن الله يعلم أن مصلحة عبده في غير الولد فلا يستجيب له وقد يعوضه خيرا من دعائه، وأيضا قد يطلب المال من الله فإذا علم الله أن المال لا يصلح به وأنه
يطغيه فلا يقبل دعاءه ذلك ولكنه يعوضه عنه بنعمة أُخرى
2 - سؤال: هل صفات الله زائدة على الذات الإلهية أم هي الذات نفسها؟
الجواب: الله تبارك وتعالى له اسم سمي به نفسه وهو لفظ الجلالة (الله) في اللغة العربية، وبالطبع يوجد في كل لغة اسم يطلق على الذات العلية، والاسم عند علماء اللغة هو الذي تطلق عليه الصفات، والاسم في حد ذاته قد لا يكون له معنى، وهذا الاسم تجري عليه الصفات مثل عالم، جاهل، عاقل، مجنون، ذكي، بليد، صالح طالح، أو نحوها. . والله تبارك وتعالى وضع لنفسه أسماء بإرادته ووضع لنفسه صفات وسماها الله في القرآن أسماء لأنه
يدعى بها نقول
يا الله، ياحي، ياقيوم، ياقدير، ياسميع، يابصير. قال تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه
•
:
بهام (1) وفي الحديث: (إن الله تسعة وتسعين إسما (2))
(1) الآية 180 من سورة الأعراف
(2) رواه البخاري في كتاب الدعوات ومسلم في كتاب الذكر
30 (1/30)
صفحة 31
وهذه الأسماء أو الصفات غير لفظ الجلالة، معقولة المعنى يبقى لفظ الجلالة (الله) قد اختلفوا فيه هل هو مشتق أم جامد؟ واختار بعض العلماء أنه جامد اسم للذات العلية لا نتكلف البحث عن معناه والأسماء الأخرى كما في البسملة بسم الله الرحمن الرحيم وغيرها إلى التاسع والتسعين كلها أوصاف لها معان كمعنى الرحمة في الرحيم ومعنى القدرة في القدير والسمع في السميع والبصر في البصير والإرادة في المريد. . . الخ.
الله
هذه صفات ذاتية في اعتقاد الإباضية بإجماع، وجمهور الأمة كذلك، لكنها عندنا معشر الإباضية ليست زائدة على الذات لأننا نؤمن بأن الله تبارك وتعالى واحد في ذاته وواحد في صفاته لاشريك له فيها وإن تشابهت الألفاظ ففرق الله، فإذا أضيف بين سمع مخلوق وسمع وبين بصره وبصر السمع والبصر والقدرة والرحمة والإرادة لغير الله كانت لها معان محدودة قاصرة بخلاف صفات الله تبارك وتعالى فهي كاملة الكمال المطلق، فالله قدير القدرة المطلقة التي لا يعتريها عجز ولم يسبقها عجز ولا يأتي بعدها عجز، مريد الإرادة المطلقة التي ليس فيها شائبة إكراه أبدا. أما المخلوق فإذا قال أقدر على كذا فهو يقدر على شيء ولا يقدر على شيء آخر، وقبل قدرته تلك كان عاجزا وبعد ذلك يكون العجز، كذلك قد أقول أنا مريد أفعل ما أريد ولكن
والله
31 (1/31)
صفحة 32
ما الأشياء التي أستطيع أن أريدها وتؤثر فيها إرادتي؟ فأنا في كثير من الأحيان مكره أعمل ما يجبرني على عمله سلطان أو أمير أو والد أو أستاذ أو غيرهم، وكذلك سمعنا وبصرنا وكلامنا صفات حادثة بعد أن لم تكن وستزول
الله ويعتريها قوة وضعف وهي هبة من
"
وإنما قلنا صفات الله ذاتية وهي عين ذاته تعالى لأنها لو كانت خارجة عنه متعلقة به للزم تعدد القدماء، شيئان تعلق أحدهما بالآخر الصفة خارجة وتعلقت بالموصوف واذا كانت خارجة عنه فيمكن أن تنفصل إذا، ويمكن أن يمضي زمان لم تكن، ويمكن أن تزول بعد أن كانت، ولهذا نؤمن بأن صفات الله هي عين ذاته تعالى. ويقول العلماء في
تفسير هذا: ذات الله تبارك وتعالى كافية في انكشاف المسموعات والمبصرات لها، لا يعزب عنه تعالى شيء من المبصرات والمسموعات وغير ذلك فذاته كافية في كل ذلك وهذا هو معنى قول الإباضية ومن وافقهم في ذلك «الصفات عينية لاغيرية فليست صفات الله زائدة على الذات تتعلق بها كما تتعلق صفات المخلوقين بذواتهم، ولهذا توجد الذات - ذات ما سوي الله من المخلوقات ـ وقد تنعدم الصفات، حتى ما كان منها طبيعيا فنذكر على سبيل المثال حجر المغناطيس الذي يجتذب الحديد ولعرض ما يصيب المعدن تنعدم الجاذبية وتبقى المادة، كما تبقى العين
هذا
22 (1/32)
صفحة 33
ويذهب البصر، وتبقى الأذن بصورتها وبصماخها وبكل أجزائها ولكن يذهب سمعها، وتذهب الحياة وتبقى الذات
وهكذا ما دامت الصفات غير ذاتية ففي الإمكان عقلا زوالها بعد وجودها، ووجودها بعد أن لم تكن، فتعالى الله عن
ذلك علوا كبيرا، وهو تعالى لم يزل ولن يزال موجودا حيا عليما قديرا مريدا سميعا بصيرا أما صفات الأفعال فمثل قولنا الله خالق، والخلق يدخل ضمن القدرة، والقدرة على الخلق صفة ذاتية ولكن يوصف
الله بالخالق عندما يخلق الخلق. ومن هنا جاء الفرق بين
صفات الفعل وصفات الذات
هذا
•
قول المذهب الإباضي المعتمد على قواعد في
الله
كتب الله وفي الديانات كلها وهذا ما يقتضيه تنزي تبارك وتعالى عن كل نقص قبل أو بعد، لأنه حي قيوم لم يزل ولن يزال كذلك، كما أن وجوده ذاتي لم يسبقه عدم ولا يأتي عليه عدم، وهنا يتوقف عقل البشر وعلم البشر ولا يستطيع مهما أوتي من قوة أن يتجاوز هذا الحد ويتساءل: من أوجد الله؟ أو كيف وجوده؟ هنالك حد ننتهي إليه وجوبا. وبالبداهة ليس في إمكان المخلوق مهما أوتي من سعة عقل وغزارة علم أن يدرك حقيقة الخالق، بل لابد له من حد ينتهي إليه العقل البشري ويقف عنده مستسلما لأمر الله، ويؤمن بهذه الحقيقة الأولى في الوجود (1/33)
صفحة 34
أو الحقيقة الكبرى كما تسمى، فالله مبدأ كل شيء ومصدر كل شيء وإليه يرجع كل شيء، هذه خلاصة الجواب في المسألة.
سؤال: معانى صفات الله موجودة بالنسبة إلينا متمايزة في فكرنا نميز بين بعض الجوانب لأجل أن عقلنا ضعيف لا يستطيع غير ذلك لكن ذات الله تعالى ليس فيها
تمايز؟
الجواب: بحسب عقولنا هناك سمع وبصر وقدرة وإرادة وحياة. . . باعتبار الصفات كأنها متعددة متمايزة، ولكن كما أن عقولنا قاصرة كذلك لغتنا قاصرة أي لغة كانت عربية أم أعجمية، الله تبارك وتعالى يخبرنا ويعلمنا بلغات
خلقها لنا، وهي قاصرة عن التعبير عن حقيقة الذات الكبرى، لذلك يبدو لنا أن هناك فوارق بين السمع والبصر والكلام والشم والذوق وغير ذلك، ولكن هذا أقصى ما يمكن عنه لغات البشر لأنها قاصرة لها حد تنتهي إليه مهما
أن
تعبر
ارتقت، ولهذا كان التشابه، والله يعبر عن ذاته بما هو في ذواتنا ويقول عن ذاته إنه سميع بصير متكلم. . . ونحن كذلك نسمع ونبصر ولكن التشابه في اللفظ فقط أما في حقيقة المعاني فليس سمعنا وبصرنا وكلامنا كسمعه تعالى وبصره وكلامه ليس كمثله شيء وهو السميع
البصير) (1)
(1) الآية 11 من سورة الشورى
34 (1/34)
صفحة 35
سؤال: اتفق علماء المذهب الإباضي على أن الإنسان حر مختار إلا أن بعض العلماء منه مثل الشيخ عامر النفوسي يرى أن الإنسان جُبلَ ليعمل أعماله بينما يرى آخرون - مثل الشيخ عمر التلاتي - أن للإنسان الاختيار والكسب. . . فما هو الأرجح في رأيكم؟
الجواب: إن المسألة الكلامية المعبر عنها بالعدل، وبالقدر كذلك، مسألة كبيرة وقع فيها خلاف كبير بين المسلمين، أجمعوا كلهم بل وأرباب الديانات الأخرى - أهل الكتب السماوية - كلهم على أن الله عدل لا يجور في أحكامه، وفي القرآن الكريم: إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون) (1) وفيه (إن الله لا يظلم مثقال ذرة (2) فالله عدل العدل المطلق لا يحابي عبدا من عباده لنسب ولا للون ولا لجنس ولا لشيء مطلقا وإنما الجزاء على حسب العمل: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا القاعدة الأساسية لجميع الديانات من آدم
يره
(3) هذه
هي
إلى آخر الأنبياء لا يتهم الله تبارك وتعالى بالجور أبدا، لكنه وقع الناس في حيرة في الجمع بين كون الله من جهة عادلا
وبين كونه خالقالكل شيء مقدرا له من ذوات العباد ومن
35
الآية 44 من سورة يونس الآية 40 من سورة النساء الآيتان 7 و 8 من سورة الزلزلة
(1)
(2)
(3) (1/35)
صفحة 36
أعمالهم ففي القرآن الكريم (والله خلقكم وما تعملون (1) والعقيدة الصحيحة كذلك أنه لا يقع شيء في ملكه إلا بإرادته: هو الذي خلقه فقدره وأراده وليس معنى أراده أنه رضيه، ففرق دقيق بين الإرادة والرضا وليس معنى أراد الله ما يقع في هذه الأرض من الكفر أنه رضيه بل كما يقول في الآية القرآنية: {ولا يرضى لعباده الكفر (2) ولكن معنى أراده أنه لم يقع مغلوبا على أمره، فلو شاء الله لمنع الناس بالقهر إن أرادوا معصية أو هموا بها، فيميتهم أو يزيل أبصارهم أو سمعهم أو بأي شيء آخر ولكنه تعالى أعطاهم الحرية بفضله ولم يقهر أحدا منهم، وفرارا من الاضطراب الذي وقع فيه الناس ذهب المعتزلة إلى القول بخلق الأفعال محافظة على عقيدة العدل الإلهي، قالوا إن الله عدل لا يجور فالإنسان هو الخالق لأفعاله وبذلك يستحق الثواب إذا أحسن والعقاب إذا أساء، وليس من العدل أن يستحق الثواب من كان مجبورا على حسنة ولا أن يستحق العقاب من كان مجبورا على معصية، وتطرق فريق آخر الى جهة أخرى فقالوا إن العبد مجبور على ما يفعل وهذا
•
يقتضي نسبة الظلم إلى الله عز وجل، وهؤلاء هم المجبرة. أما الإباضية وكافة الأشاعرة فذهبوا إلى الوسط وهو الحق فقالوا الخلق للأفعال من الله والإكتساب من العبد، قال
(1) الآية 96 من سورة الصافات
(2) الآية 7 من سورة الزمر
36 (1/36)
صفحة 37
العالم الجليل أبو نصر النفوسي من علماء الإباضية في نفوسة في قصيدته النونية:
فأفعالنا خلق من الله كلها ومنا اكتساب بالتحرك للبدن أي هنالك خط دقيق فاصل بين الخلق والاكتساب، فللعبد اكتساب أي ممارسة وعمل باختياره في كل ما عمل وهذا القدر المسمى بالكسب هو متعلق الثواب والعقاب لأنه مكتسب باختياره فاستحق ثوابا على إحسانه واستحق عقابا على إساءته، وإن كان البشر لقصور عقولهم وقلة علومهم لا يستطيعون تحديد معنى الاكتساب تحديدا دقيقا يقينيا فهذا غير مستطاع ولكن يكفينا في هذا الباب الشعور اليقيني بالاختيار في العمل، فكل فرد عاقل من الناس منصف يعترف بالحق، يستشعر من نفسه ويدرك إدراكا يقينيا لاشك فيه ولاريب أنه له حركتان قد يتحرك تحركا اضطراريا كالذي يصاب بمرض عصبي فتهتز أطرافه أو بعض بدون إرادته، وكذا نبض قلبه و دوران دمه هذه كلها
أعضائه
نماذج للحركات الاضطرارية. وهنالك أعمال يزاولها الناس باختيارهم حتى يقول أحدهم أردت وهذه إرادتي وهذا قصدي، وإذا عارضه أحد قال أنا حر وأفعل ما أُريد، وقد أصبح الإنسان اليوم أكثر أي وقت مضى يعتز بإرادته وحريته فيقول: أنا أفكر كما أريد وأعتقد ما أريد وأفعل ما أريد، أنا حر وحريتي تثبت
من
37 (1/37)
صفحة 38
وجودي
<
، وتفكيري وحركتي يثبتان حريتي كما يقول
الوجوديون «سارتر» وجماعته
إذن الانسان يشعر من نفسه شعورا ضروريا بأن عنده إرادة واختيارا، لا يستشعر أبدا أن من ورائه ضغطا دفعه إلى العمل، فالمصلي إذا ذهب إلى المسجد أو الكنيسة أو البيعة ليصلي لا يستشعر في نفسه أبدا أن إنسانا جره بالسلاسل جرا
أو دفعه دفعا إلى الصلاة وإنما إرادته وإيمانه دفعاه إليها وكذا لا يقال في الذي توجه إلى حانة ليشرب مسكرا جر إليها بالسلاسل أو دفع اليها بمقامع من حديد، ولو أراد الناس منعه جبرا عن الشراب لقال أنا حر أفعل ما أُريد، وهكذا منذ خلق أول مخلوق على الأرض، فآدم لما أكل من الشجرة أكل منها باختياره، ولو كان ذلك بعد وسوسة
الشيطان، ولذلك استحق الإخراج من الجنة
•
هذه الممارسة للعمل بمطلق الحرية والاختيار اللذين
يستشعرهما كل إنسان في تصرفاته خيرا كانت أم شراهي متعلق الثواب أو العقاب
إلى
ثم إن من القواعد الضرورية في كل دين سماوي اعتقاد الله تبارك وتعالى يعلم ما كان وما يكون وما هو كائن القيامة، ليس علم الله بالأشياء حادثا، يحدث له يوم بعد وقوعها مثلنا نحن فلا نعلم شيئا إلا بعد أن يقع، وكل ما يمكن أن يحدث بعد هذه اللحظة التي نحن فيها وفي غير
38 (1/38)
صفحة 39
هذا المكان الذي نحن فيه فهو بالنسبة إلينا غيب لا نعلمه إلا
بعد مشاهدته أو بلوغ خبره. ومحال أن يقال ان الله تبارك وتعالى لا يعلم ما يقع في هذا الكون إلا بعد ان يقع، هذه عقيدة ضرورية في جميع الديانات السماوية، وبناء على هذا فالله تبارك وتعالى يعلم ما يفعله العباد المكلفون من الجن والانس والملائكة كل ما يصدر منهم معلوم لله تبارك وتعالى قبل خلق ذواتهم وقبل خلق أفعالهم، ومعلوم أن الذوات تتعاقب جيلا بعد جيل يخلقها الله وأعمالها وهو عليم بما سيفعله كل من خير أو شر، فهذا يتبع أمر الله ويجتنب نواهيه حتى يموت على الشكر والوفاء وذلك يعصى أمر الله ويكفر به ويرتكب المعاصي كبيرها وصغيرها حتى يموت على الكفر والجفاء، فلا يقال إن الله لا يعلم ما يكون من خلقه ألا يعلم من
خلق وهو اللطيف الخبير) (1) ولهذا نعتقد أنه لا يمكن
أن
يصدر من العبد من خير أو شر إلا ما كان الله يعلمه
<
من
أي لا يحدث شيء على خلاف علم الله، وهذا ما دفع ببعض علماء الإباضية في جبل نفوسة إلى التعبير بالجبل أخذا قوله تبارك وتعالى: (واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين (2) على أنهم لا يقولون بخلق الأفعال كالمعتزلة
(1) الآية 14 من سورة الملك (2) الآية 184 من سورة الشعراء
39 (1/39)
صفحة 40
وبين
المتطرفين ولا بالجبر كالمجبرة، بل يقولون بالكسب والاختيار الذي هو القول الوسط بين خلق الأفعال الجبر، قال الشيخ اطفيش رحمه الله تبارك وتعالى في تفسير قوله عز وجل: (والجبلة الأولين) في تفسيره الذي سماه «تيسير التفسير» قال: والجبلة الأمم السابقة الأولين أي ذوي الجبلة أي الطبيعة أو المجبولين على أحوالهم التي بنوا عليها مسالكهم. . . ثم قال: شبهوا بالقطعة من الجبل. فالأمر يتعلق بعلم الله بأفعال العبد بجبره إياهم عليها، فلو كنت أعمل الآن عملا لا يعلمه الله من قبل لكان سبحانه لا يعلم ما سأفعله بعد دقيقة أو بعد
?
عام، وهذا في حقه عز وجل محال.
على أن هذا الكلام الذي قاله بعض علماء الجبل لا يعدو عددا قليلا منهم، فمذهب الإباضية في الشرق والغرب ومنهم أهل الجبل أنفسهم، مذهبهم القول بالكسب
وقد وقع بعض الصحابة رضي الله عنهم في مثل هذا الإشكال فقالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم: إذا كان السعيد من بطن أمه والشقي من بطن أمه ففيم العمل إذا يارسول الله؟ فأجابهم: اعملوا ولا تغتروا فكلكم ميسر لما خلق له) (1) فمن الله له أسبابها ومن أراد المعصية واتبع
أراد الطاعة يسر
(1) رواه البخاري في كتاب القدر بلفظ: قال رجل يارسول الله أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم قال فلم يعمل العاملون؟ قال: كل يعمل لما خلق له أو لما يسر له وفي حديث آخر: سئل () ألا تتكل يا رسول الله؟ قال لا اعملوا فكل ميسر.)
40 (1/40)
صفحة 41
طريقها وجد الأبواب مفتوحة والأسباب ميسرة. وليس معنى هذا أن الله أجبره وهو عز وجل يقول: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر (1) فلو أراد الله لأهلك الظالمين والطغاة، بل لأهلكهم قبل مقارفتهم الذنوب ولمنع كل من أراد معصية ولكن شاءت حكمته أن يخلق خلقا مختارا كامل الاختيار حرا كامل الحرية، أما الجبل فكلمة بقيت مطوية في بطون بعض الكتب ولا أظن أن واحدا من الألف يعرفها.
والناس اليوم من إباضية وأشاعرة معتقدون أن الخلق لله وحده والكسب الاختياري منا وهو متعلق الثواب والعقاب، والعلماء يقولون ستة أمور تنفي الجبر والجبل معا: المدح
والذم والأمر والنهي والثواب والعقاب، فأنت ترى مدح
الله
عز وجل للمحسنين وثناءه عليهم وذم المسيئين وإنكاره عليهم، والمدح والذم عند العقلاء لا يقعان إلا على فاعل مختار فيما يفعله لما أمره ولما نهاه ولا فائدة في أمر من تجبره على العمل، ولا في نهي من تجبره على الترك، وإذا
كان العقلاء يتنزهون عن هذا فكيف بالعليم الحكيم؟
4 - سؤال: طالعت عن أحد المستشرقين أن اقتضاء الطهارة هو الكف عن الذنوب، والوعى بوجود الله وما
يقتضيه هذا الوعي قد بلغ أقصى حد في المذهب الإباضي
(1)
الآية 29 من سورة الكهف.
21 (1/41)
صفحة 42
أي أن المؤمن الذي عمل الصالحات طيلة حياته إذا ارتكب
كبيرة ولم يتب قبل موته يدخل النار ولا ينفعه الخير الذي
فعله في حياته ... هل ذلك
مقتضيات هذا المبدإ؟
صحيح؟ وإذا صح
فما
هي
الجواب: حقا إن الإباضية أكثر الناس اعتناء بأمر
دينهم فهم يمارسون الواجبات الشرعية ويجتنبون ما نهى عنه الشرع الحنيف، وعرفوا كذلك بالتوبة والرجوع بعد ما يصدر عن أحدهم من انحراف، هذه طبيعة معروفة عند الإباضية في المشرق والمغرب، فقد ينحرف بعضهم ويرتكبون ذنوبا ولكن أكثرهم سرعان ما يرجعون الى الصراط المستقيم ويتوبون إلى الله من ذنوبهم ويتنصلون مما عليهم من حقوق العباد، ولا يموت إلا وقد أودى بما وجب عليه من كفارات وحقوق مما يمكن أن يقضى عنه بعد وفاته، والفضل الأكبر
من
في هذا يرجع إلى عقيدة الخلود لديهم فهم يعتقدون أن مات مصرا على كبيرة ولم يتب منها خلد في النار ولا يخرج منها أبد الآبدين يقول قائلهم
ومن عصى ولم يتب يخلد في النار دائما بهذا نشهد ويقول غيرهم غير ذلك:
ومن عصى ولم يتب من ذنبه فأمره مفوض لربه أي العاصي في نظرهم يعذب في النار على قدر ذنبه ثم يخرج منها وهذا ما جراً العصاة من غير الإباضية على التمادي على المعصية حتى الموت.
42 (1/42)
صفحة 43
رحيم
يقبل
صحيح أن الله تعالى عدل لايجور وأنه غفور التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، فمن أين تكون المغفرة والرحمة إذا لم يكن عصاة يذنبون فيتوبون ويستغفرون فيغفر
لهم؟ ومن حكمته أن قسم الذنوب إلى كبائر وسيئات يقول الله في القرآن الكريم: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما (1) أي الجنة فالسيئات التي هي مقدمات هذه المعاصي التي لا يقدر الإنسان أن يسلم منها تغفر باجتناب الكبائر وبعمل الحسنات ففي القرآن الكريم: إن الحسنات يذهبن السيئات (2) وفي الحديث (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) () لكن الفواحش الكبرى المسماة بالكبائر لا تغفر إلا بالتوبة، يغفرها الله لمن ارتكبها مرة أو ألف مرة وإنما الشرط أن تكون التوبة نصوحا وهي يفسرها العلماء: أن يعزم التائب أن لا يعود إلى الذنب كما لا يعود اللبن إلى الضرع، كما يشترط أن يكون ذلك منه قبل حضور الموت. وهذا ما نص عليه القرآن الكريم في قوله تبارك وتعالى: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك
(1)
(3)
الآية 31 من سورة النساء
الآية 114 من سورة هود
•
كما
رواه الدارمي في باب حسن الخلق من كتاب الرقاق، والترمذي في باب ما جاء
في معاشرة الناس من أبواب البر والصلة
43 (1/43)
صفحة 44
يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما، وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما) (1) فالله أوجب على نفسه - ولا واجب عليه - أن يغفر للتائبين الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون قبل حضور الأجل أما الذين يعملون السيئات ويسوفون بالتوبة ويتمادون على عصيانهم فلا وعد لهم عنده بالمغفرة، أما قوله عز وجل: حتى إذا حضر أحدهم الموت فليس معناه المرض الذي يموت فيه فقد يمرض الإنسان شهرا مثلا ويتوب ويستغفر لأنه توقع أن الأجل قريب، إنما حضور الموت بمقدار يعلمه الله قبل خروج الروح عندما يرى بعض آيات ربه يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من أو كسبت في إيمانها خيرا (2) هذه لحظة المعاينة التي لا تقبل عندها توبة. ولنا شاهد آخر من القرآن هو توبة فرعون وقد أيقن أنه هالك بالغرق لا محالة، قال عز وجل في شأنه: وجاوزنا ببني إسراءيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال امنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسراءيل
وأنا
(1)
(2)
(3)
قبل
من المسلمين (3): قال ذلك في اللحظة التي رأى فيها
الآيتان 17 و 18 من سورة النساء
الآية 158 من سورة الأنعام.
الاية 90 من سورة يونس (1/44)
صفحة 45
ماء البحر آتيا إليه من كل جهة وأيقن بالموت ولكن الله عز وجل أجابه: آلان وقد عصيت قبل وكنت من
المفسدين) (1) فهذه ساعة لا ينفع فيها إيمان ولا توبة، وهذا
هو
معتقدنا
وهو القول الفصل في
المسألة
سؤال: هل الذي يرتكب ذنوبا حتى نهاية حياته يعتبر
متحديا لله؟
الجواب: إى نعم هو نوع من التحدي لخالقه ومالك ناصيته وكأنه نوع من السخرية والتهكم بالله، كأن الله تعالى بهذا الخطاب يقول له: أتسخر مني؟ حتى إذا حضر أجلك ورأيت الموت بعينيك قلت إني تبت الآن؟ أليس هذا تحديا منك لي طول عمرك ثم تطمع فيما لا مطمع فيه سؤال: إن الذي سلك مسلك الخير في حياته وله عثرات في بعض الأوقات، ألا يكون من المحتمل أن يحضره الموت وهو في حالة خيرة لأن نيته متجهة نحو الخير؟ الجواب: نعم إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم فعلى المسلم أن يدوم على عمل الخير ولو كان تعتريه في طريقه عثرات فعسى أن يموت على الوفاء وعلى الصراط المستقيم، والله لا يضيع أجره، فإذا كان قلبه عامرا بالخير وزاغ بعض الوقت
(2))
45
الآية 91 من سورة يونس
الآية 9 من سورة يونس
(1:
(2 (1/45)
صفحة 46
فالحسنات التي كان يأتيها وقلبه الطيب المؤمن بالله يهديانه إلى الطريق ويوفقه الله إلى التوبة ولا يخرج من هذه الدنيا الا وقد تطهر من جميع ذنوبه ولا يموت الا وهو من المسلمين.
سؤال: هل يجوز طلب النصر لغير المسلمين؟ الجواب: لا يجوز لمسلم أن يطلب النصر للمشركين على المسلمين أبدا، وليس في قلب فاعل ذلك ذرة من إيمان كيفما كان السبب الداعي، إلا إن كان من تقيَّة باللسان، والقلب مطمئن بالإيمان، فاحذروا وتفقهوا معنى الولاية والبراءة
سؤال: حملت الي رسالتك سؤالا عما يشاع من تكفير
الإباضية لمعسكر السلطان وعسكره حسب تعبيرك الجواب: فاعلم أيها الاخ أولا أن الكفر عند الإباضية وعند المحققين من علماء الأمة وعند أصحاب الحديث على قسمين: کفر شرك، وكفر نفاق. وكما يقرر الإمام البخاري في صحيحه إذ قال: «باب كفر دون «كفر فتكفير البغاة إنما هو كفر نفاق لا كفر شرك، ولتعلم ثانيا أن المراد بمعسكر السلطان هو الفئة الباغية والسلطان هو رئيسها وقائدها الباغي، وجنده هم أعوان الظلمة، وقد لعن رسول الله الظلمة وأعوانهم، ولا يقع اللعن إلا على كافر نفاقا
46 (1/46)
صفحة 47
أو شركا. والبغي ظلم والفئة الباغية ظالمة، ولعن الظلمة ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. وليس المراد بتكفير الإباضية للظلمة البغاة وأعوانهم إلا كفر النفاق فهم على أحكام
ظلمهم وبغيهم موحدون غير مشركين، تجري عليهم المسلمين كلها لا أحكام المشركين، خلافا لما تزعم بعض
الفرق الضالة من الخوارج.
سؤال: ما المراد بالكفر عند الإباضية؟
الجواب: كل المذاهب تأخذ أحكامها من كتاب الله وسنة رسوله، لكنهم قد يختلفون في طرق الاستنباط، والقرآن يطلق لفظ الكفر على من ارتكب ذنبا كبيرا. فالكفر كفران: كفر شرك، وكفر نفاق، فالكفر بمعنى الشرك لا يطلق إلا على من أنكر وجود الله وأشرك به غيره أو أنكر الوحي والرسالة أو البعث، وكفر النفاق يطلق على كل من ارتكب كبيرة عملية كالسرقة والزنى والخمر، أو تركية كعدم صيام رمضان، وترك الصلاة وغيرها، والمذاهب التي لا تطلق الكفر على مرتكب المعصية الكبيرة إنما ذلك لأن الكفر عندها مرادف للشرك
أنه
•
سؤال: نقل أشياخنا رضي الله عنهم عن العلامة الغزالي رجع عن الرؤية ففي أي كتاب من كتبه هذا التصريح؟ الجواب: إنه لا علم لي بأي كتاب صرح فيه الغزالي بمثل هذا، ولم يتسع لي الوقت بمراجعة كتبه بحثا عن
47 (1/47)
صفحة 48
هذا، ولعل الله يمن بذلك فأفيدكم بما عثرت عليه إن عثرت على شيء، وكل ما أعلمه هو مـ ما قاله قطب الأئمة الشيخ
اطفيش رحمه الله في رسالته «إن لم تعرف الإباضية ياعقبى ياجزائري إذ قال فيها: وإن لم تعرف الإباضية فهم الذين رجع الغزالي والسعد والسيد الشريف والفخر إلى قولهم إن الله لا يرى. وكل ما نعلم أيضا أن الإمام الغزالي استقامت فلسفته في أواخر عمره.
سؤال: ما معنى ما نسب لبعض المشايخ: يجوز يجوز أن يكلف الله عباده بالإلهام من غير كتاب ولا رسول مستدلين بقوله تعالى: (فألهمها فجورها وتقواها)
الجواب: إعلم أيها الأخ الكريم أن هذا القول لاتصح نسبته إلى أهل الحق والاستقامة المتمسكين بكتاب الله وسنة رسوله لأنه مخالف لصريح كتاب الله الكريم فإن الله تبارك وتعالى يصرح في كتابه الكريم القرآن العظيم بما لا يدع مجالا للشك والارتياب بأنه تبارك وتعالى لم يقم الحجة على عباده إلا بالرسل وما جاءوا به من البينات كما قال في حقهم في سورة الحديد لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا
معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط (1)
(1) الآية 25 من سورة الحديد
48 (1/48)
صفحة 49
ودونك بعض الآيات الصريحة الواضحة في شأن قيام الحجة على العباد، قال في سورة القصص: وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أُمها رسولا (1) وقال في سورة
الإسراء: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وقال في سورة النساء: وإنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيئين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما، رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما () وقال في سورة طه: ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونحزى (4) وقال في سورة القصص ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين (5) وقال في شأن أهل النار في سورة غافر:
(1)
الآية 59 من سورة القصص
الآية 15 من سورة الإسراء
الآيات 163، 164، 165، من سورة النساء
49
الآية 134 من سورة طه
الآية 47 من سورة القصص
(3)
(4)
(5) (1/49)
صفحة 50
وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب، قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى، قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) (1) وقال في سورة الملك: كلما أُلقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم
الله
نذير، قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل من شيء) (2) فأنت ترى إذا تأملت هذه الآيات البينات الصريحة الواضحة القطعية الدلالة أن الله تبارك وتعالى لم يقم الحجة على عباده المكلفين إلا بالرسل وما جاؤوا به من البينات فلا يبقى في قلب مؤمن شك ولا ارتياب في أن الله أقام حجته على عباده بالرسل والكتب التي جاؤوا بها من عنده، فلا يجوز القول بغير هذا، ومن شك فيه أو ارتاب أو قال بغيره فقد كفر ومرق من الدين، فإن دلالة هذه الآيات وما أشبهها في القرآن قطعية الدلالة لا تأويل لها إلا ما يدل
عليه صريح
لفظها.
وأما قوله تبارك وتعالى: (فألهمها فجورها وتقواها)) (3) وما أشبه ذلك من قوله: (وهديناه النجدين (4) وقوله: (إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا) (3) فإنها لا تفسر إلا بما يوافق ويطابق
(1) الآيتان 49 - 50 من سورة غافر.
(2) الآية 9 من سورة الملك (3) الآية 8 من سورة الشمس (4) الآية 10 من سورة البلد (5) الآية 3 من سورة الانسان (1/50)
صفحة 51
صريح الآيات المتقدمة، ولا يجوز أن تفسر بما يناقض تلك الآيات أو يخالفها لأنها محكمة صريحة قطعية الدلالة كما
قدمنا والقرآن لا تناقض فيه ولا اختلاف، وهو يفسر بعضه بعضا ويرد متشابهه إلى محكمه، أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (1) فتمسكوا أيها الإخوان بالعقيدة الحقة الصحيحة الصريحة من أن حجة الله لم يقمها على عباده المكلفين إلا
برسله وكتبه التي جاؤوا بها من عنده
وفقنا الله وإياكم جميعا إلى ما يحبه ويرضاه، وحفظ قلوبنا من الزيغ والزلل، وعقائدنا مما قد يلابسها من
باطل، إنه سميع قريب مجيب
حفظ الله لأخيكم الفقير إلى مولاه الغني
سؤال: سألت عن الوسيلة في قوله تبارك وتعالى: ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة
وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون (2) الجواب: اعلم أن الصحابة والتابعين وكبار المفسرين وأئمة الفقه في الدين مجمعون على أن الوسيلة في الآية إنما طلب رضا الله والتقرب إليه بتقواه، فهو يأمر بالتقوى
هي
ثم يقول: (وابتغوا إليه الوسيلة) أي بتقواكم، والتقوى
01
الآية 82 من سورة النساء
الآية 35 من سورة المائدة
(1)
(2) (1/51)
صفحة 52
حق
كما هو معلوم امتثال الأمر واجتناب النهي فلا وسيلة للعبد إلى ربه إلا عمله الصالح، وكل قول يخالف ذلك فهو باطل لادليل عليه في كتاب ولا سنة، فلا ينفع عاصيا مقصرا في الله أن يقول: ربي اغفر لي وارحمني ببركة فلان أو بجاه فلان أو حرمة فلان، وكذلك معنى الوسيلة في آية الإسراء (1) فإنما هي التقرب إلى الله بما شرعه ولم يرد في أدعية الكتاب والسنة توسل بمخلوق مطلقا بشر أو ملك أو غيرهما من سائر المخلوقات فالتوسل بالموتى كيفما كانت منزلتهم ممنوع مطلقا وغير جائز، فإنهم قد انقطعت أعمالهم فلا ينفعون أنفسهم ولا غيرهم بشيء ما، وأما الأحياء فإنه يجوز التوسل بدعائهم بأن تقول لأخيك المسلم: ادع الله لي، فإن دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب يرجى قبوله، سواء أكان المدعو له حيا أو ميتا، وفي أدعية المؤمنين والملائكة والنبيئين الواردة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة أقطع دليل على ذلك. هذا فقط هو الجائز، بل المطلوب شرعا مما يمكن أن يسمى - تجوزا - وسيلة بمخلوق، ولا يجوز مطلقا أن تفسر به الوسيلة في آيتي
المائدة والإسراء.
4
وما ورد من توسل الصحابة رضي الله عنهم بالنبي الله فانما هو بدعائه وهو حي، ولذلك توسل
(1) يقصد الآية 57 من سورة الاسراء
52 (1/52)
صفحة 53
سيدنا عمر بن الخطاب في استسقائه بعد موت النبي الله بعمه العباس بن عبد المطلب، أي بدعائه كما هو مشهور، وقد قال النبي الله لعمر بن الخطاب وهو يودعه قاصداً العمرة: لا تنسنا يا أُخيَّ من دعائك) (1) فلا معنى ولا فائدة مطلقا في قول القائل: اللهم إني أسألك. بحرمة كذا أو بحق كذا أو بجاه كذا، فإنه لغو من القول لا أثر له فإن التوسل إلى الله وطلب القرب منه ورضاه لا يكون بتقواه واتباع ما شرعه، ومما شرعه أن تدعوه متجها إليه وحده مخلصا دعاءك بغير واسطة فإنه يقول لك: ادعوني أستجب لكم} (2) ويقول: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) (3) أمعن النظر في قوله إذا دعاني وتأمل هذا الشرط، ثم أمعن
لعلهم
النظر في قوله: فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي يرشدون وتأمل جيدا هذا التفريع بالفاء يظهر لك فقه واسع دقيق في المسألة فتدرك أنه لاحاجة بالمسلم إلى أن يستعين في دعائه إلا بالتوجه الخالص إلى الله وحده معرضا عن كل ما سواه، ثم يشرك إخوانه المؤمنين أحياء وأمواتا في دعائه بالخير والمغفرة والرحمة ويطلب من الأحياء منهم أن
(1) رواه أبو داود في باب الدعاء من كتاب الصلاة
(2) الآية 60 من سورة غافر
(3) الآية 186 من سورة البقرة (1/53)
صفحة 54
يدعوا له بالخير والمغفرة والرحمة، ولو كان في التوسل بالجاه والحرمة والحق والبركة لبعض المخلوقات لورد شيء منه في أدعية الكتاب والسنة الكثيرة ولم يرد شيء من ذلك مطلقا وإنه ليشبه أن يكون شركا.
فإنه دعوة لما لا يملك ضرا ولا نفعا ومن لم يغنه دعاء الكتاب والسنة وما كان على غراره فلا أغناه هذا ما شيء أمكن تحريره الآن وعليك بالاطلاع على ما كتبه الإمام الحجة الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار في آية المائدة: اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة فإنك تجد فيه ما يشفي غليلك في مسألة الوسيلة وتجد فيه بيان ما
اشتبه عليك أمره في المسألة مما أشرت إليه في كتابك
وإن أردت توسعا أكثر من ذلك فعليك بكتاب شيخ الإسلام
<
ابن تيمية المسمى «قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة وهو
مطبوع متداول
حفظك الله وسلمك لأبيك: بيوض ابراهيم بن عمر.
54 (1/54)
صفحة 55
إعجاز القرآن
سؤال: ما هو رأي الإباضية في إعجاز القرآن؟ الجواب: أما سؤالك عن رأي الإباضية في إعجاز القرآن فقد جمعت لك في صفحات ثلاث ما تيسر لي نقله
من بعض المصادر المعتبرة عند الإباضية قديما وحديثا
وأما عن رأي الإمام جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة - هكذا بالتحديد ـ فإني لم أعثر فيما بين يدي من مصادر ومراجع ولا فيما حفظته عن أشياخنا عن نص صريح بأن جابر بن زيد أو أبا عبيدة قالا كذا وكذا في إعجاز القرآن، ولكن ما تواتر عند علماء الإباضية مما تجده في الصفحات المشار إليها يدل على أن ذلك رأي أئمتهم
الأولين.
قال قطب الأئمة العلامة الشيخ الحاج محمد بن يوسف طفيش في تفسيره الكبير «هيمان الزاد إلى دار المعاد مخطوط في مكتبة القطب وفي بعض خزائن ميزاب وقد طبع قديما في زنجبار ولكن نسخ المطبوع نادرة جدا لا تكاد ترى ـ قال في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله (1) بعد كلام طويل: وحكمة جعل
(1) الآية 23 من سورة البقرة (1/55)
صفحة 56
القرآن سورا تحقيق كون السورة بمجردها معجزة وأية من آيات الله عز وجل والإشارة إلى أن كل سورة طريق مستقل
في نوعه، فسورة يوسف تترجم عن قصته، وسورة براءة تترجم عن أحوال المنافقين وأسرارهم والتنبيه على أن الطول
?
ليس من شرط الإعجاز إذ كان منه طوال وقصار وأوساط
وكلها معجز، وهذه سورة الكوثر آيات ثلاث وهي معجزة إعجاز سورة البقرة فلو تفاوت الإعجاز بالطول والقصر والتوسط لأمكن لهم أن يأتوا بمعجز قصير أو كادوا يأتون به. ولا يمكن لهم ذلك ولو اجتمع الخلق، فافهم
ثم قال بعد كلام طويل جدا في تفسير الآية وفي حكمة تعدد السور واختلافها طولا وقصرا ما نصه: وقد اعترف الفصحاء بإعجاز القرآن وكان قد تحدى الله به من حيث تأليفه ومعانيه وإخباره بالغيب وكان في زمان هاجت فيه فحول الشعراء وفصحاء الكلام فتحداهم بتأليفه كما تحداهم
قال
بمعانيه وإخباره بالغيب وعجزوا كلهم وانكشفوا، وقد الوليد بن المغيرة في وصف القرآن: والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أصله لمغدق وإن أعلاه لمثمر، وقال أيضا في تفسير قوله تعالى في سورة يونس: أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله: في الفصاحة والبلاغة فإنكم عربيون فصحاء مثلي وأكثر تناولا للكلام وتعاطي (1/56)
صفحة 57
أحسنه واختياره ... وادعوا للإعانة على الاتيان به من
استطعتم من دون الله ولو جميع الخلق إن كنتم صادقين (1) في ادعائكم أن محمدا افتراه، فعجزوا كما قال الله سبحانه ولا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (2) وقال أيضا في تفسير قوله تعالى في سورة هود أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن کنتم صادقين (3) «مثله» في البلاغة والفصاحة والبيان وحسن النظم، وهذه السورة نزلت قبل سورة يونس تحداهم في سورة يونس بسورة بعدما تحداهم في سورة هود بعشر، وعجزوا، وهذا كما يقول من يتعاطى الكتابة إن كتابته خير: اكتب عشرة أسطار مثل كتابتي، واذا بان له العجز سَهَّل عليه فقال: اكتب سطرا واحدا مثل كتابتي: إذ لا يصح أن
يعجز في واحدة ثم يكلف عشرا، وعن بعض إن آية هود نزلت قبل آية يونس، وأنكره المبرد وقال: إنه قال في يونس بسورة لأن المراد المماثلة في البلاغة والفصاحة، وفي هود بعشر سور لأن المراد المماثلة في الإخبار عن الغيب وذكر الأحكام والوعد والوعيد، وقيل المراد هنا: المماثلة في حسن النظم، ولم يقل: بعشر سور أمثاله، لأن المراد
(1) الآية 38 من سورة يونس (2) الآية 88 من سورة الاسراء (3) الآية 13 من سورة هود
07 (1/57)
صفحة 58
وحدها
جميع
أن كلا تماثله، والإفراد في تأدية هذا المعنى أقرب من منهن الجمع، والمراد حقيقة مماثلته لا أن كل واحدة تماثل القرآن. وأقول: لامانع أن يتحداهم أولا بسورة ثم يتحداهم بأكثر على معنى أنكم عجزتم عن واحدة فكيف العشر؟ وقد يقال إنه مثل لهم بعشر إذ كان باب السور افتراء أي إن كان القرآن من الافتراء فالإتيان به سهل،، فأتوا
منه بعشر سور مفتريات فإنكم عرب فصحاء مثله، وألزم منه لطرق الكلام ومتدربون بالشعر والسجع.
وقال أيضا في تفسير قوله تعالى في سورة الإسراء: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) (1) ... «ظهيرا» معينا على الإتيان بمثله مع ما في الناس من العرب الخالصة وأرباب البيان والتحقيق نزل ذلك لما قالت جماعة من قريش لو نشاء لقلنا مثل هذا فلو جئتنا بغيره آية، والعرب لفصاحتها وبلاغتها اطلعت على ما فاق القرآن به سائر الكلام من البلاغة والفصاحة، وغير العرب يطلع على ذلك استدلالا ونظرا وحصل علم قطعي بذلك للكل متفاوت ليس في مرتبة واحدة، وتجد كثيرا من الناس
(1) الآية 88 من سورة الاسراء (1/58)
صفحة 59
بل أكثرهم لا يطلعون على ذلك وإن لقن لهم ظنوا أن سائر الكلام كذلك، والآية دليل على أن القرآن حادث مخلوق لأنه لو كان قديما لم يصح أن يتحداهم ويستعجزهم بالاتيان بمثله، لأن العجز إنما يكون حيث تكون القدرة بالفعل أو
بالإمكان لا حيث يستحيل الإتيان بمثله، فلامدخل عليه للعجز ولا للقدرة، ولو قيل ذلك لجاز وصف الله بالعجز لأنه لا يوصف بالقدرة على المحال، إلا أن يكابر القائلون بقدمه فيقولون: الله قادر على المحال، أو يقلب الحقيقة فيقول: إنه لو كان مخلوقا لأتوا بمثله.
البلاغة
وقال في تفسيره المسمى «تيسير التفسير وهو مطبوع طبعا حجريا في عاصمة الجزائر عام 1325 هـ في سبعة مجلدات في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: (فأتوا بسورة من مثله) أي بسورة هي مثل ما أنزلنا في وحسن التأليف والإخبار بالغيب والإخبار بالغيب مع الصدق (ص 26 ج (1) وقال في تفسير سورة يونس فأتوا بسورة مثله) أي في الفصاحة والبلاغة (ص 48) ج 3) وقال في تفسير سورة هود فأتوا بعشر سور مثله في الفصاحة والبلاغة والحكمة والإخبار بالغيوب (ص 145 ج 3) وقال في تفسير سورة الإسراء عند قوله تعالى (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن) فصاحة وبلاغة (1/59)
صفحة 60
(ص 780 ج 3) وفي نفس الصفحة: نزل ذلك ردا عليهم إذ قالوا: لو نشاء لقلنا مثل هذا)، (1) كذبوا لا طاقة لهم
بفصاحته وبلاغته كما لاطاقة لهم في إخباره بالغيوب وقال في كتابه «شامل الأصل والفرع المطبوع بالمطبعة
السلفية بالقاهرة عام 1348 هجري، بعد كلام طويل في عدة صفحات على ترتيب آي القرآن ونزوله على سبعة أحرف ما نصه: قيل كان معجزا لكونه بسبعة أحرف، والتحقيق عندي أنه معجز بنظمه ومعجز أيضا بمعانيه، وقال بعض بنظمه،
وبعض بمعانيه، وبعض بمجموعهما (ص 48 ج 1) اهـ
وقال القطب أيضا في كتابه «الذهب الخالص المنوه
بالعلم القالص طبع بالمطبعة السلفية بالقاهرة عام 1343 هجري، عند الكلام على الإيمان بكتب الله عموما وبالقرآن خصوصا ما نصه: والإعجاز بالإيجاز والبلاغة والبيان
والفصاحة
، وبعدم
کلال قارئه وملل مستمعه وبخرق العادة
في نظمه، وبالإخبار بالغيب وبأخبار من مضى وبجمعه علوما لم يجمعها غيره من حلال وحرام ومواعظ وأمثال، وبصرف الهمة عن معارضته، وعارضه قليل فافتضحوا
(ص 21 - 22)
(1) الآية 31 من سورة الانفال (1/60)
صفحة 61
هذا ما أمكن نقله من كلام أكبر علماء إباضية المغرب في القرن الثالث عتر والرابع عضر، الشيخ محمد بن يوسف
طفيش المولود عام 1236 هـ والمتوفى عام 1332 هـ. ودونك ما أمكن نقله كذلك من كلام أكبر علماء الإباضية بالمشرق (عمان) الشيخ عبدالله بن حميد السالمي المتوفى في نفس العام الذي توفي فيه عالم المغرب، هو عام 1332 هـ، قال في منظومته الألفية المسماة «شمس
الأصول»:
أما الكتاب فهو نظم نزلا على نبينا وعنه نلا توترا وكان في إنزاله إعجاز من ناواه في أحواله وقال في شرح البيتين من شرحه نفسه لهذه المنظومة المسمى «طلعة الشمس المطبوع في جزأين بمطبعة الموسوعات بشارع باب الخلق بالقاهرة في أوائل هذا القرن ما نصه: عُرّف الكتاب والمراد به كتاب الله تعالى بأنه النظم المنزل على نبينا محمد الله المنقول عنه تواترا، والحال أن في إنزاله إعجاز من قصد معارضته في شيء من أحواله من نحو بلاغته الباهرة وتراكيبه الظاهرة، وبراهينه القاهرة (ص 27 ج 1) وقال: في منظومته في أصول الدين المسماة
«أنوار العقول»:
?? (1/61)
صفحة 62
والأصل للفقه كتاب الباري إجماع بعد سنة المختار وقال في شرحه لهذا البيت في شرحه الصغير الذي وضعه هو نفسه لمنظومته «أنوار العقول» المسمى «بهجة الأنوار» وهو مطبوع على هامش الجزء الأول من «طلعة الشمس» الأنف الذكر ما نصه: أصول الفقه ثلاثة: كتاب الله وسنة رسول الله ال و إجماع المهتدين من الأمة، فأما الكتاب فلأنه معجز وهو من عند الله ولاشك، ولا يسع جهله، بل ولا الشك فيه لمن قامت عليه حجته، واختلف في وجه إعجازه هل هو من حيث التركيب على أنه أفحم البلغاء فيها، أو من حيث الإخبار بالغيب، أو من حيث إخباره عن الأمم الخالية، أو من حيث عدم التناقض فيه، مع طوله؟ أقوال، والظاهر أن كل ذلك معجز.
هذا ما أمكن نقله من أقوال بعض الأعلام الإباضية
علماء
المتأخرين في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجري ودونك بعض ما قاله الأئمة المتقدمون، قال الشيخ الإمام أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي المارغني، وهو من القرن الخامس والسادس الهجري في كتابه الذي وضعه في أصول الدين وعلم الكلام والتوحيد ويسمى «كتاب السؤالات» لأنه سلك في تأليفه طريقة السؤال والجواب، وهو مخطوط موجود في بعض الخزائن الخاصة والعامة ولم يطبع. قال في
62 (1/62)
صفحة 63
السؤال التاسع والأربعين: الفرائض لا يصح عملها إلا بعلمها وبعضها حجة لبعض ... إلى أن قال: والحجة في التكليف
العقل الصحيح والحجة التي يعتصم بها العباد من الضلال والكفر الكتاب والسنة، والحجة التي يثبت بها فرض الدين على العباد الكتب والرسل، والحجة في صواب المصيب وخطا المخطئ الأصل المجتمع عليه من الكتاب والسنة، والحجة فيما يسع هو أن تعلمه من كتاب الله أو من سنة رسول الله الا الله أو مما أجمع عليه المسلمون مما دانوا به، ثم قال بعد كلام طويل في بيان أقسام الحجة ما نصه: والحجة في الكتاب الإجماع والاعجاز، وأقل ما يثبت الإعجاز به
في القرآن سورة لقوله تعالى: (قل فأتوا بسورة مثله وأقلها ثلاث آيات وهي سورة الكوثر، فثبت أن الإعجاز يقع بثلاث آيات، فإن قال بماذا كان القرآن إعجازا فقل نظامه وسرده، وقيل علم الغيب، وإن قال بماذا جاز فيه وبعد كلام طويل في صفحات أقام فيها الحجة بإجماع أهل الملل كلهم بأن القرآن من قبل محمد مظهر
التكرار
فشهر، ومن قبله نجم فبهر قال ما نصه: فإن قال هب الأمر كما ذكرتم بأن من قبل محمد الظهر ومن قبله نجم وبهر فمن أي وجه صار معجزا؟ قلنا من ثمانية أوجه:
63 (1/63)
صفحة 64
أحدها الايجاز والبلاغة كقوله عز وجل: ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب (1) فجمع في كلمة عدد حروفها عشرة، فوائد كثيرة، ومتى عارض بعض اليهود هذه. الكلمة بقول العرب: القتل أنفى للقتل، قيل له فأين هذا هذا، الأول عشرة أحرف، وهذه أربعة عشر حرفا من والثاني البيان والفصاحة كالذي حكى أبو عبيدة قال: سمع رجل رجلا يقرأ * فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا (2) قال شهدت بأن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام، سمع آخر رجلا يقرأُ فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (3) فقال سجدت لفصاحة هذا الكلام، والثالث أن قارئه لا يكل ومستمعه لايمل، والرابع كونه خارقا للعادة وخارجا عن سائر نظومات العرب من سجعهم وشعرهم وخطبهم، والخامس ما انطوى عليه من أخبار الغيوب ... والسادس هو ما أخبر عنه من أخبار الماضين وأحاديث
E
الأولين ... والسابع كونه جامعا لعلوم لم تكن في غيره من الكتب من الحلال والحرام والقصص والأخبار والمواعظ والأمثال ... والثامن الصرفة صرف همهم عن معارضته ولو
عارضوه لما قدروا عليه بشيء ... )
(1) الآية 179 من سورة البقرة (2) الآية 80 من سورة يوسف (3) الآية 94 من سورة الحجر (1/64)
صفحة 65
هذا ما قاله صاحب السؤالات وهو بعد كل وجه من وجوه الإعجاز يؤيده بأخبار وروايات، وقد نقل عنه من جاء بعد من المؤلفين هذه الأجوبة كما فعل الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن عمرو بن أبي ستة، في حواشيه على کتاب «قواعد الاسلام» لمؤلفه الشيخ أبي طاهر اسماعيل بن موسى الجيطالي صاحب كتاب «القناطر» حيث قال في الحواشي المذكورة ما نصه: «وذكر أيضا في السؤالات أن
إعجاز القرآن من ثمانية أوجه أحدها الإيجاز ... الخ» وأظن أن في هذا القدر ما يكفي لبيان رأي الإباضية في وجوه إعجاز القرآن ولم نر من ذكر الصرفة من وجوه الإعجاز من الإباضية إلا الشيخ أبا عمرو صاحب «السؤالات» على أنه قد جعل الصرفة الوجه الثامن مضموما إلى الأوجه السبعة التي يقول بها الجمهور.
أما الاقتصار على الصرفة كسبب واحد للإعجاز فإنه لم يبلغنا عن إمام من أئمتنا المتقدمين والمتأخرين، وإذا ذكر
في بعض كتبهم فإنما يذكر كقول منسوب لغيرهم.
سؤال: هل العبادات يرتبط بعضها ببعض؟
الجواب: الصوم والصلاة والزكاة والحج وجميع فرائض الدين غير التوحيد مرتبطة ببعضها باعتبار، ومنفصلة
باعتبار، فمن جهة وجوب القضاء وصحة الأداء، منفصلة تمام (1/65)
صفحة 66
الانفصال، فمن حافظ على صلاته وأضاع صومه ثم تاب قضى الصوم دون الصلاة اتفاقا والعكس، وهكذا فيما عداهما، لا يبطل فرض بتضييع الآخر الا إن كان شرط. صحته، كالوضوء مثلا، أو كالوقوف في عرفات للحج، وأما من جهة النجاة في الآخرة فإن جميع الفرائض مرتبطة بعضها ببعض تمام الارتباط، فمن مات مضيعا لفريضة من الفرائض كالصلاة مثلا غير تائب ولانادم، فإنه يخلد في النار ولا ينفعه سائر عمله، وقل مثل هذا في الذي مات مضيعا لزكاة ماله غير تائب ولا نادم ولا موص بها. وهذا معنى قول
الشيخ أبي نصر رحمه الله:
ألا كل شيء ذاهب منه بعضه
ففي بعضه ستمتـ
للمرقن
سوى الدين مهما زال منه أقله
مضى كله والبعض من ذاك لا ذاك لا يغني
وهذا معنى نفي الإيمان عن تارك فريضة ومرتكب معصية كما تشهد به عشرات الآيات وعشرات الأحاديث في
جميع كتب السنة، وما هي عن مثلكم بخافية.
سؤال: ما حقيقة الصراط في الآخرة؟
الجواب: قال تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيما
فاتبعوه (1) اختلف العلماء في معنى الصراط فقالت
(1) الآية 153 من سورة الانعام (1/66)
صفحة 67
الأشاعرة هو جسر يمر على جهنم أدق من السيف وأرق من
الشعر، وقالت الإباضية هو طريق الحق، ولكن كلا منهم نظر إلى ناحية وترك الأخرى، والقول الحق أنهما صراطان: أما الصراط الذي ورد في القرآن في قوله تعالى: واهدنا الصراط المستقيم (1) وقوله: ويهديهم إليه صراطا مستقيما) (2) وغيرها من الآيات، فهو بمعنى طريق الحق. وقد ثبت كذلك بالقرآن والسنة، أن الصراط جسبر يمر على جهنم أو على حافتها كما في قوله تعالى: وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا، ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا (3) يعوزنا هنا بعض الأحاديث وقد ثبت أنهم يمرون عليها، أما
4
أصحاب جهنم فيسقطون فيها، وأما الناجون فيمرون سالمين، وأما صفة هذا الصراط ومكانه فذلك من علم الله تعالى ولادخل لعقول العباد فيه، وهذه المسألة ليست من الأصول التي يجب على العباد أن يكفر بعضهم بعضا لأجلها، لأنها لا تتعلق بصفة من صفات الله تعالى.
سؤال: وصلني كتابك تسأل فيه عما يشاع من نزول عيسى بن مريم في آخر الزمان، أصحيح هو أم خرافة؟ الجواب: قد روى بعض أصحاب الحديث في ذلك
(1) الآية 6 من سورة الفاتحة (2) الآية 175 من سورة النساء (3) الآية 72 من سورة مريم
67 (1/67)
صفحة 68
أحاديث لا نعلم مبلغها من الصحة، وهي في مجموعها لا تفيد علما يقينيا، والاعتقاد في مثل هذه الأمور الغيبية لا يمكن أن يبنى إلا على أدلة قطعية، وأنى لمثل هذه الأدلة في مسألة نزول عيسى، وعليه فجوابنا عن سؤالك هذا هو:
الله أعلم.
والسلام عليك أولا وآخرا، والاشتغال بغير هذا من المهمات الدينية والدنيوية أولى وأحرى، لأن البحث فيما سألت عنه لا يأتي بنتيجة مطلقا مهما طال وامتد فلا يعدو أن
يكون تضييعا للعمر فيما لافائدة فيه
حفظك الله ورعاك لأخيك: بيوض ابراهيم بن عمر. سؤال: حضرة الأستاذ الجليل: أرجوكم تحقيق القول فيما قرأته من بعض الكتب في سياق الحديث عن نزول القرآن الكريم وقد وردت فيه العبارة التالية، «فمنهم من قال إن الله أملاه (القرآن) على جبريل عليه السلام مرة واحدة وجبريل هو الذي ينزله حسب الأسباب والمواقف على
الرسول
" ...
وما رأي المذهب الإباضي في المسألة؟
الجواب: ما سمعنا قط بهذا القول الذي ذكرته في رسالتك، ونصه: «فمنهم من قال إن الله أملاه (القرآن) على جبريل عليه السلام مرة واحدة وجبريل هو الذي ينزله حسب الأسباب والمواقف على الرسول) (1/68)
صفحة 69
وإننا لنستغفر الله من كتابتنا لهذا الكلام الذي لانظن بمسلم مؤمن بالله حق الإيمان أن يجرؤ على مثل هذا
القول، والله تبارك وتعالى منزل الكتاب يقول في وصفه بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ) (1) ويقول: إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين) (2) وكل ما بلغنا من خلاف إنما هو في تأويل قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) (3) (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) (4) شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن (5) مع العلم بأن القرآن نزل منجما في بضعة وعشرين عاما وهذا أمر يقيني لاشبهة فيه ولا ريب. فرأى بعض العلماء اعتمادا على بعض الروايات أن نزوله في ليلة القدر في رمضان إنما هو إلى السماء الدنيا جملة واحدة في ليلة القدر، ومنها إلى الأرض منجما كما هو معلوم، والمحققون على أن نزوله في ليلة القدر إنما هو ابتداء نزوله، والآية من القرآن تسمى قرآنا، ومهما يكن فإنه لا يجوز أن يقال إن جبريل هو الذي ينزله حسب الأسباب والمواقف على الرسول بعد أن كان
(1) الأيتان 21 و 22 من سورة المعارج (2) الآيات 77 - 80 من سورة الواقعة
(3) الآية 1 من سورة القدر (4) الآية 3 من سورة الدخان (5) الآية 185 من سورة البقرة
نزوله
79 (1/69)
صفحة 70
حفظه جملة قبل ذلك، فإن القرآن كلام الله وهو الذي ينزله على رسوله محمد بواسطة جبريل الروح الأمين، والله وحده عالم الغيب والشهادة العليم بمقتضيات وأسباب النزول، فيوحي بما يشاء إلى الروح الأمين ليبلغه إلى الرسول الأمين الذي يبلغه إلى الناس أجمعين، وهذا من الأمور الغيبية التي لا ينبغي الخوض فيها لأن حقيقتها لا تعرف إلا بوحي من الله وقد انقطع الوحي وختمت الرسالة بموت خاتم النبيئين فلا مطمع في الوقوف على حقيقة
ذلك
فليست المسألة مسألة مذاهب فقهية حتى تسأل فيها عن
مذهب الإباضية ونسبة التنزيل حسب الأسباب والمواقف إلى
جبريل من محفوظه المنزل عليه قبل فيه من الخطر ما فيه
فاتقوا الله وكفوا عن هذا
•
سؤال: ما الفرق في الأصول بين عقيدة الجناوني
وعقيدة الشيخ عمر بن جميع الجربي المترجمة عن
البربرية؟
الجواب: إنه لافرق فى الأصول بين عقيدة الجناوني
وعقيدة الشيخ عمر بن جميع المترجمة عن البربرية، ولا أعرف على وجه التحقيق من هو مؤلف النص البربري، كما
لا أعرف كذلك أيهما الأقدم.
70 (1/70)
صفحة 71
الطهارات
الطهارات والنجاسات
سؤال: ما حكم الكحول طهارة ونجاسة؟ وما حكم
العطور المختلطة به؟
الجواب: أما سؤالك عن طهارة الكحول أو نجاسته وعن حكم العطور المخلوطة به، فاعلم أن أصل هذا إنما هو اختلاف الفقهاء في نجاسة عين الخمر وطهارتها، ونحن
نختار القول بطهارة العين ولا دليل قطعي على نجاستها وأما الكحول المتخذ للوقود أو للتعقيم أو التطهير وقتل الجراثيم وللأدوية وللعطور، فليس في الاصطلاح يسمى خمرا، ولا يمكن أبدا أن يعطى حكم الخمر في نجاسة العين حتى عند القائلين بنجاستها فإنه مطهر مزيل لكل خبث قاتل الجراثيم العفونات والأمراض فلا يمكن أن يقال فيما هذا طبيعته إنه نجس بالظن.
هذا مع عموم البلوى باستعماله بصورة واسعة جدا وضرورية، فقد أصبح من لوازم البيوت، تضمخ به الأيدي
عند إرادة معالجة الجراح، وتغسل به عند التلوث ببعض هذه
الجروح، كما تعقم به أدوات العمل واللفافات
•
71 (1/71)
صفحة 72
هذا وأنت تعلم أن لعموم البلوى اعتبارا في الشرع فيما لا قطع فيه، نعم إن شربه للسكر صرفا أو ممزوجا حرام قطعا
لا ريب فيه.
هذا ما من الله به في الجواب وأرجو أن يكون عين
الصواب.
سؤال: ما حكم الكحول على اختلاف أنواعه؟ أطاهر
هو أم نجس؟
الجواب: الكحول طاهر العين سواء منه ماكان للوقود أو ما يدخل في الأدوية والعطور فلا نجاسة فيه ولا ينتقض
الوضوء بمسه، وتجوز الصلاة بالأثواب المضخة به
سؤال: هل العطور التي فيها كحول نجسة؟
الجواب: إنها طاهرة وإن مادة الكحول طاهرة مطهرة مذهبة لكل درن، معقمة لكل ما يخشى منه عدوى مضرة فلا وجه مطلقا للقول بنجاستها حتى عند من يرى نجاسة عين
الخمر، وهو قول مرجوح.
VY (1/72)
صفحة 73
فتوى أُخرى في العطور
وأما الكحول (الالكول) الذي يمتزج مع العطور فإنه
طاهر لانجاسة فيه ولا تنجس الروائح الممتزجة به
•
سؤال: ما حكم الرائحة الطهارة أم النجاسة؟ الجواب: الظاهر أنك تسأل عن الروائح الطيبة أعني العطور بمختلف أنواعها، فاعلم أنها طاهرة لاريب في ذلك، وإنها من الطيبات لا من الخبائث، وقد يشتبه عليك الأمر بالكحول الذي يمزج بها، فاعلم أنه في أصله طاهر غير نجس، فلا ينجس ما مزج به
سؤال: ما حكم الروائح التي تملأ واجهات أكثر متاجرنا من ناحية استعمالها أطاهرة أم نجسة؟
الجواب: إننا لانعلم أن شيئا من النجاسات المنصوص
عليها شرعا يدخل في تركيب هذه الروائح العطرية التي تشير إليها، فمن أين تأتيها النجاسة أو يرتاب في
طهارتها؟ فهي عندنا طاهرة طيبة
•
سؤال: ما حكم الصابون طهارة ونجاسة؟
الجواب: أما الصابون فما تحققتم أنه خال من شحوم الحيوانات وودكها فهو طاهر، وما تيقنتم خلطه بها، فنجس. وما توقفتم فيه فدعوه واتركوه حتى تعلموا ما فيه،
73 (1/73)
صفحة 74
واحتاطوا لأنفسكم، وتحروا لدينكم، فإن ترك الذنب أيسر
من التوبة، ولا يعدل العاقل بالسلامة شيئا
وأما الماء المعبر عنه (بالزاوق) فإنني لا أعرف أصله غير أنه اشتهر عند الناس أنه معدن، فإذا كان كذلك فهو طاهر، والظاهر أنه معدن كما يقول الناس، ومن السهل عليكم وأنتم قريبون من علماء الكيمياء أن تقفوا على أصله ولا يكلفكم ذلك تعبا ولا نفقة
7 صفر 1357 الموافق لـ 29 مارس 139
فتاوي أُخرى في الصابون ثم في
العطور الممتزجة بالكحول
وبعد، فإننا لم نحكم بطهارة ولا بنجاسة نوع خاص من الصابون كما نقل إليك عنا، وإنما قلنا بطهارة ما تحقق أنه
خال من الشحوم، وأن ودكه زيت خالص معتصر من نبات زيوت أو غيره. وأما الروائح فأصلها من الزهور ولكن بعضها يمزج بالكحول، فما لم يمزج بهذه المادة فهو طاهر قطعا لاشبهة فيه، وما مزج بالكحول فإن خلاف العلماء في ظهارته ونجاسته ثابت، وقد اختار الشيخ ابراهيم اطفيش طهارته وأفتى بها، كبعض كبار العلماء من قومنا وليس عندنا ما
ندفع به حجتهم من دليل قاطع فقبلناها
القرارة 11 ربيع الأول 1357
74 (1/74)
صفحة 75
سؤال: ما حكم أثر النجاسة بعد تمام غسلها؟
الجواب: إذا أصابت الثوب نجاسة ما: منيا أم دما أو
غيرها وجب غسله، فإذا اجتهد في غسله حتى كان ماء الغسيل ينزل نظيفا خاليا من لون النجس فإن الأثر الذي
يبقى في الثوب بعد ذلك لا يمنع من الصلاة فيه
•
سؤال: ما حكم البلل الخارج من العرق وليس بدم
ولا بول ولا يخرج من أحد السبيلين؟
هي
فيما
الجواب: إن حكمه الطهارة فإن النجاسة إنما خرج من أحد السبيلين القبل أو الدبر وفي الدم المسفوح الخارج من أي جزء من أجزاء الجسم عرقا كان أو غيره، وأما ما لم يكن دما كالقيح وما يشبهه من مادة بيضاء أو صفراء مثلا فإنه طاهر غير نجس
سؤال: ما حكم الثياب المتنجسة التي غسلت غسلا جيدا بالماء والصابون ولم يبق أثر للنجاسة بها وأزيلت رغوة الصابون بالماء أخيرا بيد أن الغاسل لم يقل «بسم الله، الله
أكبر» عند نهاية الغسل أطاهرة هي أم نجسة؟ الجواب: إن إزالة النجس من الأبدان والثياب وغيرها من المتنجسات أمر معقول المعنى، لاتجب فيه نية، وتتم الطهارة بزوال أثر النجاسة، فيحكم بطهارة ذلك الشيء الذي كان متنجسا ولا يشترط في ذلك أي شرط غير التحقق من
Vo (1/75)
صفحة 76
النساء
زوال أثر النجاسة. أما ما يعتقده بعض الجهلة من وأشباههن من أن الغاسل للشيء المتنجس لابد أن يقول عند إمراره الماء أخيرا على المغسول «بسم الله، الله أكبر» وإن لم يقل ذلك فإن الشيء المغسول يبقى نجسا، فهذا لا أصل له في الشريعة وهو خطأ واعتقاد باطل، لا يلتفت إليه مطلقا، فإن المقصود بالذات في التطهير إنما هو إزالة أثر النجاسة من المتنجس فقط بدون قيد ولا شرط، نعم ينبغي للمسلم إذا أراد أن يشرع في أي عمل ذى بال أن يقول
«بسم
الله» حتى
يبارك الله له في عمله ويعينه عليه له أسباب
پيسر
نجاحه، كما ورد في الحديث الشريف: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر) (1) أي لا يبارك
الله فيه
•
سؤال: ما حكم ثوب المحتلم؟
الجواب: من استيقظ من نومه وقد أجنب فوجد أثراء المني في بعض ثيابه فإنه لا ينجس من ثيابه التي كان لابسها في حال نومه إلا ما وجد فيه أثر المني، وأما غيره فطاهر،
فلا
يجب عليه إلا غسل النجس فقط
(1) رواه احمد في صفحة 359 من الجزء الثاني من مسنده بلفظ: كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتتح بذ اكو الله عز وجل فهو أبتر وقال أقطع. وأورده الألوسي في تفسير فاتحة الكتاب من تفسيره «روح المعاني»
76 (1/76)
صفحة 77
دم
الحيض والنفاس
سؤال: امرأة نفست قبل الصبح فهل تغتسل للظهر
والعصر يوم الأربعين؟
الجواب: أما إذا رأت الطهر في يوم الأربعين أو قبله
فإنها تغتسل وتصلي الصلاة التالية وجوبا إجماعا بلا خلاف
مطلقا
بين
علماء
الأمة
، فإن الطهارة لا تكذب، كما يقول
ساعة
الفقهاء، وأما إن دام بها الدم إلى تمام الأربعين ولم تر طهرا فإنها تنتظر ثلاثة أيام على القول المشهور المعتمد في الفتوى ثم تغتسل وتصلي، ومعلوم بالضرورة أنها إن رأت الطهر داخل ثلاثة الأيام اغتسلت وصلت، للقاعدة المتقدمة تبقى مسألة حساب الأيام أين يبتديء وأين ينتهي وهذا هو ما أشكل عليك على ما يبدو من نص سؤالك، فاعلم أن حساب الأيام في الحيض والنفاس، إما أن يكون من لساعة، أعني من ساعة نزول الحيض أو وقوع النفاس الى، بعد الأيام المعدودة، وهذا هو الأظهر الموافق لطبيعة الأشياء والذي اختاره قطب الأئمة الشيخ اطفيش رحمه وهذا لا إشكال فيه ولا لبس، وإما أن يكون من الطلوع والغروب، أعني أن المرأة إذا حاضت أو نفست بعد طلوع الفجر أو طلوع الشمس عند بعض، تلغى ذلك اليوم، ولا الأربعين في النفاس أو من أيامها المعتادة في
مثلها
تعده من
الله
الحيض، وإنما تبتدئ الحساب من غروب شمس ذلك اليوم (1/77)
صفحة 78
أي اليوم التالي، وإن حاضت أو نفست قبل طلوع الفجر أو قبل طلوع الشمس عند قوم، ابتدأت الحساب من ذلك اليوم. فمسألتك التي نصصت فيها أن الولادة وقعت قبل الصبح فإن ذلك اليوم محسوب قطعا، أما اليوم الذي تكمل به الأربعين فليس عليها من ظهره ولا من عصره شيء، ويبدأ انتظارها من غروب ذلك اليوم عند من يقول بالانتظار وهو الجمهور، ومن لم يقل به فإنها عنده تغتسل بعد المغرب للمغرب والعشاء وما بعدهما.
سؤال: امرأة تدعي أن في رحمها جنينا راقدا منذ مدة، ولكنها تحيض دائما كالمعتاد، فهل تعتبر هذا الحيض وتترك الصلاة في أيامه أم تصلي بالدم؟
الجواب: إننا لا نعترف بهذا الراقد، وانتظام الحيض دليل على بطلانه، فلتتبع طريقها المعتادة المشروعة بأن تترك الصلاة أيام حيضها وتصلي أيام طهرها، لا يجوز لها
غير ذلك
سؤال: هل يجوز للنفساء أو الحائض أن تنقض شعرها وتغسل رأسها من شدة ودكها قبل يوم الغسل الشرعي، ثم لا تنقضه بعد ذلك عند الغسل الشرعي، بعد رؤية الطهر، وإنما تغمز قرونها غمزا فقط من غير نقض؟
78 (1/78)
صفحة 79
الجواب: نعم يجوز لها ذلك إن لم تطل المدة بين نقضه وغسله أولا، وغسل الطهارة الشرعي، ولم يقيد الفقهاء المدة بعدد معين من الأيام، فالمرأة هي الخبيرة بحالها وبطبيعة شعرها، فلها وحدها الحكم في ذلك، فإذا وجدت تلبدا أو ودكا كثيرا نقضت وإلا غمزت
سؤال: ما هي كيفية غسل شعر المرأة للجنابة، وهل يجب عليها في كل مرة نقض ضفائرها وإيصال الماء الى أصول الشعر وجلد الرأس؟ ملاحظة أن كثرة الماء تحدث
فيه تساقطا؟
الجواب: إن الأفضل هو حل الشعر وإيصال الماء الى أصوله، ويجوز لها أن تصب الماء عليه مضفورا كما هو وتغمز ضفائرها أي تضغط عليها بيدها) وإن تحقق تضرر الشعر بغسله ولو بهذه الصورة، جاز لها أن تترك غسله وتتيمم له بعد غسل سائر بدنها، هذا في الجنابة، وأما في النفاس والحيض الطويل المدة فلا بد من نقضه وإيصال الماء الى جلدة الرأس، أما الحيض القصير المدة، كثلاثة أيام
وأربعة مثلا، فحكمه الجنابة، يكفي فيه صب الماء مع غمز
الضفائر.
79 (1/79)
صفحة 80
في المني والمذي وما شاكلهما والاغتسال من الجنابة
سؤال: ما حكم من استمنى عمدا وضيع الغسل لجهله بوجوبه عليه في مثل هذه الحال؟
الجواب: خروج المني موجب للغسل قطعا نصا وإجماعا لانعلم في ذلك خلافا، كيفما كان السبب: جماعا حلالا أو حراما أو استمناء بيد أو نحوها أو احتلاما أو حتى بالنظر أو التفكر، ومع بقاء الجنابة بعدم الاغتسال لا تصح الصلاة. ولاعذر بجهل الوجوب فالمستمني الذي ظن أن الغسل غير واجب عليه لأنه فعل ذلك بنفسه لا بغيره هو، والمتعمد لترك الغسل مع العلم بالوجوب، سواء في بطلان صلاتهما وصومهما إن وقع ذلك في رمضان ليلا أو نهارا
ذلك أو بوجوب
على هذا المضيع غسل الجنابة جهلا تعمدا، قضاء كل صلاة صلاها بجنابة مع القدرة على الاغتسال، وأما رمضان فإن كانت جنابته في ليله فلم يغتسل
فإن عليه قضاء كل يوم أو مما قبلها من ليال، وليس عليه غير القضاء شيء، وكذلك إن حدثت الجنابة في نهار رمضان باحتلام من غير تعمد وضيع الغسل، فإن حكمه كحكم سابقه، القضاء فقط لسائر الأيام التي صامها بجنابته تلك.
صامه متلبسا بجنابة سابقة من ليلته
80 (1/80)
صفحة 81
وأما إن أجنب متعمدا في نهار رمضان بمباشرة زوجته الحلال أو بأية طريقة أخرى متعمدة كالاستمناء ونحوه، فإن
کله
هذا هاتك لحرمة رمضان، فاسق عاص، ينهدم صومه ولانجاة له إلا أن يستشعر الندم على ما بدر منه ويتوب
ألا
ويستغفر مما مضى ويقلع ويتوب توبة نصوحا، وهي العزم يعود الى الذنب كما لا يعود اللبن الى الضرع. ثم يقضي جميع رمضاناته التي ارتكب في أنهارها هذه الفاحشة، ثم يكفر عن كل رمضان كفارة مغلظة، وكذلك الحكم لمن انتهك حرمة رمضان بالأكل أو الشرب تعمدا، عليه التوبة والقضاء والكفارة لكل رمضان هتك حرمته.
يندب ويستحسن للمجنب القادر على الاغتسال إذا كان وقت الصلاة المفروضة بعيدا، أن يتطهر من النجاسة وأن يتيمم فيباح له مس المصحف وتلاوة القرآن والسجود ودخول المسجد، وما لا ينبغي أن يمارسه من الأعمال على غير طهارة، حتى إذا جاء وقت الصلاة اغتسل الغسل التام للتطهر من الجنابة بل ينبغي هذا حتى لمن أراد أن ينام بعد الجنابة فيتطهر من الأنجاس، ويتيمم وينام على طهارة، ويذكر الله بالأذكار الواردة عند النوم وعند الاستيقاظ من النوم. ففي ذلك فضل كبير وتطهير للروح وتسريح لها
لتسبح في ملكوت الله وتكون رؤياها صادقة بفضل الله
81 (1/81)
صفحة 82
لا
الاغتسال من المذي وهو ما يخرج من الرجل يجب عند التشهي أو المداعبة مع زوجته مثلا، وليس ذلك بجنابة
ولا يجب منه الاغتسال
•
لا مانع من حلق الشعر أو تقليم الأظافر قبل الاغتسال
من الجنابة.
المسح على الخفين
سؤال: من أين تواتر مع قومنا المسح على الخفين حتى خفي على أوائل أصحابنا رضي الله عنهم؟
ذلك شيء على
الجواب: إن المسح على الخفين مما اشتهر فيه الخلاف في الصدر الأول، ولم يخف من أوائل أصحابنا رضي الله عنهم، فروى فيه الربيع رحمه عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس وعن عائشة
الله
ما يدل على المنع منه. وعلى أن رسول الله ما لم يفعله وقال الربيع رحمه الله في مسنده بعد روايته لأحاديث المنع: (والله أعلم بما يرويه مخالفونا في أحاديثهم) وقال بعضهم في الجمع بين الروايتين المتعارضتين في مسح النبيء له على خفيه وعدمه، أنه كان قد مسح قبل نزول آية المائدة ثم ترك المسح لنسخه بقوله تعالى: وأرجلكم الى الكعبين) (1) في الآية المذكورة، على أنه قد روي
(1) الآية 6 من سورة المائدة
AY (1/82)
صفحة 83
عنه
بعد
العلماء
أنه ما لبس الخفين قط بعد نزول الآية، والخلاف ذلك مشهور بين علماء الأمة قديما وحديثا في الجواز
والمنع وفي شروط الجواز على القول به، وقد قال بعض في أحاديث المسح «أظنها كلها موضوعة لم تصح عن رسول الله، ولا نرى نحن وضع هذه الأحاديث كلها، وإنما الذي نميل إليه هو أن النبيء مسح أولا وترك أخيرا، فروى كل صحابي ما رآه ولم يره غيره، أو علمه ولم يبلغه بعد ذلك ما جد غير ما علمه، وقد تفرق الصحابة في الأمصار وأطراف الجزيرة العربية، فتحدث كل بما سبق إليه علمه وروى الناس عنهم ما سمعوا منهم من أحاديث، وهذا من أعظم الأسباب في اختلاف الأئمة في مسائل كثيرة لا تكاد تعد ولا تحصى ولعل في هذا الاختلاف رحمة بالأمة، وبعد كل هذا فما من شك في أن غسل الرجلين أولى وأحوط وأسلم. وقد ذهب جميع القائلين بالمسح الى أن
الغسل أفضل
في الوضوء ونواقضه
سؤال: تاجر يتوضأ فيصلي الظهر ثم يفتح دكانه فتدخل النساء للشراء وهن سافرات ومتبرجات فيتعامل معهن ولكنه لا ينظر إليهن بشهوة، وإنما يعتبرهن مثل الرجال، فهل ينتقض وضوءه؟
83 (1/83)
صفحة 84
الجواب: إن مثل هذا لا ينتقض وضوءه وليس عليه
إعادة، فليصل به العصر والمغرب والعشاء، ما لم ينقضه ناقض آخر، إنما الذي ينقض الوضوء هو النظر المتعمد المقصود بشهوة، كما صح به الحديث عن رسول الله ما فاتقوا الله ما استطعتم، وغضوا من أبصاركم، واحفظوا فروجكم، ذلك أزكى لكم.
حفظكم الله وسلمكم.
سؤال: إنسان أصيب بمرض تتكون منه غازات في بطنه تخرج منه ريح في كل وقت، فقد لا يكون بين نفس وآخر أكثر من خمس دقائق، فهل يسوغ له ترك الوضوء والاكتفاء بالتيمم؟ الجواب: إذا كان الوضوء هو السبب في هذا المرض وأنه يزول عنه إذا ترك الوضوء، - وهذا ما لا نظنه ـ فإنه يجوز له ترك الوضوء، وإذا لم يكن للوضوء تأثير في المرض وإنما يشق عليه فقط تجديد الوضوء كلما انتقض بخروج الريح فإنه لا يجوز له ترك الوضوء، وإنما الذي يجوز له أن يجمع بين الصلاتين، الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، فيتوضأ ثم يقف لصلاتهما، ويجتهد في ضبط نفسه، ولا يضيره بعد ذلك، ما خرج منه أثناء صلاته
لا يكلف الله نفسا إلا وسعها (1)
(1) الآية 286 من سورة البقرة
84 (1/84)
صفحة 85
في التيمم
سوال: شخص ضعيف جهاز البول، يتطهر جيدا بإزالة النجس ثم يستنجى ويتوضأ ولكن بعد ذلك بقليل تنزل منه قطرات بول، فكيف يصنع بصلاته وطهارته، وهل يسقط عليه الاستنجاء والوضوء، ويكون واجبه التيمم؟ الجواب: إذا كان ترك استعمال الماء في الاستنجاء والوضوء يزيل هذا الداء، داء قطر البول منه، وتحقق ذلك
بتجارب متكررة، أعني أنه إذا استعمل الماء أُصيب بهذا القطر، وإذا تركه ارتفع عنه، فإن هذا يسقط عنه فرض استعمال الماء فيتيمم، وأما إذا كان ترك استعمال الماء لا يؤثر في إزالة هذا المرض فإن عليه أن يستنجى ويبادر الى الصلاة ويجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، في أول الوقت أو وسطه أو آخره، كما يتيسر له، المهم أن يبادر الى أداء الصلاة فور تطهره، قبل أن ينزل
ويتوضأ
منه شيء، ولا يضره بعد هذا التحري ما يخرج منه الخلاصة: أنه يتوضأ لكل صلاتين ويجمع بينهما كما، وله أن يصلي جالسا ويضع تحت مخرج البول خرقة،
ولا يضره ببطلان صلاته ما يخرج منه في تلك الحال، فلا
يكلف الله نفسا إلا وسعها
•
هذا ما من الله به في الجواب وأرجو أن يكون صوابا
85 (1/85)
صفحة 86
سؤال: هل يجب على من تيمم للجنابة لعذر شرعي
أن يغتسل إذا وجد الماء؟
الجواب: إذا تيمم المجنب للجنابة لعذر شرعي يسقط عنه الغسل ويبيح له التيمم ثم صلى بذلك التيمم صلاة فريضة من الصلوات الخمس فإن الجنابة ترتفع عنه ولا تبقى عالقة به فلا يجب عليه غسل لتلك الجنابة بعد ذلك إذا ارتفع المانع إلا أن تتجدد جنابة أخرى.
سؤال: ماذا يفعل من تعذر عليه الوضوء والاغتسال لسبب من الأسباب وهو يؤدي واجبه الوطني في الخدمة
الوطنية؟
الجواب: أما ما أشرتم إليه من بعض الصعوبات التي تعترضكم في سبيل الطهارة بالاغتسال والاستنجاء والوضوء فإنكم تعلمون أن من شروط صحة الصلاة طهارة البدن والثوب والمكان والاغتسال والوضوء، فإذا تعذر عليكم الاغتسال أو الوضوء لسبب من الأسباب فإن التيمم يجزيكم إن شاء الله وإياكم والتهاون أو الميل الى الراحة والله معكم إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (1) حفظكم الله وردكم الى أهليكم سالمين معافين. سؤال: ما الذي أصنعه إذا لم يكن عندي إلا ماء قليل لا يكفي للاغتسال وإنما يكفي للوضوء وعلي جنابة؟
(1) الآية 128 من سورة النحل
AT (1/86)
صفحة 87
الجواب: إذا لزمتك جنابة ولم تجد إلا ماء قليلا لا يكفيك للاغتسال وإنما يكفيك للوضوء فقط، فتوضأ به وتيمم للجنابة فتجزيك صلاتك إن شاء الله
AY (1/87)
صفحة 88
[صفحة فارغة] (1/88)
صفحة 89
الصلاة
اتخاذ الوطن
سؤال: ما قولكم في بلدتنا (الأصنام) وفي القطر الجزائري كله، هل هو دار شرك، أم دار إسلام، ودار حرب أم دار سلم، وهل يجب الإتمام على المتأهل والمالك في الصلوات إن كانت دار شرك، أم يجب على كل منهما القصر لا الإتمام. وكذا إن كانت دار إسلام وسلم أيجب الإتمام بها؟ (1)
الجواب: المعتمد في المذهب والذي عليه الجمهور هو أن البلاد التي غلب عليها سلطان المشركين دار شرك، لا دار إسلام، وإن كان مسلموها يظهرون فيها شعائر دينهم، وعليه فلا يجوز توطينها لغير أهلها الذين سبقوا الشرك فيها، وأما أهلها الذين دخل عليهم الشرك فيجوز لهم البقاء فيها واستمرار توطينها ما وجدوا لإظهار دينهم سبيلا. ولا تجب عليهم الهجرة منها لأن الهجرة منسوخة بعد فتح مكة أعزها الله، فبلاد الجزائر اليوم بما فيها ميزاب وغيره ككل المستعمرات التي تحكمها الدول المشركة ـ أوروبية وغيرها - دار شرك من حيث إنه لا يجوز لمن كان في دار إسلام كعمان أو الحجاز أن يوطنها. أما أن ينزلها لطلب العلم أو
قضاء حاجة فقط فجائز.
(1) وُجة هذا السؤال إلى الشيخ رحمه الله إبان حكم فرنسا للجزائر، وهذا ما يُصوّر
نظرة الناس إلى الاستعمار يومئذ.
89 (1/89)
صفحة 90
وأما من حيث الحكم على أهلها بالشرك والبراءة والقتل والغنيمة والسبي فلا، لتيقن وجود السلمين فيها ـ كما يحل لهم - بل المسلمون فيها هم الأكثرون عددا وإن غلبوا على أمرهم. إذا تقرر هذا، فنحن معشر المسلمين الميزابيين والجزائريين يجوز لنا توطين ما شئنا من هذه البلاد لأننا سبقنا الشرك فيها، فدخل علينا، ولم ترد عليه، ومن وطن
شيئا منها أتم وجوبا ولم يقصر.
•
وأما قولكم هل يجوز الإتمام على من تزوج في بلد
وملك فيها دارا أم يجوز له القصر؟
فاعلموا أن مذهب إمامنا أبي عبيدة - رحمه الله ـ أن من ملك دارا في بلد أتم فيه ولو لم يتزوج، وقال غيره إذا تزوج أتم ولو لم يملك، فما بالكم بمن تزوج وملك، فاتخذ أهلا ودارا، فهذا يجب عليه الإتمام ولا يجوز له القصر، ولو لم ينو التوطين إذا كان مقيما في أهله وماله، لأن مجرد التأهل واتخاذ الدار توطين ولو لم ينو، هذا ما حققه وقرره الشيخ نور الدين السالمي - رحمه الله ـ وكفى به حجة وهذا ماندين به ونفتي به، فصوابه أظهر من أن يخفى على عاقل، فمن التهاون بالدين والعبث بالشريعة أن يقيم الإنسان آمنا مطمئنا في دار بين ظهراني أهله وأولاده السنين الطوال ثم يقصر بدعوى أنه مسافر، إنه إن لم يكن هذا إقامة وتوطينا، فلا إقامة قط ولا توطين (1/90)
صفحة 91
وأما دعوى البعض أن القصر واجب عليهم وإن تأهلوا أو
ملكوا خارج ميزاب لأنها دار شرك، لا يجوز توطينها ولا الإتمام فيها فخطأ وباطل، لأنها لو كانت كذلك بالنسبة إليهم لحرم التزوج بها عليهم. فإن دار الشرك لا يجوز فيها نكاح ولا تسر ولا عتق ولا توطين ولا بناء دار ولا مسجد، وقد بينا قبل، أن البلاد التي فيها أكثرية مسلمة وشعائر
الإسلام فيها ظاهرة، ولكن غلب عليها سلطان المشركين إنما هي دار شرك بالنسبة إلى غير أهلها من أهل دول الإسلام، فإنهم لا يوطنونها، لأن ذلك منهم رضا عن اختيار لحكم الطاغوت بعد حكم الله، فكأنهم خرجوا من ربقة الإسلام إلى غل الكفر والعياذ بالله، ويلحق بهم من نزع وطنه من دار الشرك، وقد كان من أهلها، فإنه لا يجوزله رده فيها، فما يكون له أن يعود في دار الكفر بعد إذ نجاه الله منها، وإن
فعل فقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.
هذا ما
من الله
•
به في الجواب على سؤالكم بعد الرجوع إلى ما حققه الأئمة في المسألة، وأرجو أن أكون قد وفقت إلى بيان وجه الحق فيها، فإن كان صوابا فمن المولى الكريم سبحانه، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان فلا عصمة إلا للأنبياء عليهم السلام.
جمادي الثانيه 1354 هـ
الموافق لشهر سبتمبر 1936
91 (1/91)
صفحة 92
سؤال: ذكرت في رسالتك أنك اتخذت أوطانا أربعة تصلي فيها صلاة حضر: الحجاز وغرداية وعاصمة الجزائر وأولني، وسألتني عن الحدود التي تفصل عن غيره، حتى يكون من جاوز هذا الحد مسافرا يقصر الصلاة، فدونك بعض الأحكام العامة في حكم الحضر والسفر، تستفيد منها جواب
سؤالك.
•
الجواب: 1 ـ لا بد للإنسان في هذه الحياة أن يكون له وطن يُعتبر فيه حضريا، وأن يكون له موضع آخر يعتبر فيه مسافرا، أعني أنه لا يجوز له أن يكون في الأرض كلها حضريا، لا سفر له، أو يكون في جميع الأرض مسافرا لا حضر له، لأن الله تبارك وتعالى ذكر الحضر والسفر، وشرع لكل واحد منهما أحكاما في العبادات
2 - وطن الإنسان الأول وطن آبائه وأجداده، وله أن
يتخذ بعد بلوغه وطنا آخر.
3 - وطن المرأة وطن زوجها.
4 - يجوز للرجل أن يتخذ أربعة أوطان منفصلة، كما له أن يتزوج أربع نسوة.
5 - ليس للوطن حدود باعتبار السعة والضيق وإنما هذا راجع إلى نية المستوطن، فيجوز له أن يتخذ قطرا بأكمله مثلا وطنا له، كأن يتخذ القطر الجزائري كله بحدوده الأربعة وطنا له، وإنما الذي لا يجوز هو أن يتخذ الأرض
كلها وطنا بحيث لا يكون مسافرا في أي جزء منها.
92 (1/92)
صفحة 93
6 ـ إذا جاوز حد عمران وطنه بمقدار اثني عشر كيلومترا إلى أي جهة كانت صار مسافرا، وجرت عليه أحكام السفر،
من تقصير الصلاة، ورخصة الفطر في رمضان وغير ذلك
وأما في حالتك الخاصة، فإننا نستحسن لك للخروج من الحيرة والشكوك والريبة أن تنوي اتخاذ مكة والمدينة وما بينهما وطنا تتم فيه الصلاة، فإذا جاوزت عمران مكة جنوبا أو عمران المدينة شمالا، بمسافة مقدار القصر أصبحت مسافرا، وإن أضفت إليهما جدة كان أحسن في نظرنا،
(
والكل وطن واحد. وأما غرداية فنستحسن لك أن تتخذ منطقة ميزاب بقراه السبع وطنا كله، فإذا دخلت أمياله من جهة بريان أو القرارة أو العطف أو النمراط أو غيرها من الجهات كنت داخل وطنك، وإذا خرجت من أمياله من أي جهة من هذه الجهات صرت مسافرا وجرى عليك حكم السفر، أما داخل هذه الحدود فأنت حضري تجري عليك أحكام الحضر. وأما الجزائر فنستحسن لك أن تتخذ العاصمة وضواحيها يسمى اليوم عرفا بالجزائر الكبرى وطنا واحدا، ويدخل
مما
فيها مطار العاصمة بالدار البيضاء، ولا نرى البليدة داخلة
فيها. وأما أولني فيبدو لنا أن تتخذ باريس كلها وضواحيها بما فيها أولني والمطارات ودار العرش وكليشي وطنا واحدا، تتم الصلاة فيه أينما كنت، ولا تعتبر نفسك في أي ضاحية
93 (1/93)
صفحة 94
من
هذه الضواحي مسافرا، خاصة إذا كان يكثر ترددك عليها لقضاء الحاجات، وأظن أنه بهذه الكيفية تزول حيرتك واضطرابك وتطمئن نفسك لعبادتك
تنبيه: حد مسافة القصر الذي هو اثنا عشر كيلوميترا، کما ذکر آنفا. قد أخذه العلماء من المسافة التي بين المدينة المنورة وذي الحليفة ميقات أهل المدينة الذي حدده النبيء للسفر كما هو المشهور. عل الله
سؤال: هل يجوز للإنسان أن يعتبر القطر الجزائري كله من أدناه إلى أقصاه وطنا له حيث لا يعتبر نفسه مسافرا في أي مكان كان في أرجاء القطر كله، فيتم الصلاة الرباعية ولا يتمتع برخص الله للمسافر في الصلاة والصيام
والطهارة وغيرها، هذا هو السؤال مع بعض الشرح. الجواب: إن الله تبارك وتعالى ذكر السفر في آيات كثيرة من كتابه الكريم، وخصه بأحكام صريحة واضحة، فعلم من ذلك أن الإنسان على ظهر هذه الأرض إما أن يكون مقيما في وطنه فتجري عليه أحكام الإقامة، وإما أن يكون خارج وطنه فتجري عليه أحكام السفر، فلا يجوز مطلقا أن يكون مقيما في الأرض كلها، ولا أن يكون مسافرا في الأرض كلها كذلك، فلا بد إذن من أن يكون له على ظهر هذه الأرض مكان له يعتبر فيه مقيما لتجري عليه أحكام الإقامة شرعا، فإذا خرج منه وتجاوز عمرانه بمقدار ستة
94 (1/94)
صفحة 95
هي التي
أميال مثلما بين المدينة المنورة وذي الحليفة، كان مسافرا تجري عليه أحكام السفر شرعا، وهذه المسافة حدها رسول الله الله لبيان حد السفر للخارج من وطنه ولكن الشريعة لم تحدد للوطن ضيقا ولا سعة، وقد يكون قرية صغيرة أو مدينة متوسطة أو كبيرة، هي موطن الآباء والأجداد، وقد يكون حوزة أعني مجموعة قرى متقاربة متشابكة المصالح، إذا خرج من عمرانها بالمسافة المذكورة كان مسافرا شرعا، ويجوز له أن يتخذ قطرا من الأقطار كله
ذلك
بحدوده الأربعة وطنا له، كالقطر الجزائري كله، ينوي ويعتقده، فيكون أينما وجد في أي جزء من أجزائه حضريا، مقيما شرعا، فإذا جاوز حده إلى المغرب الأقصى أوتونس أو ليبيا مثلا كان مسافرا. إنما الذي لا يجوز هو أن يوطن الأرض كلها، والفقهاء يقولون: «لا وطن لمن وطن الدنيا أما تيسر وسائل النقل وراحة المسافرين وزوال المشقة عنهم فلا دخل لها في أحكام السفر مطلقا. فقد علم الله تبارك وتعالى ذلك، وخفف الأحكام عن المسافرين بدون
قيد أو شرط.
سؤال: وصلتني رسالتك تسأل فيها عن تقصير الصلاة في السفر، وهل له مدة محدودة، وعن مفهوم الوطن، وحد، وعن أحكام أخرى تتعلق بالمسألة، فدونك الجواب
السفر
باختصار: (1/95)
صفحة 96
الجواب: تقصير الصلاة الرباعية في السفر واجب ما
دام الإنسان خارج حدود وطنه ناويا الرجوع إليه غير متخذ المكان الذي هو فيه وطنا ثانيا، وغير متأهل فيه ولا متملك دارا فيه، فإذا اتخذ الأهل والدار وجب عليه الإتمام، وإلا فلا حد الاعتباره مسافرا يقصر الصلاة مهما طالت المدة، والأفضل في السفر أداء كل صلاة في وقتها مع تقصير الرباعية، ويجوز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، في وقت الأولى أو في وقت الثانية، أو في الوسط بينهما. والموظف العامل خارج وطنه الذي هو في حالة تنقل دائم، يعتبر مسافرا في كل بلد نقل إليه، غير وطنه الأصلي. والزوجة تابعة في الوطن لزوجها، فوطنه هو وطنها، تُتم حيث يتم، وتقصر حيث يقصر، والوطن الأصلي للإنسان هو وطن آبائه وأجداده. وحدوده اثنا عشر كيلومترا تقريبا من كل جهة، ابتداء من حدود عمران القرية إن كانت منفردة، وإن كانت حوزة أي مجموعة قرى متقاربة، فإن حساب الاثني عشر كيلومترا يبتدئ من آخر عمران كل قرية في جميع الجهات، وتلك هي المسافة التي حددها النبيء الا الله للسفر. وهي مقدار ما بين المدينة المنورة وبين ذي الحليفة، كما حفظناه عن أشياخنا، فمن تجاوز هذه المسافة من وطنه ضاربا في أرض الله كان مسافرا فرضه التقصير حتى يعود. وله أن يتخذ أي بلد من (1/96)
صفحة 97
بلاد الإسلام وطنا له مع وطنه الأصلي فيتم الصلاة في كل منهما، أو ينزع وطنه الأصلي، فإذا عاد إليه كان مسافرا فيه، ولا حد لمساحة الوطن، فيجوز أن يتخذ القطر الجزائري كله بحدوده الأربعة وطنا له، يتم فيه الصلاة. إنما الذي لا يجوز مطلقا هو أن يتخذ الدنيا أي الأرض كلها وطنا. فإن الله تبارك وتعالى ذكر السفر وشرع له أحكاما فلا بد للإنسان إذن أن يكون في بعض البلاد حضريا، وفي
بعضها مسافرا.
سؤال: ماذا يجب على إنسان يعمل في بلد غير وطنه، وهو يمكث فيه أكثر مما يمكثه في وطنه، هل يصلي صلاة حضر أم يصلي صلاة سفر؟ وهل تجب عليه
صلاة الجمعة أم لا؟
الجواب: إذا لم يتزوج في البلد الذي يعمل فيه ولم يملك فيه دارا، ولم يتخذه وطنا، بل يعتبر نفسه فيه، وهو يتردد دائما بين وطنه وبلد عمله، ويأمل أن
مسافرا
يعود إلى وطنه آخر الأمر للاستقرار فيه إن مد الله في عمره، فإنه يعتبر مسافرا ولو كان مكثه في بلد عمله أطول مكثه في وطنه فيصلي صلاة سفر لا حضر. ولا تجب عليه صلاة الجمعة لأنها لا تجب على المسافر، وإن صلاها في المسجد مع الذين يقيمونها فيه صحت صلاته وأجزته عن
من
صلاة الظهر، وكان له بذلك فضل عظيم إن شاء الله.
97 (1/97)
صفحة 98
سؤال: أنا طالب بجادو وليس لي فيها أهل، وبلدتي هي تندميرة أذهب إليها في أوقات العطل، فكيف أصلى
بجادو أقصرا أم تماما؟ الجواب: وطنك الأصلي هو وطن آبائك وأجدادك الذي تصلي فيه صلاة حضر، فإذا خرجت منه وتجاوزت حد السفر وجب عليك القصر حتى تعود إلى وطنك إلا إذا اتخذت البلدة التي تعمل فيها أو تتعلم فيها وطنا ثانيا لك أو إلا إذا اتخذت جبل نفوسة كله من نالوت غربا إلى حدود الجبل شرقا وطنا لك أو اتخذت تراب الجمهورية الليبية وطنا لك فإنك حينئذ تصلي التمام أينما كنت في قرية أو مدينة أو فلاة داخل حدود وطنك، وتقصر إذا خرجت منه وتجاوزت حد السفر، ولا حد لكبر الوطن أو صغره فيجوز للإنسان أن يتخذ ما شاء من أرض الله غير دار الشرك وطنا له، وإنما الذي لا يجوز هو أن يتخذ الأرض كلها وطنا يتم فيها الصلاة فإن الله تبارك وتعالى جعل في الأرض حضرا وسفرا، وجعل لكل منهما حكما خاصا به فيما شرعه من وسفرا، وجعل لك منهما حكما خاصا به فيما شرعه من عبادات، فاتخذ إن شئت أيها الأخ جادو أو الجبل أو ليبيا وطنا تخرج من حيرتك
سؤال: موظف يعمل خارج وطنه وقد توفرت له وسائل الراحة في مقر عمله من مسكن تام المرافق كامل التجهيز وهو غير مستقر فيه طويلا حيث إنه يتردد على بلده
98 (1/98)
صفحة 99
من حين لآخر، فهل يصلي في مقر عمله هذا تماما أم
قصرا؟
مکان
الجواب: لابد للإنسان في هذه الدنيا من وطن يصلي فيه التمام وهو في الأصل وطن آبائه وأجداده، وبالنسبة للمرأة المتزوجة وطن زوجها، ولا بد له كذلك من يعتبر فيه مسافرا وتجري عليه أحكام السفر، وقد ذكر الله في كتابه الكريم السفر وشرع له أحكاما خاصة هنا، ومن أجمع العلماء على أنه لا يجوز للإنسان أن يتخذ الارض كلها وطنا له، بحيث لا يكون مسافرا في أي جزء منها فإن هذا مناقض لحكم الله وشرعه للحضر والسفر، وعليه فالخارج من حدود وطنه مقدار ما بين المدينة المنورة وذي الحليفة إلى أي جهة كانت من الجهات الأربع يكون مسافرا في حكم الشرع يصلي القصر ويباح له الفطر ما لم يعد إلى وطنه، إلا إن نوى اتخاذ البلد الذي انتقل إليه للعمل فيه مثلا وطنا ثانيا له فإنه حينئذ يكون في وطنه، فيتم ولا يقصر ولا يباح له الترخص بالفطر في رمضان، ومن لم ينو اتخاذ البلد الذي يعمل فيه وطنا آخر له، بل يعتبر نفسه فيه مسافرا سينتقل عنه إلى وطنه الأصلي، فإنه لا يزول عنه وصف السفر فيصلي صلاة المسافر ويترخص بالفطر إن شاء، وإن طالت مدة إقامته، فليس طول الإقامة في أي بلد
توطينا، وإنما التوطين يكون بالنية والقصد، ولا دخل
99 (1/99)
صفحة 100
لتوفر المرافق ولا لقلتها في التمام ولا في القصر، كما لا دخل لعدم المشقة في بعض الأسفار كأسفار الملوك مثلا في التمام والقصر ورخصة القصر، فمناط الحكم إنما هو مطلق السفر وهو الكون والوجود خارج الوطن.
سؤال: جاءني في كتابك الذي تسأل فيه بعض أسئلة شرعية ملخص كل منها والجواب عنه على التوالي: إنك اتخذت عاصمة الجزائر وطنا لك حيث ملكت وتزوجت وولدت وألغيت وطن آبائك الذي هو غرداية إلغاء تاما حسب تعبيرك. فهل يجوز لك أن تصلي في غرداية عند زيارتك
لها صلاة سفر؟ الجواب: إنه يجب عليك وجوبا شرعيا أن تصلي بغرداية صلاة سفر تقصر الرباعية، ولا تصليها تماما، إلا إذا
صليت وراء إمام حضري.
سؤال: ما حكم صلاة السفر؟ وكيف يتحقق للإنسان
أربعة أوطان الجواب: لا بد لأي إنسان أن تكون له على ظهر هذه الأرض حالة سفر وحالة حضر، ولا يمكن مطلقا أن يكون حضريا أبدا في جميع بقاع الأرض ولا مسافرا أبدا في جميع
بقاع الأرض.
والحالتان ثابتتان بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، وحكمهما في الصلاة والصوم وصلاة الجمعة وغير ذلك
1 .. (1/100)
صفحة 101
مختلف، ولا حد لاتساع الوطن وضيقه وإنما تحدده النية والقصد، وقد استنبط العلماء من إباحة الله تبارك وتعالى
اتخاذ أربع زوجات جواز اتخاذ أربعة أوطان إذ له أن يتزوج الزوجات الأربع في أربعة أقطار متباعدة، فتكون له أوطانا يكون مسافرا في حالة تنقله بينها، فإذا دخل أميال أي واحد منها كان داخل وطنه، وإذا خرج من أمياله كان مسافرا، حتى يدخل أميال وطنه الآخر.
سؤال: إذا سافرت إلى الحج، فهل أصلي في والمدينة ومكة القصر أم التمام؟
جدة
الجواب: إنك إذا سافرت من الجزائر التي هي وطنك فإنك تصلي صلاة السفر التي هي القصر، في أي بلد كنت في مكة والمدينة وجدة، أو في باريس ولندن ونيويورك. لا فرق بين بلد وبلد الا بين الوطن وغيره، ففي الوطن صلاة حضر وتمام، وفي غير الوطن صلاة سفر وتقصير.
سؤال: هل يجوز لعامل أو تاجر في التل أن يصلي
حضرية؟
الجواب: يجوز لمن يعمل في أي بلد غير وطن آبائه وأجداده أن ينوي اتخاذ ذلك البلد وطنا له يصلي فيه التمام، وينبغي لمن اتخذ دارا مسكنا له في البلد الذي يعمل فيه، وكان له أهل أي زوجة فيه، أن يتخذه وطنا،
1.1 (1/101)
صفحة 102
وقد اعتبر بعض العلماء اتخاذ الدار والأهل في أي بلد توطينا له، يكون فيه مقيما لا مسافرا. فيصلي التمام ولا
يجوزله القصر.
سؤال: هل تستطيع أن تصلي صلاة حضر لأن معك
عائلتك؟
الجواب: نعم تستطيع أن تصلي حضرا ما دمت مقيما
بعائلتك
في أوقات الصلاة
سؤال: ما حدود وقت المغرب والعشاء وهل يجوز حقا تأخيرهما إلى آخر الليل؟
الجواب: أول وقت المغرب غروب الشمس وآخره غروب الشفق الأحمر، حيث يبتدئ وقت العشاء، وآخره ثلث الليل أو نصفه أو آخره، بحيث يدرك قبل طلوع الفجر. وعند كثير من العلماء ومنهم الإباضية أن وقتهما مشترك، فمن كان يجوز له الجمع لسفر أو لغيم أو لعلة كسلس البول أو انطلاق البطن أو نحو ذلك من العلل يسوغ له الجمع بينهما في أول الوقت الأولى بتقديم الآخرة، أو في وقت الآخرة بتأخير الأولى ذلك التقديم أو
جمع
ويسمى
جمع
التأخير، وقد فعل النبيء لا كلا الأمرين، فكلاهما
سنة، والإفراد عند عدم الضرورة أفضل، ولا يحكم بعصيان
102 (1/102)
صفحة 103
من أخرهما إلى آخر الليل ثم صلاهما قبل الفجر، للقول باشتراكهما في الليل كله، فإن طلع الفجر ولم يصلهما أو
إحداهما كفر.
سؤال: هل يجوز تأخير صلاة المغرب والعشاء إلى
الثامنة ونصف ليلا؟
الجواب: إن تأخير العشاء لا بأس به وأما تأخير المغرب فمكروه شديد الكراهة، ومن أخره عن وقته الأول ليتهيأ له باللباس والطهارة الواجبين إن كان وقته لابسا لثياب نجسة وغير متوضئ ثم أداه بعد ذلك فلا شيء عليه إن
شاء الله
سؤال: متى ينتهي وقت صلاة العشاء أو صلاة
المغرب والعشاء جمعا في السفر؟
الجواب: إن المشهور المعتمد في آخر وقت العشاء هو ثلث الليل كما ثبت في حديث تعليم جبريل حدود
أوقات الصلوات للنبيء.
سؤال: رجل ثقيل النوم لا يستيقظ في الوقت فهو يصلي الفجر بعد طلوع الشمس أو مع طلوعها أو قبل طلوعها
بدقائق، فما حكمه؟ وهل تصح صلاته؟
الجواب: إن من نام عن الصلاة ولم يستيقظ من نومه حتى خرج وقتها فإنه يصليها عند ذلك، أعني بعد إفاقته
103 (1/103)
صفحة 104
مباشرة فذلك هو وقتها كما نص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس عليه في ذلك من حرج، فلا إثم ولا كفارة، بشرط أن يكون قد نام قبل دخول وقتها، وبشرط أن لا يكون أفاق من نومه بعد دخول الوقت ثم عاد إلى نومه، فإن ذهب إلى النوم بعد دخول الوقت وقبل أن يصلي أو أفاق من نومه في الوقت ثم عاد إلى النوم قبل أن يصلي فلم يستيقظ إلا بعد خروج الوقت، فإن حكمه حكم التارك المتعمد، عليه التوبة من ذنبه وقضاء صلاته وأداء الكفارة. أما من أدرك صلاة الصبح قبل طلوع الشمس بدقائق، أو أدرك صلاة العصر قبل الغروب بدقائق فلا بأس عليه فإن الوقت لم يخرج بعد وأما حال الطلوع أو الغروب فقد نهي عن الصلاة فيهما، فعلى من أراد الصلاة في ذلك الوقت وقد بدأت الشمس تطلع أو تغرب أن ينتظر حتى يتم الطلوع أو الغروب، ذلك أمر
رسول الله الله
سؤال: ما هو الحد الزمني بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء؟
الجواب: إن تحديد أوائل الأوقات وأواخرها على طرف التمام منك فيما بين يديك من كتب الفقه والمعتمد عليه اليوم والمفتى به هو اشتراك الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في الوقت، فما بين زوال الشمس وبين ما يكفى من الوقت لأداء الظهر والعصر قبل الغروب وقت لهما، وما بين
104 (1/104)
صفحة 105
غروب الشمس وبين ما يكفى من الوقت لأداء المغرب والعشاء قبل ثلث الليل أو نصفه عند بعض وقت لهما أعني أنه لا يحكم بكفر تارك الأولى من الصلاتين إلا إذا لم يبق من الوقت ما يدركها فيه مع التي تليها، هذا هو أيسر الأقوال وأوفقها بحال زماننا، فلا يمكننا مطلقا أن نفتي بغير هذا وإلا كفرنا وكفرنا الناس جميعا، وأنت خبير أن هذه رخصة تمسكنا بها، وإلا فإن أول الوقت أفضل من وسطه وآخره، بما لا يقدر ولا يقوم، فأفضل الأعمال الصلاة
لوقتها.
سؤال: هل الظهر والعصر مشتركتان في الوقت؟ الجواب: صلاة الظهر والعصر مشتركتان في الوقت، وكذلك المغرب والعشاء، صحت بذلك السنة، وهو مذهب الأصحاب، ولكن الأفضل والأولى أن تصلى كل في وقتها
إلا لعذر.
سؤال: سألت في كتابك عن جواز تقديم صلاة العصر عن وقتها، ويفهم بالضرورة أنك تريد بالتقديم صلاة العصر في وقت الظهر الذي يبتدئ بالزوال. إذ لا يتصور غير ذلك، وهذا يدعونا إلى البحث في الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، وهل وقت العصرين مشترك، ووقت العشاءين مشترك كذلك؟ فدونك ما تيسر تحريره باختصار.
1.0 (1/105)
صفحة 106
الجواب: في صحيح الربيع الجزء الأول في الباب الثالث والأربعين «باب القران في الصلاة» حديث 251 (أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبيء عل الله صلى الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء الآخرة جميعا في غير خوف ولا سفر، ولا سحاب ولا مطر) اهـ. وقد استدل به صاحب الإيضاح حيث قال: وقال بعض أصحابنا، الظهر والعصر مشتركان في الوقت وكذلك في المغرب والعشاء، والدليل على هذا القول حديث ابن عباس وساق الحديث كما مر ... ثم قال: ويؤيد هذا الحديث ما روي أنه قال عليه الصلاة والسلام في قوله عز وجل: وأقم الصلاة لدلوك الشمس، قال: (يعني بدلوك الشمس الظهر والعصر إلى غسق الليل) (يعني المغرب والعشاء) وقرآن الفجر) (يعني) صلاة الفجر). هذا ما روي عنه عليه السلام دليل على اشتراك وقت الظهر والعصر وكذلك المغرب والعشاء، والدليل أيضا قوله تبارك وتعالى فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ... ) (1)
وفي رائية الشيخ أبي نصر رحمه الله:
فكل صلاة وقتها حاصل لها وشدد في ذا قائلوه على إصر
(1) الآية 130 من سورة طه وكذلك الآية 39 من سورة ق
106 (1/106)
صفحة 107
قال شارحه: إن القائلين بذلك ضيقوا على المكلفين أمر
الصلاة حيث لم يشركوا بين الظهر والعصر في الوقت وبين المغرب والعشاء فيه أيضا، وقالوا يأثم مؤخرها عن وقتها المختص بها إلى دخول وقت تاليتها، ويكفر كفر نفاق وتلزمه مغلظة وهو قول الربيع بن حبيب رحمه الله تعالى وجماعة، ثم قال بعد ذلك: «وحاصل معنى البيت وزيادة القائلين بانفراد كل صلاة بوقتها وبإثم مؤخرها عنه وكفره ولزوم المغلظة له، ضيقوا على المكلفين أمر الصلاة مع قوله تعالى: وما جعل عليكم في الدين من حرج وقوله: (بعثت بالحنيفية السمحة) وقول بعض العلماء «الدين يسر لا عسر وفي الرائية بعد ذلك:
وأفرط ما قد قيل فيها اشتراكها
نها را وليلا فاطرح ذا على حجر
وأوسطها فالظهر والعصر شركة
كذاك صلاة الليل وقت لها يسري
قال شارحه: إن أعدل الأقوال في الخمس وأحسنها القول
باشتراك الظهر والعصر في الوقت، وباشتراك المغرب والعشاء في الوقت أيضا، وبانفراد صلاة الصبح بوقتها، ثم قال وحاصل معنى البيت وزيادة أن القول باشتراك الظهر والعصر في الوقت، والمغرب والعشاء في آخر، هو الأحسن والأليق والمعتمد عليه والمعمول به عند أصحابنا
رحمهم
الله،
والأرفق بضعف الأمة.
107 (1/107)
صفحة 108
قال الشيخ المحشي رحمه الله في حاشيته على مسند الربيع: باب القرآن في الصلاة: اعلم أنه يجوز الجمع بين الصلاتين عند أصحابنا. لأسباب ذكر منها في الوضع خمسة حيث قال: وفي الأثر أنه يجوز جمع الصلاتين لخمسة أشياء: أحدها المسافر، والثاني: المريض المدنف، والثالث: من خفيت عليه أوقات الصلاة بالسحاب، والرابع: الواقف بعرفة يوم عرفة للحج، والخامس: البائت بجمع إذا أفاض من عرفات ... وزاد في القواعد: المستحاضة والمبطون. وزاد في الإيضاح: من له عذر بين يخاف منه للقوات في الأنفس والأموال وأشباه ذلك، فليراجع. قال في القواعد: وقد اتفق الناس على جواز الجمع بعرفة والمزدلفة واختلفوا في غير هذين الموضعين، فأجازه الجمهور من الناس ومنعه أبو حنيفة وأشياعه ... وقال ابن حجر بعد كلام: وهذا مما وقع فيه الخلاف بين أهل العلم فقال بالإطلاق كثير من الصحابة والتابعين ومن الفقهاء الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأشهب. وقال قوم: لا يجوز الجمع مطلقا إلا بعرفة ومزدلفة وهو قول الحسن والنخعي وأبي حنيفة وصاحبيه، إلى أن قال: وأجابوا عما ورد من الأخبار في ذلك بأن الذي وقع جمع صوري ... ثم رد بما يطول ذكره. هذا كله من كلام المحشي. ثم قال والذي عليه أصحابنا رحمهم الله أنه يجوز الجمع عند وجود
بعد
ذلك:
1. A (1/108)
صفحة 109
سببه تقديما وتأخيرا سائرا ونازلا، إلا أنه يختلف الحال في الأفضل من الجمع والإفراد. قال في الإيضاح ... الخ، ثم قال المحشي بعد بحث طويل ونقل عن ابن حجر وغيره من شراح الصحاح: وقد ذهب جماعة من الأئمة إلى الأخذ بظاهر هذا فجوز الجمع في الحضر للحاجة، لكن يشترط أن لا يتخذه عادة، وممن قال به ابن سيرين وربيعة وأشهب وابن المنذر والقفال الكبير وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث إلى أن قال: فقلت لابن عباس لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحد من أمته، وللنسائي من طريق عمرو بن هرم عن أبي الشعثاء أن ابن عباس صلى بالبصرة الأولى والعصر ليس بينهما شيء، والمغرب والعشاء ليس
بينهما شيء، فعل ذلك من شغل وفيه رفعه إلى النبيء إلى أن قال: وما ذكره ابن عباس من التعليل بنفي الحرج جاء مثله عن ابن مسعود مرفوعا. أخرجه الطبراني ولفظه: (جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء فقيل له في ذلك، فقال: صنعت هذا لئلا تحرج أُمتي) (1) وهذا كله يؤيد ما ذكره صاحب الإيضاح رحمه الله من الاشتراك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء والله أعلم. انتهى نص المحشي.
(1) ورواه الترمذي في باب الجمع بين الصلاتين من أبواب الصلاة
1.9 (1/109)
صفحة 110
ومثل هذا في حاشية الشيخ السالمي على الجامع الصحيح وفيه: وهو ـ أي القول بالاشتراك ـ قول أبي الربيع
سليمان بن يخلف رحمه الله
وفي وفاء الضمانة ج أول ص 103: عن أبي هريرة موقوفا عليه لا مرفوعا إليه الا الله من خشي أن ينام قبل صلاة العشاء فلا بأس أن يصلي قبل أن يغيب الشفق، وقاس بعض.
العلماء بها العصر
وبعد، فقد علمت أن الجمع بين الظهر والعصر وبين
المغرب والعشاء في عرفات والمزدلفة والسفر والمرض وعند خفاء أوقات الصلوات بالسحاب والمطر وعند الخوف مما ثبتت به السنة النبوية الصحيحة أمرا وفعلا وانعقد عليه الإجماع، وإنما الخلاف في جواز الجمع فيما عدا ذلك قال بالجواز مطلقا كثير من الصحابة والتابعين ومن الفقهاء الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأشهب على ما ذكر ابن حجر، وقال قوم بعدم الجواز إلا فيما وردت به السنة، ثم قد علمت أن الربيع بن حبيب روى في صحيحه بسنده إلى ابن عباس أن النبيء لله صلى الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء الآخرة جميعا في غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر) (1) وسمعت عن ابن مسعود أنه
(1) رواه الربيع في الباب الثالث والأربعين من صحيحه.
110 (1/110)
صفحة 111
جمع
قيل له في ذلك فقال: (صنعت هذا لئلا تحرج أُمتي) فالجمع مجمع عليه في حالات، مختلف فيه في غيرها، والغرض منه رفع الحرج عن الأمة سواء أكان جمعا حقيقيا بشروطه المنصوص عليها في كيفيته، أو جمعا صوريا كما عنه بعض الفقهاء والمحدثين، وهو أن يعبر يصلي الأولى ثم يقوم بعدها للثانية من غير نية جمع أو تقييد بكيفية معينة، سواء أكان في وقت الأولى أم في وقت الثانية أم بين الوقتين، فالجمع إذن جمع تقديم كان أو تأخير - وكلاهما ثابت في السنة ـ دليل قوي واضح على اشتراك الوقتين وإلا فكيف تصلى الأولى في وقت الثانية أو الثانية في وقت الأولى، مهما كان السبب أو الضرورة. زد على هذا تعذر التحقق من الحد الفاصل بين الوقتين في الظهر والعصر وفي المغرب والعشاء، بخلاف الغروب الفاصل بين صلاة النهار وصلاة الليل، وبين طلوع الفجر الفاصل بين صلاة الليل وصلاة الصبح، وطلوع الشمس الذي يخرج به وقت صلاة الفجر. فإن التحقق بفواصل هذه الأوقات ممكن غير متعذر، لهذا رفع النبيء الحرج عن أمته باشتراك الظهر والعصر في الوقت، والمغرب والعشاء في الوقت، فالقول باشتراك هذه الأوقات هو الأصح والأقوى والذي يتعذر العمل بغيره في هذا الزمان إلا على المنقطعين للعبادة وإلا ما تقوم به المساجد من إقامة كل صلاة في
111 (1/111)
صفحة 112
وقتها بأذانها وإقامتها، أما الأفراد في مساكنهم وفي ميادين أعمالهم المتشعبة المختلفة، فإن لهم أن يقدموا أو يؤخروا حسب ما تقتضيه ضرورة عملهم داخل إطار الوقت الشرعي للظهر والعصر من الزوال إلى الغروب. وللمغرب والعشاء من الغروب إلى الفجر، إن الذي عليهم إنما هو في هذا الحال أداء الصلاتين في وقتهما المشترك، إما في أوله وإما في وسطه، وإما في آخره، وإن المئات من طلبتنا اليوم الذين يدخلون إلى المدارس النظامية بعد دخول وقت الظهر وقبل دخول العصر بكثير، ولا يخرجون من المدرسة إلا في وقت متأخر بحيث لا يدركون العصر، أو لا يخرجون إلا وقد خرج العصر، كلهم يصلون العصر مباشرة بعد صلاة الظهر في أول الوقت بأمرنا وبإرشادنا، وكذلك كثيرون من العمال في الإدارات والجنود في الثكنات يدخلون في أعمالهم الرسمية الواجبة بعد الظهر بقليل ولا يؤذن لهم في الخروج منها إلا
بعد فوات الوقت، أفلا يجوز لهؤلاء، بل أولا يجب عليهم. وجوبا أن يصلوا العصر بعد الظهر مباشرة، أولا يحملهم التشديد عليهم بهذا على ترك العصر أو التهاون به والعبث بأركانه وشروطه؟ ولو قدر لك أن تشهد هذا الوقت بعد الظهر في مسجدنا لرأيت الشباب يتزاحمون في الميضأة للتطهر ويسارعون إلى أداء الصلاتين الظهر والعصر في المسجد ثم ينطلقون سراعا إلى مدارسهم وإننا لنحثهم على
112 (1/112)
صفحة 113
هذا ونأمرهم به ونرجو بر ذلك وذخره عند الذي يقول في كتابه الكريم: وما جعل عليكم في الدين من حرج ويقول نبيه الكريم: بشروا ولا تنفرا ويسروا ولا تعسروا) جعلنا الله وإياكم من المبشرين الميسرين، ووقانا
شر المنفرين المعسرين
هذا ما من الله به في الجواب، وأرجو أن يكون مصيبا
كبد الصواب
•
سؤال: تقول في رسالتك إنك تصلي صلاة سفر وتجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، في البلد الذي أنت تتاجر فيه، ثم إنك اتخذت هذا البلد وطنا وصرت تصلي فيه التمام منذ مدة، لكن صعب عليك أن تصلي كل صلاة في وقتها، فهل يجوز لك أن تعود إلى صلاة السفر بالقصر والجمع؟ الجواب: إن شروط صلاة التمام متوفرة فيك فعليك
أن تداوم على صلاة الحضر تامة، ولا تعود إلى صلاة السفر استطاعتك أن تصلي كل صلاة منفردة في وقتها
(
وأما عدم من الصلوات الأربع الظهر والعصر والمغرب والعشاء لكثرة الأعمال، فاعلم أنه لا شك أن صلاة كل واحدة في أول وقتها أفضل. ولكن يقول كثير من العلماء اعتمادا على ما صح عن رسول الله الله أن الظهر والعصر مشتركتان في الوقت من الزوال إلى ما قبل غروب الشمس بمقدار أدائها، والمغرب
113 (1/113)
صفحة 114
والعشاء مشتركتان في الوقت من الغروب إلى ثلث الليل أو نصفه أو آخره، كذلك، فيجوز لك أن تصلي الصلاتين في أول الوقت أو وسطه أو آخره منفصلة إحداهما عن الأخرى لا على نية الجمع بحيث تصلي الأولى فإذا فرغت منها ودعوت الله بما يتيسر لك لدنياك وأخراك، قمت إلى الثانية فأديتها كما يجب عليك، وهذه رخصة من رسول الله الله وتخفيف عليه منه على أمته التي لا يريد أن يحرجها ولا يعنتها كما قال تبارك وتعالى في وصفه عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم (1)
الإمامة وصلاة الجماعة
سؤال: أين تقف المرأة في صلاة الجماعة؟
الجواب: إذا صلت المرأة وحدها مع إمام ذي محرم منها وقفت عن يساره متأخرة عنه قليلا، بحيث يكون
مسجدها حذاء منكب الإمام أو نحو ذلك. وإذا كان معها
معهم،
غيرها من الرجال فإن كانوا محارم جاز لها أن تصف وإن كانوا أجانب وجب عليها أن تقف خلفهم ولو وحدها، والأفضل للمرأة أبدا أن تتأخر عن صفوف الرجال ما
استطاعت
•
(1) الآية 128 من سورة التوبة
118 (1/114)
صفحة 115
سؤال: هل تصح صلاة الجمعة مع الإمام في أحد
الحرمين؟
الجواب: تصح صلاة الجمعة مع كل إمام مسلم يقيم صلاة الجمعة على وجهها في أي مسجد من مسجد من أي بلد من بلاد الإسلام، فإذا أمكنك أن تصلي الجمعة في كل
جمعة يوم
في المسجد الذي تقام فيه في (حسين داي فحسنا تفعل، وصلاتك صحيحة وتغنيك عن الظهر.
سؤال: هل يجوز للمتنفل أن يقيم الصلاة لجماعة تصلي الفريضة؟
الجواب: نعم يجوز ذلك، أعني يجوز لمن أدى فريضته بعد، ثم أدرك جماعة تصلي صلاة الفريضة وأراد أن نفلا أن يقيم الصلاة لتلك الجماعة لا يصليها معهم ذلك ولا حرج، إنما لا يجوز هو أن يجوز هو أن يقيم الصلاة للجماعة ثم
حجر في
يذهب من غير صلاة
•
سؤال: سألت
عن صلاة الحضر والسفر وإمامة الحضري
بالمسافر، وذكرت حالتك الخاصة في المسألة، فدونك
الجواب:
الجواب: أنت مقيم تصلي الحضر بعد أن كنت مسافرا، فلا داعي مطلقا للرجوع إلى حالة السفر التي كنت عليها، قدم على صلاة الحضر، ويجوز لك أن تصلي إماما
115 (1/115)
صفحة 116
صلاة حضر، وإن كان أكثر الذين يصلون معك مسافرين، فإن المسافر في أي بلد كان، إذا وجد إماما حضريا يصلي
حرج
مطلقا
وراءه صلاة جماعة كما يصلي الإمام تماما لا قصرا. وهذا أفضل له من أن يصلي وحده صلاة سفر، فلا على جميع الإخوان المسافرين أن يكون إمامهم يصلي صلاة حضر ويصلون معه مثل صلاته، ولهم في ذلك الأجر الكبير، وإذا كان الإمام يصلي صلاة سفر، فإن من صلى معه من الحاضرين يجب عليه أن يزيد ركعتين بعد تسليم الإمام في الظهر والعصر والعشاء.
والسلام عليكم ورحمة الله
سؤال: هل تجوز الصلاة وراء الإمام المخالف؟ الجواب: تجوز الصلاة خلف المخالف إذا كان لا
يدخل فيها ما يفسدها واطمأنت النفس إلى طهارته.
سؤال: هل تصح الصلاة وراء الإمام المالكي أو الحنفي أو غيرهما من أئمة المذاهب الإسلامية غير الإباضية؟ الجواب: إن الصلاة تجوز وراء كل إمام مسلم من أي مذهب كان يقيم الصلاة على وجهها المشروع، في مكة أو المدينة أو الجزائر أو غيرها من سائر بلاد الاسلام.
سؤال: ما معنى قول النبي (صلوا خلف كل كافر وفاجر وكيف يعرف المسلم كافرا ويصلي خلفه؟
117 (1/116)
صفحة 117
وكيف يجوز للكافر أن يصلي بالمسلمين؟
الجواب: إنكم أخطأتم في لفظ الحديث، وصوابه أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا خلف كل بار وفاجر) (1) ولم يقل أبدا «كافر» كما في كتابكم.
لا
والبار في الحديث هو المؤمن المتقي، والفاجر هو المسلم الذي يرتكب الفجور وهو المعاصي العملية، ومعنى الحديث أن النبيء لا يحرض المسلمين على صلاة الجماعة وعمارة المساجد، فإذا كان إمام المسجد بارا فذلك هو المطلوب، والواجب المأمور به، فلتصل خلفه، وإذا كان إمام المسجد متهما ببعض المعاصي التي هي فجور فإن ذلك يبيح لنا هجران المساجد وتخريبها بترك صلاة الجماعة فيها، فعلينا أن نعمر المسجد ونصلي خلف ذلك الإمام، ولا يضرنا فجوره ولندع أمر فجوره إلى الله، وهذا كله بشرط أن لا يدخل في صلاته ما يفسدها، فإن من الناس من تكون صلاته تامة بطهارتها ووظائفها، ولكنه مع ذلك مبتلى ببعض المعاصي بينه وبين خالقه، وهذا الحكم إنما هو لعامة المسلمين، وأما من له السلطة على المسجد وتعيين الإمام فيه ليصلي بالناس فإنه لا يجوز له أن يقدم للصلاة إلا
(1) رواه الربيع في الباب الخامس والثلاثين من صحيحه بلفظ الصلاة جائزة خلف كل بار وفاجر ما لم يُدخل فيها ما يفسدها) ورواه أبو داود في الباب الثالث والستين من كتاب الصلاة بلفظ (الصلاة المكتوبة واجبة خلف كل مسلم برا كان او فاجرا وإن عمل الكبائر)
117 (1/117)
صفحة 118
المؤمن التقي البار، وإن قدم فاجرا للإمامة فإن عليه وزر ذلك، أعنى على من بيده الحل والعقد والولاية والعزل، وأما سائر المسلمين فليعمروا المسجد وليحافظوا على صلاة
الجماعة وليس عليهم في ذلك من حرج،
الله المطلوب منهم، فإن المساجد بيوت
بل إن ذلك
هو
خالدة باقية لا وهي
يجوز هجرانها لوجود فاسق فيها، فإن زمن الفاسق محدود،
وهو ذاهب لا محالة
أو
•
سؤال: هل تجوز الصلاة خلف المخالف؟
الجواب: الصلاة خلف المخالف جائزة إذا كان لا يدخل في صلاته ما يفسدها من العبث الذي لم يكن عندهم سنة أو مندوبا كرفع الأيدي مثلا أو القبض أو تحريك السبابة أو القنوت، ولا أدري ما مرادك بالاستقامة في قولك بشرط الاستقامة ... الخ فإن كان المراد توفر شروط الإمامة وشروط صحة الصلاة كطهارة البدن والثوب والمكان والقدرة التامة على القيام بالأركان، فهذا ما لا خلاف فيه، ولا يصح الإتمام بمن لم تتوفر فيه، موافقا كان أو مخالفا، وإن كان المراد استقامة العقيدة فهذا لا يستقيم.
سؤال: من دخل المسجد ووجد الجماعة قائمة لصلاة الفجر فهل يصلي الفريضة مع الجماعة ثم يقضي ركعتي السنة
بعدها؟
118 (1/118)
صفحة 119
الجواب: نعم عليه أن يصلي فرض الفجر مع الجماعة
ويقضي ركعتي السنة بعدها
سؤال: ما حكم الصلاة خلف إمام يقص لحيته؟ الجواب: لا تبطل صلاة خلف إمام يقص لحيته إذا
كان لا يدخل في صلاته ما يفسدها.
سؤال: ما حكم الصلاة خلف أئمة المخالفين؟ الجواب: الصلاة خلف أئمة المخالفين جائزة إذا كان يحسن الطهارة ويحسن الصلاة ويصلي بثياب طاهرة وأما إذا علمتم أنه لا يستبرئ من البول ويصلي بسراويله النجس
كما قلت في رسالتك - فإن الصلاة خلفه لا تصح مطلقا
سؤال: هل يجوز للمرء أن ينتقل من صف إلى صف آخر وهو في الصلاة؟
الجواب: لا يجوز إلا إذا كان لسد فرجة في الصف الأمامي أو كان استجابة للذي جذبه من خلف ليصطف معه.
سؤال: هل يجوز سبق الإمام في الصلاة؟
الجواب: لا يجوز سبق الإمام في الركوع والسجود
ولا في غيرهما، ومن فعل ذلك متعمدا بطلت صلاته، ومن
فعله ساهيا بطل أجره.
114 (1/119)
صفحة 120
سؤال: هل يجوز لمن دخل المسجد وقت صلاة الجماعة ووجد الصفوف متراصة ولم يجد فيها موضعا أن
يسحب مصليا من الصفوف ليصلي بجانبه؟
الجواب: نعم له أن يجذب واحدا من المصلين ليصطف معه، بل هو مأمور بذلك شرعا، حتى لا يفوته فضل الجماعة، وليس له أن يصلي مع الجماعة منفردا خلف الصف وعلى المجذوب أن يستجيب له فيتأخر ليصطف
معه.
صلاة الجمعة
سؤال: ما شروط صلاة الجمعة وهل تجب أم لا؟ الجواب: إن شروط صلاة الجمعة وصحتها مبسوطة في جميع كتب الفقه التي بين أيديكم كالنيل وشرحه والإيضاح والقواعد وغيرها، مثل كتاب «الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة للشيخ السالمي، وهو مطبوع على هامش كتاب «طلعة الشمس فراجعوا ما شئتم منها تجدوا مطلبكم. أما عن رأينا الخاص في حكمها اليوم في سائر البلاد الإسلامية غير العواصم الكبرى فإنها تصح ولا تجب
11 رمضان 1390 الموافق لـ 10 نوفمبر 1970
120 (1/120)
صفحة 121
سؤال: ما حكم صلاة الجمعة وما شروطها وما دليلنا
في تركها؟
الجواب: إن لوجوب صلاة الجمعة شروطا مفصلة كتب الفقه عند سائر المذاهب الإسلامية، ولا يمكنني الآن تفصيل هذه الشروط وهي مبسوطة في كتب الفقه التي بين أيديكم فيمكنكم الرجوع إليها بسهولة ويسر، والذي أراه اليوم أن شروط الوجوب غير متوفرة وأن شروط المنع غير متوفرة كذلك، لذلك أرى وأفتي بأن صلاة الجمعة اليوم تصح ولا تجب (1) فمن أُقيمت الجمعة قريبا منه فشهدها
وصلاها صحت وأغنت عن الظهر، كما هو معروف، وحسنا
فعل
، ومن صلاها ظهرا رجونا له الصحة والنجاة.
سؤال: لماذا لا نصلي الجمعة نحن الميزابيين؟ الجواب: إن لصلاة الجمعة شروطا إذا كملت وجبت الصلاة على كل مسلم مقيم بمحل الجمعة، وإذا نقص شرط لم تجب، لكنها تصح لمن صلاها، فإن شاء صلاها جمعة مع الإمام المقيم لها وإن شاء صلاها ظهرا حسب الأيام الأخرى، فيجوز لك حيث أنت أن تصلي الجمعة في مسجد تقام فيه
(1) هذا هو رأي الشيخ رحمه الله في هذه المسألة أول الأمر منذ عهد الاحتلال الفرنسي ثم رجع عن فتواه هذه وأمثالها مما كان منه قبل عام 1391 هجري فأوجبها على كل حضري، قيم ونفذها بالفعل بعد أن مهد لها الرأي العام بالقرارة بدرسين هامين في مشروعية صلاة الجمعة وشروطها وأهميتها - وذلك في أوائل محرم من عام 1391 هجري.
121 (1/121)
صفحة 122
كما يفعل كثير من إخوانك في الأماكن التي يسكنونها وتقام فيها الجمعة، وإن شئت صليتها ظهرا كسائر الأيام. القرارة يوم فاتح ذي الحجة 1387 هـ
29 فيفري 1968
سؤال: ما حكم الشريعة في صلاة الجمعة أفرض هي
أم لا؟
م
الجواب: صلاة الجمعة فرض على الرجل المقيم دون المسافر إذا كان له إمام عادل أو جائر بنص الكتاب والسنة واتفاق جمهور الأمة وبهذا نقول في زمننا الذي لنا فيه إمام، والرسول الله يقول: (من تركها استخفافا بها وله إمام عادل أو جائر، فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا حج له، ألا ولا صوم ه، ألا ولا بركة له، حتى يتوب، فمن تاب تاب الله عليه ((1) وقال أيضا: من ترك الجمعة ثلاثا من
له
غير عذر طبع الله على قلبه) (2)
سؤال: هل تصح الجمعة في كل المساجد بأية مدينة في حالة عدم وجود مسجد جامع يسع الجميع، وفي حالة
وجود مسجد جامع يسع الجميع؟
(1) رواه بن ماجة في باب فرض الجمعة من حديث قريب من هذا اللفظ (2) رواه النسائي في الباب الثاني من كتاب الجمعة بلفظ: من ترك ثلاث جمع تهاونا
بها طبع الله على قلبه ورواه الترمذي في الباب السابع من أبواب الجمعة من كتاب الصلاة
122 (1/122)
صفحة 123
الجواب: لا خلاف بين المسلمين أن السنة العملية
التي درج عليها النبيء الا الله منذ فرضت صلاة الجمعة حتى الله هي إقامتها في مسجد جامع واحد يسع الجميع يأتيه
لقي
من
كل
من أحياء المدينة كل من يؤويه الليل إلى أهله
حي من
بعد صلاة الجمعة، مع وجود المساجد التي تقام فيها
حي من
تلك
الجماعات للصلوات الخمس كل يوم في كل الأحياء، ولا خلاف بين المسلمين كذلك في أن هذا الأصل والأفضل، ولكن هل يؤخذ من هذا أن الجمعة لا
هو
تصح إلا في مسجد واحد فقط دون غيره من مساجد الأحياء؟ لا شك أن هنالك حالتين: إما أن يوجد مسجد يسع الجميع، وإما لا، فأما إذا لم يوجد مسجد يسع الجميع (الجمعة لا تصح إلا في المساجد كما هو معلوم فإنه لا يمكن بحال من الأحوال أن يقال لا يصلي الجمعة في هذا المصر إلا الذين يسعهم مسجده الجامع ويسقط فرض الجمعة عن غيرهم من بقية سكان المدينة وأحيائها مع وجود مساجد أخرى تسع في مجموعها الناس كلهم، فالظاهر في مثل هذه الحال جواز تعددها إن لم نقل بوجوبه في المصر الواحد، وأما إذا وجد مسجد يسع جميع من يمكنه أن يصلي الجمعة ويؤويه الليل إلى أهله، فإن الأصل والأفضل اتباعا للسنة إلا أن من الصعب الجرأة على القول بعدم صحة التعدد لعدم وجود الدليل القوي الذي يعتمد عليه في ذلك،
عدم
التعدد
123 (1/123)
صفحة 124
وعمل النبيء لا يقبل التأويل بالترغيب فيما هو الأفضل
والأولى من تعظيم هذه الشعيرة من شعائر الله وجمع أكثر عدد ممكن من المسلمين على الائتمام برسول الله الله والاستماع لخطبه والتلقي عنه مباشرة في ذلك اليوم العظيم فلا يؤخذ منه الحكم بعدم صحة إقامتها في غير مسجده بعد زمانه، أي منع التعدد مطلقا، فالقول بصحة التعدد مفضوليته أقرب إلى الصواب، إلا إذا قصد بالتعدد الضرار
مع
وإحداث الفتنة والشقاق والتفريق بين المؤمنين، فيحرم
بذلك
سؤال: هل تجوز إقامة الجمعة في قرية؟ الجواب: أما حكم صلاة الجمعة في القرية، فإن القرية إذا كانت قريبة من مدينة تقام فيها الجمعة فإن على أهل القرية الذهاب إلى المدينة لصلاة الجمعة إذا كانوا
يمكنهم الوصول إلى قريتهم عند الرجوع قبل دخول الليل، وإلا أقاموها في قريتهم ولا يحسن تركها، ولا يحسن التخلف عنها إذا كانت القرية تحت حكم سلطان مسلم كما الحال اليوم في أكثر البلاد الإسلامية ومنها بلدكم - ليبيا - وهذا هو الأحوط لمن يتحرى لدينه، فأقيموها ولكم الفضل والأجر فإن في إقامتها خيراً وبركة، وقد لمسنا ذلك منذ
هو
شرعنا في إقامتها بعد الاستقلال
124 (1/124)
صفحة 125
سؤال: هل تجوز صلاة الجمعة في مكان مخصص للدراسة، والغرض من ذلك تيسير الأمر على تلاميذ المبيت وجمع شتاتهم وغرس الإيمان في قلوبهم مع العلم أنه
جمعهم
بنفس العدد وبنفس تنوع المستويات؟
يصعب
الجواب: نعم تجوز لمثل هذا الغرض النبيل من إعلاء كلمة الله ونشر دينه وتربية شباب المسلمين على القيام بشعائر الله وغرس الأخلاق الإسلامية في قلوبهم، بل نراها لهذا الغرض مستحبة وفضيلة وأنت خبير أن اشتراط المسجد لصحة الجمعة ليس مجمعا عليه، والخلاف في ذلك مشهور وقد قال باشتراطه جمهور الإباضية والمالكية وذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى عدم اشتراطه، فتصح في أي مكان من القرى والأمصار ويجوز تعددها وخاصة إذا عجز المسجد عن استيعاب المصلين أو كانت هناك جماعة ممن يعجزون عن الذهاب إلى المسجد، وقد قال الإمام أحمد بن تيمية لما بنيت بغداد ولها جانبان أقاموا فيها جمعة في الجانب الشرقي، وجمعة في الجانب الغربي، وجوز ذلك أكثر العلماء واستدل على ذلك بفعل الإمام علي بن أبي طالب في صلاة العيد التي سُنّتها البروز إلى الصحراء، فلما قيل له إن بالمدينة شيوخا وضعفاء يشق عليهم الخروج، استخلف علي رجلا يصلي بهم العيد في المسجد، وهو يصلي بالناس خارج المدينة، قال ابن تيمية: «ولم يكن يفعل هذا قبل
120 (1/125)
صفحة 126
صلى الله ذلك. وعلي من الخلفاء الراشدين، وقد قال النبيء له عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) (1)
فمن تمسك بسنة الخلفاء الراشدين فقد أطاع الله ورسوله والحاجة في هذه البلاد وفي هذه الأوقات تدعو إلى أكثر من جمعة إذ ليس للناس جامع واحد يسعهم، ولا يمكنهم جمعة واحدة إلا بمشقة عظيمة.
هذا ما قاله شيخ الإسلام في القرن السابع الهجري ونزيد عليه نحن الآن: ما أحوجنا اليوم إلى تكثير الجمعات وتعداد أماكن إقامتها وخاصة حيث تكثر تجمعات الشباب لنشر الوعي الإسلامي بينهم، وإعلاء كلمة الله، وبث الدعوة إلى دينه القويم ومجابهة السيول الجارفة من الدعوات المختلفة الوسائل إلى الكفر والزيغ والإلحاد التي تغزو بلاد المسلمين، وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى المسلمين يأمرهم بالجمعة حيث كانوا، وأن عبد الله بن عمر كان يمر بالمياه التي بين مكة والمدينة وهم أحد يقيمون الجمعة فلا ينكر عليهم، وقد قال ابن عربي أقطاب علماء المالكية لما حكى قولهم باشتراط المسجد لصحة
الجمعة: «ولا أعلم وجهه»
وبعد فهذا ما من الله به في الجواب عن سؤالك باختصار غير مخل - فيما أقدره - ولم يتسع الوقت لبسط أوسع من
(1) رواه أبو داود في الباب الخامس من كتاب السنة، ورواه الترمذي في الباب السادس عشر من أبواب العلم.
126 (1/126)
صفحة 127
ذلك. فأجب لما دعيت إليه من إقامة هذه الشعيرة العظمى فإنها مكرمة ساقها الله إليك، وجزى الله الطالبين خيرا، واخطبهم وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة
فصل بهم
الحسنة، وسيفتح الله القلوب لتقبل دعوتك والاستجابة لها
ولأن
يهدي الله بك رجلا خير لك من الدنيا وما فيها، وفقك الله وأرشدك وأخذ بيدك وأيدي أبنائك الطلبة إلى ما
يحبه ويرضاه.
سؤال: عدد أهل «تندميرة (1) كلهم ثمانمائة نسمة، وعندما يخرج الناس إلى الحرث في فصل الحرث، أو إلى في فصله، لا تبقى إلا قلة من الناس في القرية
الحصاد
"
،
فهل تجب الجمعة أم لا؟ وهل تصح إذا أُقيمت أم لا؟ الجواب: الذي يؤخذ من أحكام صلاة الجمعة في الكتاب والسنة وأقوال الأئمة أن مثل هذه القرى الصغيرة لا تجب فيها جمعة، وإن كان مصر قريب منها تقام فيه الجمعة كان على القادر منهم أن يصليها في ذلك المصر القريب إذا أواه الليل إلى أهله، أعني يرجع إلى أهله صلاة الجمعة بالوسائل العادية كالسير على الأقدام فيدركهم قبل دخول الليل، وإذا أقام أهل القرية الجمعة بشروطها من الخطبة والإمام والمسجد صحت وقبلت إن شاء الله، ولا ظهر عليهم بعدها
(1) قرية في جبل نفوسة (الجبل الغربي من الجمهورية الليبيه.
بعد
127 (1/127)
صفحة 128
سؤال: جاءني سوال من عندكم تطلبون فيه الفتوى الشرعية، تقولون فيه إنكم في الخدمة الوطنية وإن عندكم مسجدا قريبا منكم تصلون فيه صلاة الجمعة وتستمعون إلى خطبة الإمام المشروعة قبل الصلاة وإن عندكم الوقت الكافي لصلاة الجمعة في المسجد مع الجماعة، وإنكم تواظبون عليها، فقال لكم بعض الإخوان لا تجوز صلاة الجمعة
الأمر.
المسجد
للمسافر فتحيرتم في الجواب: - والله الموفق للصواب - إن قول هذا القائل خطأ صريح وخطأ فاحش، فإن المسافر تجوز له صلاة الجمعة إذا وجد من يقيمها بشروطها التي هي والجماعة والخطبة، وهذه كلها متوفرة لديكم، فصلاتكم الجمعة صحيحة مقبولة عند الله إن شاء الله، فداوموا عليها ما وجدتم لها سبيلا، وهي أفضل من أن تصلوا صلاة الظهر والمسجد الذي تقام فيه الجمعة قريب منكم وقد أخطأ القائل لكم إنها لا تجوز، والصحيح عند العلماء أنها تصح ولا تجب، ولم يقل العلماء أنها لا تصح، وإنما قالوا لا تجب على المسافر وأنها تصح منه إذا صلاها جمعة كما تفعلون بارك الله فيكم، وإن هذا القائل أخطأ في قوله «لا تجوز» ولم يفرق بين قول العلماء «لا تجب» وزعم هو أنهم قالوا «لا تجوز» والحقيقة أن المسافر لا تجب عليه صلاة الجمعة ولكنها تصح منه إذا صلاها جمعة، بل إن هذا أفضل له
128 (1/128)
صفحة 129
فدوموا على ما أنتم عليه بارك الله فيكم، وإن كثيرا من أبنائنا في مدن الشمال كالجزائر ونحوها يصلون الجمعة دائما في المساجد القريبة منهم، وإن المسافر إذا صلاها ظهرا لا جمعة لسبب ما، صحت منه ولا يحكم بخطئة، وهذا هو معنى قول العلماء: صلاة الجمعة في السفر تصح ولا تجب والسلام عليكم.
سؤال: هل تستطيع أن تصلي صلاة الجمعة مع
الإخوان المالكيين في مساجدهم؟
الجواب: نعم تصلي الجمعة في جميع مساجد المسلمين أينما كنت ولك فضل وأجر.
سؤال: أما سؤالك عن تحية المسجد للداخل إليه: والإمام يخطب يوم الجمعة، أيصليها أم لا؟ الجواب: فالجواب عنه أن المجمع عليه أن تحية المسجد سنة مرغب فيها مأمور بها، غير واجبة، وأن الإنصات إلى الخطبة كذلك مأمور به أمرا مؤكدا، حتى إن كلمة «أنصت» لغو يبطل الجمعة، وهذا التعارض أو شبه
التعارض بين
الأدلة
سبب
لاختلاف الناس في أيهما الأفضل:
الصلاة أم الإنصات، فالكل جائز فلا يسوغ إنكار البعض على البعض، فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ
ما نوى.
129 (1/129)
صفحة 130
سؤال: ما حكم من تكلم في خطبة الجمعة أو قام
بعمل بين الخطبة والصلاة؟
الجواب: نهي عن الكلام ولو قليلا إذا شرع الإمام في خطبة الجمعة حتى يسلم من صلاتها، ومن تكلم فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له، وأما العمل بين الخطبة والدخول في الصلاة، فإذا كان لإصلاح الصلاة كأن ينتقل لسد فرجة في صف أو لتسوية الصفوف أو يسوي ثيابه مثلا ليتمكن من حسن القيام بحركات الصلاة، فلا بأس بذلك، بل هو مطلوب شرعا، وأما الاشتغال بغير ذلك فنخشى أن يفسد
جمعته
سؤال: ما الحكمة في ترك صلاة الجمعة إذا كان يوم عيد فطر أو أضحى، والإستغناء عنها بصلاة
يومها
العيد؟
الجواب: وجدنا في الأثر جواز ترك صلاة الجمعة يوم العيد والاستغناء عن إقامة شعيرتها بإقامة شعيرة العيد التي هي أعظم وأشمل كما يدل عليه الأمر بالبروز إليها خارج البيوت، وبخروج أهل القرية المكلفين جميعا حتى النساء، فأغنت هذه الشعيرة العيدية بركعتيها
المخدرات من وخطبتيها عن ركعتي الجمعة وخطبتيها، فتصلى الجمعة ظهرا كسائر الأيام وليس معنى هذا عدم جواز إقامة صلاة الجمعة، وإنما المراد جواز تركها وتصلى صلاة الظهر
130 (1/130)
صفحة 131
بدلها
ويبدو لنا أن الحكمة في ذلك هي التخفيف على الناس لما في إقامة الشعيرتين معا في يوم واحد بأركانهما وسننهما مع ما في العيدين من سنن وواجبات أخرى من مشقة على الناس لا تخفى، والمشقة تجلب التيسير كما يقول الفقهاء، والدين يسر ليس بعسر، ومن أقامهما معا
العيد والجمعة، فحسنا فعل، ولكل نيته وأجر عمله
سؤال: ما حكم من فاتته صلاة الجمعة؟
•
الجواب: من فاتته صلاة الجمعة قضاها ظهرا إجماعا لأنها لا تصح إلا بإمام وجماعة وخطبة، ومن أدرك شيئا منها مع الإمام ولو التشهد، استدرك ما فاته منها ركعة أو ركعتين
بفاتحة وسورة جهرا.
سؤال: ما حكم المتهاون بصلاة الجمعة؟
الجواب: التهاون بصلاة الجمعة قبيح جدا، وقد صح في الحديث أن من تركها ثلاث مرات متوالية طبع الله علي
ذلك قلبه، وفي
وعيد شديد، وهذا لمن تجب عليه، أي
غير المسافر والمرأة.
131 (1/131)
صفحة 132
صلاة السفر
سؤال: ما حكم من سافر ولم يأت بنية لصلاة
السفر؟
الجواب: القصر في السفر واجب قطعا وإجماعا ولا معنى لنية القصر ولا دخل لها في حكم القصر مطلقا كذلك وإنما ذلك من أوهام العامة لم يرد به كتاب ولا سنة ولا شيء من أقوال الأئمة، والذي أوقع الناس في هذا الوهم هو قول بعض العلماء: إن للإنسان أن ينوي الجمع بين الصلاتين في سفره عند خروجه من حدود وطنه فتكفيه نيته تلك عن تجديد نية الجمع في أول الوقت لكل صلاتين يريد الجمع بينهما، وهذا خاص بالجمع لا بالقصر فإن القصر في السفر أمر شرعه الله تبارك وتعالى وأكدته وبينته السنة الصحيحة عن رسول الله الا الله وأجمعت عليه الأمة ولا داعي ولا حاجة مطلقا لأن ينوي المسافر عند خروجه من الأميال في سفره هذا. وإلا لم يجز له القصر. فإن هذا باطل وخطأ وهم فاحش من قائله لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس. هذا فيما يخص القصر. وأما الجمع بين الصلاتين صلى الله في السفر فإنه جائز مشروع وكان النبيء يجمع في علي وسه سفره بين صلاتي الظهر والعصر وصلاتي المغرب والعشاء جمع تقديم تارة وجمع تأخير تارة أخرى، من غير اشتراط
132 (1/132)
صفحة 133
نية مسبقة لذلك في أول السفر ولا في أول الوقت، ولم يُرْوَ عنه مطلقا أنه اشترط على أصحابه ذلك. فليس ذلك بواجب
ولا مطلوب فإنه لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح، وكل ما في الأمر أن بعض العلماء استحسن هذه النية في أول وقت صلاة الأولى ثم ادعى أن نية الجمع عند أول السفر تغنيه وتكفيه للجمع مهما طال سفره فهو إذن مجرد استحسان لم نقف له على دليل من كتاب ولا سنة، فالحق إذن هو أن القصر واجب، والجمع
جائز وسنة مطلقا بدون اشتراط لهذه النية المسبقة المدعاة.
سؤال: هل تسمح لك القواعد الشرعية للمذهب الإباضي
أن تصلي صلاة سفر طوال غربتك، ولو دامت أعواما؟ الجواب: إذا كنت بعيدا مسافرا عن وطنك لأي غرض كان، فعليك أن تصلي صلاة سفر، أي تقصر الرباعية وهي الظهر والعصر والعشاء إلى ركعتين اثنتين، ما دمت في سفرك مغتربا عن وطنك إلا إذا نويت اتخاذ البلد الذي أنت فيه وطنا لك، واعتزمت الإقامة فيه دواما وإلا إذا تزوجت فيه واتخذت دارا ملكا لك لسكناك فإنك حينئذ تصلي صلاة حضر، أما الحالة التي أنت عليها اليوم بصفتك موظفا لوقت لا تدري مدته ولا نهايته ولا متى تنقل منه إلى بلد آخر، فإن هذا لا يقتضي التوطين ولا يرفع عنك حكم السفر فيكون الواجب عليك إذا أن تصلي صلاة سفر، وإن بدا لك
133 (1/133)
صفحة 134
فاتخذت هذا البلد الذي أنت فيه وطنا دائما لك لا تنوي التنقل عنه أو تزوجت فيه كما مر آنفا فإنك تصبح مستوطنا، ويصبح بلدك الجديد هذا وطنا لك، تكون فيه حضريا تصلي صلاة الحضر. أما سؤالك عما جد في صلاة الجمعة فانه لم يجد في القضية شيء، فهي تصلى في القرارة دون غيرها إلى هذا اليوم (1) وإذا كانت الجمعة تقام في مسجد البلد الذي أنت فيه، فالأفضل لك أن تصلي مع الجماعة
سؤال: ما وجه الجمع بين تحديد مسافة السفر بالفرسخين، وتحديدها بثلاثة أيام؟
الجواب: الذي يظهر لي أن ليس مورد القولين واحدا، فإن الفرسخين تحديد للمسافة، وإن الثلاثة الأيام تحديد للزمان، نحن نعلم يقينا أن النبيء حدد مسافة السفر بفرسخين يوم خرج بأصحابه إلى ذي الحليفة يبين لهم حد السفر، وهو على فرسخين من المدينة المنورة، وهذا مما لا خلاف فيه، ويبقى بعد ذلك هل يعتبر كل من جاوز الفرسخين مسافرا؟ كيفما كان أمد مكثه خارجهما وكيفما كان قربه أو بعده من حدهما؟ الظاهر أن هناك فرقا كبيرا بين حال وحال، والمسألة تتحكم فيها اللغة
(1) يوم 20 محرم 1391 أي بعد حوالي ثلاثة أسابيع من بدئها بالقرارة ولكن بعد ذلك تلاحق غالب قري ميزاب الى صلاتها.
134 (1/134)
صفحة 135
والعرف، والله تبارك وتعالى يقول: فمن كان منكم مريضا أو على سفر) (1) ويقول: (وإن كنتم على سفر) (2) ويقول: (وإن كنتم مرضى أو على سفر) (3) هكذا بإطلاق لفظ السفر لأن مدلوله مفهوم عرفا عند العرب
يسمي
هذا مسافرا
النازل القرآن بلغتهم، فمن تجاوز الفرسخين لقضاء حاجة كجني كمأة أو احتطاب أو نحو ذلك ثم يعود إلى بيته من يومه أو ليلته، هل يعتبر في اللغة أو يعد في العرف مسافرا يفطر إن أصبح خارج الفرسخين أو يقصر رباعية أدركته خارج الفرسخين؟ لا نظن أن أحدا ويطبق عليه حكم السفر في القصر والفطر، ولا هذا الشخص نفسه يرى نفسه مسافرا يترخص بما يترخص به المسافر، ومما جرت به العادة اليوم أن كثيرا من الناس يخرجون للنزهة والتمتع بجو البادية، ويتجاوزون الفرسخين إلى بعض الأودية أو الحياض يقضون يومهم ثم يعودون ولا يستشعر أحد من الناس مسافرين، فلا بد
منهم
أحد
أنه مسافر ولا يسميهم إذن من اعتبار زمن يحد به السفر بعد تجاوز الفرسخين،
وهذا هو الذي حده بعض الفقهاء بثلاثة أيام، وحده بعضهم يوم وليلة، ولعل هذا هو الأرجح لقوله:
بمسافة
(1) الآية 184 من سورة البقرة
(2) الآية 283 من سورة البقرة
(3) الآية 43 من سورة النساء و 6 من سورة المائدة
135 (1/135)
صفحة 136
(لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم منها) (1) فالفرسخان لتحديد المسافة فلا يكون من خرج من بيته إلى مكان دون حد الفرسخين من قريته مسافرا وإن أقام فيه شهورا كما لا يكون مسافرا من تجاوز الفرسخين لقضاء حاجة ثم يعود ولا يقيم أكثر من يوم وليلة أو ثلاثة أيام عند بعض، هذا ما نراه في فقه هذه المسألة، والله أعلم بالصواب
•
سؤال: ما حكم القصر والإتمام في السفر؟
الجواب: قصر الصلاة في السفر فرض وإتمامها في الحضر فرض. فمن هو المسافر؟ هو من كان خارج وطنه يحس فس نفسه ويشعر دائما بأنه مسافر يعتزم الرجوع إلى بلده عند انقضاء عمله، طال أمده أم قصر، ولم يحدد النبيء له أياما معدودة تنقطع بعدها حالة السفر، وقد مكث طوال أيام الحج مقصرا بمكة ومنى، ومكث كثير من الصحابة زمنا طويلا مقصرين في الشام والعراق وهم موظفون يعلمون أن أعمالهم لا تتم إلا بعد شهور وشهور وذلك أكثر بكثير مما حدده بعض الفقهاء لانقطاع حالة السفر، ولقد
(1) رواه مسلم في كتاب الحج ورواه الدارمي (في باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره) في أحاديث كثيرة متقاربة الألفاظ غير أن في بعضها التحديد بيوم أو بليلة أو يومين أو ثلاث أو أكثر من
ثلاث ليال.
136 (1/136)
صفحة 137
قال فقهاؤنا إن من اتخذ أهلا وتأثل مالا يبلد عد مستوطنا بالعمل، فإن الوطن يتخذ بالنية أي نية الاستيطان أو بالعمل كما ذكرنا، وهذا ما أُفتي به. وبعد فالمسألة فرعية
وبسيطة، فمن اضطره عمله في بلد ما خارج وطنه فلينو اتخاذه وطنا ويتم فيه. وإن شاء بعد ذلك نزعه بعد أن يرتحل عنه، وما نرى بأسا على من اختار قول الإمام مالك أو أبي حنيفة أو غيرهما من الأئمة فعمل به، الأئمة فعمل به، أما حكم من صلى أربعا خارج وطنه وهو مقيم بحكم عمله سنة أو سنتين فإنا نرى أن هذا مستوطن لمقر عمله فإنه لم يتم الصلاة إلا وهو مستشعر معتقد أنه غير مسافر، وأي نية للتوطين أقوى من هذه؟ فهو بهذا الاعتبار حضري غير مسافر يتم ولا
يقصر.
سؤال: ما حكم الشرع في القصر في السفر لمن
كانت زوجته معه؟
الجواب: إن قصر المسافر للصلاة الرباعية أمر مشروع مأمور به والمسافر هو من جاوز الفرسخين بعد حد عمران وطنه، ناويا السفر غير متخذ المكان الذي ذهب إليه وطنا آخر له فهذا يقصر ما دام يعتبر نفسه مسافرا معتزما الرجوع إلى وطنه فإذا اتخذ عملا قارا له وجاء بأهله ليطمئن وتسكن وجب عليه الإتمام لأن ذلك يعتبر اتخاذا للوطن، وأما من سافر بأهله لمداواة من مرض مثلا أو لزيارة أو عبادة أو
نفسه
137 (1/137)
صفحة 138
حج أو غير ذلك من أغراض السفر المؤقت، فإنه يقصر هو وزوجه لأنهما مسافران.
سؤال: تسأل عن صلاة السفر، وتقول إنك من وادي سوف، وإنك ذهبت إلى سطيف للتجارة بها ناويا الإقامة سنة أو سنة ونصف سنة، ثم تعود إلى وطنك الأصلي وادي سوف، وهل يجوز لك أن تقصر الصلاة طول هذه المدة،
وتطلب الجواب المؤيد بالدليل الشرعي
الله
الجواب: رأيت أن أهدي إليك رسالة أحكام السفر في الإسلام أهديت لي من مؤلفها الفاضل، تجد فيها أحكام السفر مفصلة بأدلتها في مسافته وزمنه وغير ذلك، مأخوذة من سنة الرسول عمال ومن عمل الصحابة رضي عنهم، فتدبرها جيدا واعمل بما اقتنعت به من أدلتها، والمسألة ـ مع ذلك ـ لا تخلو من خلاف بين المجتهدين رحمهم، ومن اطمأن قلبه لقول واحد منهم
الله
الأئمة
فقلده غير متبع هواه رجونا له السلامة عند الله، ومن باب النصيحة الواجبة على المسلم لأخيه المسلم أنبهك إلى خلو كتابك من البسملة التي يجب أن تفتتح بها كتب المسلمين، أو الحمدلة التي تقوم مقامها، كما اعتاد الناس عندنا أن يكتبوا في صدر الكتاب، الحمد لله وحده»، فلا ينبغي للمسلم أن يخالف هذه السنة المؤكدة التي ورد الأمر بها في السنة تصريحا وفي القرآن الكريم تلويحا، وأجمع علماء (1/138)
صفحة 139
الأمة على تأكيدها ثم إنك صدرت كتابك بكلمات
الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية» ومثل هذا التصدير - فيما نعلمه من نظم جميع الدول - لا يكون الا في المكاتبات الرسمية الصادرة من الموظفين في مختلف الادارات، لا في الرسائل الخاصة
سؤال: هل يجوز لكم أن تقصروا الصلاة وتجمعوا في هذه البلدة البعيدة عن وطنكم بألف ومائة كيلومتر مع أنكم
تقيمون فيها ثلثي العام؟ الجواب: اعلموا أنكم في مركز عملكم هذا مسافرون ولو طالت مدة إقامتكم فيه عاما أو أكثر من عام فالواجب عليكم قصر الصلاة أعني صلاة الرباعية ركعتين في الظهر والعصر والعشاء. وأما الجمع بين الصلاتين فإنه جائز وغير واجب، والأفضل أداء كل صلاة في وقتها منفردة مع قصر الرباعية منها. أعني تصلون الظهر في وقته ركعتين، هذا الأفضل، وإن جمعتم بين الظهر والعصر فجائز لكم، وكذلك بين المغرب والعشاء.
هو
سؤال: متى يعتبر الانسان مسافرا يجب عليه فيه قصر
الصلاة؟
الجواب: إذا كنت مسافرا في بلد غير ناو للإقامة فيه أبدا، فإنه يجب عليك أن تصلي قصرا لا تماما، أعني تصلي
139 (1/139)
صفحة 140
الرباعية اثنتين ويجوز لك الجمع بين الصلاتين في وسط الوقت، والإفراد أفضل، ولا يجوز الإتمام إلا لمن استوطن
البلد الذي هو فيه.
سؤال: هل يجوز للمسافر أن يتخذ الجمع بين
الصلاتين عادة؟
الجواب: إن القصر واجب على المسافر ما لم يتخذ وطنا بالعمل أو النية كما هو معروف من كتب الفقه، وأما الجمع بين الصلاتين فهو رخصة لا يحسن أن تخرج عن حدها، والإفراد للمسافر أفضل، بلا خلاف، لكن إذا جمع صحت صلاته فلا موجب لبطلانها وفسادها، ونرجو له النجاة والفوز عند الله وإن نقص أجره.
سؤال: هل للمسافر أن يجمع بين الصلاتين؟ الجواب: الأفضل للمسافر إفراد الصلوات، أعني
يصلي كل صلاة في وقتها ويجوز له الجمع بين الظهر
والعصر وبين المغرب والعشاء
سؤال: جاءني منكم كتاب تسألون فيه عن أربعة أسئلة شرعية فدونكم الجواب عنها من غير ذكر نص السؤال
تخفيفا علي (1)
(1) هذه الفتوى من أواخر ما كتب الشيخ رحمه الله في حياته وقد كتبها في مرضه الذي مات فيه، وذلك بتسعة أشهر وثلاثة أسابيع قبل وفاته، تغمده الله برحته الواسعة ونفعنا بعلومه وجازاه الله عنا وعن الاسلام خير الجزاء.
140 (1/140)
صفحة 141
1 - إفراد الصلوات في السعر أفضل من الجمع وإن كان
الجمع جائزا ولقد أحسنت في إفراد كل صلاة في وقتها.
2 - صلاة الجمعة غير واجبة على المسافر ما لم يتخذ
البلد الذي هو فيه، وطنا، ولكن صلاتها مع الجماعة التي تصليها بالمسجد القريب منك أفضل، فواظب على ما أنت عليه من صلاة الجمعة ولك الفضل والأجر العظيم عند الله ولا تبال بأقوال الناس 3 - يجوز للمسافر العامل في بلد غير وطنه أن بين الصلاتين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، ولو طالت مدة إقامته في غير وطنه سنوات عديدة مالم ينو اتخاذه
وطنا.
يجمع
4 - إذا كان المرء مع زوجته وأولاده في بلد غير بلده يعمل فيه فإنه يعتبر نفسه مسافرا ولو طالت إقامته فيصلي صلاة السفر إلا إذا نوى اتخاذه وطنا له، أو تزوج بزوجة من ذلك البلد فإنه يحسن له أن يتخذه وطنا يتم فيه الصلاة
هذا ما من الله به في الجواب
سؤال: هل يجوز الجمع في السفر بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء؟
الجواب: الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في السفر جائز، وقد فعله النبيء لا وسنه، خاصة في حال المسير، إما بتأخير الأولى إلى وقت الثانية، أو
141 (1/141)
صفحة 142
بتقديم الثانية إلى وقت الأولى، حسبما تقتضيه الحال فالكل جائز باتفاق العلماء، ولكن الإفراد أفضل باتفاقهم
كذلك، فلا حرج في شيء من ذلك، وإنما الحرج كل الحرج في ترك الصلاة الذي ابتلي به أكثر المسلمين اليوم، فالحاجة اليوم ماسة إلى التيسير في طرق الأداء، فيسروا ولا
تعسروا.
،
سؤال: ما المشروع في صلاة السفر الجمع أم الإفراد؟ الجواب: يجوز لكم في حالة السفر الجمع بين الصلاتين الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء، إما بتقديم الثانية إلى وقت الأولى، أو بتأخير الأولى إلى وقت
الثانية، ويجوز لكم الإفراد، والإفراد أفضل إذا أمكن.
سؤال: سألت عن صلاة المغرب والعشاء جمعا حوالي الساعة السابعة حسبما اعتادت الجماعة أن تفعله، مع أن الجمع ينبغي أن يكون بين الوقتين، كما سألت أنت منفردا المغرب وسنته ثم تعيده نفلا مع الجماعة،
صلاتك عن
وتصلي العشاء معهم.
الجواب: إن كل ذلك جائز لا
حرج فيه فللجماعة أن
تصلي الصلاتين جمعا في الوقت المعتاد وإن لهم في ذلك لعذرا حيث يمكنهم التهيؤ للصلاة والتطهر لها، واستبدال ثياب الصلاة بثياب العمل، فلا حرج في ذلك مطلقا،
142 (1/142)
صفحة 143
والصلاة صحيحة، وإن كان الإفراد أفضل، وصلاتك أنت
المغرب مع جماعتهم نفلا بعد
أن أديت فرضها أمر مستحب،
وقد ورد في الأثر الصحيح أن من صلى فريضة ثم أدرك جماعة تريد أن تصليها فليصل معهم نفلا وذلك خير له من أن يبقى قاعدا والناس يصلون.
سؤال: هل يجوز في السفر صلاة المغرب ثم سنته المؤكدة، ثم العشاء ثم الشفع والوتر؟
(
الجواب: إن من الغريب أن يسأل مثل هذا السؤال فإن الترتيب الذي ذكرته هو الأصل والعزيمة التي جاءت بها الشريعة الغراء، وإنما نشأ هذا السؤال من الخطإ الشائع بين الناس، إذ يظنون أن الجمع بين الصلاتين في السفر واجب مثل وجوب القصر، وهذا خطأ فاحش أعيذك بالله أن تقع فيه، وأنت طالب علم. فإن الحق أن القصر في السفر واجب، وأن إفراد كل صلاة في وقتها عزيمة في السفر كالحضر، وما الجمع بين الصلاتين في السفر إلا رخصة، لها حالات خاصة لا تتعداها، أما ما هو شائع بين تجارنا خارج ميزاب من الجمع بين الصلاتين دائما وأبدا فإنه ليس إلا رخصة ضعيفة قد التزموه ودرج عليه الصغير والكبير حتى أصبحوا يعتقدون أنه هو الواجب في حق المسافر، وهذا خطأ
كبير فإن المأمور به هو الإفراد، وإنما العزيمة هي الإفراد
ومن ترخص فجمع بين المغرب والعشاء فإن له في سنة
<
143 (1/143)
صفحة 144
المغرب المؤكدة طريقتين: أما علماء الإباضية المشارقة
فيرون سقوط سنة المغرب في حال الجمع ولا قضاء لها
فيصلي الجامع المغرب ثم العشاء ثم الشفع والوتر، وأما علماء المغرب فيرون قضاء سنة المغرب بعد العشاء، فيصلي الجامع عندهم المغرب فالعشاء، ثم سنة المغرب، ثم الشفع والوتر، وأياماً فعلت من هذا فأنت هذا فأنت مصيب ولا مصيب ولا حرج عليك
سؤال: ما حكم الشرع في ركعتي سنة المغرب في حال الجمع بين المغرب والعشاء لسفر أو غيره أو نحوهما مما
يشرع الجمع بسببه؟
الجواب: يرى أصحابنا من أئمة المغرب أنهما تقضيان العشاء فقد ثبت أن النبيء الا كان يقضي ما فاته من سننه الرواتب، ويرى أصحابنا من المشرق سقوطهما، وعلى
بعد
هذين القولين يجري العمل اليوم في المغرب والمشرق. سؤال: هل يجوز الدعاء أو الذكر بين المغرب والعشاء
في حال الجمع بينهما؟
الجواب: من يجمع بين الصلاتين في السفر لا يأتي بأي عمل ولا بأي ذكر أو دعاء بعد التسليم من المغرب وإنما
،
144
•
يقوم
للعشاء في الحال (1/144)
صفحة 145
في الأذان
سؤال: سمع رجل مؤذنا إباضيا ربَّع التكبير الأخير،
وثنى كلمة الشهادة فقال: هذا غلط، والإباضية مخطئون فيه، فأرجوكم توضيح المسألة
الجواب: إن الخلاف في عدد كلمات الأذان وتكرارها
أئمة
وترجيعها كثير ومشهور في كتب الحديث والفقه بين المذاهب الإسلامية وبين علماء المذهب الواحد، يقول الشيخ اطفيش في كتابه شامل الأصل والفرع بالجزء الثاني ص نصه: وتربيع التكبير مذهب الشافعي وأبي حنيفة أولا وآخرا كما ذهب إليه بعضنا وذهب بعضنا والمالكية تثنيته أولا
ص 9 ما
وآخرا ومذهب المالكية إفراد (لا إله إلا الله) آخرا. . . ويروي صاحب الإيضاح الشيخ عامر الشماخي في الجزء الأول ص 397 حديث الأذان عن عبد الله بن زيد الأنصاري، وفيه تربيع التكبير الأخير وتثنية (لا إله إلا الله) أخيرا، وبهذا عمل بعض أصحابنا احتياطا وزيادة في الخير، وذهب بعضهم إلى تثنية التكبير الأخير وإفراد لا إله
إلا الله، كما ذهب إليه الجمهور.
والقول الفصل في هذا أن المسألة فرعية فقهية مما يجوز
فيه الخلاف ولا يجوز فيه تخطئة البعض للبعض. ودونك كلمة قالها الإمام ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح
145 (1/145)
صفحة 146
البخاري في الجزء الثاني صفحة 67 طبع المطبعة البهية المصرية، بعد ذكر الخلاف في ألفاظ الأذان والإقامة نصها: وقال ابن عبد البر ذهب أحمد وإسحاق وداود وابن جرير إلى أن ذلك الاختلاف المباح، فإن ربع التكبير الأول من في الأذان أو ثناه أو رجع في التشهد أو لم يرجع أو ثنى الإقامة أو أفردها كلها أو إلا قد قامت الصلاة، فالجميع جائز، وأظن أن هذا يكفيك ويكفي أصحابك لتعلموا أنه لا تجوز التخطئة والتغليط في مثل هذا من المسائل الفرعية، وإنما المخطأ هو الذي خطأ غيره، وقانا الله شر تخطئة المسلمين المتبعين للكتاب والسنة المعتمدين على أقوال
الأئمة المجتهدين.
?
في المساجد
(وكل ما يصلى فيه أو عليه)
سؤال: إن في بلدنا زوارة ثمانية مساجد قديمة، منها
جدد بناؤه ومنها ما بقي على حالته القديمة. ومحاريب المساجد القديمة متجهة إلى الجنوب أكثر منها إلى المشرق،
أما الجديدة فقد عدلت مجاريبها على حسب البوصلة، وقد اشتد الخلاف بين الناس حول هذه المسألة، كيف نصلي في مدينة واحدة إلى جهتين مختلفتين، وبدأ بعض يهجرون مساجدهم القديمة لعدم ثقتهم بقبلتها. فما رأي الإمام؟
146 (1/146)
صفحة 147
القبلة هي
الجواب: إن من المعلوم من الدين بالضرورة أن أصل الكعبة البيت الحرام، وأنها قبلة لكل من يراها ممن كان في المسجد الحرام أو خارجه، وأن المسجد الحرام قبلة لأهل مكة، وأن مكة قبلة لأهل الحرم، وأن الحرم قبلة لأهل الآفاق فى الأرض كلها. ولا يشترط على البعيد عنها إصابة عينها لتعذره، ولإجماع الأمة على صحة صلاة الصف الطويل، ولا حد لطوله، فقد يكون أضعاف أي ضلع من أضلاع بناية الكعبة في طولها وعرضها، فتكفي الجهة أي الاتجاه إلى الجهة التي توجد فيها الكعبة، وقد شرع الله تبارك وتعالى ذلك بقوله قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) (1) فقد أمرنا الله أن نتوجه حيثما كنا إلى جهة
المسجد الحرام، ولم يكلفنا إصابة عينه تيسيرا وتخفيفا لتعذر ذلك على كثير من أهل الأرض، ومن المعلوم أن الجهات الأصلية أربع: شرق، وغرب، وشمال وجنوب. فقد أخرج الترمذي من رواية أبي هريرة عن النبيء قوله:
(ما) بين المشرق والمغرب (قبلة) (2) وقال حديث حسن صحيح، وبناء على هذا فإننا إذا قسمنا الأفق إلى أربع جهات، ورسمنا لكل جهة ضلعا وهميا فإن الضلع الذي يوجد
(1) الآية 144 من سورة البقرة. (2) رواه ابن ماجة فى آخر باب القبلة من أبواب الصلاة
147 (1/147)
صفحة 148
فيه المسجد الحرام بالنسبة لكل قطر من أقطار الأرض هو الذي يتوجه إليه المصلي وبذلك يكون متوجها شطر المسجد الحرام كما أمر الله، ومستقبلا للقبلة كما دل عليه الحديث هذا هو الحكم العام في الاستقبال والتحديد يختلف باختلاف الأقطار والجهات كما هو معلوم بالضرورة، فعلى أهل كل قطر وبلد أن يتحروا في تعيين سمت القبلة لبلدهم، وقد فعل علماء المسلمين ذلك في جميع الأمصار والأعصار.
،
فأصلوا وفصلوا وأطالوا في بيان حدود القبلة بالنسبة لبلدهم: بمشارق الأرض ومغاربها في الصيف والشتاء ووقت الاعتدال وبالقطبين وبمطالع النجوم كسهيل وغيره وبخطوط الطول والعرض ودرجاتها. ولا علم لي أنا بشيء من ذلك ولا أقول فيه بغير علم، ومما جعلوه دليلا على القبلة مساجد المسلمين بأن محاريبها لم توجه إلا بعلم، فيجزي المسلم إذا دخل بلدا إسلاميا أن يؤم مسجده ويصلي فيه إلى قبلته ويكون ناجيا إن شاء الله تعالى، لكن بعض المتأخرين قالوا: إن محاريب بعض البلاد الإسلامية غير صحيحة
ثقة
منهم
الاتجاه. وقد قال الشيخ اطفيش رحمه الله في شامل الأصل والفرع ما نصه: «ومحاريب القرى بالديار المصرية مختلفة جدا مطعون عليها، وليس فيها بلد يقلد محاريبها المشهورة إلا مصر والاسكندرية وبعض دمياط وأما المحلة ومنية ابن خطيب والفيوم فإن جوامعها في غاية الفساد. فإنها مستقبلة
148 (1/148)
صفحة 149
بلاد السودان، وليس بينها وبين جهة الكعبة مناسبة وبعد، فإن وسائل تصحيح الأوضاع الجغرافية للكرة الأرضية قد تيسرت في هذا العصر فيمكن لمن يهمهم الأمر أن يصححوا أوضاع بلدانهم، واتجاهها بالنسبة للمسجد الحرام، ويصلحوا أخطاء مساجدهم ومحاريبهم عند تيقن الخطإ. وما لم يتمكنوا من ذلك ويتيقنوا بخطا الاتجاه، فإنهم يجوز لهم أن يعتمدوا على ما وضعه السلف، ومن جهة أخرى فإننا ـ نحن الآخرين ـ نرى في محاريب بلادنا بعض الاختلاف القليل في الاتجاه، ولا نرى في ذلك خروجا عن سمت القبلة كما حققه فقهاؤنا في القديم. ودلت عليه الأدلة التي نصبوها للتدليل على القبلة، ولعل في بلدكم زوارة بعض هذا الاختلاف الطفيف الذي لا يخرج أحد المحرابين عن سمت القبلة بمعنى الجهة فإذا لم يكن الخلاف الذي أشرتم إليه تدابرا، أو ما يقرب إلى التدابر كالانحراف الشديد، فربما يكون غير خارج عن تولية شطر المسجد الحرام، ويكون لا بأس به، ولا ينبغي أن يثور بسببه نزاع يشتت شمل الأمة، ويفرق كلمتها، فإذا أمكن إصلاحه فحسن، وما هذه إلا ملاحظات من عندي تعين على حل هذا المشكل وأهل مكة
أدرى بشعابها
•
سؤال: ما حكم اتخاذ المساجد على سقف مرفوع؟ الجواب: إننا لم نجد فيما اطلعنا عليه من كتب السنة
189 (1/149)
صفحة 150
ما يصح الاعتماد عليه فيمنع اتخاذ المساجد على السقوف بل ما وجدنا إلا العموم في الأمر ببناء المساجد بلا تحديد
،
ولا تخصيص، من ذلك قول عائشة رضي الله تعالى عنها (أمر رسول الله ل ببناء المساجد في الدور وأن تطيب وتنظف) (1) وهو أول حديث في أربعين المساجد من وفاء الضمانة، لا يعدو الأمر أن يكون رأيا لبعض الفقهاء مبنيا على مخاوف واحتياطات لا معنى لها، وليس من الحكمة في شيء أن نتقيد بآرائهم هذه فنمنع بناء المساجد عند مسيس الحاجة إليها على سقف مرفوعة، وخاصة إذا كان ما تحت السقوف تابعا لوقف المسجد يستغل لبعض
أغراضها التي بني من أجلها كالمكاتب والمحاضر ونوادي الجمعيات للوعظ والإرشاد والنظر في مصالح الأمة، أو كان وقفا كذلك للمسجد يكرى لخزن أو تجارة أو صناعة، مما أبيح شرعا وليس فيه شبهة حرام، ويكون ريعه عائدا إلى مصالح المسجد وعماره، وإن الذي نراه الجواز المطلق بلا تحرج ولا تأثم مطلقا، وإن مساجدنا في ميزاب يوجد جزء كبير منها فوق سقوف يستغل ما تحتها لمصالح مهمة، أما سائر مساجدنا في مدن الشمال جميعها فإنها كلها فوق سقوف. إلا أن جميع ما تحتها تابع لها. وقد بني بعضها في
زمن المشايخ الكبار وعلى رأسهم الشيخ اطقيش رحمه الله
(1) رواه أبو داود في الباب الثالث عشر من كتاب الصلاة بتقديم لفظ تنظف على تطيب، ورواه الترمذي بمثل عبارة أبي داود في كتاب الصلاة.
10. (1/150)
صفحة 151
وما سمعنا نكيرا قط، وأرجو أن يكون في هذا الجواب كفاية فامضوا في عملكم والله معكم ولن يتركم
أعمالكم (1)
سؤال: إنسان شرع في اتخاذ مصلى في موضع من مسكنه فوجد فيه عظام بالية آدمية، فهل تجوز له الصلاة في المكان على هذا الحال؟ أم يجب أن ينتزع هذه العظام وإلى أية مسافة؟
الجواب: إن كتابك من بلدة سطيف ويظهر أن هذا البيت داخل هذه البلدة، وسطيف بلد قديم في التاريخ قبل الفتح الإسلامي، يغلب على الظن أن هذه المدافن ليست للمسلمين وأنها قديمة وقبل عهده، فلتنزع هذه العظام التي عثر عليها من جميع المساحة التي أُريد اتخاذها مصلى، وتدفن في مكان آخر ثم يبنى المصلى ولا بأس بعد في
الصلاة فيه
سؤال: هل تجوز الصلاة فوق بيت أو دكان تبين تحت أرضها عظاما آدمية بالية؟
أن
الجواب: إننا لا نرى بأسا في الصلاة فوق البيوت والدكاكين وسائر المساكن التي وجدناها مبنية من عهد قديم لا نعلم بانيها ولا نعلم ما تحت أرضها، وما كان الله ليضيق
(1) الآية 35 من سورة محمد صلى الله عليه وسلم
151 (1/151)
صفحة 152
علينا ويوجب علينا مثل هذا التفتيش، وما عثر عليه مصادفة واتفاقا من مثل ما ذكرت، فإنه يزال ويدفن في مكان آخر إن أمكنت إزالته، ولا شيء علينا وراء ذلك
سؤال: ما حكم الصلاة في منزل عثر فيه على قبر
عند بنائه؟
الجواب: لا تمنع الصلاة في منزل عثر فيه على قبر
عند بنائه، إنما لا تجوز فوق القبر نفسه مباشرة.
سؤال: هل تجوز الصلاة على ما صنع من الصوف
كسجادة وغيرها؟
الجواب: إن الصلاة على الصوف جائزة قطعا ولا
هذا خلاف في
بين
العلماء. ولم يقل أحد ببطلانها مطلقا.
وكل ما في الأمر أنه ورد استحباب الصلاة على الأرض وما أنبتت، ولا شيء وراء هذا
سؤال: هل تجوز الصلاة على الصوف؟
الجواب: الأفضل فى الصلاة أن تكون على الأرض وما أنبتت، وتجوز على الصوف وغيره من كل طاهر بلا كراهية وبدون حاجة إلى كتان أو حصير أو غيرهما مما أنبتت الأرض ليفرش على الصوف، فإن فعل ذلك فحسن
وليس بواجب.
152 (1/152)
صفحة 153
سؤال: هل تجوز الصلاة على الزرابي، وإذا كانت لا تجوز فما الدليل؟
الجواب: القاعدة الشرعية المشهورة هي: كل ما
ذلك من
تجوز الصلاة به تجوز عليه، ولا خلاف بين الفقهاء في ذلك، ولا كلام فيه. وإنما الكلام في الأفضل والجمهور على أن الأفضل في الصلاة أن تكون على الأرض
أو ما أنبتت كالقطن والكتان وغير ذلك
من
المواد النباتية
التي تصنع منها الفرش والزرابي والحصر، فصلوا على زرابي الصوف الطاهرة، ولا حرج عليكم.
سؤال: مصلى اتخذه إنسان في بيته مسور ومسقف باللوح المسمى بالفرنسية كونتر بلاكي» وأرض المصلى مفروشة باللوح العادي وفوق اللوح حصير يصلي عليه والحصير يلامس «الكونتر «بلاكي المسور به المصلى، وقد قال له ناس إن الصلاة في هذا المكان باطلة لأن اللوح المسور به نجس بالغراء الذي بداخله الملتصقة به أجزاؤه، وحصير المصلى يمسه، أي يمس اللوح لا الغراء. فهل الصلاة في مثل هذا المكان صحيحة؟
الجواب: إن الصلاة صحيحة لا شك في ذلك، لا
موجب
لا لفسادها، ولا لنقضها فإن المصلي
يمس
نجسا لا
بدنه ولا بثوبه، وحتى لو صلى إنسان على حصير وفي طرف ذلك الحصير نجس ظاهر وهو يصلي فوق الجزء
153 (1/153)
صفحة 154
الطاهر من الحصير ولا يمس النجس ولا يقع عليه ثوبه في حال الركوع أو السجود مثلا، فإن صلاته صحيحة تامة لا
موجب لبطلانها.
•
سؤال: بنينا على بركة الله مسجدا جديدا هنا سطيف)، ومحراب الصلاة جاء لاصقا بحائط الاوتيل (فندق) ومن تحت المسجد بيوت ومخازن معدة للكراء، يوجد بها مثلا الصابون المائع وسلعة التجارة (البيسرى) أتجوز الصلاة
فوقها أم لا؟ الجواب: ما وضع تحت سقف من المتنجسات، لا يمنع الصلاة فوقه، لكن اتخاذ المساجد على السقوف خلاف المعمول به في المذهب، وإنما يكون على الأرض لعلل كثيرة، منها ما سألتم عنه، ثم إن المعروف عندنا إن غالب البيوت التي يتخذها أصحابنا للصلاة في التل إنما هي مصليات لا مساجد وإن عبرت عنها العامة بلفظ المساجد، وإنما اعتبرت كذلك لكونها في الأغلب عرضة للتبديل والتغيير بمختلف الأسباب، والثقة ببقائها مساجد ضعيفة، ولذا تراهم يلتزمون في تأسيسها شروطا، وترى كثيرا منها مستأجرا لذلك غير ملك للذين اتخذوه مصلى، هذا وإن نوى منه مسجدا أو أسس على ذلك من أول يوم
شروط المسجد كان مسجدا، ووجبت له
المسجد
جميع
واستوفى
حقوق
154 (1/154)
صفحة 155
سؤال: المسجد القديم بمحرابه هل يهان ويجعل بيوتا
للسكنى، أم يحترم كالمساجد القديمة؟
الجواب: إن كان مصلاكم القديم بني مسجدا وأسس من أول على نية المسجد فإنه يبقى مسجدا مادامت يوم السماوات والأرض، وتبقى له حرمته، فلا يجوز أن يكرى بيوتا للسكنى أو للتجارة أو نحو ذلك، هذا ما نختاره وإن
منعه بعض
(1)
صلاة المريض أو المضطر إلى الإخلال ببعض أركانها
سؤال: نرجوكم الإرشاد إلى الطريقة المثلى التي يمكن أن تؤدى بها الصلوات الخمس المكتوبة مع عدم وجود الإمكانيات غالبا، وتعذر وجود وسائل الطهارة وضيق الوقت
•
في بعض الحالات، كحالات التدريب الرسمي مثلا الجواب: اعلموا أن حالاتكم وحالات من يشبهكم أيها السائلون مختلفة جدا لا يمكن الجواب عنها، أي عن كل واحدة منها تفصيلا، وإنما الجواب يجب أن يكون عاما يطبقه كل واحد على نفسه حسبما تقتضيه حالته الخاصة،
(1) لعل قصد الشيخ وان أجازه بعض. ليتأمل. (1/155)
صفحة 156
وذلك إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) (1) وهي خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة: الفجر ووقته ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والظهر والعصر من الزوال إلى الغروب، وهما مشتركتان في الوقت، والمغرب والعشاء من الغروب إلى آخر الليل وهما مشتركتان في الوقت، ومن أخر صلاة منها عن
وقتها عمدا بغير عذر فقد كفر، وطهارة البدن والثوب والمكان والوضوء وغسل الجنابة واستقبال القبلة شروط لصحتها، وعند تعذر الوضوء أو الاغتسال لسبب ما، يجزي التيمم. فلينظر كل واحد منكم إلى حالته وليتهيأ لصلاته إذا قرب وقتها أو دخل، وليكن مستعدا لأداء الصلاة عندما تسنح له الفرصة. وأطول صلاة كصلاة العشاء لا تقتضي أكثر من خمس دقائق إذا كان صاحبها مستعدا بالطهارة قبل ذلك، فعليكم أن تكونوا حذاقا في أمر دينكم حريصين على أداء فرض ربكم حتى يجعل لكم من أمركم فرجا ومخرجا، فاستعدوا للصلاة بالطهارة عندما تسنح الفرصة، ولو قبل الوقت، حتى يسهل عليكم القيام بها بعد دخول الوقت أينما کنتم، فلا يعجزن أحدكم أن يجد دقائق لأداء فرضه على أية حال، وإذا علم الله تبارك وتعالى صدق توجهكم إليه
(1) الآية 103 من سورة النساء
107 (1/156)
صفحة 157
وحرصكم على امتثال أمره وأداء فرضه، يسر لكم الأسباب
وفتح لكم الأبواب
•
سؤال: سألت في رسالتك عن حكم صلاتك في الحالات التي يتعذر عليك فيها الاستنجاء لضرورة ما فتتوضأ
وتصلي
الجواب: اعلم أن صلاتك صحيحة، وقد أصبت في عملك واعلم أن الأصل في حكم الوضوء أن لا يصح مع وجود نجاسة في أي موضع في الجسم في الفروج أو في غيرها، ولكن إذا وجدت نجاسة في موضع ما من الجسم وتعذرت إزالتها لسبب ما فإن النجاسة يسقط حكمها فيتوضأ صاحبها ويصلي، فمن تعذر عليه غسل نجاسة البول أو الغائط بالماء لسبب ما كان عليه أن يحتاط جيدا في الاستبراء وإزالة أثر النجس بمطهر كحجارة أو تراب أو كاغد أو نحو ذلك، ثم يتوضأ ويصلي وليس عليه غير ذلك ولا يسقط عنه فرض الوضوء، كما أن الصلاة لا تصح مع وجود نجاسة في أي موضع من الجسم، ولكن إذا وجدت وتعذرت إزالتها صحت الصلاة معها فافهم! أما فيما عدا هذا فإن عليك أن تصلي في الوقت حسبما أمكنك بوضوء أو بتيمم بركوع وسجود أو بإيماء واقفا أو قاعدا إن تعذرت إقامة الأركان. المهم أن تؤدي الصلاة في وقتها ولك أن تجمع بين الظهر والعصر
157 (1/157)
صفحة 158
وبين المغرب والعشاء، فالله تبارك وتعالى يقول: فاتقوا الله ما استطعتم (1) ويقول: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها (2) ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم) (3)
سؤال: شخص مصاب بالبواسير فأخرجت له عرقا قرب دبره من الخارج فكان يستنجي ويطهر المحل ثم يتوضأ للصلاة ثلاث مرات في اليوم لأنه يجمع بين العصرين والعشاءين، لكن هذا العرق قد يطلق بللا أي مادة أثناء الصلاة أو بين الصلاتين فما حكمه؟ وهل تنتقض بذلك
صلواته؟
الجواب: - والله أعلم - إن هذا الشخص قد وفق إلى العمل بما شرع لأمثاله من المصابين بسلس البول، أو إسهال البطن، أو الاستحاضة، فإن واجب هؤلاء التطهر للصلاة ثم القيام لها فورا، ولهم الجمع بين الصلاتين، ولا يضرهم بعد ذلك ما سال منهم أثناء الصلاة أو بين الصلاتين، وصلواتهم
صحيحة تامة إن شاء الله
•
سؤال: هل من قضاء على مريض صلى كيفما أمكنته
الصلاة؟
(1) الآية 16 من سورة التغابن (2) الآية 286 من سورة البقرة
(3) رواه الربيع في الباب الاول من كتاب الحج، ورواه النسائي في أول كتاب الحج،
ورواه ابن ماجة في الباب الاول من سننه
158 (1/158)
صفحة 159
بتيمم
الجواب: من اشتد به المرض فصلى حسبما أمكنه
قاعدا أو مضطجعا بإيماء أو بتكبير فتلك
هي
صلاته
الواجبة في حقه فلا إعادة عليه مطلقا إذا شفي من مرضه، وله بفضل الله أجر الصلاة التامة كاملا غير منقوص، ولا عبرة بالفترة التي قضاها في مرضه، طالت أم قصرت، ولو لزم الفراش سنين
سؤال: سألت عن طهارتك وصلاتك وصومك في حالة هذا المرض الشديد الذي أصبت به، وإني أشكرك على اهتمامك بأمر دينك وقد فهمت جميع ما وصفته من
حالتك
الجواب: فاعلم أيها الابن الكريم أن طهارة المريض
ووضوءه وتيممه وصلاته جميعا تجب عليه بحسب ما يمكنه ويقدر عليه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها (1) فإن قدرت على الوضوء فتوضأ، وإن لم تقدر أو فقد الماء فتيمم لكل صلاة كما يمكنك، وإياك أن يغرك من يقول لك إن الصلاة غير واجبة عليك، فإن هذا ضلال مبين، فإن الصلاة واجبة في وقتها حسب الإمكان كيفما كانت حالة المريض ولا تسقط عليه أبدا بل يجب عليه أداؤها في وقتها فإن استطاع أن يصليها يبدن طاهر وثوب طاهر وفراش طاهر من فضل الله، وإن عجز عن الثوب الطاهر أو لم
فذلك
(1) الآية 286 من سورة البقرة (1/159)
صفحة 160
يقدر على الانتقال من الفراش النجس فليصلها على ما هو عليه، فإنه معذور في الطهارة التي عجز عنها، ولا يعذر
في ترك الصلاة أبدا، بل يصليها على الحالة التي هو فيها والفراش الذي هو فيه، يصليها بالإيماء على ما هو عليه قائما أو قاعدا أو مضطجعا على ظهره أو على أحد جنبيه،
والنجاسة التي يعجز عن إزالتها والابتعاد عنها، فإنها لا تعتبر في حقه نجاسة، والله يتقبل منه صلاته تلك لأنه معذور. وإنك أحسنت بصيامك رمضان على ما أنت فيه، أعانك الله عليه، وهذا خير لك من الإفطار وتحمل الإعادة يوما آخر، وإن كان الإفطار جائزا لك لسفرك ولمرضك لكن الصوم خير لك إن شاء الله، وأما النظر إلى عورة بعض المرضى الذين معك عند مناولة الأطباء لهم فإنه لا يجوز النظر تعمدا، فإذا وقع النظر مصادفة من غير قصد ولا تعمد فإنه لا بأس به، ولا ينقض صيامك، فإذا وقع النظر مصادفة من غير قصد، فأغمض عينيك، أو تحول إلى جهة أخرى حتى لا تقع عينك على عورة غيرك، واحذر أن تعيد النظر وتتعمده بعد أن وقع منك أول مرة على غير قصد، وأخيرا اعلم أن الصلاة واجبة في وقتها بحسب الإمكان بتوجه القلب إلى الله، بالنية والتلاوة والركوع والسجود بالإيماء، ولا تضرها أبدا النجاسة التي لا يقدر على إزالتها، فلا تقطع الصلة بينك وبين ربك فإنه يتقبل منك صلاتك ويعذرك
160 (1/160)
صفحة 161
فيما عجزت عنه من الطهارة، والله يقول في كتابه الكريم القرآن العظيم: واستعينوا بالصبر والصلاة) (1) واجتهد في تلاوة ما حفظته من سور القرآن ولو في سرك إن عجزت عن تحريك لسانك وأكثر من ذكر الله بقلبك، وقل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اشغل بها قلبك وفكرك ولسانك إن استطعت، تطرد بها الهواجس والخواطر ووسواس الشيطان، رزقك الله الصبر وعجل لك بالشفاء التام. هذا ما من الله به في الجواب على رسالتك
سؤال: كيف يصلي من دخل عليه وقت صلاة مفروضة ولم يمكنه أداؤها حيث إنه عامل في مصنع أو سائق حافلة، وهل يجوز للإنسان أن يصلي العصر على إثر صلاة الظهر أعني في أول وقت الظهر على الساعة الواحدة مثلا؟ الجواب: أداء الصلاة في وقتها المحدد لها واجب مفروض، ومن أخرها عن وقتها طائعا مختارا غير مضطر ولا مکره فقد فسق عن أمر ربه وليس من العذر ولا من الإضطرار أن يكون عاملا في مصنع أو سائق حافلة، فإن الواجب عليه أن يترك عمله وأن يحبس حافلته لكي يؤدي واجبه، وإذا منعته في بعض الحالات الاستثنائية ضرورة
(1) الآية 45 من سورة البقرة
??? (1/161)
صفحة 162
قاهرة على مواصلة العمل صلاها كما أمكنه ولو بالإيماء في وقتها ولا يجوز تأخيرها.
الفقه
وأما صلاة العصر في وقت الظهر بعد صلاة الظهر فإنه جائز لأن وقتهما مشترك، كما دلت عليه السنة الصحيحة، بيد أن ذلك لا ينبغي إلا لأصحاب الأعذار كالمريض والمستحاضة والمصاب بسلس بول أو انطلاق بطن لا ينقطع أو سيلان دم لا يرقاً، أو نحو ذلك مما هو مبسوط في كتب. ومن الأعذار المستحدثة في عصرنا والتي يجب اعتبارها في هذه المسألة دخول العمال في مصانعهم والطلبة في مدارسهم الرسمية والموظفون في دوائر عملهم بعد الظهر بقليل ولا يؤذن لهم بالخروج منها إلا في آخر الوقت أو عن الغروب بحيث لا يدركون الصلاة بأركانها الواجبة كالطهارة، فهؤلاء ينبغي لهم أن يصلوا العصر على إثر أداء فريضة الظهر، وليس هذا بجمع بين صلاتين فلا يشترط فيه ما يشترط في الجمع المسنون، وإنما هو أداء صلاة منفردة بعد أداء صلاة أخرى كذلك
عند
سؤال: من صلى في الحافلة بلا طهارة فهل يعيدها عند وصوله بلده؟
الجواب: إذا علم أنه سيصل بلده ووقت الصلاة باق فيؤخر الصلاة حتى يصليها تامة الأركان في البلد، وإذا كان يظن الوصول قبل خروج الوقت ظنا، أخر الصلاة إلى
162 (1/162)
صفحة 163
آخر وقتها، فإذا خاف فوت الوقت صلاها في الحافلة أو على الأرض كما أمكن. فإن الوقت أهم الأركان وأما من دخل عليه وقت صلاة الرباعية وهو في سفر وخرج وقتها وهو في السفر، ولم يصلها حتى دخل وطنه يقضيها
سفرية
سؤال: كيف يصلي من أدركته الصلاة في حافلة أو
طائرة؟
الجواب: من أدركته الصلاة في حافلة أو طائرة ولا يمكنه النزول إلا بعد خروج الوقت صلى كما أمكنه ولا إعادة عليه، وإن ركب بعد دخول الوقت وقبل أن يصلي أو أمكنه النزول للصلاة على الأرض فلم يفعل فإن عليه إعادة
الصلاة إذا اطمأن بعد نزوله
سؤال: كيف يصلي من كان على ظهر الطائرة؟ الجواب: الصلاة على الطائرة كالصلاة على السفينة تؤدى في وقتها بحسب الإمكان، ولا يجوز تأخيرها عن وقتها إلى النزول وليس لها كيفية خاصة إلا ما أمكن وإن كانت جماعة فليس على أصحابها صف كأصحاب السفينة.
سؤال: ما حكم من كان في الصحراء ولم يعرف
القبلة؟
163 (1/163)
صفحة 164
الجواب: من كان في صحراء ولم يعرف القبلة فإن
كان معه من يعرف الجهات وجب عليه سؤاله وتقليده، وإن
لم يجد أحدا مطلقا يعرفه القبلة، اجتهد هو وتحرى الجهة التي يغلب على ظنه أنها قبلة، فيصلي إليها، وتجزئه
صلاته إن شاء الله.
التهاون بالصلاة وقضاؤها
سؤال: ما حكم تارك الصلاة في المذهب الإباضي؟ وما قول السلف فيه؟
الجواب: لا فرق بين المذهب الإباضي وسائر المذاهب الإسلامية، ولا خلاف بينهم في الحكم على تارك الصلاة، وقد حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة صحيحة وردت في الصحاح وفي كتب السنة وأجمع المسلمون عليها مصرحة كلها بكفر تارك الصلاة؟ منها قوله: (من ترك الصلاة كفر) (1) وقوله: (العهد الذي بيننا وبينكم ترككم الصلاة فمن تركها فقد كفر) (2) وقوله: (ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة) (3) وعن علي بن أبي طالب وجماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء أنهم قالوا:
(1) لم أجده بهذا اللفظ ولكن معناه يؤخذ من الأحاديث المذكروة بعده. (2) رواه النسائي بلفظ إن العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر، ورواه الترمذي بلفظ: العهد الذي بيننا وبينهم ... الخ. (3) رواه الربيع بن حبيب في الباب الثامن والأربعين من الجزء الأول من الجامع الصحيح، ورواه النسائي بلفظ: ليس بين العبد والكفر الا ترك الصلاة، ورواه الدارمي والترمذي بزيادة لفظ «الشرك»
178 (1/164)
صفحة 165
تارك الصلاة كافر، وعن علي أيضا: من ترك الصلاة فقد خرج من الإيمان، وقال عمر بن الخطاب حين قيل له: الصلاة يا أمير المؤمنين: قال وجرحه ينبعث دما: نعم ولا حظ في الإسلام لأحد ترك الصلاة. وقال ابن مسعود: من لم يصل فلا دين له. وقال: (الصلاة عماد الدين فمن تركها فقد هدم الإيمان) (1) وقال أيضا: (من ترك
الصلاة متعمدا فقد بريء من ذمة محمد (2) وأمثال هذه الأخبار كثيرة لا تكاد تحصى. وكلها تصرح بكفر تارك الصلاة وبما في معناه من هدم الإيمان والخروج من الإيمان وسقوط حظه في الإسلام ونفي الدين عنه وبراءته من ذمة رسول الله لزيادة على ما في القرآن الكريم مما يستدل به على ذلك مما لا يتسع المقام لإيراده، نعم، إن الإجماع منعقد على كفر تارك الصلاة وإنما الخلاف في كفره هذا أهو كفر شرك أم كفر نعمة؟ فعندنا معشر الإباضية إنه إن تركها منكرا لفرضيتها مستحلا لتركها فإن كفره شرك والحكم فيه هم حكم المشركين، فلا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ويحكم عليه في سائر أحواله بحكم المشركين، وأما إن كان تركه الصلاة تهاونا وفتورا وكسلا
() رواه الربيع في الباب السابع والأربعين من الجزء الأول بلفظ: لكل شيء عمود وعمود الدين الصلاة، ورواه الترمذي في باب الإيمان بلفظ: رأس الأمر الإسلام وعموده
الصلاة.
(2) رواه ابن ماجة في باب الفتن من حديث قال فيه: فمن تركها متعمدا فقد برئت
منه الذمة (1/165)
صفحة 166
فقط مع الإيمان بفرضها والأمل في التوبة والقضاء فإن كفره کفر نعمة يعامل في سائر أحواله معاملة الموحدين مع البراءة منه، وأمره إلى الله، وأنت خبير بأن الكفر عند الإباضية على وجهين، كفر شرك وكفر نعمة كما هو عند أصحاب الحديث. ومن أبواب صحيح البخاري، باب كفر دون كفر.
سؤال: اطلعنا على قول السيد سابق في كتابه «فقه السنة» بأن من ترك الصلاة متعمدا بدون أي سبب ثم تاب وأناب، فلا يجب عليه قضاؤها، وإنما عليه أن يكثر من
النوافل وفعل الخير، فما رأي فضيلتكم؟ وما قول أئمتنا في
هذا؟
الجواب: نص كلام صاحب فقه السنة، هو بالحرف هكذا: «وأما تارك الصلاة عمدا فمذهب الجمهور أنه يأثم وأن القضاء عليه واجب، وقال ابن تيمية: تارك الصلاة عمدا لا يشرع له قضاؤها ولا تصح منه بل يكثر من التطوع، ثم نقل عن ابن حزم قوله: وأما من تعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها هذا لا يقدر على قضائها أبدا فليكثر من فعل الخير وصلاة التطوع ليثقل ميزانه يوم القيامة وليتب وليستغفر الله عز وجل، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: يقضيها بعد خروج الوقت، حتى إن مالكا وأبا حنيفة قالا: من تعمد
?? (1/166)
صفحة 167
ترك صلاة أو صلوات فإنه يصليها قبل التي حضر وقتها إن كانت التي تعمد تركها خمس صلوات فأقل، سواء خرج وقت الحاضرة أو لم يخرج، فإن كانت أكثر من خمس صلوات بدأ بالحاضرة. . . انتهى
وقال قطب الأئمة في كتابه «شامل الأصل والفرع» ما نصه: إن تاب من تعمد تركها فقد اختلف فيه فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة يجب عليه القضاء وذلك قولنا، وقال ابن حبيب وابن حنبل: لا يجب. وهما قائلان بكفره على تركها ولو لم ينكرها لظاهر الأحاديث. اه. وبهذا تعلمون مذهب الإباضية ومذهب جمهور الأمة في في وجوب القضاء على متعمد ترك الصلاة إذا تاب من ذنبه، بل من كفره هذا، وأن قضاءها شرط لصحة توبته ما دام ذلك في دائرة الإمكان ولم يخرج إلى حد التعذر، وأما القائلون بعدم مشروعية القضاء كابن تيمية وابن حزم فإنهم يريدون بذلك تهويل أمر تعمد ترك الصلاة، وأن الإثم فيه كبير وكبير، وأن شأنه عند الله خطير وخطير، وإن فعله بعد تعمد تركه في وقته المحدود لا يغني عنه من الله شيئا. وإن فعله هذا بعد الوقت المعين، لا يقوم مقام الفعل الواجب في الوقت المعين، فإن هذا غير ذلك قطعا، لا حظوا قول ابن تيمية «لا يشرع له قضاؤها ولا تصح منه ولاحظوا قول ابن حزم: «وأما من تعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها هذا لا يقدر على قضائها
167 (1/167)
صفحة 168
أبدا ولاحظوا أيضا استدلال ابن حزم بقوله تعالى: فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون (1) وقوله تعالى: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة
واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (2) وقول ابن حزم بعد ذلك كما نقله صاحب «فقه السنة»: فلو كان العامد لترك الصلاة مدركا لها بعد خروج وقتها لما كان له الويل ولا لقي الغي، كما لا ويل ولا غي لمن أخرها إلى آخر وقتها الذي يكون مدركا لها. وأيضا فإن الله جعل لكل صلاة فرض وقتا محدود الطرفين، يدخل في حين محدود، ويبطل في وقت محدود، فلا فرق بين من صلاها قبل وقتها وبين من صلاها بعد وقتها، لأن كليهما صلى في غير الوقت وليس هذا قياسا لأحدهما على الآخر بل هما سواء في تعدى حدود الله تعالى، وقد قال الله: ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) (3) اهـ.
40
يظهر من كل هذا وخاصة من قولهم: لا تصح. وقولهم: لا يقدر على قضائها أبدا، أن مرادهم أن من ترك الصلاة متهاونا بها متعمدا لتركها ثم قضاها بعد خروج وقتها فإن قضاءه هذا لا يسد أبدأ مسد أدائها في وقتها المعين، ولا يدرك فضل أدائها فى وقتها المعين، ولا ينجو من تبعة ذنبه
(1) الآيتان 4 و 5 من سورة الماعون.
(2) الآية 59 من سورة مريم. (3) الآية 1 من سورة الطلاق (1/168)
صفحة 169
الكبير بتعمد تركها في وقتها. يعنون أن القضاء لا يدرك
شأو الأداء أبدا، ولذلك قالوا: لا يصح منه القضاء أو لا يشرع له أو لا يقدر عليه، ثم قالوا: فليكثر من فعل الخير وصلاة التطوع ليثقل ميزانه يوم القيامة، وليتب وليستغفر الله عز وجل، والعجب منهم أنهم أمروه بالإكثار من فعل
الخير وصلاة التطوع والتوبة، وقالوا في هذه الصلاة التي تعمد تركها إنه لا يقضيها، أو ليس قضاء الصلاة المضيعة المتروكة عمدا أولى وأحق بالإتيان به بعد التوبة والندم والاستغفار، ثم تأتي بعد ذلك صلاة التطوع وفضائل الأعمال والإكثار من فعل الخير لجبر النقص بين الأداء والقضاء. وقد قال العلماء في مثل هذه المسألة «رب الدين لا يقبل الهدية»
فإن كان لله عليك دين من فرض الله وحق له ضيعته فإنه
لنا
لا يقبل منك نفلا حتى تقضي ما له عليك من دين،، ثم إن كلاما في التوبة والاستغفار وقد أمروا هذا التارك معهم للصلاة عمدا أن يتوب ويستغفر وهذا حق وأمر مجمع عليه، فلا نجاة من الذنب إلا بالاستغفار والتوبة النصوح، وللتوبة النصوح التي يرجى قبولها شروط ذكرها العلماء، ومما أجمعوا عليه منها فيما نعلمه قضاء ما ضيعه التائب المستغفر من حقوق الخالق والمخلوق والتنصل من تبعة ذلك، فقد قال الإمام علي كرم الله وجهه لأعرابي سمعه يقول: «اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك»: ياهذا إن سرعة اللسان بالتوبة توبة (1/169)
صفحة 170
الكذابين، فقال الأعرابي: وما التوبة؟ فقال علي كرم الله وجهه: يجمعها ستة أشياء: على الماضي من الذنوب الندامة وللفرائض الإعادة ورد المظالم واستحلال الخصوم وأن تعزم على أن لا تعود، وأن تذيب نفسك في طاعة الله كما ربيتها في المعصية، وأن تذيقها مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعاصي. وقال الشيخ اسماعيل الجيطالي: رحمه الله في باب شروط التوية من كتاب القناطر»: القسم الثاني من الذنوب هو ترك واجبات الله تعالى من صلاة أو صوم أو زكاة أو كفارة أوغيرها. فإن ترك صلاة واحدة أو أكثر أو صلى بثوب نجس أو على غير وضوء أو قبل الوقت أو بغيرنية أو بإخلال شرط من شروطها أو ركن من أركانها مما يطول شرح تلك النواقض والمفسدات، فعليه قضاء ذلك كله مع الكفارة المغلظة إذا تركها عمدا، وقال الشيخ أبو نصر في
منظومة الصلاة الرائية:
مر الفاسق المِلي إن تاب يقضها
وأما أخو شرك يسامح في الدهر
قال شارحه: قل أيها المخاطب للعاصي الموحد التارك للصلاة عمدا أو الفاعل لها بما لا تصح به شرعا من غير عذر كنجاسة: اقض ما تركت عمدا أو ما أتيت منها بما لا تنعقد به شرعا، ولا تقل للمشرك بعد إسلامه اقض ما فاتك من الصلاة حال شركك لأنه لا يؤمر بقضائها وإن قلنا إنه
170 (1/170)
صفحة 171
مخاطب بفروع الشريعة لكون الإسلام جبا لما قبله كما قال، ثم قال بعد ذلك: وحاصل معنى البيت وزيادة: أن الموحد التارك لها والفاعل لها بما لم يشرع فيها يؤمر بقضاء ما ترك منها فقط إن تاب، وبالتوبة والقضاء معا إن لم يتب. . . وقال أيضا: إن عامد ترك الصلاة إلى خروج وقتها آثم ولازم له قضاؤها مع المغلظة خلافا لأهل الظاهر
في نفيهم عنه لزوم قضائها، وإن قالوا بإثمه، وقال بعض المشارقة: لا تلزمه كفارة كما هو قول أهل الخلاف، وأكثر المشارقة على وجوبها عليه، كما أفاده الشارح رحمه الله
تعالى
وقال أبو الليث السمرقندي في باب التوبة من كتابه «تنبيه الغافلين»: الذنب على وجهين: ذنب فيما بينك وبين الله تعالى، وذنب فيما بينك وبين العباد، أما الذنب الذي بينك وبين الله تعالى فتوبته الاستغفار باللسان والندم بالقلب والإضمار أن لا تعود، فإن فعل ذلك لا يبرح من مكانه حتى يغفر الله له. إلا أن يترك شيئا من الفرائض فلا
تنفعه التوبة ما لم يقض ما فاته ثم يندم ويستغفر.
وليت شعري هل يقول هؤلاء بسقوط القضاء في جميع حقوق الله وفرائضه المضيعة المتروكة عمدا كالصيام والزكاة والحج، وإن التوبة من ذنب تركها تجزي صاحبها وتقبل منه بدون قضائها. وقد ثبت الأمر بقضائها بل وبالوصية بها
171 (1/171)
صفحة 172
إذا حضرت المنية وخيف الفوت؟ أو ليست الصلاة أولى بالقضاء للتائب المستغفر؟ ولا تصح فيها وصية لأنه لا يصلي أحد عن أحد كما صح به الأثر وانعقد عليه الإجماع، ثم ليت شعري ما ذا يقول هؤلاء في تارك الصلاة عمدا ثم ندم وتاب واستغفر من ذنبه فقضى ما تعمد تركه من صلواته أيكون بذلك محسنا أم مسيئا؟ مطيعا أم عاصيا؟ أتقبل منه صلاته القضائية أم ترد؟ ثم إذا أكثر من صلاة التطوع والنفل بعد ذلك كما أمروه فهل يقبل تطوعه ونقله؟ ويرد قضاؤه؟ وهل يمكن أن يقال له: أسأت في قضائك لما تركت، وخير لك أن لو اقتصرت على النفل والتطوع؟ إن هذا والله غير مقبول ولا معقول. وإن خير ما يأتيه هذا أولا هو التوبة والندم والاستغفار ثم تدارك ما فات ثم الاجتهاد في فعل الخيرات، وهذا ما جعلنا نرى أن ما قاله ابن تيمية وابن حزم إنما أرادوا به تهويل شأن تعمد ترك الصلاة، وإن شيئا ما لا يقوم أبدا مقام ترك الصلاة في وقتها ولا يسد مسدها ولا يبلغ شأو فضلها وإن قضاءها لا يقدر عليه أبدا. وترباً بهم أن يقولوا إن قضاء التائب المستغفر للصلاة التي تعمد تركها عبث وباطل من العمل، أو هو سيئة ومعصية، مع أنهم يأمرونه بالتكثير من فعل الخير وصلاة التطوع، أو ليس هذا القضاء بعد التوبة أعظم خير يثقل به الميزان؟ نعم إن هناك
من فقهاء المسلمين من يرى كفر تارك الصلاة المتعمد
172 (1/172)
صفحة 173
المتمادي كفر شرك يخرج به عن ملة الإسلام فيحكم عليه إذا تاب وأناب بحكم المشرك إذا أسلم ويطبق عليه قول الله تبارك وتعالى: قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) (1) وقوله الله: (الاسلام جب لما قبله) (2) فلا يطلب بشيء مما عمله أو ضيعه وقت كفره، ولا يبعد القائلين بسقوط القضاء عن تارك الصلاة عمدا قد اعتبروا هذا
أن
وجمهور
الاعتبار وحكموا بصريح حديث (ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة) (3) فقد علمتم ما عليه سلف الأمة الأئمة ومذهب أهل الاستقامة فاحتاطوا لأنفسكم وتحروا لدينكم وتوبوا إلى الله توبة نصوحا، وقد علمتم أن الله تبارك وتعالى ما ذكر في كتابه وعيد المذنبين إلا وأتبعه باستثناء من تاب وآمن وعمل صالحا، وهذا في القرآن الكريم كثير أذكركم بثلاث آيات منه ففي سورة مريم فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا) (4)
(1) الآية 38 من سورة الأنفال. (2) رواه أحمد بلفظ: بايع ياعمرو فإن الإسلام يجب ما كان قبله وإن الهجرة تجب ما كان قبلها، وذلك في مروياته عن عمرو بن العاص.
(3) رواه الربيع فى الباب الثامن والأربعين من الجزء الأول من صحيحه، والدارمي والترمذي في سننهما.
(4) الآيتان 59 و 60 من سورة التحريم
173 (1/173)
صفحة 174
بعد
وفي سورة طه وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى} (1) وفي سورة الفرقان إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فاولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما (2) فمن ذا الذي لا يرى أن أول عمل صالح يجب أن يقوم به التائب من ذنبه على إثر توبته إنما هو تدارك ما فات بقضاء ما ضيع من فرائض الله والتنصل من تبعات حقوق العباد، ثم يأتي ذلك النفل والتطوع مع الاستمرار على السير في الصراط المستقيم واتباعه كما دل عليه قوله ثم اهتدى وذكر العمل الصالح بعد التوبة في سائر الآيات دليل على أنه شرط لقبولها، فتحروا لدينكم ولا تغرنكم الأقوال الرخيصة التي لا تعتمد على دليل بل تعارض كل دليل وتذكروا قول الله تبارك وتعالى سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أُعدت للمتقين (3) وقوله
تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله () واجعلوا الآيتين الكريمتين نصب أعينكم دائما، فسارعوا وسابقوا إلى مغفرة من ربكم بالتوبة من ذنوبكم
(1) الآية 82 من سورة طه
(2) الآية 70 من سورة الفرقان (3) الآية 133 من سورة آل عمران.
(4) الآية 29 من سورة الحديد
174 (1/174)
صفحة 175
وقضاء ما ضيعتم من حقوق ربكم والتنصل من حقوق العباد بقضائها أو المحاللة منها، فإن هذا وحده هو سبيل الفوز
والنجاة.
وفقنا الله وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه.
سؤال: رجل مكث في السجن مدة ولم يصل في تلك المدة أي صلاة من الصلوات المكتوبة، فما ذا عليه؟ الجواب: إنه عصى وكفر بتعمده ترك الصلاة المكتوبة من غير عذر، فعليه أولا أن يتوب لربه، ويستغفر من ذنبه، وثانيا أن يقضي جميع تلك الصلوات التي ضيعها، ولا يضيق عليه أن يعتكف مثلا في مكان حتي يقضيها كلها، بل له أن يقضي كل يوم بعضا منها، ولو خمس صلوات في كل يوم ويستمر على ذلك حتى يستكملها، وثالثا عليه كفارة مغلظة واحدة (إطعام ستين مسكينا أو الكيل لهم)
سؤال: رجل قضى أياما في المستشفى ولم يصل فيه صلاة قط، فما ذا عليه؟
الجواب: إن عليه التوبة والاستغفار لأنه عاص بتركه الصلاة وقد رخص الله له أن يصلي كيفما أمكنه وعلى أية حال ولو بالتيمم والإيماء فلما لم يفعل عصى، فعليه التوبة وعليه قضاء صلواته وعليه كفارة مغلظة لتركه الصلاة جميع
عمدا.
175 (1/175)
صفحة 176
سؤال: ما حكم متعمد ترك الصلاة، أو مصليها مع
إخلاله بركن من أركانها؟
الجواب: من تعمد ترك الصلاة أو فسدت عليه بترك رکن کالطهارة والوقت والاستقبال أو بعمل مفسد ما، وجب عليه قضاؤها وإن كثرت، والقضاء جائز في كل وقت ولو بعد العصر أو الوتر، تقضى كل منها كما وجبت، فإذا سلم من إحداها قام للأخرى، ولا يجب الترتيب فيها الحضرية حضرية والسفرية سفرية، وإذا لم يستطع حصرها فليحتط في التقدير وليقض كل يوم ما تيسر له مع التوبة النصوح من ذنبه الكبير.
سؤال: رجل يتهاون بصلاة المغرب والعشاء وينام من غير أن يصليهما ولكنه يقضيهما في اليوم التالي فما حكمه؟ وهل عليه كفارة؟
الجواب: إن من ترك إحدى الصلوات الخمس ولم يصلها عمدا حتى خرج الوقت فهو فاسق عاص كافر كفر نعمة بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة فعليه التوبة من معصيته وقضاء ما ضيع من صلاته وكفارة مغلظة، وإن تكرر منه ذلك مرارا عديدة من غير أن يؤدي الكفارة بين مرة وأخرى، فإن عليه كفارة واحدة لجميع ما مضى، وأما
الصلوات فلا بد من قضائها كلها مع التوبة النصوح
176 (1/176)
صفحة 177
سؤال: ما حكم من ترك الصلاة عمدا أو ضيع ركنا أو
شرطا من شروطها؟
الجواب: تارك الصلاة كافر هالك للترك ومعاقب له أعني يترك المرة بعد المرة، ومضيع لركن منها أو شرط من شروط صحتها كالوضوء والقيام مع القدرة في حكم تاركها وتوبة الكل لا تصح إلا مع القضاء، ومن تاب وندم واجتهد في القضاء وكان يقضي كل يوم ما استطاع رجونا له الرحمة إن شاء الله
سؤال: رجل ترك الصلاة عدة سنوات ثم صار يصلي حينا ويترك حينا سنوات كذلك، وكان يشرب الخمر
ويزني، وقد عزم على توبة نصوح فما ذا عليه؟
أفعاله القبيحة هذه، فعليه
الجواب: قد كفر بجميع أولا الإقلاع، أعني الترك المطلق لجميع ذلك، ثم التوبة والاستغفار لله، واستشعار الندم عما صدر منه ثم قضاء كل ما أضاع من الصلوات المكتوبة وذلك بأن يقضي كل يوم ما استطاعه وأمكنه من صلوات حتى تطمئن نفسه إلى أنه قد ما عليه من صلوات، ولا يجب عليه أن نفسه في مكان مثلا، يقضي فيه الصلاة طوال الليل أو النهار، وإنما يجتهد في قضاء ما أمكنه كل يوم، ثم عليه ثلاث كفارات مغلظات عن معاصيه الثلاث: ترك الصلاة، وشرب الخمر، والزنى. هذا ما تصح به توبته إن
قضى جميع
يحبس
177 (1/177)
صفحة 178
شاء الله، وعليه أن يجتهد في أعمال البر والاحسان من جميع أنواع الطاعات ويكثر من الحسنات فإن الحسنات يذهبن السيئات، ويستحسين العلماء أن ينفق في سبل الخير قدر ما أنفقه في الخمر والنساء حتى يتطهر من جميع
أدرانه
سؤال: هل تصح صلاة تارك الصوم؟ وهل يقبل صوم تارك الصلاة؟
الجواب: تارك الصلاة كافر بإجماع المسلمين لقول رسول الله: ليس بين العبد والكفر إلا تركه صلى الله الصلاة) (1) ومعنى هذا الكفر الفسوق والعصيان، وليس كفر شرك، وصيام تارك الصلاة لا يقبله الله منه ما دام تاركا للصلاة، لكنه إذا تاب من ترك الصلاة وقضى ما عليه منها فإنه لا يؤمر بقضاء الصوم إذا لم يفسده بإحدى المفسدات، وكذلك صلاة من يأكل رمضان لا تقبل منه لكنه إذا تاب وقضى ما عليه من صيام فإنه لا يجب عليه قضاء الصلاة الصحيحة التي لم يدخل فيها ما يفسدها
سؤال: بنت ظهرت عليها أمارات البلوغ وتحققت ذلك ولم تخبر أهلها حياء وخجلا ومكثت على ذلك أياما لم تصل فيها فماذا عليها للأيام التي تركت الصلاة فيها؟
(1) رواه الربيع والنسائي والدارمي بألفاظ متقاربة وقد تقدم.
178 (1/178)
صفحة 179
الجواب: إنها تتوب إلى الله وتستغفره لأنها عاصية بتركها الصلاة ثم عليها أن تقضي جميع صلوات الأيام التي تركتها بأن تشرع في قضاء ما تستطيعه كل يوم حتى تأتي
على عدد الصلوات التي عليها
سؤال: بماذا يجب أن يبتدئ من نام عن صلاة
الصبح حتى طلعت الشمس؟
الجواب: إن السنن لا يجب قضاؤها فإن أراد القضاء فليبدأ بالسنة ثم يثني بفريضة الصبح، وإن اقتصر على
الفريضة فلا بأس.
سؤال:
من فاتته صلاة الصبح وأراد أن يقضيها قبل
الظهر، ماذا يقول في النية؟ وهل يقضي أيضا ركعتي
الفجر أم لا؟
ركعتي
الفجر وينوي
الجواب: من فاتته صلاة الصبح قضاها مع ر أداء ما عليه من فرضها وسنتها. ولم يرد عن
الشارع لفظ مخصوص للنية حتى يعتمد عليه، وإنما
المقصود هو
القصد القلبي، وما اللسان إلا تأكيد، فسيان
قلت: أداء لما علي من كذا، أو قضاء لما علي من كذا،
فالكل سائغ، والقصد امتثال الأمر والخروج من عهدته
179 (1/179)
صفحة 180
سؤال: امرأة طهرت من حيض أو نفاس قبل الظهر فاشتغلت باعداد وسائل الغسل، فلم تنته إلا عند الغروب، فهل تجب عليها صلاة الظهر والعصر فتقضيهما أم لا؟ الجواب: إنه لا خلاف فيما نعلم بين العلماء في
وجوب
قضاء الظهر والعصر.
•
هل تصح صلاتي
سؤال: هل تبطل صلاة من كان يمس جسده في صلاته معدن كالحديد مثلا، كمنظار على عينيه أو مساك في شعره أو ساعة في يده أو نحو ذلك؟
الجواب: إن النبيء له نهى عن الصلاة بالأنك صلى الله والشبه أي القصدير والنحاس، وقاس بعض العلماء عليهما الحديد وما أشبهه من المعادن، وذهب كثير منهم إلى أن النهي للكراهة لا للتحريم، وحتى على القول بالتحريم فإن الصلاة لا تبطل بذلك عند جمهور الأمة، ولقد قال بذلك كثير من فقهاء الأمة حتى في الذهب والحرير المحرم لبسهما على الرجال، فيقولون فيمن صلى بهما «عصى وصحت» والأمر في غيرهما من المعادن أهون وأيسر فلا يعدو المصلي بها أن يكون مرتكبا لمكروه فصلاته صحيحة ولا إعادة عليه، ولم يثبت عن النبيء له أنه أمر من صلى بشيء من
180 (1/180)
صفحة 181
ذلك بإعادة الصلاة، والنهي لا يستدل به على فساد المنهي
عنه عندنا وعند جمهور الامة
سؤال: هل تجوز صلاة رجل صلى مكشوف الرأس؟ الجواب: تجوز صلاة الرجل مكشوف الرأس، ولكن الأفضل تغطيتها وكلما كان المصلي أكمل هيئة، كان أعظم
أجرا.
سؤال: ما حكم صلاة من اتخذ أسنانا من الذهب؟ الجواب: اتخاذ الأسنان من ذهب أو من معدن آخر لضرورة أو لحاجة لا للزينة جائز غير ممنوع. فمن اتخذها كذلك صحت صلاته وصحت إمامته لغيره. ولا شبهة في
ذلك يسأل عنها
•
سؤال: ما حكم من صلى وشيء من الحديد أو غيره من المعادن يلمس جسده كخاتم مثلا أو مساك مسك به شعره
أو نحو ذلك متعمدا أو ناسيا أو جاهلا، هل يعيد صلاته؟
الجواب: لا إعادة عليه متعمدا أو ناسيا أو جاهلا فإن الصلاة جائزة بكل معدن إلا أنها تكره بالقصدير صلى الله والنحاس، لورود النهي عن النبيء، وحمل العلماء النهي على الكراهة، فالصلاة بهما أيضا صحيحة، مع كراهة
فلا إعادة على صاحبها
،
181 (1/181)
صفحة 182
سؤال: هل يجوز للمرأة أن تصلي بزينة من معدن
غير الذهب والفضة؟
الجواب: يجوز للمرأة أن تتزين بأي زينة من معدن غير الذهب والفضة، خاصة إذا كانت فقيرة ويجوز لها أن تصلي بتلك الزينة، إلا أن بعض العلماء كرهوا لها أن تصلي بزينة معدنية غير الذهب و الفضة، ولا نرى في ذلك بأسا ولا كراهة وخاصة للفقيرة المحتاجة، على أن الأمر كله لا
يتجاوز الكراهة إلى البطلان، فلا تبطل الصلاة بذلك
سؤال: هل يجوز للمرأة أن تصلي بحلي ذهبي يحمل صورة إنسان كما في قطع العملة الذهبية الإنجليزية والفرنسية أو غيرهما؟
الجواب: تجوز الصلاة بمثل ذلك الحلي ولا تبطل به، كما يجوز للرجل أن يحمل هذه الدراهم المعدنية مع حملها لصور آدمية أو حيوانية ويصلي بها ولا
حرج
عليه.
سؤال: هل تجوز الصلاة بثياب أو على فراش طبعت فيها أو نسجت صور حيوانات؟
الجواب: لا بأس بذلك ولا تبطل الصلاة به.
سؤال: هل يجوز للإنسان أن يصلي عاريا إذا كان
وحيدا في بيته؟
182 (1/182)
صفحة 183
الجواب: أجمع العلماء على أن ستر العورة فرض
وواجب في الصلاة، فلا تجوز صلاة العريان وإن كان في بيت مغلوق منفردا فيه لا يخشى أن يطلع عليه أحد فإن الصلاة قيام بين يدي رب العزة في أعظم شعيرة فرضها على
عباده، فهل من الأدب مع الله تبارك وتعالى أن يقف
بين
يديه عريانا يركع ويسجد في صورة يستهجنها العاقل ويخجل منها وتشمئز نفسه، ولو كان وحيدا منفردا في بيته في غير صلاة. اللهم إلا أن يكون في حالة اغتسال. ومن حضرته صلاة وليس له شيء مطلقا ليستر به عورته صلى جالسا منكمشا على نفسه ويومئ إيماء حياء من الله، لا يركع ولا يسجد، وإن وجد ترابا جمعه حول بدنه، مبالغة في الستر، بل إن العلماء حكموا ببطلان صلاة من صلى في ثوب واسع الجيب غير مزرر بحيث يرى عورته (أي عورة نفسه إذا ركع وهو منفرد في بيته، واللباس الساتر للعورة من معاني الزينة في قوله تبارك وتعالى: (خذوا زينتكم عند كل مسجد (1) والمراد به الصلاة، كمالم يختلفوا في بطلان صلاة من صلى وعورته منكشفة لغيره من جيب قميصه أو كمه أو خرق فيه، وهذا هو اللائق بمقام الصلاة
وحرمتها ومكانتها عند الله تبارك وتعالى، وهو الحق إن
شاء الله
(1) الآية 31 من سورة الأعراف
183 (1/183)
صفحة 184
مسائل متفرقة
قراءة الفاتحة والسورة في العصرين
سؤال: هل الواجب في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر قراءة الفاتحة فقط أم الفاتحة وسورة؟
ذلك
الجواب: إن الخلاف في القراءة ومقدارها في ركعات صلوات الفرض في صلاة الفرد وصلاة الجماعة كثير ومشهور، ودونك ما قاله صاحب الإيضاح عن مذهب الإباضية في في باب القراءة في الصلاة بالجزء الأول صفحة 473: غير أن الذي أخذ به علماؤنا رحمهم الله أن لا يقرأ في الركعتين الأوليين من الأولى والعصر بغير فاتحة الكتاب والدليل معهم إجماع الناس على أن صلاة الظهر والعصر لا فيهما، جهر ورأينا كل ركعة لا يقرأ فيهما إلا بفاتحة الكتاب يسر بها،
لا
في ليل ولا في نهار، ألا ترى إلى صلاة الجمعة وصلاة العيدين يجهر فيهما بالقراءة لأجل السورة ولو كان ذلك نهارا، ولذلك رجح أصحابنا قول من لم يقرأ في الركعتين الأوليين من الأولى والعصر، إلا بفاتحة الكتاب والله أعلم.
انتهى والمسألة فرعية خلافية فلا تجوز التخطئة فيها
184 (1/184)
صفحة 185
قراءة الفاتحة بعد الصلاة
سؤال: هل قراءة الفاتحة بعد كل صلاة سنة؟ وإن. كانت سنة فبرهن على ذلك بحديث أو آية قرآنية. والذي دعانا إلى هذا السؤال هو أننا نقرأ الفاتحة بعد الصلاة في بلدنا وقد نهانا عن ذلك أحد المرشدين وقال إنها بدعة وإن كل
بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
الجواب: - والله أعلم - أن الفاتحة هي أم الكتاب وهي السبع المثاني كما ثبت عنه عليه السلام في حديث أبي ابن كعب وكما ذهب إليه جمهور المفسرين وهي من أفضل الذكر، وتلاوتها من أعظم القربات إلى الله. وعظم شأنها عند الله تبارك وتعالى يبدو واضحا في اشتراط تلاوتها في أعظم القربات إلى الله بعد كلمة الاخلاص وهي الصلاة. فلا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فرضا كانت أو سنة أو نفلا فهي تغني في كثير من الركعات عن غيرها ولا يغنى عنها شيء، من القرآن، فتلاوتها إذن في كل زمان وكل مكان من أفضل ما يتقرب به العبد إلى ربه إلا في الأماكن والحالات التي ورد النهي عن قراءة القرآن فيها كحالة المتلبس بالجنابة مثلا وفي الخلاء، وعند قضاء الحاجة، فقراءة المصلي للفاتحة دبر صلاته وهو جالس في مصلاه في بيت من بيوت الله أو في أي مكان آخر صلى فيه قربة من القربات، كقراءة غير
بيوت
1 A 0 (1/185)
صفحة 186
الفاتحة مما يتيسر له من كتاب الله وكالاستغفار والتسبيح والتكبير ونحو ذلك من سائر الأذكار، فقد وردت آثار كثيرة في فضل جلوس المصلي في مصلاه. فعنه: الملائكة تصلي على أحدكم مادام في مصلاه الذي
صلى فيه مالم يحدث يقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه) (1) وفي حديث آخر عنه عليه السلام قال: ولا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، تقول الملائكة: اللهم اغفر له اللهم ارحمه. حتى ينصرف أو يحدث قيل: وما يحدث؟ قال: يفسو أو يضرط (2). ومن المعلوم بالضرورة أن هذا الجلوس في المصلى دبر الصلاة أو في انتظار الصلاة بعد الصلاة لم يكن مطلوباً لذاته، وإنما لما يأتيه الجالس في المصلى من عبادة بدعاء أو استغفار أو تلاوة قرآن أو أي ذكر من الأدكار المشروعة، وقد وردت آثار كثيرة بأذكار كثيرة يذكرها المصلي دبر الصلاة، وقد كان صلى الله عليه وسلم
وإذا
بجلس في مصلاه فترة من الوقت قد تطول وقد تقصر، صلى إماماً لم يطل الاستقبال بعد التسليم بل يجلس هنيهة
(1) رواه البخاري في الباب الحادي والستين من كتاب الصلاة بلفظ: لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة. انظر الباب السادس والثلاثين، كتاب الأذان (1) و (2) يبدو أن الحديثين أو العبارتين مأخوذتان من حديث واحد، أتى به البخاري مجزءا في أبواب الصلاة والأذان والوضوء، ورواه ابن ماجة في باب وقت صلاة العشاء
كتاب الصلاة بالعبارة التالية: وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة.
186 (1/186)
صفحة 187
في
مستقبلا ثم يلتفت إلى أصحابه وهو في مجلسه، ولا يكون تلك الحال إلا ذاكرا لربه كما يكون في عامة أحواله، ولم يرد عنه أنه كان يدعو بصوت مرتفع دبر الصلاة والناس يؤمنون ولم تصح في ذلك سنة كما لم تصح عنه سنة في قراءة الفاتحة بعد الصلاة وكان من هديه أنه كان يأمر بما الله يأمر الله به في كتابه من ذكر الله ذكرا كثيرا وتسبيحه بكرة وأصيلا. ثم يدع الناس وشأنهم في ذلك أحرارا فيما يختارونه لأنفسهم من الأذكار المشروعة والأعمال الصالحة أفرادا وجماعات في المسجد وغير المسجد، لا يشرع لهم في ذلك طقوسا معينة حتى لا يحرجهم، وخوف أن تفرض عليهم رأفة بأمته ورحمة لها، فإنه ما كما قال الله تبارك وتعالى في وصفه في سورة براءة: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) (1) فالمسلمون في كل زمان ومكان أفرادا وجماعات أحرار فيما يأتونه من أنواع العبادات ذكرا باللسان وعملا بالأركان في أي وقت وفي أي مكان تقربا إلى الله تبارك وتعالى وطلبا لرضاه ما دامت في صورها مطابقة لما شرعه الله وسنه رسول الله فإنها فضائل أعمال ونوافل زيادة على الفرائض القطعية والسنن الصحيحة المؤكدة، بيد، بيد أنه لا يجوز أن يقال فيها إنها فرض ولا إنها سنة، كما أنه لا يجوز أن توصف بأنها بدعة بالمعنى الشرعي
(1) الآية 129 من سورة التوبة.
JAY (1/187)
صفحة 188
للبدعة، وهو التقرب إلى الله يما يخالف شرعه القطعي وتلك هي البدعة الضالة، وقد ثبت في الحديث الصحيح القدسي المتفق عليه، قول الله تبارك وتعالى: {ما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه) الحديث رواه البخاري في الباب الثامن والثلاثين من كتاب الرقاق، فمن ذا الذي يجرؤ أن يقول في هذه النوافل التي ترفع العبد إلى مقام محبة الله له إنها بدعة ضالة؟ قال ومن بذلك فإنه المبتدع الضال إذ نهى عما شرع الله وندب إليه وأمر به من التقرب إليه بنوافل الأعمال، بيان ذلك: أن الله تبارك وتعالى قال في كتابه الكريم: ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا) (1) واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (2) فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا (3)
(1) الآية 42 من سورة الاحزاب
(2) الآية 10 من سورة الجمعة (3) الآية 200 من سورة البقرة
188 (1/188)
صفحة 189
فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون) (1) فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم (2) واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) (3) لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا) (*) كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا) (5) في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) (6) واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار) (7) وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، ومن، ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى) (8) واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار) () وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب (10) ومن الليل فسبحه وإدبار
(1) الآية 239 من سورة البقرة (2) الآية 103 من سورة النساء
(3) الآية 45 من سورة الأنفال والآية 10 من سورة الجمعة
(4) الآية 9 من سورة الفتح
(5) الآيتان 33 و 34 من سورة طه
(6) الآيتان 36 و 37 من سورة النور
(7) الآية 41 من سورة آل عمران
(8) الآية 130 من سورة طه (9) الآية 55 من سورة غافر (10) الآية 39 من سورة ق
189 (1/189)
صفحة 190
السجود) (1) وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم (2) ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا) (3) (فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا) (4) يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون (5) والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما) () (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) (7) تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا) (8) (وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود) (9) والذاكرين الله كثيرا والذاكرات) (10) فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون (1) ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) (12) واصبر نفسك
(1) الآية 40 من سورة ق
(2) الآيتان 48 و 49 من سورة الطور.
(3) الآية 26 من سورة الإنسان
(4) الآية 11 من سورة مريم
(5) الآية 113 من سورة آل عمران (6) الآية 64 من سورة الفرقان (7) الآية 125 من سورة البقرة
(8) الآية 29 من سورة الفتح
(9) الآية 26 من سورة الحج
(10) الآية 35 من سورة الاحزاب (11) الآيتان 16 و 17 من سورة الروم
(12) الآية 52 من سورة الأنعام
19. (1/190)
صفحة 191
مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي (1) (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا) (2). كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون (3) واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) (4)
هذه الآيات ونظائرها في القرآن الكريم كثير وكثير، تدل دلالة صريحة قطعية على أن المطلوب من المؤمنين أن يكونوا دائمي الاتصال بالله بكرة وأصيلا، بالغداة والعشي، آناء الليل وأطراف النهار، بتلاوة ما تيسر من كتابه الكريم، وبذكره بأسمائه الحسنى وحمده وتسبيحه وتكبيره واستغفاره، والصلاة والركوع والسجود، والصلاة والسلام على نبيه، وغير من أعمال البر والخير والباقيات الصالحات مما يدخل في عموم قوله تبارك وتعالى: (ياأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) (5) وجميع ذلك ـ بعد. بعد ما افترضه الله تبارك وتعالى ـ داخل في عموم كلمة النوافل التي وردت في الحديث القدسي ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه لاحد في ذلك ولا حجر ولا طريقة معينة يلزم الناس
ذلك
(1) الآية 28 من سورة الكهف
(2) الآية 16 من سورة السجدة
(3) الآيتان 17 و 18 من سورة الذاريات
(4) الآية 45 من سورة البقرة
(5) الآية 77 من سورة الحج (1/191)
صفحة 192
بها، فكل يعمل حسبما أمكنه وبقدر ما تيسر له، وفي أي مكان أو زمان أراده ما لم يكن منهيا عنه، وقد كان الله الصحابة رضي عنهم ـ وخاصة أهل الصفة منهم - يلزمون المسجد الأوقات الطويلة قبل الصلاة وبعد الصلاة، وما كانوا يشتغلون بلغو ولا حديث باطل ولا عمل لدنيا، وإنما كانوا يذكرون الله ويعبدونه، كل على شاكلته فمنهم المصلي ومنهم التالي للقرآن ومنهم الذاكر والمسبح ومنهم من يتذاكرون في العلم، والرسول داخل خارج عليهم، عليم بأحوالهم، وهم أفراد أو حلق وجماعات فيقرهم على ما هم عليه،، وهو راض عنهم مغتبط، مبتهج بما يراه منهم، وكذلك كانت أحوالهم مختلفة في ذكرهم، وعبادتهم في بيوتهم، وفي أي مكان كانوا بعد خروجهم من المسجد، وكانوا يقصون أخبارهم في ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقرهم على ذلك إلا فيما قل وندر، فإنه قد نهى عن أشياء
بلغته ورآها غير حسنة، وقد دونها حملة السنة ورواتها وهؤلاء الصحابة مصابيح الهدى، وهم أئمتنا وقدوتنا يسعنا ما وسعهم، وما كان بعضهم ينكر على بعض شيئا يختلفون فيه في القيام بنوافلهم، وعلى طريقتهم درج التابعون والسلف الصالحون، ولن يزال الأمر كذلك إلى يوم الوقت المعلوم، فالشريعة إنما هي فرائض افترضها الله تبارك وتعالى وعلمت من الدين بالضرورة وأجمعت عليها الأمة، فيجب أن تؤدى
192 (1/192)
صفحة 193
كما شرعت بأركانها وشروطها في أوقاتها بلا زيادة ولا نقصان ولا تغيير في شيء منها، وسنن صحيحة مؤكدة سنها رسول الله له بإذن ربه كالوتر وركعتي الفجر وركعتي المغرب وصلاة العيدين وركعتي الطواف، عمل بها وواظب عليها وأمر بها فعلينا أن نقتدي به فيها بصفتها سنة مؤكدة، ثم هناك سنن أخرى دون هذه المؤكدات كصلاة الخسوف
والكسوف وبعض الركعات الرواتب قبل وبعد صلوات الفرض وقد ضبطتها كتب الحديث والفقه فهذه سنن دون المؤكدات، والقيام بها بنية إحياء السنة والاقتداء بالنبيء فيه فضل كبير، ويصح أن توصف بأنها سنة إلا أنه لا يقال فيها مؤكدة، وهذا الذي ذكرته في هذه الأقسام إنما هو تمثيل لا حصر، ومن أراد التفقه فعليه بكتب فقه العبادات كإحياء علوم الدين للإمام الغزالي، وكقناطر الخيرات للشيخ إسماعيل الجيطالي، وغيرهما، وككتب السنة الصحاح لأئمة الحديث فقراءتكم للفاتحة الصلاة أفرادا أو جماعات داخلة بعد في عموم الذكر الكثير الذي أمر الله به في كتابه وندب إليه ومدح أهله، بل هي من أول وأولى ما يدخل في الذكر العبادات وما يتقرب به إلى الله من النوافل لعلو
وفي عموم
شأنها وعظيم فضلها، فإنها حمد لله وثناء عليه وتعبد له
ودعاء. وقد
عنه صح
أنه يذكر الله ويستغفره ويدعوه
193 (1/193)
صفحة 194
بعد الصلاة، وكذلك كان يفعل أصحابه وأزواجه رضي الله عنهم، وقد علم بعض أصحابه أدعية يدعون بها بعد الصلاة إما قبل التسليم وإما بعده كما نص عليه العلماء، وكان الصحابة يجلسون في مصلاهم بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس فيسبحون سبحة الضحى وكان بعض أزواجه يفعل ذلك
في
صلى الله
والنبيء مقر لهم على ذلك، بل ورد في بعض الروايات أنه يأمر به وقد قال فيما صح عنه: (الدعاء مخ العبادة) (1) وقال في كتابه الكريم: ادعوني أستجب لكم) (2) ومدح الداعين بقوله: يدعون ربهم بالغداة والعشي (3) وقوله: يدعون ربهم خوفا وطمعا (4) أمثال ذلك مما لا يخفى على التالين لكتاب الله. ومما يؤثر عن السلف الصالحين أنهم كانوا يتحرون ويأمرون بالتحري لضمان الإجابة في خير زمان ومكان ويرون أن الحالات لذلك آخر الصلاة، إما قبل التسليم وإما بعده، والمصلي في مجلسه لم يتحول عنه وهو مقبل على ربه يناجيه، وقد فسر المفسرون في القديم والحديث قوله تبارك وتعالى في آخر سورة الانشراح: فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب بالفراغ من الصلاة (1) رواه السدي بهذا اللفظ في حاشيته على سنن ابن ماجة وأورده ابن ماجة بلفظ إن
الدعاء
هو العبادة
(2) الآية 60 من سورة غافر.
(3) الآية 28 من سورة الكهف
(4) الآية 16 من سورة السجدة.
198 (1/194)
صفحة 195
العلم
والانتصاب للدعاء، قال الشيخ أبو الحواري من أئمة بعمان في القرن الثالث الهجري في تفسير الآية: إذا فرغت من القراءة والركوع والسجود وأنت جالس في آخر الصلاة قبل
في
أن تسلم فانصب في الدعاء إلى الله وارغب إليه في المسألة» اهـ. هكذا اقتصر على هذا الوجه من التفسير ولم يذكر غيره، وصدر القرطبي بهذا الوجه حيث يقول: «قال ابن عباس وقتادة: فإذا فرغت من صلاتك فانصب أي بالغ الدعاء وسله حاجتك» وقال الألوسي في تفسيره روح المعاني: «وأخرج ابن جرير وغيره من طرق ابن عباس أنه قال: أي إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء، وروى نحوه عن الضحاك وقتادة» اهـ. وذكر وجوها أُخرى في التفسير يجمعها قوله فإذا فرغت أي من عبادة كتبليغ الوحي فانصب فاتعب في عبادة أخرى شكرا لما عددنا عليك من النعم السالفة ووعدناك من الآلاء الآنفة، كأنه عز وجل لما صلى الـ عدد عليه ما عدد ووعده بما وعد، بعثه على الشكر والاجتهاد في العبادة وألا يخلي وقتا من أوقاته منها فإذا فرغ من عبادة أتبعها بأخرى، وبعد أن ذكر وجوها أخرى في تفسير الآية قال: والأنسب حمل الآية على ما تقدم وأما قول ابن عباس ومن معه فهو تخصيص لبعض العبادات فراغا وشغلا إما مثالا لا أن اللفظ خاص وهو الأظهر. وكذا يقال فيما روي عن ابن مسعود، وأما لأن الصلاة أهم العبادات
195 (1/195)
صفحة 196
البدنية والدعاء مخ العبادة فهما هما. اهـ. قال الإمام. الغزالي في إحياء علوم الدين: آداب الدعاء عشرة:: أن يترصد لدعائه الأوقات الشريفة كيوم عرفة ... ثم قال: الثاني: أن يغتنم الأحوال الشريفة. قال أبو هريرة رضى الله عنه: إن أبواب السماء تفتح عند زحف الصفوف في سبيل الله تعالى وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلوات المكتوبة، فاغتنموا الدعاء فيها: وقال مجاهد: إن الصلاة
جعلت في خير الساعات فعليكم بالدعاء خلف الصلاة. اهـ فقراءة الفاتحة بعد الصلاة عبادة من العبادات وقربة من القربات ونافلة من النوافل المطلوبة من المؤمن في جميع الأوقات والحالات بيد أنه لا يقال إنها سنة كما لا يجوز أن يقال إنها بدعة ضالة
والخلاصة أنه مما علم من الدين بالضرورة أن الله تبارك وتعالى أمر العباد بالذكر الكثير وبالدعاء والاستغفار والتسبيح والركوع والسجود وفعل الخير والصلاة بالبكرة والأصيل والغداة والعشي وقبل الطلوع وقبل الغروب وحين يمسون وحين يصبحون وآناء الليل وأطراف النهار وشرع الاعتكاف بالمساجد والاختلاف إليها وإطالة الجلوس فيها. وقال رهبانية أُمتي عمارة المساجد) (1) وقال:
(1) لم أجد هذا الحديث وإنما في تفسير ابن كثير لقوله تعالى: ورهبانية ابتدعوهاكم رواية عن الامام أحمد: لكل نبيء رهبانية ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله عز وجل، وروى عن الحافظ أبي يعلى: لكل أمة رهبانية ورهبانية هذه الأمة الجهاد في
سبيل الله (1/196)
صفحة 197
المساجد) بيوت المتقين) (6) وقال: (إنما جعلت لذكر الله والصلاة) (2) ومن المعلوم من الدين بالضرورة أيضا أن
والليلة
الصلوات المكتوبة على العبد إنما هي خمس فقط بين اليوم، مجموع ركعاتها سبع عشرة ركعة وأن السنن المؤكدة والسنن الرواتب في اليوم والليلة لا تكاد تتجاوز عدد ركعات الصلوات المفروضة وأن الوقت الذي تستغرقه جميع
هذه
الصلوات لا يتجاوز بضع عشرات من الدقائق مفرقة على
أوقاتها لا تكاد تبلغ إذا جمعت مقدار ساعة في اليوم والليلة
ففيم يقضي العباد والمجتهدون والعاكفون وعمار بيوت الله
6
الساعات الطوال في كل وليلة بعد الساعات القليلة
يوم
الضرورية لنومهم ومعيشتهم؟ إنهم من غير شك يقضونها في نوافل وأعمال البر من نوع ما شرع لهم حسبما يختارونه لأنفسهم وحسب ما يتيسر لهم وما يستطيعونه وهم في ذلك مختلفون لاختلاف طبائعهم وأمزجتهم فمنهم من يفضل تلاوة القرآن ومنهم من يفضل الصلاة ومنهم من يفضل الذكر والتسبيح والأذكار المأثورة كثيرة لا تحصى، ومن المصلين
من يفضل كثرة الركعات ومنهم من يفضل إطالة القراءة إلى (1) لم أجده أيضا وفي تفسير ابن كثير حديث للإمام أحمد يرويه عن عمرو بن ميمون الأودي: أدركت أصحاب محمد وهم يقولون: إن المساجد بيوت الله في الأرض وإنه الله أن يكرم من زاره فيها. (2) ولم أجده أيضا: وفي سنن ابن ماجة في باب النهي عن إنشاد الضوال في المسجد قال في آخر الحديث: إنما بنيت المساجد لما بنيت له. كما رواه القطب الشيخ الطفيش رحمه الله في كتابه وفاء الضمانة في باب أحوال المساجد، وزاد فيه حديث: كان الله يقول: كل كلام في المسجد لغو الا القرآن وذكر الله.
حق سي
197 (1/197)
صفحة 198
جميع
في
آخر ما لا يمكن حصره من النوافل والقربات. وتختم جميع العبادات بالدعوات الصالحات، فإن الدعاء هو ثمرتها جميعا وقد ورد الأثر بأن الدعاء ثمرة الصلاة، وأن من صلى ولم يدع كمن هز شجرة وترك ثمرتها لم يلتقطها. وهم في ذلك أحرار يختار كل منهم ما يشاء، لم يحد الله لهم ذلك حدا، ولم يضع لهم طريقة مرسومة معينة، ولم يشترط عليهم إلا الإخلاص في العمل، فجميع النوافل إذن مشروعة بالشرع العام داخلة تحت أوامر الله العامة. والقائمون بها بإخلاص داخلون في عموم الذين أثنى الله عليهم بالذكر الكثير والدعاء بالغداة والعشي والتسبيح بالبكرة والأصيل، بيد أنه لا يجوز لهم أن يدعوا فرضيَّة ما لم يفترضه الله، ولا سُنّيّة ما لم يسنه رسول اله، ولا يجوز لهم أن
صلى الله
علي وسه
ينكروا على من لم يشاركهم فيما اختاروه لأنفسهم من نافلة ليست فرضا ولا سنة، ولا يجوز لأي أحد كان أن ينكر هذه النوافل أو يدعي أنها بدعة وضلالة بدعة وضلالة، ولا أن يطبق عليها حديث: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (1) فإن هذه النوافل كلها من أمر الله ومن شرعه العام، وإنما الإحداث المنهي عنه هو الزيادة أو النقصان في فرائض الله أو تحريم ما أحل الله بالنص، أو تحليل ما
حرم
الله
(1) رواه مسلم في الباب الثامن من كتاب الأقضية، ورواه البخاري في الباب الخامس من كتاب الصلح بلفظ: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رده، ورواه أبو داود في
الباب السادس من كتاب السنة.
198 (1/198)
صفحة 199
بالنص كذلك. وتعمد القول على الله بغير علم وتعمد الكذب على نبيه وقد أطلق الله الحرية لعباده المؤمنين في ذكره، ولم يشترط عليهم شيئا حتى في أوضاع
عند الذكر فقال: وفاذكروا الله قياما وقعودا
أجسامهم وعلى جنوبكم) (1)
وبعد، فأظن أني قد بلغت بعض ما أردت تحقيقه في هذه المسألة، فاحذروا من الذين يهونون عليكم أمر العبادات من تلاوة وذكر وصلاة بدعوى أن هذا لم يفعله رسول الله فكفاكم دليلا على ما مر من بينات على أنكم أحرار فيما تأتون وتذرون، وأنكم على الصراط المستقيم وأن أعمالكم مشروعة بالشرع العام، مأمور بها بالأمر العام، واحذروا أن تنكروا على من خالفكم في شيء من ذلك مثل الإنكار على تارك الصلاة أو السنة المؤكدة فإن مثل هذا الإنكار خطأ كبير، وإذا كنتم في صلاة فريضة أو سنة مؤكدة أو في منسك من مناسك الحج المشروعة المحددة فالزموا حدود الله وسنة رسوله فيها فإنه القائل (صلوا كما رأيتموني (أصلي) والقائل: (خذوا عني مناسككم) أما فيما عدا ذلك فأكثروا من النوافل حتى يحبكم الله واجتهدوا في العبادة والذكر وأنواع البر حتى يهديكم الله ويشملكم بمعيته ويدخلكم في زمرة المحسنين، فإنه تبارك
(1) الآية 103 من سورة النساء.
??? (1/199)
صفحة 200
وتعالى يقول: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنـ
وإن الله لمع المحسنين)
ومن كان الله معه لم يضره شيء في الأرض ولا في السماء وقد هدي إلى صراط مستقيم
هذا ما من الله به في الجواب وأرجو أن لا يكون بعيدا عن الصواب، كما أرجو أن ينفعكم الله به ويؤجرنا على اجتهادنا ويغفر لنا خطايانا ويوفقنا وإياكم جميعا إلى ما يحبه ويرضاه، إنه سميع قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، والسلام عليكم ورحمة الله.
في صفة التشهد
سؤال: ما حد التشهد في الصلاة؟
الجواب: التحيات المشروعة في الصلاة تنتهي عند «وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فلا يجوز في التحيات الأولى أن يزيد على هذا. وأما في التحية الأخيرة التي لا يبقى بعدها إلا التسليم فإنه يجوز له أن يزيد مثلا: وأن ما جاء به حق من عند ربه، أو يصلي على النبيء، أو لنفسه وللمؤمنين وخاصة إذا كانت الصلاة صلاة نقل
يدعو
(1) الآية الأخيرة من سورة العنكبوت. (1/200)
صفحة 201
في سجود السهو
سؤال: لماذا يلتزم الميزابيون سجود سجدتين بعد كل صلاة فريضة أو سنة أو نافلة؟ ويسمونها سجدتي السهو؟ ويشدد بعض المتقدمين في المساجد الإنكار على من لم يسجدهما، مما يدل على أنهما عنده فرض لا تتم الصلاة إلا به، والذي نجده في كتب الفقه أنهما تجبان على الساهي
فقط؟
الجواب: مما ثبت في السنة النبوية وأجمعت عليه الأمة أن سجود السهو لا يجب إلا على من سها في صلاته كما يدل عليه إضافته إلى السهو. فمن سها في صلاته بزيادة أو بنقص بما لا تفسد به الصلاة سجد بعد الصلاة سجدتين جبرا لهذا السهو بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وعمله كما إذا أسر في موضع الجهر أو جهر في موضع السر أو قام حيث يجب. القعود أو العكس، ثم تذكر فعاد إلى الوضع الصحيح، أو في عدد الركعات فبنى على اليقين وأتم صلاته أو نحو ذلك ـ وهو كثير ـ مما يأتيه المصلي في صلاته خطأ من عمل خفيف لا يلبث أن يتذكر فيعود إلى الصواب، كتسليمه بعد اثنتين في الرباعية، ثم يتذكر فيقوم للإتمام حالا قبل أن يتكلم، ويعمل أي شيء، هذا فقط هو المأمور بسببه السجود للسهو، ولم يصح عن النبيء أنه سجد
شك
201 (1/201)
صفحة 202
بعد
الصلاة لغير سهو أو أنه أمر بذلك، ولم يقل بهذا إمام من أئمة المسلمين فيما نعلم، وقد قامت الأدلة على أن الإمام يرفع السهو عن المأمومين فلا سجود عليهم إن سهوا، وإذا سها الإمام وجب عليه السجود وإلا فلا، ومن هذا تعلم أنه لا أصل لهذا الإلتزام للسجود مطلقا دبر كل صلاة، ولا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا أثر صحيح إلا ما يقوله بعض المتفقهة بغير استناد إلى دليل من المشرع، ويتناقلونه بألسنتهم من أنه ينبغي على المصلي أن يسجد هاتين السجدتين بعد كل صلاة، فإن كان قد سها في صلاته تلك فهما للسهو، وإلا فهما إرغام للشيطان، بيد أن هذا لا يجوز أن يقال بالرأي المجرد عن الدليل، وخاصة في مثل هذا المقام المحدود. فإن سجدتي السهو شرعتا قطعا يقينا بأمر وعمل المشرع الأعظم الذي قال: (صلوا كما رأيتموني (أصلي) لمن سها في صلاته. ولم يأمر غير
الساهي بالسجود ولم يشرع له ذلك، ولم يفعله. فلم يرو عنه أنه لا مسجد ولا أنه كان يسجد دبر كل صلاة لغير سهو، فمن أين جاء هذا الالزم أو هذا الالتزام للناس حتى يعنفوا ويشدد الإلزام عليهم على ترك ما لم تثبت مشروعيته بكتاب ولا سنة في أمر خاص متعلق بالصلاة التي لم يأل النبيء جهدا في بيان أحكامها، حتى سهوها شرع له هاتين السجدتين قولا وعملا، وما بعد بيانه بيان، وبعد هذا
202 (1/202)
صفحة 203
الله
تقول لنوفي الموضوع بعض حقه: إننا نعلم - وكل الناس يعلمون - أن المصلي مناج لربه وأن مقام المصلي بين يدي ربه من أعظم المقامات، وأنه ينبغي له بعد صلاته أن يذكر ويسبحه ويتلو بعض آيات من كتاب الله، ويصلي على رسول الله ويدعو الله لدنياه وأخراه، وهو في مصلاه حسبما هو مبسوط في كتب السنة والفقه والأخلاق، وكل ذلك حسب إرادة المصلي وهمته وعلمه وظروفه وإمكانياته لا حجر في ذلك ولا تحديد إلا ما ورد عن رسول الله من إرشاد إلى تلاوة بعض آيات معينة وإلى بعض أذكار وأدعية، وكلما أطال المصلي مكثه في مصلاه ذاكرا داعيا أو مسبحا وتاليا كان ذلك أفضل له، ومن جملة ذلك السجود، فإنه من أعظم القربات إلى الله واسجد واقترب) (1) وقد قال بعض المفسرين في قوله تعالى: فإذا فرغت فانصب والى ربك فارغب) (2) إذا فرغت من صلاتك فانصب للدعاء وارغب إليه، فالمصلي حر مختار فيما يأتيه من عبادات وأذكار بعد صلاته، فإن شاء تنفل بالصلاة، وإن شاء تلا القرآن وإن شاء سجد بعد تلاوة آية سجدة، أو بدون ذلك، فأبواب البر كلها مفتحة أمامه، إلا الصلاة في الوقت المنهي عن الصلاة فيه، فليس لأحد أن يلزم آخر بشيء معين ولا أن ينكر عليه تركه، ولا أن ينكر عليه شيئا من ذكر أو
(1) الآية الأخيرة من سورة العلق
(2) آخر سورة الانشراح
203 (1/203)
صفحة 204
،
عبادة اختارها لنفسه إلا أن يشوش بذلك على المصلين مثلا وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يختلفون في أذكارهم وعباداتهم الخاصة اختلافا كثيرا، فلا ينكر أحدهم على الآخر، والخطر في هذا الالتزام العام لسجدتين بعد كل صلاة خطر عظيم جدا، ظهر أمره في اعتقاد العامة أنهما واجبتان وأن من تركهما فقد اتبع غير سبيل المؤمنين وأكد هذه أئمة
العقيدة في نفوسهم الإنكار الشديد الذي يصدر من بعض المساجد على من تركهما، والتشهير به علنا، على رؤوس الملإ، كأنه ترك فريضة مكتوبة، حتى شاع سوء الظن بتاركيهما، والحق أن لا يعنف ساجد ولا تارك، وخاصة بعد صلاة الجماعة التي يرفع الإمام فيها السهو عن سائر المأمومين، وأما في غير صلاة الجماعة، فكل مصل مسؤول وحده عن حاله في صلاته صحة وفسادا وسهوا وغيره، فإن سها سجد وإلا فلا شيء عليه، على أننا نرى أن التزام هذا السجود بعد كل صلاة أصبح عادة تمارس في الأعم الأغلب من أحوال الناس بصورة آلية لا يقول المصلي (السلام عليكم) حتى يهوي للسجود غير آبه بسهو ولا بغيره، ولا متنبه لما بدر منه في صلاته مما تذهب معه فائدة السجود للسهو
ويفوت الغرض منه، وهو نية جبر النقص الحادث بالسهو حيث أصبح عادة فقط. بخلاف ما لو لم يكن هذا الالتزام
المطلق فإن المصلي حينئذ يكون متنبها لما أتاه في صلاته
(
204 (1/204)
صفحة 205
ويتذكر بعد تمامها ما كان منه من سهو فيسجد له بنية مقصودة. وهذا هو المقصود من مشروعية هذا السجود المسمى بسجود السهو والمأمور به كما تقدم، فالواجب الاقتصار عليه
إذا كان مطلوبا بوقوع السهو فقط. ولا يخلط بغيره فتذهب حكمته وثمرته وفائدته، وأما غيره من السجود فإنه من أعظم القربات، ويمكن التعبد به في سائر الأوقات، قبل وبعد الصلاة. وقد كثر الطعن في المذهب من هذا السجود بصورة جماعية مطلقة بعد كل صلاة، مما يضطرنا إلى الدفاع بمختلف التأويلات، وما كان أغنانا هذا عن
الصلاة
مخالفيه بسبب
وبعد، فإننا لا ننكر على أي مصل قام بعد تمام صلاته ببعض عبادات قولية أو عملية كالسجود، وإنما ننكر على من يقول بوجوب هذا السجود للسهو على من لم يسه، وننكر أشد الإنكار على من يعنف التارك للسجود مطلقا، مع عدم علمه بأنه سها أو لم يسه، فإن هذا ظلم له وإيهام للناس بأن هذا فرض يجب تعنيف تاركه. وفي هذا من الخطر ما فيه.
وأما سؤالك عن مشروعية الدعاء بعد الصلاة، فإن الجواب عنه يعلم مما تقدم، أما عن عمل النبيء في ذلك فإنه لم يصح عنه - فيما نعلم ـ أنه كان يدعو بعد صلاته بالناس بصوت جهوري والناس من ورائه يؤمنون، فلا يمكن
205 (1/205)
صفحة 206
أن يقال إن دعاء الإمام للناس وتأمينهم من ورائه سنة سنها
رسول الله
هذا ما من الله به في الجواب، وأرجو أن لا يكون بعيدا عن الصواب
سؤال: ماذا يجب على من لم يدر كم صلى من
صلاته؟
الجواب: إذا كنت في الصلاة فغاب خاطرك ولم تدر في أي ركعة أنت فاجلس وتشهد وسلم وأعد صلاتك، وأما إذا كنت شاكا فابن على اليقين وكمل صلاتك واسجد سجدتي السهو بعد التسليم.
سؤال: على من يجب سجود السهو؟
الجواب: إن سجود السهو يجب على من سها في صلاته بزيادة أو نقص مما لا تنتقض به الصلاة، وأما من لم فلا يجب عليه السجود، ولا معنى لسجوده، بهذا جاءت
يسه
السنة الصحيحة عن رسول الله الله إذا سها سجد، وإلا فلا، ولا يتسع المقام لأكثر من هذا. والسلام.
206 (1/206)
صفحة 207
صلاة التطوع
سؤال: ذكرت أنك تناقشت مع بعض إخوانك واحتد النقاش بينكم في موضوع «صلاة الوالدين» وسألت: ماهي قيمتها عند الله، وهل هي سنة مؤكدة أم مرغبة؟ وفي أي الأيام والأوقات تصلى، وما جزاؤها؟
الله
الجواب: ليست بسنة مؤكدة ولم نجد لها أثرا في كتب الحديث الصحاح المعتبرة، والسنن المؤكدة معروفة متفق عليها عند أصحاب الحديث، وليست هذه الصلاة منها ولا ذكرت من بينها إلا أن الشيخ إسماعيل الجيطالي - رحمه له - ذكرها في كتابه القناطر ولم يسند حديثها ولم يخرجه من المؤكدات ولا المرغبات وإنما جعلها في قسم التطوعات الذي نقله عن الغزالي، وأما قيمتها وجزاؤها عند الله فلا نعلمه، هذا أمر لا يعلمه إلا الله ولم يخبرنا بشيء عنه رسول الله الا فيما صح عنه، وهذه الأمور الغيبية لا يعتمد فيها إلا على الصريح من كتاب الله أو الصحيح من حديث رسول الله ثم إن السنن والنوافل والتطوعات لا تصلى جماعة وإنما تصلى فرادى إلا قيام رمضان وصلاة العيدين وصلاة الاستسقاء وصلاة الخسوف والكسوف، وما عدا ذلك فالصلاة فيه إفرادا خير وأفضل من الجماعة
207 (1/207)
صفحة 208
سؤال: هل يجوز أن نتطوع بالصلاة في الليل؟ الجواب: لا مانع من التطوع بالصلاة في الليل، وينبغي أن تختتم بوتر.
ما يجوز فعله
وما لا يجوز أثناء الصلاة
فيما يلي بعض أجوبة من غير كتابة أسئلتها: - من تدلّى قميصه إلى الوراء مثلا أو إلى الأمام بحيث
يعطله عن الركوع أو السجود فإنه يجوز له أن يرتبه. - من شرع في قراءة سورة في الركعة التي لا تقرأ فيها إلا الفاتحة فإنه يقطعها إذا تذكر ثم يركع، ويجب عليه أن
يسجد سجود السهو بعد الصلاة.
- من تثاءب في صلاة لا يجوز له أن يضع يده على فمه
ولا أن يقول الحمد لله، فإن فعل ذلك بطلت صلاته - من كان يصلي فتكرّع لا يجوز له أن يقول وهو في
الصلاة «الحمد لله»
لله
الذي عطس في الصلاة لا يجوز له أن يقول «الحمد
لا يجوز لمن مسح عينيه في الصلاة تسكينا لوجعها أن
يقبل يده بعد ذلك
208 (1/208)
صفحة 209
شرع في قراءة سورة في الصلاة غير التي من عادته
أن يقرأها فإنه لا له أن ينبغي
يترك السورة التي شرع فيها،
بل يتممها أحسن له، ثم يقرأ الأخرى إن شاء. وإن قطعها
وانتقل إلى السورة التي اعتادها فلا بأس عليه
•
لا تفسد صلاة من قرأ سورة مع الفاتحة حيث لا تجب، إلا أن عليه أن يسجد سجدتي السهو بعد التسليم.
209 (1/209)
صفحة 210
[صفحة فارغة] (1/210)
صفحة 211
الزكاة
الزكاة في النصاب
سؤال: كم يقدر نصاب الزكاة؟
ألف
الجواب: يقدر نصاب الزكاة اليوم (1) بخمسين فرنك قديم، فالأجير، فالأجير إذا جمع من أجرته مثل هذا المقدار
فصاعدا وحال عليه الحول وهي في ملكه لم ينقص منها شيء، وجبت عليه الزكاة، أما إذا كانت نفقاته تأتي على أجرته فلم تسلم له خمسون ألفا سنة كاملة فليس عليه من
الزكاة شيء. سؤال: ما مقدر نصاب الذهب والفضة؟
الجواب: إن نصاب الذهب والفضة هو عشرون مثقالا بحسب الوزن المعروف الآن، وأما نصاب الفضة فمائتا أي ستمائة وستة وستون غراما من الفضة الخالصة.
صرف الدينار والدرهم والمثقال
درهم
سؤال: ما تقدير صرف الدينار والدرهم والمثقال بالأوزان
المستعملة في عصرنا؟
الجواب: إن تقدير صرف الدينار والدرهم الشرعيين بالقيمة إلى النقود التي يجري بها التعامل لمعرفة مقادير الزكاة وأروش الجروح والديات لا يمكن أن ينضبط في
(1) تاريخ هذه الفتوى هو يوم 28 من ذي الحجة عام 1385 الموافق لـ 19 افريل 1966.
211 (1/211)
صفحة 212
محدود فإنه يختلف اختلافا بينا ظاهرا باختلاف الأمصار والأعصار والدول والقيم والأسعار وقد يختلف من ساعة لساعة ومن يوم ليوم بله الشهر والعام وقد يعرض له زمنا ما ضرب من الاستقرار وإذا فلا انضباط للدينار والدرهم إلا بالميزان، فعلى من تصدى للفتوى أو تصدر للحكم في أي بلد وفي أي زمان أن يعرف ميزانها ثم يعرف قيمتها بنقد بلده في يومه ثم يفتي أو يحكم فيصيب شاكلة الصواب لا على أن يلتزم ذلك طول عمره ولا على أن يلزم الناس العمل به من بعده فما إلى ذلك من سبيل إلا ما دامت فترة الاستقرار وقد عرف هذا فقهاء المسلمين فضبطوهما بالوزن وإن كانوا يذكرون قيمتها في بلدهم ويومهم لينتفع بها الشاهد لا ليعتمد عليها الغائب وقدضل قوم وأضلوا بجمودهم على تقويم من سبقهم وإن ضاعفوا القيمة مرات باعتبار غلاء اليوم، فإن الفرق بين اعتبار الوزن أصلا وبين اعتبار القيمة القديمة أصلا عظيم جدا.
وبعد فإنكم تعلمون أن نصاب الذهب المجمع عليه في المسكك عشرون دينارا وفي غير المسكك عشرون مثقالا الأمة
وفي الفضة مطلقا مائتا درهم وأن الذي عليه جمهور المعتمد وعليه المعول ببلاد المغرب هو أن المثقال وزن
وهو
تسعين حبة شعير وسط مقطوع الطرفين من شعير وسط وأن الدينار وزن أربع وثمانين حبة كذلك فهو إذن مثقال نقص
212 (1/212)
صفحة 213
ثلث خمسه بالصهر والتسكيك وأن الدرهم وزن ستين حبة
كذلك
وقد اجتمعنا ذات يوم منذ عشرين عاما تقريبا بعض علماء وتلامذة نجباء وأعيانا وفضلاء وجمعنا أنواعا من الشعير
مختلفة وبضعة موازين من موازين الحرير والذهب فاخترنا أخفها وأحكمها ثم عددنا الحبات وقطعنا وزنا من كل نوع وكان العد يعاد مرات تصحيحا والوزن يتولاه حذاق أهله فإذا تسعون حبة مقطوعة الأطراف من الشعير الوسط تساوي في الميزان خمسة غرامات، الغليظ يتجاوزها والدقيق يقصر عنها فأيقنا وحكمنا بأن المثقال الشرعي يساوي خمسة غرامات بالوزن الفرنسي وأيدنا على ذلك وملأ قلوبنا طمأنينة بصواب ما حفظناه يومئذ من اشتهار وزن المثقال خمس غرامات، عند جميع الناس ولا سيما باعة العطور والروائح والزعفران وما أشبهها في تونس والجزائر وغيرهما كان مبنيا على علم صحيح وتدقيق من حذاق الفقهاء، شاع أمره في الناس فاعتقدوه واستقر عندهم العمل به فلا معدل اليوم عنه وإذا اعتمدنا على هذه النسبة ولا مناص من ذلك بعد هذا التحقيق حكمنا بأن الدينار وزن أربع غرامات وثلثين وأن الدرهم وزن ثلاث غرامات وثلث فيكون نصاب زكاة الذهب غير المسكك كالحلي مائة غرام حاصلة من ضرب عشرين في خمسة ونصاب الذهب المسكك ثلاثا وتسعين غراما وثلثا
213 (1/213)
صفحة 214
حاصلة من ضرب عشرين في أربعة غرامات وثلثين، ونصاب الفضة ستمائة وستة وستين غراما وثلثين حاصلة من ضرب مائتين في ثلاثة غرامات وثلث هذاضبط الوزن وتحقيقه
وتحريره.
فإذا أردتم معرفة النصاب بنقد اليوم فما عليكم إلا أن تسألوا عن سعر غرام الذهب الخالص وغرام الفضة النقية اليوم عندكم ثم تقوموا بعملية حساب بسيطة تصلون بها إلى النتيجة على أن مالك عين الذهب ومالك عين الفضة لا يحتاجان إلى التقويم لأنهما يعتبران النصاب بالوزن لا بالقيمة كما يعتبره مالك الثمار بالكيل ومالك الأنعام بالعد ولا شأن لهما بالقيمة إلا أن يريدوا إخراج الحق الواجب قيمة، لا عينا. وهذا ضعيف جدا كما تعلمون. لكننا نحتاج إلى تقدير النصاب بالقيمة لمال التجارة والديون ونقد اليوم ليس ذهبا ولا فضة وفي هذا يختلف الفقهاء في أي النصابين يعتبر؟ أنصاب الذهب أم نصاب الفضة؟ والذي يذهب إليه أكثر علمائنا نصاب الفضة لأنهم يرونها أصلا يحمل عليه الذهب إن لم يكمل النصاب في أحدهما عند مالكها معا ولم يتعين الحمل على الذهب لتمام النصاب وعلى هذا يحمل الذهب على الفضة لاستكمال النصاب لا العكس. وبناء على هذا النصاب اليوم المعتبر لزكاة مال التجارة والديون وأوراق البنك هو قيمة مائتي درهم فضة التي تعد ميزان ستمائة
214 (1/214)
صفحة 215
وستة وستين غراما وثلثين من الفضة النقية الخالصة، فمن ملك من أوراق البنك وعروض التجارة وكان له بذمم الناس ثمن ذلك وجب عليه إخراج ربع العشر زكاة أما ما دون ذلك فلا، ولا نستطيع أن نذكر لكم القيمة عندنا اليوم لأنها لا تستقر على حال من القلق على أنه لا فائدة فيه وقد يكون بين
القيمتين عندنا وعندكم في يوم واحد اختلاف كبير. هذا ما أمكن تحريره والكتابة إليكم ونرجو أن نكون موفقين فيه، وأن نكون منتفعين وإنا لحسن ظنكم بنا من الشاكرين ويسرنا أن يتصل حبل الرسائل بيننا فإن ذلك يعود علينا وعليكم بالنفع الجم والخير الجزيل
بتاريخ 21 - 4 - 1937)
هل تجب الزكاة على هذا؟ وفي هذا؟
سؤال: هل تزكى الأدوات والآلات المستعملة في التجارة مثل السيارات والثلاجات والموازين وماكينات الكتابة والحساب وما أشبه ذلك؟
الجواب: إنه لا تجب الزكاة في كل ما يستعمل في التجارة أعني ما ينتفع به في تسيير التجارة لكنه ليس من البضاعة التي تشترى لتباع ومال التجارة الذي تجب الزكاة فيه إنما هو ما يشترى ليباع طلبا للربح وإن كان صاحبه قد
215 (1/215)
صفحة 216
يستعمله لحاجة عرضت مثلا لكن المقصود به هو بيعه وهو أبدا معروض للبيع وليست كذلك الأدوات المشار إليها فإنها
لا تشترى إلا للاستعمال ومثلها في ذلك مثل محل التجارة نفسه الذي يشتريه التاجر لا لغرض إلا ليباشر فيه عمله التجاري ولا قائل أبدا بوجوب تقويمه وتزكيته
سؤال: هل يزكى مال التجارة إذا أسفر التقويم السنوي عن خسارة مع العلم بأن ما بقي من المال في مستوى
النصاب فما فوق؟
الجواب: إن الزكاة واجبة في كل مال بلغ حد النصاب سواء أكان نقدا أو كان عروض تجارة وكان مالا خالصا لمالكه أعني باقيا له صافيا بعد إسقاط جميع ما عليه من ديون فلا عبرة مطلقا بربح ولا بخسارة إنما الشيء الوحيد المعتبر بعد التقويم هو ما يبقى خالصا لصاحبه بعد تصفية جميع حساباته وإسقاط جميع ديونه فإن بقي له نصاب فما فوق وجبت عليه فيه زكاة وإن كان الباقي له دون النصاب فلا زكاة عليه، وأذكرك بأن النصاب يستكمل ماله من أو دين أو حلي خارج عن تجارته أعني أن هذا يضاف إلى ما عنده في التجارة فيزكى إن بلغ الجميع النصاب، هذا ما
من الله به وهو الهادي إلى طريق الصواب.
نقد
216 (1/216)
صفحة 217
سؤال: ما يدخره الوالدون لبناتهم مما يحتجن إليه لجهازهن عند الزواج هل تجب فيه الزكاة أم لا؟ الجواب: إذا كان هذا المدخر للتجهيز ثيابا وأدوات مثل الأسرة والفرش والأغطية ونحو ذلك مما تجهز به البنت فإنه لا زكاة فيه مطلقا بالغا ما بلغ، وأما إذا كان ذهبا أو فضة أو دراهم فإنه تجب فيه الزكاة إذا تم فيه النصاب وهو قيمة مائة غرام ذهبا لأن الذهب والفضة والدراهم تجب فيها الزكاة ولو كانت ملكا لصبي يتيم غير بالغ لأن الزكاة حق في المال وفريضة لا يشترط البلوغ لوجوبها ويؤدي الزكاة عن الصبي صاحب المال وليه أو وكيله الذي بيده ماله، فإذا أعطى لفتاة شيئا من ذهب أو فضة أو دراهم
لله
أو
تدخره لجهازها عند زواجها فإن عليها زكاته تؤديها هي يؤديها عنها من كان ذلك المال بيده يحفظه لها، ومعلوم أن
هذا إذا تم فيه النصاب وحال عليه الحول بعد أن تملكته. سؤال: إنك بعد هذه الكارثة (1) أصلحت دكانك وعمرته ونهضت بتجارته برأس مال جديد من عند ناس آخرين فحصلت من تجارتك على ربح بعد التقويم وعليك ديون أخرى سابقة غير رأس مال شركتك فهل عليك من زكاة
فيما ربحت؟
(1) المقصود بالكارثة المشار إليها الحريق الذي أضرمه غلاة الاستعمار الفرنسيون فأتى على كل شيء في الدكان وذلك قبيل الاستقلال بفترة وجيزة
217 (1/217)
صفحة 218
الجواب: عليك أن تحصي ربحك وتجمع ديونك التي
من
عليك كلها ثم تطرحها من حصيلة ربحك فإن بقي لك الربح قدر النصاب وجبت عليك فيه الزكاة، وإلا فلا ومقدار
النصاب هو ما يعادل قيمة مائة غرام (100) غرام ذهبا خالصا. ولا أختم كتابي قبل أن أُثني على همتك في النهوض بتجارتك بعد الكارثة المؤلمة وهذا ما يليق بشأن
المؤمن ينهض كلما عثر ويقوم كلما سقط لا يستكين
للأحداث ولا ييأس من روح
هذا ما
من
الله
•
الله به في الجواب.
سؤال: تاجر ليس له مال وإنما يشترى البضاعة من
تجار الجملة بالدين ثم يدفع لهم مالهم بعد البيع فهل عليه
زكاة على ما في متجره؟
الجواب: ليس على المرء زكاة إلا فيما بقي له من
مال نقودا كان أو بضاعة أو دينا له على حرفائه صافيا بعد دفع ما عليه للناس وإسقاط ما عليه من دين، هذا الباقي الصافي هو الذي تجب فيه الزكاة إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول فعلى هذا التاجر أن يقوم ما في متجره كله وماله وما عليه من ديون بعد تمام السنة الأولى من بدئه التجارة فإن وجد ربحا صافيا ـ كما ذكرت أولا ـ قد بلغ النصاب وجب عليه أن يتخذ ذلك الشهر وقتا لزكاته فيزكي ماله ذلك بعد أن يحول عليه الحول إلا إذا كان له مال آخر من نقود أو
218 (1/218)
صفحة 219
حلي أو ذهب أو فضة تجب فيه الزكاة غير ما في متجره فإنه يجب عليه حمل ما ربحه في تجارته في سنته الأولى بالغا ما بلغ عليه فيزكيه في وقته أي وقت زكاته السابق ولا ينتظر به دوران الحول، وهكذا كل مال يحدث فإنه يحمل على المال المزكى من قبل فيزكى في وقته
•
سؤال: تسأل عن حلي المرأة من الذهب والفضة هل
تجب فيه الزكاة؟
الجواب: إن الذهب والفضة إذا تم فيهما النصاب وهو وزن عشرين مثقالا في الذهب ووزن مائتي درهم في الفضة ولم يكونا من حلي المرأة الذي يحل لها اتخاذه تجب فيهما الزكاة بنص كتاب الله الكريم وصحيح سنة نبيه عليه أفضل الصلاة والتسليم وإجماع الأمة وهو ما علم من الدين بالضرورة وأما ما كان منهما حليا تتخذه المرأة لضرورة
أئمة
زينتها لزوجها غير متجاوزة حد المعتاد فيها فإن بين المذاهب الإسلامية فيها خلافا مشهورا فمذهب الإباضية والحنفية والظاهرية وجوب الزكاة في الحلي مطلقا متى تم فيه النصاب كغيره من سائر الذهب والفضة ولهم على ذلك أدلة قوية، ومذهب المالكية والشافعية والحنابلة عدم وجوب الزكاة في الحلي بشرط أن لا يكون فوق القدر الضروري المعتاد للزينة مما يكتسب ويتخذ كذخيرة مالية وإن كان قد تتزين به أحيانا وبشرط أن لا يكون هذا الحلى من
219 (1/219)
صفحة 220
القطع المسككة كالدينار والدرهم والجنيه الإسترليني والليرة الفرنسية ونحوها من سائر العملات تجب فيها الزكاة مطلقا ولو اتخذتها المرأة حليا وزينة إجماعا كما تجب إجماعا كذلك فيما يتخذ من الحلي للادخار.
فما سمعتموه من الشيخ علي شنتير صحيح في مذهب الإمام مالك وقد صرح بذلك أيضا الشيخ عبد الرحمن الجيلالي في فتواه الشرعية المذاعة وأكد على وجوب الزكاة في الحلي المسكك وحلي الادخار، وقد قال الخطابي (وهو من أكبر شراح الحديث فيما ذكره صاحب «فقه السنة» بعد ا ذكر الخلاف في زكاة الحلي مانصه: «الظاهر من الكتاب يشهد لقول من أوجبها والأثر يؤيده، ومن أسقطها ذهب إلى النظر ومعه طرف من الأثر والاحتياط أداؤها فأنت ترى أن ما ذهب إليه الإباضية والحنفية والظاهرية هو الأحوط والأقوى، وأحزم الناس من تحرى لدينه.
سؤال: هل تجب الزكاة على من ملك مقدار النصاب فأكثر ولكن ليست له دار يسكنها ولادكان يتجر فيه ولا أي عقار آخر؟ وهل يجب على موظف أو عامل تجمع له من أجرته أو مرتبه بعد نفقته مقدار النصاب أو أكثر وحال عليه
الحول؟
220 (1/220)
صفحة 221
من المال
الجواب: إن الزكاة تجب على كل من ملك مقدار النصاب وحال عليه الحول وهو بيده سواء أكان من ميراث أو هبة أو أجرة عمل أو مرتب وظيف أو صدقة أو زكاة أو غير ذلك من وجوه الدخل ولا عبرة بعد ذلك بأن يكون له عقار أم لا حتى لو كان يجمع من دخله ويدخر ما
يؤدي
يشتري به دارا لسكناه الضرورية فإنه يجب عليه أن زكاة ذلك كلما حال عليه الحول حتى يشتري الدار أو كان
يجمع ويدخر لزواجه فإن عليه أن يؤدي الزكاة عن مدخره كل عام حتى ينفقه في زواجه أو في بعض ضرورياته، أما من كان له دين بذمة إنسان بسبب قرض أَقْرَضَهُ إياه أو ثمن بضاعة باعها له أو غير ذلك من وجوه التداين بين الناس فإنه يحسبه من جملة ماله ويزكي عنه كلما حال عليه الحول ما دام يرجو قبضه ولو مرت عليه سنوات. فإذا أيس منه بسبب إنكار الغريم مثلا أو بسبب إفلاسه أو ضياع ما له حتى لا يستطيع له وفاء، فإنه يسقطه ولا يحسبه من ماله ولا يؤدي عنه شيئا فإن أنعم الله عليه بقبضه بعد الإياس منه زكاه لعام واحد من الأعوام الماضية فقط ويدخل بعد ذلك في جملة
ماله.
221 (1/221)
صفحة 222
على من تجب الزكاة في هذا المال؟ سؤال: من أقرض لرجل مبلغا من المال سلف إحسان
ومضى عليه عام أو أكثر فمن ذا الذي تجب عليه الزكاة؟ الجواب: تجب زكاته على رب المال ما دام يرجو
قبضه
هل يسوغ لي صرف الزكاة في هذا؟ سؤال: هل يجوز للزوجة أن تعطي زكاتها لزوجها أو
ولدها؟
الجواب: نعم يجوز للزوجة أن تعطي زكاتها لزوجها إذا كان من أهل الزكاة لتقواه بحيث لا يخاف منه أن ينفقها في حرام والفقره، وذلك إذا كانت مداخيله لا تكفيه لضرورات نفقاته ونفقات عائلته لسنته واحتاج لتجهيز بناته أو تزويج بنيه ولا يكفيه ماله لذلك وكذلك تعطى لولدها إذا كان للزكاة أهلا
سؤال: رجل هرم مريض ملازم للدار لا يقدر على الكسب مطلقا ولا يستطيع الخروج إلى الشارع وهو فقير
(1)
معدم لا يملك شيئا مطلقا ولكنه مبتلى ببعض «المشاق وهو
من أرحامنا بل ابن عمنا فهل يجوز أن نعيله ونكفله من
زكاة مالنا؟
(1) لفظة المشاق تعني عندنا باللهجة العامية: بعض الآفات الاجتماعية تعاطي الميسر وتناول
الدخان والسعوط.
222 (1/222)
صفحة 223
الجواب: عليكم أن تستتيبوه من ذنوبه إذا أردتم أن
تعطوه، وأن لا تعطوه ما يستعين به على معصيته ولا ما يشتري به محرما بل أعطوه ما بأكله من طعام ومؤونة غذاء وما يقيه الحر والبرد من لباس وامنعوه أن
يبيع شيئا منها
ليشتري محرما، هذا ما توجبه صلة الرحم وأمره بعد ذلك إلى الله
•
سؤال: هل يجوز الدفع من الزكاة في ثمن دار تشترى للتعليم وتوقف لذلك؟ وإن كان الجواب نعم فما هو
المعتمد عليه؟
الصدقات
• •
الجواب: إن مصارف الزكاة منصوص عليها في القرآن وهي الأصناف الثمانية المبينة في سورة التوبة ءاية إنما. الخ) ليس لغيرها في الزكاة من حق أبدا وكلها مبينة لا تكاد تقبل توسعا في المدلول أو تأويلا إلا السابع منها وهو «في سبيل الله» فقد اختلف العلماء فيه فحمله الجمهور على ما يتبادر منه يومئذ وهو الجهاد وأدواته ومعداته وذخائره وأزواده ومطاياه، وما شاكلها مما تقتضيه طبيعة الجهاد، وتوسع في مدلوله علماء آخرون فأدخلوا فيه كل ما يعلي كلمة الله ويرفع منار الدين وينشر ألوية الإسلام على الأنام وإذن فأولي وأول ما يتناوله نشر العلم ومحاربة الأمية والجهالة وأنا أميل إلى هذا فإني وجدت العلم
هو الدعامة الأولى للإسلام والجهاد دعامة ثانية وحاجة الجهاد
223 (1/223)
صفحة 224
إلى العلم اشد من حاجة العلم إلى الجهاد ووجدت العلم الجناح الأيمن للإسلام والجهاد الجناح الأيسر وبهما معا طار إلى أعلى الذرا وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم معلما قبل أن يكون. محاربا على أن العلم جهاد كل زمان وكل مكان دون السيف
الذي له ظروف استثنائية خاصة يحكم العلم في تعيينها
شأن
وتقدير ضرورتها ووجدت الله تبارك وتعالى يعلي من العلم ويأمر جمهور المسلمين بلزوم بابه والرباط في ثغره ولا يأذن الا لطائفة من كل فرقة في النفير إلى الجهاد بالسيف أشد الأوقات حرجا وأقواها داعية إلى جهاد السيف فكأنه
في
يقول: إن الجهاد بالسيف ضرورة تقدر بقدرها فلا ينفر إليه إلا من تقتضي الضرورة نفرتهم أو تدعو الحاجة إليها وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) (1) فأي سبيل أولى أن
يكون سبيل الله من سبيل العلم بعد الجهاد الذي قدمه عليه في دلالة الآية وما أظن بكم حاجة إلى بيان خطر العلم وقيمته في تشييد ركن الدين فإنه من البدهيات هذا في علم الدين وما يخدمه من علوم اللسان، وأما إذا نظرنا إلى علوم الطبيعة والكيمياء والتعدين وحرث الأرض والهندسة في مختلف
(1) الآية 122 من سورة التوبة
224 (1/224)
صفحة 225
أنواعها وما إلى ذلك عند الأمم المتأهلة لها فإنا نجد الأمر أعظم من ذلك فلا عاقل في مشرق الأرض أومغرب يستطيع أن يقول اليوم إن بناء حصن وتشييد قلعة أنفع لآيه أمة أو
من
دولة من بناء مدرسة وتشييد مختبر وما عمرت القلاع ولا دجج الجنود الا بمبتكرات العلماء فثلة العلماء المنزوين في زوايا مخابرهم أنفع لآية أمة ودولة من ملايين الجنود تحشد في القلاع أو تساق إلى الثغور، وبهذا الاعتبار نجد العلم داخلا دخولا أوليا في «سبيل الله» وفي الآية حتى على تفسير الجمهور أنه الجهاد أدواته ومعداته ولا تنس علم الطب وضرورته في هذا الباب بيد أن هذا لا ينفق فيه إلا الدول المستقلة المستعدة لذلك أو التي كانت بسبيل من ذلك وقصارى مثلنا اليوم أن ننفق على علوم الدين وما تقوم عليه علوم اللسان والحساب ونشيد لها المدارس والمعاهد ونخلص النية في العمل. وعلى من أنفق شيئا من زكاته أو زكاة غيره بإذنه في تشييد دار للعلم مثلا أن يحتاط ما استطاع لتبقى الدار وقفا للعلم فإنها من مال الله ولعلها أن تنقلب بعده ملكا خاصا يرثه وارثوه أو ورثتهم من بعدهم وليقم بكل ما تقتضيه الرسميات في هذا الشأن
هذا ما بدا لي بعد استفراغ الوسع في بحث المسألة من طريق الفتوى وأما رأيي الخاص في مثل هذا ـ لا من جهة الفتوى - فتشييد المدارس أو شراؤها من تبرعات المحسنين
220 (1/225)
صفحة 226
وأولى الفضل والغيرة، وتوفير مال الزكاة لتكفي حاجة المتعلمين والمعلمين والفقراء والمساكين وما ذلك على من الله له ووفقه إليه بعسير، وفقنا الله وإياكم إلى ما
يسره
يحبه ويرضاه.
تاريخ هذه الفتوى هو يوم: 3.2. 1942
سؤال: رجل فقير كثير العيال لا يكفي دخله من عمله الحالي لنفقاته الضرورية وبذمته دين لبعض شركائه السابقين من تجارة كانت بينهم فهل يجوز لصاحب هذا الدين أن يتركه له كله أو بعضه في مقابلة ما عليه من
زكاة؟
الجواب: إذا كان هذا الفقير المدين تقيا لا يعلم منه إصرار على كبيرة من كبائر الذنوب فإنه يجوز أن يترك ما
له عليه من دين زكاة
سؤال: هل يجوز إعطاء الزكاة للزوجة؟
الجواب: يجوز إعطاء الزكاة للزوجة إذا كانت تصرفها فيما عليها من دين مثلا لله أو للناس أو في ضرورة من ضروراتها الخاصة، ولا يجوز أن تعطى لنفقتها فيما على
الزوج كالنفقة والكسوة والسكن
226 (1/226)
صفحة 227
سؤال: هل تجوز الزكاة لتارك الصلاة؟
الجواب: لا يجوز إعطاء الزكاة لمن تحققت منه تعمد ترك الصلاة فإنه غير مؤمن للأدلة المشهورة المستفيضة
منها قوله (ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة) (1)
سؤال: رجل له أخوات مسلمات مؤمنات يقمن بجميع الواجبات وهن طاعنات في السن فقيرات يعلن أنفسهن بكد اليمين وعرق الجبين ولا يحصلن على قوتهن إلا بجهد جهيد ساكنات في دار بالكراء وعاجزات عن دفع ثمن الكراء
وهن
فهل يجوز لأخيهن أن يدفع ثمن الكراء من زكاة ماله؟ الجواب: من ذا الذي تحق له الزكاة أكثر من هؤلاء النسوة المؤمنات فإنهن أولى من كل أحد بزكاة أخيهن لإيمانهن وتقواهن وفقرهن وقرابتهن ولأخيهن الأجر العظيم في البر بهن والإحسان إليهن بحقوق الله الواجبة عليه للطعام والشراب والملبس والمسكن. أما قولك في كتاب السؤال: (ولكنهن لا يصمن ولا جماعة المسلمين) فإن المفهوم منه أنهن يتبعن
يفطرن
فتوى بعض العلماء والطلبة في ميزاب ويقلدنهم في الصوم والإفطار لثقتهن بهم وحسن ظنهن بهم وما حملهن على ذلك إلا شدة التحري في صحة صومهن وشدة خوفهن من فساد
(1) رواه الربيع والدارمي والترمذي.
227 (1/227)
صفحة 228
صيامهن إذا اتبعن غيرهم ممن عبرت عنهم بجماعة المسلمين وليس لهن من قوة العلم والإدراك ما يمكنهن من التفرقة بين الجماعتين المختلفتين في وقت دخول شهر رمضان وشهر شوال وكلا الفريقين مسلمان فهؤلاء النساء المؤمنات الضعيفات علما وعقلا وإدراكا من مقلدات يتبعن فتوى من يثقن به وبدينه وأمانته فهن إذا معذورات لا حرج و لا إثم عليهن فقد عملن بما يجب عليهن، ومن الكفر والفسوق والعصيان فررن في ظنهن، وإنما الإثم على من أضلهن فارفقوا بهن واعذروهن وأعطوهن من زكاة أموالكم وتعهدوهن بالحكمة والموعظة الحسنة وفقنا الله وإياكم جميعا إلى ما يحبه ويرضاه.
سؤال: هل يجوز إعطاء الزكاة لمن طلبها وهو فقير
مستحق؟ وبأي قيمة تقوم السلعة إذا أراد المزكي أن يخرجها بضاعة أبقيمة الشراء أم بقيمة البيع؟
الجواب: لا ينبغي للفقير المستحق للزكاة أن يطلبها إلا لضرورة ولكن طلبه لا يسقط حقه في الزكاة فيجوز أن تعطى له، وأما البضاعة المعطاة فيجوز أن تقوم بقيمة بيعها يوم الإخراج، بشرط أن لا يغالي في ثمنها وأن لا يتجاوز به أقل ما يمكن أن يبيع به للمشتري المماكس المشاحح في
المبايعة، وإن قومها بما قامت له فخير له
228 (1/228)
صفحة 229
سؤال: شيخ كبير السن فقير عاجز عن العمل مؤمن الا أنه يفطر أول رمضان ويصوم العيد فهل يجوز أن تعطى له
الزكاة؟
الجواب: قد يختلف الناس كثيرا حتى في القرية الواحدة في إثبات هلال الصوم والإفطار فيعمل كل فريق بما يراه حقا واجبا عليه بينه وبين الله ويتحمل بمسؤوليته أمام الله فإن كان هذا الشيخ يعتمد في صومه وفطره على علمه إن كان عالما أو على من يثق به من علماء قومه والمتصدرين من رجال الدين فيهم إن كان عاميا فإننا نكل أمره إلى الله ولا تبرأ من منه ولا نمنع عنه الزكاة، فإنه عمل بما يجب عليه من تقليد عالم يثق بعلمه ودينه ولم يقصد هتك حرمة رمضان بإفطار ولا هتك حرمة العيد بصيام، وأمرنا وأمرهم إلى الله، وأما الذي تجب البراءة منه ولا تحل له الزكاة فهو الذي يهتك حرمة رمضان بالإفطار ونحوه تشهيا وتعمدا وتحديا لأمر الله
ماله؟
سؤال: هل يجوز للوالد أن يعطي لولده من زكاة
الجواب: - باختصار - إذا كان الولد منحازا لنفسه مستقلا بمطبخه وكان ذا عيال ولم يكن له دخل ينفق منه فإنه يجوز لأبيه أن يعطيه من زكاة ماله ما يكفيه لنفقته كل
سنة، كما يجوز له أن يعطيه ما ينفقه في سبيل تعلمه
،
229 (1/229)
صفحة 230
وهذا كله بشرط أن يكون تقيا مؤمنا لا يترك الفرائض ولا
يرتكب الفواحش والمنكرات.
هذا ما من الله به في الجواب وأنا في حالة مرض ولا أستطيع أن أزيد على هذا
سؤال: هل يجوز إعطاء الزكاة لفقراء ومساكين
المخالفين وخاصة إذا كانوا جيرانا؟
الجواب: الزكاة حق الفقراء والمساكين المسلمين ممن كان مستور الحال لا يعلم أنه يستعين بها على معصية ولم يظهر فسقه بارتكاب الكبائر كالزنا والخمر والسرقة ونحوها من كبائر الإثم والفواحش وهذا شرط في الموافق والمخالف على حد سواء
سؤال: رجل توفي جده وترك ذرية صغارا من امرأة غير جدته لا يتجاوز أكبرهم سنا الثانية عشرة ولم يترك لهم شيئا من الرزق فقرر أن يكفلهم وينفق عليهم من زكاة ماله بأن يخرج كل عام ما عليه من زكاة ويضعه جانبا للانفاق عليهم فهل يجوز له ذلك؟
الجواب: هذا أفضل باب تصرف فيه الزكاة، فقراء مساكين يتامى ذوو أرحام اجتمعت فيهم كل الصفات المؤهلة لاستحقاق الزكاة بل هم أولى من غيرهم وهذا أعظم ما يتقرب به إلى الله وله كذلك أن يجهز بناته للزواج من
230 (1/230)
صفحة 231
الزكاة إنما يجب عليه أن لا ينفق من مال الله فيما لا يعني مثل لعب الصبيان وما أشبهها فلا يشتري للابن مثلا كرة
وللبنت عروسا فإنما الزكاة للضروريات
سؤال: هل يجوز لإدارة مدرسة أن تقبل الزكاة لإنفاقها على تجهيز المدرسة وتأثيثها
الجواب: إذا كانت المدرسة مؤسسة لغرض ديني تربوي أعني تعليم القراءة والكتابة وتحفيظ القرآن وتعليم تلاميذها واجباتهم الدينية وتربيتهم على الأخلاق الإسلامية ومراقبة سلوكهم فإن إنفاق الزكاة على تجهيزها بكل ما يعين على الوصول إلى الهدف المنشود جائز لأنه إنفاق في سبيل الله وإعلاء كلمة الله ونشر وتبليغ لما أنزل الله امتثالا
لأمر الله
سؤال: هل تجوز الزكاة لمن لم يُخبر بأنها زكاة؟ الجواب: يشترط الفقهاء إخبار من تعطى له الزكاة بأنها زكاة وعلتهم في ذلك معقولة وهي أنه ربما كان من أعطي الزكاة لا يقبلها وإن كان من أهلها المستحقين لها فإن المعلوم أن بعض فقراء المسلمين ومساكينهم من الأتقياء الذين هم أهل للزكاة يتنزهون عن قبولها تورعا واحتياطا لدينهم فإذا أعطوا شيئا الصدقة أو الهدية قبلوه
برسم
الصلحاء
وإن كان
برسم
لذلك الزكاة ردوه،
وجب ب الإخبار حتى يصح
231 (1/231)
صفحة 232
الأداء ويكون المعطي مؤديا حقا لما عليه خارجا من عهدة الواجب عليه وإن لم يخبر بأنها زكاة وكان الآخذ لها ممن لا يقبل الزكاة وإنما أخذها ظنا منها أنها صدقة أو صلة أو هدية أو نحو ذلك فإن ذمة المعطي لم تبرأ مما عليه، فالمدار إذا على العلم بأن الآخذ ممن يقبل الزكاة، فإذا علمت أن من تعطيه زكاة مالك ممن يقبل الزكاة فلا بأس أن تعطيه ما شئت بدون إخبار.
سؤال: سألت وسأل إخوان لك كثيرون عن زكاة الحلي اليوم، وبأي القيمتين الرسمية الاسمية أم الحقيقية
الواقعية يزكي؟
بين
الجواب: تعلمون أن المنصوص عليه والذي لا خلاف
الأمة فيه والذي جرى به العمل في قرن النبيء وخير القرون التي تليه أن الزكاة في أموال الزكاة كلها إنما تجب في أعيانها لا في قيمتها وأن الحق الواجب المعلوم إنما يخرج من عين كل مال وجبت فيه بالوزن في الذهب والفضة والكيل في الحبوب والعد في الأنعام غير منظور إلى القيمة ولا ملتفت إليها ولا معتبرة في شيء من أمر الزكاة لا في النصاب ولا في الوقص ولا في الحق الواجب، فالنصاب خمسة أوسق وأربعون شاة وخمس ذود أو بقر وعشرون مثقالا ومائتا درهم، والحق العشر ونصف العشر العشر وشاة وربع من أربعين وشاة لخمس ذود أو بقر وبنت مخاض أو ابن
232 (1/232)
صفحة 233
لبون لخمسة وعشرين الا ما اتخذ للتجارة وجعل فيه مال فإنه
3
يقوم بالذهب أو الفضة ليلحق بهما في الزكاة فإن التجارة قد تكون في الأموال التي لا تجب في أعيانها الزكاة فلا يقاس عليها في اعتبار التقويم ما تجب الزكاة في عينه. وربما احتيج إلى اعتبار القيمة في باب واحد فقط هو باب صرف أحد العينين إلى الآخر لاستكمال النصاب إذا لم يكمل في كل منهما منفردا أوكمل في أحدهما فقط علي أنه إنما يعتبر في الاستكمال دون إخراج الحق على أن المعتمد حتى في هذا الصرف إنما هو الوزن ومهما يكن فإن هذا لا يؤثر في قضية إخراج الحق ولا يصح الحمل عليه في اعتبار القيمة
مطلقا.
إذا تقرر هذا علمنا أن الواجب على من ملك نصابا من مال تجب الزكاة في عينه أن يخرج من عينه الجزء الواجب فيه وما طلب الله منه بدلا ولا قيمة وما نظن أن بكم حاجة إلى نقل نصوص الآيات والأحاديث والآثار وعمل خير القرون الدالة على ذلك بيد أن بعض الفقهاء رخصوا في إخراج القيمة بشرط أن تكون عادلة وأن تراعى فيها مصلحة الفقير آخذ الزكاة وما رأيبا عاملا بهذه الرخصة قط لغير الضرورة إلا في زكاة الجلي فإن إخراج شيء من عينه يتعذر على كثير من الناس فعمدوا إلى السكة الجاري بها التعامل وإعطاء قيمة الجزء الواجب وكان هذا يشبه إلجاء
233 (1/233)
صفحة 234
الضرورة كما تعلمون فسكت عنه العلماء وربما كان للمرخصين سند صحيح من أقضية الرسول أو عمل الصحابة لا أذكره الآن، بيد أنه مهما يكن فلن ينهض للعزيمة ولن يقاومها إذا فهمتم هذا أدركتم وجوب اعتبار القيمة الواقعية العملية التي لا يجري إلا بها التعامل في بلد المزكي ذلك أنك تقيم الحجة على المزكي بقولك إن الله قد أوجب عليك في كل عشرين مثقالا نصف مثقال وفي كل أربعين شاة شاة وفي كل خمسة أوسق نصف وسق أو ربعه الذي عليك إلى أهله غير ناظر إلى قيمته غلت أو
فأد رخصت ولا ماسك لعينه معط لقيمته لتطهر وتزكى فإن كنت ولا بد فاعلا فاعتبر القيمة التي لا تبيع ـ لو كنت بائعا - إلا بها ولا يبيعك الناس لو كنت مشتريا وكانوا باعة إلا بها فيما تقبض من مال الزكاة وما تدفع كما تعتبرها في غير الزكاة فيما تأخذ وما تعطي وفيما تبيع وما تشتري فغير معقول أن تخص الزكاة في باب التقويم للنصاب أو للإخراج بشيء لا يجري بين الناس فعلا فالتعامل هو الذي يقرر السعر والقيمة لا وضع السلاطين ولعل ذلك من معاني قول من أوتي جوامع الكلم: (المسعر هو الله) ولا تخفى الإشارة على لبيب وما قيل في تقويم الحق الواجب من الزكاة فيما يزكي عينه يقال في تقويم المال كله لإخراج الزكاة فيما تزکي قيمته لا عينه من أموال التجارة فيجب أن يعتبر فيه
234 (1/234)
صفحة 235
أسعار السوق السوداء كما يسمونها اليوم مما سبيله سبيلها وأما ما توزعه الحكومة على التجار بسعرها الرسمي على أن
يوزعوه هم الآخرون بسعرها الرسمي فإنه يقوم قطعا بهذه القيمة الرسمية وإذا أعطي شيء منها لفقير الزكاة كان
برسم
بنفس القيمة وإلا كان بخسا للزكاة وظلما للفقير كما أن
حمل الناس على تقويم سلعهم السوداء بقيمة القانون عند إعطائها للفقير الزكاة ظلم لهم. وأقبح أنواع الظلم في
برسم
هذا الباب هو الظلم المزدوج يبخس الزكاة وآخذ الزكاة ذلك بأن يقوم سلعته بمائة ألف رسمية ليخرج منها ألفين وخمسمائة وقيمتها بين الناس مليون يجب أن يخرج منه خمسة وعشرين ألفا، ثم يعطي الفقراء ألفين وخمسمائة فقط من الدراهم الجارية أو يعطيهم من سلعته في الألفين وخمسمائة ما يساوي هذا العدد في السوق السوداء لكنه في السعر الرسمي الذي جرى عليه في حساب المائة ألف لا يساوي إلا مائتين وخمسين فرنكا فقد بخس الزكاة والفقير معا ونرى أن المسألة من الظهور بحيث لا يلتبس أمرها ولا يشتبه حكمها إلا على قصار النظر أو من لا ينعمه، أو الذين غلبتهم شهواتهم من المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون
وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون. ويوضح ذلك أمور: أولها: أن تنظر في زكاة الذهب والفضة ومال التجارة والحبوب فتجدها شركة حقيقية في المال لأن الحق فيها جزء (1/235)
صفحة 236
مسمى منه عشر أو نصفه أو ربعه ثم لا يكون مصرف الزكاة ومستحقها إلا شريكا في المال بتلك النسبة ما في ذلك شك فإذا قاسمته لتخرج له حقه فإما أن تعطيه سهمه من عين المال بكيل أو وزن أو عد إن صح من غير اعتبار قيمة فتوفيه حقه فلا يكون له عليك سبيل وإما أن توفيه حقه من عين المال مع اعتبار القيمة فيأخذ ما ياخذ بالقيمة التي وقعت يها المقاسمة فلا بخس ولا ظلم غلت القيمة أم رخصت، وإما أن تستأثر بعين المال كله وتعطي شريكك قيمة سهمه فيجب أن تكون القيمة حقيقية عملية يجري بها التعامل بين الناس قبضا ودفعا وأخذا وعطاء وبيعا وشراء بطيب نفس ورضا قلب ولا تنظر إلى القيم المكره عليها فتاخذ مال أخيك بغير رضاه فإنه ظلم وبخس لحقه وما زال الناس يتشاركون ويتقاسمون وقد جرى عرفهم أنهم لا يسألون غلاء القيمة و رخصها إذا كان جميع أصحاب الحقوق يأخذون من عين المقسوم ويسألونها ويدققون النظر في تقديرها إذا كان بعضهم لا يأخذ من عين المال أو يأخذ بعض حقه من عينه ويستوفي الباقي من قيمته فهل تسمح نفس شريك في أي مال بأي صورة من صور الشركة أن يترك حقه في عين المال بقيمته دون التي يجري بها التعامل إلا قليلا مما يتغابن
الناس فيه او يتسامحون.
236 (1/236)
صفحة 237
ثانيها: أن تعتبر مستحق الزكاة الذي تريد أن تعطيه
قيمة حقه لا عينه بائعا لحقه وأنت مشتريه فهل تسمح نفسه - لو كان بيده - أن يبيعه منك بعشرة وهو يجد أن يبيعه من غيرك في ساعته من يومه بمائة. ثالثها: أن الناس كلهم غنيا وفقيرا منتجا ومستهلكا صانعا وتاجرا حتى الذين يضعون لوائح الأسعار يرون القيمة الحقيقية لكل شيء هي ما يتعامل به الناس فيبذلون ما يبذلون طيبة نفوسهم به ويأخذون ما يأخذون طيبة نفوسهم به وقد تمكن هذا من النفوس رغم شدة المراقبة وصرامة العقاب، فأي مثبت للقيم أقوى من هذا؟ رابعها: إن أكثر ما بأيدي التجار اليوم قد اشتروه بقيمة أغلى بكثير من السعر الرسمي على تفاوت فيه طيبة بذلك نفوسهم بل شديدة الرغبة فيه، فلا يرون إلا أنهم مصيبون محسنون، قد وضعوا الحق في نصابه، وساروا بتجارتهم في طريق رابح هم به مغتبطون فإذا أهل شهر الزكاة قوموا سهمهم بأقل مما جعلوا فيها وما طرأ على القيمة نقص، وربما كانت فيها زيادة، فإن قالوا نعتبر السعر الرسمي اليوم قيل لهم فهل تبيعون به؟ وهل تخرجون الزكاة الواجب من عينه به؟ فان قالوا نعم فحبذا وإنهم لعلى صراط مستقيم، وليت الناس كلهم عادوا إلى الاسعار الرسمية واتبعوا أوامر الحكومة فيها ونبذوا الاحتكار جانبا وإذن لسعدوا وارتفع
237 (1/237)
صفحة 238
النزاع وزال الخلاف وانحلت جميع هذه المشاكل لكنهم أبوا إلا ركوب العرجاء فتحدث لهم أقضية بحسب ما أحدثوا من الفجور، وإن قالوا لا كانوا كالمطففين وكالذين نزل فيهم فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله
فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون (1) خامسها: من كانت عنده كانت عنده أربعون ليرة ذهبية فرنسية من
ذوات العشرين فرنكا وجب عليه إخراج واحدة منها زكاة فهل تراه بريء الذمة إذا أعطى فقيرا عشرين فرنكا من أوراق مصرف مالي بينما ليرة الذهب تتجاوز قيمتها الألفين من أوراق المصارف؟ وقل مثل هذا في دراهم الفضة، ما نظن أن كيسا يدين نفسه ويعمل لما بعد الموت يأتي بمثل هذا أو
يقول به. سادسها: من ملك عشرين ألف فرنك أوراق بنك ليس له مال غيرها وجب عليه إخراج خمسمائة فرنك ورقاً منها قطعا ما في ذلك شك، فإن كان عنده ثوب قد اشتراه بخمسمائة فرنك وقد تجاوزت قيمته اليوم ذلك ورأى حاجة فقير قد اشتدت إلى ثوب مثله فأعطاه إياه في الخمسمائة، وربما خير الفقير بين الثوب والخمسمائة فاختار الثوب على أن قيمة الثوب الرسمية خمسون فرنكا فقط، فهل ترونه باخسا للزكاة أو ظالما للفقير؟ أفلا ترونه موفيا حق الزكاة محسنا إلى
(1) الآية 136 من سورة الأنعام
238 (1/238)
صفحة 239
الفقير؟ وهل يبرئ ذمته إلا بذل خمسمائة فرنك ورقا أو عشرة أثواب يشتريها بخمسة آلاف ويعطيها بخمسمائة مع أن
الفقير يختار ثوبا واحدا على خمسمائة؟ إن هذا تحكم
يقبله عقل
سابعها: يتيمة لها حلي استغنت عنه وقضت المصلحة بيعه وشراء عقار لها أو شيء مما تحتاجه فهل يبرئ وصيها أن يبيعه بثمن بخس غير مرغم عليه ولا مكره ولا خائف وهو قادر على بيعه بأضعاف أضعافه مما يجري به التعامل بين الناس بلا كلفة ولا مشقة ولا تعرض لخطر؟ وهل يكون
ذلك من الإصلاح المأمور به في قوله تعالى (قل إصلاح
لهم خير (1) ثامنها: يتيم اشتدت حاجته إلى طعام أو شراب أو لباس ولم تبلغ بعد حد الضرورة وفي ماله سعة ... أيمنع وصيه أن يشتري له شيئا بغير السعر الرسمي ويسلم اليتيم إلى العنت والمشقة وشظف العيش؟ وهل في هذا صلاح له؟ وهل يصنع الوصي هذا بنفسه؟ وبولده؟ إن ميزان الشريعة الغراء في القضية لمحكم تريص (ضع يدك على صدرك فما تحبه لنفسك فأحبه لغيرك (2) و (استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك) (3) فقد
(1) الآية 220 من سورة البقرة (2) لم أجد هذا وإنما روى الترمذي حديثا في كتاب الزهد جاء فيه ... وأحب للناس
ما تحب لنفسك تكن مسلما
(3) رواه الدارمي بلفظ: استفت نفك، استفت قلبك يا وابصة. الباب الثاني من
كتاب البيوع)
239 (1/239)
صفحة 240
رأيتم أن القيمة التي يجب أن تعتبر أبدا إنما هي التي يجري
بها التعامل فعلا بين الناس وبها يقع التقاسم بين الورثة وبين الشركاء والتصرف في أموال الأوقاف والمساجد واليتامى لأن
ذلك هو الواقع ما له من دافع. وبعد فان مسألة زكاة الحلي أبسط مر
من جميع
هذا فإن
الزكاة تجب في عينه قطعا والواجب إخراج جزء منه بالوزن قطعا فمن عمل بالرخصة وأراد إخراج القيمة أنزل الفقير منزلة البائع ونفسه منزلة المشتري، والحق الواجب منزلة سلعة تباع، فيعطيه ما تسمح به نفسه بالبيع به لو كان بائعا، فمن ملك أربعين غراما ذهبا مثلا مع مايکمل به النصاب من نقود وجب عليه في ذهبه إخراج غرام واحد زكاة فإن أعطاه قطعة ذهب فقد نجا وبرئت ذمته وإن أراد أن يمسكه لنفسه ويخرج قيمته فلا يبرئه إلا أن يعطى فيه مائة وخمسين فرنكا أو مائتين حسب السعر الجاري الذي يشتري ويبيع به، وكيف يمسك الغرام الذي هو حق لله لنفسه ثم لا يعطي فيه إلا عشرين فرنكا مثلا، حسب السعر الرسمي، للفقير وهو يجد أن لا يشتري بذلك ولا يسمح أن بذلك، ولعله قد اشتري هو نفسه ذلك الذهب عينه أو بعضه بأكثر من ذلك، فإن قيل إنه قد يجد أن يشتري بذلك من
المؤسسات الرسمية بإذن من أولياء الأمر قيل له:
يبيع
240 (1/240)
صفحة 241
فيادارها بالخيف إن مزارها
على أنه إن وجد
ومثل هذا لا
قريب ولكن دون ذلك اهوال
لا يجد عشر حاجته وما بعد العيان بيان
يصح أن
يعتبر ولا أن يتخذ مستندا للأحكام
العامة فيما تعم به البلوى ولقد عمت البلوى بهذه الأسعار المشطة في السوق السوداء وطالما قاومناها وحاربناها بمختلف الوسائل لعظم ضررها فلم تفلح لأن ضرورات العيش دفعت الناس إليها دفعا فما أحد كائنا من كان يمكنه أن يسد حاجته وحاجة عياله في الطعام والشراب واللباس مما يعطاه بأوراق التموين، فأما أن يكون عنده احتياطي كبير مدخر من كل نوع وإما أن يقتحم السوق السوداء أحب أو كره وهذا هو الغالب فأنت ترى أن كثرة الطلب وقلة العرض ونضوب معين الموارد وانقطاع الأمداد وشلل حركة الإنتاج والإيصال بفقد الوقود وتحويل أكثر مصانع العالم إلى الانتاج الحربي والخوف من طول أمد الحرب وعدم لوح بارقة أمل في سلم قريبة كلها عوامل طبيعية تظاهرت على الطيران بأسعار الحاجات إلى ما لم يكن يخطر ببال وإنها كما ترى لعوامل طبيعية في الغلاء وأسباب حقيقية له ولقد أحس الناس ثقلها وذاقوا مرارتها وما عرفوا آخرتها وما هي بأخيلة ولا أوهام فقد جاعت البطون وتعرت السوءات وما وجدوا لجوعة سدا ولا لعورة سترا، فكيف لا يغالون بقيم
241 (1/241)
صفحة 242
الضروريات والحاجيات ما وسعتهم اموالهم، وإن هذه التي تقرها الحاجة لهي القيم الحقيقية المعتبرة يا أخي وما على من يحاربها إلا أن يسد يسد جميع حاجات الناس الحاضرة ويضمن لهم سد ما يجد منها حتى تضع الحرب أوزارها فتسقط هذه القيم الغالية من ذوات نفسها حتى تساوي القيم الرسمية أو تنزل عنها فيقع التباري في النقص من السعر الرسمي بدل التباري في الزيادة عليه كما كان يقع في بعض السلع الممسعرة رسميا قبل الحرب.
والخلاصة: أننا نجتهد في تحذير الناس من عاقبة المغالاة وننهاهم عن رفع الأسعار بشطط وعن التعدي في استثمار حاجة الفقير ونأمرهم بالرحمة والرفق والشفقة والقناعة بقليل الربح ونشدد النهي عن الاحتكار واقتحام السوق السوداء لغير ضرورة اللهم إلا النهم والشره والرغبة في جمع الحطام ولو من الحرام لكننا عند تقويمنا الأموال لقسمتها بين ذوي الحقوق من ورثة وشركاء وغيرهم أو لتحويلها من مالك إلى مالك ببيع أو صداق أو إجارة او مبادلة أو قضاء دين أو نحو ذلك من مختلف المعاملات لا نعتبر إلا القيمة التي تسمح به نفس المالك بالبيع بها ونفس المشتري بدفعها وقد تكون أموال غياب ويتامى ومساجد وأوقاف وسفهاء لا نتحرج في ذلك ولا نتأثم وما يمكن لتقويم الزكاة أن يشذ عن جميع هذا.
242 (1/242)
صفحة 243
معبد
وبعد فلقد ظننت أني بلغت بك إلى الغاية من طريق لأحب قريب وانتهيت بك إلى النتيجة من مقدمات لا تجادل فيها فضع يدك على صدرك واستفت قلبك فيما أحببته لمالك فأحببه لمال الله وما رضيته لنفسك فارضه للفقير وما كرهته لنفسك ومالك وولدك فاكرهه لمال الله وللفقير ولليتيم ولو رجع الناس إلى عزيمة الأمر فأعطوا من عين كل مال زكاته لكان خيرا لهم في الآخرة والأولى ولما وقعوا في حيرة ولا التباس ولكنهم أبوا إلا اتباع الشهوات وتحكيم الرغبات ووسمها بسمة الدين مخادعة لعقولهم وما الله عنهم بغافل ولا الدين بمقر لهم على باطل وإن له لحماة ينفون عنه تأويل الغالي وانتحال المبطل وتحريف الجاهل. حفظكم الله ورعاكم لأخيكم بيوض ابراهيم بن عمر وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
سؤال: امرأة لها ذهب للزينة (مقاييس) وخواتم
وجواهر زينة وما يشبه ذلك، هل عليها من زكاة؟ الجواب: إن حلي المرأة إذا كان من ذهب أو فضة وجبت فيه الزكاة إذا بلغ النصاب ونصاب الذهب ميزان 100 غرام ونصاب الفضة نحو 670 غرام وأما الجواهر الأخرى المتخذة للزينة غير الذهب والفضة كالعقيق وما أشبهه فليس فيها زكاة ويجوز للزوج أن يعطي لزوجته ما تؤدي به زكاة
حليها إذا لم تكن غنية
243 (1/243)
صفحة 244
سؤال: امرأة توفي زوجها وهي فقيرة وذات أولاد
وعيال كبير وعاجزة عن العمل ولها شيء من الذهب ادخرته لنفقتها ونفقة أولادها تبيع منه شيئا فشيئا حسب ضرورتها
فهل عليها فيه زكاة أم لا؟
الجواب: كلما حال الحول على مقدار النصاب من الذهب فأكثر وجبت فيه الزكاة ربع العشر كما هو معلوم وهكذا في آخر كل عام حتى ينقص الذهب عن مقدار
النصاب فلا يجب فيه شيء.
سؤال: هل يجب على المرأة أن تزكي ما عندها من
حلي ذهب وفضة اتخذته للزينة لا للتجارة؟
الجواب: نعم الزكاة واجبة في الذهب والفضة لذاتهما كيفما كان غرض امتلاكهما لزينة أو لتجارة أو لادخار وسواء أكان حليا أو سبائك أو أواني أو تبراً أو عملة مسككة إذا
بلغت النصاب وجبت فيها الزكاة.
سؤال: رجل فقير ذو أولاد ولا مسكن له ورث شيئا من الذهب من زوجته أو والدته أو غيرهما مثلا وادخر ذلك الذهب حتى يجمع بعض المال ويبيع ذلك الذهب ليشتري به دارا لسكناه وسكنى أولاده فهل تجب عليه الزكاة في ذلك
الذهب أم لا؟
244 (1/244)
صفحة 245
الجواب: إذا كان ذلك الذهب مقدار النصاب فأكثر
تجب فيه الزكاة مرة كلما حال عليه الحول وهكذا ما دام مكنوز ا حتى ينقص عن النصاب أو يبيعه لشراء الدار أو لنفقاته الأخرى
سؤال فقيرة ذات زوج فقير ليس لها مال إلا حلي
تتزين به: هل عليها زكاة؟
الجواب: إن الزكاة واجبة عليها إن بلغ النصاب والاعتذار بأن الزكاة تفنيه إذا لم يكن لها ما تعطي منه غيره باطل غير مقبول لأنه إذا نقص عن النصاب لم تجب فيه الزكاة أبدا فيبقى عندها أبدا، فنصاب الذهب بوزن اليوم مائة غرام إذا نقصت لم تجب الزكاة فقد يكون للمرأة حلي مختلف لا يتجاوز خمسة وتسعين غراما لا تعطى منه شيئا إلا إذا كانت لها فضة إذا صرف إليها بلغ نصاب الفضة، ونصاب الفضة بوزن اليوم ستمائة وسبعة وستون غراما تقريبا والحاصل أن كل من ملك النصاب وجبت عليه الزكاة ولا
اعتبار بفقر ولا غنى
هذا
سؤال: كثيرا ما نسمع أن زكاة الحلي في إعارته فهل
؟ وما قول الإباضية في ذلك؟ وما هو الأفضل صحيح إخراج الزكاة من عين الحلي أو من قيمته؟
245 (1/245)
صفحة 246
الجواب: أجمع الإباضية على أن الزكاة واجبة في
E
الذهب والفضة لعينهما سواء كانا نقدا أو حليا أو آنية أو سبائك، إذا تم فيهما النصاب لأدلة كثيرة في الكتاب والسنة الصحيحة تثبت ذلك. ويرى بعض الأئمة من غير الإباضية عدم وجوب الزكاة فيهما إذا كانا حليا للمرأة بشرط أن لا يكونا مسككين أي مضروبين دنانير ذهبية أو دراهم فضية تتخذ منها المرأة قلادة أو نحوها لزينتها فإن هذا مجمع على وجوب الزكاة فيه وكذلك ما زاد على القدر الضروري المتعارف لزينة المرأة مما يكون في شكل حلي أقراطا أو أساورة أو قلائد أو نحوها تجمع منه للمرأة أو الرجل الشيء الكثير بقصد الادخار والكنز للإنفاق منه عند الحاجة والضرورة فإن هذا مما تجب فيه الزكاة إجماعا وإن كانت المرأة تستعمله كزينة عند بعض المناسبات سواء أكان مالكه امرأة أو رجلا ويبقى القدر الضروري المعتاد للزينة وهذا ما يقول فيه بعض الفقهاء من غير الإباضية: زكاته إعارته، ولا شك ولا خلاف في أن إخراج الزكاة من عين المال الذي وجبت فيه أفضل وأدعى لحصول البركة فيه ويجوز الإخراج من القيمة إذا تعذر الإخراج من عين المال كما
في زكاة الحلي وكانت القيمة صحيحة
هو الغالب
246 (1/246)
صفحة 247
في وقت الزكاة
سؤال: تقويم التاجر لتجارته يكون عادة حسبما تقتضيه الظروف في آخر شهر ديسمبر من كل عام فكيف يصنع بزكاته التي تجب بدوران العام القمري؟ الجواب: لا إشكال في ذلك فعلى التاجر أن يتخذ شهرا قمريا كرمضان أو محرم لزكاته دائما فإذا دخل هذا الشهر جمع ما عنده ما عنده من مال تجب فيه الزكاة كذهب أو فضة أو دراهم أو ديون بذمة الغير ويضيف إليه ما كان عنده من. رأس مال صاف في تجارته ثم يخرج ما وجب عليه من زكاة ولا يضره التفاوت بين شهر زكاته القمري وتقويمه الميلادي وبمحافظته على هذه الطريقة لا يضيع من زكاته شيء
فيكون مؤديا لحق الله
•
سؤال: تسأل في كتابك عن الشهر الذي يجب أن
يتخذه التاجر وقتا لزكاته؟
الجواب: اعلم أنه يجب أن يتخذ شهرا قمريا هجريا، وقد قلت إنك اخترت شهر رمضان فحسنا فعلت، فإذا وصل شهر رمضان المقبل فانظر ما عندك من أمانة في حانوتك في تقويم آخر ديسمبر الماضي ثم اجمع إليه ما يكون عندك في جيبك أو في خزانتك، أو في الشيك «الشيك بوسطال» مثلا، وما لك بذمة شخص وأخرج مند مقدار الزكاة الواجب
247 (1/247)
صفحة 248
الحال، واعمل كذلك في كل رمضان يدخل عليك، ولا
تعتبر شهر التقويم الرسمي لتقديم التصريح للحكومة ولا يضرك هذا التقويم الرسمي تقدم أو تأخر، لأنك تحسب ما تحصل لك فيه في كل شهر رمضان كما ذكرت لك هذا للمستقبل، وأما ما مضى لك من أعوام تزكي فيها بحسب التاريخ الميلادي فانظر ما مضى لك من السنين على هذه الحال وتخرج مبلغا من الزكاة احتياطا لذلك، وأنت تعلم أنه في نحو ثلاثة وثلاثين عاما ميلادية يتولد عام قمري هجري. فاحسب السنين التي مضت لك على هذه الحال
وقدر مبلغاتدفعه احتياطا والله غفور رحيم.
وأما سؤالك عن حلي المرأة فإنه تجب فيه الزكاة سواء اتخذته للزينة أو لغيرها إذا بلغ النصاب، والنصاب هو مقدار قيمة عشرين مثقالا ذهبا أي قيمة مائة غرام ذهبا حسب السعر الحالي، ومقدار الزكاة كما تعلم هو ربع العشر أي اثنين ونصف في المائة وفقنا الله إلى ما يحبه ويرضاه والسلام عليك أولا
وآخرا.
248 (1/248)
صفحة 249
كيف أُزكي هذا المال؟
سؤال: ما هو الأصل في إخراج الحق الواجب من زكاة الحلي؟ هل هو القيمة أم الوزن؟
الجواب: أما زكاة الحلي فإن الواجب فيها إخراج
جزء من الحلي بالوزن، فمن عنده عشرون مثقالا ذهبا أعطى منه نصف مثقال ومن عنده مائتا درهم فضة أعطى منها خمسة دراهم وزنا فذلك ربع العشر الواجب في الذهب والفضة ويخرج من المزكي عينه كما تعطى شاة من أربعين
<
هو
شاة وكما تخرج زكاة الحبوب منها ذاتها بلا تقويم هذا الأصل وليس إعطاء القيمة إلا رخصة فمن عمل بها في الذهب والفضة وأعطى ربع عشر القيمة ويجب أن تكون
القيمة في الحقيقة هي التي يقع بها التعامل يجري بها الأخذ والرد والعطاء والقبض والأداء لا السعر الرسمي الذي لا يكاد يوجد من يتعامل به ومن عليه ذلك فليعط القدر الواجب وزنا لا قيمة ومن خالف هذا فقد سرق الزكاة ومن زعم خلاف هذا وقال باعتبار الرسمي في الزكاة كيف يصنع من يوجد عنده كتان يباع في السوق بخمسمائة فرنك وسعره الرسمي خمسون فرنكا فقط وأراد أن يعطيها لفقير زكاة لزمته أيرضى أن يعطيها لفقير بقيمة خمسين فرنكا فقط ما نظن أن أحدا يستطيع أن يفعل هذا أبدا فكيف إذا كانت
مثلا
249 (1/249)
صفحة 250
عنده للتجارة أيقومها بخمسين الرسمية فقط أم هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب) (1) وسبيل الحلي سبيل هذا بل هو أشد لأن الواجب فيه إخراج جزء من العين، وأما مال التجارة فإخراج جزء من القيمة وليس يتسع لبسطة أوفى أو أكمل وليس الأمر بخاف على من تحرى لدينه واحتاط لأمره واطرح الرغبة والشهوة جانباً
سؤال: ما الأصل في إخراج الحق الواجب من زكاة الذهب والفضة الوزن أم القيمة؟
الجواب: الأصل في زكاة الذهب والفضة أن يخرج منها بالوزن لا بالقيمة فإذا تم النصاب ففي كل أربعين غراما ذهب أو فضة غرام من زكاة يعطى ذهبا أو فضة من
من
نفس ذلك المال المزكى لا يقوم بغلاء ولا برخص ومن عنده مائة غرام أعطى منها غرامين ونصف غرام كذلك بالوزن ثم هكذا بالغا وزنه ما بلغ فإذا كان عنده كيلوغرام أعطى منه خمسة وعشرين غراما بالوزن، هذا هو الحق الواجب شرعا. إلا أن بعض العلماء رخصوا في إخراج القيمة وهو ترخيص ضعيف لكن الناس مالوا إليه لسهولته، وعليه فيجب أن تكون القيمة هي التي يتعامل بها الناس والتي يمكن لصاحب الذهب والفضة أن يبيع ويشتري بها فإذا أجمع الناس كلهم على مخالفة السعر الرسمي فلا شراء ولا بيع به وكان
(1) الآية 116 من سورة النحل
250 (1/250)
صفحة 251
التعامل جاريا مطردا متصلا باستمرار بسعر آخر وجب أن يعتبر هذا في مثل هذه الزكاة ومن لم تطب نفسه رجع إلى الاصل فأعطى الجزء الواجب بالوزن ولا عليه في القيمة غلت أم رخصت وهكذا البر والشعير والتمر وجميع ما يجب فيه الزكاة كالإبل والبقر والغنم لا يجوز أن يقبض لنفسه مال الزكاة ويخرج قيمة لا تطيب نفسه أن يبيع بها أبدا ولا يجد أن يشتري بها أبدا إلا بقهر حاكم. ومن زعم هذا فهل تطيب نفسه أن يعطي جبة قيمتها بين الناس خمسمائة فرنك لفقير في زكاة لزمته بقيمة خمسين فرنكا الرسمية مثلا؟ لا نظن أن أحدا يرضى بهذا ونرى هؤلاء الذين يريدون تقويم الحلي للزكاة بالسعر الرسمي يعطون للفقراء لباسا ومؤونة في سبيل الزكاة بالسعر الغالي الجاري بينهم في السوق السوداء، فما هذا التناقض؟
ولو أن أحدهم اضطر إلى إخراج ما عليه من زكاة قطعة ذهب كما تفعل النساء كثيرا لما طابت نفسه إلا أن يقومها بالسعر العملى الجاري لا بالسعر النظري الرسمي أو الاسمى
ما
والمخرج من هذا كله إنما هو بإخراج الزكاة من عين وجبت فيه الزكاة وذلك هو الأصل الذي وردت به الشريعة وبه تنزل البركة في المال ويحفظ من الآفات
سؤال: رجل له نخيل تسقى بالزجر أو المحرك
(الموتور) باع غلته على رؤوس النخل واشترط عليه المشتري
201 (1/251)
صفحة 252
أن يقطعها وينقيها ويجمعها ففعل جميع ذلك وأنفق فيه عددا وفيرا فهل تجب عليه الزكاة في ثمنها؟ وهل يطرح ما أنفق ثم يزكي الباقي؟ وكم هو المقدار الواجب في زكاته؟ الجواب: كل ما يسقى من النخيل والزروع بالزجر (أجباد) أو نحوه مثل محركات الكهرباء أو سائر أنواع الوقود فإن الواجب فيه نصف العشر أي خمسة في المائة وإذا بيعت الغلة قبل إخراج الزكاة منها أخرجت من ثمنها فإن تولى المشتري قطع الغلة وجمعها وتنقيتها بنفسه ونقلها فإن الزكاة تجب في حملة الثمن، وإن تولى البائع مالك الغلة تلك الخدمة حاز له أن يسقط ما أنفق في سبيل ذلك من جملة الثمن ثم يخرج من الباقي العشر إن كانت بورا أو نصف العشر إن كانت تسقى بالزجر كما ذكر أولا
سؤال: شخص يمتلك سيارات أو عمارات أو أسهما في
شركات فهل عليه زكاة في قيمتها أم في دخلها فقط؟ الجواب: إن الأمر يختلف فأما أسهم الشركات فإنها مال أودع على سبيل المضاربة في شركة تجارية أو صناعية تجب الزكاة فيه أعني في رأس المال المودع في الشركة وفيما نتج عنه قطعا لا خلاف فيه وأما العقارات كالعمارات التي تكرى والعروض المنتقلة كالسيارات التي تكرى لحمل المسافرين أو نقل البضائع والدواب التي تستعمل لمثل ذلك فإنه لا زكاة في قيمتها مطلقا إنما الزكاة فيما أنتجته
مال من
252 (1/252)
صفحة 253
إذا تم فيه النصاب أو جمع إلى مال وتم فيه النصاب وحال الحول، وأما إذا اشتريت العمارات أو السيارات أو الدواب للاتجار في أعيانها أعني يشتريها ليبيعها فإن هذا كيفما
كان نوعه يعتبر مال تجارة تجب الزكاة في قيمته بالغة ما
بلغت.
هل يجوز أن أصنع هذا بالزكاة؟
سؤال: هل يجوز إعطاء زكاة التجارة لباسا أو غيره مما يحتاج إليه غير دراهم؟ وبأي سعر يقوم إذا جاز إعطاؤه وعلى من تجب نفقة كرائه إذا أرسل إلى فقير في غير
الجواب: يجوز أن تعطى زكاة أموال التجارة من نفس الأموال التي وجبت فيها بشرط أن لا يقصد إلى الخبيث منها فيعطى وبشرط أن تقوم بأقل ما يمكن أن تباع به في نفس اليوم والمكان الذي تعطى فيه. ولا يطرح من مقدار الزكاة الواجب مصروف النقل والحمل وإذا قبل الفقير الزكاة في عين المكان فعليه لا على غيره حملها وكراؤها.
معين
سؤال: رجل أقرض آخر مبلغا المال لأجل من فعجز عن الوفاء فأجله مرة أخرى فعجز كذلك لأنه صاحب أولاد صغار بنين وبنات هو وحده الساعي عليهم فهل يجوز له أن يترك له هذا الدين ويحسبه من زكاة ماله؟
253 (1/253)
صفحة 254
الجواب: نعم يجوز ذلك إذا علم أنه إنما أنفق ما اقترضه منه على عياله ولم ينفقه في حرام فإن مال الله لا يستعان به على معاصيه فليقل له إن مالي عليك من دين قد تركته لك وأبرأت ذمتك منه فتقبله مني زكاة.
•
سؤال: شخص أقرضته الحكومة مبلغا من المال مساعدة له على عمله في زراعة أو صناعة أو نحو ذلك يبدأ تسديده بعد خمس سنوات أقساطا لمدة خمسة عشر عاما فهل
يعتبره دينا لا يزكي عليه؟
ماله
الجواب: - والله أعلم - إنه دين عليه ولا شك في ذلك إلا أنه مؤجل عليه أجالا طويلة فله أن يسقطه من ماله عند حساب الزكاة إذا كان هو الآخر يحسب من جملة ماله من ديون على الناس ولو كانت مؤجلة وهذه هي الطريقة المتبعة عند التجار وأرباب الأموال يحسبون مالهم وإن كان مؤجلا ويسقطون ما عليهم وإن كان مؤجلا كذلك ولا عبرة بطول أو قصر.
سؤال: تاجر ظهرت عليه غرامة بعد أربع أو خمس سنوات وكان يخرج زكاته كل عام فهل يجوز له أن يطرح مقادير الزكاة الواجبة على مقادير الغرامة مما يجب عليه من
الزكاة في المستقبل؟
254 (1/254)
صفحة 255
•
الجواب: لا نستحسن له هذا بل لا نراه يجوز له
سؤال: هل يجوز للتاجر أن يخرج زكاة تجارته من
كتان قديم عنده مع وجود الجديد؟
الجواب: يجوز للتاجر أن يخرج الزكاة من عين المال الذي وجبت فيه الزكاة في قيمته سواء أكان قديما أم جديدا بشرط أن يقومه بقيمته الحقيقية التي يباع بها وقت إخراجه بدون زيادة.
سؤال: هل على الزوج قضاء دين على زوجته لخالق
أو مخلوق؟ الجواب: ليس على الزوج قضاء دين زوجته لخالق أو مخلوق وبناء عليه فإذا لم تكن غنية وكانت تقية وكان عليها دين ولو زكاة أو كفارة جاز لزوجها أن يعطيها من زكاة ماله قدر ما تقضي به دينها وأما أن يعطيها لمأكل أو مشرب أو ملبس أو حلي فلا يجوز قطعا اتفاقا ولا تعتبر غنية بقليل من حلي تتزين به لزوجها حسب المعتاد في بلدها من غير إسراف كما هو الغالب عند نساء ميزاب.
سؤال: مات رجل وترك وصية بكفارات ولم يترك
مالا فأنفذ أخ له هذه الكفارات من زكاة ماله فهل تجوز هذه
الزكاة؟
255 (1/255)
صفحة 256
الجواب: - والله أعلم - إنه إن نوى بصدقته تلك أداء كفارات أخيه المتوفى فإن ما أنفقه في ذلك لا يجزيه عن زكاته الواجبة عليه وإن نواها فإنه لا يصح أداء واجبين
ماليين مختلفين نوعا وموضوعا بمقدار واحد كما في الصورة المسؤول عنها، فلا تجزي عن الزكاة لأنها لم تنفق في أحد الوجوه الثمانية المنصوص عليها في كتاب الله، ولو كان أخوه الموصي حيا فأعطاه من زكاة ماله ليؤدي ما عليه من كفارات لجاز له ذلك لأن أخذ الزكاة شخص معين فقير وغارم. وأما إغناء هذا الأداء عن صاحب الكفارات الموصي فأمره إلى الله على أننا نرى أن لا شيء عليه إذا لم يترك مالا
وقد برئت ذمته بالإيصاء بما عليه
سؤال: تجارتنا خارج وطننا فهل يجوز لنا نقل زكاتنا إلى الفقراء والمساكين من أرحامنا في بلدنا؟ الجواب: إن زكاة الحبوب من البر والشعير والتمر أحق بها فقراء البلد الذي توجد فيه المزرعة فتفرق فيهم ويجوز نقل فضلها إلى فقراء ومساكين أرحام المزكي وأما زكاة أموال التجارة فيجوز صرفها حيث شاء المزكي من فقراء المسلمين في أي بلد من بلاد الإسلام ولا يستحسن أن يحرم فقراء أهله وأقاربه وأرحامه الذين ينظرون إليه في بلده وهم أولى ببره
وصلته وإحسانه.
256 (1/256)
صفحة 257
سؤال: ما حكم الشريعة فيمن أخرج زكاة ماله ووضعها جانبا ولم يدفعها لمستحقيها حتى حال عليه الحول والسبب هو عدم معرفته بمستحقيها؟
الجواب: إنه مقصر في أداء الواجب فإن أهل الزكاة موجودون في كل وقت وعليه أن يستعين في معرفتهم بمن يظن فيه الخير من إخوانه وأهل المعرفة من قومه ولا نرى عليه في ذلك تبعة أو عصياناً.
ماذا على من ضيع الزكاة؟
سؤال: رجل فتح دكانا للتجارة في سنة 1950 برأس مال قدره يومئذ سبعون ألف فرنك قديم ومضت ستة عشر عاما لم يجر خلالها أي تقويم لتجارته ولم يخرج زكاة مطلقا واليوم تاب من ذنبه وأناب لربه وعزم على أداء ما عليه من زكاة فقوم ماله فإذا به قد بلغ نحو خمسة عشر مليونا فرنكا قديما فكيف يمكن أن يؤدي زكاة السنين الماضية ولم يكن له حسابات مضبوطة يمكنه الاعتماد عليها؟
الجواب: إنه ليست لهذا طريق لمعرفة مقدار الزكاة الواجب عليه كل عام إلا التقدير والتقريب ولا ينجيه بعد ذلك إلا الاحتياط فيستطيع ولو بمعونة بعض إخوانه الخبيرين بفن التجارة والمباشرين لها في بلده أن يقدر لكل
257 (1/257)
صفحة 258
بعسير
عام نصيبه من الربح ويحسب زكاته مع رأس ماله ابتداء من السنة الأولى وهكذا حتى السنة الأخيرة، وليس هذا ولو كان معنا أو كنا معه لأعناه على هذا العمل بعد أن نلقي عليه أسئلة مختلفة تضيء أجوبتها لنا السبيل على أنه لا
يعدم
من إخوانه من يعينه وينير له الطريق ولا سيما إذا صحت
به
توبته وصدق ندمه ووقاه الله شح نفسه. هذا ما من الله علينا في الجواب في هذه القضية العويصة وليس الجواب عليها إلا إرشادا وتوجيها وإعانة على طلب المخرج من هذا
المأزق.
سؤال: كيف يفعل من ضيع إحصاء ماله وتقويم
تجارته للزكاة سنوات عديدة وأراد أن يستدرك؟ الجواب: عليه أن يجتهد في تقدير المال لكل عام من أول سنة ظن أنه اجتمع عنده قدر النصاب إلى اليوم وليحتط ولا يبخل ولا يشاحح لعل الله يتقبل منه ويتوب
عليه.
258 (1/258)
صفحة 259
في زكاة الفطر
سؤال: هل يجب على الرجل أداء زكاة الفطر عن عائلته فقط أم تشمل الأجير (الخماس) مع العلم أنه قد يبقى
مع العائلة السنوات الطويلة؟
الجواب: إن زكاة الفطر تجب على الرجل وعلى من تجب عليه نفقته من زوجة وولد غير بالغ ومن حكم عليه بنفقته، فيؤديها الرجل عن نفسه وعن هؤلاء جميعا، وأما الأجير والعامل في الحقل أو في الدار أو غيرهما فلا تجب زكاة الفطر على مستأجره ومستخدمه طال الزمن أو قصر وإنما زكاته على نفسه وفي ذمته فإن أداها عنه مستأجره كان له أن يقتطعها من أجرته إلا أن يتبرع.
259 (1/259)
صفحة 260
[صفحة فارغة] (1/260)
صفحة 261
الصوم
إثبات الأهلة بالرصد الفلكي
جناب الأخ الكريم مولود قاسم وزير التعليم الأصلي
والشؤون الدينية، حفظه الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته من أخيكم بيوض ابراهيم بن عمر.
سيدي الوزير، تبعا لحديثي معكم منذ أسابيع في شأن إثبات الأهلة للقيام بالشعائر الدينية رأيت أن أذكركم ـ وقد اقترب شهر رمضان بما طلبته منكم وهو تكليف لجنة الأهلة التي تعمل تحت إشرافكم أن تطلب من المرصد الفلكي ببوزريعة أن يخبرها بموعد ولادة الهلال ووقت غروبه وغروب الشمس يوم ولادته حتى تتحقق بميلاده أولا ثم ببقائه في الأفق وراء الشمس بعد غروبها، ثم بمدة بقائه لتعلم هل تمكن رؤيته أو تستحيل، وعلى ضوء ذلك يمكنها أن تقبل الشهادة بالرؤية أو تردها، فإن حساب الفلك اليوم قطعي والشهادة ظنية فلا تقبل مطلقا إذا عارضت القطعي، ولسنا هذا بالقائلين باعتماد الحساب الفلكي وحده في إثبات الأهلة وإن كان ذلك مذهب بعض العلماء من السلف والخلف، بل نحن نقول بالجمع بين الدليلين: الرؤية والحساب، بيان ذلك أن النبيء ما قال عن هلال رمضان:
261 (1/261)
صفحة 262
(صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما) (1) وهو حديث متفق عليه، وأجمع العلماء أن هذا هو حكم سائر الشهور، وكان يتراءى الهلال ويأمر أصحابه بذلك ويسأل عن رؤيته، فالاعتناء برؤية الهلال شعيرة من شعائر الله، ولم يزل المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يحتفلون بها،
وقد قال كثير من العلماء إنما فرض كفاية، فلا ينبغي إهمالها وتركها اكتفاء بالحساب الفلكي وكذلك لا ينبغي تجاهل الحساب وقد تيسرت سبله، وأمكنت معرفة الحقيقة
بواسطته:
وطريقة الجمع بين الدليلين سهلة ميسورة: أن تعتني لجنة الأهلة بالرؤية وتحرض جميع المواطنين المؤمنين على الاعتناء بها ليلة الشك وإخبارها بما ثبت من شهادة وأن يكون عندها علم مسبق قبل ذلك من المرصد الفلكي بموعد ولادة الهلال وغروبه ومدة بقائه في الأفق بعد غروب الشمس، فإن جاءت الشهادة بالرؤية ـ وقد أثبت الحساب ولادته وبقاءه بعد غروب الشمس بحيث تمكن رؤيته - قبلت الشهادة وأعلن عن دخول الشهر، وإن جاءت شهادة بالرؤية والحساب يثبت أن الهلال لم يولد بعد أو أنه مولود ولكنه
يغرب بعد غروبها بقليل جدا بحيث تستحيل رؤيته ردت
(1) رواه النسائي وأبو داود وغيرهما بألفاظ متقاربة.
262 (1/262)
صفحة 263
الشهادة، ومن القواعد الفقهية المسلمة والتي لا جدال فيها أن الشهادة ترد إذا استريبت، والريبة أنواع ودرجات منها القوي ومنها الضعيف وأقواها ما يعبر عنه بالريبة المحققة وهذه ترد بها الشهادة قطعا بالغا ما بلغ عدد الشهود، أو عدالتهم ومن هذا النوع ما خالف قطعيا فإذا شهد شهود برؤية الهلال والعلم يثبت أنه لم يولد بعد ضرب بشهادتهم عرض الحائط، وقد ضرب العلماء لذلك أمثلة في القديم فقالوا: مثل أن
يدعي
بعد
رؤية الهلال في زمان لا تمكن فيه كما إذا ادعاها ساعات من غروب الشمس أو في مكان لا تمكن فيه كما إذا ادعاها في أفق غير أفق الهلال أو من مكان لا تمكن منه كما إذا ادعاها وهو واقف في مكان محجوب عنه أُفق الهلال ومطلعه بجبل شاهق أو بناء عال بحيث لا يرى منه إلا وسط السماء، مثلا، هذه كلها شهادات مردودة، وقد ردوا الشهادة بما هو أضعف من ذلك كما إذا اتهم الشاهد بجر نفع أو دفع ضر فأحرى أن ترد شهادة رؤية وليد وهو لا يزال جنينا في رحم أمه.
تبقى مسألة ما إذا أثبت العلم ولادة الهلال وإمكان رؤيته بعد غروب الشمس ولكنه لم يُر في أي جهة من جهات القطر مطلقا فإن هذا لا نعمل به بل نكمل الثلاثين للشهر المنصرم وهذا يوم معفو عنه من الشارع الذي عبدنا بالعمل بالرؤية إلا أن تأتينا شهادة الرؤية من قطر مجاور
263 (1/263)
صفحة 264
يعمل بالرؤية لا بالحساب فنعمل بها عملا بالقاعدة الفقهية المشهورة: إن البلاد إذا لم تختلف مطالعها كل الاختلاف
للسنة
وجب حمل بعضها على بعض، بهذا نكون متبعين المطهرة عاملين بأمر رسول الله لا غير مخالفين للدليل
حضر
به
القطعي. ولقد قال الإمام تقي الدين السبكي: إن دل الحساب على عدم إمكان الرؤية ويعرف ذلك بمقدمات قطعية ويكون القمر في هذه الحالة قريبا جدا من الشمس ففي هذه الحالة لا تمكن رؤيته لأنها مستحيلة، فلو أخبر شخص أو أكثر - وهذا خبر يحتمل الصدق والكذب والغلط - فلا يجوز قبوله أو تقديمه على الحساب القطعي أو معارضته به، وهناك كثير من الناس يغلطون أو يخطئون في رؤية الهلال، وقد روي عن أنس ن مالك أنه جماعة مع لرؤية الهلال وكان معهم إياس بن معاوية فلم يره أحد منهم أنس بن مالك الذي قال إنه رأه مع أنه كبير السن وأشار أنس إلى الجهة التي قال عنها إنه رأى الهلال فيها فتطلعوا جميعا إلى تلك الناحية فلم يروا شيئا ومنهم من هو أقوى نظرا من أنس وهنا التفت إياس وكان ذكيا حاضر البديهة ونظر إلى عيني أنس فرأى على إحداهما شعرة وقد تدلت من حاجبه فمسح إياس حاجب أنس بيده حتى سواه وقال له: أرني الهلال الآن، فقال أنس: لا أنظره الآن. وقد بلونا الشيء الكثير من هذه الأخطاء والتخيلات في مدى
غير
264 (1/264)
صفحة 265
نصف قرن كنا نباشر فيه التحقيق مع شهود الرؤية، ونحن اليوم أشد طمأنينة بقطعية نتائج الحساب الفلكي مما كان عليه الحال في صدر الإسلام، وفي عهد الأئمة الذين اعتمدوا الحساب.
فإن التقويم الفلكي اليوم عالمي - كما تعلمون ـ لا يتطرق إليه أي شك ولا تداخله أية ريبة، وقد بلغ من دقته في حساب سير الأجرام أنه يلاحظ الجزء من المليون من الثانية أو أقل ذلك من
فمن السخف تعريض الشريعة الإسلامية الغراء للسخرية بزغم أنها تعارض القطعي من العلم وهي التي جاءت بتقديس
العلم.
وبعد، فهذه ملاحظة أبديتها لكم رجاء أن يكون لها أثر فيما تقررون في طريقة إثبات الأهلة والإعلان عنها، ولا نكتمكم أننا نحن منذ زمن ومن قبل الاستقلال نعتبر التقاويم الفلكية ونطلبها من مصادرها لنستعين بها في تصحيح الشهادة ولا نزال، ولا نريد أن يكون بيننا خلاف في المسألة المهمة وزحامة في هذا العهد الذي من الله علينا فيه
هذه
بالوحدة التي لا نزال نعمل لتدعيمها بمختلف الوسائل
جاهدين.
وأخيرا وقبل أن أختم كتابي أهنئكم بما وفقتم إليه في حديثكم مع مجلة آفاق عربية» عدد سبتمبر المنصرم وفي
265 (1/265)
صفحة 266
تلك الأجوبة السديدة التي أجبتم بها وخاصة فيما يتعلق بانحراف الشباب ومسؤولية أوليائهم وفي قضية المرأة وسلوكها ومشكلها المستعصي زادكم الله توفيقا وأخذ بأيديكم إلى ما فيه خيركم وصلاح أمتكم، وفي ذلك مغفرته ورضاه، ورضوان من الله أكبر، والله أكبر والحمد لله. والسلام عليكم ورحمة الله 11 شعبان 1391 ـ 8 أكتوبر 1971
-
•
ملاحظة على فتوى لجنة الإفتاء الجزائرية في
العمل بالحساب الفلكي القطعي لتعيين مواقيت
العبادات
22 رمضان المعظم 1392 هـ 30 أكتوبر 1972
م
سيدي وزير التعليم الأصلي والشؤون الدينية الأستاذ مولود قاسم، حفظه الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد، فقد قرأت نص الفتوى التي أصدرتها لجنة
الإفتاء في العمل بالحساب الفلكي لتعيين مواقيت العبادات
في جلستها المنعقدة مساء أكتوبر 1972 م.
يوم
29
محرم
5. 1392
إنني موافق كل الموافقة على فتوى اللجنة في اعتماد الحساب الفلكي القطعي في تعيين مواقيت العبادات وعلى
266 (1/266)
صفحة 267
الخصوص تعيين اليوم الأول من شهر رمضان لأداء فريضة الصيام، واليوم الأول من شهر شوال لأداء فريضة الإفطار. فكفانا ما بلوناه وتبلوه كل عام منذ عشرات السنين من الشهادات الزائفة الباطلة برؤية هلال الصوم وهلال الفطر والتي تتقبلها وتحكم بصحتها وتأمر بالعمل بمقتضاها هيئات مختصة مسؤولة في سائر الأقطار الإسلامية العربية مع علمها أو إمكان علمها بما دل عليه الحساب الفلكي القطعي بعدم ولادة الهلال أو عدم وجوده قطعا على الأفق الغربي وراء الشمس بعد غروبها، الأمر الذي يسيء إلى قواعد الشريعة الإسلامية الغراء ويطلق السنة الخراصين بالطعن فيها
والسخرية بها
أريد
سيدي الوزير، إبداء ملاحظة على المسألة أرجوكم
عرضها على اللجنة والهيئة المكلفة بتحقيق دخول الشهر
والإعلان به
•
والملاحظة
هي
: أن تأخذ اللجنة اللجنة بعين الاعتبار مسألة
بقاء الهلال في الأفق الغربي بعد غروب الشمس بحيث تمكن رؤيته، فإذا دل الحساب على ولادة الهلال وبقائه بعد الغروب بحيث تمكن رؤيته أعلنت بدخول الشهر، ووجوب العمل به. وإن دل الحساب على ولادة الهلال وعلى أنه يغرب بعد غروب الشمس بحيث لا يكون له وجود بعد
الغروب ألغت ذلك ولم تعتبره، وبذلك نكون إن شاء الله
267 (1/267)
صفحة 268
في سواء السبيل عاملين بالسنة معتبرين لأقوال الأئمة فالهلال موجود فى أفق الرؤية قطعا ورؤيته ممكنة كذلك، وإن منع منها سحاب أو قطر أو غيم أو شفق قوي أو نحو
ذلك
قد
وأظن أن الهيئة المحققة لأول رمضان هذا الذي نحن فيه أخذت بعين الاعتبار هذه المسألة فأعلنت بدخول رمضان بيوم الإثنين تاسع أكتوبر بينما أعلنت جارتنا الشرقية تونس التي تعتمد الحساب الفلكي هي الأخرى أن أول رمضان يوم الأحد 8 كتوبر، ويبدو أنها اعتبرت ولادة الهلال فقط ولم ذلك إمكان رؤيته وعدم إمكانها، وهذا ما نرجو أن نتفاداه نحن فتلتزم هيئة تحقيق الهلال بمراعاة إمكان رؤيته، ونكون بذلك إن شاء الله أقرب إلى الصواب والسلام عليكم ورحمة الله
تعتبر مع
سؤال: هل العمل بالحساب الفلكي في الصيام والإفطار جائز أم لا؟
الجواب: إن العمل بالحساب الفلكي في الصيام والإفطار جائز فإنه قطعي يقيني والاعتماد عليه اليوم أوثق من الاعتماد على الرؤية التي كثر الكذب والتزوير والشبهة فيها، فإذا أعلنت الهيئة الرسمية بإذن الحكومة الشرعية بولادة
الهلال وإمكان رؤيته في بعض آفاق الجمهورية وجب العمل به
268 (1/268)
صفحة 269
يوم
سؤال: ما حكم الذين أفطروا من رمضان الماضي الثلاثاء 7 نوفمبر عملا بالبلاغ الذي نشرته الحكومة ليلة الثلاثاء بولادة الهلال وإمكان رؤيته في بعض جهات القطر وأن يوم الثلاثاء هو أول شوال وهو عيد الفطر، وبعد أن أصبحوا مفطرين جاءهم الخبر من ميزاب أن يوم الثلاثاء
هو
الثلاثون من رمضان وليس عيدا وأن ميزاب كله صائم، فما
حكم هؤلاء المفطرين وهل ينهدم صومهم كله أم يقضون يوما فقط، أم ما ذا عليهم؟
الجواب: إنه ليس عليهم شيء مطلقا وإن عملهم بالبلاغ الرسمي صحيح وإن إفطارهم يوم الثلاثاء حق وصواب فإنه يوم عيد من غير شك ولا ارتياب، وكذلك يجب عليهم في
المستقبل
24 شوال 1392 هـ
30 نفامبر 1972 هـ
الصوم والافطار بشهادة مسترابة
سؤال: في اليوم التاسع والعشرين من رمضان رأينا القمر ورآه جميع الناس قبل طلوع الشمس كبيرا ومنيرا وقد سبق الشمس بمقدار ساعة بالتحديد ثم طلعت الشمس وربع بعد المدة المذكورة، وبحسب المعهود لدى الجميع أن هلال تاسع وعشرين لا تمكن رؤيته بالشرق قبل الطلوع وبعد
269 (1/269)
صفحة 270
غروب شمس ذلك اليوم أعلنت الحكومة ثبوت رؤية هلال شوال وأمرت بالإفطار في اليوم التالي، ولهذه الظاهرة المريبة أصبح كثير من الناس متمسكين بصيامهم خفية. فما الحكم الشرعي في هذه المسألة؟
الجواب: المعهود لدى الجميع كما ذكرتم عندنا وعندكم أن القمر إذا رئي صباحا قبل طلوع الشمس لا تمكن
رؤية الهلال بعد غروب شمس ذلك اليوم في نفس المنطقة، وإذا أمكن شاذا كما يقول بعض العلماء فإنه إنما يكون في أطول أيام السنة بحيث يكون الفارق بين طلوع الشمس وغروبها خمس عشرة ساعة فأكثر أو في البلاد الشمالية التي يطول يومها أكثر من هذه المدة. أما في عرضنا فلا يمكن هذا مطلقا إلا في أطول أيام العام كأواسط شهر يونيو، أما رمضاناتنا من أوائل السبعينيات إلى اليوم فإنها أقصر أيام السنة، وخاصة رمضان هذا العام (1388 هـ). فإن أكثره في شهر ديسمبر وأقصر يوم فيه هو الذي لا يكون 21 ديسمبر الفرق فيه بين شروق الشمس وغروبها إلا نحو تسع ساعات فلا يرى الهلال بعد غروب شمس يوم رئي من المشرق قبل شروقها. فالواجب إذاً على من يتحرى لدينه في مثل الصورة المسؤول عنها أن يمسك يوم الثلاثين ولا يفطر لأن الريبة محققة ترد بها شهادة الرؤية، ومثل هذا وقع مدعي لنا هذا العام في رمضان المنصرم حيث رأينا القمر من
270 (1/270)
صفحة 271
المشرق قبل طلوع الشمس بنحو نصف الساعة ثم أعلن بعد الغروب أن الهلال قد رئي في بعض الجهات فأصبح الناس مفطرين تبعا لما أُذيع وأصبحنا نحن ممسكين عملا بما نراه واجبا علينا دينا لتحقق الريبة ولإعلان المراصد الفلكية أن
الهلال لم يولد بعد في الوقت الذي ادعيت فيه الرؤية وإنما يولد بعد نحو خمس ساعات
وهكذا الواجب على المسلم المتحري لدينه. هذا ما من الله به في الجواب وأرجو أن يكون أصاب كبد الصواب.
•
11 شوال 1390 - 1970/ 12/12
سؤال: هذه فتوى لجماعة من السائلين بعثوا رسالة من
الأراضي
المقدسة وقد صاموا فيها شهر رمضان المعظم وأفطروا
فيها كذلك
فجر
الجواب: أما إفطاركم يوم الثلاثاء مع ظهور الهلال
3
ص 9 ونصه:
يوم الاثنين من القبلة اعتمادا على إعلان الحكومة فلا بأس عليكم فيه إلا قضاء يوم واحد فقط، ومثل هذا قد يقع نادرا كما ذكر الشيخ اطفيش في التيسيرج «ويستتر القمر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين وليلة إن كان تسعة وعشرين وهذا غالب وتحققت مرتين أنه رئي بعد الفجر وكان من تسعة وعشرين وأما من صام على المألوف
المعتاد من عدم
استهلال الهلال مساء وقد ظهر يقينا من
القبلة صباحا فلا بأس عليه ولا شيء عليه، فلا يخطيء
بعضكم بعضا.
29 شوال 1389 - 7 جانفي 1970
271 (1/271)
صفحة 272
في قيام رمضان
سؤال: هل يجوزلي أن أصلي قيام رمضان في بيتي بجماعة؟ ولا أقرأ إلا الفاتحة وسورة الإخلاص؟
الجواب: نعم يجوز لك ذلك ولا يشترط في قيام رمضان قراءة سورة معينة ولا مقدار معين من الآيات، وإنما تقرأ الفاتحة وما تيسر من القرآن ولو سورة الاخلاص مرة واحدة في كل ركعة.
صلى الله
سؤال: ما قولك في قيام رمضان الذي نحن عليه ثماني ركعات سنة النبي، و وثمان سنة أبي بكر، وثمان الله عنهما؟ أليس من المستحسن أن تنوى
سنة عمر رضي صلى الله كلها سنة النبيء؟ الجواب: لا خلاف بين المسلمين في أن قيام رمضان سنة سنها النبيء الا الله عملا وقولا ورغب فيها وأن هذه السنة المجمع عليها هي أصل القيام، وأما عدد الركعات في القيام فمختلف فيه اختلافا كثيرا. إذ لم يرد عن النبيء له أمر قولي صريح بعدد معين حتى يكون رافعا للخلاف، أما من حيث عمله الا الله فإن الروايات تختلف عنه في عدد الركعات التي قام بها أو كان يقوم بها، والذي يظهر من تتبع الروايات المختلفة في ذلك أنه لم يكن ملتزما لعدد معين في الركعات التي يقوم بها ليالي رمضان طول حياته
272 (1/272)
صفحة 273
وأنه كان يزيد وينقص أعني أنه يصلي في كل ليلة ما أمكنه لسبب يقتضي ذلك مما يعلمه هو ولا علم لنا نحن به، فروى كل راو ما نقل إليه أو شاهده من ذلك أي من عدد الركعات ويتضح من ذلك ما قلناه أولا من أن السنة هي في أصل القيام لا في عدد الركعات. أما أصل ما ذكرته من أن الناس عندكم ينوون ثماني ركعات سنة النبيء ما وثمانياً سنة أبي بكر وثمانياً سنة عمر فهو ما ذكره صاحب الإيضاح رحمه الله حيث قال: وقد بلغنا أن النبي صلى من قيام رمضان ثماني ركعات وهن أربع تسليمات، ثم زاد أبو بكر ثمانيا أخرى، ثم زاد عمر ثمانيا أخرى، وذلك كله أربع وعشرون ركعة، فكان ذلك سنة لمن بعدهم لكن الشيخ رحمه الله قال بعد ذلك بقليل: روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في رمضان عشرين ركعة أربعا أربعا ويوتر بثلاث) (1) (ذكره في الإيضاح وخرجه
المعلق عن أحمد)
(1) ذكره في الإيضاح وخرجه المعلق عن أحمد
الحديث 2013
عن
وفي صحيح البخاري في باب فضل من قام رضان من كتاب صلاة التراويح في سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة رضي الله عنها كيف كانت صلاة رسول الله لا في رمضان؟ فقالت ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا فلا نسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يضلي ثلاثا ... الحديث ... وقال ابن حجر في فتح الباري في شرحه على هذا الباب: وروى مالك من طريق يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد عشرين ركعة وهذا محمول على خير الوتر، وعن يزيد بن رومان قال: كان الناس يقومون زمان عمر بثلاث وعشرين وروى محمد بن نصر من طريق عطاء قال أدركتهم في رمضان يصلون
عشرين ركعة وثلاث ركعات الوتر. اهـ
273 (1/273)
صفحة 274
ويقول الشيخ اطفيش في وفاء الضمانة» «ويوتر بخمس»
فذلك خمسة وعشرون كما ترى. ويظهر بالمقارنة بين قول
صلى الله
?
الشيخ أولا: «بلغنا أن النبيء الا، وقوله ثانية «روي عن عائشة أن الرواية الثانية أرجح لتصريحه فيها بالصحابي الراوي وخاصة أن الراوي للحديث هو السيدة عائشة أعلم
الناس بعمل النبيء في بيته خاصة في الليل وهو لا يقوم رمضان إلا في بيته باستثناء الليالي الثلاث الأولى التي قامها في المسجد ثم ترك ذلك بعد أن كثر الناس خوف أن يفرض عليهم كما هو المشهور. أما الخليفتان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فإنهما من أحرص الناس على الاقتداء بالنبيء واتباع سنته واقتفاء أثره، فإن صح ما روي عنهما من عدد الركعات في، ومن الصعب تصحيح ذلك، فإنا نحمل ذلك على أن السنة صحت عند كل منهما بما اعتمده وعمل به وإذا فيكون ذلك من سنة النبيء الا من سنتهما، وإما أن
قيامهما
عدد
يكونا يعلمان بأن السنة إنما هي في أصل القيام وأما الركعات فأمر مطلق العنان لا حصر فيه لطفا ورفقا بالمسلمين، فيصلي كل مسلم ما أمكنه من ركعات في قيامه كما هو الشأن في إحياء ليلة القدر وفي التهجد وصلاة السحر، وكشر من العبادات أصلها سنة ومقاديرها مفوضة إلى
همة العاملين. وهذا هو الأوفق بيسر
بيسر الدين.
274 (1/274)
صفحة 275
ومهما يكن فإننا لا نرى ولا نستحسن أن تنسب السنة إلى غير النبيء له وما نظن أن الخليفتين رضي الله عنهما يرضيان بهذه النسبة إليهما ولو سمعاها لأنكراها.
وقد وجدت هذه الطريقة متبعة عندنا كما
هي عندكم
اليوم فأبطلتها بعد درس في المسجد الجامع شرحت فيه أمرها
تقبله الناس بارتياح ظاهر، وذلك منذ أن توليت التدريس بالمسجد من قرابة خمسين عاما، فلم يبق لهذا الأمر عندنا ذكر، وعفا الله عن الشيخ عامر رحمه الله ورضي عنه، فقد روى ما بلغه ولم يمحصه عن حسن نية وحسن ظن براويه. هذا ما من الله به في الجواب، وأرجو أن يكون مصيبا لكبد
الصواب
في قضاء الصيام
سؤال: رجل أطال النظر الي غير ذات أمنى في رمضان فما ذا عليه وما حكم صيامه؟.
محرم
حتى
الجواب: إن صيامه فاسد عليه قضاؤه وعليه كفارة مغلظة صيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، ولا فرق في هذا بين أن يكون نظر إلى ذات محرم أو غير ذات محرم، فإن النظر المفضي إلى الإمناء حرام قطعا وحكمه ما تقدم، كما أن النظر بشهوة في رمضان محرم محرم قطعا مفسد للصوم أيا كان المنظور إليه،
275 (1/275)
صفحة 276
وحكمه قضاء اليوم ولا كفارة عليه إن لم يفض إلى الإمناء. وأما الفرق بين ذات المحرم والأجنبية فإتما هو في
مطلق النظر من غير تشه، فإنه لذات المحرم مباح مطلقا وأما للأجنبية فإنه حرام إلا إذا أباحت ذلك من نفسها ومشت بين الرجال سافرة فإنها حينئذ كالرجل أو كذات المحرم، فإن كان النظر بشهوة أفسد الصوم وإلا فلا
سؤال: ما حكم صيام فتى وفتاة أجنبية غير زوجة عبثا مع بعضهما مرارا في ليالي رمضان في غير الفرج حتى أمنيا: أيصح صومهما أم يفسد؟ وهل عليهما قضاء وكفارة أو
كلاهما؟
الجواب: إنهما فاسقان عاصيان بإجماع الأمة لانتهاكهما حرمة رمضان بارتكاب هذه الفاحشة، تجب عليهما التوبة والاناية إلى الله والاستغفار من ذنبهما، أما صومهما فباطل فاسد عند الله غير مقبول للأدلة الشرعية الكثيرة على ذلك وأما القضاء فليس عليهما منه شيء عند أكثر الفقهاء إذا اغتسلا من جنابتهما قبل الفجر ولم يقع منهما شيء من ذلك العبث في نهار رمضان، لكن قضاء صومهما وأداء الكفارة بإطعام ستين مسكينا أحوط لهما وأرجى لقبول
توبتهما.
276 (1/276)
صفحة 277
سؤال: ماذا على المحتلم في ليالي رمضان؟
الجواب: من استيقظ من نومه وتنبه لاحتلامه قبل الفجر وجب عليه أن يغتسل من الجنابة قبل طلوع الفجر
وإن ضيع الغسل حتى طلع الفجر قضى يومه، وإن لم يستيقظ ولم يتنبه لاحتلامه إلا بعد طلوع الفجر وجبت عليه المبادرة إلى الاغتسال ولا يشتغل بغيره وغير إعداد وسائله كطلب الماء وتسخينه مثلا، ولا شيء عليه بعد ذلك وإن
ضيع الغسل وأخره عن وقت الإمكان وجب عليه قضاء يومه
سؤال: ما حكم صيام من وجبت عليه جنابة في ليلة من ليالي رمضان ولم يغتسل حتى طلع الفجر أو أجنب باحتلام في نهار رمضان ولم يبادر إلى الاغتسال أول
الوقت؟
يمس
الجواب: إن الجنابة حدث لا تصح معه عبادة أصلا فإن الجنب لا يصلي ولا يدخل المسجد ولا يقرأ القرآن ولا المصحف ولا يحمله ولا يطوف بالبيت الحرام حتى يغتسل. ولما كان الصوم من أعظم العبادات ووقت عبادته من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنص القرآن وجب أن لا يدخل المسلم هذه العبادة إلا متطهرا من كل حدث كبير
كالجنابة والحيض والنفاس
•
لهذا ولقوله: من أصبح جنبا أصبح مفطرا، ذهب كثير من العلماء وأجمع علماء الإباضية على أن من أصبح
277 (1/277)
صفحة 278
جنبا بتضييع أو تقصير أو احتلم في النهار ولم يبادر إلى الغسل أول وقت الإمكان فسد صومه ووجب عليه قضاء ما مضى منه ولا كفارة عليه
ورخص بعض العلماء في ذلك ولم يروا عليه قضاء لا لماضيه ولا ليومه، ومن المرخصين في ذلك الإمام مالك
فيما روي عنه. والمسألة فرعية واختلاف العلماء رحمة.
سؤال: شاب مراهق يجهل حرمة العادة السرية كما يجهل وجوب الاغتسال من جنابتها فكان يمارسها زمنا معتقدا إباحتها ولا يغتسل لجهله بوجوب الغسل، وقد مارسها في بعض ليالي رمضان ولم يغتسل من ذلك، وقد علم اليوم حكم ذلك فأقلع عنها وهو يسأل اليوم عن صلاته وصيامه في تلك الفترة، وعن ما ذا يجب عليه بعد التوبة والاستغفار من
قضاء أو كفارة؟
الجواب: إنه يجب عليه: أولا: التوبة والاستغفار من ذنبه فإنه عاص بفعله ولا
يعذر بجهله فإن الإنسان يكفر بالجهل حيث يكفر بالترك ومعنى ذلك باختصار أنه يسعه جهل الفرض ما لم يدخل وقت أدائه، فاذا دخل وقت الأداء وجب العلم بالفرض وبكيفية أدائه ووجب عليه أداؤه. وكذلك يسع الجهل بالحرام ما لم يقارفه فإذا عزم على مقارفته، وجب عليه في
278 (1/278)
صفحة 279
آن واحد العلم بحرمته ووجب عليه تركه، وذلك معني قول
الفقهاء: يكفر بالجهل حين يكفر بالترك.
ثانيا: يجب عليه تقدير الصلوات التي صلاها بجنابة
العادة السرية فيقضيها كلها شيئا فشيئا حسب الإمكان
،
وليجتهد في القضاء خوف الفوت كأن يقضي كل بعضا يوم منها، ولا يضيق عليه أن يحبس نفسه لقضائها يوما كله مثلا
أو أياما كذلك. ثالثا: أن يتحرى تقدير الأيام التي صامها بجنابة العادة السرية فيقضيها كلها متتابعات أو مفترقات حسب إمكانه
واستطاعته.
رابعا: أن يؤدي كفارتين مغلظتين إحداهما لما أضاع
من صلاة والأخرى لما أفسد من صيام.
هذا أرخص ما وجدناه لك في المخرج من هذا المأزق والأهم في الأمر ندم القلب وتوبته والاستغفار ثم المبادرة إلى القضاء في أول وقت الإمكان.
سؤال: رجل أجنب في ليلة من ليالي رمضان وأخر الغسل إلى وقت السحر حيث إنه اعتاد القيام في السحر
بمنبه يوقظه في الوقت المناسب المعين، لكنه في تلك الليلة لم يوقظه فأصبح جنبا وبادر إلى الغسل فور قيامه من
نومه، فهل ينتقض صومه كله أو ماضيه أو يومه أم ماذا
عليه؟
279 (1/279)
صفحة 280
الجواب: إن مثل هذا يقضي يومه فقط ولا كفارة
عليه ولا إثم لأنه نام بعد الجنابة قبل الاغتسال اعتمادا على ما تحققه من عادته في الاستيقاظ من نومه سحرا قبل الفجر،
بما يكفي للاغتسال لكن هذه العادة تخلفت تلك الليلة بدون تضييع منه فليس عليه إذا إلا يوم يقضيه
•
سؤال: ما حكم المحتلم في نهار رمضان ولم يبادر
إلى الاغتسال؟
الجواب: من احتلم في نهار رمضان في نوم القائلة مثلا أو بعد الفجر ثم لم يبادر إلى الاغتسال بعد استيقاظه
من نومه فإن عليه قضاء ما مضى من صيامه
سؤال: إن رجلا ابتلي في سن المراهقة لمدة ثلاث أو أربع سنين بالاستمناء بيده أي العبث مع نفسه حتى يخرج المني منه وقد فعل هذا في ثلاثة أو أربعة رمضانات في النهار ولكن يسرع إلى الاغتسال من الجنابة، واليوم أصبح يبكي من ذنوبه ويخاف من عقاب ربه وهو عظيم الهم نادم متأسف. تائب مستغفر يطلب النجاة بما يفرضه الشرع عليه في هذه القضية الجواب: اعلم أيها الأخ ـ أولا ـ أننا نشكر هذا الذي وفقه الله وهداه إلى التوبة والاستغفار من ذنبه، وطلب التخلص من تبعته وهذا واجب كل مسلم أن يبادر إلى التوبة
280 (1/280)
صفحة 281
من ذنبه والتكفير عنه قبل فوات الأوان بمفاجأة الموت له قبل التوبة، وما أكثر موت الفجاءة الآن، ونحمد الله أن أكثر أبنائنا وإخواننا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) (1) فيبادرون إلى التوبة والانابة
والاستغفار عفا الله عنهم
أما ما يجب عليه فإنه قضاء عدد الرمضانات التي ارتكب هذه الفاحشة في نهارها، ولا يغنيه شيئا اغتساله من الجنابة - وهو واجب عليه ـ ثم أداء كفارة مغلظة واحدة عن جميع تلك الرمضانات كلها، وذلك أرخص قول للعلماء في
المسألة والسلام عليك ورحمة الله
هذه
سؤال: هل المستمني في رمضان يعيده كله أو ما
مضى أو يومه فقط؟
الجواب: إن المشهور في المذهب أن المستمني عمدا في نهار رمضان عليه قضاء الشهر كله وكفارة مغلظة مخيرا فيها بين العتق وصيام شهرين وإطعام ستين مسكينا، وهذا ما نرى الفتوى به نظرا لعظم حرمة رمضان، فلا ينجبر هتك حرمته بتعمد إفساده بأحد الأصول الثلاثة التي لا يتحقق الصيام إلا بالإمساك عنها وهي الطعام والشراب والجماع الذي يلحق به الاستمناء، إلا بقضاء الشهر كله وأداء الكفارة، هذا ما نعتمده في الفتوى في باب التعمد، وهناك من يقول
(1) الآية 201 من سورة الأعراف
281 (1/281)
صفحة 282
بقضاء ما مضى مع الكفارة طبعا، وللمفتي أن يراعي حال المستفتي فإن كان صادق التوبة ويشق عليه قضاء الشهر كله أفتاه بقضاء ما مضى، ولا نتنزل إلى القول بقضاء اليوم فقط ولا نراه يصح من حيث الدليل فلا نفتي به لا سيما وهو يجرئ من ضعف إيمانه فيتكررمنه الفعل تعمدا لخفة عقوبته إذ يقول مثلا: ما قيمة صيام يوم في مقابلة قضاء شهوة وتمتع بلذة، أما أبواب التضييع فإن مجال الفتوى بالترخيص
فيها واسع لا حرج فيه إن شاء الله
هذا ما من الله به في الجواب عن أسئلتك (1) وقد أطلت
بعض الشيء في الجواب
لأنه
موجه لا لمن يعمل به لخاصة
نفسه بل لمن يعلمه الناس ويفتي به المستفتين من طلاب حكم الشريعة الإسلامية الغراء فيما يعرض لهم من قضايا ويأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم وأرجو أن لا أكون فيما
أجبت به بعيدا عن الصواب.
سؤال: إنك حارس في ثانوية داخلية في أوربا وقضيت فيه ستة رمضانات في ست سنوات، لم تستطع أن تصومها لأن ساعات الأكل معينة، مقررة من طرف الإدارة
فما ذا عليك؟
الجواب: لا عذر لك مطلقا في عدم الصوم المفروض عليك، ولست مكرها ولا مجبورا على الإفطار، ويمكنك
(1) لا يخفى أن هذه الإجابة خاصة بالصوم وفي رسالة المستفتي
أسئلة غيرها.
282 (1/282)
صفحة 283
لو كانت لك عزيمة صادقة وإرادة قوية أن تصوم مهما كانت الظروف وأن تحتال للتسحر ولو بشيء خفيف يعينك على
من
الصوم قبيل الفجر الذى لا يخفى عليك وقته لما عندك الساعات المدققة. وعليه فإنك مضيع تجب عليك:: أولا
التوية من ذنبك والاستغفار لربك مما ارتكبته من ضياع فرضه، ثم يجب قضاء صومك كله أعني الستة الشهور التي أضعت صيامها، وليس بواجب عليك أن تقضيها كلها متتابعة حتى يشق عليك أو يتعذر عليك قضاؤها. فإنما هي 180 مائة وثمانون يوما تقضيها متفرقة حسب استطاعتك في كل شهر أو كل أسبوع حتى تتم العدد، ثم عليك بعد هذا كفارة مغلظة مقدارها ثمانون 80 كيلوغراما قمحا أو دقيق قمح
تفرق على ستين مسكينا، وبذلك تبرأ ذمتك إن شاء الله
ويغفر الله لك ذنبك فإنه غفور رحيم، وهذا أرخص ما في
مسألتك فلا تعد لمثل هذا، والسلام عليك ورحمة الله
•
واحد من
سؤال: ما ذا يجب على من تعمد تعمد أكل يوم رمضان؟ وما ذا يجب على من تعمد أكل عشرة أيام من
رمضان كذلك؟
الجواب: من تعمد أكل يوم واحد أو عدة أيام من رمضان فإن عليه ثلاثة أشياء: الكفر والكفارة والقضاء. أما الكفر فمعناه أنه ارتكب معصية كبيرة يجب عليه أن
يتوب إلى الله ويستغفره منها
،
283 (1/283)
صفحة 284
وأما الكفارة فعليه أن يطعم ستين مسكينا بأن يصنع لهم طعاما غداء وعشاء، بحيث يأكلون حتى يشبعوا أو يعطى
كل واحد منهم مدين من قمح فذلك غداؤه وعشاؤه. وأما القضاء فمعناه أن عليه صيام شهر كامل قضاء لرمضان الذي أفسده بالأكل فيه متعمدا بلا عذر فإن رمضان كله فريضة واحدة إذا أفسد يوما منه بأكل أو شرب أو جماع أو استمناء تعمدا فسد الشهر كله ووجب قضاؤه كله.
والسلام.
سؤال: باشرت أهلك متعمدا في آخر ليلة من رمضان وأنت ترى الوقت متأخرا وتعلم أنك أنت وزوجتك لا تدركان الاغتسال قبل الفجر فقمت إلى الاغتسال والفجر قد بزغ وبعدك أهلك. فما ذا عليكما؟
الجواب: إنكما مضيعان فعليكما قضاء ذلك اليوم وما مضى من رمضان وليس عليكما كفارة ويجب التتابع في القضاء وإن تعذر فلا بأس بالتفرقة، واستغفروا الله من
ذنبكم هذا يغفر لكم وهو الغفور الرحيم.
وهي
سؤال: رجل جامع امرأته في يوم من أيام شعبان
صائمة ولكنه هو مفطر فما الحكم؟
الجواب: إن صيام المرأة باطل منهدم عليها قضاؤه وأما هو فعاص بفعلته إذا كان يعلم أنها صائمة فليتب إلى
الله من ذنبه
284 (1/284)
صفحة 285
سؤال: امرأة صائمة في رمضان نزل لها ماء أبيض
مائل إلى الكدرة ظنته مقدمة للحيض فأسرعت إلى الإفطار مترقبة نزول دم الحيض لكنه لم ينزل وبعد يومين عادت إلى الصيام،، وبعد يومين من صيامها جاءها دم الحيض المعتاد المألوف فأفطرت، فما الحكم في اليومين اللذين أفطرتهما قبل خروج الدم المعتاد؟
الجواب: إنه لا شيء عليها إلا قضاء اليومين الأولين مع قضاء أيام حيضها المعتاد، فلا كفارة عليها ولا انهدام لما مضى من صيامها لانها أفطرت بشبهة غير منتهكة لحرمة رمضان ولا متهاونة به، وعليها ألا تعود مرة أخرى لمثل هذا فلا تعجل بالإفطار إلا إذا جاءها دم الحيض بقوته ولونه الكدر ورائحته، وإنها لتعلم طبعا طبيعة دمها المعتاد.
سؤال: امرأة أفطرت رمضان كله بسبب النفاس ولم تتمكن من القضاء إلا في شعبان فشرعت في القضاء فأدركها رمضان وقد بقي من قضائها أربعة أيام فماذا عليها؟ الجواب: لا شيء عليها إلا أن تقضي الأيام الأربعة
الباقية
بعد انقضاء شهر رمضان
280 (1/285)
صفحة 286
هل هذا ينقض صومي
سؤال: ما حكم النظر إلى الأجنبيات السافرات اللاء
يغشين الدكاكين في رمضان؟
الجواب: إن كان النظر عاديا بقدر الضرورة وبغير
شهوة فلا ينتقض به الصوم
سؤال: ما حكم صيام من نظر بشهوة إلى فتاة أو فتى أو استعمل فكره في أمر النكاح في نهار رضان حتى أمذى أي خرج منه ما يسمى بالمذي ولم يخرج منه مني؟ الجواب: إن نظر الشهوة وما يشبهه من سائر أنواع الرفث (وهو) كل ما يتعلق بشؤون الشهوة الجنسية يبطل الصيام ويفسده بنص الأحاديث الواردة عن النبيء.
صلى الله
وهذا الفساد والبطلان للصيام هما عند الله قطعا إجماعا،
القضاء
وأما في الحكم فللفقهاء في وجوب وعدمه
خلاف هذا
إذا لم يخرج منه مني، وأما إن خرج منه مني فإن عليه
قضاء الشهر كله وكفارة مغلظة بالاتفاق
سؤال: ما حكم صيام من ابتلي بالبيع والشراء مع
سافرات متبرجات؟
الجواب: من ابتلي بالبيع والشراء مع نساء سافرات أو متبرجات ولا يستطيع أن يصرف نظره عنهن فإنه يجب عليه
286 (1/286)
صفحة 287
:
أن يطهر قلبه من التشهي، أعني لا يجوز أن ينظر إليهن نظر شهوة، فإن فعل ذلك وهو صائم انتقض صومه،، وأما إذا سلم قلبه وكان ينظر إليهن حسب ما تقتضيه المعاملة كأنما
ينظر إلى رجل فلا بأس عليه.
سؤال: هل على الطبيب ومعاونيه من خطر على
صيامهم من جراء لمس العورات والنظر إليها عند المعالجة في نهار رمضان؟
الجواب: إذا اقتضت ضرورة معالجة الأمراض أو ضرورة تنجية النفوس من الهلاك بغرق أو حرق أو هدم أو نحو ذلك لمس العورة أو النظر إليها لم يضر ذلك المباشر للتنجية والعلاج في دينه ولا ينهدم بذلك صومه بل لا يجوز له أن يمتنع من التنجية لما يضطر إليه من ذلك محافظة على صيامه. وإنما الذي عليه فقط أن يجتهد في مقاومة نوازع نفسه في التشهي باللمس والنظر. ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولو شاء الله لأعنتكم، وما هو بشاء وله الحمد
والمنة
سؤال: هل يجوز معانقة الزوجة وتقبيلها في الخد أو في الفم في حالة الوضوء والصيام؟ وهل ينتقض الوضوء
والصيام بذلك؟
287 (1/287)
صفحة 288
الجواب: يجوز ذلك إذا أمن الرجل والمرأة من نزول
المني بسبب ذلك واطمأنت نفسه بعدم حدوث ذلك، فإن في الإقدام عليه خطرا كبيرا، فإنه إذا حدث النزول بسبب ذلك كان على صاحبه الكفر والكفارة المغلظة وقضاء رمضان. فتجنبه احتراما لرمضان أولى
سؤال: هل النظر إلى السافرات من نواقض الوضوء
والصوم؟
الجواب
: النظر بغير شهوة إلى النساء السافرات لا ينقض الصوم ولا الوضوء، وأما الاستماع إلى اللهو البريء كالموسيقى التي لا فجور معها ولا خمر فإن الفقيه لا يفتي بانتقاض الصوم ووجوب قضائه ولكن أقل ما فيه نقص أجره
فاجتنابه أولى
سؤال: ما حكم صوم من اضطر إلى رؤية العورات أو مسها للتنجية أو غيرها؟
الجواب: من كان صائما فاضطر إلى رؤية امرأة أجنبية أو اضطر إلى النظر إلى عورة أي كان من ذكر أو أنثى صغير أو كبير للتنجية كالطبيب مثلا، أو المنقذ من حرق أو غرق أو هدم أو حيوان مفترس فإنه لا بأس عليه وصومه صحيح مهما نظر أو مس إلا أن عليه أن يجاهد نفسه
288 (1/288)
صفحة 289
حتى لا يكون نظره أو مسه لشهوة إن الله كان بكم
رحيما (1)
سؤال: من استيقظ من نومه ووجد في ثوبه منيا من غير احتلام، فما حكمه؟
الجواب: من استيقظ من نومه ووجد في ثوبه مادة المني وجب عليه الاغتسال من الجنابة ولو لم ير في منامه شيئا مثل مباشرة زوجته أو غيرها أو نحو ذلك، وإذا كان ذلك في رمضان وجب عليه التعجيل بالاغتسال ولا يجوز له أن يشتغل بشيء غير الاغتسال ومقدماته
سؤال: من رأى في منامه أنه قام بعملية جماع أو نحوه واستيقظ من نومه فلم يجد أي أثر لمادة خرجت منه
فماذا عليه؟
الجواب: من رأى في منامه أنه قام بعملية جماع أو نحوه ولما استيقظ من نومه لم يجد أي أثر لمادة خرجت منه
لا يجب عليه غسل وليست عليه جنابة
سؤال: رجل أصابته جنابة في رمضان فتيمم ولم يغتسل لأن الطبيب منعه من استعمال الماء لحكة في يده (نوع من الجرب وفي عشية اليوم لامه بعض أصحابه فقام
واغتسل ولم يضره شيء فما حكم صومه؟
(1) الآية 29 من سورة النساء.
289 (1/289)
صفحة 290
الجواب: إن صومه صحيح ولا بأس عليه ولا إعادة. لصحة اعتماده على قول الطبيب، أما عدم إضرار الماء له
بعد
استعماله فذلك من فضل الله فليشكره على نعمته.
سؤال: ما حكم الاكتحال للتداوي في رمضان؟ الجواب: الاكتحال في رمضان جائز لا بأس به، وقد فعله النبيء الا الله ونحب ونستحسن إذا كان الدواء مائعا أن يكتحل به اكتحالا لاتفطيرا لأنه أخف والنفس إليه أسكن.
سؤال: هل استعمال الشمع في نهار رمضان مفطر؟ الجواب: إن استعمال الشمع حسب تعبير العامة هو المعروف في العربية بالاحتقان في الدبر وهو مفطر مفسد للصيام لأنه يوصل إلى الجوف فمن فعله جاهلا أعاد يومه في أرخص الأقوال
صوم
سؤال: رجل تلف من أسنانه نصفها فاضطر إلى اتخاذ أسنان صناعية فصنع له طبيب أسنانا من الفضة وكانت ثابتة لا يمكن نزعها ونجحت العملية نجاحا تاما وقد زعم له بعض الناس أن من كانت له أسنان فضية يفسد صومه فهل هذا
صحيح
الجواب: إن هذه فتوى الجهلة الأميين من العامة أو أشباه العامة، لا عليك أيها الأخ في اتخاذ الأسنان من حرج
290 (1/290)
صفحة 291
أي مادة صالحة حسب رأيك ورأي الطبيب فضة كانت أو ذهبا أو مادة أخرى.
ربما يتفلسف هؤلاء الذين أفتوك بأن مادة الفضة ربما خرج منها شيء من الصدإ فتوهموا أن هذا يفسد الصوم فاعلم أن هذا لا وزن له ولا قيمة في نظر الشرع مطلقا، فلا تلتفت إليهم واضرب بكلامهم عرض الحائط، والسلام عليك أولا وأخيرا.
سؤال: ما حكم تاجر صائم كذب تقية في نهار
رمضان؟
الجواب: تاجر صائم قال لطالب حاجة لا توجد عندي وهي موجودة عنده ولكنه تعمد الكذب عليه لخوفه منه أعني كذب عليه تقية لسبب معقول لا بأس عليه
الصوم والمرض
سؤال: نهاك الطبيب عن الصوم ثلاث سنوات فأفطرت رمضانين وبقي ثالث فهل عليك إطعام وأنت فقير الحال، وهل يجوز لك تقسيط صوم القضاء بأن تصوم أياما ثم تفطر أياما حتى تتم العدة وتبريء ذمتك من دين الصوم
الثقيل؟
291 (1/291)
صفحة 292
الجواب: إنه لا إطعام عليك لأنك ترجو الشفاء
وتعتزم القضاء، إنما الإطعام على من يئس من الشفاء لشدة المرض أو من يئس من الصحة لشدة الهرم، وعلى الحامل والمرضع كما هو مفصل في كتب الفقه.
وأما تقسيط القضاء فإنه يجوز لك لما أنت عليه من مرض فإن مواصلة الصوم تضرك وأما تقسيطه بصورة تخفف عنك ثقله ولا تحس معها بزيادة المرض واشتداد وطأته فإنه الأجدر بك، إذ تدرك به الحسنيين: براءة الذمة من فرض الصوم، والراحة من مرض البدن، فيمكنك أن تصوم مثلا من كل أسبوع يومين أو ثلاثة وهكذا حتى تتم العدة فليس لله علينا إلا تمام العنة عند الاضطرار كما قال: فعدة من أيام أُخرة فاعمل ما تجد فيه راحتك ولا تحس فيه بمشقة فلو صمتها كلها يوما بيوم لجاز وأنت طبيب نفسك ومفتي نفسك، وفقك الله لما فيه خيرك دنيا وأُخرى. لقد أفتينا بهذا لبعض من أصيبوا بمثل مرضك فعملوا به
فقضوا دينهم وسلمت صحتهم.
سؤال: رجل مصاب بقرحة المعدة وقد أوصاه الطبيب بعدم الصوم والطبيب ليس بمسلم وهو يائس من الشفاء لفترة طويلة على الأقل، فهل عليه فدية اليوم حال إفطاره؟ وما ذا عليه إن شفي بعد عشر سنوات مثلا؟ أيجب عليه قضاء ما أفطر في السنوات الماضية أم لا؟
292 (1/292)
صفحة 293
الجواب: الحكم في هذه المسألة هو في قوله تعالى
في سورة البقرة وعلى الذين يطيقونه فدية طعام كما يقول العلماء: الشيخ الهرم الذي لا
مساكين وهم يرجو شبابا والمريض الذي لا يرجو شفاء يسقط عنهم فرض الصوم ويطعمون مسكينا عن كل يوم، ويبدو أن قضية صاحبك داخلة تحت هذا الحكم فواجبه إطعام مسكين عن كل يوم أفطره، لأن قرحة المعدة حسب ما في علمنا من أخطر الأمراض وأصعبها وأبعدها عن تحقق الشفاء، ومعالجتها لتخفيف الألم وتسكينه هذا هو حكم المريض اليوم
إنما هي ما دام علي هذا الحال، فإن قدر الله له الشفاء التام واستطاع الصيام وجب عليه القضاء لما أفطر في الماضي ولو متفرقا غير متتابع. ونظن أن القضاء لا يشق عليه، بل لو لم يكن واجبا لصام شكرا لله تبارك وتعالى الذي شفاه من مرض
خطير
أما كون الطبيب غير مسلم فإن الأمر فيه هين لوجود أطباء مسلمين فمن السهل أن يعرض نفسه على طبيب مسلم يثق به وإن تعذر فإن الاعتماد على قول الطبيب غير المسلم إذا وثق به واعتقد صحة قوله فلا بأس أن يعتمد عليه إن لم يكن يحس من نفسه ميلا إلى التهاون بالدين، ويستحسن لكي تقوى له الحجة أن يستشير طبيبا اختصاصيا آخر، فبالاثنين تقوى الحجة والله تبارك وتعالى رحيم بنا. ويقول
293 (1/293)
صفحة 294
في كتابه الكريم: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) (1) ويقول في الصوم نفسه: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر (2)
سؤال: إنك أكلت شهر رمضان الماضي كله ولم تحم منه ولو يوما واحدا بسبب المرض، واليوم إنك تسأل عما يجب عليك وتقول إنك إلى اليوم عاجز عن الصيام وإنك تتقيأ في كل يوم مرة أو عدة مرات، فما حكم الشرع في
هذا؟
الجواب: اعلم أيها الأخ أنه يجب عليك أن تقضي صيام جميع الشهر الذي أكلته كله، ولكن إذا لم تستطع أن تصوم الشهر كله متتابعا فإنه يجوز لك أن تصومه متفرقا مثلا تصوم في كل أسبوع يوما أو يومين أو ثلاثة حسب استطاعتك، وهكذا تفعل في كل أسبوع تصوم وتفطر حتى تكمل أيام رمضان الذي أكلته ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما إذا قصر الشهر، وبذلك تخلص ذمتك من هذا الفرض
•
الذي عليك وأما قولك انك تتقيأ في كل يوم عدة مرات فاعلم أن القيء لا ينقض الصوم إذا لم يكن عمدا وبهذه الطريقة أعني صوم أيام قضاء رمضان متفرقة، يصح قضاؤك وتبرأ ذمتك
(1) الآية 29 من سورة النساء (2) الآية 185 من سورة البقرة.
294 (1/294)
صفحة 295
من هذا الدين الثقيل عليك، والله غفور رحيم،، وأظن أنه لا يصعب عليك أن تصوم يوما والحدا من كل أسبوع على نية القضاء حتى يتم عدد الأيام التي أفطرتها، والسلام عليكم
ورحمة الله
سؤال: إنسان مصاب بمرض السل وهو في حالة المعالجة مضطر إلى تناول الدواء مرتين في كل أسبوع نهارا والدواء مغذ، فما ذا يصنع في رمضان؟ أيفطر كل يوم يضطر فيه لتناول الدواء ويصوم الأيام الأخرى؟ ثم يقضي الأيام التي أفطرها فقط أم ما ذا يفعل؟
:
الجواب: اعلم أيها الأخ أن الله تبارك وتعالى رحيم بعباده أباح للمريض وللمسافر أن يفطرا ويقضيا بعد الإقامة والراحة فقال في كتابه الكريم فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أُخر) (1) وقال: ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) (2) ولعل صاحب السؤال اجتمع له السببان المرض والسفر، والسل من أخطر الأمراض التي يضر الصيام صاحبها، فالأحسن لهذا المريض المسلول أن يفطر رمضان كله أيام استعماله الدواء وغيرها ثم يقضي صيامه بعد شفائه واستطاعته الصوم، هذا هو الأفضل له والأنجع لمعالجته، والله تبارك وتعالى يحب أن.
(1) الآية 184 من سورة البقرة (2) الآية 29 من سورة النساء
295 (1/295)
صفحة 296
تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، وإن أراد أن يفطر الأيام التي يستعمل فيها الدواء فقط ويصوم غيرها فله ذلك،
ويقضي ما أفطر فقط
الصوم والسفر
سؤال: من كان صائما قضاء رمضان ثم عرض له سفر ضروري وكانت تصيبه دوخة في الطريق فهل يجوز له أن يفطر ثم يقضي ما أفطر فقط؟
الجواب: نعم يجوز له أن يفطر ويقضي ما أفطر
ولا ينهدم صومه.
سؤال: هل الإفطار في السفر رخصة، أم عزيمة
واجبة؟
الجواب: إن الإفطار في السفر رخصة أنعم الله بها على عبده المؤمن لأن السفر كثيرا ما تحصل فيه أتعاب
ومشقات يصعب معها الصوم، فرخص الله تبارك وتعالى لعبده المؤمن أن يفطر إذا شاء في سفره ويقضي عدة الأيام التي أفطرها إذا عاد إلى وطنه يجوز له هذا الإفطار ولو لم تحصل له مشقة في الصيام، فإن السفر والمرض سببان لرخصة الفطر في حكم الله كما قال في كتابه الكريم:
296 (1/296)
صفحة 297
فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر (1) والله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه،
فمن كان مسافرا فهو مخير بين الصوم والإفطار.
وأما قصر الصلاة في السفر فهو واجب كوجوب الإتمام في الحضر فيما شرع الله لعباده على لسان رسول الله، وهو مما علم من الدين بالضرورة.
وأما ما تخيل لك من التناقض في حال المسلم إذ قلت في كتابك: وعند ذلك يكون في وضعية متناقضة يصلي صلاة مسافر ويصوم صوم حاضر، فإنما هو وهم باطل وخيال زائف وتحكيم للعقل فيما شرع الله وذلك ما لم يأذن به الله فإن كلا من الصوم والصلاة فريضة مستقلة بنفسها ولكل منهما أحكام خاصة به يجب حفظها كما وردت، والقيام بها كما وجبت، والعقل لا يدخل في الأحكام، فعليك باتباع الشارع ودع الوسواس والأوهام والسلام عليك ورحمة الله
(1) الآية 184 من سورة البقرة
297 (1/297)
صفحة 298
[صفحة فارغة] (1/298)
صفحة 299
الحج
متى يجب الحج على الإنسان
سؤال: متى يجب الحج على الإنسان في الوقت
الحاضر؟
الجواب: إننا لم نفهم لهذا السؤال معنى، فإن المعلوم المحفوظ المنصوص عليه أن الحج على من استطاع إليه سبيلا، والاستطاعة صحة بدئ يتيسر معها السفر إلى الأماكن المقدسة والقيام بالمناسك ومقدار من المال يكفيه لنفقة رحلته ذهابا وإيابا ونفقة من تلزمه ممن يتركه في وطنه مع
•
أمن الطريق فعلى المكلف أن ينظر في حاله وماله فإن وجد هذه الشروط متوفرة لديه وجب عليه الحج اتفاقا وإجماعا ولا له التأخير، فإن أدركته المنية ولم يحج وجب عليه
ينبغي
الإيصاء به
الحج والزواج
سؤال: شاب أعزب يبلغ من العمر ثمانية عشر عاما يريد أداء فريضة الحج. فهل الأفضل أن يقدم الحج على الزواج أم يؤخر الحج إلى أن يتزوج؟ ما حكم الشرع في
ذلك؟
299 (1/299)
صفحة 300
الجواب: لا تتعلق الأفضلية هنا بحكم شرعي ثابت لا
معدل عنه وإنما تعتبر فيها الضرورات والإمكانات فإذا تحقق فرض الحج على هذا الشاب بتوفر شروطه ولم تكن داعية الزواج ضرورة ملحة لسبب ما، بحيث لا يترتب على تأجيله أي ضرر فإن تقديم أداء فرض الحج أولى وأفضل بدون ريب، لما يخشى من فقد استطاعته بعد. فيبقى دينا معلقا بالذمة، وإن دعت ضرورة أو حاجة ملحة لأمر ما إلى تعجيل الزواج دفعا لما يتوقع من ضرر للتأخير فإن تقديمه يكون خيرا ووجوب الحج ليس على الفور.
الوصية بالحج والعمرة
وإنابة الغير فيهما
سؤال: ما حكم النيابة عن الغير في الحج؟ وما شروط الحاج عن غيره وكيف تقدر أجرته؟
الجواب: إن النيابة في الحج جائزة عندنا معشر الإباضية وعند كثير من المذاهب الإسلامية لصحة الحديث بذلك، لكنها لا تجوز إلا عن ميت أو عن عاجز بهرم، أو مرض لا يستطيع معه الحج بنفسه، ولا تجوز عن صحيح مستطيع مطلقا إلا إن منع بسجن مؤبد أو طويل الأمد خاف
معه الفوت (1/300)
صفحة 301
وأما شروط الحاج عن غيره فهي التقوى والأمانة والمعرفة بمناسك الحج واشترط بعض العلماء أن يكون قد حج عن نفسه والذي نراه ونميل إليه أن هذا شرط كمال لا شرط صحة فإن وجد حاج عن نفسه قبل فهو أفضل من غيره إذا استوفى الشروط الأخرى ما في ذلك شك، وإن وجد تقي ثقة أمين عارف بمناسك الحج صحت إنابته وقدم على غيره ممن سبق له الحج عن نفسه إذا كان أتقى وأورع فإن ملاك الأمر كله إنما هو التقوى والورع. وأما الأجرة فإنما هي عبارة عما يكفيه لنفقته ذهابا وإيابا من غير تبذير ولا تقتير ولا ينضبط ذلك لاختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص، وإنما يتم بالتراضي بين الطرفين ولا يستحسن أن تعطى الحجة لمن يتخذها تجارة لا يريد منها إلا ما يوفر منها ربحا لنفسه فإن أولئك لا يريدون وجه الله وهم سيئو الأخلاق في الحج بحكم الشح الذي يستولي على نفوسهم وذلك مناقض لحكمة الحج. العظمى وإنما تعطى لمن يرغب في العبادة في الحرمين" المقدسين ولكنه لا يستطيع الوصول إليهما لقلة ذات يده فهذا حقا ويرجى قبول حجته وينطبق عليه الأثر يحج
هو
الذي
الوارد إن الله يدخل الجنة بالحجة الواحدة ثلاثة
في
الموصي بها والمنفذ لها والحاج) (1) هذا ما من الله به في.
(1) ذكره بمعناه في الايضاح وخرجه المعلق عن البيهقي (انظر الإيضاح ج 2 ص 236)
301 (1/301)
صفحة 302
الجواب وأرجو أن يكون عين الصواب والحمد لله ربـ
العالمين.
سؤال: هل يجوز لأحد أن يحج عن غيره كأبيه مثلا
قبل أن يحج عن نفسه مع أن الحج قد وجب عليه؟ الجواب: إنه لا ينبغي لمن وجب عليه الحج أن يحج عن غيره قبل أداء فرضه هو، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، لكنه إن فعل أعني حج عن غيره قبل أداء فرضه صح
حجه
ذلك
وبقي فرضه معلقا بذمته.
سؤال: هل تجوز العمرة عن قادر صحيح؟ وهل فرق بين المؤتجر والمتبرع؟ وهل القول فيها كالقول في الحج؟ الجواب: الحج والعمرة نيابة عن الغير إذا كان هذا ميتا أو غير مستطيع جائز شرعا وصحيح بنص الحديث وهو المشهور عند جميع أئمة المذاهب حتى حكى بعضهم الإجماع
أداء
عليه. أما عن الصحيح القادر المستطيع فلا يجزئ في الواجب اتفاقا، وأنت خبير أن الاستطاعة تشمل صحة البدن وتوفر الزاد وأمن الطريق وقد عد ابن عباد رحمه الله الإمام عبد الوهاب غير مستطيع فأسقط عنه الحج لعدم توفر شرط الأمن إذ كان المسودة في طريقه إلى الحج فأقام بجبل نفوسة ثم عاد منها إلى تاهرت، وأما الربيع بن حبيب رحمه الله فأفتاه بأن ينيب حاجا عنه، هذا في الحج والعمرة
302 (1/302)
صفحة 303
الواجبين، وأما النفل فلا نراه إلا موسعا، فلا معنى للتضييق
النافلة
فيه، ولم يرد نص قاطع في منع النيابة في حج وعمرتها إلا ما كان من آراء بعض الفقهاء، والعمرة أوسع
حالا
من الحج فإنها في الوجوب تابعة له، وبالنظر والقياس يظهر أنه لما أجاز الشارع صلوات الله عليه وسلامه النيابة عن الميت والعاجز في الحج والعمرة الواجبين فقد فتح باب النيابة للمنفل مطلقا، ولم يزل سلفنا الصالحون يبعثون بعمر النوافل كل عام وما زال الحجاج يتبرعون بالاعتمار نفلا على آبائهم وأزواجهم وإخوانهم بمشهد علماء وفقهاء من غير منع منهم ولا إنكار، فإن تيسر لك أيها الأخ الكريم أن تتبرع بعمرة عنا فإننا نرجو أن يتقبلها الله تبارك وتعالى منك وأن
ينالنا من بركتها خير كثير ونكون لك من الشاكرين.
سؤال: هل يجوز لك أن تنيب وأنت في قيد الحياة عنك حجة الفريضة التي وجبت عليك في حال استطاعة تامة من كل الوجوه فلم تؤدها وأنت اليوم في حالة
من يحج
عجز تام من حيث الاستطاعة الصحية؟
الجواب: أخي الكريم، لقد أحسنت إذ وصفت في رسالتك وصفا دقيقا عجزك التام عن أداء فريضة الحج بهرمك وأمراضك المتوالية عليك وعمر 74 سنة، وفقد بصر وخلل في العمود الفقري وأوجاع في الحوض ونزيف دموي وضعف
303 (1/303)
صفحة 304
عام بسبب هذا النزيف الذي لم ينفع فيه دواء طبيب، وعدم
•
استطاعتك التحكم في المشي نعم أيها الأخ أنت أحق من تجوز له الإنابة في الحج وهو في قيد الحياة، وإذا لم تجز لمثلك في هذه الحال فلمن تجوز؟ وقد أجاز النبيء لله لمن فقد الاستطاعة على أدائها بسبب أقل مما ابتليت به أنت. فأقدم على بركة الله واختر لنفسك - وأنت عاقل - ثقة أمينا يؤدي عنك فريضتك،
حي
وهذا خير لك من أن تتركها وصية تنفذ بعد مماتك ولا تدري أتنفذ أم لا؟ وإن تعذرت عليك الإنابة وأنت في قيد الحياة فعليك الوصية بها، وفقك الله وإيانا إلى ما يحبه
ويرضاه.
بنفسي
سؤال: إن أبي أوصى بحجة وأريد أن أؤديها أنا فأحج أنا عن أبي إلا أنني لم أحج بعد عن نفسي، فما
العمل؟
الجواب: إن عدم حجك عن نفسك قبل لا يمنعك من الحج عن أبيك تنفيذا لوصيته، وأحق من يحج عن الموصي هم أولاده، نعم إن الأفضل أن لا يحج أحد عن غيره إلا إذا حج هو عن نفسه إن كان الحج قد وجب عليه، لكن للابن مع أبيه حالة خاصة، فإذا عزمت على التعجيل بإنفاذ وصية پيسر لك الله الطريق للحج عن نفسك قريبا
أبيك فأنقذها.
إن شاء الله
304 (1/304)
صفحة 305
سؤال: رجل أوصى بحجة كاملة وكان ثلث ماله
يسع
نفقات حجة كاملة بحيث يمكن للحاج أن يخرج من بلده فهل يجوز لوكيل وصيته أن يؤدي عنه حجة مكية أعني ينيب من يحج عن الموصي من أهل مكة أو المقيمين بها ثم ينفق باقي نفقات السفر إلى مكة من بلد الموصي في المشاريع الخيرية التي يراها أعظم أجرا؟
الجواب: إنه لا يجوز مثل هذا التصرف في الوصية بالحج مطلقا إذا كان ثلث ماله يسع أعني يكفي للحج عنه من بلده، والحج عنه من بلده تنفيذا لوصيته أعظم أجرا بلا ريب، فإن كان ثلث ماله لا يسع حجته أو كان ما ناب الثلث بالمحاصصة مع باقي الوصايا لا يكفي للحج
للحجة من
عنه من بلده أديت عنه الحجة من أقرب طريق أي من أقرب
مكان ولا يجوز أن تشرك الحجة مع غيرها إلا إذا كانت النفقة لا تكفي ولو لحاج عنه من مكة ذاتها
"
305 (1/305)
صفحة 306
الإحرام والمواقيت
في إحرام الحجاج المغاربة الذاهبين إلى الحج بالطائرة على طريق جدة
حضرة الاخ الكريم رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر الشيخ العباس الحسيني، سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وعلى الأخ الكريم الأستاذ العربي سعدوني وزير الأوقاف، وسائر الإخوان الكرام أعضاء المجلس،
حفظكم الله جميعا وأيدكم بروح منه،
وبعد، فاستجابة لطلبكم مني فتوى في إحرام الحجاج المغاربة الذاهبين إلى الحج بالطائرة على طريق جدة، دونكم أولا مقتطفات من نصوص بعض أئمة الحديث والفقه
في حكم الإحرام من المواقيت لمن مر بها ولئن لم يكن طريقه عليها، نستخلص منها ثانيا فتوانا في المسألة: قال النووي في شرح مسلم في باب «مواقيت الحج» وأجمع العلماء على أن هذه المواقيت مشروعة. ثم قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد والجمهور: هي واجبة لو تركها وأحرم بعد مجاوزتها أثم ولزمه دم وصح حجه، وقال عطاء
والنخعي
:
?
شيء عليه، وقال سعيد بن جبير:
لا
يصح
306
حجه (1/306)
صفحة 307
وروى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس قال: إن النبيء وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم، هن لهم ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ) (1) قال ابن حجر في فتح الباري عند شرح الحديث: وقوله: (ولمن أتى عليهن) أي على المواقيت من غيز أهل البلاد المذكورة، ويدخل في ذلك من دخل بلدا
ذات ميقات ومن لم يدخل، فالذي لا يدخل لا إشكال فيه
إذا لم يكن له ميقات معين، والذي يدخل فيه خلاف كالشامي إذا أراد الحج فدخل المدينة فميقاته ذو الحليفة لاجتيازه عليها، ولا يؤخر حتى يأتي الجحفة التي هي ميقاته، فإن أخر أساء ولزمه دم عند الجمهور، وأطلق النووي الاتفاق ونفى الخلاف في شرحه لمسلم والمهذب في هذه المسألة فلعله أراد في مذهب الشافعي، وإلا فالمعروف من مذهب مالك أن الشامي مثلا إذا جاوز ذا الحليفة بغير إحرام إلى ميقاته الأصلي وهو الجحفة جاز له ذلك، وإن كان الأفضل خلافه، وبه قال الحنفية وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية.
(
6
(1) رواه البخاري في الباب السابع من كتاب الحج (1/307)
صفحة 308
وقال الشيخ نور الدين السالمي في شرح حديث
المواقيت من الجامع الصحيح للربيع بن حبيب: «والجحفة ميقات لأهل الشام إن لم يمروا بالمدينة فإن مروا بها لزمهم
الإحرام من ذي الحليفة، قيل إجماعا وحكى بعضهم الترخيص عن أبي ثور والمالكية قالوا: له التأخير إلى الجحفة، وعن الحنفية يجوز للمدني أيضا تأخيره إلى الجحفة، والمشهور عندنا أنه إذا مر بميقات لا يجاوزه إلا محرما، والخلاف أيضا موجود في كتب المذهب» وقال أيضا بعد كلام طويل في المواقيت ما نصه: «قال أبو صفرة رحمه الله تعالى كنا نحرم من جدة في الصيف فلما جاء الشتاء شق ذلك بنا فصرنا نحرم من ذات عرق، وذلك أنه كان رحمة الله عليه من أهل العراق وكلامه هذا يدل على أن جدة كانت أبعد من مكة من ذات عرق فهم يحرمون منها قبل
الميقات.» قال الشيخ اطفيش رحمه الله في شرح النيل عند قول أحب النيل: «وجاز لأهل كل ناحية أن
يحرم وإن من ميقات غيره» ما نصه: «سواء جاء من ناحية ميقات غيره
بدون أن يجاوز ميقات نفسه أو جاوز ميقاته ثم أحرم من ميقات غيره، مثل أن يترك المدني ذا الحليفة ويحرم من الجحفة وهو الصحيح عندهم، وحملوا المواقيت التي وقتها على ما إذا لا يجيء طريق أهلها بعد مجاوزتها
308 (1/308)
صفحة 309
على غيرها، وأما إذا كان يجاوز ميقاته ويمر بعد ذلك في طريقه على ميقات آخر لحاجة أمرته عليه فله أن يؤخر الإحرام إلى الثاني، وكذا إن كان يدور من واحد لآخر ومن الآخر للثالث، وهكذا لحاجة، أو يحاذي فله أن يؤخر الإحرام إلى الأخير وقال فيه أيضا: وأبعد ميقات أهل المدينة تعظيما لأجرهم، وقيل ذلك هو الأصل، وإنما قربت مواقيت غيرهم رفقا بأهل الآفاق، ومثل هذا التعليل لابن حجر في فتح الباري.
وفي الموطا في باب ما لا يوجب الإحرام من تقليد الهدي «وسئل مالك عمن خرج بهدي لنفسه فأشعره وقلده بذي الحليفة ولم يحرم هو حتى جاء الجحفة قال: لا أحب ذلك ولم يصب من فعله، ولا ينبغي أن يقلد الهدي ويشعره إلا عند الإهلال إلا رجل لا يريد الحج فيبعث به ويقيم في أهله»
وقال ابن حزم في المحلي: «مسألة وللحج والعمرة
يحرم
مواضع تسمى المواقيت واحدها ميقات لا يحل لأحد أن بالحج ولا بالعمرة قبلها ثم قال بعد بيان المواقيت «فكل من خطر على أحد هذه المواضع وهو يريد الحج والعمرة فلا يحل له أن يتجاوزه إلا محرما فإن لم يحرم منه فلا إحرام له ولا حج له ولا عمرة له إلا أن يرجع إلى الميقاتالذي مر.» ثم قال بعد كلام: «ومن كان طريقه لا تمر
عليه
.
309 (1/309)
صفحة 310
من
بشيء من هذه المواقيت فيحرم من حيث شاء برا وبحرا» ثم شرع يذكر مواضع الخلاف في مسألة المواقيت فقال: ««وفي بعض ما ذكرنا خلاف فمنه كذا وكذا» إلى أن قال: «ومنه كانت طريقه على غير المواقيت فإن قوما قالوا إذا حاذى الميقات لزمه أن يحرم وهو قول عطاء واحتجوا بما رويناه من طريق ابن عمر، قال إن أهل العراق شكوا إلى عمر في أن قرن المنازل جور عن طريقهم فقال لهم: انظروا حذوها من طريقكم فحد لهم ذات عرق» ثم بعد أن دحض هذه الحجة بإثباته أن رسول الله هو الذي وقت لأهل العراق ذات عرق، قال: وبرهان آخر وهو أن الأمة جميع مجمعون إجماعا متيقنا على أن من كان طريقه لا يمر بشيء
حجهم
من المواقيت فإنه لا يلزمه الاحرام قبل محاذاة مواضع الميقات، ثم اختلفوا إذا حاذى موضع الميقات فقالت طائفة يلزمه أن يحرم وقال آخرون لا يلزم فلا يجوز أن يجب فرض بغير نص ولا إجماع» ثم بعد ذكره الخلاف في الاحرام قبل الميقات وترجيحه المنع وسرد روايات عن احرام بعض الصحابة والتابعين قبل الميقات احتج بها المجيزون. قال: «أما سائر الروايات التي ذكرنا عن الصحابة والتابعين فليس في شيء منها أنهم مروا على الميقات، وإذ ليس هذا فيها فكذلك نقول إن من لم يمر على الميقات فليحرم من حيث
شاء وبهذا تتفق الأخبار عنهم مع ما صح عن النبيء.
". (1/310)
صفحة 311
يؤخذ من هذه النصوص أن المسألة خلافية في جميع
صورها حتى فيمن جاوز ميقاته غير محرم ثم أحرم بعد ذلك غير مار على ميقات آخر متعمدا، فإن الجمهور على أن حجه صحيح وعليه دم، وقال آخرون لا شيء عليه والأمر بعد فيمن لم يمر على ميقات من هذه المواقيت وإنما حاذاها أو مر مر بعيدا عنها، في البر يسير، وأمر راكب الطائرة أو الباخرة أيسر وأيسر، ولم يبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الحاج والمعتمر عن طريق البحر شيء بله الجو، فالمسألة إذا اجتهادية خلافية، وقد علمنا من سنته أنه يرفق بالمؤمنين ويخفف عنهم المشقة ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وشهد الله له بذلك بقوله تبارك وتعالى: عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) (1) وقد رفق بحجاج الآفاق فجعل مواقيتهم أقرب إلى مكة بكثير من ميقات أهل المدينة ومن أولى من حجاج الآفاق بالرفق والتخفيف من المشقة من حجاج المغاربة ومن كان مثلهم من حجاج البحر والجو من الأماكن البعيدة؟ ومشاق ركوب الطائرة والباخرة، وحمل الأمتعة والأزواد على الظهور، واقتحام صفوف المودعين والحراس من كل لون، واجتياز مراكز الجمرك ومكاتب جوازات السفر عند الركوب، أمر عظيم شديد، وأخطر منه وأشد حالة النزول بجدة واجتياز
(1) الآية 128 من سورة التوبة (1/311)
صفحة 312
مراصد هذا الصراط الذي لا يخلص منه إلا قوي، يعلم هذا ويتحققه كل من حج على طريق البحر أو الجو، زد على هذا ما يستقبل النازل بجدة من أعمال مختلفة شاقة كتهيئة منزله وحمل أمتعته وصرف شيكاته وتهيئه لدخول مكة، فهل يعقل أن يكلف بالقيام بجميع هذه الأعمال وهو محرم؟ أن هذا والله لعنت شاق وتكليف بما لا يطاق
وبعد هذا فإن الحاج على الطائرة التي تنزل بجدة ينوى أنه
قطعا أنه
يحج بيت الله الحرام على طريق جدة يعني ينوي الذهاب إلى جدة بقصد الحج منها، ولا يمكن مطلقا أن تكون هناك نية غير هذه فأي حاج سئل على أي طريق تحج؟ سيجيب قطعا على طريق جدة، فحكمه في الإحرام إذا حكم أهل جدة؟ فإذا نزلها كان أحدهم من غير فرق، فجدة هي المرحلة الأولى من غير ريب، وفيها فقط يؤذن له أو لا يؤذن بدخوله مكة من طرف الحكومة القائمة. فأي دليل له حظ من النظر يوجب عليه الإحرام قبل ميقات أهل جدة؟
إن الذهاب على الطائرة إلى جدة لا يمر بشيء من المواقيت قطعا حتى ينزل جدة وقد قال بعض الأئمة كما
رأينا
من كان طريقه لا تمر بشيء من هذه المواقيت فليحرم من حيث شاء برا أو بحرا فإن قيل إنه حاذى في طريقه الجوي أحد المواقيت وهو الجحفة فقد قال بعض العلماء في
312 (1/312)
صفحة 313
المحاذي إنه لا يلزمه الإحرام بالمحاذاة بل يحرم من حيث شاء إذا لم يمر على الميقات، على أننا لا نعلم إذا كانت
الطائرات المغربية الذاهبة إلى جدة تمر على سمت الجحفة فوقها أم لا؟ ويغلب على الظن أنها تمر بعيدا عنها غير محاذية لها ثم إذا قلنا بوجوب الإحرام عند المسامتة أو المحاذاة اعترضنا تعذر القيام بواجبات الإحرام في الطائرة: ذلك أن الحاج في البر - سيرا على الأرض ـ يجب عليه التوقف عند الميقات، والقيام بمشروعات الإحرام من اغتسال ووضوء وصلاة ولبس ثوبي الاحرام، ثم الإهلال بالحج أو بالعمرة قبل مجاوزة الميقات كما فعل النبي وأصحابه بذي الحليفة، وهذا متعذر على الطائرة فإن وقت وجوب الإحرام عليه يكون في اللحظة التي تكون فيها الطائرة فوق الميقات أو في سمته من أحد جانبيه فلا يكاد الحاج يشرع
في القيام بشرائع (1) الإحرام حتى تكون الطائرة قد ابتعدت كثيرا وكثيرا عن الميقات ولا يمكنه الإهلال بنسكه حجا أو عمرة إلا بعد أميال كثيرة من الميقات، فنحن مضطرون إذا إلى القول بوجوب التقديم أو القول بجواز التأخير، وفي التقديم إيجاب لما لم يقم عليه دليل قطعي مع ما فيه من تعريض الحاج إلى مشقة كبيرة، ومع ما ثبت من كراهية كثير من الصحابة ومن العلماء لتقديم الإحرام على الميقات،
(1) هكذا في النسخة الأصلية ولعل المقصود شعائر الإحرام.
313 (1/313)
صفحة 314
بل منعه بعضهم ولم يجزه، وممن كرهه الإمام مالك فيما عنه فكانت الفتوى بجواز تأخير الإحرام إلى ميقات أهل صح جدة أولى لما فيه من تخفيف ورفق ورفع للمشقة عن الحاج ولأن كثيرا من العلماء أجازوا لمن مر على ميقات ـ وهو يريد أن يمر على ميقات لحاجة ـ أن يؤخر الإحرام إلى الميقات الأخير ولا شيء عليه. ومسألتنا من هذا النوع إذا قلنا إن ميقات الطائر هو أول ميقات يحاذيه في طيرانه فإن بعده ميقاتا آخر هو ميقات أهل جدة التي هو مضطر إلى النزول فيها لا مختار فهو أولى بحكم الجواز.
ونواهيه هي
بناء على هذا نقول: إن الفتوى المطابقة ليسر الشريعة الإسلامية الغراء وسماحتها والموافقة لهدي النبيء وأوامره أنه ليس على حجاج الطائرة الذاهبين إلى جدة إحرام إلا من ميقات أهل جدة، ولا نرى هذا رخصة بل نراه عزيمة فإنها لم تعارض دليلا معتبرا، ولقد ثبت عن النبيء لا أنه أمر الحاجين معه من الصحابة عام حجة الوداع وقد أهلوا بالحج أن يفسخوا حجهم إلى العمرة ليتمتعوا بالإحلال رفقا بهم وتيسيراً لهم وتخفيفا من كلفة الإحرام على من يأتي بعدهم، على انه لم يبق بينهم وبين الوقوف بعرفات إلا أربع ليال كما ذكر جابر راوي الحديث
314 (1/314)
صفحة 315
على أن الصحابة أنفسهم وهم في مكة كأنهم لم يستشعروا
مشقة وكرهوا الإحلال وراجعوا النبيء في أمره حتى غضب ولم يحلوا من إحرامهم حتى رأوا العزم والجد في أمره وحتى قال: لولا أني سقت الهدي لأحللت، أراد النبيء أن يشرع هذا اليسر لأمته فتتمتع بالعمرة إلى الحج، هذا مع
على الله
عليه
ما في فسخ نية العبادة بعد الدخول فيها من حرج. ولقد روينا عن شيوخنا الأمر بفتوى الناس بما يسعهم ومن أراد التضييق فليشدد على نفسه
•
قال العلامة الجليل أبو أيوب وائل بن أيوب من طبقة الربيع بن حبيب رحمه الله: «إنما الفقيه الذي يعلم ما يسع الناس فيه مما يسألونه عنه، وأما التضييق فمن شاء أخذ
بالاحتياط»
وقال الإمام أبو سعيد الكدمي من كبار أئمة العلم بعمان: ليس العالم من حمل الناس على ورعه، إنما العالم
من أفتى الناس بما يسعهم من العلم». هذا ما من الله به في الجواب وأمكن اقتطافه من أقوال أئمة العلم والدين في مسألة المواقيت في هذا الوقت القصير الذي مكنتمونا منه، أرجو أن تكون فيه الكفاية لطلبكم
المستعجل.
حفظكم الله وأيدكم وأعانكم على مهمتكم الكبيرة
والسلام عليكم ورحمة الله
16 ذو القعدة 1387 هـ
15 فيفري 1968
م (1/315)
صفحة 316
الإحرام في الطائرة
سؤال: هل يجوز للحاج أن يحرم في الطائرة إذا
حاذى ميقات الإحرام؟
الجواب: إن الحجاج على الطائرة إنما يذهبون إلى جدة رأسا، فهم كأهل جدة يحرمون من حيث يحرم أهل جدة، فلا يجب عليهم الإحرام في الطائرة، عند محاذاة أي ميقات ضرورة أن الطائرة لا تتوقف فوق الميقات ولا في محاذاته وإنما تمر عليه مسرعة كالبرق الخاطف وقد قال العلماء: إن الحاج إذا مر بميقات وهو قاصد ميقاتا آخر فإنما عليه الإحرام من الميقات الثاني، ثم إن الاحرام في الطائرة بما يقتضيه من حركات كثيرة مختلفة لأداء واجباته قد يؤدي إلى خطر كبير، فكيف تتصورون قيام مئات الراكبين في الطائرة وفي وقت واحد بالتحركات والتنقلات التي تقتضيها واجبات الإحرام من غير أن تتعرض الطائرة لخطر كبير؟ ولن يرضى المسؤولون عن سلامة الطائرة عن مثل ذلك، ولا يرضاه العقلاء كذلك، والحكم في ذلك إنما ينبني على اعتبار عامة الركاب، فيمتنع لهذا مطلقا ولا موجب له. ومن الخطا أن ينظر في هذه المسألة بنظرة فردية إلى شخص واحد من عشرات أو مئات الركاب منفرد في زاوية يقوم بحركات الإحرام وحده، فإن هذا غلط فاحش وعلى مثل
316 (1/316)
صفحة 317
هذا أن يتذكر لو قام جميع الركاب بمثل ما قام به هو في نفس اللحظة فماذا يحدث؟ فليتق الله وليترك التنطع في الدين والتشدد فيه، ومع هذا فإن إحرامه صحيح إن فعله والفتوى في ذلك مطبوعة فاطلبوها.
سؤال: من أين يكون الإحرام؟ وكيف يتأتى للمحرم القيام بمشاعر الإحرام من طهارة واغتسال وصلاة مع أن الحج
على طريق الجو الذي يتعذر فيه القيام بمشاعر الاحرام؟ الجواب: إنه لا يجب عليك ولا على زوجك ولا على جميع حجاج الطائرة الإحرام إلا من جدة. فإنكم ذاهبون إلى جدة وإذا نزلتم جدة فإنكم تكونون كأهلها فيجب عليكم أن تحرموا من حيث يحرم أصحاب جدة أصحاب جدة لا يجب عليكم شيء قبل الوصول إليها مطلقا، وحينئذ تكونون على الأرض
مطمئنين يمكنكم بسهولة القيام بجميع الشعائر.
أما
عن العمرة فإنكم تحرمون من جدة بالعمرة فقط وتدخلون مكة وتطوفون بالبيت وتسعون بين الصفا والمروة يوم دخولكم مكة وتفكون إحرامكم وتلك هي العمرة الواجبة مع الحج ثم تجددون الإحرام بالحج وحده يوم التروية الذي هو اليوم الثامن من ذي الحجة وتذهبون عشيته إلى منى، فالوقت متسع جدا - لا كما تظن - لأداء العمرة قبل الحج فإنكم كما قلت تدخلون جدة يوم 5 ذي الحجة وربما دخلتم مكة في نفس اليوم وربما في يوم 6 أو 7 ولا عمل في
317 (1/317)
صفحة 318
العمرة إلا الطواف بالبيت سبعا والسعي بين الصفا والمروة
سبعا ففي ساعة زمنية تقضون هذا
أما ما يخص الحذاء فإنه يمكنكم أن تذهبوا بأحذيتكم المعتادة حتى الوقت الذي تحرمون فيه وحينئذ يجب عليكم ألا تلبسوا إلا النعال الشبيهة بالقبقاب التي لا تغطي
الكعبين، وهذا هو الإحرام فيما يتعلق بالرجلين، والسلام
عليكم ورحمة الله
سؤال: هل من قول بلزوم الإحرام على داخل مكة لغير حج أو عمرة بل تحية للبيت أخذا: (لا يجاوز بعموم
الميقات إلا محرم) (1) وهل عبارة الذهب (2) تدل عليه؟ الجواب: لا خلاف بين الأمة في وجوب الإحرام على داخل مكة لحج او عمرة، والخلاف في داخلها لغيرهما مشهور بين جميع أئمة المذاهب، فمنهم من أوجبه مطلقا على كل داخل وإن كثر تردده دخولا وخروجا كالحطاب مثلا. وبعضهم أوجبه على الداخل لغيرهما إن لم يكثر ترددا، وبعضهم لم يوجبه إلا على مريد الحج والعمرة فقط دون غيره ممن لا يريدهما كثر تردده أو لم يكثر، وهؤلاء القائلون بالقول الأخير يتأولون حديث لا يجاوز الميقات
إلا محرم) بأن المراد به مريد الحج والعمرة أو أحدهما،
(1) ذكره في الايضاح (2) يعني بالذهب - والله أعلم - كتاب الذهب الخالص لقطب الأئمة رحمه الله. (1/318)
صفحة 319
ويظهر للمتأمل أن هذا هو الموافق لسماحة الإسلام ويسره، والخلاف في المذهب كما هو في غيره كما في النيل وشرحه
وغيرهما
سؤال: هل للمحرم لبس الأسنان الصناعية التي يمكن
خلعها وهو مضطر إليها؟
الجواب: الأسنان الصناعية كالأنف الصناعية وسائر الأعضاء التي يضطر الإنسان إلى وضعها موضع العضو التالف من جسمه ولم يتخذها من أجل التزين فقط، هي جزء من جسمه كسائر أعضائه مطلقا سواء أكان يمكن خلعها أم لا؟ فلا بأس مطلقا على المحرم بسببها ولا يجب عليه أن يزيلها من مكانها بسبب إحرامه، وقد أجيز لبس الخاتم مع كراهيته ولا دم على لابسه أنه زينة فقط، فكيف بما هو ضروري كالأسنان الصناعية؟ (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر (1)
سؤال: ما حكم من شد الساعة على اليد والخاتم على
الاصبع حالة الإحرام؟
الجواب: أما شد الساعة باليد والخاتم بالإصبع فلا يجوزان في الإحرام، وقد منع حتى عن شد السلاح على أي جزء من أجزاء الجسم، وإن اضطر إليه قبضه بيده قبضا كما
(1) الآية 185 من سورة البقرة.
319 (1/319)
صفحة 320
نص عليه العلماء. فكيف يجوز شد الساعة أو الخاتم، فعليكم بالاحتياط في كل شيء والزموا السنة المحمدية تفلحوا، وإياكم والابتداع وأحزم الناس من تحرى لدينه.
حرم المدينة
سؤال: ما قول أشياخنا في حرم المدينة؟ ومن وجد
ينتهكه هل يحل سلبه؟
الجواب: ثبت أن النبيء لا حرم المدينة وقال: المدينة حرم ما بين عير إلى ثور اللهم بارك في مدهم وصاعهم) (1) في أحاديث أخرى في هذا المعنى،
واتفقت الأمة على ثبوت هذا الحرم ووجوب احترامه.
وروى الشيخ اطفيش رحمه الله في وفاء الضمانة «كان سعد بن أبي وقاص ساكنا بالعقيق وكان إذا رأى شخصا يقطع شجرة أو يخبطه في حرم المدينة الذي حرمه رسول الله الله يسلب ثيابه فسلب يوما ثياب رجل فجاء أهله إليه أن يرد إليهم سلبه فأبى وقال: «إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حرم هذا الحرم: (من رأيتموه يصيد فيه شيئا فلكم (سلبه فلم أكن أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله الله ولكن إذا شئتم ثمنه أعطيتكموه» ثم نقل من مسند
لما
(1) رواه البخاري ومسلم وأحمد بألفاظ متقاربة في بعضها زيادة وفي بعضها نقص.
320 (1/320)
صفحة 321
رحمهم
أبي داود حديثا في حرم المدينة يقول في آخره: (من قطع منه شيئا فلمن أخذه سلبه) (1) ولم يعلق الشيخ رحمه الله على الحديث بشيء، ولم نقف على قول أشياخنا الله في حكم هذا السلب وهل يحل مطلقا لآخذه، مع أن سعدا رحمه الله امتنع من رده ولكنه قال: إن شئتم ثمنه أعطيتكموه، فهو إذا لا يرى إباحة تملكه مطلقا، ففي المسألة نظر، ونرى أن مثل هذا الأمر مما يرجع الحكم فيه إلى الإمام أو الخليفة أو السلطان أعني إلى ولاة الأمر، ولا يمكن أن يباح هذا لسائر الناس مطلقا، فإن فيه من إحداث الشغب والفتنة ما لا يخفى، فعلى من أخذ منتهكا لحرمة الحرم أن يرفع أمره إلى الحاكم وتبرأ ذمته بذلك، وولاة الأمر هم المكلفون بحفظ الأمن وحماية الحرم والضرب على أيدي منتهكي الحرم في الحل والحرم.
هل يجوز لي هذا في الحج؟
سؤال: هل يجوز للحاج المتمتع بالهدي ترك ذبح
الهدي والتصدق بقيمته:
الجواب: إن الله تبارك وتعالى أوجب ما استيسر من
الهدي نصا في كتابه الكريم لا يقبل التأويل فإذا كان الهدي
(1) رواه أبو داود في باب تحريم المدينة من كتاب المناسك
321 (1/321)
صفحة 322
موجودا وكان الحاج مالكا لقيمته فلا يجوز له إلا ذبحه ولا يعنيه بعد ذلك ما يؤول إليه أمره فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم (1) هذا حكم الله الذي لا معدل عنه فلا نفتي بسواه، والسلام عليكم
ورحمة الله
سؤال: لقد لاحظت في الحج أن بعض الإخوان حلقوا قبل بلوغ الهدي محله والله تبارك وتعالى يقول: ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله (2) فهل هذا يجوز؟ وما معنى هذه الآية؟
الجواب: يقول الشيخ اطفيش رحمه الله في هميان الزاد: حتى يبلغ الهدي محله) أي حتى يبلغ بعلمكم بخبر أو مشاهدة من بعيد أو بمواعدة لوقت معلوم أو بمضي يوم النحر الهدي موضعه الذي ينحر فيه يوم النحر وهو الحرم كله أو منى، وهذا قول أبي حنيفة والشيخ هود. اهـ.
وقال أيضا في تفسير آية فما استيسر من الهدي) والذبح بعد الإحرام والأفضل يوم النحر وأجاز الشافعي قبله بعد ما أحرم بالحج لا قبل أن يحرم به، ومنع أبو حنيفة الذبح قبل يوم النحر، اه. فعلى من لا يتولى ذبح هديه بنفسه أن يتواعد مع من يذبح عنه وقتا معلوما يحلق بعده
(1) الآية 196 من سورة البقرة (2) لاية 196 من سورة البقرة
322 (1/322)
صفحة 323
كما أشار إليه القطب رحمه الله، وعليه أن يحتاط
تقدير الوقت ما استطاع حتى يكون حلقه بعد نحر هديه، ومحل الهدي زمانا ومكانا مسألة خلافية بين علماء الأمة من
الخلف والسلف، فلا ضيق ولا حرج فيها إن شاء الله، وأحزم
الناس من تحرى لدينه والسلام عليكم ورحمة الله
•
سؤال: هل يجوز لي أن أقترض مالا لأحج به.
؟
الجواب: يجوز للمسلم أن يقترض مالا ليحج به إذا كان يعلم أن له ما يستطيع أن يرد به ما اقترضه بعد حجه.
323 (1/323)
صفحة 324
[صفحة فارغة] (1/324)
صفحة 325
ركن المرأة وقضايا الشباب
حكم العازف عن الزواج
سؤال: ما حكم العازف عن الزواج؟
الجواب: النكاح مشروع مأمور به مرغب فيه
للحصانة الواجبة ولا يجوز للقادر العزوف عنه. وقد ورد في الحديث الصحيح: النكاح من سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني) (1) فكفى بالعازف عنه مع القدرة والإمكان شرا أن يتبرأ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ليس مني. وقد قال سيدنا عمر رضي الله عنه: لا يمنع من النكاح إلا عجز أو فجور، هذا ما من الله به في الجواب.
في المهور
سؤال: ما رأي الشرع في غلاء المهور؟ وهل النقود المأخوذة زيادة على القدر المفروض حرام أم حلال؟ وهل تعطى كل النقود للزوجة أم يصح أن يأخذ منها الأب؟
(1) رواه ابن ماجة في الباب الأول من أبواب النكاح بلفظ: النكاح من سنتي فمن لم
يعمل ببنتي فليس مني.
ورواه الدارمي في باب النهي عن التبتل من كتاب النكاح كما رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد بألفاظ مختلفة.
325 (1/325)
صفحة 326
الجواب: شرع الله تبارك وتعالى الصداق للزوجة عند
عقد النكاح بقوله في سورة النساء: وآتوا النساء صدقاتهن نحلة (1) وقوله: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة (2) وأيدته السنة الصحيحة وأجمعت الأمة عليه فلا نكاح إلا بصداق معجل أو مؤجل، ولم تضع الشريعة حدا معينا لمقدار الصداق قلة وكثرة إلا ما قاله الفقهاء من أنه لا يكون أقل من ربع دينار القدر الذي تقطع به يد السارق قياسا لبضع المرأة على ذلك. والصداق هو حق للزوجة وحدها لا شيء منه لأبيها ولا لأمها ولا لأي ولي آخر ممن يتولى تزويجها إلا أن تتصدق هي نفسها باختيارها بشيء من صداقها على أبيها أو على أُمها أو على من تحب من أقاربها بلا جبر ولا إكراه كما أن لها أن تتصدق بشيء من صداقها على زوجها أو تسقط عنه ما هو مؤجل عليه بدون إكراه من الزوج لها على ذلك، وفي هذا يقول الله تبارك وتعالى في سورة النساء: فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا (3) فطيب نفس المرأة بما تعطيه شرط أساسي في إباحة أخذه
أما قولكم: هل النقود المأخوذة زيادة على القدر المفروض حلال أم حرام؟ فإننا لم نتفهم له معنى فإذا كان
(1) الآية 4 من سورة النساء
(2) الآية 24 من سورة النساء (1) تتمة للآية الرابعة من سورة النساء
326 (1/326)
صفحة 327
المراد أن الأب مثلا يطلب من خاطب ابنته شيئا من المال لنفسه خاصة كشرط لتزويجه ابنته فإن هذا لا ينبغي أن يكون ولا يستحسن لذوي المروءة أن يفعلوه ولكنه ليس بحرام، فإذا رضي الخاطب وأعطى لوالد الخطيبة أو أمها أو غيرهما من أقاربها فإن ذلك جائز يحل لهم أن يأخذوه، وإذا جرت العادة عندكم - كما هي في بعض الأقطار ـ أن يعطي الخاطب بعد تمام الخطبة والاتفاق على عقد النكاح لوالد الخطيبة وأمها شيئا من لباس أو نقود إحسانا لهما وبرا بهما زيادة على الصداق المفروض للزوجة والذي هو حق لها وحدها لاحظ فيه لأحد غيرها من قريب أو بعيد كما مر آنفا فإن ذلك لا بأس به. وأما المغالاة في المهور فليست من شأن المسلمين الصادقين الصالحين وإنما يغالون ويتشددون في اختيار الأكفاء الصالحين فإذا جاءهم من يرضون دينه وأمانته زوجوه بأقل كلفة وأيسر مؤونة وفي ذلك الخير كل الخير للزوجين وللعائلتين المتصاهرتين، وبه تتم الألفة والمودة والرحمة بين الزوجين ويسكن كل منهما لصاحبه وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعظم النساء بركة أحسنهن وجها وأرخصهن مهرًا) (1) وليست المرأة ببضاعة تباع
(1) ذكره في شرح النيل وخرجه عن ابن حبان بلفظ: خير نساء أمتي أصبحهن وجوها وأقلهن مهرا. وروى أبو داود في الباب التاسع والعشرين من كتاب النكاح حديثا جاء فيه: ألا لا تغالوا بصدق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها
227
النبي (1/327)
صفحة 328
بالمزاد العلني ويغالي في ثمنها ثم تعطى لمن دفع فيها أغلى ثمن كيفما كان دينه وخلقه. وإنما المرأة أمانة ودرة مصونة عند أبويها، وقيمتها دينها وعرضها وكرامتها فليغال في طلب كف لها من ذوي الدين والمروءة ممن إذا أحبها أكرمها وإذا كرهها لم يظلمها ولم يبخسها حقها، كما قال تعالى: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان (1) والسلام عليكم أولا وأخيرا ورحمة الله.
سؤال: ما حكم المبالغة في المهر؟ أجائزة هي أم مكروهة أم ممنوعة؟
الجواب: ليس في الكتاب الكريم ولا في السنة الصحيحة ما يشير من قريب أو من بعيد إلى تحديد قدر معين لمهور النساء ثيبات وأبكارا، وهو في حد ذاته غير ممكن لاختلاف أحوال الناس باختلاف ظروف الزمان والمكان والبيئات ونحو ذلك مما لا يأتي عليه الحصر فالأمر موكول لأعراف الناس في كل زمان وكل مكان وكل بيئة وتعتبر فيه وجوه الخلاف الكثيرة المتعددة بين امرأة وامرأة ورجل ورجل. وإنما الذي ورد عن السلف الصالحين والدعاة إلى الخير من الوعاظ والمرشدين في كل زمان ومكان الدعوة إلى عدم المغالاة في المهور تيسيرا لسبل
(1) الآية 220 من سورة البقرة. (1/328)
صفحة 329
النكاح المأمور به والمرغب فيه شرعا في الكتاب والسنة
وتخفيفا على الراغبين في الحصانة والتعفف من شباب المسلمين الذين هم في الغالب أضعف من أن يتحملوا تكاليف الزواج وهو الحق إن شاء الله، وإذا تجاوز طلب المهر القدر المتعارف عليه في البلد مع اعتبار حال الخطيب والخطيبة إلى حد عضل المرأة باشتطاط وليها في طلب المهر مع رغبتها في النكاح وإلى حرمان الرجل مما يحصن به دينه لغير ضرورة فإن هذا يكون من غير شك شديد الكراهة وقد يكون عند الله ظلما لنهيه الصريح في القرآن الكريم عن العضل فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف) (6).
سؤال: تقول إنك خطبت امراة وعندما تهيأت للدخول عليها وأنت في لباس العرس، تعطل الدخول لوفاة جد عروستك فأتاك أهلك بزوجة أخرى فدخلت عليها وفسخت خطبة الأولى، فهل ترد الصداق؟
الجواب: إذا وقع العقد عليها ثم طلقتها فإنها تستحق نصف الصداق بالعقد وترد النصف حيث لم يدخل بها. وأما إذا لم يقع العقد وكان الفسخ من جهة الزوج فإن الصداق يرد كاملا. وأما ما أعطى من الهدايا قبل ذلك تمهيدا للزواج
فإنها لا ترد
(1) الآية 232 من سورة البقرة.
229 (1/329)
صفحة 330
في حفلة الزفاف
سؤال: عندي ابن يزاول دراسته الطبية في باريس كان عازما على أن يتزوج بأجنبية ولكني أقنعته بعد جهد شديد بأن يتزوج بفتاة مسلمة من بلدته بجزيرة جربة فقبل على شرط أن أذن له أن يستعمل في حفل زفافه الطبل والمزمار وقطع العهد على نفسه أن لا يستعمل في حفل عرسه هذا خمرا ولا شيئا آخر مطلقا مما يحرمه الدين الإسلامي، إنما يقتصر فقط على الطبل والمزمار، فهل يجوز لي أن أذن له باستعمالهما؟ الجواب: - والله أعلم - أما الطبل بغير مزمار في حفل العرس لإشهار النكاح فقد ورد عن النبيء الاذن فيه بل الأمر به حتى قال فيما روي عنه (لا) نكاح ما لم يسمع حنين الدف) (1) أو ما في معنى هذا. وقد وقع بين سمعه وبصره فأقره.
وأما المزمار فهو منهي عنه وهو سيئة من السيئات نرجو أن تدخل في عموم السيئات في قوله تبارك وتعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما (2) وفي القضية المسؤول عنها
(1) رواه بمعناه الترمذي في الباب السادس من أبواب النكاح، وابن ماجة في الباب العشرين، من كتاب النكاح وكذا النسائي في الباب الثاني والسبعين من أبواب النكاح بلفظ: فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت
(2) الآية 31 من سورة النساء. (1/330)
صفحة 331
إن تزوج ابنكم بفتاة مسلمة من بني قومه خير ألف مرة من اقترانه بأجنبية لاعتبارات كثيرة لا يتسع المقام لشرحها ولا تخفى عنكم. فإذا كان الولد يفي بعهده بأن لا يكون في الحفل خمر ولا تبرج ولا رقص نساء بين رجال وغير ذلك من الكبائر فلا حرج عليك أن تتغاضى عن سيئة المزمار لتنقذ ولدك مما قد يتعرض له ويتعرض له قومه بزواج الأجنبية من أخطار، وإنها لاعتبارات لها حظ من النظر
والله يعلم المفسد من المصلح، والسلام عليكم ورحمة الله
هل يجوز لي أن أتزوجها؟
•
سؤال: سألت أيها الأخ في كتابك عن مسألة شرعية تتعلق بزواج ورضاع ربما يكون أوانها قد فات بالنسبة لك، وذكرت أن غيري قد أفتاك وتم الزواج وقضي الأمر، لكن في حد ذاتها وبصفتها العامة لا يفوت أوانها لذلك رأيت أن أجيبك عنها إفادة لك ونفعا لغيرك، قدونك
المسألة
ملخص السؤال ثم الجواب عنه:
السؤال: شاب اسمه بكير يريد أن يتزوج ابنة عمه التي تسمى عائشة ولبكير أخ شقيق يسمى محمد رضع من أم عائشة كما أن لعائشة أخا شقيقا يسمى سليمان رضع من أم بكير لكن بكيرا وعائشة لم يرضع أحدهما من أم الآخر فهل يصح لهما أن يتزوجا؟ (1/331)
صفحة 332
الجواب: نعم يصح لهما أن يتزوجا فإن رضاع أحد
الإخوة من من امرأة لا يؤثر مطلقا على إخوته الذين لم يرضعوا منها ذكورا كانوا أو إناثا فلا تعتبر تلك المرأة أما لهم وإنما تكون أما للذي رضعها فقط، ولا يكون أولادها إخوة إلا للذي رضعها فقط دون سائر إخوته وعلى ذلك فالمرأة وبناتها يعتبرن أجنبيات غير محارم بالنسبة للذين لم يرضعوها، فيصح التزاوج بينهم إن لم يكن مانع آخر، هذا ما من الله به في الجواب وأرجو أن أكون موفقا فيه إلى الصواب، والحمد لله أولا وآخرا.
فهمت مسألتك جيدا كما لخصتها في كتابك، فدونك
الجواب:
الجواب: إذا كانت والدتك جازمة متيقنة بأنه لم يكن
يوم
في ثديها حليب يوم وضعت ثديها في فم ابنة عمك ولادتها لضرورة كما لم تر حليبا في ثديها قبل ذلك ولا بعده
بزمن طويل، إذا كانت أمك متيقنة جازمة لا تشك فيه
لك
فإن هذه الحالة لا تعتبر رضاعا وإن هذه البنت ليست أختا من الرضاعة فلا تحرم عليك، ويجوز لك أن تتزوجها بارك الله لك فيها وبارك لها فيك وجعل بينكما مودة ورحمة وأنا اهنئك بهذا الزواج من اليوم وأرجو الله تبارك وتعالى أن يخرج من بينكما ذرية صالحة طيبة، فلا حرج
عليك إن شاء الله
342 (1/332)
صفحة 333
حفظك الله وسلمك لأبيك الداعي لك بالخير، الفقير
إلى مولاه الغني
سؤال: ما حكم رضاع ولد من امرأة قبل أن تتم له
سنتان؟ وما حكم رضاع من مضى عليه سنتان؟
الجواب: قال رسول الله: (يحرم بالرضاع ما صلى الله عليه وسلم يحرم بالنسب) (1) وقال: (لا رضاع بعد فصال) (2) يعني بعد حولين وعليه فمن رضع امرأة قبل أن يتم له سنتان قتلك المرأة تعتبر أما له من الرضاعة، وأولادها إخوته. وكذلك يعتبر زوج تلك المرأة أبا له، وأولاده ولو من غيرها إخوة له لأن اللبن للفحل. ومحارم الأب والأم كذلك، كل
يحرم
عليه زواجهم، وكذلك أولاد إخوته
أولئك أما إذا كان رضاعه بعد أن مضى عليه سنتان فلا عبرة
بذلك الرضاع.
سؤال: أختك أرضعت ابنة عمك بعد فطامها وبلوغها خمسة وعشرين شهرا قمريا، فهل تكون محرمة لك بهذا الرضاع أعني تكون بنت أختك وتكون أنت خالا لها؟
(1) ذكره البخاري في ترجمة الباب العشرين من كتاب النكاح وكذلك ورد في ترجمة اين ماجة للباب الرابع والثلاثين من أبواب النكاح، ورواه مسلم في الباب الثاني من أبواب
الرضاع
(2) (لا رضاع بعد فصال) هو ترجمة الباب السابع والثلاثين من أبواب النكاح لابن
ماجة. (1/333)
صفحة 334
الجواب: لا يعتبر الرضاع بعد أربعة وعشرين شهرا.
فإنه بعد تمام أربعة وعشرين شهرا يكمل الحولان اللذان
جعلهما الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم تمام مدة الرضاعة حيث يقول في سورة البقرة: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة (1) فهذا الرضاع في الصورة التي عرضتها في سؤالك ملغى لا اعتبار له شرعا، فابنة عمك هذه حل لك أو لأخيك وليست بذات محرم فلا يجوز لك أن تنظر إليها ولا يجوز لها هي أن تنكشف لك فإنها أجنبية. هذا ما من الله به في الجواب وأرجو أن يكون عين الصواب.
سؤال: رجل خطب فتاة بنت خالته وللخاطب هي
أخت رضعت من هذه الخالة أم الفتاة المخطوبة ولكن الخاطب نفسه لم يرضع من أم خطيبته ولا خطيبته رضعت من أمه، فهل يجوز له تزوجها؟ الجواب: نعم يجوز له أن يتزوجها ولا حرج ولا إثم مطلقا. فإن رضاع أخته من أم خطيبته لا يؤثر مطلقا وبه تعتبر أخته أختا لزوجته من الرضاع فقط، وهذا لا تأثير له على نكاحه هو من بنت خالته، وعليه فابنك إلياس يتزوج
بنت خالته بالرفاء والبنين ومبروك.
(1) الآية 233 من سورة البقرة.
(2) رية
234 (1/334)
صفحة 335
سؤال: رجل رضع من زوجة جده لأمه (غير أم أمه) خالته ولها بنت فهل يجوز له أن يتزوج
ولأمه شقيقة هي هذه البنت التي هي بنت خالته شقيقة أمه
؟
الجواب: لا يجوز له أن يتزوج هذه البنت لأنها وإن كانت بنت خالته فإنها من جهة أخرى بنت أخته من الرضاعة لأن هذا الرجل رضع من لبن جده، واللبن للفحل ـ كما يقول العلماء - فأُمه وخالاته كلهن أخوات له من الرضاعة فلا يجوز له أن يتزوج بنت أخته التي يعتبر هو بالنسبة لها خالها من الرضاعة. هذا ما من الله به في الجواب وأرجو أن يكون عين الصواب.
سؤال: امرأة عندها ولد ذكر أرضعت بنتا صغيرة تبلغ من العمر نحو ثلاث سنوات ولكنها تتألم بمرض وضعها على الأرض من سبب ضعفها جدا فعطفت عليها المرأة المذكورة برضاعها لبنها لتنقذها من ذلك الألم العسير فهل يجوز لولد المرضعة أن يتزوج هذه البنت؟
الجواب: المشهور الذي عليه الجمهور أنه لا يجوز لهما أن يتناكحا لأنهما أخوان من الرضاعة ولو كانت تجاوزت الحولين وهو الحد الأقصى للرضاع عند أكثر الإباضية، لكن ضعف البنت الذي ألزمها الفراش وأقعدها الأرض وجعلها بحاجة شديدة إلى الإنقاذ بالرضاع جعل هذا الرضاع واجب الاعتبار يعتمد عليه في الحكم بأنهما أخوان
325 (1/335)
صفحة 336
من الرضاع يتصافحان ولا يتناكحان وقد قال له: (إنما الرضاعة من المجاعة) (1) وقال ابن مسعود «إنما الرضاع ما أنبت اللحم والعظم وكل من قال إن الرضاع لا يعتبر بعد الحولين إنما يشترط استغناء الصبي عن اللبن. والصورة المسؤول عنها تبين بوضوح بنص كلامكم أن البنت كانت في حالة شديدة جدا اضطرت المرأة إلى العطف عليها وإنقاذها وحسنا فعلت - أما النصوص فكثيرة يكفيكم. إن كنتم
ممن يحسن فهمها باب الرضاع في النيل وشرحه، هذا ما من به في الجواب. وأرجو أن يصيب كبد الصواب
الله
سؤال: هل يجوز للرجل أن يتزوج زوجة ربيبه؟ الجواب: اعلم أن زوجة الربيب لا تحرم على زوج الأم بل هي له حلال وهي بالنسبة إليه أجنبية لا محرمة فلا يجوز لها أن تنكشف له ولا يجوز له أن ينظر إليها أبدا
هذا هو الحق الذي ندين به.
وقد حكى الشيخ اطفيش - رحمه الله ـ قولا بحرمتها وجواز انكشافها لزوج الأم في التيسير وشرح النيل ولم ينسبه ولم يدلل عليه ولا نرى اعتباره ولا الالتفات إليه فما نعلم له من دليل يستند إليه من نص صريح في كتاب ولا سنة ولا قياس صحيح على أصل منصوص عليه أو مجمع عليه، بل وجدنا من يبطله وينقضه، فالله سبحانه وتعالى يقول في
(1) رواه أبو داود في باب رضاعة الكبير) وهو الباب التاسع من كتاب النكاح.
336 (1/336)
صفحة 337
تعداد المحرمات من النساء وحلائل أبنائكم الذين من أصلا بكم (1) هكذا يصف الأبناء وصفا صريحا بأنهم من أصلابنا ولا يمكن أبدا أن يقال إن هذا القيد الوصفي ملغى أو غير معتبر أو لا مفهوم له كما يقال في بعض القيود مراد به إخراج الأدعياء ومن في حكمهم. وإذا ثبت أن الوصف مقصود وجب أن لا يجري حكم الآية إلا على من جرى عليه
عداه
<
الوصف فخرج جميع من منهم الربيب. ولا يعزب عنا ما شدد الله في أمر الأدعياء وتحريم الناس لنكاح أزواجهم حتى أبطل ذلك على يد نبيه عليه السلام بأسباب هيأها
ووسائل وضعها نال النبيء منها ما نال من لوم وعتاب من ربه وتناولته ألسنة الكفرة من قومه بالشتم والسباب ولا تزال ألسنة الطاعنين في الإسلام حتى اليوم تتخرص وتتقول في قضية زيد وزينب ونعلم يقينا من هذه القضية أن الله سبحانه وتعالى لا يرضى أن تجرى أحكام الأبناء ومنها تحريم أزواجهم إلا على الأبناء الحقيقيين الذين من الأصلاب بل ما حض على حكم من أحكامهم ولا تشدد فيه إلا في تحريم أزواجهم على الآباء ودعوتهم لغير آبائهم فكيف يسوغ لنا مع هذا أن نعطي الربيب حكم الابن بتحريم زوجه أن نكون كالذين يحرمون زوج الدعي؟ وأي فرق والكل ليس ابنا من الصلب؟ وعدم البنوة الحقيقية هو البنوة الحقيقية هو مناط الحكم
في القضية وهو قدر مشترك بين الدعي والربيب
أفلا
نخشي
(1) الآية 23
من سورة النساء
337 (1/337)
صفحة 338
إني لأعجب والله من مسلم يقرأ آيات النساء ثم يقرأ
آيات الأحزاب في الأدعياء وأزواجهم ثم يقول بحرمة زوجة الربيب. ويأذن لها أن تنكشف لزوج الأم كأنه منها محرم، ويأذن له أن ينظر إليها كأنها محرمة، وما كان ينبغي لنا الاعتماد على ما نرى في كتب الفقه من قول المؤلف: وقيل كذا، إلا مع معرفة الدليل سيما فيما تبينت مخالفته لدليل صريح وحكم صحيح كمسألتنا: أيسوغ لنا أن نصدف عن بيان كتاب الله الشافي إلى كلمة: قيل تحرم. في كتاب لا ندري صاحبها ولا نعلم دليله ولا مستنده؟ إن هذا والله لهو التهاون بالدين، وأحزم الناس من تحرى لدينه، ولقد أحسن الشيخ السالمي إذ لم يذكر التحريم أصلا وإنما ذكر الكراهة عند بعض ثم نص على أن الكراهة للتنزيه احترازا من كراهة التحريم فكأنه لم يرتض التحريم، على أن كراهة التنزيه إزالة للبس، وذلك أيسر ما يقال في القضية ويقبل. أما التجاوز إلى التحريم فأمر كبير خطير، فليتق الله من أفتى ومن عمل فإن الأمر ليس بالسهل الهين
•
هذا ما نراه الصواب في القضية ونفتي به ولا نقبل سواه لعدم اطلاعنا على دليله. وإن كان عندكم من غيرنا شيء غير هذا فالزجاء إطلاعنا عليه إن كان مقرونا بالحجة والبيان والدليل لا إن كان مثل ما رأينا من قول بعض المؤلفين: وقيل تحرم فإن هذا لا غناء فيه. وفوق كل ذي علم عليم، والله الموفق للصواب
248 (1/338)
صفحة 339
التزوج بالكتابيات
سؤال: أشكل على ما سمعته من تسجيل بعض أحاديثكم من أنه يجوز للمسلم نكاح النصرانية واليهودية مع
تمسكها بدينها
أشكل علي هذا مع قوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن (1) كما أشكل علي أمر أولادهم إذا رزقهم الله أولادا؟
:
الجواب: يقول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم، وطعامكم حل
لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين
أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن ... (2) الآية. وأهل الكتاب هم اليهود
هم
والنصارى والصابون، والآية صريحة في جواز نكاح نسائهم ويقول الله تبارك وتعالى في آية أخرى من كتابه العزيز: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ... ) والمشركون عبدة الأوثان والملاحدة الذين ينكرون وجود الإله أصلا يؤمنون بوجوده إلا أنهم ينكرون الوحي والنبوءة والرسالة، هؤلاء هم المشركون الذين يحرم تزوج نسائهم، وإنما جاء إشكالك وحيرتك من عدم إدراكك للفرق بين أهل الكتاب وبين المشركين، فاعلم أن القرآن يفرق في صريح آياته وفي
(1) الآية 221 من سورة البقرة.
(2) الآية 5 من سورة المائدة
339 (1/339)
صفحة 340
أحكامه
بين الطائفتين، ويكفيك أن تقرأ سورة البينة من القرآن الكريم ليتضح لك الأمر جليا ويزول إشكالك ويذهب عنك كل ريب، يقول الله تبارك وتعالى في أول
السورة: بسم الله الرحمن الرحيم لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تاتيهم البينة ويقول فيها بعد ذلك إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركير في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البريئة) فأنت ترى أن الطائفتين مختلفتان، كل طائفة غير الأخرى في لقبها وفي حكمها وإن كانت كلمة الكفر تجمعهما
أما الأولاد فعلى الأب المسلم أن ينشئهم مسلمين وأن
ربهم
يعلمهم كتاب القرآن وأحكام الدين الإسلامي، وإلا كان مسؤولا بين يدي الله، وأما حكمهم فإنه يحكم عليهم أحكام أولاد المسلمين داموا صبيانا غير بالغين، فإذا بلغوا الحلم
حكم عليهم بما يظهر منهم من كفر أو إسلام.
•
هذا حاصل المسألة باختصار ولا يتسع المقام لأكثر من هذا، فلا تقل بعد إننا سنتزوج باليهوديات والنصرانيات فإن الشيخ بيوض قد أحل لنا ذلك بل قل: فإن الله تعالى قد أحل لنا ذلك. والسلام عليك ورحمة الله.
سؤال: ما رأي الشرع الحنيف في الزواج بغير
المسلمة؟
340 (1/340)
صفحة 341
الجواب: الزواج بغير المسلمة يجوز إذا كانت كتابية متمسكة بدينها أي مسيحية أو يهودية، وأما المشركة التي لا
تؤمن برسول من رسل الله ولا بكتاب من كتب الله فحرام تزوجها. والله تبارك وتعالى يقول: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم. (1)
زواج بامرأة ناشزة في عصمة زوجها سؤال: هل يصح لامرأة ناشزة ما زالت في عصمة زوج وحكم عليها بالرجوع لداره أن تتزوج بغيره؟ الجواب: إن من أعجب العجب أن يسأل عن مثل هذا وحرمته مما يعلم من الدين بالضرورة، وليس هو من مسائل الاجتهاد التي يصح فيها الخلاف مطلقا وقد صرح بتحريمه القرآن الكريم في قوله تعالى في سورة النساء في آية تعداد المحرمات والمحصنات من النساء () عطفا على أمهاتكم من قوله حرمت عليكم أمهاتكم. وبناتكم. . . (3) الآية، وقد أجمع المفسرون على أن ذوات الأزواج والنشوز لا يقطع
المحصنات
في الآية إنما هي
العصمة بين الزوجين ولا يبطل حكم الإحصان إجماعا وإن
(1) الآية 221 من سورة البقرة
(2) الآية 24 من سورة النساء
(1) الآية 23 من سورة النساء
341 (1/341)
صفحة 342
طال أمده، ولا يشبه سؤالك هذا إلا أن يقال: هل يصح للرجل نكاح أمه أو أخته أو غيرهن من المحرمات المنصوص عليهن في آية النساء، ولو أمكن شرعا نكاح المحصنة ذاتِ الزوج لدخل كذلك في الإمكان الشرعي نكاح الأم والبنت والأخت وسائر المحارم ولم يقل ولن يقول بهذا مسلم أبدا، والأشبه في قائله أن يكون مشركا لمصادمته نصا صريحا غير قابل للتأويل
سؤال: ما حكم الشريعة الإسلامية في هذا النكاح إن
وقع؟
الجواب: إن حكم الشريعة فيه أنه سفاح إجماعا وليس من النكاح في شيء فإنه باطل فاسد منفسخ ويترتب ما يترتب على السفاح إلا أن تكون شبهة يدراً
عليه جميع
بها الحد ويثبت النسب على ما فصل في محله
•
سؤال: ما حكم هذين الزوجين وهل يفرق بينهما؟ الجواب: إنهما زانيان ما أقاما كذلك وتجب التفرقة بينهما على من له القدرة على ذلك ويجبران عليها جبرا ويحدان أو ينكلان حسبما تقتضيه حالهما وحرما على بعضهما أبدا، ولا يحتاج في التفرقة بينهما إلى طلاق، فإن النكاح المنفسخ باتفاق لا يحتاج إلى الطلاق ولا يقع بينهما توارث إن مات أحدهما على ذلك، وقد نص جمهور فقهائنا
342 (1/342)
صفحة 343
على تأبيد تحريم المخطوبة في العدة والمخطوبة في العصمة فكيف بالمنكوحة في العصمة. ونصوا على حرمة البقاء مع التي ادعت بعد نكاحها أنه وقع قبل انقضاء العدة إن صدقت أو قامت على ذلك بينة، فكيف بهذه، وذهب بعضهم إلى المنكوحة على أنها ذات زوج فإذا هي خلو منه
تحريم
فكيف بهذه
•
ودونك بعض ما قاله الأئمة في ذلك: قال صاحب النيل: «والمشهور تأبيد تحريم مخطوبة بعدتها على خاطبها» وقال أيضا: «ومن قال لآخر طلق امرأتك وأعطيك كذا، أو لامرأة افترقي معه فأتزوجك حرمت عليه وعلى زوجها ما أخذ منه، وكذا إن قال لمشركة أسلمي كي أتزوجك ففعلت حرمت عليه قال شارحه: «وإنما حرمت في مسألة المصنف لاستعجاله بالشيء قبل أوانه فإن أوان طلب التزوج وتناوله وقت خلو المرأة من زوج أما في حين كان لها زوج أو في عدة رجعية فطلب تزوجها شبيه بطلب الزنا. ولو كان لا يحرمها لكن يشدد هنا أنها ذات زوج
طلاق
رجعي
وقد حرمت الخطوبة بعدة فكيف لا تحرم هذه؟ وقد منع التعرض لمعتدة من طلاق مطلقا وقيل من فكيف هذه؟ وقد قيل إن التعرض لذات الزوج أشد من التعرض للتي في العدة، وكذا المواعدة، انتهى. ولا تنس أن هذا الذي ذكره قطب الأئمة كله إنما هو في المخطوبة
343 (1/343)
صفحة 344
فقط
وهي في في عصمة زوج فكيف بالتي خطبت وعقد عليها وبنى بها؟ لا شك أن أمرها أعظم وأفظع.
وقال صاحب اللقط: «من اتفق مع زوجة رجل على
"
تزوجه إياها حرمت عليه ولو مات زوجها أو طلقها وقال الشيخ يحي في كتاب النكاح: «وإذا خطب الرجل امرأة في عدتها فلا يتزوجها أبدا وقد حرمت عليه أبدا، وقال أيضا: «وإذا قال الرجل المسلم لامرأة مشركة وهي ذات زوج ادخلي في الإسلام كي يقطع الإسلام بينك وبين زوجك فأتزوجك ففعلت فليس له أن يتزوجها،
((
وقال صاحب النيل: «ولا تصدق مدعية طلاقا أو موتا إن
:
عرف لها زوج ولا تتزوج حتى يظهر مدعاها وإن لم يعلم لها فتزوجت ثم قالت كان لي زوج فطلقني أو مات عني لزمه عزلها حتى يتضح صدقها أو كذبها، وقيل لا حين لم يعلم لها. وإن ادعته حيا لزمه اتفاقا لإمكان معرفته ولا يفرق
أشهر
بينهما في الحكم إلى ظهوره انتهى قال الشارح: «وإن ظهر أن لها زوجا فرق بينهما وقال أيضا: «وإن تبين أنها ذات زوج فلا صداق علي فلا صداق علي أحدهما وللثاني ما ولدت بعد ستة وحرم عليها أزواج الدارين، وإن علم الثاني حد هو وهي والولد للأول مطلقا وقيل إن أتت به قبلها وقال: وحرم أزواج الدارين على الناشزة وإن تابت حل لها أزواج الآخرة وقيل أزواج الدنيا غير من نشزت إليه ويجبر على قراة ولا صداق على أحدهما وله ما ولدت وقيل للأول.
344 (1/344)
صفحة 345
وفي الموارثة قولان. ذكر جل ذلك في الديوان. وإن تزوجت ذات زوج وقالت ظننت أنه يحل لي أربعة درئ عنها الحد كما درى عن متزوجة غلامها ظانة أنه يحل لها ما ملكت يمينها كما حل لنا وإن لم تقل ذلك رجمت. وتحرم على الأول بدخول الثاني، ثم قال: وقيل لا تحرم بدخول الثاني إلا بما تكون به زانية بلا دعوى شبهة وإنما تحرم بزني
على عمد بلا شبهة»
وقال أيضا في شرح النيل: «قال في الديوان: وينكل متزوج ذات زوج أو في أو في عدة أو زوجة ابنه وإن سفل أو أبيه وإن علا أو محرمة وإن برضاع أو صهر أوأكثر من أربع أو امرأة وأختها أو مجوسية أو وثنية، وكذا المرأة ومزوجها وشاهدها
تعمد وعلم، ولا يثبت نسب متزوج في العدة مع
عمدا ويُحدان، وقيل يثبت ولا يحدان.
•
سؤال: ما حكم الشريعة الإسلامية في أولاد هذا
النكاح؟
الجواب: الذي يظهر من كلام القطب - رحمه الله - في المسألة أن ما كان منهم بعد ستة أشهر يثبت للثاني لمكان شبهة النكاح ولحرص الفقهاء على إثبات النسب لأدنى سبب ويعجبنا هذا ولا نرى إلحاقه بالأول لانقطاع فراشه فعلا
345 (1/345)
صفحة 346
وإن لم ينقطع حكما. فلا يتناوله قوله: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) (1) ولا إلحاقهم بأمهم لمكان هذه الشبهة، ولاختصاص الزوج بها، وقد أثبت بعضهم نسب أولاد الربيطة لمن حبسها ببيته واستأثر بها زمنا واتخذها کـزوجة ـ ولا نراه ـ وهذه أولى وأحق، وليس لي في المسألة ما أعتمد عليه غير هذا. وأما التوارث بين هذين الزوجين فإنا لا نراه أبدا. فإن الميراث لا يثبت بمثل هذه الشبهة وإنا لنعجب من قول البعض بثبوته ولم نطلع بعد على دليلهم وفرق بينه وبين ثبوت نسب الأولاد
نكاح بدون ولي
سؤال: ما حكم النكاح الواقع بدون ولي؟
الجواب: إنه باطل ويفرق بينهما ويؤدبان مع
الشهود
والعاقد ولا يتوارثان. قال صاحب النيل: «شهر عنه الا الله علالالالالالي
لانكاح إلا بولي ((((الحديث (وأيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، قالها ثلاثا في أحاديث) (3) قال شارحه: منها (لا) نكاح إلا بولي وصداق وبينة) ومنها (لا) نكاح إلا بولي وصداق
(1) رواه البخاري من حديث في كتاب الفرائض والأحكام والوصايا وغيرها. ورواه مسلم في باب الرضاع وكذا الترمذي وغيرهم، وقد تقدم. (2) رواه الدارمي في الباب الحادي عشر من أبواب النكاح والبخاري في الباب السادس والثلاثين من كتاب النكاح والترمذي في الباب الحادي عشر من أبواب النكاح (3) الحديث رواه الدارمي في الباب الحادي عشر من أبواب النكاح والترمذي في السب الرابع عشر من ابواب النكاح. وابو داود في الباب التاسع عشر من كتاب النكاح
346 (1/346)
صفحة 347
وشاهدين عدلين ومنها قوله: (إن المرأة إذا نكحت بغير إذن وليها فلا تريح رائحة الجنة) (1) وقيل هو أثر غير مرفوع ولكنه في حكم المرفوع وأفادنا أن العقد بلا ولي كبيرة في حقها. هكذا في حق كل من عمل به على علم بعدم الولي من زوج وشاهد وقارئ خطبة وغيرهم الخ. وقال أيضا: ومن طريق عائشة: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل (2) إلى ثلاث ولها مهرها بما أصاب منها فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له. ويفيد كونه باطلا أنه يفرق بينهما ولو أجاز الولي - إن أجاز بعد المس ـ لإطلاق البطلان في الحديث ولحديث التفريق وسيأتي إن شاء الله. وتحرم أبدا على الصحيح لأنه إذا خرج عن النكاح فهو سفاح وقد قال: أيمارجل زنى
بامرأة
ثم تزوجها فهما زانيان إلى يوم القيامة) (3) وقال: (لا نكاح بعد سفاح) (4) وقالت عائشة: حرم على الرجل أن يتزوج بمن زنى بها. وذلك إن تعمد عدم الولي سواء علم بمنع ذلك أو جهل ولا يجلدان ولا يرجمان للشبهة وإذا كان باطلا فكل ما أعطاها فكمن أعطى في الزنى ترده
(1) رواه ابن ماجة في الباب الحادي والعشرين من أبواب الطلاق
(2) رواه أبو داود في الباب العشرين من كتاب النكاح. (3) ذكره في شرح النيل وأخرجه عن ابن ماجة. (4) أخرجه في شرح النيل عن ابن حيان.
347 (1/347)
صفحة 348
إليه ويتصدق به على الفقراء إذا أعطاها على أن يجامعها أو على أنها زوجته ولا يثبت النسب كما لا يثبت من الزني
وقيل يثبت» انتهى وقال الشيخ يحي في كتاب النكاح: وإذا تزوجت امرأة بغير إذن وليها فللولي أن يستمسك بالزوج والمرأة والشهود الذين عقدوا النكاح جميعا عند الحاكم على ذلك، فإذا أقروا بذلك فليخرج الحاكم منهم حق الأدب جميعا وإن أنكروا فإنه يدرك عليهم اليمين جميعا وروى الشيخ رضي الله عنه عن أبي محمد أن أبا زكرياء أو قال أباه أبا عبد الله محمد بن عمرو فرق بين امرأة تزوجت بغير إذن وليها وبين زوجها. وقد كان أولادها في حجرها. وإن تزوجت المرأة بغير إذن وليها فإنه يفرق بينهما». ومثل ذلك لصاحب النيل أيضا ولا يتوارثان عندنا وعند أهل المدينة، كما نص عليه شارح النيل، وإجازة الولي قبل المس صحيحة، وأما بعده فقال فيه شارح النيل: والصحيح تحريمها إن لم يجز إلا بعده. ولها صداقها لقوله: أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها ومواليها فنكاحها باطل (ثلاثا ولم يخص تجويز الولي وإنما تنفع إجازته قبل المس لأنهما حينئذ غير زانيين. و روي عبد الله بن عمرو بن العاص عنه أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فإن كان دخل بها فلها صداقها بما استحل من فرجها ويفرق
348 (1/348)
صفحة 349
بينهما وإن كان لم يدخل بها فرق بينهما والسلطان ولي من لا ولي له) (1). انتهى.
ومما يدل على اشتراط الولي قوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف) (2) إذ لو كان أمر المرأة بيدها لم يكن لعضل الولي معنى. وأما تأويل حديث لا نكاح إلا بولي بأنه لنفي الكمال لا لنفي الصحة فباطل للتصريح بالبطلان في الحديث الآخر، والبطلان هو انتفاء الصحة قطعا فالحديث قد فسر الحديث فلا محل للتأويل.
نكاح السر
سؤال: ما حكم النكاح الواقع سرا؟
الجواب: إن حكمه الصحة الكراهة عند الجمهور فقد نصوا على أنه يجوز عقده سرا وعلانية إذا كان تاما
•
بشروطه من الولي والصداق والشهود والرضا. كما في نكاح (3) وإذا فلا يفرق بينهما إن قامت البينة على
الشيخ يحي
تمام الشروط عند العقد.
(1) رواه ابو داود في الباب العشرين من كتاب النكاح بلفظ قريب من هذا
(2) الآية 232 من سورة البقرة. (3) يعني: كتاب النكاح للشيخ أبي زكرنا يعلي بن لين الخير الجناوني رحمه الله
349 (1/349)
صفحة 350
هل عدم التسجيل عند قاض وعدم إيذان قائد البلدية وعدم تقييده في دفتر الحالة المدنية من موجبات
السر؟
الجواب: الظاهر أنه كذلك إن لم يشهر بوسائل أخرى فإن إعلان النكاح مطلوب مأمور به لكن لم يقيد بكيفية مخصوصة فيصح بكل ما اشتهر به أمره وذاع في الناس خبره من عمل رسمي أو غير رسمي
سؤال: ما حكم نكاح اجتمعت فيه هذه المخالفات كلها، تزوجت فيه امرأة في عصمة زوج ناشزة عنه من غير ولي وقاض ولا حاكم ولا جماعة المسلمين أهل الحل والعقد - وقد حكم عليها بثبوت العصمة والعصيان بالنشوز ووجوب الرجوع إلى زوجها - برجل يعلم جميع ذلك وجلبها على ذلك ومسها فولدت له أولادا ولم يسجل نكاحهما عند قاض ولا قائد ولم يقيد في دفتر الحالة المدنية كما تقتضيه
القوانين الجاري بها العمل لصيانة الأعراض ودفع الشبه؟ (i) الجواب: إن هذا نكاح جَمَعَ عناصر البطلان وأسباب الفساد فهو نكاح فاسد باطل منفسخ بل هو سفاح يهلك به الزوج والزوجة والعاقد والشاهد والكاتب وينكلون ويفرق. بينهما جبرا من غير طلاق ويحرمان به على بعضهما أبدا ولا
(1) يشير إلى ما ورد في الأسئلة السيعة السابقة فهي من السائل نفه
250 (1/350)
صفحة 351
يقع به توارث ولا يثبت به نسب إلا في قول، وذلك منكر
يجب إنكاره على كل قادر ويهلك الراضي به. أعاذنا الله وإياكم من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، هذا ما سمحت به الطاقة والوقت الضيق الذي اشترطتم علي الإجابة فيه، وقلة المراجع. والسلام عليكم ورحمة الله
سؤال: عن المتزوجة في العصمة. .
الجواب: وأما مسألة المرأة التي تزوجت وهي في عصمة آخر وادعت الإكراه كما قصصت فإني لم أفهم المسألة جيدا، ومسائل الفروج صعبة يجب دراستها من جميع نواحيها والوقوف على جميع عناصر المسألة حتى يتمكن المسؤول من الجواب عنها ولا يمكن ذلك إلا بالسماع من صاحبة القضية أو صاحبها مباشرة أو بكتابة عليم خبير يشرح القضية شرحا وافيا. فمعذرة إن لم أجبك عنها اليوم بشيء وإن أعدت الكتابة إلي في شأنها ببيان أوفى إن شاء الله أجبك. والسلام.
سؤال: تعرفت في الجامعة بفتاة زميلة لي مسيحية وإني رأيت منها أخلاقا عالية فرغبت أن تكون زوجة لي ثم إني تزوجتها فعلا، بعد أن صرحت بإسلامها، وإنها تصلي الصلوات الخمس المفروضة كما أصليها أنا وإنها قد حملت ومني، وإن والدي ساخطان سحطا شديدا على هذا الزواج وهدداني بدعوة الشر إن أصررت على هذا الزواج ومنعاني أن
351 (1/351)
صفحة 352
أوي إليهما في دارهما ما دامت هذه فماهو حكم
معي
الشرع الإسلامي والمذهب الإباضي في هذا الزواج؟ الجواب: اعلم أيها الأخ الكريم أنك أخطأت التعجيل بهذا العقد قبل أن تستشير أبويك وأنت تعلم أن حقهما عظيم وعظيم جدا، كما تعلم أن أمر الزواج عظيم وعظيم كذلك للعواقب التي تترتب عليه دنيا وأُخرى وخاصة بالأجنبيات فلا ينبغي للعاقل أن يقدم عليه إلا بعد طول
فكرة وتدبر واستشارة الكبار المجربين وخاصة الوالدين. فقد عجلت في قضيتك. وقد سبق السيف العذل ـ كما يقول المثل - والأمر لله.
أما الفتوى الشرعية فإن الفتاة إذا كانت مسلمة كما تقول وكانت تمارس فرائض الإسلام مؤمنة بفرضيتها كما تقول ولم يسبق اتصال جنسي بينكما قبل عقد النكاح فإن النكاح شرعا صحيح إذا جرى العقد على الطريقة الشرعية من طلب من جهة الزوج وإيجاب وقبول من جهة الزوجة والولي وصداق معين وشاهدين وتلاوة خطبة النكاح، بهذا يكون العقد تاما صحيحا شرعا. وتبقى مشكلة الوالدين فإنني لا أعلم أباك شخصيا ويمكنني الاتصال به عند إحدى زياراتي لغرداية لأنك ذكرت عنوانه، ولكن لا أتصل به إلا إذا كتبت إلي مرة أخرى موضحا ومفصلا طريقة العقد، وكيف تم أمره؟ والدخول في الإسلام وكيف تم أمره؟ وأمام أي موظف تم تسجيله؟ ويومئذ تمكن محاولة استرضاء والديك، وتبقى
352 (1/352)
صفحة 353
لك مشكلة بالنسبة للقانون الجزائري الجديد الذي صدر صدر أخيرا حسب ما بلغنا بمنع التزوج بالأجنبيات إلا إذا تجنسن بالجنسية الجزائرية.
هذا ما من الله به في الجواب وأوصيك بتقوى الله ومن يتق الله يجعل له مخرجا (1) (ومن يتق
الله يجعل له من أمره يسرا) (2) والسلام.
سؤال: تم عقد زواج بين فتى وفتاة بالطرق الشرعية ودفع المهر ثم مات الزوج قبل الدخول ثم إن أخا للزوج المتوفى خطب أرملته هذه وعقد عليها ودخل بها قبل تمام العدة أربعة أشهر وعشرا اعتمادا على فتوى بعض علماء المالكية بتونس بعد أن أخبرتمونا بأن جميع النصوص التي اطلعتم عليها طبعا تمنع من ذلك. فما الحكم في هذا الزواج؟
الجواب: - والله أعلم - أن هذا النكاح صحيح فلا يفرق بينهما فإن مسألة وجوب العدة على المتوفى عنها غير المدخول بها مسألة فرعية فقهية خلافية فقد ذهب جمهور علماء الأمة من الإباضية وغيرهم إلى وجوب العدة وذهبت
الأمة سيدنا عبد الله بن
طائفة إلى عدم وجوبها ومنهم حبر عباس فقد قال قطب الأئمة الشيخ طفيش رحمه الله في
(1) الآية 2 من سورة الطلاق
(2) الآية 4 من سورة الطلاق.
353 (1/353)
صفحة 354
تفسير آية عدة الوفاة في التيسير ما نصه: «والآية لعمومها شاملة لغير المدخول بها. وقال ابن عباس: لا عدة لغير المدخول بها.»
سؤال: إن رجلا خطب لابنه ابنة رجل آخر فأنعم له وقبل بشرط أن يعطيه هو الآخر ابنته لابنه فقبل وتم عقد النكاحين وأعطيت كل من الزوجتين صداقها وزفت كل منهما إلى زوجها ومضت على هذا النكاح عدة سنوات أنجبت فيها كل منهما أولادا، واليوم وقع لي شك في صحة هذا النكاح، فما الحكم الشرعي فيه؟
الجواب: النكاح صحيح لا شك فيه فدعوا الوسواس والأوهام وخاصة بعد المس والإنجاب وطول المدة، ولعلكم سمعتم بالنهي عن نكاح الشغار فوقعتم فيما وقعتم فيه اليوم من وسواس، فدونكم لكي تطمئن نفوسكم حقيقة نكاح الشغار المنهي عنه والمتفق على فساده، وهو: أن يزوج الرجل وليته لآخر على أن يزوجه هو الآخر وليته من غير أن يعطى لأي زوجة منهما صداق بل تكون كل منهما صداقا للأخرى، فإذا تعاقدا على ذلك كان النكاح فاسدا لضياع
حقوق الزوجتين فيه فإن الصداق حق للزوجة خاص بها ليس لغيرها فيه من حق وعقد النكاح على أن لا صداق مطلقا باطل، وهذا منه. وأما قضيتكم التي سألتم عنها فليست من هذا في شيء فاطمئنوا ودعوا الأزواج والأولاد وآباءهم في
354 (1/354)
صفحة 355
هناء وطمأنينة وإياكم أن تدخلوا عليهم الهواجس والأوهام
فتضروهم.
حفظنا الله وإياكم من الوسواس الخناس الذي
يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس. سؤال: رجل تزوج فتاة وبعد خمسة أشهر ظهر عليها حمل وأصابها المخاض واشتد بها الألم فأخذها زوجها إلى الطبيب ليجهض الجنين، ولما فحصها الطبيب قال: إن هذه ولادة وليست إجهاضا فالولد في الرحم كامل الخلقة وقد أمضى مدة الحمل كاملة فولدت ولدا كاملا تام الخلقة قبل ستة أشهر. واعترفت الزوجة بأنها حملته من غير زوجها قبل
نكاحها، فما الحكم في هذه القضية في الشرع؟ الجواب: أما العقد فمنفسخ والنكاح فاسد قطعا إجماعا بلا خلاف بين علماء الأمة الإسلامية سلفا وخلفا، فعليه أن يتجنبها ولا يقربها، ثم اختلف العلماء بعد ذلك هل
تحرم عليه أبدا. فلا يجوز أن يتزوجها أبدا
هو
بعد ذلك؟ وهذا
المشهور ومذهب الجمهور، وقال بعض العلماء يجوز له أن يتزوجها بعقد نكاح جديد إن تابت وحسنت توبتها،
والسلام.
سؤال: طلقت امرأة من زوجها وبينما هي في العدة وقد مضى لها منها قرءان، خطبها خاطب من وليها سرا من غير أن تسمع إلا أن امرأة فضولية جاءتها (من غير أن تكون مرسلة
355 (1/355)
صفحة 356
إليها وقالت لها إن رجلا صفته كذا وكذا يخطبك فقالت لها المعتدة: أليس هو فلانا؟ فقالت: بلى، فهل تحرم على
خاطبها؟
الجواب: إن خطبة المرأة في العدة لنفسها أو لوليها المالك لأمر نكاحها منهي عنه بنص القرآن الكريم، فهو معصية والخاطب عاص قطعا تجب عليه التوبة. إلا أنها لا تحرم عليه بذلك على المذهب الذي نختاره، وكلام الفضولية في قضيتك لا يضير لولا الخطبة الصريحة من الولي، هذا وان وقع عقد النكاح في العدة حرمت عليه أبدا.
وهذا أحسن ما قدرنا عليه ونرجو أن نكون موفقين فيه
إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله
نكاح الزانية
سؤال: ما حكم نكاح الزانية؟
الجواب: إن نكاح الزانية مختلف فيه بين علماء الأمة:
من عهد الصحابة رضي الله
عنهم
(
فطائفة حرمته بتاتا وطائفة
أجازته على كراهة، إذ لا يحسن بالمسلم أن يدنس شرفه أو يسقط كرامته بالاقتران ببغي لا يأمن أن تَحِنَّ إلى سالف
عهدها فتخونه
وعلى كل حال فإن الزانية إذا تابت توبة نصوحا وندمت
على ما فرط منها وأرادت بالنكاح الإحصان والتعفف فما نرى في نكاحها من بأس. إن شاء الله
256 (1/356)
صفحة 357
نكاح المزنية
سؤال: ما حكم الشرع في نكاح الرجل لمزنيته؟ الجواب: اعلم أن نكاح الرجل لمزنيته مسألة اختلف فيها العلماء من عهد الصحابة إلى يومنا هذا. وأهل مذهبنا كلهم مجمعون على أنه حرام لأحاديث صحت عن رسول الله في ذلك. منها قوله: (أيما رجل زنى بامرأة ثم تزوجها فهما زانيان أبدا) (1) ومنها قوله أيضا: (لا نكاح بعد سفاح) (2) وقالت عائشة رضي الله عنها في تفسير قوله تعالى: وحرم ذلك على المؤمنين (3) إنه حرام على الزاني نكاح مزنيته. وقال الله بن مسعود والبراء بن عازب الصحابيان الجليلان: إن من زنى بامرأة لا يحل له نكاحها أبدا. وسئل صحابي آخر
عبد
عمن زنى بامرأة ثم تزوجها فقال: «تزوجها شر من زناه وقال جابر بن زيد: من زنى بامرأة فلا يتزوجها وليجعل بينهما البحر الأخضر وإن قدر أن لا ينظر إليها فليفعل. (وكان صحابي يقال له مرثد يريد أن يتزوج عاهرة يقال لها عناق فسأل النبيء صلى الله عليه وسلم فسكت فلم يجبه حتى نزل قوله تعالى: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم
(1) تقدم قريبا.
(2) كذلك
(3) الآية 3 من سورة النور.
357 (1/357)
صفحة 358
ذلك على المؤمنين فناداه فقرأ عليه الآية وقال له: (لا تنكحها. وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي
استطاعة
والحاكم والبيهقي وابن المنذر وكلهم ليسوا إباضية الحاصل: هذا ما اعتمد عليه أصحابنا في التحريم وهي أدلة صحيحة، وقد قال غيرهم بالجواز اعتمادا على أدلة أخرى لا نطيل بذكرها والمسألة خلافية فرعية بيننا وبينهم مما لا يقطع فيه العذر. وأما عذركم ـ عدم مفارقتها - فإنه لا يلتفت إليه أبدا لأنه من وسواس الشيطان وخداعه وغروره. فإنه إذا كانت العزيمة الصادقة والإرادة القوية سهل كل شيء، ولم يصعب، وهذا كما يزعم أصحاب ذلك الخمر أنهم لا يستطيعون فراقها وهم كذابون في والتاريخ شاهد على ما نقول، فكم من منهمك في الخمر تاب الله عليه فلم يعد يلتفت إليها كما وقع للصحابة أنفسهم لما حرمت الخمر فإنهم أراقوها في يومهم حتى سالت بها أزقة المدينة، وما قالوا لا نستطيع تركها وهم ألفوها منذ صغرهم، وأقل ما يقال في الأمر: إن فيه شبهة عظيمة جدا وريبة كبيرة، فتركه أولى، والرسول يقول: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ((1) (ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات
وقع في الحرام) (2)
(1) أخرجه الترمذي والنسائي وأحمد والدارمي.
(4) أخرجه البخاري في الباب التاسع والثلاثين من كتاب الإيمان.
258 (1/358)
صفحة 359
هذا ما حضر لي في المسألة مع ضيق الوقت عن
المراجعة، دمتم لأخيكم ومحبكم ..
طويلة وهي
سؤال: رجل اتخذ خليلة يعاشرها معاشرة الزوجة مدة ذات زوج أي في عصمة رجل آخر لم يطلقها ولم تفتد منه بل لم تزل في عصمته شرعا إلا أنه نشر عنها أو نشزت عنه فولد منها لخليلها هذا أربعة أولاد وهو اليوم عازم على التوبة ويريد أن يتخلص منها ويأخذ الأولاد الأربعة لأنه يعترف بأنهم أولاده ويريد أهل المرأة منه أن يتزوجها أن طلبوا من زوجها الحقيقي أن يطلقها. . . فهل يسوغ
بعد
له هذا؟
الجواب: إن من أقبح صور الزنى وأعظمها جرما عند الله أن يزني الرجل بذات زوج وبخاصة إن اتخذها فراشا له يعاشرها معاشرة الزوجية، وذلك المعبر عنه في الفقه بالقعود على الفراش الحرام، وهو من أكبر الكبائر لا يقبل الله من صاحبه صرفا ولا عدلا. فالواجب على هذا الذي يريد التوبة أن يفارقها إلى الأبد ولا يحل له أن يتزوجها ولو بعد أن يطلقها زوجها، وليجعل بينه وبينها البحر الأخضر كما ورد في الأثر.
وأما الأولاد الذين قلت إنه يعترف بأنهم أولاده فهذا زعم باطل وقول هراء لا سند له في الشريعة الإسلامية فإنهم أولاد زنى يلحقون في الشرع بنسب زوج أمهم، إلا إن وقع بين
359 (1/359)
صفحة 360
بعد
الزوجين تلاعن كما ذكره الله في سورة النور (1) فينسبون لأمهم، وأما خليل أمهم فإن له الحجر فإنه عاهر، وفي الحديث الصحيح (الولد للفراش وللعاهر الحجر) (2) فحرام عليه أن ينسبهم إلى نفسه وأن يدخلهم في نسب آبائه وأجداده، فإنهم ليسوا من سلالتهم شرعا. وفي الحديث (ملعون من ادعى لغير أبيه أو تولى غير مواليه) (3) ولا أدري معنى قولك «يعترف بأنهم أولاده» هل المراد أنه سجلهم في سجل الولادات في البلدية التي ولدوا فيها باسمه ونسبه أم ماذا؟ فإن كان فعل ذلك فإن عليه وجوبا أن لا يسجل رسما في محكمة شرعية ينفي فيه نسبهم إليه حتى تختلط الأنساب وتقسم المواريث وتقع الأنكحة والانكشاف بناء على هذا النسب الزائف، وفي هذا من الخطر الكبير بهتك حرمة الشريعة ما فيه. وإن أشفق عليهم وأراد الإحسان إليهم فإنه يسوغ له أن يعطيهم من المال عقارا أو غيره في حياته ما يريد وله أن يوصي لهم بما يريد مما لا يتجاوز الثلث فيعطى لهم من تركته ولا يجد الورثة إبطال الوصية ما
(1) يشير الى الآيات 6 - 7 - 8 - 9 - من سورة النور. (2) رواه الربيع في باب الرجم والحدود. والبخاري في الباب التاسع والعشرين من كتاب الاحكام وفي غيره. ومالك في الباب العشرين من كتاب الأقضية ومسلم في الباب العاشر من كتاب الرضاع، والترمذي في الباب الثامن من أبواب الرضاع وابو داود والنسائبي في كتاب الطلاق وابن ماجة والدارمي في كتاب النكاح. (3) رواه الربيع في الحديث (978) الثامن والسبعين بعد التسعمائة، ورواه بألفاظ متقاربة كل من البخاري في الباب الخامس من كتاب المناقب ومسلم في كتاب الإيمان
والترمذي في كتاب الوصايا والنسائي في كتاب الحدود والدارمي في كتاب السير.
360 (1/360)
صفحة 361
وسعها الثلث. وقد فعل هذا عندنا بعض من ابتلي بمثل هذا فسجل رسما شرعيا بأن هؤلاء الأولاد ليسوا أولادا له شرعيين فلا يدخلون في نسب قومه ولا في قسمة ميراثه، وأوصى لهم بمال وفير فتنصل بذلك من كل تبعة وبهذا يمكن أن تصح
توبته، وتكون توبة نصوحا يرجى أن يتقبلها الله هذا ما من الله به في الجواب وأرجو أن يكون عين
الصواب
سؤال: رجل زنى بامرأة ثيب سبق لها أن تزوجت بزوجين ولها معهما أولاد وصحبها نحو سنة سرا وزنى بها مرارا فحملت منه وأجهضت حملها عمدا لئلا يفتضح أمرها بالولادة وعلى أثر ذلك قام بصورة زواج بلا ولي ولا شهود وإنما أحضر طالبا قرأ الفاتحة بحضور أخت المرأة ثم أخبر أم المرأة بذلك فقبلت وقدم المهر قاصدا من عمله هذا التستر بقدر الإمكان ويريد اليوم أن يخرج من هذا التستر ويثبت هذا النكاح بعقد شرعي، فهل يجوز له ذلك وهل تحل له هذه المرأة ويستطيع أن يتخذها زوجة ويلد معها أولادا شرعيين؟ وهو يحبها وهي شديدة التعلق به، وإنه يطلب منكم بكل إلحاح أن تجدوا له حلا لمشكلته بما أنزل الله
وبحكم الشريعة السمحة وقد رفض كل فتوى من غيركم. الجواب: - والله أعلم - أن عقد النكاح من أقدس العقود وقد سماه الله في كتابه الكريم (ميثاقا غليظا) (1)
(1) الآية 21 من سورة النساء
361 (1/361)
صفحة 362
من
السلف والخلف
فلا تصلح فيه هذه العبثيات التي ارتكبها هذا المفتون عن دينه. زنى، ثم إجهاض، ثم عقد باطل من كل الوجوه! وإن نكاح الرجل لمن زنى بها حرام بإجماع علماء الإباضية، ومنعه من الصحابة ابن مسعود وعائشة أم المؤمنين وعلى بن أبي طالب والبراء بن عازب وجابر بن عبد الله وأبو هريرة، ومن التابعين جابر بن زيد إمام الإباضية والحسن وابن سيرين والنخعي، وقد قال صاحب النيل: حرم على الرجل نكاح مزنيته وإن بكره أو بعد توبة .. وقال شارح النيل القطب رحمه الله: «والرواية الصحيحة عن جابر بن زيد: من زنى بامرأة فلا يتزوجها وليجعل بينهما البحر الأخضر، وإن قدر أن لا ينظر إليها أبدا فليفعل، وسئل صحابي عن زان بامرأة تزوجها فقال: تزوجها شر من زناه، وسئلت عائشة فكرهته أي حرمته أي لأنه استحلال والزنى تشه ولتكرّر الوطء بالتزوج وما يبنى عليه، وعنه: أيما رجل زنى بامرأة ثم تزوجها فهما زانيان أبدا) (i) وعنه: (لا نكاح بعد سفاح) (2) وعن عائشة في قوله تعالى: وحرم ذلك على المؤمنين (3) أنه حرام على الزاني نكاح مزنيته، وحكم كلامها رحمها الله حكم الحديث المرفوع الى
() تقدم (2) تقدم أيضا.
(1) الآية 3 من سورة النور.
362 (1/362)
صفحة 363
النبي الله وفي ذلك رد لقول من قال من المخالفين بتحليل نكاح الزاني بمزنيته مطلقا ولقول من قال منهم بتحليله بشرط الإصلاح والتوبة وأجاز أبو حنيفة تزوج امرأة زني بها أو نظر فرجها وأجاز الشافعي ذلك أيضا. وقال الشارح أيضا: وقيل إن تابا وأصلحا جاز تناكحما، وقيل ولو لم يتوبا وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة. انتهى
وبعد فقد علمت أن مذهب جميع الإباضية في هذه القضية هو المنع مطلقا للأدلة المتقدمة وغيرها. وهذا هو الذي نراه ونفتي به ونراه حقا إن شاء الله ولكننا لا تقطع عذر من خالفه وعمل بغيره من أقوال أئمة المسلمين فالمسألة فرعية اجتهادية لا يسوغ فيها قطع عذر المخالف، وننصح لكم أن تقرؤوا تعليق الشيخ عبد الرحمن بن عمر على المسألة في الجزء الثاني من كتاب النيل - طبع المطبعة العربية صفحة 324 وما بعدها ففيه بيان خطر التساهل في هذه القضية. وننصح لهذا المبتلى - عفا الله عنه ـ أن يحتاط لدينه فقد قيل قديما: أحزم الناس من تحرى لدينه، وذلك
بالتخلص من هذه المرأة وتخلية سبيلها بكل وسيلة ممكنة وبذلك وحده تتحقق سلامته وتصح توبته من العظائم التي تورط فيها فإن استمراره معها ولو بعقد جديد إنما هو استمرار ودوام لتلك الشهوة البهيمية ولذلك الحب النجس القذر الذي جمع بينهما على الحرام لأول مرة ولم ينقطع ولم
363 (1/363)
صفحة 364
يفتر ولم يضعف منذ تلك اللحظة وهذا سر قوله: (أيما رجل زنى بامرأة ثم تزوجها فهما زانيان أبدا) (1) فما أحكم النبيء الا الله في قوله هذا فإن فيه من الفقه والحكمة ما فيه لمن تدبره، فالسلامة كل السلامة في الانفصال التام، وقد قال الإمام جابر بن زيد: وإن قدر أن لا ينظر إليها أبدا فليفعل. فما هو إلا شيء من قوة الإرادة وصدق العزيمة فإذا هو ناج من الأخطار المحدقة به دينا وأخرى، ولا يغنيه شيئا ما يتعلل به ويبرر به موقفه من جرها إلى المذهب وتعليمها الدين ونحو ذلك من المبررات الباطلة فإن للدعوة إلى الدين الإسلامي سبلا وطرقا غير هذه فليدعها وشأنها فذلك خير له. وما يؤمنه أن تعمل مع مثل ما عملت معه يوم كانت لغيره ولم تكن له، فليستعن على فراقها بالصبر والصلاة أي بالتضرع إلى الله تبارك وتعالى دبر كل صلاة أن يرزقه الصبر والسلوان وأن قلبه إلى الإيمان وأن يطفئ هذه الجمرة المتقدة في قلبه نحوها فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، وأن يجاهد نفسه في الله حتى يحقق له وعده في قوله والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع
المحسنين (2)
غيره
يهدي
() تقدم.
(1) الآية 69 وهي آخر سورة العنكبوت.
364 (1/364)
صفحة 365
هل تحرم الزوجة؟
سؤال: قال الشيخ رحمه الله: أسجل هنا نص سؤالك حرفيا كما ورد في كتابك حتى يكون الجواب مقترنا به فيزول كل ريب ولا يبقى شك ولا وهم، وهذا هو نص السؤال حرفيا): جاء في بالي أقول لهم إذا أعطيتكم هذا المحل أنني أضطر إلى طرد زوجتي إلى أهلها، هذا ما أضرته في ضميري، لم أفه به إلى حد الآن. وما الحكم الشرعي في ذلك بارك الله فيك؟ (ثم قلت بعد ذلك إنني بعد ذلك تراجعت عن فكرتي، هل يسوغ لي أن أعطي هذا المحل أم
لا؟
الجواب: اعلم أيها الأخ أن قولك (جا في بالي) معناه أنه خاطر خطر في قلبك وتحدثت به في نفسك من غير أن تصرح به كما دل عليه قولك (أضرته في ضميري لم أفه به إلى حد الآن (وهذ ما يسمى في عرف علماء الفقه (حديث النفس وهو معفو عنه عند جميع العلماء موافقين ومخالفين من الخلف والسلف فلا يترتب عليه حكم شرعي مطلقا ولا
"
يثبت به عقد مطلقا لا نكاح ولا طلاق ولا يمين ولا غيرها فمن خطر بباله أن يُزوّج أو يطلق أو ينذر أو يحبس أو
يعلق شيئا من ذلك على شيء فلا شيء عليه مطلقا ولا يترتب عليه حكم مطلقا ما لم يتلفظ به صراحة بالألفاظ
365 (1/365)
صفحة 366
التي وضعت لذلك لغة وعرفا، وقد ثبت عن النبيء له أنه قال: (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها مالم تتكلم به) (1) وكفى بهذا الحديث حجة، فأقدم أيها الأخ على ما دعيت إليه من خير واغتنم هذه الفرصة السانحة وأعن هذا المشروع الخيري الذي أشرت إليه في كتابك ولا تصرفنك عنه الوساوس والأوهام وقد نهى الله تبارك وتعالى أن نجعل الأيمان عرضة للبر والتقوى والإصلاح: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس .. الآية (2) يُدعى الرجل إلى عمل خير فيقول قد حلفت أن لا أفعل وقد سبق لي يمين أو نحو ذلك مما يتخذه ذريعة للامتناع من عمل الخير، وإذا سبق منه يمين حقا فإن عليه أن يكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير أمر به النبيء في حديث صحيح (3) هذا ما من الله به في الجواب، وما التوفيق إلا منه.
كما
سؤال: رجل أغضبته زوجته فأقسم لها بالحرام ألا تبيت تلك الليلة في الدار، يفهم من عبارتك هذه أنه قال
(1) الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. ولفظ البخاري: ان الله تجاوز لي عن أمتى ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تكلم (انظر
الباب السادس من كتاب العتق (2) الآية 224 من سورة البقرة.
(3) يشير إلى حديثه وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وانت الذي هو خير. رواه البخاري في الباب الأول من كتاب الأيمان وفي غيره. كما رواه مسلم وأبو داود وغيرهما.
366 (1/366)
صفحة 367
المعتاد لها حسب من أمثال هؤلاء الطائشين (بالحرام لا تبيتن هذه الليلة في الدار) وقلت في رسالتك إن هذا الحالف سئل عما قصده بهذا الكلام فأجاب بأنه لا يقصد بذلك تحريمها ولا تطليقها وإنما يقصد مجرد التهديد والتربية فقط، وأنه لما تعذر خروجها في جوف الليل بقيت في الدار إلى الصباح، فخرجت وذهبت إلى أهلها. ثم رغبت في الرجوع إلى دار زوجها كما رغب في ذلك أهلها وزوجها لاستئناف حياتهما الزوجية العادية. فهل على الزوج من حرج في ذلك؟ وهل عليه كفارة لحلفه بالحرام؟
الجواب: والله أعلم، أنه لا حرج عليه في ردها إلى بيته، لا تزال في عصمته لم تطلق ولم تحرم عليه إذ لم يقصد شيئا من ذلك في يمينه، وأما الكفارة فإن عليه كفارة يمين في قول بعض العلماء ويعجبني هذا القول. فليؤد هذه الكفارة وليتق الله، ولا يعد لمثل هذا القسم بالحرمة والطلاق، فإنها ـ كما ورد في الأثر - من أيمان الفساق.
هذا ما الله
من به في الجواب.
•
سؤال: رجل تزوج بكرا صغيرة كانت تتمنع منه إذا أرادها لمشقة العمل عليها فقال لها يوما ـ وقد غضب ـ عليك أن تصبري وإلا فارجعي من حيث أتيت، ولم ينو بذلك فرقة ولا طلاقا ولم تفهم منه هي الأخرى كذلك فرقة ولا
طلاقا وإنما هو تهديد فقط، وقد مضى على ذلك بضعة عشر
3670 (1/367)
صفحة 368
عاما وهما معا والقلوب مطمئنة ولهما أولاد وقد حدث اليوم بذلك بعض اصحابه فوسوسه بأنه ربما حرمت عليه زوجته
فأصبح في حيرة من أمره وهو يطلب الجواب الشافي. الجواب: لا تحرم عليه زوجته بذلك ولا بأس عليه وهي في عصمته ولاريبة في شيء من ذلك مطلقا فليطرح الوسواس عن نفسه ولينعم بزوجه وإنما السيئة التي ارتكبها تحدثه للناس بما يقع بينه وبين زوجته فقد ثبت في ذلك النهي الصريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يتحدث أحد الزوجين بما بينه وبين زوجه لأحد من الناس مطلقا إلا أن تلجئه إلى ذلك ضرورة كسؤال شرعي مثلا فليتب من سيئته
هي
هذه ولا يعد لمثلها.
سؤال: رجل قال لزوجته وقد رآها تتهيأ للخروج من المنزل: إذا خرجت فإنك حرام فخرجت غير ممتثلة لنهي زوجها ولها مع زوجها هذا خمسة أولاد فندمت وطلبت
الرجوع لزوجها وللزوج رغبة فيها كذلك؟ فهل تحل له؟ الجواب: إن كان الزوج يريد بقوله: «إنك حرام» الطلاق أعني ينوي بقوله إنك حرام» إنك مطلقة فهذا طلاق تبين به لكنها لا تحرم عليه فيجوز له له أن يجدد العقد عليها إلا إذا كان قد طلقها قبل ذلك مرتين وكانت هذه التطليقة الثالثة فإنها حينئذ لا تحل له حتى تنكح
زوجا غيره.
هي
368 (1/368)
صفحة 369
وإن لم يكن ينوي بقوله إنك حرام الطلاق، وإنما يريد التحريم ويقصد التهديد والتخويف وتأكيد المنع من
الخروج فإنها لا تحرم عليه وكلامه لغو وباطل وتجب عليه بذلك كفارة يمين فقط، والمرأة زوجته باقية في عصمته لا بأس عليهما. وفي مثل ذلك نزل قوله تعالى: (ياأيها النبيء لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم (1) هذا أحسن ما قدرنا عليه بعد الاجتهاد في بحث المسألة والاطلاع على ما قاله الأئمة الأعلام من السلف والخلف الله / ونرجو أن نكون مصيبين وجه الحق إن شاء - رحمهم الله، وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه والسلام عليكم
ورحمة الله.
سؤال: رجل قال لزوجته والله لقد ندمت عندما تزوجت بك وتأسفت على أني لم أتزوج بنتا من بنات التل
لأكون سعيدا معها. هل تحرم عليه زوجته بهذا القول؟ الجواب: إن هذا اللفظ ليس صريحا في الطلاق ولا في التحريم وعليه فإن الأمر يرجع إلى نيته. فإن كان ينوي بقوله «ندمت على تزوجك تطليقها كان ذلك طلاقا وإن لم يكن ينوي التطليق فلا بأس عليه، ولا ينبغي للإنسان أن
(1) الآيتان 21 من سورة التحريم. (1/369)
صفحة 370
يلعب بأمثال هذا الكلام الذي فيه خطر كبير، وضرره أكبر من نفعه، فاتقوا الله ما استطعتم واحفظوا ألسنتكم من اللغو تسلم دنياكم وأخراكم
سؤال: رجل غضب على عامل له لشيء ارتكبه فقال له: إن زدت معي عملا بعد اليوم فزوجتي حرام. ثم فصله عن عمله في الحال تنفيذا ليمينه الحال تنفيذا ليمينه وهو لا ينوي بذلك طرده أبدا، بل لبعض الوقت فقط تربية له وتأديبا كما أنه لم يقصد بذلك أبدا تحريم زوجته وإنما الغضب فقط أنطقه بذلك الكلام، ثم إنه بعد نحو من شهرين رد ذلك العامل إلى عمله، ولا علم للزوجة بشيء قط مما جرى. فما حكم الشريعة في القضية؟
الجواب: - وبالله التوفيق - إنه ليس عليه في ذلك شيء فلا تحرم زوجته ولا تطلق ولا كفارة عليه فإنما الأعمال بالنيات وقد نوى بيمينه الطرد المؤقت لا المؤبد وقد وقع فبر بذلك بيمينه وانحلت عقدة اليمين، ثم إنه من جهة أخرى لم ينو تحريما لزوجته ولا تطليقا فأشبه أن يكون يمينه هذا لغوا، والله تبارك وتعالى يقول: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان (1) هذا ما من الله تبارك وتعالى به في الجواب.
(1) الآية 89 من سورة المائدة
370 (1/370)
صفحة 371
وبعد هذا كله نستحسن له أن يكفر عن يمينه وكفارة اليمين أرخص ما يكون حتى تطمئن النفس ولا يبقى بالصدر حرج ولا بالقلب ريب. وننصحه كذلك أن يخبر
زوجته حتى لا يدخل على قلبها وسواسا لا تحمد عاقبته
سؤال: زوجة قامت تطلب الفرقة مع زوجها مدعية أنه كثيرا ما يقول لها: أنت علي حرام، مريدا الطلاق. ثم يعود فيمسها بدون مراجعة، ولا تكفير يمين، وتكرر ذلك منه مرارا عديدة في مدة طويلة، غير مبال ولا مكترث بما يأتي، وهي جاهلة لا تدري حكم الشرع في ذلك حتى أخبرت يوما ذويها فسألوا الزوج فأقر واعترف بذلك. فقالوا لها: حرمت عليه ثم فصلوا بينهما مؤقتا، انتظارا لحكم الشريعة الغراء فما الحكم الشرعي في ذلك؟ الجواب: - والله أعلم - أنها حرمت عليه أبدا
، ويجب
التفريق بينهما حالا، وما كان من ولد بينهما ـ بحمل في تلك المدة - يثبت نسبه، ولقد أحسن أهلها في التعجيل بالفصل بينهما فإنهما كانا قاعدين على فراش حرام، فعليهما
التوبة والاستغفار والكفارة.
به في الجواب وأرجو أن يكون عين
هذا ما من الله به في
الصواب
سؤال: هل تحرم الزوجة على زوجها بقوله لها عند
الغضب مثلا: «يا يهودية أو ياكافرة» أو نحو ذلك من الأوصاف المخرجة عن الملة أو «يا بنت الحرام».
371 (1/371)
صفحة 372
الجواب: هذا باطل ولا أصل له مطلقا فلا تحرم به الزوجة بذلك وإن كرره لها ألف مرة لكنه لا ينبغي له أن
يخاطبها بمثل هذا فدعوا الوساوس والهواجس وتجنبوا هذا اللغو من أقوال السفهاء. ولا تحرم الزوجة إلا إذا قال لها: أنت على حرام ويقصد بذلك تطليقها فيكون حكمها حكم المطلقة، وإن لم يقصد تطليقها وجبت عليه كفارة يمين، وإن قال أنت علي حرام مثل أمي أو إحدى محارمه كان ذلك ظهارا وله حكم خاص منصوص عليه في سورة المجادلة في القرآن
سؤال: رجل يتحدث عن زوجته وقال لبست كذا وكذا ورجعت كأنها رومية، فقال له بعض الحاضرين إنها
حرمت عليك بهذا التشبيه، فهل هذا
صحيح
؟
الجواب: لا، لا! إنها لا تحرم عليه بهذا مطلقا لأنه لا يقصد بذلك إلا أنها تشبه الرومية في هيئتها وفي زيها فقط ولا يريد أنها حرام عليه كما حرمت المشركة. وكذلك لا تحرم عليه إذا كان يباشرها وخيل له الشيطان صورة امرأة أخرى مسلمة أو غير مسلمة، فاحذروا هذه الوساوس ولا تشتغلوا بها، وقد نهت الشريعة أن يتحدث أحد الزوجين للناس بما بينه وبين زوجه
وفقكم الله وهداكم وأخذ بأيديكم إلى ما يحبه ويرضاه،
والسلام عليكم ورحمة الله
372 (1/372)
صفحة 373
سؤال: شاب ابتلي بالعمل حيث تمرح وتسرح الفتيات المتبرجات يقضي يومه بينهن في ممازحات ومداعبات حتى أصيب بالعجز الجنسي بالنسبة لزوجته فلا يستطيع أن يباشرها إلا إذا تخيلها إحدى فتياته ويلازمه هذا التخيل من أول العملية إلى آخرها، وقضى في هذه الحالة
زمنا طويلا، فما ذا عليه؟
الجواب: أما فيما يتعلق بنظر الشهوة إلى تلك الفتيات ومداعبتهن بمختلف الكيفيات دون ارتكاب فاحشة الزنا فإنه عاص مرتكب لذنب كبير بالنص والإجماع فعليه التوبة النصوح والندم والاستغفار، وإن ارتكب الفاحشة الكبرى فإن عليه مع ذلك كفارة مغلظة لكل مرة ورخص بعض العلماء في كفارة واحدة لجميع ما مضى وإن عاد بعد التكفير فإن عليه كفارة أخرى اتفاقا. وأما فيما يتعلق بزوجته التي يباشرها بتخيل غيرها فإنه عاص بذلك عليه التوبة من معصيته والإقلاع عنها إلا أن زوجته لا تحرم
عليه بذلك.
سؤال: رجل يباشر زوجته ويتخيل امرأة أجنبية أخرى يستعين بذلك على إتمام عمله وأداء حق زوجه فهل
تحرم عليه زوجه بذلك؟
الجواب: إن زوجته لا تحرم عليه بذلك وإنما عليه أن ينوي بذلك إحصان نفسه بالحلال عن الحرام، فقد صح
373 (1/373)
صفحة 374
أهله
عن النبيء لا فيما أخرجه أبو داود والترمذي بسندهما إلى جابر بن عبد الله قال - واللفظ للترمذي - إن النبيء لما رأى امرأة فدخل على زينب فقضى حاجته وخرج فقال: إن المرأة إذا أقبلت أقبلت في صورة شيطان فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت فإن معها مثل الذي معها) (1) حديث حسن صحيح غريب. فما نرى من بأس على من غلب عليه وسواس الشيطان فلم يجد بدا من مثل ذلك التخيل ليحصن نفسه ويحفظ فرجه وينجو من مواقعة الحرام وإتيان الفاحشة. والله أكرم وأرحم من أن يؤاخذه على ذلك أو يحرم عليه زوجه بذلك وقد فر من معصيته، وأما إن لم تكن نيته الإحصان بل التمادي على الحرام فإن الله معاقبه على سوء نيته بيد أن زوجه لا تحرم عليه هذا أحسن ما قدرنا مما من الله به في الجواب، وهو
الموفق للصواب
•
سؤال: إذا اعتدى الجنود على زوجة فما حكمها؟
وإن أتت بولد فما حكمه؟
E
الجواب: إن مس المرأة بالإكراه لا يحرمها على
زوجها ولا يخرجها من عصمته ولا يفسد نكاحها. أما الولد
(1) رواه الترمذي في الباب التاسع من أبواب الرضاع.
374 (1/374)
صفحة 375
إن أتت به فقد قال في شأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: الولد
للفراش وللعاهر الحجر) (1).
سؤال: ما حكم امرأة جاهرت زوجها بالزني؟ وما حكم رجل جاهر زوجته بالزنى؟
الجواب: يقول الشيخ عبد العزيز رحمه الله في النيل في باب «ما يحرم من النساء المتزوجات» (2): «أو زنت بعلم منه أو زنى، لا إن أقرا به ويقول الشيخ اطفيش رحمه الله في شرحه: «فإذا أقر أحد الزوجين للآخر بالزنى لم يحرم عليه ولا يصدقه وإن وقع التصديق في قلب أحدهما فلينفه
من قلبه ويكذب بذلك»
وأرى أن هذا هو الحق في المسألة فلا حرمة بمثل هذا الإقرار ولم نعثر على نص صريح من كتاب أو صحيح من سنة يعتمد عليه في التفريق بين الزوجين وتحريمهما على بعضهما بمثل هذا، هذا إذا كان مراد السائل بقوله «جاهرت زوجها بالزنى أقرت له بالزنى كما فهمناه نحن، وأما إذا كان مراده بالمجاهرة بالزنى أنها زنت جهارا وعلم الزوج منها ذلك فإنها تحرم عليه بذلك كما نص صاحب النيل وشارحه،
هذا ما من الله به في الجواب والسلام عليكم ورحمة الله
•
(1) أخرجه البخاري في كتاب الفرائض والأحكام والوصايا ... وأخرجه مسلم في الباب السادس والثلاثين وغيره من أبوب الرضاع والترمذي في الباب الثامن من أبواب الرضاع (2) لم يرد هذا في عنوان هذا الباب في الطبعة التي بين أيدينا لشرح النيل أي الطبعة الثانية له وهي من نشر دار الفتح في (بيروت) بتاريخ 1392 هـ 1972 م وإنما هو كما يلي:
باب فيما تحرم المرأة أو يبينها. أنظر صفحة 456 من الجزء السادس من شرح النيل. (1/375)
صفحة 376
سؤال: رجل له زوجة له معها أولاد عديدون اتهمها بدخول أجنبي عليها عند غيبته وقامت له على ذلك قرائن فضربها ضربا شديدا مبرحا اضطرت معه الى الاعتراف بما اتهمها به، هل تحرم عليه بذلك وتجب مفارقتها؟ أم هل يستتيبها ويمسكها؟ أم كيف يفعل؟ وهو يخشى ضياع أولاده إن فارقها؟ ولا يريد هتك ستر عائلتها
الجواب: يجوز له أن يستتيبها ويعظها فإن تابت واستغفرت من ذنبها جاز له إمساكها فقد روي أن رجلا شكا امرأته إلى النبيء علال المتهما لها بمثل ذلك فقال له النبيء لله طلقها، فقال الرجل يارسول الله إني أخاف أن تتبعها نفسي وفي رواية قال له: لي منها
صلى
ولد وصحبة يارسول الله، فقال له النبيء لله فاستمتع بها ثم قال له عظها فإن يك فيها خير ستقبل) (1) هذه فتوى النبيء في مثل صلى الله هذه المسألة ولا معدل لنا عنها ولنا فيه أسوة
(1) هذا الحديث رواه أبو داود في الباب الرابع من ابواب النكاح وقد جاء فيه: عن ابن عباس قال جاء رجل إلى النبي الا الله فقال: إن امراتي لا تمنع يد لامس، قال غربها. قال أخاف أن تتبعها نفي، قال فاستمتع بها، اه. أما العبارة الي منها ولد وصحبة ... الخ) فقد وردت في حديث آخر وفي مناسبة غير هذه فقد روى أبو داود في الباب السادس والخمسين من كتاب الطهارة حديثا مطولا جاء فيه:
قلت يارسول الله إن لي امرأة وإن في لسانها شيئا، يعني البذاء، قال فطلقها إذا، قال قلت يارسول الله إن لها صحبة ولي منها ولد قال فمرها، يقول عظها، فإن يك فيها خر فتفعل .. إلى آخره
276 (1/376)
صفحة 377
حسنة وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) () وقانا الله وإياكم المكاره والأسواء والسلام عليكم ورحمة الله.
سؤال: ما حكم الشريعة في رجل امتص ثدي زوجته مداعبة وهي مرضع فشرب لبنه أتحرم عليه زوجته بذلك؟
وهل هو عاص بذلك؟
الجواب: إنه لا بأس عليهما بذلك ولا حرج فيه ولا
إثم ولا تقع به حرمة بينهما.
سؤال: هل امتصاص الزوج ثدي امرأته حرام؟ وهل
تحرم عليه بذلك؟
عالما
الجواب: لا نعلم في ذلك حرمة ولا سمعنا عنه نهيا عنه ولا تحرم به الزوجة إن وقع، وقد روينا عن أشياخنا أن من العلماء كرهته زوجته وأرادت التخلص منه فسقته كوبا من لبنها - على غير علم منه - فلما شربه قالت له قد حرمت عليك فهذا الذي شربته الآن هو لبني، حلبته من ثديي، فقال ما أحسن هذا كنت لي زوجة فقط فأصبحت لي نعجة أيضا فأنت اليوم زوجتى ونعجتي.
سؤال: رجل داعب امرأته بذكره في فمها ولكنه لم
يمن فماذا عليه؟
() الآية 7 من سورة
377 (1/377)
صفحة 378
الجواب: إن هذا أمر قبيح ومنهى عنه شرعا وحرم به بعض العلماء الزوجة إذا أتم العملية بالإنزال في الفم. فلا تعد لمثل هذا فإنه مخل بكرامة الإنسان وشرفه. وقد قالت السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها ـ مع طول معاشرتها للنبي الله وشدة حبه له - ما رأيت منه ولا رأى مني) (1) تعني بذلك أنهما أي النبيء وعائشة يتنزهان
صلى الله
عن النظر إلى عورة بعضهما وهما زوجان، فإذا لم تستطع الاقتداء بهما في مثل ذلك فلا أقل من أن تتنزه عن مثل هذه
الخبائث من الوقاع في الفم ونحو ذلك مما لا ضرورة له
(
ولا حاجة تدعو إليه إلا وسواس الشيطان. حفظنا الله وإياكم من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور
الناس من الجنة والناس، والسلام عليكم أولا وأخيرا.
سؤال: هل يجوز للزوجين أن يقبل أحدهما عورة الآخر وما حكم الشريعة في ذلك؟
الجواب: هذا أمر مكروه جدا في الشريعة ومناف للكرامة الإنسانية لكنه ليس بحرام أي ليس بمعصية فتجنبه
أولى فإنه تسفل ودناءة
سؤال: ما حكم الملاعبة بالأعضاء التناسلية بين
الأزواج؟
(1) رواه ابن ماجة في الباب السابع والثلاثين بعد المائة من كتاب الطهارة. ولفظه: عن
•
عائشة قالت ما نظرت أو ما رأيت فرج رسول الله ما قط
378 (1/378)
صفحة 379
الجواب: الملاعبة بالأعضاء التناسلية بين الأزواج
كالتقبيل والامتصاص مثلا. . . مكروه شديد الكراهة وليس بحرام، ولا يحرم به أحد الزوجين على الآخر ولكنه لا يليق بكرامة الإنسان وقد كان النبيء لا يتنزه حتى عن الرؤية قالت عائشة رضي الله عنها: والله ما رأيت منه ولا رأى مني) (1) تعني العورة. هذا ما من الله
حتى
في الجواب
الله به
سؤال: ما حكم الشرع في امتصاص المرأة ذكر زوجها وهل تحرم عليه بذلك؟
الجواب: إن هذا الفعل مثل مقابله وهو تقبيل الرجل لفرج امرأته من الأعمال القبيحة الشنيعة التي يتنزه عنها العقلاء وذوو الهمم العلية وهي من عادات فسقة الأوروبيين سارت عدواها إلى أبناء المسلمين المصابين بمرض التقليد الأعمى. وقد ورد النهي عن إتيان المرأة في فمها وقد ورد التنزه عما أخف من ذلك وهو النظر عن أكرم الخلق
هو
سيدنا رسول الله الله فيما روته زوجته السيدة عائشة رضي الله عنها حين قالت: (ما رأيت منه ولا رأى مني) (1): في النظر فما بالك بتلك الأعمال الشنيعة التي لا حاجة إليها ولا ضرورة تقتضيها، أما النظر فلا حجر فيه ولا منع
هذا
الله
(1) رواه ابن ماجة وقد تقدم غير أن عائشة لم تزد على قولها: ما رأيت فرج رسول
(2) تقدم عن ابن ماجة.
379 (1/379)
صفحة 380
ولا كراهة ولن نستطيع أن نتطاول فيه إلى أعلى مقام، مقام رسول الله أكرم الخلق على الله، وأعلاهم همة ومقاما لأن الضرورة تقتضيه والحاجة تدعو إليه في أغلب الحالات وليس من الشين الذي تتقزز منه النفوس الكريمة وتنبو عنه الهمم العالية بخلاف تلك الأفعال القبيحة التي لا يدفع إليها إلا هيجان الغرائز البهيمية السفلى، ومع هذا فإن الزوجة لا تحرم بذلك
سؤال: ما حكم المرأة التي تمس فرج الرجل بفمها؟ الجواب: لاشك أنك تريد بالرجل زوجها وهكذا كتبت تمس بالسين ويبدو أن مرادك تمص بالصاد. ومهما يكن فإن هذا أو ذاك لا يحرم المرأة على الزوج وليس
بمعصية في حد ذاته وإن كان المطلوب التنزه عنه. أما العمل الجنسي التام في الفم فحرام لا يجوز الإقدام عليه عند بعض العلماء لكن لا تحرم به الزوجة.
هذا ما من الله به. والسلام.
سؤال: هل تجوز المباشرة في الفم وهل يجوز
استعمال الدواء لمنع الحمل؟
كما الجواب: نهي نهيا شديدا عن المباشرة في الفم تقدم، وكذلك نهي نهيا شديدا أن يضع الرجل فمه على فرج زوجته. وإذا فعلا ذلك فقد ارتكبا خطأ كبيرا وعصيا الله أما أن تحرم بذلك الزوجة على زوجها ففيه خلاف بين
380 (1/380)
صفحة 381
العلماء. وأما استعمال الدواء لمنع الحمل فإنه يجوز بشرط اتفاق الزوجين وتراضيهما، ولا يجوز لأحدهما أن يفعل ذلك
بنفسه بغير رضا قرينه، ومن فعل منهما ذلك فقد عصى ربه وعق زوجه، هذا في منع الحمل وأما إسقاط الحمل بعد وقوعه فهذا حرام وكبيرة وقتل نفس لا يجوز مطلقا، ومن فعله فقد عصى وإن اتفقا عليه أعني الزوج والزوجة فقد عصيا ربهما وعليهما - أو على من فعله منهما وحده وتسبب فيه. كفارة ودية، والدية تختلف باختلاف أطوار الجنين عند
إسقاطه.
سؤال: ما حكم مس الفم أو الدبر بالذكر؟
الجواب: حكم المس في الفم أو الدبر حكم الوطء في الحيض وهو التحريم عند الجمهور والعبرة هنا بدخول الحشفة بدليل الكتاب ونساؤكم حرث لكم، فأتوا حرثكم أنى شئتم (1) فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) (2) وليس الفم ولا الدبر محل حرث وليسا من حيث
أمركم الله
فليتق الله المنتهكون المتهاونون بأوامر الله ونواهيه.
سؤال: رجل وزوجته يلحسان فروج بعضهما بعد
غسلهما. فما حكم ذلك؟
(1) الآية 223 من سورة البقرة. (2) الآية 222 من سورة البقرة.
381 (1/381)
صفحة 382
يحسن
الجواب: إنه عمل قبيح جدا ومكروه جدا، لا ولا يليق بالرجل المسلم الكريم ولا بالمرأة المسلمة الكريمة أن بفعلاه. وقد كان الله وأزواجه أمهات المسلمين يتنزهون
حتى عن النظر إلى عورات بعضهم، فقد قالت عائشة رضي الله عنها وهي أحب أزواج الرسول إليه: (ما رأيت منه ولا رأى مني) (1) تعني العورة ومع هذا فإنا لا نستطيع أن نقول إنه معصية وإنما هو دناءة لا تليق بالمسلم ذي الهمة العلية
سؤال: ما حكم الشرع الحنيف في تقبيل الأزواج
بعضهم لعورات البعض وما إلى ذلك أثناء العمل الجنسي
؟
الجواب: ما يمارسه بعض الشباب ذكورا وإناثا مع أزواجهم من تقبيل العورات المغلظة وامتصاصها ونحو ذلك عادات إفرنجية قبيحة تسربت إليهم من مشاهدة أفلام
إنما هي الجنس الداعرة المفضوحة ومن الصور الجنسية الخليعة في مجلاته وصحفه، وهو تسفل وانحطاط الى الدرك الأسفل من البهيمية يتنزه عنه الخلق الإسلامي الرفيع. وقد علمت أن
(1) قال السندي في حاشيته على سنن ابن ماجة تعليقا على هذا الحديث: قوله أو ما رأيت منه في الزوائد هذا إسناد ضعيف ثم قال: وقال السيوطي أقول ليس هذا مطردا في سائر أزواجه ولا كان ذلك ممنوعا عليهن فقد أخرج ابن سعيد والطبراني من طريق سعد بن مسعود وعمارة بن غراب اليحصبي أن عثمان بن مظعون قال يارسول الله إني لا أحب أن
ترى امرأتي عورتي فقال رسول الله الا الله إن الله جعلها لك لباسا وجعلك لها لباسا
382 (1/382)
صفحة 383
عائشة
رضي
الله عنها قالت: ما رأيت منه ولا رأى
مني) (1) وبعض ذلك
في أجوبة الأسئلة التالية
?
محرم قطعا وبعضه مكروه كما سيأتي
•
سؤال: ما حكم إتيان الزوجة في دبرها؟
الجواب: إتيان الزوجة في الدبر حرام
قطعا
بصريح
الكتاب وصحيح السنة، فالله تبارك وتعالى يقول: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم (2) فالإتيان المشروع إنما هو في موضع الحرث في محل الفرث. وقدموا لأنفسكم في ابتغاء النسل والولد، فالإتيان إنما يكون في محل الولد. ويقول بعد الأمر باعتزال النساء في المحيض، والنهي عن قربهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله () وهو محل الحرث والولد. (وقد صح لعن النبيء لمن أتى امرأته في دبرها) (4) ولا يلعن
علية
النبي الله إلا مرتكب الفاحشة الكبيرة.
(1) رواه ابن ماجة في الباب السابع والثلاثين بعد المائة من كتاب الطهاراة ولفظه: (عن عائشة قالت ما نظرت أو ما رأيت فرج رسول الله قط
(2) الآية 223 من سورة البقرة.
(3) الآية 222 من سورة البقرة
(4) رواه ابن ماجة ولفظه: قال: (لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها ذكره في الباب التاسع والعشرين من ابواب النكاح. ورواه الترمذي في الباب الثاني بعد المائة من أبواب الطهارة عن أبي هريرة عن النبيء ما قال (من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد)
383 (1/383)
صفحة 384
سؤال: وهل تحرم الزوجة بذلك؟
الجواب: يرى بعض العلماء تحريم الزوجة تحريما مؤبدا بإتيانها في دبرها عمدا، ولا يرى آخرون ذلك، بل لا يزالان زوجين والعصمة بينهما قائمة. . . وإنما هما مرتكبان لكبيرة عاصيان فاسقان قطعا تجب عليهما التوبة والاستغفار وأنا أميل إلى هذا ولا أرى دليلا قويا يصح الاعتماد عليه في الحكم بالحرمة مؤقتة كانت أو مؤبدة. ويرى بعض علمائنا أن من تمام توبتهما أن يكفر كل منهما يصدقة خمسة دنانير أو ثلاثة أو واحد على الفقراء والمساكين ويطلقون على هذه الكفارة اسم دينار الفراش، هذا إذا كانت الزوجة مطاوعة، وأما إن أكرهت على ذلك إكراها فإنها بريئة ولا إثم عليها ولا
كفارة.
سؤال: وهل تحرم بإتيانها في فمها؟
الجواب: الإتيان التام للمرأة في فمها بالإنزال قبيح جدا ودناءة، وخسة يتنزه عن مثلها العقلاء. لكننا لم نجد نصا صريحا في تحريمه أو في لعن مرتكبه ومع ذلك فقد قال بعض العلماء بحرمة الزوجة بسببه حرمة مؤبدة. ولا أقول أنا بهذا لعدم الدليل عليه، ومهما يكن فإن الأمر فيه أخف م من الإتيان في الدبر أو في المحيض. ولا نرى في
ذلك كفارة إلا التنزه والإقلاع
384 (1/384)
صفحة 385
سؤال: ما حكم الشرع الإسلامي الحنيف في إتيان المرأة في دبرها؟
الجواب: إتيان المرأة في دبرها حرام بالكتاب والسنة والإجماع. لا فرق بين أن ينزل أولا ينزل. فهو من كبائر
الذنوب قطعا تجب التوبة منه على المرأة والرجل، وليس عليه أن يطلقها بعد ذلك، ولكن العلماء اختلفوا في تحريعتها بذلك، فمنهم من حرمها عليه، ومنهم من قال لا تحرم بذلك، وعلى كل واحد منهما كفارة خمسة دنانير وقيل ثلاثة تصدق على أهل الولاية من أرحامهما (1).
مباشرة الزوجة وهي حائض أو نفساء
سؤال: ما الذي يجوز للرجل من زوجه أثناء حيضها
أو نفاسها وما الذي لا يجوز؟ الجواب: يجوز للرجل أن يتمتع بزوجته الحائض أو النفساء في أي جزء من بدنها ما عدا ثلاثة مواضع: القبل والدبر، والفم. فإنه في الأول الذي هو القبل حرام في وقت الحيض والنفاس، حتى تطهر وتغتسل. وأما في الأخيرين وهما الدبر والفم فهو حرام دائما أما في غير ذلك فجائز له
كيفما شاء وشاءت
(1) لا يخفى على القارئ الكريم أن الدنانير المذكورة في هذه الفتوى أو في غيرها وفي كتب الفقه إنما هى الدنانير الذهبية لا الدنانير الجزائرية ولا غيرها من الدنانير المتداولة اليوم بين الناس. ووزن الدينار الذهبي هو خمسة غرامات كما حققه الشيح رحمه الله. راجع فتواه في هذا الشأن في موضوع الزكاة
385 (1/385)
صفحة 386
سؤال: هل يجوز وطء الحائض والذكر ملفوف
خرقة أو جورب مخصص لذلك؟
الجواب: لا: يجوز مطلقا وطء الحائض في الفرج ولو كان الذكر ملفوفا في خرقة أو جورب من الجوارب المتخذة لذلك كيفما كانت مادتها، فإن هذا من أول وأولى ما يدخل في القرب المنهي عنه بصريح الكتاب ولا تقربوهن حتى يطهرن أما إذا سترت المرأة فرجها فيجوز أن يفاخذها.
سؤال: ما حكم وطء الزوجة في الفرج وهي حائض، مع إفراغ المني خارج الفرج؟
الجواب: إن وطء الزوجة في الفرج في حالة الحيض حرام قطعا يقينا بصريح الكتاب وصحيح السنة وإجماع
الأمة
وقد جمع
الله في
حكمه في القرآن الكريم بين الأمر والنهي حيث قال: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن (1). الآية، فجعله أذى وأمر باعتزال النساء فيه ونهى عن قربهن فهو إذا من كبائر الذنوب. وأما إفراغ المني خارج الفرج فلا يقدم ولا يؤخر في الحكم ولا يخفف من خطر هذه الكبيرة وليس هو المقصود بالأمر والنهي في الآية الكريمة فإن الله يأمر أمرا صريحا باعتزال النساء
(1) الايذ 222 من سورة البقرة
في
386 (1/386)
صفحة 387
المحيض وينهى نهيا صريحا عن قربهن حتى يظهرن وأي عاقل يظن أن هذا التشديد في الحكم إنما يراد به إنزال المني في الفرج؟ ولا يقول بهذا إلا مجنون أو فاسق عن أمر ربه، ومن تأمل كلمة الاعتزال المأمور به والقرب المنهي
عنه تبين له وجه الحق ظاهرا جليا لا ريب فيه. والمرتكبان عاصيان تجب عليهما التوبة وأما الكفارة فإن بعض العلماء يرون استنادا إلى بعض الأدلة أن الكفارة دينار على كل منهما يتصدق به على الفقراء والمساكين، ويسمى عندهم دينار الفراش.
سؤال: هل يجوز للرجل أن يجامع امرأته وقت الحيض أو النفاس مع إفراغ مائه خارج الفرج؟
الجواب: لا يجوز أن يجامع امرأته في الحيض أو النفاس ويريق ماءه خارج الفرج فإن إراقة الماء داخلا أو خارجا لا تؤثر فى المسألة لأن نفس العمل في الفرج حرام
قطعا بلا خلاف
سؤال: ما حكم الشرع الحنيف في الجماع في
المحيض؟
الجواب: الجماع في الحيض حرام إجماعا للنهي الصريح المشدد عليه في كتاب الله مع تبيان العلة والحكمة (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا
387 (1/387)
صفحة 388
أبدا
تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (1) فلا مطمع فيه لرخصة، ومن ذا الذي يجرؤ أن يحل ما نهى الله عنه بهذه الصيغة الشديدة الجامعة بين الأمر بالاعتزال والنهي عن القرب؟ بيد أن بين الفقهاء خلافا في حرمة الزوجة به فذهب كثير إلى أنها تحرم أبدا بذلك. وذهب بعض إلى أن الزوجة لا تحرم وإنما عليها وعلى زوجها التوبة لأنهما عصيا الله وفسقا عن أمر الله قطعا فلا مخلص إلا التوبة النصوح وعليهما عند بعض كفارة دينار ذهب على كل واحد منهما يتصدقان بهما على فقير مسلم من أهل الزكاة. هذا أرخص ما قيل في المسألة أعني في مسألة الزوجة وتحريمها، وأما أصل الفعل فليس فيه لأحد من البشر حكم بعد حكم الله، ويخشى أن يكون التمادي - تساهلا واعتمادا على كفارة الدينار - إصرارا تسوء عاقبته وخاتمة صاحبه. فالوقوف عند حدود الله أولى لمن كان له قلب أو ألقى
السمع وهو شهيد. والسلام عليكم ورحمة الله
سؤال: ما حكم الوطء في الحيض؟
الجواب: الوطء في الحيض من كبائر الذنوب بلا ريب فقد اجتمع عليه أمر ونهي في كتاب الله بألفاظ
(1) الآية 222 من سورة البقرة. (1/388)
صفحة 389
صريحة لا لبس فيها ولا تقبل تأويلا: فاعتزلوا النساء في المحيض، ولا تقربوهن حتى يطهرنه ولا أرى التمادي عليه إلا إصرارا على كبيرة لا يزداد بها صاحبها من الله إلا بعدا والجمهور على التحريم المؤبد والعبرة بالتقاء الختانين لا بالإنزال، فعلى من صدر ذلك منه التوبة الصادقة والندم على ما فرط منه والتكفير بما نص عليه العلماء.
سؤال: ماذا يلزم الرجل والمرأة إذا تناكحا في الحيض
نکاحا تاما ولم يقع إنزال في الفرج وإنما وقع خارجا؟ الجواب: إن إتيان المرأة الحائض معصية حرام إتيانها بنص القرآن حيث جمع الله فيها بين الأمر والنهي فقال: فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن فحرام إتيان المرأة في الحيض بإنزال أو بدون إنزال لأنه صريح الآية ولا تقر بوهن ولا يجوز القرب منها إلا بعد التطهر حيث يقول: ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله فعليهما التوبة والإقلاع عن العمل في المستقبل ثم على كل منهما كفارة دينار يتصدق به على الفقراء والمساكين.
سؤال: ما حكم من باشر أهله وهي حائض مع العلم أن ذلك حرام شرعا وما توبته؟ وما كفارته؟ وما معنى
دينار الفراش الذي نسمع عنه وما قيمته الآن؟
389 (1/389)
صفحة 390
حتى
الجواب: إن وطء الحائض حرام بالنص الصريح في
النهي عن قربها في القرآن الكريم فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) أفيدك فائدة في معنى الآية الكريمة فقوله تبارك وتعالى حتى يطهرن) معناه يأتيهن الطهر الذي هو الماء الأبيض المعروف، وقوله بعد فاذا تطهرن فأتوهن ... ) معناه إذا اغتسلن بعد نزول الطهارة ومعنى هذا أنه لا يجوز مباشرة المرأة ولو بعد نزول الطهارة لها ما لم تتطهر بالاغتسال، فحكم هذه الفترة بين نزول الطهارة والاغتسال حكم وقت الحيض في حرمة الجماع. أما التوبة فالاستغفار والندم والعزم على عدم العودة إلى مثل ذلك العمل وأما الكفارة فدينار الفراش يعطيه كل واحد من الزوجين لفقير أو عدة فقراء وإضافته إلى الفراش إضافة لطيفة للتنزه عن ذكر كلمة الجماع مثلا. أما قيمته فإنما هي تابعة لقيمة الذهب ارتفاعا وانخفاضا لأن مقداره محدود بالوزن لا بالقيمة وهو عبارة عن مثقال من الذهب أي خمسة غرامات من الذهب غير المسكك. وأما المسكك فمقداره أربعة غرامات وثلثان، هذا هو ضبط الدينار بالوزن وأما القيمة فترتفع وتنخفض لأسباب وظروف تقتضيها ويعتبر في كل وقت قيمة الغرام فيه. (1/390)
صفحة 391
سؤال: على من يجب دينار الفراش؟ وكم قيمته؟ ولمن
يعطى؟
الجواب: إنه يجب على كل واحد من الزوجين إذا وقعت بينهما المباشرة في الحيض مع التوبة والاستغفار وذلك كفارة لهما إلا إذا كانت المرأة مقهورة مجبورة على ذلك من قبل زوجها فليس عليها كفارة، أما قيمته فهي قيمة خمسة غرامات ذهب والذهب تختلف فيمته باختلاف الزمان والمكان، ومن أمكنه أن يعطيه ذهبا فليعط قطعة أو عدة قطع ميزان خمسة غرامات بغير حاجة إلى تقويم، أما لِمَن يعطى فإنه يعطى لمستحقي الزكاة من الفقراء المتولين يعطى لواحد أو لأكثر ولا فرق كذلك بين الرجال والنساء.
في تنظيم النسل ومنع الحمل
هذه فتوى الشيخ بيوض رحمه الله إجابة عن سؤال ورد إليه من رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر في حكم تحديد النسل
الجواب: فضيلة الشيخ الجليل السيد العباس بن الشيخ الحسين رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر سلام عليكم ورحمة الله وبركاته من أخيكم بيوض إبراهيم بن عمر، أما
بعد، فدونكم جوابي باختصار عن سؤالكم عن حكم الإسلام في قضية تحديد النسل
391 (1/391)
صفحة 392
الكلام في القضية يتناول ثلاث مسائل:
الأولى: منع الحمل الاختياري برضا الزوجين واتفاقهما
الثانية: إسقاط الجنين بعد تحقق العلوق
الثالثة: المنع الإجباري من طرف ذوي السلطة بالتعقيم
ونحوه.
أما المسألة الأولى: فمن المعلوم المشهور أن الوسيلة التقليدية المأثورة لمنع الحمل في القديم هي العزل وهو أمر
عنهم
معروف في عهد الصحابة رضي الله ولا نعلم بين علماء الخلف والسلف خلافا في جوازه إذا كان برضا
المسلمين من الزوجين واتفاقهما. على كراهة له عند بعضهم، واشتراطهم رضا الزوجين واتفاقهما معقول مسلم به لأن المتعة والولد كليهما من حقوق الزوجية المشتركة، ومن فعل ذلك منهما بغير إذن صاحبه فقد ظلمه وبخسه حقه، وقياس الوسائل الأخرى لمنع الحمل على العزل في جوازه يبدو أنه قياس جلي لا ينكره عاقل. بل لأنه الأولى لأنه لا يفوت المتعة كالعزل، وإنما يمنع فقط المسألة الثانية: إسقاط الجنين بعد العلوق: لا نعلم
كذلك
بين
علماء الأمة خلافا في عدم
جوازه وأن
من تعمده
من أب أو أم أو غيرهما فقد عصى وعليه التوبة والدية وهي الغرة التي حكم بها رسول الله الا الله (عبد أو أمة) ثم الكفارة إن كان الجنين قد نفخ فيه الروح بعد، ومن تسبب في
392 (1/392)
صفحة 393
إسقاطه خطأ فعليه الغرة مطلقا في أي طور كان الجنين
وعليه كفارة أيضا إن كان بعد نفخ الجنين.
المسألة الثالثة:: المنع الإجباري من طرف ذوي السلطان بالتعقيم أو نحوه: لا: نجرؤ أن نقول بجواز هذا الجبر مطلقا بصورة عامة فإن الأمر فيه شديد الخطورة بين العبد وربه. إلا أن تكون حالة فردية شخصية تتعرض فيه المرأة التي بصدد الحمل إلى هلاك محقق - حسب تقرير الخبراء ـ فإن إنقاذ حياتها موجب لمنعها بالرغم عنها. وبعد، فإن الذي نراه أن كثيرا من الأسباب التي يستند إليها الراغبون في تحديد النسل معقولة مسلم بها. وأن خير الوسائل التي يعتمد عليها في تحقيق هذا الغرض وأسلمها دنيا هي الدعاية والتوعية والتفهيم بمختلف الوسائل وخاصة أثناء الوعظ الديني في المساجد ونرى في الأمة استعدادا لقبول هذه الفكرة طوعا واختيارا، إذا اقتنعت بأن المنع مؤقت لا دائم بحيث تمكن العودة إلى الحمل إذا
وأُخرى
أرادت
•
هذا ما من الله به في الجواب وهو ولي التوفيق والسلام عليكم أولا وآخرا والحمد لله رب العالمين.
سؤال: هل يجوز استعمال أقراص منع الحمل؟ الجواب: يجوز استعمال أقراص منع الحمل باتفاق الزوجين بشرط أن يكون ذلك قبل العلوق أي بدء خلق
393 (1/393)
صفحة 394
الجنين في الرحم، أما إذا بدأ تكون الجنين فإن إسقاطه ولو
كان نطفة حرام وتجب عليه الدية وهي الغرة.
سؤال: هل يجوز استعمال حبوب منع الحمل؟ الجواب: يجوز استعمال حبوب منع الحمل باتفاق الزوجين إذا كانت المرأة تتضرر بكثرة الحمل والولادة، ولا يجوز أن ينوي بذلك الخوف من نفقة الأولاد فإن رزقهم على الله، وإن نويا ذلك فهما عاصيان بنيتهما وهذا كله في منع الحمل. وأما إسقاطه بعد تكونه فحرام وتجب فيه الدية
سؤال: ما حكم الشرع في تحديد النسل بشتى
أنواعه؟
الجواب: يجوز التحديد بالامتناع عن الحمل قبل العلوق إما بالعزل أو باستعمال الغلاف أو بتعاطي حبوب منع الحمل بشرط تراضي الزوجين فإن إنجاب الأولاد حق لهما بالسوية وبشرط أن لا يكون الباعث عليه الفقر أو خوف الفقر فإن هذا سوء ظن بالله يدخل في باب قتل الولد لهذا السبب المنهي عنه بالنص الصريح في القرآن حيث يقول الله تبارك وتعالى في آية ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم) (1) ويقول في آية أخرى (ولا
(1) الآية 151 من سورة الانعام.
394 (1/394)
صفحة 395
تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا) (1) وإذا كان ضعف المرأة لتتابع حملها أو لعسر ولادتها أو لمرض ألم بها كالسل مثلا أو غير ذلك مما يتوقع منه الخطر على صحتها إذا حملت قلا بأس. هذا كله قبل العلوق أي دخول النطفة في الرحم حيث يبدأ الجنين في التكوين فإنه حينئذ لا يجوز إسقاطه نطفة كان أو علقة أو مضغة أو أكثر من ذلك إلا إذا تحقق الخطر على حياة الحامل وتعذر إنقاذها بغير إسقاط جنينها بإرشاد طبيب اختصاصي فإنه يجوز حينئذ إسقاط الجنين بإحدى الوسائل الممكنة حفظا لحياة الأم.
سؤال: أرجوكم ياشيخنا الجليل أن تكتبوا إلي عما يتعلق بتحديد النسل المؤقت أو المؤبد وما يتعلق بالإجهاض
حسب نظر الشرع الحنيف
•
الجواب: تحديد النسل المؤقت أو المؤبد أعني منع الحمل قبل وقوعه أعني قبل علوق المرأة لا بأس به إن شاء الله. بشرط اتفاق الزوجين عليه لأن لكل منهما الحق في الولادة وأن يكون الباعث عليه المحافظة على صحة المرأة التي تتضرر بتوالي الحمل والوضع، ولا يجوز أن يكون الباعث عليه الخوف من الإنفاق على الأولاد، فإن هذا عصيان
(1) الآية 31 من سورة الاسراء
395 (1/395)
صفحة 396
لله وتحد لنهيه في كتابه الكريم: ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم (1) ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا (2) ومن نوى ذلك بتحديد النسل فقد عصى بنيته فعليه التوبة والاستغفار ولا شيء عليه من كفارة
لأنه لم يسقط جنينا وإنما منع من الحمل فليس بقاتل وأما الإجهاض وهو إسقاط الجنين بعد أن حواه الرحم من النطفة فما فوقها فإنه حرام ووأد أي قتل لنفس وتجب فيه الدية وهي - كما ورد في الحديث ـ الغرة (3) تختلف وهي باختلاف أوضاع السقط نطفة أو علقة أو مضغة أو مصورا أو منفوخا فيه الروح، فإن كان بعد نفخ الروح ففيه دية كاملة بإجماع، وأما ما دون ذلك فللعلماء فيه اختلاف كثير أعني في تقدير ديته، ومما قاله بعضهم إن في النطفة عشرة دنانير وفي الممتزج أربعة عشر وفي العلقة أربعة وعشرون وفي المضغة أربعون وفي الممتد ستون وفي المصور ثمانون وفي نابت الشعر مائة دينار، وفي المنفوخ فيه الروح دية كاملة. ولا غرة ولا دية في نطفة يذيبها الماء. وتأمل في هذا
(1) الآية 151 من سورة الانعام
(2) الآية 31 من سورة الإسراء.
(3) الغرّة: دية الجنين الذي تسقطه المرأة أو يتسبب في سقوطه غيرها وهو عبد أو أمة. روى البخاري في الباب الخامس والعشرين من كتاب الديات عن أبي هريرة رضي الله عنه أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينها فقضى رسول الله ما فيها بغرة عبد أو أمة. وروى الحديث مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم.
396 (1/396)
صفحة 397
يظهر لك حكم ما سألت عنه، وأنت خبير أن الدينار هو
وزن خمس غرامات ذهبا
سؤال: هل يجوز للمرأة أن تتناول الحبوب لتنظيم النسل؟ وهل يجوز لها أن تتناولها لمنع الحيض في رمضان حتى لا تضطر إلى الإفطار ثم القضاء؟
الجواب: يجوز تناول عقاقير منع الحمل بشرط اتفاق الزوجين وبشرط أن يكون لذلك سبب معقول كتضرر المرأة بكثرة الولادات وعسر النفاس لضعفها أو لمرض خطير كالسل مثلا. ولا يجوز أن يكون الباعث عليه هو الفقر أو الخوف منه ومن الإنفاق على الولد فإن هذا منهي عنه في كتاب الله. واما تناولها لمنع الحيض في رمضان فإننا لا نعلم في ذلك مانعا، إلا أن منع الحيض المنتظم المعتاد في أي وقت كان قد يعرض المرأة لخطر مرض ما، فإن حيض المرأة المنتظم ضروري لكمال صحتها وهو نعمة من الله عليها لا بلاء كما قد يتوهم فعلى المرأة التي تريد ذلك أن تستشير طبيبا اختصاصيا موثوقا به، فإن قال إنه لا ضرر في ولا خطر عليها منه جاز لها. وإن قال إن ذلك قد يعرضها
لخطر ما
حرم
عليها
ذلك
سؤال: امرأة مصابة بفتق يسبب لها ألما خطيرا في
إبان الحمل، هل يجوز لها استعمال دواء يمنع الحمل مؤقتا
لا دائما اتقاء لخطر ربما يقضى عليها؟
397 (1/397)
صفحة 398
الجواب: يجوز للمرأة بشرط الاتفاق زوجها أن مع تستعمل دواء لمنع الحمل مؤقتا أو دائما كما يجوز للرجل أن يستعمل هو الآخر دواء يمنعه من الاخصاب بشرط علم الزوجة ورضاها. ومن فعل ذلك بنفسه بغير رضا قرينه وعلمه فقد عقه وظلمه وبخسه حقه، أما إذا اتفقا وتراضيا فإن ذلك جائز غير ممنوع مهما كان السبب الداعي إلى ذلك إلا انه يكره أن يكون السبب خوف الفقر والإملاق والعجز عن نفقة الأولاد كما يؤخذ من نهي الله تبارك وتعالى عن الوأد وتعليله بالإملاق في آية، وخشة الإملاق في أخرى، وقد قال الله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين (1) هذا كله في استعمال الدواء لمنع الحمل وأما إذا تحقق العلوق أعني وقوع الحمل فإنه لا يجوز الإسقاط مطلقا في أي طور من أطوار الجنين. فإنه الوأد الأصغر. ومن وعليه التوبة والدية المعبر عنها في الشرع بالغرة. تختلف باختلاف أطوار الجنين عند إسقاطه وتفصيل
فقد
وهي
عصى
ذلك في كتب الفقه
فعله
سؤال: ما حكم العزل عند مباشرة المرأة؟ وهل
يجوز إسقاط الجنين بعد العلوق وهو لا يزال في طور النطفة
أو العلقة؟
(1) الآية 6 من سورة هود.
398 (1/398)
صفحة 399
الجواب: أولا: العزل بالطريقة المعروفة قديما وهي
الإنزال خارجا متفق على جوازه إذا رضي الزوجان مهما كان الغرض منه. ويحمل عليه في حكمه كل ما استجد من وسائل لمنع الحمل من لف الذكر في غطاء للإنزال فيه، أو تناول أقراص، أو عقاقير أو حقن أو غير ذلك من موانع الحمل بشرط رضا الزوجين.
ولا ينبغي أن يكون السبب من منع الحمل الإملاق أو خشية الإملاق فالله تبارك وتعالى يقول في قتل الأولاد من إملاق: نحن نرزقكم واياهم) (1) وفي القتل خشية الإملاق: نحن نرزقهم واياكم) (2) وفي ضمان الرزق لسائر المخلوقات: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها) (3) ويخشى أن
يكون منع الحمل تهرباً من نفقة الولد ـ سوء ظن بالله ثانيا: لا يجوز مطلقا إسقاط الجنين بعد العلوق وإن كان نطفة إلا لضرورة محققة كإنقاذ الأم من هلاك محقق أن التحقق هنا هو غلبة الظن عند الخبراء
خبير
وأنت
الاختصاصيين
سؤال: امرأة حامل أصيبت بسيلان دم لا يكف عن
السيلان فظنت أن حملها قد فسد فهل يجوز لها أن تستعمل
دواء لإذابته وإسقاطه؟
(1) الآية 151 من سورة الأنعام.
(2) الآية 31 من سورة الإسراء
(3) الآية 6 من سورة هود.
399 (1/399)
صفحة 400
الجواب: إذا كان الجنين سليما فلا يجوز إسقاطة
مطلقا وإذا تحقق فساده بحيث لم يبق في الرحم إلا فتات لحم مثلا يضر الحامل فإن ذلك يعالج بما يصلح له، والأمر يرجع في أصله إلى طبيب اختصاصي فهو وحده يكون حجة في الموضوع.
سؤال: شاب تزوج فتاة قبل أن تبلغ السن القانونية ولا يمكنه طبعا أن يسجل نكاحه في دفتر الأحوال النسبية وكذلك يتعذر عليه تسجيل ما يمكن أن يرزقه الله من ولد قبل المدة القانونية فهل يجوز له تناول العقاقير المانعة للحمل حتى تنتهي المدة.
وهل يجوز للمرأة التي يتعسر عليها الوضع أن تتناول
هذه العقاقير بصفة مستمرة اتقاء للآلام التي تعانيها؟ الجواب: نعم يجوز تناول العقاقير المانعة من الحمل بصفة مؤقتة أو بصفة مستمرة بشرط أن يكون باتفاق وتراض بين الزوجين فلا يجوز لأحدهما أن يعقم نفسه بدون إذن صاحبه فإن لكل منهما الحق في الولد مثل الحق في المتعة، وبشرط أن تستعمل العقاقير لمنع الحمل لا لإسقاطه
بعد تحقق وجوده فإن هذا ممنوع قطعا وهو من الوأد المحرم، فإذا شعرت المرأة بالحمل عليها التسبب
حرم
لإسقاطه ومن تسبب في إسقاطه فعليه ديته،، وأما الأسباب
المبيحة لتناول عقاقير منع الحمل فلا حجر فيها فقد يكون
400 (1/400)
صفحة 401
السبب ما ذكر في السؤالين الأولين وقد يكون ضعف المرأة الشديد وكونها مصابة بالسل الرئوي أو غير ذلك إلا أنه لا ينبغي أن يكون السبب هو الخوف من الفقر والعجز عن نفقة الولد فإن الله تبارك وتعالى نهى عن ذلك
سؤال: هل يجوز تناول أقراص منع الحمل بصفة مؤقتة وأقراص منع الحمل بصفة دائمة؟
الجواب: يجوز ذلك إذا دعت إليه الضرورة كتعسر الوضع على المرأة وكإصابتها ببعض أمراض معينة يضر معها الحمل وكتتابع الحمل قبل إتمام مدة الرضاع بصورة تضر بالمرأة وتضعف نسلها ونحو ذلك إلا الخوف من الإملاق والعجز عن نفقة الأولاد فإنه لا يجوز أن ينوى ولا أن يتخذ سببا لمنع الحمل المؤقت أو الدائم. ثم إنه لا يجوز استعمال
ذلك إلا برضا الزوجين كليهما
•
ثانيا: تقول في كتابك إن هناك نوعين من أقراص منع الحمل يستعمل أحدهما قبل المباشرة بدقائق معدودة وأما الآخر فيتناول بعد تأخر الحيض عن وقته المعتاد، فهل يجوز تناول أي منهما؟
الجواب: يجوز تناول الأقراص التي تستعمل قبل المباشرة فقط لأنها تمنع العلوق فلا يتكون حمل وأما التي تستعمل بعد تأخر نزول الحيض عن وقته المعتاد بأيام فإنه لا يجوز تناولها مطلقا لأنها تفسد الحمل وتسقطه وليست
1.1 (1/401)
صفحة 402
بمانعة له أي لتكونه. وتأخر الحيض عن موعده أمارة قوية على العلوق أو تكون الحمل فلا يجوز الإقدام حينئذ على
تناول ما يخاف منه إفساد الحمل وإسقاط الجنين ثالثا: مسألة صاحبك الذي ناول زوجته أقراص منع الحمل بعد تأخر حيضها عن موعده بأيام فجاءها الدم ومعه عدة قطع من لحم صغيرة كأطراف الأصابع فغسلتها بالماء فنقصت لكنها لم تذب تماما، فهل هذا حمل أفسدته الأقراص أسقطته؟ وإن كان كذلك فماذا يجب على والديه
وجنين
تنصلا؟
الجواب: لا شك أن هذه الأشياء النازلة مع الدم علقات والعلقة طور من أطوار الجنين الأولى وأن الأقراص هي التي أسقطتها ويغلب على الظن أنها قد حملت في أيام طهرها الأولى وعليه فإن على الوالدين أن يتوبا إلى الله من عملهما وأن يتصدقا بشيء على الفقراء والمساكين
كفارة لهما
سؤال: امرأة ضعيفة طبيعيا من قبل زواجها ثم ازدادت ضعفا بعد زواجها وكثرة ولادتها فقد ولدت أربعة أولاد وأسقطت الخامس فازدادت ضعفا على ضعف، فهل يجوز لها أن تتناول الأقراص التي تمنع الحمل، وهل يجوز للزوج أن يعزلها أعني أن يفرغ منيه بعد المباشرة خارجا أو
402 (1/402)
صفحة 403
يستعمل في مباشرته الغلاف المعروف المانع من وصول
المني إلى الرحم؟ الجواب: يجوز لها ذلك: أعني استعمال موانع الحمل بشرط رضا الزوج بذلك أما بدون رضاه فلا يجوز، وكذلك يجوز للزوج أن يضع الحائل عند المباشرة أو يفرغ ماءه خارجا بشرط رضا الزوجة بذلك، أما بغير رضاها فلا يجوز. هذا كله لمنع الحمل للضرورة وأما إسقاط الحمل بعد تكونه فإنه لا يجوز مطلقا ولو باتفاق الزوجين فلتحذر المرأة أن تستعمل الأقراص التي تسقط الحمل بعد وجوده، إنما الذي يجوز لها فقط هو استعمال الأدوية المانعة للحمل إذا اقتضت الضرورة ذلك كما في الصورة المسؤول عنها. ولا يجوز أن تكون نية الزوجين أو أحدهما الخوف من نفقة الأولاد فإن الرزق بيدالله وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها (1)
سؤال: زوجتك تتعب تعبا شديدا في وقت الولادة وقد تعددت ولادتها ووضعت غلاما ميتا في شهر جانفي 1972 ثم وضعت غلاما ميتا كذلك في شهر مارس 1973 وأثر عليها هذا الحمل والوضع تأثيرا شديدا فهل يجوز لك أن
تستعمل لها دواء لمنع الحمل بإرشاد الطبيب؟ الجواب: نعم يجوز لك بالاتفاق معها وبرضاها أن تستعمل دواء مانعا للحمل مؤقتا إن كنت ترجو لها القدرة
(1) الآية 6 من سورة هود.
403 (1/403)
صفحة 404
بعد مدة على الحمل والوضع أو مؤبدا إن لم يكن في ذلك
رجاء، فإن صحتها
هي
الأمر المهم
الخلاصة: إنه يجوز استعمال موانع الحمل بالاتفاق والتراضي بين الزوجين ولا يجوز أن يستعمل ذلك أحدهما بدون رضا الآخر فإن إنجاب الأولاد والتمتع بهم حق مشترك بين الرجل والمرأة.
سؤال: رجل له زوجة تتابعت ولادتها أعني حملت بطونا كثيرة متقاربة وتعبت بسبب ذلك وضعفت فهل يجوز لزوجها إذا باشرها أن يفرغ ماءه خارجا وهل عليه إثم في
ذلك إذا فعله؟ الجواب: إذا رضيت الزوجة بذلك فهو جائز ولا إثم فيه مطلقا فإن الواجب في مثل هذه الحال اتفاق الزوجين وتراضيهما. فلا يجوز للمرأة أن تعزل نفسها أعني أن تجذب نفسها عن الزوج قبل إفراغ مائه بغير رضاه، ولا يجوز للزوج أن يفعل مثل ذلك بغير رضا الزوجة، ومن فعل منهما ذلك فقد ظلم صاحبه وعصى ربه. وأما إن اتفقا وتراضيا فلا حرج ولا إثم.
سؤال: ما حكم المعالجة لمنع الولادة لضعف الزوجة
ضعفا شديدا بعد ولادتها بطونا عديدة؟
الجواب: إذا اتفق الزوجان جازت المعالجة لمنع الولادة كيفما كانت الأسباب الداعية إلى ذلك وقد تتأكد
404 (1/404)
صفحة 405
المعالجة وربما وجبت في بعض الحالات. هذا كله لمنع الحمل. أما المعالجة لإسقاط الجنين بعد العلوق فإنه حرام غير جائز، وهو ضرب من الوأد المنهي عنه بنص
القرآن الكريم. سؤال: إن أهلك ضعيفة ضعفا شديدا وقد أنجبت خمسة أولاد فازدادت ضعفا وبعد ولادتها الولد الأخير قررت أن لا تحمل بعده بأي صورة كانت حفظا لصحتها فشرعت في تناول أدوية لمنع الحمل وخفت أنت أن يكون هذا حراما وأن تكون عاصيا لله إذا رضيت به لكنها أخبرتك بأنها سألت عن حكم الشريعة في ذلك فأجيبت بأنه مباح ما دامت ضعيفة عاجرة عن الحمل والرضاع. . . فهل هذا الجواب: نعم إن الأمر كما قالت زوجتك وإن منع الحمل باستعمال موانعه للعلة المذكورة مباح بل قد يكون
صحيح؟
متأكدا أو واجبا عند تحقق الضرورة فلا عليك أنت ولا حرج إثم في الرضا بذلك وقبوله بل عليك أن تعينها وتحرضها على ذلك محافظة عليها وعلى أولادها الخمسة الذين نسأل الله أن يبارك لكما فيهم. هذا حكم استعمال موانع الحمل الأدوية والعقاقير والأقراص على اختلاف أنواعها قبل من تحقق وجود الحمل. وأما إذا تحقق وجود الحمل وبدء تكون الجنين في الرحم فإنه لا يجوز إسقاطه فإن ذلك وأد حرام شرعا إلا عند الضرورة القصوى التي يخاف فيها على حياة الأم وذلك يكون بتقرير الأطباء ذوي الاختصاص. (1/405)
صفحة 406
سؤال: زوجتك وضعت سبع مرات وعمرها لا يزيد
عن سبعة وعشرين عاما وإنها ترى العجب العجاب في مدة الحمل من أمراض بدنية وعقلية، وإنها أصرت على منع الحمل وإنها تقول: أقبل كل شيء سوى الحمل. . . فهل يجوز لك استعمال الدواء لمنع الحمل؟
الجواب: نعم يجوز لك ذلك بل يجب عليك في هذه الحالة أن تطاوع امرأتك وتنزل على إرادتها ولا تعرضها لهذه الأخطار حتى تحتفظ بصحتها تحتفظ بصحتها، والله يبارك لك فيما عندك
من أولاد. إنما يجب أن يكون استعمال الدواء لمنع الحمل حتى لا تحمل وأما إذا تحقق الحمل وثبت فلا يجوز إسقاطه حتى
يولد أو يسقط من تلقاء نفسه
سؤال: إنه قد ولد لك سبعة أولاد في سبعة أعوام بين كل ولد وولد عام واحد فتعبت المرأة بذلك وضعفت وعجزت عن التربية المتواصلة بدون راحة كما عجزت أنت عن تحمل ما ينتج عن هذه الحالة، فأنت اليوم تسأل هل يجوز لك العزل كما يسميه الفقهاء وهو وهو أن تباشر أهلك حتى إذا جاءك المني أفرغته خارجا؟ الجواب: نعم يجوز لك ذلك ولا حرج فيه ولا بأس بشرط أن تكون زوجتك راضية بذلك، فإذا كنتما متفقين فلا
بأس.
0406 (1/406)
صفحة 407
سؤال: امرأة تتعاطى حبوب منع الحمل قبل أن تشعر
أسقطت علقة
بالحمل واستمرت على ذلك، وذات يوم فخافت أن يكون هذا الإسقاط بسبب ما أكلته من الحبوب
بعد العلوق إلا أنها لم تشعر بهذا العلوق ولو أنها علمت به
لأقلعت
أو غرم؟
أنه
عن تعاطي هذه الحبوب فهل عليها من جرم
الجواب: إنه لا يظهر لنا أن على هذه المرأة إثما أو غرما أوكفارة فلا شيء يعتمد عليه في الحكم عليها بشيء من ذلك فلتتصدق بشيء وتسأل الله العفو والمغفرة فإنه عفو غفور، وأما التي تعاطت الحبوب مع علمها بالعلوق ظنا منها يجوز إسقاط الحمل ما لم ينفخ فيه الروح فأسقطت علقة فإن عليها الكفارة ودية العلقة ولا عذر لها في جهلها. وكذلك التي تعمدت إسقاط حملها اعتقادها الخطر فإن عليها الكفارة ودية ما أسقطت علقة أو مضغة أو غير ذلك كما هو مبين في كتب الفقه أعني مقدار الديات
في تعدد الزوجات
•
سؤال: ما الحكمة في إباحة الشرع الحنيف لتعدد
الزوجات؟
الجواب: حكم تعدد الزوجات كثيرة جدا وما شرعه
الله إلا لمصالح عباده المكلفين، وقد أشرت إلى من يتزوج
407 (1/407)
صفحة 408
أربعا لإشباع غريزته وكأنك تستهجن هذا أو تستنكره! ولكن ليس الأمر على ما تظن، فإذا كان ذلك طلبا للحصانة عند من لا يرى حصانته إلا في ذلك كان ذلك مندوبا له وربما يكون واجبا عليه لأن الحصانة هي الهدف الأول من مشروعية الزواج، ولا تخفى عنك الحكم الأخرى العديدة فليس من الإسلام في شيء أن يطلق المرء زوجته التي كبرت أو مرضت أو ضعفت أو كانت عاقرا ليتزوج بعدها أخرى، بل الإسلام أن يتركها في عصمته ويتزوج عليها
برضاها ويعدل ما استطاع.
هذا ما من الله به في الجواب
الطلاق
سؤال: إنك طردت زوجتك من الدار بسبب مشاكل وقعت بينكما من غير أن يصدر منك طلاق ثم بعد مدة أرجعتها إلى الدار. ثم إنك قلت لها في يوم من الأيام إذا لم يساعدك الحال في داري فاذهبي إلى دار أبيك. فخرجت من دارك إلى دار أبيها، وبعد واحد رجعت إلى دارك يوم من غير أن يصدر منك طلاق أيضا في هذه المرة. ثم بعد ذلك في المرة الثالثة طلقتها طلاقا صريحا أمام القاضي (الجوج) ولك معها بنت وهي حامل وندمت على طلاقك
408 (1/408)
صفحة 409
وأردت أن تراجعها فقال لك الناس إنها حرمت عليك، فأنت تسأل اليوم هل يجوز لك أن تراجعها أم لا؟
الجواب: إن الأمر راجع إليك ومعلق في رقبتك، فإذا كنت صادقا في قولك ومتيقن أنك لم تطلقها في المرة الأولى ولا في الثانية وإنما طردتها من الدار فقط من غير طلاق، وإنك لم تطلقها طلاقا صحيحا حقيقيا إلا مرة واحدة، أمام القاضي، إذا كان الأمر كذلك بينك وبين الله فإنه يجوز لك أن تراجعها وليست حراما عليك وتعتبر هذه
الطلقة أمام القاضي هي مرتين أخريين حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك، هذا
الطلقة الأولى، فإن طلقتها بعد ذلك
حكم الله في كتابه الكريم
نصيحة: اتق الله ولا تعبث بكرامة زوجتك فإن هذا ليس من عمل المسلمين، يظهر عليك أنك اتخذت زوجتك لعبة كالكرة بين يديك تقذفها برجلك وتردها كلعب الصبيان لك الشيطان وأخيرا تندم حين لا ينفعك الندم
كلما
وسوس
ويضيع الأولاد بينكما فتعيش معذب الضمير طول عمرك، فاتق الله وفقك الله وهداك. هذا ما من الله به في الجواب عن سؤالك.
سؤال: رجل كتب إلى والديه كتابا يأمرهم فيه بأن يخبروا زوجته بأنه طلقها - وكان في ذلك الحين خارجا عن عقله - ولما تولى إلى حاله ندم على فعلته، حسب عبارتك
409 (1/409)
صفحة 410
في الكتاب ثم قلت في آخر الكتاب: ولكن بعد بعث هذه الرسالة رجع إلى داره فنكحها ورقد معها مدة شهر تقريبا. الجواب: اعلم أيها الأخ أنه لا يمكن الجواب قبل إيضاح السؤال فقولك كان في ذلك الحين خارجا عن عقله» لم تبين سبب هذا الخروج. أهو شراب مسكر؟ أم جنون طبيعي لا يد له فيه؟ ولكل من هذا حكمه. فعليك أن تبين السبب. ثم هل وصل الكتاب إلى الوالدين وهل أخبروا الزوجة بالطلاق وهل علمت بالطلاق قبل أن تمكنه من
نفسها؟
هذا ما يجب بيانه وتوضيحه حيت يتمكن المسؤول أن يدرس القضية ويفتي بما يؤديه اجتهاده فيها، فإن كنت لا تزال راغبا في الجواب فابعث بهذه الإيضاحات نجبك إن شاء الله. والسلام عليكم ورحمة الله
سؤال: ما هي الأمور التي تحرم بها الزوجة قولا وفعلا أو اعتقادا تحريما مؤبدا أو مؤقتا مما يمكن وقوعه أو يستحيل؟ (هكذا) أرجو في هذا جدولا مفصلا
الجواب: إن هذا السؤال واسع وعريض وهو في بعض نواحيه غريب، ومسائل التحريم كثيرة متشعبة منها المنصوص عليه ومنها المستنبط بالاجتهاد. ومنها المتفق عليه والمختلف فيه فلا تمكن الإحاطة بها ولا تفصيلها في مثل هذه العجالة، وبين يديك كتب النكاح وخاصة منها النيل وشرحه فارجع إليها وادرسها تجد بغيتك
410 (1/410)
صفحة 411
ثلاثا
الطلاق بلفظ الثلاث
سؤال: رجل أغضبته زوجته فقال لها إني طلقتك
وحرمت
فلما سكت عنه الغضب ندم على ما صدر منه
ويريد الرجوع الى زوجه وقد اعتزلها وهو ينتظر الفتوى الجواب: إن لم يكن سبق منه طلاق قبل هذه المرة فهذه تعد تطليقة أولى رجعية فليشهد شاهدين عدلين على أنه قد راجعها فتعود إلى عصمته بذلك كما كان من قبل، إلا أنها تبقى لها تطليقتان فإن طلقها بعد اليوم مرتين حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، وأما قوله (حرمت) فإن عليه ذلك كفارة يمين. هذا ما من الله به في
بسبب
الجواب، وأرجو أن يكون عين الصواب.
سؤال: إن لك زوجة أم خمسة أولاد وإنك كنت طلقتها سابقا ثلاثا بلفظ واحد وإني أفتيتك بأن ذلك يعد تطليقة واحدة وإنك راجعتها وبقيت معك مدة طويلة إلى يوم من هذه الأيام حيث وقع بينكما شقاق بسبب والدتها. فقلت لها حرفيا: إنك مطلقة في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان) وإنك رفعت أمرك إلى القاضي طالبا منه الطلاق فحكم بالطلاق واعتبره طلاقا ثلاثا ثم قلت في كتابك: فما حكم الشرع الإسلامي في ذلك؟
411 (1/411)
صفحة 412
الجواب: أما من حيث الفتوى بما يعتقده المفتي حقا بينه وبين الله فإنني أختار وأعتمد القول المشهور بين العلماء
بأن الطلاق الثلاث بلفظ واحد يعتبر تطليقة واحدة، كما أفتيتك به سابقا. وبناء عليه فإن ما صدر منك اليوم يعتبر تطليقة ثانية إن لم يصدر منك منذ تزوجت هذه المرأة طلاق غير هاتين المرتين، فلا تزال بيدك تطليقة ثالثة تحرم عليك بعدها حتى تنكح زوجا آخر. أما قولك في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان فلغو وباطل وهذا لا معنى له ولا أثر له
•
في الحكم في القضية ولا يفوه به إلا جاهل هذا ما كان من أمر الحكم في المسألة فيما بين العبد وربه، وأما في الحكم الظاهر فإنك إذا رفعت أمرك إلى القاضي فحكم بالطلاق الثلاث فإنه لا تسوغ مخالفته فإن حكم القاضي يرفع الخلاف لكنه إذا حكم بالطلاق هكذا مطلقا ولم يقيده بالثلاث فإنه لا تزال بيدك تطليقة ثالثة فلك أن تراجعها أو تجدد العقد عليها.
•
هذا ما من الله به علي في الجواب. وأرجو أن يصيب
كبد الصواب
سؤال: رجل منع زوجته من الخروج من المنزل بغير إذن منه وقال لها: إن خرجت بغير إذن فإنك طالق ثلاثا،
فاستأذنته
يوما في الخروج لقضية معينة، فأذن لها ثم إنها
خرجت مرة أخرى في نفس اليوم لحاجة أُخرى بغير إذن
412 (1/412)
صفحة 413
منها، فهل تكون طالقة ثلاثا، كما قال، وهل تحرم عليه؟ الجواب: إنها عاصية بخروجها في المرة الثانية لأن زوجها لم يأذن لها إلا المرة الأولى لحاجة معينة وعليه تكون طالقة منه بذلك حسب تصريحه ولكن طلقة واحدة لا ثلاثا فلا تحرم عليه ويجوز له مراجعتها أو تجديد العقد عليها إن لم يسبق منه طلاق قبل هذا أو سبق له طلاق واحد، وأما إن سبق منه طلاقان قبل هذا الأخير فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجا غيره.
- وصلتني رسالتك التي تسأل فيها عن قضية طلاق صدر
من الزوج بلفظ صريح حيث قال لها: أنت طالق ثلاثا الجواب: إنها خرجت من عصمته بذلك وحرمت عليه فلا تجوز له مراجعتها ولا تجديد العقد عليها مرة أخرى إلا بعد أن تنكح زوجا غيره ثم تخرج من عصمته فيجوز حينئذ يجدد عقد الزواج عليها. والسلام (1)
أن
وبعد فقد وصلني كتابك الثاني تذكر فيه أن جوابي عن مسألتك قد وصل إليك وأنك ذهبت به إلى الشيخ القاضي - حفظه الله - لاحظ أنني لم أتعرض في الجواب للفظ الثلاث ولا لحكمها وظننتم أنكم لم تذكروا لي في سؤالكم
وأنه
(1) يبدو لي والله أعلم أن شيخنا رحمه الله في هذه الفتوى خالف مذهبه في الطلاق بلفظ الثلاث إلا أن يقال: لعلة علم من خصوص صاحب القضية أنه قد سبقت له تطليقتان.
ليتأمل!
413 (1/413)
صفحة 414
الأول لفظ الثلاث ... لا يا أخي! فإنك ذكرت في كتابك لفظ الثلاث فقلت إن الرجل قال لزوجته: «إذا خرجت إنك حرام ثلاثا لكنني أنا تعمدت إلغاء لفظ الثلاث في تلخيص سؤالك، وفي الجواب عنه وقصدت ذلك قصدا لا ذهولا ولا غفلة. فإن الذي أذهب إليه وأختاره وأفتي به وأراه هو الحق إن شاء الله هو: أن لفظ الثلاث في كلام المطلقين والمحرمين لغو باطل ومنكر من القول وزور لا يتعدد به الطلاق الواقع مرة واحدة ولا ينبني عليه حكم إلا الوزر الشديد والذنب العظيم على صاحبه لعبثه بكتاب الله وبما شاع فيه من طرق الطلاق وأحكامه وحكمه وقد اشتد غضب رسول الله الا الله لما أخبر عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقام وهو غضبان يقول: (أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟) (1) حتى قام رجل فقال: يارسول الله ألا أقتله؟ وفي حديث آخر عنه (ما بال أقوام
يلعبون بحدود الله يقول قد طلقتك قد راجعتك قد طلقتك قد راجعتك. . .الخ) (2) وقد اجمعت الأمة على أن طلاق الثلاث على عهد الرسول وأبي بكر وسنتين من
خلافة عمر
كان تطليقة واحدة لكن سيدنا عمر رضي الله عنه
لما رأى استهتار الناس بهذا الأمر وعبثهم به بدا له أن يمضيه
(1) رواه النسائي في الباب الأول من كتاب الطلاق (2) رواه ابن ماجة في الباب السادس من ابواب الطلاق
414 (1/414)
صفحة 415
عليهم ثلاث تطليقات نكاية بهم وزجرا وتأديبا وقال: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه فأمضاه عليهم. وإلى هذا ذهب بعض علماء الأمة
عليهم؟ فاختاروا مذهب عمر، فلعمر ولمن قلده ما اختاروه، وإنهم - إن شاء الله - معذورون، مأجورون. لكنا نرى أن الحق
الذي لا ريب فيه هوما شرعه الله في كتابه ببيان لا يتطرق إليه احتمال ولا تأويل إذ قال: الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) (1) إلى آخر الآية الكريمة. المرتبة لمرات الطلاق حتى يقول في آخرها وهي التطليقة الثالثة فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره (2) الآية. فمن تأمل هذه الآية الكريمة المحكمة فضل تأمل أدرك وجه هذه الحكمة الإلهية في هذا التشريع السامي الذي ضمن للعباد مصالحهم كما لاحظ فيه طبائعهم. وجميع هذه الحكم السامية المعتبرة في تعداد الطلاق وترتيبه والتي هي روح مشروعيته تذهب سدى ولا يبقى لها من أثر إذا جعلنا الطلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثا حقا ورتبنا عليه ما رتبه الله تبارك وتعالى على المرات الثلاث المتعددة المتوالية، على أن الأمة مجمعة على أن ما وجب أو ندب تكراره من الأذكار لا يبرأُ بعدد معين
صاحبه ولا يخرج من عهدة الوجوب ولا يكون آتيا بالمندوب
(1) الآية 229 من سورة البقرة (2) الآية 230 من سورة البقرة.
415 (1/415)
صفحة 416
?
يمين
إلا إذا كرر نفس ذلك الذكر بلفظه عدد المرات المطلوبة ولا يجزيه مطلقا أن ينطق بلفظ الذكر مرة واحدة ثم يقول عقب ذلك ثلاث مرات أو عشر مرات أو سبعين مرة، وكذلك كل ما علق على قول متعدد من طلاق أو عتاق أو نذر أو يقع ما علق عليه إلا إذا تكرر القول المقصود عدد المرات المعينة. فمن قال لامرأته: إن قلت كذا وكذا عشر مرات فأنت طالق لم تطلق قطعا إلا إذا نطقت بذلك نطقا صحيحا أعني كررت النطق عشر مرات وكذلك إن أقسم أن لا يقول كذا وكذا عشر مرات لا يحنث إلا إذا كرر القول عشر مرات، ولا قائل مطلقا من علماء الأمة بأن تلك الأحكام تترتب على النطق بالقول مرة واحدة، وتعقيبه بلفظ ذكر العدد. وما أوسع هذا الباب وما أكثر شعابه وأوديته، وما أكثر ما في الشريعة الإسلامية الغراء من الأعداد المطلوبة في جميع أنواع العبادات ولو اكتفى فيها بالقول مرة واحدة وذكر لفظ العدد بعده لانهدمت الشريعة الإسلامية رأسا على عقب. هذا في الأقوال وإن الأمر في الأعمال لأشد وأعظم وأخطر وقد جاءت السنة في أمر الطلاق الثلاث بما يطابق صريح الكتاب. وحتى عمر رضي الله عنه لم ينكر الحكم
ولم يتأوله وإنما أراد الزجر والتأديب فله ما ذهب إليه ولن نترك حكم الله وحكم رسوله من أجل رأي رأه عمر مع ظهور الحكمة وتبين وجه الحق فيما شرعه الله وأحكمه. لذلك كله رأينا بعد الاجتهاد في المسألة واستقصاء البحث فيها
416 (1/416)
صفحة 417
أن لا مناص لنا من الفتوى بحكم الله وحكم رسوله في أن لفظ الثلاث لا يجعل الطلاق ثلاثا، وهو في الحقيقة لم يقع إلا مرة واحدة، فلا اعتبار عندنا مطلقا لهذه الأعداد التي
ينطق بها المطلقون والمحرمون بل هي لغو لا قيمة له وإنما نعتبر في الفتوى الطلاق الفعلي في مرته الأولى أو مرته الثانية أو مرته الثالثة ونلغي جميع ما وراء ذلك إلا أن نأمر صاحبه بالتوبة لعصيانه بمخالفته أمر الله وسنة رسوله، هذا أحسن ما قدرنا عليه ونرجو أن لا نكون مخطئين إن شاء الله كما نرجو أن تكون المسألة قد وضحت لكم وللشيخ القاضي حفظه الله. سلامنا إليه وإلى جميع إخوانكم وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
طلاق السكران
سؤال: رجل متزوج له من زوجته أولاد نمي إليه أن زوجته تخونه وأن الولدين ليسا له ولم يمتثل لأمر الله تبارك وتعالى في قوله (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) (1) بل سارع فور سماعه الخبر إلى المخمرة يعب فيها الخمر عبا عللا بعد نهل
(1) الآية 6 من سورة الحجرات
417 (1/417)
صفحة 418
ثماني ساعات متواليات عاد بعدها إلي بيته وقد بلغ به السكر منتهاه يهذي ويعربد في إغلاق وكان مما نطق به مجابها زوجته على مرأى ومسمع من أهل الدار والجيران أنت طالق ثلاثا وسبعا ومائة وألفا» إلى غير ذلك من هجر القول، هذا في أول الليل وعند الصباح وبعد أن صحا من سكره تبين أن ما نمي إليه كذب وبهتان صدر عن معتوه فندم على ما صنع وتفوه به من طلاق فجاء يسأل عن حكم الشرع في هذا
الطلاق
الجواب: إن طلاق السكران الذي فقد عقله بتناول خمر أو ما يشبهها مما يزيل العقل متعمدا طلاق صحيح معتبر شرعا تترتب عليه جميع أحكام الطلاق كالصاحي تماما ولا يعتبر كالمجنون لأنه المتسبب في زوال عقله مختارا غير مكره ولا مجبور، هذا مذهب الإباضية في طلاق السكران. يقول صاحب النيل وشارحه رحمهما الله: وطلاق السكران واقع ومحكوم عليه به لأن عقله موجود فيه ولو كان مغمورا، وهذا هو معتمد مذهبنا. وأرخص ما نفتي به لهذا السائل أن يعتبر طلاقه هذا رجعيا لا بائنا، والمخرج منه أن يشهد شاهدين بأنه راجع زوجته هذه، وهذه الرجعة تتم ولو بدون رضا الزوجة، فتبقى المرأة زوجة له، وتبقى له بعد ذلك تطليقة ثانية رجعية، وثالثة تبين بها ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. هذا إن لم يسبق منه لها
418 (1/418)
صفحة 419
طلاق قبل هذه المرة، وإن سبق طلاق فلا بد من اعتباره وحسابه في عدد الطلقات. وأنت تعلم الحكم في ذلك.
الطلاق من أجل رغبة الوالدين
سؤال: أنت تحب زوجتك وأولادك منها ولا تستطيع أن تفارقهم، وأبوك يأمرك بتطليقها ويدعو عليك بالسوء إن
لم تطلقها، فماذا عليك أن تصنع؟ وهل لدعوة أبيك
الله أثر؟ الجواب: إن مشكلتك معقدة جدا يصعب حلها ولا نرى لك من حل إلا أن تداري أباك وتلاطفه وتبعث إليه مع بعض معارفه الذين يمكنهم أن يؤثروا عليه فيطلبوا لك منه الرضا والقبول لبقائك مع زوجك ويذكروه بالعاقبة التي ربما توصل إليها ولده إذا أجبره على تطليق زوجته ومفارقته أولاده. ونرجو أن يعدل عن رأيه ويرضى عنك ويكف عن الدعاء بالسوء وإذا أمكنك أن تستقل في السكنى مع زوجك وأولادك بأن تكتري - مثلا - دارا تنتقل إليها فتبتعد زوجتك عن أبيك ولعله يرضى بهذا الحل إذا عرضته عليه فإن هذا أحسن ما يمكن أن يكون حلا لمشكلتك وإن أصر هو على
أنت الطلاق وعجزت الطلاق سبب معقول فإنا لا نرى أنه يجب عليك تطليق
عن الفراق ولم يكن لإصراره على
419 (1/419)
صفحة 420
زوجك ومفارقة أولادك وأمر دعائه لله الذي يعلم المحق من المبطل والمفسد من المصلح. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
طلاق المرأة نفسها
سؤال: رجل غاب عن زوجته أكثر من عامين ولها منه ولدان ذكرا وأنثى ولم يترك لها نفقة ولا كفيلا ينفقها وولديها ولم يبعث إليهم طوال هذه المدة إلا قدرا من الدراهم زهيدا لا يكاد يفي ببعض ضرورياتهم لبضعة أشهر. ثم إنه لشقاق بينه وبين أبيه قرر الهجرة من وطنه فجاء يحاول زوجه أن تصحبه هي وولداها إلى بعض البلاد الأوروبية. فامتنعت فذهب وتركها من غير أن يطلقها مصمما على أن لا يعود إلى وطنه ما دام في قيد الحياة، فما ذا تصنع المرأة؟ أتفتدي منه؟ أم تطلق نفسها؟ أم ما ذا تصنع؟ وقد أصرت ماذا على مفارقته إلا أنها لا تريد الخروج من طريق الشرع،
أفتنا يرحمك الله الجواب: أما الفداء فإن بابه مفتوح لها أبدا وفي كل حين إلا أنه يجب أن تعلم أن الفداء في الشريعة الإسلامية عقد معاوضة لا يصح ولا يحصل المقصود منه إلا بتراضي الطرفين فالزوجة ترد صداقها للزوج طائعة مختارة بواسطة قاض أو حاكم أو جماعة أو أي كان. والزوج يقبله طائعا مختارا كذلك على أنه فداء لزوجه وتسريح لها.
•
420 (1/420)
صفحة 421
وإذا تم ذلك أصبحت حرة طليقة خارجة عن عصمته وعليها
عدة الطلاق.
وأما تطليق نفسها منه فإنه لا يصح إلا إذا كانت قد اشترطت عليه في عقد النكاح شرطا إن أخل به رجع حكم طلاقها بيدها فإن وجد مثل هذا الشرط في العقد ثم قامت الحجة على إخلاله له صح لها أن تطلق نفسها وإلا فهي باقية في عصمته حتى يفرج الله. وأما تطليق الحاكم بالإعسار أو عدم الإنفاق فإنه لا يراه فقهاء الإباضية.
في الظهار
علي
سؤال: رجل ظاهر من زوجته بأن قال لها: أنت كأختي وهو في حالة طارئة أصيب فيها بضيق في قلبه وكراهية شديدة لزوجته التي كان يحبها قبل ذلك وظن أنه قد سحر في طعام أهداه إليه صديق من أصدقائه إذ وقع له ذلك على أثر أكله لذلك الطعام وله مع ذلك - حسب قوله - أمارات وقرائن أخرى، وأنه سأل عن ذلك بعض أهل العلم فأفتوه بأن ذلك ليس ظهارا وأنه يجوز أن يعود إلى زوجته من غير أن يكفر، يعني لا تجب عليه كفارة ظهار، فعاد إلى زوجته ومسها ودام على ذلك زمنا لكنه ارتاب في الأمر بعد ذلك فجاء اليوم يسأل لتطمئن نفسه.
421 (1/421)
صفحة 422
الجواب: إن عمل هذا الرجل هو ظهار من زوجته قطعا بلا شك ولا خلاف ولا يخرجه عن حكم الظهار توهمه أنه مسحور أو ما أشبه ذلك. وأنه لم يجن حتى يحكم عليه
بينه
بحكم المجنون، وإن حكم الذين يظاهرون من زوجاتهم قد الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم بيانا صريحا يفهمه كل إنسان وذلك في قوله تعالى في سورة المجادلة: والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام
أن
أمر
ستين مسكينا ... ) (1) فكان الواجب على هذا الرجل يؤدي إحدى الكفارات الثلاث المنصوص عليها في الآية الكريمة على الترتيب قبل أن يمس زوجته. ومن أفتاه بغير ذلك فقد أضله وأخطأ في فتواه. بقي الآن النظر في هذا الرجل الذي مس زوجته قبل أن يكفر، الذي ذهب إليه بعض أهل العلم أنها تحرم عليه أبدا. والذي ذهب إليه آخرون العلماء ومنهم الإمام مالك في الموطا أنه يعتزلها ثم يكفر ثم يستغفر الله. ولما كان صاحب المسألة اليوم لم يقع فيما وقع فيه إلا بعد أن أفتاه بعض أهل العلم صارت له بذلك شبهة تقتضي التخفيف عنه والترخيص له. ولذلك فإني أفتيه
من
(1) الأيتان 3 و 4 من سورة المجادلة.
422 (1/422)
صفحة 423
بما اختاره الإمام مالك أعلم علماء المدينة في عصره، وذلك أنه يعتزل زوجته ويكف عنها ثم يؤدي الكفارة الواجبة ثم يستغفر الله فتحل له زوجته بعد ذلك، وهذا نص الموطا قال مالك: «ومن ظاهر من امرأته ثم مسها قبل أن يكفر فليس عليه إلا كفارة واحدة ويكف عنها حتى يكفر وليستغفر الله وذلك أحسن ما سمعت انتهى كلام الإمام مالك
ثم إن كفارة الظهار على الترتيب كما أمر الله تبارك وتعالى لا على التخيير ولما كان عتق الرقبة متعذرا اليوم
وجب على صاحب المسألة شهرين متتابعين إن استطاع صوم فإن عجز وشق عليه الصيام أطعم ستين مسكينا وكيفية
الإطعام أن يدعو ستين مسكينا فيغديهم ويعشيهم يوما واحدا بشرط أن يأكلوا حتى يشبعوا ولا يشترط نوع الطعام وإن شاء كال لهم كيلا وذلك بأن يعطي كل واحد من الستين كيلو ونصفا قمحا (وقد اعتبرت في المقدار شيئا قليلا من الاحتياط لضبط الوزن. هذا ما من الله به علينا في الجواب إرشادا لهذا السائل المسترشد وفقنا الله وإياه لما يحبه
ويرضاه.
423 (1/423)
صفحة 424
في العدة
سؤال: ما هي العدة وما كيفيتها؟
تأت
الجواب: إن جميع ما أشرت إليه من أعمال المعتدات بدع وخرافات لا أصل لها في الشريعة مطلقا، ولم الشريعة بأية كيفية للدخول في العدة ولا للخروج منها سواء أكانت عدة طلاق أو عدة وفاة. وسواء أكانت بالأقراء أو بالشهور أو بوضع الحمل، فيجب النهي عن ذلك وزجر أصحابه، فإنما العدة مدة تقضيها المرأة قبل أن يحل لها التزوج بعد زوجها الأول الذي خرجت منه بطلاق أو حرمة أو وفاة. فإذا كانت حاملا فأجلها أن تضع حملها في الطلاق وأما في الوفاة فأبعد الأجلين: وضع الحمل وأربعة أشهر وعشرا، وإن كانت مطلقة فثلاثة قروء إن كانت تحيض وثلاثة أشهر إن كانت دون سن الحيض أو فوقه أعني آيسة وليس عليها أي شيء تعمله إلا أن تدقق الحساب في شهورها وأقرائها حتى لا تقع في الخطا وإلا ما يجب على المتوفى
عنها من ترك الزينة حتى تتم عدتها.
سؤال: كم عدة الأمة التي توفى عنها زوجها؟ الجواب: قال الله تبارك وتعالى: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) (1) وورد في الحديث عن المعصوم: إن
(1) الآية 234 من سورة البقرة.
424 (1/424)
صفحة 425
أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه ملك فينفخ فيه الروح) (1) الحديث. فقد بين الحديث أن الجنين لا ينفخ فيه الروح إلا بعد أربعة أشهر ولاستبراء الرحم إن كان فيه شيء، جعل الله عدتها أربعة أشهر وعشرا، وتلك العشرة احتياطا لعل الجنين كان ضعيفا أو كانت حركته خفيفة لا تحس. ومن هنا تعلم أن قول بعض العلماء في أن عدة الأمة نصف عدة الحرة باطل لأجل هذه الحكمة الظاهرة، وسنة الله تعالى في مخلوقاته لا تتغير لأجل فلان أو فلانة أو أي جنس من الأجناس.
سؤال
في المتعة
: رجل طلق زوجته ثلاثا بكلمة واحدة أمام
القاضي وتمت الفرقة بينهما وأمره القاضي أن يمتعها فامتنع
فأراد القاضي فأصر على الامتناع لما ناله منها من إساءة بالسرقة وغيرها - حسب دعواه - فهل يجوز له الامتناع من المتعة؟ وهل يسوغ للقاضي أن يحكم عليه بالمتعة جبرا مع عدم رضاه؟ الجواب: إن المطلقات أربع:
جبره على المتعة حسب حاله من فقر أو غنى
الأولى: مدخول بها ممسوسة وقد فرض لها أعني عين
لها صداق فلها صداقها كاملا غير منقوص لا ترد منه شيئا إن
(16 رواه البخاري في الباب السادس من كتاب بدء الخلق بلفظ قريب من هذا.
425 (1/425)
صفحة 426
كانت قد قبضته ويدفع لها كاملا غير منقوص إن كان كله أو بعضه مؤجلا. وفي هذه نزل قوله تعالى: ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا (1) وقوله (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا) (2)
الثانية: مطلقة غير مدخول بها ولا ممسوسة وقد فرض لها صداق فلها نصف الصداق المفروض، وفيها نزل قوله تعالى: (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد
فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) (3) والثالثة: مطلقة مدخول بها ممسوسة غير مفروض لها أي لم يعين مقدار صداقها فلها عند جمهور الأمة سلفا وخلفا المثل أي مقدار صداق مثيلاتها سنا وحسبا ونسبا من
بنات قومها.
فهذه الثلاثة لا تجب لهن المتعة لعدم ورود نص صريح في الكتاب أو صحيح السنة بذلك ولأنهن أخذن مهورهن ... فالأولى أخذت مهرها المفروض كاملا والثانية أخذت نصف المفروض بحكم الله في كتابه، والثالثة أخذت
(1) الآية 229 من سورة البقرة.
(2) الآيتان 20.
-
21 من سورة النساء.
(3) الآية 237 من سورة البقرة.
426 (1/426)
صفحة 427
صداق المثل كاملا، وإنما تستحب لهن المتعة استحبابا لا وجوبا أخذا من عموم قوله تعالى: وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين (1) واقتداء بسنة النبيء لا مع أزواجه أمهات المؤمنين رضي الله عنهن إذ قال لهن بأمر الله تبارك وتعالى إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسر حكن سراحا وهن كلهن مدخول بهن مفروض لهن وقد أخذن
جميلا (2)
مهورهن.
وأما الرابعة: من أنواع المطلقات فهي التي طلقت بعد العقد عليها وقبل أن تمس ولم يفرض لها صداق أي لم يعين مقدار صداقها فهذه هي التي تجب لها المتعة بالنص الصريح من كتاب الله تبارك وتعالى ففيها نزل قوله تعالى: ولا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين (3) وفي الموطا في باب ما جاء في متعة الطلاق: حدثني يحيى عن مالك أنه بلغه أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأة له فمتع بوليدة، وحدثني مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: لكل مطلقة متعة إلا
(1) الاية 241 من سورة البقرة. 2 الاية 28 من سورة الاحزاب (3) الآية 236 من سورة البقرة.
427 (1/427)
صفحة 428
التي تطلق وقد فرض لها صداق ولم تمس فحسبها نصف ما فرض لها. وحدثني عن مالك عن ابن شهاب أنه قال: لكل مطلقة متعة. قال مالك: وبلغنى عن القاسم بن محمد مثل ذلك، قال مالك: ليس للمتعة عندنا حد معروف في قليلها ولا كثيرها. . .انتهى.
وقد قال بعض العلماء في عموم قوله تعالى: (وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين (1) إن المتعة واجبة لكل مطلقة مطلقا وأن هذه الصداق المفروض أو نصف المفروض أو صداق
المتعة
هي
المثل للأنواع الثلاثة الأولى من المطلقات فمتعتهن هي ما أخذن من صدقاتهن. وتبقى المطلقة الرابعة من الأنواع وهي التي لم تمس ولم يفرض لها فإن هذه تجب لها المتعة على الموسع قدره وعلى المقتر قدره بالنص الصريح في كتاب الله. وقد قال الأستاذ الإمام الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار بعد ذكر أقوال العلماء في ذلك ما نصه: «وأحوط الأقوال وأوسطها قول من جعل المتعة غير المهر وأوجبها لمن لا تستحق مهرا وندبها لغيرها. وهذا هو الذي نراه ونختاره ونفتي به لأنه أعدل الأقوال وبه يتم الجمع بين الآيات
الواردة في شأن المطلقات»
(1) لاية 241 من سورة البقرة
428 (1/428)
صفحة 429
وبناء على ما تقدم نرى أيها الشيخ أنه لا تجب على
المطلق في القضية المعروضة إلا إن أحسن ومنع طوعا واختيارا وكذلك لا يسوغ للقاضي أن يحكم عليه بالمتعة إذا كان قد دخل بامرأته وفرض لها صداقها وأعطاها إياه كاملا غير منقوص كما يفهم من سياق السؤال. أما ذكر الثلاث في الطلاق فإنه لا أثر له في وجوب المتعة ولا في عدمه، على طلاق بدعي يعصي به صاحبه لتعمده مخالفة الكتاب والسنة. وقانا الله وإياكم شر جهل الجاهلين وسفه السفهاء، ووفقنا وإياكم إلى العمل بكتابه وسنة نبيه واتباع سيرة السلف الصالحين من الصحابة والتابعين والأئمة المهتدين رضي أجمعين، وسلام عليكم في البدء والختام
الله عنهم
في الحضانة
سؤال: متى يحق للأب الأن ينتزع ابنه الذكر من حضانة أمه ويأخذه إلى داره لكفالته وتربيته؟
الجواب: المشهور عند العلماء والمفتى به والمعمول به
هو إذا بلغ الطفل خمسة أعوام.
429 (1/429)
صفحة 430
فى النفقة والمنح العائلية
سؤال: امرأة مطلقة ولها ولد تأخذ نفقته من أبيه وتأخذ عليه منحة عائلية فهل لوالد الطفل أن يحسب المنحة
الفتوى
من جملة النفقة ويزيدها ما يبلغ به القدر المحدد للنفقة؟ الجواب: إذا كانت المنحة مستحقة بسبب كون الأب عاملا مسجلا في مصلحة المنح العائلية فإنه يجوز له أن يحسبها من جملة النفقة، وإن كانت ترسل إلى الأم مباشرة فإن المقصود منها أي المنح العائلية إنما هو التخفيف عن الآباء العاملين من تكاليف نفقات أولادهم هذه العامة في المسألة، لكننا نلاحظ أن كثيرا من الناس لا يقدرون النفقات الواجبة عليهم تقديرا عادلا بحيث تكون كافية للمنفق عليه، وإنما يعطون مقدارا ضئيلا لا يفي بالحاجة كأنه صدقة إحسان، وإذا كان الأمر كذلك فالأحسن أن لا تحسب المنحة من النفقة بل تترك للوالدة تسد بها
النقص في حاجات ولدها.
الزوج يشك في الولد
هي
سؤال: زوجة ولدت بعد غياب زوجها بخمسة عشر شهرا فحكم القاضي بثبوت النسب ولحوق الولد بأبيه؟
430 (1/430)
صفحة 431
الجواب: إن حكم القاضي صحيح فإن الولد للفراش والمرأة ما دامت في عصمة الزوج فإنها فراش له وكل ما وضعته في غيبته أو حضوره يلحق بالفراش إلا إن انتفى منه فيجب اللعان كما شرعه الله في سورة النور من كتاب الله الكريم. فإذا تلاعنا فرق بينهما وتخلص الزوج من الولد فيكون ابن أمه. هذا حكم الله وحكم رسوله وهو عدل كما ترى فإن الأمر فيه للزوج وإن عرف أن الولد له تركه في البطن أو أنه زار زوجته في وقت الغيبة من حيث لا يشعر الناس أقر نسبه، وإن ظن غير ذلك نفاه ولا عن أمه فانتفى منه. فما أعدل حكم الله
سؤال: فتاة طلقت من زوجها الأول وبعد نحو عامين تزوجت زوجا آخر وبعد أربعة أشهر وستة وعشرين يوما قمرية أسقطت جنينا ميتا إلا أنه تام الخلقة، والفتاة مؤمنة عفيفة محصنة غير متهمة بريبة مطلقا بشهادة ذويها وخاصة
أباها وزوجها الثاني، فلمن يكون الولد اللزوج الأول؟ أم للزوج الثاني؟ أم هو ابن أمه؟ مع ملاحظة أن الطبيب قدر
عمر
السقط بحوالي خمسة أشهر
الجواب: - والله أعلم أن الولد للزوج الثاني ولا علاقة للزوج الأول به مطلقا، وليس ابن أمه فالأم عفيفة محصنة وزوجها الثاني يشهد بعفتها وأمانتها ولم يتهمها بريبة مطلقا بل يقول إن الولد لي، ومن وراء هذا كله إن سقوط
431 (1/431)
صفحة 432
الجنين كان بعد عقد النكاح والدخول بخمسة أشهر إلا أربعة أيام قمرية يمكن أن تتم فيها خلقة الجنين الذي سقط ميتا فلا يجوز مطلقا لأي كان أن يتهم هذه المؤمنة المسلمة المحصنة بريبة إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم (1) وقد ولد الجنين ميتا فما من حاجة أبدا إلى إثارة مشكلة نسبه التي قد تحدث فتنة يضل بها كثير من الناس والزوجة باقية في عصمة زوجها. ولا أثر لهذا الحادث في فسخ عقدة النكاح فليبق الزوجان على علاقتهما في عصمة بعضهما ولعل الله تبارك وتعالى يعوضهما ولدا صالحا خيرا من هذا الجنين السقط الذي أراحهما الله منه فاتقوا الله وكفوا عن الحديث في المسألة وادفنوها كما دفنتم السقط الميت ودعوا الزوجين في هناء وعافية وراحة ضمير وإن ذلك خير لكم وأسلم لعاقبتكم لو كنتم تعلمون سؤال: هل يجوز لأبي الطفلة المزوجة أو وليها أن
مطلقا
يأخذ من صداقها؟
الجواب: الصداق ملك للزوجة خاص بها ليس لأحد من أقاربها فيه حق لا لأبيها ولا لغيره، وإنما لها وحدها أن تتصرف فيه كما تشاء، وإذا صنع لها منه جهازا لبيتها فلا نرى في ذلك بأسا. لأن ذلك الجهاز يكون ملكا خاصا لها.
(1) الآية 23 من سورة النور
432 (1/432)
صفحة 433
سؤال: هل يحق لأولياء البنت المطلقة أن يسألوا عن
أسباب طلاقها؟
الجواب: من حق أولياء البنت أن يتعرفوا على أسباب الطلاق إذا وقع وعليهم أن يسعوا في إصلاح ذات البين ما استطاعوا لذلك سبيلا. والله تبارك وتعالى يقول: وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله
بينهما (1) الآية #
سؤال: هل للولد على أبيه حق تزويجه إذا رغب في
الزواج؟
الجواب: من حق الولد على أبيه أن يزوجه إذا بلغ الحلم. أما الصداق فعلى الابن إذا كان له مال. وأما مصاريف العرس المعتادة فينبغي أن يقوم بها الأب حسب العرف والعادة وإذا شاء طلبها من ابنه إذا كان له مال وللعرف في هذه المسائل حكم يقره الشرع ولا ينكره.
(1) الآية 35 من سورة النساء.
433 (1/433)
صفحة 434
[صفحة فارغة] (1/434)
صفحة 435
مسائل العصر المالية
البيوع
؟
سؤال: باع والدك المتوفى منذ بضع سنين دار سكناه في حياته لزوجته التي ليست أُمك بثمن أقل بكثير من قيمتها الحقيقية، ولم تطلعوا على هذا إلا بعد وفاته عند شروعكم في تصفية تركته، فهل يجوز له هذا! وهل لزوجته أن تتملك هذه الدار؟ وهل هذا البيع صحيح الجواب: إذا كان هذا البيع قد صدر من أبيك وهو صحيح العقل والبدن أو كان مريضا في حالة عقد البيع ولكنه لم يمت في مرضه ذلك فإن البيع صحيح شرعا يترتب عليه تملك الزوجة المشترية للدار، ولا حق لبقية الورثة في نقض هذا البيع أو طلب فسخه، ولا حرج على الزوجة في تملكه والاستمساك به، هذا في الحكم، وأما فيما بينه وبين الله فإنه إذا كان ينوي حرمان بقية الورثة من الدار أو من ثمنها الحقيقي فإن الله يجازيه على سوء نيته وليس للبشر مدخل في هذا، وإن كان البيع في حال مرض مات فيه، أعني لم يشف منه حتى توفي، فإن للورثة نقض هذا البيع ورد المبيع إلى جملة التركة وإعطاء المشتري ما كان دفعه من ثمن.
سؤال: سيدة عجوز تناهز التسعين، وكلت رجلا باع لها دارها من غير إذن ولي من أوليائها ولا أحد من
435 (1/435)
صفحة 436
عشيرتها، ورأى هؤلاء أن في الثمن الذي وقع به البيع غبنا، فهل يجوز لهم أن يطالبوا بفسخ البيع؟
الجواب: إنه لا اعتبار ولا تأثير لكبر السن في صحة العقود، وإنما العبرة بكمال العقل وتمام الإدراك فإذا كانت السيدة صحيحة العقل لم تظهر عليها أعراض خبل أوجنون، ولم يحكم عليها بسفه لسوء تصرفها، فإن توكيلها صحيح وبيع الوكيل صحيح وليس على المرأة أن تستأذن أولياءها في التصرف في مالها، إلا أن يكون لها زوج فيحسن بها أن
تستشيره.
هذا ما الله به في الجواب، وأرجو أن أكون به مصيبا
كبد الصواب
من
سؤال: امرأة باعت عقارا لها على يد القاضي، وبمحضر أمة القاضي، التي تعرف النساء عادة، واستعانت المرأة في بيعها عقارها برجل من غير عشيرتها، ولم تستشر في ذلك قريبها، وإن هذا البيع وقع بتاريخ سنة 1953 أي منذ تسع سنوات، ثم توفيت المرأة بعد ذلك، فهل يجوز لورثتها أن يطالبوا بفسخ ذلك البيع، وهل يعتبر ذلك البيع
صحيحا شرعا؟
الجواب: إن المرأة البالغة العاقلة حرة مطلقة التصرف في مالها أصولا كانت أو عروضا، تبيع ما شاءت وتشتري ما شاءت، بدون قيد ولا شرط، وعقودها في ذلك كلها صحيحة
436 (1/436)
صفحة 437
لا تبطل ولا تنفسخ لا في حياتها ولا بعد وفاتها. لكنها إذا كانت ذات زوج فإنه يستحسن لها أن تستشيره في تصرفاتها المالية، وليس هذا بشرط لصحتها. هذا هو حكم الدين الإسلامي الحنيف في حق المرأة في التصرف المطلق في مالها. وبهذا تفهم أيها الأخ الكريم الحكم في القضية التي سألت عنها وتدرك أنه ليس للورثة المطالبة بفسخ ما عقدته المتوفاة. وأن دعوي الأقارب وجوب استشارة المرأة لهم في تصرفاتها المالية والا كانت، باطلة، أمر باطل لا أصل له في الشريعة الاسلامية. هذا ما من الله به في الجواب ونرجو أن نكون موفقين فيه الى الصواب، والسلام،
سؤال: رجل بذمته دين فألح عليه صاحب الدين في طلب الخلاص فألجأته الضرورة فباع عقارا له وقضى دينه ثم بدا له بعد ذلك أن في ثمن المبيع غبنا، فهل يجوز له أن يطالب المشتري بالغبن أو يطالب بفسخ البيع؟
الجواب: إذا كان البائع بالغا عاقلا غير مكره ولا مجبور وقت عقد البيع فإن البيع صحيح لا ينفسخ ولا يدرك أي غبن على المشتري. هذا هو مشهور المذهب وقد قال ابن محبوب رضى الله عنه: لا ينتقض البيع بالغبن فلو باع رجل لرجل رسن حمار بألف درهم لجاز عليه وذلك في السعة
والضرورة.
437 (1/437)
صفحة 438
سؤال: ما حكم الشريعة في بيع أجهزة الراديو
والتلفزيون وإصلاحها؟
الجواب: إنها أداة كسائر الأدوات وآلة كسائر الآلات تستعمل للخير وللشر، مثلها في ذلك كمثل السكاكين والخناجر والسيوف والرماح وسائر أنواع الأسلحة، لا حرج على صانعها وبائعها ومصلحها وإنما الحرج على مستعملها فيما لا يجوز أن تستعمل فيه من شر وظلم، كما يؤجر
مستعملها في حق وخير.
الخمر
سؤال: ما حكم الشريعة الإسلامية في بيع ولحم الخنزير؟ وما حكم من يتعاطى ذلك من المسلمين؟ وما الحكم في ماله؟ وهل يصح الحج به وتقبل صدقته؟ الجواب: الخمر ولحم الخنزير محرمان بالكتاب والسنة والإجماع، وثمنهما مثلهما إجماعا، والاتجار بهما من أكبر الكبائر إجماعا ومتعاطي ذلك كافر كفر نعمة إلا إن كان يستحل ذلك، فإن كفره كفر شرك. ولا يقبل منه صرف ولا عدل لا يبر حجه ولا تقبل صدقته إلا أن يتوب توبة نصوحا فيجب عليه أن يتصدق بجميع ما كسبه من حرام على الفقراء والمساكين لا على أنه صدقة إحسان منه، بل
على أنه تنصل من هذا المال الحرام الذي هذا المال الحرام الذي هو ليس له شرعا
والشريعة تنص على أن المال الحرام سبيله الفقراء، وبدون
هذا لا تصح توبته. والسلام
،
438 (1/438)
صفحة 439
سؤال: هل يجوز شراء السلع التي تعرضها الحكومة للبيع بالمزاد العلني وقد صادرتها من التجار المخالفين لقوانين الجمرك والاستيراد؟ وهل يجوز شراؤها ممن
اشتراها؟
الجواب: ما صادرته الحكومة من بضائع وسلع بطرق رسمية بسبب مخالفة أصحابها للقوانين المعمول بها في الميدان الاقتصادي، ثم عرضته للبيع يجوز شراؤه مباشرة أو ممن اشتراها. هذا ما من الله به في الجواب
سؤال: هل يجوز شراء السلع التي تعرضها الحكومة للبيع العلني مما تأخذه من الناس بمقتضى القوانين المعمول
بها
،
ويصبح ملكا لها؟
الجواب: - والله أعلم - أن الذي نحفظه في هذه المسألة هو جواز الشراء ولا بأس فيه إن شاء الله، ومن استراب شيئا من ذلك فكف عنه احتياطا فحسنا فعل، وأحزم الناس من تحرى لدينه، ومن اتقى الشبهات فقد استبراً لدينه وعرضه
سؤال: ما حكم من يشتري ما تعرضه الحكومة
للبيع؟
الجواب: ما عرضته الدولة للبيع العمومي من السلع
التي امتلكتها يجوز لك شراؤه كيفما كان نوعه، وإن
439 (1/439)
صفحة 440
عرضت لك شبهة فتورعت عن الشراء احتياطا لدينك كان
خيرالك. والسلام
سؤال: هل يجوز شراء ما تعرضه الحكومة للبيع بالمزاد العلني من سلع أخذتها من أصحابها جبرا بسبب مخالفات قانونية ارتكبوها أو بسبب حقوق للدولة عليهم عجزوا أو امتنعوا عن أدائها؟
الجواب: إن ما تعرضه الحكومة من هذا النوع من السلع لا بأس بشرائه ولا تبعة على مشتريه، ومن ارتاب في أمرها فاحترز من شرائها، وتورع عنها فخير له وأسلم.
سؤال: ما حكم الشرع الحنيف في شراء المال
المسروق؟
الجواب: لا يجوز شراء المال المسروق مع العلم بسرقته مطلقا من فرد أو من جماعة.
أما ما تعرضه الحكومة القائمة في البلد فإنه يجوز شراء ما
عرضته للبيع ولو كان مصادرا والتنزه عنه أحوط وأولى.
•
سؤال: هل تجوز الزيادة على المشتري فوق السعر
المقرر؟
الجواب: لا يجوز للتاجر أن يزيد على المشتري فوق
السعر المقرر ولو سنتيما، ومن فعل ذلك فقد سرق.
440 (1/440)
صفحة 441
الجواب عن المسألة التي شرحتها في قارورة عصير الليمون هو الجواب على المسألة التي قبلها. أعني لا تجوز الزيادة على السعر المقرر المعلن عنه فوق القارورة ولا تجوز
مغالطة المشتري.
سؤال: هل يجوز للتاجر أن يبيع للذي لا يماكس ولا يشاحح في ثمن البضاعة، بل لا يسأل عن السعر، بسعر أغلى من الذي يبيع به للمماكس المشاحح؟
مطلقا
الجواب: لا يجوز هذا مطلقا، وحتى النظر العقلي يوجب أن يكون سعر الذي لا يماكس ولا يتعب التاجر أرخص، وفي المساواة السلامة، وفي التخفيض لغير المماكس
الكرامة. والسلام عليك ورحمة الله
سؤال: ما حكم الشريعة في شراء الفرنك الفرنسي
بالدينار الجزائري؟
الجواب: اعلم أن المسألة تسمى صرفا، أعني تبديل عملة دولة بعملة دولة أخرى، وهذا صرف جائز على كل حال، بشرط أن يكون حاضرا يدا بيد، لا أجل فيه، أعني تعطي عملة، وتأخذ صرفها عملة أخرى، بحسب السعر
المتفق عليه بين المتصارفين، ولا تكون الزيادة في أحدهما الأجل، فإن كان ذلك فهو حرام، وإن لم يكن
بحسب
للأجل أي اعتبار في الزيادة أو النقصان فهو حلال مباح
221 (1/441)
صفحة 442
هذا ما الله
من
به علي، ويقول علماؤنا: (يدا بيد جميع
البيع (حل) وفي الحديث إنما الربا في النسيئة» (1) يعني في الأجل، والسلام عليكم ورحمة الله
سؤال: ما حكم الشريعة فيمن يقرض دراهم أجنبية لمن يطلبه ويأخذ فائدة فيها أهوربا أم لا؟
الجواب: صرف عملة دولة بعملة دولة أخرى جائز، وفرق ما بين العملتين إنما تقتضيه القيمة الحقيقية لكل منهما، وهي تغلو وترخص بحسب الأوقات، فلا ربا في الفضل بينهما عند التعامل يدا بيد
أما إذا قصد بها الربح بحسب الأجل فإنه ربا محض لا
ريب فيه
المعاملات الربوية
سؤال: رجل اقترض من آخر بالمعاملة خمسمائة ألف فرنك واتفق معه أن يعطيه كل عام خمسة وعشرين في المائة، ومضى على هذه الحال عشر سنوات وهو يدفع له شيئا فشيئا المال ورب يزيد كل عام على رأس ماله 25 في المائة أعني الربح والمقترض عاجز عن دفع رأس المال وفوائضه، ووصل به الحال حتى باع رزقه، ولم يكن يعرف
(1) رواه مسلم في باب الربا من كتاب البيوع - ورواه غيره بألفاظ
مختلفة
442 (1/442)
صفحة 443
قبل اليوم أن المعاملة حرام لكنه سمع اليوم وتيقن أنها حرام، فهل يدفع له رأس المال الأول فقط أم يعطيه العدد الذي أمضى عليه كله مع ما فيه من زيادة؟
الجواب: إن كلمة المعاملة كما عبرت في كتابك غامضة، ولم تشرح لنا كيفية هذه المعاملة حتى يمكن لنا أن نجيبك جوابا صحيحا على قضيتك، أما الجواب العام فهو أن الربا حرام بنص القرآن وأن الحيل التي يتذرع بها بعض الناس في معاملاتهم المالية تختلف أحكامها باختلاف صورها و اختلاف العلماء فيها، ثم إن مثل هذا السؤال ينبغي أن يسأله رب المال، فيقول مثلا: هل يجوز لي أن آخذ هذا الفائض أم لا؟ أما المقترض الذي أمضى على الدين بخط يديه في أجل معين فإنه ملزم بالدفع في الحكم الظاهر الذي يجري به العمل في المحاكم، فمن ذا الذي يستمع له إذا قال أنا لا أدفع هذا المال لأنه حرام. وبامتناعه يعرض نفسه للبلاء.
ويبدو
هذا ما يبدو لنا من ظاهر الحال، وعلم الحقيقة عند الله لنا أن مثل هذه الصورة التي تتضخم فيها الفائدة إلى هذا الحد ويكون المقترض عاجزا حتى يضطر إلى بيع رزقه، تسوى بالصلح بين الطرفين بواسطة بعض ذوى العلم ونفوذ الكلمة بعد أن يدرسوا القضية دراسة وافية من جهة الشرع ومن جهة القوانين الجاري بها العمل.
443 (1/443)
صفحة 444
هذا رأينا أبديناه لكم على وجه الإرشاد والتوجيه إلى أفضل طريق للتسوية ولا نستطيع القول الفصل في القضية،
والسلام عليك ورحمة الله
سؤال: رجل اقترض مقدارا من المال من رجل آخر بالربا ثم قضاه، وسمع بعد ذلك أن آخذ الربا ومعطيه عاصيان، فتاب من ذنبه، فهل يجب عليه أن يطالب الذي أخذ الربا من أن يرد له ما أخذ منه؟
الجواب: إن معطي الربا إنما عليه التوبة والندم والاستغفار وليس من شرط التوبة أن يسترد ما أعطى من الذي أخذه منه فإن هذا متعذر وغير ممكن في أغلب الحالات ولا يدركه في الحكم، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها وأما وجوب الرد فإنما هو على أخذ الربا إذا تاب فإن من شرط توبته أن ما أخذ لأهله، وإن فقدوا ولم يتوصل إليهم تصدق به على الفقراء والمساكين.
يرد ما
نعم يجوز لمعطي الربا أن ينصح أخذه منه بالتوبة من ذنبه وأن يطلب منه أن يرد إليه ما أخذه منه ربا حراما، فإن قبل منه فقد أحسن لنفسه، وإلا فما نظن أنه واجد في الحكم وسيلة لجبره على الرد. هذا ما من الله به في الجواب، وترجو أن يكون عين
الصواب
{{{ (1/444)
صفحة 445
أو
سؤال: هل يجوز اقتراض مبلغ من المال من شخص من مصرف لأجل معين بفائدة معينة؟ وهل تعد تلك الفائدة التي يأخذها المقرض زيادة على رأس ماله ربا؟ وإذا كانت ربا فهل يجوز الإقدام عليه عند الضرورة والضرورات تبيح المحظورات، كما يقال؟
الجواب: - والله أعلم - أن الصورة التي ذكرتها هي عين الربا المحقق المجمع على تحريمه بنص الكتاب والسنة
ولا خلاف فيه بين أئمة المذاهب الإسلامية وعلمائها من
الخلف والسلف وقد شدد الله فيه ما لم يشدد في غيره فقال: (ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) (1) فمن ذا الذي يستطيع أن
فيها
يتحمل حرب الله ورسوله؟ فمعاملته حرام، والمشاركون الطرفين المتعاقدين كالكاتب والشاهد أثمون. وأعظمهم إثما آكل الربا، وهو آخذ الزيادة عن رأس ماله لأن من شروط توبته رد الزيادة لأصحابها إن عرفهم أو التصدق بها على الفقراء والمساكين عند تعذر الوصول إلى أهلها الأصليين لقوله تعالى: (وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) (1) وأماتوبة معطي الزيادة والمشاركين بكتابة أو شهادة فإنما هي التوبة النصوح بالندم
(1) الآيتان 278 - 279 من سورة البقرة.
،
445 (1/445)
صفحة 446
والاستغفار والعزم على عدم المعاودة، وأما الضرورة فلا محل لها ولا اعتبار في باب الربا. فأما من جهة المقرض بالفائدة أنه معطي الربا فربما يدعي مضطر لذلك. وحينئذ تعرض صورة الضرورة المدعاة على عالم فقيه يحققها ويقدرها بقدرها فليست كل حاجة إلى الاقتراض ضرورة، وليس من الضرورة في شيء الحاجة إلى المال للتوسع في الأعمال، فاتقوا الله ولا تتعدوا حدوده، ولا تتعرضوا لحربه، والسلام. سؤال: هل يجوز للمقرض والمقترض أن يتفقا على تسديد الدين مع فائضه على الأسلوب التالي: يقترض مبلغ مائة ألف دينار لأجل معين بفائض قدره عشرون في المائة: على أن يدفع المقترض عند حلول الأجل تسعين ألفاً أخذ. وثلاثين ألفاً من جنس آخر. فذلك مبلغ الدين مع
فائضه؟
من جنس ما
الجواب: ان جواب مسألتك موجود في كتابك وهو قولك بالنص الحرفي ويعتبر أن الأسلوب الذي يباشره البعض في تلك المبايعة الصورية تحايل صريح مكشوف على الشرع والصورة التي سألت عنها هي كذلك تحايل صريح مكشوف على الشرع فتدبرها جيدا تجدها كذلك والطريقة المثلى التي أرشدنا إليها الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه في تعاون العمل ورأس المال هي المضاربة، وهي أن يدفع رب المال للعامل مقدارا معينا من
446 (1/446)
صفحة 447
المال على أن يكون له جزء من الربح الناتج عن العمل بذلك المال متفق عليه من أول الأمر، وهذه هي الطريقة الشرعية المثلى التي دعا النبيء له بالبركة فيها، ولا نعلم طريقة أخرى غيرها، إلا أن يكون قرض لوجه الله تبارك وتعالى بدون فائض مطلقا. ويسميه الناس اليوم «سلف إحسان». وإلا أن يكون تعامل بين أجناس وسلع مختلفة لا
يكون الغرض منها التوصل إلى الربا بطرق ملتوية كالحيل التي أشرت إليها
الله
هذا ما من الله به في الجواب. والسلام عليكم ورحمة
سؤال: اقترض رجل من آخر مبلغا من المال على أن يعطيه فائضا ربويا مقدار ربع رأس المال للسنة الواحدة فلما كملت السنة ردّ إليه رأس ماله فقط، وامتنع من أن يزيده شيئا ما فوق رأس المال
الجواب: إن المعاملة ربوية وإن هذا الفائض حرام أخذه وهما عاصيان بهذه المعاملة. لكن مقترض المال عليه إثم كبير. إثم الخداع لأنه خدع رب المال. وأخذ منه القرض على شرط أن يعطيه الفائض، فلما قضى حاجته تنكر له مدعيا أن إعطاء الفائض حرام لأنه ربا. وهذه مخادعة وغش وخيانة، نعم إن الربا حرام ولكن على المقترض أن يطلب الحل من رب المال الذي خدعه
447 (1/447)
صفحة 448
سؤال: هل يجوز أخذ القسط الفائض الزائد على رأس المال المودع في مصرف مالي (البنك) بطريقة ما، وقدره غالبا من أربعة إلى ثمانية في المائة؟
الجواب: إن وضع المال في البنوك تختلف أغراضه
ومقاصده الباعثة عليه فمنها ما يريد به صاحبه استثماره بما يأخذه من نسبة مئوية سنوية معينة لرأس ماله حسب قانون البنك المودع فيه وهذا هو الربا الصريح الصارخ ومنها ما يقصد به صاحبه استعمال البنك كوكيل عليه في قبض ودفع ماله وعليه من ديون ونحوها في معاملاته التجارية، فيودع في البنك كل يوم أو كل بضعة أيام ما يجمعه من كسبه، وما له من وثائق ديون على زبنائه ثم يدفع للبنك في آخر الشهر قائمة بأسماء من لهم عليه ديون، يتولى دفعها للبنك، بما تجمع لديه من مال المودع، وبعد مدة معينة يبعث البنك له بتصفية حسابه داخلا فيه ما أنفقه من أجر تلفون أو برقية أو طابع بريد أونحو ذلك. . . فإما أن يتساوى المقبوض والمدفوع فلا تابع ولا متبوع، وإما أن يكون للبنك على المودع فضل مما دفعه عنه زيادة على ما أودعه إن كان له ثقة فيه فيطالبه به وبفائضه فيكون في هذه الحال المودع هو الدافع لا الآخذ وإما أن يبقى للمودع فضل في البنك بعد قضاء ديونه قيتركها فيه، وبتكرار مثل هذه العملية طوال العام قد يتجمع للمودع في البنك مقدار معتبر يخصص
448 (1/448)
صفحة 449
له البنك نسبة مئوية من مقداره كفائض وإن لم يقصده صاحبه ولم يطلبه (وهذا عند أصحاب البنوك من الوفاء بحقوق الحرفاء) فإذا جاء مودع المال لأخذ رأس ماله دفعوا له هذا الفائض معه، فهل يجوز له تسلمه؟ والصورة الثالثة هي أن يضع الرجل ماله دفعة واحدة أو على دفعات متتالية في بنك من البنوك على طريقة وديعة أو أمانة تحفظ من الضياع، لا يريد منها ربحا ولا استثمارا ولا فائضا قليلا أو كثيرا. يأخذ منها ما شاء متى شاء، وليس لذلك أجل
معين، كما في صورة قصد الاستثمار لكن البنوك فيما نعلم من العهد السابق تخصص لصاحب هذه الأمانة المحفوظة عندها نسبة مئوية ضئيلة تقدر بنصف واحد في المائة، إحسانا له، وهذا يشبه التبرع لأنه غير مقصود ولا مطلوب، ولعله يدخل فى الأثر الوارد: (أقضه وزده) (1) فإذا جاءرب الأمانة لسحبها أعطوه معها هذا الفائض القليل، فهل يجوز له أن يتسمله؟
فأما صاحب الصورة الأولى فإنه عاص مرتكب لكبيرة الربا المنصوص عليها بصراحة لا تقبل التأويل، فعليه أن يتوب ويستغفر من ذنبه، وعليه أن يتصدق بجميع ما أخذه من ربا فوق رأس ماله على الفقراء والمساكين، ومن تاب وقد بقي له شيء من هذا الربا على البنك فإنه يأخذه لا على
1 - رواه البخاري من حديث في الباب الثامن من كتاب الوكالة.
229 (1/449)
صفحة 450
أنه مال له، بل على أنه مال جهل ربه ولا مالك له، والقاعدة
الشرعية تقول: كل مال جهل ربه فسبيله الفقراء والمساكين فليأخذه وليتصدق به كله، أعني الفائض على الفقراء والمساكين، ولا يتركه للبنك فإنه ليس له وما هو له برب، وقد أخرجه من ملكه وأعده ليدفع إلى صاحب رأس المال وسجل إخراجه من صندوق البنك في سجلاته الرسمية، ولا يقبل تركه فيه ولا رده إليه أي الصندوق فلا بد ـ قانونيا - من إخراجه ودفعه لصاحبه، فإن امتنع من أخذه قال له مدير البنك: لا بد من قبضه وليست لنا قانونيا أية طريقة للاحتفاظ به ولا لإدخاله في أي حساب فإن لم ترد أخذه فتصدق به على العملة وفرقه بينهم على حسابك، وقد جرى هذا بين سمعنا وبصرنا في بنك من البنوك في زمن سابق فقلت لصاحبه خذه وتصدق به على أهله الحقيقيين، وهم القاعدة الشرعية الآنفة الذكر:
الفقراء والمساكين، حسب
وكذلك كان.
وأما الصورة الثانية فما نرى بممارستها بأسا حيث يتخذ البنك كوكيل للتاجر مثلا في القبض والدفع وضبط الحسابات كما شرحناه آنفا، فإن أعطى هذا شيئا من الفائض على فضل حسابه قبضه كذلك لا على أنه مال له، بل على أنه مال لا مالك له، فسبيله الفقراء، لا يأخذ منه لنفسه درهما ولا
دينارا.
450 (1/450)
صفحة 451
وكذلك صاحب الصورة الثالثة الذي يضع مالا في البنك
لا للاستثمار ولا للربح بل لحفظه فقط كوديعة وأمانة تحفظ له لوقت حاجته، فإذا أعطي شيئا قليلا زائدا على وديعته أخذه، والأحوط له أنه يتصدق به على الفقراء والمساكين، فإن أمر الربا عند الله عظيم، وأحزم الناس من تحرى لدينه، وإن أخذه لنفسه اعتمادا على أنه تبرع وإحسان في القضاء فإننا لا تقطع عذره للشبهة التي تعلق بها ولها حظ من الاعتبار وأمره إلى الله. ولا نستحسن لهؤلاء الثلاثة جميعا أن يمتنعوا من أخذ هذا الفائض والتصدق به على الفقراء وأن يتركوه لأصحاب البنك من عملته فإنهم ليسوا بمالكيه ولا بأربابه، وربه في الحقيقة مجهول، والبنك شخصية معنوية ولأنه لا يؤمن إذا ترك لهم أن يستعينوا به على ما لا يرضي الله سبحانه وتعالى، وأولى من ذلك وأفضل وأحزم وأحوط أن يؤخذ على نية التصدق به على فقراء المسلمين الذين يستعينون به على طاعة الله. وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى.
هذا بعض ما حضرنا من صور المعاملات المشهورة مع البنوك التي لاتخلو من فوائض ربوية وقد قلنا فيها ما نرجو أن لا يكون بعيدا عن الصواب، وأشد وأعظم ما أنتلى به في باب الفتوى أن أسأل عما يتعلق بمعاملات البنوك أو غيرها من صور استثمار الأموال بكيفيات ربوية أو شبيهة بالربوية
201 (1/451)
صفحة 452
الله
فإن أمر الربا خطير وخطير جدا، فكيف لنا بالخوض في بحر الظلمات. هذا الذي يقول الله فيه: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) (1) وقانا الله شر هذه الحرب. وعصمنا من الخطا والزلل، فأعفونا من مثل هذه الأسئلة أيها الناس
ولكم الفضل
وأما من عامل البنك باقتراض منه وكان هو الدافع للفائض إلى البنك دائما، ولم يأخذ قط درهما ولا دينارا فإنه موكل للربا لا آكل له وهو عاص بمشاركته في معاملة ربوية كالكاتب والشاهد، وقد لعنوا في الحديث، فتوبتهم أن يقلعوا ويستغفروا ربهم.
سؤال: ما قولكم في الربا الذي يؤخذ من دائرة من دوائر الحكومة على ما وضع فيها من دين؟
الجواب: بلغني كتابك المضمن فتأملته وتدبرت سؤالك جيدا فبدا لي أنك لا تسأل الا عن الربا الذي يؤخذ من دائرة من دوائر الحكومة على ما وضع فيها من دراهم كيفما كان سببه. أما (المارشي) كما تعبر عنه، فكأنك على من حله أو كأننا نحن على يقين من أمره وهو بعد عندنا
بينة
1 - الايتان 278 - 279 من سورة البقرة.
452 (1/452)
صفحة 453
أمر لا يزال يحوطه كثير من الغموض الذي لا تستقيم الفتوى معه فإننا لم نفهم معنى: اشترى (مارشي) وهل ثمة بيع وشراء؟ أم مجرد تعاهد فقط من الطرفين؟ وما صورته؟ وما يترتب على نقض شيء منه أو عدم الوفاء به؟ وما كيفية تقدير الأسعار ودفع الأثمان؟ هل يتفق على الأسعار من أول؟ أم هي تبع للسوق؟ وهل تدفع معجلة يوم أم مؤجلة؟ أم تدفع مسبقة؟ وهل لدفع السلع والبضائع آجال محدودة؟ وأمكنة معلومة؟ أم هي مطلقة؟ كل ذلك وأكثر ذلك تجب الإحاطة به قبل البت في الفتوى، ثم إنك تعبر في كتابك بالمبتاع مرارا، كقولك وهذا الضمان يدفعه المبتاع سلفا إلى ... آخره وقولك يقدم المبتاع لخزينة الحكومة ... إلى آخره والمبتاع في اللغة هو المشتري وما ندري أتريد هذا؟ أم تريد به البائع ـ كما يتبادر لنا ـ ومهما يكن فإن أصل مسألتك هذه لما يزل غامضا تحيط به نواح مجهولة
من
من كتابك أنك لنا يجب اكتشافها قبل إصدار الحكم ويبدو أنت على بينة منها وعلى يقين من جواز هذا «المارشي» وإنما
سؤالك عن رباه الذي تدفعه الحكومة فإن كان كذلك فاعلم أن الذي حفظنا عن أشياخنا أنه لا ربا مع الحكومة، أعني الدافعة فخذ ولا تتحرج فما في الأمر من إذا كانت هي بأس. وأظن هذا يكفيك، فإن كنت على بينة من حل ما أنت صانع ولم يبق إلا ما يدفعه الخازن زيادة على ما وضعته عنده أول مرة، فاقبضه ولا إثم عليك
403 (1/453)
صفحة 454
سؤال: بيدك أمانة لأيتام تريد استثمارها لهم ووجدت أمينا يأخذها منك بالطريقة الربوية المعتادة بين بعض الناس. وهي أن يأخذ المبلغ الأصلي من المال ثم يضيف
إليه نسبة مئوية مقدرة حسب الاتفاق لمدة عام، ثم يعمر ذلك من المبلغ الأصلي والزيادة في صك بجميع
ذمته
يمضيه بخط يده إلى أحله
وقلت في سؤالك إنك حاولته أن يتعامل معك بصورة المعاملة التي يتحايل بها بعض الناس للهروب من الربا الصريح بإحضار سلعة وبيع وشراء فيها، اعتمادا على أن بعض الفقهاء أجازوها وأنها من بيوع الذرائع لكنه أبى وامتنع من ذلك وأصر على ألا يفعل إلا ما يعرفه هو، وهو أن يأخذ المال ويضيف إليه الزيادة المتفق عليها ويعمر بجميع ذمته إلى أجله وكفى، وقلت إنك لم تجد أمينا صادقا غيره تستثمر عنده أمانة أيتامك.
ذلك
الجواب: إن هذا الذي أصر عليه صاحبك هو عين الربا الصريح المتوعد عليه بالعذاب الأليم الشديد وبإعلان الحرب من الله ورسوله على متعاطيه وإن هذا المتعاطي لهذا الربا ليس بأمين ولا صادق بالمعنى الشرعي الصحيح للوصفين أما أنك لم تجد غيره فإن هذا لا لك أن
يبيح
تستثمر أموال أيتامك بالربا فتؤكلهم الحرام فتهلك ويهلكوا، نعم إن استثمار أموال اليتامى مأمور به شرعا لئلا تأكلها
454 (1/454)
صفحة 455
الزكاة وتأتي عليها النفقات، ولا يكون ذلك إلا بالطرق الشرعية، ومن أفضلها المضاربة، وهي أن يدفع المال لأمين يتاجر فيه ويقسم ربحه بين العمل ورأس المال حسب الاتفاق. ولوكيل الأيتام أن يقوم بذلك بنفسه ويجعل نصب عينيه صلاح الأيتام والله يعلم المفسد من المصلح وإذا لم تجد أمينا فاحفظ الأمانة وانتظر حتى يفتح الله ولا حرج عليك. هذا ما من الله به في الجواب وأرجو أن لا يكون
بعيدا عن الصواب
سؤال: هل صحيح ما ذكره بعض من أن الشيخ رشيد رضا أباح المعاملة مع بنوك الدول الإسلامية؟
الجواب: إنني لا علم لي بهذه الفتوى ولا متسع لي من الوقت للرجوع إلى مؤلفاته وفتاواه، لأتحقق فيما نسب إليه ومهما يكن فإنك عبرت بقولك: معاملة بنوك الدول الإسلامية هكذا بدون التصريح بأن المعاملة هي على الصورة الربوية ونحن نعلم أن المعاملة مع البنوك الإسلامية ليست كلها أي كل صورها ربوية، ولعل الشيخ - إن صح ما نسب إليه - لا يريد إباحة صورة الربا الصحيحة الحقيقية وإنما يريد بعض أنواع المعاملات الأخرى، إذ ليس للشيخ رشيد رضا ولا لغيره من العلماء المتقدمين والمتأخرين أن يحل ما حرمه الله في كتابه بصراحة لا تقبل التأويل، ولن يزال محرما حتى يرث الله الأرض ومن عليها. (1/455)
صفحة 456
سؤال: تسأل عما ذكره الشيخ شلتوت من الفتوى بجواز وضع المال في صناديق الادخار التي تضعها الحكومة في إدارات البريد، التعويد الناس على التوفير وتعطيهم نسبة
ضئيلة من
الفائدة التي تجنيها الدولة باستعمال تلك الأموال
وهذا النوع لا يراد به استغلال حاجة الفقير ولا إرهاقه بمضاعفات الربا، بل القصد أي قصد الدولة التي هي
المعطي لذلك الفائض) عكس ذلك تماما وفيه مع
شبهة ربا؟
(
ذلك
الجواب: من استعمله لتوفير ماله، وادخاره ثم تصدق بما زاد على رأس ماله، فما نرى عليه من بأس
سؤال: تسأل عن مخالطة البنك حسب تعبيرك أي المعاملة مع البنك، هل تجوز شرعا؟
الجواب: إن التعامل مع البنوك (المصارف المالية) له صور كثيرة متعددة ولكل صورة حكمها والصورة التي تعنيك أنت وتنفعك بصفتك تاجرا له حرفاء بائعون ومشترون، يطلب وسيلة تيسر له التقاضي مع حرفائه ولا يكون فيها بأس إن شاء الله من الوجهة الدينية هي كما يلي: أن تفتح لك حسابا جاريا في بنك تضع فيه يوميا أو أسبوعيا - مثلا - ما تجمع لديك من دراهم ودنانير ليحفظ لك في سجل حسابك ثم تعطى للبنك قائمة بأسماء الذين لهم عليك ديون مؤجلة (1/456)
صفحة 457
الى آخر الشهر - مثلا - وبمقادير مالهم (بوردرو) فيتولى البنك دفع هذه الديون من مالك المحفوظ عنده ثم يبعث إليك بتصفية الحساب وبيان ما دفعه عنك، وما بقي لك من رصيدك عنده، وهكذا يكون البنك وكيلا عنك وقائما مقامك يحفظ مالك ويدفع ديونك بصورة مضبوطة منتظمة ويأخذ على عمله هذا مقدارا معينا يقتطعه من رصيدك كأجر له، وهذا لا يعتبر ربا، بل هو أجرة عمل، بشرط أن تحافظ دائما على أن تكون مدفوعاتك موازية لما عليك حتى لا يدفع البنك زائدا يطالبك بفائضه، وأما إذا كان في مدفوعاتك فضل عن ديونك التي دفعها البنك، فأعطاك البنك ربحا عنه بعد طرح مصاريفه فخذه وتصدق به على الفقراء والمساكين وذلك سبيله ولا تتركه للبنك فإنه محسوب لك على كل حال يخرج من صندوق البنك باسمك ويصرف في غير سبيله، ولذلك قلنا: فخذه وأنفقه في سبيله الذي هو الفقراء والمساكين
سؤال: هل «اليانصيب» يندرج في الميسر؟
الجواب: (اليانصيب بجميع أنواعه ميسر فيما نرى،: الأمة. ما والميسر محرم نصا في الكتاب والسنة وإجماعا من نعلم في ذلك خلافا، أعلنا ذلك في دروسنا ونشرناه في كتبنا به عن كل من سألنا وما ندري حتى متى يقتنع الناس
وأجبنا
457 (1/457)
صفحة 458
ويقصروا عن إعناتنا بتكرار السؤال عن أمر فرغ الناس منه
منذ بضعة عشر قرنا؟
وأما الذي زعم أنه سأل عما يفعل بمال ربحه في اليانصيب الوطني) فقلتُ له سأطالع المسألة فأجيبك فلم أجبه فاتخذ ذلك دليلا على الجواز، فما رأيت أسخف ولا أجهل ولا أبعد ضلالا منه، فما كان ينبغي أن يلتفت إلى مثل هذا، ولا أن يقام وزن لكلامه وهب أني جعلت له مخرجا للتوبة من ذنبه فإن المخرج الذي يجعله الشرع للتائبين من ذنوبهم لا يكون فيه موافقة للذنب. وقد أفتى العلماء في من غصب أو سرق أو جمع مالا لا يحل ثم تعذر عليه أن يرده على أربابه أن يتصدق به على الفقراء والمساكين، وما قال عاقل ولا مجنون أن ذلك دليل على إباحة الغصب والسرقة ونحوهما، وهب أنا أفتينا هذا السائل أن يتصدق بما ربح، فهل يكون إباحة لأصل الذنب، إن هذا لضلال مبين، والسلام عليكم أجمعين.
سؤال: ما حكم الشرع الحنيف في أنواع اليانصيب
المنتشرة اليوم؟
الجواب: (اليانصيب) المعبر عنه بالفرنسية الوتري الجيريان - طمبولا) وغير ذلك من الأسماء هو من الميسر - الحرام بالنص من كتاب الله ومستعمله عاص إجماعا، ولا
458 (1/458)
صفحة 459
نظن أن مسلما يشكل عليه أمره حتى يحتاج إلى دليل. فإن صورته وحقيقته صورة مقامرة ولا يمكن أن يدخل تحت نوع من أنواع البيوع المشروعة قط، ومن ارتكبه وجبت عليه التوبة، ومن كمال توبته أن يتصدق على الفقراء بمثل ما أنفق فيه، وأما ما ربحه منه فإنه يتصدق به كذلك، وإن دفع به ظلم أصحابه كالمغرم فجائز، هذا ما نعلمه من الحكم
فيه، ونفتي به والله أعلم.
سؤال: ما حكم اليانصيب
الجواب: اليانصيب (اللوتري) نوع من القمار المحرم
بنص الكتاب الكريم، ولا يبيحه انتشاره، فإن الخمر
والزني كذلك منتشران
459 (1/459)
صفحة 460
[صفحة فارغة] (1/460)
صفحة 461
المعاملات والأحوال الشخصية
في الهبة
سؤال: هالك ترك زوجة وبنتا وإخوة أشقاء لكنه
وهب أكثر ماله لبنته وزوجته وحفدته، فهل للإخوة أن
يرفضوا هذه الهبة؟
الجواب: إذا صحت هذه الهبة بشروطها الشرعية في حياة الواهب في غير مرض موته وقامت البنية العادلة على ذلك فإن الهبة صحيحة والمال الموهوب خرج من يد الواهب في حياته، ودخل في يد غيره الموهوب له، فلا يعتبر من تركة المهالك، فليس للأشقاء اعتراض مطلقا، وليس لهم إلا القبول بالأمر الواقع، وحساب الواهب على الله فيما إذا كانت نيته سليمة، أو كان ينوي حرمان
بعض ورثته
•
سؤال: رجل له أخت أسن منه تأيمت منذ زمن طويل فقام بواجب نفقتها وكسوتها وجميع ما تحتاج إليه أحسن قيام لا يريد بها إلا وجه الله ولا ينوي مطالبتها بما أنفق، ولهذه الأخت أسهم في بعض العقارات ولها ولد من صلبها، بهلول) كما ذكرت فوهبت هذه المرأة لأحد أبناء أخيها الذي أحسن إليها سهما لها ملكا على الشياع في (دويرة) لأخيها هذا النصف فيها، وكانت هذه الهبة منها لابن أخيها في حياتها وهي صحيحة العقل والبدن، وصرحت
461 (1/461)
صفحة 462
بذلك واعترفت به وبكونها هي الراغبة في ذلك أمام كثير من الأقارب والعائلات ثم نصت على ذلك في وصيتها وقالت بالحرف الواحد (إني من صميم قلبي وعن تراض مني أهب لأخي .. الخ) ثم قالت: ولن أرضى أبدا أي تدخل من أحد أو محاولة فسخ هذه الهبة ومن حدثته نفسه بهذا فالنار مثواه ومصيره (هذا ملخص المسألة أي القضية كما بسطتها في كتابك ثم سألت عن رأي الشرع في شأن هذه الهبة كما
عبرت.
الجواب: لم أفهم الإشكال في القضية وهي صريحة واضحة فإن الهبة إذا كانت من مالك بالغ صحيح العقل غير مكره ولا مجبور وقبلها الموهوب له البالغ أو نائبه إن لم يكن كذلك، وصحت الشهادة بذلك فإن الهبة صحيحة ثابتة يترتب عليها آليا انتقال الشيء الموهوب من ملك الواهب إلى ملك الموهوب له، وليس لأحد بعد ذلك نقض ولا فسخ، هذا هو الحكم الشرعي في الهبات فطبقه على قضيتك، أما الحواشي الأخرى التي ذكرت من إحسان الأخ إلى الأخت ووجود ولد لها وكونه غائبا أو بهلولا أو نحو ذلك فلا تأثير لها في المسألة أصلا
فيما يلي أسئلة تسعة لنفس السائل نثبتها حسب ترتيبها في أصلها
462 (1/462)
صفحة 463
سؤال 1: أب عاجز أراد أن يهب شيئا من ماله لابن بار أحسن إليه وخدمه خدمة لم يخدمها بقية أبنائه. الجواب: لا يجوز لأب أن يخص أحد أولاده بهبة شيء من ماله مطلقا سواء كان بارا أو عاقا، بل تجب عليه العدالة بينهم في الهبة والتمليك للذكر مثل حظ الانثيين، أما النفقة والكسوة والراحلة فإن لكل من الأولاد ما يصلح له باعتبار جنسه وصحته وعمره وحرفته وعمله، وأما البر والعقوق فجزاؤهما عند الله. ولن يكون البر سببا للتفضيل ولا العقوق سببا للحرمان كما سوى الله بينهما في قسمة الميراث. هذا ما صحت به السنة وأجمعت عليه الأمة.
سؤال 2: أم عاجزة أرادت أن تهب شيئا من مالها لابن محسن لها أو بنت خدمتها؟
الجواب: ليس على الأم إنفاق أولادها فليست عليها عدالة بينهم في الهبة والتمليك فلها أن تعطي من مالها ما شاءت لمن شاءت من بنيها أو بناتها في حياتها، أما بعد الموت فلا وصية لوارث مطلقا، ولا يغني التعلل بالخدمة
والإحسان فتيلا.
•
سؤال 3: زوج أراد أن يهب شيئا من أملاكه أو أثاثه لزوجته لأجل قيامها بشؤونه أو لأجل ما أضاع من حقوقها
المادية أو المعنوية؟
463 (1/463)
صفحة 464
الجواب: للزوج أن يهب لزوجته في حياته ما شاء من أملاكه أو أثاثه أو غير ذلك لحسن قيامها عليه أو لإضاعة شيء من حقوقها المادية أو المعنوية أو لغير ذلك من الأسباب لاحجر عليه في ذلك، إذ لا يجب عليه العدل بين زوجته وغيرها، إلا أن تكون له زوجة أو زوجات أخرى فيجب عليه العدل بينهن، هذا كله فيما يعطيه للزوجة في حياته. وأما الوصية لها فلا تجوز لها مطلقا، كيفما كان السبب الذي جعله علة للوصية، لأنها وارثة، ولا وصية لوارث، إلا أن يكون لها عليه دين من مال لها أكله أو إرش جناية في نفسها، أو قيمة فساد في مالها فيقر إقرارا لها به في الوصية أما خدمتها وإحسانها له فأمر واجب عليها وأجرها
على الله
سؤال 4: زوج ليس له أولاد ويريد أن يهب لزوجته دار سکناهما خوفا من أن يتدخل فيها عصبته بعد
موته، وتخرج الزوجة من الدار.
•
ماله
الجواب: يجوز للزوج أن يهب ما شاء من لزوجته في حياته فتصح الهبة. وتتملك بها الزوجة ما وهب لها، ويحكم لها بذلك إن نوزعت فيه، إذا استوفت الهبة شروطها وخاصة شرط القبض، هذا هو الحكم في ظاهر الشرع أما عند الله فإن ساءت نية الواهب أو الموصى فيما
464 (1/464)
صفحة 465
يصح به الإيصاء مثلا كقصد حرمان الورثة من حقهم في
الميراث، فإن حسابه على الله
سؤال 5: أم تريد أن تهب لابنتها أو لزوج ابنتها شيئا من أملاكها دارا أو بستانا على وجه الزكاة انتصالا مما وجب عليها من الزكاة طيلة حياتها ... فهل تعطي الزكاة هكذا دفعة واحدة لشخص واحد؟
الجواب: ليست هذه الصورة من الهبة في شيء، فلا يصح أن يعبر عنها بالهبة، إنما هي زكاة تعطى، فهل تعطى هكذا ملكا واحدا دفعة واحدة لشخص واحد؟ نعم إذا كان هذا الشخص من أهل الزكاة ولاية وحاجة، فإذا كان الذي يراد إعطاؤه دارا، وكان الذي يراد الإعطاء له لا مسكن له يملكه، وكان يسكن بالعارية أوبالكراء، أو يؤويه بعض المحسنين معه، فإن من الخير أن يعطى مسكنا يؤويه ويغنيه، وخير الصدقة ما أبقت غنى» (1) كما قال صلى الله عليه وسلم، وليس هذا من تأثل المال المنهي عنه
سؤال 6: ما حكم وصية بهبة لأحد الأقارب؟ الجواب: لا أفهم مطلقا وجه الجمع بين الهبة والوصية: فما معنى قولكم وصية بهبة، فإن الهبة لا تكون
1 - رواه البخاري في الباب الثاني من كتاب النفقات ولفظه: النبي. أفضل الصدقة ما ترك غنى ... الحديث. (1/465)
صفحة 466
بالوصية، وإنما تكون عطاء ناجزا مقبوضا في حياة الواهب والموهوب له، وبدون ذلك لا تسمى هبة أبدا، نعم قد يهب بعض الناس شيئا من أموالهم في حياتهم لمن شاءوا من قريب أو بعيد بعيد، ثم يسجلون في وصاياهم على طريق التنبيه والتذكير للورثة فقط أنهم قد وهبوا الدار الفلانية ـ مثلا - لفلان في حياتهم، وهذا إن كان كما قلنا إخباراً فقط بما جرى في الحياة، وكان) الذي جرى في الحياة صحيحا فهو لا بأس به، وإن كان المراد به إنشاء الهبة بالوصية صحيح فهذا باطل لا عمل به، أما قولكم في السؤال لأحد الأقارب فلا معنى له لأن الفرق في مثل هذا، ليس بين القريب
وغيره، وإنما الفرق المعتبر هو ما بين الوارث وغيره
سؤال 7: ما حكم الهبة التي يكتبها صاحبها للموهوب له بيعة بثمن؟
الجواب: إذا صحت الهبة بشروطها وتمت بقبض الموهوب له، فلا نرى بأسا من تسجيلها بطريقة من الطرق فإن العبرة بعملية الهبة الأولى لا بالشكليات التي تعقبها
والتي قد تلجيء إليها ظروف واعتبارات تجب مراعاتها
لفائدة الطرفين المشتركة، وذلك جائز وصحيح ما لم يقصد
به ظلم أحد وأكل حقه.
،
466 (1/466)
صفحة 467
سؤال 8: زوج أراد أن أراد أن يهب ماله لزوجته لأن ولدهما
غير صالح. . .؟
الجواب: فيما تقدم من الأجوبة ما يغني فلا داعي للتكرار،، بيد أننا نتبه إلى أن قصد حرمان الوارث من حقه
نية سيئة تخشى عاقبتها عند الله.
سؤال 9: ما هو الحكم فيما إذا ظهر استحقاق في أحد من العوضين استحقاقا جزئيا أو كليا؟
الجواب: ليس لدي وقت لمراجعة المسألة في مواطنها، والذي بقي في حفظي، وأرجو أن أكون مصيبا أن المعاوضة نوع من أنواع البيوع وأن حكمها في الاستحقاق حكم البيع، وأن الاستحقاق - على المشهور - يؤثر بالفسخ إلا إن تراضى الطرفان على تعويض المستحق بقيمة أو بدل، وإلا إذا تشارطا على ألا ينفسخ العقد بالاستحقاق، وإنما يقوم المستحق بحقه حسب العبارة التي ألف
كتابتها.
• •
الموثقون
أما ما يتعلق بك بصفتك كاتبا عموميا فإنه لا يجوز أن تجاري الناس على ضلالهم، فإن الكاتب والشهيد مسؤولان عما كتباً وشهدا، فليس لهما أن يكتبا الباطل أو يشهدا به، وعليهما نصح من أرادهما على ذلك، فإن قبل وإلا طرداه
من ساحتهما، فلن يغني عنهما من الله شيئا الحاحه ولا إغراؤه.
467 (1/467)
صفحة 468
سؤال: من أعطى إحدى زوجتيه عارا_داراأوغيرها من
الأصول ـ فهل يجب عليه إعطاء مثل ذلك للأخرى؟ وإذا
كتب عقدا بهبة لإحدى الزوجتين، ولم يسجله بطريقة رسمية لدى الموثقين المعتمدين لدى الحكومة حيلة منه حتى يمكنه فسخه إن ماتت قبله، فهل يجوز فسخه اليوم عدلا بين زوجتيه حتى لا يعطي الأخرى مثل ذلك؟ وما حكم من تجرأ فأفتى بفسخ العقد؟
الجواب: أما عن الشق الأول من السؤال فإن العدل بين الزوجتين واجب قطعا بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
فيما يملكه الزوج، وهذا المسؤول عنه مما يملكه الزوج،
أما ما لا يملكه وهو الحب والميل القلبي الضروري غير
أن
الاختياري فهذا فقط هو المعفو عنه، وقد قال له بعد بلغ في العدل المادي أقصاه: «اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» (1) وأما عن الشق الثاني من السؤال فإن الأصل في العقود بين المسلمين أن يكون باطنها كظاهرها خالية من الكيد والمكر والحيلة، فإن دخلها شيء من ذلك أفسدها قطعا عند الله، وفي كثير من الصور تفسد في
?
(1) رواه ابو داود في الباب الثامن والثلاثين من كتاب النكاح والدارمي في الباب الخامس والعشرين من كتاب النكاح وفيه فلا تلومنى بدل فلا تلمني ورواه الربيع في الحديث الثامن بعد الثمانمائة ولفظه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه ويعدل ويقول اللهم هذا فعلي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك
•
468 (1/468)
صفحة 469
الحكم كذلك، ولا مجال هنا لتفصيل ذلك. أما صورة جميع القضية المسؤول عنها، فلا يعدو حالها أحد أمرين: إما أن يكون الزوج الذي كتب عقد الهبة ولم يسجله رسميا قد أخبر زوجته الموهوب لها بهبته وتمت العملية بينهما فعلا بأن وهبها ما وهبها فقبلت ثم كتب الرسم، إلا أنه لم يسجل حسب القانون، ففي هذه الحال قد تمت الهبة وصح العقد، وتم انتقال الموهوب من ملك الزوج الواهب إلى زوجته، فلا يجوز له فسخه ولا نقضه، وإن فعل فقد ظلم، إلا إن طلب من الزوجة فردت إليه ما أخذت منه طوعا واختيارا، وعليه أن يعطي زوجته الأخرى مثل ذلك إذا تمسكت الأولى بهبتها، وإن فسخ العقد وأنكره بعد موتها فقد سرق، ورثتها، فإن المال لهم وليس له فيه إلا ميراثه
الأمر الثاني ألا تكون عملية الهبة قد تمت بينهما بالإعطاء والقبول وإنما كتب الرسم وتركه كذلك غير مسجل مخادعة لورثة زوجته إن ماتت قبله أخفاه ومزقه ولم يعلم به أحد، وبقي العقار الموهوب بيده يستأثر به دون ورثة زوجته، وإما مخادعة لورثته إن مات قبلها فتستظهر الزوجة به وتستأثر بما زعم أنه أنه وهبه لها في حياته، وفي هذه الصورة يكون العقد باطلا لا يصح الاعتماد عليه مطلقا، في أي شيء مما يترتب آليا على العقود الشرعية الصحيحة من نقل الملك الأول الى الثاني أو غير ذلك وبهذا يعرف
279 (1/469)
صفحة 470
الجواب عن الشق الثالث من السؤال وهو قولكم (ما حكم من تجرأ فأفتى بفسخ هذا العقد فإن كان الأمر على هذه الصورة الأخيرة فإن المفتي بفسخ هذا العقد قد أصاب كبد الصواب وأحسن في حكمه. وإن كانت الصورة الأولى فإن حكمه بالفسخ غير صحيح فالهبة والعدل واجب إما بإعطاء الثانية مثل الأولى، وإما برد الأولى لهبتها إلى زوجها
طوعا واختيارا.
في الكتابة
التوثيق
سؤال: هل يجوز للقاضي تحرير عقد بيع لوقف خيري مع اطلاعه على نص الواقف أنه لا يباع ولا يشترى ولا يورث ولا يرهن ولا يفوت بأي وجه من الوجوه؟ وإذا كان الوقف على الذرية، أعني على أبنائه الذكور وأبناء أبنائه الذكور كذلك دون الإناث ما تناسلوا، فهل يجوز للموقوف عليهم في أي طبقة أن يبيعوا الوقف ويقتسموه؟ وهل للإناث حظ فيه إذا بيع وأريدت قسمته؟ وهل يجوز للقاضي أن
يحرر عقد هذا البيع وعقد قسمته؟
الجواب: أما الوقف الخيري، وهو الذي ينفق ريعه في وجوه البر والاحسان وفي سبيل الله فإن هذا لا يجوز تفويته ببيع أو نحوه إلا إذا كان لوكيله تفويض من الواقف
470 (1/470)
صفحة 471
في رعاية المصلحة باستبداله بغيره وقفا أو بجعله صدقة ناجزة - لضرورة ما - وما أكثرها اليوم، فإذا كان تفويض الوكيل ثابتا في الوصية فإن تصرفه في الوقف بالبيع أو غيره جائز وكتابته والشهادة عليه جائزان كذلك. وإذا اقتضت المصلحة الراجحة ذلك أو اقتضته الضرورة فإنه جائز. وكتابته والشهادة عليه جائزان كذلك؛ فإنَّ عِلْمَه ما يصلح له - كما يقول الفقهاء - وليس أمره بأشد من مال اليتيم، وقد قال الله تبارك وتعالى فيه: ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم) (1)
وأما الوقف على الذكور من الأولاد دون الإناث ثم على أبنائهم كذلك ما تناسلوا فإنه باطل وجور وظلم للبنات بحرمانهن من ميراث أبيهن وما هو إلا حيف وجنف وإثم من الموصي ولا يخرجه عن ذلك تستره بالوقف، فإنه حيلة للتخلص من حكم الله في قسم الميراث الذي تولاه بنفسه ولم يكل الأمر فيه إلى غيره، وقد افتتح الأمر في ذلك بقوله:
1 - الآية 220 من سورة البقرة.
471 (1/471)
صفحة 472
يوصيكم الله (1) وختمه بقوله: وصية من الله والله عليم حكيم (2) ثم عقبه بقوله: تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله ندخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده ندخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين (3) ولا يجوز أن يقال إن هذا الوقف وصية تدخل في قوله تعالى: من بعد وصية بها أو يوصي دين) (4) فإنه «لا وصية لوارث» (5) كما صح به الحديث، وبينته السنة المبينة للقرآن، فمن ذا الذي يجرؤ أن هذه الأحكام بشيء من التصرف الظاهر أو المستتر بالحيل؟ وأيا ما كان من ذلك فإنه عصيان لله ولرسوله وتعد لحدوده ولا يغني في ذلك شيئا ما زعمه بعض الفقهاء بدون دليل نعلمه - من أن هذا الواقف إذا جعل لوقفه مالا خيريا بعد انقراض نسل بنيه صح وقفه. فإن هذا يدخل في باب التحايل على حكم الله للإفلات منه بقصد التخلص من عاقبة مخالفته فيما يتوهمون، وذلك لأن العبرة إنما هي
يمس
1 - أول الآية 11 من النساء
2 - آخر الآية 12 من سورة النساء
3 - الآيتان 13 و 14 من سورة النساء
4 - من الآية 11 من سورة النساء
5 - رواه الترمذي في الباب الخامس من ابواب الوصايا، وابو داود في الباب السادس من كتاب الوصايا، والدارمي بلفظ: لا يجوز وصية لوارث في الباب الثامن والعشرين من كتاب الوصايا، والربيع بن حبيب في بب في أول باب الوصية من الجامع الصحيح.
472 (1/472)
صفحة 473
بقسمة ميراث الواقف أي تركته، على الطبقة الأولى من ورثته عصبة كانوا أو فرضيين وقد حرم من هذه الطبقة الأولى بعض ذوي الحقوق الأصلية في التركة وهم البنات، ولا سبب لذلك إلا الميل إلى الذكور وتفضيلهم على البنات وذلك عين الجنف والإثم ما في ذلك شك وعليه فإن هذا الوقف باطل يجب أن يجمع في التركة ويقسم الكل على الورثة جميعا كما قسمه الله وفرضه وعلى الأولاد الذكور الموقوف عليهم أن يبروا أباهم ويحسنوا إليه بعد وفاته بالتخفيف عنه لما قد يمكن أن يلقاه بسبب وقفه، وذلك بأن يتنازلوا عن وقفهم ويجعلوه ميراثا كباقي تركته، وإنما يكون ميراثا للطبقة الأولى من ورثة الواقف، وإذا تقادم عهده ومات بعض الورثة الأصليين فإنه لابد مع ذلك من الرجوع إلى الفريضة الأصلية لورثة الواقف، ثم يجري العمل بعد ذلك بالحساب على طريق المناسخات حتى يتوصل إلى حقوق الأحياء من ورثة الورثة، وعلى هذا فإن القاضي أو الموثق يكونان محسنين مأجورين إذا أعانا على رد الحق إلى نصابه بفسخ هذا الوقف وجعله ميراثا لجميع الورثة يقسمون عينه أو ريعه أو قيمته كما يشاؤون، فالمال مالهم
وحق التصرف فيه لهم جميعا
•
سؤال: هل يجوز للموثق أو القاضي الائتمار بأمر الحاكم في تحرير عقد الزواج بين زان ومزنيته لسبب
{VT (1/473)
صفحة 474
كالحاق الولد بالزاني الذي علقت به المرأة من زناه أو لرفع الحكم بالسجن عنهما، إذا كان ذلك منهما دون السن القانونية أو غير ذلك؟
الجواب: أمّا أوّلا فإن أمر الحاكم لا يقدم ولا يؤخر ولا اعتبار له في أمر التحليل والتحريم الشرعيين فلو أمر السلطان قاضيه أن يكتب عقد تَبَنَّ بين رجل ودعي لما جاز للقاضي أن يأتمر بهذا الأمر المخالف لأمر الله قطعا. وهذا
عام في كل شيء
وأما ثانيا فإن نكاح الرجل لمزنيته مسألة وقع فيها الخلاف في صدر الإسلام بين الصحابة وبين التابعين وبين أئمة المذاهب الإسلامية فحرمه بعضهم تحريما مطلقا أبديا منهم ابن مسعود وعائشة أم المؤمنين وعلي بن أبي طالب والبراء بن عازب وجابر بن عبد الله وأبو هريرة من الصحابة، ومن التابعين جابر بن زيد والحسن وابن سيرين والنخعي، وعلى هذا جميع الإباضية. ومنهم من أجازه بعد التوبة والاستبراء ومنهم من أجازه بدون شرط ومنهم الإمام مالك والشافعي وأبو حنيفة، ولكل من الطوائف الثلاث روايات وأقضية استندوا إليها، فأنت ترى أن المسألة خلافية منذ الصدر الأول فلا مجال لقطع العذر فيها، ولا شك أن التنزه عن مثل هذا أحزم وأحوط وأدخل في باب الورع، سواء في العمل أو في الكتابة أو في الشهادة، فعلى
474 (1/474)
صفحة 475
المتصدي لكتابة العقود أن يمتنع من ذلك ما استطاع مهما كانت المغريات والمخوفات، فإن غلب على أمره فلا
نقطع عذره.
سؤال: ما موقف الكاتب في كتابة بيع أحد بيعيه
مومة - أكرمكم الله.
الجواب: إننا لا نرى في ذلك من حرج ما دام المبيع
حلالا مملوكا لبائعه غير مغصوب ولا مسروق ولم يتيقن
مشتريه يريد استعماله في محرم.
الشراء
سؤال: هل العبارات التي تكتب ضمن رسم حازه بالقبض والمرجع لدرك حيث يجب شرعا والعبارة التي هي (وان) ظهر شيء في المبيع للغير فيخرج بحقه من غير فسخ (لباقيه هل كلتاهما تؤدي معنى واحدا، أم كل واحدة ومعناها الخاص بها؟
الجواب: أما الجملة الأولى (وحازه بالقبض) فهي مستقلة بنفسها لا تتعارض ولا تتوافق مع غيرها وهي ضرورية في رسم الشراء، لأنها تنص على تخلي البائع عن المبيع وقبض المشتري له، وذلك شرط أساسي لصحة البيع والقبض والتخلي، فتختلفان باختلاف أنواع المبيعات كما هو معلوم
ومبسوط في كتب الفقه
475 (1/475)
صفحة 476
وأما جملة والمرجع) بالدرك حيث يجب شرعا) فإن الظاهر أن الكتاب الموثقين يقصدون بها نفس ما يريدون بقولهم (وإن ظهر شيء في المبيع للغير ... الخ) فتقعان إذاً على مقصد واحد، لكننا نرى أن الجملة الأولى (والمرجع بالدرك حيث يجب شرعا لا تفيد بأي وجه معنى قولهم (وإن ظهر شيء في المبيع للغير فيخرج بحقه من غير فسخ لباقيه ولا يصح أن يقصد بها هذا المعنى مطلقا فهي بهذا الاعتبار لغو، وكذلك لا نرى فيها فائدة مطلقا إذا أريد بها معناها الحرفي، فإن كون المرجع بالدرك حيث يجب شرعا أمر ضروري شرعا لا حاجة إلى التنصيص عليه، لا يثبت بهذه العبارة ولا يسقط بسقوطها، فإنه ثابت بنفسه أبدا، فالعبارة بهذا الاعتبار لغو كذلك، وأما قولهم (وإن ظهر شيء في المبيع للغير فيخرج بحقه من غير فسخ الباقيه فجملة مهمة معتبرة تفيد شرطا بين المتعاقدين، هو أن لا ينفسخ عقد البيع إذا تبين أنه مشتمل على شيء غير مملوك للبائع بل ملك لغيره. ولولا هذا الشرط لحكم بفسخ عقدة البيع في هذه الحالة كما هو معلوم.
هو
سؤال: هل يجوز لكاتب الرسوم والعقود من قاض أو موثق رسميين أو غيرهما أن يكتب عقدا في التبني الذي يلحق به الرجل ولدا لغيره بنسبه ويجعله وارثا له كأحد أبنائه لصلبه؟ وهل يجوز له أن يكتب عقد إنزال - حسب
476 (1/476)
صفحة 477
التعبير المعتاد المعروف عند الموثقين - وهو أن ينزل الرجل حفيده ابن ابنه المتوفى قبل أبيه منزلة أبناء صلبه الذين هم أعمامه في الميراث، أعني بمنزلة أبيه المتوفى
فيأخذ من الميراث مثل حظ أبيه كاملا غير منقوص؟ الجواب: إنك خلطت فيما كتبت بين التبني والإنزال، وبينهما بعد المشرقين فأما التبني هو محرم الصريح القطعي في كتاب الله وبالسنة الصحيحة والإجماع الثابت ولا تعزب عنك آية سورة الأحزاب فإنه من أكبر
بالنص
الكبائر: فلا يجوز كتابته ولا الشهادة عليه ولا الرضا به
•
ولا خلاف في ذلك بين علماء الإسلام في القديم والحديث. وأما الإنزال فإنه يجوز على اعتباره أنه وصية حكمها حكم سائر الوصايا تثبت وتصح إذا وسعها الثلث، وتحاصص سائر الوصايا إذا لم يسعها الثلث. فيأخذ الموصى له حفيدا كان أو غيره ما نابها من المحاصصة ولا يجوز مطلقا أن تعتبر ميراثا، فلا حق في الميراث في كتاب الله لابن الابن مع وجود ابن الصلب. لكن يجوز لجده أن له بما شاء يوصي ماله فتجري له جميع أحكام الوصايا ويعرف هذا النوع من الذي يسميه الناس اليوم إنزالا - عند الفقهاء والفرضيين بالوصية بمثل (النصيب يقول الرجل: أوصيت لفلان بن فلان بمثل نصيب أحد أبنائي سواء أكان الموصى له حفيدا أو غيره من قريب أو أجنبي فتصح الوصية وتثبت كغيرها من
477 (1/477)
صفحة 478
سائر الوصايا ولها في تصحيح الفريضة طريقة خاصة ويبوب لها في كتب الفرائض هكذا: باب الوصية بمثل النصيب وليس هذا الإنزال بملزم للورثة بشيء زائد مطلقا على ما يلزمهم من إنفاذ سائر الوصايا الأخرى. وعليه فينبغي للكاتب لهذا الإنزال - تصحيحا للأوضاع - اان يكتب: أوصى فلان لابن ابنه فلان بمثل نصيب أحد بنيه
فيدخل ما يعطي لهذا الحفيد في باب الوصايا وتجري عليه أحكامها كما ذكرنا ولا تدخل في باب الميراث مطلقا فحرام أن تحرر الفريضة على أن ذلك ميراث فإنه تحد صارخ صريح لكتاب الله، وحكم بغير ما أنزل الله
في الوصايا
الوصية بالثلث
سؤال: مات رجل وترك أما وزوجا وابنا وبنتا غير بالغين، وترك وصية نص فيها على أشياء وفصلها. ثم قال في آخر الوصية بعد ذلك التفصيل: (وأوصى بثلث ماله) هكذا من غير أن يبين مجرى ما فضل من ثلث ماله بعد إنفاذ وصاياه المفصلة ... فهل يرد ما فضل من الثلث على
الورثة؟ أم يتصدق به في سبيل الله العادة المألوفة حسب
في الوصية بالثلث؟
478 (1/478)
صفحة 479
الجواب: إننا نرى بعد التأمل وإمعان النظر أن غرض
الموصي بالوصية بالثلث ظاهر ومعقول ولاشك فيه، حملا
على المألوف المعتاد بين خاصة الناس وعامتهم في هذه البلاد
في اختصارهم عبارة الوصية بالثلث فيقول قائلهم: فلان أوصى بالثلث وفلان لم يوص بالثلث و يا فلان أوص بالثلث ونحو ذلك، ولا يراد بجميع ذلك إلا إنفاق فضل ثلث المال بعد الوصايا المفصلة في سبيل الخير، ثم إن الأم والزوجة وهما وارثتان بالغتان عاقلتان، تعلمان غرض الموصي فلا حرج إذا على خليفة اليتيمين إذا قبل أن ينفق فضل الثلث في سبيل الله ولا يرد على الورثة. فإن هذا هو الحق والصواب إن شاء الله ولا خطر فيه. فإن المظنون في اليتيمين إذا بلغا أن يجيزا فعل آبائهم وخلفائهم. وإنما الخطر في تبديل الوصية فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله
سميع عليم) (1).
هذا أحسن ما قدرنا عليه ونرجو أن يكون حقا وصوابا إن
شاء الله.
سؤال: نقل القطب عن أشياخ الديوان رضي
جواز الزيادة على الثلث في الوصية، فهل في
الله
عنهم
المسألة
خلاف؟ وما وجهه؟
1 - الآية 181 من سورة البقرة.
479 (1/479)
صفحة 480
الجواب: يقول صاحب النيل رحمه الله تبارك وتعالى: (ولا يصح لتارك وارث إيصاء بأكثر منه إن لم
يجزه إجماعا قال شارحه: (وأما قول بعضهم إنه يصح له الإيصاء بالنصف وقول بعضهم إنه يصح الإيصاء بأكثر من النصف فلشدة ضعفهما وغرابتهما أسقطهما، ولم يعتد بهما وأثبت الإجماع. وإلا فقد ذكروهما في الديوان: الأول بتصريح، والثاني بإشارة إذ قالوا: وقيل غير ذلك) ونقول: إن الحق ما ذكره الشيخ من الإجماع على عدم جواز الوصية بأكثر من الثلث، ولقد أحسن الشيخ الشارح في تعليله لحكاية الإجماع بشدة ضعف وغرابة القول بجواز الوصية بأكثر الثلث. حقا إن هذا الخلاف لا يعتبر. ولاحظ له من النظر. وقديما قالوا:
من
وليس كل خلاف جاء معتبرا إلا خلاف له حظ من النظر وهذا نوع من الخلاف الذي لا حظ له من النظر، وكيف يكون له حظ من النظر وقد صرح النبيء في حديث سعد بن ابي وقاص المشهور إذ قال: «الثلث والثلث
كثير» (1) وحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي الله قال: إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم
1 ـ هذه العبارة جزء من حديث رواه ابن ماجة في الباب الخامس من كتاب الوصايا ورواه غيره.
480 (1/480)
صفحة 481
بثلث أموالكم زيادة في حسناتكم» (1) ونحن نعتقد وهو من الضروري والمنصوص عليه أن من التركة وصية ودينا وميراثا، وأن الميراث إنما يكون بعد الوصية والدين، وأن الدين إذا ثبت لا حد له، وقد يستغرق المال كله، وأن الوصية لا يجوز مطلقا قطعا ويقينا أن تستغرق المال كله إذا كان هنالك وارث، وإذا فلا بد لها من حد لا تتجاوزه ومن ذا الذي يضع هذا الحد وينص عليه إلا الشارع صلوات الله عليه وسلامه، وقد حده فعلا بالثلث، وإذا أنكرنا هذا الحد وتعديناه ففي أي مقدار نقف؟
مطلقا
والمقادير المحتملة فوق الثلث قد عرضت على النبيء: النصف والثلثان، فأنكرها بقوله لسعد بن أبي
لنفسه أن يتعدى ما حده
حدود
وقاص: «لا» (2) فمن ذا الذي يبيح رسول الله الله وهو يعلم أنه يخرج بذلك إلى فضاء لا له، وإلى فوضى لا نظام لها، وهذا ما لا يقبله شرع ولا عقل وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) (3) هذا كله إذا اعتبرنا جواز الوصية بأكثر من الثلث حكما بصحة الوصية ووجوب إنفاذها على الورثة مهما
1 - رواه ابن ماجه كذلك في الباب بلفظ. ان الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث اموالكم زيادة لكم في أعمالكم.
2 - رواه الربيع في باب الوصية وهو الحديث الثمانون بعد الستمائة كما
رواه غيره من اصحاب السنن.
3 - الآية 1 من سورة الطلاق.
481 (1/481)
صفحة 482
بلغت. ووقوع الميراث فيما بقي بعد ذلك مهما بلغت قلته: فإن كان هذا فإنه الممنوع الذي لا يجوز لمسلم أن يقوله،
ولا أن يفتى به ولا أن يحكم به
•
وأما إذا أردنا بالجواز الذي حكي في الديوان أنه لا يحكم بعصيان الموصي بأكثر من الثلث إذا كان يعتقد أن الأمر راجع إلى الورثة في القبول بما أوصى أو الرد إلى الثلث وأنه لا يحكم عليهم جبرا بثبوت الوصية بأكثر من الثلث إلا إن تبرعوا بالقبول طائعين مختارين بشرط ألا يكون بينهم يتيم غير بالغ أو مجنون غير عاقل، فيكونون حينئذ متصدقين بجزء من مالهم الخاص الذي ثبت لهم بطريق الميراث، وهذا ما نراه احتمالا للقائل بهذا القول من أصحاب الديوان أعني أن مراده بالجواز أنه لا يحكم على هذا الموصي
بالعصيان بمجرد وصيته
•
وقد وقع عندنا مثل هذا، إذ أراد موص أن بوصايا يومي رأها ضرورية لنجاته عند الله بكفارات وغيرها تأخذ أكثر من ثلث التركة. فلما قيل له في حال الإيصاء: إن هذا لا يجوز وهذه المقادير - تتجاوز ثلث تركتك، أجاب: إني أعلم هذا وليس لي على الورثة من بعد موتي سلطان، وإنما أوصي بهذا حسن ظن بهم، فإن تبرعوا وأحسنوا وأنفذوها كلها فذلك من فضل ربي، وإن ردوها الى الثلث فهو حق لهم ولا لوم عليهم ولا عتب، فمثل هذا الموصي لا يقال عصى بصنيعه
482 (1/482)
صفحة 483
هذا، فإن أمره لا يعدو أن يكون رجاء من ورثته وطلبا منهم أن يتبرعوا عليه بما جاوز الثلث من وصيته، والأمر
بعد لهم. هذا ما نراه في تأويل كلام أصحاب الديوان حسن ظن بهم. والسلام عليكم ورحمة الله، هذا ما من الله به في. الجواب وأرجو أن يكون أصاب كبد الصواب.
سؤال: توفي رجل وترك أمه وزوجته وأولاده، وقد أوصى بثلث ماله أصلا ومنتقلا كما أوصى بنخلة يصدق تمرها ليلة الجمعة، فاختار الوكيل نخلة من ملكه وقومها أعيان العشيرة ليخرج ثمنها من الثلث فقبل جميع الورثة الوصية فيخرجون الثلث ويقتسمون الباقي، إلا أم الهالك فإنها
رفضت وطلبت بيع جميع الرفض؟ وهل يجبر الورثة على بيع متروك موروثهم؟
مخلفات الهالك، فهل يصح
هذا
الجواب: الوصية صحيحة ثابتة لا يجوز نقضها ولا إبطالها، لا للأم ولا لغيرها، ولو اتفق الورثة كلهم على إبطالها لما صح لهم ذلك، ولكانوا عاصين مخالفين للشريعة، وعمل الوكيل في اختيار النخلة وتقويم أعيان العشيرة لها ليدفع ثمنها من الثلث هو الحق الذي لا مرية فيه، وطلب الأم بيع جميع مخلفات الهالك أمر باطل لا يعول عليه ولا يلتفت إليه، ولن يستطيع أحد أن الورثة على بيع متروك موروثهم، ولو كان غريما أو وكيل
يجبر
483 (1/483)
صفحة 484
وصية ... فللورثة أن يقولوا للغرماء ولوكيل الوصية نعطيكم ديونكم وما تنفذون به الوصية ونقتسم المال، بل لو كان عدد الورثة مائة وطلب تسعة وتسعون منهم بيع المتروك، وطلب واحد القسمة لوجب عليهم أن يقتسموا، إلا إذا كان المتروك لا تمكن قسمته بحال من الأحوال. هذا ما به في الجواب على مسألتك، والسلام عليكم ورحمة
الله من
الله
•
الوصية بالوقف
سؤال: توفيت امرأة وتركت ابنين وبنتين وتركت وصية أسرفت فيها واتفق الورثة على ردها إلى الثلث، ومن جملة ما تركت دارا أوصت بها حبسا لسكنى الفقراء. وكانت قد أسكنت فيها امرأة فقيرة في حياتها، فهل تحسب هذه الدار من جملة التركة ثم تخرج من الثلث؟ أم لا تحسب من التركة أصلا
الجواب: أما رد الوصية إلى الثلث إذا أسرف الموصي وجاوز الثلثين فإنه حق من حقوقهم، لاحرج عليهم فيه مطلقا سواء أكانوا بلغا أو يتامى، فليس للميت فيما ترك إلا الثلث، وأما الدار التي أوصت بها حبسا لسكنى الفقراء، فإن الأصل ألا نجيب عن مثل هذا إلا بعد الاطلاع على النص
484 (1/484)
صفحة 485
الحرفي للوصية حسب طريقتنا التي التزمناها. إلا أن هذا لا يمنعنا أن نبين لكم القاعدة الشرعية العامة التي نبني عليها الحكم في مثل هذه الأوقاف، وهي: إذا حبس الانسان حبسا في سبيل الله وأخرجه من ماله في حياته وأجراه في مجراه المحبس عليه وقامت البينة على ذلك بشهادة عدول أو رسم عند قاض أو موثق أو وصية صحيحة نص فيها على أن هذا الحبس أخرجه صاحبه في حياته، فإن هذا العقار المحبس لا يدخل في التركة أصلا، ولا يعتبر من مخلفات الهالك. فلا يحسب من ثلثه، فطبقوا هذه القاعدة على قضيتكم.
الوصية للوارث
سؤال: ما حكم الشريعة الإسلامية في حبس بعض الناس لبعض مالهم على أبنائهم الذكور وحرمان البنات وبقية الورثة من نصيبهم في إرث ذلك الحبس؟
الجواب: إن الوصية للوارث باطلة شرعا سواء أكانت حبسا مؤبدا أم غير حبس، لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا وصية لوارث» (1) وفي رواية: «ألا لا وصية
(1) رواه الربيع في أول باب الوصية وهو الحديث 676 من كتابه الجامع الصحيح، وذكره البخاري في ترجمة الباب السادس من كتاب الوصايا - ورواه ابو داود في الباب السادس من كتاب الوصايا - والنسائي في الباب الخامس والدارمي في الباب الثامن والعشرين من كتاب الوصايا وابن ماجة في الباب السادس من أبواب الوصايا. وأحمد في صفحة 186 وغيرها من المجلد الرابع
من مسنده.
485 (1/485)
صفحة 486
لوارث بزيادة ألا للتأكيد. يقول الشيخ اطفيش رحمه الله في شرح النيل (طبع المطبعة البارونية بالقاهرة، صفحة 204، من الجزء السادس) وعن أبي أمامة الباهلي سمعت رسول الله لا يقول: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» وزاد في آخر الحديث «إلا أن يشاء الورثة (1) فإذا أوصى لوارث ولو بدون الثلث لم تثبت له إلا إن أجاز الورثة كما قال: «إلا أن يشاء الورثة هذا مذهبنا وهو الصحيح، ووجهه أن ذلك حق للورثة، فإذا أجازوه جاز، وهو مذهب جمهور الأمة، ومنعها المزني، و داود ولو أجاز الورثة. وقواه السبكي. وقالوا حديث الباب متواتر كما قال الشافعي ولو نازعه الفخر في تواتره، وكذا قال أصحابنا إنه متواتر، وليس فيه: إلا أن يشاء الورثة، أو إلا أن تجيز. إلا من طريق عطـ اء عن ابن عباس، وعطاء ضعيف .. انتهى
ثم قال في نفس الصفحة: (ومن الوصية للورثة الوقف عليهم فلا يثبت لحديث لا وصية لوارث ولحديث ليس فيما وقع عليه سهام كتاب الله حبس» (2) هذا
(1) لم اجد هذا اللفظ ولكن للدرامي حديث عن شريح الرجل يوصى بأكثر من ثلثه قال: ان اجازته الورثة أجزناه ... الى آخر الحديث أنظر الباب السادس من كتاب الوصايا.
(2) لم أجد هذا الحديث
486 (1/486)
صفحة 487
مذهب أصحابنا وأجازه بعضهم إذا أجراه على الفقراء بعد
الورثة لتعلق حقهم فيه بالوصية
فأنت ترى أن جمهور الأمة على منع الحبس على الوارث والوصية له. وهو الصحيح لصحة حديث لا وصية لوارث» حتى قال الإمام الشافعي - وكفي به حجة ـ إن الحديث متواتر، وقال بتواتره الإباضية وكثير من الأئمة، فكيف تجوز مخالفته؟ وليس مفهبا فقهيا الإمام. وإنما هو مذهب محمد رسول الله، و من يطع الرسول فقد أطاع الله (1) (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (2) فهذا الحبس يجب أن يقسم على جميع الورثة كسائر التركة. وليس لي سعة من الوقت لأبحث في كتب الحنفية على نص رجوع الإمام أبي حنيفة عن فتواه بجوار الحبس، فمعذرة. هذا ما من الله به في الجواب
والسلام
سؤال: ما حكم الشريعة الإسلامية والمذهب الإباضي على الخصوص في الوصية للوارث؟ ذلك أن رجلا أوصى لزوجته بمنتقلات ماله لما ضيع من حقوقها ولحسن قيامها به، فهل تصح هذه الوصية؟ وعلى فرض صحتها فهل يدخل في المنتقلات تجارته وسلعه ودراهمه؟
1 - الآية 80 من سورة النساء
2 - الآية 7 من سورة الحشر.
487 (1/487)
صفحة 488
الجواب: إن هذه الوصية باطلة لأنها وصية
لوارث، والوصية للوارث باطلة قطعا للحديث الصحيح المشهور الذي رواه الربيع بن حبيب رضي الله عنه في صحيحه عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة عن النبيء أنه قال: (لا) وصية لوارث) ورواه سائر رواة الحديث، ولفظه عند بعضهم: (عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث ورواه بعضهم بلفظ: ألا لا وصية حوارث» بزيادة ألا للتأكيد. وقال أصحابنا إن الحديث متواتر كما قال بذلك الإمام الشافعي وبعض الأئمة، والمذهب الإباضي يعتمد هذا الحديث ويتخذه أصلا لإبطال الوصية للوارث كما نص على ذلك صاحب النيل وشارحه جوهر النظام وغيرهم من العلماء الأعلام رحمهم الله.
فلا يجوز العمل مطلقا بما يخالف صريح الحديث الصحيح، ولا ينفع التعلق والتعلل بإضاعة الحقوق وحسن العشرة أو المعاملة في الصحة أو في المرض، فإن ذلك واجب على الأزواج بعضهم لبعض ولا حق للمرأة على الزوج بعد ذلك إلا أن يكون دينا معينا معروف المقدار من صداق أو قرض أو ثمن مبيع أو نحو ذلك من أسباب الدين الشرعية
488 (1/488)
صفحة 489
وأما عن السؤال الثاني: فإن لفظ المنتقلات لا يتناول مطلقا التجارة وسلعها والدراهم والديون في عرف أصحاب الوصايا ولا في عرف كتاب الوصايا ولا في عرف المنفذين للوصايا ولا في عرف الناس جميعا ـ بهذه البلاد ـ والعرف معتبر في الشرع معتمد عليه في تطبيق الأحكام على الألفاظ
وهذه مسألة لا خلاف فيها بين علماء الأمة الإسلامية، فلكل قوم عرف خاص بهم في معاني الألفاظ اللغوية يخالف كثيرا المعنى اللغوي أو يخص عمومه أو يقيد إطلاقه. فالعرف هو المعتبر في معاني الألفاظ في سائر العقود كالنكاح والطلاق والبيع والرهن والوصية والهبة والإجارة وغير ذلك من سائر العقود، وقد تعددت الوصايا بالمنتقلات ولم نر أحدا فيما عرفناه أدخل فيها دكاكين التجارة والدراهم والديون، وما نظن - في ورع واحتياط - أن صاحب الوصية المسؤول عنها قد أراد بالمنتقلات تجارته ودراهمه وديونه وهو من أصحاب العرف الذي أوضحناه آنفا
هذا أحسن ما قدرنا عليه ووفقنا إليه، ونرجو أن يكون مطابقا للحق موافقا للصواب، والفضل والمنة والشكر لله
العزيز الوهاب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
489 (1/489)
صفحة 490
سؤال: هالك أوصى أثاث منزله لزوجته فهل
بجميع
يجوز له ذلك، وهل للعصبة رفض هذه الوصية؟ وطلب
نصيبهم من
هذا الأثاث
؟
الجواب: قال: «إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» وقد أجمعت الأمة على ذلك فالوصية باطلة قطعا إلا إذا أجازها الورثة، واختلف العلماء في الموصي للوارث، هل هو عاص بوصيته؟ وبذلك قال بعضهم. وقال آخرون إنه غير عاص بوصيته إذا كان يعلم أن الأمر راجع للورثة في القبول والرفض. فكأنه قال: أرجوكم أن تعطوا كذا من مالي لفلان الوارث إن شئتم، فالأمر راجع إليهم في القبول والرفض وأمر الموصي مفوض إلى ربه، أما الورثة فإن لهم قطعا حق إبطال هذه الوصية وطلب نصيبهم
منها
•
سؤال: ترك المتوفي أثاث كثيرا فاستحوذت الزوجة عليه عقب وفاته من غير وصية به. فهل يحل لها شرعا أن تأخذه وتستأثر به دون بقية الورثة؟
الجواب: إنه لا يجوز لها مطلقا أن تأخذ مما تركه زوجها من قليل أو كثير. فإن المتروك كله - أثاثا أو غيره - لجميع الورثة يقتسمونه بينهم حسب ما شرع الله في كتابه، وحتى لو أوصى بالأثاث أو بعضه لزوجته فإنه لا يصح لها إلا
29. (1/490)
صفحة 491
إذا رضي الورثة، فقد قال: «لا وصية لوارث» إلا أن يكون إقراراً بدين ثابت صحيح لبعض الورثة فإنه يصح له. هذا ما من الله به في الجواب، والسلام.
سؤال: ما هو رأي الشرع الحكيم فيما تنص عليه هذه الوثيقة، هل يجب تنفيذ ما ورد فيها؟
الجواب: إن في وثيقة الوصية قضيتين مختلفتين إحداهما تتعلق بإقرار الموصي لزوجته بنصف حوزته في غابة (بومرافق) وبنصف داره الكائنة في تلك الحوزة، والثانية تتعلق بإيصائه لزوجته بأثاث الدار كلها
ففي القضية الأولى تقول الوصية: وأقر واعترف بأن عليه
بعض حقوق لزوجته (فلانة) تجب عليه محاللتها وطلب المسامحة منها. فمن هذه الحقوق ... وأطال في بيان هذه الحقوق في أحد عشر سطرا، ثم قال: فتنصلا مما ذكر واداء لها ببعض حقوقها ومحاللة لها أقر لها بنصف حوزته التي
يملكها في الغابة التي في ناحية (بومرافق).
•
وبعد وصف الحوزة وحدودها قال: وأقر واعترف لزوجته بنصف داره الكائنة في الحوزة المذكورة، وبعد ذكر حدودها قال: ونصف الحوزة المذكورة مع نصف الدار هما ملك للزوجة من تاريخ كتابة الوصية وحق من حقوقها ولها التصرف التام الكامل فيهما .. انتهى
491 (1/491)
صفحة 492
فبناء على هذا النصوص وخاصة النص الأخير منها فإن تصف الحوزة ونصف الدار التي بها هما ملك للزوجة هبة أو، أو هما معا، من زوجها تملكتهما في حياته،
قضاء دين،
فلا تدخلان في تركة زوجها المتوفى، ولا حق فيهما للورثة مطلقا، وحسابه في هبته وفي تقدير حقوق زوجته على الله
•
وأما إقراره للزوجة بأثاث الدار فإنه يعتبر وصية للوارث يرجع الأمر فيها للورثة، إن شاءوا قبلوا وإن شاءوا رفضوا. فإن رفضوا كانت الأثاث من جملة التركة لجميع الورثة. ولا ينفع هنا قوله: (أقر وإعترف فإنه قال بعد ذلك (واشترط أن يتصرف فيها ما دام حيا، وتنفذ حسبما ذكر بعد وفاته. وإن توفيت زوجته قبله فتبقى ملكا له، وهذا هو عين الوصية للوارث فلا تنفذ إلا إن قبل الورثة. والسلام.
سؤال: هل تصح الوصية للأحفاد من جدهم وأبوهم على قيد الحياة؟
الجواب: إنها تصح وتجوز وتنفذ لهم إلا إذا مات أبوهم الأدنى قبل جدهم الموصي فأصبحوا ورثة لجدهم فحينئذ تبطل الوصية التي أوصى بها، لأنهم أصبحوا ورثة ولا وصية لوارث، والميراث الذي تبطل به الوصية في قوله لا وصية لوارث» إنما يعتبر حال الموصى عند موت الموصي، فإذا أوصي له وهوغير وارث في حال الوصية، فأصبح وارثا
492 (1/492)
صفحة 493
بعد وفاة الموصي فإن الوصية تبطل لأنه قد أصبح وارثا وعلى العكس من ذلك إذا أوصى له في حالة كونه وارثا ثم
أصبح بعد موت الموصي غير وارث، لوجود من حجبه مثلا فإن الوصية له صحيحة جائزة تنفذ، والحاصل أن اعتبار كون الشخص وارثا أو غير وارث للحكم بصحة الوصية له أو بطلانها إنما يكون عند وفاة الموصي، ولا عبرة مطلقا لحاله قبل ذلك في الصورتين.
هذا في الوصية وأما الإقرار بحق ما، فإنه يثبت للمقر له وارثا كان أو غير وارث، إذا صحت الوصية بمعرفة خط الموصي أو شهادة صحيحة، لأن ذلك إبراء من الموصى لذمته مما عليه من حقوق الغير، فينفذ كما أقر به. والله أعلم. فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين
يبدلونه إن الله سميع عليم) (1).
الرجوع في الوصية
سؤال: رجل وهب لابنته دارا له بتاريخ 22 ذي الحجة عام 1385 الموافق ليوم 13 أفريل 1966 حسب الرسم الصادر من مكتب التوثيق بغرداية، ثم وهب بعد ذلك هذه الدار بعينها لزوجته في يوم 12 ذي القعدة عام 1392 الموافق
(1) الآية 181 من سورة البقرة
493 (1/493)
صفحة 494
ليوم 18 ديسمبر عام 1972 حسب رسم من مكتب التوثيق بغرداية أيضا، وقال في رسم هبة البنت ما نصه: (وذلك إحسان من الواهب نحو بنته لأجل طاعتها إياه والحصول على رضاه وإحسانها إليه. وبشرط أن يسكن معها في المحل الموهوب ما دام في قيد الحياة، فقبلت البنت الشرط ورضيت به ثم قال: (وقبل الهبة المذكورة في حق الموهوب لها زوجها صهر الوالد انتهى وقال في رسم هبة الزوجة ما نصه (فهو ساكن فيها في الحال مع زوجته المذكورة وهبها لها من أجل إحسانها إليه وخدمته وهو في حالة العجز والهرم، ولما حرمها من حقوقها الزوجية على العموم والإطلاق وهب لها ما ذكر تطوعا من غير إكراه وأخرج الشيء الموهوب من ماله وصارت الدار ملكا من أملاكها تتصرف فيه كما تشاء تصرف المالك لملكه انتهى. ثم قال ما نصه: (وقد حضر ابن الموهوب لها وقبل الهبة للموهوب لها والدته على النمط المسطور) انتهى. وسألتك هل قبضت البنت هذه الدار وسكنت فيها فأجبت في كتابك أنها ما سكنت الدار ولو دقيقة يوما ما لا مع أبيها ولا وحدها، بل كانت تسافر مع زوجها إلى وهران وأما الزوجة الموهوب لها فهي في الدار مع زوجها منذ تزوجها ومكثت معه مدة عشر سنين حتى توفاه الله بين يديها في منتصف الليل وقلت أيضا ـ ما معناه - إن البنت جفت أباها ولم تنفعه بأي
ساكنة
شيء من شؤونه بل الزوجة وحدها هي التي كفلته ومرضته
494 (1/494)
صفحة 495
حتى
ساعة وفاته. واليوم لما توفي الواهب تخاصمت الزوجة والبنت واستظهرت كل واحدة منهما برسم هبتها مدعية ملكية
الدار فلمن هذه الدار في حكم الشريعة؟
الجواب: - والله أعلم ـ بعد استفراغ الوسع في بحث هذه القضية المعقدة ظهر لي أن هبة الزوجة هي الصحيحة فالدار لها، وأن هبة البنت منفسخة وباطلة، فليس لها أي حق في الدار، وذلك للأسباب التالية:
1) أن مذهب جمهور الإباضية والمختار عندهم أن هبة
الوالد للولد يشترط فيها القبول والقبض، والبنت في هذه القضية لم يتحقق منها قبض للعقار الموهوب بأي صورة من الصور لا بالتصرف فيه ولا بالسكنى ولا بغير ذلك، ولم تحقق شرط الهبة وهو طاعة أبيها والإحسان اليه، بل جفته وابتعدت عنه ولم ينص في رسم هبتها على أن الواهب أخرج الشيء الموهوب من ماله وصار ملكا من أملاك الموهوب له، إلى آخره كما نص على ذلك في هبة الزوجة
2) إن الزوجة كانت في الدار الموهوبة لها مع زوجها كما نص عليه في رسم الهبة بقوله (فهو ساكن فيها في الحال مع زوجته المذكورة) ثم قال ما نصه (وأخرج الشيء الموهوب من ماله وصارت الدار ملكا من أملاكها تتصرف فيه كما تشاء تصرف المالك بملكه فقد تخلى عن ملكية الدار منذ تلك اللحظة وخلى بينها وبين زوجته الموهوب لها، ووضع
495 (1/495)
صفحة 496
التصرف المطلق فيها لزوجته كما تشاء، تصرف المالك بملكه، حتى عبر بقوله فهو ساكن فيها في الحال مع زوجته المذكورة، فجعل نفسه هو الساكن مع زوجته لا العكس، وهذا مما يتحقق به القبض في الأصول فالزوجة إذا تحقق لها شرطا صحة الهبة القبول والقبض. ولم تخرج من الدار ولم تتخل عنها حتى توفي زوجها الواهب بين يديها في نفس الدار فالهبة صحيحة.
3) على فرض صحة هبة الوالد لابنته فإنها قد انفسخت وبطلت برجوع الوالد فيها وإبطالها بهبته تلك الدار نفسها لزوجته بعد هبتها لابنته، ورجوع الوالد فيما وهب لولده أمر
جائز ومشروع ومتفق عليه جاءت به الشريعة الغراء وصحت به أحاديث عن رسول الله وعمل به الصحابة الكرام رضوان الله عليهم وأولهم الخليفة الأول سيدنا أبو بكر رضي الله عنه حين رجع فيما وهب لابنته الصديقة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وقصته في ذلك مشهورة. وقد أبطل النبيء ما هبة بعض الصحابة لأحد أولاده دون الباقين وأمره باسترجاعها وردها، كما في حديث الصحابي الجليل النعمان بن بشير رضي الله عنه وهو مشهور. ويرى كثير من العلماء بناء على هذا الحديث بطلان الهبة لبعض الولد دون بعض وهو الصحيح، ويرى آخرون أن الهبة صحيحة وأن الوالد الواهب عاص. وهذا الحديث مما يستأنس (1/496)
صفحة 497
من العدل بين النساء.
به للحكم ببطلان هذه الهبة للبنت إذا لم يكن الواهب أعطى لبقية أولاده مثل ذلك، زيادة على ما تقدم، وأما الهبة للزوجة فلا يجب فيها عدل بينها وبين غيرها من أولاد الواهب أو غيرهم، إلا ما أوجب الله (4) قال رسول الله لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي لولده» (6) رواه قطب الأئمة الشيخ اطفيش رحمه الله في وفاء الضمانة، وقال فيه أيضا: قال أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي والنسائي، وصححه الترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم إلى ابن عمر وابن عباس عنه: «لا يحل الرجل مسلم أن يعطي العطية ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي لولده» انتهى. والرجوع في الهبة والعطية يتصور بأخذها من الموهوب له والمعطى له كما يتصور بإخراج الوالد الواهب لها ببيع أو نحوه كما في الوصية تماما فإن
من ملکه
من أوصى لأحد بشيء وسجل ذلك في وصيته ثم أخرج ذلك الشيء من ملكه في حياته ببيع أو هبة أو نحوهما كان ذلك منه رجوعا في وصيته وإن وجدت مفتوحة بعد وفاته غير مضروب عليها. فهبة هذا الواهب لزوجته ما سبق أن وهبه لابنته يُعد بلا ريب رجوعا في هبته الأولى لابنته وفسخا لتلك الهبة وإبطالا لها. وقد أجاز الشرع له ذلك، كما
(1) رواه النسائي في الباب الثاني في كتاب الهبة.
497 (1/497)
صفحة 498
حكم به النبي الله وما آتاكم الرسول فخذوه وما نها كم عنه فانتهوا (1) فالهبة للبنت في هذه القضية بضة من الوجهة الشرعية في نظرنا. والهبة للزوجة صحيحة من الوجهة الشرعية في نظرنا كذلك
لا يقال: لم لم يسجل أو لم يشهد هذا الواهب على استرجاعه للموهوب من الموهوب له الأول، قبل أن
يهبه للثاني؟ نعم لو فعل ذلك لكان أحسن، ولكن عدم فعله ذلك لا يؤثر في الحكم الشرعي في القضية. فإن نفس الإخراج من الملك يُعَدُّ رجوعا في الهبة أو الوصية بلا ريب. والسلام. هذا ما من الله به في الجواب وأحسن ما قدرنا عليه
فانظروا فيه وخذوا بعدله
الوصية بدين قديم
سؤال: توفي رجل ووجد مكتوبا في وصيته (إن بذمتي لفلانة عدد سبعة فرنك قديم ولكن هذه الموصى لها قد توفيت سنة 1941 والورثة يسألون كيف يقدر هذا العدد؟ أبقيمته حين وفاة الموصى لها. أم بقيمة
النقد الحالي؟
(1) الآية 7 من سورة الحشر.
24 A (1/498)
صفحة 499
الجواب: إن قوله في الوصية (إن بذمتي لفلانة) إقرار
لا وصية ولو كانت وصية لبطلت بموت الموضى لها قبل الموصى. ولما كان إقرارا وجب إعطاؤه لورثة المقر لها المتوفاة سنة 1941، كا في كتابك، وتبقى مسألة التقدير فإننا لا نستطيع أن نحكم بحكم قطعي نفتيكم به، فالمقر والمقر له كلاهما قد أفضى إلى ربه، وبقي الأمر بين ورثتهما، فاعتبار الفرنك القديم يكون فيه غبن ربما لا تبرأ به ذمة الموصي المقر، واعتبار الفرنك الجديد ربما يكون فيه إرهاق لا نتحمل مسؤوليته، فالأحسن عندي التفاهم بين ورثة المقر وورثة المقر لها، والتصالح على مقدار يرضى به الطرفان
ولعل في ذلك نجاة الموصي المضيع لطف الله به. هذا ما نرشدكم إليه والأمر إليكم. والسلام عليكم
ورحمة الله.
•
وكيل الوصية يستخلف على الوصية غيره
سؤال: رجل أوصى بود ة وحبس من أملاكه أحباسا معينة واستخلف على وصيته وأحباسه زوجته أم أولاده ورجلين آخرين ونص في الوصية تصريحا بأن الوكلاء مفوضون أتم التفويض ولو بالزيادة أو النقصان أو البيع أو
499 (1/499)
صفحة 500
التبديل أو غير ذلك من جميع أنواع التصرفات إذا ظهر لهم في ذلك صلاح، ونص تصريحا كذلك على أن الحاضر منهم يكفي عن الغائب، والحي يكفي عن الميت، وبعد وفاته عزل أحد الرجلين الوكيلين نفسه من الوكالة ثم توفي على إثر ذلك. وبقيت الزوجة والرجل الآخر وكيلين مفوضين لا شريك لهما، ثم إنهما رعاية لمصلحة الوصية والأحباس ومحافظة عليها أن تضيع بعد وفاتهما وكلا واستخلفا على هذه الوصية وما فيها من أحباس بعد وفاتهما ابنة الموصي نفسه، لما توسما فيها من صلاح وتقوى وغيرة على المحافظة على وصية وأحباس أبيها. فهل هذا الاستخلاف صحيح؟ وهل يجوز لأحد أن ينازع البنت الوكيلة في هذه الوكالة أو يعارضها أو ينتزع الوكالة منها؟
الجواب: إن ما فعله هذان الوكيلان من استخلاف بنت الموصي بعد وفاتهما هو عمل شرعي جارٍ على ما قررته الشريعة الإسلامية، فإنهما منذ قبلا خلافة الوصية مسؤولان عنها، ضامنان فيها في حياتهما وبعد وفاتهما ولا يبرئهما من المسؤولية إلا أن يستخلفا على ما بقي من الوصية والأحباس بأيديهما أمينا يقوم بذلك بعد وفاتهما، وقد فعلا ذلك كما وجب عليهما، وبناء على ذلك فإن خلافة البنت صحيحة شرعا لا خلاف ولا نزاع في ذلك مطلقا، فلا يجوز لأحد كائنا من كان أن ينازعها أو يعارضها في جميع (1/500)
صفحة 501
تصرفاتها فيما استخلفت عليه. فإن لها وحدها بحكم هذه الخلافة التصرف في الوصية والأحباس، وعليها هي الأخرى أن تستخلف أمينا يقوم مقامها في ذلك بعد وفاتها، هذا ما من الله به في الجواب، وهو إن شاء الله عين
الحق والصواب.
الوصية ينعدم مصرفها
سؤال: أوصى رجل بعتق رقبة مؤمنة من حر
ماله بعد
موته فلم توجد الرقبة البتة، ولا يرجى وجودها، فهل تبطل هذه الوصية أم تصرف قيمة الرقبة في شيء من أنواع البر؟
وعلى فرض ذلك فما هو الباب الذي تصرف فيه؟
الجواب: المشهور والمحفوظ عن العلماء أن الوصية إذا لم يوجد موضوعها أي الموضع الذي تصرف فيه حسب نص الإيصاء بأن لم يوجد البتة أو كان موجودا قبل الموت ثم زال
بحيث لا
له
يرجى وجود، ففي قول لبعض العلماء إنها ترجع للأقرب، وفي قول: إنها تنفق على الفقراء والمساكين أخذا القاعدة المشهورة بين الفقهاء: كل مال جهل ربه فسبيله الفقراء والمساكين) وهذا القول هو الذي نستحسنه ونميل إليه ونعمل به استئناسا بهذه القاعدة، وبناء على هذا فإن جوابنا
من
في مسألتكم الخاصة أن قيمة الرقبة إذا وسعها ثلث التركة
0.1. (1/501)
صفحة 502
ولم تتجاوزه فإن أفضل وجه من وجوه البر تنفق فيه هو اليتامى أخذا من قوله تبارك وتعالى في سورة البلد: فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا
متربة) (1) فقد جعل الله تبارك وتعالى عدل فك الرقبة إطعام اليتيم والمساكين بعد أن جمعهما في اقتحام العقبة هذا حكم الله ولا حكم الا لله، ولا معدل عنه الى سواه، وقد جعل الإطعام في آيات الكفارات بدلا عن تحرير الرقبة إذا تعذر ولم يوجد إليه سبيل ولا محل للصيام في مسألتنا هذه لأنها من باب الأموال. هذا ما من الله به في الجواب بعد استفراغ الوسع وأرجو أن يكون صوابا، ومعذرة إن تأخر الجواب وقتا غير قصير بعد وصول الكتاب لضرورات حالت دون التعجيل به، والسلام أولا وأخيرا.
الإشهاد على الوصية
سؤال: هل تصح الوصية بشهادة رجل وامرأتين؟
الجواب: نعم تصح الوصية بشهادة أمين وأمينتين إن
استوفت الشروط الأخرى مثل صحة الموصي وكمال عقله
1 ـ الآيات 11 الى 16 من سورة البلد
(
502 (1/502)
صفحة 503
ويكون الموصى به جائزا شرعا، وعدم الجنف والإجحاف بحقوق الورثة وعدم اتهام الكاتب والشهود بجر نفع أو دفع
ضر ونحو ذلك.
هذا ما من الله تبارك وتعالى به في الجواب وأرجو أن أكون مصيباً لكبد الصواب كما أرجو أن تجدوا فيه ما يرشدكم وينير السبيل أمامكم الى فصل قضيتكم وحل مشكلها بما لا يضركم في دنياكم ولا في أخراكم، والسلام عليكم ورحمة
الله أولا وأخيرا.
الوصية بالعدالة
سؤال: هل حقا أن الإيصاء بالعدالة من باب الوصية للوارث فيمنع، أم هو إقرار بحق فيؤدى؟
الجواب: العدالة الأولاد في المأكل والمشرب بين والملبس ونحو ذلك كالمداواة من الأمراض ليست بواجبة على الأب بل هي غير ممكنة مطلقا. فإن من الأبناء الكبير والصغير والقوي والضعيف والصحيح والمريض والعالم والقاضي والفلاح والعامل وغير ذلك من مختلف الطبقات الطبيعية والاجتماعية فكل منهم يأكل ويشرب ويلبس ويركب ما يليق به حسب طبيعته وطبقته وحرفته، أي لكل ما يصلح له بقدر حاجته من مالي أبيه، وذلك هو الواجب على الأب
503 (1/503)
صفحة 504
من حقوق بنيه، وأما تمليك الأصول أو العروض بالهبة أو الوصية أو نحو ذلك فإن العدالة بين الأولاد في ذلك واجبة عندنا معشر الإباضية وعند جمهور الأمة لثبوت السنة الصحيحية بذلك عن رسول الله الا الله قولا وعملا. فقد روي في الصحيح من كتب السنة «أن بشير بن سعد الأنصاري جاء النبيء لله ليشده على عطية أعطاها لابنه الصغير النعمان بن بشير - وله أولاد غيره - فقال له النبيء: أكل ولدك نحلت مثل هذا؟ فقال:
أنه
لا، فقال النبيء صلى الله عليه وسلم: «لا أشهد على جور» وروي قال: «فليس يصح هذا وإني لا أشهد إلا على حق» وروي أنه غضب فقام، ثم أمره برد عطيته» (1) ويدخل في هذا الباب كما نص عليه في كتب الفقه أن يزوج الرجل أحد أولاده الذكور ويدفع الصداق من ماله أي ما الأب أو يزوج إحدى بناته ويجهزها حسب المعتاد ماله، فعليه العدل من ذلك بين الذين زوجهم وبين غيرهم، وهذا هو المتعارف عندنا والمقصود بلفظ ـ العدالة ـ في اصطلاح كتاب الوصاية. حيث يقول الكاتب: أوصى فلان بالعدالة لولده فلان، أو بكذا وكذا من ماله لولده فلان عدالة. أو يقول: أوصى بالعدالة لمن لم يزوجه من أولاده. أونحو ذلك من
في
1 - رواه مسلم في كتاب الهبات بطرق عدة يؤخذ لفظ الحديث ومعناه من
مجموعها. كما رواه النسائي واحمد.
504 (1/504)
صفحة 505
العبارات. وعلى ذلك فإن العدالة حق واجب ثابت بذمة الأب، والوصية بذلك في الحقيقة إقرار بحق ثابت متعلق بذمة الموصي وليس وصية إحسان أو تبرع، والحق أن يعبر عنه بالإقرار حتى يرتفع الوهم والالتباس، وتعبير الكاتب للوصية في مثل هذا بكلمة أوصى لفلان بمائة دينار ثمن سلعة اشتراها منه ولم يدفع ثمنها كان ذلك إقرارا بدين يجب قضاؤه من الكل لا من الثلث، ولا يسوغ مطلقا اعتباره وصية يردها الورثة إن شاؤوا الى الثلث أو يبطلوها، تعلقا بكلمة (أوصى)
وبعد، فإن الوصية بالعدالة لأحد الأولاد ليست من الوصية للوارث الباطلة شرعا بنص حديث لا وصية لوارث بل هي إقرار بحق متعلق بذمة الموصي للموصى له به، وارثا كان أو غير وارث، كما في سائر الحقوق المتعلقة بالذمة، فهي إذا دين يخرج من التركة قبل الميراث، بيد أنها تفارق سائر الديون في بعض الأحكام منها أنها لا تدرك على الورثة إذا لم يوص بها الأب، ولو علموا بها إلا إن شاءوا. ومنها أنها لا تحاصص الغرماء في التركة إن ضاقت التركة عن الديون، وهذا عند بعض العلماء، وقال آخرون: إنها تحاصص الديون
ملاحظة: إتماما للفائدة أبدي لك رأيي في قضية
العدالة
بين
الأولاد في أمر التزويج: وجدت الناس يعتبرون
العدالة بمقدار ما ينفقه الأب في واجب صداق الابن وواجب (1/505)
صفحة 506
تجهيز البنت، فيوصي لمن لم يزوجه من بنيه بمقدار الصداق الذي دفعه على من زوجه منهم، وبنصفه للبنت التي لم يزوجها. وكذلك يوصي لمن لم يزوجه من بنيه بضعف ما جهز بنته التي زوجها، وبمقدار جهازها لبنته التي لم يزوجها. ولا يزالون يعملون بذلك، إذ يعتبرون العدالة إنما هي في مقدار المال الذي دفعه في صداق الابن أو جهاز البنت قل ذلك أو كثر، وَفَى بضرورة صداق الابن وجهاز البنت الموصى لهما أم لم يف. لكنني لما ابتليت بما ابتليت به من أمور العامة، وخاصة مسائل الوصايا والفتاوي وحل مشاكل الخصومات والمنازعات وإصلاح ذات البين، ولمست ما لمست بالممارسة من تبدل الأسعار وسقوط قيمة العملات وارتفاع مستوى المعيشة بصورة فاحشة، ولا سيما أثناء الأحداث الكبرى العالمية التي تهز العالم هذا عنيفا يقلب أوضاعه ويغير قيمه مثل الحربين العالميتن الأولى والثانية، وعرضت علي وصايا كثيرة فيها عدالات للأبناء الذكور لا تتجاوز بضع مئات من الفرنكات. منها وصية والدي - رحمه الله - لمن لم يتزوج من بنيه بثمانمائة فرنك، ولمن لم يتزوج من بناته بأربعمائة فرنك، وقد توفي سنة 1921،،. وتزوج ابنه أخي بيوض بكير سنة 1928، وقد أوصى له بثمانمائة فرنك عدالة وأنفقنا في تزويجه عشرات الآلاف، وقس على ذلك ... لما رأيت كل ذلك أيقنت أن العدالة هي في أن يزوج الأب ابنه الثاني أو بنته كما زوج ابنه
وبعد (1/506)
صفحة 507
الأول، أعني أن عليه أن يأتي بزوجة لابنه الثاني بما كان من صداق مهما قل أو كثر، ويروج بنته كما زوج ابنه الأول أو بنته الأولى مهما بلغت قيمة جهازها الضروري، ولا ينظر مطلقا الى ما أنفقه في نكاح الأول ابنا كان أو بنتاً ومعنى ذلك باختصار أن يقول الابن لأبيه: زوجني - ائتني بامرأة - كما زوجت أخي وأتيته بامرأة، وتقول البنت: زوجني ـ أئتني برجل ـ كما زوجت أخي أو كما زوجت أختي، بهذا فقط يتحقق العدل. فإن الشيء المعطى للابن أو البنت والذي هو أشبه بالتمليك الذي تجب فيه العدالة إنما هو الزوجة للابن والزوج للبنت، لا مبلغ الصداق ولا قيمة الجهاز، ولعل اضطراب الأسعار وتغير قيمة العملات ارتفاعا وانخفاضا في آماد قصيرة هو اليوم أشد من أي وقت مضى مما عرفناه في التاريخ. وعلى ذلك فإني أنا أكتب وأوصي كتاب الوصايا أن يكتبوا الوصية بالعدالة بمثل هذا النص: (وأوصى أن يزوج من لم يزوجه في حياته من تركته من أولاده ذكورا كانوا أو إناثا أو يذكرهم بأسمائهم إن لم يخف أن غيره - فيزوجون من تركته عند بلوغهم سن الزواج حسب المتعارف يومئذ، وللورثة عند قسمة التركة قبل بلوغ سن الزواج أن يتفقوا مع هؤلاء الأولاد غير المتزوجين، أو مع وكلائهم على تخصيص مبلغ لهم من التركة يكفيهم - حسب تقديرهم - لصداقهم وجهازهم، ولهم أن يعتبروا في الكفاية ما يثمره هذا المقدار المخصص لهم إذا كان يمكن استثماره
يحدث له
507 (1/507)
صفحة 508
بأي وجه من الوجوه المشروعة قبل بلوغ أمد النكاح، ويؤيد
من
العلماء
ما ذهبت إليه في رأيي، أننا لم نسمع أن أحدا أوجب العدالة في فضل ما بين الصداقين أو الجهازين بين من زوجهم من أولاده في حياته، مثل أن يزوج أول أولاده بصداق ألف دينار، ثم يزوج الثاني بصداق خمسمائة دينار، أو العكس بأن يصدق عن الأول خمسمائة دينار وعن الثاني ألفا، فليس لمن قل صداقه منهما أن يطالب أباه بمثل ما زاد في صداق أخيه. وليس على الأب أن يستشعر بأن لولده ناقص الصداق حقا متخلفا بذمته بمقدار الفضل بين الصداقين حتى يمنحه إياه أو يوصي له به، ما سمعنا بدعوى وجوب العدل في ذلك قط، على كثرة ما بلوناه ورأيناه من أمثال هذه الحالات الكثيرة المتعددة طوال ما يقرب من ثلثي قرن من الزمن، فتحقق لدينا ما قلناه من أن العدل إنما يجب في أصل التزويج، لا في مقادير الصدقات، و لافي قيم الأجهزة الضرورية للبنات. وأنت خبير بأنه لا اعتبار مطلقا لما ينفقه الآباء في الولائم والحفلات التي يقيمونها لمناسبة زواج أبنائهم، فلا تدخل في باب العدالة بأي وجه من الوجوه، فافهم ولا تهم، فقد بلغت فيما أظن - المراد من إيضاح هذه المسألة لتكون نبراسا لك تسير على ضوئه فيما ابتليت به من فتوى وتوجيه وإرشاد. (1/508)
صفحة 509
من
سؤال: رجل زوج بنته في حياته وأنفق على زواجها ماله وأوصى أن يزوج أولاده الذكور بعد وفاته من تركته لا من ميراثهم، عدالة منه بين أولاده، فعلى أي أساس تقدر نفقات زواجهم؟ هل على أساس ما أنفقه على زواج ابنته فيعطي للذكر ضعفه لأن للذكر مثل حظ الانثيين؟ أم ماً
ذا؟
الجواب: وبالله التوفيق - إن أساس العدالة بين الأولاه في التزويج ليس هو المال الذي أنفقه على من زوجه أولا، فإن الأسعار ومقادير الصداق تختلف اختلافا
منهم
كبيرا من وقت لآخر ومن شخص لآخر، ومن
، ومن عائلة لأخرى ومن قرية لأخرى، الى غير ذلك من أسباب الخلاف، وإنما
الأساس الصحيح الذي تتحقق به العدالة وتبرأ به الذمة بينه
الله وبين
، هو أصل التزويج فقط، فإذا زوج أحد أولاده ذكرا كان أم أنثى وجب عليه أن يزوج الباقين كذلك حين يدركون سن الزواج. أو يوصي لهم بالعدالة، أعني أن
يزوجوا من
ماله
بعد وفاته، ولا يعتبر في ذلك رخص وغلاء مطلقا، كما لا يعتبر مطلقا المبلغ الذي أنفقه على الذي زوجه أولا، وإنما عليه إن كان حيا وعلى ورثته بعد وفاته أن يأتوا للبنت بزوج، ويأتوا للإبن بزوجة فقط مهما كان المبلغ الذي يجب أن ينفق في ذلك كثرة وقلة، هذا هو الحق الذي لا معدل عنه، ونلاحظ لكم أن هذه العدالة إنما
?? (1/509)
صفحة 510
تجري في الصداق وتوابعه المشروطة التي لا يتم جلب الزوجة إلى الزوج إلا بها، وأما ما وراء ذلك من وليمة تقام أو غير ذلك من فضول النفقات فلا تجب،، إلا أن يتبرع الورثة، ويحسنوا، والله يحب المحسنين. هذا ما من الله به في الجواب وأرجو أن يكون عين الصواب.
بحجة نافلة
الوصية بالحج
سؤال: تسأل عن مسألة شرعية صورتها أن أباك أوصى بعد أدائه لفريضته، وأنك لم تجد من يؤدي عنه هذه الوصية، وأنت لا تستطيع أن تؤديها عنه بنفسك لضرورات كثيرة، فهل يجوز لك أن تؤديها عنه مكية، أعني
من أقرب طريق؟
الجواب: إعلم أن الواجب أولا أن تؤدي عنه هذه الوصية من بلده ما دام ثلث تركته يكفي لإجارة الحاج عنه من بلده، وإن قصر الثلث عن أجرة الحاج أو تعذر وجود من يقبل هذه الحجة لسبب، فيجوز أن تؤدى عنه من أقرب طريق مثل جدة أو المدينة أومكة نفسها، فتجزي إن شاء الله. وإن كان أبوك أوصى بمقدار معين من المال لهذه الحجة، وكان فيه فضل عن الحجة المكية، فالأولى لك أن تجعله في حجة مكية ثانية، فيكون ذلك جبرا للنقص
01. (1/510)
صفحة 511
الحاصل من عدم الحج من بلده، وإن لم يوص بمقدار معين من المال لهذه الحجة فإنه تكفيك إن شاء الله حجة واحدة مكية كما يقولون. وللضرورة أحكام. والسلام.
الرجل يوصي بالوصية وينفذها في حياته
سؤال: هالك أوصى بحج وعمرة، ثم حج واعتمر بعد وصيته، وبقيت الوصية مفتوحة لم يخط عليها. فهل يجوز للورثة أن يبطلوها بناء على أنها نافلة؟
الجواب: لا يجوز لهم إبطالها بل عليهم إنفاذها إن وسعت الثلث. والأصل فيها أن تعطى من بلده ولهم أن يعطوها من أقرب مكان كالمدينة المنورة أو جدة مثلا. أو من مكة ذاتها إن دعت لذلك ضرورة، والأمر موكول الى وكيل الوصية وخاصة إذا فوض له الموصي الأمر فيما يصلح له. والسلام، هذا ما من الله به في الجواب.
•
المرأة توصي ببعض مالها لزوجها بإلحاح منه وتهديد
سؤال: امرأة هي اليوم في عصمة زوج، له منها أولاد، ولها هى أولاد آخرون من زوج سابق، وفيهم حسب عبارتك في السؤال - ولد عاق فاسد السيرة سيء (1/511)
صفحة 512
الاخلاق غير صالح، ولهذه المرأة دار ألح زوجها الحالي عليها أن تكتبها له عند الموثق إي) تهبها له وذلك خوفا من هذا الولد العاق الفاسد السيرة أن هذه الدار أو منابه يبيع منها بعد موت أمه هذه، أو يرهقهم طغيانا وكفرا، فلهذا عاهد وأقسم - أي الزوج - أن يبقى بعيدا في بلاد الغربة عنها، وألا ينفق عليها شيئا ما لم تمتثل أوامره وتنفذ خطته. وقد خافت من عقاب الله إن فعلت ذلك علما بأنها جحدت وارثا وهي مختارة في أمرها هذا. فهل تقدم على كتابة الدار لزوجها ليعود الوئام والصفاء بينهما؟ أو لا تفعل فيبقى هذا الزوج دائما غاضبا عليها ويستمر الصدود والهجران والمقاطعة
الجواب: - والله أعلم - أما الزوج فلا يجوز له هذا الهجران والصد والإعراض عن زوجته وعدم الإنفاق عليها لهذا السبب. وإن كان له أن يطلب ويلح في الطلب كما يشاء. وأما الزوجة فلها أن تهب لزوجها ما تشاء من مالها، قل أو كثر، طلبا لرضاه عنها واجتذابا له إليها من إعراضه ونشوزه عنها، ورغبة في إحلال الصفاء والوئام بينهما بدل القطيعة والخصام، وهذا هو أغلى ما يطلب ويجب أن يتحقق بين الزوجين، وما فعله أحد الزوجين لصاحبه في سبيل ذلك فهو الحق إن شاء الله، على أن تسلم النية من قصد حرمان أحد الورثة. والسلام عليكم ورحمة الله
012 (1/512)
صفحة 513
الوصية بشاة الأعضاء
سوال: هل لما يوصي به الناس عادة من التصدق بشاة
لفك الأعضاء من أصل شرعي؟
الجواب: لم أطلع على مستند يعول عليه لشاة الأعضاء وإن كنت لم أتوفر على البحث، بيد أني أرى مجرد رأي قد يكون صوابا: أن الناس شرعوا هذا عند تعذر العتق ببطلان الاسترقاق وتحريم القانون لبيع الرقيق، ذلك أن الآثار نت بأن من أعتق رقبة مؤمنة ابتغاء ما عند الله أعتق الله
صحت
بكل عضو منها عضوا منه من النار، فلعلهم لما لم يجدوا سبيلا الى العتق فعلوا ما فعلوا وإن كان مذكورا في كتب قطب الأئمة فيما أذكر.
وبقايا الرقيق لا تزال موجودة، ولعل لهذا أصلا لم نطلع عليه ولربما بحثت وتقصيت إن سنحت الفرصة. والسلام.
الوصية بتفريق صدقات على المُعَزّين
سؤال: ما حكم الشريعة الإسلامية فيما تفعله أكثر الأسر والعائلات عند موت أحد أفرادها من توزيع صدقات كثيرة على المعزين، في أيام متتالية قد تبلغ إلى حد الإسراف وخاصة في مجالس النساء. وذلك حسب نص الوصية، وقد يكون في الورثة أيتام؟ (1/513)
صفحة 514
الجواب: إنك قلت في رسالتك: (وذلك حسب نص
(الوصية فإذا كانت هذه المقادير التي يتصدق بها منصوصا عليها في الوصية فإنها تنفذ كلها ولا تعتبر إسرافا مهما كثرت وتعددت إلا إذا تجاوزت ثلث التركة، فإن للورثة إذا شاءوا أن يردوها الى الثلث فتتحاصص الوصايا الأخرى إن مع كانت. وإذا كان في الورثة أيتام فإن ردَّ الوصية الى الثلث يكون حينئذ واجبا حتى يأخذ اليتامى منابهم من کاملا غير منقوص، وأما البلغ العقلاء فليفعلوا بأموالهم ما يشاءوون ما لم يكن معصية. أما الأجرة في قراءة القرآن
فإنا لا نراها ولا نفتي بها.
4
هذا ما الله به في الجواب.
الوارث يعارض وصية موروثه
الثلثين
سؤال: هل يصح لوارث أن يعارض وصية موروثه؟
الجواب: إذا صحت الوصية وكانت لجائز شرعا ووسعها ثلث التركة فلا يجوز لأي وارث أن يعارضها ولكن للوارث أن يطعن في صحتها مثل أن زورا في كتابتها يدعي أو شهادتها أو تاريخها أونحو ذلك مما يبطلها، فيطالب حينئذ بالبينة والحجة على دعواه وإن احتدم النزاع بين المصححين والمبطلين رفع الأمر الى حاكم أو مُفت ليحكم
بصحة الوصية أو بطلانها
514 (1/514)
صفحة 515
سؤال: هالك نص في وصيته بقوله حرفيا: «وعلقت تركتي كلها في ذلك فلا يرث أحد من ورثتي شيئا منها إلا بعد إخراج الثلث المذكور وبعد أداء جميع ما علي من الديون المعترف بها أو المقر بها أو الثابتة في ذمتي بحجة أو
يمين مدعيها علي، ومن ليست له بينة وامتنع من القسم يسامح مقدر الإمكان حسب نظر الوكلاء وأمره الى الله لقوله: تعالى: (من بعد وصية يوصي بها أودين) (1) وبعد أن قرأ ورثته ووكلاء وصيته الوصية اتفقوا فيما بينهم أن يعملوا بنص الوصية وأن ينفذوها وسجلوا اتفاقهم هذا في المحكمة ثم قالوا بعد ذلك نحن لا نعترف بشيء من الديون على موروثنا الا ما كان منها ثابتا بوثيقة رسمية، وأما من ادعى شيئا وليست له وثيقة رسمية فلا نعطيه شيئا، فمن أراد من وكلاء
الوصية فليعطه من ثلث الهالك، فما الحكم في ذلك؟
الجواب: إن هذا النص في الوصية مطابق لكتاب الله تبارك وتعالى الصريح في أن الميراث لا يكون إلا من بعد وصية يوصي بها أو دين فلا يثبت لوارث شيء من التركة الا بعد قضاء الديون وإنفاذ الوصية. واتفاق الورثة المشار إليه لا يقدم شيئا ولا يؤخر في أصل القضية، فإن ذلك هو الواجب عليهم شرعا، اتفقوا أم لم يتفقوا، فالديون الثابتة باعتراف الموصي أو إقراره أو بحجة واضحة أو بيمين
(1) هذا بعض من الآية 11 ومن الآية 12 من سورة النساء.
010 (1/515)
صفحة 516
المدعي - كما تنص الوصية - يجب دفعها كلها لأصحابها بالغة ما بلغت، وأما الصنف الآخر الذي يقول فيه الموصي ما نصه: (ومن ليست له بينة وامتنع من القسم يسامح بقدر الإمكان حسب نظر الوكلاء وأمره الى الله) فإن هذا لا يعتبر دينا يخرج من الكل وإنما هو وصية بالمسامحة تخرج من الثلث، إلا إن رضي الورثة وقبلوا إخراجها من الكل ولا حرج عليهم ولا إثم إذا لم يقبلوا ذلك. فإن الوصية لاحق لها
أكثر من الثلث
•
هذا ما من الله به في الجواب، وأرجو أن يكون موافقا
للصواب.
نصائح في كتابة الوصية
سؤال: هل يجوز لمن يتولى كتابة الوصايا للناس أن يحرجهم بالسؤال عما ارتكبوه واقترفوه؟
الجواب: ليس على من يأتيه الناس لكتابة وصاياهم أن يحرجهم في السؤال عما ارتكبوه في حياتهم من أنام إلا ما صرحوا به وطلبوا المخرج منه واستر شدوا الكاتب في ذلك. وإذا لم يبينوا عن حقيقة ذلك ولم يتوصل الكاتب إلى وجه الحكم فيه فإن عليه أن يستفسرهم ويستوضح أمرهم حتى يكون حكمه صحيحا، وعليه أن يذكر لهم أولا باختصار فرائض الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة، (1/516)
صفحة 517
وكبائر الإثم المعلومة من الدين بالضرورة كذلك، ويشير إلى أن إضاعة كل فريضة أو ارتكاب أي كبيرة، له في الشريعة حكم خاص ثم يترك لهم الحرية فيما يقولون، وليس عليه أن يحرجهم في شيء ...
فليس كتبة الوصية عند المسلمين بمنزلة بائعي الغفران
عند المسيحيين.
في الأحكام
فتوى في نزاع من أجل دار ادعي
حبسها
إلى الأخ الكريم (فلان) سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعلى زملائكم المعينين معكم في لجنة إصلاح ذات البين في النزاع الذي ثار حول ادعاء حبس الدار التي تركتها
الشقيقتان (فلانة وفلانة ببلدة بني يزقن .. أما
بعد، فإنه بعد الاطلاع على وثيقة تفويضكم التام مع زملائكم الثلاثة الآخرين السادة. . . من الفريقين المتنازعين في حل هذا المشكل بما ترونه صالحا لحسم النزاع بعد دراسته واستفتاء الشرع العزيز فيه، وبعد الاطلاع على رسم قسمة تركة والد الأختين الصادر من محكمة (بني يرقن) بتاريخ 25 جويلية سنة 1932 المنصوص فيه على أن
017 (1/517)
صفحة 518
وفاته كانت بمليانة يوم 26 اوت 1923 وأن حصر تركته كان برسم من المحكمة صادر يوم 18 جانفي 1925 وبعد الاطلاع على وصية كل من الأختين وبالأخص على الفقرات التي
يحتج بها ويعتمد عليها من يدعي حبس الدار، وبعد الاستماع إلى شرحكم الشفوي لسائر جوانب القضية، وإلى أجوبتكم عما طرحناه من أسئلة لزيادة الإيضاح، بعد التأمل في جميع ما ذكر وإنعام النظر فيه تبين لنا بكل جلاء ووضوح أن الدارهي ملك خاص للشقيقتين: الثلثان من الدار بالإرث من أبيهما بنص رسم القسمة المشار إليه أعلاه، والثلث الآخر يقول فيه رسم القسمة ما نصه: القسمة ما نصه: وأخذ الورثة لوصية الموروث بالتقويم ... إلى أن قال: ثم الثلث الباقي في الدار المذكورة ... الى آخره. وأكبر الورثة سهما هما البنتان: فلانة وفلانة فإن لهما الثلثين من جميع التركة ويظهر أن الوصية نفذت من قيمة هذا الثلث وغيره فخلصت الدار لهما. ومهما يكن فإنه ليس لنا أن ندعي عليهما في هذا الثلث شيئا بعد وفاتهما، وبعد بضعة وأربعين عاما مرت والدار بأيديهما بلا منازع. وذلك أضعاف ما تثبت به الحيازة شرعا. ولا يسع الخصم أن ينكر هذا فإنه يدعي حبسهما لكامل الدار، والحبس لا يثبت إلا بعد ثبوت الملكية، هذا فيما يتعلق بثبوت ملكية الدار للبنتين المعبر
عنهما اليوم بالأختين. . (1/518)
صفحة 519
وأما دعوى الحبس فإنها تعتمد على كلمات وجدت مسطورة في آخر كل وصية من وصيتي الأختين كملحق لها
خالية من التاريخ مطعون في شهادتها وهي فاسدة الرسم واللغة والأسلوب لا يصح الاعتماد عليها مطلقا ولا اعتبارها. وما نظن أن عالما أو قاضيا يحترم نفسه وعلمه يفتي أو يقضي بصحة الحبس اعتمادا على هذه الكلمات العامية الفاسدة ويمنع بمقتضاها حق الميراث الثابت بكتاب الله لأصحابه من ذوي فروض وعصبة، وحتى لو فرضنا أن هذه
الوصية بالحبس صحيحة بنصها وشهادتها وسائر شروطها فإنها باطلة شرعا لأنها لم تكن في الثلث بل تجاوزته بكثير ولعلها استغرقت جميع المال، ولكي تصح الوصية بحبس الدار - إن كانت الكتابة مقبوله - يجب أن تكون تركة الأختين كثيرة بحيث تكون قيمة الدار ثلثا لها أو أقل لكي يأخذ الورثة الثلثين ويجري الحبس والوصية في الثلث الآخر كما شرع الله. وهذا ما لم يكن في المسألة المعروضة علينا فأفتينا بعد الاجتهاد والتحري ببطلان هذا الحبس المزعوم، وبأن الدار
ميراث يقسم بكتاب الله على من له حق فرض أو تعصيب
ونرجو أن نكون أصبنا كيد الصواب بفضل الله، فاتقوا الله وألحقوا الفرائض بأهلها. وقد قال رسول الله: «العلم
آية محكمة وسنة قائمة وفريضة عادلة». (1)
(1) رواه أبو داود في الباب الاول من كتاب الفرائض بلفظ، العلم ثلاثة وما سوى ذلك فضل: آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة.
ورواه ابن ماجة في الباب الثامن من المقدمة.
• (1/519)
صفحة 520
خلط مال يتيم بمال كافله
سؤال: رجل كفل ابن عم له يتيما ورباه ثم زوجه إحدى بناته وصار هذا الولد يعمل ويعطى المربيه معظم أمواله وما ينتجه وهو يسكن معه في بيته واختلطت أموالهما وليس شيء بمسجل رسميا باسم الولد حتى يستظهر به كحجة إذا مات مربيه ويخاف أن يحتوي الورثة على جميع ما يتركه موروثهم ما دام الكل مسجلا باسمه وحده، ولا يزال هذا العم الكافل لليتيم على قيد الحياة وهو يسأل ماذا يصنع لحفظ
مال يتيمه؟
الجواب: المسألة بسيطة ما دام هذا العم على قيد الحياة فعليه اليوم أن يقوم بتحديد مال اليتيم ويسجل ذلك ويشهد عليه بالطرق الشرعية القانونية التي تقوم للولد حجة على الورثة فيستقل بماله، والمحاكم الشرعية ودوائر التوثيق مفتحة الأبواب في كل مكان. والسلام عليكم ورحمة الله
في الرشد
سؤال: فتاة لم تبلغ الخامسة عشرة من عمرها متزوجة توفي أبوها، هل يعتبر زواجها حجة على بلوغها ورشدها فيجوزلها ـ إذا ـ أن تقوم هي بنفسها بأمر المقاسمة
020 (1/520)
صفحة 521
والمحاسبة والمفاصلة مع سائر الورثة، أم توكل على ذلك باختيارها من يقوم مقامها في ذلك؟ أم تعتبر غير راشدة لصغرها فلا يجوز لها التصرف في ذلك بنفسها. بل يجب عليها من صلحاء عشيرتها يقوم مقامها في ذلك
تقديم وصي
حتى تأنس رشدها؟
•
الجواب: إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم: وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن انستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) (1) والرشد هو حسن التصرف في المال ومعاملاته بحيث لا يخدع ولا يغبن إلا في القليل الذي لا يعتبر ولا يكاد يسلم منه عامة الناس. وإن الزواج لا يكون حجة لا على البلوغ ولا على الرشد. فإن المتزوجة قد تكون غير بالغة وقد تكون بالغة غير رشيدة فالمدار إذا إنما هو على تحقق البلوغ أولا بأماراته المعلومة أو بالسنين وهو في الفتاة على المختار دخولها في الخامسة عشرة من عمرها، ثم المدار ثانيا على تحقق الرشد بعد تحقق البلوغ وبعد الابتلاء الذي معناه الامتحان والاختبار. فإن تحقق البلوغ في هذه الفتاة المسؤول عنها وتحقق رشدها بالمعنى الذي ذكرناه آنها جاز لها أن تقوم بنفسها أو بوكيل تقدمه هي باختيارها بجميع ما تقتضيه طبيعة تصفية التركة من سائر التصرفات، وإن تحقق عجزها
(1) الآية 6 من سورة النساء
021 (1/521)
صفحة 522
عن ذلك لجهلها للطرق الخفية والدقيقة والملتوية لتلك التصرفات ولجهلها بأخلاق الناس وطباعهم فلا تحسن اختيار الوكيل كانت غير رشيدة فوجب على صلحاء العشيرة تقديم عليها. هذا هو الرشد وهذا حكمه في الشريعة الإسلامية الغراء، وهذا أحسن ما قدرنا عليه في الجواب، ونرجو أن نكون موفقين إن شاء الله. والسلام عليكم ورحمة
وصي
الله.
إجازة الولد
أما سؤالك عن قسمة تركة ولدك فالجواب عنه أن الله تعالى تولى قسمته: فللأبوين لكل واحد منهما السدس ولزوجته الثمن والباقي للأولاد للذكر مثل حظ الانثيين ليس لك ولا لأمه حق زائد عما شرع الله في كتابه فإن الولد فيما نعلم مستقل بنفسه يعمل بكد يمينه وعرق جبينه ويتجر باسمه الخاص متحملا جميع تبعات عمله مضطلعا بديونه وحده وما أراك غارما عنه درهما ولا دينارا لو سقط جده وقعد به دهره! لا جرم إذا أنه يستقل بكسبه فالمال ماله وحده يقسم بعدل بين ورثته وليس بعبد مملوك لأبيه حتى يقال حرره أو لم يحرره.
على أننا وإن تنازلنا إلى هذا الرأي الذي لا يقبله شرع ولا عقل فإننا نقول إنه محرر ومعتوق قطعا بلا شك
، يوم
522 (1/522)
صفحة 523
دفعته بكلتا يديك إلى خضم الحياة يسبح فيها منفردا، وألقيت حبله على غاربه، فاستقل بعمله وكسبه ونفقته ومسكنه، ذلك هو التحرير الحق والاحازة الحق لا رسوم تسجل في المحكمة - ثم تخبى في الصناديق غير معمول بها - تنص على الإحازة والولد في أحضان أبيه وهو جاهل لما يراد به. فإن جلب خيرا استأثر به أبوه وإن جلب ضرا انتفى عنه وأخرج رسمه محتجا به. تلك حيل يوحى بها الشيطان إلى أوليائه لا يرضاها الله ولا رسوله، عكسها أن يحيز ابنه على نفسه ويبعده إبعادا كبيرا ويلقي حبله على غاربه ويقطع كل صلة به ثم لا يكتب له رسم إحازة. فإن جمع مالا وتوفي قال هولي دون زوجه وولده. وإذا طولب بغرم أعرض ونئا بجانبه محتجا باستقلاله في عمله وتجارته باسمه الشخص في الدوائر الرسمية. ما هكذا ياسعد تورد الإبل. والسلام عليكم من المشايخ والأحبة.
في التبني
سؤال: ما حكم الشريعة الإسلامية فيمن أخذ ولدا صغيرا من أبويه الفقيرين العاجزين عن تربيته ليؤويه في بيته ويربيه كأحد أولاده ويكون له كالأب وتكون زوجته له هذا الولد إلى أبيه طول عمره ولا ينفق عليه
كالام ولا يرجع
523 (1/523)
صفحة 524
ولا يزوجه. فهل يجوز هذا؟ وهل يجوز للمرأة التي ربته أن تنكشف له بعد بلوغه كأمه أعني كأنها محرمة له؟ وإن هذا الأخذ للولد والاتفاق مع أبيه كان على يد قاضي الشرع. ذلك؟ فما الحكم في جميع
الجواب: إن إيواء ولد من المسلمين وتربيته وتعليمه والإنفاق عليه يتيما كان أو له أب حي يرزق إلا أنه فقير عاجز عن القيام بشؤون ولده - عمل من أعمال الخير ومبرة عظمي عظيمة الأجر عند الله - أما أن يلحق هذا الولد بنسب مربيه ويقطع عن نسب أبيه الحقيقي فهذا حرام باطل وكفر بما أنزل الله في كتابه في أول سورة الأحزاب: وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله) (1) فلا معنى مطلقا لقولك في السؤال (وهذا الولد لا يرجع إلى أبيه طول عمره فإنه ابنه، وتربيته عند غير أبيه مهما طال أمدها لا تقطع صلة الأبوة والبنوة بينهما فإن لكل منهما على الآخر حقوقا لا يبطلها شيء مطلقا وإنهما يتوارثان فيما تركه الميت منهما، كما لا تجعله هذه التربية ولدا لمربيه فلا يرثه مع سائر أولاده ولا يرثه المربي كذلك، وإن شاء أحدهما أن يعطي الآخر شيئا ماله أو يوصي له به فجائز له ذلك .. وأما الميراث فلا
من
(1) الآيتان 4 - 5 من سورة الأحزاب.
524 (1/524)
صفحة 525
يجوز مطلقا إذ لا نسب بينهما. وأما المرأة التي ربته فلها عليه حق الإحسان بالتربية ولكنها دائما تبقى أجنبية عنه ليست محرمة فإذا بلغ الحلم احتجبت عنه كغيرها من النساء، ويجوز له الجلوس إليها والتحدث معها وهي محتجبة لا يبدو منها إلا ما أذن الله فيه في قوله تعالى: (إلا ما ظهر منها (1) وهما الوجه والكفان، هذا حكم الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم لا ينقضه حكم حاكم ولا
قضاء قاض
نزاع في دار
سؤال: هل يجوز لمن ادعى أن الدار ميراث لا
حبس أن يحتلها أو يغصبها؟
لها
الجواب: إن هذه ليست مسألة شرعية يستفتى فيها فإن الأمر فيها يرجع إلى ديانة هذا المحتل للدار الغاصب حسب عبارتك، فإن كان يعتقد أن الدار ميراث له بناء على يدعيه من حجج بيده مثلا فإن عمله صواب إن لم يجد سبيلا لاسترداد حقه غير ذلك. وإلا فهو ظالم والأمر
ما
يفصله إلا قاض أو مفت أو أي حكم ميرتضيه الطرفان.
بعد لا
(1) الآية 31 من سورة النور
525 (1/525)
صفحة 526
نزاع في إخراج الماء من غابة
سؤال: هل يجوز شرعا لأحد الشركاء في (غابة) أن
يخرج الماء منها إلى غيرها؟
الجواب: حكم الشرع في أمثال هذه المسائل تابع للعرف وعرفنا في القرارة وأظن أنه كذلك في سائر قرى ميزاب أنه لا يجوز لشريك أن يخرج الماء من الغابة إلا ياذن جميع الشركاء، وإن منعه أحدهم وإن كان المانع أقلهم سهما منع. وهذا إن لم تقم بينة على أن الماء كان يخرج سابقا من الغابة فإن قامت على ذلك بينة جاز لأي شريك أن يخرج ماءه إلى أي جهة أراد ولا يجد الباقون منعه ولو اتفقوا. هذا عرف بلادنا الذي عليه العمل. والسلام.
سؤال عن حكم امرأة سيئة الخلق
سؤال: يتضمن كتابك سؤالا غير محدد رغم قولك في أوله: ويايجاز أوضح لكم هذه المسئلة) وفي آخره (أظن أن هذه المسألة أخذت حقها من التوضيح) ملخص سؤالك: - ما حكم امرأة كثيرا ما تقوم ببعض الأعمال المخالفة للشريعة والقوانين المرسومة لها، وتحلف وهي كاذبة على أنها لم تفعل ذلك وهي تتيقن أنها فعلته ولا تذعن للحق،
526 (1/526)
صفحة 527
وتشتكي وهي
ظالمة وتعزو ظلمها لغيرها وإذا لوحظ عليها بعد التثبت أنها عملت عملا غير مرضي أنكرت ولم تذعن للحق وادعت أن غيرها الذي لاحظ عليها خطأها وظلمها هو المخطيء الظالم؟
الجواب: إذا كان الحكم المسؤول عنه هو الحكم الشرعي في إيمانها وتقواها أو فسوقها وعصيانها فإن مما لا شك فيها أنها فاسقة عاصية ليست مؤمنة ولا متقية. فقد جمعت كثيرا من خصال الكفر والفسوق والعصيان: الظلم والكذب واليمين الفاجرة والكبر والزور والبهتان بنسبة الظلم إلى غيرها من الابرياء، فاي فسوق عن امر الله اشد من هذا؟ فهي فاسقة عاصية يُبرأ منها ولا تتولى حتى تثوب إلى رشدها وتتوب من ذنبها، وتحالل من ظلمته ببهتانها
وأما إن كان الحكم المسؤول عنه شيئا غير هذا فإنني لم أفهمه وإن شئت فأعد السؤال مرة أخرى حفظك الله وسلمك لأبيك
الملكية
سؤال: وصلني كتابك الكريم منذ أربعة أشهر أو
تزيد، تسأل فيه أحد عشر سؤالا حول موضوع دراستك
الوظيفة الاجتماعية للملكية الخاصة
•
027 (1/527)
صفحة 528
اعلم أيها الأخ الكريم أن مثل هذا العنوان وبعض العناوين التي استعملتها في سؤالاتك الإحدى عشرة حول الملكية لم تكن معروفة فيما نعلم - عند فقهاء المسلمين من أي مذهب من الصدر الأول إلى هذا العهد الأخير الذي تسربت فيه هذه الاصطلاحات إلى علماء المسلمين من فلسفة الماديين الغربيين الذين يدرسون موضوع المال وطرق تملكه وكسبه وصرفه في ظلمة شهواتهم وميولهم وأهوائهم لا على هدى من ربهم في ضوء شرائعه المنزلة على رسله حتى يتخذوا مما يستنبطونه قواعد يعتمدون عليها في أكل أموال الناس بالباطل وبخس الناس أشياءهم، وإلا فما معنى هذا السؤال مثلا: ما هي الوظيفة الاجتماعية للملكية الخاصة؟ وما نظرية الملكية؟ وما خصائص الملكية؟ الى آخره. ومهما يكن فإني أجيبك بما أمكن جامعا عدة أسئلة في جواب واحد، أبدأ بآخر سؤال وهو الحادي عشر وهو أغربها.
ونصه:
:
هل المال للفرد أو للجماعة أو لله؟ وهل الفرد مالك
أو موظف ونائب ووكيل المالك الله أو الجماعة؟
عن
، وهو
أو
- من الغريب التشكك في مثل هذا أو التساؤل عنه إضاعة الوقت للبحث فيه وهو أظهر من أن يخفى. وعلمه من الضروريات عند سائر البشر في مختلف الأعصار والأمصار، ولا يختلف فيه اثنان إلا من اراد الابتزاز
028 (1/528)
صفحة 529
والاغتصاب، فالمال مهما كان نوعه ملك لصاحبه الذي دخل يده بطريق مشروع كما سنشير إليه، ليس لأي جماعة ولا لأي دولة أو حكومة أو سلطان حق فيه بمعنى شركة في ملكه، إلا حق التحجير على السفيه ومنعه من التصرف فيه بإخراجه من يده إذا أسرف في ذلك بغير حق، مع الإنفاق عليه منه في ضرورات عيشه إطعاما وكسوة وسكنى مع بقاء حق الملك له، حتى إذا توفي ورثه عنه ورثته الشرعيون، وأما كون الملك لله فإن كل ما سوى الله من والأرض وما فيهما وما بينهما، وما فوق السماء وما تحت الثرى
السماوات
ملك لله وخلق له وعبيد له، لا شريك له في ملكه، فإذا قال لنا: (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) (1) فإن ذلك حق لا ريب فيه، فإن المال ومالك المال لله، وكل راجع إليه والله ميراث السماوات والأرض) (2) «وإن من في الدنيا ضيف وما في يده عارية. والضيف مرتحل. والعارية مردودة (3) كما صح بها الحديث. ومعنى هذه الآيات والأحاديث وأمثالها معروف عند العارفين بل عند الناس أجمعين، وهو الاتعاظ والاعتبار وعدم الاغترار بهذه الدنيا الفانية الوشيكة الزوال. وليس معناه النقص من المالك في ملكه أو الحد من تصرفه المطلق المشروع
حق
1 - و 2 - الآية 7 من سورة الحديد
3 - لم أجد هذا الحديث.
529 (1/529)
صفحة 530
في ملكه، فهو مالك لماله الخاص بكل ما في هذه الكلمة من معنى، كما أن البشر جميعا عبيد لله وملك له قطعا ويقينا، ولا يمنع هذا من كونهم أحرارا كاملي الحرية بكل ما في هذه الكلمة من معنى في هذه الحياة الدنيا، وقد صح الأثر عن عمر (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً).
أما السؤال الأول عن نظرية الملكية في الشريعة الإسلامية والثاني عن خصائص الملكية، فإن الملكية في الشريعة الإسلامية حق مطلق للمالك لها بالطرق المشروعة التي سيشار إليها وقد أكثر الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم من إضافة الأموال إلى مالكيها، فما أكثر ما في القرآن من كلمة أموالهم وأموالكم مما يحقق ملكية المالكين ويجعلها خاصة. وأما خصائص الملكية فإنها كل ما
بهم
يترتب على حق التملك من حقوق وواجبات ومحرمات في المال وبسبب المال: فالزكاة ونفقات الأزواج ومن كان دون سن الرشد من الأولاد وأصول الإنسان وفروعه وعصبته عند تحقق الحاجة، والحج إذا صح البدن، وأمن الطريق، والدفاع عن حوزة الوطن عند إغارة العدو، وحرمة أخذ الزكاة، كل ذلك مما رتبه الله تبارك وتعالى فيما شرعه لنا على تملك المال، ومن أخص خصائصه المشروعة أنه يبقى له حتى الموت فينتقل بطريقة آلية مشروعة إلى ورثته الذين
530 (1/530)
صفحة 531
تولى الله تبارك وتعالى تعيينهم والقسمة عليهم وتحديد سهامهم وأنصبائهم، وللمالك الأصلي حق التصرف بالوصية في ثلث التركة فما دون، وليس لأحد ما في الوجود أن يغير قسم الله أو يبدل وصية بعد أن قامت بينتها: فمن بدله بعد ماسمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم) (1)
السؤال الثالث: عن القيود الواردة على حق التملك؟ الذي فهمناه من هذه العبارة أنها سؤال عن أسباب التملك المشروعة فيكون الجواب إذا: هو قوله: «لا يحل مال امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث، هبة عن تراض وبيع عن تراض وميراث من كتاب الله (2) هذه هي أصول التملك الشرعي ويدخل تحت الهبة أعطيات الجنود وأجور العمال والموظفين وسهام الغنائم، ونحو ذلك، ويدخل تحت البيع وهو به أشبه سهام
المضاربات
السؤال الرابع عن القيود الواردة على استعمال الملكية والسؤال الخامس عن التعسف في استعمال الحق.
1 - الآية 180 من سورة البقرة.
2 - روى ابن ماجة في الباب الثامن عشر من ابواب التجارات عن أبي سعيد
الخدري أنه قال: إنما البيع عن تراض اما بقية الحديث فلم أجدها.
531 (1/531)
صفحة 532
الجواب: إن مما علم من الدين بالضرورة وجاءت به الشريعة المطهرة لكثرة النصوص الصريحة الواردة في الكتاب والسنة أن الطغيان بالمال والإدلاء به إلى الحكام لظلم وهضم حقوقهم وأكل أموالهم بالباطل وإنفاقه في
الضعفاء
'
الميسر والمراباة به وإنفاقه في الفسق والفجور والمخدرات والخمور ونصرة الباطل على الحبق واتخاذه ذريعة للتسلط والعلو في الأرض والفساد، كل ذلك حرام منصوص عليه وهو من أكبر الكبائر والفواحش، وهذا كله يدخل في باب التعسف في استعمال الحق وكذلك السفه في التصرف فيه بالبيع برخص فيه غبن فاحش أو شراء بغلاء فيه غبن فاحش كذلك، أو إعطاء بغير مقابل في غير صدقة مشروعة أو نحو ذلك مما يدل على سفه المالك فإن على أولياء أمره - عشيرة أو مجلس عائلي أو قاضي المسلمين في القرية أو جماعتهم - الضرب على يديه بمنعه من التصرف بإخراج شيء من والنداء عليه بإحدى وسائل الإعلام بأن عقوده في ماله باطلة تحذيرًا للناس، ثم اتخاذ وكيل له يتولى الإشراف على ماله واستثماره وحفظه والإنفاق عليه في ضرورات عيشه. قال تعالى: ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا) (1)، ومع هذا كله يبقى المال لـ
1 - الآية 5 من سورة النساء
ملکه
532 (1/532)
صفحة 533
حتى يثوب إلى رشده فيرد إليه أو يموت فيعطى لورثته، وليس في هذه الإضافة في قوله في الآية ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ما يجعل لنا شركة أو نصيبا في المال، أو ينقله إلى ملكنا، وإنما لنا، بل علينا فقط أن نمنع صاحبه من تبذيره حتى لا يضيع حفظا له حتى يرد إليه إن صلح حاله أو يدفع لورثته الشرعيين بعد وفاته، فكأن لنا فيه حقا أدبيا معنويا فقط بهذه الإضافة. أما السؤال السادس: عن مضار الجوار، والسابع عن القيود الخاصة بانتفاع الغير، فإني أظن أن الجواب عنهما
يوجد مفصلا في الكتب الخاصة بنظام العمران بالبناء وإنشاء الطرق وغرس الأشجار وشق الأنهار ذلك، ومن الكتب ونحو
المهمة في ذلك والمعتمدة عند إباضية المغرب، من نفوسة وجربة وأريغ وميزاب، كتاب (أصول الأرضين للشيخ أبي العباس أحمد بن الشيخ محمد بن بكر المتوفي في شهر ذي الحجة عام 504 وهو في ستة أجزاء لا يزال مخطوطا، توجد منه نسخ قليلة في بعض المكاتب، وقد اختصر منه العلامة الجليل صاحب النيل) الشيخ عبد العزيز ابن إبراهيم الثميني كتابا سماه التكميل لبعض ما أخل به كتاب النيل) وهو مجلد واحد في مائتين وأبع وستين صفحة، وقد طبعه حفيد المؤلف الشيخ محمد الثميني في مطبعة العرب بتونس عام 1344 هـ. قسمه إلى ثمانية
533 (1/533)
صفحة 534
كتب: الأول في الشركة والقسمات. الثاني في الطرق. الثالث في إنشاء المنازل والقصور، الرابع: في العمران بماء المطر. الخامس: في الحرث. السادس: في ثبوت المضرة ونزعها. السابع: في الحريم والغرس، الثامن: في المشاع. وفي كل كتاب أبواب وفصول يجمعها كلها المجلد المشار إليه، وأظنك واجده في دار الكتب عند الشيخ محمد أبي إسحاق أو في جربة أو في الجبل، وهذا يوفي بغرضك
في الموضوع.
•
السؤال الثامن: عن نزع الملكية للمنفعة العامة الجواب: المحفوظ أن لإمام المسلمين إذا تحققت المنفعة واضطرت إلى الانتفاع بمال خاص أن ينتزع هذا الملك من مالكه الخاص ويوفيه حقه في العوض بقيمة حقيقية لا غبن فيها ويحاول استرضاءه ما استطاع. هذا هو المعروف من عمل أئمة المسلمين في مختلف العصور، وآخر من عرفناه منهم هو الإمام عبد العزيز آل سعود ملك نجد والحجاز حيث اضطر إلى توسيع الحرمين الشريفين ورصد لذلك أموالا طائلة وبالغ في قيم الأملاك التي أخذها من أصحابها لهذه المنفعة الكبيرة، وأجزل لهم العطاء حتى رضوا، وجرى خلفاؤه من بعده على سننه ونحن - بني ميزاب - من الذين أدخلت دارهم في الحرم النبوي بقيمة كبيرة مرضية بنينا بها
دارنا الجديدة في شارع أبي ذر بالمدينة المنورة.
534 (1/534)
صفحة 535
السؤال السابع: عن منع الاحتكار وتحديد الأسعار. الجواب: الاحتكار بالمعنى المتفق عليه وهو شراء السلع من أسواق المسلمين والناس بحاجة إليها ثم خزنها وادخارها حتى يغلو السعر، محرم ممنوع شرعا، وإذا ظهرت حاجة الناس إلى هذه السلع المدخرة فإن لولي الأمر أن يجبره على إخراج سلعته وعرضها للبيع، أما هذا فمتفق عليه، وأما تحديد السعر فإن الفقهاء مختلفون فيه، فمنهم من منعه لأن النبيء لم يحدد السعر ولم يرضه عندما طلب إليه ذلك، بل قال: «المسعر هو الله (1) فالمحتكر يجبر على إظهار السلعة المخبوءة إلا أنه حر في التسعير، ومن الفقهاء من يرى اعتبارا للمصلحة المرسلة جواز التسعير بعدل بحيث ينتفع المشترون المستهلكون ولا يضر الباعة الذين كانوا محتكرين، ونحن نميل إلى هذاما دام الباعث رعاية
المصلحة
مع حسن النية
السؤال العاشر: عن التكافل الاجتماعي: هل يوجد لديكم سند بشأن نظام العزابة وتحمل العشيرة لزواج المحتاج منها، وحمل تكاليف دراسته والإنفاق على أسرته أم أنه من
جبيل التقاليد العرفية؟
1 - رواه الربيع في كتاب البيوع من حديث جاء فيه: القابض الباسط هو
المسعر ولكن سلوا الله.
535 (1/535)
صفحة 536
الجواب: أما عن نظام العزابة فأرى لك أن تتصل بالأستاذ فرحات الجعبيري الجربي المدرس بحاضرة تونس الخضراء فإنه قد وضع دراسة مفصلة في هذا الموضوع ووفاه حقه في أطروحته التي نال بها درجة ممتاز أو جيد جدا،
وهو منك قريب.
كفالة
وأما ما تقوم به العشائر عندنا والمجالس العائلية من الأيتام والأرامل وتحمل تكاليف زواج المحتاج ذكرا أو أنثى والإنفاق على الأسر الفقيرة وتحمل تكاليف الدراسة عن نجباء الطلبة المحتاجين، ونحو ذلك مثل تفريق صدقات كثيرة
للأسر الفقيرة في أواخر شهر شعبان من كل عام لإعانتهم على صوم رمضان، فإن هذا كله من التقاليد العرفية ولها جذورها فيما ورثناه عن السلف من مثل هذه المبرات، وقد ذكر الشيخ أحمد الشماخي شيئا من هذا في كتاب السير، فنحن بسلفنا الصالح مقتدون ونحاول المحافظة على هذا النظام الاجتماعي جهد المستطاع حتى نورثه لأبنائنا الذين نرجو أن يكونوا خلفا صالحين
ومعذرة أيها الأخ إن تأخر الجواب طول هذه المدة ثم كان مختصرا إلى هذا الحد، ولم نذكر فيه المراجع والمستندات، فضعف الصحة وكلل البصر، وكثرة الأعمال مع عدم اتساع الوقت حالت دون استجابة طلبك، ففي الحق أن مطالبك تقتضيها رسالة مسهبة ودراسة مطولة، وأرجو أن
536 (1/536)
صفحة 537
يكون في هذا القليل الذي أجبناك به بعض النفع والفائدة لك في مشروعك، كما أرجو ألا يكون الوقت قد فات في الانتفاع به والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وإن تفضلت بإخبارنا بوصول الكتاب لنطمئن فحسنا تفعل. قدر الله لك النجاح في مهمتك
الشركات
سؤال: بينك وبين إنسان آخر شركة مضاربة
تجارية. عليه رأس المال وعليك العمل والربح بينكما اتفاقكما عند تأسيس الشركة. ومضت سنوات
أنصاف
حسب
وأنتما على هذه الحال. وأثناء حرب التحرير الجزائرية سطا على دكانكما غُلاة المجرمين من حزب المعارضة الفرنسيين فأضرموا النار في الدكان فأكلت كل شيء من ملك ومال صاحبك، فهل عليك لصاحبك شيء من ضمان ماله؟ وتقول إن صاحبك لم يطالبك في شيء وإنما تريد أنت أن تنجي نفسك بينك الله. وتتخلص من التبعة إن كانت وبين
عليك
الجواب: ليس عليك لصاحبك شيء من ضمان ماله مطلقا لا قليلا ولا كثيرا، فإنما هذه مصيبة سماوية نزلت بك وبصاحبك فأكلت جهدك وثمرة عملك كما أكلت ماله فليس
037 (1/537)
صفحة 538
لأحدكما على الاخر شيء وأجركما جميعا عند الله. ولقد أحسنت إذ سألت عما ينجيك، فهذا شأن المؤمن الذي يؤمن
بلقاء ربه وحسابه
•
سؤال: تاجر له سهم في عقار مع شركاء آخرين معه على الشياع. مات شركاؤه وتركوا ورثته وهذا التاجر الباقي على قيد الحياة هو القيم والوكيل على ذلك العقار يكتري ويقبض ثمن الكراء، ويصلح ما يجب إصلاحه وينفق في ذلك ما يجب من النفقة ويدفع غرامة الدولة ولا يأخذ على أعماله هذه أي أجر ولكنه من جهة أخرى يترك ما يتبقى
لورثة شركائه من دخل العقار بعد جميع المصاريف تحت يده يخلطه بماله الخاص في تجارته ولا يعتبره مضاربة بحيث يكون له سهم من الربح. ولم يصرح للورثة أصحاب الحق في هذا المال بشيء من ذلك. وكأنه يعتبر أن انتفاعه بمالهم في تجارته في مقابل أجر قيامه بعقارهم المشترك، فهل يجوز له ذلك؟
الجواب: إن الواجب عليه أن يصرح لأصحاب الحقوق بحقيقة الأمر، وأن يتفق معهم على أجر معين لعمله في الملك المشترك، ثم ينظر في مبلغ مالهم الذي يستغله وينتفع به، فإن تقاربت فائدة المال السنوية وأجر العمل كذلك، فلا بأس أن يتمادى على هذه الطريقة المتفق عليها، فإن السر كل السر في رضا أصحاب الحقوق، وإن
538 (1/538)
صفحة 539
قلت الفائدة عن الأجر فقد أحسن إليهم، وإن كانت الفائدة أكثر من الأجر خصم أجره ودفع لهم الباقي.
هذا وإن العرف الذي يجري به العمل في مثل هذه الأحوال أن المحاسبة تكون على رأس كل سنة. فلا يضيق على القائم بالملك أن يحاسب على رأس كل شهر أو كل فصل. إلا أن كان اتفاق خاص على ذلك فهو يقبض ويدفع ويترك فضل المقبوض تحت يده في جملة ماله، فإذا حال الحول صفى حسابه وأعطاهم ما بقي، لكنهم إن احتاجوا في أثناء العام وطلبوا أن يدفع لهم مما عنده لهم، فلا
هو
يجوز أن
يمنعهم منه، هذا العرف المعتاد في مثل هذه الحال والشرع يعتمد على العرف في أحكامه، فإن كثر المال كان عليه أن يجعله مضاربة لهم إلا إن رضوا بترك مالهم عنده محفوظا على سبيل الأمانة حتى يجدوه عند الحاجة إليه ولا يريدون أن يعرضوه لأخطار التجارة.
القسمة
ؤال: هالك ترك ابنين وبنتين وزوجة، هم كل ورثته وترك من العقار دارا وجنانا، واتفق الورثة كلهم ما عدا الزوجة على تقسيم هذا المتروك بينهم حسب ما شرعه الله في كتابه الكريم، بتقويم الخبراء العدول، إلا الزوجة
539 (1/539)
صفحة 540
فإنها أصرت على أن تباع الدار بالدلالة العمومية، فهل يجوز لها أن تجبر الورثة على البيع؟
الجواب: إنه لا يجوز لبعض الورثة أن يجبر البعض الآخر على بيع شيء من التركة أصولا أو عروضا مما تمكن قسمته، فإن الحكم الشرعي هو قسمة التركة بين جميع الورثة بحسب أنصبائهم التي نص الله عليها في كتابه الكريم، كما هو معلوم بالضرورة، وذلك بتقويم الخبراء الأمناء لكل نصيب، ثم يترادد الورثة الفضل بينهم إذا كان في قيمة بعض الأنصباء فضل، هذا هو الحكم وهذا هو العرف الجاري به العمل عند جميع المسلمين، فلا يجوز جبر بعضهم بعضا على البيع إلا في حالة واحدة هي أن تستحيل وتتعذر قسمة المتروك، وذلك يتصور بعدم إمكان الانتفاع بأصغر نصيب في المتروك، فحينئذ فقط يتجابرون على بيعه وقسمة ثمنه وحتى إذا أمكنت قسمة منافعه كالكراء ـ مثلا عند تعذر قسمة الأصل - فإن كثيرا من العلماء لا يجيزون التجابر على البيع وإنما يحكمون بقسمة المنافع. فالزوجة في قضيتكم مخطئة في طلبها البيع والتمسك به فعليها أن ترجع الى الحق وتقبل التقسيم بالتقويم كما هو طريقة المسلمين. وأما سؤالك الثاني: هل يجوز لأحد الابنين أن يشتري من أختيه
540 (1/540)
صفحة 541
البنتين منابهما على أساس تقويم العدول وقد رغبتا في ذلك وفي أخذ قيمة منابهما دراهم لأنهما مكفولتان عند
أزواجهما؟
فإن الجواب على ذلك: نعم لهما البيع ويجوز لأخيهما الشراء على أساس تقويم العدول الذي يرضى به الطرفان ولا من الله به في
مانع من ذلك مطلقا. والسلام عليكم. هذا ما
الجواب
سؤال: تقول إن أمك توفيت وتركت ثلاثة أولاد ذكور وزوجها الذي هو أبو الأولاد. فكيف تكون قسمة تركتها بين
زوجها وأبنائها الثلاثة؟
الجواب: للزوج الربع من التركة والباقي للأبناء الذكور الثلاثة بالسوية بينهم، فتكون الفريضة من أربعة، لكل واحد من الزوج والأبناء الثلاثة ربع.
الإجارات والأكرية
سؤال: صاحب متجر أشرك معه عاملا بعمله في ربح تجارته، وكان صاحب المتجر يعمل بنفسه في التجارة ولكنه بعد مدة تخلى عن العمل ووضع بدله عاملا آخر
541 (1/541)
صفحة 542
بأجر، فعلي من تكون أجرة هذا العامل؟ أعني صاحب المتجر وحده أم تخرج من جميع مال التجارة؟
الجواب: إن مثل هذا يجب أن يكون محل اتفاق مسبق بين رب المتجر وشريكه الأول، ومن الغريب أن يغفل مثل هذا الاتفاق وهو ضروري، وحيث لم يحصل هذا فإنه يمكن التوصل إلى حل بينهما بالتفاهم والتصالح ولو بعد حين. وإذا لم يحصل الوفاق والتراضي وحصلت المشاحنة والمشاححة فإن أجرة هذا الأجير تكون على رب المتجر لأنه جاء به ليعمل في مكانه ويسد مسده. هذا كله إذا كان رب المتجر يعمل حقيقة في المتجر قبل ذلك
سؤال: إنك تعمل أجيراً في محل يباع فيها الحلال والحرام مثل الخمر .... فهل الأجرة التي تقبضها كل شهر من صاحب المحل حلال أم حرام؟
الجواب: - والله أعلم - إن كنت تباشر بنفسك بيع المحرمات كالخمر - مثلا - فإنك عاص ملعون بالكتاب والسنة والإجماع. أجرتك على ذلك حرام، وقد قال:
542 (1/542)
صفحة 543
لعن الله الخمر ولعن معها عشراً ... » (1) وعد منها بائعها، ولا ينفعك ولا يغنيك شيئا عند ربك الاعتذار بكثرة العيال وقلة المال وعدم وجود عمل. وإن كان في هذا المحل الذي قلت إنه تباع فيه بضاعات مختلفة فيها الحلال والحرام إن كان فيه قسم مستقل لا يباع فيه إلا الحلال فكنت أنت تعمل في هذا القسم بحيث لا تباشر الحرام مطلقا، فإن عملك وأجرك يكونان مكروهين فقط، وليسا بمحرمين، والأولى والأفضل التنزه عن ذلك، وباب الله غير، ذلك مفتوح ورحمته واسعة، ولن يسد في وجهك بابه ولا يقبض عنك رحمته إذا خلصت نيتك وصدق عزمك في طلب الحلال، أخذ الله بيدك ووفقك لما فيه خيرك وسعادتك
•
سؤال: حرفتي سائق سيارة أجرة (طاكي) أحمل المسافرين وأحيانا أنقل نساء عواهر إلا أن ضميري يوبخني لأني أجهل حالة الثمن الذي آخذه عليهن: أحلال أم حرام.
1 - رواه ابن ماجة في الباب السادس من ابواب الأشربة عن ابن عمر قال رسول الله: لعنت الخمر على عشرة أوجه: عاصرها ومعتصرها وبالعها ومبتاعها وحاملها واتلمحمولة اليه واكل ثمنها وشاربها وساقيها.
وفي حديث آخر (في نفس (الباب قال: لعن رسول الله ما في الخمر
عشرة: عاصرها، ومعتصرها. . . الحديث.
543 (1/543)
صفحة 544
فلذلك
أرجو من جزيل فضلكم أن تفتوني في الأمر حتى
أكون على بصيرة من أمري؟
الجواب: - وبالله التوفيق - إن صريح سؤالك يدل على أنك محتار في أمر الثمن الذي تأخذه من البغي أجرة حملها من مكان لآخر، ولكن أمر الحمل أعظم خطورة فإن حمل المرأة البغي إلى مكان لتمارس فيه فسقها حرام وذنب كبير لأنه إشاعة للفاحشة بين المؤمنين، والله تبارك وتعالى يقول: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم تعلمون) (1) والإعانة على المعصية كيفما كان
نوعها معصية فاتق الله
أما مسألة دراهم البغايا والعواهر فإن الأمر فيها أقل خطورة وقد وسّع الفقهاء فيها بعض التوسعة لأن مواردها أعني موارد الدراهم تتعدد وتختلف، فإذا اشترت عاهر مثلا من تاجر بعض حاجاتها من مأكل أو مشرب أو ملبس فإنه لا عليه فيما يأخذه من ثمن لأنه ثمن مبيع طيب حلال،
حرج
ولا عليه وراء ذلك شيء، وإن تورع فحسنا يفعل، وليس في بيعه إعانة مباشرة على معصية بخلاف الحمل والفرق
1 - الآية 19 من سورة النور.
544 (1/544)
صفحة 545
بينهما ظاهر. والخلاصة أن الحمل في
أصله
منهي
عنه وهو
حرام ومعصية وإن ألجأتك إليه ضرورة قاهرة فإن أمر الثمن
موسع فيه
هذا ما من الله به في الجواب عن هذه المسألة الشائكة ونرجو أن نكون أصبنا الصواب. وفقنا الله إلى فهم
الحق واتباعه.
•
سؤال: إنك حملت في سيارتك ركابا مع حقائبهم بالكراء عادتك حسب وفي الطريق وجدتم سيارة تشتعل فيها النار، ووقفتم لإنقاذ أصحابها، فأنزلت ركاب سيارتك وحقائبهم وحملت المنكوبين إلى بلدة قريبة، ثم رجعت وحملت ركابك وحقائبهم ولما وصلتم بلدتكم لم تجدوا إحدى الحقائب ورجعت إلى مكان الحادث فلم تجد شيئا، فهل يلزمك ضمانها لصاحبها؟
الجواب: إن الحقائب التي يحملها الركاب معهم في سيارات الكراء لا ضمان فيها على صاحب السيارة وكذلك سائر الأشياء التي يحملها المسافرون
معهم
(
، وأما إذا حمل
صاحب السيارة شيئا ما حقيبة أو غيرها، ولم يكن معها
صاحبها، فإن صاحب السيارة ضامن لها حتى تصل أهلها
،
هذا ما من الله
به في الجواب
•
?؛ (1/545)
صفحة 546
سؤال: ما حكم من أكرى محلا لعمل محرم؟
الجواب: كراء المحل لتعاطي عمل محرم كالزني ولعب الميسر وبيع الخمر والخنزير وغيره محرم قطعا إجماعا، وأجرته سحت حرام كذلك والإكراء للأعمال المباحة مباح، ولا يضر المالك ما فعله المكتري من محرم في المحل ما لم يكن من مقاصد الكراء. ولا تحرم عليه أجرته بذلك لكن يجب عليه أن يخرجه إن وجد لذلك
سبيلا. وإن كان الكراء لمباح وظن في المكتري تعاطي المحرم فيه حَسُنَ أن يشترط عليه في عقد الكراء أن لا يتعاطى فيه محرما فإن نقض العقد لم يلحق المالك إثم ولم تحرم عليه أجرة لكن عليه إخراجه إن وجد سبيلا. فإن لم يستطع كما هو الغالب اليوم فما نرى في أخذه الأجرة على منزله المسخر من حرج. هذا أحسن ما قدرنا عليه، وذلك مبلغ علمنا، والله أعلم وأحكم، وفوق كل ذي علم عليم.
سؤال: تقول إن أباك ترك لك حانوتا في عنابة اكتراها بما فيها من سلعة بعدد ثمانين ألف فرنك في الشهر، وأن قيمة السلعة أربعة ملايين فرنك، فهل يجوز أن تكتري السلعة مع عتبة
الحانوت؟
546 (1/546)
صفحة 547
الجواب: إذا كانت السلعة هي مرافع الحانوت
(إيتاجير) و (فيترينات) وأدوات عمل مثل الموازين على اختلاف أنواعها وأجهزة كيل الزيت والغاز وما في معناهما، وأجهزة الكهرباء والثلاجات فريجيدير) ونحو ذلك من جميع ما هو معد لاستعماله والانتفاع به في الحانوت مثل ما ذكر، ومثل ماكينات الكتابة والحساب فإن هذا يجوز أن يكرى مع
عتبة الحانوت
وأما السلع التي تباع بيعا للمشترين فإن هذا لا يمكن أن يتصور فيها كراء مطلقا وإنما تقوم ويأخذ صاحبها ثمنها وإن اتفق مع مكتري الحانوت على أن يترك ثمنها في الحانوت على سبيل المضاربة الشرعية، أعني أن مبلغ تلك السلعة يكون رأس مال لصاحبها في الحانوت يأخذ عليه كل سنة جزءا من الربح متفق عليه مسبقا بينهما، فإن ذلك جائز
ولا بأس به.
في الفقد والغياب
سؤال: إن السيد (فلان) اختطف قسرا من متجره بالحراش 12 مارس 1957 بشهادة أجيريه (فلان وفلان) يوم
مساء
والذين اختطفوه هم أشخاص مجهولون مسلحون، في زي
547 (1/547)
صفحة 548
ذوي القبعات الزرقاء من جنود المظلات، ثم لم يظهر له أثر ولم يوقف له على خبر منذ ذلك اليوم، رغم جميع الوسائل التي اتخذت للبحث عنه، فما حكم الشريعة فيه؟ أميت هو أم مفقود أم غائب؟
ا أمره يستعجم
دونك الجواب: أيها الأخ إن الفقد أو الغيبة لا يحكم بهما إلا إذا استعجم الأمر وأشكل ولم يتم دليل ولا أمارة على الموت، فقد قال العلامة الكبير الشيخ عبد الله بن حميد السالمي في باب المفقود والغائب من جوهر النظام: الغيب والفقد به لا يحكم إلا فلو رأينا آية الممات بأي حالة من جاز لنا الأخذ بها ونحكم بها إذا المراد منها نفهم وليس ذا الباب كمثل الحكم بين الخصوم عند أهل الفهم لو كان كل حاجة تحتاج لشاهدين ضاقت الفجاج والدين يسر ما به من عسر فكيف ذا التضييق في ذا الأمر
الحالات
وعليه فإن جاءكم من شهد بأن هذا السيد قد مات، أو أنه شهد دفنه، ولم يكن متهما في شهادته بجر نفع لنفسه وصدقتموه جاز الحكم بالموت بناء على خبره، فقد قال الشيخ السالمي - - رحمه الله ـ في جوهر النظام بعد حكايته
لقول المانعين للحكم بالموت بخبر الواحد، ما نصه:
548 (1/548)
صفحة 549
واني أقول إن الخبر في مثل ذا يجوز أن يعتبرا إنه يبني على التصديق وتركه نوع من التضييق وهذه الأخبار في الأنام عن واحد تؤخذ في الأحكام يرفعها الفرد عن الفرد إلى أن تصل المختار ما فيجب الحق به، والأيدي تقطع بل توجب نفس الحد
بين الملا
فكيف يلغى ها هنا والقلب يصدقنه فأين اللب
كاملة من يوم
وإن لم يرد عن موته خبر ما يصح الاعتماد عليه فإن حكمه حكم المفقود، والمفقود يحكم بموته بعد انقضاء أربع سنين فقده إجماعا لا خلاف في ذلك، فيقسم ماله ويطلق وليه زوجته، ثم تعتد عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا، ثم تتزوج بعد ذلك وليس عليها عدة الطلاق، وهو لمفتي به کما نص به صاحب النيل - رحمه الله - وإنما أفتينا بأن هذه الحالة فقد لا غيبة، لأنها من أخطر الحالات التي يغلب على الظن فيها الهلاك، وهي أولى بذلك من بعض الحالات التي مثل بها الفقهاء للفقد، فإن الفارق الأصلي بين المفقود والغائب هو أن الغائب من اختفى بدون سبب يعرف، كما إذا سافر لطلب رزق، أو قضاء حاجة أو حج أو عمرة - مثلا - ثم لم يعد ولم يوقف له على أثر، فهذا
هو الغائب الذي لا يحكم بموته إلا بعد بلوغه السبعين من
549 (1/549)
صفحة 550
عمره كما هو مختار فقهاء الإباضية بالمغرب، وأما المفقود فهو كل من أحاطت به مخاطر وأهوال تؤدي إلى الهلاك عادة، ثم لم يظهر له أثر بعدها. فهذا هو المفقود الذي يحكم بموته بعد انقضاء أربع سنين من يوم فقده، وحالة المسؤول عنه اليوم من أخطر الحالات المؤذنة بالهلاك، وقد قال الشيخ اطفيش - رحمه الله - في شرح النيل بعد ذكره لبعض صور الفقد ما نصه: وكذا) من حبسه جائر عادته القتل وقال الشيخ السالمي - رحمه الله - في جوهر النظام: الفرق بين غائب ومن فقد يدري لأن الأصل غير متحد فغائب من غاب دون سبب يعرف إلا باختفاء المذهب والفقد أن تراه في الحريق أو أنه في الماء كالغريق ومثله من ركب البحر إلى دار فغاب علمه إذ رحلا أو أنه يطاردن السبعا وبعد أن طارده ما رجعا أو أنه قد غاص فى الأهوال وكل مخطر كهذا الحال فأربع من السنين أجله ينظر حي أم أتاه أجله
فليتأمل جيدا قول الشيخ رحمه الله:
أو أنه قد غاص في الأهوال وكل مخطر كهذا الحال
فإن من تأمله حصل هل فقه كبير في مسألتي الفقد والغيبة، وحقيقة الفرق بينهما، وعلم أن قول صاحب النيل (1/550)
صفحة 551
- رحمه الله - في باب الفقد لا يراد به الحصر، وإنما يراد به التمثيل فقط، على أنه يمكننا أن ندخل حالة هذا الاختطاف المسؤول عنها اليوم، في عموم الوجه الثالث من الفقد عند صاحب النيل إذ يقول: (أو رجال بحرب) وجوه أي أحاط به رجال بحرب، فإن المختطفين المسلحين محاربون، فلم يبق إذن من شك في أن هذه الحالة المسؤول حالة فقد يحكم على صاحبها بالموت بعد أربع
عنها هي
سنين، فلا يسوغ إذا تعطيل الحقوق ومنعها عن أصحابها
انقضاء
الورثة، ومنع الزوجة من خروجها من العصمة بعد المدة المشروعة المجمع عليها، كما لا يسوغ التذرع لذلك
بأوهى الأسباب، والله الموفق للصواب
•
وتنبه أخيرا إلى أن حكم المفقود قبل تمام الأربعة
والغائب قبل تمام السبعين، حكم الأحياء لهما وعليهما جميع
الحقوق والواجبات التي للأحياء وعليهم من الميراث وغيره
،
والسلام هذا أحسن ما قدرنا عليه، ونرجو أن يكون حقا وصوابا عند الله، والسلام عليكم ورحمة الله حفظكم الله وسلمكم لأخيكم الذي أملى هذا وأمضاه بخط يده الفقير إلى
مولاه الغني، والراجي عفو ربه الكريم ... (1/551)
صفحة 552
سؤال: رجل صحيح العقل خرج من داره أو دكانه
صباحا لشؤونه ولم يعد، ومضت على ذلك شهور، ولم يعثر عليه ولم يعلن بخبره رغم الأبحاث المتكررة، ولم يكن هناك داع لغيابه، فما حكم الشريعة الإسلامية فيه؟ أيحكم بموته حالا فتتزوج امرأته ويورث ماله؟ أم هنالك أجل
يضرب لذلك؟
عند
الجواب: إن أحكام الغائبين تختلف باختلاف صور غيبتهم وظروفها الزمانية والمكانية، فمنهم من يحكم بموته تمام أربع سنوات من فقده، ويسمى في اصطلاح فقهائنا مفقودا، ومنهم من لا يحكم بموته إلا عند بلوغ سبعين سنة على المشهور المتفق عليه والمعمول به عند علماء مغربنا وخاصة في ميزاب، وفيه أقوال أخرى لا حاجة لذكرها بعد ذكر القول المعمول به عندنا. أما الصورة التي سألت عنها فإن صاحبها يعتبر في اصطلاح فقهائنا غائبا، والغائب عندهم لا يحكم بموته إلا عند بلوغ عمره سبعين سنة كما ذكر آنفا، إلا إذا كانت هنالك في مسألتك ظروف أو أحوال خاصة لم تذكرها في كتابك ربما تؤثر في الحكم فتجعل هذا الغائب مفقودا يحكم بموته بعد أربع سنوات. هذا ما من
الله به في الجواب. والسلام عليك ورحمة الله
552 (1/552)
صفحة 553
في الأوقاف
سؤال: ما هي شروط صحة الحبس عند الإباضية؟ الجواب: أن يكون المحبس بالغا صحيح العقل. مالكا ملكا صحيحا لما حبسه، وأن يكون الوجه الذي ينفق فيه الحبس أمرا مشروعا جائزا، فلا يجوز التحبيس مطلقا على شيء محرم أو منهي عنه في الشريعة، ولا يجوز أن يكون على وارث لأنه حيف وجور ومنع وحرمان لبقية الورثة، فإذا لم يستوف الشروط كان باطلا لا يجوز إخراجه لا من الثلث ولا من غيره، بل يصير من جملة التركة يقسمه الورثة كما يقتسمون سائر التركة بينهم، وإذا استوفي شروطه كان صحيحا لا يجوز إبطاله، لكنه يحسب من ثلث تركة المحبس سواء أوصى بالثلث أم لم يوص. فإن وسعه الوصايا الأخرى فذلك، وإن لم يسعه الثلث فإنه يحاصصها، أعني يحبس منه قدر ما ينوبه بالمحاصصة مع باقي الوصايا. وهذا إذا لم يكن المحبس قد أخرج هذا الحبس من ماله في حياته ونص على ذلك، وكان يجريه في حياته في الوجه الذي حبسه له فإن هذا النوع من الحبس يعد من تركة الميت، فلا سلطان للورثة عليه ويبقى
لا
التصرف فيه لمن استخلفه المحبس عليه
الثلث
مع سائر الوصايا
وتجوز وصية الصبي المراهق الذي يعقل القربة والخير
والشر والجنة والنار، ويمضى حبسه كذلك، ومثله السفيه
053 (1/553)
صفحة 554
المحجور عليه تجوز وصيته وحبسه، لأن هذه طاعة وخير وتقرب إلى الله، إذا كانا مالكين لما يوصيان به أو
يحبسانه، ولو بغير إذن الولي والوكيل.
تاريخ
وأما سؤالكم الخاص عن حبس السيد (فلان) الذي بعثتم إلى نسخة من رسمه الذي يحبس فيه ثلاث ديار له في بلدة (قالمة) فإني قرأت الرسم وأنعمت فيه النظر فوجدته حبسا صحيحا مستوفيا لجميع الشروط، وقد نص المحبس على أنه أخرج هذا الحبس من ملكه في حال حياته من يوم تسجيل الرسم في محكمة (يسقن)، وإنما جعل لنفسه التصرف فيه بإنفاقه في الوجوه المذكورة مادام على قيد الحياة، وبعد مماته يرجع التصرف إلى يد ابنه وزوجته، فلا مطلقا لإبطال هذا الحبس. ولا لحسابه من ثلث تركة المحبس، فإنه ليس ملكا للمحبس بعد إخراجه من ملكه، فليس من التركة في شيء، وليس على الوكلاء إلا أن يحسنوا القيام على ما استخلفوا عليه من ذلك. هذا ما من الله به في الجواب، ونرجو أن يكون مصيبا كبد الصواب.
وجه
نصيحة وملاحظة: نلاحظ جواز الأجرة على عدم قراءة القرآن، وننصح المحبسين ألا يتوسعوا مثل هذا التوسع الغريب في الوجوه، فإن من فعل ذلك فقد عرض بحبسه للتلف والضياع، فمن ذا الدي يستطيع أن يقوم بكل هذه الأعمال، وخاصة النوبات فيكفي المحبس أن يفوض الوكيل
554 (1/554)
صفحة 555
في الإنفاق في سبيل الله، وإن كان ولابد فلا يتجاوز النص على وجه أو اثنين.
سؤال: إن رجلا قد حبس داره على أولاده وسجل ذلك رسميا في محكمة شرعية، ونص التحبيس بعد وصف الدار وتحديدها هكذا بالحرف الواحد نقلا عن الرسم المذكور: قد حبسها على أولاده ذكورا وإناثا وعلى أولاد أولاده الذكور دون الإناث حبسا مؤبدا لا تباع ولا تشتري ولا توهب حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فعل ذلك بغرضه وبطيبة نفسه من غير إكراه. انتهى.
ومن
هذا هو النص الكامل للتحبيس من غير زيادة ولا نقصان. لم يجعل فيه مرجعا ومآلا للحبس إن انقرض نسله ولم يبين فيه أي الأولاد أو أي الأحفاد أحق بالسكني عند حدوث النزاع وادعاء كل الحاجة والاستحقاق والأولوية. ومنهم الأعزب والمتزوج والأرملة وذات البعل وذو الأولاد لا ولد له والشيخ والشاب والسقيم والصحيح، وقد جميع ذلك وأكثر من ذلك. وقد يتجاوز عدد المستحقين العشرات الى المئات فأكثر على مر الزمان والدار ضيقة صغيرة لا تكاد تؤوي أكثر من عائلة واحدة فكيف العمل؟ ثم إن قوله وعلى أولاد أولاده الذكور دون الإناث، إن جعلنا الذكور نعتا لأولاده الذي يليه لفظا كما هو الأصل والمتبادر ازدادت المسألة تشعبا وكثرت الفروع لدخول بنات
يحدث (1/555)
صفحة 556
الأولاد والأحفاد في المحبس عليهم، ويمكن جعل الذكور نعتا لكلمة أولاد الأولى فتخرج بنات الأحفاد والأولاد، وكلا الاحتمالين يحتمل أن يكون مرادا للمحبس ولا بيان ينص على المراد ويسقط معه الاحتمال فتبقى القضية أبدا محل نزاع. ثم إن هذا المحبس توفي بعد تحبيسه بقليل تاركا أولادا ذكورا وإناثا فشجر بينهم خلاف حول من يسكن الدار ومن لا يسكن، واشتد النزاع بينهم حتى أصبح عداوة بين الإخوة نتجت عنها قطيعة رحم وخصومة مزمنة أمام عشيرتهم، وأمام المحكمة الشرعية كما نتج عن تهجم بعضهم على بعض، وأخفقت جميع الوسائل التي اتخذت الإصلاح ذات البين، ودامت الحال على ذلك سنين، وهذا كله واقع بين الإخوة والأخوات أولاد صلب المحبس وقد نجم أولادهم مستعدين لمواصلة الكفاح، بل قد شرعوا فيه وأصروا عليه، كل يناصر أباه أو أمه واستمرت القطيعة بينهم مثل
مستحكمة
ذلك
آبائهم. ثم إن المحبس لم يترك مالا يمكن أن يفي ثلثه بقيمة الدار المحبسة، أعني أن الدار هي أكثر ما يملك مما تركه،
الورثة من أول
يوم
فتدخل في الثلثين اللذين هما حق للورثة، ولقد قام بعض يطالبون بفسخ الحبس وإبطاله وجعل الدار ميراثا بين جميع الورثة كما قسم الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم، لكن الذين استحوذوا على الدار وسكنوها
556 (1/556)
صفحة 557
واستأثروا بالانتفاع بها لم يقبلوا جعلها ميراثا، بل أصروا على المطالبة بتركها حبسا لما لهم في ذلك من منفعة خاصة ظاهرة، وقد رفعوا إلينا أمرهم منذ زمان وسألونا عن قضيتهم فأرشدناهم أي الفريقين جميعا إلى أن مصلحتهم ومصلحة أولادهم من بعدهم أن يتفقوا ويتراضوا فيما بينهم على فسخ الحبس وإبطاله وجعل الدار ميراثا ورغبناهم في ذلك، وبينا لهم فائدته في الدنيا والآخرة، فقبل الفريق الذي هو خارج الدار والذي كان يطالب بالفسخ من أول يوم، وامتنع الفريق الساكن المستأثر بالانتفاع وأصر على التمسك بالحبس مهما كانت العواقب الوخيمة التي جرّ إليها والتي سيجر إلى شر منها، وقد كنا نحترز من إصدار فتوى في المسألة في السلامة واختيارا لجانب الصلح، إذ كنا نرجو أن يدركوا عظم المسألة في فسخ الحبس وجعله ميراثا وأن يتفقوا عليه برضا واختيار، فلما لم ننجح في محاولتنا هذه كما لم ينجح العقلاء الذين لم يألوا جهدا في محاولة الإصلاح، ولما كان الأمر يزداد خطورة كل يوم، رأينا أن من الواجب علينا إظهار وجه الحق في المسألة بالفتوى فأفتينا ـ ونرجو أن نكون موفقين مصيبين إن شاء الله ـ ببطلان هذا الحبس
جميع
رغبة
وجعل الدار ميراثا بين جميع ورثة المحبس كما قسم الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم، فتكون الدار مشاعا بينهم على قدر سهامهم يقتسمون عينها إن أمكنت القسمة أو منفعتها (1/557)
صفحة 558
كأجر كرائها مثلا إن تراضوا على ذلك، أو ثمنها الذي تباع به جبرا بواسطة الحاكم إن تعذر جميع ذلك، أفتينا بذلك
رجاء ما عند الله للوجوه التالية:
أولا
: لإطفاء هذه النار المشتعلة والقطيعة المتواصلة بين ذوي الأرحام والتي لا تزداد إلا اشتعالا وانتشارا على مر الزمان والتي يستحيل أن تخمد أو تطفأ إلا بإبطال الحبس
وجعله ميراثا.
ثانيا: لما في هذا الحبس من الجنف والإثم لما فيه من حرمان بعض الورثة من حقوقهم الثابتة لهم بحكمه وقسمته في كتابه الكريم. ثالثا: المجاوزته الثلث واستغراقه لأكثر المال المتروك. رابعا: لعدم تعيين مرجع خيري دائم يؤول إليه الحبس عند انقراض نسل المحبس عليهم، كما هو مذهب كثير
من العلماء
•
والله ولي التوفيق.
سؤال: إن جدك توفي وترك دارا حبسها على أولاده وأولاد أولاده فهل يجوز للورثة إبطال ذلك الحبس؟ وإذا بطل الحبس فكيف تكون قسمته، هل على الذكور فقط؟ أم على الذكور والإناث جميعا؟ وفي هذه الحال هل يقسم بالسوية؟ أم للذكر مثل حظ الأنثيين؟ (1/558)
صفحة 559
حدود
على
الجواب: إن الله تبارك وتعالى قد تولى تقسيم تركة الملكي بنفسه ولم يكل ذلك إلى ملك مقرب ولا إلى نبيء مرسل ولا إلى عالم أو فقيه، فلا وصية لوارث ولا حبس وارث، وقد أعطى الله تبارك وتعالى لكل ذي حق حقه، وكل تخصيص لأحد الورثة بشيء ما فإنه تعد لحدود الله، وقد ختم الله تبارك وتعالى آية المواريث بقوله: (تلك الله ومن يطع الله ورسوله ندخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم، ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده ندخله نارا خالدا فيها، وله عذاب مهين) (النساء: 13 ـ 14). وقال في آية الوصية: فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه) (البقرة: الآية (182). وهذا الحبس هو عين التعدي لحدود الله وعين الجنف والإثم، وقد أجازه بعض الفقهاء إن جعل له مصرفا ومالا في بعض وجوه الخير العامة بعد انقراض ذريته وانقطاع نسله، وهذا ما لم يفعله جدكم في حبسه، فهو بذلك باطل حتى عند المجيزين بهذا الشرط، وأما المحققون فإنهم يمنعونه مطلقا أو يبطلونه (أي الحبس على الوارث) ولو مع وجود هذا الشرط، لأنه كما يقول الشيخ السالمي - رحمه الله - نوع مكر، لم يقصد به البر، وإنما قصد إيثار الولد وبناء على هذا فإن حبس جدكم هذا باطل من أصله
يجب (1/559)
صفحة 560
أن يقسم عينه أو ثمنه على جميع ورثة الجد وهم زوجته وأولاده لصلبه ذكورا وإناثا، للذكر مثل حظ الانثيين، فمن كان حيا منهم اليوم أخذ منابه بنفسه، ومن مات منهم أعطي
سهمه لورثته وورثة ورثته
وبهذا فقط تسلم لكم آخرتكم، بتجنب الجنف والإثم، وتسلم لكم دنياكم باتقاء الفتن التي تنشأ غالبا بين أولاد
المحبسين وأحفادهم المؤدية إلى قطيعة الرحم، وقد بلونا ذلك كثيرا وكثيرا، وأخيرا تصلحون ما يمكن أن يقع فيه من المحبس من الجنف والإثم ونرجو أن ينفعه ذلك عند الله. هذا ما الله من به في الجواب.
سؤال: هلك هالك وترك وقفا يستغله أبناؤه الذكور الأربعة. ومات أحدهم وترك أولادا ذكورا وإناثا، فلمن يعطى منابه من ريع الوقف؟ أللذكور والإناث جميعا؟ أم
يعتبر ميراثا فيقسم على جميع ورثته من أولاده وغيرهم؟
الجواب: الحق أنه لا الجواب على مثل هذا يصح السؤال الا بعد الاطلاع على نص الواقف الذي يحدد فيه مجرى الوقف وسبيله، ومهما يكن فإن لي في المسألة كلمتين:
الأولى: هي أنكم اذا كنتم متمسكين بهذا الوقف فما عليكم إلا أن ترجعوا الى نص الواقف فتتصرفوا في الوقف
وريعه بحسب ما جدده وفصله في وثيقة الوقف (1/560)
صفحة 561
بين
أما الكلمة الثانية: فهي أنني أفتي منذ زمن بإبطال مثل
هذه الأوقاف على الذرية، وبالأخص ما يوقف منها على ذكور الأولاد دون إناثهم، وقد حكم عندنا مرارا بإبطال هذه الأوقاف على الذرية وردها الى ميراث يقسم على جميع الورثة، أعني ورثة الواقف من أولاد وغيرهم من ذكور وإناث ممن ضرب الله لهم بسهم في تركات الهلكي في كتابه الكريم، لما أحدثته هذه الأوقاف من فتن وشقاق ومنازعات أحفاد الواقف أدَّت الى عداوات وبغضاء وقطيعة رحم عشرات السنين، ولم تزل تتسع وتتفاقم بتكاثر الذرية بحيث لم تطفأ نارها ولم يخمد أوارها الا برد الوقف الى ميراث بين جميع أصحاب الحقوق فيه كما حكم الله العليم الحكيم الذي تولى بنفسه قسمة ما تركه الهالكون. وما نرى مثل هذا الوقف على بعض الورثة خاصة الا مُحَرَّمًا شرعا لأنه تحايل على قسمة الله للتخلص من تنفيذ أحكام الله وهو في أصله تعد لحدود الله، فإن أردتم الإصلاح لكم ولأولادكم من بعدكم ولأبيكم الواقف لعل الله يخفف عنه بعض ما به من أثر هذا الجنف والإثم اذا انقطع، فأبطلوا هذا الوقف من وردوه الى الميراث تسلم لكم آخرتكم من الإثم وتسلم لكم
أساسه
دنياكم من الفتن والعداوة والبغضاء وقطيعة الرحم التي تصيب أولادكم من غير شك، وقد بدت لكم بوادرها، فكيف يكون الحال إذا مات الباقون من أبناء الصلب وتركوا أولادا
561 (1/561)
صفحة 562
كذلك؟ ولقد بلونا من هذا الشيء الكثير، ولم نسلم منه إلا بإبطال الأوقاف الجائرة والنهي عن تجديد مثلها، ولا يكبرن عليكم التسليم في بعض ما تأخذونه اليوم من هذا الوقف إذا رددتموه الى الميراث الذي لكم فيه حظ وفيذلك الخير كل الخير لكم. والسلام عليكم.
سؤال: رجل حبس شيئا من ماله ينفق ريعه على الصلحاء من فقراء عشيرته فهل يجوز أن ينفق في سبيل تعليم أولاد الفقراء من العشيرة الراغبين في تعلم علوم الدين والقرآن، خاصة في الدور الثانوي والعالي؟ الجواب: وبالله التوفيق: أن هذا السبيل أفضل سبيل تنفق فيه غلة هذا الحبس، وإن فقراء المنقطعين لتعلم علوم الدين والقرآن أحق وأولى من غيرهم، بهذا العون لما
لا يخفى من فضل تعلم علوم الدين والقرآن ونشرها في الناس. فذلك هو ميراث نبينا الكريم سيدنا محمد وأولئك هم خلفاؤه وناشرو هديه ومُبَلِّغو دعوته ولا شك أن هذا أعظم أجرا للمحبس. ثم إن نعلم يقينا أن ما أوصى به لفقراء بلد أو قبيلة مثلا، لا يجب على منفذ الوصية أن يحصي جميع أولئك الفقراء حتى لا يشذ واحد منهم وأن يقسم المال عليهم جميعا حتى ينال كل فرد منهم، لا قائل بهذا من الفقهاء مطلقا، بل المنصوص عليه أنه إذا أوصى للفقرا هكذا بصيغة الجمع يعطى لثلاثة فصاعدا حسبما يرى (1/562)
صفحة 563
الوكيل المنفذ، ولا حجر عليه في ذلك، على أن تجديد وصف الفقر وإحصاء جميع من تنطبق عليهم أمر متعذر غالبا لا يكلف له الأوصيا. وإلا كان إعناتا لهم، وإنما الذي عليهم إذا أرادوا تخصيص بعض الفقراء أن يكون ذلك مبنيا على اعتبارات مشروعة كالصلاح والتقوى والنفع العام للمسلمين ونشر الدين وإعلاء كلمة الله والقرابة من الموصي وما إلى ذلك، وأن يكون تخصيصهم هذا خاليا من هوى النفس والغرض الشخصي والنفع المادي للوكيل المنفذ، فإذا أنفق ريع هذا الحبس المُمى إليه على فقراء المتعلمين العلوم الدين من العشيرة فإن الأمر لم يخرج عن دائرة الموصى به ولو قيد شعرة، على أن بعض الفقهاء ذهبوا الى أبعد فأجازوا أن يصرف الى فقراء عشيرة أو بلد ما أوصى به لفقراء
هذا من
عشيرة أخرى، أو بلد آخر، إذا رأى الوكيل في ذلك صلاحا.
هذا ما من الله به في الجواب على سؤالكم، ونرجو أن يكون نافعا لكم ومنيرا للسبيل أمامكم، حفظكم الله
وسلمكم لأخيكم.
سؤال: الى الأخر الكريم: فلان
.
قد وصلني كتابك وفيه نسخة مصورة من رسم حبس وطلبت مني أن أطالع الرسم، وأن أفتي لك في مسألتين
تتعلقان بالحبس المذكور:
563 (1/563)
صفحة 564
أولا: من يكون المستفيد من محصول الحبس؟
ثانيا: كيف تكون قسمة هذا المحصول بين المستفيدين؟
حسب تعبيرك.
الجواب: إن نص الرسم صريح فيمن يتولى أمره بعد موت المحبس، وهي زوجته فلانة، وبعد وفاتها يرجع أمر الحبس الى أخويها فلان وفلان وبعدهما يرجع الحبس الى يد (فلان) هكذا على الترتيب، ثم قال: وبعد موت المذكورين كلهم فإن الحبس المذكور يرجع الى أحباس مسجد بني يسجن يكون في الوظيف العام. وإن انقرض - لا قدر الله - فإنه يرجع الى أحباس الحرمين الشريفين، هذا
فيما يتعلق بالوكالة على الحبس وهو صريح لا لبس فيه
ولا إشكال. فاعملوا بمقتضاه على هذا الترتيب وأما الوجوه التي يصرف فيها ريع الوقف فإنها مُبَيِّنَةً مفصلة كذلك، وقد جعل لكل من تولى وكالة هذا الحبس الحق في أن ينفق منه على نفسه حسب حاجته، قم ينفق الفضل في الوجوه التي نص عليها، فقال في حق الوكيل الأول بعده وهو زوجته (فلانة) ما نصه: (وتنفق منه على
نفسها. (وقال بعد ترتيب الوكلاء بعد زوجته ما نصه) (وكل هؤلاء الوكلاء المذكورين بأخذون من ريع الحبس المذكور ما يحتاجون وإن بقي شيء الخ) وعلى هذا فكل من صار أمر الحبس بيده كان له الحق أن ينفق منه على نفسه
، (1/564)
صفحة 565
إن كان واحدا كما في الوكيل الأول الذي هو الزوجة والوكيل الأخير الذي هو (فلان) وإن كان متعددا في الأخوين فلان وفلان فإنهما شريكان متساويان في وكالة
الحبس - حسب النص - فلهما معا الحق في الإنفاق على أنفسهما من ريع الحبس حسب حاجتهما ويصرفان الفضل في الوجوه المنصوص عليها، وإن انقرض الكل رجع الحبس الى
مسجد بني يسجن حسب النص الصريح في رسم الحبس.
سؤال: هل يصح كراء الدار المتنازع على حبسها لمن اکتراها من وكيل الحبس معتقدا أنها حبس صحيح يصدق ريعه بعد المصاريف الواجبة على الفقراء والمساكين؟ الجواب: نعم يصح هذا الكراء ولا حرج ولا إثم على من اكتراها من وكيلها معتقدا أنها حبس ولكن إذا وقع نزاع بعد ذلك في صحة الحبس، فإن حكم بصحته صح الكراء، وثبت إلى مدته إن حكم ببطلان الحبس بطل الكراء فورا.
سؤال: هل يرجع الوقف الذي وقفه الورثة وحبسوه حبسا مؤبدا وأخرجوه من مالهم باختيارهم وأنفذوه في سبيله مدة طويلة ميراثا يقتسمونه بينهم ويسقط الحبس؟
الجواب: يجوز لمن أوصى بحبس في وصيته يخرج بعد وفاته ولم ينفذه هو في حياته أن يرجع فيه ويبطله ولا حرج عليه ولا إثم في ذلك، وأما من حبس شيئا من (1/565)
صفحة 566
ماله وأخرجه في حياته ونفذه في سبيله فإنه لا يجوز له الرجوع فيه ولا إبطاله مطلقا لا هو ولا غيره إلا أن يستبدل به خيرا منه مراعاة للأصلح فإن علم الوقف ـ كمال اليتيم - ما يصلح له.
سؤال: هل إنه وقف للمالك من حيث إنه من ماله الذي تركه، أم هو وقف للذين وقفوه من ورثته، أم هو له ولهم جميعا؟
الجواب: ليس للهالك إلا ما وقفه وحبسه في حياته أو أوصى به وصية صحيحة ووسعه ثلث تركته، وأما ما حبسه الورثة مما تركه لهم ميراثا بعد الوصية والدين فإنه لهم خاصة، والحبس ينسب إليهم، ولموروثهم ما نووه له بفضل الله
سؤال: هل يثبت ما يجعله الورثة وقفا على موروثهم مع أنه لم يوص به. ولا بالثلث؟
الجواب: جميع المال الذي يتركه الهالك هو بعد الوصية والدين ملك شرعي لجميع ورثته عصبة كانوا أو ذوي فروض يتصرفون فيه كما يشاؤون فلا حجر عليهم مطلقا في أن يتصدقوا به كله أو ببعضه على موروثهم أو أو بعضه حبسا مؤبدا في سبيل الله، بشرط اتفاقهم كلهم إذا
يحبسوه
کله
كان ذلك في المال المشترك قبل القسمة. أو يفعل كل
وارث في نصيبه بعد القسمة ما يريد
566 (1/566)
صفحة 567
فتاوى مختلفة
في الذبائح والأطعمة والأشربة
،
سؤال: ما حكم ذبائح الإنكليز أحلال أم حرام؟ الجواب: لاشك أن الله تبارك وتعالى أحل لنا طعام أهل الكتاب في قوله في سورة المائدة وطعام الذين أُوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم (1) ولا شك أن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا، فلا نسخ في أحكامها، وأجمعت الأمة على أن المراد بالطعام الذبائح وأكل النبيء من الشاة التي قدمتها له اليهودية مسمومة وأكل المسلمون من إدام أهل خيبر. وهذا الحكم مطلق في كتاب الله، عام غير مخصص ولا مقيد وقد ذهب بعض العلماء الى أن هذا الحل مشروط بأن يكون أهل الكتاب ذميين، ولكن قضية خيبر تعكر على هذا القول، فالأصل الإطلاق والعموم، هذا هو الحكم في أصل المسألة، ويبقى بعد ذلك هل الإنكليز من أهل الكتاب؟
الذي نعلمه أن الإنكليز أمة مسيحية كالفرنسيين والإيطاليين وبعض الأمم الأخرى المتشبثة بالمسيحية ومناصرتها على اختلاف مذاهبها من كاثوليك وبروتستانت
1 - الآية 5 من سورة المائدة
567 (1/567)
صفحة 568
وأورثوذكس. وهذا أمر ظاهر لا خفاء فيه. وكثرة الكنائس في أقطار هذه الأمم، وسلطة الكنائس فيها على الحياة العامة والخاصة، وإرسالياتها التبشيرية المنتشرة في جميع أقطار العالم، والعلائق المتينة بين رجال الدولة والكنيسة
وحماية بعضهم لبعض رغم ادعائهم فصل الدين عن الدولة دليل ظاهر على أنهم أهل كتاب، ونعلم أن في أوساط هذه الأمم المسيحية ملاحدة ومشركين لا دينيين. ولكن العبرة بالأعم الأغلب شأنهم في ذلك شأن الأقطار الإسلامية التي
يوجد بين بنيها والمنتسبين إليها ملاحدة ولا دينيون، ومع ذلك فإن الأحكام التي تجري عليها في مختلف الميادين، ومنها الذبيحة إنما هي أحكام إسلامية، ولا نكلف شيئا وراء هذا الحكم العام لكن إذا قامت الحجة على شخص معين أنه مشرك غير مسلم ولا كتابي حرمت ذبيحته، ولا نكلف البحث عن كل فرد من هذه الأمم والحكم في العكس كذلك، فإذا كانت أمة مشركة أو ملحدة لا دينينة طبق عليها الحكم العام من حرمة ذبائحهم ونكاح محصناتهم، فإذا قامت حجة قاطعة على شخص يعيش بينهم أنه مسلم أو كتابي حلت ذبيحته وطبقت عليه سائر أحكام المسلم أو الكتابي.
هذا ما يتفق وسماحة الإسلام ويسره أما تنزهك أنت عن أكل لحوم الإنكليز فإنه والله خير لك: أحزم الناس من تحرى لدينه، وأما خطؤك مرة بأكل غير متعمد فلا حرج
568 (1/568)
صفحة 569
عليك فيه، ولو كنت ترى حرمة ذبيحتهم، إلا أن تستغفر الله وتتوب إليه، فلا كفارة عليك ولا شيء غير التوبة.
سؤال: هل يجوز الأكل مما صيد بالرصاص؟
الجواب: يجوز الصيد بالرصاص سواء أكان محددا أم غير محدد، لأنه يخترق الجلد، وينفذ إلى الجسم، فيموت بسببه كالنبل قديما، وأما من زعم أنها تموت بالنار فزعمه باطل لأن الرصاصة إذا خرجت انطفأت نارها ولو كانت تموت بها رأيت الرصاصة كالشهاب إذا خرجت. وأما ما ورد في الحديث من النهي عن الصيد بشيء غير محدد فقد عللوه بأنها تقدح قدحا ولا ينفذ إلى الجسم كالسهم، وهذه العلة منعدمة في الرصاصة لأنها تنفذ كالسهم.
سؤال: ما حكم الشريعة الإسلامية في الذبيحة التي تذبح بواسطة الكهرباء كما هو الحال في المذابح
الكبرى بأوروبا؟
الجواب: ذبائح الكفار والمشركين من الوثنيين والدهريين حرام قطعا بإجماع المسلمين كيفما كانت طريقة ذبحهم. وأما ذبائح أهل الكتاب وهم اليهود أصحاب التوراة، والنصارى أصحاب الإنجيل، فإنها حلال لنا بنص القرآن
569 (1/569)
صفحة 570
الكريم في قوله تبارك وتعالى: وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم (1) واتفق العلماء على أن المراد بالطعام الذبائح يعني أن ذبائحهم حلال لنا إذا دبحوها على الطريقة المشروعة عندهم بحيث تكون طعاما حلالا لهم بحسب شريعتهم، وهذا ما يستفاد من إضافة الطعام إليهم، وأما طريقة الذبح بواسطة الكهرباء فإني لا أعرفها على وجه التحقيق ولا أتصورها حتى أُفتي فيها، بيد أني أقول إنه إذا كانت الطريقة هي تسليط التيار الكهربائي على الحيوان المراد ذبحه حتى يموت بتأثير التيار فإن هذا قتل لا ذبح ولا نحر ولا ذكاة. فلا يحل به الحيوان المقتول. وإذا كانت الطريقة هي استعمال التيار الكهرائي الإمرار شفرة حادة على عنق الحيوان لذبحه، فإن هذا ـ فيما يبدو - ذبح، إذ لا فرق بين أن يمسك الذابح الشفرة بيده ويمر بها على حلق الحيوان من قريب وبين أن يستعملها ذلك من بعيد بواسطة آلة أو قوة دافعة كالتيار الكهربائي، فإذا كانت الرأس لا تفصل عن الجسد بهذه الطريقة في نفس لحظة الذبح فإن مما لا ينبغي الخلاف فيه حلية هذه الذبيحة. وأما إذا كانت الرأس تفصل عن الجسد فإن الخلاف في حلية الذبيحة مشهور بين فقهاء المسلمين فمشهور مذهب الإباضية أن الذبيحة تحرم إذا فصل الرأس
في
1 - الآية 5 من سورة المائدة
070 (1/570)
صفحة 571
عمدا، وتحل إذا كان خطأ ومشهور مذهب المالكية أنها
حلال مطلقا.
سؤال: ما حكم الشريعة الإسلامية في تخدير الذبيحة
للتخفيف
من
آلامها؟
الجواب: لم يبلغنا عمن تقدمنا من العلماء أنهم تكلموا
في حكم تخدير الذبيحة قبل ذبحها للتخفيف من آلامها ويبدو أن أحدا لم يفكر في هذا الأمر من قبل هذا العصر. مع العلم بأن التخدير للتخفيف من آلام العملية الجراحية معروف منذ زمن طويل. والذي نراه أخذا من مجموع أحكام الذبائح المبسوطة في كتب الفقه أن هذا التخدير إن كان قاتلا مميتا فإنه حرام قطعا تحرم به الذبيحة إذ لا يجوز استعمال أي شيء لإزهاق روح الذبيحة أو للتعجيل به غير الذبح الأصلي المشروع أو النحر الأصلي المشروع كذلك فيما ينحر نحرا كالإبل ثم تترك الذبيحة على حالها حتى تبرد وتسكن حركتها فيشرع في سلخها. وإن كان التخدير لا يؤدي إلى الموت يقينا فإن هذا مما لم يظهر لنا وجه لمنعه، ولعل مما يستأنس به للجوازه قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة (1) أفلا يكون هذا التخدير الذي لا يميت بل يخفف الألم فقط من
1 - رواه النسائي في الباب الثاني والعشرين وغيره من كتاب الضحايا.
071 (1/571)
صفحة 572
المسألة.
باب الإحسان في الذبح؟ هذا رأي يبدولنا في ونعوذ بالله من الخطا والزلل في القول والعمل. وأن نقول
على الله ما لا نعلم.
سؤال: ما الذي يحل لنا من طعام أهل الكتاب؟
ومن نسائهم؟
الجواب: قال الله تعالى: أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخذان (1) إن هذه الايات من آخر ما أنزل على النبيء فقد أنزلت ة الوداع إثر قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا (2) أحل الله لنا في هذه الآيات طعام أهل الكتاب ونكاح المحصنات من نسائهم، أعني العفيفات منهن، من غير قيد ولا شرط في الكتاب ولا في السنة. والطعام بمعنى الذبائح فكل ما يعتبره رهبانهم وأحبارهم طعاما حلالا لهم، فهو حلال لنا إلا ما حرمه الشرع لعينه
1 - الآية 5 من سورة المائدة
2 - الآية 3 من سورة المائدة.
572 (1/572)
صفحة 573
كالميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، ه، فإنه حرام علينا وعليهم لا تحله شريعة من الشرائع وكذلك ما تحققنا أنهم ذبحوه لأصنامهم أو بكيفية لا تجوز عندنا، أما إذا لم نتحقق فلا بأس، أما شرط بعض الفقهاء أن يكونوا تحت الذمة أو معاهدين، أو تكون ذبيحتهم تحت رقابة المسلمين
فباطل لم يشترطه الله ولا رسوله، بل فعل النبيء والصحابة يدل على خلاف هذا، فقد روي أن النبيء أهدت له اليهودية كتف شاة مسمومة وهي محاربة في غير خيبر فأكلها هو وأصحابه ولكن لم يضره هذا السم لأن الله تعالى أخبره بذلك، وقد غنم الصحابة من خيبر شيئا كثيرا من الشحم واللحم فلم ينكر عليهم الرسول، مع أن هذه الآية كما قلنا من آخر ما نزل. فهي تثبت الحلية فإذا حلت الذبائح فالمطعومات من باب أولى، وأما نكاح المحصنات من نسائهم فكذلك لم يرد فيه قيد ولا شرط في الكتاب ولا في السنة. أما قوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) (1) فالمراد به الوثنيون لأن عرف القرآن لا يطلق لفظ المشركين إلا على الوثنيين، وأما اليهود والنصارى فيطلق عليهم لفظ أهل الكتاب كما هو معروف، فإن سلمنا أن لفظ المشركين يشمل اليهود والنصارى فإننا نقول: إن آية المائدة مخصصة لعموم آية البقرة ومقيدة
1 - الآية 221 من سورة البقرة.
073 (1/573)
صفحة 574
لإطلاقها لأنها نزلت بعدها. والقاعدة أن الآخر ينسخ
الأول، والمطلق يحمل على المقيد.
مراعاته أن لا يكون لقومها سلطان على
هي
ومما يجب قومه، لأنها تعد نفسها حاكمة عليه، وقاعدة القرآن للرجال عليهن درجة (1) وكذلك إن عرف أن أولاده
محمدا أونوحا. . . لا موريس وجاك كما نرى بعض يسميهم
المسلمين اليوم.
والحكمة في تحليل طعام أهل الكتاب وتحليل المحصنات من نسائهم لأن يقتربوا من دين الإسلام ويجعل بينهم وبين المسلمين صلة، ليألفوا دين الإسلام، وليظهر لهم يسره وسماحته، وليعلم الناس أنه دين أُلفة لا دين فرقة، ولأن لأهل الكتاب مزية على الوثنيين وهي إيمانهم بوحدانية الله والأنبياء والرسل والكتاب والموت والبعث والحساب والجنة والنار. فيجب أن تراعى هذه القرابة بينهم وبين المسلمين.
جعلنا الله من المؤمنين الصادقين. والحمد لله رب
العالمين
سؤال: ما شرط حلية طعام أهل الكتاب؟
1 - الآية 228 من سورة البقرة.
574 (1/574)
صفحة 575
المراد
الجواب: أما عن ذبائح أهل الكتاب التي هي بالطعام في قوله تعالى: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم (1) فإن الشرط في حلها لنا أن تكون طعاما لهم أعني أنها حلال لهم في دينهم بفتوى علمائهم كيفما كانت طريقة ذبحهم لا نشترط فيها طريقة معينة من الذبح أو النحر مثلا، هذا في أهل الكتاب الذين هم اليهود والنصارى أصحاب التوراة والإنجيل، وأما غيرهم من سائر المشركين فلا يحل لنا من ذبائحهم شيء مطلقا.
سؤال: وصلني كتابك مستفتيا عن أكلك في مطبخ الجامعة بمدينة (تولوز) بفرنسا، مع أنك تجهل طريقة ذبحهم، وتقول إن المطبخ يعفي الطلبة المسلمين من أكل الخنزير ويعطي لكل منهم بطاقة تسمح له بأكل اللحوم الأخرى، تبقى المشكلة الآن في ذبيحتهم هل يحل أكلها أم لا؟ وتقول إنك مضطر للأكل في المطبخ لرخص ثمنه، وأن منحتك لا تسمح لك بالطبخ وحدك.
الجواب: اعلم أن هذا العذر ليس من الضرورات التي تبيح المحظورات، فيمكنك أن تستغني بالسمك وبالبيض وباللبن ومشتقاته، مع الخبز والفاكهة والثمار. فتعيش
موفور الصحة كامل القوة في البدن والعقل.
1 - الآية 5 من سورة المائدة.
ovo (1/575)
صفحة 576
أما اللحم فدونك الحكم فيه: إذا كان الذباحون أهل
كتاب أعني مسيحيين أو إسرائيليين دينا وكانوا من أتباع الكنائس المسيحية واتبع الإسرائيلية فإن الله تبارك وتعالى قد أباح أكل ذبائحهم حيث قال: وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وأجمع علماء المسلمين على أن المراد بالطعام في الآية الكريمة الذبائح. فكل ما يحل لهم من الذبائح في دينهم هو طعام لهم وهو بالتالي حلال لنا، ولا يعنينا بعد ذلك طريقة ذبحهم ما دام رؤساء دينهم وعلماؤهم يرتضونها. وأما المشركون الوثنيون فلا تحل ذبيحتهم مطلقا، هذا ما من الله به في الجواب، ومعذرة عن تأخر الجواب لضرورات اقتضت ذلك. والسلام عليك
سؤال: ما حكم الدجاج الذي يولد ويربى في معمل كهربائي ويطعم بلحوم يؤتى بها من فرنسا؟ هل أكله حلال
أم حرام؟ الجواب: إن لحم هذا الدجاج وبيضه طاهر حلال أكله فإنه وإن كان يطعم باللحوم التي ذكرت، فلا غناء له عن التغذية بالمواد النباتية كالحبوب المختلفة وغيرها من أنواع الحشائش وشرب الماء النقي، وحتى لو فرضنا أن هذه اللحوم نجسة فإن ما يخلطه من الغذاء الطاهر كثير وكثير وعليه فإن أكل لحمه وبيضه حلال لا بأس به، ولا حرج
فيه، والسلام.
576 (1/576)
صفحة 577
سؤال: تسأل عن حكم الشريعة في من أكل لحم
الحصان
الجواب: أعلم أن الحصان حلال يجوز أكله إذا كان مذكي ذكاة شرعية فإن النبيء ما رخص فيه وأباحه فلا صلى الله بأس على من أكله
أكله
وأما قولك: وخاصة في بعض أيام رمضان ولم تبين أنه في نهار رمضان أم في ليله، فإن كان أكله في الليل فهو كغيره من أنواع اللحوم المذبوحة ذبيحة شرعية وغير ذلك من المطعومات فإنه لا شيء عليه وأما إن كان مرادك أنه أكله في نهار رمضان وهو صائم غير مفطر لعذر كمرض أو سفر فإنه ينهدم صومه فيجب عليه قضاء صومه مع كفارة مغلظة والسلام عليك أولا وأخيرا
هذا ما من الله به في الجواب.
•
سؤال: ما حكم لحوم البغال والخيل واللحوم
المستوردة؟
الجواب: لحم الخيل والبغال واللحوم المثلجة والمجلوبة من بعيد مما لا يعلم ذابحه ولا كيفية ذبحه منهي
عنها لا يقترب منها من يتحرى لدينه
سؤال: ما قولكم في اليرابيع؟ أحلال أكلها أم
حرام؟
077 (1/577)
صفحة 578
الجواب: اليرابيع البرية والتي تسكن في الحقول والبساتين وتسكن في جذوع النخيل والأشجار مباحة الأكل
فكلها هنيئا مريئا.
سؤال: في بلادنا من يأكل الذئاب والثعالب والغربان، اعتمادا على أنه مكروه وليس حراما فما رأي الشرع في ذلك؟
الجواب: إن الخلاف في أكل لحوم الحيوانات المذكورة وما أشبهها من سباع الوحش والطير والحمر الأهلية مشهور بين فقهاء الأمة الإسلامية وأئمة المذاهب منذ الصدر الأول إذ لم يرد نص صريح قطعي بتحريمها في القرآن ولكن
، نهي
ورد النهي عنها في السنة فحمل بعض الأئمة الرسول مع الله عنها على التحريم، وحمله آخرون على الكراهة. والجمهور فيما نعلم - يحملونه على الكراهة فلا يقطع عذر من أكل منها شيئا ولا يحكم بعصيانه ولا يبرأ منه، مع العلم بأن التنزه عنها أولى وأحوط وقديما قيل:
أحزم الناس من تحرى لدينه
سؤال: هل يجوز أكل لحم الكلب في الضرورة
حيث وصف دواء لمرض؟
578 (1/578)
صفحة 579
الجواب: يجوز ذلك عند الاضطرار لتنجية النفس
فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله
غفور رحيم) (1)
هذا ما من الله به في الجواب
•
سؤال: ما حكم اللحوم المصبرة المصنوعة في فرنسـ مع ما اشتهر من أنهم يصرعون صرعا ولا يذبحون
بطريقة شرعية؟
الجواب: أما إذا كان لحم خنزير فإنه رجس حرام لا يحله ذبح ولا صرع ولا غيرهما، كما هو معلوم، وأما اللحوم
الأخرى فإن المعلوم أن فرنسا بلد مسيحي وأن أهله في الأعم الأغلب من أهل الكتاب وطعام الذين أوتوا الكتاب فما كان طعاما لأهل الكتاب يأكله رجال
حل لكم دينهم فهو حلال لنا، ولا نتدخل في طريقة ذبحهم ولم نكلف التفتيش والبحث عنها، ومن تنزه عن ذلك وتورع عن
أكله فهو خير له
سؤال: إننا نبيع في دكاننا الجلبانة واللوبيا وعين البقرة والطماطم وغيرها من المصبرات في علب الحديد بعضها معه ماء، وبعضها لا ماء معه، فهل يجوز لنا أن
تأكل منها؟
1 - الآية 173 من سورة البقرة.
579 (1/579)
صفحة 580
الجواب: إن ما حرم أكله حرم بيعه وأكل ثمنه ومن الغريب أن تسأل عن جواز الأكل وأنت تبيع المسؤول عنه وتأكل ثمنه، فاعلم وتيقن أن ما حرم عليك أكله يحرم عليك بيعه وأكل ثمنه لا فرق بينهما. أما هذه المصبرات المسؤول عنها فإننا لا نعلم سببا لحرمتها، فهي ثمار طاهرة حلال أكلها والاتجار فيها
سؤال: تأتينا زجاجات مغلقة من الخارج فيها حليب ولبن رائب ويقال إنها من حليب البقر، فهل يجوز تناولها؟
الجواب: الذي نعلمه أنه حليب بقر حقا، وإنما يعالج معالجة خاصة لحفظه وتجميده وتجفيفه وما علمنا ولا سمعنا قط أنه تخلط به مادة محرمة أو مسكرة أو مخدرة حتى يحرم تناوله، وقوانين الدول جميعها تحرم الغش والتصريح بغير الحقيقة وتعاقب على ذلك أشد العقاب، فمن المستبعد الإقدام على ذلك وخاصة في ميدان الحليب الذي هو مادة أساسية لغذاء البشر قاطبة، أطفالا وشبابا وكهولا وشيوخا، وللمرضى عامة في جميع المستشفيات، فاحذروا الوسواس والغلو في الدين. هذا ما من الله به في الجواب.
سؤال: ما حكم الجبن المستورد من أوروبا؟ وعن
الخل المستخرج من الكحول؟ (1/580)
صفحة 581
الجواب: إننا لا نعلم كما لم نسمع قط أن هنالك مادة محرمة تخلط بالجبن الذي أصله لبن كما تعلمون. وعليه فهو من المباحات حلال أكله وبيعه،، وأما الخل فإنه كله حلال طاهر مباح الأكل والبيع، كيفما كان أصله وطريقة صنعه. فإنما المهم المعتبر فيه هو أن يكون خلا حقيقيا بالمعنى المعروف عند الناس سائل فيه حموضة ولا إسكار فيه مطلقا لا بقليله .. ولا بكثيره. فكل ما كان كذلك فهو طاهر
حلال. والسلام. سؤال: وصلني كتابك تسأل فيه عن حكم الخل المسمى خل الخمر وخل الكحول وعن مصبرات اللحوم وأمراقها وخلاصتها وغيرها، وعن مشروب (كوكاكولا) و (بيسي كولا) ثم عن مجبنة الحليب. فدونك الجواب أيها الأخ.
الجواب:
1 - أما عن الخل فإنه طاهر حلال أيا كان أصله عنبا أو - خشبا أو تمرا أو غير ذلك مما يصنع منه الخل وكيفما كانت طريقة صنعه ولو كان أصله خمرا فسدت فتخللت أو عولجت فصارت خلا. فإن العبرة إنما هي بكون السائل خلا لا إسكار فيه مطلقا لا بقليله ولا بكثيره فكل ما كان كذلك فإنه خل طاهر حلال.
2 - وأما عن الكوكاكولا وما يشابهها من المشروبات فإنه إذا ثبت قطعا أنه لا تخامر العقل ولا تسكر لا بقليل ولا (1/581)
صفحة 582
بكثير، فإنها طاهرة حلال شربها ويقبل في ذلك قول
الخبراء الفنيين.
3 - وأما عن اللحوم المصبرة ومستخرجاتها وعصيرها مما ذكرت ومن غير ما ذكرت فإننا لا نعلم على التحقيق أصلها ولا ذكاتها ولا الطريقة التي عولجت بها ولا المواد التي يحتمل أن تكون مزجت بها ولذلك يتعذر علينا أن نجيبك جوابا مفصلا على كل شيء مما سألت عنه وإنما نجيبك جوابا مجملا قد يغنيك وينفعك في كل ما يعرض
لك فدونه.
كل ما كان من ذبائح أهل الكتاب مسيحيين أو إسرائيليين وليس بخنزير ولم يمتزج به خمر فهو طاهر حلال يؤكل ويباع ويشترى، أما الخنزير فحرام مطلقا وكذلك
الخمر وكل مسكر.
•
وأما المجبنة فإن كانت من ذبائح أهل الكتاب فطاهرة
حلال كذلك. والسلام عليك ورحمة الله
(ملاحظة): ما كان أصله من دم مسفوح فإنه حرام مطلقا
كيفما كانت طريقة علاجه وكيفما كانت ذبيحته ولو كان
الذابح مسلما
سؤال: ما حكم الخل المستعمل اليوم. وخاصة النوع المكتوب على زجاجته: (خل الخمر) أو (خل الكحول)؟
582 (1/582)
صفحة 583
الجواب: الخل كله طاهر مباح استعماله في الطعام والشراب وبيعه وشراؤه، سواء أكان من تقيع بعض الثمار كالتمر أو من عصير بعض الفواكه كالعنب، أو من عصير بعض الأخشاب حتى ولو كان أصله خمرا فسدت وزال كحولها فلم تعد تسكر. أو عولجت قصدا وتعمدا بما يزيل كحولها وإسكارها فأصحبت بذلك خلا يستعمل لحموضته ولم يبق فيه أثر للإسكار، ومن المعلوم أن الفرق بين الخل والخمر كبير جدا، وهو الإسكار في الخمر وعدمه في الخل، وللحكومة قوانين مشددة في صناعة الخمر وبيعه، وإنها لا تأذن في صناعة وبيع سائل على أنه خل، إلا إذا
تحقق
لا كحول فيه ولا سكر بتناوله
سؤال ما حكم الخل الممزوج بالكحول؟ أ حلال أم
حرام؟
الجواب: ألاحظ أولا على قولك الخل الممزوج بالكحول ليس معنى هذه العبارة الفرنسية أن الخل مزج أعني أضيف إليه مقدار من الكحول وإنما هو اسم أو وصف للخل المتخذ من عصير بعض الأخشاب النباتية للتمييز بينه وبين الخل المتخذ من عصير العنب، المسمى خل العنب لا خل الخمر. ومهما يكن فإن الخل مهما كان أصله وكيفما كانت طريقة صنعه فإنه حلال طيب طاهر، فإنه لا خلا ولا يستعمل خلا ولا تأذن الحكومات في استعماله
يسمى
583 (1/583)
صفحة 584
والاتجار فيه بصفته خلا، إلا إذا لم يكن فيه إسكار لا في قليله ولا في كثيره ولا عبرة بمروره في صنعته بطور تخمر، فإن ذلك طور لا بد من المرور عليه، وإنما العبرة بما استقر عليه حاله، بعد أن فترت شدته وزالت منه قوة الإسكار حتى ولو كان أصله خمرا تخللت من ذات نفسها أو عولجت حتى زال غولها فأصبحت خلا، فاستعملوها هنيئا
مريئا.
وإني أشكركم على اهتمامكم بأمور دينكم وعلى تحريكم واحتياطكم وطلبكم وجه الحق فيما تأتون وما تذرون. زادكم الله هدى واتاكم تقواكم.
سؤال: تسأل في كتابك عن حكم الخل المسمى (خل
الخمر وعن الخل المسمى خل) (الكحول فدونك الجواب: الذي نعرفه هو أن معنى خل الخمر هو الخل المصنوع من عصير العنب وأن خل الكحول هو الخل المصنوع من عصير بعض الأخشاب والنباتات، وكلاهما حلال، فإن الخل كله حلال من حيث إنه ليس بمسكر لا بقليله ولا بكثيره، فليس بخمر، والله تبارك وتعالى إنما حرم الخمر التي هي الشراب المسكر المذهب للعقل، وما أسكر كثيره فقليله حرام، والخل ليس بمسكر مطلقا، فليس بخمر لا في الشريعة ولا في العرف ولا في القانون ولو كان مسكرا لما خلا. وإنما يسمى خمرا وحينئذ يطبق عليه حكم
سمي
584 (1/584)
صفحة 585
الشريعة بالتحريم وحكم القانون بالضريبة الخاصة بالمسكرات
في صناعتها وتجارتها.
سؤال: ما الحكم في الخل الذي يكتب على زجاجته خل الخمر، هل يجوز استعماله وبيعه وشراؤه؟
الجواب: إن الخل كله حلال طاهر سواء أصنع من التمر أم من العنب أم من بعض المواد النباتية الأخرى، ولا يسمى خلا إلا اذا لم يكن فيه أثر للإسكار، والخمر إنما حرمت من أجل إسكارها لما فيها من غول (كحول) فإذا
عولجت وأزيل غولها ولم تبق فيها قوة اسكار، وحصل
التيقن بذلك أصبحت خلا يجوز
عليك ورحمة الله
يجوز أكله
ز أكله وبيعه وشراؤه، والسلام
سؤال: ما حكم الخل الذي يحمل عنوان (خل الكحول)
الجواب: إن الخل طاهر حلال كيفما كان أصله. أعني كيفما كانت المادة التي عصر منها تمرا أو زبيبا أو غيرهما. فالخل هو هذا السائل المصنوع من مواد نباتية فيه حموضة وليس فيه كحول. ينتفع به لحموضته فهو طاهر طيب حلال. وهذا النوع الذي أشرت إليه يصنع حسب علمنا من عصير بعض الأخشاب. ولا نعلم في المشروبات إلا الخمر. والخمر هي الشراب المسكر ليس غير. والسلام
585 (1/585)
صفحة 586
سؤال: الخل المصنوع في بلدة (بوفاريك) أهو طاهر
حلال أم لا؟
مكان
الجواب: إن الخل بجميع أنواعه طاهر حلال في أي
صنع
وبأية طريقة عولج. المهم فقط أن يكون خلا
حقيقيا لا إسكار فيه. هذا ما الله من به في الجواب.
سؤال: ما حكم نبيذ التمر؟
الجواب: إن ما يتخذه الناس من نبيذ التمر ومن الشراب المستخرج من جمار النخل فإنه مباح حلال ما لم يشتد ويتغير ويتخمر بحيث تتكون فيه مادة الكحول المسكرة فحينئذ يكون خمرا حقيقيا، حكمه التحريم كسائر المسكرات. هذا ما من الله به في الجواب.
سؤال: سألت عن حكم مشروبات (بيبسي كولا) واكوكا كولا أحرام هي أم لا؟ وإن كانت حراما فما حكم
شاربها؟
الجواب: الذي علمناه من أهل المعرفة بهذه المشروبات أنه لا كحول فيها وليست بمسكرة وقد أفتى كثير من علماء المسلمين بحليتها وهي منتشرة في الشرق الإسلامي العربي ضمن المشروبات المباحة التي لا ينطبق عليها حكم المسكرات، ويظهر أنها كذلك في القطر الجزائري فهي
586 (1/586)
صفحة 587
معروفة فيه ومنتشرة منذ زمن طويل ولا تطبق عليها - فيما
نعلم - أحكام المشروبات الكحولية. أعني القوانين الخاصة
بالمسكرات ويظهر أن هذا كاف في الحكم بحليتها.
أما حكم من تناول شيئا من المشروبات أو المأكولات
المحرمة فإن عليه التوبة والإنابة والاستغفار ولا شيء غير هذا، إلا ما أوجبه بعض الفقهاء من كفارة مغلظة كما
يوجبونها على مرتكبي الكبائر، هذا ما من الله به في الجواب.
سؤال: القازوز محسب تعبيرك ـ أي المشروب
الغازي، الذي يباع في دكاكين المواد الغذائية هل يجوز لنا
بيعه وشربه؟
الجواب: المشروبات التي لا تسكر من أي مادة جميع كانت، حلال تناولها شرابا وبيعا وشراء. فإنما حرم الله من المشروبات الخمر فقط. وهي كل مسكر من أي مادة كانت، من تمر أو عنب أو شعير أو غير ذلك مما تصنع منه المسكرات، وما أسكر كثيره فقليله حرام.
في النذور
سؤال: ما حكم النذر؟ يقول إنسان مثلا إذا رزقني
الله ولدا تصدقت بكذا؟
587 (1/587)
صفحة 588
الجواب: النذر بالتقرب إلى الله تبارك وتعالى بطاعة
مشروعة كالصدقة والصلاة والصيام والحج إذا حدث حادث سعيد كولادة مولود أو رجوع غائب أو شفاء مريض أو نجاة من خطر أو سلامة من مخوف متوقع أو بلوغ أمنية مباحة
جائز شرعا بل مرغب فيه. والوفاء به واجب، ومن صفات
المؤمنين في كتاب الله أنهم (يوفون بالنذر) (1) وصورة النذر الصحيحة أن يقول مثلا: إذا رزقني الله ولدا تصدقت بكذا وكذا درهما أو دينارا أو طعاما، أو صليت لله تعالى كذا وكذا ركعة، أو صمت كذا وكذا يوما أو حججت بيت الله الحرام أو تلوت ختمة قرآن أو مثل ما ذكر، ولا يجوز أبدا أن يقول: ذبحت الشيخ فلان أو السيد فلان أو في ضريحه أو على قبره أو ما يشابه ذلك مما فيه التقرب إلى غير الله فإن هذا كله ممنوع شرعا وغير جائز مطلقا
سؤال: رجل نذر لله تعالى أن يدفع قيمة الكراء الشهري لمدرسة قرآنية ما بقيت المدرسة والكراء ولم يحدد لذلك أجلا معينا واستمر في الوفاء بنذره، ثم إن المدرسة أصبحت ملكا للإدارة التي جعلتها وقفا وحبسا مؤبدا فسقط الكراء بطبيعة الحال، فهل يسقط النذر بسقوط محله الذي
كان معلقا به لا بغيره؟
1 - الآية 7 من سورة الانسان.
588 (1/588)
صفحة 589
الجواب: إن النذر المعلق بشيء معين يسقط بزوال ذلك الشيء، فمن نذر مثلا أن يعطي فلانا كل يوم أو كل شهر دينارا ثم مات الشخص المعين سقط نذره، کمن نذر لمشروع خيري أن يدفع فيه كل سنة كذا وكذا مثلا ثم اضمحل هذا المشروع وسقط نهائيا سقط نذره كذلك.
سؤال: ما حكم زيارة الأولياء والنذر لهم إذا حدث
شيء مثلا؟
الجواب: زيارة قبور الأولياء وسائر المسلمين بنية التذكر والاعتبار والترحم عليهم والتسليم عليهم جائزة، وقد صلى الله فعلها النبيء له. وأما بنية الاستغاثة بهم والاستعانة بهم على شيء ما فحرام لا يجوز مطلقا. ويخاف على فاعله التورط في الشرك بالله. وكذلك النذر لهم بالنسك. أعني الذبح لهم كأن يقول: إذا رزقني الله ولدا ذبحت للشيخ فلان ناقة أو شاة أو بقرة ونحو ذلك. فإن هذا كفر والذبيحة حرام ميتة لا تؤكل بنص كتاب الله وما ذبح على النصب (1) والنصب أحجار تنصب وتبنى قرب القباب والأضرحة وتماثيل المعبودات من دون الله لتذبح فيها القرابين من أنواع الحيوانات، وهذا العمل كفر صراح والذبائح
ميتات محرمات.
1 - الآية 3 من سورة المائدة.
589 (1/589)
صفحة 590
الحقوق الشرعية في الحضانة
سؤال: تسأل عن المذهب الإباضي في حضانة
الأولاد؟
حتى
الجواب: اعلم أيها الأخ الكريم أن الحضانة عندنا للأولاد الصغار هي لأمهم: الولد الذكر حتى يبلغ خمس سنوات فيأخذه أبوه، والبنت تبقى في حضانة أمها تتزوج. ولكن إذا خاف الأب فساد أخلاق أولاده وفساد سيرتهم بسبب من الأسباب إذا بقوا عند أمهم فإنه يجب أن يأخذهم ويحتضنهم ليحفظهم من فساد السيرة وسوء ويربيهم تربية دينية إصلاحية ولا يتركهم عند د أمهم إذا تعرضوا للفساد، والله الموفق للصواب. والسلام.
الأخلاق
الوالد يمنع ولده من مواصلة التعلم
التعلم؟
عليه
سؤال: ما هو موقف من يمنعه والده من مواصلة
الجواب: عليك بطاعة أبيك ولا يجوز لك أن تعصيه وتذهب إلى التعلم وهو يمنعك إلا إذا كان تعلم فرض من فروض الله الواجبة على كل مكلف، وأما غير ذلك فالخير
كل الخير في طاعته والإحسان إليه
• (1/590)
صفحة 591
النفقة في الدفاع عن حقوق الأيتام
سؤال: تسأل عما أنفقته في سبيل الدفاع عن حقوق اليتامى الذين أراد شركاؤهم من الورثة جبرهم على بيع جميع التركة مع إمكان قسمتها. هل تدفعه من مالك وأنت وكيل مدافع فقط؟ أم يدفع من مال اليتامى المدافع عنهم؟ أم يجب أن يغرمه الورثة المتسببون فيه بغير حق، لأن ما تمكن قسمته لا يصح التجابر فيه على البيع؟
الجواب: إن الله تبارك وتعالى قد حكم في أمر اليتامى وأموالهم حكما صريحا واضحا قاطعا لكل شبهة مزيلا لكل ريبة حيث يقول في سورة البقرة (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح) الآية (1) فإن كنت ترى أيها الأخ الكريم أن ما قمت به من دفاع إنما هو لمصلحة اليتامى فإن لك أن تأخذ من مالهم ما أنفقته في سبيل الدفاع وليس عليك أنت من ذلك شيء. ثم إن لك على ذلك
عنهم
أجرا
عند الله. هذا في الحكم الظاهر الذي يفتي به ويحكم عند الله فإن ما خسره اليتامى في هذا السبيل فإنما
به. وأما
تبعته على المتسببين فيه بغير حق. فإن تنصلوا منه في هذه الدنيا، وإلا أخذوا به في الدار الأخرى.
1 - الآية 220 من سورة البقرة.
??? (1/591)
صفحة 592
في المقابر والجنائز وما إليها
إلى الأخ الكريم
حفظه الله السلام عليكم ورحمة
الله وبركاته. وبعد، فقد جاء من عندكم كتاب إلى الشيخ أبي اليقظان - حفظه الله - مؤرخ في 6 يناير 1968، 6 شوال 1387. . تسألون فيه عما يجوز لكم أن تفعلوه بمقبرة قديمة منسية وسط مدينة (زوارة) أصبحت مرتعا للحيوانات ومأوى للحشرات الضارة وممرا يسلكه الغادون والرائحون ولها منظر مشين - حسب عبارات كتابكم - فهل يجوز تحويلها إلى مصلحة عامة كإقامة مسجد على أرضها؟ الخ
الجواب: كان الشيخ أبو اليقظان أمد الله في عمره ضعيفا وقد ألح به المرض على كبر سنه فأحال علي الجواب عن سؤالكم ولم يتيسر لي الجواب إلى اليوم لضرورات قاهرة. فعمذرة.
أخي الكريم لقد سألني نفس السؤال الأخ الكريم السيد مسعود أحمد المنصوري منذ سنتين وأجبته بجواب مؤرخ بيوم 3 ذي الحجة 1385 ه، 25 مارس 1966. وأظن أن المقبرة التي سأل عنها هي نفس المقبرة التي تسأل عنها اليوم. وكان جوابي له في ثلاث صفحات من القطع الكبير: صفحة جواب وصفحتان نقلت له فيهما فتوى الشيخ رشيد رضا في نبش المقابر وجعلها للمصلحة العامة نشرت في المجلد 14 من
092 (1/592)
صفحة 593
المنار، صفحة 32. وأن السيد مسعود هذا هو في زوارة فاطلبوا الجواب والفتوى منه، ففيها كفاية وليس عندنا اليوم ما نزيده عليها. وإن تعذر عليكم الحصول على الجواب من الأخ الكريم، فأخبرونا نبعث إليكم بنسخة منه، والذي نزيده كملاحظة اليوم أن قضية الإهمال والمنظر المشين ورتع الحيوانات ومرور الغادين والرائحين وما أشبه ذلك لا تأثير لها في الفتوى ولا تصح مستندا لجواز نبش القبور، فإنها كلها مما يسهل تفاديه والتخلص منه، فمن السهل على البلدية والحكومة أو جماعة المسلمين من المحسنين المتبرعين تسويرها لمنع رعي الحيوانات ومرور الناس ثم حفها بأشجار تحيط بها إحاطة السور، فيبدو منظرها جميلا كأنها حديقة وسط المدينة.
وأما إن كان الداعي لنبش القبور ونقل الرفات مصلحة هامة للأحياء كحاجة ملحة إلى مسجد،، أو مدرسة مثلا،
فهذا
هو محل النظر وموضوع اختلاف العلماء واجتهادهم. يسلم عليكم الشيخ أبو اليقظان ويعتذر لكم عن عدم
إجابته بنفسه لمرضه - شفاه الله ـ هذا ما من الله به في
الجواب، والسلام عليكم ورحمة الله
•
أخي الكريم، وصلني كتابك الكريم، ولم يزل منذ وصوله في مكتبي نصب عيني ولم أتمكن من الرد عليه عاجلا كما طلبت، لأن المسألة التي طلبت الفتوى فيها عظيمة
093 (1/593)
صفحة 594
الأهمية تتطلب البحث الطويل والتنقيب في أمهات كتب الفقه والحديث للعثور على مستندات صحيحة للفتوى، ولأول مرة وُجّة إلى سؤال فيها ولها حتى من غير الوجهة الشرعية خطر كبير لأنها تمس شعور أولياء الموتى الذين يراد نبش قبورهم وجمع رفاتهم أو دوسها وبعثرتها، وعامة الناس يرون أن ذلك هتكا لحرمات مقدسة، وقد استقر في أذهانهم أن الميت مالك لقبره إلى سبع أرضين، مع أننا نعترف بأنه قد تحدث بل قد حدثت فعلا في بعض الجهات ضرورة تدعو إلى إعادة النظر وإنعامه لإيجاد مخرج من هذا المضيق. ولم آل أيها الصديق جهدا في البحث فيما بين يدي من مراجع - ثم استنجدت بالأخ الكريم الأستاذ الجليل الشيخ بكلي عبد الرحمن بن عمر الذي يملك مجموعة مجلدات المنار فكتبت إليه إلى بلدة بريان وطلبت منه أن يستقصي البحث في أبواب الفتاوي من تلك المجلدات فأرسل إلي حفظه الله بالفتوى التي تجدونها في ملحق هذا الكتاب مضافا إليها ما عثرت عليه من مؤلفات قطب الأئمة الشيخ اطفيش رحمه الله: وفاء الضمانة، وشرح النيل، وشامل الأصل والفرع، ذلك يلقي ضوءا على المسألة كاشفا ينير
ومجموع
السبيل أمامكم.
وآسف أن لم يكن في متناول يدي الموسوعات الهامة من كتب إخواننا المشارقة العمانيين كبيان الشرع وقاموس (1/594)
صفحة 595
الشريعة والتاج والمنهاج .... فما أظن أنها على سعتها تخلو من تعرض لهذه القضية. وفي مكتبة الشيخ الطفيش والشيخ الحاج صالح بن عمر نسخ منها إلا أن الحصول عليها أو الذهاب إليها لبحثها متعسر علي. ولقد قرأت منذ سنوات فتوى بخط يد الشيخ محمد بابا عمرو مفتي السادة المالكية بعاصمة الجزائر (وهو لا يزال على قيد الحياة يفتي فيها الجماعة من مالكية غرداية بجواز اكتساح مقبرة إسلامية واتخاذ مكانها ملعبا للرياضة. وصرح في الفتوى بأن عندهم أعني المالكية أن حرمة القبور أربعون عاما وبعدها يجوز نزعها والانتفاع بالمكان. وقد زرته في مكتبه بالجامع الكبير بالجزائر بعد قراءة فتواه وناقشته فيها بمحضر جمع من
الإخوان فأقر الفتوى وقال إنها صحيح مذهب المالكية. وبعد، فليست المسألة مسألة أصول عقائدية بل هي فرع عملي من الفروع الشرعية وليس فيها نص قطعي يجب الوقوف عنده وتحرم مخالفته، فالأمر فيها إذا موسع غير
مضيق. ومرده إلى إمام المسلمين أو جماعة المسلمين (1/595)
صفحة 596
فتوى
صاحب المنار في نبش المقابر وجعلها للمصلحة العامة
(المنار: مجلد 14 ص:32)
وتعليق الشيخ بيوض عليها
المشهور في كتب الفقه أن المقابر المسبلة يحرم البناء فيها سواء أكان المبني قبة أم بيتا أم مسجدا ويجب هدمه. قال ابن حجر الهيثمي: حتى قبة إمامنا الشافعي التي بناها بعض الملوك. وينبغي لكل أحد هدم ذلك ما لم يخش منه مفسدة فيتعين الرفع للإمام. وقال إنه لا يجوز زرع شيء فيها لأنه لا يجوز الانتفاع بها بغير الدفن. قال الشمس الرملي: وقد أفتى جماعة من العلماء بهدم ما بني فيها
ويظهر حمله على ما إذا عرف حاله في الوضع فإن جهل ترك حملا على وضعه بحق كما في الكنائس التي نقرّ أهل الذمة عليها في بلدنا وجهلنا حالها. وكما في البناء الموجود على حافة الأنهار والشوارع وصرح في المجموعة بحرمة البناء في المسبلة، قال الأذرعي: ويقرب إلحاق الموات بها لأن فيه تضييقا على المسلمين بما لا مصلحة ولا غرض شرعي فيه، بخلاف الإحياء. انتهى. وتأمل تقييده الحرمة بالتضييق بما لا مصلحة فيه. وهل يعمل بمفهومه من أنه إذا كانت هنالك مصلحة عامة وامتنع التضييق باستبدال تلك (1/596)
صفحة 597
المقبرة بغيرها فإنه يجوز؟ وأما نبش القبور: فإن كان قبل البلى حرم إلا لضرورة وعدَّ الفقهاء منها الدفن بغير غسل أو في أرض مغصوبة أو ثياب مغصوبة أو لغير القبلة أو وقع في القبر مال وغير ذلك. قال الرملي في النهاية: أما بعد البلى عند من مرَّ أي أهل الخبرة بتلك الأرض) فلا يحرم النبش بل
تحرم عمارته وتسوية التراب عليه إذا كان في مقبرة مسبلة لامتناع الناس من الدفن فيه لظنهم عدم البلى. وقد قال الشعراني في الميزان الكبرى: واتفقوا على أنه لا يجوز حفر قبر الميت ليدفن عنده آخر إلا إذا مضى على الميت زمن رميما فيجوز حينئذ، وكان عمر بن ويصير
مثله يبلى في عبد العزيز يقول: إذا مضى على الميت حول فازرعوا
الموضع. انتهى
والشافعية صرحوا بمنع زراعة المقبرة المسيلة والموقوفة كالبناء عليها وتشريف القبور فيها لأن ذلك يمنع من الانتفاع، وفي كتاب (كشف القناع عن متن الإقناع من كتب الحنابلة المعتبرة أن البناء على القبر مكروه، وفي المسبلة أشد كراهة، وعن الإمام أحمد منعه في وقف عام، ثم قال ما نصه: (وإذا صار الميت (رميما جازت الزراعة وحرثه) أي موضع الدفن (وغير ذلك) كالبناء عليه. قال أبو المعالي: (والمراد) أي بقول أبي المعالي تجوز الزراعة والحرث ونحوهما إذا صار رميما إذا لم يخالف شرط الواقف
597 (1/597)
صفحة 598
لتعيينه (الجهة بأن عين الأرض للدفن فلا يجوز حرثها ولا
غرسها. انتهى المراد منه. ثم ذكر جواز نبش قبور المشركين ليتخذ مكانها مسجدا لأن موضع مسجد النبيء صلى الله كان مقبرة لهم فاشترى الأرض وأمر بنبشها وجعلها مسجدا، وكذا إذا كان فيها مال. وعبر في (المنتهى) من كتبهم بقوله (ويباح نبش قبر حربي لمصلحة أو لمال فيه) هذا ما رأيت أن أورده من كلام الفقهاء والمذاهب فيه متقاربة ولا أذكر نصا صريحا عندهم في الواقعة. وقد رأيت ما ذكره بعضهم من المصلحة وجمهورهم على أن المقبرة الموقوفة أو المسبلة ليس لأحد أن يتصرف فيها بغير الدفن حتى أنهم منعوا أن يحفر الإنسان فيها قبرا لنفسه أو لغيره من الأحياء ليدفن فيه عند الموت، ومن الفقهاء من يرى ى أنه يجوز التصرف في الوقت بالاستبدال وبما هو أقرب إلى مقصد الواقف. والتصرف في المسلة أهون. وروي عن الإمام أحمد جواز استبدال مسجد بمسجد للمصلحة واحتج بأن عمر أبدل مسجد الكوفة القديم بمسجد آخر، وصار الأول سوقا، وجوز أن يباع ويبنى بثمنه غيره للمصلحة، ولو في مكان أو بلد آخر. أما الكتاب فلا ذكر فيه لهذه المسألة والسنة كذلك. إلا ورد فيها مما يتعلق بالمسألة حديث بناء مسجد النبي في مكان كان مقبرة. وتقدمت الإشارة إلى
أنه
598 (1/598)
صفحة 599
ذلك
في كلام الفقهاء وحديث جابر عند البخاري والنسائي قال: «دفن مع أبي رجل فلم تطب نفسي حتى أخرجته فجعلته في قبر على حدة (1) قال بعض العلماء: وفيه دليل على أنه يجوز نبش الميت لأمر يتعلق بالحي. أي على رأي من يعد فعل الصحابي حجة وهو خلاف ما عليه الجمهور، ولو كان لهم عناية بالاحتجاج لهذه المسألة لقالوا: إن هذا العمل مما لا يخفى وقد أقره الصحابة
عليه فكان إجماعا، وكم قالوا مثل ذلك والذي أراه ان هذه المسألة كسائر المسائل التي لا نص فيها عن الشارع ترد إلى أولي الأمر من المسلمين وهم رؤوس الناس وأصحاب العلم والمكانة فيهم فيتشاورون فيها ويقرون ما يرون فيه المصلحة للمسلمين فإذا رأوا المصلحة في استبدال مقبرة بأخرى استبدلوا. ولهم أن ينقلوا حينئذ رمم الموتى، ويدفنوها في المقبرة الجديدة وإلا فلا. وأما إذا أكرهتهم الحكومة على ذلك فالأمر ظاهر أنهم يكونون معذورين. انتهت الفتوى المنقولة عن المنار.
1 - رواه أبو داود في باب تحويل الميت من موضعه للأمر يحدث من كتاب الجنائز ولفظه: عن جابر قال: دفن أبي مع رجل فكان في نفسي من ذلك حاجة فأخرجته بعد ستة أشهر فما أنكرت منه إلا شعيرات كن في لحيته مما يلي الارض.
599 (1/599)
صفحة 600
قال الشيخ اطفيش - رحمه الله ـ في وفاء الضمانة
ج 1 ص 313): (وأما معاوية فنبش قبور شهداء أحد لإجراء عين ولم ينكر عليه الصحابة إما خوفا وإما لأنه لا يقبل عنهم. وروي عن جابر بن عبد الله أنه نبش أباه من قبر دفن فيه مع رجل وأبقى الرجل، وهما من شهداء أحد، قيل ولم ينكر عليه الصحابة. . .) انتهى
وقال في شرح النيل (ج 1 ص 719): (وفي أثر أصحابنا تعزل عظام الميت ناحية ويقبر فيه آخر) وقال في شامل الأصل والفرع: ج 1 ص: 274 (وإن كان في قبر عظام ميت عزلت ناحية وقبر فيه ولا بأس بذلك إن وسع) قال صاحب النيل الشيخ عبد العزيز رحمه الله: (وعندي أن ذلك إذا لم يوجد غيره لأن الأول قد ملك محله) انتهى
•
سؤال: كانت بواسطة المدينة ازوارة) مقبرة قديمة
أزالتها الحكومة وبنت في أرضها مباني من ضمنها مركزا ثقافيا للمحاضرات والمطالعات ويضطر بعض الموظفين والعمال والزوار للصلاة فيه إذا أدركهم وقتها، فهل تجوز الصلاة فيه؟ وهل يجوز بناء مسجد مكان مقبرة؟
الجواب: لقبور المسلمين حرمة فلا تنبش ولا تزال لغير ضرورة، ولا يجلس عليها ولا يصلى عليها كذلك، ويرى بعض أئمة المسلمين أن هذه الحرمة حرمة دائمة مستمرة، ويقولون: حرمة القبر إلى سبع سموات وإلى سبع (1/600)
صفحة 601
أراضين، بينما يرى أئمة آخرون أن حرمة القبر أربعون سنة يجوز بعدها استئصاله والانتفاع بأرضه لغرس أو بناء أو نحو ذلك. والمسألة فرعية فقهية يجوز فيها الخلاف فلا تفسيق فيها ولا تضليل، وبهذا تعلمون جواب الشق الثاني من سؤالكم، وهو بناء مسجد مكان مقبرة فإذا دعت الضرورة إلى ذلك فلا بأس به عند بعض الأئمة ولا يكون بذلك خارجا عن دائرة الشرع وإذا استؤصلت المقبرة بعامل إنساني أو طبيعي ثم بنيت فيها مساجد أو مدارس أو مساكن جاز الانتفاع بها وصحت الصلاة فيها. هذا ما من الله به في الجواب، وأرجو أن لا يكون بعيدا عن الصواب.
سؤال: وصلتني رسالتكم تطلبون فيها الفتوى في جواز نقل مقبرتكم من مكانها الحالي إلى مكان آخر حيث طلبت الحكومة منكم ذلك لاحتياجها إلى مكان المقبرة الحالية. الجواب: أرجو أن تسألوا عن هذه المسألة الشيخ بكلي عبد الرحمن العلامة الجليل في بلدة بريان فهو الذي يستطيع أن يجيبكم بحكم الشرع في المسألة أما أنا فإنني مريض طريح الفراش لا أستطيع أن أصدر فتوى مع هذه الحالة إلا أنني أقول لكم إنه في حال الاختيار ممنوع نبش القبور ونقلها من مكان إلى مكان في المذهب الإباضي، وأما المذهب المالكي فيجوز ذلك إذا اقتضته الضرورة بشرط أن يمر على المدفون فيها أربعون عاما فإن حرمة القبر عندهم (1/601)
صفحة 602
أربعون عاما بحيث يكون المدفون في تلك المدة قد بلي ورمت عظامه وأصبح كله فتانا رميما يجوز نقلها وجمعها في مكان وإعادة الدفن فيه أو البناء عليه. فإذا سمحت لكم الحكومة فاتركوا كل شيء على ما كان عليه وإذا أجبرتكم وأرغمتكم ولم تقبل منكم عذرا فاقبلوا الأرض التي عوضتكم لتتخذوها مقبرة جديدة وأعطوها القديمة كما طلبت ودعوها تفعل فيها ما تشاء فإنه لا حول لكم ولا طول ولكن لا تباشروا نبش القبور بأنفسكم فالمسؤول عن ذلك عند الله هو القائم به من أولى القوة والسلطان، والقضية من أصلها ليست من أصول الدين الضرورية وهي خلافية بين المذاهب فلا يكون عليكم حرج عند الله إن شاء الله تعالى
سؤال: هل يحل للمسلم أن يجعل على قبر الميت شاهدا يكتب عليه اسم الميت وتاريخ وفاته؟ وهل يجوز للمسلم أن ينزع ذلك الشاهد بدون إذن صاحبه الذي وضعه؟ وذكرت أن مثل هذا حدث لك إذ وضعت شاهدا على قبر زوجك مكتوبا عليه اسمه وتاريخ وفاته ثم وجدته بعد بضعة أشهر منزوعا مُهَشِّما ولم تعلمي الفاعل لذلك
الجواب: إننا لا نستطيع أن نقول إن وضع مثل هذا الشاهد على القبر حرام لا يحل إتيانه وإنما نقول إنه مكروه لأن النبيء نهى عن تسنيم القبور وتجصيصها والكتابة
602 (1/602)
صفحة 603
عليها وأمر ألا يرفع القبر على الأرض إلا بمقدار قليل يعلم أنه قبر فلا يجلس عليه ولا يوطأ بالأقدام ولا يوضع عليه شيء احتراما لصاحبه المدفون فيه، ويجوز اتخاذ أي وضع علامة عند رأسه لا عليها ليعرف بها كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبر الصحابي الجليل عثمان بن مظعون رضي الله عنه ولكن بدون كتابة، وقد سلك سلفنا الصالح هذه السنة النبوية فتركوا قبور أوليائهم غفلا ليس عليها جص ولا رخام ولا كتابة وكرهوا أن يحدث في مقابرهم ما يخالف ذلك، ووضع مثل هذه الشواهد الرخامية المنقوش عليها اسم الميت وتاريخ وفاته فيه من الشهرة ما نهت الشريعة عنه وفيه بذل مال وإسراف، والناس مولعون بالتقليد والتنافس، فإذا فتح هذا الباب أضر بالناس ضررا كبيرا حتى يصبح العاجز منهم عن إقامة مثل هذا الشاهد عرضة للسخرية والاستهزاء، فالأولى إذا تركه واتباع طريقة السلف في ذلك، ومثل هذه الكتابة مأخوذ عن
الأجانب ذليك لا نقول بجواز اقتلاع مثل هذا فإننا ومع الشاهد بغير إذن صاحبه ونرى أن على من ساءه ذلك أن يرشد صاحبه إلى أن الأصلح والأحسن اقتلاع مثل هذا الشاهد وإبطال هذه البدعة حتى يتم ذلك بعلم صاحبه
ورضاه
هذا ما من الله به في الجواب والسلام عليكم.
603 (1/603)
صفحة 604
سؤال: ما حكم الدعاء في المقابر؟
الجواب: إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم: ادعوني أستجب لكم (1) ويقول: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (2) فشرط الاستجابة إنما هو استجابة الداعي لله بطاعته في أمره ونهيه ثم إخلاصه في دعائه وليس مكان أولى من مكان بالدعاء فيه إلا بيوت الله، والمقابر كغيرها من سائر الأماكن في ذلك إلا إن كان الداعي خاشع القلب برؤيته القبور التي تذكره بالموت والبعث ولقاء الله. وإنما الذي يشرع في زيارة القبور هو التسليم على أصحابها المؤمنين والدعاء لهم ثم لجميع المؤمنين
هذا ما من الله به في الجواب. وفي هذا جواب لسؤالك: هل يسمع الميت السلام ويرد عليه؟ فإن النبيء لا الله و سلم ودعا وأمر بذلك فلنتبع سنته ولا نتكلف شيئا وراء ذلك والأمر غيب وعلم الغيب عند الله
وحده
سؤال: ما الفائدة من زيارة المقابر؟ وهل حقا أن
الدعاء في مقابر المشايخ والصالحين مجاب؟
1 - الآية 60 من سورة غافر
2 - الآية 186 من سورة البقرة
604 (1/604)
صفحة 605
الجواب: إن زيارة مقابر المسلمين أمر مشروع عمل
صلى الله
به النبيء وأمر به وقال: «إنها تذكر الآخرة» (1) وكان الله إذا زار قبور المسلمين سلم على أهل القبور ودعا لهم بالخير ودعا لنفسه وللمؤمنين، وما كان يقرأ عليها قرآنا يقول الشيخ السالمي - رحمه الله ـ في جوهر النظام:
والمصطفى قد زارها وما قرا
إلا سلاما ودعا وأدبرا
فلهذا الغرض النبيل والقصد الصحيح من تذكر الآخرة والاعتبار بمشاهد القبور تشرع زبارتها والتسليم على أهلها والدعاء لهم ولجميع المؤمنين ويرجي القبول والاستجابة من المولى الكريم الرحمن الرحيم، ألحقنا الله وإياكم بعباده الصالحين، والسلام عليكم ورحمة الله.
هذا ما الله به في الجواب وأرجو أن أكون موفقا فيه من إلى قول الحق والصواب
1 ـ هذا معنى جزء من حديث رواه مسلم في باب استئذان النبيء ل ربه عز وجل في زيارة قبر أمه من كتاب الجنائز وجاء في آخره: فزوروا القبور فإنها تذكر الموت.
ورواه ابو داود في باب زيارة القبور من كتاب الجنائز بلفظ: فزوروا القبور فإنها تذكر بالموت. وفي حديث آخر: فزوروها فإن في زيارتها
تذكرة. (1/605)
صفحة 606
في الصلاة على تارك الصلاة ومرتكب الكبائر والفواحش
سؤال: هل تجوز الصلاة على تارك الصلاة وشارب الخمر ونحوهما من مرتكبي كبائر الإثم والفواحش والمراد صلاة الجنازة؟
الجواب: إن الصلاة على موتى الموحدين وهم أهل - لا إله إلا الله محمد رسول الله - واجبة وفرض كفاية
عامة
كغسلهم وتكفينهم ودفنهم ولكن لا يستحسن أن يتولى ذلك المنظور إليهم من أهل الحل والعقد من جماعة المسلمين في البلد كالعزابة في بلادنا ويتولى ذلك غيرهم من الناس. فيقال لأهل الميت إذا طلبوا من جماعة المسلمين التي تقوم عادة بتجهيز الموتى تجهيز ميتهم. «تولوا أمر صاحبكم» أو «صلوا على صاحبكم» (1) كما كان النبي صلى الله عليه وسلم
يقول في شأن بعض الموتى إذا طلب منه الصلاة عليهم وذلك تربية وتأديب للناس وزجر لهم عن ارتكاب الفواحش والإصرار عليها مما يحرمهم من صلاة من ترجى بركة دعائه
وصلاته عليه، والصلاة على الميت دعاء له وترحم عليه
1 - رواه البخاري في الباب الثالث من كتاب الحوالة.
606 (1/606)
صفحة 607
سؤال: ما رأيكم في حمل الجنازة الرمزية؟ الجواب: إننا لم نفهم معنى حمل الجنازة الرمزية، والذي نعلمه من حكم الشريعة في أمثال هؤلاء من المؤمنين الذين يموتون بعيدا أنه يجوز لمن لم يشهد جنائزهم أن يصلي عليهم صلاة جنازة حيثما كان،
العظماء
وتسمى - صلاة الغائب - وقد صلاها رسول الله بالمدينة المنورة على النجاشي ملك الحبشة المسلم الذي توفي بالحبشة ودفن بها وما بلغنا ولا سمعنا أنه تضنع جنازة رمزية يصلى عليها، بل يصطف المصلون مستقبلين القبلة ويؤمهم واحد منهم بأربع تكبيرات كما هو معروف، ولا
شيء أمامهم.
سؤال: ما هي حال الموتى في البرزخ، هل يمكنهم
أن يجتمعوا؟
الجواب: أحوال الموتى من أمور الغيب المطلق التي علمها عند الله وحده، وفي القرآن الكريم قل لا يعلم من في السموات والارض الغيب إلا الله) (1) فلا نعلم شيئا عن اجتماعهم أو افتراقهم في البرزخ لكن الله يخبرنا عن حالهم بعد البعث ومن ذلك قوله في شأن المؤمنين:
1 - الآية 65 من سورة النمل
607 (1/607)
صفحة 608
إخوانا على سرر متقابلين} (1) فاشتغلوا بما يعنيكم
ودعوا ما لا يفيدكم.
سنن الفطرة والزينة واللباس
حلق اللحية:
سؤال: سألتني أيها الأخ الكريم عن حكم حلق اللحية
E
في الشريعة الإسلامية وعن قول الشيخ محمد شلتوت في فتاواه إن (حلق اللحية من العادات التي ينبغي أن ينزل المرء فيها على استحسان البيئة. . .)
الجواب: يقول الشيخ شلتوت في أول فتواه ما نصه: (تكلم الفقهاء على حلق اللحية فرأى بعضهم أنه محرم ورأى آخرون أنه مكروه ومنهم من شدد فوصفه بأنه من المنكرات وبأنه سفه وضلالة أو فسق وجهالة، ونحن لا نشك أن إبقاءها وعدم حلقها كان شأن النبيء وأنه كان يأخذ من
صلى الله
علي وسه
أطرافها وأعلاها بما يحسنها ويجعلها متناسبة مع تقاسيم وجهه الشريف، وأنه كان يعنى بتنظيفها وتخليلها بالماء عملا على كمال النظافة وكان الأصحاب رضوان الله عليهم يتابعونه في
كل ما يختاره ويسير عليه في مظهره وهيئته حتى مشيته
انتهى النص
1 - الآية 47 من سورة الحجر
608 (1/608)
صفحة 609
ولا يخفى على كل من له إلمام بكتب السنة الصحيحة المعتمدة في استنباط الأحكام بعد كتاب الله عند فقهاء المسلمين ما صح عن النبيء له من أمره بإعفاء اللحية
صلى الل
وتوفيرها مما لا دَاعِي إلى إيراده هنا لشهرته، كما لا يخفى أن ذلك كان شأن النبيء الذي كان أسبق الناس إلى إتيان كل ما يأمر به، ما تخلّى عنه ولا تركه حتى لقي ربه، وكان ذلك شأن الصحابة رضوان الله عليهم وشأن التابعين وتابعيهم من أئمة الإسلام الى عهد قريب، يتبين هذا أن إعفاء اللحية وتوفيرها وتكريمها بالتعهد من
بالتنظيف سنة عملية صحيحة مؤكدة بسنة قولية صحيحة
متمثلة
في
الأمر الصريح بذلك، مؤكدة بعد ذلك بإجماع
المسلمين عليها في خير القرون، قولا وعملا، فمن ذا الذي يجرؤ بعد ذلك على القول بإباحة حلقها، فالحق الذي لا مرية فيه أن إعفاءها وتركها طاعة لرسول الله وطاعة لله تبارك وتعالى لقوله عز وجل (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) (1) ولقوله سبحانه من يطع الرسول فقد أطاع الله (2)
1 - الآية 59 من سورة النساء
2 - الآية 80 من سورة النساء
609 (1/609)
صفحة 610
وأن إعفاءها وتوفيرها اتباع لرسول الله الذي لا تتحقق محبة الله إلا باتباعه لقوله تبارك وتعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) (1) وأن إعفاءها وتوفيرها تأس بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تبارك وتعالى: صلى الله لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا (2) وأن إعفاءها وتوفيرها أمر من أمور النبي الله وأمر من أوامره، وأن أمره الا الله من أمر الله، وقد قال الله تبارك وتعالى
أمره
لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا، قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (3) فسواء علينا أقلنا إن الضمير في يعود إلى الرسول الله كما هو المتبادر والذي يؤيده السياق، أم قلنا إنه يعود إلى الله تبارك وتعالى فإن المآل واحد لأن أمر رسول الله هو أمر الله، فالوعيد موجه إلى من يخالف عن أمره. فحلق اللحية إذا معلوم بالضرورة أنه ترك طاعة لله لطاعة رسول الله التي هي
اتباع الرسول الله، وعدم
الذي هو شرط للمحبة المتبادلة بين الله وعباده، وترك
1 - الآية 31 من سورة آل عمران
2 - الآية 21 من سورة الاحزاب
3 - الآية 63 من سورة النور
71. (1/610)
صفحة 611
اختياري للتأسي بالأسوة الحسنة التي وضعها الله تبارك
الطاعة
وتعالى لعباده المؤمنين الذين يرجون الله واليوم الآخر ويذكرون الله كثيرا في شخص الرسول الكريم صلوات الله عليه وسلامه ومخالفة عن أمره وعن أمر ربه التي يتوعد الله عليها بالفتنة والعذاب الأليم، فأي شيء يكون عدم وعدم الاتباع وترك التأسي ومخالفة الأمر إلا أن يكون معصية ظاهرة معلنة لا شك فيها؟ ومن ذا الذي يجرؤ على إنكار تسمية ذلك معصية أو عصيانا الا أن تُسَل المعاني الحقيقية من الألفاظ اللغوية الصريحة، أو تسلخ هذه الألفاظ عن معانيها، وإذا لكانت اللغة فوضى لا نظام لها ولا قانون
فتزول الثقة بكل كلام حتى كلام الله تبارك وتعالى. نعم ليست لنا الصلاحية ولا القدرة على تصنيف المعاصي وترتيب درجاتها من الفاحشة إلى الكبيرة إلى السيئة كما يصفها الله في كتابه الكريم فإن ذلك أمر من أمر الله! أما أن لا تكون هذه الخلة أعنى حلق اللحية معصية لله ولرسوله فهذا ما لا يقول به مؤمن عاقل يحترم نفسه ويدري
ما يقول
أماما يقوله الشيخ شلتوت في آخر فتواه ونصه بالحرف الواحد: والحق أن أمر اللباس والهيئات الشخصية ومنها حلق العادات التي ينبغي أن ينزل المرء فيها على
اللحية من
استحسان البيئة فمن درجت بيئته على استحسان شيء منها
611 (1/611)
صفحة 612
كان عليه أن يساير بيئته وكان خروجه عما ألف الناس فيها شذوذا عن البيئة والله الموفق للسداد) انتهى. فإننا نرى أن الشيخ شلتوت على تقديرنا واحترامنا له لمقامه وعلمه لم يوفق إلى السداد في كلامه هذا، ونحن لا نرد على كلامه هذا، ولا تعلق عليه بما يدحضه ونترك هذه المهمة للشيخ شلتوت نفسه، ونفسح له المجال فيرد الشيخ شلتوت على الشيخ شلتوت
لقد سئل الشيخ شلتوت عن حكم صبغ الشعر فأجاب بفتوى نشرت في كتاب فتاواه والذي نشرت فيه فتوى حلق اللحية، الذي تولت نشره دار القلم بالقاهرة، قال في فتواه هذه صفحة 389 - 390 تحت عنوان (حرص النبيء على تميز
المسلمين والعنوان له، ما نصه بالحرف كان النبيء شديد الحرص على تميز المسلمين عن غيرهم في شخصيتهم الظاهرة وبذلك يحتفظون بتميزهم في شخصيتهم الباطنة، فلا تقترب العقائد من العقائد ولا الأخلاق من الأخلاق ولا التقاليد من التقاليد، ذلك أن التشابه في الأمور الظاهرة سبيل المساوقة النفوس للتشابه في الأمور الباطنة، ومن نرى المسلمين الذين تكثر معاشرتهم للأجانب أضعف اهتماما بأمور الدين من غيرهم، ونرى غير المسلمين الذين يكثرون من معاشرة المسلمين أقرب إلى احترام المسلمين واحترام
دينهم من غيرهم، هذا وجه.
ذلك
612 (1/612)
صفحة 613
ووجه
ه آخر أن المشابهة في الظاهر تحدث أُلفة ومودة، ومن ذلك نرى الرجلين إذا اجتمعا في بلد غريب وكانا من بلد واحد تقوى بينهم الألفة وإن لم يكونا مؤتلفين في بلديهما، وكذلك نرى الألفة تربط بين الرجلين متى كان بينهما مشابهة ولو في العمامة أو الثياب أو الشعر. ويعرف كل ذلك الشرقيون المحافظون على زيهم الشرقي إذا تلاقوا في بلد غربي لأهله زي غير زيهم. ومن هنا كان النبيء وهو في الدور الأول لتكوين أمته ولمساكنيهم في المدينة عادات خاصة عُرفوا بها، كان يأمر أصحابه بمخالفة غيرهم في كثير من الشؤون الظاهرة احتفاظا بتميز الشخصية التي يرتبط بها كثير من الأحكام كإعفاء اللحية وقص الشارب والصلاة في النعال وقيام الإمام في المحراب، وغير
ذلك مما نرى تعليل الأمر به والإرشاد إليه بكلمة «خالفوهم»)
هذا نص كلامه بالحرف الواحد وقد بر وصدق ووفق فيه إلى أبعد حدود التوفيق، وما نرى أن بأحد ما حاجة إلى فضل بيان ومزيد شرح للحكمة العظمى في تمييز شخصية المسلمين التي حرص عليها النبي هذا الحرص الملح الشديد:، بعد هذا البيان الرائع الذي دبجته يراعة الشيخ محمد شلتوت وإن في ذلك لدليلا قاطعا وبرهانا ساطعا على أن المسلمين مطالبون بل مأمورون بخلق شخصية لهم تميزهم
عمن عداهم ممن لم يكن على دينهم يعرفهم بها الناس
613 (1/613)
صفحة 614
ويعرف بها بعضهم بعضا، وتكون شارة لهم وسيماء يمتازون بها عن غيرهم في كل زمان ومكان. وما ينبغي لهم أن يأخذوه في مقومات شخصيتهم وسمتهم وهيئتهم الذاتية الظاهرة أساليب غيرهم من مخالفيهم، وإن كان لهم أو عليهم أن يأخذوا عن غيرهم العلوم الدنيوية النافعة والصناعات المفيدة وأساليب التعمير ووسائل القوة ونظم إدارة شؤون الدولة ونحو ذلك مما تقتضيه طبيعة تأسيس الدول ومواجهتها لجميع التحديات الممكنة والمتوقعة من خصومها، أما هيئة أفراد الأمة الإسلامية وسمتهم وهديهم في ذواتهم فما كان ينبغي أن يؤخذ إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن خلق الله وأجملهم وأفضلهم هديا وسمتا. قد يمكن بعض الترخص في أمر اللباس فلا يضيق على الناس في شأنه ما دام ساترا
للعورات محافظا على الحشمة والوقار. فإن اللباس يتبدل مادة وكيفية ويتغير بتغير الزمان والمكان والمجتمعات، وحتى في زمن النبيء لم يكن اللباس متحدا ولم تكن له هئة خاصة يلتزم الناس بها ولم يصح عن النبي علم أنه أمر المسلمين بلباس خاص بل تركهم على ما اعتادوه من لباسهم، إلا ما تنكشف به العورات فإنه ينهى عنه ويشدد الإنكار عليه، وإلا ما أمر الله تبارك وتعالى به في قوله عز وجل خذوا زينتكم عند كل مسجد) (1)
1 - الآية 31 من سورة الاعراف
614 (1/614)
صفحة 615
من لبس أحسن الثياب وأكرمها عند زيارة الله تبارك وتعالى
بيوته، وبهذا يتبين الفرق الكبير بين ما يتعلق بالذات أي بالبدن كاللحية والشارب، وبين اللباس والثياب من حيث إن البدن بكل أجزائه واحد في كل زمان وكل مكان
وكل بيئة بينما الثياب واللباس في تبدل مستمر. ومن هنا وردت أوامر ونواه مشددة عن النبيء ما فيما
يتعلق بسياسة البدن وذلك ما يعبر عنه بخصال الفطرة، ولم يرد عنه شيء فيما يتعلق بأمر اللباس كما تقدم، لأنه يعلم أن ذلك مما يتغير بتغير الأزمنة والأمكنة، وهذا كما أطلق الأمر في شؤون الدنيا حيث يقول: «أنتم أعلم بشؤون
(1)
دنياكم فلا يلز إذا في قرن حلق اللحية وتوفير الشارب مع لبس السراويل الطويلة أو القبعة، فقول الشيخ شلتوت (والحق أن أمر اللباس والهيئات الشخصية ومنها حلق اللحية من العادات التي ينبغي أن ينزل المرء فيها على استحسان البيئة، فمن درجت بيئته على استحسان شيء منها كان عليه أن يساير بيئته وكان خروجه عما ألف الناس فيها شذوذا عن البيئة مجانف للصواب. فالفرق كبير جدا بين ما يتعلق
1 - هذا معنى جزء من حديث رواه ابن ماجة في الباب الخامس عشر من ابواب الرهون جاء فيه قوله إن كان شيئا من أمر دنياكم فشأنكم به وإن كان من أمور دينكم فإلي. ورواه احمد في صفحة 298 من المجلد الخامس بلفظ جاء فيه: إن كان أمر دنياكم فشأنكم وإن كان أمر دينكم فإلي.
615 (1/615)
صفحة 616
من وصايا
بالبدن وما يتعلق بالثياب ولا أدل على ذلك النبيء الا الله وأوامره ونواهيه في أمر البدن، وإطلاقه الأمر وسكوته في شأن اللباس.
إن البيئة الإسلامية قد تبلورت وتكونت وأخذت
صورتها الخاصة وشخصيتها الممتازة في زمن النبيء واستقرت على ذلك طوال ثلاثة عشر قرنا أو تزيد، فما يكون لمسلم أو لجماعة مسلمة أن تنسلخ منها، فإذا فعلت فقد عصت الله ورسوله، وإذا انسلخت جماعة منها وكونت لنفسها من بدعتها ما سمته بيئة، فإن المسلم المؤمن المتحري لدينه لا يجوز له أن يتبعها في ذلك، بل عليه أن يعمل جاهداً لرد هؤلاء المتمردين عن دينهم المنحرفين عن السبيل
السوي إلى الصراط المستقيم
نعم يجوز لمن اعتنق الإسلام وهو في بيئة تحلق اللحى وتلبس القبعة والبدلة المعروفة - البدلة الأوروبية - أن يستمر
على لباس بيئته غير حمل الصليب وشد الزنار لكنه لا يجوز له مطلقا أن يحلق لحيته ولا أن يوفر شاربه بل يجب عليه عند اعتناقه للإسلام أن يوفر لحيته وأن يقص شاربه أو يحلقه، ولا يعذر أبدا في المخالفة اتباعا لبيئته في هذا الأمر الذي يتعلق ببدنه، كما يتمثل أمر الرسول في بقية خصال الفطرة وكلها تتعلق بالبدن، وبذلك يميز شخصيته الإسلامية عن بقية أبناء جنسه ويحقق إسلامه وهو حر فيما
??? (1/616)
صفحة 617
وراء ذلك من هيئات اللباس، ولا شك أنه إذا غير لباسه إلى هيئة من هيئات المسلمين تحقيقا لتعلقه بالإسلام وإظهارا له بين قومه وشروعا في خلق بيئة إسلامية وسط مجتمعه يأوي إليها من عسى أن يهديه الله إلى الإسلام مثله فحسنا يفعل. وهكذا أمر الرسول؟ المسلمين أن يكونوا لأنفسهم بيئة
خاصة ممتازة بهيئتهم وسمتهم وهديهم الظاهرية، زيادة على عقيدتهم الصحيحة وقولهم الصادق وعملهم الصالح، فالنبيء حريص كل الحرص على أن يمتاز المسلمون عن صلى الله غيرهم ببواطنهم وظواهرهم ولا أدل على ذلك من تعليله أمره ونهيه في هذا الباب بقوله «خالفوهم».
قد يقول قائل: إن رهبان النصارى وأحبار اليهود
يوفرون لحاهم، وإذا فعلينا نحن أن نحلقها عملا بقوله «خالفوهم» (1) والجواب أن هذا خطأ في الفهم يقع فيه من لا يعلم الوضع الذي كانت عليه بيئات اليهود والنصارى والمجوس يومئذ، وهل كانت عامتهم تقلد في هيئتها رجال الدين؟ وهل كان النبيء يجهل حالهم في ذلك؟ الحق أن الأحبار والرهبان وسائر رجال الدين كانوا يوفرون
1 - روى مسلم في باب خمس من الفطرة من كتاب الطهارة بسنده عن ابن عمر قال قال رسول من خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأعفو اللحى. وروى فيه أيضا حديثا عن أبي هريرة: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جزوا الشوارب وأرخو اللحى خالفوا المجوس
617 (1/617)
صفحة 618
لحاهم منذ أقدم العصور وأن النبيء لا يعلم ذلك منهم ولا يجهله، ولكن هؤلاء قليلو العدد يلزمون غالبا كنائهم وبيعهم وأديرتهم لا يخالطون عامتهم إلا قليلا في بيوت العبادة عند ممارسة طقوسهم الدينية مع من يغشاها. ورجال الدين هولاء هم قلة في كل زمان ومكان مع انزوائهم في معابدهم لا يكونون بيئة ولا يتصل بهم المسلمون إلا نادرا وببعض أفراد قليلين لكن عامتهم الكثيرة العدد المنتشرة في كل مكان والتي يحتك بها المسلمون ويخالطونها ويتعاملون معها هم الذين يكونون البيئة العامة التي يتأثر بها معاشروهم ويخشى النبيء لله على المسلمين من سريان عدواهم وهم يحلقون لحاهم خلافا لأحبارهم ورهبانهم كما هي حالهم اليوم تماما، فلا خشية أبدا لا اليوم ولا قبل اليوم من تأثر الناس بهيئات الأحبار والرهبان، وإنما الخوف كل الخوف من تأثر
الناس بمعاشريهم من اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار. هذا وجه وهناك وجه آخر لا بد من ملاحظته واعتباره عند تفهم قول النبيء «خالفوهم» والتفقه فيه وإدراك حقيقة المراد به فإنه من غير الممكن أن يكون المراد به مطلق المخالفة في كل ما سبقوا إليه أو كانوا عليه فقد يكونون على شيء مما يوافق الفطرة السليمة وتستحسنه العقول
الصحيحة ولا يكون مبعثه الهوى ولا يخالف هدي رسل الله مثلها نحن بصدده من توفير الأخبار والرهبان للحاهم، فإن
<
618 (1/618)
صفحة 619
مثل هذا مما لا يأمر الرسول بمخالفته، فليست المخالفة
مطلوبة لذاتها حتى تعم كل شيء حسنا كان أو قبيحا، مشروعا كان أو غير مشروع. فلقد قدم النبيء له المدينة
ووجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسئلوا عن ذلك فقالوا: (هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، فنحن نصومه فقال عليه السلام: «نحن أولى بموسى منكم (1) فأمر بصيامه مع سبق اليهود إليه، ولم ير بذلك بأسا ولم يأمر بمخالفتهم فيه، فإنما الأمر بالمخالفة كان لحكمة عظيمة هي التي شرحها الشيخ شلتوت فيما تقدم مما نقلناه عنه، وذلك لا يكون إلا في أشياء مخصوصة معينة، أعلمُ الناس بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، الاعتراض إذا بتوفير الأحبار والرهبان للحاهم ولا يدخل هذا تحت أمر النبيء بالمخالفة، كما لا تدخل أشياء كثيرة أخرى سكت عنها النبيء ولم يأمر بالمخالفة فيها
، فلا
وبعد، فإن اعتبار توفير اللحية وحلقها مجرد
•
عادة
يصح
من
العادات كهيئة اللباس ينزل فيها المرء على استحسان البيئة، مخالفة صريحة صارخة لأمر النبيء بتوفيرها وإعفائها
1 - رواه مسلم في باب صيام عاشوارء من كتاب الصوم.
ورواه البخاري في الكتاب التاسع والستين من كتاب الصوم من حديث جاء
فيه: فأنا أحق بموسى منكم وأمر بصيامه.
619 (1/619)
صفحة 620
وقص الشارب أو حلقه وهذه المخالفة معصية من غير شك فعلى من ابتلي بها أن يقلع عنها ويتوب إلى الله ويستغفره والله غفور رحيم، وعليه أن لا يمعن في خطئه باستحلال ذلك. فإن أمر الإستحلال كبير، واستحلال المعصية أكبر عند الله من مزاولة المعصية مع الاعتراف بأنها معصية. فإن هذا يأمل في التوبة وترجى له المغفرة، وأما المستحل فإنه لا يرى أنه ارتكب شيئا تجب التوبة منه، فيلقى ربه مصرا على ذنبه، وفي ذلك الخطر العظيم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
سؤال: ما حكم الشرع الحنيف في الشارب واللحية الجواب: أما جز الشارب وإعفاء اللحية أعني تركها على حالها لا تُحفى ولا يُنقص منها فقد ثبت الأمر به عن النبي الله في جميع كتب الحديث المعتبرة كصحيح إمامنا الربيع بن حبيب - رحمه الله - وصحيح البخاري وصحيح مسلم واكثر كتب السنة (1). وذهب أصحابنا إلى أن الأمر للوجوب
1 - روى الربيع في أدب المؤمن في نفسه: حديثا بنده وهو برقم: 718 من صحيحه جاء فيه: عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله من أمر بإحفاء
الشارب وإعفاء اللحى وروى مسلم في باب خمس من الفطرة من كتاب الطهارة عن ابن عمر عن النبيء لله قال: أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى وروى البخاري في الباب الرابع والستين من كتاب اللباس بسنده عن ابن
عمر عن النبيء قال: خالفوا المشركين ووفروا اللحى وأحفوا الشوارب.
620 (1/620)
صفحة 621
ولا سيما وقد علل بمخالفة المشركين الذين يحفون لحاهم
فعله
وعليه فإن إعفاء اللحية أو القص منها محرم شرعا ومن وذكروا عن النبي أنه كان يأخذ من عرض لحيته
عص
فرخصوا فيه، وعرض اللحية جانباها من وراء الخدين، وأما الطول وهو من اللحيين فسافلا، فإنه لا يجوز الأخذ
منه أبدا
زيادة:
يجوز حلق اللحية لضرورة محققة كقروح ودماميل في أصول الشعر يتعذر شفاؤها إلا بحلقه مثلا، وليس من
الضرورة في شيء كون إنسان موظفا في ديوان من دواوين الحكومة أو مستخدما في شركة أجنبية ـ مثلا - فما رأيناهم يطردون ذوي اللحية من العمل إن كانوا له أهلا. وفيهم أنفسهم من يوفر لحيته وهو موظف في مقام عال. وليست اللحية بمزرية لصاحبها، وإنما ذلك وسواس الشياطين من الجن والإنس، فاحذروا الوسواس الحناس واستعيذوا بالله من شره. والسلام عليكم ورحمة الله
وحكى الشيخ إسماعيل وغيره عن بعض العلماء الترخيص في النقص من طولها إذا كان فاحشا جدا تشوهت به الخلقة، وقدره بما زاد على قبضة صاحبه، إذا قبض على
الشعر تحت عظم اللحية
621 (1/621)
صفحة 622
لكن الشيخ السالمي ضعف هذا القول في جوهر النظام وجعله شبيها بالباطل. فأولى إذا التنزه عن جميع ذلك لما
فيه من الحوطة والسلامة
سؤال: ما قولكم فى حلق اللحية أهو مكروه أم
حرام؟
الجواب: حلق اللحية عندنا حرام، وهو لازم قول المالكية بوجوب إعفائها كما ثبتت به الأحاديث. أما سرد الأحاديث الواردة في ذلك فيتعذر الآن. ويكفي أن نقول إنها في صحيح الربيع، وصحيح البخاري وصحيح مسلم (1) وكتب السنن كلها، تصفح أي كتاب من كتب السنة تجد فيه حديث الأمر بحلق الشارب وإعفاء اللحية، والأمر عندنا وعند المالكية للوجوب في المسألة
سؤال: سألت عن اللحية وما يجوز أن يصنع بها؟ وهل يجب أن يترك كل ما نبت فيها من شعر من غير أن ينقص منه شيء؟ أم يجوز تزينها؟ هذا بعد أن تعهدت
أنت
بعدم مسها مطلقا
حتى
آذتك لغزارة شعرك وخشونته؟
الجواب: إن حلق اللحية غير جائز شرعا لنهي
النبي الله عنه والعملها والعمل جميع الصحابة رضي الله
1 - تقدمت بعض هذه الأحاديث.
622 (1/622)
صفحة 623
عنهم ولاتفاق جميع أئمة السلف من التابعين وتابعيهم على ذلك قولا وعملا، لكن ما نبت على الخدين وما نبت على الذقن تحت عظم اللحية ليس من اللحية، فينبغي لك أن تحلق جميع ما تحت ذقنك من شعر ـ أعني ـ تحت عظم اللحية ثم تحلق ما على خديك ثم تقص شاربك ثم تمشط لحيتك ثم إذا طالت إلى حد يشوه الخلقة فخذ منها وسوها. أو كما عبرت في كتابك (أتحفها) فإنك بذلك تكون جميل الصورة بهي المنظر لك وجه مسلم حنيف، وأرجو أن لا تؤذيك مطلقا. إذا صنعت بها ما ذكرت لك. وإذا صنعت بها هذا كل أسبوع مرة فإنك تصبح غيورا عليها مكرما لها. وقد كان يأخذ من عرض لحيته ويقول: «من كانت له شعرة فليكرمها (1)
وإن من الله بلقائك أريتك كيف تصنع بها. وبعد فمعذرة إن تأخرت عن الجواب إلى اليوم. فإن للضرورات أحكاما، حفظك الله وسلمك للداعي لك بالهداية والتوفيق.
سؤال: يتضمن كتابك السؤال عن حكم حلق اللحية في الإسلام وعن تقصيرها والأخذ منها، وعن صبغ الشعر
1 - رواه أبو داود في باب إصلاح الشعر من كتاب الترجيل ولفظه: من
كان له شعر فليكرمه.
623 (1/623)
صفحة 624
بالخضاب الأسود وعن لبس البانطلون والقميص، وعن حسر الرأس ولبس الأحذية الملتفة على الرجل، حسب تعبيرك. الجواب: أخي الكريم، أما حلق اللحية فإن النهي عنه والأمر بإعفائها وتوفيرها ثابت شرعا يقينا بالنصوص الصريحة الصحيحة عند عامة أصحاب الحديث فحلقها معصية لمخالفتها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو من أمر الله من يطع الرسول فقد أطاع الله (1) بيد أننا لا نعلم على وجه التحقيق أين نضع معصية حلق اللحية في دركات المعاصي التي هي الفواحش والكبائر والسيئات التي يجمعها لفظ العصيان وتندرج كلها تحت كلمة (معصية) فهل هي من السيئات التي تغفر باجتناب الكبائر؟ الله أعلم. ويظهر أنها أكبر من ذلك، وأما التقصير فإذا كان خفيفا بالأخذ قليلا من عرضها أوطولها تزيينا لها وإزالة لشينها بالطول والعرض المفرطين فإننا لا نرى لذلك بأسا، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم على جمال خلقته - كان يأخذ من عرضها ويقول: «من كانت له شعرة فليكرمها (2) ونرى أن من تكريمها تدويرها والقص القليل للشعر الذي يطول حتي يكون كالذوائب يمتد يمينا وشمالا فقطع هذه الأطراف الزائدة إكرام
للحية وتزيين للخلقة
1 - الآية 80 من سورة النساء.
2 - تقدم قريبا.
624 (1/624)
صفحة 625
وأما صبغ الشعر إذا ابيض وتغييره بمثل الحناء والكتم فمأمور به شرعا، أما السواد فقد ورد النهي عنه ويرى كثير من العلماء أن النهي عنه تكريم وتنزيه لا تحريم وأما البنطلون والقميص وغيرهما من أنواع اللباس المستحدث فإنه لا حجر شرعا في اللباس إلا فيما تنكشف به العورة أو لا تسترها لرقته حتى يبدو اللحم من ورائه فإن هذا حرام بالإجماع وبنصوص الكتاب والسنة، وأما الذي يصف العورات وينم عنها لشدة ضيقه فإن كثيرا من العلماء ينهى عنه، ولا نرى في ذلك معصية، والأمر فيه راجع
للعرف والعادة
•
وكذلك حسر الرأس إذ لم يرد فيه أثر صحيح، فالأمر فيه متروك للعرف والعادة كذلك
وأما الأحذية الملتفة على الرجل كما تقول فإن العرب والمسلمين في صدر الإسلام كانوا يلبسون الخفاف والجوارب، وهي كلها تغطي السوق فلا مانع فيها ولا حجر عليها مطلقا. هذا ما من الله به في الجواب، وأرجو أن لا
يخرج عن الصواب ..
سؤال: ما حكم اللباس الفرنجي؟
الجواب: يجوز لك أن تلبس في وقت الخدمة
الم
والعمل كل ما يناسب الخدمة ما لم يكن فيه كشف العورة
625 (1/625)
صفحة 626
وأما في غير وقت العمل فلا ينبغي لك أن تلبس ما يصف
العورات بضيقه
سؤال: ما حكم حلق اللحية؟
الجواب: حلق اللحى منهي عنه اتفاقا بالنص الصريح عن النبيء له في جميع كتب السنة المعتبرة. والأمر
بتوفير واعفائها نهى عن حلقها كما لا يخفى
سؤال: هل يجوز في الشرع توفير شعر الرأس؟ الجواب: وأما توفير شعر الرأس فلم يبلغنا عن النبيء ما نهي، إلا أن يكون في بعض الأمكنة وبعض الأعصر سيرة المشركين أو الفسقة، فمن فعله تشبها بهم أو تزلفا إليهم فقد عصى بنيته وقصده، وليست الحكمة في ذلك بخافية عن اللبيب
سؤال: ما رأي الشرع في الرجل يتختم بخاتم من
ذهب؟
الجواب: التزين بالذهب مطلقا كيفما كانت صورته محرم على رجال الأمة اتفاقا لصحة الأثر عن المعصوم عالي فالمتحلي به عاص إلا ما روي عن بعض الفقهاء والمحدثين من ترخيص في التختم خاصة، بيد أنه ضعيف لا يعول عليه فالزموا الجادة وإياكم وبنيات الطريق.
626 (1/626)
صفحة 627
سؤال: ما دليل مشروعية فرق شعر الرأس للرجل
والمرأة؟
الجواب: إن الدليل الشرعي هو ما روي عن ابن عباس في قوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن (1) قال: ابتلاه الله بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد، في الرأس قص الشارب والمضضة والاستنشاق وفرق الشعر والسواك. وفي الجسد تقليم الأظافر وحلق العانة والاختتان ونتف الإبط وغسل مكان البول والغائط بالماء وقد صحح هذا القول القرطبي، وروي فيه
حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشدد في ذلك أصحابنا
•
هذا ما من الله به في الجواب
في الختان
سؤال: وجدت في بعض كتب الحديث «الختان سنة للرجال مكرمة للنساء (2) فهل تختن البنت؟ وهل وقع ذلك
في القديم؟
الجواب: نعم إن هذا فالختان للرجال سنة صحيح
واجبة ولا يقبل من البالغ الأقلف صرف ولا عدل ما لم
1 - الآية 124 من سورة البقرة.
2 - رواه احمد عن أسامة الهذلي.
انظر الصفحة 75 من المجلد الخامس من مسنده طبع المكتب الإسلامي.
627 (1/627)
صفحة 628
يختتن إلا في حالات الضرورة. وهو للنساء مكرمة، وقد وقع ويقع كثيرا في القديم والحديث. وأهل هذا الفن أدرى
بالجزء الذي يقتطع في ختان البنت
•
سؤال: هل من جناح على المرأة إن صففت شعرها ونسقته على الشكل الذي يرغب فيه زوجها؟
المرأة
الجواب: لم نجد في الشريعة الإسلامية ما يمنع من أن تصفف شعرها وتنسقه أو تظفره بالشكل الذي يرغب فيه زوجها. ونجد النهي عن القص أو الحلق إلا إذا نبت الشعر حيث يشينها كالوجه مثلا
سؤال: ما حكم القرط الذي تتخذه المرأة للزينة؟ وإذا كان المحظور هو ثقب الأذن، فهل يجوز لمن ثقبت
أذنه بعد أن يستعمل القرط؟
الجواب: إن اتخاذ الأقراط في الآذان وثقبها لذلك لزينة النساء والصبيان من الذكور أمر شائع الاستعمال منذ أقدم العصور، وشاع استعماله كذلك عند المسلمين في سائر الأعصار والأمصار، ولا يراد بثقب الأذن تشويه الخلقة ولا المكر بمن ثقبت أذنه وإنما المراد تزيينه ولذا لم ير جمهور العلماء فيه بأسا، وإن قال بعض إن من فعل ذلك وجب عليه أرش جرحه إلا أن يعفو عنه بعد بلوغه، ونحن
بصبي
628 (1/628)
صفحة 629
مع الجمهور في هذا فلا حرج ولا إثم ولا أرش. اللهم إلا أن ينشأ عن ذلك ضرر كبير فتطلب المحالله فيه، أما التحلي
بالأقراط فلا خلاف في جوازه فيما نعلم.
سؤال: ما حكم الشريعة في التعطر بالروائح التي فيها شيء من الكحول؟
الجواب: إن هذه الروائح العطرية طيبة طاهرة لا نجاسة فيها فيباح التعطر بها، وإن ما فيها من كحول لا ينجسها فإنه في أصله طاهر غير نجس، إنما يحرم تناوله
للإسكار والفرق بين الحرمة والنجاسة ظاهر للعيان، فليس
كل ما حرم تناوله طعاما أو شرابا أو سعوطا نجسة مادته
•
سؤال: رجل طلب من زوجته أن تقص شعرها
وتلتقط الشعر من حواجبها فرفضت الزوجة وقالت إن ذلك
حرام لا أفعله، وهو يسأل هل ذلك حقا كما
قالت امرأته؟
محرم
الجواب: نعم إن ذلك حرام كما قالت الزوجة وقد ثبت عن النبيء الا الله ولعن من فعل ذلك من النساء (1) إلا الضرورة مثل أن يكثر شعر حواجبها ويطول حتى تتشوه
1 - يشير الى قوله: لعن الله الواشمة والمتوثة والواصلة
والمستوصلة. . . الحديث
انظر الحديث (975) من الجامع الصحيح الربيع بن حبيب.
629 (1/629)
صفحة 630
خلقتها فيجوز لها حينئذ التخفيف منه بقدر الضرورة. هذا
ما من الله به في الجواب
•
إصلاح المرأة لشعرها مطلوب مؤكد شرعا وذلك بمشطه وفرقة إلى ظفيرتين أو أكثر لئلا يتشعث، ويرى بعض العلماء أن صلاتها باطلة إنلم تفرق شعرها. هذا ما من الله به
في الجواب.
•
سؤال: ما حكم لبس الشعر الاصطناعي؟
الجواب: إنه منهي عنه شرعا في الحديث الصحيح لما فيه من الغش والخداع، إلا إذا لبسته الزوجة للتزين به في بيتها فإنه لا بأس به أما إذا كان لغير ذلك فإنه لا يجوز وخاصة إذا كانت غير متزوجة لأنها تخدع الخاطبين بهذا
الشعر المزور. والسلام.
في العلاج
سؤال: هل يجوز التداوي بشرب دم بعض الحيوانات
إذا أشار به الطبيب؟
الجواب: إن أكل الدم أو شربه في حال الاختيار ولغير ضرورة حرام قطعا بنص القرآن الكريم، كغيره من المحرمات المنصوص عليها، وأما عند الاضطرار للتنجية من
630 (1/630)
صفحة 631
الهلاك بأي صورة كانت، فإنه جائز ولا حرج فيه فالله تبارك وتعالى يقول: فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) (1)
سؤال: هل دم الإنسان في ذلك كدم غيره من
الحيوانات؟
الجواب: لقد شاع اليوم في جميع بلاد الدنيا إنقاذ المصابين من الناس بنقص الدم المؤدي إلى الهلاك بتطعيمهم بدماء أناس آخرين وظهرت فائدة ذلك، وأثره في الإنقاذ من الهلاك بصورة لم يبق معها أي ريب. وقد أفتى بجواز ذلك
علماء كثيرون من المسلمين في الشرق والغرب، مستندين
على
أدلة
معتبرة، فما نرى من ذلك من بأس.
سؤال: هل يجوز للإنسان أن ينقل شيئا من دمه من عضو الى عضو آخر للاستشفاء بإرشاد الطبيب إلى ذلك؟ الجواب: نعم يجوز ذلك ولا حرج فيه إذا اقتضى نظر الحكيم أنه وسيلة للشفاء المطلوب، كما يجوز نقل الدم من
شخص إلى آخر لإنقاذه من الهلاك كما يجري به العمل في
جميع المستشفيات
•
1 - الآية 173 من سورة البقرة.
631 (1/631)
صفحة 632
سؤال: هل يجوز تلقيح إنسان بدم إنسان آخر عند
الضرورة؟
الجواب: إن إنقاذ حياة الإنسان بدم أخيه الإنسان جائز لا مانع فيه، ولا فرق مطلقا بين دم المسلم ودم غير المسلم، هذا ما من الله به في الجواب ونرجو من الله تبارك وتعالى أن يكون عين الصواب، والحمد لله أولا وأخيرا.
سؤال: ما حكم الشرع في نقل الدم من إنسان إلى آخر في حالة الضرورة لإنقاذه من الخطر؟
الجواب: إننا لا نرى من بأس فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) (1) وقد جرى العمل بهذا في جميع بلاد الإسلام في العصر الحاضر، وأجازه العلماء.
سؤال: ما حكم الشريعة الإسلامية في تطعيم المرضى بالدم الإنساني؟
الجواب: قد حكم الله تبارك وتعالى في أمر المضطرين فقال في كتابه الكريم بعد ذكر المحرمات: فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه والدم من المحرمات قطعا سواء كان من إنسان أو من حيوان فلا يجوز
1 - الآية 173 من سورة البقرة.
632 (1/632)
صفحة 633
مطلقا تناوله في حالة الاختيار، أما إن اضطر المريض بأن كان تطعيمه بالدم الوسيلة الوحيدة لإنقاذ حياته فإن ذلك جائز بحكم الله تبارك وتعالى كما تدل عليه صريح الآيات الواردة في ذلك وعمومها، وما بعد حكم الله لأحد من حكم
ولا قول ولا رأي.
سؤال: ما حكم الأدوية التي يدخل فيها أي في تركيبها دم أو خمر أو عصير لحم لم يذبحه المسلمون؟ الجواب: إذا كان دهنا أو ضادا أو نحو ذلك، فلا بأس مع استحسان تجنبه لمن وجد ما يغنيه عنه من غيره، وأما إن كان أكلا وشربا فلا يجوز إلا لضرورة التنجية
فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه)
سؤال: إذا طعمت امرأة بدم إنسان فهل لذلك التطعيم
حكم الرضاع؟
الجواب: ليس التطعيم بالدم رضاعا لا شرعا ولا لغة ولا عرفا
فلا يترتب شيء من أحكام الرضاع مطلقا. فلا يحرم به
نكاح ولا يحلّ به إبداء زينة ولا انكشاف
•
هذا ما من الله به في الجواب. وأرجو أن يكون هو
الصواب والسلام عليك ورحمة الله.
سؤال: هل يجوز تناول أقراص (كوريدران) الذي
يتركب من 99 من مواد نباتية و%1 من مادة كحولية؟
633 (1/633)
صفحة 634
الجواب: إننا لا نرى بأسا في تناولها عند الاضطرار
إليها، ولا يضر هذا الجزء الوحيد المئوي من المادة الكحولية لاستحالته، كما أجاز العلماء استعمال الطرطال وتناوله وهو من رواسب الكحول الجافة
هذا ما من الله به في الجواب وأرجو أن يوافق الصواب.
سؤال: هل يجوز اتخاذ أسنان أونحوها من ذهب؟
الجواب: يجوز اتخاذ سن أو ضرس أو أنف أو نحوها من الذهب فضلا عما كان سلك يشد به أسنانه أو يخيط به جرحا، وليس ذلك بمحرم إنما المحرم التحلي أعني التزين به على الرجل لا اتخاذه لضرروة كمسألتكم.
سؤال: هل يجوز اتخاذ أسنان من ذهب؟
الجواب: يجوز اتخاذ أسنان وشد المضطرب منها بأسلاك الذهب وتغطية المسوس منها أو المنكسر بغطاء ذهب أو أي معدن آخر صالح لذلك بشرط أن تدعو لذلك ضرورة أو حاجة غير التزين ولا يضر ذلك صلاة ولا صياما فإنما المنهي عنه هو التحلي أعني التزين بالذهب والحرير وهما محرمان على الرجال. وأما استعمالها في معالجة أمراض فلا بأس به. وأولى الأعضاء الجسمية بالعناية والعلاج الأسنان والأضراس فإن تسوسها وضعفها وسقوطها تحدث أمراضا في الجسم كبيرة مزمنة فأصلحوها ولا تصغوا للمانعين
634 (1/634)
صفحة 635
فليس لديهم من حجة ولا برهان. والسلام عليكم ورحمة
الله وبركاته
•
سؤال: هل يجوز للرجال اتخاذ أسنان من الذهب؟
الجواب: يجوز للرجل اتخاذ أسنان من ذهب إذا كان مضطرا إليها أعني أن لا يريد بذلك الزينة فقط وإنما يعوض به أسنانه الطبيعية التي فقدها، لا حرج في ذلك ولا إثم بل الأحسن والأولى لمن اضطر لتعويض أسنانه المفقودة أن يتخذها من ذهب لأنه لا يصدأ ولا تتغير به رائحة الفم «وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابيا قطعت أنفه فاتخذ أنفا فضة فصدئ وتغيرت رائحته أن يتخذ أنفا من من ذهب ففعل (1) الحاصل أن النهي عن استعمال الرجال للذهب إنما إذا كان للتزين، وأما إذا كان لضرورة مثل حالك فلا بأس بذلك
سؤال: إنك أصبت بضرر في عينك، وإن طبيك قال لك لا تمكن إزالته إلا بإجراء عملية جراحية ووضع قطعة جلد من عين ميت في عينك، فهل يجوز ذلك؟
1 - رواه أبو داود في الباب السابع من أبواب الخاتم بلفظ قريب منه ورواه الترمذي في الباب الحادي والثلاثين من أبواب اللباس، ورواه النسائي في
الباب الحادي والأربعين من كتاب الزينة.
635 (1/635)
صفحة 636
الجواب: إننا لا نرى في ذلك من بأس إن شاء الله
والله بعباده رؤوف رحيم وفقد البصر كبير وعظيم فأقدم على
الأمر شفاك الله، والسلام عليك ورحمة الله
سؤال: هل يجوز استبدال قرنية العين بقرنية شخص آخر توفي حديثا؟
الجواب: والله أعلم - إنني لا أعلم وجها لتحريم هذا مع ما فيه من رد البصر إلى الحي الأعمى، أو الذي كاد أن يعمى إذا كان الشخص المتوفى الذي نزعت قرنيته هو الذي أذن قبل وفاته بنزعها بعد وفاته لإنقاذ بصر إنسان ـ كما يفعل بعض الناس اليوم يوصون بنزع ما يمكن أن ينتفع به الأحياء من أجزاء أجسامهم - فهو شبيه بنقل الدم وبنقل بعض أجزاء يتبرع بها الأحياء كالكلى مثلا. مع أن القاعدة الشرعية تقول: إن كل ما قطع من حي فهو ميت.
سوال: تلفت عيني فأبدلتها بعين زجاجية فقيل لي إن ذلك حرام؟ فهل هذا صحيح؟ أفتني يرحمكم الله؟
الجواب: من الغريب أن يُمنع من اتخاذ عين زجاج
بدل العين الذاهبة من غير نص ولا موجب للتحريم والمعدن طاهر نقي وقد نراه واجبا لمن خيف بوارها من البنات إذ
636 (1/636)
صفحة 637
تعذر صونها إلا به ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون) (1) وإن كان لهذا المانع نص صريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فليباه ويومئذ تقطع جهيزة كل قول.
سؤال: إنسان مرضت زوجته فاضطر إلى عرضها على طبيب لفحصها ولا يوجد طبيب ذو محرم منها فهل يجوز عرضها على طبيب أجنبي؟
الجواب: نعم يجوز له ذلك ولا حرج عليه ولا إثم.
سؤال: إذا أمر الطبيب باستعمال حقن (بيكور) فهل يجوز أن يستعمل الحقن للمرأة رجل أجنبي
الجواب: نعم يجوز ذلك إذا تعذر وجود محرم يقوم بذلك ولا تكشف المرأة من جسمها إلا موضع الحقنة وما
تلجئ الضرورة إليه مما حوله
سؤال: هل على المرأة التي ألجأتها ضرورة إلى فحص
الطبيب ومعالجته لها توبة أو كفارة؟
الجواب: ليس عليها توبة ولا كفارة فإنها غير مذنبة
في ذلك ما دامت مقتصرة في ذلك على القدر الضروري من
مرات الفحص ومن مواضع الكشف في الجسم.
1 - الآية 116 من سورة النحل
637 (1/637)
صفحة 638
في الآفات الاجتماعية والتنصل من التبعات
سؤال: رجل ابتلي بالإدمان على بعض كبائر الاثم والفواحش، وكان كلما نزلت به محنة شديدة وخاف عاقبة
أمره قطع العهد على نفسه لله ونذر أن لا يعود قط إن أنجاه
الله منها لكنه لاتكاد تنجلي محنته وينجو منها حتى يتردى في فواحشه ويعود إلى شر مما كان عليه، وتكرر منه هذا العهد لربه ثم نقضه بعد ذلك نحوا من عشرين مرة وقد تاب اليوم توبة نصوحا وهو يسأل عن المخرج والتنصل من تبعات تلك العهود والفواحش؟
الجواب: من قطع العهد لله على نفسه أن يفعل شيئا أو لا يفعله، بأن قال مثلا: علي عهد الله أن أفعل كذا أو لا أفعله أو نحو ذلك ثم نقض عهده فإن عليه كفارة مغلظة، عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا علي التخيير. وليست كفارته مخففة ككفارة اليمين المرسلة، فإن أدى الكفارة ثم قطع عهدا آخر ونقضه فعليه كذلك كفارة أخرى مغلظة، لكنه إذا تكرر العهد والنقض منه مرارا في قضية واحدة ولم يؤد الكفارة بين المرة والأخرى ـ كما في مسألتنا هذه التي تكرر العهد والنقض فيها عشرين مرة ـ من غير تكفير بينها، فإن لفقهاء المسلمين فيها قولين: القول
638 (1/638)
صفحة 639
بوجوب كفارة على كل مرة مهما كثر عددها والقول الآخر: إن عليه كفارة واحدة على جميع ما تقدم وهذا الذي نختاره ونفتي به تيسيرا على الأمة وتخفيفا على التائبين، وتشجيعا لهم على التوبة والإنابة إلى الله، هذا فيما يتعلق بالعهد ونقضه وأما الكبائر التي ارتكبها فإن عليه لتمام توبته وصحتها أن يؤدي عن كل نوع منها كفارة مغلظة واحدة، ومن كمال توبته أن يتصدق على الفقراء والمساكين بمثل ما أنفقه في المحرمات، ثم إن كان الزني ببالغ عاقل مختار غير مكره فليس على الزاني للمزني به شيء مطلقا، وإن كان المزني به صبيا مختارا أو مكرها أو كان بالغا ولكنه مکره مجبور غير مختار ذكرا كان أو أنثى فإن عليه لذلك المكره أو ذلك الصبي ولو غير مكره ما يسمى في الفقه الإسلامي بالعقر وهو عشر الدية للبكر ونصف العشر للثيب والذكر.
سؤال: رجل انحرف عن الصراط السوي فأطلق لنفسه وشهوته العنان فلم يترك كبيرة إلا ارتكبها سرقة وزنى ولواطا وشرب خمر وترك صلاة وأكل رمضان وزنى فيه. . . وقد عزم على التوبة الآن فما ذا عليه؟
الجواب: الواجب الأول هو استشعار الندم والتحسر على ما فرط منه والتوبة النصوح المتمثلة في العزم الصارم على عدم العودة إلى شيء مما كان فيه وكثرة البكاء والتضرع
639 (1/639)
صفحة 640
من
وطلب المغفرة من الله تبارك وتعالى ثم عليه في المعاصي التي بينه وبين ربه ولا يتعلق بها حق لمخلوق كالزني وشرب الخمر واللواط التوبة النصوح وكفارة مغلظة لكل نوع تلك المعاصي فقط. إلا إذا كان زنى أو لواطا بفتاة أو غير بالغين أو كان ذلك بإكراه مع بالغ فإن عليه زيادة صبي على الكفارة ما يسمى في الفقه الإسلامي بالعقر وهو عشر الدية للمفعول به، ذلك إذا كان مجبورا أو غير بالغ كما مر، وأما الصلاة فلا بد بعد التوبة من قضائها، ولا يضيق عليه أن يعتكف للقضاء في بيته أو في المسجد أياما وليالي. وإنما عليه ـ أعني - يرخص له أن يقضي كل يوم ما استطاع من فوائت الصلاة كأن يقضي قبل كل صلاة حاضرة أو بعدها صلاة أو صلاتين أو أكثر من ذلك كل حتى يأتي عليها يوم مع أداء كفارة مغلظة تكفي عن جميع ما مضى. وأما رمضان فإن عليه فرضا محتوما قضاءه. أعني قضاء الرمضانات جميع التي أكلها أو هتك حرمتها بزنى فيها أو حتى بمباشرة زوجته في نهارها وعليه كفارة مغلظة مؤكدة أشد تأكيد في الشريعة الإسلامية من كفارة الصلاة. فعليه أن التي ضيعها ويصوم، أعني يقضي صيام كل شهر منها متتابعا، وإذا كان عاجزا عن متابعة الصيام فإنه يجوز له أن يقضيه متفرقا مثل أن يصوم يومين،، أوثلاثة أيام أو أربعة من كل أسبوع حتى يأتي على عدد الشهور التي عليه، فتبرأ
يحصي جميع رمضاناته
640 (1/640)
صفحة 641
ذمته والله غفور رحيم، والسر كل السر إنما هو في صدق التوبة ونصحها واستشعار الحسرة والندم الصادقين على ما فات وكثرة البكاء والتضرع والاستغفار والتكثير من أعمال البر والطاعة والخير حتى تثقل موازينه. فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون) (1)
سؤال: شاب أطلق العنان لنفسه في ارتكاب المعاصي
سنين عديدة بحيث لم يترك كبيرة ولا صغيرة ولا فاحشة ظاهرة وباطنة إلا ارتكبها ـ حسب تعبيرك - ثم تاب وندم وأقلع عن المعاصي كلها؟
الصلاة
الجواب: أما إن كان قد ترك فرائض الله من والصيام فإن عليه قضاء ما ضيع من ذلك صلاة أو صوما، ولا تصح توبته بدون قضاء وعليه كفارة مغلظة وأما المعاصي الأخرى من كبيرة أو صغيرة فإنما عليه التوبة والندم والاستغفار فقط إن كانت فيما بينه وبين الله. وإن كانت ظلم مخلوق في عرض أو بدن أو مال فلا بد من والتخلص من التبعة، وإن كانت المعصية زني بصبي بالغ ذكرا أو أنثى أو بإكراه بالغ جبرا، فإن عليه لمن فعل به
المحاللة
غير
ذلك العقر وهو عشر الدية، وليكثر من الحسنات والتطوعات بالذكر والعبادة والصلاة والصيام تقربا إلى الله حتى تكون
مكفرة له وليُؤَد بعض كفارات مغلظات ومرسلات.
1 - الآية 103 من سورة المؤمنون
??? (1/641)
صفحة 642
سؤال: عامل في متجر سرق من حين لآخر من مال صاحب المتجر فينفق ذلك على حاجاته وملذاته، فماذا عليه اليوم وقد تاب؟
الجواب: عليه التوبة النصوح المتمثلة في الندم على
اللبن إلى الضرع. ثم عليه أن
ما بدر منه، والعزم على عدم العودة إلى مثله، كما لا يعود ما سرق أو يقدره يحصي جميع إن لم يستطع إحصاءه فيرده إلى صاحبه إن كان حيا أو الى ورثته إن كان ميتا وليس عليه أن يذكر له ولا لهم أن ذلك
من سرقة بل يحتال في التعبير حتى لا يفضح نفسه، وإن استطاع أن يدخل ذلك في مال المسروق منه أو مال ورثته بدون شعورهم سترا لنفسه فله ذلك وينجو إن شاء الله بينه وبين خالقه، وليس عليه وراء ذلك شيء آخر، لا كفارة ولا
غيرها.
سؤال: شخص سرق مقدارا من المال من شخص آخر ثم ندم وتاب وأراد أن يتخلص من تبعته برد المال إلى صاحبه الذي لا يعلم بهذه السرقة لكنه يخاف من حدوث فتنة إذا
صرح بسرقته فكيف يصنع؟
الجواب: إذا غلب على ظنه حدوث فتنة فإنه يجزيه أن يحتال لإدخال ذلك المقدار من المال المسروق في مال المسروق منه بحيث تطمئن نفسه أنه قد دخل في وسط ماله
642 (1/642)
صفحة 643
فإذا فعل ذلك برئت ذمته من تبعة المال ولا يبقى عليه إلا أن يتوب من معصيته والله غفور رحيم
سؤال: عامل في متاجر متعددة سرق من مستأجريه، منهم من مات ومنهم من لا يزال على قيد الحياة، فماذا
عليه؟
الجواب: على هذا أن يستغفر الله ويندم ويتحسر على ما فات ويتوب توبة نصوحا، وعليه أن يحصي أو يقدر ماسرق من كل منهم فيرده إليه أو إلى ورثته.
سؤال: هل يجزي الظالم في محاللة مظلومه منحه ما لا من غير ذكر مظلمته؟
الجواب: إن السؤال عام والمظالم مختلفة تختلف أحكامها، فهناك مظلمة المال ومظلمة البدن ومظلمة العرض فأما مظلمة المال فإنها في الغالب تكون معروفة المقدار فالظالم يعرف مقدار ما سرقه أو غصبه أو أفسده من مال المظلوم وإن لم يكن يعرف المقدار على وجه التحقيق فإنه يمكنه أن يقدر ذلك ويحتاط في التقدير. وهذا يمكنه أن يدخل ذلك في مال المظلوم بأي وجه من الوجوه وبأية طريقة أمكنته بحيث يتحقق أن ذلك المال قد اندمج في مال المظلوم فتبرأ ذمته منه، ولا يضيق عليه أن يخبره بذلك
643 (1/643)
صفحة 644
وخاصة إذا خاف أن تثور فتنة أو فساد بالإخبار والله غفور رحيم. وأما مظلمة البدن فإن الغالب فيها أن يكون الظالم معروفا للمظلوم فإذا كان كذلك فلا عذر للظالم في عدم محاللة المظلوم بإعطائه أرش جرحه أو بدون ذلك جهرا و علنا حيث لا موجب للتستر والتخفي بل يجب عليه أن يخبر بتوبته من علم بمعصيته بظلمه، وإن كان غير معروف لدى المظلوم كما إذا تعدى عليه في جوف ليل مظلم مثلا فإنه لا خلاف في أن الأولى له أن يخبر المظلوم ويظهر له توبته وندمه ويطلب منه الحل مع إعطائه أرش مظلمته أو بدونه، ولكنه إذا خاف وقوع فتنة أو فساد بإخباره جاز له - إن شاء الله - أن يقدر الأرش ويدخله في مال المظلوم مع المبالغة في الإحسان إليه والبرّ به بمختلف وجوه البر والإحسان. والتوبة إلى الله شرط أساسي في ذلك، وأما مظلمة العرض فإنها - فيما نرى - أشد أنواع المظالم إذ كشفها لمن ستر الله عليه يثير من الفتن والفساد في الأرض ما قد تتضاءل معه معصيته الأولى، فإن لم يخف هذا فلا يبرئه إلا المحاللة العلنية المباشرة وإن خاف ذلك حقا فإن عليه التوبة والندم والاستغفار وعليه إصلاح ما نشأ من فساد بسبب مظلمته في العرض كأن يكون قذفه أو بهته عند قوم فيجب عليه تكذيب نفسه عندهم ويبرئه مما اتهمه به عند من بلغه قذفه وبهتانه، ثم عليه المبالغة في الإحسان والبر بالمظلوم ما
TEE (1/644)
صفحة 645
استطاع إلى ذلك سبيلا. على أن بعض صور مظالم العرض قد تنجبر بالمال فعليه إذا إدخال ذلك المال في مال المظلوم، وهذا ما لا يتأتى فيه حكم عام، وإنما يحكم فيه في القضايا الجزئية العارضة كل بحسبها لاختلاف صورها.
سؤال: كيف يتنصل من المال الحرام؟
الجواب: حكم الشريعة الإسلامية في المال الحرام الذي دخل يد إنسان من غير طريق شرعي كغصب وسرقة وخيانة وربا إذا تاب من ذنبه أن يتنصل منه برده إلى صاحبه إن كان يعرفه وأمكنه التوصل إليه أو إلى ورثته، وإلا تصدق به على الفقراء والمساكين، ويقول الفقهاء في ذلك المال الحرام سبيله الفقراء)
هذا ما نعلمه في حكم المال الحرام ولا نعلم شيئا وراء ذلك. والله أعلم.
سؤال: توفي رجل كان في حياته تاجرا وترك وصية قال فيها: إنه أفلس في تجارته في عام 1935 ميلادية وبقي بذمته حسب عملة ذلك العهد 4.151،45 فرنك لغرمائه الذين هم كلهم يهود ونصارى لم يبق واحد منهم اليوم في الجزائر، منهم المتوفى ومنهم الراحل الذي لا يعلم مكانه، يريد ورثته أو وكيل وصيته إبراء ذمته فكيف يصنعون؟ ولمن يعطى هذا المال أو في أي سبيل ينفق؟ فإن التوصل
645 (1/645)
صفحة 646
إلى معرفة ورثة المتوفى من الغرماء وعنوان الراحل منهم متعذر غير ممكن! ثم ما هو المبلغ الذي يجب المبلغ الذي يجب أداؤه اليوم
من
العملة الجديدة بالنسبة لعملة ذلك العهد؟
الجواب: أما عن الشق الأول من السؤال فإن القاعدة الشرعية العامة في مثل هذا هي أن كل مال جهل ربه فسبيله الفقراء والمساكين ولما كان بعض العلماء يقولون إن وجوه البر كلها سواء وإن أكثر من ينتفع بالمدارس القرآنية التي تعلم القرآن وعلوم القرآن هم الفقراء والمساكين فإننا نرى إنفاق مثل هذه الأموال في المشاريع العلمية الدينية القرآنية خيرا وأولى على ألا يهمل جانب الفقراء والمساكين، فيجعل
لهم منه حظ لحاجاتهم الضرورية وأما عن الشق الثاني من السؤال فإننا لا نستطيع أن نحدد لكم مقدارا من العملة الجديدة يتناسب مع مبلغ العملة القديمة التي شغلت بها ذمة الموصي في مثل ذلك العهد البعيد، غير أننا نعلم أنه كانت توجد مصلحة حكومية في عاصمة الجزائر ونظن أنها باقية إلى اليوم) تقوم بتعديل أو بمعادلة مثل هذه الحسابات كل عام. ثم كل خمس سنوات وكل عشر باعتبار ارتفاع وانخفاض أسعار المواد الاستهلاكية في جميع الميادين، ثم يخرجون من ذلك بنسبة معينة يعتمد عليها في مثل هذه الحال، ولهم في ذلك طريقة خاصة. ويبدو لنا أن المعدل القريب من المعقول هو
646 (1/646)
صفحة 647
مضاعفة الواحد مائة مرة، فالألف في ذلك العهد بمائة ألف اليوم، وبعبارة أصرح أن العدد هو هو. لكنه اليوم بالفرنك
الجديد، والفرنك الجديد هو الدينار الجزائري وأنتم تعلمون أن من المواد ما تضاعف إلى مائة وخمسين، ومائتي مرة، ومنها ما لم يتجاوز المائة، فإن كان في المال ما يفي بهذا فأدُّوه كاملا غير منقوص، وإن لم يكن وفاء فاحتاطوا ما استطعتم ولا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها (1) وهو الغفور الرحيم. لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم (2). هذا ما من الله
في الجواب
•
به
سؤال: رجل بذمته مبلغ من المال ليهودي كان يتعامل معه بشراء السلع منه، ثم غاب اليهودي بعد الاستقلال وغابت أخباره ولا يعلم في أي بلد هو ولم يأت من قبله طالب لهذا المال وقد مضت سنوات ولم يبق في لقائه أو في
معرفة مكانه مطمع، فما ذا يصنع؟
الجواب: إنه يتصدق به على الفقراء والمساكين
وبذلك تبرأ ذمة المدين
1 - الآية 7 من سورة الطلاق
2 - الآية 35 من سورة الحج
647 (1/647)
صفحة 648
سؤال: كنت تاجرا تتعامل مع اليهود ووقع بينك وبين بعضهم خصام وتضررت بذلك وبقيت عندك سلعة لهم، بعتها وأكلت ثمنها وهم قد غابوا عن الجزائر ولا تعرف لهم مقرا ولا عنوانا، فكيف تعمل بما بقي لهم عليك؟ الجواب: إن الواجب عليك أن تصفي الحساب الذي بينك وبينهم بالعدل والحق، فما بقي لهم عليك من قيمة سلعتهم تتصدق به كله على الفقراء والمساكين إذا كنت كما قلت تجهل مكانهم وعناوينهم أو ورثتهم. هذا حكم الشريعة في كل مال جهل صاحبه. والسلام عليك ورحمة الله
سؤال: كيف يمكن التنصل من مال هلك صاحبه وليس له وارث أو مات بعض ورثته وبقي بعض أو غاب ولا يعرف له مقر ولا عنوان ولا يعرف أهو حي أم ميت وقد يكون يهوديا أونصرانيا؟
الجواب: أولا: لا دخل للديانة يهودية كانت أو
عاملته
نصرانية أو غيرهما في مسائل الحقوق المالية فكل من من أهل أي دين معاملة صحيحة شرعية اختيارية من غير إكراه، عليك أن تؤدي له أو لورثته إن هلك حقه كاملا غير
منقوص
ثانيا: إن هلك صاحب الحق وترك ورثة يعطى حقه لورثته مجتمعين إن تيسر جمعهم أو لبعصهم إن تعذر جمعهم
648 (1/648)
صفحة 649
لغياب أو موت، على أن يُخبر الذي يعطى له المال بأن هذا إنما هو لموروثكم فلان المتوفى فليقتسمه ورثته حسب ما شرع الله. وتبرأ بذلك ذمة من كان عليه الحق إن شاء الله،
إذ ليس له غير ذلك من سبيل ويتحرى الثقة في الذي يعطيه المال
ثالثا: إذا غاب رب المال ولم يُعرف له مقر ولا عنوان ولا يعلم أهو حي أو ميت، وحصل اليأس من معرفة ذلك بعد البحث والتنقيب تصدق بذلك المال على الفقراء والمساكين، وكذلك إذا تحقق موته ولم يُعرف له وارث وحصل اليأس من الوقوف على وارث فإن المال يُصَدِّق على
الفقراء والمساكين وتبرأ بذلك ذمة من كان عليه ذلك الحق والقاعدة الشرعية في مثل هذه الأحوال هي قول الفقهاء:
كل) مال جهل ربه فسبيله الفقراء)
سؤال: رجل زاول التجارة زمنا طويلا وكان لا يتحرى في الكيل والوزن والذرع والزيادة والنقص في الحساب،
فماذا عليه اليوم وقد تاب؟
منهم
الجواب: إن كان يتوصل إلى علم الذين بخسهم
•
أشياءهم أو أكل شيئا من مالهم فعليه أن يرد لهم ما أخذه أو يحاللهم وإن كان لا يتوصل إلى ذلك فليقدر ما أكله من حقوق الناس وليتصدق به على الفقراء والمساكين أو يوصي به، وهذا ما يعرف في كتب الفقه بكلمة (التنصل من
649 (1/649)
صفحة 650
أموال الناس وهو يخرج من الكل. ثم بعد ذلك يتصدق أو
يوصي
بما قدر عليه احتياطا وليكثر من الاستغفار وليكثر من
الحسنات فإن الحسنات يذهبن السيئات والله غفور رحيم.
هذا ما
من الله
به في الجواب.
سؤال 1: ما حكم من قضى سنوات بعد تحقق بلوغه ولم يشرع في الصلاة ثم شرع فيها ولكن بدون رعاية لشروط صحتها من طهارة من الأرجاس والأنجاس والأحداث الصغرى
والكبرى وأدائها في غير وقتها. وهو يجهل عدد السنوات التي قضاها كذلك
•
تلك
الجواب: إن عليه التوبة والاستغفار ويقضي جميع صلواته في تلك السنوات وعليه أن يحتاط في تقدير المدة التي تهاون فيها بصلاته، ويجدر به أن يقضي كل يوم بعض تلك الصلوات حتى تطمئن نفسه أنه قد استدرك جميع ما فاته وضيعة.
سؤال 2: إنه غلب على ظنه أنه لم يصم بعض
رمضانات بعد تحقق بلوغه
الجواب: إن عليه أن يحتاط في تقدير الشهور التي أفطرها وأن يقضي صيامها كلها شهرا شهرا ولا يضيق عليه
بالتتابع بين الشهور، وعليه كفارة مغلظة عن كل شهر. سؤال 3: إنه مارس الشذوذ الجنسي بعد بلوغه زمنا، فإن كان هو الفاعل فعليه التوبة والاستغفار وكفارة مغلظة إذا
650 (1/650)
صفحة 651
كان فعله هذا مع بالغ مختار غير مكره، وأما إن كان الذي فعل به هذا الفعل صبيا غير بالغ فإن عليه أن يؤدي له أرش وهو نصف عشر الدية وكذلك إن كان بالغا ولكنه
عمله
أجبره وأكرهه على ذلك، فإن له عليه نصف عشر الدية مثل
غير البالغ
سؤال 4: ما حكم التحدث في أعراض الناس؟
الجواب: عليه التوبة والاستغفار وطلب المحاللة ممن
تكلم في عرضه إلا إن خاف أن تحدث ذلك فتنة
ث بسبب
كبيرة فليس عليه أن يخبر بها، إنما عليه التوبة والاستغفار
وأن
يحسن ما استطاع بوجوه البر والاحسان إلى الذي تكلم
في عرضه
سؤال: ما حكم من ضيع صلاة؟ (1)
الجواب: أما من فاته صلاة فيقضيها بسننها وينوي أداء ما عليه من فرضها، وسننها، ولم يرد عن الشارع عمل الله لفظ للنية المخصوصة حتى يعتمد عليه وإنما المقصود هو القصد القلبي وما اللسان إلا تأكيد له، والقصد امتثال الأمر
والخروج من عهدته
1 - يظهر لي أن السؤال يقصد منه التضييع المتعمد وعليه فإن الحكم هو
غير ما ذكر في الجواب. ثم إن المحفوظ أن السنن لا يجب قضاؤها. والله أعلم.
??? (1/651)
صفحة 652
سؤال
: تسأل عن مسألة شرعية أنك أكلت ثلاث وهي مرات في ثلاثة أيام من رمضان عمدا فماذا يجب عليك؟ الجواب: اعلم أنه يجب عليك أولا التوبة والندم والاستغفار لأنك ارتكبت ذنبا عظيما ثم عليك أن تعيد صيام الأيام التي أكلت فيها (1). ثم عليك أن تؤدي كفارة مغلظة وهي مقدار ثمانين كيلوغراما قمحا أو دقيق قمح أعني سميدا أو (فرينة) تفرقها على ستين مسكينا فذلك ما يجب عليك كفارة لذنبك والمهم هو الندم والتوبة والاستغفار من قلبك وذلك بأن تستشعر الندم والتحسر على ما صدر منك، وأن لا تعود إلى الذنب كما لا يعود اللبن إلى الضرع. والله غفور رحيم. والسلام.
خروج
سؤال: رجل يحتلم أعني يرى في المنام حالات مثل مباشرة امرأة أو عبث معها أو نحو ذلك مما يسبب له المني، فإذا استيقظ من نومه غسل آثار المني واستنجى وأسبغ الوضوء وصلى من غير اغتسال للجنابة، لجهله بوجوب الغسل للجنابة ومضى عليه زمن على هذه الحال حتى سمع اليوم أن الاغتسال من جنابة الاحتلام فرض وواجب لا تصح الصلاة بدونه، فماذا عليه اليوم؟
1 - الحكم حسبما هو مختار المذهب وحسب فتوى الشيخ رحمه الله في مثل هذه الحال هو انهدام رمضان كله لأن رمضان عندنا فريضة واحدة وعليه
فيجب عليه قضاء شهر كامل ثم كفارة مغلظة. ليتأمل.
652 (1/652)
صفحة 653
الجواب: إنه تجب عليه إعادة جميع صلواته التي صلاها مجنبا بغير اغتسال يقضيها حضرية إن كانت في حضر وسفرية إن كانت في سفر، فعليه أن يقدر ويحتاط في التقدير لعدد الصلوات التي صلاها بجنابة ثم يشرع في قضائها حسب استطاعته في كل يوم حتى يتمها، مع التوية النصوح مما صدر منه لأنه لا يعذر بجهله، ولا كفارة عليه والله غفور رحيم يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات (1)
سؤال: ما حكم المصلي بالتيمم مع القدرة على
الوضوء والاغتسال؟
الجواب: من كان يصلي فترة من عمره بالتيمم وهو قادر على الاغتسال والوضوء فصلاته باطلة قطعا، فإن تاب فعليه أن يقدر ما أضاع منها ثم يقضي ما استطاع كل يوم حتى يأتي على سائر ما أضاعه، وليس عليه أن يترك كسبه الضروري لمعاشه ويعتكف يومه كله للقضاء أو يترك مقدار النوم الضروري ليبيت قاضيا فإن له سوى ذلك متسعا من.
الوقت
1 - هذا إن لم يكن صام رمضان على هذه الحال ولن كان قد صام فعلا وهو يجهل فرض الغسل فيجب عليه الاحتياط لقضاء صومه أيضا.
653 (1/653)
صفحة 654
أنه شديد
سؤال: شاب جهل فرض الغسل من الجنابة فلم يغتسل من وقت بلوغه إلى ما يقرب من ثلاث سنين، مع المحافظة على صلاته، فماذا عليه؟
الجواب: يجب عليه أن يقضي جميع صلواته منذ جنابته الأولى عند البلوغ إلى أول اغتسال بعد علمه لفرض الغسل، ويمكنه أن يقضي في كل يوم بعض صلوات حتى
يتم ما قدره مما ضيعه منها ولا كفارة عليه وإنما عليه التوبة
والاستغفار والقضاء.
سؤال: رجل داعب أخت
يجب عليه؟ زوجته، ما ذا
الجواب: سؤالك هذا غامض مبهم لا يمكن الجواب عنه إلا بعد إيضاحه، فما مرادك بالمداعبة؟ أهو المباشرة الحقيقية أعني الجماع التام؟ أم ما دون ذلك من نظر ولمس وتقبيل ونحوها؟ إن أردت الجواب فأفصح
عن المراد.
سؤال: شاب تعلق قلبه بفتاة وشغف بها حبا فسولت له نفسه فعمد إلى خشبة فألبسها قميصا وتخيلها فتاته ثم باشر القميص بخيالها حتى أمنى وذلك في نهار يوم من أيام
رمضان، فما حكمه؟ وما عليه؟
الجواب: إن ذلك لو كان في غير رمضان لكان الأمر فيه هينا فإنه على قبحه وخبثه وكونه معصية لا تجب على
??? (1/654)
صفحة 655
فاعله إلا التوبة والاستغفار ولا كفارة عليه، فإنه ليس من الكبائر والفواحش التي تجب عليها الكفارة وخاصة إذا أراد بذلك التنفيس عن نفسه ودفع كيد الشيطان وتجنب فاحشة الزنى، ولكن الخطر الأكبر أن يفعل هذا في نهار رمضان وهو يعلم أن مباشرة الزوجة الشرعية في نهار رمضان كبيرة من أعظم الكبائر لأنها هتك لحرمة الشهر وحرمة الصوم الذي هو من أعظم شعائر الدين يجب فيه الكفر والكفارة والقضاء.
يتوب إلى الله من كفره وعصيانه، ثم يقضي شهرا كاملا ثم يكفر كفارة مغلظة وهي صيام شهرين متتابعين وإن عجز فليطعم ستين مسكينا. هذا ما حكم به الرسول فيمن جامع زوجته الحلال في نهار رمضان. فما بالكم بمن ارتكب هذه الفعلة الشنعاء؟ ولا يوجد اليوم عبيد. وإلا لوجب عليه أولا عتق رقبة.
سؤال: ما حكم الشريعة في رجل جامع امرأته في دبرها جبرا عليها وقهرا ثم إنه ندم على ذلك وتأسف أسفا
شديدا ولم يعد إلى فعلته؟
الجواب: اعلم أنه بعمله هذا كافر فاسق ملعون على لسان نبيئنا محمد الارتكابه فاحشة عظيمة وذنبا كبيرا، فعليه التوبة والندم والاستغفار، وعليه كفارة يؤديها مقدارها خمسة وعشرون غراما ذهبا، يتصدق بها أو بقيمتها على بعض القراء والمساكين الأتقياء الصالحين ذوي الولاية من (1/655)
صفحة 656
أرحامه. وأما المرأة فإن كانت راضية فعليها مثل ذلك، وإن كانت مجبورة مقهورة غير راضية كما ذكرت في كتابك فليس عليها شيء والله غفور رحيم، والسلام.
فماذا
سؤال: رجل زنى بفتاة ست مرات نهارا في رمضان، يجب عليه شرعا وقد ندم على فعلته؟
الجواب: إنه قد ارتكب ذنبا كبيرا وفاحشة مبينة
بزناه، وبهتكه لحرمة رمضان، فعليه ثلاثة أمور: أولها: التوبة والاستغفار والعزم الصارم على عدم العودة إلى مثل هذا الذنب وأن يقطع العهد على نفسه لله تبارك
وتعالى على ذلك .. ثانيها: أن يقضي صيام الشهر كله
•
ثالثها: أن يؤدي كفارة مغلظة وهي صيام شهرين
متتابعين ـ غير شهر القضاء - وإن عجز عن صيام الكفارة لمرض أو هرم مثلا، فليطعم ستين مسكينا بأن يصنع لهم طعاما غداء وعشاء بحيث يأكلون حتى يشبعوا في نهارا وفي العشاء ليلا. وإن شاء أعطى كل واحد منهم ما
يكفيه لغدائه وعشائه يوما يصنعه في بيته لنفسه.
الغداء
هذا إذا كان هذا العمل متكررا ست مرات في رمضان واحد، وإن كان في رمضانات متعددة فعليه لكل رمضان مثل ما تقدم من الواجبات الثلاث (1)
1 - لا شك أن هذه الأمور الثلاثة المذكورة تقيد بما إذا كانت الفتاة المزني بها غير مجبورة وإلا وجب عليه اداء العقر لها. كما يستفاد من غير هذه الفتوى. (1/656)
صفحة 657
سؤال: ما
هي
كفارة الزنى لمن تاب واستغفر وأناب
وأراد التخلص مما عليه؟
الجواب: الأصل في التوبة الندم والاستغفار والعزم على عدم العودة إلى الذنب وأما الكفارة فهي مغلظة: إطعام ستين مسكينا في قول من أوجبها من العلماء في جميع الذنوب الكبائر قياسا لغير المنصوص عليه على المنصوص عليه مما تجب فيه الكفارة في الكتاب والسنة.
سؤال: ما حكم إتيان الحيوانات؟ أعني ممارسة
العمل الجنسي؟
الجواب: إتيان الحيوانات ذنب كبير تجب التوبة منه والندم عليه والاستغفار منه، وعلى فاعله أن يكثر من
الحسنات والصدقات وينوي بذلك التكفير عن ذنبه.
سؤال: رجل زنى بامرأة ذات زوج ثم ندم على
فعلته، فما ذا عليه؟
الجواب: إن هذا قد ارتكب فاحشة كبيرة وذنبا عظيما بهتکه لحرمة الزوج، فعليه التوبة والاستغفار والعزم على عدم العودة إلى الذنب وعليه كفارة مغلظة: إطعام ستين مسكينا وعليه أن يكثر الإحسان إلى الزوج ما استطاع لعل الله تبارك وتعالى يُحالله منه. وليس عليه أن يذكر
657 (1/657)
صفحة 658
ذلك للزوج تصريحا ولا تلويحا لأنه بذلك يُحدث فتنة
وشقاقا وقد يؤدي إلى خطر كبير.
وعلى العصاة المذنبين مطلقا أن يكثروا من الحسنات ما استطاعوا لعل الله تبارك وتعالى يكفر بها ذنوبهم، وقد قال الله تبارك وتعالى: إن الحسنات يذهبن السيئات (1) وقال: «أتبع السيئة الحسنة تمحها (2) وهذا كله بعد الندم والتوبة النصوح.
سؤال: شاب غاب عن زوجته شهرا ونصفا متجولا في بعض البلاد الأوروبية وزنى بها عدة مرات، وبعد رجوعه إلى الجزائر أصبح لا يصبر على النساء، فما حكمه؟ الجواب: إنه فاسق عاص كافر غير مؤمن لقوله له: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (3) تجب تجب عليه التوبة فورا من ذنبه والإقلاع عنه والندم بقلبه على ما صدر منه ثم كفارة مغلظة وهي إطعام ستين مسكينا ومن تمام توبته - كما يقول العلماء - أن يتصدق على الفقراء والمساكين بمثل ما أنفقه في الحرام، ولا عذر له مطلقا في
1 - الآية 114 من سورة هود.
2 - الحديث رواه الترمذي في أبواب البر والصلة والدارمي في الباب الرابع
والسبعين من كتاب الرقاق
3) رواه ابن ماجة في الباب الثالث من أبواب الفتن. (1/658)
صفحة 659
دعواه أنه لا يصبر عن عن النساء، فإن الله الذي حرم علينا الفواحش يعلم أننا قادرون على ضبط نفوسنا عنها، وقد شرع
عنه
لنا طريقة للتنفس عن نفوسنا بالنكاح الشرعي إذا اشتد الأمر، لكن الذين ذاقوا الحرام قد لا تلو نفوسهم عن بدعواهم لإغراء الشيطان لهم وتغريره بهم، وتلك أوهام الضالين. والله يقول: (ولا يغرنكم بالله الغرور) (1).
سؤال: ما حكم الدين الحنيف في مرتكب فاحشة اللواط وما ذا يجب على التائب منها؟
الجواب: اللواط فاحشة كبيرة قطعا يقينا تجب على مرتكبها التوبة والإقلاع والكفارة، وتكفي الكفارة الواحدة على ما مضى لا على ما يأتي، وإذا كان المفعول به صبيا دون البلوغ وجب له العقر وكذلك البالغ المكره المجبور وتجزي محاللة الصبي بعد بلوغه أو لمصالحته وكذلك تجزي محاللة المكره أو مصالحته
•
سؤال: ما حكم رجل راود طفلا صغيرا غير بالغ عن نفسه، إلا أنه لم يرتكب الفاحشة الكبرى؟
الجواب: إنه مذنب عاص تجب عليه التوبة النصوح والإقلاع وأن يتبع السيئة الحسنة لتمحوها كما أمرنا بذلك
1 - الآية 32 من سورة لقمان و 5 من سورة فاطر.
• (1/659)
صفحة 660
نبينا محمد وكما قال تبارك وتعالى: إن الحسنات يذهبن السيئات (1) وليس عليه من الأرش شيء. وأما
إن ارتكب الفاحشة معه فإن عليه الارش وهو المسمى في
الفقه بالعقر وهو عشر الدية
سؤال: ما حكم العادة السرية؟
الجواب: العادة السرية منهي عنها شرعا فهي حرام يجب الإقلاع عنها والتوبة والاستغفار منها كما يجب
الاغتسال من جنابتها.
سؤال: ما حكم من يمارس العادة السرية؟
الجواب: ممارسة العادة السرية حرام بالإجماع وفاعلها عاص مرتكب لكبيرة، عليه التوبة والإنابة.
سؤال: رجل يستمني أعني يعبث بذكره حتى يخرج المني وهو في حال يقظة ثم يغسل المني ويستنجي ويسبغ الوضوء ويصلي من غير اغتسال للجنابة لجهله بوجوب ذلك، فماذا عليه؟
الجواب: إن غسل الجنابة فرض وواجب بخروج المني مطلقا في يقظة أو منام في حلال أو حرام بأي صفة كانت. والصلاة بغير اغتسال باطلة قطعا فإن كان هذا
1 - الآية 114 من سورة هود.
660 (1/660)
صفحة 661
الاستمناء في غير رمضان فما عليه إلا التوبة من ذنبه وإعادة صلواته. وأما إن كان في نهار رمضان فإن عليه قضاء صوم الشهر مع كفارة مغلظة وهي إطعام ستين مسكينا عن كل
شهر ارتكب فيه هذا العمل
وأما سؤالكم عن نية القضاء فاعلموا أنه ليس للنية ألفاظ مخصوصة فإن المراد بالنية قصد القلب فإذا وقفت مستقبلا
وقصدت في قلبك قضاء ما ضاع لك من صلاة الظهر مثلا، النية الكافية. وما عليك بعد إلا أن تقول:
فتلك
هي
سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله
غيرك. ثم تكبر. هذا ما من الله به في الجواب
•
سؤال: ما دليلكم أيها الشيخ الكريم في الحكم بحرمة
الدخان وشبهه من المخدرات أو المنبهات؟
سألت عن دليلنا في الحكم بحرمة الدخان وما يشبهه من المخدرات التي تستعمل بطرق مختلفة من الأنف والفم، من
الكتاب والسنة؟
الجواب: اعلم أنك لا تجد في الكتاب والسنة التنصيص الصريح على حرمة استعمال الدخان وسائر المخدرات وإنما يؤخذ ذلك من عموم تحريم الخبائث ويحرم عليهم الخبائث) (1) ولا يشك عاقل في خبث
1 - الآية 157 من سورة الاعراف
661 (1/661)
صفحة 662
هذه الأشياء رغم استحسان بعض الناس لها بسبب الإلف والعادة. ثم يؤخذ تحريمها من عموم حرمة الإضرار بالنفس والعقل والبدن، وأنت خبير بأن الأمة الإسلامية مجمعة على المحافظة على ستة أشياء وجوب
وهي: النفس، والعقل
والنسل والعرض والمال والدين. واتخذت هذا أصلا فرعت
عنه فروعا كثيرة في الفقه الإسلامي.
وأدلة تحريم الضرر كثيرة نصا واستنباطا، وضرر الدخان وما في حكمه في العقل والمال والبدن أمر محقق مقطوع به لا يختلف فيه اثنان. فالقول بتحريمه أقوى حجة وأصح دليلا، والمسألة بعد كل هذا فرعية لا يقطع فيها
عذر المخالف
سؤال الدخان عادة سيئة في بلادنا ولم نستطع أن نقضي عليها فهل هو حرام؟ وإذا كان كذلك فما الدليل؟ الطريقة التي نستخدمها للقضاء على هذه العادة
وما
هي
السيئة؟
الجواب: يعجبني تكرار كلمة ـ العادة السيئة - مرتين في كتابكم في وصف التدخين وقد جاءت هكذا عفوا، الأمر الذي يدل دلالة عقلية وطبيعية على أن الفطرة
السليمة التي فطر الله الناس عليها لا تضع الدخان إلا في صف الخبائث التي حرمها الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم ولا تقترب به مطلقا إلى صف الطيبات التي أحلها
662 (1/662)
صفحة 663
الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم في سورة الاعراف في وصف نبينا محمد: يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) (1) وما نظن عاقلا سلم عقله من لوثه وسلمت فطرته من آفة ينأى بالدخان عن الخبائث أو يلزه في قرن مع الطيبات .. وكفى بذلك دليلا شرعيا وعقليا وفطريا على حرمته. وقد أجمع عقلاء العالم كله وسالمو الفطرة فيه من العلماء المختصين على أنه مضر بصحة البدن والعقل والقلب، ومن أعظم أسباب سرطان الرئة وغيرها، وأنه متلفة للمال في غير جدوى ومفسدة للطباع، وقد وضعت في مضاره كتب ورسائل ونشرت في الصحف والمجلات العالمية مقالات ودراسات بمختلف اللغات وأذيعت في أجهزة الإعلام المختلفة محاضرات لو جمعت لكانت مجلدات ولا تزال تتوالى. وآخر ما سمعناه منها حديث أذاعته إذاعة لندن العربية مساء
(2)
الأربعاء 26 يونيو المنصرم يتضمن دراسة عالم أمريكي في علاقة التدخين بسرطان الرئة، على أننا لسنا بحاجة الى كل هذا، فإن ضرر الدخان في الصحة والمال أمر محسوس مسلم به قطعيا لا شك فيه وهو من التبذير المنهي عنه في الكتاب
1 - الآية 157 من سورة الاعراف
2 - تاريخ الفتوى 2 جويلية 1974 وبهذا يعرف تاريخ الحديث المشار اليه
والذي أذاعته لندن
•
663 (1/663)
صفحة 664
الكريم حيث يقول الله تبارك وتعالى ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين) (1) ولو لم تكن
من
فيه إلا الصورة القبيحة الشوهاء لتعاطيه لكفى منفرا عنه ذلك أن صاحبه يضع في فمه سيجارا أوما يشبهه ماسكا له بين شفتيه وفي طرفه جمرة ينبعث منها دخان متصاعد وهو يمج من حين لآخر من فمه ومنخريه مجة من دخان في وجوه مستقبليه وقد يتبعه سعال مزعج لا يعلم إلا الله ما ينفث معه ذات صدره الموبوء وإنه والله لمن أبشع المناظر وأقبحها عن سمت المؤمن وهديه. وتزداد الصورة بشاعة إذا كان يتكلم والسيجار بين شفتيه لكن التعود على الشيء الخبيث والتمادي عليه وإلفته تهون من شره وتقلل من خبثه في نظر صاحبه بل وتزينه له حتى يراه حسنا وهو عند الله سوء وشر وخبث وقد قال الله تبارك وتعالى: أفمن زين عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء
وأبعدها
له
سوء
ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون (2) وإذا أردت معرفة من حرم الدخان من علماء المسلمين في القديم والحديث فعليك بالرسالة السابعة - رسالة المسجد - التي تنشرها دار الدعوة بنالوت بليبيا، وعنوان الرسالة رقم 7 مسلم ولكنه يدخن،
1 - الآيتان 26 و 27 من سورة الإسراء.
2 - الآية 8 من سورة فاطر. (1/664)
صفحة 665
وقد نشرت بتاريخ ذي القعدة 1392 هجرية، ونالوت هي عاصمتكم وقريبة منكم فاطلبوا الرسالة من بعض الإخوان فيها، وإنكم لواجدونها بإذن الله وفيها ما يغنيكم - إن شاء
الله -
وأما طريقة القضاء على هذه العادة السيئة المنتشرة عندكم فإنها بالنسبة للكبار قوة الإرادة وصدق العزيمة على الإقلاع، وهنالك مصحات كثيرة في بعض أنحاء أوروبا وأمريكا لمعالجة مرض الإدمان على الخمر وسائر المخدرات وقد ثبتت نجاعتها. وأما بالنسبة للصغار المبتدئين فإن
الطريقة هي أخذهم بالشدة تارة وباللين أخرى وبالترغيب والترهيب وبمنعهم من التقاط أعقاب السجائر والبدء باستعمالها تقليدا للكبار من آبائهم وإخوانهم وأقاربهم ومعاقبتهم على ذلك بلا هوادة ليقلعوا قبل أن تتمكن فيهم طبيعة الإدمان، وإن هذه الطبيعة لترسخ فيهم تدريجيا كل يوم، فاتقوا هذه العاقبة الوخيمة، وأظنكم سمعتم وقرأتم أخبار الصراع الدائم بين أنصار التدخين وخصومه وخاصة في أوروبا وأمريكا وإن الحجة البالغة القاطعة في جانب خصوم التدخين ومحرميه لعظيم خطره، لكن الأرباح الهائلة التي تكسبها الشركات والحكومات من الدخان زراعة وصناعة وتجارة وقفت سدا منيعا دون خطره قانونيا كما يطالب به الحكماء الراشدون فاكتفت بعض الحكومات بإيجاب كتابة (1/665)
صفحة 666
تحذير من خطر التدخين على كل علبة من علب الدخان، وكفى بذلك حجة على ضرره العظيم الموجب للتحريم. وأزيد كلمة في التبذير المومى إليه آنفا: ذلك أننا نعلم علم اليقين أن ما ينفقه المدمن على التدخين في اليوم الواحد أكثر من ثمن الخبز اليومي لأسرة متوسطة مع قلة جدواه بالنسبة للخبز، ومع ضرره البالغ، وكفى بهذه حجة على دخول صاحبه في زمرة المبذرين الذين حكم الله عليهم بقوله تبارك وتعالى إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين نكفاهم شرا أخوتهم للشياطين
سؤال: ما حكم لعب الشطرنج؟
الجواب: لعب الشطرنج ميسر محرم شرعا بنص القرآن، كما حرمت الخمر، فهو كالكارطة والدومينو) كبيرة، فإن كسب بذلك مالا فهو حرام، يجب أن يتصدق به على الفقراء والمساكين إن الله يحب التوابين ويح المتطهرين) (1)
سؤال: ما حكم الغيبة والنميمة في الإسلام؟ الجواب: الغيبة والنميمة من أفحش الفواحش وأكبر الكبائر ورد فيهما وفي وعيدهما الشيء الكثير في الكتاب والسنة. أما التوبة النصوح منهما والإقلاع عنهما فإنه الواجب
1 - الآية 222 من سورة البقرة.
666 (1/666)
صفحة 667
الأول المفروض عليهما، أما شروط قبول الله لتوبتهما فإنه يختلف طبعا باختلاف الآثار الناجمة عنهما فقد ينشأ عنهما شر مستطير تهتك فيه أعراض وتؤكل بالباطل أموال وتزهق أرواح، فكيف ينجو المتسبب في ذلك إن لم يصلح ما أفسده يضمن ما ضيعه؟ وقد لا ينشأ عنهما شيء من ذلك. فأمر الفريقين مختلف جدا عند الله عالم الغيب والشهادة، فلا نستطيع أن نقول إلا ما قاله الرسول إن الغيبة لا
أو
يغفرها الله حتى يغفرها صاحبها» (1) وإن من توبة المتغاب إذا مات صاحبه أن يستغفر له فإن ذلك كفارة له، وأمر النميمة أشد وأفظع لما ينشأ عنها من مفاسد وشرور. فما ذا أن نقول فيمن ماتت ضحايا غيبته أو
عسى
نميمته وأراد التوبة إلا أن يستغفر لها ويسعى في إصلاح ما فساد. وأن يكثر من أعمال البر والإحسان نتج عن علمه من وخاصة الصدقات وإصلاح ذات البين، ويكثر التضرع الى الله أن يحالل عنه ضحاياه. والله غفور رحيم.
1 - لم أجد حديثا بهذا اللفظ ولكن معناه صحيح يؤخذ من عموم قوله الذنوب على وجهين: ذنب بين العبد وربه وذنب بين العبد وصاحبه فالذنب بين العبد وربه اذا تاب منه كان كمن لا ذنب له وأما ذنب بينه وبين صاحبه فلا توبة له حتى يرد المظالم الى أهلها. انظر الباب الخمسين من الجزء الثاني من الجامع الصحيح للربيع بن حبيب
667 (1/667)
صفحة 668
سؤال: إذا تاب إنسان من ذنبه واستغفر لربه فهل
يتحقق أن الله غفر له؟
الجواب: لا يعلم الغيب إلا الله وعليه أن يظن الظن الحسن بالله وقد تبدو له أمارات القبول بفضل الله إن كانت
نيته خالصة وتوبته نصوحا.
سؤال: ما ذا على التائب من ذنب موجب للكفارة
تكرر فعله عدة مرات؟
ما مضى.
الجواب: المشهور عند الفقهاء أن الذنب الواحد الموجب للكفارة إذا تكرر من صاحبه مرات من غير أن يكفر فإن عليه إذا وفقه الله إلى التوبة والإقلاع عن الذنب أن يكفر كفارة واحدة تجزيه إن شاء الله عن جميع وإن أدى الكفارة ثم عاد إلى الذنب فإن عليه كفارة أخرى، لأن التكفير يجزي عما مضى ولا يغني عما يأتي، هذا كله في غير كفارة رمضان وكفارة القتل الخطا فإن لكل رمضان هتكت حرمته كفارة ولكل قتل كفارة مهما تعددت وكثرت.
سؤال: سألتني أيها الأخ عما يجب عليك بعد توبتك من كفارات عزمت على أدائها في هذا الشهر المبارك شهر رمضان، وفقك الله إلى ما يحبه ويرضاه وأعانك على (1/668)
صفحة 669
النفس الأمارة بالسوء وعلى الشيطان الرجيم، تسأل عما
يجب على إتيان النساء الحرام؟
الجواب: إن الواجب أولا هو التوبة والاستغفار لرب العالمين لإن ذلك كفر ومعصية تجب التوبة منها ثم الاستغفار والندم على ما مضى والعزم على عدم العودة إلى شيء من ذلك كما لا يعود اللبن إلى الضرع. ثم أداء كفارة مغلظة وهي مقدار ثمانين كيلوغراما من القمح أو من دقيق القمح تعطى لستين مسكينا، ثم ما يطهرك من جميع هذه الأدران والأوساخ هو أن تتصدق على الفقراء والمساكين ومشاريع الخير والمساجد والمدارس التي تعلم الدين والقرآن بمقدار ما أنفقته في سبيل النساء الحرام، هذا إذا كان مالك يعك لذلك، وإلا فتصدق بما استطعت ذلك من
•
وأما قولك: ماذا يجب بيني وبين أهلي زوجتي الحلال؟ فإنني لم أفهم حقيقة مقصودك بذلك، وأظن أنك تقصد إضاعة حقا وإهانتها وتركها بالذهاب إلى النساء الحرام فإذا كان كذلك فإن عليك أن تبالغ في الإحسان إليها وترضيها بما استطعت حتى تطمئن إلى رضاها عنك وسماحها لك، وليس بواجب عليك أن تخبرها بأنك كنت تفعل كذا وكذا، بل لا يجوز ذلك وإنما عليك أن تبالغ في إكرامها ما استطعت والله تبارك وتعالى هو الذي يرضيها عنك، ويزيل ما في قلبها من جفوة أوكراهية مثلا، ثم عليك من
669 (1/669)
صفحة 670
وراء ذلك أن تكثر من أعمال البر والإحسان كصلوات النفل وصيام النفل وصدقات التطوع والاجتهاد في أعمال الخير والله غفور رحيم. وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات عفا الله عنا وعنكم وغفر لنا ولكم ولجميع المسلمين إنه سميع مجيب
سؤال: سألت عن كفارات يتحدث الناس بها ويفتي بها بعض الفقهاء عندكم في جزيرة جربة، ما حكمها في الشريعة المحمدية؟
الجواب: إن الكفارات المنصوص عليها في كتاب الله
وسنة رسول الله فيما صح عنه هي
أولا
: كفارة القتل والنص عليها في سورة النساء ثانيا: كفارة الظهار والنص عليها صريح في سورة
المجادلة
ثالثا: كفارة اليمين والنص عليها صريح في سورة المائدة وسورة التحريم.
رابعا: كفارة التمتع في الحج أو ترك بعض مناسكه لضرورة، والنص عليها صريح في سورة البقرة. خامسا: هتك حرمة رمضان بالجماع في نهاره، والنص
جملة
عليها صريح في حديث النبيء، هذه هي الكفارات المنصوص عليها والمجمع عليها - فيما نذكره ـ وأما سوى ذلك فاستحسانات واجتهادات لبعض الفقهاء، فمن ذلك
670 (1/670)
صفحة 671
أن بعض الفقهاء أوجبوا عن كل كبيرة كفارة مغلظة قياسا على القتل وهتك حرمة رمضان، ولم نطلع على نص عن
الشارع يصح الاعتماد عليه في ذلك. لكن باب القياس والاجتهاد واسع وأما ما ذكرت من أنواع هذه الصدقات التي تسمى عندكم كفارات فإنما هي صدقات يتقرب بها إلى الله ويرجى منها زيادة الحسنات وتكفير السيئات ورفع الدرجات، والصدقة باب من أوسع أبواب الخير التي يرجى برها وذخرها .. وأول ما يرجى من برها وخيرها تكفير السيئات ومغفرة الذنوب لقوله تعالى إن الحسنات يذهبن السيئات (1) فلا حجر مطلقا في أن يقصد
،
المتصدق بصدقة ما تكفير سيئة معينة اقترفها ثم تاب منها فإذا ذبح شاة وتصدق بلحمها رجاء أن يسد بها ما كان من نقص في أداء حقوق الجيران فإن له نيته ورحمة الله واسعة وعسى أن يتقبلها منه فيجبر له ما كان منه من نقص في حق الجار. وكذلك ما قاله بعض الفقهاء من أن من أتى زوجته وهي حائض ـ وهذا ذنب كبير قطعا - فعليه التوبة وأن
نه
يتصدق بدينار حسنة يكفر الله بها سيئته، لما صح عنه
من قوله في الحديث «اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» (2)
1 - الآية 114 من سورة هود.
2 - رواه الدارمي في الباب الرابع والسبعين من كتاب الرقاق
971 (1/671)
صفحة 672
وأطلق العلماء على هذا الدينار دينار الفراش يدفعه كل من الرجل والمرأة، وكذا قالوا فيمن حلق لحيته وفي المرأة تقص شعرها أو تنمص - وكل ذلك منهي عنه ـ أنهما يتصدقان بشيء تكفيرا السيئاتهما، وأشباه هذه أصلها كلها آية إن الحسنات يذهبن السيئات) وحديث أتبع السيئة الحسنة تمحها» وتسميتها كفارات تجوز كما ترى، والله
تبارك وتعالى يسمي غفران الذنوب في كتابه الكريم تكفيرا، فلا حجر في التعبير وخاصة ما اقتدي فيه بكتاب الله الكريم، وأما ما ذكرته من كفارة تسمى - شاة الأعضاء - فإن شاة الأعضاء معروفة بهذا اللفظ عندنا معشر بني ميزاب ولكن لا يطلق عليها عندنا اسم الكفارة. والمشهور عندنا أن أصلها هوما ورد في حديث صحيح عن النبيء من أعتق رقبة أعتق الله تبارك وتعالى بكل شقص منها
شقصا منه من النار» (1) والشقص: الجزءكما تعلمون ولما تعذر عتق الرقبة وتعذر وجودها أصلا، ابتكر الناس هذه الطريقة، فكان الواحد منهم يتصدق بشاة كاملة حية، أعني غير مذبوحة على فقير أو فقراء رجاء العتق من النار أعني يرجون أن يعتق الله تبارك وتعالى بكل عضو منها عضوا من المتصدق من النار، كما تدل عليه تسميتها بشاة
1 - رواه البخاري في الباب الأول من كتاب العتق ولفظه: قال النبيء أيما رجل أعتق امرءا مسلما استنقذ الله بكل عضو منه عضوا منه من النار.
672 (1/672)
صفحة 673
الأعضاء، وأما ما ذكرته مما يسمى عندكم شاة (المؤديين) فإننا لا نعرف هذا، وما سمعنا بهذا الاسم. والسلام عليكم
ورحمة الله.
الديات
سؤال: أولاد غير بالغين يلعبون بالحجارة ويرمون الوعول فأصاب أحدهم صاحبه في عينه وفقدت العين ولم تنفع فيها معالجة، والمصاب فقير ووالد المعتدي غني، فما حكم الشريعة الغراءفي أرش الجناية؟
الجواب: إن جناية الصبي خطأ وإن أرش جنايته إذا تجاوز ثلث الدية الكاملة فعلى عاقلته (عشيرته) وأرش فقد العين نصف الدية الكاملة بالإجماع، فهو إذا في القضية المسؤول عنها على العاقلة، ولا اعتبار في مثل هذا لفقر ولا غنى، هذا هو حكم الشريعة في المسألة، وقانا الله وإياكم شر المصائب والبلايا.
سؤال: إن ابنة لك في سن الخامسة سقطت في بئر وتوفيت ورفعت قضية الحادث إلى الدرك وعند بحثهم لك أجبت بأنك لا تشك في أي شخص ولا تتهم أحدا وقد سقطت ولم تلق. وبعد ذلك بلغكم خبر مصدره صبي في الرابعة والنصف من عمره بأن بنتا من بنات الجيران في
673 (1/673)
صفحة 674
التاسعة من عمرها ألقت بنتكم في البئر. فهل يجب عليك أن تتابع القضية أم يجوز لك أن تفوض الأمر إلى الله؟ الجواب: باختصار: إنك والد الفتاة وأنت ولي أمرها وبيدك وحدك متابعة القضية أو العفو والسماح، فاعلم أن العفو أفضل لك وأعظم أجرا عند الله ولا حرج عليك مطلقا في العفو وتسليم الأمر إلى الله الذي يعظم أجرك ويجزل مثوبتك على مصيبتك، فلتطمئن نفسك وليهدأ بالك وكذلك يطمئن قلب أمها فإن لها عند الله على صبرها من الأجر ما لا يقدر بحساب. هذا ما من الله به في الجواب
سؤال: امرأة أسقطت جنينها متعمدة وهو ذو ثلاثة
أشهر فعلت ذلك مرتين، أعني أنها أسقطت الجنين الأول وبعد أن حملت مرة أخرى أسقطت جنينها كذلك، وعمره كالأول ثلاثة أشهر ثم تابت وندمت بعد أن سمعت أن هذا
ممنوع شرعا ... فما ذا عليها غير التوبة والاستعفار؟ الجواب: إن للعلماء أقوالا كثيرة في تقدير ما عليها. وأرخص ما في تلك الأقوال هو خمسمائة دينار جزائري، أي خمسون ألف فرنك قديم (1) لكل واحد من السقطين. فعليها إذن أن تتصدق بألف دينار جزائري - مائة ألف فرنك قديم -
1 - لا يخفى أن هذا التقدير بالنسبة لتاريخ الفتوى وهي مؤرخة بيوم 7
ديسمبر 1972.
674 (1/674)
صفحة 675
على الفقراء والمساكين ويُرجى لها بعد ذلك مع توبتها
المغفرة من الله
وعليها أن لا تعود لمثل هذا. وإن أرادت أن لا تحمل مرة أخرى فإنه يجوز لها أن تستعمل موانع الحمل بشرط رضا زوجها فإن منع الحمل باتفاق الزوجين جائز، وأما إسقاطه بعد تكونه في الرحم ولو نطفة فإنه غير جائز.
سؤال: امرأة ولدت ولدا مشوه الخلقة لا يقوى على الرضاع لانعدام اللثة التي تمسك حلمة الثدي فأشار الطبيب عليها بإرضاعه بأنبوب مطاط يمتد إلى داخل حلقه في عملية جد عسيرة، فقامت بذلك نحوا من شهرين لكنها ملت هذا العمل الشاق، فخطر لها خاطر أن تضعف الحليب بكثرة الماء ليسرع إليه حتفه فتحقق لها ما أرادت من ذلك، ومات الولد، فماذا على أمه؟ مع العلم أن طريقة الإرضاع لصعوبتها قد لا ينجح في استعمالها حتى الطبيب نفسه، وشجعها على ذلك ما تسمعه من بعض النساء من أن الشريعة تبيح لمن ولد له ولد مشوه الخلقة أن يضعه في زاوية تحت غربال ثلاثة أيام دون إطعامه لأنه لم يخلق للحياة.
•
الجواب: إن هذه الأعذار كلها لا تغني عن هذه الأم المسكينة المبتلاة شيئا. فقد ارتكبت ذنبا تتوب إلى الله منه وتستغفره وتؤدي كفارة مغلظة وعليها دية الولد لوليه وهو
675 (1/675)
صفحة 676
أبوه، ونرجو أن يكون الولي كريما رحيما شفوقا يعفو ويصفح ولا يكلف زوجه دية. وأجره على الله فمن عفا وأصلح فأجره على الله (1)
I
سؤال: فتاة في الخامسة عشرة من عمرها متزوجة بشاب في العشرين من عمره وخاف الزوجان من إنجاب الأطفال لأنهما لم يعقدا النكاح عند القاضي ولما شعرت الفتاة بالحمل أسقطت جنينها متعمدة باستعمال دواء الإجهاض، فما حكم الشرع في ذلك؟
الجواب: أولا: إنها عاصية مرتكبة لكبيرة من كبائر الذنوب فعليها التوبة والندم والاستغفار لأن هذا يعتبر في الشرع قتلا للنفس، كما يجب على زوجها التوبة والندم والاستغفار كذلك إذا رضي بذلك أو أمر به
هي
ثانيا: تجب عليها دية الجنين تؤديها لعصبته، والدية تختلف باختلاف حالة الجنين عند سقوطه، فإن كان نطفة فلا دية له وإن كان علقة أو مضغة أو نبت شعره وبدأت أعضاؤه في الظهور لكنه لم ينفخ فيه الروح فإن ديته عشر الدية الكاملة. وإن نفخ فيها الروح وسقط ميتا ففيه دية كاملة تامة تعطى لعصبته من الآباء والأعمام وأبنائهم ولا علم لي بمقدار الدية ويمكنك أن تعلم مقدار الدية هنالك بسؤال بعض كبار العلماء ولا سيما أعضاء مجلس
1 - الآية 37 من سورة الشورى.
676 (1/676)
صفحة 677
القضاء الأعلى، فإنني أظن أنه لا بد أن يكون للحكومة مقدار معين تحكم به عند وجوب الدية. هذا ما من الله به في الجواب مأخوذ من أقوال علمائنا رحمهم الله.
سؤال: ما مقدار الدية اليوم وما مبلغها بالعملة
الجزائرية؟
الجواب: إن الدية مقدرة بحكم النبيء ثم الأمة بمائة من الإبل. قال صاحب النيل رحمه الله:
بإجماع باب (سن) في الدية وإن بخطا مائة من الإبل ثم قال بعد ذكره أسنان الإبل في العمد وفي شبه العمد، وفي الخطأ ما نصه: وهل قيمة كل بعير أربعة دنانير وهو المختار عندنا أو خمسة أو عشرة أو على قدر الغلاء والرخص؟ خلاف، ويروى عن عمر أنه جعلها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم، وعلى أهل الشاة ألف شاة، وعلى البقر مائة بقرة مسنة. وعلى الحلة مائتي حلة اه) قال شارحه رحمه الله في قول الأصل: (وهو المختار عندنا ما نصه: (وجهه التوسط وإلغاء التفاصيل بأسنان الإبل لاختلاف الروايات. وتمسكوا بالمجمع عليه وهو لفظ مائة من الإبل. انتهى) فأنت ترى أن الأصل المشروع والمجمع عليه هو مائة من الإبل وأن أصحابنا رحمهم الله أحتاروا في تقويم البعير أربعة دنانير رعاية للتوسط في أسنان الإبل وإلغاء
التفاصيل لاختلاف الروايات كما وجهه القطب رحمه الله
•
677 (1/677)
صفحة 678
وإذا نظرنا نحن اليوم إلى هذه القيمة بعملتنا وجدناها وسطا وذلك أن أربعة دنانير هي عبارة عن عشرين غراما ذهبا وإذا قدرنا قيمة الغرام قيمة متوسطة بألفي فرنك قديم كانت قيمة البعير المتوسطة أربعين ألف فرنك قديم، فتكون من الإبل أربعة ملايين فرنك قديم، ونصفها مليونان
المائة
اثنان، وتلك دية العين الواحدة (1)
هذا ما يبدو لي قريبا من الصواب في تقدير الدية اليوم، وهو وسط لا إجحاف فيه ولا إرهاق. أرشدكم إليه إما لتعملوا به وإما لتستعينوا به وتقدروا ما شئتم ولا أدري ما إذا كان للحكومة الجزائرية تحديد لمقدار الدية أم لا؟ ويمكنكم أن تسألوا عن هذا إن شئتم، والسلام. هذا ما من الله به في الجواب.
سؤال: هل تجوز المصالحة والمسامحة في مسائل الجروح والموت بحوادث السيارات وغيرها، ولو بدون مال يعطى، أم لا بد من إعطاء شيء؟
الجواب: المسامحة في الحقوق المالية وفي أروش الجراحات جائزة شرعا بلا قيد ولا شرط إلا أن يكون صاحب الحق أو مستحق الأرش بالغا عاقلا طائعا مختارا غير مكره ولا مجبور، فمن عفا وأصلح فأجره على الله
1 - الفتوى مؤرخة بتاريخ 23 ذي الحجة 1393 هـ، 16 جانفي 1974 م.
TVA (1/678)
صفحة 679
فتاوى متفرقة في التفسير
سؤال: سألتني في رسالتك أن أوضح لك معنى السلامة التي وردت في القرآن الكريم في سورة الشعراء في قوله تبارك وتعالى: يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم (1) والجمع بينها وبين ما ورد في الحديث الشريف إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به، أو صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له» (2)
الجواب: يقول صاحب ظلال القرآن في تفسير الآية: فليست هنالك من قيمة يوم الحساب إلا قيمة الإخلاص إخلاص القلب كله لله وتجرده من كل شائبة ومن کل مرض ومن كل غرض وصفائه من الشهوات والانحرافات، وخلوه من التعلق بغير الله. فهذه السلامة التي تجعل له قيمة ووزنا - يوم لا ينفع مال ولا بنون - ولا ينفع شيء من هذه القيم الزائلة الباطلة التي يتكالب عليها
1 - الآيتان 88 - 89 من سورة الشعراء.
2 - رواه مسلم في الباب الرابع من كتاب الوصية، وابو داود في الباب
الرابع عشر من كتاب الوصايا، والترمذي في باب فضل الصدقة عن الميت من
كتاب الوصايا وغيرهم بألفاظ مختلفة.
679 (1/679)
صفحة 680
المتكالبون في الأرض وهي لا تزن شيئا في الميزان
الأخير انتهى.
وقد وصف الله المنافقين بقوله في قلوبهم مرض) (1) وقال عليه السلام: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) (2) وهذا مما يعلم من الدين بالضرورة، فلا نجاة في الآخرة إلا بالإيمان الصحيح والعمل الصالح. والقرآن الكريم من فاتحته إلى خاتمته شاهد على. ومن تحققت سعادته بذلك، زاده الله تكريما وعد له
ذلك
من عمله الصالح ما علمه من علم ينتفع به بعده،، وما تركه من صدقة جارية وما يدعو له به ولده الصالح فإن هذه كلها كسبه وعمله في الدنيا، وصلاح ابنه إنما كان من تأديبه
من
وحسن تربيته وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. أما من لم يأت الله بقلب سليم أي إيمان صحيح وعمل صالح فلا ينتفع
بشيء من ذلك مطلقا في زحزحته عن النار ودخوله الجنة فإن الأصل في السعادة الأخروية بالنجاة من النار والفوز بالجنة إنما هو العمل الشخصي ثم يزاد الفضل بما ذكر في الحديث وبشفاعة الرسول الله وباستغفار الملائكة وبدعاء
1 - الآية 10 من سورة البقرة.
2 - هذا جزء من حديث رواه البخاري في الباب التاسع والثلاثين من كتاب
الإيمان. كما رواه غيره.
680 (1/680)
صفحة 681
المؤمنين بظهر الغيب لإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان، كما دلت عليه الشواهد الصحيحة من الكتاب الكريم والسنة الشريفة، فلا تعارض مطلقا بين الآية والحديث، بل يؤيد
بعضهما بعضا
هذا ما الله
من به في الجواب باختصار اقتضته ضرورة
الصحة والشغل
سؤال: وصلني كتابك تسألني فيه عن تفسير قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم
عدوا لكم فاحذروهم) (1)
الجواب: اعلم أيها الأخ الكريم أن تفسير الآية يطول فدونك كلمة مختصرة في مفهوم الآية: والمراد منها. أن الله تبارك وتعالى يحذرنا من الافتتان بأزواجنا وذرياتنا ويحذرنا من أن نعصيه بسبب الزوجة أو الولد وأنت خبير
والناس كلهم يعلمون أن الرجل قد الله يعطي بسبب زوجته وولده: يكسب الحرام من أجل ترفيه زوجته، وتمتيعها بالذهب والفضة والحرير وسائر الكماليات ويجمع الحرام بسبب أولاده ليمتعهم وليترك لهم من بعده مالا وفيرا ويبخل
بماله ويمنع حقوق الله خوف الفقر الذي يؤثر على زوجه وأولاده ويمتنع من الجهاد في سبيل الله ومن الأمر
1 - الآية 14 من سورة التغابن
681 (1/681)
صفحة 682
هو
بالمعروف والنهي عن المنكر خوفا على ترميل زوجته وتيتيم أولاده، والأولاد والأزواج يقفون دائما حجر عثرة في سبيل الخير، يمنعون أباهم من الخير خوفا على أنفسهم أو يمتنع لشدة حبه لهم. فمن أجل ذلك سماهم الله تبارك وتعالى عدوا فإن أثرهم في منع أبيهم من عمل الخير وحمله على ارتكاب المعاصي من الظلم والغش والخديعة والسرقة وتطفيف الكيل والوزن وغير ذلك من الذنوب أثر كبير جدا. لا يقل عن تأثير العدو ومن أجل ذلك قال في آخر الآية: فاحذروهم وهذا يكفيك في التفقه في معنى الآية. والسلام عليك ورحمة الله ..
سؤال: ما معنى قوله تعالى: والله الذي خلق السموات والارض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش (1) ما المقصود بستة أيام وما المقصود من
استوى على العرش؟
الجواب: اعلم أيها الابن العزيز أن هذه الآية الكريمة من متشابهات القرآن فقد قال الله تبارك وتعالى في سورة آل عمران: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين
في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء
1 - الآية 4 من سورة السجدة
682 (1/682)
صفحة 683
الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون امنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب) (1) فأيام الله من الغيب المطلق الذي لا يعلم تأويله إلا الله، ولن يستطيع أحد غير الله أن يعلم حقيقة هذه الأيام وقد قال في آية ا أخرى: (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (2)
وقال أيضا في آية أخرى: في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة (3) وهذا غيب استأثر الله تبارك وتعالى بعلمه. وكذلك العرش واستواؤه عليه هو من الغيب المطلق الذي استأثر الله بعلمه، ولا يعلم الغيب الا الله، فلا يستطيع مخلوق أيا كان من الإنس والجن والملائكة أن يعلم حقيقة الغيب، والله يقول: قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله) (4) فلا يجوز لنا نحن البشر أن نبحث عن معاني هذه الآيات التي هي من المتشابهات، ومن ذهب يحاول تفسيرها وفهم المراد منها ضل وعوى وانحرف عن سبيل الهدى. والله يقول: وما يعلم تأويله إلا الله وعلمنا أن نقول: امنا به كل من عند
1 - الآية 7 من سورة آل عمران.
2 - الآية 47 من سورة الحج
3 - الآية 4 من سورة المعارج
4 - الآية 65 من سورة النمل.
683 (1/683)
صفحة 684
ربنا ثم نفوض الأمر في معناها إلى الله، ولذلك يقول العلماء في مثل هذه الآيات: الله أعلم بمراده بها. ولم يرد عن الرسول لا شيء في معناها وحاشاه أن يقول فيها مع قوله تعالى: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ولم يسأله الصحابة رضي الله عنهم عنها، لأن قلوبهم طاهرة ليس فيها زيغ. فلا تبحثوا في هذه الآيات المتشابهات فإنكم لا تصلون أبدا إلى حقيقتها ولا إلى
عند
تأويلها، وإلا زاغت قلوبكم وانحرفت عن سبيل الهدى فوصفتم الله بما لا يليق بجلاله فوقعتم في الشرك من حيث لا تعلمون، فعلينا نحن البشر أن نفوض الأمر إلى الله في معاني المتشابهات وأن تقول: آمنا به كل من ربنا ونقول: الله أعلم بمراده بها ثم نسكت كما يفعل الراسخون في العلم، وإنما الذي علينا البحث فيه والسؤال عن حقيقة معناه هو آيات القرآن التي نزلت في أحكام العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية ومسائل الحلال والحرام وما أشبه ذلك مما يتعلق بأفعال المكلفين، وقد بينت السنة النبوية كثيرا من ذلك ودونه العلماء وأصحاب الحديث في كتب السنة ومن فضل الله علينا أن لم يكن شيء ذلك في الآيات المتشابهات كالتي سألت عنها. فاشتغل يبحثك وسؤالك بما يتعلق بعبادتك وعملك وخلقك من
من
صلاة
وصيام وزكاة وحج ومن نكاح وطلاق وما يتعلق بهما ومن
684 (1/684)
صفحة 685
معاملتك مع أرحامك وجميع أقربائك ومعاملتك للناس
وجميع من ما أمرت به ونهيت عنه.
هذه نصيحتي إليك وما يمكن أن أقوله جوابا عن سؤالك أمليه وأنا في حالة مرض شديد لطف الله وأرجو أن
بي
أكون موفقا الى الصواب، والسلام عليك أولا وأخيرا.
أسئلة تتعلق بالقرآن الكريم
سؤال: ما حكم تدوير اليد على الوجه عند قراءة سورة الإخلاص، وهل يؤجر فاعله؟
الجواب: إننا لم نعثر على أثر صحيح عن رسول الله الله أنه فعله أو أمر بفعله. ولا عن أحد من الصحابة أنه كذلك فعله أو أمر بفعله، ولا يعبد الله الا بما شرع.
سؤال: هل تجوز قراءة ما يسمى بنواوير القرآن؟ الجواب: لا تجوز قراءة ذلك بالصورة المستعملة
اليوم، وهو بدعة يجب إنكارها وإننا سنفرد لها قريبا إن شاءالله دروسا تسجل وتنشر، كما نعد فيها تحقيقا شافيا إن شاء الله سينشر مع الفتاوى إقامة للحجة وإحقاقا للحق وتطهيرا لهذا الوطن المؤمن من البدع التي أدخلت عليه
وألصقت به
•
685 (1/685)
صفحة 686
سؤال: هل على مستمع القرآن من المذياع من سجود
التلاوة عند آيات السجدة؟
الجواب: مستمع القرآن من المذياع يجب عليه السجود عند سماع آيات السجدة لاسيما إذا سجد التالي كما المعتاد ولا يقتضي سقوط الوجوب إلا إن كان على حالة يصح معها سجود أو تعذر فإنه يقضيه وقت الإمكان عند
هو
?
الجمهور ويقول بعض الفقهاء: إن السجود لا يجب على
يجب
المستمع إلا إذا كان واجبا على التالي وعلى هذا لا أو أسطوانة (فونوغراف) والذي نراه هو
على سامع صبي الوجوب مطلقا مادام المسموع هو القرآن كلام الله والسامع مكلفا، وحكم الإصغاء إليه واحد على كل حال أيا كان
التالي إنسا أوجنا، حيوانا أو جمادا
•
سؤال: كيف يمكن التخلص من بقايا المصاحف الممزقة والرسائل والكتب التي تحمل أسماء الله الحسنى وأسماء الأنبياء والرسل والآيات القرآنية والأحاديث النبوية؟ الجواب: لا يجوز رميها في الأنجاس والقاذورات ولا في سلة المهملات التي تؤول إلى ذلك، ولا إلقاؤها حيث تداس بالأقدام وتهان. وإنما طريقة حفظها هي ما صنعه الخليفة الثالث الإمام عثمان بجميع مصاحف القرآن الموجودة في زمنه يوم نسخ القرآن في المصحف الإمام في أربع نسخ (1/686)
صفحة 687
وقيل في سبع نسخ أرسلها إلى الأمصار الإسلامية لتكون هي المعتمد في الرسم والتلاوة، ثم أحرق جميع ها كان بأيدي الناس من المصاحف وكل ذلك بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم، وإجماعهم حجة فنحن اليوم نتخلص من جميع بجمعه وإحراقه تكريما له لا إهانة ـ ومعاذ الله ـ وذلك خير
ذلك
صحيح
مما يفعله البعض من الحفر لها في الأرض وردمها مسا لا أصل له في الشريعة، بخلاف الإحراق الذي له أصل في عمل الصحابة رضي الله عنهم، وما يستأنس به في هذا المقام ما روي من أن القرابين في بعض الشرائع السابقة كانت تجمع وتشعل فيها النار. وقيل تنزل نار من السماء فتأكلها كما تشير إليه الآية حتى ياتينا بقربان تاكله النار) (1) وآية (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من احدهما ولم يتقبل من الآخر (2) وإنما عرف القبول بنزول نار أكلت القربان كما ذهب إليه أكثر المفسرين. فآيات الله وأسماؤه الحسنى تصعد مع اللهب إلى الملكوت الأعلى ويبقى رماد المادة في
الأرض ليس فيها شيء.
1 - الآية 183 من سورة آل عمران
2 - الآية 27 من سورة المائدة
•
687 (1/687)
صفحة 688
مسائل تتعلق بسترة المرأة وسفرها
سؤال: رجل أصيبت زوجته بمرض البشرة أي مرض
جلدي ونصحها الطبيب بالذهاب إلى شاطيء البحر والاغتسال بمائه والبقاء تحت أشعة الشمس لمدة معينة لمعالجة هذا الداء فما حكم الشريعة في هذا والشواطئ لا تخلو من الناس
كما لا يخفى؟
الجواب: إن الاستحمام في البحر والاغتسال بمائه والتعرض لأشعة الشمس جائزة شرعا ولكن تعرض المرأة للانكشاف للأجانب غير المحارم حرام شرعا، فعلى هذا المبتلى أن يذهب بزوجته إلى مكان بعيد عن الأنظار وعن محتشدات المصطافين وعليه أن يتخذ وسائل لستر زوجته إذا رأى ما را قادما من بعيد وهذا سهل ميسور على من يحافظ على دينه وكرامته كأن يتخذ خيمة صغيرة أو نحوها من الستائر تأوي إليها امرأته للتستر من عيون المارة من الأجانب.
سؤال: هل يجوز للرجل أن يسافر بزوجته إلى بلد
اوروبية؟
الجواب: يجوز للرجل أن يسافر بزوجته إلى أي بلد
شاء بشرط أن يصونها ويحفظها ويمنعها من التبرج والسفور
688 (1/688)
صفحة 689
المحرم شرعا إذا كان يمكنه أن يقيم شعائر دينه في ذلك
البلد، ويحرم
عليه أن يسافر إلى بلد كفر لا يستطيع أن
يؤدي فيه شعائر دينه
سؤال: ما رأي الشرع الحنيف في سفر المرأة المسلمة
بدون زوج أو ذي محرم؟
الجواب: سفر المرأة المسلمة بدون زوج أو ذي محرم حرام شرعا، وسفرها لبلاد أجنبية غير مسلمة إن كان لضرورة كالمداواة والمعالجة فلا بأس به مع زوج أو ذي
محرم وإن كان لغير ذلك من الهوايات فمنهي عنه شرعا
رأسها
•
أما حجابها فيجب أن يكون ساترا لجميع جسمها من وشعر رأسها الى زند اليدين والى كعب الرجلين ويجب أن يكون فضفاضا أعني واسعا لا ضيقا مثل البنطلون الضيق وما يشبهه من اللباس المحصور الذي يصف بضيقه أجزاء الجسم من عورة وغيرها، وكل جسم المرأة عورة، ولتدل غطاء رأسها على جبينها ويستحسن لها أن تتنقب أي تضع على أنفها نقابا وهو المعبر عنه عندنا بكلمة (عجار) ولا يجوز أن يكون فيما ظهر من وجهها ويديها زينة. والسلام.
سؤال: ما حكم خروج المرأة من وطنها؟
الجواب: أما إخراج المرأة من وطنها فليس بمحرم شرعا لكن سلفنا بميزاب لما رأوا ما تتعرض له من المفاسد
689 (1/689)
صفحة 690
والشرور وما يترتب على الهجرة بها من خراب الوطن الذي فروا اليه ولجؤوا الى حماه للمحافظة على دينهم اتفقوا على تحجير الهجرة بالمرأة فجرى العمل بذلك وأذعن له الناس لاقتناعهم بفائدته وصلاحه. وها هو ذا الزمان قد جاء مصداقا لما رأوه إذ انتشر الفساد فيه وتفتحت أبوابه وسهلت أسبابه وعز فيه أمر صيانة الحريم وحياطته في غير ميزاب، فالأولى العمل بذلك الاتفاق والدفاع عنه ونهي الناس عن الهجرة بالمرأة وصدهم عن دلك بمختلف الوسائل إلا إذا حدثت ضرورة فإنها تقدر بقدرها ولا يمكن أبدا فتح الأبواب على مصاريعها فإن الفساد فيه محقق على أن ذلك مما لا ينبغي أن يشتغل به إلا أهله لاحتياجه إلى علم العلماء وحكمة الحكماء وتدبير ذوي الحصافة والرأي. أما العامة فينبغي لها الإذعان للواقع واتباع الاتفاق ما لم يحدث ما يبدله أو يعدله، فدافعوا عن القضية وأفهموا الناس واجبهم في صون الحريم وبينوا لهم فائدة العمل بذلك الاتفاق وضرر نقضه وخطر الهجرة. بيد أن لا تعجلوا بتكفيرهم إلا من تهتك منهم واقترف محرما فإن عليه لعنة الله، وأمر التكفير
كبير وخطره عظيم فلا يبادر إليه إلا ببينة من الأمر.
وبعد، فاننا نشكركم على غيرتكم على دينكم وأمتكم وكذلك فكونوا واحتسبوا أجركم على الله الذي لا يضيع أجر من أحسن عملا، والسلام عليكم ورحمة الله
القرارة يوم 23
الأنور 1356 2 جوان 1938 ربيع
690 (1/690)
صفحة 691
سؤال: هل يجوز للمرأة أن تنكشف لغير محرمها في الليل اعتمادا على قوله تعالى: (وجعلنا الليل
لباسا) (1)
الجواب: إنه لا علاقة للآية بهذه المسألة مطلقا وشرح ذلك يطول وإنه لا يجوز للمرأة أن تنكشف لغير محرمها في ليل أو نهار. إلا اذا كان الظلام حالكا بحيث لا يمكن للأجنبي أن يميز شيئا من ملامحها مما لا يجوز النظر إليه وضوء القمر كاشف يظهر من المرأة كل شيء، وربما زادت تحت أشعته جمالا، فكيف يبيح مسلم النظر إليها فيه فمدار
الحل والحرمة في المسألة إنما هو تبين الملامح وعدمه
سؤال: هل يجوز للعجوز أن تظهر صورتها لاستحقاق
منحة حكومية؟
الجواب: أما العجوز التي تجاوزت الثمانين من عمرها فما عليها من بأس إن أظهرت صورتها لتستدر بها رزقا ساقه الله إليها. وما كان ينبغي أن يشك في حل ما تأخذه من الدولة على ابنها الذي توفي تحت العلم، بل ما كان ينبغي لها أن تتركه وإن بها إليه لحاجة لدنياها وأخراها.
سؤال: هل يجوز مصافحة أم الزوجة وجدتها لأبيها أو أمها؟ وهل يجوز لامرأة الأخ أن تنكشف لأخيه؟
1 - الآية 10 من سورة النبا.
691 (1/691)
صفحة 692
الجواب: الصهرة وهي أم الزوجة وجدتها لأبيها أو لأمها مباح رؤيتها لأنها محرم للزوج .. وأما امرأة الأخ فلا لأنها ليست بمحرم بل أجنبية، ولو خرجت من الأخ بموت أو طلاق لحل لأخيه أن يتزوجها.
سؤال: ما حكم الإخوة مع زوجات بعضهم وأبناء الإخوة مع زوجات أعمامهم إذا كانوا يسكنون في بيت واحد؟ هل يجوز لهم مجالسة ومؤاكلة بعضهم البعض بدون حجاب كالمحارم؟
الجواب: إن زوجة الأخ ليست محرمة لأخيه وإن زوجة العم ليست محرمة لابن الأخ فهما أجنبيتان قطعا وليستا من ذوات المحارم المنصوص عليها في كتاب الله الكريم فلا يجوز لهن الانكشاف لإخوة أزواجهن أو لأبنائهم، ولكن لا يجب عليهن الاختفاء كلية في البيوت وعدم الحركة ومباشرة الأعمال الضرورية في الدار أمام إخوة الأزواج أو أبنائهم البالغين وإنما عليهن أن يدنين عليهن من جلابيبهن وأن يضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، وحينئذ يمكنهن السعي والحركة والعمل الضروري ولا حرج ولا إثم مع مطالبة الرجال بغض الأبصار وليس عليهن ولا عليهم في البيوت المشتركة أكثر
692 (1/692)
صفحة 693
من هذا ما طهرت الضمائر وسلمت القلوب. {وما جعل عليكم في الدين من حرج (1)
سؤال: لقد شاع في الأوساط الجزائرية أن المرأة لا يجب عليها أن تحتجب عن زوج أختها. وأن الرجل لا تحتجب عنه أخت زوجته ولا زوجة أخي زوجته، فهل هذا؟ أم في ذلك رخصة يصح الاستناد إليها في المذهب الإباضي أو في المذهب المالكي أو في غيرها من المذاهب الإسلامية المعتبرة؟
صحيح
الجواب: إن هذا باطل لا أساس له مطلقا ولا رخصة فيه في أي مذهب من المذاهب الإسلامية الثمانية المعتبرة اليوم في العالم الإسلامي لأن الحكم في المسألة منصوص عليه نصا صريحا في القرآن لا يقبل أي تأويل، فاقرؤوا آية النور: ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن (2) الآية. واقرؤوا آية الأحزاب: لا جناح عليهن في آبائهن) (3) الآية. وأولئك هم المحارم الذين لا تحتجب المرأة عنهم أما غيرهم فأجانب يجب أن تحتجب المرأة وليس وراء حكم الله حكم يلتفت إليه فإنه لا راد لقضائه ولا
عنهم
1 - الآية 78 من سورة النور وهي آخر آية منها.
2. آلاية 31 من سورة النور. 3 - الآية 55 من سورة الاحزاب.
693 (1/693)
صفحة 694
معقب لحكمه وقد أيدته السنة الصحيحة وعمل الصحابة
وإجماع الأمة.
•
وإذا كان هذا فما هو الشكل الذي يجوز للمرأة أن تظهر فيه أمام من تضطر إلى مساكنته في بيت زوجها كإخوته أو أبنائهم البالغين؟ الجواب: عن ذلك يؤخذ من قوله تعالى: ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وهو الوجه والكفان فيما أجمعت عليه الأمة من السلف والخلف فيما نعلم فمن اليسير الذي لاعنت فيه أن تلبس المرأة قميصا ذا يدين إلى الزند وعليه ثوب يسترها إلى الكعبين ولا بأس بانكشاف القدمين لأنهما يدخلان في ما ظهر) ثم تلف حول رأسها ورقبتها خمارا (محرمة أو شالا أو نحو ذلك مما يستر وشعرها ويبقى وجهها منكشفا فيمكنها حينئذ أن تسعى في شؤونها تذهب وتجيء وتأخذ وتعطي وتتحدث فيما يعني بأدب واحتشام فلا حجر في ذلك ولا حرام.
رأسها
ولا تتجاوز ذلك إلى المؤاكلة على الموائد والمداعبة والمزاح فإن ذلك حرام لأنه فتنة ووسيلة إلى ما هو أعظم من الفحشاء والمنكر، فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا هذا ما من الله به في الجواب
سؤال: هل يجوز شرعا أن ينظر الأخ إلى زوجة أخيه متكشفة كإحدى محارمه؟ وهل يجوز لها أن تنكشف هي لأخي زوجها كأحد محارمها؟ وما حكم من فعل ذلك منهما
694 (1/694)
صفحة 695
مرارا إن كان حراما؟ مع ملاحظة أن الأخوين يسكنان بدار
واحدة.
الجواب: إن زوجة الأخ ليست من المحارم وإن أخا الزوج ليس بذي محرم كذلك، فهما أجنبيان لا يجوز لها أن تنكشف له متعمدة ولا يجوز له أن ينظر إليها متعمدا إلا ما أذن الله تبارك وتعالى فيه في قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) (1) وهو عند جمهور الوجه خاليا من الزينة واليدان لاضطرارهما إلى الأخذ
العلماء
والعطاء والتناول بهما. فإذا كانت المرأة لا تخرج إلى الشارع إلا محتجبة بكسائها الساتر لجسمها كله غير العين أو العينين اللتين تنظر بهما كما كانت الصحابيات يفعلن فإن مثل هذا الحجاب يتعذر مع المرأة الساكنة مع بعض أقاربها غير ذوي المحرم بدار واحدة لاضطرارها إلى التحرك والتناول والعمل المختلف في الدار مما يمنع منه كساء الشارع فعليها إذا أن تكون ثيابها في البيت سابغة تستر جميع أجزاء جسمها وأطرافه، واذا أحست بدخول أخي زوجها مثلا أسدلت خمارها وشدته أو لوته على صدرها فذلك قوله تعالى: وليضربن بخمرهن على جيوبهن) (2) فإن الجيوب هي الصدور. وهذا أقل ما يمكن أن تحتجب به المرأة
1 - الآية 31 من سورة النور.
2 - نفس الآية. (1/695)
صفحة 696
الساكنة في بيت واحد مع قريب غير ذي محرم، وعليه هو أن يجعل أمارة يشعر بها المرأة بدخوله ولا يجوز له أن يفاجئها بالدخول من غير نصب أمارة، كما لا يجوز له تعمد النظر اليها بل عليه غض البصر فاذا كان التستر من جانب المرأة وغض البصر من جانب الرجل لم يبق حرج ولا اثم. أما ما يسبق النظر اليه من غير قصد فلا إثم عليه. وأما سؤالك عن حكم من فعل ذلك مرارا عمدا انكشافا من جانب المرأة أو نظرا من جانب الرجل فإن الحكم فيه إنما هو الندم والتوبة والاستغفار. هذا ما من الله به في الجواب وأرجو أن
أكون وفقت فيه إلى الصواب
المنح العائلية
سؤال: هل يجوز للأجير أن يتمسك بالثمن الذي يحصله من ناحية الأولاد؟ أي ما يسمى بالمنح العائلية)
الجواب: في سؤالك هذا شيء من الغموض إذ يحتمل صورتين: الأولى هل للأجير أن يطلب من مستأجره أن يسجله في سجل المنح العائلية لكي يأخذ المنح الرسمية على أولاده؟ الثانية: هل للأجير المرسوم في سجل المنح العائلية الذي له أولاد وكان مستأجره يقبض منحه أن يستمسك بحقه ويطالب المستأجر بأن يعطيه ما قبضه من منح أولاده؟
تعميما للفائدة أجيبك عن الصورتين فدونك الجواب: (1/696)
صفحة 697
المنحة العائلية حق لكل أجير لا يسوغ مطلقا منعه منها إلا برضا نفسه وطيبة خاطره فللأجير إذا أن يطالب (معلمه) أي مستأجره بأن يرسمه في سجل المنح العائلية ويدفع عنه واجبه لهذه المؤسسة ويأخذ الأجير منحته كاملة غير منقوصة إلا اذا كان بينهما اتفاق مبدئي على أن يخصم العدد المدفوع لمؤسسة المنح من مبلغ المنحة التي تدفع للأجير، فلا يقبض الأجير حينئذ إلا الباقي بعد طرح المدفوع لمؤسسة المنح، ولا يجوز للمستأجر ان يقبض شيئا من منح الأجير مطلقا بدون رضاه أو الاتفاق معه، كما لا يجوز له أن يمنعه جقه من الترسيم في سجل المنح، وإذا لم يقبل ترسيمه وأصر الأجير واستمسك بحقه فما عليه إلا أن يخلي سبيله ويخرجه من عمله فإنه لا يجبر شرعا على استخدامه كما أن الأجير لا يجبر شرعا على العمل عنده. فإن الإجارة عقد شرعي يتم بين المستأجر والأجير برضا واختيار فيجب الوفاء بجميع الشروط التي تضمنها العقد فإن «المؤمنين على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، هذا ما تيسر في جواب سؤالك وأرجو أن
تكون فيه كفاية. والحمد لله رب العالمين.
1 - رواه الترمذي في الباب السابع عشر من أبواب الأحكام من حديث جاء فيه المسلمون على شروطهم الا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما.
697 (1/697)
صفحة 698
التأمين
سؤال: ما رأيكم في التأمين على الأنفس
والسيارات؟
الجواب: أنواع التأمين كثيرة لا تحصى مختلفة الأحكام جوازا أو منعا لا تمكن الفتوى فيها إلا على كل نوع، ومن الأنواع الجائزة التأمين على السيارات الذي
بانفراده
توجبه جميع الحكومات اليوم على سائر وسائل النقل الخاصة
والعامة للوسيلة نفسها ولركابها
•
في اللقطة
سؤال: ما حكم ما يجده الإنسان في الطريق من
دراهم وغيرها؟
الجواب: ما يجده الإنسان في الطريق من دراهم أو
غيرها فهو لقطة يبحث عن صاحبها فإذا تعذر العثور عليه تصدق بها أو بقيمتها على الفقراء وإن كان فقيرا أخذ
معهم،
وله أن يستقل بها
هذا ما من
الله به في الجواب (1/698)
صفحة 699
في الرشوة
سؤال: ما مفهوم الرشوة في الشريعة الإسلامية؟ وهل يجوز لمسلم أن يعطي مالا رشوة لذي سلطان ليحكم له بحقه وليمكنه من أخذه؟
الجواب: إن مفهوم الرشوة وحكمها مأخوذ من قوله تعالى: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكوا فريقا من أموال الناس بالاثم وأنتم تعلمون) (1) فهي حرام قطعا، إذا أريد بها التوصل إلى أكل أموال الناس بالباطل، فالراشي والمرتشي في هذا الحال ملعونان، وأما إذا كان لرجل على آخر حق يقيني لا يرتاب فيه وامتنع من أدائه حتى رفع الأمر إلى ذي سلطان وتيقن صاحب الحق أنه لا يحكم له بحقه ولا يتوصل إلى أخذه إلا بمال يدفعه لمن بيده الأمر فإنه يجوز له أن يعطيه ما يتوصل به إلى أخذ حقه ولا حرج عليه ولا إثم في
ذلك إن شاء الله، وأما القابض فأمره مفوض إلى ربه
معاملة العزابة للعصاة
•
سؤال: هل يجوز للعزابة قبول تهنئة العيد في المسجد بالمعانقة أو المصافحة ممن اشتهر بكبائر موبقة يقترفها جهارا ... ؟ وهل يُعد ذلك القبول منهم تشجيعا
للعصاة على تماديهم في معاصيهم؟
1 - الآية 188 من سورة البقرة. (1/699)
صفحة 700
الجواب: - والله أعلم - هو أن الحكم يختلف باختلاف الأحوال فمن أعلنت البراءة منه في المسجد على رؤوس الملا لمجاهرته بمعاصيه فإن هذا لا تقبل مصافحته ولا معانقته وخاصة من طرف العزابة إذا تقدم لتهنئتهم في المسجد يوم العيد حتى يتوب من ذنبه ويثوب إلى رشده، وأما من لم يعلن ببراءته في المسجد حسب العادة المتبعة وكان ممن اشتهر بالموبقات فإن التقدم إليه لتهنئته بالعيد مثلا، من أفاضل القوم وخاصة العزابة غير مقبول شرعا لغير ضروروة. وأما إن تقدم هو في المسجد لتهنئة العزابة بالعيد مع المسلمين فإنا لا نرى رفض تهنئته بل نرى قبولها. وينبغي أن تكون بالمصافحة ولا نرى في قبول تهنئته تشجيعا له على التمادي بل نخشى أن يكون الرفض دافعا على التمادي ونرجو من وراء حضوره في المسجد وسماعه لدرس الوعظ والإرشاد وشهود صلاة العيد وسماعه لخطبته ورغبته في مصافحة المؤمنين القائمين بعمارة المسجد أن يخشع قلبه
عامة
لذكر الله وينشرح صدره للتوبة والإنابة ولو بعد حين، ولعل هذا خير من أن يرفض ويعرض عنه فتأخذه العزة بالإثم فيهجر المسجد وأهله وما يقام فيه من شعائر الله. ومع هذا كله فلا بد أن تكون هناك حالات استثنائية لمعاملة بعض الأشخاص يدركها المسؤولون عن بيوت الله والقائمون بالوعظ والإرشاد والتوجيه الديني فيعاملونهم بما يرجون فيه صلاح
700 (1/700)
صفحة 701
حالهم
،
فقد
يرون في شخص ما أن إعراضهم عنه يؤثر عليه
تأثيرا حسنا فيأتي إليهم تائبا منيبا لا تأخذه العزة بالإثم فيزداد إعراضا. وفي مثل هذا يقال: أهل مكة أدرى بشعابها. وجماع الأمر كله هو في قوله تبارك وتعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة (1) والسلام عليكم ورحمة الله.
في تفريق الصدقات بالمسجد
سؤال: بلغني أنك تمنع بعض الذين يكونون بداخل الصدقات المحراب من شباب وغيرهم من حقهم المشروع في التي يؤتى بها إلى المسجد لتفرق فيه بدعوى أنهم لا يقتربون من مجلس الذكر والتلاوة. ولا يهتمون بالإنصات للتلاوة وإنما يشتغلون بغير ذلك من حديث دنيوي أو لعب أو نحو ذلك؟
السلف
الجواب: اعلم أيها الأخ ـ إن صح ما بلغني ـ أنك لم توفق إلى الحق والصواب في قرارك هذا، فإنه لا يوافق شرعا ولا عقلا وسيرة من السير الحسنة الموروثة عن والمتبعة في مثل هذا الحال. فإن الصدقة يُقصد بها جميع من بداخل المسجد، ولهم جميعا الحق في نصيبهم من تلك
1 - الآية 125 من سورة النحل.
701 (1/701)
صفحة 702
الصدقة إذا حضر وا تفريقها، ولا حظ فيها لمن خرج من المسجد قبل تفريقها، ولا لمن جاء بعد الانتهاء من تفريقها. لا تدخر لغائب ولا يمنع منها حاضر، قارئا أو ساكتا أو مصليا أو نائما أو متحدثا مع صاحبه، قريبا كان في مجلس التلاوة أو بعيدا عنه، لا يخص بها بعض دون بعض، إلا ما جرت به العادة منذ القديم. فأصبح سيرة متبعة من تفضيل أصحاب
المجلس بقدر زائد محدود في سهامهم، هذا هو وجه الحق في تفريق صدقات المسجد
•
أما ما يصدر من بعض الناس من عدم رعاية حرمة المسجد وحرمة القرآن الذي يُتلى، أو كلمة الوعظ التي تلقى، بانشغالهم بحديث دنيوي أو لعب أو نوم أو نحو ذلك، فإنهم ينهون عن ذلك وينكر عليهم ويُشدد في الإنكار، وقد تقتضي الحال عقابهم بما يراه القائمون على
المسجد ردعا لهم أما
حرمانهم من حقهم في الصدقات فهذا مما لا يسوغ. فانظر وفقك الله في الأمر وأعد النظر في قرارك هذا إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (1) وإن ارتأيت أن تطلع هيئة العزابة المحترمة على كتابي هذا ليروا رأيهم في القضية، فحسنا تفعل، ولك الفضل إن بلغت سلامي
إليهم جميعا
1 - الآية 88 من سورة هود.
702 (1/702)
صفحة 703
في العادات والتقاليد
سؤال: هل يجب على الإنسان أن يتبع تقاليد قومه في الامتناع عن إتيان بعض المباحات غير المحرمة شرعا إلا أن بعض الأجداد قد منعوا منها أبناءهم ونهوهم عن إتيانها لسبب ما؟ وهل يلحق الضرر من يخالف هذه التقاليد من أبناء
ذلك
أُولئك الجدود؟ الجواب: أما من حيث الوجهة الشرعية البحتة فإن هذا لا أصل له مطلقا ولعله في أكثر صوره يرجع إلى نوع من الطيرة المنهي عنها، فمن دعته الحاجة إلى شيء من فليأته وليتوكل على الله فهو حسبه، وليس في ذلك بأثم فلا يلام ولا يُعنف، وأما من حيث العادة والتقاليد فمن تمسك بشيء من ذلك وألزم به نفسه خاصة فله ما اختار لنفسه ولا نراه بذلك أثما إلا إن تعدى حدود الله فاعتقد أن اتباع تلك التقاليد واجب مفروض وأن مخالفتها حرام أو حكم بالإثم
والعصيان على مخالفها
•
وأما دعوى نزول المصائب بالمخالفين فإنا لا نراها إلا من أوهام العوام فإن المصائب كثيرة ومتنوعة لا تزال تنزل بالناس أفرادا وجماعات من كل جنس ومن كل دين ومن كل قبيل
ولا يعلم حقيقة أسبابها إلا علام الغيوب هذا ما من الله به في الجواب وأرجو أن يكون عين الصواب إن شاء الله (1/703)
صفحة 704
في كتابة الحروز وما في معناها
سؤال: ما حكم الكتابة التي يكتبها الفقهاء للأبناء
الصغار وغيرها من الكتابات؟
الجواب: لم نفهم على وجه التحقيق ما مرادك بهذه الكتابات، فإن كان المراد الحروز التي يكتبها بعض الطلبة: يكتب آيات قرآنية في قرطاس ثم يطوي ثم تخاط عليه قطعة قماش أو جلد فيعلق على الصبي مثلا بنية الحفظ والسلامة من العين أو من شرور الشياطين أو نحو ذلك فإن العلماء لا يرون بذلك بأسا إنما يجب حفظ هذه الكتب
من الأنجاس.
في الدعاء
سؤال: ما نظر الشرع الحنيف في دعاء المؤمن
لأخيه المؤمن الغائب؟
الجواب: دعاء المؤمن لأخيه المؤمن الغائب عنه حيا كان أو ميتا أمر مشروع جاءت به الآثار الصحيحة وهو المعبر عنه بالدعاء بظهر الغيب ولو لم يكن به نفع للمدعو وللداعي
لما شرع ولما أمر به
704 (1/704)
صفحة 705
سؤال: ما هو أفضل الدعوات التي يستحب أن يدعو
بها الإنسان؟
الجواب: أما سؤالك عن خير الدعوات فإن خير الدعوات هي التي في القرآن الكريم وأنت تحفظها ولا
تجهلها
في الكهانة
سؤال: هل يجوز أن أسأل أحد الكهان عن سرقة أصبت
بها أو غير ذلك؟
الجواب: لا يجوز شرعا الذهاب إلى الكهان والعرافين فقد نهى الرسول لا عن ذلك فقال ما معناه: (من أتى عرافا أوكاهنا فصدقه فقد كفر بما أنزل على
محمد (1)
1 - رواه احمد عن ابي هريرة والحسن عن النبيء لا ولفظه: من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد. انظر
المجلد الثامن صفحة 429
•
وهو عند الربيع في الحديث الحادي والسبعين بعد التسعمالة بلفظ: من أتى عرافا أوكاهنا أو ساحرا فصدقه فيما يقول فهو بريء مما أنزل الله على
وهو عند مسلم بلفظ: من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة
أربعين ليلة. انظر باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان من كتاب السلام. (1/705)
صفحة 706
سؤال عن الجنين الراقد
سؤال: هل يمكن بقاء الجنين في البطن أكثر من
تسعة أشهر؟
ممن
الجواب: سألت خبراء وخبيرات وبعض أطباء لهم علم بالأمراض التناسلية فنفاه أكثرهم وأثبته قليلون منهم، وسألت كثيرا من خبراء الأعراب أصحاب المواشي هل يكون هذا منها فأجابوا بالبقاء. ولم نر امرأة عفيفة ممن يدعين رقود الجنين في البطن ولدت بعد سنين من غير أن يأتيها زوجها فيوقظ الولد الراقد كما يقولون والمعروف عند الناس اليوم أن المرأة إذا رقد جنينها في بطنها فإن على الزوج مباشرتها وأنه إذا استيقظ في البطن فإن مدة الحمل كاملة تسعة أشهر جديدة. فيغلب على الظن أنه ولد جديد. وكل من ادعين الراقد عندنا متن بأجنتهن أو عاد إليهن أزواجهن فولدن بعد تسعة أشهر. فما رأينا إلى اليوم غير هذا فالغالب على الظن بطلانه. لكنا لا نزال نحكم بصحته إذا قالت الأمينات بوجوده في البطن فيتوقف قسم التركة إلى ولادته وتنفق الأم المطلقة إلى خمس سنين ثم تسقط النفقة. بيد أنها لا تتزوج ما دامت تعتقد أن فى بطنها جنينا. تلك هي أحكام الشريعة فيه كما نص الفقهاء، ولا نزال نحكم بها عندنا نفيه بيقين، ونرى أن الضرورة تقضي حتى يصح
706 (1/706)
صفحة 707
بعرض المدعية على من يوثق بعلمه وشهادته من الأطباء المستكشفين للخبايا بأشعة الراديو فيحكم بقولهم إثباتا ونفيا. وهدا خير من منع حقوق وإيجاب أخرى بشبهة لا بينة عليها ولا يقين. وأذكر من الشبهة أيضا أن جميع
اللاء
يدعين رقود الجنين في بطنهن يحضن حيضا منظما مطردا ... فما هذا؟ الله أعلم بالحقيقة. وصلى الله على
سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
سؤال عن حقيقة الشيطان
سؤال: ما حقيقة الشيطان أرجل هو أم امرأة؟ الجواب: أما السؤال عن الشيطان أهو رجل أم امرأة فإن هذا من الفضول التي لا يجوز الاشتغال بها، فإن الجن والشياطين والملائكة من عالم الغيب الذي لا يعلم حقيقته إلا خالقه. وقد نهى الله عن ذلك في كتابه فقال: (وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن إناثا أأشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون) (1) وكذلك لم يشهد أحد خلق الشيطان حتى يحكم عليه بذكورة أو أنوثة، فاشتغلوا بما يعنيكم ولا تشتغلوا بهذا الفضول، والسلام عليك أولا
وآخرا.
1 - الآية 19 من سورة الزخرف.
707 (1/707)
صفحة 708
سؤال عن أصل الإنسان
سؤال: هل أصل الإنسان قرد كما يقوله البعض؟
الجواب: الإنسان الأول هو أبونا آدم عليه السلام بنصوص جميع الكتب المنزلة من السماء على جميع الرسل وآخرها القرآن الكريم، فاقرؤوا آيات القرآن التي فيها الكلام على خلق الإنسان تجدوا الحق الذي يجب اعتقاده في هذه القضية العظمى التي تعلو على عقول البشر أجمعين فإنها من الغيب المطلق الذي لا يعلمه إلا رب العالمين، فلا يؤخذ فيها إلا بقوله ولا يعتقد فيها إلا ما أخبر به على ألسنة رسله، وكل ما خالف هذا فباطل وإفك وزور. وهذا هو الجواب عن سؤالكم القائل هل أصل الإنسان قرد كما يقوله البعض) كأنك تشير إلى نظرية داروين) في أصل الأنواع المعروفة بنظرية النشوء والارتقاء التي أداه إليها مرآه من تشابه في أجزاء أنواع مختلفة من أجسام الحيوانات التي درسها ولم يقل بالبساطة التي تتصورها أن (أصل الانسان قرد على أن العلم الحديث بعده قد أبطل الأسس المهمة من نظريته فلا يؤدي هذا التشابه على فرض صحته إلى اتحاد الأصول فلا تزال أنواع الحيوانات مختلفة متباينة أصولا وفروعا منذ أقدم العصور. ولا تزال السلالات المتحدرة من أصولها العريقة في القدم نسخا طبق الأصل منها على بعض
V.A (1/708)
صفحة 709
اختلافات قليلة تقتضيها طبيعة البيئات المختلفة لا تخرجها عن نوعها الأصلي إلى نوع آخر أو الادعاء أن أصل هذه الأنواع المتباينة واحد. وخاصة منها الإنسان الذي خصه الله تبارك وتعالى ببيان أصل خلقته وتكوينه في كتابه الكريم في آيات بينات لا تقبل الجدل ولا التأويل. وحرام على المسلم أن يتعداها إلى نظريات خيالية لبعض البشر الذين قال فيهم تبارك وتعالى: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) (1) والذين لا تبقى نظرياتهم أكثر من حال إذ سرعان ما يأتي من ينقضها من أساسها، فاتقوا الله والزموا
کتاب ربكم تلاوة وفقها وعقيدة وعملا. والسلام عليكم
ورحمة الله
عن مآل المؤمنات في الجنة
سؤال: ماذا يكون مآل المؤمنات في الجنة إذا كان
المؤمنون يتزوجون الحور؟
الجواب: ثبت في الصحيح أن المؤمنات اللاء توفين في عصمة أزواجهن يكن زوجات لهم في الجنة إن سعدوا بها وكذلك اللاء توفي أزواجهن ولم يتزوجن بعدهم. وأما من لم تتزوج في الدنيا ومن كان زوجها شقيا من أهل النار فقد
1 - الآية 85 من سورة الإسراء
709 (1/709)
صفحة 710
ورد في بعض الآثار أنهن يتزوجن في الجنة بالمؤمنين الذين لا أزواج لهم في الدنيا أو كانت زوجاتهم شقيات من أهل النار والحق في هذا أنه من الغيب الذي استأثر الله بعلمه فالسكوت عنه والتفويض أولى من الاشتغال به
سؤال عن كتاب تفيد مطالعته في الدين والسلوك
سؤال: تسأل عن كتاب تفيدك مطالعته في دينك وسيرتك وتجد فيه شرح بعض أعمال البر وبعض الأدعية التي يتوجه بها العبد إلى ربه المغفرة ذنوبه وتفريج كروبه وقضاء
ديونه؟
الجواب: عليك بكتاب قناطر الخيرات) للشيخ اسماعيل بن موسى الجيطالي رحمه الله. فإنك تجد فيه خيرا كثيرا مما يفيدك لدنياك وأخراك.
العمل بالتلفون
سؤال: هل يصح لنا شرعا أن نعمل بالتلفون؟
الجواب: صحة العمل بخبر التلفون ما نظن أن بكم حاجة الى دليل تنبهكم عليه بعد أن عرفتم منها ما عرفتم
710 (1/710)
صفحة 711
وسمعتم ما سمعتم، فاقْدَحُوا زناد فكركُم للاحتجاج، فإنكم واجدون فيه ذخيرة برهان وحجة، أما بسط الأدلة فمَوْضِعها الكتب المؤلفة في ذلك
في الصور
سؤال: ما حكم التصوير بالأدهان والأصباغ؟
الجواب: التصوير بالأدهان والأصباغ جائز شرعا لا
حرج فيه وما على صانعه من بأس.
سؤال: هل التصوير الشمسي محرم؟ وهل يتناوله نهي النبيء عن التصوير؟
الجواب: التصوير الشمسي مباح جائز ومفيد ونافع وضروري في كثير من الحالات. ولا يدخل أبدا في نهي النبيء عن التصوير، وما هو إلا كصنع المرايا التي تنطبع فيها الصور، وهي موجودة زمن النبيء المستعملة منتشرة ولم ينه عنها، ولا يزيد التصوير الفوتوغرافي منها إلا باستعمال مادة لحفظ الصورة بعد زوال الشخص من أمامها فدعكم من الهوس والوسواس
سؤال: ما حكم تعليق صور العظماء والمناظر الأخرى
والآيات القرآنية؟
711 (1/711)
صفحة 712
الجواب: أما التماثيل فحرام تعليقها أو وضعها على رفوف أو نحوها تعظيما لها، وأما الصور الزيتية والفوتوغرافية فلا بأس بها، ما لم تكن صُوَرا خليعة تثير
الشهوات البهيمية والغرائز الجنسية فإن هذه محرمة قطعا لبعثها على الفساد، وخير من ذلك كله الآيات القرآنية
والأحاديث النبوية والحكم البليغة
في
الغناء والموسيقى وآلات الطرب
سؤال: ما حكم الشريعة في الموسيقى وآلات الطرب
الحديثة؟
الجواب: أن الكلام على الموسيقى وآلاتها مرتبط بالكلام على الغناء، والغناء والموسيقى قديمان قدم الانسان، وإن تطورت آلاتها واختلفت باختلاف الزمان والمكان، ولعلماء المسلمين من صدر الإسلام كلام كثير مبسوط في كتب الفقه لسائر المذاهب، خلاصته أن الغناء وهو الصوت المطرب بألفاظ ذات معنى مفهوم هو كلام كسائر الكلام حلاله حلال و حرامه حرام باعتبار معانيه التي يدل عليها، وليس للتغني به والتطريب بتلحينه دخل في التحليل والتحريم، فإن كان في ذكر الله وشكره ومدح أنبيائه ورسله والدعوة إلى دينه والاشادة بالفضائل والاخلاق
712 (1/712)
صفحة 713
الإسلامية والتحريض على الجهاد في سبيل الله بالنفس والمال ونحو ذلك مما يحيي القلوب ويدفعها إلى الخير كان أمرا محمودا يرجى بره وذخره عند الله تبارك وتعالى، وإن كان في وصف الطبيعة وجمالها وما زين الله به هذا الكون الفسيح في سمائه وأرضه وما أودع فيه من أسرار كان ذلك مباحا، وبالنية الحسنة يصبح طاعة. وإن كان في وصف النساء والغلمان وما يتصل بذلك من فحش القول وهجره مما يحرك الغرائز الجنسية ويثير الشهوات البهيمية ويبعث في النفس دواعي الفسق والفجور فإنه حرام بدون شك ولا ريب، إنشادا واستماعا، ويحرم قطعا كذلك مهما كان موضوعه إذا كان المغني امرأة أجنبية متبرجة بمجلس رجال أجانب عنها، وخاصة إذا رقصت وتلوت لتحرك بتلويها وحركاتها مكامن الفتنة من الغرائز السفلى وتثير بإظهار مفاتنها الشهوات البهيمية، ويعظم الخطر ويكبر الإثم حتى يكون من أكبر الكبائر وأفحش الفواحش إذا حضر بالمجلس شراب حرام، خمر تدار كؤوسها علنا محاداة الله ولرسوله على الحاضرين، فإن هذا مجلس شيطان لا يجوز الدخول إليه ولا الجلوس فيه ولا التمادي فيه لمن دخله غير عالم بما يقع فيه.
وأما آلات الطرب الصماء التي لا كلام فيها كالطبول والمزامير والعيدان وما أشبههما من ذوات النفخ والطرق فإنها
713 (1/713)
صفحة 714
إذا انفردت عن الغناء كانت من قبيل اللهو الباطل المكروه
يصحب
غناء
الشديد الكراهة لصده عن ذكر الله، وإذا كانت الكلام فإن حكمها حكم الغناء لكنه يكره كراهة شديدة أن الغناء بذكر الله وشكره وما ذكر معه آنا بشيء من هذه الآلات لأن ذلك قد يؤثر تأثيرا عكسيا في المستمعين فيفسد القلوب ويحول اتجاهها عن هدف الذكر والاتعاظ إلى المتعة الحسية والشهوة الدنيوبة، وإذا صحب هذه الآلات الصماء خمر أو تبرج أو اختلاط بين الجنسين إختلاطا فاضحا، أو مورست فيه أعمال أو حركات مثيرة للغرائز الدنيا ومحركة للشهوات البهيمية وداعية إلى الفجور كان ذلك محرما قطعا، فاتقوا الله حق تقاته وتحروا لدينكم واجتنبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن
سؤال: ما حكم جهاز التلفزيون؟ أيباح اقتناؤه واستعماله أم هو حرام؟
الجواب: إن التلفزيون كغيره من كثير من مخترعات العصر الحاضر له حسنات وسيئات ومنافع ومضار فلا يمكن مطلقا أن يفتى فيه بحكم عام شامل، كأن يقال مثلا: إنه حرام لا يجوز النظر إليه، أو أنه مباح مطلقا كل ما يعرض فيه أو مثل هذا من الأحكام العامة التي يتعذر وجود دليل يصح الاعتماد عليه في مثل ذلك، إنما الأمر يرجع إلى
714 (1/714)
صفحة 715
طريقة استعماله، فلا يعدو أن يكون آلة من الآلات فإن
جميع
الآلات التي بين أيدينا يمكننا أن نتفع بها وأن نضر
فسيفك تقتل به مشركا فتسعد، أو تقتل به مسلما فتشقى، وقلمك تكتب به حقا أو تكتب به باطلا. وهكذا كل ما لا يعد ولا مما سخره الله لنا من آلات وأدوات وأجهزة
يحص
وغير ذلك. وقد قال لنا: هو الذي خلق لكم ما في
الأرض جميعا) (1)
فالاستعمال فقط هو موضوع الحكم ومناطه. والسلام
عليكم ورحمة الله
سؤال: ما حكم الاستماع للغناء وآلات الطرب؟
الجواب: سماع الغناء وآلات الطرب إن كان من امرأة أجنبية سافرة متبرجة فهو حرام ومعصية كبيرة. وإن صحبه شراب كالخمر كان كذلك معصية كبيرة اتفاقا، وإن كانوا فلعلماء الأمة رجالا وحدهم في مجلس ليس فيه شراب محرم فيه خلاف كبير منهم من يراه معصية كبيرة، ومنهم من يرى أن معصيتهم صغيرة ومنهم من يرى دون ذلك إن لم يكن فيه ما فتنة أو شرا. والغناء المجرد الذي لا
يهيج
يهيج
بآلة أمره عندهم أخف وأيسر وأهون لثبوت ما يضرب معه
صلى الله حدا الحادون وارتجز المرتجزون بين يدي النبيء
1 - الآية 29 من سورة البقرة.
،
715 (1/715)
صفحة 716
سؤال: ما حكم المزمار في الأفراح اذا لم يكن معه
اختلاط النساء بالرجال، ولا تناول المحرمات كالخمر وغيرها؟
ذلك
الجواب: لا يشك مسلم في أن المزمار ضرب من ضروب اللهو المنهي عنه فقد قال: «صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة، صوت مزمار عند نعمة، ومرنة عند مصيبة» (1) وقد عده الشيخ اسماعيل الجيطالي من منكرات اللسان التي يجب التحفظ منها. حيث قال: (من صوت الغناء والمزامير عند اللهو والنعمة وقد ورد الترخيص بضرب الدف لإشهار النكاح عن النبيء وعند أفراح العيد كذلك، ولم يرد في المزمار شيء من ذلك، فإذا كان مع المزمار اختلاط وانكشاف بين النساء والرجال، أو كان معه تناول محرمات كان ذلك ذنبا كبيرا وفاحشة يحرم حضورها والمشاركة فيه قطعا يقينا ولا خلاف في ذلك بين أئمة الإسلام من السلف والخلف، وإذا لم يكن فيه شيء من ذلك كان الأمر فيه أخف وأيسر، وهو سيئة من السيئات ما في ذلك ريب لكنه لم يبلغ حد الكبائر الآنفة الذكر، والله وحده المصنف للذنوب والعليم بدرجاتها، وقد
جميع
1 - روى الترمذي في الباب الخامس والعشرين من أبواب الجنائز حديثا جاء فيه: نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان
716 (1/716)
صفحة 717
جعلها فواحش وكبائر وسيئات. وقال: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم
مدخلا كريما) (1)
سؤال: ما حكم الشريعة في الاستماع للراديو ومشاهدة التلفزيون والسينما وخاصة الأفلام الغرامية للترفيه والتسلية؟
الجواب: لا يمكن إطلاق الحكم في هذا فإن برامجها مختلفة. فيها الخير وفيها الشر. وشرها مختلف منه المكروه ومنه الحرام القطعي. فالنظر إلى العورات المكشوفة وأعمال الجنس حرام قطعا وكبيرة نصا وإجماعا. والاستماع للفحش الصريح المكشوف حرام كذلك وما دون ذلك مكروه وقد يكون شديد الكراهة ولا يخفى عنك شيء من هذا ولا محل للتفصيل بالتمثيل. وكذلك الاسطوانات فإن ما صرح فحشه واستعلن فجوره يدخل في باب محبة شيوع الفاحشة في الذين آمنوا، والله تبارك وتعالى يقول: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة) (2)
1 - الآية 31 من سورة النساء
2 - الآية 19 من سورة النور
717 (1/717)
صفحة 718
سؤال: سألت عن حكم الطبول والمزامير في الأعراس بما يصحبها من (رشق) وهو إلقاء مبالغ من دنانير ودراهم للزمار على أن ينوه بالذي أعطى وينادي باسمه؟
الجواب: اعلم أن هذا منهي عنه في الشريعة وهو شديد الكراهة ما لم يصحبه اختلاط النساء بالرجال وتبرجهن وشرب الخمور، فإذا صحبه شيء من ذلك كان من أكبر كبائر الذنوب والفواحش والموبقات.
الألعاب والرياضات
سؤال: سألتني في رسالتك عن حكم الاسلام في رياضة كرة القدم وعن الرهان عليها أسئلة طويلة في أربع صفحات. فدونك الجواب باختصار:
الجواب: الرياضة في مفهومها الحقيقي ومعناها الأصلي حركات جسمانية يقوم بها الشخص لتمرين عضلاته وتقوية جسمه في بعض أوقات فراغه. وهي بهذا المعنى تدخل في قسم المباح المسكوت عنه شرعا. أما بالمعنى المصطلح عليه اليوم من تأسيس جمعيات ونواد للعبها المختلفة وخاصة منها كرة القدم فإن العالم جن بها جنونا. وخرج بها عن كل حد معقول مما لا يمكن أن يبيحه أي دين سماوي وخاصة دين الإسلام. ولا أجد وصفا أبرع
VIA (1/718)
صفحة 719
لانحراف كرة القدم عن الجادة من الوصف الذي بسطته في رسالتك. فقد أصبحت حربا تمام سوقها طلبا للتسلط والقهر والغلبة ومبعثا للحمية والعصبية ومثارا للمخاصة والشقاق والمنازعة والسب والشتم والتنابز بالألقاب والتقاتل بمختلف الوسائل وإفساد المال بتخريب وسائل نقل الفرق الخاصة والعامة، ومن أسخف ما ينشأ عنها تقاتل المتفرجين
فيما بينهم عصبية وحمية.
أما عن الصد عن ذكر الله الصلاة
وعن
وعن
الأعمال
عن
الصالحة النافعة التي هي الباقيات الصالحات فحدث البحر ولا حرج وكذلك عن تبذير الأموال الطائلة في ركوب الأسفار والتعرض للأخطار في السيارات والقاطرات رفي والطائرات لمجرد التفرج عليها. فأي خسارة أفدح من هذه الخسائر للصحة والوقت والعمر والمال؟ وما رأينا قط قوما جنّوا من هذه المباريات أخوة ولا لمحبة ولا سلاما ولا
فماذا
وئاما، إلا شقاقا ونزاعا وخصاما ومن وراء كل ذلك آثاما. أن يكون حكم الإسلام في ذلك غير المنع منه كحكمه في كل ما كان إثمه أكبر من نفعه، وليس قصد
عسى
حفظ الصحة بمبيح لكل هذا اللهو الباطل.
وأما الرهان على ذلك فمن الميسر بدون أي ريب. وأما
الرهان الوارد في الحديث فبينه وبين هذا بعد المشرقين. ولا
مجال هنا للشرح والتفصيل.
719 (1/719)
صفحة 720
سؤال: ما حكم الرياضات التي شاعت ممارستها في هذا العصر، وهي خطيرة جدا كالملاكمة و (الجيدو) والكاراتي) و (لالوت) و (لا يكيدو) وما شاكلها. لما ينشأ عنها من كسر عضو أو تلف جارحة أو فقد حاسة أو موت، مع العلم بأنها لا تمارس إلا بالمشاركة بين اثنين فأكثر، بدعوى تعلم وسائل الدفاع عن النفس؟
الجواب: إن الرياضة المشروعة في الإسلام هي - فيما نعلم ـ الفروسية والسباحة والرمي والسباق. وقو وردت فيها سنن عن النبيء الا وهي كلها تمارس بصورة فردية، حتى السباق وإن كانت تجري تحت إشراف مدرب وإن وقع بسببها حادث فإنما هو خاص بصاحبه ولا تبعة فيه على غيره وحتى المصارعة كانت معروفة عند العرب في صدر الاسلام، إلا أنها تمارس بصورة بسيطة جدا كما يعرفها شباب كل جيل، وهي أن يتشابك اثنان يحاول كل منهما إلقاء صاحبه على الأرض فقط. وليست من المصارعة والملاكمة في عرف الناس اليوم في شيء، وما أبعد ما بينهما. وهي قليلة
الخطر. وأما المصارعة والملاكمة اليوم وما ذكر معها في السؤال فإنها خطيرة جدا لما ينشأ عنها من أضرار من إتلاف عضو إلى ازهاق روح. فأما ممارستها هواية وطلبا للشهرة أو المال فلا نرى أن الشريعة تبيحه ولا أن من أحدث بسبب ذلك ضررا لنفسه أو لغيره يسلم من تبعته في الدنيا
720 (1/720)
صفحة 721
يحرم
عن النفس فإننا لا نستطيع أن ندعي أنه حرام لا يجوز عمله، لكننا تقول إنه خطير جدا يجب الاقتصار فيه على القدر الضروري وأقل ما يمكن منه، وضبط النفس وتهدئة الأعصاب عند التمرين. وأرى أن بعض صوره الأشد خطرا استعمالها كتوجيه الضربة إلى العين أو الجهاز التناسلي مباشرة. ولست على علم بسائر فنونه حتى أفصل الحكم فيه، ومن أحدث منهم ضررا في بدنه فليستغفر الله وليسأله العفو عنه. فربما كان عند الله مخطئا وأما من أحدث ضررا في غيره فإن عليه أرش ما جرح ودية ما أتلف إلا أن يعفو المصاب، والدية هنا دية شبه العمد وأما الإثم فلا إثم لأن الضحية عرض بنفسه لذلك طائعا مختارا بل راغبا. وهذا العفو والمحاللة من المجني عليه للجاني هو المخرج الوحيد من هذه المآزق كلها. ويمكن لمزيد الاحتياط اشتراط التعهد بالمحاللة والمسامحة مسبقا قبل الشروع في الممارسة بين جميع المشاركين في العمل من معلمين ومتعلمين، ثم إسداء النصح لهم عند إرادة العمل بأخذ الحيطة والحذر والتوجه إلى الله بالدعاء بالحفظ والسلامة مع الإخلاص في النيات فالله خير حفظا وهو أرحم الراحمين.
وعلى مؤسس هذه المنظمة أو مديرها أن يتعهدها بالنصح والإرشاد إلى أخذ الحيطة والحذر وإلى الاعتدال في العمل
721 (1/721)
صفحة 722
وعليه أن يطلع على جميع الحركات وسائر الكيفيات وأن يمنع منها ما يراه أشد خطرا فليس من الضروري أن يغرق الإنسان في النزع وأن يصل إلى أقصى غاية في الوسائل
المهلكة بدعوى تعلم طريقة الدفاع عن النفس. وهذا ما لا يفصل بالقلم أو اللسان. وإنما يدرك بالبصيرة النافذة في ضوء الشريعة فكثيرا ما يهلك الإنسان نفسه بدعوى المحافظة عليها لجهله بحكم الله.
سؤال: هل يجوز حفر بئر لتصب فيها المياه القذرة
النجسة؟
الجواب: لا نرى مانعا شرعيا من حفر بئر عميقة تجعل مصبا للمياه العفنة النجسة (وللمستراحات) حسبما تريدون أن تفعلوه ولا يمنع من هذا كون الماء يجري في عروق الأرض فإن الأرض نفسها كالمصفاة ينفذ منها الماء المصفى وتبقى فيها المواد الأخرى غالبا وإنما الذي يمنعكم إذا كانت البئر التي حفرتموها متصلة بمجرى مفتوح ببئر أخرى بحيث إن ما نزل ببئركم يذهب حينا مع ذلك المجرى إلى البئر الأخرى ومنعكم ربها. وأما ما كان بطريق الرشح والامتصاص فلا يمنع أبدا بسبب الخوف من مادته إلى الماء
الذي بباطن الأرض لكن إذا تبين ضرر في بئر معينة وتحقق
ومنع صاحبها منع.
722 (1/722)
صفحة 723
وعندنا في مسجد القرارة بئر كان يستقى منها للوضوء وكان ماؤها ملحا فحفرنا بئرا جديدة للوضوء وجعلنا القديمة
مصبا لمياه الاستنجاء والاغتسال والوضوء.
وكان في زمن النبيء له في المدينة بئر تسمى بئر
بضاعة تلقي فيها النساء خرق الحيض الملوثة بالدم والجيف وما منعهم النبي (1)
والحاصل: لا يمنع إلقاء نجاسة أو جيفة أو عفونة في بئر حفرت لذلك إلا إذا تبين ضررها وتحقق في بئر أخرى معينة سابقة لها في الوجود ومنع ربها. ولا شيء من هذا في
الصورة التي تسألون عنها
سؤال: ما حكم غسل الثياب بآلة الغسل؟ الجواب: إنه جائز وإنه مطهر للثياب
1 ـ الحديث رواه النسائي في الباب الأول من كتاب المياه (الجزء الأول) وقد جاء فيه: يا رسول أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يطرح فيها لحوم الكلاب والحيض والنتن فقال الماء طهور لا ينجسه شيء.
723 (1/723)
صفحة 724
[صفحة فارغة] (1/724)
صفحة 725
فهرس الكتاب
مقدمة الكتاب وهي تتضمن ترجمة مختصرة لصاحب الفتاوى 5
10
15
15
24
•
46
47
48
01
•
67
•
68
70
71
71
72
بين يدي الفتاوى
أصول الدين
العدل الإلهي وخلق القرآن
مسائل في علم الكلام من وجهة نظر الإباضية
هل يجوز طلب النصر لغير المسلمين
مدلول لفظة الكفر عند الإباضية
هل يجوز أن يكلف الله عباده بالإلهام
تفسير لفظة الوسيلة
•
إعجاز القرآن
هل ترتبط العبادات بعضها ببعض؟
معنى الصراط في الآخرة
720
نزول عيسى آخر الزمان
نزول القرآن على جبريل
عقيدة الجناويني وابن جميع
الطهارات والنجاسات
هل الكحول طاهر أم نجس؟
هل العطور طاهر أم نجس؟ (1/725)
صفحة 726
73
Vo
76
VV
V?
•
ما حكم الصابون طهارة أو نجاسة؟ ما حكم أثر النجاسة بعد تمام غسلها؟
ما حكم ثوب المحتلم؟
في الحيض والنفاس
•
في الجنين الراقد
في المني والودي والاغتسال من الجنابة
المسح على الخفين
في الوضوء ونواقضه
80
82
83
•
حكم رجل مصاب بكثرة الغازات في بطنه تسبب له خروج
الريح منه في كل وقت؟
84
85
89
89
102
114
•
•
117.
•
التيمم
الصلاة
اتخاذ الوطن، وقصر الصلاة
•
في أوقات الصلاة
•
•
في الإمامة وصلاة الجماعة
هل تجوز الصلاة وراء الإمام المخالف في المذهب؟
الرجل ينتقل من صف الى صف وهو في الصلاة
هل يجوز سبق الإمام في الصلاة
صلاة الجمعة
119
119
120
125.
•
•
128
•
•
•
129
صلاة الجمعة في مكان مخصص للدراسة
هل تجوز صلاة الجمعة للمسافر
تحية المسجد وقت خطبة الجمعة
726 (1/726)
صفحة 727
صلاة الجمعة
العيد يوم
حكم التهاون بصلاة الجمعة
صلاة السفر
تحديد مسافة السفر
131
132
134
حكم اتخاذ الجمع بين الصلاتين في السفر عادة؟. 0 0 140
حكم ركعتي سنة المغرب في حال الجمع بين المغرب.
والعشاء
في الأذان للصلاة
في المساجد وما يصلى عليه
اتخاذ المساجد على السقوف
الصلاة فوق بيت تبين أن تحت أرضه عظاما آدمية
الصلاة على الصفوف
1 EE ..
144
145
•
•
146
•
149
151
152
•
•
صلاة المريض وشبهه
هل من إعادة على من صلى في الحافلة بغير طهارة
التهاون بالصلاة وقضاؤها
حكم من تعمد ترك الصلاة
ما حكم صلاة تارك الصوم؟
هل تصح صلاتي
مسائل متفرقة تتعلق بالصلاة
•
•
قراءة السورة مع الفاتحة في الظهر والعصر
قراءة الفاتحة بعد الصلاة، وأنواع من الأذكار
727
???
162
•
164
176
178
180
184
•
184
•
1850 (1/727)
صفحة 728
200
201
207
208
•
211
211
211
215
219
222
222
226
247
•
•
•
249
253
•
•
257
259
•
261
261
269
•
في
صفة التشهد في الصلاة في سجود السهو
صلاة التطوع
أشياء تجوز أثناء الصلاة وأخرى لا تجوز
الزكاة
في النصاب
صرف الدينار والدرهم والمثقال
هل تجب الزكاة في هذا في زكاة الحلي
على من تجب زكاة هذا المال؟
هل سوغ لي صرف الزكاة في هذا
فتاوى أخرى في زكاة الحلي في وقت الزكاة
كيف أزكي هذا المال
هل يجوز لي أن أصنع هذا بالزكاة
ماذا على من ضيع الزكاة؟
في زكاة الفطر
الصوم
إثبات الأهلة بالرصد الفلكي
•
•
•
ملاحظة على فتوى لجنة الإفتاء الجزائرية الصوم والإفطار بشهادة مسترابة
728 (1/728)
صفحة 729
في قيام رمضان
في قضاء الصيام
هل هذا ينقض صومي
272
286
هل على الطبيب ومعاونيه من خطر على صيامهم من جراء
لمس العورات والنظر إليها عند المعالجة؟
287
هل يجوز معانقة الزوجة وتقبيلها حال الوضوء والصيام؟ 287
الصوم والمرض الصوم والسفر
الحج
متى يجب الحج على الإنسان
الوصية بالحج والعمرة وإنابة الغير فيهما
الإحرام والمواقيت
291
296
299
299
306
•
فتوى في إحرام الحجاج المغاربة الذاهبين الى الحج
بالطائرة
الإحرام في الطائرة
306
316
• ·
هل يلزم الإحرام على داخل مكة لغير حج أو عمرة؟ 3180 ما حكم من شد الساعة على اليد والخاتم على الإصبع حال
الإحرام
حرم المدينة المنورة
•
319
320
هل يجوز لي فعل هذا في الحج؟
729
• (1/729)
صفحة 730
الفهرس
ركن المرأة وقضايا الشباب حكم العازف عن الزواج. 325
في المهور
في حفلة الزفاف
•
هل يجوز لي أن أتزوجها؟ التزوج بالكتابيات
زواج بامرأة ناشزة في عصمة زوجها
النكاح بدون ولي
نكاح السر
نكاح الزانية
•
325
330
•
331
•
339.
341
346
•
349
3560
نكاح المزنية
•
•
3570
هل تحرم الزوجة بهذا
مباشرة المرأة ومن حائض أو نفساء
في تنظيم النسل ومنع الحمل
في تعدد الزوجات في الطلاق
الطلاق بلفظ الثلاث
طلاق السكران
•
•
الطلاق من أجل رغبة الوالدين
هل يصح تطليق المرأة نفسها؟
في الظهار
في العدة
•
??
3850
3910
4070
4080
4110
4170
•
4190
•
•
4200
•
421
424
• (1/730)
صفحة 731
في
المتعة
الحضانة
النفقة والمنح العائلية
الزوج يشك في الولد
425
429
430
430
هل يصح لولي المرأة المطلقة أن يسأل عن سبب
تطليقها؟
من مسائل العصر المالية: البيوع
هل تصح المطالبة بفسخ هذه الصورة في البيع؟
حكم الشرع في بيع أجهزة الراديو والتلفزيون
حكم بيع الخمر والخنزير
حكم شراء السلع التي تعرضها الحكومة للبيع شراء المال المسروق
حكم الزيادة على المشتري فوق السعر المقرر التاجر يزيد على الذي لا يماكس في المبايعة
شراء الفرنك الفرنسي بالدينار الجزائري
المعاملات الربوية
•
435
435
438
•
•
•
•
438
439
440
441
•
•
•
441
4420
•
4580
461
470
478
484
• •
صناديق الادخار
في اليناصيب
المعاملات والأحوال الشخصية في الهبة
في الكتابة (التوثيق)
731
الوصية بالثلث
الوصية بالوقف (1/731)
صفحة 732
485. 24.
4920
0 493
49800
499
•
•
0.1.
O.Y.
•
5030
01.
013
•
514
018
•
???
017
•
017
520
520
522
•
523
526
• ·
•
الوصية للوارث
المرأة تستحوذ على أثاث زوجها المتوفي
هل تصح الوصية للأحفاد وأبوهم حي
الرجوع في الوصية
الوصية بدين قديم
وكيل الوصية يستخلف عليها غيره
حكم الوصية حتى ينعدم مصرفها
الإشهاد على الوصية
الوصية بالعدالة
الوصية بالحج
امرأ توصي ببعض مالها لزوجها بإرغامه لها الوصية بشاة فك الأعضاء
الوصية بتفريق صدقات على المعزين
الوارث يعارض وصية موروثه
نصائح في كتابة الوصية
في الأحكام
•
نزاع في دار أدعي حبسها
خلط مال اليتيم بمال كافله
في الرشد
•
إحازة الولد
التبني
نزاع في إخراج الماء من بستان الى غيره
732 (1/732)
صفحة 733
5270
537
539
5410
541
5430
•
543
546
سؤال عن الوظيفة الاجتماعية للملكية الخاصة
في ضمان مال الشركة
القسمة
الإجارات والأكرية
على من تكون أجرة عامل في شركة
في أجرة سائق سيارة (طاكسي).
هل عليه ضمان أمتعة المسافرين
•
•
كراء محل لعمل محرم
في الفقد والغياب
5460
هل يحكم على من اختطفه رجال مسلحون بالفقد أو
5470
•
553
553
562
•
•
•
:
0 567
567
0
0 569
•
•
0710
072
•
الغياب؟
الأوقاف
شروط صحة الحبس
حبس
حبس
الدار على الأولاد
مال ينفق ريعه على الصلحاء
حكم كراء دار متنازع على حبسها
هل يصح تحويل الحبس الى ميراث
•
•
فتاوى مختلفة: في الذبائح والأطعمة والأشربة
حكم ذبائح الانجليز
حكم ما صيد بالرصاص
حكم ما ذبح بالكهرباء
تخدير الذدبيحة للتخفيف من ألم الذبح
طعام أهل الكتاب
733 (1/733)
صفحة 734
575.
5760
Ovv.
•VV.
OVA.
579 .
580
•
الأكل في مطبخ جامعة بفرنسا
الدجاج يُولد ويُرَبِّي في معمل كهربائي
لحم الحصان والبغل
•
اليرابيع البرية
الذئاب والثعاليب والغربان والكلاب
اللحوم المصبرة المجلوبة من فرنسا
•
الجبن المستورد من أوروبا
الخل المسمى خل الخمر والمسمى خل الكحول
نبيذ التمر
•
مشروب (بيبسي كولا)
المشروبات الغازية
في النذور
حكم النذر
متى يسقط النذر
•
•
586.
586
587
587
QAY
•
•
•
زيارة الأولياء والنذر لهم
الحقوق الشرعية
الحضانة
•
•
588
•
589
•
590
590
091
092
•
093
الوالد يمنع ولده من مواصلة التعلم الإنفاق في الدفاع عن حقوق الأيتام
المقابر والجنائز
نبش القبور
734 (1/734)
صفحة 735
فتوى صاحب المنار في نبش القبور ومعها تعليق الشيخ
بيوض عليها
بناء عمارات ومشاريع على المقابر القديمة
نقل رفات الموتى من مقابرها الى مكان آخر
الكتابة على شاهد القبر
الدعاء في المقابر
الجنازة الرمزية
سنن الفطرة والزينة واللباس
حلق اللحية
توفير شعر الرأس
في الختان
•
حكم ثقب الأذن لحمل القرط
التعطر بالروائح التي مزجت بالكحول
1
قص المرأة شعر رأسها والتقاط شعر الحجب
لبس الشعر الاصطناعي في العلاج والتداوي
التداوي بشرب دم بعض الحيوانات
نقل الدم من شخص الى غيره
الأدوية الممتزجة بدم أن خمر أو شبههما
هل للدم الذي طعمت به امرأة حكم الرضاع
اتخاذ الأسنان من ذهب نقل الأعضاء أو أجزاء منها
علاج المرأة عند طبيب أجنبي
•
•
596
7 ..
602
6040
6070
•
6080
6080
•
6270
628
•
629
•
629
•
630
630
631
•
0 633
633000
•
0 634
635.
6360
735 (1/735)
صفحة 736
6380
6380
639
•
في
الآفات الاجتماعية والتنصل من الذنوب
المرء يتوب من ذنبه ويعود إليه مرارا
•
ماذا يجب على التائب من ذنوبه
عامل يسرق من صاحب المتجر الذي يعمل فيه
ما يجزئ الظالم في محاللة مظلومه
642
6430
•
كيف يتخلص من بذمته دين ليهود و نصارى فروا من الجزائر
إبان الثورة التحريرية
•
التنصل من مال هلك صاحبه وليس له وارث
6450
6480
تاجر لا يتحرى في الكيل والوزن ويريد التوبة من
ذلك
شاب تحقق من بلوغه وقضى سنوا بغير صلاة
التحدث في أعراض الناس
المفطر في رمضان تعمدا
حكم الصلاة بالتيمم مع القدرة على الوضوء
شاب يصلي بغير اغتسال من الجنابة
الإمناء في نهار رمضان
التوبة من الزنى
•
•
•
64900
650
901.
•
6520
653.
6540
6540
655.
•
661
666
666
حكم مرتكب فاحشة اللواط
العادة السرية
في الدخان وشبهه من المخدرات
اللعب بالشطرنج
الغيبة والنميمة
736 (1/736)
صفحة 737
كفارات الذنوب
الديات
أرش جناية الصبي
فتاة صغيرة تسقط في بئر
امرأة تسقط جنينها بعمد
والدة تسبب موت ولدها المشوه الخلقة
مقدار الدية بالعملة الجزائرية
المصلحة في مسائل الجروح والموت
فتاوى متفرقة في التفسير
673
673
673
•
674
675
TVV.
6780
ما معنى السلامة في قوله تعالى إلا من أتى الله بقلب
سليم کے
0 679
في تفسير قوله تعالى إن من أزواجكم وأولادكم عدوا
لكم كم
681000
معنى ستة أيام الواردة في قوله تعالى خلق السموات
والأرض وما بينهما في ستة أيام
تدوير اليد عند قراءة سورة الإخلاص
سجود التلاوة
•
التخلص من بقايا المصاحف الممزقة
مسائل تتعلق بسترة المرأة ومصافحتها وسفرها
المنح العائلية
التأمين
اللقطة
6820
•
685
6860
6960
6980
•
6980
737 (1/737)
صفحة 738
الرشوة
معاملة العزابة للعصاة
تفريق الصدقات بالمسجد
حكم العادات والتقاليد
في كتابة الحروز وما في معناها
دعاء المؤمن لأخيه المؤمن في الكهانة
سؤال عن الجنين الراقد في بطن أمه
سؤال عن حقيقة الشيطان
سؤال عن أصل الإنسان
مال المؤمنات في الجنة
شاب يسأل عن كتاب يفيده في الدين والسلوك
سؤال عن صحة العمل بخبر التلفون
الصور والتصوير
•
تعليق صور العظماء والمناظر الأخرى
الغناء والموسيقى وآلات الطرب
الاستماع للغناء وآلات الطرب
المزمار في الأفراح
0 699
701
•
703
•
704
•
704
70
706
•
707
•
•
•
•
7080
709
•
710
71
711
711
•
712
715
716
•
•
الألعاب والرياضات رياضة كرة القدم ..
الملاكمة والجيدو والكاراتي
حكم حفر بئر لتصب فيها المياه القذرة
الغسل بآلة الغسل
•
•
718
720
722
•
7230
738 (1/738)
صفحة 739
[صفحة فارغة] (1/739)