صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه - علوم الحديث - فقه
------------------------------------------
العنوان: فقه الإمام جابر بن زيد
المؤلف: يحيى محمد بكوش
الناشر: دار الغرب الإسلامي
مكان النشر: بيروت - لبنان
تاريخ النشر: 1407ه/ 1986م
الطبعة: 1
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1505&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/604
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 12 رجب 1446ه/ 12 - شهر 01 - 2025م. فقه
الإمام جابر بن زيد
تقديم وجمع وتخريج
يحيى محمد بكوش
دار الغرب الإسلامي (1/1)
صفحة 2
فق
الأقام جابر بن زيد (1/3)
صفحة 3
فقه
الأمام جابر بن زيد
تقديم وجمع وتخريج
بيحي محمد بکوش
دار الغرب الإسلامي (1/5)
صفحة 4
جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى
1407 هـ =
1986
دار الغرب الإسلامي
من. ب: 113/ 0787 بيروت - لبنان (1/6)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
أثار انتباهي موضوع هذا الكتاب منذ ما يزيد على عشرة أعوام عندما كنت أقوم
بتحقيق بعض المسائل الفقهية بحكم مهنتي
فقد وجدت في بطون الكتب أقوالا عديدة للإمام جابر بن زيد، سواء ذلك في كتب الإباضية أو في غيرها من كتب المذاهب الأخرى، ثم رجعت إلى كتب الحديث فالتقيت برواياته منبثة هنا وهناك. فانقدحت في ذهني فكرة جمع ما يتيسر جمعه وضمه في مجموعة أخرجها للناس ولقد كنت في حداثة سنّي أعتقد أن الإمام جابر بن زيد هو شيخ للإباضية وحدهم، ولكن تبين لي بعدئذ أنه عالم من علماء الإسلام العظماء، وأنه يحتل ثقة المسلمين من جميع المذاهب، فرووا عنه أقواله مقرونة بأقوال أنداده أقواله مقرونة بأقوال أنداده من العلماء وأئمة الفقه الإسلامي، وأبرزوا أسانيده عالية من بين أسانيد رواة السنة
ولما شرعت في دراسة جوانب شخصيته وجدته يمتاز عن غيره من العلماء المعاصرين له بأن له، إلى جانب مدرسته العلمية، سلوكا سياسيا ونظرية في الحكم تميزت بالجانب العملي والتنظيم المحكم، ترتب عليها نشوء دول عديدة وإقامة نظم سياسية في مختلف الأقطار الإسلامية وتخوفت من اتساع رقعة البحث، لأن الوسائل المادية والذاتية لا تسمح لي باستقصاء تفريعاته. وقد أضيع في متاهات من دون أن أصل إلى تحقيق هدفي. فالتزمت الجانب الفقهي من شخصية هذا الإمام، وأشرت إشارات عابرة إلى
جانبها السياسي
7 (1/7)
صفحة 6
وفي أثناء بحثي ظهر للأستاذ الصوافي كتاب يتناول هذا الجانب فاطلعت عليه
واستفدت منه
كما اطلعت أثناء ذلك على كتاب للأستاذ عوض خليفات الذي درس الحركة الإباضية في المشرق، فاستفدت منه أيضا
-
نشأة
وقد تطلب مني هذا البحث مجهودات ضخمة في جمع المراجع واستقراء المسائل واقتناء الكتب، ثم تلا ذلك تقرير تلك المسائل وتحقيقها ومقارنتها وردها إلى مصادرها من كتب الفقه القديمة
- واتخذت طريقة المقارنة الفقهية وسيلة لعرض المسائل، وذلك لأن المسألة قد تطرح في أحد المصادر من دون أن تكون مدعمة بدليل فلا يتسنى للقاراء استيعابها إلا إذا وجدت دليلها، وهذا الدليل لا يوحي بالطمأنينة إلا إذا وضع إلى
جانب الدليل المقابل.
-
،
هذا وإن دراسة الفقه المتخصص ليست جديدة في تاريخ الفقه الإسلامي فقد ألف أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد في فقه الصحابة والتابعين، وجمع أبو عبد الله محمد ابن أحمد القرطبي فقه الإمامين حسن البصري والزهري.
-
كما ظهرت مجموعات متخصصة في العصر الحاضر لكل من الإمام سعيد بن المسيب والإمام إبراهيم النخعي. - وقد قسمت الكتاب إلى أبواب بلغت أحد عشر بابا، وكل باب يشتمل على مسائل متفرقة، قد لا يجمع بينها سوى أنها تنسب إلى ذلك الباب ولعلي بهذا العمل أكون قد ساهمت ولو بقليل في رفع بناء الفقه الإسلامي، داعيا الله تعالى أن يكون خالصا لوجهه الكريم والحمد لله رب العالمين
-
8 (1/8)
صفحة 7
الباب الأول
في حياة الإمام جابر بن زيد
وفيه
13 مسألة
9 (1/9)
صفحة 8
مسألة - 1 - نشأة جابر بن زيد:
هو جابر بن زيد الأزدي الجوفي لبصري، من قبيلة اليحمد العمانية والجوفي نسبة إلى درب الجوف بالبصرة حيث استقر جابر مع أسرته وإليه ينسب حيان الأعرج الجوفي الذى حدث عن أبي الشعثاء وقيل بل هي نسبة إلى جوف الحميلة بالحاء المهملة، وهو موضع بأرض عمان وكان مولده في مدينة فرق في المنطقة الداخلية من عمان، وهي أرض زراعية تقع على سفوح الجبل الأخضر بالقرب من مدينة نزوى. ولم تحدد كتب السيرة تاريخ مولده، ولكن يمكن تحديده بين عامي 18 و 22 للهجرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام
أما بالنسبة لوفاته فتختلف المصادر حول تاريخ وفاته، إذ يذكر بعض الرواة أنه توفي في نفس الأسبوع الذي توفي فيه أنس بن مالك وقد مات هذا الأخير في عام 93 هـ، بينما يرى البعض الآخر أنه توفي عام 103 هـ
أما
الهيثم بن عدي فيضع تاريخ وفاته عام 104، بينما يضعه الشماخي عام 96. أن الرأي الأول هو الأصح لأنه جاء على ألسنة رواة الحديث الذين يهتمون
ويبدو
إلى حد كبير بحياة كل محدث وبتاريخ وفاته، وكان جابر أحد هؤلاء المحدثين
أضف إلى ذلك فإن المصادر تشير إلى أن جابرا استدعى الحسن البصري إليه وهو
على فراش الموت. وكان الحسن آنذاك مستخفيا من الحجاج الذي مات عام 95. هذا أن جابرا توفي قبل هذا التاريخ. والأرجح أن وفاته كانت سنة 93. وأبو الشعثاء كنيته. وهو اسم ابنته، وقيل إن قبرها لا يزال موجودا ومعروفا إلى
ومعنى
الآن في بلدة فرق
11
187
(1) معجم البلدان ج 2 ص (1/11)
صفحة 9
وليست لدينا أية معلومات مفصلة عن ظروف نشأته، وعن كيفية تلقي علومه الأولى قبل رحلته إلى العراق، ولا عن تاريخ هذه الرحلة وظروفها وأعتقد أن بيته كان بيت فروسية ونجدة. فقد ذكر السالمي أن جماعة كبيرة من الأزد شاركوا في فتح فارس مع جيش عثمان بن أبي العاص. ويقال إن شخصا يدعى جابر بن حديد اليحمدي، من أسرة جابر بن زيد هو الذي قتل قائد الجيش الفارسي (شاهراك) وبعد ذلك استقر الجيش الإسلامي في توج. ثم ارتحل إلى البصرة إبان ولاية عبد الله عامر في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان كما أعتقد أن بيته كان بيت علم ورواية. فقد وجدت للإمام جابر بن زيد رواية عن أبيه أبيه في كتاب الأحكام لأبي بكر الجصاص (2). وهي الرواية الوحيدة التي
(1)
يستشف منها انتساب جابر إلى بيت علم. ولعلّ أباه كان صحابيا. ومن هنا يمكن القول بأن الإمام أخذ معارفه الأولى، وحفظ القرآن في وطنه الأصلي عمان قبل أن يقوم برحلته العلمية إلى البصرة وهو في عنفوان الشباب. والبصرة يومئذ كانت تشهد تطورات سياسية واجتماعية خطيرة نجمت أساسا ظهور الإسلام وما واكبه من فتوح عظيمة شملت أجزاء شاسعة من العالم المعروف
آنذاك.
عن
وتتميز البصرة بموقعها الجغرافي، حيث غدت بوابة العراق للتجارة التي تدر عليها الواردات الكثيرة والأرباح الطائلة، مما أدى إلى ظهور بوادر الترف والميل إلى الدعة
ولين العيش
ويؤكد المؤرخون على أن البصرة كانت تتمتع برخاء كبير بفضل اتساع نطاق الفتوحات الشرقية، واشتغال أهلها بالتجارة والزراعة، وقد امتدت تجارتهم إلى المحيط
(1) نشأة الحركة الإباضية ص. 87.
(2) أحكام القرآن ج 2 ص 481
127 (1/12)
صفحة 10
الهندي ودخلت جزيرة سرنديب (سيلان). ويحكى عن الحكم بن سعيد أن ملك هذه الجزيرة طلب منه أن يصف له أهل البصرة فقال له: «هم قوم لهم نخل يأكلون
فضول ثمارهم، وقوم لهم دور يكرونها، وقوم لهم أرقاء يستغلونهم، وقوم لهم أموال يفدون إلى الأسواق فيأكلون فضولها.»
(1)
وتفيدنا كتب السير بأن التجار العرب من إباضية البصرة كانت لهم رحلات إلى
(2)
بلاد الصين فقد روى أبو سفيان أن أبا عبيدة عبد الله بن القاسم كان يمارس التجارة بين البصرة والصين، وأنه كان قد دفع عشرين دينارا ثمن عود وتحولت البصرة إلى مدينة مترفة، تتمتع بالنعيم والرخاء، ويتسلم أبناؤها العطاء ويسكنون الدور، ويقتنون الأموال والعبيد والجواري، وتذوقت نفوسهم طلاوة العيش، ومالوا إلى الدعة والترف واستمرأوا الراحة والبقاء في أمصارهم وسط النعيم
المقيم
(3)
وبالإضافة إلى هذا الوضع المادي المزدهر، فإن العراق أصبحت أكثر البلاد الإسلامية ثروة علمية وأدبية وذلك للأسباب التالية:
ينهض
أولا: إن العراق نشأ على أنقاض مدنيات قديمة لها علم مأثور، فكان طبيعيا أن أهله بعد ثروة الفتح فيستعيدوا حضارتهم القديمة وعلمهم الموروث. كان السريانيون منتشرين في أرض العراق قبل الفتح، ولهم مدارس يدرسون فيها الآداب اليونانية، وكانت في العراق مذاهب نصرانية تتجادل في كثير من العقائد. وكان في
(1) الحجاج بن يوسف ص 170. (2) طبقات الدرجيني ج 1 ص 253 (3) الحجاج بن يوسف ص 171.
13 (1/13)
صفحة 11
الحيرة يونان مثقفون من أسارى الحروب اليونانية الفارسية، فكان لابد أن تتخلف من هذا جميعه آراء وأفكار خمدت أثناء الحروب ثم استيقظت بعد أن قرت سياسة البلاد، وكان كثير من أهل البلاد دخل الإسلام فأخذت هذه الآراء تصطبغ بالصبغة الإسلامية، يزهر منها ما يتفق والإسلام ويَذْبُلُ منها ما يخالفه
أضف إلى ذلك أن العراق، كما علمت قطر غني يتوافر فيه العيش، فيجد الناس من أوقاتهم ما يسمح لهم بطلب العلم
ثانيا: لعل العراق كان أكبر الأقاليم الإسلامية ميدانا للحروب والفتن في عهد الدولة الأموية، فمنذ مقتل الإمام عثمان وهو مشتعل. ذهبت عائشة وطلحة والزبير
إلى البصرة، فذهب علي إلى الكوفة، وكانت بين البصرة والكوفة وقعة الجمل وذهب الحسين إلى الكوفة فكان بها مقتله، وخرج المختار الثقفي بالكوفة يطلب بثأر الحسين واستولى مصعب بن الزبير على البصرة وسار إلى الكوفة حيث قتل المختار. وجهز عبد الملك جيشا وسير إلى العراق مُصعبًا، وتغلب عبد الرحمن بن الأشعث على الكوفة فسار إليه الحجاج وتغلب عليه وكان من أثر ذلك طبيعيا أن يتساءل الناس، من المخطيء ومن المصيب؟ هل أخطأ قتلة عثمان أو أصابوا؟ هل لعلي يد في دم عثمان؟ هل لطلحة والزبير وعائشة حق في قتال علي؟ هل أصاب علي في التحكيم؟ هل يصح الخروج على عبد الملك وظلم واليه الحجاج وسفكه للدماء؟ وهل أصاب من فعل ذلك وخرج مع ابن
الأشعث؟.
كل هذه كانت أسئلة تثار، وكانت تثار بكثرة حتى في دروس الأساتذة في المساجد. وإذا كان العراق ميدانا لأكثر هذه الحروب، كان أهله أكثر الناس جدالا في هذا. فكان طبيعيا أن يكون منبعا للكثير من المذاهب الدينية لأن كثيرا منها مبني على نحو هذا الأساس جاء في طبقات ابن سعد أن الحسن البصري كان من رؤوس العلماء في الفتن
14 (1/14)
صفحة 12
والدماء. دخل عليه قوم فقالوا له: يا أبا سعيد ما تقول في هذا الطاغية (يعني الحجاج الذى سفك الدماء الحرام وأخذ المال الحرام، وترك الصلاة وفعل وفعل الخ ... وقال: «سأل رجل الحسن: ما تقول في الفتن؟ مثل يزيد بن المهلب، وابن الأشعث؟ فقال: لا تكن مع هؤلاء ولا مع هؤلاء فقال رجل من أهل الشام: ولا مع أمير المؤمنين يا أبا سعيد؟ فغضب ثم قال بيده فخطر بها ثم قال: ولا مع أمير المؤمنين يا أبا سعيد؟ فقال: نعم ولا مع أمير المؤمنين (1)
ثالثا: نزل في البصرة عدد كبير من الصحابة، أشهرهم في العلم أبو موسى الأشعري وأنس بن مالك. فأما أبو موسى فهو يمني قدم مكة وأسلم وهاجر إلى الحبشة مع من هاجر وكان يعد من أعلم الصحابة. وقد قدم البصرة وعلم بها. وكان يقضي بين الناس ويفصل في الخصومات. كما أنه كان فقيها بالإضافة إلى معرفته للقرآن والحديث وأما أنس بن مالك فكان أنصاريا، وكان صغيرا لما قدم النبيء عل الله إلى المدينة مهاجرا وخدمه نحو عشر سنين، وقد نزل البصرة وعمر فيها طويلا وكان آخر من توفي بالبصرة من الصحابة وتوفي سنة 93 هـ وكان محدثا أكثر منه فقيها.
وتخرج من مدرسة البصرة هذه عدد كبير من العلماء منهم الحسن البصري ومحمد
ابن سيرين فاشتهر الحسن البصري بمتانة خلقه وصلاحه وعلمه وفصاحته، وكان تقيا ورعا
يعده الصوفية أحدهم ويتمثلون بحكمه وأمثاله، ويعده المعتزلة رأسهم. وأما ابن سيرين فقد تعلم على زيد بن ثابت وأنس بن مالك وشريح وغيرهم وكان محدثا ثقة وفقيها فيما يعرض عليه من الشؤون، وكان معاصرا للحسن البصري ويعدان
سيدي أهل البصرة.
(1) فجر الإسلام 182 - 183
15 (1/15)
صفحة 13
وكان في العراق حركة غير الحركة الدينية، تعد كأنها امتداد للحياة العقلية الجاهلية مصبوغة بالصبغة الإسلامية.
فقد كان للقبائل العربية النازلة بالبصرة والكوفة رؤساء. وكان هؤلاء الرؤساء أشبه شيء برؤساء القبائل الجاهلية في السيادة على قبائلهم، والتفاف الناس حولهم والخضوع الإشارتهم في السلم والحرب كالأحنف بن قيس والحكم بن المنذر وقتيبة بن مسلم وحجر بن عدي وغيرهم. فقد كان هؤلاء وأمثالهم مصدرا لحياة أدبية وشعرية
قوية
ومن ذلك أن الأحنف بن قيس كان سيد بني تميم في البصرة، وكان كما يقولون إذا غضب غضب لغضبه مائة ألف سيف لا يدرون فيم غضب رابعا: وعلى غرار البصرة، نجد أنه بعد فتح الممالك، تفرق الصحابة في
صلى
الأمصار. وكان من هؤلاء الصحابة علماء رحلوا للتعليم فكانوا نواة لمدارسها وإن هؤلاء الصحابة كانت لهم شخصيات علمية مختلفة كان لها أثرها في مدارسهم ولكن هؤلاء الصحابة لم يكونوا يحيطون علما بكل ما قاله النبيء لله وفعله، وبكل ما يتعلق بالدين، بل كان منهم من صحب النبيء في بعض الأوقات دون بعض، ففاته علم حمله غيره، لذلك علم كل منهم شيئا وغاب عنه شيء آخر، واستتبع هذا أن بعض الأمصار كان يعرف من الحديث ما لم يعرفه الآخر
العلم
خلف هؤلاء الصحابة التابعون فتلقوا عنهم علومهم، وحلوا محلهم في رفع لواء، وشعر كثير منهم بأن في الأمصار الأخرى علما غير علمهم فأكثروا من الرحيل، فكانت هناك حركة دائمة للعلماء وكانت الحركة الدينية أكثر الحركات انتشارا وأوسعها ميدانا وإن أكثر العلماء الذين ظهروا في هذا العصر كانوا علماء دين، والسبب في ذلك على الناس أمرهم ورأوا فيه سبب وحدتهم وعلة نهضتهم، لولاه لظل العرب شيعا
أن الدين هو
ملك
16 (1/16)
صفحة 14
وأحزابا يضرب بعضهم بعضا ولولاه لقبعوا في كسر بيوتهم ولما تعدوا حدود بلادهم فهو
عزهم في الدنيا وخلاصهم في الآخرة. (1)
عدد
لأن وجود من
بالعلماء وطلاب العلم؛ لأن ففي هذا الجو الذي يعج
الصحابة
في البصرة جعلها قبلة لكل طلاب الفقه والحديث والتفسير، عاش جابر بن زيد
وترعرع، خصوصا وأنه كان قد اختار كنف الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ليصحبه أعوامًا طويلة بالإضافة إلى علاقته بالصحابة الآخرين من أمثال عبد الله بن عمر، لينهل من معينهم ويتملى من سلوكهم، ويفرغ كل ذلك في أتباعه وتلاميذه من أمثال أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وصالح الدهان، وحيان العبدي وغيرهم.
17
194
-
(1) فجر الإسلام ص 192 (1/17)
صفحة 15
مسألة 2 جماعة من رواة الحديث كنيتهم أبو الشعثاء:
إذا جرى ذكر أبي الشعثاء، عندنا معشر الإباضية، انصرف ذلك إلى الإمام
جابر بن زيد، المشهور بهذه الكنية
ولكني وجدت في كتب السير والتراجم، عددا من رواة السنة النبوية يحملون هذه الكنية، وحتى يقع التمييز بينها رأيت أن أفردها ببحث خاص وألاحظ هنا أن الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني عقد فصلا في باب الكنى من كتاب تهذيب التهذيب بعنوان من كنيته أبو شعبة، وأبو الشعثاء، فلم يذكر فيه سوى أبي الشعثاء جابر بن زيد، وقال عنه إنه كوفي، وهو خطأ ظاهر وسوى أبي الشعثاء، سليم بن الأسود المحاربي (1)
ولم يذكر الرازي في قسم الكنى من كتابه من كنيته أبو الشعثاء سوى يزيد بن
مهاصر
(2)
وهؤلاء هـ
1 - بشير بن نهيك السدوسي أو السلولي، البصري، أبو الشعثاء، روى عن
الخصاصية
أبي هريرة، وبشير بن وروي عنه النضر بن أنس ويحيى بن سعيد الأنصاري وأبو مجلز وعبد
عبيد وغيرهم.
الملك
وقد اختلف في توثيقه: فقال العجلي: ثقة، وقال أبو حاتم لا يحتج بحديثه
حويص أبو الشعثاء. ذكره الشماخي في السير ولم ينسبه ..
(4)
(3)
3 - زيد أبو الشعثاء العنتري، وقيل زيد أبو الحكم، يروي عن البراء بن عازب،
(1) تهذيب التهذيب ج 12 ص 127 (2) الجرح والتعديل ج 9 ص 391
(3) الجرح والتعديل ج 2 ص 379 - الثقات ص 20
(4) السير ص 69
18 (1/18)
صفحة 16
روى عنه ابو بلج.
وقال الذهبي في الميزان: زيد بن أبي الشعثاء أبو الحكم، عن البراء بن عازب وعنه أبو بلج وحده، لا يعرف
وقال ابن حجر في اللسان، زيد بن أبي الشعثاء العنبري، أبو الحكم البصري وقال الذهبي في الكاشف، زيد بن أبي الشعثاء العنزي عن البراء وعنه أبو صالح، ثقة (1). وذكره الجاحظ في كتابه البرصان والعرجان، ووصفه بأنه شاعر يمدح أبا أسيد عمرو بن هداب المازني الأبرص (2) 4 سليم بن الأسود المحاربي: أبو الشعثاء (3) الكوفي المحاربي روى عن عدد من الصحابة منهم أبو هريرة وابن عمر وابن عباس وعائشة. وروى عنه ابنه الأشعث وإبراهيم النخعي وغيرهما. شهد مع علي رضي الله عنه مشاهد، وتوفي سنة 83 أو
-
85 هـ في خلافة عبد الملك أو الوليد. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على توثيقه وقال العيني في عمدة القاري: مات سنة 125، وهو خطأ (5).
(4)
5 - علي بن الحسين بن سليمان الحضرمي، أبو الشعثاء، الواسطي الكوفي.
روى عن
خالد بن نافع، وحفص بن غياث وأبي معاوية الضرير وغيرهم
(6)
ذكره ابن حبان في الثقات، توفي سنة 236 أو (237 6 - عمر أبو الشعثاء، مولى بني معمر، بصري، سمع من ابن عباس يستعفي
من فتواه في الصرف.
روى عنه أبو غفار المثنى بن سعد
(7)
(1) الثقات ص 71 الميزان ج 2 ص 104 اللسان ج 7 ص 224 الكاشف ج 1 ص 339
(2) ص 34.
(3) تهذيب التهذيب ج 12 ص
127
(4) تهذيب التهذيب ج 4 ص 165
(5) عمدة القاري ج 8 ص 6.
(6) تهذيب التهذيب ج 7 ص 297 الجرح والتعديل ج 6 ص 180.
(7) الجرح والتعديل ج 6 ص 143.
19 (1/19)
صفحة 17
7 - قيس أبو الشعثاء، مولى ابن معمر، بصري، روى عن ابن عباس وروى عنه
(1)
أبو غفار عن ابن تيمية، ولعله هو المتقدم ذكره، سماه البخاري قنبر 8 - قيس، أبو الشعثاء، روى عنه صالح السلمي، كذا سماه أبو حاتم في الجرح
والتعديل
وسماه ابن المديني قنبر. وجرى على ذلك البخاري، ثم ابن ماكولا وغيرهما، وسماه يحيى بن معين: فيروز
(2)
وابصة بن معبد بن عقبة بن الحارث: أبو الشعثاء. ويقال أبو سعيد
الأسدي. وفد على النبيء الا الله سنة تسع، ثم رجع إلى بلاده ثم نزل إلى الجزيرة روى عن النبيء له، وعن ابن مسعود، وخريم بن فاتك وأم قيس بنت
محصن.
صلى الله
وروى عنه ابناه عمرو وسالم، وزر بن حبيش وغيرهم
وقال الرازي: هو وابصة بن عبيدة ومعبد لقب
10 - يزيد بن أبي زياد الكندي: أبو الشعثاء ..
(4)
(3)
11 - يزيد بن مهاصر، أبو الشعثاء، الكندي الكوفي، روى عنه ه أبو إسحق
الهمداني، ويونس بن أبي إسحق (5)
(1) الجرح والتعديل ج 7 ص 107. (2) الجرح والتعديل ج 4 ص 420
(3) الجرح والتعديل ج 9 ص 47 تهذيب التهذيب ج 11 ص 100
(4) ابن الأثير في الكامل ج 3 ص 293.
(5) الجرح والتعديل ج 9 ص 287 أو 391
20 (1/20)
صفحة 18
مسألة - 3 - صفاته وأخلاقه ومكانته العلمية:
كان جابر بن زيد أعور، جاء ذلك في كتاب الطبقات الكبرى عن حيان
الأعرج أو صالح الدهان
(1)
وفي رواية أخرى أنه كان أحول، وأنه كان يغمز بإحدى عينيه، ولكن من غير علة. (2)
ولعله كان أحول أول أمره، ولما كبرت سنه ضعفت إحدى عينيه، أو زالت وحدث الفضل الحداني قال: رأيت جابر بن زيد أبيض الرأس واللحية وقال أيضا رأيته يصفر لحيته
(3)
وكان تصفير اللحى مما شاع بين العلماء في ذلك العهد، مثل زرارة بن وافي ومحمد ابن سيرين و و أبي نضرة وغيرهم أما أخلاقه فكانت أخلاق العلماء الذين يتقيدون بالأثر ويتبعون سلوك السلف وكان لجابر زوجتان إحداهما آمنة، والأخرى لم أعثر على اسمها. وقد أورد الألوسي في تفسيره أنه كان يقول: كانت لي امرأتان، فلقد كنت أعدل بينهما حتى
اعد القبل
لبيبا
(4)
كنت
فقد سئل أيوب السختياني هل رأيت جابرا؟ قال نعم: كان لبيبا لبيبا،
(5)
وقال فيه الشيخ أبو نعيم: ومنهم (الأولياء) المتحلى بعلمه عن الشبه والظلماء
(1) ج 7 ص 130.
(2) طبقات الدرجيني ج 2 ص 255.
(3) الطبقات الكبرى ج 7 ص 182. (4) الطبقات الكبرى ج 3 ص 85.
(5) روح المعاني ج 3 ص 163.
21 (1/21)
صفحة 19
والمتسلى بذكره في الوعورة والوعثاء، جابر بن زيد أبو الشعثاء كان للعلم عينًا معينا وفي
العبارة ركنا مكينا، وكان إلى الحق آيبا ومن الخلق هاربا وهو من قدماء التابعين
(1)
ووصفه صالح الدهان فقال: كان لا يماكس في ثلاث: في الكراء إلى مكة، وفي الرقبة يشتريها للعتق، وفي الأضحية. وقال: كان جابر لا يماكس في كل شيء يتقرب به إلى الله عزّ وجل (2)
من
ردها (3)
ومن ورعه ما روى عنه صالح الدهان ومالك بن دينار قالا: خرج جابر بن زيد لواد فأخذ قصبة حائط فجعل يطرد بها الكلاب. فلما أتى بيته وضعها في المسجد ثم قال لأهله: احتفظوا بهذه القصبة فإني مررت بحائط قوم فانتزعتها منه، قالوا سبحان الله يا أبا الشعثاء ما بلغ القصبة؟ فقال: لو كان كل من مر بهذا الحائط أخذ قصبة لم يبق منه شيء، فلما أصبح ردها وحدث صالح الدهان قال: كان جابر بن زيد إذا وقع في يده درهم ستوق (أي (مزيف) کسره ورمى به، يعني لئلا يغري مسلما به ولم يكن جابر ممن يجمع المال، وتدل الأخبار على أنه كان متعففا وأنه كان يعيش في كفاف
(4)
حكى الحجاج بن أبي عيينة قال كان جابر بن زيد يأتينا في مصلانا. فأتانا ذات يوم وعليه نعلان خلقان فقال: مضى من عمري ستون سنة. نعلاي هاتان أحب إلي مما مضى، إلَّا يك خيرا قدمته
(5)
وقال في حقه محمد بن سيرين، كان أبو الشعثاء مسلما عند الدينار والدرهم
(1) حلية الأولياء ج 3 ص 85. (2) حلية الأولياء ج 3 ص 85.
(3) حلية الأولياء المتقدم.
(4) حلية الأولياء المتقدم. (5) الطبقات الكبرى المتقدم.
22 (1/22)
صفحة 20
(1)
يعني
كان ورعا عندهم.
وقال عمرو بن دينار: قال لي أبو الشعثاء: ياعمرو ما أملك من الدنيا إلا حمارا (2)
وحكى مطر الوراق عن جابر بن زيد أنه قال: لأن أتصدق بدرهم على يتيم أو مسكين أحب إلي من حجة بعد حجة الإسلام
(3)
وكان جابر بن زيد شديد الاتصال بأهل الدعوة، رجالا ونساء يزورهم في بيوتهم، ومساجدهم لغرض التعليم وتعهدهم بالموعظة والدعوة إلى الله فقد روي أنه عاتكة بنت المهلب بن أبي صفرة في بيتها وأنها كانت تسأله عن مسائل في
كان يزور
الدين
(4)
وأنه رأى الحجاج بن أبي عيينة وجماعته في مصلاهم وصلى معهم، وزار مالك ابن دينار في منزله وصلى معه
(5)
ويقال إنه لقي امرأة من أهل الدعوة، فوقف ساعة يكلمها وتكلمه فلما أراد أن يفترقا قال لها إني أحبك. ثم افترقا فانطلق غير بعيد ففكر في قوله لها: إني أحبك فانصرف إليها وقال: في الله. فقالت له: وما تظن أني حملت ذلك على غير الحب في الله. (6)
وكان رحمه الله كثير الحج، فقيل كان يحج كل سنة وكانت له ناقة سافر عليها أربعا وعشرين سفرة ما بين حجة وعمرة
(7)
(1) حلية الأولياء المتقدم.
(2) حلية الأولياء المتقدم.
(3) حلية الأولياء المتقدم.
(4) طبقات الدرجيني ج 2 ص 255
(5) حلية الأولياء المتقدم.
209
(6) طبقات الدرجيني ج 2 ص (7) طبقات الدرجيني ج 2 ص 208.
23 (1/23)
صفحة 21
وللإمام مواقف في الحق مشهودة
(1)
فقد روي أن الحجاج بن يوسف كان يكتب وجابر حاضر لديه، فسقط القلم من يد الحجاج فقال لجابر ناولني القلم. فقال له جابر: قال رسول الله: ه لعن الله الظالمين وأعوانهم وأعوان أعوانهم ولو بمده قلم) وكانت له رسائل إلى العلماء يأمرهم فيها بالمعروف وينهاهم عن المنكر. فقد ذكر الإمام أبو يعقوب أن الزهري الإمام المعروف لما صار يدخل إلى بيوت الأمراء ويتردد
عليهم، استنكر العلماء ذلك عليه وخاصة عندما صار وزيرا للوليد بن عبد الملك
فقد أرسل إليه جابر بن زيد رسالة يؤنبه على فعلته تلك
وممن كتب إليه: وهب بن منبه، وأبو حازم فقيه المدينة من جملة 120 من
الفقهاء.
وقال أبو يعقوب: وقد وقفت على كتب هؤلاء الثلاثة. (2)
وكان الجابر نظرة خاصة للعبادات. فقد روى الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية أن جابر بن زيد قال: «نظرت في أعمال البر فإذا الصلاة تجهد البدن ولا تجهد المال، والصيام مثل ذلك، والحج يجهد المال والبدن فرأيت أن الحج أفضل من
ذلك
(3)
وفاتته صلاة الجمعة ذات يوم فقال: اللهم لك علي أن لا أعود لمثلها. (4) وكان يوصي بالدعاء يوم الجمعة بالدعاء التالي: (إذا جئت يوم الجمعة فقف على الباب وقل (اللهم اجعلني اليوم أوجه من توجه إليك وأقرب من تقرب إليك
وأنجح من دعاك وطلب إليك).
(5)
ص
64
(1) الدليل والبرهان ج 3 (2) الدليل والبرهان ج 1 ص 18
(3) البداية والنهاية ج 9 ص 93.
(4) شرح النيل ج 2 ص 320. (5) حلية الأولياء – المتقدم.
24 (1/24)
صفحة 22
وقيل إن جابر بن زيد سأله الحجاج بن يوسف وقال: ياأبا الشعثاء أخبرني عن أول آية من سورة البقرة؟ قال تلك للمؤمنين. قال والثانية؟ قال تلك للكافرين قال والثالثة؟ قال فيك وفي أصحابك. (1)
وقد اشتهر الإمام بالحرص الشديد في طلب العلم. فكان يكثر من الأسفار في سبيل ذلك وينتهز مواسم الحج للقاء الصحابة والعلماء
ذلك أنه ذهب إلى عائشة أم المؤمنين فكان يسألها عن كل شيء يتعلق بحياة ومن
صلى الله الخاصة
النبيء علية
وقد وجد في مسند الربيع عدة مسائل من ذلك (2) أما مكانته في الإجماع فهي مكانة مرموقة بحيث لا يمكن الاعتداد بالإجماع في المسائل التي يكون لجابر فيها رأي مخالف فعن الإمام ابن حزم أنه قال: أف لكل إجماع يخرج عنه علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك وابن عباس والصحابة بالشام رضي الله
عنهم،
ثم التابعون بالشام وابن سيرين وجابر بن زيد
(1) الجامع الصحيح - قسم المقاطيع رقم 93 ص 11. (2) راجع باب كيفية الغسل من الجنابة عن المسند مثلا (3) المحلى ج 5 مسألة 573.
25
(3) (1/25)
صفحة 23
مسألة 4 هل كان جابر بن زيد إباضيا؟
إن الشكوك فيما يتعلق بانتساب الإباضية إلى جابر بن زيد، أو انتساب جابر إليهم ترجع إلى ما رواه محمد بن سعد الواقدي في كتابه الطبقات الكبرى عن عزرة،
وعن ثابت البناني
1 - عن عزرة قال: قلت لجابر بن زيد إن الإباضية يزعمون أنك منهم قال: أبرأ
إلى الله منهم 2 عن ثابت البناني أن الحسن قال لجابر عندما زاره وهو على فراش الموت: إن الإباضية تتولاك فقال: أبرأ إلى الله منهم، قال فما تقول في أهل النهر؟ قال: أبرأ إلى
الله منهم.
وقبل أن أتصدى للإجابة عن هاتين الروايتين، بما كتبه الأستاذ عوض خليفات في كتابه نشأة الحركة الإباضية، أود أن أشير إلى ما لم يذكره في كتابه: أولا: أن الشهرستاني في كتابه الملل والنحل، صنف أبا الشعثاء جابر بن زيد من جملة علماء الخوارج ورجالاتهم الإباضية ثانيا: أن ابن حجر العسقلاني أخرج عن يحيى بن معين، إمام الجرح والتعديل وعالم الإسناد، أن جابر بن زيد كان إباضيا
(1)
(2)
ثالثا: أن نفي العلاقة بين الإباضية وجابر بن زيد عملية مقصودة تدخل في إطار الحصار والتشويه الإعلامي المضروب على هذه الحركة منذ أقدم العصور، والدليل على ذلك أمور:
1 على الرغم من شهرة الإمام جابر بن زيد، ومعرفته لدى العلماء والمهتمين بعلوم
(1) ج 1 ص 137.
(2) تهذيب التهذيب ج 2 ص 38.
26 (1/26)
صفحة 24
الحديث والفقه، فإن الأصيلي قال عنه: إنه شيخ مصري لا يعرف (1) ولعله من
باب: «يقولون من هذا وقد عرفوني»
2 قيل بالنسبة لعبد الله بن إباض إنه لم يمت حتى ترك قوله أجمع ورجع إلى
-
الاعتزال والقول بالحق
(2)
3 بالنسبة للخليل بن أحمد، قيل فيه إنه كان يرى رأى الإباضية حتى من من الله عليه بمجالسة أيوب. (3)
(4)
4 - بالنسبة لعبد الله بن الكواء رئيس الخوارج في حروراء: قالوا إنه رجع عن مذهبه، وعاود مصاحبة علي ولو تتبعنا السلسلة لطالت بنا. فيكفي هذا. وأغلب ظني أن السياسة كانت ترمي إلى أن تسلب هذه الفئة محاسنها. ولنعد الآن إلى ما كتبه الأستاذ خليفات في الموضوع بعد أن أورد الروايتين المتقدمتين قال: «ويمكن عدم الاطمئنان إلى هذه المعلومات للأسباب التالية:
1 - إن الحسن البصري الذي كان صديقا لجابر بن زيد، لابد وأن يكون عارفا لآراء جابر ومعتقده قبل زيارته له وهو على فراش الموت. وليس ذلك الوقت المناسب لأن يطرح البصري على جابر مثل هذه التساؤلات
2 - إن ثابت البناني صاحب الرواية، يورد أيضا روايتين إضافيتين عن قصة زيارة الحسن البصري لجابر بن زيد وهو مريض ولا يذكر في تلك الروايتين أي شيء عن الإباضية، ولم يشر إطلاقا إلى أن الحسن البصري قد سأل جابرا عن علاقته
بالإباضية وأهل النهروان.
27
163
(1) نيل الأوطار ج 5 ص 6.
(2) الحور العين ص
173
(3) تهذيب التهذيب ج 3
ص
(4) لسان الميزان ج 3 ص 329. (1/27)
صفحة 25
3 - إن المصادر الإباضية تورد أيضا رواية ثابت البناني والتي تشبه في محتواها ما
ورد في المصادر السنية مع اختلاف طفيف، ولكنها لا تشير إلى سؤال الحسن البصري لجابر، ومن المفيد أن نورد الرواية كما وصلتنا في المصادر الإباضية حتى تتضح الصورة للقاريء. قال أبو سفيان: «لما حضرت جابر بن زيد وفاته أتاه ثابت البناني فقال: يا أبا الشعثاء هل تشتهي شيئا؟ قال: إني أشتهي أن ألقى الحسن قبل أن أموت. قال فخرج ثابت فدخل على الحسن فأعلمه بقول جابر قال: وكان الحسن إذا ذاك مستخفيا من الحجاج قال: فقال كيف لي بذلك؟ قال اركب بغلي على السرج، وأنا أرتدف خلفك وأعطيك طيلساني وأرجو أن لا يعرض لنا. قال، ففعل ودخل على أبي الشعثاء وهو مضطجع فانكب عليه الحسن وهو يقول: يا أبا الشعثاء، قل لا إله إلا الله. فيرفع جابر عينيه ويقول: أعوذ بالله من غدو أو رواح إلى النار. قال فيقول له الحسن: يا أبا الشعثاء قل لا إله إلا الله. قال فيقول أعوذ بالله من غدو أو رواح إلى النار. ثم قال له يا أبا سعيد (يعنى الحسن) يوم يأتي بعض آيات ربك ... الآية. فقال الحسن هذا والله الفقيه العالم.
4 - بالإضافة إلى ذلك، فإن المصادر الإباضية تجمع على أن جابر بن زيد هو مؤسس المذهب الإباضي وإمام الإباضية بدون منازع. وقد سجنه الحجاج ثم نفاه إلى عمان لعلاقته بالإباضية 5 - يذكر كل من الأشعري وابن أبي الحديد أن الإباضية يعتبرون جابر بن زيد أحد أسلافهم، ولم يحاول أى منهما دحض هذا القول، وهذا دليل من هذين المؤلفين، غير الإباضيين، على أن جابرا كان ذا علاقة بالإباضية. ولو ملكا الدليل والبرهان على خطل هذا الرأي لقاما بتفنيده
6 حتى لو صحت الرواية الواردة في بعض المصادر السنية وأن جابرا أنكر علاقته بالدعوة الإباضية، فيجب أن لا يؤخذ ذلك على علاته. فربما فعل جابر ذلك على سبيل التقية الدينية التي استعملها جابر في مناسبات عديدة، كما
28 (1/28)
صفحة 26
استعملها غيره من أئمة الإباضية، وتعتبر مشروعة في المذهب الإباضي في طور الكتمان.
7 أما الرواية التي تذكر بأن هند بنت المهلب المعروفة بولائها للمذهب الإباضي قد أكدت بأن جابرًا لم يدعها لاعتناق المذهب الإباضي فلا تعتبر دليلا على عدم وجود علاقة بين جابر والإباضية، لأن أتباع الفرقة آنذاك لا يسمون أنفسهم بهذا الاسم. بل يسمون أنفسهم جماعة المسلمين، أو أهل الدعوة. ولهذا فإن هند بنت المهلب كانت صادقة في قولها بأن جابرًا كان يعلمها مباداء الإسلام وشرائعه أى اعتقادات المسلمين، ولم يدعها للإباضية. أضف إلى ذلك أن هند بنت المهلب كانت معاصرة لجابر بن زيد والخلفه أبي عبيدة، أي أنها كانت تعيش والحركة الإباضية لا تزال في طور الكتمان والسرية. ومن غير المعقول أن تقوم بفضح أسرار الدعوة وكشف أسماء أصحابها عندما تسأل عن ذلك، ومن الطبيعي أن تنكر علاقتها وعلاقة أستاذها جابر مع الإباضية إذا استجوبت من قبل مخالفيها حول هذا الموضوع وجدير بالذكر أن أهل الدعوة كانوا قد أوجبوا اغتيال كل من يقوم بكشف أسرار دعوتهم أو الإساءة إليهم، فهل يمكن إذن لامرأة مخلصة ومتفانية في سبيل الدعوة أن تقوم بالإساءة لأصحابها. وهل يعتبر بالتالي إنكارها لدعوة جابر إليها للانضمام للحركة
أساسا يعتمد عليه للتدليل على براءة جابر من الإباضية ومن أهل النهروان؟. 8 بعد هذا العرض والتحليل، يبدو أن قضية إنكار جابر لعلاقته بالإباضية كما توردها بعض الروايات في المصادر السنية إنما اخترعت من قبل بعض رواة السنة الذين كانوا يرون في جابر شيخا جليلا ومحدثا ثقة، وبالتالي فيجب عدم إلصاق «تهمة) الإباضية به حتى لا يعتبر مجروحا وخاصة أن نُقاد الحديث قد رفضوا روايات ه أصحاب البدع، واعتبروا أتباع الخوارج والشيعة من هؤلاء ومن المحتمل أيضا أن نقدة الحديث من السنة لم يعرفوا معتقد جابر الحقيقي لاستعماله التقية الدينية، ولذلك شكوا في نسبته إلى الإباضية. (1)
(1) نشأة الحركة الإباضية من ص 93 إلى 95.
29 (1/29)
صفحة 27
مسألة 5 حياة جابر الاجتماعية وعلاقته بالإدارة الأموية
الحجاج
؟ قال
كان جابر بن زيد موظفا في ديوان المعاملة بالبصرة. فقد روى الدرجيني أن. سأل جابر بن زيد هل لك من حاجة؟ قال نعم. قال وما هي. تعطيني عطائي وترفع عني المكروه. فقال الحجاج: هذا أمر لا يستقيم أن أعطيك من بيت مال المسلمين ولا نستعملك لهم؟ فقال كاتب الحجاج: يزيد بن أبي مسلم: أصلحك الله أيها الأمير، إن ها هنا خصلة تخفى على الشيخ ومنها عون للمسلمين. قال وما هي قال: تجعله في أعوان صاحب الديوان بالبصرة. قال: وذلك. قال فلما خرج من عنده قال له جابر: ياهذا ما صنعت شيئا. أتراني أن أكون عونا لصاحب الديوان؟ قال له يزيد: اكتب إلى صاحب الديوان أن لا يكلفك مؤونة ويعطيك عطاءك كاملا. قيل وكان عطاؤه سبعمائة أو ستمائة درهم. وكان في ديوان المعاملة.
وكان جابر بن زيد شديد الصلة بكاتب الحجاج بن يوسف. وكان الحجاج إذا أراد فتوى أرسل إلى جابر بن زيد عن طريق كاتبه فيسأله فقد قيل إنه وقع في نفس الحجاج شيء من أمر القدر. فدعا بكاتبه يزيد بن أبي مسلم فقال له: ويحك يايزيد. وقع في نفسي شيء من القدر فهل عندك من فرج قال: سأكتب لك إلى رجل بالبصرة عنده من ذلك علم. قال فكتب إلى جابر بن زيد أن يكتب له بما يفرج عن نفس الأمير. فقال له جابر: قل للأمير يكثر ترديد خطبته فإن فيها بيانا لما سأل عنه. قال: فأعلمه يزيد بالجواب فجعل الحجاج يرددها مرارا كل ذلك لا ينتبه منها بشيء حتى إذا كان بعد ذلك ردد قوله: «من الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له فقال الحجاج: يايزيد ويحك ما
يهدي
أعلم صاحبك؟. (1)
(1) نشأة الحركة الإباضية ص 97
30 (1/30)
صفحة 28
والواقع من الأمر أن علاقة جابر بالحجاج كانت في بداية الأمر ودية كما تقدم وكان
جابر يزور الحجاج ويتردد عليه حتى بعد أن نقل الحجاج مقر إدارته إلى مدينة واسط، وكان ليزيد بن أبي مسلم دور ملموس في هذه العلاقة لأنه كان صديقا حميما لجابر. ومن المحتمل أن يكون مرد هذه العلاقة إلى أن يزيد كان واسع الأفق يحب
العلماء ويعطف عليهم حتى وإن اختلف معهم في الرأي. وأنه كان في علاقته مع جابر مدفوعا بهذه النظرة تجاه العلماء
العلماء
أن
(1)
على أن من ليفيتسكي (2) وكان الجابر علاقات متينة مع غير الحجاج من ولاة بني أمية ومسؤوليهم الذين كانوا يستعينون بآرائه في تسيير الإدارة والأعمال الخاضعة لنفوذهم ومن بين
من يرى يزيد بن أبي مسلم كان خارجيا وهو رأي
(3)
عن
هؤلاء الأشخاص: النعمان بن مسلمة الذي أرسل إلى جابر بن زيد يسأله كيفية جمع الجزية في منطقته. ولا تذكر المصادر المتوافرة أين كان النعمان واليا أو عاملا، ولكن وردت كلمة دهقان في الرسائل المتبادلة بينه وبين الإمام جابر تدل على أنه كان واليا في المناطق الشرقية، وربما في بعض كور خراسان ومن الشخصيات الأخرى التي كانت على صلة وثيقة بجابر بن زيد، يزيد بن يسار الذي كان يقطن عمان ويدين بالمذهب الإباضي وقد عين عاملا في إحدى مناطق عمان. فأرسل إلى جابر بن زيد يستشيره في ذلك ويطلب نصائحه
(4)
وإرشاداته وكان هناك أشخاص آخرون خارج البصرة على علاقات حميمة مع جابر يدينون بمذهبه ويصدرون عن أمره، وكانوا عيونا له وممثلين في المناطق التي يسكنونها. ونظرا
(1) نشأة الحركة الإباضية ص 97.
(2) نشأة الحركة الإباضية ص 97. (3) نشأة الحركة الإباضية ص 99. (4) نشأة الحركة الإباضية ص 99.
31 (1/31)
صفحة 29
للدقة في التنظيم والحذر الشديد فلم يستطع الولاة القبض على هؤلاء الدعاة. وكان وجود بعضهم في مراكز المسؤولية دليلا واضحا على عدم معرفة الولاة بمعتقداتهم وكان أيضا دليلا على أن جابرا لم يمانع في أن يستلم بعض أتباعه عددا من المراكز والمهام الرسمية في جهاز الدولة التي يعمل ضدها في النهاية. حيث كان يري أن هؤلاء يسهمون في توفير المناخ المناسب لنشر دعوته في تلك الأمصار والولايات ويشكلون
دعامة لها
ويبدو
أن هذه العلاقات الواسعة والاتصالات الدائمة مع أتباع الحركة في البصرة وخارجها قد وصلت إلى أسماع الحجاج فأخذ يرتاب من جابر بن زيد، وجعله تحت
مراقبة دائمة. ولكن علاقة جابر مع كاتب الحجاج وعدم وجود قناعة واضحة لدى
الحجاج بنشاط جابر أدى إلى عدم اتخاذ إجراءات شديدة ضد الإمام في النهاية
غير
أن هذه العلاقات تغيرت فيما بعد بسبب التطورات السياسية التي حدثت
في بلاد المشرق.
فقد ثار أزد عمان بزعامة سعيد وسليمان أولاد عباد بن الجلندى. وأرسل الحجاج حملات عدة لقمع الثورة، وباءت جميعها بالفشل. وفي تلك الأثناء قامت ثورة ابن الأشعث عام 81 هـ فأجل الحجاج معالجة الموقف في عمان ليتفرغ لقتال ابن الأشعث، وبعد القضاء عليها وجه الحجاج جيشا كبيرا إلى عمان بقيادة القاسم المزني. ولكن الأزد بقيادة الأخوين سعيد وسليمان تمكنوا من دحر هذه الحملة وقتل قائدها وعندما وصلت أنباء فشل الحملة إلى الحجاج غضب كثيرا وقرر الانتقام من الأزد، ليس في عمان فحسب بل في العراق أيضا، فوضع زعماء الأزد في العراق ومن بينهم جابر بن زيد تحت مراقبة شديدة، وحذرهم من أي اتصال مع إخوانهم في عمان (1)
(1) نشأة الحركة الإباضية ص 100
32 (1/32)
صفحة 30
ثم إن الحجاج قام بالتنكر لال المهلب زعماء أزد العراق وخراسان، فطلق زوجته هندا أخت يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، وإلي خراسان آنذاك، فزج بيزيد وبعض أفراد أسرته في السجن وأساء إليهم، وكان لموقف الحجاج هذا أثره السيء على الدعوة الإباضية التي يتزعمها جابر بن زيد الأزدي. فقد استغل جابر هذه الفرصة لإقناع عدد كبير من الأزد بالانضمام إلى جماعة المسلمين الإباضية) فتبعه قسم كبير منهم وعلى رأسهم أفراد من آل المهلب رجالا ونساء. منهم عاتكة بنت المهلب، أخت يزيد التي كانت من أشد الناس حماسا للمذهب، ولم تبخل بمالها لمساعدة المحتاجين
(1)
من أهل دعوتها ثم إن الحجاج حبس جابر بن زيد مع بعض أصحابه البارزين، ولكنه ما لبث أن أطلق سراحهم وقرر نفيهم إلى عمان. وبقي البعض منهم في السجون إلى ما بعد موت
الحجاج.
وقد عاد جابر إلى البصرة بعد ذلك ومات فيها
وليست لنا أية أدلة على أن الإمام جابر بن زيد شارك في أية ثورة من ثورات العراق التي قامت ضد الحجاج، لا في ثورة ابن الأشعث التي تزعمها العلماء والمحدثون والقراء، ولا في ثورات الخوارج العديدة الأخرى
كما لا يسجل التاريخ أية واقعة دموية بين الحجاج والإباضية في البصرة أو العراق هنا فإن نشاط الإمام جابر بن زيد، كان في إطار الدعوة إلى الله ونشر العلم، وتنظيم الدعوة سرًا في انتظار الوقت المناسب للظهور
ومن
(1) نشأة الحركة الإباضية ص 101
33 (1/33)
صفحة 31
مسألة 6 جابر بن زيد والحركة الإباضية:
ترجع علاقة جابر بن زيد بالحركة الإباضية إلى وقت مبكر من شبابه. فقد اتصل بزعيمها الإمام عبد الله بن وهب الراسبي قبل سن العشرين، وقيل إنه أخذ عنه العلم وكانت له معه صحبة (1) ولكن جابرا لم يخرج معه إلى النهروان وقد ابتدأت علاقته بالجماعة بعد هذه الوقعة، أي بعد لجوء مرداس بن أدية التميمي وأصحابه للبصرة في أواخر العقد الرابع من القرن الأول على أن نشاطه كان في نطاق السرية وبأسلوب لا يلفت النظر إليه فكان معهم طوال ولاية ابن زياد على البصرة يصلي الجمعة خلفه، وعندما سئل عن ذلك يجيب:
إنها صلاة جامعة وسنة متبعة
(2)
ويذكر المؤرخون واقعتين تؤكدان انضمام جابر بن زيد إلى جماعة الإباضية منذ
عهد زياد:
الواقعة الأولى: ما يروى عن حرصه على التردد إلى مكة والتقائه بابن عباس، وكان يذهب بصحبة شخص يدعى فقاس بن الأسود بن قيس، الذي كان معروفا أنه من أعضاء تلك الجماعة، حتى كان أحد الأعوام عندما مضى جابر إلى مكة منفردا دون صاحبه، فسأله ابن عباس عنه فقال جابر: إنه في سجن ابن زياد فقال له ابن عباس: وإنه لمتهم؟ قال جابر: نعم. قال ابن عباس: اللهم بلى. ثم سأل جابرا وقال: أو ما أنت منهم؟ فقال جابر: اللهم بلى.
القعدة
أحد
الواقعة الثانية: يرويها أبو سفيان محبوب بن الرحيل إذ يذكر أن شيخا من يدعى: أبا سفيان قنبر قد أخذه عبيد الله بن زياد وجلده ليدله على المسلمين (القعدة) فلم يفعل. قال جابر بن زيد: وكنت قريبا منه، وما كنت أنتظر
إلا أن يقول: هذا هو. فعصمه الله. (3)
من
(1) جابر بن زيد وآثاره في الدعوة ص 149. (2) جابر بن زيد وآثاره في الدعوة ص 150
(3) مصدر السابق.
34 (1/34)
صفحة 32
وبالإضافة إلى ما سبق فإن هناك روايات تشير إلى وجود علاقة متينة وودية بين
جابر بن زيد وأبي بلال مرداس بن أدية التميمي شيخ القعدة في البصرة بعد معركة النهروان. وكان الرجلان يخرجان إلى مكة سويا ويلتقيان بابن عباس وعائشة أم المؤمنين. ويذكر أبو سفيان محبوب بن الرحيل أن جابرا وأبا بلال دخلا مرة على الله عنها فعاتباها على ما كان منها يوم الجمل. قال: فاستغفرت
عائشة رضي
(1)
الله
تعالى وتابت مما كانت قد دخلت فيه وكانت العلاقة بين جابر وأبي بلال تزداد وتتوثق بسرعة، وأخذ مرداس يدرك مدى علم جابر وذكائه فكان يتردد عليه آناء الليل وأطراف النهار ليغرف من معرفته الواسعة وعلمه الغزير. وذكر مؤلف كتاب بيان الشرع عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي أنه قال: لقد كان أبو بلال يبكي في جوف الليل حتى ما يطيق أن يقوم. ولقد كان من تشوقه إلى إخوانه أنه يخرج من عند أبي الشعثاء بعد العتمة ثم يأتيه قبل الصبح فيصلي معه فيقول له جابر: يا أخي أشفقت على نفسك فيقول: آتيك (2) والله لقد طال ما هبت نفسي بلقاك شوقا إليك حتى ويبدو من الروايات أن نجم جابر أخذ يتألق في سماء الحركة الإباضية قبل عام 61 هـ وهو العام الذي قتل فيه أبو بلال مرداس. حتى أن بعض الروايات تجزم على أنه لم يقم بعمله إلا بعد مشورة من جابر بن زيد وقبول منه. وإذا صح ذلك، فإن القعدة قد اتفقوا على أن يتولى جابر أمرهم وتنظيم دعوتهم منذ المراحل الأولى لتطور الدعوة في البصرة، إيمانا منهم بذكائه واعتمادا على اطلاعه الواسع وتحصيله العميق في العلوم الدينية وخاصة ما يتعلق بالتفسير وعلم الحديث وعلى الرغم من تبو جابر بن زيد لزعامة القعدة منذ ذلك الوقت المبكر فإنه لم يشترك في الأحداث السياسية التي جرت في تلك الفترة من التاريخ الإسلامي، ولم
(1) الدرجيني ج 2 ص 88.
(2) نشأة: الحركة الإباضية ص 91.
35 (1/35)
صفحة 33
أنه كان على
يبد لعامة سكان البصرة أن جابرا كان إماما وزعيما للقعدة أو حتى لأنه أخفى ما يعتقده، وساعده أصحابه على ذلك؛ لأنهم. وذلك
علاقة
معهم
كانوا يحبون ستره من الحرب والهلاك حتى لا يموت فتموت دعوتهم في مهدها
(1)
اتخاذه
اختار جابر بن زيد منهجا خاصا به لنشر مبادئه وأفكاره. وهذا المنهج هو طريق بث العلم وسيلة لترويج آرائه، وذلك عن طريق تلاميذه ومريديه، مستعملا أسلوب (التقية) ويروي في ذلك أنه كان يأمر أصحابه إذا ترك أحد أتباعه مذهبه وتخلى عن مبدئه دون أن يطعن فيه أو يفشي أسراره، أن يتبرأوا منه دون أن يتعرضوا له بأذى، وأن يعتبروه واحدا من المخالفين الموحدين الذين لا تحل دماؤهم إلا إذا بدأوا هم بالعدوان.
ولكن إذا خرج عن الفرقة أحَدُ أتباعها وعاب عليهم وطعن في معتقدهم وأفشى أسرارهم فقد وجب قتله وحل دمه (2). وقصة خردلة دليل على ذلك، فقد جاء شاب إباضي إلى جابر بن زيد وسأله عن فضل الجهاد فقال: قتل خردلة، وكان الشاب لا يعرفه، فأراه إيَّاهُ رجل من المسلمين (الإباضية) في المسجد ووضع يده
على كتفه حتى
لا يخطئه، فضربه الشاب بين كتفيه بخنجر مسموم فمات
وإذا صحت هذه الرواية، فإن جابرا كان يرى وجوب استعمال الاغتيال
السياسي كوسيلة لمقاومة القوة الغاشمة
:
عنه
ثم إن جابر بن زيد تجنب أي احتكاك معادٍ مع السلطة الحاكمة. ولم ينقل أنه تعرض لأي أذى قبل تولي الحجاج للسلطة في العراق، على الرغم من أن بعض أصحابه قد لقي عنتا كبيرا على أيدي الولاة منذ أيام ابن زياد
(1) نشأة: الحركة الإباضية من 92. (2) جابر بن زيد و آثاره في الدعوة ص 155.
36 (1/36)
صفحة 34
وقد وجه جابر بن زيد قسما من جهوده إلى إقناع بعض آل المهلب للانضمام إلى حركته، وهذه القبيلة هي زعيمة الأزد العمانيين في العراق وقد تسللوا إلى أجهزة الدولة. وقد نجح في ذلك إلى حد بعيد، ولعل ذلك أكسبه تغطية إزاء الحكام وسترا أن يتعرضوا له بأذى واستمر الحال كذلك إلى أن انقلب الحجاج على آل المهلب فانكشف جابر وأودي به إلى السجن
يقيه من
(1)
ولم تقتصر جهوده على الرجال وحدهم .. بل تعداهم إلى النساء، فإن لدينا من المعلومات ما يدل على وجود عدد من المهلبيات في صفوف الحركة الإباضية وأنهن بذلن جهودا كبيرة لنصرتها وأموالا طائلة لمساعدة المحتاجين منهم وامتدت مخططات جابر إلى عمان، وإلى غير عمان من مناطق الأمصار الإسلامية حيث كان يبعث بالدعاة فاشتدت بفضله الحركة في اليمن وحضرموت و خراسان، وغدت الدعوة الإباضية عبارة عن حركة إسلامية شاملة اجتذبت عناصر من قبائل وأجناس متعددة. ولم تعد الدعوة مقصورة على العنصر الأزدي أو
مختلفة
التميمي فدخل فيها الموالي والخراسانيون وغيرهم
ولا. أن يكون خليفة جابر بن زيد مولى من موالي بني تميم، أبو عبيدة مسلم
ابن أبي كريمة الذي سكن حي الأزد من البصرة بعد انضمامه للدعوة
(1) الدرجيني ص 211 و 245.
37 (1/37)
صفحة 35
مسألة: 7 جابر بن زيد المفسر:
يحتل الإمام جابر مكانة مرموقة بين علماء الإسلام العارفين بالقرآن. فقد احتج بأقواله مجموعة من المفسرين وأشادوا بآرائه في هذا المجال، على أنه لم ينقل إلينا أنه كتب في التفسير كتابة خاصة.
فمن ذلك ما أورده السيوطي من أن جابر بن زيد من علماء التابعين بالقرآن (1) وفال ابن حجر: إنه من أعلم الناس بكتاب الله (2). وقد اعتمد الشيخ الطاهر بن عاشور في تفسيره رواية جابر بن زيد بالنسبة لترتيب نزول القرآن. وعن ذلك يقول:
سور
وأما ترتيب نزول السور المكية ونزول السور المدنية ففيه ثلاث روايات: إحداها رواية مجاهد عن ابن عباس، والثانية رواية عطاء الخراساني عن ابن عباس أيضا والثالثة لجابر بن زيد، ولا تكون إلا عن ابن عباس. وهي التي اعتمدها الجعبري في منظومته التي سماها: تقريب المأمول في ترتيب النزول. وذكرها السيوطي في الإتقان وهي التي
جرينا عليها في تفسيرنا هذا
(3)
وأما الألوسي فقد قال في تفسيره: إن جابر بن زيد من علماء التابعين بالقرآن (4) وهي عبارة السيوطي المتقدمة.
وقال القرطبي في أحكام القرآن، نقلا عن أبي جعفر النحاس: إن جابر بن زيد
إمام من أئمة المسلمين)
(5)
(1) الإنفاق ج 4 ص 26 (2) تهذيب التهذيب ج 2 ص 38. (3) التحرير والتنوير ج 1 ص 90. 1
(4) روح المعاني ج 29 ص 115. (5) أحكام القرآن ج 15 ص 22 و ج 12 ص 221.
38 (1/38)
صفحة 36
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما التفسير، فإن أعلم الناس به أهل مكة لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد وعطاء بن أبي رباح وعكرمة وغيرهم من أصحاب ابن عباس كطاوس وأبي الشعثاء وسعيد بن جبير وأمثالهم (1)
ولم يكن جابر بن زيد عالما بالتفسير فحسب بل كان أيضا من أصحاب القراءات. فإن مراجعة كتب التفسير تفيد بأن جابرا له قراءات متعددة سوف
نرويها.
رضي
ويتميز الاتجاه في تفسير الإمام جابر بأنه يجنح إلى المأثور المروي عن ابن عباس
الله عنه
كما يتميز بالبعد عن الأساطير والإسرائيليات، والميل إلى المدلول اللغوي
(1) مقدمة أصول التفسير ص 61.
39 (1/39)
صفحة 37
مسألة 8 جابر بن زيد المحدث:
نقاد
يعتبر جابر بن زيد من أئمة السنة في البصرة بلا منازع، وقد وثقه جميع الحديث وأجمعوا على ضبطه وعدالته، بل يعتبر من رجال أصح الأسانيد، بالرغم مما
حام حوله من (تهمة (الإباضية.
فقد روى ابن حزم حديثا عن شعبة عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس
فقال: هذا إسناد لا يوجد أصح
منه
(1)
،
ويعتبر سند الإمام جابر، عند الإباضية، في الذروة العليا من مرتبة الإسناد وإن عنعنته مقطوع باتصالها. لأن الربيع بن حبيب أخذ عن أبي عبيدة، وأبو عبيدة
أخذ عن جابر وجابر جابر وجابر أخذ عن الصحابة، وقد أدرك الجم الغفير منهم
(2)
وقد اختلف فيما إذا كان جابر ممن يكتب الحديث أو ممن يمتنع عن كتابته فذهب الأستاذ الخطيب إلى أن جابر بن زيد كان ممن يمتنع عن كتابة الحديث، واستدل على ذلك بأنه قيل له: إن الناس يكتبون رأيك. فقال: يكتبون ما عسى عنه غدا؟ (3) أن أرجع. وهذا الاستدلال في الحقيقة ضعيف، لأن الموضوع يتعلق بكتابة رأي جابر بن زيد، وهو غير كتابة السنة. فإن الرأي مما يحتمل فيه التراجع. بخلاف حديث
الرسول علالالاللي
وذهب
الأستاذ الأعظمي إلى أن جابرا كانت عنده أحاديث مكتوبة. واستدل على ذلك بما روى سفيان عن عمرو قال: أعطاني جابر بن زيد صحيفة فيها مسائل
(1) المحلي ج 4 ص 10 - 11. (2) حاشية الجامع الصحيح ج 1 ص 8.
(3) السنة قبل التدوين ص 322 - 324
40 (1/40)
صفحة 38
فقال: سل عنها عكرمة فجعلت كأني أتباطاً، فانتزعها من يدي فقال: هذا
عكرمة مولى ابن عباس، هذا أعلم الناس ()
(1)
وعندي أن جابر بن زيد كان يعني بكتابة العلم عامة، وأنه كان يراسل العلماء
لأخذ رأيهم في المسائل المطروحة عليه
فَمِنْ ذلك ما روي من أنه كتب إلى عكرمة يقول: ما تقول ياعكرمة في الحرام هل يحرم الحلال من النكاح؟ فقال عكرمة: ما أرى أمرهما إلا واحدا. قال جابر:
صدق عكرمة ومن ذلك ما قاله عمرو بن دينار إن جابرا أعطاني صحيفة فيها مسائل سأل عنها عكرمة وكان فيها: رجل فجر بامرأة، فرآها ترضع جارية، أيحل له نكاحها؟ قال:
لا
وكان جابر يتتبع المظان التي توجد فيها كتب السنة. فقد نقل عنه أنه قال: انتهيت إلى بني عمرو بن حزم فطلبت إليهم كتاب رسول الله الله مع أبيهم عمرو ابن حزم إلى أهل اليمن، فأوقفوني عليه. وغير بعيد أن يكون قد استنسخ هذا الكتاب
ويعتبر جابر بن زيد من جملة أصحاب مدرسة الحديث بالعراق، التي تتميز بقلة الرواية. والتشكك في رواية الحديث بصفة عامة، ولكنه يتميز عنهم بالخصائص
التالية:
1 - يتميز بعلو السند، فهو معدود من بين كبار التابعين وأوائلهم
(1) دراسات في الحديث وتاريخ تدوينه ص 162.
41 (1/41)
صفحة 39
2 - أنه كثير التنقل للحجاز، ومن هنا استطاع أن يروي أحاديث مكة والمدينة
ويتصل بالصحابة الذين لم يعرفوا العراق
3 - أنه محل ثقة الجميع، سواء بالعراق أو الحجاز -4 - أن كتب الحديث حفظت لنا عددا كبيرا من الصحابة الذين روى عنهم إما مباشرة، وإما عن طريق الإرسال
وأكثر روايته عن ابن عباس رضي الله عنه لكثرة ملازمته له وتعدد رحلاته إليه وروى أيضا عن ابن عمر، وابن الزبير، وابن مسعود، والحكم بن عمرو الغفاري، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي أمية وعائشة، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله وزيد بن ثابت، وأسماء بنت أبي بكر، والبراء بن عازب، وسويد بن النعمان، وأبي مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وحذيفة بن اليمان، ومعاذ
ابن جبل
وروى مرسلا عن خلق كبير من الصحابة وهم: أبو بكر الصديق، عمر بن الخطاب، عبادة بن الصامت، على بن أبي طالب، أبو موسى الأشعري، أبو أيوب الأنصاري، أبي بن كعب، عثمان بن عفان، أسامة بن زيد، أبو قتادة وزوجه كبشة بنت كعب، أم هانيء بنت أبي طالب، حفصة، أبو طلحة الأنصاري، سعد بن أبي وقاص، عبد الله بن عمرو ابن العاص، أم حبيبة زوج النبيء الا الله، أم سلمة زوج النبيء له، طلحة بن
صلى الله
عبد الله، كعب، كعب بن مالك، أبو بشر الأنصاري، أبو عبيدة بن الجراح
كما روى عن عدد من التابعين، رواية الند للند، وهم: الحسن البصري عكرمة، سعيد بن جبير، مجاهد، وعروة بن الزبير
وقد أرسل كثيرا من الأحاديث عن النبيء لا الله. وإن تصفح أحاديث مسند الربيع بن حبيب يبين ذلك .. وليس هو التابعي الوحيد الذي له مراسل. ومن ثم فقد
42 (1/42)
صفحة 40
اختلف العلماء في حكم الحديث المرسل (1)، وهل يجوز العمل به أم لا، على ثلاثة أقوال رئيسة: القول الأول: أن المرسل صحيح يجوز الاحتجاج به مطلقا، وهو قول الإمام أبي حنيفة، ومالك، وأحمد بن حنبل في المشهور عنه، واستدلوا بدليلين: 1 - أن النبيء له أثنى على التابعين، وشهد لهم بالخيرية حيث قال: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.) رواه البخاري ومسلم
أن
2 أن التابعي الذي أسقط ذكر الصحابي، إما أن يكون عدلا أو لا. فإن كان غير عدل بطل الاحتجاج بحديثه لعدم عدالته لا لإرساله. وإن كان عدلا لم يجز يسقط ذكر الواسطة بينه وبين النبيء علي لا اله إلا وهو عدل عنده، غير متردد في عدالته، وإلا كان تلبيسا قادحا في عدالته القول الثاني: أن الحديث المرسل حديث ضعيف لا يحتج به، وهو المذهب الذي استقر عليه جمهور حفاظ الحديث ونقاد الآثار.
القول الثالث: وفيه تفصيل، وهو أن المرسل يحتج به إذا اعتضد بعاضد يقويه بأن يروى مسندا أو مرسلا من جهة أخرى، أو يعمل به بعض الصحابة أو أكثر العلماء وهو مذهب الشافعي أما مساند جابر بن زيد فهي كلها صحيحة، لعدالة جابر، ولما رواه السالمي من إجماع التابعين على قبول الحديث المرسل، لأن رد المرسل يعتبر بدعة حدثت بعد المائتين، ومن ثم فلا وجه لدفعه. وانتهى فيه إلى صحة القول بأن مرسل العدل مقبول مطلقا. (2)
رحمه الله
(1) المرسل هو الحديث الذي رفعه التابعي إلى النبيء عل الله قولا أو فعلا أو تقريرا، صغيرا كان التابعي أو كبيرا،
بشرط أن يكون لم يسمعه من النبيء.
(2) شرح طلعة الشمس ج 2 ص 47.
43 (1/43)
صفحة 41
مسألة - 9 - حملة العلم الذين رووا عن جابر بن زيد:
روى عن جابر بن زيد عدد كبير من رجال السنة مختلف الأقطار، ولقد
من
تتبعت مظانهم في بطون كتب التراجم والسنة المطهرة، فبلغ عددهم نحوا من سبعين حفظت أسماؤهم وعرفت تراجمهم. كما وجدت عددا كبيرا آخر من رجال العلم غير
معروفين أذكرهم بدون تراجم، ولعل المستقبل سيكشف عنهم. 1 - أحمد بن المقدام. أبو الأشعث العجلي: قال الرازي روى عن جابر بن زيد
وروى عنه جرير بن حازم. وقيل: شيخ ليس بالمشهور
أما الذهبي فقال في الميزان: أبو الأشعث العجلي أحد الأثبات. وقال ابن خزيمة: يروي عن حماد بن زيد، أي عكس ما قال الرازي. وقال أيضا: كان كيسا صاحب حديث. وإنما ترك أبو داود الرواية عنه لمزاح كان فيه، وقيل لأنه كان يعلم المجون للمجان. وقال فيه أبو حاتم: صالح الحديث
ميلاده: روي عنه أنه قال: ولدت قبل موت أبي جعفر المنصور بسنتين ومات في صفر سنة 253. وكانت وفاة أبي جعفر سنة 158.
هذا
وأقول: لما كانت وفاة جابر بن زيد سنة 103 على أكثر تقدير، فإن أبا الأشعث لم يرو عن جابر إلا بواسطة، ولعله شخص آخر غيره
وقال ابن حجر: ذكره ابن حبان في الثقات، روى عنه البخاري والترمذي
والنسائي وابن ماجه
(1)
2 أبو معمر التميمي: ذكره الرازي وقال: رأى جابر بن زيد ولم يذكر له رواية
روى عنه غالب بن سليمان
(1) تهذيب التهذيب. والجرح والتعديل.
44 (1/44)
صفحة 42
3 أبو معن: ذكره الرازي في الجرح والتعديل وقال: سمع جابر بن زيد وعبد
الله بن الزبير وأنس بن مالك، وأبا العالية
وعليه فتكون روايته عن جابر رواية التابعي عن التابعي
وروى عنه المعتمر بن سليمان
4 أبو العنبس العدوي الكوفي: قيل اسمه الحارث بن عبيد بن كعب، من بني عدي. ذكره ابن حبان في الثقات.
بني
وقال ابن حجر: روى عن جابر بن زيد الكندي، وهو
كندة، ولعله شخص آخر
خطأ، فجابر ليس من
وروى عن أبي العديس الأصفر، والأغر أبي مسلم وغيرهما: روى عنه شعبة
وإسرائيل وأبو مريم وغيرهم.
- أبو العنبس الكوفي الأكبر: قيل اسمه عبد الله بن مروان الكوفي، روى عن
أبي الشعثاء جابر بن زيد عن ابن عباس في فداء أهل بدر
سور
روى عنه شعبة وغيره، جاء ذلك في تهذيب التهذيب
6 أمية بن زيد الأزدي البصري: روى عن أبي الشعثاء حديث ترتيب نزول
القرآن
، وهو في كتاب الإتقان
روى عنه حسان بن إبراهيم الكرماني. وقال ابن حجر: ذكره ابن حبان في
الثقات
7 أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني: أبو بكر البصري الفقيه، أحد الأعلام. سئل هل رأيت جابر بن زيد فقال: نعم. كان لبيبا، لبيبا، لبيبا. وروي
أنه ذَكَرَ جَابرًا يوما فأبدى إعجابه من فقهه
وقد روى عن عمرو بن سلمة وأبي رجاء والحسن وعطاء.
وروى عنه ابن سيرين من شيوخه، والسفيانان، والحمادان
45 (1/45)
صفحة 43
قال ابن عيينه: ما لقيت مثله في التابعين. كان ثبتا حجة جامعا كثير العلم.
توفي سنة 131، ومولده سنة 66
8 أيوب بن يزيد أو زيد: روى عن جابر بن زيد قوله روى عنه المنذر بن ثعلبة. قال الرازي: سألت أبي عنه فقال: مجهول. وقال الذهبي: أيوب بن يزيد ويقال ابن زيد، روى عن بعض التابعين، مجهول
وجاء في اللسان: أيوب بن أبي زيد زياد أبو زياد وأبوزيد الحمصي 9 - بيهس: مولى الفضل بن المهلب الأزدي البصري. روى عن جابر بن زيد وروى عنه حماد بن زيد. جاء ذلك في الجرح والتعديل
-
10 تميم بن حويص الأزدي: ثم اليحمدي أبو المنذر الأهوازي، روى عن جابر ابن زيد (1) وابن عباس، وأبي زيد الأنصاري، ولم يدركه وحيان الأعرج، وله روايات في كتب الإباضية. روى أبو صفرة، وشعبة ونوح بن قيس. سئل عنه أبو حاتم
فقال: ثقة.
ويقال: تميم بن حويض بالضاد المعجمة أو خويص بالخاء المعجمة.
11 - تميم بن حدير: أبو المعارك السليمي. بصري، روى عن جابر بن زيد وعن
الرباب، روى عنه عرعرة بن البزند. ذكر ذلك الرازي في الجرح والتعديل
12 ـ ثابت بن أسلم البناني: أبو محمد البصري، روى عن عبد
وابن الزبير وأنس. روى عنه شعبة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد
الله بن عمر
روي عنه أنه قال: دخلت على جابر بن زيد وقد ثقل. قال: فقلت له ما تَشْتَهى؟ قال: نظرة من الحسن. قال: فأتيت الحسن وهو في منزل أبي خليفة، فذكرت له فقال: اخرج بنا إليه. قال قلت إني أخاف عليك. قال: إن الله
(1) أجوبة ابن خلفون ص 80
46 (1/46)
صفحة 44
سيصرف عني أبصارهم. قال: فانطلقنا حتى دخلنا عليه. فقال له الحسن: يا أبا الشعثاء، قل لا إله إلا الله. قال: فقال: يوم يأتي بعض آيات ربك. قال: فتلا هذه الآية. وفي رواية عن ثابت البناني قال: أتيت الحسن وهو مختف عند أبي خليفة فقلت: إن أخاك جابر بن زيد بالموت قال: رويدا نمشي. فلما أمسى أرسل إلى بغلة فركبها وأردفني خلفه وأتى جابر بن زيد فلم يزل عنده حتى أسحر. فلما خاف الصبح ولم يمت قال فكبر عليه أربعا ودعا له ثم انصرف ورواية ثابت عن جابر رواية التابعي عن التابعي ومات ثابت سنة 127 عن
ستة وثمانين عاما
جابر هي
(1)
13 ثابت بن ذروة السعدي: روى عن جابر بن زيد، ذكر ذلك الرازي. في
الجرح والتعديل. وروى عنه جرير بن حازم وهمام بن يحيى وحماد بن زيد
روي عن يحيى بن معين أنه قال: ثابت بن ذروة ثقة
14 جعفر بن أبي وحشية: هو بشر جعفر بن إياس اليشكري الواسطي
بصري الأصل روى عن جابر بن زيد. وجدت ذلك في نصب الراية. وروى عن سعيد بن جبير وعطا، وعكرمة وغيرهم
روى عنه
الأعمش وأيوب وهما من أقرانه، وشعبة، وأبو عوانة، وهشيم وغيرهم
وثقه أبو زرعة وابن معين وأبو حاتم والنسائي. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. قيل مات سنة 123 وقيل سنة 125 وقيل سنة 131.
15 حاجب الأزدي: وهو غير منسوب. يروي عن أبي الشعثاء جابر بن زيد
-
وعن الحسن وغيرهما. جاء ذلك في لسان الميزان
وروى عنه الأسود بن شيبان وابن عيينة
(1) طبقات ابن سعد ج 1/ 7 ص 132.
47 (1/47)
صفحة 45
قال ابن حبان: كان ممن يخطيء ويهم، حتى خرج عن حد خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد. وقد ذكره البخاري في الضعفاء
وقال ابن عيينة: كان رأسا في الإباضية. وقال الرازي: ليس بالقوي ولا بالمشهور روى حديثا أو حديثين منكرين.
16 - حبان أبو معمر: قال: انطلقت إلى جابر بن زيد. روى عنه أبو داود قال الرازي: هو مجهول
17 حيان العبدي: روى عن جابر بن زيد
فقد أورد ابن حزم في المحلى عن ابن جريج قال: سأل حيان العبدي عطاء بن أبي رباح عمن شج رأس عبده أو كسره فقال عطاء: ليكسه ثوبا أو ليعطه شيئا. فقال حيان: هكذا أخبرني جابر بن زيد وهو أبو الشعثاء، عن ابن عباس فيمن فقأ عين
عبده
الله
ولم أجد في الكتب التي بين يدي حيانا يروي عن عطاء إلا حيان بن عبيد ابن زهير أبو زهير العدوي. فغلب على ظني أنه هو لما رأيت من أنه ورد في بعض
النسخ أنه مولى بني عبد. ولعل نسبة العبدي جاءته من هنا وقد روى عن عطاء وابن مجلز والضحاك. وقد اختلف فيه: فقال أبو حاتم والرازي: صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات.
وقال البيهقي: تكلموا فيه. وأورده الذهبي في الميزان. وذكره ابن عدي في
الضعفاء.
18 - حيان الأعرج الجوفي البصري: روى عن جابر بن زيد
وروى عن قتادة وسعيد بن أبي عروبة وابن جريج ومنصور بن زادان وحكي عن
ابن معين توثيقه
وهو من أكبر من صحب جابرا وأخذ عنه. وكان داعيا إلى الله، آمرا بالمعروف،
48 (1/48)
صفحة 46
ناهيا عن المنكر. وله روايات في المدونة الكبرى. وكان أكبر سنا من أبي عبيدة مسلم بن أبي كرمة. وكان ينكر عليه تشدده في الدين وهو معدود في جملة علماء الإباضية المجتهدين
الحجاج بن الأسود، وهو ابن أبي زياد:
روى عن جابر بن زيد. جاء ذلك في لسان الميزان
وروى عن ثابت البناني ومعاوية بن قرة وأبي الصديق وأبي نضرة، وشهر بن
حوشب
روى عنه حماد بن سلمة وجعفر بن سليمان الضبعي. قيل هو من العباد،
ورجل صالح. بصري ثقة صالح الحديث. ويقال له زق العسل
20 الحجاج بن أبي عيينة بن المهلب: ويقال ابن أبي عتبة
روى عن جابر بن زيد قوله: (مضى من أجلي ستون سنة، فأصبت فيها ونعمت. فنعلي الآن أعز علي من ذلك كله. إلا خيرا قدمته. جاء ذلك في
طبقات ابن سعد
روى عن هند بنت المهلب
وروى عنه حماد بن زيد وسعيد بن عامر
قال يحيى بن معين: إنه صالح الحديث
21 الحجاج بن المنذر: له رواية عن جابر بن زيد
فقد روى القرطبي أن الحجاج بن المنذر قال: سألت جابر بن زيد عن قوله تعالى: {الْجَوَارِ الْكُنَّس له فقال: الظباء والبقر. ولكني لم أعثر له على ترجمة في
الكتب التي بين يدي
22 خالد بن دينار: أبو خلدة التميمي السعدي البصري الخياط، قال: رأيت جابر بن زيد يصفر لحيته. نقل ذلك ابن سعد في طبقاته
49 (1/49)
صفحة 47
وأبو خلدة هذا روى عن الحَسَنِ وأنس وابن سيرين وغيرهم وروى عنه عبد الرحمن ابن مهدي ويحيى القطان ووكيع وغيرهم. قالوا فيه: إنه ثقة مأمون صالح، كان
مسلما صدوقا.
23 الربيع بن حبيب: أبو عمرو الفراهيدي اليماني الأصل العماني الموطن البصري المنشأ.
أدرك الربيع جابر بن زيد في أواخر أيامه، وهو شاب. ولذلك لم تسجل له روايات كثيرة عنه. فقيل روى عنه حديثا واحدا في المسند. وأكثر رواياته عنه بواسطة إذ لم تطل ملازمته له
وكان أبوه حبيب بن عمرو تلميذا لأبي الشعثاء وقد نفاه الحجاج من البصرة إلى جماعة أخرى من الإباضية
عمان
روى عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وضمام بن السائب وأبي نوح صالح الدهان وغيرهم من الإباضية.
بن
وروى عن غيرهم مثل يحيى بن أبي قرة وعباس بن الحارث وقتادة وعبد الله الحارث والوليد بن يحيى وعمرو بن هرم وأبان بن يزيد وابن جريج وهو من علماء السنة
لدى الإباضية بل عالمهم بلا منازع، وله المسند المعروف عندهم.
عنه
أبو المنذر بشير بن المنذر النزواني العماني وهو المراد عند الإطلاق في الأثر الشرقي بالشيخ، وقد ملأ الفقه العماني بفتاويه توفي سنة 178 هـ، روى عنه منير العجلاني، وموسى بن أبي جابر الأزكوي ومحبوب بن الرحيل أبو سفيان، ومحمد بن المعلى الكندي وأبو أيوب وائل بن أيوب.
24 - زرارة بن ربيعة بن زرارة، أبو الحلال، أو ابن أبي الحلال العتكي.
روي عن جابر بن زيد أنه أمر يزيد بن المهلب أن يكبر على الجنازة أربع تكبيرات
50 (1/50)
صفحة 48
روى عن عثمان بن عفان وأنس رضي الله عنهما، فإذا صح ذلك، فإن روايته عن جابر بن زيد هي رواية القرين عن القرين
روى عنه عبيد الله بن ثور وروح بن عبادة وأهل البصرة. قال فيه يحيى بن معين: بصري ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات 25 سعيد بن حيان: الأزدي اليحمدي، روى عن جابر بن زيد، قال ذلك الرازي، في الجرح والتعديل. وقال: روى عن ابن عباس وسعيد بن جبير. روى عنه عامر الأحول وعوف الأعرابي.
26 سعيد بن زياد الأنصاري: المدني، ذكره ابن حبان في الثقات وقال:
روى عن جابر بن زيد
وروى عنه سعيد بن أبي هلال
وفي تهذيب التهذيب: روى عن جابر) بن عبد الله) وأبي سلمة بن
عبد الرحمن. وذكره الرازي ولم ينسبه، وقال هو مجهول
27 - سعيد بن كعب: روى عن جابر بن زيد. قال ذلك الرازي في الجرح والتعديل وقال روى عنه عبدالحميد بن رافع
28 - سليمان بن السائب: روى عن جابر بن زيد، جاء ذلك في الجرح والتعديل، روى عن الحسن، وروى عنه عصمة بن سالم
-29
سهم الفرائض: روى عن جابر بن زيد
وروى عنه حماد بن سلمة وهشيم وابن علية. قال يحيى بن معين: سهم الفرائض
ثقة جاء ذلك في الجرح والتعديل
30 صالح بن إبراهيم الدهان، أبو نوح.
روى عن جابر بن زيد، قال ذلك الرازي
وهو معدود في جملة علماء الإباضية الأولين، شارك أبا عبيدة في التدريس وله
روايات كثيرة في كتبهم
51 (1/51)
صفحة 49
(1).
روى عنه أبان بن يزيد العطار، وسلم بن أبي الذيال، وزياد بن الربيع، ونوح ابن قيس وهشام الدستوائي والربيع بن حبيب وطبقته من الإباضية) قال فيه أحمد بن حنبل: ليس به بأس وقال يحيى بن معين: صالح الدهان ثقة
وجاء ذلك في الجرح والتعديل ونقل عن يحيى بن معين أنه قال فيه: كان قدريا، ويرضى بقول الخوارج. ومن روايات صالح الدهان عن جابر بن زيد، ما رواه أبو نعيم في الحلية عن الإمام أنه كان يقول: (نظرت في أعمال البر، فإذا الصلاة تُجهد البدن، ولا تجهد المال، والصيام مثل ذلك. والحج يجهد المال والبدن، فرأيت أن الحج أفضل من
ذلك كله
وجاء في الحلية أيضا من طريق صالح، أن جابر بن زيد كان لا يماكس في ثلاث: في الكراء إلى مكة، وفي الرقبة يشتريها للعتق، وفي الأضحية. قال: وكان جابر لا يماكس في كل شيء يتقرب به إلى الله عز وجل. 31 - ضمام بن السائب: البصري العنبري العماني، أحد أئمة الإباضية بالبصرة، أخذ العلم عن جابر بن زيد، وهو من طبقة أبي عبيدة، وأحد شيوخه، وقد سجنهما الحجاج، مع أبي سالم وهو مفتى الإباضية في موسم الحج أيام أبي
عبيدة.
روى عنه الربيع بن بيب
وقد جمع
صفرة روايات ضمام عن جابر بن زيد في کتاب سماه «روايات ضمام، ولا يزال غير مطبوع، وهو موجود في دار الكتب المصرية تحت رقم: 21582 فهرس المخطوطات بدار الكتب: 233/ 2
32 طلحة الضبعي: روى عن جابر بن زيد. نقل ذلك الرازي. وقال: روى
عنه قرة بن خالد
(1) أجوبة ابن خلفون. بتحقيق الناس ص: 109
52 (1/52)
صفحة 50
33 عاتكة بنت أبي صفرة: هي من عائلة المهلب بن أبي صفرة القائد الشهير
ولعلها أخته
وكانت من الإباضيات، دخل عليها أبو نوح صالح الدهان فوجدها في البيت فقال: كأني أرى مجلس الرجل؟ قالت: نعم. خرج من عندي الأحول، تعني جابرا، قال: وكان جابر يغمز بإحدى عينيه من غير علة. قال: فهل ظفرت منه شيئا؟ قالت نعم. سألته عن ثلاثة أشياء كن في نفسي: سألته عن لباس الخفين، قال: إن كنت تلبسينهما من حر الأرض وبردها وخشونتها فلا بأس. وإن كنت تلبسينهما لا تبالين أن تنكشفي فلا. وسألته عن حلي عندي ليتيمة يقوم بمال فيستعار مني. قال: إن أعرته فإنك ضامنة، وسألته عن عبد كان من أنفس مال عندي وأوثقت في نفسي أن أعتقه لوجه الله. ثم استخلفته على ضيعتي قال:
أخرجيه ولا تدخليه في شيء من منافعك. (1)
ثقة
34 عبد ربه بن أبي راشد اليشكري البصري:
رأى جابر بن زيد، وابن عمر وأبا برزة.
روى عنه وكيع وسهل بن هاشم. قال: ذلك ابن حاتم الرازي وقال أحمد بن حنبل: عبد ربه بن أبي راشد شيخ ثقة ثقة. وقال يحيى بن معين:
35 عبد الصمد بن أبي الجارود: روى عن جابر بن زيد.
فقد نقل الإمام ابن حزم عن أبي شيبة قال: حدثنا عبد الصمد بن أبي الجارود قال: سألت جابر بن زيد عمن باع بيعا واستثنى بعضه. قال: لا يصح، أو لا يصلح ذلك (2)
(1) طبقات الدرجيني ج 2 ص 255
(2) المحلى ج 8 ص
402
و 434.
53 (1/53)
صفحة 51
-
36 عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمي، أبو قلاثة: البصري، أحد الأعلام كان ثقة كثير الحديث، في الطبقة الثانية من أهل البصرة. وجدت له رواية عن أبي الشعثاء في كتاب الجرح والتعديل 37 عبد الملك بن أبي جمعة القطان، أبو معبد، بصري.
روى عن جابر بن زيد والحسن، وبكر بن عبد الله المزني
38 عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي، مولاهم، أصله رومي، روى عن جابر بن زيد. وجدت ذلك في أحكام القرآن للجصاص (1) وروى عن عدد التابعين منهم عطاء بن أبي رباح وزيد بن أسلم وطاوس وعمرو بن دينار ونافع
كبير من
مولى ابن عمر وأيوب السختياني
ويقال إنه أول من صنف الكتب، وهو أحد أوعية العلم، ثقة أخرج له أئمة
الحديث مات سنة 150 هـ وعمره 70 عاما
وروى عنه حماد بن زيد وعبيد
الله
بن موسى وغيرهما
قال فيه يحيى بن معين: كوفي ضعيف، وقال آخرون لا بأس به. جاء ذلك في
كتاب الجرح والتعديل 39 - عبد الملك بن الأشج
سمع جابر بن زيد نقل ذلك الرازي في الجرح والتعديل. وروى عنه عمر بن
فروخ.
40 عبد الكريم بن يعفور الجعني:
روى عن جابر بن زيد وعن المشمرح. نقل ذلك الرازي
سمع منه قتيبة،، وأبو
الأنصاري موسي
قيل عنه شيعي، وشيخ ليس بالمعروف.
والحق أن في تسميته تضاربا كبيرا (2)
(1) أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 481. (2) الجرح والتعديل. لسان الميزان - المغني.
54 (1/54)
صفحة 52
41 عبد المؤمن بن أبي شراعة الجلاب: أبو بلال الأزدي، سمع من جابر بن
زيد ذكر ذلك الرازي
وسمع ابن عمر. وروى عن أنس وسعيد وجبير
قال فيه يحيى بن سعيد: ليس به بأس إذا جاء بشيء معروف وقال يحيى بن معين: ثقة (1)
42 - عبد الله بن رستم: أبو حفص، إمام مسجد شعبة
روى عن جابر بن زيد، وأنس وابن سيرين ومالك بن دينار وعطاء.
روى عنه شعبة وأبو قتيبة، وعبيدة بن عقيل المقري ومسلم بن إبراهيم) 43 عبيد الله بن عبد الله أبو المنيب العتكي:
(2)
روى عن جابر بن زيد. جاء ذلك في كتاب الجرح والتعديل. روى عن عكرمة وابن بريدة، وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وغيرهم.
وروى عنه يزيد بن الحباب وعلى بن الحسن بن شقيق
قال يحيى بن معين: عبد الله بن أبي المنيب: ثقة
44 عثمان بن حكيم بن عباد بن حنيف، أبو سهل الأنصاري:
روى عن جابر بن زيد قوله: (إذا جئت يوم الجمعة فقف على الباب وقل: اللهم اجعلني اليوم أوجه من توجه إليك، وأقرب من تقرب إليك، وأنجح من دعاك وطلبك، ونقل ذلك أبو نعيم في الحلية
وعثمان هذا روى عن عبد روى عن عبد الله بن سرجس والأعرج ومحمد بن كعب القرظي وروى
عنه الثوري وشريك والفضل بن
العلاء.
قيل إنه أوثق أهل الكوفة وأعبدهم توفي سنة 138.
(1) الجرح والتعديل ج 6 ص 65 (2) الجرح والتعديل ج 5 ص 314.
55 (1/55)
صفحة 53
45 عثمان بن غيات الراسبي: ويقال: الزهراني البصري. روى عن جابر بن زيد أبي الشعثاء، جاء ذلك في تهذيب التهذيب
وروي عنه شعبة والقطان ووكيع وآخرون
قال فيه أحمد: ثقة، كان يرى الإرجاء.
46 عزرة بن عبد الرحمن بن زرارة الكوفي الخزاعي الأعور
فقد روى ابن سعد عن همام بن يحيى عن قتادة عن عزرة أنه قال: قلت لجابر بن زيد: إن الإباضية يزعمون أنك منهم. قال: أبرأ إلى الله منهم. قال سعد بن عامر (الراوي) قلت له ذلك وهو يموت وروى أيضا عن داود بن أبي القصاف عن عزرة أنه قال: دخلت على جابر بن زيد فقلت إن هؤلاء ينتحلونك (أي الإباضية) فقال: أبرأ إلى الله من ذلك
(1)
47 عطاء بن أبي رباح أبو محمد المكي.
روى عن جابر بن زيد قوله: أولاد المدبرة عبيد، وأما ما حملت به ثم أدركها العتق
قبل أن تضعه فهو حر معها ما لم يستثنه السيد
وهو
(2)
أحد الأعلام، وروايته عن أبي الشعثاء هي رواية تابعي عن تابعي. وروى عن عائشة وأبي هريرة وابن عباس وجابر بن عبد الله وكثير من الصحابة كما روى
عن جماعة من أقرانه
وروى عنه ابنه يعقوب ومجاهد والزهري وأيوب السختياني والأعمش والأوزاعي وابن
جريج وغيرهم
وقد انتهت إليه فتوى مكة في زمانه، وكان ثقة فقيها عالما كثير الحديث (3)
(1) طبقات ابن سعد ج 1/ 7 ص 132
(2) المحلى ج 9 ص 79.
(3) تهذيب التهذيب ج 7 ص 199. الجرح والتعديل ج 6 ص 330
56 (1/56)
صفحة 54
48 على بن حصين بن مالك بن الخشخاش بن أبي الحر العنبري التميمي.
(1)
روى عن جابر بن زيد. قال ذلك الإمام الرازي) وابن حجر في اللسان وقد سمع عمر بن عبد العزيز
وروى عنه ابن جريج. والبصريون.
وقيل كان يرى رأي الخوارج، وسئل عنه يحيى بن معين فقال: لا أعرفه. (2) وقال ابن حيان لا يحتج به. وذكره في الثقات، وقال: كان يذهب مذهب
الشراة. (3)
وكان ممن حضر وقعة قدير إلى جانب أبي حمزة
(4)
وله أخبار في طبقات الدرجيني
49 - عمارة بن حبان. أو حيان
روي عن جابر بن زيد
قال يحيى: ليس بشيء
(6)
(5)
50 عمرو بن دينار المكي: أبو محمد الأشرم الجمحي مولاهم، أحد
الأعلام
روى عن جابر بن زيد حديثا كثيرا، وهي رواية تابعي عن تابعي
روى عن ابن عباس وابن الزبير وابن عمرو بن العاص وأبي هريرة من الصحابة
وروى عن التابعين: سعيد بن جبير وطاوس وعكرمة وعطاء وغيرهم وروى عن قتادة ومات قبله وابن جريج وجعفر الصادق ومالك وشعبة ومطر
الوراق والحمادين والسفيانين. وآخرين.
(1) الجرح والتعديل ج 6 ص 182
(2) الجرح والتعديل ج 6 ص 182.
(3) الضعفاء ج 2 ص 446. واللسان ج 4 ص 226. (4) تاريخ خليفة خياط ج 1 ص 413 - 414. بن
(5) ج 2 ص 262 وما بعدها.
(6) لسان الميزان ج 4 ص 277. المغني ج 1 ص 460. ميزان الاعتدال ج 3 ص 176
57 (1/57)
صفحة 55
وروي عن ابن نجيح قال: ما كان عندنا أحد أفقه ولا أعلم من عمرو بن دينار، زاد غيره، لا عطاء ولا مجاهد ولا طاوس وكان ثقة ثبتا عالما صدوقا. وكان مفتي أهل
مكة في زمانه.
وقال ابن أبي حاتم: لم يسمع من أبي هريرة. مات سنة 126 وقد جاوز السبعين (1)
ومن روايات عمرو بن دينار ما روى أبو نعيم قال عن عمرو بن دينار قال: قال لي
جابر بن زيد: إن لي ناقة أقف عليها بعرفة، ما يسرني أن لي كل بعير بعرفة مكانها
أعطيت بها مائتي دينار فلم أبعها
وما روي أيضا عن عمرو بن دينار قال: قال أبو الشعثاء: كتب الحكم بن
أيوب نفرا للقضاء أنا وهربت في الأرض
منهم
6
أي عمرو، فلو ابتليت بشيء منه لركبت راحلتي
ومن غرائبه عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله
من نسي الصلاة عليَّ أخطأ طريق الجنة)
51 - عمرو بن هرم الأزدي البصري:
(2)
روى عن أبي الشعثاء جابر بن زيد وكان من أكثر الناس رواية
وروى عن سعيد بن جبير وعكرمة وغيرهم –
وروى عنه حبيب الجرمي وجعفر بن أبي وحشية وسالم المرادي
قال النسائي ليس به بأس. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: صلى عليه قتادة
بعد ما دفن. وقال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين: عمرو بن هرم ثقة
(3)
(1) تهذيب التهذيب ج 8 ص 28 - الجرح والتعديل ج 6 ص 231.
(2) حلية الأولياء. ترجمة جابر بن زيد. (3) تهذيب التهذيب ج 8 ص 113 - الجرح والتعديل ج 6 ص 267.
58 (1/58)
صفحة 56
52 الغطريف أبو هارون، يماني، روى عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبيء علية قوله: يؤتى بحسنات العبد وسيئاته ينقص بعضها من بعض، فإن
بقيت حسنة واحدة وسع الله له في الجنة.» الحديث.
وفي رواية فيقتص بعضها ببعض
روى عنه الحكم (بن أبان) (2)
(1)
53 القاسم بن عمرو العبدي:
روى عن جابر بن زيد.
وعن محمد بن علي بن الحسين، وأبي قلابة
روى عنه سليمان التميمي وسعيد بن أبي عروبة وحماد بن زيد والقاسم بن الفضل
الحداني وغيرهم
(3)
54 القاسم بن الفضل الحداني البصري:
كان
الذين رأوا جابر بن زيد، وقد روي أنه قال: رأيت جابر بن زيد أبيض
الرأس واللحية. روى عنه مسلم بن إبراهيم. ويكنى أبا المغيرة، وهو نازل في حدان وليس حدانيا وهو من بني يحيى من الأزد
وكان ثقة (4)
وروى عن محمد بن سيرين ومعاوية بن قرة. وكان يحيى بن سعيد يحسن الثناء على القاسم بن الفضل ويقول هو ثقة (5) مات سنة 166 (6)
(1) تفسير ابن كثير ج 5 413. و ج 6 ص 282
(2) الجرح والتعديل ج 7 ص 58
(3) الجرح والتعديل ج 7 ص
(4) طبقات ابن سعد
ج
1/ 7
115
صفحة 132 وقسم 2 ص 40.
(5) الجرح والتعديل ج 7 ص 116
(6) معجم البلدان ج 2 ص 227
59 (1/59)
صفحة 57
55 - قتادة دعامة بن
جابر بن زيد عدة أحاديث
بن قتادة السدوسي البصري. وُلد أكمه. روى عن
وروى عن أنس بن مالك، وأرسل عن أبي سعيد الخدري وعمران بن حصين وروى عن سعيد بن المسيب وعكرمة والحسن البصري ومحمد بن سيرين
وخلق.
وروى عنه أيوب السختياني وهشام الدستوائي ومطر الوراق وغيرهم.
وكان مثير الحفظ عالما بالفقه والتفسير. وكان مدلسا (1)
ولد سنة 61 وتوفي سنة 117 أو 118
ومن رواياته ما رواه أبو نعيم في الحلية: عن قتادة عن جابر عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي ء ع عل الله أريد على ابنة حمزة فقال: (إنها لا تصلح لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب) وهو حديث متفق على
صحته
(2)
56 مالك بن دينار: أبو يحيى البصري السلمي.
روى عن جابر بن زيد وكان من خلطائه. فقد روى أبو نعيم بسنده قال حدثنا مالك بن دينار قال: دخل علي جابر بن زيد وأنا أكتب، فقلت له كيف ترى هذه يا أبا الشعثاء؟ قال: نعم الصنعة صنعتك، ما أحسن هذا، تنقل كتاب الله عز وجل من ورقة إلى ورقة وآية إلى آية وكلمة إلى كلمة هذا الحلال لا
صنعتي
بأس به
(3)
كان زاهدا، وكان يأكل من كد يمينه وقد احترف كتابة المصاحف بالأجر،
ثقة، قليل الحديث
(1) تهذيب التهذيب ج 8 ص 351 (2) حلية الأولياء - ترجمة جابر بن زيد.
(3) كتاب المصاحف ص 131
60 (1/60)
صفحة 58
روى عن أنس بن مالك والأحنف والحسن وابن سيرين وعكرمة وغيرهم
روى عنه أخوه عثمان وأبان بن يزيد وسعيد بن أبي عروبة.
توفي قبل 130.
المثنى بن سعيد أو سعد، أبو غفار، بصري
روى عن جابر بن زيد، جاء ذلك في الجرح والتعديل، وتهذيب
التهذيب
(1)
وروى عن أبي تميمة، وأبي قلابة وأبي عثمان النهدي وغيرهم. وروى عنه حماد بن زيد ووكيع ويحيى القطان وآخرون.
أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي
قالوا فيه ثقة، صالح الحديث وليس به بأس
58 - محمد بن برجان، وهو في عداد أهل البصرة.
روى عن جابر بن زيد. قال ذلك ابن حبان في الثقات
رأى أنس بن مالك
وروى عنه وكيع بن الجراح.
59 محمد بن سيف أبو رجاء الحداني البصري
روى عن جابر بن زيد، جاء ذلك في كتاب الجرح والتعديل. وروى عن الحسن البصري وعكرمة ومالك بن دينار ومحمد بن سيرين. قال ابن معين: محمد سيف أبو رجاء: ثقة
60 - محمد بن طريف
قال الرازي: روى عن جابر بن زيد
وروى عنه سلام بن مسكين. وقيل هو مجهول.
(1) الجرح والتعديل ج 8 ص 325 - تهذيب التهذيب ج 10 ص 34.
61 (1/61)
صفحة 59
وقال الذهبي: محمد بن طريف، عن جابر بن زيد مجهولان. (1)
61 - محمد بن عبد العزيز، أبو روح الراسبي البصري
روى عن جابر بن زيد، وعبد الله بن أبي بكر وسعد مولى أبي بكرة وأبي
الوازع الراسبي
روى عنه الحجاج بن أرطأة وابن المبارك ووكيع.
جاء ذلك في كتابي الجرح والتعديل وتهذيب التهذيب
62 مسلم بن صبيح، الهمداني، مولاهم، أبو الضحى الكوفي: روى عن جابر بن زيد قراءته في قوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ
سألت (2) بفتح السين
وروى عن النعمان بشير وابن عباس ومسروق وعلقمة
وروى عنه الأعمش وابن المعتمر وجابر الجعفي
وثقوه، مات سنة 100 هـ وكان الشعبي القاضي يستشيره 63 مسلم بن أبي كريمة، أبو عبيدة.
(3)
روى عن جابر بن زيد، رواية التابعي عن التابعي، وهو من كبار تلامذته وروى عن جملة من الصحابة: جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وأبي هريرة وابن عباس وأبي سعيد الخدري، وعائشة أم المؤمنين، وبعض هذه الروايات
(4)
موجودة في مسند الربيع بن حبيب. وهو الحجة عند الإباضية، وكان من أئمتهم وقادتهم وهو منظم حركتهم، وأخذ العلم عن صحار العبدي، وجعفر بن السماك
(1) الميزان ج 3 ص 587 واللسان ج 5 ص 210 (2) تفسير القرطبي ج 19 ص 233.
(3) تهذيب التهذيب ج 10 ص 132 (4) حاشية الجامع الصحيح ج 1 ص 6.
62 (1/62)
صفحة 60
وروى عنه خلق كثير من المسلمين منهم الربيع بن حبيب صاحب المسند، والأئمة أبو الخطاب المعافري، وعبد الرحمن بن رستم، وعاصم السدراتي، وإسماعيل بن درار الغدامسي وأبو داود القبلي النفزاوي
جابر بن عبد
73
(1)
توفي حوالي سنة 150 هجرية في ولاية أبي جعفر فإذا كان هذا تاريخ وفاته على الراجح فإن ولادته تكون حوالي سنة 50 أو 60 هجرية إذ لم يشتهر عنه أنه عمر كثيرا. وعليه، فإذا علمنا أن عائشة توفيت سنة 57 وأن أبا سعيد الخدري توفي سنة 63 أو 73 وأن أبا هريرة توفي سنة 59، وأن ابن عباس توفي بين سنتي 80 و 70،، وأن الله توفي بين سنتي و 78 تبين لنا أن أبا عبيدة لم يكن ليروي عنهم ولعله روى عن مالك بن أنس الذي مات متأخرا بين سنتي 93 و 95 ولم أجد لأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ترجمة في الكتب المتداولة الخاصة برجال الحديث وأن ما ذكره الرازي في الجرح والتعديل عن مسلم بن أبي كريمة، ليس هو أبا عبيدة. وليس هو الذي ذكره الذهبي في الميزان، وفي الضعفاء. وليس هو الذي أشار إليه ابن حجر في لسان الميزان، وابن حبان في الثقات. أقول ذلك لأنه يختلف عنه من ثلاث جهات:
الأولى: أنه لا يحمل كنية أبي عبيدة في هذه المراجع كلها. وإنما هو مسلم ابن أبي كريمة لا غير.
الثانية: أنه روي عن علي بن أبي طالب. وقد توفي عليه السلام سنة 37 للهجرة. ولم يولد أبو عبيدة إلا بعد ذلك بزمن طويل كما تقدم الثالثة: أن أبا مسلم المشار إليه في تلك المصادر وهو من الشيعة الغلاة (2)
وقد قال ابن حبان إنه من حملة المذاهب الرديئة. (3)
(1) حاشية الجامع الصحيح ج 1 ص 6
(2) لسان الميزان ج 6 ص 32.
(3) الثقات
ص
247
63 (1/63)
صفحة 61
وقد أخطأ من جعلهما شخصا واحدا
ولعله هو الذي أشار إليه الجاحظ في البيان والتبيين وسماه: أبو عبيدة مسلم بن كورين وقال هو مولى لعروة بن أذينة. (1)
64 مطر بن طهمان الوراق أو الناسخ: أبو رجاء الخراساني السلمي، سكن البصرة روى عن جابر بن زيد، ومن ذلك ما رواه أبو نعيم عن شعبة عن مطر الوراق عن جابر بن زيد قال: لأن أتصدق بدرهم على يتيم أو مسكين أحب إلى من حجة بعد حجة الإسلام. روى عن أنس وقتادة وعكرمة وعطاء وحميد بن هلال ومعاوية بن قرة
وغيرهم.
وروى عنه إبراهيم بن طهمان والحمادان وأبو هلال الراسبي وكثيرون. ذكره ابن حبان في الثقات. وقال يحيى بن معين هو صالح، إلا فيما يروي عن
الحفظ عطاء خاصة فهو سيء
ويعد من أكابر أصحاب قتادة
أخرج له مسلم وأصحاب السنن والبخاري في التعاليق.
توفي قبل سنة 130 للهجرة
(3)
65 مهلب بن أبي حبيبة:
روى عن جابر بن زيد أبي الشعثاء، والحسن البصري. وروى عنه سعيد بن أبي عروبة ويحيى بن سعيد القطان.
قال فيه أحمد بن حنبل: شيخ أخرج له أبو داود والنسائي
ثقة
(1) البيان والتبيين ج 1 ص 347 و ج 3 ص 265. (2) حلية الأولياء. ترجمة جابر بن زيد.
(3) تهذيب التهذيب ج 10 ص 167 الجرح والتعديل ج 8 ص 287
64 (1/64)
صفحة 62
جاء ذلك في كتابي الجرح والتعديل وتهذيب التهذيب
66 ميمون: أبو عبد الخالق، عن أبي الشعثاء جابر
مجهول. وذكره ابن حبان في الثقات وسمى
وقال روى عنه أبو هلال الراسبي
(1)
أباه فيروزا.
67 ميمون أبو كثير: روى عن أبي الشعثاء، مجهول أيضا. ويحتمل أن يكون هو أبا عبد الخالق وقال ابن حبان في الثقات: ميمون أبو كثير عن جابر بن زيد، وعنه أبو هلال، فجابر بن زيد هو أبو الشعثاء
68 نصر بن زيد أبو الهزهاز العجلي:
(2)
وهو ابن زياد بن عباد. روى عن جابر بن زيد. ذكر ذلك الرازي في الجرح
والتعديل وروى عنه عرعرة بن البرند
69 هارون بن زاذي السلمي:
روي عن جابر بن زيد
وروى عنه هشيم بن بشير. قال ذلك الإمام الرازي.
(3)
70 هند بنت المهلب: وقد كانت معروفة بولائها للمذهب الإباضي، مع أخيها عبد الملك بن المهلب بن أبي صفرة.
فقد روت هند أن جابر بن زيد كان أشد الناس انقطاعا إليها وإلى أمها وقالت: ما أعلم شيئا كان يقربني إلى الله إلا أمرني به، ولا شيئا يباعدني عن الله عز وجل إلا نهاني عنه. وما دعاني إلى الإباضية قط ولا أمرني بها، وإن كان ليأمرني أن أضع
الخمار، ووضعت يدها على الجبهة
(4)
(1) لسان الميزان ج 6 ص 142
(2) لسان الميزان ج 6 ص 142
(3) الجرح والتعديل ج 9 ص 90.
(4) حلية الأولياء في ترجمة جابر بن زيد
65 (1/65)
صفحة 63
و هند هذه التي تزوجها الحجاج بن يوسف، وطلقها عندما ساءت
هي
علاقته بآل المهلب والإباضية. وروت عن جابر بن زيد فقالت: خرجنا من الطاعون فرارا إلى العراق فكان جابر بن زيد يأتينا على حمار فكان يقول: ما أقربكم ممن أرادكم. وروي عنها أيضا بعض الحكم المأثورة
(1)
فمن ذلك قولها: إذا رأيتم النعمة مستدبرة فبادروها بالشكر قبل حلول الزوال. (2).
وروى عنها حجاج بن أبي عيينة.
(3)
وتشير الأخبار إلى أن هندا كانت ذات مال وأنها بعثت إلى جابر بن زيد جزورا في رمضان فنحرها وعالج بها طعاما لأصحابه. (4)
71 - وضاح العتكي:
روى عن جابر بن زيد، قال ذلك الرازي في الجرح والتعديل
روي عنه شعبة بن الحجاج.
72 - الوليد بن يحيى:
روى عن جابر بن زيد
وروى عنه جرير بن حازم
(5)
73 يعلى بن مسلم بن هرمز البصري:
روى عن أبي الشعثاء، وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد
وروى عنه محمد بن المنكدر وابن جريج وسفيان بن حسين وشعبة قال ابن معين
وأبو زرعة: ثقة
(6)
(1) طبقات ابن سعد ج 2/ 7 ص 131
(2) بهجة المجالس ج 1 ص 316.
(3) الجرح والتعديل ج 3 ص 164
(4) طبقات الدرجيني ج 2 ص 211
(5) الجرح والتعديل ج 9 ص 21 - أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 18
(6) تهذيب التهذيب ج 11 ص 405 - الجرح والتعديل ج 9 ص 302.
66 (1/66)
صفحة 64
مسألة - 10 رواة- مجاهيل نقلوا العلم عن جابر بن زيد:
تشير مصادر التاريخ إلى عدد من حملة العلم اتصلوا بجابر بن زيد ونقلوا عنه،
ولكن أحدا
من المؤرخين أو المترجمين لم يكتب عنهم، ولعل مستقبل الأيام
سيكشف لنا عنهم أو عن بعضهم:
1 - يحيى بن أبي قرة
2 - عباس بن الحارث
3 - قتادة بن الحارث.
4 - سعيد بن الحارث
5 - عبد الله بن الحارث
6 - الوليد بن يحيى
7 - سري بن سالم.
8 ـ كعب بن سوار
9 - يحيى بن نافع
10 - الحبيب بن أبي الحبيب
11 - محارب بن يزيد
-
12 أبان بن يزيد
13 - ضمام بن يحيى
14 - عمرو بن أبي قرة
15 - سلام بن مسكين
16 - عمار بن.
17 ـ أبو خليل
-
18 أبو عوانة بن جعفر
19 إلياس
67 (1/67)
صفحة 65
20 خاش
21 - ابن عبد الحميد
22 القاسم بن الفضل.
23 - حسان العامري
24 - جابر بن عمارة.
25 أبو المهاجر الكوفي.
26 إسماعيل بن القديد المدني.
-
27 عبد الرحمن بن مسلمة أبو محمد المدني
28 عبد السلام بن عبد القدوس
وهؤلاء رووا عن جابر بن زيد: وروى عنهم الإمام الربيع بن حبيب وقد
ذكر ذلك الشماخي في كتابه السير
(1)
(1) الربيع بن حبيب محدثا - رسالة جامعية للأستاذ عمرو مسعود الليبي. لازالت مخطوطة. ص 136
68 (1/68)
صفحة 66
مسألة - 11 - جابر بن زيد والقضاء:
لم يكن جابر بن زيد قاضيا، ولم ينتقل إلينا أنه نصب ذات يوم للفصل في الخصومات، ولكنه عرض عليه القضاء كما عرض على الأئمة من قبله ومن بعده
فاحتال للتنصل منه. فقد وفد جابر إلى يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج، وكان صديقا حميما له، فأدخله أبو مسلم على الحجاج، فسأله: أتقرأ؟ قال جابر: نعم. قال: أتفرض؟ قال جابر: نعم. فعجب الحجاج ثم قال: ما ينبغي أن نؤثر بك أحدا، بل نجعل منك قاضيا بين المسلمين. فقال جابر: إني أضعف من ذلك. قال الحجاج: وما مبلغ ضعفك؟ قال: يقع بين المرأة وخادمها شر فلا أحسن أن أصلح بينهما. قال الحجاج: إن هذا لهو الضعف (1) فتركه الحجاج. ولقد تكررت هذه الواقعة مع الحكم بن أيوب الثقفي (2) والي الحجاج على البصرة. ولكن الله سلمه أيضا
عن عمرو بن دينار قال: قال لي أبو الشعثاء: كتب الحكم بن أيوب نفرا. ثم قال أي عمرو، فلو ابتليت بشيء منه لركبت راحلتي
للقضاء، أنا
منهم
وهربت في الأرض. (3)
(1) طبقات الدرجيني ج 2 ص 211.
(2) الحكم بن أيوب: ابن عم الحجاج وعامله أحد الدهاة قتل في العذاب بعد وفاة الحجاج. (3) حلية الأولياء ج 3 ص 85 - البداية والنهاية ج 9 ص 93.
69 (1/69)
صفحة 67
مسألة - 12 جابر بن زيد: مفتى البصرة وموسم الحج:
تتحدث المصادر التاريخية عن الإمام جابر بن زيد كان يستفتى في البصرة: وفي موسم الحج. وفي مناسبات أخرى
فقد حدث زياد بن جبير قال: سألت جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله
عنه عن مسألة فقال فيها. ثم قال: كيف تسألوننا وفيكم أبو الشعثاء
(2)
(1)
وقال عمرو بن دينار: ما رأيت أحدا أعلم من جابر بن زيد وقال أبو الحباب: لما دفن جابر بن زيد قال قتادة: اليوم دفن علم الأرض. (3)
وروي عن عطاء أنه
سمع عبد الله بن عباس يقول: لو نزل أهل البصرة عند
(5)
(4)
قول جابر لوسعهم علما عما في كتاب الله عز وجل. وقال يحيي بن سعيد القطان عن سليمان التميمي أكبر علمي قال: كان الحسن يغزو وكان مفتي الناس ها هنا جابر بن زيد ولما انتصب جابر للفتيا لقيه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الطواف فقال له: ياجابر، إنك من فقهاء البصرة، وإنك تستفتى، فلا تفتين إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية. فإنك إن فعلت غير ذلك فقد هلكت وأهلكت. (6)
خالد
وروي ابن سعد، من طريق عارم بن الفضل قال: حدثنا حماد بن زيد عن فضاء عن إياس قال: أدركت البصرة ومفتيهم رجل من أهل عمان:
بن
جابر بن زيد (7)
(1) حلية الأولياء ج 3 ص 85
(2) نفس المرجع.
(3) نفس المرجع.
(4) نفس المرجع
(5) الطبقات الكبرى ج 7 ص 131
(6) حلية الأولياء المتقدم.
(7) الطبقات الكبرى ج 7 ص 131.
70 (1/70)
صفحة 68
وروى ابن سعد أيضا من طريق عنان بن مسلم قال: حدثنا جرير بن حازم قال: سمعت إياس بن معاوية قال: أدركت البصرة وما لهم مفت يفتيهم غير جابر
ابن زيد
(1)
ونجد هذه الرواية في تهذيب ابن حجر وجاء عن طريق مطر الوراق أنه قال: كان رجل البصرة جابر بن زيد (2).
(1) ج 2 ص 38.
(2) فضل الاعتزال ص 86.
ملاحظة: وجدت في كتاب أخبار القضاة لوكيع أنه ينسب ما قاله إياس بن معاوية إلى: جابر بن يزيد الجعفي الكوفي على أنه هو الذى يستفتي وليس جابر بن زيد كما وجدت الأستاذ: ظافر القاسمي ينقل عن وكيع هذا القول في كتابه عن السلطة القضائية في الإسلام. وقد أخرج وكيع الرواية الأولى عن عارم عن جرير بن حازم) ج 1 ص 325) وذلك بدون وساطة حماد بن
زيد.
وأخرج الرواية الثانية عن طريق مسلم عن جرير بن حازم (ج 1 ص 360) وبعد أن راجع المصادر الموثوقة بها تبين لي أن هناك خطأ إما في النقل، وإما في الطبع ممن لا يفرق بين جابر بن زيد البصري الأزدي الجوفي. العماني، وبين جابر بن يزيد الجعفي الكوفي الشيعي.
وقبل أن أستدل لرأبى أورد الروايتين عن كتاب أخبار القضاة:
الرواية الأولى: حدثنا العباس بن محمد الدوري قال: حدثنا عارم) محمد بن الفضل السدوسي) قال حدثنا جرير بن حازم قال: سمعت إياس بن معاوية يقول: لقد أدركت أو أدرك البصرة وما لهم مفت غير
جابر بن يزيد
الرواية الثانية: حدثنا محمد بن إسحق الصغاني قال / حدثنا الحسن بن موسى الأشيب قال حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إبراهيم بن جناذ قال حدثنا مسلم قال حدثنا جرير بن حازم قال: الخ.
ومن التأمل في الروايتين هنا وهناك يمكن التأكد مما يلي:
-
أن الرواة كلهم بصريون والواقعة تتعلق بالبصرة وليس بالكوفة
2 أن الإمام جابر بن زيد بصري، وإياس بن معاوية بصري، وهما إباضيان
3 أن جابر بن يزيد كوفي، والكوفة موطن الشيعة
-4 - أن الراوي عن جرير بن حازم عند ابن سعد هو عفان بن مسلم، وعند وكيع هو مسلم وبما أن ابن
سعد سابق لوكيع إذ توفى الأول سنة 230 هـ والثاني سنة 306 هـ فلا يبعد أن يكون الثاني قد نقل عن الأول، وعليه فرواية ابن سعد راجحة
71 (1/71)
صفحة 69
وكان الخاصة الحكام يستفتون جابر بن زيد حتى عندما يكون داخل من السجن، وفي هذا المعنى روى قتادة قال: سجن جابر بن زيد فأرسلوا إليه يستفتونه في الخنثى كيف تورث، فقال: تسجنوني وتستفتوني؟ ثم قال: انظروا من أيهما يبول فورثوه
(1)
أما في موسم الحج فإن الكتب الفقهية أفادتنا بأن جابرا كانت إليه الفتيا، فقد روى الإمام ابن حزم من طريق ابن شيبة عن ابن علية عن غيلان بن جرير قال: سألني علي بن عبد الله - وحليم بن الدريم محرم فقال: وضعت يدى من امرأتي موضعا فلم أرفعها حتى أجنبت، فقلنا كلنا: ما لنا بهذا علم، فمضى إلى جابر بن زيد أبي الشعثاء فسأله ثم رجع إلينا يعرف البشر في وجهه فسألناه ماذا أفتاك؟ فقال: إنه استكتمني (2) وكانت ترد إلى جابر بن زيد مراسلات من بعض الولاة يسألون فيها عن مسائل تتعلق بالتسيير المالى أو الإجارات، أو الطلاق، أو المعاملات فمن ذلك رسالته التي أجاب بها عبد الملك بن المهلب، ورسالته إلى يزيد ابن يسار ورسالته إلى عثمان بن يسار، وغيرهم (3)
=
وستأتي هذه الأحكام في أبواب الفقه هذا الكتاب إن شاء الله
من
يروي عن جابر
5 - أن الراوي عند وكيع في الرواية الأولى هو عارم محمد الفضل يروي مباشرة عن جرير بن حازم بينما عند ابن سعد يروي عن حماد بن زيد عن خالد بن فضالة عن إياس، فعارم ليس من شأنه أن لتأخره عنه. 6 ولعل الذى حمل القاسمي على متابعة وكيع، إن كان الخطأ منه، هو ما روى وكيع أيضا بسنده، قال: قال سفيان: لقي عبد الله بن شبرمة جابرا الجعفي فقال: ما يمنعك أن تستشير؟ قال: أستشير فيما أعلم أو فيما لا أعلم ..... إلخ، أخبار القضاة ج 3 ص (122) وابن شبرمة هذا تولى القضاء في الكوفة من قبل وإليها يوسف بن عمر ما بين سنتي 120 - و 127 هـ فهذه القصة يمكن نسبتها إلى جابر بن يزيد الجعفي الذي كان فعلا مستشارا لقاضي الكوفة السابق عيسى بن المسيب و الطبقات الكبرى ج 6 ص 241).
(1) طبقات الدرجيني، وطبقات ابن سعد وعيون الأخبار ج 1 ص 74
(2) المحلى ج 7 ص 254.
(3) الإمام جابر بن زيد وآثاره في الدعوة ص 57 - 58.
72 (1/72)
صفحة 70
مسألة 13 جابر بن زيد الفقيه
يتميز الفقه في العصر الأموي بأنه كان فقها حرا. بمعنى أنه نشأ وتطور بفضل اجتهاد العلماء ومحاولاتهم الخاصة داخل الحلقات التي كانوا يمارسون فيها نشاطهم العلمي في المساجد، ولم يكن للخلفاء دخل فيه، فالدولة لم تحتضن الفقه ولم توله رعاية خاصة ولا صبغة معينة. فلما جاءت الدولة العباسية بعد ذلك تبنت بعض الفقهاء كأبي يوسف صاحب أبي حنيفة وأعطته الصلاحية لرسم الخط الفقهي للدولة بما يعينه من قضاة وما يوحي إليهم من تعليمات يوجه بها أحكام القضاء ولعل السبب في ذلك أن الخلفاء الأمويين شغلتهم الفتن الداخلية والثورات والحروب فلم يتفرغوا للمسائل العلمية. ولذلك فما إن عرفت الدولة الاستقرار، في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز حتى ظهرت العناية الكبرى
(2)
(1)
بالفقهاء والمحدثين وفي ظل هذا الإطار نشأ فقه حر، وظهر فقهاء عظام وضعوا أسس الثقافة الفقهية والمذهبية للأجيال التي أتت من بعدهم، منهم: في مدينة الرسول عليه السلام الفقهاء السبعة: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد
وخارجة بن يزيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وعبد
عبدالله ابن عتبة وغيرهم
وكان
منهم
(3)
الله
بن
في مكة: عطاء بن أبي رباح، وطاوس بن كيسان، ومجاهد بن
جبر وعبيد بن عمير، وعمرو بن دينار، وعكرمة وغيرهم
(4)
وكان منهم في البصرة: الحسن البصري، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، ومحمد
ابن سيرين وغيرهم
(5)
وكان منهم في الكوفة: علقمة بن قيس، والأسود بن يزيد، ومسروق
وشريح القاضي، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير وغيرهم
(6)
(1 - 5) إعلام الموقعين ج 1 ص 23 و 24 و 25 و 26.
(2) إعلام الموقعين ج 1 ص 25 و 26.
73 (1/73)
صفحة 71
وكان منهم في الشام: قبيصة بن ذؤيب، ومكحول، وعمر بن العزيز
ورجاء بن حيوة وغيرهم.
فظهرت من هذا التوزيع، وتحت تأثير عوامل أخرى مدرستان هامتان في
تاريخ الفقه الإسلامي
-1 - مدرسة الرأي، أو كما تسمى مدرسة العراق.
2 مدرسة الحديث، أو مدرسة الحجاز
-
،
ولكن إطلاق هذا التصنيف لا يعني وضع حدود فاصلة بين المدرستين فكثير من فقهاء العراق كان لهم نصيب من الحديث، كما أن كثيرا من فقهاء الحجاز كان لهم نصيب من الرأي.
والواقع أن الضرورات العلمية والاجتماعية هي التي أكدت وجود الرأي في الأحكام وذلك بعد توسيع رقعة الدولة الإسلامية، وذلك لأن النصوص التشريعية من قرآن وسنة هي نصوص متناهية، بينما الحوادث الواقعة أو المتوقعة غير متناهية ومستجدة. فلا سبيل إذن لإعطاء الحوادث والمعاملات الجديدة منازلها وأحكامها في فقه الشريعة إلا عن طريق الرأي. (1)
ولعل نشأة جابر بن زيد في العراق جعلت منه فقيها منتسبا إلى أهل الرأي، فقد نقل الإمام ابن عبد الله أن جابر بن زيد كان ممن يقول بالرأي، وأنه قائس على الأصول ما لم يجد فيه نصا. (2)
ولكن التزامه لعلماء الحجاز، وخاصة ابن عباس جعله يجمع بين المدرستين
فقد كان رضي
عنهما
الله
عنه يلتزم في فتواه الثابت من نصوص الكتاب والسنة لا يحيد
وقد أثبتت كتب السنة أن الإمام أبا الشعثاء خصص عاما من حياته المجاورة
(1) فقه الإمام النخعي ج 6 ص 125
(2) بدائع الصنائع - المقدمة ص 67 من وضع أحمد مختار عثمان.
74 (1/74)
صفحة 72
القبر الشريف، على ساكنه أفضل الصلاة وأزكى التسليم اتصل خلاله بعلماء الحجاز وحملة السنة راويا أو مرويا عنه. (1)
وكان أيضا يلجأ إلى القياس فيما لا حكم له في كتاب أو سنة، كما يفيد استعراض فتاويه أنه حيث كان يجد شبهة في أمر، فإنه يبادر إلى وصفه بالكراهية ليرغب السائل عنه. وتدلنا الأخبار على أنه ترك ديوانا ضخما تعرض فيه لمسائل الفقه والأحكام، وهذا الديوان لم يصل إلينا، ولعل نوائب الدهر أتت عليه في ظروف لم نطلع بعد
عليها.
ولكن الشيء المؤكد، أن له رسائل متفرقة موجودة اليوم في خزائن الكتب فمنها ما هو في دار الكتب المصرية، ومنها ما هو في وزارة التراث القومي بعمان - مسقط - ومنها ما هو في المملكة المتحدة في بريطانيا. (2) وفي المكتبة البارونية في جربة ولعلها جزء أو بعض أجزاء هذا الديوان العظيم الذى أشار إليه حاجي خليفة في كتابه كشف الظنون بدون أن يذكر عنه أية تفصيلات
(3)
ولعل فتاويه المتداولة في بطون الكتب أثر من آثار ذلك الديوان العظيم. لقد كان جابر شديد الشغف في طلب العلم، وكان ملحا في السؤال على أدق أحوال
النبيء عا للتأسي والاقتداء
فقد ورد في كتاب المجموع، من كتب الشافعية، أن أبا الشعثاء جابر بن زيد كان يسأل عائشة من وراء الحجاب. وكان يسألها عن أخص أحوال النبيء عل الله
(1) مسند الحميدي ج
ص
(2) جابر بن زيد وآثارة في الدعوة ص 57
(3) نشأة الحركة الإباضية ص 181.
75 (1/75)
صفحة 73
حتى في جماعه. وكانت رضي الله عنها تخجل حتى ليحمر وجهها كما يقول عروة
ابن أختها، وهي تقول: سل يا ابناه
(1)
وهذه الواقعة روتها كتب الإباضية الأولى. (2)
وكانت الجابر رضي الله عنه نظرة خاصة للإسلام وتعاليمه. فقد روي عنه أنه كان يقول: (إن الله تعالى نصب الإسلام للناس وأمرهم بطلبه، والناس بين مصيب له ومخطاء، وقد قطع عذر كل جاهل بالعلماء
وقد سئل رضي الله عنه عن بدء الخلق فقال:
العرش والماء والقلم
(4)
(3)
وكان يتنزه عن اللجوء في فتاويه إلى الحيل الشرعية ويرى بطلانها
(5)
وسئل
رحمه الله تعالى عن رجل جعل ماله هديا في سبيل الله عز وجل فقال: إن الله تعالى لم يرد أن يغتصب أحد ماله، فإن كان كثيرا فليهد خمسه، وإن كان وسطا فسبعه
وإن كان قليلا فعشره
وكانت الحكمة
(6)
من هذه الفتوى هو الرفق بالناس والتوسعة عليهم، دون
إخلال بأحكام الشريعة أو مس بحق من حقوق الله وقال ضمام: سئل جابر بن زيد: أرأيت الرجل يكون وقاعا في الناس،، فأقع فيه، إنه غيبة؟ قال: لا. قيل: ومن هو الذى تحرم غيبته؟ قال: رجل خفيف الظهر من دماء المسلمين، عفيف بطنه من أموالهم، أخرس اللسان عن، فهذا الذي تحرم غيبته. وما سواه فلا حرمة له ولا غيبة فيه. قال
أعراضهم
(1) المجموع شرح المهذب ج 15 ص 507
(2) المدونة الكبرى ج 2 ص 42
(3) المدونة الكبرى ج 1 ص 5 و 17.
(4) بغية المرتاد لابن تيمية ص 47.
(5) الفتاوى الكبرى لابن تيمية ج 3 ص 109.
(6) المحلى ج 8 ص 10.
76 (1/76)
صفحة 74
ضمام: قلت له يا أبا الشعثاء: ما تقول في الرجل يعرف بالكذب أله غيبة؟ قال: لا. قلت: فالغاش لأمة محمد الله؟ قال: لا غيبة له ولا حرمة. قلت: فالصانع بيده يغش في عمله أله غيبة؟ قال: لا. قلت: ولم؟ قال: أكل الحرام فلا غيبة له، ولا حرمة، وهو مهتوك الستر. ألا لا غيبة لكل مهتوك الستر، ولا حرمة عند رب العالمين فكيف عند المخلوقين؟ قلت: فإنه يكذب أحيانا، ويتوب أحيانا، ويغش أحيانا ويتوب أحيانا، فأي صنف هذا من الناس؟ قال: هذا رجل مستخف بالله مستهزيء بالأمة (1). هذه بعض وقائع من فتاويه. واجتهاداته، ولنشرع الآن في استعراض المسائل التي جمعناها على حسب
الأبواب
(1) الإيضاح ج 1 ص 127.
77 (1/77)
صفحة 75
الباب الثاني
مسائل القرآن وعلومه
وهي 41 مسألة
79 (1/79)
صفحة 76
مسألة - 1 - كتابة المصحف بالأجر:
اختلف السلف في هذه المسألة
فذهب الإمام جابر بن زيد إلى أن ذلك جائز، وإلى أنه من الكسب الحلال نقل ذلك أبو داود السجستاني (1) عن مالك بن دينار قال: دخل علي جابر بن زيد وأنا أكتب مصحفا فقلت له: كيف ترى صنعتي هذه يا أبا الشعثاء؟ فقال: نعم الصنعة صنعتك، ما أحسن هذا، تنقل كتاب الله من ورقة إلى ورقة، وآية إلى وكلمة إلى كلمة، هذا الحلال لا بأس به. وفي رواية: نعمت الصنعة
آية
صنعتك فالزمها.
وممن أجاز ذلك علي عليه السلام. فقد حدث أبو حكمية أنه كان يكتب المصاحف بالكوفة فمر به علي وهو يكتب فقال: اجل قلمك. قال: فقططت منه ثم كتبت وهو قائم فقال: نوره كما نوره الله
وكان مالك بن دينار ومطر الوراق يكتبان المصاحف ولا يشارطان، فما أعطيا من شيء قبلاه وروي عن مجاهد أن رجلا كتب له مصحفا فأعطاه أجره. وقيل: إن حبري هذه الأمة ابن المسيب والحسن، لا يريان بأسا على الأخذ على المصاحف (2)
وقد كره الأجرة على كتابة المصاحف قوم منهم ابن سيرين فإنه قال: نكره لكاتب المصحف أن يأخذ على كتابها أجرا (3)
وروي كراهة ذلك عن ابن عباس وأيوب السختياني
(4)
(1) كتاب المصاحف ص 131.
(2) کتاب المصاحف ص.
(3) كتاب المصاحف.
ص
(4) الإتقان ج 2 ص 172
132
133
81 (1/81)
صفحة 77
مسألة: 2 في معرفة أول القرآن نزولا:
روى أمية الأزدي عن جابر بن زيد قال: أول ما أنزل الله من القرآن بمكة اقرأ باسم ربك، ثم ن والقلم، ثم يا أيها المزمل، ثم يا أيها المدثر، ثم الفاتحة ثم تبت يدا أبي لهب، ثم إذا الشمس كورت، ثم سبح اسم ربك الأعلى، ثم والليل إذا يغشى، ثم والفجر، ثم والضحى، ثم ألم نشرح، ثم والعصر، ثم والعاديات، ثم الكوثر، ثم ألهاكم، ثم أرأيت الذي يكذب بالدين، ثم الكافرون، ثم ألم تر كيف، ثم قل أعوذ برب الفلق، ثم أعوذ برب الناس، ثم قل هو الله أحد، ثم والنجم، ثم عبس، ثم إنا أنزلناه، ثم والشمس وضحاها، ثم البروج، ثم والتين، ثم لإيلاف، ثم القارعة، ثم القيامة، ثم ويل لكل همزة، ثم والمرسلات عرفا، ثم ق، ثم البلد، ثم الطارق، ثم اقتربت الساعة، ثم ص، ثم الأعراف، ثم الجن، ثم يس، ثم الفرقان، ثم الملائكة، ثم كهيعص، ثم طه، ثم الواقعة، ثم الشعراء، ثم طس سليمان، ثم طس القصص، ثم بني إسرائيل، ثم التاسعة يعني يونس، ثم هود، ثم يوسف، ثم الحجر، ثم الأنعام، ثم الصافات، ثم لقمان، ثم سبأ، ثم الزمر، ثم حم المؤمن، ثم حم السجدة، ثم حم الزخرف، ثم حم الدخان، ثم الجاثية، ثم حم الأحقاف، ثم الذاريات، ثم الغاشية، ثم الكهف، ثم حمعسق، ثم تنزيل السجدة، ثم الأنبياء، ثم النحل أربعين وبقيتها بالمدينة، ثم إنا أرسلنا نوحا، ثم الطور، ثم المؤمنون، ثم تبارك، ثم الحاقة، ثم سأل، ثم عم يتساءلون، ثم والنازعات، ثم إذا السماء انفطرت، ثم إذا السماء انشقت
حم
الروم، ثم العنكبوت، ثم ويل للمطففين فذاك ما نزل بمكة وأنزل بالمدينة سورة البقرة، ثم آل عمران، ثم الأنفال، ثم الأحزاب، ثم المائدة، ثم الممتحنة، ثم إذا جاء نصر الله، ثم النور، ثم الحج، ثم المنافقون، ثم المجادلة، ثم الحجرات، ثم التحريم، ثم الجمعة، ثم التغابن، ثم سبح الحواريين
ثم الفتح، ثم التوبة، ثم خاتمة القرآن.»
82 (1/82)
صفحة 78
قال السيوطي: وهذا سياق غريب وفي هذا الترتيب نظر، وجابر بن زيد من علماء التابعين بالقرآن. وقد اعتمد البرهان الجعبري على هذا الأثر في قصيدته التي سماها: تقريب المأمول في ترتيب النزول (1)
(1) الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 26.
83 (1/83)
صفحة 79
مسألة: - 3 - في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَرَى
وَالصَّبِئِينَ} الآية 62 من سورة البقرة:
اختلف العلماء في (الصابئين)
فقال أبو الشعثاء جابر بن زيد: الصابئون فرقة من أهل الكتاب، يقرأون الزبور نقل ذلك ابن كثير في تفسيره والجصاص في أحكامه وأبو عبيد في
(1)
الأموال).
وهو قول الربيع بن أنس والسدي وإسحق. وقال أبو حنيفة: لا بأس
(2)
أنه
بذبائحهم ومناكحة نسائهم. وقال الخليل: هم قوم يشبه دينهم دين النصارى، إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب، يزعمون أنهم على دين نوح عليه السلام وقال الجصاص: والذي يغلب على ظني في قول أبي حنيفة في الصابئين شاهد قوما منهم يظهرون أنهم من النصارى ويقرأون الإنجيل وينتحلون دين المسيح تقيّة لأن كثيرا من الفقهاء لا يرون إقرار معتقدى مقالهم بالجزية ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف. (3)
ويرى الجصاص: أن الصابئين، الذين هم بواسط والذين هم بحران انتحالهم واحد في الأصل وأن أصل اعتقادهم تعظيم الكواكب السبعة وعبادتها واتخاذها آلهة وهم عبدة أوثان فلما ظهر الإسلام دخلوا في جملة النصارى ولم يميز المسلمون بينهم وبين النصارى إذ كانوا مستخفين بعبادة الأوثان كاتمين لأصل الاعتقاد وهم أكتم الناس لاعتقادهم (4). ومن ثم فهم ليسوا أهل كتاب، ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم.
(1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 181 - أحكام القرآن ج 3 ص 91 – الأموال ص 546
(2) الجامع لأحكام القرآن ج 1 ص 434.
(3) أحكام القرآن ج 1 ص
328
(4) أحكام القرآن ج 1 ص 228
84 (1/84)
صفحة 80
وهذا القول منسوب إلى مجاهد والحسن
وسبب الاضطراب في مسألة الصابئين هو اشتباه أحوالهم وتكتمهم في دينهم وما دخل عليهم من التخليط بسبب قهر الأمم التي تغلبت على بلادهم فالقسم
الذي تغلب عليهم الفرس اختلط دينهم بالمجوسية والذين غلب عليهم الروم اختلط دينهم بالنصرانية
وقال مالك بن أنس وأبو يوسف: إن الصابئين ليسوا أهل كتاب فلا تؤكل
ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم ..
(1)
(1) التحرير والتنوير ج 1 ص 536
85 (1/85)
صفحة 81
مسألة: 4 في قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَةٍ فَأَتَمَّهُنَّ} الآية
124 من سورة البقرة.
قرأ عامة القراء: إبراهيم بالنصب، وربه بالرفع وقرأ جابر بن زيد على العكس. أي: {وَإذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمُ رَبَّهُ ه برفع إبراهيم ونصب ربه. وقال: أقرأه كذلك حبر الأمة عبد الله بن عباس. نقل ذلك القرطبي وأبو حيان والألوسي (1) وهي قراءة منسوبة إلى أبي حنيفة
ربه بكلمات
من
الدعاء
هذه القراءة: أن إبراهيم عليه السلام دعا و معنى يتطلب فيها الإجابة، فأطلق على ذلك ابتلاء على سبيل المجاز لأن في الدعاء طلب
استكشاف لما تجري به المقادير على الإنسان
(1) أحكام القرآن ج 2 ص 97 - البحر المحيط ج 1 ص 374 وروح المعاني ج 2 ص 374.
86 (1/86)
صفحة 82
مسألة: 5 في قوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتَّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ
وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَنِ}. الآية 178 من سورة البقرة. ورد في تأويل هذه الآية اختلافات كثيرة، حتى إنه روي عن الأزهري أنه قال: «إن هذه آية مشكلة، وقد فسروها تفسيرا قربوه على قدر أفهام وقال ابن العربي فيها: (هذا قول مشكل تبلدت فيه ألباب العلماء
عصرهم
(1)
واختلفوا في مقتضاه (2)، والذي يهمنا في المسألة خلافان الخلاف الأول: يتعلق بمفهوم كلمة (عفي).
فقد روي عن الإمام جابر بن زيد أن المراد بالعفو هنا هو أن يقبل ولي المقتول
(3)
الدية في قتل العمد، نقل ذلك ابن كثير في تفسيره، وابن حزم في المحلى وهو قول ابن عباس، فقد روى عنه الضحاك أن معني ذلك: (فمن ترك له من أخيه شيء يعنى أخذ الدية بعد استحقاق الدّم، وذلك العفو. ونسب هذا إلى
كل من مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وقتادة وغيرهم
(3)
وقال مالك: إن (من) يراد به الولي، و (عفي، يستر، لا على بابها في العفو والأخ يراد به القاتل، وشيء هو الدية. أى أن الولي إذا جنح إلى العفو عن
القصاص على أخذ الدية، فإن القاتل مخير بين أن يعطيها أو يسلم نفسه وقال أبو حنيفة: إن معنى (عفي، بذل، والعفو في اللغة البذل، فكان معنى الآية: من بذل له شيء من الدية فليقبل وليتبع بالمعروف وروي قول آخر عن علي والحسن في الفضل بين دية الرجل والمرأة والحر والعبد أى: من كان له ذلك الفضل فاتباع بالمعروف. وعفي في هذا الموضوع
أيضا بمعنى فضل (4)
361
87
(1) التحرير والتنوير ج 2 ص 141 (2) أحكام القرآن ج 1 ص 66
(3) تفسير ابن كثير ج 1 ص 370 – المحلى ج 10 ص (4) أحكام القرآن للقرطبي ج 2 ص 254 - 255. (1/87)
صفحة 83
ولكن الشيخ ابن عاشور لم تطمئن نفسه إلى هذه الوجوه، فذهب إلى أن القول الفصل هو أن نقول: (إن ما صدق (من) في قوله «فمن عفي له» هو ولي المقتول. وإن المراد بأخيه هو القاتل، وصف بأنه أخ تذكيرا بأخوة الإسلام وترقيقا لنفس ولي المقتول؛ لأنه إذا اعتبر القاتل أخا له كان من المروءة أن لا يرضى بالقود منه كمن رضي بقتل أخيه. ولقد قال بعض العرب، قتل أخوه ابنا له عمدا فقدم إليه ليقتاد منه فألقى السيف وقال: أقول للنفس تأساء وتعزية إحدى يدي أصابتني ولم ترد كلاهما خلف من فقد صاحبه هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
وما صدق (شيء) هو عوض الصلح، ولفظ شيء اسم متوغل في التنكير دال على نوع ما يصلح له سياق الكلام ... ومعنى عفي له من أخيه أنه أعطى العفو أي الميسور على القاتل من عوض الصلح والخلاف الثاني: في قوله تعالى: {فَاتَّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَنِ}
(1)
المسألة التالية
وهي
(1) التحرير والتنوير ج 2 ص 141
88 (1/88)
صفحة 84
مسألة: 6 في قوله تعالى: {فَاتَّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَنِ} الآية 178 من سورة البقرة.
روي عن جابر بن زيد أنه قال: معنى ذلك أن على الطالب العافي إذا قبل الدية اتباعا بالمعروف، وأداء منه من غير ضرر، أي أن المطلوب يؤدي ما وجب بإحسان من غير معك أي مدافعة ولا ضرر. نقل ذلك ابن كثير
-
(1)
وروي هذا القول عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم. وقيل إن معنى ذلك: أن على المعفو عنه، القاتل، أن يتبع عفو العافى بمعروف ويؤدي ذلك المعروف إليه بإحسان
(2)
وقيل: اتباع الولي بالمعروف: أن لا يطلب من القاتل زيادة على حقه لقوله
(3)
عليه السلام: من زاد بعيرا في إبل الدية وفرائضها فمن أمر الجاهلية وقيل: الاتباع والأداء معا من القاتل: فالاتباع بالمعروف أن لا ينقصه والأداء بإحسان أن لا يؤخره وقال الرازي: الاتباع بالمعروف أن لا يشدد بالمطالبة، بل يجري فيها على العادة المألوفة. إن كان معسرا فالنظرة، وإن كان واجدا لعين المال فإنه لا يطالبه بالزيادة على قدر الحق، وإن كان واجدا لغير المال الواجب فالإمهال إلى أن يبتاع ويستبدل وأن لا يمنعه بسبب الاتباع عن تقديم الأهم من الواجبات. فأما الأداء بإحسان فالمراد به أن لا يدعي الإعدام في حال الإمكان ولا يؤخره مع الوجود ولا يقدم ما ليس بواجب عليه وأن يؤدي ذلك المال على بشر وطلاقة وقول جميل وقال الإمام ابن عاشور: والأداء: الدفع وإبلاغ الحق. والمراد به إعطاء مال
(1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 370.
(2) التفسير الكبير ج 5 ص 55
(3) البحر المحيط ج 2 ص
14
89 (1/89)
صفحة 85
الصلح وذكر متعلقه وهو قوله (إليه) المؤذن بالوصول والانتهاء إليه للإشارة إلى إبلاغ مال الصلح إلى ولي المقتول بأن يذهب به إليه، ولا يكلفه الحضور بنفسه لقبضه أو إرسال من يقبضه. وفيه إشارة إلى أنه لا يمطله وزاد ذلك تقريرا بقوله بإحسان) أي دون غضب أو كلام كريه أو جفاء معاملة (1)
(1) التحرير والتنوير ج 2 ص 143
90 (1/90)
صفحة 86
مسألة: 7 في قوله تعالى: {وَلَكِن لَّا تُواعِدُوهُنَّ سِرا) الآية 235 من سورة
البقرة.
اختلف المفسرون في تأويل السر
فقال جابر بن زيد: السر معناه: الزنا. أي لا يكونن منكم مواعدة على الزنا في العدة. روى ذلك القرطبي وابن كثير
(1)
وهو مروي عن أبي مجلز والحسن وقتادة والنخعي واختاره الطبري. وروي
أيضا عن ابن عباس
ومنه قول الشاعر:
فلا تقربن جارة إن سرها عليك حرام فانكحن أو تأبدا
وقال آخر:
ويحرم
(2)
سر جارتهم عليهم ويأكل جارهم أنف القصاع وقال الشافعي: السر: الجماع. أي لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع ترغيبا لهن في النكاح فإن ذكر النكاح من غير زوج فحش وقال جمهور العلماء: السر هنا معناه النكاح: أى لا يقل الرجل لهذه المعتدة تزوجيني، بل يعرض إن أراد، وأن لا يأخذ ميثاقها وعهدها ألا تنكح غيره في
استسرار وخفية
وروي هذا عن ابن عباس وابن جبير ومالك والشافعي
-
-
(1) أحكام القرآن ج 3 ص 190 – 191 تفسير ابن كثير ج 1 ص 508 – 509
(2) روح المعاني ج 2 ص 151 - الجصاص ج 1 ص 424
91 (1/91)
صفحة 87
واختار الإمام ابن عاشور أن المراد بالسر هنا حقيقته، أي لا تكتموا المواعدة وهذا مبالغة في تجنب مواعدة صريح الخطبة لأنه إذا كان النهي عن المواعدة سرا علم النهي عن المواعدة جهرا بالأولى. (1)
92
(1) التحرير والتنوير ج 2 ص 454 (1/92)
صفحة 88
مسألة: 8 في قوله تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قدره. الآية 236 من سورة البقرة.
اختلف المفسرون في الضمير المتصل بقوله تعالى: ومتعوهن. من المراد به من
النساء؟.
فقال الإمام جابر بن زيد: المتعة واجبة للمطلقة قبل البناء والفرض ومندوبة في حق غيرها
نقل ذلك عن القرطبي في الأحكام (1) وروي هذا القول عن ابن عباس وابن عمر والحسن والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي.
وقال مالك وأصحابه: المتعة مندوب إليها في كل مطلقة، وإن دخل بها إلا في
التي لم يدخل بها وقد فرض لها، فحسبها ما فرض لها، ولا متعة لها وقال علي بن أبي طالب، والزهري: لكل مطلقة متعة. رواه الجصاص في الأحكام. وهذا قول الظاهرية
وأصل الخلاف ناشيء من قوله تعالى: ومتعوهن
فقال الأحناف وأصحاب الرأي الأول: إن ظاهر الأمر للإيجاب واستدل مالك وأصحابه بأن الله تعالى قال في آخر الآية:. و حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ فجعل هذا الحكم من باب الإحسان، لأنه يقال للفعل: هذا إحسان إذا لم يكن واجبا. وقال تعالى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبيل وهذا يدلّ على عدم الوجوب.
وأجاب الأولون على هذا الاحتجاج بأن (على) في قوله تعالى مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيل تدل على الوجوب لأنه إذا قيل هذا حق على فلان، لم
(1) ج 3 ص 200 - المغني ج 6 ص 713.
93 (1/93)
صفحة 89
يفهم منه الندب بل الوجوب
(1)
ويرى الأستاذ الخن ترجيح رأي القائلين بالوجوب حملا للأمر الوارد في الآية
على حقيقته، وهذا الرأي هو الذي مال إليه القرطبي في تفسيره ..
(2)
(1) الرازي ج 6 ص 139 - الجصاص ج 1 ص 428 – المحلى ج 10 م: 1984. (2) أثر الاختلاف ص 311 - القرطبي ج 3 ص 200.
94 (1/94)
صفحة 90
مسألة: 9 في قوله تعالى: {إِلا أَن يَعْفُونَ} الآية 237 من سورة البقرة. اختلف علماء التفسير في المقصود من الذي يعفو لأن الصيغة في حد ذاتها تحتمل التذكير والتأنيث، والفرق يكون بالاعتبار. فروي عن جابر بن زيد أن قوله تعالى: (إلا أن يعفون، قال إلا أن تعفو الثيب فتدع حقها. روى ذلك ابن كثير. (1)
ونسب هذا القول إلى سعيد بن المسيب وعكرمة ومجاهد والحسن ونافع وقتادة
وغيرهم. وقال ابن العربي: الواجب لهن من الصداق أذن الله تعالى لهن في إسقاطه بعد وجوبه إذ جعله خالص حقهن يتصرفن فيه بالإمضاء والإسقاط كيف شئن إذا مَلَكن أمر أنفسهن في الأموال ورشدن. (2).
وخالفهم آخرون فقالوا: المقصود به الرجال. وهو قول محمد بن
كعب
القرظي وهو قول شاذ لم يتابع عليه
(1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 512
(2) أحكام القرآن ج 1 ص
(3) تفسير ابن كثير المتقدم.
219
(3)
95 (1/95)
صفحة 91
مسألة: 10 في قوله تعالى: {الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} الآية 237 من سورة
البقرة.
اختلف العلماء في المقصود من قوله تعالى (بيده) هل ينصرف الضمير إلى الزوج، أو إلى ولي المرأة.
فروي عن جابر بن زيد أن الضمير ينصرف إلى الزوج. نقل ذلك عنه ابن كثير في تفسيره (1) والخرساني في المدونة (1) وأورده ابن حزم في المحلى (1) وهو
قوله في المسألة
وروي ذلك أيضا عن علي رضي الله عنه، وشريح، وسعيد بن المسيب وجبير ابن مطعم، ومجاهد. واختاره أبو حنيفة، وهو أصح قولي الشافعي واختاره
الجصاص في الأحكام. (2)
واحتج هذا الفريق بما يلي:
1 - أن الله تعالى ذكر الصداق في هذه الآية ذكرا مجملا من الزوجين فحمل على المفسر في غيرها. وقد قال تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا من الآية 4 من سورة النساء. فأذن الله تعالى للزوج في هذه الآية أن يقبل الصداق إذا طابت نفس المرأة بتركه. وقال تعالى أيضا: {وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَعَاتَيْتُمْ إِحْدَ لَهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا الآية 20 من سورة النساء. فنهى الله تعالى الزوج أن يأخذ مما آتى المرأة إن أراد طلاقها 2 أن قوله تعالى: و إلا أن يَعْفُونَ} في هذه الآية: المراد به النساء أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح يعني الزوج، ومعناه ببذل جميع الصداق. يقال عفا
(1) ابن كثير ج 1 ص 511 - المحلى ج 9 ص 512 - المغني ج 8 ص 58 – المدونة ج 2 ص 69
(2) الجصاص ج 1 ص 441.
96 (1/96)
صفحة 92
بمعنى بذل، كما يقال عفا بمعنى أسقط. ومعنى ذلك وحكمته ذلك وحكمته أن المرأة إذا أسقطت ما وجب لها من نصف الصداق، تقول هي: لم ينل منّي شيئا ولا أدرك ما بذل فيه هذا المال بإسقاطه، وقد وجب إبقاء للمروءة واتقاء في الديانة. ويقول الزوج: أنا أترك المال لها لأني قد نلت الحل وابتذلتها بالطلاق، فتركه أقرب للتقوى وأخلص من اللائمة. 3 أنه تعالى قال: {وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} وليس لأحد في هبة مال الآخر فضل، وإنما ذلك فيما يهبه المفضل من مال نفسه، وليس للولي حق في
الصداق
وقال آخرون: إن المرجع في الضمير هو الولي. وروي ذلك عن ابن عباس والحسن وعكرمة، ومجاهد وطاوس وشريح والشعبي وقتادة. واختاره ابن العربي في أحكام القرآن. (1)
واحتج هذا الفريق بالوجوه الآتية:
-
1 قالوا: إن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، لأن الزوج قد طلق، فليس بيده عقدة. ومنه قوله تعالى: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَبُ أجَلَهُ الآية 235 من سورة البقرة 2 إنه تعالى قال: إلا أن يَعْفُونَ} يعني يسقطن، وقوله تعالى: و أو يَعْفُوا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاح لا يتصور الإسقاط فيه إلا من الولي. فيكون
معني
اللفظ الثاني هو معنى اللفظ الأول بعينه، وذلك أنظم للكلام 3 إنه تعالى قال: هو إلا أن يَعْفُونَ} يعني يسقطن، أو يعفو الذي بيده
-
عقدة النكاح يعني تسقطه المرأة. فأما النصف الذى لم يجب فلم يجر له ذكر
يسقط، فيرجع القول إلى النصف الواجب بالطلاق الذي
(1) ابن العربي ج 1 ص 219
97 (1/97)
صفحة 93
مسألة: 11 في قوله تعالى: {حَفِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَوةِ الْوُسْطَى) الآية 238 من سورة البقرة
اختلف علماء السلف في الصلاة الوسطى أي صلاة هي؟ وقد ارتفع الخلاف فيها إلى أكثر من عشرين قولا:
وهو
فقال جابر بن زيد: هي صلاة الصبح. نقل ذلك ابن كثير وأبو حيان (1) قول جمهور فقهاء المدينة، وقول عمر وابنه عبد الله وعلي وابن عباس وعائشة و حفصة وجابر بن عبد الله، وبه قال مالك، وهو قول الشافعي أيضا واحتجوا بما روي من أن عائشة وحفصة أمرتا كاتبي مصحفيهما أن يكتبا قوله تعالى: (حفظوا على الصلوات والصلوة الوسطى وصلاة العصر وقوموا الله قانتين) وأسندت عائشة ذلك إلى رسول الله له ولم تسنده حفصة. فإذا بطل أن تكون العصر بحكم عطفها على الوسطى تعين كونها الصبح وقالوا هي وسطى باعتبار أنها لا تقصر، وهي بين صلاتين رباعيتين مقصورتين ولأنها جاءت بين صلاتي ليل جهريتين وصلاتي نهار سريتين وقالوا أيضا: إن أفضلية الصبح ثابتة بالكتاب. فقال تعالى مخصصا لها بالذكر: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا وفي الصبح: إن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون عند صلاة الصبح
(2)
ومن جهة الوصاية بالمحافظة عليها هى أجدر الصلوات بذلك؛ لأنها الصلاة التي تكثر المثبطات عنها باختلاف الأقاليم والعصور والأمم، بخلاف غيرها فقد
240
(1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 387 – البحر المحيط ج 2 ص
(2) تفسير ابن كثير المتقدم.
98 (1/98)
صفحة 94
تشق إحدى الصلوات الأخرى على طائفة دون أخرى بحسب الأحوال والأقاليم
والفصول. (1)
بن
وقال قوم: إنها صلاة الظهر. وروي ذلك عن ابن عمر وزيد وأسامة زيد وأبي سعيد وعائشة وعروة بن الزبير. وهي رواية عن أبي حنيفة وصحبه. واستدلوا بما روي عن زيد بن ثابت أن النبي علي كان يصلي الهاجرة والناس في هاجرتهم فلم يجتمع إليه أحد فتكلم في ذلك فأنزل الله تعالى، والصلاة الوسطى» يريد الظهر. وقد روي أن لا يكون وراءه إلا الصف والصفان فقال رسول الله: لقد هممت أحرق على قوم لا يشهدون الصلاة بيوتهم، فنزلت هذه الآية
وقالوا إن صلاة الظهر تقع وسط النهار وليس في المكتوبات صلاة تقع في وسط الليل أو النهار غيرها. وإن صلاة الجمعة هي أشرف الصلوات وهي صلاة الظهر
فصرف المبالغة إليها
(2)
وقال آخرون هي صلاة العصر. روي ذلك عن جماعة من الصحابة: منهم علي وابن مسعود وأبو أيوب وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد وأبو هريرة، ومن التابعين: الحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة وغيرهم. وقال الترمذي: هو قول أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم. وهو الصحيح عن أبي حنيفة والشافعي واختاره ابن حبيب المالكي
واحتجوا بعدة أحاديث منها ما روي عن علي عليه السلام أن النبي علا قال يوم الخندق: (شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله بيوتهم نارا، وهذا الحديث
رواه البخاري ومسلم.
99
150
(1) التحرير والتنوير ج 2 ص 468
(2) التفسير الكبير للرازي ج 6 ص (1/99)
صفحة 95
وقالوا روي في صلاة العصر من التأكيد ما لم يرو في غيرها. فإنه قال عليه السلام: (من فاته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» وقد أقسم الله تعالى بها فقال: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} فدل على أنها أحب الساعات إلى الله
عزّ وجل. وقالوا: إن العصر أشبه بالصلاة الوسطى لوجوه: أحدها: أنها متوسطة بين صلاة هي شفع وبين صلاة هي وتر، أما الشفع فهي الظهر وأما الوتر فالمغرب وثانيها: أن العصر متوسطة بين صلاة نهارية وهي الظهر وليلية وهي المغرب وثالثها: أن العصر بين صلاتين بالليل وصلاتين بالنهار ويمكن الرجوع إلى كتب الفروع لمعرفة الأقوال الأخرى.
(1)
(1) التفسير الكبير ج 6 ص 151
100 (1/100)
صفحة 96
مسألة: 12 في قوله تعالى: {وَقُومُوا اللَّهِ قَنِتِينَ} الآية 238 من سورة البقرة.
اختلف الناس في معنى قوله «قانتين).
فقال جابر بن زيد: معناه: طائعين. نقل ذلك القرطبي وأبو حيان. (1) و نسب هذا القول إلى الشعبي وعطاء وسعيد بن جبير والحسن والضحاك وقال كل قنوت في القرآن فإنما يعنى به الطاعة. ورواه أبو سعيد عن النبي علل وقال مجاهد: إن معنى قانتين: خاشعين، والقنوت: طول الركوع والخشوع وغض البصر وخفض الجناح.
وقال الربيع: القنوت طول القيام. وهو قول ابن عمر، ومنه قوله عليه
السلام: (أفضل الصلاة طول القنوت) خرجه مسلم.
وروي عن ابن عباس: قانتين: داعين
وروي عن جابر بن زيد قول آخر، وهو أن القنوت المذكور في الآية هو الأمر بالسكوت عن الكلام في الصلاة وليس هو القنوت الذي يفعل في صلاة الصبح روى ذلك العيني في العمدة
(2)
وهو قول زيد بن أرقم من الصحابة ونسب إلى مجاهد والشعبي
وقال ابن حيان: والأظهر حمله على السكوت، إذ صح أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزلت: {وَقُومُوا اللهِ قَنِتِينَ) فأمروا بالسكوت
(1) أحكام القرآن ج 3 ص 213 - والبحر المحيط ج 2 ص 242.
(2) عمدة القاري ج 7 ص
274
101 (1/101)
صفحة 97
مسألة: 13 في قوله تعالى: {إلا أن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَةً} الآية 28 من سورة
آل عمران
قرأ عامة القراء (تقاة) بضم المثناة الفوقية وفتح القاف بعدها ألف وهو اسم مصدر الاتقاء. وأصله وقية على وزن فعله، نحو تؤدة وتخمة. ومعناه تجنب
المكروه
وقرأ الإمام جابر بن زيد: «تقيّة) بالياء المشددة على وزن فعيلة. والتاء بدل
الواو. نقل ذلك القرطبي
(1)
وهي قراءة مجاهد، والضحاك ويعقوب (2) وأبي الرجاء وقتادة (3) وقرأ
الكسائي: «تقاة) بالإمالة
وقرأ نافع وحمزة بين التفخيم والإمالة
وقرأ الباقون بالتفخيم. وإنما التفخيم لأجل الحرف المستعلي وهو القاف
(1) أحكام القرآن ج 4 ص 57 (2) التفسير الكبير ج 8 ص 12. (3) روح المعاني ج 3 ص 121.
102 (1/102)
صفحة 98
مسألة: 14 في قوله تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا
رِزْقًا. الآية 37 من سورة آل عمران
اختلف علماء السلف في معنى الرزق.
فقال أبو الشعثاء يعني أن زكريا كلما دخل المحراب على مريم عليهما السلام وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف نقل هذا ابن
كثير
(1)
وهو قول مجاهد وعكرمة وابن جبير والنخعي وغيرهم. وعن مجاهد أيضا: وجد عندها رزقا: أى علما أو قال: صحفا فيها علم وقيل: كانت ترزق من غير رزق بلادهم وقال ابن عباس: كان عنبا في مكتل ولم يكن في تلك البلاد عنب. وعنه أيضا أن ذلك من ثمار الجنة وقال أبو حيان: دلت الآية على وجود الرزق عندها كل وقت يدخل عليها، والمعنى أنه غذاء يتغدى به ولم يعهده عندها ولم يوجهه هو
(2)
والذي عليه جمهور العلماء: أن ذلك عوض لها عن الرضاعة. فقد روي أنها
لم ترضع ثديا قط
(3)
(1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 33. (2) البحر المحيط ج 2 ص 443 (3) روح المعاني ج 3 ص 140
103 (1/103)
صفحة 99
مسألة: 15 في معنى قوله تعالى: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنِيًّا مِّنَ الصَّلِحِينَ}
الآية 39 من سورة آل عمران
اختلف علماء السلف في معنى قوله تعالى: {وَسَيِّدًا. فروي عن الإمام جابر بن زيد أن معناه: السيد الذي يغلب غضبه. نقل ذلك
العيني
(1)
وروي ذلك عن سعيد بن جبير والحسن وعطاء وعكرمة.
وقال ابن عباس: هو الرجل الكريم
وقيل: هو الحسن الخلق
وقيل الذي يسوده قومه في العلم والعبادة والتقى. وقيل غير ذلك وروي عن جابر بن زيد قول آخر، وهو أن (سيدا» معناه الشريف نقل
ذلك الإمام ابن عاشور
(2)
ومن جهة أخرى فإنهم اختلفوا في معنى قوله: {وَحَصُورًا كه.
(3)
فقال جابر بن زيد: إن الحصور: هو الذي يكف عن النساء ولا يقربهن مع القدرة. نقل ذلك أبو حيان والقرطبي وابن كثير ونسب هذا المعنى إلى عبد الله بن مسعود وابن عباس وابن جبير وقتادة وعطاء
والحسن
وقال آخرون: هو الحاصر نفسه عن الشهوات، وقيل عن المعاصي
وقيل الحصور: الهبوب
وقيل هو العنين الذي لا ذكر له يأتي به النكاح ولا ينزل
(1) عمدة القاري ج 18 ص 137. (2) التحرير والتنوير ج 3 ص 241
(3) البحر المحيط ج 2 ص 448 - أحكام القرآن ج 4 ص 78 وتفسير ابن كثير ج 2 ص 34
104 (1/104)
صفحة 100
وقال القرطبي: إن القول الأول هو الأصح لوجهين: الأول: لأنه مدح وثناء عليه عليه السلام. والثناء إنما يكون على الفعل
المكتسب دون الجبلة في الغالب
والثاني: لأن (فعولا) في اللغة من صيغ الفاعلين. كما قال الشاعر: ضروب بنصل السيف سوق سمانها إذا عدموا زادا فإنك عاقر والمعنى أنه يحصر نفسه عن الشهوات. ولعل هذا كان شرعه. وأما شرعنا
فالنكاح.
105 (1/105)
صفحة 101
مسألة: 16 في قوله تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ} الآية 159 مـ
سورة آل عمران قرأ جمهور القراء (عزمت) بفتح التاء، أى أن الله تعالى أمر نبيه عليه السلام إذا عزم على أمر أن على أمر أن يمضي فيه ويتوكل على الله، لا على مشاورتهم قاله قتادة. وقرأ جابر بن زيد: (عزمتُ) بضم التاء، فنسب الله تعالى العزم إلى
نفسه
(1)
والمعنى: فإذا عزمت لك على شيء أى أرشدتك إليه وجعلتك تقصده ويكون قوله: {فَتَوَكَّلْ عَلَى الله له من باب الالتفات، إذ لو جرى على نسق ضم التاء لكان فتوكل علي
وقرأ بضم التاء كل من عكرمة، وأبو نهيك، وجعفر الصادق.
(1) أحكام القرآن للقرطبي ج 4 ص 252 - البحر المحيط ج 3 ص 99.
106 (1/106)
صفحة 102
مسألة - 17 - في قوله تعالى: {ذَلِكَ أدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} الآية 3 من سورة
النساء.
اختلف علماء السلف في معنى قوله تعالى: و ألَّا تَعُولُوا له على ثلاثة أقوال
رئيسية:
القول الأول: هو أن لا يكثر عيالكم مأخوذ من قولهم: عال الرجل أهله يعولهم بمعنى مأنهم يعني فاستعمل نفي كثرة العيال على طريق الكناية لأن العول يستلزم وجود العيال والإخبار عن الرجل بأنه يعول يستلزم كثرة العيال؛ لأنه إخبار بشيء لا يخلو عنه أحد. فما يخبر به المخبر إلا إذا رآه يتجاوز الحد المتعارف كما نقول: فلان يأكل وفلان ينام. أي يأكل كثيرا وينام كثيرا. ولا يصح أن يراد كونه معنى لعال صريحا، لأنه لا يقال عال بمعنى كثرت عياله وإنما يقال أعال. (1)
(2)
وهذا القول مروي عن جابر بن زيد، رواه عنه القرطبي وهو منسوب أيضا إلى زيد بن أسلم والشافعي، وابن الأعرابي من علماء اللغة وقد انتقد العلماء هذا التأويل ومنهم الجصاص، وانتصر لهم بعضهم مثل
الزمخشري. القول الثاني: أن معنى (ألا تعولوا) أن لا تميلوا عن الحق وتجودوا وهذا القول مروي عن ابن عباس وقتادة ومجاهد وغيرهم. فيقال عال الرجل يعول، إذا جار ومال، ومنه قولهم: عال السهم عن الهدف، مال عنه وأصله مجاوزة الحد والعول في الفريضة مجاوزة حد السهام المسماة.
القول الثالث: أن معناه و ألا تخونوا، قاله النخعي. (3).
(1) التحرير والتنوير ج 4 ص 228.
(2) أحكام القرآن ج 5 ص 22
(3) البحر المحيط ج 3 ص
107
165 (1/107)
صفحة 103
مسألة: 18 في قوله تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أَوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا) الآية 8 من سورة النساء.
اختلف العلماء في هذه الآية هل هي منسوخة أم لا
فقال الإمام جابر بن زيد: هي منسوخة، نسختها آية المواريث والوصية نقل
(1)
ذلك ابن كثير وهو قول عكرمة والقاسم بن محمد وعطاء وسعيد بن المسيب. ونسب هذا القول إلى ابن عباس.
وهو مذهب جمهور الفقهاء والأئمة الأربعة.
وقالوا: إن حكم هذه الآية كان قائما قبل أن تنزل الفرائض. فأنزل الله بعد ذلك الفرائض فأعطى لكل ذي حق حقه
وقال آخرون: إن الآية محكمة وليست بمنسوخة. وهو قول آخر لابن
عباس.
وروي عن مجاهد: إن حكم الآية واجب على أهل الميت ما طابت به أنفسهم وهو قول ابن مسعود وأبي موسى وابن سيرين وابن جبير. وذهب فريق ثالث إلى أن الآية بمثابة أمر بالوصية لأولي القربى واليتامى والمساكين. ونسب هذا القول أيضا إلى ابن عباس
وقال النّحاس: أحسن ما قيل في هذه الآية: هو أن الله أمر المؤمنين عند قسمة مواريثهم أن يصلوا أرحامهم ويتاماهم ومساكينهم من الوصية، فإن لم تكن وصية
وصل لهم من الميراث. وهو قول ابن عباس
(2)
209
(1) تفسير ابن كثير ج 2 ص (2) أحكام القرآن للقرطبي ج 5 ص 49
108 (1/108)
صفحة 104
مسألة: 19 في معنى الكلالة من قوله تعالى: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةً أَوِ
امرأة - الآية 12 من سورة النساء
الميت نفسه يسمى كلالة. (1)
وبعض من يرثه يسمى كلالة
وقد اختلف أهل العلم من السلف في ذلك:
فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال: هو الميت نفسه الذي لا ولد له ولا
(2)
والد. نقله عنه صاحب الشرح الكبير على متن المقنع. وابن كثير.
وهو قول أبي بكر الصديق وعلي، وزيد، وابن مسعود، ونسب هذا القول إلى الحسن وقتادة والنخعي والزهري، وقيل هو قول أهل المدينة وأهل البصرة والكوفة، وأكثر الصحابة. وهو قول الأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف
وقد حكى الإجماع عليه غير واحد
(3)
واستدلوا بما روي عن أبي بكر أنه سئل عن الكلالة فقال: إني سأقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان: أراه ما خلا الوالد والولد. فلما استخلف عمر قال: إني لأستحيي الله أن أرد شيئا قاله
أبو بكر.
وذهب فريق آخر إلى أن الكلالة: هو اسم للورثة، ما عدا الوالدين والمولودين نص عليه أحمد.
واستدلوا بما رواه شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: أتاني رسول الله الله يعودني وأنا مريض. فقلت يارسول الله كيف الميراث؟ فإنما
(1) أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 86
-
القرآن ج 2 ص 217.
(2) الشرح الكبير ج 7 ص 57 - تفسير القرآن ج
(3) شرح السنة ج 8 ص 338
109 (1/109)
صفحة 105
يرثني كلالة. فنزلت آية الفرائض. فهذا الخبر يدل على أن الورثة كلالة كما
احتجوا بقول الفرزدق:
ورثتم قناة المجد لا كلالة
عن
عن ابني مناف عبد شمس وهاشم
واشتقاقه اللغوي من الإكليل الذي يحيط بالرأس ولا يعلو عليه. فكان الورثة
ما عدا الوالد والولد وقد أحاطوا بالميت من حوله لا من طرفيه أعلاه وأسفله.
فقط
واختلف القول عن عمر وابن عباس في هذه المسألة
:
فروي عنهما مثل قول سائر الصحابة، وروي عنهما أن الكلالة من لا ولد له
عنه
وهو آخر القولين عن عمر رضي الله وحجته أنه سأل رسول الله عله عن الكلالة فقال: «تكفيك آية الصيف».
أخرجه أبو داود ومسلم وأحمد وأراد بذلك أن الله سبحانه وتعالى أنزل في الكلالة آيتين: إحداهما في الشتاء وهي التي في أول سورة النساء، والأخرى في الصيف وهي التي في آخرها وفيها من البيان ما ليس في آية الشتاء. فلذلك أحاله عليها كما تمسك هؤلاء بظاهر الآية في قوله تعالى: {إِنِ امْرُوا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ. وبيانه عند العامة من العلماء مأخوذ من حديث جابر بن عبد الله، وذلك أن الآية نزلت فيه، ولم يكن له يوم نزولها أب ولا ابن، لأن أباه عبد الله بن حرام توفي في الله (1) غزوة أحد، وآية الكلالة نزلت في آخر عهد النبي علم)
110
(1) شرح السنة ج 8 ص 340 (1/110)
صفحة 106
مسألة: 20 في قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ
الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} الآية 25 من سورة النساء
اختلف العلماء في المقصود من كلمة الطول في هذه الآية على ثلاثة أقوال: 1 فذهب الإمام جابر بن زيد إلى أن معنى الطول هو أن لا ينصرف القلب عن الأمة بنكاح الحرة لميله إليها، أى الأمة، ومحبته لها. فأبيح للمرء في هذه الحال نكاح الأمة إذا هويها وتعلق قلبه بها. نقل ذلك عنه الجصاص في الأحكام. (1) وروى مثل هذا القول عن عطاء، وإبراهيم النخعي. وقالوا إنما يباح له التزوّج إذا لم يستطع الصبر عنها، ولم يستطع أن يسلو عنها بالتزوج بالحرة وإذا خشي أن
يبغي بها
(2)
2 وقال ابن عباس ومجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهم: إن المراد من الطول هو السعة والغني. وبمعنى أوسع: هو كل ما يقدر به على النكاح من نقد أو عرض أو دين على مليء وهي رواية ثانية عن جابر بن زيد 3 - وقال آخرون: إن الطول هو وجود المرأة الحرة. ومعنى ذلك: إن من حرة لا يجوز له نكاح الأمة عليها، وإن عدم السعة وخاف العنت وذلك لأنه يعتبر طالب شهوة وعنده امرأة. وروي هذا القول عن أبي حنيفة والطبري، وأبي
يوسف.
(3)
(1) ج 1 ص 157.
(2) التحرير والتنوير ج 5 ص 13.
(3) القرطبي ج 5 ص 136 – الألوسي ج 5 ص 7.
111 (1/111)
صفحة 107
مسألة: 21 في قوله تعالى: {وَإِن كَانَ مِن قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم ميثق ك. الآية
92 من سورة النساء.
اختلف العلماء في المقصود بالمقتول الذي تجب فيه الدية وتحرير الرقبة المؤمنة. فقال الإمام جابر بن زيد إن معنى الآية: وإن كَانَ المقتول خطاً مؤمنا من قوم معاهدين لكم فعهدهم يوجب أنهم أحق بدية صاحبهم. فكفارته التحرير وأداء
الدية نقل ذلك القرطبي، والجصاص وأبو حيان
وهو قول الحسن وإبراهيم ومجاهد وغيرهم
(1)
وهو الرأي الذي مال إليه الإمام ابن عاشور واستدل به على أن الدية جبر لأولياء القتيل وليست مالا موروثا عن القاتل، إذ لا يرث الكافر المسلم (2) وهو
تأويل لطيف
القول الثاني: إن المقصود به: الذمي والمعاهد يقتل خطأ فتجب فيه الكفارة
سواء كان المقتول مؤمنا أو كافرا
وهو قول منسوب لابن عباس والشعبي والشافعي، واختاره الطبري وفصل النخعي فقال: إنما يذهب ميراثه، أي الدية لورثته المسلمين. ويتأيد القول الأول بمؤيدين: الأول: هي قراءة للحسن، فهو قرأ الآية هكذا: «وإن كان من قوم بينكم (3) وبينهم ميثاق وهو مؤمن). الثاني: أن قوله تعالى: {وَإِن كَانَ له لابد من إسناده إلى مذكور سابق
(1) أحكام القرآن ج 3 ص 325 - أحكام الجصاص ج 2 ص 244 - البحر المحيط ج 3 ص 324
(2) التحرير والتنوير ج 5 ص 162
(3) أحكام القرآن للقرطبي نفسه.
112 (1/112)
صفحة 108
(1)
والذي سبق ذكره هو المؤمن المقتول خطاً، فوجب حمل اللفظ عليه ووجدت في هذه المسألة قولا ثانيا للإمام جابر بالنسبة للمقتول غير المؤمن فقد عنه أنه لا يرى العتق إلا في قتل المسلم الذمي وأنه ليس عليه
نقل ابن حزم كفارة. (2)
(1) التفسير الكبير ج 10 ص 235
(2) المحلى ج 10 ص 358.
113 (1/113)
صفحة 109
مسألة: 22 في قوله تعالى: {أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ. الآية 33 من سورة
المائدة.
النفي من الأرض هو إبعاد المجرم من المكان الذي هو وطنه إلى مكان بعيد واختلف الفقهاء في المقصود من نفي المحارب في هذه الآية. فقال أبو الشعثاء: إن النفي هو أن ينقل من جند إلى جند، أى من بلد إلى بلد سنين، ولا يخرج من دار الإسلام. نقل ذلك ابن كثير
(1)
وهو قول سعيد بن جبير والحسن والزهري والشافعي وغيرهم. وقال عمر بن عبد العزيز ينفى من بلد إلى غيره مما هو قاص بعيد، وقال أبو الزناد: كان النفي قديما إلى دهلك وباضع وهما من أقاصي البلاد من اليمن
والحبشة
القول الثاني: هو أن ينفى المحارب إلى دار الحرب، وذلك بأن يطلب حتى يقدر عليه فيقام عليه الحد، أو يهرب من دار الإسلام. روي هذا عن ابن عباس وأنس بن مالك والربيع بن أنس وقال فريق ثالث: أنه يسجن، فينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها، ويحبس حيث يرى الإمام، وقال بهذا أبو حنيفة وإبراهيم النخعي وقال الإمام مالك: ينفى إلى بلد آخر غير البلد الذي يستحق فيه العقوبة فيحبس هناك، ولا يضطر إلى الخروج من دار الإسلام.
(2)
(1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 560
(2) القرطبي ج 6 ص 152 - البحر المحيط ج 4 ص 470 - أحكام الجصاص ج 2 ص 412.
114 (1/114)
صفحة 110
مسألة: 23 في قوله تعالى: {وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ. و الظَّلِمُونَ} و {الْفَسِقُونَ} الآيات 44 و 45 و 47 من
سورة المائدة.
اختلف العلماء في من نزلت كلها
فقال جابر بن زيد: (الكافرون) للمسلمين، و ه الظالمون، لليهود، و «الفاسقون) للنصارى. نقل ذلك القرطبي
(1)
واختاره ابن عباس، وابن شبرمة وابن أبي زائدة، وابن العربي والشعبي وقيل إن في الآيات إضمارا: أى ومن لم يحكم بما أنزل الله ردّا للقرآن، وجحدا لقول الرسول الله فهو كافر. قاله ابن عباس ومجاهد. وقال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار، أي معتقدا ذلك ومستحلاله، فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرمًا فهو من فساق المسلمين، وأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. وقيل: أى ومن لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر: فأما من حكم بالتو -: بالتوحيد ولم يحكم ببعض الشرائع فلا يدخل في هذه الآية. وقال طاوس وغيره: ليس المقصود من الكفر الكفر الذي ينقل عن الملة، ولكنه
(2)
كفر دون كفر. وقال الشيخ أبو إسحاق طفيش: هو كفر النعمة عند الإباضية. وقال عكرمة: إن ذلك يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه. أما من عرف بقلبه كونه حكم الله وأقر بلسانه كونه حكم الله، إلا أنه أتى بما يخالفه ويضاده فهو حاكم بما أنزل الله تعالى ولكنه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية وقال
الرازي: وهذا هو الجواب الصحيح والله أعلم.
(1) أحكام القرآن ج 6 ص 160
(2) نفس المرجع، الحاشية
(3) التفسير الكبير ج 12 ص 6
(3)
115 (1/115)
صفحة 111
مسألة: 24 في قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكـ مِّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ.
الآية 105 من سورة المائدة
اختلف العلماء في تأويل هذه الآية إلى عدة أقوال: فروى عن الإمام جابر بن زيد أن معنى الآية: ياأيها الذين آمنوا من أبناء أولئك الذين بحروا البحيرة وسيبوا السوائب عليكم أنفسكم في الاستقامة على الدين لا يضركم ضلال الأسلاف إذا اهتديتم. قال وكان الرجل إذا أسلم قال له الكفار سفهت آباءك وضللتهم وفعلت وفعلت، فأنزل الله الآية وفعلت، فأنزل الله الآية بسبب ذلك. نقل ذلك
القرطبي.
(1)
وقال آخرون: إن الآية نزلت في أهل الأهواء الذين لا ينفعهم الوعظ فإذا علمت من قوم أنهم لا يقبلون، بل يستخفون ويظهرون فاسكت عنهم. وقيل نزلت في الأسارى الذين عذمهم المشركون حتى ارتد بعضهم، فقيل لمن بقي على الإسلام: عليكم أنفسكم لا يضركم ارتداد أصحابكم وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا يضركم من ضل إذا اهتديتم بعد الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر وقال ابن خويز منداد: تضمنت هذه الآية اشتغال الإنسان بخاصة نفسه و تركه التعرض لمعائب الناس، والبحث عن أحوالهم وقال الزمخشري: كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على العناد والعتو من الكفرة ويتمنون دخولهم في الإسلام، فقيل لهم عليكم أنفسكم وما كلفتم من إصلاحها والمشي في طرق الهدى ولا يضركم الضلال عن دينكم إذا كنتم مهتدين كما قال تعالى لنبيه: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ
وقيل في الآية غير ذلك
(1) أحكام القرآن ج 6 ص 344
(2) البحر المحيط ج 4 ص 36
(2)
116 (1/116)
صفحة 112
مسألة: 25 الخلاف في قوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} الآية 141 من سورة الأنعام.
(1)
اختلف العلماء في معنى (حقه) من الآية المتقدمة على أقوال: فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه الزكاة المفروضة. نقل ذلك الجصاص والعيني والجيطالي وأبو حيان وابن كثير وهو قول أنس بن مالك، والحسن وسعيد بن المسيب وقتادة وغيرهم. . وقيل هذا قول مالك والشافعي القول الثاني: أن المراد من ذلك: إلقاط السنبل، وعن سفيان قال: يدع المساكين يتبعون أثر الحصادين فيما سقط عن المنجل. واحتج هؤلاء بحديث يروونه عن النبي عله أنه أنه نهى عن حصاد الليل القول الثالث: أن هذه الآية منسوخة بآية الزكاة. ونسب ذلك إلى سعيد بن جبير، وقال كان هذا قبل أن تنزل الزكاة. وقال الضحاك نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن
القول الرابع: أن هذا الحق هو حق في المال سوى الزكاة، أمر الله به ندبا، و نسب هذا القول إلى على بن الحسن وعطاء والحكم وسعيد بن جبير ومجاهد. وقد علق الشيخ محمد الطاهر بن عاشور على المذهب الأول بقوله: ولعلهم يرون أن الزكاة فرضت ابتداء بتعيين النصب والمقادير، وأضاف قائلا: وعلى القول المختار فهذه الآية غير منسوخة ولكنها مخصصة ومبينة بآيات أخرى، وبما بينه النبي الله، فلا يتعلق بإطلاقها (2)
(1) أحكام القرآن ج 3 ص 9 - عمدة القاريء ج 8 ص 238 - قواعد الإسلام ج 2 ص 19 – البحر المحيط ج
4 ص 237 و تفسير ابن كثير ج 3 ص 110
(2) تفسير سورة الأنعام
ص
122
من الجزء الثاني
117 (1/117)
صفحة 113
مسألة: 26 في قوله تعالى: {لَتُفْسِدُنَ} الآية 4 من سورة الإسراء.
قرأ الإمام جابر بن زيد: «لَتَفْسَدُنَّ
بضم التاء وفتح السين، مبنيا
للمفعول، أى يفسدكم غيركم: فقيل من الضلال، وقيل من الغلبة، وهي قراءة
(1)
منسوبة إلى ابن عباس، ونصر بن علي
وقرأ عيسى: (: (لَتَفْسُدُنَّ
بفتح التاء
وضم السين. على معنى
لتفسدن
بأنفسكم بارتكاب المعاصي
وقرأ الجمهور: (لتفسدن) بكسر السين، تقديرها وقضينا إلى بني إسرائيل
بفسادهم وعلوهم. (1)
(1) تفسير الألوسي ج 15 ص 16
118 (1/118)
صفحة 114
مسألة: 27 في سجدتي سورة الحج.
أجمع العلماء على أن السجدة الأولى من سورة الحج عند قوله تعالى: {إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ الآية 18 واجبة
ولكنهم اختلفوا في الثانية التي عند قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ .. الآية 77 من السورة.
فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه أسقطها. نقل ذلك عنه ابن المنذر (1). وإلى ذلك ذهب سعيد بن جبير، والحسن البصري، والنخعي والثوري وأصحاب
الرأي.
وعن ابن عباس روايتان: الإيجاب، والإسقاط وذهب آخرون إلى إثباتها. وهو قول عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وأبي الدرداء وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهم، وهو قول أبي عبد الرحمن السلمي، وأبي العالية وزر بن حبيش، ومالك، وأحمد والشافعي وإسحق وداود الظاهري وأبي ثور - وهي رواية أخرى عن الإمام جابر بن زيد (2). وسبب الخلاف يرجع إلى حديث عقبة بن عامر قال: قلت يارسول الله فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين؟ قال: «نعم. ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما، رواه الترمذى. وقال هذا حديث حسن. ليس إسناده بالقوي ورواه أبوداود والدارقطني وفي إسناده ابن لهيعة ومشرح. وهما ضعيفان
(1) الفتح الرباني ج 4 ص 183
(2) المغني ج 1 ص 649.
119 (1/119)
صفحة 115
مسألة: - 28 - في معنى قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَعٌ لَّكُمْ} الآية 29 من سورة النور.
اختلف العلماء في المراد من البيوت في هذه الآية:
فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال: هي إما منزل ينزله قوم من ليل أو نهار، أو خربة يدخلها لقضاء حاجة، أو دار ينظر إليها. فهذا متاع. وكل منافع لدنيا متاع، وليس هو الجهاز، ولكن ما سواه من الحاجة. وقال تعليقا على ذلك بو جعفر النحاس: وهذا شرح حسن من قول إمام من أئمة المسلمين وهو موافق
للغة (1)
وقال محمد بن الحنفية وقتادة ومجاهد: هي الفنادق التي في طرق السابلة لا يسكنها أحد. بل هي موقوفة ليأوى إليها كل ابن سبيل. وفيها متاع لهم أى
استمتاع بمنفعها.
وقال عطاء: هي الحرب التي يدخلها الناس للبول والغائط، وهو قول عكرمة. (2) وقال ابن العربي: تأييدا للرأي الأول: أما من فسر المتاع بأنه جميع الانتفاع. فقد طبق المفصل وجاء بالفيصل، وبين أن الداخل فيه إنما هو لماله من الانتفاع. فالطالب يدخل الخانكات وهي المدارس لطلب العلم، والساكن يدخل الخانات وهي الفناتق أى الفنادق والزبون يدخل الدكان للابتياع، والحاقن
يدخل الخلا للحاجة. وكل يؤتى على وجهه من بابه
(3)
(1) أحكام القرآن للقرطبي ج 12 ص 221. (2) أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 314. (3) أحكام القرآن لابن العربي ج 3 ص 1352.
120 (1/120)
صفحة 116
مسألة: - 29 - في قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} الآية
31 من سورة النور
اختلف العلماء في الزينة وما يظهر منها
(1)
فقال جابر بن زيد: إن المقصود منه الوجه والكفان والخاتم. نقله ابن كثير وهو قول ابن عباس، وابن عمر وعطاء وعكرمة وابن جبير والنخعي وغيرهم من
جمهور العلماء
وقال ابن عباس وقتادة والمسور: ظاهر الزينة هو الكحل والسوار والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخ ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس. (2) وقال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة. ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لابد منه، أو إصلاح شأن ونحو ذلك فـ «ما ظهر» على هذا الوجه مما تؤدى إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه
(3)
واستحسن القرطبي هذا الوجه وقال: هذا قول حسن لأنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة وذلك في الصلاة والحج فيصلح أن يكون الاستثناء راجعا إليهما. يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة أن أسماء بنت أبي بكر رضى الله عنهما دخلت على رسول الله الله وعليها ثياب رقاق. فأعرض عنها وقال لها: (ياأسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا)
وأشار إلى وجهه وكفيه
88
(1) تفسير ابن كثير ج 5 ص (2) أحكام القرآن للقرطبي ج 12 ص 228. (3) أحكام القرآن للقرطبي ج 12 ص 229.
121 (1/121)
صفحة 117
وقال ابن عاشور واستثني ما ظهر من الزينة، وهو ما في ستره مشقة على المرأة
أو في تركه حرج على النساء وهو ما كان من الزينة في مواضع العمل التي لا يجب
سترها مثل الكحل والخضاب والخواتيم.
(1)
(1) التحرير والتنوير ج 18 ص 206.
122 (1/122)
صفحة 118
مسألة: - 30 - في قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَكْذِتْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ
أَيْمَنكُمْ} الآية 58 من سورة النور
اختلف العلماء في نسخ هذه الآية
فروي عن الإمام جابر بن زيد أن حكم هذه الآية واجب وثابت، وأنها محكمة
(1)
وروي
وأن الحكم يسري على الرجال والنساء سواء. نقل ذلك القرطبي الجصاص في قوله تعالى: (ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ... الآية. قال جابر بن زيد أبناؤهم الذين عقلوا ولم يبلغوا الحُلُمَ من الغلمان والجواري يستأذنون على آبائهم قبل صلاة الفجر وحين يقيلون ويخلون، وبعد صلاة العشاء وهي العتمة فإذا بلغوا الحلم استأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم إخوانهم إذا كانوا رجالا ونساء ولا يدخلون على آبائهم إلا بإذن ساعة يدخلون، أي ساعة
كانت
(2)
وهو قول القاسم بن محمد والشعبي. وقال النحاس هو قول أكثر أهل العلم. وقال ابن المسيب وابن جبير: هي منسوخة. وقال ابن عباس: ذهب حكمها فقد روي أن نفرا من أهل العراق قالوا: يا ابن عباس كيف ترى في هذه الآية التي أمرنا فيها بما أمرنا ولا يعمل بها أحد. فقال: إن الله حليم رحيم بالمؤمنين. يحب الستر، وكان الناس ليس بيوتهم ستورا ولا حجالا، فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات. فلما جاءهم الله بالستور والخير لم أر أحدا يعمل بذلك يعني أن
ذلك كان واجبا إذ لا غلق لهم ولا أبواب ولو عاد الحال لعاد الوجوب. وقال القرطبي: هذا متن حسن وهو يرد قول سعيد وابن جبير، فإنه ليس فيه دليل على نسخ الآية ولكن على أنها كانت على حال ثم زالت. فإن كان مثل ذلك الحال
(1) أحكام القرآن ج 12 ص 303 (2) أحكام القرآن ج 3 ص 330.
123 (1/123)
صفحة 119
فحكمها قائم كما كان. بل حكمها ثابت لليوم في كثير من مساكن المسلمين في البوادي والصحاري وغيرها (1)
وقال آخرون: إن هذه الآية خاصة والتي قبلها عامة، لأنه تعالى قال: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ثم خص هنا فقال: (ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم) فخص في هذه من الآية بعض المستأذنين كما أن الأولى تناولت جميع الأوقات، وخصت، وخصت هذه ببعض الأوقات دون البعض، فلا يدخل فيها عبد ولا أمة إلا بعد الاستئذان
(1) النسخ في القرآن ص 759.
124 (1/124)
صفحة 120
مسألة: - 31 - في قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ}
الآية 60 من سورة النور
اختلف السلف في معنى قوله تعالى (ثيابهن، فقال جابر بن زيد: المقصود به: الجلباب أو الرداء. نقله ابن كثير
(1)
وكذلك روي عن ابن عباس وابن عمر ومجاهد وابن جبير والنخعي وغيرهم وقال ابن صالح: أي تضع الجلباب، وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار (2)
وقال سعيد بن جبير وغيره في قراءة عبد الله بن مسعود: (أن يضعن ثيابهن)
هو الجلباب من فوق الخمار، فلا بأس أن يضعن عند غريب أو غيره بعد أن يكون
عليها خمار خفيف، ولا يتبرجن بوضع الجلباب ليرى ما عليها من الزينة وقال ابن عاشور: المراد بالثياب بعضها وهو المأمور بإدنائه على المرأة بقرينة
مقام التخصيص. والوضع: إناطة شيء على شيء. وقال: أى يزلن عنهن ثيابهن فيضعنها على الأرض أو على المشجب
وعلة هذه الرخصة هي أن الغالب أن تنتفي أو تقل رغبة الرجال في أمثال هذه القواعد لكبر السن. فلما كان في الأمر بضرب الخمر على الجيوب أو إدناء الجلاليب كلفة على النساء المأمورات اقتضاها سد الذريعة، فلما انتفت الذريعة رفع ذلك الحكم رحمة من الله. فإن الشريعة ما جعلت في حكم مشقة لضرورة إلا رفعت تلك المشقة بزوال الضرورة. وهذا معنى الرخصة
(2)
125
(1) تفسير ابن كثير ج 5 ص (2) التحرير والتنوير ج 18 ص 297.
125 (1/125)
صفحة 121
مسألة: 32 في قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ. الآية 61 من سورة النور.
اختلف في أن قوله تعالى: (ليس على الأعمى حرج» هل هو منفصل عن قوله تعالى بعده: {وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ}. وأنه في غرض غير غرض الأكل في البيوت، أى فيكون من تمام الآية قبله آية الاستئذان. أو هو متصل بما بعده في
غرض واحد.
فقال بالقول الأول: جابر بن زيد. نقل ذلك ابن عاشور
(1)
وهو قول
الحسن واختاره الجبائي وابن عطية وابن العربي وأبو حيان، وهو الذي اختاره في التحرير والتنوير تفاديا من التكلف الذى ذكره مخالفوهم لبيان اتصاله بما بعده في بيان وجه الرخصة لهؤلاء الثلاثة الأصناف في الطعام في البيوت المذكورة. ولأن في قوله: أن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ إلى آخر المعدودات، لا يظهر اتصاله بالأعمى والأعرج والمريض. فتكون هذه الآية نفيا للحرج عن هؤلاء الثلاثة فيما تجر ضرارتهم (2) إليهم من الحرج من الأعمال. فالحرج مرفوع عنهم في كل ما تضطرهم إليه أعذارهم فتقتضي نسبتهم الإتيان فيه بالإكمال ويقتضي العذر أن يقع منهم فالحرج منفي عن الأعمى في التكليف الذي يشترط فيه البصر، وعن الأعرج فيه فيما يشترط فيه المشي والركوب، وعن المريض في التكليف الذي يؤثر المرض في إسقاطه كالصوم وشروط الصلاة والغزو. ولكن المناسبة في ذكر هذه الرخصة عقب الاستئذان أن المقصود الترخيص للأعمى أن لا يتعين عليه استئذان لانتفاء السبب الموجب. ثم ذكر الأعرج والمريض إدماجا وإتماما لحكم الرخصة لهما للمناسبة بينهما وبين الأعمى.
(1) التحرير والتنوير ج 18 ص 299.
(2) (كذا) ولعله ضروراتهم.
126 (1/126)
صفحة 122
وقال بالثاني جمهور المفسرين، وقد تكلفوا لوجه عد هذه الأوصاف الثلاثة في أعداد الأكلين من الطعام الذي في بيوت من ذكروا في الآية الموالية. (1)
(1) التحرير والتنوير ج 18 ص 300.
127 (1/127)
صفحة 123
مسألة: - 33 - في قوله تعالى: {لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ} الآية 52 من
سورة الأحزاب.
اختلف العلماء في دعوى نسخ هذه الآية:
فقال قوم: إنها منسوخة بقوله تعالى قبل ذلك بقليل: {يَأْيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ} الآية
وهو مروي عن ابن عباس وعائشة وأم سلمة وعلي بن الحسين والضحاك. وقال آخرون: إن الآية محكمة وليست منسوخة، ولكنهم اختلفوا على
قولين:
أحدهما: أن الله تعالى أثاب نساءه حين اخترنه بأن قصره عليهن، فلم يحل له غيرهن. ولم ينسخ هذا. وهو مروي عن ابن عباس بطريق عكرمة. وعن الحسن البصري وابن سيرين وأبي أمامة وغيرهم.
وثانيهما: أن المراد بالنساء هنا من الكافرات، ولم يجز له أن يتزوج بكافرة قاله جابر بن زيد ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة. (1)
(1) النسخ في القرآن ص 766 نقلا عن نواسخ القرآن لابن الجوزي.
128 (1/128)
صفحة 124
مسألة
: - 34 - في قوله تعالى: {وَمِنْ عَايَتِهِ الَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا
للَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ. فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا
يَسْتَمُونَ. الآيتان 37 و 38 من سورة فصلت
اتفق العلماء على أن هذه آية سجود.
ولكنهم اختلفوا في موضعه:
فقال جابر بن زيد: إن موضع السجود عند قوله تعالى: (وهم لا
يسأمون» وقد نقل ذلك عنه الإمام الجيطالي
(1)
وهو قول ابن عباس ومسروق وقتادة. ومن الأئمة: أبو حنيفة (2). ووجه ذلك أن معنى الكلام يتم عند قوله تعالى: ولا
(3)
والشافعي يسأمون). ومن جهة أخرى فإن السلف لما اختلفوا كان السجود في الآخرة منها أولى لاتفاق الجميع على جواز نقلها بإخراجها واختلافهم في جوازها بأولاهما (4) وهو غاية العبادة والامتثال
وقال مالك موضع السجود هو قوله تعالى: (إياه تعبدون) وهو رأي على: وابن مسعود. وقالوا: لأن ذلك متصل مباشرة بالأمر (5)
(1) قواعد الإسلام ج 1 ص 293
(2) روح المعاني ج
ص
126
129
(3) تفسير الرازي ج 27 ص
(4) أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 385. (5) أحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 1652
129 (1/129)
صفحة 125
مسألة: - 35 - في قوله تعالى: و في كتب مَّكْنُونِ. لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا
الْمُطَهَّرُونَ} الآية 78 و 79 من سورة الواقعة.
اختلف المفسرون في هذه الآية في موضعين:
الأول: قوله تعالى: «مكنون»
فقال جابر بن زيد: هو اللوح المحفوظ، جاء ذلك في أحكام القرآن
للقرطبي
(1)
وهي رواية عن ابن عباس
وقال ابن عباس أيضا: (مكنون (محفوظ عن الباطل. والكتاب هنا كتاب
في السماء.
وقال عكرمة: التوراة والإنجيل فيهما ذكر القرآن ومن ينزل عليه. وقال
مجاهد هو المصحف الذي بين أيدينا
الثاني: قوله تعالى: (المطهرون»
فروي عن جابر بن زيد أنه قال: هم الملائكة. رواه ابن كثير. (2) وهو قول أنس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وغيرهم.
وقال قتادة: لا يمسه إلا المطهرون عند الله فأما في الدنيا فيمسه المجوس النجس
والمنافق الرجس
وقيل غير ذلك
(1) أحكام القرآن ج 17 ص 224.
(2) تفسير ابن كثير ج 6 ص 536
130 (1/130)
صفحة 126
مسألة: - 36 - في قوله تعالى: {فَلَوْلا إن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} الآية 86 سورة الواقعة
من
قال جابر بن زيد معنى (مدينين) أي مجازين على أعمالكم. (1) وهو قول جمهور المتقدمين من المفسرين: مجاهد والحسن وقتادة وعليه جمهور المفسرين من
المتأخرين. وفسره الزمخشري والفراء بمعنى: عبيد الله من قولهم دان السلطان الرعية، إذا
ساسهم، أي غير مربوبين
قال الإمام ابن عاشور: وهو بعيد عن السياق
(1) التحرير والتنوير ج 27 ص 345.
131
(1) (1/131)
صفحة 127
مسألة: - 37 - في قوله تعالى: {هُوَ اللهُ الْحَلِقُ الْبَارِاءُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). الآية 24 من سورة الحشر
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سألت خليلي أبا القاسم رسول الله الله عن اسم الله الأعظم فقال: «ياأبا هريرة عليك بآخر سورة الحشر فأكثر قراءتها» فأعدت عليه فأعاد، فأعدت عليه فأعاد علي.
علي
وقال جابر بن زيد إن اسم الله الأعظم هو (الله) لمكان هذه الآية جاء ذلك في
أحكام القرآن للقرطبي
(1) أحكام القرآن ج 18 ص 49.
(1)
132 (1/132)
صفحة 128
مسألة: - 38 - في قوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ} الآية 08 من سورة
التكوير قرأ جابر بن زيد: {وإذا الموؤودة سألت) رواه عنه القرطبي من طريق أبي الضحى. وقال: الجارية تتعلق يوم القيامة بأبيها فتقول: بأى ذنب قتلتني؟ فلا
يكون له عذر
(1)
وهي قراءة ابن عباس
وقرأ الباقون سُئِلَتْ.
(1) أحكام القرآن للقرطبي ج 18 ص 233
133 (1/133)
صفحة 129
مسألة: - 39 - في قوله تعالى: {الْجَوَارِ الْكُنَّس} الآية 16 من سورة
التكوير.
قال الحجاج بن المنذر: سألت جابر بن زيد عن (الجوار الكنس» فقال:
الظباء والبقر. نقل ذلك القرطبي وابن حيان
(1)
وقال جابر بن عبد الله وعبد الله بن مسعود وهما صحابيان، والنخعي: إنهما بقر الوحش حين تختفي لأنها مشبهة بالنجوم التي هي جوار في السماء وهي تكنس في أبراجها أى تستتر. فهي تفعل ذلك في كنائسها
(1) أحكام القرآن ج 19 ص 237 - البحر المحيط ج 8 – ص 434
134 (1/134)
صفحة 130
مسألة: - 40 - في قوله تعالى: {وَيَصْلَى سَعِيرًا} الآية 12 من سورة
الانشقاق
قرأ جابر بن زيد: (وَيُصَلَّى) بضم الياء وفتح الصاد واللام مشددة (1) وقرأ بذلك أكثر القراء السبعة وعمر بن عبد العزيز والحسن والأعرج، مأخوذ من التصلية لقوله تعالى {وَتَصْلِيَةُ جَحِيم الله
وقرأ أبو الأشهب وخارجة عن نافع، وأبان عن عاصم والعتكي وجماعة عن أبي عمرو (يُصْلَى) بضم الياء ساكن الصاد مخفف اللام مبنيا للمفعول من الإصلاء لقوله تعالى {وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ
(1) روح المعاني ج 30 ص 81.
135 (1/135)
صفحة 131
مسألة: 41 في قوله تعالى: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ}.
قال جابر بن زيد: (التين والزيتون) الفاكهة التي يأكلها الناس. (1) وهو قول مجاهد والنخعي وعطاء ومقاتل وعكرمة والحسن وغيرهم. وقيل هي أسماء لأماكن وقيل غير ذلك
(1) روح المعاني ج 30 ص 174.
136 (1/136)
صفحة 132
الباب الثالث
في
الطهارات
ويشتمل على 19 مسألة
137 (1/137)
صفحة 133
مسألة 1 - الحكم في الأبوال
:
اختلف العلماء في هذه المسألة:
فذهب الإمام جابر بن زيد إلى أن الأبوال كلها أنجاس، نقل ذلك عنه الإمام ابن حزم (1) وأنه لا فرق في ذلك بين بول الإنسان وغيره من الحيوان مما كان لحمه مأكولا أو غير مأكول.
وهو قول سعيد بن المسيب والشافعي، وابن حزم وأبي حنيفة، إلا أنه يرى أن بعض البول أغلظ نجاسة من بعض)
(2)
واستدل هؤلاء بحديث أبي هريرة، عن النبي ع قال: «استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه (رواه الدارقطني وفي إسناده مقال ورواه ابن خزيمة وصححه على ما ذكر ابن حجر في الفتح و بحديث ابن عباس قال: مر رسول الله الله على قبرين فقال: (إنهما يعذبان
(3)
وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا
عن البول» رواه مسلم وأبو داود وغيرهما
يستنزه
واستدلوا أيضا بحديث أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها لم يأكل الطعام إلى رسول الله فأجلسه رسول الله الله في حجره فبال على ثوبه فدعا بماء
فنضحه ولم يغسله
و بحديث على أن النبي
الجارية». رواه ابن ماجه
الله قال: «ينضح بول الرضيع ويغسل بول
ج 1 ص (1) المحلى ج
180
(2) المحلى ص 168
ج
(3) فقه سعيد بن المسيب ج 1 ص 33
139 (1/139)
صفحة 134
المذهب الثاني: أن الأبوال تابعة للحم. فبول ما يؤكل لحمه طاهر وبول مالا يؤكل لحمه نجس لا يطهر إلا بغسله، وعليه فيجب غسل بول الآدمي، لا فرق في ذلك بين بول الصغير والكبير والذكر والأنثى
أما أبوال ما يؤكل لحمه من الحيوان كالإبل والغنم فهي طاهرة، وإذا أصابت الإنسان لا يجب التطهر منها.
وإلى ذلك ذهب مالك، وهي رواية عن أحمد.
واستدلوا:
بما روي عن أنس: أن نفرا من عكل ثمانية: قدموا المدينة على رسول الله عله فاستوخموا المدينة وسقمت أجسامهم فشكوا ذلك إلى رسول الله الله فقال: (ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبون من أبوالها وألبانها؟ فقالوا: بلى
فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها فصحوا .... » الحديث متفق عليه
وبما روي عن البراء قال: قال رسول الله لا لا لا بأس ببول ما أكل
لحمه) رواه الدارقطني وهو حديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج.
(1)
(1) فقه سعيد بن المسيب ج 1 ص 38
140 (1/140)
صفحة 135
مسألة: 2
-
الخلاف في طهارة المسك:
اختلف العلماء في طهارة المسك وفي جواز استعماله
فروى عن الإمام جابر بن زيد أنه قال بطهارته وبجواز استعماله ولكنه يمنع للإحرام فقط
نقل ذلك الإمام طفيش في شرح النيل (1).
وهو قول عامة العلماء وسائر المذاهب، وروي خاصة عن أبي عبيدة وأبي حفص وأبي زياد وأبي علي، وعن ابن عمر وأنس بن مالك، وعلي وسعيد بن المسيب. وحكى النووي أنه محل إجماع من المسلمين (2)
واستدلوا على ذلك بقوله الله: (أطيب الطيب المسك، رواه مسلم والترمذى والنسائي
ووجه الاستدلال من هذا الحديث أنه مدح المسك ولم يذكره بنجس عالم
فتبادر إلى الذهن أنه حلال
وروى عن الربيع بن حبيب، وعن محبوب وابنه كراهة المسك كراهة تحريم. لأنه خراج يحدث في الحيوان تجتمع فيه مواد ثم تستحيل مسكا
وذلك
كما روى عن الشيعة أنهم قالوا بنجاسة المسك وبعدم جواز بيعه
(3)
(1) شرح النيل ج 4 ص 84
(2) المجموع. ج 2 ص 579 – حاشية رد المختار ج 1 ص 209.
(3) المجموع نفسه -
141 (1/141)
صفحة 136
مسألة - 3 - هل ينتقض الوضوء بدم الرعاف؟.
اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فذهب جابر بن زيد (1) وسعيد بن المسيب، وعبد الله بن عمر وعائشة، وأبو هريرة، وابن عباس إلى أن دم الرعاف غير ناقض للوضوء وهو مذهب مالك والشافعي، والجعفرية والظاهرية.
وذهب آخرون إلى أن دم الرعاف ناقض للوضوء. وهذا مذهب أبي حنيفة
وابن حنبل.
وحجة الأولين الحديث الذي رواه أنس عن النبي عله أنه احتجم وصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على أن غسل محاجمه. رواه الدارقطني والبيهقي وغيرهما. وهو حديث ضعيف. ولكن يقويه حديث آخر بدرجة الحسن رواه أبوداود عن جابر ابن عبد الله أن رجلين من أصحاب رسول الله الله حرسا المسلمين ذات ليلة في غزوة ذات الرقاع، فقام أحدهما يصلي، فجاء رجل من الكفار فرماه بسهم فوضعه فيه فنزعه. ثم رماه بآخر ثم بثالث، ثم ركع وسجد ودماؤه تجرى وموضع الدلالة من هذا الحديث أنه خرج دم كثير واستمر في الصلاة، فلو نقض الدم الوضوء لما جاز بعده الركوع والسجود وإتمام الصلاة. ويبعد أن يطلع النبيء على ذلك ولم ينكره. ولم ينقل أنه أخبره بأن صلاته قد بطلت وقالوا أيضا إن الأصل ثبوت حكم الطهارة وإن نقضها يحتاج إلى دليل صحيح. ودليل الفريق الثاني الحديث الذي أخرجه ابن ماجه والدارقطني عن عائشة الله عنها من طريق إسماعيل بن عياش أن رسول الله ع قال: «من أصابه
رضي
(2)
(1) نيل الأوطار ج 1 ص 208
(2) المجموع شرح المهذب ج 2 ص 58 - نيل الأوطار الصفحة السابقة - الفتح الرباني ج 2 ص 92 – كتاب الخلاف للطوسي ج 1 مسألة 61 المحلى لابن حزم ج 2 ص 255.
142 (1/142)
صفحة 137
قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضاً ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم.» وأعل هذا الحديث بالضعف. واستدلوا أيضا بالحديث الذي أخرجه أحمد والترمذي وصححه، وابن ماجه والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله الله قال: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح:
وقال النووي في الخلاصة: ليس في نقض الوضوء وعدم نقضه بالدم والقيء والضحك في الصلاة حديث صحيح
(1)
ويرده حديث الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي ع قال: القيء والرعاف لا ينقضان الصلاة، فإذا انفلت المصلي بهما توضأ وبنى على صلاته وهو حديث صحيح.
(1) الفتح الرباني - الصفحة السابقة.
143 (1/143)
صفحة 138
مسألة - 4 - في غسل الذكر والأنثيين من النجس:
اختلف العلماء في وجوب غسل الأنثيين مع الذكر على الممذي، وإن كان محل
المذي بعضا منهما
فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه كان يستحب غسل الأنثيين مخافة ما ينضح عليهما من النجس حين يبول وحين يغسل فرجه. روى ذلك عنه أبو غانم الخراساني في المدونة (1) وهو قول جمهور أهل العلم، وعندهم أن الواجب غسل المحل الذي أصابه المذي من البدن ولا يجب تعميم الذكر والأنثيين (2)
وذهب الأوزاعي إلى وجوب غسل الذكر والأنثيين على الممذي وإن كان محل
المذي بعضا منهما، وهو قول بعض الحنفية وبعض المالكية (3)
واحتج هؤلاء بما روي عن علي بن أبي طالب قال: كنت رجلا مذاء فاستحييت أن أسأل رسول الله، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال: فيه الوضوء) أخرجه البخارى ومسلم، ورواه أبو داود بلفظ: «يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ).
وقال ابن حزم: إن إيجاب غسل كله لا دليل عليه
(4)
(1) المدونة الكبرى ج 1 ص 6 و 15. (2) نيل الأوطار ج 1 ص 64 (3) الفتح الرباني ج 1 ص 250 (4) نيل الأوطار -.
144 (1/144)
صفحة 139
مسألة - 5 الحكم في دم الحامل:
روي عن جابر بن زيد قوله: إن الحامل لا تحيض، وما تراه من الدم فهو دم فساد. نقل هذا عنه في المجموع، والمغني، وزاد المعاد) وروى ذلك عن سعيد ابن المسيب وعطاء والحسن وعكرمة ونافع وغيرهم، وهو مذهب الأوزاعي وابن حنبل وأبي حنيفة وابن حزم الظاهري (2) وهو أحد قولي الشافعي واحتجوا بقول النبي عل الله لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبراً بحيضة.» رواه أبو داود والدارمي.
ووجه الدلالة فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل وجود الحيض علما على براءة الرحم،
معه
فدل ذلك على أنه لا يجتمع وذهب الشافعية إلى أن الدم الذى تراه الحامل حيض (3)، وهذا قول
(4)
مالك وقتادة والليث
واحتجوا بأن هذا الدم له صفات دم الحيض، وأنه وقع في زمن إمكانه وأنه متردد بين كونه فسادا لعلة أو حيضا، والأصل السلامة من
العلة
(1) المجموع ج 1 ص 261 - والمغني ج 1 ص 371 و ج 2 ص 398. وزاد المعاد ج 4 ص 334.
(2) المحلى ج 2 ص 190
(3) من المجموع والمغني المتقدمين.
(4) المدونة ج 1 ص 54 - وشرح الدردير ج 1 ص 51.
145 (1/145)
صفحة 140
مسألة - 6 - الوضوء من مس الفرج:
اختلف العلماء في هذه المسألة
فذهب الإمام جابر بن زيد إلى نقض الوضوء من مس الفرج بالكف. وبهذا قال جمهور العلماء على اختلاف بينهم فيما إذا كان المس بباطن الكف أو غيره، بشهوة أو بغيرها، سواء كان ذلك سهوا أو عمدا
وقد روي ذلك عن عدد من الصحابة وهم سعد بن أبي وقاص وابن عباس
وأبو هريرة وعن كثير من التابعين، منهم سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه. وحجتهم في ذلك ما روي عن بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله الله يقول: (إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ). وقد أورد الزرقاني في شرحه للموطأ أن هذا الحديث» متواتر، ونسب هذا القول للسيوطي) وقال الترمذى هذا حديث حسن صحيح ونقل عن البخاري أن حديث بسرة هذا أصح شيء في الباب
(1)
وروى الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي أنه قال: (إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ) وهو حديث صحيح. كما روى
عنه حديثا مرسلا أنه الله قال: (إذا مست المرأة فرجها فلتتوضأ.». وذهبت جماعة أخرى إلى أن مس الذكر غير ناقض للوضوء مطلقا. ونسب
هذا القول إلى عدد من الصحابة والتابعين منهم: علي وابن مسعود وعمار بن ياسر، والنخعي، وشريك، والحسن بن يحيى
وإليه ذهب أبو حنيفة، وهي إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل.
(1) شرح الزرقاني ج 1 ص 88
146 (1/146)
صفحة 141
وحجتهم ما روي من أن رجلا قال للنبي عل الله يابي الله، ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما توضاً؟ فقال النبي الله: (هل هو إلا بضعة منك؟).
وقد صحح الرواة هذا الحديث أيضا. رواه الترمذي وأبو داود والنسائي.
وقد حاول العلماء الجمع بين هذا الحديث، وحديث بسرة المتقدم فذهبوا إلى أن هذا الحديث منسوخ (1).
(1) نصب الراية ج 1 ص 61 وفي الباب: المحلى ج 1 ص 237.
147 (1/147)
صفحة 142
مسألة - - 7 - حكم الماء إذا خالطته نجاسة:
ذهب معظم العلماء إلى أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة فهو نجس كان قليلا ذلك الماء أو كثيرا. ونقل ابن المنذر الإجماع في ذلك (1)
(2)
ثم اختلفوا فيما إذا وقعت النجاسة في الماء ولم يتغير. فذهب بعضهم إلى أن الماء في هذه الحالة طهور لا ينجسه شيء، وهو مذهب الإمام جابر بن زيد. نقله عنه الشوكاني وابن حزم، وابن قدامة وصاحب المجموع وروي ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة والحسن البصري وابن المسيب وإبراهيم النخعي وهو مذهب مالك، وأحمد وابن حزم.
وحجتهم:
1 قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} الآية 48 من سورة الفرقان. وقالوا: إن المراد بقوله: (طهورا (أى مطهرا. بدليل قوله تعالى: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ} الآية 11 من سورة الأنفال. وقد أجمعت الأمة على أن الماء مطهر من النجاسة، وهو ليس في ذلك كسائر المائعات الطاهرات. وما كان كذلك لا تلحقه النجاسة بمجرد مماسته لها. وإلا لم يكن مطهرا أبدا. لأنه لا يطهر النجاسة إلا بممازجته إياها. فلو أفسدته النجاسة من تغلب عليه، وكان حكمه حكم سائر المائعات التي تنجس بمماسة النجاسة لها لم تحصل لأحد طهارة ولا استنجاء أبدا. (3)
غير
2 ما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قيل: يارسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يطرح فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن؟ فقال رسول الله: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء» رواه أبو داود والترمذي وحسنه
علالالالالي
والنسائي وغيرهم
(1) نيل الأوطار ج 1 ص 39 - المجموع شرح المهذب ج 1 ص 163. المغني ج 1 ص 24 (2) نيل الأوطار ج 1 ص 40 - المحلى ج 1 ص 168 - المغني ج 1 ص 25 – المجموع ج 1 ص 163 (3) فقه سعيد بن المسيب ج 1 ص 24.
148 (1/148)
صفحة 143
-
(1)
من النجاسة
3 وما روي عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله لا عن الحياض التي تكون فيما بين مكة والمدينة فقيل له: إن الكلاب والسباع ترد عليها فقال: «لها ما أخذت في بطونها ولنا ما بقي شراب طهور» رواه الدارقطني ورواه الربيع بن حبيب بلفظ «ولكم ما غبر). ووجه الدلالة في هذين الحديثين أن النبي عل الله عمم الحكم في المياه ولم يفصل بين قليل وكثير، وقد خرج ما تغير أحد أوصافه بالإجماع وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الماء ينجس القليل منه بما لاقاه وإن لم تتغير أوصافه. إذ تستعمل النجاسة باستعماله وهو قول عمر بن الخطاب ومجاهد والشافعية والحنفية وأحمد بن حنبل واستدلوا بقوله تعالى: {وَالرُّجْزَ فاهجر له، وبخبر الاستيقاظ، وهو قوله عليه السلام: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده) رواه الجماعة. وبخبر الولوغ وهو قوله عليه السلام: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات) رواه مسلم والنسائي» وبحديث: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذى لا يجري ثم يغتسل فيه) متفق
عليه
و بحديث القلتين وهو قوله عليه السلام: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) رواه أصحاب السنن الأربعة. ووجه الاستدلال: أن الرسول الله منع من استعمال الماء الذي يبال فيه دون تفرقة بين قليل أو كثير مع أنه معلوم أن البول القليل في الماء الكثير لا يغير لونه ولا طعمه ولا ريحه، فدل ذلك على أن الماء الذى خالطته النجاسة نجس قليلا كان الماء
أو كثيرا تغير أم لا (2)
(1) فقه سعيد بن المسيب ج 1 ص 25 (2) فقه سعيد بن المسيب ج 1 ص 29
149 (1/149)
صفحة 144
وقال السالمي في حديث السباع إنه يتضمن إشارة إلى أن العفو عنها (أى المياه (إنما كان لعدم العلم بنجاستها دفعا للمشقة، وبذلك سقط استدلال بعضهم على طهارة سؤر السباع (1)
(1) حاشية الجامع الصحيح ج 1 ص 217.
150 (1/150)
صفحة 145
مسألة: 8 - هل يجوز للعادم الماء جماع زوجته إذا لم يخف العنت؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة
:
فروي عن جابر بن زيد جواز ذلك، نقله عنه ابن حزم في المحلى (1) والنووي في
(2)
(2)
(2)
المجموع وصاحبا المغني والشرح) الكبير وروي ذلك عن الحسن وقتادة، والثوري وأصحاب الرأي، وجمهور أصحاب الحديث، وهو قول الشافعي (3) والظاهرية (4)
ودليلهم أن الأصل في الجماع الإباحة وأنه لا يمنع ولا يكره إلا بدليل. وحجة الإمام ابن حزم: أن الله تعالى جعل نساءنا حرثا لنا ولباسا لنا وأمرنا بالوطء في الزوجات وذوات الأيمان، حتى أوجب الله تعالى على الحالف أن يطأ امرأته أجلا محدودا، إما أن يطأ وإما أن يطلق، وجعل حكم الواطيء والمحدث الغسل والوضوء إن وجد الماء، والتيمم إن لم يجد الماء، لا فضل لأحد العملين على الآخر. وليس أحدهما بأطهر من الآخر، ولا بأتم صلاة فصح أن لكل واحد حكمه، فلا معنى لمنع من حكمه التيمم من الوطء كما لا معنى لمنع من حكمه الغسل من الوطء. وكل ذلك في النص سواء، ليس أحدهما أصلا والآخر فرعا بل هما في القرآن سواء (4) ولهم حديث رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رجل يارسول: الرجل يغيب، لا يقدر على الماء، أيجامع أهله؟ قال: نعم رواه أحمد والبيهقي، ولكن إسناده ضعيف لا يحتج به. وقد روي عن علي وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف النهي عن ذلك وقال ابن حزم: لا حجة للمانع من ذلك أصلا. (4)
الله
(1) المحلي ج 2 ص 141.
(2) المجموع ج 2 ص 227 - المغني ج 1 ص 278 - الشرح الكبير ج 1 ص 288.
(3) المجموع المرجع السابق.
(4) المحلي: المرجع السابق. ص 142.
151 (1/151)
صفحة 146
مسألة - 9 تنشيف الأعضاء من بلل الوضوء:
أجمع العلماء على أن تنشيف الأعضاء بعد الوضوء ليس بحرام، ولكنهم
اختلفوا في الكراهة:
فذهب جابر بن زيد إلى أنه يكره استعمال المناديل في الوضوء، نقل ذلك عنه أبو غانم في المدونة الكبرى (1)
ورويت كراهة ذلك أيضا عن جابر بن عبد الله، وابن عباس، وسعيد بن المسيب والزهرى، والنخعي، ومجاهد، وقيل إنهم كرهوا التمندل بعد الوضوء
لأنه يوزن
وحجتهم ما روي عن ميمونة أم المؤمنين رضي الله عنها وقد وصفت غسل النبي عل من الجنابة وفيه: ثم أتيته بالمنديل فلم يمسه، وجعل ينفض الماء بيده وهو حديث متفق عليه، ولكن أجيب عن هذا الحديث بأن ترك النبي لا لشيء لا يدل على كراهته، فإنه قد يترك المباح كما قد يفعله وقال الترمذي: لا يصح في
(2)
هذا الباب شيء وقال آخرون: إنه لا بأس بالتنشيف بعد الوضوء، ومنهم عثمان والحسن بن علي وأنس، وكثير من أهل العلم وهو قول الإمام أحمد، ومالك، والثوري وأصحاب الرأي، والظاهرية (3)
واستدلوا بما روي عن قيس بن سعيد أنه قال: «زارنا رسول الله عله في منزلنا فأمر له سعد بغسل، فوضع له فاغتسل، ثم ناوله ملحفة مصبوغة بزعفران
(1) ج 1 ص 35. (2) المغني ج 1 ص 142.
(3) المحلى ج 2 ص 47
152 (1/152)
صفحة 147
(1)
أو ورس، فاشتمل بها حتى رئي أثر الورس على عكته) رواه أحمد وابن ماجه والنسائي. وقد اختلف في صحة هذا الحديث وروى الربيع بن حبيب في صحيحه (2) عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني أن رسول الله ع كان متخذا منديلا يمسح به وكان بعض أزواجه يناوله
إياه، وهذا حديث مرسل
وذهب فريق آخر إلى أنه يستحب أن لا ينشف بعد الوضوء بدليل حديث ميمونة المتقدم (3)
وقال النووي إن ذلك مباح، يستوي فعله وتركه، وهو الرأي الذي يختاره.
وقال إن المنع والاستحباب يحتاج إلى دليل ظاهر
(4)
(1) نيل الأوطار ج 1 ص 195
(2) ج 1 ص 150.
(3) المجموع ج 1 ص 495.
(4) شرحه على صحيح مسلم ج 3 ص 231.
153 (1/153)
صفحة 148
مسألة – 10 - المسح على الجبائر والعصائب:
ذهب إلى جواز المسح على الجبائر والعصائب جابر بن زيد. روى عنه ذلك | ابن خلفون في فتاويه (1)
وروي هذا عن ابن عمر والحسن البصري، والنخعي ومالك وأحمد (2) وهو قول الجعفرية (3) والإباضية (4) وفقهاء الأمصار وقال بذلك الشافعي، بشرط أن تكون الجبائر قد وضعت على طهارة (5) ودليلهم: ما روي عن علي رضي الله عنه قال: انكسرت إحدى زندي فأمرني النبي أن أمسح على الجبائر؛ وقالوا: لا يعرف في الصحابة مخالف له، وقد أعل هذا الحديث بالضعف. ولكن يؤيده حديث آخر رواه جابر بن عبدالله قال: (خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء. فاغتسل فمات. فلما قدمنا على النبي عله أخبر بذلك فقال: قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده». وهذا الحديث أيضا فيه مقال. وقال البيهقي: لا يثبت عن النبي عله في هذا الباب
شيء
(6)
والمسح عندهم إنما يكون بالماء لا بالتراب (7)
(1) ص 73.
(2) المغني ج 1 ص 277.
(3) الخلاف للطوسى ج 1 ص 36.
(4) شرح النيل ج 1 ص
344
(5) المغني – الصفحة السابقة
(6) نصب الراية للزيلعي ج 1 ص 188
(7) نيل الأوطار ج 1 ص 280.
154 (1/154)
صفحة 149
مسألة
-
-
11
في المسح على الخفين:
اختلف علماء السلف في جواز المسح على الخفين على ثلاثة مذاهب رئيسية. فروي عن الإمام جابر بن زيد عدم جواز المسح على الخفين، إلّا عند الضرورة نقل ذلك ابن خلفون، وأبو غانم وغيرهما (1)
(2)
وهو قول الإباضية بالإجماع، والشيعة والخوارج وهي رواية عن مالك، وقيل هي فتواه آخر أيامه. وفي الاشراف والمنتقى
(3)
خلاف ذلك. وأنكرها القرطبي واستدلوا بقوله تعالى: {وَآمَسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعتين)
الآية 6 من سورة المائدة ووجه الاستدلال أن الله تعالى أمر بغسل القدمين بغير تفرقة بين لابس خف وغير لابسه.
وقالوا: إنه تعالى أوجب الفرض على ما يسمى رجلا، والخف لا يسمى رجلا، كما أن العمامة لا تسمى رأسا ثم استدلوا بأن المنع من المسح يقتضيه الاحتياط، لأن من مسح على خفيه وصلى لا تبرأ ذمته بيقين، فإذا نزع خفيه ومسح على رجليه برئت ذمته بيقين وقالوا أيضا إن حديث المسح منسوخ بآية الوضوء المتقدمة وقد روي النسخ عن من الصحابة منهم علي وعائشة وابن عباس وأبو هريرة وبلال. ثم إن الشيعة استدلوا خاصة بإجماع طائفتهم، وبما رووه من أحاديث. وهذا المذهب هو الذي مال إليه وصححه الإمام القرطبي في أحكام القرآن (4) بأدلة
عدد
بسطها يرجع إليها.
(1) الأجوبة ص 80 - المدونة الكبرى ج 1 ص 35
(2) الخلاف ج 1 ص 54
(3) أحكام القرآن ج 6 ص 94. (4) أحكام القرآن ج 6 ص 92 - 94
155 (1/155)
صفحة 150
وذهب طائفة أخرى إلى جواز المسح مطلقا، وهو قول جمهور العلماء وأئمة المذاهب الأربعة، حتى إن ابن المنذر روى عن ابن المبارك قوله: «ليس في المسح على الخفين اختلاف أنه جائز).
وروي عن الحسن أنه قال: حدثني سبعون من أصحاب النبي عل الله أنه مسح
على الخفين
وذهب الإمام أحمد إلى القول بأفضلية المسح على الغسل
وأغرب ابن المنذر فقال: والذي أختاره أن المسح أفضل لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض. قال: وإحياء ما طعن فيه المخالفون من
السنن أفضل من تركه (1)
واستدلوا بأحاديث كثيرة منها:
ما روي عن المغيرة بن شعبة قال: (كنت مع رسول الله عله في سفر فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما)
متفق عليه
وما روي عن جرير بن عبد الله البجلي (أنه بال ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل له: تفعل هذا؟ فقال: نعم، رأيت رسول الله لا بال ثم توضأ ومسح على خفيه. رواه مسلم. زاد الترمذي وأبو داود واللفظ له: قالوا: (إنما كان
ذلك قبل نزول سورة المائدة، قال: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة) وذهبت طائفة ثالثة إلى التفرقة بين حالتي الحضر والسفر، فأجازوا المسح في السفر ومنعوه في الحضر، وهو مذهب غير منسوب.
و سبب الخلاف على ما قال ابن رشد يرجع إلى ما يبدو من معارضة آية الوضوء الوارد فيها الأمر بغسل الأرجل للآثار التي وردت في المسح مع تأخر نزول آية
(1) نيل الأوطار ج 1 ص 196.
156 (1/156)
صفحة 151
الوضوء. وهذ الخلاف كان بين الصحابة في الصدر الأول، فكان منهم من يرى أن آية الوضوء ناسخة لتلك الآثار، وهو مذهب ابن عباس. واحتج القائلون بجوازه بما رواه مسلم أنه كان يعجبهم حديث جرير، وذلك لأنه قيل له إنما كان ذلك قبل نزول سورة المائدة فقال: ما أسلمت إلا بعد نزول
المائدة.
وقال المتأخرون القائلون بجوازه ليس بين الآية والآثار تعارض لأن الأمر
بالغسل إنما هو متوجه إلى من لا خف له والرخصة إنما هي للابس الخف وقيل: إن تأويل قراءة الأرجل بالخفض هو المسح على الخفين، وأما من فرق بين السفر والحضر فلأن أكثر الآثار الصحيحة الواردة في مسحه عليه السلام إنما
كانت في السفر، مع أن السفر مشعر بالرخصة والتخفيف، والمسح على الخفين هو من باب التخفيف فإن نزعه مما يشق على المسافر
(1)
(1) بداية المجتهد ج 1 ص 18
157 (1/157)
صفحة 152
مسألة -
12
حكم سؤر الحائض:
ذهب فريق من العلماء إلى أنه لا يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل وضوء المرأة
للصلاة.
روي
هذا
(1)
هذا
عن الإمام جابر بن زيد. نقله عنه صاحب المغني، ونسب القول إلى الصحابي عبد الله بن سرجس، وجويرية بنت الحارث أم المؤمنين، وأم سلمة، وعمر بن الخطاب، والنخعي، وهو مذهب ابن حزم الظاهرى وبه قال أحمد بشرط أن تكون المرأة قد خلت بالماء، ونسب هذا القول إلى أكثر أصحاب رسول الله الله
وحجة هذا الفريق ما روي عن الحكم بن عمر أنه لا نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة. رواه أبو داود والترمذي والنسائي وهو حديث مضعف وروي عن عبد الله بن عمر والشعبي والأوزاعي المنع أيضا بشرط أن تكون المرأة حائضا. وخالف ذلك فريق من العلماء ورأوا الجواز، ونسب هذا القول إلى ابن عباس
وبه قال الأئمة مالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء.
وحجتهم ما روي عن عائشة الله حائض ثم أناوله النبي عل الله، فيضع فاه على موضع في». رواه مسلم وقد جمع بعض العلماء بين الأحاديث المتعارضة في هذا الباب فحملوا أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء لكونه قد صار مستعملا وأحاديث الجواز على ما بقي من الماء. وجمع آخرون بحمل النهي على التنزيه بقرينة أحاديث الجواز (2)
رضي عنها قالت: «كنت أشرب وأنا
(1) ج 1 ص 43 و 214. (2) نيل الأوطار ج 1 ص 36
المغني الصفحات المتقدمة. المجموع شرح المهذب ج 2 ص 208
المحلى ج 1 مسألة 151
الفتح الرباني ج 1 ص 210
فقه سعيد بن المسيب ج 1 ص 15.
158 (1/158)
صفحة 153
مسألة - 13 - هل يجوز للزوج الحي أن يغسل الزوج الميت؟
اختلف علماء السلف في ذلك:
والمشهور عن الإمام جابر أنه يجوز للزوج أن يغسل زوجته (1) وهو قول حماد ومالك والشافعي والأوزاعي، وهي رواية مشهورة عن أحمد
ابن حنبل.
ودليلهم ما روي أن عليا رضي الله عنه غسل فاطمة عليها السلام بوصية منها، وقد اشتهر ذلك فلم ينكر فكان إجماعا وما روي أن النبي عل الله قال لعائشة: (لو مت قبلي لغسلتك وكفنتك) رواه
ابن ماجه
وما روي أن أبا بكر وأبا موسى وجابر بن زيد أوصوا أن تغسلهم زوجاتهم. عائشة وما روي عن رضي الله عنها أنها قالت: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي له إلا نساؤه) - رواه أحمد وأبو داود. وهذا القول هو مذهب أهل العلم. وذهب فريق آخر إلى أن ليس للزوج الحي غسل زوجته الميتة وهو قول الحسن والشعبي والثوري وأبي حنيفة، وهي رواية أخرى عن أحمد ودليلهم أن الزوجية زالت بسبب الموت، وأن الموت بمثابة فرقة تبيح للزوج أخت زوجته، والتزوج بأربع سواها فحرم لذلك اللمس والنظر
أن
يتزوج
كالطلاق.
واستدلوا أيضا بحديث أم عطية الأنصارية في وفاة زينب ابنة رسول الله
ه وهي زوج أبي العاص بن الربيع، وقد غسلتها النسوة (2)
(1) المغني ج 2 ص 398 - الشرح الكبير ج 2 ص 312 - الإيضاح ج 1 ص 735 - قواعد الإسلام ج 1 ص
175
329 – المحلى ج 5 ص (2) عمدة القاري ج 8 ص 41.
159 (1/159)
صفحة 154
ولكن رد عليهم بقوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} الآية فإن الله تعالى سماها زوجة مع أنها قد ماتت، فمن ادعى انقطاع العصمة بينهما فعليه
الدليل وسبب الخلاف هو تشبيه الموت بالطلاق البائن: فمن شبهه به رأى أن العصمة قد انقطعت بينهما، إذ كان يجوز له أن يتزوج أختها، ومن ذهب إلى أن
علة الجمع مرتفعة بين الحي والميت أجاز غسلها (1)
(1) قواعد الإسلام ج 1 ص 329
160 (1/160)
صفحة 155
مسألة - 14 – في مسح الرأس:
اتفق العلماء على وجوب مسح الرأس، وعلى أنه من فرائض الوضوء (1) لقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ من المائدة الآية 6 – ولكنهم اختلفوا في القدر
المجزيء منه.
فذهب الإمام جابر بن زيد إلى أن الفرض هو مسح بعض الرأس وأن هذا
(2)
البعض هو الناصية، أى مقدم الرأس. نقل ذلك الجيطالي في قواعد الإسلام فقد روي عن أبي عبيدة أن جابر بن زيد رضي الله عنهما توضأ وكان على رأسه عمامة، فأخر الكمه عن رأسه. ثم مسح بإحدى يديه مقدم رأسه ثم أعاد
القلنسية.
وهو قول أبي حنيفة الذى يرى أن القدر المجزاء هو الربع، وهي رواية عن أحمد. وإلى هذا ذهب الحسن والثوري، والأوزاعي والشافعي الذي يرى أن الواجب ما يطلق عليه الاسم ولو شعرة واحدة
واحتجوا بما روى المغيرة بن شعبة أن النبي عليه مسح بناصيته وعلى العمامة (3) وبأن عثمان مسح مقدم رأسه بيده مرة واحدة ولم يستأنف له ماء جديدا، وذلك حين حكى صفة وضوء النبي عل الله
وذهب آخرون إلى أن الفرض هو مسح جميع الرأس، وهو قول مالك وأحمد في رواية عنه (4)، وسعيد بن المسيب، وإليه ذهب أكثر العترة والمزني من أصحاب
الشافعي
(1) شرح النووي على مسلم ج 3 ص 107
(2) قواعد الإسلام الجيطالي: ج 1 ص 170.
(3) رواه مسلم.
(4) المغني - ج 1 ص 111.
161 (1/161)
صفحة 156
وحجتهم
أن الباء في قوله تعالى: {بِرُءُوسِكُمْ ك هي للإلصاق فكأنه تعالى قال: فامسحوا برؤوسكم، بتناول الجميع. وبما رواه البخاري ومسلم من أن
النبي عل توضأ ومسح رأسه كله
واحتج الشافعي بأن
مسحه
بناصيته وعمامته يمنع استيعاب الرأس. كما
أنه يمنع التحديد والتقدير بالنصف أو الربع ومن ثم وجب الرجوع إلى ما يقع عليه
الاسم
(1)
وقال البغوي: إن ظاهر القرآن يوجب مسح الرأس جميعه والسنة خصته بمسح قدر الناصية، ولا يسقط الفرض بأقل من قدر الناصية (2)
(1) المجموع - شرح المهذب ج 1 ص 399. (2) شرح السنة ج 1 ص 440
162 (1/162)
صفحة 157
مسألة - 15 - في مسح الأذنين:
اختلف العلماء في مسح الأذنين على عدة أقوال:
-1 فروي عن الإمام جابر قوله: إن
، ظاهرهما وباطنهما
الأذنين، ظاهرهما مسح
(1)
سنة، وليس بواجب، روى ذلك الجيطالي في القواعد) وقال ابن حزم: مسح
الأذنين ليس فرضا، ولا هما سنة (2) وقال الشافعي: يمسحهما بماء جديد وهما
سنة على حالهما، لا من الوجه ولا من الرأس (3)
وهو قول عبد الله بن عمر، والحسن وعطاء وأبي ثور
واستدلوا بما روي عن عبد الله بن زيد أنه رأى رسول الله الله يتوضأ فأخذ
لأذنيه ماء خلاف الماء الذي أخذه لرأسه (4) ووجه الدلالة: أن الأذنين لو كانتا من الرأس لما أخذ لهما ماء جديدا كبقية أجزاء الرأس 2 وقال فريق آخر، إن مسح الأذنين فريضة، وإنهما تابعتان للرأس في الوجوب وتمسحان معه. وهو قول أكثر أهل العلم، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة. وروي ذلك عن عثمان وأبي موسى الأشعرى وابن عباس وإليه
ذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد.
واستدلوا بما روي عن عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأذنان من
الرأس (5).
ووجه الاستدلال: أن النبي ع لعل الله لم يقصد من قوله الأذنان لم
من الرأس، بيان
،
(1) قواعد الإسلام ج 1 ص 074. (ص 174).
(2) المحلى ج 2 ص 55.
(3) أحكام القرآن للجصاص - ج 2 ص 353 - شرح السنة للبغوي ج 1 ص 440 -
(4) رواه البيهقي وصححه.
(5) رواه ابن ماجه والحديث صحيح صالح للاحتجاج به، وقد رواه الربيع بن حبيب مرسلا.
163 (1/163)
صفحة 158
الخلقة، وإنما أراد أن يبين أن حكمهما هو حكم الرأس وأنهما تابعتان له،
فتمسحان معه
واستدلوا أيضا بما روي عن عبد الله بن عباس في صفة وضوء رسول الله، وفيه أنه غرف غرفة فمسح بها رأسه وأذنيه).
-
وهذا يدل على أن مسح النبي عل الله أذنيه بماء الرأس إنما كان لتبعيتهما له. وذهب فريق ثالث إلى أن ما أقبل من الأذنين يعتبر من الوجه فيغسل معه، وأن ما أدبر منهما يعتبر من الرأس فيمسح معه. وهو قول الشعبي والحسن بن صالح، وإسحاق، وهو قول الإمام الربيع بن حبيب. وقد تأول النص باستعمال القياس: فإنه جعل باطنهما كالوجه لأنهما يواجهان الجليس، وجعل ظاهرهما من الرأس لأنهما إلى جهته (1)
واستدلوا بما روي عن ابن عباس عن علي في صفة وضوء النبي ع وفيه: ه أنه أدخل يديه في الإناء جميعا فأخذ بهما حفنة من ماء فضرب بهما وجهه ثم ألقم إبهاميه ما أقبل من أذنيه .. وفيه: (ثم مسح رأسه وظهور أذنيه (3)
"
وذهب فريق رابع إلى أن الأذنين من الوجه فتغسلان معه وهو قول الزهري
وحجته قوله الله في دعاء السجود: «سجد وجهي للذي خلقه للذي خلقه وشق سمعه وبصره) ووجه الدلالة من هذا الحديث أن رسول الله الله جعل الأذنين من
(4)
الوجه حين قال: «وشق سمعه»
(5)
(1) رواه ابن ماجه والنسائي ورواه الربيع مرسلا
(2) شرح الجامع الصحيح للسالمي – ج 1 – ص 152
(3) رواه أبو داود.
(4) رواه الحاكم.
(5) فقه ابن المسيب - ج 1 ص 63.
164 (1/164)
صفحة 159
وقد رد الجصاص هذا القول بأنه لم يرد بالوجه في هذا الموضع العضو المسمى بذلك، وإنما أراد به أن جملة الإنسان هو الساجد الله تعالى لا الوجه وحده، وهو كقوله تعالى: {كُلِّ شَيْءٍ مَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ه يعني به ذاته (1)
(1) أحكام القرآن – ج 2 ص 353
165 (1/165)
صفحة 160
مسألة – 16
-
هل يصلي المتيمم صلاتين بتيمم واحد؟
اختلف العلماء في هذه المسألة
:
فروي عن الإمام جابر بن زيد أن المتيمم لا يجوز له أن يصلي فريضتين بل يجب
من
عليه أن يتيمم لكل صلاة. نقل ذلك عنه الجيطالي (1) وهو قول جماعة الصحابة منهم علي وابن العاص وابن عمر، ومن التابعين الشعبي ومكحول وقتادة وابن المسيب والحسن وغيرهم. وهو قول الربيع بن حبيب من الإباضية. ورواية عن ابن عباس وعطاء والنخعي والليث وإليه ذهب مالك والشافعي. إلا أن مالكا قال: يجوز أن يصلي النوافل بعد الفريضة، كما يجوز له أن يجمع بين الصلاتين من الفوائت (2). وقال الشافعي يجوز النفل قبل الصلاة المتيمم لها وبعدها ..
وروي عن أحمد أنه قال: إنه ليعجبني أن يتيمم لكل صلاة، ولكن القياس أنه بمنزلة الطهارة حتى يجد الماء أو يحدث (3)
وقال بعض الأئمة الإباضية بعدم جواز الجمع بين الصلاتين بتيمم واحد (4) إلا بين الفرض والنوافل (3)، واستدل هؤلاء بقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} إلى قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} الآية 6 من سورة المائدة. ووجه الدلالة أن الآية تقتضي وجوب الطهارة على كل قائم للصلاة. وقد
دلت السنة على جواز عدة صلوات بوضوء واحد، فبقي التيمم على مقتضاه
(6)
(1) قواعد الإسلام ج 1 ص 196.
(2) المنتقى ج 1 ص 110
(3) المغني ج 1 ص 266
(4) جامع ابن بركة ج 1 ص 333
(5) المدونة ج 1 ص 35.
(6) فقه ابن المسيب ج 1 ص 113
166 (1/166)
صفحة 161
واستدلوا بما روي عن ابن عباس أنه قال: من السنة أن لا يصلي الرجل بالتيمم
إلا صلاة واحدة ثم يتيمم للأخرى. رواه الدارقطني والبيهقي ولكنهما ضعفاه. ومن حيث القياس قالوا: إن هذا بدل مأمور به عند العجز عن مبد له فلا يجزي فعله إلا مع تيقن عدم مبدله كالصوم مع العتق في الكفارة، وإنه بمثابة المستحاضة بجامع أن طهارة كل منهما طهارة ضرورة، فلا يستباح منها إلا قدر الضرورة (1) وقال المالكية خاصة: إنه لا يجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد في وقتيهما من شرط التيمم وجوب دخول الوقت، ووجوب طلب الماء لكل تيمم وهذا غير متحقق في حالة الجمع.
لأن
(2)
يستبيح
(3)
أما الشافعية فقالوا إن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يستبيح الصلاة فقط ولا الفرض حتى ينويه، وذلك بعكس الوضوء وذهب فريق آخر إلى أن التيمم بالتراب كالتطهير بالماء ولا فرق يصلي به المتيمم ما شاء من فرائض و نوافل ما لم يحدث ما يبطله. وهو قول الحسن البصري والنخعي ورواية عن ابن المسيب وابن عباس. وهو مذهب أبي حنيفة، والثوري والحسن بن صالح.
واستدل هؤلاء بقوله على: (إن الصعيد الطيب طهور ما لم تجد الماء، ولو
إلى عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمس به بشرتك) رواه أحمد وغيره
ووجه الاستدلال أنه الله وصف التراب بأنه طهور ولم يحدد له وقتا، ولم
يصح عن النبي على أنه تيمم لكل صلاة أو أمر به، وعليه فيظل التيمم قائما مقام
الوضوء ما لم يحدث ما يبطله
(1) فقه ابن المسيب – المتقدم –
(2) المنتقى ج 1 ص 110 (3) المجموع ج 2 ص 241.
167 (1/167)
صفحة 162
ومن جهة المعنى قالوا: إن المعنى المبيح للصلاة بالتيمم بديا كان عدم الماء.
وهو قائم بعد فعل الصلاة، فينبغي أن يبقى تيممه ولا فرق فيه بين الابتداء والبناء
إذا كان المعنى فيهما واحدا وهو عدم الماء
وقالوا أيضا إنه لا يخلو المتيمم بعد فعل صلاته من أن تكون طهارته باقية أو زائلة. فإن كانت زائلة فالواجب أن لا يصلي بها نفلا لأن النفل والفرض لا يختلفان في باب الطهارة، وإن كانت باقية فجائز أن يصلي بها فرضا آخر (1)
(1) أحكام القرآن للحصاص – ج 2 ص 382
168 (1/168)
صفحة 163
مسألة 17
-
الجنب الذي لم يجد من الماء ما يكفيه للوضوء والاغتسال:
إذا اجتمع على المصلي نجاسة وحدث وليس معه من الماء ما يكفي إلا أحدهما فإن عليه أن يغسل النجاسة.
وقد روي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال في الجنب الذى لم يجد من الماء ما يكفيه للوضوء والاغتسال: يغسل مذاكيره وينزع النجس ثم يتوضاً
للجنابة
ويتيمم
وإذا لم يجد من الماء ما يتوضأ به، وبه نجاسة، فإن عليه أن ينزع النجس ويتيمم للوضوء (1)
وحكي عن ضمام بن السائب قال: خرجنا حجاجا ومعنا امرأة حائضة فطهرت من حيضتها ولم يكن معنا من الماء إلا القليل، فأمرناها فاستنقت وتوضأت وقدمنا إلى أبي الشعثاء بمكة فأعلمناه بالذى أمرنا به المرأة فقال: أصبتم
أو قال أحسنتم
(2)
(3)
وهو قول ابن عباس) و ابن حنبل
(4)
واستدلوا بأن الله عز وجل لم ينقلنا إلى التيمم إلا بعد عدم الماء بالكلية فمتى كان شيء منه وجب استعماله. وأنه لا يجوز العدول عنه إلى التراب إلا إن لم يجد الماء بالكلية، وأما إذا وجد الماء ولو كان قليلا فإن كان قادرا على استعماله تطهر به أو إلى حيث بلغ، فإن لم يكن قادرا على استعماله تيمم وصلى
(5)
(1) قواعد الإسلام للشماخي ج 1 – ص 9 – 196.
(2) الإيضاح للشماخي ج 1 ص 301
(3) الإيضاح للشماخي ج 1 ص 301
(4) المغني ج 1 ص 276 (5) الإيضاح ج 1 ص 302.
169 (1/169)
صفحة 164
وقال آخرون متى لم يجد من الماء ما يكفيه لوضوئه فليتيمم لأن الله تعالى لم
يتعبدنا إلا بإحدى الطهارتين. الطهارة بالماء أو الطهارة بالتراب عند عدم
يكفيه لوضوئه من الماء. وهذا معنى قوله عز وجل: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً
عندهم.
ما
م
وهذا قول الحنفية، فإنهم قالوا: يسقط استعمال الماء لأن عدم بعض المبدل يبيح الانتقال إلى البدل (1)
(1) نيل الأوطار ج 1 ص 284.
170 (1/170)
صفحة 165
مسألة - 18 - هل يجوز التيمم بغير التراب:
اتفق العلماء على أن تراب الحرث الطيب هو الأصل في جواز التيمم. ولكنهم اختلفوا فيما يجوز به التيمم مما عدا التراب من أجزاء الأرض
فذهب الإمام جابر بن زيد رضي الله عنه إلى أن التراب يرفع الحدث كالماء، لاشتراكهما في الطهورية، وأن معنى قوله عليه السلام: «وترابها طهورا، أنه يمنع التيمم بغير التراب
(1)
(2)
وهذا مذهب الشافعي وأحمد وداود، فإنهم قالوا إن عدم الماء عدل به إلى أشبه شيء به من أجزاء الأرض كالرملة والسبخة والآجر ونحوه معذرة إلى الله تعالى وحوطة لدينه. وقالوا لا يجوز التيمم إلا بالتراب الذي له غبار وقال مالك وأبو حنيفة يجوز التيمم بجميع أجزاء الأرض، بالرمل والحشيش والشجر والثلج والجص والآجر وهو قول الثوري والأوزاعي، والقولان موجودان في المذهب الإباضي. ومال ابن بركة إلى ترجيح الأول منهما (3)
وسبب الخلاف شيئان:
الأول: اشتراك اسم الصعيد في لسان العرب. فإنه مرة يطلق على التراب الخالص، ومرة يطلق على جميع أجزاء الأرض الظاهرة. حتى أن مالكا وأصحابه حملهم دلالة الاشتقاق على أن يجيزوا في بعض الروايات التيمم على الحشيش وعلى الثلج وقالوا: لأنه يسمى صعيدا في أصل التسمية، أي من جهة صعوده على
الأرض
(1) روى ذلك الربيع بن حبيب في صحيحه (2) عمدة القاري ج 4 ص 10 (3) جامع ابن بركة ج 1 ص 395
171 (1/171)
صفحة 166
الثاني: إطلاق اسم الأرض في جواز التيمم بها في بعض روايات الحديث
المشهور، وتقييدها بالتراب في بعضها، وهو قوله الله: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) فإن في بعض رواياته جعلت لي الأرض مسجدا وجعلت لي تربتها طهورا، وقد اختلف أهل الكلام الفقهي: هل يقضى بالمطلق على المقيد أو بالمقيد على المطلق فمن كان رأيه القضاء بالمقيد على المطلق وحمل اسم الصعيد الطيب على التراب لم يجز التيمم إلا بالتراب. ومن قضى بالمطلق على المقيد وحمل اسم الصعيد على كل ما على وجه الأرض من أجزائها أجاز التيمم بالرمل
والحصى
والاشتراك في اسم (الطيب) هو أيضا إحدى دواعي الخلاف (1)
(1) بداية المجتهد ج 1 ص 71 - الإيضاح ج 1 - ص 299
172 (1/172)
صفحة 167
مسألة.
19
—
مسح تراب التيمم عن الوجه:
يري جابر بن زيد جواز مسح تراب التيمم عن الوجه إذا علق به بسبب التيمم، وذلك إذا لم يمسحه على جهة الرفض، بل لما يؤذيه منه. ذكر ذلك
الجيطالي
صلى الله
(1)
و كره بعضهم ذلك إلا بعد الصلاة، وقالوا إن التيمم نور الإسلام وسبب الخلاف فيما يرى الجيطالي يرجع إلى اختلاف العلماء في جواز النفخ في اليدين من التيمم وعدم جوازه، للحديث الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما من أن النبي قال للرجل الذي سأله عن كيفية التيمم: (إنما يكفيك هكذا، فضرب النبي اللهم بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه فقال قوم: إن الحديث يحتمل أن يكون النبي ع لا نفخ في كفيه لشيء علق في يديه فخشي أن يصيب وجهه الكريم.
عليي
وقال آخرون: إن ذلك يحتمل أن يكون قد علق بهما من التراب ما يكرهه
فلذلك نفخ فيهما وذهب فريق ثالث إلى أن ذلك كان منه عل الله على سبيل التشريع. وهذا قول أبي حنيفة. ولهذا لم يشترط هذا الإمام التصاق التراب بيد المتيمم، واستدل به على جواز التيمم على الحجر وقال: إن الحكمة من النفخ هو إزالة التلويث عن
الوجه واليدين
(2)
(1) قواعد الإسلام - ج 1 ص 195.
(2) عمدة القاري ج 4 ص 16
173 (1/173)
صفحة 168
الباب الرابع
الصـ
ـلاة
ويشتمل على 43 مسألة
175 (1/175)
صفحة 169
مسألة - 1 - الصلاة على ما ليس من الأرض:
إذا كان المرء في الطين والمطر، ولم يمكنه السجود على الأرض إلا بالتلوث بالطين والبلل بالماء، فله الصلاة على دابته، يوميء بالركوع والسجود. وإن كان راجلا أوماً بالسجود أيضا ولم يلزمه السجود على الأرض. وقد روي عن جابر بن زيد أنه صلى على دابته في ماء وطين. نقل ذلك عنه
صاحب المغني (1) وقال: العمل على هذا عند أهل العلم. وروى أبو غانم الخراساني في المدونة أن جابر بن زيد يكره الصلاة على ما ليس من الأرض. (2)
ودليل هذا الفريق ما رواه يعلى بن أمية عن النبي عل الله أنه انتهى إلى مضيق ومعه صلى الله أصحابه والسماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم فصلى رسول الله لا على راحلته وأصحابه على ظهور دوابهم يومئون إيماء يجعلون السجود أخفض من الركوع. رواه الأثرم والترمذى، وما روى أنس رضي الله عنه أنه صلى وهو متوجه إلى سرابيط في يوم مطر المكتوبة، ولم ينقل عن غيره خلافه فيكون إجماعا، وقالوا: إن المطر عذر يبيح الجمع فأثر في أفعال الصلاة كالسفر يؤثر في القصر. وهذا هو مذهب أبي حنيفة أي يصلي على الراحلة في المطر والمرض وقال أصحاب الشافعي لا يجوز أن يصلي الفرد على الراحلة لأجل المطر والمرض. وهي رواية عن الإمام أحمد، وهو مذهب مالك. وحجتهم حديث أبي سعيد الخدري قال: فأبصرت عيناي رسول الله الله انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين. وقالوا: هذا حديث صحيح وأجاب الأولون عن هذا الحديث أنه يحتمل أن الطين كان يسيرا لا يؤثر في
تلويث الثياب
(1) ج 1 ص 635
(2) ج 1 ص 151
177 (1/177)
صفحة 170
مسألة - 2 - العمل اليسير في الصلاة:
الأصل في هذه المسألة ما روي من أن قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} الآية 55 من سورة المائدة. قيل نزلت في علي بن أبي طالب حين تصدق بخاتمه وهو راكع. روي ذلك مجاهد والسدي وأبو جعفر وعتبة بن أبي حكيم. وقال الحسن: هذه الآية صفة للجماعة وليست للواحد (1)
وقد اختلف في معنى قوله تعالى: وَهُمْ رَاكِعُونَ}: فقيل إنهم كانوا على هذه الصفة في وقت نزول الآية، منهم من أتم صلاته ومنهم من هو راكع في
الصلاة.
وقال آخرون إن معنى ذلك: إنهم يصلون بالنوافل كما يقال فلان يركع أي يتنفل. وقال غيرهم: إن معنى) وهم راكعون) أن ذلك من شأنهم وعادتهم.
وأفرد الركوع تشريفا له
وعليه: فإن كان المراد فعل الصدقة في حال الركوع، وهو ظاهر يدل على إباحة العمل اليسير في الصلاة. (3)
در هما
يشغله
الآية
، فهو
وممن قال بكراهة ذلك جابر بن زيد: فقد سئل عن رجل يمسك في فمه. أو في يده متاعا، أو غير ذلك، قال: أكره ذلك كله قال: فإن لم عن الصلاة فلا إعادة عليه وقد أساء في ذلك. والمرأة مثل ذلك، وقال لا يفسد عليها حمل ولدها في صلاتها إذا وضعته في ركوعها وسجودها وكان الابن نقيا ليس فيه نجس (4)
(1) أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 446 (2) أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 446 (3) أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 446 (4) المدونة ج 1 ص 160
178 (1/178)
صفحة 171
وروي عنه
أيضا أنه يكره النفخ في الصلاة في موضع السجود وينهى عنه،
ولكنه لا يأمر من فعل ذلك بإعادة الصلاة (1). وهو رأي أحمد وإسحق وقال بعض أهل العلم: إن نفخ في الصلاة استقبل الصلاة، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة (2).
وقد استند الفريقان إلى حديث أم سلمة زوج النبي عل الله أنها قالت: (رأى النبي علا الله غلاما لنا يقال له أفلح إذا سجد نفخ فقال: يا أفلح ترب وجهك).
قال أحمد
بن منيع: كره عباد النفخ في الصلاة. وقال إن نفخ لم يقطع
صلاته. قال أحمد بن منيع: وبه نأخذ قال الترمذي: وروى بعضهم عن أبي حمزة هذا الحديث. وقال مولى لنا يقال
رباح.
قال الترمذي وحديث أم سلمة إسناده ليس بذاك وأبو حمزة ميمون قد ضعفه بعض أهل العلم (3)
وأجاز العلماء العمل اليسير للحاجة لما روت عائشة قالت: كان رسول الله يصلي والباب عليه مغلق فاستفتحت فمشى ففتح لي ثم رجع إلى مصلاه. رواه أبو داود وأحمد (4) ورواه الترمذي وقال حديث حسن غريب ورواه النسائي.
(1) المدونة ج 1 ص 155
(2) سنن الترمذي ج 1 ص
(3) سنن الترمذي
236
1 236
ص ج
(4) المغني ج 1 ص 610 الهامش.
179 (1/179)
صفحة 172
مسألة - 3 - قتل الحية والعقرب في الصلاة:
رخص عامة أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم في قتل الأسودين الحية والعقرب في الصلاة. ومنهم جابر بن زيد فإنه قال: إذا قربت الحية والعقرب من رجل يصلي إنه يقتلها إن أمكنه ذلك (1)
واستدلوا بما روي عن النبي عل الله أنه قال: (اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب) رواه أبو داود والنسائي والترمذي
وقالوا إن في معنى الحية والعقرب: كل ضرار مباح القتل كالزنابير ونحوها وخالف النخعي فإنه لم يرخص. وقال إن في الصلاة لشغلا (2)
(1) المدونة الكبرى ج 1 ص 200 (2) شرح السنة ج 3 ص 268.
180 (1/180)
صفحة 173
مسألة - 4 - هل يجوز أن يصلي المرء مستلقيا لمرض؟:
إذا كان بعين المصلي مرض، فقال له ثقات من العلماء بالطب: إن صليت
مستلقيا أمكن مداواتك
فقال جابر بن زيد: يجوز ذلك. نقله ابن قدامة (1)
ونسب هذا القول إلى الثورى وأبي حنيفة، وهو قول الحنابلة. واستدلوا بما روي أن النبي عل الله لما جحش شقه صلى جالسا وقالوا: إن الظاهر أنه لم يكن يعجز عن القيام، لكن كانت عليه مشقة فيه أو خوف أو ضرر، وأيهما قدر فهو حجة على الجواز
ومنع آخرون من جواز ذلك. وهو قول مالك والأوزاعي. واحتجوا بما روي عن ابن عباس أنه لما كف بصره أتاه رجل فقال: لو صبرت علي سبعة أيام لم تصل إلا مستلقيا داويت عينك ورجوت أن تبرأ. فأرسل في ذلك إلى عائشة وأبي هريرة وغيرهما من أصحاب رسول الله الا الله فكل قال له: إن مت في هذه الأيام ما الذي تصنع بالصلاة؟ فترك معالجة عينه ..
(2)
(1) المغني ج 1 ص 780 (2) المغني ج 1 ص 780
181 (1/181)
صفحة 174
مسألة - 5 - حكم التلثم في الصلاة:
التلثم هو تغطية الفم والأنف
فقد كان جابر يكره التلثم في الصلاة. وكان الأنف أشد كراهة عنده. نقل
(1)
ذلك أبو غانم وكان النخعي أيضا يكره التلثم مثله (2) أما الحسن فكان يكره التلثم على الأنف ولا يرى بأسا به على الفم وكره ابن
عمر التلثم على الأنف.
ومدار الكراهة على حديث (رواه أبو هريرة أن النبي الله
الرجل فاه) رواه البغوي
(3)
نہي
أن يغطي
قال الخطابي: إن من عادة العرب التلثم بالعمائم على الأفواه فنهوا عن ذلك في الصلاة إلا أن يعرض للمصلي الثوباء فيغطي فمه عند ذلك للحديث الذي جاء
(4)
(1) المدونة الكبرى ج 1 ص 178 (2) فقه النخعي ص 414.
(3) شرح السنة ج 2 ص 426 وخرجه الألباني في صحيح الجامع الصغير
(4) شرح السنة ج ج 2 ص 428
182 (1/182)
صفحة 175
مسألة - 6 - في الجهر بالبسملة في الصلاة:
مذهب الإمام جابر بن زيد: أن السنة في البسملة الجهر بها في موضع الجهر، والإسرار بها في موضع الإسرار. نقل ذلك عنه الإمام ابن كثير، والنووي في
المجموع
(1)
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على عدة مذاهب: المذهب الأول: وهو ما تقدم، وإليه ذهب الشافعية والإباضية (2) ونسب هذا القول إلى عدد من الصحابة وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، ومعاوية، وحكي عن الخلفاء الأربعة ومن التابعين سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وعكرمة والزهري وعطاء وطاوس وغيرهم.
واستدلوا:
1
الله
1 بما روي عن نعيم المجمر قال: (صليت وراء أبي هريرة فقرأ: بسم الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن ... الحديث إلى أن قال: قال أبو هريرة:
والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله الله) رواه النسائي. قال ابن
حجر: رواه ابن خزيمة، وابن حبان وغيرهم، وهو أصح حديث ورد في ذلك
-
2 بما روي عن ابن عباس) أن النبي عل الله كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة) قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله
(3)
موثوقون (3
المذهب الثاني: ذهب إلى أن السنة في البسملة الإسرار بها مطلقا روي ذلك عن إبراهيم النخعي وحماد والأعمش والشعبي وقتادة والحسن البصري والثوري وابن أبي ليلى وغيرهم.
(1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 31 - المجموع شرح المهذب ج 3 ص 299 -
(2) الإيضاح ج 1 ص 480.
-
(3) مجمع الزوائد ج 2 ص 108 109
183 (1/183)
صفحة 176
وهو رواية عن الخلفاء الأربعة، وابن عباس وابن عمر وعكرمة وسعيد بن جبير وإسحق والأوزاعي وغيرهم.
وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد بن حنبل ودليلهم ما يأتي: فقد روي عن أنس أن النبي علا الله وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين – حديث متفق عليه. زاد مسلم في رواية لايذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا آخرها.
وفي رواية لمسلم عن أنس قال: (صليت مع رسول الله الله وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا وروى النسائي عن أنس قال: صلى بنا رسول الله فلم يسمعنا قراءة بسم
منهم
يقرأ بسم
الله الرحمن الرحيم.
الله الرحمن الرحيم، وصلى بنا أبو بكر وعمر فلم نسمعها منه
المذهب الثالث:
يرى أنه لا تقرأ البسملة أصلا، لا جهرا ولا سرا
وهو قول الإمام مالك. إلا أنه يجيز قراءة البسملة في النافلة (1) وبه قال الطبري والأوزاعي واستدلوا بحديث أنس المتقدم وبحديث عبد الله بن المغفل أنه قال لابنه ورآه يجهر بها: إياك والحدث فإني صليت مع رسول الله له وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي فلم أسمع واحدا منهم يقرؤها، إذا قرأت فقل الحمد لله رب العالمين، رواه أحمد والترمذي وحسنه والنسائي والزيلعي في نصب الراية
المذهب الرابع:
ويرى أن المصلي إن شاء جهر بالبسملة وإن شاء أسر وهو قول ابن أبي ليلى
والحكم (2)
(1) عمدة القاري. ج 5 ص 284 - الأشراف للبغدادي ج 1 ص 77.
(2) المجموع ج 3 ص 301.
184 (1/184)
صفحة 177
ويرجع
السبب في اختلاف الفقهاء في هذه المسالة، بالإضافة لما تقدم من الآثار إلى الاختلاف في كون البسملة آية من أم الكتاب وحدها، أو من كل سورة أو ليست آية لا من أم الكتاب ولا من كل سورة
فمن رأى أنها آية من أم الكتاب أوجب قراءتها بوجوب قراءة أم الكتاب عنده
في الصلاة.
ومن رأى أنها آية من أول كل سورة وجب عنده أن يقرأها مع السورة.
ومن قال إنها ليست آية من الفاتحة ولا من أول كل سورة منع من قراءتها والمسألة خلافية يرجع في تفاصيلها إلى المطولات (1)
ولكن ينبغي ملاحظة ما يلى:
أجمعت الأمة على أنه لا يكفر من أثبتها ولا من نفاها، لاختلاف العلماء فيها بخلاف ما لو نفى حرفا مجمعا عليه، أو أثبت ما لم يقل به أحد، فإنه يكفر بالإجماع، ولا خلاف في أن البسملة آية من سورة النمل، ولا خلاف في إثباتها خطا في أوائل السور في المصحف إلا في أول سورة التوبة. وأما التلاوة، فلا خلاف بين القراء السبعة في أول فاتحة الكتاب وفي أول كل سورة إذا ابتدأ بها القاريء ما خلا سورة التوبة. وإنما في أوائل السور مع الوصل بسورة قبلها فأثبتها ابن كثير وقالون وعاصم والكسائي من القراء في أول كل سورة إلا سورة التوبة، وحذفها منهم أبو عمر وحمزة وورش وابن عامر)
(2)
(1) خاصة: نيل الأوطار ج 2 ص 208 - وعمدة القاري ج 5 ص 281 وما بعدها وتفسير ابن كثير ج 1 ص
30
(2) نيل الأوطار - المتقدم -
185 (1/185)
صفحة 178
مسألة - 7 - هل يتعين قراءة الفاتحة في كل ركعة؟
اختلف العلماء فيما إذا كانت قراءة الفاتحة واجبة في كل ركعة
(1)
فقد روى أبو بكر الجصاص أن جابر بن زيد قام يصلي ذات يوم فقرأ: مُدْ هَامَّتَانِ الآية 64 من سورة الرحمن ثم ركع وروي عن جابر بن زيد أيضا أنه قرأ قوله تعالى: {قُلْ أَرَعَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ
ماؤكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مُعِينٍ} الآية 30 من سورة الملك (2).
وهذا القول منسوب إلى ابن عباس. فقد سئل عن القراءة في كل ركعة فقال: اقرأ منه ما قل أو كثر، وليس في القرآن شيء قليل وروي عن الحسن وإبراهيم النخعي والشعبي أن من نسي قراءة فاتحة الكتاب
(3)
وقرأ غيرها لم يضره وتجزيه. وهو مذهب أبي حنيفة والأوزاعي والثوري. والدليل على عدم وجوب الفاتحة، وأن الواجب آية من القرآن: قوله تعالى: فَاقْرُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) الآية 20 من سورة المزمل، والمراد به القراءة في الصلاة بدلالة قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَي الَّيْلِ إِلى قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ه. وهذه الصيغة عمومية في صلاة الليل وغيرها من النوافل والفرائض لعموم اللفظ
و من
السنة حديث أبي هريرة ورفاعة بن رافع في تعليم النبي الأعرابي
الصلاة حين لم يحسنها فقال له: «ثم اقرأ ما تيسر من القرآن».
وخالف جماعة فقالوا: إذا لم يقرأ المصلي في الركعتين بأم القرآن أعاد. وهو
قول مالك، وابن حنبل
(1) أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 20
(2) قواعد الإسلام ج 1 ص 275.
:
23
389 – تفسير ابن كثير ج 1 ص (3) فقه النخعي
186 (1/186)
صفحة 179
وقال الشافعي تتعين الفاتحة وأنه لا يجزيء غيرها إلا لعاجز عنها وهو قول
(1)
جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم ودليلهم قوله له: «لا صلاة إلا بأم القرآن) رواه البخارى وغيره بألفاظ
مختلفة
وهناك قول ثالث وهو أنه لابد من فاتحة الكتاب فصاعدا) أي بشيء من القرآن معها. ونسب هذا القول إلى عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعثمان بن أبي العاص والهادي والقاسم والمؤيد بالله (3)
وقول رابع مقتضاه أنه لا تجب قراءة أصلا. وهي رواية شاذة حكاها القاضي عياض عن علي بن أبي طالب وربيعة ومحمد بن أبي صفرة من أصحاب مالك (4)
(1) الفتح الرباني ج 3 ص 196 - المجموع ج 3 ص 285 – فقه سعيد فقه سعيد بن المسيب ج 1 ص 226
(2) الفتح الرباني ج 3 ص 196
-
(3) الفتح الرباني ج 3 ص 196 - (4) الفتح الرباني ج 3 ص 196 -
187 (1/187)
صفحة 180
مسألة - 8 - في صلاة النهار تطوعا:
اختلف العلماء في عدد الركعات في صلاة النهار التطوعية فذهب الإمام جابر بن زيد إلى أن صلاة النهار مثنى مثنى كصلاة الليل ولا
فرق. نقل ذلك عنه الإمام البغوي والبخاري في صحيحه
وهو قول عمار وأبي ذر وأنس من الصحابة
(1)
ومن التابعين عكرمة والحسن وابن جبير، وإليه ذهب الأئمة: مالك
والشافعي وأحمد
وقال الخرقي: وإن تطوع في النهار بأربع فلا بأس (2)
واستدلوا بما روي عن ابن عمر أن النبي ع الله قال: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة وغيرهم. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري: ما أدركت فقهاء أرضنا إلا يسلمون في كل اثنتين من النهار
(3)
وذهب آخرون إلى أن صلاة الليل مثنى مثنى، وأما تطوعات النهار فأربعا أربعا أفضل. وكذلك يقولون في الأربع قبل الظهر وقبل العصر يصليها بتشهدين
وتسليمة واحدة
(4)
وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي، والثوري وابن المبارك وإسحق وغيرهم واستدلوا بما روي عن ابن عمر أيضا أنه كان يصلي بالليل مثنى مثنى وبالنهار أربعا. وقال آخرون بجواز الصلاة ست ركعات في النهار بدون تسليم ونقل ذلك عن سفيان الثوري (5)
(1) شرح السنة ج 3 ص 468 صحيح البخاري: باب ما جاء ضمن التطوع متنى مثنى. عمدة القاري ج 7
221
(2) المغني ج 1 ص 761.
(3) شرح السنة - المتقدم -
(4) المجموع شرح المهذب ج 3 ص 549
(5) شرح السنة المتقدم.
188 (1/188)
صفحة 181
مسألة - 9 - الصلاة على ظهر الكعبة:
روي عن الإمام جابر بن زيد أنه رأى رجلا يصلي على ظهر الكعبة فقال: من
(1)
المصلي، لا قبلة له؟ روى ذلك الجيطالي في كتاب القواعد ونسب هذا القول إلى أشهب. فإنه قال: من صلى على ظهر الكعبة أعاد أبدا
وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز الفرض والنفل فيه وهو قول الشافعي (2) وقال صاحب المهذب: وإن صلى على سطحه) أي الكعبة) فإن كان بين يديه سترة متصلة به جاز لأنه متوجه إلى جزء منه، وإن لم يكن بين يديه سترة متصلة لم يجز. واحتج المانعون: بما روي عن عمر رضي الله عنه أن النبي ع الله قال: «سبعة مواطن لا تجوز فيها الصلاة، وذكر: فوق بيت الله العتيق) وقد ضعف هذا الحديث. واحتج هؤلاء
(3)
أيضا بأنه لم يصل عليه من غير عذر فلم يجز وقال ابن حزم: الصلاة جائزة على ظهر الكعبة (4)
(1) القواعد ج 1 ص 228
(2) عمدة القارى ج 4 ص
133
(3) المجموع شرح المهذب ج 3 ص 199.
(4) المحلى ج 4 ص 80
189 (1/189)
صفحة 182
مسألة - 10 - في الأنف: هل يوضع على الأرض أثناء السجود؟ اختلف العلماء في السجود على الأنف، هل هو فرض مثل غيرها من
الأعضاء.
(1)
فذهب الجمهور إلى أن السجود على الجبهة واجب، وأن السجود على الأنف مستحب واتفقوا على أن السجود على الأنف وحده لا يكفي روي ذلك عن ابن عمر، وعطاء وعكرمة وطاوس والحسن وابن سيرين ومالك والشافعي، وصاحبي أبي حنيفة: أبي يوسف ومحمد.
واستدلوا بما روى ابن عباس قال: «أمر النبي الله أن يسجد على سبعة أعضاء، ولا يكف شعرا ولا ثوبا: الجبهة، واليدين والركبتين، والرجلين». رواه البخاري ومسلم. وقالوا: إنه لم يذكر فيه الأنف وقال أبو الشعثاء جابر بن زيد: رأيت ابن عمر إذا سجد يجافي أنفه عن الأرض، فقلت له فيه، فقال: إن أنفي من حر وجهي، وأنا أكره أن أشين
وجهي
(2)
وروي عن القاسم وسالم أنهما كانا يسجدان على جباههما ولا تمس أنوفهما الأرض (3). وذهب آخر إلى أنه يجب السجود على الجبهة والأنف معا. وهو مذهب سعيد بن جبير والنخعي والأوزاعي وأحمد وإسحق وابن حبيب من أصحاب مالك (4)
واستدلوا بالرواية الثانية من الحديث المتقدم وهي أنه عله قال: «أمرت أن
(1) المغني. ج 1 ص 556 - عمدة القاري ج 6 ص 90 -
(2) شرح السنة ج 3 ص 140 - أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 209.
(3) أحكام القرآن نفسه
(4) الفتح الرباني ج 3 ص 287 - شرح السنة ج 3 ص 140 حاشية – نيل الأوطار ج 2 ص 267
190 (1/190)
صفحة 183
أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده على أنفه، واليدين والركبتين والقدمين.» متفق عليه. وقالوا: لأنه ذكر الجبهة وأشار إلى الأنف، فجعلهما عضوا واحدا ودلّ على أنه المراد ولأن الإشارة الحسية أقوى من الدلالة اللفظية. صلى الله واستدلوا أيضا بقوله: «لا صلاة لمن لا أنفه من الأرض ما يصيب الجبين» رواه الدارقطني وأُعِل بأنه مرسل وذهب فريق ثالث إلى أن المصلي يجزيه أن يسجد على أنفه دون جبهته، وهو
قول أبي حنيفة.
يصيب
وقال ابن القاسم من أصحاب مالك: يقتصر على أيهما شاء وهو قول
الشافعي
(1)
ولعل هؤلاء ذهبوا إلى أن الجبهة والأنف يشكلان عضوا واحدا، لأن النبي ا لما ذكر الجبهة أشار إلى الأنف. والعضو الواحد يجزئه السجود على
بعضه. (2)
(1) المجموع شرح المهذب ج 3 ص 298
(2) المغني ج 1 ص 557
191 (1/191)
صفحة 184
مسألة - 11 - كيفية النهوض من السجود:
كان جابر بن زيد رضي)
وينهي
الله عنه إذا نهض من الأرض يعتمد على يديه إذا قام
(
أن يقدم رجلا، ويقول إنها جلسة الشيطان. نقل ذلك: أبو غانم
الخراساني
(1)
وكان ابن عمر والحسن يعتمدان على أيديهما إذا قاما من السجدتين وقال أبو غانم: والأحسن ما وافق أصحابنا أن يقوم ويعتمد في صلاته كما ذكر، ويكون أول ما يسبق من المصلي يداه وآخر ما يبقى يداه. ولأن ذلك أعون
صلى الله
السجدة من
للمصلي. وقال مالك والشافعي: السنة أن يعتمد على يديه في النهوض، لأن مالك بن الحويرث قال في صفة صلاة رسول الله له: (إنه لما رفع رأسه الثانية استوى قاعدا ثم اعتمد على الأرض.» رواه النسائي والقول الثاني في المسألة: إنه ينهض إلى القيام على صدور قدميه معتمدا على ركبتيه ولا يعتمد على يديه. روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وهو قول أحمد (2)
واستدلوا بما روى وائل بن حجر قال: رأيت رسول الله الله إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه. رواه النسائي وفي لفظ وإذا نهض نهض على ركبتيه واعتمد على فخذيه
وبحديث ابن عمر قال: نهى رسول الله الله أن يعتمد الرجل على يديه إذا
نهض في الصلاة. رواه أبو داود
ونسب ذلك إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو قول أحمد وقالوا: إلّا أن
يشق على المصلي فيعتمد على الأرض يعني بيديه
(3)
(1) المدونة الكبرى ج 1 ص 93.
(2) المغني ج 1 ص 568 - عمدة القاري ج 6 ص 99.
(3) المغني ج 1 ص 569.
192 (1/192)
صفحة 185
مسألة - 12 - موقف الأثنين من الإمام في الصلاة:
يرى الإمام جابر بن زيد أن موقف الرجلين مع الإمام، وكذلك الصبيان والرجل والصبي يكون خلفه. نقل ذلك عنه الساعاتي (1)
وبه قال علي وعمر وابنه والحسن وعطاء
(1)
وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وجماعة من أصحاب الكوفة. وقال ابن سيد الناس: إن ذلك ليس بشرط عندهم، ولكن الخلاف في الأولى والأحسن (2)
واحتجوا بحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: قام رسول الله الله يصلي المغرب فجئت فقمت إلى جنبه عن يساره فنهاني فجعلني عن يمينه. فجاء صاحب لي فصفنا خلفه فصلى بنا. رواه أحمد ومسلم وأبو داود. وذهب الحنابلة إلى أنه إذا كان خلف الإمام رجل وصبي، يجب أن يكون الرجل عن يمين الإمام أيضا وللصبي أن يصلي عن يمينه أو عن يساره لا خلفه (3) وهو مذهب عبد الله بن مسعود وصاحبيه الأسود وعلقمة واحتجو بما روي عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: دخلت أنا وعلقمة على عبد الله بن مسعود بالهاجرة، فلما مالت الشمس أقام الصلاة وقمنا خلفه بيدي وبيد صاحبي فجعلنا عن ناحيته وقام بيننا ثم قال: هكذا كان رسول
فأخذ
الله الله يصنع إذا كانوا ثلاثة ثم صلى بنا - الحديث. أخرجه مسلم وأحمد ولفظ مسلم: فأخذ بأيدينا فجعل أحدنا عن يمينه والأخر عن شماله وهو مفسر لقوله (عن ناحيته). واحتجو أيضا بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صليت مع
النبي
وعائشة خلفنا وأنا إلى جنب النبي عل أصلي
معه
(1) الفتح الرباني ج 5 ص 297.
(2) الفتح الرباني ج 5 ص 297.
(3) الفتح الرباني ج 5 ص 297.
193 (1/193)
صفحة 186
مسألة - 13 - أين يقف المأموم المنفرد من الإمام:
يرى جابر بن زيد أن من السنة أن يقف المأموم الواحد الذكر عن يمين الإمام، رجلا كان أو صبيا. نقله عنه ابن قدامة (1)
وهو مذهب الأئمة الأربعة مالك والشافعي وأبي حنيفة وابن حنبل وذهب إلى
مشروعية ذلك كافة العلماء.
واستدلوا بحديث ابن عباس رضي الله عنه قال: قام النبي له من الليل يصلي فقمت فتوضأت فقمت عن يساره فجذبني فجرني فأقامني عن يمينه فصلى ثلاث عشرة ركعة قيامه فيهن سواء. أخرجه أحمد وغيره.
واستدلوا أيضا بحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى في ثوب واحد خالف بين طرفيه فقمت خلفه فأخذ بأذني فجعلني عن يمينه. رواه أحمد ومسلم وغيرهما وروي عن سعيد بن المسيب أن المصلي المنفرد يقف عن يسار المصلي فإن كانوا أكثر من ذلك صفوا خلفه. واحتج بما روي عن صلاة رسول الله علي في مرض موته مع أبي بكر رضي الله عنه. فقد ثبت في الصحيح أن النبي عل الله أتي به، وأبو بكر يصلي بالناس فأجلس إلى يسار أبي بكر (2) وروي عن إبراهيم النخعي أنه يقف وراء المصلي إلى أن يريد الإمام أن يركع فإن
لم يجيء مأموم ثان تقدم فوقف عن يمينه
(3)
ولكن روي عنه قول آخر هو قول الجمهور المتقدم
(4)
(1) المغني ج 2 ص 43.
(2) فقه سعيد بن المسيب ج 1 ص 283
(3) الفتح الرباني ج 5 ص 293. (4) موسوعة فقه إبراهيم النخعي ص
429
194 (1/194)
صفحة 187
مسألة - 14 - في القنوت: القنوت لفظ مشترك بين الطاعة والقيام والخشوع والسكوت وغير ذلك قال الله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةٌ قَانِنَا لِلهِ حَنِيفًا ك وقال: {أَمَنْ هُوَ قَنِتٌ عَانَاءَ اليل وقال: {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ. وقال: {يَمَرْيَمُ اقْتُنِي لِرَبِّكِ. وقال: {وَقُومُوا للَّهِ قَنِتِينَ. وقال: {كُلٌّ لَّهُ قَبْتُونَ}
وفي الحديث: «أفضل الصلاة طول القنوت). رواه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم.
(1)
والقنوت عند الزمخشري هو طول القيام في الصلاة (2)
وقد اتفق العلماء على ترك القنوت في غير صلاة الصبح من الفرائض لما روى عن النبيء لا أنه قنت شهرا ثم تركه. أخرجه أبو داود ومسلم والنسائي وابن ماجة، ولكنهم اختلفوا في صلاة الصبح
فذهب الإمام جابر بن زيد إلى أن الصلاة كلها قنوت (3) ولعله اعتبر فيها المعاني اللغوية المتقدمة.
وذهب أكثر أهل العلم إلى أن القنوت مستحب في صلاة الصبح سواء نزل بالمسلمين نازلة أم لا. على خلاف بينهم في محله: هل هو قبل الركوع من الركعة الثانية أو بعده. وروي ذلك عن الصحابة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي موسى الأشعري وأبي هريرة وابن عباس وعن التابعين الحسن البصري وسعيد بن المسيب
وغيرهما
(1) من المعجم الفهرس: مادة قنت (2) الفائق ج 3 ص 226 (3) المدونة الكبرى ج 1 ص 117.
195 (1/195)
صفحة 188
وعن
وداود (1)
الأئمة
: مالك والشافعي وعبد الرحمن بن مهدي والأوزاعي والطبري
وذهب فريق آخر إلى عدم القنوت. روي ذلك عن عبد الله بن بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله
بن الزبير
و من التابعين: سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وطاوس والشعبي بل ذهب البعض منهم إلى أن القنوت في الفجر بدعة. وهو رأي طاوس والزهري. ومن الأئمة الذين لا يرون القنوت: أبو حنيفة وصاحباه وعبد الله بن المبارك وأحمد
وإسحاق والليث بن سعد
يقنت حتى
(2)
الله
عن
واحتج الأولون بما روي عن الربيع بن أنس عن أنس قال: «إن النبي قنت شهرا يدعو عليهم) على رعل وذكوان (ثم تركه. فأما في الصبح فلم يزل مات» رواه الطبراني والبيهقي ومسلم والبخاري وغيرهم واحتج الآخرون بما روي عن أم سلمة قالت: «نهى رسول الله الله القنوت في الفجر). رواه ابن ماجة والدارقطني. وإسناده ضعيف بسبب أبي معشر وأبي حمزة. وقد رد الإمام العيني على تضعيف هذا الحديث فقال: «إذا ضعف هذا الحديث بأبي معشر الذي احتج به الشيخان لم يبق في الصحيحين حديث متفق على صحته إلا شيء يسير. وأبو حمزة روى عن كبار التابعين مثل الحسن وسعيد بن المسيب، وروي عنه الثوري والحمادان ومنصور بن المعتمر وذهب العيني إلى أن حديث القنوت قد نسخ، وهو قول الزهري (3). وعبد الله بن مسعود وابن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر. (4)
(1) عمدة القاري ج 7 ص 23. (2) نفس المرجع.
(3) نفس المرجع. ص 24.
(4) العيني ج 6 ص 73.
196 (1/196)
صفحة 189
مسألة - 15 - صلاة الجمعة خلف الجبابرة:
يروى أن الإمام جابر بن زيد رحمه الله صلى الجمعة خلف الحجاج وأنه صلى بالإيماء يوم الجمعة والحجاج يخطب إلى أن فات الناس الوقت فقال: اليوم ينفع كل ذي علم علمه. وقيل إن الحجاج لما رأى جابرا يصلي إيماء قال: اليوم عرفنا من يصلي معنا ومن لا يصلي. روى ذلك الشماخي في كتاب الإيضاح (1). وقد اختلف علماؤنا في هذه المسألة:
فقال بعضهم لا تجوز الصلاة خلف الجبابرة، وهم الأقل. وحجتهم في ذلك: أن الجمعة وجبت في الأصل مع الإمام العادل للإجماع على ذلك واختلفوا في لزومها مع غير العادل. وقالوا: لا نوجبها إلا حيث أوجبها الإجماع ولا دليل على وجوبها مع غير العادل وقال الآخرون: الجمعة تجب مع العادل ومع غير العادل، لأن فرضها واجب بأمر الله تعالى: هو يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذكر الله) الآية. وهذا أمر عام فلا يزول فرضها إلا بإجماع. ولم يكن في الأمر عادل ولا غير
عادل
في
وهذا القول هو الذي رجحه الجيطالي
وروي عن أبي الحواري رحمه الله أنه قال: تجوز صلاة الجمعة خلف الجبابرة الأمصار التي مصرها أبو حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولا تجوز في
غيرها
(2)
(1) الإيضاح ج 1 ص 605 - قواعد الإسلام ج 1 ص 356.
(2) الإيضاح ج 1 ص 605.
197 (1/197)
صفحة 190
مسألة - 16 - حكم من صلى في رحله ثم أدرك جماعة تصلي: اختلف علماء السلف فيمن صلى منفردا ثم أدرك جماعة تصلي تلك الصلاة فهل
يصليها معهم.
فروي عن الإمام جابر بن زيد جواز تكرار الصلاة مع الجماعة. وإنما كان يكره أن يتعمد الرجل ذلك. وقال: إن أقيمت الصلاة فصل أي صلاة كانت من الصلوات الخمس، نقل ذلك أبو غانم الخراساني (1) وهذا مذهب سعيد بن المسيب فقد قال: «لو صليت في منزلي ثم أتيت مسجد جماعة فأدركت معهم ركعة واحدة كانت أحب إلي من الصلاة التي
صلى الله
(2)
صليت وحدي) وروي ذلك عن علي وحذيفة وأنس وسعيد بن جبير والزهري وإسحق وابن حزم وأحمد والشافعي (3) وهو قول أكثر أهل العلم واستدلوا بحديث بسر بن محجن عن أبيه محجن أنه كان في مجلس رسول الله صلى الله الله فأذن بالصلاة فقام رسول الله له فصلى ورجع ومحجن في مجلسه، فقال له رسول الله له: (ما منعك أن تصلي مع الناس؟ ألست برجل مسلم؟) فقال: بلى يارسول الله ولكني صليت في أهلي. فقال رسول الله له: «إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت صليت.) رواه أحمد ومالك في الموطأ والربيع بن حبيب في الجامع الصحيح. وقال قوم: يعيد، إلا المغرب والصبح. وبه قال النخعي والأوزاعي ويروى ذلك عن ابن عمر. واحتجوا بأن إعادة الصلاة نفل ولا نفل بعد العصر أو الفجر، ويحتمل أنهم منعوا ذلك لأنه لا يصلى فرض مرتين
(4)
(1) المدونة الكبرى ج 1 ص 128
(2) فقه سعيد بن المسيب ج 1 ص 290
(3) المحلى ج 3 ص 253 وشرح السنة ج 3 ص 431 – المجموع ج 4 ص 121
(4) المدونة وشرح السنة المتقدم.
198 (1/198)
صفحة 191
وقال مالك والثوري يعيد، إلا المغرب. وذلك لأن المغرب وتر النهار فإذا
أعادها صارت شفعا
(1)
وقال أبو حنيفة: لا يعيد الصبح والعصر والمغرب، للأدلة المتقدمة ولقول النبي علالالالالالالي: و لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر
حتى تغرب الشمس) رواه مسلم. ولكن هذا الحديث محمول عند الأكثرين على إنشاء تطوع لا ب له. وها هنا له غرض في إعادة الصلاة وهو حيازة فضيلة الجماعة فلا تدخل تحت النهي
وخالف الجميع قوم فقالوا لا يجوز إعادة شيء من الصلوات روي ذلك عن عمر، وهي رواية أخرى عن ابنه عبد الله. واستدلوا بما روي عن سليمان بن يسار قال: أتيت المسجد فرأيت ابن عمر جالسا والناس في الصلاة. فقلت ألا تصلي مع الناس؟ فقال قد صليت في رحلي؛ إن رسول الله الله قد نهى أن تصلى فريضة مرتين» رواه الطحاوي وابن حزم واللفظ له (2)
(1) المنتقى ج 1 ص 234
(2) المحلى ج 4 ص 232.
199 (1/199)
صفحة 192
مسألة - 17 - إذا أعيدت الصلاة فأي الصلاتين تعتبر المكتوبة؟ روي عن جابر بن زيد أن التي صلى أولا هي الفريضة (1) ونسب هذا القول إلى علي والنخعي والثوري وإسحق، وإليه ذهب الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وهو رواية عن مالك، والشافعي في الجديد (2)
واستدلوا بحديث يزيد بن الأسود قال: شهدت مع النبي الله حجته فصليت: معه صلاة الصبح في مسجد الخيف. فلما قضى صلاته انحرف، فإذا هو برجلين في آخر القوم لم يصليا معه فقال: «علي بهما فأتي بهما ترعد فرائصهما فقال: ا ما منعكما أن تصليا معنا؟» فقالا: يارسول الله، إنا كنا قد صلينا في رحالنا. قال: «فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة.» - رواه أبو داود والدارقطني والترمذي وقال حديث
حسن صحيح.
واستدلوا أيضا بحديث أبي ذر قال: قال رسول الله له: «كيف أنت إذا
عروسة
بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قال: ما تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها، ثم اذهب إلى حاجتك. فإن أقيمت الصلاة وأنت في المسجد فصل» رواه مسلم. وفي رواية: فصل ولا تقل إني قد صليت فلا أصلي. وفي لفظ فإنها
زيادة خير
وذهب آخرون إلى أن الفرض هي الصلاة الثانية التي صلاها مع الجماعة روي
هذا القول عن سعيد بن المسيب وعطاء والشعبي والأوزاعي واستدلوا بما روي عن يزيد بن عامر أن النبي الله قال له: «إذا جئت الصلاة فوجدت الناس يصلون فصل معهم، وإن كنت قد صليت تكن نافلة لك وهذه مكتوبة.» رواه الدارقطني وأبو داود وإسناده ضعيف
(1) المدونة. ج 1 ص 128 - المنتقى ج 1 ص 233. –
(2) المغني ج 1 ص 752.
200 (1/200)
صفحة 193
واحتجوا أيضا بقوله عل: (إذا صلى أحدكم في رحله ثم جاء إلى الإمام فليصل معه وليجعل التي صلى في بيته نافلة) رواه الدارقطني وهو حديث
ضعيف (1)
وقال فريق ثالث: إن الفرض إحداهما لا بعينها، يحتسب الله تعالى ما شاء
منهما.
وهي رواية منسوبة إلى ابن عمر وسعيد بن المسيب، وإليه ذهب مالك وهو رأى الشافعي في القديم واستدلوا بما روى مالك عن يحيى بن سعيد، أن رجلا سأل سعيد بن المسيب فقال: إني أصلي في بيتي ثم آتي المسجد فأجد الإمام يصلي أفأصلي معه؟ فقال سعيد: نعم. فقال الرجل فأيهما صلاتي؟ فقال سعيد أو أنت تجعلها. إنما ذلك إلى الله. رواه مالك في الموطأ. وروي مالك أيضا نفس الواقعة عن عبد الله بن
عمر
(2)
(1) فقه سعيد بن المسيب ج 1 ص 295 - شرح السنة ج 3 ص 432
(2) المنتقى ج 1 ص
233
201 (1/201)
صفحة 194
مسألة - 18 - من سبقه الإمام بركعة أو ركعتين ما هو أول صلاته؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة
:
فذهب الإمام جابر بن زيد إلى أن أول صلاته ما يقضي. نقل ذلك عنه أبو غانم الخراساني (1) وهو قول ضمام والربيع بن حبيب من الإباضية
ونسب هذا القول إلى أبي حنيفة وأصحابه وهو قول ابن مسعود وابن عمر والنخعي ومجاهد وعمرو بن دينار. وحكي أيضا عن مالك والثوري وأحمد (2) واستدلوا بقوله لله: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ولكن ائتوها وعليكم السكينة. فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا.» متفق
عليه.
وقالوا لما استعمل عليه السلام لفظ القضاء في الجزء المأتي به بعد سلام الإمام دل على أنه مؤخر عن محله وأنه أول الصلاة، لكن يقضيه وذهب فريق آخر إلى أن ما أدركه المسبوق هو أول صلاته، وأن ما يأتي بعد سلام الإمام هو آخرها. وإليه ذهب عمر وعلي وأبو الدرداء من الصحابة، وعمر ابن عبد العزيز وسعيد بن المسيب والحسن البصري وغيرهم من التابعين. وهو مذهب الشافعية وحكاه القاضي عياض عن جمهور العلماء من الخلف والسلف وهو منصوص مالك في المدونة واستدلوا برواية الحديث المتقدم بلفظ: «وما فاتكم فأتموا) ووجه الاستدلال: أن الإتمام هو الإتيان ببقية الشيء. فدل ذلك على أن ما يأتي به المسبوق بعد سلام الإمام هو بقية صلاته))
(1) المدونة الكبرى ج 1 ص 130
(2) المجموع ج 4 ص 119
(3) فقه سعيد بن المسيب ج 1 ص 277
202 (1/202)
صفحة 195
وقالوا أيضا: لأن المسبوق لا يستطيع أن يخالف إمامه فتكون له أولى وللإمام ثانية وثالثة (1)
وذهب آخرون إلى أن ما أدركه مع الإمام هو أول صلاته من حيث الأفعال
وآخرها من حيث الأقوال. وهي إحدى الروايتين عن مالك. ويوافق هذا المذهب ما روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: و ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك واقض ما سبق به من القرآن.» رواه البيهقي وروى مثله
عن ابن عمر
(2)
والمذهب الرابع في المسألة يرى أن ما أدركه هو أول صلاته، إلا أنه يقرأ فيها بالحمد والسورة مع الإمام، فإذا قام للقضاء قرأ بالحمد وحدها لأنها آخر صلاته
وهو قول المزني وإسحق وأهل الظاهر
(3)
(1) الفتح الرباني ج 5 ص 214. (2) عمدة القاري ج 5 ص 151 (3) عمدة القاري ج 5 ص 151
203 (1/203)
صفحة 196
مسألة - 19 - الصلاة إلى السترة:
أجمع العلماء على أن من السنة للمصلي أن يكون بين يديه سترة من جدار أو سارية أو غيرهما. نقل ذلك صاحب المجموع (1). إلا ما روي عن الإباضية أن
ذلك واجب (2) وإليه ذهب الشوكاني (3) وأحمد (4) ولكنهم اختلفوا بعد ذلك أولا: ذهب الإمام جابر بن زيد إلى أن السترة واجبة في الصحراء (3) وروى الشوكاني أن ظاهر الأحاديث الواردة في هذا الباب لا تفرق بين الصحارى والعمران. وقال: إن هذا هو الذى ثبت عن السترة سواء النبي عليه من ا
كان في الفضاء أو في غيره. وأنه لا وجه لتقييد المشروعية بالفضاء
ثانيا: إن السترة تحصل بكل شيء ينصب تجاه المصلي، وإن دق. وهو ظاهر ما روي عن الإمام جابر بن زيد من أن الرجل يصلي في الصحراء إلى شجرة فإن لم يجد
فليركز رمحا أو قصبة
واختلفوا في المصلي لم يجد سترة ينصبها. هل يخط لذلك خطا ويصلي إليه أم لا. فقال بذلك أحمد، وسعيد بن جبير وسعيد بن جبير والأوزاعي. وأنكر الخط مالك وعامة الفقهاء) واختلف قول الشافعي في المسألة الاختلاف ما روى أبو هريرة أن رسول الله الله قال: «إذا صلى وسبب
معه
أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم تكن عصا فليخط خطا ثم لا يضره من مر أمامه.» والحديث رواه أبو داود وابن ماجة. وصححه كل من ابن حبان وأحمد وضعفه آخرون.
(1) ج 3 ص 228
(2) سلك الدرر ج 1 ص 107 - وجوهر النظام ج 1 ص 72.
(3) نيل الأوطار ج 3 ص 3 -
-
(4) عمدة القاري ج 4 ص 291. (5) مدونة أبي غانم. ج 1 ص 150
(6) نيل الأوطار ج 3 ص 6 – المغني ج 2 ص 70
204 (1/204)
صفحة 197
مسألة - 20 - في الرجل يستتر بالرجل في الصلاة:
بوجهه
يري جابر بن زيد جواز استتار الرجل بالرجل في الصلاة، ولكن بشرط أن يكون الشخص المستتر به عارفا لحق المصلي. ومعنى ذلك أن لا يستقبله ولا يتحدث بشيء ولا يشغله بقراءة يسمعها ولا بغير ذلك، ولا يتردد – نقل ذلك الخراساني في المدونة (1)
وكره عثمان أن يستقبل الرجل الرجل وهو يصلي (2).
وممن قال بكراهة الصلاة إلى المتحدث ابن مسعود وابن عباس والحسن وخالف في ذلك قوم فمنعوا أن يستتر الرجل بالرجل، ونسب ذلك إلى محمد بن
سيرين
(3)
وقال بكراهة الاستتار بالنائم ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير
والنخعي
(4)
(5)
وقال أحمد: يكره ذلك في الفريضة دون التطوع وكرهه مالك إلا أن تكون دونه سترة (6).
واستدل الأولون بحديث عائشة: (أن النبي عل كان يصلي حذاء وسط السرير وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة، تكون لي الحاجة فأكره أن أقوم فأستقبله
فأنسل انسلالا.» متفق عليه واستدل الآخرون بما روي عنه عليه السلام أنه نهى عن الصلاة إلى النائم
والمتحدث. - رواه أبو داود وإسناده مضعف.
(1) المدونة الكبرى ج 1 ص 149 -
(2) شرح السنة. ج 2 ص 464. (3) المدونة الكبرى ج 1 ص 149. (4) موسوعة فقه إبراهيم النخعي ص 418.
(5) المغني ج 2 ص 72
(6) عمدة القاري ج 4 ص 297
205 (1/205)
صفحة 198
مسألة - 21 - حكم صلاة المأمومين إذا صلى الإمام قاعدا:
اختلف أهل العلم في رد السلام في الصلاة.
فقد روي عن الإمام جابر بن زيد قوله: لا رد على الإمام إذا سلم من صلاته وروي عنه أن رد السلام يقطع الصلاة. نقل ذلك عنه أبو غانم الخراساني (1). وهو
قول أكثر الفقهاء وإليه ذهب الأئمة الأربعة. وقالوا لو رد السلام باللسان بطل
(2)
صلاته. ويشير بيده واستدلوا بما روي عن عبد الله بن عمر قال: كنت أسلم على رسول الله الله
وهو في الصلاة، فيرد علينا. فلما قدمنا من عند النجاشي سلمنا فلم يرد فقيل له، فقال: «إن في الصلاة لشغلا». متفق على صحته وقال آخرون بجواز ذلك. وهو قول أبي هريرة. فقد قيل عنه إنه كان إذا سلم عليه وهو في الصلاة رده حتى يسمع. وعن جابر بن عبد الله مثله. وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وقتادة (2)
وحجتهم قوله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} الآية 86 من سورة النساء. فقد أمر الشارع برد السلام بدون تفرقة بين حالة وأخرى.
وما روي عن عمار بن ياسر أنه سلم على رسول الله وهو يصلي، فرد عليه السلام. رواه النسائي (3) ولكن أجيب عن الآية بأن عمومها مخصوص بحديث عبد الله بن عمر، وغيره. وأما حديث عمار بن ياسر فمحمول على أن النبي الله قد رد السلام إشارة، لا لفظا، أو أن ذلك كان قبل تحريم الكلام في
الصلاة.
-
(1) المدونة ج 1 ص 174 – 175
(2) شرح السنة ج 3 ص 235. (3) فقه سعيد بن المسيب ج 1 ص 252
206 (1/206)
صفحة 199
وبحديث عائشة وأبي هريرة رضي الله عنهما بمثل ذلك. متفق عليهما وذهب فريق آخر إلى أن المأمومين يصلون خلفه قياما. وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأبي حنيفة (1)
وقالوا: حديث أبي هريرة منسوخ بما روى أن النبي الله صلى في مرضه الذى مات فيه قاعدا، والناس خلفه قيام. وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النبي
صلى الله
واحتجوا بحديث عائشة أنها قالت: «لما ثقل رسول الله الله صلى أبو بكر بالناس، فلما وجد عليه السلام من نفسه خفة جاء حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حسه ذهب أبو بكر يتأخر فأوماً إليه رسول الله الله فجاء النبي حتى
جلس عن يسار أبي بكر. فكان أبو بكر يصلي قائما وكان رسول الله يصلي قاعدا.
يقتدي أبو بكر بصلاة النبي الله والناس يقتدون بصلاة أبي بكر.) متفق عليه وقال بعض أهل الحديث: إن الرواية عن عائشة في هذا الحديث متعارضة: صلى الله فروى الأسود عنها أن النبي علا الله و كان إماما، وروى مسروق عنها أن النبي صلى خلف أبي بكر في مرضه الذي مات فيه قاعدا مما يدل على أن أبا بكر كان إماما. قالوا: فلما تعارضت الرواية عنها لم يجز ترك حديث أنس في القعود. (2) وقال مالك وابن القاسم: لا تجوز إمامة القاعد. وإنه إن صلوا خلفه قياما أو
(3)
قعودا بطلت صلاتهم وقال مالك: يعيدون الصلاة في الوقت) وقال ابن رشد: وأما مالك فليس له مستند من السماع لأن كلا الحديثين اتفقا على جواز إمامة القاعد وإنما اختلفا في قيام الإمام أو قعوده (4)
(1) المجموع ج 4 ص 164 - شرح السنة ج 3 ص 423
(2) شرح السنة ج 3 ص 425
(3) بداية المجتهد ج 1 ص 152
(4) بداية المجتهد ج 1 ص
152
207 (1/207)
صفحة 200
وقد استدل هؤلاء بحديث: «لا يؤمن أحد بعدي قاعدا ولكن قال فيه أهل العلم: إن هذا الحديث لا يصح لأنه من رواية جابر الجعفي مرسلا. واحتجوا أيضا بأن القيام ركن من أركان أفعال الصلاة فلا تسقط عن المأموم مع القدرة على القيام كالركوع والسجود (1) وأنكر الإمام أحمد رحمه الله دعوى النسخ، وجمع بين الحديثين بتنزيلهما على
حالتين:
) إحداهما (إذا ابتدأ الإمام الراتب الصلاة قاعدا لمرض يرجى برؤه فحينئذ يصلون خلفه قعودا.
) ثانيتهما (إذا ابتدأ الإمام الراتب قائما لزم المأمومين أن يصلوا خلفه قياما، سواء طرأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعدا أم لا كما في الأحاديث التي رويت في الله مرض النبي ع. فإن تقريره لهم على القيام دل على أنه لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة، لأن أبا بكر ابتدأ الصلاة قائما وصلوا معه قياما بخلاف الحالة الأولى فإنه لا ابتدأ الصلاة جالسا فلما صلوا خلفه قياما أنكر عليهم وذهب الإباضية إلى أنه لا يجب على المأمومين اتباع الإمام إذا صلى قاعداً
(2)
- (3)
من أول الأمر أو بعد حادث. فلا يصلون جلوسا بل يجب عليهم القيام (3)
208
(1) المنتقى ج 1 ص 239.
(2) الفتح الرباني ج 5 ص 288
(3) شرح النيل ج 2 ص 257. (1/208)
صفحة 201
مسألة - 22 - رد السلام على الإمام إذا سلم من صلاته:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة
فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال: إن الإمام إذا صلى قاعدا لعذر كان على المأمومين أن يصلوا قعودا. نقل ذلك القرطبي في أحكام القرآن والشوكاني عن ابن حيان في نيل الأوطار. (1) وقال بهذا من الصحابة: جابر بن عبد الله وأسيد بن حضير وأبو هريرة وغيرهم. وقال به من الأئمة: إسحق، والأوزاعي وابن المنذر، وداود، وهي رواية عن أحمد وهو قول ابن حزم (2)
من
وروي عن عبد الرزاق أنه قال: (ما رأيت الناس إلا على أن الإمام إذا صلى ه مار قاعدا صلى من خلفه قعودا. وقال: هي السنة من غير واحد وحكاه عن جماعة أصحاب الحديث ثم قال: وهو عندي ضرب من الإجماع لأن من أصحاب النبي ع الله أربعة أفتوا به. والإجماع عندنا إجماع الصحابة ولم يرو عن أحد من الصحابة خلاف لهؤلاء الأربعة لا بإسناد متصل ولا منقطع ... وقد أفتى به من التابعين جابر بن زيد أبو الشعثاء ولم يرو عن أحد من التابعين خلافه أصلا، لا بإسناد صحيح ولا واه فكأن التابعين أجمعوا على إجازته. اهـ. واستدلوا بحديث أنس بن مالك أنه صلى الله عليه وسلم سقط من فرس فجحش شقه الأيمن فدخلنا عليه نعوده، فحضرته الصلاة فصلى قاعدا فصلينا قعودا، فلما قضى الصلاة قال: «إنما جعل الامام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون) متفق على صحته.
(1) أحكام القرآن. ج 3 ص 219 – نيل الأوطار ج 3 ص 182. (2) المغني ج 2 ص 49 والمجموع ج 4 ص 164 - المحلى ج 3 ص 59. (3) الفتح الرباني ج 5 ص 286 – المحلى
(3)
209 (1/209)
صفحة 202
مسألة
- 23 - وجوب الصلاة على النبي عل بعد التشهد: اختلف العلماء في وجوب الصلاة على النبي عل بعد التشهد الأخير. فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه يرى وجوبها في هذا الموضع من الصلاة أي بعد التشهد وقبل التسليم.
نقل ذلك عنه الإمام الشوكاني (1) والساعاتي (2). وإلى ذلك ذهب من الصحابة عمر بن الخطاب وابنه عبد الله، وعائشة، وعبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله، وأبو مسعود (3). ومن غيرهم أبو جعفر الباقر، والشعبي ومقابل والقرظي، والهادي والقاسم والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وابن المواز. واختاره ابن العربي (4). وهذا الأخيران من المالكية. وإليه ذهب محمد بن محبوب من الإباضية (5)
وأوجب الشافعي على تاركها في الصلاة الإعادة. وأوجب إسحاق الإعادة مع تعمد الترك دون النسيان
واستدلوا لذلك بقوله تعالى: {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} الآية 56 من سورة الأحزاب. وقالوا: أوجب الله الصلاة بهذه الآية، وأولى الأحوال بها حال الصلاة. وقالوا: إن الآية تقتضي وجوب الصلاة عليه. وقد أجمع العلماء على أنها لا تجب في غير الصلاة. واحتجوا أيضا بأحاديث صحيحة عديدة منها حديث أبي مسعود رضي الله عنه قال: أتانا رسول الله الا الله ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال:
210
(1) نيل الأوطار. ج 2 ص 295
(2) الفتح الرباني ج 4 ص 28.
(3) نصب الراية ج 1 ص 428
(4) أحكام القرآن ج 3 ص 1572
(5) المدونة. ج 1 ص 203 (1/210)
صفحة 203
».
فسكت رسول الله له حتى تمنينا أنه لم يسأله ثم قال رسول الله الله: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم. وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. والسلام كما قد علمتم .. - وراه أحمد ومسلم والنسائي والترمذي وصححه وذهب جمهور أهل العلم إلى أن ذلك من سنن الصلاة ومستحباتها ومنهم مالك وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي والناصر وابن حزم. وردوا على الأدلة المتقدمة بأن غاية ما فيها الأمر بمطلق الصلاة عليه ع، وهو صلى الله يقتضي الوجوب في الجملة فيحصل الامتثال بإيقاع فرد منه وليس في الأدلة ما يوجب إيقاعها بعد التشهد الأخير. وقالوا إن الأحاديث الورادة في ذلك تفيد المشروعية، وتعليم كيفية الصلاة، ولكنها لا تفيد الوجوب وقال الشوكاني، والحاصل أنه لم يثبت عندي من الأدلة ما يدل على مطلوب القائلين الوجوب وعلى فرض ثبوته فترك تعليم المسيء صلاته مع قوله عله فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، قرينة صالحة لحمله على الندب ولكن الأولين يردون على حديث المسيء صلاته بقولهم: إنه محمول على أن المسيء كان يعلم التشهد والصلاة على النبي علا الله ولم يحتج إلى ذكر هما كما لم يذكر
(1)
الجلوس، وقد أجمعنا على وجوبه وإنما ترك للعلم به كما تركت النية للعلم بها.
(2)
(1) نيل الأوطار - المتقدم (2) الفتح الرباني ج 1 ص 28.
211 (1/211)
صفحة 204
مسألة
- 24 - الاختلاف في وجوب صلاة الوتر:
أجمع العلماء على أن الصلوات المفروضة خمس، واختلفوا في صلاة الوتر
(1)
فذهب الإمام جابر بن زيد إلى وجوبه. نقل ذلك الشماخي في الإيضاح) وهو
قول غالبية الإباضية (2). ونسب ذلك إلى عائشة رضي الله عنهما (3)
وقال أبو حنيفة: صلاة الوتر فرض.
(4)
،
وقال محمد بن محبوب وأبو المؤرج من الإباضية بفرضية صلاة الوتر كسائر الصلوات المفروضة ويلزم تاركه من الحكم الوعيد ما يلزم من ترك شيئا من فرائض الصلاة. (5)
وذكر عن سحنون وأصبغ من المالكية وجوب الوتر، وحكى ابن حزم أن مالكا قال: من تركه أدب وكانت جرحة في شهادته، وهو قول مروي عن أحمد ومجاهد وابن عمر وابن مسعود وحذيفة والنخعي وسعيد بن المسيب وأبي عبيدة ابن عبد الله بن مسعود والضحاك (6)
واستدل هذا الفريق بأحاديث كثيرة منها:
حديث ابن عمر عن النبي له قال: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل
وترا.» - رواه البخاري
وحديث بريدة قال: سمعت رسول الله الله يقول: (الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا» قاله ثلاث مرات - أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه
(1) ج 1 ص 372.
(2) السالمي في حاشية الجامع الصحيح ج 1 ص 272 – القواعد ج 1 ص 391.
(3) المدونة ج 1 ص 203. (4) نيل الأوطار ج 3 ص 33.
(5) جامع ابن بركة ج 1 ص 587 - المدونة ج 1 ص 204.
(6) عمدة القاري ج 7 ص 11
212 (1/212)
صفحة 205
ووجه الاستدلال هو ما جاء في ما جاء في الحديث من الوعيد الذى لا يقال إلا في حق تارك
فرض أو واجب، ولا سيما وقد تكرر ذلك.
وبحديث عمرو بن العاص، عن أبي بصرة الغفاري أن رسول الله الله قال: (إن الله عز وجل زادكم صلاة فيما بين العشاء إلى الصبح: الوتر، الوتر .. 1 - رواه أحمد.
وبحديث أبي أيوب أن النبي عل الله قال: (الوتر حق واجب، فمن شاء أوتر بثلاث فليوتر، ومن شاء أن يوتر بواحدة فليوتر بواحدة) رواه الدارقطني. وبحديث علي رضي الله عنه أن رسول الله الله قال (ياأهل القرآن أو تروا فإن الله وتر يحب الوتر) رواه أبو داود، وأحمد والترمذي وصححه النسائي والحاكم وابن ماجة وقد أورد العيني في العمدة عدة أدلة أخرى. وذهب الجمهور إلى أن الوتر سنة وليس بواجب، وقد حكي الإجماع على ذلك، ولكن يرده الخلاف المتقدم. ومن الإباضية الذين لا يرون الوجوب،
(1)
الإمام الربيع بن حبيب فقد قال: هو عندي غير واجب والشيخ طفيش في ترتيب المدونة (2) فإنه قال: غير واجب
واستدل القائلون بعدم الوجوب بما اتفق عليه الشيخان من حديث طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى رسول الله الله من أهل نجد. الحديث .... وفيه: فقال رسول الله الله: (خمس صلوات في اليوم والليلة. قال: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع».
وقالوا إن هذا نص من الرسول علي عدم وجوب شيء من الصلوات غير
الصلوات الخمس، وإن ما زاد عليهن فهو تطوع
(1) الجامع الصحيح. (2) ج 1 ص 204 - 205
213 (1/213)
صفحة 206
و بحديث ابن عمر أنه قال: «كان رسول الله له يوتر على الراحلة» - متفق عليه – وقالوا: إن الصلاة على الراحلة يدل على أنه تطوع لأن الفريضة لا تصلى على الراحلة.
وبحديث معاذ بن جبل لما بعثه النبي ع الله إلى اليمن قال له: «وأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة .. الحديث» – متفق عليه -. وهذا الحديث أقوى ما استدل به على عدم وجوب الوتر، وذلك لأن قد بعث معاذا إلى اليمن قبل وفاته بقليل، أى بعد الأمر بالوتر والعمل به. فلو
كان الوتر واجبا لبينه النبي الله لمعاذ
ومن
حتى
يأمر به أهل اليمن.
النبي
جهة أخرى، فإنهم أجابوا عن الأحاديث المشعرة بالوجوب بأن أكثرها
ضعيف (1) أو أنها محمولة على الاستحباب والندب المتأكد (2)
(1) الفتح الرباني ج 4 ص 279 (2) المجموع شرح المهذب ج 3 ص 517.
214 (1/214)
صفحة 207
مسألة - 25 - في القراءة في صلاة الوتر:
روى أبو غانم الخراساني قال: بلغنا أن جابر بن زيد رحمه الله تعالى يوتر بإنا أنزلناه في ليلة القدر في الركعة الأولى، والثانية بقل هو الله أحد والثالثة بآية الكرسي وخاتمة البقرة وقل هو الله أحد وذلك في رمضان (1)
وقد روي عن بعض الصحابة القراءة بغير ما ذكر قولا وفعلا: فعن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ في الوتر في أول ركعة خاتمة البقرة وفي الثانية: إنا أنزلناه في ليلة القدر وربما قرأ: قل يأيها الكافرون وفي الثالثة قل هو الله
أحد
وروي أن عمر بن الخطاب لما أمر أبي بن كعب أن يقوم بالناس في رمضان كان يوتر بهم فيقرأ في الركعة الأولى: إنا أنزلناه في ليلة القدر، وفي الثانية قل يأيها الكافرون وفي الثالثة قل هو الله أحد وروي عن علي رضي الله عنه: ليس فى القرآن شيء مهجور، فأوتر بما
شئت.
قال الترمذي: والذى اختاره أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ومن بعدهم أن يقرأ بسبح اسم ربك الأعلى، وقل يأيها الكافرون وقل هو الله أحد، يقرأ في كل ركعة من ذلك بسورة (2)
(1) المدونة الكبرى ج 1 ص 120.
(2) شرح السنة ج 4 ص 98 - الفتح الرباني ج 4 ص 307
215 (1/215)
صفحة 208
مسألة - 26 - هل الوتر بركعة واحدة أو بأكثر؟
أئمة
ذهب جمهور العلماء إلى مشروعية الإيتار بركعة واحدة. وروي عن الإمام جابر بن زيد أنه أوتر بركعة واحدة. نقل ذلك عنه صاحب نيل الأوطار (1) وممن ذهب إلى ذلك من الصحابة: الخلفاء الأربعة، وسعد بن أبي وقاص، ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس وغيرهم. ومن التابعين: الحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير. ومن المذاهب: مالك والشافعي والأوزاعي وأحمد وإسحق وابن حزم وحجتهم ما رواه ابن عمر من أن رجلا قام فقال: يارسول الله كيف صلاة الليل؟ فقال رسول الله الله) صلاة الليل مثنى مثنى، وإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة) - رواه الجماعة. وزاد أحمد في رواية: (صلاة الليل مثنى مثنى تسلم في كل ركعتين».
وذهب الهادوية والحنفية إلى أنه لا يجوز الإيتار بركعة وإلى أن المشروع هو الإيتار بثلاث ركعات
واستدلوا بما رواه محمد بن كعب القرظي أن النبي عل (نهى عن البتيراء). ورد هذا الحديث بأنه مرسل وضعيف ونفى ابن حزم صحته واحتجوا أيضا بما روي عن ابن مسعود أنه قال: (ما أجزأت ركعة قط)
وقيل: إن هذا القول لم يثبت عنه. ولو ثبت لحمل على الفرائض وذهب فريق آخر إلى أن الإيتار بثلاث متصلة. روي هذا عن عمر و وعلي وأبي وابن مسعود، وهي رواية أخرى عن جابر بن زيد. نقلها عنه هاشم جميل في
کتابه فقه سعيد بن
المسيب
(1) ج 3 ص 35 (2) ج 2 ص 54.
(2)
216 (1/216)
صفحة 209
وحجتهم أن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على أن الوتر بثلاث حسن جائز.
واختلفوا فيما عداه. قالوا: فأخذنا بما أجمعوا عليه وتركنا ما اختلفوا فيه وتعقب هذا القول بمنع الإجماع في هذه المسألة
واستدلوا أيضا بما رواه النسائي عن أبي بن كعب أن النبي الله كان يقرأ في الوتر بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الركعة الثانية بقل يأيها الكافرون، وفي الركعة الثالثة بقل هو الله أحد، ولا يسلم إلا في آخرهن. وهذا الحديث مروي بمعناه
عند أحمد والبيهقي عن عائشة
وفي المسألة أقوال أخرى كثيرة لا مجال لذكرها
وقال ابن حزم في المحلى: إن الوتر وتهجد الليل ينقسم إلى ثلاثة عشر وجها
أيها فعل أجزأه. ثم ذكرها واستدل على كل واحد منها (1).
(1) ج 2 ص 54
217 (1/217)
صفحة 210
مسألة - 27 - في المسافة التي تقصر فيها الصلاة:
لأهمها
اختلف العلماء في هذه المسألة على نحو من عشرين قولا من عشرين قولا وسنتعرض فقط. فقد روي عن الإمام جابر بن زيد أن المسافة اللازمة لتقصير الصلاة ستة أميال أو فرسخان. نقل ذلك الجيطالي، والعيني وابن حزم
(1)
و بهذا قال علي بن أبي طالب، وابن عباس من الصحابة، وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة واستدلوا بما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «صلى بنا رسول الله الله الظهر في مسجده بالمدينة أربع ركعات، ثم صلى بنا العصر بذي الحليفة ركعتين». رواه أحمد. والمسافة بين المدينة وذي الحليفة ستة أميال وقال الجيطالي والشماخي: إن هذا القول محل اتفاق بين علماء الإباضية ولكن ابن بركة يقول: اختلف أصحابنا في الموضع الذي يجب قصر الصلاة فيه للمسافر. فقال قوم: إذا خرج من منزله يريد سفرا قصر الصلاة. وقال بعضهم إذا ابتدأ العمران بعمران بلده لم يقصر حتى يخرج من العمارة (2)
وذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أن الصلاة تقصر في أربعة برد، وذلك مسيرة يوم بالسير الوسط (3) أي مسيرة مرحلتين وهما ثمانية وأربعون ميلا هاشمية وهو قول فقهاء أصحاب الحديث (4)
واستدلوا بما رواه ابن المنذر والبيهقي بإسناد صحيح وعلقه البخاري عن عطاء ابن أبي رباح أن ابن عمر وابن عباس كانا يصليان الرباعية ركعتين ويفطران في
أربعة برد.
(1) قواعد الإسلام ج 1 ص 257 - عمدة القاري ج 7 ص 119 – المحلى ج 5 ص 9.
(2) جامع ابن برکه ج 1 ص 578
167
-
(3) بداية المجتهد ج 1 ص عمدة القاري – المتقدم –
(4) الفتح الرباني ج 5 ص 107
218 (1/218)
صفحة 211
وقال أبو حنيفة والكوفيون لا يقصر في أقل من ثلاث مراحل (1) وقيل ثلاثة أيام
(2)
بسير الإبل. وهو مروي عن عثمان وابن مسعود وحذيفة وقال أبو محمد بن حزم: من خرج عن بيوت مدينته أو قريته أو موضع سكناه فمشى ميلا فصاعدا صلى ركعتين ولا بد إذا بلغ الميل. فإن مشى أقل من ذلك صلى أربعا. (3).
وفي المسألة خلافات كثيرة تراجع في الموسوعات والمطولات.
(1) الفتح الرباني ج 5 ص 107
-
(2) بداية المجتهد المتقدم
(3) المحلى ج 5 ص 2.
219 (1/219)
صفحة 212
مسألة - 28 - في المقدار الذى إذا مكث فيه المسافر في المصر لزمه الإتمام: اختلف العلماء في قدر المدة التي تقطع القصر في السفر وتوجب الإتمام إذا
دخل المسافر بلدا ونوى الإقامة فيه لقضاء حاجة. فذهب الإمام جابر بن زيد إلى أن المسافر يقصر الصلاة وإن أقام في المصر أبدا
مالم
ما لم يتخذه وطنا نقل ذلك الجيطالي في القواعد (1)
وروى الشيخ أطفيش في شرح النيل أن جابرا قال: إن خرج قوم بتجارة
فيقيمون الخمس والعشر من السنن ونووا متى تخلصوا رجعوا قصر وا (2). وهذا القول هو مذهب مسلم بن أبي كريمة، وضمام ونوح وكافة الإباضية. وقال به الإمام إبراهيم النخعي (3). وقد ذكر القرطبي هذا القول ولم ينسبه إلى أحد (4). وقال البغوي: وهو قول أكثر أهل العلم وحكاه قولا عن الشافعي وعن ابن عمر، واختاره المزني. وقال أبو عيسى: هو إجماع)
(5)
واحتجوا بما روي عن ثمامة بن شراحيل قال: خرجت إلى ابن عمر فقلت ما صلاة المسافر؟ فقال: ركعتين ركعتين إلا صلاة المغرب ثلاثا. قلت: أرأيت إن كنا بذي المجاز؟ قال: وما ذو المجاز؟ قلت: مكان نجتمع فيه ونبيع فيه، ونمكث عشرين ليلة أو خمس عشرة ليلة. فقال: يا أيها الرجل: كنت بأذربيجان لا أدري قال: أربعة أشهر أو شهرين. فرأيتهم يصلونها ركعتين ركعتين ورأيت النبي يصليها ركعتين ركعتين. ثم نزع هذه الآية لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ حتى فرغ من الآية) - رواه أحمد
صلى الله
»
(1) ج 1 ص 259
(2) ج 2 ص 379.
(3) موسوعة فقه النخعي ص: 419.
(4) أحكام القرآن: ج 5 ص 357 (5) شرح السنة ج:
220 (1/220)
صفحة 213
وذهب الإمام مالك والشافعي والليث وسعيد بن المسيب في زواية عنه إلى أن المسافر إذا أقام أربعا صلى أربعا بشرط أن ينوي الإقامة. فإن لم ينوها قصر وإن أقام حولا (1)
واستدلوا بحديث ابن الحضرمي عن النبي له: (أنه جعل للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام ثم يصدر) أخرجه النسائي وابن ماجة. ووجه الاستدلال بهذا الحديث: أن المهاجر ممنوع من الإقامة بمكة بعد أن هجرها الله تعالى. فترخيص النبي عل الله له بالإقامة ثلاثة أيام فقط دليل على أن الثلاثة في حكم السفر، والأربعة فما فوقها في حكم الإقامة. وعليه: فمن عزم الإقامة أربعة أيام فصاعدا اعتبر حكمه حكم المقيم ووجب عليه الإتمام. وهذا أصل معتمد عليه عند هؤلاء (2)
ومثله ما فعله عمر بن الخطاب حين أجلى اليهود لقول رسول الله ع: أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب) فجعل لهم مقام ثلاثة أيام في قضاء أمورهم. وقريب من هذا قول الإمام أحمد، إلا أنه وقت ذلك بعدد الصلوات فقال: إذا جمع المسافر لإحدى وعشرين صلاة مكتوبة قصر، فإذا عزم على أن يقيم أكثر من ذلك أتم.
واحتج بما روي عن النبي عل الله أنه قدم مكة لصبح رابعة من ذي الحجة وأقام الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن فكانت صلاته فيها إحدى وعشرين صلاة (3)
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن المسافر إذا نوى إقامة خمسة عشر يوما اعتبر
في حكم المقيم
(1) المحلى ج 5 ص 23
(2) القرطبي في أحكام القرآن ج.5. ج 5 ص 357.
(3) شرح السنة ج 4 ص 178
221 (1/221)
صفحة 214
واحتج بما روي عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: إذا قمت ببلد وأنت
مسافر وفي نفسك أن تقيم خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة وذهب الحسن البصري إلى أن المسافر يصير مقيما إذا دخل المصر
وقالت عائشة رضي الله عنها يصير مقيما بوضع الرحل (1). وفي المسألة أقوال أخرى تبلغ عند البعض أحد عشر قولا أو أكثر (2).
(1) الفتح الرباني ج 5 ص 109
(2) بداية المجتهد ج 1 ص 169 - والمحلى ج 5 ص 22.
222 (1/222)
صفحة 215
مسألة - 29 - في الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في السفر:
روي عن جابر بن زيد في هذه المسألة قولان:
أنه الأول: هو يجوز للمسافر أن يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقا. نقل ذلك عنه العيني في كتابه العمدة (1)
ونسب ذلك إلى جماعة من الصحابة منهم علي بن أبي طالب وسعد وسعيد بن زيد ومعاذ، وابن عمر وابن عباس. ومن التابعين: عطاء بن أبي رباح وطاوس الأئمة ومن: سفيان الثوري، والشافعي وأحمد، وأشهب من
ومجاهد
المالكية، وهو قول عن مالك
الثاني: وهو
العيني
(1)
أنه لا يجوز له الجمع إلا في عرفة والمزدلفة. ونقل هذا أيضا
وهو مذهب أبي حنيفة، وهو قول آخر لسعد بن أبي وقاص وابن عمر. وإليه ذهب ابن سيرين ومكحول وعمرو بن دينار وعمر بن عبد العزيز. وروى ابن أبي
شيبه عن أبي موسى أنه قال: الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر. (2) واستدل الفريق الأول بحديث ابن عباس قال: (صلى رسول الله لا الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر» رواه مسلم. وفي رواية قال: «جمع رسول الله الله بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر (قيل لابن عباس ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج
أمته
واستدل الفريق الثاني بما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ما رأيت رسول الله الله صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع، فإنه جمع
(1) عمدة القاري ج 7 ص 150
(2) عمدة القاري ج 7 ص 150.
223 (1/223)
صفحة 216
بين المغرب والعشاء بجمع وصلى صلاة الصبح في الغد قبل وقتها، وبما رواه مسلم عن أبي قتادة قال: «ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى».
و في المسألة مذاهب أخرى:
فذهب الإمام مالك، في المشهور عنه إلى أنه يجوز الجمع إذا جد بالمسافر السير، وروي ذلك عن أمامة بن زيد وابن عمر.
وذهب فريق آخر إلى أنه يجوز الجمع إذا أراد المسافر قطع الطريق وهو قول ابن
حبيب من المالكية
وقال آخرون إن الجمع مكروه. وقال ابن العربي، هي رواية عن مالك وقال ابن حزم: يجوز الجمع جمع تقديم لا جمع تأخير. بشرط الجد في
السفر
(1)
(1) ينظر تفصيل المسألة في الفتح الرباني ج 5 ص 117 وما بعدها.
224 (1/224)
صفحة 217
مسألة. -30 - هل يجوز الجمع بين الصلاتين في غير السفر؟
روي
الناس
(1)
أن أبا الشعثاء جابر بن زيد قال بجواز ذلك نقله عنه ابن سيد
وقال بذلك من الأئمة: محمد بن سيرين، وربيعة، وأشهب وابن المنذر وجماعة من أصحاب الحديث بشرط أن لا يتخذ ذلك عادة
الله
واستدلوا بما روي من طريق عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد أنه سمع ابن عباس رضي عنه يقول: صليت مع رسول الله الله ثمانيا جميعا، وسبعا جميعا (2) قال: قلت له: يا أبا الشعثاء: أظنه أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء؟ قال: وأنا أظن ذلك. رواه أحمد وفي مسلم بأسانيد متعددة عن سعيد بن جبير قال: فقلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحدا من أمته) وللنسائي من طريق عمرو بن هرم عن أبي الشعثاء أن ابن عباس صلى بالبصرة، يعني الظهر، والعصر ليس بينهما شيء. والمغرب والعشاء ليس بينهما شيء. فعل ذلك عن شغل. وفيه رفعه إلى النبي
الأولى
وذهب جمهور العلماء إلى أن الجمع لغير عذر لا يجوز
ودليلهم في ذلك، عموم أخبار التوقيت، وأجابوا عن حديث ابن عباس
المذكور بأنه محمول: إما على حالة المرض، وإما على حالة الغيم
(3)
(1) الفتح الرباني ج 5 ص 133.
(2) قوله ثمانيا يعني الظهر والعصر، وسبعا يعني المغرب والعشاء.
(3) المغني ج 2 ص 278
225 (1/225)
صفحة 218
مسألة - 31 - نصيب العبد من صلاته:
روي ضمام بن السائب عن جابر بن زيد قال:
أجمع علم العلماء أن ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها
نقل ذلك ابن خلفون في أجوبته (1) والجيطالي في قواعده
(2)
ولعل أصل هذا القول يرجع إلى ما روى الإمام أحمد في مسنده عن عمار بن
الله
ياسر رضي عنه قال: سمعت رسول الله الله يقول: (إن الرجل ليصلي ولعله أن لا يكون له من صلاته إلا عشرها أو تسعها أو ثمنها أو سبعها حتى انتهى إلى آخر العدد». وإلى ما رواه البيهقي عن أبي اليسر أن رسول الله الله قال: «منكم من يصلي الصلاة كاملة ومنكم من يصلي النصف والثلث والربع والخمس حتى بلغ
العشر».
وعن أبي هريرة أن رسول الله الله قال: «إن العبد ليصلي فما يكتب له إلا
عشر صلاته والتسع والثمن والسبع حتى يكتب له صلاته تامة.»
(3)
(1) أجوبة ابن خلفون ص 89.
(2) قواعد الإسلام ج 1 ص 271 (3) الفتح الرباني ج 4 ص 138.
226 (1/226)
صفحة 219
مسألة - 32 - في قراءة السورة في الظهر والعصر:
اختلف العلماء في هذه المسألة على مذاهب:
المذهب الأول: مذهب الإباضية وابن عباس.
فقد روي عن الإمام جابر بن زيد أنه لا يرى قراءة السورة في الظهر والعصر،
وأنه لا يقرأ فيهما إلا بفاتحة الكتاب سرا، نقل ذلك الجيطالي في كتابه قواعد
(2)
الإسلام (1). وهو قول منسوب إلى عبد الله بن عباس وسويد بن غفلة
والحسن بن صالح وإبراهيم بن عليه، وهي رواية عن مالك
وهو مذهب الإباضية بالإجماع
واستدلوا على ذلك:
(4)
،
أولا: من حيث المنقول، بحديث روي عن ابن عباس أنه سئل أكان النبي ا يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال، لا، لا. فقيل له: لعله كان يقرأ في نفسه؟ فقال خمسا هذه أشد من الأولى، فكان عبدا مأمورا بلغ ما أرسل به. رواه أبو داود وأحمد والنسائي والطحاوي وبحديث ابن عباس الآخر أنه قال: قرأ النبي ع لعل الله في صلوات وسكت (أى في الظهر والعصر (فنقرأ فيما قرأ نبي الله ونسكت فيما سكت فقيل له: لعله كان يقرأ في نفسه؟ فغضب منها وقال: أيتهم رسول الله؟ رواه أحمد.
ثانيا: من حيث المعقول:
-
1 بإجماع الأمة. فقد قالوا: وجدنا الأمة توجب الاجهار في كل موضع قريء فيه بفاتحة الكتاب وسورة، وكل موضع لم يجهر فيه بالقراءة فإنما يقرأ فيه
(1) ج 1 ص 274
(2) بداية المجتهد ج 1 ص
126
(3) عمدة القاري ج 6 ص 20
(4) جامع ابن بركة - ج 1 ص 477. جامع ابن بركة - ج 1 ص 478. - القواعد ج 1 ص 274.
227 (1/227)
صفحة 220
بفاتحة الكتاب وحدها. ثم إن الأمة أجمعت على أن صلاة الظهر والعصر لا إجهار
فيها بقراءة فكان هذا دليلا على أنه لا يقرأ فيهما إلا بفاتحة الكتاب وحدها
2 - إنهم ردوا على من زعم بأن الإسرار في الظهر والعصر إنما كان لأنهما من صلاة النهار، وأن صلاة النهار لا جهر فيها فقالوا: لو كانت العلة في ذلك كذلك لوجب أن لا يجهر في صلاة الصبح، وصلاة الجمعة لأنهما من صلاة النهار. فلما أجمعوا على أن الإجهار بصلاة الجمعة وصلاة الصبح واجب دل على فساد ما ادعي به وعلى سقوط المعارضة
3 قالوا إنا وجدنا الجمعة والعيدين يجهر فيها بالقراءة لأجل السورة وهي صلاة النهار، فأخذنا فيهما، أي في الظهر والعصر، بقول من لم يقرأ فيهما إلا بفاتحة الكتاب خاصة
4 - قالوا: وجدنا الصلاة الواحدة من الليل والنهار يجهر فيها بما فيه فاتحة الكتاب وسورة، ويخفى ما فيه فاتحة الكتاب وحدها.
5 - وقالوا أخيرا، لو كان عدم الجهر فيهما راجعا إلى أنها من صلاة النهار، ولم يكن لأنهما تقرآن بفاتحة الكتاب وحدها، لكانت صلاة الليل يجهر فيها، ولم يكن ما يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وحدها من صلاة المغرب والعشاء يخافت فيها بالقراءة فيما لا قراءة فيه بغير فاتحة الكتاب (1)
يلي:
المذهب الثاني: وهو مذهب المالكية والحنفية.
فقد ذهبوا إلى وجوب قراءة السورة في الأوليين من الظهر والعصر واستدلوا بما
بحديث أبي قتادة قال: كان رسول الله الله يصلي بنا فيقرأ في الظهر والعصر
(1) جامع ابن بركة - ج 1 ص 477. جامع ابن بركة - ج 1 ص 478. - القواعد ج 1 ص 274
228 (1/228)
صفحة 221
في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية أحيانا (زاد في رواية: ويقرأ في الركعتين الأخريين بأم الكتاب (وكان يطول في الركعة الأولى من الظهر ويقصر في الثانية، وكذا في الصبح - رواه البخاري وأحمد وغيرهما. بحديث خباب بن الأرت رضي الله عنه وقد سئل هل كان رسول الله الله يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم. فقيل بأي شيء كنتم تعرفون ذلك؟ قال: باضطراب لحيته. رواه البخاري وأحمد وغيرهما بحديث أبي العالية قال: اجتمع ثلاثون من أصحاب النبي الله فقالوا وما اختلف منهم اثنان: إن رسول الله الله كان يقرأ في صلاة الظهر قدر ثلاثين آية في الركعتين الأوليين في كل ركعة وفي الركعتين الأخريين قدر النصف من ذلك، ويقرأ في العصر في الركعتين الأوليين بقدر النصف من قراءته في الركعتين الأوليين من الظهر وفي الأخريين قدر النصف من ذلك. رواه أحمد، وله شواهد عند
مسلم والنسائي عن أبي سعيد الخدري رضي
الله
عنه
إن هؤلاء ردوا حديث ابن عباس من جهتين:
1 - فقالوا، نقلا عن الخطابي: إن ابن عباس وَهِمَ في روايته
2 - إن ابن عباس تردد في المسألة. فقد روى عنه أبو داود وأحمد أنه قال: حفظت السنة كلها غير أني لا أدري أكان رسول الله لا يقرأ في الظهر والعصر
أم لا.
3 - إن معظم أحاديث الباب مثبتة، وحديث ابن عباس ينفي والمثبت مقدم
على النافي (1)
المذهب الثالث: وهو مذهب الشافعية
مجمع عليه في الصبح
فقد قال النووي: واستحباب السورة بعد الفاتحة والجمعة والأوليين من كل صلاة. وهو سنة عند جميع العلماء)
(1)
(1) الفتح الرباني. ج 3 ص 224 - نيل الأوطار ج 2 ص 234. الفتح الرباني ج 3 ص 210 –
229 (1/229)
صفحة 222
وقال صاحب المجموع: ثم يقرأ بعد الفاتحة سورة، وذلك سنة (1)
وقال النووي في شرح مسلم: قال العلماء كانت صلاة رسول الله الله تختلف في الإطالة والتخفيف باختلاف الأحوال: فإذا كان المأمومون يؤثرون التطويل ولا شغل لهم طول، وإذا لم يكن كذلك خفف. وقد يريد الإطالة ثم يعرض ما يقتضي التخفيف كبكاء الطفل ونحوه. وينضم إلى هذا أنه قد يدخل في الصلاة في أثناء الوقت فيخفف. وقيل إنما طول في بعض الأوقات وهو الأقل وخفف في معظمها. فالإطالة لبيان جوازها والتخفيف لأنه الأفضل. وقد أمر بالتخفيف، وقال إن منكم منفرين، فأيكم صلى بالناس فليخفف فإن فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة. وقيل طول في وقت وخفف في وقت ليبين أن القراءة فيما زاد على الفاتحة لا تقدير فيها من حيث الاشتراط بل يجوز قليلها وكثيرها، وإنما المشترط الفاتحة، ولهذا اتفقت الروايات عليها واختلفت فيما
صلى الله
زاد
(2)
(1) المجموع - ج 3 ص 344. (2) هامش إرشاد الساري ج 3 ص 94
230 (1/230)
صفحة 223
مسألة - 33 - في القراءة بالسورة في الركعتين الثالثة والرابعة:
اختلف العلماء في هذه المسألة
فذهب الإمام جابر بن زيد إلى استحباب القراءة في الركعتين الأخيرتين من الظهر والعصر وفي الثالثة من المغرب. نقل ذلك أبو غانم في المدونة فقد روي أنه قال: القراءة فيها وفي الركعتين الأخيرتين من الظهر والعصر أحب إلينا من ترك القراءة فيهما. (1).
وهو قول الشافعي في الجديد، وهو المنصوص عليه في الأم. (2) واستدلوا بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: حزرنا قيام رسول الله عل الله في الظهر والعصر فتحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر بقدر ثلاثين آية قدر ألم تنزيل - السجدة - وحزرنا قيامه في الأخيرتين من الظهر على النصف
من ذلك (3)
وقالوا أيضا لأنها ركعة يشرع فيها الفاتحة فيشرع فيها السورة كالأوليين (4). وقال مالك: يكره أن يقرأ في الركعتين الأخيرتين بشيء سوى أم القرآن وهو قول الشافعي في القديم، وعليه الفتوى - واستدلوا بحديث أبي قتادة أن النبي ا كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين وفي الركعتين الأخيرتين بأم الكتاب. أخرجه البخاري. وقالوا من جهة المعنى: إن الركعتين الأخيرتين مبنيتان على الحذف والاختصار ولذلك أسرت قراءتها ولم يجهر فيهما في صلاة
الجهر
(5)
(1) المدونة ج 1 ص 79.
(2) المجموع ج 3 ص 351.
(3) المجموع ج 3 ص 344
(4) المجموع ج 3 ص 350
(5) المنتقى ج 1 ص
148
231 (1/231)
صفحة 224
وذهب إبراهيم النخعي إلى أن المصلي إن شاء قرأ في الأخيرتين بفاتحة الكتاب وإن شاء لم يقرأ. وقال: لا تزد في الركعتين الأخيرتين على فاتحة الكتاب. وكان إبراهيم لا يقرأ فيهما شيئا. وإنما يسبح ويحمد الله أو يكبر (1)
وذهب آخرون إلى وجوب قراءة الفاتحة في الركعتين الأخيرتين وهو مذهب أبو بكر وعمر وابن مسعود وعائشة
جماعة
،
الصحابة منهم من وقال آخرون بوجوب القراءة في كل ركعة ولا فرق بين الأوليين والأخريين واستدلوا بقوله عليه السلام في حديث المسيء صلاته: (وافعل ذلك في صلاتك
كلها). (2)
(1) فقه النخعي
ص
389
(2) عمدة القاري ج 6 ص 19
232 (1/232)
صفحة 225
مسألة - 34 - صلاة المرء ويداه في ثيابه:
اختلف العلماء في هذه المسألة
:
فذهب جابر بن زيد إلى أن ذلك جائز إذا كان الضر يدخل عليه من حر حر أو برد. وإما إن كان لتنظف فلا يصلح، لأن الصلاة شأنها التواضع الله تعالى نقل ذلك في المدونة (1) وروي البخاري عن الحسن أنه قال: كان القوم أي الصحابة – يسجدون
على العمامة والقلنسوة ويداه في كمه
(2)
وهذا قول مالك وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق
واحتجوا بما روي عن أنس قال: كنا نصلي مع النبي الله فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود. رواه البخاري ومسلم وبما روي عن عمر بن الخطاب أنه صلى ذات يوم بالناس يوم الجمعة في يوم شديد الحر فطرح طرف ثوبه بالأرض فجعل يسجد عليه ثم قال: أيها الناس إذا وجد أحدكم الحر فليسجد على طرف ثوبه. رواه ابن أبي شيبة وبما روي عن الحسن أنه قال: إن أصحاب النبي الله كانوا يسجدون وأيديهم في ثيابهم. رواه ابن أبي شيبة (2) وقالوا من جهة المعنى: إن ذلك عضو من أعضاء السجود فجاز السجود على
(3)
(2)
حائلة كالقدمين وخالف الشافعي ذلك وقال بعدم الجواز (*) واحتج بحديث خباب قال
شكونا للنبي عل الله حر الرمضاء في جباهنا فلم يشكنا. رواه مسلم.
وبما روي عن أم سلمة أنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لغلام له يقال له
رباح: «ترب وجهك يارباح (رواه الترمذي. وضعفه
233
(1) ج 1 ص 152
(2) عمدة القاري ج 4 ص
(3) المغني ج 3 ص 558.
116
(4) الفتح الرباني ج 3 ص 290 (1/233)
صفحة 226
مسألة - 35 - في الصلاة على الفراش وشبهه:
اختلف العلماء في هذه المسألة:
فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه كان يقول: إذا اشتد الحر أو البرد فلا بأس أن يسجد المرء على ما نبت من الأرض (1)
وروي عنه أنه يكره الصلاة على كل ما ليس من الأرض. وروي ذلك
عروة بن الزبير وعبد الله بن مسعود. وروي أن أبا بكر نهى عن الصلاة على البرادع.
عن
وكان النخعي يروي عن الأسود وأصحابه أنهم يكرهون أن يصلوا على الطنافس والفرا والمسوح.
وقيل إن الحسن كان يصلي على طنفسة، قدماه وركبتاه عليها ويداه وجبهته
على الأرض.
وحكي عن ابن سيرين وابن المسيب أن الصلاة على الطنفسة بدعة وكرهه
مالك ومجاهد (2)
وخالف آخرون. فقال أبو حنيفة والشافعي: يصلي على البساط والطنفسة وحكي عن أبي الدرداء أنه قال: ما أبالي لو صليت على ست طنافس بعضها فوق
بعض.
وروي ذلك عن عمر وابن عباس وأبي وائل وعطاء وسعيد بن جبير
والحسن (2).
(1) المدونة ج 1 ص 152
(2) عمدة القاري ج 4 ص 115
234 (1/234)
صفحة 227
مسألة - 36 - هل يجوز التنفل قبل صلاة العيد وبعدها؟
اتفق العلماء على أنه ليس لصلاة العيد سنة قبلها ولا بعدها. ولكنهم اختلفوا في التنفل
فقد روي عن معتمر بن سليمان عن أبيه قال: رأيت أنس بن مالك والحسن
وسعيدا أخاه وجابر بن زيد يصلون يوم العيد قبل خروج الإمام (1).
وروي عن قتادة أن جابر بن زيد كان يصلي قبل خروج الإمام وبعده يعني في
العيدين
(1)
(2)
وروي عنه أنه كان يجيز التنفل قبل صلاة العيد وبعدها. نقل ذلك عنه الشوكاني والنووي والعيني والساعاتي) وهو قول علي بن أبي طالب وأنس بن مالك الله وعبد بن مسعود. و من التابعين إبراهيم النخعي وابن جبير والحسن البصري وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وغيرهم. وهو مذهب الشافعي بالنسبة للمأموم دون الإمام
(3)
وذهب آخرون إلى كراهية الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها .. وهو مذهب الإمام أحمد، وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر. وبه قال شريح ومسروق والضحاك والشعبي وهي رواية عن مالك.
وعنه رواية أخرى أنه لا يتطوع في المصلى قبلها ولا بعدها
(4)
(1) المحلى: ج 5 ص 290.
(2) نيل الأوطار ج 3 ص 321 - المجموع ج 5 ص 16 - عمدة القاري ج 6 ص 284 – الفتح الرباني ج 6
160
(3) الفتح الرباني ج 6 ص 159.
(4) نيل الأوطار - المتقدم.
235 (1/235)
صفحة 228
واستدل المانعون بما يلي: 1 - عن ابن عباس (أن النبي عل الله صلى يوم الفطر ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما) - الحديث. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم. 2 عن ابن عمر (أنه خرج يوم عيد فلم يصل قبلها ولا بعدها. فذكر أن النبي فعله) رواه أحمد والترمذي.
وذهب فريق ثالث إلى أنه يصلي بعدها ولا يصلي قبلها. روي ذلك عن أبي مسعود البدري الصحابي، وعلقمة ومجاهد والنخعي في رواية أخرى وروى البخاري عن ابن عباس أنه يكره الصلاة قبل العيد
عنه
(1)
واستدلوا بما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: «كان رسول الله الله يفطر يوم الفطر قبل أن يخرج وكان لا يصلي قبل الصلاة فإذا قضى صلاته صلى ركعتين) رواه أحمد. وزاد ابن ماجة: «إذا رجع إلى منزله».
وحجة الفريق الأول أن الأصل إباحة الصلاة حتى يثبت النهي. وأجابوا عن أدلة المانعين بحديث أبي ذر أن النبي لعل الله قال: (الصلاة خير موضوع فمن شاء استكثر ومن شاء استقل». رواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما
(2)
236
445
(1) موسوعة النخعي
ص
(2) الفتح الرباني ج 6 ص 160 (1/236)
صفحة 229
مسألة
- 37 - في التحدث بعد ركعتي الفجر وقبل صلاة الصبح: اختلف السلف في الكلام بعد ركعتي الفجر. فكره ذلك بعض أهل العلم إلا ما كان من ذكر الله تعالى أو ما لا بد منه
وهو قول الإمام جابر بن زيد. فقد سئل هل يفرق بين صلاة الفجر وبين الركعتين قبلها بكلام فقال: لا، إلا أن يتكلم بحاجة إن شاء. ذكر ذلك ابن أبي شيبة ونقله العيني وقد روي ذلك عن عبد الله بن م بن مسعود. وهو قول عطاء وسعيد بن جبير وأحمد وإسحق والنخعي
(1)
وكره الكوفيون الكلام قبل صلاة الفجر إلا بخير
وكان مالك يتكلم في العلم بعد ركعتي الفجر، فإذا سلم من الصبح لم يتكلم مع أحد حتى تطلع الشمس
ورأى ابن مسعود رجلا يكلم آخر بعد ركعتي الفجر فقال: إما أن تذكر الله وإما أن تسكت
ذلك
وعن سعيد بن جبير مثل ذلك.
وقال إبراهيم النخعي، كانوا يكرهون الكلام بعد الركعتين إلا بحاجة (2) وذهب الجمهور إلى جواز الكلام.
فروي عن ابن عمر أنه ربما يتكلم بعدهما، وعن الحسن وابن سيرين مثل
واستدل هؤلاء بما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي لو كان إذا صلى فإن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع حتى يؤذن بالصلاة. رواه البخاري
ومسلم وغيرهما
(1) عمدة القاري ج 7 ص 220
(2) موسوعة فقه النخعي ص 442 – نيل الأوطار ج 3 ص 26
237 (1/237)
صفحة 230
ولعل الحكمة في ذلك ما ذكره بعض العلماء من أن كلامه الله إلى عائشة وغيرها من زوجاته بعد ركعتي الفجر أن يقع الفصل بين صلاة الفجر وصلاة النفل لكلام أو اضطجاع. ولذلك نهى الرجل الذى وصل بين صلاة الصبح وغيرها بقوله: «الصبح أربعا (1)
وذهب الحنفية إلى استحباب الفصل بين الفرض والنافلة بمقدار ما يدعو المصلي بنحو قوله عليه السلام (اللهم إنك أنت السلام ومنك السلام، تباركت ياذا الجلال والإكرام». وذهب غيرهم إلى استحباب الفصل بينهما بما جاء من الأذكار الواردة عقب الصلوات. كالتسبيح والتحميد والاستغفار وغير ذلك (2)
(1) عمدة القاري ج 7 ص 220 (2) الفتح الرباني ج 4 ص 231
238 (1/238)
صفحة 231
مسألة - 38 - في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها: الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها قسمان:
القسم الأول: ما يتعلق فيه النهي بفعل المصلي للصلاة، وذلك بعد صلاة، وبعد صلاة العصر. فإذا صلى فريضته في هذين الوقتين فهو منهي عن
الصبح
التنفل بعدها.
القسم الثاني: ما يتعلق النهي فيه بالوقت نفسه. وهو وقت طلوع الشمس ووقت استوائها، ووقت غروبها. وهو موضوع هذه المسألة.
وقد اختلف العلماء في ذلك. فروى عن الإمام جابر بن زيد أنه قال: لا يصلى في الطلوع والتوسط والغروب وأنه لا يجزي قضاء. نقل ذلك أبو غانم الخراساني (1) وهو قول ابن سيرين. وقال أبو حنيفة، وأصحاب الرأي لا يجوز أن يصلى في هذه الأوقات مطلقا مفروضة أو سنة أو نافلة، قضاء أو أداء، ولم يفرقوا بين الصلاة التي لها سبب والتي لا سبب لها. واستثنوا من ذلك حالة الغروب، فقالوا: يجوز فيه عصر يومه (2)، لحديث أبي هريرة يرفعه: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) - رواه الشيخان والإمام أحمد واستدلوا بحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: على لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها الحديث أخرجه النسائي
ومالك.
واستدلوا أيضا بحديث أبي أمامة عن النبي عل وفيه: و لا تصلوا عند طلوع
(1) المدونة الكبرى ج 1 ص 40
(2) شرح السنة ج 3 ص 326 - الفتح الرباني ج 2 ص 300 - بداية المجتهد ج 1 ص 103. –
239 (1/239)
صفحة 232
الشمس فإنها تطلع بين قرني شيطان ويسجد لها كل كافر ولا عند غروبها فإنها تغرب بين قرني شيطان ويسجد لها كل كافر ولا نصف النهار فإنه عند سجر جهنم) أخرجه مسلم والبيهقي وابن ماجة.
وقال الحنابلة: تحرم صلاة التطوع فقط. واستثنوا منها سنة الفجر قبلها وركعتي الطواف وسنة الظهر بعد العصر إذا جمع، وإعادة جماعة أقيمت وهو بالمسجد. قالوا ويجوز فيها قضاء الفرائض وفعل المنذورة (1).
وذهب المالكية إلى حرمة صلاة التطوع وقت طلوع الشمس ووقت غروبها
واستثنوا من ذلك صلاة الجنازة وسجود التلاوة قبل إسفار واصفرار (2) وقال الشافعية: إن النهي عن الصلاة في هذه الأوقات إنما هو عن صلاة لا
سبب لها لها. . فأما ما لها سبب فلا كراهة فيها)
(3).
(1) الفتح الرباني نفس المرجع – (2) الفتح الرباني - نفس المرجع -
(3) المجموع شرح المهذب ج 4 ص 79 - عمدة القاري ج 5 ص 78
240 (1/240)
صفحة 233
مسالة - 39 - سجدة السهو في النافلة: اختلف العلماء في هذه المسألة
ومذهب الإمام جابر بن زيد أنه يرى وجوب سجدتي السهو في صلاة النافلة نقل ذلك عنه في المدونة الكبرى لأبي غانم (1) ويرى الشافعي، في الجديد، أن النفل والفرض في سجود السهو سواء وهو قول الحنابلة (3)
(4)
(2)
وروي عن قتادة وابن سيرين، أن التطوع لا يسجد فيه للسهو. وهو قول منسوب للشافعي في القديم. وبذلك يقول الجعفرية وحجة الأولين، عموم الصيغة الورادة في قول النبي و إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين». وهذه الصيغة لم تفرق بين الفرض والنفل. ومن جهة، فإن الجبران، وإرغام الشيطان يحتاج إليه في النفل كما يحتاج إليه في
أخرى
الفرض
(5)
وحجة الآخرين، هي أن الأصل براءة الذمة، أن الأصل براءة الذمة، فمن أوجب حكما فعليه
الدلالة (6)
(1) المدونة الكبرى ج 1 ص (2) المجموع ج 4 ص 74.
(3) المغني ج 2 ص 44
102
(4) الخلاف للطوسي ج 1 ص 158
(5) نيل
الأوطار
ج
3
ص
126
(6) الخلاف – المرجع المتقدم
241 (1/241)
صفحة 234
مسألة - 40 - من هو أحق الناس بالصلاة على الجنازة:
اختلف العلماء في هذه المسألة
فقال جابر بن زيد: يقدم الإمام على الجنازة. نقل ذلك عنه العيني في كتابه:
(1)
عمدة القاري وهو قول سالم، والقاسم، وطاوس ومجاهد وعطاء وقال ابن بطال: أكثر أهل العلم على أن الوالي أحق من الولي، وروى ذلك علقمة والأسود والحسن. وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي وأحمد وإسحق
عن
ومالك (2)
وقال الحسن: أدركت الناس وأحقهم بالصلاة على جنائزهم من رضوهم
لفرائضهم
(3)
(4)
وحجتهم ما رواه الثوري عن أبي حازم قال: شهدت الحسين بن علي رضي الله عنهما قدم سعيد بن العاص يوم مات الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما وقال له: تقدم فلولا السنة ما قدمتك، وسعيد يومئذ أمير المدينة. وقال ابن المنذر: ليس في هذا الباب أعلى من هذا لأن شهادة الحسن شهدها عوام الناس من الصحابة والمهاجرين والأنصار وخالف جماعة فقالوا: الولي أحق من الوالي، واحتجوا بأن هذا من الأمور الخاصة، وأحق قرابته: الأب ثم الجد من قبل الأب ثم الولد وولد الولد ثم الأخ للأب والأم ثم الأخ للأب ثم أقربهم عصبة وهذا مذهب الشافعي (5) والإباضية (6) مع اختلاف في الترتيب. واحتجوا
(1) عمدة القاري ج 8 ص 124
(2) الاشراف على مسائل الخلاف ج 1 ص 151. والمغني ج 2 ص 366
(3) رواه البخاري في كتاب الجنائز
(4) عمدة القاري – المتقدم -.
(5) شرح السنة ج 5 ص 348
(6) شرح النيل ج 2 ص 623 - والمدونة الكبرى ج 1 ص 222
242 (1/242)
صفحة 235
بقوله تعالى: {وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض} الآية 75 من سورة الأنفال
وقالوا إن ذلك قياس على ولاية النكاح.
(1)
وقالت طائفة أخرى بتقديم إمام الحي، وهو قول إبراهيم النخعي واستدل على ذلك بأن السلف كان يصلي على جنائز هم أئمتهم، وروي عنه أنه ذهب إلى جنازة هو وليها فأوكل الصلاة إلى إمام الحي فصلى عليها وقال ترضون به في صلاتكم ولا ترضون به على الموتى. وقال: إلا أن الزوج أحق بالصلاة على الميت من الأب.
(2)
وحكى ابن المنذر تقديم الوصي عن عائشة وسعيد بن زيد وأنس وزيد بن أرقم وأم سلمة وابن سيرين وأحمد وإسحق في رواية عنهما واحتجوا بأن أبا بكر وصى أن يصلي عليه عمر فصلى، ووصى عمر أن يصلي عليه صهيب فصلى، ووصت عائشة أن يصلي عليها أبو هريرة فصلى
(1) موسوعة النخعي ص 630 (2) المجموع ج 5 ص 177.
243 (1/243)
صفحة 236
مسألة - 41 - الصلاة على السقط
:
اختلف العلماء في الصلاة على السقط:
فقال جابر بن زيد: إذا لم يستهل لا يصلى عليه. نقل ذلك عنه الساعاتي عن
(1)
ابن المنذر) وحكاه صاحب المجموع
(1)
وروي ذلك عن ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وبه قال الزهري والثوري
(2)
وهو قول الحسن وإبراهيم النخعي والحكم وحماد ومالك والأوزاعي، وإليه ذهب أبو حنيفة، وهو الصحيح من مذهب الشافعي
(3)
(4)
واحتجوا بما روي عنه عليه السلام أنه قال: «الطفل لا يصلى عليه ولا يرث ولا يورث حتى يستهل». رواه الترمذي وقال قد اضطرب الناس فيه ورجح وقفه وفي إسناده: إسماعيل المكي وهو ضعيف) وذهب فريق آخر إلى وجوب الصلاة على الجنين إذا مضى عليه في بطن أمه أربعة أشهر، ولو لم يتحرك. وهو قول الإمام أحمد وداود وروي ذلك عن عبد الله بن عمر وابن سيرين وابن المسيب وإسحق (5). الله واستدلوا بقوله ع: (السقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة) رواه أحمد وغيره. وهو حديث صحيح (9). وقال صاحب المنتقى: إنما يصلى عليه إذا نفخت فيه الروح، وهو أن يستكمل أربعة أشهر، فأما إن سقط لدونها فلا، لأنه ليس بميت إذ لم ينفخ فيه الروح. وأصل ذلك حديث ابن مسعود قال:
(1) الفتح الرباني ج 7 ص 211 - المجموع ج 5 ص 215.
(2) موسوع رعة فقه النخعي
ص
629
(3) فقه سعيد بن المسيب 2 ص ج
125
(4) الفتح الرباني ج 7 ص 211 – المغني ج 2 ص 397
(5) المجموع - المتقدم -.
(6) شرح السنة ج 5 ص 375
244 (1/244)
صفحة 237
حدثنا رسول الله له وهو الصادق المصدوق: (إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكا بأربع كلمات: يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح» – متفق عليه
قال الشوكاني: ومحل الخلاف فيم سقط بعد أربعة أشهر ولم يستهل. وظاهر حديث الاستهلال أنه لا يصلى عليه، وهو الحق، لأن الاستهلال يدل على وجوب الحياة قبل خروج السقط، كما يدل على وجودها بعده. فاعتبار الاستهلال من الشارع دليل على أن الحياة بعد الخروج من البطن معتبرة في مشروعية الصلاة على الطفل، وأنه لا يكتفى بمجرد العلم بحياته في البطن فقط. اهـ
(1)
(1) الفتح الرباني ج 7 ص 211.
245 (1/245)
صفحة 238
مسألة - 42 - عدد تكبيرات صلاة الجنازة:
اختلف العلماء في هذه المسألة
فروي عن الإمام جابر بن زيد أن عدد تكبيرات الجنازة ثلاث. نقل ذلك عنه العيني في العمدة والنووي في شرح المجموع وابن حزم في المحلى والقرطبي في
الأحكام (1) وروى أبو عامر الشماخي أن جابر بن زيد أجاز ثلاث تكبيرات إذا ضاق الوقت (2). وأورد الشيخ طفيش عن الدارمي وغيره أن جابر بن زيد يرى ثلاث تكبيرات، ضاق الوقت أو لم يضق (3) ولكنه علق هذه الرواية بقوله: لا عن هؤلاء ولا سيما جابر ونحن أحق بالرواية عنه لأنا لزمناه ما لم يلزمه
هذا
يصبح
غيرنا (3). مكرر. وهذا القول منسوب إلى ابن عباس وابن سيرين وأنس بن مالك (4) ولم أجد لهؤلاء دليلا يستندون إليه.
وذهب فريق آخر من العلماء، إلى أن التكبير على الجنازة أربعة. وبه قال عمر ابن الخطاب، وابن عمر وزيد بن ثابت والبراء بن عازب وأبو هريرة وإبراهيم النخعي وهو قول جمهور العلماء والأئمة الأربعة
والحجة لهم ما روي عن أبي هريرة) أن رسول الله لا نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات» - حديث
متفق عليه
وذهب فريق ثالث إلى أن التكبير في صلاة الجنازة خمس مرات، روي ذلك
(1) عمدة القاري ج 7 ص 23. و ج 8 ص 116. شرح المجموع ج 5 ص 187 – المحلى ج 5 ص 127 – أحكام
القرآن ج 8 ص 22.
(2) الإيضاح ج 1 ص 760.
(3) شرح النيل ج 2 ص 635 - (3) مكرر - المدونة الكبرى ج 1 ص 223.
(4) المحلى المرجع المتقدم.
246 (1/246)
صفحة 239
عن حذيفة بن اليمان وزيد بن أرقم وعبد الرحمن بن أبي ليلى وزيد بن علي وهو قول
(1)
منسوب إلى الإمام جابر بن زيد) وإليه ذهب ابن حزم.
وحجتهم ما روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: (كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعا، وإنه كبر على جنازة خمسا فسألته فقال: كان رسول الله الله يكبرها». رواه مسلم وأصحاب السنن.
ملاحظة: قال الطحاوي بإسناده عن إبراهيم قال: قبض رسول الله الله والناس مختلفون في التكبير على الجنازة. لا نشاء أن نسمع رجلا يقول سمعت رسول الله لم يكبر سبعا وآخر يقول سمعت رسول الله يكبر خمسا وآخر يقول سمعت رسول الله يكبر أربعا إلا سمعته فاختلفوا في ذلك حتى قبض أبو بكر رضي الله عنه. فلما ولي عمر رضي الله عنه ورأى اختلاف الناس في ذلك شق عليه جدا فأرسل إلى رجال من أصحاب رسول الله لعل الله فقال: إنكم معاشر أصحاب رسول الله متى تختلفون على الناس يختلفون من بعدكم ومتى تجتمعون على أمر يجتمع الناس عليه. فتراجعوا الأمر بينهم فأجمعوا أمرهم على أن يجعلوا التكبير على
الجنائز مثل التكبير في الأضحى والفطر أربع تكبيرات)
(2)
630
(1) بداية المجتهد ج 1 ص 234
(2) عمدة القاري ج 8 ص 117 وفقه إبراهيم النخعي ص
247 (1/247)
صفحة 240
مسألة - 43 - عدد تسليمات صلاة الجنازة:
أجمع العلماء على مشروعية السلام من صلاة الجنازة، والإسرار به، ولكنهم
اختلفوا في عدد التسليمات:
فذهب الإمام جابر بن زيد إلى أن في صلاة الجنازة تسليمتين: نقل ذلك الإمام
(1)
(2)
العيني في عمدة القاري وهو مذهب الشعبي وإبراهيم النخعي وأبي حنيفة، ومشهور قول الشافعي واستدلوا بحديث عبد الله بن أبي أوفى أنه يسلم عن يمينه وعن شماله فلما انصرف قال لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله لا يصنع. رواه البيهقي. وقال عليه الحاكم: حديث صحيح وبحديث عبد الله بن مسعود أنه قال: «ثلاث خلال كان رسول الله يفعلهن تركهن الناس: إحداهن التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة) رواه البيهقي وقال النووى إسناده جيد وقال قوم: يسلم تسليمة واحدة. روي ذلك عن ابن عباس وعلي وابن عمر وجابر وأبي هريرة وأنس مالك بن
(3)
(4)
وهي رواية ثانية عن الإمام جابر بن زيد وهو قول سعيد بن جبير وابن سيرين والثورى وغيرهم. وهو قول أحمد
ومالك وإسحاق واستدلوا بما روي عن أبى هريرة مرفوعا، أن رسول الله الله صلى على جنازة فكبر عليها أربعا وسلم تسليمة واحدة - رواه الدارقطني والحاكم. وروي عن ابن المبارك أنه قال: من سلم على الجنازة تسليمتين فهو جاهل
(5)
(1) عمدة القاري ج 8 ص 123
(2) المجموع ج 5 ص 198
(3) المجموع ج 5 ص 198
(4) عمدة القاري ج 8 ص 23
(5) المغني ج 2 ص 373
248 (1/248)
صفحة 241
الباب الخامس
2.
الزكـ
ــــاة
ويشتمل على 12 مسألة
249 (1/249)
صفحة 242
مسألة - 1 - في تعريف الفقير والمسكين:
هو
اختلف في تحديد مفهوم كل من الفقير والمسكين على أقوال: فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال: (الفقير هو الذي لا يسأل والمسكين
(1)
الذي يسأل». نقل ذلك عنه أبو عبيد القاسم بن سلام، والجصاص وإلى هذا القول ذهب الإمام الطبري في تفسيره، وأيد ترجيحه بأن لفظ ينبيء عن ذلك كما قال تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ
المسكنة
الآية 61 من سورة البقرة. وقال الشافعي والجمهور: إن الفقير أسوأ حالا من المسكين، وإن المسكين
الذى له شيء لكنه لا يكفيه، والفقير الذى لا شيء له ويؤيد هذا قوله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} الآية 79 من سورة الكهف. فسماهم مساكين مع أن لهم سفينة يعملون فيها (2) وذهب أبو حنيفة إلى أن المسكين دون الفقير، واستدل بقوله تعالى:: هو أو
مسكينًا ذَا مَتْرَبَةٍ قال: لأن المراد أنه يلصق بالتراب للعرى. وقال مالك وأبو القاسم: إنهما سواء، وروي ذلك عن أبي يوسف. قالوا لأن المسكنة لازمة للفقر إذ ليس معناها الذل والهوان، فإنه ربما كان بغنى النفس أعز من الملوك الأكابر، بل معناها: العجز عن إدراك المطالب الدنيوية. والعاجز ساكن عن الانتهاض إلى مطالبه
(3)
251
(1) الأموال ص 603 - أحكام القرآن ج 3 ص 122
(2) الفتح الرباني ج 9 ص 54 (3) نيل الأوطار ج 4 ص 168. (1/251)
صفحة 243
مسألة - 2 - تقييم العروض لعدة سنين:
اختلف العلماء في عروض التجارة تقيم لعدد من السنين
فقال جابر بن زيد وأبو عبيدة والربيع بن حبيب وغيرهم من الإباضية تقوم عند رأس الحول وتخرج زكاتها لكل سنة ما أقامت. نقل ذلك الجيطالي (1) وهو قول الشافعي وأبي ثور، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي، وهو قول جمهور الفقهاء (2) والإباضية (3)
وروي عن مالك بن أنس أن لا زكاة فيها حتى تباع وإن أقامت سنين فإذا باعها
زكاها لسنة واحدة. وهو قول عطاء. ويقول الأستاذ القرضاوي في هذا الصدد:
وانفرد مالك عن الجمهور برأي فرق فيه بين صنفين من التجار: فالتاجر (المدير) وهو الذى يبيع ويشتري بالسعر الخاص ولا ينضبط له وقت في البيع والشراء (كتجارة البقالة والخردوات والأقمشة والأدوات وغيرهم من أصحاب الحوانيت والطوافين بالسلع): يرى مالك مع الجمهور أن يزكي عروضه وسلعه على رأس كل حول، وإن خالف (أي مالك) في اشتراط النصاب في أول الحول وأما التاجر الآخر. وهو الذي يشتري السلعة ويتربص بها رجاء ارتفاع السعر ويسميه المحتكر، كالذين يشترون العقار أو أراضي البناء ونحوها ويتربصون بها مدة من الزمن ويرصدون الأسواق حتى ترتفع أسعارها فيبيعوا فيرى مالك: أن الزكاة لا يتكرر وجوبها عليه بتكرر الأعوام. بل إذا باع السلعة زكاها لسنة واحدة وإن بقيت عنده أعواما
(4)
(1) قواعد الإسلام ج 2 ص 34.
(2) فقه الزكاة ج 1 ص 333
(3) فقه الزكاة ج 1 ص 334. - شرح النيل ج 3 ص 131.
(4) فقه الزكاة ج 1 ص 334.
252 (1/252)
صفحة 244
مسألة - 3 - متى يجب تقييم عروض التجارة؟.
اختلف العلماء في السعر الذى يقوم به التجار عروض تجاراتهم. فروي عن الإمام جابر بن زيد أنها تقوم بالسعر الحالي الذي تباع به السلعة عند
وجوب الزكاة. نقل ذلك عنه أبو عبيد القاسم بن سلام والجيطالي وصاحب
شرح النيل (1)
وهذا قول معظم الفقهاء.
وروي عن ابن عباس أنه كان يقول: لا بأس بالتربص حتى يبيع
(2)
التاجر
والزكاة واجبة عليه وقال القرضاوي تفسيرا لهذا الرأي: إن المقصود بالتربص هو الانتظار حتى التاجر فعلا للتأكد من أن التقويم يتم على أساس السعر الحقيقي الذي تباع به
يبيع
السلعة.
(3)
وذكر ابن رشد: أن بعض الفقهاء قالوا: يزكى الثمن الذي اشترى به السلعة لا قيمتها، ولم يسم من قال بهذا الرأي ولا دليله وقد وجدت هذا القول عند أبي يوسف. فقد روي عنه أنه قال: يقوم التاجر بالثمن الذي اشترى به سلعته وبالنقد الغالب في ذلك الموضع دراهم كانت
أو دنانير
(4)
(1) الأموال ص 426 - قواعد الاسلام ج 2 ص 35 – شرح النيل ج 3 ص 131
(2) الأموال نفسه
(3) فقه الزكاة ج 1 ص 337.
(4) تحفة الفقهاء ج 1 ص 426
253 (1/253)
صفحة 245
مسألة - 4 - هل تجب زكاة الدين؟.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه الأموال: إن في زكاة الدين إن كان من تجارة أو من غير تجارة خمسة أوجه من الفتيا تكلم بها السلف قديما وحديثا. القول الأول: إن زكاة الدين تجب إذا كان على مليء، أي إذا كان مرجو
الأداء. وقد نسب هذا القول إلى جابر بن زيد (1) بقوله: حدثنا يزيد عن ابن أبي حبيب عن عمرو بن هرم، عن جابر بن زيد قال: «أي دين ترجوه فإنه تؤدى زكاته .. وهذا القول مروي عن الصحابة مثل عمر وعثمان وابن عمر وجابر ابن عبد الله. ووافقهم على ذلك من التابعين: مجاهد وإبراهيم النخعي، وميمون
ابن مهران
القول الثاني: أن الدين إذا كان غير مرجو الأداء فتؤخر زكاته حتى يقبض ثم
يزكى بعد القبض لما مضى من السنين. وهو مذهب علي وابن عباس القول الثالث: أن الدين لا يزكى إذا قبض وإن أتت عليه سنون إلا زكاة واحدة. وهو مذهب الحسن وعمر بن عبد العزيز. وهو مذهب مالك في الديون كلها، مرجوة وغير مرجوة (2) القول الرابع: أن الزكاة تجب على الذي عليه الدين، وتسقط عن رب الدين
المالك له.
القول الخامس: أن الدين تسقط الزكاة عنه البتة، فلا تجب على واحد منهما وإن كان على ثقة مليء وهو قول عكرمة وعطاء. و مال أبو عبيد إلى ترجيح الرأى
الأول (1)
(1) الأموال، ص 431 - قواعد الإسلام ج 2 ص 40 - المغني ج 2 ص 638 - 442. (2) فقه الزكاة للقرضاوي ج 1 ص 135. - ابن المسيب ج 2 ص 185.
254 (1/254)
صفحة 246
مسألة - 5 - زكاة المال المستفاد:
أجمع العلماء على أن المال إذا كان أقل من نصاب، واستفيد إليه مال من غير
ربحه يكمل من مجموعهما نصاب أنه يستقبل به الحول من يوم كمل. واختلفوا فيما إذا استفاد مالا وعنده نصاب مال آخر قد حال عليه الحول. فروي عن الإمام جابر بن زيد في هذه المسألة أنه قال: ليس في المال زكاة حتى يحول عليه الحول. نقل ذلك عنه أبو عبيد في كتابه الأموال (1) وهو قول علي وابن
عمر
وبهذا قال مالك. ومعنى ذلك: أن المال المستفاد لا يضم إلى المال الذي وجبت فيه الزكاة. وإنما يزكى المستفاد إن كان نصابا لحوله (2) وهو قول الشافعية والحنابلة (3)
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: الفوائد كلها تزكي بحول الأصل إذا كان الأصل قد بلغ النصاب. وكذلك الربح.
وسبب
الاختلاف يرجع إلى أن المال المستفاد، هل حكمه حكم المال الوارد عليه، أم حكمه حكم مال لم يرد عليه مال آخر؟ فمن قال حكمه حكم مال لم يرد عليه مال آخر، قال لا زكاة في الفائدة ومن
جعل حكمه حكم الوارد عليه، وأنه مال واحد قال: إذا كان في الوارد عليه الزكاة بكونه نصابا اعتبر حوله بحول المال الوارد عليه
واستدل الأولون بقوله ع: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» رواه
الترمذي
(1) الأموال 411. (2) بداية المجتهد ج 1 ص 271 (3) المغني ج 2 ص 226.
255 (1/255)
صفحة 247
وهذا الحديث يقتضي أن لا يضاف مال إلى مال إلا بدليل.
ويفسر ابن رشد موقف أبي حنيفة بقوله: ويبدو أن أبا حنيفة اعتمد في هذا قياس الناض على الماشية. ومن أصله الذى يعتمده في هذا الباب أنه ليس من شرط الحول أن
يوجد المال نصابا في جميع أجزائه بل أن أجزائه بل أن يوجد نصابا في أحد طرفيه فقط، وبعضا منه في كله. فعنده إذا كان مال في أول الحول نصابا ثم هلك بعضه فصار أقل من نصاب، ثم استفاد مالا في آخر الحول صار به نصابا، أنه تجب فيه الزكاة. وهذا عنده موجود في هذا المال لأنه لم يستكمل الحول، وهو في جميع أجزائه مال واحد بعينه بل زاد. ولكن في طرفي الحول نصابا
ويرى ابن رشد من جهته أن الحول الذى اشترط في المال إنما هو في معين لا يزيد ولا ينقص، لا بربح ولا بفائدة، ولا بغير ذلك. إذا كان المقصود بالحول هو كون المال فضلة مستغني عنه وذلك أن ما بقي حولا عند المالك لم يتغير عنده فليس به حاجة إليه فجعل فيه الزكاة. فإن الزكاة إنما هي في فضول الأموال. وأما من رأى أن اشتراط الحول في المال إنما سببه النماء فواجب عليه أن يقول: تضم
الفوائد فضلا عن الأرباح إلى الأصول، وأن يعتبر النصاب في طرفي الحول
(1)
(1) للشيخ يوسف القرضاوي بحث ضاف في مسألة المال المستفاد في كتابه (فقه الزكاة) فليراجع لأهميته
صفحة 491 وما بعدها
256 (1/256)
صفحة 248
مسألة - 6 - زكاة عروض التجارة:
تجب الزكاة في قيمة عروض التجارة في قول أكثر أهل العلم. وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة إذا حال
عليها الحول
روي
ذلك عن الإمام جابر بن زيد. نقله عنه صاحب المغني والجيطالي والنووى (1) وروى أبو عبيد قال: حدثنا يزيد عن حبيب بن أبي حبيب عن عمرو ابن هرم عن جابر بن زيد أنه قال في ما كان من رقيق أو بز يراد به التجارة: قومه بنحو من ثمنه يوم حلت فيه الزكاة، ثم أخرج زكاته (2)
وهذا قول عمر وابنه وابن عباس، وبه قال الفقهاء السبعة، والحسن وميمون
ابن مهران وطاوس، والنخعي، والثوري، والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وهو قول أبي حنيفة وأحمد وحكي عن داود ومالك أنه لا زكاة فيها، لأن النبي عل الله قال: (عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق» رواه أحمد والترمذي. ورواه أبو داود بلفظ قريب
منه
وحجة الأولين ما رواه أبو داود عن سمرة بن جندب قال: (كان رسول الله لله يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع، وروى عن حماس قال: مر بي عمر فقال: أد زكاة مالك، فقلت: مالي إلا جعاب وأدم فقال قومها، ثم أد زكاتها. واشتهرت القصة بلا منكر فهي إجماع (3).
(1) المغني ج 2 ص 622 – قواعد الإسلام: ج 2 ص 34 - المجموع ج 6 ص 44 -
(2) الأموال ص 426.
(3) مجموع فتاوي ابن تيمية ج 25 ص 15.
257 (1/257)
صفحة 249
مسألة - 7 - في زكاة الحلي:
اتفق أهل العلم على وجوب الزكاة في الحلي المحظورة، وهي كل ما حرم
استعماله واتخاذه من الذهب والفضة، وهذا نظرا للإسراف المقتضي للتحريم
ويستوي في ذلك الرجال والنساء.
ولكنهم اختلفوا في الحلي المباح
فقد روي عن الإمام جابر بن زيد أنه: يرى وجوب الزكاة فيه عنه ذلك: أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال، والبغوي في
نقل
(1)
شرح السنة وابن قدامة في المغني وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين، منهم عمر وابن مسعود وعبد الله بن
عمرو وابن عباس وسعيد بن جبير وابن المسيب وابن سيرين وعطاء و من أئمة المذاهب أبو حنيفة، وابن حزم، وهو قول للشافعي، ورواية عن
أحمد
واستدل هذا الفريق بالحجج التالية:
-1 الإطلاق في الآية الكريمة: {وَالَّذِينَ يَكْسِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا
يُنفِقُونَهَا في سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} الآية 34 من سورة التوبة فالذهب والفضة في الآية يشتمل الحلي، كما يشمل النقود والسبائك، فما لم تؤد الزكاة منها فهي كنز يترتب عليه الحكم الشرعي 2 - العموم الوارد في قوله الله: (في الرقة ربع العشر» رواه أصحاب الكتب الستة وأحمد. مفهومه أن فيها صدقة إذا بلغت خمس أواق والعموم الوارد في قوله عليه السلام: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا
(1) الأموال ص 441 - شرح السنة ج 6 ص 50 – المغني ج 2 ص 606
258 (1/258)
صفحة 250
كان
يوم القيامة صفحت له صفائح من نار إلى آخر الحديث. رواه
مسلم. وأخرجه البخاري وأبوداود وغيرهما
-3 بما ورد من الأحاديث في زكاة الحلي خاصة: وقد صححها طائفة من
العلماء ومنها:
أ ما روى أبو داود من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت رسول الله الله ومعها ابنة لها، وفي يدها مسكتان (أسورتان) غليظتان من ذهب. فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا. قال: أيسرك أن يسورك الله يوم القيامة سوارين من نار؟ قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبي علي الله وقالت: هما الله ورسوله (1)
بهما
بوبما روى أبو داود - واللفظ له - والدارقطني والحاكم والبيهقي عن عائشة أنها قالت: دخل على رسول الله الله فرأى في يدي فتخات من ورق فقال: ما هذا ياعائشة؟ فقالت: صنعتهن أتزين لك يارسول الله. قال: أتؤدين زكاتهن؟ قالت: لا. أو ما شاء الله. قال: هو حسبك من النار. (الفتحات خواتيم كبار).
جثم بما رواه أبو داود وغيره عن أم سلمة قالت: كنت ألبس أوضاحا من ذهب فقلت: يارسول الله: أكنز هو؟ قال: «ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز). وقال فريق آخر: بعدم وجوب الزكاة في الحلي. ونسب القول إلى جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وأسماء بنت أبي بكر، وروي أيضا عن عائشة عنها صحيح. وهو قول الشعبي وطاووس، وسعيد بن المسيب في رواية ثانية
عائشة وهو
(1) قال الترمذي لم يصح في هذا الباب عن النبي لا شيء.
259 (1/259)
صفحة 251
وإليه ذهب الإمام مالك، وأحمد بن حنبل، وهو أظهر قولي الشافعي وهو مذهب
أبي عبيد القاسم بن سلام.
أدلة هذا القول:
تتلخص أدلة هذا الفريق فيما يلي:
أولا: إن الأصل براءة الذمم من التكاليف ما لم يرد بها دليل شرعي صحيح. ولم يوجد هذا الدليل في زكاة الحلي، لا من نص ولا من قياس على منصوص. ثانيا: إن الزكاة إنما تجب في المال النامي. أو المعد للنماء، والحلي ليس واحدا منهما، لأنه خرج عن النماء بصناعته حليا يلبس ويستعمل وينتفع به فلا زكاة فيه. وهذا مثل القول في العوامل من الإبل والبقر، فقد خرجت باستعمالها في السقي والحرث عن النماء وسقطت عنها الزكاة
رضي الله الله عنهم من
ثالثا: يؤيد هذا الاستدلال ما صح عن عدة من الصحابة رضي عدم وجوب الزكاة في الحلي. وهذا المذهب هو الذي مال إليه ورجحه يوسف القرضاوي بعد بحث الأدلة ومناقشتها (1)
وهو مذهب إمام الحرمين الجويني في ورقات الأصول (2)
الأستاذ
وقال فريق ثالث بزكاة الحلي مرة واحدة في العمر. روي ذلك عن أنس بن
مالك رضي
الله
عنه، فلا تتكرر زكاة الحلي عنده بتكرر الحول
ومن الصحابة والتابعين من فسر زكاة الحلي تفسيرا آخر فقال: ليست زكاته كزكاة النقود بإخراج ربع العشر، بل زكاته إعارته في العرس ونحوه لمن تحتاج إليه ويرون ذلك واجبا.
(1) القرضاوي. فقه الزكاة ج 1 ص 289 وما بعدها.
(2) إرشاد الفحول للشوكاني 14 حاشية الأموال ص 443 - وفقه الزكاة: ص 305.
ص
260 (1/260)
صفحة 252
روى ذلك البيهقي عن ابن عمر وابن المسيب. وروى أبو عبيد، وابن شيبة
ذلك عن كل من سعيد بن المسيب، والحسن البصري وقتادة والشعبي: إن زكاة
الحلي إعارته)
(1)
(1) إرشاد الفحول للشوكاني ص 14 حاشية الأموال ص 443 - وفقه الزكاة: ص 305.
261 (1/261)
صفحة 253
مسألة - 8 - مقدار ما يعطى العامل من الزكاة:
السعاة المكلفون بجباية الصدقات
العاملون هم وقد وقع الاتفاق بين العلماء على أن العاملين يعطون ما يستحقون من الزكاة
بقدر عملهم، وهو قول عبد الله بن عمر وعمر بن عبد العزيز
(1)
واتفقوا أيضا على أن العامل على الصدقة لا يستحق جزءا معلوما، سبعا أو
(2)
ثمنا. وإنما أجر عمله على حسب اجتهاد الإمام) وهو قول
مالك (3)
والحنابلة
(4)
وقال الإمام جابر بن زيد: ينبغي أن يجعل للعامل ما يقوته سنة، وأن الفقير لا يجد له ذلك إلا أن يكون عاملا فقيرا فيجد من هذين الطريقين (5). وقال بذلك الشيخ طفيش) ولم أجد من الفقهاء من حدد الأجرة بعام غيرهما
وحجتهم أنهم أنزلوا العامل منزلة الأجير، وقالوا إنه يستحق الأجر على العمل الذي يؤديه، بخلاف الفقير ومن في حكمه، فإنهم يستحقون الزكاة على سبيل المواساة. ورتبوا على ذلك أن العامل يأخذ أجرة المثل، وأنه يأخذ أجرته ولو كان
غنيا (7)
وخالف الشافعي فقال: إن ما يستحقه العامل يدفع له من الثمن، وهو قول مجاهد. فإذا كان الثمن مساويا للأجرة دفع إليه، وإن كان أكثر من أجرته رد
(1) أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 123
(2) عمدة القاري ج 9 ص 105
(3) الأموال
ص
606 - المنتقى ج 2 ص 153
(4) المغني ج 2 ص 503 - الشرح الكبير ج 2 ص 703.
(5) الإيضاح ج 2 ص 112
(6) شرح النيل ج 3 ص 232.
(7) نيل الأوطار ج 4 ص 175.
262 (1/262)
صفحة 254
الفضل على الأصناف الأخرى، وإن كان أقل من أجرته تمم، ويكون التتميم إما من سهم المصالح أو من حق سائر الأصناف الأخرى أو من بيت المال (1) أن آية الصدقات وردت على صيغة التسوية بين الأصناف الثمانية فإن كان أجرهم
أكثر من الثمن أعطوا من غير الزكاة (2)
وحجته
(1) المجموع ج 6 ص 194 - 195 - 196
(2) فقه الزكاج 2 ص 590.
263 (1/263)
صفحة 255
مسألة. - 9 - زكاة مال الصبي والمجنون:
أجمع العلماء على وجوب الزكاة على المسلم الحر البالغ العاقل ولكنهم اختلفوا
في مسائل منها زكاة مال الصبي والمجنون.
فذهب الإمام جابر بن زيد إلى وجوب الزكاة في مالهما. نقل ذلك عنه ابن قدامة والجيطالي وابن تيمية. وروى أبو عبيد أن جابر بن زيد سئل عن رجل ولي مال يتيم، أيعطي زكاته؟ قال نعم)
(1)
وهو قول عمر وعلي وابن عمر وعائشة والحسن بن علي وجابر بن عبد الله ومن التابعين قال به ابن سيرين وعطاء ومجاهد، ومن الأئمة: ربيعة ومالك والشافعي
والحسن بن صالح وابن حنبل وابن حزم. وهو قول الإباضية (2)
واستدلوا بالأدلة التالية: (3)
أ-
-
).
عموم النصوص الواردة من الآيات والأحاديث التي دلت على وجوب الزكاة في مال الأغنياء وجوبا مطلقا ولم تستثن صبيا ولا مجنونا ب بما رواه الشافعي بإسناده عن يوسف بن ماهك أن رسول الله الله قال: «ابتغوا في مال اليتيم، أو في أموال اليتامى لا تذهبها أو تستهلكها الصدقة). جـ ـبما رواه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي الله قال: «من ولي يتيما فليتجر له ولا يتركه حتى تأكله الصدقة.» وفي إسناده مقال. وقد صح هذا المعنى عن عمر بن الخطاب د بما روى أبو عبيد، والبيهقي وابن حزم من إيجاب الزكاة في مال الصبي عن عمر وعلى وابن عمر وعائشة وجابر بن عبد الله (4) ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة إلا رواية عن ابن عباس لا يحتج بها
(1) المغني ج 2 ص 493 - قواعد الإسلام ج 2 ص 53 - الأموال ص 451 - مجموع الفتاوى ج 25 ص 18.
(2) شرح النيل ج 3 ص 8 - والجامع لابن بركة ج 1 ص 601
(3) فقه الزكاة ج 1 ص:
(4) الأموال ص 448.
108
264 (1/264)
صفحة 256
هـ - واستندوا أيضا إلى معنى معقول من أجله فرضت الزكاة. فقالوا: إنّ مقصود الزكاة هو سد خلة الفقراء من مال الأغنياء شكرا الله تعالى وتطهيرا للمال. ومال الصبي والمجنون قابل لأداء النفقات والغرامات فلا يضيق عن
الزكاة.
وذهب آخرون إلى عدم وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون.
و به قال الحسن البصري وابن جبير والنخعي
وقال سعيد بن المسيب: لا تجب الزكاة إلا على من تجب عليه الصلاة والصيام). واستدل هؤلاء بما يلي:
(1)
أ - قالوا: إن الزكاة عبادة محضة كالصلاة والعبادة تحتاج إلى نية والصبي
والمجنون لا تتحقق عنهما النية، فلا تجب عليهما العبادة ولا يخاطبان بها وقد
سقطت عنهما الصلاة لفقدان النية فوجب أن تسقط الزكاة بالعلة نفسها
ب ـ ما جاء عن النبي عل الله تأكيدا لهذا المعنى وهو قوله «رفع القلم عن ثلاث، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق). رواه أبو داود والنسائي. ج ـ بقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} الآية
103 من التوبة
فإنهم قالوا: إن التطهير إنما يكون من أرجاس الذنوب ولا ذنب على الصبي والمجنون حتى يحتاجا إلى تطهير وتزكية، فهما إذن خارجان عمن تؤخذ منهم
الزكاة (2)
وقال آخرون بتفصيل المسألة:
237
(1) عمدة القاري ج 8. (2) فقه الزكاة ج 1 ص 106 - 107
265 (1/265)
صفحة 257
(1)
فقال أبو حنيفة: لا تجب الزكاة في مالهما إلا في الزروع والثمار) ولا يوجد دليل ظاهر لهذا الرأي (2)
وقال الجعفرية بعدم وجوب الزكاة في مالهما إذا كان صامتا. وإن كان غلات
ومواشني وجبت فيه
واحتجوا بأن الأصل عدم وجوب الزكاة وأن إيجابها يحتاج إلى دليل وليس في
الشرع ما يدل عليه
(3)
وسبب النزاع عند ابن رشد يرجع إلى اختلافهم في مفهوم الزكاة الشرعية: هل هي عبادة كالصلاة والصيام أم هي حق واجب للفقراء والمساكين في أموال الأغنياء، فمن قال إنها عبادة، اشترط البلوغ فيها، ومن قال إنها حق في الأموال لم يعتبر في ذلك بلوغا. وأما من فرق بين ما تخرجه الأرض أو لا تخرجه وبين الخفي والظاهر فلا أعلم له مستندا في هذا الوقت 4
(4)
(1) المحلى ج 5 ص 205 - بدائع الصنائع ج 2 ص 4.
(2) بداية المجتهد ج 1 ص 245
(3) الخلاف ج 1 ص 285
(4) بداية المجتهد نفسه.
266 (1/266)
صفحة 258
مسألة - 10 - هل تجب الزكاة في الزيتون؟.
اختلف الفقهاء في زكاة الزيتون.
فروي عن الإمام جابر بن زيد وجوب الزكاة فيه. نقل ذلك الجيطالي (1) وهو قول ابن عباس والزهري والأوزاعي والليث والثوري وأحمد بن حنبل. وقال مالك: يؤخذ منه العشر بعد أن يعصر ويبلغ كيله خمسة أوسق، فإن كان لا يعصر فتخرج زكاته من ثمنه (2)
وقال أبو حنيفة والثورى: يخرج من حبه
وهذا قول أصحاب العراق عامة.
وذهب ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وسفيان إلى أنه لا زكاة في الزيتون لا في حبه ولا في زيته. وهو الراجح من مذهب الشافعي
وسبب
(3)
الاختلاف يرجع إلى اختلافهم في قياسه على النخل والعنب فابن أبي ليلى ومن معه يرون أنه لا صدقة إلا في الأصناف الأربعة: وهي البر والشعير والتمر والزبيب. وقال: لا مجال للقياس، وتوقف عند مورد
النص
(4)
من
السلف.
وهذا مذهب ابن عمر والحسن وابن سيرين وجماعة واستدلوا بما روى ابن ماجة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال سن رسول الله عله الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وزاد ابن ماجة:
الذرة، وقال الشوكاني ضعيف الإسناد.
(1) قواعد الإسلام ج 2 ص 21.
(2) القرطبي ج 7 ص:
108
(3) المجموع ج 5 ص 439 (4) الأموال ص 499 - 500.
267 (1/267)
صفحة 259
وبما روي عن أبي بردة عن أبي موسى ومعاذ أن رسول الله عله بعثهما إلى اليمن، فأمرهما ألا يأخذا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الحنطة والشعير والتمر والزبيب. رواه الطبراني والحكم. وقد اختلف في رفعه ووقفه وقال هؤلاء: إن ما زاد على هذه الأربعة لا نص فيه ولا إجماع، ولا هو في معناها في غلبة الاقتيات بها وكثرة نفعها ووجودها، فلم يصح قياسه عليها ولا إلحاقه بها فيبقى على الأصل.
وذهب مالك إلى أن العلة في وجوب الزكاة في الأصناف المتقدمة
هي أنها مما
يقتات ويدخر، ولذلك قال بوجوب الزكاة في الزيتون مستدلا بعموم قوله: (فيما سقت السماء العشر، ومن جهة القياس أن هذا مقتات بزيته فوجبت فيه الزكاة (1)
وأما أبو حنيفة فيرى وجوب الزكاة في كل ما أنبتت الأرض، إلا الحطب والحشيش والقصب غير السكرى. وذلك لأن هذه مما لا يستنبته الناس عادة بل مما ينقى من الأرض. هي
عموم قوله تعالى: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ} الآية 267 من
سورة البقرة. فلم يفرق بين مخرج ومخرج
2 قوله تعالى: {وَعَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} الآية 141 من سورة الأنعام. وذلك بعد أن ذكر أنواع المأكولات من الجنات؛ معروشات وغير معروشات والنخل والزرع والزيتون والرمان، وأحق ما يحمل الحق عليه: الخضروات
(1) المنتقى ج 2 ص 163.
268 (1/268)
صفحة 260
لأنها هي التي يتيسر إيتاء الحق منها يوم القطع، وأما الحبوب فيتأخر الإيتاء فيها إلى
يوم التنقية (1)
3 - قوله: (فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر .. فلم يفرق بين ما يبقى وما لا يبقى وما يؤكل وما لا يؤكل وما يقتات وما
لا يقتات.
(1) بدائع الصنائع ج 2 ص 59.
269 (1/269)
صفحة 261
(1)
مسألة - 11 - متى تجب الزكاة في الزروع والثمار؟ أو شرط النصاب اختلف العلماء في اشتراط النصاب لوجوب الزكاة في الزروع والثمار. فذهب الإمام جابر بن زيد إلى أنه لا تجب الزكاة في شيء من ذلك حتى يبلغ خمسة أوسق. نقل ذلك عنه صاحب المغني وهو قول ابن عمر وجابر بن عبد الله وأبي أمامة، ورواية عن عمر بن عبد العزيز وهو قول الحسن وعطاء، وقول عن النخعي. وهو مذهب سعيد بن المسيب ومالك وأهل المدينة، والأوزاعي وسفيان بن سعيد وأهل العراق عامة وهو قول أكثر أهل العلم ومنهم الشافعي وابن حنبل وابن حزم وبه قال طفيش من الإباضية، وصاحب النيل والربيع بن حبيب والجعفرية (2) واستدلوا بما رواه أبو سعيد عن النبي علم أنه قال: «ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة) رواه الجماعة، والربيع بن حبيب واللفظ لمسلم. وفي لفظ له: من ثمر - بالثاء ذات النقط الثلاث
وقالوا: إن الزكاة إنما تجب في المال الذى ليس بالقليل التافه كسائر الأموال الزكاتية. وإنما لم يعتبر فيه الحول لأنه يكمل نماؤه باستحصاده، واعتبر الحول في غيره لأنه مظنة لكمال الماء
وقالوا أيضا: إن النصاب معتبر متى بلغ حدا يحتمل المواساة منه، لمظنة
حصول الغني، ولا يحصل الغني بدون النصاب
(3)
(1) المغني ج 2 ص 553.
(2) الأموال. ص 481 - المحلى ج 5 ص 240 - القرطبي ج 7 ص 100 - نيل الأوطار ج 4 ص 150 - شرح
9
ص
10 - بداية المجتهد ج 1 ص 265 - عمدة القاري ج 8 ص 259.
النيل ج 3 ص 18 - الفتح الرباني ج الجصاص ج 3 ص 13 – المنتقى ج 2 ص 90 – الخلاف ج 1 ص 293 (3) المغني ص 554
270 (1/270)
صفحة 262
وخالف قوم فقالوا: تجب الزكاة في القليل والكثير، ولا يعتبر النصاب وهو
قول أبي حنيفة وزفر والقاسم والهادى
(1)
ونسب ذلك إلى ابن عباس وزيد بن علي، ومجاهد، وحماد بن أبي سلمة،
وهي رواية عن النخعي وعمر بن عبد العزيز وعطاء وأبي رجاء العطاردى
وقال ابن عبد العزيز، من الإباضية بقول أبي حنيفة، وقال أبو غانم وبقوله
نأخذ (2).
واحتجوا بعموم قوله عل: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر. وما سقي بالنضح نصف العشر. رواه الجماعة إلا مسلما والعثري: هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي أو مؤونة. والنضح: السقي بالساقية ووجه الاستدلال بالإضافة إلى صيغة العموم، هو أن العشر مؤونة الأرض أنه لا عبرة فيه للمالك، فهو يتعلق برقبة الأرض وليس بالذمة أو بالأهلية (3)، والعشر عند أبي حنيفة كالخراج. فكما أن هذا يعد من نماء الأرض في وجوب الخراج فكذلك في وجوب العشر ويؤول أبو حنيفة الحديث الذى يستدل به الفريق الأول على أن المقصود به زكاة التجارة، وذلك لأنهم كانوا يتبايعون بالأوساق. فقيمة خمسة أو ساق مائنا
بمعنى
درهم.
وقال أيضا: إنه لا عبرة بالنصاب في هذه المسألة، لأن النصاب في أموال الزكاة كان معتبرا لحصول صفة الغنى للمالك بها وذلك غير معتبر في إيجاب العشر، لأن أصل المال هنا لا يعتبر، فهو وخمس الركاز سواء
(3)
(1) عمدة القاري ج 9 ص 73
(2) المدونة ج 1 ص 268 و 276.
(3) تحفة الفقهاء ج 1 ص 501 - المبسوط ج 3 ص 3.
271 (1/271)
صفحة 263
ويضيف إلى ذلك الاحتجاج بقاعدة أصولية مقتضاها أنه إذا وجد حديثان متعارضان أحدهما عام والآخر خاص، فإن علم تقديم العام على الخاص خص العام بالخاص، وإن علم تقديم الخاص على العام فسخ الخاص بالعام، فإن لم يعلم التاريخ فإن العام هو الآخر احتياطا
وقال ابن العربي: أقوى المذاهب وأحوطها للمساكين قول أبي حنيفة وهو
التمسك بالعموم. ولكن ابن القيم يذهب إلى وجوب العمل بالحديثين، وقال: لا يجوز معارضة أحدهما بالآخر ولا إلغاء أحدهما بالكلية.
وهذا ما رجحه الأستاذ القرضاوي (1)
(1) فقه الزكاة ج 1 ص 362.
272 (1/272)
صفحة 264
مسألة - 12 - مقدار ما يجب على الشخص الواحد في زكاة الفطر:
اختلف العلماء في المسألة
:
فروي عن الإمام جابر بن زيد أن المقدار الواجب في أصناف الزكاة في الفطرة صاع. لا فرق بين القمح والزبيب وغيرهما. نقل ذلك عنه الساعاتي في الفتح الرباني (1) والشوكاني في نيل الأوطار.
وهو قول الحسن البصري وأبي العالية. وإلى هذا الرأى ذهب الأئمة مالك وأحمد والقاسم، وهو رأي الجمهور
وقال أبو حنيفة وأصحابه، وزيد بن علي: إن المقدار المجزاء هو نصف صاع من بر، وصاع من غيره. ونسب ذلك إلى أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وابن الزبير.
وحجة الجمهور حديث أبي سعيد الخدري قال: كنا نؤدي صدقة الفطر على عهد رسول الله الله صاعا من شعير، صاعا من تمر، صاعا من زبيب، صاعا من أقط. فلما جاء معاوية جاءت السمراء (القمح الشامي) فرأى أن مدا يعدل
مدين
وقالوا: إن دلالة هذا الحديث هي أنه ذكر أشياء قيمتها مختلفة، وأوجب في كل نوع منها صاعا، فدل على أن المعتبر صاع. ولا نظر إلى قيمته
وحجة الآخرين حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: فرض رسول الله لال هذه الصدقة كذا وكذا، ونصف صاع برا. (2).
(1) الفتح الرباني ج 9 ص 147 - ونيل الأوطار ج 4 ص 197. (2) الفتح الرباني ج 9 ص 147 - ونيل الأوطار ج 4 ص 197.
273 (1/273)
صفحة 265
الباب السادس
الصـ
ــوم
ويشتمل على 18 مسألة
275 (1/275)
صفحة 266
! (1/276)
صفحة 267
مسألة - 1 - في الهلال يرى نهارا.
اختلف في الهلال يرى نهارا هل هو من الليلة المقبلة أو من الماضية
فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال: إذا رئي الهلال نهارا فهو لليلة المقبلة.
ولا فرق بين رؤيته قبل الزوال أو بعده. نقل ذلك الجصاص في الأحكام (1)
أحمد
وروي مثله عن علي بن أبي طالب وابن عمر وابن مسعود وعثمان بن عفان وسعيد بن المسيب وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي، والمشهور من قول. وهو قول الإباضية، واحتجوا بما رواه الدارقطني والبيهقي عن شقيق بن سلمة قال: أتانا كتاب عمر رضي الله عنه ونحن بخانقين، قال في كتابه: إن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى يشهد رجلان مسلمان أنهما رأياه بالأمس واحتجوا أيضا بما رواه البيهقي عن سالم بن عبد الله بن عمر أن ناسا رأوا هلال الفطر نهارا فأتم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما صيامه إلى الليل وقال: لا يرى من حيث يرونه بالليل وذهب فريق آخر إلى التمييز بين أن يرى قبل الزوال أو بعده. فقال الثوري وابن أبي ليلى وأبو يوسف، وابن حبيب المالكي، وفي قول لأحمد: إن رأوه قبل الزوال فهو لليلة الماضية، وإن كان بعده فللمقبلة. وسواء كان ذلك أول الشهر أو آخره. وهو قول ابن حزم في المحلى
(2)
حتى
واحتج هؤلاء بما روي عن عمر أنه بلغه أن قوما رأوا الهلال بعد الزوال فأفطروا
فكتب إليهم يلومهم فقال: إذا رأيتم الهلال نهارا قبل الزوال فأفطروا وإن رأيتموه
بعد الزوال فلا تفطروا (2)
(1) أحكام القرآن ج 1 ص 206.
(2) الأشراف ج 1 ص 196 - المجموع ج 6 ص 299 - 300 - القواعد ج 2 ص 72.
277 (1/277)
صفحة 268
وبما رواه البيهقي بإسناده عن إبراهيم النخعي أنه قال: كتب عمر رضي الله عنه إلى عتبة بن فرقد: إذا رأيتم الهلال نهارا قبل أن تزول الشمس تمام ثلاثين فأفطروا وإذا رأيتموه بعد ما تزول الشمس فلا تفطروا حتى تصوموا وقال النووي في شأن هذا الأثر: إنه لا حجة فيه لانقطاعه. فالنخعي لم يدرك عمر ولا قارب زمانه (1)
وسبب الخلاف هو التحري فيما سبيله التحري والرجوع إلى الآثار المروية عن
عمر بن الخطاب رضي
الله
عنه
(2)
(1) المجموع ج 6 ص 299 - 300 -
(2) القواعد ج 2 ص 72.
278 (1/278)
صفحة 269
مسألة - 2 - استقبال رمضان بيوم أو يومين وصوم يوم اختلف العلماء في هذه المسألة على النحو التالي:
الشك
فقد روي عن الإمام جابر بن زيد أنه يكره أن يتقدم رمضان بصوم إلا أن يكون ذلك صوما كان يصومه أحد. نقل ذلك عنه أبو غانم الخراساني (1) ونسب هذا القول إلى الحسن. وأصل الخلاف يرجع إلى ما رواه أبو هريرة عن النبي عل الله أنه قال: و لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين، إلا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدكم
حديث متفق على صحته.
عصى
وقال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم: كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول شهر رمضان، لمعنى رمضان، وإن كان رجل يصوم صوما فوافق صيامه ذلك فلا بأس. (2) وإلى ما روي عن عمار بن ياسر أنه قال: (من صام اليوم الذي يشك فيه فقد أبا القاسم علل). رواه أبو داود والترمذي وقال: (حديث حسن صحيح). وقال: العمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي عل الله فمن بعدهم؛ أنه لا يصوم يوم الشك من رمضان. منهم عمر وعثمان وعلي رضي عنهم وكانوا ينهون عن صوم اليوم الذى يشك فيه من رمضان. وهو قول مالك والشافعي وأحمد، والأوزاعي وسفيان وأصحاب الرأي والإباضية إلا أنهم قالوا: يجب الإمساك حتى ينتشر الناس ويرجع الرعاة، فإن صح أنه من رمضان أتموه وإلا أفطروا، وعلى الجميع الإعادة من أفطره ومن صامه لأنه صامه على غير
الله
(1) المدونة ج 1 ص 301
(2) الجامع الصحيح ج 2 ص 96 (3) قواعد الإسلام ج 2 ص 55.
279 (1/279)
صفحة 270
وقد روي عن ابن مسعود أنه قال: لأن أفطر يوما من رمضان ثم أقضيه أحب إلي من أن أزيد فيه ما ليس منه.
أما الحنفية فكانوا لا يرون بأسا من صيام يوم الشك تطوعا (1) الشك تطوعا (1) واحتجوا بقوله تعالى: {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ} الآية 184 من سورة البقرة، وهو قول: مالك (1). وكانت عائشة وأسماء رضي الله عنهما تصومان يوم الشك وتقول عائشة: لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان (2) وقالت طائفة أخرى: لا يصام يوم الشك عن فرض ولا تطوع، للنهي الوارد يروى ذلك عن أبي هريرة وابن عباس وعكرمة وسعيد بن المسيب، وجمهور
العلماء.
وقال آخرون: إذا حال دون رؤية الهلال ليلة الثلاثين من شعبان علة في السماء، من غيم ونحوه، وجب صيام يوم الثلاثين بنية رمضان
روي ذلك
عن
جماعة من الصحابة وهو الراجح من مذهب أحمد (3) واحتجوا
بما روي عن النبي علم أنه ذكر رمضان فقال: (لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأقدرواله). متفق عليه. قالوا إن معنى قوله (فأقدروا) أي ضيقوا العدد. كما في قوله تعالى: {يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} - الرعد الآية 26 - والتضييق إنما يكون بجعل شعبان تسعة وعشرين
يوما
(4)
(1) أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 206 - بدائع الصنائع للكاساني ج 1 ص 680 – فقه ابن المسيب ج 2
ص 244.
(2) شرح السنة للبغوي ج 6 ص 242.
(3) المغني ج 3 ص 8 - شرح النووي على مسلم ج 7 ص 194
(4) المغني ج 3 ص 13 -
280 (1/280)
صفحة 271
وذهب الزيدية إلى أنه: يستحب صوم يوم الشك، وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم تثبت رؤية الهلال في ليلته لأجل الغيم. فإن كانت السماء مصحية ولم
ير الهلال فإنه يتيقن أنه من شعبان فلا يكون اليوم يوم شك (1)
(1) شرح الأزهار ج 2 ص 7.
281 (1/281)
صفحة 272
مسألة - 3 - صوم رمضان في السفر.
روي عن الإمام جابر بن زيد أنه كان يصوم في السفر. نقل ذلك الطبري في كتابه تهذيب الآثار (1)
وجاء في شرح معاني الآثار أنه سئل جابر بن زيد عن صيام رمضان في السفر فقال: (يصوم من شاء إذا استطاع ذلك ما لم يتكلف أمرا يشبق عليه. وإنما أراد الله تعالى بالإفطار التيسير على عباده)
(2)
وقد اختلف علماء السلف في هذا الباب على أقوال:
فذهبت طائفة إلى أن الصوم أفضل لمن قوي عليه ولم يشق به وهو قول جابر كما تقدم، وإليه ذهب الأئمة مالك والشافعي وأبو حنيفة.
ومنهم عمر بن عبد العزيز الذى روي عنه أنه قال: «أفضلهما أيسرهما. فمن يسهل عليه حينئذ ويشق عليه القضاء بعد ذلك فالصوم في حقه أفضل» (3) وروي هذا عن حذيفة بن اليمان وأنس بن مالك وعثمان بن العاص وعروة بن الزبير والأسود بن يزيد وسعيد بن جبير والنخعي. و ممن كان يصوم في السفر ولا يفطر: عائشة وقيس بن عباد وأبو الأسود وابن سيرين وابن عمر وابنه سالم
(4)
واحتج هؤلاء بقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، وقوله بعد ذلك: وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ.
وبقوله: (فليصم رمضان حيث أدركه) رواه أحمد وغيره. وقالوا إن
(1) تهذيب الآثار ج 1 ص 328
(2) تهذيب الآثار ج 1 ص 328 حاشية رقم 2
(3) نيل الأوطار ج 4 ص 238
(4) عمدة القاري ج 11 ص 43 - المجموع ج 6 ص 292 ...
282 (1/282)
صفحة 273
(1)
الصائم إذا أفطر فقد أخر الصوم عن وقته، والإتيان بالفروض في أوقاتها أفضل ولأنه لا يأمن الفوات، ويجوز الثواب وتبرأ ذمته ولأن الصوم عزيمة والفطر رخصة والعزيمة أفضل من الرخصة ما لم تعد بضرر) واستدلوا أيضا بحديث أبي الدرداء أنه قال: (خرجنا مع رسول الله عله في شهر رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله الله وعبد الله بن رواحة). رواه البخاري ومسلم وأحمد.
وبحديث أبي سعيد الخدري قال: «كنا نغزو مع رسول الله عله في رمضان، قمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر فإن ذلك حسن) رواه مسلم.
وذهبت طائفة أخرى إلى أن المسافر مخير بين الفطر والصيام، ولكن الفطر أحسن وأفضل، وإن كان يستطيع الصيام من غير ضرر. يروى ذلك عن سعيد بن المسيب والشعبي والأوزاعي وإسحق. وهو رواية عن ابن عمر وابن عباس، وإليه ذهب أحمد بن حنبل وقال: يكره له الصوم. واستدلوا بما روي عن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال: يارسول الله: أجد بي قوة على الصيام في السفر، فهل علي جناح؟ فقال رسول الله عله: و هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه، رواه مسلم والنسائي. ووجه الدلالة في هذا الحديث أن النبي عليه السلام استحسن الأخذ بالرخصة وأباح الصوم، ولا شك أن الأفضل هو ما استحسنه النبي
(1) الأشراف ج 1 ص 207.
283 (1/283)
صفحة 274
وقالوا أيضا: لأن الفطر في السفر هو غالب فعله عليه السلام (1)
واحتجوا أيضا بقوله عل: «ليس من البر الصوم في السفر» متفق عليه. وذهبت طائفة أخرى إلى عدم جواز صوم رمضان في السفر. فقد قال ابن حزم: ا من سافر في رمضان ففرض عليه الفطر وقد بطل صومه إذا تجاوز ميلا أو
بلغه ويقضي بعد ذلك في أيام أخر (2) وهي رواية عن جابر بن زيد (3)
(
روي ذلك عن عمر وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وابن عباس وسعيد ابن جبير وإليه ذهب داود الظاهري
وحجتهم
الحديث المتقدم: (ليس من البر الصوم في السفر) وحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله لا خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم (4) فصام الناس ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب. فقيل له بعد ذلك إن بعض الناس قد صام فقال: (أولئك العصاة أولئك العصاة) رواه مسلم.
284
(1) فقه سعيد بن المسيب ج 2 ص 232 (2) المحلى ج 6 ص 243.
(3) المحلي ج 6 ص 257.
(4) كراع الغميم: موضع بين مكة والمدينة (1/284)
صفحة 275
مسألة - 4 - متى يجب الإمساك
روي عن جابر بن زيد أنه كان يتسامح في السحور عند مقاربة الفجر. نقل
هذا ابن كثير في تفسيره
هذا وروي
(1)
السلف، منهم أبو بكر وعمر وعلي وابن
عن طائفة كثيرة من مسعود وحذيفة وأبو هريرة، وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت، وعن طائفة كثيرة من التابعين منهم محمد بن علي بن الحسين وأبو مجلز وإبراهيم النخعي وعطاء والحسن ومجاهد وعروة بن الزبير.
فقد ذهب بعضهم إلى أن المراد بتبين بياض النهار من سواد الليل أن ينتشر البياض على الطرق والسكك والبيوت ويتضح النهار جليا لكل إنسان بحيث يبصر الإنسان مواقع نبله، ومنهم من ذهب إلى جواز التسحر ما لم تطلع الشمس. واحتجوا بالأحاديث الواردة في ذلك بيانا لقوله تعالى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ
الْخَيْطُ الْأَبيضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} الآية – 187 من سورة البقرة
فمن ذلك حديث حذيفة رواه الطحاوي من رواية زر بن حبيش قال:
ه تسحرت ثم انطلقت إلى المسجد فمررت بمنزل حذيفة فدخلت عليه فأمر بلقحة فحلبت وبقدر فسخنت ثم قال: كل فقلت إني أريد الصوم، فقال وأنا أريد الصوم، قال: فأكلنا وشربنا ثم أتينا المسجد فأقيمت الصلاة قال: هكذا فعل بي رسول الله عله، أو صنعت مع رسول الله الله قلت: بعد الصبح؟ قال: بعد الصبح إلا أن الشمس لم تطلع). وأخرجه النسائي وأحمد
وروى ابن حزم عن الحسن أنه قال: (كل ما امتريت).
وعن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أيكره أن أشرب وأنا في البيت لا أدري
لعلي أصبحت. قال لا بأس بذلك هو شك.
(1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 392.
285 (1/285)
صفحة 276
وروي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه أمر بغلق الباب حتى لا يرى الفجر أيضا أنه قال لسالم بن عبيد الأشجعي وله صحبة: اخرج فانظر هل
وروي عنه
طلع الفجر قال: فنظرت ثم أتيته فقلت قد ابيض وسطع ثم قال: اخرج فانظر هل طلع فنظرت فقلت قد اعترض فقال: الآن أبلغني شرابي.
وروى الترمذي بإسناده وقال حسن غريب وأبو داود عن قيس بن طلق عن أبيه أن رسول الله الله قال: «كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر» قوله: (لا يهيدنكم» أى لا يمنعنكم الأكل. من هاد يهيد. وأصل الهيد الزجر. قوله: (الساطع المصعد» قال الخطابي: سطوعه ارتفاعه مصعدا قبل أن يعترض قال: ومعنى الأحمر ههنا: أن يستبطن البياض المعترض أوائل حمرة (1) ولكن ذهب جمهور العلماء، من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من أئمة المذاهب إلى أن الدخول في الصوم يتم بطلوع الفجر الصادق، وبه يحرم الأكل والشرب والجماع.
واستدلوا بحديث عدي بن حاتم قال: علمني رسول الله الصلاة والصيام. قال: صل كذا وصم كذا، فإذا غابت الشمس فكل واشرب حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود. قال: فأخذت خيطين من شعر أبيض صلى الله وأسود فكنت أنظر فيهما فلا يتبين لي فذكرت ذلك لرسول الله فضحك وقال: يابن حاتم. إنما ذاك بياض النهار من سواد الليل – رواه أحمد وغيره. وبحديث سهل بن سعد رضي الله عنهما قال: (أنزلت: وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الأسود، ولم ينزل (من الفجر، فكان رجال إذ أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود ولا يزال
(1) عمدة القاري ج 10 ص 297.
286 (1/286)
صفحة 277
يأكل حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل الله تعالى: (من الفجر) فعلموا به الليل والنهار. رواه البخاري ومسلم والنسائي
أنه
يعني
قال القرطبي في أحكام القرآن، واختلف في الحد الذي بتبينه يجب الإمساك فقال الجمهور: ذلك الفجر المعترض في الأفق يمنة ويسرة وبهذا جاءت الأخبار ومضت عليه الأمصار. (1)
وقالت طائفة ثالثة: إنما يجب الإمساك من طلوع الشمس، كما يجوز الإفطار بغروبها. وهذا القول منسوب إلى معمر وسليمان الأعمش وأبي مجلز والحكم بن
عتيبة، فقد قالوا يجوز التسحر ما لم تطلع الشمس.
واحتجوا بحديث حذيفة المتقدم.
قال ابن كثير: وهذا القول ما أظن أحدا من أهل العلم يستقر له قدم عليه
لمخالفته نص القرآن (2)
(1) أحكام القرآن ج 2 ص
318
(2) تفسير ابن كثير ج 1 ص 392 - عمدة القاري ج 10 ص 297.
287 (1/287)
صفحة 278
مسألة - 5 - في الرجل يقدم المصر من سفره في رمضان وقد أفطر هل يمسك أو
يأكل بقية يومه
روي عن جابر بن زيد في هذه المسألة قولان:
الأول: هو أنه لا يلزمه الإمساك. نقل ذلك ابن قدامة في المغني والجصاص في
(1)
الأحكام، والجيطالي في القواعد وهو قول مالك والشافعي. وروي عن ابن مسعود أنه قال: (من أكل أول النهار فليأكل آخره). واستحب الشافعية الإمساك. وقالوا إذا أكل فلا يأكل. من يجهل عذره. وهو قول الإباضية أيضا
واستدل هؤلاء بقولهم: إنه أبيح له فطر أول النهار ظاهرا وباطنا فإذا أفطر كان له أن يستديمه إلى آخر النهار كما لو دام العذر وذهب آخرون إلى أنه يلزمه الإمساك بقية اليوم. وهو قول أبي حنيفة والنخعي والثوري والأوزاعي وغيرهم. وهو القول الثاني عن جابر بن زيد، رواه أبو غانم الخراساني في المدونة الكبرى (2). وحجتهم أن الإمساك معنى لو وجد قبل الفجر لأوجب الصيام فإذا
طراً بعده أوجب الإمساك كقيام البينة والرؤية
ولكن أبا غانم بعد أن أورد قول جابر استدركه فذكر بالسنة وقال: «والسنة المجتمع عليها أن الصائم هو الذي يترك الطعام والشراب والجماع يتوجه بذلك إلى الله عز وجل. فإذا أفطر في السفر، وقدم المصر، لا يدع الطعام والشراب والجماع لأنه مفطر». وأضاف قائلا: (وقد يحتمل منع العلماء خشية التهمة أن «يراه من لا يعلم عذره. ومنعوه من الأكل والشراب لئلا يتهمه جاهل بأمره وبهذا
نأخذ
و به نعتمد).
(1) المغني ج 3 ص 72 - أحكام القرآن ج 1 ص 217 - قواعد الإسلام ج 2 ص 102
(2) المدونة الكبرى ج 1 ص 309.
288 (1/288)
صفحة 279
ويتفرع عن هذه المسألة ما إذا قدم المسافر أثناء النهار وهو مفطر فوجد امرأته قد طهرت في أثناء النهار من حيض أو نفاس، أو برأت من مرض وهي مفطرة فله وطؤها ولا كفارة عليه عند من يبيح له الأكل.
وقال بذلك الإمام مالك، وابن حزم (1) وحجتهما أن المسافر والحائض لا يجزئهما صيام ذلك اليوم، وأن عليهما قضاءه. وهما غير صائمين أصلا فلا معنى لصيامهما ولا معنى أن يؤمرا بصوم ليس صوما وليس مؤديا لغرض وليس فيه عصيان بترك صومه وقد روي عن جابر بن زيد أنه قدم من سفر فوجد امرأته قد طهرت
فأصابها (2)
وروي مثل ذلك عن الإمام أبي عبيدة. قال أبو المورج، وكأني رأيته كره
ذلك بعد
(3)
وقال بهذا الشيخ طفيش في ترتيبه للمدونة الكبرى
(4)
(1) المنتقى ج 2 ص 51 - المحلى ج 6 ص 241.
(2) المغني - نفس المرجع - والقواعد – نفس المرجع.
(3) المدونة ج 1 ص 291
(4) المدونة ج 1 ص 338.
289 (1/289)
صفحة 280
مسألة - 6 - المرأة تصبح صائمة في رمضان ثم تحيض في ذلك اليوم روى أبو غانم في المدونة أنه ذكر عن جابر بن زيد قوله: (تتم بقية يومها
وتقضيه إذا طهرت (1)
هكذا
روي هذا النص. وهو غير معقول المعنى لأن الحائض يحرم عليها الصوم. فقد أجمع العلماء على أنه متى وجد الحيض في جزء من النهار فسد ذلك اليوم، سواء وجد في أوله أو في آخره، ومتى نوت الحائض الصوم وأمسكت مع علمها بتحريم ذلك أتمت ولم يجزئها (2)
ولعل قول جابر هذا، إن صح عنه، محمول على أنها تبقى ممسكة غير متعبدة، نظرا لحرمة رمضان. وهذا كما ورد بالنسبة لمن زال عذره في الإفطار أن يمسك لحرمة الشهر (3). وقد تفطن لذلك مرتب المدونة الشيخ طفيش رحمه الله فقال: لا يصح ذلك عن عائشة، كيف يصح عنها أن تأمر الحائض بالصوم بقية اليوم وقد حاضت. انتهى. فكأن الشيخ وجد في المدونة قولا منسوبا إلى عائشة بهذا المعنى، وهو ما لم أجده فيها
وعندي أن في النقل خطاً. ولعل المقصود بقول جابر هو ما سيأتي في المسألة
التالية:
(1) المدونة الكبرى ج 1 ص 309.
(2) المغني ج 3 ص 81. (3) شرح الأزهار ج 2 ص 26
290 (1/290)
صفحة 281
مسألة - 7 - حكم من أكل بعد طلوع الفجر وهو يظن أن عليه ليلا ثم تبين. اختلف علماء السلف في هذه المسألة.
فروي عن الإملم جابر بن زيد أنه قال: صومه تام ولا قضاء عليه. نقل ذلك الجصاص في أحكام القرآن (1) وابن حزم في المحلى (1)
وهو قول جماعة من العلماء: منهم وإسحق وداود، وجماعة من الصحابة والتابعين ذكرهم ابن حزم في المحلى. وقد استدلوا على ذلك بقوله عل: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكر هوا عليه) - رواه ابن ماجة وغيره بأسانيد صحيحة.
: منهم مجاهد وعطاء وعروة بن الزبير، والحسن
واستدلوا أيضا بما روي زيد بن وهب قال: كنت جالسا في مسجد رسول الله ع في رمضان في زمن عمر بن الخطاب فأتينا بعساس فيها شراب من بيت حفصة فشربنا ونحن نرى أنه من الليل، ثم انكشف السحاب فإذا الشمس طالعة. قال: فجعل الناس يقولون: تقضي يوما مكانه: فقال عمر: والله لا نقضيه، ما تَجَانَفْنَا لإثم - رواه الجصاص والبيهقي وغيرهما قالوا: ولأنه لم يقصد الأكل في الصوم فلم يلزمه القضاء كالناسي (2) وقال آخرون: يجب عليه القضاء، قال بذلك أبو عبيدة مسلم بين أبي كريمة وهو قول أكثر أهل العلم من أئمة المذاهب وغيرهم، ولم يفرقوا بين حالتي الإمساك والإفطار. إلا مالكا فإنه فرق بين الفرض فأوجب فيه القضاء دون التطوع (3) واحتجوا بظاهر قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ ه قائلين إن ذلك يقضي ببطلان صيامه، إذ لم يتمه ولم تفصل الآية بين من آل جاهلا بالوقت
أو عالما به
(1) أحكام القرآن ج 1 ص 240 - المحلى ج 6 ص 224 وص 234.
(2) المغني ج 3 ص 74
(3) أحكام القرآن - المتقدم – الأشراف ج 1 ص 198 – المدونة الكبرى ج 1 ص 300
291 (1/291)
صفحة 282
وبما روى البيهقي بإسناده عن ابن مسعود أنه سئل عن رجل تسحر وهو يرى
أن عليه ليلا وقد طلع الفجر فقال: (من أكل من أول النهار فليأكل من آخره)
ومعناه أنه قد أفطر
وبما رواه البيهقي أيضا مثل ذلك عن أبي سعيد الخدري وبحديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: «أفطرنا على عهد رسول الله الله في يوم غيم في رمضان ثم طلعت الشمس قلت لهشام: أمروا بالقضاء؟ قال: وبُد من ذاك (رواه البخاري وأحمد واللفظ له
(1)
وبحديث بشر بن قيس عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «كنت عنده عشية في رمضان وكان يوم غيم فظن أن الشمس قد غابت فشرب عمر وسقاني ثم نظروا إليها على سفح الجبل. فقال عمر: لا نبالي، والله نقضي يوما مكانه) ومن جهة أخرى فإنهم غلطوا زيد بن وهب في روايته السابقة لمخالفتها لبقية الروايات عن عمر بن الخطاب وقال ابن حزم: (ومن أكل وهو يظن أنه ليل أو جامع كذلك أو شرب كذلك فإذا به نهار إما بطلوع الفجر وإما بأن الشمس لم تغرب فكلاهما لم يتعمد إبطال صومه، وكلاهما ظن أنه في غير صيام والناسي ظن أنه في غير صيام ولا فرق فهما والناسي سواء ولا فرق.
(2)
(1) عمدة القاري ج 11 ص 68 - الفتح الرباني ج 10 ص 63
(2) المحلى ج 6 ص 222.
292 (1/292)
صفحة 283
مسألة - 8 - فيمن يغمى عليه وهو صائم في رمضان:
اختلف العلماء في المغمى عليه هل عليه قضاء رمضان إذا أفاق
فروي عن جابر بن زيد أنه يرى عليه قضاء الصوم إذا أفاق، وليس عليه قضاء
الصلاة. نقل ذلك أبو غانم الخراساني
(1)
وهو قول صالح الدهان وأبي عبيدة من الإباضية. وقال الجيطالي: إن الإغماء والجنون صفة يرتفع بها التكليف، فإذا ارتفع لم يوصف المغمى بصائم ولا مفطر). وهو قول الشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد (3). فقد جاء في الشرح الكبير لمختصر الخرقي ما نصه: لا نعلم خلافا في وجوب القضاء على المغمى
عليه
(2)
لأن مدته لا تتطاول غالبا وبه قال أبو ثور والشافعي في الجديد
وهو قول مالك أيضا. وعنده أن الإغماء والجنون لا يمنعان وجوب الصوم وإنما يمنعان أداءه. فإذا أفاق لزمه قضاؤه، سواء كان قبل البلوغ أو بعده وسواء أفاق قبل انقضاء الشهر أو بعده. ودليله أن الإغماء معنى يسقط فرض الصلاة فوجب إذا طرأ قبل الفجر ودام به إلى طلوع الفجر أن يمنع انعقاد الصوم كالحيض والنفاس وقال: إن الإغماء يمنع التكليف، فلا تصح النية معه
(4)
وقال قوم: إن الإغماء ليس مفسدا للصوم، وإن صوم المغمى عليه صحيح، وعليه فلا يلزمه القضاء وهو قول المزني من الشافعية وقول مكحول إلا أنه قال: أحب إلي أن يتطوع بالقضاء (5).
(1) المدونة الكبرى ج 1 ص 326
(2) القواعد ج 2 ص 93
(3) المجموع ج 6 ص 278 و 396.
(4) الأشراف ج 1 ص 205
(5) القواعد المتقدم – المجموع المتقدم.
293 (1/293)
صفحة 284
وفرق أبو حنيفة فقال: من أغمي عليه الشهر كله فعليه قضاؤه كله فإن أغمي عليه بعد ليلة من الشهر قضى الشهر كله إلا يوم تلك الليلة التي أغمي عليه فيها، لأنه قد نوى صيامه من الليل
(1)
وقال ابن حزم: إن القضاء إيجاب شرع، والشرع لا يجب إلا بنص فلم نجد إيجاب القضاء في النص إلا على أربعة: المسافر، والمريض، بالقرآن - والحائض والنفساء والمتعمد القيء - بالسنة - ولا مزيد، ويرى أن المغمى عليه حكمه حكم المريض، وأن القضاء واجب عليه بنص القرآن. (2).
(1) المحلي ج 6 ص 226. (2) المحلى ج 6 ص 228.
294 (1/294)
صفحة 285
مسألة - 9 - حكم من أكل أو شرب في رمضان ناسيا
اختلف علماء السلف في هذه المسألة على أقوال
فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال: لا شيء عليه، أي لا قضاء ولا كفارة. فقد أورد أبو غانم عن عبد الله بن عبد العزيز قال: سألت أبا عبيدة عن رجل أكل وشرب وجامع ناسيا في رمضان فقال: سألت أبا الشعثاء عن ذلك فقال: لا قضاء عليه (1)
وفي رواية أخرى: قال أبو المؤرج عن أبي عبيدة عن عمارة، وكان عمارة خادم جابر بن زيد و قد غاب بخراسان سنين. قال: قدمت على أبي الشعثاء فأمرني أن أرقى له نخلة في داره لأخترف رطبا منها، وكنت صائما فما زلت أكل منها وأخترف فذكرت أني صائم فاسترجعت فقال لي أبو الشعثاء ما شأنك؟ فقلت: إني كنت صائما ونسيت فأكلت ما دمت فأكلت ما دمت أخترف. فقال لي: الله أطعمك وسقاك، أتم صومك ولا قضاء عليك
(2)
وهذا هو قول جمهور الأئمة من الشافعية والحنفية والحنابلة. وهو قول على بن أبي طالب وأبي هريرة وابن عمر وعطاء وطاوس والحسن البصري ومجاهد
وغيرهم.
واستدل هؤلاء بما روي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله لا: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما الله أطعمه وسقاه) - رواه الجماعة إلا النسائي بألفاظ مختلفة
واستدلوا بحديث أم إسحاق الذى رواه الإمام أحمد أنها كانت عند رسول الله
(2) المدونة الكبرى ج 1 ص 341. (2) المدونة الكبرى ج 1 ص 349.
295 (1/295)
صفحة 286
فأتي بقصعة من ثريد فأكلت معه ثم تذكرت أنها صائمة فقال لها ذو اليدين: الآن بعد ما شبعت؟ فقال لها رسول الله له: (أتمي صومك، فإنما هو رزق ساقه الله إليك ..
وذهب فريق آخر إلى أن الناسي يفسد صومه وعليه القضاء دون الكفارة وهو قول مالك، وربيعة وابن أبي ليلى والقاسمية والزيدية (1)
واحتج هؤلاء بقوله تعالى: {ثُمَّ
أتِمُّوا الصَّيَامَ إِلَى الَّيْلِ وهذا لم يتمه وقد حرم الإمساك فأشبه العامد
وقالوا: إن كل فعل لا يصح الصوم مع شيء من جنسه عمدا على وجه فلا يصح مع سهوه. وقالوا أيضا: إنه مكلف حصل منه أكل في رمضان كالعامد ولأنه أكل في صوم مفترض لا يسقط بالمرض ولأن القضاء إذا وجب على المريض مع كونه أعذر من الناسي كان بأن يجب على الناسي أولى
واعتذر بعض المالكية عن الحديث بأنه خبر واحد مخالف للقاعدة وقال الشوكاني: هو اعتذار باطل، فإن الحديث قاعدة مستقلة في الصيام ولو فتح باب رد الأحاديث الصحيحة بمثل هذا لما بقي من الحديث إلا القليل ولرد من شاء ما شاء. وحمله بعضهم على التطوع.
وذهب فريق ثالث إلى التمييز بين من أفطر بالجماع وبين من أفطر بغيره ناسيا - فقال: يجب القضاء والكفارة في الجماع دون الأكل والشرب وهو قول أحمد، وعطاء والأوزاعي والليث (2)
(1) الميزان الكبرى ج 2 ص 24 - الأشراف ج 1 ص 202 - نيل الأوطار ج 4 ص 218. شرح الأزهار ج 2
ص. 19
(2) الفتح الرباني ج 10 ص 64 - المجموع ج 6 ص 367
296 (1/296)
صفحة 287
وأما الأثر المعارض بظاهره لهذا القياس فهو حديث أبي هريرة المتقدم وهذا الأثر يشهد له عموم قوله له: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا
عليه).
297 (1/297)
صفحة 288
مسألة 10 الصائم يتمضمض فيدخل الماء حلقه
اتفق العلماء على أنه تكره المبالغة في المضمضة والاستنشاق، لقوله لاله للقيط بن صبرة: (وبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائما». رواه
أبو داود والنسائي وأحمد والترمذي وصححه
واتفقوا أيضا على أنه إذا كان المتمضمض ناسيا أنه صائم، أو جاهلا فإنه لا
يبطل صومه.
ولكنهم اختلفوا فيمن هو ذاكر للصوم، عالم بالتحريم.
(1)
فذهب الإمام جابر بن زيد إلى أنه إذا سبقه الماء إلى حلقه وهو غير متعمد فلا شيء عليه ولا قضاء. نقل ذلك في المدونة الكبرى وهو قول الحنابلة، والإباضية، وبه قال الأوزاعي وإسحق، وروى ذلك عن
ابن عباس والحسن البصري وأحمد وأبي ثور. وهو قول عند المالكية (2) واستدل هؤلاء بما روي عن عمر أنه سأل النبي علي الله عن القبلة للصائم فقال: ه أرأيت لو تمضمضت من إناء وأنت صائم؟» قال قلت: لا بأس. قال: ه فمه) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وقال منكر، ولكن صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم (3)
وقالوا: إلا أنه إذا أسرف أو بالغ فزاد على ثلاث فقد فعل مكروها وقال أحمد
أن في هذه الحالة: (يعجبني يعيد الصوم».
(1) المدونة الكبرى ج 1 ص 295
(2) المنتقى ج 2 ص 52
(3) المغني ج 3 ص 44
298 (1/298)
صفحة 289
وقال آخرون ببطلان صومه
مطلقا. وهو قول مالك وأبي حنيفة والمزني وهو
قول أكثر الفقهاء. وحجتهم أنه أوصل الماء إلى جوفه ذاكرا لصومه فأفطر كما لو
كان متعمدا
(1)
وفرق آخرون بين الوضوء للفريضة، وبين الوضوء للنافلة. فقالوا إن توضاً لنافلة بطل صومه، وإن توضأ لفريضة فلا. لأنه مضطر إلى الوضوء في الفريضة ومختار في النافلة. وهو قول منسوب لابن عباس والشعبي والنخعي وابن أبي
ليلى
(2)
(1) المجموع ج 6 ص 371. (2) المجموع - المرجع السابق -
299 (1/299)
صفحة 290
مسألة - 11 - حكم الصائم إذا باشر أو قبل زوجته، أو أدام النظر
اختلف في هذه المسألة على التفصيل الآتي:
الحالة الأولى: أن لا يقترن بالأمر إنزال. فلا يفسد الصوم بغير اختلاف
الحالة الثانية: أن يكون هناك إنزال.
فروي عن الإمام جابر بن زيد عدم فساد الصوم. نقل ذلك عنه صاحب المغني (1) وهو قول الأئمة: الثوري، وأبي حنيفة، والشافعي، وابن المنذر والإمام البغوي في شرح السنة (1)
وحجتهم في ذلك: أنه إنزال عن غير مباشرة، أشبه الإنزال بالفكر
وذهب الإمام أحمد والإمام مالك إلى فساد الصوم، ونسب ذلك إلى عطاء والحسن وغيرهم. وروي ذلك أيضا عن الإمام جابر بن زيد (3) وأوجب عليه الكفارة. وحجتهم هي أنه إنزال بفعل يتلذذ به. ويمكن التحرز منه فأفسد الصوم
كالإنزال باللمس، والفكر لا يمكن التحرز منه بخلاف تكرار النظر
الحالة الثالثة: إذا أمذى الصائم بتكرار النظر
فذهب قوم إلى أنه لا يفطر به، لأنه لا نص في الفطر، ولا يمكن قياسه على
إنزال المني لمخالفته إياه في الأحكام فيبقى على الأصل.
وأما إذا نظر فصرف بصره لم يفسد صومه سواء أنزل أو لم ينزل. وقال مالك رحمه الله: إن أنزل فسد صومه لأنه أنزل بالنظر أشبه ما لو كرره.
(1) المغني ج 3 ص 113.
(2) شرح السنة ج 6 ص 292.
(3) المدونة ج 1 ص 325
300 (1/300)
صفحة 291
فيهما (1)
ويرى ابن حزم أنه: لا ينقض الصوم مباشرة الرجل امرأته أو أمته المباحة له فيما دون الفرج، تعمد الإمناء أو لم يمن، أمذى أم لم يمذ ولا قبلة كذلك
(1) المحلى ج 6 ص 203 - الفتح الرباني ج 10 ص 61.
301 (1/301)
صفحة 292
مسألة - 12 - حكم من أفطر يوما من رمضان متعمدا من غير جماع، هل عليه
قضاء؟
اختلف علماء السلف فيمن أفطر في رمضان عامدا من غير عذر هل عليه
قضاء.
فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال: بطل ما مضى من صومه وعليه بدله
نقل ذلك الخراساني عن أبي عبيدة (1) ولم يميز بين المفطر بجماع أو بغيره وبذلك قالت الإباضية. فقد ذكر الشماخي أنه: أجمع أصحابنا فيمن أكل عامدا أو شرب نهارا في رمضان من غير عذر أنه هالك وعليه القضاء، قياسا على
(2)
المجامع لاستوائهما في هتك حرمة الصوم، وهو ما رجحه صاحب النيل والقاعدة عند الإباضية هي أن الإفطار في رمضان يكون على ثلاثة أوجه: عمد، وتضييع، وشبهة. فأوجبوا القضاء والكفارة في العمد، وفي التضييع القضاء دون الكفارة، وفي الشبهة إعادة اليوم فقط (3)
وخالف ذلك جماعة الفقهاء:
(4)
فروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: يقضي يوما مكان اليوم الذي أفطره. وهو قول الأئمة: مالك وأبي حنيفة وأحمد والشافعي وجمهور العلماء واحتجوا بقوله لا في حديث الأعرابي الذى رواه أبو هريرة وفيه: «ويصوم يوما مكانه،. وهي زيادة على ما في الصحيحين رواها أحمد والبيهقي. كما احتجوا بقولهم: إن الله تعالى أوجب القضاء على المريض والمسافر مع وجود العذر فلأن يجب مع عدم العذر أولى.
(1) المدونة الكبرى ج 1 ص 323.
(2) الإيضاح ج 2 ص 202 - شرح النيل ج 3 ص 400.
(3) الإيضاح - نفسه -
(4) المجموع ج 6 ص 374 - الميزان الكبرى ج 2 ص 23 - عمدة القاري ج 11 ص 28 - المغني ج 3 ص 57.
302 (1/302)
صفحة 293
وقالت طائفة أخرى: إن كفر بالعتق والإطعام صام يوما مكان اليوم الذي أفطر وإن صام شهرين متتابعين دخل فيهما قضاء ذلك اليوم. وهو قول
الأوزاعي.
وقال ابن حزم: إنه لا كفارة على من تعمد نظرا في رمضان ما لم يبح له إلا من
وطيء في الفرج من امرأته أو أمته المباح له وطؤهما إذا لم يكن صائما فقط فإن هذا
عليه الكفارة ولا يقدر على القضاء
(1)
وفي المسألة أقوال أخرى تركناها لضعفها.
(1) المحلى ج 6 ص 185.
303 (1/303)
صفحة 294
مسألة - 13 - من أفطر يوما من رمضان متعمدا بغير جماع، هل عليه كفارة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة.
فروي عن جابر بن زيد قوله بوجوب الكفارة. كما تقدم في المسألة السابقة وهو قول الإباضية، والمالكية، تأسيسا على أن كل فطر يتضمن هتكا لحرمة الصوم تجب فيه الكفارة، وكذلك قياسا على المجامع وهو قول الحنفية أيضا. ولكنهم لا يوجبون الكفارة إلا إذا كان الفطر بما
(1)
(2)
يتغذى به، كما لا يوجبونها إذا كان الإنزال بغير جماع ويقولون: إن الكفارة تكفير الجناية إفساد الصيام من كل وجه. وهذا المعنى موجود في الأكل والشرب، لأن الصوم هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع، فكان الإفساد بأحدهما نظير الإفساد بالآخر، وإذا استويا في الإفساد فاستويا في الإثم فيجب أن يستويا في الرافع للإثم (3)
واستدلوا بما رواه أبو هريرة أن رجلا أفطر في رمضان فأمره رسول الله له أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا – الحديث رواه مالك في الموطأ والربيع بن حبيب في الجامع الصحيح وغيرهما.
وخالف ذلك جماعة فقالوا لا تجب الكفارة، وهو مذهب الشافعي وابن حزم والظاهرية وسعيد بن جبير وابن سيرين، وهو القول الراجح عند الإمام أحمد (4). وقالوا إن الكفارة خاصة بالجماع لأن الذمة بريئة فلا يثبت شيء فيها
(1) الإيضاح ج 2 ص 202 - شرح الجامع الصحيح ج 2 ص 22 - المنتقى ج 2 ص 52.
(2) المنتقى – المتقدم -
(3) تحفة الفقهاء ج 1 ص 553
(4) الميزان الكبرى ج 2 ص 23 - المغني ج 3 ص 50 - المحلى ج 6 ص 185.
304 (1/304)
صفحة 295
إلا بيقين، وحملوا مطلق الإفطار في إحدى الروايتين على الإفطار في الرواية
الأخرى. واستدلوا بحديث أبي هريرة أيضا الذى رواه في صيغة أخرى وهي: أنه قال: جاء رجل إلى النبي عل الله فقال: هلكت. قال وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان إلخ - الحديث – متفق على صحته. وسبب الخلاف يرجع إلى اختلافهم في جواز قياس المفطر بالأكل والشرب على المفطر بالجماع. فمن رأى أن شبههما واحد وهو انتهاك حرمة الصوم جعل حكمهما واحدا. ومن رأى أنه وإن كانت الكفارة عقابا لانتهاك الحرمة فإنها أشد مناسبة للجماع منها لغيره. وذلك أن العقاب المقصود به الردع والعقاب الأكبر قد يوضع لما إليه النفس أميل وهو لها أغلب من الجنايات. وإن كانت الجنايات متقاربة إذ كان المقصود من ذلك التزام الناس الشرائع وأن يكونوا أخيارا عدولا، قال: هذه الكفارة المغلظة خاصة بالجماع. وهذا إذا كان ممن يرى القياس وأما من لا يرى القياس فأمره بيّن، إنه ليس يعدى حكم الجماع إلى الأكل والشرب (1)
ويرى الشيخ السالمي في حاشيته على الجامع الصحيح أن سبب نشوء الخلاف بين الناس في وجوب الكفارة على من أفطر بغير جماع هو أن الحديثين اللذين يستدل بهما الفريقان يتعلقان بواقعتين مختلفتين اشتركتا في الإفطار واختلفتا في بيان الإفطار فأطلقت إحداهما وعينت أخراهما وقال: إنه لا لزوم لحمل المطلق على المقيد لأن القضيتين مختلفتان، ولأنّ قصة الجماع واقعة حال لا تقيد مطلقا ولا تخصص عموما. وعنده أن القياس هنا هو قياس في محله لا يمكن دفعه
لعاقل (2)
305
(1) بداية المجتهد
1 302
ص ج
(2) حاشية الجامع الصحيح ج 2 ص 23 (1/305)
صفحة 296
ولكن ابن حزم يرى أن الخبر واحد، عن رجل واحد في قصة واحدة، بدون شك. فرواه بعضهم عن الزهري مجملا. ورواه الآخرون بلفظ الخبر كما وقع وكما سئل عليه السلام وكما أفتى. (1)
(1) المحلى - المرجع السابق -
306 (1/306)
صفحة 297
مسألة - 14 - في كفارة الشيخ المفطر في رمضان
الشيخ الهرم الذى لا يستطيع الصيام يجوز له أن يفطر ولا قضاء عليه لأنه
ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها القضاء. من
ولكن هل يجب عليه إذا أفطر أن يطعم
اختلف العلماء في هذه المسألة
فقال بعض العلماء بوجوب الفدية. جاء ذلك عن الإمام جابر بن زيد. فقد روي أن امرأة كبرت فأمر ولديها بالصوم عنها أول الأمر، ثم بقيت حية إلى سنة أخرى فأمرهما بالإطعام عنها
وفي رواية أخرى أنه أمر بالإطعام أول الأمر ثم أمر بالصوم عنها (1) وهذا قول على وابن عباس وأبي هريرة وعطاء والحسن وسعيد بن المسيب وابن جبير وطاوس والأوزاعي.
ويروى عن أنس رضي الله عنه أنه ضعف عن الصوم فصنع جفنة من ثريد فدعا
ثلاثين مسكينا فأطعمهم.
وهو قول الأئمة أبي حنيفة وأحمد والشافعي في أصح قوليه.
وخالف جماعة فقالوا بعدم وجوب الفدية.
وروي ذلك عن سالم والقاسم بن محمد وربيعة وأبي ثور وابن حزم. وإليه ذهب الشافعي في أحد قوليه. وقال مالك: إن أطعم فحسن ولكنه غير واجب (2). واستدلوا على ذلك بأن هذا مفطر بعذر موجود به فلم يلزمه إطعام كالمريض والمسافر
(1) قواعد الإسلام ج 2 ص 95 - الإيضاح ج 2 ص 192 -
(2) المجموع ج 6 ص 284 - شرح السنة ج 6 ص 318 - المنتقى ج 2 ص 70 - المحلى ج 3 ص 262. والمغني
ج 3 ص 79.
307 (1/307)
صفحة 298
الخلاف
و سبب يرجع إلى اختلافهم في القراءة التي وردت في قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين له أعني قراءة (يطوقونه) فمن أوجب العمل بالقراءة التي لم تثبت في المصحف إذا وردت من طريق الآحاد
العدول قال: الشيخ منهم. ومن لم يوجب بها عملا جعل حكمه حكم المريض الذي يتمادى به المرض حتى يموت
(1)
(1) بداية المجتهد ج 1 ص 301
308 (1/308)
صفحة 299
مسألة - 15 - حكم من مات وعليه صيام.
اختلف علماء السلف في هذه المسألة، وجملة ذلك أن من مات وعليه صيام فلا يخلو حاله من أمرين:
أولهما: أن يموت قبل إمكان الصيام، إما لضيق الوقت، أو لعذر من مرض أو سفر، أو عجز عن الصوم. فهذا لا شيء عليه فقد روي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال: من مات في رخصة الله فليس عليه شيء، لأن الله تعالى حبسه عن الصوم. رواه عنه أبو غانم الخراساني) ونسب هذا القول إلى الحسن وعكرمة، وروي عن ابن عباس أنه قال في رجل مات ولم يصح من مرضه بعد رمضان: ليس عليه إطعام ولا صيام. وقال الحسن: إن صح أياما ولم يصم، صام عنه وليه قدر الأيام التي صح فيها. وإن لم يصم أطعم عنه وليه)
(1)
وقال ابن قدامة: على هذا أكثر أهل العلم. وحكي عن طاوس وقتادة أنهما قالا بوجوب الإطعام، لأنه صوم واجب، سقط بالعجز عنه فوجب الإطعام عنه كالشيخ الهرم إذا ترك الصيام لعجزه عنه، وهو قول عن ابن عباس ثانيهما: أن يموت بعد إمكان القضاء ولم يقض. وقد اختلف العلماء في هذه
الحالة:
(3)
(2)
فذهب قوم إلى أنه يصوم عنه وليه. وهو قول حماد، وأحمد وإسحق. وهذا القول للشافعي ورجحه النووي في شرحه على مسلم وذهب آخرون إلى أنه لا يجوز لأحد أن يصوم عن أحد، كما لا يصلي أحد عن. وبه قال النخعي، ومالك والثوري وأصحاب الرأى. وهو قول للشافعي، وقالوا يطعم عنه مكان كل يوم مسكين
أحد
(1) المدونة ج 1 ص 334.
(2) شرح السنة ج 6 ص 327
(3) شرح السنة ج 8 ص 25.
309 (1/309)
صفحة 300
وروي عن ابن عباس أنه فرق بين قضاء رمضان، وقضاء النذر. فقال: إن
كان عليه قضاء رمضان يطعم عنه وإن كان عليه صوم نذر صام عنه وليه وليه (1) - وهو قول منسوب إلى أحمد وإسحاق. وقالوا: إن الفرق بين النذر وغيره، أن
(2)
النيابة تدخل في العبادة بحسب خفتها، والنذر أخف لكونه لم يجب بأصل الشرع، وإنما أوجبه الناذر على نفسه وتأول بعضهم قوله عليه السلام: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه) وهو حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم، فقالوا: إن المراد بذلك الإطعام ومعناه إن أطعم عنه وليه فكأنه قد صام عنه، سمى الإطعام صياما على طريق المجاز والاتساع، لأنه ينوب عنه واحتجوا بما روي عن ابن عمر عن النبي الله قال: من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا». قال الترمذي: حديث ابن عمر لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه. والصحيح عن ابن عمر
ه
موقوف، وعليه فلا يصح يصح الاحتجاج به
ورد عليهم الشوكاني بقوله: وهذا التأويل عذر بارد لا يتمسك به منصف في مقابلة الأحاديث الصحيحة (3).
(1) شرح السنة - المرجع المتقدم -
(2) المغني ج 3 ص 83 - (3) نيل الأوطار ج 4 ص 250
310 (1/310)
صفحة 301
مسألة - 16 - في تعجيل قضاء رمضان
مذهب الإمام جابر بن زيد: أنه يجب تعجيل قضاء رمضان، ولا يرى تأخيره، لقوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أخر من الآية 184 من سورة البقرة. فإن الله أعلمهم أنه إنما وضع عنهم
الصوم
للتيسير عليهم، فإذا ذهب عنهم المرض والسفر، كانت عليهم عدة من أيام أخر
فقد وجب عليهم صومها، فإذا أخروا ولم يصوموا فقد تركوا ما عليهم ولهم إليه
سبيل. نقله عنه أبو غانم الخراساني)
(1)
وهو مذهب الحسن البصري وأبي عبيدة مسلم، وعامة فقهاء الإباضية وذهب آخرون إلى جواز تأخير القضاء بشرط أن يقضى قبل دخول رمضان
من قابل، وأنه لا شيء عليه. فالقضاء موسع عليه في الأشهر العشرة، ولكنه
الفدية، وهو
يتعين عليه في شعبان. فإذا فات رمضان ولم يصم فعليه القضاء مع الفدية، مذهب الجمهور، وروي عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وابن عباس وأبو هريرة. وقال الطحاوي عن يحيى بن أكثم وجدته عن ست من الصحابة، لا أعلم لهم مخالفا (2)
واستدلوا بما روي عن عائشة رضي رضي الله عنها قالت: «كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان، وذلك لمكان رسول الله الله رواه الجماعة. وقال الترمذي حديث حسن صحيح
واحتجوا للفدية بما روي عن أبي هريرة عن النبي علم أنه قال في رجل مرض في رمضان فأفطر ثم صح ولم يصم حتى أدركه رمضان آخر، فقال: «يصوم الذي أدركه ثم يصوم الشهر الذى أفطر فيه، ويطعم كل يوم مسكينا) - رواه الدارقطني عن أبي هريرة، وقال: إسناده صحيح موقوف.
(1) المدونة ج 1 ص 331
(2) نيل الأوطار ج 4 ص 248.
311 (1/311)
صفحة 302
وقال أبو حنيفة وأصحابه، وإبراهيم النخعي والحسن: تجب الفدية لأن الآية لم تذكرها، ولأن الحديث غير صحيح، ولأنه صوم واجب فلم يجب عليه في تأخيره كفارة كالأداء والنذر (1)
وقد اختلف القائلون بوجوب الفدية: هل يسقط القضاء بها أم لا. فذهب الأكثرون إلى أنه لا يسقط. وروي عن ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب
وقتادة وسعيد بن جبير أنهم قالوا: يطعم ولا قضاء عليه. وعن سعيد بن جبير رواية أخرى بوجوب القضاء والإطعام
هذا كله من حيث الأثر والمنقول.
(2)
أما من حيث المعقول، فإن هذه المسألة ترجع إلى دلالة الأمر، هل إن مقتضاه على الفور أم على التراخي؟
فعند الحنابلة ومن معهم، أنه يلزم المبادرة إلى القضاء حتى لو أخره مع تمكنه منه إلى أن جاء رمضان آخر أثم ووجب عليه القضاء، ووجب مع القضاء كفارة للتأخير. ووجوب المبادرة للأمر الوارد في قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أَخَرَ
والأمر يقتضي الفور.
وذهب الحنفية ومن معهم،
ما عدا الكرخي
إلى أن القضاء على التراخي
فيمكن له القضاء متى شاء من أيام السنة (3) ولو بعد رمضان القابل ولا فدية
عليه
(4)
(1) المغني - الشرخ الكبير – ج 3 ص 81. (2) شرح السنة ج 6 ص 321.
(3) أثر الاختلاف ص 325 - بدائع الصنائع ج 2 ص 1039. (4) أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 210.
312 (1/312)
صفحة 303
مسألة - 17 - قضاء رمضان متتابعا أو متفرقا
اختلف العلماء في قضاء الأيام المفطرة في رمضان، هل يجب أن يكون متتابعا أم
يجوز قضاؤها متفرقة
فقد روي عن الإمام جابر بن زيد وجوب قضائه متتابعا. نقله عنه أبو غانم الخراساني في المدونة الكبرى). وهو الراجح عند الإباضية.
(1)
و نسب هذا القول إلى عائشة، وابن عمر والشعبي وابن سيرين، وهي رواية عن علي، وهو قول الحسن البصري والنخعي
وحجتهم ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله الله: (من كان عليه صوم رمضان فليسرده ولا يقطعه) رواه الدارقطني والبيهقي وضعفه. وقال الشيخ طفيش مرتب المدونة: (لأن قضاء رمضان عندنا بمنزلة رمضان. فكما
(
أن الصوم في رمضان متتابع. فرضه الله كذلك. فقضاؤه كذلك متتابع مثله ولأن السنة على من أفطر في رمضان عدة من أيام أخر، فكل من أصبح فيه ولم يكن مسافرا فقد وجب عليه الصوم فليس له أن يدع ما وجب عليه إلى ما لا يعلم أيبلغه أم لا. فإن تركه وله عدة من أيام أخر ومات لم يجز الصوم عنه. لأن الله تعالى قال: لو فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وهذا ليس مريضا ولا مسافرا فقد وجب عليه الصوم. ولو لم يجب الصوم في كل يوم يكون فيه وهو صحيح مقيم ما وجب عليه حتى يموت. واستدلوا بما روي عن عائشة قالت: نزلت و فعدة من أيام أخر متتابعات) فسقطت متتابعات. رواه الدارقطني وقال إسناده صحيح. وهي قراءة أبي بن كعب. على أنه قد اختلف في الاحتجاج بقراءة الآحاد كما تقرر في علم
الأصول (3)
(1) المدونة الكبرى ج 1 ص 332 (2) المدونة الكبرى ج 1 ص 333 (3) نيل الأوطار ج 4 ص 246
(2)
313 (1/313)
صفحة 304
وقال آخرون: يجوز تفريق رمضان وتتابعه. ولكن التتابع أفضل. وهو قول عدد من الصحابة والتابعين. فمنهم أبو عبيدة، ومعاذ، وعمرو بن العاص وأنس وابن عباس وأبي هريرة، وسعيد بن المسيب وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير
ومجاهد
وإلى هذا القول ذهب الأئمة: مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وابن
حزم (1).
وحجتهم:
-
1 قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أخر كم الآية 184 من سورة البقرة ووجه الاستدلال: أن الله تعالى أمر بالقضاء بدون تقييد بالتتابع. 2 ما روي عن عبد الله بن عمرو قال: سئل رسول الله له عن قضاء رمضان فقال: (يقضيه تباعا، وإن فرقه أجزأه) رواه الدارقطني. وإسناده ضعيف. ولكن يعضده ما روي عن محمد بن المنكدر قال: بلغني أن رسول الله سئل عن تقطيع رمضان فقال: «ذلك إليك أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضى الدرهم والدرهمين ألم يكن قضاء؟ فالله أحق أن يعفو أو يغفر». رواه البيهقي وقال إسناده حسن، إلا أنه مرسل (2)
(1) المغني ج 3 ص 80 - المحلى ج 6 ص 261 - شرح السنة ج 6 ص 322
(2) فقه ابن المسيب ج 2 ص 239.
322
314 (1/314)
صفحة 305
مسألة - 18 - نية صوم التطوع. اختلف العلماء في هذه المسألة:
فروي عن الإمام جابر بن زيد أن صوم التطوع لا يصح إلا بتبييت النية من
(1)
الليل كالفرض. نقل ذلك عنه الإمام النووي في المجموع والساعاتي في الفتح الرباني (2) والإمام البغوي في شرح السنة (3). وهو قول عبد الله بن عمر، ومالك والليث. وقالوا: لا فرق بين الفرض والنافلة في هذه المسألة وحجتهم ما روته حفصة رضي الله عنها عن النبي عل الله أنه قال: (من لم يجمع الصيام مع الفجر فلا صيام له) رواه أحمد. وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل: لا يجب تبييت النية في التطوع وإنه لو نوى في أى وقت من النهار أجزأه واحتجوا بما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «دخل علي النبي فقال: «هل عندكم شيء؟، قلنا: لا. قال: (فإني إذا يوم
الذات
صائم) - رواه مسلم.
(4)
وروي عن عائشة أنها قالت: تصح النية بعد الزوال وروي عن علي، وابن مسعود، والنخعي أنه: لا يجب تبييت النية إلا في
صوم القضاء والنذر المطلق والكفارات. وإن وقت النية في غير هذه الحالات.
غروب شمس اليوم الأول إلى بقية من نهار اليوم الذي صامه
من
(1) ج 6.
(2)
(3)
ج.
ج 6.
ص
239
280
270
(4) المغني ج 3 ص 96
315 (1/315)
صفحة 306
الباب السابع
في الحج
ويشتمل على 30 مسألة
317 (1/317)
صفحة 307
مسألة - 1 - هل من شرط وجوب الحج على المرأة أن يكون معها زوج أو دو
محرم منها يطاوعها على الخروج معها إلى السفر للحج؟
اختلف العلماء في ذلك:
فروى أبو عبيدة عن جابر بن زيد أنه قال: (إن أصابت المرأة ذا محرم لها فلتحج. معه، وإن لم تصب ذا محرم فلتحج مع ثقاة المسلمين، وعليهم أن يمنعوها مما يمنعون به أنفسهم. أما إذا كانت ممن كان قد حج فلا تحج إلا مع ذي محرم لها. نقل ذلك الشماخي وذهب إلى ذلك مالك والشافعي والأوزاعي وابن سيرين وقالوا: ليس من
(1)
شرط الوجوب ذلك، وتخرج المرأة إلى الحج إذا وجدت رفقة مأمونة. وقال أبو حنيفة وأحمد وجماعة: إن وجود ذي محرم ومطاوعته لها شرط في
الوجوب
و سبب
الخلاف يرجع إلى معارضة الأمر بالحج والسفر إليه للنهي عن سفر المرأة ثلاثا إلا مع ذي محرم. وذلك أنه ثبت عنه عليه السلام من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وابن عباس وابن عمر أنه قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم»
فمن غلّب عموم الأمر قال: تسافر للحج وإن لم يكن معها ذو محرم ومن خصص العموم بهذا الحديث أو رأى أنه من باب تفسير الاستطاعة قال: لا تسافر للحج إلا مع ذي محرم (2)
307
(1) الإيضاح ج 2 ص 232.
(2) بداية المجتهد ج 1 ص 322 – نيل الأوطار ج 4 ص
319 (1/319)
صفحة 308
هذا بالنسبة للفريضة. وأما بالنسبة للتطوع، فلا يجوز لها أن تخرج للحج إلا
مع زوج أو محرم) وهو الراجع عند الشافعية (2)
(1) شرح النيل ج 4 ص 13 (2) المجموع ج 7 ص 66.
320 (1/320)
صفحة 309
مسألة - 2 - في قوله تعالى: {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} الآية 197 من سورة
البقرة.
اختلف العلماء في المعنى المراد من الجدال على ستة أقوال:
1 فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال: الجدال هو المراء. أي أن تماري صاحبك حتى تغضبه، وينتهي ذلك إلى السباب. نقله عنه ابن كثير في تفسيره وروي ذلك عن ابن مسعود، وابن عباس، وعطاء، وسعيد بن جبير وغيرهم. -2 وقال قتادة: الجدال هو السباب
3 - وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ومالك بن أنس: الجدال هنا أن يختلف الناس أيهم صادف موقف إبراهيم عليه السلام، كما كانوا يفعلون في الجاهلية، حين كانت قريش تقف في غير موقف سائر العرب، ثم يتجادلون بعد
ذلك
4 - وقالت طائفة أخرى، غير منسوبة، الجدال أن تقول جماعة: الحج اليوم وتقول طائفة الحج غدا
وقال مجاهد وجماعة معه: الجدال هو المماراة في الشهور حسبما كانت عليه العرب من النسيء. فقد كانوا ربما جعلوا الحج في غير ذي الحجة ويقف بعضهم
بجمع (المزدلفة) وبعضهم بعرفة، ثم يتمارون في الصواب من ذلك
6 - وقال محمد بن كعب القرظي: الجدال أن تقول طائفة: حجنا أبر من حجكم، ويقول الآخر مثل ذلك
(1) ابن كثير ج 1 ص 422 - الفتح الرباني ج 11 ص 233 - والقرطبي ج 2 ص 410 - شرح النيل ج 4 ص
321
100 (1/321)
صفحة 310
مسألة - 3 - هل تجوز العمرة أكثر من مرة في السنة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة
فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال: لا تكرر العمرة في السنة. نقله عنه الشيخ الجيطالي في مناسك الحج والشيخ طفيش في شرح النيل) وهو قول الحسن
وابن سيرين وهي رواية عن مالك
وقال النخعي: ما كانوا يعتمرون في السنة إلا مرة واحدة. وقيل إن النبي لم يفعله (2)
وذهب آخرون وهم الجمهور إلى غير ذلك: فقال الحنابلة: يجوز الاعتمار في السنة مرارا، ونقل ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وعائشة وطاوس وعكرمة والشافعي. واستدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي عل الله الله عنها أن النبي علا اعتمر عمرتين: عمرة في
ذي القعدة، وعمرة في شوال. رواه أبو داود ورجاله رجال الصحيح ورووا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله: «في كل شهر عمرة» رواه
البيهقي عن طريق الشافعي بإسناد صحيح وأجاز آخرون العمرة في سائر العام إلا في أشهر الحج. وهو قول الإباضية (3) وروي ذلك عن ابن مسعود وعمر بن الخطاب (4) وقالوا إن ذلك أتم للحج لأن العمرة تشغل عن الحج في وقته.
وقالت عائشة: حلت العمرة الدهر إلا ثلاثة أيام: يوم النحر ويومين من أيام
التشريق.
(1) المناسك ص 36 - شرح النيل ج 4 ص 6.
(2) المغني ج 3 ص 175.
(3) ج 4 ص 61. (4) المحلى ج 7 ص 67.
322 (1/322)
صفحة 311
وروي عن مالك أن العمرة جائزة في كل وقت من السنة، إلا للحاج خاصة في أيام النحر خاصة (1)
وقال الحسن البصري وابن سيرين، ومالك في قول عنه: تكره العمرة في السنة أكثر من مرة لأنها عبادة تشتمل على الطواف والسعي، فلا تفعل في السنة
إلا مرة واحدة كالحج (2)
(1) المغني ج 3 ص 175 – نيل الأوطار ج 4 ص 318.
(2) المجموع ج 7 ص 136
323 (1/323)
صفحة 312
مسألة - 4 - هل يلزم من كان متمتعا أو قارنا سعي واحد أو أكثر؟ - - ذهب الإمام جابر بن زيد إلى أن المتمتع بالعمرة إلى الحج والقارن بينهما يلزمه طوافان وسعيان. نقله عنه القرطبي في الأحكام والنووي في شرح مسلم وابن قدامة في المغني، والساعاتي في الفتح الرباني وابن حزم في المحلى و ممن قال بذلك: الشعبي، والنخعي، والثوري، وأبو حنيفة. وهي رواية عن الإمام أحمد. وبه قال الإباضية (2)
(1)
:
واستدلوا بقوله تعالى: {وَأَتِمُوا الْحَجّ وَالْعُمَرَةَ لِلَّهِ}. وقالوا إن تمامها أن صلى الله يأتي بأفعالهما على التمام والكمال. ولم يفرق بين القارن وغيره. وبقوله من جمع بين الحج والعمرة فعليه طوافان) وقالوا إنهما نسكان فكان لهما طوافان وسعيان كما لو كانا منفردين. وقد رد هذا الحديث بأنه ضعيف وأنه إن فيحمل على أنه عله أراد: عليه طواف وسعي فسماهما طوافين لأن السعي يسمى طوافا في لغة القرآن قال تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا. ويحتمل أنه أراد: عليه طوافان؛ طواف زيارة وطواف وداع. والدليل إذا تطرق إليه
الاحتمال سقط به الاستدلال.
صح
وذهب آخرون إلى أن القارن ليس عليه إلا طواف واحد للإفاضة وسعي واحد وهذا قول عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وعائشة وطاوس والحسن البصري وهو قول مالك وأحمد والشافعي وداود الظاهري وابن حزم. واحتج هؤلاء بما روي عن عائشة أنها قالت: «وأما الذين كانوا جمعوا بين الحج
قال
والعمرة فإنهم طافوا طوافا واحدا». متفق عليه. وبحديث مسلم أن النبي لعائشة أما قرنت بين الحج والعمرة: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك». وبحديث
(1) القرطبي ج 2 ص 391 – النووى ج 8 ص 163 - المغني ج 3 ص 494 - المحلى ج 7 ص 173. الساعاتي
ح 12 ص 62.
(2) شرح النيل ج 4 ص 66.
324 (1/324)
صفحة 313
ابن عمر قال: قال رسول الله له: (من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد عنهما جميعا. وبحديث جابر أن النبي عله قرن بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافا واحدا. رواهما الترمذي وقال في كل واحد منهما
حديث حسن.
وإلى هذا القول مال الشيخ ابن بركة، وهو من علماء الإباضية الأوائل في
كتابه الجامع (1)
(1) جامع ابن بركة ج 2 ص 64.
325 (1/325)
صفحة 314
مسألة - 5 - أي النسك أفضل: الإفراد أو التمتع أو القران؟ لا خلاف بين أهل العلم في أن الإحرام يقع بأي النسك الثلاثة: إما التمتع وإما الإفراد وإما القرآن. وقد دل على ذلك قول عائشة رضي الله عنها: «خرجنا مع رسول الله، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل
بحج) – متفق عليه. فذكرت التمتع والقران والإفراد
ولكنهم اختلفوا في التفضيل بينهم
(1)
فروي عن جابر بن زيد اختيار التمتع - نقله عنه صاحب المغني وهو قول عبد الله بن عمر وابن عباس، وابن الزبير، وعائشة والحسن وعطاء وأحمد بن حنبل، وهو أحد قولي الشافعي
الله
واستدل هؤلاء بما روي عن ابن عباس وجابر وأبي موسى وعائشة رضي عنهم أن النبي عل الله أمر أصحابه لما طاف بالبيت أن يحلوا، ويجعلوها عمرة. فنقلهم من الإفراد والقرآن إلى المتعة. (متفق عليه) وقالوا إنه لا ينقلهم إلا إلى ما هو أفضل. ومن جهة أخرى فإن التمتع منصوص عليه في القرآن بقوله تعالى: فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج (2) دون سائر المناسك الأخرى. ولأن التمتع يجتمع له الحج والعمرة في أشهر الحج مع كمالهما وكمال أفعالهما على وجه اليسر والسهولة مع زيادة نسك وهو الدم بالإجماع، فكان أولى.
وأما القرآن فإنما يؤتى فيه بأفعال الحج. وتدخل فيه أفعال العمرة
والفرد إنما يأتي بالحج وحده. وإن اعتمر بعده من التنعيم فقد اختلف في
إجزائها عن عمرة الإسلام. وكذلك اختلف في إجزاء عمرة القرآن. ولكن لا خلاف في إجزاء التمتع عن الحج والعمرة جميعا. فكان أفضل وأولى.
232. 494
!
(1) ج 3 ص. (2) بداية المجتهد ج 1 ص 335
326 (1/326)
صفحة 315
واحتجوا أيضا بقوله لا لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة».
واختار مالك الإفراد، واعتمد في ذلك على ما روي عن عائشة أنها قالت ه خرجنا مع رسول الله له عام حجة الوداع. فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة، وأهل رسول الله له بالحج). وروي هذا الحديث عن عائشة من طرق كثيرة، قيل إنها متواترة صحاح. وهذا مذهب أبي ثور وهو ظاهر مذهب
الله
الشافعي. وروي ذلك عن عمر وعثمان، وابن عمر وعائشة وجابر بن عبد ا ومن وجوه الاستدلال التي اعتمدوها قولهم: إن الحاج يأتي بالحج تاما فلا يحتاج إلى جبر، فكان أولى وأن التمتع والقران رخصة ولذلك وجب فيها
الدم.
(1)
(1) بداية المجتهد ج 1 ص 335
327 (1/327)
صفحة 316
مسألة - 6 - فيمن دخل العمرة في غير أشهر الحج.
(1)
اختلف العلماء فيمن أنشأ عمرة في غير أشهر الحج، ثم أقام حتى أتمها ثم حج من عامه. هل يعتبر متمتعا فيلزمه دم أم لا؟ قال جابر بن زيد: يعتبر متمتعا ويلزمه دم، لأن العبرة عنده بوقت الفراغ من العمرة. فلما فرغ منها في أشهر الحج فهو متمتع. روى عنه ذلك صاحب شرح النيل) والقرطبي في الأحكام). وهو رأي سعيد بن المسيب، ومالك وابن حزم. إلا أن مالكا قال: إذا حل في أشهر الحج فهو متمتع، وإن كان حل في غير أشهر الحج فليس بمتمتع و بقريب من هذا قال أبو حنيفة والشافعي والثوري مع تفصيل: فأبو حنيفة يرى أنه إن طاف ثلاثة أشواط في رمضان وأربعة في شوال كان متمتعا، وإن كان عكس ذلك فلا. واشترط الشافعي أن يوقع طوافه كله في شوال أي في شهر الحج. أما أبو ثور فقال: إذا دخل في العمرة في غير أشهر الحج فسواء طاف لها في غير أشهر الحج أو في أشهر الحج فلا يكون متمتعا (2) وقال الإباضية: ومن اعتمر في غير أشهر الحج ثم أقام حتى حج، فلا دم عليه، أي ليس بمتمتع، خلافا لجابر بن زيد وسبب الخلاف أنه هل يكون متمتعا بإيقاع إحرام العمرة في أشهر الحج فقط أم بإيقاع الطواف معه؟ ثم إن كان بإيقاع الطواف معه، فهل بإيقاعه كله أو
أكثره؟.
(3)
(1) ج 4 ص 60 - ج 2 ص 765
(2) بداية المجتهد ج 1 ص 334 (3) شرح النيل ج 4 ص 60.
328 (1/328)
صفحة 317
فجابر بن زيد يقول: يكون متمتعا إذا فرغ من الطواف في أشهر الحج لأن
الطواف هو أعظم أركانها فوجب أن يكون به متمتعا
والجمهور يرون أن من أوقع بعضا من العمرة في أشهر الحج كمن أوقعها كلها فيه، إلا أبا ثور فيرى أنه لا يكون متمتعا إلا إذا أوقع الإحرام في أشهر الحج لأن
بالإحرام تنعقد العمرة. (1)
(1) المغني ج 3 ص 241 – فقه سعيد بن المسيب ج 2 ص 294 – المحلى ج 7 ص 160
329 (1/329)
صفحة 318
مسألة - 7 - هل وقت النبي لأهل المشرق ميقاتا؟
اختلف أهل العلم في ذلك:
فروي عن الإمام جابر بن زيد أن النبي الله لم يوقت لهم شيئا وقال إن ميقات أهل العراق يرجع إلى الاجتهاد. نقل ذلك عنه البغوي في شرح السنة، والعيني في عمدة القاري، والساعاتي في الفتح الرباني وهو قول طاوس وابن سيرين. و به قطع الغزالي والرافعي في شرح مسند
(1)
الشافعي، والنووي في شرح مسلم. وكذا وقع في المدونة لمالك. واحتج هؤلاء بحديث ابن عمر أنه قال: «لما فتح هذا المصران أتوا عمر بن الخطاب فقالوا: ياأمير المؤمنين إن رسول الله الا الله محد لأهل نجد قرنا وإنه جور. عن طريقنا. وإن أردنا أن نأتي قرنا شق علينا. قال: انظروا حذوها من طريقكم. قال: فحد لهم ذات عرق.» رواه البخاري
وذهب الآخرون أن ميقات أهل المشرق منصوص عليه ومنهم عطاء بن أبي
رباح وأحمد وأصحاب أبي حنيفة وهو قول الحنابلة وجمهور الشافعية واستدل هؤلاء بعدة أحاديث:
منها ما روي عن عائشة أن النبي ع الا الله وقت لأهل العراق ذات عرق. رواه أبو
داود والنسائي
ومنها حديث أبي الزبير أنه سمع جابرا سئل عن المهل فقال: سمعت – أحسبه رفع إلى النبي الله - وفيه ومهل أهل العراق ذات عرق. رواه مسلم. وأحمد
-
وابن ماجة، ورفعاه من غير شك
وفي هذه المسألة مناقشات كثيرة يرجع إليها في كتب المطولات
(1) شرح السنة ج 7 ص 39 - عمدة القاري ج 9 ص 145 - الفتح الرباني ج 11 ص 114.
330 (1/330)
صفحة 319
(1)
مسألة - 8 - حكم من تجاوز الميقات وهو يريد النسك، فلم يحرم. روي عن جابر بن زيد أنه قال: من جاوز الميقات، مريدا للنسك غير محرم، رجع إلى الميقات وأحرم ولا شيء عليه، فإن لم يرجع وأحرم من موضعه فعليه دم. لأن الإحرام من الميقات واجب أمكنه فعله فلزمه كسائر الواجبات. وسواء تجاوزه عالما به أو جاهلا أو ناسيا. وإن رجع إلى الميقات فأحرم فلا شيء عليه. نقله عنه صاحب المغني (1) وصاحب الشرح الكبير وروى عنه ابن حزم أنه قال: يرد إلى الميقات الذين يدخلون مكة بغير إحرام (2). وهذا قول الحسن البصري وسعيد بن جبير والثوري لأنه أحرم من الميقات الذى أمر بالإحرام منه فلم يلزمه شيء كما لم يتجاوزه. وحجتهم في ذلك ما روي عن النبي عل الله أنه قال: (من ترك نسكا فعليه دم) وهذا الحديث روى موقوفا ومرفوعا. وقال أبو حنيفة: هو مسيء. يرجع الميقات فيلبي منه ولا دم ولا شيء عليه
ونسكه تام. وقال الشافعي: إن رجع إلى الميقات فأحرم منه سقط عنه الدم إلا أن يكون قد تلبس بشيء من أفعال الحج كالوقوف والطواف، فيستقر عليه الدم. وهو قول
الإباضية (3)
(4)
وقال مالك: لا يسقط عنه الدم وإن رجع وقال آخرون: ليس عليه دم مطلقا. وهو قول الحسن وعطاء والنخعي
(5)
(1) ج 3 ص 217 و ج 3 ص 220.
(2) المحلى ج 7 ص 73
(3) شرح النيل ج 4 ص 44
(4) بداية المجتهد ج 1 ص 324
(5) البداية – نفس الصفحة -
331 (1/331)
صفحة 320
مسألة - 9 - متى يقطع المحرم بالحج التلبية؟ اختلف العلماء في الوقت الذى ينبغي فيه للمحرم بالحج أن يقطع التلبية. فروي عن علي رضي الله عنه أنه كان يلبي في الحج، فإذا زاغت الشمس من
يوم عرفة قطعها. قال مالك: وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا وقال ابن شهاب: وفعل ذلك الأئمة: أبو بكر وعمر وعثمان، وهو مذهب عائشة وسعد بن أبي وقاص وأم سلمة
واحتج هؤلاء بحديث أسامة بن زيد أنه قال: (كنت ردف رسول الله الله عشية عرفة فكان لا يزيد على التهليل والتكبير .. . الحديث
وأجيب على هذا الحديث من جهتين:
أولا: أن ذلك لا يدلّ على نفي التلبية وخروج وقتها
وثانيا: أن هناك طرقا أخرى عن أسامة بن زيد تخالف ما سبق ذكره وهناك دليل عقلي لفائدة المالكية وهو أن التلبية شرعت إجابة لداعي الحج،
فإذا انتهى إلى الموضع الذي دعي إليه فقد أكمل التلبية، فإنه لا معنى
بعد ذلك)
(1)
لاستدامتها
وذهبت طائفة أخرى إلى أن التلبية لا تقطع حتى يرمي جمرة العقبة وقبل هذا
مذهب جمهور العلماء. وهؤلاء اختلفوا:
(2)
فقال جابر بن زيد: يقطع التلبية عند أول حصاة بها. نقل ذلك يرمي الجيطالي) وهو قول ابن عباس والفضل أخيه. وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة والشافعي وأبي ثور. وهو قول الربيع بن حبيب من أئمتنا (3)
(1) المنتقى ج 2 ص 216 - عمدة القاري ج 9 ص 165 – الأشراف ج 1 ص 230.
(2) قواعد الإسلام ج 2 ص 139
(3) شرح النيل ج 4 ص 189.
332 (1/332)
صفحة 321
واستدل هؤلاء بحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله الله أفاض من عرفات وردفه أسامة، وأفاض من جمع وردفه الفضل بن عباس، قال ولبى حتى رمى جمرة العقبة. رواه أحمد والبخاري ومسلم.
وذهب فريق آخرون إلى أنه لا يقطع التلبية حتى يرمي جمرة العقبة بأسرها قالوا: وهو قول الظاهرية وابن حزم والإمام أحمد، وقالوا لأن التلبية من شعائر الحج فلا يقطع إلا بالشروع في الإحلال وأوله رمي الجمرة (1)
ويدل لهم ما روى ابن خزيمة عن الفضل بن عباس قال: أفضت مع النبي عل الله
من عرفات فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة ويكبر مع كل حصاة ثم قطع التلبية
مع آخر حصاة. وقال هذا حديث صحيح مفسر لما أبهم في الروايات الأخرى
وقال الشوكاني: إن هذه زيادة مقبولة خارجة من مخرج صحيح غير منافية للمزيد وقبولها متفق عليه كما تقرر في الأصول. (2)
وقال ابن عمر: يقطع المحرم التلبية إذا دخل الحرم، لكن يعاود التلبية إذا خرج من مكة إلى عرفة. (3)
(1) المغني ج 3 ص
445
(2) الفتح الرباني ج 11 ص 198 - 190
(3) نيل الأوطار ج 4 ص
340
333 (1/333)
صفحة 322
مسألة - 10 - بماذا يتحقق الإحرام بالحج؟
اتفق العلماء على أن النية فرض لانعقاد الإحرام، وأنه لا يتم الإحرام إلا بها. لقوله عليه السلام: (إنما الأعمال بالنيات .. ولأن الحج عبادة محضة فافتقرت إلى
النية كالصلاة.
كما أنهم اتفقوا على أن المرء إن لبى أو ساق الهدي من غير نية، لم ينعقد
إحرامه
ولكنهم اختلفوا فيما إذا كانت النية وحدها كافية لتمام الإحرام أم لا. فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه يرى أن الحاج إذا قلد بدنته وساقها وهو يريد الإحرام فقد
أحرم. نقل ذلك عنه الجصاص في أحكام القرآن (1) وهذا القول مروى عن عدد من الصحابة والتابعين منهم علي، وابن مسعود، وابن عباس، وطاوس وعطاء و مجاهد، وابن سيرين. واستدلوا على ذلك بقوله له: (إني قلدت الهدي، فلا أحل إلى يوم النحر). رواه الجصاص بدون سند. ووجه الاستدلال أنه عليه السلام أخبر بذلك أن تقليد الهدي وسوقه كان المانع له من الإحلال. فدل على أن لذلك تأثيرا في الإحرام، وأنه قام مقام التلبية في باب الدخول فيه. كما كان له تأثير في منع
الإحلال. وخالف آخرون فقالوا: إن الإحرام ينعقد بمجرد النية. ولكنه يستحب النطق بما أحرم به ليزول الالتباس. فإن لم ينطق بشيء واقتصر على مجرد النية كفاه. وهذا هو قول الأئمة مالك، وأحمد، والشافعي (2) وأبو يوسف مخالفا
بذلك إمام مذهبه
(1) أحكام القرآن ج 1 ص 307.
(2) المغني ج 3 ص 240 - والمجموع، شرح المهذب ج 7 ص 226.
334 (1/334)
صفحة 323
واستدلوا بأن الحج عبادة ليس في آخرها نطق واجب، فلم يكن في أولها،
كالصيام. وقال أبو حنيفة: إن الإحرام لا يثبت بمجرد النية، ما لم يقترن بها قول أو فعل هو من خصائص الإحرام مثل التلبية أو تقليد الهدي والتوجه معه، بحيث لو توجه بنفسه بعدما قلد وبعث لا يصير محرما ما لم يلحقها ويتوجه معها. فإذا لحقها وتوجه معها عند ذلك يصير محرما (1)
واستدل بما روي عن النبي له أنه قال: (جاءني جبريل فقال: يا محمد، مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية). رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وقال الأحناف: إن الحج عبادة ذات تحليل وتحريم، فكان لها نطق واجب كالصلاة، ولأن الهدي والأضحية لا يجبان بمجرد النية، فكذلك
النسك
وإلى هذا القول ذهب الإمام خليل، من المالكية (2) وقال الإباضيون: إن افتتاح الحج هو التلبية مع النية (3)
(1) بدائع الصنائع ج 3 ص 1177. (2) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ج 2 ص 26 (3) شرح النيل ج 4 ص 54.
335 (1/335)
صفحة 324
مسألة - 11 - في التلبية والزيادة فيها
أجمع العلماء على القول بالتلبية المأثورة: لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. ولكنهم اختلفوا في الزيادة. فكان جابر بن زيد رحمه الله يزيد على التلبية الواردة عن الرسول الله
قوله:
لبيك إله الخلق لبيك. لبيك، المهدي من هديت لبيك الرغب والعمل
إليك. .
(1)
نقل ذلك الشيخ الجيطالي في كتاب مناسك الحج" وقال مالك: أكره الزيادة فيها على تلبية رسول الله الله. ولكن روي عنه أنه لا بأس أن يزاد فيها ما كان ابن عمر يزيد وهذه الزيادة هي: «لبيك لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك لبيك والرغباء إليك والعمل).
(2)
وقال الثوري والأوزاعي ومحمد بن الحسن: له أن يزيد فيها ما شاء، وأحب وكذلك قال أبو حنيفة وأحمد
وقال الترمذي والشافعي: إن زاد في التلبية شيئا من تعظيم الله تعالى فلا بأس إن شاء الله. وأحب إلى أن يقتصر
وروي عن الشافعي وأبي يوسف قولهما: لا ينبغي أن يزاد على تلبية النبي عله
المذكورة.
وقد روي عن جماعة من الصحابة زيادات مختلفة: فمنهم عبد الله بن عمر كما تقدم ومنهم عبد الله بن مسعود، فروي عنه أنه لبي فقال: لبيك عدد الحصى
والتراب
(1) مختصر مناسك الحج ص 38.
(2) الزيادة رواها مسلم.
336 (1/336)
صفحة 325
وروى أبو داود وابن ماجة من حديث جابر قال: أهل رسول الله الله فذكر
التلبية. قال: والناس يزيدون ذا المعارج ونحوه من الكلام والنبي يسمع
فلا
يقول لهم شيئا (1).
(1) عمدة القاري ج 9 ص 173
337 (1/337)
صفحة 326
مسألة - 12 - في استلام الركنين الشاميين
روي عن الإمام جابر بن زيد أنه كان يستحب استلام الركنين الشاميين
نقل ذلك عنه النووي في شرحه على صحيح مسلم (1) وهو بذلك يخالف جمهور
العلماء.
بن
الله وممن كان يقول باستلامها: الحسن والحسين، ومعاوية، وعبد الزبير، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعروة بن الزبير. رضي الله عنهم يؤيد هذا ما روي عن معاوية أنه كان يمسح الأركان كلها، ويقول ليس شيء
من البيت مهجورا. نقل ذلك عنه البخاري معلقا، ووصله أحمد والترمذي وكان عبد الله بن الزبير يمسح الأركان كلها. (2)
وذهب جمهور الأمة إلى أنه لا يستلم إلا الحجر الأسود والركن اليماني واستدلوا بما روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: كان رسول الله الله لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني. رواه البخاري ومسلم.
تنبيه: اعلم أن للبيت أربعة أركان:
-
1 الركن الأسود، وهو ركن الحجر
-
2 والركن اليماني. ويقال لهما اليمانيان
3 والركن العراقي.
-
4 والركن الشامي ويقال لهما الشاميان
وتأتي هذه الأركان عند الطواف على الترتيب التالي:
ركن الحجر ثم ركن العراق، ثم ركن الشام، ثم ركن اليمن.
(1) النووي على مسلم ج 9 ص 14.
(2) شرح السنة للبغوى ج 7 ص 111 عمدة القاري ج 9 ص 254
338 (1/338)
صفحة 327
ويقول بعض العلماء: إن الركن الأسود فيه فضيلتان: إحداهما كونه أقيم على
قواعد إبراهيم، والثانية كونه فيه الحجر الأسود.
وأما الركن اليماني ففيه فضيلة واحدة، وهي كونه على قواعد إبراهيم وأما الركنان الآخران، فليس فيهما شيء من هاتين الفضيلتين. فلهذا خص الحجر الأسود بشيئين: الاستلام والتقبيل
أما اليماني فإنه يستلم ولا يقبل، لأن فيه فضيلة واحدة.
وأما الآخران، وهما الشاميان فلا يقبلان ولا يستلمان
(1)
(1) النووي على مسلم ج 9 ص 14
339 (1/339)
صفحة 328
مسألة 13 أين تصلي ركعتا الطواف؟
اتفق العلماء على أن ركعتي الطواف تصحان حيث صلاهما، وأنه يجوز
فعلهما في الحجر ويستحب كونهما خلف المقام
(1)
وروي عن جابر بن زيد أنه قال: لا يصلي في حجر الكعبة إلا إن ترك إليها
أربعة أذرع. جاء ذلك في شرح النيل
(2)
أعاد
وقال مالك: تكره صلاتهما في الحجر، وإنه إذا صلاهما في الحجر الطواف والسعي إن كان بمكة، فإن لم يصلهما حتى رجع إلى بلاده أراق دما ولا
إعادة عليه
وقال ابن المنذر: لا صحة لمالك على هذا، لأنه إن كانت صلاته في الحجر صحيحة فلا إعادة سواء كان بمكة أو غيرها، وإن كانت باطلة فينبغي أن تجب إعادتها وإن رجع إلى بلاده. فأما وجوب الدم فلا أعلمه يجب في شيء من أبواب
الصلاة. اهـ
وروي عن سفيان الثورى أن هذه الصلاة لا تصح إلا خلف المقام، ولكن نقل عنه أيضا أنه يصليها حيث شاء من الحرم.
(3)
-
(1) المجموع. ج 8 ص 70 - المغني ج 3 ص 400 -
(2) شرح النيل ج 4 ص 133.
(3) المجموع - الصفحة المتقدمة -
340 (1/340)
صفحة 329
مسألة - 14 - هل تغني الصلاة المكتوبة بعد الطواف عن ركعتي الطواف؟ إذا أتم الحاج سبعة أشواط من الطواف بالبيت صلى ركعتين خلف المقام، أو حيث أمكنه ذلك. وإذا صلى المكتوبة بعد طوافه أجزأته عن ركعتي الطواف -
وقد روي ذلك عن الإمام جابر بن زيد – نقله عنه صاحب المغني، وصاحب الشرح الكبير
(1)
وهو قول ابن عباس وعطاء، والحسن، وسعيد بن جبير، وغيرهم. وقال الإباضية: يجزي الفرض عن ركعتي الطواف إن وافاه (أي الفرض)
بعد تمام. وإن حضر قبل تمام الطواف قطع الطواف وصلى الفرض وبنى (2) وقال أحمد: إنه يصلي ركعتي الطواف بعد المكتوبة. وقال بذلك مالك وأصحاب الرأي، لأنه سنة فلم تجز عنها المكتوبة كركعتي الفجر واحتج الأولون بأن ركعتي الطواف شرعتا للنسك فأجزأت عنهما المكتوبة
كركعتي الإحرام.
(1) المغني ج 3 ص 402
(3)
(2) شرح النيل ج 4 ص 133
(3) المغني والشرح الكبير – نفس الصفحة –
341 (1/341)
صفحة 330
مسألة 15 هل يجوز للمحرم أن يغطي وجهه؟
أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من تخمير رأسه. ولكن هل يعتبر الوجه
تابعا للرأس فيمنع بالتالي تغطيته؟
روي عن جابر بن زيد أنه يرى جواز تغطية الوجه، باعتبار أن ما رد الحاجبان
وما فوقهما فقط هو من الرأس
-
نقله عنه صاحب شرح النيل
(1)
وهذا القول منسوب إلى عدد من الصحابة وهم عثمان، عبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، وابن الزبير، وسعد بن أبي وقاص، وجابر بن عبد الله. وهو قول جماعة من التابعين هم القاسم، وطاوس، والثوري. وهو مذهب الشافعي، وأحمد بن حنبل، وإليه ذهب الإباضية، والإمام ابن حزم الظاهري. واستدلوا بما ذكر من قول الصحابة، وأنه لا مخالف لهم في عصرهم، فكان ذلك بمثابة الإجماع. وبقوله الله: «إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في
وجهها».
وذهب آخرون وهم المالكية والحنفية إلى عدم جواز ذلك، واعتبروا الوجه من الرأس. ولكن الحنفية لم يوجبوا فيه فدية ولا صدقة، وأبو حنيفة قال: إن غطى وجهه فعليه الفدية. وحجتهم ما روي عن ابن عباس أن رجلا وقع عن راحلته ل صلى الله فأقعصته فقال رسول الله: (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا
تخمروا وجهه ولا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة يلبي). رواه مسلم والنسائي ولأنه محرم على المرأة، فهو محرم على الرجل مثل الطيب
ورد الفريق الأول حديث ابن عباس بقولهم: إن المتفق عليه فيه هو قوله عل الله: (ولا تخمروا رأسه، وأما قوله: (ولا تخمروا وجهه، فقال شعبة
(1) ج 4 ص 75.
342 (1/342)
صفحة 331
حدثنيه أبو بشر ثم سألته عنه بعد عشر سنين فجاء بالحديث كما كان يحدث إلا أنه قال: (ولا تخمروا رأسه) وهذا يدل على أنه ضعف هذه الزيادة. وقد روى في بعض ألفاظه: (خمروا وجهه ولا تخمروا رأسه، فتتعارض الروايتان (1).
وقد جاء عن عطاء بن أبي رباح التفرقة بين أعلى الوجه وأسفله فقال يغطي المحرم وجهه ما دون الحاجبين
(2)
(1) المغني ج 3 ص 304 – المحلى ج 7 ص 828 (2) عمدة القاري ج 9 ص 167
343 (1/343)
صفحة 332
مسألة 16 في المحرم يعقد ثوبه على نفسه
روي عن جابر بن زيد أنه سأله عمرو بن دينار عن إزاره ينحل. فقال له: اعقده. أو قال: أوثقه. وهو بذلك يجيز عقد الإزار. نقل ذلك الجيطالي
والشماخي (1) وابن حزم (1). وجوزه الفقهاء إذا كان من أجل ستر العورة. ولكنهم منعوا المحرم من أن يعقد عليه الرداء للعلة المذكورة. فقد روي عن ابن أنه سأله رجل أيخالف بين طرفي ثوبه من ورائه ثم يعقد وهو محرم فقال: لا
عمر
تعقد عليه شيئا
(2)
وإذا فعل المحرم ذلك فقد اختلف في الفدية.
الدم
فقال الشيخ طفيش: والعقد مكروه، والظاهر أنه لا دم عليه، لأن كفارة، ولا كفارة على مكروه بل على حرام أو ما جاء به الكتاب أو السنة أو
الأثر (3).
وورد عن أبي معبد مولي ابن عباس أن ابن عباس قال له: يا أبا معبد زرّ علي طيلساني وهو محرم فقال له: كنت تكره هذا. قال إني أريد أن أفتدى. (4)
(1) الإيضاح ج 2 ص 261 - القواعد ج 2 ص 142 - المحلى ج 7 ص 259 ...
(2) المغني ج 3 ص
276
(3) شرح النيل ج 4 ص 76.
(4) المغني – المتقدم –
344 (1/344)
صفحة 333
مسألة 17 لبس الثوب الذى مسه الزعفران أو غيره فغسل حتى ذهب ريحه
اختلف العلماء في لبس الثوب المصبوغ بزعفران أو ورس بعد غسله وانقطاع
ريحه.
فقد رخص فيه جابر بن زيد، وأئمة الإباضية. قال ذلك الجيطالي في
القواعد
(1)
وممن رخص فيه أيضا سعيد بن المسيب، والحسن، والنخعي. وبه قال الشافعي والإمام أحمد وأبو ثور وأصحاب الرأي.
وحجتهم أن المحرم ممنوع من الثوب المزعفر لما فيه من الطيب، فإذا زال الطيب جاز الإحرام به، ويدل على ذلك ما روي عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله: «لا تلبسوا ثوبا مسه ورس وزعفران، إلا أن يكون غسيلا – يعني في
(2)
الإحرام) رواه الطحاوي وإسناده ضعيف). وفي عمدة القاري ما يفند (2) ولكن يعضده ما روي عن ابن عباس قال: انطلق النبي الله من المدينة
صحته
(2)
بعد ما ترجل وأدهن ولبس رداءه وإزاره هو وأصحابه فلم ينه عن شيء من الأردية والأزر تلبس إلا المزعفرة التي تردع على الجلد .. الحديث – رواه البخاري قالوا: إن في هذا دليلا على أن علة النهي هي الرائحة وليس اللون، بدليل قوله تردع على الجلد. يقال ردع إذا التطخ. والردع: أثر الطيب وذهب مالك إلى عدم جواز الإحرام بالثوب المزعفر إلا إذا ذهب لونه وذلك على سبيل الكراهة ورافقه محمد بن الحسن الشيباني. وحجته ما روي عن عطاء عن يعلى بن أمية قال: جاء أعرابي إلى رسول الله وعليه جبة وعليه ردع من زعفران) أي لطخ لم يعمه كله) فقال:
(1) قواعد الإسلام. ج 2 ص 143.
(2) فقه سعيد بن المسيب ج 2 ص 282 عمدة القاري ج 9 ص 163
345 (1/345)
صفحة 334
يارسول الله إني أحرمت فيما ترى والناس يسخرون مني وأطرق هنيهة. قال ثم دعاه فقال: اخلع عنك هذه الجبة واغسل عنك هذا الزعفران .. الحديث –
رواه أحمد
قالوا: إن الممنوع هو عين الزعفران بلونه وريحه. وأجاب الجمهور عن هذه الحجة بأن قصة يعلى كانت بالجعرافة، وهي في سنة ثمان بلا خلاف. وقد ثبت عن عائشة أنها طيبت رسول الله له بيدها عند إحرامها وكان ذلك في حجة الوداع وهي سنة عشر بلا خلاف، وإنما يؤخذ بالأمر الآخر. ولأن المأمور بغسله في قصة يعلى إنما هو الخلوق لا مطلق الطيب،
فلعل علة النهي فيه ما خالطه من الزعفران. وقد ثبت النهي عن تزعفر الرجل
(1)
مطلقا محرما أو غير محرم وذهب عروة بن الزبير إلى عدم جواز الإحرام به ولو ذهب لونه ورائحته (2) وحجته ما روي عن ابن عمر من حديث طويل فيه: أن النبي الله قال: «ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه زعفران أو ورس) متفق عليه
(1) الفتح الرباني ج 11 ص 205 - نيل الأوطار ج 5 ص 3 (2) المحلى ج 7 ص 80
346 (1/346)
صفحة 335
مسألة 18 هل يجوز للمحرم أن يقرد بعيره؟
(1)
روي عن جابر بن زيد جواز ذلك، نقله عنه صاحب الشرح الكبير وصاحب المغني وأنه لا شيء عليه. وهو قول ابن عباس، وعطاء، وإليه ذهب الحنابلة والشافعية. وجوز الإباضية رمي القراد لا قتله (2) وحجتهم في ذلك ما روي من نسبته إلى ابن عباس، وقالوا أيضا إنه أذى فأبيح قتله كالحية والعقرب
وذهب المالكية إلى عدم جواز ذلك. ونسبت كراهيته إلى عكرمة (3) واحتجوا بما روي من أن ابن عمر نهى عن ذلك ولا مخالف له، ولأنه من ذوات أبدان
الحيوان يسير الضرر في كل أحواله فأشبه دواب بدن الإنسان
(4)
(1) ج 3 ص 304 – المغني ج 3 ص 351 (2) شرح النيل ج 4 ص 114.
—
(3) الشرح الكبير - الصفحة السابقة الذكر -
(4) الأشراف على مسائل الخلاف. ج 1 ص 226
347 (1/347)
صفحة 336
مسألة 19 حكم تقبيل المحرم زوجته ومباشرتها دون الجماع. اتفق العلماء على أن المحرم يحرم عليه مجامعة زوجته، وأنه إن فعل ذلك فسد حجه إن وقع بغيوب الحشفة.
ولكنهم اختلفوا فيما دون ذلك وفرقوا بين حالتين: حالة الإنزال وحالة عدم
الإنزال
1 - إذا وقع الإنزال:
روي عن الإمام جابر بن زيد أن الحج لا يفسد بإتيان شيء في حال الإحرام وإن أنزل، إلا الجماع. فقد ذكر ابن حزم في (المحلى» عن طريق أبي شيبة عن ابن علية عن غيلان بن جرير قال: سألني، وعلي بن عبد الله، وحليم بن الدريم محرم فقال: وضعت يدي من امرأتي موضعا فلم أرفعها حتى أجنبت. فقلنا كلنا ما لنا بهذا علم. فمضى إلى أبي الشعثاء جابر بن زيد، فسأله. ثم رجع إلينا يعرف. البشر في وجهه، فسألناه ماذا أفتاك؟ فقال: استكتمني. (1) وهذا مذهب ابن لا فساد ولا فدية عنده. وحجته عدم وجود نص في ذلك وقال الإباضية: (ولا يتلذذ بنظر لامرأة وإن زوجة، أو سرية له، ولا يقبلها ولا يمس ما تحت ثيابها، فإن فعل ذبح شاة بمكة، وتم حجه، إلا إن أنزل». وقال الحنابلة إذا أنزل فعليه بدنة، وهو قول الحسن البصري وسعيد بن جبير
حزم
(2)
والثوري.
وقال الشافعي وأصحاب الرأي: عليه شاة أو بدلها من الإطعام أو الصيام أنزل أو لم ينزل. أما إذا نظر وكرر النظر حتى أنزل فلا شيء عليه وحجة هؤلاء أنه إنزال من غير مباشرة فأشبه إذا فكر فأنزل من غير نظر.
(1) المحلى ج 7 ص 254 م: 894.
(2) شرح النيل ج 4 ص 97 (3) المجموع ج 7 ص 296
348 (1/348)
صفحة 337
2 أما إذا لم يقع الإنزال: فاتفق الفقهاء على أنه لا يفسد حجه.
وقال الحنابلة إن وطيء دون الفرج فلم ينزل فلا يفسد حجه وعليه دم. وقال الحسن فيمن ضرب بيده على فرج جاريته عليه بدنة. وعن سعيد بن جبير إذا نال منها دون الجماع ذبح بقرة (1)
وقال الإباضية: إن لم ينزل لزمه ذبح بمكة. وقالوا: يلزم الدم بكل ما حرك الذكر ويفسد حجه بكل إنزال (2).
(1) المغني ج 3 ص 322. (2) شرح النيل - الصفحة المذكورة -
349 (1/349)
صفحة 338
مسألة - 20 - متى يكون الدفع من جمع.
اتفق العلماء على أن الإفاضة من جمع تكون قبل طلوع الشمس من يوم النحر، وأنها لا تكون قبل الفجر
ووجه ذلك أن الوقوف بعد الفجر مسنون، فلا يدفع قبل وقته. والإمام
مقتدى به فلا يدفع قبله، وهذا مع سلامة الحال. فإن كانت ضرورة تدعو إلى
(1)
ترك الوقوف، دفع قبل الفجر واختلف في الوقت الأفضل للإفاضة
فروي عن جابر بن زيد أنه قال: يدفع الناس من جمع حين ينظر الناس
(2)
والدواب مواضع قوائمهم. نقل ذلك الطفيش في شرح النيل والسالمي في حاشية الجامع الصحيح وكذلك قال الشافعي، وجمهور العلماء (3)
واستدلوا بما جاء في حديث جابر الطويل، وفيه أنه علل لم يزل واقفا حتى
أسفر جدا قبل أن تطلع الشمس. رواه مسلم وأبو داود وبما روي عن نافع أن ابن الزبير أخر في الوقت حتى كادت تطلع الشمس وبأن ابن عمر انصرف حين أسفر وأبصرت الإبل مواضع أخفافها
وبما روي عن ابن مسعود أنه كان يدفع كانصراف المسفرين من صلاة الغداة وذهب الإمام مالك إلى استحباب الإفاضة من المزدلفة قبل الإسفار (5)
(1) المنتقى ج 3 ص 23.
(2) شرح النيل ج 3 ص 185 - حاشية الجامع الصحيح ج 2 ص 232
(3) المجموع ج 8 ص 123 – تحفة الفقهاء ج 1 ص 620 - نيل الأوطار ج 5 ص 69.
(4) المغني. ج 3 ص 444.
(5) عمدة القاري - ج 11 ص 23.
350 (1/350)
صفحة 339
ومن جهة أخرى فقد ورد القول بجواز الإفاضة قبل طلوع الشمس وفي بقية جزء من الليل لمن كان من الضعفة. وهو قول النخعي
(1)
واستدل بحديث ابن عباس أنه قال: أنا ممن قدم النبي عل الله ليلة المزدلفة في ضعفة أهله
وبحديث ابن عمر أن رسول الله له أذن لضعفة الناس من الإفاضة من
المزدلفة بليل
وبحديث عائشة رضي الله عنها قالت: كانت سودة امرأة ضخمة ثبطة فاستأذنت رسول الله الله أن تفيض من جمر بليل فأذن لها.
(1) فقه النخعي ص 190
351 (1/351)
صفحة 340
مسألة - 21 - في أيام النحر كم هي؟ - 1
أجمع العلماء على أن يوم النحر يوم أضحى. وأجمعوا على أن أضحى بعد انسلاخ ذي الحجة. ثم اختلفوا بعد ذلك:
فذهب الإمام جابر بن زيد إلى أن يوم النحر، في الأمصار، يوم واحد وفي منى ثلاثة أيام – نقل ذلك عنه الإمام القرطبي في الأحكام (1) وابن قدامة في
(1)
بن
مالك
المغني ". وهو قول سعيد بن جبير وروي عن مالك وأبي حنيفة، وابن حنبل، والثوري، أن أيام النحر ثلاثة: يوم النحر، ويومان بعده، ونسب ذلك إلى أبي هريرة، وأنس وقال الشافعي: هي أربعة أيام، يوم النحر، وثلاثة أيام بعده. وهو قول الأوزاعي. وروي ذلك عن الإمام علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهم. وقال ابن سيرين: هو يوم النحر خاصة، وهو العاشر من ذي الحجة ودليل الإمام مالك ومن معه هو قوله تعالى: وفِي أَيَّامٍ مَعْلُومَت من الآية 28 من سورة الحج. وقالوا: إن هذا جمع قلة. والمتيقن منه ثلاثة وما بعد الثلاثة غير. متيقن فلا يعمل به وعن أبي سلمة وعطاء بن يسار: تجوز التضحية إلى هلال المحرم، لما روى أبو أمامة سهل بن حنيف رضي الله عنه قال: كان الرجل من المسلمين يشتري أضحيته فيسمنها حتى يكون آخر ذي الحجة فيضحي بها. رواه الإمام بإسناده. وقال هذا حديث عجيب، وقال: أيام الأضحى التي أجمع عليها ثلاثة
أيام. (2)
(1)
أحمد
(1) أحكام القرآن ج 12 ص 43 – المغني ج 3 ص 454.
(2) الشرح الكبير ج 3 ص 555.
352 (1/352)
صفحة 341
مسألة - 22 - في حكم الأضحية.
اختلف علماء السلف في حكم الأضحية، هل هي واجبة أم سنة؟ فذهب الإمام جابر بن زيد أنها سنة. نقل ذلك عنه الشيخ الجيطالي في كتابه
القواعد
(1)
وممن قال بهذا: أبو بكر وعمر وبلال وسعيد بن المسيب وعطاء ومالك وأحمد أحد الأئمة. وقال ابن حزم لا يصح عن الصحابة أنها من
والشافعي وجمهور
واجبة.
واستدلوا:
-
1 بما روي عن أم سلمة أن النبي عل الله قال: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي، فليمسك عن شعره وأظفاره». رواه مسلم. 2 بما روي عنه عل الله أنه قال: (أمرت بالنحر وهو لكم سنة). رواه
-
الدار قطني ووجه الاستدلال بالحديث الأول: أن الأضحية متروكة إلى إرادة المسلم وما
(2).
كان كذلك فليس بفرض. أما الثاني فهو صريح في الموضوع. وخالف قوم فقالوا: (إن الأضحية واجبة، إلا الحاج بمنى.» روي ذلك عن ربيعة، والثوري، والأوزاعي، وبعض المالكية 2 واستدلوا بما روي عن النبي عل الله أنه قال: (من كان له سعة ولم يضح، فلا يقربن مصلانا) - رواه ابن ماجة والحاكم وصححه، والبيهقي. ونقل الترمذي أن رفعه غير محفوظ وأنه موقوف على أبي هريرة (3)
عنه
(1) قواعد الإسلام. ج 2 ص 190. (2) نيل الأوطار ج 5 ص 118 (3) فقه سعيد بن المسيب ج 2 ص 318
353 (1/353)
صفحة 342
وبما روي عن النبي عل الله أنه قال: (على كل أهل بيت في كل عام
أضحاة .. و الحديث – رواه الأربعة، وحسنه الترمذي
(1)
واعترض بأن في إسناده، أبا رملة، وهو مجهول) وقد وجدت رواية أخرى عن الإمام جابر بن زيد تفيد وجوب الأضحية. فقد روي أنه أمر رجلا أن يشتري له أضحية، فلم يجد إلا مهزولا، فأمره أن يشتري له فاكهة، فأكل، وأطعم الفقراء
وقد روي عن عكرمة، مولى ابن عباس أنه قال: بعثني ابن عباس بدرهمين أشتري له لحما، فقال: من لقيت فقل، هذه أضحية ابن عباس
وروي أيضا عن بلال رضي الله عنه أنه ضحى بديك
(2)
فهذه الآثار الثلاثة تفيد وجوب الأضحية كصدقة، لا كذبيحة. والله أعلم.
(1) فقه سعيد بن المسيب ج 2 ص 318
(2) قواعد الإسلام المتقدم.
354 (1/354)
صفحة 343
مسألة - 23 - ما يمتنع عنه مرسل الهدي وهل يلزمه إحرام؟
اختلف الفقهاء فيمن أرسل هديا إلى الحرام، وهو في بلده، هل يجب عليه اجتناب شيء مما يجتنبه المحرم أم لا
روي عن ابن عباس أنه كان يرى أن من بعث بهدي إلى الكعبة لزمه إذا قلده
الإحرام، ويجتنب كل ما يجتنبه الحاج حتى ينحر هديه.
وقال بذلك أبو الشعثاء.
(1)
وهو قول الشعبي والنخعي ومجاهد والحسن بن أبي الحسن، وحكي أيضا عن
عمر وعلي وابن سيرين وعطاء وسعيد بن جبير ومجاهد وسعيد بن المسيب وحجتهم ما روى جابر بن عبد الله قال: «كنت عند رسول الله لا جالسا فقد قميصه من جيبه حتى أخرجه من رجليه فنظر القوم إلى رسول الله الله فقال: إني أمرت يبدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم وتشعر اليوم على ماء كذا وكذا، فلبست قميصا ونسيت فلم أكن أخرج قميصي من رأسي. وكان قد بعث ببدنه من المدينة وأقام بالمدينة) رواه أحمد وذهب فريق آخر إلى أنه لا يحرم على مرسل الهدي شيء مما يحرم على المحرم روي ذلك عن عائشة، وهو قول الأئمة الأربعة (2)
وحجتهم ما روي عن عائشة قالت: وقتلت قلائد هدي رسول الله الله بيدى ثم قلدها بيده وبعث بها مع أبي، فلم يحرم على رسول الله لا شيء أحله الله
له حتى نحر الهدي). متفق عليه
(1) عمدة القاري. ج 10 ص 38
(2) المنتقى. ج 2 ص 222.
355 (1/355)
صفحة 344
وروي عن سعيد بن المسيب أنه لا يجتنب شيئا مما يجتنبه المحرم إلا الجماع ليلة جمع، رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه. وجاء في الآثار ما يدل على أن الأمر
استقر على خلاف ما قال ابن عباس و من تابعه
(1) الفتح الرباني ج 13. ص 34.
356 (1/356)
صفحة 345
مسألة - 24 - في الاشتراك في الهدي
اتفق العلماء على أنه تجزي شاة واحدة عن الفرد الواحد، واختلفوا فيما إذا كان يجوز لعدة أشخاص أن يشتركوا:
ببيع
فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه كان يشترك مع أصحابه في البقرة ويأمرهم جلدها ويتصدق له - رواه الشيخ طفيش والشماخي
(1)
وهو قول جمهور العلماء فإنهم قالوا: إن البدنة والبقرة يجزيء عن سبعة وإليه ذهب أئمة المذاهب: أبو حنيفة، والشافعي،
أشخاص (2)
واستدلوا:
وأحمد
بما رواه ابن عباس (أن النبي لعل الله أتاه رجل فقال: إن علي بدنة، وأنا موسر ولا أجدها فأشتريها. فأمره رسول الله لعل الله أن يبتاع سبع شياه فيذبحهن رواه أحمد وابن ماجة.
وبما رواه جابر بن عبد الله قال: (أمرنا رسول الله الله أن نشترك في الإبل والبقر، كل سبعة منا في بدنة» متفق عليه
وخالف جماعة فقالوا: بعدم جواز الاشتراك في الدم الواحد في الهدي فالبعير
كالشاة لا يجزيء إلا عن واحد.
روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وابن سيرين والحكم وحماد.
وإليه ذهب مالك في الهدي الواجب
(3)
واستدلوا بما روي عن ابن عباس أنه قال: ما كنت أرى دما يقضي عن أكثر
(1) شرح النيل ج 4 ص 214 - الإيضاح. ج 2 ص 333. (2) المغني ج 3 ص 538 - نيل الأوطار. ج 5 ص 108. (3) الأشراف. ج 1 ص 246
357 (1/357)
صفحة 346
من واحد. وروي عن ابن المسيب روايتان: إحداهما: أن البعير والبقرة كل واحد منهما تجزيء عن عشرة أشخاص، والثانية: أن البعير يجزيء عن عشرة
والبقرة عن سبعة
(1)
(1) الشرح الكبير. ج 3، ص 539.
358 (1/358)
صفحة 347
مسألة - 25 - هل يلزم من حلق قبل الذبح أو النحر دم أو فدية؟
يقوم الحاج يوم النحر بأربعة أفعال: الرمي ثم النحر أو الذبح ثم الحلق ثم الطواف. والسنة ترتيبها هكذا، وقد رتبها النبي الله كذلك في حديث جابر. صلى الله وروى أنس أن النبي ع ل رمى ثم نحر ثم حلق. رواه أبو داود. وقد أجمع العلماء على هذا الترتيب. فإذا أخل المرء بترتيبها على هذا النحو، جاهلا بالسنة، أو ناسيا فلا شيء عليه في قول كثير من أهل العلم. منهم الحسن وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وهو مذهب الشافعي، وأحمد وأبو ثور وابن حزم
الظاهري.
وعمدتهم في ذلك ما رواه مالك من حديث عبد الله بن عمر أنه قال: «وقف رسول الله علل للناس بمنى والناس يسألونه، فجاءه رجل فقال: يارسول الله: لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر. فقال: و انحر ولا حرج). ثم جاءه آخر فقال: يارسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، فقال: «ارم ولا حرج، قال: فما سئل رسول الله له يومئذ عن شيء، قدم أو أخر إلا قال: افعل ولا حرج) متفق عليه وذهب مالك إلى أن من حلق قبل أن يرمي جمرة العقبة فعلية الفدية. وعمدة مالك أن رسول الله الله حكم على من حلق قبل محله من ضرورة بالفدية، فكيف من غير ضرورة، مع أن الحديث لم يذكر فيه حلق الرأس قبل الجمار. ويرى مالك أيضا أن من حلق قبل أن يذبح فلا شيء عليه. وكذلك
ه
مي
من ذبح قبل أن يرمي وقال جابر بن زيد: من حلق قبل أن ينحر فعليه الفدية. نقله عنه ابن حزم
(1) بداية المجتهد. ج 1 ص 352
359 (1/359)
صفحة 348
وقيل عنه إذا فعل ذلك عامدا عالما بمخالفة السنة في ذلك. ونقل ذلك عنه ابن
قدامة والعيني
(1)
وذهب الإباضية إلى أن من حلق قبل الذبح فعليه دم (2) ولعلهم صرفوا الحديث الذي رواه الربيع بن حبيب مرسلا، وهو حديث عبد الله بن عمر السابق، إلى أن رخصة من النبي عل الله في ذلك اليوم)
تلك
دمان
(3)
وقال أبو حنيفة: إن حلق قبل أن ينحر أو يرمي فعليه دم. وإن كان قارنا فعليه
(4)
-
(1) المحلى. ج 7 ص 183 – المغني ج 3 ص 472 عمدة القاري ج 10 ص 59.
(2) شرح النيل ج 4 ص 224
(3) الجامع الصحيح ج 2 ص 12
(4) بداية المجتهد ج 1 ص 352.
360 (1/360)
صفحة 349
مسألة - 26 - بماذا يتداوى المحرم؟
روى العيني في العمدة أن جابر بن زيد يرى أن للمحرم أن يتداوى بما
يأكل. (1)
وهو قول سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي، ونافع والحسن وعروة. واستدلوا بما روي عن ابن عمر أن النبي عل كان يدهن بالزيت عند الإحرام. وفي رواية بالزيت المقتت، أي المطيب
وبما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المحرم يتداوى بما يأكل: الزيت
والسمن
وقال ابن عمر: يتداوى المحرم بما شاء من الأدوية إلا دواء فيه طيب وكان
الأسود يضمد رجله بالشحم وهو محرم ..
(1)
(1) عمدة القاري. ج 9 ص 154
361 (1/361)
صفحة 350
مسألة - 27 - في المحرم يأكل طعاما فيه طيب
وجملة ذلك: أن الزعفران وغيره من الطيب، إذا جعل في مأكول أو مشروب
فلم تذهب رائحته، فقد اختلف العلماء فيه:
(1)
فروي عن جابر بن زيد إباحة الخبيص المزعفر للمحرم. نقل ذلك الإمام
(2)
ابن حزم. وهو قول طاوس وعطاء والحسن والنخعي
(3)
وكان مالك وأصحاب الرأي لا يرون بما مست النار من الطعام بأساً سواء ذهب لونه وطعمه وريحه أو لم يذهب ذلك كله، لأنه بالطبخ وباستعماله مع غيره استحال عن كونه طيبا ولحق بالطعام العادي. وأما إذا لم تمسه النار ففيه عن مالك روايتان، إحداهما وجوب الفدية والثانية نفيها وقال الحنابلة والشافعية: لا يجوز للمحرم أكله سواء كان نيئا أو قد مسته النار. وبهذا قال الشافعي وحجتهم أن الاستمتاع بالطيب والترفه به حاصل من حيث المباشرة. فأشبه ما لو كان نيئا. ولأن المقصود من الطيب رائحته وهي باقية، ولذلك قالوا إن ما ذهبت رائحته وطعمه ولم يبق فيه إلا اللون مما مسته النار لا بأس بأكله ليس في
ذلك خلاف معروف
(4)
وقال الإباضية: لا بأس بأكل الطيب مع الطعام بلا قصد وتلذذ به
(5)
(1) الخبيص: الحلواء. (2) المحلى ج 7 ص 258
(3) المنتقى ج 2 ص 204
(4) المغني ج 3 ص 299. (5) شرح النيل ج 4 ص 83.
362 (1/362)
صفحة 351
مسألة - 28 - أكل المحرم للصيد إذا صاده المحل:
أجمع العلماء على أن المحرم يحرم عليه أكل لحم الصيد إذا صاده لقوله تعالى: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا م. الآية 96 من سورة المائدة. وأما إذا صاد حلال صيدا فقد اختلفوا في أكل المحرم منه فروي عن جابر بن زيد أنه كان يكره للمحرم أن يأكل من لحم الصيد على كل
حال، أي سواء صيد من أجله أم لا. (1).
وفي رواية عنه أن ذلك حرام (2)
وفي رواية أخرى عنه أن ذلك لا يجوز (3) ولا يحل
وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر، وطاوس وقال آخرون إن ذلك مباح مطلقا، ولم يستفصلوا بين أن يكون الحلال قد أجله أم لا، حكي هذا القول عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة وابن
صاده من من العوام. وهو مذهب أبي حنيفة
وذهب فريق ثالث إلى التفصيل فقالوا: إن كان الحلال قد قصد المحرم بذلك الصيد لم يجز للمحرم أكله، فأما إذا لم يقصده بالاصطياد فإنه يجوز له الأكل منه. وهو قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل.
وسبب الخلاف تعارض الآثار في ذلك:.
الله فأحدهما ما خرجه مالك من حديث أبي قتادة أنه كان مع النبي عل حتى إذا كانوا ببعض طرق مكة تخلف مع أصحاني له محرمين وهو غير محرم، فرأى حمارا وحشيا فاستوى على فرسه فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا عليه فسألهم رمحه
(1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 657 - شرح النيل ج 4 ص 102.
(2) قواعد الإسلام ج 2 ص 147 -
(3) تفسير القرطبي ج 6 ص 322 - عمدة القاري ج 10
ص
176
363 (1/363)
صفحة 352
فأبوا عليه، فأخذه ثم شد على الحمار فقتله فأكل منه بعض أصحاب رسول الله وأبى بعضهم. فلما أدركوا رسول الله الله سألوه عن ذلك فقال: «إنما
هي.
طعمة أطعمكموها الله، وجاء أيضا في معناه حديث طلحة بن عبيد الله أنه أهدي إليه ظبي وهو راقد. قال الراوي: فأكل بعضنا فاستيقظ طلحة فوافق على أكله وقال: أكلناه مع رسول الله لا. رواه النسائي
والحديث الثاني: حديث ابن عباس خرجه مالك أيضا» أنه أهدى لرسول الله ع حمارا وحشيا وهو بالأبواء، أو بودان فرده عليه وقال: «إنا لم نرده عليك
الله
إلا أنا حرم). وللاختلاف سبب آخر وهو: هل النهي عن الأكل يتعلق بشرط القتل أو يتعلق بكل واحد منهما على انفراد. فمن أخذ بحديث أبي قتادة قال: إن النهي إنما يتعلق بالأكل مع القتل. ومن أخذ بحديث ابن عباس قال: النهي يتعلق بكل واحد
منهما على انفراده
فمن ذهب في هذه الأحاديث مذهب الترجيح قال: إما حديث أبي قتادة وإما
بحديث ابن عباس. ومن جمع بين الأحاديث قال بالقول الثالث وهو التفصيل
قالوا: والجمع أولى. وأكدوا ذلك بما روي عن جابر عن النبي علا أنه
قال: (صيد البر حلال لكم وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم» رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي
(1)
ويؤيد المذهب الثالث ما رواه جابر بن زيد عن أبيه، قال: سئل النبي عن محرم أتى بلحم صيد فأكل منه فقال: (احسبوا له، قال أبو معاوية راوي
الحديث: يعني إن كان صيد قبل أن يحرم فيأكل وإلا فلا ()
(2)
(1) بداية المجتهد ج 1 ص 330 - 331
(2) أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 481 - وهو الموضع الوحيد الذي وجدت فيه الجابر رواية عن أبيه.
364 (1/364)
صفحة 353
مسألة - 29 - في الحكم على قاتل الصيد إذا عاد إليه ثانية بعد أن حكم عليه
بالجزاء.
اختلفوا في هذه المسألة على قولين:
فقال قوم: لا يحكم عليه بعد المرة الأولى ولكن يقال له: اذهب فينتقم الله منك وذلك تفسيرا لقوله تعالى في آية التحكيم في الصيد: لو عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ} الآية 95 من سورة المائدة. روي هذا عن ابن عباس وهو قول الحسن وإبراهيم ومجاهد وشريح من السلف. وقال داود من أصحاب المذاهب: لو قتل مائة صيد إنما يلزمه الجزاء بالأول فقط
وتمسكوا بقوله تعالى في الآية المذكورة: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا له فعلق
وجوب الجزاء على لفظ من. قالوا وما علق على لفظ من لا يستوجب تكرارا كمن قال من دخل الدار فله درهم. فإذا تكرر دخوله لم يستحق إلا درهما بالدخول الأول. قالوا ولأن الله تعالى قال: ومن عاد فينتقم الله منه. ولم يرتب على العود غير الانتقام (1).
وقال جابر بن زيد رحمه الله: يعاد الحكم عليه كلما قتل الصيد سواء كان التكرار عمدا أو خطأ (2). وقال بهذا جمهور السلف والخلف وهو قول أئمة
المذاهب مالك وأبو حنيفة وإسحق وابن المنذر والشافعي.
وقالوا لأن النهي مستمر دائم ما دام محرما فمتى قتل الصيد فالجزاء لأجل ذلك
لازم له.
(1) أحكام القرآن للقرطبي ج 6 ص 305 – المجموع ج 7 ص 329
(2) قواعد الإسلام ج 2 ص 173.
365 (1/365)
صفحة 354
وذهب فريق ثالث إلى التمييز بين العمد والخطأ. فقالوا: يعاد عليه الحكم في الخطأ دون العمد. فمن قتل شيئا من الصيد خطأ وهو محرم يحكم عليه فيه كلما قتله. فإن قتله عمدا يحكم عليه فيه مرة واحدة، فإن عاد يقال له:
منك
ينتقم
الله
ونسب هذا القول أيضا إلى شريح ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن البصري
وإبراهيم النخعي
(1)
(1) الفتح الرباني ج 11 ص 258.
366 (1/366)
صفحة 355
مسألة - 30 - فيمن طاف طواف الوداع ثم بدا له في شراء حوائجه: اتفق العلماء على أنه ينبغي أن يقع طواف الوداع بعد جميع أشغال الحج، وأن يتبعه الخروج بلا مكث لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت) رواه أحمد ومسلم وغيرهما. ولكنهم اختلفوا في المدة التي يمكن مكثها بين الطواف والخروج فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه رخص للمودع أن يشتري الطعام والعلف ويقضي ما عليه، نافرا على طريقه. (1)
وروي مثل ذلك عن مالك. فقد قال الباجي: لا بأس أن يشتري بعض حوائجه وطعامه في السوق ولا شيء عليه. وحجته أن حكم الوداع أن يكون متصلا بفراق من يودع. وليس شراؤه أو بيعه جهازا أو طعاما ساعة من نهار فاصلا بين وداعه وسفره. وإنما يفصل بينهما مقام يوم وليلة (2) وخالف قوم فقالوا: إنه إذا باع أو اشترى أن يعيد طوافه، حتى يكون آخر عهده بالبيت، وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وغيرهم
وهو قول الإباضية والظاهرية
(3)
وهو مذهب عمر بن عبد العزيز فإنه قيل: كتب كتابا بعد الوداع
طوافه
فأعاد
وفرق الشافعية بين ما إذا كان التأخير لغير عذر، أو لغير شغل غير أسباب الخروج، كشراء متاع أو قضاء دين أو زيارة صديق أو عيادة مريض لزمه إعادة الطواف. أما إن اشتغل بشراء الزاد وشد الرحل ونحو ذلك ففيه عندهم
خلاف
(4)
(1) شرح النيل ج 3 ص 268
(2) المنتقى ج 2 ص 293
(3) شرح النيل المتقدم – المحلى ج 7 ص 171
(4) المجموع ج 8 ص
198
367 (1/367)
صفحة 356
عليه
وذهب أبو حنيفة إلى أنه لو ودع وأقام شهرا أو أكثر أجزأه ولا إعادة
(1)
وحجته
أنه قد قام بالطواف بعد ما حل له النفر فلم تلزمه الإعادة كما لو نفر
عقيبه
(2)
(1) عمدة القاري ج 21 ص 95
(2) المغني ج 3 ص
487
368 (1/368)
صفحة 357
الباب الثامن
في النكاح والطلاق وما يتبعهما
وفيه 61 مسألة
369 (1/369)
صفحة 358
مسألة - 1 - هل للأب أن يزوج ابنته البكر بغير رضاها؟ اتفق العلماء على أن البنت الثيب إذا زوجها أبوها بغير رضاها أن نكاحها
(1)
مردود، إلا ما كان من مخالفة الحسن البصري وإبراهيم النخعي واتفقوا أيضا على أن البنت الثيب، أو البكر، إذا كان لها ولي غير الأب أنه لا يجوز النكاح عليها إلا برضاها. (2)
واختلفوا في البكر، وهي إما أن تكون صغيرة دون سن البلوغ، وإما أن
تكون بالغة
فأما الصغيرة غير البالغة: فقد روي عن الإمام جابر أنه كان لا يجيز تزويج الصبيان، ويرى أن تزويج النبي ع الله عائشة هو من خصوصياته. نقل ذلك ابن
بركة (3)
وقال ابن شبرمة: لا يجوز إنكاح الأب ابنته الصغيرة إلا حتى تبلغ، ويرى أن عالم زواج عائشة من خصوصياته
(4)
وأما ما عدا جابر بن زيد وابن شبرمة، فإنهم اتفقوا على أن للأب أن يجبر الصغيرة غير البالغة على الزواج، وليس عليه أن يستأذنها، بل إن عبارتها
ساقطة. فرضاها وعدمه سواء
(5)
وأما الصغيرة البالغة: فعن جابر أنه لا يجوز نكاح الأب على ابنته إلا برضاها. نقل ذلك ابن خلفون (6). وهو قول أبي عبيدة، والربيع بن حبيب
497
20 130
(1) عمدة القاري ج)
ص
(2) الميزان الكبرى ج 2 ص 110
(3) كتاب الجامع ج 2 ص 123
(4) المحلى ج 9
459
ص
(5) أثر الاختلاف ص 576 - أسر الأدلة المختلف فيها ص
(6) أجوبة ابن خلفون ص 73.
371 (1/371)
صفحة 359
(1)
وعامة فقهاء الإباضية إلا ابن عباد منهم
وإليه ذهب الأوزاعي والثوري وابن شبرمة وأهل العراق عامة والعترة (2) وابن حزم (3). واستدلوا بحديث خنساء بنت خذام الأنصارية، من رواية الثوري أن أباها زوجها وهي بكر، فكرهت ذلك فأتت النبي عل الله فرد نكاحها (4) أخرج عن جابر أن رجلا زوج ابنته بكرا ولم
الجماعة إلا مسلما. وبحديث عطاء
جه
يستأذنها، فأتت النبي الله ففرق بينهما. أخرجه النسائي وبحديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه تزوج ابنة خاله، وأن عمها هو الذى
زوجها ... وفي الحديث، فأتت النبي الله فرد نكاحها. أخرجه الدارقطني وبحديث ابن عباس. أن جارية بكرا أنكحها أبوها وهي كارهة فخيرها رسول الله الله. رواه أحمد وأبو داود. وقيل هذا حديث مرسل، ولكن ابن حزم صححه وقال: هو في غاية الصحة، ولا معارض له وإن ابن القطان
صححه
(5)
وقال فريق آخر، وهم الجمهور، إن البكر إن كانت صغيرة جاز عليها نكاح الأب وأنه لا عبرة برضاها أو امتناعها وأن رصاها وعدمه سواء
وهو قول مالك وأصحابه، وأحمد وابن أبي ليلى والليث (6)
وقال به الشافعي إلا أنه اشترط أن يكون الزواج من كفء لا ضرر فيه عليها
واحتجنوا على ذلك بأمور:
131
372
(1) شرح النيل ج 7 ص 379. (2) نيل الأوطار ج 6 ص 131.
(3) المحلى ج 9 ص 459
ج 9
(4) عمدة الفاري ج
20
?
129
20 130
(5) عمدة القاري ج)
(6) الأشراف ج 2 ص 90 – نيل الأوطار ج 6 ص (1/372)
صفحة 360
1 - عمل أهل المدينة بالنسبة لمالك، فقد روى في موطئه أنه بلغه أن القاسم بن محمد وغيره كانوا يقولون في البكر يزوجها أبوها بغير إذنها، إن ذلك لازم 2 - ما رواه مالك عن ابن عباس أن النبي - قال: و الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن، وإذنها صماتها.). رواه الجماعة إلا البخاري
لما قسم
النساء قسمين ثيبا وبكرا
وجه الاستدلال بالحديث أن النبي الله وأثبت الحق لإحداهما وهي الثيب، دل ذلك على نفيه عن الثيب، دل ذلك على نفيه عن الأخرى، وهي البكر، فيكون وليها أحق منها بها. 3 حديث عائشة رضي الله عنها قالت: و تزوجني رسول الله لا وأنا ابنة ست أو أو سبع وبني بي وأنا ابنة تسع». متفق عليه
وجه الاستدلال: أن الشارع لما لم يجعل للصغير أمرا في نفسه إلا أن يبلغ الحلم أو الجارية المحيض، فيكون لهما أمر في نفسهما، دل إنكاح أبي بكر الصديق عائشة وهي ابنة ست، وبناء النبي الله بها وهي ابنة تسع، على أن الأب أحق بالبكر من نفسها مطلقا، وإلا لما جاز تزويجه إياها حتى تبلغ وتستأمر لأنها لا أمر لها في نفسها وهي صغيرة. وقال الشوكاني: إن ظاهر أحاديث الباب تدل على أن البكر البالغة إذا زوجت
بغير إذنها لم يصح العقد، وقال الترمذي إن هذا مذهب أكثر أهل العلم. وإليه ذهب المباركفوري في شرحه على الترمذي
373 (1/373)
صفحة 361
مسألة - 2 - وجوب المهر كاملا بالخلوة وإرخاء الستور
اتفق العلماء على أن الصداق يجب للمرأة كاملا بالدخول أو الموت. أما وجوبه كله بالدخول فلقوله تعالى: {وَإن أردتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مِّكَانَ زَوْجِ وَعَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا، وَكَيْفَ تَأْخُدُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا}. الآيتان 20 و 21 من سورة النساء.
وأما وجوبه بالموت، فلانعقاد الإجماع على ذلك. وقال ابن رشد: لا أعلم الآن فيه دليلا مسموعا.
واختلفوا هل من شرط وجوبه مع الدخول الوطء أم ليس ذلك من شرطه فقال جابر بن زيد: إن مجرد الخلوة والكشف عن العورة يكفي لإيجاب الصداق كاملا والعدة. فقد نقل أبو غانم أنه سأل عن رجل دخلت عليه امرأته فكشف عنها، ولم يعتنقها. قال: لها الصداق كاملا، وعليها العدة. وذلك بالنظر إلى فرجها. وقال: كذلك حدثني حيان الأعرج عن أبي الشعثاء جابر بن
زيد
(1)
وروي ذلك الخلفاء الأربعة عن، وزيد، وابن عمر، وعروة، وعطاء والزهرى والأوزاعي وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي في القديم وأحمد بن، وهذا القول رجحه القرطبي في أحكام القرآن (2) وهو من المالكية
حنبل
وحجتهم في هذا عمل الصحابة والقياس:
(1) المدونة الكبرى ج 2 ص 68.
(2) المغني ج 8 ص 62 - عمدة القاري ج 21 ص 10 - المجموع ج 15 ص 503 - أحكام القرآن ج 5 ص
102
374 (1/374)
صفحة 362
فأما عمل الصحابة فهو ما رواه ابن قدامة عن زرارة بن أوفى قال: قضى الخلفاء الراشدون المهديون أن من أغلق بابا وأرخى سترا فقد وجب المهر ووجبت العدة، وقد حكى الطحاوي إجماع الصحابة على ذلك. وقالوا إن هذه قضايا اشتهرت عنهم ولم يخالفهم أحد في عصرهم فكان إجماعا (1)
وأما من جهة القياس، فإنهم قاسوا النكاح على البيع والإجارة وتقرير ذلك: أن الموجب للبدل في العقد هو تسليم المبدل، لا حقيقة استيفاء المنفعة. وقد وجد هذا التسليم المستحق من جهتها برفع الموانع لأنه هو المقدور لها. وأما الوطء فليس في مقدور المرأة تسليمه فلا تكون مكلفة بذلك. إذ الواجب لا يكون إلا مقدورا. وإذا وجد منها تسليم المبدل استقر حقها في البدل وهو كمال المهر وذلك كما في البيع والإجارة وذهبت طائفة إلى أنه لا يجب المهر كاملا بالخلوة إلا إذا كان المسيس وهو الجماع عندهم. وهو قول مالك والشافعي في الجديد، وبه قال شريح والشعبي وطاوس وابن سيرين، وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس، وهو ما ينافي دعوى الإجماع السابقة وهي رواية عن أحمد وسعيد بن المسيب (3) وإليه مالت
الإباضية
(4)
(2)
واستدلوا بظاهر الآية من قوله تعالى: و وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} الآية 237 من سورة البقرة. فظاهر النص أن من طلقت قبل المسيس ليس لها إلا نصف المهر، والخلوة
ليست بمس
(1) أثر الادلة المختلف فيها ص 389.
(2) أثر الأدلة ص 390
(3) المغني ج 8 ص 62
(4) شرح النيل ج 6 ص 152 - 393 - 435 - جامع ابن بركة ج 2 ص 161
375
I (1/375)
صفحة 363
مسألة - 3 - من جعل عتق الأمة صداقها
اختلف علماء السلف في الأمة يعتقها سيدها ويتزوجها ويجعل عتقها
صداقها.
فذهب جماعة منهم إلى جواز ذلك. وهو قول سعيد بن المسيب والحسن البصري وإبراهيم النخعي والأوزاعي وعطاء وإسحق، وأحمد. وقالوا: إذا عقد عليها لا تستحق عليه مهرا غير ذلك العتاق، وهو مذهب ابن حزم وعنده أنه سنة
فاضلة
وهو قول الشافعي، إلا أنه يرى إن أعتقها على هذا الشرط فقبلت عتقت. ولا يلزمها أن تتزوجه بل له عليها قيمتها لأنه لم يرض بعتقها مجانها. فإن رضيت
وتزوجها على مهر يتفقان عليه فله عليها القيمة ولها عليه المهر المسمى واستدلوا بما رواه البخاري عن أنس بن مالك أن رسول الله لا أعتق صفية وجعل عتقها صداقها
(1)
وذهب فريق آخر إلى أن ذلك لا يجوز. وهم جابر بن زيد والليث بن سعد وابن شبرمة، وأبو حنيفة ومحمد، ومالك. نقل ذلك العيني (1) وابن حزم وحجتهم أنهم ردوا حديث أنس بأنه لم يسنده فلعله تأويل أخرى قالوا إن ذلك من خصوصيات النبي الله، فإن له وحده أن يتزوج بدون
صداق.
منه ومن جهة
وكان ابن سيرين يستحب أن يجعل لها مع عتقها شيئا ما كان
وقال مالك: إن كرهت فهي حرة ولا شيء له عليها إلا أن يقول لا أعتق إلا
على هذا الشرط كما قال الشافعي
(1) عمدة القاري ج 4 ص 87 و ج 20
ص
81 – المحلى ج 9 ص 506
376 (1/376)
صفحة 364
مسألة - 4 - الحكم في مفوضة البضع.
التفويض على ضربين: تفويض بضع، وتفويض مهر، فتفويض البضع هو أن يزوج الأب ابنته البكر أو تأذن المرأة لوليها في تزويجها بغير مهر وتفويض المهر هو أن يزوجها على ما شاءت أو شاء، أو شاء أجنبي.
فالنكاح صحيح ويجب مهر المثل (1). وإذا طلقت المفوضة البضع قبل
(2)
الدخول، فقال جابر بن زيد، ليس لها إلا المتعة. رواه عنه صاحب المغني وهو قول ابن عمر وابن عباس والحسن وعطاء والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحاب
الرأي.
ودليلهم قوله تعالى: {لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِع قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ. وعن أحمد رواية أخرى أن الواجب لها نصف مهر مثلها، لأنه نكاح صحيح يوجب مهر المثل بعد الدخول فيوجب نصفه بالطلاق قبل الدخول كما لو سمي
محرما (2)
(1) الشرح الكبير ج 8 من 81.
(2) المغني ج 8 ص 47.
377 (1/377)
صفحة 365
مسألة - 5 - في الشهود في النكاح.
روي عن جابر بن زيد أنه يقول: لا ينعقد النكاح إلا بشاهدين. نقله ابن
قدامة (1)
روي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن والنخعي وقتادة. وقال به من الأئمة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل في المشهور
عنه
قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ع الله ومن بعدهم من التابعين وغيرهم. فإنهم قالوا: لا نكاح إلا بشهود: ما روي عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله له: «لا نكاح وحجتهم إلا بولي وشاهدي عدل، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له». رواه الدار قطني. وفي إسناده مقال وما رواه عمران بن حصين عن النبي عل الله أنه قال: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل). رواه أحمد. وإسناده ليس بذاك ولكنهم قالوا وإن كان منقطعا إلا أن أكثر أهل العلم يقولون به.
(2)
وقال ابن حيان: لا يصح في ذكر الشاهدين غير حديث عائشة. ورواه ابن حزم بلفظ: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها وشاهدي عدل فنكاحها باطل» وقال: لا يصح في الباب شيء غير هذا الحديث وقال فريق آخر بعدم اشتراط اقتران عقد النكاح بالشهادة وقالوا بجواز
تأخرها عنه إلى حين الدخول
(3)
(1) المغني ج 7 ص 339
(2) نيل الأوطار. ج 6 ص 134.
(3) المحلى ج 9 ص 465.
378 (1/378)
صفحة 366
روي ذلك عن ابن عمر وابن الزبير وأخيه عروة والحسن بن علي وغيرهم. وإليه ذهب الإمام مالك، وهي رواية أخرى عن أحمد (1)
وحجتهم ما رواه البخاري عن أنس قال إن النبي عل الله أقام بين خيبر والمدينة ثلاثا، بنينا عليه بصفية بنت حُيَي ودعوت المسلمين إلى وليمة، وفيه. فكانت وليمة. فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو مما ملكت يمينه. فقالوا: إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت اليمين. فلما ارتحل وطأ لها خلفه وسدل الحجاب بينها وبين الناس
فوجه الدليل من هذا الحديث: أن أصحاب النبي الله قالوا إن حجبها فهي
من أمهات المؤمنين. ولو كان أشهد على نكاحها لعلموا ذلك بالإشهاد ودليلهم من جهة القياس: إن عقد النكاح شرع لاستباحة البضع فلم يفتقر
إلى الشهادة كالرجعة وشراء الأمة
ودليل آخر: قالوا: إن هذا عقد على منفعة فلم تكن مقارنة الشهادة شرطا في صحته كالإجارة (2)
379
(1) المغني ج 7 ص
339
(2) المنتقى ج 3 ص 313 – المغني ج 7 ص 340 (1/379)
صفحة 367
مسألة - 6 - في نكاح السر. هل هو جائز؟
اتفق العلماء على أنه لا يجوز نكاح السر
واختلفوا فيما إذا أشهد شاهدان ووصيا بالكتمان، هل هو سر أم لا
فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه كره نكاح السر. نقل ذلك ابن خلفون في أجوبته (1). وقال بهذا مسلم بن أبي كريمة وجملة أصحابنا الإباضية. فإنهم قالوا إذا وقع النكاح بشهود وولي جاز نكاح السر، مع كراهتهم له. واستدلوا بكراهة نكاح السر بما روي عن النبي ع أنه قال: «فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت» رواه الترمذي وحسنه، وصححه ابن حبان
والحاكم.
وبما روي عنه عليه السلام أنه قال: (أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد
واضربوا عليه بالدفوف) - رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب وبما روي عن علي أن رسول الله الله مر يوما بأصحابه ببني زريق فسمعوا غناء جوار ولعبا، فسأل ما هذا فقالوا: نكاح فلان فحمد الله فقال: «كمل دينه. هذا الدخان، ولا نكاح حتى يسمع حنين الدف أو يرى الدخان» – رواه ابن خلفون.
واختلف موقف المالكية في شأن نكاح السر. فروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: لو زوج ببينة وأمرهم أن يكتموا ذلك لم يجز النكاح لأنه نكاح سر. وإن تزوج بغير بينة على غير استسرار جاز، وأشهدا فيما يستقبلان وروى ابن وهب من جهة أخرى عن مالك فى الرجل يتزوج المرأة بشهادة رجلين ويستكتمهما قال: يفرق بينهما بتطليقة، ولا يجوز النكاح ولها الصداق إن كان أصابها ولا يعاقب الشاهدان (2)
(1) أجوبة ابن خلفون ص 65.
(2) أحكام القرآن للقرطبي ج 3 ص 79 – المنتقى ج 3 ص 314
380 (1/380)
صفحة 368
وحجة مالك أن البيوع التي ذكرها الله تعالى فيها الإشهاد عند العقد وقد قامت
الدلالة بأن ذلك ليس من فرائض البيوع، والنكاح الذي لم يذكر الله تعالى فيه الإشهاد أحرى بألا يكون الإشهاد فيه من شروطه وفرائضه. وإنما الغرض الإعلان والظهور لحفظ الأنساب. والإشهاد يصلح بعد العقد للتداعي والاختلاف فيما ينعقد بين المتناكحين) وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما: إذا تزوجها بشاهدين وقال لهما: اكتما جاز النكاح، وهذا قول يحي بن يحي الليثي الأندلسي المالكي. فإنه يرى أن كل نكاح شهد عليه رجلان فقد خرج من حد السر. وبه قال ابن حزم
الظاهري
ويرى هذا الفريق: أن السر في النكاح هو الذى لم يشهد عليه رجلان فصاعدا
وأنه يفسخ على كل حال. وهذا الذى مال إليه القرطبي وسبب اختلافهم، هل الشهادة في النكاح حكم شرعي أم المقصود منها سد ذريعة الاختلاف أو الإنكار. فمن قال حكم شرعي قال هي شرط من شروط الصحة
ومن قال
هي
توثق قال هي شرط من شروط التمام.
وقال فريق آخر: ليست الشهادة من شروط النكاح، لا هي شرط صحة
ولا هي شرط تمام. وهو قول أبي ثور وجماعة. وفعل ذلك الحسن بن علي. روي عنه أنه تزوج بغير شهادة ثم أعلن بالنكاح (2).
(1) أحكام القرآن – المتقدم –
(2) بداية المجتهد ج 2 ص 18
381 (1/381)
صفحة 369
مسألة - 7 - اشتراط الولي في النكاح.
إذا كانت المرأة بالغة عاقلة حرة، فهل يصح أن تتولى عقد زواجها بنفسها أو لا بد من ولي يتولى العقد عليها؟
(1)
ذهب الإمام جابر بن زيد إلى أن الولي شرط في عقد النكاح، وأنه لا يجوز إلا به. قال ذلك ابن خلفون وابن قدامة والقرطبي وقد نقل عنه أنه سئل هل النكاح بدون ولي حرام؟ فقال: نعم وهذا مذهب الأئمة: مالك، والشافعي، وابن حنبل (2) ويرون أن الولي ركن من أركان العقد، وأنه لا نكاح إلا بولي. ولا تملك المرأة تزويج نفسها، فإن فعلت لم يصح النكاح. وقال بهذا عمر وعلي وابن مسعود وعائشة وابن عباس وأبو هريرة من الصحابة، وسعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز وابن شبرمة وغيرهم. وحجة هؤلاء ما يلي:
1 - الكتاب: وذلك قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرْضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ} الآية 232 من سورة البقرة. ووجه الاستدلال بهذه الآية ما ذكره الشافعي في الأم، قال: «إنما يؤمر بأن يعضل المرأة من له سبب إلى العضل بأن يكون يتم به نكاحها من الأولياء. والزوج إذا طلقها فانقضت عدتها فليس بسبيل منها فليعضلها، وإن لم تنقض عدتها فقد يحرم عليها الن تنكح غيره. وهو لا يعضلها عن نفسه. وهذا أبين ما في القرآن من أن للولي مع المرأة في نفسها حقا، وأن على الولي أن لا يمنعها إذا رضيت أن تنكح بالمعروف (3).
(1) أجوبة ابن خلفون ص 66 - المغني ج 7 ص 337 - أحكام القرآن ج 3 ص 72
(2) المغني ج 7 ص 337 – المنتقى ج 3 ص 267
(3) أثر الاختلاف ص 573
382 (1/382)
صفحة 370
2 السنة: منها ما رواه أبو موسى عن النبي عل الله أنه قال: «لا نكاح إلا بولي». رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والاحتجاج بهذا الحديث مبني على أن هذا النفي متوجه إلى الذات الشرعية، كما في حديث و لا صيام لمن لم يبيت النية) أو متوجه إلى نفي الصحة التى هي أقرب المجازات إلى الذات فيكون من باب عموم المقتضى عند من يقول به
ومنها ما روته عائشة رضي الله عنها أن النبي - قال: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له: - رواه الترمذي وأبو داود.
ومنها ما رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله لا: (لا تزوج المرأة المرأة ولا
المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها) - رواه ابن ماجة والدارقطني 3 عمل الصحابة: فقد روي عن عمر أنه رد نكاح امرأة نكحت بغير ولي
وجلد الناكح. وخالف أبو حنيفة فقال: إن نكاح الحرة البالغة العاقلة ينعقد برضاها وإن لم يعقد عليها ولي. وذهب محمد بن الحسن إلى أن النكاح ينعقد موقوفا. وحجة أبي حنيفة من ثلاث جهات:
1 - القرآن: وذلك قوله تعالى: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ النساء من مباشرة النكاح، لا كما تصوره
الآية المتقدمة وهي تفيد النهي عن منع
الخصم وذلك لأن قوله ذلك هو نهي!
عن منعهن من نكاح من يخترنه
وإنما يتحقق المنع ممن بين يده الممنوع وهو الإنكاح. 2 - السنة: وذلك في الحديث الذى رواه ابن عباس أن النبي عل الله قال: الايم أحق بنفسها من وليها رواه أبو داود والترمذي. والأيم من لا زوج لها سواء كانت ثيبا أم بكرا. وهذا أصبح من الأحاديث التي استدل بها الطرف المخالف.
383 (1/383)
صفحة 371
3 المعقول: وذلك أن النكاح تصرف للمرأة في خالص حقها وهي من
أهله،
لكونها عاقلة مميزة ولهذا كان لها التصرف في المال ولها اختيار الأزواج، وإنما
يطالب الولي بالتزويج كي لا تسب إلى
(1) أثر الاختلاف ص 573 - 574.
(1)
....
384 (1/384)
صفحة 372
مسألة - 8 - هل يجوز لولي الولي أن يتولى تزويج المرأة؟
روي عن جابر بن زيد أنه لا يجوز لولي الولي أن يتولى تزويج المرأة نقل
(1)
ذلك الإمام ابن حزم. وهو قول الحسن البصري. فقد سئل عن امرأة خطبها رجل ووليها غائب بسجستان، ولوليها هنا ولي، أيزوجها ولي وليها؟ قال: لا، ولكن اكتبوا إليه فقيل له: إن الخاطب لا يصبر. قال: ليصبر. فقال له رجل: إلى متى يصبر قال الحسن: يصبر كما صبر أهل الكهف وقال بذلك من الفقهاء: مكحول وابن شبرمة، وابن أبي ليلى والثوري والحسن بن حي، والشافعي وأحمد وقال بعكس هذا جماعة، ورأوا جوازه. روي ذلك عن عائشة رضي الله عنها
وابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وإبراهيم النخعي
وحجتهم: أن
عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولى ابنته حفصة أم المؤمنين ماله
وبناته ونكاحهن. فكانت حفصة رضي الله عنها إذا أرادت أن تزوج امرأة أمرت
أخاها عبد الله فيزوج (2).
(1) المحلى ج 9 ص 454.
(2) المحلى ج 9 من 454
385 (1/385)
صفحة 373
مسألة - 9 - في رجل تزوج امرأة وأقام معها زمانا ثم تزوج أخرى فوطئها وكان قد وطيء الأولى ثم وجدها أخت امرأته الأولى:
روي عن جابر بن زيد أنه كان يقول يفارقهما جميعا، وأن له فيما سواهما سعة ومندوحة. نقل ذلك أبو غانم الخراساني (1)
وقد خالف في ذلك جماعة
فروي عن أبي غانم أنه سأل أبا المورج عن هذه المسألة فأجاب بأن الزوجة الأولى لا تحرم، ولا يفرق بينهما. ونسب هذا القول إلى فقهائنا
وقال أحمد: إذا تزوج امرأة ثم تزوج أختها ودخل بها اعتزل زوجته حتى تنقضي عدة الثانية، وإنما كان كذلك لأنه لو أراد العقد على أختها في الحال لم يجز له حتى تنقضي عدة الموطوءة كذلك لا يجوز الوطء لامرأته حتى تنقضي عدة أختها التي أصابها (2) وقال الشافعية: إذا تزوج إحدى الأختين بعد الأخرى بطل نكاح الثانية، لأنها اختصت بالتحريم، وإن تزوج إحداهما ثم طلقها فإن كان طلاقا بائنا حلت له الأخرى لأنه لم يجمع بينهما في الفراش، وإن كان رجعيا لم تحل لأنها باقية على
الفراش (3)
(1) المدونة الكبرى ج 2 ص 22.
(2) المغني ج 7 ص 491. (3) المجموع ج 15 ص 379.
386 (1/386)
صفحة 374
مسألة - 10 - في خيار العيب في النكاح.
اختلف العلماء في موجب الخيار بالعيوب لكل واحد من الزوجين وذلك في موضعين: أحدهما هل يرد النكاح بالعيوب أو لا يرد؟ الثاني إذا قلنا إنه يرد فمن أيها يرد؟. فأما الموضع الأول: فقال مالك والشافعي وأحمد، وجمهور الفقهاء من الإباضية والجعفرية: إن العيوب توجب الخيار في الرد أو الإمساك. وهو حق مشترك للزوجين، فلكل منهما إذا وجد بصاحبه عيبا فله حق طلب التفريق.
ولكنهم بعد أن اتفقوا على هذا المبدأ، اختلفوا في تعداد العيوب وفي أنواعها
وقال أهل الظاهر، وعمر بن عبد العزيز: إن العيوب لا توجب الخيار وتوسط أبو حنيفة وأصحابه فأجازوا الخيار في عيبين فقط وهما القرن والرتق، وهي عيوب جنسية تمنع مع الوطء
وسبب
الخلاف يرجع إلى شيئين: أحدهما هل قول الصحابي حجة أم لا؟
والثاني هو القياس
فأما قول الصحابي الوارد في ذلك فهو ما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: أيما رجل تزوج امرأة وبها جنون أو جذام أو برص، وفي بعض الروايات، أو قرن، فلها صداقها كاملا، وذلك غرم لزوجها على وليها.
وأما القياس، فعلى البيع، فإن القائلين بموجب الخيار للعيب في النكاح قالوا إنه في ذلك شبيه بالبيع. وقال المخالفون لهم: ليس النكاح شبيها بالبيع، لاجتماع المسلمين على أنه لا يرد النكاح بكل عيب يرد به العيب. وقالوا بالنسبة لقول (1) الصحابي إنه لا حجة إلا في قول النبي علي الله)
(1) بداية المجتهد ج 2 ص 50 – المحلى ج 10 ص 109
387 (1/387)
صفحة 375
وأما الموضع الثاني: ففي أي العيوب يرد بها النكاح وفي أيها لا يرد؟ فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال: (أربع لا تجوز في بيع ولا نكاح: المجنونة والمجذومة والبرصاء والعقلاء - روى ذلك البيهقي وابن حزم وأبو غانم (1).
وقد اتفق الأئمة: مالك والشافعي وابن حنبل والإباضية وغيرهم على ذلك وهو قول جمهور العلماء (2)
عنهم.
واستدلوا بما روي عن عمر بن الخطاب المتقدم ذكره. وقالوا إن ذلك مروي أيضا عن ابن عباس وابن عمر رضي الله واستدلوا أيضا بالقياس: فإنهم شبهوا النكاح بالبيع. فكما يثبت خيار العيب في عقد البيع، يثبت في عقد النكاح. وذلك أن المرأة أحد العوضين في عقد النكاح. فجاز رده بالعيب كالصداق، أو أنها أحد الزوجين فيثبت له الخيار
بالعيب في الآخر، فيثبت للمرأة حق الخيار في الرجل كما يثبت للرجل في المرأة
وقال الحنابلة خاصة: إن المختلف فيه عيب يمنع الوطء، فأثبت الخيار كالجب
والعنة اللذين لا اختلاف في ثبوت الخيار بسببهما وأما الشافعي فقد شبه الضرر اللاحق لكل من الزوجين بسبب هذه العيوب بالضرر اللاحق في الإيلاء، فكما يثبت للزوجة خيار الفرقة إذا لم يفيء بعد المدة، كذلك يثبت هنا خيار الفسخ، لأن الضرر متشابه بل هنا أكثر (3)
وذهب فريق آخر إلى أنه لا خيار للرجل مطلقا إذا كان العيب في المرأة. وأما المرأة فلها حق الخيار إذا تبين لها أن الزوج عنين أو مجبوب أو خصي. وهو مذهب
النخعي، وأبي حنيفة وأبي يوسف
(1) السنن الكبرى ج 7 ص 215 - المحلى ج 10 ص 110 - المدونة الكبرى ج 2 ص 23 (2) المغني ج 7 ص 579 - شرح النيل ج 6 ص 386 - مدى حرية الزوجين في الطلاق (3) أثر الأدلة المختلف فيها ص 397.
388
ص
655 (1/388)
صفحة 376
وحجتهم
ما روي عن النبي لعل الله أنه قال للتي تزوجها فوجد بكشحها بياضا ه الحقي بأهلك) ذكره ابن حجر في بلوغ المرام وأخرجه غيره وإسناده ضعيف قالوا: إن هذا من باب كنايات الطلاق، بل لا يبعد عده من صريحه في عرف العرب بالاستقراء. فعرف أنه لا فسخ في عيب وإنما هو الطلاق فإن شاء طلق وإن
شاء أمسك
وعلل الكاساني هذا الحكم بالنسبة للمرأة فقال: لأنها لا تملك الطلاق فتعين الفسخ طريقا لدفع الضرر. فلو وجد الزوج في زوجته عيبا تناسليا يمنعه من الوصول إليها لا يجوز له التفريق بسببه، فإن شاء أبقى زوجته وله الأجر على فعله، وإن شاء طلق بإحسان.
أما أبو حنيفة فيرى أن الغاية من الزواج هو التناسل لقوله عليه السلام: ه تناكحوا تناسلوا) فجعل الرسول الكريم التناسل ثمرة الزواج. فإذا كان الزوج الاتصال الجنسي فاتت ثمرة النكاح فوجب الفراق إذا ما طلبت
معيبا بعيب يمنع الزوجة ذلك. (1)
وذهب فريق ثالث، وهو الظاهرية إلى أنه لا تفريق بين الزوجين لعيب في أحدهما. فقد قال ابن حزم: لا يفسخ النكاح بعد صحته بجذام حادث ولا يبرص ولا بجنون ولا بداء فرج ولا بشيء من العيوب
(2)
وهو قول عمر بن عبد العزيز. ورافقهم الشوكاني وصاحب الروضة الندية
ونسب القول أيضا إلى عطاء وأبي الزناد وابن أبى ليلى والثوري وأبي سليمان
(1) مدى حرية الزوجين ص 654
(2) المحلى ج 10 ص 109.
389 (1/389)
صفحة 377
واستدلوا بما روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: (أيما رجل تزوج امرأة
مجنونة أو جذماء أو برصاء أو بها قرن فهي امرأته، إن شاء طلق وإن شاء أمسك). وبما روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: (الحرة لا ترد من عيب). (1/390)
صفحة 378
مسألة - 11 - في الجمع بين ابنتي العم وابنتي الخال
اختلف علماء السلف في الجمع بين ابنتي العم وابنتي الخال في النكاح فذهب عامة أهل العلم إلى عدم تحريم هذا الجمع لعدم ورود النص فيه. ولدخوله في عموم قوله تعالى بعد أن ذكر أنواع المحرمات من النساء: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذلِكُمْ الآية 24 من سورة النساء، ولأنّ إحداهما تحل لها الأخرى لو كانت ذكرا. وأما من حيث الكراهة ففيه روايتان:
(1)
الأولى: عن جابر بن زيد وهي الكراهة للقطيعة، نقلها الإمام البخاري، وصاحب الشرح الكبير وصاحب المغني والبغوي والشوكاني وهو قول أبي بكر وعمر وعثمان وعطاء والحسن، وسعيد بن عبد العزيز وذلك لما روي عن النبي علم أنه نهى أن تزوج المرأة على ذي قرابتها مخافة القطيعة. أخرجه أبو داود في المراسيل وابن أبي شيبة، ولأنه مفض إلى قطيعة الرحم المأمور بصلتها. قالوا: فأقل أحواله أن تكون الكراهة
والثانية: وهي عدم الكراهة. ونقل ذلك عن سليمان بن يسار والشعبي والأوزاعي والشافعي وإسحق وأبي عبيد وغيرهم. وقالوا لعدم وجود القرابة التي
تحرم الجمع بينهما، فلا يقتضي كراهة كسائر الأقارب (2)
وقال ابن المنذر: لا أعلم أحدا أبطل هذا النكاح (3)
وقد روي أن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بنى في ليلة واحدة بين
بنت محمد بن علي وبنت عمر بن علي
(4)
(1) عمدة القاري ج 20 ص 102 - الشرح الكبير ج 7 ص 486 - المغني ج 7 ص 478 - شرح السنة ج 9 ص
70 - نيل الأوطار ج 6 ص 158 -
(2) المراجع المتقدمة - المجموع شرح المهذب ج 15 ص 381 – شرح النيل ج 6 ص 35
(3) نيل الأوطار ج 6 ص 159.
(4) عمدة القاري ج 20 ص 101
391 (1/391)
صفحة 379
مسألة - 12 - في الجمع بين الأختين من الإماء.
23
اختلف علماء السلف فيما إذا كان للرجل أختان من إمائه، هل له أن يجمع
(2)
بينهما في الوطء، فيطاً إحداهما ثم يطأ الأخرى قبل إخراجهما من ملکه فروي عن الإمام جابر بن زيد أن ذلك حرام. نقله عنه صاحب المغني وصاحب الشرح الكبير () وهو قول طاوس والأوزاعي، والأئمة مالك وأبي حنيفة، والشافعي، وهي إحدى الروايتين عن أحمد وزعم الجصاص أن هذا الخلاف قد زال، وأنه قد حصل الإجماع على تحريم الجمع واستدل هذا الفريق بقوله تعالى: {وأن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ}. الآية من سورة النساء. ووجه الاستدلال أن سائر المذكورات في الآية يحرم وطؤهن والعقد عليهن. ثم إن الأولى صارت فراشا فحرمت أختها كالزوجة. وأضاف الحنفية دليلا آخر من الأصول مفاده أن الأختين في هذه الآية أحلتهما آية وحرمتهما آية فآية التحليل هي قوله تعالى: {وَالمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أيْمَنكُمْ الله وأية التحريم هي قوله تعالى: {وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} أن الأمر إذا اجتمع فيه سببا الحظر والإباحة رجح منهما سبب الحظر. ويؤيد ذلك أنه لو تساوت الآيتان في إيجاب حكميهما إن فعل المحظور يستحق به العقاب، وترك المباح لا يستحق به العقاب، والاحتياط الامتناع ما لم يأمن استحقاق العقاب. فهذه قضية واجبة في حكم العقل.
وعندهم
وأيضا فإن الآيتين غير متساويتين في إيجاب التحريم والتحليل وغير جائز الاعتراض بإحداهما على الأخرى، إذ كل واحدة منهما وردت في سبب غير سبب الأخرى وذلك لأن قوله تعالى: {وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} وارد في حكم التحريم كقوله تعالى: {وَحَلَيْلُ أَبْنَائِكُمْ}، {وَأُمَّهَتُ نِسَائِكُمْ} وسائر
(1) المغني ج 7 ص 492 - الشرح الكبير ج 7 ص 490
(2) أحكام القرآن ج 2 ص 130
392 (1/392)
صفحة 380
من ذكر في الآية تحريمها. وقوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ} وارد في إباحة المسبية التي لها زوج في دار الحرب. وأفاد وقوع الفرقة
وقطع العصمة فيما بينهما فهو مستعمل فيما ورد فيه من إيقاع الفرقة بين المسبية وبين زوجها وإباحتها لمالكها فلا يجوز الاعتراض به على تحريم الجمع بين الأختين إذ كل واحدة من الآيتين واردة في سبب غير سبب الأخرى، فيستعمل حكم كل واحدة منهما في السبب الذى وردت فيه
وقال جماعة، إن ذلك مكروه. وهو منقول عن عمر وعثمان وعلي وعمار وابن مسعود، وهي رواية أخرى عن أحمد. وقد روى ابن منصور عن أحمد وسأله عن الجمع بين الأختين المملوكتين أحرام هو؟ قال: لا أقول حراما ولكن ينهى عنه. وظاهر من هذا أنه مكروه ليس حراما. وقال أهل الظاهر: إن ذلك لا يحرم. واستدلوا بآية التحليل. وقد تقدم رد الحنفية لوجه الاستدلال منها. وقال أهل الظاهر أيضا: إن حكم الحرائر مخالف لحكم الإماء في الوطء. ولهذا تحرم الزيادة على أربع في الحرائر ويباح في الإماء بغير
حصر
(2)
(1) أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 131.
(2) المغني الصفحة المتقدمة
393 (1/393)
صفحة 381
مسألة - 13 - في نكاح المرأة من بني تغلب
اختلف علماء السلف في نكاح المرأة من بني تغلب وهم عرب نصارى. فروي عن جابر بن زيد أنه قال: لا يجوز نكاح نسائهم. نقله عنه الجصاص في الأحكام، وابن حيان في التفسير
(1)
وروي مثل ذلك عن علي وإبراهيم النخعي، وهو مذهب الشافعي ورواية عن
أحمد. وحجتهم في ذلك أنهم لم يتعلقوا من النصرانية إلا بشرب الخمر وقال ابن عباس: لا بأس بتزوج نساء بني تغلب. وهو قول جمهور الأئمة لأن القاعدة أن ذبيحة كل نصراني حلال سواء كان من بني تغلب أو غيرهم وكذلك اليهودي. وقد احتج ابن عباس بقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ
منهم فلو لم تكن بنو تغلب من النصارى إلا بتوليهم إياهم لأكلت ذبائحهم)
(2)
وهذه هي الرواية الراجحة عند أحمد، وهي منسوبة إلى عمر بن الخطاب رضي ا
عنه
(1) أحكام القرآن ج 2 ص 326 – البحر المحيط ج 3 ص 433
(2) أحكام القرآن للقرطبي ج 6 ص 78.
394 (1/394)
صفحة 382
مسألة - 14 - في تزوج نساء الصابئين::
(2)
اختلف علماء السلف في الصابئين، هل هم أهل كتاب أم لا. فذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنهم أهل كتاب .. وكان أبو الحسن الكرخي يقول: الصابئون الذين هم عنده من أهل الكتاب قوم ينتحلون دين المسيح. ويقرأون الإنجيل. وروي عن أحمد بن حنبل أن الصابئين جنس من النصارى وهؤلاء ذهبوا إلى جواز مناكحتهم. وهو قول جابر بن زيد فيما رواه الشماخي في الإيضاح (1) (1) وأبو حنيفة فيما رواه السمرقندي وخالف آخرون فقالوا إنهم ليسوا من أهل الكتاب، وذلك لأن أصل اعتقادهم تعظيم الكواكب السبعة وعبادتها واتخاذها آلهة. وهم عبدة الأوثان في الأصل، إلا أنهم منذ ظهر الفرس على إقليم العراق وأزالوا مملكة الصابئين، وكانوا نبطا لم يجسروا على عبادة الأوثان ظاهرا لأنهم منعوهم من ذلك، وكذلك الروم وأهل الشام والجزيرة كانوا صابئين فلما تنصر قسطنطين حملهم بالسيف على الدخول في النصرانية من ذلك الوقت ودخلوا في غمار النصارى في الظاهر وبقي كثير منهم على تلك النحلة مستخفين بعبادة الأوثان. فلما ظهر الإسلام دخلوا في
جملة النصارى ولم يميز المسلمون بينهم وبين النصارى إذ كانوا مستخفين بعبادة الأوثان كاتمين لأصل اعتقادهم وقال الجصاص: والذى يغلب في ظني في قول أبي حنيفة في الصابئين أنه شاهد قوما منهم أنهم يظهرون أنهم نصارى وأنهم يقرأون الإنجيل وينتحلون دين المسيح خفية، لأن كثيرا من الفقهاء لا يقرون إقرار معتقدي مقالهم بالجزية ولا
(1) الإيضاح: ج 2 ص 456. (2) تحفة الفقهاء: ج 2 ص 192
395 (1/395)
صفحة 383
يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف ومن كان اعتقاده من الصابئين ما وصفنا فلا خلاف بين الفقهاء أنهم ليسوا أهل كتاب وأنه لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح
نساؤهم.
(1)
وقال القرطبي: أجمع العلماء إلا من شذ منهم، على أن ذبائحهم لا تؤكل ولا يتزوج منهم وهو مذهب الإمامية (3)
(2)
توسط فريق ثالث وهم الشافعية في أصح الأقوال عندهم فذهبوا إلى أنهم إن وافقوا اليهود أو النصارى في أصل دينهم من تصديق الرسل والإيمان بالكتب كانوا منهم، وإن خالفوهم في أصول الدين لم يكونوا منهم، وكان حكمهم حكم عبدة
الأوثان. (4)
(1) أحكام القرآن للجصاص: ج 2 ص 328
(2) أحكام القرآن للقرطبي: ج 6 ص 77.
382
(3) الخلاف: ج 2 ص (4) المجموع: ج 15 ص 391
396 (1/396)
صفحة 384
مسألة - 15 - في الرجل يتزوج المرأة التي زلى بها.
اختلف علماء السلف في الرجل يزني بالمرأة ثم يتزوج بها، ما حكمه؟ فروي عن الإمام جابر بن زيد ثلاث روايات:
الرواية الأولى: أن ذلك حرام، وأنه لا يحل بأى حال. وعنده أن الحرام يحرم الحلال، وأن ما حرم الحلال فالحرام أشد تحريما. نقل ذلك ابن خلفون (1). وهو قول جميع أئمة الإباضية. ونقلوا ذلك عن ابن مسعود وعائشة والبراء بن عازب وعلي، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله والحسن البصري وابن سيرين وإبراهيم النخعي
واستدلوا لذلك بعدة وجوه:
1 - بحكم الله تعالى في اللعان، فإنهم قالوا: إن السنة جاءت بالفرقة بين المتلاعنين وبأن لا يجتمعا أبدا بسبب ما رماها به من الزنا الموجب للعان، وعندهم أن العلة في الفراق ادعاؤه الزنا عليها وهي منكرة فوجب في القياس إن كان فجر بها أحرى وأحق أن لا تحل له أبدا ويلزمه فراقها إذا تزوجها، لاستواء العلة الجامعة للأمرين. 2 - بقوله تعالى: والْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبت وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ} الآية 5 من المائدة. وبقوله تعالى: {وَآتُوهُنَّ أجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَةٍ} الآية 25 من النساء. فقالوا إن الزانية غير محصنة، وغير مسافحات، غير زانيات، ولا متخذات أخدان، أي ليس لهن من يزني بهن في السر
3 - بقوله تعالى: وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} الآية 3 من سورة النور. قالوا إنها نزلت في رجل يقال له مرثد أراد أن
(1) أجوبة ابن خلفون: ص 35 وما بعدها
397 (1/397)
صفحة 385
يتزوج بغيا يقال لها عناق وكانت صديقة له، وفي القصة أنه لما نزلت الآية قرأها عليه رسول الله علل وقال له: (لا تنكحها) رواه أبو داود والنسائي والترمذي
وحسنه
-4 واستدلوا أيضا باتفاق أهل العلم على أن من نكح في العدة متعمدا أو وطيء فيها أن يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا. وقالوا أول من قضى بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال: هذا الحرام من النكاح. ولا مخالف له. والنهي يدل على فساد المنهي عنه في الأمرين جميعا. (1)
5 - وبما روي عن عائشة وابن مسعود أنهما قالا: هما زانيان ما اجتمعا، وعن محمد بن سيرين أن توبتهما أن يفترقا
الرواية الثانية: رواها عن جابر القرطبي، فإنه روى عنه قوله: إن من زنى بامرأة فله أن يتزوجها ولغيره أن يتزوجها (2). وهو قول منسوب لأبي بكر وابن عباس وعمر وابن مسعود وابن عمر وسالم، وعطاء وطاوس ومالك بن أنس وأبي حنيفة والشافعي. وحجتهم أن الآية الثالثة من سورة النور منسوخة بقوله تعالى بعدها: {وَأَنكِحُوا الْأَيْمَى مِنكُمْ} الآية 32 من السورة. فقد روي عن سعيد
ابن المسيب أنها نسخت، وقالوا دخلت الزانية في أيامي المسلمين
صلى الله
سئل عن رجل
كما احتجوا بحديث روي عن عائشة رضي الله عنها ان النبي. زنى بامرأة فأراد أن يتزوجها أو ابنتها. فقال لا يحرم الحرام الحلال. أخرجه
البيهقي في السنن وضعفه
الرواية الثالثة: تحرم الزانية حتى تتوب، وتنقضي عدتها. فإذا وجد
(1) أجوبة ابن خلفون: ص 40 - 41.
(2) أحكام القرآن: ج 12 ص -169 أحكام القرآن للجصاص: ج 3 ص 265.
398 (1/398)
صفحة 386
(1)
الشرطان حل نكاحها للزاني وغيره. ونسب هذا القول إلى جابر بن زيد) وقالوا
إنه قول أكثر أهل العلم منهم أبو بكر وعمر وابنه وابن عباس وعطاء والحسن وعكرمة والزهري والثوري والشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي. وقالوا إن العدة لازمة لمعرفة براءة الرحم، ولأنها قبل العدة يحتمل أن تكون حاملا فيكون نكاحها باطلا فلم يصح كالموطوءة بشبهة. إلا أن أبا حنيفة والشافعي
قالا: لا عدة عليها لأنه وطء لا تصير به المرأة فراشا فأشبه وطء الصغير. وأما التوبة فقد اشترطها كل من قتادة وأحمد وإسحق وأبو عبيد وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي لا يشترطون التوبة. لما روي من أن عمر ضرب رجلا وامرأة في الزنا وحرص أن يجمع بينهما فأبى الرجل، ولما روي عن ابن عباس أن رجلا سأله عن نكاح الزانية فقال: يجوز. أرأيت لو سرق من كرم ثم ابتاعه أكان
يجوز؟ (2)
وهؤلاء حملوا قوله تعالى: {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ على الدم لا على
التحريم.
(3)
وقال ابن حزم: لا يحل للزانية أن تنكح أحدا لا زانيا ولا عفيفا حتى تتوب، فإذا تابت حل لها الزواج من عفيف حينئذ. ولا يحل للزاني المسلم أن يتزوج مسلمة لا زانية ولا عفيفة حتى يتوب، فإذا تاب حل له نكاح العفيفة المسلمة حينئذ. وللزاني المسلم أن ينكح كتابية عفيفة وإن لم يتب
(4)
(1) المغني: ج 7 ص 518.
(2) المغني: ج 7 ص 516 - المجموع: ج 15 ص 377.
(3) نيل الأوطار: ج 6 ص 155
(4) المحلى: ج 9 ص 474.
399 (1/399)
صفحة 387
ومال الأستاذ الطاهر بن عاشور إلى أن المؤمن الصالح لا يتزوج الزانية
ذلك، لأن الدربة على الزنى يتكون منها خلق يناسب أحوال الزناة من الرجال
(1)
والنساء
(1) التحرير والتنوير: ج 18 ص 156.
400 (1/400)
صفحة 388
مسألة - 16 - هل تنتشر حرمة المصاهرة بالزنا؟
اختلف العلماء فيما إذا كانت حرمة المصاهرة تثبت بالوطء الحرام كما تثبت
بوطء النكاح ووطء الشبهة أو لا تثبت
فقال جابر بن زيد: إن من وطيء أم امرأته تحرم عليه امرأته. نقله البخاري والبغوي (1)
وروي ذلك عن عمران بن حصين وابن عباس وأبي هريرة والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والثوري، وسعيد بن المسيب في رواية عنه. وقال به عروة بن الزبير والشعبي وقال به من الأئمة مالك في رواية عنه، وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل. إلا أن أبا حنيفة وأصحابه، والإباضية، لا يقصرون التحريم
على الزنا، بل يلحقون به النظر إلى الفرج والمباشرة بشهوة. وهم يستدلون بالأدلة التالية:
أ قوله تعالى: {وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَآؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا} الآية 22 من النساء وجه الاستدلال بالآية أن المراد بالنكاح هو الوطء. إما لأنه الحقيقة اللغوية فيه، وإما لأن النكاح يطلق على الموطء مجازا، وفي الآية قرينة تصرف اللفظ إليه وتوجب الحمل عليه، وهي قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فَحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ
سَبِيلا ه. وهذا التغليظ إنما يكون في الوطء، والفاحشة لا تكون بنفس العقد
ب - ورد أن رجلا قال: يارسول الله، إني زنيت بامرأة في الجاهلية أفأنكح
ابنتها؟ قال: «لا أرى ذلك، ولا يصلح أن تنكح امرأة تطلع من ابنتها على ما
تطلع عليه منها ..
68
السنة:. شرح
: ج 9
401
103
(1) عمدة القاري: ج 20 ص (1/401)
صفحة 389
وروي عن النبي عل الله أنه قال: لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة
وابنتها. وهذان الحديثان ضعيفان.
ج قالوا: هو وطء سبب للولد فيتعلق به التحريم، قياسا على الوطء الحلال. لأن مناط التحريم هو الوطء، ووصف الخل في المناط ملغى شرعا، والدليل على إلغائه أن وطء الأمة المشتركة، وجارية الابن والمكاتبة والمظاهر منها، وأمته المجوسية، والحائض والنفساء ووظء المحرم والصائم كله حرام. وتثبت به الحرمة المذكورة، فعلم أن المعتبر في الأصل ذات الوطء من غير كونه حلالا أو حراما
د - إن النكاح عقد يفسده الوطء بالشبهة، فأفسده الوطء الحرام كالإحرام هذا واعتبر الحنفية المس والنظر إلى الفرج بشهوة من كل منهما إلى الآخر كالوطء لأنهما سبب داع إليه، فيقامان مقامه في موضع الاحتياط (1) وذهب فريق آخر إلى عدم التحريم وقالوا إن الزنا لا يحرم ولا تثبت به حرمة
المصاهرة.
وهو قول منسوب إلى ابن عباس، وهي رواية عن سعيد بن المسيب، وقال به عروة والزهري، وعلي بن أبي طالب، وقال به من الأئمة مالك في أصح الروايتين عنه والشافعي وقد استدلوا بما يلي:
أ بالنسبة للإمام مالك. استدل بظاهر القرآن الكريم الذي عليه العمل بالمدينة. فقد جاء في الموطأ: فأما الزنا فإنه لا يحرم شيئا من ذلك لأن الله تعالى قال: {وَأُمَّهَتُ نِسَائِكُمْ} النساء 23 - فإنه تعالى إنما حرم ما كان تزويجا ولم يذكر تحريم الزنا .. فكل تزويج كان على وجه الحلال يصيب صاحبه فهو بمنزلة
(1) أثر الأدلة المختلف فيها: ص 523.
402 (1/402)
صفحة 390
التزويج الحلال. فهذا الذي سمعت والذي عليه أمر الناس عندنا (1) ب بالاستصحاب. وذلك أن الأصل المعهود في حكم الشرع أن التحريم يكون إلى الأزواج بالطلاق أو بفعل يقع على الزوجة، فإذا زنى رجل بامرأة أبيه أو امرأة ابنه فلا تحرم واحدة منهما على زوجها بمعصية الآخر.
قال الشافعي: ومن حرمها على زوجها بهذا أشبه أن يكون خالف حكم الله. لأن الله عز وجل جعل التحريم بالطلاق إلى الأزواج. فجعل هذا إلى غير الزوج أن يحرم عليه امرأته أو إلى المرأة نفسها أن تحرم نفسها على زوجها
جـ ــ بالمعقول. وذلك أن التحريم نعمة، والزنا محظور، فلا تنال النعمة بالمحظور. بيانه أن الله عز وجل ذكر ما من به على العباد فقال: {فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا الفرقان 54. فحرم بالنسب الأمهات والأخوات والعمات والخالات ومن سمى. وحرم بالصهر ما نكح الآباء وأمهات النساء وبنات المدخول بهن منهن فكان تحريمه بأن جعل للمحرمات على من حرمهن عليه حقا ليس لغيرهن عليه.
وكان ذلك منا منه بما رضي من حلاله. وكان من حرمهن عليه لهن محرما يخلو بهن
ويسافر ويرى منهن ما يرى غير المحرم
(2)
(1) المنتقى: ج 3 ص
306
(2) أثر الأدلة المختلف فيها: ص 522.
:03 (1/403)
صفحة 391
مسألة - 17 - لبن الفحل هل يحرم؟
أجمع العلماء على ثبوت الحرمة بين الرضيع والمرضعة، بحيث تكون من حيث الحرمة كالأم من النسب، فتحرم هي عليه، وكذلك كل ما يحرم على ابنها من النسب من جهتها.
وأجمعوا أيضا على انتشار الحرمة بين المرضعة وأولاد الرضيع، وبين الرضيع وأولاد المرضعة، فهو في ذلك كولدها من النسب
واختلفوا في سريان الحرمة بين الرضيع وبين الرجل الذي ينسب إليه اللبن، وذلك مثل زوج المرضعة. فهل ينزل من الرضيع بمنزلة الأب فيحرم من قبلها ما يحرم على الآباء، والأبناء من جهة النسب أم لا. فهذه المسألة تسمى «لبن
الفحل).
وهناك صورة أخرى لهذه المسألة ذكرها أحمد بن حنبل، وهي أن يكون للرجل زوجتان، فترضع هذه صبية، وهذه صبيا، فلا يزوج هذا من هذه، لأن
اللقاح واحد (1)
ففي هذه المسألة.
روي عن جابر بن زيد أنه يرى أن لبن الفحل يحرم – نقل
ذلك العيني في شرحه على صحيح البخاري
(2)
وهو قول ابن عباس وعائشة وعروة وطاوس وعطاء وغيرهم. وهو قول أئمة المذاهب: مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد. وقول جمهور العلماء من أصحاب النبي الله فمن بعدهم.
واستدلوا بما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن رسول الله عما كان
(1) فقه سعيد بن المسيب: ج 3 ص 450 - المغني: ج 7 ص 476 (2) عمدة القاري: ج 20 ص 97 و ج 13 ص 205
404 (1/404)
صفحة 392
عندها، وإنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة. فقالت عائشة: يارسول الله: هذا رجل يستأذن في بيتك فقال رسول الله ع: و أراه فلانا، لعم حفصة من الرضاعة .. فقلت يارسول الله: لو كان فلان حيا، لعمها من الرضاعة، أدخل علي؟ قال رسول الله له: (نعم، إن الرضاعة تحرم ما يحرم من الولادة) متفق على صحته.
وبحديث آخر عن عائشة قالت: جاء أفلح أخو أبي القعيس يستأذن عليها بعد ما نزل الحجاب، وكان أبو القعيس أبا عائشة من الرضاع، قالت، فقلت والله لا آذن لأفلح حتى أستأذن رسول الله الله، فإن أبا القعيس ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأته، فلما استأذنته قال رسول الله: «ائذني له، فإنه عمك)
متفق عليه
وأما من حيث النظر فإن الجصاص يؤيد هؤلاء بقوله: «إن سبب نزول اللبن هو ماء الرجل والمرأة جميعا، لأن الحمل منهما جميعا فوجب أن يكون الرضاع منهما كما كان الولد منهما وإن اختلف سببهما)
(1)
وقال القرطبي: إن القول في هذه المسألة مشكل والعلم عند الله ولكن العمل عليه، والاحتياط في التحريم أولى، مع أنه قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذلِكُمْ} يقوي قول المخالف، وهم أصحاب القول الثاني:
المنسوب إلى عروة بن الزبير وبعض أزواج النبي الله وسعيد بن المسيب وأبي سلمة وإبراهيم النخعي وغيرهم. وكانوا يرون أن الرضاعة من قبل الرجل لا تحرم
شيئا.
وحجتهم قوله تعالى: {وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَعَةِ) الآية 22 من سورة النساء قالوا: لم يذكر الله تعالى هنا العمة والبنت كما ذكرهما في
(1) أحكام القرآن: ج 2 ص 129.
405 (1/405)
صفحة 393
النسب، فدل ذلك على أن الرضاع يحرم ما كان من قبل النساء فقط، وإلا لذكر
العمة والبنت كما ذكرهما في المحرمات بالنسب
وأجيب بأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه لا سيما وقد جاءت الأحاديث الصحيحة الدالة على أن الرضاع يحرم ما كان ما كان من قبل الرجال كما يحرم ما كان من قبل النساء (1)
406
(1) فقه سعيد بن المسيب: ج 3 ص 452 (1/406)
صفحة 394
مسألة - 18 - في المرأة تشترط لزوجها أن يخرجها:
إن الشروط التي تشترط في عقد الزواج على أنواع: فمنها ما يقتضيه العقد ويجب الوفاء به كاشتراط حسن المعاشرة، وتسليم المرأة وتمليكه من الاستمتاع بها. ومنها ما لا يلزم كسؤال المرأة طلاق ضرتها لورود النهي بذلك، ومنها ما تنتفع به المرأة كزيادة في مهرها أو اشتراط نقد معين، فهذا شرط صحيح يجب
الوفاء به
فإن شرط أن لا يخرجها من دارها أو بلدها أو أن لا يتزوج عليها أو لا يتسرى فهو محل خلاف بين العلماء. فروي عن الإمام جابر في المرأة تشترط على زوجها أن لا يخرجها أنه يرى أن صحيح لازم، فإن وفى به، وإلا فلها الفسخ. نقل ذلك البيهقي في سننه، والعيني في العمدة، وابن قدامة في المغني والشوكاني وهو قول عمر بن الخطاب في إحدى الروايتين عنه، وابن مسعود وعمرو بن العاص وطاوس والأوزاعي وأحمد وإسحق والزهري
ذلك
(1)
واستدلوا بما روي عن النبي عل الله أنه قال: (إن أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج) رواه البخاري.
وذهب فريق آخر إلى أنه ينبغي أن يؤمر الزوج بتقوى الله والوفاء بالشرط ولكن لا يحكم به عليه قضاء. فإن أبى إلا الخروج بزوجته فهو أحق الناس بها، وإليه ذهب الشعبي وسعيد بن المسيب والنخعي والحسن وابن سيرين، وهو قول
مالك.
(1) سنن البيهقي: ج 7 ص 250 - عمدة القاري: ج 20 ص 140 - المغني: ج 7 ص 526. نيل الأوطار:
ج 6 ص 153
407 (1/407)
صفحة 395
وقال أبو حنيفة والشافعي: يفسد المهر ولها مهر المثل. وقال عطاء: بطل الشرط. واحتجوا بما روي عن النبي عل الله أنه قال: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط) متفق عليه. قالوا وهذا الشرط ليس في كتاب
الله لأن الشرع لا يقتضيه واحتجوا بقول النبي عل: (المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا، رواه الترمذي وصححه. وهذا يحرم الحلال وهو التزويج والتسري والسفر، ولأن هذا شرط ليس من مصلحة العقد ولا مقتضاه. وكان أبو عبيد مسلم يقول: كل شرط كان في عقد النكاح، أو بعد عقدة النكاح فهو يلزمه، وكل شرط كان قبل عقدة النكاح فلا يلزمه – وهو قول
عبد الله بن عبد العزيز وحاتم بن منصور ..
(1)
(1) المدونة الكبرى: ج 2 ص 43.
408 (1/408)
صفحة 396
مسألة - 19 - في العزل:
اختلف العلماء في حكم عزل الرجل عن زوجته فرارا من الإحبال.
فقال جماعة
العلماء بجوازه مطلقا من
منهم
سعد
بن أبي وقاص وأيوب
الأنصاري، وزيد بن ثابت، وابن عباس
واستدلوا بحديث جابر قال: كنا نعزل على عهد النبي علل والقرآن ينزل -
رواه البخاري وغيره.
وذهب جابر بن زيد إلى التفرقة بين الحرة والأمة. فتستأمر الحرة ولا تستأمر
(1)
الأمة - نقله العيني وهو مذهب جماعة من الصحابة منهم: عبد الله بن مسعود وابن عباس وابن عمر، ومن التابعين: سعيد بن جبير وابن سيرين والحسن، وعطاء وهو قول أحمد بن حنبل وهو قول أكثر أهل العلم.
وتفصيل القول فيه أن المرأة إن كانت حرة فقد حكي الإجماع من العلماء على أنه لا يعزل عنها إلا بإذنها لأن الجماع من حقها ولها المطالبة به إلا ما كان من بعض الشافعية والهادوية من أنه يجوز العزل عن الحرة بدون إذنها، على مقتضى قولهم بأن لا حق للحرة في الجماع، لأنه حق الرجل وحده. وذهب آخرون إلى كراهة العزل. نقل ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن عمر وإبراهيم النخعي. واستدلوا بما روى مسلم من حديث أبي الأسود عن عروة عن عائشة عن جذامة بنت وهب الأسدية قالت: حضرت مجلس رسول الله عله في أناس وفيه: ثم سألوه عن العزل فقال رسول الله الله: و ذاك الوأد الخفي، ووجه الاستدلال فيه أنه عليه السلام جعل العزل بمنزلة الوأد إلا أنه أخفى، لأن من يعزل
.
(1) عمدة القاري: ج 10 ص 195
409 (1/409)
صفحة 397
عن امرأته إنما يعزل هربا من الولد فلذلك سمي الموؤدة الصغرى، والموؤدة الكبرى
مي
التي تدفن وهي حية
وقد أورد العيني وجوها للترجيح بين حديث جذامة وحديث جابر كما أورد الشوكاني وجوها أخرى للترجيح. فليرجع إليها (1).
(1) عمدة القاري: السابق - نيل الأوطار: ج 6 ص 210.
410 (1/410)
صفحة 398
مسألة - 20 - تزوج الأمة على الحرة:
اختلف علماء السلف في ذلك
فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال: يجوز للرجل إذا خشي أن يزني بالأمة أن يتزوجها. نقل ذلك عنه الجصاص في الأحكام (1) وابن حزم وهو قول عطاء. وروي عن ابن عباس وجابر بن عبد الله وسعيد بن جبير والشعبي أنه لا يتزوج الرجل الأمة إلا إذا لم يجد طولا إلى الحرة.
وقال مسروق، والشعبي في رواية أخرى: نكاح الأمة بمنزلة الميتة والدم ولحم الخنزير، لا يحل إلا للمضطر
وروي عن علي، وأبي جعفر ومجاهد، وسعيد بن المسيب أنهم قالوا: ينكح الأمة، وإن كان موسرا، إذا كانت مسلمة.
وقال القرطبي في الأحكام: والصحيح أنه لا يجوز للحر المسلم أن ينكح أمة غير مسلمة بحال، ولا له أن يتزوج بالأمة المسلمة إلا بشرطين: السعة في المال
وخوف العنت
(2)
وقد رويت عن الإمام جابر بن زيد روايات أخرى في هذا الباب: روى البيهقي بسنده عن عمرو بن دينار قال: سأل عطاء أبا الشعثاء وأنا أسمع عن نكاح الأمة ما تقول فيه؟ أجائز هو؟ فقال: لا يصلح اليوم نكاح الإماء.
وروى البيهقي أيضا عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء قال: لا يصلح نكاح الإماء اليوم لأنه يجد طولا إلى الحرة
(1) ج 2 ص 158
(2) ج 5 ص 138. الجصاص: ج 2 ص 192 - فقه ابن المسيب: ج 3 ص 212
411 (1/411)
صفحة 399
وروى البيهقي عن عمرو بن هرم قال: سئل جابر بن زيد هل يصلح يتزوج بأمة وهو يجد مهر حرة؟ قال: إنما يتزوج الأمة من لا يجد مهر الحرة
وخشي العنت
(1)
(1) البيهقي: ج 7 ص 174.
412 (1/412)
صفحة 400
مسألة - 21 - في أن نكاح المحلل حرام باطل لا يفيد الحل:
إن هذه المسألة هي محل إجماع علماء المسلمين. فإذا تزوج الرجل امرأة بنية أن يطلقها لتحل لزوجها الأول، كان هذا النكاح حراما باطلا. سواء عزم على إمساكها بعد ذلك أو فارقها، وسواء شرط عليه ذلك في عقد النكاح، أو شرط عليه قبل العقد، أو لم يشترط عليه لفظا. ولو أراد هذا المحلل أن يقيم معها بعد
ذلك استأنف النكاح. فإن ما مضى عقد فاسد لا يباح به المقام معها. وقد روي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال في رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها وهو لا يعلم، قال: لا يصلح ذلك إذا كان تزوجها ليحلها. نقل ذلك عنه الإمام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى ج 6 ص 182 (1) ونسب هذا أيضا إلى الأئمة من التابعين منهم: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، والنخعي، وغيرهم. وهو مذهب الإمام مالك والأوزاعي والثوري، والإمام أحمد والشافعي
وخالف في هذا قوم فقالوا: إن العقد صحيح، مع أنه مكروه. ونسب هذا القول إلى أبي حنيفة. رواه ابن تيمية (1)
(1) الفتاوى الكبرى: ج 3 ص 101.
413 (1/413)
صفحة 401
مسألة - 22 - هل تقدر النفقة؟
روي عن جابر بن زيد
أنه لا
لا يرى تقدير النفقة وعنده أن الرجوع فيها يكون
إلى العرف. نقل ذلك عنه ابن القيم في كتابه زاد المعاد (1)
وهذا القول منسوب إلى عدد كبير من التابعين، وقال ابن القيم: إنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة قط تقدير النفقة، لا بمد ولا برطل، وأن المحفوظ عنهم، ا بل الذى اتصل به العمل في كل عصر ومصر هو أن الأمر متروك للعرف. وقال: إن الثابت عن الصحابة في النفقات والكفارات هو الإطعام وليس التمليك وهو مذهب أهل العراق، وأهل المدينة، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه وذهب آخرون إلى أن إطعام الكفارة مقدر، أما نفقة الزوجات فهي غير مقدرة. وهي رواية أخرى عن أحمد
وقال الشافعي بالتقدير، سواء بالنسبة للنفقة أو للكفارة.
وحجة الأولين أنه لم يرد عن النبي علا الله ما يدل على تقدير النفقة. بل إن الله تعالى ذكر الإنفاق مطلقا من غير تحديد ولا تقدير ولا تحديد. فوجب رد ذلك إلى المعرف.
وحجة القائلين بتقدير الكفارة دون النفقة هو جود الفرق بين الحالتين، فالكفارة لا تختلف باليسار ولا بالإعسار، بخلاف النفقة، ولا هي مقدرة بالكفاية أو الاحتياج، ولا أوجبها الشارع بالمعروف كنفقة الزوجة والخادم. والإطعام فيها حق الله تعالى على الآدمي، لا لآدمي معين فيرضى بالعوض عنه.
، ولهذا لو أخرج القيمة لم يجزه.
وقد روي التقدير فيها عن الصحابة والتابعين .. (2)
(1) ج 4 ص 146 ..
(2) ج 4 ص 146
414 (1/414)
صفحة 402
مسألة - 23 - الطلاق في النفس دون التلفظ به،، هل يقع؟
الأصل أن الطلاق لا يقع إلا بالتلفظ فلو نواه في قلبه من غير
(1)
أن
يتلفظ به لم
يقع - روي ذلك عن جابر بن زيد ابن قدامة وغيره. وهو قول عطاء وسعيد
ابن جبير، وإسحق، والحسن، والشعبي
وقال به من الأئمة: الشافعي، وأبو حنيفة (2) وأكثر أهل العلم. واستدلوا
بقول النبي عل: (إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو
تعمل) رواه النسائي والترمذي وقال هذا حديث صحيح
وقال لأنه تصرف يزيل الملك فلم يحصل بالنية كالبيع والهبة
وذهبت طائفة أخرى إلى وقوع الطلاق بالقصد. وهو قول الزهري. وقال ابن سيرين فيمن طلق في نفسه: أليس قد علمه الله؟ وحكي أيضا عن عكرمة أن الطلاق يقع بالنية وحدها.
وقال المالكية أيضا بوقوعه. فقد جاء في الأشراف: إذا طلق من غير لفظ ولا عمل جارحة فالصحيح أن الطلاق يقع. ودليلنا عليه أن الطلاق فراق يفتقر إلى قصد القلب وانطوائه عليه. وفائدة النطق به الإخبار عن وقوعه فوجب إذا عدم ذلك ألا يؤثر، كالإيمان والكفر. ولأنا وجدنا الاعتقاد بمجرده له تأثير في تحريم الزوجة وفرقة الزوجية بدليل الكفر. ولأن تحريم الزوجة يتعلق به حق
الله
تعالى (3). واحتج الشوكاني للفريق الأول بقوله بعد أن أورد حديث أبي هريرة المتقدم أن
-
(1) المغني: ج 8 ص 263 - الشرح الكبير: ج 8 ص 273. شرح النيل: ج 7 ص 522. - عمدة القاري:
ج 21 ص 257 وج 13 ص 89. (2) المجموع: ج 16 ص 96 - 98 (3) الأشراف: ج 2 ص 130.
415 (1/415)
صفحة 403
خطرات القلب مغفورة للعباد إذا كانت فيما فيه ذنب، فكذلك لا يلزم حكمها في الأمور المباحة. فلا يكون حكم خطور الطلاق بالقلب أو إرادته حكم التلفظ
416
(1)
(1) نيل الأوطار: ج 6 ص 260. (1/416)
صفحة 404
مسألة.
- 24 - التلفظ بالطلاق دون قصده، وهل هو طلاق قضاء؟ اختلف العلماء في الرجل إذا جرى لفظ الطلاق على لسانه من دون أن يكون له قصد بإيقاعه فقال جابر بن زيد: ينظر أمره، فإن كان قال ذلك في حال الغضب أو عند سؤال المرأة طلاقها لم يقبل قوله في الحكم، لأن لفظه ظاهر في الطلاق، وقرينة الحال تدل عليه فكانت دعواه مخالفة للظاهر من وجهين، فلا تقبل. وإن لم تكن في هذه الحال فإنه يقبل قوله ولا يحكم بطلاق. نقل ذلك ابن قدامة (1)
وهو قول الشعبي والحكم، وقال به أحمد ومالك وخالف قوم فقالوا: لا يقبل قوله، وهو قول الشافعي، لأنه يدعي خلاف ما يقتضيه الظاهر في العرف، فلم يقبل في الحكم، كما لو أقر بعشرة ثم قال زيوفًا، فأما إن صرح بذلك في اللفظ فقال طلقتك من وثاقي أو سرحتك من يدي، فلا يقع الطلاق لأن ما يتصل بالكلام يصرفه عن مقتضاه، كالاستثناء والشرط. (2)
(1) المغني: ج 8 ص 265 - الشرح الكبير: ج 8 ص 277
(2) المجموع: ج 16 ص 99.
417 (1/417)
صفحة 405
مسألة - 25 - هل يقع الطلاق في حالة الشك؟
وذلك مثل أن يحلف الرجل على أمر قد اختلف الناس فيه، ولا يعلم من المصيب منهم، كرجل قال: كل امرأة لي بالبصرة طالق. وكانت امرأته موجودة في سفوان (1)
فأهل الشام والحجاز يزعمون أنها من البصرة. وأهل البصرة يزعمون أنها ليست من البصرة.
فروي عن الإمام في هذه القضية بعينها أنه لم ير فيها طلاقا ولعله كان لا يرى أن يفرق بين الرجل وامرأته إلا باليقين
وروي عن ابن عمر أنه يرى فيها التفريق. لأنه كان يفرق بالشك ويجمع
باليقين
(2)
(1) سفوان: بفتح أوله وثانيه وآخره نون. ماء على قدر مرحلة من باب المربد بالبصرة. وبه ماء كثير
السافي – وهو التراب – وأنشد أعرابي فيه:
وأنشد آخر:
جارية بسفوان دارها
يا حبذا سفوان من متربع
تمشي الهوينا مائلا خمارها
إذ كان مجتمع الهوى سفوان
قال الأصمعي: هرب بعض البصريين من بعض الطواعين، فركب على حمار ومضى بأهله نحو سفوان.
فسمع غلاما له أسود يحدو خلفه وهو يقول:
إن يسبق الله على حمار
أو يأتي الحين على مقدار
ولا على ذي سيعة مطار
قد يصبح الله أمام الساري
فلما سمع ذلك رجع بهم (الحيوان: ج 3 ص 471). وسفوان أيضا: واد من ناحية بدر. قال ابن إسحق: لما أغار كرز بن جابر على لقاح رسول الله علي وعلى سرح المدينة، خرج رسول الله حتى بلغ واديا يقال له سفوان من ناحية بدر ففاته كرز ولم يدركه، وهي غزوة بدر الأولى في جمادى الأولى سنة اثنتين للهجرة. (معجم البلدان ج 3 ص 225 و 317).
(2) غريب الحديث: ج 2 ص 318 و 505.
418 (1/418)
صفحة 406
مسألة - 26 - طلاق النائم هل يقع؟
أجمع أهل العلم على أن الرجل إذا طلق زوجته في حال نومه فلا طلاق له. والدليل ما ثبت عن النبي عل الله أنه قال: (رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق) - رواه البخاري وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن غريب.
وقالوا أيضا: إن الطلاق يزيل الملك فاعتبر فيه العقل، مثل البيع والهبة
وسواء زال العقد بالجنون أو الإغماء أو النوم أو شرب دواء فكل ذلك يمنع وقوع
الطلاق. (1)
(2)
ولكن وجدت في كتاب شرح النيل: أنه روي عن جابر بن زيد أنه قال: إذا قال الرجل رأيت أني طلقت زوجتي في المنام طلقت وأنا أستبعد هذا القول: لأنه صح عن جابر بن زيد أنه لا يرى وقوع طلاق السكران، ولا طلاق المكره. والعلة في ذلك هو فقدان العقل. وهي واحدة في
جميع
الحالات
وروي عن الشعبي، وإبراهيم النخعي أنهما قالا في طلاق النائم: ليس
بشيء
(3)
(1) المغني: ج 7 ص 113 - 114. (2) ج 7 ص 521. (3) البيهقي ج 7 ص 359
419 (1/419)
صفحة 407
مسألة - 27 - في طلاق السكران: اختلف العلماء في هذه المسألة:
فقال جابر بن زيد، في القول الراجح عنه، بعدم وقوعه عنه، بعدم وقوعه. نقله العيني
(1)
والزيلعي وروي هذا القول عن ابن عباس وعطاء وطاوس وغيرهم. وهو قول الجعفرية والظاهرية والليث وإسحق والمزني، واختاره الطحاوي. وقالوا إن السكران بمنزلة المعتوه، وطلاق المعتوه لا يقع بالإجماع. فهذا مثله وقالت طائفة أخرى بوقوع طلاق السكران. وهي رواية أخرى عن جابر بن
(2)
زيد. نقلها ابن حزم وقال بهذا جماعة من الفقهاء والأئمة، منهم سعيد بن المسيب والحسن
والنخعي والشعبي
وبه قال مالك وأبو حنيفة، والأوزاعي، وهو الراجح عن الشافعي وسبب الخلاف يرجع إلى أن الذين أوقعوا الطلاق ربطوا بين سبب السكر وبين أثره فقالوا: إذا كان السكر أمرا مباحا كما لو شرب الخمر للتداوي أو شربها مكرها، فلا يقع طلاقه، أما إذا شربها لغير ذلك فالطلاق واقع وتصرفاته في حالة السكر
تعتبر صحيحة.
واحتج الأولون بالقياس المتقدم من أن السكران بمنزلة المعتوه. كما استدلوا بحديث رواه البخاري وغيره، أن حمزة الله حمزة رضي عنه سكر وقال للنبي ع الما دخل عليه هو وعلي: وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟ فتركه النبي الله ولم يلزمه حكم مع أنه لو قالها غير سكران لكان كفرا كما قال ابن القيم
تلك الكلمة
،
(1) عمدة القاري: ج 20 ص 251 - نصب الراية: ج 3 ص 224.
(2) المحلى: ج 10 ص 208.
420 (1/420)
صفحة 408
ولكن أجيب عن هذا بأن الواقعة كانت قبل تحريم الخمر، فكان معذورا كالنائم والمغمى عليه
كما احتجوا بما في قصة ماعز حين أقر عند رسول الله عله بالزنا، وفيها أن النبي عليه السلام قال: (أبه جنون؟ ... أشرب خمرا فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر). والحديث رواه مسلم. ووجه الاستدلال هنا أن الرسول علا قصد إسقاط إقراره بالسكر كما قصد إسقاط إقراره بالجنون، فدل ذلك على أنه لا حكم لقول السكران كما هو الحال بالنسبة للمجنون. وأجيب بأن هذا كان في الحدود التي تدراً بالشبهة، والطلاق ليس كذلك. واحتج الفريق الثاني بقوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلوةَ وأَنتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} الآية 43 من سورة النساء الاستدلال من هذه الآية الكريمة: أن الخطاب موجه للمؤمنين وهو إما أن يكون موجها إليهم حال سكرهم، وحينئذ فهم مكلفون، والأمر واضح. وإما أن يكون موجها إليهم قبل سكرهم، فدل على أنهم مكلفون أثناء السكر بعدم القيام إلى الصلاة حتى يعلموا ما يقولون، لأنه لو لم يكونوا مكلفين حال سكرهم لما وجه إليهم الخطاب
ووجه
واستدلوا أيضا بأن سبب زوال عقل السكران هو معصية الله تعالى فلا يزول منه الإثم ولا الخطاب، وذلك عقوبة له وزجرا، بخلاف ما لو كان سبب السكر
عنه
مباحا فلا يقع طلاقه وقالوا أيضا: إن ربط الأحكام بأسبابها أصل في الشريعة، والتطليق سبب لوقوع الفرقة بين الزوجين، فينبغي ترتيب الأثر عليه. فأما إذا طلق الزوج زوجته سواء كان سكرانا أم غير سكران فقد باشر السبب ولا بد أن يترتب الأثر وهو
421
وقوع الطلاق (1/421)
صفحة 409
وأخيرا قالوا: إنه روي عن النبي عل الله أنه قال: «كل الطلاق جائز، إلا طلاق المعتوه) ووجه الاستدلال: أن السكر غير مستثنى في هذا الحديث. فدل
(1)
على أن طلاقه واقع).
(1) من مراجع هذا الباب: نيل الأوطار: ج 6 ص 250.
المجموع: ج 16 ص 62. أحكام القرآن للجصاص: ج 3 ص 193.
المغني: ج 8 ص 255.
422 (1/422)
صفحة 410
مسألة - 28 - في طلاق المكره:
هل للإكراه تأثير على الرضا. وبالتالي هل يقع إلغاء لفظ الطلاق أم لا؟
اختلف علماء السلف في هذه المسألة
:
فذهب جابر بن زيد إلى عدم وقوع طلاق المكره – نقله ابن قدامة
والمباركفوري، والبغوي
روي
(1)
ذلك عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير والحسن البصري وغيرهم.
وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وابن حنبل والجعفرية والزيدية والظاهرية واستدلوا بما يلي:
1 - بقوله تعالى: {مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بالايمن الآية 106 من سورة النحل - فدلت هذه الآية الكريمة على أن الله تعالى وضع عن الناس الكفر إذا نطقت به ألسنتهم، وكانت قلوبهم خلاف ذلك بسبب ما أكرهوا عليه. كما دلت على حكم ما هو دون الكفر من باب أولى. لأن الأعظم إذا سقط سقط ما هو دونه بطريق الأولى، والشرك أعظم خطرا وأثرا من
الطلاق
-
2 بما جاء عن النبي عل الله: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه ابن ماجة. فدل الحديث على أنه لا يقع مع الإكراه حكم ولا يترتب عليه أثر.
-
3 بما روي عن النبي عل الله أنه قال: (لا طلاق ولا عتاق في إغلاق) - أخرجه ابن ماجة والإغلاق: الإكراه. فدل هذا الحديث على عدم ترتب أثر الطلاق في حالة الإكراه.
(1) المغني: ج 8 ص 259 - شرح السنة ج 9 ص 222 - تحفة الأحوذي: ج 2 ص 218
423 (1/423)
صفحة 411
4 - بما روى البيهقي أن رجلا تدلى بحبل ليشتار عسلا في زمن عمر بن الخطاب فجاءته امرأته فوقفت على الحبل فحلفت لتقطعنه أو ليطلقها ثلاثا، فذكرها الله والإسلام فأبت ذلك، فطلقها ثلاثا، فلما ظهر أتى عمر بن الخطاب فذكر له ما
كان منها ومنه إليها فقال عمر: (ارجع إلى أهلك فليس هذا بطلاق». ويرى الفريق الآخر، وقوع طلاق المكره. وهي رواية أخرى عن الإمام جابر بن زيد (1)
وهذا مذهب الأحناف، وهو قول سعيد بن المسيب والنخعي وعمر بن
عبد العزيز.
واستدلوا بما يلي
1 بظاهر قوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} الآية 230 من سورة البقرة. فهذه الآية لم تفرق بين طلاق المكره وطلاق الطائع.
2 بما روي عن النبي عل الله أنه قال: «كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه
-
والمجنون) - فدل على أن طلاق المكره جائز لخروجه من الاستثناء. -3 بما روي أن امرأة كانت تبغض زوجها فوجدته نائما فأخذت شفرة وجلست على صدره ثم حركته وقالت لتطلقني ثلاثا وإلا ذبحتك فناشدها الله فأبت، فطلقها ثلاثا، ثم جاء إلى النبي الله فسأله عن ذلك فقال عليه السلام: و لا قيلولة في الطلاق).
4 - ذهب الأحناف إلى قياس طلاق المكره على طلاق الهازل فقالوا إن النبي قال: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد، النكاح والطلاق والرجعة)
(1) شرح النيل: ج 4 ص 362 - الإيضاح: ج 2 ص 396.
424 (1/424)
صفحة 412
فسوى بذلك عليه السلام بين الجد والهزل. في حين أن الجاد قاصد إلى اللفظ وإلى الحكم، بينما الهازل لا يقصد الحكم بل اللفظ فقط، فدل هذا الحديث على أنه لا أثر للنية في إيقاع الطلاق وكذلك فإن المكره يقصد اللفظ ولا يقصد الحكم - أي - وهو الطلاق فالمكره والهازل في هذا سواء لا يحتاج في كل منهما إلى نية،
الأثر وطلاقهما واقع (1)
(1) المراجع في هذه المسألة هي نفس المراجع في مسألة طلاق السكران.
425 (1/425)
صفحة 413
مسألة - 29 - في طلاق المبرسم والمعتوه:
الراء
المبرسم لغة هو المصاب بعلة يهذي فيها تسمى: البرسام، بكسر الباء وإسكان، وهو الذي خولط في عقله. وقيل هو من نزل به بلاء (1) فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال: إن طلاق المبرسم لا يجوز. نقل ذلك البيهقي في سننه والشوكاني في نيل الأوطار (2)
وهو قول النخعي وأبي قلابة. وقال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن الزائل العقل، بغير سكر أو ما في معناه، لا يقع طلاقه. روي ذلك عن عثمان وعلي وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي وغيرهم. وهو قول الأئمة: مالك والشافعي وأصحاب الرأي
وأساس ذلك قوله عليه السلام: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى
يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق». رواه الجماعة وروي من جهة أخرى عن جابر بن زيد أنه قال يلزم طلاق المعتوه، نقل ذلك
(3)
طفيش في شرح النيل وهو قول ضمام من الإباضية، خلافا للإمام أبي عبيدة. والمعتوه: هو من يجن تارة ويصحو أخرى. وهو المختلط العقل
ولعلهم ألزموه بطلاقه إذا تبين أنه طلق حال صحوه، أما إذا ثبت طلاقه في
حال جنونه، فإنه لا يقع طلاقه بالإجماع
(4)
(1) شرح النيل: ج 7 ص 504 – وفقه النخعي: ص 476 (2) السنن الكبرى: ج 7 ص 350 - نيل الأوطار: ج 6 ص 251.
(3) شرح النيل: ج 7 ص 504
(4) شرح النيل: ج 7 ص 504 - المغني: ج 8 ص 254.
426 (1/426)
صفحة 414
مسألة - 30 - طلاق العبد بيده أو بيد سيده:
حزم
ذهب الإمام جابر بن زيد إلى أن طلاق العبد بيد سيده. نقله عنه الإمام ابن فقد روي عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء أنه قال لا طلاق لعبد إلا بإذن
سيده، فإن طلق اثنتين لم يجزه سيده إن شاء.
وهو قول جابر بن عبد الله، وابن عباس.
وقال آخرون: إن العبد إذا تزوج بإذن سيده، فالطلاق بيده. ولا يملك سيده التفريق بينه وبين زوجته من غير رضاه. وهو قول سعيد بن المسيب. وهذا قول جمهور العلماء: عمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف وابن عمر وشريح والحسن وابن حزم وغيرهم. وإليه ذهب الأئمة الأربعة مالك وأبو حنيفة والشافعي وابن
حنبل
وحجة هؤلاء ما روي عن ابن عباس قال: أتي النبي عل رجل فقال: ه يا رسول الله، إن سيدي زوجني أمته أمته، وهو يريد أن يفرق بيني وبينها قال: فصعد رسول الله الله المنبر فقال: يا أيها الناس ما بال أحدكم يزوج عبده أمته ثم يريد أن يفرق بينهما؟ إنما الطلاق لمن أخذ بالساق.
رواه ابن ماجه. والدارقطني والبيهقي والطبراني وإسناده ضعيف
ومع ذلك فإن ظاهر الآيات القرآنية يؤيد هذا الموقف، فليس لغير الزوج أن
427
(2)
يطلق عليه بغير رضاه
230 10
ص
(1) المحلى: ج (2) فقه الإمام ابن المسيب: ج 3 ص 296 (1/427)
صفحة 415
مسألة - 31 - حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد:
اختلف العلماء في هذه المسألة
الطلاق، وإنما يقع مرة
فروي عن الإمام جابر بن زيد أن الطلاق لا يتبع واحدة فقط. نقله الشوكاني (1) وروى ابن قدامة أن جابرا كان يقول: من طلق
البكر ثلاثا فهي واحدة (1) هذا. روي عن علي وابن عباس وطاوس والهادي
والباقر والناصر. وإليه ذهب جماعة من المتأخرين منهم ابن تيمية وابن القيم
،
وجماعة من المحققين، ونقلت الفتوى بذلك من جماعة من مشائخ قرطبة ونقله ابن المنذر عن جماعة من أصحاب ابن عباس كعطاء وعمرو بن دينار، وحكي عن
بعض الصحابة مثل عبد الله بن مسعود وعبد الرحمن بن عوف، والزبير
وهو قول الإباضية، سواء نوى المطلق ثلاثا أو لم ينوه (2) والزيدية (3) واستدل
هذا الفريق بما وقع في حديث ابن عباس عن ركانة أنه (طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، فسأله النبي الله كيف طلقتها؟ فقال: ثلاثا في مجلس واحد، فقال له الله: (إنما تلك واحدة فارتجعها) أخرجه أحمد وأبو
يعلى وصححه. واستدلوا أيضا بما روى طاوس عن ابن عباس قال: «كان الطلاق على عهد رسول الله لا وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم) رواه أحمد ومسلم.
(1) نيل الأوطار: ج 6 ص 245 - الشرح الكبير: ج 8 ص 260.
(2) جامع ابن بركة: ج 2 ص 182 - شرح النيل: ج 7 ص 461 - المدونة الكبرى ج 2 ص 97. (3) الدوحة الندية: ج 2 ص 52 - 54.
428 (1/428)
صفحة 416
وذهب فريق آخر إلى أن الطلاق يتبع الطلاق، أي أن الطلقات الثلاث يقعن
جميعا، وهو قول جمهور التابعين وكثير من الصحابة وأئمة المذاهب الأربعة مع خلاف فيما بينهم. فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه طلاق بدعة محرم ولكنه لازم. بينما قال الشافعي، وأحمد في رواية عنه، وهو طلاق مباح، وهو واقع
ولازم
واستدلوا بأدلة مختلفة منها:
قوله تعالى: والطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكَ بِمَعْرُوفِ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَنِ} الآية من سورة البقرة. وظاهرها جواز إرسال الثلاث أو الثنتين دفعة واحدة، أو
مفرقة، ووقوعها
واستدلوا أيضا بسائر الآيات القرآنية نحو قوله تعالى: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ. وقوله تعالى: و لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ له وقوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعٌ بِالْمَعْرُوفِ كم ولم يفرق في هذه الآيات بين إيقاع الطلاق ثنتين أو ثلاثا واستدلوا بحديث سهل بن سعد قال: «لما لاعن أخو بني عجلان امرأته
قال: (يارسول الله، ظلمتها إن أمسكتها، هي
الطلاق). رواه أحمد
الطلاق، وهي
واستدلوا أيضا بما في حديث ركانة المتقدم أن النبي -
عليه
الطلاق وهي
استحلفه أنه ما أراد
إلا واحدة. قالوا: إن ذلك يدل على أنه لو أراد الثلاث لوقعت
وذهب طائفة ثالثة: إلى أنه لا يقع بالطلاق المتتابع شيء، لا واحدة ولا أكثر
من واحدة. وحكي ذلك عن بعض التابعين واستدلوا بقوله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَنِ له فشرط في وقوع الثالثة أن تكون في حال يصح من الزوج فيها الإمساك، إذ من حق كل مخير
بينهما أن
يصح كل واحد منهما. وإذا لم يصح الإمساك إلا بعد المراجعة لم تصح
الثالثة إلا بعدها لذلك. وإذا لزم في الثالثة لزم في الثانية.
429 (1/429)
صفحة 417
واستدلوا أيضا بأن الطلاق الثلاث طلاق بدعي، والطلاق البدعي لا يقع. بحجة حديث ابن عمر فإنه: (طلق امرأته وهي حائض، قال عبد الله: فردها على رسول الله الا الله، ولم يرها شيئا، أخرجه أحمد وأبو داود، والنسائي واستدلوا بقوله ع: ه من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) وهو
الله
حديث صحيح شامل لكل مسألة مخالفة لما عليه أمر رسول الله عل: قالوا إن الله لم
يشرع هذا النوع من الطلاق ولا أذن فيه فليس من شرعه وأمره.
(1)
وممن ذهب إلى عدم وقوع الطلاق البدعي: ابن تيمية وابن القيم وذهبت طائفة أخيرة: إلى أن المطلقة إن كانت مدخولة وقعت الثلاث، وإن
لم تكن مدخولة فواحدة
وهي رواية ثانية عن جابر بن زيد: نقلها ابن قدامة وابن حزم
وهو قول منسوب لسعيد بن جبير وطاوس وعطاء وعمرو بن دينار وحجتهم حديث ابن عباس حين سأله أبو الصهباء قائلا «أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة» الحديث – رواه أبو داود. ووجهوا ذلك: بأن غير المدخول بها تبين إذا قال لها زوجها أنت طالق. فإذا قال ثلاثا لغا العدد لوقوعه بعد البينونة
(1) نيل الأوطار: ج 6 ص 247 - 248 الأشراف للبغدادي: ج 2 ص 123 فقه سعيد بن المسيب: ج 3 ص
306 وما بعدها تحفة الفقهاء: ج 2 ص
-
256
(2) المغني: ج 8 ص 243 - الشرح الكبير: ج 8 ص 260 - المحلى: ج 10 ص 175 – القرطبي: ج 3 ص
430
133 (1/430)
صفحة 418
مسألة - 32 - في الطلاق الثلاث إذا وقع فيه خلاف:
إذا طلق الرجل ثلاثا، فسمعت زوجته ذلك، أو ثبت عندها بقول عدلين، هل يقع طلاق
فقال جابر بن زيد: تفر منه ما استطاعت، وتفتدي منه بكل ما يمكن نقل
(1)
ذلك عنه ابن قدامة في الشرح الكبير، والمغني، ونقله صاحب المجموع وهو قول حماد بن أبي سلمة، وابن سيرين. وقال الحنابلة: لا يحل لها أن تمكنه من نفسها، وأن عليها أن تفر منه ما استطاعت، وتمتنع منه إذا أرادها، وتفتدي منه إن قدرت. قال أحمد: لا يسعها أن تقيم معه. فإن أجبرت على ذلك فلا تتزين له ولا تقربه
وتهرب إن قدرت، وإن شهد عندها عدلان غير متهمين فلا تقيم معه وهذا قول أكثر أهل العلم: الثوري، وأبي حنيفة، وأبي يوسف وأبي عبيد ومالك وغيرهم.
وقال الحسن والزهري والنخعي: يستحلف الرجل ثم يكون الإثم عليه قال ابن قدامة: والصحيح ما قاله الأولون، لأن هذه تعلم أنها أصبحت أجنبية عنه محرمة عليه، فوجب عليها الامتناع والفرار منه كسائر كسائر الأجنبيات. قالوا: وهكذا يكون الحكم لوادعى رجل نكاح امرأة كاذبا، وأقام بذلك شاهدى زور فحكم له الحاكم بالزوجية، أو لو تزوجها تزويجا باطلا فسلمت إليه بذلك فالحكم في هذا كالحكم في المطلقة ثلاثا
(1) الشرح الكبير: ج 8 ص 465 - المغني: ج 8 ص 440 - المجموع: ج 16 ص 261.
431 (1/431)
صفحة 419
مسألة - 33 - في الرجل يقول لامرأته أنت برية أو خلية أو بائن أو نحو ذلك من
أنواع الكنايات في الطلاق:
اختلف علماء السلف في هذه المسألة:
فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال: (هو طلاق واحد، وإن الزوج
أملك». نقله أبو غانم الخراساني (1)
وهو قول عمر، وعبد
الله
بن عباس
قال ابن بركة: إذا أراد به الطلاق فهو طلاق، ونسبه إلى أكثر علماء
الإباضية (2)
وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد، فكلهم يرون أن هذا النوع من الطلاق يفتقر إلى نية أو دلالة وأنه إذا لم ينو الطلاق لم يقع (3) وذلك لأنه تكلم بكلام محتمل، وبدون نية يكون الطلاق مشكوكا فيه، إلا أن الحنفية قالوا هو طلاق بائن، نوى واحدة أو اثنتين، وهي عندهم من باب الطلاق بالمجاز. أما الشافعي هي طلقة رجعية لأنه من باب الكنايات لأنه من با وذهب فريق آخر من العلماء إلى أنه طلاق ثلاث. روي ذلك عن علي وابن
فقال
(4)
عمر وزيد بن ثابت وقال مالك: والكنايات الظاهرة مثل قوله: أنت خلية أو برية وحرام وبائن وما أشبه ذلك إنها ثلاث تطليقات. فإذا قال لها مبتدئا أو مجيبا لها عن سؤالها إياه الطلاق يكون طلاقا، ولا يقبل منه إن قال لم أرد به وإنه إذا نوى بشيء من هذه
(1) المدونة الكبرى: ج 2 ص 90.
(2) جامع ابن بركة: ج 2 ص 167.
(3) رحمة الأمة في اختلاف الأئمة: ج 2 ص 52. (4) المغني: ج 8 ص 271 - المبسوط: ج 6 ص 72.
432 (1/432)
صفحة 420
الكنايات الظاهرة أنه أراد بها دون الثلاث لم يقبل منه في المدخول بها، إلا أن
يكون في خلع، ويقبل في غير المدخول بها إن ادعاه إلا في البتة فاختلف قوله
فيها. (1)
(1) الأشراف: ج 2 ص 129 – المنتقى: ج 4 ص 11
433 (1/433)
صفحة 421
مسألة - 34 - في المخيرة تختار زوجها أو نفسها: اختلف العلماء في هذه المسألة من جهتين:
الأولى: إذا خيرت المرأة فاختارت زوجها.
الثانية: إذا خيرت فاختارت نفسها.
قفي
الحالتين ورد عن جابر بن زيد أنه قال: إن القضاء ما قضت فإن اختارت تطليق نفسها أو اختارت زوجها فالقول قولها. نقل ذلك ابن حزم (1) وهو قول بن عفان وابن عمر وابن الزبير.
عثمان
وروي عن جمهور السلف وأئمة الفتوى أن المرأة إذا اختارت زوجها أنه لا يلزمه طلاق، لا واحدة ولا أكثر، وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس وعائشة، وعطاء ومسروق وربيعة وابن شهاب. وهو قول
أحمد، وابن حزم. واستدلوا بما روي عن عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن الرجل يخير امرأة فقالت: قد خيرنا رسول الله الا الله، فاخترناه فلم يعده طلاق ـ الحديث أخرجه
الصحيحان.
وروي عن علي وزيد أيضا أنها طلقة بائنة. وهو قول الحسن البصري والليث ورواية عن مالك وروي عن علي وزيد خلاف ذلك.
أما إذا اختارت نفسها ففيه سبعة أقوال)
الأول
(2)
: إن اختارت نفسها فطلقة واحدة رجعية، وهو قول عمر بن
الخطاب وجابر، وإبراهيم النخعي، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز
(1) المحلى: ج 10 ص 121
(2) أحكام القرآن: ج 14 ص 171 - الشرح الكبير: ج 8 ص 320.
المغني: ج 8 ص
289
434 (1/434)
صفحة 422
الثاني: أنها طلقة واحدة بائنة ولا يخطبها هو ولا سواه قبل انقضاء العدة
وهو قول علي وقتادة وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن
مالك
الثالث: أنها ثلاث طلقات وهو قول زيد بن ثابت ومسروق وهو قول الحسن البصري، وبه قال مالك والليث.
الرابع: أنها طلقة واحدة ولو طلقت نفسها ثلاثا وهي رجعية.
الخامس
: أنه إن خيرها مرة ثم مرة ثم مرة وهي ساكتة، فقالت في المرة الأخيرة قد اخترت نفسي فهي طالق ثلاثا، وإن خيرها مرة واحدة فاختارت
ثلاث تطليقات فهي واحدة وهو قول إبراهيم النخعي والشعبي
السادس: هي السابع: وهو أنه ليس بشيء. وهو قول ابن حزم. ونقله عن ابن عباس فقد سئل رضي الله عنه عن رجل جعل أمر امرأته في يدها فقالت أنت طالق أنت طالق أنت طالق. فقال ابن عباس: خطأ الله لا أدري ما الخيار (1)
أن القضاء ما قضت. وهو قول جابر بن زيد
(1) المحلى: ج 10 ص 121 - عمدة القاري: ج 20 ص 238 أحكام القرآن للقرطبي: ج 14 ص
435 (1/435)
صفحة 423
مسألة - 35 - هل على المخيرة أن تستعمل الخيار على الفور أم هو على التراخي؟
اختلف العلماء في هذه المسألة
:
فروي عن جابر بن زيد أن الرجل إذا قال لامرأته اختاري لنفسك، ولم يقيده، ليس لها أن تستعمل حق الخيار هذا إلا ما دامت في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه. نقل ذلك ابن قدامة وابن حزم
(1)
وقال أكثر أهل العلم إن التخيير على الفور، إن اختارت في وقتها وإلا فلا خيار لها بعده. وروي ذلك عن عثمان وعمر وابن مسعود وجابر من الصحابة وعن غيرهم: عطاء ومجاهد، والشعبي والنخعي
عنه
وقال به من الأئمة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد ومالك في إحدى الروايتين
واستدلوا بما روي من عمل الصحابي عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب وعثمان قضيا في الرجل يخير امرأته أن لها الخيار ما لم يتفرقا وعن عبد الله بن عمر مثله، وعن ابن مسعود وجابر. قالوا: ولم نعرف لهما مخالفا في الصحابة فكان إجماعا، ولأنه خيار تمليك فكان على الفور كخيار البيع.
وخالف قوم فقالوا إنه على التراخي. وقال به الزهري وقتادة وابن المنذر وهي رواية أخرى عن مالك. ورأوا أن لها الخيار في المجلس وبعده ما لم يفسخ أو يطأ
واحتج ابن المنذر بقول النبي عل الله لعائشة: (إنني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك) متفق على صحته قال وهذا يمنع قصره على
(1) المغني: ج 8 ص 294 - الشرح الكبير: ج 8 ص 309
المحلى: ج 10 ص
121.
436 (1/436)
صفحة 424
المجلس، ولأن ذلك قد صار في يدها وملكته على زوجها بتمليكه إياها. فلما ملكت ذلك وجب أن يبقى في يدها كبقائه في يد زوجها (1)
وهذا الموقف رجحه القرطبي وغيره للحديث الوارد عن عائشة، ولكن الفريق الأول رده بقولهم إنه الله جعل لها الخيار على التراخي وخلافنا في المطلق.
(1) أحكام القرآن للقرطبي: ج 14 ص 173.
437 (1/437)
صفحة 425
مسألة - 36 - تعليق الطلاق على وقت أوصفة:
اختلف العلماء فيما إذا وقع الطلاق على وقت معين أو على صفة كقوله أنت طالق إذا طلعت الشمس أو إذا وضعت حملك.
(1)
فروي عن الإمام جابر أنه قال: لا يقع الطلاق في الحال إلى أن يأتي الزمن المعلق عليه، أو تتحقق الصفة - نقله ابن قدامة وابن حزم روي ذلك عن ابن عباس وعطاء والنخعي والثوري وإسحق وأبي عبيد. وإليه ذهب الأئمة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد وحجتهم ما روي عن ابن عباس كان يقول في الرجل يقول لامرأته أنت طالق إلى رأس السنة، قال: يطأ فيما بينه وبين رأس السنة.
ولأنه إزالة ملك يصح تعليقه بالصفات. فمتى علقه بصفة لم يقع قبلها
كالعتق
وقال آخرون: يقع الطلاق منجزا في الحال. فمن قال لامرأته إذا مضت سنة فأنت طالق، وقع طلاقه في الحال.
وهو مذهب سعيد بن المسيب، والحسن والزهري وقتادة
وقال به الإمام مالك. جاء في الأشراف: إذا طلق إلى أجل آت لا محالة كمجيء السنة والشهر وقع منجزا، بدليل أن كل توقيت لإباحة الوطء بأجل لا بد أن يأتي فإن الاستباحة تنتفي كالنكاح في المتعة (2)
وذهب ابن حزم إلى أن الطلاق المعلق بوقت أو صفة لا
يقع
مطلقا (3)
(1) المغني: ج 8 ص 318 - المحلى: ج 10 ص 214
(2) الأشراف: ج 2 ص 132
(3) المحلى: ج 10 ص 213
438 (1/438)
صفحة 426
مسألة - 37 - إذا قال لأجنبية: إذا تزوجتك فأنت طالق. هل يقع طلاقه؟ روي عن الإمام أنه قال: إذا قال ذلك فتزوجها لا تطلق، لأنه مطلق ما لا يملك. نقله الإمام البخاري وابن قدامة، وشارح النيل
وقال به أكثر أهل العلم منهم ابن عباس وعلي وجابر بن عبد الله وسعيد بن المسيب وابن جبير والحسن وعطاء. وهو قول الشافعي وابن المنذر وأحمد في
رواية عنه
واحتجوا بما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله: (لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق فيما لا يملك، ولا طلاق لابن آدم فيما لا يملك) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن وهو أحسن ما روي في
هذا الباب.
رجلا قال للنبي عل: يا رسول الله إن أمي عرضت قرابة طالق إن تزوجتها. فقال: لا بأس تزوجها رواه الشيخ
وبما روي
أن
لأتزوجها فقلت
هي
طفيش ولم يسنده
وقال آخرون: يقع الطلاق. روي ذلك عن أحمد بن حنبل والثوري قالوا لأن الطلاق يصح تعليقه على الإخطار فصح على حدوث الملك، كالوصية. وهذا قريب من قول الأحناف. إلا أن هناك صورتين يجب التمييز بينهما: الصورة الأولى: أن يقول لأجنبية أنت طالق، فهذا كلام لغو. أو يقال له تزوج فلانة فيقول هي طالق. فلا يسمى هذا طلاقا قبل نكاح. الصورة الثانية: هي ما إذا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق قالوا تطلق حين يتزوجها. واستدلوا بقول النبي ع لعمر بن الخطاب: حبس الأصل وسيل الثمرة، فدل على جواز
(1) عمدة القاري: ج 10 ص 247 - الشرح الكبير: ج 8 ص 379.
شرح النيل: ج 7 ص 239
439 (1/439)
صفحة 427
المعقود فيما لم يملكه وقت العقد. بل فيما يستأنف وبما أجمعوا عليه من أنه لو أوصى بثلث ماله أنه يعتبر وقت الموت لا وقت الوصية. وبقوله تعالى: {وَمِنْهُم منْ عَهَدَ اللَّهُ لَئِنْ عَاتَنَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ الآية 75 من سورة التوبة. قالوا هذا نظير قوله إن تزوجت فلانة فهي طالق وقال مالك: إن عمم قوله بأن قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق لم يقع، وإن خصص قوما أو سمى أرضا أو قبيلة، لزمه. وبه قال ابن أبي ليلى والحسن بن صالح والنخعي والشعبي والأوزاعي وعمر بن عبد العزيز
440 (1/440)
صفحة 428
مسألة - 38 - من حلف بالطلاق على أمر ثم حنث في يمينه: اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال ذكرها الإمام ابن تيمية في كتاب الفتاوى الكبرى
وقد نقل عن الإمام جابر بن زيد: أن هذه يمين من أيمان المسلمين فيجري فيها ما يجري في أيمانهم وهو الكفارة عند الحنث، وأنه لا يقع طلاق إلا إذا أراد أن
يوقعه (1)
وهو قول طاوس وعطاء، وعكرمة، والحسن، وهو مذهب الشافعي وأحمد وهي إحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وطائفة من أصحاب مالك. وهو قول الصحابة: عمر وابن عباس، وعائشة وابن عمر. وروي عن جابر بن زيد قول آخر هو أن من ألزم شيئا لنفسه ألزم به ومقتضاه أنه إذا حلف بما تقدم ثم حنث لزمه ما جعله
يمين
من
ذلك لنفسه
الخلاف
وسبب
يرجع إلى تكييف الصيغة المذكورة، هل هي نذر أم هي
(2)
(1) ج 3 ص 13. (2) الإيضاح: ج 3 ص 363.
441 (1/441)
صفحة 429
مسألة - 39 - الحكم فيمن حرم زوجته أو أمته أو متاعه
اختلف العلماء فيمن حرم على نفسه زوجته على عدة أقوال بلغت عند بعض المفسرين إلى ثمانية عشر قولا أشهرها المذاهب التالية:
المذهب الأول: قال الإمام جابر بن زيد وهو الرأي الراجح عنه تحرم عليه زوجته بموجب حكمه على نفسه، وإنه يلزم عليه اجتنابها. روى ذلك عنه ابن القيم في أعلام الموقعين (1) وابن حزم في كتابه المحلى
(1)
ذلك عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة والحسن وقتادة وغيرهم ولم وصح يذكر هؤلاء طلاقا ولا ظهارا ولا يمينا، بل ألزموه بموجب تحريمه
وروي عن جابر بن زيد قول آخر وهو أن ذلك القول هو بمثابة يمين يكفره ما يكفر اليمين. (نيل الأوطار ج 6 ص 280 - أحكام القرآن للجصاص: ج 3 ص
(465
وحجة هذا القول أن لفظة التحريم هي التي اقتضت التحريم فحرمت عليه
بمقتضى تحريمه.
المذهب الثاني: أن ذلك لغو وباطل لا يترتب عليه شيء، روي ذلك عن ابن عباس وهو أحد قولي مالك، واختاره أصبغ بن الفرج، وهو مذهب مسروق والشعبي وداود وجميع أهل الظاهر وأكثر أصحاب الحديث واستدلوا بقوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ
}
وَهَذَا حَرَامٌ ك وبقوله تعالى: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ المذهب الثالث: أنها ثلاث تطليقات وهو قول آخر مروي عن علي وهو قول
زيد بن ثابت وابن عمر والحسن البصري
(1) ج 6 ص 280.
442 (1/442)
صفحة 430
وحجة هؤلاء أن الزوجة لا تحرم عليه إلا بالثلاث. فكان وقوع الثلاث من
ضرورة كونها حراما عليه
المذهب الرابع: الوقف في المسألة وروي ذلك عن علي أيضا والشعبي. وحجة هؤلاء أن التحريم ليس بطلاق، والزوج لا يملك تحريم الحلال وإنما يملك السبب الذي به تحرم وهو الطلاق. وهذا ليس بصريح في الطلاق ولا هو مما له عرف الشرع في تحريم الزوجة فاشتبه الأمر فيه
المذهب الخامس: إن نوى به الطلاق فهو طلاق، وإن لم ينوه كان يمينا وهو قول طاوس والزهري والشافعي
وحجة هذا القول أنه كناية في الطلاق، فإن نوى الطلاق كان طلاقا وإن لم ينوه كان يمينا لقوله تعالى: لا يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ كم. المذهب السادس: أن ذلك طلاق وهو أحد قولي مالك. ثم إن الزوجة إن كانت غير مدخول بها فهو ما نواه من الواحدة فما فوقها. وإن كانت مدخولا بها فهو ثلاث وإن نوى أقل منها
وحجة هذا القول أن اللفظ لما اقتضى التحريم وجب أن يترتب عليه حكمه
وغير المدخول بها تحرم بواحدة، والمدخول بها لا تحرم إلا بثلاث.
المذهب السابع: هو أنه إن وقع التحريم كان ظهارا ولو نوى به الطلاق وإن حلف به كان يمينا مكفرة. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
وحجته في ذلك أنه إذا أوقعه كان قد أتى منكرا من القول وزورا وكان أولى بكفارة الظهار ممن شبه امرأته بالمحرمة. وإذا حلف به كان يمينا من الأيمان لما لو
443 (1/443)
صفحة 431
حلف بالتزام العتق والحج والصدقة. وهذا محض القياس والفقه (1) وسبب الاختلاف في هذه المسألة هو اعتبارهم ذلك يمينا أو كناية أو هو ليس
بيمين ولا كناية (2)
(1) أعلام الموقعين: ج 3 ص 78 - 84 المحلى: ج 10 ص 125.
فقه سعيد بن المسيب: ج 3 ص 327.
(2) بداية المجتهد: ج 2 ص 78
444 (1/444)
صفحة 432
مسألة - 40 - هل يلحق المختلعة طلاق؟
اختلف العلماء في الرجل إذا خالع زوجته ثم أتبع الخلع بطلاق وهي في العدة على ثلاثة أقوال:
فروي عن الإمام جابر بن زيد أن المختلعة لا يلحقها طلاق بأي حال من الأحوال. نقله ابن قدامة، والقرطبي وابن كثير
(1)
وروي ذلك عن ابن عباس وابن الزبير وعكرمة والحسن والشعبي وإسحق
وأبي ثور.
وهو مذهب الأئمة مالك والشافعي وأحمد.
وحجتهم في ذلك: أن المختلعة ليست بزوجة ولا في معنى الزوجة فالزوج لا يملك بضعها، ولا تحل له إلا بنكاح جديد. فلا يقع طلاقه عليها فهي كالأجنبية أو المطلقة قبل الدخول، أو بعد انقضاء العدة
وهذا المذهب مبني على أن الخلع يقع تطليقة بائنة
وذهب فريق ثان إلى أن الطلاق يلحقها. روي ذلك عن سعيد بن المسيب وعمران بن الحصين، وابن مسعود والنخعي وشريح وطاوس وغيرهم. وإليه ذهب الإمام أبو حنيفة.
واستدلوا بقوله عليه السلام: (المختلعة يلحقها الطلاق ما دامت في العدة). وهو حديث غير معروف عند أئمة هذا العلم (2)
(1) المغني: ج 8 ص 183 - تفسير القرطبي: ج 3 ص 147.
تفسير ابن كثير: ج 1 ص 491
المسيب: ج 3 ص 290 الأشراف للبغدادي: ج 2 ص 116 (2) فقه سعيد بن
-
445 (1/445)
صفحة 433
مسألة - 41 - هل الخلع طلاق، أو فسخ للزواج؟
يترتب على وقوع الخلع بين الزوجين أن يتفرقا. فهل تعتبر هذه الفرقة طلاقا ينقص عدد الطلقات التي يملكها الزوج، أم هي فسخ لا أثر له على عدد
الطلقات؟
نقل الفقهاء عن الإمام جابر بن زيد روايتين: الرواية الأولى: أنه قال: يقع بالخلع طلاق بائن. ورد ذلك عنه في كتاب
(1)
فقه الإمام سعيد بن المسيب، نقلا عن الخطابي في معالم السنن) ورواه ابن كثير
(2)
في تفسيره. ونسب هذا القول إلى عمر بن الخطاب وعثمان وعلي وابن مسعود، ومجاهد والحسن والنخعي والثوري وسعيد بن المسيب في رواية عنه. وإليه ذهب مالك، وأبو حنيفة، والشافعي في أصح قوليه، وهو قول أصحاب الرأي (3) وقال الجصاص هو قول فقهاء الأمصار لا خلاف بينهم فيه (3
مکرر).
وحجة هذا الرأي:
1 - ما رواه ابن عباس عن النبي عليه أنه قال لثابت: «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة،، وإن كان أفتى بذلك فالعبرة بروايته لا بفتواه.
2 وما رواه مالك عن نافع في قصة خلع الربيع بنت المعوذ أن عدة المختلعة
-
عدة المطلقة
3 ما رواه سعيد بن المسيب أن النبي ع
جعل الخلع تطليقة وهذا الحديث
وإن كان مرسلا، إلا أن مراسيل سعيد لها حكم الوصل الصحيح لأنه من كبار
التابعين
(1) فقه سعيد بن المسيب: ج 3 ص 287 3
(2) تفسير ابن كثير: ج 1 ص 489
(3) شرح السنة للبغوي: ج 9 ص 196 - (3 مكرر) أحكام القرآن: ج 1 ص 396.
446 (1/446)
صفحة 434
والمذهب الثالث منسوب إلى الإمام مالك وحده، وهو قوله: إن أتبع الخلع
(1)
طلاق من غير سكوت بينهما وقع، وإن سكت بينهما لم يقع) وقال القرطبي وذلك لأن نسق الكلام بعضه على بعض متصلا يوجب له حكما واحدا
(1) تفسير ابن كثير: ج 1 ص 491.
447 (1/447)
صفحة 435
4 - إن الخلع لو كان فسخا لما صح بغير الصداق، كالإقالة في البيع، وهي غير
جائزة بأقل من الثمن.
وبما أن الخلع يجوز بأقل من الصداق، وبأكثر منه لم يكن فسخا، فهو إذن
طلاق.
ماروي هشام بن عروة عن أبيه عن جهمان أن أم بكرة الأسلمية كانت تحت عبد الله بن أسيد، فاختلعت منه، فقدما إلى عثمان بن عفان فأجاز ذلك
وقال: هي واحدة، إلا أن تكون سميت شيئا فهي على ما سميت
(1)
6 ماروي عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود أنه قال: لا تكون طلقة بائنة إلا في فدية وإيلاء الرواية الثانية: وروي عن جابر بن زيد قول آخر، وهو أن الخلع ليس بطلاق بل هو فسخ. نقل ذلك عنه صاحب شرح النيل وابن بركة في
الجامع
(3)
(2)
وهذا القول منسوب إلى عبد الله بن عمر، وابن عباس، وطاوس وعكرمة
وإسحاق وداود وأبي ثور.
واستدلوا بالأدلة التالية:
-
1 قوله تعالى: {الطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفِ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَنِ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا عَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ إلى أن قال: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ الآية 229، 230 من سورة
البقرة.
448
(1) مدى حرية الزوجين للصابوني: ج 2 ص 594
(2) شرح النيل: ج 7 ص 254 و 377 و 289.
(3) جامع ابن بركة: ج 2 ص 196. (1/448)
صفحة 436
ووجه الاستدلال: أنه تعالى ذكر الطلاق ثم الخلع، ثم الطلاق أي أنه ذكر
الخلع بين تطليقتين، وذكر تطليقة بعدها. فلو كان الخلع طلاقا لكان في الآية أربع تطليقات. فقوله تعالى: {الطَّلَقُ مَرَّتَانِ) يفيد طلقتين. ثم ذكر الخلع بقوله: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ به ثم ذكر الطلاق فقال: فإن طلقها له فلو كان الخلع طلاقا لكانت الآية مشتملة على أربع تطليقات، وهذا قطعا غير صحيح، إذن لم يكن بد من أن نعتبر الخلع فسخا، وليس طلاقا. 2 ما روي عن ابن عباس أنه قال: (الخلع تفريق وليس بطلاق، وما رواه ابن جريج عن ابن طاوس قال: كان أبي لا يرى الفداء طلاقا ويجيزه بينهما. وما روي عن عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة يقول: ما أجازه المرء فليس بطلاق. 3 ما روي عن النبي علعل الله أنه أمر امرأة ثابت بن قيس أن تعتد بحيضة، إذ لو كان الخلع طلاقا لما أمرها بذلك.
4 - إن الخلع بين الزوجين يتم بإيجاب وبقبول بين الزوجين على إنهاء عقد الزواج، فهو كالإقالة في البيع، فهو إذن فسخ وليس بطلاق (1)
(1) مدى حرية الزوجين للصابوني: ج 2 ص 596 - أحكام القرآن للجصاص: ج 1 ص 396.
449 (1/449)
صفحة 437
مسألة - 42 - هل تطلق المولى عنها بمجرد مضي المدة:
اتفق العلماء على أن المولى إذا فاء - أي رجع عن الإيلاء قبل مضي الأربعة
أشهر، لا يقع بإيلائه فراق. أما إذا مضت الأشهر الأربعة ولم يرجع فقد اختلف في ذلك
-
1 فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه
بمضي المدة تقع تطليقة بائنة. وروى
ذلك عنه صاحب المغني والمحلى والشوكاني
(1)
وهذا القول منسوب إلى ابن مسعود وابن عباس وعكرمة وعطاء وعدد من الصحابة والتابعين. وإليه ذهب أبو حنيفة.
ومنهم من قال: إنه تقع تطليقة رجعية بمضي الأشهر الأربعة. وروي ذلك عن ابن المسيب، وربيعة ومكحول والزهري والأوزاعي. وقالوا إن لزوجها رجعتها
ما دامت في العدة
عن
عدد من
2 - وقالت طائفة أخرى: لا يقع الطلاق بمجرد مضي المدة. وإنما يرفع الأمر عند مضيها إلى القاضي فيأمره بالفيء أو الطلاق. وروي ذلك الصحابة والتابعين منهم عمر وعائشة، وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير وهي رواية عن سعيد بن المسيب. وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وابن حزم. واستدل الفريق الأول بالأدلة التالية:
-
{
1 قوله تعالى: فَإِن فَآءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَقَ فَإِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ قالوا: الفاء هنا للتعقيب، أي أن يمين الزوج يعقبها أحد أمرين: إما الفيء وإما عزيمة الطلاق. وبما أن الفيء لا يكون إلا خلال مدة الأربعة أشهر دون خلاف بين الفقهاء، فكذلك يجب أن يكون الطلاق خلال
(1) المغني: ج 8 ص 528 - المحلى: ج 10 ص 46 - نيل الأوطار: ج 6 ص 274 ـ المغني: ج 7 ص 319.
450 (1/450)
صفحة 438
مدة الإيلاء، ولا مبرر للفرق بينهما حتى نقول إن الإيلاء يجب أن يكون داخل مدة الإيلاء، والطلاق خارجها.
2 قوله تعالى: اللَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} وقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ قالوا: فكما أن الفرقة تقع بمضي الأقراء الثلاثة في الآية الثانية، فكذلك يجب أن تقع الفرقة بمضي مدة الإيلاء في الآية الأولى
أما إذا قلنا إنه لا يقع الطلاق بمضي المدة كانت مدة التربص أكثر مما نص عليه القرآن وهو أربعة أشهر. فقد يغيب المولى عن زوجته أكثر من ذلك وقد لا ترفع الزوجة أمرها إلى القاضي. وهذا يخالف ما جاء في القرآن حيث حدد مدة
التربص المذكورة
واستدل الآخرون بما يلي:
1 - قال تعالى: {فَإِن فَآءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. وَإِن عَزْمُوا الطَّلَقَ. اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ قالوا: الفاء للتعقيب، فحكم الفيء أو الطلاق يجب أن يكون عند انقضاء الأربعة شهور. لأن قوله تعالى: ولِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ دل على أمرين: الإيلاء والتربص. والفاء جاءت عقب ذلك. فلا بد أن يكون الفيء أو الطلاق بعد ذلك.
2 ظاهر قوله تعالى: {فَإِن فَآءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ فإن اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أنه تخيير بين أمرين في وقت واحد. أما على قول أصحاب الرأي الأول فإن الفيء يقع في المدة، أما الطلاق فيقع بمضي المدة فتغاير الوقتان 3 - قوله تعالى: {وَإنْ عَزَمُوا الطَّلَقَ يقتضي أن الطلاق لو وقع بمجرد المدة لم يحتج إلى عزم. فلزم أن يكون الطلاق بعزم جديد بعد انتهاء مدة الأربعة أشهر، وعلى وجه يسمع، لقوله تعالى: {فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
مضي
451 (1/451)
صفحة 439
والرأي الأخير هو الذي رجحه الأستاذ الصابوني، ونقل ترجيحه عن الشيخ
علي الخفيف
(1)
(1) بداية المجتهد: ج 2 ص 100 - مدى حرية الزوجين في الطلاق: ج 2 ص 957 نيل الأوطار: ج 6 ص 233 فقه ابن المسيب: ج 3 ص 364.
452 (1/452)
صفحة 440
مسألة - 43 - بماذا يحصل الفيء؟
اختلف الفقهاء في الفيء هل يحصل باللسان، أم لا بد من الجماع. فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال يكفي المعذور الرجوع بلسانه ويشهد على ذلك ويكفر عن يمينه. ومعنى ذلك أنه إذا مضت المدة فعلى المولي أن يفيء بوطء زوجته. إلا أن يكون له عذر من مرض أو حبس أو غيره لزمه أن يفيء بلسانه فيقول متي قدرت جامعتها أو نحو هذا. روى ذلك عنه صاحب المغني وصاحب المجموع (1). وهو قول منسوب لسعيد بن المسيب والنخعي والحسن والزهري وإليه ذهب الأئمة الأربعة
وخالف جماعة فقالوا: إن المولي لا يكون راجعا عن إيلائه إلا إذا جامع سواء كان معذورا أو بدون عذر. وقالوا: (لا عذر له حتى يغشى، وروي ذلك عن سعيد بن جبير، وعن سعيد بن المسيب في رواية ثانية. ونسب ذلك إلى ابن
عباس
(2)
وقال فريق ثالث: إن الفيء يحصل باللسان على كل حال. روي ذلك عن أبي قلابة، وهي رواية ثانية عن الحسن والنخعي وسبب الاختلاف، كما يقول الطبري هو اختلافهم في تعريف الإيلاء. فمن خصه بترك الجماع قال: لا يفي إلا بفعل الجماع. ومن قال الإيلاء هو الحلف على ترك كلام المرأة أو على أن يغيظها أو يسوءها أو نحو ذلك لم يشترط في الفيء الجماع، بل رجوعه يكون بفعل ما حلف أنه لا يفعله (3)
(1) المغني: ج 8 ص 537 - المجموع: ج 16 ص 334
(2) فقه ابن المسيب: ج 3 ص 368 (3) نيل الأوطار: ج 6 ص 273.
453 (1/453)
صفحة 441
مسألة - 44 - الخلاف فيما يصدق عليه الظهار:
أجمع الفقهاء على أنه إذا قال الزوج لزوجته: أنت علي كظهر أمي. فهو ظهار ويسمى بالظهار الصريح. وفي حديث خويلة، امرأة أوس بن الصامت أنه قال لها: أنت علي كظهر أمي فذكر ذلك لرسول الله الله، فأمره بالكفارة. ولكنهم اختلفوا في نوعين من أنواع الظهار)
(1)
1 فروي عن جابر بن زيد أن الرجل إذا شبه زوجته بظهر من تحرم عليه من ذوي رحمه، كجدته وعمته وخالته وأخته، فهذا ظهار. نقله ابن قدامة في كتابه
(2)
المغني وصاحب المجموع وروي ذلك أيضا عن عطاء والحسن والشعبي والنخعي والثوري، ومالك وأصحاب الرأي وهو قول الشافعي في الجديد. بينما قال في القديم: لا يكون الظهار إلا بأم أو جدة لأن الجدة أم ودليل هؤلاء هو أن هؤلاء محرمات بالقرابة، فأشبهن الأم. وقد جاء في آية الظهار قوله تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} وهذا موجود في هذه المسألة، فقيست عليها. وقالوا: إن تعليق الحكم بالأم لا يمنع ثبوت الحكم في غيرها إذا كانت مثلها 2 أن يشبه الرجل زوجته بظهر من تحرم عليه على التأبيد سوى الأقارب وذلك مثل الأمهات بالرضاعة والأخوات من الرضاعة وحلائل الآباء والأبناء وأمهات النساء والربائب اللائي دخل لهن. وفي هذه المسألة نفس الخلاف في المسألة المذكورة قبلها. وسبب الخلاف هو معارضة المعنى للظاهر من وذلك أن معنى التحريم تستوي فيه الأم وغيرها من المحرمات وأما الظاهر من الشرع
النص
-
(1) المغني: ج 8 ص 556 المجموع: ج 16 ص 344
454
(2) المغني: ج 8 ص 556 (1/454)
صفحة 442
فإنه يقتضي ألا يسمى ظهارا إلا ما كان فيه لفظ الأم (1)
3 وأما من شبه زوجته بأجنبية لا تحرم عليه على التأبيد، كأخت زوجته فقال مالك هو ظهار، وهو قول أحمد المختار. وقال الشافعي، ليس ذلك
بظهار.
ووجه الأول أنه شبهها بمحرمة فأشبه ما لو شبهها بالأم. ولأن مجرد قوله أنت علي حرام ظهار إذا نوى به الظهار والتشبيه بالمحرمة تحريم فكان ظهارا. والوجه الثاني أن المشبه بها ليست محرمة على التأبيد، فلا يكون التشبيه بها ظهارا كالحائض والمحرمة من نسائه.
وسبب
الخلاف هل تشبيه الزوجة بمحرمة غير مؤبدة التحريم مثل تشبيهها
بمؤبدة التحريم
(1) بداية المجتهد:: ج 2 ص
105
455 (1/455)
صفحة 443
مسألة. - 45 - في تشبيه الرجل زوجته بظهر أبيه، هل هو ظهار؟ اختلف العلماء في تشبيه الرجل زوجته بظهر أبيه أو بظهر غيره من الرجال أو قال أنت على كظهر البهيمة، أو أنت عليّ كالميتة والدم:
فروي عن جابر بن زيد أنه قال: إن ذلك ظهار. نقله عنه صاحب الشرح الكبير، وصاحب المجموع (1) وهو قول الإمام أحمد وابن القاسم صاحب مالك. قالوا لأن ظهر الرجل حرام فكان ظهارا.
وقال الشافعي ليس بظهار. وهو قول أكثر العلماء، لأنه تشبيه بما ليس بمحل
للاستمتاع. فأشبه ما لو قال: أنت علي كمال زيد وجاء في كتاب النيل: (وإن قال كنساء بني فلان، لقبيلة، أو رهط
«
معروفين، إن لم تكن فيهم محرمته، وكذا كميتة، أو دم، أو لحم خنزير أو خمر
فيمين أيضا (2)
(1) الشرح الكبير: ج 7 ص 560 - المجموع: ج 16 ص 345 (2) شرح النيل: ج 7 ص 100
456 (1/456)
صفحة 444
مسألة - 46 - حكم المظاهر إذا وطيء قبل أن يأتي بالكفارة، ماذا عليه؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة:
فروي عن الإمام جابر أن المظاهر، إذا وطيء قبل الكفارة عصى ربه لمخالفته أمره، وتستقر الكفارة في ذمته، فلا تسقط بعد ذلك بموت ولا طلاق ولا غيره، وتحريم زوجته عليه باق بحاله حتى يكفر. نقل ذلك الجصاص في أحكامه (1) وابن قدامة (2)
وروي ذلك عن الحسن، والنخعي وسعيد بن المسيب ومجاهد وطاوس وابن سيرين وغيرهم وهو قول الأئمة: مالك والشافعي وأحمد. واستدلوا بحديث سلمة بن صخر حين ظاهر ثم وطيء قبل أن يكفر فأمره النبي بكفارة واحدة - رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم. وقال البعض الآخر: إن عليه كفارتين، لأن الوطء يوجب كفارة والظهار موجب للأخرى
صلى الله
روي ذلك عن قبيصة وسعيد بن جبير والزهري وقتادة وعمرو بن العاص وذهبت طائفة ثالثة إلى أن الكفارة تسقط، لأنه فات وقتها لكونها وجبت قبل
المسيس
وقال أبو حنيفة خاصة: لا تثبت الكفارة في ذمته، وإنما هي شرط للإباحة
بعد الوطء كما كانت قبله
(2)
وقال آخرون: تجب عليه ثلاث كفارات: وهو قول منسوب للحسن
والنخعي "
(3)
(1) أحكام القرآن: ج 3 ص 420 - المغني: ج 8 ص 620. -
(2) المغني: المرجع السابق.
(3) تحفة الأحوذي: ج 2 ص 221.
457 (1/457)
صفحة 445
وفرق ابن حزم فقال: من كان فرضه التكفير بالإطعام فليس يحرم عليه
المسيس قبل الإطعام. وإنما يحرم المسيس على من كان فرضه العتق أو الصيام
(1)
(1) المحلى: ج 10 مسألة: 1.894
458 (1/458)
صفحة 446
مسألة - 47 - هل يجب الطلاق في اللعان؟
اختلف الفقهاء في الفرقة التي تتبع اللعان، هل تقع بمجرد اللعان أم لا بد من الطلاق، أم لا بد من حكم حاكم.
حتى
(1)
فروي عن جابر بن زيد قوله: إن التلاعن لا ينقص شيئا من عصمة الزوجين يطلق الزوج. وقوله: إن اللعان لا يقع به طلاق البتة. نقله القرطبي، وابن القيم والعيني وغيرهم وهو قول عثمان البتي، ومحمد بن أبي صفرة، وطائفة من أهل البصرة. واستدلوا بما روي من أن عويمرا العجلاني طلق امرأته بعد اللعان، ولم ينكر عليه رسول الله له ذلك، فكان دليلا على أن الفرقة وقعت بين المتلاعنين بالطلاق
الله
لا بشيء آخر وجه الاستدلال أن إقرار النبي علية لعويمر بالطلاق بعد اللعان دليل على أن الزوجة بعد اللعان لا زالت محل طلاق
وقالت طائفة أخرى إلى أن الفرقة تقع بنفس عملية اللعان وبمجرد تمامها، إلا أن مالكا قال: تقع بعد فراغ الزوج من لعانه، وقال الشافعي بعد فراغ الزوجة.
واستدلوا بحديث ابن عمر قال: قال رسول الله لا للمتلاعنين:
حسابكما على الله، أحد كما كاذب لا سبيل لك عليها. قال: يا رسول الله
مالي. قال: «لا مال لك. إن كنت أصدقت عليها فيما استحللت من فرجها.
وإن كنت كذبت عليها فذلك أبعد لك منها) متفق عليه
ووجه الاستدلال بهذا الحديث قوله عليه السلام: «لا سبيل لك عليها، بعد
إتمام اللعان بينهما. فدل ذلك على أن الفرقة وقعت بمجرد لعانها
:
(1) أحكام القرآن: ج 12 ص 194 - زاد المعاد: ج 4 ص 105 - عمدة القاري: ج 21 ص 295.
459 (1/459)
صفحة 447
وذهب فريق ثالث إلى أن اللعان لا يترتب عليه التفريق، بل لا بد من إعلان الحاكم بذلك، وأنه لا تقع التفرقة قبل حكمه
وهو مذهب الأحناف والجعفرية، وهي رواية عن أحمد، واختارها الخرقي
والزيدية.
واستدلوا بحديث عويمر العجلاني وفيه: فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره النبي
(1)
ولكن الأستاذ الصابوني لم يقتنع بهذا الاستدلال وقال إنه ليس نصا في محل النزاع، وإنما يدل على أن الفرقة لا تقع بمجرد اللعان، وليس فيه أي إشارة إلى أنه يقع بتفريق القاضي
(2)
460
(1) أحكام القرآن للجصاص: ج 3 ص 298
(2) مدى حرية الزوجين في الطلاق: ج 2 ص 890 (1/460)
صفحة 448
مسألة - 48 - لعان المطلقة أثناء عدتها:
اختلف علماء السلف في الرجل يقذف مطلقته الرجعية، هل له أن يلاعنها
أثناء عدتها.
فذهب جابر بن زيد إلى أن له أن يلاعنها، ما دامت في العدة لأنها زوجته: وهو يرثها وترثه - نقله ابن قدامة (1)
،
وهو قول ابن عمر والنخعي والزهري وقتادة. وهو مذهب الشافعي وقال ابن عباس: لا يلا عن. ويجلد لأنه قاذف
وقال مالك: إذا قذفها بعد الطلاق ينظر: فإن كان هناك نسب يريد أن ينفيه أو حمل يتبرأ منه لاعن. وإذا لم يكن هناك حمل يرجى ولا نسب يخاف تعلقه لم يكن للعان فائدة فلم يحكم به وكان قذفا مطلقا داخلا تحت عموم قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الآية 4 من سورة النور (2) وقال عثمان البتي لا يلاعن بحال لأنها ليست بزوجته، وكذلك قال أبو
حنيفة
(1) المغني: ج 9 ص 27.
(2) أحكام القرآن للقرطبي: ج 12 ص 188.
461 (1/461)
صفحة 449
مسألة - 49 - في الرجل يقذف زوجته ثم يبينها، هل له لعانها؟ قال جابر بن زيد: لا يحق له لعانها. وإنه يجلد. نقله ابن قدامة (1). وهو قول الحارث العكي وقتادة والحكم.
وقال عثمان البتي وأصحاب الرأي: لا حد ولا لعان لأن اللعان إنما يكون بين
الزوجين. وهذان ليسا بزوجين. ولا يحد لأنه لم يقذف أجنبية
وقال أحمد
بن حنبل: له لعانها. وهو قول مروي عن ابن عباس والحسن
والقاسم بن محمد ومكحول ومالك والشافعي وأحمد
واستدلوا بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَجَهُمْ} وهذا قد رمى زوجته فيدخل في عموم الآية. وإذا لم يلا عن وجب عليه الحد بعموم قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} الآية 2
وقال النخعي: إذا طلقها زوجها ثلاثا قبل الملاعنة، ليس بينهما لعان، ولا
حد عليه (3)
(1) المغني: ج 9 ص 18. (2) المغني: ج 9 ص 18. (3) فقه إبراهيم النخعي: ص 594
462 (1/462)
صفحة 450
مسألة - 50 - هل فرقة اللعان مؤبدة أم مؤقتة
إذا تمت الفرقة بين المتلاعنين، سواء بحكم الحاكم أو بتمام اللعان أو بطلاق الزوج، فهل يكون ذلك تحريما مؤبدا بحيث لا يجوز للزوجين المتلاعنين أن يعودا إلى بعضهما بعقد جديد، أم هو فراق مؤقت.
وقد اتفق الجميع على أن الزوج إذا لم يكذب نفسه، فإنها لا تحل له أبدا ولكنهم اختلفوا فيما إذا أكذب نفسه:
فروي عن جابر بن زيد أن المتلاعنين لا يجتمعان أبدا، سواء أكذب الزوج نفسه أم لا. نقله ابن قدامة (1)
رضي
وهو قول جمهور العلماء، عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود
الله
عنهم والنخعي والزهري. وهو قول الأئمة: مالك والشافعي، وهي رواية شاذة عن أحمد
وحجتهم ما روي عن سهل بن سعد في قصة المتلاعنين من أنه لا فرق بينهما
وقال: «لا يجتمعان أبدا»
وما روي عن ابن عباس أن النبى الله قال: (المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان
أبدا» رواهما الدارقطني وذهب أبو حنيفة، ومحمد من أصحابه إلى أن الفرقة بين الزوجين باللعان توجب حرمة مؤقتة. وأنها تطليقة بائنة فيزول ملك النكاح وتثبت حرمة الاجتماع إلى وقت الإكذاب وإقامة الحد. إذا أكذب الزوج نفسه وضرب الحد يباح له أن يتزوجها، لأنه بطل القذف وخرج من أن يكون من أهل اللعان بصيرورته محدودا
اللعان (2)
في القذف فلا يبقى وهي رواية عن إبراهيم النخعي
(3)
(1) المغني: ج 9 ص 33
(2) تحفة الفقهاء: ج 2 ص 333 - اللباب في شرح الكتاب: ج 2 ص 259.
(3) فقه إبراهيم النخعي: ص
595
463 (1/463)
صفحة 451
وحجتهم في ذلك:
1 عموم آيات النكاح في القرآن الكريم ليس فيها ما يشير إلى التحريم المؤبد
في اللعان
2 - إن الفرقة باللعان تقع عندهم بحكم الحاكم. وكل فرقة كانت من جانب الحاكم توجب التحريم المؤبد كالتفريق بسبب العيب
-
3 - إنهم أجابوا عن الحديث المتقدم من أن المتلاعنين لا يجتمعان أبدا بقولهم إنهما لا يجتمعان أبدا ما داما متلاعنين، فإن حقيقة المتفاعل هو المتشاغل بالفعل حقيقة أو حكما. فإذا زال اللعان حقيقة أو حكما فلا يبقى
وذهب عثمان البتي، وجابر بن زيد في رواية أخرى
عنه
حكمه (1)
(2)
إلى أنه لا تأثير
للعان في الفرقة وإنما يسقط النسب والحد وأن الزوجين يبقيان على الزوجية كما كانا
حتى يطلقها.
(1) مدى حرية الزوجين في الطلاق: ج 2 ص 900.
(2) عمدة القاري: ج 13 ص 251.
464 (1/464)
صفحة 452
مسألة - 51 - حكم من وطيء مطلقته في العدة:
روي عن جابر بن زيد أنه يرى أن من وطئ مطلقته في عدتها تحرم عليه ويحد
حد الزني.
نقل ذلك ابن بركة والشيخ طفيش
(1)
وقال الإباضية: إنها تحرم عليه، ونقلوه عن ابن عباس.
وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه يفرق بينهما، ويدرأ عنهما الحد للشبهة. وقال الحنابلة والشافعية: لا حد عليه بالوطء في العدة، وأن عليه المهر إن يرتجعها في العدة، لأنه وطء حرمه الطلاق فوجب به المهر كوطء المختلعة في
عدتها (2)
(1) جامع ابن بركة: ج ص 181 - شرح النيل: ج 7 ص 109. 4
(2) الشرح الكبير: ج 8 ص 474 - 475
465 (1/465)
صفحة 453
مسألة - 52 - إذا طلق الرجل امرأته وهي من ذوات الأقراء فلم تر الحيض في
عادتها، ولم تدر ما رفعه، فكم هي عدتها:
(1)
روى الإمام جابر أنها تكون في عدة أبدا حتى تحيض أو تبلغ سن الإياس. نقله ابن قدامة، والمطيعي وهو قول عطاء وطاوس والشعبي والزهري والنخعي وجملة أهل العراق وحجتهم في ذلك أن الاعتداد بالأشهر جعل بعد الإياس فلم يجز قبله، وهذه ليست بآيسة، ولأنها ترجو عود الدم فلم تعتد بالشهور كما لو تباعد حيضها
لعارض (2) وقال آخرون: تعتد سنة: تسعة أشهر منها تتربص فيها لتعلم براءة رحمها، لأن هذه المدة هي غالب مدة الحمل، فإذا لم يبن الحمل فيها علم براءة الرحم ظاهرا. فتعتد بعد ذلك عدة الآيسات ثلاثة أشهر. وهذا قول عمر بن الخطاب وبه قال مالك والشافعي في أحد قوليه (3).
وقال الشافعي في قول آخر: تتربص أربع سنين، وهي أكثر مدة الحمل ثم تعتد بثلاثة أشهر لأن هذه المدة هي التي يتيقن بها براءة الرحم فوجب اعتبارها
احتياطا.
(1) المغني: ج 9 ص -97 الشرح الكبير: ج 9 ص 112.
(2) المجموع: ج 16 ص 164
(3) أحكام القرآن للقرطبي: ج 18 ص 164.
466 (1/466)
صفحة 454
مسألة - 53 - عدة المرأة التي يتباعد حيضها:
اختلف الفقهاء في حكم من يطول الفصل بين حيضها كأن لا تحيض إلا في
كل سنة، أو عدة شهور مرة
فذهب جابر بن زيد في رواية أولى إلى أن التي تحيض في كل سنة مرة تعتد ثلاثة
(1)
أشهر. نقله ابن حزم وذهب قتادة وعكرمة وطاوس إلى أن التي تحيض حيضا مختلفا عدتها ثلاثة
أشهر
القول الثاني المروي عن جابر بن زيد مقتضاه، أن عدتها بالأقراء مهما تباعد الفصل بين حيضها إلا إذا بلغت سن اليأس فتعتد بثلاثة أشهر. نقله ابن حزم أيضا (2)
وروي
ذلك عن عطاء والزهري وأبي الزناد والشعبي والحسن والثوري وهو مذهب ابن حزم، وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد. أما المالكية: فقد ذكر الفقيه ابن رشد هذه المسألة في المقدمات فقال ما محصله: إن من كانت لا تحيض إلا من سنة إلى سنة أو أكثر من ذلك فإنها تتربص سنة، فإن جاء وقت حيضها في السنة ولم تحض حلت بتمام السنة، وإن لم يأت وقت حيضها في السنة انتظرت وقت حيضها، فإن جاء ولم تحض حلت، وإن حاضت انتظرت سنة أخرى وفعلت ما فعلته في المرة السابقة. فإن جاء وقت حيضها بعد تمام السنة ولم تحض حلت وإن حاضت انتظرت الثالثة، فإن جاء وقت حيضها حلت على كل حال (3)
467
(1) المحلى: ج 10 ص 271.
(2) المحلى: ج 10
ص
270
(3) فقه سعيد ابن المسيب: ج 3 ص 396 (1/467)
صفحة 455
مسألة - 54 - هل تلزم المولى عنها عدة؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
فقال جابر بن زيد: لا عدة للمولى عنها إذا كانت قد حاضت في مدة
الإيلاء، وهي أربعة أشهر، ثلاث حيض. نقله ابن رشد والعيني وابن حزم
وهو قول مروي عن ابن عباس، وقال به الشافعي في القديم. وحجتهم
أن
العدة إنما وضعت لبراءة الرحم، وهذه البراءة قد حصلت بالحيض الثلاث، فلا
لزوم للعدة.
وذهب جمهور العلماء إلى أن العدة تلزم. وحجتهم أن المولى عنها مطلقة،
فوجب أن تعتد كسائر المطلقات
وسبب الخلاف هو أن العدة جمعت بين العبادة والمصلحة
فمن ترجح لديه جانب المصلحة لم ير عليها عدة، ومن لحظ جانب العبادة
أوجب عليها العدة.
(1) بداية المجتهد: ج 2 ص 102 - عمدة القاري: ج 21 ص 275 المحلى: ج 10 ص 46
(2) بداية المجتهد: نفسه
468 (1/468)
صفحة 456
مسألة - 55 - متى تبدأ عدة من مات عنها زوجها أو طلقها وهو غائب: اختلف علماء السلف في المطلقة أو المتوفى عنها زوجها إذا لم تعلم بطلاقه أو
موته، وبلغها الخبر
فقال جابر بن زيد: إن عدتها تبدأ من يوم الموت أو الطلاق، نقله الجصاص
وابن قدامة وابن حزم
(1)
وهو قول ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن جبير وعطاء والنخعي وابن سيرين وغيرهم
أحمد
وإليه ذهب أئمة المذاهب: مالك وأبو حنيفة والشافعي، وهو المشهور عن
والحجة لهم: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} الآية 234 من سورة البقرة.
من
وقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ} الآية 228 سورة البقرة وقوله: {وَالَّتِى يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَثَةُ أَشْهُرٍ وَالفِى لَمْ يَحِضْنَ} الآية 4 من سورة الطلاق وقوله:
وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} الآية 4 من سورة الطلاق.
فقد بينت هذه الآيات أن ابتداء العدة يكون من حين الطلاق أو الوفاة
وذهبت طائفة إلى أن العدة تبدأ من حين يأتيها الخبر. روي ذلك عن علي
والحسن وقتادة وعطاء الخراساني.
ووجه هذا المذهب: أن العدة عبادة بترك الزينة، وذلك لا يصح إلا بقصد
ونية، والقصد لا يكون إلا بعد العلم
(2)
(1) أحكام القرآن: ج 1 ص 416 - المغني: ج 9 ص 189 - المحلى: ج 10 ص 311.
(2) أحكام القرآن للقرطبي: ج 3 ص 183
469 (1/469)
صفحة 457
وذهب ابن حزم إلى أن المطلقة والمتوفى عنها إذا لم تكن حاملا فإن عدتها من
حين يأتيها الخبر بالطلاق أو الوفاة. وتعتد الحامل المتوفى عنها من حين الموت
واحتج بالآيات التي احتج بها أصحاب المذهب الأول
ووجه الاستدلال بها:
أن الله تعالى قال في عدة غير الحوامل: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعشرا) وقال: هو يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ تلكة فروع)
ففي ذلك أمر بالتربص. ولا تعتبر المعتدة آتية بالمأمور به إلا بنية وتربص منها. وإذا لم تنو ذلك فالعدة باقية عليها .. والنية لا تتأتى إلا بعد علمها بالموت أو
الطلاق
أما عدة الحوامل فليس فيها أمر بالتربص. وإنما قال تعالى: {وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فلم يأمر هن الله تعالى بقصده والنية له. فتنتهي العدة بوضع الحمل. إلا أنه خص ذلك بالمتوفى عنها لأن طلاق الغائب عنده غير معتبر حتى يبلغ المطلقة (1)
(1) المحلى: ج 10 ص 311.
470 (1/470)
صفحة 458
مسألة - 56 - أين تعتد المتوفى عنها زوجها؟ اختلف العلماء في سكنى المعتدة عن الوفاة:
فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال: لا سكنى لها، وأن لها أن تعتد حيث شاءت. نقل ذلك عنه الإمام البغوي، وابن قدامة، والقرطبي وابن حزم
والمقدسي
(1)
و نسب هذا القول إلى جماعة من الصحابة والتابعين، منهم علي، وابن عباس وجابر، وعائشة، وعطاء والحسن
واستدلوا على ذلك بما روي عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةٌ لِأَزْوَجِهِم مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاج من الآية 240 من سورة البقرة. وقالوا: نسخ ذلك بآية الميراث، بما فرض الله لها من الربع والثمن. ونسخ أجل الحول أن جعل أربعة أشهر وعشرا رواه النسائي وأبو
داود.
وقال الشافعي: حفظت عمن أرضى به من أهل العلم، أن نفقة المتوفى عنها وكسوتها حولا منسوختان بآية الميراث. ولم أعلم مخالفا في نسخ نفقة المتوفى عنها وكسوتها سنة أو أقل من سنة. ثم قال ما معناه: إنه يحتمل أن يكون حكم السكنى حكمها لكونها مذكورة معهما، ويحتمل أنها تجب لها السكني. وقال أيضا في كتاب العدد: الاختيار لورثة الميت أن يسكنوها، لأن قول النبي عله في حديث الفُرَيْعَةِ: (امكثي في بيتك، وقد ذكرت أنه لا بيت لزوجها يدل على وجوب سكناها في بيت زوجها إن كان له بيت بالطريق الأولى (2)
-
(1) شرح السنة: ج 9 ص 303 – المغني: ج 9 ص 170 القرطبي: ج 3 ص 177 المحلى: ج 9 مسألة 2004 الشرح الكبير: ج 9 ص 152. (2) نيل الأوطار: ج 7 ص 319.
471 (1/471)
صفحة 459
وعبد
وذهب آخرون إلى وجوب السكنى لها. وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان
وأحمد
بن عمر وابن مسعود. وإليه ذهب الإمام مالك وسفيان الثوري
الله بن
واستدلوا بحديث ابن عباس المتقدم، وبحديث الفريعة لما فيهما من الاحتمال وقال الحنفية: إن كانت المرأة معتدة عن وفاة فلا سكنى لها ولا نفقة في مال زوجها سواء كانت حاملا أو حائلا. فإن النفقة في باب النكاح لا تجب بعقد دفعة واحدة كالمهر، وإنما تجب شيئا فشيئا على مرور الزمان. فإذا مات الزوج انتقل ملك أمواله إلى الورثة. فلا يجوز أن تجب النفقة والسكنى في مال
النكاح
الورثة (1).
(1) بدائع الصنائع: ج 4 ص 2042
472 (1/472)
صفحة 460
مسألة - 57 - في عدة الحامل متى
تنتهي
؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقاويل:
فقال جابر بن زيد: إذا وضعت حملها فقد انقضت عدتها. نقله العيني
(1)
وهو قول جمهور العلماء. وسواء في ذلك عدة الطلاق أو عدة الوفاة وقالوا لو
وضعت بعد ساعة من وفاة زوجها حل لها أن تتزوج ولكن لا يطؤها زوجها حتى
تطهر من نفاسها وتغتسل
واستدلوا بقوله تعالى: {وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ
الآية 4 من سورة الطلاق
واستدلوا أيضا بحديث سبيعة بنت الحارث لما وضعت بعد وفاة زوجها بليال، فمر بها أبو السنابل فقال: قد تصنعت للأزواج، إنها أربعة أشهر وعشر. فذكرت ذلك سبيعة لرسول الله لا فقال (كذب أبو السنابل أو ليس كما قال أبو
D
السنابل. قد حللت فتزوجي (حديث متفق على صحته.
وروي عن علي وابن عباس أنها تنتظر آخر الأجلين من وضع الحمل أو أربعة أشهر وعشرا، وهو ما عليه العمل عند إمام الإباضية أبي عبيدة رحمه الله تعالى (2)
قال ابن مسعود: أتحملون عليها التغليظ ولا تجعلون لها الرخصة؟ أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى. فقوله: أتجعلون عليها التغليظ أراد أن الحامل قد تمتد بها مدة الحمل إلى تسعة أشهر وإلى أربع سنين ولا يحكم بانقضاء عدتها ما لم تضع. فإذا ألزمتموها هذا التغليظ فاجعلوا لها الرخصة بانقضاء عدتها إذا وضعت قبل أربعة أشهر وعشرا. وقوله: نزلت سورة النساء القصرى بعد
(1) عمدة الأحكام: ج 21 ص 304. (2) شرح الجامع الصحيح: ج 3 ص 120.
473 (1/473)
صفحة 461
الطولى: أراد بالقصرى سورة الطلاق وبالطولى سورة البقرة. وأراد أن قوله تعالى في سورة الطلاق {وَأَوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ نزلت
بعد قوله سبحانه وتعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} في سورة البقرة الآية 234. فحمله على النسخ
(1)
وحجة علي وابن عباس رضي الله عنهما هي محاولة الجمع بين الآيتين المتقدمتين. وذلك أن المعتدة إذا قعدت أقصى الأجلين فقد عملت بمقتضى الآيتين، وإن اعتدت بوضع الحمل فقد تركت العمل بآية عدة الوفاة، والجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول (2)
وقال آخرون: لا تنكح النفساء ما دامت في دم نفاسها، وهو قول الحسن والشعبي والنخعي وحماد بن أبي سليمان، فإنهم اشترطوا شرطين: وضع الحمل، والطهر من دم النفاس. ولكن الأدلة المتقدمة حجة عليهم.
(1) شرح السنة: ج 9 ص 305. (2) أحكام القرآن للقرطبي: ج 3 ص 175.
474 (1/474)
صفحة 462
مسألة - 58 - هل يجب إعلام المرتدة برجعتها؟
اختلف الناس في هذه المسألة
:
فروي عن جابر بن زيد أنه قال: تماريت أنا ورجل من القراء الأولين في المرأة يطلقها الرجل ثم يرتجعها فيكتمها مراجعتها. فقلت أنا: ليس له شيء. فسألنا شريحا القاضي فقال: ليس له إلا فسوة الضبع) أي ليست برجعة
وهو قول عمر بن الخطاب. فقد روي عنه أنه قال: إذا طلق امرأته فأعلمها
طلاقها ثم راجعها فكتمها الرجعة حتى انقضت العدة، فلا سبيل له عليها وروي عن عمران بن الحصين أنه سأله رجل فقال: طلقت ولم أشهد وراجعت ولم أشهد. فقال له عمران: طلقت بغير عدة وراجعت في غير سنة
فأشهد على ما صنعت
وهو قول سعيد بن المسيب وسفيان الثوري وأبي حنيفة والشافعي وقال مالك: إذا ارتجعها فلم تعلم حتى تزوجت، فإذا دخل بها الثاني فقد استقر نكاحه، وإن لم يدخل ففيها روايتان: إحداهما أن الأول أحق بها (2)
(1) المحلى: ج 10 ص 253. (2) الأشراف: ج 2 ص 140.
475 (1/475)
صفحة 463
مسألة - 59 - بماذا تحصل الرجعة:
اتفق العلماء على أن المطلقة طلاقا رجعيا يجوز لزوجها مراجعتها ما دامت في
العدة.
واتفقوا أيضا على أن الرجعة تحصل بالقول، كأن يقول المطلق: راجعت
زوجتي أو أمسكتها.
واختلفوا في الوطء هل تحصل به الرجعة أم لا
فذهب الإمام جابر بن زيد إلى أن الرجعة لا تحصل بالوطء فما دونه،، وأنه لا بد من التلفظ بها. نقل ذلك عنه ابن حزم والقرطبي (1) وروي عنه أيضا قوله: إذا راجع في نفسه فليس بشيء، نقله العيني (1) وهو قول أبي قلابة، والليث بن سعد، والشافعي، وأبي ثور وابن حزم وهو رواية عن أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقي (2)
وحجتهم في ذلك أن الرجعة استباحة البضع. فهي كالنكاح لا تحصل بمجرد الوطء، وقال ابن حزم: لم يأت بأن الجماع رجعة قرآن ولا سنة ولا خلاف في أن الرجعة بالكلام رجعة. فلا يكون رجعة إلا بما صح أنه رجعة. قال تعالى: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفِ) والمعروف ما عرف به ما في نفس الممسك الراد، ولا يعرف ذلك إلا بالكلام.
وخالف قوم فقالوا إذا وطئ مطلقته الرجعية، وهي في العدة كان ذلك رجعة. وهذا مذهب سعيد بن المسيب وعطاء والشعبي والنخعي والحسن البصري والثوري والأوزاعي.
(1) المحلى: ج 10 ص 252 - أحكام القرآن: ج 3 ص 121
عمدة القاري:: ج 21 ص
313
(2) المغني: ج 8 ص 482
476 (1/476)
صفحة 464
وإليه ذهب أبو حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى عن
عنه
وبهذا المذهب قال مالك وإسحق، إلا أنهما اشترطا نية الرجعة مع الوطء لقوله عليه السلام (إنما الأعمال بالنيات و الحديث متفق عليه.
وحجة هؤلاء أن الطلاق الرجعي سبب لزوال النكاح، وثابت معه الخيار بتركها حتى تنقضي فيزول النكاح، أو إمساكها بمراجعتها فيزول ما يترتب على الطلاق من الفرقة
فأشبه ما لو باع شخص أمة واشترط الخيار ثم وطئها في مدة الخيار فهو بذلك قد ارتجعها لملكه واختار نقض البيع فكذلك الوطء هنا يعني هو اختيار إمساكها ونقض الطلاق
وقالوا إن الرجعة تراد لاستيفاء النكاح، ووجدنا الوطء آكد في باب البقاء على النكاح وتبقيته على الملك من مجرد القول (1)
(1) فقه سعيد بن المسيب: ج 3 ص 249 الأشراف للبغدادي: ج 2 ص 139
المبسوط للسرخسي: ج 6 ص 19.
377
- (1/477)
صفحة 465
مسألة - 60 - في مقدار المتعة الواجبة للمرأة
اختلف الناس في هذه المسألة
فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال: ليس للمتعة حد معروف في قليلها ولا كثيرها وأن مرد ذلك إلى العرف. نقل ذلك عنه ابن القيم في زاد المعاد (1) وروي
عنه أنه متع بخمسين درهما
وهذا القول هو مذهب مالك، والحسن البصري والشافعي وهو مقتضى القرآن فإن الله تعالى لم يقدرها ولا حدد لها حدا وإنما قال: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ.
وذهب آخرون إلى تحديدها وذلك حسب التفصيل الآتي:
1 روي عن ابن عمر أنه قال: إن أدنى ما يجزي في المتعة ثلاثون درهما أو
شبهها.
2 وقال ابن عباس وعكرمة: أرفع متعة: خادم، ثم كسوة، ثم نفقة 3 - وقال عطاء: أوسطها الدرع، والخمار، والملحفة، بينما قال أبو حنيفة إن
ذلك أدناها
4 - وقال آخرون: تحدد المتعة بحسب حال المرأة، لأن المهر معتبر بها فكذلك المتعة، وهو قول بعض الشافعية
- وقال البعض: تعتبر المتعة بحال الزوج، في يساره وإعساره. ونص عليه
الإمام أحمد (3).
(1) ج 4 ص 146
(2) شرح النيل: ج 7 ص 387 - الكاشف: ج 2 ص 211. (3) الجصاص: ج 1 ص -434 القرطبي: ج 3 ص 201
المغني: ج 6 ص 712.
478 (1/478)
صفحة 466
مسألة - 61 - زوجة المفقود متى تطلق عليه:
أجمع العلماء على أن الغائب غيبة غير منقطعة، وهو الذي يعرف خبره، ويأتي كتابه، لا يجوز لزوجته أن تتزوج، إلا أن يتعذر الإنفاق عليها من ماله فلها أن تطلب فسخ النكاح فيفسخ.
وأجمعوا على أن زوجة الأسير لا تنكح حتى تعلم وفاته بيقين. أما الغائب
الذي لا يعلم أين هو فقد اختلف العلماء في حكم زوجته
فذهب الإمام جابر بن زيد إلى أن امرأة المفقود لا تتزوج أبدا حتى تتيقن من موته. نقله الزيلعي عن ابن أبي شيبة (1) وهو قول علي وابن مسعود وأبي قلابة والشعبي، والنخعي والحكم وابن شبرمة والثوري وداود وابن حزم. وإليه ذهب أبو حنيفة، والشافعي في الجديد وجاء في رواية أخرى عن الحنفية إلى أنه لا يفرق بينه وبين امرأته إلا إذا تم له مائة وعشرون سنة من يوم ولد.
واحتجوا بما روى المغيرة بن شعبة عن النبي عل الله أنه قال: «امرأة المفقود امرأته حتى يأتي البيان) رواه الدارقطني، وهو حديث ضعيف ومذهب الإمام مالك وأحمد أن من فقد في بلاد الإسلام في غير قتال، يبحث عنه الحاكم، فإن لم يجده أجل زوجته أربع سنين ثم اعتدت عدة الوفاة، وحلت. من فقد في بلاد الشرك والأسير فهذا لا تتزوج امرأته أبدا حتى ينتهي
أما
-
تعميره، وهو على المختار - سبعون سنة
الخطاب رضي ا الله عنه
وحجتهم: ما روي من أن رجلا فقد في عهد عمر بن فجاءت امرأته إلى عمر فذكرت ذلك له. فقال انطلقي فتربصي أربع سنين ففعلت ثم أتته، فقال أين ولي هذا الرجل؟ فقال طلقها، ففعل. فقال عمر:
(1) نصب الراية: ج 3 ص 473.
479 (1/479)
صفحة 467
اذهبي فتزوجي من شئت فتزوجت ثم جاء زوجها الأول فقال له عمر: أين كنت؟ قال: يا أمير المؤمنين استهوتني الشياطين فوالله ما أدري في أي أرض الله كنت، كنت عند قوم يستعبدونني حتى اغتزاهم منهم قوم مسلمون، فكنت فيما غنموه فقالوا لي: أنت رجل من الإنس، فما لك وما لهم؟ فأخبرتهم خبري فقالوا بأي أرض الله تحب أن تصبح؟ قلت المدينة هي "، فأصبحت وأنا أنظر إلى الحرة. فخيره عمر: إن شاء امرأته وإن شاء الصداق فاختار الصداق
وقال: قد حبلت ولا حاجة لي فيها
قال أحمد يروي هذا الحديث عن عمر من ثلاثة وجوه، ولم يعرف له في
الصحابة مخالف
وروي عن عثمان أنه قضى بذلك، وقضى به ابن الزبير، وقالوا إن هذه قضايا انتشرت بين الصحابة فلم تنكر فكانت إجماعا (1).
134
(1) أثر الاختلاف: ص 537 - فقه سعيد ابن المسيب: ج 3 ص 413 – المغني:: ج 9 ص
480 (1/480)
صفحة 468
الباب التاسع
في
المعاملات
وفيه 21 مسألة
481 (1/481)
صفحة 469
مسألة - 1 - حكم بيع جلود الأضاحي: اتفق العلماء على أن لحم الأضحية لا يجوز بيعه.
ولكنهم اختلفوا في بيع جلودها. فذهب الإمام جابر بن زيد إلى جواز بيعها. فقد روي عن أبي الرحيل أنه
قال: ذبحنا يوما بمكة أضحية نسكا فاشتركنا فيه، فقال لي أبو الشعثاء:
جلده (1)
بع
وقال عبد الله بن عمر: لا بأس ببيعه والتصدق بثمنه. وهو قول أبي حنيفة وأبي ثور، والشعبي، وأبي العاليه والأوزاعي وعطاء ورخص في ذلك أيضا الحسن البصري والنخعي، على أن يشترى بثمنه الغربال والمنخل وآلة البيت. واستدلوا بأن الجلود مما ينتفع به، وكل ما جاز الانتفاع به
جاز بيعه.
وذهب آخرون إلى أنه لا يجوز بيع جلود الأضاحي، وأنه بمنزلة لحومها. وهو قول مالك وابن حنبل والشافعي وابن حزم. وفي رواية أخرى عن مالك أنه يرى جواز مبادلة الجلود بأدوات البيت وغيرها. واستدل هؤلاء بحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي رضي الله عنه قال (بعثني رسول الله عله فقمت على البدن فأمرني فقسمت لحومها ثم أمرني فقسمت جلودها وجلالها) رواه البخاري
ومسلم
واستدل ابن حزم خاصة بقوله عل: (كلوا وأطعموا وتصدقوا وادخروا)
الله
وقال: لا يحل تعدي هذه الحدود فيتعدى حدود وقالوا أيضا: إن المضحي جعل أضحيته الله، فلا يجوز له بيع شيء منها
كالوقف
(1) شرح الجامع الصحيح: ج 3 ص 345 - الإيضاح: ج 2 ص 333
483 (1/483)
صفحة 470
وروي عن أبي حنيفة قول بجواز المعاوضة، أي أن يباع الجلد بالعروض، لأنه يرى أن المعاوضة بالعروض هي من باب الانتفاع لإجماعهم على أنه يجوز أن ينتفع
به (1).
(1) المغني: ج 11 ص 111. المنتقى: ج 3 ص 91.
المحلى: ج 7 ص 385. بداية المجتهد: ج 1 ص 438
484 (1/484)
صفحة 471
مسألة - 2 - حكم بيع الهر:
(1)
روي عن الإمام جابر بن زيد أنه كره بيع الهر. نقله صاحب المغني وغيره. وهو قول أبي هريرة من الصحابة وطاوس ومجاهد من التابعين واستدلوا بما روى الطحاوي والترمذي من حديث أبي سفيان عن جابر قال:
نهى النبي الله
عن ثمن الكلب والسنور. وقال الطحاوي: إسناده فيه
اضطراب، ثم قال: هذا حديث غريب وبما رواه مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر قال: سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور فقال: زجر النبي الله عن ذلك ورواه النسائي بلفظ نهى عن
الكلب والسنور إلا كلب صيد. وقال النسائي بعد تخريجه: هذا حديث منكر
وذهب الجمهور من العلماء إلى جواز بيعه وحل ثمنه. ونسب ذلك إلى الحسن
البصري ومحمد بن سيرين والحكم وحماد ومالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وحجتهم في ذلك: أن الحديث الذي اعتمد عليه الفريق الأول ضعيف، فهو مردود. وقالوا أيضا إن النهي محمول على التنزيه لا على التحريم لأن لفظ مسلم يشعر بتخفيف النهي، فليس على التحريم بَلْ على التنزيه. وأخيرا فإنهم قالوا إن النهي كان في ابتداء الإسلام عندما كان محكوما بنجاسته. ثم لما حكم بطهارة سوره حل ثمنه (2)
(1) المغني: ج 4 ص 303 - عمدة القاري: ج 12 ص 60 -
الشرح الكبير: ج 4 ص 9.
(2) نفس المرجع.
485 (1/485)
صفحة 472
مسألة - 3 - حكم بيع الشيء واستثناء بعضه:
والمراد من ذلك،، أن
قطيعا ويستثني منه شاة.
النبي
يبيع
الرجل ما لا له ويستثني جزءا منه مثل أن يبيع
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة إلى مجموعتين رئيسيتين: المجموعة الأولى: ترى: ترى أن البيع لا يصح. وحجتهم في ذلك ما روي عن أنه لا نهى عن المحاقلة والمزابنة والثنيا إلا أن تعلم». رواه مسلم وابن
حبان والنسائي والترمذي وصححه. وروي هذا القول عن الإمام جابر بن زيد
نقله عن ابن حزم في كتابه المحلى (1) وهو ما ذهب إليه أيضا وأما المجموعة الثانية: فقد اتفقوا مع الفريق الأول على أن المستثنى إذا كان
(2)
معلوما صح البيع. وعلى أنه إذا كان مجهولا لم يصح ولكنهم اختلفوا في بعض
المسائل
1 بيع الحامل واستثناء ما في بطنها: فجمهور الفقهاء: مالك وأبو حنيفة
والشافعي والثوري، ذهبوا إلى أنه لا يجوز وقال أحمد وأبو ثور، وداود: ذلك جائز. وهو مروي عن ابن عمر وسبب الخلاف: هل المستثنى مبيع مع ما استثنى منه أم ليس بمبيع، وإنما هو باق على ملك البائع؟
فمن قال مبيع، قال: لا يجوز. وإنه من الثنيا المنهي عنها لما فيها من الجهل بصفته، وقلة الثقة بسلامة خروجه
ومن قال هو باق على ملك البائع، قال يجوز ذلك
2 واختلفوا في الرجل يبيع الحائط ويستثني منه عدة نخلات بعد البيع
(1) المحلى: ج 8 ص 402
و 434
(2) نيل الأوطار: ج 5 ص 160 - المغني: ج 4 ص 214
486 (1/486)
صفحة 473
فقد منعه الجمهور لمكان اختلاف صفة النخيل. وروي عن مالك إجازته
ومنعه ابن القاسم
3 واختلفوا أيضا فيما إذا استثنى البائع مكيله حائط من فمنع ذلك فقهاء الأمصار. وأجازه مالك فيما دون الثلث. ومنعه فيما فوقه. وحمل النهي الوارد
على ما فوق الثلث (1)
(1) بداية المجتهد: ج 2 ص 163 164
487 (1/487)
صفحة 474
مسألة - - 4 - هل يجب الإشهاد على البيع:
اختلف الأوائل في هذه المسألة:
فروي عن الإمام جابر بن زيد: أن الإشهاد على البيع واجب، لا يجوز تركه. نقل ذلك عنه صاحب المغني، وابن حزم في المحلى، وابن كثير في التفسير (1) والشوكاني في نيل الأوطار. وهو قول ابن عباس، والنخعي وعطاء ابن أبي رباح وسعيد بن المسيب. وإليه ذهب الإمام ابن حزم، والطبري. وقالوا: إن ترك الإشهاد فقد عصى الله، والبيع تام قل الشي أو كثر واحتجوا بقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} الآية 282 من سورة البقرة. و من السنة بما روى ابن حزم بسنده عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه قال: ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم. وذكر فيهم: رجل كان له على رجل دين فلم يشهد عليه. وروي عن مجاهد في قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} قال: كان ابن عمر إذا باع بنقد أشهد وإذا باع بنسيئة كتب وأشهد. وروي عن عطاء أنه قال: تشهد على كل شيء تشتريه وتبيعه ولو كان بدرهم أو بنصف درهم أو بربع درهم أو أقل. وعن إبراهيم النخعي أنه قال: أشهد إذا بعت وإذا اشتريت. ولو على دستجة بقل. وقال ابن النحاس: قال ابن جرير الطبري: لا يحل لمسلم إذا باع واشترى إلا أن يشهد، وإلا كان مخالفا لكتاب الله عز وجل. وقد ذهب آخرون إلى أن الإشهاد في البيع ليس واجبا، بل هو مستحب وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. واستدلوا بما أعطوه من تفسير للآية المتقدمة: فقالوا: إن الأمر فيها محمول على، من التجاحد الاستحباب، لأن ذلك أقل أحوال الأمر، ولأنه أقطع للنزاع وأبعد مـ
(1) المغني: ج 4 ص 311.
المحلى: ج 8 ص
344
تفسير ابن كثير: ج 1 ص -597 نيل الأوطار: ج 5 ص 181.
488 (1/488)
صفحة 475
فكان أولى بالاعتبار. وقالوا: إن ذلك يختص بما له خطر. فإن الأشياء القليلة الخطر كحوائج البقال والعطار وشبههما فلا يستحب ذلك فيها. لأن العقود فيها تكثر فيشق الإشهاد عليها وتقبح إقامة البينة فيها والترافع إلى المحاكم من أجلها،
بخلاف الكثير
وروي
هذا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وإسحق وأبي أيوب وهو قول
أصحاب الرأي.
واستدلوا أيضا بما روي عن أبي سعيد أنه قرأ هذه الآية، فلما بلغ إلى قوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدُ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَنَتَهُ} قال نسخت هذه
الآية ما قبلها. وقالوا: إن النبي عل الله اشترى من يهودي طعاما ورهنه درعه، واشترى من رجل سراويل، ومن أعرابي فرسا فجحده الأعرابي حتى شهد له خزيمة بن ثابت. ولم ينقل أنه أشهد في شيء من ذلك
وكان الصحابة رضوان الله عليهم يتبايعون في عصره في الأسواق ولم يأمرهم بالإشهاد، ولا نقل عنهم فعله. ولم ينكر عليهم النبي ع. ولو كانوا يشهدون في كل بياعاتهم لما أخل بنقله. وقد أمر رسول الله علي عروة بن الجعد أن يشتري له أضحية ولم يأمره بالإشهاد. وأخبره عروة أنه اشترى شاتين فباع إحداهما فلم
ينكر عليه ترك الإشهاد
وأضافوا قائلين: إن المبايعة تكثر بين الناس في أسواقهم وغيرها. فلو وجب الإشهاد في كل ما يتبايعونه لأفضى ذلك إلى الحرج المحطوط عنا بقوله تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج اليه الآية
وقالوا: إن آية الدين المراد بها الإرشاد إلى حفظ الأموال والتعليم كما أمر بالرهن
489 (1/489)
صفحة 476
والكاتب، وليس ذلك بواجب (1)
وقد رد ابن حزم على هذه الأدلة ردا عنيفا، فلتراجع في المحلى (2).
(1) المغني: ج 4 ص 311. (2) المحلى: ج 8 ص 344 وما بعدها.
490 (1/490)
صفحة 477
مسألة - 5 - هل تجب كتابة الدين؟
اختلف العلماء في هذه المسألة
فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال بالوجوب، وأنه لا يحل لمسلم إذا باع أو اشترى إن كان إلى أجل، إلا أن يكتب ويشهد إن وجد كاتبا. نقل ذلك عنه ابن حزم في المحلى وابن قدامة في كتابه المغني، وابن كثير في تفسيره (1)
واختار وجوب الكتابة كل من الإمام الطبري، وابن جريج، والشعبي، وعطاء بن أبي رباح ومجاهد، والنخعي. ورجحه الإمام محمد الطاهر بن عاشور
(2)
(3)
في تفسيره والإمام سيد قطب في الظلال. وهو قول الظاهرية
ونورد هنا ألفاظ ابن حزم في تأييد هذا المذهب:
برهان ذلك قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنِ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهُ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسُ مِنْهُ شَيْئًا فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهَا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِل هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلُّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْتَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً حَاضِرَةٌ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارُ كَاتِبٌ وَلَا
(1) المحلى: ج 8 ص 346
المغني: ج 4 ص
311
تفسير ابن كثير: ج 1 ص 597
(2) التحرير والتنوير: ج 3 ج 3 ص 1
(3) في ظلال القرآن:
100
491 (1/491)
صفحة 478
شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَنٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُودُ الَّذِي أَو تُمِنَ أَمَنَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَدَةَ له قال أبو محمد ابن حزم فهذه أوامر مغلظة مؤكدة لا تحتمل تأويلا. أمر بالكتاب في المداينة إلى أجل مسمى وبالإشهاد في ذلك في التجارة المدارة كما أمر الشهداء أن لا يأبوا أمرا مستويا. فمن أين صار عند هؤلاء القوم (أي الذين يرون خلاف هذا الرأي) أحد الأوامر فرضا والآخر هملا؟ وأخبر تعالى أن الكاتب إن ضار - فسوق. ثم أكد تعالى أشد تأكيد ونهانا أن نسأم كتاب ما أمرنا بكتابه صغيرا كان أو كبيرا. وأخبر تعالى أن ذلك أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى من أن لا نرتاب. وأسقط الجناح في ترك الكتاب خاصة دون الإشهاد في التجارة المدارة، ولم يسقط الجناح في ترك الكتاب فيما كان دينا إلى أجل مسمى
ويرى العلماء الآخرون وهم الجمهور أن الأمر بالكتابة في الآية المتقدمة إنما هو على الندب وليس على الوجوب. وأنه مجرد إرشاد إلى ما فيه الحظ والصلاح
للمسلمين
وحجتهم في ذلك أن الأمة نقلت خلفا عن سلف عقود المداينات والأشرية والبياعات في أمصارهم من غير إشهاد أو كتابة، مع علم فقهائهم بذلك من غير نكير من أحد عليهم. وقد رد عليهم ابن حزم ردا عنيفا في كتابه المحلى.
(1)
(1) كتابنا: أدلة الإثبات ص 82
492 (1/492)
صفحة 479
مسألة - 6 - حكم أخذ اللقطة:
يُرْوَى عن الإمام جابر بن زيد في هذه المسألة قولان:
القول الأول: أنه يكره أخذ اللقطة وأن الأفضل تركها وعدم التعرض لها. نقل ذلك عنه صاحب المغني وصاحب المجموع () والسالمي في شرحه للجامع الصحيح وقال: لعله إنما كره ذلك لما رأى من شدة ميل الناس إلى الأطماع العاجلة، فقلّ من يقصد بأخذها الحفظ لربها (1) ونسب هذا القول لابن عباس وابن عمر، والربيع بن خيثم وشريح وعطاء. وإليه ذهب الإمام أحمد بن حنبل، وهو أحد قولي الشافعي
وحجتهم
ما روي عن عبد
الله
الشخير عن أبيه قال: قال رسول الله بن
: «ضالة المؤمن حرق النار) رواه الربيع وابن ماجة. وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني في الكبير بأسانيد بعض رجالها رجال الصحيح وذكره العلامة الألباني في كتابه سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 620.
(3)
وأجيب بأن الحديث محمول على من أخذ اللقطة لنفسه لا لصاحبها ولا ليعرفها، أو أنه محمول على الضالة التي لا يخشى ضياعها، كالإبل ونحوها (2). القول الثاني: رواه عنه ابن حزم ويري وجوب أخذ اللقطة. ونسب هذا إلى ابن عباس، وأبي بن كعب. وهو قول آخر للشافعي. وهو قول من أقوال سعيد بن المسيب والحسن بن صالح
وحجتهم قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} الآية
71 من سورة التوبة
(1) المغني: ج 6 ص 319 الجامع الصحيح: ج 3 ص 333.
المجموع: ج 14 ص 503
(2) فقه سعيد بن المسيب: ج 3 ص 126
(3) المحلى: ج 8 ص 266
493 (1/493)
صفحة 480
ووجه
الاستدلال أن كان وليا لآخر، فإن عليه حفظ ماله
من
من الضياع
وقوله عليه السلام، وقد سئل عن الضالة: هي لك أو لأخيك أو للذئب، فردّ على أخيك ضالته. رواه ابن عبد البر وأصل الحديث في الصحيحين وقوله عليه السلام: اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة. فإن جاء صاحبها وإلّا فشأنك بها ... الحديث. وهو متفق عليه
ووجه الاستدلال: أن النبي عل الله أمر الملتقط برد الضالة إلى صاحبها وهذا لا يتأتى إلا بالتقاطها (1).
494
(1) فقه سعيد بن المسيب: ج 3 ص 126 (1/494)
صفحة 481
مسألة - 7 - هل يجوز استئجار من يكتب مصحفا:
(1)
يروى عن الإمام جابر بن زيد أنه يرى جواز استئجار الرجل لمن يكتب له مصحفا نقل ذلك عنه صاحب المغني وصاحب الشرح الكـ الكبير (2). وهذا قول أكثر أهل العلم في المسألة، وهو قول مالك بن دينار وابن حنبل وأبي حنيفة والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، وابن سيرين.
ودليلهم أن ذلك فعل مباح، يجوز أن ينوب فيه الغير عن الغير فجاز أخذُ الأجر عليه، ككتابة الحديث. ولما جاء في الخبر: (أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله
وكره علقمة كتابة المصحف بالأجر. ولعله يرى أن ذلك من باب القرب وأنه
لا أجرة على القربى التي هي بمثابة العبادة، كالصلاة (3)
وقال ابن حزم بجواز الإجارة على نسخ المصاحف (المحلى ج 5 ص 193)
(1) و (2) و (3) المغني: ج 6 ص 37 - والشرح الكبير: ج 6 ص 58
495 (1/495)
صفحة 482
مسألة - 8 - في الربح والوضيعة بين الشريكين:
روي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال: إن الربح بين الشريكين يكون على ما اصطلحا عليه. أما الوضيعة، أي الخسران، فيكون على رأس المال. نقل
ذلك ابن حزم
(1)
وجملة ذلك: أن أهل العلم أجمعوا على أن للعامل في شركة المضاربة أن يشترط على رب المال ثلث الربح أو نصفه أو ما يجمعان عليه بعد أن يكون ذلك معلوما، جزءا من الأجزاء، ولأن استحقاق المضارب الربح بعمله فجاز ما يتفقان عليه من قليل وكثير، كالأجرة في الإجارة وكالجزء من الثمرة في المساقاة والمزارعة أما في شركة العنان، وهي أن يشترك بدنان بماليهما، فيجوز أن يجعلا الربح على قدر المالين ويجوز أن يتساويا مع تفاضلهما في المال، وأن يتفاضلا فيه مع تساويهما في المال وبهذا قال علي بن أبي طالب وأبو حنيفة والنخعي أما الوضيعة، فإن أهل العلم اتفقوا أيضا على أن الخسران في الشركة تكون على كل واحد منهما بقدر ماله. فإن كان مالهما متساويا في القدر فالخسران بينهما نصفان وإن كان أثلاثا فالوضيعة أثلاث وفي شركة المضاربة تكون الوضيعة على المال خاصة وليس على العامل منها
شيء
(2)
(1) المحلى: ج 5 ص 126. (2) المحلى: ج 5 ص 140 و 147.
496 (1/496)
صفحة 483
مسألة - 9 - هل الربا محرم بين العبد وسيده:
روي عن الإمام جابر بن زيد أنه كان يرى أنه ليس بين العبد وبين سيده
ربا - نقله ابن حزم
(1)
وهو قول ابن عباس والنخعي والحسن والشعبي. وهو ما قرره صاحب النيل
والشارح (2) وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وقال به ابن عبد العزيز)
وأساس هذا القول هو أن العبد لا يملك، وأن ماله هو مال سيده
(3)
وخالف قوم فقالوا إن الربا حرام بين العبد وبين سيده كما هو بين الأجنبيين
وقالوا إن الله تعالى لما حرم الربا وتوعد فيه لم يخص عبدا من حر وما كان ربك
نسيا.
ومن هذا الباب ما قرره الإمام أحمد من أن بين الرجل وبين ولده ربا وذلك
(4)
لأن ملك الابن على ماله تام وروى صاحب المجموع أن تحريم الربا يستوي فيه الرجل والمرأة والعبد
والمكاتب، وأن في ذلك الإجماع (5)
(1) المحلى: ج 8 ص 514. (2) شرح النيل: ج 8 ص 32 و 34. (3) المدونة الكبرى: ج 2 ص 168.
(4) المغني: ج 6 ص 293.
(5) المجموع: ج 9 ص 442.
497 (1/497)
صفحة 484
مسألة - 10 - بيع الطعام إلى أجل وأخذ طعام بثمنه:
اختلف العلماء فيما إذا باع رجل طعاما إلى أجل، فأخذ بالثمن طعاما. فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال: من باع طعاما لأجل فلما حل الأجل أخذ منه بالثمن الذي في ذمته طعاما قبل قبضه، إن ذلك جائز ـ نقله ابن قدامة
والمقدسي
(1)
وهو قول سعيد بن جبير وابن المنذر وأصحاب الرأي وهو مذهب الشافعية، فقد نقل صاحب المجموع جواز ذلك عن أئمته (2)
وحجتهم في ذلك أنه إنما يأخذ منه الطعام بالثمن الذي له عليه وليس بالطعام
أما إذا لم يحل الأجل فلا يجوز.
وقد رجح
هذا الرأي ابن قدامة فقال:
والذي يقوى عندي جواز ذلك إذا لم يفعله حيلة ولا قصد ذلك في ابتداء العقد كما قال علي بن الحسين فيما يروي عنه عبد الله بن زيد قال: قدمت على علي بن الحسين فقلت له إني أجد نخلي وأبيع ممن حضرني التمر إلى أجل فيقدمون بالحنطة وقد حل ذلك الأجل فيوقفونها بالسوق فأبتاع منهم وأقاصهم؟ قال: لا بأس بذلك إذا لم يكن منك على رأي. وذلك لأنه اشترى الطعام بالدراهم التي في الذمة بعد انبرام العقد الأول ولزومه فصح
وذهبت طائفة
منهم إلى عدم جواز ذلك، وهو قول مروي عن سعيد بن
المسيب وعبد الله بن عمر وطاوس. وهو مذهب الحنابلة والمالكية. وحجتهم في ذلك أن العملية ذريعة إلى بيع الطعام بالطعام نسيئة فحرم.
(1) المغني: ج 4 ص 258 - الشرح الكبير: ج 4 ص 46.
(2) المجموع: ج 9 ص 300.
498 (1/498)
صفحة 485
مسألة - 11 - في العُمْرى ولمن تكون؟ العُمرى لغة: بضم العين المهملة وسكون الميم مع القصر، مأخوذة من العمر، وهي الحياة، سميت بذلك لأنهم كانوا في الجاهلية يعطي الرجل الرجل الدار فيقول له: أعمرتك إياها، أى أبحتها لك طول حياتك فقيل لها عمرى
لذلك
وحكمها عند الإمام جابر بن زيد، أنها إذا وقعت أصبحت ملكا للآخر أي الممنوحة له الدار ونحوها، ولا ترجع إلى الأول، المعمر أبدا. نقل ذلك الخراساني والسالمي (1) وهو قول ابن عباس وأبي عبيدة
وللعمرى عند الفقهاء ثلاثة أحوال: الأول: أن يقول أعمرتك هذه الدار ويطلق، فهذا تصريح بأنها للموهوب له، وحكمها حكم الهبة المؤبدة، ولا ترجع إلى الواهب كما تقدم. وبذلك قالت الحنفية، وهو أحد قولي الشافعي. وهو مذهب الجمهور (2) الثاني: أن يقول: هي لك ما عشت) بفتح التاء) فإذا مت رجعت إلي فهذه حكمها أنها عارية مؤقتة ترجع المعير عند موت المعمر. وبه قال أكثر العلماء ولكن أكثرهم يصححون أنها لا ترجع للواهب أبدا شرط أو لم يشترط، ويرون الشرط فاسد فيلغى، وهذا مذهب ابن حزم ويؤيد هذا المذهب عدة أحاديث: منها قوله (إن العمرى جائزة لمن أعمرها) رواه أحمد والنسائي، ومنها قوله عليه السلام (من أعمر عمرى فهي
أن
(3)
المعمره، محياه ومماته) رواه أحمد وأبو داود والنسائي الثالث: أن يقول هي لك، ولعقبك من بعدك أو يأتي بلفظ يشعر بالتأبيد
فهذه حكمها حكم الهبة عند الجمهور.
(1) المدونة الكبرى: ج 2 ص 163. شرح الجامع الصحيح: ج 3 ص 278
-
(2) المجموع: ج 15 ص 21 - نيل الأوطار: ج 6 ص 16.
(3) المحلى: ج 9 ص 164.
499 (1/499)
صفحة 486
مسألة - 12 - في التمسك بالحيازة ومدتها:
روي عن الإمام جابر بن زيد أن رجلا من أهل البصرة رفع إليه رقعة يسأله فيها عن رجل كانت له دار فخربت واشتغل عنها في بعض أسفاره ثم رجع ووجد فيها رجلا ابتناها وحازها وعمرها منذ خمس وعشرين سنة أو ثلاثين، وهو لم يقدر على خصومته ولا دفعه. فأجابه على ظاهر الرقعة:
قد فهمت مسألتك التي سألتني عنها، وإني لا أخالك تقدر على أخذ دار عمرها صاحبها خمسا وعشرين أو ثلاثين سنة وأنت حاضر لحيازته وعمارته وبنيانه ولم تغير ذلك عليه ولم تنكره، فلا أخالك تدركها بقضاء ولا بحجة وقبيح لمثلك أن يطلب ما لا ينال ويتعنى لطلب ما لا يدرك (1)
وبذلك كان يفتي أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة حتى خرج من الدنيا وهو أنه لا حق لكل من ادعى شيئا في يد أهله منذ عشرين سنة يحوزونه ويعمرونه. قال أبو المؤرج: وبهذا نأخذ وعليه نعتمد، و به جرت أحكام المسلمين وورد جوابهم عن أبي عبيدة في جميع آفاق الأرض وأقطارها. إلا أن عبد الله بن عبد العزيز لم يقتنع بهذا الحكم، فقال: ما أدري ما هذا وما وجهه، ولا أرى أن يبطل الحق تقادمه. غير أن أهل الحجاز قد رووا عن النبي أنه قال: (من حاز شيئا وعمره عشر سنين فهو له).
وفسروا الحيازة والعمارة أنه: إذا كان الرجل حاضرا وماله بيد غيره فصمت عليه عشر سنين وهو على ذلك من الحال كان المال له بحيازته إياه عشر سنين وكذلك روى أهل العراق: إلا أن أبا عبيدة يتحدث عن جابر بن زيد أنه احتاط فجعل بعد عشر سنين عشرة أخرى (2)
(1) المدونة الكبرى: ج 2 ص 223 (2) المدونة الكبرى: ج 2 ص 225.
500 (1/500)
صفحة 487
مسألة - 13 - هل يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن:
اختلف علماء السلف في هذه المسألة
فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه أباح أخذ الأجرة على تعليم القرآن ما لم يشترط ــ نقل ذلك الإمام البغوي
(1)
وأجازها مالك والشافعي وأحمد وأكثر العلماء
واحتجوا بما روي عن النبي الله في حديث الرقية أنه قال: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله) رواه البخاري.
وخالف قوم فقالوا بعدم جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وعلى رأسهم الزهري، وأبو حنيفة.
واستدلوا بقوله تعالى: {وَلَا تَشْتَرُوا بِايَتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} الآية 41 من سورة
البقرة.
وأضافوا: إن تعليم القرآن واجب من الواجبات التي يحتاج فيها إلى نية التقرب والإخلاص، فلا يؤخذ عليها أجرة كالصلاة والصوم.
واستدلوا أيضا بما روي عن عبادة بن الصامت قال: قلت يا رسول الله: رجل أهدى إلي قوسا ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن، وليست بمال فأرمي عليها في سبيل الله؟ قال: (إن كنت تحب أن تطوق طوقا من نار فاقبلها)
أخرجه أبو داود وابن ماجة
(1) شرح السنة: ج 8 ص 268.
501 (1/501)
صفحة 488
مسألة - 14 - الإقالة في السلم:
نقل عن بعض العلماء الإجماع على أن الإقالة في جميع ما أسلم فيه جائزة.
ولكن ابن حزم خالف فنفى الإجماع، ثم جوز الإقالة في السلم بصورة مطلقة (1)
ثم اختلفوا في الإقالة في بعض السلم.
فذهب الإمام جابر بن زيد أنه منع من أخذ بعض السلم والإقالة في بعضه نقل ذلك ابن حزم (2)
وهو قول ابن عمر وشريح والشعبي والحسن وابن سيرين وابن المسيب
والنخعي، وسعيد بن جبير.
وإليه ذهب مالك وأحمد
وحجتهم أن ذلك ذريعة إلى بيع وسلف وهذا غير جائز،، كما أنه ذريعة إلى بيع
الطعام قبل قبضه
وخالف بعض العلماء فذهبوا إلى جواز الإقالة في بعض المسلم فيه. وروي
ذلك عن ابن عباس وعطاء وعمرو بن دينار وغيرهم.
وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعي، وأحمد في رواية أخرى
وحجتهم أن الإقالة معروف مندوب إليه. فكما أنها تجوز في الكل فهي جائزة
في البعض
(3)
(1) المغني: ج 4 ص 343 المحلى: ج 9 ص 115.
(2) المحلى: ج 9 ص 6
(3) فقه سعيد بن المسيب: ج 3 ص 83 والأشراف للبغدادي: ج 1 ص 282
502 (1/502)
صفحة 489
مسألة - 15 - تصرف المرأة في مالها:
اختلف العلماء في المرأة المالكة لنفسها الرشيدة ذات الزوج، هل لها أن
تتصرف في مالها كما تشاء.
فذهب الإمام أبو الشعثاء إلى أنه لا تجوز لامرأة عطية حتى تلد أو يؤنس
رشدها. نقله الجصاص (1)
وذهب فريق آخر إلى أنه لا فرق بينها وبين البالغ الرشيد في التصرف وهو قول الثوري والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي.
وقال آخرون: لا يجوز لها أن تعطي شيئا من مالها بغير إذن زوجها روي ذلك عن أنس وطاوس والحسن البصري.
وقال أبو المؤرج من الإباضية: تصنع المرأة في مالها ما أحبت، وأحب إلي أن لا تخالف زوجها.
منه
وقال الليث: لا يجوز عتق الزوجة وصدقتها، إلا في الشيء اليسير الذي لا بد صلة الرحم، أو ما يتقرب به إلى الله من
عز وجل
وقال مالك: لا يجوز عطاؤها بغير إذن زوجها، إلا من ثلث مالها خاصة قياسا على الوصية (2) وهي رواية ثانية عن أحمد (3)
وقد احتج الشافعي وأصحابه بقوله تعالى: {فَإِنْ عَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} الآية 6 من سورة النساء. وقالوا إن ذلك ظاهر في فك الحجر
عنهم وإطلاقهم في التصرف
(1) أحكام القرآن: ج 1 ص 487.
(2) عمدة القاري: ج 13 ص 151 - المدونة الكبرى: ج 2 ص 158
(3) المغني: ج 4 ص 518
503 (1/503)
صفحة 490
واحتجوا بحديث النبي علا الله القائل: (يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن). رواه ابن قدامة.
واحتج مالك بقول النبي عل: «لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها) رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب.
واحتج أيضا بأن حق الزوج متعلق بمالها لأن النبي عله قال: «تنكح المرأة لمالها وجمالها ودينها، والعادة جرت أن الزوج يزيد في مهرها من أجل مالها ويتبسط فيه وينتفع به، فإذا أعسر بالنفقة أنظرته فجرى في ذلك مجرى حقوق
الورثة المتعلقة بمال المريض
وأجاب الآخرون عن حجة مالك، بأن حديث عمرو بن شعيب مرسل ولا
صحة فيه.
ودفعوا قياسه المرأة على المريض بثلاثة وجوه:
الأول: أن المرض سبب يفضي إلى وصول المال إليهم بالميراث والزوجية إنما تجعله من أهل الميراث فهي أحد وصفي العلة، فلا يثبت الحكم بمجردها كما لا يثبت الحجر للمرأة على زوجها ولا لسائر الوراث بدون المرض الثاني: أن تبرع المريض موقوف، فإن بريء من مرضه صح تبرعه وهنا أبطلوه على كل حال، والفرع لا يزيد على أصله. الثالث: أن ما ذكروه منتقض بالمرأة، فإنها تنتفع بمال زوجها وتتبسط فيه عادة ولها النفقة منه وانتفاعها بماله أكثر من انتفاعه بمالها، وليس لها الحجر عليه، وعلى أن هذا المعنى ليس بموجود في الأصل ومن شرط صحة القياس وجود المعنى
المثبت للحكم في الأصل والفرع جميعا (1).
(1) المغني: ج 4 ص 519.
504 (1/504)
صفحة 491
مسألة - 16 - في مداواة الرجل المرأة:
روي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال في امرأة تنكسر فخذها ولا يجدون امرأة
تجبرها: يجبرها رجل ويستر ما سوى ذلك
وهذا مذهب جمهور العلماء.
فقد روي عن عمر بن الخطاب أن رجلا شكا إليه ما تلقى امرأته من إهراقها الدم. فقال رجل: لو كان يحل لي منها ما يحل لك لقطعته فقال عمر بأي شيء؟ فقال: هو ذا عرق، فلو كوي ذهب فبرأت. فقال عمر ولا يذهبه غيرها؟ قال: لا. فقال عمر: ألبسوها ثوبا وشقوا عليها الموضع الذي يريد، وعالجها.
وسئل عطاء بن أبي رباح عن المرأة برأسها سلعة. قال: يخرق من خمارها قدر السلعة ثم يداويها الرجال
روي مثل ذلك عن الحسن في مداواة جرح المرأة (1).
(1) شرح السنة للبغوي: ج 12 ص 151
505 (1/505)
صفحة 492
مسألة - 17 - ما هو حق الرجل المحتاج في مال أبيه؟
روي عن الإمام جابر بن زيد أن للرجل أن يأكل من مال أبيه على قدر كفايته
فقد روي عن عمرو بن دينار أن رجلا قال لجابر بن زيد: إن أبي يحرمني ماله. فقال له جابر: كل من مال أبيك بالمعروف.
وقال بهذا ابن حزم. فقد قرر أن الولد يأكل من بيت أبيه وبيت أمه ماشاء بغير إذنهما، ولا يأكل من غير البيت شيئا (1).
وقال أبو المؤرج وابن عبد العزيز: لا يحل للولد أن يأخذ من مال والده شيئا إلا بإذنه (2).
(1) المحلى: ج 8 ص 105 - 106
(2) المدونة الكبرى: ج 2 ص 162.
506 (1/506)
صفحة 493
مسألة - 18 - رهن الحيوان هل يجوز؟
ذمة
اتفق العلماء على أن الرهن يصح في كل عين يجوز بيعها لأن المقصود منه الاستيثاق بالدين ليتوصل إلى استيفائه من ثمن الرهن إن تعذر استيفاؤه من الراهن. وهذا يتحقق في كل مايجوز بيعه ولأن كل ما كان محلا للبيع كان محلا لحكمة الرهن. ومحل الشيء محل حكمته إلا أن يمنع من ثبوته مانع أو يفوت شرط فينتفي الحكم لانتفائه (1)
ولم أجد من العلماء من كره رهن الحيوان، إلا رواية عن جابر بن زيد نقلها عنه الشيخ طفيش (2) أيدتها رواية أخرى عن الإباضية الأقدمين نقلها ابن بركة، فإن أكثرهم لا يجيزون رهن العبيد وغيرهم من سائر الحيوانات (3)
وعلة ذلك كما قيل أن الحيوان يذهب ويجياء
(4)
(1) المغني: ج 4 ص 375
(2) شرح النيل: ج 11 ص 18. (3) جامع ابن بركة: ج 2 ص 343.
(4) شرح النيل: ج 11 ص 18.
507 (1/507)
صفحة 494
مسألة - 19 - ضمان الرهن عند التلف:
إن الرهن إذا تلف في يد المرتهن، بتعد أو تفريط في حفظه ضمنه. لا خلاف في ذلك العلماء (1) من
أما إذا تلف المال المرهون بدون تعد ولا تفريط، فقد اختلف العلماء في ذلك. فروي عن الإمام جابر بن زيد أن الرهن يذهب بما فيه، سواء كانت قيمة الدين أكثر من الرهن أو أقل منه، وأنه لا يرجع واحد منهما على صاحبه بشيء نقله الخراساني وهو قول الإباضية (2). وهو قول الفقهاء السبعة المدنيين: فإنهم قالوا: إذا هلك وعميت قيمته ولم تقم بينة فإن الرهن يذهب بقيمته، أما إذا قامت بينة ترادًا الفضل (3)
واستدلوا بما روي عن عطاء من أن رجلا رهن فرسا فنفق الفرس فقال النبي: (الرهن بما فيه، وفي رواية عنه أن النبي علا قال للمرتهن: «ذهب
صلى الله
حقك) رواه البيهقي وذكره الخراساني في المدونة. ولكنه حديث مرسل وذهب فريق آخر إلى أن التلف يضمنه الراهن وليس المرتهن وأنه لا يسقط حق المرتهن بالتلف
وهو قول أبي هريرة وعطاء والأوزاعي وجمهور المحدثين، وإليه ذهب الشافعي
وأحمد.
وبذلك قال مالك فيما إذا كان الرهن يظهر هلاكه، كالحيوان والعقار. أما إذا كان لا يظهر هلاكه كالذهب والفضة، فلا يخلو إما أن تقوم البينة على هلاكه أم لا. فإن قامت بينة فعنه روايتان، وإن لم تقم بينة فهو من ضمان المرتهن
(1) الشرح الكبير: ج 4 ص 410.
(2) المدونة الكبرى: ج 2 ص 151 جامع ابن بركة: ج 2 ص 341.
(3) فقه سعيد بن المسيب: ج 3 ص 92.
508 (1/508)
صفحة 495
وحجتهم ما روي عن سعيد بن المسيب أن رسول الله عله قال: و لا يغلق الرهن: الرهن من صاحبه الذي رهنه: له غنمه وعليه غرمه) رواه البيهقي مرسلا. ورواه غيره موصولا.
أقل
وذهب آخرون إلى أن الرهن مضمون بالأقل من قيمته والدين فإن كانت قيمته من الدين رجع المرتهن على الراهن بالفضل. وإن كانت أكثر من الدين سقط
الدين، ولا يرجع الراهن على المرتهن بشيء.
روي ذلك عن عمر وابن مسعود والنخعي. وهو مذهب أبي حنيفة (1)
وحجتهم أن حق الدائن هو مقدار الدين، فإن تساوى الرهن والدين تساقطا، وإن قل ثمن الرهن عن الدين عاد المرتهن على الراهن بقدر الفضل. وإن زادت قيمة الرهن كان الزائد أمانة. فلا يرجع الراهن على المرتهن بشيء لأن المضمون من الرهن هو قدر ما يقع به الاستيفاء (2)
(1) تحفة الفقهاء: ج 3 ص 55 - نصب الراية: ج 4 ص 323 (2) فقه سعيد بن المسيب: ج 3 ص 94.
509 (1/509)
صفحة 496
مسألة - 20 - في ثبوت الشفعة:
الشفعة وردت في الشرع على خلاف الأصل، إذ هي انتزاع ملك المشتري
بغير رضاه، وإجبار له على المعاوضة
ولم يختلف العلماء في مشروعيتها إلا ما ذكر عن أبي بكر الأصم من إنكارها (1).
ووجدت رواية عن الإمام جابر بن زيد تفيد عدم ثبوت الشفعة أصلا أوردها الدكتور هاشم جميل إلى جانب رأي الأصم (2)
وحجة المانعين ترجع إلى أن في الشفعة إضرارا بأرباب الأملاك فإن المشتري إذا علم أنه يؤخذ منه إذا ابتاعه لم يبتعه، ويتقاعد الشريك عن الشراء فيستضر
المالك
ويقولون من جهة أخرى إن خبر الشفعة مخالف للأصول لأن من ملك شيئا بالشراء، لا يجوز لغيره أخذه منه بدون رضاء منه ولكن هذه الحجج لا أساس لها نظرا لما ثبت عن رسول الله الله في هذا الباب، ولمخالفته لإجماع الأمة
(1) نيل الأوطار: ج 5 ص 350 - المغني: ج 5 ص 460 (2) فقه سعيد بن المسيب: ج 3 ص 98.
510 (1/510)
صفحة 497
مسألة - 21 - في مسألة سباق الخيل:
الأسباق عند علماء المسلمين على ثلاثة أقسام:
الأول: سبق يعطيه الوالي أو الرجل غير الوالي من ماله متطوعا فيجعل للسابق شيئا معلوما، فمن سبق أخذه.
الثاني: سبق يخرجه أحد المتسابقين دون صاحبه، فإن سبقه صاحبه أخذه،
وإن سبق هو صاحبه أخذه
فهذان القسمان مباحان
الثالث: وهو أن يخرج كل واحد منهما شيئا مثل ما يخرجه صاحبه فأيهما
سبق أحرز سبقه وسبق صاحبه
وهذا النوع محرم بالإجماع لأنه نوع من القمار (1)
واختلفوا فيما إذا أدخل المتسابقان بينهما مسابقا ثالثا يسمونه المحلل بشرط أن لا يخرج جعلا. فإن سبق هو أخذ الجعلين معا، وإن سبق لم يغرم شيئا. وإن أحد المتراهنين أخذ جعله وجعل صاحبه
سبق
فروي عن جابر بن زيد عدم جوازه مطلقا. فقد نقل المقدسي في الشرح الكبير أن جابر بن زيد قيل له إن أصحاب رسول الله كانوا لا يرون بالدخيل
بأسا. فقال: هم أعف من ذلك (2)
وهذا هو الراجح من مذهب مالك (3)
وخالف جماعة فقالوا: إنه جائز
وهو قول جمهور العلماء، وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل،
وسعيد بن المسيب، والزهري وغيرهم
511
147
(1) أحكام القرآن للقرطبي: ج 3 ص (2) الشرح الكبير: ج 11 ص 136.
(3) المنتقى: ج 3 ص 216. (1/511)
صفحة 498
وحجة هؤلاء: 1 ماروي عن ابن عمر أن النبي علل سابق بين الخيل وجعل بينهما سبقا وجعل فيها محللا. رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح. 2 ما روي عن أبي هريرة عن النبي ع عل الله قال: (من أدخل فرسا بين فرسين لا يخاف أن يسبق فهو قمار، ومن أدخل فرسا بين فرسين وهو يخاف أن يسبق فليس بقمار) رواه أبو داود والبيهقي من طريقين
وهو
وفي كلا الطريقين ضعف، فإن في أحدهما سفيان بن حسين وفي الثاني سعيد
ابن بشير وهما ضعيفان.
قالوا ومع ذلك فالحديث معتضد بحديث ابن
عمر السابق (1).
(1) فقه سعيد بن المسيب: ج 4 ص 265
512 (1/512)
صفحة 499
الباب العاشر
الأقضية والأحكام
ويشتمل على 15 مسألة
513 (1/513)
صفحة 500
مسألة - 1 - حكم الشهادة بين الأقارب:
روي عن الإمام جابر بن زيد أنه تجوز شهادة الولد لأبيه وأمه وأخيه وجده وجدته وامرأته، وأنه تجوز من بعضهم لبعض واستثنى من ذلك الوالد فلا تجوز شهادته لولده فيما يجر إليه مالا أو يدفع عنه مغرما. ذكر ذلك الشيخ
طفيش (1)
وروي عن عمر بن الخطاب وشريح وابن المسيب وعمر بن عبد العزيز وإياس ابن معاوية وإسحق وداود وابن حزم، أن القرابة غير مانعة من قبول الشهادة،
بدون استثناء
وخالف جماعة
من الفقهاء
فذهب بعضهم إلى عدم جواز قبول شهادة الأصل لفرعه والعكس كذلك وإن
بعدوا.
وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي، وهو ظاهر مذهب أحمد، وزاد هؤلاء الأئمة ـ ما عدا الشافعي - الزوجين فقالوا: لا تقبل شهادة أحدهما للآخر (2) وذهب الأوزاعي إلى عدم جواز شهادة الأب لابنه والعكس والأخ لأخيه وأجاز شهادة الأجداد لأبناء بنيهم والعكس
وذهب ابن أبي ليلى إلى عدم جواز شهادة الأب لابنه والزوجة لزوجها دون
العكس
والحجة لما ذهب إليه الأولون:
-1 - إجماع السلف من الصدر الأول على جواز قبول شهادة القريب لقريبه.
نقل ذلك ابن حزم وابن القيم عن الزهري
(1) شرح النيل: ج 13 ص 142.
(2) المغني:
12
ج ص
-
64
(3) المحلى: ج 9 ص 418
68 - الأشراف للبغدادي: ج.2 ص 292/ 291
515 (1/515)
صفحة 501
2 وأيضا فإن الله تعالى قد أمرنا بإشهاد العدول فقال: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَدَةً بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ
منكم من الآية 106 المائدة
من
نا بأداء الشهادة بقوله تعالى:
كُونُوا قَوْمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ} الآية 135 من سورة النساء.
وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَدَةَ} الآية 283 من سورة البقرة.
فكل من كان عنده شهادة احتيج إليها فعليه أداؤها، وكل عدل مقبول الشهادة إلا ما استثني من قبل الشارع، ولا يوجد دليل صحيح على استثناء شهادة القريب لقريبه ما دام عدلا
أما ما احتج به من حديث عائشة من أن النبي عل الله قال: «لا تقبل شهادة خائن ولا خائنة، ولا ظنين في ولاء أو قرابة) فهو غير صالح للاحتجاج به. فقد رواه الترمذي والبيهقي وضعفاه لأن في إسناده يزيد بن زياد، ويقال له يزيد بن أبي
زياد الشامي قالا: ضعيف.
وقال النسائي متروك.
واحتج أيضًا صاحب الهداية بأن الرسول قال:
ه لا تقبل شهادة الولد لوالده، ولا الوالد لولده، ولا المرأة لزوجها، ولا الزوج لامرأته، ولا العبد السيده، ولا المولى لعبده، ولا الأجير لمن استأجره).
وقد خرج الزيلعي هذا الحديث، وخرجه ابن حجر. فقال الزيلعي:
غريب. وقال ابن حجر: لم أجده.
516 (1/516)
صفحة 502
وذكروا أن هذا روي من قول شريح، وقالا: إن الخصاف قد أخرجه بإسناده
مرفوعًا.
وقد ذكر السندي سند الخصاف وفيه يزيد بن أبي زياد المذكور، وهو متروك
كما سبق (1)
(1) نصب الراية: ج 4 ص 84 - فقه سعيد بن المسيب: ج 4 ص 210
517 (1/517)
صفحة 503
مسألة - 2 - حكم شهادة النساء:
اتفق العلماء على قبول شهادتهن مع الرجال في مسائل الأموال كالقرض والبيع
ونحوهما.
ولكنهم اختلفوا فيما عدا ذلك:
(1)
فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه يرى قبول شهادة النساء في النكاح والعتاق إلى جانب الرجل. نقله ابن قدامة والمقدسي روي ذلك عن إياس بن معاوية والشعبي والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي. وهي رواية عن أحمد
واحتجوا بأن ذلك لا يسقط بالشبهة فيثبت برجل وامرأتين كالمال وقال آخرون لا يقبل في النكاح والعتاق إلا شهادة رجلين، وهو قول النخعي والزهري ومالك والشافعي
وذهب الحنابلة إلى أن ما ليس بعقوبة ولا يقصد به المال كالنكاح والرجعة والطلاق والعتاق والإيلاء والظهار والنسب وأشباه هذا فلا يثبت إلا بشاهدين ذكرين ولا تقبل فيه شهادة النساء بحال (2)
وأجاز مالك على القصاص في الجروح شهادة رجل وامرأتين واحتج هؤلاء: بأن الشارع قد بين الشهادة في كتابه وسنة نبيه. فأمر في الشهادة على الزنا بقبول أربعة شهود عدول فقال: {وَالَّتِي يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةٌ مِّنكُمْ} الآية 15 من سورة
النساء.
وقال: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصنت ثُمَّ لَمْ يَألُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) الآية 4 من
سورة النور.
(1) المغني: ج 12 ص - الشرح الكبير: ج 12 ص 91.
(2) الشرح الكبير: ص 90.
518 (1/518)
صفحة 504
فإذا
وأمر في النكاح والطلاق والرجعة بقبول شهادة رجلين عدلين فقال: بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفِ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ منكُمْ} الآية 2 من سورة الطلاق
(1)
وقال عليه السلام: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) رواه ابن حبان في صحيحه، وروى ابن حزم نحوه وصححه 1 وأمرنا في الأموال بقبول شهادة رجلين أو رجل وامرأتين فقال تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنِ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ إلى أن قابل وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ... الآية 282 من سورة البقرة ه
فأمر في الحدود والأنكحة بقبول شهادة الرجال
والقصاص: هو ما ليس بمال كالحدود وما ليس بمال مثل الأنكحة. وأمر في الأموال بقبول شهادة الرجال مع النساء. فلو كانت شهادة النساء منفردات أو مع الرجال تقبل في غير الأموال لبينها كما بينها هنا. فيجب علينا
الوقوف عند بيان الشارع، ولا يخص من ذلك إلا ما خصه الإجماع. والذي خصه الإجماع هو: قبول شهادتهن منفردات فيما لا يطلع عليه غيرهن من أمور النساء، فتقبل شهادتهن منفردات هنا ومع الرجال في الأموال على حسب ما بينه الشرع، ولا تقبل فيما سوى ذلك
وخالف ذلك جماعة من الفقهاء:
فذهبوا إلى قبول شهادة النساء منفردات في كل شيء حتى في الحدود فتقوم شهادة كل امرأتين مقام شهادة رجل واحد. فلو شهد ثماني نسوة على الزنا وجب
465
بشهادتهن الحد
(1) نصب الراية: ج 3 ص 167 - المحلى: ج 9 ص (2) فقه سعيد بن المسيب: ج 4 ص 196
519 (1/519)
صفحة 505
و به قال عطاء وابن حزم. واحتج ابن حزم لهذا بما روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي علم أنه قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلنا: بلى. قال: فذلك من
نقصان عقلها) رواه البخاري.
وجه الاستدلال:
أن رسول الله الله قد نص على أن شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل من
غير تفريق بين موضع وآخر
وعليه فكل موضع تقبل فيه شهادة الرجل تقبل فيه شهادة المرأة كذلك. على أن يضاعف العدد. وقد حمل الجمهور هذا الحديث على ما وردت فيه الآية من قبول شهادة امرأتين مع رجل في الأموال (1).
(1) فقه سعيد بن المسيب المتقدم.
520 (1/520)
صفحة 506
مسألة - 3 - متى تقبل شهادة النساء وحدهن:
روى أبو غانم الخراساني عن أبي المؤرج عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد أن شهادة النساء وحدهن جائزة في الرضاع، وفي العذراء والرتقاء، والولد المنفوس هل خرج حيا، وفيما لا ينظر إليه الرجال (1)
وهذا قول معظم أهل العلم، إن الذي تقبل فيه شهادتهن منفردات خمسة أشياء: الولادة، والاستهلال والرضاع، والعيوب تحت الثياب كالرتق والقرن والبكارة والثيابة والبرص وانقضاء العدة.
وحجتهم في ذلك ما روي عن عقبة بن الحارث أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت: قد أرضعت عقبة والتي تزوج. فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني فأرسل إلى آل أبي إهاب فسألهم، فقالوا: ما علمنا أرضعت صاحبتنا. فركب إلى النبي علل بالمدينة فسأله، فقال رسول صلى الله كيف وقد قيل) ففارقها ونكحت زوجًا غيره. وهذا حديث أخرجه البخاري في الشهادات وفي العلم، وفي البيوع، وفي باب تفسير الشبهات. وقالوا إنها شهادة للنساء على عورة، فقبل فيها شهادة النساء، كالولادة، وتخالف العقد فإنه ليس بعورة (2)
صحيح
وقال قوم يثبت الحكم في الرضاعة بشهادة امرأة واحدة، وتستحلف وهو قول ابن عباس، والحسن، وبه يقول أحمد وإسحاق.
وقال الحنفية: لا يقبل على الرضاع أقل من رجلين أو رجل وامرأتين وإنه
(3)
لا شهادة للنساء بانفرادهن وقال أبو حنيفة أيضا لا تقبل شهادة النساء منفردات في الاستهلال لأنه يكون
(1) المدونة: ج 2 ص 202
(2) المغني: ج 9 ص 222. (3) بدائع الصنائع: ج 5 ص 2164
521 (1/521)
صفحة 507
بعد الولادة. وخالفه صاحباه
(1)
وقال مالك يثبت الرضاع بشهادة امرأتين (2)
وقال الشعبي: كانت القضاة تفرق بين الرجل والمرأة بشهادة امرأة واحدة في
الرضاع.
وقال قوم بقبول شهادة النساء منفردات في كل شيء حتى في الحدود فتقوم شهادة كل امرأتين مقام شهادة رجل. فلو شهد ثماني نسوة على الزنا وجب بشهادتهن الحد. وبذلك قال عطاء وابن حزم وحجتهم: ماروي عن أبي سعيد الخدري عن النبي علم أنه قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلنا: بلى قال: فذلك من نقصان عقلها. رواه البخاري. ووجه الاستدلال هذا الحديث أن الرسول قد نص على أن شهادة من المرأة مثل نصف شهادة الرجل من غير تفريق يبن موضع وآخر وعليه: فكل موضع تقبل فيه شهادة الرجل، تقبل فيه شهادة المرأة كذلك على أن يضاعف
العدد
ولكن الجمهور حملوا هذا الحديث على ما وردت فيه الآية من قبول شهادة
امرأتين مع رجل في الأموال (3).
(1) المغني: المرجع المتقدم.
(2) شرح السنة للإمام البغوي: ج 9 ص 87.
(3) فقه ابن المسيب: ج 4 ص 197
522 (1/522)
صفحة 508
مسألة - 4 - هل تجوز شهادة الأغلف؟
روي عن الإمام جابر بن زيد أنه لا تجوز شهادة الأغلف ولا تؤكل ذبيحته - نقله
القرطبي
(1)
وهو قول ابن عباس وعكرمة.
ويرى الشيخ طفيش أنه لا تجوز شهادة البالغ الأغلف الذي لا عذر له يمنعه من الختن. وأما إذا كان معذورًا فشهادته جائزة (2)
وخالف قوم فقالوا لا بأس بذلك، فروي عن الحسن أنه كان يرخص للشيخ الذي يسلم ألا يختتن ولا يرى بأسا بشهادته و ذبيحته وحجه وصلاته. قال ابن عبد البر، وعامة أهل العلم على هذا القول (3)
وسبب الخلاف يرجع إلى ما إذا كان الختان واجبًا أم لا
فقال كثير من أهل العلم: الختان واجب على الرجال ومكرمة في حق النساء ويسمى الخفض بالنسبة إليهن
وقال جابر بن زيد الختان سنة للرجال ومكرمة للنساء (4). وكان ابن عباس يشدد في الرجل ويروى عنه أنه لا حج له ولا صلاة إذا لم
يختتن
أما الحسن فكان يرخص فيه فيقول: إذا أسلم لا يبالي أن لا يختتن ويقول: أسلم الناس الأسود والأبيض لم يفتش أحد منهم ولم يختتنوا.
(1) أحكام القرآن: ج 2 ص 101.
(2) شرح النيل:: ج 13 ص (3) أحكام القرآن: المتقدم.
(4) المغني: ج 1 ص 71.
128
523 (1/523)
صفحة 509
مسألة - 5 - الرشوة في الأحكام:
اتفق العلماء على أن تعاطي الرشوة في الحكم حرام على الآخذ بلا خلاف لقوله تعالى: أكُلُونَ لِلسُّحْتِ} الآية 42 من سورة المائدة. فقد فسره الحسن {}
وسعيد بن جبير وابن سيرين فقالوا: إنه الرشوة. وقالوا: إذا قبل القاضي الرشوة بلغت به الكفر ولقوله: (لعن الله الراشي والمرتشي) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة.
أما إذا أعطى المعطي ليتوصل به إلى حق ضاع له أو يدفع عن نفسه ظلما فلا بأس بذلك عند جابر بن زيد. نقله البغوي وابن قدامة (1)
وقال بذلك عطاء والحسن
وروي عن جابر أنه قال: ما رأينا في زمن زياد أنفع لنا من الرشاً.
وقد ورد هذا المعنى في كتاب شرح بلوغ المرام. ورد عليه الشوكاني بقوله:
إن هذا كلام في غاية السقوط
(2)
(1) شرح السنة: ج 10 ص 88 - المغني: ج 11.
-.
(2) نيل الأوطار: ج 8 ص 279.
524 (1/524)
صفحة 510
مسألة - 6 - هل يقع الإحصان بعقد النكاح، أم بالوطء؟:
أحصن الرجل: صار محصنًا. والإحصان في اللغة المنع، بمعنى المناعة. ثم
أطلق على التزوج، ويقصد به الصفة التي ينبغي توفرها لرجم الزاني
وقد اتفق العلماء على أن الدخول، مع الوطء شرط لثبوت صفة الإحصان
وقالوا: إذا لم يقع الدخول، والوطء في الأوصاف التي حددتها كتب الفقه، فلا يرجم الزاني. وإنما يجلد فقط)
وقالوا
وعلة ذلك أن الإحصان يعتبر لإيجاب الحدود. والحدود تدراً بالشبهات.: إنه لا خلاف في أن عقد النكاح، الخالي من الوطء لا يحصل به إحصان، سواء حصلت فيه الخلوة، أو وطء فيما دون الفرج أو في الدبر، أو لم يحصل شيء من ذلك
ولكني وجدت قولا للإمام جابر بن زيد بخلاف ذلك:
قال أبو المؤرج، حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد أنه قال في الرجل الذي تزوج فدخل بها ولم يجامعها، ثم زنى: هو محصن. وإنه تحصنه المرأة ولو لم يدخل
غير أن أبا عبيدة، وسائر علماء الإباضية يخالفونه في ذلك ويقولون لا رجم عليه حتى يجامعها. ومنهم الربيع بن حبيب وغيره. وقد نسب هذا القول لابن
عباس
(3)
ولعل الإمام جابر بن زيد يستند إلى الحديث الذي رواه الربيع في صحيحه أن
126 و 130 - فقه سعيد بن المسيب ج 4 ص 104 (1) المغني: ج 10 ص
المبسوط للسرخسي: ج 5 ص 147 - شرح النيل: ج 7 ص 345
شرح الأزهار: ج 4 ص 343 - شرح الجامع الصحيح: ج 3 ص 280
(2) المدونة الكبرى: ج 2 ص 244.
(3) شرح الجامع الصحيح: المتقدم - والمدونة: ج 2 ص 244
525 (1/525)
صفحة 511
رسول الله الله قال: (أحصن من ملك أو ملك له، وهو حديث مرسل، تفرد
الربيع عن جابر بن زيد.
وقد جمع السالمي شروط الإحصان في هذه الأبيات:
شروط الحصانة ست أتت إذا كنت عن ذاك مستفهما بلوغ وعقل وحرية ورابعها كونه مسلما وعقد صحيح ووطء مباح متى اختل شرط فلن يرجما
وخالف أيضا الإمام الهادي، من الزيدية، وروي عنه أنه قال، يكون محصنًا
بالخلوة (1).
(1) شرح الأزهار: المتقدم.
526 (1/526)
صفحة 512
مسألة - 7 - هل يحصن المسلم بتزوج الكتابية؟
يروى عن الإمام جابر بن زيد أن المسلم تحصنه النصرانية أو اليهودية أو الأمة. ويقول أحصن من ملك أو ملك، وهو نص حديث سبق ذكره، نقله العيني
وغيره.
وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فيقول الإمام سعيد بن المسيب والحسن والزهري وقتادة، وغيرهم من التابعين
بمثل قول جابر
وإلى هذا ذهب الإمام مالك والشافعي وأبو يوسف وأحمد في إحدى روايتيه وحجتهم ماروي عن ابن عمر أنه قال: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله الله فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا. فقال لهم رسول الله الله: «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟) قالوا نفضحهم ويجلدون. قال عبد الله بن سلام: كذبتم. إن فيها لآية الرجم. فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية
الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم فقالوا: صدق يا محمد. فيها آية الرجم. فأمر رسول الله صل الله بهما فرجما. قال عبد الله: فرأيت الرجل يجنيء على المرأة يقيها الحجارة). وهذا حديث مالك في الموطأ، والبخاري ومسلم، وكلاهما مالك
عن
ووجه الاستدلال أن رجم رسول الله لعل الله للذمية دليل على أنها محصنة. فإذا كانت كذلك فهي محصنة لغيرها.
ولكن اعترض على هذا بأنه الا الله إنما حكم عليهم بما جاء في التوراة ثم نسخ هذا
الحكم
أجيب على ذلك بأن الرسول الا الله قد حكم بينهم بما أنزل الله عليه بدليل قوله تعالى: {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ
527 (1/527)
صفحة 513
لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا كم المائدة الآية 48. فالرسول ع ع حين يحكم بين الناس إنما يحكم بشريعته. أما مراجعته للتوراة لتعريفهم أن حكمها موافق لما يحكم به عليهم، وأنهم مخالفون لها تاركون لما في كتابهم.
وعلى فرض أن رسول الله الا الله قد حكم عليهم بما في التوراة، فهذا كان للدلالة على أن حكمهم الرجم. وإذا كان هذا حكمهم، فهو بالتالي دليل على
ثبوت الإحصان فيهم
لغيره
(1)
"
لأنه لا يرجم إلا المحصن، والمحصن في نفسه محصن
وخالف في ذلك جماعة فقالوا: إن الذمية لا تحصن المسلم. وروي هذا عن الشعبي والنخعي، ومجاهد، والثوري. وإليه ذهب أبو حنيفة ومحمد وهي رواية عن أحمد
واحتجوا: بما روي من أن كعب بن مالك أراد أن يتزوج يهودية أو نصرانية، فسأل النبي الله عن ذلك فنهاه عنها وقال: (إنها لا تحصنك» وهو حديث
ضعيف
وبما روي عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله (من أشرك بالله فليس بمحصن) وفي رواية لا يحصن الشرك بالله شيئًا
وقال الدارقطني: هما موقوفان على ابن عمر
(1) المغني: ج 10 ص 130 - فقه سعيد بن المسيب: ج 4 ص 106 - 107 عمدة القاري: ج 23 ص 290
528 (1/528)
صفحة 514
مسألة. - 8 - هل الأمة تحصن الحر أم لا؟
مذهب الإمام جابر بن زيد: أنها تحصنه. للأدلة التي تقدمت عنه، ولا
يشترط الدخول والوطء فالعقد وحده يكفي 1
وذهب الآخرون مذهبين:
(1)
1 - يرى الإمام سعيد بن المسيب أن الأمة تحصن الحر إذا دخل بها. وروي
ذلك عن علي وابن عمر، والقاسم بن محمد وغيرهم
وإليه ذهب مالك والشافعي في أصح قوليه واحتجوا بما روي من أن ذلك مذهب الصحابة. فقد روي أن عبد الملك بن مروان سأل عبد الله بن عتبة عن الأمة، هل تحصن الحر؟ فقال نعم قال
تروي هذا؟ قال: أدركنا أصحاب رسول الله الله يقولون ذلك
عمن
وقالوا أيضا: إنه لما جاز أن يجب بالوطء الواحد الرجم على أحدهما دون الآخر، جاز أن يصير أحدهما بالوطء الواحد محصنًا دون الآخر ـ فالحر المحصن إذا
زنى بأمة وجب عليه الرجم دونها فكذلك إذا تزوجها أحصن هو دونها. 2 وخالف ذلك جماعة من الفقهاء فقالوا: إن الأمة لا تحصن الحر. وروي ذلك عن جماعة من التابعين، منهم الحسن وابن سيرين وعطاء وغيرهم وإليه ذهب الإمام أبو حنيفة، وأحمد، والزيدية، وهو قول للشافعي. ودليلهم أن الإحصان إنما يثبت بوجود الوطء بين مسوي الحال في صفة الكمال. فإن النكاح يكون في العادة بين مستوي الحال ولا مساواة بين المالك والمملوك. فلا يتحقق هذا المعنى إذا وجد الدخول بالأمة بالنكاح، لأنه لا مساواة بين الحر والأمة (2)
(1) المدونة ج 2 ص 244.
(2) المبسوط. ج 5 ص 146 - شرح الأزهار، المتقدم.
529 (1/529)
صفحة 515
مسألة - 9 - في الجمع بين الجلد والرجم على المحصن الزاني:
اختلف العلماء حول هذه المسألة
:
فقد روي عن الإمام جابر بن زيد أنه لا يرى الجمع بين الجلد والرجم قال أبو غانم الخراساني: سألت أبا المؤرج عن الرجل والمرأة يزنيان وهما محصنان، أيجلدان ثم يرجمان أو يرجمان ولا يجلدان؟ قال: أفينفيان؟ قال: لا ينفيان. قال: وكذلك قال ابن عبد العزيز. وأخبرني وائل ومحبوب عن الربيع بذلك. قلت: إن هؤلاء يقولون ويروون عن علي بن أبي طالب أنه جلد امرأة يوم الخميس ثم رجمها يوم الجمعة فقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله. قال ابن عبد العزيز قد سمعت قول من ذكرت، وعن عمد تركناه. لسنا
لأن نأخذ بهذا من قول علي فقهاءنا الذين نأخذ عنهم ونعتمد عليهم لا يأخذون بذلك ولا يقولون به. والسنة عندهم فيمن أحصن: الرجم بالحجارة ولا حدثني بذلك أبو عبيدة عن جابر بن زيد،، ولا أحسبه
حد (1) عليه ولا نفي -
رفعه إلا إلى ابن عباس
(2)
ونسب هذا القول إلى الصحابة: عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وبه قال النخعي والزهري والأوزاعي. وهو مذهب مالك والحنفية والشافعية وجمهور. أحمد. العلماء. وهي إحدى الروايتين عن
وقالوا: إن الجلد منسوخ بالنسبة لمن وجب عليه الرجم، لأن النبي الله رجم ماعزا والغامدية واليهوديين ولم يجلد واحدا منهم ولأنه قال لأنيس الأسلمي ه فإن اعترفت فارجمها، في حديث العسيف وهذا الحكم هو آخر الأمرين، لأن أبا هريرة قد رواه وهو متأخر الإسلام فيكون ناسخا لما سبق من الجمع بين الجلد
(1) كذا بالأصل. ولعله ولا جلد
(2) المدونة الكبرى: ج 2 ص 250.
530 (1/530)
صفحة 516
والرجم. وقالوا أيضاً: إنّ الحدود إذا اجتمعت وفيها قتل سقط ما سواه وذهب آخرون إلى أن المحصن يجلد مائة، ثم يرجم، مستدلين بحديث عبادة ابن الصامت أن النبي عل الله قال: (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب
بالثيب جلد مائة والرجم) رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي، وبحديث علي الله عنه حين رجم المرأة قال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله
رضي
رواه البخاري عن الشعبي
(1)
(1) نيل الأوطار: ج 7 ص 91 - 96 - شرح السنة: ج 10 ص 276.
531 (1/531)
صفحة 517
مسألة - 10 - هل يضم التغريب إلى الجلد في حد الزاني غير المحصن؟ اتفق المسلمون على أن الزاني البكر، والزانية البكر يجلدان مائة جلدة لقوله تعالى: والزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ من الآية 2 من
سورة النور.
واختلفوا فيما إذا يضم التغريب، أو النفي، إلى الجلد أم لا فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال فيمن لم يحصن: جلد مائة، ولا رجم
عليه ولا نفي. رواه عنه الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة
وهذا هو رأي علماء الإباضية الأوائل. فكانوا يرون السنة فيمن لم يحصن جلد
(1)
مائة ولا نفي عليه أما المتأخرون منهم فقد ذهبوا إلى صحة بقاء التغريب لثبوت الحديث في صحيح الربيع بن حبيب. وقد صحح ذلك القرطبي رحمه الله في تفسيره وأيده السالمي في شرحه الصحيح
(2)
وذهب إلى مثل هذا الحنفية وقالوا: إن الحد هو الجلد مائة فحسب أما التغريب، فليس من الحد، بل هو من التعزير، أي من باب السياسة الشرعية، فللإمام إن رأى مصلحة أن يغرب، تعزيرًا لا حدا (3). وهذا هو رأي الزيدية (4) واستدلوا على ذلك بما يأتي:
1 - بآية الجلد المتقدم ذكرها. وقالوا بشأنها: إن المذكور في القرآن الجلد فقط، وزيادة التغريب، زيادة على النص القرآني بخبر الواحد فلا تثبت.
(1) المدونة الكبرى: ج 2 ص 250
(2) شرح الجامع الصحيح: ج 3 ص 310.
(3) بدائع الصنائع: ج 9 ص 4163. (4) شرح الأزهار: ج 4 ص 341.
532 (1/532)
صفحة 518
2 بما روي عن عمر رضي
الله أنه
عنه
غرب ربيعة بن أمية بن خلف في
الشراب إلى خيبر فلحق بهرقل فتنصر. فقال عمر: لا أغرب بعده مسلما. فلو
كان التغريب من
الحد، ما كان لعمر أن
يرجع عنه.
3 بما روي عن علي رضي الله الله عنه أنه قال: حسبهما من الفتنة أن ينفيا (1).
وذهب عامة الفقهاء من الصحابة والتابعين وأهل العلم إلى أنه يجلد مائة
ويغرب عاما.
وأدلتهم تتلخص فيما يلي:
ه
1 - ما روي عن أبي هريرة، وابن عباس وزيد بن خالد الجهني أن رجلين اختصما إلى رسول الله لعل الله فقال أحدهما: (اقض بيننا بكتاب الله، وقال الآخر: (أجل يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله واذن لي أن أتكلم): فقال: «تكلم، فقال: (إن ابني كان عسيفا لهذا الرجل، فزنا بامرأته. فأخبرت أن على ابني الرجم فافتديته منه بمائة شاة وبجارية. ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني مائة جلدة وتغريب عام، وإنما الرجم على المرأة، قال: قال رسول الله: (والذي نفسي بيده لأقضين بينكم بكتاب الله. أما غنمك الله وجاريتك فرد عليه). وجلد ابنه مائة جلدة وغربه عاما. وأمر أنيسا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها، رواه الربيع
والجماعة
2 حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وفيه و البكر بالبكر جلد مائة
وتغريب عام). رواه الجماعة، إلا البخاري والنسائي. 3 - الإجماع وذلك أن التغريب فعله الخلفاء الراشدون. فقد روي أن
(1) أثر الاختلاف في القواعد الأصولية: ص 284
533 (1/533)
صفحة 519
أبا بكر نفى إلى فدك، وعمر إلى الشام، وغرب عثمان إلى مصر وعلي إلى البصرة ولم يعرف لهم مخالف في الصحابة فكان إجماعا (1)
وفرق الإمام مالك والأوزاعي رضي الله عنهما بين الذكر والأنثى، وروي
ذلك عن علي أيضا. فقالوا: إنما يغرب الرجل دون المرأة، اعتمادا على المصلحة
قال ابن رشد: ومن خصص المرأة من هذا العموم (البكر بالبكر) فإنما خصصه بالقياس، لأنه رأى أن المرأة تعرض بالغربة لأكثر من الزنا وهذا من القياس المرسل، أعني: المصلحي الذي كثيرا ما يقول به مالك ووجه المصلحة: أن المرأة تحتاج إلى حفظ وصيانة، فإذا غربت بغير محرم كان في ذلك إغراء لها بالفجور وتمكين منه، وتضييع لها. وذلك ينافي قصد الشارع من وجوب الحد، إذ ما شرع إلا زجرا عن الزنا. على أنه لا يجوز تغريبها بغير محرم لقوله عليه السلام: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم لها). رواه البخاري ومسلم. وإن غربت بمحرم أفضى ذلك إلى تغريب من ليس بزان، ونفي لمن لا ذنب له وإن كلفت أجرته ففي ذلك زيادة على عقوبتها. ولهذه المعاني قال مالك: يخصص الخبر الوارد في التغريب بالرجل (1)
(1) أثر الأدلة المختلف فيها: ص 104
(2) أثر الأدلة المختلف فيها: ص 106 - نيل الأوطار: ج 7 ص 94. .
534 (1/534)
صفحة 520
مسألة - 11 - كيفية إقامة الحد:
قال أبو غانم الخراساني: سألت أبا المؤرج كيف يرجم المرجوم فقال: حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد أنه قال: إذا قامت البينة رجمت البينة أي الشهود ثم
الإمام ثم الناس
(1)
وهذه هي هم الذين يبدأون بالرجم، وإن كان ثبت بالإقرار بدأ به الإمام أو الحاكم إن كان
السنة في تنفيذ حكم الرجم. فإن كان الزنا ثبت بالبينة فإن الشهود
ثبت عنده، ثم يرجم الناس بعده.
وعلة ذلك أنه أبعد لهم من التهمة في الكذب عليه. فإن هرب منهم وكان الحد ثبت ببينة اتبعوه حتى يقتلوه. وإن كان ثبت بإقراره تركوه لما روي أن ماعز بن مالك لما وجد مس الحجارة خرج يشتد فلقيه عبد الله بن أنيس وقد عجز أصحابه فنزع له بوظيف بعير فرماه به فقتله ثم أتى النبي الله فذكر له ذلك فقال: و هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه) رواه أبو داود وذكر الشوكاني أن ما ذكر غير واجب على الشهود ولا على الإمام وحكى عن
(2)
ابن دقيق العيد أن ذلك على سبيل الاستحباب)
(1) المدونة الكبرى: ج 2 ص 253.
(2) المغني: ج 10 ص 124. (3) نيل الأوطار: ج 7 ص 115.
535
(3) (1/535)
صفحة 521
مسألة - 12 - عقوبة الزنا بالمحارم:
روي عن الإمام جابر بن زيد أن عقوبة الزنا بالمحارم هو الرجم مطلقا أحصن أو
لم يحصن. نقله الشيخ طفيش
(1)
وفي رواية: يقتل على كل حال أو يضرب عنقه (2)
وروي عنه أنه عندما بلغه أن عبد الملك بن مروان قتل الذي تزوج امرأة أبيه
قال إنه أحسن
(3)
أحمد وقال بقول جابر، سعيد بن المسيب، وإسحق، وهي رواية عن واحتجوا بما روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله علها من وقع على ذات محرم فاقتلوه، الحديث رواه ابن ماجة والبيهقي وأعله بعضهم بأن في إسناده إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة وشيخه داود بن الحصين
وللحديث إسناد آخر عند البيهقي فيه عباد بن منصور البصري وهو ضعيف ولكن يعضده ما روي عن البراء بن عازب قال: «لقيت عمي ومعه راية فقلت له: أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله الله إلى رجل نكح امرأة أبيه
فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله». رواه أبو داود وابن حزم وصححه فإذا ثبت وجوب قتل الزاني بزوجة أبيه مع أن تحريمها من جهة الصهر، ثبت هذا في الزنا بالمحرمة من جهة النسب من باب أولى (4) وخالف أبو حنيفة ومن معه فقالوا لا حد عليه لأنه وطء تمكنت الشبهة منه فلم الحد كما لو اشترى أخته من الرضاع ثم وطئها وبيان الشبهة عندهم أنه قد وجدت صورة المبيح وهو عقد النكاح الذي هو سبب الإباحة. فإذا لم يثبت حكمه
يوجب
(1) شرح النيل: ج 6 ص 38
(2) المغني: ج 10 ص 153 - عمدة القارى: ج 23 ص 290
(3) شرح النيل المتقدم (4) فقه ابن المسيب: ج 4 ص 112
536 (1/536)
صفحة 522
وهو الإباحة بقيت صورته شبهة دارئة للحد الذي يندريء بالشبهات (1). وذهب آخرون إلى أن الزنا بالمحارم كغيره: يرجم به المحصن ويجلد غير
المحصن
روي
ذلك عن الحسن والنخعي
وإليه ذهب مالك والشافعي وهو رواية عن أحمد.
وفصل ابن حزم فقال: الزاني بمنكوحة الأب يقتل محصنا كان أو غير محصن. أما الزنا بغيرها من المحارم فهو كالزنا بغير المحارم يجلد به غير المحصن ويرجم
537
(2)
المحصن
(1) المغني: المتقدم
(2) المحلي: ج 11 ص 254.
: (1/537)
صفحة 523
مسألة - 13 - في تغليظ الدية على القاتل:
اختلف العلماء في تغليظ الدية على من قتل في الحرم أو قتل محرما أو قتل في
الأشهر الحرم، أو قتل ذا رحم محرم.
فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه يذهب إلى تغليظ الدية. نقل ذلك ابن قدامة
(1)
والشوكاني والمقدسي ومن جملة من ذهب إلى التغليظ من السلف: عمر وعثمان وابن عباس والزهري وقتادة ومجاهد وابن المسيب وغيرهم
وهو مذهب الشافعي وأحمد.
واحتجوا بما روي عن عمر بن الخطاب أنه قضى فيمن قتل في الحرم أو في الشهر الحرام أو وهو محرم بالدية وثلث الدية. رواه البيهقي بإسناد ضعيف واحتجوا أيضا بأن الصحابة غلظوا في هذه الأحوال، وإن اختلفوا في كيفية التغليظ. ولم ينكر ذلك أحد فكان إجماعا. وذهب فريق آخر إلى أن الدية لا تغلظ بشيء من هذه الأشياء فالقتل في الحرم والحل والشهر الحرام وغير ذلك سواء.
وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، إلا أنه يغلظ في شبه العمد (2)
وقال بهذا سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وقيل إن عمر بن عبد العزيز كان يجمع الفقهاء فكان مما أحيى من تلك السنن أن ألغى التفرقة بين الديات وأثبتها
بقيمة واحدة في الشهر الحرام والبلد الحرام وغيرهما واحتجوا أيضا بقوله تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَعًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ
مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} الآية 92 من سورة النساء
وجه الدلالة: أن الشارع قد حكم في قتل الخطأ بالدية ولم يفرق بين مقتول
(1) المغني: ج 9 ص 499 - نيل الأوطار: ج 7 ص 84 - الشرح الكبير: ج 9 ص 552.
(2) نيل الأوطار المتقدم.
538 (1/538)
صفحة 524
وآخر ولا بين زمان وزمان أو مكان ومكان.
وبما روي عن النبي عل الله أنه ودى الرجل الذي قتله خزاعة في الحرم ولم يزد
على الدية شيئا
وبما روي عن عمر أنه قضى على رجل قتل ابنه بالدية ولم يزد على ذلك
شيئًا (1)
وكيفية التغليظ تكون بزيادة ثلثها عليها، لا فرق بين العمد والخطأ، فإذا اجتمعت ثلاث مغلظات كان على القاتل ديتان
(1) فقه ابن المسيب: ج 4 ص 46
539 (1/539)
صفحة 525
مسألة - 14 - عقوبة اللواط:
أجمع أهل العلم على تحريم اللواط، وعلى أنه
الكبائر بسبب الأحاديث من
المتواترة في تحريمه ولعن فاعله. ولكنهم اختلفوا في العقوبة.
فقد روي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال: الوطء في الدبر أعظم من الزنى
وأوجب فيه الحد رجمًا أحصن الفاعل أو لم يحصن سواء كان ذلك للفاعل أو
المفعول (1)
هذا وروي
عن كل من الإمام علي بن أبي طالب، وابن عباس، وسعيد بن المسيب والشعبي والزهري والليث وإسحاق وغيرهم. وذهب إلى ذلك الإمام مالك والشافعي في المشهور عنه، وهي رواية عن أحمد بن حنبل وحجتهم أن النبي عل الله قال: (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به. . رواه الخمسة، إلا النسائي (2). إلا أن في إسناده مقالا. وقد استنكر النسائي هذا الحديث
واحتجوا أيضا بما روي عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ «ارجموا الأعلى والأسفل) وإسناده ضعيف
(3)
وكذلك احتجوا بإجماع الصحابة على قتل اللوطي، وإن كانوا اختلفوا في الكيفية (4). وبأحكام وردت عن علي رضي الله عنه أنه رجم لوطيًا ولأن الله تعالى
عذب قوم لوط بالرجم، فينبغي معاقبة من فعل فعلهم بمثل عقوبتهم
وخالف آخرون فقالوا: إن عقوبة اللوطي كعقوبة الزاني: يرجم المحصن، ويجلد غير المحصن ويغرب. ونسب هذا إلى جماعة من أهل العلم منهم سعيد
(1) أجوبة ابن خلفون: ص 55 - المغني لابن قدامة:
(2) نيل الأوطار: ج 7 ص 122.
(3) نصب الراية: ج 3 ص 340.
(4) الشرح الكبير: ج 10 ص 176.
ج 10 ص
540
160 (1/540)
صفحة 526
ابن المسيب في رواية عنه، وعطاء بن أبي رباح، والحسن، وقتادة والنخعي، والثوري والشافعي في قول عنه. وإلى هذا القول ذهب أبو يوسف، ومحمد من
الحنفية.
واحتجوا بأن التلوط نوع من أنواع الزنا، لأنه إيلاج فرج في فرج فيكون
اللائط والملوط به داخلين تحت عموم الأدلة الواردة في الزاني المحصن والبكر
ولأنه على فرض عدم شمول تلك الأدلة لهما فهما لاحقان بالزاني على سبيل
القياس
(1)
وذهب بعضهم إلى أن عقوبة اللوطي هي حرق الفاعل والمفعول به. روي، وهي رواية أخرى عن علي بن أبي طالب
ذلك عن أبي بكر الصديق رضي
ونسب القول أيضا إلى عبد
عنه،
الله بن الزبير.
واحتجوا بما روي عن خالد بن الوليد أنه كتب إلى أبي بكر في أمر رجل يلاط به. فجمع أبو بكر أصحاب رسول الله له فاستشارهم فيه فكان علي بن أبي طالب أشدهم قولا فيه. فكتب أبو بكر إلى خالد يأمره بأن يحرق بالنار (2) وذهب آخرون إلى عدم وجوب الحد في اللواط، وقالوا إن فيه التعزير لا غير. ونسب هذا القول إلى الإمام أبي حنيفة (3) وهو قول الظاهرية وحجتهم في ذلك:
أن اللواط ليس بزنا، بدليل أن الصحابة قد اختلفوا في موجبه من إحراق وقتل ورجم وغير ذلك. فلو كان زنا لما اختلفوا فيه. فإذا كان كذلك، فلا يجب
فيه الحد، وإنما هو منكر فيه التعزير
(1) نيل الأوطار: ج 7 ص 124.
(2) فقه ابن المسيب: ج 4 ص 116 - سنن البيهقي: ج 8 ص 232
(3) شرح السنة: ج 10 ص 310 - بدائع الصنائع: ج 9 ص 4151.
541 (1/541)
صفحة 527
وقال الإمام الشوكاني: لا يخفى ما في هذا المذهب من المخالفة للأدلة المذكورة
في خصوص اللوطي والأدلة الواردة في الزاني على العموم (1)
(1) نيل الأوطار: المرجع السابق.
542 (1/542)
صفحة 528
مسألة - 15 - الحكم في إتيان البهيمة: اختلف أهل العلم فيمن وقع على بهيمة.
فأخرج البيهقي عن جابر بن زيد أنه قال: (من أتى البهيمة أقيم عليه الحد).
(1)
رواه الشوكاني وروي القرطبي أن جابرا قال: يقام عليه الحد إلا أن تكون البهيمة له (2). وروي عن الحسن البصري أنه قال: هو بمنزلة الزاني. واحتجوا بما روي عن النبي عل الله أنه قال: «من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه) رواه أبو داود عن عمرو بن أبي عمرو وهو ضعيف وقال آخرون: يعزر ولا حد عليه. روي ذلك عن ابن عباس وعطاء والشعبي والنخعي ومالك والثوري وأصحاب الرأي. وهي رواية عن أحمد. وحجتهم أنه لا أنه لا يوجد نص في المسألة، وأنه لا يمكن قياسه على الوطء في فرج الآدمية لأنه لا حرمة لها وليس بمقصود يحتاج في الزجر عنه إلى الحد فإن النفوس
تعافه وعامتها تنفر منه، فبقى على الأصل في انتفاء الحد.
أن
وأجابوا عن الحديث الأول بأنه ضعيف، ولأن الحد يدرأ بالشبهات فلا يجوز
يثبت بحديث فيه هذه الشبهة والضعف
وذهب الشافعي في رواية عنه إلى أنه يوجب الحد كالزنا كما قال الحسن
البصري (3)
(1) نيل الأوطار: ج 7 ص 125
(2) أحكام القرآن: ج 7 ص (3) المغني: ج 10 ص 163.
245
543 (1/543)
صفحة 529
الباب الحادي عشر
ويشتمل على مسائل في:
-
-
-
الذكاة والأطعمة.
الكفارات والنذور.
الوصايا
المواريث.
العتق
وذلك في 31 مسألة
545 (1/545)
صفحة 530
الذكاة والأطعمة
547 (1/547)
صفحة 531
مسألة - 1 - في السمك الطافي:
اختلف السلف في السمك الذي يموت في الماء حتف أنفه. فروي عن جابر بن زيد أنه يكرهه. روي ذلك عنه الإمام الجصاص في أحكام القرآن (1).
وهو قول عطاء، وسعيد بن المسيب، والحسن، وابن سيرين. ومن الصحابة: علي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس. وقال الحنفية، والهادوية: إنه لا يحل منه إلا ما مات بسبب آدمي أو إلقاء الماء
له أو جزره عنه. . وأما ما مات أو قتله حيوان غير آدمي فلا يحل واستدلوا على ذلك بظاهر قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) الآية 3 من
سورة المائدة.
وبما روي عن النبي عل الله أنه قال: (ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه، وما
مات فيه وطفا فلا تأكلوه). رواه أبو داود. وفي إسناده مقال وذهب آخرون إلى أنه لا بأس بأكله. وهو مذهب جمهور الفقهاء وإليه ذهب مالك والشافعي من الأئمة، وهو قول أبي بكر وأبي أيوب. واستدلوا بقوله عليه السلام في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته). رواه أصحاب السنن الأربعة. وقال الترمذي حديث حسن صحيح. وبما روي جابر بن عبد الله أنه قال: «غزونا جيش الخبط، وأميرنا أبو عبيدة، فجعنا جوعا شديدا، فألقى البحر حوتا ميتا لم نر مثله يقال له العنبر، فأكلنا منه نصف شهر. فأخذ أبو عبيدة عظما من عظامه، فمر الراكب تحته، قال: فلما قدمنا المدينة، ذكرنا ذلك للنبي الله فقال: (فقال: (كلوا رزقا أخرجه الله عز وجل لكم، أطعمونا إن كان معكم، فأتاه بعضهم بشيء فأكله). متفق عليه
(1) الأحكام: ج 1 ص 108.
549 (1/549)
صفحة 532
وقال الحافظ بن حجر: والقياس يقتضي حله، لأنه لو مات في البر لأكل.
تذكية، ولو نضب عنه الماء فمات لأكل. فكذلك إذا مات وهو في البحر
(1)
(1) نيل الأوطار: ج 2 ص 403 فقه الإمام سعيد بن المسيب: ج 2 ص 356.
شرح السنة: ج 11 ص 246.
550 (1/550)
صفحة 533
مسألة - 2 - في ترك التسمية على الذبيحة:
أجمع المسلمون على مشروعية التسمية عند الذبيح وعند الإرسال للصيد ولكنهم اختلفوا في وجوب التسمية أو عدم وجوبها.
فذهب الإمام جابر بن زيد رحمه الله إلى أن التسمية سنة وليست واجبة وقال: إن ترك التسمية عامدا أو ناسيا يأكل ذبيحته. نقل ذلك عنه القرطبي في أحكام القرآن (1).
وروي هذا القول عن ابن عباس وأبي هريرة والحسن وعطاء. وسعيد بن
(2)
المسيب، وهو قول الشافعي) وهى رواية عن مالك. فقد حكى الزهراوي عن مالك بن أنس أنه قال: تؤكل الذبيحة التي تركت التسمية عليها عمدا أو نسيانا. وقال عبد الوهاب: التسمية سنة، فإذا تركها الذابح ناسيا أكلت الذبيحة في قول مالك وأصحابه (3) وقالت طائفة المالكية: إن تركت التسمية عمدا كره أكل الذبيحة ولم من تحرم (4). وقال الطبري: تؤكل ذبيحة تارك التسمية عمدا، إلا أن يكون مستخفا ونسب هذا القول إلى أشهب
واستدل هؤلاء بقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ آسْمُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لفسق وحملوها على ما ذبح لغير الله. كقوله تعالى: {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله وقالوا: إن النهي كان قد وقع عن ذبائح تذبحها قريش للأوثان. كما أنه ينهى عن ذبائح المجوس. وقالوا: إن الواو في قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ كه هي واو حالية، أي لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه في حال كونه فسقا. وإنه لا يكون
(1) أحكام القرآن: ج 7 ص 75.
(2) الفتح الرباني: ج 17 ص 146.
(3) أحكام القرآن: المتقدم وابن كثير: ج 3 ص 88.
(4) القرطبي أحكام القرآن المتقدم.
551 (1/551)
صفحة 534
فسقا حتى يكون أهل به لغير الله. وقالوا: إنه يتعين هذا الوجه من الإعراب،
ولا يمكن أن تكون الواو عاطفة
واستدلوا أيضا بما روي عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ
يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} قال هي الميتة
-
2 كما استدلوا بما روي عن الصلت السدوسي قال: قال رسول الله عله: ه ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله أو لم يذكر إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله) وهذا حديث مرسل، يعضد بما روي عن ابن عباس أنه قال: «إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم الله فليأكل فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله 3 وبما رواه البيهقي عن عائشة رضي الله عنها أن ناسا قالوا: يا رسول الله: إن قوما حديثي عهد بجاهلية يأتوننا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا فقال: (سموا أنتم وكلوا». قالوا: لو كان وجود التسمية شرطا لما رخص لهم إلا مع تحققها.
وذهب فريق من العلماء إلى أن التسمية واجب، فلو تركها عمدا لم تؤكل الذبيحة ولا الصيد. ولكن إن تركت سهواً أكلتا. وهي رواية عن مالك وأحمد وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري وسعيد بن جبير، وهو محكي عن علي وابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن البصري. واحتجوا بما روي عن ابن عباس من طريق جابر بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ه المسلم يكفيه اسمه إن نسي أن يسمي حين يذبح فليذكر اسم الله وليأكله وقالوا: إن المسلم لا يسمى فاسقا بمجرد النسيان. وهذا بالإجماع وذهب فريق ثالث إلى أن ترك التسمية على الذبيحة يجعلها لا تحل سواء كان الترك عمدا أو سهوا. وهو قول أهل الظاهر. وروي ذلك عن ابن عمر ونافع مولاه، والشعبي و محمد بن سيرين. وهي رواية أخرى عن مالك وأحمد (1)
(1) تفسير ابن كثير: ج 3 ص 87.
552 (1/552)
صفحة 535
واحتج هؤلاء بظاهر قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ آسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}
وبقوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} كما استدلوا بالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد كحديثي عدي بن حاتم وأبي ثعلبة وهى قوله عليل و إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك، وهما في الصحيحين. وحديث رافع بن خديج أنه لعل الله قال: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه). وهو في الصحيحين أيضا. وحديث عبد الله بن مسعود أن رسول الله عله قال للجن: «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه) رواه مسلم. وحديث عائشة رضي الله عنها أن ناسا قالوا يا رسول الله: إن قوما يأتوننا بلحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا. قال: «سموا عليه أنتم وكلوا) قالت وكانوا حديثي عهد بالكفر) رواه البخاري. ووجه الدلالة هذا الحديث أنهم فهموا أن التسمية لا بد منها من وخشوا أن لا تكون وجدت من أولئك لحداثة إسلامهم فأمرهم بالاحتياط بالتسمية عند الأكل لتكون كالعوض عن المتروكة عند الذبح إن لم تكن وجدت وأمرهم بإجراء أحكام المسلمين على السداد (1)
وإلى هذا الرأي ذهب الشيخ ابن بركة البهلوي الإباضي في كتابه الجامع وهو من علماء القرن الرابع الهجري.
(2)
553
88
(1) تفسير ابن كثير:: ج 3 ص
(2) الجامع: ج 2 ص 76 (1/553)
صفحة 536
مسألة - 3 - في شرب الخليطين:
اختلف أهل العلم في شرب الخليطين وهو أن ينبذ في الماء شيئان
فقد روي عن
جماعة الأئمة تحريمه وإن لم يكن الشراب المتخذ
من
من
ذلك
مسكرا. وهو قول عطاء وطاوس، وبه قال مالك وأحمد وإسحق واحتجوا بما روي عن النبي عل الله أنه نهى أن يجمع بين التمر والزهو، والتمر
والزبيب، ولينبذ كل واحد منهم على حدة رواه البخاري ومسلم. وقال هؤلاء: إن من شرب الخليطين قبل حدوث الشدة فيه فهو آثم بجهة واحدة، وإن كان مشتدا فبجهتين: إحداهما شرب الخليطين والأخرى شرب
المسكر
(1)
ورخص أصحاب الرأي في شربه على الإطلاق. ورخص فيه الأكثرون إلا أن يكون مشتدا مسكرا. وقالوا: إن النهي فيه ورد للتنزيه وهو قول أبي عبيد واحتج هؤلاء بما روي عن صفية بنت عطية عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كنت آخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب فألقيه في إناء فأمرسه ثم أسقيه النبي عل. أخرجه أبو داود بسند ضعيف) وذهب الإمام جابر بن زيد وعكرمة إلى كراهة نبيذ البسر وحده،، ويأخذان
ذلك عن ابن عباس
(3)
(2)
ولم أجد لهذا القول من سند لأن الأحاديث المروية في الباب تخالفه. وقال أحمد: الخليطان حرام (4).
(1) شرح صحيح الربيع بن حبيب: ج 3 ص 363
(2) شرح السنة: ج 11 ص 358 نيل الأوطار: ج 8 ص 193
(3) مسند أبي داود رقم 3709
(4) المغني: ج 10 ص 342.
554 (1/554)
صفحة 537
الكفارات والنذور
555 (1/555)
صفحة 538
مسألة - 4 - الحلف بالطلاق وبالحدود هل يجوز؟
يروى عن الإمام جابر بن زيد أنه كان يكره أن يحلف الرجل بالطلاق أو بحد
من حدود الله تعالى، نقله أبو غانم الخراساني (1)
وقد قسم العلماء الحقوق التي تشرع فيها اليمين، والتي لا يشرع فيها اليمين إلى
قسمين:
الأول: الحقوق التي هي من حق الآدميين.
الثاني: الحقوق التي هي
الأول
الله تعالى
: حقوق الآدميين الآدميين وهي تنقسم إلى نوعين:
أحدهما: ما هو مال أو المقصود منه المال. فهذا تشرع فيه اليمين بلا خلاف بين أهل العلم. فإذا لم تكن للمدعي بينة حلف المدعى عليه وبرئت ذمته.
ثانيهما: ما ليس بمال ولا المقصود منه المال، وهو كل ما لا يثبت إلا بشاهدين كالقصاص وحد القذف والنكاح والطلاق والرجعة والعتق والنسب فهذا فيه روايتان. إحداهما: أنه لا يستحلف المدعى عليه فيها، ولا تعرض عليه اليمين وقد روي عن الإمام أحمد أنه قال: لم أسمع من مضى جوزوا الأيمان إلا في الأموال والعروض
خاصة.
وهذا قول مالك وأبي حنيفة
ثانيتهما: يستحلف المدعى عليه في الطلاق والقصاص والقذف وهذا قول الشافعي، وعنده أن يستحلف في كل حق لآدمي.
الثاني: حقوق الله تعالى، وهي نوعان:
إحداهما: الحدود، فلا تشرع فيها يمين، ولا يعلم خلاف بين أهل العلم في
هذه المسألة
(1) المدونة الكبرى: ج 2 ص 75.
557 (1/557)
صفحة 539
ثانيهما: الحقوق المالية، كدعوى الساعي الزكاة على رب المال وأن الحول قد تم وكمل النصاب
فقال أحمد: القول قول رب المال من غير يمين ولا يستحلف الناس على
صدقاتهم.
وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد: يستحلف لأنها دعوى مسموعة أشبه حق
الآدمي"
558
:
(1) المغني: ج 12 ص 127 (1/558)
صفحة 540
مسألة - 5 - في الوطء في الحيض، ما هو جزاؤه:
اتفق العلماء على أن وطء الحائض قبل الغسل حرام وإن انقطع الدم بدليل قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله الآية 222 من سورة البقرة، إلا ما جاء عن أبي حنيفة من أنه إذا انقطع دمها لأكثر الحيض حل وطؤها. ولكنهم اختلفوا في الذي يأتي امرأته في الحيض ماذا عليه، وهل تحرم عليه؟ فروي عن جابر بن زيد أنه قال: «لا أحللها ولا أحرمها وأحب إلى أن يفارقها». روى عنه هذا الربيع بن حبيب في مسنده
(1)
وقال بهذا أبو عبيدة مسلم، والربيع، ومحبوب، إلا أن أبا عبيدة قال: إنه متعد لحدود الله، وأحب إلى أن يفارقها ثم لا يعود إليها أبدا، وإن نكحت زوجا غيره ثم طلقها أو مات عنها لما أصاب منها. وهو قول جمهور الإباضية (2) ولم أجد أحدا من العلماء قال بمثل هذا
فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: يستغفر الله ولا شيء عليه وقالت جماعة من أهل الحديث: إن وطيء في الدم فعليه دينار وإن وطيء في حالة الانقطاع فعليه نصف دينار لحديث رواه أبو داود عن ابن عباس عن النبي صلى الله قال: (يتصدق بدينار أو نصف دينار). وفي كتاب الترمذي عن ابن عباس عن النبي عل: (إن كان دما أحمر فدينار، وإن كان أصفر فنصف دينار)
صلى الله
وقال أبو عمرو: حجة من لم يوجب عليه كفارة غير الاستغفار والتوبة هو اضطراب هذا الحديث عن ابن عباس. وإن مثله مما لا تقوم به حجة، وإن
(1) الحديث رقم 544
(2) شرح الجامع الصحيح للسالمي ج 3 ص 137.
559 (1/559)
صفحة 541
الذمة على البراءة (1).
وقال الأوزاعي من وطيء امرأته وهي حائض فليتصدق بخمسي دينار. وقال السالمي تعليقا على موقف علماء الإباضية:
وإنما ذهبوا إلى ذلك نظرًا منهم إلى سد الباب في دفع المفاسد فإن الناس لم يرتدعوا بالزواجر القرآنية. وكان المال أحب شيء إليهم فكان التخويف بذهاب المرأة أشد عليهم من التخويف بالنار. إلى أن قال:
ومع معرفتهم بوجوه الأصل واستنباط الأحكام من أدلتها، فلم يقولوا ذلك عن هوى، ولا عن جهل بالأحكام. والله درهم ما أقوى نظرهم وأذكى فهمهم. جزاهم الله عن الإسلام خير جزاء.
(1) أحكام القرآن للقرطبي: ج 3 ص 87
560 (1/560)
صفحة 542
مسألة - 6 - الحكم فيمن تصدق بكل ماله:
رزي عن جابر بن زيد أنه قال: إن كان المال المتصدق به كثيرا وهو ألفان تصدق بعشرة، وإن كان متوسطا، وهو ألف تصدق بسبعة وإن كان قليلا وهو خمسمائة، تصدق بخمسة. نقله ابن قدامة وابن حزم (1).
خلاف بسيط في المقادير. وهو قول قتادة
وقد اختلف العلماء من السلف في هذه المسألة
فروي عن عمر بن الخطاب رضي
الله
عنه
:
أنه لا يجوز للمرء أن يتصدق بكل
ماله، بل عليه أن يمسك منه ما يحفظ عليه كرامته. فقد قال عبد الله بن عمر لأبيه عمر بن الخطاب: إني رأيت أن أتصدق بمالي كله. فقال له عمر: لا تخرج من مالك كله ولكن تصدق وأمسك (2)
(3)
وذهب النخعي إلى أنه يكره للرجل أن يتصدق بكل ماله دون أن يبقي لنفسه منه ما يسد رمقه ويحفظ ماء وجهه وروي مثل ذلك عن فقهاء الإباضية: فقد قال أبو غانم: قلت (لأبي المؤرج) فالرجل يتصدق بماله كله على رجل، هل له أن يرجع فيه؟ قال أبو المؤرج: لا ينبغي أن يتصدق بماله كله ويبقى يسأل الناس بكفه. ويرد عليه من تلك العطية ما يعيش به ويمضي المتصدق عليه بقيته. وقال عبد الله بن عبد العزيز من تصدق بكل ماله ركب أمرا مكروها، وأساء، ولكن لا يرجع إليه شيء
(4)
وقال الشافعية: إن ذلك مستحب لمن لا دين عليه ولا له عيال لا يصبرون
بشرط أن يكون ممن يصبر على الإضاقة والفقر
(5)
(1) المغني: ج 11 ص 339 - المحلى: ج 8 ص 10.
(2) موسوعة فقه عمر: 412.
(3) موسوعة النخعي: ص 370
(4) المدونة الكبرى: ج 2 ص 159.
(5) الفتح الرباني: ج 9 ص 105.
561 (1/561)
صفحة 543
وقال ابن حزم: لا تنفذ هبة ولا صدقة لأحد إلا فيما أبقى له ولعياله غنى فإن أعطى ما لا يبقى لنفسه وعياله بعده غني فسخ كله (1)
وقال الحنابلة: إن من نذر أن يتصدق بماله كله أجزأه أن يتصدق بثلث ماله واحتجوا بما روي عن أبي لبابة حين قال: إن من توبتي أن أتخلع من مالي صدقة إلى الله عز وجل فقال النبي عل الله: «يجزئك الثلث) متفق عليه
الثلث
ووجه الاستدلال: أن النبي ع الله لما منع أبا لبابة من الصدقة بزيادة عن ا دل على أنه ليس بقربة، لأن النبي عليه السلام لا يمنع أصحابه من القرب. ونذر
(2)
ما ليس بقربة لا يلزم الوفاء به وقال ابن قدامة: إن ما قاله جابر بن زيد تحكم بغير دليل (3).
وأورد العيني في هذه المسألة عشرة أقوال (4).
(1) المحلي: ج 9 ص 136. (2) المغني: ج 11 ص 340.)
(3) المغني: ج 11 ص 341. (4) عمدة القارى: ج 23 ص 204
562 (1/562)
صفحة 544
مسألة - 7 - مقدار الإطعام في كفارة اليمين: اختلف العلماء في مقدار ما يطعم المسكين
(1)
فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال: يعطى لكل مسكين مد من بر، ومعه إدامه. روي ذلك عن ابن ذلك عن ابن كثير في تفسيره وذهب فريق من الفقهاء إلى أن المكفر، يجزيه لكل مسكين مد من طعام بمد الشارع. روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت وأبي هريرة. وهو قول عطاء والقاسم والفقهاء السبعة.
وبه قال مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحق
وقالت طائفة: يطعم لكل مسكين نصف صاع من حنطة. وإن أعطى تمرا أو شعيرا فصاعا صاعا. روي هذا عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت في رواية وهو قول النخعي والشعبي والثوري وأبي حنيفة وسائر الكوفيين
وقال ابن حزم: إنه يطعم المساكين من أي شيء يطعم أهله لا يجزيه غير ذلك، ويعطي من الصفة والكيل الوسط لا الأعلى ولا الأدنى (3)
(1) ابن كثير ج 2 ص
631
(2) عمدة القاري: ج 23 ص 218
(3) المحلى: ج 8 ص 72.
563 (1/563)
صفحة 545
مسألة - 8 - هل يجزيء الخبز القفار في كفارة اليمين؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة
فنقل عن جابر بن زيد أنه قال: إن أطعم المساكين خبزًا ولحما أو خبرا وزيتا مرة واحدة في اليوم حتى يشبعوا أجزأه. نقل ذلك القرطبي (1) وهو قول محمد ابن سيرين ومكحول، وأنس بن مالك والحسن البصري
وقال ابن حبيب لا يجزيء الخبز قفارا بل يعطى معه إدامه زيتا أو نحوه. وقال ابن العربي: إن تعيين الإدام للطعام لا سبيل إليه لأن اللفظ في الآية
لا يتضمنه. وإما أن يطعم مع الخبز السكر أو اللحم فنعم، وهو مستحب
(2)
564
(1) أحكام القرآن: ج 6 ص
271
(2) أحكام القرآن: ج 6 ص 271.
! (1/564)
صفحة 546
مسألة - 9 - تخريج النذر مخرج اليمين أو نذر اللجاج أو الغضب: مذهب الإمام جابز أن من نذر نذرًا لا يقصد به القربة، وإنما قصد به أن يمنع نفسه أو غيره شيئًا، أو يحث به على شيء، كأن يقول: الله على أن أصوم سنة إن
كلمت فلانا، فإن حنث في ذلك فهو مخير بين فعل المنذور، وبين كفارة اليمين ـ نقله ابن قدامة (1) وهو قول وهو قول الأئمة عمر وابن عباس وابن عمر وعائشة
والحسن والنخعي وغيرهم
إليه.
وإليه ذهب أحمد، وهو أظهر أقوال الشافعي، ونقل عن أبي حنيفة الرجوع
وحجتهم
(2)
: أنه قول من ذكر من الصحابة، ولا مخالف لهم في عصرهم. واحتجوا أيضا بما روي عن عمران ابن حصين أنه قال: سمعت رسول الله يقول: و لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين) رواه النسائي والبيهقي، وهو ضعيف منقطع وذهب آخرون إلى أنه إن حنث وجب عليه البر بما نذر، وهي رواية عن الشعبي. وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة، وهو قول للشافعي وحجتهم: عموم الأدلة الدالة على وجوب الوفاء بالنذر
ولأنها قربة التزمها الناذر معلقة على شرط، فإذا وجد هذا الشرط لم يجز
إسقاطها والإتيان بغيرها
وخالف جماعة فقالت:
إن حنث في ذلك فلا شيء عليه، من وفاء نذر أو كفارة يمين وهو قول سعيد ابن المسيب والحكم وحماد والحارث العكلي، والظاهرية ورواية عن حفصة وعائشة والشعبي والقاسم بن محمد.
(1) المغنى: ج 11 ص 195. (2) فقه ابن المسيب: ج 2 ص 403
565 (1/565)
صفحة 547
وحجتهم في ذلك أن هذا ليس بيمين حتى يكون له حكم اليمين وليس بنذر أيضا؛ لأن النذر هو ما قصد ناذره الرغبة في فعله والتقرب به إلى الله تعالى.
وهذا ما لم يقصده هنا (1)
وروي عن جابر قول آخر:
وهو قوله: من ألزم شيئًا لنفسه ألزمناه له (2). وهذا يقتضي عدم التخيير، بل
على الناذر أن يفعل ما التزم به، وإلا فعليه الكفارة.
(1) المغني - وفقه ابن المسيب: المتقدمين.
(2) الإيضاح: ج 2 ص 418
566 (1/566)
صفحة 548
الوصايا
567 (1/567)
صفحة 549
مسألة - 10 - وجوب الوصية للقريب غير الوارث:
الأصل أن الوصية لا تجب إلا على من عليه دين أو عنده وديعة أو عليه واجب يوصي بالخروج منه لأن الله تعالى فرض أداء الأمانة وطريقه في هذا الباب هو الوصية فتكون واجبة عليه
ولكن هل تجب الوصية فيما عدا هذه الحالات؟
روي عن الإمام جابر بن زيد وجوب الوصية للأقربين الذين لا يرثون، والدين أو غيرهما، نقل ذلك عنه الجصاص في أحكام القرآن (1). والشوكاني في. وحكي ذلك نيل الأوطار (1). وهو قول. داود الظاهري وابن حزم (2) قتادة عن
و مسروق وإياس بن معاوية واحتجوا بقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ يرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} الآية 180 من سورة البقرة. وبحديث ابن عمر عن النبي الله قال: (ما حق امريء مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) متفق عليه وقالوا: نسخت الوصية للوالدين والأقربين الوارثين بآية الفرائض وبقي حكم الآية المستدل بها فيمن لا يرث من الأقربين. وقال الجمهور: الوصية غير واجبة، فيما عدا الحالات المذكورة في أول
المسألة
، وهو قول النخعي والشعبي والشافعي ومالك واستدلوا بدليل عقلي مقتضاه أن أكثر أصحاب رسول الله عله لم ينقل عنهم وصية ولم ينقل لذلك نكير من أحد، إذ لو كانت واجبة لم يخلوا بذلك، ولنقل عنهم نقلا ظاهرا. وقالوا أيضا إن حالها لا يعدو أن يكون عطية فليست واجبة في الحياة فكذلك بعد الموت كعطية الأجانب
(1) أحكام القرآن: ج 1 ص 165 - نيل الأوطار: ج 6 ص 37 و 70.
(2) المغني: ج 6 ص 415
569 (1/569)
صفحة 550
وأما من جهة النقل فقالوا: إن الآية التي استدل بها الأولون، قال ابن عباس نسخها قوله تعالى: و الرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَنِ وَالْأَقْرَبُونَ} الآية 7 من سورة النساء. وقال ابن عمر نسختها آية المواريث
وذهبت طائفة ممن يرى نسخ القرآن بالسنة إلى أن الآية نسخت بقول النبي صلى الله: (إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» رواه الخمسة إلا النسائي. وقالوا إن حديث ابن عمر محمول على من عليه واجب أو عنده
وديعة (1)
(1) المغني: ج 6 ص 415.
570 (1/570)
صفحة 551
مسألة - 11 - مقدار الوصية للقريب الذي لا يرث:
يرى عامة أهل العلم أن الأفضل للموصي إذا كان له قرابة لا يرثون أن يجعل وصيته فيهم إذا كانوا فقراء. وذلك لأن الله تعالى كتب الوصية للوالدين
والأقربين. فخرج منه الوارثون بقوله: و لا وصية لوارث) متفق عليه
وبقي سائر الأقارب لهم وأقل ذلك الاستحباب. وقد قال تعالى: {وَعَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ الآية 26 من سورة الإسراء. وقال: {وَعَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى الآية 177 من سورة البقرة. فبدأ بهم، ولأن الصدقة عليهم في الحياة أفضل فكذلك بعد الموت.
ولكن ما الحكم إذا أوصى لغيرهم وتركهم، هل تصح وصيته أم لا؟ ذهب الجمهور إلى صحة الوصية وجوازها، احتراما لإرادة الموصي، ولعدم وجود نص
بالمنع.
وروي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال: يعطى للذي أوصى له ثلث الثلث، والباقي يرد إلى قرابة الموصي. وعلة ذلك أنه لو أوصى بماله كله لما جاز إلا في حدود الثلث. والباقي يرد على الورثة. وأقاربه الذين لا يرثون هم في استحقاق الوصية بمثابة الورثة في استحقاق المال. نقل هذا المعنى عنه ابن قدامة (1) وروي هذا القول عن الإمام سعيد بن المسيب
وروى وكيع في كتابه أخبار القضاة عن إياس بن معاوية،، عن جابر بن زيد في الرجل يوصي لغير قرابته، وله قرابة ممن لا يرثه. قال يجعل ثلثا الثلث لذوي قرابته وثلث الباقي لمن أوصى له (2) وحكي عن طاوس، والضحاك وعبد الملك بن يعلى أنه ينزع عنهم ويرد
(1) المغني: ج 6 ص 418. (2) أخبار القضاة: ج 2 ص 20.
571 (1/571)
صفحة 552
إلى قرابته. وقول الحنابلة أن تصح في الثلث ويرد الباقي للورثة. وحجتهم ما روي عن عمران بن حصين أن رجلا أعتق في مرضه ستة أعبد لم يكن له مال غيرهم. فبلغ ذلك إلى النبي علي الله فدعاهم فجزاهم ثلاثة أجزاء، ثم أقرع بينهم. فأعتق اثنين وأرق أربعة. فأجاز العتق في ثلثه لغير قرابته. وقالوا أيضا إنها عطية فجازت لغير قرابته كالعطية في الحياة (1)
(1) المغنى: المتقدم ذكره.
572 (1/572)
صفحة 553
مسألة - 12 - حكم الوصية بالدين للوارث:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة
:
فقد روي عن الإمام جابر بن زيد أنه تجوز الوصية نقله عنه أبو غانم الخراساني قال: سألت أبا المؤرج وابن عبد العزيز، وأخبرني من سأل الربيع بن حبيب عن رجل أوصى لوارثه بدين قد كان له عليه، قالوا جميعا: يجوز ذلك ويأخذ الوارث
(1)
ما أوصي له به من دين. ورفع ذلك أبو المؤرج إلى أبي عبيدة وجابر بن زيد قال وحدثني غير واحد من أصحابنا أن ذلك رأي الحسن أيضا، قالا جميعا، جابر بن زيد والحسن: أصدق ما يكون الناس عند الموت. إلا أن عبد الله بن عبد العزيز يخالف جابر بن زيد ويرى أن قول إبراهيم (2) بعدم جواز الوصية أعدل. وبه يأخذ. وقد قال له أبو غانم أتأخذ بقول إبراهيم وتدع قول جابر وأبي عبيدة؟ قال: أنت رجل مقلد وما لي لا آخذ بقول من أرى قوله عدلا نافيا لريبة نفسي ومبعدا عن مقارفة الخطأ، والأخذ بالثقة قول إبراهيم فأعتمد عليه؟
وعلق الشيخ طفيش على هذه المحاورة قائلا: بل الحق قول جابر بن زيد ومن معه حتى يتبين الميل الباطل أو أمارته. وإلا فهو مريض أقر بتباعة عليه لئلا يلقى الله بها. فهي للموصى له ولو وارثا وكيف يسد باب الإقرار عن المريض هكذا جزافا ويحمل على التهمة بلا أمارة.
وإلى هذا الرأي ذهب عطاء وإسحاق وأبو ثور. وقالوا: لأن من صح الإقرار له في الصحة. صح له في المرض كالأجنبي. وهو قول للشافعي وهو مذهب ابن
حزم
(3)
(1) المدونة الكبرى: ج 2 ص 187
(2) لعله إبراهيم النخعي.
(3) المحلى:: ج 8 ص
254
573 (1/573)
صفحة 554
وخالف آخرون فقالوا: إن الإقرار للوارث في مرض الموت لا يلزم باقي الورثة، إلا ببينة. وهو قول شريح والنخعي وأبي حنيفة، والشافعي في رواية
أخرى.
وحجتهم في ذلك: أن إقرار المريض، إيصال لماله إلى وارثه بقوله في مرض موته فلم يصح بغير رضى بقية ورثته، كهبته، ولأنه محجور عليه في حقه فلم يصح إقراره له كالصبي في حق جميع الناس، وفارق الأجنبي فإن هبته له تصح.
وذهب الإمام مالك إلى أن ذلك يصح منه ما لم يتهم. فإن اتهم بطل الإقرار
كمن له بنت وابن عم، فأقر لابنته لم يقبل إقراره. وإن أقر لابن عمه قبل. وذلك لأنه لا يتهم في أنه يزوى ابنته ويوصل المال إلى ابن عمه. وعلة منع الإقرار إنما هي التهمة، فاختص المنع بموضعها (1).
(1) المغني: ج 5 ص 344.
574 (1/574)
صفحة 555
مسألة - 13 - في الرجوع عن الوصية:
أجمع أهل العلم على أن للموصي أن يرجع في جميع ما أوصى به وفي بعضه،
وكذلك في الوصية بالإعتاق.
(1)
وقد قال بذلك جابر بن زيد. نقله عنه ابن قدامة في كتابه المغني ونقله أيضا صاحب المجموع (2). وهو قول أكثر أهل العلم. منهم عطاء والزهري
الله
وقتادة وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وأبو ثور ونسب إلى عمر رضي عنه قوله: يغير الرجل ما شاء من وصيته. وحجتهم في ذلك أنها وصية مثل بقية الوصايا. يملك الموصي أن يرجع عنها. ولأنها عطية تنجز بالموت فجاز له الرجوع عنها قبل تنجيزها كهبة ما يفتقر إلى القبض قبل قبضه. إلا أن هذا يختلف عن التدبير، فإنه تعليق على شرط فلم يملك تغييره كتعليقه على صفة في الحياة.
وممن قال بعدم جواز الرجوع في الوصية بالإعتاق، الشعبي وابن سيرين وشبرمة والنخعي، وقالوا: يغير الموصي من وصيته ما شاء إلا العتق لأنه إعتاق
بعد الموت، فلم يملك تغييره كالتدبير
(1) المغني: ج 6 ص 486. (2) المجموع: ج 15 ص 138.
575 (1/575)
صفحة 556
مسألة - 14 - إذا أوصى بشيء لرجل ثم أوصى به لآخر:
وصورة ذلك أنه: إذا أوصى لرجل بشيء معين من ماله، ثم وصى به لآخر
أو وصى بثلثه ثم وصى لآخر بثلثه هذا، أو وصى بجميع ماله لرجل ثم وصى به
لآخر.
6
فقال جابر بن زيد: وصيته للآخر منهما، لأنه وصى للثاني بما وصى به للأول فكان رجوعا. كما لو قال ما وصيت به لبشر فهو لبكر ولأن الوصية الثانية تنافي الأولى، فإذا أتى بها كان رجوعا (1)
وروي هذا القول عن الحسن وعطاء، وطاوس وداود الظاهري وقال آخرون: إن ذلك لا يكون رجوعا. بل الوصية بينهما. وقال بهذا الرأي الشافعي، وربيعة ومالك والثوري وابن حنبل.
وحجتهم في ذلك: أنه وصى لهما فاستويا فيها كما لو قال لهما وصيت لكما بسيارتي. فليس في المسألة تصريح بالرجوع عن الوصية فيحتمل أن يكون قصد
التشريك (1)
(1) المجموع: ج 15 ص 138 - المغني: ج 6 ص 486.
576 (1/576)
صفحة 557
في
المواريث
577 (1/577)
صفحة 558
مسألة - 15 - أثر القتل في الإرث:
اتفق الفقهاء على أن القاتل عمدا ظلما لا يرث من المقتول شيئًا إلا ما روي عن
سعيد بن المسيب. ثم اختلفوا فيما عدا ذلك
-
1 فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه قال: (أيما رجل قتل رجلا أو امرأة عمدا أو خطأ فلا ميراث له منهما. وأيما امرأة قتلت رجلا أو امرأة عمدا أو خطأ فلا ميراث لها منهما). - نقله عنه الشوكاني في نيل الأوطار وابن قدامة في
المغني
(1)
وقيل قضى بذلك عمر بن الخطاب، وعلي، وشريح وغيرهم من قضاة المسلمين. وقد ساق البيهقي آثارا عن عمر وابن عباس وغيرهما تفيد كلها أنه لا ميراث للقاتل مطلقا. وروي ذلك أيضا عن أبي بكر الصديق وابن مسعود والشعبي والنخعي وشريك القاضي والثوري وغيرهم. وإليه ذهب الأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد
ثم اختلف الأئمة الثلاثة بعد ذلك:
-1 فذهب الشافعي في الصحيح من مذهبه إلى أن القاتل لا يرث مطلقا أيا أحمد كان نوع القتل وهو رواية عن
والرواية الأخرى عنه وهي الراجحة في المذهب: أن القتل إذا لم يكن مضمونا لا يمنع الإرث كالقتل حدا أو قصاصا أو دفاعا عن النفس، أو قتل العادل الباغي.
وهو قول في مذهب الشافعي
2 وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن القتل الذي لا إثم فيه لا يمنع من الإرث كقتل الصبي والمجنون ونحو ذلك. والقتل بغير المباشرة كمن حفر بئرا أو صب
(1) نيل الأوطار: ج 6 ص 81 - المغني: ج 7 ص 162 – الشرح الكبير: ج 7 ص 219.
579 (1/579)
صفحة 559
ماء في الطريق فتسبب ذلك في قتل مورثه وكقتل العادل الباغي كل ذلك لا يمنع من الإرث.
واحتج أصحاب هذا الرأي بما روي عن عمرو بن شعيب، أن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله الله: (ليس لقاتل شيء) رواه مالك والبيهقي وجه الدلالة: أن الرسول مع لعل الله لم يفرق بين قاتل عمد وقاتل خطاً.
الخطاب.
واعترض بأن الحديث منقطع فإن عمرو بن شعيب لم يدرك عمر بن ولكن قد روى البيهقي نحوه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا. وفي إسناده إسماعيل بن عباس وقد تكلم فيه. ثم لو صح الحديث فهو محمول على الخطأ جمعا بين الأدلة (1)
-3 وروي عن الإمام سعيد بن المسيب أن القتل غير مانع من الميراث مطلقا وإن كان عمدا. وروي ذلك أيضا عن سعيد بن جبير ونسب ذلك إلى الخوارج. وحجتهم عموم الآيات القرآنية المتعلقة بالميراث فإنها تتناول القاتل
وغيره.
(2)
4 - ويذهب مالك إلى أن القتل يمنع من الميراث إذا كان عمدا أما الخطأ فلا يمنع .. بل يمنع من الدية فقط، فإن القاتل لا يرث فيها ويلاحظ أنه إذا وقع الشك في كون القتل خطأ أو عمدا فإن المالكية يمنعون الإرث مطلقا (3) وحجتهم في ذلك:
1 عموم الآيات القرآنية فإنها مثبتة لميراث من ورثهم الله تعالى فلا يستثنى منهم أحد إلا بدليل. ولم يثبت استثناء القاتل قتلا خطأ إجماع ولا دليل صحيح
(1) فقه الإمام سعيد بن المسيب: ج 1 ص 159
(2) المغني: المتقدم.
(3) شرح ابن ميارة: ج 2 ص 314.
580 (1/580)
صفحة 560
2 ماروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله الله قام يوم الفتح فقال: (لا يتوارث أهل ملتين. والمرأة ترث من دية زوجها وماله. وهو يرث من ديتها ومالها ما لم يقتل أحدهما صاحبه عمدا، فإن قتل أحدهما صاحبه عمدا لم يرث من ديته وماله شيئا وإن قتل صاحبه خطأ ورث من ماله ولم يرث من ديته)
رواه البيهقي
ويعضده ما روي عن سعيد بن المسيب مرسلا أن رسول الله الله قال:
ه لا يرث قاتل من دية من قتل). أخرجه البيهقي
وذهب إلى ترجيح الرأي الأول الإمام الشوكاني (1).
(1) نيل الأوطار: المتقدم ذكره
581 (1/581)
صفحة 561
مسألة - 16 - ميراث الجد مع الإخوة:
للأب
اتفق العلماء على أن الأب يحجب الجد، وأنه يقوم مقام الأب عند عدم الأب
البنين، وعلى أنه عاصب مع ذوي الفروض واختلفوا فيما إذا كان الجد بمنزلة الأب في حجب الإخوة الأشقاء أو الإخوة
(1)
فروي عن الإمام جابر بن زيد: أن الجد حكمه حكم الأب، وأنه يسقط جميع الإخوة والأخوات من جميع الجهات، كما يسقطهم الأب نقله المقدسي ـ وابن قدامة وابن حزم وهذا قول أبي بكر الصديق وابن عباس وابن الزبير وعثمان وعائشة وأبي بن كعب وأبي الدرداء ومعاذ بن جبل وأبي موسى وأبي هريرة وعمران بن الحصين وجابر بن عبد الله وعبادة وعطاء وطاوس. وقال به قتادة وإسحاق وأبو ثور ونعيم بن حماد وابن جرير الطبري وهو قول أبي حنيفة، وداود وابن المنذر والمزني وابن سريج
وقال به الظاهرية، والإباضية، والحنابلة
واحتج هذا الفريق بعدة وجوه: 1 - بقوله: (ألحقوا الفرائض بأهلها وما بقي فلأولى رجل ذكر)
متفق عليه.
2 أن ابن الابن نازل منزلة الابن في إسقاط الإخوة وغيره، فليكن أبو الأب
نازلا منزلة الأب في ذلك.
3 - أن الجد أولى من الأخ بدليل المعنى والحكم:
(1) الشرح الكبير: ج 7 ص 8 - المغني: ج 7 ص 63 - المحلى: ج 8 ص 288.
شرح النيل: ج 15 ص 433.
582 (1/582)
صفحة 562
فأما المعنى، فلأن له قرابة إيلاد وبعضية كالأب.
وأما الحكم، فلأن الفروض إذا ازدحمت سقط الأخ دونه، ولا يسقطه أحد
إلا الأب.
4 - أن الإخوة والأخوات يسقطون بثلاثة، ويجمع للجد بين الفرض والتعصب كالأب، وهم ينفردون بواحد منهما.
قربه
-
-
أن للجد في الفقه أحكاما أخرى هي حكم الأب، فمنها:
- أن الجد لا يقتل بقتل ابنه ولا يُحَدَّ بقذفه
- أن الجد لا يقطع بسرقة مال ابن ابنه أنه تجب عليه نفقته، ويمنع من دفع زكاته إليه، كالأب فدل ذلك على
6 - أن الله تعالى لم يسم الجد في كتابه العزيز بغير اسم الأبوة، كقوله تعالى: و ملة أبيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} الآية 78 من سورة الحج وقوله: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ ابائي من الآية 38 من سورة يوسف
7 - أن الجد يحجب الإخوة للأم بالإجماع كالأب فلو جعل الجد بمنزلة الشقيق لم يحجب الإخوة للأم.
وذهبت طائفة أخرى إلى توريث الإخوة مع الجد، وإن اختلفوا بعد ذلك في
التفاصيل والكيفيات.
وقالوا إنهم لا يحجبون به.
وهو قول علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي وأبي يوسف ومحمد
583 (1/583)
صفحة 563
وحجتهم:
-
أن الأخ ذكر يعصب أخته فلم يسقطه الجد كالابن.
- ولأن ميراث الإخوة ثبت بالكتاب، فلا يحجبون إلا بنص أو إجماع أو قياس، ولا يوجد شيء من ذلك.
- ولأنهم تساووا في سبب الاستحقاق فيتساوون في الإرث. فإن الأخ والجد يدليان بالأب. وقرابة البنوة لا تنقص عن قرابة الأبوة، بل ربما كانت أقوى، فإن الابن يسقط تعصيب الأب ولذلك مثله زيد بن ثابت بساق الشجرة وأصلها، والأب كغصن منها والأخوة كغصنين تفرعا من ذلك الغصن، وأحد الغصنين إلى الآخر أقرب منه إلى أصل الشجرة. ألا ترى أنه إذا قطع أحدهما امتص الآخر ما كان يمتص المقطوع ولا يرجع إلى الساق وشبهه علي بالبحر والنهر الكبير، والأب بالخليج المأخوذ منه والميت وإخوته كالساقيتين الممتدتين من الخليج، والساقية إلى الساقية أقرب منها إلى البحر. ألا
ترى إذا سدت إحداهما أخذت الأخرى ماءها ولم يرجع إلى البحر)
(1)
وقد اضطربت الرواية عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذه المسألة
ونقلت عنه أربعة آراء (2)
(1) نيل الأوطار: ج 6 ص 65
(2) فقه عمر بن
الخطاب: ص 42
584 (1/584)
صفحة 564
مسألة - 17 - في توريث الجدات إذا اجتمعن:
لا خلاف بين العلماء في أن الأم تحجب الجدة من أي جهة كانت ولا خلاف في أن الجدات الوارثات إذا تساوين في الرتبة ورثن جميعهن كأم الأب وأم
بينهم في
الأم
ولا خلاف أيضا في أن القربى تحجب البعدى من جهتها: كأم الأم فإنها تحجب أم أم الأم. وأم الأب فإنها تحجب أم أم الأب
فإن اختلفتا في الجهة فهل تحجب القربى منهما البعدى أم لا
فمذهب الإمام جابر بن زيد أنه لا حجب بينهن وكان يرى توريث الجدات
الأربع: اثنتين من جهة الأب واثنتين من جهة الأم. نقل ذلك القرطبي (1).
وهو قول عبد الله بن مسعود وابن عباس والحسن البصري وابن سيرين وذهبت طائفة إلى أنه
:
إذا قربت التي من قبل الأم كان لها السدس دون غيرها.
وإن قربت التي من قبل الأب كان السدس بينها وبين التي من قبل الأم وإن بعدت. ولا ترث إلا جدة واحدة من قبل الأم، ولا ترث الجدة أم أب الأم على حال. وهو مذهب زيد بن ثابت رضي الله عنه، وبه قال مالك وأهل المدينة. وقال آخرون: إن الجدات أمهات: فإذا اجتمعن فالسدس لأقربهن كما أن الآباء إذا اجتمعوا كان أحقهم بالميراث أقربهم فكذلك الأمهات. قال ابن المنذر: وهذا أصح وبه أقول. وروي. وروي ذلك عن علي والحسن وداود. وكان الأوزاعي يورث ثلاث جدات. واحدة من قبل الأم واثنتين من قبل
الأب.
(1) أحكام القرآن: ج 5 ص 71.
585 (1/585)
صفحة 565
وهو قول أحمد بن حنبل بن حنبل. رواه الدارقطني عن النبي علا النبي المرسلا
ومذهب الإباضية: أن الجدة البعيدة من جهة الأب تسقطها الجدة القريبة مر
جهة الأم، دون العكس على مذهب زيد بن ثابت (1)
(1) شرح النيل: ج 15 ص 442. المغني: ج 7 ص 56.
فقه سعيد بن المسيب: ج 3 ص 176
586 (1/586)
صفحة 566
مسألة - 18 - ميراث الجدة مع ابنها الحي - أو حجب الأب للجدة:
لا خلاف بين العلماء في أن الأب يحجب أباه عن الميراث. ولا خلاف في أنه لا يحجب الجدة أم الأم.
واختلفوا في حجبه لأمه، وهي الجدة أم الأب
ومذهب الإمام جابر بن زيد: أن الجدة ترث مع ابنها، وأنه لا يحجبها نقله عنه ابن قدامة والقرطبي وغيرهما (1)
ونسب هذا القول إلى عمر وابن مسعود، وعمران بن الحصين، وأبي موسى وشريح، وعروة بن الزبير، وعطاء، والحسن.
وإليه ذهب أبو حنيفة وأحمد في أظهر الروايتين عنه وهو مذهب الإباضية. واحتجوا بما روي عن ابن مسعود أنه قال في الجدة مع ابنها و إنها أول جدة
أطعمها رسول الله علا مسدسا مع ابنها وابنها حي). رواه الترمذي. وقالوا أيضاً: إن الجدات أمهات يرثن ميراث الأم لا ميراث الأب فلا يحجبن به كأمهات الأم.
وقالت طائفة أخرى: إن الجدة أم الأب تسقط بالأب. وهو قول عثمان وعلي والزبير وسعد بن أبي وقاص وزيد بن ثابت والثوري والأوزاعي.
وإليه ذهب مالك والشافعي، وهو رواية عن أحمد.
ووجه هذا القول:
(1) المغني: ج 7 ص 58 - أحكام القرآن: ج 5 ص 70.
الشرح الكبير: ج 7 ص 43.
587 (1/587)
صفحة 567
أن كل من أدلى بأب وارث سقط به كالجد والإخوة فإنهم يسقطون بالأب
فكما أن الأب يسقط أباه فكذلك يسقط أمه
وقالوا أيضا: إنها جدة أدلت بولدها فلا تشاركه في الميراث كالجدة أم الأم مع
الأم).
(1) فقه سعيد بن المسيب: ج 3 ص 175.
588 (1/588)
صفحة 568
مسألة - 19 - في ميراث المطلقة قبل الدخول ثلاثا:
إذا طلق الرجل زوجته قبل الدخول بها وفي مرض الموت، فقد اختلف أهل العلم في ذلك:
فروي عن جابر بن زيد أنه قال: إنها لا ترث، ولا عدة لها وإن لها نصف
الصداق
نقله عنه ابن قدامة، والمقدسي
(1)
وهو قول النخعي، وأبي حنيفة، والشافعي، وأكثر أهل العلم. وقال أحمد ابن حنبل: أذهب إلى قول جابر: لأن الله تعالى نص على تنصيف الصداق ونفى عن المطلقة قبل الدخول بقوله سبحانه وتعالى: وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ
العدة
مَا فَرَضْتُمْ} الآية 237 من سورة البقرة وقال تعالى: {يَسْأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَت ثُمَّ طَلَقْتُمُوهُنَّ مِن قبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُونَهَا} الآية 49 من سورة الأحزاب وأنه لا يجوز مخالفة نص الكتاب بالرأي والتحكم
وأما الميراث فإنها ليست بزوجة ولا معتدة من نكاح، فأشبهت المطلقة في
الصحة.
فإن خلا بها وقال: لم أطأها، وصدقته، فلها الميراث وعليها العدة للوفاة
ويكمل لها الصداق، لأن الخلوة تكفي في ثبوت هذه الأحكام.
وقالت طائفة أخرى: لها الصداق كاملا والميراث وعليها العدة. وهو قول الحسن وعطاء في رواية عنه، وأبي عبيد. وذلك لأن الميراث ثبت
(1) المغني: ج 7 ص 220 - الشرح الكبير: ج 7 ص 183.
589 (1/589)
صفحة 569
للمدخول بها لفراره منه. وهذا فار. وإذا ثبت الميراث ثبت وجوب تكميل
الصداق
وقال آخرون: لها الميراث والصداق، ولا عدة عليها عدة عليها، وهو قول آخر، لعطاء: لأن العدة حق عليها فلا تجب بفراره.
وقال آخرون:
لها الميراث ونصف الصداق، وعليها العدة. وهذا قول مالك في رواية أبي عبيد عنه،، لأن من ترث يجب أن تعتد، ولا يكمل الصداق للآية المتقدمة (1)
(1) المرجعان السابقان
590 (1/590)
صفحة 570
مسألة - 20 - ميراث دية المقتول:
دية المقتول موروثة عنه كسائر أمواله. ولكن هل يرثها ذوو الفرض وحدهم
أو يرثها معهم العصبة روي عن الإمام جابر بن زيد أن عقل الرجل الحر ميراث بين ورثته من كانوا.
يقسم بينهم على فرائضهم، كما كانوا يقسمون ميراثه. نقله عنه البيهقي في. ونسب ذلك إلى النبي الله
سننه
(1)
وروى البيهقي أيضا أن جابر بن زيد سئل عن الأخ من الأم هل يرث من الدية
إذا لم يكن من أبيه. قال نعم. ورثه عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي ا الله عنهما وشريح. وكان عمر يقول: إنما ديته بمنزلة ميراثه وقال علي: الدية تقسم على فرائض الله تعالى فيرث منها كل وارث. وقال أيضا لقد ظلم من لم يورث الإخوة من الأم من الدية شيئا
ودليلهم ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي علا قضى أن العقل ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم. رواه أحمد وذهب أبو ثور إلى أن الدية على الميراث، ولا تقضى منها ديونه ولا تنفذ منها
أحمد عن
هذا وصاياه. وروي وقال آخرون: إن الدية لا يرثها إلا عصابة المقتول الذين يعقلون عنه. وهذا القول منسوب إلى علي. وقد كان عمر يقول به ثم رجع عنه لما بلغه عن النبي عل الله توريث المرأة من دية زوجها. إذ قال له الضحاك الكلابي كتب إلي رسول الله عل الله: أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها أشيم. وقال الترمذي هذا
حديث حسن صحيح
(2)
(1) ج 8 ص 58. (2) المغني: ج 7 ص 204
591 (1/591)
صفحة 571
مسألة - 21 - ميراث ولد الملاعنة:
لا خلاف بين أهل العلم في أن الولد الذي نفاه الرجل باللعان لا يرث أحدهما الآخر، لأن التوارث بسبب النسب، وقد انتفى باللعان أما نسبه من جهة الأم
فثابت، ولذلك يتوارثان
ولكنهم اختلفوا في كيفية توريث الأم منه فذهب جابر بن زيد إلى أن عصبته عصبة أمه. ومعنى ذلك أنه ترثه عصبة أمه إذا لم يكن ذا سهم من النسب. وهذا القول مروي عن علي وابن عباس وابن عمر. وبه قال الحسن وابن سيرين وعطاء والشعبي والنخعي روى ذلك ابن قدامة وابن خلفون (1). وروي عن عمر بن الخطاب أنه قضى بذلك. وهو قول أئمة الإباضية منهم أبو عبيدة وعبد الله بن عبد العزيز فقد نقل عن أبي عبيدة مسلم ابن أبي كريمة في ابن الملاعنة أنه إذا مات وخلف أما وأخا وأختا لأم) وهما ابن الزوج الذي لاعن) قال: للأم السدس، وللأخ والأخت الثلث بينهما، والباقي رد على الأم والأخت على قدر فرائضهم. لأن ابن الملاعنة أخوهم لأمهم، لانتفاء
(2)
أبيهم عنه وذهب آخرون: وهم أصحاب الرأي إلى أن ميراث ابن الملاعنة كميراث غيره ممن يموت ولا عصبة له. فللأم فرضها والباقي رد عليها. وإن كان معها صاحب فرض آخر يرد الفضل عليهم على قدر سهامهم. وقال ابن مسعود في ولد ملاعنة ترك جدته وإخوته لأمه قال: للجدة الثلث وللإخوة الثلثان. وهو قول الله منسوب إلى علي رضي عنه. وقال زيد: للجدة السدس وللإخوة الثلث
والباقي لبيت المال
(3)
(1) المغني: ج 7 ص 123 - أجوبة ابن خلفون: 28. الشرح الكبير: ج 7 ص 28.
(2) الأجوبة ص 29.
(3) شرح السنة: ج 8 ص 362.
592 (1/592)
صفحة 572
الجماعة (1)
وقد استدل الجميع بالحديث الذي رواه نافع عن ابن عمر: و أن رجلا لاعن امرأته وانتفى من ولدها. ففرق رسول الله الله بينهما وألحق الولد بالمرأة، رواه
(1) نيل الأوطار: ج 6 ص 284.
593 (1/593)
صفحة 573
مسألة - 22 - ميراث المقتول في ردته:
إذا مات المرتد أو قتل على ردته، فقد اختلف أهل العلم في ميراثه
فروي عن الإمام جابر بن زيد أن ماله يرجع لورثته من المسلمين ولا فرق بين
(1)
ما كسبه قبل ردته أو بعدها. نقل ذلك عنه ابن قدامة والمقدسي ونسب هذا القول إلى أبي بكر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم وبه قال سعيد ابن المسيب، والحسن وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. وهي رواية عن عمر بن الخطاب وأحمد بن حنبل. وإليه ذهب الزيدية، بشرط أن يلتجيء المرتد إلى دار الحرب. وهو قول الحنفية، ولكنهم قالوا: إن ورثته يرثون ما كسبه قبل الردة وأما ما اكتسبه بعدها
فهو فيء.
(2)
وحجة هذا الفريق ما روى أبو الأسود الديلي (أن معاذ بن جبل أتي بميراث يهودي وارثه مسلم، فقال: سمعت رسول الله الله يقول: (الإسلام يزيد ولا ينقص فورثه المسلم» رواه أبو داود.
واستخدموا القياس فقالوا لأننا لا ننكح نساءهم ولا ينكحون نساءنا فكذلك لا نرثهم ولا يرثوننا (3) وقالوا: إن هذا قول الخليفتين الراشدين: فإنه يروى عن زيد بن ثابت أنه قال: بعثني أبو بكر عند خروجه إلى أهل الردة: أن قسم أموالهم بين ورثتهم من
المسلمين
وخالف جماعة فقالوا: إن ماله لأهل دينه الذي اختاره إن كان منه من يرثه.
(1) المغني: ج 7 ص 174 - الشرح الكبير: ج 7 ص 167.
(2) شرح الأزهار: ج 4 ص 578
(3) المغني: ج 7 ص 166.
594 (1/594)
صفحة 574
وإلا فهو فيء. وبه قال داود الظاهري. وروي عن علقمة وسعيد بن أبي عروبة. وقالوا لأنه كافر فورثه أهل دينه كالحربي وسائر الكفار، لقوله عل: و لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم) متفق عليه.
ويرى فريق ثالث أن مال المرتد يكون بعد موته فيئا في بيت مال المسلمين. وهذا هو الصحيح من مذهب الإمام أحمد بن حنبل وهو قول ابن عباس وربيعة ومالك وابن أبي ليلى والشافعي وأبي ثور وابن المنذر (1)
(1) الشرح الكبير: المتقدم.
595 (1/595)
صفحة 575
مسألة - 23 - في ولاء أم الولد:
أم الولد: هي الأمة التي علقت من سيدها بحمل ووضعته متخلقا وادعاه (1). وقد اختلف أهل العلم في أم الولد إذا ماتت بعد موت مولاها وليس لها وارث
يرثها.
فذهب عامة أهل العلم إلى أنها تعتق بعد موته. وتخرج قيمتها من رأس مال تركته مقدمة عن الديون والوصايا، ويكون ولاؤها له يرثها أقرب عصبته الذكور. وهذا قول عمر وعثمان
واستدلوا بما روي عن النبي عليه أنه قال: (أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة عن دبر منه) رواه أحمد. وبما روي عن ابن عباس قال: ذكرت أم إبراهيم عند رسول الله الله فقال (أعتقها ولدها» رواه ابن ماجة والدارقطني وإسناداهما ضعيفان ولكن ابن حزم صحح إسناد الحديث الأخير (2) وروي عن جابر بن زيد أنه قال: (أم الولد لا تعتق بموت سيدها بل يرثها ولد سيدها، وله بيعها. وهذا القول منسوب إلى علي بن أبي طالب وابن عباس نقل ذلك صاحب المغني) وصاحب الشرح الكبير وحجة هذا القول ما روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: بعنا أمهات الأولاد
(3)
(4)
على عهد رسول الله الله وأبي بكر. فلما كان عمر رضي الله عنه نهانا فانتهينا رواه أبو داود. هذا من حيث المنقول وأما من حيث المعقول فقالوا: إنها مملوكة ولم يعتقها سيدها، ولا شيئا منها ولا قرابة بينه وبينها، فلم تعتق وقالوا: إن الأصل في هذه الحالة الرق، ولم يرد بزواله نص ولا إجماع ولا ما في معنى ذلك،
(1) نيل الأوطار: ج 6 ص 102 (2) نيل الأوطار: ج 6 ص 103.
(3) المغني: ج 7 ص 250 (4) الشرح الكبير: ج 7 ص 242
596 (1/596)
صفحة 576
فوجب البقاء عليه وأضافوا قائلين: إن ولادتها لو كانت موجبة لعتقها لثبت العتق بها حين وجود الولادة كسائر الأسباب التي يتعلق بها العتق (1)
وخالف ابن حزم فقال: إن الميراث لعصبة المعتق وليس للولد إلا أن يكون الولد من العصبة كأولاد أم الولد من سيدها المعتق، أو يكونوا من بني عمها. وحجته ماروي عن النبي عل الله أنه قال: (مولى القوم منهم) أخرجه البخاري. وقوله: (ما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر) متفق عليه
ووجه الاستدلال: أنه إذا كانت المرأة من بني مضر وبنوها من اليمن، فإن
مواليها من مضر بلا شك. ومن المحال أن يكون رجل يماني أولى برجل
مضري
(2)
(1) المغني: ج 12 ص 493. (2) المحلى: ج 9 ص 300.
597 (1/597)
صفحة 577
مسألة - 24 - حكم من أسلم على ميراث قبل أن يقسم:
اختلف العلماء فيمن أسلم قبل تقسيم ميراث موروثه المسلم:
فقال جابر بن زيد رحمه الله: إنه يرث، وإذا أسلم قبل قسمة بعض المال ورث مما بقي. . نقله عنه ابن قدامة والمقدسي وابن القيم
(1)
وهو قول عمر وعثمان والحسن بن علي وعبد الله بن مسعود. وقال به: الحسن البصري ومكحول وقتادة وإياس بن معاوية. وقال به الإمام أحمد
وحجة هؤلاء فيما يلي:
1 - ما روي عن النبي عل الله أنه قال: (من أسلم على شيء فهو له» رواه أنه سعيد من طريقين عن عروة، وابن أبي مليكة
2 ما روي عن النبي عل الله أنه قال: «كل قسم قسم في الجاهلية فهو على
علية
ما قسم، وكل قسم أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام» رواه أبو داود بإسناده عن ابن عباس.
-
3
بما روي ابن عبد البر بإسناده في التمهيد عن زيد بن قتادة العنبري قال: إن إنسانا من أهله مات على غير دين الإسلام فورثته أختي دوني وكانت على دينه. ثم إن جدي أسلم وشهد مع النبي علا الله حنينا فتوفي فلبثت سنة وكان ترك ميراثا. ثم إن أختي أسلمت فخاصمتني في الميراث إلى عثمان رضي الله عنه فحدثه عبد الله بن أرقم: أن عمر قضى أنه من أسلم على ميراث قبل أن يقسم فله نصيبه فقضى به عثمان. قالوا: وهذه قضية اشتهرت فلم تنكر فكانت إجماعا. ومن حيث المعقول قالوا:
إن المرء لو تجدد له صيد بعد موته وقع في شبكته التي نصبها في ملكه لثبت له
(1) المغني: ج 7 ص 171 - الشرح الكبير: ج 7 ص 160 - أحكام أهل الذمة: ج 2 ص 452
598 (1/598)
صفحة 578
الملك فيه. ولو وقع إنسان في بئر حفرها لتعلق ضمانه بتركته بعد موته فجاز أن يتجدد حق من أسلم من ورثته بتركته ترغيبا في الإسلام، وحبا عليه. وخالف فريق آخر فقالوا: إنه لا يرث. وهو المشهور من قول علي بن أبي وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء وطاوس والزهري
الله عنه طالب رضي
وغيرهم.
وقال به من الأئمة: مالك وأبو حنيفة والشافعي رضي الله
عامة الفقهاء.
عليه
عنهم. وهو قول
وحجتهم ما روي عن النبي عل الله أنه قال: (لا يرث الكافر المسلم) متفق
وقالوا أيضا: إن الملك قد انتقل بالموت إلى المسلمين فلم يشاركهم من أسلم
كما لو اقتسموا.
ولأن المانع من الإرث متحقق حال وجود الموت فلم يرث كما لو كان رقيقا
فأعتق أو كما لو بقي على كفره (1).
(1) من المصدرين السابقين
599 (1/599)
صفحة 579
مسألة - 25 - في الأحق بالتقديم في الإرث: المولى المعتق أو ذوو الأرحام:
اختلف العلماء في هذه المسألة
فروي عن الإمام جابر رضي الله عنه أنه يرى تقديم ذوي الأرحام في الميراث
على المولى المعتق وعصباته
نقله عنه ابن قدامة، والمقدسي)
(1)
وهو قول عبد الله بن مسعود، وعبيد الله بن عبد الله، وعلقمة والأسود والنخعي وغيرهم
وقال آخرون: إن المولى المعتق أولى وأحق بالتقديم من ذوي الأرحام وهو قول عامة أهل العلم، سواء ممن يرى توريث ذوي الأرحام أو لا يرى توريثهم.
واحتج هؤلاء بقوله: (الخال وارث من لا وارث له). ووجه الاستدلال بهذا الحديث: أن المولى وارث من جملة الورثة فكان أولى.
وقالوا أيضا: إن المولى يعقل وينصر فأشبه العصبة من
النسب
(2)
(1) المغني ج 7 ص 93 الشرح الكبير: ج 7 ص 103.
(2) المرجعان المتقدمان.
600 (1/600)
صفحة 580
مسألة - 26 - ميراث الخنثى:
الخنثى الذي هو له ذكر وفرج امرأة، أو ثقب في مكان الفرج يخرج منه البول. وينقسم إلى مشكل وغير مشكل. فالذي يتبين فيه علامات الذكورية أو الأنوثية فيعلم أنه رجل أو امرأة فليس بمشكل وإنما هو رجل فيه خلقة زائدة. أو امرأة فيها خلقة زائدة. وحكمه في إرثه وسائر أحكامه حكم ما ظهرت علاماته
(1)
فقد نسب إلى الإمام جابر بن زيد قوله: إن الخنثى يورث من حيث يبول. إن بال من حيث يبول الرجل فهو رجل وإن بال من حيث تبول المرأة فهو أنثى. نقله عنه صاحب المغني " وروى البيهقي عن قتادة قال: سجن جابر بن زيد زمن الحجاج فأرسلوا إليه يسألونه عن الخنثى كيف يورث. فقال: تسجنوني ثم تستفتونني ثم قال: انظروا من حيث يبول فورثوه منه وممن قال بذلك من أهل العلم: علي بن أبي طالب ومعاوية وسعيد بن المسيب، وأهل الكوفة وسائر العلماء. واستدلوا بما روي عن ابن عباس أن النبي عل الله سئل عن مولود له ذكر وقيل، من أين يورث؟ قال من حيث يبول. وروي عنه أيضا أنه أتي بخنثى من الأنصار فقال: (ورثوه من أول ما يبول). ولكن العلماء اختلفوا فيما إذا كان يبول منهما معا دون أن يسبق البول من أحدهما. فقال جابر بن زيد: يوقف إلى جنب حائط. فإن بال عليه فهو رجل،
وإن شلشل بين فخذيه فهو امرأة. نقله عنه صاحب المغني أيضا
وروى البيهقي عن صالح الدهان أو سلمة بن كليب قال: سئل جابر بن زيد
(1) المغني: ج 7 ص 114 - الشرح الكبير: ج 7 ص 148
601 (1/601)
صفحة 581
عن الخنثى كيف تورث فقال: يقوم فيدنو من الحائط ثم يبول. فإن أصاب
الحائط فهو غلام، وإن سال بين فخذيه فهو جارية (1)
وقال سعيد بن المسيب: يعطى نصف نصيب الذكر ونصف نصيب الأنثى
وقال علي بن أبي طالب والحسن رضي الله عنهما: تعد أضلاعه. فإن أضلاع
المرأة تزيد على أضلاع الرجل بضلع.
وقال أبو حنيفة: يعطى أبخس النصيبين في الميراث
أما الشافعي فقال: يعمل باليقين في حقه، وغير حقه. ويوقف المشكوك فيه حتى يتبين الحال. ومثال ذلك أنه لو ماتت امرأة عن زوج، وأب، وولد خنثى. أخذ الزوج الربع، والأب السدس، والخنثى النصف. ويوقف الباقي حتى يتضح حاله. فإن تبين أنه ذكر أخذ الباقي، وإن تبين أنه أنثى أخذ الأب
الباقي.
وذهب الجمهور إلى أنه يوقف حتى يبلغ. فإن ظهرت عليه علامات النساء كبروز الثديين أعطي نصيب أنثى، أو ظهرت عليه علامات الذكورة كنبات اللحية وخروج المني أعطي نصيب الذكر، وإن لم يظهر شيء من ذلك أو مات قبل البلوغ أعطي نصف نصيب ذكر ونصف نصيب أنثى (2)
(1) السنن الكبرى: ج 6 ص 261
(2) فقه سعيد بن المسيب: ج 3 ص 165
602 (1/602)
صفحة 582
مسألة - 27 - ميراث المعتق بعضه:
إذا اكتسب المعتق بعضه مالا ثم مات وتركه، فما مصير تركته؟
اختلف العلماء في ذلك:
(1)
فروي عن الإمام جابر بن زيد أن حكمه حكم الحر في توريثه والإرث منه نقله ابن قدامة في المغني والمقدسي في الشرح الكبير وهو قول ابن عباس والنخعي وحماد وابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد. وقال قوم: إن كان قد كسب المال بجزئه الحر، مثل أن يكون قد هايا سيده
على منفعة فاكتسب في أيامه أو ورث شيئا، فإن الميراث إنما يستحقه بجزئه الحر أو كان قد قاسم سيده في حياته، فتركته كلها لورثته لا حق لمالك باقيه فيها. فأما إن لم يكن قد اكتسبه بجزئه الحر خاصة ولا اقتسما كسبه فلمالكه باقيه من تركته بقدر ملكه فيه والباقي لورثته. فإن مات له من يرثه فإنه يرث ويورث ويحجب على قدر ما فيه من الحرية
هذا قول علي وابن مسعود رضي الله عنهما، وبه قال المزني وأهل الظاهر. وقال زيد بن ثابت: لا يرث ولا يورث وأحكامه أحكام العبد. وهو قول مالك والشافعي في القديم، وجعلا ماله لمالك باقيه.
وقال الشافعي في الجديد: ما كسبه بجزئه الحر لورثته، ولا يرث هو ممن مات شيئا. وبه قال طاوس وعمرو بن دينار وأبو ثور (2)
(1) المغني: ج 7 ص 134 - الشرح الكبير: ج 7 ص 225.
(2) المصدران المتقدمان.
603 (1/603)
صفحة 583
العتق
605 (1/605)
صفحة 584
مسألة - 28 - الحكم في أولاد المدبرة:
ولد المدبرة لا يخلو من حالين: الأول: أن يكون موجودا حال تدبيرها ويعلم ذلك بأن تأتي به لأقل من ستة أشهر من حين التدبير. فهذا يدخل معها في. لأنه كعضو من أعضائها. الثاني: أن تحمل به بعد التدبير، ويكون حكمه حكمها في العتق بموت سيدها. وهذا قول أكثر أهل العلم. روي ذلك
التدبير
(1)
عن ابن مسعود وابن عمر. وبه قال سعيد بن المسيب. والحسن والنخعي وعمر بن عبد العزيز. وهو مذهب الإمام مالك. وأصحاب الرأي وهي رواية عن الشافعي
(2)
إلا أن جابر بن زيد قال: إن أولاد المدبرة عبيد. نقل ذلك عنه ابن حزم وصاحب المغني (3). وهو قول عطاء، وأحد قولي الشافعي. ويرون أن ولد المدبرة لا يتبعها ولا يعتق بموت سيدها. وقال عكرمة: إن أولاد المدبرة لا عتق
لهم.
واحتج الأولون بما روي عن عمر بن الخطاب وابن عمر وجابر بن عبد الله أنهم
فكان
قالوا: إن ولد المدبرة بمنزلتها. وقالوا إنه لم يعرف عن الصحابة مخالف لهم ذلك إجماعا. ولأن الأم استحقت الحرية بموت سيدها فيتبعها ولدها كأم الولد. وبفارق التعليق بصفة في الحياة والوصية، من جهة أن التدبير أكد من كل واحد لأنه اجتمع فيه الأمران. وما وجد فيه سببان يكون أكد مما وجد فيه
منهما
أحدهما
واحتج الآخرون بأن عتق المدبرة يتعلق بصفة تثبت بقول المعتق وحده.
(1) فقه سعيد بن المسيب:
(2) المحلى: ج 9 ص 39.
: ج 4 ص
237
(3) المغني: ج 12 ص 323 و ج 7 ص 251. والشرح الكبير: ج 12 ص 320.
607 (1/607)
صفحة 585
فأشبهت من علق عتقها بدخول الدار. وقال جابر بن زيد تشبيها إن ذلك بمنزلة الحائط تصدقت به إذا مت. فإن ثمرته لك ما عشت، وقالوا إن التدبير وصية، وولد الموصي بها قبل الموت لسيدها (1).
أنه
وخالف الإمام ابن حزم فقال: إن ولد المدبرة التي تحمل به بعد التدبير هو ولد أمة جائز بيعها. فهو عبد لأن ولد الأمة عبد وأما ما حملت به ثم أدركها العتق قبل أن تضعه فهو حر معها ما لم يستثنه السيد. وذلك لأنه وإن كان مغايرا لها فهو
تبع لها (2)
وقال الإباضية: إن كل ما ولدت المدبرة في حياة سيدها هم عبيد. . له أن يبيع ويهب ويستخدم. وإذا مات فالأم التي جعل لها ذلك حرة وما بقي من ولدها فهم له (3). وشبهوا ذلك بالرجل الذي جعل نخلته في سبيل الله. يأكل رطبها وبسرها وينتفع بها في حياته ويغرس منها في أرضه. فإذا مات وقد اقتعد من ذلك مالا فهو لورثته من بعده والنخلة في سبيل الله كما جعلها (4)
(1) المغني: ج 12 ص 323.
(2) المحلى: المرجع السابق.
(3) المدونة الكبرى: ج 2 ص 168
(4) المدونة الكبرى: ج 2 ص 168.
608 (1/608)
صفحة 586
مسألة - 29 - تعليق العتق على الملك:
إذا قال: إن ملكت فلانا فهو حر، ثم ملكه، فقد اختلف الفقهاء في هذه
المسألة
فقال جابر بن زيد: لا يقع العتق. نقل ذلك صاحب المغني والترمذي
(1)
وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء، والحسن، وسوار القاضي، والشافعي، وأبو
ثور، وابن المنذر، وهي رواية عن أحمد
ونسب الترمذي هذا القول إلى علي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله وسعيد
(2)
ابن جبير، وغير واحد من فقهاء التابعين. وقال: هو قول أكثر أهل العلم 2 واحتجوا بما رواه عامر الأحول عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: صل الله قال رسول الله: (لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ولا عتق فيما لا يملك، عليه ولا طلاق له فيما لا يملك). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح وخالف ذلك جماعة من الفقهاء:
فذهب بعضهم إلى أنه إن عمّ، لا يقع عتقه. وإن خص واحدا أو جنسا. الأجناس وقع. وإلى هذا القول ذهب الإمام مالك وقال آخرون: يقع العتق مطلقا: وهو قول الثوري، وإليه ذهب أبو حنيفة وهي رواية عن أحمد بن حنبل. وقالوا: لأنه يصح تعليقه على الإخطار فصح
تعليقه على حدوث الملك كالوصية والنذر واليمين
(3)
-
(1) المغني: ج 11 ص 232 - تحفة الأحوزي: ج 2 ص 212
(2) سنن الترمذي: ج 2 ص 326
(3) المغني: ج 11 ص 233 - فقه سعيد بن المسيب: ج 4 ص 256
609 (1/609)
صفحة 587
مسألة - 30 - إذا عجز المكاتب هل يستسعى؟
إذا كوتب العبد إلى أجل مسمى، نجم واحد أو نجمين فصاعدا فحل وقت النجم ولم يؤد ما عليه. فقد اختلف الناس في ذلك:
حزم
فروي عن الإمام جابر بن زيد أنه إذا عجز المكاتب استسعى ـ نقله ابن
(1)
ومعنى
فيتحرر
(2)
الاستسعاء أنه يستمر عبدا بالنسبة لما بقي عليه من الدين إلى أن يستوفيه
وذهب إلى الأخذ بالسعاية إذا كان المعتق معسرا أبو حنيفة وصاحباه والأوزاعي، والثوري وإسحق وأحمد في رواية عنه.
ثم اختلفوا:
فذهب الأكثرون إلى أنه يعتق في الحال ويستسعى في تحصيل قيمة ما بقي
عليه.
وقال علي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله يرد عبدا، وسيده أحق بشرطه
الذي شرطه.
وفعل ذلك ابن عمر.
وقال فريق آخر: إذا عجز المكاتب يستسعى حولين، فإن أدى وإلّا رد في الرق. قاله الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح.
وقال أبو المؤرج وابن عبد العزيز: هو حر من يوم وقعت عليه الكتابة ولا يرد في الرق. وإنما للمكاتب أن يتبعه بدينه وينظره وهو غريم من الغرماء يفعل به كما يفعل بالغريم (3)
610
(1) المحلى: ج 9 ص 242 (2) نيل الأوطار: ج 6 ص 94.
(3) المدونة الكبرى: ج 2 ص 178 (1/610)
صفحة 588
واستدلوا على ذلك من قوله تعالى: إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ {وَالْعَمِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرقاب) الآية 60 من سورة التوبة ووجه الاستدلال: أن الله تعالى لا يفرض الصدقات على السهام التي سمى للعباد، لأن السيرة من جميع أهل التوحيد أن تقسم صدقاتهم على الأحرار الفقراء، ولا يجوز أن تعطى لعبيدهم وإمائهم)
(1)
(1) المدونة الكبرى: ج 2 ص 179
611 (1/611)
صفحة 589
مسألة - 31 - من ملك ذا رحم محرم منه، هل يعتق عنه؟
روي عن جابر بن زيد أنه قال من ملك ذا رحم محرم عتق عليه سواء في ذلك
الأصول والفروع وغيرهم
نقل ذلك ابن حزم والقرطبي والمقدسي وابن قدامة (1)
وبذلك قال جمهور العلماء: عمر وابن مسعود والحسن وعطاء، والشعبي،
والزهري وغيرهم. وهو قول الربيع بن. حبيب.
وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد
واستدلوا بما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من ملك ذا رحم محرم فهو حر» رواه الحاكم، وقال صحيح على شرط الشيخين ورواه الترمذي وقال حديث حسن. وذهب فريق آخر إلى أنه لا يعتق على المالك إلا الأصل والفرع وهو قول
الشافعي.
وحجته قوله تعالى: وتَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُ الْأَرْضُ وَتَخِرُ الْجِبَالُ هَدًا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلِّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا عَاتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا من الآيات من
9390
90 إلى 93 من سورة مريم.
ووجه الاستدلال: أن الله تعالى نفى عن نفسه الولادة، وعلل ذلك بأن الكل عبيد له. فدل ذلك على استحالة اجتماع الولادة مع العبودية وعليه: فكل شخصين بينهما ولادة، إذا ملك إحداهما الآخر عتق عليه
(2)
(1) المحلى: ج 9 ص 203 - أحكام القرآن: ج 5 ص 6 - الشرح الكبير: ج 12 ص 242.
المغني: ج 7 ص 248.
(2) الأشراف للبغدادي: ج 2 ص 305 - فقه ابن المسيب: ج 4 ص 232.
612 (1/612)
صفحة 590
وذهب آخرون إلى أنه لا يعتق أحد على أحد. وهو قول داود الظاهري.
وفي رواية ثانية عن جابر بن زيد أنه كان يكره أن يبيعه. نقلها أبو غانم
الخراساني
ومعنى
ذلك أنه يباح له ملكه، وإنما يكره له البيع.
انتهى الكتاب بعون الله وحمده
613 (1/613)
صفحة 591
الفهارس الفنية
1 - فهرس الآيات القرآنية. 2 - فهرس الأحاديث القولية 3 - فهرس الأحاديث غير القولية
-
4
فهرس القوافي
5 - فهرس الأعلام.
6 – فهرس القبائل والأمم والفرق.
7 - فهرس الأماكن والبلدان
8 - فهرس الكتب
و – فهرس الأيام والوقائع والحروب.
إعداد
مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بالقاهرة
615 (1/615)
صفحة 592
رقم الآية
الصفحة
الآية
1 - فهرس الآيات القرآنية
ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا كله
سورة البقرة
وضربت عليهم الذلة والمسكنة كله
إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى، له
كل له قانون
وإذا ابتلى إبراهيم ربُّه بكلمات الله فلا جناح عليه أن يطوف بهما الله
واتى المال على حبه ذوى القربى الله
فمن عُفى له من أخيه شيء الله فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان لله كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت الله فمن كان منكم مريضا أو على سفر الله فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أخر كم
وعلى الذين يطيقونه فدية له
فمن تطوع خيرا فهو خير له
وأن تصوموا خير لكم
کيا کيا
حتى يتبين لكم الخيط الأبيض الله
ثم أتموا الصيام إلى الليل وأتموا الحج والعمرة الله الله فمن تمتع بالعمرة إلى الحج
ولا جدال في الحج الله ور ولا تقربوهن حتى يَطْهُرْنَ للذين يُولُونَ من نسائهم (1/617)
صفحة 593
فإن قاءوا فإن الله غفور رحيم الله
رقم الآية
الصفحة
والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء 228
الطلاق مرتان
فلا جناح عليهما فيما افتدت به ه
فإن طلقها فلا تحل له من بعده فأمسكوهن بمعروف
وإذا طلقتم النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهن الله فلا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أزواجهن والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا له
ولكن لا تواعدوهن سرا
لا جُنَاحَ عليكم إن طلقتم النساء له
ومَتَّعُوهُنَّ على الموسع قدره
علي الموسع قدره وعلى المقتز قدره
حقا علي المحسنين الله
وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ من قبل أن تمسوهن
إلا أن يَعْفُون
الذي بيده عُقدة النكاح
حافظوا على الصلوات والصلاة
الوسطى که
وقوموا الله قانتين
والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا له
وللمطلقات متاع بالمعروف
ومما أخرجنا لكم من الأرض فإن أمِنَ بعضكم بعضا له (1/618)
صفحة 594
رقم الآية
الصفحة
الآن
يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم وأشهدوا إذا تبايعتم الله
ولا تكتموا الشهادة دة
إلا أن تتقوا منهم ثقاة
ورة آل عمران
كلما دخل عليها زكريا المحراب له
وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين
هو يا يا
مريم
آفنتي لربك ده
فإذا عزمت فتوكل على الله الله
ذلك أدنى ألا تعولوا له
وآتوا النساء صدقتهن نحلة ..
سورة النساء
فإن ءانستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ه 6 للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون له 7 وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتمى
والمسكين فارزقوهم منه ولكم نصف ما ترك أزوجكم الله وإن كان رجل يورث كللة أو امرأة
والتي يأتين الفحشة من نسائكم وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ... ولا تنكحوا ما نكح اباؤكم من النساء .. وأمهتكم التي أرضعنكم الله
وأمهات نسائكم
وحلائل أبنائكم
والمحصنت من النساء إلا ما ملكت
أيمنكم (1/619)
صفحة 595
رقم الآية
الصفحة
وأحل لكم ما وراء ذلكم
ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح
المحصنات المؤمنات له
وعاتو هن أجورهن بالمعروف ....
يأيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم
سکري کا کي
فلم تجدوا ماء الله
وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها
ومن قتل مؤمنا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة ودية
مسلمة إلى أهله له
وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثق
ونصله جهنم که
كونوا قوامين بالقسط شهداء الله الله
إن امرؤا هلك ليس له ولده حرمت عليكم الميتة دي فكلوا مما أمسكن عليكم
اليوم أحل لكم الطيبت ...
له
وإذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم ...
وامسحوا برءوسكم کوه
وامسحوا برء وسكم وأرجلكم إلى الكعبين له
أو ينفوا من الأرض
التالية
أكلون للسحت
ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكفرون الله
ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظلمون الله (1/620)
صفحة 596
الآي
ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك
الفسقون
فاحكم بينهم بما أنزل الله
ومن يتولهم منكم فإنه منهم
رقم الآية
الصفحة
هم
إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا .. الله
ومن قتله منكم متعمدا ده
عفا الله عما سلف
وحرم عليكم صيد البر مادمتم حرما ده يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم له يأيها الذين آمنوا شهدة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ..
سورة الأنع
ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه الله
وءاتوا حقه حصاده که
يوم
أو فسقا أهل لغير الله له
ورة التوبة
والذين يكنزون الذهب والفضة إنما الصدقات للفقراء والمسكين .. والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض الله
ومنهم من عهد الله لئن اتنا
فضله
من
لنصدقن الله
وما على المحسنين من سبيل له
خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بهانه
سورة الأنفال
وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به 11 ه وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض الله (1/621)
صفحة 597
رقم الآية
الصفحة
سورة يوسف
الآن
واتبعت ملة ابائى كم
سورة الرعد
يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر
سورة النحل
من كفر بالله من بعد إيمنه إلا من أكره وقلبه
مطمئن بالإيمن
ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا
حلال وهذا حرام
هو إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا له
سورة الإسراء
لتفسدن كم
وءات ذا القربى حقه)
وقرءان الفجر إن قرءان الفجر كان مشهودالله
سورة الكهف
أما السفينة فكانت المسكين يعملون في
البحر كم كم
سورة مريم
تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض
وتخر الجبال هذا ...
ــورة
و إن الله يفعل ما يشاء له و في أيام معلومته
ويأيها الذين امنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا
ربكم ماه
622 (1/622)
صفحة 598
الآي
رقم الآية
الصفحة
ورة النور
الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة
جلدة له
والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك
ذلك وحرم
على المؤمنين له
والذين يرمون المحصنته
والذين يرمون المحصنت ثم لم يأتوا بأربعة
شهداء مره
والذين يرمون أزواجهم
يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم
وليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة ..
ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها كله وأنكحوا الأيمى منكم
يأيها الذين ءامنوا ليستئذنكم الذين ملكت
أيمنكم الله
فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن) وليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج
خرج کا کاوه
وعلى على أنفسكم
و أن تأكلوا من بيوتكم)
سمورة الفرقان
وأنزلنا من السماء ماء طهورا)
فجعله نسبا وصهرا ده (1/623)
صفحة 599
رقم الآية
الصفحة
165
220
195
الآن
و كل شيء هالك إلا وجهه كه
سورة القصص
ــورة
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة له
ومن يقنت منكن
يأيها الذين ءامنوا إذا نكحتم المؤمنت ثم طلقتموهن من قبل قبل أن تمسوهن .... يأيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك له ولا يحل لك النساء من بعد الله
و صلوا عليه وسلموا تسليما كله
ورة فاط
لل فلا تذهب نفسك عليهم حسرت ه ـــورة الزمـ
وأمن هو قنت اناء الليل له
سورة فصل
فصلت
ومن عايته الليل والنهار والشمس والقمر ..
سورة الرحم
مدهامتان که
سورة الواقعة
في كتب مكنون لا يمسه إلا المطهرون له
فلولا إن كنتم غير مدينين له
وتصلية جحيم
سورة المجادلة
وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا له
624 (1/624)
صفحة 600
رقم
الآية
الصفحة
الآن
سورة الحشر
هو الله الخلق البارئ المصور ....
سورة الجمعة
يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلوة من يوم
الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ...
سورة الطلاق
فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف ..
والتى يئسن من المحيض ... الله وأولت الأحمال أجلهن أن يضعن
حملهن ميکنه
ورة التحري
يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك الله
سورة الملك
قل أرعيتم إن أصبح ماؤكم غورا ...
سورة المزمل
إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى اليله فاقرءوا ما تيسر من القرءان الله
فاقرءوا ما تيسر منه
سورة المدثر
والرجز فاهجر ده
سورة التكوير
وإذا الموءودة سألت الله
ول الجوار الكنس دي کيان
سورة الانشقاق
ويصلي سعيرا انه (1/625)
صفحة 601
رقم الآية
الصفحة
سورة
أو مسكينا ذا متربة كم
والتين والزيتون
ورة التين
سورة العصر
والعصر: إن الإنسان لفي خسر له
626
الآن (1/626)
صفحة 602
ائذني له فإنه عمك)
الصبح أربعا)
ه ابتغوا في مال اليتيم
2 - الأحاديث القولية
.
أبه جنون
أتعطين زكاة هذا؟ .... )
أتمى صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك) اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا)
ه إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها)
ه احسبوا له»
أحصن من ملك أو ملك»
أحصن من ملك أو ملك له)
أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله) أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب)
إذا أرسلت كليك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك
عليك»
ه إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى
يغسلها ... »
إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ولكن ائتوها وعليكم
السكينة)
إذا جئت الصلاة فوجدت الناس يصلون فصل معهم ... . إذا رأيتم هلال ذى الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره»
إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا شيئًا ... .
ه إذا صلى أحدكم في رحله ثم جاء إلى الإمام فليصل معه
إذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك)
.
627 (1/627)
صفحة 603
إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) ه إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ» إذا مست المرأة فرجها فلتتوضأ» إذا نسى أحدكم ليسجد سجدتين»
إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم
الأذنان
من الرأس»
أرأيت لو تمضمضت من إناء وأنت صائم ...
ارجموا الأعلى والأسفل:
استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه)
الإسلام يزيد ولا ينقص فورثه المسلم»
أطيب الطيب المسك»
أعتقها ولدها»
اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة ... » أعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات» أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف» اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا وجهه ولا رأسه ... )
افضل الصلاة طول القنوت»
أقبل الحديقة وطلقها تطليقة»
اقتلوا الأسودين في الصلاة .... )
ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبون من أبوالها وألبانها؟ ....
ألحقوا الفرائض بأهلها
الحقى بأهلك)
«
اللهم أنت السلام ومنك السلام
(
.
أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ ... »
امرأة المفقود امرأته حتى يأتي البيان»
أمرت بالنحر وهو لكم سنة»
628 (1/628)
صفحة 604
امكثى في بيتك)
ه إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله) إن أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج) إن العمرى جائزة لمن أعمرها)
إن الله تجاوز عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به نفسها ما لم تتكلم به أو
تعمل»
إن الله
إن الله تجاوز لى عن أمتى الخطأ و النسيان وما استكرهوا عليه) عز وجل زادكم صلاة فيما بين العشاء إلى الصبح ... . إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث)
ه إن الماء طهور لا ينجسه شيء»
إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم)
انحر ولا حرج ...
إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون
علقة
.
إن الرجل ليصلى ولعله أن لا يكون له من صلاته إلا عشرها ... )
(إن الصعيد الطيب طهور ما لم تجد الماء
"
.
إن العبد ليصلى فما يكتب له إلا عشر صلاته والتسع
إن في الصلاة لشغلا)
إن كان دما أحمر فدينار ... ) إن كنت تحب أن تطوق طوقا من نار فاقبلها)
(إنما الأعمال بالنيات»
إنما جعل الإمام ليؤتم به .... )
إنما يكفيك هكذا .... )
إنني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلى حتى تستأمرى
أبويك»
629 (1/629)
صفحة 605
ه إنها لا تحصنك)
ه إنها لا تصلح لي، إنها ابنة أخى من الرضاعة
ه إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير ... ) ه إنى أمرت ببدنى التي بعثت بها أن تقلد .... ه إلى قلدت الهدى فلا أحل إلى يوم النحر) أولئك العصاة أولئك العصاة)
(
ه إيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة عن دبر منه) أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها
باطل، فنكاحها باطل
" ...
أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها وشاهدى عدل فنكاحها
باطل)
الأيم أحق بنفسها من وليها» الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن وإذنها صماتها» «أيها الناس ما بال أحدكم يزوج عبده أمته ثم يريد أن يفرق
بيتهما؟ ...
ه البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة
والرجم) ترابها طهورا»
ترب وجهك يارباح)
تكفيك آية الصيف)
ه تناكحوا تناسلوا»
تنكح المرأة لمالها وجمالها ودينها)
ثلاث جدهن جد وهزلهن جد
ثم اقرأ ما تيسر من القرآن)
.
جاءني جبريل فقال: يا محمد، مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم
بالتلبية)
630 (1/630)
صفحة 606
جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) حبس الأصل وسيل الثمرة)
حسابكما على الله، أحد كما كاذب ... . الخال وارث من لا وارث له)
و خمس صلوات في اليوم والليلة ... .
ه خير القرون قرنى
" ...
دعهما فإنى أدخلتهما طاهرتين
ذاك الوأد الخفى)
.
ه ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله أو لم يذكر
ه ذلك إليك أرأيت لو كان على أحدكم دين. ذهب حقك»
ه الرجل يغيب؛ لا يقدر على الماء أيجامع أهله؟ قال: نعم) رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه،
رفع القلم عن ثلاث ... )
الرهن بما فيه)
سبعة مواطن لا تجوز فيها الصلاة ... ) سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره)
السقط يصلى عليه ويدعى لوالديه سموا عليه أنتم وكلوا) سموا أنتم وكلوا)
شغلونا عن الصلاة الوسطى
الصلاة خير موضوع
صلاة الليل مثنى مثنى ... )
ه صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)
(
صلى يوم الفطر ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما، صيد البر حلال لكم وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم.
631 (1/631)
صفحة 607
ضالة المؤمن حرق النار)
الطفل لا يصلى عليه ولا يرث .... » عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق» على بهما فأتى بهما .... »
على كل أهل بيت في كل عام أضحاة
فإن اعترفت فارجمها»
فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت) فلا تفعلا إذا صليتما في رحالكما فليصم رمضان حيث أدركه)
في الرقبة ربع العشر)
فيما سقت السماء العشر) فيما سقت السماء العشر ... »
فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر
فيه الوضوء» (المذى)
قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا
((
قولوا: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد القيء والرعاف لا ينقضان الصلاة ... »
ه كذب أبو السنابل
كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل
كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه»
كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه والمجنون» كل قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم كلوا رزقا أخرجه الله عز وجل لكم، أطعمونا إن كان
معكم
(( ....
كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع
كلوا وأطعموا وتصدقوا وادخروا»
( ... (1/632)
صفحة 608
" ...
کمل دينه. هذا الدخان
كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها؟.
كيف وقد قيل»
لا أرى ذلك، ولا يصلح أن تنكح امرأة تطلع من ابنتها على ما
تطلع عليه منها» >>
ه لا بأس ببول ما أكل لحمه»
لا بأس تزوجها»
لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها) لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج
نفسها»
لا تصلوا عند طلوع الشمس ...
لا تصوموا حتى تروا الهلال" ...
لا تقبل شهادة خائن ولا خائنة ولا ظنين في ولاء أو قرابة)
لا تقبل شهادة الولد لوالده ولا الوالد لولده ولا المرأة لزوجها لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين ... ) لا تلبسوا ثوبا مسه ورس وزعفران إلا أن يكون غسيلا ... )
الثياب شيئا مسه زعفران أو ورس) لا تلبسوا من الثياب شيئا مسه
لا تنكحها»
لا توطأ حامل حتى تضع
لا زكاة فى مال حتى يحول عليه الحول» لا صلاة إلا بأم القرآن»
لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ... )
لا صلاة لمن لا أنفه من الأرض
يصيب
لا صيام لمن لم يبيت النية»
لا طلاق ولا عتاق فى إغلاق)
لا قيلولة في الطلاق) (1/633)
صفحة 609
ه لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين» ه لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ... «لا نكاح إلا بولى»
لا نكاح إلا بولي وشاهدى عدل» ه لا وصية لوارث)
لا وضوء إلا من صوت أو ريح)
لا يؤمن أحد بعدى قاعدا)
لا يبولن أحدكم في الماء الدائم
ه لا يتوارث أهل ملتين. والمرأة ترث من دية زوجها وماله ... »
لا يجتمعان أبدا
ا لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها»
لا يحصن الشرك بالله شيئا»
«لا يحرم الحرام الحلال»
لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم» لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم
وليلة
لا
يرث قاتل من دية من قتل»
ولا يرث الكافر المسلم)
لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»
ه لا ينظر الله إلى رجل ... )
لا يغلق الرهن
لا
ينفر أحد
حتى
يكون آخر عهده بالبيت»
لعن الله الراشي والمرتشي» و لعن الله الظالمين وأعوانهم" ...
لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه)
لها ما أخذت في بطونها ولنا ما بقى شراب طهور»
634 (1/634)
صفحة 610
لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما سقت الهدى والجعلتها
عمرة»
لو مت قبلي لغسلتك وكفنتك)
ليس فيما دون خمسة أو ساق من تمر ولا حب صدقة،
ليس لقاتل شيء»
ليس من البر الصوم في السفر). ما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر» ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه ... » الله عليه فكلوه» و ما أنهر الدم وذكر اسم ه ما بلغ أن تؤدى زكاته فزکي فليس بكنز ه ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ ... ) ه ما حق امرئ مسلم له شيء يوصى به يبيت ليلتين إلا ووصيته
مكتوبة عنده)
(ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدى منها حقها إلا إذا
كان
« ...
ه ما منعك أن تصلى مع الناس؟ ... )
ه ما منعكما أن تصليا معنا ... )
ما هذا ياعائشة؟
"
المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدا)
المختلعة يلحقها الطلاق ما دامت في العدة)
المسلمون على شروطهم أن المسلم يكفيه اسمه إن نسي
من أتى
يسمى
بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه)
من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعى واحد عنهما
جميعا»
635 (1/635)
صفحة 611
من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يخاف أن يسبق فهو قمار .. »
.
من أدرك ركعة من العصر
ه من أسلم على شيء فهو له»
من أشرك بالله فليس بمحصن»
من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذى فلينصرف
فليتوضأ
من أعمر عمرى فهى لمعمره محياه ومماته» من ترك نسكا فعليه دم»
ه من جمع بين الحج والعمرة فعليه طوافان» من حاز شيئا وعمره عشر سنين فهو له» من حيث يبول»
من صام اليوم الذى يشك فيه فقد عصى من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)
من فاته صلاة العصر فكأنما
من
من
صلى الله
أبا القاسم علي)
وتر أهله وماله»
كان عليه صوم رمضان فليرده
"
فلا يقربن مصلانا» كان له سعة ولم يضح
منكم من يصلى الصلاة كاملة ... »
من لم يجمع الصيام مع الفجر فلا صيام له»
من مات وعليه صوم صام عنه وليه»
من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا» من ملك ذا رحم محرم فهو حر) ه من نسى الصلاة على أخطأ طريق الجنة»
من نسى وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما الله أطعمه
وسقاه»
من وجدتموه يعمل عمل لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» من وقع على ذات محرم فاقتلوه»
636 (1/636)
صفحة 612
من ولى يتيما فليتجر له ... . مولى القوم منهم)
نعم، إن الرضاعة تحرم من الولادة)
هلا تركتموه يتوب فيتوب
الله
هل هو إلا بضعة منك؟»
هو الطهور ماؤه الحل ميتته»
أخذ
هي رخصة من الله فمن أخذ
هي
لك أو لأخيك أو للذئب وافعل ذلك في صلاتك كلها
عليه)
بها فحسن ... )
وبالغ فى المضمضمة والاستنشاق إلا أن تكون صائما.
الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا»
الوتر حق واجب فمن شاء أوتر
ودى الرجل الذي قتله خزاعة ... »
والذي نفسي بيده لأقضين بينكم بكتاب الله. أما غنمك وجاريتك فرد عليه
ورثوه من أول ما يبول»
ويصوم يوما مكانه»
يؤتى بحسنات العبد وسيئاته ينقص
يا أبا هريرة عليك بآخر سورة الحشر ... »
يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض
يا أفلح ترب وجهك»
ياأهل القرآن أوتروا
يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن)
يتصدق بدينار أو نصف دينار)
يجزئك الثلث»
يسعك طوافك لحجك وعمرتك» (1/637)
صفحة 613
يصوم الذى أدركه ثم يصوم الشهر الذي أفطر فيه .. )
يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ
يقضيه تباعا، وإن فرقه أجزأه
ينضح بول الرضيع ويغسل بول الجارية)
638 (1/638)
صفحة 614
رقم الصفحة
3 - الأحاديث غير القولية
أبصرت عيناى رسول الله الله انصرف وعلى جبهته أتى به وأبو بكر يصلى بالناس فأجلس إلى يسار أبي بكر أتى النبي الله رجل فقال: يارسول الله ...
أتاني رسول الله لا يعودنى وأنا مريض أتت أم قيس بنت محصن بابن لها لم يأكل الطعام إلى رسول الله فأجلسه رسول الله الله في حجره .... اجتمع ثلاثون من أصحاب النبي عل الله فقالوا وما اختلف منهم اثنان: إن رسول الله الله كان يقرأ في صلاة الظهر قدر ثلاثين
آية ....
احتجم وصلى ولم يتوضاً
إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه
أذن لضعفة الناس من الإفاضة من المزدلفة بليل استحلف النبي علي الاركانة أنه ما أراد إلا واحدة إنما سن رسول الله الله الزكاة في الحنطة والشعير ... أفضت مع النبي الله ما من عرفات فلم يزل يلبي. من ... أفطرنا على عهد رسول الله الله في يوم غيم .... أمر امرأة ثابت بن قيس أن تعتد بحيضة أمر النبي الله أن يسجد على سبعة أعضاء .... امرأة أتت رسول الله الله ومعها ابنة لها أمرت أن أسجد على سبعة أعظم .... أمرنا رسول الله الله أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في
بدنة
أن أباها زوجها وهى بكر فكرهت ذلك فأتت النبي عله فرد
نكاحها
639 (1/639)
صفحة 615
أنا
ممن
قدم النبي الله ليلة المزدلفة في ضعفة أهله أن جارية بكرا أنكحها أبوها وهى كارهة فخيرها رسول الله الا الله رجلا أفطر فى رمضان فأمره رسول الله الله أن يكفر بعتق
أن
رقبة .....
أن رجلا زوج ابنته بكرا ولم يستأذنها فأتت النبي الله ففرق بينهما أن رجلا لاعن امرأته وانتفى من ولدها ففرق رسول الله الله
بينهما ....
أن رجلين من أصحاب رسول الله الحرسا المسلمين ذات رسول
ليلة ....
أن رسول الله الله أفاض من عرفات وردفه أسامة ... أن رسول الله اللهم أعتق صفية وجعل عتقها صداقها أن رسول الله الا الله بعثهما إلى اليمن فأمرهما ألا يأخذا الصدقة إلا من
هذه الأربعة ... إن رسول الله صلى فى ثوب واحد خالف بين طرفيه ... إن رسول الله لا قد صلى الله أن تصلى فريضة مرتين إن رسول الله الا الله كان عندها وإنها سمعت صوت رجل يستأذن علومة
في بيت حفصة
قد نهى
انطلق النبي علا الله من المدينة بعدما ترجل وأدهن ولبس رداءه
وإزاره ...
أن النبي
الله أتاه رجل فقال: إن على بدنة وأنا موسر ولا أجدها
فأشتريها فأمره رسول الله الله أن صلى الله اعتمر عمرتين ....
أن النبي
شياة فيذبحهن يبتاع سبع
إن النبي عل الله أقام بين خيبر والمدينة ثلاثا، بنينا عليه بصفية بنت
أمر أصحابه لما طاف بالبيت أن يحلوا ....
640
أن النبي صلى الله
أن النبي
رمى ثم نحر ثم حلق (1/640)
صفحة 616
أن النبي
عبى الله
كان إماما
أن النبي
إن
النبي
أن النبي
أن النبي
أن النبي
أن النبي
إنه
ابتدأ الصلاة جالسا ....
صلى الله وقت لأهل العراق ذات عرق
صلى خلف أبي بكر في مرضه
قنت شهرا يدعو عليهم .....
كان يقرأ في الظهر في الأوليين ....
لم يوقت لهم شيئا ....
وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة ....
أنه أدخل يديه في الإناء جميعًا .... أنه انتهى إلى مضيق ومعه أصحابه .... أنه جعل للمهاجر أن يقيم بمكة ...
أنه قنت شهرا .....
أنه كان مع النبي ع الله حتى إذا كانوا ببعض طرق مكة تخلف
أصحاب له محرمين .... إنه لما رفع رأسه من السجدة الثانية استوى قاعدا ....
مع
مع ابنها وابنها حي
أنه نهى عن الصلاة إلى النائم والمتحدث إنها أول جدة أطعمها رسول الله الله سدسًا أنها طيبت رسول الله الله بيدها عند إحرامها أهل رسول الله فذكر التلبية. قال: والناس يزيدون ذا المعارج ونحوه من الكلام والنبي يسمع فلا يقول لهم شيئًا بعثني رسول الله الله إلى رجل نكح امرأة أبيه فأمرني أن أضرب
عنقه واخذ ماله بعثني رسول الله الله فقمت على البدن
بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله الله وأبي بكر. تزوجنى رسول الله عله وأنا ابنة ست أو سبع وبنى لى وأنا ابنة تسع
641 (1/641)
صفحة 617
تسحرت ثم انطلقت إلى المسجد فمررت بمنزل حذيفة فدخلت
عليه ....
توضأ النبي علا الله ومسح رأسه كله
ثلاث خلال كان رسول الله علي الله يفعلهن تركهن الناس: إحداهن
التسليم على الجنازة
جاء أعرابى إلى رسول الله الا الله وعليه جبة وعليه ردع من زعفران) أى لطخ لم يعمه كله (فقال: يارسول الله إلى أحرمت فيما
تري
جاء رجل إلى النبي عل الله فقال: هلكت. قال: «وما
أهلكك؟. ...
جعل الخلع تطليقة
جمع رسول الله الله بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء
حزرنا قيام رسول الله الله في الظهر والعصر
حضرت مجلس رسول الله لا في أناس
خرجنا
وعمرة
صلى الله
رسول الله، فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج
خرجنا مع رسول الله الله في شهر رمضان في حر شديد رسول الله الله عام حجة الوداع فمنا من أهل
خرجنا
بعمرة
خرجنا في سفر فأصاب رجلا منه فشجه حجر دخل على النبي عل الله ذات يوم فقال: «هل عندكم شيء؟»
بن مسعود بالهاجرة
دخلت أنا وعلقمة على عبد الله رأى رسول الله الله يتوضأ فأخذ لأذنيه ماء رأيت رسول الله له بال ثم توضأ ومسح على خفيه
رأيت النبي عل الله يصليها ركعتين ركعتين
زارنا رسول الله لعل الله في منزلنا فأمر له سعد بغسل
642 (1/642)
صفحة 618
زجر النبي الله عن ذلك (ثمن الكلب والسنور)
سابق بين الخيل وجعل بينهما سبقا وجعل فيها محللا سئل خباب بن الأرت هل كان رسول الله الله يقرأ في الظهر
والعصر؟ قال: نعم
.
سئل ابن عباس أكان النبى لعل الله يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال:
لا، لا
.
سئل عن رجل زنى بامرأة فأراد أن يتزوجها أو ابنتها فقال لا يحرم
الحرام الحلال
سئل عن مولود له ذكر
سكر حمزة رضى الله الا الله وقال للنبي لا لما دخل عليه هو
وعلى
سلم على رسول الله الله وهو يصلى، فرد عليه السلام سئل النبي الله عن محرم أتى بلحم صيد فأكل
صلى الله
منه
شكونا لنبي علية حر الرمضاء في جباهنا فلم يشكنا شهدت مع النبي الله حجته فصليت معه
.
صلى بنا رسول الله الله الظهر في مسجده بالمدينة أربع
ركعات
.
صلى رسول الله الله الظهر والعصر جميعا .... صلى على جنازة فكبر عليها أربعا وسلم تسليمة واحدة
صلى في مرضه الذي مات فيه قاعدا ..... صلى وهو متوجه إلى سرابيط في يوم مطر المكتوبة صليت مع رسول الله الا الله وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدًا
منهم
صليت مع رسول الله الله ثمانيا جميعا، وسبعا جميعا
خلفنا ....
صليت مع النبي الله وعائشة خلفنا (1/643)
صفحة 619
طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا فسأله النبي الله: كيف طلقتها؟ ....
طلق امرأته وهي حائض، قال: فردها على رسول الله الا الله و
يرها شيئا
علمنى رسول الله عليه الصلاة والصيام. قال: صل
كذا
.
فأتت النبي الله فرد نكاحها
فأمرنى النبي عله أن أمسح على الجبائر
كذا وصم
فتلت قلائد هدى رسول الله الله بيدى ثم قلدها بيده وبعث بها
مع أبى
.
فدعاهم فجزاهم
فرض رسول الله الله هذه الصدقة كذا وكذا
قام رسول الله الله يصلى المغرب
.
قام النبى الله من الليل يصلى فقمت فتوضأت
قد خيرنا رسول الله له فاخترناه فلم يعده طلاقا
قدم
مكة لصبح رابعة من ذى الحجة وأقام قرأ النبي عل الله في صلوات وسكت (أى في الظهر والعصر)
قرن بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافا واحدا قضى أن العقل ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم قلت يارسول الله فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين؟ قال:
نعم .....
كان إذا صلى فإن كنت مستيقظة حدثنى كانت سودة امرأة ضخمة ثبطة فاستأذنت رسول الله الله أن تفيض من جمر بليل فأذن لها كانت عند رسول الله الله فأتى بقصعة من ثريد كان رسول الله الا الله لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني (1/644)
صفحة 620
257
.
كان رسول الله لا يأمرنا أن نخرج الزكاة
كان رسول الله لا يصلى بنا فيقرأ في الظهر والعصر
كان رسول الله لا يصلى والباب عليه مغلق
كان رسول الله الله يفطر يوم الفطر قبل أن يخرج كان رسول الله الله يوتر على الراحلة كان الطلاق على عهد رسول الله لا وأبى بكر وسنتين من خلافة
طلاق الثلاث واحدة عمر كان متخذا منديلا يمسح به وكان بعض أزواجه يناوله إياه الله الرحمن الرحيم في الصلاة
كان يجهر ببسم كان يدهن بالزيت عند الإحرام
كان يصلى حذاء وسط السرير
كان يصلى الهاجرة والناس في هاجرتهم كان يقرأ في الوتر بسبح اسم ربك الأعلى
كان يكون على الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضى إلا في
شعبان ....
كتب إلى رسول الله الله: أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية
زوجها أشيم
كنا نؤدي صدقة الفطر على عهد رسول الله الله صاعا من شعير ...
كنا نصلى مع النبي الله فيضع أحدنا طرف الثوب كنا نعزل على عهد النبي الله والقرآن ينزل
.
كنا نغزو مع رسول الله عليه فى رمضان فمنا الصائم ومنا
المفطر
.
كنت آخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب فألقيه في إناء فأمرسه ثم
أسقيه النبي الله
كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبي
كنت ألبس أوضاحا من ذهب (1/645)
صفحة 621
كنت رجلا مذاء فاستحييت أن أسأل رسول الله الله كنت ردف رسول الله صل الله عشية عرفة فكان لا يزيد على التهليل
والتكبير ....
كنت عند رسول الله الله جالسا فقد قميصه من جيبه حتى أخرجه من رجليه فنظر القوم إلى رسول الله الله فقال: إنى أمرت
ببدنى التي بعثت بها أن تقلد ....
كنت مع رسول الله الله في سفر فأهويت لأنزع خفيه
لما ثقل رسول الله الله صلى أبو بكر بالناس
?
جحش شقه صلى جالسا ....
لما لاعن أخو بني عجلان امرأته قال: يارسول الله، ظلمتها إن
الطلاق أمسكتها هي
لم يزل واقفا حتى أسفر جدا قبل أن تطلع الشمس
صلى الله
ما رأيت رسول الله صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع عليه
مسح بناصيته وعلى العمامة
نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه
نهي
نهي أن تزوج المرأة على ذى قرابتها .....
أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة
أن نهي يجمع بين التمر والزهو
نهي أن يغطى الرجل فاه ....
نهى رسول الله الله أن يعتمد الرجل على يديه نهى رسول الله الله عن القنوت في الفجر
نهى عن البتيراء
نهى عن حصاد الليل
نهى عن الكلب والسنور إلا كلب صيد نهى عن المحاقلة والمزابنة والثنيا إلا أن تعلم
نهي النبي الله ل عن ثمن الكلب والسنور (1/646)
صفحة 622
وقف رسول الله الله للناس بمنى والناس يسألونه
.
يارسول الله إن أمى عرضت قرابة لأتزوجها
يارسول الله هذا رجل يستأذن في بيتك فقال الله: و أراه فلانا،
647
لعم حفصة من الرضاعة) (1/647)
صفحة 623
4 - فهرس القوافي
القافية
عدد الأبيات
رقم الصفحة (1/649)
صفحة 624
5 - فهرس الأعلام (1/651)
صفحة 625
5 - فهرس الأعلام (1/652)
صفحة 626
5 - فهرس الأعلام (1/653)
صفحة 627
5 - فهرس الأعلام (1/654)
صفحة 628
5 - فهرس الأعلام (1/655)
صفحة 629
5 - فهرس الأعلام (1/656)
صفحة 630
5 - فهرس الأعلام (1/657)
صفحة 631
5 - فهرس الأعلام (1/658)
صفحة 632
5 - فهرس الأعلام (1/659)
صفحة 633
5 - فهرس الأعلام (1/660)
صفحة 634
5 - فهرس الأعلام (1/661)
صفحة 635
5 - فهرس الأعلام (1/662)
صفحة 636
5 - فهرس الأعلام (1/663)
صفحة 637
5 - فهرس الأعلام (1/664)
صفحة 638
5 - فهرس الأعلام (1/665)
صفحة 639
5 - فهرس الأعلام (1/666)
صفحة 640
5 - فهرس الأعلام (1/667)
صفحة 641
5 - فهرس الأعلام (1/668)
صفحة 642
5 - فهرس الأعلام (1/669)
صفحة 643
5 - فهرس الأعلام (1/670)
صفحة 644
5 - فهرس الأعلام (1/671)
صفحة 645
5 - فهرس الأعلام (1/672)
صفحة 646
5 - فهرس الأعلام (1/673)
صفحة 647
5 - فهرس الأعلام (1/674)
صفحة 648
5 - فهرس الأعلام (1/675)
صفحة 649
5 - فهرس الأعلام (1/676)
صفحة 650
5 - فهرس الأعلام (1/677)
صفحة 651
5 - فهرس الأعلام (1/678)
صفحة 652
5 - فهرس الأعلام (1/679)
صفحة 653
5 - فهرس الأعلام (1/680)
صفحة 654
5 - فهرس الأعلام (1/681)
صفحة 655
5 - فهرس الأعلام (1/682)
صفحة 656
5 - فهرس الأعلام (1/683)
صفحة 657
5 - فهرس الأعلام (1/684)
صفحة 658
5 - فهرس الأعلام (1/685)
صفحة 659
5 - فهرس الأعلام (1/686)
صفحة 660
5 - فهرس الأعلام (1/687)
صفحة 661
5 - فهرس الأعلام (1/688)
صفحة 662
5 - فهرس الأعلام (1/689)
صفحة 663
5 - فهرس الأعلام (1/690)
صفحة 664
6 - فهرس القبائل والأمم والفرق
(أ)
آل المهلب: 33،، 37، 66
أهل الردة: 594 أهل الشام: 15، 418
الإباضية: 7، 8، 13، 18، 26 27 أهل العراق: 123، 330 7، 8، 13، 18، 28، 29، 33 34 35 36 37 | أهل العراق = الحنفية
40، 46، 48 - 52، 56، 62، 65 - | أهل عمان: 70 أهل الكوفة: 55
أهل الكوفة = الحنفية
أهل المدينة = المالكية
أهل مكة: 39، 58 302، 304، 311، 313، 322، 324 |
أهل النهروان: 27، 29 325، 328، 331، 341 342 345 |
أهل اليمن: 41
البصريون: 57
(ب)
(ت)
الأزد 12، 59
أزد عمان: 32
أزد العراق وخراسان: 33
الأزد العمانيون: 37 الإمامية: 397
بنو تغلب: 394
بنو تميم: 16، 37
(ج)
الجعفرية 142، 154، 241، 226
بنو أمية: 31
أهل بدر: 45
(ح)
الحنابلة: 181، 240 241، 255، 262، أهل البصرة: 15، 36، 51، 54، 109، (1/691)
صفحة 665
الخوارج: 26، 27، 29، 33، 52، 57،
ذكوان: 196
رعل: 196 الروم: 395
الزيدية: 281 296، 423، 428، 460،
الحنفية: 93، 144 149، 170، 179،
الخراسانيون: 37 خزاعة: 539
(خ) (1/692)
صفحة 666
7 - فهرس الأماكن والبلدن
(أ)
الأبطح: 221
الأبواء: 364
أحد: 110 أذربيجان: 220
حدان: 59
حران: 84
الحرمين: 260
حروراء: 27
حضرموت: 37
الأزد: 37 حي
(ب)
باضع: 114
(س)
بدر: 45
السريانيون: 13
(ش)
البصرة: 11 - 17 30 - 37، 40، 50 -
الشافعية: 75، 145، 149، 167، 183،
(ت)
توج: 12
(ج)
الشيعة: 29، 141، 155
الجبل الأخضر: 11
(ص)
جربة: 75
الجزيرة: 20، 395
الجعرانة: 346
جوز: 330
جوف الجميلة: 11
الصابئون: 84، 85، 395، 396
(ظ)
الظاهرية 93 142 151 152
(ح)
الحبشة: 15، 114
(ع)
الحجاز: 42، 74، 75، 418، 500
بنو عبد: 48
693 (1/693)
صفحة 667
بنو عدي: 45 عكل: 140
بنو عمرو بن حزم: 41
(ف)
بنو يحيى: 59 يونان: 14
(خ)
خراسان: 33، 37، 295
خيبر 379، 533
الفرس: 85، 395
الخيف: 200
(ق)
(د)
القاسمية: 296
قريش: 321، 551
درب الجوف: 11
القعدة: 34 35 36
دهلك: 114
(ك)
(ذ)
بنو كندة: 45
ذات عرق: 330
ذو الحليفة: 218
(م)
ذو المجاز: 220
المالكية: 109، 144 167، 210، 212،
المجوس: 85، 551، 587
بنو معمر
19
الموالي: 37
(هـ)
الهادوية: 216، 409، 549
(ي)
اليحمد العمانية: 11
694
(ر)
الركن الأسود: 339 ركن الحجر: 338
الركن الشامي: 338
الركن العراقي: 338
الركن اليماني: 338، 339
الروم: 85
(س)
سجستان: 385
سرابيط: 177
سرنديب (سيلان): 13
سفوان: 418 (1/694)
صفحة 668
(ش
)
الشام،15، 25، 74، 338، 395، 418 | كراع العميم: 284:
(ص)
الصين: 13
(ع)
الكعبة: 340، 355
کور خراسان: 31
(ك)
الكوفة: 14، 16، 55، 73، 81، 109،
العراق: 12 - 14، 16، 32، 33، 36،
عرفة: 58،
(م)
المحيط الهندي: 12
المدينة: 15، 24 42، 73، 82، 109،
عمان: 11، 12، 28، 31 - 33، 37،
المزدلفة: 321، 323، 350، 351
مسجد الخيف: 200
عمان (مسقط): 75
المشرق: 8، 32 مصر: 534
(ف)
مكة: 15، 22، 34، 35، 39، 42،
فارس: 12
فدك: 534
فرق (مدينة): 11
المملكة المتحدة (بريطانيا): 75
(ق)
مني: 352، 359
قرطبة: 428
(ي)
قرن: 330
قواعد إبراهيم: 339
اليمن: 37 41، 114، 214، 268،
695 (1/695)
صفحة 669
8 - فهرس الكتب
(أ)
الإتقان للسيوطي: 38،، 45
أجوبة ابن خلفون: 226، 380
(ت)
التحريم والتنوير لأبي حيان: 126
التفسير لأبي حيان: 394
أحكام القرآن لأبي بكر الجصاص: تفسير ابن كثير: 84، 87، 96، 285،
تفسير الطبري: 251 أحكام القرآن لابن العربي: 97 تفسير القرطبي: 94، 532 أحكام القرآن للقرطبي: 38، 93، تفسير محمد الطاهر بن عاشور: 38
أخبار القضاة، وكيع: 571 الأشراف: 155
تقريب المأمول في ترتيب النزول
للبرهان الجعبري: 38، 83
تهذيب الآثار للطبري: 282
إعلام الموقعين لابن القيم: 442 تهذيب التذيب لابن حجر العسقلاني:
الأم للشافعي: 231
الأموال لأبي عبيد ابن سلام: 84
الأوسط للطبراني: 183، 512
71
(ت)
الثقات لابن حبان: 19، 44، 45، الإيضاح للشماخي: 197، 212، 395
(ب)
البداية والنهاية لابن كثير: 24
(ج)
البرصان والعرجان للجاحظ: 19 الجامع لابن بركة: 325، 448، 553
بلوغ المرام: 389
الجامع الصحيح للربيع بن حبيب:
البيان والتبيين للجاحظ: 64
697 (1/697)
صفحة 670
الجرح والتعديل، لأبي حاتم الرازي: قدامة المقدسي: 109، 151، 293،
(ح)
حاشية السالمي على الجامع الصحيح:
الحلية لأبي نعيم: 52، 55، 60
شرح المجموع للنووي: 246
شرح مسلم للنووي: 230، 324
شرح مسند الشافعي للرافعي: 330 شرح معاني الآثار: 282
شرح الموطأ للزرقاني: 146
شرح النيل لأطفيش: 141، 220
(خ)
الخلاصة للنووي: 143
(ر)
روايات ضمام: 52
الروضة الندية: 389
(ز)
(ص)
صحيح ابن حبان: 519
(ض)
زاد المعاد لابن القيم: 145، 414، 478 الضعفاء، لابن عدي: 48
(س)
(ط)
سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني: الطبقات، للدرجيني: 57
السنن للبيهقى: 407، 426، 591
السير للشماخي: 18، 68
(ع)
عمدة القاري في شرح صحيح البخاري، للعيني: 19، 101، 213،
(ش)
شرح بلوغ المرام: 524
شرح السنة للبغوي: 58، 300، 315،
(ف)
الشرح الكبير على متن المقنع لابن | الفتاوى لابن خلفون: 154
698 (1/698)
صفحة 671
الفتاوى الكبرى لابن تيمية: 413، 441
فتح الباري لابن حجر: 139
الفتح الرباني للساعاتي: 273، 315،
المراسيل لأبي داود: 392
فقه الإمام سعيد بن المسيب: 216 | المستدرك للحاكم: 212
مسند الإمام أحمد: 225
مسند الربيع بن حبيب: 25، 42، 63، في ظلال القرآن لسيد قطب: 291
(ق)
معالم السنن للخطابي: 446
قواعد الإسلام، الجيطالي: 161، 189، | المعجم الكبير للطبراني: 183، 493
المغني لابن قدامة: 145، 151، 158،
(ك)
الكشاف للذهبي: 19
كشف الظنون لحاجي خليفة: 75
(ل)
لسان العرب: 171
لسان الميزان لابن حجر: 19 47 الملل والنحل، للشهرستاني: 26
(م)
مناسك الحج (للجيطالي): 322، 336
المنتقى: 155، 233
المهذب: 189 المجموع للنووي: 75، 145، 148
الموطأ للإمام مالك: 198، 201، 304،
ميزان الإعتدال للذهبي: 19، 44، المحلى لابن حزم: 87، 96، 151،
المدونة الكبرى لأبي غانم الخراساني:
(ن)
نشأة الحركة الإباضية لعوض خليفات: (1/699)
صفحة 672
نصب الراية للزيلعي: 47، 184
الهدية: 517 نيل الأوطار للشوكاني: 209، 216،
442 426 305 302 273 270
579 569 488 456
700
(هـ)
(و)
ورقات الأصول للجويني: 260 (1/700)
صفحة 673
الجمل: 35 غزوة أحد: 110
9 - فهرس الأيام والوقائع والحروب
معركة ذات الرقاع: 142
معركة النهروان: 35
وقعة قدير: 57
701 (1/701)
صفحة 674
جريدة المراجع المعمدة
703 (1/703)
صفحة 675
أولا
في علوم القرآن
-1 أحكام القرآن. لأبي بكر الجصاص الرازي.
طبعة مصورة عن الطبعة الأولى التي أنجزت في دار الخلافة سنة 1335
2 الجامع لأحكام القرآن. لأبي عبد الله القرطبي
طبعة مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية – 1387 هـ. 1967 م.
3 أحكام القرآن. لأبي بكر ابن العربي.
طبعة أولى - تحقيق البجاوي - دار إحياء الكتب العربية 1957
4 - تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير
دار الأندلس - طبعة ثالثة - 1981.
5 تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي.
طبعة ثانية - دار الفكر. 1978.
6 - الإتقان في علوم القرآن ـ جلال الدين السيوطي -
مطبعة حجازي - القاهرة - 1368 هـ
7 - التفسير الكبير للفخر الرازي.
دار الكتب العلمية طهران
8 روح
المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني.
للألوسي البغدادي. دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ـ
9 تفسير التحرير والتنوير
محمد الطاهر ابن عاشور.
الدار التونسية للنشر - تونس - 1984
705 (1/705)
صفحة 676
10 - مقدمة في أصول التفسير - لابن تيمية - تحقيق: عدنان زرزور
دار القرآن الكريم - الكويت – طبعة أولى 1971
11 - كتاب المصاحف
لأبي بكر عبد الله بن الأشعث السجستاني.
المطبعة الرحمانية – مصر – طبعة أولى 1936
12 - تفسير مجاهد.
تحقيق عبد الرحمن الطاهري السورتي - باكستان - دار المنشورات العلمية - بيروت -
13 النسخ في القرآن الكريم - مصطفى زيد - دار الفكر العربي – طبعة أولى – 1963
706 (1/706)
صفحة 677
1 - صحيح البخاري
ثانيا
في علوم الحديث
لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ت 256 هـ.
طبع دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ـ
2 سنن الترمذي وهو الجامع الصحيح
3
لأبي
عيسى الترمذي.
طبع دار الفكر - طبعة ثانية - 1974
الجامع الصحيح - مسند الإمام الربيع بن حبيب.
طبعة ثانية - المطبعة السلفية - القاهرة 1349 هـ.
-4 حاشية الجامع الصحيح وضع الشيخ عبد الله السالمي
طبع مطبعة الأزهار البارونية القاهرة سنة 1326 هـ و 1383 هـ
دمشق - المطبعة العمومية
5 - مسند الإمام أبي حنيفة.
مطبعة الأصيل - حلب طبعة أولى سنة 1962
الموطأ للإمام مالك بن أنس
دار إحياء الكتب العربية 1951
7 - صحيح مسلم بشرح النووي.
طبع دار الفكر - بيروت - 1972
8 - صحيح ابن خزيمة.
المكتب الإسلامي - بيروت - طبعة أولى 1975.
707 (1/707)
صفحة 678
و ـ مسند الإمام أحمد بن حنبل
شرح أحمد شاكر - دار المعارف بمصر 1950
10 - سنن ابن ماجة.
تحقيق محمد عبد الباقي - دار إحياء التراث العربي 1975.
11 - سنن النسائي بشرح الحافظ السيوطي
دار الكتاب العربي - بيروت -
12 جامع الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي. للمباركفوري. دار الكتاب العربي - بيروت -
13 - إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري
لأبي العباس القسطلاني
دار الكتاب العربي - مصورة عن الطبعة السابقة 1323 هـ
14 - شرح السنة
للإمام البغوى. تحقيق زهير الشاويش وشعيب الأرناؤوط.
المكتب الإسلامي - طبعة أولى - 1971.
15 سنن أبي داود.
تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد
دار الفكر
16 المنتقى - شرح موطأ الإمام مالك للباجي
دار الكتاب العربي - بيروت -
17 نيل الأوطار.
محمد بن علي الشوكاني - طبعة ثانية -.
-
طبع البابي الحلبي – مصر – 1952 ـ
-
708 (1/708)
صفحة 679
18 الفتح الرباني. لترتيب مسند الإمام أحمد. مع شرحه بلوغ الأماني لأحمد عبد الرحمن البنا الساعاتي.
طبعة أولى - 1358 هـ
19 - عمدة القاري شرح صحيح البخاري
بدر الدين العيني
دار إحياء التراث العربي
20 السنة قبل التدوين
محمد عجاج الخطيب - مكتبة وهبة - طبعة أولى 1963.
21 - نصب الراية لأحاديث الهداية
جمال الدين الزيلعي
مطبعة دار المأمون - طبعة أولى 1938.
22 - غريب الحديث
لابن قتيبة
تحقيق عبد الله الجبوري - مطبعة العاني بغداد
طبعة أولى 1977
709 (1/709)
صفحة 680
ثالثا
في التراجم والسير
1 - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة. لابن تغري بردي الأتابكي.
نسخة مصورة عن دار الكتب 1963
2 تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني
دار صادر - بيروت - تصويرا عن طبعة دائرة المعارف النظامية
بالهند 1325 هـ
3 - خلاصة تهذيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال لصفي الدين الخزرجي الأنصاري طبعة ثالثة 1979
مكتب المطبوعات الإسلامية حلب
4 ميزان الاعتدال في نقد الرجال
-
لشمس الدين الذهبي. مطبعة البابي الحلبي - طبعة أولى 1963
5 کتاب الطبقات الكبير
محمد بن سعد كاتب الواقدي. طبع ليدن سنة 1322 هـ.
من منشورات مؤسسة النصر - طهران -.
6 - أخبار القضاة.
لمحمد بن خلف المعروف بوكيع.
طبع عالم الكتب - بيروت -
7 موسوعة فقه إبراهيم النخعي
محمد رواس قلعة جي
طبعة أولى بمطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب 1979
710 (1/710)
صفحة 681
8 -
المسيب
8 فقه الإمام سعيد بن المسـ هاشم جميل عبد الله.
-9
مطبعة الإرشاد ـ بغداد ـ طبعة أولى 1974
موسوعة فقه عمر بن الخطاب
محمد رواس قلعة جي - مكتبة الفلاح طبعة أولى 1981
10 لسان الميزان لابن حجر العسقلاني
شركة علاء الدين - بيروت – طبعة ثانية 1971
11 كتاب الجرح والتعديل.
للحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي
مصورة عن الطبعة الأولى. بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بالهند
دار إحياء التراث العربي - بيروت - 1952
12 طبقات الحفاظ للحافظ السيوطي. طبعة أولى 1973.
13 المغني في الضعفاء للإمام الذهبي
طبعة أولى - مطبعة البلاغة. حلب 1971.
14 الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة. للذهبي.
طبعة أولى 1972
15 كتاب الثقات. لابن حبان البستي
طبعة أولى 1968
16 طبقات المشائخ بالمغرب
-
لأبي عباس الدرجيني. مطبعة البعث تحقيق إبراهيم طلاي
711 (1/711)
صفحة 682
رابعا
في الفقه وغيره
1 - المبسوط. لشمس الدين السرخسي. دار المعرفة - بيروت - طبعة ثانية
2 الملل والنحل. لأبي الفتح الشهرستاني
تحقيق محمد سيد كيلاني - مطبعة البابي الحلبي 1967.
3 كتاب الخلاف لأبي جعفر الطوسي.
شركة دار المعارف الإسلامية.
-4 - الدليل والبرهان لأبي يعقوب يوسف الورجلاني
-
المطبعة البارونية - مصر - 1306 هـ
5 - تحفة الفقهاء- لعلاء الدين السمرقندي مطبعة جامعة دمشق - طبعة أولى 1958
-6 الأشراف على مساند الخلاف للقاضي عبد الوهاب البغدادي
مطبعة الإرادة
7 كتاب الجامع لابن بركة العماني تحقيق عيسى الباروني - طبعة ثانية 1974.
8 زاد المعاد في هدي خير العباد.
-
شمس الدين ابن قيم الجوزية - المطبعة المصرية
و المغني - لموفق الدين بن قدامة المتوفي سنة 630 هـ. دار الكتاب العربي - بيروت - 1972.
712 (1/712)
صفحة 683
10 - الشرح الكبير
الدين بن قدامة المقدسي - المتوفي سنة 682
شمس
دار
الكتاب العربي - بيروت - 1972. مطبوع على هامش المغني.
-11 الفتاوى الكبرى لابن تيمية.
دار المعرفة - بيروت.
12 كتاب الإيضاح-عامر بن علي الشماخي
مطبعة الوطن - بيروت - 1970.
13 بداية المجتهد ونهاية المقتصد
محمد بن رشد القرطبي
مطبعة البابي الحلبي – طبعة رابعة 1975.
14 - إعلام الموقعين عن رب العالمين
شمس الدين المعروف بابن القيم
تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد - طبعة أولى 1955
بمطبعة السعادة.
15 - المدونة الكبرى لأبي غانم الخراساني
ترتيب وتحقيق وشرح محمد بن يوسف طفيش دار اليقظة العربية في سوريا ولبنان - 1974 م.
16 - المحلى لأبي محمد علي بن أحمد بن حزم.
-
تحقيق الشيخ أحمد شاكر. المكتب التجاري بيروت
17 - الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام
تحقيق محمد حامد الفقي.
مطبعة عبد اللطيف حجازي - القاهرة -
713 (1/713)
صفحة 684
18 - المجموع - شرح المهذب - للإمام النووي
تحقيق المطيعي وآخرين.
مطبعة الإمام - مصر -
19 - قواعد الإسلام لأبي طاهر إسماعيل الجيطالي
تحقيق بكلي عبد الرحمن المطبعة العربية غرداية
طبعة أولى 1977
20 اللباب في شرح الكتاب ـ عبد الغني الغنيمي
تحقيق أحمد محي الدين عبد الحميد. طبعة رابعة 1961
21 بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع.
علاء الدين الكاساني - نشر زكريا علي يوسف مطبعة الإمام - القاهرة -
22 مجموع فتاوى أحمد بن تيمية.
جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم
طبع بأمر الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود في الرباط بالمغرب
23 ضحى الإسلام - أحمد أمين -
دار الكتاب العربي - طبعة عاشرة.
معجم البلدان - ياقوت بن عبد الله الحموي
دار صادر - بيروت - 1984
25 - شرح
محمد
كتاب النيل وشفاء العليل
بن يوسف طفيش - مكتبة الإرشاد ودار الفتح بيرون
الطبعة الثانية 1972
26 الخرشي على مختصر خليل
لأبي عبد الله محمد
بن عبد الله
الخرشي. دار الفكر
714 (1/714)
صفحة 685
27 - فقه الزكاة - يوسف القرضاوي
بيروت - دار الإرشاد - طبعة أولى 1969
28 أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء.
-
مصطفى سعيد الخن
مؤسسة الرسالة - طبعة 1972 -
29 أثر الأدلة المختلف فيها (مصادر التشريع) في الفقه الإسلامي. - مصطفى ديب البغا.
نشر دار الإمام البخاري - دمشق
30 نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي
ظافر القاسمي - دار النفائس - بيروت – طبعة ثالثة 1980
31 الحجاج بن يوسف الثقفي
إحسان صدقي العمد - دار الثقافة - بيروت -
طبعة أولى 1973.
: أحكام أهل الذمة شمس الدين ابن قيم الجوزية -
-
تحقيق صبحي الصالح
مطبعة جامعة دمشق - طبعة أولى 1961 -
33 التنبيه والإشراف - للمسعودي -
مكتبة خياط - بيروت - 1965.
34 أجوبة ابن خلفون - لأبي يعقوب يوسف خلفون المزاتي
تحقيق عمر النامي
دار الفتح - بيروت – طبعة أولى 1974
35 حاشية رد المحتار على الدر المختار
لابن عابدين - مطبعة البابي الحلبي – طبعة ثانية 1966
715 (1/715)
صفحة 686
الصفحة
المقدمة
الفهرست
الباب الأول: في حياة الإمام جابر بن زيد وفيه 13 مسألة
1 - نشأة جابر بن زيد.
2 - جماعة من رواد الحديث كنيتهم أبو الشعثاء.
3 - صفاته وأخلاقه.
4 - هل كان جابر بن زيد إباضيًا؟
5 - حياته الاجتماعية وعلاقته بالإدارة الأموية.
6 - جابر بن زيد والحركة الإباضية.
7 - جابر بن زيد المفسر
8 - جابر بن زيد المحدث
9 - حملة العلم الذين رووا عنه.
10 - مجاهيل نقلوا العلم عن جابر
11 - جابر بن زيد والقضاء.
12 - جابر مفتي البصرة وموسم الحج.
13 - جابر بن زيد الفقيه.
- الباب الثاني: في مسائل القرآن وعلومه وفيه 41 مسألة
1 - كتابة المصحف بالأجرة
2 - معرفة أول القرآن نزولا
3 - في قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى
والصابئين) الآية
4 - في قوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن) الآية.» 5 - في قوله تعالى: (فمن عفى له من أخيه شيء» الآية 6 - في قوله تعالى: (فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان) الآية (1/716)
صفحة 687
7 - في قوله تعالى: (ولكن لا تواعدو هن سرا (الآيـ 8 - في قوله تعالى: (ومتعوهن على الموسع قدره» الآية 9 - في قوله تعالى: (إلا أن يعفون) الآية.
10 - في قوله تعالى: (الذي بيده عقدة النكاح» الآية
11 - في قوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى»
الآية.
12 - في قوله تعالى: (وقوموا لله قانتين» الآية
13 - في قوله تعالى: (إلا أن تتقوا منهم تقاة» الآية.
14 - في قوله تعالى: (كلما دخل عليها زكريا المحراب) الآية.
15 - في قوله تعالى: (وسيدا وحصورا» الآية
16 - في قوله تعالى: (فإذا عزمت فتوكل على الله» الآية 17 - في قوله تعالى: (ذلك أدنى ألا تعولوا» الآية 18 - في قوله تعالى: (وإذا حضر القسمة أولو القربى» الآية 19 - في قوله تعالى: (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة» الآية 20 - في قوله تعالى: (ومن لم يستطع منكم طولا» الآية 21 - في قوله تعالى: (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق» الآية 22 - في قوله تعالى: (أو ينفوا من الأرض» الآية
23 - في قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله» الآية 24 - في قوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم» الآية
25 - في قوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده» الآية
26 - في قوله تعالى: (لتفسدن في الأرض الآية
27 - في سجدتي سورة الحج. 28 - في معنى قوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا»
الآية
717 (1/717)
صفحة 688
29 - في معنى قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها»
الآية.
30 - في معنى قوله تعالى: (ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم) «
الآية
31 - في معنى قوله تعالى: (فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن)
الآية.
32 - في معنى قوله تعالى: (ليس على الأعمى حرج) الآية.
33 - في معنى قوله تعالى: (لا يحل لك النساء من بعد» الآية
34 - في معنى قوله تعالى: (ومن آياته الليل والنهار) الآية
35 - في معنى قوله تعالى: «في كتاب مكنون) الآية 36 - في معنى قوله تعالى: (فلولا إن كنتم غير مدينين» الآية
37 - في معنى قوله تعالى: (هو الله الخالق الباريء» الآية «
38 - في معنى قوله تعالى: (وإذا الموؤودة سئلت» الآية 39 - في معنى قوله تعالى: (الجواري الكنس) الآية
40 - في معنى قوله تعالى: (ويصلى سعيرا» الآية 41 - في معنى قوله تعالى: (والتين والزيتون» الآية .. الباب الثالث: في الطهارات. وفيه 19 مسألة 1 - الحكم في الأبوال.
2 - الخلاف في طهارة المسك
3 - هل ينتقض الوضوء بالرعاف
4 - في غسل الذكر والأنثيين
من
5 - الحكم في دم الحامل. 6 - الوضوء من مس الفرج. 7 - حكم الماء إذا خالطته نجاسة
النجس (1/718)
صفحة 689
8 - هل يجوز للعادم الماء جماع زوجته إذا لم يخف العنت؟ 9 - تنشيف الأعضاء من بلل الوضوء.
10 - المسح على الجبائر والعصائب
11 - حكم المسح على الخفين
12 - حكم سؤر الحائض
13 - هل يجوز للزوج الحي أن يغسل الزوج الميت؟
14 - الحكم في مسح الرأس.
الأذنين
15 - الحكم في مسح 16 - هل يصلي المتيمم صلاتين بتيمم واحد؟
17 - الجنب الذي لم يجد من الماء ما يكفيه للوضوء والاغتسال -
18 - هل يجوز التيمم بغير التراب
19 - مسح تراب التيمم عن الوجه
- الباب الرابع: فى الصلاة. وفيه أربعة وأربعون 44 مسألة
المسألة:
1 - الصلاة على ما ليس من الأرض
2 - العمل اليسير في الصلاة.
3 - قتل الحية والعقرب في الصلاة.
4 - هل يجوز أن يصلي المريض مستلقيا على الأرض؟
5 - حكم التلثم في الصلاة.
6 - الجهر بالبسملة في الصلاة
7 - هل يتعين قراءة الفاتحة في كل ركعة
8 - الحكم في صلاة النهار تطوعا.
719
9 - الصلاة على ظهر الكعبة (1/719)
صفحة 690
10 - وضع الأنف على الأرض في السجود.
11 - كيفية النهوض من السجود
12 - موقف الاثنين من الإمام. 13 - أين يقف المأموم المنفرد. 14 - الحكم في القنوت.
15 - صلاة الجمعة خلف الجبابرة
16 - حكم من صلى في رحله ثم أدرك جماعة تصلي 17 - إذا أعيدت الصلاة، فأي الصلاتين تعتبر المكتوبة؟ 18 - من سبقه الإمام بركعة أو ركعتين، ماهو أول صلاته؟
19 - الصلاة إلى السترة.
20 - في الرجل يستتر بالرجل في الصلاة 21 - حكم صلاة المأمومين إذا صلى الإمام قاعدا. 22 - رد السلام على الإمام إذا سلم من صلاته. صلى الله 23 - وجوب الصلاة على النبي علا بعد التشهد 24 - الخلاف في وجوب صلاة الوتر
25 - القراءة في صلاة الوتر.
26 - هل الوتر بركعة واحدة أو أكثر.
27 - في المسافة التي تقصر فيها الصلاة
28 - في الوقت الذي إذا مكثه المسافر في المصر لزمه الإتمام
29 - في الجمع بين الصلاتين في السفر
30 - في الجمع بين الصلاتين في غير السفر
31 - ما هو نصيب العبد صلاته
من
32 - قراءة السورة في الظهر والعصر
33 - قراءة السورة في الركعتين الأخيرتين
720 (1/720)
صفحة 691
34 - صلاة المرء ويداه في ثيابه
35 - الصلاة على الفراش وشبهه
36 - هل يجوز التنفل قبل صلاة العيد وبعدها
37 - في التحدث بعد ركعتي الفجر وقبل صلاة الصبح. 38 - في الأوقات المنهى عن الصلاة فيها
39 - سجدة السهو في النافلة
40 - من هو أحق الناس بالصلاة على الجنازة.
41 - الصلاة على السقط
42 - عدد تكبيرات صلاة الجنازة
43 - عدد تسليمات صلاة الجنازة.
الباب الخامس: في الزكاة: ويشتمل على اثنتي عشر
مسألة:
مسألة
1 - في تعريف الفقير والمسكين
2 - تقييم العروض لعدة سنين. 3 - متى يجب تقييم عروض التجارة؟
4 - هل تجب زكاة الدين؟
5 - زكاة المال المستفاد
6 - زكاة عروض التجارة.
7 - في زكاة الحلي
8 - مقدار ما يعطى العامل من الزكاة
9 - زكاة مال الصبي والمجنون.
10 - هل تجب الزكاة في الزيتون
11 - متى تجب الزكاة في الثمار والزرع.
12 - مقدار ما يجب على الشخص الواحد في زكاة الفطر (1/721)
صفحة 692
الباب السادس: في مسائل الصوم: وفيه 18 مسألة
مسألة
1 - في الهلال يرى نهارا
2 - استقبال رمضان بيوم أو يومين وصيام يوم الشك
3 - صوم رمضان في السفر
4 - متى يجب الإمساك
5 - في رجل يقدم المصر من سفر في رمضان وقد أفطر
6 - في المرأة تصبح صائمة في رمضان ثم تحيض
7 - من أكل بعد الفجر وهو يظن أن عليه ليلا.
8 - من يغمى عليه وهو صائم في رمضان
9 - من أكل أو شرب في رمضان ناسيا
10 - في الصائم يتمضمض فيدخل الماء في حلقه
11 - في الصائم إذا قبل أو باشر زوجته أو أدام النظر
12 - فيمن أفطر يوما من رمضان متعمدا من غير جماع هل يقضي؟ 13 - فيمن أفطر يوما من رمضان متعمدا من غير جماع هل عليه
كفارة؟
14 - كفارة الشيخ المفطر في رمضان
15 - حكم من مات وعليه صيام
16 - في تعجيل قضاء رمضان
17 - في قضاء رمضان هل يقع متتابعا أو متفرقا؟
18 - في نية صوم يوم التطوع
- الباب السابع: في مسائل الحج. ويشتمل على 30 مسألة.
المسألة
1 - هل من شرط وجوب الحج على المرأة أن يكون معها زوج أو 319
ذو محرم؟
722 (1/722)
صفحة 693
2 - في قوله تعالى: (ولا جدال في الحج)
3 - هل تجوز العمرة أكثر من مرة في العام؟
- هل يلزم من كان متمتعا أو قارنا أكثر من سعي واحد؟
5 - أي النسك أفضل: الإفراد أو التمتع أو القران؟
6 - من يدخل العمرة في غير أشهر الحج.
7 - هل وقت رسول الله لا لأهل المشرق ميقاتا؟ علي
8 - حكم من تجاوز الميقات وهو يريد النسك فلم يحرم. 9 - متى يقطع المحرم بالحج التلبية؟
10 - بماذا يتحقق الإحرام بالحج؟
11 - في التلبية والزيادة فيها
12 - في استلام الركنين الشاميين
13 - أين تصلي ركعتا الطواف؟
14 - هل تغني الصلاة المكتوبة عن ركعتي الطواف؟ 15 - هل يجوز للمحرم أن يغطي وجهه؟
16 - في المحرم يعقد ثوبه على نفسه
17 - لبس الثوب الذي مسه الزعفران
18 - هل يجوز للمحرم أن يقرد بعيره
19 - حكم تقبيل المحرم ومباشرة زوجته.
20 - متى يكون الدفع من جمع
21 - في أيام النحر، كم هي. 22 - في حكم الأضحية
23 - ما يمتنع عنه مرسل الهدي وهل يلزمه إحرام؟
24 - في الاشتراك في الهدي
25 - هل يلزم من حلق قبل الذبح أو النحر دم أو فدية؟
723 (1/723)
صفحة 694
26 - بماذا يتداوى المحرم.
27 - في المحرم يأكل طعاما فيه طيب
28 - في أكل المحرم الصيد إذا صاده الحلال
29 - في الحكم على قاتل الصيد إذا عاد إليه ثانية
30 - فيمن طاف طواف الوداع ثم بدا له في شراء حوائجه
- الباب الثامن: في مسائل النكاح والطلاق وما يتبعها وفيه 61 مسألة
المسألة
1 - هل للأب أن يزوج ابنته البكر بغير رضاها؟
2 - وجوب المهر كاملا بالخلوة وإرخاء الستور
3 - من جعل عتق
الأمة صداقها
4 - الحكم في مفوضة البضع.
5 - الشهود في النكاح.
6 - في نكاح السر هل هو جائز؟
7 - اشتراط الولي في النكاح
8 - هل يجوز لولي الولي أن يتولى تزويج المرأة؟ 9 - في رجل تزوج امرأة ثم تزوج أختها.
10 - في خيار العيب
11 - في الجمع بين ابنتي العم والخال 12 - في الجمع بين الأختين من الإماء 13 - في نكاح المرأة من بني
14 - في تزوج نساء الصابئين
تغلب
15 - في الرجل يتزوج المرأة التي زنى بها.
16 - هل تنتشر حرمة المصاهرة بالزنا؟
17 - في لبن الفحل هل يحرم؟
724 (1/724)
صفحة 695
18 - في المرأة تشترط على زوجها أن لا يخرجها.
19 - في العزل
20 - في تزوج الأمة على الحرة.
21 - في أن نكاح المحلل حرام. 22 - هل تقدر النفقة؟
23 - الطلاق في النفس هل يقع؟
24 - في التلفظ بالطلاق دون قصده 25 - هل يقع الطلاق في حالة الشك؟ 26 - طلاق النائم هل يقع؟
- في طلاق السكران
28 - في طلاق المكره.
29 - في طلاق المبرسم والمعتوه
30 - طلاق العبد
31 - الطلاق الثلاث بلفظ واحد
32 - الطلاق الثلاث إذا وقع فيه خلاف
33 - قول المطلق: أنت برية أو خلية أو بائن.
34 - في المخيرة تختار نفسها أو زوجها
35 - هل على المخيرة أن تستعمل الخيار على الفور.
36 - في تعليق الطلاق على وقت أو صفة
37 - فيمن قال لأجنبية: إذا تزوجتك فأنت طالق.
38 - من حلف بالطلاق على أمر ثم حنث -
39 - الحكم فيمن حرم زوجته أو أمته
40 - هل يلحق المختلعة طلاق؟ 41: هل الخلع طلاق أو فسخ؟
725 (1/725)
صفحة 696
42 - هل تطلق المولى عنها بمجرد مضي المدة؟
43 - بماذا يحصل الفيء؟
44 - الخلاف فيما يصدق عليه الظهار.
45 - تشبيه الرجل زوجته بظهر أبيه هل هو ظهار؟ 46 - حكم المظاهر إذا وطئ قبل أن يكفر
47 - هل يجب الطلاق في اللعان؟
48 - في لعان المطلقة أثناء العدة
49 - في الرجل يقذف زوجته ثم يبينها - هل له لعانها؟
50 - هل فرقة اللعان مؤبدة أم مؤقتة
51 - حكم من وطيء مطلقته في العدة 52 - في عدة ذات الأقراء التي يرتفع حيضها
53 - في عدة المرأة التي يتباعد حيضها
54 - هل تلزم المولى عنها عدة؟
55 - متى تبدأ عدة المتوفى عنها زوجها، أو طلقها وهو غائب؟
56 - أين تعتد المتوفى عنها زوجها؟
57 - عدة الحامل متى تنتهي
58 - هل يجب إعلام المعتدة برجعتها؟
59 - بماذا تحصل الرجعة؟
60 - مقدار المتعة الواجبة للمرأة
61 - زوجة المفقود متى تطلق عليه؟
- الباب التاسع: في المعاملات. وفيه 21 مسألة
المسألة
1 - حكم بيع جلود الأضاحي.
2 - حكم بيع الهر.
726 (1/726)
صفحة 697
3 - حكم بيع الشيء واستثناء بعضه. 4 - هل يجب الإشهاد على البيع؟
5 - هل تجب كتابة الدين؟ 6 - حكم أخذ اللقطة
7 - هل يجوز استئجار من يكتب مصحفا؟
8 - في الربح والوضيعة بين الشريكين
9 - هل الربا محرم بين العبد وسيده؟
10 - بيع الطعام إلى أجل وأخذ طعام قيمته هل هو ربا؟
11 - العمرى لمن تكون؟
12 - في التملك بالحيازة ومدتها
13 - هل يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن؟
14 - الإقالة في السلم.
15 - تصرف المرأة في مالها
16 - في مداواة الرجل المرأة
17 - ما هو حق الرجل المحتاج في مال أبيه
18 - هل يجوز رهن الحيوان
19 - ضمان الرهن عند التلف
20 - ثبوت حق الشفعة
21 - في سباق الخيل
الباب العاشر: في الأقضية والأحكام. وفيه 15 مسألة.
المسألة
1 - حكم الشهادة بين الأقارب
2 - حكم شهادة النساء.
727 (1/727)
صفحة 698
3 - متى تقبل شهادة النساء وحدهن؟ 4 - هل تجوز شهادة الأقلف؟ 5 - الرشوة في الأحكام.
6 - هل الإحصان بالعقد أم بالوطء؟
7 - هل يحصن المسلم بتزوج الكتابية؟ 8 - هل الأمة تحصن الحر؟
9 - في الجمع بين الجلد والرجم على المحصن الزاني. 10 - هل يضم التغريب إلى الجلد
11 - في كيفية إقامة الحد
12 - ما هي عقوبة الزنا بالمحارم
13 - في تغليظ الدية على القاتل
14 - في عقوبة اللواط
15 - الحكم في إتيان البهيمة
الباب الحادي عشر: في الذكاة والأطعمة والكفارات والنذور والوصايا والمواريث والعتق. وفيه 31 مسألة
المسألة
1 - الحكم في السمك الطافي
2 - ترك التسمية على الذبيحة
3 - شرب الخليطين هل هو حرام. 4 - هل يجوز الحلف بالطلاق وبالحدود؟
5 - الوطء في الحيض ما هي كفارته؟ 6 - الحكم فيمن تصدق بكل ماله.
7 - مقدار الإطعام في كفارة اليمين
728 (1/728)
صفحة 699
8 - هل يجزي الخبز القفار في كفارة اليمين؟ 9 - تخريج النذر مخرج اليمين – أو نذر اللجاج.
10 - وجوب الوصية للقريب غير الوارث.
11 - مقدار الوصية للقريب الذى لا يرث.
12 - حكم الوصية بالدين للوارث
13 - في الرجوع عن الوصية
14 - إذا أوصى بشيء لرجل ثم أوصى به لآخر.
15 - أثر القتل في الإرث.
16 - ميراث الجد مع الأخوة
17 - ميراث الجدات إذا اجتمعن
18 - ميراث الجدة مع ابنها الحي 19 - ميراث المطلقة قبل الدخول ثلاثا.
20 - ميراث دية المقتول
21 - ميراث ولد الملاعنة.
22 - ميراث المقتول في ردته
23 - في ولاء أم الولد.
: حكم من أسلم على ميراث قبل أن يقسم
25 - الأحق بالتقديم في الإرث: المولى المعتق أو ذوو الأرحام.
26 - في ميراث الخنثى
27 - في ميراث المعتق بعضه 28 - الحكم في أولاد المدبرة
29 - في تعليق العتق على الملك
30 - إذا عجز المكاتب هلى يستسعى؟ 31 - من ملك ذا رحم محرم هل يعتق عنه؟
729 (1/729)
صفحة 700
دار الغرب الإسلامي
بيروت - لبنان
لصاحبها: الحبيب اللمسي
شارع الصوراتي (المعماري) - الحمراء - بناية الأسود
تلفون: 340131 - 340132 - ص. ب. 5787 - 113 بيروت ـ لبنان
DAR AL-GHARB AL-ISLAMI - B.P.:113 - 5787 - Beyrouth - Liban
الطباعة:
الرقم 86/ 10/3000/ 100
تنضيد / هجر ـ القاهرة.
مؤسسة واد الطباعة والتصوير
هاتف: 828157 - 837702 - بيروت. بستان (1/730)