صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فقه
------------------------------------------
العنوان: قواعد الإسلام
المؤلف: إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر
تصحيح وتعليق: عبد الرحمن بن عمر بكلي
تحقيق وإخراج: أحمد بن صالح الشيخ أحمد
الناشر: مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
مكان النشر: السيب - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1436ه/ 2015م
الطبعة: 5
عدد الأجزاء: 2
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=5889&id_ty=1
------------------------------------------
ملاحظة: تم استغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 22 ربيع الأول 1447ه/ 15 - شهر 09 - 2025م. مكتبة الطاء
سيا الات التيارية
النشر والتويتات
قواعد الاستحلا
,
و
للإمام أبي طاهر اسماعيل بن موسى الجيطالي
المتوفى سنة 750 هجرية
الجزء الأول
تصحيح وتعليق بكلي عبد الرحمن بن عمر
المتوفى سنة 1406 هـ
تحقيق وإخراج أحمد بن صالح الشيخ أحمد
?? (1/1)
صفحة 2
محفوظ:
الطبعة الخامسة
1436 هـ / 2015 م
نشر وتوزيع
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
هاتف: 0096896444669
الناشر: E.mail: t.k.aldhamri@gmail.com
ب: 2 السيب. الرمز البريدي: 121 سلطنة عمان (1/2)
صفحة 3
+
قواعد الإسلام الجزء الأول
للإمام أبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي المتوفى سنة 750 هجرية
صححه وعلق عليه
بكلي عبد الرحمن بن عمر
تحقيق
أحمد بن صالح بن عمر الشيخ أحمد
نشر وتوزيع مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
هاتف: 0096896444669
الناشر: E.mail: t.k.aldhamri@gmail.com
ب: 2 السيب. الرمز البريدي: 121 سلطنة عمان (1/3)
صفحة 4
إسلام
قال تعالى:
ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
وَحَدِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (الله)
[النحل: 125] (1/4)
صفحة 5
ــد الإسـ
مِ اللهِ الرَّحمن الرّحيم
مقدمة التحقيق
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبالعمل بطاعته تطيب الحياة وتنزل البركات، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعلى آله وصحبه الأطهار ما تعاقب الليل والنهار.
أما بعد:
فإن كتاب "قواعد الإسلام" الذي بين أيدينا للإمام أبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي - رحمه الله - يتبوأ مكانة معتبرة بين تراث الفقه الإسلامي عامة،
وبين تراث الفقه الإباضي خاصة، وذلك لأسباب عديدة امتاز بها عن غيره. وقد سماه "قواعد الإسلام" استئناسا في ذلك بحديث قواعد الإسلام الخمسة المجموعة في قوله صلى الله عليه وسلم: "بني الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ
رَمَضَانَ.
(1) رَوَاهُ الْبُخَارِي، كتاب الإيمان، باب الإيمان وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على
خمس"، ر 8. (1/5)
صفحة 6
قواعد الإسلام
وخصصه المؤلف للفقه والأحكام، وخاصة فقه العبادات، حيث صدّره بركن التوحيد (العقيدة)، ثم أركان العبادات بداية من الطهارات وانتهاء بالحج والعمرة، ثم ذيله بركني الحقوق والآداب.
وقد عني بعض علمائنا –رحمهم الله - بهذا الكتاب القيم: شرحا بوضع حواش عليه وتصحيحا وتعليقا:
1 - أولهم الشيخ العلامة أبو عبد الله محمد بن عمر بن أبي ستة الجربي (ت:
1088 هـ / 1678 م)، حيث وضع حاشية على كتاب القواعد.
2 - والشيخ امحمد بن يوسف اطفيش (ت: 1332 هـ / 1914 م)، حيث جمع بين كتاب القواعد وحاشية أبي ستة عليه في كتاب واحد، سمّاه: "الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص"، وأضاف إليهما كثيرا من تحقيقاته
الفقهية.
3 - واقتفى الشيخ الحاج صالح بن عمر لعلي (ت: 1347 هـ / 1928 م)
منهج الشيخ أبي ستة، حيث وضع حاشية ثانية على كتاب القواعد. 4 - كما وضع الشيخ إبراهيم بن بكير حفار (ت: 1373 هـ / 1954 م) حاشية على مقدمة كتاب القواعد فقط.
5 - وآخرهم الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي (ت: 1406 هـ / 1986 م)،
حيث اعتنى بتصحيح الكتاب والتعليق عليه، وأصدره في جزأين. (1/6)
صفحة 7
datakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakasickickiskachate
وقد طبع هذا الأخير عدة طبعات الطبعة الأولى في الجزائر، والطبعة الثانية والثالثة والرابعة في عُمان، وقد تلقته أنظار القراء من كل المستويات- بالقبول والإعجاب لمنهج مؤلفه المتقن، ولأسلوبه الأدبي
الراقي.
موسي
6 - وقد انبرى مؤخرا الباحث والمحقق الأستاذ بشير بن موسى الحاج لتحقيق كتاب القواعد بحاشية الشيخ أبي ستة، بدون تعليقات وتصحيحات الشيخ عبد الرحمن بكلي واعتمد في ضبط نصه على عدة نسخ مخطوطة. وصدر هذا التحقيق في جزأين مطبوعين: الأول في كتاب التوحيد، والثاني في كتاب الطهارات وعسى أن ترى الأجزاء الباقية النور قريبا إن شاء الله.
ونظرا لأهمية هذا الكتاب رغب الناشر: الفاضل طالب بن خلفان الضامري في إعادة طبعه من جديد في حلة تليق بقيمة الكتاب.
لذلك ارتأيت خدمة هذا الكتاب الجليل مراجعة وضبطا، وتصحيحا، وشرحا أو تعريفا، وتخريجا، وإخراجا.
فكان هذا الإنجاز الجديد الذي بين أيدينا مسك ختام هذه الاعتناءات بكتاب القواعد، حيث صدر بتحقيق علمي متميز، وبإخراج جديد في طبعة فاخرة.
ولبلوغ هذا الهدف المنشود كان العمل في هذا الكتاب كالآتي: (1/7)
صفحة 8
واعد الإسلام
Atlashichickatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatalada daladalatdat
1 - مراجعة النص وضبطه بمقابلته مع النسخ المطبوعة، واستعنت أيضا بالنص الذي حققه الأستاذ بشير بن موسى الحاج موسى.
2 - عزو الآيات التي لم يخرجها المؤلف إلى سورها وذكر أرقامها. - ضبط أحاديث الكتاب وإعادة تخريجها، وعزوها إلى مصادرها من كتب السنة، بداية بالجامع الصحيح للربيع بن حبيب، وقد اكتفيت في كثير منها بذکر راو واحد لها فقط.
- وضع ترجمة لمصحح الكتاب: الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي.
ه - ترجمة الأعلام المهمة التي لم يترجم لها الشيخ بكلي. 6 - شرح الألفاظ والكلمات المبهمة لتقريب المعنى وتسهيله إلى ذهن
القارئ.
- وضع عناوين جانبية للفصول والمسائل غير المعنونة.
- وضع فهرسة شاملة لمحتويات كل جزء من الكتاب. 9 - ما قمت بإضافته من: عنوان جانبي، أو شرح لفظ، أو إضافة تعليق، أو تخريج نص، أو ترجمة علم ... الخ، فقد جعلته بين معكوفتين.
وأخيرا: أتقدم بالشكر الجزيل والدعاء الخالص لكل من تجشم معي الصعاب في مراجعة هذا الكتاب وضبطه والشكر موصول أيضا إلى كل من
أسدى إلى نصيحة أو ملاحظة في إنجاز هذا العمل أو في إخراجه.
(1) وهما الجزءان الصادران فقط كتاب التوحيد وكتاب الطهارات، أما بقية النص؛ بداية من كتاب الصلاة إلى آخر كتاب القواعد فقد اعتمدت في مقارنته على النسخ المطبوعة بتعليق
وتصحيح الشيخ بكلي. (1/8)
صفحة 9
وأرجو منك أيها القارئ الكريم أن تتفضل علينا بكل ما تلاحظه في هذا
الكتاب
من خطأ أو نقص أو خلل، أو غير ذلك. نفعنا الله تعالى بعلمه،
وجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب.
المحقق: أحمد بن صالح بن عمر الشيخ أحمد
Hmidachikh@yahoo.com
هاتف رقم: 95147469 (00968)
السيب - مسقط: ربيع الأول 1436 هـ/ يناير 2015 م (1/9)
صفحة 10
قواع
(1)
ترجمة الشيخ عبد الرحمن بكلي"
هو عبد الرحمن بن عمر بن عيسى، بكلّي، الشهير بـ «البكري» ولد بالعطف سنة 1319 هـ / 1901 م، عالم جليل، وشخصية مرموقة، وعُرف بالبكري نسبة إلى أبي بكر الصديق الذي ينهي نسبه إليه.
تعلم القرآن ومبادئ التوحيد بمحضرة المسجد العتيق بالعطف، وأخذ مبادئ اللغة الفرنسية بالمدرسة الرسمية بها.
حفظ القرآن الكريم واستظهره في مقتبل العمر، ودخل حلقة إروان – حفظة القرآن - في سنة 1921 م.
درس علوم اللغة والشريعة على عمه الشيخ الحاج عمر بن حمو بكلّي بمعهده؛ كما أخذ عن الشيخ يوسف بن بكير حمو علي في دار إروان بالعطف؛ ثم انتقل إلى عاصمة الجزائر للاستزادة من اللغة الفرنسية؛ وأخذ عن الشيخ المولود الزريبي الأزهري شرح لامية الأفعال وشذور الذهب.
وبعد وفاة عمه الشيخ الحاج عمر انتقل إلى تونس في أواخر سنة 1922 م، والتحق بالبعثة العلمية الميزابية التي كان يشرف عليها الشيخ أبو اليقظان إبراهيم، ودرس في جامع الزيتونة على الشيخ محمد الطاهر بن عاشور والشيخ الطيب سيالة والشيخ الزغواني، والشيخ محمد بن القاضي، والشيخ الصادق النيفر. أما في المدرسة الخلدونية فقد أخذ بها العلوم العصرية، ومن أساتذته فيها: الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب، والأستاذ عثمان الكعاك، والشيخ العبيدي. (1) انظر: معجم أعلام الإباضية قسم المغرب، ر 548، 521/ 3 (بتصرف بسيط). (1/10)
صفحة 11
utakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakata
قواعد الإسلام
كان طيلة وجوده بتونس ما بين سنة 1923 م و 1929 م مساعداً للشيخ أبي اليقظان في رعاية البعثة العلمية الميزابية، وبعد انتقال الشيخ أبي اليقظان إلى الجزائر ليبدأ في جهاده الصحفي، بقي سنداً للشيخ قاسم بن الحاج عيسى ابن الشيخ ما بين 1926 م و 1929 م.
وكان في هذه المدة التي قضاها بتونس شديد الاتصال بطلائع الحزب الحر الدستوري: الشيخ عبد العزيز الثعالبي، والشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش والشيخ توفيق المدني، والشيخ صالح بن يحيى، وفي تلك الندوات التي كانت تعقد في دار البعثة تكونت آراؤه السياسية والوطنية.
لما أنهى دراسته بالزيتونة وعاد إلى العطف مسقط رأسه، وتولى منصب القضاء
بها إلى أن ألغت السلطة العسكرية محكمة العطف.
عين عضوا في لجنة صياغة القانون الأساسي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1931 م.
وفي شهر ماي 1934 م عيّن عضوا في حلقة العزابة بالعطف.
عند اشتداد الأزمة الاقتصادية الجزائرية - بحكم تبعيتها لفرنسا – دعاه والده ليستعين به في حركته التجارية، فلبي النداء، ودخل ميدان التجارة لعدة سنوات، وقام بواجبه فيها خير قيام، ولكنه كان دوما موصول السبب بالحياة الفكرية والثقافية والسياسية بعاصمة الجزائر، فكان نعم المعين للشيخ أبي اليقظان في نضاله الصحفي، سيما ما يتعلق بتعريب المهم من المقالات التي تصدر في الصحف الفرنسية بالجزائر وبفرنسا لتضلُّعه في اللسانين؛ وقد نشرت له العديد من (1/11)
صفحة 12
المقالات، وكانت ممضاة باسم «البكري».
كما كان يشارك في نشاطات جمعية العلماء بالعاصمة، وكان مع ذلك عضوا بارزا في جماعة الإباضية بالجزائر، ومتصلا اتصالا وثيقا بحركة الإصلاح بالعطف، من ذلك مشاركته ضمن الجماعة التي أسست أوّل مدرسة نظامية إصلاحية في وادي ميزاب، وكان يديرها الشيخ أحمد بن الحاج يحيى بكلي.
وفي سنة 1939 م ترك ميدان التجارة نهائيا وانتقل إلى بريان، ليتفرغ للتعليم فأدار مدرستها إدارة حازمة، ثمَّ عيّن واعظا ومرشدا في مسجدها، فعضوا في حلقة عزابة بريان، ثم رئيسا للحلقة.
وفي 1945 م شارك جماعة الإصلاح بالعطف في تأسيس جمعية النهضة، وعين رئيسا شرفيا لها.
بها.
ثم أسس بمشاركة إخوانه في بريان جمعية الفتح للإشراف على الحركة العلمية
من أبرز الأحداث التي واجهها في بريان محاكمته هو وجميع أعضاء حلقة العزابة في المحكمة الجنائية بالبليدة بتهمة ممارسة سلطة التأديب والتعزير في المسجد على منتهك حرمه الشريف.
وعند اندلاع الثورة التحريرية وامتدادها للصحراء، شارك مشاركة فعالة في العمل السياسي والتنظيمي، فألقي عليه القبض عام 1957 م، هو ورفيقه الشهيد
با سليمان إبراهيم لمنوَّر، الذي قتل تحت سياط التعذيب.
أطلقت السلطات الفرنسية سراح الشيخ بعد عدة شهور، واستمر جهاده إلى يوم (1/12)
صفحة 13
13
قواعد الإسـ
الاستقلال 1962 م. وفي سنة 1966 م عيّن عضوا بالمجلس الإسلامي الأعلى، وعضوا في لجنة
الإفتاء التابعة لهذا المجلس.
وتولى رئاسة مجلس عمي سعيد بعد أن عجز الشيخ بيوض إبراهيم عن حضور
جلساته في أخريات أيامه ومرض نائبه الشيخ يوسف ابن بكير حمو علي.
في السبعينيات - بعد أن عجز صحيا عن إلقاء دروس الوعظ والإرشاد اليومية في المسجد – نظم ندوة أسبوعية يوم الإربعاء في منزله، يحضرها نخبة من الأساتذة والمرشدين، استمرت إلى آخر يوم في حياته، ولا تزال تعقد هذه الندوات إلى يومنا هذا، وذلك بمسجد بريان، وتعرف بـ: ندوة الإربعاء، أو ندوة الشيخ عبد الرحمن. من أعماله المطبوعة:
1. تحقيق كتاب «النيل للشيخ ضياء الدين عبد العزيز الثميني، معتمد المذهب الإباضي في الفقه. (مط)
2. تحقيق كتاب قواعد الإسلام للشيخ إسماعيل الجيطالي، في جزأين (مط). . فتاوى البكري في جزأين، (مط).
وصية البكري»، تصدير وتقديم الشيخ الحاج أيوب إبراهيم القرادي، (مط).
أما مؤلفاته غير المطبوعة، فنجدها في قائمة بخط يده عنوانها: «ذكر تراثي، وقد طبعت هذه القائمة الهامة في ملحق «فهرس مخطوطات مكتبة
الأدبي» البكري».
تخرج على يده نخبة من أبناء بريان توجهوا إلى معهد الحياة، وإلى البعثة (1/13)
صفحة 14
قواعد الإس
14
العلمية بتونس، وإلى مختلف المعاهد الجزائرية بعد الاستقلال، وهم يعمرون
مختلف المراكز في عموم القطر الجزائري.
وترك مكتبة ثرية بالمخطوطات والمطبوعات النفيسة، وهي حاليا في مسقط رأسه العطف، وقد أنجزت لها جمعية التراث فهرسا في إطار مشروعها: «دليل مخطوطات وادي ميزاب».
وافته المنية في بريان يوم الإثنين 3 جمادى الأولى 1406 هـ/ 13 جانفي 1986 م إثر مرض خفيف انتابه، وشيّعت جنازته يوم الإربعاء 5 جمادى الأولى 1406 هـ / 15 جانفي 1986 م، شهدها جمهور غفير من مختلف أنحاء القطر، ورثاه الخطباء والشعراء.
رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته. (1/14)
صفحة 15
پيش
م الله الرحمن الرحيم
مُقَدِّمَةُ الْمُصَححِ
الْحَمْد لِلهِ الَّذِي أَرْسَى قَوَاعِدَ دِينِهِ عَلَى أَسَاسِ مِنَ الْحَقِّ الْمُبِينِ، وَهَدَى إِلَى حَرَمِهِ الأَمِينِ أَوْلِيَاءَهُ الصَّالِحِينَ لِيَتَفَيَّؤُوا ظِلالَهُ، وَيَتَمَتَّعُوا بِثِمَارِهِ فَيَعِيشُوا هَادِئِينَ مُطْمَئِنِّينَ، وَتَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ حَمَلُوا أَمَانَتَهُ، وَأَحْيَوْا سُنَتَهُ، وَتَرَسَّمُوا سِيرَتَهُ، وَعَلَى الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ حُمَاةِ دِينِهِ، وَقَادَةِ أُمَّتِهِ، وَحَامِلِي شَرِيعَتِهِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ فَقَالَ: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (3) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن
(1)
يُطْعِمُونِ (3) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ، فَأَقَامَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ) بِمَا آتَاهُمْ مِنْ قُوّى وَحَوَاسَ، وَرَكَّبَ فِيهِمْ مِنْ عَقْلِ وَإِحْسَاسِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ بِكُتُبِ قَيِّمَةٍ لِئَلاً يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل، فَأَوْجَبَ عَلَى كُلِّ عَاقِل بَلَغَ الْحِنْتَ أَنْ يَتَعَلَّمَ دِينَهُ وَيُقِيمَ حَيَاتَهُ الْعَمَلِيَّةَ عَلَى قَاعِدَتِهِ؛ لِيَضْمَنَ لَهُ السَّعَادَةَ مَعَاشًا وَمَعَادًا، وَلَنْ تَتَحَقَّقَ هَذِهِ السَّعَادَةُ إِلَّا إِذَا كَانَتْ عَقِيدَتُهُ صَحِيحَةٌ خَالِيَةٌ مِنَ الْبِدَعِ وَالْخُرَافَاتِ، خَالِصَةٌ مِنَ الْأَهْوَاءِ وَالضَّلَالَاتِ، تُحَبِّبُ لِلْعَبْدِ رَبَّهُ وَتُعَرِّفُهُ بِجَلالِهِ وَسَطوَتِهِ لِيَعْمَلَ لَهُ كَامِلَ حَيَاتِهِ رَاغِبًا رَاهِبًا، وَإِلا إِذَا كَانَ عَمَلُهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيم لا تَشُوبُهُ شَائِبَةُ الرِّيَاءِ، مُهَاجِرًا لِمَا نَهَى اللَّهُ
(1) الذاريات: 56 - 58. (1/15)
صفحة 16
17
عَنْهُ، مُؤْمِنًا أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، مُسْلِمًا سَلِمُوا مِنْ يَدِهِ وَلِسَانِهِ، مُتَحَلِّيًا بِمَكَارِمِ الأَخْلاقِ الَّتِي بُعِثَ مُحَمَّدٌ لِتَتْمِيمِهَا، ثُمَّ لَا بُدَّ لِمَنْ يُرِيدُ سُلُوكَ هَذِهِ الْمَحَجَّةِ وَيَرْغَبُ فِي أَدَاءِ حُقُوقِ اللهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ أَنْ يَتَلَقَّى دِينَهُ عَنْ عُلَمَاءَ عَارِفِينَ مُخْلِصِينَ وَمِنْ كُتُبِهِمُ الْمُحَرَّرَةِ الْمُنتَقَاةِ، عُلَمَاءَ تَشَبَّعَتْ نُفُوسُهُمْ بِرُوحِ الدِّينِ فَأَقْرَغُوهَا فِي مُصَنِّفَاتِهِمْ بِأَسْلُوبِ سَهْلِ مُسْتَسَاعَ، يُجِيدُونَ الْقَوْلَ وَيُحْسِنُونَ الْعَرْضَ وَيُورِدُونَ آرَاءَ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ بِكُلِّ وُضُوحٍ وَنَزَاهَةٍ، وَيَقْرِنُونَ كُلَّ مَسْأَلَةٍ بِدَلِيلِهَا مَعْزُوَّةً إِلَى أَصْلِهَا لِيُوَازِنَ بَيْنَهَا مَنْ لَهُ مُشَارَكَةٌ عِلْمِيَّةٌ وَعَقْلٌ مُتَزِنٌ وَصَدْرٌ سَلِيمٌ، فَيَقْطِفَ مِنْ بَيْنِ الآرَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ وَرْدَةَ الْحَقِّ الْفَوَّاحَةَ، وَيَكُونَ فِي دِينِهِ عَلَى بَيِّنَةٍ وَاطْمِثْنَانِ. (1/16)
صفحة 17
katakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakie
الشَّيْخُ الجِيطَالِيُّ وَكِتَابُهُ "قَوَاعِدُ الإِسْلامِ"
وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْمُصَنِّفِينَ الْبَارِعِينَ الإِمَامُ أَبُو طَاهِرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الْجِيطَالِيُّ النفُوسِيُّ وَكِتَابُهُ "قَوَاعِدُ الإِسْلامِ" الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِ إِعْدَادِهِ لِلطَّبْعِ، وَإِنَّكَ لَتُحِسُّ مَعِي أَيُّهَا الْقَارِئُ الْكَرِيمُ - عِنْدَ تَصَفْحِ الْكِتَابِ - بِرُوحِ التَّأْثِيرِ تَعْمُرُكَ بِإِخْلاصِهَا وَتَسْتَوْلِي عَلَى مَشَاعِرِكَ بِنَزَاهَتِهَا، تُقَرِّرُ لَكَ الْحَقَائِقَ وَاضِحَةً وَتَكْشِفُ عَنْ أَسْرَارِ الْعِبَادَاتِ جَلِيَّةٌ فَتَنْبَعِثُ جَوَارِحُكَ لِخَيْرِ الْعَمَلِ وَأَنْتَ لَا
تَشْعُرُ
أَمَّا خُطُوطُ الْكِتَابِ الْعَرِيضَةُ فَتَنْحَصِرُ فِي ثَلَاثَةٍ:
1 - تَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِي الْعَقِيدَةِ، 2 - الْعِبَادَاتُ وَأَقْسَامُهَا، 3 - الْكَلَامُ عَلَى حُقوقِ اللَّهِ وَالْعِبَادِ أَمْرًا وَنَهْيًا، فِعْلاً وَتَرْكًا، وَعَلَى شَيْءٍ مِنْ آدَابِ السُّلُوكِ.
وَالْمُؤَلِّفُ إِلَى نَصَاعَتِهِ فِي التَّعْبِيرِ وَبَسَاطَتِهِ فِي التَّقْرِيرِ نَجِدُهُ:
1 - قَدْ تَأَثَّرَ إِلَى حَدٌ بَعِيدٍ بِمَسْلَكِ الإِمَامِ الْغَزَالِيُّ فِي " الإِحْيَاءِ" مِنَ اسْتِشْهَادِهِ بالأحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَالْمَوْضُوعَةِ أَحْيَانًا فِي بَابِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ عَنْ عَمْدٍ تَجَوُّزًا. سَلَكَ الْجِيطَالِيُّ هَذَا الْمَسْلَكَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ، وَهَا هُوَ ذَا يُوَضِّحُ رَأْيَهُ فِي نِهَايَةِ قَنْطَرَةِ الصَّوْمِ مِنْ كِتَابِهِ "قَنَاطِرِ الْخَيْرَاتِ" فَيَقُولُ: اعْلَمُوا - أَرْشَدَكُمُ اللهُ - أَنِّي إِنَّمَا أَوْرَدْتُ الأَحَادِيثَ الْمُتَقَدِّمَةَ فِي فَضْل (1/17)
صفحة 18
قواعد الان
18
صَلَاةِ الأَيَّامِ وَاللَّيَالِي وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحَادِيثِ فَضْلِ الْعِلْمِ وَالتَّعَلُّمِ، وَمَا الأيام
أَوْرَدْتُ مِنَ الأَحَادِيثِ هَهُنَا فِي فَضْلِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ مِنْ صَوْمِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَمَا سَنُورِدُهُ مِنَ الْفَضَائِلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهَا غَيْرَ مُسْتَفِيض عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَلا مَوْتُوقٍ بِصِحَّتِهَا، فَإِنِّي إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِحَدِيثٍ رَأَيْتُهُ فِي آثَارِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ بَلَغَهُ حَدِيثٌ فِي الرَّغَائِبِ وَالْفَضَائِلِ فِي الْعَمَلِ فَاجْتَهَدَ فِيهِ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ عَلَى نَحْوِ مَا بَلَغَهُ لَهُ أَجْرَانِ: أَجْرُ حِفْظِهِ الْحَدِيثَ وَطَاعَتِهِ فِيهِ، وَأَجْرُ عَمَلِهِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ عَلَى غَيْرِ مَا بَلَغَهُ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ عَلَى نَحْوِ مَا بَلَغَهُ؛ لأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، فَلاَ يَذْهَبُ اجْتِهَادُهُ لِلهِ وَنَصِيحَتُهُ لِرَبِّهِ مَا لَمْ يَكُنِ اجْتِهَادُهُ في بِدْعَةٍ) (1) (2)
2 - أفَاضَ الْقَوْلَ فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ وَاسْتِقْرَاءِ مَبَاحِيْهَا بِمَا يَثْلُجُ لَهُ صَدْرُ الْمُسْلِمِ الصَّادِقِ النَّزْعَةِ وَإِنْ أَطَالَ فِي بَعْضِهَا كَأَبْوَابِ الْوَلَايَةِ وَالْبَرَاءَةِ، وَقَسَا حُكْمُهُ فِيهَا أَحْيَانًا.
3 - وَلَئِنْ سَوَّغَ لَهُ وَلِمُعَاصِرِيهِ مَنْطِقُ عَصْرِهِمْ بَعْضَ هَذِهِ الْقَسَاوَةِ كَمَا هِيَ التَّزْعَةُ السَّائِدَةُ وَقْتَئِذٍ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ الإِسْلامِيَّةِ، فَإِنَّ وَحْدَةَ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي ضَعُفَتْ أَسْبَابُهَا فِي أَيَّامِنَا وَرَكَتْ حِبَالُهَا تَقْضِي عَلَى بَنِي الْإِسْلَامِ أَنْ يَتَفَاهَمُوا بِالْحُسْنَى وَلِينِ الْقَوْلِ وَيَسْلُكُوا مَعَ بَعْضِهِمْ مَسْلَكَ الإِفْهَامِ
(1) [لم أجد من خرجه). (2) [قناطر الخيرات الفصل الخامس في الترغيب في صيام رجب وشعبان والأيام البيض،
[484/ 1 (1/18)
صفحة 19
قواعد الا
والإقناع، وَأَنْ يَتْرُكُوا التَّرَاشُقَ بِالْكَلِمَاتِ الْجَارِحَةِ جَانِبًا مُحَافَظَةٌ عَلَى
الْبَقِيَّةِ الْبَاقِيَةِ مِنْ هَذِهِ الْوَحْدَةِ، وَإِلَّا فَعَدُوُّهُمُ الْمُشْتَرَكُ بِالْمِرْصَادِ.
4 - وَقَدْ حَتَّى عَلَى الْكِتَابِ الشَّيْخُ أَبُو سِتَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْقَصَبِيُّ الْحِرِبِيُّ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الْحَادِي عَشَرَ الْمَشْهُورِ عِنْدَ إِبَاضِيَّةِ الْمَغْرِبِ بِالْمُحَشِّي لِكَثْرَةِ حَوَاشِيهِ، نَاهِيكَ أَنَّهَا بَلَغَتْ عَلَى مَا يُقَالُ نَيْفًا وَعِشْرِينَ حَاشِيَةٌ. وَحَاشِيَتُهُ هَذِهِ مَطْبُوعٌ عَلَى هَامِشِهَا كِتَابُ الْقَوَاعِدِ طَبْعَةٌ حَجَرِيَّةٌ بِمِصْرَ سَنَةَ 1297 هـ. وَقَدْ رَغِبَ مِنِّي بَعْضُ الإِخْوَانِ أَنْ نَطْبَعَهَا مَعَ الأَصْلِ لَكِنْ فَضَّلْنَا أَنْ يُطْبَعَ الْكِتَابُ مُجَرَّدًا عَنِ الْحَاشِيَةِ؛ لأَنَّ طَبْعَهُ بِمُفْرَدِهِ أَلْيَقُ وَأجْمَعُ لِهمَّةِ الطَّالِبِ، عَلَى أَنَّنَا رُبَّمَا نَقَلْنَا شَيْئًا مِنْهَا عَلَى بَعْضٍ مَسَائِل الْكِتَابِ مَتَى اقْتَضَى الأَمْرُ ذَلِكَ. ه - كَمَا اخْتَصَرَ الْكِتَابَ وَالْحَاشِيَةَ مَعَا الْقُطْبُ أَطْفَيَّشُ الله فِي كِتَابٍ سَمَّاهُ: " الذَّهَبِ الْخَالِص الْمُنَوِّه بِالْعِلْمِ الْقَالِص " صَحَّحَهُ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ أَطْفَيَّش دَفِينُ الْقَاهِرَةِ، وَطَبَعَهُ بِالْمَطْبَعَةِ السَّلَفِيَّةِ سَنَةَ
1343 هـ.
6 - وَرَأَيْنَا أَنْ نُخَرّجَ مَا فِي الْكِتَابِ مِنَ الآياتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ تَكْمِيلاً لِمَا أَخَلَّ بِهِ صَاحِبُ الْقَوَاعِدِ وَإِثْمَامًا لِلْفَائِدَةِ.
7 - وَرُبَّمَا قَسَمْنَا الْكِتَابَ إِلَى جُرْأَيْنِ بَدَلاً مِنْ جُزْءٍ وَاحِدٍ رَغْمَ تَجْرِيدِهِ مِنَ الْحَاشِيَةِ إِذَا مَا ضَحْمَ حَجْمُ الْكِتَابِ بِالتَّعَالِيقِ وَتَخْرِيحِ الْأَحَادِيثِ رِعَايَةٌ لِذَوْقِ الصَّنَاعَةِ وَتَسْهِيلاً لاقْتِنَاءِ الْكِتَابِ.
هَذَا وَلَا نَأْلُو جُهْدًا فِي الاعْتِنَاءِ بِتَصْحِيحِهِ وَوَضْعِ الْعَنَاوِينِ الْجَانِبِيَّةِ لَأَبْوَابِهِ وَفُصُولِهِ وَمَبَاحِيهِ إِنْ أَمْكَنَ، وَالتَّعَالِيقِ عَلَى الْمَوَاضِيعِ الَّتِي يَكْتَنِفُهَا نَوْعُ غُمُوضِ (1/19)
صفحة 20
اسْتِدْرَاكًا لِمَا يَجِبُ اسْتِدْرَاكُهُ، مُسَايَرَةً لِلتَّيَارِ الْعِلْمِيِّ وَتَطَوُّرِ بَعْضٍ نَظَرِيَّاتِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ مِنَ الْمُصَحْحِ نَفْسِهِ أَمْ مِنَ الْمُحَشِّي أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا. وَالله أَسْأَلُ أَنْ يُسَدِّدَ خُطَانَا فِي إِخْرَاجِ الْكِتَابِ الَّذِي ظَلَّ كَنرًا مَدْفُونًا وَتُرَانًا مَجْهُولاً عَلَى أَحْسَنِ وَجْهِ وَأَكْمَلِهِ، عَسَانَا أَنْ نُسْهِمَ بِذَلِكَ فِي إِمْدَادِ الْمَكْتَبَةِ الإِسْلاميَّةِ وَنُقَدِّمَ لِلأُمَّةِ عَمَلاً نَرْجُو بِرَّهُ وَذُخْرَهُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، إِنَّهُ وَلِيُّ الْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ، وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ، وَالْحَمْدُ لِلهِ أَوَّلاً وَآخِرًا.
غرداية 3 صفر 1395 هـ / 15 فيفري 1975 م
بكلي عبد الرحمن بن عمر (1/20)
صفحة 21
قواعد الإس
تَرْجَمَةُ الشَّيْخ الجيطَالِي
هُوَ حُجَّةُ الإِسْلَامِ الإِمَامُ أَبُو طَاهِرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الْجِيطَالِيُّ النُّفُوسِيُّ، نَشَأَ فِي مَدِينَةِ "جِيطَالَ" الزَّاخِرَةِ وَقْتَئِذٍ بِالْعُلَمَاءِ كَغَيْرِهَا مِنْ مُدُنِ نفُوسَةَ وَقُرَاهَا. وَ (جِيطَال) مَدِينَةٌ فَسِيحَةٌ تَقَعُ بَيْنَ (أَمْسِين) وَ (إِينَر)، عَلَى رَبْوَتَيْنِ مُتَقَابِلَتَيْنِ تُحِيطُ
بِهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهَا غَابَاتٌ كَثِيفَةٌ مِنْ شَجَرِ التِّينِ وَالزَّيْتُونِ.
أَمَّا تَارِيخُ مَوْلِدِهِ فَلَمْ نَعْتُرْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْصَّ عَلَيْهِ الْعَلَامَةُ الشَّمَاخِيُّ فِي سِيَرِهِ الْجَامِعِ لِتَرَاجِمِ الأَشْيَاحَ، بَيْدَ أَنَّهُ كَانَ - وَلا شَكٍّ - مِنْ عُلَمَاءِ الْخَمْسِينَ الثَّانِيَةِ لِلْقَرْنِ السَّابِعِ والأُولَى مِنَ الْقَرْنِ الثَّامِنِ، وَإِنْ لَمْ نَسْتَطِعْ تَحْدِيدَ سَنَةِ مِيلادِهِ عَلَى
التَّحْقِيقِ.
حَيَاتُهُ الْعِلْمِيَّةُ وَالاجْتِمَاعِيَّةُ
أَخَذَ الْعِلْمَ عَنِ الْعَالِمِ الْكَبِيرِ أَبِي مُوسَى عِيسَى بْنِ عِيسَى الطَّرْمِيسِي، الْمُتَوَفَّى سَنَةَ 722 هـ[1322 م] صَاحِبِ الْمَدْرَسَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي أَخْرَجَتْ عَدَدًا
غَيْرَ قَلِيلٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ كَمَا صَاحَبَ الشَّيْخَ أَبَا عَزِيزِ زَمَانًا. كَانَ له قَوِيَّ الْحَافِظَةِ - عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّمَاخِيُّ - يَحْفَظُ دِيوَانَ الدَّعَائِمِ وَمَقَامَاتِ الْحَرِيرِيِّ وَالأَشْعَارَ السَّئَةَ، وَيَقْرَأُ وَيَحْفَظُ كِتَابَ الْعَدْلِ وَالإِنْصَافِ
(1) [انظر معجم أعلام الإباضية قسم المغرب، ترجمة ر 110، 112/ 2]. (1/21)
صفحة 22
22
Jackishichichishikiskisktakiskiskuakatakatakatakatakatak
قواعد الإست
لِلإِمَامِ أَبِي يَعْقُوبَ الْوَارْجِلانِي فِي ثَلَاثَةِ أَجْزَاءِ، وَجُمَلَ الزَّجَاجِ فِي النَّحْوِ، وَشَاعَ عَلَى أَلْسِنَةِ بَعْضِ الأَشْيَاحَ أَنَّهُ كَانَ اتَّخَذَهَا أَوْرَادًا عَلَى أَيَّامِ الْأَسْبُوعِ، وَخَصَّصَ الْيَوْمَ الأَخِيرَ لِدِرَاسَةِ الْقُرْآنِ لِتَكُونَ الْخَيْمَةُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ.
كَانَ هُوَ وَالشَّيْخُ عَامِرٌ صَاحِبُ الإِيضاح كَفَرَسَيْ رِهَانٍ، تَخَرَّجًا مِنْ مَدْرَسَةٍ وَاحِدَةٍ هِيَ مَدْرَسَةُ أَبِي مُوسَى الآئِفَةِ الذِّكْرِ، وَاتَّجَهَا اتِّجَاهَا وَاحِدًا فِي حَيَاتِهِمَا الْعِلْمِيَّةِ، كِلاهُمَا تَرَكَ آثَارًا خَالِدَةً وَتَاكِيفَ قَيِّمَةٌ كَانَ لَهَا الصَّدَى الْبَعِيدُ فِي الأَوْسَاطِ الإِبَاضِيَّةِ إِلَى يَوْمِنَا، أَجَلْ إِنَّهُمَا وَإِنِ اشْتَرَكَا فِي حُسْنِ التَّأْلِيفِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيل الْعَقِيدَةِ وَنُصْرَةِ الْحَقِّ، غَيْرَ أَنَّ الشَّيْخَ الْجِيطَالِيُّ اشْتَغَلَ بالتَّنَقُل مِنْ هُنَا إِلَى هُنَا لِنَشْرِ الدَّعْوَةِ وَالْقِيَامِ بِوَاجِبِ الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي شَتَّى الْمَيَادِينِ حَتَّى فِي الأَسْوَاقِ، حَتَّى وَلَغَ بَعْضُ حَاسِدِيهِ فِي عِرْضِهِ فَقَالُوا: إِنَّهُ يُعَلِّمُ السُّوقَةَ مَسَائِلَ الْغِشّ؛ يَعْنِي: يَنْهَاهُمْ عَنْهَا فَتَعَلَّمُوهَا.
أَمْضَى الإِمَامُ الْجِيطَالِيُّ حَيَاتَهُ الأُولَى فِي التَنقُل بَيْنَ مُدُنِ الْجَبَلِ مُدَرِّسًا وَمُرَبِّيًا وَدَاعِبًا وَمُذَكَّرًا فِي عَادَةِ عُلَمَائِهِ رَحِمَهُمُ اللهُ، فَأَقَامَ مُدَّةٌ بِمَزْغُورَةَ، وَالْتَقَى فِي مَسْجِدِهَا الْكَبِيرِ بِالشَّيْخِ أَبِي عَزِيزِ) وَالشَّيْخِ (يدْرَاسِن)، ثُمَّ غَادَرَ مَزْغُورَةَ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي عَزِيزِ، وَسَكَنَ "فرسطا" مِنْ بِلادِ الْجَبَلِ أَيْضًا تِسْعَةَ أَعْوَامٍ، وَحَمَلَهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ. وَكَانَ الله كَثِيرَ الْحُسَّادِ وَالأَضْدَادِ أَشْغَلُوهُ كَثِيرًا عَنْ أَدَاءِ رِسَالَتِهِ، فَصَرَفَ جَانِبًا مِنْ حَيَاتِهِ فِي مُقَاوَمَتِهِمْ وَدَفَع مَكَائِدِهِمْ وَذَاتَ مَرَّةٍ سَافَرَ إِلَى طَرَابُلسَ لِمَارِبَ، فَاهْتَبَلُوا فُرْصَةَ وُجُودِهِ فِي مُحِيطِهِمْ فَلَمْ يَزَالُوا يُغْرُونَ بِهِ عَامِلَ طَرَاجُلسَ حَتَّى عَقَدَ لَهُ مَجْلِسًا مِنَ الْعُلَمَاءِ لِمُنَاظَرَتِهِ؛ لَكِنَّهُ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَأَفْحَمَهُمْ فَازْدَادُوا عَلَيْهِ غَيْظًا وَحَنقًا، فَظَلُّوا يَسْعَوْنَ ضِدَّهُ لَدَيْهِ حَتَّى سَجَنَهُ وَمَكَثَ فِي سِجْنِهِ مُدَّةً، ثُمَّ إِنَّ الشَّيْخَ الْحِيطَالِي مَدَحَ ابْنَ مَكَّي صَاحِبَ الْقَيْرَوَانِ الَّذِي كَانَتْ حِرْبَةُ تَحْتَ يَدِهِ (1/22)
صفحة 23
23
قواعد الإس
بِقَصِيدَةٍ، فَشَفَعَ فِيهِ لَدَى حَاكِمَ طَرَابُلَسَ فَأَطْلَقَ سَرَاحَهُ. وَيَقُولُ الشَّمَاخِيُّ: إِنَّ أَبْنَاءَ أَبِي زَكَرِيَّاء بْنِ أَبِي مِسْوَرٍ تَسَبِّبُوا فِي إِطْلَاقِهِ مِنَ السِّجْنِ وَتَحَمَّلُوا مَعَهُ مَالاً، مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَدْحِهِ لابْنِ مَكَّيَّ، فَقَدِمَ جَرْبَةَ وَقَصَدَ بِهَا أَبْنَاءَ أَبِي زَكَرِيَّاء بْنِ أَبِي مِسْوَرٍ، وَنَزَلَ الْجَامِعَ الْكَبِيرَ، وَتَلَقَّاهُ عُلَمَاءُ جِرْبَةَ أَحْسَنَ لِقَاءِ، وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الطَّلَبَةُ فَكَانَ يُقْرِئُ ويُصَنِّفُ فِي المَجْلِسِ الْوَاحِدِ، وَهَكَذَا اسْتَوْطَنَ جِرْبَةَ إِلَى آخِرِ
حَيَاتِهِ "
(1)
تَلَامِيذُهُ
مِنَ الْمَفْرُوضِ أَنْ يَكُونَ لِلشَّيْخِ الْجِيطَالِيِّ - نَظَرًا لِغَزَارَةِ عِلْمِهِ وَقُوَّةِ نَشَاطِهِ - تَلَامِيذُ بَارِزُونَ، لاَ سِيَّمَا بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّ بِجرْبَةَ وَالْتَفَّ حَوْلَهُ الطَّلَبَةُ، لَكِنْ لَمْ يُحَدِّثْنَا التَّارِيحُ أَنَّهُ أَبْقَى مُرِيدِينَ نَابِهِينَ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ مَحْظُوظًا كَزَمِيلِهِ (أَبِي سَاكِن عَامِرٍ) الَّذِي تَرَكَ بَعْدَهُ أَعْلَامًا تَصَدَّرُوا مَجَالِسَ الْعِلْمِ، وَانْتَهَتْ إِلَيْهِمُ الْفَتْوَى، وَأَبْقَوْا لَنَا تَالِيفَ قَيِّمَةٌ، فَكَانُوا هَمْزَةَ وَصْل بَيْنَ الأَوَائِلِ وَالْأَوَاخِرِ، جَدَّدُوا مَا انْدَرَسَ مِنْ مَعَالِمِ الدِّينِ وَأَحْيَوْا مَا مَاتَ وَانْطَمَسَ، أَمْثَالَ: ابْنِهِ أَبِي عِمْرَانَ مُوسَى بْنِ عَامِرٍ، وَابْنِ ابْنِهِ سُلَيْمَانَ، وَالشَّيْخِ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَرَادِيِّ، وَأَبِي يَعْقُوبَ يُوسُفَ بْنِ مِصْبَاحٍ، وَالشَّيْخِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الشَّيْخِ، وَأَبِي عِمْرَانَ مُوسَى بْنِ يُوسُفَ، وَأَبِي زَكَرِيَّاءَ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ، وَالشَّيْخِ أَيُّوبَ الْجِيطَالِيِّ، وَنُوحِ بْنِ حَازِمٍ الْمَرْسَاوَانِي، وَأبي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ التَّفَجَانِيُّ، وَأَبِي الصِّيَاءِ ابْنِ يسفاو الطَّرْمِيسِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَطُولُ يَعْدَادُهُمْ.
(1) [السير، الطبعة الحجرية، 557/ 1]. (1/23)
صفحة 24
24
تاليفه
قَالَ الشَّماخِيُّ: وَلَهُ تَالِيفُ جَلِيلَةٌ أَحْيَى بِهَا الْمَذْهَبَ مِنْهَا الْقَوَاعِدُ، وَمِنْهَا الْقَنَاطِرُ فِي أَجْزَاء كَثِيرَةٍ، وَمِنْهَا شَرْحُ النُّونِيَّةِ فِي ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ فِي أُصُولِ الدِّينِ عَلَى قَصِيدَةِ الشَّيْخِ أَبِي نَصْرٍ فَتْحِ بْنِ نُوحٍ المَلُوشَائِيِّ، وَمِنْهَا كِتَابُ الْحِسَابِ وَقَسْمِ الْفَرَائِضِ، وَمِنْهَا كِتَابُ الْحَجِّ وَالْمَنَاسِكِ، وَمِنْهَا مَا جُمِعَ مِنْ أَجْوِبَةِ الأَئِمَّةِ فِي ثَلاثَةِ أَجْزَاءٍ، وَمِنْهَا مَا جُمِعَ مِنْ رَسَائِلَ، وَلَهُ فَصَائِدُ (1).
وَبَعْدُ فَقَدْ تَرَكَ الإِمَامُ الْحِيطَالِيُّ ثَرْوَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الْجِهَادِ الْعِلْمِيِّ الْجَادُ الْمُثْمِرِ فِي مُؤَلَّفَاتِهِ الْقَيِّمَةِ الْعَمِيقَةِ هِيَ مِنْ أَرْفَعِ الْجُهُودِ الْعِلْمِيَّةِ وَأَخْصَبهَا، وَيَجِدُ الْقَارِئُ فِي كِتَابِ الْقَنَاطِرِ صُورَةٌ جَلِيَّةٌ لِهَذِهِ الآفَاقِ الرَّحْبَةِ الَّتِي يَرْتَادُهَا هَذَا الْعَالِمُ الْكَبِيرُ فِي مَيَادِينِ الْمَعْرِفَةِ الإِسْلامِيَّةِ فِي تَدَفُقٍ وَعُمْقٍ وَدِرَايَةٍ. تُوُفِّيَ اللهُ بِجِرْبَةً سَنَةَ 750 هـ / [1350 م]، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ الْمَذْكُورِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
وَأَرْضَاهُ.
مُصَرِّحُ الْكِتَابِ بكلي عبد الرحمن بن عمر
(1) [السير، 247/ 2]. (1/24)
صفحة 25
25
مقدمة المؤلف (الجيطالي)] بسم الله الرحمن الرحيم
وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا
الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي اخْتَرَعَ الأَشْيَاءَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ، وَدَبَّرَ الْأُمُورَ عَلَى غَيْرِ تِمْثَالٍ، وَأَبْدَعَ بِحِكْمَتِهِ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ، فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ ذُرِّيَّةٌ وَشِيكَةَ الاضْمِحْلالِ، فَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ قَبْلَ الاسْتِحْقَاقِ، وَتَكَفَّلَ لَهُمْ بِمَضْمُونِ الأَرْزَاقِ، وَرَكَّبَ فِيهِمْ عُقُولا إِلَيْهَا يَنتَهُونَ وَيَعْرِفُونَ مَا يَأْتُونَ وَمَا يَتَّقُونَ، ثُمَّ بَعَثَ رُسُلَهُ إِلَيْهِمْ دُعَاةً، وَجَعَلَ لَهُمْ أَئِمَّةٌ وَهُدَاةٌ، وَخَتَمَ أَنْبِيَاءَهُ بِالنَّبِيِّ الْمَبْعُوثِ الطَّاهِرِ الْمُطَهِّرِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمَخْصُوصِ بِالْمَوَاهِبِ السَّنِيَّةِ وَالْمَفَاخِرِ السَّمِيَّةِ، فَكَشَفَ بِهِ عَنِ الْهُدَى دَيَاجِيَ الْغُمَّةِ، وَهَدَى بِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ الأُمَّةَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ، فَكَلَّفَ فِيهِ عِبَادَهُ الْمَفْرُوضَاتِ، وَزَجَرَهُمْ فِيهِ عَنِ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ، وَأَكَّدَ مَفْرُوضَاتِهِ بِمَوَاعِدِ الْمَثُوبَةِ تَرْغِيبًا، وَزَوَاجِرَهِ بِمَوَاعِيدِ الْعُقُوبَةِ تَرْهِيبًا؛ لأَنَّ الرَّغْبَةَ بَاعِثَةٌ عَلَى الطَّاعَةِ وَالالْتِبَاسِ بِهَا، وَالرَّهْبَةَ رَادِعَةٌ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَارْتِكَابِهَا، فَالتَّكْلِيفُ يَجْمَعُ امْتِثَالَ الأَوَامِرِ وَاجْتِنَاب الزَّوَاجِرِ، فَجَعَلَ مَا أَوْدَعَ كِتَابَهُ مِنَ الْقَصَصِ وَالْأَمْثَالِ عِظَةٌ وَاعْتِبَارًا تَقْوَى بِهِمَا الرَّغْبَةُ فِي امْتِثَالِ الْعَزَائِمِ، وَتَزْدَادُ بِهِمَا الرَّهْبَةُ فِي اجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ، ثُمَّ جَعَلَ إِلَى رَسُولِهِ بَيَانَ مَا كَانَ مِنْ كَلَامِهِ مُجْمَلاً وَإِيضَاحَ مَا كَانَ مِنْهُ مُشْكِلاً، فَبَيَّنَ وَ مَا أُجْمِلَ فِيهِ مِنَ الْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ، وَأَنَارَ مَعَالِمَ الْحَلَالِ مِنَ الْحَرَامِ، وَشَمَّرَ عَنْ سَاقِ الْجِدٌ وَالاجْتِهَادِ، وَدَعَا إِلَى طَاعَةِ رَبِّهِ جَمِيعَ الْعِبَادِ، (1/25)
صفحة 26
قواعد الان
26
وَأَمَرَهُمْ بِإِعْدَادِ الزَّادِ لِيَوْمِ الْمَعَادِ حَتَّى أَكْمَلَ اللَّهُ دِينَهُ عَلَى لِسَانِهِ، وَقَبَضَهُ إِلَى
رِضْوَانِهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ الطَّاهِرِينَ الأَبْرَارِ وَأَصْحَابِهِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.
أَمَّا بَعْدُ - فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَتِ السَّعَادَةُ الأَبَدِيَّةُ مَنُوطَةٌ بِالْعِلْمِ وَالْعِبَادَاتِ وَجَبَ عَلَى الْمُكَلَّفِ إِثْقَانُ هَذَيْنِ التَّوْأَمَيْنِ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَهُمَا الْعِلْمُ بِكَيْفِيَّةِ امْتِثَالِ الأَوَامِرِ الْمَحْتُومَةِ وَالالْتِبَاسِ بِهَا فِعْلاً وَامْتِثَالاً، وَالْمَعْرِفَةُ بِمُوجبِ اعْتِقَادِ قَلْب وَتَطْهِيرِهِ مِنَ الأَخْلاقِ الْمَذْمُومَةِ نُطْقَا وَاعْتِقَادًا وَنَفْيًا وَارْتِدَاعًا، وَلَمَّا كَانَ الْخَبَرُ الْمَرْوِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ عَنْهُ مُتَضَمِّنًا قَوَاعِدَ الإِسْلامِ، وَكَانَتِ السُّوَالاتُ السَّبْعَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ رَبِّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (2) مُشْتَمِلَةٌ عَلَى جَمِيعِ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَبْدُ فِي الْمَعَادِ؛ رَأَيْنَا أَنْ نَقْصُرَ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ عَلَى سَبْعَةِ أَرْكَانٍ تَحْتَوِي عَلَى جُمَلٍ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالْمَظَالِمِ الَّتِي يُلْزَمُ بِهَا الْإِنْسَانُ، وَكُلُّ رُكْنٍ مِنْهَا يَشْتَمِلُ عَلَى أَبْوَابٍ مُرَتَّبَةٍ مَبَانِيهَا وَفُصُولٍ مَشْرُوحَةٍ مَعَانِيهَا، تَكُونُ لِسَالِكِي هَذَا الْمَنْهَجِ مِنَ التَّحَفِ الْمَخْرُونَةِ وَالدُّرَرِ الْمَكْنُونَةِ يَقِلُّ عَلَى النَّاظِرِ لَفْظُهَا، وَيَسْهُلُ عَلَى الْقَارِئِ حِفْظُهَا، وَتَكُونُ لِلْمُسْتَرْشِدِينَ مَلْجَأَ يَلْجَؤُونَ إِلَيْهَا وَعِصْمَةٌ يَعْتَصِمُونَ بهَا، وَاللهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمَرْجُو لِلتَّوْفِيقِ وَالْمُرْشِدُ إِلَى سَوَاءِ الطَّرِيقِ، وَهُوَ بِإِجَابَةِ السَّائِلِينَ حَقِيقٌ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ
إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
(1) يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "بني الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ ... " الْحَدِيث. [سبق تخريجه]. (2) الْفَجْر: 14. (1/26)
صفحة 27
skatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatalatcatclatskickatelate
27
كِتَابُ التَّوْحِيدِ (1/27)
صفحة 28
28
الرُّضْنُ الأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ عز وجل وَوَطَائِفِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ قَوَاعِدِ التَّوْحِيدِ وَأَرْكَانِهِ (1/28)
صفحة 29
وَهَذَا الرُّكْنُ يَحْتَوِي عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَأَبْوَابٍ ثَلَاثَةِ: أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ فَهِيَ: أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الدُّنْيَا وَحَفَّهَا شَهَوَاتٍ وَمَلأَهَا آفَاتٍ وَأَسْكَنَهَا الثَّقَلَيْنِ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَخَّرَ لَهُمْ كُلَّ مَا فِي بِلَادِهِ أَكْلاً وَانْتِفَاعًا وَلُبْسًا وَاسْتِمْتَاعًا لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً، وَأَسْرَعُهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ قَبُولاً وَفِعْلاً وَامْتِثَالاً، ثُمَّ رَكَّبَ فِيهِمْ عُقُولاً غَرِيزِيَّةٌ يَتَعَلَّقُ التَّكْلِيفُ بِكَمَالِهَا، وَيَتَمَيَّزُ بِهَا الإِنْسَانُ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ عَلَى اخْتِلافِ أَجْنَاسِهَا، جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى أَصْلاً لِشَرِيعَتِهِ، وَجَعَلَ أَحْكَامَ الدُّنْيَا مُدَبِّرَةٌ بِوَاسِطَتِهِ، وَأَلَّفَ بِهِ بَيْنَ الْخَلْقِ، وَسَاوَى بَيْنَ أَهْلِهِ فِي التَّكْلِيفِ وَأَدَاءِ الْحَقِّ، وَجَعَلَ مَا تَعَبَّدَهُمْ بِهِ مَأْخُوذًا مِنْ وَاجِبٍ عَقْلِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَأْكِيدِهِ، وَمَسْمُوعًا مِنْ خِطَابِ نَقْلِي لا يَمْنَعُ الْعَقْلُ مِنْ جَوَازِهِ. وَلِذَلِكَ تَوَجَّهَ الْخِطَابُ إِلَى ذَوِي الأَلْبَابِ، وَبِهِ اسْتَوْجَبُوا الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ، إِذْ لَيْسَ مِنَ الْحِكْمَةِ تَكْلِيفُ مَنِ انْعَرَى مِنَ الْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْحِكْمَةِ تَكْلِيفُ الأَصَمِّ السَّمْعَ، وَتَكْلِيفُ الأَخْرَسِ النُّطْقَ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الْحِكْمَةِ إِهْمَالُ الْعَاقِلِ بِغَيْرِ تَكْلِيف؛ لأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى إِبَاحَةِ الشَّتْمِ لَهُ وَالافْتِرَاءِ عَلَيْهِ بِمَا لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ. فَكَيْفَ وَقَدْ نَزَّهَ الْجَلِيلُ له نَفْسَهُ عَنْ هَذِهِ الصَّفَةِ فَقَالَ: {أَفَصَبْتُمْ (1) الْحَاصِلُ عِنْدَ الْبُلُوغ وَإِلا فَالكَمَالُ لاَ يَحْصُلُ إِلا عِنْدَ الأَرْبَعِينَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا عَلَى رَأْسِ الْأَرْبَعِينَ إِلَّا ابْنَيِ الْخَالَةِ عِيسَى وَيَحْيَى، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (ولما بلغ أشده) (القصص: 14)، أيْ: بَلَغَ الْأَرْبَعِينَ اهَ الْمُحَشِّي بِاخْتِصَارِ. [والمحشي: هو أبو ستة، وقد سبق التعريف به في مقدمة المصحح]. (1/29)
صفحة 30
قواعد الان
أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَنا الآية)، أيَحْسَبُ الإِنسَنُ أَن يُتْرَكَ سُدى، أَيْ: مُهْمَلاً لا (2) يُخَاطَبُ، وَمَتْرُوكًا لا يُعَاقَبُ؟ فَإِذَا صَحَّتْ غَرِيزَةُ الْعَقْلِ مِنَ الإِنْسَانِ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ
التَّكْلِيفُ وَالإلْزَامُ، وَنَفَذَتْ لَهُ وَعَلَيْهِ الأَحْكَامُ. [علامات البلوغ]
وَقَدْ نَصَبَ الشَّرْعُ لِذَلِكَ عَلامَاتٍ بَادِيَةٌ وَحُدُودًا مُتَنَاهِيَةً:
إحْدَاهَا: الاحْتِلامُ لِلذُّكُورِ، وَالْمَحِيضُ لِلنِّسَاءِ بِإِزَائِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا بلَغَ الأطفلُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَتَذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ (3) فَأَوْجَبَ عَلَيْهِمُ الاسْتِبْدَانَ بِبُلُوغ الاحْتِلامِ، وَأَمَّا الْمَحِيضُ فَلِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُجِزْ لِمَنْ بَلَغَ الْمَحِيضَ مِنَ النِّسَاءِ أَنْ تُصَلِّي بِلاَ خِمَارٍ، فَدَلَّ أَنَّ التَّكْلِيفَ تَوَجَّهَ إِلَيْهَا
(4)
بِبُلُوغِ الْمَحِيضِ. والثانية: الإِنْبَاتُ فِي مَوْضِع الاسْتِحْدَادِ، لِحَدِيثِ بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ حَكَمَ عَلَيْهِمْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الأَنْصَارِيُّ أَنْ يُكْشَفَ عَنِ الأَطْفَالِ، فَمَنْ أَنبَتَ مِنْهُمْ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتُ سُبِي، فَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبِ الْقُرَظِيُّ مِمَّنْ لَمْ يُنْبِتْ فَتُرِكَ (5) فِيمَا
قِيلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) الْمُؤْمِنُونَ: 115.
(2) القيامة: 36.
(3) النور: 59.
(4) [رواه أبو داود، كتاب الصلاة، باب المرأة تصلي بغير خمار، ر 641، والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء لا تقبل صلاة المرأة إلا بخمار، (377]، بلفظ: "لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضِ إِلَّا بِخِمَارٍ، كَمَا سَاقَهُ الْمُؤَلِّفُ فِيمَا بَعْدُ بِهَذَا اللَّفْظِ. (5) ذَلِكَ هُوَ عَطِيَّةُ الْقُرَظِيُّ، كَمَا فِي حَدِيثٍ عنه قال: "عُرِضْنَا عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ قُرَيْظَةَ فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خُلَّى سَبِيلُهُ فَكُنْتُ مِمَّنْ لَمْ يُنْبِتْ فَخُلَّى سَبِيلِي". رواه الترمذي، كتاب السير، باب ماء في النزول على الحكم، ر 1584، وابن ماجه، کتاب الحدود، باب من لا يجب عليه الحد، ر 2541]. قَالَ الصَّنْعَانِيُّ فِي سُبُلِ السَّلَامِ: "وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّه (1/30)
صفحة 31
قواع
وَقَدْ أَجَازَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمُ اللهُ الْبُلُوغَ بِشَعْرَةٍ وَاحِدَةٍ إِذَا كَانَتْ سَوْدَاءَ غَلِيظَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
عَقْلُهُ مِنْ
وَالثَّالِثَةُ: السِّنُونُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي نِهَايَةِ ذَلِكَ، وَالْمَحْصُولُ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةٌ، وَالثَّانِي سَبْعَ عَشْرَةَ، وَالصَّحِيحُ الأَوَّلُ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْفَذَهُ فِي الْجَيْشِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةٌ، وَضَرَبَ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ سَهْما ()، وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَضْرِبُ لِلْمُقَاتِلَةِ فِي الْغَنِيمَةِ مَنْ بَلَغَ مِنْهُمْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةٌ. فَهَذِهِ حُدُودُ الْبُلُوغ فِيمَا بَلَغَنَا، فَمَتَى مَا ظَهَرَ مِنَ الإِنْسَانِ إِحْدَى هَذِهِ الْعَلَامَاتِ، وَسَلِمَ شَوَائِبِ الْآفَاتِ فَقَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الأَمْرُ بِالتَّوْحِيدِ مَعَ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَلَمْ يَسَعْهُ جَهْلُ التَّوْحِيدِ فِي وَقْتِ مِنَ الأَوْقَاتِ، وَيَسَعُهُ جَهْلُ الْفَرَائِضِ حَتَّى تَجِيءَ أَوْقَاتُهَا، وَجَهْلُ الْمُحَرَّمَاتِ مَا لَمْ يَلْتَبِسْ بِهَا، أَوْ يَتَوَلَّى مَنِ ارْتَكَبَهَا، أَوْ يَقِفْ فِيهِ عَلَى عِلْمِهِ بِمَا ارْتَكَبَ مِنْ مُحَرَّمَاتِ رَبِّهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْبَالِغَ وَالْمُشْرِكَ مَأْمُورَانِ بِجُمْلَةِ الْفَرَائِضِ مَنْهِيَّانِ عَنِ ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمَاتِ قَوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِخْبَارًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ: وَمَا
يَحْصُلُ بِالإِنْبَاتِ الْبُلُوغ، فَتَجْرِي عَلَى مَنْ أَنْبَتَ أَحْكَامُ الْمُكَلَّفِينَ، وَلَعَلَّهُ إِجْمَاعٌ". اهـ. [سبل السلام، ط، 4، 1379 هـ / 1960 م، 3/ 58] (1) رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَربَعَ عشرةَ سنةٍ فلم يُجْزِنِي، وعَرضتُ عليهِ يومَ الحَنْدَقِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةٌ فَأَجَازَنِي). [البخاري، كتاب الشهادات باب بلوغ، الصبيان ر 2521، ومسلم، كتاب الإمارة، باب بيان سن البلوغ، ر 4944]، وَإِذَا أَجَازَهُ وَأَسْهَمَ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةٌ، كَمَا أَفَادَهُ الْحَدِيثُ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ، دَلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْبَالِغ لا ينفذ في الجَيْش وَلا يُسْهَمُ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَأَنَّ الْبُلُوغ بالسِّنِينَ يَتَحَقَّقُ بِبُلُوعَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةٌ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَنَا، وَيُؤَيَّدُهُ أَيْضًا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا اسْتَكْمَلَ الْمَوْلُودُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةٌ كُتِبَ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ، وَأَقِيمَتْ عَلَيْهِ الْحُدُودُ". [ابن حجر: تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، ر 1241، وإسناده ضعيف]، ولذلِكَ نَصَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى تَرْجِيحِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ مُصَحِّحه. (1/31)
صفحة 32
سلككم في سقر الله إِلَى قَوْلِهِ: {وَكَانُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوا الْعَذَابَ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الأَشْيَاءِ، كَمَا اسْتَوْجَبُوهُ بِإِحْدَاهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) سُورَةُ الْمُدَّثر: الآية 42 - 46. (1/32)
صفحة 33
قواء
الباب الأول: في معرفة الله عز وجل، وَمَا لَا يَسَعُ جَهْلُهُ كُلَّ مُكلَّف]
فصل فِي أَدِلَّةُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى
اعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدَّمَ مَعْرِفَتَهُ عَلَى الْعَبْدِ فِي الدُّنْيَا عَلَى سَائِرِ الْمَفْرُوضَاتِ كَمَا قَدَّمَ السُّؤَالَ عَنْهَا فِي الْآخِرَةِ قَبْلَ سَائِرِ السُّؤَالَاتِ.
[فمن القرآن]: قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ مُخَاطَبًا عِبَادَهُ فَتَامِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ} الآية (1) وَفِي أَمْثَالِهَا، وَقَالَ أَيْضًا - وَذَكَرَ أَصْلَ الإِيمَانِ -: {لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ
(Y).
الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ (2) مَعْنَاهُ: لَيْسَ الإِيمَانُ أَنْ تُصَلُّوا فَقَطْ وَلَكِنَّ الْبَرَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ: وَأَوَلَيْكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (3) وَسُئِلَ أَبُو ذَرِّ وَاللهُ عَنِ الإِيمَانِ فَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ، فَقَالَ السَّائِلُ: سَأَلْنَا عَنِ الإِيمَانِ فَتُخْبِرُنَا عَنِ الْبِرِّ؟ فَقَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ
النَّبِي عَنِ الإِيمَانِ فَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ. فَهَذَا أَصْلُ الإِيمَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ.
وَمِنَ السُّنَّةِ: مَا رُوِيَ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي صُورَةِ أَعْرَابِي وَهُوَ لا يَعْرِفُهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَا الإِيمَانُ؟ فَقَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَنَا مُؤْمِنُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: صَدَقْتَ قَالَ: فَمَا الإِسْلامُ؟ قَالَ: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ، وَتَعْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ. قَالَ:
(1) التَّغَابُن: 8. (2) الْبَقَرَة: 177.
(3) وَفِي بَعْض النُّسَخ زيَادَةُ: وَلا أَنْ تَفْعَلُوا خَيْرًا غَيْرَ الصَّلاةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الإِيمَانَ، وَقَدَّمَهُ عَلَى سَائِرِ وَطَائِفِ الإِسْلَامِ، وَقَالَ: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ .. إِلَخ). (1/33)
صفحة 34
قواعد الإس
34
فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَنَا مُسْلِمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: صَدَقْتَ قَالَ: فَمَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ
(1)
11
: أَنْ تَعْمَلَ لِلهِ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: صَدَقْتَ .... الْحَدِيثِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: عَلَيَّ بِالرَّجُل فَقَامَ أَصْحَابُهُ فِي كُلِّ وَجْهِ (وِجْهَةٍ)، ثُمَّ نَادَاهُمْ أَنْ هَلَمُوا فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ مَا جَاءَكُمْ لَيُعَلِّمَكُمْ أَمْرَ فَبَدَأَ بِالإِيمَانِ بِاللهِ ع قَبْلَ وَطَائِفِ الإِسْلَامِ كَمَا قَدَّمْنَا؛ لأَنَّهُ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ
سُبْحَانَهُ تُؤَدَّى الْعِبَادَاتُ رَغْبَةً فِي مَرْضَاتِهِ، وَتُجْتَنَبَّ الْمُحَرَّمَاتُ مَخَافَةَ سَطَوَاتِهِ وَالتَّعَرُّضِ لِمَقْتِهِ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ مَعْبُودَهُ كَيْفَ يَرْجُوهُ لِكَشْفِ مَلَمَّةٍ أَوْ تَيْسِيرِ مَهَمَّةٍ، أَوْ كَيْفَ يَخَافُهُ إِذَا ارْكَتَبَ مُوبَقَةٌ أَوْ أَهْمَلَ فَرِيضَةً لِذَلِكَ قَالَ: " أَبي اللهُ أَنْ يُقْبَلَ الْعَمَلُ إِلا بِالإِيمَانِ (2)، وَلِذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ مِفْتَاحَ دَعْوَةِ كُلِّ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ فِي سَالِفِ الدَّهْرِ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (3) وَكَذَلِكَ فِي الْمَعَادِ إِنَّمَا يُسْأَلُ الْعَبْدُ أَوَّلاً عَنِ الإِيمَانِ ثُمَّ الصَّلَاةِ ثُمَّ الزَّكَاةِ ثُمَّ سَائِرِ الْأَعْمَالِ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، وَاشْتُهِرَ عَنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ فِي قَوْلِهِ: وَإِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) يَعْنِي: مَلائِكَةٌ يَرْصدُونَ الْعِبَادَ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ عِنْدَ الْقَنَاطِرِ السَّبْعِ الْمَحَابِسِ، فَيُسْأَلُ الْعَبْدُ عِنْدَ أَوَّلِهِنَّ عَنِ الإِيمَانِ، فَإِنْ جَاءَ بِهِ مُخْلِصًا جَازَ إِلَى الثَّانِي، فَيُسْأَلُ عَنِ الصَّلاةِ، فَإِنْ جَاءَ بِهَا تَامَّةٌ جَازَ إِلَى الثَّالِثِ، فَيُسْأَلُ عَنِ الزَّكَاةِ، فَإِنْ جَاءَ بِهَا تَامَّةً جَازَ إِلَى الرَّابِعِ، ثُمَّ يُسْأَلُ عَنِ الصَّوْمِ، فَإِنْ جَاءَ بِهِ تَامَّا جَازَ إِلَى الْخَامِسِ،
(4)
(1) [رَوَاهُ البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، ر 50، ومسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان والإسلام ... ، ر 102]. (2) لم أجد من خرجه، ذكره الهيثمي (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، باب لا يقبل إيمان بلا عمل، طبعة: دار الفكر، بيروت، 1412 هـ (187/ 1) بلفظ: "لا يُقْبَلُ إِيمَانٌ بِلا عَمَل وَلَا عَمَلٌ بِلا
إيمان"، وقال: رواه الطبراني في المعجم الكبير، فلم أجده عند الطبراني].
(3) الأنبياء: 25.
(4) الْفَجر: 14. الْمَعْنَى أَنَّهُ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ كَمَا لا يَقُوتُ مَنْ بِالْمِرْصَادِ، قَالَهُ الْحَسَنُ
وَعِكْرِمَةٌ. (1/34)
صفحة 35
فَيُسْأَلُ عَنِ الْعُمْرَةِ، فَإِنْ جَاءَ بِهَا تَامَّةٌ جَازَ إِلَى السَّادِسِ، فَيُسْأَلُ عَنِ الْحَجِّ، فَإِنْ جَاءَ بِهِ تَامَّا جَازَ إِلَى السَّابِعِ، فَيُسْأَلُ عَنِ الْمَظَالِمٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظَلَمَ أَحَدًا جَازَ إِلَى
الْجَنَّةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
الأَبْوَابُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي يَشْتَمِلُ عَلَيْهَا هَذَا الرُّكْنُ الأَوَّلُ
أَحَدُهَا: بَابٌ فِي مَعْرِفَةِ اللهِ، وَمَا لاَ يَسَعُ جَهْلُهُ كُلَّ عَاقِلِ سَلِمَ عَقْلُهُ مِنَ الْآفَاتِ عِنْدَ حَالِ بُلُوغِهِ مِنَ الذُّكُورِ وَالإِنَاثِ، وَهَذَا الْبَابُ يَتَوَنَّعُ عَلَى ثَلَاثَةِ فُصُولٍ:
رَبِّهِ.
الْفَضْلُ الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ.
وَالْفَضْلُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ الرَّسُولِ وَالإِقْرَارِ بِهِ.
وَالْفَضْلُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَالْإِقْرَارِ بِهِ أَنَّهُ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ
(1) [رواه البيهقي في الأسماء والصفات، (915، 345/ 2، والقرطبي في تفسير سورة الفجر،
[50/ 20 (1/35)
صفحة 36
[صفحة فارغة] (1/36)
صفحة 37
37
الفَصْلُ الأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ اللهِ
وَهُوَ يَنقَسِمُ قِسْمَيْنِ:
القِسْمُ الأَوَّلُ: فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَعْتَقِدَهُ فِي اللَّهِ وَ وُجُوبًا وَإِثْبَاتًا، وَالثَّانِي: فِيمَا يَجِبُ أَنْ يَعْتَقِدَهُ نَفْيًا وَاسْتِحَالَةٌ.
أَمَّا الأَوَّلُ: فَيَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ مَعْرِفَةُ رَبِّهِ وَالإِيمَانُ بِهِ نُطْقَا بِاللَّسَانِ وَاعْتِقَادًا بِالْجَنَانِ، وَيَعْقِدُ فِي قَلْبِهِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاحِدٌ غَيْرُ مُنْقَسِمٍ فِي ذَاتِهِ، وَلَا مَعَهُ ثَانٍ فِي أُلُوهِيَّتِهِ، مَوْجُودٌ بِغَيْرِ مُشَاهَدَةٍ، قَدِيمٌ بِلا بِدَايَةٍ أَوْجَدَ مِنْهَا نَفْسَهُ، دَائِمٌ بِلا نِهَايَةٍ يَنْتَهِي إِلَيْهَا، حَيٌّ قَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، عَالِمٌ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ظُلُمَاتٍ وَلَا ضِيَاءٍ، قَادِرٌ بلا تَكَلَّفٍ وَلاَ جَهْدٍ، مُتَكَلِّمُ بِلا لِسَانٍ، سَمِيعٌ بِلا آذَانِ، بَصِيرٌ بِلا حَدَقَةٍ وَلَا أَجْفَانٍ، وَأَنَّهُ إِلَهُ كُلِّ شَيْءٍ وَخَالِقُهُ وَمُنْشِتُهُ وَمُوجِدُهُ، خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ، وَاخْتَرَعَ الإِنْسَانَ وَصَوَّرَهُ، وَيَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ، وَمَا يَجْلِبُ إِلَيْهِ حِسُّهُ، مُرِيدٌ لِكُلِّ كَائِنِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٌ وَجَمِيعِ مَا يَجْرِي عَلَى الْعَالَمِ مِنْ نَفْعِ وَضَرٍّ، مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، صَادِقٌ فِي وَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، عَدْلٌ فِي قَضَائِهِ وَحُكْمِهِ، آمِرٌ بِطَاعَتِهِ، نَاءٍ (1/37)
صفحة 38
قواعد الإسلام
38
عَنْ مَعْصِيَتِهِ، مُسْتَوِ عَلَى عَرْشِهِ وَجَمِيعِ خَلْقِهِ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، هُوَ وَ
الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)
(1)
الْقِسْمُ الثَّانِي: فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَعْتَقِدَهُ نَفْيًا وَاسْتِحَالَةٌ
وَذَلِكَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الْحُدُوثُ وَالْعَدَمُ وَالتَّغَير وَالْفَنَاءُ فِي الْحَالِ وَالأَزَلِ (2)، بَلْ هُوَ مَوْجُودٌ عَلَى الإِطْلَاقِ،
6
غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِزَمَانٍ وَلاَ مَخصُوص بِجِهَةٍ وَلَا مَكَانٍ، بَلْ هُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِلا حِوَايَةٍ وَلاَ اجْتِنَانِ لاَ تُحِيطُ بِهِ الْجِهَاتُ وَالأَقْطَارُ، وَلاَ تُكَيّفه الْعُقُولُ وَالأَفْكَارُ، مُنَزَّهُ عَنْ جَمِيعِ الأَمَاكِنِ وَالْجِهَاتِ، غَنِيٌّ عَنْ جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ، مُتَعَالٍ عَنِ الْحُلُولِ عَلَى الْعَرْشِ وَالسَّمَوَاتِ، لَيْسَ بِمُتَّصِلِ فَتَمَسُّهُ صَفَحَاتُ الأَجْرَامِ، وَلَا بِمُنْفَصِلِ فَتُدْرِكُهُ لَمَحَاتُ أَبْصَارِ الأَجْسَامِ، لَا يُوصَفُ بِالْحَرَكَةِ وَلاَ بِالسُّكُونِ، وَلَا تَعْتَرِيهِ وَسَاوِسُ الظُّنُونِ، تَعَالَى عَنِ الْعُيُوبِ وَالآفَاتِ، وَتَنَزَّهَ عَنْ نَقَائِصِ الْعَاهَاتِ، لَا تَبْدُو لَهُ الْبَدَوَاتُ، وَلَا يُوصَفُ بِالْجَوَارِحِ وَالأَدَوَاتِ، وَلَا تَحَلُّهُ دَوَاعِي الْخَطَرَاتِ، وَلاَ يُوصَفُ بِنَوْم وَلَا سُبَاتٍ، لَيْسَ لَهُ شَرِيكَ يُنَازِعُهُ، وَلاَ كُفْوٌ، يُدَافِعُهُ، وَلاَ مِثْلُ يُعَادِلُهُ، وَلَا نَظِيرُ يُشَاكِلُهُ (3)، وَلاَ وَزِيرٌ يُؤَازِرُهُ، وَلاَ يَدٌ يُحَاوِرُهُ، وَلاَ تُكَيِّفُهُ الْعُقُولُ، وَلَا تُمَثْلُهُ النُّفُوسُ، وَلَا تَلْحَقُهُ الأَوْهَامُ وَالأَفْكَارُ، لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (4) لَيْسَ بِجَوْهَرِ وَلَا عَرَضِ، وَلَا بِذِي طُولٍ وَلَا عُرْضِ، وَلَا بِذِي صُورَةٍ وَلَا شَكْلٍ، وَلَا هَيْئَةٍ وَلَا مِثْلٍ، بَلْ
(1) الْحَدِيد: 3. (2) [الأَوْلَى أَنْ يَزِيدَهُ]: وَالْأَبَدِ.
(3) وَفِي نُسْخَةٍ: يُشَارِكُهُ. (4) الأنعام: 103. (1/38)
صفحة 39
datalajalatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakasalatolatad
قواعد الإسـ
هُوَ الْوَاحِدُ الأَحَدُ الْعَدْلُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوا أَحَدٌ، لا تَحُلُّهُ الْحَوَادِثُ وَالآفَاتُ، وَلَا تَلْحَقُهُ النَّقَائِصُ وَالْعَاهَاتُ، وَلاَ يَلِيقُ بِهِ الظُّلْمُ، وَلاَ يَجُورُ فِي الْحُكْمِ، بَلْ قَضَاؤُهُ كُلُّهُ حِكْمَةٌ وَعَدْلٌ وَامْتِنَانٌ وَفَضْلٌ، كُلُّ أَفْعَالِ الْبَرِيَّةِ بِقَضَاءِ مِنْهُ وَمَشِيئَةٍ، وَتَمَّتْ حلمتُ رَبِّكَ صِدْقَ وَعَدْلاً لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهِ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَلاَ قَا) رَادَّ لِقَضَائِهِ، يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ (2) وَلَا يُسْتَلُ عَمَّا يفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ) (3) {هُوَ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ
(†)
له الدين الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (4)
(1) الأنعام: 115.
(2) النَّحْل: 93، وَالآيَةُ: أَعُودُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَبِعِدَةٌ وَلَكِن يُضِلُّ
مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).
(3) الأنبياء: 23.
(4) غَافِر: 65. (1/39)
صفحة 40
ا قواعـ
الفَضْلُ الثاني فِي مَعْرِفَةِ الرَّسُولِ
وَذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ نُطْقًا وَاعْتِقَادًا أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ هَاشِمِيُّ النَّسَبِ مَبْعُوثُ مِنَ الْعَرَبِ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ الأَمِينُ وَرَسُولُهُ الْمُبِينُ إِلَى الثَّقَلَيْنِ أَجْمَعِينَ، وَأَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَأَنَّهُ بَلَغَ رِسَالَةَ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَعَبَدَ رَبَّهُ حَتَّى أَنَاهُ الْيَقِينُ، وَصَدَعَ بِأَمْرِ رَبِّهِ مُجْتَهِدًا فِي تَبْلِيغِهِ، نَاصِحًا لأُمَّتِهِ، حَرِيصًا عَلَى هِدَايَةِ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، رَؤُوفًا بِالْمُؤْمِنِينَ، رَحِيمًا بِالْمُتَّقِينَ، آخِذًا بِالْعَفْوِ، آمِرًا بِالْمَعْرُوفِ مُعْرِضًا عَنِ الْجَاهِلِينَ، كَاظِمًا لِغَيْظِهِ، شَاكِرًا لأَنْعُمِ رَبِّهِ، لَيْسَ بِفَظٌ وَلاَ غَلِيظٌ وَلاَ صَخَّابِ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يُجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ لَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ، أَشَدَّ النَّاسِ تَوَاضُعًا فِي غَيْرِ ذِلَّةٍ، وَأَسْكَتَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَكَبرِ، وَأَبْلَغَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيل آكِلاً مَا وَجَدَ، وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا فُقِدَ، يَلْبَسُ مَا تَيَسَّرَ لَهُ، وَيَرْكَبُ مَا أَمْكَنَهُ، وَيُرْدِفَ خَلْفَهُ، يُجيبُ دَعْوَةَ الْعَبْدِ وَالأَمَةِ، وَيُجَالِسُ أَهْلَ الضَّعْفِ وَالْمَسْكَنَةِ، لا يَحْتَقِرُ الْفَقِيرَ لِفَقْرِهِ، وَلاَ يَهَابُ مَلِكًا لِمُلْكِهِ، قَدْ جَمَعَ اللهُ لَهُ السِّيرَةَ الْفَاضِلَةَ وَالسَّيَاسَةَ الْكَامِلَةَ وَالأَخْلاقَ التَّامَّةَ.
هَاشِمِيُّ النَّسَبِ مَبْعُوثُ مِنَ الْعَرَبِ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَمَبْعَثُهُ بِمَكَّةَ، وَهِجْرَتُهُ بطيبة، وَقَبْرُهُ بِالْمَدِينَةِ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ مَدَى اللَّيَالِي
وَالأَيَّامِ.
(1)
(1) قَالَ الْقُطْبُ أَطْفَيَّشُ هُ فِي الذَّهَبِ الْخَالِص: "وَذَلِكَ أَنَّهُ قَطَعَ فِيهِ قَبْلَ فَتْحِهِ بِرْكَةٌ عَظِيمَةٌ لِتَمِيمِ بْنِ أَوْسِ الدَّارِيِّ، وَتُسَمَّى بَرْكَةَ التَّمِيمِيِّينَ)، وَهِيَ فِي أَعْمَالِ الْقُدْسِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ أَعْطَى لِتَمِيمِ بْنِ أَوْس الداري وَأَخِيهِ نُعَيْمٍ وَيَزِيدَ بْنِ قَيْسٍ وَأَبِي عَبْدِ اللهِ وَأَخِيهِ الطَّيِّبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَفَاكِهَةٌ بْنِ (1/40)
صفحة 41
takatakatakatalated
قواع
الفَضْلُ الثَّالِث
فِي مَعْرِفَةِ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدُ
وَهَذَا الْفَضْلُ يَحْتَوِي عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَسِتَةَ عَشَرَ قِسْمًا:
أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ فَهِيَ: أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ مِنَ الْأَنَامِ مَعْرِفَةٌ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الدِّينِ وَالإِسْلامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَوِي عَلَيْهِ الْقُرْآنُ مِنَ الرِّسَالَةِ وَالْقَصَصِ وَالأَمْثَالِ وَالْحُدُودِ وَالأَحْكَامِ، وَأَنَّهُ صَادِقٌ فِي جَمِيعِ مَا نَطَقَ بِهِ مِنْ كَلاَمِ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحَى يُوحَى)، وَذَلِكَ أَنَّ دَعْوَةَ الرَّسُولِ ثَلَاثُ جُمَل لَا يَسْتَغْنِي بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ، وَلَا يَسَعُ جَهْلُهَا كُلَّ النُّعْمَانِ، وَقَدْ أَسْلَمُوا وَسَأَلُوهُ الْهِبَةَ كِتَابًا فِيهِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ ذُكِرَ فِيهِ مَا وَهَبَ مُحَمَّدٌ وَ لِلدَّارِيِّينَ إِذَا أَعْطَاهُ اللهُ الْأَرْضَ وَهَبَ لَهُمْ بَيْتَ عَيْنُونَ وَجِبرُونَ وَالْمَرْطُومِ وَبَيْتَ إِبْرَاهِيمَ وَمَا فِيهِنَّ إِلَى أَبَدِ الأَبَدِ، شَهِدَ عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَخُزَيْمَةُ بْنُ قَيْسٍ وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ وَكَتَبَ، ثُمَّ قَالَ: انْصَرِفُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَنِّي هَاجَرْتُ، وَلَمَّا هَاجَرَ قَدِمُوا عَلَيْهِ وَسَأَلُوهُ أَنْ يُجَدِّدَ لَهُمْ كِتَابًا، فَكَتَبَ فِيهِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا أَنْطَى - أَيْ أَعْطَى - مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ لِتَمِيمِ الدَّارِيِّ وَأَصْحَابِهِ، أَنِّي أَنْطَيْتُكُمْ بَيْتَ عِينُونَ وَحِبْرُونَ وَالْمَرْطُهُومِ وَبَيْتَ إِبْرَاهِيمَ بِرُمَّتِهِمْ وَجَمِيعِ مَا فِيهِمْ نَطِيَّةٌ بِتْ وَنَفَذت وسلمت ذَلِكَ لَهُمْ وَلأَعْقَابِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ أَبَدَ الأَبَدِ، فَمَنْ آذَاهُمْ فِيهِ آذَاهُ اللَّهُ، شَهِدَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَكَتَبَ، وَفُتِحَ ذَلِكَ فِي خِلافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَأَنْفَذَهُ" [الذهب الخالص، ص 28، 29]. (يَعْنِي بِوَاسِطَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ. اهـ. وَيُسَمُّونَ هَذَا الإِنْطَاءَ الشَّرِيفَ، وَهُوَ مَحْفُوظٌ عِنْدَ أَوْلَادِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الإِصَابَةِ وَالْكِتَابُ الْمَذْكُورُ مَشْهُورٌ بِيَدِ ذُرِّيَّةِ تَمِيمٍ، وَقَد كَتَبْتُ فِي شَأْنِهِ جُزْءًا أَسْمَيْتُهُ الْبِنَاءِ الْجَلِيلُ بِحُكْمِ بَلَدِ الْخَلِيلِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدُ الْبَكْرِيُّ فِي مُعْجَمِ مَا اسْتُعْجِمَ مِنْ أَسْمَاءِ الْبِلادِ وَالْمَوَاضِعِ أَنَّ جِبْرَى بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ ثَانِيهِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى وَزْنِ فِعْلَى هِيَ إِحْدَى الْقَرْيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَقْطَعَهُمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم نَمِيمَا الدَّارِيَّ وَأَهْلَ بَيْتِهِ، وَالْأُخْرَى "عِيْنُونَ، وَهُمَا بَيْنَ وَادِي الْقُرَى وَالشَّامِ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: وَلَيْسَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَطِيعَةٌ غَيْرَهَا. قَالَ: وَكَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِذَا مَرَّ بِهَا لَمْ يُعَرِّجُ وَيَقُولُ: أَخَافُ أَنْ تَمَسَّنِي دَعْوَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم). اهـ. [الحاء والباء، 419/ 1، 420].
(1) النَّجم: 3 - 4. (1/41)
صفحة 42
قواء
عَاقِلِ عِنْدَ بُلُوغِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلاَ يَخْرُجُ مِنَ الشِّرْكِ مَا لَمْ يَأْتِ بِهَا مَعْرِفَةٌ وَاعْتِقَادًا وَلَفْظًا وَإِقْرَارًا، وَهِيَ شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ.
(1)
وَالدَّلِيلُ عَلَى فَرْضِهَا [من القرآن] قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {فَا مِنُوا بِالوَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنا واللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)، وَمِنَ السُّنَّةِ: مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنِ النَّبِيُّ أَنَّهُ قَالَ: "لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، وَأَنَّهُ بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْقَدَر " (2)، وَهَذِهِ الدَّعْوَةُ هِيَ الَّتِي يَدْعُو إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ وَكُلٌّ نَبِيِّ مُرْسَلِ، وَهِيَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ بالغ، وَهِيَ الْجُمْلَةُ الَّتِي انْتَظَمَتِ التَّوْحِيدَ وَغَيْرَ التَّوْحِيدِ، فَإِذَا أَتَى الْعَبْدُ بِهَذِهِ الْجُمَل الثَّلَاثِ نُطْقًا وَاعْتِقَادًا فَقَدْ تَمَّ إِيمَانُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِبَادِ، وَحَقَنَ بِهَا دَمَهُ وَمَالَهُ وَذُرِّيَّتَهُ مِنَ السَّبْيِ وَالْفَسَادِ، وَجَرَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَحْكَامُ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَصَارَ مَوْسُومًا بِالدُّخُولِ فِي الْمِلَّةِ، وَقِيلَ: إِنَّ إِيمَانَهُ قَدْ تَمَّ بِالْكُلَّيَّةِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَسَائِرِ الْبَرِيَّةِ، مَا لَمْ يُسْأَلْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ وَظَائِفِ الْجُمْلَةِ الَّتِي أَنَا ذَاكِرُهَا، فَيُنْكِرَهُ أَوْ يَخْتَجِلَهُ الشَّكُ فِيهِ فَضْلاً عَنْ إِنْكَارِهِ؛ لأَنَّ تَصْدِيقَهُ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مُشْتَمِلٌ عَلَى وَطَائِفِ التَّوْحِيدِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعُلُومِ، وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّ إِيمَانَهُ لا يَتِمُّ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّبِّ حَتَّى يَأْتِي بِوَطَائِفِ التَّوْحِيدِ الَّتِي تَجِيءُ مُقَسَّمَةً إِنْ شَاءَ اللهُ بِالْكَمَالِ، وَقَدْ قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: مَنْ آمَنَ بِمَا فِي الْقُرْآنِ فَقَدْ آمَنَ بِجَمِيعِ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ، فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنْ عَمْرُوسِ
(1) التَّغابن: 8. (2) [رواه الترمذي، كتاب القدر، باب ما جاء في أن الإيمان بالقدر خيره وشره، ر 2232، وابن ماجه المقدمة، باب في القدر، ر 81]. (1/42)
صفحة 43
(1)
فتح) وَابْنِ زَرقُون (3) وَالإِمَامِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رُسْتُمَ) وَأَبِي خزر
(1) الإِمَامُ عَمْرُوسُ بْنُ فَتْحِ الْمَسَاكِنِيُّ النَّفُوسِيُّ إِمَامُ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَكَهْفٌ مِنْ كُهُوفِ الْعِلْمِ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ الْهَجْرِيِّ، كَانَ مِنَ الْمَوَالِيدِ الْمَيَامِينِ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي طَرِيقِ الْحَجِّ قَالَ الشَّيْخُ السَّالِمِيُّ فِي اللُّمْعَةِ الْمَرْضِيَّةِ مِنْ أَشِعَةِ الإِبَاضِيَّةِ: وكَانَ أَهْلُ الْمَغْرِبِ يَحُجُونَ بِالذَّرَارِيِّ وَالنِّسَاءِ حَتَّى وُلِدَ لَهُمْ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ ثَلاثُمِائَةِ مَوْلُودٍ مِنْهُمْ عَمْرُوسُ بْنُ فَتْح". اهـ[11/ 1]. وَلَعَلَّ الَّذِينَ لَهُمْ أَزْوَاجٌ حَوَامِلُ اسْتَصْحَبُوهُنَّ عَمْدًا لِيَلِدْنَ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ أَوْ فِي الْأَمَاكِنِ الْمُقَدَّسَةِ تَبَرُّعًا، وَلَمْ يَتَّفِقُ ذَلِكَ صُدْفَةٌ، نَشَأْ فِي قَرْيَةِ (قطرس) مِنْ أَرْضِ الرُّحَيْبَاتِ جَبَلِ نفُوسَةً)، وَوَقَفَ حَيَاتَهُ عَلَى الْعِلْمِ تَحْصِيلاً وَتَأْلِيفًا وَتَدْرِيسًا وَقَضَاءُ، فَتَرِكَ لَنَا كُتُبا قَيِّمَةً مِنْهَا: الْعَمْرُوسِيُّ، وَإِعْلامُ الْمِلَّةِ، وَكِتَابُ الْحِكَمِ وَالْمَعَارِفِ، وكِتَابُ الدَّيْنُونَةِ، تَوَلَّى الْقَضَاءَ لَأَبِي مَنْصُورٍ إِلْيَاسِ حَاكِمِ جَبَلٍ نفُوسَةَ، فَكَانَ مِثَالَا لِلْقَاضِي الْعَادِلِ الْجَرِي فِي أَحْكَامِهِ، الْخَبِيرِ فِي حَلٌّ مَشَاكِلِ الْقَضَاءِ وَقَضَايَاهُ الْعَوِيصَةِ، عَاصَرَ الإِمَامَ مُحَمَّدَ بْنَ مَحْبُوبِ عَالِمَ الشَّرْقِ فِي وَقَتِهِ، وَحَضَرَ مَجْلِسَهُ، فَسَأَلَهُ عَمْرُوسٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ مِنْ مَكْنُونَاتِ الْعِلْمِ، فَتَعَجَّبَ ابْنُ مَحْبُوبِ، وَكَانَ لا يَعْرِفُهُ إِلَّا سَمَاعًا، فَقَالَ: "إِنْ كَانَ أَبُو حَفْصٍ - يَعْنِي عَمْرُوسًا - فِي هَذَا الْبَلَدِ فَهَذَا السُّؤَالُ مِنْهُ، فَأَخَبَرَهُ الْحَاضِرُونَ بِالْحَقِيقَةِ، فَزَادَ في تَعْظِيمِهِ وَرَفْعِ مَقَامِهِ، وَعَاصَرَ الْفَقِيةَ الْمُحَدِّثَ أَبَا غَانِمٍ بِشِرَ بْنَ غَانِمِ الْخُرَسَانِيَّ - صَاحِبَ الْمُدَوَّنَةِ - الَّذِي رَوَى عَنْهُ الإِمَامُ أَفْلَحَ اجْتَمَعَ بِهِ لَمَّا حَمَلَ إِلَى الإِمَامِ عَبْدِ الْوَهَّابِ مُدَوَّنَتَهُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ جُزْءًا، وَكَانَ قَدْ أَوْدَعَ نُسْخَةٌ مِنْهَا عِنْدَ عَمْرُوسٍ، فَاجْتَهَدَ فِي نَسْخِهَا مُسْتَعِينًا بِأُخْتِهِ، فَمَا عَادَ مِنْ تِيهَرْتَ حَتَّى كَانَ عَمْرُوسٌ قَدْ أَتَمَّ نَسْخَهَا، فَلَمَّا تُصَفَّحَهَا أَبُو غَانِمٍ وَجَدَ نُقْطَةٌ حَبْرٍ، فَعَلِمَ أَنَّهُ نَقَلَهَا، فَقَالَ لَهُ: "قَدْ سَرَقْتَهَا يَا عَمْرُوسُ، فَقَالَ عَمْرُوسٌ: "سَمَّانِي سَارِقَ الْعِلْمِ". وَلَوْلاً نُسْخَةُ عَمْرُوسِ لَحُرِمَ الْمَغْرِبُ هَذَا التُّرَاثَ الْعِلْمِي الَّذِي انْتَفَعَ بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ؛ لأَنَّ نُسْخَةَ الْإِمَامِ عَبْدِ الْوَهَّابِ ذَهَبَتْ طُعْمَةً لِلنَّيرَانِ لَمَّا أُخْرِقَتِ الْمَعْصُومَةُ) - مَكْتَبَةُ تِيهَرْتَ الْعَظِيمَةِ -، وَقَدْ رَأَيْتُ نُسْخَةٌ مِنْهَا فِي خِزَانَةِ الْقُطْبِ أَطْفَيَّشَ الَّذِي رَتَّبَهَا وَاسْتَدْرَكَ عَلَيْهَا اسْتِدْرَاكَاتٍ ذَاتَ بَالٍ
زَادَتْ مِنْ قِيمَتِهَا الْعِلْمِيَّةِ، وَمَاتَ لَهُ فِي وَقْعَةِ مَانُو بَيْنَ نفُوسَةَ وَابْنِ الْأَغْلَبِ سَنَةَ 282 اهـ. (2) هُوَ الرَّبِيعُ سُلَيْمَانُ بْنُ زَرْقُونَ أَحَدُ أَقْطَابِ الْعِلْمِ بنفُوسَةَ مِنْ قَرْيَةِ (تادْيُوت) وَمِنْ عُلَمَاءِ النَّصْفِ الثَّانِي لِلْقَرْنِ الرَّابِعِ، أَخَذَ الْعِلْمَ - هُوَ وَالأَمِيرُ أَبو يَزِيدَ مَخْلَدُ بْنُ كَيدَادِ الْيَفِرَنِيُّ الْمُلَقَّبُ بِصَاحِبِ الْحِمَارِ – عَنِ الشَّيْحَ ابْنِ الْجَمْعِ أَحَدٍ شُيُوخِ الْعِلْمِ الْبَارِزِينَ، صَحِبَهُ مُدَّةٌ، وَلَمَّا ارْتَضَى ذَكَاءَهُ وَنَبَاهَتَهُ اصْطَحَبَهُ مَعَهُ إِلَى سَلْجَمَاسَةَ، وَمَكَثَ هُنَاكَ سِنِينَ إِلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ، فَأَوْصَى لَهُ بِكُتُبِهِ، فَلَمَّا عَادَ أبو الربيع إِلَى قَصْطَالِيَّةَ بِلادِ الْجَرِيدِ بِالْجَنُوبِ النُّونُسِي) اهْتَزَّتْ كُلُّهَا وَشُهْرَتِهِ الْعِلْمِيَّةِ، ثُمَّ شَمَّرَ عَنْ سَاعِدِ الْجِدْ لِنَشْرِ الْعِلْمِ الصَّحِيحِ وَمُقَاوَمَةِ الزَّيْعِ وَالْبَدَعِ، فَكَانَ أَثَرُهُ فِيهَا
عَظِيمًا.
لِمَجِيبه
ذَكَرَ عَنْهُ بَعْضُ الْمَشَائِحَ أَنَّهُ رَأَى لَهُ دِيوَانًا وَكُتُبا فِي قَرْيَةٍ تادْيُوت، وَلَا نَدْرِي أَلَا تَزَالُ بَاقِيَةً أَوْ شَيْءٌ مِنْهَا أَمْ عَبَتَتْ بِهَا أَيْدِي الْبِلَى وَالْفَنَاءِ، وَالْبَقَاءُ لِلهِ وَحْدَهُ. اهـ مُصَحَّحه. (1/43)
صفحة 44
44
يَغْلاَ بْنِ زَلْتَافَ (2) وَأَبِي مُعَاوِيَةَ عَزَّانَ بْنِ الصَّفْرِ، وَمَنْ شَايَعَهُمْ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَهُوَ الْأَرْفَقُ بِعَوَامُ الأُمَّةِ، وَالأَلْيَقُ بِرَأْفَةِ الرَّبِّ الْكَرِيمِ ذِي الرَّحْمَةِ، وَالْأَشْهَرُ مِنْ دَعْوَةِ نَبِيِّ الأُمَّةِ الدَّاعِي عَوَّامَ الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي يُؤْثَرُ عَنْ
(1) الإِمَامُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رُسْتُمَ أَحَدُ حَمَلَةِ الْعِلْمِ إِلَى الْمَغْرِبِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَالسَّاعِدُ الْأَيْمَنُ لَأَبِي الْخَطَّابِ عَبْدِ الأَعْلَى الْمَعَافِرِي فِي تَأْسِيس دَوْلَتي طَرَائِلِسَ وَالْقَيْرَوَانِ وَتَسْبِيرِهِمَا عَلَى نَهْج الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمُؤَسِّسُ الدَّوْلَةِ الرُّسْتُمِيَّةِ بِتَاهِرْتَ الَّتِي لَقَنَتْ سُكَانَ الْمَغْرِبِ الْأَوْسَطِ الْعَقِيدَةَ الصَّحِيحَةَ وَالدِّينَ الْقَوِيمَ، وَبَسَطَتْ عَدْلَهَا عَلَيْهِ مَا يَقْرُبُ مِنْ قَرْنَيْنِ، أَرْسَى قَوَاعِدَهَا وَوَطَّدَ أَرْكَانَهَا، فَازْدَهَرَتْ فِيهَا الْعُلُومُ وَطَابَتِ الْحَيَاةُ وَذَاقَ سُكَّانُ الْمَغْرِبِ وَمَنْ هَاجَرَ إِلَيْهَا فِي ظِلُّهَا حَلاوَةَ الدِّينِ وَطُمَأْنِينَةَ الأَمْنِ وَسَعَادَةَ الْحَيَاةِ، وَظَلَّ قَائِمًا بِدِينِ اللَّهِ نَاصِحًا لِلْمُسْلِمِينَ، مَرْضِيًّا عَنْهُ مِنَ الأُمَّةِ إِلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ سَنَةُ 171 هـ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ (2) أَبُو حَزِرٍ يَغْلا بْنُ أَيُّوبَ الْمَشْهُورُ بِابْن زَلْتَافَ، وَزَلْتَافُ أُمُّهُ، هُوَ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ الَّذِينَ بَلَغُوا دَرَجَةَ الاجْتِهَادِ، وَعَدَّهُ الإِمَامُ أَبُو يَعْقُوبَ الْوَارْجَلَاتِي ضِمْنَ الأَئِمَّةِ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ الْفَرَدُوا بِآرَاء فِي
ابي خزر نفسه.
عِلْمِ الْكَلَامِ. عَاشَ فِي عَصْرِ الْعُبَيْدِيِّينَ الْغَاشِمِ الذِي اسْتُبِيحَتْ فِيهِ دِمَاءُ الْمُسْلِمِينَ ظُلْمًا، وَارْتُكِبَتْ بِهِ أَفْحَشُ الْمَنَاكِرِ، فَكَانَ مِنْ ضَحَابًا هَذَا الظُّلْمِ الإِمَامُ أَبُو الْقَاسِم يَزِيدُ بْنُ مخلدِ الْيَهْرَاسَنِيُّ الْحَامِي الْعَالِمُ الْمُجْتَهِدُ النَّائِعُ الصَّيْتِ وَشَيْخُ أ أَعْلَنَ أَبُو حَزَرِ النَّوْرَةَ عَلَى الْعُبَيْدِيِّينَ لَمَقْتَلِ الْإِمَامِ أَبِي الْقَاسِمِ، وَيُويعَ لَهُ إِمَامَ دِفَاعِ، لَكِنَّ ثَوْرَتَهُ أَخْفَقَتْ لأَسْبَابِ لَيْسَ هُنَا مَحَلَّ ذِكْرِهَا، فَالْتَجَأَ إِلَى جَبَلِ نفوسَةَ الْمَنِيعِ، وَلَمَّا أَبِسَ الْمُعِنُ الْفَاطِمِي مِنَ الْقَبْضِ عَلَيْهِ، وَخَافَ أَنْ تَتَجَدَّدَ التَّوْرَةُ الإِبَاضِيَّةُ، بَذَلَ لَهُ الأَمَانَ فَرَجَعَ، وَبَعْدَ مُدَّةٍ أَتَى الْمُعِزُ إِلَى مِصْرَ سَنَةَ 362 هـ فَأَخَذَهُ مَعَهُ كَعَالِمِ الْمَغْرِبِ ظَاهِرًا وَكَرَهِينَةٍ فِي الْحَقِيقَةِ لِيَأْمَنَ عَلَى خُلَفَائِهِ مِنْ بِ ثَوْرَةٍ بَعْدَهُ، وَهَكَذَا ظَلَّ أَبُو.، وَقَدْ وَجَدْتُ فِي بَعْضِ التَّقَايِيدِ أَنَّ لَهُ (رِسَالَةٌ) فِ الرَّدْ عَلَى جَمِيعِ الْمُخَالِفِينَ، تُوجَدُ مِنْهَا بِمَكْتَبَةِ الْبَعْطُورِي فِي جَرْبَةَ، وَأُخْرَى بِكَبَاوِ لَدَى أُسْرَةِ الْبَارُونِي بِقَلَمِ عَمِيدِهَا الشَّيْخِ.: هَذَا وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُؤَرِّحِينَ أَنَّ أَبَا التَّارِيخُ أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَعِنْدَ اللَّهِ تَجْتَمِعُ
خود مات
الْخُصُومُ
بمصر
سنة 5380
اهـ مُصَححه
) في
(3) أَبُو مُعَاوِيَةَ عِزَّانُ بْنُ الصَّفْرِ إِمَامٌ مِنْ أَنمَّةِ الدِّينِ الْمَشَاهِيرِ فِي عُمَانَ، وَأَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْعَشَرَةِ الْمُجْتَهِدِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ الشَّيْخُ أَبُو يَعْقُوبَ الْوَارْ جِلانِيُّ فِي الدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ [147/ 2، ط: 1403 هـ / 1983 م، عَاصَرَ الإِمَامَ مُحَمَّدَ بْنَ مَحْبُوبِ الَّذِي انْتَهَتْ إِلَيْهِ إِمَامَةُ الإِبَاضِيَّةِ فِي أَيَّامِهِ، وَتَتَلْمَذَ لَهُ هُوَ وَالْفَضْلُ بْنُ الْحَوَارِيُّ، وَكَانَا كَفَرَسَيْ رِمَانِ فِي مِضْمَارِ الْعِلْمِ، وَكَانَتْ لِلْفَضْلِ بِعِزَّانَ بْنِ الصَّفْرِ قَرَابَةٌ حَتَّى قَالَ فِيهِمَا الْقَائِلُ: "إِنَّهُمَا فِي عُمَانَ كَالْعَيْنَيْنِ فِي جَبِين" [السالمي: تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، مطبعة الشباب، القاهرة، ط 2، 1350 هـ 1901]. فَمَاتَ عَزَّانُ قَبْلَ الْفِتْنَةِ، - فِتْنَةِ الصَّلْبِ بْنِ مَالِكِ - وَأَدْرَكَهَا الْفَضْلُ، فَأَصَابَ مِنْهَا، وَقُتِلَ فِيهَا فِي وَقْعَةِ الْقَاعِ سَنَةِ 278 هـ فِي إِمَامَةِ عَزَّانَ بْنِ تَمِيمٍ. وَتُوُفِّيَ عَزَّانُ له سَنَةَ 268 هـ. اهـ. (1/44)
صفحة 45
سُلَيْمَانَ بْنِ يَخْلُفَ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
(1) أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ يَخْلُفَ الْمَزَاتِيُّ، أَحَدُ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ الَّذِينَ تَخَرَّجَ عَلَيْهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَاشْتَهَرَ عِلْمُهُ فِي آفَاقِ الأَصْحَابِ، أَخَذَ العِلْمَ عَنِ الإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ، وَلَهُ مِنَ التَّالِيفِ الْمُتَحفُ فِي الأُصُولِ، وَكِتَابُ الْفَضَائِلِ وَالتَّعْرِيفِ بِالْخَيْرِ فِي الْأُصُولِ وَالْكَلَامِ، وَكَتَبَ سِيرَة حَوْلَ نِظَامِ الْعَزَابَةِ الَّذِي وَضَعَهُ شَيْخُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ، وَكَانَ مِنْ عُلَمَاءِ الطَّبَقَةِ الْعَاشِرَةِ، أَيِ النَّصْفِ الثَّانِي لِلْقَرْنِ الْخَامِسِ، وَتُوُفِّيَ الله سَنَةَ 471 (1/45)
صفحة 46
[صفحة فارغة] (1/46)
صفحة 47
47
قواعد الإس
بَابُ
ذِكْرِ الأَقْسَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ الَّتِي تَجْرِي مَجْرَى الأُمَّهَاتِ مِنْ وَظَائِفِ الاعْتِقَادَاتِ
القِسْمُ الأَوَّلُ [الإيمان بالموت]: فِيمَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ فِي الاعْتِقَادَاتِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ وُرُودَ الْمَوْتِ حَقٌّ عَلَى كُلِّ الْعِبَادِ مِنْ سَاكِنِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ رَفْعِ وَخَفْضٍ، وَأَنَّ كُلَّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، وَسَالِكَةٌ سَبِيلَ الْفَوْتِ، وَأَنَّ الْفَنَاءَ جَارٍ عَلَى أَهْل الأَرْضِ وَمَنْ عَلَيْهَا، وَعَلَى مَنْ فِي السَّمَاءِ مِنْ سُكَانِهَا، كُلُّ حَيَّ يَمُوتُ إِلا الْحَيُّ الْقَيُّومَ الَّذِي لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ (1)؛ لأنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ كَتَبَ عَلَى الدُّنْيَا الْفَنَاءَ وَعَلَى الْآخِرَةِ الْبَقَاءَ، فَالأَشْيَاءُ كُلُّهَا فَانِيَةٌ عَلَى التَّلاشِي لا عَلَى الانْقِلابِ، مَا خَلَاَ الْمُكَلِّفِينَ وَأَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ فَنَاءَهُمُ الانْقِلابُ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَطْفَالِ الْكُفَّارِ، وَالْأَصَحُ أَنَّ فَنَاءَهُمْ عَلَى الانْقِلابِ (2) بِدَلِيل قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا الْمَوْهُ دَةُ سُلَتْ (1) وَهِيَ بَنَاتُ (1) الْقَصَص: الآية.88.
(2) لا عَلَى التَّلاشِي، يَعْنِي: يَنْقَلِبُونَ وَلَا يَتَلَاشَوْنَ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "سَأَلْتُ اللَّهَ في اللآمِينَ فَأَعْطَانِيهِمْ خَدَما لَأَهْلِ الْجَنَّةِ" [رواه الحكيم الترمذي: نوادر الأصول في أحاديث الرسول، الأصل الرابع والستون في معنى الفطرة الأصلية، 314/ 1]. واللاهُونَ هُمْ أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ، وَيُؤَيَّدُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: سَأَلْتُ رَبِّي اللأهِينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْبَشَرِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ فَأَعْطَانِيهِمْ (1/47)
صفحة 48
48
[رواه أبو يعلى في مسنده، ر 4101]. بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَقَدْ وَرَدَ تَفْسِيرُ اللأَهِينَ بِأَنَّهُمُ الأَطْفَالُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَخْرَجَهُ الْبَزَّارِ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا تَقُولُ فِى اللأَمِينَ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ فَلَمْ يَرُدُّ عَلَيْهِ كَلِمَةٌ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ مِنْ غَزْوَةِ الطَّائِفِ فَإِذَا هُوَ بِغُلَامٍ قَدْ وَقَعَ يَعْبَثُ فِي الأَرْضِ، فَنَادَى مُنَادِيهِ: أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ اللأمِينَ؟ فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللهِ، فَنَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَتْلِ الْأَطْفَالِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ. هَذَا مِنَ اللآهين. [رواه الطبراني: المعجم الكبير، ر 11906، والبزار عن أبي هريرة مختصرا، ر 7989].
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: "سُئِلَ رَسُولُ اللهِ عَنْ أَوْلادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: اللَّهُ إِذْ خَلَقَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ" [رواه البخاري، باب ما قيل في أولاد المشركين (1317، ومسلم، کتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، (6936]، أَيْ: عَلَى أَي دِينِ يُمِيتُهُمْ لَوْ عَاشُوا فَبَلَغُوا الْعَمَلَ، فَأَمَّا إِذَا عَدِمَ مِنْهُمُ الْعَمَلَ فَهُمْ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ الَّتِي يَنَالُهَا مَنْ لا ذَنْبَ لَهُ. أَمَّا مَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ا كِتَابِ التَّعْبِيرِ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبِ الطَّوِيلِ فَهُوَ صَرِيحٌ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: "أَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي هُوَ فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ هُوَ إِبْرَاهِيمُ، وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ. قَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "وَأَوْلاَدُ الْمُشْرِكِينَ" [رواه البخاري، باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح، ر 6640، وابن حبان، باب الخوف والتقوى، ر 655].
وَاخْتَارَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ غَيْرَ الْبَالِغِينَ يَصِيرُونَ إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ [شرح النووي على مسلم، ط 2، 1392 هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 208/ 16]، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رسُولا) (الإسراء: (15) وَإِذَا كَانَ لا يُعَذِّبُ الْعَاقِلِ لِكَوْنِهِ لَمْ تَبْلُغَهُ الدَّعْوَةُ؛ فَلان لا يُعَذِّبُ غَيْرَ
الْعَاقِلِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) التكوير: الآية 9. (1/48)
صفحة 49
الْمُشْرِكِينَ فِي مَشْهُورِ التَّفْسِير.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْبَهَائِمِ، فَقِيلَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: حَشَرَ كُلَّ شَيْءٍ الْمَوْتُ إِلا الثَّقَلَيْنِ فَإِنَّهُمَا يُوَافَيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهَا تُحْشَرُ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبي بنِ كَعْبٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: يُحْشَرُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى
الذُّبَابُ، قَوْلِهِ وتُم إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (1) وَلَيْسَ قَصْدُنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ التَّطْوِيلَ:
بِدَلِيل قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَارٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَى
وَالإِسْهَابَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(1)
(1) الأنعام: الآية 38. (1/49)
صفحة 50
ـد الإس
الْقِسْمُ الثَّانِي
فِي قِيَامِ السَّاعَةِ
وَهُوَ مَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ اعْتِقَادُ وُقُوعِهَا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَأَنَّ السَّاعَةَ وَاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا (1) وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ (2)، وَهِيَ النَّفْخَةُ الأُولَى الَّتِي يُمِيتُ اللهُ بِهَا كُلَّ حَيَّ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّفْخَةِ الَّتِي لِلْبَعْثِ أَرْبَعُونَ سَنَةٌ فِيمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ، وَهِيَ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهَا أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يَسْتَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَنَهَا} (3) أَيْ: مَتَى مِثْتُهَا؟ {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِيهَا لِوَفِيهَا إِلَّا هُوَ أَيْ: لَا يَكْشِفُ عَنْ
وَقْتِهَا إِلَّا هُوَ، وَقَالَ أَيْضًا: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ).
القِسْمُ الثَّالِثُ
فِي اعْتِقَادِ كَوْنِ الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ
(4)
وَذَلِكَ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْتَقِدَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي القبور)، وَقَالَ: كَمَا بَدَأَنَا أَوّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ، وَقَالَ: كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
(1) الْحَجّ: الآية.
(2) النَّحْل: الآية 77. (3) النازعات: الآية 42. (4) الأعراف الآية 187.
(5) لقمان: الآية 34.
(6) الْحَج: الآية 7. (7) الأنبياء: الآية 104. (1/50)
صفحة 51
(1)
فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ). يَبْعَثُهُمْ مِنَ الْقُبُورِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرُ - مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، وَقَدِ احْتَجَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مُنْكِرِي الْبَعْثِ فَقَالَ: يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ أَيْ: فِي شَكٍّ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا
(3)
خلقتكُم مِّن تُرَابٍ} الآيات كُلّهَا (). ثُمَّ ذَكَرَ أَيَّةٌ أُخْرَى فَقَالَ: وَتَرَى الْأَرْضِ هَا مِدَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى (3) وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةٌ عَنْ مُنْكِرِي الْبَعْثِ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَنُ أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن نُّطْفَةٍ إِلَى قَوْلِهِ: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَاهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ الَّذِي أَنْشَأَهُمْ مِنْ مَاءٍ مِهِينٍ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا قَادِرٌ أَنْ يُعِيدَهُمْ خَلْقًا جَدِيدًا.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ
فِي الْحِسَابِ
(0)
وَعَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الْحِسَابَ عَلَى الْعِبَادِ حَقٌّ فِي الْمَعَادِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَقِ لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَنُنَونَ بِمَا عَمِلْتُمْ، وَقَالَ: وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَكَمْ مِنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ)، وَلَيْسَ حِسَابُ اللهِ الْعِبَادَ يَوْمَئِذٍ كَحِسَابِ الْخَلْقِ تَعَالَى اللهُ رَبُّنَا عَنْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ حِسَابَهُ فَضْلُ وَتَمْيِيرٌ لا يَشْغَلُهُ حِسَابُ أَحَدٍ عَنْ أَحَدٍ كَمَا لَا يَشْغَلُهُ رِزْقُ أَحَدٍ عَنْ أَحَدٍ.
(1) الأعراف: الآية 30.
(2) الْحَج: الآيات 5 - 7
(3) الْحَج: الآيات 5 - 6.
(4) يس: الآيات 77 78 79
(5) التَّغابن: /
(6) أَوَّلُ الآية: {وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَمَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَسِينَ) الأنبياء: 47. (1/51)
صفحة 52
قواعد الإس
قِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: كَيْفَ يُحَاسِبُ اللهُ الْعِبَادَ عَلَى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ؟ فَقَالَ: كَمَا يَرْزُقُهُمْ عَلَى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَيُقَالُ إِنَّ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ، صِنْفَانِ لَا يُسْأَلاَنِ عَنِ الْأَعْمَالِ، وَهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالْمُشْرِكُونَ، فَالأَنْبِيَاءُ إِلَى الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَالْمُشْرِكُونَ إِلَى النَّارِ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَلَا يُسْتَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ (2)، ويُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَمِي وَالْأَقْدَامِ} (3)، وَصِنْفٌ ثَالِثُ يُسْأَلُ عَنِ الْأَعْمَالِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ مَاتَ عَلَى كَبِيرَةٍ، وَكَذَلِكَ مَنْ مَاتَ عَلَى الْوَفَاءِ هَلْ يُحَاسَبَانِ أَمْ لاَ؟ وَالأَصَحُ أَنَّ الْحِسَابَ يَأْتِي عَلَى الْجَمِيعِ، أَمَّا الْمُسْلِمُ فَيُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوا وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَيُنَاقَشُ فِي الْحِسَابِ وَالْمُسَاءَلَةِ
(4)
إِلْزَامًا لِلْحُجَّةِ وَقَطْعًا لِلْمَعَاذِيرِ، فَيُحَاسَبُ عَلَى النَّقِيرِ وَالْفَتِيلَ وَالْقِطْمِيرِ، وَبِاللهِ
التَّوْفِيق.
(1) قَالَ الْمُحَنِّي: وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَلَمْ يَظْهَرْ لَنَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى عَدَمِ سُؤَالِهِمْ، بَلْ غَالِبُ نُصُوصٍ الْقُرْآنِ تَدُلُّ عَلَى سُؤَالِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَنَسْتَكَنَّ الَّذِينَ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ} (الأعراف: 6)، وَقَوْلِهِ: وَبَل وَرَي لَعَنَ ثُمَّ لَنَونَ بِمَا عَمِلْتُمْ} (التغابن: (7)، وَقَوْلِهِ: يَوْمَ يَعَتُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا، (المجادلة: (6)، وَقَوْلِهِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَسْئُولُونَ} (الصافات: 24)، وَقَوْلِهِ: فَوَرَبِّكَ لَنَسْتَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الحجر: 92). فَهَذِهِ الآيَاتُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يَسْأَلُونَ.
(2) الْقَصَص: 78.
(3) الرَّحْمَن: 41.
(4) النَّقِير: هِيَ النُّقْرَةُ الَّتِي فِي ظَهْرِ النَّوَاةِ. وَالْفَتِيلُ: مَا يَكُونُ فِي شَقُّ النَّوَاةِ، وَالْقِطْمِيرُ: هِيَ الْقِشْرَةُ الرَّقِيقَةُ الَّتِي تُغَطِّي النّوَاةَ الْمُرَادُ: أَقَلُ الْقَلِيل كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لَيَوْمِ الْقِيَمَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَيين)
(الأنبياء: 47). (1/52)
صفحة 53
datakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatalase
وَفِي الْحَدِيثِ: "يُسْأَلُ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ: عَنْ عُمْرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا
علم) وَاللهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ. "
الْقِسْمُ الْخَامِسُ
فِي الثَّوَابِ
وَذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ مَعْرِفَتُهُ وَاعْتِقَادُهُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ، وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ لِلهِ ثَوَابًا لا يُشْبِهُهُ ثَوَابٌ، وَثَوَابَهُ الْجَنَّةُ، وَيَعْلَمَهَا بِاسْمِهَا، وَأَنَّهَا كَائِنَةٌ لا محالة، وَأَنَّهَا ثَوَابُ اللهِ لأَوْلِيَائِهِ فِي الآخِرَةِ، لَا انْقِطَاعَ لِدَوَامِهَا. وَقِيلَ عَنْ بَعْضِهِمْ: إِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْجَنَّةَ قُصُورٌ وَأَنْهَارُ وَبَسَاتِينُ؛ لأَنَّهُمْ قَالُوا: لا يَعْرِفُ الأَشْيَاءَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ حَقَائِقَهَا، وَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْجَنَّةَ مَوْجُودَةٌ الْيَوْمَ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَقِدَ وُجُودَهَا وَدَوَامَهَا، قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ أُكُلُهَا دَابِرُ وَظِلُّهَا، وَقَالَ فِي أَصْحَابِهَا: إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُنقَبِلِينَ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ
(3) عَلَى الْأَرَأَىبِكِ مُتَّكِمُونَ لَهُمْ فِيهَا فَكِهَةٌ وَلَهُم مَا يَدَعُونَ) (4)
(1) رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ، أبواب صفة القيامة، باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص، ر 2531، وقال: هذا حديث حسن صحب والطبراني في الكبير، ر 111.
(2) الرعد: 35. (3) الحجر: 47.
(4) يس: آية 56، 57، وَقَبْلَهَا: إِنَّ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَتَنكِهُونَ لا هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ) (يس:
(56،55 (1/53)
صفحة 54
الْقِسْمُ السَّادِسُ فِي الْعِقَابِ
وَذَلِكَ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ اعْتِقَادُ وُجُودِهِ وَمَعْرِفَةٌ كَوْنِهِ، وَذَلِكَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ لِلهِ عِقَابًا لا يُشْبِهُهُ عِقَابٌ، وَلاَ غَايَةَ لِدَوَامِهِ، وَعِقَابَهُ هُوَ النَّارُ، يَعْلَمُهَا بِاسْمِهَا، وَأَنَّها عَذَابُ اللهِ لأَعْدَائِهِ فِي الآخِرَةِ، لَا انْقِطَاعَ لِدَوَامِهَا، وَقِيلَ عَنْ بَعْضِهِمْ: إِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ النَّارَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ لاَ يَطْفَأُ لَهِيبُهَا وَلَا يَحْمَدُ جَمْرُهَا، وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَيْكَةُ غِلَاظٌ شِدَادٌ (1)، أُعِدَّتْ لِلْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، تلْفَعُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَلِحُونَ) (3)، و سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانِ (3)، يَطُوفُونَ بينها وبين حميم ان (4)، ويُصَبُّ مِن فَوقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ) يُطْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَمْ تَقَيعُ مِنْ حَدِيدٍ، يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي)) النَّارِ يُسْجَرُونَ (2)، لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا)، عذابها ()، ولا يُفَتِّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) (لا يَمُوتُونَ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدَ الآبَادِ، أَعَاذَنَا اللهُ مِنَ الْخِزْيِ وَعَذَابِ الْمَعَادِ، إِنَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ.
(0)
(1) التَّحْرِيم: 6، وَأَوَّلُ الآيَةِ: تَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا.
الْمُؤْمِنُونَ: 104.
(3) إِبْرَاهِيم: 50.
(4) الرَّحْمَن: 44.
(5) الْحَج: 19، 20، 21.
(6) غافر: 71، 72.
(7) فاطر: 36. (8) الزخرف: 75. (1/54)
صفحة 55
Makatakatakatakatakatakatakiskiskaisintakskidlatulatolatalatalatalat slatslatchatska slated
قواعد الإست
Swalatsiat datdatalataiatala
الْقِسْمُ السَّابِعُ فِي الْمَلائِكَةِ
يَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ لِلهِ سُبْحَانَهُ جُمْلَةَ الْمَلَائِكَةِ، وَهِيَ غَيْرُ جُمْلَةِ
(1).
حَفَظَةٌ
الإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَأَنَّ وُجُودَ الْمَلَائِكَةِ حَقٌّ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَتَيكَيْهِ، وَكُنْبِهِ وَرُسُلِهِ الله الآية (1)، مِنْهُمْ يَكْتُبُونَ أَعْمَالَ الْعِبَادِ، وَمِنْهُمْ رُسُلُ اللهِ تَعَالَى إِلَى أَنْبِيَائِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {اللَّهُ
(2)
(4)
يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَكَةِ رُسُلًا} الآية (2)، وَمِنْهُمْ مَلائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ خَزَنَةٌ لِلنِّيرَانِ لِلنِّيرَانِ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (3) وَهُمْ جُمْلَتَانِ: رُوحَانِيُّونَ وَكَرُوبِيُّونَ، فَالرُّوحَانِيُّونَ هُمُ الرُّسُلُ وَجِبْرِيلُ مِنْهُمْ، وَالْكَرُوبِيُّونَ لَيْسُوا بِرُسُل، عِبَادٌ مُكْرَمُونَ يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ، وَيُقَالُ: الْمَلَائِكَةُ الْمَلَائِكَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاء تِسْعَةُ أَجْزَاء مِنْهُمُ الْكَرُوبِيُّونَ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ، وَجُزْءٌ وَاحِدٌ لِلرِّسَالَةِ وَالْخزَانَةِ، وَلِمَا شَاءَ الرَّبُّ مِنْ أَوَامِرِهِ، وَهُمْ مُكَلَّفُونَ مُلْزَمُونَ مَأْمُورُونَ مُكْتَسِبُونَ: يُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ وَيَحُجُّونَ)، خُلِقُوا لِلْعِبَادَةِ وَمَصِيرُهُمْ إِلَى السَّعَادَةِ، لا يُوصَفُونَ بِالتَّعَبِ وَلَا بِالشَّهْوَةِ وَلَا بِالذُّكُورِيَّةِ
(1) الْبَقَرَة: 285.
(2) الْحَج: 75.
(3) التَّحْرِيم: 6.
(4) الأنبياء: 20.
(5) قَالَ الْمُحَنِّي: (يُنْظَرُ) كَيْفِيَّةُ الصَّوْمِ فِي الْمَلائِكَةِ، وَأَمَّا الصَّلاةُ وَالْحَجُّ فَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّى بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالنَّبِيُّ يُصَلِّي بِالصَّحَابَةِ. [رواه النسائي، كتاب الصلاة، باب آخر وقت العصر، ر 512]، وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ لآدَمَ: حَجَجْنَا هَذَا الْبَيْتَ قَبْلَكَ بألفي عام [رواه البيهقي، باب دخول مكة بغير إرادة حج ولا عمرة، (9617]، وَاللهُ أَعْلَمُ. اهـ. (1/55)
صفحة 56
56
وَلا بِالأُنوَثِيَّةِ، وَلَا بِالْجُنُونِ وَلاَ بِالطُّفُولَةِ، وَلا بِاللَّحْمِ وَلَا بِالدَّمِ، وَلَا بِالْبَوْلِ وَلَا
في
بِالْغَائِطِ، وَلا بِالْجُوعِ وَلا بِالْعَطَشِ، وَمَنْ وَصَفَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا فَقَدْ أَخْطَاً صِفَتِهِمْ، وَجَعَلُوا الْخَطَأَ فِي صِفَةِ الْمَلَائِكَةِ شِرْكًا؛ لأَنَّهُ جَعَلَ غَيْرَ الْمَلَكِ مَلَكًا (1)، وَجَعَلُوا الْخَطَأَ فِي صِفَةِ الْبَارِئِ سُبْحَانَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ، إِنْ وَاجَهَ أَشْرَكَ، وَإِنْ تَأَوَّلَ نَافَقَ، وَإِنَّمَا تُوصَفُ الْمَلائِكَةُ بِمَا وَصَفَهَا اللهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {جَاعِلِ
(2)
الْمَلَكَةِ رُسُلًا أولى أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ، وَمَا وَصَفَهَا بِهِ مِنَ الْعِبَادَةِ وَالتَّسْبِيحِ وَالاسْتِغْفَارِ وَالْكَلَامِ وَالرَّغْبَةِ فِي الطَّاعَةِ وَالاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ بِلا تَعَبٍ وَلَا نَصَبٍ، وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَلِيقُ بِهِمْ مِنَ الصِّفَاتِ، فَعَلَى الْمُكَلِّفِ الإِيمَانُ بِهِمْ، وَالْقَصْدُ إِلَى جِبْرِيلَ بِاسْمِهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى رُسُلِهِ وَيَتَوَلاهُ بِالتَّرَحُمِ دُونَ الاسْتِغْفَارِ، وَكَذَلِكَ وَلَايَةُ سَائِرِ الْمَلَائِكَةِ بِالتَّرَحُمِ
دُونَ الاسْتِغْفَارِ (3)، وَثَوَابُهُمْ وَاصِلٌ إِلَيْهِمْ، وَهُوَ مَا يُوَافِقُ طَبَائِعَهُمْ. وَقِيلَ: الَّذِي يُوَافِقُهُمْ إِيصَالُ الْهَدَايَا إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَيُوَالُونَ وَيَبْرَءُونَ بِالظَّوَاهِرِ، صَلَوَاتُ اللهِ
عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ)
(4)
(1) صَوَاب الْعِبَارَةِ: جَعَلَ الْمَلَكَ غَيْرَ مَلَكِ.
(2) فاطر: 1.
(3) لأنَّ الرَّحْمَةَ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَالاسْتِغْفَارَ لِلْمُذْنِبِينَ، وَهُمْ لا ذَنْبَ لَهُمْ اهـ. (4) يَبْدُو أَنَّ قَوْلَهُ: (يَبْرَءُونَ بِالظَّوَاهِرِ) يَتَنَافَى مَعَ قَوْلِهِ: (وَمَصِيرُهُمْ إِلَى السَّعَادَةِ)، وَقَوْلِهُ: (وَكَذَلِكَ وَلَايَةُ سَائِرِ الْمَلَائِكَةِ بِالتَّرَحُمِ دُونَ الاسْتِغْفَارِ). قَالَ الْمُحَشَّي وَإِنَّمَا قَالَ – صلواتُ اللهُ عليهِم أجمعين - ليدخل هاروت وماروت. قال في السُّؤالات بعد ذكرِ آيَاتٍ تَدُلُّ عَلَى مَدْحِهِمْ مَا نَضَهُ: " وَمَثَلُ ذَلِكَ مِنَ الْمِدْحَةِ مَا لِجُمْلَتِهِمْ وَلَمْ يَخُصَّ زَمَانًا مِنْ زَمَانٍ وَلَا مَلَكًا مِنْ مَلَكِ، وَدَعْ عَنْكَ مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ وَمَا يَقُولُ الْمُبْلِطُونَ مِنَ افْتِرَائِهِمْ عَلَى اللهِ وَتَنْقِيصِهِمْ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ، حَاشَاهُمْ مِنَ الْعِصْيَانِ، هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْهُدَى وَأُولُو النَّهَى" [السوفي: السؤالات، ص 164]. وَفِي بَعْضِ كُتُبِ قَوْمِنَا: وَلَا يُرَدُّ هَارُوتُ وَمَارُوتُ إِنْ قُلْنَا بِأَنَّهُمَا مَلَكَانِ؛ لأَنَّهُمَا لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُمَا ذَنْبٌ، وَتَعْلِيمُهُمَا النَّاسَ السِّحْرَ إِنَّمَا كَانَ بِأَمْرِ اللَّهِ ابْتِلَاء لَهُمْ وَتَمْيِيزًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعْجِزَةِ، عَلَى أَنَّ تَعْلِيمَ السِّحْرِ لِلاخْتِرَازِ عَنْهُ لَيْسَ بِذَنْبٍ، بَلْ هُوَ طَاعَةٌ. اهـ. (1/56)
صفحة 57
OY
وَوَقَعَ الاخْتِلافُ فِي مَوْتِهِمْ وخَلْقِهِمْ، هَلْ هُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْخَلْقِ وَالْمَمَاتِ أَمْ خُلِقُوا جَمِيعًا وَسَيَمُوتُونَ جَمِيعًا؟ قَوْلَانِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَكَذَلِكَ وَقَعَ الْاخْتِلَافُ فِي عَدَدِ الْحَفَظَةِ وَفِي أَيهِمْ أَفْضَلُ: هُمْ أَمِ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ بَنِي آدَمَ قَوْلَانِ، وَبِاللَّهِ
التَّوْفِيق.
الْقِسْمُ الثَّامِنُ
فِي الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ
وَذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ الإِيمَانُ بِهِمَا، وَهُمَا جُمْلَتَانِ عَلَى النَّاسِ مَعْرِفَتُهُمَا، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا إِلَى قَوْلِهِ: {وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ) وَالأَنْبِيَاءُ أَعَمُّ مِنَ الرُّسُلِ؛ لأَنَّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ أَنْبِيَاءَ مُرْسَلِينَ وَأَنْبِيَاءَ غَيْرَ مُرْسَلِينَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرِّ له قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ كَم الأَنْبِيَاءُ؟ قَالَ: مِائَةُ أَلْفِ نَبِي وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا. قَالَ: قُلْتُ: كَم الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: ثَلاثُمِائَةٍ وَثَلاثَةَ عَشَرَ، جَمٌ غَفِيرٌ يَعْنِي كَثِيرًا طَيِّبًا، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ كَانَ أَوَّلَهُمْ؟ قَالَ: أَوَّلُهُمْ آدَمُ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْبِيًّا كَانَ أَمْ رَسُولاً؟ قَالَ: نَعَمْ خَلَقَهُ اللهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَسَوَّاهُ رَجُلا (2)، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرِّ، أَرْبَعَةٌ سِرْيَانِيُّونَ آدَمُ، وَشَيْتُ وَأخْنُوخُ وَهُوَ إِدْرِيسُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ، وَنُوحٌ. وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ: هُودٌ، وَصَالِحٌ، وَشُعَيْبُ، وَنَبِيُّكَ
(1) الْبَقَرَة: 136.
(2) بِيَدِهِ: أَيْ بِقُدْرَتِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ الَّتِي خَلَقَهَا، وَسَوَّاهُ رَجُلاً: يَعْنِي أَنَّهُ خَلَقَهُ اللَّهُ كَذَلِكَ وَلَمْ يَنْقُلْهُ مِنْ حَالَةٍ إِلَى حَالَةٍ كَالْوَاحِدِ منَا، فَلِذَلِكَ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ". [رَوَاهُ الربيع، باب قوله خلق الله آدم على صورته ر 844،والبخاري، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام (5873]، وَالضَّمِيرُ فِي (صُورَتِهِ) لآدَمَ، أَيْ: عَلَى هَيْئَتِهِ الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا لَا مُتَّصِفًا بِالصَّغَرِ، ثُمَّ كَبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا هُوَ شَأْنُ ذُرِّيَّتِهِ. (1/57)
صفحة 58
قواعد
58
يَا أَبَا ذَرّ، وَأَوَّلُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُوَ مُوسَى (1) وَآخِرُهُمْ عِيسَى علي السلام، أَوَّلُ عَلَيْهِمُ الرُّسُلِ آدَمُ وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ (2)
وَاخْتُلِفَ فِي النُّبُوءَةِ وَالرِّسَالَةِ، فَقِيلَ: هُمَا اضْطِرَارٌ، وَقِيلَ: هُمَا اكْتِسَابٌ (3) وَقِيلَ: النُّبُوءَةُ اضْطِرَارٌ، وَالرِّسَالَةُ اكْتِسَابٌ، وَالْوَحْيُ عِلْمُ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَسُئِلَ النَّبِيُّ فَقِيلَ لَهُ: "كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيِ؟ فَقَالَ: أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَنْفَصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلاً فَيُكَلِّمُني فَأَعِي مَا يَقُولُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَنْصَبُّ عَرَقًا).
وَالأَنْبِيَاءُ مِنْهُمْ مَنْ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ عَيَانًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْهَمُهُ إِلْهَامًا، وَمِنْهُمْ
مَنْ يَرَاهُ فِي النَّوْمِ فَيحفظُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَعْتَقِدَ كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّ لِلهِ جُمْلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، أَرْسَلَهُمْ إِلَى عِبَادِهِ وَجَعَلَهُمُ الأُمَنَاءَ عَلَى خَلْقِهِ وَالْحُكّامَ فِي بِلادِهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبُهُ وَآيَاتِهِ وَكَلِمَاتِهِ، وَجَعَلَ أَوَّلَهُمْ آدَمَ أَبَا الْبَشَرِ رَسُولاً إِلَى أَوْلَادِهِ، وَآخِرَهُمْ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا خَتَمَ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِ مُحَمَّدٍ لِيَكُونَ
(1) يَعْنِي أَنَّ أَوَّلَ نَبِيٍّ مِنْ ذُرِّيَّةِ أَبْنَاءِ إِسْرَائِيلَ مِنْ صُلْبِهِ، هُوَ مُوسَى كَمَا وَجَهَهُ الْقُطْبُ. (2) [رواه ابن حبان، ذكر الاستحباب للمرء أن يكون له من كل خير حظ رجاء التخلص في العقبي بشيء منها، ر 361].
(3) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: "إِنَّ الرِّسَالَةَ تَتَصَرَّفُ فِي اللُّغَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: عَلَى مَعْنَى الإرْسَالِ مِنَ اللهِ، الثَّانِي عَلَى مَعْنَى التَّبليغ مِنَ الرُّسُلِ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الرَّسَالَةَ اضْطِرَارٌ ذَهَبَ بالرِّسَالَةِ إِلَى الإِرْسَالٍ مِنَ اللَّهِ لِلرُّسُلِ، وَمَنْ قَالَ: الرِّسَالَةُ اكْتِسَابٌ ذَهَبَ بِمَعْنَى الرِّسَالَةِ إِلَى التبليغ مِنَ الرُّسُلِ، ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمَّارٍ: وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْنَاهُ فِي هَذَا الْوَجْهِ". اهـ. السوفي: السؤالات، ص 179] (4) [رَوَاهُ الرَّبِيعُ باب في ابتداء الوحي، ر 2، والبخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء
الوحي، ر 2]. (1/58)
صفحة 59
مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٌّ مُبِينٍ، وَأَنَّهُ كَلامُ اللهِ وَوَحْيُهُ وَتَنْزِيلُهُ، وَأَنَّ الأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ كُلَّهُمْ آدَمِيُّونَ مِنْهُمْ مَنْ أُرْسِلَ إِلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ كَافَّةٌ، كَآدَمَ وَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَدَاوُدَ وَعِيسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ)، وَمِنْهُمْ مَنْ
(1) عَلَى أَنَّ إِرْسَالَ هَؤُلَاءِ إِلَى الإِنْسِ وَالْجِنِّ كَافَّةٌ مُشْكِلٌ مَعَ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَأُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الأُمَمِ، وَأَعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً". [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، كتاب التيمم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، (427، ومسلم، کتاب المساجد، ر 1191]. وَالَّذِي يُفْهَمُ مِنْ مَضْمُونِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي حَقِّ الْجِنِّ أَنَّ دَعْوَتَهُمْ كَانَتْ بِالنَّبَعِيَّةِ لِدَعْوَةِ الْإِنْسِ لا اسْتِقْلَالاً، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ رَسُلاً إِلَى الإِنْسِ وَالْجِنِّ أَجْمَعِينَ، وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ مِنَ الْجِنِّ رُسُلاً، وَلَا كَانُوا فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ غَيْرَ مُكَلَّفِينَ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ رُسُلُ الْإِنْسِ هُمْ أَنْفُسُهُمْ رُسُلاً لِلْجِنِّ، وَأَنَّ الْجِنَّ يَتَلَقَّوْنَ عَنْهُمْ دِينَ اللهِ كَمَا يَتَلَقَّى عَنْهُمُ الإِنْسُ سَوَاءٌ بِسَوَاءَ، وَعَلَيْهِ فَفِي كُلِّ زَمَانٍ نَدْرٌ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُنْذِرُونَ أَقْوَامَهُمْ وَيَهْدُونَهُمْ إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. يَدُلُّ لِذَلِكَ فِي حَقِّ الْإِنْسِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَنَفَقَهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة: 122)، وَفِي حَقِّ الْجِنِّ قَوْلُهُ: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرَ مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ ... الآيات (الأحقاف: 29)، وَقَالَ تعَالَى: {وَأُوحِيَ إِلَى هَذَا الْقُرْمَانُ لِأَنذِرَكُم بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) (الأنعام: (19)، وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْرَبُ إِلَى الْمَعْقُولِيَّةِ لِبَرَاهِينَ وَاعْتِبَارَاتٍ يَطُولُ شَرْحُهَا. قَالَ تَعَالَى: {يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ وَايْنِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَتَهُمُ الْحَيَوةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَفِرِينَ) (الأنعام: 130)، وَقَالَ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} (إبراهيم: (4)، وَقَالَ: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ - إِلَى قَوْلِهِ فِي ضَلَالٍ مبين (الأحقاف: 29 - (32). أما أَنَّ أَهْلَ الْكَافَةِ مَبْعُوثُونَ إِلَى الْجِنِّ، فَيُمْكِنُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى أَنَّ رُسُلَهُمْ كَانُوا رُسُلاً مَبْعُونِينَ إِلَى الْكَافَّةِ يَتَلَقَّوْنَ عَنْهُمْ وَيُبَلِّغُونَ إِلَى قَوْمِهِمْ كَمَا يُسْتَشَفٌ ذلِكَ مِنْ أ مَعَ رَسُولِ اللهِ، وَلَوْلا مَا قَصَّ عَلَيْنَا الْقُرْآنُ مِنْ صَرْفِهِمْ إِلَى الرَّسُولِ وَتَلَقَّيهِمْ عَنْهُ، وَأَنَّهُمْ عَلَى دِينِ مُوسَى، وَأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَخْدَمِينَ لِسُلَيْمَانَ وَمِنْ جُنْدِهِ، لَمَا عَلِمْنَا عَنْهُمْ شَيْئًا، وَلَطَالَبْنَا مَنْ يُثْبِتُ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَرِدْ فِي حَقِّهِ نَصّ، بِدَلِيلِ نَقْلِي قَاطِعِ، كَيْفَ وَالْمَسْأَلَهُ مِنَ الاعْتِقَادِيَّاتِ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِيهَا الْيَقِينَ، وَلَوْ عَمَّمُوا وَقَالُوا: إِنَّ كُلَّ رَسُولٍ مَبْعُوثُ إِلَى قَوْمِهِ مِنَ الإِنْسِ وَإِلَى الْجِنِّ الَّذِينَ يُسَاكِنُونَهُمْ بِالتَّبِعِ، وَلَمْ يُخَصِّصُوا الْبَعْثَةَ إِلَيْهِمْ بِرُسُلِ الْكَافَّةِ لَكَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْحَقِيقَةِ فِيمَا أَرَى فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا فِي حَقِّ الْجِنِّ أَنْ نَعْتَقِدَ أَنَّهُمْ مَوْجُودُونَ وَإِنِ احْتَجَبُوا عَنَّا، وَأَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ مِثْلَنَا، بُعِثَتْ إِلَيْهِمُ الرُّسُلُ كَمَا بُعِثَتْ إِلَيْنَا، يُنَابُ مُؤْمِنْهُمْ بِالْجَنَّةِ وَيُعَاقَبُ كَافِرُهُمْ بِالنَّارِ. وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ فِي بَابِ الْعَقِيدَةِ، وَهُوَ مَا يُلائِمُ سَمَاحَةَ الإِسْلَامِ، وَأَخْذَهُ بِالْمَيْسُورِ فِيمَا (1/59)
صفحة 60
قواع
(2)
أُرْسِلَ إِلَى أَقْوَامٍ، فَيَسُوعُ لِمَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَتُهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَهُ كَهُودٍ وَصَالِحٍ وَشُعَيْبٍ وَغَيْرِهِمْ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ الأَعْظَمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا (1)، نَبا عَبْدًا وَلَا امْرَأَةٌ وَلاَ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ (2) لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قبلك إلا رجالا نُوحِيَ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى (3) وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَبَّأَ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ وَهُوَ عَبْدٌ لبلخشخَاشَ وَنَبَّاً يَعْقُوبَ وَبَنِيهِ لا وَهُمْ بُدَاةٌ، قَالَ اللَّهُ تعالى: وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْهِ، وَنَبَّاً مَرْيَمَ وَسَارَةَ وَأُمَّ مُوسَى وَهُنَّ
نساء (0)
(4)
(3)
جَاءَ بِهِ مِنْ تَعَالِيمَ وَأَحْكَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. هَذَا مَا بَدَا لِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، إِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ، وإِنْ يَكُنْ خَطَأَ فَمِنِّي، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ
اهـ مُصَححه.
(1) أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الاتِّبَاعُ، وَلَا يَسَعُهُ الْمُقَامُ عَلَى الشِّرْكِ. (2) أَيْ: مِنْ أَهْلِ الْعَمُودِ يَرْحَلُونَ وَيَنْزِلُونَ، وَلَا يُرُدُّ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي حَقِّ يَعْقُوبَ وَبَنِيهِ (وجاء بكم من البدو) (يوسف: (100)؛ لأنَّ يعقوب (ع. م) كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَاشِيَةِ، وَكَانَ مَنْزِلُهُ فِي أَطْرَافِ الشَّامِ، لا أَنَّهُ مِمَّنْ يَرْحَلُ وَيَنْزِلُ. اهـ مُصَحَّحه.
(3) يُوسُف: 109.
(4) يُوسُف: 100.
(5) الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الأَنْبِيَاءَ لا يَكُونُونَ إِلَّا ذُكُورًا أَحْرَارًا مِنْ أَهْلِ الْقُرَى، وَإِنْ كَانَ ثَمَّةَ فَرِيقٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ لا يَرَوْنَ النُّبُوءَةَ مَقْصُورَةً عَلَى الذَّكُورِ، وَهُوَ مَا يُسْتَرُوحُ مِنْ كَلام الإمام نُورِ الدِّينِ السَّالِمِي مُعَقِّبًا عَلَى مَنْ يَسْتَدِلُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرى (يوسف: 109) قَالَ: "أَقُولُ لَيْسَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى حَصْرِ النُّبُوءَةِ فِي الذُّكُورِ، وَإِنَّمَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَى قَصْرِ الرِّسَالَةِ عَلَيْهِمْ. وَلِذَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ [فتح الباري، 447/ 6]: (وَمِنَ النِّسَاءِ مَنْ نُبَيِّ وَهُنَّ سِتْ: حَوَّاءُ، وَسَارَةُ، وَهَاجَرُ، وَمَرْيَمُ، وَأُمُّ مُوسَى، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ)، وَعَنْ غَيْرِهِ: وَقَدْ وَقَعَ الاخْتِلَافُ فِي نُبُوءَةِ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ: (مَرْيَمَ وَآسِيَةَ، وَسَارَةَ، وَهَاجَرَ) ". اهـ[مشارق أنوار العقول، 29/ 1]. وَمِمَّا لَا رَيْبَ فِيهِ أَنْ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ الرَّسَالَةِ وَالنُّبُوءَةِ: فَالرِّسَالَةُ تَسْتَلْزِمُ الْكِفَاحَ وَالْجِهَادَ فِي تَبْلِيغِهَا، وَهِيَ بِالرِّجَالِ أَنْسَبُ، وَطَبِيعَةُ النِّسَاءِ تَأبَى تَكْلِيفَهُنَّ بِمِثْل هَذِهِ الْمَأْمُورِيَّةِ الثَّقِيلَةِ، وَأَنَّ فِيمَا شَغَلَهُنَّ اللَّهُ بِهِ مِنْ وَظِيفَةِ الأُمُومَةِ الْكَثِيرَةِ التَّكَالِيفِ لَحَاجِزًا حَصِينًا يَمْنَعُهُنَّ أَنْ يَكُنَّ رَسُولَاتِ، بِخِلَافِ النُّبُوءَةِ فَإِنَّمَا هِيَ إِلْهَامٌ وَتَوْجِيهُ وَتَكْرِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِعَقَائِلَ طَاهِرَاتٍ كَرَّمَهُنَّ وِلادَةِ رُسُل كَأَمَّ مُوسَى وَمَرْيَمَ، أَوْ كَانَتْ مِثَالَا أَعْلَى فِي نَوْعِهَا مِنْ حَيْثُ ثَبَاتُهَا عَلَى صِحَةِ الْعَقِيدَةِ رَغْمَ مَا نَالَهَا مِنْ فِتْنَةِ فِرْعَوْنَ طَاغِيَةِ زَمَانِهِ وَتَعْذِيبِهِ كَاسِيَةً بِنتِ مُزَاحِمٍ، وَإِذَا كَانَ هُنَاكَ أَنْبِيَاءُ نُبُوءَتُهُمْ وَحْيُ إِلْهَامِ وَتَوْجِيهُ فَلَا يُسْتَبْعَدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَيْنِ النِّسَاءِ نَبِيثَاتٌ لَا رَسُولَاتٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
اهـ مُصَححه. (1/60)
صفحة 61
undatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatalaiskaiskatakatag
الْقِسْمُ التَّاسِعُ فِي الْكُتُبِ الْمُنزَّلَةِ
وَذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ الإِيمَانُ بِهِ، وَذَلِكَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ جُمْلَةَ كُتُبِ أَنْزَلَهَا عَلَى رُسُلِهِ بِوَاسِطَةِ الْمَلائِكَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ الَّذِينَ هُمْ سَفَرَةٌ بَيْنَ اللهِ تَعَالَى وَخَلْقِهِ، وَيَقْصِدَ إِلَى الْقُرْآنِ وَيُؤْمِنَ بِهِ خُصُوصًا، وَيُؤْمِنَ بِغَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ عُمُومًا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَبِ
(1).
الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَبِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ} الآية (1) وَأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللهِ وَوَحْيُهُ وَفُرْقَانُهُ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، مُعْجِزَةٌ لِلرَّسُولِ، أَنْزَلَهُ إِلَيْهِ مِنَ التَّوْحِ الْمَحْفُوفِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ جُمْلَةٌ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ يَنْزِلُ بِهِ جِبْرِيلُ الْأَمِينُ بَعْدَ ذَلِكَ نُجُومًا نُجُومًا عَلَى قَدْرِ مَا أَدَّتْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ حَتَّى أَكْمَلَ اللَّهُ نُزُولَهُ فِي عِشْرِينَ سَنَةٌ، عَشْرِ بِمَكَّةَ وَعَشْرِ بِالْمَدِينَةِ)، وَاخْتَلَفُوا فِي التَّوْحِ الْمَحْفُوظِ)
(1) النِّسَاء: 136.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو يَعْقُوبَ الْوَارْجِلانِيُّ فِي الدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ [148/ 3، ط: 1403 هـ /1983 م]: "قَدْ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مَا هُوَ أَوْكَدُ مِنْ هَذَا، فَلَمْ يُوجَبُوا مَعْرِفَتَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُولُوا آمَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وما أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (البقرة: (136)، مَعَ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْنَا مِنْ مَعْرِفَةِ إِبْرَاهِيمَ شَيْءٌ، وَلَا مَعْرِفَةِ الأَنْبِيَاءِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْنَا الْإِيمَانُ بِهِمْ جُمْلَةٌ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ إِلَى مَعْرِفَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِاسْمِهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، عَلَى أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ لَمْ يَدْعُنَّا إِلَى الْإِيمَانِ بهِمْ هَكَذَا، بَلْ إِلَى الْقَوْلِ بِالإِيمَانِ بِهِمْ وَعَلَى أَنَّ اللهَ لَمْ يُكَلِّفُ أَحَدًا الشَّهَادَةَ إِلَّا قَوْلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَمَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ، وَمَا سِوَى هَذَا فَلَيْسَ عَلَيْكَ فِيهِ مِنَ الشَّهَادَةِ شَيْءٌ إِلَّا الْإِيمَانَ بِمَا قَامَتْ عَلَيْكَ بِهِ الْحُجَّةُ". اهـ. (2) الْمُتَبَادَرُ أَنَّ اللَّهَ أَكْمَلَ إِنْزَالَهُ فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةٌ اعْتِبَارًا مِنْ نُزُولِ أَوَّلِ آيَةٍ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ رَأْيُ الْجُمْهُورِ، لَكِنْ هُنَاكَ مَنْ يَعْتَبِرُ مُدَّةَ اقْتِرَانِ إِسْرَافِيلَ بِهِ كَالْمُصَنِّفِ لَهُ اعْتِمَادًا عَلَى بَعْضٍ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ. قَالَ الإِمَامُ الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ فِي مُسْنَدِهِ: (بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةٌ، وَقُرِنَ مَعَهُ إِسْرَائِيلُ أَوَّلَ مَبْعَيْهِ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَلَمْ يَكُنْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، ثُمَّ عُزِلَ عَنْهُ إِسْرَافِيلُ، وَقُرِنَ مَعَهُ جِبْرِيلُ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ عَشْرَ سِنِينَ بِمَكَّةَ وَعَشْرَ سِنِينَ بِالْمَدِينَةِ، فَمَاتَ (1/61)
صفحة 62
واعد الإسلام"
62
فَقِيلَ: هُوَ لَوْحٌ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ طُولُهُ قَدْرُ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ فِي مِثْلِ ذَلِكَ عَرْضًا، وَقِيلَ: هُوَ جَبْهَةُ مَلَكِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَر تَعَالَى: قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَمْ كِتَابًا أَنْزَلَ اللهُ؟ قَالَ: مِائَةَ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةَ كُتُبِ، أَنْزَلَ عَلَى شَيْثَ بْنِ آدَمَ خَمْسِينَ صَحِيفَةٌ، وَأَنْزَلَ عَلَى أَخنُونَ إِدْرِيسَ ثَلاثِينَ صَحِيفَةٌ، وَعَلَى إِبْرَاهِيمَ عَشْرَ صَحَائِفَ، وَعَلَى مُوسَى قَبْلَ التَّوْرَاةِ عَشْرَ صَحَائِفَ، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَالْفُرْقَانَ،
رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةٌ) اهـ[مسند الربيع، باب في ذكر القرآن، (63]، وَكَذَلِكَ نَصَّ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْكَشَّافِ [610/ 1] عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ عَلَى عِشْرِينَ سَنَةٌ. يَظْهَرُ أَنَّ الْقَوْلَ الأَوَّلَ يُعَذِّدُهُ مَا ثَبَتَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ أَنَّ أَوَّلَ آيَةٍ نَزَلَ بِهَا جِبْرِيلُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَ كَانَتْ في غَارِ حِرَاءَ وَعُمْرُهُ حِينَئِذٍ أَرْبَعُونَ سَنَةٌ، وَلَمْ يَفْتُر عَنْهُ الْوَحْيُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا نَحْوَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ سُورَةَ الْمُدَّفِّرِ، ثُمَّ تَوَاتَرَ نُزُولُ الْوَحْيِ عَلَى حَسَبِ الْوَقَائِعِ إِلَى أَنْ كَمُلَ يَوْمَ حَجَّةٍ الْوَدَاعِ هَذَا وَلَا نَدْرِي مَا الْحِكْمَةُ مِنَ افْتِرَانِ إِسْرَائِيلَ بِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ بِلَا وَحْيِ، وَلَكِنْ لَا حَظِّ لِلنَّظَرِ مَعَ وُرُودِ الْأَثَرِ. اهـ مُصَححه (1) "اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ شَيْءٌ أَخْبَرَنَا اللَّهُ بِهِ، وَأَنَّهُ أَوْدَعَهُ كِتَابَهُ، بَلْ هُوَ قُرَ أَنْ تَحِيدُ فِي لَوْحٍ تَحْفُوظٍ) (البروج (21 (22) [هذه الآية تكملة من المحقق بكلي]، وَلَمْ يُعَرِّفْنَا حَقِيقَتَهُ، فَعَلَيْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِهِ بِأَنَّهُ شَيْءٌ مَوْجُودٌ، وَأَنَّ اللَّهَ حَفِظَ فِيهِ كِتَابَه إِيمَانًا بِالْغَيْبِ، وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّهُ حِزْمٌ مَحْفُوظٌ فِي سَمَاءٍ مُعَيَّنَةٍ وَوَصْفُهُ بِمَا جَاءَ فِي رِوَايَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَهُوَ مِمَّا لَمْ يَثْبُتْ عَنِ الْمَعْصُومِ صلى الله عليه وسلم بِالتَّوَاتُرِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقَائِدِ أَهْلِ الْيَقِينِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا أَجْدَرَنَا - لَوْ أَرَدْنَا التَّأْوِيلُ - أَنْ نَأْخُذَ بِمَا قِيلَ: إِنَّ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ هُوَ لَوْحُ الْوُجُودِ الْحَقِّ وَمَعَانِي الْقُرْآنِ وَقَضَايَاهُ الشَّرِيفَةُ، لَمَّا كَانَ لَا يَأْتِيَهَا الْبَاطِلُ، وَلَا يُدَانِيهَا الْخَطَأَ كَانَتْ ثَابِتَةٌ فِي لَوْحِ الْوَاقِعِ الْمَحْفُوفِ الَّذِي لَا حَقَّ إِلَّا مَا وَافَقَهُ، وَلَا بَاطِلَ إِلا مَا خَالَفَهُ، وَلَا بَاقِي إِلَّا مَا رَسِمَ فِيهِ، وَلاَ ضَائِعَ إِلا مَا لَمْ يَنْطَبِقْ عَلَيْهِ". اهـ مِنْ تَفْسِيرِ عَمَّ للشيخ عبده [نقل محمد رشيد رضا قول محمد عبده، انظر: تفسير المنار، 393/ 7]. وَلَنَا أَنْ نَقُولَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي قَلَمِ الْقَضَاءِ الْوَارِدِ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ" [رواه الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، (2516، وأحمد، ر 2669]. يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِهِ هَكَذَا مُجْمَلاً، وَلَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نَبْحَثَ عَنْ صِفَتِهِ، وَلاَ مِنْ أَيِّ مَادَّةٍ هُوَ، وَلَا كَيْفَ جَرَى، أَوْ بِأَيِّ لِسَانٍ سُجِّلَ مِمَّا لَمْ يَثْبُتْ عَنِ الْمَعْصُومِ بِطَرِيقَةٍ يَقِينِيَّة، وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ الْاعْتِقَادِيَّاتِ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِالأَدِلَّةِ الْيَقِينِيَّةِ، فَسَلَامَةُ الْمُؤْمِنِ فِي الإِيمَانِ بِذَلِكَ مُجْمَلاً كَمَا وَرَدَ، وَلْنَكِلْ أَمْرَ التَّفْصِيلِ إِلَى اللهِ الَّذِي لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ. اهـ مُصَححه (1/62)
صفحة 63
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا كَانَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: كَانَتْ أَمْثَالاً كُلَّهَا، أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمُسَلَّطُ الْمَغْرُورُ الْمُبْتَلَى إِنِّي لَمْ أَبْعَثْكَ لِتَجْمَعَ الدُّنْيَا بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلَكِنْ بَعَثْكَ لِتَرُدَّ عَنِّي دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنِّي لَا أَرُدُّهَا وَلَوْ كَانَتْ مِنْ كَافِرٍ)، وَكَانَ فِيهَا أَمْثَالُ وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ تَكُونَ لَهُ سَاعَاتُ: سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٌ يَتَفَكَّرُ فِي صُنْعِ اللَّهِ، وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا لِحَاجَتِهِ مِنَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ، وَعَلَى الْعَاقِلِ أَلَّا يَكُونَ ظَاعِنًا إِلَّا فِي ثَلَاثٍ:
(1)
تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ، وَمَرَمَّةٍ لِمَعَاشِ (1) وَلَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ، وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ، مُقْبِلا عَلَى شَأْنِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ، مَنْ عَدَّ كَلَّامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ)، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا كَانَتْ صُحُفُ مُوسَى؟ قَالَ: كَانَتْ عِبَرًا كُلَّهَا عَجَبًا لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ! وَعَجَبًا لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ ثُمَّ هُوَ يَنْصَبُ! وَعَجَبًا لِمَنْ رَأَى الدُّنْيَا وَتَقَلُّبَهَا بِأَهْلِهَا ثُمَّ اطْمَأَنَّ إِلَيْهَا وَعَجَبًا إِنْ أَيْقَنَ بِالْحِسَابِ غَدًا ثُمَّ هُوَ لَا يَعْمَلُ! قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفِي أَيْدِينَا شَيْءٌ مِمَّا كَانَ فِي يَدِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَبَا ذَرٌ، وَقَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ (2).
(1) وَفِي نُسْخَةٍ: وَحِرْفَةٍ. وَمَرَمَّةٍ لِمَعَاشِ أَيْ: إِصْلَاحِ لَهُ. (2) سُورَةُ الأَعْلَى: 14، 15، وَفِي نُسْخَةٍ: وَانْقِلابها. وَلِهَذَا الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ بَقِيَّةٌ أَثَرْنَا إِثْبَاتِهَا هُنَا لِمَا فيهَا مِنْ وَصَايَا مُفِيدَةٍ. قَالَ أَبُو ذَرٌ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْصِنِي، قَالَ: أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّهَا رَأْسُ الأَمْرِ كُلِّهِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنِي، قَالَ: (عَلَيْكَ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ وَمَا، فَإِنَّهُ نُورٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ وَذُخْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ)، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنِي، قَالَ: إِيَّاكَ وَكَثْرَةَ الضَّحِكِ، فَإِنَّهُ يُمِيتُ الْقَلَبَ، وَيَذْهَبُ بِنُورِ الْوَجْهِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زِدْنِي، قَالَ: (عَلَيْكَ بِالْجِهَادِ؛ فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي)، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنِي، قَالَ: (أَحِبُّ الْمَسَاكِينَ وَجَالِسْهُمْ)، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنِي، قَالَ: انْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ تَحْتَكَ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى مَا هُوَ فَوْقَكَ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرِيَ نِعْمَةَ اللَّهِ عِنْدَكَ)، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زِدْنِي، قَالَ: (قُلِ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرَّا)، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنِي، قَالَ: ليَرُدَّكَ عَلَى النَّاسِ مَا تَعْلَمُهُ مِنْ نَفْسِكَ، وَلَا تَجِد عَلَيْهِمْ فِيمَا تَأْتِي، وَكَفَى بِكَ عَيْبًا أَنْ تَعْرِفَ مِنَ النَّاسِ مَا تَجْهَلُهُ مِنْ نَفْسِكَ، وَتَجِد عَلَيْهِمْ فِيمَا تَأْتِي)، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى صَدْرِي (1/63)
صفحة 64
قواعد
الْقِسْمُ الْعَاشِرُ
فِي الإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
وَذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٌّ وَنَفْعِ وَضَرٌ وَمَا يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ فَبِاللهِ يَكُونُ، مَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّهُ تَعَالَى خَالِقٌ لِجَمِيعِ الأَشْيَاءِ وَكَانَتْ مِنْهُ بِقَضَاء وَقَدَرٍ، وَيَعْلَمَ أَنَّ مَا يُصِيبُ الإِنْسَانَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَةَ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ كَمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ عَنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّكَ لَنْ
(1)
فَقَالَ: (يَا أَبَا ذَرِّ، لَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ، وَلاَ وَرَعَ كَالْكَفِّ، وَلَا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ). [رَوَاهُ ابْنُ حِبَّان، ذكر الاستحباب للمرء أن يكون له من كل خير حظ رجاء التخلص في العقبى بشيء منها، ر 361، والطبراني في الكبير، ر 1651].
(1) هُوَ التَّابِعِيُّ الْجَلِيلُ وَالْمُحَدِّثُ الْكَبِيرُ الإِمَامُ الْحُجَّةُ أَبُو عَمْرٍو الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ الْأَزْدِيُّ الْفَرَاهِيدِيُّ صَاحِبُ الْجَامِعِ الصَّحِيحِ الثلاثي السَّنَدِ الْمَشْهُورِ بِمُسْنَدِ الرَّبِيعِ، نَشَأَ بِالْبَصَرَةِ وَتَعَلَّمَ بِهَا، وَتَصَدَّى تَحْرِيرًا وَتَدْرِيسًا وَإِفْتَاءً حَتَّى أَصْبَحَ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ الذَّهَبِيُّ وَفِي ذَلِكَ الْمُجْتَمَعِ الَّذِي الدِّينِ وَأَسَاطِينِ الْعِلْمِ مِمَّنْ يُشَارُ إِلَيْهِ بِالْبَنَانِ وَيُصْمَدُ إِلَيْهِ فِي حَلَّ الْمُعْصِلَاتِ، وَمِنْ أَلَّفَ مُسَنَدُهُ الْمُومَى إِلَيْهِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ الثَّلاثِيَّاتِ مِنْ أَصَحَ الْأَحَادِيثِ لِعُلُو سَنَدِهَا وَلِقُرْبِهَا مِنَ الْيَنبُوعِ الْمُحَمَّدِيَّ، وَرِجَالُ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ الرَّبِيعِيَّةِ مِنْ أَوْثَقِ الرِّجَالِ وَأَحْفَظِهِمْ وَأَصْدَقِهِمْ، لَمْ يَشُبْ أَحَادِيثَهَا شَائِبَةُ إِنْكَارٍ وَلاَ إِرْسَالٍ وَلَا انْقِطَاعِ وَأَعْضَالَ، لِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلَيْهَا (سِلْسِلَةُ الذَّهَبِ) وَثُلاثِيَّاتُه أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَائِشَةَ أَو أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَوْ ضُمَامٌ عَنْ جَابِرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يُعْتَبَرُ بِهَا مُسْنَدُ الرَّبِيعِ مِنَ الْكُتُبِ الصَّحَاحِ الْمَوْتُوقِ
بِهَا لَدَى أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ وَثَقَهُ شَيْخُهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثَنَاءً جَمِيلاً، قَالَ: "الرَّبِيـ وَأَمِينُنَا وَثِقَتُنَا. وَقَالَ الشَّماخِيُّ: جَاءَ نَصْرُ أَبُو مُحَمَّدٍ الأَزْدِيُّ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ يَسْأَلُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَهُ، ثُمَّ قَالَ: انْتِ الرَّبِيعَ، فَلَمَّا حَضَرَ سَأَلَهُ فَأَجَابَ بِغَيْرِ جَوَابٍ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَرَاجَعَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فِيهِ وَقَالَ: الَّذِي حَفِظْتُ عَنْكَ كَذَا، قَالَ: أَوَ حَفِظْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ لِلرَّجُلِ: انْظُرْ مَا قَالَ الرَّبِيعُ فَخُذْ بِهِ؛ فَإِنَّهُ عَنِّي حَفِظَ، وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي وَقْتِ ذَلِكَ فِي شِكَايَةٍ، وَكَانَ الرَّبِيعُ إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ قِيلَ: وَيُقَالُ لَهُ: عَمَّنْ أَخَذْتَهَا؟ فَيَقُولُ: إِنَّمَا حَفِظْتُ الْفِقْهَ عَنْ ثَلاثَةِ: أَبِي عُبَيْدَةَ وَضُمَامٍ وأبي نوح، وهذا قول أحدهم، ولم يكن يخفى عليه قول واحدٍ منهم. اهـ[الشماخي: كتاب السير، 103/ 1، 104]. على أن الربيع نفسه قد روَى عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ كَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَعُبَادَةِ بْنِ الصَّامِتِ، وَأَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ. وَبَعْدَ أَنِ انْتَهَتْ إِلَيْهِ بَعْدَ شَيْخِهِ أَبِي عُبَيْدَةَ الرِّئَاسَةُ الْعِلْمِيَّةُ (1/64)
صفحة 65
قواعد الإسلام
تَجِدَ وَلَنْ تَبْلُغَ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ خَيْرَ الْقَدَرِ وَشَرَّهُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَخْطَاكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، فَإِنْ مُنَّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ دَخَلْتَ النَّارَ (1). فَاعْلَمْ أَيَّدَكَ اللهُ أَنَّ كُلَّ مَا يَجْرِي فِي الْعَالَمِ مِنْ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ، وَخَيْرٍ وَشَرٌ، وَنَفْعِ وَضُرٍّ وَإِيمَانٍ وَكُفْرٍ، فَلا يَطِيرُ طَائِرٌ بِجَنَاحَيْهِ، وَلَا يَدِبُّ حَيَوَانُ عَلَى بَطْنِهِ وَرِجْلَيْهِ، وَلا تَسْقُطُ وَرَقَةٌ، وَلَا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إِلَّا بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ وَإِرَادَةٍ مِنَ اللَّهِ وَمَشِيئَةٍ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْقَدَرَ وَالطَّلَبَ لاَ يَتَنَافَيَانِ، وَالتَّوَكُلَ وَالْكَسْبَ لَا يَتَضَادَّانِ، وَذَلِكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ مَا قَضَى اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ كَائِنُ لَا مَحَالَةَ، كَمَا أَنَّ مَا عَلِمَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ فَهُوَ كَائِنُ لا مَحَالَةَ، وَمَنْ خَالَفَنَا فِي الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَافَقَنَا فِي الْعِلْمِ، فَرُبَّ أَمْرٍ قَدَّرَ اللهُ وُصُولَهُ إِلَيْكَ بَعْدَ الطَّلَبِ فَلا يَصِلُ إِلَيْكَ لَا بِالطَّلَبِ، وَالطَّلَبُ أَيْضًا مِنَ الْقَدَرِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الأَمْرِ الْمَطْلُوبِ وَبَيْنَ الطَّلَبِ، فَإِنَّهُمَا مَقْدُورَانِ، فَمِنْ هَهُنَا ثَبَتَ أَنَّهُمَا لا يَتَنَافَيَانِ، وَكَذَلِكَ التَّوَكُلُ مَعَ الْكَسْبِ؛ لأَنَّ التَّوَكُلَ مَحِلُّهُ الْقَلْبُ، وَالْكَسْبَ مَحِلُّهُ الْجَوَارِحُ، وَلاَ يَتَضَادَّ شَيْئَانِ فِي مَحَلَّيْنِ، فَبِهَذَا يَتَحَقَّقُ الْعَبْدُ أَنَّ التَّقْدِيرَ مِنَ اللَّهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ شَيْءٍ فَبِتَقْدِيرِهِ، وَإِنِ اتَّفَقَ فَبِتَيْسِيرِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ الله عَلَى نَاقَةٍ لَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَدَعُهَا وَأَتَوَكَّلُ، فَقَالَ: "اعْقِلُهَا وَتَوَكَّلْ (2) فَالتَّوَكُلُ عَلَى اللهِ تَعَالَى هُوَ الثَّقَةُ بِمَا ضَمِنَهُ وَالْقَطْعُ بِكَوْنِ مَا (2). يَحْكُمُ بِهِ، فَمَنْ رَامَ أَمْرًا مِنَ الأُمُورِ فَلَيْسَ الطَّرِيقُ فِي تَحْصِيلِهِ أَنْ يُعْلِقَ بَابَهُ عَلَيْهِ وَيُفَوِّضَ أَمْرَهُ إِلَى رَبِّهِ وَيَنتَظِرَ ذَلِكَ الْوَجْهَ الَّذِي أَرَادَهُ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِالْعِرَاقِ، وَتَخَرَّجَ عَلَيْهِ مِنْ مُخْتَلِفِ الأَقْطَارِ عُلَمَاءُ فَطَاحِلُ كَانَتْ لَهُمُ الصَّدَارَةُ فِي أَوْطَائِهِمْ تُوُفِّيَ
فِي أَوَاخِرِ الْقَرْنِ الثَّانِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. اهـ مُصَححه.
(1) [رواه الربيع، باب في القدر والحذر والتطير، ر 72]. (2) رواه الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، ر 2517، وابن حبان، باب الورع والتوكل،
ر 731. (1/65)
صفحة 66
ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ (1) وَاتَّخَذَ خَنْدَقًا حَوْلَ الْمَدِينَةِ يَسْتَظْهِرُ بِهِ وَيَحْتَرِسُ مِنَ الْعَدُوِّ، (1) وَأَقَامَ الرُّمَاةَ يَوْمَ أُحُدٍ يَحْتَفِظُ بِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَيَلْبَسُ لأمَةَ الْحَرْبِ، وَاسْتَرْقَى (3) وَاكْتَوَى (4) وَتَدَاوَى (5) وَأَمَرَ بِالْمُدَاوَاةِ، وَقَالَ: إِنَّ الَّذِي أَنْزَلَ الدَّاءَ
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ الدَّوَاءَ، وَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِالإِيمَانِ بِقَضَائِهِ، وَقَالَ لِنَبِيِّهِ: وَقُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَنَا (8) وَأَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يَأْخُذُوا بِالْحَذَرِ وَقَالَ: وَقَالَ: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ له (9) الآية، وَقَالَ: {وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ (10) وَقَالَ: " لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللهِ حَقٌّ تَوَكَّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطُّيُورُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا (11)، فَأَخْبَرَ أَنَّهَا تَرُوحُ وَتَغْدُو فِي طَلَبِ أَرْزَاقِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْمِلَهَا لَهَا إِلَى أَوْ كَارِهَا، وَإِنَّمَا أَلْهَمَهَا الطَّلَبَ بِالْغَدْمِ وَالرَّوَاحِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ إِبْلِيسَ اللَّعِينَ قَالَ لِعِيسَى: يَا رُوحَ اللَّهِ، أَلَسْتَ تَزْعُمُ
(1) رواه أبو داود، كتاب الجهاد، باب في لبس الدروع، ر 2590، والترمذي، أبواب الجهاد، باب ما جاء في الدرع، ر 1743. نَعَمْ ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، بَيْنَ دِرْعَيْنِ هُمَا: ذَاتُ الْفُضُولِ وَفِضَّةُ الَّتِي أَصَابَهَا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَمَعْنَى ظَاهَرَ: لَبِسَ دِرْعًا فَوْقَ دِرْعِ.
(2) [رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة أحد، ر 3817]. (3) [رواه ابن ماجه، كتاب الطب، باب ما عوّذ به النبي صلى الله عليه وسلم، ر 2523]. (4) [رواه أبو داود، كتاب الطب، باب في الكي، ر 3866].
(0)
من
ذلك ما رواه مسلم [كتاب السلام باب كراهية التداوي باللدود ر 5891، والحاكم كتاب
الطب، ر 7463].
(6) [رواه الترمذي، أبواب الطب، باب ما جاء في الدواء، ر 2109، وابن ماجه، كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، ر 3436].
(7) [رواه أبو داود، كتاب الطب، باب في الأدوية المكروهة (3876، والحاكم، كتاب الطب،
ر 7433]. (8) التَّوْبَة: 52. (9) النِّسَاء: 74.
(10) النِّسَاء: 104.
(11) [رواه الترمذي، أبواب الزهد، باب ما جاء في الزهادة في الدنيا، ر 2447، وابن ماجه، کتاب
الزهد، باب التوكل واليقين، ر 4164]. (1/66)
صفحة 67
(1)
أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَكَ إِلا مَا قَدَّرَ اللهُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: بَلَى يَا لَعِينُ. قَالَ: فَارْمِ نَفْسَكَ إِذًا مِنْ ذرْوَةِ جَبَلٍ، فَإِنْ قُدَّرَتْ لَكَ السَّلامَةُ تَسْلَم)، قَالَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَخْتَبِرُ الْعِبَادَ الْعِبَادَ وَلَيْسَ لِلْعِبَادِ أَنْ يَخْتَبِرُوا رَبَّهُمْ (3)، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ تَرَكْتُهُ حُبًّا لِلاخْتِصَارِ، فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الطَّلَبَ وَالاكْتِسَابَ وَالأَخْذَ بِالْحَزْمِ وَالاحْتِرَازِ يُنَاقِضُ التَّوَكُلَ فَقَعَدَ فِي بَيْتِهِ وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ مُتَوَكَّلاً عَلَى رَبِّهِ بِزَعْمِهِ، كَانَ عَنِ الْعَقْلِ خَارِجًا، وَفِي ظُلْمَةِ الْجَهْل وَالِجا. وَيُقَالُ لِهَذَا يَنْبَغِي لَكَ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِكَ: إِذَا جُعْتُ وَحَضَرَ الطَّعَامُ بَيْنَ يَدَيْكَ أَنْ لا تَمُدَّ يَدَيْكَ إِلَيْهِ، وَلا تَفْتَحَ فَمَكَ، وَإِنْ وُضِعَ فِي فَمِكَ فَلَا تَمْضِعْهُ حَتَّى يُقَيِّضَ اللَّهُ لَكَ مَلَكًا يَمْضَعُهُ لَكَ، أَوْ يُحْدِثَ شِبَعًا فِي بَطْنِكَ مِنْ غَيْرِ أَكُل وَلَا تَنَاوُلٍ مِنْكَ، فَإِنْ تَمَّ عَلَى هَذَا كَانَ إِلَى الْعَقْل أَحْوَجَ مِنْهُ إِلَى الْمَعْرِفَةِ وَالزُّهْدِ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى لِمَرْيَمَ عليه السلام: {وَهُزَى إِلَيْكَ بِجَذْعِ النَّخْلَةِ (3)، وَقَالَ: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ (4) وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْقُعُودِ. وَقَدْ قِيلَ عَنْ بَعْضِهِمْ: مَنْ لَزِمَ الْمَسْجِدَ وَقَبِلَ كُلَّ مَا يَأْتِيهِ فَقَدْ سَأَلَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَهَكَذَا جَمِيعُ أَعْمَالِ الطَّاعَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَا بُدَّ مِنَ الْجِدٌ وَالاجْتِهَادِ فِي الطَّاعَةِ، وَالصَّبْرِ وَالْحَذَرِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
الْقِسْمُ الْحَادِي عَشَرَ
فِي مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ وَالشِّرْكِ
وَذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَيْضًا؛ لأَنَّهُمْ قَالُوا: لَا يَعْرِفُ الأَشْيَاءَ
مَنْ لَا يَعْرِفُ حَقَائِقَهَا.
(1) وَفِي نُسْخَةٍ: فَتَسْلَم بِالْفَاءِ.
(2) رواه ابن كثير: [البداية والنهاية، 79/ 2، 80]، بروايات مختلفة.
(3) مَرْيَم: 25.
(4) الْجُمُعَة: 11 (1/67)
صفحة 68
وقواعد الان اعد الإسلام
أَمَّا التَّوْحِيدُ: فَمَعْنَاهُ إِفْرَادُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ عَنِ الْخَلْقِ وَجَمِيعِ مَعَانِيهِمْ، وَتركُ التسوية بينه وبين العبادِ في جميع أفعالهم وصفاتهم، فَحَقِيقَةُ الْمَعْرِفَةِ بِهِ سُبْحَانَهُ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الأَشْيَاءَ لاَ تُشْبِهُهُ وَلَا يُشْبِهُهَا فِي جَمِيعِ الْجِهَاتِ: فِي فِعْلِ وَلَا اسْمِ وَلاَ صِفَةٍ وَلاَ ذَاتِ؛ لأَنَّهُ لَوْ أَشْبَهَ شَيْئًا مِنَ الأَشْيَاءِ وَلَوْ فِي أَهْلُ الْقَلِيلِ لَدَّخَلَ عَلَيْهِ الْعَجْزُ مِنْ تِلْكَ الصِّفَةِ، فَلِهَذَا وَجَبَ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يَعْرِفَ حَقِيقَةَ الْوَحْدَانِيَّةِ لِلهِ تَعَالَى، وَيَصِفَهُ بِمَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الصَّفَاتِ، وَيَنْفِيَ عَنْهُ شَبَهَ الأَشْيَاءِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، وَإِنِ اتَّفَقَتِ الأَسْمَاءُ فِي اللَّفْظِ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ تِلْكَ الْمَعَانِي مُخْتَلِفَةٌ، نَظِيرُ ذَلِكَ أَنَّ اللهَ قَدِيمٌ لَمْ يَزَلْ وَعَالِمٌ لا يَجْهَلُ، وَيُقَالُ لِبَعْضِ الْخَلْقِ قَدِيمٌ وَعَالِمٌ وَلاَ يُقَالُ لَمْ يَزَلْ وَلاَ لاَ يَجْهَلُ، فَيَتَّفِقُ اللَّفْظَانِ وَيَخْتَلِفُ الْمَعْنَى؛ لأَنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِ الْقَائِل: اللهُ قَدِيمٌ، أَيْ: مِنْ غَيْرِ بَدْءٍ وَلا أَوَّلَ لِوُجُودِهِ، وَالْإِنْسَانُ قَدِيمٌ إِنَّمَا يَعْنِي بِعَدَدِ السِّنِينَ وَالأَوْقَاتِ، وَقَدْ كَانَ لَهُ بَدْهُ وَأَوَّلُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: فُلانٌ عَالِمٌ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ عِلْمٍ اسْتَفَادَهُ بَعْدَ جَهْلِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ جَاهِلُ بِأَكْثَرِ الْأَشْيَاءِ، فَالْفَضْلُ بَيْنَ مَعَانِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ أَنَّكَ تَقُولُ: اللهُ قَدِيمٌ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ، وَتَقُولُ: عَالِمٌ لا يَجْهَلُ وَقَدِيرٌ لا يَعْجِزُ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الصِّفَاتِ عَلَى هَذَا الْحَالِ؛ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (1). وَقَالَ: وَهَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) (2)، وَقَالَ: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (3). فَثَبَتَ بِدَلِيلِ الشَّرْعِ وَشَاهِدِ الْعَقْلِ أَنَّ اللهَ لاَ يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِنَ الأَشْـ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ فِي اسْمِ وَلَا صِفَةٍ
وَلَا ذَاتٍ وَلَا فِعْلِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا الشِّرْكُ: فَمَعْنَاهُ السَّسَاوِي بَيْنَ الأَشْيَاءِ فِي الذَّوَاتِ وَالصِّفَاتِ، وَمَعْنَاهُ فِي اللهِ هُوَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي الذَّاتِ أَوِ الصِّفَاتِ، قَالَ اللهُ: إِذ
(1) الشُّورى: 10.
(2) مريم:
(3) الإخلاص: 4. (1/68)
صفحة 69
قواعد الإ
(1)
تسويكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)، أَيْ فِي الْعِبَادَةِ وَالتَّعْظِيمِ وَإِثْبَاتِ الألُوهِيَّةِ، فَالشِّرْكُ إِذا
عَلَى وَجْهَيْنِ: جُحُودٍ وَمُسَاوَاةٍ.
وَيَتَصَرِّفُ عَلَى وُجُوهِ:
مِنْهَا: أَنْ يُنْكِرَ وُجُودَ اللهِ سُبْحَانَهُ الْبَتَّةَ كَالدَّهْرِيَّةِ الزَّاعِمَةِ أَنَّ الأَشْيَاءَ لَا مُحْدِثَ لَهَا.
وَمِنْهَا: أَنْ يُقِيمَ غَيْرَ اللهِ سُبْحَانَهُ مُقَامَهُ فِي الْخَلْقِ وَالإِنْشَاءِ وَالاخْتِرَاعِ كَالْمَنانِيَّةِ وَالدِّيصَانِيَّةِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الأَشْيَاءَ تَكَوَّنَتْ مِنْ أَصْلَيْنِ قَدِيمَيْنِ وَهُمَا النُّورُ وَالظُّلْمَةُ، وَكَالْمَجُوسِ الزَّاعِمَةِ أَنَّ الأَشْيَاءَ الْقَبِيحَةَ مَخْلُوقَةٌ لِلشَّيْطَانِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ مَذَاهِبِ الْمُلْحِدَةِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يُقِيمَ الْخَلْقَ فِي الْعِبَادَةِ مَقَامَ اللهِ تَعَالَى كَمُشْرِكِي الْعَرَبِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأَصْنَامَ وَيَقُولُونَ: هِيَ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ، مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِأَنَّ الْخَلْقَ وَالرِّزْقَ وَالإِحْيَاءَ وَالْإِمَاتَةَ لِلهِ وَحْدَهُ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَجْهَلَ مَعْرِفَةٌ وُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَجَمِيعِ مَا لَا يَسَعُ جَهْلُهُ مِنْ وَظَائِفِ
التَّوْحِيدِ الْمُتَقَدِّمَة (2). وَمِنْهَا: أَنْ يُكَذِّبَ اللهَ تَعَالَى بِإِنْكَارِ حَرْفٍ مِنْ كِتَابِهِ (3) أَوْ نَبِيِّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ أَوْ رَسُولٍ مِنْ رُسُلِهِ، أَوْ مَلَكِ مِنْ مَلاَئِكَتِهِ، أَوْ جَهْلِهِ الْبَعْثَ وَالْمَعَادَ، أَوْ شَكٍّ فِي وَجْهِ مِنْ وُجُوهِ التَّوْحِيدِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ مَا لَا يَسَعُ جَهْلُهُ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَصِفَ رَبَّهُ بِصِفَاتِ الْخَلْقِ وَمَعَانِي النَّقْصِ مِنَ الْجَهْلِ وَالْعَجْزِ وَالْحُدُوثِ وَالْعَدَمِ وَالْجَوْرِ وَالظُّلْمِ وَالْهَيْئَةِ وَالْجِسْمِ وَالسَّهْوِ وَالنَّوْمِ وَالْأَكْلِ
(1) الشُّعَرَاء: 99. (2) هَذَا عَلَى رَأْيِ الْجُمْهُورِ. (3) وَفِي نُسْخَةٍ: (مِنْ كَلامِهِ). (1/69)
صفحة 70
وَالشُّرْبِ وَالتَّعَبِ وَالنَّصَبِ وَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالْأَشْكَالِ وَالْأَضْدَادِ وَالصَّاحِبَةِ وَالأَوْلادِ فِي جَمِيعِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ سُبْحَانَهُ، أَوْ يَصِفَ الْخَلْقَ بِصِفَاتِهِ كَ مِنَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْوُجُودِ والقِدَم على الحقيقة، والإحياء والإماتة والخلق والاختراع من العدم إلى الوجودِ، وَالإِرْسَالِ وَالإِنْزَالِ مِنْ جَمِيعِ صِفَاتِهِ الَّتِي لَا يَلِيقُ أَنْ يُوصَفَ
الْخَلْقُ بِهَا. وَمِنْهَا: أَنْ يَتَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ بِمَعَاصِيهِ وَيَزْعُمَ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِهَا، أَوْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَهَى عَنْ طَاعَتِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلُ فِي التَّنْزِيلِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَى الْمَخْلُوقِ بِأَفْعَالِهِ مِنْ جَمِيعِ طَاعَةِ اللَّهِ وَ مِنَ الصَّلَاةِ
وَالذَّبْحِ وَغَيْرِهِمَا. وَمِنْهَا: أَنْ يَدْعُوَ الْعِبَادَ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ كَفِعْلِ إِبْلِيسَ اللَّعِينِ، وَقَدْ فُسِّرَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنتَ اللهُ مِن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ الله الآية (1) فَمَهُمَا فَعَلَ الْعَبْدُ ذَلِكَ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَالشَّاكُ فِي شِرْكِهِ مُشْرِكٌ؛ لأَنَّهُ لَا يَسَعُ جَهْلُ شِرْكِهِ عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ.
وَمِنْهَا: شِرْكُ الإِكْرَاءِ، وَذَلِكَ قَوْلُ الْمُكْرَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِإِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ، أَوْ إِنْكَارُهُ رَأْسًا عَلَى جِهَةِ الإِكْرَاهِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا شِرْكَ وَلَا كُفْرَ وَلَا مَعْصِيَةَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ شِرْكٌ وَلاَ شِرْكَ فِي الْحُكْمِ وَلَا مَعْصِيَةَ وَلَا كُفْرَ. وَاتَّفَقَ
الْجَمِيعُ أَنَّهُ لَا إِثْمَ وَلَا مَعْصِيَةَ وَلَا ذَنْبَ وَلَا عِقَابَ، وَيُقَالُ: كَذِبٌ أُبِيحَ لَهُ. وَمِنْهَا: مَا رُكَّبَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ مِنَ الْجَزَعِ وَالْهَلَعِ وَقِلَّةِ الثَّقَةِ بِمَوْعُودِ اللَّهِ، وَثِقَتُهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَقُوَاهُمْ وَحِيَلِهِمْ حَتَّى أَنَّهُمْ لَيَنْقُونَ بِكِلابِهِمْ، فَسُمَّى هَذَا الْمَعْنَى شِرْعًا، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: لا تَزَالُونَ تُشْرِكُونَ؛ تَقُولُونَ لَوْلَا
(1) الأنبياء: 31. (1/70)
صفحة 71
كِلابُنَا لَسُرِقْنَا، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا نَضَهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ)، يَقُولُونَ: لَوْلَا اسْتِوَاءُ الرِّيحِ لَهَلَكْنَا.
وَمِنْهَا: شِرْكُ الرِّيَاءِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يُرِيَ الْعَبْدُ فِعْلَهُ النَّاسَ وَيَتَزَيَّنَ بِهِ إِلَيْهِمْ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ، وَهُوَ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ: الشَّرْكُ أَخْفَى فِي أُمَّتِي مِنْ ذَرَّةٍ سَوْدَاءَ عَلَى صَخْرَةٍ صَمَّاءَ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ) (2)، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو القَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحَا وَلَا يُشْرِكَ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (3) نَزَلَتْ فِيمَنْ يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ
وَيَلْتَمِسُ بِهَا الأَجْرَ وَالثَّنَاءَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي عَشَرَ
فِي فَرْزِ مَا بَيْنَ كَبَائِرِ الشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ
وَذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: مَنْ لَمْ يَفْرِزُ بَيْنَ كَبَائِرِ الشِّرْكِ وَكَبَائِرِ النِّفَاقِ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَالشَّاكُ فِي شِرْكِهِ مُشْرِكٌ، قَالُوا: لَأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ
(1) الْعَنْكَبوتِ: 66.
(2) [رَوَاهُ الرَّبِيعُ باب الشرك أخفى من دبيب النمل، ر 830، والحاكم، كتاب التفسير، باب تفسير سورة آل عمران، ر 3148].
(3) الْكَهْف: 111.
(4) لا يُرَادُ بِالشِّرْكِ هُنَا الشَّرْكُ الأَكْبَرُ الَّذِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الشِّرْكِ مِنْ إِبَاحَةِ الدَّمِ، وَسَبْيِ الذُرِّيَّةِ، وَاسْتِحْلَالِ الْمَالِ، وَحُرْمَةِ الزَّوْجَةِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ كَمَا هُوَ اصْطِلاحُ إِنَّاضِيَّةِ الْمَغْرِب - وَمُؤَلِّفُنَا مِنْهُمْ - الشِّرْكُ الأَصْغَرُ) الَّذِي يُطْلَقُ عَلَى مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ فِي الاعْتِقَادِيَّاتِ، وَهُوَ الشَّرْكُ الْخَفِيُّ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "الشِّرْكُ أَخْفَى فِي أُمَّتِي مِنْ ذَرَّةٍ سَوْدَاءَ ... " الْحَدِيثِ [سبق تخريجه، ولا تترتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ وَلاَ مَشَاحَةَ فِي الاصْطِلاح. قَالَ الْمُحَنِّي: صَرِيحُ كَلامِ السُّوَالآتِ حَيْثُ رَتَّبَ الْمَعَاصِي عَلَى ثَلاثَةِ أَوْجُهِ: أَنَّ الَّذِي تَجِبُّ مَعْرِفَتُهُ مِنْ كَبَائِرِ الشِّرْكِ بِعُنْوَانِ كَوْنِهِ كَبِيرَةَ شِرْكِ؛ إِنَّمَا هُوَ الْقَوْلُ بِإِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ فَقَطْ؛ أَي الْقَوْلُ بِالتَّعَدُّدِ، وَيَجُوزُ لَهُ الشَّكُ فِيمَا عَدَاهُ مِنْ كَبَائِرِ الشِّرْكِ حَتَّى يَأْخُذَ أَنَّهَا شِرْكٌ. وَذَلِكَ كَإِنْكَارِ الْبَعْثِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ كُفْرٌ وَكَبِيرَةٌ وَمَعْصِيَةٌ عَلَيْهِ (1/71)
صفحة 72
ضَلُّوا مِنْ قِبَل فَرْزِ مَا بَيْنَهُمَا، فَزَعَمَتِ الأَزَارِقَهُ أَنَّ الْمَعَاصِيَ كُلَّهَا كَبَائِرُ وَشِرْكُ وَكُفْرٌ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا) فِي أَمْثَالِهِ مِنَ الْقُرْآنِ. وَقَالَتِ النَّجْدِيَّةُ مِنْهُمْ الْكَبَائِرُ كُلُّهَا شِرْكٌ، وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَلَا. وَزَعَمَتِ الْمُعْتَزِلَةُ أَنَّ كَبَائِرَ النِّفَاقِ فِسْقٌ وَضَلاَلٌ وَلَيْسَتْ كُفْرًا وَلَا شِرْكًا، وَقَالَتِ الْمُرْجِنةُ بِالشَّلِّ فِي وَعِيدِ مُرْتَكِبِي كَبَائِرِ النَّفَاقِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ: إِنَّ
الْعِقَابُ أَخَذَ أَوْ لَمْ يَأْخُذ، وَأَمَّا أَنَّهُ شِرْكٌ فَحَتَّى يَأْخُذَ". اهـ. نَرَى الْمُصَفَ يَتَشَدَّدُ فِي مَسْأَلَةِ الْعَقِيدَةِ حِرْصًا عَلَى نَقَاوَتِهَا وَحَمْلاً لِلْمُسْلِمِ عَلَى السَّبِتِ فِيمَا عَسَى أَنْ يَعْتَرِضَهُ مِنْ شَكٍّ لِغُمُوضِ بَعْضٍ صُوَرِهَا لِيَكُونَ فِي إِيمَانِهِ مُقَيَّدًا لا مُقَلَّدًا، بَيْدَ أَنَّ هَذَا التَّدْقِيقَ الْفَلْسَفِي رُبَّمَا صَوَّرَ لَنَا الإِسْلَامَ فِي صُورَةٍ لَا تَتَّفِقُ وَبَسَاطَنَهُ الَّتِي ظَهَرَ بِهَا عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ؛ لأننا إِذَا رَجَعْنَا الْقَهْقَرَى إِلَى عَصْرِ النُّبُوَّةِ وَجَدْنَا الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم يَكْتَفِي مِنَ الأَعْرَابِ بِظَاهِرِ الإِيمَانِ دُونَ أَنْ يُطَالِبَهُمْ بِفَرْزِ كَبَائِرِ الشِّرْكِ مِنْ كَبَائِرِ النِّفَاقِ وَمَا إِلَى ذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم اكْتَفَى مِنْ أَجْلَافِ الْعَرَبِ بِالتَّصْدِيقِ وَالإِقْرَارِ مِنْ غَيْرِ تَعَلَّمِ دَلِيلِ [لم أجد من خرجه، قال الغزالي في إحياء علوم الدين: "مشهور في كتب الحديث والسير"، 14/ 1]، وَحَسْبُ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ أَنْ يَنْطِقَ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ فَيَعْتَبِرُهُ مُسْلِمًا، ثُمَّ يُسَلِّمُهُ إِلَى مَنْ يُعَلِّمُهُ دِينَهُ قَالَ الإِمَامُ أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَارْجَلَانِيُّ لَهُ فِي الدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ [16/ 2]: "وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ شَرَّعَ لِلْوُفُودِ الَّتِي جَاءَتْهُ شَيْئًا سِوَى الْجُمْلَةِ الَّتِي كَانَ يَدْعُو إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ، فَإِذَا نَطَقَ أَحَدٌ بِالْجُمْلَةِ يَقُولُ لَأَصْحَابِهِ: "فَقَهُوا أَخَاكُمْ وَلَا تَجَاوَزُوا إِلَيْهِ مَسَائِلَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالآدَابِ" [الطبري: تهذيب الآثار، 23/ 3، بلفظ: "فقهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه، وعلموه القرآن وأطلقوا له أسيره"]، وَلَمْ يُؤْثَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ شَرَعَ لأَحَدٍ مِنْ مَسَائِلِ الاعْتِقَادِ شَيْئًا إِلَى آخِرِ مَا أَطَالَ" اهـ. هَذِهِ الْبَسَاطَةُ هِيَ الَّتِي حَبَّبَتْ هَذَا الدِّينَ الْقَيِّمَ إِلَى أُولَئِكَ الَّذِينَ نَشَأْوا فِي أَحْضَانِ الْوَثَنِيَّةِ، كَانُوا أَغْلَظَ أَكْبَادًا مِنَ الإِبِلِ، فَصَارُوا يَدْخُلُونَ فِيهِ أَفْوَاجًا أَفْوَاجًا مُخْتَارِينَ. وَلَقَدْ لَاحَظَ هَذَا الْمَلْحَظَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا الْمُجْتَهِدِينَ كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رُسْتُمَ، وَأَبِي، خزرٍ، وَعَمْرُوسِ، وَابْنِ زَرْقُونَ، وَابْنِ مَحْبُوبِ، وَعَزَّانَ بْنِ الصَّفْرِ رَحِمَهُمُ اللهُ، فَقَالُوا إِنَّ مَنْ أَتَى بِالْجُمْلَةِ الَّتِي كَانَ يَدْعُو إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ توْحِيدُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَالْعِبَادِ، هَذَا وَقَدْ سَبَقَ لِلْمُصَنِّفِ نَفْسِهِ أَنِ ارْتَضَى رَأيهِم قَائِلاً: وَهُوَ الأَرْفَقُ بِعَوَامُ الأُمَّةِ، وَالأَلْيقُ بِرَأْفَةِ الرَّبِّ الْكَرِيم ذِي الرَّحْمَةِ، وَالأَشْهَرُ مِنْ دَعْوَةِ نَبِيِّ الأُمَّةِ الدَّاعِي عَوَامَ الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ. [وَالْخُلاَصَةُ أَنَّ مَنْ أَتَى بِالْجُمْلَةِ تَمَّ تَوْحِيدُهُ وَوَسِعَهُ جَهْلُ مَا سِوَاهُ إِلَّا إِذَا أَحْدَثَ بِأَنْ أَنْكَرَهَا أَوْ تَفْسِيرَهَا أَوْ جَهِلَهَا بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ بِهَا، أَوْ شَكٍّ فِيهَا، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ. اهـ مُصححة. (1) الأَحْزَاب: 36. (1/72)
صفحة 73
takatakatakatakatakatad
73
قواعد الإس
الْكَبَائِرَ كُلَّهَا كُفْرُ وَالْعِقَابَ عَلَيْهَا وَاجِبٌ، فَمِنَ الْكَبَائِرِ شِرْكٌ وَغَيْرُ شِرْكِ؛ وَهُوَ النِّفَاقُ، فَمَنْ رَدَّ عَلَى اللهِ و فِي كِتَابِهِ مُوَاجَهَةٌ بِلا تَأْوِيل فَهُوَ مُكَذِّبُ لِلهِ مُشْرِكٌ بِهِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ جَمِيعُ أَقْسَامِ الشِّرْكِ وَوُجُوهِهِ الَّتِي قُدَّمْنَا آنِفًا مَا خَلَاَ الثَّلَاثَةَ الأَوْجُهِ الْمُتَأَخَّرَةِ: وَهُوَ شِرْكُ الإِكْرَاهِ، وَشِرْكُ الْهَلَعِ الْمُرَكَّبِ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، وَشِرْكُ الرِّيَاءِ إِذَا لَمْ يُقَارِنْهُ التَّقَرُّبُ، وَأَمَّا غَيْرُ هَذِهِ الثلاثةِ الْأَوْجُهِ مِنْ إِنْكَارِ التَّوْحِيدِ وَمَعْرِفَةِ اللهِ وَالأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكُتُبِ وَالْمَعَادِ وَالْبَعْثِ وَالْحِسَابِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، أَوْ وَصْفِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِمَا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ جَمِيعِ مَا قَدَّمْنَا فَهُوَ مِنْ كَبَائِرِ الشِّرْكِ.
وَوَجْهُ آخَرُ مِنْ كَبَائِرِ الشِّرْكِ: هُوَ الاسْتِحْلالُ لِمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ نَضًا بِغَيْرِ تَأْوِيلِ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَنِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ وَقَتْلِ النَّفْسِ حَقٌّ وَأَكْلِ الرِّبَا وَارْتِكَابِ الزِّنَا وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ وَدُخُولِ الْبُيُوتِ بِغَيْرِ إِذْنٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُطُولُ ذِكْرُهُ، أَوِ اسْتَحَلَّ تَرْكَ الْفَرَائِضِ الْمَنْصُوصَاتِ كَالْوَلَايَةِ وَالْبَرَاءَةِ جُمْلَةٌ، وَالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أَوْ حَرَّمَ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ نَضًا كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالأَكْلَ وَالشُّرْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُطُولُ بِهِ الْكِتَابُ، فَكُلُّ مَنْ أَنْكَرَ وَجْهَا مِنْ وُجُوهِ التَّوْحِيدِ، أَوِ اسْتَحَلَّ تَرْكَهُ، أَوْ جَهِلَ الشِّرْكَ، أَو فَعَلَهُ، أَوِ اسْتَحَلَّ فِعْلَهُ، أَوْ أَمَرَ بِهِ، أَوْ تَقَرَّبَ بِفِعْل مَعْصِيَةٍ مَنْصُوصَةٍ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَوِ اسْتَحَلَّ فِعْلَهَا، أَوْ أَنْكَرَ فَرِيضَةً مَنْصُوصَةٌ، أَوْ
مَلَكًا أَوْ نَبِيًّا مَنْصُوصًا، أَوْ حَرَّمَ حَلالاً مَنْصُوصًا فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. (1/73)
صفحة 74
74
فَصْلٌ [فِي كَبَائِرِ النِّفاقِ]
وَكَبَائِرُ النَّفَاقِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا اسْتِحْلالُ مَا حَرَّمَهُ اللهُ تَعَالَى بِتَأْوِيلِ الْخَطَا مِنْ فَاعِلِهِ أَوْ قَائِلِهِ كَخِلافِ جَمِيع مَنْ خَالَفَ الْمُسْلِمِينَ وَبَرَاءَتِهِمْ مِنْهُمْ بِتَأْوِيلِ الْخَطَا، فَهُمْ بِذَلِكَ
مُنَافِقُونَ لَيْسُوا بِمُشْرِكِينَ وَلَوْ تَقَرَّبُوا بِذَلِكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ لأَنَّهُمْ مُتَأَوّلُونَ.
وَالْوَجْهُ الآخَرُ: هُوَ مُقَارَفَةُ جَمِيع مَا أَوْعَدَ اللهُ عَلَى فِعْلِهِ النَّكَالَ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابَ فِي الآخِرَةِ، أَوْ عَذَّبَ بِهِ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ الْمَاضِيَةِ كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَالرِّبَا وَالسَّرِقَةِ وَبَخْسِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ وَإِثْيَانِ الرِّجَالِ وَعَقْرِ النَّاقَةِ وَالاعْتِدَاءِ فِي السَّبْتِ لأَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فِي الْقُرْآنِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ النَّكَالَ مِمَّا يَطُولُ بِهِ الْكِتَابُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الْقِسْمُ الثَّالِثِ عَشَرَ
في معرفة حرمة دماء المسلمين وغنيمة أموالهم وسبي ذراريهم] وَمِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ الْمَعْرِفَةُ بِهِ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَغَنِيمَةَ أَمْوَالِهِمْ وَسَبْيَ ذَرَارِيهِمْ مُحَرَّمَةٌ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي مَعَهُمْ، وَذَلِكَ لِقَوْلِ الرَّسُولِ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا (1/74)
صفحة 75
Yo
takatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakat
الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ مَنَعُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا ... " الْحَدِيثَ (1) وَوَقَعَ الإِجْمَاعُ عَلَى هَذَا مِنْ جَمِيعِ الأُمَّةِ؛ لأَنَّهُ نَصُّ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى:
(2)
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ إِلَ إِلَى قَوْلِهِ: فَخَلُوا سَبِيلَهُمْ} (2) وَمَنِ اسْتَحَلَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ بِغَيْرِ تَأْوِيل وَزَعَمَ أَنَّهَا حَلَالٌ فَقَدْ أَشْرَكَ، وَإِنْ تَأَوَّلَ فَهُوَ مُنَافِقٌ، وَذَلِكَ مِثْلُ الصُّفْرِيَّةِ الزَّاعِمَةِ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَمِلَ ذَنْبًا فَهُوَ مُشْرِكٌ حَلالٌ دَمُهُ وَسَبْيُ ذُرِّيَّتِهِ وَغَنِيمَةُ مَالِهِ، وَتَأَوَّلُوا فِي ذَلِكَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذِكْرِ الْمَيْتَةِ: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إلَكُمْ لمَشْرِكُونَ} (3) فَقَالُوا: كُلَّ مَنْ عَمِلَ ذَنْبًا فَقَدْ أَطَاعَ الشَّيْطَانَ، وَمَنْ أَطَاعَهُ أَشْرَكَ. وَعِنْدَ الأَئِمَّةِ تَأْوِيلُ الآيَةِ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ فِي اسْتِحْلَالِ الْمَيْتَةِ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ بِاسْتِحْلَالِهَا، أَيْ: بِأَكْلِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَم.
(3)
وَاخْتُلِفَ فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَعْتَقِدَهُ فِي تَحْرِيمِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَقِيلَ: خُرُوجُ الرُّوحِ، وَقِيلَ: مَا قَامَ عَنْهُ الْمَوْتُ. وَأَمَّا سَبْيُهُمْ وَغَنِيمَةُ أَمْوَالِهِمْ فَقِيلَ: إِنَّمَا يَعْتَقِدُ سَوقَهُمْ، وَإِنْ قَتَلَهُمْ فِي مَوْضِعِهِمْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْعِصْيَانِ، وَعَنْ بَعْضِ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمُ اللهُ قَالَ: لاَ يَتِمُّ إِيمَانُ الرَّجُلِ حَتَّى يَعْرِفَ تَحْرِيمَ دَمِهِ وَمَالِهِ. وَمَعْرِفَةُ تَحْرِيمِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ تَوْحِيدٌ، وَجَهْلُهَا شِرْكٌ، وَكَذَلِكَ السَّبْيُ وَالْغَنِيمَةُ عَلَى هَذَا الْحَالِ، فَكَمَا وَجَبَتْ عَلَى الْمُكَلِّفِ مَعْرِفَةُ تَحْرِيمِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَسَبيهِمْ وَغَنِيمَةِ أَمْوَالِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ وَالإِسْلامِ كَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةٌ تَحْلِيلِ دِمَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَأَمْوَالِهِمْ بِالشِّرْكِ وَالْكُفْرِ؛ لأَنَّ تَحْلِيلَ دِمَائِهِمْ وَسَبْيَ ذَرَارِيهِمْ وَغَنِيمَةَ أَمْوَالِهِمْ إِنَّمَا كَانَ بِنَيٍّ الْقُرْآنِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ كَمَا قَدَّمْنَا فِي تَحْرِيمِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَسَبْيِ غَنِيمَةِ أَمْوَالِهِمْ وَأَحَلَّ اللهُ سَبْيَ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ لِيَجُرُّوهُمْ
(4)
(1) [رواه الربيع، باب جامع الغزو في سبيل الله، ر 464، والبخاري، كتاب الإيمان، باب فإن تابو
وأقاموا الصلاة ... ، ر 25].
(2) التَّوْبَة: 5.
(3) الأنعام: 121
(4) وَالْأَوْلَى زِيَادَةُ: وَسَبْي ذَرَارِيهِمْ لِيَنْسَجِمَ مَعَ مَا بَعْدَهُ. (1/75)
صفحة 76
تواعد الإسـ
76
بِذَلِكَ إِلَى الإِسْلام، وَقِيلَ: لِتَقْوِيَةِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَقِيلَ: نَظَرًا (1) لَهُمْ حِينَ
قُتِلَ آبَاؤُهُمْ لِئَلَّا يَمُوتُوا هَزِلاً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْقِسْمُ الرَّابِع عَشَرَ
[فِي مَعرفةِ أمرِ اللَّهِ وَنهيه]
وَذَلِكَ أَيْضًا وَاجِبٌ عَلَى الْمُكَلِّفِ معَ الْبُلُوغ، وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِطَاعَتِهِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهَا ثَوَابًا، وَنَهَى عَنْ مَعْصِيَهِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهَا عِقَابًا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ أَشْرَكَ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَمَرَ بِالتَّوْحِيدِ وَنَهَى عَنِ الشِّرْكِ فَلَا يُجْزِتُهُ ذَلِكَ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ أَمَرَ بِالطَّاعَةِ وَنَهَى عَنِ الْمَعْصِيَةِ هَكَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَكُلُّ مَا تَلْزَمُ مَعْرِفَتُهُ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَ لَزِمَتِ الْمَعْرِفَةُ بِأَنَّ اللهَ أَمَرَ بِهِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الثَّوَابَ، وَأَمَّا الْمَعْرِفَةُ بِأَنَّ اللهَ أَوْجَبَ عَلَى تَرْكِهِ الْعِقَابَ فَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ إِلَّا فِي التَّوْحِيدِ خُصُوصًا دُونَ سَائِرِ الطَّاعَاتِ؛ لأَنَّ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِهِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ ثَوَابًا وعلى تركه عقابًا، وأما ما دونَ التَّوحيدِ منَ الفرائض فإنَّما على العبدِ أنْ يعلم أنَّ اللهَ أمرَ بهِ وأوجب عليه ثوابًا فَقَط وَكَذَلِكَ الْمَعَاصِي عَلَى هَذَا الْحَالِ مَا خَلَاَ الشِّرْكَ، فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللهَ نَهَى عَنْهُ وَأَوْجَبَ عَلَى فِعْلِهِ عِقَابًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ في مَعرفة الإسلام والكُفْرِ: وَعَلَى الْمُكَلِّفِ أَيْضًا أَنْ يَعْلَمَ الإِسْلام وَالْمُسْلِمِينَ وَالْكُفْرَ وَالْكَافِرِينَ، وَمَنْ وَسِعَ جَهْلَ ذَلِكَ فَقَدْ كَفَرَ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ أُمَرَ بِالإِسْلامِ، وَأَنَّ الإِسْلامَ فِعْلُ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا أَنَّ الْكُفْرَ فِعْلُ
الْكَافِرِينَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(1) [أي: رَحْمَةً). (1/76)
صفحة 77
قواعد
الْقِسْمُ الْخَامِسَ عَشَرَ
فِي الْمَنِّ وَالدَّلائِلِ
وَهُمَا أَيْضًا مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلِّفِ مَعْرِفَتْهُمَا مَعَ أَوَّلِ بُلُوغِهِ.
أمَّا المَنُ: وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ الإِنْسَانُ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ خَلْقَهُ أَطْوَارًا، وَأَفَاضَ عَلَيْهِمُ النَّعَمَ صِغَارًا وَكِبَارًا مَنَّا وَفَضْلاً، لا وُجُوبًا وَفَرْضًا، بَلْ خَلَقَهُمْ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ وَتَحْقِيقًا لِمَا سَبَقَ مِنْ إِرَادَتِهِ، وَلِمَا حَقَّ فِي الْأَزَلِ مِنْ كَلِمَاتِهِ، لَا لَافْتِقَارِهِ إِلَيْهِمْ وَحَاجَتِهِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رُسُلَهُ وَشَرَعَ لَهُمْ دِينَهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ دَعَتْهُ إِلَى تَكْلِيفِهِمْ، وَلَا مِنْ ضَرُورَةٍ قَادَتْهُ إِلَى تَعَبْدِهِمْ، وَإِنَّمَا فَصَدَ نَفْعَهُمْ تَفَضُّلاً مِنْهُ عَلَيْهِمْ كَمَا تَفَضَّلَ بِمَا لاَ يُحْصَى عَدَدًا مِنْ نِعَمِهِ، بَلِ النِّعْمَةُ فِيمَا تَعَبَّدَهُمْ بِهِ أَعْظَمُ؛ لأَنَّ نَفْعَ مَا سِوَى الْمُتَعَبَّدَاتِ يَخْتَصُّ بِالدُّنْيَا الْعَاجِلَةَ، وَنَفْعَ الْمُتَعَبَّدَاتِ يَشْتَمِلُ عَلَى نَفْعِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَا جَمَعَ نَفْعَ الدَّارَيْنِ كَانَ أَعْظَمَ نِعْمَةً وَأَكْثَرَ تَفَضُّلاً، وَجَعَلَ مَا كَلَّفَهُمْ بِهِ ثَلاثَةَ أَقْسَامٍ قِسْمًا أَمَرَهُمْ بِاعْتِقَادِهِ كَالتَّوْحِيدِ وَوَطَائِفِهِ، وَقِسْمًا أَمَرَهُمْ بِفِعْلِهِ كَالْفَرَائِضِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، وَقِسْمَا أَمَرَهُمْ بِالْكَفِّ عَنْهُ، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٍ لإِحْيَاءِ نُفُوسِهِمْ كَنَهْيِهِ عَنِ الْقَتْلِ وَأَكْلِ الْخَبَائِثِ وَالسَّمُومِ وَشُرْبِ الْخُمُورِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى فَسَادِ الْعَقْلِ وَزَوَالِهِ، وَقِسْمِ لَأَنْتِلافِهِمْ وَإِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ كَنَهْيِهِ عَنِ الْغَصْبِ وَالظُّلْمِ وَالشَّرِّ الْمُفْضِي إِلَى الْقَطِيعَةِ وَالْبَغْضَاءِ، وَقِسْمٍ لِحِفْظِ أَنْسَابِهِمْ وَتَعْظِيمِ مَحَارِمِهِمْ، كَنَهْيِهِ عَنِ الزِّنَا وَنِكَاح ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، فَكَانَتْ نِعْمَتُهُ فِيمَا حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ كَنِعْمَتِهِ فِيمَا أَبَاحَهُ لَهُمْ، وَتَفَضَّلُهُ فِيمَا كَفَّهُمْ عَنْهُ كَتَفَضُّلِهِ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ. فَهَلْ يَجِدُ الْعَاقِلُ فِي رَوِيَّتِهِ مَسَاءًا أَنْ يُقَصِّرَ فِيمَا أُمِرَ بِهِ وَهُوَ نِعْمَةٌ عَلَيْهِ، أَوْ يَرَى فُسْحَةٌ فِي ارْتِكَابِ مَا نُهِيَ عَنْهُ وَهُوَ تَفَضَّلْ عَلَيْهِ؟ وَهَلْ يَكُونُ مَنْ أُنْعِمَ عَلَيْهِ بِنِعْمَةٍ فَأَهْمَلَهَا مَعَ شِدَّةِ فَاقَتِهِ إِلَيْهَا إِلا مَذْمُومًا فِي الْعَقْلِ مَعَ مَا جَاءَ مِنْ وَعِيدِ الشَّرْعِ؟ فَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا لأَهْلِ الْعُقُولِ وَالْبَصَائِرِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مُمْتَنٌ عَلَى الْعِبَادِ فِي الدُّنْيَا (1/77)
صفحة 78
??
بِسَعَةِ الأَرْزَاقِ وَصِحَّةِ الْعُقُولِ وَالأَبْدَانِ، وَتَسْخِيرِهِ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ، وَإِيجَابِهِ عَلَيْهِمُ الْفَرَائِضَ وَالْعِبَادَاتِ، وَتَحْرِيمِهِ عَلَيْهِمُ الْمُحَرَّمَاتِ،
وَمُمْتَن عَلَى أَهْل طَاعَتِهِ فِي الآخِرَةِ بِالْغُفْرَانِ وَدُخُولِ الْجِنانِ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا الدَّلائِلُ: فَهيَ مَخْلُوقَاتُ اللهِ تَعَالَى الدَّالَّهُ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْجَوْهَرِ وَالْعَرَضِ، فَالْعَاقِلُ إِذَا نَظَرَ فِي ذَلِكَ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ عَلِمَ أَنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقُ ذَلِكَ عَبَيًّا وَلَا بَاطِلاً وَلَمْ يَتْرُكِ الإِنْسَانَ سُدًى وَلَا مُهْمَلاً، بَلْ خَلَقَ الإِنْسَ وَالْجِنَّ لِيَمْتَشِلُوا أَوَامِرَهُ قَوْلاً وَفِعْلاً، وَجَعَلَ مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً، وَمِنْ دَلَائِلِهِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ الرُّسُلُ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ لِلْخَلْقِ أَدِلاءَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبا تُتْلَى، وَجَعَلَ جَمِيعَ ذَلِكَ دَلَائِلَ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الْقِسْمُ السَّادِسَ عَشَرَ
فِي الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ
وَهُمَا فَرِيضَتَانِ وَاجِبَتَانِ عَلَى الْمُكَلِّفِ مَعَا فِي حَالَةِ الْبُلُوغ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَعْتَدِلا فِي قَلْبِهِ اعْتِدَالاً لا يَمِيلُ أَحَدُهُمَا بِالآخَرِ؛ لأَنَّهُ إِذَا مَالَ الْخَوْفُ بِهِ فَذَلِكَ يَدْعُو إِلَى الإِياسِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَالإِيَاسُ أَعْظَمُ الْكَبَائِرِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لا يَا بْسُ مِن روح اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ}، وَقَالَ: قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُونَ (2) وَإِنْ مَالَ بِهِ الرَّجَاءُ خُشِيَ عَلَيْهِ الأَمْنُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَهُوَ أَيْضًا كَبِيرَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ الله)
(2)
(1) يُوسف: 87. (2) الحجر: 56. (3) الأعراف: 99.
(1). (1/78)
صفحة 79
قواعد الإسـ
وَيَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ فِي قَلْبِهِ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ نَفْسِهِ ذَنْبًا، وَيَعْتَدِلَانِ أَيْضًا وَلَوْ فِي حَالَةِ عَمَل الْمَعْصِيَةِ، وَبَلَغَنَا أَنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ. قَالَ لابْنِهِ: "يَا بُنَيَّ كُنْ ذَا قَلْبَيْنِ قَلْبِ تَخَافُ اللَّهَ بِهِ خَوْفًا لَا يُخَالِطُهُ تَقْنِيطُ، وَقَلْبٍ تَرْجُوهُ بِهِ رَجَاءً لا يُخَالِطُهُ تَغْرِيرُ، وَالْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ يَثْبُتَانِ فِي الْقَلْبِ بِزَوَالِ الأَمْنِ وَالإِياسِ مِنْهُ، وَهُمَا سَوْطَانِ زَاجِرَانِ لِلْعِبَادِ، فَالْخَوْفُ زَاجِرٌ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَرَادِعُ عَنْهَا، وَالرَّجَاءُ دَاعِ إِلَى الطَّاعَةِ وَبَاعِثُ عَلَيْهَا، وَقَدْ قِيلَ بِالرُّحْصَةِ عَنْ بَعْضِهِمْ مَا لَمْ يَنْعَرِ الْقَلْبُ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَإِذَا انْعَرَى مِنَ الْخَوْفِ اطْمَأَنَّ أَوِ انْعَرَى
مِنَ الرَّجَاءِ أَيسَ، فَحِينَئِذٍ يَضِلُّ بِهِ وَيَهْلِكُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَوْ وُزِنَ خَوْفُ الْمُؤْمِنِ وَرَجَاؤُهُ
(Y)11
بِمِيزَانٍ تَرِيصٍ مَا زَادَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَمَعْنَى تَرِيص: مُحكم. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِذَا احْتُضِرَ الْمُؤْمِنُ فَالرَّجَاءُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَلْيَقُ بِهِ وَأَحَقُّ، كَمَا رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ الله حِينَ احْتُضِرَ أَنَّهُ قَالَ: "مَرْحَبًا بِزَائِرٍ جَاءَ عَلَى فَاقَةٍ، لَا فَرِحَ مَنْ نَدِمَ اللهُمَّ أَمَرْتَنَا أَنْ نَعْدِلَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، فَالآنَ الرَّجَاءُ فِيكَ أَمْثَلُ (3). وَالْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ فَرِيضَتَانِ غَيْرُ مَحْدُودَتَيْنِ يَثْبُتَانِ فِي الْقَلْبِ بِفَرَائِضَ غَيْرِ مَحْدُودَةٍ كَبِرُ الآبَاءِ وَالنَّدَمِ عَلَى سَوَالِفِ الْآثَامِ، وَبِجَهَالَةِ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ مِنْ صَغَائِرِهَا وَمَا أَشْبَهَ هَذَا؛ لأَنَّهُ يَخَافُ إِنْ لَمْ يَبْلُغْ إِلَى الْحَدِّ الَّذِي يَكُونُ
(1) وَزَادَ فِي الْقَنَاطِرِ فَقَالَ: "يَا أَبَنَاهُ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا لَهُ قَلْبُ وَاحِدٌ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَوْ شَقَّ قَلْبَهُ لَوَجَدَ فِيهِ نُورَ رَجَاءٍ وَنُورَ خَوْفٍ وَلَوْ وُزِنَا لَمْ يَمِلْ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ، وَهَذَا كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: "لَوْ وُزِنَ خَوْفُ الْمُؤْمِنِ ورجاؤ .... " [الآتي إيراده وتخريجه بعد هذه الفقرة]. [الجيطالي: قناطر الخيرات فصل اعلم أن الأمر كله يرجع إلى أصل واحد وهو خاتمة العمل،
[358/ 3
(2) [لم أجد من خرجه، ذكره البيقهي شعب الإيمان منسوبا إلى مطرف، باب في الرجاء من الله تعالى، ر 1026، الزمخشري: الفائق في غريب الحديث، 1/ 150].
(3) [رواه أبو نعيم: حلية الأولياء، عن معاذ بن جبل، 293/ 1، و عن حذيفة بن اليمان، 1/ 282]. (1/79)
صفحة 80
قواعد الإس
بِهِ مُؤَدِّيَا لِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْفَرَائِضِ أَنْ يُعَذِّبَهُ عَلَى تَقْصِيرِهِ فِيهَا، وَيَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ بَلَغَ الْحَدَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فَيُشِيبُهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ، وَيَثْبُتَانِ أَيْضًا بِجَهْلِ الْمَصِيرِ وَعَاقِبَةِ الْخَاتِمَةِ، وَبِجَهْل قَبُولِ التَّوْبَةِ إِذَا تَابَ مِنْ ذَنْبِ اقْتَرَفَهُ، وَفَرَضَهُمَا اللهُ عَلَى الْعِبَادِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحُدَّ لَهُمْ فِي ذَلِكَ حَدًّا يَعْلَمُونَهُ؛ لأَنَّ ذَلِكَ أَصْلَحُ لَهُمْ فِي الاجْتِهَادِ فِي الطَّاعَةِ وَالابْتِعَادِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ، وَلَهُمَا حَدٌ يَعْلَمُهُ اللهُ تَعَالَى إِذَا بَلَغَ الْعَبْدُ رِضَى اللهِ تَعَالَى عَنْهُ عِنْدَ أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ، وَهُمَا مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ يَتَفَاضَلُونَ فِيهِمَا، فَبَعْضُ النَّاسِ أَعْظَمُ خَوْفًا مِنْ بَعْضِ، والأنبياء يَخَافُونَ اللهَ تَعَالَى خَوْفَ عِقَابِ، أَلَا تَرَى إِلَى إِبْرَاهِيمَ حِينَ قَالَ: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِى أَن نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (1) وَرَاجُونَ اللَّهَ تَعَالَى رَجَاءَ ثَوَابِ كَمَا
(2)
قَالَ تَعَالَى عَنْ خَلِيلِهِ: وَالَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَقِ يَوْمَ الدِّينِ) الآية؛ لأَنَّ الْخَوْفَ وَالرَّجَاءَ مِنْ أَفْعَالِ (3) الْعِبَادِ اسْتَعْبَدَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِفِعْلِهِمَا (4)
كَمَا اسْتَعْبَدَهُمْ بِالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَسَائِرِ الْفَرَائِضِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) إبراهيم: 35.
(2) الشعراء: 82.
(3) خ: أفاعيل.
(4) خ: بهما. (1/80)
صفحة 81
الْبَابُ الثَّانِي مِنَ الرُّكْنِ الأَوَّلِ فِي الْوَلايَةِ الْبَرَاءَةِ وَأَحْكامِهَا
اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْبَابَ يَنْبَعِثُ مِنْهُ ثَلَاثُ جُمَلٍ:
الْجُمْلَةُ الأُولَى فِي الْوَلَآيَةِ وَتَقَاسِيمِهَا
وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ تَتَفَرَّعُ مِنْهَا عَشَرَةُ فُصُولٍ:
81 (1/81)
صفحة 82
Maltakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakataly
تواعد الإسـ (1/82)
صفحة 83
قواعد
الفصل الأول
فِي مَعْنَى الْوَلَايَةِ وَالاسْتِشْهَادِ عَلَى وُجُوبِهَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ
اعْلَمْ أَنَّ الْوَلايَةَ مَعْنَيَانِ لُغَوِيٌّ وَشَرْعِيٌّ، فَالْوَلايةُ فِي اللُّغَةِ: الْقُرْبُ، مَأْخُوذُ مِنْ وِلايَةِ أَمْرِ الْيَتِيمِ، وَهُوَ الْقِيَامُ بِأَمْرِهِ وَالاهْتِمَامُ بِمَصَالِحِهِ، وَهُوَ مَعْنَى وَلَآيَةِ اللَّهِ لأَوْلِيَائِهِ، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)، أَيْ نَاصِرُهُمْ وَمُتَوَلِّي أُمُورِهِمْ وَحَافِظُهُمْ وَالْوَلايةُ فِي الشَّرِيعَةِ: إِيجَابُ التَّرَحمِ وَالاسْتِغْفَارِ
لِلْمُسْلِمِينَ.
مَسْأَلَة: الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْوَلايَةِ نَ مِنَ الْقُرْآنِ وَمِنَ السُّنَّةِ وَإِجْمَاعٌ مِنْ أَهْل الإِيمَانِ: أَمَّا الْقُرْآنُ: فَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَالْمُؤْمِنِينَ
والْمُؤْمِنَتِ (2)، وَمَعْنَى الاسْتِغْفَارِ: طَلَبُ الْغُفْرَانِ بِصِحَّةِ الإِرَادَةِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَقَوْلُ النَّبِي لابْنِ مَسْعُودٍ: "يَا ابْنَ مَسْعُودٍ، أَيُّ عُرَى الإِسْلامِ أَوْثَقُ؟ قَالَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: الْوَلايَةُ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ (3)، وَكَذَلِكَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمُ اللهُ الْوَلايَةُ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ هِيَ حَقِيقَةُ
الإِيمَانِ، فَمَنْ لَمْ يَدِنْ بِهَا فَلَا دِينَ لَهُ وَلَا وَلَايَةً لَهُ عِنْدَهُمْ.
(1) الْبَقَرَة: 257.
(2) مُحَمَّد: 19.
(3) [رواه الطبراني: المعجم الكبير، و 11537، والبيهقي: السنن الكبرى، باب شهادة أهل العصبية،
ر 20858]. (1/83)
صفحة 84
At
وَأَمَّا الإِجْمَاعُ: فَلَيْسَ بَيْنَ الأُمَّةِ اخْتِلَافُ فِي وَلَآيَةِ الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا الاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي وَلآيَةِ الأَشْخَاصِ، فَإِنَّ وَلايَةَ الْمُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا كَوْنُهُمْ مَعَهُمْ عَلَى شَرِيعَتِهِمْ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى اللَّهِ، وَقَالَ: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} الآية (2)، فَالْوَلَايَةُ وَالْبَرَاءَةُ تَجِبَانِ مَعًا عَلَى الْمُكَلَّفِ فِي حَالِ الْبُلُوغِ فَهُمَا سَوَاءٌ لَا عُذْرَ لِمَنْ جَهِلَهُمَا، فَكَمَا تَجِبُ الْوَلايَةُ الأَوْلِيَاءِ اللَّهِ كَذَلِكَ تَجِبُ الْبَرَاءَةُ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ بِأَيِّ مَعْصِيَةٍ كَانَتْ مَعَ
الإضرار
(3) عَلَيْهَا. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(1) الْمَائِدَة: 2.
(2) التَّوْبَة: 71.
(3) الإصْرَارُ هُوَ: الإِقَامَةُ عَلَى الذَّنْبِ وَاعْتِقَادُ الْعَوْدَةِ إِلَيْهِ. (1/84)
صفحة 85
الفصل الثاني
فِي وَلَايَةِ جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ
وَهِيَ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ فِي حَالِ الْبُلُوغ، وَهُوَ أَنْ يُوَالِيَ الْمُسْلِمِينَ وَجَمِيعَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ مِنَ الْجِنَّ وَالْإِنْسِ أَجْمَعِينَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ إِلَى أَحَدٍ بِشَخْصِهِ، وَهِيَ فَرْضٌ مُضَيِّقٌ كَمَا قَدَّمْنَا، وَالْعَمَلُ بِهَا تَوْحِيدُ، وَالتَّرْكُ لَهَا وَالْجُحُودُ وَالإِنْكَارُ وَالْجَهْلُ بِأَنَّهَا فَرْضٌ شِرْكٌ؛ لأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَلَّى الْمُطِيعِينَ وَيَبْرَأَ مِنَ الْعَاصِينَ، وَيَجِبُ لَهُمَا فِي كِلْتَا الْمَنْزِلَتَيْنِ مَا يَجِبُ لِنَفْسِهِ)، لأَنَّهُ إِذَا تَفَكَّرَ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُطِيعِ لَهُ مَنْ لَا يُوَالِي وَلِيَّهُ وَيُعَادِي عَدُوَّهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ)، فَلَا قُرْبَ إِلا بِالتَّقْوَى، وَلَا بعْدَ مِنَ النَّارِ إِلَّا بِمُجَانَبَةِ الْهَوَى، وَإِلَّا فَالنَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ سَوَاءٌ.
(1) وَيَجِبُ لَهُمَا أَيْ: يَثْبُتُ لِلْجِنْسَيْنِ فِي كِلْتَا الْمَنْزِلَتَيْنِ أَي فِي حَالَةِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، مَا يَجِبُ
لِنَفْسِهِ أَيْ: مَا يَجِبُ لِنَفْسِهِ. اهـ. المُحشي.
(2) الْحُجُرَات: 13. (1/85)
صفحة 86
الفصل الثالث
فِي وَلايَةِ الأَوْلِيَاءِ الْمَوْصُوفِينَ بِالْعِصْمَةِ وَالاصْطِفَاءِ فِي الْقُرْآنِ
وَهُمْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: جُمْلَةٌ، وَأَفْرَادٌ، ذُكُورٌ، وَإِنَاتٌ.
فَالْجُمْلَهُ كَالأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُل وَأَصْحَابِ الْكَهْفِ وَأَصْحَابِ الْأُخْدُودِ وَالسَّحَرَةِ وَأَمْثَالِهِمْ. وَالأَفْرَادُ نَوْعَانِ: مُسَمَّى كَادَمَ وَأَشْبَاهِهِ، وَغَيْرُ مُسَمًّى كَمُؤْمِنٍ آلِ فِرْعَوْنَ وَأَمْثَالِهِ. وَالنُّكُورُ نَوْعَانِ: أَنْبِيَاءُ، وَأَوْلِيَاءُ وَالإِناتُ نَوْعَانِ: مُسَمَّيَاتٌ كَمَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرَانَ وَأَشْكَالِهَا، وَغَيْرُ مُسَمَّيَاتٍ كَامْرَأَةِ فِرْعَوْنَ وَأَمْثَالِهَا، فَجَمِيعُ مَنْ نَصَّ اللهُ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ فِي كِتَابِهِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مِنْ أَهْلِ الْعِصْمَةِ وَالاصْطِفَاءِ فَوِلَايَتُهُ تَوْحِيدُ وَبَرَاءَتُهُ شِرْكٌ. وَإِنَّمَا تَجِبُ وَلاَ يَتُهُمْ جُمْلَةٌ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ إِلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ بِاسْمِهِ مَا خَلَا آدَمَ وَمُحَمَّدًا، فَإِنَّ مَنْ سُئِلَ عَنْهُمَا لَا يَسَعُهُ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُمَا أَنْبِيَاءُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَقِيلَ: وَجِبْرِيلُ مِثْلُ ذَلِكَ) وَأَمَّا سَائِرُ مَنْ ذَكَرَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ إِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَلاهُمْ وَيَعْلَمَ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا إِنْ قَامَتْ عَلَيْهِ
(1) قَالَ الإِمَامُ أَبُو يَعْقُوبَ الْوَارجَلانِيُّ في الدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ مَا نَصُّهُ: "وَأَمَّا مَعْرِفَهُ جِبْرِيلَ وَآدَمَ قال وَفَرْزُ الْقُرْآنِ مِنَ الْكُتُبِ فَلَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَوْقِيفًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ حُمِلَ ذَلِكَ عَلَى الشُّهْرَةِ وَاللهُ أَعْلَمُ، وَلَمْ يَرِدْ فِي نُبُوءَةِ أَبِينَا آدَمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَلَا فِي رِسَالَتِهِ أَمْرٌ يُقْطَعُ بِهِ الشَّهَادَةُ لَا مُتَوَاتِرًا وَلَا مُسْنَدًا" اهـ. [148/ 3]. (1/86)
صفحة 87
الْحُجَّةُ بِتَسْمِيَةِ أَحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا فَعَلَيْهِ إِمْضَاءُ الْحُكْمِ فِيهِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ مِنَ السَّعَادَةِ وَالْعِصْمَةِ بِالْعِلْمِ الْيَقِينِي الَّذِي لَا يَتَحَوَّلُ، كَمَنْ صَحَّ عِنْدَهُ بِالتَّوَاتُرِ فِي قَوْلِ اللهِ: فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آنَيْنَهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا (1) أَنَّ الْعَبْدَ هُوَ الْخَضِرُ، وَأَنَّ الْفَتَى الْمَذْكُورَ فِي أَوَّلِ الآيَةِ هُوَ يُوشَعُ بْنُ النُّونِ، فَمَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بِتَوَاتُرِ الأَخْبَارِ وَصَحِيح الآثَارِ بِتَسْمِيَةِ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ اعْتَقَدَ عِلْمَ ذَلِكَ يَقِينًا بِمَا صَحَ عِنْدَهُ، فَإِنَّ الشُّهْرَةَ الَّتِي لا تُدْفَعُ تُؤَدِّي إِلَى الْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ الَّذِي لا يَتَحَوَّلُ، وَإِلا فَالاقْتِصَارُ عَلَى ظَاهِرِ الْخِطَابِ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتِ إِلَى إِشَارَةٍ وَلَا تَسْمِيَةٍ مُحْتَمَلَةٍ أَسْلَمُ وَأَوْلَى، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(1) الْكَهْف: 65. (1/87)
صفحة 88
دُ الْأَسْـ
88
الفضيل الرائع
فِي وَلَايَةِ الْبَيْضَةِ
وَهِيَ وَلَآيَةُ الإِمَامِ الْعَادِلِ إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنِ اتَّبَعَهُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا إِنْ ظَهَرَ مِنْ أَحَدٍ مَا يُبْرَأُ بِهِ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ دَارٍ يَكُونُ أَهْلُهَا الْغَالِبُونَ عَلَيْهَا الْقَاهِرُونَ لأَهْلِهَا (1) هُمُ الْعَامِلِينَ بِمَا جَاءَ بهِ التَّنْزِيلُ الْمُتَعَبِّدِينَ بِمَا شَرَعَهُ الرَّسُولُ، النَّاهِينَ بِمَا نَهَى عَنْهُ الشَّرْعُ وَالْعُقُولُ الدَّاعِينَ إِلَى السُّنَّةِ وَالْعَمَلِ بِهَا، الرَّادِّينَ الْبِدْعَةَ عَلَى مَنْ جَاءَ بِهَا، غَيْرَ مُتَجَانِفِينَ لِلْأَقَارِبِ، وَلَا مُتَعَصِّبِينَ عَلَى الأَجَانِبِ، يَتَوَلاهُمُ الإِنْسَانُ وَيُسَمِّيهِمْ أَهْلَ الْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ، وَيَنْسِبُ الدَّارَ إِلَيْهِمْ فَيُسَمِّيهَا دَارَ الْعَدْلِ وَالْحَقِّ، فَكُلُّ مَنْ رَأَىهُ مِنْهُمْ فِي زِيٌّ أَهْلِهَا فَلْيَحْكُمْ عَلَيْهِ بِحُكْمِهِمْ إِلَّا إِنْ ظَهَرَ مِنْهُ خِلافُهُمْ، وَنَحْو مِنْ هَذَا ذُكِرَ فِي جَوَابَاتِ الإِمَامِ أَفْلَحَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ (3) يَقُولُ: "إِذَا كَانَ إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ عَدْلاً فَكُلُّ مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ طَاعَتُهُ وَرَضِي بِحُكْمِهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ خِلافُ لِلْمُسْلِمِينَ فَهُوَ عِنْدَهُمْ فِي حُكْمِهِمْ مِنَ الْوَلَايَةِ، تَوَلَّوْنَهُ بِعَيْنِهِ وَيَتَوَلَّوْنَ جَمِيعَ مَنْ فِي الْبَيْضَةِ جُمْلَةٌ وَقَصْدًا"، وقَالَ: "وَإِنَّمَا الْوَلايَةُ بِهَذَا الْمَعْنَى حُكْمُ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا تَعَبَّدَ اللَّهُ بِذَلِكَ عِبَادَهُ عَلَى عِلْمِهِمْ بِمَا ظَهَرَ لَهُمْ مِنَ النَّاسِ دُونَ مَا غَابَ عَنْهُمْ، وَلَا مَا انْفَرَدَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ فِي
(1) أَيْ: وَأَنْ يَكُونَ الْقَاهِرُونَ لأَهْلِهَا الْعَامِلِينَ إِلخ.
(2) هُوَ ثَالِثُ أَئِمَّةِ الدَّوْلَةِ الرُّسْتُمِيَّةِ. (1/88)
صفحة 89
قواعد الإس
عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا هَذِهِ الْوَلايَةُ حَبْلٌ تَمَسَّكَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ فَيُؤْجَرُونَ عَلَيْهَا كَنَحْوِ مَا جَرَتْ بِهِ أَحْكَامُ الْمُوَارَثَةِ وَالْمُنَاكَحَةِ وَالذَّبَائِحِ، وَتُتْبَتُ بِهِ الأَنْسَابُ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ؛ لأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُسَهِّلُ لَأَوْلِيَائِهِ طُرُقَ مَا تَعَبَّدُوا بِهِ فِي أَحْكَامِهِمْ، وَحَطَّ عَنْهُمْ مَا عَجَزَتْ عَنْ إِدْرَاكِهِ طَبَائِعُهُمْ (1).
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي وَلايَةِ الْبَيْضَةِ: لاَ نَتَوَلَّى إِلَّا مَنْ عَرَفْنَاهُ بِخَيْرٍ مِنْ قَوْلٍ وَعَمَل، وَالْمَشْهُورُ هُوَ الْقَوْلُ الأَوَّلُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَتِهِ قَوْلُ عُمَرَ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ عُدُولٌ إِلا مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ، أَوْ ظِنِينًا فِي وَلَاءٍ أَوْ سَب (2)، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ بِظُهُورِ الإِسْلَامِ؛ لأَنَّهَا فَرْغٌ عَنْهُ وَنَتِيجَةٌ لَهُ، فَلَمَّا فَشَتِ الْخِيَانَةُ فِيهِمْ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ وَزَالَتِ الْأَمَانَةُ أَحْدَثَ لَهُمُ الْمُزَكِّينَ وَاللهُ أَعْلَمُ وَذُكِرَ فِي بَعْضٍ كُتُبِ أَصْحَابِنَا مِنْ أَهْل الْمَغْرِبِ أَنَّ الْمُتَوَلِّي بِوَلايَةِ الْبَيْضَةِ لَا يُحْكُمُ بِشَهَادَتِهِ إِذَا شَهِدَ، وَلا يُسْتَتَابُ إِذَا عَمِلَ كَبِيرَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) لم أقف على قوله هذا. (2) الرَّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ: "الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا مَجْلُودًا فِي حَدٌ أَوْ مُجَرَّبًا عَلَيْهِ إلخ ... " [رواه الدارقطني، كتاب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري، ر 15،
والبيهقي، باب لا يحيل حكم القاضي على المقضي له والمقضي عليه ... ، ر 20324]. (1/89)
صفحة 90
الفصل الحامين
فِي وَلايَةِ الْخَارِجَ مِنَ الشِّرْكِ إِلَى الإِسْلَامِ
إذَا أَتمَّ الْجُمْلَةَ وَجَبَتْ وِلايتُهُ وَإِثْبَاتُ التَّوْحِيدِ لَهُ، وَالشَّهَادَةُ عَلَيْهِ بِهَا، وَتَحْرِيمُ مَالِهِ وَدَمِهِ بِالإِثْيَانِ بِهَا، وَإِنَّمَا تَجِبُ لَهُ هَذِهِ الْأُمُورُ مِنَ الْوَلَآيَةِ وَسَائِرِهَا بِالْوَفَاءِ الَّذِي جَاءَ بِهِ، وَهُوَ تَرْكُ الذُّنُوبِ وَاعْتِقَادُ الإِسْلَامِ وَالدُّخُولُ فِيهِ، لَمِنَ القُرْآنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَا قَدْ سَلَفَ} (1)، وَقَوْلِهِ: وَقُولُوا حِطَةٌ تَغْفِرْ لَكُمْ خَطَيْكُمْ} (2) فِي بَعْضِ أَقْوَالِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: احْطُطْ عَنَّا خَطَايَانَا، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الأَوَّلِ. وَمِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُ الرَّسُولِ: الإِسْلامُ جَتْ لِمَا قَبْلَهُ (3)، أَيْ: قَطْعُ لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي فَالْمُسْتَجِيبُ إِلَى الإِسْلامِ خَارِجٌ عَنِ الشِّرْكِ وَجَمِيعِ الْمَعَاصِي، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ حُلُولِ الْفَرْضِ عَلَيْهِ فَهُوَ مُسْلِمٌ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ حَدَثُ أَوْ تَفْرِيطٌ فِي شَيْءٍ مِنَ الْفُرُوضِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمُسْتَجِيبَ الْيَوْمَ عَلَى خِلَافِ الْمُسْتَجِيبِ فِي زَمَانِ
(1) الأنفال: 38.
(2) الْبَقَرَة: 58.
(3) [رَوَاهُ مسلم، باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج، ر 336، وأحمد، ر 17812]. (4) نَعَمْ إِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ وَلَمْ يَصُمْ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ أُقَيْشِ أَنَّهُ آمَنَ، فَلَحِقَ بِجَيْشِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَاتَلَ غَضَبًا لِلهِ وَلِرَسُولِهِ، فَمَاتِ وَدَخَلَ الْجَنَّةَ، وَلَمْ يُصَلِّ لِلهِ صَلاةً [رواه أبو داود، باب فِيمَنْ يُسْلِمُ وَيُقْتَلُ مَكَانَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ر 2539]، وَكَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَهم أَنَّهُ قَالَ لِعَمِّهِ: يَا عَمَّ، هَلُمَّ نُسْلَمَ لِلهِ وَنُؤْمِنْ بِالدِّينِ الْجَدِيدِ؟ فَهَدَّدَهُ عَمُّهُ قَائِلاً لَهُ: لَأَنْزَعَنَّ مِنْكَ كُلَّ مَا أَعْطَيْتُكَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَتَهَدِّدُنِي؟ وَاللَّهِ أَنَظَرَةً مِنْ مُحَمَّدٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا فَتَزَعَ عَنْهُ عَمُّهُ مَا أَعْطَاهُ حَتَّى ثِيَابَهُ، فَأَعْطَتْهُ أُمُّهُ بِجَادًا (كِسَاءٌ)، ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى (1/90)
صفحة 91
الرَّسُولِ وَالْخُلَفَاءِ، أَرَادَ أَنَّهُ لا يُتَوَلَّى حَتَّى يَدِينَ بِالْبَرَاءَةِ مِنَ الْجَبَابِرَةِ، وَإِلَّا فَهُوَ كَوَاحِدٍ مِنْ أَهْل الْقِبْلَةِ، فَنُمْسِكُ عَنْ وِلايَتِهِ حَتَّى يَبْرَأَ مِنَ الْجَبَابِرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَسَوَاءٌ دَعَاهُ إِلَى الإِسْلامِ مُوَافِقٌ أَوْ مُخَالِفٌ فَإِنَّهُ يُتَوَلَّى مَا لَمْ يُشَرِّعْ لَهُ الْمُخَالِفُ ضَلالَتَهُ فَيَتَّبِعَهُ عَلَيْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فَأَعْلَنَ إِسْلامَهُ وَغَزَا مَعَهُ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَأَنْزَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي قَبْرِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ وَقَفَ عَلَيْهِ يَقُولُ: "اللَهُمْ إِنِّي أَمْسَيْتُ رَاضِبًا عَنْ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ فَارْضَ عَنْهُ، ثُمَّ صَاحَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَائِلاً: لَيْتَنِي كُنْتُ صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ" [لم أجد من خرجه، ذكر العيني: عمدة القاري، 324/ 20، والسالمي: شرح الجامع الصحيح، 348/ 3].
(1) فِي هَذَا الْقَوْلِ تَشْدِيدٌ أَي تَشَدُّدٌ؛ لأَنَّ الاسْتِجَابَةَ بَرَاءَةٌ ضِمْنِيَّةٌ مِنْ أُولَئِكَ الْجَبَابِرَةِ، وَمَا أَحْوَجَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى تَسْهِيلِ طَرِيقِ الاسْتِجَابَةِ لَا سِيَّمَا فِي عَصْرِنَا الَّذِي غَزَتْ فِيهِ الْإِسْلَامَ النَّزَعَاتُ الْبَاطِلَةُ، فَكَثَرَةُ الْقُبُودِ وَالشَّرُوطِ رُبَّمَا كَانَتْ حَجَرَ عَشْرَةٍ فِي سَبِيلِ الاسْتِجَابَةِ، وَالتَّيْسِيرُ أَوْلَى، وَلَا يَصْلُحُ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلَّا بِمَا صَلُحَ بِهِ أَوَّلُهَا. قَالَ أَبُو الْمُؤَثْرِ وَأَبُو قَحْطَانَ مِنْ أَئِمَّةِ عُلَمَاءِ عُمَانَ مَا نَصُّهُ: "إِنَّ الْبَرَاءَةَ مِنَ الأَشْخَاصِ لَيْسَتْ مِثْلَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ لَأَزِمَةٌ فَإِنَّمَا تَلْزَمُ مَنْ وَصَلَّ إِلَى عِلْمٍ ذَلِكَ بِنَظَرِ نَفْسِهِ، أَمَّا مَنْ وَصَلَ إِلَيْهِ بِنَظَرِ غَيْرِهِ فَلَا تَلْزَمُهُ بِإِجْمَاعِ، وَيَكْفِي أَنْ نَعْتَقِدَ أَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ الضَّلَالِ، فَقَدْ بُعِثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَالنَّاسُ فِي جَاهِلِيَّةٌ عَمْيَاءَ، فَلَمْ يَكُنْ يَدْعُوهُم إِلا إِلَى الشَّهَادَتَيْنِ، ثُمَّ يُعَلِّمُهُمْ شَرَائِعَ الإِسْلامِ، وَكَانُوا قَبْلَ ظُهُورِهِ يَتَوَلَّوْنَ آبَاءَهُمْ وَطَوَاغِيتَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ يُلْزِمُهُمْ أَنْ يَبْرَءُوا مِنْهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَإِنَّمَا يَكْتَفِي مِنْهُمْ بِقَبُولِ الإِسْلَامِ وَالدَّخُولِ فِي شَرَائِطِهِ، وَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ الْبَرَاءَةَ مِنْ أَضْدَادِهِ" اهـ مُصَححه. (1/91)
صفحة 92
92
الفطين السادين
في ولاية الخارج مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ الْخِلافِ إِلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْوِفَاقِ
إِذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ وِلَايَتِهِ الْخِلافُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ
وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: مُتَدَيِّنُ وَغَيْرُ مُتَدَيِّنِ، أَمَّا الْمُتَدَيِّنُ: الَّذِي دَانَ بِبِدْعَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يُتَوَلَّى حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ مَقَالَتِهِ إِلَى مَقَالَةِ الْمُسْلِمِينَ قَصْدًا كَمَا جَرَى لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ الْمَدَنِي (1) حِينَ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِمَعْذِرَةِ مَنْ جَهِلَ مُحَمَّدًا، أَوْ جَهِلَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَالثَّوَابَ وَالْعِقَابَ وَالْبَعْثَ وَتَحْرِيمَ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَالُوا: إِنَّ مُفْتِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كَافِرُ، فَالْتَقَى ابْنُ عَبَّادٍ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْبُوبِ اللَّهُ بِمَكَّةَ (2) فَنَقَضَ عَلَيْهِ
(1) الْمَشْهُورُ بِابْنِ عَبَّادٍ اثْنَانِ [هُمَا]: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّادٍ الْمِصْرِيُّ الْفَقِيهُ (وَسَيَأْتِي التَّعْرِيفُ بِهِ)، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ الْمُتَكَلِّمُ الَّذِي ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ قِصَّتَهُ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْبُوبِ بِمَكَّةَ، كِلَاهُمَا إِبَاضِيٌّ، وَعَاشَا في عَصْرٍ وَاحِدٍ لِذَلِكَ كَثِيرًا مَا يَلْتَبِسُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، فَانْتَبِهْ! اهـ مُصَححه. (2) مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبِ هُوَ كَهْفٌ مِنْ كُهُوفِ الْعِلْمِ وَأَحَدٌ مُجْتَهِدِي الْأُمَّةِ، انْتَهَتْ إِلَيْهِ إِمَامَةُ الإِبَاضِيَّةِ الْعِلْمِيَّةُ فِي أَيَّامِهِ بِالْمَشْرِقِ ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى عُمَانَ، فَتَصَدَّى لِنَشْرِ الْعِلْمِ تَحْرِيرًا أَوْ تَقْرِيرًا وَقَضَاءً، وَحَسْبُهُ أَنَّهُ تَرَكَ لَنَا كِتَابَهُ الْجَامِعَ فِي سَبْعِينَ جُزْءًا، وَقَدْ لَعِبَ فَوْقَ ذَلِكَ دَوْرًا مُهِمَّا فِي إِقْرَارِ الإِمَامَةِ بِعُمَانَ، وَكَانَ إِمَامَ أَهْلِ الْحَل وَالْعَقْدِ الَّذِينَ نَصَّبُوا الصَّلْتَ بْنَ مَالِكِ الْحَروَصِيَّ إِمَامًا (238 - (1/92)
صفحة 93
ـد الإس
ابْنُ مَحْبُوبِ هَذِهِ الْمَسَائِلَ وَعَرَّفَهُ الْحَقَّ وَدَعَاهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّادٍ: تُبْتُ مِنْ جَمِيع الْخَطَةٍ، فَقَالَ لَهُ مَنْ حَضَرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّكَ مُتَدَيِّنٌ لَا يُجْزِئُكَ ذَلِكَ حَتَّى تَعُدَّهَا وَتَتُوبَ مِنَ اعْتِقَادِكَ فِيهَا كُلِّهَا، وَتُقِرَّ بِالْخَطَاً فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ، فَخَافَ مِنَ الْبَرَاءَةِ فَصَارَ كَالْجَمَلِ الْمُحْرَنْجِمِ إِنْ تَقَدَّمَ نُحِرَ، وَإِنْ تَأَخَّرَ عُقِرَ، فَلَمَّا رَأَىهُ ابْنُ مَحْبُوبٍ كَذَلِكَ قَالَ لَهُ: الْمُعْتَرِفُ بِذَنْبِهِ الرَّاجِعُ عَنْهُ لاَ يَبْرَأُ مِنْهُ فِي قَوْلِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ فتَابَ ورجع إلى مقالةِ الْمُسْلِمِينَ. وَإِنْ كَانَ الْمُبْتَدِعُ دَعَا إِلَى بِدْعَتِهِ فَاسْتُجِيبَ لَهُ فَأَرَادَ التَّوْبَةَ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى مَنْ دَعَاهُ، لِيُعَرِّفَهُ أَنَّ الَّذِي دَعَاهُ إِلَيْهِ ضَلَالٌ، وَأَنَّهُ تَابَ إِلَى اللهِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ غَابُوا وَكَانُوا بِحَيْثُ يَعْرِفُ أَثَرَهُمْ وَصَلَ إِلَيْهِمْ وَعَرَّفَهُمْ تَوْبَتَهُ، وَرَدَّهُمْ عَنْ ضَلَالِهِمْ، فَإِنْ قَبِلُوا فَسَبِيلُ ذَلِكَ كَالَّذِي جَرَى لِهِلَالِ بْنِ عَطِيَّة)، وَكَانَ عَلَى دِينِ الصُّفْرِيَّةِ فِيمَا بَلَغَنَا، وَتَابَ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ حَتَّى خَرَجَ إِلَى الْقَوْمِ وَعَرَّفَهُمْ ضَلالَتَهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عُمَانَ فَقَبِلُوا مِنْهُ، فَكَانَ مَعَ الْجُلَنْدَى بْنِ مَسْعُودٍ الإِمَامِ اللَّهُ حَتَّى قُتِلَ مَعَهُ شَهِيدًا.
(2)
+
272 هـ)، وَتُوُفِّيَ وَهُوَ لا يَزَالُ عَلَى الْقَضَاءِ بِصِحَارَ يَوْمَ 3 الْمُحَرَّمِ سَنَةَ 260 هـ له وَرَضِيَ عَنْهُ.
اهـ مُصَححه
(1) هُوَ هِلَالُ بْنُ عَطِيَّةَ الْخُرَاسَانِيُّ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلامِ الأَعْلامِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ الْمُتَخَرِّجِينَ مِنْ مَدْرَسَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ بِالْبَصْرَةِ، عَاشَرَ الرَّبِيعَ صَاحِبَ الجَامِعِ الصَّحِيحَ فِي الْحَدِيثِ، وَمُحَمَّدَ بْنَ مَحْبُوبِ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَاب الْجُلَنْدَى بن مَسْعُودٍ، بَايَعَهُ وَقَاتَلَ فِي صُفُوفِهِ حَتَّى اسْتُشْهِدَ مَعَهُ فِي حَرْبِ خَازِمِ بْنِ خُزَيْمَةَ الْخَرَاسَانِي قَائِدِ السَّفّاح سَنَةَ 134 هـ يُرْوَى أَنَّهُ لَمَّا قَتَلَ خَازِمٌ جَمِيعَ أَصْحَابِ الْجُلَنَّدَى، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا هُوَ وَهِلاَلٌ قَالَ الْجُلَنْدَى لِهلال: احْمِلْ يَا هِلَالُ، فَقَالَ هِلال: أَنْتَ إِمَامِي فَكُنْ أَمَامِي، وَلَكَ عَلَيَّ أَنْ لَا أَبْقَى بَعْدَكَ، فَتَقَدَّمَ الْجُلْدَى فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ عَلَكَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ هِلَال وَعَلَيْهِ لَآمَةٌ حَرْبِهِ، فَكَانَ أَصْحَابُ خَازِمٍ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ ثِقَتِهِ وَهُمْ لَمْ يَعْرِفُوهُ، ثُمَّ. فَقَالُوا: هِلَالُ بْنُ عَطِيَّةَ، فَاحْتَمَلُوهُ حَتَّى قَتَلُوهُ. اهـ مُصَححه (2) الإِمَامُ الْجُلَندَى بْنُ مَسْعُودٍ أَوَّلُ إِمَامٍ فِي عُمَانَ، وَإِمَامَتُهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا مِنْ عُلَمَاءِ عَصْرِهِ، كَانَ فِي أَيَّامِهِ حَاجِبٌ وَالرَّبِيعُ فِي الْعِرَاقِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْقَاسِمِ وَهِلَالُ بْنُ عَطِيَّةَ وَخَلَفُ بْنُ زِيَادٍ الْبَحْرَانِي وَشَبِيبُ بْنُ عَطِيَّةَ العُمَانِيُّ وَمُوسَى بْنُ أَبِي جَابِرٍ الأَذْكَوِيٌّ، وَبَشِيرُ بْنُ الْمُنْذِرِ النَّزَوَانِيُّ وَمُنير النَّيرِ الْجَعْلانِيُّ، وَكُلُّهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ وَمِنْ أَهْلَ الْحِلَ وَالْعَقْدِ، كَانَ فِي الفَضْلِ وَالسَّيَاسَةِ وَالْقِيَـ بِالْحَقِّ بِمَنْزِلَةٍ أَتعَبَتِ الأَئِمَّةَ مِنْ بَعْدِهِ. وَقَدْ ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ سِيرَتِهِ مُنِيرُ بْنُ النَّيِّرِ الْجَعْلانِيُّ. (1/93)
صفحة 94
وَأَمَّا غَيْرُ الْمُتَدَي ـنِ: فَإِنَّهُ إِذَا تَابَ وَرَجَعَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ،
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ دُخُولِهِ فِي مَذْهَبِ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ وَجَدْتُ فِي أَثَرِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ مَنْ يَقُولُ: وَعَنْ رَجُلٍ قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: أَنَا مِنْكُمْ، وَلِي وَلِيُّكُمْ، وَعَدُوِّي عَدُوُّكُمْ، وَلا يَعْرِفُ شَرِيعَةُ الإِسْلامِ، قَالَ: إِذَا أَعْطَاهُمُ الْجُمْلَةَ الَّتِي لا يَسَعُ النَّاسَ جَهْلُهَا فَهُوَ مِنْهُمْ. وَوَجَدْتُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَحْبُوبِ بْنِ الرحيل (3) يَقُولُ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ دَعَوْا بِسْطَامَ أَبَا النَّظَرِ (3) إِلَى دَعْوَتِهِمْ وَكَانَ صُفْرِيَّا، وَكَانَ أَبُو النَّظَرِ يَقُولُ: لَمَّا دَعَوْنِي فَقَالُوا: إِنَّا قَدْ نَدْعُوكَ إِلَى وَلَآيَةِ مَنْ قَدْ عَلِمْتَهُ يَقُولُ بِالْحَقِّ وَيَعْمَلُ بِهِ، وَنَدْعُوكَ إِلَى الْبَرَاءَةِ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتَهُ يَقُولُ بِخِلَافِ الْحَقِّ وَيَعْمَلُ بِهِ، وَنَدْعُوكَ إِلَى الْوُقُوفِ عَمَّا لَمْ تَعْلَمْ حَتَّى تَعْلَمَ. قَالَ: وَذَلِكَ فِي الْكِتْمَانِ. قَالَ أَبُو النَّظَرِ: فَلَمَّا سَمِعْتُ هَذَا مِنْ كَلَامِهِمْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا اسْتُشْهِدَ الْجُلَنْدَى بِحِلْفَارَ وَهِيَ [قريةُ الصّيرِ فِي حَرْبِ خَازِمِ بْنِ خُزَيْمَةَ الْخُرَاسَانِيِّ عَامِلِ السَّفَاحِ سَنَةَ 134 هـ وَكَانَتْ مُدَّهُ إِمَامَتِهِ سَنَتَيْنِ وَأَشْهُرَ. يُحْكَى أَنَّ خَازِمًا هَذَا لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قِيلَ لَهُ: أَبْشِرْ، فَقَدْ فُتِحَ عَلَى يَدَيْكَ، فَقَالَ: غَرَّرْتُمُونَا فِي الْحَيَاةِ، وَتُغَرُرُونَا فِي الْمَمَاتِ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ فَكَيْفَ بِقَتْلِ الشَّيْخِ الْعُمَانِيِّ. هَذَا وَبَعْدَ أَنِ اسْتُشْهِدَ الْجُلَنْدَى اسْتَوْلَى الْجَبَابِرَةُ عَلَى عُمَانَ، وَلَمْ تَنْتَعِشْ مِنْ عَشْرَتِهَا إِلَّا بَعْدَ مَقْدِم حَمَلَةِ الْعِلْمِ مِنَ الْبَصْرَةِ، فَأَعَادُوا عَهْدَ الإِمَامَةِ، وَتَنَفَّسَ الصَّعَدَاءَ شَعْبُ عُمَانَ الَّذِي لَا تَحْلُو لَهُ الْحَيَاةُ إِلَّا فِي حَفْلِ الدِّينِ، وَلَا يَهْنَأُ لَهُ عَيْشُ إِلَّا تَحْتَ ظِلالِ الْعَدْلِ وَالنِّظَامِ. اهـ مُصَححه.
(1) الأولى: وَلِيُّكُمْ وَلِنِّي، وَعَدُوكُمْ عَدُوِّي. (2) هُوَ أَبُو سُفْيَانَ مَحْبُوبُ بْنُ الرَّحِيل تَابِعِي جَلِيلٌ وَمُحَدِّثْ ثِقَةٌ، لِذَلِكَ نَجِدُ الإِمَامَ أَبَا يَعْقُوبَ مُرَتِّبَ مُسْتَدِ الرّبيع يَضُمُّ إِلَيْهِ رِوَايَاتِ.، عَنِ الرَّبِيعِ، وَهُوَ إِلَى ذَلِكَ أَبُ أُسرَةٍ عَرِيقَةٍ فِي وَالتَّقْوَى، حَسْبُكَ أَنَّهُ هُوَ وَابْنَهُ مُحَمَّدَ بْنَ. وَحَفِيدَهُ بَشِيرَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْبُوبِ مِنْ أَعْلَامٍ الإِسْلَامِ الَّذِينَ بَلَغُوا دَرَجَةَ الاجْتِهَادِ، وَتَرَكُوا فِي الْمَكْتَبَةِ الإِسْلامِيَّةِ آثَارًا خَالِدَةً لَا سِيمَا الْحَفِيدَ، فَقَدْ تَرَكَ مُؤَلَّفَاتٍ جَلِيلَةً مِنْهَا كِتَابُهُ الْمَشْهُورُ الْخِزَانَةُ فِي سَبْعِينَ جُزْءًا وَكِتَابُ الْبُسْتَانِ فِي
الأُصُولِ، وَكِتَابُ الرَّضْفِ فِي التَّوْحِيدِ، وَحُدُوثِ الْعَالَمِ، وَكِتَابُ الْمُحَارَبَةِ، إِلَى كَثِيرٍ غَيْرَهَا. (3) هُوَ أَبُو النَّظَرِ بِسْطَامُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْمُسَيِّبِ بْنِ زُهَيْرِ الضَّبِّي مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ يَحْضُرُ مَجَالِسَ الدَّعْوَةِ وَأَوَّلَ مَنْ يَتَكَلَّمُ فِيهَا، وَكَانَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ صَفْرِيَّا مِنْ أَصْحَابِ شَبِيبٍ، فَفَرَّ مِنَ الْحَجَّاجِ وَنَزَلَ الْبَصْرَةَ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: نَزَلَ عِندَنَا فِي دَارِنَا فِي الأَزْدِ، وَكَانَ اسْمُهُ مصقلَةٌ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ بِسْطَامٌ إِلَخ، فَدَعَاهُ الْمُسْلِمُونَ فَأَجَابَ، قَالُوا لَهُ حِينَ دَعَوْهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ: نَدْعُوكَ إِلَى وِلايَةِ مَنْ عَلِمْتَ ... إلخ. وَقَدْ عَدَّهُ السَّمَاخِيُّ فِي طَبَقَةِ الرَّبِيعِ مِنْ أَهْلِ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ، أَي فِي الْخَمْسِينَ الْأُولَى لِلْقَرْنِ الثَّانِي، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ. اهـ مصححه. (1/94)
صفحة 95
دِينُ اللَّهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ قَالَ: فَقَبِلَ الإِسْلامَ وَكَانَ خَيْرًا فَاضِلاً، لَهُ فَضْلُ فِي
الإِسْلامِ وَشَرَفٌ.
وَالْمُبْتَدِعُ الَّذِي أَضَلَّ بِدْعَتِهِ الْخَلَقَ وَكَانَ مُتَدَيَّنَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُظْهِرَ تَوْبَتَهُ وَيَدْعُو إِلَيْهَا كَمَا أَظْهَرَ بِدْعَتَهُ وَدَعَا إِلَيْهَا كَالَّذِي جَرَى لِعَائِشَةَ يَوْمَ الْجَمَلِ وَقُتِلَ مَعَهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَلَمْ يُلْزِمُوهَا إِلَّا إِظْهَارَ التَّوْبَةِ، وَكَذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَخَلَفُ بْنُ السَّمْحِ (1) لَوْ رَجَعَا عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ لَمْ يَلْزَمُهُمَا إِلَّا إِظْهَارُ التَّوْبَةِ مِنْ غَيْرِ غُرْمٍ شَيْءٍ أَتْلَفَاهُ؛ لأَنَّهُمَا مُتَدَيَّنَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) خَلَفٌ
(1)
السَّمْح هُوَ أَحَدُ رِجَالاتِ نفُوسَةَ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي الَّذِينَ كَانَتْ تَدَّخِرُهُمْ لِيَوْمٍ كَرِيهَةٍ
وَسَدَادِ تَغْرِ لَوْلا أَن عَنِ الْجَادَّةِ وَمُفَارَقَتْهُ الْجَمَاعَةَ. كَانَ أَبُوهُ السَمْعَ وَجَدهُ عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ السَّمْحِ الْمَعَافِرِيُّ، كِلَاهُمَا عَظِيمٌ فِي أُمَّتِهِ، مَحْبُوبٌ وَمَرْضِيٌّ عَنْهُ لِعَدْلِهِ وَحُسْنٍ سِيرَتِهِ، كَانَ الْأَوَّلُ عَامِلاً عَادِلاً لِلإِمَامٍ عَبْدِ الْوَهَّابِ الرُّسْتُمِي عَلَى جَبَلٍ نَفُوسَةَ، وَكَانَ الثَّانِي أَحَدَ حَمَلَةِ الْعِلْمِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ إِلَى الْمَغْرِبِ وَمُؤَسَّسَا لِدَوْلَتِي طَرَابُلْسَ وَالْقَيْرَوَانِ، كِلاهُمَا يَحْفَظُ لَهُ التَّارِيحُ ذِكْرًا جَمِيلًا عَلَى صَفَحَاتِهِ، وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (القصص: 60، والشورى: (36)، فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمَا خَلْفٌ هَدَمَ مَا أَعْلَيَا مِنْ مَجْدٍ وَأَفْسَدَ مَا أَنْهَجَا مِنْ صَلَاحٍ وَحُسْنِ سِيرَةٍ، وَسَيَّرَ الرُّكْبَانَ بِسُوءِ الْقَالَةِ بَعْدَ ذَلِكَ الذَّكْرِ الْحَمِيدِ، تَوَلَّى اللَّهُ جَزَاءَهُ. لَمَّا مَاتَ أَبُوهُ رَأَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعَامَّةِ أَنْ أَحْسَنَ مُكَافَأَةٍ لَآلِ السَّمْحِ أَنْ يُقَدِّمُوا وَلَدَهُ بَعْدَهُ اعْتِرَافًا بِجَمِيلِهِ وَزَيَّنُوا لَهُ ذَلِكَ، فَبَدَلَ أَنْ يَتَرَيَّتَ وَيَنتَظِرَ أَمْرَ إِمَامِهِ وَثَبَ عَلَى الْمَنْصِبِ، فَاسْتَاءَ أُولُوا الْحِلَّ وَالْعَقْدِ مِنْ هَذَا التَّهَافْتِ وَأَبَوْا أَنْ تَكُونَ قِيَادَةُ الْمُسْلِمِينَ فَوْضَى فَعَارَضُوا أَمْرَهُ إِلَى أَنْ يَأْذَنَ الْإِمَامُ لَهُ أَوْ يُعَيِّنَ غَيْرَهُ، فَكَاتَبُوا بِذَلِكَ الإِمَامَ الَّذِي عَالَجَ الْمَوْقِفَ بِحِكْمَةٍ وَدَهَاءِ، أَجَابَ بِكِتَابَيْنِ قَائِلاً: أَبْلِغُوا خَلَفًا الْكِتَابَ الأَوَّلَ الَّذِي يَتَضَمَّنُ عَزَّلَهُ، فَإِنِ اعْتَزَلَ انْقِيَادًا لأَمْرِ الإِمَامِ فَأَعْطُوهُ الْكِتَابَ النَّانِي الَّذِي فِيهِ تَوْلِيَتُهُ، وَبِذَلِكَ يَسْتَبِينُ حَقِيقَةُ أَمْرِهِ، وَفِعْلاً لَمَّا اطَّلَعَ خَلَفٌ عَلَى الْكِتَابِ الأَوَّلِ كَانَ قَدِ اسْتَلَذَّ. طعم الرِّئَاسَةِ، فَأَبَى النُّزُولَ عَلَى حُكْمِ إِمَامِهِ، بَلْ أَبْعَدَ فِي النَّزْعِ، فَدَعَا إِلَى فَضْلِ جَبَل نِفُوسَةَ عَنْ تهَرْ بِدَعْوَى بُعْدِ الْمَسَافَةِ وَاعْتِرَاضٍ دَوْلَةِ الأَغَالِبَةِ بَيْنَهُمَا إِزَاءَ هَذَا التَّمَرُّدِ وَجَبَ عَلَى الإِمَامِ بِكُلِّ سُرْعَةٍ حَاكِما قَوِيًّا يُرْهَبُ جَانِبُهُ، فَاخْتَارَ الْبَطَلَ الصَّدِيدَ فَارِسَ الْمَغْرِبِ أَيُّوبَ بْنَ الْعَبَّاسِ، فَمَا أَنْ سَمِعَ بِهِ خَلَفَ حَتَّى فَبَعَ فِي جُحْرِهِ وَأَخْلَدَ إِلَى السُّكُونِ، أَمَّا أَيُّوبُ فَأَخَذَ زِمَامَ الى مَ الأُمُورِ بِيَدِ مِنْ حَدِيدٍ، فَظَلَّتْ فِتْنَةٌ خَلَفٍ نَائِمَةٌ مُدَّةَ وَلَايَتِهِ حَتَّى إِذَا مَا مَاتَ وَخَلَفَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ الْجَناوِنِيُّ نَجَمَ قَرْنُهُ مِنْ جَدِيدٍ، وَشَجَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٍ:
يُعين
1 - اسْتِضْعَافُهُ لِجَانِبِ أَبِي عُبَيْدَةَ. 2 - اقْتِطَاعُهُ نَاحِيَةً مِنْ جَبَلٍ نِفُوسَةَ اتَّخَذَهَا مِنْطَقَةٍ نُفُوذِهِ. 3 - حَصْبُ نَاحِيَتِهِ فِي بَعْضِ السَّنِينَ وَجَدبُ نَاحِيَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَانْتِقَالَ أَصْحَابِ الْمَاشِيَةِ وَأَهْلِ الْبَادِيَةِ إِلَيْهَا طَلَبَا لِرَخَاءِ الْأَسْعَارِ وَجَوْدَةِ الْمَرْعَى، فَكَثَرَ بِذَلِكَ أَتْبَاعُهُ وَقَوِيَ جُندُهُ، وَأُعْجِبَ بِذَلِكَ حَتَّى حَدَّثَ نَفْسَهُ بِالْهُجُومِ عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ والاستيلاء على ما بيده، وضَمَّ الجبل كلَّه إليه، فأطلق أيدي أتباعه يشئُون (1/95)
صفحة 96
قواعد الإس
الغاراتِ عَلَى النَّوَاحِي التَّابِعَةِ لِحُكْمِ الإِمَامِ، يَنْهَبُونَ وَيَسْلُبُونَ وَأَحْيَانًا يَقْتُلُونَ، فَرَاجَعَ أَبُو عُبَيْدَةَ الإِمَامَ عَبْدَ الْوَهَّابِ، فَكَانَ يَأْمُرُهُ - وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ أَفَلَحُ بَعْدَهُ - بِمُسَايَرَةِ خَلَفٍ وَاسْتِعْمَالِ كُلِّ سِيَاسَةِ تُوَطْدُ الأمَنَ وَتَحْفَنُ الدَّمَاءَ وَتَسُدُّ أَبْوَابَ الْحَرْبِ، فَلَمْ يَزْدَدْ إِزَاءُ هَذَا اللَّينِ إِلَّا عُتُوا وَاسْتِكْبَارًا. إِزَاءَ هَذِهِ الْحَالَةِ الَّتِي تَأْبَاهَا الشَّهَامَةُ، عِيلَ صَبْرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَاسْتَبَكَ مَعَهُ فِي مَعَارِكَ دَامِيَةٍ، كَانَتِ الْحَرَّبُ بَيْنَهُمَا سِجَالاً إِلَّا الأَخِيرَة فَقَدْ دَارَتْ دَائِرَتُهَا عَلَى خَلَفٍ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ 221 ه، فَعَادَ إِلَى (تيمِي) تَيْمَتي كَمَا ذُكَرَهَا الدّرْجِينِيُّ مَرْكَزِ قِيَادَتِهِ - وَمِنْ نَحْسٍ طَالِعِهِ أَنَّهُ أَمَرَ بِإِخْرَاجِ مَنْ فِيهَا مِنْ نِفُوسَةَ مِمَّنْ يَمِيلُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ، وَضَرَبَ لَهُمْ أَجَلَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، فَارْتَحَلُوا تَارِكِينَ مَنَازِلَهُمْ
وَأَرْزَاقَهُمْ، وَفِيهِمُ الْيَتَامَى وَالأَرَامِلُ وَالضُّعَفَاءُ وَمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ وَلاَ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الـ وَأَجْلَى مَعَهُمْ كَبِيرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ ظَنَّ فِيهِمُ الْمَيْلَ إِلَى أَبِي عَبَيْدَهُ عِلْطَةُ وَحِقْفَاءُ، فَأَدْرَكُوا أَنْ أَمْرَهُ قَدْ أَدْبَرَ فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ، وَعَادَ كَثِيرٌ مِمَّنْ كَانُوا مَعَهُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ تَائِبِينَ، ثُمَّ أَدْرَكَتْ أَبَا عُبَيْدَةَ مَنِيَّتُهُ، فَخَلَفَهُ الْعَلامَةُ الْعَبَّاسُ بْنُ أَيُّوبَ، وَكَانَ حَازِمًا شُجَاعًا، وَالشَّبْلُ مِنَ ذَاكَ الْأَسَدِ، وَكَانَ قَدِ انْتَعَشَ أَمْرُ خَلَفٍ بَعْضَ انْتِعَاشِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَتَوْلِيَةِ الْعَبَّاسِ فَعَادَ إِلَى فَسَادِهِ، فَنَاصَحَهُ الْعَبَّاسُ وَنَهَاهُ، وَلَمَّا لَمْ يَنْتَهِ نَاصَبَهُ الْحَرْبَ، وَوَالَى عَلَيْهِ الْهُجُومَ إِلَى أَنْ شَتَّتَ أَمْرَهُ وَقَضَى عَلَيْهِ الْقَضَاءَ الْمُبْرَمَ، وَبَقِيَ وَحِيدًا حَتَّى مَاتَ وَتَرَكَ وَلَدًا هَرَبَ إِلَى جِرْبَةً، وَهَكَذَا انْتَهَتْ حَيَاتُهُ عَلَى أَسْوَا حَالَةٍ وَإِنْ ظَلَّ مَعَ ذَلِكَ إِمَامًا لِطَائِفَةٍ مِنَ الإِبَاضِيَّةِ غَيْرِ الْوَهْبِيَّةِ تَنتَسِبُ إِلَيْهِ وَتَحْمِلُ اسْمَ الْخَلَفِيَّةِ)، ظَلَّتْ لَهَا الْكَلِمَةُ فِي بَعْضَ الْأَوْسَاطِ الإِبَاضِيَّةِ أَحْيَالاً، فَمَا كَانَ لِلهِ دَامَ وَاتَّصَلَ، وَمَا كَانَ لِغَيْرِ اللَّهِ انْقَطَعَ وَانْفَصَلَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ. اهـ مُصَححه. (1/96)
صفحة 97
قواعد الإس
الفصيل السابع
فِي وَلَآيَةِ الْمَخْصُوصِ بِاسْمِهِ الْمَعْرُوفِ بِشَخْصِهِ
وَهِيَ فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ، وَيَتَفَرَّعُ عَنْ هَذَا الْفَصْلِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: فِي الأَدِلَّةِ عَلَى فَرْضِ وَلَآيَةِ الأَشْخَاصِ.
وَالثَّانِي: فِي كَيْفِيَّةِ وِلايَتِهِ.
وَالثَّالِثُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ وِلَآيَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ وَغَيْرِهِ.
الْقِسْمُ الأَوَّلُ
في الاستدلالِ عَلَى فَرضِ وَلاية الأشخاص]
أَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى وَلايَةِ الأَشْخَاصِ أَنَّهَا فَرِيضَةٌ فَإِنَّهَا لَمَّا اتَّفَقَتْ عِلَّتُهَا فِي الأَصْلِ وَجَبَ أَنْ يَتَّفِقَ حُكْمُهَا فِي الْفَرْعِ أَيْضًا؛ لأَنَّ الْعِلَّةَ إِنَّمَا هِيَ الْوَفَاءُ فِي كِلاَ الْوَجْهَيْنِ. وَقَالَ بَعْضُ مُخَالِفِينَا: لَيْسَ عَلَيْنَا مِنْ وَلَآيَةِ الأَشْخَاصِ شَيْءٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِلا بِشَرِيطَةِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. قُلْنَا لَهُمْ: وَكَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: وَقَيلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَةٌ) فَلَيْسَ عَلَيْنَا مِنْ قَتْلِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا شَيْءٌ، وَلَمْ نَقْدِرْ عَلَى قَتْلِهِمْ فِي الْجُمْلَةِ، فَمَنْ أَبْطَلَ وَلَايَةَ الأَشْخَاصِ فَقَدْ أَبْطَلَ حُقُوقَ (1) الآيةُ 36 مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ. (1/97)
صفحة 98
98
Judaichisaishishadasladadatalaislasladadadadadadatakatakatakat
الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، وَقَدْ قَالَ: "لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ سِتٌ بِالْمَعْرُوفِ: يُسَلَّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ، وَيَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ، وَيَسْتَجِيبُ لَهُ إِذَا دَعَاهُ، وَيَشْهَدُهُ إِذَا تُوُفِّيَ، وَيُشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ، وَيُحِبُّ لَهُ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ (1)، وقَالَ: اللهُ أَبَا ذَرِّ، يَمْشِي وَحْدَهُ وَيَمُوتُ وَحْدَهُ وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ (2)، وَقَالَ أَيْضًا: "مَنْ أَعْطَى وَمَنَعَ وَأَحَبَّ وَأَبْعَضَ لِلهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ " (3)، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ خزر) أَنَّهُ قَالَ: أَصْلُ الْوَلايَةِ الْمُوَافَقَةُ فِي الشَّرِيعَةِ، فَكُلُّ مَنْ وَافَقْتَهُ فِي
(4)
الشَّرِيعَةِ فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْكَ بَعْضُ وَلايَتِهِ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: "مَنْ رَأَيْنَا فِيهِ خَيْرًا قُلْنَا فِيهِ خَيْرًا وَظَنَنَّا فِيهِ خَيْرًا وَتَوَلَّيْنَاهُ، وَمَنْ رَأَيْنَا فِيهِ شَرًا قُلْنَا فِيهِ شَرًا وَظَنَنَّا فِيهِ شَرًّا وَتَبَرَّ أَنَا مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي
فِي كَيْفِيَّةِ وَلايَتِهِ
وَهِيَ إِضْمَارُ الْحُبِّ لَهُ فِي الْجَنَانِ، وَإِعْلانُ التَّرَحُمِ وَالاسْتِغْفَارِ بِاللَّسَانِ، فَمَتَى مَا ظَهَرَ مِنْ أَحَدٍ الْوَفَاءُ بِدِينِ اللهِ تَعَالَى قَوْلاً وَعَمَلًا فَعَلَى مَنْ شَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ وَلايَتُهُ، وَاعْتِقَادُ الْحُبِّ لَهُ وَالاسْتِغْفَارُ لَهُ، وَتَحْرِيمُ بُغْضِهِ وَشَتْمِهِ وَعِشْهِ وَغِيبَتِهِ
(1) [رواه البخاري، بلفظ: "حق المسلم على المسلم خمس ... "، كتاب الأمر باتباع الجنائز، ر 1183، ومسلم، باب من حق المسلم على المسلم رد السلام، ر 5778، والترمذي، ما جاء في تشميت
العاطس، ر 2736].
،،
(2) [رواه الحاكم المستدرك، كتاب المغازي والسرايا، (4373]. (3) [رواه أبو داود، كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، ر 4679، والترمذي، أبواب صفة القيامة، ر 2642. وَفِي مَعْنَى الْحَدِيثِ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَجِدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ فَلْيُحِبَّ الْمَرْءَ لا
يُحِبُّهُ إِلَّا لِلهِ" رواه أحمد، ر 7954].
(4) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ.
(5) [رواه الربيع، باب جامع الآداب ر 700] (1/98)
صفحة 99
قواعد الإس
6
(Y)11
وَسُوءِ الظَّنِّ بِهِ؛ لأَنَّ الْمُسْلِمَ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَشْتُمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ وَلَا يَحْسَدُهُ وَلَا يَطْعَنُ فِيهِ)، وَفِي حَدِيثٍ: "الأَخَوَانِ كَالْيَدَيْنِ تَغْسِلُ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى" وَالْمُؤْمِنُ كَبِيرٌ بِأَخِيهِ (3)، "وَالْمُسْلِمُونَ كَالْنِّيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا (4)، "وَمَثَلُ
الْمُسْلِمِينَ فِي تَوَادُدِهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ كَالْجَسَدِ إِنِ اشْتَكَى بَعْضُهُ تَدَاعَى سَائِرُهُ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ ()؛ لأَنَّ أَنَفْسَ الْمُسْلِمِينَ فِي حَقِيقَةِ الدِّينِ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ،
(0) 11
(1) ,
وَلِذَلِكَ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ (2)، أَيْ: لَا يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَأَمْثَالُهَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ شَهِدَ مِنَ الإِنْسَانِ الْوَفَاءَ بِدِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يَتَوَلَّهُ فَهُوَ هَالِكٌ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْهُ تَضْيِيعًا أَوْ جَهْلاً، وَكَذَلِكَ إِنْ تَوَلاهُ قَبْلَ أَنْ يُشَاهِدَ مِنْهُ الْوَفَاءَ بِالدِّينِ فَهُوَ هَالِكٌ، وَوَقْتُ وُجُوبِهَا عِنْدَ عِلْمِ الْوَفَاءِ مِنْهُ بِالدِّينِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(1) [لقوله صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ... " رواه البخاري، كتاب المظالم، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه ر 2310، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ر 6743]. (2) رَوَاهُ السُّلَمِيُّ فِي آدَابِ الصُّحْبَةِ [128، 95/ 1]، وَأَبُو مَنصُورٍ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْتَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِلَفْظِ: "مَثَلُ الأَخَوَيْنِ إِذَا الْتَقَيَا مَثَلُ الْيَدَيْنِ تَغْسِلُ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى". وَتَمَامُ الْحَدِيثِ: "وَمَا الْتَقَى الْمُؤْمِنَانِ قَطُّ إِلا أَفَادَ اللَّهُ أَحَدَهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ خَيْرًا" [ذكر فصول في الأمثال،
ر 6411].
(3) [لم أجده بهذا الفلظ، وراه الديلمي، بلفظ: "المرء كثير بأخيه"، ر 6625]. (4) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِ: "الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا ... "، [كتاب المساجد، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، ر 468، ومسلم، كتاب البر والصلة والاداب، باب تراحم المؤمين وتعاطفهم، ر 6750]. (5) [رواه البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، ر 5665، ومسلم، كتاب البر والصلة والاداب، باب تراحم المؤمين وتعاطفهم، ر 6751]. (6) النِّسَاء: 29 (1/99)
صفحة 100
الْقِسْمُ الثَّالِثُ
فِي الْفَرْقِ بَيْنَ وَلَآيَةِ الْمَنْصُوصِ وَغَيْرِهِ
اعْلَمْ أَنَّ وَلايَةَ الْمَنْصُوصِ (1) عَلَى وَجْهَيْنِ: تَكُونُ تَوْحِيدًا وَغَيْرَ تَوْحِيدِ، فَالْمَقْصُودُ مِنَ الْمَعْصُومِينَ وَالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ الأَمِينِ فَوَلَا يَتُهُمَا تَوْحِيدٌ وَتَرْكُ وَلَايَتِهِمَا شِرْكٌ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْجَهْلُ بِهَا أَنَّهَا فَرْضٌ شِرْكٌ أَيْضًا، وَأَمَّا جُحُودُهَا وَإِنْكَارُهَا فَهُوَ كُفْرٌ (2)، وَأَمَّا وَلَايَةُ الْخَاصٌ مِنَ النَّاسِ غَيْرِ الْمَعْصُومِ وَالْمَنْصُوصِ مِمَّنْ تَجِبُ وَلَايَتُهُ بِمَا ظَهَرَ مِنْهُ مِنَ الْوَفَاءِ فِي الدِّينِ بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ فَوَلَايَتُهُ طَاعَةٌ غَيْرُ تَوْحِيدٍ، وَبَرَاءَتُهُ كُفْرٌ غَيْرُ شِرْكِ، وَكَذَلِكَ الإِنْكَارُ لَهَا وَالْجَهْلُ بِهَا وَأَنَّ اللهَ أَوْجَبَ عَلَيْهَا ثَوَابًا كُفْرٌ غَيْرُ شِرْكِ أَيْضًا. وَالْوَلَايَةُ إِنَّمَا تَجِبُ بِالْوَفَاءِ بِجَمِيعِ الْفَرَائِضِ قَوْلاً وَفِعْلَا، وَالانْتِهَاءِ عَنْ جَمِيعِ الْكَبَائِرِ نُطْقًا وَامْتِثَالاً؛ لأَنَّ الْوَلايَةَ لاَ تَنْزِلُ عَلَى كَبِيرَةٍ وَلَا صَغِيرَةٍ مُصَرًّا عَلَيْهَا، كَمَا أَنَّ الْبَرَاءَةَ يَسْتَحِقُهَا الْمُقَارِفُ الْكَبِيرَةَ وَاحِدَةً أَوْ صَغِيرَةً مُصَرًّا عَلَيْهَا؛ لأَنَّهَا ضِدُّ الْوَلايَةِ الَّتِي لَا تَجِبُ إِلَّا بِالْوَفَاءِ بِجَمِيعِ الدِّينِ.
(1) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: (الْمَخْصُوص)، وَالْمَوْصُوفُونَ بِالْعِصْمَةِ هُمُ الْمَعْصُومُونَ مِنَ الْمَوْتِ عَلَى
الكبيرة.
(2) انْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ الْجُحُودَ وَالإنْكَارَ كُفْرًا دُونَ شِرْكِ، وَجَعَلَهُمَا أَنْزَلَ مَرْتَبَةٌ مِنَ الْجَهْلِ مَعَ أَنَّ حُكْمَهُمَا وَاحِدٌ كَمَا تَقَدَّم لَهُ له في ولآيَةِ الْجُمْلَةِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَكَمَا سَيَأْتِي لَهُ بَعْدَ سُطُورٍ أَنَّ الْكُفْرَ أَدْنَى مَرْتَبَةٌ مِنَ الشِّرْكِ، عَلَى أَنَّهُمْ نَضُوا عَلَى تَسَاوِيهِمَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ اهـ الْمُحَشِّي بِتَصَرُّفٍ وَزِيَادَةٍ. (1/100)
صفحة 101
stektaktakatakatakatakielaiskiskiskisktakatakatakatakatakatakatakichte?
قواعـ
الفصل الثامن
في وَلَايَةِ الأَطْفَالِ
اعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِمْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: فَقَالَتِ الْمُرْجِنَّةُ بِوَلَا يَتِهِمْ جَمِيعًا، وَهُوَ مَذْهَبُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِالْوُقُوفِ فِيهِمْ جَمِيعًا، وَهَذَا الْقَوْلُ يُرْوَى عَنِ النُّكَاثِ (1) وَمَنْ
قَالَ بِقَوْلِهِمْ.
(1) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ أَطْفَيَّشُ النَّكَّاتُ وَالنَّكَارُ وَمَسْتَاوَةُ وَالْيَزِيدِيَّةُ أَسْمَاءُ لِفِرْقَةٍ وَاحِدَةٍ خَرَجَتْ مِنَ الإِبَاضِيَّةِ الْوَهِبِيَّةِ، وَخَالَفَتْ فِي مَسَائِلَ، وَإِنَّمَا سُمُّوا نُكَانَا لِنَكْثِهِمْ بَيْعَةَ الإِمَامِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الرُّسْتُمِي، وَيُسَمَّوْنَ النَّجِوِيَّةَ أَيْضًا لِكَثْرَةِ نَجْوَاهُمْ، وَنُكَارًا لإنْكَارِهِمْ لَهَا: وَمَسْتَاوَةً لِبَطْنِ الْبَرْبَرِ، وَيَزِيدِيَّةٌ نِسْبَةٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْفَزَارِيِّ الْكُوفِيُّ، كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ الرَبَيْعِ بْنِ حَبِيبٍ، خَالَفَ فِي مَسَائِلَ قَلَاهُ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ وَهَجَرُوهُ وَمَنْ مَعَهُ، وَلَهُ مَسَائِلُ فِي الْفُرُوعِ يُؤْخَذُ بِهَا. اهـ[أبو إسحاق: كتاب التاريخ (مفقود) انظر: كتاب الوضع هامش ص 71، ط 1 المحققة: 1436 هـ / 2015 م]، عَلَى أَنَّ الشَّيْخَ الشَّمَاخِي الله ذَكَرَ فِي سِيَرِهِ فِرَقَ الإِبَاضِيَّةِ غَيْرِ الْوَهِبِيَّةِ فَقَالَ: "وَجازَ ابْنُ زَرْقُونَ عَلَى رِيصُو فَوَجَدَ فِيهَا أَرْبَعَ فِرَقِ مِنَ الإِبَاضِيةِ 1 - مستاوة: أَتْبَاعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْفَزَارِي. 2 - الْخَلَفِيَّةُ: أَنْبَاعُ خَلَفِ بْنِ السَّمْعِ. 3 - النَّفَائِيَّةُ: أَتْبَاعُ نَفَاثِ بْنِ نَصْرٍ. 4 - أَهْلُ الدَّعْوَةِ، وَذَلِكَ فِي أَيَّامِ أَبِي الْخَطَّابِ وَسَيْلِ بْنِ سَنتَينِ الزَّوَاغِيِّ، كَانَ أَمْرُ الْقَضَاءِ وَالأَحْكَامِ لأَبِي الْخَطَّابِ، وَالْفُتْيَا لِلنَّكَارِ وَهُمْ مَسْتَاوَةُ، وَإِمَامَهُ رَمَضَانَ لِلْخَلِيفَةِ، وَالْأَذَانُ لِلنَّفَائِيَّةِ" السير، 282/ 1]، ثُمَّ زَادَ فِي مَوْضِع آخَرَ مِنْ سِيَرِهِ فَقَالَ: إِنَّ مِنَ الْإِبَاضِيَّةِ غَيْرِ الْوَهِبِيَّةِ الْحُسَيْنِيَّةَ أَتْبَاعَ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الإِبَاضِيِّ، أَخَذُوا فِي الْفِقْهِ بِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبِي الْمُؤَرِّجِ وَحَاتِمِ بْنِ مَنْصُورٍ وَشَعْبِ بْنِ الْمُعَرفِ [السير، 280/ 1] (كُلُّ هَؤُلَاءِ تَلَامِيذُ لِلإِمَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزُمَلاء لِلرَّبِيعِ وَقَعَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرَّبِيعِ خِلَافٌ فِي بَعْضِ مَسَائِلَ صَوَّبَ فِيهَا أَبُو عُبَيْدَةَ قَوْلَ الرَّبِيعِ، (1/101)
صفحة 102
قواع
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الأَطْفَالَ بِمَنْزِلَةِ الآبَاءِ، فَأَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ مُسْلِمُونَ، وَأَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ مُشْرِكُونَ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ الصُّفْرِيَّةِ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَلِكُلِّ فَرِيقِ حُجَّةٌ يَحْتَجُ بِهَا تَرَكْتُهَا مَخَافَةَ التَّطْوِيل.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا وَمَنْ وَافَقَهُمْ بِوَلَايَةِ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَفَّ عَمَّا سِوَاهُمْ حَتَّى يَبْلُغُوا الْحُلُمَ، فَيُوَلَّوْنَ إِذَا ظَهَرَ مِنْهُمُ الْوَفَاءُ أَوْ يُبَتَرأُ مِنْهُمْ إِذَا ظَهَرَتْ مِنْهُمُ
الكبائر
وَاحْتَجُوا بِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَهُمْ ذُرِّيَّهُم بِإِيمَنِ الْحَقْنَا بِهِمْ ذريتهم (1) وَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِوَلَدِهِ: "تَمَامُ رَضَاعِهِ فِي الْجَنَّةِ (2)، وَذَلِكَ أَنَّهُ
مَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا.
وَاحْتَجُوا فِي الْوُقُوفِ عَنْ أَطْفَالِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ وَهَاجَرَهُمْ إِذْ أَصَرُّوا عَلَى نَظَرِيَّتِهِمْ، فَتَظَاهَرُوا بِالرُّضُوخ، لَكِنَّهُمُ الْبَعَثُوا مِنْ جَدِيدٍ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي عُبَيْدَةَ، هَذَا وَلَمْ يَكُنْ خِلافُهُمْ فِي الْعَقِيدَةِ، لَكِنَّهُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ، وَلَهُمْ فِي الْفِقْهِ أَقْوَالٌ يُؤْخَذُ بِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
اهـ مُصَححه.
(1) الطور: 21. (2) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ الْقَاسِمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ خَدِيجَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، دَرَّت لُبَيْنَةُ الْقَاسِمِ، فَلَوْ كَانَ اللهُ أَبْقَاهُ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ رَضَاعَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ إِثْمَامَ رَضَاعِهِ فِي الْجَنَّةِ، قَالَتْ: لَوْ أَعْلَمُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَهَوَّنَ عَلَيَّ أَمْرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنْ شِئْتِ دَعَوْتِ اللهَ تَعَالَى فَأَسْمَعَكِ صَوْتَهُ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُصَدِّقُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. [ابن ماجه، کتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على ابن رسول الله ... ، ر 1512]. وَأَمَّا فِي حَقٌّ وَلَدِهِ إِبْرَاهِيمَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: "إِنَّ لَهُ مُرْضِعاً فِي الْجَنَّةِ، وَلَوْ عَاشَ لَكَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا، وَلَوْ عَاشَ لَعَتَقَتْ أَخْوَالُهُ الْقِبْطَ وَمَا اسْتُرِقَ قِبْطِيِّ" [ر 1511]، لَكِنْ بِلَفْظِ: (إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّةِ). يَدُلُّكَ لِذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ قتيبةَ فِى كِتَاب الْمَعَارِفِ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: (مَكَثَ الْقَاسِمُ سَبْعَ لَيَالٍ ثُمَّ مَاتَ) [أولاد النبي، 30/ 1]، أَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهُ وُلِدَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ مِنْ مَقْدِمِهِ، وَعَاشَ سَنَةٌ وَعَشَرَةَ أَشْهُرٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، فَلْيُتَنبَهُ. اهـ مُصَححه. (1/102)
صفحة 103
(1) 19 -
سُئِلَ عَنْهُمْ فَقَالَ: "اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا صَانِعِينَ" مَسْأَلَةٌ وَتَجُوزُ وَلايَةُ أَطْفَالِ الْمُتَوَلِّي بِأَرْبَعَةِ أَوْجُهِ:
أَحَدُهَا الْمَعْرِفَةُ أَنَّهُمْ وُلِدُوا عَلَى فِرَاشٍ آبائِهِم، والثَّانِي: إِقْرَارُ الأَبِ أَنَّهُ ابْنُهُ إِذَا حَضَرَ، وَقِيلَ: حَتَّى يَكُونَ مَعَهُ أَمِينُ آخَرَ؛ لأَنَّهُ مُدَّعٍ، وَقِيلَ: حَتَّى يَكُونَ مَعَهُ أَمِينَانِ، وَالثَّالِثُ: شَهَادَةُ الأُمَنَاءِ أَنَّ لِفُلانٍ أَوْلاَدًا كَانُوا حُضُورًا أَوْ غِيَابًا، أَحْيَاءٌ كَانُوا أَوْ أَمْوَانًا، وَالرَّابِعُ: شَهَادَةُ أَهْل الْجُمْلَةِ يَثْبُتُ بِهِمُ النَّسَبُ وَيُتَوَلَّى بِهِمُ الْأَطْفَالُ إِذَا حَضَرُوا.
وَعَبِيدُ الْمُتَوَلِّي إِذَا كَانُوا أَطْفَالاً فِيهِمْ قَوْلانِ: قِيلَ بِالْوَلَايَةِ، وَقِيلَ بِالْوُقُوفِ، وَالْمَوَالِي الأطْفَالُ إِذَا أَعْتَقَهُمُ الْمُتَوَلِّي فِيهِمْ قَوْلَانِ أَيْضًا، وَابْنُ أُمِّهِ يُتَوَلَّى بِوَلَايَةِ أُمِّهِ إِذَا كَانَتْ مُسْلِمَةٌ، وَقِيلَ: لا يُتَوَلَّى إِلا بِأَبِيهِ، وَكَذَلِكَ الَّتِي أَسْلَمَتْ مِنَ الشِّرْكِ وَلَهَا أَوْلَادٌ فَإِنَّهَا تَجُرُّ بِهِمْ إِلَى الإِسْلامِ، وَيُتَوَلَّوْنَ بِوَلَايَتِهَا، وَالْعَبْدُ إِذَا أَعْتَقَهُ الْمُتَوَكِّي وَغَيْرُهُ فَإِنَّهُ يُتَوَلَّى بِالْمُتَوَلِّي مِنْهُمَا. وَأَمَّا الْمُشْتَرِكُ مِنَ الْأَطْفَالِ بَيْنَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرِهِ فَقِيلَ فِيهِ بِالْكَفِّ، وَالْمُتَوَلِّي إِذَا ارْتَدَّ إِلَى الشِّرْكِ فَقِيلَ: إِنَّ أَوْلَادَهُ فِي مَنْزِلَتِهِمُ الأُولَى مِنَ الْوَلايَةِ، فَإِنْ عُلِمَ مِنْ أَبِيهِمْ نِفَاقٌ فَالْكَفُّ عَنْ أَوْلَادِهِ، وَأَطْفَالُ أَهْل الْوَلاَيَةِ إِذَا بَلَغُوا فَهُمْ فِي الْوُقُوفِ، فَإِنْ عُلِمَ مِنْهُمُ الْوَفَاءُ فَهُمْ فِي مَنْزِلَتِهِمُ الأُولَى مِنَ الْوَلايَةِ، وَإِنْ عُلِمَ مِنْهُمْ كُفْرٌ فَهُمْ فِي الْبَرَاءَةِ، وَإِنْ تَشَابَهَ بُلُوغُهُمْ فَهُمْ عَلَى الأَصل الأَوَّلِ مِنَ الطُّفُولِيَّةِ، وإِنْ قالُوا فِي حِينِ الشُّبهة: بلغَنَا، حكمنا عليهِمْ بِحُكْمِ البَالِغِينَ، وَمَنْ تَجَنَّنَ فِي الطُّفُولِيَّةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الطَّفْل؛ إِنْ كَانَ أَبُوهُ مُتَوَلِّي فَإِنَّهُ يُتَوَلَّى، وَمَنْ كَانَ أَبُوهُ مُشْرِكًا أَوْ مُنَافِقًا وُقِفَ عَنْهُ، وَأَطْفَالُ
حَكَمْنَا
(1) [رواه البخاري، كتاب القدر، باب الله أعلم بما كانوا عاملين، ر 6226، ومسلم، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، ر 6929]. (1/103)
صفحة 104
قواعد الإ
الْمُتَوَلِّي إِذَا غَابُوا فَقِيلَ: هُمْ عَلَى وَلايَتِهِمْ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ بُلُوغُهُمْ بِالْمُشَاهَدَةِ أَوْ بِالأُمَنَاءِ، وَقِيلَ: يُنْظُرُ إِلَى أَتْرَابِهِمْ فَإِذَا بَلَغُوا حُكِمَ بِبُلُوغِهِمْ وَصَارُوا فِي الْوُقُوفِ، وَإِنْ قَالَ الأُمَنَاءُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوا أَوْ كِبَارٌ أَوْ لَزِمَتْهُمُ الْفَرَائِضُ فَجَائِزُ، وَيُقَالُ ثَلَاثَةٌ لا يَعْلَمُ حَدَّهَا إِلَّا اللَّهُ: الْحَدُّ الأَوَّلُ مِنَ الْبُلُوعِ، وَالْحَقِيقَةُ فِي الْمِكْيَالِ، وَالْمِيزَانِ. مَسْأَلَةٌ: وَوَلَايَةُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ وَاجِبَةٌ عَلَى التَّوْبَةِ مِنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ، وَكَذَلِكَ أَطْفَالُهُ وَعَبِيدُهُ إِذَا كَانُوا أَطْفَالاً، وَفِي وَلَايَةِ أَطْفَالِ مَمَالِيكِ الْمُسْلِمِينَ قَوْلَانِ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ. (1/104)
صفحة 105
dzialajakiakakakakakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakas
قواعد الإس
الفصل التاسع
في شُرُوطِ الْوَلَايَةِ وَالْجِهَاتِ الَّتِي تَحْصُلُ بِهَا
أَمَّا شُرُوطُ الْوَلايَةِ فَهِيَ أَرْبَعَةٌ، أَحَدُهَا: مَسْمُوعُ الأُذُنِ مَرْضِيٌّ، وَالثَّانِي: مَنْظُورُ الْعَيْنِ مَرْضِيٌّ، وَالثَّالِثُ: مَرْضِيٌّ الْقَلْبِ مَقْبُولُ الْحَالِ، وَالرَّابِعُ: مُوَافِق لِلْمَذْهَبِ وَالشَّرِيعَةِ؛ لأَنَّهُ مَنِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى وَأَصْلَاهُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا.
وَأَمَّا الْجِهَاتُ الَّتِي تَتِمُّ بِهَا الْوَلَايَةُ فَهِيَ أَرْبَعَةٌ أَيْضًا:
إِحْدَاهَا: الْخِبْرَةُ بِصَاحِبِهَا أَنَّهُ مُوَافِقُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْل. والثانية: الشُّهْرَةُ الَّتِي لا تُدْفَعُ: وَهُوَ أَنْ يُشْهَدَ لَهُ بِذَلِكَ، فَمَنْ عَلِمَهُ لَا يُعْلَمُ مِنْهُ إِلا الْخَيْرُ، وَمَنْ جَهِلَهُ جَهِلَهُ، لأَنَّ الْمَشْهُورَ فِي الْخَيْرِ يُتَوَلَّى بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ.
وَالثَّالِثَةُ: شَهَادَةُ الْعَدْلَيْنِ اللَّذَيْنِ تَقُومُ بِهِمَا الْوَلَايَةُ وَالْبَرَاءَةُ وَتَنْفُذُ بِهِمَا
الأَحْكَامُ، فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الأَوْجُه مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، وَلَا أَعْلَمُ فِيهَا خِلَافًا.
وَالرَّابِعَةُ: مُخْتَلَفٌ فِيهَا، وَهِيَ شَهَادَةُ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ بِمَا يُوجِبُ لِلْمُعَيَّنِ الْوَلايَةُ، فَقِيلَ: ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَى الْمَرْفُوعِ إِلَيْهِ الْوَلَايَةُ، فَشَبَّهُوا ذَلِكَ بِالشَّاهِدِ فِي حُقوقِ اللَّهِ كَ مِنْ صَوْمِ رَمَضَانَ دُونَ إِفْطَارِهِ، وَطَهَارَةِ الشَّيَابِ بِقَوْلِ الْغَاسِلِ، (1/105)
صفحة 106
وَدُخُولِ أَوْقَاتِ الصَّلاَةِ وَأَوْقَاتِ الإِفْطَارِ بِقَوْلِ الثَّقَةِ وَأَشْبَاءِ ذَلِكَ. وَقِيلَ: لَيْسَ ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ وَلاَ لَهُ؛ لأَنَّ الْوَاحِدَ إِنَّمَا يَكُونُ حُجَّةٌ فِي الْكَفِّ دُونَ التَّصْدِيقِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَالْحُجَّةُ إِنَّمَا تَقُومُ بِأَمِينَيْنِ مُسْلِمَيْنِ حُرَّيْنِ أَوْ أَمِينٍ وَأَمِينَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ كَالشَّهَادَةِ فِي الأَحْكَام مِنَ الْحُقُوقِ وَالدِّمَاءِ وَالأَمْوَالِ، وَقِيلَ: هُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْوَاحِدِ بَيْنَ الْقَبُولِ وَالْوُقُوفِ عَنْهُ، وَقِيلَ: إِنْ سَأَلَهُ ابْتِدَاءٌ لَزِمَهُ قَبُولُ قَوْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْهُ وَإِنَّمَا شَهِدَ ابْتِدَاءً فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِ بَيْنَ الْقَبُولِ وَالْوُقُوفِ عَنْهُ أَيْضًا، كَالْمعدّلِ لِلشُّهُودِ وَاللهُ أَعْلَمُ وَأَجَازَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْوَلَايَةَ وَالْبَرَاءَةَ بِقَوْلِ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ إِذَا كَانَتْ تُبْصِرُ الْوَلايَةَ وَالْبَرَاءَةَ، وَذُكِرَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّادِ (1) أَنَّهُ رَخَّصَ لأَبِي مَيْمُونَ (2) أَنْ يَتَوَلَّى أُمَّهُ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ مُتَوَلِّيَةٍ عِنْدَهُ، وَيَحُجَّ عَنْهَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّادٍ الْمِصْرِيُّ الْفَقِيهُ مِنْ جُلَّةِ فُقَهَاءِ الإِبَاضِيَّةِ، وَمِمَّن انْتَهَتْ إِلَيْهِ الرِّئَاسَةُ الْعِلْمِيَّةُ بِمِصْرَ أَيَّامَ الرَّبِيعِ، كَمَا انْتَهَتْ رِئَاسَةُ الْعِرَاقِ الْعِلْمِيَّةُ إِلَى الرَّبِيعِ، وَحَسْبُكَ أَنَّ الْإِمَامَ عَبْدَ الْوَهَّابِ الرُّسْتُمِي اسْتَفْتَاهُمَا مَعًا لَمَّا مَنَعَتَهُ نَفُوسَهُ مِنَ الذَّهَابِ إِلَى الْحَجِّ خَوْفًا عَلَيْهِ مِنْ خُصُومِ الإِمَامَةِ، فَكَانَ مِنْ جَوَابِ الإِمَامِ ابْنِ عَبَّادٍ أَنَّهُ أَفْتَى بِسُقُوطِ الْحَجَّ عَنْهُ لِعَدَم أَمْنِ الطَّرِيقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ أَمَانَ الطَّرِيقِ شَرْطُ أَسَاسِي فِي وُجُوبِ الْحَجِّ وَقَدْ أَنْبَتَتِ الْأَيَّامُ صِدْقَ نَظَرِ نفُوسَةَ، فَقَدْ أَلْقَى الْعَبَّاسِيُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقَبْضَ عَلَى أَبِي الْيَقِطَانِ حَفِيدِ الإِمَامِ لَمَّا ذَهَبَ إِلَى الْحَجِّ، فَلَمْ يَنْجُ مِنْ
أَسْرِهِمْ بَعْدَ طُولٍ حَبْسِهِ إِلَّا بِأَعْجُويَةٍ، وَلَا غَرْوَ فَالْمُؤْمِنُ بِنُورِ اللَّهِ يُبْصِرُ. اهـ مُصَححه. (2) أَبُو مَيْمُونَ: هُوَ أَحَدُ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ نفُوسَةَ، مَاتَتْ وَالِدَتُهُ وَهُوَ فِي الْمَهْدِ وَتَرَكَتْهُ وَصِيًّا لَهَا عَلَى وَصِيَّيْهَا، فَلَمَّا شَبَّ أَرَادَ إنْفَاذَهَا وَالْحَجَّ عَنْهَا، فَسَأَلَ عَنْ ولايتهَا فَلَمْ يَجِدُ مَنْ يَتَوَلأَهَا إِلا
امْرَأَةَ وَاحِدَةً صَالِحَةٌ، فَأَفْتَى لَهُ ابْنُ عَبَّادٍ بِوِلايَةِ أُمِّهِ بِشَهَادَةِ الْمُرُوءَةِ. اهـ مُصَححه. (1/106)
صفحة 107
chatakisktakiskisktshishichishishisatakatakatakatakatakatakatag__
قواعد الإ
الفصل العاشر فِي وَلَايَةِ الأَئِمَّةِ وَقَادَةِ الأُمَّةِ
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي خزر الله أَنَّهُ قَالَ: لاَ يَسَعُ جَهْلُ الأَئِمَّةِ، فَقِيلَ: أَرَادَ الأَئِمَّةَ التَّسْعَةَ، أَرْبَعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ: أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ التَّيْمِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى الْكِنْدِيُّ طَالِبُ الْحَقِّ)، وَأَبُو الْخَطَّابِ عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ السَّمْحِ الْمَعَافِرِيُّ (2) رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَالْجُلَنْدَى بْنُ
(2)
(1) الإِمَامُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى طَالِبُ الْحَقِّ، أَعْلَنَ الإِمَامَةَ بِالْيَمَنِ بَعْدَ أَنْ ضَجَّتِ الْأُمَّهُ مِنَ الْجَوْرِ وَالْفُجُورِ اللَّذَيْنِ أَتَى بِهِمَا عُمَّالُ بَنِي أُمَيَّةَ، فَفَزِعَتْ إِلَى طَالِبِ الْحَقِّ وَهُوَ قَاضٍ يَوْمَئِذٍ بِحَضْرَمَوْتَ، فَلَمَّا وَضَعَتِ الْأُمَّهُ ثِقَتَهَا فِيهِ قَامَ بِالأَمْرِ بَعْدَ اسْتِشَارَةِ الإِمَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَإِقَامَةً لِشَرْعِهِ، فَاسْتَوْلَى عَلَى الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ قَائِدُ جُيُوشِهِ أَبُو حَمْزَةَ الْمُخْتَارُ بْنُ عَوْفٍ، وَذَلِكَ سَنَةَ 130 هـ وَدَامَتْ إِمَامَتُهُ نَحْوا مِنْ ثَلاثِ سِنِينَ، وَانْتَهَتْ بِاسْتِشْهَادِهِ، اهـ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ أطفيش له [انظر ترجمته: معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب، ر 586/ 3،605]. (2) أَبُو الْخَطَّابِ عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ السَّمْحَ الْمَعَافِرِيُّ الْيَمَنِيُّ هُوَ أَحَدُ حَمَلَةِ الْعِلْمِ إِلَى الْمَغْرِبِ، يُويعَ بالإمامَةِ فِي حَيْزِ طَرَائِلسَ سَنَةَ 140 هـ بِأَمْرِ مِنْ شَيْخِهِ أَبي عُبَيْدَةَ، فَسَارِ بِالأُمَّةِ سِيرَةً رَشِيدَةً، أَعَادَ فِيهَا لِلإِسْلَامِ بَشَاشَتَهُ، وَأَقَامَ لِلْعَدْلِ دَوْلَتَهُ، امْتَدَّ حُكْمُهُ إِلَى الْقَيْروَانِ، فَطَهَّرَهَا مِنْ رِجْسٍ وَرْفجُومَةً الَّتِي بَلَغَ مِنْ طُغْيَانِهَا أَنْ رَبَطَتْ خَيْلَهَا بِمَسْجِدِ الْقَيْروَانِ وَانْقَادَتْ لَهُ الرَّعَايَا، فَذَاقُوا فِي أَيَّامِهِ حَلاوَةَ الإسلام، وَتَفَيَّنُوا ظِلال الأمن والأَمَانِ، لَكِنَّ دَوْلَةَ الطُّغْيَانِ الْمُسَيْطِرَةَ وَالَتْ عَلَيْها هجماتِهَا، وَكُلَّمَا صَدَّ جَيْشًا أَوْ رَدَّ غَارَةً أَعْقَبَتْهَا جُيُوضٌ وَغَارَاتٌ حَتَّى سَقَطَ شَهِيدَ الْمَعْرَكَةِ، وَزَالَتْ دَوْلَتُهُ الَّتِي كَانَتْ مَضْرِبَ الْمَثَل فِي رِيعَانِ شَبَابِهَا؛ إذْ لَمْ تَدُمْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَالْبَقَاءُ
للهِ وَحْدَهُ. اهـ مُصَححه. (1/107)
صفحة 108
واعد الإسـ
مَسْعُودٍ إِمَامُ عُمَانَ (1) زَادَهُ بَعْضُهُمْ، وَخَمْسَةٌ مِنَ الْفُرْسِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رُسْتُمَ الْفَارِسِيُّ، وَابْنُهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَأَفْلَحُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَفْلَحَ، وَيُوسُفُ بنُ مُحَمَّدٍ، وَمَنَّ عَلَيْنَا بِالتَّمَسُّكِ عَلَى مِنْهَاجِهِمُ الْقَوِيمِ وَطَرِيقِهِمُ الْمُسْتَقِيمِ، إِنَّهُ رَحِيمٌ كَرِيمٌ.
(Y).
وَأَمَّا أَئِمَّةُ الدِّينِ وَالْهُدَى وَقَادَاتُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْمُرُوءَةِ وَالتَّقْوَى، فَإِنَّهُمْ يُتَوَلَّوْنَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا بِغَيْرِ حُجَّةٍ؛ لأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الدِّيَانَةِ مِنَ التَّفْسِيقِ وَالتَّكْفِيرِ وَالتَّحْلِيل وَالتَّحْرِيمِ، وَلَيْسَتْ بِمَنْزِلَةِ وَلاَيَةِ الأَشْخَاصِ وَبَرَاءَتِهَا. أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَنْتَقِلُ عَنْ وَلايَةِ الأَشْخَاصِ وَبَرَاءَتِهَا بِشَهَادَةِ الْأُمَنَاءِ، وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ وَلَايَةُ الأَئِمَّةِ؛ لأَنَّكَ لا تَنتَقِلُ عَنْهَا بِالشُّهُودِ وَإِنْ كَثُرُوا، وَهَكَذَا الْبَرَاءَةُ مِنْ قَادَاتِ أَهْلِ الْخِلافِ، يَبْرَأُ مِنْهُمْ بِغَيْرِ حُجَّةٍ مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ وَقَبِلَهُ، لأَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْهُمْ بِمَنْزِلَةِ الدِّيَانَةِ كَمَا قَدَّمْنَا فِي وَلَايَةِ أَئِمَّةِ الْهُدَى. قَالَ: "وَلَيْسَ عَلَيْنَا مِنْ مَعْرِفَةِ الْأَئِمَّةِ شَيْءٌ (1) الْجُلَنْدَى، تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَبَعْدُ فَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَا لِمَعْرِفَةِ هَؤُلَاءِ وَدُخُولِهَا فِي عَقِيدَةِ الْمُسْلِمِ؟ وَهَلْ تَجِبُ كَذَلِكَ مَعْرِفَهُ كُلِّ إِمَامٍ عَادِلٍ سَارَ فِي أَيَّامِهِ سِيَرَةَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَمَا أَكْثَرَهُمْ فِي تاريخ الإِسْلامِ؟ أَمْ ثَمَّتَ مَيْزَةٌ فِي هَؤُلَاءِ اسْتَوْجَبُوا بِهَا هَذَا التَّخْصِيصَ دُونَ سِوَاهُمْ؟ أَمَّا فِي حَقٌّ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فَلَا كَلامَ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْعُدُولِ فَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَغَارُ عَلَى نَهْجِ الاسْتِقَامَةِ أَنْ يَجْهَلَ هَؤُلاَءِ الأَئِمَّةَ غَيْرَ ثَمَّ [يبدو: غيرتهم أو كغيرهم] مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ عَصْرِ وَمِصْرِ الَّذِينَ رَفَعُوا لِوَاءَ الدِّينِ، وَأَقَامُوا قِسْطَاسَ الْعَدْلِ، وَأَحْيَوْا دُوَلَهُمْ فِي سِيرَةِ الرَّسُولِ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ لِيَتَأَسَى بِهِمْ مَنْ يَبْغِي السِّيرَةَ الرَّشِيدَةَ، أَمَّا أَنْ يَكُود جَهْلُهُمْ قَدْحًا فِي الْعَقِيدَةِ فَلَا نَرَى ذَلِكَ وَجِيها، اهـ مُصححه. (2) أَسْرَهُ بَنِي رُسْتُمَ أَسْرَةُ عِلْمٍ وَدِينِ وَاضْطِلاع بِأَعْبَاءِ الْمُسْلِمِينَ، كَانَتْ لَهَا مَمْلَكَةٌ قَاهِرَةٌ زَاهِرَةٌ، بَسَطَتْ نُفُوذَهَا عَلَى الْمَغْرِبِ الأَوْسَطِ، وَأَيْمَّتَهَا كَانُوا أَجَلَّ وَأَقْوَى أَئِمَّةٍ عَرَفَهَا شَمَالُ أَفْرِيقْيَا، أَوَّلُهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رُسْتُمَ، وَقَدْ سَبَقَ التَّعْرِيفُ بِهِ، أَمَّا بَنُوهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ 190 ه وَابْنُهُ أَفَلَحُ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ 240 هـ وَقِيلَ 250 هَ وَابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَفْلَحَ أَبُو الْيَقِظَانِ) الْمُتَوَفَّى سَنَةَ، وَابْنُهُ يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو حَاتِمٍ) الَّذِي مَاتَ مَقْتُولاً سَنَةَ 294 هـ، فَقَدْ بَسَطَ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ الْبَارُونِيُّ فِي كِتَابِهِ الأَنْهَارُ الرِّيَاضِيَّةُ فِي أَئِمَّةِ وَمُلُوكِ الإِبَاضِيَّةِ) أَخْبَارَهُمْ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، فَاطْلُبُهَا إِنْ شِئْتَ هُنَاكَ. اهـ مُصَحْحه.
281 ه (1/108)
صفحة 109
إلا مَعَ قِيَام الْحُجَّةِ " (1)، وَوَلَايَةُ قَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ هِيَ الْبَرَاءَةُ مِنْ قَادَاتِ الْمُخَالِفِينَ، وَكَذَلِكَ وَلاَيَةُ قَادَاتِ أَهْلِ الْخِلافِ هِيَ الْبَرَاءَةُ مِنْ قَادَاتِ أَهْلِ
الْوِفَاقِ، وَكَذَلِكَ التَّصْوِيبُ وَالتَّخْطِئَةُ عَلَى هَذَا الْحَالِ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَقَلَّدَ بِاسْمِ مِنْ أَسْمَاءِ أَهْلِ الْخِلافِ، فَحُكِي عَنْ أَبِي حَزْرٍ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ تَبَرَّأَ مِنْهُ لَمْ يَظْلِمُهُ (2) (1) وَقِيلَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا، يَبْرَأُ مِنْهُمْ بِعَلامَتِهِمْ أَمْ لَا؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
هَلْ
(1) [السوفي: السؤالات، ص 290]. (2) يَظْهَرُ أَنَّ الإِمَامَ أَبَا خزرٍ كَانَ شَدِيدَ الْحنقِ عَلَى مُخَالِفِيهِ حَتَّى اعْتبَرَ مَنْ حَكَمَ بِالْبَرَاءَةِ عَلَى مَنْ تَقَلَّدَ بِاسْمِ مِنْ أَسْمَائِهِمْ غَيْرَ ظَالِمٍ لَهُ. قَالَ الْقُطْبُ له فِي الذَّهَبِ الْخَالِصِ قُلْتُ: ظَلَمَهُ لأَنَّهُ لَمْ يُحَقِّقْ، بَلْ أَسْرَعَ وَأَهْمَلَ. اهـ. وَنَحْنُ إِذَا بَحَتْنَا عَنْ سِرِّ هَذَا الْحَقِ وَجَدْنَاهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - يَرْجِعُ إِلَى تَأْثِيرٍ البيئَةِ، ذَلِكَ أَنَّهُ عَاشَ فِي عَصْرِ الْعُبَيْدِيِّينَ الَّذِي بَلَغَ فِيهِ التَّعَصُّبُ الْمَذْهَبِيُّ أَشُدَّهُ، وَعُومِلَ فِيهِ أَئِمَّةُ الْإِبَاضِيَّةِ مُعَامَلَةَ الْمَارِقِينَ مِنَ الدِّينِ تَزَلْفًا مِنْ مُخَالِفِيهِمْ لِلْجَوَرَةِ وَمُمَالَأَةٌ لَهُمْ عَلَى سِيَاسَةِ الإِبَادَةِ الَّتِي انْتَهَجَتْهَا الدَّوْلَةُ الْعُبَيْدِيَّةُ فِي حَقِّهِمْ، الأَمْرُ الَّذِي حَمَلَ هَذَا الإِمَامَ أَنْ يَقْسُوَ مَعَ مُخَالِفِيهِ، وَيُقَابِلَ بِالتَّخْطِئَةِ مَنْ بَدَأَهُ بِهَا، وَالْبَادِئُ أَظْلَمُ وَإِلا فَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ الإِبَاضِيَّةِ وَلَا مِنْ مَبْدَئِهِمُ التَّهَجُمُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ فِي الرَّأْيِ إِلا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْبَادِئَ بِالتَّخْطِئَةِ. وَقَدْ أَعْرَبَ الإِمَامُ السَّالِمِيُّ مِنْ إِبَاضِيَّةِ عُمَانَ عَنْ هَذَا الْمَبْدَا إِذْ يَقُولُ فِي قَصِيدَتِهِ رَدًّا عَلَى طَعْنِ الْعَرْيَانِيِّ: "لَوْ سَكَتُوا عَنَّا سَكَتْنَا عَنْهُمْ" [السالمي: كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة، ص 7]، وَيَقُولُ فِي كِتَابِهِ جَوْهَرِ النِّظامِ فِي عِلْمَيِ الأَدْيَانِ وَالْأَحْكَامِ: "وَمُنْكِرٌ لِخَلْقِهِ يُخْتَلَفُ، فَقِيلَ: فَاسِقٌ وَقِيلَ نَقِفُ، مَا لَمْ يُخَطِّ لِلَّذِي قَدْ قَالَا بِضِدٌ مَا قَالَ فَعِ الْمَقَالاَ، يَعْنِي بِخَلْقِ الْقُرْآنِ [باب خلق القرآن، 17/ 1]، وَزَادَ ذَلِكَ تَوْضِيحًا فِي كِتَابِهِ تُحْفَةِ الأَعْيَانِ بسيرَةِ أَهْلَ عُمَانَ فِي مَعْرِضِ الْكَلَامِ عَلَى عَقِيدَةِ الإِبَاضِيَّةِ: لَيْسَ مِنْ رَأْيِنَا - وَالْحَمْدُ لِلهِ - الْغُلُوُّ فِي دِينِنَا، وَلَا الْغَسْمُ فِي أَمْرِنَا، وَلَا التَّعَدِّي عَلَى مَنْ خَالَفَنَا ... اللَّهُ رَبُّنَا، وَمُحَمَّدٌ نَبِيِّنَا، وَالْقُرْآنُ إِمَامُنَا، وَالسُّنَّةُ طَرِيقُنَا، وَبَيْتُ اللهِ الْحَرَامُ قِبْلَتُنَا، وَالإِسْلَامُ دِينُنَا"، إِلَخْ إلخ. [69/ 1]. وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوارِ جَلانِيُّ مِنْ إِبَاضِيَّةِ الْمَغْرِبِ [الْجَزَائِرَ] فِي كِتَابِهِ الدَّلِيلُ وَالْبُرْهَانُ: "فَإِذَا لَمْ يَعْتَقِدُوهُ دِينَا وَلَمْ يَقْطَعُوا عُذْرَ أَحَدِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ خَالَفُوهُمْ عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ خَطَأً مَحْمُولٌ عَلَيْهِمْ - إِلَى أَنْ قَالَ: " وَلِكُلِّ مُعْتَقَدُهُ مَا لَمْ يَبْغِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَالْبَادِئُ أَظْلَمُ، وَالتَّالِي أَسْلَمَ". اهـ[3/ 112، 113]. وَبَعْدُ فَمَا أَحْوَجَ الأُمَّةَ الإِسْلَامِيَّةَ سِيَّمَا فِي عَصْرِنَا - وَقَد تَدَاعَتْ عَلَيْهَا الْأَعْدَاءُ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ وَصَوْبِ - أَنْ تَتَغَاضَى عَنْ تَجْرِيحِ بَعْضِهَا وَتَتَعَالَى عَنِ الْمُنَاقَشَاتِ وَالْمُهَاتَرَاتِ الَّتِي لَا تَزِيدُ أَوْصَالَهَا إِلَّا (1/109)
صفحة 110
تَفْكِيكًا وَكَلِمَنَهَا إِلَّا انْقِسَامًا، وَلْتَكْتَفِ مَعَ بَعْضِهَا بِمَبْدَا التَّوْحِيدِ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَهَا، وَتَعْمَلُ يَدًا بِيَدِ لِتَوْحِيدِ صُفُوفِهَا وَصَدٌ هَجَمَاتِ عَدُوِّهَا الْمُشْتَركِ، عَسَاهَا أَنْ تَسْتَرْجِعَ بِذَلِكَ مَا ضَاعَ لَهَا مِنْ عِزَّةٍ وَمَجْدٍ، أَوْ تُحَافِظَ عَلَى مَا بَقِيَ لَدَيْهَا مِنْ تُرَاتٍ عَلَى الأقل، هَدَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ لِمَا فِيهِ خَيْرُهُمْ
وَعِزتهُمْ. اهـ مُصَححه. (1) [السوفي: السؤالات، ص 448]. (1/110)
صفحة 111
قواعد الإس
الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ
فِي الْبَرَاءَةِ وَتَقَاسِيمِهَا
وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ أَيْضًا تَنْبَعِثُ مِنْهَا عَشَرَةُ فُصُولٍ:
الفصل الأول
فِي مَعْنَى الْبَرَاءَةِ وَالأَدِلَّةِ عَلَى وُجُوبِهَا مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ
أَمَّا الْقُرْآنُ: فَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {وَلَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ (1)، فَنَهَى اللهُ تَعَالَى عَنْ وَلايَةِ الْكُفَّارِ فَأَنْفَذَ فِيهَا الْوَعِيدَ فَقَالَ: لَا
(1)
(2)
نَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ (3)، وَقَالَ: وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ (3)، فَمَنْ تَوَلَّى مُشْرِكًا كَانَ مُشْرِكًا، وَمَنْ تَوَلَّى مُنَافِقًا كَانَ مُنَافِقًا صَاحِبَ كَبِيرَةٍ، وَقَالَ [تعالَى عَلَى لسان الخليل: إِنَّا بُرَ وا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ
(1) آلُ عِمْرَانَ: 28. (2) الْمُمْتَحنَة: 13.
(3) الْمَائِدَة: 51. (1/111)
صفحة 112
takatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakiskislated
اني بري ممَّا تَعْمَلُونَ، أَيْ: مُتَبَرِّى مِنْكُمْ وَمِنْ عَمَلِكُمْ، مُخَالِفٌ لَكُمْ غَيْرُ مُوَافِقٍ، فَأَصْلُ الْبَرَاءَةِ كَمَا قَدَّمْنَا هُوَ الْمُخَالَفَةُ، كَمَا أَنَّ أَصْلَ الْوَلَايَةِ الْمُوَافَقَةُ وَالْمُسَاعَدَةُ عَلَى أَمْرِ اللهِ تَعَالَى؛ لأَنَّ الْوَلِيّ قَدْ يَكُونُ فِي النَّسَبِ وَالدِّينِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ} أَيْ: يُسَاعِدُهُمْ وَيُوَافِقُهُمْ {فَإِنَّهُ مِنْهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) الشُّعَرَاء: 216.
(2) الْمَائِدَة: 51. (1/112)
صفحة 113
vakatakatakatakatakatalislatz“
إلى برية ممَّا تَعْمَلُونَ (1)، أَيْ: مُتَبَرِّئُ مِنْكُمْ وَمِنْ عَمَلِكُمْ، مُخَالِفٌ لَكُمْ غَيْرُ مُوَافِي، فَأَصْلُ الْبَرَاءَةِ كَمَا قَدَّمْنَا هُوَ الْمُخَالَفَةُ، كَمَا أَنَّ أَصْلَ الْوَلَايَةِ الْمُوَافَقَةُ وَالْمُسَاعَدَةُ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لأَنَّ الْوَلِيَّ قَدْ يَكُونُ فِي النَّسَبِ وَالدِّينِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَن يتولَّهُم مِّنكُمْ أَيْ: يُسَاعِدُهُمْ وَيُوَافِقُهُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} (3)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) الشُّعَرَاء: 216.
(2) الْمَائِدَة: 51. (1/113)
صفحة 114
الفصل الثاني
فِي بَرَاءَةِ الْجُمْلَةِ
وَهِيَ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ فِي حَالِ الْبُلُوعَ كَالْوَلَايَةِ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، فَقَرْضُ الْبَرَاءَةِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ جَمِيعِ أَعْدَاءِ اللَّهِ مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَجْمَعِينَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، مِنْ غَيْرِ قَصْدِ إِلَى أَحَدٍ بِشَخْصِهِ، فَبَرَاءَةُ الْكَافِرِينَ هَكَذَا تَوْحِيدٌ، وَالتَرْكُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ شِرْكٌ، وَالْجَهْلُ بِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِهَا شِرْكٌ، وَكَذَلِكَ الْجَهْلُ بِأَنَّ اللهَ أَوْجَبَ عَلَى الْعَمَلِ بِهَا ثَوَابًا كُفْرٌ وَشِرْكُ، وَالإِنْكَارُ لِوُجُوبِهَا وَفَرْضِهَا شِرْكٌ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ الْبَرَاءَةُ مِنَ الْكَافِرِينَ مِنَ الْجِنِّ إِنَّمَا هِيَ جُمْلَةٌ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ إِلَى أَحَدٍ بِعَيْنِهِ وَإِنْ ظَهَرَ كَلَامُهُ، وَتُجْزِتُنَا الْبَرَاءَةُ مِنْهُمْ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا تُجْزِتُنَا وَلايَةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ جُمْلَةٌ، وَلَيْسَ ظُهُورُ الأَصْوَاتِ مِنْهُمْ بِظُهُورٍ، بَلْ ظُهُورُ الأَجْسَادِ) وَأَحْكَامُهُمْ بَيْنَهُمْ كَأَحْكَامِ بَنِي آدَمَ
(1)
(1) ظُهُورُهُمْ بِالْأَجْسَادِ لا يَصِحُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّهُ يَرَنكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تروم} (الأَعْرَاف: 27)، وَلَقَدْ بَالَغَ الْعُلَمَاءُ فِي إِنْكَارِهِ حَتَّى قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَرَى الْجِنَّ أَبْطَلْنَا شَهَادَتَهُ إِلا أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا. [حاشية الجمل على شرح منهج الطلاب، 236/ 8]، أَمَّا الإِمَامُ ابْنُ بَرَكَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمَشَارِقَةِ قَالَ بِتَجْرِيح مَنْ يَزْعُمُ رُؤْيَةَ الْجِنِّ وَبِالْبَرَاءَةِ مِنْهُ، وَالْحَقُّ أَنَّ مَا يُشَاهِدُهُ الْبَعْضُ مِمَّنْ لَا يُتَهَمُ بِالْكَذِبِ إِنَّمَا هُوَ تَخْيِيلُ، قَالَ عُمَرُ: "إِنَّ أَحَدًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللهُ عَلَيْهَا وَلَكِنْ لَهُمْ سَحَرَةٌ كَسَحَرَتِكُمْ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَأَذَنُوا" [ذكره ابن ر: فتح الباري، 344/ 6]. وَإِذَا كَانَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ كُلَّفَ بِتَبْلِيغِهِمْ وَلَمْ يَرَهُمْ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاس عَنْهُ، بَلْ عَلِمَ ذَلِكَ بِالْوَحْيِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْمِينَ} (الجن: 1)، فَكَيْفَ يَصِحُ لَنَا أَنْ تُثْبِتَ رُؤْيَتَهُمْ لِغَيْرِهِ؟! اهـ مُصَححه. (1/114)
صفحة 115
قواعد الإء
فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَإِنْ ظَهَرُوا كَانَتْ أَحْكَامُهُمْ وَأَحْكَامُنَا وَاحِدَةً؛ لأَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ مَلْزُومُونَ مَأْمُورُونَ بِالطَّاعَةِ، مَنْهِيُّونَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ، فَمَنْ أَوْفَى مِنْهُمْ لِلهِ بِالطَّاعَةِ فَلَهُ عَلَيْهَا الْجَنَّةُ، وَمَنْ لَمْ يُوَفِّ بِالطَّاعَةِ وَاجْتَرَأَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَلَهُ عَلَيْهَا النَّارُ، وَقِيلَ: إِنَّ الْجِنَّ فِي الدُّنْيَا فِي الصَّحَارِي، وَإِنَّ الْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُونَ فِي صَحَارِي الْجَنَّةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَهُمْ كُلُّهُمُ الْمُطِيعُ مِنْهُمْ وَالْعَاصِي مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْلِيسَ، كَمَا أَنَّ الإِنْسَ كُلَّهُمُ الْمُطِيعُ مِنْهُم وَالْعَاصِي مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ النَّبِيِّ التَّقِيِّ الأَمِينِ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (1/115)
صفحة 116
تواعد الإس
الفصل الثالث
فِي الْبَرَاءَةِ مِنَ الْمَذْمُومِينَ فِي الْقُرْآنِ الْمَوْصُوفِينَ بِالإِسَاءَةِ وَالْعِصْيَانِ
وَهُمْ قِسْمَانِ: جُمْلَةٌ وَأَفْرَادٌ، فَالْجُمْلَةُ: كَقَوْمِ نُوحٍ وَلُوطٍ، وَعَادٍ وَثَمُودَ، وَأَصْحَابِ الرَّسُ، وَقُرُونَا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا، وَالأَفْرَادُ نَوْعَانِ، مُسَمًّى: كَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ
وَأَبِي لَهَبٍ وَجَالُوتَ، وَغَيْرُ مُسَمًّى: كَالَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ، وَكَالَّذِي آتَاهُ آيَاتِهِ فَانْسَلَخَ مِنْهَا، وَكَالْمَلِكِ الَّذِي يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا، وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الذُّكُورِ، وَكَحَمَّالَةِ الْحَطَبِ، وَامْرَأَةِ نُوحٍ، وَامْرَأَةِ لُوطٍ، وَأَشْبَاهِهِنَّ مِنَ الْإِنَاثِ، فَجَمِيعُ مَنْ نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْمَوْصُوفِينَ بِالإِسَاءَةِ وَقُبْحِ الثَّنَاءِ
فَبَرَاءَ تُهُمْ تَوْحِيدٌ، وَوَلَا يَتُهُمْ شِرْكٌ، وَالْفَرْضُ عَلَيْنَا فِيهِمُ الْبَرَاءَةُ مِنْهُمْ جُمْلَةٌ، وَالْمَعْرِفَهُ بِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، إِلا مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بِتَسْمِيَةِ أَحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا، فَعَلَيْهِ إِمْضَاءُ الْحُكْمِ فِيهِ بِالْبَرَاءَةِ، وَالْمَعْرِفَهُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ بِالْعِلْمِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي لا يَتَحَوَّلُ، كَمَنْ صَحَ عِنْدَهُ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ هُوَ النَّمْرُوذُ بْنُ كَنْعَانَ - لَعَنَهُ اللهُ، وَهُوَ الَّذِي كَفَرَ، وَأَنَّ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ آيَاتِهِ فَانْسَلَخَ مِنْهَا هُوَ بَلْعَامُ بْنُ بَاعُورَاء، وَقِيلَ: هُوَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ جَاءَ كُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ (1) أَنَّ يُوسُفَ هَذَا غَيْرُ
(1) غَافِر: 34. (1/116)
صفحة 117
takatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakata
117
يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: يَتَأَخْتَ هَرُونَ (1) أَنَّ هَارُونَ هَذَا لَيْسَ هُوَ بِأَخِي مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَإِنَّمَا هُوَ أَخٌ لَهَا لَأَبِيهَا صَالِحٍ اسْمُهُ هَارُونُ، وَقِيلَ: هُوَ رَجُلٌ فَاسِقٌ، وَإِنَّمَا نَسَبُوهَا إِلَيْهِ تَوْبِيخًا وَتَشْبِيهَا بِالْقَصَّةِ، فَهَذَا مَا يَأْتِي مُجْمَلاً، فَلا يَنْبَغِي لَنَا التَّكَلُّفُ فِي تَفْسِيرِهِ، وَلَا يَلْزَمُنَا مِنْ عِلْمٍ حَقَائِقِهِ أَكْثَرُ مِنَ الإِيمَانِ بِجُمْلَتِهِ عَلَى مَا هُوَ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، إِلَّا أَنْ يَقَعَ الإِجْمَاعُ عَلَى تَأْوِيلِ أَحَدٍ، فَذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) مريم: 28.
(2) سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {1} (مريم) (28) وَبَيْنَ عِيسَى وَمُوسَى قَالَ مَا بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: "كَانُوا يُسَمَّوْنَ بِأَنْبِيَائِهِمْ وَبِالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ [رواه مسلم، باب النَّهْيِ عَنِ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ وَبَيَانِ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الْأَسْمَاءِ، ر 7521، والترمذي، باب ومن سورة مريم،
ره 315]. (1/117)
صفحة 118
الفضيل الرائع
فِي الْبَرَاءَةِ مِنْ إمَامِ الْجَوْرِ وَجَمِيعِ مَنْ تَبِعَهُ عَلَى جَوْرِهِ
وَلا يُبْرَأُ مِنْ جَمِيعِ مَنْ كَانَ تَحْتَ وِلايَتِهِ؛ لأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْمُسْلِمُونَ تَحْتَهُ بِالتَّقِيَّةِ، فَيَسُوعُ لَهُمْ ذَلِكَ، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ مُكْتَتِمًا بِمَكَّةَ، حَتَّى أَمَرَهُ اللهُ بِالْخُرُوجِ وَالْهِجْرَةِ وَإِظْهَارِ دِينِهِ بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ أَنَّهُ لَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ وَصَارَتِ الْخِلافَةُ مُلْكًا وَجَبَرِيَّةٌ، فَاضْطُهِدَ الإِسْلَامُ، وَشَمِلَ الْجَوْرُ وَالظُّلْمُ جَمِيعَ الأَنامِ، فَصَارَ الْمُسْلِمُونَ تَحْتَ الْجَبَابِرَةِ بِالتَّقِيَّةِ، آخِذِينَ بِالرُّحْصَةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ شَرَى نَفْسَهُ رَغْبَةٌ فِي جِهَادِ الأَئِمَّةِ الظُّلَمَةِ، دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ مُنْكِرًا لأَحْكَامِ الْجَوَرَةِ، شَاهِرًا سَيْفَهُ قَاتِلاً مَنْ نَاوَأَهُ وَصَدَّهُ، وَافِيًا لِلهِ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْعَتِهِ
:
حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا فِي ذَاتِ رَبِّهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ أَجَلَهُ حَتَّى أتَى عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَعُفَ عَنِ الْجِهَادِ وَالْقِتَالِ فَأَخَذَ بِالرُّحْصَةِ، فَعَاشَ تَحْتَ الظَّلَمَةِ مُتَمَسِّكًا بِالتَّقِيَّةِ. وَالأَصْلُ فِي هَذَا مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَتَقَدَّمُوهَا، وَتَعَلَّمُوا مِنْهَا وَلَا تُعَلَّمُوهَا، وَأَطِيعُوهُمْ مَا أَقَامُوا فِيكُمْ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، فَإِذَا عَصَوْهُمَا فَلَا طَاعَةَ لَهُمْ عَلَيْكُمْ، ثُمَّ خُذُوا أَسْيَافَكُمْ وَاجْعَلُوهَا عَلَى عَوَاتِقِكُمْ، وَاضْرِبُوهُمْ بِهَا حتى تُبِيدُوا خَضْرَاءَهُم، وإلا فعِيشُوا تحتَهُم حَرَّاثِينَ فَدَّادِينَ حَتَّى تَلْقَوْنِي بِسُوءٍ حَالٍ (1). فَالْوَاجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ إِذَا رَأَى دَارًا
(1) [رَوَى جزاه الأول: "قدموا قريشا ... ولا تعلمونها" الشافعي: المسند، ومن كتاب الأشربة وفضائل قريش وغيره ر 1330، والبيهقي، باب من قال يؤمهم ذو نسب إذا استووا في القراءة (1/118)
صفحة 119
1195
الْغَالِبُ عَلَيْهَا الْجَبَابِرَةُ وَالْحُكَامُ الْجَوَرَةُ الضَّالَّةُ الْمُضِلَّةُ أَنْ يَنْسُبَ الدَّارَ إِلَيْهِمْ، فَيُسَمِّيَهَا دَارَ الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ، وَيَبْرَأَ مِنْ كُلِّ مَنْ دَانَ بِطَاعَتِهِمْ، مَعَ انْقِيَادِ الرَّعِيَّةِ إِلَى أَحْكَامِهِمُ الْجَائِرَةِ وَدِيَانَتِهِمُ الْعَامَّةِ الْمُسَخَّرَةِ بِطَاعَتِهِمْ، وَيَبْرَأَ مِنْ كُلِّ مَنْ دَانَ بِطَاعَتِهِمْ وَاحْتَطَبَ فِي حِبَالِهِمْ، وَلاَ يَتَوَلَّى مِنْهُمْ أَحَدًا، إِلَّا مَنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ مُوَافِقُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
والفقه، (5080، وروى جزأه الثاني: "اسْتَقِيمُوا لِقُرَيْشٍ مَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَقِيمُوا فَضَعُوا أَسْيَافَكُمْ ... " الطبراني: المعجم الأوسط، ر 7815، والمعجم الصغير، ر 201]. (1/119)
صفحة 120
الفصل الخامين
فِي الْبَرَاءَةِ مِنَ الْمُرْتَدَّ مِنَ الإِسْلَامِ إِلَى التَّرْكِ
و
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرُ الآية (1) وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ (2)، وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ الْمُرْتَدُّ مِنَ الإِسْلامِ إِلَى الشِّرْكِ، فَمَنِ ارْتَدَّ مِنَ الإِسْلَام إِلَى الشِّرْكِ فَحَقَّهُ الْبَرَاءَةُ وَالسَّيْفُ، لَكِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى اسْتِتَابَتَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ - رَأيَا مِنْ رَأْيِهِ - وَلاَ تُسْبَى لَهُ ذُرِّيَّةٌ، وَلا يُغْنَمُ لَهُ مَالٌ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ إِذَا مَضَتْ لَهُ ثَلاثَةُ أَحْيَالٍ بِالْقَتْلِ وَالسَّبِي وَالْغَنِيمَةِ إِذَا دَرَجَتْ بَنُو أَبْنَائِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَقِيلَ فِي الثَّالِثِ مِنْ بَنِي الأَبْنَاءِ بِالْقَتَلَ وَالسَّبي وَالْغَنِيمَةِ، فَإِذَا ارْتَدَّ الرَّجُلُ عَنِ الإِسْلَامِ فَقَدْ حَلَّ قَتْلُهُ بَعْدَ الاسْتِتَابَة، وَحَرِّمَتْ عَلَيْهِ أَزْوَاجُهُ، وَانْقَطَعَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الْوَلَآيَةُ وَالْمُوَارَثَةُ وَالْمُنَاكَحَةُ وَالْمُدَافَنَةُ، وَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُ كُلُّهَا، لِقَوْلِ الرَّسُولِ: "مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ سَاعَةٌ أَحْبَطَ اللَّهُ عَمَلَهُ، وَإِنْ تَابَ جَدَّدَ لَهُ الْعَمَلَ (3)، وَقَالَ (1) سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 217. (2) [رواه البخاري، كتاب الجهاد، باب لا يُعذِّب بعذاب أليم، ر 2854، وأبو داود، كتاب الحدود،
باب الحكم فيمن ارتد، ر 4351].
(3) [رَوَاهُ الرَّبِيعُ، باب في ذكر الشرك والكفر، ر 59]. (1/120)
صفحة 121
(1)
تَعَالَى: ولين أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِ الشِّرْكِ ثُمَّ اطْلِعَ عَلَيْهَا، قِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) الزمر: 65. (1/121)
صفحة 122
قواعد الإس
الفصل السادين
في الْبَرَاءَةِ مِنَ الخارج مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ الحَقِّ إِلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْخِلَافِ
فَمَن خَرَجَ مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ إِلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْخِلافِ فَتَوَلَّى أَئِمَّتَهُمْ وَتَبَرَّأَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بُعْضُهُ وَعَدَاوَتُهُ وَخَلْعُ وِلايَتِهِ حَتَّى يَتُوبَ وَيَرْجِعَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَتَوَلَّى وَلِيَّهُمْ وَيُعَادِي عَدُوَّهُمْ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ مَذْهَبِ الْمُسْلِمِينَ وَخَالَفَهُمْ وَطَعَنَ فِي مَذْهَبِهِمْ وَعَابَهُ مِنْهُمْ فَقَدْ حَلَّ قَتْلُهُ وَاغْتِيَالُهُ بِأَيِّ سَبَبٍ وَصَلُوا إِلَى إِهْلَاكِهِ وَقَتْلِهِ، كَمَا فَعَلَ الإِمَامُ الصَّالِحُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ
(1) ,
(1) جَابِرُ بْنُ زَيْدِ الأَزْدِيُّ: هُوَ التَّابِعِيُّ الْجَلِيلُ وَالْبَحْرُ الزَّاخِرُ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ بَدْرِيًّا، فَحَوَيْتُ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا الْبَحْرَ الزَّاخِرَ، يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ نَعَمْ صَاحَبَهُ وَغَرَفَ مِنْ بَحْرِهِ الْعَذْبِ الطَّامِي مَا شَاءَ لَهُ اسْتِعْدَادُهُ، فَتَأَلَّفَتْ شَمْسُهُ فِي سَمَاءِ ذَلِكَ الْعَصْرِ الذَّهَبِي خَيرِ العُصورِ الَّذِي كَانَ يَزْخَرُ بِأَئِمَّةِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، حَتَّى نَالَ إِعْجَابَ شَيْخِهِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ فِي حَقَّهِ: (عَجَبًا لأَهْلِ الْعِرَاقِ كَيْفَ يَحْتَاجُونَ إِلَيْنَا وَعِنْدَهُمْ جَابِرُ بْنُ زَيْدِ! لَوْ قَصَدُوا نَحْوَهُ لَوَسِعَهُمْ عِلْمُهُ، وَذَاتَ مَرَّةٍ سَمِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَائِلاً يَقُولُ: مَنِ الْمُصَلِّي فَوْقَ الْكَعْبَةِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لَهُ؛ لَأَنَّهُ لَا قِبْلَةَ لَهُ)، فَقَالَ: إِنْ كَانَ جَابِرٌ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْبِلادِ فَهُوَ مِنْهُ، فَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَفَرَّسَ. أَمَّا إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَقَدْ قَالَ: (رَأَيْتُ الْبَصْرَةَ وَمَا فِيهَا مُفْتِ غَيْرُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ). كَانَ إِمَامَ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيِّ الأَوَّلَ الَّذِي أَرْسَى قَوَاعِدَهُ وَأَحْكَمَ بُنْيَانَهُ، فَانْحَدَرَتْ مِنْهُ نِسَبَهُ الدِّينِ، وَكَانَ مِمَّنْ يَرْوِي عَنْهُ الإِمَامُ الْبُخَارِيُّ الْحَدِيثَ، وَتَخَرَّجَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ مُجْتَهِدُونَ، مِنْهُمْ: أَبو عُبَيْدَةَ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ التَّمِيمِيُّ الإِمَامُ الثَّانِي لِلْمَذْهَبِ الإِبَاضِي وَضُمَامُ بْنُ السَّائِبِ، وَأَبُو نُوحٍ صَالِحُ الدَّمَّانُ، وَجَعْفَرُ بْنُ السَّماكِ الْعَبْدِيُّ، وَصَحَارٌ الْعَبْدِيُّ، وَأَضْرَابُهُمْ كَثِيرُونَ، أَلَّفَ دِيوَانَهُ الْمَشْهُورَ بِدِيوَانِ جَابِرٍ الَّذِي (1/122)
صفحة 123
حِينَ سُئِلَ عَنْ أَفْضَل الْجِهَادِ؟ فَقَالَ لِلسَّائِل: "أَفْضَلُ الْجِهَادِ قَتْلُ خَرْدَلَةَ " (1)، فَأَخَذَ الْغُلامُ خِنْجَرًا فَسَمَّهُ، فَمَضَى مَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَنَعَتَ لَهُ خَرْدَلَةٌ فَلَمْ يَرْضَ حَتَّى وَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى خَرْدَلَةَ فَانْصَرَفَ، وَدَخَلَ الْغُلَامُ فَضَرَبَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَقَتَلَهُ، فَأُخِذَ الْغُلامُ فَقَتَلَهُ الْوَالِي بَعْدَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَ خَرْدَلَهُ هَذَا فِيمَا وَجَدْتُ مِنْ أَهْل هَذِهِ الدَّعْوَةِ ثُمَّ خَرَجَ عَنْهَا وَتَرْكَهَا، فَجَعَلَ يَطْعَنُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيَدُلُّ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ، بِذَلِكَ اسْتَحَلَّ جَابِرٌ لَهُ قَتْلَهُ، وَقَدْ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَتِلُوا أَبمَّةَ الْكُفْرِ} (3).
، وَقِيلَ سَنَةَ
النَّزْعِ
كَانَ مِنَ الْأَعْلَاقِ النَّفِيسَةِ فِي خِزَانَةِ بَعْدَادَ الْعَظِيمَةِ الَّتِي ذَهَبَتْ ضَحِيَّةَ النِّيرَانِ فِي فِتْنَةِ التَّتَارِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَوْسُوعَةٍ أُلْفَتْ فِي الإِسْلام؛ لأَنَّ عَهْدَ التَّأْلِيفِ لَمْ يُعْرَفْ فِيهِ إِلَّا مِنْ عَهْدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الله، وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ بَقِيَّنَا مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ، أَيْ سَنَةَ 21 هـ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 93 هـ، 96 هـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. اهـ مُصَححه. (1) خَرْدَلَة: كَانَ هجيراه الطَّعْنُ فِي الْمُسْلِمِينَ وَالدَّلالَةُ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ، حَتَّى إِذَا مَا أَغْرَقَ فِي وَطَفَ صَاعُهُ، وَعِيلَ صَبْرُ الإِمَامِ، أَشَارَ بِتَطْهِيرِ الْأَرْضِ مِنْ رِجْسِهِ وَفَسَادِهِ، وَلَمْ يَسْتَبِحْ دَمَهُ لأَجْلِ أَنَّهُ خَالَفَ الْمُسْلِمِينَ فِي الرَّأْيِ، كَلَا وَحَاشَا الإِمَام أَنْ يُشِيرَ بِاغْتِبَالِ مَنْ يُخَالِفُهُ فِي الرَّأْيِ وَهُوَ التَّابِعِيُّ الْجَلِيلُ وَعَالِمُ الْبَصْرَةِ، فَتِلْكَ شَنْشَنَةُ الْخَوَارِجِ الصُّفْرِيَّةِ وَالأَزَارِقَةِ وَالنَّجِدِيَّةِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قُتِلَ بِدَلَالَتِهِ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ ظُلْمًا، وَالدَّالَ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ يُقْتَلُ)، فَأَمَرَ الإِمَامُ بِقَتْلِهِ قَصَاصًا، وَالزَّمَانُ زَمَانُ الْحَجَّاجِ الَّذِي يَأْخُذُ بِالظَّنَّةِ، وَيَتَعَقَّبُ حَرَكَاتِ الْمُسْلِمِينَ لَعَلَّهُ يُصِيبُ مِنْهُمْ غِرَّةً أَوْ تَبْلُغُهُ عَنْهُمْ وِشَايَةٌ وإن كاذبة، بل سعى فعلا. قال الشماخي: وكان خردلة قد سعى بجماعة المسلمين فقتلوا [السير، 76/ 1]. هذا وهناك خردلةٌ آخَر يجب الانتباه له حتّى لا يشتبه الواحد بالآخرِ لاتفاقهما في الاسْمِ وَالصَّفَةِ، ذَلِكَ هُوَ خَرْدَلَةُ بْنُ سَمَاعَةَ مِنْ جَبَابِرَةِ بَنِي نَبْهَانَ فِي عُمَانَ الَّذِينَ حَكَمُوا بِالاسْتِبْدَادِ وَالْجَبْرِيَّةِ، وَكَانَ عَلَى سَمَائِلَ، عَاثَ فِيهَا فَسَادًا، وَاسْتَتَرَفَ أَمْوَالَ أَهْلِهَا بِلا شَفَقَةٍ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ الْعَالِمَ الْجَلِيلَ الشَّيْخَ أَحْمَدَ بْنَ النَّظِرِ - صَاحِبَ دِيوَانِ الدَّعَائِمِ ظُلْمًا، وَأَحْرَقَ كُتُبُهُ وَمُصَنِّفَاتِهِ، فَحَرَمَ الْمَكْتَبَةَ الإِسْلامِيَّةَ مِنْ نَفَائِسِهِ الَّتِي يَنْدُرُ وُجُودُهَا الْيَوْمَ، وَعِنْدَ اللَّهِ تَجْتَمِعُ الْخُصُومُ. (2) سُورَةُ التَّوْبَةِ: 12.
اهـ مُصَححه. (1/123)
صفحة 124
وَأَعْد الأَسْـ
الفصيل الستائع
فِي الْبَرَاءَةِ مِنَ الْمَخْصُوصِ بِاسْمِهِ الْمَقْصُودِ إِلَيْهِ بِشَخْصِهِ
وَهَذَا الْفَضْلُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ
القِسْمُ الأَوَّلُ: فِي الأَدِلَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْبَرَاءَةِ مِنْهُ، الْقِسْمُ الثَّانِي: فِي حُكْمِ بَرَاءَتِهِ، الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي بَرَاءَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ.
الْقِسْمُ الأول
في الاستدلال على فَرْضِ براءة الأشخاص]
اعْلَمْ أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى بَرَاءَةِ الْمَخْصُوصِ أَنَّهَا فَرِيضَةٌ اتَّفَاقُ الْعِلَّةِ فِي بَرَاءَةِ الْجُمْلَةِ، وَهِيَ الْمُخَالَفَةُ فِي الدِّينِ وَالإِنْيَانُ فِيهِ بِمَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ رَبُّ الْعَالَمِينَ، فَكَمَا اتَّفَقَتِ الْعِلَّةُ فِي الأَصْلِ فَكَذَلِكَ يَتَّفِقُ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ الْبَرَاءَةَ مِنَ الْكُفَّارِ جُمْلَةٌ وَأَفْرَادًا وَتَعْمِيمًا وَتَخْصِيصًا، فَقَالَ فِي الْمُنَافِقِينَ: ولَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ (2)، وقال: لَا تَتَّخِذُوا الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ (3)، وَقَالَ: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (1)، وَقَالَ فِي الْأَفْرَادِ: {وَيْلٌ لِكُلِّ
(3)
(2)
(1)
نُسْخَةٍ: اتفاقا، وَالْعِلَّةُ إِلَخْ وَلَوْ زَادَ فِي آخِرِ الْجُمْلَةِ (مَعَهَا) لَكَانَتِ الْعِبَارَةُ أَوْضَحَ.
(2) آل عِمْرَانَ: 118.
(3) النِّسَاء 144. (1/124)
صفحة 125
stalatalatelate
(2) ، وَقَالَ فِي الْمُنَافِقِ الْمُفْرَدِ: وَمِنْهُم مَّنْ عَهَدَ اللَّهَ لَمَنْ مَاتَنَا مِن
به
فَضْلِهِ إِلَى قَوْلِهِ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (3)، فَالْعِلَّةُ الَّتِي اسْتَوْجَبَتْ النَّارَ جُمْلَةُ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ هِيَ الْكُفْرُ وَالنَّفَاقُ، وَبِهَا اسْتَوْجَبَهَا الْكَافِرُ الْمُفْرَدُ والمنافق المفرَدُ أَيْضًا، وَاللهُ أَعْلَمُ.
ومِنَ السُّنةِ ما رُوي أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في أبي سفيان بن حرب وابنيه عتبة ومعاوية: «لعنَ اللهُ الرّاكبَ والقائد والسائق» (4)، في أمثَالِها كثير، والله أعلم.
الْقِسْمُ الثَّانِي
في حُكْمِ [براءةِ الشَّخْصِ المَخْصُوصِ]
اعْلَمْ أَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنَ الْمَخْصُوصِ وَاجِبَةٌ عِنْدَ مُقَارَفَةِ الْفِعْلِ الَّذِي يَسْتَحِقُ بِهِ الْبَرَاءَةَ، فَمَنْ شَاهَدَ مِنْهُ فِعْلَ كَبِيرَةٍ أَوْ صَغِيرَةٍ مُصِرًا عَلَيْهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْرَأَ مِنْهُ وَإِلَّا كَانَ مِثْلَهُ. فَالْبَرَاءَةُ يَسْتَحِقُهَا الْخَارِجُ مِنَ الدِّينِ وَلَوْ بِخَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لأَنَّهُ بِذَلِكَ مُسْتَحِقُّ اسْمَ ظَالِمٍ وَفَاسِقِ فِي الْحَقِيقَةِ إِذَا مَاتَ عَلَى ذَلِكَ مُصِرًا، خِلَافًا لِلْمُرْجِنَّةِ الْقَائِلِينَ إِنَّ أَهْلَ الْكَبَائِرِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ يُرْجَى أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ، أَوْ يُرْجَى لَهُمُ اللَّهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى خِلافًا لِقَوْلِهِمْ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا، أَيْ: مَاتَ مُصِرًا عَلَيْهِ، فَقَلِيلُ الظُّلْمِ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ فِي بَابِ الإِحْبَاطِ وَالإِسْقَاطِ إِذَا أَصَرَّ عَلَيْهِ
صَاحِبُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) الْمَاعُون: 4. (2) الْهُمَزَة: 1.
(3) التَّوْبَة: 75 - 77
(4) [رواه البزار، ر 3839، والطبراني: المعجم الكبير، ر 2698].
(5) طه: 111.
(0) (1/125)
صفحة 126
قواعد الإسلام
فَمَنْ أَخَرَ بَرَاءَةَ الْمَخْصُوصِ بَعْدَ وُجُوبِهَا أَوْ تَبَرَّأَ مِنْهُ قَبْلَ الْحَدَثِ فَهُوَ هَالِكٌ. وَبَرَاءَةُ الْمَخْصُوصِ إِذَا ظَهَرَتْ مِنْهُ الْكَبَائِرُ طَاعَةٌ غَيْرُ تَوْحِيدِ، وَتَضْيِيعُهَا كُفْرٌ غَيْرُ شِرْكِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَنْ ضَيَّعَ وَلايَةَ رَجُل أَوْ بَرَاءَتَهُ حَتَّى مَاتَ فَإِنَّهُ يَتُوبُ مِنْ
تَضْيِيعِهِ، فَيَتَوَلاهُ أَوْ يَتَبَرَّأَ مِنْهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ
فِي حُكْمِ الْوَلَايَةِ وَالْبَرَاءَةِ مِنَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ فِي الْقُرْآنِ أَوْ فِي السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ
اعْلَمْ أَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ فِي الْخَيْرِ إِذَا صَدَرَتْ مِنْهُ الْأَفْعَالُ الَّتِي يَسْتَحِقُ بِهَا الْبَرَاءَةَ فَإِنَّهُ لا يُبْرَأُ مِنَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْخَيْرِ، وَيُعْتَقِدُ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ، وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الشَّرِّ تَوْحِيدٌ، وَوَلَايَتُهُ شِرْكٌ، كَمَا أَنَّ وَلَايَةَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْخَيْرِ تَوْحِيدٌ، وَبَرَاءَتَهُ شِرْكٌ. وَقَدْ قَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ يَوْمَ الْجَمَلِ وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الأَسِنَّةُ فِي هَوْدَجِ عَائِشَةَ -: " وَاللَّهِ إِنَّا - لَنَعْلَمُ أَنَّكِ زَوْجُ نَبِيِّنَا فِي الْجَنَّةِ، وَلَكِنْ لا نَدَعُ اللهَ يُعْصَى " (2). وَمَا نَزَلَ فِيهَا مِنَ (1) أَيْ هُوَ وَلِيٌّ لِلهِ دَائِمًا وَأَبَدًا وَإِنْ أَشْرَكَ لاسْتِحَالَةِ تَغَيرِ عِلْمِهِ تَعَالَى، لَكِنَّ بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ كَالإِمَامِ نُورِ الدِّينِ السَّالِمِي يَرَى ذَلِكَ مَقْصُورًا عَلَى حَالَةِ الْحَيَاةِ، وَإِنِ اتَّفَقَ مَعَ غَيْرِهِ. رهِ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ عَلِي إِجْرَاءِ الأَحْكَامِ الظَّاهِرِيَّةِ عَلَيْهِ، كَأَنْ يَفْعَلَ مَا يُوجِبُ حَدًا أو. والعياذ بالله فَإِنَّهَا تَجْرِي عَلَيْهِ بِحَسَبِ إِثْيَانِهِ لِمُو جِبَاتِهَا، فَهِيَ نَافِذَةٌ حُكْمًا ظَاهِرِيًّا عَلَى جَمِيع أَسْبَابِهَا الْمُنَاطَةَ بِهَا، أَمَّا إِذَا مَا فَارَقَتْ رُوحُهُ الدُّنْيَا لَزِمَنَا أَنْ نَقْطَعَ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى تَوْبَةٍ مَقْبُولَةٍ وَإِنْ لَمْ نَطْلِعْ عَلَيْهَا؛ لأَنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَنَّ هَذَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَبِضَمِّ كُلَّ
الْخَبَرَيْنِ إِلَى الْآخَرِ يَحْصُلُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ مَاتَ عَلَى تَوْبَةٍ مِنْ شِرْكِهِ، وَإِذَا قَطَعْنَا بِذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْمُسْلِمِينَ، فَيَجِبُ الصَّلاَةُ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ مِيرَانُهُ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَدَفَنَهُ الْمُسْلِمِينَ، خِلافًا لِجَمْهَرَةِ الأَصْحَابِ الَّذِينَ نَزَلُوهُ - إِذَا مَاتَ عَلَى حَالَةِ شِرْكِ فِي الظَّاهِرِ نَزَّلَ نَفْسَهُ فِي أَحْكَامِ الظَّاهِرِ، كَتَرْكِ الصَّلاَةِ عَلَيْهِ، وَعَدَمٍ دَفْنِهِ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَدَمِ مِيرَانِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ حَالَ حَيَاتِهِ وَحَالَةِ مَوْتِهِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْمُحَقِّقُ أَكْثَرُ مَعْقُولِيَّةٌ وَأَقْوَمُ قِيلاً. اهـ بِتَصَرُّفٍ مِنْ مَشَارِقِ أَنْوَارِ الْعُقُولِ 1 ولاية الجملة وبراءة الجملة، 1/ 210]. (2) [رواه البخاري، كتاب الفضائل، باب فضل عائشة ... ، ر 3561، وأحمد، ر 18357]. (1/126)
صفحة 127
(1)
الآيَاتِ دَالٌ عَلَى أَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّمَا لَمْ تَلْحَقِّ بِالْمَنْصُوصَاتِ حِينَ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُهَا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْعَفِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَيذٍ يُوَفِّهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقِّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَتِ وَالطَّيِّبَتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَيكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمُ، وَيُرْوَى أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَدْ سَيَّرَ أَبَا ذَرٍّ، قَالَ: أَوَقَدْ فَعَلُوهَا؟ ارْتَقِبْهُم واصْطَبِرْ، وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَبَا ذَرِّ قَطَعَ يَمِينِي مَا بَغَضْتُهُ بَعْدَ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ وَمَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ أَصْدَقَ ذِي لَهْجَةٍ مِنْ أَبِي ذَرٍّ (2)، وَمَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ فِي صِدْقِهِ وَبِرِّهِ وَزُهْدِهِ فِي الدُّنْيَا وَرَغْبَتِهِ فِي الآخِرَةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَبِي ذَرٍّ (3)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَبِهِ الْحَوْلُ وَالتَّوْفِيقُ.
6
(1) النور: 23 - 26.
(2) [رواه الترمذي، باب مناقب أبي ذر، ر 3801، وابن مَاجَةً، فضل أبي ذر، ر 156]. (3) [رواه الطبراني: المعجم الكبير، ر 1626، وابن أبي شيبة، ما جاء في أبي ذر، ر 32267]. (1/127)
صفحة 128
قواعد الإس
الفصل الثامن
فِي الْجِهَاتِ الَّتِي تَصِحُ بِهَا الْبَرَاءَةُ
وَهِيَ أَرْبَعٌ، إِحْدَاهَا: الإِقْرَارُ مِنَ الْفَاعِل أَنَّهُ فَعَلَ كَبِيرَةٌ مِنَ الذُّنُوبِ، أَوْ نَصَبَ الْخَطَأَ دِينًا كَانَ بِهِ عَلَى اللهِ شَاهِدًا (1) وَفِي شَهَادَتِهِ عَلَيْهِ كَاذِبًا، أَوْ قَطَعَ عُذْرَ مَنْ
أَوْ
خَالَفَهُ الثَّانِيَةُ: المُشَاهَدَةُ لِلإِنْسَانِ الْبَالِغِ الْمُكَلِّفِ عَلَى كَبِيرَةٍ مِنَ الذُّنُوبِ صَغِيرَةٍ مُصِرًا عَلَيْهَا الثَّالِثَةُ: شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ مِمَّنْ تَقُومُ بِهِمَا الْحُجَّةُ فِي الْوَلَآيَةِ وَالْبَرَاءَةِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ جَابِرَ بْنَ زَيْدِ سَمِعَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثَانِ حَتَّى ذَكَرَا رَجُلاً فَلَعَنَاهُ، فَقَالَ جَابِرٌ: لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنْتُمَا، فَقَالَا: كَيْفَ تَلْعَنُ رَجُلاً لَمْ يَثْبِتُ عِنْدَكَ لَعْنَهُ؟! فَقَالَ: وَأَيُّ إِثْبَاتٍ أَثْبَتُ مِنَ اجْتِمَاعِكُمَا عَلَى لَعْنِهِ؟ (3)، وَرُوِيَ أَنَّ ضُمَامًا كَانَ مَعَ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ، فَذَكَرَ رَجُلاً فَنَقَّصَهُ، فَقَالَ
(1) وَفِي نُسْخَةٍ: شَهِيدًا.
(4)
(2) وَهَذَا الْقَيْدُ الإِخْرَاجِ الأَمِينِ فِي الأَمْوَالِ فَقَطْ وَلإِدْخَالِ ِالْعَدْلِ مِنَ الْعَبِيدِ مَثَلاً. قَالَ الإِمَامُ أَفْلَحُ: (وَلا يُبْرَأُ مِنَ الْمُسْلِمَ مُطلَقًا بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ حَتَّى يَكُونَ حَاضِرًا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(3) [ذكر الدرجيني هذا الخبر في الطبقات، 213/ 2]. (4) ضُمَامُ بْنُ السَّائِبِ الْبَصْرِيُّ: هُوَ أَحَدُ الأَئِمَّةِ بِالْبَصْرَةِ مِنْ طَبَقَةِ التَّابِعِينَ، أَخَذَ عَنِ الْإِمَامِ جَابِرٍ أَبِي الشَّعْثَاءِ، وَهُوَ مِنْ طَبَقَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَأَحَدُ شُيُوخِهِ، وَقَضِيّتُهُ أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْوَلَايَةِ تَبَرَّأَ مِنْ رَجُلٍ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ الْخُرَاسَانِينَ فِي مَجْلِسِ ضُمَامٍ، فَتَبَرَّأَ مِنْهُ ضُمَامٌ، فَقَالَ لَهُ: أَتَبْرَأُ مِنِّي يَا ضُمَامُ؟ قَالَ لَهُ: أَنْتَ أَحْلَلْتَ بِي مَا تَرَى أَلْجَأْتَنِي إِلَيْهِ، أَتَرَى أَنَّكَ تَبْرَأُ مِنْ رَجُلٍ أَتَوَلَاهُ وَأَتَوَلَاكَ؟ بِئْسَ مَا ظَنَنْتَ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، قَالَ لَهُ ضُمَامٌ: فَغَفَرَ اللهُ لَكَ. اهـ أَبُو إِسْحَاقَ. [انظر: سير الشماخي، 1/ 87، 88] (1/128)
صفحة 129
قواعد الإسلام
ضُمَامٌ: مَهُ لَا تَفْعَلْ فَقَالَ الرَّجُلُ: بَرِئَ اللَّهُ مِنْهُ، فَقَالَ ضِمَامٌ: بَرِئَ اللَّهُ مِنْكَ، ثُمَّ أَنَّهُ تَابَ فَاسْتَغْفَرَ لَهُ ضُمَامُ) وَالرَّابِعَةُ: الشُّهْرَةُ الَّتِي لَا تُدْفَعُ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ عَرَفَهُ لا يَعْرِفُهُ إِلا بِالسُّوءِ، وَمَنْ جَهِلَهُ جَهَلُهُ، فَالاشْتِهَارُ أَعْظَمُ حُجَّة. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي الْمُؤثر (3) أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ الْمَشْهُورَ فِي الْخَيْرِ يُتَوَلَّى بِغَيْرِ شُهُودٍ، وَكَذَلِكَ الْمَشْهُورُ فِي الشَّرِّ يُتَبَرَّأُ مِنْهُ بِغَيْرِ شُهُودٍ (3)، وَمَنْ تَبَرَّأَ بِرَجُلٍ وَاحِدٍ فَقَدْ ضَلَّ وَهَلَكَ، وَمَنْ عُرِفَ بِالصَّلَاحِ أَوْ كَانَ مَوْقُوفًا عَنْهُ فَشَهِدَ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ عَدْلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يُبْرَأُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَحِّحُ: كَانَ ضُمَامٌ مُتَبَحْرًا فِي الْعُلُومِ، وَنَاهِيكَ أَنَّهُ شَيْخُ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ الإِمَام الثَّانِي لِلْمَذْهَبِ، وَكَانَ رَاوِيَةَ جَابِرٍ، حَافِظًا لِكِتَابِ اللهِ، سَرِيعَ الْقِرَاءَةِ، وَمَا أَخَذَ عَنْ جَابِرٍ أَكْثَرُ مِمَّا أَخَذَ عَنْهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. ذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ الشَّمَانِيُّ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَحْبُوبِ أَنَّ أَبَا الْحَرُ عَلِيَّ بْنَ الْحُصَيْنِ الْعَنْبَرِيَّ قَالَ لأَبِي عُبَيْدَةَ: "أَقِمْ لِلنَّاسِ خَمْسَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْمَوْسِمِ فَأَبَى، فَقِيلَ لَهُ: عَلَيْكَ بِضُمَامٍ، فَقَالَ: أَوَ عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ مَا يَكْتَفِي بِهِ النَّاسُ؟ قَالُوا: وَفَوْقَ ذَلِكَ، فَأَتَاهُ، فَأَقَامَ لِلنَّاسِ، وَكَثُرَ عَلَيْهِ السُّؤَالُ، وَكَانَ جَوَابُهُ: سَأَلْتُ جَابِرًا، وَسُئِلَ جَابِرٌ، وَسَمِعْتُ جَابِرًا، وَقَالَ جَابِرٌ". [السير،
[88/ 1
(1) [ذكر الدرجيني هذا الخبر في الطبقات، 248/ 2]. (2) أَبُو الْمُوثر: هُوَ الصَّلْتُ بْنُ خَمِيسِ الْخَروصِيُّ أَحَدُ أَعْلَامِ الإِسْلَامِ الْحُصَفَاءِ فِي عُمَانَ، وَكَانَ أَحَدَ رِجَالِ الشَّورَى الَّذِينَ قَامُوا بِبَيْعَةِ الإِمَامِ الصَّلْتِ بْنِ مَالِكِ الْخَروصِيِّ بِعُمَانَ (237 - 272 هـ)، وَمُعَاصِرًا لِمُحَمَّدِ بْنِ مَحْبُوبِ وَحَمَلَةِ الْعِلْمِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ إِلَى الْمَشْرِقِ، وَكَانَ لَهُ قَوِيَّ الْعَارِضَةِ، مُسْتَحْضِرَ الْحُجَّةِ، وَإِنَّ مَوَاقِفَهُ إِزَاءَ مُشْكِلَةِ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْمُهَنَّا بْنِ جيفَرٍ وَمَا حَاجَ بِـ خُصُومَهُ لَتَدُلُّ عَلَى أَصَالَةِ رَأْيِهِ، وَغَزَارَةِ عِلْمِهِ، وَبُعْدِ نَظَرِهِ فِي سِيَاسَةِ الْأُمَّةِ، وَلَهُ مِنَ التَّالِيفِ كِتَابُ الأَحْدَاثِ وَالصَّفَاتِ، ذَكَرَ فِيهِ الأَحْدَاثَ الْوَاقِعَةَ فِي أَيَّامِ الصَّلْتِ بْنِ مَالِكِ، وَكِتَابُ الْبَيَانِ وَالْبُرْهَانِ. أَمَّا وَفَاتُهُ فَالرَّاجِحُ أَنَّهَا كَانَتْ فِي أَوَاخِرِ الْقَرْنِ الثَّالِثِ الْهِجْرِي، وَالْبَقَاءُ لِلهِ وَحْدَهُ.
اهـ مُصَححه.
(3) [ذكره السوفي: السؤالات، ص 384]. (1/129)
صفحة 130
قواعد الإست
13
الفصل التاسع
في اسْتِتَابَةِ الْمُتَوَلَّي إِذَا قَارَفَ كَبِيرَةً
وَاسْتِتَابَةُ الْمُتَوَلَّي وَاجِبَةٌ إِذَا قَارَفَ ذَنْبًا، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، وَمَنْ لَمْ يَسْتَتِبْهُ فَهُوَ مِثْلُهُ، وَلَكِنَّ اسْتِتَابَتَهُ مِنَ الذَّنْبِ الصَّغِيرِ لاَ يَكُونُ بِتَضْيِيعِهِ كَافِرًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا عَايَنَ الرَّجُلُ مِنَ الْمُتَوَلَّي كَبِيرَةً مُوبِقَةٌ كَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَالرِّبَا وَالْقَتْلِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْكَبَائِرِ الْمُوبِقَةِ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ مِنْهُ ثُمَّ يَسْتَتِيبُهُ، فَإِنْ تَابَ رَجَعَ فِي الْوَلايَةِ، وَإِنْ أَبَى وَأَصَرَّ تُرِكَ فِي الْبَرَاءَةِ. وَقِيلَ عَنْ بَعْضٍ مَشَايِحَ أَهْلِ الْمَغْرِبِ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي الْمُتَوَلَّى إِذَا قَارَفَ كَبِيرَةً أَنَّهُ يُسْتَتَابُ قَبْلَ الْبَرَاءَةِ، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ بُرِئَ مِنْهُ إِلا فِي فَاحِشَةَ الزِّنَى فَإِنَّهُ يُبْرَأُ مِنْهُ فِي حِينِ الْفِعْلِ ثُمَّ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ رَجَعَ فِي الْوَلَايَةِ وَإِنْ أَصَرَّ تُرِكَ فِي الْبَرَاءَةِ، وَأَمَّا مَنْ فَعَلَ كَبِيرَةٌ مِنْ أَهْلِ الْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ يُبْرَأُ مِنْهُ، فَإِنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ يُبْرَأَ مِنْهُ فَلا يُبْرَأُ مِنْهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وَلَكِنْ يُرَدُّ إِلَى حَالَةٍ مِنَ
(1) وَهَذَا الْقَوْلُ فِي غَايَةٍ مِنَ الْمَعْقُولِيَّةِ لَوْلاَ اسْتِثْنَاؤُهُ فَاحِشَةَ الزِّنَا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْفَوَاحِشِ. وَلِمَ؟ أَتَكُونُ أَقْبَحَ مِنَ الرِّبَا مَثَلاً؟ وَلَئِنْ قَالَ اللهُ فِي حَقٌّ الزَّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا (الإسراء: 32)، فَقَدْ قَالَ فِي حَقِّ الرِّبَا يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبوا وَيُرْيِي الصَدَقَاتِ} (البقرة: 276)، وَقَالَ: تَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} (البقرة: (279)، وَهُوَ أَشَدُّ تَهْدِيدًا فِي بَابِ الْوَعِيدِ، وَأَبْلَعُ مِمَّا وَرَدَ في الزِّنَا، وَلَوْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَسْتَثْنِ لَكَانَ أَقْرَبَ إِلَى رُوحِ التَّشْرِيعِ اهـ مُصَححه. (1/130)
صفحة 131
الْوُقُوفِ، وَقَالَ مَنْ قَالَ: يُبْرَأُ مِنْهُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وَعَلَى الْقَوْلِ الأَوَّلِ إِنْ سَبَقَهُ إِلَى التَّوْبَةِ قَبْلَ أَنْ يَبْرَأَ مِنْهُ فَلا يَبْرَأُ مِنْهُ، وَلَكِنْ يُرَدُّ إِلَى الْوُقُوفِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا اسْتُتِيبَ الْمُتَوَلَّى مِنْ فِعْل الْكَبِيرَةِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا إِلَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، قَالَ بَعْضُ: يُتْرَكُ فِي الْبَرَاءَةِ. وَفِي بَعْضَ الْكُتُبِ: إِنْ أَقْبَلَ فَأَقْبِلْ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَدْبَرَ فَأَدْبِرْ عَنْهُ (3)، وَهَذَا عِنْدِي أَصَحُ؛ لأَنَّ التَّوْبَةَ مَبْسُوطَةٌ مَا لَمْ يَتَغَرْغَرِ الْعَبْدُ، وَالتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ. فَكَمَا نَعْتَقِدُ أَنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ كَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْنَا اسْتِتَابَتُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (3)، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: "يُسْتَتَابُ حَتَّى يَكُونَ الشَّيْطَانُ هُوَ الْخَاسِر "، وَحُكِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (5)
(4)
وَالْمُتَوَلَّى بِوَلَايَةِ الْبَيْضَةِ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَلْزَمُنَا اسْتِتَابَتُهُ إِذَا قَارَفَ كَبِيرَةٌ)، وَمَنْ فَعَلَ كَبِيرَةٌ فَاسْتُتِيبَ مِنْهَا فَتَابَ ثُمَّ أَنْكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: لَمْ أَتُبْ قَطُّ مِمَّا فَعَلْتُ، مُتَمَادِيًا مُصِرًا فَإِنَّهُ يُبْرَأُ
(1) هَذَا بَاطِلٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَتَشْدِيدٌ تَأْبَاهُ سَمَاحَةُ الإسلام، كَيْفَ وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ حَدِيثًا شَرِيفًا أَنَّ: "مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللهُ عَلَيْهِ" [باب استحباب الاستغفار والإكثار منه،
ر 7036].
(2) [ذكره السوفي: السؤالات، ص 201]. (3) يُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً" [رواه أبو داود، باب في الاستغفار، (1516]، وقال: "تَكَلَّفُوا مِنَ الْعَمَل مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَمَلَّ حَتَّى تَمَلُوا" [رواه البخاري، باب الجلوس على الحصير ونحوه، ر 5523، ومسلم، باب فضيلة العمل الدائم ... ، (1863]، وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ قَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ: فُلانهُ تَذْكُرُ مِنْ صَلاتِهَا، قَالَ: "مَهُ عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ! فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ". [رواه البخاري، باب أحب الدين إلى الله أدومه، ر 43،
وأحمد، ر 24290]. (4) سَيَأْتِي التَّعْرِيفُ بِهِ قَرِيبًا.
(5) [انظر السوفي: السؤالات، ص 201].
(6) وَلِمَ ذَلِكَ؟ أَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ؟! (1/131)
صفحة 132
Astakatakatakatakatakaiskickickinkidatakatakatakatakatakatal
مِنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ مِنْ عَالِمٍ وَاحِدٍ أَنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا الْفِعْلَ يُبْرَأُ مِنْهُ فَقَبِلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَبْرأُ مِنْ كُلِّ مَنْ رَأَىهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ الْفِعْلَ إِذَا كَانَ عَاقِلَا، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ ذَلِكَ عَنِ الْعَالِمِ فَرَأَى مَنْ يَفْعَلُهُ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ الْعَالِمَ، فَأَفْتَاهُ بِالْبَرَاءَةِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنْهُ إِلَّا
بِأَمِينَيْنِ، فَبِذَلِكَ تَقُومُ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَيَنْقَطِعُ عُذْرُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَالْمُتَوَلَّى إِذَا فَعَلَ كَبِيرَةً فَاسْتُيبَ فَقَالَ: تُبْتُ مِنْ جَمِيع ذُنُوبِي؛ هَكَذَا مِنْ غَيْرِ قَصْدِ إِلَى الذَّنْبِ الَّذِي فَعَلَهُ، فَقِيلَ: لاَ يُجْزِتُهُ حَتَّى يَقْصِدَهُ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، وَقِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالرَّجُلُ الْمُتَوَلَّى إِذَا قَالَ: بَرِئَ مِنِّي فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَهُمَا مُتَوَلِّيَانِ فَإِنَّهُ يُبْرَأُ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ يُبْرَأُ مِنْهُ، وَإِنْ قَالَ: قَدْ بَرِئَ مِنِّي فُلاَنٌ الْمُتَوَلِّي عَلَى غَيْرِ مَا اسْتَحَقَّ، فَقَدْ رَمَاهُ بِكَبِيرَةٍ، فَلا مَخْرَجَ لِلرَّامِي مِنَ الْبَرَاءَةِ. فَمَنْ قَالَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَفْعَالِ: إِنَّ هَذَا الْفِعْلَ كَبِيرَةٌ أَوْ فرُ، ثُمَّ فَعَلَهُ فَهُوَ إِلَى الْبَرَاءَةِ أَقْرَبُ، وَإِذَا قَالَ: بَرِثْتُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ، وَهُمْ كُلُّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْوَلايَةِ فَهُوَ هَالِكٌ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَهْلَ وُقُوفٍ فَلَيْسَ عَلَيْنَا
مِنْهُ شَيْءٌ.
وَالْمُتَوَلِّيَانِ إِذَا فَعَلَ أَحَدُهُمَا فِعْلاً لا يَدْرِي مَا هُوَ فَبَرِئَ مِنْهُ الْآخَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَبَرِى مِنْهُ الْفَاعِلُ أَيْضًا، فَلَيْسَ عَلَى السَّامِعِ شَيْءٌ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الْمُحِقُّ مِنَ الْمُبْطِلُ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ مَعَ أَحَدِهِمَا مُتَوَلَّى آخَرُ وَالْمُتَوَلِّيَانِ حُجَّةٌ عَلَى السَّامِعِ، وَاللهُ
أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي بَعْضِ أَثَرِ أَصْحَابِنَا مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ يَقُولُ فِيهِ: "وَقَدْ أَدْرَكْنَا الْمُسْلِمِينَ يَتَبَرَّأُونَ مِنَ النَّاسِ عَلَى الأَعْمَالِ الْمُكَفِّرَةِ لَهُمْ، مِمَّنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ، وَمِنْ أَهْل الأَحْدَاثِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِمَا شَهرَ مَعَهُمْ مِنْ قَبِيحَ آثَارِهِمْ وَمَسَاوِي أَعْمَالِهِمُ الَّتِي اسْتَحَلُّوا بِهَا مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا أَحْدَاثَهُمْ، وَلَمْ يُدْرِكُوا زَمَانَهُمْ، وَلَمْ يَشْهَدْ مَعَهُمْ بِهَا مَنْ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنَّ شُهْرَةَ (1/132)
صفحة 133
أَعْمَالِهِمْ قَامَتْ عِنْدَهُمْ مَقَامَ الْمُعَايَنَةِ مِنْهُمْ لَهَا، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُشْتَهَرْ مَعَهُمْ لَهُ اسْمٌ وَلَا عَمَلٌ مِنْ أَهْل الإِنْكَارِ وَلَا مِنْ أَهْلِ الأَحْدَاثِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ الْحُجَّةُ، أَوْ شَهَرَتْ مَعَهُمْ أَسْمَاؤُهُمْ وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ بِأَحْدَائِهِمْ كَانَتِ الْبَرَاءَةُ مِنْهُمْ مَوْضُوعَةٌ عَنْهُمْ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ، فَإِذَا قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ بِمَعْرِفَةِ أَسْمَائِهِمْ وَأَحْدَائِهِمْ لَزِمَتْهُمُ الْبَرَاءَةُ مِنْهُمْ، وَمِنْ ذَلِكَ لَوْ أَنَّ أَحَدًا لَمْ يُشْتَهَرْ مَعَهُ تكْذِيبُ قَوْمٍ نُوحٍ وَلَا غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ كَانَتِ الْبَرَاءَةُ عَنْهُ مَوْضُوعَةٌ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ كَمَا قَدَّمْنَا، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَسْمَعْ بِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الأَحْدَاثِ فِي الإِقْرَارِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مِمَّنْ تَقَدَّمَهُ، أَوْ سَمِعَ بِهِمْ وَلَمْ يَسْمَعْ بِأَحْدَانِهِمُ الشَّاهِرَةِ عَنْهُمْ، أَوْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ شَهرَتِ الأَحْدَاثُ مِنْهُمْ كَانَتِ الْبَرَاءَةُ مِنْهُمْ مَوْضُوعَةٌ عَنْهُ حَتَّى تُشْتَهَرَ مَعَهُ أَسْمَاؤُهُمْ وَأَحْدَاتُهُمْ، أَوْ تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بِذَلِكَ، أَوْ يُشْتَهَرَ مَعَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْبَرَاءَةُ مِنْهُمْ (1)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (3).
(1) 110
(1) [انظر الكندي: بيان الشرع، 53،52/ 3 بتصرف]. (2) إِنَّ الْبَحْثَ وَرَاءَ أَحْدَاثِ مَنْ سَبَقَنَا لِلتَّحَقِّقِ مِنْ حَالَةِ أَشْخَاصِ خَاضُوا فِي مُنيَتْ بهَا أُمَّةٌ الإِسْلامِ عَبْرَ تَارِيخِهَا كَفِتْنَةِ الصَّحَابَةِ مَثَلاً، لَيْسَ مِنْ وَرَاءِهِ فَائِدَةٌ وَلاَ أَثَرٌ مَحْمُودٌ يَنْفَعُ الأُمَّةَ. مُسْتَقْبَلِهَا، بَلْ بِالْعَكْسِ لَا يَزِيدُ شَمْلَهَا إِلَّا تَشْتِينَا، وَلا شقَّةَ الْخِلَافِ بَيْنَهَا إِلَّا انْفِرَاجًا، عَلَى أَنَّ التَّوَصُّلَ إِلَى الْحَقِيقَةِ الَّتِي تَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا النَّفْسُ يَصْعُب جدًّا، مَعَ مَا نَرَاهُ فِي كُتُبِ التَّارِيخِ مِنْ تَضَارُبِ أَخْبَارِهَا وَاخْتِلافِ رِوَايَاتِهَا وَكَثَرَةِ التَّدْلِيسِ فِيهَا عَمْدًا أَوِ انْسِيَاقًا مَعَ الْهَوَى، أَوْ خُضُوعًا لِلسَّيَاسَةِ الْغَاشِمَةِ الَّتِي تَصْبُغُ الْحَوَادِثَ بِاللَّوْنِ الَّذِي يَحْلُو لَهَا، وَعَلَيْهِ فَالْخَيْرُ كُلَّ الْخَيْرِ لِلْمُسْلِمِ الَّذِي يَسْتَبْرِئُ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ أَنْ لَا يُفْنِيَ عُمْرَهُ فِي التَّنْقِيبِ عَنْ هَنَاتِ أَشْخَاصِ أَصْبَحُوا فِي ذِمَّةِ التَّارِيخ، وَخَيْرٌ لَهُ أَنْ يَسْتَغْنِي عَنْ ذَلِكَ بِبَرَاءَةِ الْجُمْلَةِ، وَيَكَلَ أَمْرَ التَّفْصِيلِ إِلَى مَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَإِذَا كَانَ الإِمَامُ الْعَادِلُ أَفْلَحُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الرُّسْتُمِيُّ يَقُولُ فِي كَلِمَتِهِ الرَّحِينَةِ: (لا يُبْرَأُ مِنَ الْمُسْلِمِ مُطْلَقًا بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ حَتَّى يَكُونَ حَاضِرًا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ). فَمِنْ أَيْنَ لَنَا أَنْ نُحْضِرَ مَنْ تَغَلْغَلَ فِي أَحْشَاءِ الْقِدَمِ لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ؟! وَلِلْعَلامَةِ خَلْفَانَ بْنِ جَمِيلَ السّيابِي - مِنْ عَلَمَاءِ عُمَانَ الْمُعَاصِرِينَ الْمُتَوَفَّى (15 شَعْبَان 1392) - كَلامٌ نَفِيسٌ فِي الْمَوْضُوع جَوَابًا عَنْ سُؤَالِ وُجّهَ إِلَيْهِ نَصُّهُ: مَا بَالُنَا نَرَى الْأَصْحَابَ مُنْقَسِمِينَ فِي شَأْنِ الصَّحَابَةِ بَعْدَ الْفِتْنَةِ؛ بَعْضُ يُشَدِّدُ، وَبَعْض يَتَوَفَّفُ، وَبَعْضُ يُوَالِي، وَمَبْدَأُ الْوَلَايَةِ وَالْبَرَاءَةِ عِندَهُمْ وَاحِدٌ؟ قَالَ: "أَمَّا الْقَوْلُ فِي الْفِتَنِ الَّتِي كَانَتْ نِيرَانُهَا مُشْتَعِلَةٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَلَا تَزَالُ (1/133)
صفحة 134
قواعد الإسـ د الإسلام
فَالْخَطْبُ سَهْلٌ، فَتِلْكَ دِمَاءُ طَهَّرَ اللهُ مِنْهَا أَيْدِينَا فَلْتُطَهِّرْ مِنْهَا أَلْسِنَتَنَا وتِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (البقرة: 134، 141). فَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ فِي الْوَلايَةِ قَبْلَ الافْتِرَاقِ، أَمَّا بَعْدَ الافْتِرَاقِ فَمَنْ تَوَقَّفَ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْفِتْنَةِ فَهُوَ عَلَى حَالِهِ فِي الولايةِ، وَأَمَّا الَّذِينَ دَخَلُوا الْفِتْنَةَ وَاقْتَتَلُوا فَأَصْحَابُنَا الأَوَّلُونَ حَكَمُوا عَلَى كُلِّ بِمَا عَايَنُوهُ فِيهِ أ صَحَ عِنْدَهُمْ، لَكِنْ طَالَ الزَّمَانُ وَتَسَاهَلَ النَّاسُ فِي نَقُل مَا كَتَبُوا، فَقَدْ قَلَّتِ الأَمَانَةُ، وَكَثُرَتِ الأَهْوَاءُ، وَعَمَّ التَّعَصُّبُ بِسَبَبِ الْجَهْلِ، فَلَمْ يَتَحَيَّمْ عَلَيْنَا التَّنْقِيبُ وَالْبَحْثُ عَنْ خَفِيَّاتِ مَنْ مَضَي، وَالسَّتْرُ مَظْلُوبٌ، وَإِنْ أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَحْتَكمَ فَاحْكُمْ فِيهِمْ بِمَا تَسْتَيْقِنُهُ مِنْهُمْ بِلا رَيْبٍ، وَأَمَّا مَا تَغَيَّبَ أَوْ يَخْفَى أَوِ ارْتَبْتَ فِيهِ فَوَاجِبٌ عَلَيْكَ أَن تَتَوَقَّفَ، وَلاَ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُقَلدَ مَنْ سَبَقَ فِي دِينِنَا، بَلْ لَا نَحْكُمُ إِلا بِعِلْمِنَا فِيهِمْ، سِيَّمَا وَالشَّكُ وَالتَّحْرِيفُ مُحْتَمَلاَنِ فِي النَّقْلِ عَنْهُمْ كَمَا قَدَّمْتُ لَكَ،
فَلْنَكْتَفِ بِوَلَايَةِ الْجُمْلَةِ فِيمَا غَابَ عَنَّا عِلْمُهُ، نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَعْصِمَنَا وَيُلْهِمَنَّا رُشْدًا. اهـ مَا أَعْذَبَهُ كَلاَمًا وَأَعْدَلَهُ حُكْمًا فَلَقَدْ وَقَفَ مَوْقِفًا مُعْتَدِلاً أَبَانَ فِيهِ عَنْ صِحَّةِ عَقِيدَةٍ وَاسْتِبْرَاءِ لِلدِّينِ وَالْعِرْضِ إِذِ احْتَرَسَ عَنِ الْخَوْضِ فِي قَضِيَّةٍ شَائِكَةِ لاَ يُؤْمَنُ فِيهَا الزَّلَقُ وَالزَّلَلُ، نَاهِيكَ أَنَّهَا تَتَنَاوَلُ سَلَفَنَا الصَّالِحَ وَرَعِيلَنَا الأَوَّلَ الَّذِي كَانَ الْوَاسِطَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ رَسُولِنَا الأَعْظَمِ صلى الله عليه وسلم فِي تَبْلِيغِ.
أُنْزِلَ إِلَيْهِ وَتَلَقَّوْهُ عَنْهُ، وَقَدْ تَقَادَمَ الْعَهْدُ وَكَثُرَتِ الأَهْوَاءُ وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ، فَإِنَّ مَنْ تَأَمَّلَ فِيمَا سَطْرَهُ بَعْضُ ثِقَاتِ الْمُؤَرِّخِينَ مِنَّا وَمِنْ غَيْرِنَا فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ قَضَايَا تِلْكَ الْفِتَنِ الْكُبْرَى يَجِدْ بَيْنَهَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا لاخْتِلافِ الْمَصَادِرِ الَّتِي اسْتَقَوْا مِنْهَا مَعْلُومَاتِهِمْ، فَكَانَتِ السَّلَامَةٌ حَقًّا فِي الْكَفِّ عَنْ تَعَصُّفِ تِلْكَ الْمَجَاهِيلِ، وَلَوْ أَنَّ الَّذِينَ خَاضُوا فِي هَذِهِ الْفِتَنِ بِالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ - سَيِّمَا الَّذِينَ أَسْرَفُوا مِنْهُمْ فِي الطَّعْنِ- تَنَزَّهُوا وَتَوَقَّفُوا كَمَا فَعَلَ عَلَامَتُنَا الْجَلِيلُ، وَكَرَّسُوا حَيَاتَهُمْ فِي إِصْلَاح حَاضِرِ الْمُسْلِمِينَ وَعَمِلُوا بِالآيَةِ الْكَرِيمَةِ: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (البقرة: (141) لَتَجَافَيْنَا كَثِيرًا مِنَ الفِتَنِ وَالْبَلَايَا الَّتِي عَانَتْهَا الأُمَّةُ عَبْرَ الْقُرُونِ وَلَا تَزَالُ، وَالأَمْرُ لِلهِ عَصَمَنَا اللهُ مِنَ الزَّلَلِ، وَهَدَى الْأُمَّةَ إِلَى مَا فِيهِ وَحْدَتُهَا
وَعِزَّتُهَا. اهـ مُصَححه. (1/134)
صفحة 135
الفصل العاشق
فِي حَقِيقَةِ الْوَلايَةِ وَالْبَرَاءَةِ وَوَلَايَةِ اللَّهِ فِي الْعِبَادِ وَأَلْفَاظِ الْوَلَايَةِ وَالْبَرَاءَةِ
وَهَذَا الْفَضْلُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ
الْقِسْمُ الأَوَّلُ
فِي حَقِيقَةِ الْوَلَايَةِ وَالْبَرَاءَةِ
اعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَةَ الْوَلايَةِ كَمَا قَدَّمْنَا هِيَ: الْمُوَافَقَةُ فِي الشَّرِيعَةِ؛ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكُونُوا عَلَى شَرِيعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)، وَالْبَرَاءَةُ أَيْضًا حَقِيقَتُهَا: الْمُفَارَقَةُ لِلْكُفَّارِ، وَأَكْثَرُ شُرُوطِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا بَلَغَنَا لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ أَنْ يُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ وَيَكُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (3) هَذَا نَفْسُ الْوَلايَةِ وَالْبَرَاءَةِ، وَسَائِرُ ذَلِكَ تَوَابِعُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَكُلُّ مَا جَازَ فِي الْوَلَايَةِ مِنَ الْمَحَبَّةِ بِالْقُلُوبِ وَالتَّوَادُدِ بِالْجَوَارِحِ وَسَائِرِ حُقُوقِ أَهْلِهَا مِنَ الإِسْعَافِ
(1) آل عِمْرَانَ: 103. (2) مِصْدَاقُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهاجروا (الأنفال: (72)، وَقَوْلُهُ: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَامِعَةً) الآية (النساء: 97)، وَقَوْلُهُ: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ امَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّدِقِينَ} (التوبة: 119). (1/135)
صفحة 136
الإسلام
وَالاسْتِغْفَارِ وَالتَّرَكُم وَحُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَالْمُوَافَقَةِ فِي الشَّرِيعَةِ، جَازَ فِي الْبَرَاءَةِ مِثْلُهُ مِنَ الْبُغْضِ بِالْقَلْبِ وَالشَّتْمِ بِاللَّسَانِ، وَالْقَطِيعَةِ، وَتَرْكِ الاسْتِغْفَارِ لأَهْلِهَا، وَمُفَارَقَتِهِمْ عَلَيْهَا؛ لأَنَّ مَا جَازَ فِي شَيْءٍ جَازَ فِي ضِدِّهِ خِلافُهُ بِإِجْمَاعِ مِنَ الْأَئِمَّةِ فِيمَا وَجَدْتُ؛ لأَنَّ مَنِ انْعَرَى مِنْ مَحَبَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَمَوَدَّتِهِمْ لَنْ يَنْتَهِيَ دُونَ بُغْضِهِمْ، وَهِيَ الْبَرَاءَةُ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي
فِي وَلَايَةِ اللَّهِ فِي الْعِبَادِ
اعْلَمْ أَنَّ وَلايَةَ اللهِ فِي الْعِبَادِ الْعِلْمُ بِمَا يَسْتَوْجِبُونَ مِنَ الثَّوَابِ، وَكَذَلِكَ عَدَاوَتُهُ الْعِلْمُ بِمَا يَسْتَوْجِبُونَ مِنَ الْعِقَابِ، وَفِي جَوَابَاتِ الإِمَامِ أَفْلَحَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ يَقُولُ: "وَذَكَرْتُ مَا ذَكَرَ اللهُ فِي الْقُرْآنِ مِثْلَ لُقْمَانَ الْحَكِيمِ وَرَجُلٍ مُؤْمِنٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ ذَكَرَ اللهُ لا فِي الْقُرْآنِ إِنْ كَانُوا مَعْصُومِينَ؟ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ قَالَ: مَدَحَ أَهْلَ الْجَنَّةِ بِمَحَاسِنِهِمْ، وَسَكَتَ عَنْ مَسَاوِئِهِمْ، وَذَمَّ أَهْلَ النَّارِ بِمَسَاوِئِهِمْ، وَسَكَتَ عَنْ مَحَاسِنِهِمْ (2)، وَأَحْسَبُ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدِ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَادَى فَلَمْ يُوَالِ، وَوَالَى فَلَمْ يُعَادِ، وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ التَّوْحِيدِ فِيمَا بَلَغَنَا عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُوَالٍ وَمُعَادٍ لَمْ يَزَلْ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ اللهَ لَمْ يَزَلْ عَالِمًا بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ أَنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَالِمًا بِأَسْمَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ
(1) الْمُمْتَحنَة: 4.
(2) [لم أقف على قول الإمام أفلح]. (1/136)
صفحة 137
وَقَبَائِلِهِمْ، وَلَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ الصَّلاةِ - فِيمَا وَجَدْتُ - اخْتِلَافُ فِي هَذَا الأَصْل)، وَاخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ، فَزَعَمَ ابْنُ الْحُسَيْنِ وَالتَّكَاثُ - فِيمَا وَجَدْتُ - أَنَّ وَلَايَةَ اللَّهِ لأَوْلِيَائِهِ وَعَدَاوَتَهُ لأَعْدَائِهِ تَتَقَلَّبَانِ عَلَى تَقَلُّبِ الأَحْوَالِ فِي أَعْمَالِهِمْ: إِنْ عَمِلُوا بِالإِيمَانِ فَاللَّهُ وَلِيُّهُمْ، وَإِنْ عَمِلُوا بِالْكُفْرِ فَاللَّهُ عَدُوُّهُمْ، عَلَى أَيِّ حَالٍ انْقَلَبُوا وَكَانُوا بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، فَقَالُوا: إِنَّهُمْ يَتَحَوَّلُونَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَى عِلْمِهِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا وَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ: إِنَّ وَلايَةَ اللهِ وَعَدَاوَتَهُ لَا تَتَقَلَّبَانِ، وَإِنَّ مَنْ عَلِمَ اللهُ أَنَّهُ يَمُوتُ عَلَى الإِيمَانِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ وِلايَتِهِ وَسُكَانِ جَنَّتِهِ وَإِنْ كَانَ يَعْمَلُ بِالشِّرْكِ فِي بَعْضِ الأَحْوَالِ، وَإِنَّ مَنْ عَلِمَ اللهُ أَنَّهُ يَمُوتُ عَلَى الْكُفْرِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ عَدَاوَتِهِ وَإِنْ كَانَ يَعْمَلُ بِالطَّاعَةِ فِي بَعْضِ الأَحْوَالِ، وَاحْتَجُوا فِي ذَلِكَ بِأَنَّ عِلْمَ
(1) يَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ: "فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لِيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا [رواه البخاري، كتاب القدر، (1226]، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: "خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ وَمَعَهُ كِتَابَانِ وَهُوَ قَابِضُ عَلَى كَفَّيْهِ، قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الْكِتَابَانِ؟ قُلْنَا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ اللهُ وَرْسولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: الَّذِي فِي يَمِينِي فِيهِ بِاسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِأَسْمَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ وَعَدَدِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَسْتَفِرُّوا فِي الْأَرْحَامِ، إِذْ هُمْ فِي الطَّيِّئَةِ مُنْجَدِلُونَ، فَلَيْسَ بِزَائِدِ فِيهِمْ وَلَا نَاقِصٍ مِنْهُمْ إِجْمَالَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي فِي يَسَارِي هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِأَسْمَاءِ أَهْلِ النَّارِ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ وَعَدَدِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَسْتَفِرُّوا فِي الأَرْحَامِ، إِذْ هُمْ فِي الطَّيِّنَةِ مُنْجَدِلُونَ، فَلَيْسَ بِزَائِدِ فِيهِمْ وَلَا نَاقِصٍ مِنْهُمْ إِجْمَالاً مِنَ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَقِيمَ الْعَمَلٍ إِذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: اعْمَلُوا وَلاَ تَغْتَرُوا، فَكُلُّكُمْ مُسَسَّرُ لِمَا خُلِقَ لَهُ، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، فَإِنَّ صَاحِبَ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَل أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلِ، وَصَاحِبَ أَهْلِ النَّارِ يُخْتَمُ ُل بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلَ " [رواه الترمذي، باب ما جاء أن الله كتب كتابا لأهل الجنة وأهل النار، ر 2141].
قَالَ الْمُحَشْي: فَذَكَرَ الْعَدَدَ فِي كُلِّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِزَائِدٍ فِيهِمْ وَلَا نَاقِصٍ مِنْهُمْ، وَهَذَا مِمَّا يُكَذِّبُ الْقَوْلَ بِالْخُرُوج مِنَ النَّارِ؛ لأَنَّهُ لَوْ خَرَجَ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلَ النَّارِ لَحَصَّلَتِ الزِّيَادَةُ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَالتَّقْصَانُ مِنْ أَهْل النَّارِ، وَمِمَّا يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى عَدَمَ الزَّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (الشور: (فَمَنْ أَرَادَ اللهُ بِهِ خَيْرًا خَتَمَ لَهُ بِالْخَيْرِ، فَنَسْأَلُهُ حُسْنَ الْخَاتِمَةِ
آمين.
اهـ مُصَححه. (1/137)
صفحة 138
اللهِ لا يَتَحَوَّلُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ) وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا، وَقَدْ ذَكَرْتُ احْتِجَاجَ كِلاَ الْفَرِيقَيْنِ مُسْتَقْصِّى فِي كِتَابِ شَرْحِ قَصِيدَةِ الشَّيْخِ أَبِي نَصْرٍ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ (3).
(1) أبو عُبَيْدَةَ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ التَّمِيمِيُّ، لَئِن قَالَ الشَّاعِرُ [ابن دريد]:
وَالنَّاسُ أَلْفُ مِنْهُمْ كَوَاحِدٍ وَوَاحِدٌ كَأَلْفِ إِنْ أَمْرٌ عَنَا
فَأَنَا أَقُولُ: إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَخْلُقُ أَجْيَالاً، وَيُحْيِي أُمَمًا، وَيُنْشِئُ دُوَلاً، وَيَسْعَدُ عَلَى يَدَيْهِ أَقْطَارٌ وَأَوْطَانٌ وَمِنْ هَؤُلَاءِ الإِمَامُ التَّابِعِيُّ أَبُو عُبَيْدَةَ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ التَّمِيمِيُّ الْمَشْهُورُ بِالْأَعْوَرِ وَبِالْقَفَّافِ؛ لأَنَّهُ يَحْتَرِفُ صِنَاعَةَ الْقِفَافِ وَيَرْتَزِقُ بِهَا هُوَ وَطَلَبَتْهُ - وَهِيَ كَمَا تَرَى - حِرْفَةٌ شَرِيفَةٌ تَسُدُّ الضَّرُورَةَ وَلَا تُشْغِلُ عَنْ أَدَاءِ الرِّسَالَةِ.
كَانَتْ مَدْرَسَةُ أَبِي عُبَيْدَةَ - رَغْمَ مَا يَكْتَنِفُهَا مِنْ مُضَايَقَاتِ الْحَجَّاجِ وَمُعَاكَسَاتِهِ - مَصْدَرَ إِشْعَارٍ دِينِي أَضَاءَ مَشْرِفًا وَمَغْرِبًا، فَبِاللَّهِ مَا أَبْرَكَهَا عَلَى الإِسْلامِ فَقَدْ تَخَرَّجَ مِنْهَا الْعَلَامَةُ الْبَغْطُورِيُّ الَّذِي عَادَ إلى ليبيا وَانْقَطَعَ لِنَشْرِ الْعِلْمِ تَدْرِيسًا وَإِفْتَاء، وَظَلَّ هُنَاكَ مُرَابطًا، وَبَارَكَ اللهُ فِي عُمْرِهِ إِلَى أَيَّامِ الإِمَامِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الرُّسْتُمِي، فَكَانَ سَاعِدَهُ الأَيْمَنَ فِي قَمْعِ الظَّالِمِينَ وَالْمُفْسِدِينَ، كَمَا تَخَرَّجَ مِنْهَا الْعَلَامَةُ سَلَمَةُ بْنُ سَعْدٍ رَائِدُ الدَّعْوَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ الصَّافِيَةِ مِنْ شَوَائِبِ الْبِدَعِ وَالْخُرَافَاتِ، الَّذِي طَافَ أَنْحَاءَ الْمَغْرِبِ وَدَعَا أَقْوَامَهُ إِلَى اللَّهِ، فَأَيْقَظَ مِنْهُمْ عُيُونًا غَافِيَةٌ، وَأَهَابَ بِقَبَائِلِ الْبَرْبَرِ إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ، وَأَلْهَبَ نُفُوسَهُمْ إِلَى الْعِلْمِ وَالاكْتِرَاعِ مِنْ يَنَابِيعِهِ الصَّافِيَةِ، وَأَلْفَتَ نَظَرَهُمْ إِلَى مَدْرَسَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ بِالْبَصْرَةِ، فَكَانَ مِنْ ثَمَرَةِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الْمُبَارَكَةِ أَنِ الْتَحَقِّ بِهَا مَنْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُعِيدَ لِلإِسْلَامِ بَشَاشَتَهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ، أُولَئِكَ هُمْ حَمَلَةُ الْعِلْمِ إِلَى الْمَغْرِبِ الَّذِينَ أَسَسُوا دَوْلَتَيْ أَبِي الْخَطَّابِ بِطَرَاجُلسَ وَالْقَيْرِوَانِ، وَدَوْلَةَ بَنِي رُسْتُم بِتَاهِرْتَ، وَمِنْ خِرِّيجِي مَدْرَسَتِهِ حَمَلَةُ الْعِلْمِ إِلَى الْمَشْرِقِ الَّذِينَ انْتَزَعُوا عُمَانَ مِنْ أَيْدِي الْجَبَابِرَةِ، وَأَقَامُوا بِهِ إِمَامَةً أَحْيَوْا بِهَا سِيرَةَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، كَمَا أَزَالَ مُرِيدُوهُ مَعَالِمَ الْجَوْرِ مِنَ الْيَمَنِ وَحَضْرَمُوتَ، وَعَلَى أَيْدِيهِمْ وَبِمَشُورَتِهِ كَانَتْ إِمَامَهُ عَبْدِ اللَّهِ طَالِبِ الْحَقِّ الَّتِي بَسَطَتْ نُفُوذَهَا عَلَى الْيَمَنِ وَسَائِرِ الْحِجَازِ، وَإِنْ لَمْ يَطْلُ أَمَدُهَا. هَذَا بَعْضُ مَا تَمَّ عَلَى يَدَيْ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ، وَهُوَ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ، وَمَا أَحْرَاهُ أَنْ يُسَمَّى جُنْدِيَّ الإِسْلَامِ الْمَجْهُولَ)، ثُمَّ لَا غَرْوَ أَنْ يَقُولَ فِيهِ الْخَلِيفَةُ أَبُو جَعْفَرِ الْمَنْصُورُ إِذْ بَلَغَهُ مَوْتُهُ: "أَوَقَدْ مَاتَ؟ إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ذَهَبَتِ الإِبَاضِيَّةُ" [سير الشماخي، 91/ 1]. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي خِلَافَةِ أَبِي جَعْفَرٍ حَوَالَيْ سَنَةِ 150 هـ رَحِمَ اللهُ تِلْكَ النَّفْسَ الْكَبِيرَةَ وَالرُّوحَ الْجَبَّارَةَ الَّتِي دَكَّتْ صُرُوحَ الْقَاسِطِينَ، وَرَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. اهـ مُصَححه.
(2) يُشِيرُ إِلَى شَرْحِهِ لِقَصِيدَةِ أَبِي نَصْرِ النُّونِيَّةِ الَّتِي مَطلَعُهَا: سَلامٌ عَلَى الإِخْوَانِ فِي كُلِّ مَوْطِن شرح النونية، 23/ 2، شرح البيت 34].
بِنَجْدٍ وَخيف وَالسّهُولَةِ وَالْحَزْنِ [الجيطالي: (1/138)
صفحة 139
أَعْلَمُ.
قواعد الإسلام
مَسْأَلَةٌ: وَوَلَآيَةُ الْعِبَادِ فِي اللهِ قَبُولُ أَوَامِرِهِ بِالامْتِثَالِ، وَزَوَاجِرِهِ بِالانْتِهَاءِ، وَاللَّهُ
الْقِسْمُ الثَّالِثُ
فِي مَا يَجُوزُ مِنَ الأَلْفَاظِ فِي الْوَلَايَةِ وَالْبَرَاءَةِ وَمَا لَا يَجُوزُ
اعْلَمْ
أَنَّ مَنْ وَجَبَتْ وَلاَيَتُهُ فَقَدْ وَجَبَ تَعْظِيمُهُ وَتَوْقِيرُهُ عَلَى مَنْ تَوَلاهُ، وَيُحِبُّ لَهُ مِثْلَ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَيَدْعُو لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَكَذَلِكَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بَرَاءَةُ رَجُل فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ بُعْضُهُ وَإِهَانَتُهُ وَتَحْقِيرُهُ، وَلَا يَدْعُو لَهُ بِدُعَاءِ الآخِرَةِ، وَلَا بِكُلِّ مَا يَسْتَحِقُ بِهِ الْمَغْفِرَةَ، وَمَنْ قَالَ لِلْمُسْلِمِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، أَوْ يَا كَافِرُ، أَوْ يَا ضَالُ، أَوْ يَا فَاسِقُ، أَوْ قَاتَلَكَ اللهُ، أَوْ ذَمَّكَ اللَّهُ، أَوْ لَعَنَكَ اللَّهُ، أَوْ أَخْزَاكَ اللَّهُ، أَوْ أَضَلَّكَ اللهُ، أَوْ أُفٍّ لَكَ، أَوْ سُحْقًا لَكَ، أَوْ بُعْدًا لَكَ، أَوْ قَبَّحَكَ اللَّهُ، أَوْ حَشَرَكَ اللهُ عَلَى شَبَهِ الْيَهُودِ أَوْ دِينِ الْكُفْرِ، وَبِالْجُمْلَةِ أَنَّ الدُّعَاءَ بِالشَّرِّ كُلَّهُ فِي الآخِرَةِ بَرَاءَةٌ كَانَ الْمَدْعُو عَلَيْهِ حَيًّا أَوْ مَيِّنَّا، وَالدُّعَاءَ الْحَسَنَ كُلَّهُ فِي الْآخِرَةِ وَلَآيَةٌ كَانَ الْمَدْعُو لَهُ حَيَّا أَوْ مَيِّنَا، وَكُلُّ دُعَاءِ كَانَ ضَرًّا فِي الدُّنْيَا لَا يَكُونُ بَرَاءَةٌ مِمَّنْ دَعَا بِهِ عَلَى أَحَدٍ، وَكَذَلِكَ كُلُّ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا لَا يَكُونُ وَلَآيَةٌ مِمَّنْ دَعَا بِهِ عَلَى أَحَدٍ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الدُّعَاءُ السُّوءُ عَلَى الْمُسْلِمِ بَرَاءَةٌ؛ لأَنَّهُ لَا يَشْتُمُهُ إِلَّا وَهُوَ يَبْغَضُهُ، وَمَنْ قَالَ لِمَنْ رَأَى مِنْهُ الْوَفَاءَ بِدِينِ اللهِ: يَا مُسْلِمُ، يَا بَارُّ، يا تقي، يا مُحسَنُ، يَا وَأَبُو نَصْرٍ: هُوَ فَتْحُ بْنُ نُوحٍ الْمُلُوشَانِيُّ النفوسِيُّ. قَالَ الشَّيْخُ الشَّماخِيُّ: عَالِمٌ فَائِقٌ، وَوَاعِظُ صَادِقٌ، أَخَذَ الْعِلْمَ عَنْ خَالِهِ أَبِي يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَهُ عَلَيْهِ مَرْثِيَّةٌ، وَكَانَ لُغَوِيًّا قَرَضَ مَا أَلَّفَهُ شِعْرًا، لَهُ النُّونِيَّةُ فِي أُصُولِ الدِّينِ، شَرَحَهَا الشَّيْخُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى (وَهُوَ الشَّرْحُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ، وَلَهُ الْقَصِيدَةُ الرَّائِيَّةُ فِي الصَّلاةِ [السير، 548/ 1]، وَدِيوَانُ قَصَائِدَ بَيْنَ وَوَعْظِيَّةٍ، وَمَقَامَاتٍ نَشْرِيَّةٍ بَلِيغَةٍ عَلَى عِرَارِ أَطْوَاقِ الذَّهَبِ لِلزَّمَخْشَرِي، تَنْمُ عَنْ عُلُو كَعْبِهِ فِي اللُّغَةِ وَالْأَدَبِ، وَكَانَ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ السَّابِعِ مِمَّنْ يَغْلَبُ عَلَيْهِ الزُّهْدُ، وَتَالِيفُهُ تَنْضَحُ بِذَلِكَ لَهُ وَرَضِي. عَنْهُ. اهـ مُصَححه. (1/139)
صفحة 140
قواعد الإسلام
مَرْحُومُ، يَا مُتَابُ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ، فَذَلِكَ وَلَآيَةٌ، وَلَا تُجْزِتُهُ، وَإِنْ قَالَ: أَطَالَ اللهُ بَقَاءَكَ وَعُمْرَكَ فَلَا يُجْزِتُهُ ذَلِكَ، إِلا إِنْ قَالَ: فِي الْجَنَّةِ. وَإِنْ قَالَ: آجَرَكَ اللهُ فَلَا يُجْزِتُهُ حَتَّى يَقُولَ: أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، وَإِنْ قَالَ: وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكَ قَبْرَكَ وَنَوَّرَهُ لَكَ، وَبَرَّدَ ضَرِيحَكَ، وَهَوَّنَ عَلَيْكَ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، وَغَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَكَ، فَذَلِكَ وَلايَةٌ تُجْزِتُهُ، وَإِنْ قَالَ لِمَنْ يَتَبَرَّأُ مِنْهُ: يَا ضَالُ، يَا مُشْرِكُ، أَنْتَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ؛ فَذَلِكَ بَرَاءَةٌ وَلَا تُجْزِتُهُ، وَإِنْ قَالَ: ضَيَّقَ اللهُ عَلَيْكَ قَبْرَكَ، فَلَيْسَ بَرَاءَةٌ، وَإِنْ قَالَ: أَظْلَمَ اللهُ عَلَيْكَ قَبْرَكَ، ذَلِكَ بَرَاءَةٌ، وَإِنْ قَالَ: أَذَلَّكَ اللَّهُ، فَلَا يُجْزِتُهُ إِلَّا إِنْ قَالَ: فِي الآخِرَةِ، وَإِنْ قَالَ: نَقَشَ اللهُ عَلَيْكَ الْحِسَابَ، فَذَلِكَ بَرَاءَةٌ وَتُجْزِتُهُ، وَإِنْ قَالَ لِمَنْ يَتَوَلاهُ: يَا مَشْرُومُ، يَا مَنْحُوسُ، فِيهِ اخْتِلَافٌ.
وَفِي بَعْض أَثَرِ أَهْل الْمَشْرِقِ: الْمَحَبَّةُ وَالتَّرَحُمُ وَالْبَرَكَةُ لِلْمُسْلِمِينَ وَلِسَائِرِ النَّاسِ عَافَاكَ اللهُ وَأَصْلَحَكَ، وَلا يُقَالُ لِلْمُتَبَرِّي: رَحْبَ اللَّهُ بِكَ، وَأَمَّا مَرْحَبًا فَفِيهِ اخْتِلافُ، وَالأَصَحُ جَوَازُهُ، وَلا يُقَالُ لِغَيْرِ الْمُتَوَلَّى: أَيَّدَكَ اللَّهُ، وَلَا قَوَّاكَ اللَّهُ، وَلَا سَلامُ اللهِ عَلَيْكَ، وَلا حَيَّاكَ اللهُ، وَلا بَارَكَ الله فيك.
11
وَذُكِرَ فِي كِتَابِ الْجِهَالَاتِ (1) عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ مَا يَدُلُّ أَنَّهُ يَرَى الْخُرُوجَ مِنْ هَذِهِ الْعُهْدَةِ بِالْمَعَارِيضِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا مَرَّ بِقَوْمٍ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ (1) كِتَابُ الْجِهَالَاتِ تَأْلِيفُ الشَّيْخِ تَبْغُورِينَ بْنِ عِيسَى بْنِ دَاوُدَ الْمَلشُوطِيِّ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الْخَامِسِ الْهِجْرِي، أَخَذَ الْعِلْمَ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي الرَّبِيعِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَخْلِفَ الْمُزَاتِي الْمُتَوَفَّى سَنَةَ 471 هـ وَعَنِ الشَّيْخ عَبْدِ اللهِ اللتي، وَكَانَ كَمَا قَالَ الشَّماخِيُّ مِنْ أَعْظم النَّاسِ قَدْرًا وَأَكْثَرِهِمْ عِلْمًا وَأَشَدِّهِمْ عَمَلاً، تَعَلَّمَ الْعُلُومِ وَعَلَّمَهَا وَاسْتَفَادَ وَأَفَادَ، وَطَلَبَ الْعُلَا فَسَادَ" [السير، 432/ 1]، تَخَرَّجَتْ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ كَانَتْ لَهُمُ الصَّدَارَةُ فِي أَوْسَاطِهِمْ، لاَ مِنَ الرِّجَالِ فَقَطْ بَلْ حَتَّى مِنَ النِّسَاءِ كَالْعَلَامَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ مُعَادٍ الَّتِي قِيلَ عَنْهَا إِنَّهَا خَيْرٌ نِسَاءِ أَجْلُو (بليْدَة أَعْمَر) - بَلَغَتْ فِي الْعِلْمِ شَأْوا بَعِيدًا، وَكَانَتْ تُجَالِسُ الْعُلَمَاءَ وَتُناقِشُهُمْ، وَكَثِيرًا مَا يَكُونُ الْحَقُّ فِي جَانِبِهَا، كَمَا تُرَكَ لَنَّا ثَرْوَةٌ عِلْمِيَّةٌ مِنَ التَّالِيفِ الْقَيِّمَةِ فِي الْعَقَائِدِ على الأخص، تدل على نباهةِ شَأْنِهِ وعُلُوّ درجتِهِ، ككتابه في الكلام، وكتاب الأدلة والبيان في أُصُولِ الْفِقْهِ، وَأَبْرَزُ كِتَاب اشتهر بهِ هُوَ كِتَابُ الْجِهَالَاتِ الْمُوَمَّى إِلَيْهِ، كَانَ مَوْضِعَ عِنَايَةٍ مِنَ الْمَشَائِخِ لَأَهَمِّيَّتِهِ، شَرَحَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَمَّارٍ عَبْدُ الْكَافِي التَّناوتِيُّ، (1/140)
صفحة 141
قواعد الإسلام
وَيَقُولُ: أَعَانَكُمُ اللهُ، قَوَّاكُمُ اللهُ. وَفِي كُتُبِ بَعْضِ مُخَالِفِينَا ذُكِرَ عَنْ بَعْضٍ فُقَهَائِهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ رَجُلٌ لَهُ جَارٌ نَصْرَانِي يَقْضِي لَهُ حَوَائِجَهُ وَيَنْفَعُهُ، فَكَانَ الْفَقِيرُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَبْقَاكَ اللهُ، تَوَلاكَ اللهُ، أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَيْكَ، يَسُرُّنِي وَاللَّهِ مَا يَسُرُّكَ، جَعَلَ اللهُ يَوْمِي قَبْلَ يَوْمِكَ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، فَيَبْتَهِجُ النَّصْرَانِيُّ بِهَا وَتَسُرُّهُ، فَعُوتِبَ الْفَقِيهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَدْعُو بِمَعَارِيضَ، وَقَدْ عَلِمَ اللهُ ذَلِكَ مِنْ نِيَّتِي، أَمَّا قَوْلِي: أَبْقَاكَ اللهُ وَتَوَلَاكَ اللَّهُ؛ فَإِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ يُبْقِيَهُ لِغُرْمِ الْجِزْيَةِ وَيَتَوَلاهُ بِالْعَذَابِ، وَأَمَّا قَوْلِي: أَفَر اللَّهُ عَيْنَيْكَ؛ فَإِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ تَقَرَّ بِشَيْءٍ رِضُ لَهَا، فَلاَ تَتَحَرَّكَ جُفُونُهَا وَأَمَّا قَوْلِي يَسُرُّنِي وَاللَّهِ مَا يَسُرُّكَ؛ فَإِنَّ الْعَافِيَةَ وَاللَّهِ تَسُرُّنِي كَمَا تَسُرُّهُ، وَأَمَّا قَوْلِي: جَعَلَ اللهُ يَوْمِي قَبْلَ يَوْمِكَ، فَأُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَ
الْيَوْمَ الَّذِي أَدْخُلُ فِيهِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ قَبْلَ الْيَوْمِ الَّذِي يُدْخِلُهُ النَّارَ بِكُفْرِهِ. وَفِي كِتَابِ ابْنِ جَعْفَرٍ (1): "وَمَنْ كَانَ فِي حَدِّ التَّقِيَّةِ جَازَ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ لِمَنْ لَا يَتَوَلاهُ بِمَا يَدْعُو بِهِ لأَهْلِ الْوَلايَةِ، وَيَعْتَقِدَ الْمَعْنَى لِغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ قِيلَ: إِذَا عَزَّى مَنْ لَا يَتَوَلاهُ فِي مُصِيبَةٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: عَظَّمَ اللَّهُ أَجْرَكَ، وَجَبَرَ مُصِيبَتِكَ، وَيَجْعَلَ الْمَعْنَى لِغَيْرِهِ
(2)
وَالشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْمَصْعَبِيُّ المليكي، وَالشَّيْخُ أَبو سِتَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْقَصَبِيُّ الْحِرْبِي الْمَشْهُورُ بِالْمُحَنِّي، وَشَرَحَهُ أَخِيرًا مُجْتَهِدُ الأُمَّةِ الشَّيْخ امحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَطْفَيَّش. وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ
كَانَ الشَّيْخُ تَبْغُورِينَ حَلْقَةً فِي سِلْسِلَةِ أَئِمَّةِ الدِّينِ، رَحِمَهُمُ اللهُ أَجْمَعِينَ. اهـ مُصَححه. (1) الْمَشْهُورُ بِجَامِعِ ابْنِ جَعْفَرٍ، تَأْلِيفُ الْعَلَامَةِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ الْأَزْكَوِيِّ، مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الثَّالِثِ بِعَمَانَ، وَالْكِتَابُ فِي ثَلَاثَةِ مُجَلَّدَاتٍ، وَفِيهِ زِيَادَاتُ أَبِي الْحَوَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَابْنِ الْمُسَبِّحِ، جَعَلُوا زِيَادَتَهُمْ حُكْمَ الْحَوَاشِي، وَهُوَ كَمَا قَالَ الْعَلَامَةُ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِي: "كِتَابَ مبَارَكٌ نَافِعٌ لِلْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ " [اللمعة المرضية من أشعة الإباضية، 22/ 1]، هَذَا وَقَدْ أَلَّفَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْعَدْمِيُّ كِتَابَ الْمُعْتَبَر، اعتبر فِيهِ الآثَارَ، وَتَعَقَّبَ بِهِ جَامِعَ ابْنِ جَعْفَرٍ، فَفَصَّلَ مُجْمَلاتِهِ، وَأَوْضَحَ مُشْكَلاتِهِ، وَاسْتَخْرَجَ كُنُوزَهُ، فَكَانَ فِي مُتَنَاولَ أَيْدِي الرَّاغِبِينَ، وَالْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. اهـ مُصَححه.
أبو
سعيد
(2) [ابن جعفر: الجامع، 1/ 150]. (1/141)
صفحة 142
1427
(2)
وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْبُوبِ (1) مِثْلُ هَذَا فِي الصَّاحِبِ وَالْجَارِ وَالرَّحِمِ). وَبِالْجُمْلَةِ: إِنَّ كُلَّ مَنْ لاَ يَتَوَلاهُ لَا يُدْعَى لَهُ بِرِضَى اللَّهِ وَلَا بِالْمَغْفِرَةِ، وَلاَ بِمَا يَكُونُ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَسْتَحِقُ بِهِ الْجَنَّةَ، إِلَّا إِنِ اضْطُرَ إِلَى ذَلِكَ بِالتَّقِيَّةِ كَمَا قَدَّمْنَا؛ لأَنَّهُمْ قَالُوا: "إِنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ (3)،
وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَهَذَا بَابٌ يَنْبَغِي لِذِي الدِّينِ حِفْظُهُ وَإِثْقَانُ مَخَارِجَ الْمَعَانِي فِيهِ.
(1) سَبَقَ التَّعْرِيفُ بِهِ. (2) [ابن جعفر، 154/ 1].
(3) يُشْعِرُ تَعْلِيلُ الْمُصَنِّفِ: "إِنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةٌ عَنِ الْكَذِبِ" أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ كَلَامِ الرَّسُولِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ حَدِيثُ [رواه البيهقي، باب المعاريض فيها مندوحة عن الكذب، ر 20631]. (1/142)
صفحة 143
قواعد الإس
الحملة الثالثة فِي الْوُقُوفِ
وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ تَتَفَرَّعُ مِنْهَا ثَلاثَةُ فُصُولٍ، أَحَدُهَا: فِي الْأَدِلَّةِ عَلَى فَرْضِ الْوُقُوفِ وَوُجُوبِهِ، وَالثَّانِي: فِي حُكْمِ الْمَوْقُوفِ فِيهِ مِنَ الأَشْخَاصِ، وَالثَّالِثُ فِي
الْأَفْعَالِ الْمَوْقُوفِ فِيهَا. (1/143)
صفحة 144
الفصل الأول
فِي الأَدِلَّةِ عَلَى فَرْضِ الْوُقُوفِ
(1).
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمُ (1) فِيهِ تَأْوِيلَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ تَقُولَ رَأَيْتُ وَلَمْ تَرَ، وَعَلِمْتُ وَلَمْ تَعْلَمْ والثَّانِي: لَا تَتَّبِعْ مَا لَا يَعْنِيكَ وَمَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ. وَقَالَ تَعَالَى: وإِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَا فَتَبَيَّنُوا (2)، أَيْ: فَتَتَبَّتُوا، وَقَالَ أَيْضًا: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَيْحِشَ إِلَى قَوْلِهِ: وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (3)، فَلَمَّا نَهَاهُمْ عَنِ الْقَوْلِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالْإِمْسَاكِ عَنْهُ؛ لأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْء أَمْرٌ بِضِدِّهِ.
وَمِنَ الإِجْمَاعِ الَّذِي لاَ مُنَاكَرَةَ فِيهِ أَنَّ النَّاسَ مَعَ كُلِّ مُكَلَّفٍ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ فَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا: مَجْهُولُ الْحَالِ، وَالآخَرُ: مَعْلُومُ الْحَالِ، فَمَجْهُولُ الْحَالِ عِنْدَ الْمُكَلَّفِ فِي وُقُوفِ الدِّينِ اللازم فِي كُلِّ مُشَارِ إِلَيْهِ بِعَيْنِهِ لَا مَحَالَةَ، بَل الْحُكْمُ النَّقْلِيُّ يَشْهَدُ بِأَنَّ الأُمُورَ ثَلَاثَةٌ أَمْرٌ بَانَ لَكُمْ رُشْدُهُ فَاتَّبِعُوهُ، وَأَمْرٌ بَانَ لَكُمْ غَيْهُ
(1) الإسراء: 36. (2) الْحُجُرَات: 6. (3) الأعراف: 32. (1/144)
صفحة 145
قواعد الإس
sichichichickiskalatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakata
4145
فَاجْتَنِبُوهُ، وَأَمْرٌ أَشْكَلَ عَلَيْكُمْ فَكِلُوهُ إِلَى اللهِ، وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الْفَرِيقُ الْمَجْهُولُ، وَأَمَّا الْفَرِيقُ الْمَعْلُومُ الْحَالِ فَصِنْفَانِ صِنْفٌ عُلِمَ مِنْهُ الْخَيْرُ وَهُوَ الْمُوَافَقَةُ فِي الدِّينِ بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، فَهَذَا هُوَ الْوَلِيُّ الْمُسْتَحِقُ الْوَلايَةَ، وَصِنْفٌ عُلِمَ مِنْهُ الشَّرُّ، وَهُوَ الْمُخَالَفَةُ فِي الدِّينِ بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، فَهَذَا هُوَ الْمَخْلُوعُ الْمُسْتَحِقُ الْبَرَاءَةَ وَالْعَدَاوَةَ، وَبِهَذَا التَّقْسِيمِ صَارَ الْوُقُوفُ فِي الدِّينِ وَهُوَ مَعْنِّى وَاحِدٌ يُضَادُّ الْوَلايَةَ وَالْبَرَاءَةَ، وَهُمَا مَعْنَيَانِ مُتَضَادَّانِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْوُقُوفَ عَنْ جَهْلِ وَالْوَلَايَةَ وَالْبَرَاءَةَ عَنْ عِلْمٍ بِخَيْرٍ أَوْ بِشَرٍّ، فَثَبَتَ بِمَا أَوْرَدْنَاهُ مِنَ الاحْتِجَاجِ الأَصْلِي وَالنَّقْلِي أَنَّ الْوُقُوفَ فَرْضٌ لاَزِمٌ، وَمَعْنَاهُ الْإِمْسَاكُ عَنِ الإِمْضَاءِ، فَضِدُّ الْوُقُوفِ الإِمْضَاءُ، كَمَا أَنَّ ضِدَّ الإِمْضَاءِ الْوُقُوفُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) هَذَا مِنْ كَلام عِيسَى، رَوَاهُ الطَّبَرَانِي فِي الْكَبِيرِ [/10774] بِإِسْنَادِ لا بَأْسَ بِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاس رَوَاهُ بِصِيغَةِ الإِفْرَادِ: [أن عيسى بن مريم عليه السلام قال:] إِنَّمَا الأُمُورَ ثَلاثَةٌ أَمْرٌ
رُشْدُهُ فَاتَّبِعْهُ، وَأَمْرٌ يَتَبَيَّنُ لَكَ غَيْهُ فَاجْتَنِبُهُ، وَأَمْرٌ اخْتُلِفَ فِيهِ فَرُدَّهُ إِلَى عَالِمِه". (1/145)
صفحة 146
قواعد
الفصل الثاني
فِي حُكْمِ الْمَوْقُوفِ عَنْهُ
وَاعْلَمْ أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِ فَرْضِ الْمَوْقُوفِ عَنْ مُعَايَنَةٍ شَخْصِ لَا يُدْرَى مِنْهُ كُفْرٌ وَلَا إِيْمَانُ، فَالْمَوْقُوفُ عَنْهُ مِنَ الْأَشْخَاصِ نَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا: كُلُّ شَخْصٍ بَالِغِ مُكَلَّفٍ لا يُعْرَفُ مِنْهُ كُفْرٌ وَلا إِيْمَانُ، فَالْفَرْضُ فِيهِ الْوُقُوفُ عَنْهُ حَتَّى يُعْلَمَ حَالُهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، فَيَسْتَحِقَّ حِينَئِذٍ الْوَلاَيَةَ أَوِ الْبَرَاءَةَ، فَمَنْ أَمْضَى فِيهِ الْوَلَايَةَ أَوِ الْبَرَاءَةَ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَهُوَ هَالِكٌ وَالنَّوْعُ الثَّانِي: هُمْ أَطْفَالُ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ، فَهُمْ عِنْدَ أَصْحَابِنَا فِي حُكْمِ الْوُقُوفِ حَتَّى يَبْلُغُوا الْحُلُمَ وَيُشَاهَدَ مِنْهُمُ الإِيمَانُ فَيُتَوَلَّوْنَ، أَوِ الْكُفْرُ فَيُتبَرأُ مِنْهُمْ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَحْكَامَهُمْ قَبْلَ هَذَا.
مَسْأَلَةٌ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمُتَوَلَّيَيْنِ إِذَا قَتَلَ بَعْضُهُمَا بَعْضًا فَلَمْ يُدْرَ الْمُحِقُّ مِنْهُمَا مِنَ الْمُبْطِلِ، وَفِي الْمُتَلاَعِنَيْنِ اللَّذَيْنِ لَمْ يُعْرَفِ الظَّالِمُ مِنْهُمَا مِنَ الْمَظْلُومِ إِذَا كَانَا مُتَوَلَّيَيْنِ، وَفِي كُلِّ مَنْ لَهُ أَصْلُ الْوَلَايَةِ ثُمَّ أَحْدَثَ فِعْلاً وَلَا يُدْرَى مَا هُوَ، فَقَالَ مَنْ قَالَ بِالْوُقُوفِ فِيهِمَا جَمِيعًا، لِئَلاً نَتَوَلَّى كَافِرًا أَوْ نَتَبَرَّأَ مِنْ مُسْلِمٍ،
(1)
فَالْوُقُوفُ فِيهِمَا جَمِيعًا أَسْلَمُ، وَأَحْسَبُ أَنَّهُ قَوْلُ النَّاكِثَةِ وَابْنِ الْحُسَيْنِ (1) وَقَالَ مَنْ
(1) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِالنُّكَاتِ، وَأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ نَكَثُوا بَيْعَةَ الإِمَامِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الرُّسْتُمِي، وَخَالَفُوا الإِبَاضِيَّةَ الْوَهْبِيَّةَ فِي مَسَائِلَ، بَلْ أَصْبَحُوا فِرْقَةٌ مِنَ الإِبَاضِيَّةِ غَيْرِ الْوَهْبِيَّةِ، أَمَّا ابْنُ الْحُسَيْنِ فَقَدْ سَبَقَ
أَنَّهُ كَانَ رَئيسًا لِفِرْقَةٍ مِنَ الإِبَاضِيَّةِ غَيْرِ الْوَهْبِيَّةِ تَنتَسِبُ إِلَيْهِ وَهِيَ الْحُسَيْنِيَّةُ. اهـ مُصححه. (1/146)
صفحة 147
ـد الإسـ
قَالَ بِالْوَلايَةِ لَهُمَا عَلَى الأَصل الأَوَّلِ، قَالُوا لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ الْوَلَايَةَ عَلَيْنَا لِمَنْ أَظْهَرَ لَنَا الْوَفَاءَ بِدِينِهِ، وَالْبَرَاءَةَ مِمَّنْ أَظْهَرَ لَنَا خِلَافَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْبَلِيَّةُ فَلَا مَخْرَجَ لَنَا مِنْهَا إِلَّا النُّبُوتُ عَلَى الأَصْلِ الأَوَّلِ إِذَا كَانَ ثَابِنَا بِالْعِلْمِ؛ لأَنَّهُ لَوْ زَالَ لَنَبَتَ ضدَّهُ مِنَ الْبَرَاءَةِ، فَأَمْضَيْنَا الْوَلايَةَ فِيهِمَا، وَاللَّهُ تَعَالَى يَحْكُمُ فِيهِمَا بِعِلْمِهِ، وَأَظْتُهُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ أَقْيَسُ؛ لأَنَّ الْيَقِينَ لا يُزِيلُهُ إِلَّا الْيَقِينُ، وَالرُّجُوعَ عَنِ الْعِلْمِ لاَ يَسَعُ عِنْدَ الْجَمِيعِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالاحْتِجَاجِ فِيهَا لِكِلاَ الْفَرِيقَيْنِ فِي شَرْحِ قَصِيدَةِ الشَّيْخِ أَبِي نَصْرٍ (1) وَاللهُ أَعْلَمُ.
(1) وَهَذِهِ الْمَسْأَلَهُ مَشْهُورَةٌ فِي كُتُبِ الأَصْحَابِ بِمَسْأَلَةِ الْحَارِثِ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِالشَّيْخِ أَبِي نَصْرٍ وَالْإِشَارَةُ إِلَى قَصِيدَتِهِ وَشَرْحِهَا. (1/147)
صفحة 148
1487
الفصل الثالث
فِي أَحْكَامِ الْوُقُوفِ فِي الْأَفْعَالِ الإِنْسَانِيَّةِ
اعْلَمْ أَنَّ الأَفْعَالَ الَّتِي يَكُونُ حُكْمُهَا الْوُقُوفُ هِيَ الأَفْعَالُ الَّتِي تَصْدُرُ مِنْ أَهْلِ الْوَلَايَةِ، وَلَا يُدْرَى مَا هِيَ كَبَائِرُ أَوْ صَغَائِرُ، فَالْحُكْمُ فِي كُلِّ فِعْلِ يَصْدُرُ مِمَّنْ لَهُ أَصْلُ الْوَلايَةِ أَنْ يُوقَفَ عَنِ الْفِعْل حَتَّى يُدْرَى مَا هُوَ، وَيَكُونُ الْوَلِيُّ الْفَاعِلُ لَهُ عَلَى أَصْل وَلايَتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُ الْفِعْلُ مَا هُوَ حَكَمَ عَلَى الْفَاعِلِ بِمَا يَقْتَضِيهِ فِعْلُهُ مِنْ كَبِيرَةٍ أَوْ صَغِيرَةِ، فَإِذَا كَانَ الْفِعْلُ كَبِيرَةٌ مُوبِقَةٌ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ يَشْهَدَانِ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ كَبِيرَةٌ يُتَبَرَّأُ مِنْ فَاعِلِهِ ثُمَّ يُسْتَتَابُ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرَةً اسْتُتِيبَ قَبْلَ الْبَرَاءَةِ، فَإِذَا تَابَ قُبَلَ مِنْهُ، وَإِنْ أَصَرَّ بُرِئَ مِنْهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَرَى الإِنْسَانُ مُتَوَلَّى لَهُ عَلَى مَعْصِيَةِ شِبْهِ الزِّنَى، وَلَا يَدْرِي مَا قَوْلُ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ، فَيَأْتِي إِلَيْهِمْ فَيَقُولُ: مَا تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ مِمَّنْ تَتَوَلَّوْنَهُ رَأَيْتُمُوهُ يَزْنِي، مَا هُوَ عِنْدَكُمْ؟ وَلاَ يَقُولُ: رَأَيْتُ فُلانًا يَزْنِي؛ لأَنَّهُ إِذًا قَالَ ذَلِكَ بَرِثُوا مِنْهُ؛ لأَنَّهُ رَمَى مُتَوَلَّى لَهُمْ بِكَبِيرَةٍ، فَإِذَا سَأَلَهُمْ كَمَا وَصَفْنَا، فَإِذَا أَخْبَرُوهُ أَنَّهُ يُبْرَأُ مِنْهُ بَرِئَ مِنْهُ، وَيَكُونُ إِنَّمَا يَقِفُ حَتَّى يَسْأَلُ، وَيَكُونَ مَنْ بَرِئَ مِنْهُ عِنْدَهُ مُسْلِمًا، إِذَا كَانَ أَوَّلُ مَنْ يَلْقَاهُ فَيَسْأَلُهُ عَنْهُ، فَيَقُولُ لَهُ: هُوَ كَافِرٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْرَأَ مِنَ الَّذِي قَالَ: هُوَ كَافِرٌ، وَلَكِنْ يَتَوَلاهُ وَيَقُولُ: أَنَا سَائِلٌ، فَإِذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بَرِئَ مِنْهُ، وَهَكَذَا
يَحْتَرِزُ فِي سُؤَالِهِ عَنْ هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ وَمَا يُشْبِهُهَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. (1/148)
صفحة 149
مَسْأَلَةٌ: وَعَنْ ثَلاثَةِ نَفَرٍ رَأَوْا رَجُلاً مِنْ أَهْل وَلَايَتِهِمْ قَارَفَ ذَنْبًا مِمَّا يَسَعُ جَهْلُهُ، وَهُوَ كَبِيرٌ فِي الْوَصْفِ وَلَا يَدْرُونَ مَا يَبْلُغُهُ ذَلِكَ، فَتَوَفَّفَ فِيهِ أَحَدُهُمْ، وَتَوَلاهُ الْآخَرُ، وَتَبَرَّأَ مِنْهُ آخَرُ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ الْفِعْل.
الْجَوَابُ فِيهِ: أَنَّ الَّذِي تَوَلاهُ عَلَى فِعْل كَبِيرَةٍ وَالَّذِي وَقَفَهُ فِيهِ وَأَخْرَجَهُ مِنَ الْوَلايَةِ ضَالاًنِ، وَأَمَّا الَّذِي تَبَرَّأَ مِنْهُ فَقِيلَ: إِنَّهُ أَخْطَأَ خَطَأَ لَا يَهْلِكُ بِهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَهْلِكُ بِتَقَدُّمِهِ فِي الْبَرَاءَةِ مِنْهُ بِرَأْيِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالَّذِي يَنْبَغِي فِي هَذَا وَفِي كُلِّ فِعْل لاَ يُدْرَى مَا هُوَ إِذَا كَانَ مَنْ فَعَلَهُ مِنْ أَهْلِ الْوَلَايَةِ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَصْلِ وَلايَتِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ فِعْلُهُ ذَلِكَ، وَمَا يَبْلُغُ بِهِ فَاعِلُهُ كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ وَقَفَ فِي النَّاسِ كُلِّهِمْ، أَوْ تَبَرَّأَ مِنْهُمْ كُلِّهِمْ، أَوْ تَوَلَا هُمْ كُلَّهُمْ فَهُوَ مُشْرِكٌ، لأَنَّ مَنْ وَقَفَ فِيهِمْ كُلِّهِمْ فَقَدْ وَقَفَ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَكَذَلِكَ الْوَلَآيَةُ وَالْبَرَاءَةُ عَلَى هَذَا الْحَالِ. وَالسَّامِعُ يُعْذَرُ فِي الْوَلَآيَةِ فِيمَا وَجَدْتُ فِي الْأَثَرِ، وَأَمَّا الْوُقُوفُ وَالْبَرَاءَةُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْرَأَ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَنْ تَبَرَّأَ مِنَ الْجِنْسِ الْمُعَلَّقِ بِالصَّفَةِ كَالْعَمَى أَوِ الْبُكْمِ، أَوِ الْمُعَلِّقِ إِلَى الصَّنْعَةِ كَالْحِيَاكَةِ وَالنَّجَارَةِ، فَتَبَرَّأَ مِنَ الْحَيَّاكِينَ أَوِ النَّجَّارِينَ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَقَدْ كَفَرَ؛ لأَنَّهُ كَمَنْ تَبَرَّأَ مِنْهُمْ عَلَى صَنْعَتِهِمْ، وَإِنْ قَالَ: تَبَرَّأْتُ مِنْ بَنِي آدَمَ أَوِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا إِنْ لَمْ يَحِلُّ لِي، فَذَلِكَ مِنْ أَخْلاقِ السُّوءِ، وَقِيلَ: يُبْرَأُ مِنْهُ، وَإِنْ قَالَ: تبرأتُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ إِلا إِنْ لَمْ يَحِلُّ لِي ذَلِكَ، فَقَدْ أَشْرَكَ؛ لأَنَّ عَلَيْنَا وَلَا يَتَهُمْ جُمْلَةٌ.
وَمَنْ تَبَرَّأَ مِنَ الأَطْفَالِ وَالْبَهَائِم فَقَدْ كَفَرَ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَنْ لَا تَجْرِي بَيْنَنَا
وَبَيْنَهُ وَلَايَةٌ وَلَا بَرَاءَةٌ مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (1/149)
صفحة 150
raht
وَالرَّجُلُ الصَّالِحُ إِذَا مَاتَ عَلَى الْوَفَاءِ فَشَهِدَ عَلَيْهِ أَمِينَانِ بِالْكُفْرِ، فَقِيلَ: يَبْرَأُ مِنْهُ، وَقِيلَ: مَنْ مَاتَ عَلَى الْوَفَاءِ لا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الشُّهُودِ. وَفِي جَوَابَاتِ الْإِمَامِ أفلح: أَنَّهُ لا يَبْرَأُ مِنَ الْمُسْلِمِ وَإِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى بَرَاءَتِهِ، حَتَّى يَكُونَ حَاضِرًا يُدَافِعُ عَنْ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
مَسْأَلَةٌ: مَنْ حَكَى عَنْ مُتَوَلَّى كَبِيرَةً فَإِنَّهُ يُبْرَأُ مِنَ الْحَاكِي، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْجُمْلَةِ إِذَا حَكَوْا عَنْ مُتَوَلَّى كَبِيرَةً أَوْ بَرِثُوا مِنْهُ، فَإِنَّهُ يُبْرَأُ مِنْهُمْ جَمِيعًا، وَإِنْ حَكَى مُتَوَلَّى عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجُمْلَةِ كَبِيرَةً أَوْ تَبَرَّأَ مِنْهُ، فَلَيْسَ عَلَيْنَا مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا إِنْ حَكَى الشِّرْكَ أَوِ الزِّنَى وَإِنْ حَكَى مُتَوَلَّى عَنْ مُتَوَلَّى كَبِيرَةً فَإِنَّهُ يُبْرَأُ مِنَ الْأَوَّلِ، ومن قال لرجل مُتولّى: يَا كافر، فقال له: أنتَ الكافِرُ، فَإِنَّهُ يُبَرَأُ مِنَ الْأَوَّلِ إِذَا كَانَا مِنْ أَهْلِ الْوَلايَةِ لِقَوْلِ الرَّسُولِ: "إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِالْكُفْرِ أَحَدُهُمَا، وَالْبَادِئُ أَظْلَمُ (2)، وَأَمَّا إِنْ قَالَ لَهُ: يَا زَانٍ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الزَّانِي، فَإِنَّهُ يُبْرَأُ مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كَانَا مُتَوَلَّيَيْنِ أَوْ غَيْرَ مُتَوَلَّيَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا مُتَوَلَّى وَالْآخَرُ مِنْ أَهْلِ الْجُمْلَةِ.
وَعَنْ رَجُلَيْنِ مُتَوَلَّبَيْنِ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَحَدُنَا كَافِرُ إِمَّا أَنْتَ وَإِمَّا أَنَا،
فَإِنَّهُ يُبْرَأُ مِنْهُ بِذَلِكَ الْقَوْلِ، سَوَاءٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَانَا اثْنَيْنِ أَوْ جَمَاعَةٌ.
إِذَا قَالَ: وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ كَافِرُ أَوْ أَنَا، أَوْ قَالَ: وَاحِدٌ مِنْهُمْ كَافِرٌ، إِذَا كَانُوا كُلُّهُمْ أَهْلَ وَلَآيَةٍ، فَإِنَّهُ لاَ يُبْرَأُ مِنْهُ لِهَذَا الْقَوْلِ مُتَوَلَّى كَانَ أَوْ غَيْرَ مُتَوَلَّى، وَإِنْ
قَالَ هَذَا لِغَيْرِ أَهْلِ الْوَلَآيَةِ فَلَيْسَ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ
(1) [انظر جوابات الإمام أفلح، ص 151 (مخطوط)]. (2) رِوَايَةُ الرَّبيع عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ: مَنْ قَالَ لأَخِيهِ يَا كَافِرُ. فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ كَافِرٌ. فَقَدْ بَاءَ بِالْكُفْرِ أَحَدُهُمَا، وَالْبَادِي أَظْلَمُ. قَالَ الرَّبِيعُ: اسْتَحَقَّ اسْمَ الْكَافِرِ دُونَ صَاحِبِهِ لِقَوْلِهِ لَهُ: يَا كَافِرُ" [مسند الربيع، باب في ذكر الشرك والكفر، (65]. (1/150)
صفحة 151
3101
اعد الإسلام
وَأَمَّا فِي بَابِ الدَّعَاوَى وَمَا يَقَعُ مِنَ الْخَصْمِ لِصَاحِبِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَلَا يُبْرَأُ مِنْهُ، مِثَالُ ذَلِكَ: إِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّهُ قَتَلَ وَلِيَّهُ بِالتَّعْدِيَةِ، أَوْ جَرَحَهُ، أَوْ ظَلَمَهُ، أَوْ أَكَلَ مَالَهُ، أَوْ أَفْسَدَهُ، أَوْ بَغَى عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يُبْرَأُ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِهَذَا، سَوَاءٌ كَانَ مُتَوَلَّى أَوْ غَيْرَ مُتَوَلَّى، وَكَذَلِكَ الشُّهُودُ إِذَا كَانُوا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْوَلَايَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الْوَلَايَةِ فَإِنَّهُ يُبْرَأُ مِنْهُ إِذَا كَانَ الَّذِي شَهِدُوا عَلَيْهِ مِمَّا يَسْتَحِقُ
الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ الْبَرَاءَةَ، وَكَذَلِكَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ إِذَا شَهِدُوا عَلَيْهِ بِالنُّورِ مِنْهُمْ، وَكَذَلِكَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا لَيْسَ عَلَيْهِ يَبْرَأُ مِنَ الْمُدَّعِي، وَلَا يَبْرَأُ مِنَ الشُّهُودِ عَلَيْهِ إِذَا قَالَ لِلشُّهُودِ شَهِدْتُمْ عَلَيَّ بِالنُّورِ، أَوْ قَالَ لِلْمُدَّعِي: ادَّعَيْتَ عَلَيَّ بِمَا لَيْسَ عَلَيَّ، أَوْ قَالَ لِلْحَاكِمِ حَكَمْتَ عَلَيَّ بِالْجَوْرِ، فَلَيْسَ عَلَيْنَا أَيْضًا مِنْهُ بَرَاءَةٌ، وَأَمَّا الشُّهُودُ وَالْحَاكِمُ فَإِنَّهُمْ يَبْرَأُونَ مِنْهُ إِذَا لَمْ يَكُونُوا كَمَا زَعَمَ، وَأَمَّا إِذَا قَالَ لِلشُّهُودِ: أَنْتُمْ شُهُودُ النُّورِ، أَوْ قَالَ لِلْحَاكِمِ: أَنْتَ حَاكِمُ الْجَوْرِ؛ فَإِنَّهُ يُبْرَأُ مِنْهُ. وَمَنْ قَالَ: النَّاسُ كُلُّهُمْ عِنْدِي فِي الْوَلَايَةِ إِلَّا مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ مَا يَبْرَأُ بِهِ، فَإِنَّهُ يُبْرَأُ مِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ. وَمَنْ رَأَى مِنْ رَجُل كَبِيرَةً فَتَبَرَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ رَاهُ فَعَلَ كَبِيرَةً أُخْرَى فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِعَادَةُ الْبَرَاءَةِ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْكَبِيرَةُ شِرْكًا أَوْ نِفَاقًا. وَمَنْ تَوَلَّى رَجُلاً مِنْ أَهْل الْكَبَائِرِ عَلَى خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّاعَةِ فَقَدْ كَفَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَبِهِ الحَوْلُ وَالتَّوْفِيقُ. (1/151)
صفحة 152
[صفحة فارغة] (1/152)
صفحة 153
الْبَابُ الثَّالِثُ مِنَ الرُّكْنِ الأَوَّلِ فِي الْمِلَلِ السِّتْ وَأَحْكَامِهَا (1)
اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْبَابَ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثِ جُمَلٍ مِنَ الْأَحْكَامِ، إِحْدَاهَا: فِي أَحْكَامِ مِلَّةِ الإِسْلَامِ، وَالثَّانِيَةُ: فِي أَحْكَامِ مِلَلِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالْأَصْنَامِ، وَالثَّالِثَةُ: فِي الْقَوَاعِدِ وَالأَرْكَانِ الَّتِي يُبْنَى عَلَيْهَا الدِّينُ وَالإِسْلَامُ.
الْجُمْلَةُ الأُولَى: فِي أَحْكَامِ مِلَّةِ الإِسْلَامِ
وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ تَحْتَوِي عَلَى مُقَدِّمَةٍ تَجْمَعُ الْقَوْلَ فِي الْمِلَلِ السِّتْ، وَعَلَى فَصْلَيْنِ مُخْتَصَّيْنِ فِي أَحْكَامِ الْمِلَّةِ الإِسْلامِيَّةِ، أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ: فَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ لِلْعِبَادَةِ، وَسَبَقَتْ كَلِمَتُهُ فِي أَهْلِ الشَّقَاوَةِ مِنْهُمْ وَالسَّعَادَةِ، ثُمَّ أَظْهَرَ مِحْنَتَهُ عَلَى إِبْلِيسَ اللَّعِينِ وَالْمَلائِكَةِ فِي أَمْرِهِ لَهُمْ بِالسُّجُودِ لَآدَمَ الْمُخْتَصّ بِالْكَرَامَةِ،
(1) الْمِلَلُ السِّتُ، قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاقَ أَطْفَيَّشُ فِي مُقَدِّمَةِ التَّوْحِيدِ تَعْلِيفًا عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: "اعْلَمْ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْمِلَلِ مِنْ جِهَةِ الإِيمَانِ مِنْ أَحْمَلَ الْمَسَائِلِ وَأَعْجَزِهَا أَنْ تَكُونَ ذَاتَ شَأْنٍ يُعْتَبَرُ فِي رِيَاضِ الْإِيمَانِ وَالْكَمَالِ الإِسْلامِي - إِلَى أَنْ قَالَ - وَنَرَى أَنَّ أَبَا نَصْرٍ نَه يَقُولُ: لَقَدْ شَدَّدُوا فِي جَاهِلِ الْمِلَلِ الأُولَى، فَاعْتُبِرَ قَوْلُهُمْ فِيهَا مِنْ قِبَلِ الإِيمَانِ تَشْدِيدًا. وَفِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ مَغْنِّى لَا يَحْفَى عَنِ النَّبِيبِ - وَرَحِمَ اللهُ شَمْسَ الدِّينِ أَبَا يَعْقُوبَ إِذْ يَقُولُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِهِ الدَّلِيلِ: "وَأَمَّا حِكَايَةُ الشَّيْخِ - يَعْنِي عَلَمَ الدِّينِ أَبَا الرَّبِيعِ سُلَيْمَانَ بْنَ يَخْلُفَ - لَا يَسَعُ جَهْلُ الْمِلَّلِ، وَهُم: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالصَّابُونَ وَالْمَجُوسُ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا؛ فَهَذِهِ أَبْعَدُ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلَّهَا وَأَحْمَلُ، وَلَمْ تَبْلُغْ دَرَجَةَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا أَنْ يَقْرِنَ اللَّهُ الإِيمَانَ بِهِ بِالإِيمَانِ بِهِمْ، بَلْ هُمْ أَخَسُّ مِنْ ذَلِكَ إِلَخْ إِلَخْ" [الدليل والبرهان، 32/ 2] [مقدمة التوحيد 107]. اهـ مُصَححه وشروحها لبدر الدين الشماخي هامش ص (1/153)
صفحة 154
واعد الإسلام
فَسَجَدَتِ الْمَلائِكَةُ إِذْعَانَا بِالطَّاعَةِ، وَأَبَى إِبْلِيسُ مِنَ السُّجُودِ اسْتِكْبَارًا وَأَنْفَةٌ، وَأَظْهَرَ الإِصْرَارَ رُكُونًا إِلَى الْمَعْصِيَةِ، فَصَارَتِ الطَّاعَةُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَصْلاً لِلْمُطِيعِينَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَصَارَتِ الْمَعْصِيَةُ مِنْ إِبْلِيسَ اللَّعِينِ أَصْلاً لِلْعَاصِينَ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ امْتَحَنَ آدَمَ لِنَهْيِهِ إِيَّاهُ عَنْ أَكْلِ الشَّجَرَةِ، فَعَصَاهُ إِذْ أَطَاعَ زَوْجَتَهُ وَهَوَاهُ، حِينَ دَلَاهُمَا إِبْلِيسُ بِالْوَسْوَسَةِ وَالْغُرُورِ، فَأَهْبَطَ اللهُ الْجَمِيعَ مِنَ الْجَنَّةِ دَارِ السُّرُورِ إِلَى مُسْتَقَرُ الْأَرْضِ وَمَظَانُ النُّبُورِ، بَعْدَ أَنْ جَعَلَهُمْ أَعْدَاءَ مُتَفَرِّقِينَ وَأَحْزَابًا مُتَبَاغِضِينَ، فَشَرَعَ اللَّهُ لَهُ الإِسْلَامَ دِينًا ارْتَضَاهُ لِلْعِبَادِ إِلَى يَوْمِ التَّنَادِ، بَعْدَ أَنْ تَابَ عَلَيْهِ وَهَدَاهُ إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ، فَبَعَثَ رُسُلَهُ دُعَاةٌ إِلَى دِينِهِ جَمِيعَ الْخَلْقِ، وَبَثَّ إِبْلِيسُ جُنُودَهُ سَعْيًا وَعِنَادًا فِي مُخَالَفَةِ الْحَقِّ، بَعْدَ أَنْ شَرَعَ لَهُمْ خَمْسَةَ أَدْيَانٍ تَحْتَوِي عَلَى الْكُفْرِ وَالْعِصْيَانِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} وَهُمْ أَهْلُ التَّوْحِيدِ مِنْ أَهْلِ مِلَّةِ الإِسْلَامِ، وَالَّذِينَ هَادُوا يَعْنِي الْيَهُودَ مِنْ أَهْلِ مِلَّةِ مُوسَى، وَالصَّبِعِينَ وَهُمْ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْمَلائِكَةَ، وَيَقْرَأُونَ الزَّبُورَ، وَيُصَلُّونَ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَقِيلَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ قَوْمٌ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اخْتَارُوا مَطَايِبَ التَّوْرَاةِ وَمَطَايِبَ الْإِنْجِيلِ فَقَالُوا: أَصَبْنَا دِينًا، وَقِيلَ: هُمْ قَوْمُ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالْمَجُوسِ؛ لأَنَّ مِنْ دِينِ الْمَجُوسِ الْقَوْلُ بِالتَّثْنِيَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: هُرْمُزُ خَالِقٌ لِلْخَيْرِ وَالأَشْيَاءِ الْجَمِيلَةِ، وَالشَّيْطَانُ خَالِقٌ لِلشَّرِّ وَالأَشْيَاءِ الْقَبِيحَةِ، وَالصَّابِئُونَ أَيْضًا قَوْمٌ يَقُولُونَ فِيمَا بَلَغَنَا بِالتَّثْنِيَةِ: نُورٌ وَظَلامٌ، وَالْقَوْلُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُمْ قَوْمٌ يَقْرَأُونَ الزَّبُورَ كَمَا قَدَّمْنَا، وَالنَّصَرَى وَهُمْ أَهْلُ مِلَّةِ عِيسَى، وَالْمَجُوسَ وَهُمْ عَبَدَةُ النِّيرَانِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ والنُّجُومِ، وَيَنْكِحُونَ ذَوَاتَ الْمَحَارِمِ، وَيَأْكُلُونَ الْمَيْتَاتِ مِنَ الْبَهَائِمِ، وَالَّذِينَ أشْرَكُوا وَهُمْ عَبَدَةُ الأَصْنَامِ مِنْ أَهْلِ اللآتِ وَالْعُزَّى وَمَنَاةِ الثَّالِثَةِ الْأُخْرَى، (1/154)
صفحة 155
قواعد الإسلام
(1)
وإن الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (1) فَجَمِيعُ فِرَقِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالْمَذَاهِبِ الْمُحَمَّدِيَّةِ أَصْلُهَا مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ السِّتّ الْمَذْكُورَةِ، وَتَنْحَصِرُ أَفْعَالُهَا إِلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: إِيمَانٍ وَنِفَاقٍ وَشِرْكَ، كَمَا أَنَّ أَسْمَاءَ فَاعِلِيهَا ثَلَاثَةُ أَسْمَاءِ: فَفَاعِلُ الإِيمَانِ يُسَمَّى مُؤْمِنًا بِثَلَاثَةِ أَرْكَانِ: نُطْقِ بِاللَّسَانِ، وَاعْتِقَادِ بِالْجَنَانِ، وَعَمَلِ بِالْأَرْكَانِ، وَفَاعِلُ النِّفَاقِ يُسَمَّى مُنَافِقًا، مُقِرًّا بِاللَّسَانِ وَالْجَنَانِ، مُضَيَّعًا لِلأَرْكَانِ، مُتَّصِفًا بِالنِّفاقِ بِتَضييع فَرِيضَةٍ أَوِ انْتِهَاكِ حُرْمَةٍ مُوبِقَةٍ، وَفَاعِلُ الشِّرْكِ يُسَمَّى مُشْرِكًا بِالْجُحُودِ وَالإِنكَارِ، وَالأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ (2)، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ أَحْوَالِ النَّاسِ فِيهَا فَقَالَ: {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ والمنتفق أهل التضييع والخيانة في الإقرار، وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ) أَهْلَ الْجُحُودِ وَالإِنْكَارِ، وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (3) أَهْل الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا مَعْرِفَةُ الْمِلَل وَأَحْكَامِهَا وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ فِي أَوَّلِ حَالِ بُلُوغِهِ، وَشَدَّدُوا فِيمَنْ جَهِلَهَا أَنْ يُبْلِغَهُ ذَلِكَ إِلَى الشِّرْكِ، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ: عَلَيْنَا مَعْرِفَةُ الْمَجُوسِ أَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ أَشْرَكَ، وَاخْتُلِفَ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَقِيلَ: عَلَيْنَا أَنْ نَعْلَمَ أَنَّهُمْ كَافِرُونَ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ أَشْرَكَ، وَقِيلَ: يَعْلَمُ أَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ كَفَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَأَحْكَمُ.
(1) الْحَج 17. (2) الأحزاب: 72.
(3) الأحزاب: "
73 (1/155)
صفحة 156
قواع
(1)
الفصل الأول
في حُكْمِ مِلَّةِ الإسلام
وَهِيَ قِسْمَانِ، أَحَدُهُمَا: فِي حُكْمِ مَذْهَبِ أَهْلِ الْوِفَاقِ، وَالثَّانِي: فِي حُكْمِ أَهْلِ الْخِلَافِ.
القسم الأول: في حكم أهل الوفاقِ]
أَمَّا حُكْمُ أَهْلِ الْوِفَاقِ فَنَوْعَانِ: أَهْلُ وَلاَيَة، وَأَهْلُ بَرَاءَةِ، أَمَّا أَهْلُ الْوَلَايَةِ: فَالْحُكْمُ فِيهِمْ إِجْرَاءُ جَمِيعِ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَوَدَّةِ وَالاسْتِغْفَارِ، وَالنَّصِيحَةِ، وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَصَرْفِ الأَذَى عَنْهُمْ، وَتَحْرِيمِ بُغْضِهِمْ، وَاغْتِيَابِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ مَا لاَ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. وَأَمَّا أَهْلُ الْبَرَاءَةِ: فَالْحُكْمُ فِيهِمْ إِذَا صَحَتْ بَرَاءَتُهُمْ بِمُعَايَنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ أَوِ اشْتِهَارٍ إِجْرَاءُ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ مِنَ الزَّنَى وَالْقَدْفِ مِنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ، وَقَطْعِ الأَيْدِي مِنَ السَّرِقَةِ مَعَ إِبْطَالِ شَهَادَتِهِمْ، وَتَجْرِيحِ عَدَالَتِهِمْ، وَتَحْلِيلِ مُنَاكَحَتِهِمْ وَمُوَارَثَتِهِمْ، وَإِجْرَاءِ حُقُوقِ الْمَوْتَى عَلَيْهِمْ، وَأَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَوَضْعِهَا فِي فُقَرَائِهِمْ، وَالْحَجِّ مَعَهُمْ، وَإِشْهَادِهِمْ عَلَى النِّكَاحِ، وَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي الْقَوَدِ وَالْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ، فَإِنْ صَدَرَ الْبَغْيُ وَالْفَسَادُ مِنْهُمْ دُعُوا إِلَى تَرْكِ ذَلِكَ وَإِعْطَاءِ الْحَقِّ (1) الْأَوْلَى: وَهُوَ قِسْمَانِ. (1/156)
صفحة 157
وَالإِنْصَافِ، فَإِنْ أَجَابُوا إِلَى الْحَقِّ أُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ الْحُدُودُ مَعَ غُرْمِ الْمُثْلَفَاتِ وَرَدَّ التَّبَاعَاتِ، وَفِي الْأَنْفُسِ الْقَوَدُ وَالدِّيَاتُ بِخِلَافِ الْمُحَارِبِينَ وَقُطَّاعَ الطُّرُقِ التَّائِبِينَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ أَبَوْا مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ وَالْكَفْ عَنِ الْفَسَادِ بَعْدَ الإنذار والإعْدَارِ قُوتِلُوا حَتَّى يَفِيثُوا إِلَى أَمْرِ اللهِ، وَلَا يُغْنَمُ لَهُمْ مَالٌ وَلَا يُسْبَى لَهُمْ أَهْل وَلَا عِيَالٌ، وَإِنِ انْهَزَمُوا لَمْ يُتْبَعْ مُدْبِرُهُمْ وَلَمْ يُجْهَزْ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَلَا يَحِلُّ الْفِرَارُ مِنْهُمْ فِي حَالِ حَرْبِهِمْ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ وَمَآلٍ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
القسم الثاني: فِي حُكم أَهْلِ خِلَافِ الْمُسْلِمِينَ]
وَأَمَّا الْحُكْمُ فِي أَهْلِ خِلَافِ الْمُسْلِمِينَ: فَإِنَّهُمْ يُدْعَوْنَ إِلَى تَرْكِ مَا بِهِ ضَلُّوا مِنَ اعْتِقَادِ الْبِدَعِ وَالْبَرَاءَةِ مِنَ الأَئِمَّةِ الَّذِينَ ابْتَدَعُوهَا لَهُمْ، وَالدُّخُولِ فِي دِينِنَا وَوَلَايَةِ أَئِمَّتِنَا وَمَنْ تَوَلَّوْهُ، وَالْبَرَاءَةِ مِمَّنْ تَبَرَّأوا مِنْهُ، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَهُمْ إِخْوَانُنَا، لَهُمْ مَا لَنَا وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْنَا، وَإِنِ امْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ وَسَفَهُوا مَقَالَتَنَا دَعَوْنَاهُمْ إِلَى دَفْعِ وَاجِبِ الْحُقُوقِ إِلَيْنَا، وَالاسْتِسْلامِ لأَحْكَامِنَا، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ كَمَا نُقِيمُهَا عَلَى أَهْل مَذْهَبِنَا، فَإِنْ أَذْعَنُوا لِذَلِكَ تَرَكْنَاهُمْ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إِكْرَاهِ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ، مَعَ تَحْلِيلِ جَمِيعِ مَا يَحِلُّ مِنْ أَهْلِ مَذْهَبِنَا مِنْهُمْ، مِنَ الْمُنَاكَحَةِ وَالذَّبَائِحِ وَالْمُوَارَثَةِ وَالْمَدَافَنَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِهِمْ، وَإِجَازَةِ شَهَادَةِ الْعُدُولِ مِنْهُمْ فِي الأَحْكَام خُصُوصًا، دُونَ الْوَلَآيَةِ وَالْبَرَاءَةِ وَالْحُدُودِ، وَمَا فِيهِ تَكْفِيرُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ قِيلَ فِي كِتَابٍ عَنْ أَبِي الْمُؤَكِّرِ: إِذَا قَهَرُونَا جَازَتْ شَهَادَتْهُمْ، وَإِنْ قَهَرْنَاهُمْ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتْهُمْ، وَيَجِبُ لَهُمْ مِنَ الْحُقُوقِ مَا يَجِبُ لَنَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ مَا يَجِبُ عَلَيْنَا إِلا الْوَلايَةَ وَالاسْتِغْفَارَ، فَلَيْسَ لَهُمْ فِيهَا حَقٌّ مَا
(1) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ. (1/157)
صفحة 158
واعد الإسـ
دَامُوا مُتَمَسِّكِينَ بِضَلالَتِهِمْ، كَمَا قَالَ أَبُو سُفْيَانَ مَحْبُوبُ بْنُ الرَّحِيل (1): لَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا إِلا مَنْزِلَتَانِ الْبَرَاءَةُ مِنْهُمْ عِنْدَ الْمَعْصِيَةِ وَالْخُلْعَ لَهُمْ عَلَى خِلافِهِمْ وَمَا ارْتَكَبُوا مِنَ الْمَعَاصِي وَاسْتِحْلالُ دِمَائِهِمْ عِنْدَ الْمُبَايَنَةِ بَعْدَ دُعَائِهِمْ إِلَى الْحَقِّ وَالْعَمَل بِهِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أَجْرَى اللَّهُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، مِنَ الْمُنَاكَحَةِ وَالْمُوَارَثَةِ، وَأَكل النَّبِيحَةِ وَالْقِصَاصِ، وَقَبُولِ الشَّهَادَةِ إِذَا لَمْ يُتَهَمُوا، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، فَهَذِهِ الْأُمُورُ جَائِزَةٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِدِينِ وَكَذَلِكَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ (3) عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ لِلْمُتَنَّى بْنِ مَعْرُوفٍ (4) أَخِي شُعَيْبِ بْنِ مَعْرُوفِ الشَّعْبِيِّ): مَا تَقُولُ فِي مُحَمَّدِ
(1) تقدم.
(2) [انظر: بيان الشرع، 20/ 3].
(2)
(3) أَبُو أَيُّوبَ: هُوَ وَائِلُ بْنُ الْحَضْرَمِيُّ، مِنْ خِرِّيجِي مَدْرَسَةِ الرَّبِيعِ بْنِ. وَعَالِمُ حَضْرَمَوْتَ فِي وَقْتٍ كَانَتْ تَزْخَرُ فِيهِ بِالْعُلَمَاءِ النَّحَارِيرِ، وَقَالَ وَائِلِ نَفْسُهُ مَتَحَدَّثًا. عنهم: أَدْرَكْتُ بِحَضْرَمَوْتَ رِجَالاً إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَوْ وُليَ عَلَى الدُّنْيَا كُلَّهَا لاحْتَمَلَ ذَلِكَ فِي عَقْلِهِ وَحِلْمِهِ وَعِلْمِهِ وَوَرَعِهِ. كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ الصَّغِيرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْقَاسِمِ - لِجَلالَةِ قَدْرِهِ وَعُلُو كَعْبِهِ فِي الْعِلْمِ - إِذَا سُئِلَ رُبَّمَا أَجَابَ: "عَلَيْكُمْ بِوَائِلٍ؛ فَإِنَّهُ أَقْرَبُ عَهْدًا بِالرَّبِيعِ". اهـ مُصَحْحه. (4) هُوَ الْمُثَنَّى بْنُ الْمُعَرفِ مِنْ عَلَمَاءِ الْقَرْنِ الثَّانِي، وَكَانَ نَقِيًّا فَاضِلاً وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ، أَخَذَ الْعِلْمَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَصَاحَبَ الرَّبِيعَ، وَكَانَ ذَا مَنْزِلَةٍ سَامِيَةٍ عِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ، لِذَلِكَ ارْتَضَاهُ أَنْ يَصْحَبَ الرَّبِيعَ إِلَى مَوْسِمِ الْحَجِّ، وَإِنْ رَاجَعَهُ الْمُثَنَّى فِي ذَلِكَ قَائِلاً: "مَا كُنتُ لأَفْعَلَ، اخْرُجْ مَعَ الرَّبِيعِ، وَالرَّبِيعُ غَايَةٌ فِي فَضْلِهِ وَسِنَّهِ وَعِلْمِهِ، فَمَا أُشِيرُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَبْعَثُوا غُلَامًا حَدَثًا مِثْلِي – وَفِي الرَّبِيعِ كِفَايَةٌ". فَازْدَادَ
مَحَبَّةٌ بِقَوْلِهِ فِي نَفْسٍ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَازْدَادَ عِنْدَهُمْ رِضًا، فَخَرَجَ الرَّبِيعُ وَحْدَهُ. اهـ مُصَحْحه (ه) شُعَيْبُ بْنُ الْمُعَرفِ: هُوَ أَخُو الْمُثَنَّى السَّابِقِ الذِّكْرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ أَخَذُوا الْعِلْمَ عَنِ أَبِي عُبِيدَةَ وخَالِفُوا الرَّبيعَ فِي مسائل معينةٍ كَأَبِي المُؤرِّجِ وعبدِ اللهِ بنِ عبدِ الْعَزِيزِ وَحَاتِمِ بْنِ مَنْصُورٍ وَسَهْلِ بْنِ صَالِحٍ، رَأَى أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّ الْحَقِّ فِيهَا مَعَ الربيع، فَأَنْكَرَهَا عَلَيْهِمْ وَطَرَدَهُمْ مِنَ الْمَجَالِسِ، وَأَتَوْا حَاجِبًا وَالرَّبِيعَ فَتَابُوا، وَأَعَادَهُمْ إِلَى الْمَجَالِسِ، ثُمَّ أَظْهَرُوهَا فِي أَيَّامِ الرَّبِيعِ وَتَمَادَوْا عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ مُخَالَفَةٌ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيد وَعِيسَى بْنِ عُمَيْرٍ. قَالَ الإِمَامُ أَفْلَحُ فِي حَقٌّ هَؤُلَاءِ نَقْلاً عَنِ الشَّمَاخِي قَالَ: و فِي جَوَابِ الإِمَامِ أَفْلَحَ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ أَبِي الْمُؤَرِّجِ وَابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ: وَقَعَتْ مِنْهُمْ مَسَائِلُ مَعْرُوفَةٌ فَلَمْ يُؤْخَذْ بِقَوْلِهِمْ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَمَا فِيهِ اخْتِلَافُ مِنْ رَأْيِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَاخْتِلَافِ فُقَهَاتِنَا فَلَا يَدْفَعُ إِسْنَادَهُمْ، وَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ قَالَ: لَمْ (1/158)
صفحة 159
قواعد الإس
بْنِ سِيرِينَ وَالْحَسَنِ فِي التَّزْوِيجِ وَالطَّلَاقِ أَكُنْتَ تَجْمَعُ وَتُفَرِّقُ بِشَهَادَتِهِمَا؟ قَالَ:
نَعَمْ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: نَعَمْ هُوَ ذَلِكَ.
وَيَجِبُ لأَهْلِ الْخِلافِ أَيْضًا حُقُوقُهُمْ مِنَ الْفَيْءِ وَالْغَنَائِمِ وَالصَّدَقَاتِ إِذَا كَانَ إِمَامُ الْعَدْلِ، تُؤْخَذُ مِنْهُمْ وَتُوضَعُ فِي فُقَرَائِهِمْ أَيْضًا، وَلَهُمْ أَيْضًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ دَفْعُ الظُّلْم عَنْهُمْ، كَمَا يَدْفَعُونَهُ عَنْ بَعْضِهِمْ، وَمَنِ امْتَنَعَ مِنْهُمْ مِنْ إِجْرَاءِ حُقُوقِ عَلَيْهِ أَدَّبَهُ بِمَا يَقْمَعُهُ، وَإِنْ جَاوَزَ ذَلِكَ إِلَى الْمَنْعِ وَالْمُكَابَرَةِ حَلَّ قِتَالُهُ وَاسْتُبِيحَ دَمُهُ، وَيُمْنَعُونَ مِنْ إِظْهَارِ جَمِيعِ الْمَنَاكِرِ وَإِحْدَاثِ أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِنِ امْتَنَعُوا عَنْ طَاعَةِ الإِمَامِ الْعَادِلِ وَإِجْرَائِهِ وَاجِبَ الْحُقُوقِ عَلَيْهِمْ قَاتَلَهُمْ إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يُدْعِنُوا بَعْدَ الدَّعْوَةِ وَالإِعْذَارِ، وَإِنِ انْهَزَمُوا فَلا يُتْبَعُ مُدْبِرُهُمْ، وَلَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، إِلا إِنْ كَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْهَا، وَلَا يَحِلُّ مِنْهُمْ سَبْيٌّ عِيَالٍ وَلَا غَنِيمَةُ مَالٍ، وَلاَ يَحِلُّ مِنْهُمْ غَيْرُ قِتَالِهِمْ وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُمْ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
مَسْأَلَةٌ: وَتَحِلُّ الدِّمَاءُ بِالظُّلْمِ وَالابْتِدَاءِ بِهِ كَمَا قَالَ: أَذِنَ لِلَّذِينَ يُقْتَلُونَ بأنهم ظلِمُوا، وَتَحِلُّ بِإِظْهَارِ النَّفَاقِ وَالإِرْجَافِ فِي النَّاسِ، كَمَا قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: لَن لَّمْ يَنَهِ الْمُنَفِقُونَ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَقُتِلُوا تَفْتِيلًا) وَتَحِلُّ بِالطَّعْنِ فِي الدِّينِ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَتِلُوا أَيتَةَ الْكُفْرِ} (3) وَتَحِلُ بِقَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيهِ سُلْطَنَا، وَتَحِلَّ بِالسَّعْيِ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا جَزَاؤُا
(4)
يَكُنْ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ - مَحْمُودًا، وَهُوَ إِلَى الْبَرَاءَةِ أَقْرَبُ" [السير، 119/ 1]. وَسَيَأْتِي مَزِيدُ كَلامٍ فِي تَرْجَمَةِ ابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. اهـ مُصَحْحه
(1) الْحَج: 39. (2) الأحزاب: 60، 61.
(3) التَّوْبَة: 12.
(4) الإسراء: 33. (1/159)
صفحة 160
عد الإ
الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ). وَأَجْمَعَتِ الأُمَّهُ فِيمَا وَجَدْتُ عَلَى تَحْلِيلِ الدِّمَاءِ بِتَبْدِيلِ الأَحْكامِ، وَرُوِيَ أَنَّ الإِمَامَ عَبْدَ الْوَهَّابِ (2) قَالَ: سَبْعُونَ وَجْهَا تَحِلُّ بِهَا الدَّمَاءُ، فَأَخَبَرْتُ مِنْهَا لأَبِي مِرْدَاس (3) بِوَجْهَيْنِ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ (4) وَفِي كِتَابِ سِيَرِ الْمَشَائِحَ أَنَّ الإِمَامَ كَانَ يَقُولُ: "إِنَّ عِنْدِي أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ وَجْهَا تَحِلُّ بِهَا دِمَاءُ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ عِنْدَ أَبِي مِرْدَاسٍ هُ إِلَّا أَرْبَعَةُ أَوْجُهِ، وَقَدْ شَدَّدَ عَلَيَّ فِيهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(1) الْمَائِدَة: 33.
(2) تَقَدَّمَ.
(3)
مِرْدَاسِ مُهَاصِرٌ السَدِرَانِيُّ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الثَّانِي، بَلَغَ فِي الْعُلُومِ شَأْوًا بَعِيدًا، وَفِي الْعَمَلِ عَلِمَ مَنزِلَةٌ لَا يَبْلُغُهَا إِلَّا أَفْذَاذُ الْعُصُورِ آمِرًا بِالْمَعْرُوفِ نَاهِيًا عَنِ الْمُنْكَرِ، لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ، يُلازِمُ ذَوِي السَّلْطَانِ، وَيُلَطِّفُ مِنْ عُنْفِهِمْ فِي اسْتِخْرَاجَ الْحَقِّ، وَيَقِفُ لَهُمْ دُونَ أَنْ يَصْدُر مِنْهُمْ بَاطِلِ، لَا يَبْتَعِدُ عَنْ مَجَالِسِ الْحُكْمِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَقَعَ ظُلْمٌ، وَكَانَ أَصْحَابُ السُّلْطَانِ يَعْرِفُونَ مِنْهُ هَذَا، فَكَانُوا لَا يُصْدِرُونَ إِلَّا عَنْ رِضَاهُ، صَاحَبَ الإِمَامَ عَبْدَ الْوَهَّابِ سَبْعَ سِنِينَ مُدَّةَ إِقَامَتِهِ بليبيا، وَكَانَ يُحَاسِبُهُ حِسَابَ الْمُؤْمِنِ الْحَرِيصِ عَلَى دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ، وَفِيمَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ كَ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ، مَدَّ اللهُ فِي عُمْرِهِ، فَلاَزَمَ عُمَّالَهُ بَعْدَهُ كَأَيُّوبَ بْنِ الْعَبَّاسِ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَالْعَبَّاسِ، وَكَانَ يُرَاقِبُ أَحْكَامَهُمْ وَأَحْوَالَهُمْ بِعَيْنِ عِقَابِ حَتَّى فِي زَمَنِ ضَعْفِهِ وَشَيْخُوخَتِهِ. وَمَنْ أَرَادَ دِرَاسَةَ حَيَاةِ هَذَا الْعَالِمِ الْبَطَلِ بِاسْتِفَاضَةٍ فَعَلَيْهِ بِكِتَابِ الإِبَاضِيَّةٌ فِي مَوْكِبٍ
التَّارِيخ) لِلأُسْتَاذِ عَلِيٍّ يَحْيَى مُعَمَرٍ، فَفِيهِ تَحْلِيل بَدِيعٌ وَكَلامٌ مُمْتِعٌ. اهـ مُصَحْحه
[16
(4) [انظر الوسياني: السير، ص. (5) [البغطوري: سير أهل نفوسة، ص 33]. (1/160)
صفحة 161
قواعد ا
الجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ في أَحْكَامِ مِلَلِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالْأَصْنَامِ
وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ تَحْتَوِي عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ.
الْقِسْمِ الأَوَّلُ: فِي أَحْكَامِ الْمِلَلِ الثَّلاثِ، وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئُونَ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي: فِي أَحْكَامِ الْمَجُوسِ، وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: فِي أَحْكَامِ عَبَدَةِ الأَصْنَامِ.
الْقِسْمُ الأَوَّلُ
في أحكام الملل الثلاث اليهود والنصارى والصابئين] اعْلَمْ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ هُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، وَأَحْكَامُهُمْ وَاحِدَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ أَوَّلاً إِلَى الدُّخُولِ فِي الإِسْلامِ، وَاخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ دَعْوَتِهِمْ، فَقِيلَ: يَدْعُو الإِمَامُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى الأُمَرَاءَ، وَأَمَّا أَهْلُ الْبَادِيَةِ فَإِنَّهُ يَدْعُوهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا. وَقِيلَ: يَدْعُو الْمَنْظُورَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ وَالرُّؤَسَاءَ كَأَهْلِ الْقُرَى، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ
(1) يَعْنِي: لَا يَجُوزُ قِتَالُهُمْ إِلَّا بَعْدَ الدُّعَاءِ لِلإِسْلامِ، فَلَوْ قَاتَلُوهُمْ وَسَبَوْهُمْ مِنْ غَيْرِ دُعَاءِ فَإِنَّهُمْ يَرُدُّونَهُمْ إِلَى مَأْمَنِهِمْ. قَالَ فِي السُّؤَالِآتِ فَإِنْ قِيلَ مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكَ لَا يُقَاتِلُ حَتَّى يُدْعَى إِلَى الْجُمْلَةِ فَقُلْ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ بَعَثَ سَرِيَّةٌ فَقَالَ: "يَا عَلِيُّ، لَا تُقَاتِلِ الْقَوْمَ حَتَّى تَدْعُوهُمْ وَتُنْذِرَهُمْ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ". وَقَالَ: وَجِيءَ بِأَسَارَى مِنْ حَيْرٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا دَعَانَا أَحَدٌ وَلَا بَلَغَنَا، فَقَالَ: اللَّهِ؟ فَقَالُوا: اللَّهِ. فَقَالَ: "خَلُو سَبِيلَهُمْ حَتَّى تَصِلَ إِلَيْهِمْ دَعْوَتِي، فَإِنْ دَعْوَتِي تَامَّةٌ لا تُقْطَعُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"، ثُمَّ تَلاَ رَسُولُ اللهِ هَذِهِ الآيَةَ: {وَأُوحِيَ إِلَى هَذَا الْقُرْوَانُ لِأَنذِرَكُم بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ أَينَكُمْ لَتَشْهَدُونَ} إلى آخر الآية (الأنعام: 19) اهـ[السوفي: السؤالات، ص 91]. (1/161)
صفحة 162
Yaskickatakiskishichidhakichichichida dardashiankadarabkirda
لُغَتَهُمْ فَإِنَّه يُتَرْجَمُ لَهُ بِأَمِينَيْنِ، وَقِيلَ: بِوَاحِدٍ، فَإِنْ قَبِلُوا دَعْوَتَهُ وَدَخَلُوا الإِسْلامَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ أَبَوْا مِنَ الْإِسْلَامِ دُعُوا إِلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، فَإِنْ أَعْطَوْهَا قُبِلَتْ مِنْهُمْ، وَتُرِكُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ، وَتَحِلُّ مِنْهُمْ تِلْكَ الْجِزْيَةُ، وَأَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ، وَنِكَاحُ الْحَرَائِرِ الْمُحْصَنَاتِ مِنْهُمْ دُونَ الإِمَاءِ وَالْمُسَافِحَاتِ، وَقَدِ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى هَذَا، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ نَهَى عَنهُ، حِينَ تَزَوَّجَ حُذَيْفَةُ كِتَابِيَّةٌ فَنَهَاهُ عُمَرُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَتَشْهَدُ أَنَّهَا
حَرَامٌ قَالَ: إِنِّي إِذًا لَظَنِينُ الشَّهَادَةِ، وَذَلِكَ مِنْهُ نَهْيُ تَأْدِيبٍ، أَرَادَ أَنْ يَتَنَزَّهَ الْمُسْلِمُونَ عَنِ الْكِتَابِيَّاتِ حِينَ كَثُرَتِ الْمُسْلِمَاتُ، فَإِنِ امْتَنَعُوا مِنَ الْجِزْيَةِ مَعَ الامْتِنَاعِ مِنَ الدُّخُولِ فِي الإِسْلَامِ نَاصَبَهُمُ الإِمَامُ الْحَرْبَ، فَاسْتَحَلَّ بِذَلِكَ سَبْيَهُمْ، وَغَنِيمَةَ أَمْوَالِهِمْ، وَسَفْكَ دِمَائِهِمْ، وَحَرَّمَ أَكْلَ ذَبَائِحَهُمْ، وَنِكَاحَ الْحَرَائِرِ مِنْ نِسَائِهِمْ، فَإِنْ خَضَعُوا لِلإِمَامِ قَبْلَ الْقِتَالِ فَكُلُّ مَا صَالَحَهُمْ عَلَيْهِ فَلْيُؤَدُّوهُ إِلَيهِ، وَلَا يُجَاوِزُ إِلَيْهِمْ غَيْرَ ذَلِكَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِذَا أَنْعَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لِلْجِزْيَةِ فَلَا يَتَزَوَّجُ الْمُسْلِمُ مِنْهُمْ حَتَّى يَشْتَرِطَ عَلَيْهَا خَمْسَةَ شُرُوطٍ: أَنْ لا تَشْرَبَ الْخَمْرَ، وَلَا تَأْكُلَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ، وَلَا تُعَلَّقَ الصَّلِيبَ، وَأَنْ تَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَتَحْلِقَ الْعَانَةَ.
(1) (انظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 68/ 3]. (1/162)
صفحة 163
الْقِسْمُ الثَّانِي
فِي [أحكام] الْمَجُوسِ
وَأَحْكَامُهُمْ أَيْضًا كَأَحْكَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، إِلَّا فِي الذَّبَائِحِ وَنِكَاحِ الْحَرَائِرِ مِنْهُمْ، فَهُمَا عَلَى التَّحْرِيمِ وَلَوْ مَعَ إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا حَدِيثُ النَّبِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ هُ أَنَّهُ قَالَ: "سُنُوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ (1)، فَإِنْ أَبَوْا مِنَ الإِسْلامِ وَالْجِزْيَةِ قُوتِلُوا، وَسُبُوا، وَغُنِمُوا، إِلَّا مَا أَدُّوا عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ فِي حَالِ مُصَالَحَتِهِمْ، فَلَا يُغْنَمُ وَلَا يُسْبَى، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْكِتَابِ عَلَى هَذَا الْحَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) n
الْقِسْمُ الثَّالِثُ
فِي أَحْكَامِ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ مِنْ أَهْلِ اللَّاتِ وَالْعُزَّى وَمَنَاةِ الثَّالِثَةِ الْأُخْرَى فَأَمَّا الْحُكْمُ فِي أَهْلِ الأَوْثَانِ فَإِنَّهُمْ يُدْعَوْنَ إِلَى الإِسْلَامِ، فَإِنْ أَبَوْا قُوتِلُوا وَسُبُوا وَغْنِمُوا، وَلا يُقْبَلُ مِنْهُمْ صُلْحُ وَلاَ جِزْيَةٌ بَعْدَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ) (2) وَأَمَّا أَهْلُ مَكَّةَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَلَا) يُسْبَوْنَ لِحُرْمَةِ النَّبِيِّ، وَقِيلَ: جَمِيعُ الْعَرَبِ (3)، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ النَّبِيُّ فِي الْمُشْرِكِينَ: لَا تُتَرَاءَى نَارُهُمْ إِلَّا عَنْ حَرْبٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ا،
(2)
(1) [رواه الطبراني: المعجم الكبير، ر 1059]. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا أَخَذْتُ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ، وَقَالَ: "سُنُوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ". وَكَذَا أَخَذَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرَيْن بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ، وَهُمْ مَجُوسٌ. اهـ.
(2) التَّوْبَة: 6. (3) قَالَ الإِمَامُ السَّالِمِيُّ: حُجَّةُ مَنْ قَالَ: الاسْتِرْقَاقُ يَنَالُ كُلَّ مُشْرِكِ وَإِنْ كَانَ عَرَبًا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ كَانَ كَفَّارَةٌ لِسِتِّينَ شَهْرًا وَعَتَقَ عَشْرِ رَقَبَاتٍ (1/163)
صفحة 164
مَسْأَلَة [في مقدار الجزية وأحكامها]: وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْجِزْيَةِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ إِلَى مَا يَرَى الإِمَامُ، وَقِيلَ: عَشَرَةُ دَرَاهِمَ عَلَى الْيَهُودِ، وَاثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا عَلَى النَّصَارَى، وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ وَقِيلَ: عَلَى الدِّهْقَانِ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ، وَالْأَوْسَطِ
دِرْهَمَانِ، وَالدُّونِ دِرْهَمْ، هَذَا فِي كُلِّ شَهْرٍ، وَبِهَذَا كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ بِالْكُوفَةِ، فَوَضَعَ عَلَى الْغَنِي ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمَا، وَذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُخَالِفْ أَحَدٌ، وَكَانَ الصَّرْفُ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَما
بدينار
(2)
وَقِيلَ: عَلَى النَّصَارَى الْجِزْيَةُ وَضِيَافَةُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، وَعَلَى الْيَهُودِ الْجِزْيَةُ وَالْمَبِيتُ (3)، وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَالأَطْفَالِ وَالسُّيُوحَ وَالْمَجَانِينِ جِزْيَةٌ. وَاخْتُلِفَ فِي الرُّهْبَانِ، وَأَمَّا الْمُفْلِسُ فَقِيلَ: فَيُدْعَى إِلَى الْجِزْيَةِ وَيُعْطِيهَا؛ لأَنَّ مُؤْمِنَاتٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ عليه السلام" [رواه الربيع، باب صوم يوم عاشوراء ... ، 308]، فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى اسْتِرْقَاقِ الْعَرَبِ إِذَا أَشْرَكُوا حَتَّى وَلَد إِسْمَاعِيلَ [السالمي: شرح الجامع الصحيح، ما جاء في فضل صوم يوم عاشوراء، 11/ 3]. اهـ مُصححه.
،12
(1) [رواه أبو داود، كتاب الجهاد، باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود، ر 2647]. (2) هَذَا فِي غَيْرِ الزَّكَاةِ، وَأَمَّا فِيهَا فَصَرْفُ الدِّينَارِ عَشَرَة دَرَاهِمَ فَقَطْ كَانَتِ الْجِزْيَةُ أَيَّامَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ عَلَى حَسَبِ أَحْوَالِ أَهْلِ الذَّمَّةِ وَيَسَارِهِمْ لا تَزِيدُ عَلَى 48 دِرْهَمَا فِي السَّنَةِ، وَلَا تَنْقُصُ عَنْ 2 تُؤْخَذُ عَلَى الرِّجَالِ غَيْرِ الْمَسَاكِينِ دُونَ النِّسَاءِ، وَلَا عَلَى مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْعَمَلِ وَالْأَطْفَالِ. (3) الْمَشْهُورُ أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ إِزَاءَ ضِيَافَةِ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مَتَى شُرِطَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَوَّلِ الأَمْرِ، فَقَدْ رَوَى الأَحْنَفُ بْنَ قَيْسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَشْرطُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ ضِيَافَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَأَنْ يُصْلِحُوا الْقَنَاطِرَ، وَإِنْ قُتِلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِأَرْضِهِمْ فَعَلَيْهِمْ دِيتُهُ". [رواه البيهقي، باب الضيافة في الصلح، ر 18468]، [وفي مصنف عبد الرزاق، باب كم يؤخذ منهم الجزية، (19266]: أَنَّ أَهْلَ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا: "إِنَّ الْمُسْلِمِينَ إِذَا مَرُّوا بِنَا كَلَّفُونَا ذَبْحَ الْغَنَمِ وَالدَّجَاجِ فِي ضِيَافَتِهِمْ "، فَقَالَ عُمَرُ: أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَلَا تَزِيدُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ، كُلُّ ذَلِكَ مَاضٍ عَلَيْهِمْ مَا دُمْنَا فَائِمِينَ بِحِمَايَتِهِمْ، أَمَّا إِذَا عَجَزْنَا عَنْ حِمَايَتِهِمْ فَلَا نَسْتَحِقُ مِنْهُمْ جِزْيَةَ وَلاَ ضِيَافَةٌ. يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ خَالِدُ بْنَ الْوَلِيدِ، - وَقِيلَ: أَبَا عُبَيْدَةَ عَامِرَ بْنَ الْجَرَّاحِ - أمِيرَ الْجَيْشِ قَدْ رَدَّهَا إِلَى نَصَارَى حِمْصِ حِينَ إِجْلَاءِ الرُّومِ عَنَّا، وَقَالَ مَا مَعْنَاهُ: "إِنَّمَا أَخَذْنَاهَا لِحِمَايَتِكُمْ وَقَدْ عَجَزْنَا عَنْهَا". اهـ مُصَحْحه
(4) الَّذِي جَزَمَ بِهِ فِي الدَّعَائِمِ أَنَّهُ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمْ. (1/164)
صفحة 165
الْغِنَى فِي لِسَانِهِ، يُوَحّدُ وَيُخَلَّى سَبِيلُهُ، وَإِلا حُبِسَ فِي الشَّمْسِ بَعْدَ أَنْ يُطْلَى جَسَدُهُ بِالْعَسَل وَقِيلَ: يُطْلَى وَجْهُهُ بِاللَّبِنِ، فَلا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا، وَقِيلَ:، و (1) لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء وَإِذَا أَخَذَ الْجِزْيَةَ الإِمَامُ فَإِنَّهُ يُعْطِي مِنْهَا لِفُقَرَائِهِمْ، وَلَا يَتْرُكُ الظُّلْمَ يَصِلُ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى صَرْفِ الظُّلْمِ عَنْهُمْ فَلَا يَأْخُذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ، وَكَذَلِكَ فِي حَالِ الْكِثْمَانِ لَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ، وَلاَ يُعَامَلُ فِيهَا مَنْ أَخَذَهَا إِلَّا مَنْ قَادَتْهُ دِيَانَتُهُ إِلَى ذَلِكَ، وَلا يَتْرُكُهُمُ الإِمَامُ أَنْ يُظْهِرُوا شَيْئًا مِنْ أُمُورِهِمْ مِثْلِ الْخَمْرِ، وَإِمْسَاكِ
ه
(2)
(1) وَهَذَا الْقَوْلُ يَتَمَاشَى وَسَمَاحَةَ الإِسْلامِ بِخِلَافِ الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ، قَالَ: "أُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّ فِي دِينِنَا سَمَاحَةً". [رواه الطحاوي: شرح مشكل الآثار، (1487]. هَذَا وَإِنَّ حِكْمَةَ تَمْيِيزِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْجِزْيَةِ دُونَ سَائِرِ الْمُشْرِكِينَ وَإِبْقَائِهِمْ عَلَى دِيَانَتِهِمْ يُمَارِسُونَ طُفُوسَهَا بِحُرِّيَّةٍ إِنَّمَا كَانَتْ: 1 - لَأَجَلٍ أَنَّهُمْ يُوَافِقُونَ الْمُسْلِمِينَ فِي أُصُولِ التَّوْحِيدِ الثَّلَاثَةِ. 2 - لِيُدْرِكُوا بِمَا يُضْفِي عَلَيْهِمُ الإِسْلامَ مِنْ حُسْنِ رِعَايَةٍ وَمُعَامَلَةٍ، وَفِي ذَلِكَ اسْتِدْرَاجُ لَهُمْ أَنْ يَعْتَنِقُوهُ مُخْتَارِينَ. فَإِذَا تَأَمَّلْنَا قَوْلَ مَنْ يَحْكُمُ عَلَى الذَّمِّيُّ الْمُفْلِسِ أَنْ يُطْلَى جَسَدُهُ بِالْعَسَلِ، أَوْ وَجْهُهُ بِاللَّبَنِ، وَيُحْبَسَ فِي الشَّمْسِ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْجِزْيَةَ، وَجَدْنَا هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ مُزرِيَةً وَمُنَفِّرَةٌ تُنَا فِي رُوحَ الْإِسْلَامِ فِي تَشْرِيعِهِ، والإسلامُ تَبْشِيرٌ لا تَنْفِيرٌ، وَتَيْسِيرٌ ير لا تَعْسِيرُ، لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ يَتَحَلَّلُ مِنْ جِزْيَتِهِ وَهُوَ مَحْبُوسٌ؟ أَمْ كَيْفَ يُطَالَبُ بِالأَدَاءِ وَهُوَ مُفْلِسٌ؟ اللهُمَّ إِلا أَنْ يُرَادَ بِهَذِهِ الْمُضَايَقَةِ إِكْرَاهُهُ عَلَى الإِسْلَامِ، وَاللَّهُ يَقُولُ: {ولَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْمَي} (البقرة: 256)، وَيَقُولُ الرَّسُولُ: " الْجَنَّةُ حرامٌ عَلَى مَنْ قَتَلَ ذِمِّيَّا أَوْ ظَلَمَهُ أَوْ حَمَّلَهُ مَا لاَ يُطِيقُ، وَأَنَا حَجِيجُ الذَّمِّي فَكَيْفَ الْمُؤْمِنُ! " [رَوَاهُ الربيع، باب الحجة على من قال أن أهل الكبائر ليسوا بكافرين، ر 754]، فَهَلْ يَجْنِي الإِسْلامُ مِنْ وَرَاءِ هَذِهِ الإِمَانَةِ الَّتِي تُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ انْتِقَامَا ثَمَرَةً؟ ثُمَّ أَيُّ خَيْرٍ لِلإِسْلَامِ فِيمَنْ يَعْتَنِقُهُ كَرْهَا، اللهُمَّ إِلَّا إِذَا أَرَدْنَا أَنْ يَكُونَ عَيْنًا لَأَعْدَائِهِ يَعْمَلُ لِمَضَرَتِهِ تَحْتَ أَسْتَارِ الْخَفَاءِ، وَالْإِسْلَامُ فِي عَنْيَةٍ عَنْ هَذَا. ألَيْسَ مِنْ حُسْنِ الدّعَايَةِ لِلإِسْلامِ أَنْ تُعْفِي هَذَا الْمُفْلِس - لاَ سِيَّمَا وَهُوَ قَوْلٌ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ - مِنْ أَدَائِهَا كَرَمًا وَتَأْلِيفًا، وَلأَنَّهُ غَيْرُ مُشْتَطِيع، وَلا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا؟ أَلَا إِنَّ الإِسْلَامَ دِينُ رَحْمَةٍ وَشَفَقَةٍ، وَإِنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا غَذَا الْقُلُوبَ الْقَاسِيَةَ وَالضَّمَائِرَ الْمُتَحَجِّرَةَ بِمَكَارِمِ أَخْلَاقِهِ وَرِقَتِهِ وَلُطْفِهِ، وَجَمَعَهُمْ عَلَى مَبْدَأُ التَّوْحِيدِ بِكِتَابِهِ لَا بِكَتَائِبِهِ، وَبِنُبْلِهِ لا بِسَبَالِهِ، قَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عظيم) (القلم): (4)، وَقَالَ: وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حولك) (آل عمران: 159)، والله أَعْلَمُ اهـ مُصَححه. (2) قَالَ الْمُحَنِّي: يَعْنِي لاَ يَجُوزُ إِظْهَارُهُ فِي الْخَارِج، وَأَمَّا فِي بُيُوتِهِمْ فَإِنَّهُ لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَإِنْ أَفْسَدَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، يُنظَرُ الْعَدْلُ مِنْهُم دُونَ الْمُسْلِمِينَ؛ لَأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ عِنْدَهُمْ، (1/165)
صفحة 166
1665
السلاح، وَبُنْيَانِ الْكَنَائِسِ، وَإِجْمَاعِ الصَّلاةِ، وَضَرْبِ النَّاقُوسِ، وَبَيْعِ الرِّبَا، وَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ تُهْدَمَ كُلُّ كَنِيسَةٍ لَمْ تَكُنْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ النَّاسِ، وَكَانَ عُرْوَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ يَهْدِمُهَا بِصَنْعَاءَ، وَشَدَّدَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَمَرَ أَنْ لَا تُتْرَكَ فِي الإِسْلَامِ بَيعَةٌ وَلَا كَنِيسَةٌ بِحَالٍ قَدِيمَةٍ وَلَا حَدِيثَةٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ. مسألة في الزي الذي يمتاز بهِ أهل الكتاب عن غيرهم، وبعض أحكام
معاملتهم]
(1) =
وَيُعَلِّمُ الإِمَامُ أَهْلَ الذِّمَّةِ بِالزُّنَارِ فِي أَطْرَافِ أَرْدِيَتِهِمْ، وَالنَّصَارَى يُمْسِكُونَ فِي أَيْدِيهِمُ الْعِصِيُّ الصِّغَارَ، وَقِيلَ: يُمَيِّزُ أَهْلَ الذِّمَّةِ بِالزَّنَانِيرِ فِي أَوْسَاطِهِمْ، وَيَكُونُ فِي رِقَابِهِمْ خَوَاتِمُ مِنْ رَصَاصِ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ جَرَس وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَلْبِسُوا الْعَمَائِمَ وَلاَ الطَّيْلَسَانَ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَتَشُدُّ الزِّنَارَ تَحْتَ الإِزارِ، وَقِيلَ: فَوْقَهُ، وَيَكُونُ فِي عُنُقِهَا خَاتَمُ يَدْخُلُ مَعَهَا الْحَمَّامَ، وَيَكُونُ أَحَدُ خُفَّيْهَا أَسْوَدَ وَالْآخَرُ أَبْيَضَ، وَلَا يَرْكَبُونَ الْخَيْلَ، وَيَرْكَبُونَ الْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ بِالأَكُفِّ (1) عُرُضًا، وَلَا يَرْكَبُونَ السُّرُوجَ، وَلَا يُصْدِرُونَ فِي الْمَجَالِسِ، وَلا يُبْدَؤُونَ بِالسَّلاَمِ، وَيُلْجَؤُونَ إِلَى أَضْيَقِ الطَّرِيقِ، وَلَا يَعْلُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْبُنْيَانِ، وَلاَ يُسْتَعْمَلُونَ عَلَى الْأُمُورِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عُمَالِهِ أَنْ لَا تُوَلُّوا عَلَى أَعْمَالِنَا إِلَّا أَهْلَ الْقُرْآنِ، فَكَتَبُوا إِلَيْهِ: إِنَّا وَجَدْنَاهُمْ خَوَنَةٌ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ: إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَهْلَ الْقُرْآنِ خَيْرٌ فَأَجْدَرُ أَلا يَكُونَ فِي غَيْرِهِمْ خَيْرٌ.
وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا كَانَ حَرَامًا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ حَلالٌ عِنْدَهُمْ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَامِرٌ له في كِتَابِ الإِيضَاحِ فِي بَابِ أَحْكَامِ الرَّهْنِ. [الإيضاح، 220/ 4] اهـ مُصححه (1) [قوله بالأكف جمع إكافٍ، تقول: إكاف الحمار، أي برذعته، والأكاف: صانعه. يعني أنهم يركبون
البغال والحمير بالبراذع دون السروج (القاموس المحيط: باب الفاء، فصل الهمزة: إكاف)]. (1/166)
صفحة 167
مدال
وَمَتَى نَقَضَ الذَّمِّيُّ الْعَهْدَ بِمُخَالَفَةٍ لأَيَّ مِنَ الشُّرُوطِ الْمَأْخُوذَةِ عَلَيْهِ لَمْ يُرَدَّ
إِلَى مَأْمَنِهِ، وَالإِمَامُ فِيهِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالاسْتِرْقَاقِ فِي قَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ. وَلَا يُصْحَبُ الذَّمِّيُّ إِلا بِالْجُعْل وَإِنْ قَلَّ، وَلَا يُؤَاكَلُ، ولا يُشاربُ، وَلاَ يُجَالَسُ، وَلا يُحَدِّثُ لِئَلاَ تَحِلَّ اللَّعْنَةُ بِهِ فَتَشْمَلَ جَلِيسَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَا يُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَلَا يُصَافَحُ، فَإِنْ سَلَّمَ الذَّمِّيُّ عَلَى أَحَدٍ فَلْيَرُدَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْكَ مَا قُلْتَ، وَإِنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَلَا يُتْرَكُ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الإِسْلَامِ. مسألة: في حُكمُ بَلَل أهل الكتاب]
وَفِي الْبَلَلِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ اخْتِلافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَالأَحْوَطُ أَنْ يُحْذَرَ مِنْهُمْ جَمِيعُ الْبَلَلِ، وَأَمَّا الْمَجُوسُ وَعَبَدَةُ الأَوْثَانِ فَإِنَّ الْبَلَلَ مِنْهُمْ نَجَسٌ بِاتِّفَاقِ الْجُمْهُورِ الأَعْظَمِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمَسَائِلُهُمْ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ نَأْتِي عَلَيْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وأحكمُ، وَبِه التَّوْفِيقُ. (1/167)
صفحة 168
الْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ
فِي الْقَوَاعِدِ وَالأَرْكَانِ الَّتِي يُبْنَى عَلَيْهَا الإِسْلَامُ
اعْلَمْ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ شَرَعَ لِلْعِبَادِ دِينَهُ، وَجَعَلَ لَهُ قَوَاعِدَ يُبْنَى عَلَيْهَا، وَلَا تَصِحُ الْعِبَادَةُ لِلْمُكَلَّفِ إِلا بِأَحْكَامِهَا، وَهُنَّ الأَرْبَعَةُ الَّتِي هِيَ أَصْلُ التَّقْوَى، وَمِنْهَا تَفَرَّعَتْ أَرْكَانُ الدِّينِ الأَقْوَى.
[قواعد الدين الأربعة]
فَالْقَوَاعِدُ الأَرْبَعَةُ إِحْدَاهَا الْعِلْمُ الْمُؤَدِّي إِلَى بَيَانِ حَدٌ الْمَأْمُورِ بِامْتِثَالِهِ، وَالثَّانِيَةُ: الْعَمَلُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْحَدُ الَّذِي يُرْضِي الْآمِرَ بِهِ فِي امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ، وَالصَّالِيَّةُ: النِّيةُ التِي هِي أُمُّ الْعَمَلِ وَلُبَابُهُ، وَالرَّابِعَةُ الْوَرَعُ عَنِ الْمَحَارِمِ الَّتِي تُحْبِطُ الْعَمَلَ عِنْدَ ارْتِكَابِهَا فَهَذِهِ قَوَاعِدُ الدِّينِ الَّتِي لَا يُبْنَى إِلَّا عَلَيْهَا، وَمِنْهَا تَفَرَّعَتِ الْأَرْكَانُ الأَرْبَعَةُ وَالَّتِي هِيَ: الاسْتِسْلامُ لأَمْرِ اللَّهِ خُضُوعًا وَانْقِيَادًا، وَالرّضى بِقَضَائِهِ مَحْبُوبًا أَوْ مَكْرُوهَا، دِينِيًّا كَانَ أَوْ نَفْسِيَّا، وَالتَّوَكُلُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاهِبِ طُمَأْنِينَةٌ وَاشْتِيَافًا، وَالتَّفْوِيضُ إليهِ فِي جَمِيعِ الأُمُورِ رِضَى بِأَحْكَامِهِ
وَاكْتِفَاء بِقَضَائِهِ.
فَالْقَوَاعِدُ الأُولَى هِيَ أَصْلِّ لِطِبِّ الدِّينِ الْمَشْرُوعِ لِلْعِبَادِ فِي الإِيمَانِ، كَمَا أَنَّ أَصْلَ الطَّب الموضُوعِ لِلأَبْدَانِ أَرْبَعُ طَبَائِعَ اللَّواتِي هُنَّ: الْحَرَارَةُ وَالْبُرُودَةُ وَالرُّطُوبَةُ وَالْيُبُوسَةُ، فَتَفَرَّعَتْ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ الْأَرْبَعَةِ الْأَرْكَانُ الْمُتَقَدِّمَةُ، كَمَا (1/168)
صفحة 169
takatakatakatakatakatakataka ela da da datekatalaska skida da da da olacadam
قواعد الان
تَفَرَّعَتْ مِنْ طَبَائِعِ الْبَدَنِ أَرْبَعَةُ فُرُوعِ الْحَارُّ الْيَابِسُ، وَالْبَارِدُ الْيَابِسُ، وَالْحَارُّ الرَّطْبُ، وَالْبَارِدُ الرَّطْبُ، فَصَارَتْ قَوَاعِدُ الشَّرْعِ وَأَرْكَانُهُ ثَمَانِيَةٌ، بِهَا يَكْمُلُ طِبُّ الدِّينِ الَّذِي يُجَازَى بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا كَانَتْ طَبَائِعُ الْبَدَنِ وَفُرُوعُهُ ثَمَانِيَةٌ، بِهَا يَكْمُلُ حِبُّ الأَبْدَانِ، وَلَا يَصِحُ إِلا بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ اللَّطِيفِ وَالْكَثِيفِ، فَيَجْمَعُ مِنْ أَرْبَعَةِ لَطَائِفِهَا بِالاعْتِدَالِ مِنَ الْوَزْنِ الطَّبِيعِيِّ (1)، فَشَتَانَ مَا بَيْنَ طِبْ الْأَبْدَانِ
وَطِب الأَدْيَانِ، كَمَا بَيْنَ الْعَاجِلَةِ وَالآجِلَةِ.
وَلا بُدَّ مِنَ الإِشَارَةِ إِلَى تَفْصِيلِ قَوَاعِدِهِ وَأَرْكَانِهِ كَشْفًا وَتَصْرِيحًا بِأَلْفَاظِ مُوجَزةٍ وَمَعَانٍ مُخْتَصَرَةٍ، لِيُعْلَمَ أَنَّ لِكُلِّ حَقِّ حَقِيقَةٌ، وَلِكُلِّ مَوْرِدٍ طَرِيقَةٌ، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّى عَنْ بَيِّنَةٍ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَقَوَاعِدُ الدِّينِ كَمَا قَدَّمْنَا أَرْبَعُ: الْعِلْمُ، وَالْعَمَلُ، وَالنِّيَّةُ، وَالْوَرَعُ، فَهَذِهِ الْخِصَالُ الأَرْبَعَةُ فِي الدِّينِ لا يَسْتَغْنِي بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ كَمَا قَدَّمْنَا فِي طَبَائِعِ
الْبَدَنِ.
مَسْأَلَةٌ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ: وَطَلَبُ الْعِلْمِ فَرْضٌ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ لِنَضٌ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاع الأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابَ: فَقَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: فَتَتَلُوا أَهْلَ الذكرية الآية ()، وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَقَوْلُ النبي صلى الله عليه وسلم: "طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِم (3)، وَالأَوَامِرُ إِذَا وَرَدتْ مُعَرَّاةٍ مِنَ القرائنِ فالأصلُ فِيهَا الْوُجُوبُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ الأَعْظَمِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَمَّا الإِجْمَاعُ: فَلَا أَحَدَ يُخَالِفُ مَا ذَكَرْنَا، وَلَأَنَّ الْعَقْلَ يَشْهَدُ بِبُطْلَانِ فِعْلَ إِذَا امْتُثِلَ بِغَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِكَيْفِيَّتِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:
(1) فِي الْعِبَارَةِ غُمُوضُ، يُوجَدُ هَكَذَا فِي سَائِرِ النُّسَخِ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِينَا. (2) النحل: 43.
(3) [رواه ابن ماجه، المقدمة، باب فضل العلماء، ر 224 بلفظ: "على كل مسلم"]. (1/169)
صفحة 170
Shishichichickdadadadadadadadadadadadadadadadadadada
قواعد الإسلام
17
عَمَلٌ قَلِيلٌ فِي عِلْمٍ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ كَثِيرٍ فِي جَهْل (1)، وَعَنْهُ قَالَ: "لَو أَنَّ جَاهِلاً فَاقَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْعِبَادَةِ لَكَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ (2)، وَيُقَالُ: هَلَكَ النَّاسُ كُلُّهُمْ إِلا الْعَالِمِينَ، وَالْعُلَمَاءُ كُلُّهُمْ هَلَكُوا إِلَّا الْعَامِلِينَ، وَالْعَامِلُونَ كُلُّهُمْ هَلَكُوا إِلا الْمُخْلِصِينَ، وَالْمُخْلِصُونَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ، فَإِذَا كَانَ الأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا وَجَبَ عَلَى الْمُكَلَّفِ تَعَلَّمُ دِينِهِ وَفَرَائِضِهِ أَوَّلاً لِيَمْتَيْلَهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ نُطْقًا وَاعْتِقَادًا، وَفِعْلاً وَامْتِثَالاً، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
(1) وَفِي مَعْنَاهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ضَعِيف، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْأَعْمَالِ: نَسْأَلُ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "الْعِلْمُ بِاللهِ. فَقِيلَ: أَي الْعِلْمِ تُرِيدُ؟ قَالَ: " الْعِلْمَ بِاللهِ "، فَقِيلَ: عَنِ الْعَمَلِ فَتُجِيبُ عَنِ الْعِلْمِ فَقَالَ: "إِنَّ قَلِيلَ الْعَمَلِ يَنْفَعُ مَعَ الْعِلْمِ بِاللَّهِ، وَإِنَّ كَثِيرَ الْعَمَلِ لَا يَنْفَعُ مَعَ الْجَهْلَ ". [ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله، 45/ 1] (2) لَمْ أَقِفْ عَلَى سَنَدِهِ، لَعَلَّهُ أَثَرٌ وَلَيْسَ بِحَدِيثٍ نَبَوِيِّ، فَلا تَبْدُو عَلَيْهِ مَسْحَةٌ مِنْ جَمَالِ النُّبُوَّةِ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ. (1/170)
صفحة 171
فصل
فِي مَعْرِفَةِ الْعِلْمِ الْمُفْتَرَضِ تَعَلَّمُهُ
اعْلَمْ أَنَّ الْعِلْمَ الْمُفْتَرَضَ تَعَلَّمُهُ عَلَى ثَلاثَةِ أَوْجُهِ: وَجْهُ لَا يَسَعُ النَّاسَ جَهْلُهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَوَجْهُ يَسَعُ جَهْلُهُ إِلَى الْوُرُودِ، وَوَجْهُ يَسَعُ جَهْلُهُ أَبَدًا.
فَالْوَجْهُ الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ مَا لَا يَسَعُ النَّاسَ جَهْلُهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَذَلِكَ مَا قَدَّمْنَا مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ، وَنَفْيِ الْأَشْبَاءِ وَالْأَمْثَالِ عَنْهُ.
الوجه الثاني]: وَأَمَّا مَعْرِفَةُ مَا يَسَعُ جَهْلُهُ إِلَى الْوُرُودِ: فَهِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا لَا يَسَعُ جَهْلُهُ وَتُرِكَ عِلْمُهُ إِذَا وَرَدَ، وَذَلِكَ كَمَعْرِفَةِ اللَّهِ أَنَّهُ بَصِيرٌ، عَلِيمٌ، سَمِيعٌ فِي أَمْثَالِهِ مِنَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ سُئِلَ عَنْهَا، أَوْ خَطَرَتْ عَلَى بَالِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُورِدَهَا عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَلَا يَسَعُهُ إِلا أَنْ يَصِفَ اللَّهَ بِصِفَتِهِ، وَيَنْفِيَ عَنْهُ صِفَاتِ خَلْقِهِ، وَهَكَذَا إِذَا فَهِمَ ذَلِكَ بِلُغَتِهِ، أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ أَنَّ هَذَا اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْلَمَ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ وَيَصِفَ اللَّهَ بِصِفَاتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ نَقَضَ جُمْلَةَ التَّوْحِيدِ الَّتِي أَقرَّ بِهَا أَوَّلاً.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ [الثاني]: يَسَعُ جَهْلُهُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَذَلِكَ كَمَعْرِفَةِ نَبِيِّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، أَوْ مَلَكِ مِنَ الْمَلائِكَةِ، أَوْ حَرْفٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا فَشَكَ فِيهِ أَوْ أَنْكَرَهُ، فَقَدْ نَقَضَ الْجُمْلَةَ الَّتِي أَقَرَّ بِهَا أَوَّلاً، وَأَشْرَكَ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى السَّامِعِ أَنْ يَبْرَأَ مِنْهُ إِذَا قَصَدَ ذَلِكَ فَأَنْكَرَهُ. (1/171)
صفحة 172
وَالْوَجْهُ الثَّالث (1) مِنْ عُلُومِ الدِّينِ يَسَعُ جَهْلُهُ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُهُ، وَذَلِكَ كَالْفَرَائِضِ الْمَوْسُوماتِ الأَوْقَاتِ، مِنَ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ، وَسَائِرِهَا مِنْ جَمِيعِ الْفَرَائِضِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ، يَسَعُ جَهْلُ جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مَا لَمْ يُبْتَلَ الْعَبْدُ بِالْعَمَلِ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ الْعِلْمُ بِهَا وَامْتِنَالُهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: يَسَعُ جَهْلُهُ أَبَدًا، مِثْلُ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ، وَتَصْرِيفِ الْقِصَاصِ فِي وُجُوهِهِ، وَتَحْرِيمِ الرِّبَا فِي مَعَانِيهِ، وَتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَأَشْبَاءِ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَذَوَاتِ الْمَحَارِمِ مِنَ النِّسَاءِ مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ الْمَعَاصِي، مَا خَلَاَ الشَّرْكَ فَإِنَّهُ لَا يَسَعُ جَهْلُهُ وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنَ الْمَعَاصِي وَجَمِيعِ الْحَرَامِ فَإِنَّه يَسَعُ جَهْلُهُ مَا لَمْ يُقَارِفْ شَيْئًا مِنْ
ذَلِكَ.
[مَا لا يسعُ جهلُهُ فِي هَذَا الوجه]
وَأَمَّا الَّذِي لا يَسَعُهُمْ فِي هَذَا الْوَجْهِ فَهُوَ أَحَدُ ثَلاثَةِ أَشْيَاءَ: [الأَولُ]: أَنْ لاَ يَتَقَوَّلُوا عَلَى اللهِ فيه الْكَذِبَ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ مِنْهَا، أَوْ يُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ يُخْطِئُوا فِي حُكْمِ مِنْ أَحْكَامِهِ بِالْقَوْلِ، وَالثَّانِي: أَنْ لَا يُقَارِفُوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ بِالْفِعْلِ، وَالثَّالِثُ: أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَوْ
-
تَحْلِيلِهِ فَيَرُدُّوهَا، فَمَهْمَا فَعَلُوا شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَا فَهُمْ غَيْرُ مَعْذُورِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
لنا
(1) [في الأصل: قال المؤلف: " والوجه الثاني". قال المحشي: "قوله والوجه الثاني ... الخ: لم يظهر وجه لتسمية هذا وجها ثانيا، فكان الأولى أن يكون وجها ثالثاً من الوجه الثاني، وذلك بأن يقسم الوجه الثاني. - وهو الذي يسع جهله إلى الورود - إلى ثلاثة أوجه، فالوجه الأول: هو المتعلّق بصفات الله تعالى كما بينه، والوجه الثاني: هو الذي يكون بقيام الحجة فقط، كمعرفة نبيء من الأنبياء كما بينه، والوجه الثالث: هو الذي يكون إلى الأوقات، كسائر الفرائض كما بينه"]. (1/172)
صفحة 173
1730
platolatala data latakatakatakatakatakatakakatakatakatalatzlatolatala alatakaiskickatakuliz?
قواعد الامس
(1)
وَالأَثَرُ الْوَارِدُ فِي هَذَا الْوَجْهِ مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدِ اللهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي
(2)
سُفْيَانَ مَحْبُوبِ بْنِ الرَّحِيل)، وذلك أَنَّهُ رُوِيَ عنه أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ لِجَابِرِ بْنِ زيد: مَا يَسَعُ النَّاسَ جَهْلُهُ؟ فَقَالَ: مَا دَانُوا بِتَحْرِيمِهِ مَا لَمْ يَرْتَكِبُوهُ، وَمَا لَمْ يَتَبَرَّكُوا مِنَ الْعُلَمَاءِ إِذَا بَرِثُوا مِنْ رَاكِبِهِ وَما لَمْ يَقِفُوا عَنْهُمْ)
(r).
وَكَذَلِكَ إِذَا رَضِيَ بِفِعْلِ الْخَطَا إِذَا حَضَرَهُ، أَوْ غَابَ عَنْهُ فَبَلَغَهُ فَرَضِيَ بِهِ، فَإِنَّهُ لا يَسَعُهُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الإِمْسَاكُ عَنْ جَمِيعِ مَا لَا يَعْرِفُهُ حَتَّى يَعْلَمَ الْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ فَيَتَّبِعَهُ، وَالْخَطَأَ فَيَتْجَنِبَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي أَثَرِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمُقَارِفَ لِكَبَائِرِ النِّفَاقِ يَسَعُ جَهْلُ كُفْرِهِ مَا لَمْ تَقمِ الْحُجَّةُ عَلَى الشَّاكٌ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ الْفِعْلِ الَّذِي فَارَفَهُ الْمُقَارِفُ، مَا خَلَا ثَلَاثَةَ أَوْجُهِ: إِذَا سُئِلَ عَنْهُمْ هَكَذَا فَلاَ يَسَعُهُ إِلَّا أَنْ يُكَفِّرَهُمْ، وَهُمُ الْمُحِلُّ، وَالْمُصِرُّ، وَالرَّاجِعُ عَنْ عِلْمِهِ.
وَالْمُحِلُّ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: الْمُحِلُّ لِمَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ نَضًا فَهُوَ مُشْرِكٌ مُكَذِّبُ لِلهِ تَعَالَى، لا يَسَعُ مِنْ عِلْمٍ ذَلِكَ مِنْهُ إِلَّا الْبَرَاءَةُ مِنْهُ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: مُحِلٌ لِمَا حَرَّمَ اللهُ بِتَأْوِيلِ الْخَطَا كَتَحْلِيلَ أَهْلِ الْخِلَافِ الْبَرَاءَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَمَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بِعِلْمٍ مَا ذَكَرْنَا فَعَلَيْهِ الْبَرَاءَةُ مِمَّنِ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ بِمُصَادَمَةِ النَّصَّ أَوْ بِتَأْوِيلِ الْخَطَاً، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ اسْتَحَلَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَلاَ يُضَيَّقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، كَمَا لاَ يُضَيَّقُ عَلَيْهِ تَكْفِيرُ مَنْ قَارَفَ فِعْلَا لَا يَدْرِي مَا هُوَ، فَإِذَا عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ كَبِيرَةٌ فَعَلَيْهِ تَكْفِيرُهُ وَالْبَرَاءَةُ مِنْهُ.
(1) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ.
(2) تَقَدَّمَ هُوَ أَيْضًا.
(3) [انظر ابن جعفر: الجامع، 189/ 1]. (1/173)
صفحة 174
1747
وقَالَ أَصْحَابُنَا إِنَّ الْمُحَرِّمَ يَسَعُ جَهْلُ كُفْرِهِ، وَالْمُسْتَحِلَّ لَا يَسَعُ جَهْلُهُ، إِلَّا مَا: رُوِيَ عَنْ بَشِيرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْبُوبِ) أَنَّهُ قَالَ: يَسَعُ جَهْلُ مَعْرِفَةِ كُفْرِ (1)
ور يرو
الْمُسْتَحِلُّ لِمَا حَرَّمَ اللهُ مَا لَمْ يَتَوَلَّهُ الْمُعَايِنُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَرُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ لأَبِي سُفْيَانَ مَحْبُوبِ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِمُ الْمُسْتَحِلَّ؟ وَهَلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ يَزْعُمُ أَنَّ الزِّنَى حَلال؟ وَمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ فَهُوَ مُشْرِكٌ؟ قَالَ: لَيْسَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَلَكِنْ يَقُولُ: ل: هُوَ مُسْلِمٌ وَإِنْ زَنَى، قُلْتُ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ الْمُحَرِّمُ؟ قَالَ: مَنْ كَانَ الزِّنَى عِنْدَهُ حَرَامًا وَرَاكِبُهُ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ، وَلَكِنْ إِذَا كَانَ ضَعِيفًا (2) فَوَاسِعٌ لَهُ أَنْ لَا يُسَمِّية (3) بِالْكُفْرِ إِذَا كَانَ لاَ يَدْرِي مَا قَوْلُ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ حَتَّى يَعْلَمَ ذَلِكَ فَيَعْمَلَ فِيهِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ فِعْلُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْمُصِرُّ: فَهُوَ الْمُقِيمُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَلاَ يَسَعُ جَهْلُ كُفْرِهِ أَيْضًا عِنْدَ مَنْ رَأَىهُ قَدْ أَصَرَّ عَلَى فِعْل قَدْ عَلِمَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَهُ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، فَلَمْ يَتُبْ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَنْزِع؛ لأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمُعَانِدِ، فَلِذَلِكَ ضَيَّقُوا عَلَى مَنْ عَلِمَ مِنْهُ هَذَا؛ لأَنَّ مُصِرٌ كَافِرٌ وَلَوْ أَصَرَّ عَلَى ذَنْبٍ صَغِيرٍ، لِقَوْلِهِ: هَلَكَ الْمُصِرُّونَ (4)، فَلَمْ يَخُصَّ مُصِرًا مِنْ مُصِرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الرَّاجِعُ عَنْ عِلْمِهِ: فَهُوَ عِنْدَهُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ حَتَّى لَا يَفْرِزُهُ مِنَ الشَّعْرِ، وَهَذَا وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ الْوَعِيدُ لِقَوْلِ الرَّسُولِ: "مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ حُشِرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْدَمَ، وَقَوْلِهِ: عُرِضَتْ عَلَيَّ - أَوْ قَالَ نَظَرْتُ
(0)
(1) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ اسْتِقْلَالاً، وَضِمْنَ أَسْرَةِ أَبِي سُفْيَانَ مَحْبُوبُ بْنُ الرَّحِيلِ الْقُرَشِيُّ.
(2) فِي عِلْمِهِ، بِدَلِيل مَا بَعْدَهُ. (3) لَعَلَّ يَسِمُهُ، أَيْ: يَصِفُهُ.
(4) رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِلَفْظِ: "الْمُتَنَطِّعُونَ" [باب هلك المتنطعون، ر 6955]، [ورواه أحمد، بلفظ: "ويل للمصرين"، را 654]، وَعِبَارَةُ الأَسَاسِ تَنَطَّعَ فِي كَلَامِهِ: تَفَصَّحَ فِيهِ وَتَعَمَّقَ،
وَرَمَى بِلِسَانِهِ إِلَى نطعِ الْقَم ونطع ألف مَوْقِعُ اللَّسَانِ فِي الْحَنَكِ.
(5) [رواه الربيع، باب في ذكر القرآن، (6]
- (1/174)
صفحة 175
قواعد الإس
ذُنُوبَ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ نَاسِي الْقُرْآنِ (1)، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَنْسَاهُ إِلَّا بِهُجْرَانِهِ إِيَّاهُ وَتَهَاوُنِهِ بِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْقِرَاءَةَ وَلَمْ يُرِدْ نِسْيَانَ نَفْسِ الْقُرْآنِ؛ لأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ النَّاسِي لِلْقُرْآنِ هُوَ التَّارِكُ لِلْعَمَل بِهِ وَإِنْ كَانَ يَقْرَؤُهُ ظَاهِرًا، وَقِيلَ: إِذَا نَسِيَهُ بِالْمَرَضِ لا يَكُونُ لَهُ نَاسِيًا وَلَوْ كَانَ لاَ يَحْفَظُهُ مَنْظُومًا، وَقِيلَ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُفْرَضُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِهِ أَنْ لَا يُؤَاخَذَ بِنِسْيَانِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(1) [رواه أبو داود، كتاب الصلاة، باب في كنس المسجد، ر 461]، وَفِي رِوَايَةٍ: "عُرِضَتْ عَلَيَّ أُمَّتِي بِأَعْمَالِهَا حَسَنِهَا وَسَيْنهَا، فَرَأَيْتُ مِنْ مَحَاسِن أَعْمَالِهَا إمَاطَةَ الأَذَى عَن الطَّرِيقِ، وَرَأَيْتُ مِنْ سَيْ أَعْمَالِهَا النُّخَامَةَ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ تُدْفَنَ" [رواه مسلم، باب النهي عن البصاق في المسجد ... ،
[1261) (1/175)
صفحة 176
قواعد الإسلام
17679
فصل فِي الْعَمَلِ
اعْلَمْ أَنَّ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ تَوْأَمَانِ، لاَ يَنْفَعُ عِلْمٌ بِغَيْرِ عَمَلٍ، وَلَا يُقْبَلُ عَمَلٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ، كَمَا قِيلَ عَنْ عِيسَى صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ عَلِمَ وَعَمِلَ فَذَلِكَ الَّذِي يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَمَنْ عَلِمَ وَلَمْ يَعْمَلْ فَذَلِكَ الَّذِي يُضَاعَفُ لَهُ الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ وَلَمْ يَعْمَلْ فَذَلِكَ الَّذِي يَمُوتُ مَوْتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ (). وَاعْلَمْ أَنَّ الْعِلْمَ عِلْمَانِ عِلْمٌ بِاللَّسَانِ وَعِلْمُ بِالْجَنَانِ، فَأَمَّا الْعِلْمُ بِاللَّسَانِ فَذَلِكَ حُجَّةُ اللهِ عَلَى ابْنِ آدَمَ، وَأَمَّا الْعِلْمُ بِالْجَنَانِ فَذَلِكَ هُوَ الْعِلْمُ النَّافِعُ، كَمَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ (2)، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ، وَلَكِنَّ الْعِلْمَ نُورٌ جَعَلَهُ اللهُ فِي قَلْبِ مَنْ يَشَاءُ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًا تَهْدِي بِهِ مَن نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا (3)
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعِلْمَ النَّافِعَ نَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا: العلم بِامْتِثَالِ الْفَرَائِضِ، وَالتَّقَرُّبِ بِهَا إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي كُلِّهَا خَوْفًا مِنْ عِقَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالثَّانِي:
(1) [ذكره السمرقندي: تنبيه الغافلين، 2/ 470]. (2) قال صلى الله عليه وسلم: "العلم علمان علم باللسان فذلك حجة الله على ابن آدم وعلم بالقلب فذلك العلم النافع" (مسند الربيع، الأخبار المقاطيع عن جابر بن زيد، 947)].
(3) الشورى: 52. (1/176)
صفحة 177
مَا ازْدَادَ الْعَبْدُ بِهِ حُبًّا لِلهِ وَطَاعَتِهِ، وَخَلَصَ لَهُ إِيمَانُهُ، وَاشْتَدَّ بِهِ يَقِينُهُ، وَمَا سِوَى هَذَا فَلْيُنْزِلْهُ الْعَبْدُ مِنْ جَهْلِهِ فَإِنَّهُ فِتْنَةٌ لِكُلِّ مَفْتُونِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَصِحُ عِلْمُ الْفَرَائِضِ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ أَدَائِهَا، وَالْعَمَلِ بِامْتِثَالِهَا، وَيَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ فِي كُلِّ عَمَلِ فَرِيضَةٍ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: وَهُوَ أَنْ يَمْتَيْلَهُ الْعَبْدُ عَلَى مَا أُمِرَ بِهِ،
رَاجِيًا فِيهِ ثَوَابًا، خَائِفًا مِنْ تَرْكِهِ عِقَابًا.
وَيَجِبُ عَلَيْهِ فِي عِلْمِ الْفَرِيضَةِ ثَلاثَةُ أَوْجُهِ أَيْضًا، أَحَدُهَا الْعِلْمُ بِامْتِثَالِ الْفِعْل وَكَيْفِيَّتِهِ، وَالثَّانِي: الْعِلْمُ بِأَنَّ اللهَ أَمَرَهُ بِهَا وَأَلْزَمَهُ فِعْلَهَا، وَالثَّالِثُ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ
أَوْجَبَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ ثَوَابًا وَعَلَى تَرْكِهِ عِقَابًا، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ. (1/177)
صفحة 178
قواعـ
فصل
فِي النِّيَّةِ (1) وَتَوَابِعِهَا مِنَ الصِّدْقِ وَالإِخْلَاصِ
اعْلَمْ أَنَّ النِّيَّةَ لُبَابُ الْفِعْل وَصَفْوَتُهُ، وَعِمَادُ الدِّينِ وَأُسُّهُ، وَلِذَلِكَ نَفَى الرَّسُولُ الأَعْمَالَ إِلا بِهَا؛ لأَنَّهَا فِي الْعَمَلِ بِمَنْزِلَةِ الْبَدْرِ فِي الزَّرَاعَةِ، فَمَنْ زَرَعَ بِالْبَدْرِ فَحَقِيقٌ أَنْ يَحْصُدَ غِبْطَةٌ، وَمَنْ تَعَنَّى بِلا بَدْرٍ فَثَمَرَتُهُ النَّدَامَةُ، وَمَنْ أَهْمَلَ عَمَلَهُ بِسَهْرٍ أَوْ غَفْلَةٍ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَعْمَلُ، وَالْعَمَلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ عَنَاءٌ، وَالنِّيَّةُ بِغَيْرِ إخلاص رِيَاءٌ، وَهُوَ وَالنّفَاقُ سَوَاءٌ، وَالإِخْلاَصُ مِنْ غَيْرِ صَدْقٍ وَتَحْقِيقِ هَبَاءُ، وَلَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ تَصِحُ نِيَّةُ مَنْ لاَ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ النِّيَّةِ؟ أَوْ كَيْفَ يَصِحُ لَهُ عَمَلٌ صَحِيحٌ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ الإِخْلاصِ؟ أَوْ كَيْفَ يُطَالِبُ الْمُخْلِصُ نَفْسَهُ بِالصِّدْقِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ مَعْنَاهُ؟ فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلَّ عَبْدِ أَرَادَ طَاعَةَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَتَعَلَّمَ النِّيَّةَ لِتَخْلُصَ لَهُ الْمَعْرِفَةُ، ثُمَّ يُصَرِّحُهَا بِالْعَمَلِ بَعْدَ فَهُم حَقِيقَةِ الصِّدْقِ وَالإِخْلَاصِ اللَّذَيْنِ هُمَا وَسِيلَنَا الْعَبْدِ إِلَى النَّجَاةِ وَالْخَلاَصِ يَوْمَ الْأَخْذِ بِالنَّوَاصِي.
(1) النِّيةُ: تَارَةً يُقْصَدُ بِهَا تَعْيِينُ الْعِبَادَةِ كَالْوُضُوءِ، فَإِنَّهُ يَكْفِي مِنْهُ اعْتِقَادُ رَفْعِ الْحَدَثِ لِجَمِيعِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي الْوُضُوهُ شَرْطَ فِي صِحْتِهَا، وَلَيْسَ يَخْتَصُّ كُلَّ عِبَادَةٍ بِوَضُوءٍ مُجَدِّدٍ، وَتَارَةً يُقْصَدُ بِهَا تَعْيِينُ شَخْصِهَا كَالصَّلَاةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ النِّيَّةِ فِيهَا، إِنْ عَصْرًا فَعَصْرٌ، وَإِنْ ظُهْرًا فَظُهُرٌ، كَمَا أَنَّ مِنَ الْعِبَادَاتِ مَا يَنْقَلِبُ فَرْضًا إِذَا ابْتَدَأَهُ تَطَوُّعًا كَالْحَجِّ إِذَا ابْتَدَأَهُ - مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ - تَطَوُّعًا انْقَلَبَ ذَلِكَ
عِنْدَهُمْ فَرْضًا، وَمِنْهَا مَا لاَ يَنْقَلِبُ كَالصَّلاةِ إِذَا عَقَدَهَا نَافِلَةٌ لَا تَسْتَحِيلُ فَرْضًا. اهـ مُحَدِّي. (1/178)
صفحة 179
اعْلَمْ أَنَّ النِّيَّةَ إِنَّمَا تُؤَشِّرُ فِي الطَّاعَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ دُونَ الْمَعَاصِي وَالسَّيِّئَاتِ، أَمَّا أَعْمَالُ الطَّاعَاتِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَنْوِيَ فِي كُلِّ عَمَل مِنْهَا أَنْ يَمْتَثِلَهُ عِبَادَةٌ لِلهِ تَعَالَى وَتَقَرُّبًا بِهِ إِلَيْهِ.
-
فَحَقِيقَةُ النِّيَّةِ فِي الطَّاعَةِ: انْبِعَاثُ الْقَلْبِ وَالتَّحَرِّي إِلَى مَرْضَاةِ الرَّبِّ، فَنِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ كَمَا جَاءَ الْحَدِيثُ (1) وَمَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ: اعْلَمْ أَنَّ النِّيَّةَ فِي نَفْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الأَعْمَالِ إِذَا كَانَتْ لا تَصِحُ إِلا بِهَا، أَوْ نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ اعْتِقَادُهُ طَاعَةَ اللَّهِ وَلَوْ عَاشَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَإِنْ مَاتَ دُونَهَا انْقَطَعَ عَمَلُهُ وَلَمْ تَنْقَطِعْ نِيَّتُهُ (2)، فَإِنْ نَوَى بِالطَّاعَةِ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ انْقَلَبَتْ مَعْصِيَةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْمُبَاحَاتُ فَتَنْقَلِبُ طَاعَةٌ بِالنِّيَّةِ، فَلاَ يَنْبَغِي لِلْعَاقِل أَنْ يَتَعَاطَى أَفْعَالَهُ تَعَاطِي الْبَهَائِمِ الْمُهْمَلَةِ فَتَصْدُرُ أَفْعَالُهُ عَنْهُ بِسَهْرٍ وَغَفْلَةٍ، فَأَغَلَبُ حُظُوظ النَّفْسِ مِنَ الْمُبَاحِ، كَالأَكْلِ وَالنَّوْمِ وَالنِّكَاحِ، فَيَنْوِي فِي الْأَكْلِ التَّقَوِّي لِلْجِسْمِ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَيَنْوِي فِي النَّوْمِ اسْتَرَاحَةَ الْجِسْمِ لِيَنْشَطَ لِلْقِرَاءَةِ وَالْعِبَادَةِ، وَيَنْوِي بِالنِّكَاحِ تَحْصِينَ الْفَرْجِ، وَإِحْرَازَ الدِّينِ، وَطَلَبَ الْوَلَدِ لِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَتَكْثِيرًا لَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ، فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ الْمُرِيدِ لِلآخِرَةِ أَنْ يَقِيسَ جَمِيعَ أَفْعَالِ الْمُبَاحِ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَيُحْسِنَ النِّيَّةَ فِي جَمِيعِهَا حَتَّى تَصِيرَ طَاعَةٌ لِلهِ تَعَالَى وَعِبَادَةٌ.
وَأَمَّا الْمَعَاصِي فَلا تُؤَثِّرُ فِيهَا النِّيَّةُ، وَلاَ تَنْقَلِبُ بِهَا لِلهِ تَعَالَى قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ، مِثْلَ أَنْ يَغْتَابُ إِنْسَانًا تَطْيِبًا لِقَلْبِ الْمُسْلِمِ، أَوْ يُطْعِمُ فَقِيرًا مِنْ مَالِ غَيْرِهِ طَلَبًا لِلأَجْرِ، فَهَذَا كُلُّهُ جَهَالَةٌ وَاغْتِرَارُ، لِقَوْلِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ (3)، فَالنِّيَّةُ لَا فِي إِخْرَاجِ الْفِعْلِ عَنْ كَوْنِهِ ظُلْمًا وَمَعْصِيَةٌ، بَلْ قَصْدُهُ الْخَيْرَ بِالشَّرِّ عَلَى
(1) [رَوَاهُ الرَّبيع، باب في النية، را]. (2) وَهُوَ أَظْهَرُ مِنَ الأَوَّلِ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً. (3) [تقدم تخريجه]. (1/179)
صفحة 180
180
خِلافِ مُقْتَضَى الشَّرْعِ شَرٌّ آخَرُ، فَإِنْ عَرَفَهُ فَهُوَ مُعَانِدٌ لِلشَّرْعِ، وَإِنْ جَهِلَهُ كَانَ عَاصِيَا بِالْجَهْلِ وَارْتِكَابِ الْفِعْلِ إِذْ طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا الإخلاص: فَمَعْنَاهُ إِخْلاَصُ الْعَمَلِ وَتَصْفِيَتُهُ مِنْ شَوَائِبِ الْكُذُورَاتِ مِنَ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَحُبِّ الثَّنَاءِ وَالْمَحْمَدَةِ حَتَّى يَصِيرَ خَالِصًا مُخْلِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ، عَارِيًا مِنْ حُظُوظ النَّفْسِ الْمُخْتَصَّةِ بِهَا فِي الدُّنْيَا مِنْ جِهَةِ الْخَلْقِ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: الايته الدين الخالص) (2) وَقَالَ: {إِنَّ الْمُتَّفِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ
لَهُمْ نَصِيرًا إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخَلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ اله (3). وَأَمَّا الصِّدْقُ: فَيُسْتَعْمَلُ لَفْظُهُ فِي سِتَّةِ مَعَانٍ: صِدْقٌ فِي الْقَوْلِ، وَصِدْقٌ فِي النية وَالإِرَادَةِ، وَصِدْقٌ فِي الْعَزْمِ، وَصِدْقٌ فِي الْوَفَاءِ بِالْعَزْمِ، وَصِدْقٌ فِي الْعَمَلِ، وَصِدْقٌ فِي تَحْقِيقِ مَقَامَاتِ الدِّينِ، فَمَنِ اتَّصَفَ بِالصِّدْقِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَعَانِي فَهُوَ الصِّدِّيقُ؛ لأَنَّهُ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي الصِّدْقِ، كَمَا قِيلَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنِ الْكَمَالِ فَقَالَ: قَوْلُ الْحَقِّ وَالْعَمَلُ بِالصِّدْقِ (4)، وَقَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ امَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أَوَلَيْكَ هُمُ الصِّدِيقُونَ} (5)، وَمَنِ اتَّصفَ بمعنى مِنَ الصِّدْقِ مِنْ هَذهِ
(1) تَقَدَّم. (2) الزمر: 3.
(3) النِّسَاء: 146.
(4) كَانَ الْعَبَّاسُ يَلْبَسُ الثِّيَابَ النَّقِيَّةَ الْبَيْضَاءَ، فَجَاءَ يَوْمًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ أَبْيَضُ، فَلَمَّا نَظَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم تَبَسَّمَ، فَقَالَ العباسُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الْجَمَالُ؟ قَالَ: "صَوَابُ الْقَوْلِ بِالْحَقِّ"، وَقَالَ: فَمَا الْكَمَالُ؟ قَالَ: "حُسْنُ الْفِعْلِ بِالصِّدْقِ" [رواه الحكيم الترمذي: نوادر الأصول في أحاديث الرسول، في أن كمال المرء سبع، 36/ 4]. (5) الْحَدِيد: 19. (1/180)
صفحة 181
المعاني المُتقدِّمَةِ فهو صادق بالإضافةِ إلَى مَا فِيهِ صِدْقُهُ، وليسَ كِتابُنَا هَذَا
موضُوعا لهذهِ المَعانِي، وَبالله التوفيق. (1/181)
صفحة 182
فصل
في الورع
اعْلَمْ أَنَّ مَلاَكَ الدِّينِ الْوَرَعُ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى الْمُصَلِّينَ فَقَالَ: لَا يَغُرُّنِي كَثْرَةُ رَفْعِ أَحَدِكُمْ رَأْسَهُ وَخَفْضِهِ، الدِّينِ الْوَرَعُ فِي دِينِ اللهِ، وَالْكَتْ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ، وَالْعَمَلُ بِحَلالِ اللَّهِ، وَالْكَتُ عَنْ مَحَارِمِهِ، وَسُئِلَ النَّبِيُّ عَنِ الْوَرَع فَقَالَ: "الْوُقُوفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ، وَيُقَالُ: لَا مَعْقِلَ أَحْرَزُ مِنَ الْوَرَعِ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: غَايَةُ الْوَرَعِ الْوُقُوفُ عَنْ كُلِّ شُبْهَةٍ، وَمُحَاسَبَةٌ النَّفْسِ عِنْدَ كُلِّ لَحْظَةٍ، وَيُقَالُ: فَضْلُ الْعِلْمِ خَيْرٌ مِنَ الْعِبَادَةِ، وَخَيْرُ دِينِكُمُ الْوَرَعُ، وَيُقَالُ: دِينُ بِلا وَرَعٍ كَسَفِينَةٍ بِلا شِرَاعٍ.
وعَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ (3) قَالَ: "مَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ بِجَمِيعِ مَعَانِيهِ، وَالسُّنَنَ بِجَمِيعِهَا، وَعَرَفَ شَرَائِعَ الإِسْلامِ، وَلَيْسَ لَهُ وَرَعٌ فَمَثَلُهُ كَالْقَوْسِ الَّذِي لَا وَتَرَ لَهُ، (1) [رواه الطبراني: المعجم الكبير بمعناه، ر 197]. (2) مَنْ هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ؟ الْمَشْهُورُونَ بِكُنْيَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ الَّذِينَ انْتَهَتْ إِلَيْهُمُ الرِّئَاسَةُ الْعِلْمِيَّةُ قَبْلَ زَمَنِ الْمُؤَلِّفِ، وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَنْقُل عَنْهُمْ كَثِيرُونَ، أَبْرَزُهُمْ فِي الْمَغْرِبِ ثَلَاثَةٌ: 1 - أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْخَيْرِ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الثَّالِثِ وَمِمَّنْ ضُرِبَ بِهِ الْمَثَلُ، فَقِيلَ: (مَنْ ضَيَّعَ كِتَابًا فَكَمَنْ ضَيَّعَ خَمْسَةَ عَشَرَ عَالِمًا مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْخَيْرِ)، تَوَلَّى الْحُكْمَ عَلَى جَبَلِ نَفُوسَةً وَمَا يَتْبَعُهُ بِاتِّفَاقِ أُولِي الْأَمْرِ مِنْ عُلَمَاءِ الْجَبَلِ 2 - أَبُو مُحَمَّدٍ يَصْلَيْنِ الْكِبَاوِيُّ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الرَّابِعَ، دَرَسَ عَلَى أَبِي هَارُونَ الجلالمِي، وَأُسْدَتْ إِلَيْهِ الْفَتْوَى فِي جَبَلِ نَفُوسَةً زَمَنَ أَبِي زَكَرِيَّاءَ التَنْمِيرَتِي، وَكَانَ مَلْجَأَ يُلْجَأُ إِلَيْهِ فِي حَلَّ الْمُشْكِلاتِ. 3 - أَبُو مُحَمَّدٍ حَصِيبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّمَصمِيصِيُّ - وَهُوَ الْمَقْصُودُ هُنَا - (1/182)
صفحة 183
183
وَمَنْ تَوَرَّعَ بِلا بَحْثٍ وَلَا مَعْرِفَةٍ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَدُورُ بِالرَّحَى، كُلَّمَا اشْتَدَّ فِي اشْتَدَّ الْحِمَارُ فِي دَوْرِهِ (1). وَمِمَّا يُؤْثَرُ مِنْ كَلامِ عِيسَى: لَوْ صَلَّيْتُمْ تَكُونُوا كَالْحَنَايَا، وَصُمْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالْأَقْواسِ مَا نَفَعَكُمْ ذَلِكَ إِلَّا
وَرَعِه
(Y)11
بالورع (2).
فَإِذَا كَانَ الْوَرَعُ مَلاكَ الأَمْرِ كُلِّهِ وَجَبَ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَتَفَقَّدَ نَفْسَهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ وَإِعْطَاءِ وَمَنْعِ، وَيُحَاسِبَ نَفْسَهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، فَمَا رَأَىهُ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَعَلَهُ، وَغَيْرَ ذَلِكَ اجْتَنَبَهُ.
[درجات الورع أربعة]
وَيُقَالُ: الْوَرَعُ عَلَى أَرْبَعِ دَرَجَاتٍ، أَحَدُهَا: وَرَعُ الْعُدُولِ، وَهَذَا (3) الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعَبْدُ بِارْتِكَابِهِ النَّارَ، وَذَلِكَ كُلُّ مَا يَقْتَضِيهِ تَحْرِيمُ الْفَتْوَى مِنْ جَمِيعِ الْمَحَارِمِ والثَّانِي: وَرَعُ الصَّالِحِينَ، وَهُوَ الْوَرَعُ عَنْ كُلِّ شُبْهَةٍ يُسْتَحَبُّ اجْتِنَابُهَا، كَقَوْلِهِ: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِبيكَ (4)، وَالثَّالِثُ: وَرَعُ الْمُتَّقِينَ، كَقَوْلِهِ
6
لِتَصْرِيحِ الْمُحَنِّي بِهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مِنْ حَاشِيَتِهِ عَلَى الْقَوَاعِدِ، وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الإِيضَاحِ، وَهُوَ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ، تَخَرَّجَ عَلَى الْعَلامَةِ الْكَبِيرِ أَبِي الرَّبِيعِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي هَارُونَ اللآلوَتِي الَّذِي قِيلَ فِي حَقِّهِ (قَلَّ أَنْ يَكُونَ ذُو عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ لَمْ يَقْتَبِسْ مِنْ سَنَاهُ، وَلَمْ يَغْتَرِف مِنْ يَنْبُوعِهِ، أُسْنِدَتْ إِلَيْهِ الْفَتْوَى فِي جَبَلٍ نَفُوسَةَ زَمَنَ الأَمِيرِ أَبِي زَكَرِيَّاءَ التَندِمِيرَنِي بَعْدَ أَبِي مُحَمَّدٍ الكباوِيِّ، يَرْوِي عَنْهُ الشَّيْخُ إِسْمَاعِيلُ فِي كِتَابِ الْقَوَاعِدِ وَالْقَنَاطِرِ، وَكَذَلِكَ الشَّيْخُ عَامِرٌ فِي
الإيضاح.
أَمَّا الْمَشْهُورُونَ بِهَذِهِ الْكُنْيَةِ فِي الشَّرْقِ فَأَكْثَرُهُمْ نَقْلاً عَنْهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَرَكَةً الْبَهْلَوِيُّ الْعُمَانِيُّ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الثَّالِثِ). اهـ مُصَححه.
(1) [انظر البغطوري سير أهل نفوسة، ص 43]. (2) [ذكره السمرقندي: تنبيه الغافلين، 518/ 2 حديثا، وابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر،
454/ 1 قولا لعمر بن الخطاب].
(3) ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ مُشْكِلٌ يُفِيدُ عَكْسَ الْحَقِيقَةِ، وَلَعَلَّ سَقْطًا وَقَعَ مِنَ الْعِبَارَةِ، وَصِحَةُ الْعِبَارَةِ تَكُونُ وَلَا
بُدَّ هَكَذَا وَرَعُ الْعُدُولِ هُوَ تَرْكُ الْمُحَرَّمِ الَّذِي يَسْتَحقُ .. إلخ.
(4) [رواه الترمذي، أبواب صفة القيامة، باب 22، ر 2637].
: (1/183)
صفحة 184
184
: إِنَّمَا سُمِّيَ الْمُتَّقُونَ مُتَّقِينَ لِتَرْكِهِمْ مَا لا بَأسَ بِهِ مَخَافَةَ مَا فِيهِ الْبَأْسُ (1)، وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ: "كُنَّا نَدَعُ تِسْعَةَ أَعْشَارٍ مِنَ الْحَلَالِ مَخَافَةَ أَنْ نَقَعَ فِي الْحَرَامِ، وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: تَمَامُ التَّقْوَى أَنْ يَتَّقِي الْعَبْدُ فِي مِثْقَالِ ذَرَّةٍ حَتَّى يَتْرُكَ بَعْضَ مَا يَرَى أَنَّهُ حَلالٌ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا، يَكُونُ حِجَابًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ، وَالرَّابِعُ: وَرَعُ الصَّدِّيقِينَ، وَهُوَ أَنْ يَتْرُكَ مَا لاَ بَأْسَ بِهِ أَصْلاً وَلَا يَخَافُ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى مَا فِيهِ الْبَأْسُ، وَلَكِنَّهُ يُتَنَاوَلُ لِغَيْرِ اللهِ، أَوْ يُجْتَلَبُ إِلَيْهِ بِقُوَّةٍ غُذِّيَتْ بِمَحْظُورِ الشَّرْعِ، أَوْ يَأْتِي بِهِ إِلَيْهِ بَعْضُ مُنْتَهِكِي حُرُمَاتِ اللَّهِ مِنَ الظَّلَمَةِ وَالْفُسَّاقِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمُ اللهُ - وَقَدْ جَاءَهُ وَلَدُهُ بِلَحْمِ صَيْدِ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَهُ، فَقَالَ: كُلِّ مَا جَاءَ بِهِ يونس فَهُوَ يُونِسُ، وَكَانَ وَلَدُهُ يُخَالِطُ زِنَانَةَ (2) فِي الْمُعَامَلَةِ (3)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وجوب اقتران الورع بالعلم]
وَالْوَرَعُ لا يتمُّ إِلا بِالْعِلْمِ؛ لأنَّ الْجَاهِلَ رُبَّمَا أَغْلَقَ عَلَى نَفْسِهِ مَا يَنْبَغِي، وَفَتَحَ عَلَيْهَا مَا لَا يَنْبَغِي، فَمِثَالُ ذَلِكَ رَئيسُ السَّفِينَةِ، إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالْبَحْرِ أَرْسَاهَا وَأَجْرَاهَا عَلَى وَجْهِهَا، وَالْجَاهِلُ بِالْبَحْرِ يُغْرِقُ السَّفِينَةَ وَمَنْ فِيهَا، فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَفَقَّدَ جُنُودَهُ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ فِي جَسَدِهِ، وَيُعْلِقَهَا بِأَبْوَابِهَا، فَبَابُ الْعَيْنِ الْجُفُونُ، وَبَابُ اللَّسَانِ الشَّفَتَانِ، وَبَابُ الْيَدَيْنِ الْكَفُّ عَنِ الْمَحَارِمِ، وَبَابُ الْفَرْجِ التَّوْبَةُ، وَبَابُ الرَّجْلَيْنِ الْوُقُوفُ عَنِ الشُّبُهَاتِ، فَإِذَا حَضَرَهُ أَمْرٌ حَسَنٌ فِيهِ فَتْحُ بَابٍ مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ فَلْيَفْتَحْهُ، وَإِلَّا فَلْيُغْلِقْهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(1) [رواه الترمذي بلفظ: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به
البأس"، أبواب صفة القيامة، باب 14، 2415].
(2) وَفِي نُسْخَةٍ: زنتات.
(3) [انظر البغطوري: سير أهل نفوسة، ص 13، 14]. (1/184)
صفحة 185
فصل في أَرْكَانِ الدِّينِ الأَرْبَعَةِ
الَّتِي هِيَ الاسْتِسْلامُ لأَمْرِ اللهِ، وَالرّضَى بِقَضَاءِ اللَّهِ، وَالتَّوَكُلُ عَلَى اللَّهِ،
وَالتَّفْوِيضُ إِلَى اللهِ.
مَسْأَلَةٌ
في الاسْتِسْلاَمِ وَهُوَ فَرْضٌ عَلَى الْعِبَادِ، وَتَرْكُهُ مَعْصِيَةٌ، وَيَكُونُ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ، وَمَعْنَاهُ الْخُضُوعُ لِلهِ تَعَالَى، وَحَقِيقَتُهُ هُوَ أَنْ يُلْجِيَ الْعَبْدُ أُمُورَهُ الَّتِي يَرْجُوهَا وَيَخَافَهَا إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَيَسْتَسْلِمَ لَهُ قَبْلَ وُقُوعِ الْحُكْمِ، فَإِذَا وَقَعَ رَضِيَ بِهِ كَأَنَّه يُرِيدُهُ، فَيَتَّبِعُ أَوَامِرَهُ بِالامْتِثَالِ وَزَوَاجِرَهُ بِالْكَفِّ وَالانْتِهَاءِ، وَلَيْسَ مَعَ الله ل خِيَارٌ فِي جَمِيعِ مَقَادِيرِهِ مِنَ الأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي فِي جَمِيعِ الأَحْكَامِ، فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ كَانَ مُسْتَسْلِمًا مُسْلِمًا لِلهِ تَعَالَى.
مَسْأَلَةٌ فِي الرَّضَى: وَهُوَ أَيْضًا قَرِيبٌ مِنَ الاسْتِسْلَامِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَرْضَى الْعَبْدُ بِأَوَامِرِ اللهِ تَعَالَى فَيَمْتَيْلَهَا، وَبِنَوَاهِيهِ فَيَجْتَنِبَهَا، وَبِمَا قَدَّرَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَالْمَصَائِبِ فَيَرْضَى بِهَا وَلاَ يَسْخَطَهَا، بَلْ يَصْبِرُ عَلَى ذَلِكَ مُحْتَسِبًا فِيهِ الْأَجْرَ وَالثَّوَابَ؛ لأَنَّ ذَلِكَ عَدْلٌ مِنَ اللهِ وَصَوَابٌ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِجَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ وَسَخِطَهُ، أَوْ جَوَّرَ اللَّهَ تَعَالَى فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ وَبَطَلَ أَجْرُهُ. (1/185)
صفحة 186
ـد الإس
وَأَمَّا الْمُتَصَوَّفَةُ فَالرَّاضِي عِنْدَهُمْ: هُوَ الْمُحِبُّ لِمَا يَغْشَاهُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ وَ مِنْ وَنَهْيِ وَحَادِثٍ مَحْبُوبًا كَانَ أَوْ مَكْرُوهَا، وَلَيْسَ الرَّاضِي عِنْدَهُمْ رَاضِبًا حَتَّى يُحِبَّ جَمِيعَ ذَلِكَ وَيُؤْثِرَهُ عَلَى مَا سِوَاهُ، وَيَكُونَ فِي جَرَيَانِ الْمَقَادِيرِ عَلَيْهِ مِنْ قِبَل كَالْمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيِ الْغَاسِلِ، وَلَيْسَ الَّذِي قَالُوهُ مِنْ ذَلِكَ بِبَعِيدٍ، وَقَدْ قَالَ النبي و لا بْنِ عَبَّاسٍ: يَا ابْنَ عَبَّاسِ اعْمَلْ عَلَى الرِّضَى وَالْيَقِينِ وَإِلَّا فَفِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ (2)، يُرِيدُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَمْ يَجِدْ فِي نَفْسِهِ سُرُورًا فِي عَمَل الطَّاعَةِ وَتَرْكِ الْمَعْصِيَةِ فَلْيَحْمِلْ نَفْسَهُ عَلَى الصَّبْرِ فِي ذَلِكَ،
(2)
فَإِنَّ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا، وَإِنْ كَانَتْ مَنْزِلَةُ الصَّابِرِ دُونَ مَنْزِلَةِ الرَّاضِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَهُ فِي التَّوَكُلُ: وَهُوَ فَرْضٌ وَاجِبٌ عَلَى الْعَبْدِ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (3)، ومَعْنَى التَّوَكُل: سُكُونُ الْقَلْبِ فِي ضَمَانِ الرَّبِّ، وَالطُّمَأْنِينَةُ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاهِبِ وَالإِحْسَانِ مِنْ نِعَمِ الدُّنْيَا
والآخرة.
6
(4)
اعْلَمْ أَنَّ الْجَاهِلَ قَدْ يَظُنُّ أَنَّ مَعْنَى التَّوَكُلِ تَرْكُ الْكَسْبِ بِالْبَدَنِ وَالتَّدْبِيرُ بِالْقَلْبِ، وَالسُّقُوطُ عَلَى الْأَرْضِ كَالْخِرْقَةِ الْمُلْقَاةِ، وَكَاللَّحْمِ عَلَى الْوَضَمِ وَهَذَا ظَنُّ الْجَاهِلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ فِي الشَّرْع؛ لأَنَّهُ قَدْ أَثْنَى عَلَى الْمُتَوَكِّلِينَ، فَكَيْفَ يُنَالُ مَقَامُ مِنْ مَقَامَاتِ الدِّينِ بِمَحْظُورَاتِهِ، بَلْ نَكْشِفُ الْغِطَاءَ عَنْهُ وَنَقُولُ: إِنَّمَا يَظْهَرُ تَأْثِيرُ التَّوَكُل فِي حَرَكَةِ الْعَبْدِ وَسَعْيِهِ بِعِلْمِهِ إِلَى مَقَاصِدِهِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِجَلْبٍ نَافِعِ مَفْقُودٍ بِالْكَسْبِ، أَوْ لِحِفْظِ مَوْجُودٍ عِنْدَهُ بِالادْخَارِ، أَوْ لِدَفْعِ ضَارٌ لَمْ
(1) [انظر إحياء علوم الدين، 317/ 4 وما بعدها]
(2) [رواه أحمد، ر 2804].
(3) الْمَائِدَة: 23.
(4) [الوَضَمُ: كلّ شيء يُجعلُ عليه اللحم من خشب أو باريّة (أي حصير) يوقى به من الأرض ... " (الجوهري: الصحاح، باب الميم، فصل الواو: وضم)]. (1/186)
صفحة 187
187
يَنْزِلْ بِهِ كَالصِّ وَالسَّبَاعِ، أَوْ لإِزَالَةِ ضَارٌ قَدْ نَزَلَ بِهِ كَالتَّدَاوِي مِنَ الْمَرَضِ، فَمَقْصُودُ حَرَكَاتِ الْعَبْدِ لَا تَعْدُو هَذِهِ الْوُجُوهَ.
أَمَّا جَلْبُ نَافِعِ فَيَكُونُ عَلَى أَرْبَعَةِ) أَوْجُهِ، أَحَدُهَا [الوجه الأول]: مَقْطُوع بِهِ، مِثْلُ الأَسْبَابِ الَّتِي ارْتَبَطَتِ الْمُسَيِّبَاتِ بِهَا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ ارْتِبَاطًا مُطْرَدًا لا يَخْتَلِفُ (3)، مِثْلُ الطَّعَامِ الْمَوْضُوعِ بَيْنَ يَدَيِ الْجَائِعِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ، فَلَا يَمُدُّ إِلَيْهِ اليَد فَيَقُولُ: إِنِّي مُتَوَكَّلَ، وَشَرْطُ التَّوَكُلِ تَرْكُ السَّعْيِ، وَمَدُّ الْيَدِ سَعْيٌّ وَحَرَكَةٌ، وَكَذَلِكَ مَضْعُهُ بِالإِنْسَانِ، فَهَذَا جُنُونٌ وَلَيْسَ مِنَ التَّوَكُل فِي شَيْءٍ، فَإِنَّهُ إِنِ انْتَظَرَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ فِيهِ شَبَعًا دُونَ أَكْلِ الْخُبْزِ، وَدُونَ أَنْ يَتَحَرَّكَ إِلَيْهِ، أَوْ يُسَخَّرَ مَلَكًا يَمْضِعُهُ لَهُ، فَقَدْ جَهِلَ سُنَّةَ اللهِ تَعَالَى فِي الْبِلادِ وَالْعِبَادِ، وَكَانَ كَمَنْ طَمِعَ فِي الزَّرْعِ مِنْ غَيْرِ بَكْرٍ وَلَا حَرْثٍ، وَطَمِعَ فِي الْوَلَدِ بِغَيْرِ جِمَاعِ زَوْجَتِهِ، كَمَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرَانَ وَأَمْثَالِ هَذَا مِمَّا يَكْثُرُ، فَلَيْسَ التَّوَكُلُ فِي هَذَا الْمَقَامِ بِالْعَمَلِ، بَلْ بِالْحَالِ وَالْعِلْمِ، أَمَّا الْعِلمُ: فَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى خَالِقُ الطَّعَامِ وَالْيَدِ، وَأَنَّهُ الَّذِي يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ، وَأَمَّا الْحَالُ: فَيَكُونُ سُكُونُهُ وَاعْتِمَادُهُ عَلَى فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى لَا عَلَى الْيَدِ وَالطَّعَامِ، إِذْ تَجِفُ الْيَدُ وَيَسْلُبُهُ الطَّعَامَ فِي الْحَالِ، وَإِذَا كَانَ حَالُهُ هَكَذَا وَعِلْمُهُ فَلْيَمُدَّ إِلَيْهِ الْيَدَ، فَإِنَّهُ مُتَوَكَّل.
الْوَجْهُ الثَّانِي: الأَسْبَابُ الَّتِي لَيْسَتْ مُتَعَيّنَةٌ، لَكِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمُسَبِّبَ لا يَحْصُلُ دُونَهَا، كَالَّذِي يُسَافِرُ فِي الْبَادِيَةِ بِغَيْرِ زَادٍ، فَهَذَا مُتَوَكَّلْ بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ رَاضَ نَفْسَهُ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى الطَّعَامِ أَسْبُوعًا أَوْ مَا قَارَبَهُ، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَتَقَوَّتُ بِالْحَشِيشِ وَالأَشْيَاءِ الْخَسِيسَةِ، فَبَيْنَ الْوَجْهَيْنِ فَرْقٌ؛ لأَنَّهُ فِي هَذَا الْوَجْهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَجِدَ طَعَامًا أَوْ مَا يُعْطَى لَهُ، أَوْ يَنْتَهِي إِلَى مَحَلَّةٍ أَوْ قَرْيَةٍ.
(1) [في الأصل: قال المؤلف: "على ثلاثة أوجه"، ولكنه ذكر بعد ذلك أربعة أوجه]. (2) الظَّاهِرُ: لا يَتَخَلَّفُ. (1/187)
صفحة 188
تواعد الإس
taktaktakiakatakatakas
وَالْوَجْهُ الأَوَّلُ لا يُحْتَمَلُ أَنْ يُتركَ الطَّعَامُ مَمْضُوعًا فِي فِيهِ، فَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَلَكِنَّ الثَّانِي قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الأَوَّلِ، وَلِهَذَا نَقُولُ: لَوِ انْحَازَ إِلَى جَبَل لَا مَاءَ فِيهِ وَلَا حَشِيشَ، وَلَا يَطْرُقُهُ إِنْسَانٌ، وَجَلَسَ فِيهِ مُتَوَكَّلاً لَكَانَ آثِمًا سَاعِيًا فِي إِهْلَاكِ نَفْسِهِ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ زَاهِدًا فَارَقَ الأَمْصَارَ وَأَقَامَ فِي جَبَل سَبْعًا، وَقَالَ: لَا أَسْأَلُ أَحَدًا، فَكَادَ يَمُوتُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ اثْتِنِي بِرِزْقِي، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: "وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لأَرْزُقَنَّكَ حَتَّى تَدْخُلَ الأَمْصَارَ، فَدَخَلَ فَجَاءَهُ هَذَا بِطَعَامٍ وَهَذَا بِشَرَابٍ، فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَرَدْتَ أَنْ تُذْهِبَ حِكْمَتِي بِزُهْدِكَ، أَمَا عَلِمْتَ أَنِّي أَرْزُقُ عَبْدِي بِأَيْدِي عِبَادِي أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَرْزُقَهُ بِيَدِ قُدْرَتِي"، فَإِنَّ التَّبَاعُدَ عَنِ الأَسْبَابِ كُلَّهَا مِنْ مُرَاغَمَةِ الْحِكْمَةِ وَجَهْل بِسُنَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَالْأَوَّلُ مُتَوَكِّلٌ بِالْحَالِ وَالْعِلْمِ، وَالثَّانِي مُتَوَكَّلْ بِالْحَالِ وَالْعِلْمِ وَالشُّرُوطِ، إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ الزَّادُ مِنْ صَاحِبِهِ فَيَمُوتَ جُوعًا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: الْقَاعِدُ فِي مَسْجِدِ قَرْيَةٍ تَارِكًا لِلْكَسْبِ، فَهَذَا مُتَوَكَّلٌ، وَلَكِنَّهُ أَضْعَفُ مِنَ الأَوَّلِ؛ لأَنَّهُ بِالْقُعُودِ فِي الْمِصْرِ مُتَعَرِّضُ لَأَسْبَابِ الرِّزْقِ، وَلَكِنَّ هَذَا لَا يُبْطِلُ تَوَكَّلَهُ إِذَا كَانَ نَظَرُهُ إِلَى اللَّهُ مُسَخّرِ سُكَانِ الْبَلَدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكْتَسِبَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُبَاحِ فِي الشَّرْعِ، يَرَى كَسْبَهُ وَبَضَاعَتَهُ - بِالإِضَافَةِ إِلَى قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى - كَمَا يَرَى الْقَلَمَ فِي يَدِ الْمَلِكِ فَلَا يَكُونُ نَظَرُهُ إِلَى الْقَلَمِ بَلْ إِلَى قَلْبِ الْمَلِكِ بِمَاذَا يَتَحَرَّكُ وَإِلَى مَاذَا يَمِيلُ، فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بِبَدَنِهِ مُكْتَسِبٌ، وَبِقَلْبِهِ عَنْهُ مُنْقَطِعٌ، فَحَالُ هَذَا أَشْرَفُ مِنْ حَالِ الْقَاعِدِ فِي بَيْتِهِ إِذَا رُوعِيَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ، وَانْضَافَ إِلَيْهِ الْحَالُ وَالْمَعْرِفَةُ كَمَا سَبَقَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّ الصِّدِّيقَ لَمَّا بُويعَ بِالْخِلافَةِ أَخَذَ الأَنْوَابَ تَحْتَ حِضْنِهِ فَدَخَلَ السُّوقَ يُنَادِي، فَعُوتِبَ، فَقَالَ: "لا تشْغَلُونِي عَنْ عِبَالِي، فَإِنِّي إِنْ ضَيَّعْتُهُمْ كُنْتُ لِمَا سِوَاهُمْ أَضْبَعَ، فَفُرِضَ لَهُ قُوتُ عِبَالِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَتَجَرَّدَ حِينَئِذٍ لِلْقِيَامِ بِأُمُورِ (1/188)
صفحة 189
189
قواعد الإسـ
الْمُسْلِمِينَ، فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يُقَالَ: لَمْ يَكُنِ الصِّدِّيقُ مُتَوَكِّلاً، فَمَنْ أَوْلَى بِالتَّوَكُل مِنْهُ؟ فَدَلَّ أَنَّهُ كَانَ مُتَوَكَّلاً لا بِاعْتِبَارِ تَرْكِ الْكَسْبِ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَأَنْبِيَاتِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ: وَيَجُوزُ لِلْعَبْدِ الاتِّكَالُ عَلَى اللهِ فِي مَنَافِعِ الدُّنْيَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَحِقَّهَا وَلا أَنْ يَجْرِيَ ذَلِكَ عَلَى أَيْدِي الْعِبَادِ، وَأَمَّا مَنَافِعُ الْآخِرَةِ وَثَوَابُهَا فَلَا يَتَّكِلُ عَلَى اللَّهِ دُونَ أَفْعَالِهِ، وَلَا عَلَى أَفْعَالِهِ دُونَ اللهِ، وَإِنِ اتكَلَ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُثِيبَهُ هُوَ أَوْ غَيْرَهُ فِي الآخِرَةِ بِغَيْرِ أَفْعَالٍ فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ يَهْلِكُ، وَإِنِ اسْتَوْثَقَ الْعَبْدُ بِمَا فِي يَدِهِ وَظَنَّ أَنَّهُ لا يَزُولُ فَهَذَا اتَّكَالُ عَلَى غَيْرِ اللهِ، وَأَمَّا إِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِزَالَتِهِ فَهُوَ مُتَوَكِّلٌ عَلَى اللهِ. وَيُقَالُ: الاسْتِيثَاقُ بِمَا فِي الْيَدِ مِنْ ضَعْفِ الْيَقِينِ، وَالثَّقَةُ بِالْمَوْجُودِ ظَنُّ سُوءٍ بِالْمَعْبُودِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا طَرَفًا مِنَ التَّوَكُلِ وَشَوَاهِدِهِ فِي بَابِ الْقَدَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ فِي التَّفْوِيضِ اعْلَمْ أَنَّ تَفْوِيضَ الأُمُورِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَرْضٌ وَاجِبٌ، ومَعْنَاهُ: أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ لا يَمْلِكُ ضَرَّكَ وَنَفْعَكَ وَحَيَاتَكَ وَمَوْتَكَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا لَكَ رَازِقٌ غَيْرَهُ، وَلاَ مُعْطِ سِوَاهُ، وَلاَ مَانِعَ حَاشَاهُ، فَإِذَا اسْتَقَرَّ ذَلِكَ فِي قَلْبِكَ فَقَدْ فَوَّضْتَ الأُمُورَ الَّتِي تَنْجُو بِهَا وَتَرْجُو إِلَى مَالِكِهَا، فَأُسُ التَّفْوِيضِ وَالْبَاعِثُ عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ اعْتِقَادُ أَنَّهُ لا يَكُونُ مِنَ الْخَيْرِ وَلاَ مِنَ الشَّرِّ إِلَّا مَا أَرَادَ اللَّهُ كَوْنَهُ، فَإِذَا كَانَ
اعْتِقَادُ الْعَبْدِ هَكَذَا فَقَدِ اسْتَرَاحَ قَلْبُهُ مِنَ الْخُضُوع إِلا لِمَوْلَاهُ، وَقَدْ قَالَ حِكَايَةٌ عَنْ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ: {وَأَفَوَضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرُ بِالْعِبَادِ) وَقَدْ بَالَغَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي التَّصْرِيح بِهِ وَالنَّصَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "لِيَقِلَّ
(1) غَافِر: 44. (1/189)
صفحة 190
Aizkidaichishinkichichichishisidaidhishashankilaiskaalisalaalaalaalaalatal
هَمُّكَ، مَا قُدْرَ أَتَاكَ، وَمَا لَمْ يُقَدَّرْ لَمْ يَأْتِكَ (1)، "وَاعْلَمْ أَنَّ الْخَلْقَ لَوْ جَهِدُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبُهُ اللهُ لَكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ جَهِدُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبُهُ اللهُ لَكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ (2)، وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "لِيَقِلَّ هَمُّكَ" أَمْرُ بالتفويض؛ لأَنَّهُ يَكُونُ بِالْقَلْبِ وَاللَّسَانِ جَمِيعًا وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ مِنَ الْقَلْبِ، وَإِنْ نَزَلَ عَلَى الْعَبْدِ بَلاء أَوْ نِعْمَةٌ فَشَكَ أَنَّهُ مِنَ اللهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ فَقَدْ هَلَكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكُمُ.
(1) [رواه البيهقي: شعب الإيمان باب التوكل بالله عز و جل و التسليم لأمره تعالى في كل شيء، ر 1188، بلفظ: "لا تُكْثِرُ هَمَّكَ، فَإِنَّهُ مَا قُدِّرَ يَكُنْ، وَمَا تُرْزَقُ يَأْتِيكَ "]. (2) [رواه أحمد، رقم 2804، وهذا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عباس وليس لابن
مسعود] (1/190)
صفحة 191
كتاب الطهارات (1/191)
صفحة 192
الرُّكْنُ الثَّانِي مِنَ الْكِتَابِ
فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَمَا فِيهَا مِنَ السُّنَنِ وَالْآدَابِ
اعْلَمْ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ نُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيِ الطَّهَارَةِ الْمَشْرُوعَةِ مِنَ الْأَحْدَاثِ أَرْبَعَ
مُقَدِّمَاتٍ. (1/192)
صفحة 193
الْمُقَدَّمَةُ الأُولَى فِي آدَابِ قَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ
وَتَحْتَوِي عَلَى عِشْرِينَ مَسْأَلَةٌ مِنَ الْمَنَاهِي وَالْأَدَبِيَّاتِ:
إِحْدَاهَا: إِبْعَادُ الْمَذْهَبِ لِلْغَائِطِ فِي الصَّحْرَاءِ وَحَيْثُ يَتَعَذَرُ الاسْتِتَارُ بِجُدُورٍ الْمُبَاحَاتِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا ذَهَبَ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ أَبْعَدَ
الْمَذْهَبَ (1).
الثانية: الاسْتِتَارُ عَنِ النَّاسِ بِحَيْثُ لا يُرَى لَهُ شَخْصٌ وَلَا يُسْمَعُ لَهُ صَوْتٌ، لِنَهْيِهِ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلُ حَاجَتَهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ (3).
الثَّالِثَةُ: اخْتِيَارُ الْمَوْضِع السَّهْلِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَبُولَ فَلْيُدْمِثْ لِبَوْلِهِ (3) وَالدَّمْتُ اللَّينُ.
الرَّابِعَةُ: أَنْ لا يَبُولَ قَائِمًا، لِنَهْيِ الرَّسُولِ عَنْ ذَلِكَ).
الْخَامِسَةُ: أَلَّا يَكْشِفَ عَوْرَتَهُ قَبْلَ انْتِهَائِهِ إِلَى مَوْضِعِ تَبَرُّزِهِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ
لا يَكْشِفُ إِزَارَهُ حَتَّى يَقْربَ مِنَ الأَرْضِ)
(1)
(1) [رواه أبو داود، كتاب الطهارة، ر ا، والترمذي، كتاب الطهارة، ر 20]. (2) [رَوَاهُ ابن ماجه، کتاب الطهارة وسننها، ر 336]. (3) [رواه أبو داود، كتاب الطهارة، ر 3، بلفظ: "إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله ... "]. (4) اللهُمَّ إِلا لِعُذْرِ. [رواه ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، ر 305]. (1/193)
صفحة 194
السَّادِسَةُ: أَنْ يَسْتَتِرَ بِمَا أَمْكَنَهُ، مِنْ جِدَارٍ أَوْ صَخْرٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ رَاحِلَةٍ أَوْ ثَوْبِهِ إِنْ
لَمْ يَجِدْ مَا يُدِيرُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَيَجْعَلَ مِنْهُ لِلرِّيحِ مُنْفَرَجا (2).
السَّابِعَةُ: أَنْ لا يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِفَرْجِهِ وَلَا يَسْتَدِيرَهَا فِي الصَّحْرَاءِ، دُونَ الْكُهُوفِ وَالأَبْنِيَةِ، لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ لِحُرْمَةِ الْقِبْلَةِ (3).
الثَّامِنَةُ: أَلا يَسْتَقْبِلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاحْتِرَامِ نُورِ الْعَرْشِ؛ لَأَنَّهُمَا خُلِقَتَا مِنْهُ. التَّاسِعَةُ: أَلاَ يَسْتَقْبِلَ الرِّيحَ، لِئَلاً تَرُدَّ عَلَيْهِ النَّينَ)؛ وَلأَنَّهُ قِيلَ: يُورِثُ مَرَضَ الْجُذَامِ، وَأَنْ لا يَسْتَقْبِلَ الطَّرِيقَ لِئَلَّا تَبْدُوَ عَوْرَتُهُ لِلْمَارَّةِ.
وَالْعَاشِرَةُ: أَلا يَقْعُدَ فِي مُتَحَدِّثِ النَّاسِ وَلَا فِي الطُّرُقَاتِ، وَلَا فِي ظِلالِ الأَشْجَارِ الْمُثْمِرَةِ، وَلَا فِي ظِلالِ الْجُدُورَاتِ (5)، وَلَا فِي شُطُوطِ الأَنْهَارِ، وَلَا فِي الْمِيَاهِ، وَلَا فِي ظُهُورِ الْمَسَاجِدِ وَحَرِيمِهَا، لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: مَنْ قَضَى حَاجَتَهُ تَحْتَ شَجَرَةٍ مُنْمِرَةٍ أَوْ
عَلَى نَهْرٍ جَارٍ، أَوْ طَرِيقِ عَامِرَةٍ، أَوْ عَلَى ظَهْرِ مَسْجِدٍ مِنْ مَسَاجِدِ اللَّهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"
(9) 11 -
(1) رِوَايَةُ الرَّبِيعِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم " أَنَّهُ كَانَ مِنْ آدَابِهِ أَنْ لَا يَكْشِفَ إِزَارَهُ إِذَا أَرَادَ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ حَتَّى يَقْرِبَ مِنَ الْأَرْضِ " [كتاب الطهارة، (84]، ثُمَّ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ [كتاب الطهارة، (13]، وَالتُّرْمِذِيُّ [كتاب الطهارة، (14] عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ: "إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُو مِنَ الْأَرْضِ"
(2) [رواه ابن ماجه كتاب الطهارة وسننها، ر 334]. (3) [رواه الربيع، كتاب الطهارة، باب في الاستجمار، ر 77، بلفظ: "لا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط"، والبخاري، باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام، ر 386]
(4) [روي عن النبي ص أنه قال: "إذا بال أحدكم فلا يستقبل الريح ببوله فترده عليه ... " رواه أبو
يعلى في مسنده، الهندي كنز العمال، ر 26374)].
(5) [الجُدُوراتُ: جمعُ الجُدُور، وهو جمع جَدْرٍ وجِدَارٍ). (6) [روي بألفاظ أخرى كثيرة منها ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد و قارعة الطريق و الظل للخرأة"، رواه أبو داود، كتاب الطهارة، ر 24]. (1/194)
صفحة 195
قواعد الإس
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنْ لَا يَقْعُدَ فِي حَرْثٍ لِحُرْمَةِ الطَّعَامِ، وَلَا فِي مَقْبَرَةٍ، لِقَوْلِهِ: حُرْمَةُ مَوْتَانَا كَحُرْمَةِ أَحْيَائِنَا (1).
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أَنْ لا يَبُولَ فِي جُحْرٍ، وَلاَ فِي مَهْوَاةٍ، وَلَا فِي مَوْضِعِ حَافِرِ دَابَّةٍ، الرَّسُولِ عَنْ قَضَائِهَا فِي الْأَجْحِرَةِ؛ لأَنَّهَا مَسَاكِنُ إِخْوَانِكُمْ
لنهي
مِنَ الْجِنِّ (2)، وَقِيلَ: لِلإِشْفَاقِ أَنْ تَكُونَ فِيهِ دَابَّةٌ مُؤْذِيَةٌ.
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أَلَّا يَقْعُدَ فِي بُيُوتِ النَّاسِ، وَلَا فِي مَوْضِعِ الْوُضُوءِ. الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْقُعُودِ لِحَاجَتِهِ: "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الْخَبِيثِ الْمُخْبثِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (3)، وَيَجْتَنِبَ ذِكْرَ اللَّهِ عَلَى الْخَلَاءِ
لِنَهْيِ الرَّسُولِ عَنْ ذَلِكَ (4)
الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أَنْ يَحْتَفِرَ لِلْبَوْلِ حُفْرَةٌ يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَائِطِ؛ لأَنَّ اخْتِلَاطَهُمَا قِيلَ: إِنَّهُ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تَحْجُبُ الدُّعَاءَ عَنِ الْقَبُولِ، وَتُورِثُ
الْوَسْوَاسَ.
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى الشَّقِّ الأَيْسَرِ؛ لأَنَّهُ أَيْسَرُ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ. السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أَنْ لَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ؛ لِنَهْيِهِ عَنْ ذَلِكَ).
(1) [لم أجده بهذا اللفظ، روي بألفاظ أخرى، منها: قول الشعبي: " يقطع في أمواتنا كما يقطع في أحيائنا" رواه البيهقي، باب النباش يقطع إذا أخرج الكفن من جميع القبر، ر 17701].
(2) [رواه الربيع، كتاب الطهارة، (83، وأبو داود، كتاب الطهارة، ر 27]. (3) [رواه ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، ر 295] لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلاء قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ" [رواه البخاري، باب يقول عند الخلاء، ر 142]. الْحُبْتُ بِضَمِّ الْبَاءِ: جَمْعُ خَبِيثٍ، وَالْخَبَائِتُ: جَمْعُ خَبِيثَةٍ،
وَالْمُرَادُ: ذُكْرَانُ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاتُهُمْ.
(4) وَلَا بَأْسَ إِذَا عَطَسَ أَثْنَاءَ ذَلِكَ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يُحَرِّكَ بِهِ لِسَانَهُ. (1/195)
صفحة 196
قواعد الإس
الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: أَنْ لا يَنْشَغِلَ بِالْحَدِيثِ، وَلَا بِإِنْشَادِ الشَّعْرِ، وَلَا بِالْقِرَاءَةِ، وَلَا يَرُدَّ السَّلامَ، وَلَا يُسَلَّمَ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَن رَدَّ السَّلَامِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَلَا يَلْزَمُهُ الرَّدُّ بَعْدَ فَرَاغِهِ أَيْضًا (3).
التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: أَلا يَتَمَخَطَ وَلَا يَنْصُقَ فِي الْحَدَثِ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْلُتَ الذَّكَرَ مِنْ لَدُنِ الْعِجَانِ إِلَى أَصْلِ الْقَضِيبِ لِيَسْتَبْرِئَ بِذَلِكَ.
الْعِشْرُونَ: أَنْ يُزِيلَ النَّجَسَ بِالأَحْجَارِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، مِنْ كُلِّ جَامِدٍ طَاهِرٍ مُنَقٌ، لَيْسَ بِمَطْعُومٍ وَلَا بِذِي حُرْمَةٍ، كَالْمَدَرِ وَالتُّرَابِ وَالْأَعْوَادِ، وَيَتَّقِيَ الاسْتِنْجَاءَ بِالنَّجَسِ وَالْعَظْمِ وَالرَّوْثِ، لِنَهْيِهِ عَنِ الْعَظْمِ وَالرَّوْثِ (3) وَقَالَ: "مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ مَلْعُونٌ (4)، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْتَصِرَ فِي الاسْتِجْمَارِ عَلَى وِتْرِ الأَعْدَادِ عَلَى ثَلاثَةٍ أَوْ خَمْسَةٍ، وَإِنْ أَنْقَى بِحَجَرٍ وَاحِدٍ لَهُ ثَلَاثَةٌ حُرُوفٍ فَلَا بَأْسَ، وَلَا يَسْتَنْجِي بِالزُّجَاجِ الْأَمْلَسِ وَلَا بِالْفَحْمِ؛ لأَنَّهُ لا يُنَشِّفُ، وَلا يُعَامِلُ الْبَوْلَ بِيَدِهِ؛ لأَنَّهُ يُورِثُ عَذَابَ الْقَبْرِ، وَيَسْتَنْجِي مِنْ كُلِّ مَا خَرَجَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَنِي وَالْمَذِيِّ وَالْوَدِي وَالدَّابَّةِ وَالدَّمِ، إِلَّا الرِّيحَ خُصُوصًا. وَالْعَمَلُ في جَمِيعِ ذَلِكَ مَقْصُورٌ عَلَى الشِّمَالِ دُونَ الْيَمِينِ، وَلْيَبْدَأُ بِمَخْرَج
الْبَوْلِ، وَلَا يَلْزَمُهُ طَلَبُ الثَّلَاثَةِ إِذَا أَنْقَى بِدُونِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) [لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه" رواه الترمذي، كتاب الطهارة، ر 15].
(2) [كما في الحديث]: مَرَّ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ وَهُوَ يَبُولُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ [رَوَاهُ الربيع، كتاب الطهارة، ر 84، ومسلم، كتاب الحيض، باب التيمم، ر 849]. (3) سَبَقَ قَرِيبًا مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ. (4) [رواه أبو داود، كتاب الطهارة، (33) بلفظ: "يَا رُوَيْفِعُ لَعَلَّ الْحَيَاةَ سَتَطُولُ بِكَ بَعْدِي فَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنَّهُ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا أَوِ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْم فَإِنَّ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم -
مِنْهُ بَرى]. (1/196)
صفحة 197
الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ
فِي أَعْيَانِ النَّجَاسَاتِ الْمُتَفَقِ عَلَيْهَا وَالْمُخْتَلَفِ فِيهَا
[الأعيان المتفق على تحريمها ونجاستها عشرة]
اعْلَمْ أَنَّ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا مِنْ أَعْيَانِ النَّجَاسَاتِ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ، وَهِيَ: الْمَيْتَةُ، وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ، وَالْغَائِطُ، وَالْبَوْلُ، والمنيُّ، وَالمَذِيُّ، وَالْوَدِيُّ، وَالطُّهَرُ مِنَ النِّسَاءِ، وَالْخَمْرُ، فَهَذِهِ الأَشْيَاءُ مُتَّفَقٌ عَلَى تَحْرِيمِهَا وَنَجَاسَتِهَا عِنْدَ جَمِيعِ الأَئِمَّةِ فِيمَا عَلِمْتُ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَفْصِيلِهَا بِأَلْفَاطٍ مُخْتَصَرَةٍ:
(1)
أَمَّا الْمَيْتَةُ: فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَى الإِطْلَاقِ (3) بِنَيِّ الْكِتَابِ وَالإِجْمَاعِ مِنَ الأُمَّةِ إِلَّا مَا خَصَّتْهُ السُّنَّةُ مِنْهَا. وَحَدُّ الْمَيْتَةِ: كُلُّ مَا خَرَجَ مِنْهُ الرُّوحُ عَلَى غَيْرِ سَبِيلِ الذَّكَاةِ، وَهِيَ نَوْعَانِ: بَرِّيَّةٌ وَبَحْرِيَّةٌ، أَمَّا الْبَرِّيَّةُ فَنَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا [النوع الأول]: مَا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ مُجْتَمِعُ فِيهِ اللَّحْمُ وَالدَّمُ وَالْعَظْمُ كَالأَنْعَامِ وَالْحَشَرَاتِ، فَلَا خِلَافَ فِي نَجَاسَتِهَا؛ لِقَوْلِهِ: "إِذَا مَاتَتِ الْفَارَةُ فِي السَّمْنِ الذَّائِبِ فَأَرِيقُوهُ، وَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا (3)، وَكَذَلِكَ غَيْرُ الْفَارَةِ مِنْ جَمِيعِ مَا أَشْبَهَهَا قِيَاسًا عَلَيْهَا كَالْعَصَافِيرِ
(1) لَيْسَتْ كُلُّهَا مُجْمَعًا عَلَيْهَا عَلَى مَا أَعْلَمُ.
(2) إِلا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، فَتُبَاحُ بِنَيٍّ الْكِتَابِ. (3) رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةٌ: سُئِلَ عَنْ فَأَرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَقَالَ: "أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ" [باب ما يقع من النجاسات في السمن، (233]، يَعْنِي: لَمْ يَصِحَ فِيهِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْجَامِدِ وَالْمَائِعِ، وَرِوَايَةٌ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "إِذَا وَقَعَتِ الْفَأْرَةُ (1/197)
صفحة 198
وَالْحَيَّاتِ وَجَمِيعِ الْحَشَرَاتِ، وَاخْتُلِفَ فِي الضَّمْحِ وَالْقِرَاضِ وَالْقَمْلِ وَالْبَعُوضِ وَالْبَقِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ مَيْتَةِ الْبُرُ: مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ كَالذُّبَابِ وَالذَّرِّ وَالْخَنَافِسِ وَالْعَقَارِبِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَهَذَا مُتَفَقٌ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْجُسَ بِالْمَوْتِ وَلَا مَا مَاتَ فِيهِ مِنْ مَاءٍ أَوْ مَائِع قِيَاسًا عَلَى الذَّبَابِ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا وَقَعَ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَامْقُلُوهُ ثُمَّ أَخْرِجُوهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الآخَرِ شِفَاءٌ، وَإِنَّهُ لَيُقَدِّمُ الدَّاءَ وَيُؤَخِّرُ الشَّفَاء ()، وَمَعْلُومٌ أَنَّ بَعْضَهَا يَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقُلْ أَفْسَدَ طَعَامًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْمَيْتَةُ الْبَحْرِيَّةُ: فَمُتَّفَقٌ عَلَى طَهَارَتِهَا وَتَحْلِيلِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أُحِلَّ لَكُمْ صيد البحر وطعامه))، وَلِقَوْلِ الرَّسُولِ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالْحِلُ مَه (3) وَلِقَوْلِهِ: أُحِلَّتْ لَكُمْ مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: فَالْمَيْتَانِ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ، وَالدَّمَانِ الْكَبِدُ
(1) n
وَالطَّحَالُ (4).
وَمَيْتَةُ الْبَحْرِ نَوْعَانِ أَيْضًا، [الأول]: مَا مَاتَ بِسَبَبٍ رَمْيِ أَوْ قَتْلِ فِي حِينِ الاصْطِيَادِ، فَهَذَا مُتَفَقٌ عَلَى تَحْلِيلِهِ، وَالثَّانِي: مَا مَاتَ بِغَيْرِ سَبَبٍ، فَقِيلَ: هُوَ حَلالٌ، وَقِيلَ: هُوَ مَكْرُوهُ إِذَا أَنْتَنَ.
وَاخْتُلِفَ فِي خِنْزِيرِ الْمَاءِ وَإِنْسَانِ الْمَاءِ، فَقِيلَ فِيهِمَا بِالتَّحْلِيلِ، وَقِيلَ بِالْكَرَاهِيَةِ، وَقِيلَ: التَّحْلِيلُ مَقْصُورٌ عَلَى السَّمَكِ دُونَ سِوَاهُ مِنَ الْحَيَّاتِ، وَيَتَمَيَّزُ
فِي السَّمْنِ؛ فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلاَ تَقْرَبُوهُ" [أبو داود، باب في الفأرة تقع في السمن، ر 3844]. وَقَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ بِالْوَهْمِ. (1) [رواه الربيع، باب أدب الطعام والشراب، ر 371، وأبو داود، كتاب الأطعمة، ر 3346]. (2) الْمَائِدَة: 92.
(3) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْبَحْرِ، يَعْنِي سُئِلَ عَنِ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالْحِلُ ميته" [رواه الربيع، باب في أحكام المياه، ر 161]. وَالطَّهُورُ: هُوَ الطَّاهِرُ الْمُطَهِّرُ. (4) [رواه الربيع، باب الذبائح، ر 618].
6 (1/198)
صفحة 199
مِنْ غَيْرِهِ بِالْقُشُورِ؛ لأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الشَّعْرِ مِنْ دَوَابِّ الْبَرِّ، وَمَا لَيْسَ عَلَيْهِ قُشُورٌ مِنْ حِيتَانِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحَيَّاتِ وَالأَمَاحِي وَمَا كَانَ أَمْلَسَ مِنْ حَشَرَاتِ الْبَرِّ، وَقِيلَ: ذَكَاةُ الْحِيتَانِ التَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ فِي حِينِ اصْطِيَادِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا أَجْزَاءُ مَيْتَةِ الْبَرِّ فَمِنْهَا مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ كَاللَّحْمِ وَالشَّحْمِ وَالْبَلَلِ مِنْهَا، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى تَحْلِيلِهِ كَالصُّوفِ وَالشَّعْرِ وَأَطْرَافِ الرِّيشِ وَالْوَبَرِ وَأَشْبَاهِهَا، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَالْجِلْدِ بَعْدَ دِبَاغِهِ وَطَرَفِ الْقَرْنِ وَأَطْرَافِ الأَخْلافِ وَالْعِظَامِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا، وَأَمَّا مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ مَيْتَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1)
وَأَمَّا الدَّمُ الْمَسْفُوحُ: فَمُتَّفَقٌ أَيْضًا عَلَى نَجَاسَتِهِ وَتَحْرِيمِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ دَمَا تَسْفُوحًا)، إِلا مَا خَصَّتْهُ السُّنَّةُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أُحِلَّتْ لَكُمْ مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَالْمَيْتَانِ الْجَرَادُ وَالسَّمَكُ، وَالدَّمَانِ الْكَبِدُ وَالطَّحَالُ (3)، وَاخْتُلِفَ فِي ذَكَاةِ الْجَرَادِ، فَقِيلَ: ذَكَاتُهُ التَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ حِينَ يُطْبَخُ أَوْ يُشْوَى، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ قَطْفِ رُؤُوسِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاخْتُلِفَ فِي قَلِيل مِنَ الدَّمِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مَسْفُوحًا، وَفِي الرَّشَاسُ الَّذِي لَوِ اجْتَمَعَ لَمْ يفض، فَقِيلَ: لا يُنَجِّسُ وَلا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَقِيلَ: الشَّيْءُ النَّجِسُ لا يَتَبَعَضُ، وَلِقَوْلِهِ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ عُمُومًا فِي وَرُخَّصَ فِي الْحُمْرَةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْيَدِ وَالثَّوْبِ بَعْدَ غَسْلِ الْمَذْبَح مِنَ النَّبِيحَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي دَمِ الْقَلْبِ وَدَمِ الْعُرُوقِ، وَرُخِّصَ أَيْضًا فِي دَمِ الذُّبَابِ وَمَا كَانَ فِي (1) لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ". [رواه أبو داود، كتاب الصيد، ر 2475].
بعينه
(2) الأنعام: 145. (3) [سبق تخريجه]. (4) الْمَائِدَة: 3.
(4)
كل دم (1/199)
صفحة 200
قواعد الإسلام.
مَعْنَاهُ مِنَ الْبَرَاغِيثِ وَأَشْبَاهِهَا، وَاخْتُلِفَ فِي دَمِ الشُّهَدَاءِ وَالْبُغَاةِ أَيْضًا، وَالْأَصَحُ
عِنْدِي نَجَاسَتْهُ لِعُمُومِ الدَّمِ. وَشَدَّدَ أَصْحَابُنَا فِي الْقَمْلِ إِذَا كَانَ أَصْلُهُ مِنْ بَنِي آدَمَ، عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ شَدَّدَ فِي قَبْلِ الْحَيَوَانِ وَالأَنْعَامِ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1)
وَأَمَّا الْخِنْزِيرُ: فَمُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَنَجَاسَتِهِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ مِنَ اللَّحْمِ وَالشَّحْمِ وَالْعَظمِ وَالْعَصَبِ وَاللَّبَنِ وَالْجِلْدِ؛ لأَنَّهُ لَا تَصِحُ فِيهِ الذَّكَاةُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: أو لحم خنزيرِ فَإِنَّهُ رِجْسُ) فَرَدَّ الْهَاءَ إِلَيْهِ، فَصَحَ أَنَّهُ مُحَرَّمُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ: بُعِثْتُ بِقَتْلِ الْخِنْزِيرِ (2)، وَاخْتُلِفَ فِي شَعْرِهِ، فَأَجَازَهُ بَعْضُ، وَمَنَعَ مِنْهُ آخَرُونَ، وَالْقِرْدُ وَالْفِيلُ فِي مَعْنَى الْخِنْزِيرِ، وَلَا تَصِحُ فِيهِمَا الذَّكَاةُ، وَاخْتُلِفَ فِي عَظْمِ نَابِ الْفِيلِ وَالْمَكَاحِلِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْهُ.
وَأَمَّا رَجِيعُ ابْنِ آدَمَ وَغَائِطُهُ: فَمُتَفَقٌ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَكَذَلِكَ بَوْلُهُ عَلَى هَذَا الْحَالِ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الأَجْزَاءِ الْمُنْفَصِلَةِ مِنْهُ وَالْمُتَّصِلَةِ بِهِ؛ مِنَ اللَّحْمِ وَالْعَظْمِ وَالْعَصَبِ وَغَيْرِهَا، وَاخْتُلِفَ فِي مُخَهِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى الْبُزَاقِ وَالْعَرَقِ وَالْمُخَاطِ وَالْبَلْغَمِ وَجَمِيعِ الْبَلَلِ مِنْهُ أَنَّهُ طَاهِرٌ.
وَكَذَلِكَ مَا يَسْتَحِيلُ مِنَ الْأَجْسَامِ إِلَى صَلَاحٍ، كَلَبَنِ الْآدَمِيَّاتِ وَالْمُحَلَّلِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ، فَلاَ خِلافَ فِي طَهَارَتِهِ، كَمَا لاَ خِلاَفٌ فِي نَجَاسَةِ لَبَنِ الْخِنْزِيرَةِ، وَأَمَّا
لَبَنُ الْحَيَوَانِ الْمُحَرَّمِ الأَكْلِ فَقِيلَ: مَكْرُوهُ، وَقِيلَ: تَابِعٌ لِلَّحْمِ.
(1) الأنعام: 145. (2) [لم أجد من خرجه، وقد ذكره طائفة من الفقهاء، كالسرخسي في المبسوط [164/ 4] بلفظ: "بعثت لكسر الصليب وقتل الخنزير"، والقطب في شرح النيل [132/ 11] بلفظ: "بعثت بقتل الخنزير وإراقة الخمر "]. (1/200)
صفحة 201
وَأَمَّا بَيْضُ الطَّيْرِ الْمُبَاحَ فَلا بَأْسَ بِهِ، دُونَ بَيْضِ الْحَشَرَاتِ مِنَ الْحَيَّاتِ
وَالأَمَاحِي وَأَشْكَالِهَا؛ لأَنَّهَا مِنَ الْخَبَائِثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَذَلِكَ مَا يَتَوَلَّدُ مِنَ الْجُرُوحِ وَالْقُرُوحِ مِنَ الْمِدَّةِ وَالْقَيْحِ، اتَّفَقُوا أَنَّهُ طَاهِرٌ، وَاخْتُلِفَ فِي الصَّدِيدِ وَمَا أَشْبَهَهُ.
وَأَمَّا الْمَني وَالْمَذِيُّ وَالْوَدِيُّ: فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا نَجِسَةٌ إِذَا فُصِلَتْ عَنِ الْبَدَنِ، وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبٍ نَجَاسَتِهَا، فَقِيلَ: اسْتِمْرَارُ خُرُوجِهَا مِنْ مَجْرَى النَّجَسِ، وَأَنَّهُ لَوِ احْتَلَمَ الإِنْسَانُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فَصَاعِدًا، ثُمَّ مَسَّتِ النُّطْفَةُ ثَوْبًا أَنَّهُ لا يَنْجُسُ، وَيَلْزَمُهُ الْغُسْلُ؛ لأَنَّهُ تَعَبُّدٌ، وَقَاسُوهَا عَلَى سَائِرِ الْفَضَلَاتِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنَ
(1) التَّحْقِيقُ أَنَّ نَجَاسَةَ الْمَنِيِّ مُخْتَلَفُ فِيهَا لاَ مُتَفَقٌ عَلَيْهَا، فَالْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْهَادَوِيَّةٌ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ يَقُولُونَ كَأَصْحَابِنَا بِنَجَاسَتِهِ، قَالُوا لأَنَّ الْغَسْل لا يَكُونُ إِلَّا عَنْ نَجَسِ، وَقِيَاسًا عَلَى فَضَلاَتِ الْبَدَنِ الْمُسْتَقْدَرَةِ، لَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ يَقُولُونَ بِطَهَارَةِ الْمَنِيُّ، مُسْتَدِلِّينَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِي مِنْ تَوْبِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا كَانَ يَابِسَا"، [رَوَاهُ الدَّارَ قُطْنِي، باب ما ورد في طهارة المني وحكمه رطبا ويابسا، 459]، وَلِقَوْلِهَا - وَاللَّفْظُ لَابْنِ حِبَّانَ – لَقَدْ رَأَيْتَنِي أَفْرُكُ الْمَنِي مِنْ تَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُصَلِّي" [راواه ابن حبان، باب النجاسة وتطهيرها، ر 1380]، وَبِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنِ الْمَنِيٍّ يُصِيبُ الثَّوْبَ فَقَالَ: "إِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُخَاطِ وَالْبُصَاقِ، وَقَالَ: "إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَمْسَحَهُ بِخِرْقَةٍ أَوْ إِذْخِرَةِ" [رَوَاهُ الدَّارَ قُطْنِي، باب ما ورد في طهارة المني وحكمه رطبا ويابسا، (457]، قَالُوا: وَأَحَادِيثُ عَسْلِهِ مَحْمُولَةٌ عَلَى النَّدْبِ، وَلَيْسَ الْغَسْلُ دَلِيلَ النَّجَاسَةِ، فَقَدْ يَكُونُ لأجل النَّظَافَةِ وَإِزَالَةِ الدَّرَنِ، وَتَشْبِيهُهُ بِالْمُخَاطِ وَالْبُصَاقِ دَلِيلُ الطَّهَارَةِ أَيْضًا، وَالأَمْرُ بِمَسْجِهِ بِخِرْقَةٍ وَإِذْخِرَةِ لأَجْلِ إِزَالَةِ الدَّرَنِ الْمُسْتَكْرَهِ بَقَاؤُهُ فِي ثَوْبِ الْمُصَلِّي، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا أَجْزَأَ مَسْحُهُ، وَأَمَّا التَّشْبِيهُ لِلْمَنِيِّ بِالْفَضَلَاتِ الْمُسْتَقْدَرَةِ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ كَمَا قَالَهُ مَنْ قَالَ بِنَجَاسَتِهِ فَلَا يُقَاسُ مَعَ النَّصُ عَلَى أَنَّ هُنَاكَ نَضًا يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَنِيِّ هُوَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم لِعَمَّارٍ: "إِنَّمَا تَغْسِلُ ثَوْبَكَ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالمَنِي وَالدَّمِ وَالْقَيْء". [رواه البيهقي، باب إزالة النجاسات بالماء دون سائر المائعات ر 41. وقال: "وأما حديث عمار بن ياسر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا عمار ما نخامتك ولا دموع عينيك إلا بمنزلة الماء الذي في ركوتك إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني والدم والقيء. فهذا باطل لا أصل له، وإنما رواه ثابت بن حماد عن علي بن زيد عن بن المسيب عن عمار وعلي بن زيد غير محتج به، وثابت بن حماد متهم بالوضع "]. اهـ مُصححه. (1/201)
صفحة 202
الْبَدَنِ كَالْعَرَقِ وَاللَّبَنِ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهَا نَحِسَةٌ بِعَيْنِهَا؛ لأَنَّ أَصْلَهَا دَمْ، وَلَأَنَّهَا تَجْرِي فِي مَجْرَى النَّجَسِ قِيَاسًا عَلَى الْبَوْلِ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ.
وَأَمَّا الطُّهَرُ مِنَ النِّسَاءِ: فَهُوَ أَيْضًا نَجِسٌ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى عِلَّةٍ نَجَاسَتِهِ، وَأَظُنُّهَا
مِنْ قِبَلِ خُرُوجِهِ عَلَى مَخْرَجِ النَّجَسِ؛ لأَنَّهُ قَبْحٌ مُتَوَلِّدٌ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ جَارٍ عَلَى مَجْرَى الْبَوْلِ وَالْحَيْضِ. وَأَمَّا الْخَمْرُ: فَمُتَّفَقٌ أَيْضًا عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَكَذَلِكَ كُلَّ مُسْكِرٍ أَيْضًا عِنْدَ
(1)
الْجُمْهُورِ مِنْ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ، لِقَوْلِهِ: بُعِثْتُ بِإِرَاقَةِ الْخَمْرِ (2)، فَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ بِعَيْنهَا لاَ يَجُوزُ الاسْتِنْفَاعُ بِهَا وَلاَ بِجَمِيعِ فَضَلَاتِهَا مِنَ الْخَلِّ وَالدُّرْدِي وَغَيْرِهِ، وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَتْ بِنَحِسَةٍ، وَأَظُنُّ قَوْلَهُمْ إِنَّمَا أُخِذَ مِنْ جِهَةِ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ إِذَا حَلَّتْ فِيهَا صَارَتْ مُحَرَّمَةٌ، وَإِذَا ارْتَفَعَتِ ارْتَفَعَ حُكْمُهَا، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ.
(1) الْخَمْرُ مُحَرَّمَةٌ إِجْمَاعًا وَنَحِسَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (المائدة: 90)، بَيْدَ أَنَّ هُنَاكَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُحَفِّقِينَ يَرَوْنَ طَهَارَتَهَا، وَأَنَّ نَجَاسَتَهَا مَعْنَوِيَّةٌ لَا حِرِّيَّةٌ؛ لأَنَّ الْأَصْلَ فِي الأَعْيَانِ الطَّهَارَةُ، إِلَّا مَا قَامَ دَلِيلٌ خَاصٌ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَأَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يُلَازِمُ النَّجَاسَةَ، فَإِنَّ الْحَدِيثَةَ مُحَرَّمَةٌ وَهِيَ طَاهِرَةٌ، وَأَمَّا النَّجَاسَةُ فَيُلازِمُهَا التَّحْرِيمُ، فَكُلُّ نَجس مُحَرَّمٌ وَلَا عَكس؛ وذَلِكَ لأَنَّ الْحُكْمَ فِي النَّجَاسَةِ هُوَ الْمَنْعُ مِنْ مُلامَسَتِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَالْحُكْمُ بِنَجَاسَةِ الْعَيْنِ حُكُم بِتَحْرِيمِهَا، بِخِلافِ الْحُكْمِ بِالتَّحْرِيمِ، فَإِنَّهُ يُحَرَّمُ بْسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ، وَهُمَا طَاهِرَانِ ضَرُورَةٌ وَإِجْمَاعًا. اهـ مُصَححه (2) تَقَدَّمَ قَرِيبًا. (3) التَّعْبِيرُ بِزَعْمٍ يُشْعِرُ بِتَضْعِيفِهِ وَلَيْسَ بِضَعِيفٍ كَمَا سَبَقَ قَرِيبًا بَيَانُهُ. (1/202)
صفحة 203
قواعد الإن
الأعيان المختلف في نجاستها عشرة]
وَأَمَّا الْعَشْرُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا فَهِيَ الْقَيْءُ، وَأَبْوَالُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ الْبَهَائِمِ، وَالْفَرْتُ، وَذُو نَابٍ مِنَ السَّبَاعِ، وَذُو مِخْلَب مِنَ الطَّيْرِ، وَالْهِرُّ، وَالْكَلْبُ الْمُعَلَّم، وَالْمُشْرِكُ، وَعَرَقُ السَّكْرَانِ، وَالْجَلالُ مِنَ الْبَهَائِمِ، وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ.
6
أَمَّا الْقَيْءُ: فَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ طَاهِرُ قِيَاسًا عَلَى الْبَلْغَمِ، وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى نَجَاسَتِهِ، لأَنَّهُ يَنْقِضُ الْوُضُوءَ لِقَوْلِ الرَّسُولِ: "مَنْ قَاءَ أَوْ قَلَسَ فَلْيَتَوَضَّ (1)، وَالْمُؤَكِّرُ فِي نَقْضِ الطَّهَارَةِ هُوَ النَّجَسُ وَالْأَفْعَالُ الْمَحْظُورَةُ فِي الشَّرْعِ، وَكَذَلِكَ الْقَلْسُ - إِذَا وَصَلَ إِلَى الْفَمِ أَوِ الْمَوْضِعِ الْمَحْكُوم عَلَيْهِ فِيهِ - أَنَّهُ يُنَجِّسُ، وَيَنْقُضُ
الْوُضُوءَ، وَيَعْصِي مَنْ بَلَعَهُ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْفَمِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ: فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا، فَقَالَ قَوْمُ: هُوَ طَاهِرٌ لِحَدِيثِ الْعُرَنِينَ (2) الَّذِينَ مَرِضُوا فِي الْمَسْجِدِ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا (3)، وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا حَضَرَتْكَ الصَّلَاةُ
(2)
6
(1) [رواه الربيع، باب ما يجب منه الوضوء، ر 109]، وابن رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَضَعَفَهُ، وَلَفْظُهُ عِنْدَهُ: "مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ أَوْ قَلَسٌ أَوْ مَدْيَ فَلْيَنْصَرِف فَلْيَتَوَضَّأُ ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ" [باب ما جاء في البناء على الصلاة، ر 1221]. (2) هُمْ قَوْمٌ مِنْ عُكُل وَعُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَتَكَلَّمُوا بِالإِسْلَامِ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعِ وَلَمْ نَكُنْ أَهْلِ رِيفِ، وَاسْتَوْخَمُوا بِالْمَدِينَةِ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِذَوْدٍ وَرَاعٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا نَاحِيَةَ الْجَرَّةِ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، وقتلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ، وَاسْتَافُوا الدَّوْدَ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَسَمَرُوا أَعْيُنَهُمْ وَقَطَعُوا أَيْدِيَهُمْ، وَتُرِكُوا فِي نَاحِيَةِ الْجَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا عَلَى حَالِهِمْ، وَكَانُوا ثَمَانِيَةٌ. قَالَ أَنَسٌ: "إِنَّمَا سَمَلَ رَسُولُ اللهِ أَعْيُنَهُمْ لأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرُّعَاةِ، فَيَكُونُ مَا فَعَلَ بِهِمْ قَصَاصًا". [رواه البخاري، باب قصة عكل وعرينة، ر 3956]. (3) إِنَّ إِبَاحَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِلْعَرَنِينَ شُرْبَ أَبْوَالِ الإِبِلِ لَا يُنَافِي مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَصْحَابُنَا مِنْ نَجَاسَةِ الْأَبْوَالِ كُلَّهَا؛ لأَنَّ الْعُرَنِينَ أَهْلُ ضَرَرٍ، وَأَهْلُ الضَّرَرِ تَحِلُّ لَهُمْ أَشْيَاءُ لَا تَحِلُّ لِغَيْرِهِمْ رُحْصَةٌ مِنَ اللَّهِ، وَالرُّحْصَةُ لا يُقَاسُ عَلَيْهَا، وَيُقَالُ إِنَّهُمْ أُصِيبُوا بِالْبَوْلِ السُّكَّرِيٌّ وَأَنَّ بَوْلَ الْإِبِلِ مِنَ الْأَدْوِيَةِ الَّتِي
تقْطَعُهُ، وَهُوَ مِنَ الطَّبُ النَّبِوِيِّ الَّذِي أَثْبَتَتِ التَّجَارِبُ صِحتَهُ. اهـ مُصَححه. (1/203)
صفحة 204
قواعد الإسلام
204
I
وَأَنْتَ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ فَصَلِّ، وَإِذَا حَضَرَتْكَ فِي مَعَاطِنِ الإِبل فَلَا تُصَلِّ (1)، وَقِيَاسًا عَلَى اللَّبَنِ وَالْعَرَقِ وَسَائِرِ الْفَضَلاَتِ، وَقَالَ آخَرُونَ الْأَبْوَالُ تَابِعَةٌ لِلُحُومِ: فَالْمُحَرَّمُ أَكْلُهُ نَجِسٌ بَوْلُهُ، وَالْمُحَلَّلَ عَلَى عَكْسِهِ، وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا إِنَّ الْأَبْوَالُ كُلَّهَا نَجِسَةٌ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ بَنِي آدَمَ أَوْ مِنَ الْبَهَائِمِ؛ لأَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَمَّى الْبَوْلَ خَبَا، وَقَالَ: "لا يُصَلِّ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُدَافِعُ الأَخْبَتَيْنِ (2)، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَيْتَ (3) فَكُلُّ بَوْلٍ خَبِيثُ، وَكُلُّ خَبِيثٍ حَرَامٌ فَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ كَبَوْلِ مَا لاَ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، كَمَا أَنَّ دَمَهُمَا مُتَّفَقٌ عَلَى نَجَاسَتِهِ وَتَحْرِيمِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمْ يَقْطَعْ أَصْحَابُنَا عُذْرَ مَنْ شَرِبَ أَبْوَالَ الْمَأْكُولَاتِ، وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ أَبْوَالَ الْمَكْرُوهَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ حَرَامٌ نَجِسُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(4)
وَأَمَّا الْفَرْتُ وَالأَرْوَاتُ: فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا أَيْضًا، لَكِنَّ أَصْحَابَنَا وَجُمْهُورَ الأُمَّةِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا طَاهِرَةٌ مِنْ جَمِيعِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، لأَمْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم النَّفَرَ الْجِنِّيِّينَ بِالتَّزَودِ مِنْهُ لِعَلَفِ الدوَّابِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ بَنِي آدَمَ يُنَجِّسُونَهُ عَلَيْنَا، فَعِنْدَ ذَلِكَ نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِالْعَظْمِ وَالرَّوْثِ، فَلَوْ كَانَتِ الْأَرْوَاتُ نَجِسَةٌ لَمْ يَنْهَ عَنْ تَنْجِيسِهَا، وَفِي بَعْضٍ كُتُبِ أَصْحَابِنَا مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ أَنَّ الْفَرْتَ نَجِسٌ إِلا مَا تَخَلَّصَ مِنَ الْكَرِشِ إِلَى الْأَمْعَاءِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا يَكْرَهُونَ (1) رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: "صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الإِبِلِ" [الصلاة في مرابض الغنم وأعطان الإبل، ر 348]. (2) [رواه الربيع، باب جامع الصلاة، (298] وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ: "لا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَتَانِ". [باب كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ الَّذِي يُرِيدُ أَكْلَهُ فِي الْحَالِ وَكَرَاةِ الصَّلاةِ مَعَ مُدَافَعَةِ الأَخْبَتَيْنِ، (1274].
(3) الأعراف: 157.
(4) [سبق تخريجه].
(5) مِنْ عُلَمَاءِ الْمَغْرِبِ مَنْ يَقُولُ بِنَجَاسَتِهِ أَيْضًا كَسُلَيْمَانَ بْنِ الإِمَامِ يَعْقُوبَ بْنِ أَفْلَحَ الْمُلَقَبِ بِسُلَيْمَانَ الْفَرْنِي، وَإِنَّمَا لُقُبَ بِذَلِكَ لأَنَّهُ يُحَرِّمُ الْفَرْتَ، فَبَاهَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو صَالِحٍ جِنونُ بْنُ يَمْرِيَانَ فَتَاءَ أَثْنَاءَ رُجُوعِهِ مِنَ الْمُبَاهَلَةِ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ، كَمَا حَكَمَ بِتَحْرِيمِ الْجَنِينِ الْمَذْبُوحَةِ أُمُّهُ، (1/204)
صفحة 205
atelaislaslatakatakataka slackislaslaska
قواعد الإس
(1) "
رَوْتَ الْبَقَرَةِ الأُنثَى فِي زَمَانِ الرَّبِيعِ؛ لأَنَّهُ يَجْرِي عَلَى مَجْرَى النَّجَسِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ رَوْتَ الْبِغَالِ وَالْخَيْلِ إِذَا كَانَ رَقِيقًا، وَكَانَتْ تُعْلَفُ الشَّعِيرَ. وَأَمَّا ذُو نَابِ مِنَ السَّبَاعِ: فَاخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا، فَقَالَ قَوْمٌ: مُحَرَّمُ اللَّحْمِ وَجَمِيعِ أَجْزَائِهِ وَالْفَضَلاَتِ الْخَارِجَةِ مِنْهُ مِنَ الرَّوْثِ وَاللَّبَنِ وَالْعَرَقِ وَالْبَلَلِ جَمِيعِهِ) وَاحْتَجُوا بِالنَّهْيِ الْوَارِدِ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ، وَاحْتَجُوا عَلَى نَجَاسَةِ أَسْأَرِهَا بِقَوْلِهِ وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْحِيَاضِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْفَلَاةِ وَمَا يَأْوِيهَا مِنَ السَّبَاعِ وَالدَّوَابِّ فَقَالَ: "إِذَا زَادَ الْمَاءُ عَلَى قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْتَمِلْ خَبَيًّا (3)، قَالُوا: فَلَوْ لَمْ تَكُنِ السَّبَاعُ نَجِسَةٌ لَمْ يَكُنْ لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَ مَا زَادَ عَلَى الْفُلَّتَيْنِ مَعْنِّي، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّ أَسْأَرَهَا طَاهِرَةٌ، وَاحْتَجُوا بِقَوْلِ الرَّسُولِ حِينَ سُئِلَ عَنِ الْمِيَاهِ الَّتِي تَأْوِي إِلَيْهَا فَقَالَ:
وَتَنْجِيسِ عَرَقِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ، وَدَمِ الْعُرُوقِ بَعْدَ تَنْفِيَّةِ مذبح الشَّاةِ، وَتَحْرِيم صَوْمِ يَوْمِ الشَّكُ، وَتَحْرِيمِ الزَّكَامِ لِلْقَرَابَةِ، وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ لَمْ يُوَافِقُهُ عَلَيْهَا عُلَمَاء الْإِبَاضِيَّةِ. اهـ مُصَحَّحه [انظر:
جامع بن جعفر 290/ 1]
(1) قَالَ الْمُحَشِّي: لَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ لَهُ مُقَابِلاً، وَقَدْ ذَكَرَ لَهُ الشَّيْخُ عَامِرٌ مُقَابِلَيْنِ، وَهُمَا: الْكَرَاهَةُ وَالإِبَاحَةُ [الإيضاح، 331/ 1]. وَسَبَبُ اخْتِلافِهِمْ: مُعَارَضَةُ ظَاهِرِ الْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: و قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا} (الأنعام: 145) الآية، وَالسُّنَّةِ وَهُوَ قَوْلُهُ: "أَكْلُ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبَاعِ وَذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ حَرَام [رواه الربيع، باب أدب الطعام والشراب، (387]. هَبَ إِلَى ظَاهِرِ الآيَةِ قَالَ بِالإِبَاحَةِ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ قَالَ بِالتَّحْرِيمِ، وَمَنْ حَاوَلَ الْجَمْعَ بَيْنَ الآيَةِ وَالْحَدِيثِ قَالَ بِالْكَرَاهَةِ، وَحَمْلُ النَّهْيِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْكَرَاهَةِ؛ لأَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَكُل كُلِّ ذِي نَابِ مِنَ السَّبَاعِ وَذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، وَقِصَّةُ أَيُّوبَ بْنِ الْعَبَّاسِ ه لَمَّا وَجَدَ سَبْعًا وَلَبُوَةً وَأَشْبَالاً، فَقَطَعَ أَرْجُلَهَا ثُمَّ ذَبَحَهَا، فَجَاءَ إِلَى الْحَيِّ فَقَالَ لَهُمْ: مَنْ يَبْتَغِي اللَّحْمَ الْمَكْرُوهَ فَعَلَيْهِ بِالْوَادِي الْفُلَانِيِّ، يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ. (2) وَهُوَ قَوْلُهُ: "أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابِ مِنَ السَّبَاع وَذِي مِخَلَب مِنَ الطَّيْرِ حَرَام". [سبق تخريجه] (3) [رواه الربيع، باب أحكام المياه، ر 157] (1/205)
صفحة 206
لَهَا مَا أَخَذَتْ بِأَفْوَاهِهَا وَلَكُمْ مَا غَبَرَ (1)، يَعْنِي مَا بَقِي.
وَهَكَذَا اخْتَلَفُوا فِي أَكْل لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، فَكَرِهَهَا قَوْمٌ لِنَهْيِ الرَّسُولِ عَنْ أَكُل لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ، فَكَانَتِ الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ مَعْنَاهَا في
قِيَاسًا؛ لأَنَّهَا مَرْكُوبَةٌ غَيْرُ مَأْخُودَةٍ مِنْهَا الزَّكَاةُ، وَلَيْسَتْ مِنَ الْأَنْعَامِ. وَذُو مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ: اخْتُلِفَ فِيهَا أَيْضًا، فَحَرَّمَهَا قَوْمٌ بِالْكُلِّيَّةِ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ لُحُومِهَا، فَكَانَ الرَّوْثُ وَالْبَلَلُ وَسَائِرُ الْفَضَلَاتِ تَابِعَةٌ لِلُحُومِهَا، وَكَرَّهَهَا آخَرُونَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا سَائِرُ الطُّيُورِ مِنَ الْعَصَافِيرِ وَالْحَمَامِ وَغَيْرِهَا فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ لَحْمِهَا وَسُؤْرِهَا، إِلَّا مَا كَرِهَ أَصْحَابُنَا مِنْ قَتْلِ سِتَّةِ أَجْنَاسِ مِنْهَا، لِوُرُودِ النَّهْيِ عَن قَتْلِهَا، وَقَدْ وَجَدْتُ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "لَا تَقْتُلُوا سِتّا: الضَّفَادِعَ؛ فَإِنَّ الَّذِي تَسْمَعُونَهُ مِنْهَا تَسْبِيحٌ وَتَقْدِيسُ، وَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُلْقِيَ فِي النَّارِ اسْتَأْذَنَتْ دَوَابُّ الْبَرِّ وَالطَّيْرُ أَنْ تُطْفِي النَّارَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فَأَذِنَ اللَّهُ لِلضَّفَادِعِ فَأَزْكَتْ (1) رَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ السَّبَاعِ تَرِدُ الْحِيَاضَ وَتَشْرَبُ مِنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَهَا مَا وَلَغَتْ فِي بُطُونِهَا، وَلَكُمْ مَا غَبَرَ". قَالَ الرَّبِيعُ: أَيْ لَكُمْ مَا بَقِيَ. [باب أحكام المياه، ر 158] (2) [رواه الربيع، باب أدب الطعام والشراب، ر 388، والبخاري، باب لحوم الخيل، ر 5201، بلفظ: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخص في لحوم الخيل"]. قَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إِبَاحَةِ لُحُومِ الْخَيْلِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ مِنَ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ
أَنَّهُ مُبَاحٌ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ [شرح النووي على مسلم، 95/ 13]. اهـ. وَقَالَ الْقُطْبُ فِي وَفَاءِ الضَّمَانَةِ: كَانَتِ الصَّحَابَةُ: ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَفَضَالَهُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، وَسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ، وَعَلْقَمَةُ، وَزَادَ النَّوَوِيُّ: الأُسُودَ، وَعَطَاءٌ، وَشُرَيْحٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَدَاوُدُ، وَجُمْهُورُ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرُهُمْ، يَأْكُلُونَ لَحْمَ الْخَيْلِ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْهُ مَنْسُوخٌ، وَكَانَتْ قُرَيْشُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَذْبَحُهَا، وَقَدْ يُقَالُ: تَحْرِيمُهَا مِنْ أَجْلِ أَنْ يَجِدُوا مَا يَغْزُونَ عَلَيْهِ وَيُقَاتِلُونَ لَا لِحُرْمَةِ لَحْمِهَا - وَلَوْ قَالَ: حُرِّمَ عَلَيْكُمْ لَحْمُهَا - وَلَمَّا كَثُرَتْ حَلَّ
لَحْمُهَا. اهـ مُصَححه. (1/206)
صفحة 207
عَلَيْهَا فَذَهَبَتْ ثُلُثَاهَا وَبَقِيَ الثلث، فَأَبْدَلَ اللهُ لَهَا بِحَرَارَةِ النَّارِ بَرْدَ مَاءٍ، وَلَا
تَقْتُلُوا النَّمْلَ، فَإِنَّ سُلَيْمَانَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي فَإِذَا بِنَمْلَةٍ رَافِعَةٍ يَدَيْهَا تَقُولُ: "اللهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ، وَلاَ غِنَى بِنَا عَنْ فَضْلِكَ، فَاسْقِنَا مَطَرًا تُنْبِتُ بِهِ لَنَا ثَمَرًا، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ، وَلا تَقْتُلُوا النَّحْلَ فَإِنَّهَا تَضَعُ لَكُمْ طَيِّبًا وَتُطْعِمُكُمْ طَيِّبًا، وَلا تَقْتُلُوا الْهُدْهُدَ فَإِنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عُبدَ، وَلَا تَقْتُلُوا الصُّرَدَ (2) فَإِنَّهُ كَانَ دَلِيلَ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَا تَقْتُلُوا الْخُطَّافَ فَإِنَّ دَوَرَانَهُ الَّذِي تَرَوْنَ جَزَعٌ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ حِينَ أُخْرِقَ)
(2)
(3)
فَشَدَّدَ أَصْحَابُنَا فِي قَتْل هَذِهِ الأَجْنَاسِ، حَتَّى جَعَلُوا الدِّيَةَ عَلَى قَاتِلِهَا دِرْهَمَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَجَعَلُوا فِي الضَّفْدَعَةِ نَعْجَةٌ بِعِزَّتِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِهَذَا إِنْ كَانَ عَنْ أَثَرِ أَوْ عَنْ نَظَرٍ مِنْهُمْ رَأَوْهُ. وَأَمَّا الدَّجَاجُ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِمَّا لَا يَمْتَنِعُ مِنْ أَكْلِ الْقَذَرِ: فَإِنَّهُمْ شَدَّدُوا فِي رَوْثِهِ أَنَّهُ نَجِسٌ وَرَخَصُوا فِي سُورِهِ مَا لَمْ يُعَايَنِ النَّجَسَ عَلَى مِنْقَارِهِ فِي حِينِ وُقُوعِهِ فِي الْمَاءِ، وَنَجَّسُوا بَيْضَهُ حَتَّى يُغْسَلَ.
وَأَمَّا سَائِرُ الصَّيْدِ مِنْ جَمِيعِ مَا أَحَلَّ اللهُ أَكْلَهُ مِنَ الظَّبَاءِ وَالْأَرَانِبِ وَاليَرَابِيعِ وَالتَّعَالِبِ وَالسَّلاحِفِ وَغَيْرِهَا فَمُتَّفَقٌ عَلَى تَحْلِيلِهِ وَطَهَارَتِهِ، وَكَذَلِكَ الضَّبَابُ
(1) قَالَ الْمُحَنِّي: فأزكت: هَكَذَا فِيمَا رَأَيْنَاهُ مِنَ النُّسَخ، وَلَعَلَّهُ فَأَزْكَاتْ فَيَكُونُ مَأْخُوذَا مِنْ قَوْلِهِمْ: زَكَاتِ النَّاقَةُ بِوَلَدِهَا تَزْكَةُ، رَمَتْ بِهِ عِنْدَ رِجْلَيْهَا، فَيَكُونُ مَعْنَى زَكَأَتْ عَلَيْهَا: رَمَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهَا، أَيْ: عَلَى النَّارِ. اهـ.
(2) [الصُّرَد: طائر، والجمع الصَّرْدانُ. (الصحاح للجوهري، باب الدال، فصل الصاد: صرد)]. (3) [لم أجد من خرجه بهذا التفصيل، إلا أن النهي عن قتل الأصناف ورد في أحاديث متفرقة، منها: "أنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ قَتَل أَرْبَع مِنَ الدَّوَابُ النَّمْلَة وَالنَّحْلَةِ، وَالْهُدْهُدِ، وَالضُّرَد" (رواه أبو داود، كتاب الأدب، (4583)، وَنَهَى عَنْ قَتْلِ الضَّفْدَعِ لِمَا روي: "أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ ضِفْدَعِ يَجْلَعُهَا فِي دَوَاءٍ، فَنَهَاهُ عَنْ قَتْلِهَا" (رواه أبو داود، باب في قتل الضفدع، ر 5271)].
(4) [يعني بصوفها) (1/207)
صفحة 208
واعد الإسـ
أَيْضًا، وَأَمَّا الْحَيَّاتُ والأَمَاحِي وَأَشْبَاهُهَا مِنَ الْأَفَاعِي وَاللُّغَا فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ النَّبِيِّ حَرَّمَ مَا كَانَتِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَسْتَقْذِرُهُ، فَمَا أَشْبَهَ مِنْ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ الْحَلالِ فَهُوَ حَلالٌ، وَمَا أَشْبَة الْحَرَامَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَقَدْ شَدَّدُوا فِي سُؤْرِ الأَمَاحِي وَالْأَفَاعِي وَالْحَيَّاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
ه و
وَأَمَّا الْهِرُ: فَفِيهِ اخْتِلافُ، وَالأَصَحُ أَنَّهُ طَاهِرُ؛ لأَنَّهُ مِنَ الطَّوَّافِينَ وَالطَّوَّافَاتِ عَلَى النَّاسِ، وَلِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ أَصْغَى إِلَيْهِ الإِنَاءَ فَشَرِبَ مِنْهُ (3). وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى نَجَاسَتِهِ رَاعَى أَنَّ الأَصْلَ فِيهِ سَبْعٌ، وَالْفَأَرُ كَذَلِكَ، فَلَعَمْرِي إِنَّهُمَا لَكُمَا زَعْمٌ، لَكِنَّ الرُّحْصَةَ وَرَدَتْ فِي الْهِرُ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ وَلِتَعَذَّرِ الاحْتِرَازِ مِنْهُ فِي الْبُيُوتِ،
وَ تُلْحَقُ بِهِ الْفَأْرَةُ فِي تَعَذُّرِ الاحْتِرَازِ مِنْهَا.
وَأَمَّا الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ: فَفِيهِ اخْتِلافُ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، قَالَ بَعْضُهُمْ بِطَهَارَتِهِ لِعِلَّةٍ صِيَانَتِهِ عَنْ أَكْلِ الْخَبَائِثِ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ لَاحِقِّ بِالْحُكْمِ الْأَصْلِي فِي الْكِلاَبِ مِنَ النَّجَاسَةِ، وَلَمْ تَتَّفِقِ الأُمَّهُ عَلَى نَجَاسَةِ الْكِلابِ أَيْضًا، فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى نَجَاسَتِهَا احْتَجَّ بِأَمْرِ النَّبِيِّ بِغَسْل الإناءِ مِنْ وُلُوغِهَا فِيهِ سَبْعًا، أُولَاهُنَّ وَأَخْرَاهُنَّ
(1) [لم أجد من خرجه]. الصَّحِيحُ أَنَّ اسْتِقْذَارَ النُّفُوسِ لَيْسَ هُوَ سَبَبَ التَّحْرِيمِ، وَإِنَّمَا الْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ الشَّرْعُ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْمَحْزُومِيُّ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةٌ، فَأُوتِي بِضَبٌ مَجْنُودٍ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ، فَقَالَتْ بَعْضُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ: أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللهِ مِمَّا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، فَقِيلَ: هُوَ ضَبٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَرَفَعَ يَدَهُ، قَالَ خَالِدٌ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ". قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ وَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ يَنْظُرُ [رواه الربيع، باب أدب الطعام
والشراب، ر 385].
(2) [رواه الربيع، باب في أحكام المياه، ر 159، بلفظ: "إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ وَالطَّوَّافَاتِ عَلَيْكُمْ". (1/208)
صفحة 209
(2)
قواعد الإس
بِالتُّرَابِ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى طَهَارَتِهَا احْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكَنَ عَلَيْكُمْ (2) وَلَمْ يَأْمُرْ بِغَسْلِ الْمَوْضِع الَّذِي أَمْسَكَ مِنْهُ الْكَلْبُ، وَلَأَنَّهُ مِنَ الطَّوَّافِينَ وَالطَّوَّافَاتِ قِيَاسًا عَلَى الْهِرُ، وَحَمَلَ الأَمْرُ بِغَسْلُ الإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِهِ عَلَى جِهَةِ التَّعَبدِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ الْمَدَنِي وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْمُشْرِكُ: فَمُجْمَعٌ أَيْضًا عَلَى نَجَاسَتِهِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (3)، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ حَمَلَ لَفْظَ النَّجَسِ الْوَارِدِ فِيهِ عَلَى جِهَةِ الذَّمِّ، لَا أَنَّ عَيْنَهُ نَجِسَةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى نَجَاسَتِهِ.
وَالْمُشْرِكُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا نَوْعَانِ كِتَابِي، وَمَنْ سِوَاهُ مِنْ مَجُوسِيٌّ وَوَثَنِي، فَالْكِتَابِيُّ فِيهِ اخْتِلافُ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى طَهَارَةِ بَلَلِهِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ} الآية (4) الطَّعَامُ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ هَهُنَا الذَّبَائِحَ فَلَفْظُهُ عَامٌ، وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِأَكل النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْعَظْمَ الْمَسْمُومَ الَّذِي أَهْدَتْهُ لَهُ الْيَهُودِيَّةُ ()، وَأَحْسَبُ أَنِّي وَجَدْتَ فِي بَعْضِ الآثَارِ أَنَّهَا قَصْعَةٌ مِنْ ثَرِيدٍ مَعَ لَحْمٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَأَجَازَ بَعْضُهُمُ الْعَسَّالَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَبَعْضُ كَرِهَهُ، وَرُوِيَ أَنَّ
(1) [رواه الربيع، باب جامع النجاسات، ر 153 بلفظ: "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَهْرِقْهُ وَيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاهُنَّ وَأُخْرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ"، ومسلم، باب حكم ولوغ الكلب، ر 677، بلفظ:
طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ"].
(2) الْمَائِدَة: 4.
(3) التَّوْبَة: 28.
(4) الْمَائِدَة: 5.
(5) [رواه البخاري، كتاب الهبة، ر 2424، بلفظ: " أن يهودية أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها فقيل: ألا نقتلها، قال: لا"] (1/209)
صفحة 210
واعد الإسـ
(Y).
أَمَرَ أَنْ تُغْسَلَ آنِيَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا احْتِجَ إِلَيْهَا فَدَلَّ هَذَا عَلَى
نَجَاسَتِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا عَرَقُ السَّكْرَانِ وَمَنْ كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ جَمِيعِ مَنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَكَذَلِكَ لَبَنُ الْمَرْأَةِ الشَّارِبَةِ لِلْخَمْرِ، وَبَيْضُ مَا يَشْرَبُ النَّجَاسَةَ أَوْ يَأْكُلُهَا، فَفِي الْكَلِّ خِلافُ، وَعِنْدَ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمُ اللهُ - أَنَّ الْجَلالَ مِنَ النَّاسِ الَّذِي يَشْرَبُ الْخَمْرَ يُتَقَى الْبَلَلُ مِنْهُ يَوْمًا وَلَيْلَةٌ، وَهُوَ مِقْدَارُ مَا يَبْقَى الطَّعَامُ فِي جَوْفِ الْإِنْسَانِ، وَقِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْجَلالَةُ مِنَ الْبَهَائِمِ: فَقَدْ رُوِيَ فِيهَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الْجَلالَةِ وَشُرْبِ أَلْبَانِهَا وَأَنْ يُحَجَّ عَلَيْهَا (3)، وَهِيَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الَّتِي لا تُعْلَفُ إِلا الْعَذِرَةَ وَلَا تَخْلِطُ مَعَهَا شَيْئًا مِنَ الْمَرْعَى وَفِي أَثَرِ مَشَايِخِنَا أَنَّهَا لَا تَكُونُ جَلَّالَةٌ إِلا بِأَكْلِهَا الْمَيْتَةَ أَوِ الدَّمَ أَوْ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، فَعَرَقُ الْجَلَالَةِ نَجِسٌ كَمَا قَدَّمْنَا، وَكَذَلِكَ أَكْلُ مَا لَا يُصَانُ مِنَ الْبَهَائِمِ عَنْ أَكْلِ النَّجَاسَاتِ فَعَرقُهَا وَبَلَلُهَا نَجِسٌ.
وَقَدْ جَعَلَ أَصْحَابُنَا لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِذَا أَفْلَعَ عَنْ أَكْلِ النَّجَسِ مُدَّةً يَنْتَهِي إِلَيْهَا فَيُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ، فَجَعَلُوا لِلْجَلَالَةِ مِنَ الإِبِلِ مِنْ أَرْبَعِينَ يَومَا إِلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ، (1) سَأَلَ أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنَّا بِأَرْضِ قَوْم أَهْل كِتَابٍ، أَفَتَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ فَقَالَ: " ... فإن وجدتم غير أنيتهم فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها ... " [رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، ر 5056].
(2) قَالَ الْمُحَنِّي أَبُو سِتَّةَ: إِنَّ دَلِيلَ طَهَارَةِ بَلَل أَهْل الْكِتَابِ قَوِيٌّ، وَدَلِيل نَجَاسَتِهِ ضَعِيفٌ جِدًّا. (3) وَرَدَ بِرِوَايَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مَجْمُوعُهَا يُفيدُهُ الْحَدِيثُ الَّذِي سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ شُرْبِ لَبَنِ الْجَلالَةِ [رواه أبو داود، باب النهي عن أكل الجلالة وألبانها، ر 3788]، ونَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ وَعَنِ الْجَلَالَةِ وَعَنْ رُكُوبِهَا وَأَكْلِ لُحُومِهَا".
[رواه أحمد، ر 7039]. (1/210)
صفحة 211
وَالْبَقَرَةِ مِنْ ثَلاثِينَ إِلَى سَبْعَةٍ، وَلِلشَّاةِ مِنْ عِشْرِينَ إِلَى ثَلَاثَةٍ، وَلِلإِوَزَّةِ مِنْ خَمْسَةٍ إِلَى ثَلَاثَةٍ إِلَى يَوْمٍ، وَلِلدَّجَاجَةِ مِنْ ثَلاثَةٍ إِلَى يَوْمٍ، وَقِيلَ: إِنْ ذُبِحَتْ وَنُزِعَ ذَلِكَ مِنْهَا وَغُسِلَتْ أَنَّهَا تُؤْكَلُ وَلَوْ فِي يَوْمِهَا، وَرُخَّصَ أَيْضًا فِي لَبَنِ الشَّاةِ إِذَا شَرِبَتِ النَّجَسَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. (1/211)
صفحة 212
211 (1/212)
صفحة 213
قواعد الإس
الْمُقَدَّمَةُ الثَّالِثَةُ
فِيمَا تُزَالُ عَنْهُ هَذِهِ النَّجَاسَاتُ وَبِمَا تُزَالُ بِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ وَالْجِهَاتِ
الأشياء التي تُزالُ عنهَا النَّجاسة ثلاثة]
أَمَّا الأَشْيَاءُ الَّتِي تُزَالُ عَنْهَا النَّجَاسَةُ فَهِيَ ثَلَاثَةٌ بِلا خِلَافٍ أَحَدُهَا: الشَّيَابُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَثِيَابَكَ فَطَرْ، وَلَأَمْرِ النَّبِيِّ بِغَسْلِ النَّوْبِ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ، وَغَسْلِهِ مِنَ الْمَنِيِّ أَيْضًا ().
وَالثَّانِي: الأَبْدَانُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ أَمَرَ بِغَسْلِ الْمَنِي مِنْهُ أَيْضًا). وَالثَّالِثُ: الْمَسَاجِدُ وَمَوَاضِعُ الصَّلاَةِ أَيْضًا، لأَمْرِهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُصَبَّ عَلَى بَوْلِ الأَعْرَابِي ذُنُوبُ مِنْ مَاءٍ حِينَ بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلِصَبِّهِ الْمَاءَ أَيْضًا عَلَى ثَوْبِهِ مِنْ
(1) الْمُدَّثر: 4. (2) [رواه الربيع، باب جامع النجاسات (148، بلفظ: "الْمَنيُّ والمذي والودي وَدَمُ الْحَيْضِ وَالنَّفَاسِ نَجس لا يُصَلَّى بِثَوْب وَقَعَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا حَتَّى يُغْسَلَ وَيَزُولَ أَثَرُهُ".
(3) [كما في الحديث السابق]. (أَمَّا الْمَنِي فَفِيهِ الْغَسْلُ، وَأَمَّا الْمَذِيُّ وَالْوَدِيُّ فَفِيهِمَا إِسْبَاغُ الطُّهُورِ). (4) [رواه الربيع، باب في المساجد وفضل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، 263] وَهُنَا يَقِفُ الْمُتَأَمِّلُ مُعْجَبًا مِنْ حُسْنِ سِيَاسَةِ الرَّسُولِ وَتَيْسِيرِهِ لأَخِلافِ الْعَرَبِ سَبِيلَ الإِسْلَامِ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا بَالَ الأَعْرَابِي بِالْمَسْجِدِ وَثَارَ عَلَيْهِ النَّاسُ لِيُوقِعُوا بِهِ، قَالَ لَهُمُ الرَّسُولُ: "دَعُوهُ وَأَهْرِيقُوا (1/213)
صفحة 214
بَوْلِ الرَّضِيعِ، وَلأَمْرِهِ بِغَسْلِ رَأْسِ الذَّكَرِ مِنَ الْمَنِيُّ (3)، وَأَنْ يُنْضَحَ عَلَيْهِ الْمَاءُ
مِنَ الْمَذِيِّ (3)، وَاللهُ أَعْلَمُ.
الأَشْيَاءُ الَّتِي تُزَالُ بِهَا النَّجَاسَةُ عشرة)
وَأَمَّا الأَشْيَاءُ الَّتِي تُزَالُ بِهَا النَّجَاسَةُ: فَهِيَ بِالْجُمْلَةِ عَشَرَةٌ، بَعْضُهَا مَنْطُوقٌ بِهَا فِي السُّنَّةِ، وَبَعْضُهَا مَقِيسٌ عَلَيْهَا، أَحَدُهَا الْغَسْلُ، والثَّانِي: الْمَسْحُ، وَالثَّالِثُ: النَّضْحُ، وَالرَّابِعُ: الْوَطْءُ، وَالْخَامِسُ: الرَّشْحُ، وَالسَّادِسُ الزَّمَانُ، وَالسَّابِعُ: الدَّبَاغَةُ، وَالثَّامِنُ: التَّقْرِيبُ، وَالتَّاسِعُ: الرِّيحُ وَالْمَطَرُ، وَالْعَاشِرُ: النَّارُ.
أَمَّا الْغَسْلُ (4) فَهُوَ عَامٌ فِي جَمِيعِ الْمَائِعَاتِ عَلَى اخْتِلافٍ فِي بَعْضِهَا، وَسَنَذْكُرُ أَحْكَامَ الْمِيَاهِ وَأَقْسَامَهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ
النَّجَاسَاتِ، وَيَخْتَصُّ بِالْمَاءِ دُونَ سَائِرِ
تعَالَى.
عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ أَوْ سجلاً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ لا مُعَسِّرِينَ". (الذُّنُوبُ وَالسّجل:
الدَّلْوُ) [رواه البخاري، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم "يسروا ولا تعسروا"، ر 5777]. (1) [وذلك حين أتت أم قيس بنت محصن بابن لها إليه - صلى الله عليه وسلم - ... لم يأكل الطعام ره قبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه به رواه الربيع، باب جامع النجاسات،
فأجلسه في حجره
[(152)
(2) وذلك حين سأله عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. عن الجنابة تصيبه ليلا ماذا يصنع؟ فقال عليه السلام: "توضأ واغسل ذكرك ثمّ نَمْ" (رواه الربيع، باب في كيفية الغسل من الجنابة،
[(145)
(3) [وهذا في حديث علي بن أبي طالب إذ أمر المقداد بن الأسود أن يسأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن رجل دنا من أهله فخرج منه المذي، فقال عليه السلام: "إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح ذكره بالماء ثم يتوضأ وضوء الصلاة" (رواه الربيع، باب ما يجب منه الوضوء، ر 103)]. (4) [وهو الشيء الأول من الأشياء التي تزال بها النجاسة]. (1/214)
صفحة 215
اعْلَمْ أَنَّ الْمُطَهَّرَ لِلْحَدَثِ وَالْخَبَثِ هُوَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ، قَالَ اللَّهُ
تَعَالَى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) وَقَالَ: مَاء لِيُظْهِرَكُم بِهِ (2)، فَالطَّهُورُ هُوَ الْفَعُولُ لِلطَّهَارَةِ، وَهُوَ أَبْلَغُ فِي اللُّغَةِ مِنْ فَاعِلٍ.
ثُمَّ الْمِيَاهُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ:
(4)
[المياه أربعة أقسام]
القسم الأول] (3): الْمَاءُ الْمُطْلَقُ، وَهُوَ الْبَاقِي عَلَى أَوْصَافِ خِلْقَتِهِ مِنْ غَيْرِ مُخَالِطٍ لَهُ، فَهُوَ، الطهُورُ، كَمَاءِ الْمَطَرِ وَالْبَحْرِ وَمَاءِ الْبِشْرِ وَالنَّهْرِ، وَمَا قَامَ عَنْهَا مِنَ الْقلْتَاتِ وَالْعَدْرَانِ وَمَاءِ السِّبَاخِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَيُلْحَقُ بِهَذَا التَّقْسِيمِ الْمُتَغَيَّرُ بِطُولِ مُكْثٍ أَوْ تُرَابٍ أَوْ زِرْنِيحٍ لِجَرْيِهِ عَلَيْهِ، أَوْ بِطُحْلُبٍ، أَوْ بِكُلِّ مَا كَانَ مِنْ قَرَارِهِ أَوْ مُتَوَلّدٌ عَنْهُ وَلا يَنْفَكُ غَالِبًا.
القِسْمُ الثَّانِي: الْمَاءُ الْمُقَيَّدُ الْمُضَافُ إِلَى مَا وَقَعَ فِيهِ، مِثْلُ الْعُصْفُرِ () وَالزَّعْفَرَانِ أَوِ اللَّكَ) والفوت) وَأَشْكَالِهَا مِنَ الْمُضَافَاتِ، فَهَذَا الْمَاءُ يُجْزِئُ فِي
فِي غَسْلِ النَّجَاسَاتِ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ فِي رَفْعِ الأَحْدَاثِ.
(1) الفرقان: 48.
(2) الأنفال: 11، وَالآيَةُ: إِذْ يُفَشِيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لَيْطَهِّرَكُم بِهِ. (3) [أحدها في كُلِّ النُّسخ، وإنَّما استبدلتها بـ "القِسْمِ الأولِ" ليكون التقسيم على نسق واحد].
(4) القلتَاتُ: هِيَ الْبَرَكُ عَلَى حَدٌ تَعْبِيرِ الْعَامَّةِ.
(5) [العُصْفُرُ: نوع من الصبغ الجوهري: الصحاح، باب الراء، فصل العين: عصفر)].
(1) صبع أ. سَبْعَ أَحْمَرُ يُصْبَعُ بِهِ جُلُودُ الْمَعْزِ.
(7) [لم أقف على هذا المعنى]، وَلَعَلَّ الصَّوَابَ: الْفَرْث. (1/215)
صفحة 216
قواعد الإسلام
القِسْمُ الثَّالِثُ الْمَاءُ الْمُضَافُ إِلَى الْخَارِجِ مِنْهُ، كَالْمَاءِ الْمُعْتَصَرِ مِنَ النَّبَاتَاتِ، وَالْمُسْتَخْرَجِ مِنَ الْفَوَاكِهِ وَالْبُقُولِ، فَهَذَا الْمَاءُ مُزِيلٌ لِلنَّجَاسَةِ غَيْرُ رَافِعِ لِلْحَدَثِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
القِسْمُ الرَّابِعُ: الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ لِلْوُضُوءِ وَالاغْتِسَالِ، وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ مَعَ اتَّفَاقِهِمْ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى فَضْلِ وَضُويْهِ)، وَغَلاَ بَعْضُهُمْ حَتَّى زَعَمَ أَنَّ اسْمَ الْعَسَالَةِ أَحَقُّ بِهِ مِنَ اسْمِ الْمَاءِ فِيمَا وَجَدْتُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1)
فَالأَوَّلُ طَاهِرُ مُطَهَّرُ بِإِجْمَاعِ، وَالثَّانِي طَاهِرٌ مُطَهَّرٌ إِذَا لَمْ يَتَغَيَّرُ أَحَدُ أَوْصَافِهِ، وَالثَّالِثُ غَيْرُ مُطَهِرٍ (3) بِاتِّفَاقِ، وَالرَّابِعُ كَذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، إِلا قَوْلاً شَاذًا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ (3)، وَهُوَ مَحْجُوجٌ عِنْدَ
الْجَمِيعِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْخَلُّ والنَّبِيدُ وَاللَّبَنُ وَالزَّيْتُ، فَقَدْ قَالُوا: إِنْ هَذِهِ الأَشْيَاءَ تَنْزَعُ النَّجَسَ وَلَكِنْ لا يَحِلُّ أَنْ يُتَعَمَّدَ تَنْجِيسُهَا، إِلا مَا ذُكِرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَجَازَ الطَّهَارَةَ بِالنَّبِيذِ مُحْتَجًا بِحَدِيثِ لَيْلَةِ الْجِنِّ ()، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَأَلَ ابْنَ
(E),
(1) [رواه البخاري، كتاب الوضوء، ر 182].
(2) بَلْ هُوَ مُطَهِّرٌ عَلَى التَّحْقِيقِ، فَهُوَ مُطَهِّرٌ لِلأَنْجَاسِ قَطْعًا، اللهُمَّ إِلا أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: غَيْرَ مُطَهِّرٍ؛ غَيْرَ رَافِعِ لِلأَحْدَاثِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فيما سَبَقَ قَرِيبًا فَهَذَا الْمَاءُ مُزِيلٌ لِلنَّجَاسَةِ غَيْرُ رَافِعٍ
لِلْحَدَثِ).
(3) [انظر: السرخسي: المبسوط، 46/ 1]. (4) وَفَوْقَ ذَلِكَ لا تَسْتَوِي هَذِهِ الأَشْيَاءُ الأَرْبَعَةُ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، أَمَّا الْخَلُّ وَالنَّبيذُ فَمُحْتَمَلانِ، وَأَمَّا اللَّبَنُ وَالزَّيْتُ فَيَمْنَعَانِ انْحِلَالَ النَّجَاسَةِ لِلْزُوجَتِهِمَا. اهـ مُصَحْحه.
(5) [السرخسي: المبسوط 88/ 1]. (1/216)
صفحة 217
قواعد
مَسْعُودٍ: هَلْ مَعَكَ مَاءُ؟ " فَقَالَ: مَعِي نَبِيدٌ، فَقَالَ: "ثَمَرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءُ طَهُورٌ (1)، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ.
(1) [رواه أبو داود، كتاب الطهارة، ر 77]. (1/217)
صفحة 218
قواعد الإ
Yuskskskskskskadataka zasladidadadadadadadavalatakatakatal
رَائِحَتَهُ
فصل [في أحكام الماءِ المُطْلَقِ]
وَأَمَّا أَحْكَامُ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ: فَأَحَدُهَا مَاءُ الْمَطَرِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ الطَّهَارَةُ، لِقَوْلِ الرَّسُولِ: خَلَقَ اللهُ الْمَاءَ طَهُورًا لاَ يُنَجِّسُهُ شيء إِلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ حَتَهُ (1)، فَاخْتُلِفَ فِيهِ إِذَا لَمْ تَجْتَمِع الأَوْصَافُ الثَّلَاثَةُ، فَقِيلَ: هُوَ بَاقٍ عَلَى أَصْل طَهَارَتِهِ، وقِيلَ: هُوَ نَجِسٌ، واخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا إِذَا حَلَّتْهُ النَّجَاسَةُ وَلَمْ تُغَيِّرُ أَحَدَ أَوْصَافِهِ، فَقِيلَ: هُوَ طَاهِرٌ قَلِيلاً كَانَ أَوْ كَثِيرًا، وَقَوْمٌ فَرَّقُوا بَيْنَ الْقَلِيل وَالْكَثِيرِ، فَقَالُوا الْقَلِيلُ يُنَجِّسُ وَالْكَثِيرُ لاَ يُنَجِّسُ، وَحَدُّ الْقَلِيلِ مِنْهُ بِمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، وَهُمَا قِرْبَتَانِ وَنِصْفُ بِقِلالِ هَجَرَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَقِيلَ: هُمَا مِقْدَارُ خَمْسِمِائَةِ رِطل، وَحَدُّ الْكَثِيرِ مِنْهُ بِحَيْثُ يُحَرَّكُ طَرَفَهُ فَلَا يَتَحَرَّكُ الطَّرَفُ الآخَرُ (3)، وَقَوْمٌ لَمْ يَحدُّوا فِي ذَلِكَ حَدًا، وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّنازُعُ فِي هَذَا لِقَوْلِ النَّبِيِّ: "إِذَا زَادَ الْمَاءُ عَلَى قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْتَمِلُ خَبَنًا ()، وَنَهْيِهِ الْجُنُبَ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي الْمَاءِ
(1) [رواه الربيع، باب في أحكام المياه، ر 156]. (2) وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ، الْمُوَافِقُ لِيُسْرِ الإِسْلَام وَلِمَنْطُوقِ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْبَابِ، كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: (الْمَاءُ طَهُورٌ إِلَّا إِنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِ) [الحديث السابق))، يَعْنِي وَاللهُ أَعْلَمُ هُوَ طَهُورٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ إِلا فِي حَالَةٍ مَا إِذْ يَقُولُ: لَوْ كَانَ الْقَلِيلُ مِنَ الْمَاءِ يُؤَثِّرُ فِيهِ الْقَلِيلُ مِنَ النَّجَاسَةِ مَا كَانَ لِتَطْهِيرِ الأَنْجَاسِ مِنَ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ غَايَةٌ؛ لأَنَّهُ كُلَّمَا صُبَّ عَلَى مَوْضِعِ النَّجَسِ الْقَلِيلُ مِنَ الْمَاءِ نَجَّسَةَ، وَكُلَّمَا صُبَّ عَلَيْهِ نَجَسُهُ يَصِيرُ مَنْجُوسًا أَبَدًا. اهـ
مُصَححه.
(3) قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَكَةَ فِي كِتَابِهِ مَدْحُ الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ: "التَّقْدِيرُ فِي حَرَكَةِ الْمَاءِ لَا وَجْهَ لَهُ؛ لأَنَّ الْحَرَكَةَ تَخْتَلِفُ: حَرَكَةُ النَّقِيلِ، وَحَرَكَةُ الْخَفِيفِ"، إِلَخْ إِلَخ.
(4) [سبق تخريجه]. (1/218)
صفحة 219
الدَّائِمِ - أَوْ قَالَ الرَّاكِدِ) -، فَقِيلَ لأَبِي هُرَيْرَةَ: كَيْفَ يَفْعَلُ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تناولاً، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى قِلَّتِهِ، وَنَهَى أَنْ يَبُولَ أَحَدٌ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ (3)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ه
وَأَمَّا مَاءُ الْبَحْرِ: فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهِ الطَّهَارَةُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا، فَقِيلَ: لا يُتَوَضَّأُ بِهِ إِلا فِي حَالِ الضَّرُورَةِ، وَقَالَ بَعْضُ: التَّيَمُّمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا لِقَوْلِ النَّبِيِّ وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالْحِلُ
(E)11990
سته
وَهَكَذَا مَاءُ الْبِثْرِ أَيْضًا، فَالْحُكْمُ فِيهِ الطَّهَارَةُ، فَإِنْ خَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ أَوْ مَيْتَةٌ تُزِعَتْ مِنْهُ أَرْبَعُونَ دَلْوَا لِلسُّنَّةِ إِذَا كَانَ مَاءُ الْبِثْرِ غَزِيرًا، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا نُزِحَ كُلُّهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسِ وَابْنَ الزُّبَيْرِ نَزَحَا زَمْزَمَ لِزِنْجِيِّ مَاتَ فِيهِ، وَنَزْحُ الْمَاءِ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ إِخْرَاجِ الْمَيْتَةِ أَوَّلاً، وَاتَّفَقُوا أَنَّهُ لا يَجِبُ غَسْلُ جَوَانِبِ الْبِشْرِ، وَأَنَّهَا إِذَا زِحَتْ فَقَدْ طَهُرَتْ هِي وَالدَّلْوُ جَمِيعًا، وَلَمْ يَقْطَعُوا أَيْضًا بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الَّذِي يُغْرَفُ لِلسُّنَّةِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ: لا تَجِبُّ السُّنَّةُ فِي الْبِشْرِ إِلَّا مِنَ الْمَيْتَةِ أَوِ الدَّمِ أَوْ
لَحْمِ الخِنْزِيرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) [رواه الربيع، باب في كيفية الغسل من الجنابة، ر 144]. (2) [رواه مسلم، باب النهي عن الاغتسال في الماء الراكد، ر 684].
(3) [تسبق تخريجه].
(4) [تسبق تخريجه].
(5) وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَمَرَ بِسَدٌ عُيُونِهَا وَنَزَع مَا فِيهِ، فَكَانَ مِقْدَارُهَا أَرْبَعِينَ دَلْوا، وَقِيلَ: خَمْسِينَ [رواه البيهقي، باب ما جاء في نزح، زمزم، ر 1183] قَالَ الْقُطْبُ فِي وَفَاءِ الضّمَانَةِ: "الأَحَادِيثُ وَالآثَارُ وَرَدَتْ فِي الأَبْيَارِ، فَلاَ نَزْحَ مِنْ غَيْرِهَا كَالْبِرْكَةِ وَالْمَاجِلِ وَسَائِرِ الْأَحْوَاضِ، وَيُحْكَمُ
بِطَهَارَتِهِنَّ إِذَا لَمْ يَتَغَيَّرِ الْمَاءُ لِصُحْبَةِ الأَصل وَأَحَادِيثِ: (لَكُمْ مَا غَبَرَ) [56/ 1]. اهـ. (1/219)
صفحة 220
وَكَذَلِكَ مَاءُ النَّهَرِ الْجَارِي الْحُكْمُ فِيهِ الطَّهَارَةُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِنْ وَقَعَتْ فِيهِ
الْمَيْتَةُ أَوِ النَّجَاسَةُ، إِلا إِنْ كَانَتِ الْمَيْتَةُ أَوِ النَّجَاسَةُ فِي مَجْرَاهُ فَغَمَرَتِ (1) الْمَاءَ كُلَّهُ، أَوْ أُهْرِقَ فِيهِ بَوْلُ أَوْ دَمُ فَغَمَرَ الْمَاءَ كُلَّهُ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ إِلَّا مَا لَآقَاهُ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَنْجُسُ، وَالْمَاءُ الْجَارِي وَلَوْ كَانَ رَقِيقًا فَإِنَّهُ لاَ يَنْجُسُ بِوُقُوعِ النَّجَسِ فِيهِ، إِلَّا إِنْ غَمَرَهُ كَمَا قَدَّمْنَا، وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمَاءُ يَجْرِي إِلَى السَّاقِيَةِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا، أَوْ يَخْرُجُ مِنْهَا وَلَا يَجْرِي إِلَيْهَا فَوَقَعَ فِيهِ نَجَسٌ فَفِيهِ اخْتِلافٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) [في نُسخةٍ: فَغَيَّرَتْ]. (1/220)
صفحة 221
فصل فِي أَحْكَامِ الْغَسْلِ بِالْمَاءِ
اعْلَمْ أَنَّ الْمَاءَ أَقْوَى مَادَّةٍ فِي غَسْل النَّجَاسَة؛ لأَنَّهُ يُذْهِبُ الْعَيْنَ وَالأَثَرَ، فَكُلُّ نَجَاسَةٍ مِمَّا لَا يُرَى لَهَا عَيْنٌ قَائِمَةٌ كَالْبَوْلِ وَالْمَاءِ الْمَنْجُوسِ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا، فَتَلاتُ غَسَلَاتٍ تُجْزِئُ فِي إِزَالَتِهَا، لِقَوْلِ النَّبِي: "إِذَا انْتَبَةَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلا يَغْمِسُ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاثا» (1)، فَسَوَاءٌ كَانَتِ النَّجَاسَةُ عَلَى الْيَدِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ أَوْ جَعَلَ التَّوْبَ فِي الْحَوْضِ فَأُعِيدَ لَهُ الْمَاءُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ كَمَا قَدَّمْنَا.
وَإِنْ كَانَ النَّجَسُ عَلَى الْحَائِطِ الْأَمْلَسِ فَإِنَّهُ يُطَهَّرُ بِذَرِّ التُّرَابِ تَحْتَهُ، وَيُغْسَلُ
الْحَائِطُ فَيَقَعُ الْمَاءُ عَلَى التُّرَابِ، ثُمَّ يَكْنسُهُ فَيَرْمِي بِهِ خَارِجًا. وَإِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ فِي بَيْتٍ أَوْ مَسْجِدٍ فَأَرَادَ الْإِنْسَانُ غَسْلَهَا بِالْمَاءِ فَإِنَّهُ يُفَتِّتُهَا إِذَا كَانَتْ مِمَّا لَهَا عَيْنُ قائِمَةٌ، كَالدَّمِ وَالنُّطْفَةِ وَالْقَيْءِ، ثُمَّ يُدِيرُ بِهَا التُّرَابَ، فَيَصُبُّ الْمَاءَ فِي الْمَوْضِعِ الْمُدَارِ بِهِ التُّرَابُ فَيَتْرُكُهُ حَتَّى يَنْشَفَ، ثُمَّ يُكْنَسُ وَيُعَادُ فِي مَوْضِعِهِ تُرَابُ آخَرُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وَأَمَّا النَّجَسُ الْقَائِمُ الْعَيْنِ فَلا بُدَّ مِنْ إِزَالَةِ الْعَيْنِ مَعَ الْأَثَرِ، وَتُغْسَلُ حَتَّى لَا تَنتَقِصَ، وَمَا دَامَتِ الْعَسَالَةُ مُتَغَيَّرَةً فَالْمَحَلَّ نَجِسٌ، وَأَمَّا بَقَاءُ الرَّائِحَةِ فَلَا بَأْسَ بِهَا
بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ، وَفِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالرِّيقِ وَالْمُخَاطِ قَوْلَانِ.
وَإِنْ كَانَ النَّجَسُ فِي أَوَانِي الطَّينِ فَلْيَجْتَهِدْ فِي غَسْلَهَا، ثُمَّ يَمْلأُهَا مَاءً فَيُتْرَكُ فِيهَا لَيْلاً، ثُمَّ يُرَاقُ نَهَارًا، أَوْ يُقَامُ فِي الشَّمْسِ، يَصْنَعُ بِهَا هَكَذَا ثَلَاثًا، وَقَالَ مَنْ قَالَ:
يَوْمًا وَلَيْلَةً، ثُمَّ يَحْكُمُ بِطَهَارَتِهَا.
(1) [رواه الربيع، باب في آداب الوضوء وفرضه، ر 87، ومسلم، كتاب الطهارة، باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثا، ر 416]. (1/221)
صفحة 222
قواعد الإسـ
وَإِنْ كَانَتِ الْخَابِيَّةُ مَاتَتْ فِيهَا فَأَرَةٌ فَإِنَّهَا تُوقَدُ فِيهَا شُعْلَةُ نَارٍ لِكَيْ يَحْتَرِقَ الشَّعْرُ اللأَصِقُ بِهَا، ثُمَّ تُغْسَلُ كَمَا قَدَّمْنَا.
وَإِنْ كَانَ كُوزُ ضَيْقُ الْعُنُقِ جُعِلَ فِيهِ الْمَاءُ مَعَ الْحَصْبَاءِ ثُمَّ يُخَضْخَضُ فِيهِ مَعَ إِبْدَالِ الْمَاءِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَحْكُمُ بِطَهَارَتِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَاءَ يُزِيلُ النَّجَاسَةَ مِنْ أَيِّ مَحَلَّ حَلَّتْ بِهِ مِنَ الْأَرْضِ وَجَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَنَبَاتِهَا الْمَعْمُولِ مِنْهَا أَوْ غَيْرِ الْمَعْمُولِ، وَكَذَلِكَ الْحَيَوَانَاتُ وَجَمِيعُ أَجْنَاسِهَا، وَالشَّيَابُ وَجَمِيعُ أَنْوَاعِهَا، إِلا مَا يَتَعَذَرُ إِخْرَاجُ النَّجَسِ مِنْهُ إِذَا عُجِنَ بِهِ الأَشْيَاء، أَوْ طُبِخَ فِيهَا، أَوِ اخْتُمِرَ مَعَهَا، أَوْ وَقَعَ عَلَيْهِ الْوَدَكُ أَوِ الدُّهْنُ فِي الثَّوْبِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الأَوْعِيَةِ بَعْدَ مَا سَبَقَ إِلَيْهَا، أَوْ خِيطَ الثَّوْبُ، أَوْ عُقِدَ مَعَ النَّجَسِ، أَوْ صُبغَ بِصِبَاغ مَنْجُوسٍ، أَوْ جُعِلَ لِلَّحْمِ مِلْحٌ مَنْجُوسٌ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْوُجُوهَ مِنْ إِدْهَانِ الرَّأْسِ بِدُهْنِ مَنْجُوسٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ، أَوْ عُقِدَ الشَّعْرُ عَلَى النَّجَسِ، هَذَا وَأَمْثَالَهُ تَتَعَذَرُ طَهَارَتُهُ حَتَّى يَحِلَّ جَمِيعَ مَا عُقِدَ عَلَى النَّجِسِ، أَوْ يُعَرَّكَ
تُتَيَقَّنَ طَهَارَتُهُ، وَيُزَالُ الدُّهْنُ قَبْلَ غَسْلِ النَّجَسِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
كَلامِ الشَّيْخِ عَامِرٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا اجْتَهَدَ فِي غَسْلِهِ يُحْكَمُ لَهُ بِالطَّهَارَةِ، وَيَكُونُ كَأَثَرِ النَّجْسِ الْبَاقِي بَعْدَ الاجْتِهَادِ فِي الْغَسْلِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَ ذَلِكَ الْمَكَانَ، لأَنَّ قَطْعَهُ فَسَادٌ، وَاللَّهُ الْفَسَادَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ صَبَغَ يَدَهُ بِالصِّبَاغِ الْمَنْجُوسِ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْلُخَ جِلْدَهُ لأَجْلِ أَثَرِ الصَّبَاغِ الْمَنْجُوسِ حِينَ لَمْ يَزُلْ بِالْغَسْلِ، وَكَانَ هَذَا قِيَاسًا عَلَيْهِ اهـ.
[الإيضاح، 363/ 1] (1/222)
صفحة 223
plastickatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakataladaskushte
فصل في
الْمَسْح"
أذى
اعْلَمْ أَنَّ الْمَسْحَ مَنْطُوقُ بِهِ فِي السُّنَّةِ لِثَلَاثَةِ أَشْيَاءِ، أَحَدُهَا: فِي مَسْح الْمَخْرَجَيْنِ بِالأَحْجَارِ الثَّانِي فِي الْخُفَّيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمُ الأَذَى بِنَعْلَيْهِ فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورًا (2)، وَالثَّالِثُ: فِي ذَيْلِ الْمَرْأَةِ الطَّوِيلِ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي وَأَمْشِي فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ، فَقَالَ: يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ (3)، وَهَذَا لَمَّا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مَأْمُورَةٌ بِإِطَالَةِ النَّيْلِ جَعَلَ الشَّارِعُ مَا بَعْدَهُ مُطَهِّرًا لَهُ كَمَا قَدَّمْنَا فِي الْحَدِيثِ، وَهَذَا - عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فِيمَا وَجَدْتُ - إِذَا كَانَ الذَّيْلُ جَافًا، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَنْتُرُهُ لِجَفَافِهِ، وَإِنْ كَانَ رَطْبًا فَلَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ، فَوَرَدَتِ السُّنَّةُ بِالْمَسْحِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ، فَأَجَازَهُ قَوْمٌ فِي أَيِّ مَحَلَّ حَلَّتْهُ النَّجَاسَةُ إِذَا ذَهَبَتْ عَيْنُهَا، وَقَوْمٌ قَصَرُوهُ عَلَى الْوَارِدِ الْمُتَفَقِ عَلَيْهِ فِي السُّنَّةِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُمْ أَجَازُوهُ فِي كُلِّ جِسْمِ أَمْلَسٍ مِنَ الْحَدِيدِ وَالْحِجَارَةِ وَأَمْثَالِهَا، وَلَمْ يُجِيزُوهُ فِي الشَّيَابِ وَمَحَلَّ الشَّعْرِ مِنَ
(1) [وهو الشيء الثاني من الأشياء التي تزال بها النجاسة].
(2) [رواه أبو داود، كتاب الطهارة، ر 328]. (3) [رواه الربيع، باب جامع النجاسات، ر 150]. فَأَمُّ سَلَمَةَ سَأَلَتْ لِلْمَرْأَةِ لَا لِنَفْسِهَا، وَلَعَلَّ كَلِمَةَ امْرَأَةَ سَقَطَتْ مِنَ النَّاسِخ، وَأَمُّ سَلَمَةَ هِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ هِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ، كَانَتْ تَحْتَ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأَسَدِ، وَهَاجَرَتْ مَعَ زَوْجِهَا إِلَى الْحَبَشَةِ، وَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي الْمَدِينَةِ بَعْدَ عَوْدَتِهِمَا مِنَ الْحَبَشَةِ، وَتَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَدِينَةِ سَنَةَ أَرْبَعَ مِنَ الْهَجْرَةِ، كَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةٍ هَاجَرَتْ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَأَوَّلَ ظَعِينَةٍ دَخَلَتِ الْمَدِينَةَ، وَآخَرَ أُمَّهَاتِ الْمُسْلِمِينَ مَوْتَا، كَانَتْ وَفَاتُهَا سَنَةَ 57 ه وَقِيلَ: اثْنَيْنِ وستينَ، وَدُفنَتْ بِالْبَقِيعِ وَعُمْرُهَا أَرْبَعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةٌ، وَكَانَتْ لَهَا بِنْتُ هِيَ زَيْنَبُ بِئْتُ سَلَمَةً رَبِيبَةُ رَسُولِ اللَّهِ، إِذَا دَخَلَ يَغْتَسِلُ تَقُولُ لِي أَمِّي: ادْخُلِي عَلَيْهِ، فَإِذَا دَخَلْتُ نَضَحَ فِي وَجْهِي مِنَ الْمَاءِ وَيَقُولُ: ارْجِعِي. قَالَتْ أُمُّ عَطَافٍ بِنْتُ خَالِدٍ رَاوِيَةُ الْحَدِيثِ: فَرَأَيْتُ زَيْنَبَ وَهِيَ عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ ا نَقَصَ مِنْ وَجْهِهَا شَيْءٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: لَمْ يَزَلْ مَاءُ الشَّبَابِ فِي وَجْهِهَا حَتَّى كَبَرَتْ وَعَمَّرَتْ. اهـ
مصححه. (1/223)
صفحة 224
الأَبْدَانِ وَالْفُرُوجِ وَشُقُوقِ الأَرْجُلِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْعَرِي مِنَ النَّجَسِ غَالِبًا إِذَا وَقَعَ فِيهِ، وَقَدْ أَجَازُوهُ فِي ضَرْعِ الشَّاةِ إِذَا بَالَتْ عَلَيْهِ فَتَمَرَّغَتْ فِي التُّرَابِ، أَوْ كَانَ عَلَى ظَهْرِهَا، أَوْ عَلَى مِنْقَارِ الدَّجَاجَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ إِذَا زَالَ أَثَرُهُ، فَحَكَمُوا بِطَهَارَتِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالُوا: إِذَا نَجِسَتْ يَدُ الرَّجُلِ فَطَلَعَ بِهَا نَخْلَةٌ، أَوْ حَفَرَ بِهَا، أَوْ بَنَى بِهَا، أَوِ احْتَطَبَ، أَوْ عَمِلَ عَمَلا يُؤَثْرُ فِي إِزَالَتِهَا مِنَ الْيَدِ فَقَدْ طَهُرَتْ، وَكَذَلِكَ غَيْرُ الْيَدِ مِنَ الْحَدِيدِ إِذَا قُطِعَ بِهِ أَوْ حُلِقَ، أَوْ نَجِسَتِ الرَّحَى فَطْحِنَ بِهَا، أَوْ حَجَرٌ فَدُقَ بِهِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ حُكِمَ بِطَهَارَتِهِ، وَهَذَا إِذَا مُسِحَ مَوْضِعُ النَّجَسِ سَبْعَ مَرَّاتٍ بِسَبْعَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ، وَقِيلَ: يُجْزِيهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا النَّضْحُ): فَقَدْ وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِهِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا الْحَصِيرُ فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ حِينَ أَكَلَ النَّبِيُّ طَعَامًا عِنْدَ (2) جَدَّتِهِ، قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ فَنَضَحْتُهُ بِالْمَاءِ (3)، وَلَمْ أَرَ أَصْحَابُنَا يَعْتَبِرُونَهُ إِلَّا فِي الْحَصِيرِ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُغسلُوا عَلَيْهَا الْمَيِّتَ فَإِنَّهُم قَالُوا: تُنْضَحُ بِالْمَاءِ لِئَلَا يَسْبِقَ إِلَيْهَا النَّجَسُ. والثاني: فِي بَوْلِ الرَّضِيع فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ يُؤْتَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالصَّبْيَانِ فَيُحَنَكُهُمْ، فَأُوتِي بِصَبِيٌّ لَمْ يَأْكُل الطَّعَامَ، فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ (4)، وَلَمْ يَعْتَبِرُهُ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا
(1) [وهو الشيء الثالث من الأشياء التي تزال بها النجاسة].
(1) اسمها مليكة.
(3) [رواه الربيع، باب الإمامة في النوافل، ر 202].) [سبق تخريجه]. (1/224)
صفحة 225
الْحَدِيثِ (1)، وَقَدْ وَجَدْتُ أَنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَهُ فِي أَبْوَالِ الْمَأْكُولَاتِ إِذَا بَالَتْ عَلَى غَرَائِرِ الطَّعَامِ أَنَّهُمْ قَالُوا: يُصَبُّ عَلَى الْبَوْلِ الْمَاءُ فَتُكفَأُ الْعِرَارَةُ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ.
الثَّالِثُ: فِي الْمَذِي يُصِيبُ الذَّكَرَ، فَأَمَرَ أَنْ يُنْضَحَ الذَّكَرُ بِالْمَاءِ، وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ عَلِيٌّ حِينَ سَأَلَ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدَ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ عَنْ رَجُل دَنَا مِنَ امْرَأَتِهِ فَخَرَجَ مِنْهُ مَذْيِّ، فَقَالَ: "إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَنْضَحْ ذَكَرَهُ (3). وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْغُسْلُ طَهَارَةُ مَا تَيَقَّنَ نَجَاسَتَهُ، وَالنَّضْحُ مَا كَانَ مَشْكُوكًا فِيهَ، وَقَوْمٌ فَرَّقُوا بَيْنَ بَوْلِ الْغُلَامِ وَبَوْلِ الْجَارِيَةِ، فَقَالُوا: يُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلَامِ، وَيُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ).
بِالْمَاءِ
وَأَمَّا الْوَطْءُ): فَقَدْ وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ كَمَا قَدَّمْنَا فِي النَّعْلَيْنِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ
النبي أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا وَطِئَ الأَذَى أَحَدُكُمْ بِخُفَّيْهِ فَطُهْرُهُمَا التُّرَابُ (6)،
6
فَقَالَ أَصْحَابُنَا إِذَا وَطِئَ الرَّجُلُ بِنَعْلَيْهِ أَوْ خُفَّيْهِ نَجَسًا فَإِنَّ طَهَارَتَهُمَا أَنْ يَمْشِي بِهِمَا حَتَّى يَزُولَ الأَثَرُ، وَقِيلَ: سَبْعَ خُطُوَاتٍ، وَهَذَا إِذَا ذَهَبَ أَثَرُهُ، وَهَكَذَا إِذَا لَمْ تَلْتَصِقِ النَّجَاسَةُ بِهِ، وَأَمَّا إِذَا الْتَصَقَتْ فَلَا بُدَّ مِنَ الْمَاءِ، وَأَمَّا الرّجُلُ إِذَا تَنَجَّسَتْ فَلَا يُنَفِّيهَا الْمَشْيُ، وَقِيلَ فِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا
(لَمْ يَعْتَبِرُوا النَّضْحَ مُطَهَّرًا لِمَا تَيَقَّنَتْ نَجَاسَتُهُ، فَيَكُونُ النَّضْحُ فِي الْحَدِيثِ كَمَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ لِتَلْبِينِ الْحَصِيرِ أو لتنظيفه أو لتطهيره [فتح الباري، 490/ 1]، أي: مِنْ نَجَاسَةٍ غَيْرِ مُنيَقْنَةٍ، وَهُوَ بَعِيدٌ فالأَصْلُ الطَّهَارَةُ. قَالَ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ الْغُسْلُ طَهَارَةُ مَا تَبَكَّنَ نَجَاسَتَهُ، وَالنَّفْحُ مَا كَانَ مَشْكُوكًا فِيهِ، وَيَرُدُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ النَّضْحُ فِى الْمَذِيِّ، وَهُوَ مَا تَيَقَّنَ نَجَاسَتَهُ. اهـ.
(2) [الغرَارَة: وعاء أو جراب لحفظ الأشياء].
) [سبق تخريجه].
) لقوله: "بَوْلُ الْغُلامِ يُنْضَحُ عَلَيْهِ، وَبَوْلُ الْجَارِيَةِ يُغْسَلُ". [رواه ابن ماجه، باب ما جاء في بول
الصبي الذي لم يطعم، ر 527].
(5) (وهو الشيء الرابع من الأشياء التي تزال بها النجاسة].
تَقَدَّمَ قَرِيبًا. (1/225)
صفحة 226
takatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakataka
قواعد الإ شِفَاقٌ.
وَأَمَّا النَّارُ: فَإِنَّهَا تُزِيلُ النَّجَسَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مِنَ الْأَرْضِ وَمَا كَانَ مَعْمُولًاً مِنْ أَجْزَائِهَا مِنْ أَوَانِي الطِّينِ وَالْحَدِيدِ وَأَمْثَالِهَا؛ لأَنَّ النَّارَ تَأْكُلُ النَّجَسَ إِذَا أُلْقِيَ فِيهَا، وَقَالُوا: التَّنُّورُ وَالْفُرْنُ يُطَهِّرَانِ مَبْلَغَ حَرَارَتِهِمَا (2)، وَتُطَهِّرُ الْحَدِيدَ
6
وَغَيْرَهُ إِذَا حُمِّي فِيهَا، وَكَذَلِكَ أَوَانِي الطِّينِ إِذَا سَبَقَ إِلَيْهَا النَّجَسُ أَنَّهَا تُحْمَى فِي النَّارِ، وَالْمَوْضِعُ الْمَنْجُوسُ مِنَ الأَرْضِ إِذَا أُوقِدَ عَلَيْهِ النَّارُ مِقْدَارَ مَا لاَ تَحْتَمِلُهُ الْيَدُ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الزَّمَانُ (3): فَإِنَّهُ يُنَفِّي النَّجَسَ مِنَ الْأَرْضِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ أَجْزَائِهَا دُونَ الْمَعْمُولِ مِنْ نَبَاتِهَا، عَلَى قَدْرِ اخْتِلافِهِمْ فِي تَحْدِيدِ ذَلِكَ فِي الصَّيْفِ وَالشَّتَاءِ، وَخَارِجِ الْبُيُوتِ وَدَاخِلِهَا، وَكَذَلِكَ النَّبَاتُ وَالثَّمَارُ الْمُتَّصِلَةُ بِالْأَرْضِ دُونَ الْبَائِنَةِ عَنْهَا يُنَفِّيهَا الزَّمَانُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي البائنة، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَرُوِيَ عَنْ عَمْرُوسِ بْنِ فَتح أَنَّهُ أَمَرَ! ه أَنَّهُ أَمَرَ بِتِينٍ بَالَ عَلَيْهَا الْجِدْيَانُ أَنْ يُنْشَرَ لِلشَّمْسِ، لِلشَّمْسِ، وَكَذَلِكَ قِيلَ فِي جَوَابَاتِ الإِمَامِ أَبِي سَهْلِ (5) أَنَّهُ رَخَّصَ فِي ثِمَارِ
(4)
(1) [وهو الشيء الخامس من الأشياء التي تزال بها النجاسة].
(2) لَعَلَّ الصَّوَابَ: بِمَبْلَغ حَرَارَتِهَا. (3) [وهو الشيء السادس من الأشياء التي تزال بها النجاسة]. (4) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ. (5) أَبُو سَهْلِ الْبِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ التندميرَتِيُّ اللالوتِيُّ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ بِجَبَلِ نَفُوسَةَ، تَلَقَّى الْعِلْمَ عَنْ عَنْ أَبِي يَحْيَى يُوسُفَ بْنِ زَيْدِ الدَّرْفِي حَاكِمِ جَادُو، وَعَنِ الشَّيْخ أبي نَصْرِ زارِ بْنِ يُوسُفَ النفسي الَّذِي تَخَرَّجَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ فَطَاحِلُ، كَالْعَلَامَةِ أَبِي يُوسُفَ وَجَدَلِيشَ بْنِ فِي وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ أَبُو سَهْلٍ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَدَّوْا رِسَالَةَ الْعِلْم عَلَى خَيْرٍ مَا تُؤدَّى رِسَالَةٌ سَامِيَةٌ، وَمِمَّنْ جَازَتْ عَلَيْهِ نِسْبَةُ الدِّينِ، وَمِمَّنْ لَهُ الْيَدُ الطُّولَى فِي نَشْرِ الْعِلْمِ وَإِشَاعَةِ الرُّوحِ الدِّينِيَّةِ بَيْنَ الطَّلَبَةِ وَالْجَمَاهِيرِ،
وَجَازَاهُ عَنِ الإِسْلَامِ خَيْرًا. اهـ.
تو الله (1/226)
صفحة 227
واعد ا
نَخِيلٍ أَصَابَهَا رَوْثُ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ أَنْ تُنْشَرَ وَتَوْكَلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
الأديمِ
وَأَمَّا الدِّبَاغُ (2): فَإِنَّمَا هُوَ طَهَارَةُ الأَدِيمِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "دِبَاغُ طَهَارَتُهُ (3)، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ أَيْضًا، فَمَنَعَ الانْتِفَاعَ بِهَا قَوْمٌ عَلَى كُلّ حَالٍ، وَأَجَازَ آخَرُونَ الانْتِفَاعَ بِهَا بَعْدَ الدِّبَاغِ، لِقَوْلِهِ: "أَيُّمَا إِهَابٍ دبعَ فَقَدْ طَهُرَ (4) وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا، فَدِبَاغُ أَدِيمِ الْمَيْتَةِ طَهَارَتُهُ كَمَا أَنَّ طَهَارَةَ أَدِيمِ الْمُذَكَّاةِ ذَكَاتُهُ.
وَكَيْفِيَّةُ الدِّبَاعَ: نَزْعُ الْفَضَلاَتِ بِالأَشْيَاءِ الْمُعْتَادَةِ عِنْدَ النَّاسِ، كَقِشْرِ الشَّجَرِ مِنَ الطَّرْفَاءِ وَالْجَوْزِ وَالرَّتَمِ () وَأَشْبَاهِهَا، وَيَكُونُ الدِّبَاغُ بِالثَّمَارِ أَيْضًا كَالتِّينِ وَالتَّمْرِ وَالزَّيْتُونِ وَغَيْرِهَا مِنْ ثِمَارِ الشَّجَرِ الْبَرِّيِّ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمِلْحِ وَالشَّمْسِ وَالتُّرَابِ وَأَشْبَاءِ ذَلِكَ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: الشَّمْسُ وَالْمِلْحُ دِبَاغ (7).
وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي قُرُونِ الْمَيْتَةِ وَعِظَامِهَا وَأَظْلَافِهَا، هَلْ يُؤَكِّرُ فِيهَا الدِّبَاغُ؟ فَقِيلَ: تَطْهُرُ بِالدِّبَاعَ، وَقِيلَ: لا يُؤَكِّرُ فِيهَا، وَاخْتُلِفَ فِي صُوفِ الْمَيْتَةِ وَشَعْرِهَا، فَقِيلَ: لا يُؤَثْرُ فِيهَا الدَّبَاغُ إِلا إِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةٌ بِالْجِلْدِ غَيْرَ بَائِنَةٍ، وَقِيلَ: يُؤَثْرُ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ بَائِنَةٌ عَنِ الْجِلْدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) [انظر جوابات أبي سهل، ص 62، 63].
(2) [وهو الشيء السابع من الأشياء التي تزال بها النجاسة].) [رواه الطبراني: المعجم الصغير، ر 523].) [رواه الربيع، باب أدب الطعام والشراب، ر 389].
) [رواه الربيع، باب أدب الطعام والشراب، (389، ومسلم، كتاب الزكاة، ر 1397].
(6) [الرَّتَمُ: ضرب من الشجر، مفرده رتمة]. (7) [لم أجد من خرجه، وروي في الملح عن عائشة قالت: "استمتعوا بجلود الميتة إذا هي دبغت ترابا ترابا أو رمادا أو ملحا أو ما كان بعد أن يزيد صلاحه"، باب وقوع الدباغ بالقرظ أو ما يقوم مقامه،
[67) (1/227)
صفحة 228
د الإسلام
ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي بَيْعِ الْمَدْبُوعَ مِنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ وَالصَّلَاةِ بِهَا، فَقِيلَ: إِنَّهُ جائز؛ لأنَّهُ طَاهِرُ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ جَمِيعًا، وَقِيلَ: طَهَارَتُهُ مَخصُوصَةٌ بِالاسْتِعْمَالِ فِي الْيَابِسَاتِ وَفِي الْمَاءِ وَحْدَهُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ. وَأَمَّا التريب (1): فَهُوَ طَهَارَةُ صُوفِ الْمَيْتَةِ وَوَبَرِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: تُتَرَّبُ بِمَا لَا يَلْتَزِقُ بِهَا كَالتُّرْبَةِ الْبَيْضَاءِ وَالْجِبْسِ وَالرَّمْلِ وَنَحْوِهَا سَبْعَ مَرَّاتٍ بِسَبْعَةِ أَعْوَادٍ فِي سَبْعَةِ أَمْكِنَةٍ، وَقِيلَ: يَكْفِي فِيهَا ثَلاثُ مَرَّاتٍ بِثَلَاثَةِ أَعْوَادٍ فِي ثَلَاثَةِ أَمْكِنَةٍ، وَأَمَّا مَا يَلْتَزِقُ بِهَا كَالثَّرَى وَتُرَابِ السَّبَاحَ وَالرَّمَادِ وَمَدْقُوقِ النَّبَاتِ فَلا يُطَهِّرُهَا، وَكَذَلِكَ الْغَسْلُ بِالْمَاءِ لا يُطَهِّرُهَا إِلَّا إِنِ اخْتَلَطَ مَعَ التُّرَابِ أَوِ التُّرْبَةِ الْبَيْضَاءِ، وَاللهُ أَعْلَمُ (3)، وَإِنْ وُجِدَ فِيهَا جِلْدُ الْمَيْتَةِ مُلْتَزِقًا بِهَا فَلَا يُنَفِّيهَا التَّتْرِيبُ وَلا الْغَسْلُ حَتَّى يُنْزَعَ عَنْهَا، وَإِنْ عُمِلَ مِنْهَا الشَّيَابُ قَبْلَ التَّثْرِيبِ فَإِنَّهَا تُغْسَلُ بِالْمَاءِ مَعَ التُّرْبَةِ الْبَيْضَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الرِّيحُ وَالشَّمْسُ وَالْمَطَرُ (3): فَإِنَّهَا طَهَارَةٌ لِلْأَرْضِ وَجَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَنَبَاتِهَا الْمُتَّصِلِ بِهَا وَمَا يَخْرُجُ مِنْ مَعَادِنِهَا، وَاخْتُلِفَ فِي الثَّمَارِ الْبَائِنَةِ عَنْهَا، وَفِي الْمَعْمُولِ مِنْ نَبَاتِهَا، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي تَطْهُرُ فِيهَا بِالشَّمْسِ وَالرِّيحِ، فَقِيلَ: سَبْعَةُ أَيَّامٍ فِي الصَّيْفِ، وَأَضْعَافُ ذَلِكَ فِي الشَّتَاءِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
(1) [وهو الشيء الثامن من الأشياء التي تزال بها النجاسة]. يُشْتَرَطُ التَرِيبُ فِي صُوفِ الْمَيْتَةِ وَوَبَرِهَا وَشَعْرِهَا حِرْصًا عَلَى نَزْعِ مَا بِهَا مِنْ فَضَلَاتِ الْمَيْتَةِ وَوَدكِهَا بِأَيْسَرِ طَرِيقَةٍ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَالدِّينُ يُسْرُ، لِذَلِكَ اشْتَرَطُوا التَّرَابَ حَتَّى مَعَ الْمَاءِ الَّذِي هُوَ أَقْوَى مُطَهِّرٍ، وَإِذْ تَطَوَّرَتْ أَسَالِيبُ الْحَيَاةِ فِي عَصْرِنَا وَتَيَسَّرَ فِيهِ مَا لَمْ يَتَيَسَّرْ لِمَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَإِنْ غَسْلَهَا بِالصَّابُونِ يَكُونُ أَشَدَّ تَحْقِيقا لِلْغَرَضِ، وَلَمْ يَكُنِ التَرِيبُ تَعَبدِيًا حَتَّى لَا يُعْدَلَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلْعِلَّةِ الْمَعْقُولَةِ، وَعَلَيْهِ فَوَسِيلَةُ الصَّابُونِ أَضْمَنُ فِي إِزَالَةِ الدَّسَمِ، اللهُمَّ إِلَّا إِذَا لَمْ
ينشرِ الصَّابُونُ فَإِنَّهُ يُعْدَلُ حِينَئِذٍ إِلَى التَّرِيبِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. اهـ مُصَححه
(3) [وهو الشيء التاسع من الأشياء التي تزال بها النجاسة]. (1/228)
صفحة 229
وَإِذَا ذَهَبَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ عَنِ الْأَرْضِ بِشَمْسٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ وَطْءٍ أَوْ مُدَّةٍ - كَمَا قَدَّمْنَا - فَقَدْ طَهُرَ الْمَحَلُّ وَلَوْ بَقِي الأثرُ، وَكَذلِكَ الْأَثَرُ إِذَا بَقي فِي التَّوبِ بَعْدَ الغَسْل حَتَّى لا يَنْتَقِصَ بِهِ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ، وَكَذَلِكَ إِذَا ذَهَبَ الْأَثَرُ وَبَقِيَتِ الرَّائِحَةُ فِي الْأَرْضِ أَوِ التَّوْبِ فَلَا بَأْسَ.
وَأَمَّا مَعَاطِنُ الإِبِلِ وَأَمْثَالُهَا مِنَ الْمَزَابِلِ وَالْمَجَازِرِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَا يُنَفِّيهَا إِلَّا مَطَرُ سَنَةٍ وَرِيحُهَا، وَقِيلَ: مَعَاطِنُ الإِبِلِ الرَّمْلِيَّةُ إِذَا ذَهَبَ أَثَرُهَا بِالرِّيحِ وَالشَّمْسِ فَقَدْ طَهُرَتْ وَإِذَا كَانَ النَّجَسُ فِي مَوْضِعِ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ الشَّمْسُ وَالرِّيحُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الدَّهْرُ طَهَارَتُهُ، وَيُنَقّي الأَرْضَ وَجَمِيعَ أَجْزَائِهَا وَنَبَاتَهَا الْمُتَّصِلَ بِهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْمُولاً، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَاخْتُلِفَ فِي الدَّهْرِ فَقِيلَ: هُوَ سَنَةٌ، وَقِيلَ: سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ، وَقِيلَ: شَهْرَانِ اثْنَانِ، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الرَّشْحُ): فَهُوَ طَهَارَةُ الْقِلالِ الرَّاشِحَةِ وَمَوَاضِعِ الرِّقَاقِ الْمُبْتَلَّةِ، إِذَا بَلَغَهَا النَّجَسُ مِنْ خَارِجِهَا فَرَشَّحَتِ الْمَاءَ حَتَّى زَالَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ فَقَدْ طَهُرَتْ وَطَهُرَ جَمِيعُ مَا بَلَغَ بَلَلُهَا.
وَالْفَاكِهَةُ إِذَا غُذِّيَتْ بِالْمَاءِ الْمَنْجُوسِ، فَقِيلَ: طَهَارَتُهَا أَنْ تُسْقَى بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَكَذَلِكَ الْقِلالُ الْمَطْبُوحَةُ بِالْعَذِرَةِ قِيلَ: طَهَارَتُهَا أَنْ تُحْمَى
بِالْحَطَبِ الطَّاهِرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وَقَدْ قَالُوا أَيْضًا الْكَنْسُ طَهَارَةُ الْمَوْضِعِ الْمَنْجُوسِ إِذَا كُنسَ سَبْعًا، وَقِيلَ:
ثَلاثًا، وَهَذَا إِذَا زَالَتْ عَيْنُ النَّجَسِ.
(1) [وهو الشيء العاشر من الأشياء التي تزال بها النجاسة]. (1/229)
صفحة 230
قواعد الإسـ
وَاخْتُلِفَ فِي دُخَانِ النَّجَسِ وَجَمِيعِ مَا يَقُومُ عَنْ مَوَاضِعِهِ مِنَ الْغُبَارِ وَدُخَانِ الْحَطَبِ الْمَنْجُوسِ وَرَمَادِ النَّجَسِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَقِيلَ: مَا قَامَ مِنَ النَّجَسِ فَهُوَ نَجِسٌ عَلَى حُكْمِ الأَصْلِ، وَقِيلَ: مَا قَامَ مِنَ النَّجَسِ طَاهِرُ؛ لأَنَّ النَّجَسَ أَكَلَتْهُ
النَّارُ، وَاللهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَبِهِ الحَوْلُ والتَّوْفِيقُ. (1/230)
صفحة 231
atakatakatakatakatakatakatakatakatakatakat
قواعد الإس
الْمُقَدَّمَةُ الرَّابِعَةُ فِي الاسْتِنْجَاءِ
وَمَعْنَى الاسْتِنْجَاءِ: إِزَالَةُ النَّجَسِ، مِنَ النَّجْوِ، وَهُوَ الْحَدَثُ بِنَفْسِهِ، وَتَسْمِيَتُهُ بِذَلِكَ تَجَوزُ وَاتَّسَاعٌ، كَمَا يُسَمَّى غَائِطًا، فَالنَّجْرُ: الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، كَمَا أَنَّ الْغَائِطَ: الْمَكَانُ الْمُنْخَفِضُ، فَسَمُّوا الْمَكَانَ باشم الْحَدَثِ تَوَشُعًا وَمَجَازا (1).
وَيَتَفَرَّعُ مِنْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ فَصْلاَنِ يَشْتَمِلاَنِ عَلَى مَعَانِي الاسْتِنْجَاءِ؛ لأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا اسْتِطَابَتُهُ بِالأَحْجَارِ لإِزَالَةِ الْعَيْنِ الْمُجْتَمِعَةِ، وَالثَّانِي: الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَاءِ لَإِزَالَةِ الْعَيْنِ وَالأَثَرِ جَمِيعًا.
وَلَعَلَّ صَوَابَ الْعِبَارَةِ: فَسَمَّوُا الْحَدَثَ بِاسْمِ الْمَكَانِ (1/231)
صفحة 232
الفصل الأول
في الاسْتِجْمَارِ
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَلَكِنْ صِفَةُ الْمُسْتَجْمَرِ بِهِ ثَمَانِيَةُ أَشْيَاءَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا احْتِرَازًا مِنَ الْعَذِرَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الأَنْجَاسِ، جَامِدًا احْتِرَازًا مِنَ الْمَائِعَاتِ كَاللَّبَنِ وَالْعَسَل وَغَيْرِهِمَا، مُنْفَصِلاً عَنِ الْبَدَنِ احْتِرَازًا مِنَ الْيَدِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبَدَنِ، مُنَقِّيًا احْتِرَازًا مِنَ الزُّجَاجِ وَالْفَحْمِ وَالْحَدِيدِ الأَمْلَسِ وَنَحْوِهَا، لَيْسَ بِذِي مَطْعُومٍ احْتِرَازًا مِنَ الْحُبُوبِ وَالثَّمَارِ وَمَا قَامَ عَنْهَا مِنَ الطَّعَامِ، وَمَا انْفَصَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَصَبِ الزَّرْعِ وَشَمَارِيخِ النَّخِيلِ وَنَحْوِهَا، وَلَا بِذِي حُرْمَةٍ احْتِرَازًا مِنَ الْمِلْحِ وَالطَّعَامِ وَجُدْرَانِ الْمَسَاجِدِ وَمَحَلَّ الْكِتَابَةِ مِنَ الْأَلْوَاحِ وَالْأَوْرَاقِ وَنَحْوِهَا، وَلَا مُتَعَلَّقٌ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ احْتِرَازًا مِنَ الرَّوْثِ وَالْعَظْمِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ جَمِيعِ مَا لَا يَمْلِكُهُ مِمَّا لَيْسَ النَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَلا فِيهِ سَرفُ احْتِرَازًا مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْجَوَاهِرِ
النفيسة.
وَسُنَنُ إِزَالَةِ هَذِهِ النَّجَاسَةِ مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ خَمْسٌ، إِحْدَاهَا: كَوْنُ الأَحْجَارِ وثرًا، ثَلاثًا فَمَا زَادَ كَمَا قَدَّمْنَا، وَالثَّانِيَةُ: مُبَاشَرَةُ ذَلِكَ بِالشِّمَالِ، وَالثَّالِثَةُ: اتَّقَاءُ (1/232)
صفحة 233
قواعد الإست
الاسْتِنْجَاءِ بِالْعَظْمِ وَالرَّوْثِ، وَالرَّابِعَةُ: الْبِدَايَةُ بِالْقُبُلِ قَبْلَ الدُّبُرِ، وَالْخَامِسَةُ: الاستبرَاءُ مِنَ الْبَوْلِ قَبْلَ ذَلِكَ بِالنَّتْرِ وَالسَّلْتِ كَمَا قَدَّمْنَا قَبْلَ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) [انظر: آداب قضاء حاجة الإنسان]. (1/233)
صفحة 234
الفصل الثاني
فِي كَيْفِيَّةِ الاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ
وَلا بُدَّ عِنْدَنَا فِيهِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالأَحْجَارِ، فَالْأَحْجَارُ لِتَخْفِيفِ الْعَيْنِ عَنِ الْمَوْضِعِ، ثُمَّ الْمَاءُ لِلإِنْقَاءِ وَإِزَالَةِ الأَثَرِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِيمَا وَجَدْتُ عَنْهُمْ: إِذَا لَمْ يُفضِ الْبَوْلَ عَنْ نُقْبَةِ الذَّكَرِ أَوْ رَمَى الْغَائِطَ عَنِ الدُّبُرِ رَمْيَا فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ اسْتِنْجَاءُ، قَالَ: لأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِزَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنَ النَّجَاسَةِ دُونَ مَا بَطَنَ، وَوَجَدْتُ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ أَكْثَرِ مُخَالِفِينَا، وَهَذِهِ الرُّحْصَةُ مَوْجُودَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَأَمَّا الْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْمَاءِ؛ لأَنَّ مَا قَدَّمْنَاهُ إِنَّمَا كَانَ فِي الصَّدْرِ الأَوَّلِ حِينَ قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّمَا كَانُوا يَتَبَعَرُونَ بِعرًا، وَأَنْتُمْ تَثْلِطُونَ ثَلْطًا (1).
وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَهْلِ قُبَاءَ فِي إِمْرَارِهِمُ الْمَاءَ عَلَى أَثَرِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ،
(2)
فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الأَحْجَارِ وَالْمَاءِ فِي الاسْتِنْجَاءِ أَفْضَلُ وَأَوْلَى).
(3) رَطْبًا رَقِيفًا، أَيْ: كَانُوا يَتَغَوَّطُونَ يَابِسًا كَالْبَعْرِ؛ لأَنَّهُمْ كَانُوا قَلِيلِي الْأَكْلِ وَالْمَاكِلِ، وَأَنْتُمْ تَتَلطُونَ رَقِيقًا، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى كَثْرَةِ الْمَآكِلِ وَتَنَوُّعِهَا. والأثر رواه البيهقي عن علي لا عن عائشة، باب الجمع في الاستنجاء بين المسح بالأحجار والغسل بالماء، ر 518]
(2) [كما ورد الحديث: أنَّ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) (التوبة: (108) قَالَ كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ، فَتَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآية. (رواه أبو داود، باب في الاستنجاء بالماء، (44). وفي رواية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال (1/234)
صفحة 235
وَالْمُسْتَحَبُّ فِي صِفَةِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ أَنْ يَصُبَّ الْمَاءَ عَلَى الْيَدِ قَبْلَ مُبَاشَرَتِهَا النَّجَاسَةَ وَالأَذَى فَيَغْسِلُهَا ثَلاثًا، ثُمَّ يَجْلِسُ عَلَى الْمُسْتَحَمِّ مُتَمَكِّنًا عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِ صُلْبٍ أَوْ مَكَانٍ نَجِسٍ لِئَلَّا يَتَطَايَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَسَالَةِ شَيْءٌ، ثُمَّ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى مُبْتَدِنَا بِغَسْل مَحَلَّ الْبَوْلِ أَوَّلاً، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى مَحَلَّ الْغَائِطِ، فَيُرْسِلُ الْمَاءَ وَيُوَالِي الصَّبَّ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى غَاسِلاً بِهَا الْمَحَلَّ، وَيَسْتَرْخِي قَلِيلا لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الإنْفَاءِ، وَيُجِيد الْعَرْكَ حَتَّى يُنَقَّى وَتَزُولَ اللُّزُوجَةُ، وَتَطْمَئِنَّ النَّفْسُ وَتَطِيبَ، وَيَزُولَ الشَّكُ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدِ عَدَدٍ؛ لأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ وَالْغِلْظَةِ وَالرِّقَةِ، فَإِنْ أَحْدَثَ بِالرِّيحِ مُلَاقِيًا لِلْبَلَلِ قَبْلَ جُفُوفِهِ أَمَرَّ الْمَاءَ عَلَيْهَا، وَلَا تَضُرُّهُ الرَّائِحَةُ الْبَاقِيَةُ بَعْدَ الاسْتِنْجَاءِ، ثُمَّ يَنْفَصِلُ عَنِ الْمُسْتَحَمَّ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالدُّعَاءِ إِلَيْهِ، يَقُولُ: "اللهُمَّ حَصِّنْ فَرْجِي بِالإِسْلامِ، وَطَهِّرْ قَلْبِي مِنَ النِّفَاقِ، وَجَسَدِي مِنَ النَّجَاسَاتِ، وَزَوِّجْنِي مِنَ الْحُورِ الْعِينِ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ " فَآدَابُ الاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ خَمْسٌ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْتَحَمّ، وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَبْدَأَ أَيْضًا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى قَاصِدًا مَحَلَّ الْبَوْلِ أَوَّلاً، وَالثَّالِثَةُ: صَبُّ الْمَاءِ عَلَى الْيَدِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَالرَّابِعَةُ: الاسْتِنْجَاءُ بِالشِّمَالِ، وَالْخَامِسَةُ: الدُّعَاءُ
عِنْدَ الْفَرَاغِ كَمَا قَدَّمْنَا.
(1) n-
فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الاسْتِنْجَاءِ غَسَلَ كُلَّ نَجَاسَةِ لاَقَتْ بَدَنَهُ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطِ أَوْ دَمِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لأَنَّهُ لا يَصِحُ لَهُ الْوُضُوءُ إِلَّا بَعْدَ نَزْعِ جَمِيعِ الْأَنْجَاسِ مِنْ بَدَنِهِ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَنَسِيَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ إِعَادَةُ الْوُضُوءِ بَعْدَ إِزَالَتِهَا مِنَ الْبَدَنِ؛ لَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ
لأهل قُبَاءَ: إن الله قد أَحْسَنَ الثَّنَاءَ عليكم في الطهور، فما ذاك؟ قالوا: نَجْمَعُ في الاستنجاء بين الأحجار والماء" (رواه ابن الأثير: جامع الأصول في أحاديث الرسول، ر 5132)].
(1) [رواه ابن حبان: المجروحون من المحدثين والضعاء المتروكين، 2/ 164]. (1/235)
صفحة 236
قواعد الإسـ
الْقِيَامُ إِلَى الصَّلاةِ حَتَّى يَجْتَمِعَ لَهُ اسْمَانِ طَاهِرٌ وَمُتَطَهِّرُ، فَالطَّاهِرُ مِنَ الْأَنْجَاسِ، وَالْمُتَطَهِّرُ مِنَ الأَحْدَاثِ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ. (1/236)
صفحة 237
بَابٌ في الطَّهَارَةِ الْمَشْرُوعَةِ لِلصَّلَاةِ
اعْلَمْ أَنَّ الطَّهَارَةَ الْمَشْرُوعَةَ لأَدَاءِ الصَّلاةِ تَنْقَسِمُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا: الطَّهَارَةُ مِنَ الأَنْجَاسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا الثَّانِيَةُ: طَهَارَةُ الْوُضُوءِ مِنَ الْأَحْدَاثِ، الثَّالِثَةُ: الطَّهَارَةُ بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَهِيَ بَدَلٌ مِنَ الْوُضُوءِ، الرَّابِعَةُ: الطَّهَارَةُ
مِنَ الْأَحْدَاثِ وَالْجَنَابَاتِ.
وَهَذَا الْبَابُ يَشْتَمِلُ عَلَى خَمْسَةِ فُصُولٍ:
أَحَدُهَا [الفصل الأول]: طَهَارَةُ الْوُضُوءِ مِنَ الْأَحْدَاثِ
وَهَذَا الْفَضْلُ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ، أَحَدُهُمَا: فِي كَيْفِيَّةِ الْوُضُوءِ، وَالثَّانِي: فِي نَوَاقِضِهِ.
الْقِسْمُ الأَوَّلُ
فِي الْوُضُوءِ وَكَيْفِيَّتِهِ
اعْلَمْ أَنَّ الْوُضُوءَ مِفْتَاحُ الصَّلاَةِ، وَهُوَ فَرْضٌ وَاجِبٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} (1)، وَمِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُ الرَّسُولِ: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ
(1) الْمَائِدَة: 6.
(1) (1/237)
صفحة 238
Ystakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakasalada de alet
عد الإسلام
طُهُورٍ، وَلاَ صَدَقَةٌ مِنْ خُلُولٍ (1)، وَقَوْلُهُ: "لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضًا (2)، وَأَمَّا الإِجْمَاعُ: فَلَا أَحَدَ يُخَالِفُ فِي فَرْضِهِ.
وَأَقْسَامُ الْوُضُوءِ أَرْبَعَةٌ، وَهِيَ: فَرْضُ، وَسُنَّةٌ، وَفَضِيلَةٌ، وَمُبَاحٌ.
فَفُرُوضُهُ خَمْسَةٌ، أَحَدُهَا: لأَدَاءِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ لِلْمُحْدِثِ، وَالثَّانِي: لِلْجُمُعَةِ، وَالثَّالِثُ لِصَلاَةِ الْجَنَازَةِ، وَالرَّابِعُ: لِطَوافِ الْإِفَاضَةِ، وَالْخَامِسُ: لِطَوافِ الْعُمْرَةِ.
وَسُنَتُهُ أَرْبَعُ، أَحَدُهَا: الْوُضُوءُ لِصَلَاةِ السُّنَنِ، وَالثَّانِي: لِطَوَافِ الْوَدَاعِ،
وَالثَّالِثُ: لِمَسَّ الْمُصْحَفِ وَالرَّابِعُ: لِلْجُنُبِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ.
وَفَضَائِلُهُ أَرْبَعٌ، أَحَدُهَا: الْوُضُوءُ لِلنَّوْمِ، وَالثَّانِي: لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَالثَّالِثُ: لِلدُّعَاءِ، وَالرَّابِعُ: لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ.
وَمُبَاحُهُ نَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا: لِرُكُوبِ الْبَحْرِ وَشَبَهِهِ مِنَ الْمَخَاوِفِ، وَالثَّانِي: لِيَكُونَ بِهِ عَلَى طَهَارَةٍ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةِ الصَّلَاةِ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(1) [رواه أبو داود، كتاب الطهارة، ر 54، والنسائي، كتاب الطهارة، ر 139]. (2) [رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب لا تقبل صلاة بغير طهور، ر 133]. (1/238)
صفحة 239
stalataletalate
dhjendadasaisladiskidkickatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatak
قواعد الإء
فصل في أَحْكامِ الْوُضُوء
اعْلَمْ أَنَّ الْوُضُوءَ يَنْقَسِمُ إِلَى فَرَائِضَ وَسُنَنٍ وَفَضَائِلَ.
(1)
فَفَرَائِضُهُ سِتٌ، الأُولَى: الْمَاءُ الْمُطْلَقُ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرُ أَحَدُ أَوْصَافِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَالثَّانِيَةُ: النَّيَّةُ عِنْدَ التَّلْبُسِ بِهِ مَعَ اسْتِصْحَابِ حُكْمِهَا، وَالثَّالِثَةُ: غَسْلُ الْوَجْهِ بِالاسْتِيعَابِ، وَالرَّابِعَةُ: غَسْلُ الْيَدَيْنِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ، وَالْخَامِسَةُ:
مَسْحُ الرَّأْسِ، وَالسَّادِسَةُ: غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَعَ الْكَعْبَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
نَوَى"
(3)
(2)
أَمَّا النَّةُ: فَهِيَ شَرْطٌ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مخلصين له الدِّينَ (2)، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَلِكُلِّ امْرِي مَا فَحَصَرَ الأَعْمَالَ إِلَى النِّيَّةِ، وَمَعْنَاهَا الْقَصْدُ إِلَى الْفِعْلِ بِالاعْتِقَادِ مِنَ الْقَلْبِ وَالْعَزِيمَةِ عَلَيْهِ بِالْجَوَارِح وَالنِّيَةُ مُسْتَدَامَةٌ، وَالْعَمَلُ مُنْقَطِعٌ، فَكُلُّ عَمَل خَلاَ مِنَ النِّيَّةِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَا تَنَازُعَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي وُقُوعِ الْحُكْمِ إِذَا اجْتَمَعَ الْقَوْلُ
والنية.
(1) [انظر: أحكام الماء المطلق]. (2) البينة: 5.
(3) تَقَدَّمَ. (1/239)
صفحة 240
وَكَيْفِيَّةُ اعْتِقَادِ النِّيَّةِ لِلْوُضُوءِ: أَنْ يَنْوِيَ بِهِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ، وَيَقُولَ عِنْدَ إِرَادَةِ الْوُضُوءِ: أَرْفَعُ بِوُضُوئِي هَذَا جَمِيعَ الأَحْدَاثِ، وَأَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ طَاعَةً لِلهِ
وَلِرَسُوله ".
مَسْأَلَة: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْوُضُوءِ، هَل النِّيَّةُ شَرْطُ فِي إِيقَاعِهِ؟ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: هِيَ شَرْطُ فِيهِ، وَلا يَصِحُ إِيقَاعُهُ إِلا بِهَا، وَأَجَازَ آخَرُونَ الطَّهَارَةَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ إِذَا أَنَّى بِصِيغَةِ الطَّهَارَةِ، وَأَظُنُّ أَنَّ أَصْحَابَ هَذَا الرَّأْيِ يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ الْأَمْرِ بِالنِّيَّةِ حَتَّ وَتَرْغِيبٌ فِي نَيْلِ الثَّوَابِ، كَقَوْلِهِ: لا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ (1)، وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ كَانَ مُؤَدِّيَا لِلْفَرْضِ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنْ لا يَكُونَ الإِنْسَانُ مُتَطَهِّرًا لِوُضُوءِ صَلَاةٍ أَوْ غُسْلِ جَنَابَةٍ إِلَّا بِقَصْدٍ وَنِيَّة؛ لأَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ غَيْرُ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى، وَالْعِبَادَةُ غَيْرُ الْمَعْقُولَةِ الْمَعْنَى لا
مسألة:
(2)
ؤَدَّى إِلا بِالنِّيَّةِ بِإِجْمَاعِ. وَفِي أَثَرِ أَصْحَابِنَا (3) لَوْ غَسَلَ الإِنْسَانُ بَعْضَ جَوَارِحِهِ ثُمَّ نَوَاهَا لِلْوُضُوءِ وَبَنَى عَلَى غُسْلِهِ ذَلِكَ أَنَّهُ لاَ يُجْزِيهِ؛ لأَنَّهُ قَدَّمَ عَمَلَهُ عَلَى نِيَّتِهِ، وَلَا تَجُوزُ
(1) [رواه الربيع، باب في المساجد، ر 156]. (2) إِنَّ مِنَ الْعِبَادَاتِ مَا ظَهَرَتْ مَصْلَحَتُهُ وَتَبَيِّنَتْ فَائِدَتُهُ، كَالزَّكَاةِ فَإِنَّ الْمَعْنَى فِيهَا: نَفْعُ الْفُقَرَاءِ وَمُسَاعَدَتُهُمْ. وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَإِنَّ الْمَعْنَى فِيهَا التَّظَافَةُ مِنَ الأَوْسَاحَ، وَعِدَّةِ الْحَامِل بِوَضْعَ الْحَمْلِ مَعْنَاهُ: لِتَلَا تَخْتَلَطَ الأَنْسَابُ. وَعِدَّةِ الَّتِي تَحِيضُ بِالْحَيْضِ لِيُعْلَمَ أَنَّهَا سَالِمَةٌ مِنَ الْحَمْلَ، وَنَحْوِ ذلِكَ مَتَى عُرِفَتِ الْفَائِدَةُ الَّتِي شُرعَتْ لأَجْلِهَا. وَالَّذِي لَيْسَ لَهُ مَعْنَى مَعْقُولٌ، كَالتَّيْتُم فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَنْظِيفٌ، وَإِنَّمَا هُوَ امْتِثَالُ لأَمْرِ الْمَالِكِ لَا غَيْرِ، وَكَذَلِكَ كَوْنُ الظُّهْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَالْمَغْرِبِ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ لَيْسَ فِيهِ مَعْنِّى نَعْقِلُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ امْتِثَالٌ لِلأَمْرِ، وَيُسَمَّى التَّعَبُدَ، وَهُوَ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ، وَلَمَّا كَانَ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلنَّظَافَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّعَبدِ كَانَ فِي وُجُوبِ النِّيَّةِ فِيهِ خِلافٌ، وَكَذَلِكَ عِدَّةُ الْعَجُوزِ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ لَيْسَ لَهُ مَعْنَى نَعْقِلُهُ، فَكُلُّ مَا لَا تَعْرِفُ لَهُ فَائِدَةً فَهُوَ تَعَبد. انتهى الْمُحَنِّى.
(3) [انظر أحمد الكندي: المصنف، 46/ 4، 47] (1/240)
صفحة 241
24
الطَّهَارَةُ إِلا بِتَقْدِيمِ النِّيَّةِ بِأَسْرِهَا، وَإِنْ نَوَى بِوُضُوئِهِ نَافِلَةٌ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرِيضَةَ
بوضُوئِهِ ذَلِكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
الفرض الثَّالِثُ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ: وَالْفَرْضُ فِي الْوَجْهِ اسْتِيعَابُ جَمِيعِهِ بِالْغَسْلِ، وَحَدُّ الْوَجْهِ طُولاً: مِنْ مَنَابِتِ الشَّعْرِ الْمُعْتَادِ إِلَى مُنْتَهَى الذَّقَنِ، وَعَرْضُهُ: مِنَ الأُذُنِ إِلَى الأُذُنِ، وَقِيلَ: مِنَ الْعِذَارِ إِلَى الْعِذَارِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ نَقِيُّ الْخَدِّ فكَالأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ اكْتَسَى الشَّعْرَ فَكَالثَّانِي، وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ وَالتَّنَازُعِ فِي الْمُوَاجَهَةِ؛ لأَنَّ الْوَجْهَ مَا وَاجَهَ بِهِ الإِنْسَانُ، فَإِذَا كَانَ مَوْضِعُ اللَّحْيَةِ نَقِيًّا مِنَ الشَّعْرِ وَجَبَ غَسْلُهُ بِاتِّفَاقٍ، وَإِذَا سَتَرَهُ الشَّعْرُ فَفِي إِيجَابِ غَسْلِهِ خِلَافٌ، وَأَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ ذُكِرَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرِ الله أَنَّهُ قَالَ: "كَانَ الْوَجْهُ قَبْلَ اللَّحْيَةِ (2)، كَأَنَّهُ يَرَى أَنْ يُغْسَلَ مَا تَحْتَ شَعْرِهَا، وَقَالَ آخَرُونَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ مَا تَحْتَ اللَّحْيَةِ، وَاحْتَجُوا بِأَنَّ النَّبِيِّيتَوَضَّأَ وَاحِدَةً وَاحِدَةً فَقَالَ: "هَذَا وُضُوءٌ لَا تُقْبَلُ الصَّلَاةُ إِلا بِهِ (3)، وَلَيْسَ فِي طَاقَةِ الإِنْسَانِ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى أُصُولِ شَعْرِ اللَّحْيَةِ الْكَثِيفَةِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمُتَمِّمَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُوصِلَ التُّرَابِ إِلَى أُصُولِ شَعْرِ اللحْيَةِ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ، وَاسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ تَخْلِيلَ اللّحْيَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوجِبُوهَا، فَإِنْ كَانَتِ اللَّحْيَةُ دَاخِلَةٌ فِي الْآيَةِ فَالتَّخْلِيلُ لَا يُجْزِئُ
"
;
عَنِ الْغَسْلِ، وَلَيْسَتْ فِيهِ سُنَّةٌ مُجْتَمَعُ عَلَيْهَا، فَيَثْبُتُ بِهَا الْفَرْضُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) [" والعذار من اللجام ما سال على خدّ الفرس ... وجانبا اللحية" (القاموس المحيط، باب الراء، فصل العين: العذر)]. (2) [لم أجد من خرج هذا الأثر عن عمار، وأورد نحوه الكندي في بيان الشرع (8/ 95) عن سعيد بن جبير، قال: " ما بال الرجل يغسل لحيته قبل أن تنبت، فإذا نبتت لم يغسلها"].
(3) [رواه الربيع، باب في آداب الوضوء وفرضه، ر 89].
(4) المائدة: 6. (1/241)
صفحة 242
YEY
(1)
وَمَوْضِعُ الْغَمَمِ مِنَ الْوَجْهِ أَيْضًا يَجِبُ أَيْضًا غَسْلُهُ، وَيَجِبُ أَيْضًا إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى مَنَابِتِ الشُّعُورِ الْخَفِيفَةِ الَّتِي تَظْهَرُ الْبَشَرَةُ مِنْهَا بِالتَّخْلِيلِ، كَالْحَاجِبَيْنِ وَالأَهْدَابِ وَالشَّارِبِ وَالْعِذَارَيْنِ وَغَيْرِهَا، وَلا يَجِبُ ذَلِكَ فِيهَا إِذَا كَانَتْ كَثِيفَةٌ، وَالَّذِي يَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ إِفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَى جَمِيعِ وَجْهِهِ وَغَسْلُهُ بِإِمْرَارِ الْيَدِ عَلَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ، وَيَغْسِلُ الْبَيَاضَ الَّذِي بَيْنَ الْعَارِضِ وَالْأُذُنِ، وَيَجْمَعُ لِحْيَتَهُ وَيُخَلَّلُهَا مَعَ مَا طَالَ مِنْ شَعَرِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَقِيقَةُ الْغَسْلِ: نَقُلُ الْمَاءِ إِلَى الْعُضْوِ مَعَ الدَّلْكِ، وَإِنْ غَسَلَ الْوَجْهَ وَاسْتَوْعَبَهُ وَلَمْ يُخَلَّلَ لِحْيَتَهُ فَقَدْ تَرَكَ الأَفْضَلَ؛ لأَنَّ تَخْلِيلَ اللَّحْيَةِ مَأْمُورٌ بِهِ فِي الشَّرْعِ، لِمَا رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَمَرَنِي حَبِيبي جِبْرِيلُ أَنْ أَخَلَّلَ لِحْيَتِي (2)، واللَّهُ أَعْلَمُ.
(2)
الْفَرْضُ الرَّابِعُ: غَسْلُ الْيَدَيْنِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) (3)، أي: مَعَ المَرَافِقِ، نَظِيرُهُ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ، أَيْ: مَعَ أَمْوَالِكُمْ، وَقِيلَ: (إِلَى هَهُنَا لانْتِهَاءِ الْغَايَةِ، نَظِيرُهُ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ (5)، وَالصَّحِيحُ مَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلاً؛ لأَنَّ الْمَحْدُودَاتِ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: مِنْ جِنْسِ الْمَحْدُودِ، فَحَدُّهُ دَاخِل فِيهِ، كَالَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْمَرَافِقِ وَالذَّرَاعِ؛ لأَنَّ الْمِرْفَقَ مِنْ جِنْسِ الذَّرَاعِ، وَالثَّانِي: مَحْدُودٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَحَدُّهُ لَا يَدْخُلُ فِيهِ، كَالَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي الْآيَةِ مِنْ ذِكْرِ اللَّيْلِ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ النَّهَارِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(1) هُوَ سَيَلانُ الشَّعْر حَتَّى نَضِيقَ الْجَبْهَةُ أو القفا.
(2) لم أجد من خرجه بهذا اللفظ، وروى نحوه أبو داود، كتاب الطهارة، ر 124].
(3) الْمَائِدَة: 6.
(4) النِّسَاء: 2. (5) البقرة: 187 (1/242)
صفحة 243
وَيُؤَيَّدُ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ المِرْفَقَ دَاخِل فِي الذَّرَاعِ، مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى شَرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ
الْيُسْرَى كَذَلِكَ، ثُمَّ غَسَلَ الرِّجْلَ الْيُمْنَى حَتَّى شَرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ الْيُسْرَى كَذَلِكَ،
(1)
ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّاً، وَجُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ (3).
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا قُطِعَتِ الْيَدُ عَنِ الذَّرَاعِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُتَوَفِّي غَسْلُ الْبَاقِي، وَلَوْ قُطِعَتْ مِنَ الْمِرْفَقِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْء؛ لأَنَّ الْقَطْعَ أَتَى عَلَى جَمِيعِ الذَّرَاعِ، وَالْمِرْفَقُ فِي الذَّرَاعِ إِلا أَنْ يَكُونَ بَقِيَ شَيْءٌ مِنَ الْمِرْفَقِ فِي الْعَضُدِ - وَتَعْرِفُهُ
-
الْعَرَبُ فِي كَلَامِهَا - فَإِنَّ عَلَيْهِ غَسْلَهُ.
الْفَرْضُ الْخَامِسُ: مَسْحُ الرَّأْسِ، وَقَدِ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْوُضُوءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَامْسَحُوا بِرُهُ وسِكُمْ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْقَدْرِ الْمُجْزِي مِنْهُ، فَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِيمَا وَجَدْتُ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ مَسْحُ جَمِيعِهِ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَبَعْضُ أَصْحَابِهِ، وَاعْتَلُوا بِأَنَّ الْبَاءَ فِي قَوْلِهِ بِرُؤُوسِكُمْ"
دَخَلَتْ لِلتَّوْكِيدِ لَا لِلتَّبْعِيضِ اسْتِشْهَادًا بِقَوْلِهِ: وَلَيَطَوَفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ مَسْحَ بَعْضِهِ هُوَ الْفَرْضُ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَاحْتَجُوا بِأَنَّ البَاءَ المَذْكُورَةَ إِنَّمَا دَخَلَتْ لِلتَّبْعِيضِ، لَأَنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، واعْتَلُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: تَنْتُ بِالدُّهْنِ، وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم
(1) [رواه مسلم، كتاب الطهارة، اب اسْتِحْبَابِ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ، (602]. (2) قَالَ صَاحِبُ سُبُلِ السَّلام: "وَكَلِمَةُ (إِلَى) فِي الأَصْلِ لِلانْتِهَاءِ، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى (مَعَ) ... وَبِهَذَا عَرَفْتُ أَنَّ الدَّلِيل قَدْ قَامَ عَلَى دُخُولِ الْمَرَافِقِ". [الصنعاني: سبل السلام، 42/ 1].
(3) الْمَائِدَة: 6.
(4) الحج: 29.
(5) الْمُؤْمِنُونَ: 20 (1/243)
صفحة 244
244
مَسَحَ بِبَعْضٍ رَأْسِهِ فِي الْوُضُوءِ)، وَرَوَى آخَرُونَ أَنَّهُ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ (3)، وَالنَّاصِيَةُ بَعْضُ الرَّأْسِ، وَهُوَ مُقَدَّمُهُ، وَالْعَمَلُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَقَد رُوِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّ جَابِرَ بْنَ زَيْدِ تَوَضَّأَ وَكَانَ عَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةُ، قَالَ: فَأَخَّرَ
الْكُمَّة (3) عَنْ رَأْسِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ مُقَدَّمَ رَأْسِهُ، ثُمَّ أَعَادَ الْفُلَنْسِيَةَ).
وَمَنْ مَسَحَ رَأْسَهُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِتُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَسَحَ مِنْ رَأْسِهِ أَقَلَّ مِنْ ثَلاثِ شَعَرَاتٍ فَإِنَّهُ لا يُجْزِتُهُ، وَقَدْ أَجَازَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَمْسَحَ رَأْسَهُ بِبَلَلِ لِحْيَتِهِ، وَكَرِهَ آخَرُونَ ذَلِكَ، وَذُكِرَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: لا يَكُونُ عَمَلَانِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَذُكِرَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ لَهُ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَغْسِلَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ فِي الإِناءِ، ثُمَّ يُفيضُ ذَلِكَ الْمَاءَ عَلَى جَسَدِهِ، كَأَنَّهُ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِتُهُ. وَمَنْ تَرَكَ مَسْحَ رَأْسِهِ حَتَّى صَلَّى فَعَلَيْهِ إِعَادَةُ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ نَاسِيًا كَانَ أَوْ
تَعَمِّدًا.
وَالْمُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَفِّي أَنْ يَمْسَحَ رَأْسَهُ بِجَمِيعِ كَفَّيْهِ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ إِلَى مَا تَحْوِيهِ الْجُمْجُمَةُ مِنْ خَلْفٍ أَوْ إِلَى آخِرِ مَنَابِتِ شَعْرِ الْقَفَا حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الاخْتِلَافِ، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ بَعْضِهِ أَجْزَأَهُ كَمَا قَدَّمْنَا.
وَحَدُّ الرَّأْسِ فِيمَا بَلَغَنَا: مِنْ فَوْقِ الْأُذُنَيْنِ إِلَى أَعْلَى الْجَبِينِ، وَكَانَ عُمَرُ الْهُ
لا يَرَى الْقَفَا مِنَ الرَّأْسِ فِي الْقِصَاصِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) [رواه الربيع، باب في آداب الوضوء وفرضه، ر 96]. (2) [رواه مسلم، کتاب الطهارة، باب المسح على الناصية والعمامة، ر 656].
(3) الْكُمَّةُ هِيَ الْقُلَنْسِيَةُ الْمُدَوَّرَةُ الَّتِي تُغَطِّي الرَّأْسَ.
(4) [انظر: جامع ابن جعفر، 1/ 360]، والقَلَنْسُوةُ والقُلَنسِيَة: إذا فَتحْتَ القافَ ضَمَمْت السين، وإذا ضممت القافَ كَسَرْتَ السينَ وقلبت الواو ياء ... الخ (الجوهري: الصحاح، باب السين، فصل
القاف قلس)] (1/244)
صفحة 245
datakatakatakateg
22450
الْفَرْضُ السَّادِسُ: غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَعَ الْكَعْبَيْنِ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى وُجُوبِهِ أَيْضًا، وَاخْتَلَفُوا فِي غَسْلِ الْكَعْبَيْنِ كَاخْتِلافِهِمْ فِي الْمِرْفَقَيْنِ، وَالأَدِلَّهُ فِيهِمَا وَاحِدَةٌ، وَالْكَعْبَانِ هُمَا الْعَظْمَانِ اللَّذَانِ هُمَا عِنْدَ مَقْعَدِ الشِّرَاكِ.
وَلْيَجْتَهِدْ أَيْضًا فِي غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ مَعَ الْكَعْبَيْنِ وَتَخْلِيلِ أَصَابِعِهِمَا، وَلْيُبَالِغُ فِي غَسْلِ أَخْمَصِ رِجْلَيْهِ وَعُرْقُوبَيْهِ؛ لأَنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "وَيْلٌ لِلْعَوَاقِبِ مِنَ النَّارِ، وَوَيْلٌ لِبُطُونِ الأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ)، أَرَادَ بِذَلِكَ مَنْ تَرَكَ عُرْقُوبَيْهِ وَبَاطِنَ قَدَمَيْهِ فِي الْوُضُوء.
وَقَدِ اسْتَحَبَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنْ يَتَعَاهَدَ تَقْلِيمَ أَظْفَارِ رِجْلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَسْنُونَاتُ الْوُضُوءِ ثَمَانِيَةٌ:
(2)
أَحَدُهَا: التَّسْمِيةُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ: "لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، أَرَادَ بِذَلِكَ التَّرْغِيبَ فِي نَيْلِ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَحْسَبُ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: إِذَا ذَكَرَ الْمُتَوَفِّئُ اللَّهَ وَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ وَضُوئِهِ فَقَدْ طَهُرَ
جَمِيعُ جَسَدِهِ، وَإِلا فَلَا يَطْهُرُ مِنْهُ إِلَّا مَا غَسَلَ دُونَ سَائِرِهِ، وَهَذَا قَوْلٌ يُقَالُ (3). والثَّانِيَةُ: غَسْلُ الأَيْدِي، وَاخْتُلِفَ فِي أَمْرِهِ بِغَسْلِ الْأَيْدِي، هَلْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ النَّظَافَةِ أَوْ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ؟ قَوْلاَنِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّهُ
(1) [رواه الربيع، باب آداب الوضوء وفرضه، ر 92].
(2) [رواه الربيع، باب آداب الوضوء وفرضه، ر 88]. (3) [رواه البيهقي، باب التسمية على الوضوء، ر 201: " عن ن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من توضأ وذكر اسم الله تطهر جسده كله ومن توضأ ولم يذكر اسم الله لم يتطهر إلا موضع الوضوء"].
(4) وَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا هُوَ وَجْهُ الْجَمْع بَيْنَ اشْتِرَاطِ الْغُسْل ثَلاثًا فِي قَوْلِهِ: إِذَا انْتَبَهَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ: فَلَا يُغْمِسُ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاثًا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَبْنَ بَاتَتْ يَدُهُ [سبق تخريجه]، وَبَيْنَ (1/245)
صفحة 246
تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، فَقَالَ: "هَذَا وُضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ، ثُمَّ ثَنَّى فَقَالَ: " مَنْ
ضَاعَفَ ضَاعَفَ اللهُ لَهُ" الْحَدِيث "
(1) m
الثَّالِثَةُ: المَضْمَضَةُ، وَهِيَ تَطْهِيرُ بَاطِنِ الْفَمِ، وَأَمَّا غَسْلُ مَا يَظْهَرُ مِنَ الشَّفَتَيْنِ فَوَاجِبٌ مَعَ الْوَجْهِ. وَصِفَةُ الْمَضْمَضَةِ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ بِفِيهِ فَيُخَضْخِضُهُ ثُمَّ يَمُجُهُ، لَهُ أَنْ يُدْخِلَ أُصْبُعَهُ فِي فِيهِ وَيُدَلِّكَ بِهَا أَسْنَانَهُ، وَإِنْ كَانَ يُذْمِي لِثَاتِهِ (2) وَيَنْبَغِي بِذَلِكَ فَيُجْزِتُهُ أَنْ يُخَضْخِضَ الْمَاءَ بِلِسَانِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَصِفَةُ الْمَضْمَضَةِ إِنَّمَا نُقِلَتْ مِنْ فِعْلِهِ فَشَبَتَتْ أَنَّهَا مِنْ سُنَّتِهِ (3)، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ. وَالرَّابِعَةُ: الاسْتِنْشَاقُ، وَهُوَ غَسْلُ بَاطِنِ الأَنْفِ، وَأَمَّا مَا يَبْدُو فَهُوَ مِنَ الْوَجْهِ، وَصِفَتُهُ أَنْ يَجْتَذِبَ الْمَاءَ بِخَيَاشِيمِهِ وَيَجْعَلَ إِبْهَامَهُ وَسَبَّابَتَهُ عَلَى أَنْفِهِ، ثُمَّ يَنْتُرَ بِالنَّفْسِ، وَيُبَالِغُ فِي الاسْتِنْشَاقِ مَا لَمْ يَكُنْ صَائِمًا، لِقَوْلِ النَّبِيِّ: "إِذَا تَوَضَّأْتَ فَبَالِغ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا، وَقَالَ لِلقيط بْنِ صُبْرَةَ: "إِذَا تَوَضَّأْتَ فَضَعْ فِي أَنْفِكَ مَاءً ثُمَّ اسْتَنْثِرْ بِالاسْتِنْشَاقِ)، وَيَنْبَغِي أَنْ يُدْخِلَ أُصْبُعَهُ فِي أَنْفِهِ إِلَى الْعَظْمِ الَّذِي فِيهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فَلا بَأْسَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِهِ، وَيَجُوزُ التَّمَضْمُضُ وَالاسْتِنْشَاقُ بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ، كَمَا جَاءَ فِي الحديث (6)، واخْتَارَ بعضُهُمْ أَنْ الاكْتِفَاء بِالْمَرَّةِ فِي قَوْلِهِ إِذْ تَوَضَّأَ وَاحِدَةً وَاحِدَةً: "هَذَا وُضُوءٌ لا تُقْبَلُ الصَّلاةُ إِلَّا بِهِ، قُلْنَا: وَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ الْغَسْلَ فِي الْحَدِيثِ الأَوَّلِ لِلنَّظَافَةِ وَفِي الثَّانِي لِلتَّعَبدِ. اهـ مُصَححه.
(1) [سبق تخريجه]. (2) [لثات: جمع لثة].
(3) [كما في الحديث: " ... ثم مضمض واستنشق ثلاثا. رواه أبو داود، كتاب الطهارة، ر 105]. (4) [رواه الربيع، باب في آداب الوضوء وفرضه، ر 93].
(5) [رواه الربيع (نفس الحديث السابق)].
(6) [عن جابر بن زيد قال: "بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تمضمض واستنشق من غرفة واحدة" رواه الربيع، باب في آداب الوضوء وفرضه، ر 94]. (1/246)
صفحة 247
قواعد الإس
يَتَمَضْمَضَ ثَلاثًا مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَسْتَنْشِقَ ثَلاثًا مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكِلاهُمَا
مَرْوِيٌّ فِي الْحَدِيثِ (1)، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَمَنْ تَرَكَ الْمَضْمَضَةَ وَالاسْتِنْشَاقَ حَتَّى صَلَّى، فَإِنْ كَانَ عَامِدًا فَلَا خِلَافَ فِي إِعَادَةِ الْوُضُوءِ وَالصَّلاةِ، وَإِنْ كَانَ نَاسِيّا فَفِيهِ خِلافُ، وَذُكِرَ فِي أَثَرِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَرَكَهُمَا فِي الْوُضُوءِ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا فِي الْجَنَابَةِ فَعَلَيْهِ الإِعَادَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْخَامِسَةُ: التَّخْلِيلُ لِلْحْيَةِ وَالأَصَابِع، لِقَوْلِهِ: خَلَّلُوا بَيْنَ أَصَابِعِكُمْ فِي
الْوُضُوءِ قَبْلَ أَنْ تُخَلَّلَ بِمَسَامِيرَ مِنْ نَارٍ، أَوْ قَالَ: " قَبْلَ أَنْ تُخَلَّلَهَا النَّارُ (2). وَصِفَةً تَخْلِيلِ الأَصَابِع أَنْ يَجْعَلَ بَاطِنَ كَفِّهِ الْيُسْرَى عَلَى ظَاهِرِ الْيُمْنَى،
وَبَاطِنَ الْيُمْنَى عَلَى ظَاهِرِ الْيُسْرَى، فَيُخَلَّلَهُمَا كَذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقِيلَ فِي تَخْلِيلِ الأَصَابِعِ إِنَّهُ سُنَّةٌ، وَقِيلَ: وَاجِبٌ؛ لأَنَّهَا مِنَ الْيَدِ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي إِجَالَةِ الْخَاتَمِ فِي الْيَدِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَالْأَصَحُ إِجَالَتُهُ لِيَصِلَ الْمَاءُ إِلَى
مَوْضِعِ التَّخَتُّمِ السَّادِسَةُ: مَسْحُ الأُذُنَيْنِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ مَسْحَهُمَا فَرِيضَةٌ، وَيُجَدَّدُ لَهُمَا الْمَاءُ، وَقَالَ آخَرُونَ: مَسْحُهُمَا سُنَّةٌ، وَيُمْسَحَانِ مَعَ الرَّأْسِ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ الْمَاءِ، وَالْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا هُوَ الْقَوْلُ
الآخر.
وَكَانَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ الله لا يَرَى مَسْحَ الأُذُنَيْنِ وَاجِبًا، وَذُكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: الأَذْنَانِ مِنَ الرَّأْسِ مَا أَقْبَلَ مِنْهُمَا وَمَا أَدْبَرَ، وَعَنِ الرَّبِيعِ التَه أَنَّهُ
(1) [رواه أبو داود، باب صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، ر 112]. (2) [رَوَاهُ الرَّبيع، باب في آداب الوضوء وفرضه، ر 90، والدارقطني، باب وُجُوبِ غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ
وَالْعَقِبَينِ، (326)، (1/247)
صفحة 248
قواعد الان
قَالَ: يُسْتَحَبُّ مَسْحُ بَاطِنِ الأُذُنَيْنِ مَعَ الْوَجْهِ وَظَاهِرِهِمَا مَعَ الرَّأْسِ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ لله أَنَّهُ يَسْتَحِبُّ تَجْدِيدَ الْمَاءِ لِلأُذُنَيْنِ (1).
وَكَيْفِيَّةُ مَسْجِهِمَا: أَنْ يُدْخِلَ أُصْبُعَهُ فِي صِمَاحَ أُذُنَيْهِ، وَيَمْسَحَ ظَاهِرَهُمَا
وَبَاطِنَهُمَا.
واخْتُلِفَ أَيْضًا فِي ظَاهِرِ الأُذُنَيْنِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ مَا وَقَعَتْ بِهِ الْمُوَاجَهَهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ مَا يَلِي الرَّأْسَ، وَهُوَ الأَظْهَرُ.
وَمَنْ نَسِيَ مَسْحَ الأُذُنَيْنِ حَتَّى صَلَّى، فَإِنْ كَانَ عَامِدًا أَعَادَ، وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا فَفِيهِ اخْتِلَافُ (3)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّابِعَةُ: التَّوَضُؤُ ثَلاثًا ثَلاثًا لِكُلِّ جَارِحَةٍ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حِينَ تَوَضَّأَ وَاحِدَةً وَاحِدَةً فَقَالَ: هَذَا وُضُوءٌ لا تُقْبَلُ الصَّلاةُ إِلا بِهِ". ثُمَّ ثَنَّى فَقَالَ: "مَنْ ضَاعَفَ ضَاعَفَ اللهُ لَهُ، ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا فَقَالَ: "هَذَا وُضُونِي وَوُضُوءُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي (4) وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوَاحِدَةَ كَافِيَةٌ إِذَا كَانَتْ سَابِغَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ؛ لأَنَّ الأَمْرَ بِالفِعْلِ يَقْتَضِي مَرَّةً وَاحِدَةً، أَعْنِي الأَمْرَ الْوَارِدَ فِي الْوُضُوءِ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي تَكْرَارِ مَسْحِ الرَّأْسِ، هَلْ فِيهِ فَضِيلَةٌ أَمْ لَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
الثَّامِنَةُ: تَرْتِيبُ الْوُضُوءِ، وَهُوَ أَنْ يَبْدَأَ بِغَسْل يَدَيْهِ، ثُمَّ يُمَضْمِضُ، ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ، ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ، ثُمَّ يَدَهُ الْيُمْنَى ثُمَّ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، ثُمَّ
(1) [أورد ذلك القرطبي عن ابن عمر لا عن ابن مسعود (الجامع لأحكام القرآن، 6/ 90)]. (2) [الصِّمَاخُ بكسر الصاد: خَرْق الأذن، وبالسين لغة الصحاح للجوهري: باب الخاء، فصل الصاد: صمخ)].
(3) [أشار الشيخ السالمي رحمه الله إلى أن لا إعادة على من نسي مسح أذنيه في أكثر القول عند أصحابنا (معارج الأمال، 26/ 2)]
(4) [سبق تخريجه].
(5) [ويرى أصحابنا كراهية تكرير مسح الرأس (انظر: شامل الأصل والفرع، 213/ 1 -
[(215 (1/248)
صفحة 249
الأُذُنَيْنِ، ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثُمَّ الْيُسْرَى، وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي غَسْلِ الأَعْضَاءِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ تَقْدِيمُ مَا تَأَخَّرَ ذِكْرُهُ فِي التَّلَاوَةِ، وَاعْتَلُوا بَأَنَّ الْوَاوَ لا تَقْتَضِي النَّسَقَ وَالتَّرْتِيبَ، وَإِنَّمَا تَقْتَضِي الْجَمْعَ فَقَطْ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَجُوزُ إِلا عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ فِي الآيَةِ، وَأَنَّ الْوَاوَ هَهُنَا هِيَ وَاوُ النَّسَقِ لَا وَاوُ الْجَمْعِ، وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِلسَّائِل: تَوَضَّأَ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ (2)، وَبِقَوْلِهِ عَلَى الصَّفَا: "نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ (3)، وَبِقَوْلِهِ: "هَذَا وُضُوءٌ لاَ تُقْبَلُ الصَّلاَةُ إِلا بِهِ" ذَلِكَ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ. وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِلَى جَوَازِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ مَا لَمْ يُرِدِ الْمُتَوَفِّئُ بِذَلِكَ خِلَافَ السُّنَّةِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ (5) وَأَبِي نُوحٍ) وَابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنِ
(v)
،
(4)
(1) جَرَى اصْطِلاحُ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنْ يُعَبِّرُوا فِيمَا لا يَجُوزُ فِيهِ الاخْتِلافُ بِـ "اخْتَلَفَ النَّاسُ، وَفِيمَا يَجُوزُ فِيهِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ".
(2) [رواه أبو داود، كتاب الصلاة، باب صَلاةِ مَنْ لا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، (730]. (3) [رواه الربيع، باب في الكعبة والمسجد والصفا والمروة ر 415، ومسلم، باب حجة النبي،
ر 3009].
(1) تَقَدَّم. (5) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ.
(1) هُوَ أَبُو نُوحٍ صَالِحُ الدَّهَّانُ، أَحَدُ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الأَوَّلِ، كَانَ شَدِيدَ الْوَرَعِ غَزِيرَ الْعِلْمِ مِمَّنْ أَدْرَكَ أَهْلَ الْعِلْمِ وَأَخَذَ عَنْهُمْ، أَخَذَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ أَحَدَ شُيُوحٍ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ، أَخَذَ عَنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ عَنْ جَابِرٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ يَحْتَرِمُ أَبَا عُبَيْدَةَ، وَيُفْتِي هَذَا بِمَحْضَرِهِ، وَإِنْ ظَلَّ يُنْكِرُ عَلَيْهِ تَشَدُّدَهُ كَمَا كَانَ يُنْكِرُهُ عَلَيْهِ رَفِيقُهُ حَيَّانُ الْأَعْرَجُ، كَانَ أَبُو نُوحٍ كَثِيرًا مَا يَقُولُ إِذَا بَلَغَهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ تَشْدِيدًا: "أَلَمْ أَنْهَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْفِتْيَانِ أَنْ تَسْأَلُونِي إِذَا كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ حَاضِرًا"؟ وَهَكَذَا نَجِدُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَلَقَّى عَنْ جَابِرٍ مَنْ يَمِيلُ إِلَى التَّيْسِيرِ كَأَبِي نُوحٍ وَضُمَامٍ وَحَيَّان، وَمَنْ يَجْنَحُ إِلَى التَّحَرِّي وَحَمْلِ النَّاسِ عَلَى الْأَحْوَطِ كَأَبِي عُبَيْدَةَ وَالرَّبِيعِ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَنَا هَذَا الْفَرِيقُ الْأَخِيرُ أَدْمِغَةً عَامِرَةً عُلَمَاءَ مُجْتَهِدِينَ حَمَلُوا الشَّرِيعَةَ وَأَرْسَلُوا أَنْوَارَهَا إِلَى أَبْعَادِ سَحِيقَةٍ، فَأَضَاؤُوا شَرْقًا وَغَرْبًا، رَحِمَ اللَّهُ تِلْكَ الأَوْصَالَ الطَّاهِرَةَ الَّتِي كَافَحَتِ الْجَهْلَ وَالْجَوْرَ، وَجَاهَدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ حَتَّى أَتَاهُمُ الْيَقِينُ، أَمَّا تَارِيخُ وَفَاتِهِ فَغَيْرُ مُنْضَبِطٍ كَكَثِيرٍ مِنْ زُمَلائِهِ لِقِلَّةِ اعْتِنَاءِ الْأَوَائِلِ بِالتَّفْيِيدِ وَاعْتِمَادِهِمْ عَلَى الْحِفْظِ، وَلِكُلَّ عَصْرٍ مَيْزَتُهُ. اهـ. (7) ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَحَدُ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الثَّانِي النَّحَارِيرِ الَّذِينَ تَخَرَّجُوا عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ، وَجَمَعَتْهُ وَالرَّبِيعَ حَلْقَهُ دَرْسِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَلَامِيذَ أَبِي عُبَيْدَةَ كَانُوا فَرِيقَيْنِ: فَرِيقُ الْكِبَارِ (1/249)
صفحة 250
الربيع الله قَالَ أَيْضًا: إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَكُنْ يَعْتَبِرُ عَدَدَ الْمَرَّاتِ فِي الْوُضُوءِ، وَإِنَّمَا يَعْتَبِرُ التَنظُفَ وَالإِنْفَاءَ، وَاللهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا الرَّبِيعُ لَهُ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى الْوُضُوءَ إِلَّا مُرَتَّبَا كَمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ.
وَإِنْ فَرَغَ الْمَاءُ لِلْمُتَوَفِّي قَبْلَ تَمَامِ الْوُضُوءِ فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ إِلَّا بَعْدَمَا جَفَّ، فَإِنْ كَانَ اشْتَغَلَ بِغَيْرِ طَلَبِ الْمَاءِ أَعَادَ الْوُضُوءَ مُسْتَأْنِفًا، وَإِنْ لَمْ يَتَوَانَ بَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ غَسْل أَعْضَائِهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ فَرَّقَ وُضُوءَهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنْ جَفَّ اسْتَأْنَفَ، وَالأَ بَنَى عَلَى مَا مَضَى، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا فَضَائِلُ الْوُضُوءِ فَهِيَ سِتَّةُ، أَحَدُهَا: تَرْتِيبُ الْمَسْنُونِ عَلَى الْمَفْرُوضِ، وَالثَّانِيَةُ: السَّوَاكُ قَبْلَهُ بِعُودٍ رَطْبٍ أَوْ يَابِسٍ وَالأَخْضَرُ أَحْسَنُ، مَا لَمْ يَكُنْ صَائِمًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ عُودًا اسْتَاكَ بِأَصْبُعِهِ، وَالثَّالِثَةُ: التَّوَضُّو بِاليَمِينِ النَّبِي كَانَتْ يَمِينُهُ لِوُضُوئِهِ وَطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ، وَشِمَالُهُ لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَ مِثْلَ
(1)؛ لأَنَّهُ رُوِيَ
أَنَّ
عَلَى رَأْسِهِمُ الرَّبِيعُ، وَفَرِيقُ الصَّغَارِ وَمِنْهُمُ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَبِحُكْمِ الْمُعَاصَرَةِ وَالْمُنَاقَشَةِ الْعِلْمِيَّةِ وَقَعَ بَيْنَهُمُ الْخِلافُ فِي مَسَائِلَ عِلْمِيَّةٍ، وَتِلْكَ هِيَ فَضِيَّةٌ عَالَمِيَّةٌ فِي مُخْتَلِفِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ، الصَّغَارُ بِحُكْمِ التَّفَاوُتِ الزَّمَنِيُّ يُحَاوِلُونَ التَّحَرُرَ مِنْ سَيْطَرَةِ الْكِبَارِ وَلَوْ فِي مَيْدَانِ الْعِلْمِ، وَالْكِبَارُ يَبْدُلُونَ جُهْدَهُمْ بِحُكْمِ تَنَازُعِ الْبَقَاءِ لاسْتِبْقَاءِ نُفُوذِهِمْ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى مَرْكَزِهِمْ، وَمِنْ هُنَا كَانَ الاصْطِدَامُ لا يَنْفَكَ عَادَةً بَيْنَ الطَّبَقَتينِ، وَلِذَا نَرَى الْخِلافَ يَسْتَعِرُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ بَيْنَ سَمْعِ شَيْخِهِمْ وَبَصَرِهِ، حَتَّى يُضْطَرَ الشَّيْخُ إِلَى التَّدَخُلِ حَكَمًا بَيْنَهُمَا، فَيُرَجُحُ كَفَّةَ الرَّبِيعِ، وَيُنْكِرُ عَلَى ابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَنْ مَعَهُ خِلَافَهُمْ وَيَتَهَدَّدُهُمْ بِالْهَجْرَانِ، وَلَمْ يَسَعُهُمْ إِزَاءَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَرْضَحُوا وَإِنْ عَلَى مَضَضٍ، لِذَلِكَ نَرَى هَذَا الْخِلَافَ يَنْبَعِثُ مِنْ جَدِيدٍ إِثْرَ وَفَاةِ الْإِمَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَفِي الْحَقِّ إِنَّ هَذِهِ الظَّاهِرَةُ لَا يَصِحُ أَنْ نَعْتَبَرَهَا خِلافًا، بَلْ هِيَ تَمَخْضُ فِكْرِيٌّ يُبَشِّرُ بِنَهْضَةٍ زَاهِرَةٍ؛ لأَنَّ الْآرَاءَ وَالْمَعْلُومَاتِ لَا تَسْتَكِنُ، بَلْ هِيَ كَالْبُخَارِ لا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ لَهُ مَنَفَذًا وَمُتَنَفَّسًا وَإِنْ أَحْدَثَ زَلْزَلَةٌ. وَفِي جَوَابَاتِ الإِمَامِ أَفْلَحَ: وَقَدْ سُئِلَ عَنْ أَبِي الْمُؤَرِّجِ وَابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ: وَقَعَتْ مِنْهُمْ مَسَائِلُ مَعْرُوفَةٌ، فَلَمْ يُؤْخَذْ بِقَوْلِهِمْ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ، وَأَمَّا غَيْرُهَا مِمَّا فِيهِ اخْتِلَافُ مِنْ رَأَي أَصْحَابِ النَّبِيِّ الله وَاخْتِلافُ فُقَهَاتِنَا، فَلا يَدْفَعُ إِسْنَادَهُمْ وَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلخ. اهـ
مُصَححه.
(1) قال المحشي - تعليقا على قوله التوضو باليمين - الظاهر أنّه أراد به تناول الماء لا غسل الأعضاء، فإنّه يصدر من كلتا اليدين والغالب كونه بالشمال"]. (1/250)
صفحة 251
ذَلِكَ، وَالرَّابِعَةُ: الْمُبَالَغَةُ بِالاسْتِنْشَاقِ لِغَيْرِ الصَّائِمِ، وَالْخَامِسَةُ: الْبَدَاءَةُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ مِنْ مُقَدَّمِهِ، وَالتَّيَامُنُ فِيهِ، وَالاقْتِصَارُ فِيهِ عَلَى مَسْحَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَرَدُّ الْيَدَيْنِ فِيهِمَا، فَيَمُرُّ بِيَدَيْهِ مِنَ الْمُقَدَّمِ إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، وَالسَّادِسَةُ: التَّقْلِيلُ مِنْ صَبِّ الْمَاءِ مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ وَالدُّعَاءِ، وَقَدِ اسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ غَسْل الرّجُلِ الْيُمْنَى: "اللهُمَّ اجْعَلْ سَعْيِي سَعْيًا مَشْكُورًا، وَذَنْبِي ذَنْبًا مَغْفُورًا، وَعَمَلِي عَمَلاً مَبْرُورًا مَقْبُولاً (2)، وَذُكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَالَ حِينَ يَفْرُغُ مِنْ وُضُوئِهِ: سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، خُتِمَ عَلَيْهَا بِخَاتَمٍ، ثُمَّ تُوضَعُ (3) تَحْتَ الْعَرْشِ فَلَا تُكْسَرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ).
(4)
ومَكْرُوهَاتُ الْوُضُوءِ عَشَرَةٌ، وَهِيَ: الإِكْثَارُ مِنْ صَبِّ الْمَاءِ فِيهِ، وَالزِّيَادَةُ عَنْ مَغْسُولِهِ فَوْقَ الثَّلَاثَةِ) وَعَلَى الْوَاحِدَةِ فِي مَمْسُوحِهِ، وَالْوُضُوءُ فِي مَوْضِعِ الْخَلاءِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالاقْتِصَارُ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ لِغَيْرِ الْعَالِمِ، وَالْوُضُوءُ مِنَ الْمَاءِ الْمُشْمس؛ لأَنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ، وَوَجَدْتُ ذَلِكَ عَنِ النبي، وَالْوُضُوءُ مِنْ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَقَدْ قِيلَ فِي هَذَا: إِنَّهُ حَرَامٌ،
6
(1)
(1) [رواه أبو داود، كتاب الطهارة، ر 31].
(2) لَيْتَ شِعْرِي مَا الدَّاعِي إِلَى تَخْصِيصِ الرَّجُلِ الْيُمْنَى بِالدُّعَاءِ؟! أَلَيْسَ الدُّعَاءُ مُسْتَحَباً فِي كُلِّ
الأعضاء؟!
(3) [فِي نُسْخَةٍ ثُمَّ تُرْفَعُ، ولم يرد ذكرهما في الأحاديث].
(4) [رَوَاهُ النَّسَائِي: السنن الكبرى، ما يقول إذا فرغ من وضوءه، ر 9909]. (5) رُبَّمَا كَانَتْ مُحَرَّمَةٌ لَا مَكْرُوهَةٌ فَقَطْ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ عَنِ الْوُضُوءِ، فَأَرَاهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالُ: "هَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ". [رواه النسائي السنن الكبرى، الاعتداء في الوضوء، ر 89] (1) [رواه البيهقي، باب كراهية التطهير بالماء المشمس، ر 15، بلفظ: "عن عائشة رضي الله عنها قالت: أسخنت ماء في الشمس فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تفعلي يا حميراء فإنه يورث البرص"، وفي رواية: "لا تَغْسِلُوا بِالْمَاءِ الَّذِي يُسَخَّنُ فِي الشَّمْسِ فَإِنَّهُ يَعْدِي مِنَ الْبَرَضِ" رواه (1/251)
صفحة 252
قواعد الإس
وَالتَّوَضُو عُرْيَانًا وَلَوْ كَانَ فِي ظُلْمَةٍ أَوْ خَلْوَةٍ، وَالتَّوَضُّرُّ مِنَ الْمَاءِ الْمُضَافِ الَّذِي
لَمْ يَتَغَيَّرُ أَحَدُ أَوْصَافِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَسْحُ الْوُضُوءِ بِالْمِنْدِيلِ مَكْرُوهُ أَيْضًا"، لأَنَّهُ تُكْتَبُ لَهُ الْحَسَنَاتُ مَا دَامَ عَلَى
أَعْضَائِهِ بَلَلْ وَلَمْ يَجِفَّ (1)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ: فَذَهَبَ أَكْثَرُ فُقَهَاءِ مُخَالِفِينَا إِلَى إِجَازَتِهِ بِإِطلاقِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فِي السَّفَرِ
وَالْحَضَرِ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى إِجَازَتِهِ فِي السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ.
وَأَجْمَعَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللهُ فِيمَا عَلِمْتُ عَلَى مَنْعِهِ فِي الْحَالَتَيْنِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ سَلَفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَبِلالٍ، وَعَائِشَةَ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ، وَيَذْهَبُ إِلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ، وَكَانَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ الله يَقُولُ: كَيْفَ يُمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَاللهُ تَعَالَى يُخَاطِبُنَا بِنَفْسِ الْوُضُوءِ (3)، وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: وَاللَّهِ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خُفَّانِ قَطُّ، وَلَا مَسَحَ عَلَيْهِمَا، وَلَوَدِدْتُ
(2)
العقيلي في الضعفاء، ر 696. وورد بطرق أخرى أغلبها مقدوح في إسنادها (انظر: نصب الراية للزيلعي، 101/ 1، وتلخيص الحبير لابن حجر، 20/ 1، 22)]. (1) بَلْ يُبَاحُ لِلْمُتَوَفِّيِّ أَنْ يُنَشِّفَ أَعْضَاءَهُ بِمِنْدِيلِ أَوْ نَحْوِهِ صَيْفًا أَوْ شِتَاءُ، لِنُبُوتِ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ. رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ مُتَّخِذَا مِنْدِيلاً يَمْسَحُ بِهِ بَعْدَ الْوُضُوءِ، وَكَانَ بَعْضُ نِسَائِهِ يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ وَيُجَفِّفُ بِهِ. [رواه الربيع، باب في فضل الوضوء، ر 95] اهـ
مُصَححه
(2) [وهي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) المائدة: 6].
(3) [رواه الربيع، باب المسح على الخفين، ر 123]. (1/252)
صفحة 253
أَنَّ رِجْلِي قُطِعَتْ يَوْمَ أَمْسَحُ عَلَى الخُفَّيْنِ وَالأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمُتَوَفِّيَ إِذَا أَحْدَثَ يَتَوَضَّأُ وَيَنْزِعُ خُفَّيْهِ وَيَغْسِلُ قَدَمَيْهِ، مُقِيمًا كَانَ أَوْ مُسَافِرًا، وَأَنَّ طَهَارَةَ الْقَدَمَيْنِ هِيَ الْغَسْلُ، خِلافًا لِمَنْ قَالَ: طَهَارَتُهُمَا الْمَسْحُ، وَاسْتَدَلَّ بِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ وَأَرْجُلِكُمْ بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
(1) [نفسه، ر 122].
(2) خُلاصَةُ الْقَوْلِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ: يَرَى الْمُصَنِّفُ إِجْمَاعَ أَصْحَابِنَا عَلَى مَنْعِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَأَنَّ الأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الْمَسْحِ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى النَّشْخِ قَوْلُ الْإِمَامِ عَلِي: سَبَقَ الْكِتَابُ الْخُفَّيْنِ" [وراه ابن أبي شيبة في المسح على الخفين كيف هو، (1958]، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: "مَا مَسَحَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ الْمَائِدَةِ" [رواه أحمد، ر 2977، والطبراني في الكبير، (12287]، لَكِنَّ الْقَائِلِينَ بِالْمَسْحِ يُجِيبُونَ: 1 - أَنَّ آيَةَ الْوُضُوءِ نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ، وَمَسْحُهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَتَوَضَّأَ فَأَهْوَيْتُ لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: "دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ"، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا [رواه البخاري، باب إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان ر 203]، فَكَيْفَ يَنْسَخُ الْمُتَقَدِّمُ الْمُتَأَخَّرَ؟ 2 - أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٌّ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَكَذَا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعَ أَنَّهُ يُخَالِفُ مَا ثَبَتَ عَنْهُمَا مِنَ الْقَوْلِ بِالْمَسْحِ. 3 - وَقَدْ عَارَضَ حَدِيثُهُمْا مَا هُوَ أَصَحُ مِنْهُمَا، وَهُوَ حَدِيثُ جَرِيرِ الْبَجَلِي لِمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْمَائِدَةِ أَوْ بَعْدَهَا؟ قَالَ: "وَهَلْ أَسْلَمْتُ إِلَّا بَعْدَ الْمَائِدَةِ؟ " [رواه الترمذي، باب في المسح على الخفين، ر 94]، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. 4 - نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِي قَالَ: حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ [الأوسط، كتاب المسح على الخفين، (418] 5 - وَذَكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مِنْدَه أَسْمَاءَ مَنْ رَوَاهُ فِي تَذْكِرَتِهِ فَبَلَغُوا ثَمَانِينَ صَحَابِيًّا. 6 - وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لَيْسَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ اخْتِلافٌ؛ لأَنَّ كُلَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ إِنْكَارُهُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ إِنْبَاتُهُ [الأوسط، (437] 7 - وَالْقَوْلُ بِالْمَسْحِ قَوْلُ: الإِمَام عَلِي، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَبِلَالٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَبُرَيْدَةَ، وَخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، وَسَلَّمَانَ، وَجَرِيرٍ الْبَجَلِي، وَغَيْرِهِمْ، عَلَى أَنَّ الْقَوْلُ بِالْمَسْحِ يَتَمَشَّى وَرُوحَ التَّشْرِيع الإسْلامِي الْمَبْنِي عَلَى التَّيْسِيرِ، وَيُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ) (البقرة: 185)، وَفِي الاجْتِزَاءِ بِمَسْجِهِمَا تَيْسِيرٌ أَيُّ تَيْسِيرٍ، وَأَكْثَرُ لَابِسِي الْخُفَّيْنِ مِنَ الْمُسَافِرِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَمَنْ أَوْلَى بِالتَّيْسِيرِ مِنْ هَؤُلاءِ؟. اهـ مُصححه. (1/253)
صفحة 254
الْقِسْمُ الثَّانِي
فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ
اعْلَمْ أَنَّ الْمُتَوَفِّيَ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِصْحَابُ حَالِ الْوُضُوءِ عِنْدَ فِعْلِ الصَّلاةِ، وَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ مَا يَنْقُضُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الإِنْيَانُ بِهِ، وَإِلا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ: "لا يَقْبَلُ الله صَلاةَ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ (1).
وَالْمُوجِبُ لِلْوُضُوءِ عِنْدَ الأُمَّةِ عَشْرُ خِصَالٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَهِيَ: "الْبَوْلُ، وَالْغَائِطُ، وَالْمَنِيُّ، وَالْمَذِيِّ، وَالْوَدِيِّ، وَخُرُوجُ الرِّيحِ مِنَ الدُّبُرِ، وَغُيُوبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ، وَخُرُوجُ الدَّمِ مِنَ الْمَرْأَةِ بِحَيْضِ أَوْ نِفَاسَ، وَزَوَالُ الْعَقْلِ بِإِغْمَاءِ أَوْ جُنُونٍ أَوْ سُكْرٍ، وَذَهَابَ الْعَقْل بِالنَّوْم مُضْطَجِعًا، فَهَذَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فِيمَا وَجَدْتُ، إِلا خِلَافًا شَاذًا فِي الْمَذِيِّ وَالنَّوْمِ، وَالشَّاذُ لا يُعْتَدُّ بِهِ.
وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْوُضُوءَ يَنتَقِضُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءٍ، أَحَدُهَا: أَحْدَاتٌ تَطْرَأُ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي: أَسْبَابٌ تُؤَدِّي إِلَى نَقْضِهِ، وَالثَّالِثُ: أَفْعَالُ يَنتَقِضُ
بارتكابها.
وَمَحْصُولُ مُوجِبَاتِ الْوُضُوءِ تَنْحَصِرُ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ.
(1) تَقَدَّمَ. (1/254)
صفحة 255
قواعد الإس
[موجبات الوضوء] (1/255)
صفحة 256
2567
Yukatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakat
الف من السلام
الفصل الأول
في الأَحْدَاثِ
وَنَعْنِي بِهَا مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِنَفْسِهِ لا بِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعِ، أَحَدُهَا النَّوعَ الأَوَّلُ: كُلُّ نَجَاسَةٍ تَسِيلُ مِنَ الْجَسَدِ مِنْ أَيِّ مَوْضِعِ خَرَجَتْ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ الْقُبُلِ كَالْبَوْلِ وَالْمَنِي وَالْمَذِيِّ وَالْوَدِيِّ وَالدَّمِ، أَوْ كَانَتْ مِنَ الدُّبُرِ كَالْغَائِطِ وَالدَّمِ وَالدَّابَّةِ وَالْحَصَاةِ وَالرِّيحِ وَغَيْرِهَا، أَوْ سَالَتْ مِنَ الْأَنْفِ كَالرُّعَافِ، أَوْ مِنَ الْفَمِ كَالْقَيْءِ وَالْقَلسِ، أَوْ سُفِحَتْ مِنْ جُرْحِ أَوْ قَرْحِ كَالدَّمِ وَالصَّدِيدِ الْغَالِبِ عَلَيْهِ الدَّمُ، أَوْ مِنْ سَائِرِ الْجَسَدِ كَالْفَصدِ وَالْحِجَامَةِ، لِبُوتِ الأَحَادِيثِ فِي هَذِهِ الأَحْدَاثِ، فَصَحَ أَنَّ مَا عُلِّقَ الْحُكْمُ بِهَا فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا أَنْجَاسٌ خَارِجَةٌ مِنَ الْبَدَنِ؛ لأَنَّ الْوُضُوءَ طَهَارَةٌ، وَالطَّهَارَةُ إِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِيهَا النَّجَسُ، فَثَبَتَ أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْجَسَدِ نَقَضَ الْوُضُوءَ عَلَى أَيِّ جِهَةٍ خَرَجَ، مِنْ مَرَضِ أَوْ صِحَةٍ، وَوَافَقَ أَصْحَابَنَا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيِّ قَاءَ فَتَوَضَّأَ)، وَفِي بَعْضِ الحَدِيثِ: مَنْ قَاءَ أَوْ قَلَسَ فَلْيَتَوَضَّا (2)، وَقَدِ اسْتَحَبَّ أَبو عُبَيْدَةَ مُسْلِمٌ له التَّوَضُوَ مِنَ الْقَلَسِ إِذَا وَجَدَ الإِنْسَانُ طَعْمَهُ فِي
(1) [رواه أبو داود، كتاب الصوم، ر 2033، والترمذي، كتاب الصوم، ر 80، بلفظ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -
صلى الله عليه وسلم - قَاءَ فَأَفْطَرَ فَتَوَضَّأَ"].
(2) [رواه الربيع، باب ما يجب منه الوضوء، ر 109]. (1/256)
صفحة 257
سلام
الْحَلْقِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْفَمِ. وَالدَّمُ إِذَا سُفِحَ مِنْ أَنْفٍ أَوْ جُرْحِ وَجَبَ بِهِ الْوُضُوءُ، وَإِنْ أَخْرَجَهُ بِيَدِهِ أَوْ أَخْرَجَهُ ذُبَابٌ فَقَوْلَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
النوعُ الثَّانِي مِمَّا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ: وَهُوَ كُلُّ نَجَاسَةٍ تُلاقِي بَدَنَ الْمُتَوَفِّيِّ مِنْ غَيْرِهِ، سَوَاءٌ لَاقَتْهُ بِاخْتِيَارِهِ كَلَمْسِهِ النَّجَسَ الرَّطبَ، أَوْ مَيْتَةً رَطْبَةٌ كَانَتْ أَوْ يَابِسَةٌ، أَوْ ظَهْرَ الْكَلْبِ إِذَا كَانَ رَطْبًا، أَوْ غَسَّلَ مَيْتًا غَيْرَ مُتَوَلَّى، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أَوْ لَاقَتْهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، كَدَابَّةٍ تَبُولُ أَوْ تُذْبَحُ فَيَطِيرُ الْبَوْلُ مِنْهَا أَوِ الدَّمُ إِلَيْهِ فَيَمَسُّ جَسَدَهُ. وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ: كُلُّ نَجَاسَةٍ أَكَلَهَا عَلَى جِهَةِ الاضْطِرَارِ، كَالْمَيْنَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْمَنْجُوسِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَمَتَى اضْطُرَّ إِلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا فَأَكَلَهُ فَقَدِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لَهُ أَكْلُهُ حَالَ الضَّرُورَةِ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ).
(1) وَقِيلَ: لا يَنتَقِضُ وُضُوؤُهُ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ بِلاَلٌ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لا يُتَوَضَّأُ مِنْ طَعَامٍ أَحَلَّ اللهُ أَكْلَهُ". [رواه الربيع، باب ما يجب منه الوضوء،
ر 104]. (1/257)
صفحة 258
أنواع:
الفصل الثاني
فِي الأَسْبَابِ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى نَقْضِ الْوُضُوءِ
وَنَعْنِي بِهَا مَا لا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِنَفْسِهِ وَلَكِنْ بِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ
أحَدُهَا [النَّوعُ الأَوَّلُ]: زَوَالُ الْعَقْلِ بِإِغْمَاءِ، أَوْ جُنُونٍ، أَوْ سُكْرٍ، أَوْ مَرَضِ بر سَامٍ، أَوْ نَوْمٍ، كُلُّ ذَلِكَ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ مُطْلَقًا، إِلَّا النَّوْمَ فَفِيهِ تَفْصِيل
وَاخْتِلاف (2).
أَمَّا التَّفْصِيلُ: فَهُوَ أَنَّ النَّوْمَ لَهُ أَرْبَعُ هَيْتَاتٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ طَوِيلاً ثَقِيلاً فِي حَالِ الاضْطِجَاعِ، فَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لِثْبُوتِ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ،
(1) ["البرسام - بالكسر: علّة يُهدى فيها القاموس المحيط، باب الميم، فصل الراء: البرسام)، وفي الصحاح: "البرسام - بالكسر: علة معروفة" (الصحاح للجوهري، باب الميم، فصل الباء برسم)، وعرفه بعض الأطباء بأنّه ورم في الصدر يحدث منه اختبال في العقل، وهي لفظة فارسية، فالبر الصدر، والسام الورم]. (2) وَخُلاصَةُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ أَنَّ الرَّسُولَ حَصَرَ النَّوْمَ النَّاقِضَ لِلْوُضُوءِ فِي نَوْمِ الاضْطِجَاعِ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ سَجَدَ حَتَّى غَط، فَنَفَخَ فَقَامَ فَصَلَّى، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ نِمْتَ! فَقَالَ: "إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا". [رواه الربيع، باب في النوم الذي ينقض الوضوء، (117]. أَمَّا إِذَا كَانَ النَّائِمُ غَيْرَ مُضْطَجِعِ بِأَنْ كَانَ جَالِسًا مُمَكِّنًا مَقْعَدَتَهُ مِنَ الأَرْضِ مَثَلاً فَإِنَّ وُضُوءَهُ لا يَنتَقِضُ وَلَوْ كَانَ نَوْمُهُ ثَقِيلاً، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ حَدِيثُ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَنتَظِرُونَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ الأَخِيرَةِ حَتَّى تَخْفِقَ رُؤُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ" [رواه الربيع، باب في النوم الذي ينقض الوضوء، ر 119]. (1/258)
صفحة 259
قواعد الإسلام
والْهَيْئَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ قَصِيرًا خَفِيفًا غَيْرَ مُزِيل لِلْعَقْلِ، فَهَذَا لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ كَانَ عَلَيْهَا الْمُتَوَفِّئُ مِنْ قِيَامِ أَوْ قُعُودٍ أَوِ اضْطِجَاعِ، وَالْهَيْئَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا ثَقِيلاً، وَهُوَ التَّعَاسُ لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ يُطَاوِلُهُ وَيُعَالِجُهُ، فَفِيهِ خِلافٌ إِذَا كَانَ مُضْطَجِعًا، وَالأَصْلُ فِيهِ انْتِقَاضُ الْوُضُوءِ، وَالْهَيْئَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ ثَقِيلاً خَفِيفًا، وَهُوَ إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ النُّعَاسُ وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ إِلَّا سِنَةٌ، هَذَا مُخْتَلَفٌ
فيه.
وَاعْتَبَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هَيْئَاتِ النَّائِمِ أَيْضًا فَقَالَ: إِنْ كَانَ النَّائِمُ عَلَى هَيْئَةٍ يَنْتَهِي بِهِ الطُّولُ إِلَى خُرُوجِ الْحَدَثِ غَالِبًا كَالسَّاجِدِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، وَإِنْ كَانَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ مُحْتَبِيّا (1) فَلاَ نَقَضَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ جَالِسًا مُتَكِنَّا نَاعِسًا طَوِيلاً فَفِيهِ خِلافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَإِنْ كَانَ قَائِمًا رَاكِعًا فَفِيهِ خِلافُ أَيْضًا، وَمَقْصُودُ الْجَمِيعِ النَّظَرُ إِلَى أَغْلَبِ الْهَيْئَاتِ فِي النَّوْمِ، فَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ خُرُوجُ الْحَدَثِ وَلَمْ يَشْعُرُ بِهِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، وَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسَ لَمْ يَنتَقِضُ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ التَّوَضُو إِلا إِنِ احْتَاطَ، وَإِنْ أُشْكِلَ عَلَيْهِ الأَمْرُ فِي انْتِقَاضِ وُضُوئِهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَيَقَّنَ طَهَارَتَهُ ثُمَّ شَكٍّ فِي فَسَادِهَا بِطُرُوءِ الْحَدَثِ عَلَيْهَا.
وَأَمَّا الاخْتِلافُ: فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي النَّوْمِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ حَدَثٌ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ وَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ إِلَّا إِذَا تَيَقَّنَ بِالْحَدَثِ، وَأَظُنُّهُ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَوْ غَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (2).
(1) [احتبى الرجل: إذا جمع ظهره وساقيه بعمامته، وقد يحتبي بيديه، والاسم الحِبوة والحُبوة، يقال: حلّ حِبْوَته وحُبوته، والجمع حبى مكسور "الأول الصحاح للجوهري، باب الواو
والياء، فصل الحاء: حبا)].
(2) [رواه الطحاوي شرح معاني الآثار، 45/ 1]. (1/259)
صفحة 260
قواعد الإس
وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ فُقَهَاءِ قَوْمِنَا إِلَى التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ فِي النَّوْمِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِنَّ النَّاعِسَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَنتَقِضُ وُضُوءُهُ كَانَ قَائِمًا أَوْ سَاجِدًا أَوْ قَاعِدًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
النَّوْعُ الثَّانِي مِنَ الأَسْبَابِ: مَسُّ بَدَنِ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ فَهُوَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ تُوجِدُ اللَّذَّةَ بِمَسِّهَا، فَمَسَّهَا عَلَى غَيْرِ سَبِيلِ الْمُعَالَجَةِ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا إِذَا مَسَّهَا مُضْطَرًا أَوْ مُعَالِحًا فَلاَ، وَأَمَّا الْمُتَبَرِّجَةُ وَالْمَمْلُوكَةُ فَلَا يُنْقَضُ وُضُوءُ مَنْ مَسَّ بَدَنَهَا مَا خَلَا الْفَرْجَ، وَكَذَلِكَ ذَوَاتُ الْمَحَارِمِ عَلَى هَذَا الْحَالِ، وَأَمَّا إِذَا قَبَّلَ زَوْجَتَهُ أَوْ سُرِّيَّتَهُ فَلَا نَقْضَ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُقبلُ بَعْضَ نِسَائِهِ ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ (2).
النَّوْعُ الثَّالِثُ مَسَّ الْفَرْجِ مُبَاشِرًا بِيَدِهِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، لِحَدِيثِ النَّبِيِّ: أَيُّمَا رَجُلِ أَفْضَى بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ انْتَقَضَ وُضُوؤُهُ، وَأَيُّمَا أَمْرَأَةٍ أَفْضَتْ بِيَدِهَا إِلَى فَرْجِهَا انْتَقَضَ وُضُوؤُهَا (3)، فَذَهَبَ الْعُلَمَاءُ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِذَلِكَ لِمُرَاعَاةِ وُجُودِ اللَّذَّةِ، وَلِذَلِكَ اعْتبر بَعْضُ عُلَمَائِنَا اللَّمْسَ بِبَاطِنِ الْكَفِّ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَحْدِيدِ الْقَدْرِ النَّاقِضِ لِلْوُضُوءِ مِنَ الْعَوْرَةِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ أَوْ أُنْثَيَيْهِ أَوْ مَقْعَدَتَهُ انْتَقَضَ وُضُوؤُهُ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ مَسَّ الذَّكَرِ وَالدُّبُرِ هُوَ النَّاقِضُ دُونَ غَيْرِهِمَا، وَأَظُنُّ أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَزَعَمَ آخَرُونَ أَنَّهُ لا يَنتَقِضُ وُضُوؤُهُ إِلَّا إِنْ مَسَّ الثَّقْبَتَيْنِ فَقَطْ، وَعَلَى هَذَا اخْتِلَافِ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ، فَالشَّافِعِيُّ يَرَى مَسَّهُ نَاقِضًا لِلْوُضُوءِ عَلَى كُلِّ حَالٍ كَيْفَ (1) فِي هَذَا نَظَر، هَبِ الْمَمْلُوكَةَ مَالاً كَمَا عَلَّلَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، فَمَا هُوَ مُوجِبُ اسْتِثْنَاءِ الْمُتَبَرِّجَةِ مِنْ عُمُومِ الأَجْنَبِيَّاتِ؟! (2) عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يُقَبِّلُنِي رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ " [رواه الربيع، باب ما يجب منه الوضوء، (108].
(3) [رواه البيهقي، باب الوضوء من مس المرأة فرجها، (626]. (1/260)
صفحة 261
26
مَا مَسَّهُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرَى النَّقْضَ بِمَسِّ الذَّكَرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فَرَّقَ بَيْنَ أَحْوَالِ مَسَّهِ كَمَا قَدَّمْنَا فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا أَيْضًا فِيمَنْ مَسَّ فَرْجَهُ خَطَأَ أَوْ نِسْيَانًا، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى إِيجَابِ الْوُضُوءِ عَلَيْهِ قِيَاسًا عَلَى خُرُوجِ الرِّيحِ وَدَمِ الاسْتِحَاضَةِ، فَهُمَا يَجِبُ بِهِمَا الْوُضُوءُ، كَانَ ذَلِكَ بِاخْتِيَارٍ أَوْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ. وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا أَيْضًا إِلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَجِبُ بِمَسِّ الذَّكَرِ فِي حَالِ الصَّلَاةِ إِذَا شَكٍّ فِي الْحَدَثِ، وَاللهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا إِنْ مَسَّ الذَّكَرَ بِغَيْرِ الْيَدِ فَلَا نَقْضَ عَلَيْهِ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمُ التَّوَضُوَ مِنْهُ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ مُسْلِمًا الله كَانَ يَتَّخِذُ جَوَارِبَ يَتَّقِي بِهَا فَرْجَهُ عَنْ مَوَاضِعِ وُضُوئِهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ حَيَّانَ الْأَعْرَجَ اه (2) فَقَالَ: "قَدْ أَشْقَانَا اللهُ إِذًا فِي دِينِنَا، تَعْظِيمًا لِفِعْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ (3)، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ عَلَى مَنْ مَسَّ عَجْمَ الذَّنَبِ وُضُوءٌ، وَلَا عَلَى مَنْ مَسَّ مَوْضِعَ الاسْتِحْدَادِ وُضُوءٌ (4)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) وَحُجَّتُهُ: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِي عَنْ رَجُلٍ يَمَسُّ ذَكَرَهُ، هَلْ عَلَيْهِ الْوُضُوهُ؟ قَالَ: "وَهَلْ هُوَ إِلَّا مُضْغَةٌ مِنْكَ أَوْ بَضْعَةٌ مِنْكَ" [رواه النسائي: السنن الكبرى، الرخصة في ترك الوضوء من م
الذكر، ر 160].
مس
(2) حَيَّانُ الْأَعْرَجُ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الأَوَّلِ، وَكَانَ كَمَا قَالَ الشَّماخِيُّ مِنَ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ وَمِنْ أَهْلِ التَّقْوَى وَالدِّينِ، وَمِنْ أَكْبَرِ مَنْ صَحِبَ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ وَأَخَذَ عَنْهُ، فَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ سِنَّا، وَكَانَ دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ آمِرًا بِالْمَعْرُوفِ نَهَاءَ عَنِ الْمُنْكَرِ، مِمَّنْ يَمِيلُ فِي فَتْوَاهُ إِلَى النَّبْسِيرِ، وَيُنْكِرُ عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ تَشَدُّدَهُ، وَكَثِيرًا مَا يَقُولُ: "لَقَدْ أَشْفَانَا اللهُ فِي دِينِنَا إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ أَبُو عُبَيْدَةَ" [السير، 89/ 1]، أَمَّا تَارِيخُ وَفَاتِهِ بِالضَّبْطِ فَلَمْ أَعْتُرُ عَلَيْهِ رَغْمَ الْبَحْثِ الشَّدِيدِ، رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. اهـ مُصَححه.
(3) [انظر الكندي: المصنف، 144/ 4]. (4) [رَوَاهُ الربيع، باب ما يجب منه الوضوء، ر 112]. (1/261)
صفحة 262
قواعد الإس
الفصل الثالث
فِي الأَفْعَالِ الْمُوجِبَةِ لِلْوُضُوءِ
وَهِيَ أَرْبَعَةٌ أَيْضًا، وَهِيَ: لَمْسٌ وَقَوْلٌ وَاسْتِمَاعٌ وَنَظَرٌ.
أَمَّا اللَّمْسُ: فَكَمَا قَدَّمْنَا مِنْ مَسَّ الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ أَوْ فَرْجِ الْمُحَرَّمَةِ، أَوْ فَرْجِ نَفْسِهِ، أَوْ فَرْجِ زَوْجَتِهِ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، أَوْ مَسٌ فَرْجِ الْجَارِيَةِ الطَّفْلَةِ، أَوْ فُرُوحِ الأَنْعَامِ الرَّطْبَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي الأَطْفَالِ الصَّغَارِ، فَقِيلَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ فُرُوجُ فَتَوَضَّؤُوا مِنْهَا.
وَأَمَّا الْقَوْلُ: فَكَعِيبَةِ الْمُسْلِمِ، وَبُهْتَانِ الْبَرِيءِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ، وَالْكَذِبِ، وَالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَعْنِ الْبَهَائِمِ وَالأَطْفَالِ وَمَنْ لَا يَسْتَحِقُ اللَّعْنَةَ، وَكَالإِشْرَاكِ بِاللهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ تَسْمِيَةِ الْفُرُوجِ بِأَقْبَحَ أَسْمَائِهَا، وَذِكْرِ الْعَذِرَةِ مَعَ فَاعِلِهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَهَذَا كُلُّهُ قِيَاسًا عَلَى الْغَيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ؛ إِذْ وَرَدَتْ فِيهِمَا
(2)
السُّنَّةُ بِنَقْضِ الْوُضُوءِ).
(1) عَلَى وَجْهِ الشَّلْمِ قَالَ الرَّبِيعُ: "كُلُّ شَيْءٍ خَبِيثٍ مِنَ الْكَلامِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ". [ذكره الكندي:
المصنف، 187/ 4].
(2) عَنِ ابْنِ عَبَّاس عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " الْغِيبَةُ تُفْطِرُ الصَّائِمَ وَتَنْقُضُ الْوُضُوءَ". [رَوَاهِ الرَّبيع، باب
ما يجب منه الوضوء، ر 105]. (1/262)
صفحة 263
قواعد الإست
وَأَمَّا الاسْتِمَاعُ: فَكَالاسْتِمَاعِ إِلَى الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ، إِذْ وَرَدَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الْمُسْتَمِعَ شَرِيكُ الْقَائِلِ، وَكَالاسْتِمَاعِ إِلَى اللَّهْوِ وَالْمَزَامِيرِ وَالْغِنَاءِ وَالنَّوَاحِ وَأَسْرَارِ النَّاسِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا النَّظَرُ: فَكَالنَّظَرِ إِلَى عَوْرَاتِ الآدَمِيِّينَ عَمْدًا، غَيْرِ نَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، وَكَالنَّظَرِ إِلَى حُرْمَةٍ فِي مَنْزِلِ قَوْمٍ، أَوْ فِي سِرِّ كِتَابٍ غَيْرِ مُبَاحٍ، وَا أَعْلَمُ. وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْخِلَافِ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الفضل الأخِيرِ، إِلا فِي الارْتِدَادِ إِلَى الشِّرْكِ خَاصَّةٌ، وَقَدِ انْفَرَدَ بِهِ أَصْحَابُنَا - رَحِمَهُمُ اللهُ، كَمَا أَنَّهُمْ قَدِ انْفَرَدُوا بِنَقْضِ الْوُضُوءِ فِي الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ، لِحَدِيثِ أَبِي الْعَالِيَة (2) دُونَ مُخَالِفِيهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الصَّلاةَ" اهـ.
(2)
(1) [من ذلك ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الغناء والاستماع إلى الغناء، وعن الغيبة والاستماع إلى الغيبة، وعن النميمة والاستماع إلى النميمة" (رواه الهندي: كنز العمال، (40662)]. (2) قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِئ [48/ 3]: "وَلَأَنَّ فِي هَذَا الْبَابِ أَحَدَ عَشَرَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْهَا أَرْبَعَةٌ مُرْسَلَةٌ وَسَبْعَةٌ مُسْنَدَةٌ، فَأَوَّلُ الْمَرَاسِيلِ حَدِيثُ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِي، رَوَاهُ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ قَتَادَةَ عَن أَبِي الْعَالِيَةِ، وَهُوَ عَدْلٌ ثِقَةٌ: "أَنَّ أَعْمَى تَرَدَّى فِي بِثْرِ وَالنَّبِيُّ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ، فَضَحِكَ بَعْضُ مَنْ كَانَ صَلَّى مَعَهُ، فَأَمَرَ مَنْ كَانَ ضَحِكَ مِنْهُمْ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَيُعِيدَ [رواه الدارقطني، باب أحاديث القهقهة في الصلاة وعللها، (2]. وأَبُو الْعَالِيَةِ اسْمُهُ رفيعُ بْنُ مِهْرَانَ الرِّيَاحِيُّ الْبَصْرِيُّ، أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَأَسْلَمَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ بِسَنَتَيْنِ، وَدَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، وَصَلَّى خَلْفَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَرَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَوَثَقَهُ يَحْيَى وَأَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ. وَغَالِبُ تِلْكَ الأَحَادِيثِ تَنصُّ عَلَى أَنَّ الضَّحِكَ كَانَ قَهْقَهَةً أَوْ قَرْقَرَةٌ، وَبَعْضُهَا الْآخَرُ بِلَفْظِ الضَّحِكِ وَبِزِيَادَةِ "أَنَّهُ يَنْقُضُ الصَّلاةَ وَلاَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَمِنْهُ حَدِيثُ الْبَابِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلاَةِ أَعَادَ الصَّلاَةَ وَلَمْ يُعِدِ الْوُضُوءَ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَاللَّيْتُ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ لا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَذَهَبَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ إِلَى أَنَّهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ والصَّلَاةَ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الضَّحِكَ يُبْطِلُ الصَّلاَةَ، وَلاَ يُبْطِلُ الْوُضُوءَ، وَالْقَهْقَهَةُ تُبْطِلُهَا مِمَّا يَكُونُ مَسْمُوعًا لِجِيرَانِهِ، وَالتَّبَسُّمُ مَا لَا صَوْتَ فِيهِ. (1/263)
صفحة 264
قواعد
سلام
[القسم الثالث]
فِي الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى
وَهِيَ التَّيَمُّمُ الْمُبْدِلُ مِنَ الْوُضُوءِ
اعْلَمْ أَنَّ الطَّهَارَةَ بِأَسْرِهَا إِنَّمَا تَجِبُ بِسَبْعَةِ شُرُوطٍ، وَهِيَ: الْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ، وَالإِسْلامُ، وَدُخُولُ وَقْتِ الصَّلاةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَكَوْنُ الْمُكَلَّفِ ذَاكِرًا غَيْرَ سَاءٍ وَلَا نَائِمٍ، وَعَدَمُ الإِكْرَاءِ، وَارْتِفَاعُ مَوَانِعِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَهِيَ شُرُوطُ وُجُوبِ تَهم أَيْضًا.
وَفُرُوضُ التَّيَمُّمِ ثَمَانِ خِصَالٍ: طَلَبُ الْمَاءِ قَبْلَهُ، وَالنِّيَّةُ أَوَّلَهُ، وَضَرْبَةٌ لِلوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الرُّسْغَيْنِ، وَالْمُوَالاَةُ، وَعُمُومُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ بِالْمَسْحِ، وَفِعْلُ ذَلِكَ بِالصَّعِيدِ الطَّاهِرِ، وَدُخُولُ الْوَقْتِ.
وَسُنَتُهُ أَرْبَعُ: التَّرْتِيبُ بِتَقْدِيمِ مَسْحِ الْوَجْهِ، وَتَجْدِيدُ مَسْحِ الْيَدَيْنِ إِلَى الرُّسْغَيْنِ، وَنَقْلُ (1) مَا تَعَلَّقَ بِهِمَا مِنَ الْغُبَارِ، وَالتَّسْمِيَةُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَبِالْجُمْلَةِ فَأَحَادِيثُ الْبَابِ عَلَى عُمُومِهَا تُقَوِّي جَانِبَ مَنْ يَقُولُ بِنَقْضِهِمَا مَعًا، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ
أَصْحَابُنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ا هـ مصححه.
(1) لَعَلَّ الصَّوَابَ "وَنَفْضُ". (1/264)
صفحة 265
talatdatakatakatakatakatakatakatakatala akatakatakatakatatataletan
فصل في أَسْبَابِ التَّيَمُّمِ وَكَيْفِيَّتِهِ وَأَحْكَامِهِ
وَهَذَا الْفَضْلُ يَتَوَزَّعُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا فِي أَسْبَابِ التَّيَمُّمِ، وَالثَّانِي فِي
حَقِيقَتِهِ، وَالثَّالِثُ فِي أَحْكَامِهِ.
الْقِسْمُ الأَوَّلُ
فِيمَا يَنْقُلُ إِلَى التَّيَمُّمِ وَهُوَ الْعَجْزُ
وَلَهُ أَسْبَابٌ، وَهِيَ سِنَةٌ:
أَحَدُهَا السَّبَبُ الأَوَّلُ]: فَقَدُ الْمَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الصَّلاةِ عَلَى الْمُسَافِرِ لَزِمَهُ طَلَبُ الْمَاءِ، فَإِنْ عَازَ (2) الْمَاء بَعْدَ الطَّلَبِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعِ حَالَاتٍ (3):
الحالة الأولى]: أَنْ يَتَحَقَّقَ عَدَمَ الْمَاءِ حَوَالَيْهِ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ أَوَّلَ الْوَقْتِ مِنْ
غَيْرِ تَكْرَارِ طَلَبِ الْمَاءِ.
[الحالة الثانية]: أَنْ يَتَوَهَّمَ وُجُودَهُ حَوَالَيْهِ، فَلْيَتَرَدَّدْ وَلْيُلاحِظْ وَلْيَسْأَلْ إِلَى حَدٌ لا يُدْخِلُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عَلَى أَصْحَابِهِ ضَرَرًا وَلَا مَشَقَّةٌ فِي التَّخَلْفِ عَنْهُمْ، أَوْ يَعُوقُهُمْ عَلَى حَاجَتِهِمْ، فَإِذَا لَمْ يَسْأَلُ عَنِ الْمَاءِ فَصَلَّى فَإِنَّ عَلَيْهِ الإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَ الْوَقْتِ فِيمَا ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ رَأَىهُمْ يَتَيَمَّمُونَ وَيُصَلُّونَ فتَيَمَّمَ هُوَ وَصَلَّى، أَعَادَ كَمَا قَدَّمْنَا فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَ الوَقْتِ، كَذَا ذُكِرَ فِي تَقْيِيدَاتِ
(1) النساء: 43، والمائدة: 6. (2) [عاز: بمعنى عوز وأعوز، أي افتقر (الجوهري: الصحاح، باب الزاي، فصل العين: عوز)]. (3) (في الأصل: أربعة أحوال، استبدلتها بـ أربع حالات لتتناسب مع التقسيم]. (1/265)
صفحة 266
الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ بَرَكَةً) فَهُ، قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ نَزَلَ عَلَى قَوْمٍ وَنَزَلُوا عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَ وَيُلاحِظَ، وَكَذَلِكَ لَوْ طَلَبَ الْمَاءَ فَلَمْ يَجِدْهُ، ثُمَّ بَمَّمَ فَصَلَّى، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ الْمَاءَ كَانَ فِي مَوْضِعِ لَوْ طَلَبَهُ لَوَجَدَهُ، أَوْ كَانَ فِي رَحْلِهِ وَلَمْ يَعْلَمُ بِهِ حَتَّى صَلَّى فَعَلَيْهِ الإِعَادَةُ (3).
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ مَتَى يَتَيَمَّمُ؟ فَقِيلَ: إِنَّ الرِّيسَ يَتَيَمَّمُ أَوَّلَ الْوَقْتِ، وَالرَّاجِي يَتَيَمَّمُ آخِرَ الْوَقْتِ، وَالَّذِي تَسَاوَى عِنْدَهُ الْأَمْرُ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَسَطَ الْوَقْتِ، وَقِيلَ: الْمُتَيَمِّمُ يَتَيَمَّمُ آخِرَ الْوَقْتِ عَلَى الإِطْلَاقِ، وَقِيلَ: آخِرَ الْوَقْتِ، إِلَّا الآيسُ كَمَا قَدَّمْنَا، فَإِنْ صَلَّى أَحَدُ هَؤُلاءِ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَلَا إِعَادَةَ عَلَى مَنْ أَوْقَعَ الصَّلاةَ فِي الْوَقْتِ الْمَأْمُورِ بِإِيقَاعِهَا فِيهِ، إِلَّا الشَّاكَ الْمُتَرَدِّدَ فِي إِدْرَاكِ الْمَاءِ مَعَ عِلْمِهِ بِوُجُودِهِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ؛ لأَنَّهُ كَالْمُقَصِّرِ فِي اجْتِهَادِهِ، وَفِي (1) أَبو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَرَكَةَ الْبَهْلَوِيُّ السُّلَمِيُّ، عَالِمٌ نِحْرِيرٌ، وَإِمَامُ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ بِعُمَانَ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ الْهِجْرِي، أَخَذَ الْعِلْمَ عَنِ الشَّيْخ أبي مَالِكِ غَسَّانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْخَضِرِ الصلاتِي، وَتَخَرَّجَ ابْنُ بَرَكَةَ عَلَى عُلَمَاءَ نَحَارِيرَ كَالْعَلامَةِ أَبي [الحَسَن عَلِيٍّ الْبَسْيَانِي صَاحِبِ سُبُوعَ النِّعَمِ، وَسِيرَةِ الْبَسْيَانِي الشَّهِيرَةِ، وَأَضْرَابِهِمْ مِمَّنْ لَعِبُوا أَدْوَارًا مُهِمَّةٌ فِي إِقْرَارِ قَوَاعِدِ الإِمَامَةِ بِعُمَانَ، نَشَرُوا الْعِلْمَ وَحَرَّرُوا الْمَسَائِلَ، فَمَهَّدُوا سَبِيلَ الْمَعْرِفَةِ لِسَالِكِيهِ، كَمَا تَرَكَ لَنَا الْإِمَامُ ابْنُ بَرَكَةَ مِنْ مَحْصُولِهِ ثَرْوَةً طَائِلَةٌ مِنَ التَّالِيفِ الْمُعْتَبَرَةِ، ذَكَرَ لَهُ الشَّيْخُ السَّالِمِيُّ صَاحِبُ اللَّمْعَةِ المرضِيَّةِ مِنْ أَشِعَةِ الإِبَاضِيَّةِ [22/ 1] الْكُتُبَ الآتِيَةَ الْجَامِعُ الْمَعْرُوفُ بِجَامِعِ ابْنِ بَرَكَةَ، وَهُوَ كِتَابٌ جَلِيلٌ وَضَعَ فِيهِ الْمَسَائِلَ بِأَدِلَّتِهَا، وَصَدَّرَهُ بِأَبْوَابٍ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَبْوَابَ الْفُرُوعِ، قَامَ بِطَبْعِهِ فِي هَذِهِ السَّنَوَاتِ الأَخِيرَةِ أَحَدُ الطَّلَبَةِ النفوسِيِّينَ (ليبيا)، وكِتَابُ الشَّرْحِ لِجَامِعِ ابنِ جَعْفَرٍ، وَكِتَابُ التَّقْسِيدِ، وَكِتَابُ الْمُوَازَنَةِ، وَكِتَابُ الْمُبْتَدَأ، وَكِتَابُ التَّعَارُفِ، وَكِتَابُ الإِقْلِيدِ، وَلَهُ رَسَائِلُ. وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدِ اشْتُهِرَ عِلْمُهُ شَرْقًا وَغَرْبًا، قَلَّ أَنْ يَخْلُوَ كِتَابٌ مِنْ كُتُبِ الْأَصْحَابِ مِنْ ذِكْرِهِ، هَذَا وَإِنَّ الْمُؤَلَّفَ يَذَكُرُهُ فِي كَتُبِهِ بِاسْمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ بَرَكَةَ، سَوَاءٌ فِي الْقَوَاعِدِ أَوْ فِي الْقَناطِرِ، وَيَذَكُرُهُ الشَّيْخُ عَامِرٌ كَذَلِكَ فِي كِتاب الإيضاح، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَرَكَةً كَمَا ذَكَرَهُ الْعَلَامَةُ السَّالِمِيُّ، وَهُوَ الْحُجَّةُ، وَأَهْلُ مَكَّةَ أَدْرَى بِشِعَابِهَا، فَلْيُنتبه. اهـ
مُصَححه
(2) [ابن بركة التقييدات، ص 03 (مخطوط)]. (1/266)
صفحة 267
vakiskiekiskiskickickiskishichickisktakiskisktakiskiskted
مِثْلِهِ الْخَائِفُ مِنَ اللُّصُوصِ فَقَصَّرَ فِي الطَّلَبِ، وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ الَّذِي عَدِمَ مَنْ يُنَاوِلُهُ الْمَاءَ؛ لأَنَّهُ قَصَّرَ فِي الاسْتِعْدَادِ، فَحُكْمُ هَؤُلاءِ التَّيَمُّمُ وَسَطَ الْوَقْتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَعْتَقِدَ وُجُودَ الْمَاءِ فِي حَدِّ الْقُرْبِ، فَيَلْزَمُهُ السَّعْيُ إِلَيْهِ، وَحَدُّ الْقُرْبِ مَا لَمْ يَنْتَهِ إِلَى الْمَشَقَّةِ أَوْ خَوْفِ فَوَاتِ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: لَا يُعْذَرُ فِي مِيلَيْنِ، وَإِنِ انْتَهَى الْبُعْدُ إِلَى حَيْثُ يَخْرُجُ وَقْتُ الصَّلَاةِ إِذَا كَانَ آمِنًا مِنْ فَوَاتِ الأَصْحَابِ فَلْيَطْلُبْ أَصْحَابَهُ كَمَا قَدَّمْنَا، وَلاَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَطْلُبَهُمْ جَمِيعًا إِذَا كَانُوا كَثِيرًا، بَلْ يَطْلُبُ مَنْ يَلِيهِ مِنْهُمْ كَمَا قَدَّمْنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ حَاضِرًا وَلَكِنْ يَتَعَذَّرُ حُصُولُهُ إِلَيْهِ لِعَدَمِ الآلَةِ الَّتِي يَتَوَصَّلُ بِهَا إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ، لأَنَّهُ فَاقِدُ الْمَاءِ، وَإِنْ وَجَدَ الآلَةَ وَلَكِنْ كَانَّ الْمَاءُ فِي بِثْرِ بَعِيدَةِ الْقَعْرِ، فَإِنِ اشْتَغَلَ بِالتَّرْح فَاتَهُ الْوَقْتُ فَفِيهِ خِلافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، قِيلَ: إِنَّهُ يَتَيَمَّمُ؛ لأَنَّ عَدَمَ الْقُدْرَةِ عَلَى الاسْتِعْمَالِ فِي الْوَقْتِ كَالْعَادِمِ الْمُطْلَقِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَاءُ بَيْنَ يَدَيْهِ يُمْكِنُهُ اسْتِعْمَالُهُ لَكِنْ لَوْ تَشَاغَلَ بِاسْتِعْمَالِهِ لَخَرَجَ الْوَقْتُ لِضِيقِهِ فَقَوْلَانِ أَيْضًا قِيلَ: يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَيَسْتَغِلُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالتَّوَضُؤِ، وَقِيلَ: يَشْتَغِلُ بِالتَّوَضُّوِ وَهُوَ الْأَصَحُ؛ لأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ.
السَّبَبُ الثَّانِي: عَجْزُ خِيفَةٍ، وَهُوَ أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ – إِذَا عَدَلَ إِلَى الْمَاءِ - عَدُوا يُهْلِكُهُ، أَوْ سَبْعًا يُتْلِفُهُ، فَكُلُّ هَذِهِ الأَحْوَالِ التَّيَمُّمُ لَهُ بِهَا جَائِزُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ وَلَا لَهُ أَنْ يَحْمِلَ نَفْسَهُ عَلَى حَالَةٍ مُخَوِّفَةٍ، وَلَا أَنْ يُعَرِّضَهَا لِخُطَّةٍ مُتْلِفَةٍ، وَقَدْ يَسَّرَ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ تَخْفِيفًا، وَكَانَ بِهِمْ - وَلِلهِ الْحَمْدُ - لَطِيفًا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْخَوْفَ عَلَى الْمَالِ لَا يُلْحَقُ بِالْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ فِي الإِبَاحَةِ. (1/267)
صفحة 268
وَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ بِثَمَن يُبَاعُ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، وَإِنِ امْتَنَعَ مِنْهُ إِلَّا بِثَمَن يُجْحِفُ بِهِ لِقِلَّةِ دَرَاهِمِهِ أَوْ لِكَثْرَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى ثَمَنِهِ الْمُعْتَادِ لَمْ يَلْزَمْهُ شِرَاؤُهُ، وَأَمَّا بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَمَا لَا يُجْحِفُ بِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ، إِلَّا إِنِ احْتَاجَ إِلَى الثَّمَنِ لِنَفَقَةِ
سَفَرِهِ.
السَّبَبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ لِعَطَشِهِ فِي الْحَالِ أَوْ لِتَوَقُّعِهِ فِي الْمَآلِ، بِأَنْ يَغْلبَ عَلَى ظَنْهِ أَنَّهُ لا يَجِدُ مَاءً أَوْ لِعَطَشِ مَنْ مَعَهُ، فَلَهُ التَّيَمُّمُ إِنْ خَافَ الْعَطَشَ الَّذِي يُهْلِكُهُ، وَإِنْ خَافَ عَطَشَّا يُمْرِضُهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ خَافَ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِمَرَضِ، وَلَوْ مَاتَ صَاحِبُ الْمَاءِ وَكَانَ مَعَهُ جُنُبُ آخَرُ، وَالْمَاءُ إِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَهُمَا فَصَاحِبُهُ أَوْلَى بِهِ إِلَّا إِنِ احْتَاجَ الْحَيُّ إِلَى شُرْبِهِ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ بَعْدَ أَدَاءِ قِيمَتِهِ إِلَى الْوَارِثِ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ بَيْنَهُمَا فَفِيهِ قَوْلَانِ، قِيلَ: الْحَيُّ أَوْلَى بِهِ وَيُتَيَمَّمُ لِلْمَيِّتِ، وَقِيلَ: الْمَيِّتُ أَوْلَى بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. السَّبَبُ الرَّابِعُ: الْجَهْلُ، كَمَا أَنَّهُ إِذَا نَسِي الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى، ثُمَّ عَلِمَ بِهِ، فَفِي إِعَادَةِ صَلاتِهِ اخْتِلافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ بَرَكَةَ (1) أَنْ يُعِيدَ صَلَاتَهُ، وَقَاسَهُ بِنِسْيَانِ الرَّقَبَةِ فِي مِلْكِهِ إِذَا ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ، أَوْ نَسِيَ النَّجَاسَةَ فِي ثَوْبِهِ حَتَّى صَلَّى، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ الصَّوْمُ لَا يُجْزِئُ نَاسِيَ الرَّقَبَةِ وَلَا تُجْزِئُ صَلاةُ نَاسِي النَّجَاسَةِ، كَانَ نَاسِي الْمَاءِ فِي رَحْلِهِ
كَذَلِكَ (2).
أَوْ
السَّبَبُ الْخَامِسُ: الْمَرَضُ الَّذِي يُخَافُ مِنَ الْوُضُوءِ مَعَهُ فَوْتُ رُوحٍ مَنْفَعَةٍ، أَوْ إِتْلَافُ عُضو، أَوْ تَأْخِيرُ بُرْءٍ، أَوْ زِيَادَةُ مَرَضِ أَوْ حُدُوتُهُ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمٌ فِي
(1) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ.
(2) [جامع ابن بركة، 1/ 345، 346]. (1/268)
صفحة 269
(2)
قواعد الان
جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلٍ، وَحَدِيثِ الرَّجُلُ الْمَشْجُوج فِي رَأْسِهِ، وَصَاحِبِ الْجُدَرِيِّ، فَاسْتَفْتُوا فَأُمِرُوا بِالْغُسْل، فَقَالَ: " قَتَلُوهُ قَاتَلَهُمُ الله (3)، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَنْ كَانَ بِهِ جُرْحٌ أَوْ قَرْحٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِن مرضى (4) وَكَذَلِكَ الصَّحِيحُ إِنْ خَافَ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ نَزْلَةٌ أَوْ حُمَّى فَلَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ؛ لأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَرَضٌ ظَاهِرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(£)
السَّبَبُ السَّادِسُ: كَوْنُ الْجُرُوحِ وَالْقُرُوحِ فِي مَوْضِعِ لَا يُمْكِنُ عَزْلُهُ، كَالْفَرْجِ وَالْيَدِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ سَالِمَ الْأَعْضَاءِ إِلَّا عُضْوا وَاحِدًا فِيهِ جُرْحٌ أَوْ قَرْحٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَلْيَتَوَضَّأَ وَلْيَمْسَحْ عَلَى العَلِيلِ بِالْمَاءِ، وَإِنْ خَافَ أَنْ يَضُرَّهُ فَلْيُجْرِ الْمَاءَ حَوَالَيْهِ، وَإِلا فَلْيَتَيَمَّمْ لَهُ، وَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَتَيَمَّمَ لَهُ حَتَّى صَلَّى فَفِيهِ
من
برد الماء
فتيمم
فلما
(1) [عن ابن عباس قال: خرج عمرو بن العاص إلى غزوة ذات السلاسل وهو أمير على الجيش فأجنب فخاف شدة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره أصحابه بما فعل عمرو فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عمرو لم فعلت ما فعلت ومن أين علمت فقال يا رسول الله وجدت الله يقول وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كان بكم رحيما ما (النساء: 29) فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليه شيئا". [رواه الربيع، باب الزجر عن غسل المريض، ر 172].
(2) أَمَّا الْمَشْجُوجُ فَلِحَدِيثِ جَابِرٍ الله قَالَ: "خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلاً مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ هَلْ تَجِدُونَ لِى رُحْصَةٌ فِي التَّيَمُّمِ فَقَالُوا مَا نَجِدُ لَكَ رُحْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَخْبَرَ بِذَلِكَ فَقَالَ «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَلَّا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ - أَوْ يَعْصِبَ - عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةٌ ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ". [رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب في المجروح يتيمم، ر (3) قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: بَلَغَنِي عَنْ قَوْمٍ مَاتَ بِحَضْرَتِهِمْ مَجْدُورٌ، فَقِيلَ لِلنَّبِيِّ: إِنَّهُ أُمِرَ بِالْغُسْل كَمَا تَرَى، فَكَرَّ عَلَيْهِ الْجُدَرِيُّ فَمَاتُ. فَقَالَ النَّبِيُّ: "قتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ أَمَرُوهُ
[336،
بِالتَّيَمُّمِ؟ ". [رواه الربيع، باب الزجر على غسل المريض، ر 174].
(4) النساء: 43، والْمَائِدَة: 6. (1/269)
صفحة 270
قواعد الإست
خلافٌ، أَغْنِي فِي إِعَادَةِ صَلَاتِهِ، وَالأَصَحُ أَنه لا يُعِيدُ؛ لأَنَّ الْخِطَابَ تَوَجَّهَ إِلَى
الأَعْضَاءِ الصَّحِيحَةِ دُونَ الْعَلِيلَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
اعْلَمْ أَنَّ أَرْكَانَ التَّيَمُّمِ أَرْبَعَةٌ:
الْقِسْمُ الثَّانِي
فِي كَيْفِيَّةِ التَّيَمُّمِ
أحَدُهَا [الركن الأول]: النِّيَّة؛ لأنَّهَا عِبَادَةٌ غَيْرُ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى، وَلَا تَصِحُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَقِيلَ فِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ.
وَكَيْفِيَّةُ عَقْدِهَا: أَنْ يَنْوِي بِهَا رَفْعَ الأَحْدَاثِ وَاسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ، وَلَفْظُهَا أَنْ يَقُولَ: أَرْفَعُ بِتَيَمُّمِي هَذَا جَمِيعَ الأَحْدَاثِ، وَأَتَيَمَّمُ لِلصَّلاةِ طَاعَةٌ لِلهِ وَلِرَسُولِهِ " ثُمَّ إِذَا حَصَلَ مُتَيَمَمًا فَلْيُصَلِّ بِهِ الصَّلَوَاتِ الْخُمُسَ مَا لَمْ يُحْدِتْ أَوْ يَجِدِ الْمَاءَ، كَالْوُضُوءِ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ: التَّيَمُّمُ طُهُورُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ مَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ (1). وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا، فَوَجَدْتُ عَنِ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَنْقُضُهُ إِلا الْحَدَثُ أَوِ الْمَاءُ كَمَا قَدَّمْنَا، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ يُجَدِّدُ التَّيَمُّمَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ إِلا إِنْ جَمَعَهَا فَإِنَّهُ يَجْتَزِئُ بِتَيَمُّم وَاحِدٍ، رُوِيَ هَذَا عَنِ الرَّبِيعِ الله وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا الْعُمَانِيِّينَ (2)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَاعْتَلُوا بِثَلَاثِ عِلَلِ إِحْدَاهَا: أَنَّ التَّيَمُّمَ عِنْدَهُمْ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَإِنَّمَا هُوَ
(2)
(1) [رواه الربيع، باب فرض التيمم والعذر الذي يوجبه ر 168، والترمذي، كتاب الطهارة، باب التيمم للجنب إذا لم يجد الماء، ر 124].
(2) [انظر: جامع ابن بركة، 333/ 1]. (1/270)
صفحة 271
katakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatad
مَشْرُوع الاسْتِبَاحَةِ أَقَلُّ مَا يُمْكِنُ لَهُ مِنَ الصَّلَوَاتِ، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَا يُتَيَمَّمُ قَبْلَ وَقْتِ الصَّلاةِ، وَالثَّالِثَةُ: أَنَّ تَكْرَارَ الطَّلَبِ وَاجِبٌ عِنْدَهُمْ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَإِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَدَلَ إِلَى التَّيَمُّمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرُّكْنُ الثَّانِي: مَا تُعْمَلُ بِهِ هَذِهِ الطَّهَارَةُ، وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَا يَجُوزُ بِهِ التيمم، فَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِلَى إِجَازَتِهِ بِغَيْرِ التُّرَابِ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ المُتَوَلَّدَةِ مِنْهَا، كَالرَّمْلِ وَالحَصْبَاءِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى جَوَازِهَا بِالرَّمْلِ وَالنُّورَةِ وَالزِّرْنِيحَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِالتُّرَابِ الطَّيِّبِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَرَكَةَ لله (3)، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ عِنْدِي؛ لِقَوْلِ النَّبِي: جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرَابُهَا طَهُورًا (3)، فَخَصَّ التُّرَابَ دُونَ غَيْرِهِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا
(1) التَّحْقِيقُ أَنَّ التَّيَمُّمَ رَافِعٌ لِلْحَدَثِ رَفْعًا مُؤَقَنَا إِلَى حَالِ وَجْدَانِ الْمَاءِ، لَا مُبِيحٌ لِلْعِبَادَةِ فَقَطْ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ سَمَّاهُ طَهُورًا وَوُضُوآ، وَجَعَلَهُ قَائِمًا مَقَامَ الْمَاءِ وَعِوَضًا عَنْهُ عِنْدَ عَدَمِهِ، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ قَائِمٌ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ، فَلَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ إِلا بِدَلِيلِ، وَعَلَيْهِ فَهُوَ بَدَل مِنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ عِنْدَ عَدَمِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَلِلْمُتَيَمَّمِ أَنْ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ مَا شَاءَ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ، فَحُكْمُهُ كَحُكْمِ الْوُضُوءِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ بَيْدَ أَنَّ حَدِيثًا وَرَدَ عَنِ الرَّسُولِ يَقْضِي بِالْغُسْلِ مَتَى قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، قَالَ عُمَرُ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْتَهَى مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ قَالَ: "مَا مَنَعَكَ يَا فُلاَنُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ؟ قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ فَلَمْ أَجِدُ مَاءً، قَالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ؛ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ"، ثُمَّ ذَكَرَ عُمَرُ أَنَّهُمْ بَعْدَ أَنْ وَجَدُوا الْمَاءَ أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ، وَقَالَ: "اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ". [رَوَاهِ البخاري، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء، (337]. وَيَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الاسْتِحْبَابِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: "فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ. اهـ مُصَححه (2) [الجامع، 1/ 335].
(3) [رواه الربيع، باب فرض التيمم والعذر الذي يوجبه، ر 167]. (4) قَالَ جَابِرٌ: "وَهَذِهِ الرَّوَايَةُ تَمْنَعُ مِنَ التَّيَهُم بِغَيْرِ التُّرَابِ"، وَقَالَ الرَّبِيعُ: وَالْمَسْجِدُ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ مَسَاجِدُ الْمُصَلِّي، وَهِيَ سَبْعَةُ أَعْضَاءِ الْقَدَمَانِ وَالرُّكْبَتَانِ وَالْيَدَانِ وَالْجَبْهَةُ [مسند الربيع، باب فرض التيمم والعذر الذي يوجبه، (167]، ثُمَّ قَالَ السَّالِمِيُّ: "وَغَيْرُ الطَّيبِ لَا يَكُونُ مُطَهَّرًا، (1/271)
صفحة 272
قواع
272
(1) عَلِمْنَا أَنَّ الصَّعِيدَ: التُّرَابُ وَحْدَهُ، دُونَ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ اسْمٌ مُشْتَقٌ لِمَا صَعِدَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ لِقَوْلِهِ الصَّعِيدُ كَافِيكَ (2)، فَلَمَّا ذَكَرَ التُّرَابَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ عَلِمْنَا أَنَّ الصَّعِيدَ هُوَ التُّرَابُ، وَهُوَ أَيْضًا مَوْجُودٌ فِي أَشْعَارِ الْعَرَبِ، تَرَكْتُهُ مَخَافَةَ التَّطْوِيلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي كَيْفِيَّةِ التَّيَهُم، وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، تَرَكْتُهُ مَخَافَةَ الإِكْثَارِ، وَالْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا: ضَرْبَتَانِ، ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ
إِلَى الرُّسْغَيْنِ، لِلْحَدِيثِ الثَّابِتِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ طَرِيقِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ
وَغَيْرِهِ.
وَأَمَّا كَيْفِيَّتُهُ: فَإِنَّهُ إِذَا دَخَلَ وَقْتُ الصَّلاَةِ عَلَى الْمَرِيضِ أَوِ الْمُسَافِرِ أَوِ الصَّحِيحِ الْخَائِفِ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، فَإِنْ كَانَ يَرْجُو وُجُودَ الْمَاءِ أَوِ التَّوَضُلَ إِلَى اسْتِعْمَالِهِ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا، فَلْيَنْتَظِرْ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَإِنْ كَانَ آبِسًا مِنَ الْمَاءِ عَدَلَ إِلَى التُّرَابِ الطَّاهِرِ الَّذِي يَصْلُحُ لِلْحَرْثِ وَالنَّبَاتِ، فَلْيَعْقِدِ النِّيَّةَ كَمَا قَدَّمْنَا، وَلْيَقُلْ بِاسْمِ اللهِ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ وَهُمَا يَابِسَتَانِ مُفَرِّقًا بَيْنَ أَصَابِعِهِ عَلَى التُّرَابِ الْيَابِسِ، ثُمَّ يَرْفَعُهُمَا وَيَقْرِنُ بَعْضَهُمَا إِلَى بَعْضٍ، وَيَنْفَضُهُمَا نَفْضًا خَفِيفًا، فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ مُسْتَوْعِبًا، يَبْدَأُ بِهِ مَارًا بِيَدَيْهِ مِنْ أَعْلَاهُ إِلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ، وَلْيُراع الْوَتَرَةَ، وَهِيَ مَا بَيْنَ الْمِنْخَرَيْنِ، وَلْيَقُلْ حِينَ يَرْفَعُهُمَا إِلَى الْوَجْهِ اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إِلَى الصَّعِيدِ، ثُمَّ يَضْرِبُ بِهِمَا ضَرْبَةً أُخْرَى، ثُمَّ يَرْفَعُهُمَا قَارِنَا لَهُمَا مِنْ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} (النساء:43) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ قَالَتِ الْعِتْرَةُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَدَاوُدُ، فَإِنَّ عَدِمَ التُّرَابَ عَدَلَ إِلَى أَشْبَهِ شَيْءٍ مِنْهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، كَالرَّمْلِ وَالشَّيخَةِ وَالآخِرِ وَنَحْوِهِ، مَعْذِرَةٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَحَوْطَةٌ لِدِينِهِ". اهـ[السالمي: شرح الجامع الصحيح،
[277/ 1
(1) النساء: 43، والْمَائِدَة: 6.
(2) [رواه الربيع، باب فرض التيمم والعذر الذي يوجبه، ر 168] (3) [رواه الربيع، باب فرض التيمم والعذر الذي يوجبه، ر 171]. (1/272)
صفحة 273
عِنْدِ إِبْهَامِهِ، فَيَضَعُ الْيُسْرَى عَلَى ظَاهِرِ الْيُمْنَى، وَيَمُرُّ بِهَا عَلَى ظَاهِرِ الْكَفِّ، ثُمَّ يَعْمَلُ بِكَفِّهِ الْيُمْنَى عَلَى ظَاهِرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى كَذَلِكَ. وَإِنْ أَخْطَأَ شَيْئًا مِنْ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ لَمْ يُصِبْهُ التُّرَابُ فَقَدْ أَجْزَأَهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُخَلَّلَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فِي التَّيَمُّمِ فِيمَا وَجَدْتُ؛ لأَنَّ هَذَا مَسْحُ لَا غُسْلُ، وَإِنْ تَيَمَّمَ بِأَصْبُعِ وَاحِدَةٍ فَلَا يُجْزِتُهُ،
وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يَعْلَقُ بِهِمَا شَيْءٌ مِنَ التُّرَابِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَسْمَحَ تُرَابَ التَّيَمُّمِ عَنْ وَجْهِهِ حَتَّى يُصَلِّي، وَزَعَمَ أَنَّ التَّيَمُّمَ نُورُ الإِسْلام)، وَأَمَّا جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ الله فَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ فِيمَا وَجَدْتُ عَنْهُ، وَقَالَ: لأَنَّهُ لَمْ يَمْسَحْهُ عَلَى جِهَةِ الرَّفْضِ بَلْ لِمَا يُؤْذِيهِ.
وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِي بِالتَّيَمُّمِ صَلاةَ فَرِيضَةٍ وَلَا تَطَوُّعِ، وَلَكِنْ يَنْوِي بِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ وَطَهَارَةَ الصَّلاَةِ كَمَا قَدَّمْنَا، ثُمَّ لاَ يَنتَقِضُ عَلَيْهِ حَتَّى يُحْدِثَ كَالْوُضُوءِ، إِلا قَوْلٌ عَنِ الرَّبِيعِ وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ كَمَا قَدَّمْنَا
وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالتَّيَمُّمُ طُهُورٌ لِكُلِّ مُسَافِرٍ طَالَ سَفَرُهُ أَوْ قَصُرَ، وَكَذَلِكَ لِكُلِّ مَرِيض يَخَافُ زِيَادَةَ الْمَرَضِ بِالْمَاءِ. وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلاَ صَعِيدًا فَإِنَّهُ يَنْوِي الطَّهَارَةَ وَيُصَلِّي، خلافًا لِبَعْضِ فُقَهَاءِ قَوْمِنَا فِي إِسْقَاطِهِمُ الصَّلاةَ عَنْهُ (2). وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي (1) بَلْ بِالْعَكْسِ، فَهُوَ مَأْمُورٌ بِنَفْخِهِمَا قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ، لِحَدِيثِ عَمَّارٍ مِنْ رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ قَالَ: اجْتَنَبِّتُ فَلَمْ أَجِدِ مَاءً فَتَمَعَكْتُ فِي الصَّعِيدِ وَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا، وَضَرَبَ النَّبِيُّ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَتَنْفُخُ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. وَكَفَيْهِ [رواه الربيع، باب فرض التيمم والعذر الذي يوجبه، ر 170]. فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ مِنَ
السُّنَّةِ لِمَنْ تَيَمَّمَ بِالتُّرَابِ أَنْ يَنْفُضَ يَدَيْهِ وَيَنْفُخَهُمَا مِنْهُ، وَلَا يُعَفِّرَ بِهِ وَجْهَهُ. اهـ مُصَححه (2) الْحَقُّ أَنَّ مَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالصَّعِيدَ بِكُلِّ حَالٍ يُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، فَعَنْ عَائِشَةَ اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلادَةً فَهَلَكَتْ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ، فَصَلُّوا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَلَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكَ أَمْرٌ قَطُّ إِلا جَعَلَ اللهُ لَكَ مِنْهُ مَخْرَجًا، وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُ (1/273)
صفحة 274
قواعد الإست
Yucktaktaktaktaktakiakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakasihy
إِعَادَةِ صَلَاتِهِ إِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ)، وَإِذَا وَجَدَ مِنَ الْمَاءِ مَا لَا يَكْفِيهِ لِلْوُضُوءِ أو الاغْتِسَالِ فَإِنَّهُ يَغْسِلُ مَذَاكِيرَهُ وَيَنْزِعُ النَّجَسَ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيَتَيَمَّمُ إِنْ كَانَ جُنبا، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ فَلْيَنْزِعِ النَّجَسَ وَيَتَيَمَّمْ لِلْوُضُوءِ، هَكَذَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا: جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى خِلافًا لِبَعْضٍ فُقَهَاءِ قَوْمِنَا فِي أَمْرِهِمْ إِيَّاهُ بِتَرْكِ اسْتِعْمَالِهِ وَالْعُدُولِ إِلَى التَّيَمُّمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ قُطِعَتْ يَدُ الإِنْسَانِ مِنَ الْمِرْفَقِ يَتَيَمَّمُ لِوَجْهِهِ بِالأُخْرَى، يَضْرِبُ بِهَا ضَرْبَةً، ثُمَّ يَضْرِبُ بِهَا عَلَى الأَرْضِ مَرَّةً أُخْرَى، ثُمَّ يُقَلِّبُ كَفَّهُ عَلَيْهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ لِلْمُتَيَمِّمِ تُرَابٌ مَوْضُوعٌ فِي شَيْءٍ يَتَيَمَّمُ بِهِ إِذَا كَانَ مَرِيضًا فِي حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ، وَهَكَذَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ حِينَ مَرِضَ بِالْفَالِجِ (2) كَانَ لَهُ تُرَابٌ مَوْضُوع فِي شَيْءٍ، فَكَانَ يَتَيَمَّمُ بِهِ (3)، وَأَمَّا مَا لاَقَى يَدَ الْمُتَيَمِّمِ أَوْ وَجْهَهُ فَوَقَعَ فَلَا تَيَمَّمُ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى؛ لأَنَّهُ كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلَ. وَإِنْ عَدِمَ الْمُتَيَمَّمُ التُّرَابَ عَدَلَ إِلَى رمل، وَإِلا فَلْيَدُقَ حَجَرًا وَيَتَيَمَّمْ بِهِ، وَلاَ يَتَيَمَّمُ بِالتُّرَابِ النَّجِسِ، وَلَا بِالْجَصَّ، وَلَا بِالْجِبْسِ، وَلَا بِالنَّورَةِ، وَلاَ بِالزِّرْنيخ، وَلَا بِتُرَابِ النَّمْلِ، وَلَا بِالتُّرَابِ النَّدِيِّ،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَرَكَة [رواه البخاري، باب فضل عائشة رضي ا الله عنها، (3562]. فَهَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ صَلَّوْا حِينَ عَدِمُوا ما جُعِلَ لَهُمْ طَهُورًا، وَشَكَوْا ذَلِكَ لِلنَّبي الله فَلَمْ يُنْكِرُهُ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَأْمُرُهُمْ بِالإِعَادَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ أَقْوَى الأَقْوَالِ دَليلاً. [شرح صحيح مسلم، 4/ 60]. (1) وَقِيلَ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الإِعَادَةُ وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ بَاقِيًا، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: "خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ، فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلَّيَا ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ، وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ، فَأَتَيَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرًا لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدُ: أَصَبْتَ السُّنَّةَ، وَأَجْزَأَتْكَ صَلاتُكَ، وَقَالَ لِلَّذِي تَوَضَّأَ وَأَعَادَ: "لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ". [رواه أبو داود، باب فِي الْمُتَيَمّم يَجِدُ الْمَاء بَعْدَ مَا يُصَلِّي فِي الْوَقْتِ، (338]. (2) [الفَالِجُ: ريح: تأخذ الإنسان يرتعش منها، وصاحبه مفلوج (العين: لأبي عبد الرحمن الخليل
[(753
(3) [انظر: أبو غانم الخراساني: المدونة الصغرى، 1/ 141، والكبري، 32/ 1].
ص (1/274)
صفحة 275
الرُّكْنُ الرَّابِعُ: فِي أَحْكَامِ التَّيَمُّمِ [مفسداته، اعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ التَّيَمُّمِ الطَّهَارَةُ مَا
لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ فَقَدْ بَطَلَ، وَإِنْ دَخَلَ فِي الصَّلاةِ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلاةَ وَيَعْدِلُ إِلَى الْمَاءِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَإِنْ فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الإِعَادَةُ، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالَّذِي يُفْسِدُ التَّيَمُّمَ كَمَا قَدَّمْنَا هُوَ رُؤْيَةُ الْمَاءِ لِلْقَادِرِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ، وَالْحَدَثُ بَعْدَهُ مِنْ جَمِيعِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ فَرْضًا مِنْ فَرَائِضِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
القِسْمُ الرابع
فِي الطَّهَارَةِ مِنَ الْأَحْدَاثِ الْمُوجِبَةِ لِلاغْتِسَالِ
وَهِيَ أَرْبَعُ، أَحَدُهَا: الْغُسْلُ (2) لإِنْزَالِ الْمَاءِ الدَّافِقِ كَيْفَ مَا كَانَ، مِنْ جِمَاعِ أَوِ احْتِلام، أَوْ مَغِيبِ حَشَفَةٍ فِي قُبُلِ أَوْ دُبُرِ، مِمَّنْ كَانَ مِنْ بَنِي آدَمَ أَوْ مِنَ الْبَهَائِمِ، أَحْيَاءٌ كَانُوا أَوْ أَمْوَاتًا، ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا، حَلالاً كَانَ أَوْ حَرَامًا، وَالثَّانِي: انْقِطَاعُ
(1) كما في حديث أبي سعيد الخدري، حيث قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ أَصَبْتَ السُّنَّةَ، وَأَجْزَ أَتْكَ صَلَاتُكَ، وَقَالَ لِلَّذِي تَوَضَّأَ وَأَعَادَ: لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ". (وقد سبق تخريجه)]. (2) [قال المحشي: "قوله أحدها: الغسل ... الخ: ظاهر هذه العبارة يقتضي أن الضمير في قوله: "وهي أربع" راجع إلى الطهارة، وأنّ هذا تقسيم للطهارة، وكلامه في الثاني والثالث والرابع أن الضمير راجع إلى الأحداث الموجبة، وأنّ هذا التقسيم لها، والظاهر الأول؛ لأنّ هذا القسم معقود للطهارة، والأمر سهل؛ لأنّ تقسيم أحدهما يستلزم تقسيم الآخر، والله أعلم"].
يقتضي. (1/275)
صفحة 276
عد الإس
276
دَمِ الْحَيْضِ، أَوِ اسْتِكْمَالُ وَقْتِهِ إِذَا كَانَتِ الاسْتِحَاضَةُ، وَالثَّالِثُ: انْقِطَاعُ دَمِ النَّفَاسِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْغُسْلِ مِنَ الْوِلادَةِ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ ذَاتَ جَفَافٍ، وَالرَّابِعُ: الْمَوْتُ لِخُرُوجِ الرُّوحِ مِنَ الإِنْسَانِ الْمَأْمُورِ بِغَسْلِهِ، وَالْخَامِسُ: مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَهُوَ الإِسْلامُ، هَلْ يَجِبُ فِيهِ الْغُسْلُ عَلَى الْمُشْرِكِ إِذَا دَخَلَ فِيهِ أَمْ لَا؟، وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
وَمَسْنُونُ الْغُسْلِ خَمْسَةٌ: الاغْتِسَالُ لِلْجُمُعَةِ، وَلِلإِحْرَامِ بِحَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَلِدُخُولِ مَكَّةَ، وَلِلْعِيدَيْنِ، وَلِلْحِجَامَةِ.
وَمُسْتَحَيَّاتُهُ سِنَةٌ: الاغْتِسَالُ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَالمُزْدَلِفَةِ، وَلِلطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَلِلسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلِمَنْ غَسَّلَ مَيْنًا، وَلِلْمُسْتَحَاضَةِ إِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا إِذَا اغْتَسَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ لِلخُرُوجِ مِنَ الحَيْضِ، وَلِلْمَرْأَةِ المُسِنَّةِ الآيسَةِ مِنَ الْحَيْضِ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ فَإِنَّهَا لا تَتْرُكُ الصَّلاةَ، فَإِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا عَنْهَا اسْتُحِبَّ لَهَا الْغُسْلُ مِنْهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَقِيلَ: لا غُسْلَ عَلَى مَنْ غَسَّلَ الْمَيِّتَ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَحَاضَةُ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا بَعْدَ الْأَوَّلِ. وَمَفْرُوضَاتُ الْغُسْلِ الْوَاجِبِ سِنَةٌ: أَحَدُهَا: النِّيَّةُ عِنْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ وَاسْتِصْحَابُ حُكْمِهَا فِي جَمِيعِهَا، وَعُمُومُ الْجَسَدِ بِالْغَسْلِ، وَإِمْرَارُ الْيَدِ مَعَهُ أَوَ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْيَدِ، وَكَوْنُ ذَلِكَ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَالْمُوَالَاةُ مَعَ الذِّكْرِ، وَاخْتُلِفَ فِي السَّادِسَةِ وَهِيَ الْمَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ، فَقِيلَ: هُمَا فَرِيضَتَانِ فِي الاغْتِسَالِ الْوَاجِبِ، وَسُنَّتَانِ فِي الْوُضُوءِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
(1) الرَّاجِحُ - وَاللهُ أَعْلَمُ - وُجُوبُ الاغْتِسَالِ عَلَيْهِ، لأمْرِهِ لا تُمَامَةَ الْحَنَفِيِّ بِالاغْتِسَالِ حِينَ أَسْلَمَ. [رواه النسائي: السنن الكبرى، أبواب الغسل، باب ذكر ما يوجب الغسل وما لا يوجبه باب غسل الكافر إذا أسلم، ر 194]. (1/276)
صفحة 277
اعد الإس
وَمَسْنُونَاتُهُ سِنَةٌ: مَسْحُ الأُذُنَيْنِ، وَتَخْلِيلُ اللَّحْيَةِ، وَقِيلَ: هُوَ فَرْضٌ، وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا فِي الإِنَاءِ وَإِنْ كَانَتَا طَاهِرَتَيْنِ، ثُمَّ غَسْلُ مَا بِهِ مِنَ الْأَذَى، وَالْوُضُوءُ قَبْلَهُ، وَغَرْفُ الْمَاءِ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا، وَالْبِدَايَةُ بِالْمَيَامِنِ قَبْلَ الْمَيَاسِرِ. وَفَضَائِلُهُ أَرْبَعُ التَّسْمِيَةُ فِي أَوَّلِهِ، وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَثْنَاءِ غُسْلِهِ، وَالتَّعْجِيلُ بِهِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ نَوْمٍ أَوْ أَكْلِ أَوْ شُرْبٍ، وَعَدَّ بَعْضُهُمْ غَرْفَ الْمَاءِ ثَلَاثًا وَالْبِدَايَةَ بِالْمَيَامِنِ مِنَ الْفَضَائِلِ.
وَمَكْرُوهَاتُهُ: التَّنْكِيسُ فِي عَمَلِهِ، وَالإِكْثَارُ مِنْ صَبِّ الْمَاءِ فِيهِ، وَتِكْرَارُ الْمَغْسُولِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَوْ مَرَّةٍ إِذَا كَمُلَ، وَالاغْتِسَالُ فِي مَوْضِعِ الْخَلَاءِ، وَالْكَلَامُ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَالِ الاغْتِسَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ المُتَقَدِّمَ يَنْحَصِرُ فِي جُمْلَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا: فِي الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ يَنْحَصِرُ فِي أَرْبَعَةِ فُصُولِ الْفَضْلُ الأَوَّلُ: فِي مُوجِبِ الْغَسْلِ مِنَ الاحْتِلامِ، وَالثَّانِي فِي مُوجِبِهِ مِنَ الْجِمَاعِ، وَالثَّالِثُ: فِي كَيْفِيَّةِ عَمَلِهِ، وَالرَّابِعُ: في أحكامه. (1/277)
صفحة 278
الجُمْلَةُ الأُولَى: فِي الغُسْلِ مِنَ الجَنَابَةِ]
? (1/278)
صفحة 279
الفصل الأول
فِي الاحْتِلامِ
اعْلَمْ أَنَّ خُرُوجَ الْمَاءِ الدَّافِقِ مِنَ الإِنْسَانِ يُوجِبُ نَقْضَ الوُضُوءِ وَالطَّهَارَةِ، وَيَجِبُ مِنْ أَجْلِهِ الْغُسْلُ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَأَطَهَرُوا) (1)، وَلا تَنَازُعَ بَيْنَ النَّاسِ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا يَجِبُ الاغْتِسَالُ بِالْمَنيِّ الدَّافِقِ الَّذِي لَهُ رَائِحَةٌ كَرَائِحَةِ الطَّلْعِ، وَهُوَ النَّخِينُ الأَبْيَضُ، وَقَدْ يَصْفَرُّ مِنْ عِلَّةٍ إِلا أَنَّ الرَّائِحَةَ لَا تَنْقَطِعُ عَنْهُ، وَبِهِ تُوجَدُ اللَّذَهُ وَتَنْقَطِعُ الشَّهْوَةُ، وَيَضْطَرِبُ الْقَضِيبُ وَيَقْذِفُ الْمَنِي وَهُوَ الْجَنَابَةُ.
وَالْمَذِيُّ: هُوَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ قَبْلِ الانْتِشَارِ وَبَعْدَهُ، وَهُوَ رَقِيقٌ يَسِيلُ
كَاللُّعَابِ. وَأَمَّا الْوَدِيُّ: فَهُوَ الَّذِي يَخْرُجُ بَعْدَ الْبَوْلِ، وَيَكُونُ أَبْيَضَ، وَالْمَنِيُّ يَجِبُ مِنْهُ الْغُسْلُ بِالإِجْمَاعِ، وَالْمَذِيُّ يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "الْوُضُوءُ مِنَ الْمَذِيِّ (2)، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب قَالَ: "كُلُّ فَحْلِ يَمْذِي، وَكُلُّ امْرَأَةٍ تَقْذِي، فَمَنْ أَحَسٌ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَغْسِلْ مَذَاكِيرَهُ بِالْمَاءِ وَلْيَتَوَضَّأَ (3)، وَقَالَ عَلِيٌّ: "أَنَا
6
(1) المائدة: 6.
(2) [رواه الربيع، باب فيما يكون منه غسل الجنابة، ر 102، بلفظ: "الوضوء من المذي، والغسل من
المني"].
(3) [رواه أبو داود، كتاب الطهارة، ر 181]. (1/279)
صفحة 280
قواع
28
الْفَحْلُ الْمَذَاءُ". وَالْوَدِيُّ يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ أَيْضًا، وَقَالَ بَعْضُ فِي الْمَزِّيِّ أَيْضًا:
يَحِبُ فِيهِ الْغُسْلُ، وَالأَوَّلُ أَصَحُ.
وَاخْتُلِفَ فِي الأَثَرِ فِيمَنِ اسْتَيْقَظَ فَوَجَدَ عَلَى فِرَاشِهِ أَوْ فِي فَخِذِهِ بَلَلَا، أَوْ رَأَى رُؤْيَا، فَقَالَ بَعْضُ: يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، إِلا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مَذْيُ لَيْسَ بِمَنِيٍّ، وَعَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: "إِنِّي بَيْنَمَا أَسِيرُ عَلَى رَاحِلَتِي إِذْ ذَكَرْتُ نَفْسِي وَأَنَا بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْطَانِ فَوَجَدْتُ بَلَلا، فَقَالَ: اغْسِلْ فَرْجَكَ وَمَا أَصَابَ مِنْكَ، وَلَمْ يَأْمُرْنِي بِالْغُسْل (1)، وَقَالَ بَعْضُ: إِنَّهُ يَشُمُّ رَائِحَتَهُ، وَالاحْتِيَاطُ فِي هَذَا أَنْ يَغْتَسِلُ. وَإِنْ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ يَغْشَى ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَلَمْ يَجِدْ بَلَلاً فَلَيْسَ عَلَيْهِ غُسْلٌ، فَزُعِمَ فِي بَعْضِ أَثْرِ أَصْحَابِنَا أَنَّ هَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ مَا لَمْ يَسْتَيْقِنْ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ إِلَّا
(Y),
الْوُضُوءَ ()، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(1) [رواه ابن أبي شيبة، في الرجل يَرَى فِي النَّوْمِ أَنَّهُ احْتَلَمَ، وَلَا يَرِى بَلَلا، ر 855]. (2) وَهُوَ الْحَقُّ إِنْ شَاءَ اللهُ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ" [رواه الربيع، باب فيما يكون منه غسل الجنابة، ر 135]، وَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ عَنِ الرَّجُل يَرَى أَنَّهُ قَدِ احْتَلَمَ وَلَمْ يَجِدِ الْبَلَلَ، فَقَالَ: "لا غُسْل عَلَيْهِ [رواه أبو داود، باب في الرجل يجد البلة في منامه، ر 236]، وَسَأَلَتْهُ خَوْلَهُ بِنْتُ حَكِيمٍ عَنِ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ، فَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْهَا غُسْلُ حَتَّى تُنْزِلَ، كَمَا أَنَّ الرَّجُلُ لَيْسَ عَلَيْهِ غُسْل حَتَّى يُنْزِلَ " [رواه ابن ماجه، باب في المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل،
ر 602]. (1/280)
صفحة 281
latakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatalateletsiatskaislat
قواعد الإس
الفصل الثاني
فِي مُوجِبِ الْغُسْلِ مِنَ الْجِمَاعِ
وَيَحْصُلُ الْغُسْلُ مِنَ الْجِمَاعِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ بِاتِّفَاقٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَكَثِيرٍ مِنْ مُخَالِفِيهِمْ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ قَالَ: "إِذَا قَعَدَ الرَّجُلُ بَيْنَ شِعَابِ الْمَرْأَةِ الأَرْبَعِ وَأَجْهَدَ نَفْسَهُ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ أنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ (2)، وَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ لا يَصِحُ إِلا بَعْدَ غُيُوبِ الْحَشَفَةِ، وَيَلْتَقِي خِتَانُهُ وَخِتَانُهَا، ثُمَّ لَيْسَ الْمَقْصُودُ الْخِتَانَ، بَلْ لَوْ قُطِعَتِ الْحَشَفَةُ فَغِيبَ مِثْلُهَا وَجَبَ الْغُسْلُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْلَجَ فِي فَرْجِ امْرَأَةٍ مَيِّتَ، أَوْ بَهِيمَةٍ، أَوْ فِي الدُّبُرِ وَلاَ خِتَانَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ فَعَلَتْهُ امْرَأَةٌ بِذَكَرِ بَهِيمَةٍ، وَإِنْ كَانَ الْجِمَاعُ فِي الْفَخِذِ أَوْ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ فَلَا غُسْلَ عَلَى الْوَاطِئِ وَلَا عَلَى الْمَوْطُوءَةِ إِلَّا بِالإِنْزَالِ، وَإِنَّ عُدِمَ الْبُلُوغُ فِيهِمَا فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِمَا، إِلَّا أَنَّهُمَا يُؤْمَرَانِ بِهِ عَلَى جِهَةِ التَّدْرِيبِ وَالتَّعَلُّمِ لِلْغُسْلِ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْكَبِيرَةِ يَطَؤُهَا الصَّغِيرُ، وَالأَصَحُ وُجُوبُ الْغُسْلِ، وَإِنْ وَطِئَ
الْكَبِيرُ صَغِيرَةٌ مِمَّنْ تُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ فَقَوْلَانِ.
(1) [رواه الربيع، باب فيما يكون منه غسل الجنابة، ر 135]. (2) [رواه الربيع، باب فيما يكون منه غسل الجنابة، ر 134]. (1/281)
صفحة 282
bakiakakakatakatakatakatakatakatakak dadaistaladarakatakatakatakatakata
فِي الْمَرْأَةِ تَرَى مَا يَرَاهُ الرَّجُلُ]
وَاخْتُلِفَ فِي الْمَرْأَةِ تَرَى مَا يَرَاهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ أَكْثَرُ مُخَالِفِينَا فِيمَا وَجَدْتُ
(2) 6
عَنْهُمْ عَلَيْهَا الْغُسْلُ إِذَا أَنْزَلَتْ (1)، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ بَرَكَةَ الْعُمَانِيُّ (2)، وَوَجَدْتُ عَنْ بَعْضٍ أَصْحَابِنَا أَنَّ الاحْتِلامَ لِلرِّجَالِ وَالْمَحِيضَ لِلنِّسَاءِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْقَاسِمِ، وَوَجَدْتُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّجْعِي مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَنِ الرَّبِيعِ الله مِثْلُ ذَلِكَ، وَقَالَ: "لاَ غُسْلَ عَلَى النِّسَاءِ إِلا مِنْ جِمَاعِ أَوْ مِنْ طُهْرِ حَيْضِ، وَقَالَ
(E)11
بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَلْزَمُهَا الْغُسْلُ إِذَا أَنْزَلَتْ بِاخْتِيَارٍ مِنْهَا أَوْ بِعِلَاجِ، ذَكَرَهُ ابْنُ بَرَكَةَ
فِي كِتَابِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
(1) وَهُوَ الْحَقُّ - إِنْ شَاءَ اللهُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "المَاءُ مِنَ الْمَاءِ" [سبق تخريجه]، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَنْ أَمْ سَلَمَةَ أَنَّ أَمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِي مِنَ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ غُسْلُ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: "نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ" [رواه الربيع، باب جامع الوضوء،
ر 137].
(2) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ.
(3) أَبو عُبَيْدَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْقَاسِم مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الثَّانِي، وَمِنْ تَلَامِيذِ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ، كَانَ يُلَقَّبُ بِأَبِي عُبَيْدَةَ الصَّغِيرِ تَمْيِيرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ قَالَ الشَّمَاخِيُّ: "كَانَ مِمَّنْ حَازَ قَصَبَ السَّبْقِ فِي حلْبَةِ الرِّهَانِ عِلْمًا وَعَمَلاً، وَخَاضَ فِي بُحُورِ الزُّهْدِ وَالتَّقْوَى شَابًا وَكَهْلا" [السير، 94/ 1]، وَكَانَتْ إِقَامَتُهُ بِمَكَّةَ بَيْدَ أَنَّهُ كَانَ عَزْبًا، فَسَعَى لَهُ أَصْحَابُهُ فِي تَزَوُّج امْرَأَةٍ صَالِحَةٍ مُوسِرَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا تُكَلِّفُهُ مَؤُونَةٌ، فَقَالَ: إِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا ذَاكَ فَأَبْلِغُوا بِمَهْرِهَا مَهْرَ مِثْلِهَا وَلَا تُنْقِصُوهَا شَيْئًا، فَفَعَلُوا، فَلَمَّا تَزَوَّجَهَا وَدَخَلَ بِهَا طَابَتْ لَهُ نَفْسًا عَنِ الصَّدَاقِ، وَكَانَ بِمَكَّةَ حِينَ مَاتَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ، فَأُخِذَتْ عَلَى النَّاسِ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ لِلْبَيْعَةِ، وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْفَضْلُ بْنُ جُنْدُبٍ وَوَائِل وَعَلِيُّ الْحَضْرَمِيُّ، فَلَطَفَ اللهُ بِهِمْ فَنَجَوْا، فَقِيلَ لأَبِي عُبَيْدَةَ: لَوْ أُخِذْتَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ؟ قَالَ: تَذْهَبُ وَاللَّهُ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أُعْطِيَهُمُ الْبَيْعَةَ. وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ وَرَعِهِ وَعَدَمِ هَوَادَتِهِ فِي الْحَقِّ؛ لأَنَّ الْبَيْعَةَ لَا تُؤْخَذُ غلابًا، وَلَكِنْ بِاخْتِيَارِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. اهـ مُصَحْحه
(4) [انظر: الكندي: المصنف، 338/ 4]. (5) [الجامع، 323/ 1]. (1/282)
صفحة 283
283
وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ الله حِينَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "عَلَيْهَا الْغُسْلُ إِذَا أَنْزَلَتْ (1)، وَوَجَدْتُ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ فِي الْجُنُبِ يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ الْغُسْل أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَأَظُنُّ بَعْضَهُمْ قَالَ: إِنْ كَانَ بَالَ قَبْلَ ذَلِكَ تَوَضَّأَ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَبْلِ اغْتَسَلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَمَّ سَلِيمٍ امْرَأَةَ أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِي سَأَلَتِ النَّبِي فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحِي مِنَ الْحَقِّ، هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلِ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ" [سبق تخريجه]. (1/283)
صفحة 284
الفصل الثالث
فِي كَيْفِيَّةِ الْغُسْلِ
وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ فَرْضٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى وَلَا عُذْرَ لِمَنْ جَهِلَهُ، وَهِيَ أَمَانَةٌ يُسْأَلُ عَنْهَا الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَصِحُ مَعَ الْجَنَابَةِ عِنْدَنَا صَوْمٌ وَلَا صَلَاةٌ إِلَّا بِعُذرِ يُبيحُ التَّيَمُّمَ، وَمَنْ أَرَادَ الْغُسْلَ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ أَنْ لَا يَغْتَسِلَ حَتَّى يَسْتَبْرِئَ مِنَ الْبَوْلِ، وَإِنِ اغْتَسَلَ وَلَمْ يُرِقِ الْبَوْلَ، ثُمَّ صَلَّى فَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الْغُسْلَ
دُونَ الصَّلَاةِ. ثُمَّ إِذَا أَرَادَ الْغُسْلَ قَدَّمَ النِّيَّةَ وَنَوَى أَنْ يَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ فَرِيضَةٌ افْتَرَضَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ طَاعَةٌ لِلهِ وَلِرَسُولِهِ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ إِذَا اغْتَسَلَ تَبَرُّدًا بِغَيْرِ نِيَّةٍ، ثُمَّ عَلِمَ بِالْجَنَابَةِ، قَالَ بَعْضُ: يُجْزِتُهُ، وَقَالَ بَعْضُ: لا يُجْزِتُهُ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّهُ لاَ يُجْزِ
لِعَدَمِ النية. وَمِمَّا يُؤْثَرُ عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي كَيْفِيَّةِ غُسْلِهِ أَنَّهُ يَغْسِلُ يَدَيْهِ وَكَفَّيْهِ، ثُمَّ يُفْرِغُ الْمَاءَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فَيَغْسِلُ بِهَا عَوْرَتَهُ، ثُمَّ يَمْسَحُ يَدَهُ الْيُسْرَى بِالْأَرْضِ، ثُمَّ يَغْسِلُهَا، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَ الصَّلاَةِ غَيْرَ الْقَدَمَيْنِ، ثُمَّ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَعَلَى جِسْمِهِ، ثُمَّ يَتَنَحَّى عَنْ مَكَانِهِ وَيَغْسِلُ قَدَمَيْهِ، وَهَكَذَا الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَإِنْ أَخَرَ الْوُضُوءَ حَتَّى يَغْتَسِلَ فَلَا بَأْسَ، وَكَذَلِكَ إِنْ وَقَعَ فِي فَبَدَأَ بِالْغُسْلِ قَبْلَ الْوُضُوءِ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا:
(1) [رواه البخاري، كتاب الغسل باب المضمضة والاستنشاق في الجنابة، ر 256]. (1/284)
صفحة 285
يَبْدَأُ الْمُغْتَسِلُ بَعْدَ الْمَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الأَيْسَرِ، وَوَجْهِهِ وَعُنُقِهِ، ثُمَّ يَدِهِ الْيُمْنَى وَمَا يَلِيهَا، ثُمَّ الْيُسْرَى وَمَا يَلِيهَا، ثُمَّ ظَهْرِهِ وَصَدْرِهِ رِجْلَيْهِ، وَيُعَرِّكُ بَدَنَهُ بِيَدِهِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، وَإِنْ قَدَّمَ جَارِحَةٌ قَبْلَ الأُخْرَى فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ بِلا أَنْ يُؤْمَرَ بِذَلِكَ.
وَأَقَلُ الْغُسْل: النِّيَّةُ، وَاسْتِيعَابُ الْبَدَنِ بِصَبِّ الْمَاءِ، مَعَ إِمْرَارِ الْيَدِ وَالْعَرْكِ، إِيصَالِ الْمَاءِ إِلَى مَنَابِتِ الشَّعْرِ وَإِنْ كَثْفَتْ لأَنَّهُ قِيلَ عَنِ الرَّسُولِ: تَحْتَ كُلَّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، قَبلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ (1)، وَيُخَلِّلُ الرَّجُلُ لِحْيَتَهُ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ نَقْضُ ضَفَائِرِهَا، بَلْ تَحْيِي عَلَيْهَا الْمَاءَ وَتَضْغَطُهَا بِيَدِهَا، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ (2).
وَالأَكْمَلُ كَمَا قَدَّمْنَا أَنْ يَبْدَأَ بِغَسْل يَدَيْهِ، ثُمَّ يُزِيلُ مَا عَلَى بَدَنِهِ مِنْ أَذًى، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَ الصَّلاَةِ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا، وَيُؤَخِّرُ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ إِلَى آخِرِ الْغُسْلِ فِي بَعْضِ الأَحَادِيثِ، وَيَفْعَلُهُ فِي مَكَانِهِ مِنَ الْوُضُوءِ فِي بَعْضِ الأَحَادِيثِ، يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ يُكَوِّرُهُ ثَلاثًا، وَيَضْغَطُهُ فِي كُلِّ دَفْعَةٍ بَعْدَ الْمَضْمَضَةِ
والاستنشاق.
وَأَمَّا الْقَدْرُ الَّذِي يُعْتَسَلُ بِهِ مِنَ الْمَاءِ فَغَيْرُ مَحْدُودٍ وَلَا مُقَدَّرٍ؛ لَأَنَّهُ قَدْ يُرْفَقُ بِالْقَلِيلِ فيكفي، وَيُحْزَقُ بِالْكَثِيرِ فَلا يَكْفِي، وَإِنْ كَانَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَغْتَسِلُ بالصَّاعِ وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدَّ (3)، وَالأَصْلُ فِي هَذَا الإِنْقَاءُ وَالنَّظَافَةُ. وَإِنْ مَسَّ عَوْرَتَهُ بَعْدَ التَّوَضُوِ فِي حَالِ الْغُسْل فَلْيُعِدِ الْوُضُوءَ، وَقَدْ وَجَدْتُ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ اللَّهُ أَنَّ
(1) [رَوَاهُ الرَّبيع، باب في كيفية الغسل من الجنابة، ر 139]. (2) [إذ جاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تستفتيه لامرأة تشدّ شعر رأسها هل تنقضه لغسل الجنابة، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "يكفيها أن تحثي عليه ثلاث حفنات. من ماء، واغمزي قرونك عند كلّ حثية، ثم تفيضين عليك من الماء وتطهرين"، (رواه الربيع، باب
في كيفية الغسل من الجنابة، ر 141]. (3) [رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب الوضوء بالمد، ر 198]. (1/285)
صفحة 286
قواعد الإسـ
2865
الْجُنُبَ إِذَا غَسَلَ مَوَاضِعَ النَّجَسِ فِي مَبْدَئِهِ، ثُمَّ أَنْقَى جَمِيعَ جَسَدِهِ بِالْغُسْلِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، قَالَ: وَأَيُّ الْوُضُوءِ (1) أَفْضَلُ مِنَ الاغْتِسَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(1) هَكَذَا يُوجَدُ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِينَا، وَلَعَلَّ تَصْحِيحَ الْعِبَارَةِ: "وَإِنَّ الْوُضُوءَ أَفْضَلُ قَبْلَ
الاغْتِسَالِ"، وَاللهُ أَعْلَمُ. (1/286)
صفحة 287
الفصل الرابع
فِي أَحْكَامِ الْجَنَابَةِ
اعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ الْجَنَابَةِ حُكْمُ الْحَدَثِ، مَعَ زِيَادَةِ تَحْرِيمِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَرَخَّصَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَقْرَأُ الْآيَةَ وَنَحْوَهَا لِلتَّعَرُّذِ.
وَعَرَقُ الْجُنُبِ وَسُؤْرُهُ طَاهِرُ (1)، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ جَسَدِهِ إِلَّا مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ، لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ: امْتَنَعَ مِنْ مُصَافَحَةِ النَّبِيِّ، فَقَالَ: " الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ
حيا ولا مينا (2) فَأَخْرَجَ يَدَهُ، فَاعْتَمَدَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ وَهُوَ سَائِرٌ إِلَى الصَّلَاةِ. وَيُكْرَهُ لِلْجُنُبِ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَوْ يَنَامَ مَا لَمْ يَغْسِلْ فَرْجَهُ وَيَتَوَضَّأْ وُضُوءَ الصَّلاةِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّي لِعُمَرَ الله وَقَدْ سَأَلَهُ عَنِ الْجُنُبِ أَيَنَامُ؟ فَقَالَ: "تَوَضَّأَ وَاغْسِلْ رَأْسَ ذَكَرِ كَ (3)، وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يُرِدْ وُضُوءَ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ غَسْلَ يَدَيْهِ. وَرَخَّصَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ وَفَاهُ وَيَأْكُلَ وَيَشْرَبَ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ بَعْضٍ عُلَمَائِنَا، وَأَمَّا جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ الله فَإِنَّهُ قَالَ: "يُسْتَحَبُّ لِلْجُنُبِ أَنْ لَا
(4)
(1) الصَّوَابُ " طَاهِرَانِ". (2) [رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب في الجنب يصافح، ر 231، بلفظ: "إن المسلم لا ينجس"]. (3) [رواه الربيع، باب في كيفية الغسل من الجنابة، ر 145].
(4) [هو قول للإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، رواه الربيع، بعد الحديث السابق، ر 145]. (1/287)
صفحة 288
تواعد الإسـ
(1)
يَتَكَلَّفَ حَاجَةٌ حَتَّى يَتَوَضَّأَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ، وَمِثْلُهُ عَنْ ضُمَامٍ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو
نوحه (2) نُوحٍ الله) فَرَخَّصَ فِيهِ.
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لا يَنْزِعَ شَعْرًا وَلا يُقَلَّمَ ظُفُرًا مَا لَمْ يَغْتَسِلُ، وَأَمَّا مُعَاوَدَةُ أَهْلِهِ
قَبْلَ الْغُسْلِ فَلَا بَأْسَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(1) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ. (2) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ كَذَلِكَ. (1/288)
صفحة 289
takatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatal
قواعد الإس (1/289)
صفحة 290
وقواعد الإس
الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ في أحكام الخيْضِ وَالنَّفَاسِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِمَا
وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ تَحْتَوِي عَلَى أَرْبَعَةِ فُصُولٍ:
الفصل الاول
في مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِ الدَّمَاءِ الخَارِجَةِ مِنَ الأَرْحَامِ
اجْتَمَعَتِ الأُمَّهُ فِيمَا عَلِمْتُ عَلَى أَنَّ الدِّمَاءَ الْخَارِجَةَ مِنَ الرَّحِمِ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا: دَمُ الْحَيْضِ، وَهُوَ الْخَارِجُ عَلَى جِهَةِ الصَّحَّةِ، مُتَمَيَّزُ مِنْ غَيْرِهِ مَعْرُوفٌ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ نَخِينُ، لَهُ رَائِحَةٌ وَلَوْنٌ يُعْرَفُ بِهِ مُنْتِنُ آسِنُ (1)، لا يَكَادُ يَخْرُجُ مِنَ التَّوْبِ، مَعْرُوفٌ بِلَوْنِهِ عِنْدَ النِّسَاءِ، مِنْ سَائِرِ الدَّمَاءِ (3) فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَن الصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الآخَرَ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي (3) وَعِندَ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ إِذَا أَشْكَلَ عَلَى الْمَرْأَةِ فَلْتُنَاظِرُهُ.
(1) [آسن: أسَنَ: إذا تغير طعمه ورائحته].
(2) [في نسخة: من سائر الدَّم]. (3) [رواه أبو داود بلفظ آخر، كتاب الصلاة، باب من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة، 286]. (1/290)
صفحة 291
بمَا كَانَ أَحْمَرَ شَدِيدَ الْحُمْرَةِ، كَالدَّمِ الأَوَّلِ مِنَ النَّبِيحَةِ، وَدَمِ الْحَلَمَةِ وَالْحَزْفَةِ الأَولِيَّةِ، وَالأُرْجُوَانِ الْمِصْرِيُّ، وَأَشْبَاءِ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: دَمُ الاسْتِحَاضَةِ، وَهُوَ الْخَارِجُ مِنَ الرَّحِمِ مِنْ جِهَةِ الْمَرَضِ، وَهُوَ دَمٌ أَحْمَرُ رَقِيقٌ لَا رَائِحَةَ لَهُ، مُتَمَيَّزُ لَوْنُهُ عَنْ لَوْنِ دَمِ الْحَيْضِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ:
"إِنَّمَا ذَلِكَ دَمُ عِرْقٍ وَلَيْسَ بِحَيْضِ "
(1) I
وَالثَّالِثُ: دَمُ النَّفَاسِ: وَهُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ مِنَ الْفَرْجِ بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ مِنْ غَيْرِ مَرَضِ خَارِج عَنْهَا (2)
وَلِهَذِهِ الدِّمَاءِ أَحْكَامُ سَتَأْتِي فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُتَعَبدَةِ أَنْ تَعْرِفَ الْفَرْقَ بَيْنَ الدَّمَاءِ لِتَمْتَيَّلَ مَا تُعُبُدَتْ بِهِ مِنَ الْفُرُوضِ عَلَى يَقِينِ، وَتَتْرُكَ الْمَحْظُورَ عَلَيْهَا فِي حَالِ ظُهُورِ هَذِهِ الدِّمَاءِ عَلَيْهَا بِيَقِينِ، كَمَا أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْمُتَعَبِّدِينَ مِنَ الرِّجَالِ أَنْ يَعْرِفُوا الْفَرْقَ بَيْنَ الْأَحْدَاثِ الطَّارِئَةِ عَلَيْهَا مِنَ الْمَنِي وَالْمَذِيِّ وَالْوَدِيٌّ وَغَيْرِهَا؛ لأَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى تَعَبَّدَ الْكُلَّ بِفُرُوضِ مُخْتَلِفَةٍ، وَنَصَبَ إِلَى مَعْرِفَتِهَا أَدِلَّةٌ لِيُتَوَصَّلَ بِهَا إِلَى امْتِثَالِهَا بِيَقِينِ، وَجَعَلَ فِي الْمَرْأَةِ دِمَاءَ أَرْبَعَةٌ، أَحَدُهَا دَمُ الْجَسَدِ يَشْتَرِكُ فِيهِ الذَّكَرُ وَالأُنْثَى، وَالثَّلَاثَهُ هِيَ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا خَالِفْ (3) بَيْنَ أَحْكَامِهَا كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
(1) رَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشِ لِرَسُولِ اللهِ: لا أَظْهرُ أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ؟ فَقَالَ لَهَا: "إِنَّمَا ذَلِكَ دَمُ عِرْقٍ نَجِسٌ لَيْسَ بِحَيْضَةٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي لَهَا الصَّلاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ وَذَهَبَ قَذَرُهَا فَاغْسِلِي الدَّمَ عَنْكِ وَصَلَّي" [باب في المستحاضة، ر 552].
(2) الأولَى (عَنْهُ)، أَيْ: عَنِ الْمَرَضِ. (2) وَفِي نُسْخَةٍ (خلاف)، وَلَعَلَّ كَلِمَةً مَعَ سَقَطَتْ مِنَ الْعِبَارَةِ، أَيْ: مَعَ خِلَافٍ بَيْنَ أَحْكَامِهَا. (1/291)
صفحة 292
قواع
الفصل الثاني
في أحكام الخيْضِ الْمُتَعَلَّقَةِ بِهِ وَالْمَمْنُوعَةِ مِنْ أَجْلِهِ
وَهِيَ خَمْسَةٌ):
أَحَدُهَا فِي حَدٌ الْحَيْضِ وَهُوَ عَلَى مَا حَدَّهُ بَعْضُ الْعُلَمَاء أَنَّهُ: الدَّمُ الْخَارِجُ مِنَ الْمَرْأَةِ الْيَافِعَةِ وَمَنْ فَوْقَهَا فِي السِّنِّ، إِلَى نِهَايَةٍ تَقْصُرُ عَنْ سِنَّ الْيَائِسَةِ، فِي مُدَّةِ
(2)
خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَمَا دُونَهَا إِلَى سَاعَةٍ، مِنْ غَيْرِ وِلَادَةٍ وَلَا مَرَضِ (2). فَذَكَرَ الْيَافِعَةَ احْتِرَازًا عَنْ مَنْ قَصُرَ سِنُهَا عَنْ ذَلِكَ، كَبِنْتِ خَمْسٍ أَوْ سِتٌ سِنِينَ، إِذْ ذَاكَ مَرَضٌ وَلَيْسَ بِحَيْضِ، وَكَذَلِكَ بِنْتُ السَّبْعِينَ وَالثَّمَانِينَ، وَبَاقِي الْحَدِّ احْتِرَازُ عَنِ النَّفَاسِ
وَالاسْتِحَاضَة.
وَالثَّانِي فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ: وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ، وَالَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ أَنَّ أَقَلَّ مُدَّتِهِ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى الْعِبَادَاتِ غَيْرُ مَحْدُودٍ بِتَفْسِيدٍ مَضْبُوطٍ؛ لأَنَّ الدَّفْعَةَ الْوَاحِدَةَ تَكُونُ حَيْضًا إِذَا فَاضَتْ مِنَ الْفَرْجِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَيْضَةً مَعْدُودَةً فِي الْعِدَّةِ والاستبْرَاءِ إِذِ الْعِبَادَةُ لا تُتْرَكُ إِلا بِعِلْمٍ مُتَيَقَّن بِهِ سُقُوطُهَا عَنِ الْمُتَعَبِّدِ، وَالْمُبَاحُ
من
(1) [قال المحشي: "قوله وهي خمسة الخمسة في كلامه -رحمه الله - الخ: الذي ظفرنا به من ا ثلاثة: حكمان في المتعلقة به وحكم في الممنوعة من أجله، نعم الممنوعة. أجله قسمها خمسة أقسام، فإن كان قد اعتبر ذلك صارت الأحكام سبعة فليحرر، وأيضا في جعل الحد وهو التعريف حكما من أحكام الحيض نظر، إذ الحكم على الشيء فرع تصوّره، فلو قال -مثلا-: في حد الحيض وأحكامه، لكان أظهر "].
(2) الْمُعْتَمَدُ وَالْمُفْتَى بِهِ عِنْدَنَا مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ قَرِيبًا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. (1/292)
صفحة 293
الأخذُ فِيهِ بِالْحَوْطَةِ أَوْثَقُ (1)، وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا فِي الْحَيْضِ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا
(Y)11
أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلّي (2)
(3)
وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ وَمُوسَى بْنِ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِي وَغَيْرِهِمْ أَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَأَكْثَرَهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ،
(3)
(1) قَالَ الْمُحَشِّي مَا خُلاَصَتُهُ: يَعْنِي أَنَّ الدَّفْعَةَ الْوَاحِدَةَ تَتَيَقَّنُ أَنَّهَا حَيْضُ حَيْثُ ظَهَرَتْ عَلَامَاتُهُ، فَتَتْرُكُ الْعِبَادَةَ لأجل ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَتْ تُعِيدُهَا بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا انْقَطَعَ قَبْلَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ عَلَى الرَّاجح، وَلَمْ تُعْتَبَر فِي الْعِدَّةِ وَالاسْتِبْرَاءِ؛ لأَنَّ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا أَمْرَ مُبَاحٌ وَهُوَ التَّزْوِيجُ وَالْوَطْءُ، فَيَحْتَاطُ لَهُ وَيُرَاعِي قَوْلَ مَنْ قَالَ مَثَلاً: "أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ". اهـ. هَذَا كُلَّهُ تَوْضِيحٌ لِعِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَبَيَانِ غَرَضِهِ، أَمَّا تَحْقِيقُ الْمَسْأَلَةِ فَقَدْ قَالَ: إِنَّ الأَصْلَ فِي الشَّيْء أَنْ يَكُونَ جَارِيَا عَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، فَيَكُونُ الْحَيْضُ فِي الْعِدَّةِ وَالاسْتِبْرَاءِ وَالْعِبَادَةِ شَيْئًا وَاحِدًا، وَأَمَّا قَوْلُهُ: "إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ" إِلَخ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْحَيْضَةَ الْمُعْتَبَرَةَ، وَهِيَ مَا بَيْنَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ وَعَشَرَةٍ، لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ: "أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ، وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ " رواه الربيع، باب في الحيض، ر 1 54]؛ وَلأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ وَظَهَرَتْ أَمَارَاتُهَا أَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ وَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَائِضِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّي، لَكِنْ إِذَا أَدْبَرَتْ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّهَا تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي مَا يَسْتَقَبلُ فَقَطْ وَإِذَا أَدْبَرَتْ قَبْلَ الثَّلاثَةِ فَإِنَّهَا تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي مَا مَضَى أَيْضًا؛ لأَنَّهُ كَشَفَ الْغَيْبُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَيْضِ لِقَوْلِهِ: أَقلُ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَالْحَدِيثُ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا عَامًا وَالآخَرُ خَاصًا وَجَبَ حَمْلُ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
اهـ مُصَححه
(2) هَذَا الْقَوْلُ مِنَ الْمُصَفِ مُخَالِفٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا، وَقَدْ نَصَّ الشَّيْخُ عَامِرٌ فِي الإِيضَاحِ عَلَى أَنَّهُ قَوْلٌ شَاةٌ. [1/ 194]. [والحديث سبق تخريجه]. (3) قَاضِي الْمُسْلِمِينَ مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ: هُوَ قَاضِي الْمِصْرِ وَقُدْوَةُ الْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ، أَبُو عَلِيٌّ مُوسَى بْنُ عَلِيٌّ: صَاحِبُ الْجَامِعِ الْمَشْهُورِ بِجَامِعِ مُوسَى بْنِ عَلِيٍّ، مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الثَّانِي بِعُمَانَ، كَانَ قَاضِبًا لِلإِمَامِ الْمُهَنَّا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ فَاضِيَ الإِمَامِ هُوَ شَيْخُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ وَمَرْجِعُ الْفَتْوَى فِي الإِمَامَةِ، وَرَأْسُ أَهْلِ الْحلَّ وَالْعَقْدِ، وَلِذَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ الرَّأْيِ وَالْمَشُورَةِ فِي أَمْرِ الإِسْلَامِ مِنْ بَيْعَةٍ وَخُلْعِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَقْصُورًا عَلَى عُمَانَ، بَلْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي إِمَامَةِ الْمَغْرِبِ الرُّسْتُمِيَّةِ، فَقَاضِي الإِمَامِ هُوَ الْمُسْلِمِينَ، بَايَعَ [الشَّيْخُ] مُوسَى بِمَشُورَةِ الْمُسْلِمِينَ الإِمَامَ الْمُهَنَّا، وَهُوَ الَّذِي قَامَ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَمْرِ الدَّوْلَةِ لَمَّا أَسَنَّ وَضَعُفَ الإِمَامُ عَبْدُ الْمَلِكِ الطَّوِيلُ، وَكَانَ يَرَى إِمَامَتَهُ ثَابِتَةً، وَلَمْ يَسْتَحِلَّ عَزَلَهُ حَتَّى مَاتَ تُوُفِّيَ سَنَةَ 230 هـ فِي أَوَاخِرِ إِمَامَةِ الْمُهَنَّا بْنِ جَيْفَرٍ، يَعْنِي قَبْلَ مَوْتِ هَذَا الإِمَامِ بِسَبْع سَنَوَاتٍ، وَالْبَقَاءُ لِلهِ وَحْدَهُ. (4) لَمْ أَعْتُرُ عَلَى تَرْجَمَتِهِ (1/293)
صفحة 294
قواعد
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِي مِنْ طَرِيقِ جَابِرِ بْنِ زَيْدِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ عَنْهُ: "أَقَلُ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَأَكْثَرُهُ عَشَرَهُ (1)، فَمَا دُونَ الثَّلَاثَةِ لَيْسَ بِحَيْضِ وَلَا حُكْمَ لَهُ فِي تَرْكِ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ وَلَا عِدَّةٍ، فَإِنَّمَا هُوَ غَيْضُ الْأَرْحَامِ، وَكَذَلِكَ مَا فَوْقَ الْعَشَرَةِ الأَيَّامِ عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِحَيْضِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَا وَجَدْتُ، وَالأَوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكِ أَيْضًا، وَعَنْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النِّسَاءَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُبْتَدِئَةٍ وَمُعْتَادَةٍ، فَالْمُبْتَدِئَةُ عِنْدَهُ تَتْرُكُ الصَّلاَةَ بِرُؤْيَةِ دَم تَرَاهُ إِلَى تَمَامِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ صَلَّتْ وَكَانَتْ مُسْتَحَاضَةٌ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا، إِلا أَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ عِنْدَهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَأَمَّا أَبو عُبَيْدَةَ مُسْلِمٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَزَّانُ بْنُ الصَّفْرِ (2) وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا أَيْضًا فَأَكْثَرُ الْحَيْضِ عِنْدَهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَاخْتَلَفُوا فِي أَفَلِّهِ، فَقِيلَ: ثَلاثَةُ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: يَوْمَانِ، وَقِيلَ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَلَهُمْ حُجَجٌ تَرَكْتُهَا مَخَافَةَ التطويل. وَأَكْثَرُ مَا أَنْعَقَدَ عَلَيْهِ الإِجْمَاعُ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا فِيمَا
وَجَدْتُ (3)، وَاللهُ أَعْلَمُ).
وَأَمَّا الطُّهَرُ فَأَكْثَرُهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا سِتُّونَ يَوْمًا، وَأَقَلُّهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ
يَوْمًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَبِهِ الْعَوْنُ وَالتَّوْفِيقُ (5).
الثَّالِثُ: فِي حُكْمِ مَا يُمْتَنَعُ بِهِ فِي حَالِ الْحَيْضِ وَهِيَ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ:
(1) [سبق تخريجه]
(2) سَبَقَ التَّعْرِيفُ بِهِمَا.
(3) [انظر: بداية المجتهد، 1/ 48].
(1) لَمْ يَنْعَقِدِ الإِجْمَاعُ عَلَي شَيْءٍ، وَلَوْ قَالَ: وَغَابَهُ مَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ الْخِلَافِ، لَكَانَ أَظْهَرَ.
(5) وَالصَّحِيحُ: لَا حَدَّ لِلطَّهْرِ؛ لأَنَّهُ لَا يكذبُ. (1/294)
صفحة 295
أَحَدُهَا: كُلُّ مَا يَفْتَقِرُ إِلَى الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى كَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَالصَّوْمِ وَالاعْتِكَافِ وَسُجُودِ الثَّلاوَةِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَمَسَ الْمُصْحَفِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ لا يَجِبُ عَلَيْهَا فَضَاءُ الصَّلاةِ دُونَ الصَّوْمِ.
(1)
وَالثَّانِي: الْفِرَاقُ مَعَ الزَّوْج بِطَلاَقٍ أَوْ خُلْعِ أَوْ خِيَارٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) أَيْ: لِظُهْرِهِنَّ، وَاخْتُلِفَ هَلْ مَنْعُهُ فِيهِ خِيفَةٌ مِنْ تَطْوِيلِ الْمُدَّةِ، أَوْ هُوَ شَرْعٌ غَيْرُ مُعَلَّلٍ؟ فَقَوْلَانِ.
ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: إِلْقَاءُ التَّفَثِ مِنْ تَعْلِيمِ الأَطْفَارِ وَنَتْفِ الإِبِطَيْنِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ وَمَا أَشْبَهَ
الرابع: الزِّينَةُ الْمَعْهُودَةُ لِلْبَدَنِ، مِنَ الاكْتِحَالِ وَالاسْتِيَاكِ وَالاخْتِضَابِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَقَدْ رَخَّصَ لَهَا فِي شَرْحِ الدَّعَائِمِ فِي الامْتِشَاطِ وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَزَعَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِثْلَ الْجُنَّبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
6
الْخَامِسُ: الْوَطْهُ فِي الْفَرْجِ مَعَ اسْتِمْرَارِ الدَّمِ، وَهُوَ مُحَرَّمُ بِإِجْمَاعِ مِنَ الأُمَّةِ، فَإِنْ وَطِئَ مُتَعَمِّدًا فَفِيهِ اخْتِلافَ قِيلَ بِتَحْرِيمِ الأَبَدِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْعُمَانِيِّينَ (2)، وَقِيلَ فِيهَا بِالْوُقُوفِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الرَّبِيعِ وَغَيْرِهِ، وَبَعْضُ مُخَالِفِينَا أَوْجَبَ فِي ذَلِكَ الْكَفَّارَة)، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُوجِبْ فِي ذَلِكَ إِلَّا التَّوْبَةَ وَالاسْتِغْفَارَ، وَكَذَلِكَ
(1) الطلاق: 1.
(2) [انظر: المصنف، 66/ 39] (3) [نفسه، 65/ 39].
(4) بَلْ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ بِذَلِكَ، وَالْكَفَّارَةُ هُوَ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ فِي اصْطِلاحِهِمُ اسْمُ دِينَارِ الْفِرَاشِ، وَذَلِكَ اسْتِنَادًا عَلَى حَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاس أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي رَجُلٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ: إِنْ كَانَ الدَّمُ عَبِيطًا فَلْيَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ صُفْرَةٌ فَنِصْفُ دِينَارٍ" أرواه البيهقي، باب ما روي في كفارة من أتى امرأته حائضا، (1416]، يَعْنِي: وَلَمْ يَأْمُرُهُ بِفِرَاقِهَا. وَالَّذِي صَحَّحَهُ الْقُطْبُ ه أَنَّ الزَّوْجَةَ لَا تَحْرُمُ بِهِ، لَكِنَّهُ أَتَى ذَنْبًا عَظِيمًا [الذهب الخالص، ص 136]. اهـ مُصححه (1/295)
صفحة 296
الْحُكْمُ فِيهَا إِذَا وَطِئَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ وَقَبْلَ الاغْتِسَالِ عِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا تَسْتَوِي مَنْ تُطَهِّرُهَا رَكْوَةُ مَاءٍ بِمَنْ لَا تُطَهِّرُهَا دِجْلَهُ.
وَأَمَّا الاسْتِمْتَاعُ بِمَا فَوْقَ السُّرَّةِ مِنَ الْحَائِضِ فَلاَ يَحْرُمُ عِنْدَ الْجَمِيعِ، لِقَوْلِ النَّبِيُّ: "إِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِعَزْلِ الْفُرُوجِ ... الْحَدِيثِ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا تَحْتَ الإِزَارِ مِمَّا
دُونَ الْفَرْجِ، فَأَبَاحَهُ قَوْمٌ وَمَنَعَ مِنْهُ آخَرُونَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) [رواه مسلم، باب جَوَازِ غَسْلِ الْحَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا وَتَرْجِيلِهِ وَطَهَارَةِ سُؤْرِهَا وَالإِنْكَاءِ فِي حِجْرِهَا وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِيهِ، (720، بلفظ: "اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ "]. (1/296)
صفحة 297
الفصل الثالث
فِي اخْتِلَافِ حُكْمِ النِّسَاءِ الْمُعْتَادَةِ [المُعَدَّةِ لِلْمَحِيضِ
وَهُنَّ فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: حَالُ الْمُبْتَدِئَةِ فِي الْحَيْضِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا وَقْتُ مُسْتَقِرٌّ. وَالثَّانِيَةُ: حَالُ الْمُعْتَادَةِ الْمُسْتَقِرٌ وَقْتُهَا.
وَالثَّالِثَةُ: حَالُ الْمُسْتَحَاضَةِ الَّتِي حُكِمَ بِاسْتِحَاضَتِهَا.
وَالرَّابِعَةُ: حَالُ الْحَامِل الَّتِي يَطْرَأُ الدَّمُ عَلَيْهَا.
اعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ هَذِهِ الأَرْبَعِ فِي ابْتِدَاءِ الْحَيْضِ وَاحِدٌ، فَمَنْ رَأَتْ دَمًا وَهِيَ فِي سَنَّ مَنْ تَحِيضُ فَهُوَ حَيْضُ، مُبْتَدِئَةٌ كَانَتْ أَوْ مُعْتَادَةٌ، حَائِلاً أَوْ حَامِلا (1)، لَكِنْ
تخْتَلِفُ أَحْكَامُهُنَّ فِي السَّمَادِي:
[الأُولَى]: فَالْمُبْتَدِئَةُ إِذَا رَأَتْ دَمًا فَهُوَ حَيْضُ، فَإِنِ انْقَطَعَ لِعَادَةِ أَتْرَابِهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إِلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ، وَإِنْ تَمَادَى بِهَا الدَّمُ بَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَلَمْ تَرَ
،
(1) [قال المحشي: قوله أو حاملا فيه نظر لأنّ الدم الذي تراه الحامل ليس بحيض على الصحيح، لقوله - عليه السلام: "ماكان الله ليجعل حيضا مع حبل" [لم أجد من خرجه]، ولأنه سيأتي له بما يدل على أنه ليس بحيض، حيث قال: الرابعة الحامل التي يطرأ عليها الدم فإنّها تصنع كما تصنع المستحاضة ... الخ، وقد يقال: كلامه هنا - رحمه الله - مبني على القول الثاني فيما
التصريح.
سيأتي"]. (1/297)
صفحة 298
الإسلام
الظُّهْرَ انْتَظَرَتْ يَوْمَيْنِ بَعْدَ الْعَشَرَةِ، فَإِنْ دَامَ بِهَا الدَّمُ فَإِنَّهَا تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ، كَذَلِكَ إِلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الانْتِظَارِ، فَإِنْ لَمْ تَرَ الطُّهْرَ عَلَى تَمَامِ الْعَشَرَةِ أَيَّامٍ الَّتِي صَلَّتْ فِيهَا انْتَسَبَتْ إِلَى قَرَابَتِهَا مِنَ النِّسَاءِ مِنْ أُمَّ أَوْ أُخْتِ أَوْ خَالَةٍ أَوْ عَمَّةٍ، حُرَّةٌ كَانَتْ أَوْ أَمَةً، مُوَحْدَةً كَانَتْ أَوْ مُشْرِكَةً، حَيَّةٌ كَانَتْ أَوْ مَيِّتَةٌ، عَاقِلَةٌ كَانَتْ أَوْ مَجْنُونَةٌ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ قَرَابَهَا فَلْتَنتَسِبْ إِلَى غَيْرِهِنَّ مِنَ الْمُسْلِمَاتِ.
وَمَعْنَى انْتِسَابِهَا إِلَى مَنْ ذَكَرْنَا: أَنْ تَسْأَلُهَا عَنْ وَقْتِهَا فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ قَالَتْ لَهَا: وَقْتِي عَشَرَةُ أَيَّامٍ، فَلْتَتْرُكِ الصَّلاَةَ إِذَا اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَإِنْ قَالَتْ لَهَا: إِنَّ أَيَّامَ صَلاتِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ عِشْرُونَ يَوْمًا، فَلْتَعْتَسِلْ وَتُصَلِّي حَتَّى تَنتَهِيَ إِلَى الْعَدَدِ الَّذِي قَالَتْ لَهَا، ثُمَّ تَتْرُكُ الصَّلاةَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ تَنتَظِرُ يَوْمَيْنِ بَعْدَ الْعَشَرَةِ، ثُمَّ تُصَلِّي بَعْدَ ذَلِكَ مَا قَالَتْ لَهَا قَرِيبَتُهَا مِنْ عَدَدِ هَذِهِ الأَيَّامِ، وَتَصْنَعُ كَذَلِكَ مَا دَامَ بِهَا الدَّمُ إِلَى سَنَةٍ، فَتَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ مُبْتَلَيَةٌ، تَتْرُكُ الصَّلاةَ اثْنَا عَشَرَ يَوْمًا، وَتُصَلِّي عَشَرَةَ أَيَّامٍ حَتَّى يُفَرِّجَ اللهُ مَا بِهَا، وَهَذَا إِذَا دَامَ بِهَا الدَّمُ مِنْ وَقْتِ انْتِظَارِهَا، وَأَمَّا إِنْ وَجَدَتِ الظُّهْرَ بَعْدَ الانْتِظَارِ فَلْتَغْتَسِلْ وَتُصَلِّي حَتَّى يَأْتِيَهَا الدَّمُ، فَإِذَا رَاجَعَهَا الدَّمُ انْتَسَبَتْ كَمَا قَدَّمْنَا.
الثانية]: وَأَمَّا حَالُ الْمُعْتَادَةِ الَّتِي اسْتَقَرَّ وَقْتُهَا فِيمَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ، وَذَلِكَ أَنْ تَرَى حَيْضَهَا الأَوَّلَ فَيَدُومَ بِهَا ثَلَاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ عَشَرَةً، ثُمَّ تَرَى الظُّهْرَ فَيَدُومَ بِهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ تِسْعَةً؛ فَإِنَّهَا تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي خَمْسِينَ صَلَاةٌ لِعَشَرَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ تَنتَسِبُ كَما قَدَّمْنَا فِي الْمُبْتَدِئَةِ.
وَكَذَلِكَ إِنْ خُولِطَ طُهْرُهَا الأَوَّلُ فَإِنَّهَا تَنتَسِبُ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ بَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَكَذَلِكَ إِذَا رَأَتِ الظُّهْرَ عَلَى الانْتِظَارِ أَوْ بَعْدَهُ فِيمَا دُونَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، فَإِنَّهَا تَنتَسِبُ إِذَا أَتَاهَا الدَّمُ بَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ. (1/298)
صفحة 299
وَأَمَّا إِنْ رَأَتْ حَيْضَهَا الأَوَّلَ فَدَامَ عَلَيْهَا يَوْمَيْنِ ثُمَّ رَأَتْ بَعْدَهَا طُهْرًا، فَإِنَّ هَذَيْن الْيَوْمَيْنِ يَكُونَانِ لَهَا أَصْلاً، فَكُلُّ مَا رَأَتْهُ مِنَ الدَّمِ الْخَالِصِ بَعْدَ ذَلِكَ الطُّهْرِ الْمُتَقَدِّم فَإِنَّهَا تَجْمَعُهُ إِلَى الْيَوْمَيْنِ الأَوَّلَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا الْأَصْلُ، وَذَلِكَ فِيمَا تَرَاهُ بَيْنَ الْيَوْمَ الأَوَّلِ مِنَ الْحَيْضِ إِلَى الْعَاشِرِ، وَمَا رَأَتْهُ بَعْدَ الْعَاشِرِ فَلَا تَجْمَعُهُ، فَإِنْ قَطَعَ بَيْنَ مَا تَضُمُّهُ طُهْرٌ جَمَعَتْ مَا قَبْلَ الظُّهْرِ إِلَى الأَصْلِ الأَوَّلِ، فَيَكُونُ لَهَا وَقْتًا لِلْحَيْضِ، وَلَا تَجْمَعُ مَا بَعْدَ الشُّهْرِ الْقَاطِعِ وَلَا مَا بَعْدَ الْعَاشِرِ مِنَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي تَرَى فِيهِ الْحَيْضَ وَالْيَوْمُ الأَوَّلُ الَّذِي أَتَاهَا فِيهِ الْحَيْضُ لَا تَعْتَدُّ بِهِ، إِلا إِنْ رَأَتْ فِيهِ الْحَيْضَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَقِيلَ: قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
(1)
وَأَمَّا إِنْ تَمَّ وَقْتُهَا فِي الْحَيْضِ وَلَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهَا الدَّمُ فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ يَوْمَيْنِ، فَإِنِ انْقَطَعَ وَإِلا اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ وَكَانَتْ مُسْتَحَاضَةٌ، وَإِنِ انْتَظَرَتْ يَوْمَيْنِ فَرَأْتِ الظُّهْرَ فَاعْتَادَهَا ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ إِلَيْهَا وَتَتْرُكُ الْوَقْتَ الْأَوَّلَ، وَكَذَلِكَ إِنِ انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ فَرَأَتِ الظُّهْرَ قَبْلَ تَمَامِ وَقْتِهَا الْمُعْتَادِ، فَتَمَادَى ذَلِكَ عَلَيْهَا مَرَّتَيْنِ، فَإِنَّهَا تَنْزِلُ إِلَيْهِ وَتَتَّخِذُهُ وَقْتًا، وَتَتْرُكُ الْوَقْتَ الأَوَّلَ.
(1) الظُّهْرُ الْقَاطِعُ: هُوَ الَّذِي تَقَدَّمَهُ دَمٌ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا. (2) وَالَّذِي يَرَاهُ الْقُطْبُ أَطْفَيَّشُ - خلافًا لِمَا جَرَتْ بِهِ الْفَتْوَى مِنْ قَبْلُ عِنْدَنَا - أَنْ لَا تَلْغِيَ الْيَوْمَ الأَوَّلَ سَوَاءٌ جَاءَهَا الدَّمُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، بَلْ تَحْسِبُ مِنْ وَقْتِ رَأَتْ فِيهِ الدَّمَ إِلَى مِثْل ذَلِكَ الْوَقْتِ غَدًا يَوْمًا وَاحِدًا [شرح النيل، 264/ 1]، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ تَعُدُّ أَيَّامَ حَيْضِهَا دُونَ أَنْ تَلْفِي أَوْقَانًا هِيَ مِنْ حَيْضِهَا قَطعًا. يَرَى ذَلِكَ حَتْمًا لِزَامًا لا يَسُوعُ سِوَاهُ، وَهُوَ مَا يُؤَيِّدُهُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: [عن عائشة أنها قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله إني لا أطهر أفادع الصلاة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي). رواه البخاري، باب الاستحاضة، ر 300]، أَيْ: وَعُدِّي ذَلِكَ مِنْ أَيَّامٍ أَقْرَائِكِ، فَتَأَمَّلْ. اهـ مُصَححه (1/299)
صفحة 300
Yudkatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatalatzlatolat
(1).=
فَإِنْ تَمَّ وَقْتُهَا وَانْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ وَبَقِيَ شَيْءٌ مِنَ الْكُدْرَةِ أَوِ الصُّفْرَةِ أَوِ التَّرِيَّةِ) تَنتَظِرُ يَوْمًا وَلَيْلَةٌ، فَإِنِ انْقَطَعَ وَإِلا اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ؛ لأَنَّ الصُّفْرَةَ وَالْعُدْرَةَ وَالتَّرِيَّةَ لا حُكْمَ لَهَا عَلَى الانْفِرَادِ إِنَّمَا الْحُكْمُ لِمَا سَبَقَهَا وَتَقَدَّمَهَا، إِنْ تَقَدَّمَهَا حَيْضُ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْحَيْضِ، وَإِنْ تَقَدَّمَهَا طُهْرٌ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الظُّهْرِ فِي قَوْلِ الرَّبيع الله، وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَقِيلَ عَنِ ابْنِ عَبَّادِ: أَنَّهَا حَيْضُ فِي أَيَّامٍ الْحَيْض؛ لأَنَّهُ قِيلَ: إِنَّ الْحَيْضَ سِتَّةُ أَشْيَاءِ، وَهِيَ: الدَّمُ وَالصُّفْرَةُ وَالْعُدْرَةُ وَالرَّرِيَّةُ وَالْحُمْرَةُ وَالْغُبْرَةُ، فَهَذِهِ الأَوْصَافُ حُكْمُهَا حُكْمُ الْحَيْضِ.
[أنواع الطهر]
وَأَمَّا الطُّهْرُ فَنَوْعَانِ [الأول]: جُفُوفٌ، وَهُوَ أَنْ تُدْخِلَ الْمَرْأَةَ الْخِرْقَةَ فَتُخْرِجَهَا جَافَّةً، وَالثَّانِي: الْقَصَّةُ الْبَيْضَاءُ، وَهُوَ مَاءٌ رَقِيقٌ أَبْيَضُ يَأْتِي فِي آخِرِ الْحَيْضِ كَمَاءِ الْقَصَّةِ وَهُوَ الْجِيرُ، وَهَذَا هُوَ الأَقْعَدُ فِي الظُّهْرِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، كَانَ ذَلِكَ عَادَةٌ فِي الْمَرْأَةِ أَوْ لَيْسَ بِعَادَةٍ، وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "لَا تَطْهُرُ الْمَرْأَةُ مِنْ حَيْضِهَا حَتَّى تَرَى الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ (3).
وَالَّتِي عَادَتُهَا الْجُفُوفُ هُوَ طُهْرُهَا، فَإِنْ جَفَّتِ الَّتِي عَادَتُهَا الْمَاءُ الْأَبْيَضُ؛ فَبَعْضُ أَصْحَابِنَا يَقُولُ: تَنتَظِرُ مِنْ سَاعَةٍ إِلَى سَاعَةٍ، فَإِنْ أَتَاهَا الْمَاءُ الْأَبْيَضُ وَإِلَّا اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ، وَعِنْدَ بَعْضٍ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الأَقْعَدُ هُوَ الْجُفُوفُ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمُ الأَقْعَدُ
الْقَصَّةُ الْبَيْضَاءُ كَمَا قَدَّمْنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) [الترية: "ما تراه الحائض عند الاغتسال، وهو الشيء الخفي اليسير، أقل من الصفرة والكدرة" (القاموس المحيط، باب الياء، فصل الواو: الوَرْي)].
(2) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ.
(3) [رواه الربيع، باب الحيض، ر 543]. (1/300)
صفحة 301
katakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakakiskiskaskiakializ
الثَّالِثَةُ]: وَأَمَّا الْمُسْتَحَاضَةُ الَّتِي تَمَادَى بِهَا الدَّمُ وَحُكِمَ بِاسْتِحَاضَتِهَا فَلاَ تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ مُبْتَدِئَةً أَوْ مُعْتَادَةَ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إِمَّا مُمَيِّزَةً وَإِمَّا غَيْرُ مُمَيِّزَةٍ، فَهِيَ إِذًا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: مُبْتَدِئَةٍ مُمَيِّزَةٍ، وَمُبْتَدِئَةٍ غَيْرِ مُمَيِّزَةٍ، وَمُعْتَادَةٍ بِتَمْيِيزِ،
وَمُعْتَادَةٍ بِغَيْرِ تَمْيِيز.
فَأَمَّا الأُولَى: فَإِنَّهَا تَتْرُكُ الصَّلاةَ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مُدَّةَ تَمْيِيزِ حَيْضِهَا، بِشَرْطِ
أَنْ لا تَزِيدَ عَلَى أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى أَكْثَرِهَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ حَيْضًا. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: وَهِيَ الْمُبْتَدِئَةُ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزِ، فَإِنَّهَا عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ تَجْلِسُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا إِذَا تَمَادَى بِهَا الدَّمُ، فَإِنِ انْقَطَعَ وَإِلَّا صَارَتْ مُسْتَحَاضَةٌ.
وَأَمَّا الثَّالِثَةُ: وَهِيَ الْمُعْتَادَةُ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزِ، فَإِنَّهَا عِنْدَ بَعْضِهِمْ إِذَا شَكَتْ فَلَمْ تَدْرِ أَذَلِكَ انْتِقَال مِنْ حَيْضِهَا أَمِ اسْتِحَاضَةٌ، فَإِنَّهَا تَغْسِلُ وَتُصَلِّي وَتَصُومُ، وَلَا يَطَؤُهَا زَوْجُهَا احْتِيَاطًا، ثُمَّ تَنتَظِرُ إِلَى مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ أَمْرُهَا، فَإِنِ انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ لِتَمَامِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا عُلِمَ أَنَّهَا قَدِ انْتَقَلَتْ عَادَتُهَا، وَكَانَتِ الْمُدَّةُ كُلُّهَا حَيْضًا، وَإِنِ اسْتَمَرَّ الدَّمُ عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ اسْتِحَاضَةٌ، وَاعْتَدَّتْ بِحَيْضَتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ عَادَتِهَا،
وَتَقْضِي الصَّوْمَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الزَّيَادَةِ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
وَأَمَّا الرَّابِعَةُ: وَهِيَ الْمُعْتَادَةُ بِتَمْيِيزِ، فَإِنَّهَا تَعْتَبِرُ التَّمْيِيزَ عِنْدَهُمْ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشِ أَنَّ النَّبِي أَمَرَهَا وَكَانَتْ مُسْتَحَاضَةٌ أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ مِقْدَارَ أَقْرَائِهَا الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ فِيهَا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا مَا أَصَابَهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي (1). قَالُوا: لأَنَّ الْعَادَةَ تَخْتَلِفُ، وَالتَّمْيِيزَ لَا يَخْتَلِفُ، وَلأَنَّ النَّظَرَ إِلَى اللَّوْنِ اجْتِهَادٌ، وَالنَّظَرَ إِلَى الْعَادَةِ تَقْلِيدٌ، وَالاجْتِهَادُ أَوْلَى مِنَ التَّقْلِيدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْعَمَلُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا
(1) [سبق تخريجه]. (1/301)
صفحة 302
قواعد الإس
عَلَى مَا قَدَّمْنَا فِي صَدْرِ الْكِتَابِ، لَكِنِّي إِنَّمَا أَثْبَتْ هَذَا التَّقْسِيمَ هَهُنَا لِئَلَّا يَضْطَرَّ إِلَيْهِ مُضْطَرٌ فَيُسَوِّعُ لَهُ الْأَخَذَ بِأَقَاوِيلِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
ثُمَّ الْمُسْتَحَاضَةُ حُكْمُهَا حُكْمُ الطَّاهِرِ فِي جَمِيعِ مَعَانِيهَا؛ لأَنَّ الاسْتِحَاضَةَ كَسَلْسِ الْبَوْلِ، لَا تُمْنَعُ مِنَ الصَّلاَةِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَتَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهَا بَعْدَ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ الْحُكْمِ لَهَا بِالاسْتِحَاضَةِ، وَيُؤْمَرُ زَوْجُهَا أَنْ يَطَأَهَا إِذَا اغْتَسَلَتْ لِلصَّلاةِ، وَإِنْ وَطِئَهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
والرابعة: الْحَامِلُ الَّتِي يَطْرَأُ عَلَيْهَا الدَّمُ، فَإِنَّهَا تَصْنَعُ كَمَا تَصْنَعُ الْمُسْتَحَاضَةُ، وَإِنْ ضَرَبَهَا الطَّلْقُ فَجَاءَتْهَا دَفْعَةٌ مِنَ الدَّمِ ثُمَّ انْقَطَعَ فَإِنَّهَا تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلاً فَرَأَتْ بَلَةً أَوْ صُفْرَةً فَإِنَّهَا تَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، فَإِنْ ضَرَبَهَا الطَّلْقُ فَرَأَتْ صُفْرَةً أَوْ كُدْرَةٌ قَبْلَ أَنْ تَلِدَ فَإِنَّهَا تَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي؛ لأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِحَيْضِ وَلَا نِفَاسٍ، وَإِنْ كَانَ دَما سَائِلاً اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ، وَقَالَ مَنْ قَالَ: الْحَامِلُ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ فَإِنَّهَا تَقْعُدُ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا، وَتَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ بِالْغُسْلِ إِذَا كَانَ دَمَا سَائِلاً، وَإِنْ كَانَتْ صُفْرَةٌ تَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَيَغْشَاهَا زَوْجُهَا فِي الصُّفْرَةِ وَالْعُدْرَةِ، وَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ فِي
الدَّمِ السَّائِلِ. وَعَنِ الرّبيع فِي الْمَرْأَةِ تَرَى الدَّمَ فَتَحْسَبُ أَنَّهُ حَيْضُ فَتَرَكَتِ الصَّلاةَ، ثُمَّ اسْتَبَانَ أَنَّهَا حَامِلٌ قَالَ عَلَيْهَا إِعَادَةُ مَا تَرَكَتْ مِنَ الصَّلَاةِ فِي حَمْلِهَا، وَكَانَ (1) أَمَّا الْأَطِبَّاءُ فَيَرَوْنَ إِمْكَانَ الْحَيْضِ مَعَ وُجُودِ الْجَنِينِ، إِمَّا لِوَفْرَةِ قُوَّةِ الْمَرْأَةِ وَضَعْفِ الْجَنِينِ أَوْ لِمَرَضِهِ، وَعَلَيْهِ إِذَا رَأَتِ الْحَامِلُ دَمَا فِي مُعْتَادَهَا اعْتَبَرَتْهُ حَيْضًا، وَقَدْ جَرَى فَرِيقٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، بَلْ ثُمَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَعْتَبِرُهُ حَيْضًا مُطلَقًا، يَعْنِي: وَإِنْ لَمْ يَجِيْ فِي وَقْتِهِ الْمُعْتَادِ قَبْلَ الْحَمْلِ، أَمَّا الْمَانِعُونَ لِلْحَيْضِ مَعَ الْحَبَلِ فَحُجَّتُهُمْ قَوْلُ الرَّسُولِ: "لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَجْعَلَ حَيْضًا مَعَ حَبَّلِ" [لم أجد من خرجه]، وَالْمُجِيزُونَ يَحْمِلُونَ الْحَدِيثَ عَلَى الْغَالِبِ، أَيْ: لَا يَجْعَلُ اللَّهُ حَيْضًا مَعَ حَبَلِ فِي الْغَالِبِ، وَإِذَا جَعَلَهُ كَانَ حَيْضًا عَلَى أَنَّ لِلْمَانِعِينَ أَنْ يَقُولُوا: سَلَّمْنَا أَنَّ الْحَيْضَ (1/302)
صفحة 303
- وَبِعِبَارَةٍ أَدَقَّ - الدَّمَ يَأْتِي الْمَرْأَةَ مَعَ وُجُودِ الْجَنِينِ فِي بَطْنِهَا كَمَا يَقُولُ الأَطِيَّاءُ، لَكِنَّ الأَطِيَّاءَ يَنظُرُونَ إِلَى ذَلِكَ الدَّم بالنَّظَرِ الطَّبيعي لا بالنَّظَرِ الشَّرْعِيّ، بدليل أَنَّهُمْ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ دَمِ الْحَيْضِ وَدَمِ الاسْتِحَاضَةِ، بَلْ يَرَوْنَهُمَا كِلَيْهِمَا مِنَ الدَّمِ الصَّالِحِ الَّذِي يَجْرِي فِي شَرَابِينِ الْمَرْأَةِ، بِخِلَافِ الشَّارِعِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى ذَلِكَ الدَّمِ بِالنَّظَرِ الشَّرْعِي، فَيُسْتُهُ أَوْ يَنْفِيهِ شَرْعِيًّا، يَعْنِي: يَعْتَبِرُهُ دَمَ اسْتِحَاضَةٍ لا دَمَ حَيْضِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي هَذَا الْمَقَامِ بِمَا يُقَرِّرُهُ الشَّرْعُ، وَعَلَيْهِ فَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَا هُوَ الْحَلَّ لِمُشْكِلِ النِّسَاءِ وَخَلْفِهِنَّ فِي أَمْرِ طَهَارَتِهِنَّ، وَقَدْ أَضَلَّهُنَّ تَشَبُّئُهُنَّ بِأَسْطُورَةٍ الرَّاقِدِ ضَرْبِ الْجَنِينِ فِي الْبَطْنِ، فَلِمُجَرَّدِ أَنْ تُحِسَّ إِحْدَاهُنَّ ألَمًا أَوْ حَرَكَةً فِي بَطْنِهَا وَقَدْ يَكُونُ الأَلَمُ مِنْ قرحَةِ، وَالْحَرَكَةُ نَبْضَ عِرْقٍ أَوْ تَكَبَدَ دَمٍ، أَوْ مُجَرَّدَ رِيحٍ يَنتَقِلُ مِنْ جِهَةِ الْبَطْنِ إِلَى أُخْرَى وَتُحِسُّهُ كَمَا تُحِسُّ حَرَكَةَ الْجَنِينِ تَمَامًا - سِيَّمَا اللَّاتِي يَتَعَلَّقْنَ بِأَزْوَاجِهِنَّ الرَّاغِبِينَ فِي النَّسْلِ - فَإِنَّ الْوَاحِدَةَ مِنْهُنَّ يَرُوقُهَا أَنْ تَعْتَبِرَ حَيْضَهَا اسْتِحَاضَةً لِمُجَرَّدِ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ وَقَتِهِ الْمُعْتَادِ، فَتُصَلَّي وَتَصُومُ وَيُبَاشِرُهَا زَوْجُهَا مَتَى جَاءَهَا مُتَوَهَّمَةٌ أَنَّهَا حَامِلِ، وَلَا حَيْضَ مَعَ حَبَلِ، وَلَرُبَّمَا مَضَتْ عَلَيْهَا سِنُونَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، وَكُلَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهَا أَجَابَتْ أَنَّ لَدَيْهَا رَاقِدًا فِي بَطْنِهَا، نَاهِيكَ أَنَّ بَعْضَ هَؤُلَاءِ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ، فَقَامَ بِنَفَقَتِهَا مُدَّةٌ، حَتَّى إِذَا مَا طَالَ أَمَدُ وِلَادَةِ الْجَنِينِ الْمُسْتَغْرقِ فِي نَوْمِهِ أَمْسَكَ عَنِ الإِنْفَاقِ، فَنَاصَبَتْهُ الْخُصُومَةَ بِدَعْوَى أَنَّهَا حَامِلٌ تَسْتَحِقُ النَّفَقَةَ، فَيُضْطَرُّ لِمُرَاجَعَتِهَا حَسْمًا لِلنَّزَاعِ، وَتَظَلُّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي عِصْمَتِهِ سِنِينَ أُخْرَى لَمْ تَتْرُكُ أَثْنَاءَهَا صَلَاةٌ وَلَا صِيَامًا وَلَا افْتِرَابًا مِنْ زَوْجِهَا، وَلاَ أَبْصَرَ الْمَوْلُودُ الْمُنتَظَرُ ضِيَاءَ الْحَيَاةِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ زَوْجُهَا، فَاصْطَدَمَتْ بِصَخْرَةِ الْمِيرَاتِ، فَإِذَا هِيَ حَائِلٌ لا حَامِلٌ إِذَاءَ هَذَا الْوَضْعِ الْغَرِيبِ الَّذِي لَا يَرْتَضِيهِ الشَّرْعُ وَلَا يُقِرُّهُ الْعِلْمُ وَلَا الْوَاقِعُ يَجِبُ عَلَى الْمُفْتِي - وَهُوَ طَبِيبُ الْأَدْيَانِ – أَنْ يَقِفَ مَوْقِفًا حَكِيمًا لا يُصَادِمُ نَضًا ثَبَتَ عَنِ الشَّارِعِ مِنْ جِهَةٍ، وَلاَ يَسْتَسْلِمُ لِوَسْوَاسِ الْمُوَسْوَسَاتِ أَوْ هَوَسٍ الْمُتَهَوِّسَاتِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى مَا دَامَ لَدَيْنَا مِنَ الْوَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ مَا يَكْشِفَ لَنَا عَنِ الْحَقِيقَةِ، وَيُمْكِنُنَا أَنْ نُجْرِيَ أَمْرَنَا عَلَى طَرِيقَةٍ عِلْمِيَّةٍ تَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا النَّفْسُ وَيَثْلِجُ لَهَا الصَّدْرُ، ذَلِكَ أَنْ نَنْظُرَ إِلَى حَالَاتِ الْمَرْأَةِ الْمُخْتَلِفَةِ فَإِذَا هِيَ: 1 - إِمَّا أَنْ يَأْتِيَهَا الدَّمُ قَبْلَ أَنْ تَتَحَقَّقَ بِالْحَمْلِ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ تُعْطِي لِلْحَيْضِ – سِيَّمَا إِذَا رَأَتْهُ فِي مُعْتَادِهَا اسْتِصْحَابًا لِلأَصْلِ - وَلاَ يَسُوعُ لَهَا أَنْ تُلْغِيَهُ لِمُجَرَّدِ أَنْ تَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِهِ الْمُعْتَادِ، أَوِ اعْتَرَاهَا شَكٍّ أَنَّهَا حَامِلٌ، فَإِذَا طَالَتْ بِهَا هَذِهِ الْحَالَةُ فَلاَ تَسْتَسْلِمُ لِلْوَسْوَاسِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَعْرِضَ
نَفْسَهَا عَلَى طَبِيبٍ إِمَّا أَنْ يُثْبِتَ وُجُودُ الْحَمْلِ وَإِمَّا أَنْ يَنْفِيَهُ، ثُمَّ تَعْمَلُ بِمُقْتَضَى نَظَرِ الطَّبِيبِ. 2 - وَإِمَّا أَنْ يَأْتِيَهَا الدَّمُ بَعْدَ التَّحَقُّقِ مِنَ الْحَمْلِ، وَسَوَاء تَحَقَّقَتْ ذَلِكَ بِالطَّبِيبِ، أَوْ بِالْأَمِينَاتِ الْعَارِفَاتِ، أَوْ بِنُمُوهِ نُمُوا طَبِيعِيًّا، فَإِنَّهَا تَعْتَبِرُ الدَّمَ حِينَئِذٍ دَمَ اسْتِحَاضَةٍ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "مَا كَانَ اللَّهُ لِيَجْعَلَ حَيْضًا مَعَ حَبَل". وَإِمَّا أَنْ يَأْتِيَهَا الدَّمُ بَعْدَ مُضِي سَنَةٍ بَيْضَاءَ قَمَرِيَّةٍ: 354 يَوْمًا عَلَى حَمْلِهَا الْمَزْعُومِ تَمَسُّكًا بِأَسْطُورَةِ الرَّاقِدِ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ تُعْطِي لِلْحَيْضِ قَوْلاً وَاحِدًا، وَلاَ هَوَادَةَ فِي ذَلِكَ؛ لأَنَّ الْعِلْمَ الصَّحِيحَ يَنْفِي (1/303)
صفحة 304
علام الإسـ
سلام
Astakatakatakatakatakaiska jelatakatalaisia alaislaislaiskaisla slatsilaisia alatala alatalarla
يَرَى أَنَّهَا تَصْنَعَ كَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَسُئِلَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ عَنِ الْمَرْأَةِ تَرَى الصُّفْرَةَ أَوِ الْكُدْرَةَ أَوِ الْحُمْرَةَ قَبْلَ وِلادَتِهَا بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، هَلْ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: لا، هُوَ دَاءُ جَاءَ أَحْيَانًا وَذَهَبَ أَحْيَانًا، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ رَأَتْ ذَلِكَ أَيَّامًا وَظَنَّتْ أَنَّهَا تَلِدُ فَتَرَكَتِ الصَّلاةَ وَالصَّوْمَ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ حَبَلْ قَدِ اسْتَبَانَ فَعَلَيْهَا بَدَلُ تِلْكَ
الصَّلاةِ وَالصَّوْمِ؛ لأَنَّ ذَلِكَ الدَّمَ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
في اليائسَةِ تَرَى الدَّمَ أَوْ شَيْئًا مِنْ تَوَابِعِهِ]
وَكَذَلِكَ الْبَائِسَةُ الَّتِي فَعَدَتْ عَنِ الْحَيْضِ بِالْكِبَرِ، فَإِنَّهَا إِذَا رَأَتِ الدَّمَ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ، وَتَصْنَعُ كَالْمُسْتَحَاضَةِ؛ لأَنَّ ذَلِكَ دَاءٌ لَيْسَ بِحَيْضِ، وَيَجُوزُ صَوْمُهَا وَصَلاتُهَا، وَإِنْ رَأَتْ صُفْرَةٌ تَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِ الإِياسِ، فَقِيلَ: خَمْسُونَ سَنَةٌ، وَقِيلَ: خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ سَنَةٌ، وَقِيلَ: سِتُّونَ.
[الأشياء التي تَقْطَعُ الحَيْضَ]
وَقِيلَ: يَقْطَعُ الْحَيْضُ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ: الْكِبَرُ، وَالْحَمْلُ، وَالرِّيَاحُ، وَالرَّضَاعُ، وَالْمَرَضُ فِي الغَالِبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
بَقَاءَ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ الأُمِّ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ بَيْضَاءَ بِإِجْمَاعِ الأَطِباءِ مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ، وَبِذَلِكَ يُقْضَى عَلَى خَلْطِ النِّسَاءِ وَخَبْطِهِنَّ فِي أَمْرِ طَهَارَتِهِنَّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ مُصححه. (1/304)
صفحة 305
الفصل الرابع
فِي دَمِ النَّفَاسِ
وَهُوَ الْخَارِجُ بِسَبَبِ الْوِلادَةِ، وَهُوَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ: حَيْضُ زَادَتْ أَيَّامُهُ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَعَ دَمِ الْحَيْضِ إِلا فِي طُولِ الْمُدَّةِ وَقِصَرِهَا. وَالدَّفْعَةُ الْوَاحِدَةُ مِنَ الدَّمِ تَكُونُ نِفَاسًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَيْسَ الْحَيْضُ كَذَلِكَ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَقْصَى النَّفَاسِ، فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: أَقْصَى النَّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، إِلا أَنْ تَرَى الظُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: كُنَّا نَقْعُدُ فِي النِّفَاسِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا إِلَّا أَنْ نَرَى الظُّهْرَ
قَبْلَ ذَلِكَ (1)، وقَالَ آخَرُونَ أَكْثَرُ النَّفَاسِ سِتُّونَ يَوْمًا، وَقِيلَ: تَسْعَوْنَ يَوْمًا. وَأَقَلُّ النَّفَاسِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا عَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَكَذَلِكَ أَدْنَى أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ عِنْدَهُمْ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَأَكْثَرُهَا سِتُّونَ يَوْمًا.
وَإِذَا وَضَعَتِ الْحَامِلُ تَرَكَتِ الصَّلاَةَ وَالصَّوْمَ، وَاجْتَنَبَهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ نِفَاسِهَا أَوْ تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَإِذَا رَأَتِ الظُّهْرَ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ، وَإِنْ لَمْ تَرَ الطُّهْرَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ انْتَظَرَتْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، تَصْنَعُ كَالْمُسْتَحَاضَةِ. وَإِنْ كَانَ لَهَا وَقْتُ دُونَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَإِذَا تَمَّ وَقْتُهَا وَلَمْ تَرَ الظُّهْرَ انْتَظَرَتْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا قَدَّمْنَا، ثُمَّ تَصْنَعُ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا تَصْنَعُ الْمُسْتَحَاضَةُ، وَإِنْ كَانَ وَقْتُهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا
(1) [رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب ما جاء في وقت النفساء، ر 311]. (1/305)
صفحة 306
قواعد الإس
وَانْقَطَعَ الدَّمُ دُونَهَا ثُمَّ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ أَيَّامًا، ثُمَّ رَاجَعَهَا الدَّمُ قَبْلَ أَرْبَعِينَ، فَفِي
إعَادَةِ صَلاتِهَا وَصِيَامِهَا قَوْلاَنِ.
وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ يَكُونُ وَقْتُهَا ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، فَتَحِيضُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ تَطْهُرُ، فَتَصُومُ
أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ يُرَاجِعُهَا الدَّمُ فِي النَّامِنِ، فَقُوْلَانِ فِي إِعَادَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ حُكْمَ النَّفَاسِ فِي وَقْتِهِ حُكْمُ الْحَيْضِ، وَلَوِ انْقَطَعَ دَمُ النَّفَاسِ ثُمَّ عَادَ بَعْدَمَا مُضِيّ طُهْرٍ تَامٌ فَهُوَ حَيْضُ، وَإِنْ عَادَ دُونَ الظُّهْرِ فَهُوَ نِفَاسُ، إِلَّا أَنْ
يَكُونَ النَّفَاسُ كَمُلَ بِالأَوَّلِ، فَلَا يَكُونُ مَا بَعْدَ انْتِظَارِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ نِفَاسًا. وَأَمَّا الدَّمُ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ التَّوْأَمَيْنِ فَفِي كَوْنِهِ نِفَاسًا لانْفِصَالِ الأَوَّلِ، أَوْ حَيْضًا لِبَقَاءِ الثَّانِي قَوْلَانِ فِي بَعْضِ الْآثَارِ.
وَحُكْمُ دَمِ النِّفَاسِ فِيمَا يَمْنَعُهُ وَفِي اقْتِضَاءِ الْغُسْلِ حُكْمُ دَمِ الْحَيْضِ. وَلا تَغْتَسِلُ مِنْ حَيْضِ أَوْ نِفَاسٍ حَتَّى تَرَى طُهْرًا بَيِّنَا، أَوْ تَخْرُجُ مِنْهُ بِالانْتِظَارِ، فَإِنِ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ عِنْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَرَى الظُّهْرَ البَيِّنَ، فَإِذَا رَأْتِ
الطَّهْرَ أَعَادَتِ الْغُسْلَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ.
وَاغْتِسَالُ الْحَائِضِ وَالتَّفَسَاءِ كَاغْتِسَالِ الْمُجْنِبَةِ، إِلَّا أَنَّ الْحَائِضَ تُؤْمَرُ بِنَقْضِ شَعْرِ رَأْسِهَا عِنْدَ الْغُسْلِ، وَتَغْسِلُهُ بِالرَّمْلِ أَوْ
بالطَّفْل وَتُمَشْطُهُ، ثُمَّ تَجْمَعُ الشَّعْرَ فَتَغْسِلُهُ، ثُمَّ تَدْفِنُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَبِهِ الْعَوْنُ وَالتَّوْفِيقُ. (1/306)
صفحة 307
تواعد الرس (1/307)
صفحة 308
قواعد
كتاب الصلاة (1/308)
صفحة 309
الرُّكْنُ الثَّانِي مِنَ الْكِتَابِ فِي الصَّلَاةِ وَأَقْسَامِهَا وَفَرَائِضِهَا وَسُنَنِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الْفَضَائِلِ
اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الرُّكْنَ يَنْحَصِرُ فِي مُقَدِّمَةٍ وَثَلاثِ جُمَلٍ، أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ فَتَشْتَمِلُ عَلَى ذِكْرِ أَقْسَامِ الصَّلَاةِ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالْمَسْنُونَاتِ وَمُتَطَوَّعِهَا مِنَ الْفَضَائِلِ
وَالْمُسْتَحَيَّاتِ.
اعْلَمْ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ فَرَضَ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ مِنْ عِبَادِهِ – بَعْدَ أَحْكَامٍ مَعْرِفَتِهِ وَتَصْدِيقِ أَنْبِيَائِهِ - عِبَادَاتِ الأَبْدَانِ، وَقَدَّمَهَا عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ مِنْ وَاجِبِ الْحُقُوقِ فِي الأَمْوَالِ؛ لأَنَّ النُّفُوسَ عَلَى الأَمْوَالِ أَشَحُ، وَبِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَبْدَانِ أَسْمَحُ، ثُمَّ قَدَّمَ فَرْضَ الصَّلَاةِ عَلَى سَائِرِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ؛ لأَنَّ الصَّلاةَ أَسْهَلُ فِعْلَا وَأَيْسَرُهُ عَمَلاً، جَعَلَهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى خُضُوع لَهُ رَهْبَةٌ مِنْ سَطْوَتِهِ وَعِقَابِهِ، وَمُتَضَمِّنَةٌ عَلَى تَضَرُّعِ وَابْتِهَالٍ إِلَيْهِ رَغْبَةٌ فِي ثَوَابِهِ وَفَضْلِهِ، بَعْدَ أَنْ شَرَعَ لَنَا شُرُوطًا لَأَزِمَةٌ مِنْ رَفْعَ الأحْدَاثِ وَإِزَالَةِ الأَنْجَاسِ، لِيَسْتَدِيمَ الْعَبْدُ النَّظَافَةَ لِلقَاءِ رَبِّهِ، وَالطَّهَارَةَ لأَدَاءِ فَرْضِهِ، ثُمَّ ضَمَّنَهَا تِلاوَةَ كِتَابِهِ الْمُنَزَّلِ لِيَتَدَبَّرَ مَا فِيهِ مِنْ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، وَيَعْتَبِرَ بِإِعْجَازِ لَفْظِهِ وَمَعَانِيهِ، ثُمَّ عَلَّقَهَا بِأَوْقَاتٍ لاَزِمَةٍ وَأَزْمَانٍ مُتَرَادِفَةٍ، لِيَكُونَ تَرَادُفُ أَزْمَانِهَا وَتَتابعُ أَوْقَاتِهَا سَبَبًا لاسْتِدَامَةِ الْخُضوعِ لَهُ وَالابْتِهَالِ إِلَيْهِ، حَتَّى لَا تَنْقَطِعَ الرَّهْبَةُ مِنْ عِقَابِهِ وَلَا الرَّغْبَةُ فِي ثَوَابِهِ، فَإِذَا لَمْ تَنْقَطِعِ الرَّهْبَةُ وَلَا الرَّغْبَةُ مِنْ قُلُوبِ الْخَلِيقَةِ أَذْعَنَتْ لِلْعُبُودِيَّةِ، وَذَلَّتْ وَاسْتَقَامَتْ عَلَى الطَّرِيقَةِ وَصَلُحَتْ، وَبِحَسَبِ قُوَّةِ الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ يَكُونُ اسْتِيفَاءُ الْفُرُوضِ عَلَى الْكَمَالِ، أَوِ التَّقْصِيرُ فِيهَا عَنْ حَالِ الْجَوَازِ، كَمَا جَاءَ عَنِ الرَّسُولِ أَنَّهُ قَالَ: "الصَّلَاةُ مِكْيَالٌ، فَمَنْ وَفَّى وُفِّيَ (1/309)
صفحة 310
قواعد الإسلام
لَهُ، وَمَنْ طَفَّفَ فَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي الْمُطَفِّفِينَ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ لِكُلِّ فَرْضِ مِنْ فَرَائِضِهِ تَوَابِعَ مَسْنُونَاتٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ وَلَوَاحِقَ مُتَطَوَّعَاتٍ، تَبَرَّعَتْ بِهَا أَنْفُسُ أَوْلِيَائِهِ لِيُشِيبَهُمْ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ أَفْضَلَ الثَّوَابِ وَيَنَالُوا عِنْدَهُ
بِذَلِكَ حُسْنَ الْمَثَابِ.
[أقسام الصلاة]
فَإِذا الصَّلَاةُ تَنْقَسِمُ إِلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: قِسْمُ فُرُوضِ، وَهِيَ نَوْعَانِ فَرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَفَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ كَالْجُمُعَةِ عَلَى مَنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ فِي مِصْرِ الإِمَامِ، وَكَصَلَاةِ الْمَيِّتِ عَلَى مَنْ حَضَرَهَا مِنَ الأَنَامِ، وَالْجُمُعَةُ أَيْضًا فَرْضُ عَيْنٍ؛ لأَنَّهَا بَدَل مِنَ الظُّهْرِ، وَلَكِنْ لَهَا أَحْكَامُ تُخَالِفُهَا.
وَالثَّاني: قِسْمُ سُنَنٍ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعِ، وَاجِبَاتٌ: كَالْوَتْرِ، وَصَلَاةِ الْمَيِّتِ أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ وَمُوَكَّدَاتٌ: كَرَكْعَتَيْ صَلاَةِ الْفَجْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ، وَرَكْعَتَيِ الطَّوَافِ، وَقِيَامِ رَمَضَانَ، وَسُجُودِ الْقُرْآنِ، وَمَرْغُوبَاتٌ:
كَكُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَالزَّلْزَلَةِ، وَصَلَاةِ الاسْتِسْقَاءِ، وَرَكْعَتَيِ الْإِحْرَامِ. الثَّالِثُ: قِسْمُ فَضَائِلَ: كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَانِ، وَقِيَامِ اللَّيْلِ، وَرَكْعَتَيِ السَّحَرِ، وَصَلاَةِ الضُّحَى، وَإِحْيَاءِ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ، وَأَشْبَاءِ ذَلِكَ.
الرَّابِعُ: قِسْمُ تَطَوُّعِ، وَهِيَ نَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا: كُلُّ صَلَاةٍ يَتَنَفَّلُ بِهَا فِي أَوْقَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ الثَّانِي: الصَّلاةُ الْمُخْتَصَّةُ بِالأَسْبَابِ، كَالصَّلَاةِ لِوَدَاعِ الْمَنْزِلِ عِنْدَ
(1) [رواه البيهقي، باب الترغيب في تحسين الصلاة، ر 3401] (2) [قال بعض علمائنا: إنهما سنة مؤكدة (انظر: المعتصم المعولي المعتمد في فقه الصلاة، ص
[(388 (1/310)
صفحة 311
قواعد الإس
الْخُرُوجِ إِلَى السَّفَرِ وَعِنْدَ الْقُدُومِ مِنْهُ، وَصَلاةِ الاسْتِخَارِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةِ الْحَاجَةِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةِ التَّسْبِيحِ أَرْبَعُ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الدُّعَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ التَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَصَلاَةِ الدَّهْرِ وَهِيَ عَشْرُ رَكَعَاتٍ، وَصَلَاةِ الرَّجَاءِ وَهِيَ أَرْبَعُ، وَصَلَاةِ الْأَجْرِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ).
(Y)
الْخَامِسُ: قِسْمُ مَمْنُوعِ الصَّلاَةِ، وَهِيَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَعِنْدَ غُرُوبِهَا، وَعِنْدَ تَوَسُّطِهَا فِي كَبِدِ السَّمَاءِ قَبْلَ أَنْ تَزُولَ، وَالصَّلَاةُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا خَلَاَ صَلاةَ الصُّبْحِ وَرَكْعَتَيْهِ، وَالْوِتْرِ إِنْ نَسِيَهُ أَوْ نَامَ عَنْهُ، وَبَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ إِلَّا لِمَنْ تَذَكَّرَ فَرْضًا أَوْ نَامَ عَنْهُ أَوْ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ، وَقَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَبَيْنَ الصَّلاتَيْنِ لِمَنْ قَرَنَهُمَا، وَالتَّنَفَّلُ لِمَنْ عَلَيْهِ فَرْضٌ خَرَجَ وَقْتُهُ أَوْ ضَاقَ، وَصَلاَةُ الرَّجُل وَحْدَهُ فِي الْمَسْجِدِ مُخَالِفًا لِلإِمَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(1) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ زِيَادَةُ: "وَصَلاةُ التَّسْبِيحَ رَكْعَتَانِ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهَا هُنَا. جمع المصنف بين الأوقات التي تحرم فيها الصلاة وبين الأوقات التي تكره فيها]
(2) (1/311)
صفحة 312
وقواعد الإسلام
الْجُمْلَةُ الأُولَى
فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَفَرَائِضِهَا وَسُنَنِهَا وَفَضَائِلِهَا
اعْلَمْ أَنَّ الصَّلاةَ بُنِيَتْ عَلَى أَرْكَانٍ وَفَرَائِضَ لَا تَصِحُ إِلَّا بِهَا، وَعَلَى سُنَنٍ لا تَتِمُ إِلا بِامْتِثَالِهَا، مَعَ الذِّكْرِ لَهَا أَوْ جَبْرِهَا بِالسُّجُودِ عِنْدَ السَّهْوِ عَنْهَا، وَعَلَى فَضَائِلَ
يُؤْجَرُ الْعَبْدُ بِإِحْرَازِهَا.
[فرائض الصلاة]
فَفَرَائِضُهَا مَعَ جُمْلَةِ شُرُوطِهَا عِشْرُونَ: عَشَرَةٌ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا، وَعَشَرَةٌ بَعْدَ
التَّلْبُسِ بِهَا.
فرائض الصلاة قبل الدخول فيها]
فَاللَّوَاتِي قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا إِحْدَاهَا: الطَّهَارَةُ مِنَ الْأَحْدَاثِ بِالْوُضُوءِ وَالاغْتِسَالِ إِنْ طَرَأَ عَلَى الإِنْسَانِ وَالثَّانِيَةُ: إِزَالَةُ النَّجَسِ قَبْلَ الطَّهَارَةِ. وَالثَّالِثَةُ: طَهَارَةُ التَّوْبِ وَطَهَارَةُ الْمُفْعَةِ الْمُصَلَّى عَلَيْهَا، وَالرَّابِعَةُ: دُخُولُ الْوَقْتِ لأَدَائِهَا، وَالْخَامِسَةُ: السَّتْرُ لِلْعَوْرَةِ فِي جُمْلَتِهَا مِنَ الرُّكْبَةِ إِلَى السُّرَّةِ لِلرَّجُلِ، وَلِلْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ جَمِيعُ جَسَدِهَا مَا خَلاَ الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ مِنْ زِينَتِهَا، وَالسَّادِسَةُ: الْقِيَامُ مَعَ (1/312)
صفحة 313
الْقُدْرَةِ فِي حَالِ عَمَلِهَا (1)، وَالسَّابِعَةُ: اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي جَمِيعِهَا، الثَّامِنَةُ: النِّيةُ بِالْقَلْبِ عِنْدَ التَّلَوُّسِ بِهَا التَّاسِعَةُ: اسْتِصْحَابُ حُكْمِ النِّيَّةِ فِي سَائِرِهَا،
وَالْعَاشِرَةُ: الْعِلْمُ بِكَيْفِيَّةِ امْتِثَالِهَا.
[فرائض الصلاة بعد الدخول فيها]
وَأَمَّا الْعَشَرَةُ الَّتِي بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهَا فَإِحْدَاهَا: الإِحْرَامُ بِلَفْظِ التَّكْبِيرِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ فِي أَوَّلِهَا، وَالثَّانِيَةُ: الْقِرَاءَةُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَصَاعِدًا، وَالثَّالِثَةُ: الرُّكُوعُ فِيهَا وَالرَّابِعَةُ: الاعْتِدَالُ فِي الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ، وَالْخَامِسَةُ: السُّجُودُ بَعْدَ الرُّكُوعِ، وَالسَّادِسَةُ: الْفَضْلُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَالاعْتِدَالُ فِيهِمَا، وَالسَّابِعَةُ: الْجُلُوسُ بَعْدَهُ، وَالثَّامِنَةُ: التَّحِيَّاتُ عَلَى الاخْتِلافِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي أَيَّتِهِمَا الْفَرِيضَةُ الأُولَى أَوِ الآخِرَةُ مِنْهُمَا، وَالتَّاسِعَةُ: تَرْتِيبُ الأَفْعَالِ فِي جَمِيعِهَا، وَالْعَاشِرَةُ: اسْتِصْحَابُ الْخُشُوعِ فِيهَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا.
[سنن الصلاة]
وَسُنَتْهَا عِشْرُونَ أَيْضًا إِحْدَاهَا: الأَذَانُ لَهَا فِي الْمَسَاجِدِ وَحَيْثُ الأَئِمَّةُ فَرْضُ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَسُنَّةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَالثَّانِيَةُ: الإِقَامَةُ لِلرِّجَالِ، وَالثَّالِثَةُ: الصَّلاَةُ بِالْجَمَاعَةِ ()، وَالرَّابِعَةُ: التَّوْجِيهُ، وَالْخَامِسَةُ: الاسْتِعَاذَةُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ، وَالسَّادِسَةُ: قِرَاءَةُ الْبَسْمَلَةِ، وَالسَّابِعَةُ: قِرَاءَةُ السُّورَةِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَلِرَكْعَتَيِ
(1) [ضمير الهاء هنا وما بعده يعود إلى الصلاة وليس إلى المرأة الأقرب مذكور]. (2) [يرى بعض علمائنا أن صلاة الجماعة فرض عين (انظر: المعتصم المعولي: المعتمد في فقه
الصلاة، ص
[275
(3) [قراءة البسملة مع الحمد واجبة. (انظر المعولي: المعتمد في فقه الصلاة، ص 217 - 219)]. (1/313)
صفحة 314
قواعد الإسلام
الْفَجْرِ، وَالثَّامِنَةُ: الْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي مَوْضِعِ الْجَهْرِ، وَهِيَ فِيمَا قَدَّمْنَا مَعَ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَالتَّاسِعَةُ: الإِسْرَارُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَآخِرِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَالْعَاشِرَةُ: الإِنْصَاتُ لِقِرَاءَةِ الإِمَام إِذَا جَهَرَ، وَالْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قِرَاءَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ لِلْمَأْمُومِ وَرَاءَ الإِمَامِ، وَالثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: التَّكْبِيرُ مَعَ كُلِّ خَفْضِ وَرَفْعِ إِلا عِنْدَ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ فَيَقُولُ الإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَيَقُولُ الْفَذُ وَرَاءَ الإمام: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَالثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: التَّعِظيمُ فِي حَالِ الرُّكُوعِ، وَالرَّابِعَةَ عَشَرَةَ: التَّسْبِيحُ فِي حَالِ السُّجُودِ، وَالْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: السُّجُودُ عَلَى سَبْعَةِ آراب)، والسَّادِسَةَ عَشْرَةَ: التَّحِيَّاتُ مَعَ الإِسْرَارِ بِهَا (3)، وَالسَّابِعَةَ عَشْرَةَ: التَّسْلِيمُ مِنْهَا، وَالثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: التَّيَامُنُ بِالسَّلَامِ عَلَى الْيَمِينِ ثُمَّ الْيَسَارِ، وَالتَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: الدُّعَاءُ بَعْدَ الصَّلاَةِ، وَالْعِشْرُونَ: الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ:
[فضائل الصلاة]
وَفَضَائِلُهَا عَشْرُ إِحْدَاهَا: الأذَانُ لِلْمُسَافِرِ، وَالثَّانِيَةُ: الإِقَامَةُ لِلنِّسَاءِ، وَالثَّالِثَةُ: تَوْجِيهُ إِبْرَاهِيمَ، وَالرَّابِعَةُ: إِطَالَةُ الْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ، وَتَخْفِيفُهَا فِي الْمَغْرِبِ، وَتَوَسُّطُهَا فِي الْعِشَاءِ، وَالْخَامِسَةُ: مُبَاشَرَةُ الْأَرْضِ بِالْجَبْهَةِ وَالْكَفَّيْنِ عِنْدَ السُّجُودِ مَعَ إِيصَالِ الأَنْفِ، وَالسَّادِسَةُ: التَّجَافِي فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ
ص
[(217 - 215
(1) [قراءة الفاتحة ركن للإمام والمأموم. (انظر: المعتمد في فقه الصلاة. (2) [(السجود على سبعة آراب فرض (انظر: المعتمد في فقه الصلاة، ص 226، 227)]. (3) [لعل المؤلف يقصد التحيات الأولى؛ لأن التحيات الأخيرة ركن أو فرض (انظر: المعتمد في فقه الصلاة، ص 230)].
(4) [التسليم ركن في الصلاة (انظر: المعتمد في فقه الصلاة، ص 232)]. (5) [لقد سبق أن السجود على سبعة آراب فرض ولا أدري ما الداعي إلى تكراره هنا وجعله من
فضائل الصلاة؟]. (1/314)
صفحة 315
بِالصَّبُعَيْنِ وَلا يَضُمُّهُمَا، وَالسَّابِعَةُ: الدُّنْوَ مِنَ السُّتْرَةِ لِلإِمَامِ وَالْفَذ، وَالثَّامِنَةُ: الصَّلاةُ أَوَّلَ الْوَقْتِ، وَالتَّاسِعَةُ: وَضْعُ الْبَصَرِ فِي مَوْضِعِ السُّجُودِ، وَالْعَاشِرَةُ: الْمَشْيُ إِلَيْهَا بِالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[مكروهات الصلاة]
وَمَكْرُوهَاتُهَا اثْنَا عَشْرَةَ إِحْدَاهَا: صَلاةُ الرَّجُل وَهُوَ يُدَافِعُ الأَخْبَتَيْنِ، والثانية: الالْتِفَاتُ قَلِيلاً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَى مَنْ خَلْفَهُ، وَالثَّالِثَةُ: تَحَدُّثُ النَّفْسِ بِأُمُورِ الدُّنْيَا، وَالرَّابِعَةُ: الْعَبَثُ بِشَيْءٍ مِنْ جَوَارِحِهِ، وَالْخَامِسَةُ: الإِفْعَاءُ، وَهُوَ الْجُلُوسُ عَلَى الأَلْيَتَيْنِ مَعَ نَصْبِ الْفَخِذَيْنِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ فِي التَّشَهْدِ، وَالسَّادِسَةُ: الصَّفَنُ، وَهُوَ رَفْعُ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ كَمَا تَفْعَلُ الدَّابَّةُ عِنْدَ الْوُقُوفِ، وَالسَّابِعَةُ: الصَّفَدُ، وَهُوَ ضَمُّ الْقَدَمَيْنِ فِي الْقِيَامِ كَالْمُكَبَّلِ، وَالثَّامِنَةُ: الصَّلَبُ، وَهُوَ فِيمَا وَجَدْتُ وَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الْخَاصِرَتَيْنِ وَتَجَافِي الْعَضُدَيْنِ فِي حَالِ الْقِيَامِ كَصِفَةِ الْمَصْلُوبِ، وَفِي مَعْنَاهُ الاخْتِصَارُ، وَالتَّاسِعَةُ: الصَّلَاةُ بِالتَّلَثْمِ، وَالْعَاشِرَةُ: كَتُ الثَّوْبِ أَوِ الشَّعْرِ لأَجْلِ الصَّلاةِ، وَالْحَادِيَةَ عَشْرَةَ الْحَمْلُ فِي الْقَمِ أَوْ فِي غَيْرِهِ مِمَّا يَشْغَلُ عَنِ الصَّلاةِ، وَالثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أَنْ يُصَلِّي وَهُوَ مَشْغُولُ الْخَاطِرِ بِغَضَبٍ أَوْ نُعَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ حُضُورِ طَعَامٍ أَوْ خَلَاءٍ مِمَّا يَشْغَلُهُ عَنْ فَهْمِ صَلَاتِهِ، وَمَا أَشْبَهَ مَا
ذَكَرْنَا.
مفسدات الصلاة]
وَمُفْسِدَاتُهَا كَثِيرَةٌ، وَهِيَ تَرْكُ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهَا أَوْ فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِهَا كَتَرْكِ النِّيَّةِ أَوْ قَطْعِهَا، أَوِ الْقِرَاءَةِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ، عَمْدًا تَرَكَ ذَلِكَ أَوْ جَهْلاً أَوْ سَهْوًا، إِلا خَطَأَ الْقِبْلَةِ بَعْدَ الاجْتِهَادِ فِي التَّحَرِّي أَوَّلاً، أَوْ تَرْكِ سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِهَا، أَوْ (1/315)
صفحة 316
قواعد الإس
تَرْكِ أَكْثَرِ التَّكْبِيرِ أَوِ التَّعْظِيمِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، إِنْ فَاتَتْ جَبَرَهَا بِسُجُودِ السَّهْوِ، وَكَذَلِكَ الزَّيَادَةُ بِالسَّهْوِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ فِيهَا، وَالرّدَّةُ، وَالْقَهْقَهَةُ كَيْفَ كَانَتْ، وَالْكَلَامُ لِغَيْرِ إِصْلاح الصَّلاةِ، وَالأَكْلُ وَالشَّرْبُ فِيهَا، وَالْعَمَلُ الْكَثِيرُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا، وَغَلَبَةُ الْهَمَّ أَوِ الْحَقْنُ حَتَّى يَشْغَلَهُ عَنْهَا وَلا يَفْقَهَ مَا صَلَّى، وَالاتِّكَاءُ فِي حَالِ قِيَامِهِ عَلَى حَائِطٍ أَوْ عَصَى بِغَيْرِ عُدْرٍ مِمَّا لَوْ أَزِيلَ عَنْهُ ذَاكَ لَسَقَطَ، أَوْ ذِكْرُ صَلَاةِ فَرْضِ يَجِبُ تَرْتِيبُهَا عَلَيْهِ، وَالصَّلاةُ فِي الْكَعْبَةِ أَوْ عَلَى ظَهْرِهَا، وَحُدُوثُ الْمَاءِ عَلَى الْمُتَيمِّمِ فِيهَا، وَاخْتِلافِ نِيَّةِ الْمَأْمُومِ وَإِمَامِهِ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ فَسَادُ صَلَاةِ إِمَامِهِ يُفْسِدُهَا أَيْضًا، وَمَا أَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا، فَكُلُّ هَذَا يُفْسِدُ الصَّلاةَ.
وَسَنَسُوقُ إِنْ شَاءَ اللهُ مَا يَنْبَغِي مِنْ تَقْسِيمَاتِ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ مَعَ سُنَنِهَا حَتَّى يَضْبطَهَا الْمُسْتَرْشِدُ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. (1/316)
صفحة 317
الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ
فِي تَفْصِيلِ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ وَسُنَنِهَا عَلَى مَا يَنْبَغِي
أَمَّا الطَّهَارَةُ مِنَ الأَحْدَاثِ فَقَدْ ذَكَرْنَاهَا، وَهِيَ شَرْطُ فِي الصَّلَاةِ فِي الابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ، حَتَّى لَوْ أَحْدَثَ فِي الصَّلاَةِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا لَبَطَلَتْ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ مَا خَلاَ الأَحْدَاثَ الثَّلاثَةَ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا الْحَدِيثُ أَنَّهَا لَا تَنْقُضُ الصَّلاةَ، وَهُوَ قَوْلُ الرَّسُولِ: "الْقَيْء وَالرُّعَافُ وَالْخَدِشُ لَا يَنْقُضْنَ الصَّلَاةَ، فَإِذَا انْفَلَتَ الْمُصَلِّي بِهَا تَوَضَّأَ وَبَنَى عَلَى صَلاتِهِ (1)
(2)
الفريضة الأولى]: وَأَمَّا طَهَارَةُ الثَّوْبِ فَهِيَ شَرْطُ فِي صِحَّةِ الصَّلاةِ، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَثِيَابَكَ فَطَرْ (2) وَلِمَا رُوِيَ فِي السُّنَّةِ مِنْ أَمْرِهِ بِغَسْلِ النَّجَاسَةِ مِنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَإِنْ صَلَّى بِثَوْبٍ نَجِسٍ فَلَا صَلَاةَ لَهُ، عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوَا ذَاكِرًا كَانَ أَوْ نَاسِيّا، وَعَلَيْهِ الإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَتْ نُطْفَةٌ لا يَدْرِي مَتَى حَدَثَتْ فَلْيُعِدْ مِنْ آخِرِ نَوْمِهِ، وَإِنْ كَانَ غَائِطًا فَلْيُعِدْ مِنْ آخِرِ قَعْدَةٍ، وَإِنْ كَانَ دَمًا فَلْيَحْتَطْ لِنَفْسِهِ، وَقَالَ مَنْ قَالَ فِيمَنْ جَهِلَ حُدُوثَ النَّجَاسَةِ فِي الثَّوْبِ جُمْلَةٌ: فَإِنَّهُ يُعِيدُ صَلاةَ يَوْم وَلَيْلَةٍ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُ ثَوْبَيْهِ نَجِسًا وَلا يُفْرِزُهُ فَلْيُصَلِّ بِكُلِّ وَاحِدٍ صَلاةٌ، وَقِيلَ: يَتَحَرَّى الطَّاهِرَ مِنْهُمَا فِي غَالِبٍ ظَنِّهِ؛ لأَنَّ الأَصْلَ فِيهِمَا الطَّهَارَةُ، وَالأَوَّلُ أَحْوَطُ، وَإِنْ أَصَابَ بَعْضَ ثَوْبِهِ نَجَسٌ وَلَمْ
(1) [رواه الربيع، كتاب الطهارة، باب ما يجب منه الوضوء، ر 113 (دون ذكر: الخدش)]. (2) الْمُدَّثر: 4. (1/317)
صفحة 318
قواعد الإست
يَعْلَمْ مَوْضِعَهُ لَمْ يَجُزِ التَّحَرِّي وَغَسَلَ جَمِيعَهُ لِتَيَقُنِ النَّجَاسَةِ فِيهِ بَعْدَ الإِصَابَةِ، وَلَوْ شَقَّهُ نِصْفَيْنِ لَمْ يَجُزِ التَّحَرِّي لِجَوَازِ أَنْ تَنْقَسِمَ النَّجَاسَةُ فِيهِمَا، وَلَوْ تَحَقَّقَ أَنَّ
به
النَّجَاسَةَ أَصَابَتْ أَحَدَ الْكُمَّيْنِ فَغَسَلَهُمَا أَوْ قَطَعَهُمَا جَمِيعًا جَازَتِ الصَّلَاةُ إِجْمَاعًا، وَإِذَا رَأَى النَّجَاسَةَ فِي ثَوْبِهِ فِي الصَّلاةِ اسْتَأْنْفَهَا بِإِقَامَةٍ جَدِيدَةٍ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ.
الفريضة الثانية]: وَأَمَّا الْبَدَنُ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَطْهِيرُهُ بِالْغُسْلِ أَوْ بِالْمَسْحَ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ الْمَسْحُ مِنَ الْمَوَاضِعِ الْمُلْسِ قَبْلَ الطَّهَارَةِ، وَإِنْ نَسِيَ النَّجَسَ فِي رِجْلِهِ أَوْ فِي غَيْرِهَا مِنْ بَدَنِهِ حَتَّى صَلَّى فَلْيُعِدِ الصَّلاةَ بَعْدَ غَسْلُ النَّجَاسَةِ وَالتَّوَضُّوِ بَعْدَهَا، وَكَذَلِكَ إِنِ الْتَصَقَتْ بِهِ الْمَيْتَةُ عَلَى هَذَا الْحَالِ.
وَأَمَّا الثَّوْبُ إِنْ غَسَلَهُ غَيْرُهُ فَلاَ يُعِيدُ الْوُضُوءَ وَلْيُعِدِ الصَّلاةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا فِي تَعَلُّقِ النَّجَاسَةِ بِهِ فَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَذَلِكَ فِي رَجُلٍ نَهَشَتْهُ أَفْعَى مِنْ رِجْلِهِ، فَجَعَلَ رِجْلَهُ فِي جَوْفِ كَلْبِ مَذْبُوحٍ، فَرُخْصَ لَهُ أَنْ يُصَلِّي كَذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الفريضة الثالثة]: وَأَمَّا طَهَارَةُ الْبُقْعَةِ فَهِيَ أَيْضًا مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ الَّتِي لَا تَصِحُ إِلا بِهَا الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَمْرُ النَّبِيِّ بِصَبِّ الذَّنُوبِ مِنَ الْمَاءِ عَلَى بَوْلِ الأَعْرَابِيِّ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ لا تَجُوزُ الصَّلاةُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَنْجَاسِ، وَالْمُشْتَرَطُ مِنْ طَهَارَةِ الْمَكَانِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا يَمَسُّ بَدَنَ الْمُصَلَّى عِنْدَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالسُّجُودِ طَاهِرٌ، فَلَوْ صَلَّى عَلَى حَصِيرٍ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا يَنتَقِلُ وَطَرَفُهُ مُتَصِلٌ بِنَجَاسَةٍ فَفِي إِنْزَالِهَا مَنْزِلَةَ الْمُتَّصِل بِهِ قَوْلاَنِ وَالاخْتِيَارُ فِي جَوَابَاتِ أَبِي سَهْلِ
(2)
اللالوتي (2) أَنْ لَا تَفْسُدَ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ.
(1) [سبق تخريجه].
(2) [تقدمت ترجمته]. (1/318)
صفحة 319
وَمِمَّا يَتَّصِلُ بِمَكَانِ الصَّلَاةِ نَهْيُهُ عَنِ الصَّلاةِ فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ: الْمَزْيَلَةُ، وَالْمَجْزَرَةُ، وَقَارِعَةُ الطَّرِيقِ، وَبَطْنُ الْوَادِي، وَالْحَمَّامُ، وَظَهْرُ الْكَعْبَةِ، وَمَعَاطِنُ الإبل) وَهُوَ مُجْتَمِعُهَا عِنْدَ الصَّدْرِ عَنِ الْمَنْهَل.
(1)
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، فَبَعْضُ كَرِهَهَا، وَبَعْضُ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْمَقْبَرَة (2) فَقَط، وَبَعْضُ الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ، وَالأَصَحُ أَنَّ الْمَقْبَرَةَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا لَا تَجُوزُ الصَّلاةُ عَلَيْهَا، لِقَوْلِ النَّبِيِّ: لَعَنَ اللَّهُ أَقْوَامًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ (4)، وَكَذَلِكَ ظَهْرُ الْكَعْبَةِ، لِنَهْي الرَّسُولِ عَنْ ذَلِكَ)، وَلِقَوْلِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ لِلْمُصَلِّي عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ: مَنِ الْمُصَلِّي؟ لا قِبْلَةَ لَهُ. وَأَمَّا الْمَزْبَلَةُ وَالْمَجْزَرَةُ فَتَجُوزُ الصَّلاَةُ عِنْدَهُمْ عَلَيْهِمَا بَعْدَ طَهَارَتِهِمَا بِمَطَرٍ سَنَةٌ، وَمَعَاطِنُ الإِبِلِ كَذَلِكَ، وَأَمَّا الْحَمَّامُ فَالصَّلاةُ فِيهِ فِي الْمَوَاضِعِ الطَّاهِرَةِ مِنْهُ مَكْرُوهَةٌ، وَكَذَلِكَ بَطْنُ الْوَادِي وَقَارِعَةُ الطَّرِيقِ مَعَ عَدَمِ الْمَضَرَّةِ فِيهِ لأَحَدٍ، وَالأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ: جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرَابُهَا طَهُورًا، فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ فَصَل (1)، إِلا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْمَوَاضِعِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ
فيها.
6
(7) n
وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةٍ نَهْيِهِ عَنِ الصَّلاةِ فِي مَعَاطِنِ الإِبِلِ دُونَ مَرَابِضِ الْغَنَمِ، فَقِيلَ: لأَجْل نَجَاسَتِهَا، وَقِيلَ: لاَ يُؤْمَنُ نِفَارُهَا، وَقِيلَ: لِزُفَرَتِهَا، وَقِيلَ: لِكَوْنِهَا
(1) [رواه الترمذي، باب ما جاء في كراهية ما يصلي إليه وفيه، 346].
(2) [ذكرت المقبرة في الحديث ولم يذكرها ضمن السبعة هنا]
(3) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ" [رواه الترمذي، باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام، ر 317].
(4) [مسند الربيع، الأخبار المقاطيع عن جابر بن زيد، ر 980].
(5) [للحديث المتقدم].
(1) [رواه الربيع، باب فرض التيمم والعذر الذي يوجبه، ر 167 دون ذكر: فحيثما أدركتك الصلاة فصل)، والبخاري، باب قول اله تعالى {ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب}، (3243]. (1/319)
صفحة 320
قواعد الإسلام
يَسْتَتِرُ بِهَا الإِنْسَانُ فِي الْعَادَةِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَقِيلَ: لأَنَّهَا مِنْ جِنْ خُلِقَتْ، وَالْكَنِيفُ (1) عِنْدَ أَصْحَابِنَا لا يُصَلَّى إِلَيْهِ، إِلا إِذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُصَلِّي سُتْرَتَانِ: جِدَارَانِ، أَوْ حَصِيرَانِ بَيْنَهُمَا فُرْجَةٌ. وَاخْتُلِفَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، فَقِيلَ: لا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْغَاصِبُ وَلاَ غَيْرُهُ، وَقِيلَ: جَائِزَةٌ صَلَاةُ الْجَمِيعِ، وَقِيلَ بِإِبْطَالِ صَلَاةِ الْغَاصِبِ دُونَ غَيْرِهِ. وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي الصَّلَاةِ فِي الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ، فَكَرِهَهَا قَوْمٌ، وَأَجَازَهَا آخَرُونَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَجَسٌ وَتَمَاثِيلُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ لِقَوْلِ عُمَرَ له: لا تَدْخُلُوا كَنَائِسَهُمْ مِنْ أَجْلِ التَّمَاثِيلِ (3). وَفَرَّقَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ فَأَجَازُوا الصَّلَاةَ فِي الَّتِي بُنِيَتْ قَبْلَ الإِسْلَامِ، وَأَبْطَلُوهَا فِيمَا
بُنِي بَعْدَهُ، وَهُوَ أَسْبَقُ إِلَى النَّفْسِ.
(£)
وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى إِجَازَةِ الصَّلاَةِ عَلَى الأَرْضِ وَمَا أَنْبَتَتْ، مَعْمُولًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَعْمُولٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي السُّجُودِ عَلَى غَيْرِ مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ، فَكَرِهَ ذَلِكَ أَصْحَابُنَا وَأَكْثَرُ الأُمَّةِ مِنْ غَيْر بُطْلانِ الصَّلاَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْجِنِّ وَنَحْوِهِ وَلَمْ يُجِيرُوهَا عَلَى الرَّمَادِ وَالْهَكَ (3) وَالْحَرِيرِ وَالإِبْرِيسَم (4) وَالْمَاءِ وَالطِّينِ وَالْوَحْلِ وَنَحْوِهِ، وَكَذَلِكَ الْحَدِيدُ وَالرَّصَاصُ وَالْقَصْدِيرُ وَالتَّحَاسُ وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْمِلْحُ وَالشَّبُّ وَالْمَغْرَ () وَالنُّورَةُ وَالزِّرْنِيجُ ()، إِلَّا إِنِ اخْتَلَطَ أَحَدُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَعَ التُّرَابِ حَتَّى غَلَبَ عَلَيْهَا. وَأَمَّا النَّجَاسَةُ إِذَا كَانَتْ عَنْ يَمِينِ الْمُصَلِّي أَوْ شِمَالِهِ فَقَدْ أَجَازُوا صَلَاتَهُ إِذَا لَمْ تَمَسَّهُ النَّجَاسَةُ، وَإِذَا كَانَتْ فِي قِبْلَتِهِ فَحَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مِقْدَارُ ثَلاثَةِ أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوِهَا، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُصَلِّي إِلَّا عَلَى مَكَانٍ طَاهِرٍ
(1) [الكنيف: مكان قضاء حاجة الإنسان].
(2) [رواه البخاري، باب الصلاة في البيعة، 167/ 1].
(3) [الهك: الفساء والذرق]
(4) [الإبريسم: الحرير الخالص).
(5) [المغرة: طين أحمر يُصبغ به].
(6) [النورة والزرنيخ مادتان يُطلى بهما لإزالة الشعر]. (1/320)
صفحة 321
قواع
مُتَمَكِّن فِيهِ الْمُصَلِّي، لَيْسَ بِمَنْهِي عَنْهُ وَلا بِقُرْبِهِ النَّجَاسَةُ، وَقَدْ كَرِهَ الرَّبِيعُ أَنْ يَكُونَ مُغْتَسَلُ الرَّجُلِ فِي مُؤَخِّرِ الْمَسْجِدِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ذِرَاعَانِ أَوْ ذِرَاعٌ، هَذَا إِذَا كَانَ الْمُغْتَسَلُ طَاهِرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
الْفَرِيضَةُ الرَّابِعَةُ: دُخُولُ الْوَقْتِ لَأَدَائِهَا وَفِيهِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ:
الأول: في الأَوْقَاتِ الْمَأْمُورِ بِالصَّلَاةِ فِيهَا.
وَالثَّانِي: فِي الأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا. وَالثَّالِثُ فِي أَوْقَاتِ الْمَعْذُورِينَ. (1/321)
صفحة 322
قواعد الإن
الفصل الأول
فِي الْأَوْقَاتِ الْمَأْمُورِ بِهَا
وَفِيهِ خَمْسُ مَسَائِلَ وَقَدِ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ لِلصَّوَاتِ الْخَمْسِ أَوْقَانًا هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَتِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبا
مَوْقُونَا، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنَ الأَوْقَاتِ مَا هُوَ فَضِيلَةٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ تَوْسِعَةٌ. الْمَسْأَلَةُ الأُولَى فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ الَّذِي لاَ تُصَلَّى قَبْلَهُ هُوَ زَوَالُ الشَّمْسِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ ظُهُورِ بِدَايَةِ انْحِطَاطِهَا عَنْ نِهَايَةِ ارْتِفَاعِهَا الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ (2) يَعْنِي: زَوَالِهَا، وَبِمَا صَحَ فِي تَوَاتُرِ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِدُلُوكِهَا.
وَقَدْ وَضَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ عَلَامَاتٍ:
إِحْدَاهَا: مَعْرِفَةُ ظِلُّ الزَّوَالِ بِالأَقْدَامِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الشُّهُورِ الْعَجَمِيَّةِ، وَذَلِكَ يَعْسُرُ عَلَى الْعَوَامُ؛ لأَنَّهُ لا يَصِحُ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ دُخُولِ الشَّهْرِ الْعَجَمِيِّ، وَالَّذِي يَقْرُبُ إِلَى أَفْهَامِ الْعَوَامُ ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ: إِحْدَاهَا: مَعْرِفَةً ظِلَّ الْأَشْخَاصِ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ
(1) النِّسَاء: 103.
(2) الإسراء: 78.
(3) [رواه مسلم، باب أوقات الصلوات الخمس، ر 1424]. (1/322)
صفحة 323
قواع
شَخْصٍ لا بُدَّ أَنْ يَقَعَ لَهُ فِي ابْتِدَاءِ النَّهَارِ ظِلِّ مُسْتَطِيلٌ فِي جَانِبِ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ لَا يَزَالُ يَنْقُصُ إِلَى وَقْتِ الزَّوَالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِالزِّيَادَةِ فِي جِهَةِ الْمَشْرِقِ، وَلَا يَزَالُ يَزِيدُ إِلَى الْغُرُوبِ. وَإِذَا أَرَادَ الإِنْسَانُ مَعْرِفَةَ دُخُولِ الْوَقْتِ بِالظَّلِّ فَلْيَقُمْ فِي مَوْضِعِ أَوْ يَنْصُبَ عُودًا مُسْتَقِيمًا، وَلْيُعَلَّمْ عَلَى رَأْسِ الظُّل، ثُمَّ لِيَنْظُرْ بَعْدَ سَاعَةٍ، فَإِن رَأَىهُ فِي النُّقْصَانِ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بَعْدُ وَقْتُ الصَّلاَةِ، وَالطَّرِيقُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْبَلَدِ وَقتَ الأَذَانِ الْمُعْتَمَدِ عَلَيْهِ إِلَى ظِلٍّ قَامَتِهِ، فَإِذَا كَانَ مِثْلَ ثَلَاثَةِ أَقْدَامٍ بِقَدَمِهِ، فَمَهْمَا صَارَ كَذَلِكَ فِي غَيْرِ الْبَلَدِ وَأَخَذَ فِي الزِّيَادَةِ صَلَّى، ثُمَّ إِذَا زَادَ عَلَيْهِ سِتَّةُ أَقْدَامٍ وَنِصْفُ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ؛ إِذْ ظِلَّ كُلِّ شَخْصٍ بِقَدَمِهِ سِتَّةُ أَقْدَامٍ وَنِصْفٌ بِالتَّقْرِيبِ، ثُمَّ ظِلُّ الزَّوَالِ يَزِيدُ كُلَّ يَوْمٍ فِي ابْتِدَاءِ الصَّيْفِ وَيَنْقُصُ كُلَّ يَوْمٍ فِي أَوَّلِ
الشَّتَاءِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالْعَلامَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَاقِفًا، غَاضًا عَيْنَهُ الْيُمْنَى نَاظِرًا بِالْيُسْرَى، فَإِنْ لَمْ يُبْصِرْ عَيْنَ الشَّمْسِ فَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الظُّهْرِ؛ لأَنَّ الشَّمْسَ حِينَئِذٍ عَلَى قَرْنِهِ الأَيْمَنِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُبْصِرْهَا، وَذَلِكَ لاَ يَكُونُ إِلا بَعْدَ انْحِطَاطِهَا عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ. وَالْعَلامَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَسْتَدِلَّ بِالشَّمْسِ إِذَا قَطَعَتْ أَكْثَرَ السَّمَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
(1) كَانَ الْمُؤَذِّنُونَ - وَمَا بِالْعَهْدِ مِنْ قِدَم - يُحَدِّدُونَ أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ بِالْأَقْدَامِ خُصُوصًا فِي الْجَنُوبِ الْجَزَائِرِيِّ وَعَلَى الْأَخَصُ فِي مِيزَاب، أَمَّا الآنَ فَقَدِ اسْتَقَرَّ الْعَمَلُ عَلَى التَّوْقِيتِ الْفَلَكِيِّ وَاعْتِمَادِ السَّاعَةِ الزَّمَنِيَّةِ فِى كَامِل الْقُطْرِ الْجَزَائِرِيِّ، بَلْ وَالْعَالَمِ الإِسْلامِي بِأَجْمَعِهِ، فَلَا نَكَادُ نَجِدُ الْيَوْمَ مُؤَدِّنَا لَيْسَتْ لَهُ سَاعَةٌ زَمَنِيَّةٌ يَعْتَمِدُهَا فِي مَعْرِفَةِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ، وَقَدِ اعْتَنَتْ وَزَارَةُ التَّعْلِيمِ الأَصْلِي وَالشُّنُونِ الدِّينِيَّةِ - تَوْحِيدًا لِهَذِهِ الشَّعِيرَةِ الدِّينِيَّةِ - بِضَبْطِ مَوَاقِيتِ الصَّلَوَاتِ فِي يَوْمِيَّةً تُوَزِّعُهَا دِرَاكًا [أَي تِبَاعًا عَلَى مَسَاجِدِ الْقُطْرِ، ثُمَّ إِنَّ مِمَّا عَمَّمَ هَذَا التَّوْقِيتَ وَصَيَّرَهُ فِي مَيْسُورٍ كُلِّ فية أَحَدٍ نَشْرَ الْمَوَاقِيتِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْجَرِيدَةِ الْيَوْمِيَّةِ، وَهَكَذَا يَرْفَعُ الْحِسَابُ الْفَلَكِيُّ الَّذِي يَضْبِطُ الأَوْقَاتَ بِدِقَّةٍ عَنِ الْمُؤَذِّنِينَ كُلْفَةَ تَحْدِيدِ الْمَوَاقِيتِ بِالأَقْدَامِ الَّذِي يَخْتَلِفُ زِيَادَةً وَنَقْصًا بِاخْتِلافِ فُصُولِ السَّنَةِ، وَلَا يَكَادُ الْمُؤَذِّنُونَ كُلُّهُمْ يُنقِنُونَهُ، وَهَكَذَا تَتَوَحْدُ مَوَاقِيتُ الْعِبَادَةِ فِي سَائِرِ نَوَاحِي الْبِلادِ، وَهُوَ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ الإِسْلامُ دِينُ التَّوْحِيدِ وَالْوَحْدَةِ. اهـ مُصححه. (1/323)
صفحة 324
اد الإسـ
Yaslackiskiskiskolaisla talataiatzlatzlatdadadadadadadadadadadadada
(1)
وَاخْتُلِفَ فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ الْمُوَسَّعِ، فَقِيلَ: إِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ فِي الصَّيْفِ وَمِثْلَيْهِ فِي الشَّتَاءِ، وَقِيلَ: الْمِثْلُ آخِرَ الظُّهْرِ وَأَوَّلَ الْعَصْرِ، فَيَبْقَى الْوَقْتُ بَيْنَهُمَا مُشْتَركًا، إِلا أَنْ يَتَجَاوَزَ زِيَادَةُ الظَّلِّ الْمِثْلَ، فَيَنْحَصِرُ حِينَئِذٍ الْوَقْتُ لِلْعَصْرِ خَاصَّةٌ، وَقِيلَ: بَل الاشْتِرَاكُ فِي الْقَامَةِ الأُولَى، فَيَكُونُ مَا قَبْلَهَا بِقَدْرِ مَا تُوقَعُ فِيهِ إِحْدَى الصَّلاتَيْنِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ هَذَا الرَّأْيِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ: لا يَخْرُجُ وَقْتُ الصَّلاَةِ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الأُخْرَى الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي أَوَّلِ وَقْتِ صَلاَةِ الْعَصْرِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا، فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هُوَ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ بِعَيْنِهِ، وَذَلِكَ إِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَهُوَ وَقْتُ مُشْتَرَكُ لِلصَّلاتَيْنِ مَعًا، وَقَالَ آخَرُونَ: أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْعَصْرِ (2)، وَاحْتَجَّ الأَوَّلُ بِأَنَّ جبريل صَلَّى الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي الْوَقْتِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْعَصْرَ فِي
الْيَوْمِ الأول (3).
(1) [ساق المنصف الحديث بالمعنى، ولفظ الحديث: "وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ، ووقت العصر ... " (رواه مسلم، باب أوقات الصلوات
الخمس، ر 1419)].
(2) [رواه مسلم، باب أوقات الصلوات الخمس، (1417، بلفظ: "وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ وَوَقْتُ الْعَصْرِ". (3) [رواه أبو داود، باب في المواقيت (393، بلفظ: "أَمَّنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَتْ قَدْرَ الشِّرَاكِ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بَيَ - يَعْنِي الْمَغْرِبَ - حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَلَّى فِي الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلَّهُ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّي بِيَ الْعِشَاءَ إِلَى تُلتِ اللَّيْلِ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَينِ"].
بي (1/324)
صفحة 325
قواع
وَعَلَامَةُ الْعَصْرِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ: أَنْ تَكُونَ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةٌ، وَعَلَامَتُهَا عِنْدَهُمْ أَيْضًا أَنْ يَسْتَقْبِلَ الإِنْسَانُ الشَّمْسَ بِوَجْهِهِ فَتَضْرِبُهُ بَيْنَ حَاجِبَيْهِ أَوْ فِي الْعَظْمِ الَّذِي خَلْفَ الْأُذُنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتُلِفَ فِي آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ، فَقِيلَ: اصْفِرَارُ الشَّمْسِ، وَرَدَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ، وَقِيلَ: آخِرُهَا غُيُوبُ قَرْنِهَا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ، وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ يَدْخُلُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا
أَنْ
بِثَلاثَةِ أَشْيَاءَ، أَحَدُهَا: بِغُيُوبِ قُرْصِ الشَّمْسِ الْمُسْتَدِيرِ بِشُعَاعِهَا، والثاني: يَتَسَاوَى الْمَوْضِعُ الَّذِي غَرَبَتْ فِيهِ مَعَ غَيْرِهِ فِي الْحُمْرَةِ، والثالث: إِقْبَالُ اللَّيْلِ مِنَ الْمَشْرِقِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَغْرِبِ مَا يَحُولُ دُونَ غُيُوبِ الشَّمْسِ مِنْ غَيْمٍ أَوْ جَبَلٍ فَلْيَنْظُرْ إِلَى الْمَشْرِقِ مَهْمَا ظَهَرَ سَوَادُ الأُفُقِ مُرْتَفِعًا عَنِ الْأَرْضِ قَيْدَ رُمْحٍ فَصَ فَصَاعِدًا فَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ. وَاخْتُلِفَ فِي آخِرِهِ، فَقِيلَ: هُوَ غَيْرُ مُوَسَّع وَهُوَ وَقْتُ وَاحِدٌ مُضَيَّقٌ غَيْرُ مُمْتَدٌ، آخِرُهُ مِقْدَارُ الْفَرَاغِ مِنْهَا فِي حَقٌّ كُلِّ مُكَلَّفٍ، وَأَظُنُّ أَصْحَابَ هَذَا الرَّأْيِ احْتَجُوا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْفِطْرَةِ مَا صَلُّوا الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَرَوُا النُّجُومَ (3)، وَلِهَذَا - فِيمَا أَحْسَبُ - أَعْتَقَ عُمَرُ أَوْ غَيْرُهُ ثَلَاثَةَ أَعْبُدِ حِينَ أَخَرَهَا حَتَّى طَلَعَتْ ثَلاثَةُ نُجُومِ، وَقِيلَ: آخِرُهَا مَا لَمْ تَتَمَيَّزَ الشَّاةُ مِنَ الذِّنْبِ، وَإِنْ كَانَ سَحَابٌ فَوَقْتُ الْمَغْرِبِ يَحْصُلُ بِتَنَكَّرِ الْوُجُوهِ، وَقِيلَ: بِعُمُومِ الضَّوْءِ فِي الْبَيْتِ وَقِيلَ: مَا لَمْ تُعَدَّ فِيهِ الْحَسْبُ، وَقِيلَ: آخِرُهُ مِقْدَارُ رَكْعَتَيْنِ، وَقِيلَ: أَرْبَع، وَقِيلَ: مَا لَمْ يُعْرَفْ مَوْضِعُ الرِّمَايَةِ، وَقِيلَ: هُوَ وَقْتُ مُوَسَّعٌ، آخِرُهُ
(1) يَعْنِي: يَسْتَقْبِلُ الْمَغْرِبَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ وَلَا يَخْفِضَهُ، فَيَفْتَحُ عَيْنَيْهِ فَتَضْرِبُهُ بَيْنَ الْحَاجِبَيْنِ. (2) [رواه أبو داود، باب في وقت المغرب، 418]. (1/325)
صفحة 326
قواعد الإست
غُيُوبُ الشَّفَقِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "الْمَغْرِبُ مَا لَمْ تَذْهَبْ
حُمْرَةُ الشَّفَقِ (1)، وَاللهُ أَعْلَمُ.)،
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْعِشَاءِ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِغُيُوبَةِ الشَّفَقِ الأَحْمَرِ الَّذِي يَلِي الشَّمْسَ دُونَ الأَبْيَضِ وَالصُّفْرَةِ فِي قَوْلِ الْجَمْهُورِ الْأَعْظَمِ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَعُمَرُ وَابْنُهُ وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَشَدَّادَ بْنُ أَوْسٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكِ وَقَتَادَةُ الأَنْصَارِيُّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ فِيمَا وَجَدْتُ عَنْهُمْ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَسَعِيدُ بْنُ وَطَاوُسٌ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَقَالَ بِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ
6
وَالشَّافِعِيُّ وَالأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَة (3)، وَغَيْرُهُمْ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْوَقْتَ مُتَعَلَّقٌ بِغُيُوبَةِ الشَّفَقِ الثَّانِي، وَهُوَ الأَبْيَضُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَسَبَبُ التَّنازُع: اشْتِرَاكُ اسْم الشَّفَقِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ، فَكَمَا أَنَّ الْفَجْرَ فَجْرَانِ، كَذَلِكَ الشَّفَقُ شَفَقَانِ: الأَحْمَرُ وَالأَبْيَضُ، فَمَغِيبُ الْأَبْيَضِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الأَحْمَرِ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، كَمَا يَكُونُ الْفَجْرُ الصَّادِقُ الْمُسْتَطِيرُ بَعْدَ الْفَجْرِ الْكَاذِبِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، وَتَكُونُ الْحُمْرَةُ بَعْدَ الْفَجْرِ الصَّادِقِ نَظِيرَ الْحُمْرَةِ فِي
اللَّيْلِ. فَالطَّوَالِعُ إِذًا أَرْبَعَةُ: الْفَجْرُ الْكَاذِبُ، وَالصَّادِقُ، وَالأَحْمَرُ، وَالشَّمْسُ، وَكَذَلِكَ يَجِبُّ أَنْ تَكُونَ الْغَوَارِبُ. وَذُكِرَ عَنِ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: "صَعِدْتُ مَنَارَةَ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَرَمَقْتُ الْبَيَاضَ، فَرَأَيْتُهُ يَتَرَدَّدُ مِنْ أُفْقِ إِلَى أُفُقِ وَلَمْ أَرَهُ يَغِيبُ (3)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ كَانَ
(1) [رواه مسلم، باب أوقات الصلوات الخمس ر 1417، وابن خزيمة، باب كراهية تسمية صلاة
العشاء، ر 354].
(2) وَفِي نُسْخَة: "أبو عبيد"، وَهُوَ الظَّاهِرُ
(3) [القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 275/ 19]. (1/326)
صفحة 327
قواعد الا
الْغَيْمُ فِي السَّمَاءِ فَيَحْصُلُ وَقْتُ الْعِشَاءِ وَغَيْرُهَا بِالاجْتِهَادِ وَالتَّحَرِّي إِلَّا إِنْ كَانَ السَّحَابُ فِي مَوْضِعِ الشَّفَقِ خَاصَّةٌ، فَإِنَّهُ قِيلَ: إِذَا ظَهَرَتِ الْكَوَاكِبُ الصِّغَارُ وَكَثُرَتْ فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رُوِيَ فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ بالنبي أَنَّهُ صَلَّى بِهِ الْعِشَاءَ فِي اللَّيْلَةِ الأُولَى حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ عِنْدَ مَغِيبِ الْقَمَرِ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِ وَقْتِ الْعِشَاءِ، فَقِيلَ: إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَقِيلَ: إِلَى النِّصْفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَشَدَّ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: آخِرُهُ طُلُوعُ الْفَجْرِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ دَاوُدَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدِ احْتَجَّ كُلُّ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: فِي دُخُولِ وَقْتِ الْفَجْرِ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الصُّبْحِ يَحْصُلُ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ الْمُسْتَطِيرِ ضَوْءُهُ، لَا بِالْفَجْرِ الْكَاذِبِ الَّذِي يَبْدُو مُسْتَطِيلاً مِقْدَارَ رُبع السَّمَاءِ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِي قَالَ: لَيْسَ الصُّبْحُ هَكَذَا، وَجَمَعَ كَفَّيْهِ، وَإِنَّمَا الصُّبْحُ هَكَذَا، وَوَضَعَ إِحْدَى سَبَّابَتَيْهِ عَلَى الأُخْرَى (2)، أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ الْمُعْتَرِضُ، وَيَتَمَادَى وَقْتُ الاخْتِيَارِ إِلَى الإِسْفَارِ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ مِنْهُ، فَقِيلَ: الأَفْضَلُ التَّغْلِيسُ بِهِ، لِمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ وَالنِّسَاءُ مُتَلَفْعَاتٌ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَبَشِ (3)، وَقِيلَ: الإِسْفَارُ أَفْضَلُ، لِقَوْلِهِ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ: أَسْفِرُوا
(1) مِنْ قَوْلِهِ: خَاصَّةٌ" إِلَى قَوْلِهِ: " غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ": زِيَادَةٌ لا تُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخ الَّتِي بِأَيْدِينَا. (2) [رواه ابن حبان، ذكر الأمر بأكل السحور لمن يسمع الأذان للصبح بالليل، (3468]. (3) [رواه الربيع، باب في أوقات الصلوات، ر 181، قَالَ الرَّبِيعُ: "الْمُرُوط: الأزر"، (مفردها مرط: وهو كساء من صوف أو خز كان يؤتزر به، وقال: "وَالْغَبَشُ وَالْغَلَسُ وَاحِدٌ، وَهُوَ الظُّلْمَةُ"]. (1/327)
صفحة 328
قواء
(1) m
بِالْفَجْرِ، فَكُلَّمَا أَسْفَرْتُمْ فَهُوَ أَقْوَى لِلأَجْرِ (1)، وَفِي الْحَدِيثِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا يَهِيدَنَّكُمُ السَّاطِعُ الْمُصْعِدُ، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَعَرَّضَ لَكُمُ الأَحْمَرُ (2)، وَاللهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَة: وُجُوبُ الصَّلاَةِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الْوَقْتِ، وَأَنَّهُ مَتَى فَعَلَ فَقَدْ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الأَوْقَاتِ، فَقِيلَ: كُلُّ صَلاةِ انْفَرَدَتْ بِوَقْتِهَا، وَهُوَ قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ، وَقِيلَ: الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ مُشْتَرِكَتَا الْوَقْتِ، وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَأَمَّا صَلاةُ الْفَجْرِ فَقَدِ انْفَرَدَتْ بِوَقْتِهَا، وَيَلْزَمُ الْكُفْرُ (3) بِالتَّفْرِيطِ فِيهَا حَتَّى تَطْلُعَ
الشَّمْسُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَتَعْجِيلُ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ عِنْدَ الْجَمِيعِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ: "أَفْضَلُ الصَّلاَةِ لأَوَّلِ وَقْتِهَا (4)، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الأَفْضَلُ فِي حَقِّ الْجَمَاعَةِ. الظُّهْرِ إِلَى رُبْعِ الْقَامَةِ، وَالإِبْرَادُ بِهَا فِي وَقْتِ الْحَرِّ الشَّدِيدِ، لِلْحَدِيثِ الثَّابِتِ عنه: أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْهُ يُؤَخِّرُ فِي الصَّيْفِ، وَيُعَجِّلُ فِي الشَّتَاءِ " (6).
(1) [رواه الترمذي، باب ما جاء في الإسفار بالفجر، ر 154]. (2) [رواه أبو داود، باب وقت السحور، ر 2350]. وَالْمَعْنَى: لا يَهِيدَنَّكُمْ؛ أَيْ: لَا تَنْزَعِجُوا لِلْفَجْرِ الْمُسْتَطِيل فَتَمْتَنِعُوا عَلَى السَّحُورِ فَإِنَّهُ الْكَاذِبُ.
(3) [يقصد بالكفر: كفر نعمة] (4) [رواه أبو دواد، باب في المحافظة على وقت الصلوات، ر 426].
التي
أقصى
(5) [رواه الربيع، باب في أوقات الصلاة، ر 179]. (1) [لم أجد من خرجه بهذا اللفظ، ورري بلفظ: " أن رسول الله كان يصلي الهجير وهي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس، ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى أهله في المدينة والشمس حية ونسيت ما قال في المغرب، قال وكان يستحب أن يؤخر العشاء ... " (رواه البخاري، باب ما يكره من السمر بعد العشاء، ر 574)]. (1/328)
صفحة 329
أمني
(1)
وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِشَاءِ، فَقِيلَ: تَأْخِيرُهَا أَفْضَلُ، لِقَوْلِهِ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى لأَمَرْتُهُمْ بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَقِيلَ: التَّعْجِيلُ فِيهَا أَفْضَلُ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَاخْتَارَ بَعْضُهُمُ التَّعْجِيلَ إِنِ اجْتَمَعَ النَّاسُ، وَالتَّأْخِيرَ إِنْ أَبْطَأُوا، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ تَأْخِيرَهَا فِي زَمَانِ الشَّتَاءِ قَلِيلا لِطُولِ اللَّيْلِ، وَفِي لَيَالِي
شَهْرٍ رَمَضَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَلِيلاً تَوْسِعَةٌ عَنِ النَّاسِ فِي إِفْطَارِهِمْ. وَاخْتُلِفَ فِي الْعَصْرِ، فَقِيلَ: تَعْجِيلُهَا أَفْضَلُ، وَقِيلَ: تَأْخِيرُهَا إِلَى زِيَادَةِ ذِرَاعٍ
عَلَى الْقَامَةِ فِي وَقْتِ الْحَرِّ الشَّدِيدِ أَفْضَلُ.
وَأَمَّا الصُّبْحُ وَالْمَغْرِبُ فَتَقْدِيمُهُمَا بَعْدَ تَحَقِّقِ دُخُولِهِمَا أَفْضَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ. مَسْأَلَةٌ في جَمْعِ الصَّلَواتِ عِنْدَ اسْتِبَاءِ الوَقْتِ]: وَإِنِ اسْتَبَهَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ فَلْيَجْتَهِدْ وَلْيَسْتَدِلَّ بِالْأَوْرَادِ وَأَرْبَابِ الصَّنَائِعِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَالْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا إِذَا غَامَتِ السَّمَاءُ حَتَّى خَفِي وَقْتُ الصَّلَاةِ أَنْ يُؤْخَذَ بِالرُّحْصَةِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ الظَّهْرِ وَالْعَصْرِ جَمِيعًا، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جَمِيعًا
وَكَيْفِيَّةُ الْجَمْعِ: أَنْ يُؤَخِّرَ الأُولَى، وَيُعَجِّلَ الْعَصْرَ فَيَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ، وَهَذَا بَعْدَ أَنْ يَنْوِي الْجَمْعَ قَبْلَ قِيَامِهِ إِلَى الْأُولَى، وَيَقُولَ: "اللهُمَّ إِنَّ نِيَّتِي وَاعْتِقَادِي أَنْ أُؤَخِّرَ الظُّهْرَ وَأَعَجِّلَ الْعَصْرَ وَأَجْمَعَ بَيْنَهُمَا إِحْيَاءٌ لِلسُّنَّةِ طَاعَةٌ لِلهِ وَلِرَسُولِهِ ". إِذَا نَوَى الْجَمْعَ جَازَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ الْأُولَى إِلَى آخِرِ الْعَصْرِ، وَبَيْنَ أَوَّلِ الْمَغْرِبِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ، وَلَا يَكُونُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ إِلا الإِقَامَةُ وَالتَّسْلِيمُ، وَلاَ يَتَكَلَّمُ بَيْنَهُمَا، وَلاَ يَتَنَفَّلُ، وَلَا يَعْمَلُ عَمَلاً، وَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدِ انْتَقَضَ قِرَانُهُ، وَيُؤَخِّرُ الآخِرَةَ إِلَى وَقْتِهَا وَيُصَلِّيهَا، وَإِنْ نَوَى أَنْ يَجْمَعَ فَلَهُ أَنْ يُفَرِّقَ، وَأَمَّا إِنْ عَقَدَ عَلَى التَّفْرِيقِ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ.
(1) [رواه الترمذي، باب ما جاء في تأخير صلاة العشاء الآخرة، (167]. (1/329)
صفحة 330
قواعد الإسلام
وَقَدِ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ، فَأَجَازَهُ الْجُمْهُورُ مِنَ النَّاسِ، وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَشْيَاعُهُ. وَسَبَبُ التَّنازُعِ فِيهِ: اخْتِلافُهُمْ فِي مَفْهُومِ الأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْجَمْعِ فِي السَّفَرِ، كَحَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَل هُ: أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الظَّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ "أنَّ النَّبِي جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ وَلَا سَحَابٍ وَلَا (2) فَكَثُرَ التَّنازُعُ لأجل هَذَا، فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ الْجَمْعَ فِي عَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ فَقَطَّ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ فِيمَا ذَكَرْنَا وَفِي السَّفَرِ، وَأَجَازَهُ أَصْحَابُنَا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَفِيمَا يُشْبِهُهُ، مِمَّا تَلْحَقُ فِيهِ الْمَشَقَّةُ كَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَالْمَبْطُونِ، وَالْمَرِيضِ الَّذِي يَخَافُ أَنْ يُغْشَى عَلَيْهِ، وَلِمَنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ أَوْقَاتُ الصَّلَاةِ بِالسَّحَابِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنَ الْجَمْعِ فِي عَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ وَفِي السَّفَرِ، لاسْتِوَاءِ الْعِلَّةِ الْجَمِيعِ؛ وَهِيَ الرُّحْصَةُ لأَجْلِ الْمَشَقَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَطَرٍ
وَأَمَّا صَلَاةُ الْفَجْرِ إِذَا خَفِي وَقْتُهَا فَلَيْسَ فِيهَا إِلَّا الْاجْتِهَادُ حَتَّى لَا يَشُكٍّ فِي الْفَجْرِ، ثُمَّ إِنْ وَقَعَتْ صَلَاتُهُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ أَعَادَ بِلا خِلَافٍ.
وَأَرْجُو لِمَنْ صَلَّى الْعَصْرَ قَبْلَ الْقَامَةِ وَالْعِشَاءَ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ أَنْ يَكُونَ قَدْ صَلَّى وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ سَفَرٍ وَلا سَحَابٍ وَلَا مَطَرٍ؛ لأَنَّ هَذَا أَمْرٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) [رواه الربيع، باب القرآن في الصلاة، ر 252]. (2) [رواه الربيع، باب القرآن في الصلاة، ر 251]. (1/330)
صفحة 331
الفصل الثاني
في الأَوْقَاتِ الْمَنْهِيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا)
وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْر حَتَّى تُصَلَّى الصُّبْحُ، وَبَعْدَ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَتَرْتَفِعَ، وَعِنْدَ وَقْتِ اسْتِوَائِهَا حَتَّى تَزُولَ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَزَادَ آخَرُونَ مِنْهُم: الصَّلاَةَ بَعْدَ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ الْمُصَلِّي،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلاةِ الَّتِي لا تَجُوزُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ جَمِيعُ الصَّلَوَاتِ بِإطلاق لا فَرِيضَةً مَقْضِيَّةٌ، وَلا سُنَةٌ، وَلَا نَافِلَةٌ إِلَّا عَصْرُ يَوْمِهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَهُ النَّاسِي عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ أَنْ تَشْرَعَ فِيهِ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَقْضِي جَمِيعَ الْمَفْرُوضَاتِ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ قَضَاءُ السُّنَنِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا الْمَمْنُوعُ النَّوَافِلُ، وَقَالَ مَنْ قَالَ: لا يُصَلَّى عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى، وَلاَ عِنْدَ اسْتِوَائِهَا حَتَّى تَزُولَ، وَلاَ عِنْدَ غُرُوبِهَا حَتَّى يَسْتَكْمِلَ، فَلَا يُصَلَّى
(1) [الأوقات المنهي عن الصلاة فيها هي: 1 - وقت طلوع الشمس، 2 - وقت الزوال عند استواء الشمس في كبد السماء، 3 - وقت غروب الشمس، 4 - وقت خطبة الجمعة إلا ركعتي تحية المسجد. (انظر: المعتمد في فقه الصلاة، ص 175، 176). أما الأوقات التي ذكرها المؤلف فهي الأوقات المكروه فيها الصلاة كراهة تنزيه لا تحريم إلا وقت استواء الشمس عند الزوال فإنه من الأوقات المحرمة كما سبق. (انظر: المعتمد في فقه الصلاة، ص 179)]. (1/331)
صفحة 332
قواعد الإس
فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ لا فَرِيضَةً، وَلا نَافِلَةٌ، وَلا سُنَّةٌ، وَلَا صَلاةَ جَنَازَةٍ، وَلَا قَضَاءَ فَائِتَةٍ، وَأَمَّا قَبْلَ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ فَتُقْضَى فِيهِ الْفَوَائِتُ الْمَفْرُوضَةُ، وَيُصَلَّى فِيهِ
عَلَى الْجَنَازَةِ، وَزَادَ آخَرُونَ فَضَاءَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَصْلُ التَّنازُع فِيهَا: تَعَارُضُ الأَحَادِيثِ: حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: "ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّي فِيهَا، وَنُقْبِرَ فِيهَا مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَعِنْدَ قِيَامِ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَزُولَ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ (1)، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَعَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ (2)، فَاقْتَضَى هَذَانِ الْحَدِيثَانِ مَنْعَ الصَّلاَةِ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ، ثُمَّ صَحَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلُّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَذَلِكَ وَقْتُهَا (3)، فَتَعَارَضَتِ الأَحَادِيثُ كَمَا قَدَّمْنَا، فَذَهَبَ النَّاسُ فِيهَا ثَلاثَةَ مَذَاهِبَ، أَحَدُهَا: مَنْعُ الصَّلَاةِ بِإِطْلَاقِ، والثاني: مَنْعُ مَا عَدَا الْفَرْضِ مِنَ السُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ، والثالث: مَنْعُ النَّوَافِلِ، وَقَوْلُ رابع: التَّفْرِيقُ الْمُتَقَدِّمُ أَنَّهُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَعِنْدَ وُقُوفِهَا، وَعِنْدَ غُرُوبِهَا لَا يُصَلَّى فِيهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَبَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ تُصَلَّى فِيهِ الْفَوَائِتُ وَالصَّلَاةُ الْحَاضِرَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) [رواه مسلم، باب الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها، ر 1966]. (2) [رواه الربيع، باب جامع الصلاة، ر 295].
(3) [رواه الربيع، كتاب الصلاة ووجوبها، باب في أوقات الصلاة، ر 184]. (1/332)
صفحة 333
قواعد الإسـ
ـلام
الفصل الثالث
فِي أَوْقَاتِ الْمَعْذُورِينَ
وَأَمَّا أَوْقَاتُ الْمَعْذُورِينَ وَأَهْلِ الضَّرُورَاتِ فَهِيَ الْأَوْقَاتُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا لَأَرْبَعِ الْحَائِضِ تَطْهُرُ أَوْ تَحِيضُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ وَهِيَ لَمْ تُصَلِّ، وَالْمُسَافِرِ يَذْكُرُ هَذِهِ الصَّلاةَ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ وَهُوَ حَاضِرٌ، أَوْ حَاضِرٌ يَذْكُرُ فِيهَا وَهُوَ مُسَافِرٌ، وَالصَّبِيِّ يَبْلُغُ فِيهَا، وَالْمُشْرِكِ يُسْلِمُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَقِيلَ: هُوَ كَالْحَائِضِ لَا يَقْضِي إِلَّا الصَّلَاةَ الَّتِي أَفَاقَ فِيهَا، وَقِيلَ: يَقْضِي فِيهَا دُونَ الْخَمْسِ.
?
وَاتَّفَقُوا عَلَى الْحَائِضِ إِذَا طَهُرَتْ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ الَّتِي طَهُرَتْ فِي وَقْتِهَا، وَاخْتَلَفُوا فِيهَا، فَقِيلَ: إِذَا طَهُرَتْ وَقَدْ بَقِيَ لِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِقْدَارُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهَا الْعَصْرُ فَقَط وَإِنْ بَقِيَ مِقْدَارُ خَمْسٍ رَكَعَاتٍ وَجَبَ عَلَيْهَا الظَّهْرُ وَالْعَصْرُ جَمِيعًا، وَقِيلَ: إِنْ بَقِيَ لِلْغُرُوبِ رَكْعَةٌ فَالصَّلَاتَانِ مَعًا عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الأَصْنَافِ الأَرْبَعَةِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا، أَعْنِي الْمُسَافِرَ يَتَذَكَّرُ الصَّلاةَ فِي الْحَضَرِ، أَوِ الْحَاضِرَ يَتَذَكَّرُهَا فِي السَّفَرِ، أَوِ الصَّبِيَّ يَبْلُغُ، أَوِ الْكَافِرَ
يُسْلِمُ، وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مَا قَدَّمْنَا عَلَى الاخْتِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ. (1/333)
صفحة 334
وَسَبَبُ التَّنازع فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْعَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ (1)، فَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِالأَقل عَلَى الأَكْثَرِ، أَعْنِي أَنَّهُ عَبَرَ بِالرَّكْعَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ، وَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِالأَكْثَرِ عَلَى الأَقل، أَعْنِي عَبَّرَ بِالرَّكْعَةِ عَمَّا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَأَيَّدَ قَوْلُهُ هَذَا بِمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْعَصْرِ سَجْدَةٌ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ (2)، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: مَنْ أَدْرَكَ تَكْبِيرَةً قَبْلَ الطَّلُوعِ وَالْغُرُوبِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْوَقْتَ، فَرَأَى صَاحِبُ الْقَوْلِ الأَوَّلِ أَنَّ الْحَائِضَ إِنَّمَا تَعْتَدُّ بِهَذَا الْوَقْتِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ غُسْلِهَا، وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ يَبْلُغُ وَأَمَّا الْمُشْرِكُ فَإِنَّمَا يَعْتَدُّ بِهِ مِنْ حِينِ أَسْلَمَ دُونَ الْفَرَاغِ مِنَ الْغُسْلِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَيَرَى أَيْضًا أَنَّ الْحَائِضَ إِذَا حَاضَتْ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ وَهِيَ بَعْدُ لَمْ تُصَلِّ أَنَّ الْقَضَاءَ سَاقِطْ عَنْهَا، وَغَيْرُهُ يَرَى الْقَضَاءَ عَلَيْهَا إِذَا حَاضَتْ وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مَا يُمْكِنُ أَنْ تُوقِعَ فِيهِ الصَّلاةَ؛ لأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهَا بِدُخُولِ الْوَقْتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
وَغَيْرِهَا
فصل [الفريضة الخامسة من فرائض الصلاة]: فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ
وَهَذَا الْفَضْلُ يَنْقَسِمُ عَلَى قِسْمَيْنِ، أَحَدُهُمَا: فِي سَيْرِ الْعَوْرَةِ، وَالثَّانِي: فِيمَا
يُجْزِئُ مِنَ اللُّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ.
(1) [رواه الربيع، باب في صلاة الجماعة والقضاء في الصلاة، ر 218].
(2) [رواه مسلم، باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة، ر 1407، وقال: "وَالسَّجْدَةُ
إِنَّمَا هِيَ الرَّكْعَةُ". (1/334)
صفحة 335
الْقِسْمُ الأَوَّلُ
فِي حَدٌ الْعَوْرَةِ وَحُكْمِ سَتْرِهَا
اجْتَمَعَتِ الأُمَّهُ عَلَى أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ فَرْضٌ بِإِطْلَاقِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ: هَلْ سَتْرُ الْعَوْرَةِ شَرْطٌ فِي صِحَتِهَا أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنَّهَا شَرْطُ فِي صِحَّةِ الصَّلاةِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا مِنْ سُنَنِ الصَّلاةِ، رُوِيَ هَذَا عَنْ مَذْهَبِ مَالِكِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَبَبُ التَّنازُع: هَلِ الأَمْرُ الْوَارِدُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ (1) يُحْمَلُ عَلَى الْوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ، فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْوُجُوبِ، وَقَالُوا: لأَنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَهْل الشِّرْكِ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَمَنْ حَمَلَ الأَمْرَ عَلَى النَّدْبِ قَالَ: الْمُرَادُ بِهِ الزِّينَةُ
الظَّاهِرَةُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا حَدُّ الْعَوْرَةِ فَإِنَّ الْمُكَلِّفِينَ فِي ذَلِكَ صِنْفَانِ رِجَالٌ وَنِسَاءُ، وَالنِّسَاءُ قِسْمَانِ: حَرَائِرُ وَإِمَاءُ، أَمَّا الصِّنْفُ الأَوَّلُ فَقَدِ اجْمَعُوا عَلَى أَنَّ السَّوْأَتَيْنِ مِنْهُمْ عَوْرَةٌ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
أحدها: أَنَّ الْعَوْرَةَ مِنَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ، وَهُمَا دَاخِلَتَانِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا أَبِي الْمُؤَفِّرِ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّ كَشْفَ الرُّكْبَةِ وَالسُّرَّةِ وَنَظِيرَهُمَا مُحَرَّمٌ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَرُوِيَ عَنْ بَشِيرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْبُوبِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ مِنْ أَصْحَابِنَا (2) أَنَّ الْمُحَرَّمَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ حَدٌ مَنَابِتِ الشَّعْرِ إِلَى مُسْتَغْلَظِ
الْفَخِذَيْنِ.
(1) الأعراف: 31. (2) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ. (1/335)
صفحة 336
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَوْرَةَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ، وَهُمَا غَيْرُ دَاخِلَتَيْنِ فِي الْعَوْرَةِ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ، وَرُوِيَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّ الْعَوْرَةَ هِيَ السَّوْأَنَانِ لَا غَيْرُ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ سَتْرَ جَمِيعِ بَدَنِ الرَّجُلِ فِي الصَّلَاةِ إِذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ
وَاجِبٌ.
وَأَمَّا الصِّنْفُ الثَّانِي: مِنَ النِّسَاءِ الْحَرَائِرِ (1) فَأَجْمَعُوا أَنَّ أَبْدَانَهُنَّ عَوْرَةٌ مَا خَلاَ الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ قَدَمَهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ.
(2)
وَسَبَبُ التَّنازُع: الاشْتِرَاكُ الْوَاقِعُ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنَ الزِّينَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا})، هَلْ هَذَا الْمُسْتَثْنَى الْمَقْصُودُ مِنْهُ أَعْضَاءُ مَحْدُودَةٌ، وَأَنَّ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِيمَا لاَ يُسْتَرُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ كَالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، إِذْ لَوْ كَانَا عَوْرَةٌ لَوَجَبَ سَتْرُ الْوَجْهِ فِي الإِحْرَامِ؟ فَمَنْ قَالَ: إِنَّ مَا يُسْتَرُ مِنَ الْبَدَنِ بِخِلَافِ مَا لَا يُسْتَرُ مِنْهُ فِي الْعَادَةِ، ذَهَبَ إِلَى أَنَّ مَا ذَكَرْنَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مَا لاَ تَمْلِكُ ظُهُورَهُ عِنْدَ الْحَرَكَةِ، قَالَ: بَدَنُهَا كُلُّهُ عَوْرَةٌ حَتَّى ظُفْرُهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الصِّنْفُ الثَّانِي: وَهُنَّ الإِمَاءُ، فَلا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ النَّاسِ فِي أَنَّ عَوْرَتَهُنَّ لَيْسَتْ كَعَوْرَةِ الْحَرَائِرِ؛ لأَنَّهُنَّ لَسْنَ فِي الْحُرْمَةِ كَالْحَرَائِرِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَأَى أَمَةٌ مُتَقَنِّعَةٌ فَضَرَبَهَا، فَقَالَ: لَا تَتَشَبَّهِي بِالْحَرَائِرِ يَا لَكَاعِ (3)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) يَعْنِي الْقِسْمَ الأَوَّلَ مِنَ الصِّنْفِ الثَّانِي.
(2) النور: 31.
(3) [رواه ابن شيبة في الأمة تصلي بلا خمار، ر 6291] (1/336)
صفحة 337
الْقِسْمُ الثَّانِي
فِي اللُّبَاسِ الْمُجْزِي فِي الصَّلَاةِ
وَالأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ، أَيْ لِبَاسَكُمْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَقَدْ أَجْمَعُوا فِيمَا وَجَدْتُ عَلَى أَنَّ الْمُجْزِئَ فِي الصَّلاَةِ مِنَ اللُّبَاسِ لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ وَاحِدٌ لِقَوْلِهِ وَقَدْ سُئِلَ: أَيُصَلِّي الرَّجُلُ فِي التَّوْبِ الْوَاحِدِ؟ فَقَالَ: "أَوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟ (2)، وَاخْتُلِفَ فِي الرَّجُل يُصَلِّي مَكْشُوفَ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ صَلاتَهُ جَائِزَةٌ؛ لأَنَّ الظَّهْرَ وَالْبَطْنَ لَيْسَنَا بِعَوْرَةٍ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّ صَلَاتَهُ فَاسِدَةٌ لِنَهْيِ الرَّسُولِ أَنْ يُصَلَّى فِي النَّوْبِ الْوَاسِعِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِ الْمُصَلِّي مِنْهُ شَيْ (3).
(4) 11
وَاجْمَعُوا عَلَى أَنَّ اللَّبَاسَ الْمُجْزِئَ لِلْمَرْأَةِ فِي الصَّلَاةِ هُوَ دِرْعٌ وَخِمَارٌ، لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاَةَ حَائِضِ إِلَّا بِخِمَارٍ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْمَرْأَةِ تُصَلِّي مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ، فَرَخَّصَ فِيهَا أَبُو)، وَرَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ صُحَارٍ (1) أَنَّهُ قَالَ: فَإِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ تُصَلِّيَ مَكْشُوفًا رَأْسُهَا كَأَنَّهَا رَأْسُ أُمِّ رَبِيعِ الْمَجْنُونَةِ، يَعْنِي مَجْنُونَةٌ فِي سُوقٍ طُلَيْحَةَ تُدْعَى أُمَّ
(1) الأَعْرَاف: 31.
(2) [رواه الربيع، باب في الثياب والصلاة فيها وما يستحب من ذلك، 266]. (3) [رواه البخاري، باب إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه، ر 352].
(4) تَقَدَّمَ. (5) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ.
(1) صُحَارُ الْعَبْدِيُّ هُوَ مِنْ أَعْلامِ الإِسْلَام فِي الْقَرْنِ الأَوَّلِ، كَانَ فِي الْعِلْمِ غَايَةٌ، وَمِمَّنْ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَيَدُهُ فِي الْعَقَائِدِ طَوِيلَةٌ، أَخَذَ الْعِلْمَ عَنْ جَابِرِ بْن زَيْدٍ، وَكَانَ شَيْخًا لأَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ الإمَامِ الثَّانِي لِلْمَذْهَب الإباضي، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: "وَأَكْثَرُ مَا حَمَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ السَّمَاكِ وَصُحَارِ الْعَبْدِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَقَادَتِهِمْ". اهـ مُصَحْحه (1/337)
صفحة 338
واعد الإس
Muckradasladkakida da da da da datala dada da datda alatakatakatakataka
رَبِيعٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا إِنْ صَلَّتْ وَفَخِذُهَا مَكْشُوفَةٌ أَوْ فِي خِمَارٍ رَقِيق أَوْ فِي إِزَارٍ
يُرَى مِنْهُ جَسَدُهَا فَصَلَاتُهَا فَاسِدَةٌ إِذَا كَانَتْ تَقْدِرُ عَلَى الشَّيَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ فِي هَيْتَاتٍ مِنَ اللُّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ: كَاشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ: وَهُوَ أَنْ يَحْتَبِيَ الإِنْسَانُ بِثَوْبِهِ وَلَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَعَنْ لِبَاسِ السَّدْلِ: وَهُوَ أَنْ يُرْخِيَ إِزَارَهُ مِنْ عَلَى رَأْسِهِ، وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ سَدَّ ذَرِيعَةٍ، لِئَلَّا تَنْكَشِفَ عَوْرَتُهُ، وَلَمْ أَعْلَمْ أَنَّ أَحَدًا أَبْطَلَ صَلَاةَ مَنْ صَلَّى بِبَعْضٍ هَذِهِ الْهَيْئَاتِ إِنْ لَمْ تَنْكَشِفْ عَوْرَتُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ أَجَازُوا صَلَاةَ الإِمَاءِ غَيْرَ مُخْتَمِرَاتٍ مَكْشُوفَاتِ الصُّدُورِ كَحَالِ الرِّجَالِ، وَكَذَلِكَ السَّرَارِيُّ وَالْمُدْبِرَاتُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ الْمُرَاهِقَةُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُصَلِّي إِلا مُخْتَمِرَةً مُسْتَرَةَ كَالْحَرَّةِ الْبَالِغَةِ، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ أَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى الأَمَةِ فِي الصَّلَاةِ لُبْسَ الْحِمَارِ، وَاسْتَحَبَّهُ عَطَاءُ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: هَلِ الْخَطَّابُ يَشْمَلُ الْعَبِيدَ وَالأَحْرَارَ أَمْ لَاَ؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاخْتُلِفَ فِي الصَّلاةِ بِثَوْبِ حَرِيرٍ، فَبَعْضُ أَجَازَهَا، وَبَعْضُ أَبْطَلَهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ عَنْ لِبَاسِ الْحَرِيرِ لِلرِّجَالِ، إِلَّا فِي حَالِ الْحَرْبِ، وَأَجَازُوا مَوْضِعَ الأَصْبَعَيْنِ مِنْهُ إِذَا كَانَ عَلَمَا فِي الثَّوْبِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا التَّوْبَ النَّجِسَ فَالْحَرِيرُ أَوْلَى بِهِ، ثُمَّ إِنْ وَجَدَ غَيْرَهُ فِي الْوَقْتِ أَعَادَ الصَّلَاةَ. وَكَرِهُوا الصَّلاةَ بِالتَّوْبِ الَّذِي يَشِفُ لَيْلاً وَنَهَارًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّوْبَ النَّجِسَ أَوْلَى مِنْ ثَوْبِ الْحَرِيرِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ صَاحِبُ الإِيضَاحِ كتاب الإيضاح، 1/ 428]، اللهُمَّ إِلَّا إِذَا كَانَ حَرِيرًا صِنَاعِيًّا فَهُوَ أَوْلَى، ذَلِكَ بِأَنَّ ثَوْبَ الْحَرِيرِ نُهِيَ لِعَيْنِهِ، وَالتَّوْبَ النَّجِسَ لِمَعْنَى غَيْرِهِ، يَعْنِي: وَإِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ التَّحْرِيمِ الْمُتَقَلِ كَأَكُل لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالتَّحْرِيمِ الْمُخَفَّفِ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ، قَدَّمَ التَّحْرِيمُ الْمُخَفَّفُ عَلَى الْمُتَقَلَ، وَلِقَاءِلِ [أَنْ] يَقُولُ: إِنَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ الْجِيطَالَيُّ أَوْلَى وَأَوْجَهُ مِمَّا ذَهَبَ إِلَيْهِ صَاحِبُ الإِيضَاحِ، ذَلِكَ أَنَّ الْحَرِيرَ يُبَاحُ لُبْسُهُ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ لِعِلَّةٍ كَالْحَكَةِ وَالْحَرْبِ مَثَلاً، بِخِلَافِ النَّجِسِ فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ فِي حَالٍ مِنَ (1/338)
صفحة 339
"قواعد الإسلام
وَالَّذِي يَنْبَغِي مِنْ ثِيَابِ الْمُصَلِّي أَنْ يَكُونَ كَثِيفًا صَفِيقًا فَلَا يَكُونُ شَفًا وَلَا بِحَيْثُ يَصِفُ، فَإِنْ كَانَ شَقًّا فَهُوَ كَالْعَدَمِ بِالْانْفِرَادِ إِنْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُ ثَوْبُ آخَرُ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَصِفُ فَهُوَ مَكْرُوهُ، وَلا يُؤَدِّي إِلَى بُطْلَانِ الصَّلَاةِ إِنْ لَمْ تَنْكَشِفْ مِنْهُ عَوْرَتُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
هَذَا حُكْمُ الْقَادِرِ عَلَى السُّتْرَةِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا صَلَّى عُرْيَانًا قَاعِدًا يَرُدُّ عَلَى عَوْرَتِهِ مَا يُوَارِيهَا بِهِ مِنْ شَجَرٍ أَوْ تُرَابٍ أَوْ غَيْرِهِ، يُومِيُّ إِيمَاءٌ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةٌ صَلُّوا قُعُودًا وَإِمَامُهُمْ قَاعِدٌ فِي وَسْطِهِمْ كَمَا قَدَّمْنَا، يُومِنُونَ إِيمَاءً بَعْدَ أَنْ يُوَارُوا عَوْرَاتِهِمْ بِمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
الفريضة السادسة من فرائض الصلاة]: فِي الْقِيَامِ مَعَ الْقُدْرَةِ فِي الصَّلاةِ وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنْ لَيْسَ لِلصَّحِيحِ أَنْ يُصَلِّيَ فَرْضًا قَاعِدًا إِذَا كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ إِمَامًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَنِتِينَ، أَيْ: مُطِيلِينَ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا أَوْ تَوَكَّاً وَاسْتَنَدَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ وَالاسْتِقْلَالِ بِنَفْسِهِ فَقَدْ بَطَلَتْ صَلاتُهُ، إِنْ كَانَ لَوْ زَالَ العِمَادُ لَسَقَطَ وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَو زَالَ لَمْ يَسْقُطُ لَمْ تَبْطُلْ مَعَ كَرَاهِيَةِ فِعْلِهِ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الرَّبِيعَ بْنَ حَبِيبٍ هُ يَكْرَهُ الاسْتِنَادَ وَالاتِّكَاءَ عَلَى شَيْءٍ، وَرَخَّصَ فِيهِ أَبو عُبَيْدَةَ لِلشَّيْخ الضَّعِيفِ، وَكَانَ يَفْعَلُهُ بَعْدَ مَا ضَعُفَ وَاللَّهُ
أَعْلَمُ.
الأَحْوَالِ. أَضِف إِلَى ذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ فِي صَلَاتِهِ وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ، وَالْمَقَامُ مَقَامُ قَدَاسَةٍ وَطُهْرٍ، وَمَا كَانَ أَجْدَرَهُ أَنْ يَتَجَافَى النَّجَاسَةَ مَا أَمْكَنَ، وَلَئِنْ يُقَابِلُهُ بِثَوْبٍ مِنْ حَرِيرٍ نَظِيفِ خَيْرٌ لَهُ أَنْ يُقَابِلُهُ بِتَوْبِ نَجِس قَذِرٍ، فَلْيُتَأَمَّلْ. اهـ مُصَححه. (1) البقرة: 238 (1/339)
صفحة 340
فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الاسْتِقْلالِ بِنَفْسِهِ فَفَرْضُهُ التَّوَكُؤُ عَلَى شَيْءٍ يَعْمَدُهُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ انْتَقَلَ إِلَى الْجُلُوس مُسْتَقِلاً، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ فَفَرْضُهُ الْجُلُوسُ مُسْتَنِدًا، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ وَلَكِنْ تَلْحَقُهُ مَشَقَةٌ فَادِحَةٌ تُلْحِقُهُ بِحُكْمِ الْعَاجِزِينَ لَسَقَطَ عَنْهُ الْقِيَامُ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَعْضِ أَثَارِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لا يُصَلِّي قَاعِدًا إِلَّا إِذَا كَانَ فِي حَالَةٍ لَا يَسْتَطِيعُ بِهَا الْقِيَامَ إِلَى قَضَاءِ حَاجَةِ الإِنْسَانِ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، فَحِينَئِذٍ يُصَلِّي قَاعِدًا يُومِنُ إِيمَاءً يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ، وَيَقْعُدُ كَقُعُودِ الْمُصَلِّي فِي الصَّلاةِ، وَقِيلَ: عَلَى مَقْعَدَتَيْهِ نَاصِبًا رُكْبَتَيْهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْقُعُودِ صَلَّى مُضْطَجِعًا عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلاً لِلْقِبْلَةِ، أَوْ مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ وَرَأْسِهِ مِمَّا يَلِي الشِّمَالَ، كَمَا لَوْ جَلَسَ قَاعِدًا لاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِوَجْهِهِ، وَإِنْ عَجَزَ صَلَّى بالتكييف لِجَمِيعِ صَلاتِهِ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقُعُودِ وَالتَّسْلِيمَيْنِ، وَإِنْ عَجَزَ صَلَّى بِالتَّكْبِيرِ سَبْعًا، وَقِيلَ: سِتّا، وَقِيلَ: أَرْبَعًا، وَقِيلَ: تَكْبِيرُ الصَّلَاةِ كُلُّهَا، وَإِنْ عَجَزَ كَبَّرَ وَلِيُّهُ، وَيَتْبَعُهُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، وَإِنْ غَابَ عَقْلُهُ حَتَّى لَا يَعْقِلَ فَلَا صَلَاةَ عَلَيْهِ وَلَا قَضَاءَ إِذَا أَفَاقَ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ غُشِيَ عَلَيْهِ أَيَّامًا فَلَمْ يَقْضِ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ. [الفريضة السابعة]: في اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ
وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ الإِسْلَام عَلَى أَنَّ التَّوَجُهَ إِلَى الْقِبْلَةِ شَرْطُ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ،
(1)
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَيَتَفَرَّعُ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ
ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ:
(1) البقرة: 144. (1/340)
صفحة 341
daalataletala alaalatalataletalstalaislaidaializkiakiaketasiz
341
الرُّكْنُ الأَوَّلُ: فِي الصَّلَاةِ
وَيَتَعَيَّنُ الاسْتِقْبَالُ فِي جَمِيعِ الصَّلاةِ إِلا فِي الْقِتَالِ، وَلَا تُؤَدَّى فَرِيضَةٌ عَلَى الرَّاحِلَةِ إِلا فِي حَالِ الاضْطِرَارِ، وَأَمَّا النَّوَافِلُ فَلَا بَأْسَ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ بِوَجْهِهِ عِنْدَ الإِحْرَامِ، ثُمَّ لاَ يَضُرُّهُ انْحِرَافُ الدَّابَّةِ عَنِ الْقِبْلَةِ فِي السَّمَادِي، وَكَذَلِكَ رَاكِبُ السَّفِينَةِ عَلَى هَذَا الْحَالِ.
الرُّكْنُ الثَّانِي: فِي أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ
اعْلَمْ أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَكْتَفِي فِي الْبِلادِ وَالْقُرَى بِالْمَحَارِيبِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْقُبُورِ عَنْ طَلَبِ الأَدِلَّةِ عَلَى الْقِبْلَةِ، وَلَكِنْ إِذَا كَانَ فِي السَّفَرِ رُبَّمَا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فَيَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ الأَدِلَّةِ عَلَيْهَا، وَهِيَ بِالْجُمْلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحدها: أَدِلَّةٌ أَرْضِيَّةٌ كَالاسْتِدْلالِ بِالْقُرَى وَالْجِبَالِ وَالأَنْهَارِ، وَالثَانِي: أَدِلَّةٌ هَوَائِيَّةٌ كَالاسْتِدْلَالِ بِالرِّيَاحِ شَمَالِهَا وَجَنُوبِهَا وَصَبَاهَا وَدبُورِهَا، والثالث: أَدِلَّةٌ سَمَائِيَّةٌ كَالاسْتِدْلَالِ بِالنُّجُومِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ.
فَأَمَّا الْأَرْضِيَّةُ وَالْهَوَائِيَّةُ فَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِلادِ، فَرُبَّ طَرِيقٍ فِيهَا جَبَلْ مُرْتَفِعُ يُعْلَمُ أَنَّهُ عَلَى يَمِين الْمُسْتَقْبِل أَوْ شِمَالِهِ أَوْ وَرَاءِهِ أَوْ أَمَامِهِ، فَلْيَتَعَلَّمْ ذَلِكَ وَلْيَتَفَهَّمْهُ، وَكَذَلِكَ الرِّيَاحُ قَدْ تَدلُّ فِي بَعْضِ الْبِلادِ فَلْيَتَفَهُمْ ذَلِكَ، وَلَسْنَا نَقْدِرُ عَلَى اسْتِقْصَاءِ ذَلِكَ، إِذْ كُلُّ بَلَدٍ أَوْ إِقْلِيمٍ لَهُ حُكْمْ آخَرُ. (1/341)
صفحة 342
ـد الإسـ
وَأَمَّا الْسَّمَائِيَّةُ فَأَدِلَّتُهَا تَنْقَسِمُ إِلَى مَهَارِيَّةٍ وَلَيْلِيَّةٍ، أَمَّا النَّهَارِيَّةُ فَكَالشَّمْسِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُرَاعِيَهَا الإِنْسَانُ عِنْدَ زَوَالِهَا قَبْلَ الْخُرُوج مِنَ الْبَلَدِ لِيَعْلَمَ أَيْنَ تَقَعُ مِنْهُ، أَهِيَ بَيْنَ
الْحَاجِبَيْنِ أَوْ عَلَى الْعَيْنِ الْيُمْنَى أَوِ الْيُسْرَى، أَوْ تَمِيلُ إِلَى الْحَاجِبَيْنِ مَيْلاً أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَإِنَّ الشَّمْسَ لاَ تَعْدُو فِي الْبِلادِ الشَّمَالِيَّةِ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ، وَكَذَلِكَ غُرُوبُهَا تُعْرَفُ بِهِ الْقِبْلَهُ أَيْضًا بِأَنْ تَكُونَ عَنْ يَمِينِ الْمُسْتَقْبِلِ، أَوْ هِيَ مَائِلَةٌ إِلَى وَجْهِهِ أَوْ قَفَاهُ أَيْضًا، وَتُعْرَفُ الْقِبْلَةُ بِالشَّفَقِ أَيْضًا لِلْعِشَاءِ الأَخِيَرَةِ، وَتُعْرَفُ بِمَشْرِقِ الشَّمْسِ لِصَلاةِ الصُّبْحِ، وَكَذَلِكَ تُعْرَفُ الْقِبْلَةُ بِمَطَالِع مَنَازِلِ اللَّيْلِ وَمَغَارِبِهَا، وَكَذَلِكَ الْقُطْبُ وَهُوَ الْكَوْكَبُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْجَدْيُّ، فَإِنَّهُ كَوْكَبٌ كَالثَّابِتِ لَا تَظْهَرُ حَرَكَتُهُ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى فَفَا الْمُسْتَقْبِل أَوْ عَلَى مَنْكَبِهِ الْأَيْمَنِ مِنْ ظَهْرِهِ، أَوْ مَنْكَبِهِ الأَيْسَرِ فِي الْبِلادِ الشَّمَالِيَّةِ مِنْ مَكَّةَ، وَفِي الْبِلادِ الْجَنُوبِيَّةِ كَالْيَمَنِ وَمَا وَرَاءَهَا فَيَقَعُ فِي مُقَابَلَةِ الْمُسْتَقْبِلِ، فَمَتَى تَعَلَّمَ ذَلِكَ وَعَرَفَهُ فَلْيُعَوِّلُ عَلَيْهِ فِي طَرِيقِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. (1/342)
صفحة 343
الرُّكْنُ الثَّالِثُ: فِي الْمَعْنَى الْمُعَيَّنِ عَلَى الْمُكَلَّفِ اسْتِقْبَالُهُ مَا هُوَ؟ وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْفَرْضَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمُشَاهَدَةِ لِلْبَيْتِ اسْتِقْبَالُ الْعَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ بَعُدَ عَنْهُ، فَقِيلَ: الْفَرْضُ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ الْعَيْنِ، أَعْنِي إِذَا كَانَتِ الْكَعْبَةُ غَيْرَ مُبْصَرَةٍ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّمَا الْفَرْضُ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ الْجِهَةِ عِنْدَ تَعَذَّرِ الْمُعَايَنَةِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعَضّدُهُ الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ.
(1)
أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، أَيْ: نَحْوَهُ، وَمَنْ قَابَلَ جِهَةَ الْكَعْبَةِ فَإِنَّهُ يُقَالُ: قَدْ وَلَّى وَجْهَهُ شَطْرَهَا.
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ لَأَهْلِ الْمَدِينَةِ: "مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ (2)، وَالْمَغْرِبُ يَقَعُ عَلَى يَمِينِ أَهْلَ الْمَدِينَةِ، وَالشَّمْسُ عَلَى يَسَارِهِمْ، فَجَعَلَ الله جَمِيعَ مَا يَقَعُ بَيْنَهُمَا قِبْلَةٌ، وَمِسَاحَةُ الْكَعْبَةِ لَا تَفِي مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَإِنَّمَا تَفِي بِذَلِكَ جِهَتُهَا.
وَأَمَّا فِعْلُ الصَّحَابَةِ فَمَا رُوِيَ أَنَّ أَهْلَ مَسْجِدِ قِبَاء كَانُوا فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ مُسْتَقْبِلِينَ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ مُسْتَدْبِرِينَ لِلْكَعْبَةِ - لأَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بَيْنَهُمَا – فَقِيلَ لَهُمْ: قَدْ حُوِّلَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَاسْتَدَارُوا فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ دَلَالَةٍ، وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِمْ، فَسُمِّيَ مَسْجِدُهُمْ ذَا الْقِبْلَتَيْنِ (3)
(1) الْبَقَرَة: 144.
(3)
(2) [رواه الترمذي، باب ما جاء ما بين المشرق والمغرب قبلة، ر 342].
(3) [رواه الربيع، باب استقبال الكعبة وبيت المقدس، ر 207]. (1/343)
صفحة 344
قواعد الإسلام
وَمُقَابَلَةُ الْعَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ لَا تُعْرَفُ إِلا بِأَدِلَّةٍ هَنْدَسِيَّةٍ يَطُولُ النَّظَرُ فِيهَا، كَيْفَ أَدْرَكُوا ذَلِكَ عَلَى الْبَدِيهَةِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ؟ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ أَهْلَ الإِسْلَام بَنوُا الْمَسَاجِدَ حَوَالَيْ مَكَّةَ وَفِي بِلَادِ الإِسْلَامِ وَلَمْ يُحْضِرُوا فِيمَا بَلَغَنَا قَطُّ مُهَنْدِسًا عِنْدَ تَسْوِيَةِ الْمَحَارِيبِ.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ: فَهُوَ أَنَّ الْحَاجَةَ تَمَسُّ إِلَى الاسْتِقْبَالِ وَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي جَمِيع أَقْطَارِ الأَرْضِ، وَلَا يُمْكِنُ مُقَابَلَةُ الْعَيْنِ إِلا بِعُلُومِ هَنْدَسِيَّةٍ لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِالنَّصَّ فِيهَا، بَلْ رُبَّمَا زَجَرَ عَنِ التَّعَمُّقِ فِيهَا، وَلَوْ كَانَ الْفَرْضُ مُقَابَلَةَ الْعَيْنِ لَكَانَ حَرَجًا، والله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج، فَيَجِبُ الاكْتِفَاءُ بِالْجِهَةِ لِلضَّرُورَةِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا هَل الْفَرْضُ فِي الاسْتِقْبَالِ الاجْتِهَادُ أَوِ الإِصَابَةُ؟ فَقَوْلَانِ: فَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ الْفَرْضَ عَلَيْهِ الاجْتِهَادُ، وَإِلَيْهِ يَؤُولُ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا فِي قِيَاسِ أُصُولِهِمْ، وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْفَرْضَ الإِصَابَةُ، وَأَنَّهُ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ أَعَادَ أَبَدًا، فَقَاسَ جِهَةَ الْمَكَانِ عَلَى جِهَةِ الزَّمَانِ، أَعْنَى الْوَقْتَ الْمَوْضُوعَ لِلصَّلاةِ، وَكَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْفَرْضَ عَلَيْهِ فِيهِ الإِصَابَةُ، وَأَنَّهُ إِذَا انْكَشَفَ لِلْمُكَلَّفِ أَنَّهُ قَدْ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ أَعَادَ أَبَدًا، إِلا خِلافًا شَاذًا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا جَهِلَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ أَنَّهُ قَدْ مَضَتْ صَلَاتُهُ، وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْفَرْضَ الاجْتِهَادُ، فَإِنَّهُ إِذَا اجْتَهَدَ وَصَلَّى بِالتَّحَرِّي إِلَى الْقِبْلَةِ ثُمَّ تَبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ فَإِنَّهُ لاَ يُعِيدُ صَلَاتَهُ، وَقَدْ رُوِيَ فِي الْأَثَرِ مِثْلُ ذَلِكَ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجُوا فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتْهُمُ الصَّلَاةُ فِي يَوْمٍ غَائِمٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ صَلَّى نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَلَّى نَحْوَ الْمَغْرِبِ، فَسَأَلُوا
(1) الْحَج: 78. (1/344)
صفحة 345
الآية (2).
قواعد الإس
عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "مَضَتْ صَلاتُكُمْ (1)، فَنَزَلَتْ: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ
مَسْأَلَةٌ: وَالإِنْسَانُ الْقَادِرُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ يَقِينًا لَا يَجُوزُ لَهُ الاجْتِهَادُ، وَالْقَادِرُ عَلَى الاجْتِهَادِ لا يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ، لَكِنْ يَجْتَهِدُ وَيَتَحَرَّى الْقِبْلَةَ وَيُصَلِّي، فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَمْ تَلْزَمُهُ الإِعَادَةُ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ لَمْ يَخْرُجُ أَعَادَ الصَّلاَةَ اسْتِحْبَابًا، وَقِيلَ: إِنِ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ خَطَأَ أَعَادَ وَلَوْ بَعْدَ الْوَقْتِ، وَإِنْ شَرَّقَ أَوْ غَرَّبَ لَمْ يُعِدْ بَعْدَ الْوَقْتِ، وَقِيلَ: مَنْ تَحَيَّرَ عَنِ الْقِبْلَةِ فَلْيُصَلِّ الصَّلَاةَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ إِلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ مُخْتَلِفَاتٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْأَعْمَى فَفَرْضُهُ التَّقْلِيدُ، وَأَنْ يُقَلَّدَ شَخْصًا عَالِمًا بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ، مُسْلِمًا مُكَلَّفًا، وَإِنْ عَدِمَ مَنْ يُقَلِّدُهُ فَلْيَجْتَهِدْ أَوْ يُصَلِّي الصَّلاةَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ إِلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ كَمَا قَدَّمْنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاخْتُلِفَ فِي الصَّلاةِ فِي دَاخِلَ الْكَعْبَةِ، فَمَنَعَهَا قَوْمٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَأَجَازَهَا
آخَرُونَ عَلَى الإطلاقِ، وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ.
وَسَبَبُ التَّنازُع: اخْتِلافُ الرَّوَايَاتِ الْمَنْقُولَةِ عَنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي بَعْضِهَا أَنَّهُ دَخَلَ الكَعْبَةَ فَدَعَا فِيهَا وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قِبَلِ الْكَعْبَةِ،
وَقَالَ: "هَذِهِ الْقِبْلَةُ (3)، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ بِلالِ اللَّهُ أَنَّهُ جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ، وَعَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَثَلاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ ثُمَّ صَلَّى)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ رُوِيَ
(4)
(1) [رواه البيهقي: معرفة السنن والآثار، ر 726، وقال: حديث ضعيف لم يثبت فيه إسناد"]. (2) الْبَقَرَة: 115. (3) [رواه البخاري، باب قول الله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)، (389]. وَقِبَلَهَا، أَيْ: مُقَابِلَهَا، وَهَذِهِ الْقِبْلَةُ" الإِشَارَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ.
(4) [رواه الربيع، باب في الكعبة والمسجد والصفا والمروة، (409]. وَحُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ، مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْبَيْتَ هُوَ وَأَسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلال وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ، فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ أَوَّلَ (1/345)
صفحة 346
??
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْبَيْتُ كُلُّهُ قِبْلَةٌ، وَقِبْلَةُ الْبَيْتِ الْبَابُ، وَالْبَيْتُ قِبْلَةٌ
لأَهْلِ الْمَسْجِدِ، وَالْمَسْجِدُ قِبْلَةٌ لأَهْلِ الْحَرَمِ، وَالْحَرَمُ قِبْلَةٌ لأَهْلِ الْأَرْضِ كُلِّهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مسألة: [في استحباب السُّرَةِ للمُصَلِّي]
وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى اسْتِحْبَابِ السُّتْرَةِ لِلْمُصَلِّي بَيْنَ يَدَيْهِ مُنْفَرِدًا كَانَ أَوْ إِمَامًا، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مِثْلُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ لَمْ يُبَالِ بِمَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ (1)، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ إِذَا لَمْ يَجِدْ سُتْرَةٌ، هَلْ يَخُطُّ أَمَامَهُ خُطَةٌ وَيُصَلِّي؟ فَاسْتَحَبَّ ذَلِكَ أَصْحَابُنَا وَبَعْضُ الأُمَّةِ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَخُطَّ، وَالأَصَحُ الأَوَّلُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ الله: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ
6
(Y)n
شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَصا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَخُطَّ خَطَّاثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ (2)، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ (3)، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ غَرَزَ عَنْزَةٌ فَصَلَّى إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا اسْتَحَبَّ أَصْحَابُنَا السُّتْرَةَ لأَجْلِ مَا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي، لِثَلاً يَقْطَعَ عَلَيْهِ الصَّلاَةَ كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْكَلْبِ الَّذِي لَهُ نُكْتَتَانِ فَوْقَ عَيْنَيْهِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْجُنُبِ، وَكَذَلِكَ اسْتِقْبَالُ الأَمْوَاتِ وَالتَّصَاوِيرِ وَالْعِجْلِ وَالنَّارِ الْمُوقَدَةِ، شَدَّدَ فِي اسْتِقْبَالِ هَؤُلاَءِ الْوُجُوهِ بَعْضُهُمْ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْتِقْبَالِ الأَلْوَاحِ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلالاً فَسَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ" [رواه البخاري، باب إغلاق البيت ويصلي في أي نواحي البيت شاء، ر 1521].
(1) [رواه مسلم، باب سترة المصلي، (1139]، "الرحل: ما يوضع على ظهر البعير ليركب عليه كالسرج للفرس".
(2) [رواه ابن ماجه، باب ما يستر المصلي، ر 943]
(3) [رواه أبو داود، باب من قال الكلب لا يقطع الصلاة، ر 718].
(4) [رواه البخاري، باب حمل العنزة أو الحربة بين يدي الإمام يوم العيد، ر 930]. والعَنزَةُ: عَصا
أَسْفَلِهَا حَدِيدَةٌ. (1/346)
صفحة 347
dla elatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatala alaiakatalaslatokate
قواعد الإس
وَالنَّائِمِ، فَهَذِهِ الْمَعَانِي عِنْدَ بَعْضِهِمْ تَنْقُضُ الصَّلَاةَ مَا لَمْ يَكُنِ الإِمَامُ وَالسُّتْرَةُ، إِلَّا إِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُصَلِّي مِقْدَارُ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ، وَقِيلَ: خَمْسَةٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةٍ، وَاللَّهُ
و (1)
أَعْلَمُ
[الفريضة الثامنة من فرائض الصلاة في النية
وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلاةِ، لِكَوْنِ الصَّلَاةِ رَأْسُ الْعِبَادَاتِ الَّتِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِهَا لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ مَعْقُولَةٍ مِنَ الْمَصَالِحِ الْمَحْسُوسَةِ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ مِنْ شَرْطِ نِيَّةِ الْمَأْمُومِ أَنْ تُوَافِقَ نِيَّةَ الإِمَامِ فِي تَعْيِينِ الصَّلَاةِ وَفِي الْوُجُوبِ حَتَّى لَا يَجُوزَ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَأْمُومُ ظُهْرًا خَلْفَ إِمَامٍ يُصَلِّي عَصْرًا، وَلَا يَجُوزَ أَنْ يُصَلِّيَ الإمام ظُهْرًا تَكُونُ فِي حَقِّهِ نَفْلاً وَفِي حَقٌّ الْمَأْمُومِ فَرْضًا، فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ تُوَافِقَ نِيَّةُ الْمَأْمُومِ نِيَّةَ الإِمَامِ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الأَوَّلِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رُوِيَ أَنَّ مُعَاذَا كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ثُمَّ يُصَلِّي بِقَوْمِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(Y),
(1) وَقِيلَ: لَا يَقْطَعُهَا شَيْءٌ، قَالَ الرَّبِيعُ وَابْنُ مَحْبُوبٍ وَهَاشِمٌ وَبَعْضُ الْمَغَارِبَةِ: لَيْسَتِ الصَّلَاةُ حَبْلاً مَمْدُودًا كُلُّ مَا جَاءَ يَقْطَعُهَا، وَإِنَّمَا تَعْرُجُ إِلَى السَّمَاءِ، يَصِلُهَا بِرُّ الْقَلْبِ وَيَقْطَعُهَا فُجُورُهُ، فَلاَ يَقْطَعُهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَنَحْوِهِ وَلَوْ مَرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُجُودِهِ، إِلَّا إِنْ مَسَّ نَجَاسَةٌ" [انظر: شرح النيل باب في السترة، 2/ 90]. نَعَمْ نَهَى عَنِ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي، وَالْمَارُ آثِمٌ إِنْ تَعَمَّدَ، وَلِلْمُصَلِّي أَنْ يَمْنَعَهُ وَيَدْفَعَهُ وَإِنْ بِعُنْفِ، وَرَغْمَ ذَلِكَ لَا يُؤَثْرُ فِي صَلَاتِهِ؛ لأَنَّهَا صِلَةٌ رُوحِيَّةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ. اهـ
مُصَححه
(2) [رواه الربيع، باب في القعود في الصلاة والتحيات، ر 240] (3) [عن جابر بن عبد الله قال: كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء، ثم ينصرف إلى قومه فيصليها لهم، وكان إمامهم" (رواه ابن حبان، باب إعادة الصلاة، ر 2401)]. (1/347)
صفحة 348
قواعد الان
Yutakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakaslarda da da da da da datele dla
مَسْأَلَةٌ فِي كَيْفِيَّةِ النَّيَّةِ فِي الصَّلاةِ: وَذَلِكَ أَنْ يَعْقِدَ فِي قَلْبِهِ وَيَقْصِدُ بِهِ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةِ إِمَّا ظُهْرًا أَوْ عَصْرًا، أَوْ غَيْرَهُمَا لِيَوْمٍ مَعْلُومٍ أَوْ لَيْلَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَقَدِ اسْتَحَبَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مَعْرِفَةَ الشَّهْرِ، وَيَتَّصِلُ بِعَقْدِ النِّيَّةِ لِلصَّلَاةِ أَنْ تَكُونَ حَضَرِيَّةٌ أَوْ سَفَرِيَّةٌ، وَسَنَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ هَهُنَا طَرَفًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
مَسْأَلَةٌ فِي أَخْذِ الْوَطَنِ: وَهُوَ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ الَّتِي لَا تَصِحُ إِلا بِهَا بِلا خِلافٍ أَجِدُهُ بَيْنَ الأُمَّةِ، لِمَا صَحَ مِنْ تَوْطِينِ الرَّسُولِ وَأَصْحَابِهِ الْمَدِينَةَ بَعْدَمَا كَانَ وَطَنْهُمْ مَكَّةَ - أَعَزَّهَا اللهُ تَعَالَى، وَلاَ صَلَاةَ لِمَنْ لَا وَطَنَ لَهُ، وَلَا يُوَطِّنُ الرَّجُلُ إِلا مَوْضِعًا مَعْرُوفًا طَاهِرًا مِمَّا تَجُوزُ الصَّلاةُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَرْضِ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا، وَكُلُّ مَكَانٍ لا يُصَلَّى عَلَيْهِ لاَ يُوَطَّنْهُ، وَيَأْخُذُ أَرْبَعَةَ أَوْطَانٍ فَمَا دُونَهَا، وَالْمَرْأَةُ لا تُوَطِّنُ إِلَّا وَاحِدًا، إِلَّا إِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجِ فَوَطَنُهَا وَطَنُ زَوْجِهَا وَاحِدًا كَانَ أَوْ أَرْبَعَةٌ، وَيَأْخُذُ الرَّجُلُ الْوَطَنَ بِالنَّوَى دُونَ اللَّفْظِ، وَلَا يَنْزِعُهُ إِلا بِالنَّوَى وَاللَّفْظِ، وَيَكُونُ وَطَنُ الرَّجُلِ وَطَنَ جَمِيعِ مَنْ عَلَّقَ إِلَيْهِ أَمْرَهُ مِنْ عَبِيدِهِ وَأَطْفَالِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَبَنَاتِهِ الْبَالِغَاتِ مَا لَمْ يَخْرُجْنَ عَنْهُ، وَمَا تَعَلَّقَ إِلَيْهِنَّ مِنَ الْعَبِيدِ وَعَبِيدُ أَطْفَالِهِ أَيْضًا كَذَلِكَ، وَعَبِيدُ مَوَالِيهِ وَلَقِيطُهُ مَا دَامَ طِفْلاً كَذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ فِي صَلاةِ السَّفَرِ: وَفِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ الاخْتِلَافُ بَيْنَ النَّاسِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ السَّفَرَ لَهُ تَأْثِيرُ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ، وَأَنَّهُ جَائِزٌ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقْصَرَهَا فِيهِ، إِلا خِلاَفًا شَاذًا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، وَهُوَ أَنَّ الْقَصْرَ لَا يَجُوزُ إِلا لِلْخَائِفِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن نَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ
الآية (1)، وَقَالُوا: إِنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا فَصَرَهَا لأَنَّهُ كَانَ خَائِفًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) النِّسَاء 101 - فَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَرَأَيْتَ إِقْصَارَ النَّاسِ الصَّلَاةَ؟ وَإِنَّمَا قَالَ اللهُ: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) (النساء: (101) فَقَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ الْيَوْمِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: " صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ (1/348)
صفحة 349
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى فِي حُكْمِ الْقَصْرِ: وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ، أحدها: أَنَّ الْقَصْرَ فَرْضٌ لِلْمُسَافِرِ الْمُتَعَبِّدِ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْكُوفِيُّونَ بِأَسْرِهِمْ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْقَصْرَ سُنَّةٌ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكِ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُسَافِرَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقَصْرِ وَالإِثْمَامِ كَالتَّخْيِيرِ فِي وَاجِبِ الْكَفَّارَاتِ، وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْقَصْرَ رُحْصَةٌ، وَأَنَّ
الإِثْمَامَ أَفْضَلُ.
6
(1) ,
وَسَبَبُ التَّنَازُع: تَعَارُضُ الْعِلَّةِ الْمَعْنَوِيَّةِ لِلآثَارِ النَّقْلِيَةِ، وَمُعَارَضَةُ الدَّلِيل الْفِعْلِيُّ لِلْمَعْنَى النَّقَلِيُّ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ إِنَّمَا هُوَ الرُّحْصَةُ لِمَوْضِعِ الْمَشَقَّةِ، كَمَا رَخَّصَ لَهُ فِي الْفِطْرِ وَأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا حَدِيثُ النَّبِيِّ حِينَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "هِيَ صَدَقَةٌ مِنَ اللَّهِ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ (1)، فَمَنْهُومُ هَذَا هِيَ الرُّحْصَةُ، وَأَمَّا الأثرُ النَّقْلِيُّ الْمُعَارِضُ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ فَحَدِيثُ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَنَّهَا قَالَتْ أَوَّلُ مَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَانِ ثُمَّ زِيدَتْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ" [رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، (686]. وَقِيلَ لابْنِ عُمَرَ: إِنَّا نَجِدُ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَصَلَاةَ الْحَضَرِ فِي الْقُرْآنِ وَلَا نَجِدُ صَلاةَ السَّفَرِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَا ابْنَ أَخِي إِنَّ اللهَ بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا الله مَا نَعْلَمُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا نَفْعَلُ مَا رَأَيْنَاهُ يَفْعَلُ" [رواه الربيع، باب في فرض الصلاة في الحضر والسفر، ر 187]، مِصْدَاقُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" [رواه البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة ... ، ر 605]، وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ قَوْمًا يُسَبِّحُونَ يُصَلُّونَ فِي السَّفَرِ تَطَوُّعًا" بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لأَتْمَمْتُ صَلَاتِي، يَا ابْنَ أَخِي، صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ اللهُ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ تَعَالَى، وَصَحبْتُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَذَكَرَ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَقَالَ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب: (21) [رواه مسلم، باب صلاة المسافرين وقصرها، ر 1611]. اهـ مُصححه. (1) [سبق تخريجه]. (1/349)
صفحة 350
(1)
فِي الْحَضَرِ)، وَعَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَيْضًا قَالَ: "إِنَّ الصَّلاةَ الَّتِي كُنتُمْ تُصَلُّونَ رَكْعَتَانِ
" (A)
أَلَا إِنَّهَا صَلَاةُ الْمُسَافِرِ (2).
وَأَمَّا الدَّلِيلُ الْفِعْلِيُّ الْمُعَارِضُ لِلْمَعْنَى النَّقْلِيِّ وَمَفْهُومِ الْآثَارِ فَهُوَ مَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ يَقْصُرُ فِي جَمِيعِ أَسْفَارِهِ، وَلَمْ يَصِحٌ عَنْهُ أَنَّهُ أَتَمَّ الصَّلَاةَ قَطُّ (3)، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى التَّخْيِيرِ لِلْمُسَافِرِ بَيْنَ الْقَصْرِ وَالإِثْمَامِ احْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِي كَانَ يُتِمُّ فِي السَّفَرِ وَيَقْصُرُ، وَيَصُومُ وَيُفْطِرُ، وَيُؤَخِّرُ الظُّهْرَ، وَيُعَجِّلُ الْعَصْرَ، وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ، وَيُعَجِّلُ الْعِشَاءَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَسَافَةِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا الْقَصْرُ: فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّهَا فَرْسَخَانِ، وَهُمَا فِي التَّقْدِيرِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ، وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
(1) [رواه الربيع، باب في فرض الصلاة في الحضر والسفر، ر 186].
(2) [لم أجد من خرجه بهذا اللفظ].
(3) قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَكَانَ يَقْصُرُ الصَّلاةَ الرُّبَاعِيَّةَ فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ مِنْ حِينِ يَخْرُجُ مُسَافِرًا إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ أَنَّهُ أَتَمَّ الصَّلاَةَ الرُّباعِيَّةَ، وَلَمْ يَخْتَلِف فِي ذَلِكَ أَحَدُ الأَئِمَّةِ [زاد العباد، فصل في هديه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفره وعبادته فيه، 1/ 464].
المعاد في هدي. خير
اهـ مُصَححه.
(4) [رواه ابن أبي شيبة في المسافر إن شاء صلى ركعتين وإن شاء أربعا، ر 8187. وقال ابن القيم: "وأما حديث عائشة: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقصُرُ في السفر ويتم، ويُفْطِرُ ويَصُومُ، فلا يصح، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ... وهذا باطل ما كانت أم المؤمنين لتُخالف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجميع أصحابه، فتصلي خلاف صلاتهم، كيف والصحيح عنها أنها قالت: إن الله فرض الصلاة ركعتين ركعتين، فلما هاجر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة، زيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر فكيف يُظن بها مع ذلك أن تصلي بخلاف صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمسلمين "معه (زاد المعاد، 464/ 1، 465)]. (1/350)
صفحة 351
قواعد الإس
بِأَصْحَابِهِ إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَعَلَّمَكُمْ حَدَّ السَّفَرِ، أَوْ قَالَ: صَلاَةَ السَّفَرِ (2)، وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي
طَالِبٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو عُبَيْدَةَ مُسْلِمٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِنَا
ووه وه
بِلا خِلَافٍ أَجِدُهُ بَيْنَهُمْ.
وَذَهَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَشْيَاعُهُ إِلَى أَنَّ الْمَسَافَةَ لِقَصْرِ الصَّلاَةِ أَرْبَعَةُ بُردِ (3)، وَذَلِكَ فِيمَا وَجَدْتُ مَسِيرَةُ يَوْمِ بِالْوَسَطِ، وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا.
وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ أَقَلَّ مَسَافَةِ التَّقْصِيرِ ثلاثة أيام)، قَالُوا: إِنَّمَا الْقَصْرُ لِمَنْ سَافَرَ مِنْ أُفُقِ إِلَى أُفُقِ، وَرَوَوْهُ عَنِ ابْنِ
مَسْعُودٍ.
وَسَبَبُ التَّنازُعِ: مُعَارَضَةُ الْمَعْنَى الْمَعْقُولِ لِلَّفْظِ الْمَنْقُولِ، وَذَلِكَ أَنَّ عِلَّةَ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ إِنَّمَا هِيَ لأَجْلِ الْمَشَقَّةِ، وَكَذَلِكَ فِي الصَّوْمِ، فَلَمَّا كَانَ الأَمْرُ هَكَذَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَصْرُ إِذَا كَانَتِ الْمَشَقَّةُ، وَأَمَّا اللَّفْظُ الْمُعَارِضُ لَهُ
(1) [مسند الإمام الربيع الزيادات، ر 917، والبخاري، باب من باب بذي الحليفة حتى أصبح،
الصلاة
ر 1472]. (2) [أما هذه الزيادة فلم أجد من رواها، وقد ذكرها بعض الفقهاء في كتبهم مثل: القطب: شرح النيل، 352/ 2، 353، والشماخي: الإيضاح، 623/ 1، والسالمي: المعارج، 10/ 192]. (3) [لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى "عسافان. رواه البيهقي، السن الكبرى، كتاب الصلاة، باب السفر الذي لا تقصر في مثله الصلاة (137/ 3)، ولكن إسناد هذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه إسماعيل بن عياش وعبد الوهاب بن مجاهد وهما ضعيفان (ابن حجر: فتح الباري شرح صحيح البخاري، 566/ 2)]. (4) [واستدلوا بما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم" (رواه البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب في كم
يقصر الصلاة، (1086، 1087)].
(5) [رواه الطبراني: المعجم الكبير، (9456]. (1/351)
صفحة 352
قواعد الإسـ
351
فَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ (1). وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَيِّ أَنْوَاعِ السَّفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاةُ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى السَّفَرِ الْمُتَقَرَّبِ بِهِ كَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَأَشْبَاءِ ذَلِكَ، وَاحْتَجُوا بِأَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَقْصُرِ الصَّلَاةَ قَطُّ إِلَّا فِي سَفَرٍ مُتَقَرِّبٍ بِهِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْقَصْرَ إِنَّمَا هُوَ فِي السَّفَرِ الْمُبَاحَ دُونَ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَهُوَ الأَلْبَقُ بِأُصُولِ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكِ وَالشَّافِعِي، وَبَعْضُهُمْ أَجَازُوهُ
فِي كُلِّ سَفَرٍ مُبَاحًا كَانَ أَوْ مَعْصِيَةٌ، وَذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ. وَسَبَبُ التَّنازُع: تَعَارُضُ الْمَعْنَى الْمَعْقُولِ وَظَاهِرِ اللَّفْظِ بِدَلِيل الْفِعْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنِ اعْتَبَرَ الْمَشَقَّةَ وَظَاهِرَ لَفْظِ السَّفَرِ لَمْ يُفَرِّقُ بَيْنَ سَفَرٍ وَسَفَرٍ، وَمَنِ اعْتَبَرَ فِعْلَ الرَّسُولِ لَمْ يُجِزِ الْقَصْرَ إِلا فِي السَّفَرِ الْمُتَقَرَّبِ بِهِ كَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُبَاحِ وَالْمَعْصِيَةِ فَعَلَى جِهَةِ التَّغْلِيظِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ: هَلْ تَجُوزُ الرُّحْصَةُ لِلْعُصَاةِ أَمْ لاَ؟ وَاللهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَبْدَأُ مِنْهُ الْمُسَافِرُ فِي تَقْصِيرِ الصَّلاةِ، فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ يَنْوِي سَفَرًا نَائِيَا فَإِنَّهُ يَقْصُرُ مِنْ حِينِ خَرَجَ مِنْ قَرْيَتِهِ، وَخَيَّرَهُ بَعْضُهُمْ فِيمَا دُونَ الْفَرْسَخَيْنِ بَيْنَ الْفِطْرِ وَالإِثْمَامِ، وَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ الْقَصْرَ إِذَا جَاوَزَ الْفَرْسَخَيْنِ، بِخِلاَفِ الْفِطْرِ فِي الصَّوْمِ، قَالُوا: لأَنَّ الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ رُحْصَةٌ مُخَيَّرٌ بَيْنَ قَبُولِهَا وَرَدَّهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَصْرُ الصَّلَاةِ؛ لأَنَّهُ أَمْرُ لأَزِمٌ لا تَصِحُ صَلاةُ الْمُسَافِرِ إِلا بِالقَصْرِ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الإِعَادَةُ أَبَدًا، قَالُوا: وَأَمَّا إِنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ حَاجَةٍ فِيمَا فَوْقَ الْفَرْسَخَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَقْصُرُ حَتَّى يُجَاوِزَ الْفَرْسَخَيْنِ، وَاللهُ أَعْلَمُ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ مِثْلُ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ الْمُرِيدَ لِلسَّفَرِ
(1) [رواه أبو داود، كتاب الصوم، باب اختيار الفطر، ر 2408]. (1/352)
صفحة 353
لا يَقْصُرُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ بُيُوتِ الْمِصْرِ، وَلاَ يُتِمُّ مَا لَمْ يَدْخُلْ أَوَّلَ بُيُوتِهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ لا يَقْصُرُ إِذَا كَانَتْ قَرْيَةً جَامِعَةً حَتَّى يَكُونَ مِنْهَا بِنَحْوِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ). وَسَبَبُ التَّنَازُعِ مُعَارَضَةُ مَفْهُومِ اللَّفْظِ بِدَلِيلِ الْفِعْلِ، فَمَنْ رَاعَى مَفْهُومَ لَفْظِ السَّفَرِ فَإِنَّهُ مَتَى مَا شَرَعَ فِي السَّفَرِ فَقَدْ انْطَلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مُسَافِرٍ، فَيَقْصُرُ الصَّلَاةَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بُيُوتِ الْمِصْرِ، وَمَنْ رَاعَى فِعْلَ الرَّسُولِ فَإِنَّهُ لَا يَقْصُرُ حَتَّى يُجَاوِزَ ثَلاثَةَ أَمْيَالٍ فَصَاعِدًا؛ لأَنَّهُ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي حَدِيثٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(2)
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مِقْدَارِ الزَّمَانِ الَّذِي إِذَا مَكَثَ فِيهِ الْمُسَافِرُ فِي الْمِصْرِ لَزِمَهُ الإِثْمَامُ، فَرَوَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَبْلَغَ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَحَدَ عَشَرَ قَوْلاً، إِلا أَنَّ الأَشْهَرَ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، أحدها: مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، أَنَّهُ إِذَا عَزَمَ عَلَى إِقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ لَزِمَهُ الإِثْمَامُ، وَالثَّانِي: مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، أَنَّهُ إِذَا عَزَمَ عَلَى إِقَامَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَزِمَهُ الإِثْمَامُ، وَالثَّالِثُ: مَذْهَبُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ الْمُسَافِرَ يَقْصُرُ أَبَدًا مَا لَمْ يَتَّخِذْ وَطَنًا، وَكَانَ فِيمَا بَلَغَنَا يَقُولُ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ يَقْصُرَ الْمُسَافِرُونَ وَإِنْ أَقَامُوا عَشْرَ سِنِينَ مَا لَمْ يَتَّخِذُوهَا وَطَنَّا (3).
وَسَبَبُ الْخِلافِ: أَنَّهَا مَسْأَلَةٌ مَسْكُوتٌ عَنْهَا فِي الشَّرْعِ، وَالْقِيَاسُ عَلَى التَّحْدِيدِ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ، فَلَمَّا سَكَتَ عَنْهَا الرَّسُولُ وَلَمْ يَحُدَّ فِي تَقْصِيرِ صَلاةِ الْمُسَافِرِ حَدًا، وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ أَقَامَ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ سَبْعَةَ عَشَرَ
(1) [انظر: بداية المجتهد، 169/ 1].
(2) [رواه مسلم، باب صلاة المسافرين وقصرها، ر 1615].
(3) [مسند الإمام الربيع، الزيادات، ر 916]. (1/353)
صفحة 354
يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلاةَ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَوْ تِسْعَةَ عَشَرَ، فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَشْيَاعُهُ أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا قَامَ أَرْبَعًا صَلَّى أَرْبَعًا (3)، وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَأَنَّهُ فَعَلَهُ فِي بَعْضٍ خِلافَتِهِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مِثْلَهُ، وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ بِإِقَامَةِ النَّبِيِّ بِمَكَّةَ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلاةَ، وَمَذْهَبُ أَصْحَابِنَا فِي
(4)
هَذَا أَبِي عُبَيْدَةَ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَضُمَامِ بْنِ السَّائِبِ وَأَبِي نُوحٍ وَغَيْرِهِمْ رَحِمَهُمُ اللهُ أَنَّ الْمُسَافِرَ يَقْصُرُ الصَّلاَةَ وَإِنْ أَقَامَ فِي الْمِصْرِ أَبَدًا مَا لَمْ يَتَّخِذْهُ وَطَنًا، أَوْ يَشْتَرِ فِيهِ دَارًا فِيمَا وَجَدْتُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ خَاصَّةٌ (5).
وَحُجَّةً أَصْحَابِنَا فِي هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَقَامَ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ فِي قَرْيَةٍ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُ الصَّلاةَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا فِي بَعْضِ آثَارِ أَصْحَابِنَا، وَرَوَى أَصْحَابُنَا أَنَّ الْحَسَنَ أَقَامَ بِفَارِسَ سَنَتَيْنِ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيُّ أَنَّ عَلْقَمَةَ أَقَامَ بِخَوَارِزْمَ سَنَتَيْنِ يَقْصُرُ الصَّلاةَ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ (1) أَمَّا رِوَايَةُ الرَّبِيعِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، قَالَ: "إِنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَقَامَ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَهُوَ لاَ يَنْوِي الإِقَامَةَ بِهَا". قَالَ الرَّبِيعُ: هَذِهِ حَجَّةُ مَنْ لَمْ يَرَ الإِقَامَةَ لِلْمُسَافِرِ إِذَا كَانَ يَنْوِي الْإِقَامَةَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ" [باب في فرض الصلاة في الحضر والسفر، 190] وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ: تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا" [باب مقام النبي صلى الله عليه وسلم زمن الفتح (4047]، وَلأَبِي دَاوُدَ: سَبْعَةَ عَشَرَ" [كتاب صلاة المسافر، باب متى يتم المسافر، (1230]، وَلَهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: ثَمَانِيَةَ عَشَرَ" [باب متى يتم المسافر، ر 1231]، وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ: أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلاةَ" [باب إذا أقام بأرض العدو يقصر، ر 1237]. اهـ مُصَححه.
(2) [رواه الترمذي، باب ما جاء في كم تقصر الصلاة، رقم 548].
(3) وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا. (4) أبو نُوحٍ صَالِحُ الدَّمَانُ تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ.
(5) أَوْ تَزَوَّجَ فِيهَا، كَمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ صَلَّى بِمِنِّى أَرْبَعًا، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَتْمَمْتُ لأني تَأَمَّلْتُ بِهَذَا الْبَلَدِ، وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ تَأَمَّلَ بِبَلد فليصل صلاةَ
المقيم " [رواه أحمد، ر 443]. اهـ. (1/354)
صفحة 355
عد الإسـ
أَقَامَ بِهَا أَرْبَعَ سِنِينَ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَقَامَ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا يَقْصُرُ الصَّلاةَ، وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ أَقَامُوا بِالْقَادِسِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَهَذِهِ أُمَّهَاتُ مَسَائِلِ التَّقْصِيرِ، وَلْنَرْجِعْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِلَى مُتَعَلِّقَاتِ سُنَنِ الصَّلَاةِ مِنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالتَّوْجِيهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَيْفِيَّةِ امْتِثَالِ سُنَنِ الصَّلَاةِ
وَفَرَائِضِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (1/355)
صفحة 356
قواعد الإس اعد الإسلام
تفصيل سنن الصلاة وأعمالها، وبعض فرائضها بعد الدخول فيها
فصل فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ
وَهَذَا الْفَضْلُ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ، أَحَدُهُمَا: فِي الْأَذَانِ، وَالثَّانِي: فِي الإِقَامَةِ.
الْقِسْمُ الأَوَّلُ
فِي الأَذَانِ
وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ لُغَوِيٌّ وَشَرْعِيٌّ:
فَاللُّغَوِيُّ مَعْنَاهُ الإِعْلامُ دَلِيلُهُ و وَآذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجّ
الأَكْبَرِ)، أي: إعلام.
وَالشَّرْعِيُّ: هُوَ التَّعْرِيفُ لِلصَّلَاةِ بِأَلْفَاظِ شَرْعِيَّةٍ فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، وَلْتَذْكُرْ فِيهِ هَهُنَا خَمْسَ مَسَائِلَ تَجْرِي مَجْرَى الْأُمَّهَاتِ فِيهِ:
إحْدَاهَا [المسألة الأولى]: فِي صِفَةِ الأَذَانِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ فِيمَا وَجَدْتُ عَلَى أَرْبَعِ صِفَاتٍ إِحْدَاهَا: تَنْيَةُ التَّكْبِيرِ فِيهِ، وَتَرْبِيعُ الشَّهَادَتَيْنِ، وَبَاقِيهِ مَثْنَى، وَهَذِهِ الصَّفَةُ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَالِكِ وَأَصْحَابِهِ، وَالصَّفَةُ الثَّانِيَةُ: أَذَانُ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَهُوَ تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ الأَوَّلِ، وَتَثْنِيَةُ بَاقِي الْأَذَانِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ، إِلا أَنَّ أَصْحَابَنَا رَأَوْا تَرْبِيعَ التَّكْبِيرِ فِي جَمِيعِ
(1) التَّوْبَة: 3. (1/356)
صفحة 357
الأَذَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَالثَّالِثَةُ: أَذَانُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُمْ، وَهُوَ تَرْبِيعُ التكْبِيرِ الأَوَّلِ، وَتَثْنِيَةُ الشَّهَادَتَيْنِ وَالْحَيْعَلَتَيْنِ (3)، وَرُوِيَ هَذَا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ، وَالصَّفَةُ الرَّابِعَةُ: أَذَانُ أَهْلِ مَكَّةَ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُمْ، وَهُوَ تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ
الْأَوَّلِ وَالشَّهَادَتَيْنِ، وَتَثْنِيَةُ بَاقِي الْأَذَانِ، وَرُوِيَ مِثْلُهَا عَنِ الشَّافِعِيِّ.
وَسَبَبُ التَّنَازُعِ: اخْتِلافُ الآثَارِ وَاخْتِلافُ الْعَمَلِ الْمُتَّصِلِ عِنْدَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: حُكْمُهُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، أحدها: أَنَّهُ فَرِيضَةٌ عَلَى الأَعْيَانِ وَعَلَى الْجَمَاعَاتِ، رُوِيَ هَذَا عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَلَعَلَّهُمُ احْتَجُوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَلِصَاحِبِهِ: "إِذَا كُنتُمَا فِي سَفَرٍ فَأَذْنَا وَأَقِيمَا وَلْيَؤُمَّكُمَا أَفْضَلُكُمَا (3)، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ، وَقِيلَ: سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَعَنْ أَصْحَابِهِ، ذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الأَذَانَ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ لِإِقَامَةِ شَعَائِرِ الإِسْلَامِ، وَإِنْ تَرَكَهُ الْجَمِيعُ أَيْمُوا وَقُوتِلُوا، وَإِنْ فَعَلَهُ وَاحِدٌ أَجْزَأَ عَنِ الْبَاقِينَ، وَعَلَّلُوا وُجُوبَهُ فِي الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِع الْجَمَاعَةِ بِوَجْهَيْنِ: إِقَامَةِ الشِّعَارِ وَتَعْرِيفِ الأَوْقَاتِ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: قَوْلُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْأَذَانَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَهُوَ سُنَّةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ.
وَسَبَبُ الاخْتِلافِ: هُوَ سَبَبُ تَرَدُّدِهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَوْلاً مِنْ أَقَاوِيلَ الصَّلَاةِ الْمُخْتَصَّةِ بِهَا، أَوْ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ بِهِ هُوَ إِعْلَامُ النَّاسِ بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءَ إِلَيْهَا فِي الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الْجَمَاعَاتِ.
(1) [وهو المعمول به الآن عند إباضية المغرب] (2) [وهو المشهور اليوم، وعليه العمل عند إباضية المشرق]
(3) [رواه الترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في الأذان في السفر، ر 205]. (1/357)
صفحة 358
035879
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي وَقْتِهِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا فِيمَا وَجَدْتُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ مَا عَدَا الصُّبْحَ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُؤَذِّنَ لَهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكِ وَالشَّافِعِيُّ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ، وَقَالَ بَعْضُ: لا بُدَّ لِلصُّبْحِ مِنْ أَذَانِ ثَانٍ إِنْ أُذُنَ لَهَا قَبْلَ
طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَسَبَبُ اخْتِلافِهِمْ حَدِيثَانِ مُتَعَارِضَانِ، أَحَدُهُمَا: قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "إِنْ بِلالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلِ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومِ (1)، وَالثَّانِي: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ بِلالا أَذَّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ فَيُنَادِيَ: أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ
قَدْ نَامَ (2)، وَاللهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ فِي شُرُوطِ الأَذَانِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُؤَذِّنُ إِلا عَلَى طَهَارَةٍ قَائِمًا عَلَى قَدَمَيْهِ، غَيْرَ قَاعِدٍ وَلَا رَاكِبٍ، مُتَوَجِّهَا لِلْقِبْلَةِ، غَيْرَ مُتَكَلِّمٍ فِي حَالَةِ الأَذَانِ، وَهُوَ بَالِغُ صَحِيحُ الْعَقْل، وَلا يُقِيمُ الصَّلَاةَ غَيْرُهُ، أَيْ غَيْرُ الْمُؤَذِّنِ إلا مِنْ عُذْرٍ، وَلَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا.
فَصَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ قَاسَ الأَذَانَ عَلَى الصَّلاةِ، وَهُوَ اللَّائِقُ بِأُصُولِ أَصْحَابِنَا، وَقَدْ وَجَدْتُ عَنْ أَبِي الْمُؤَرِّجِ (3): إِنْ تَكَلَّمَ أَعَادَ الأَذَانَ، وَأُعْجِبَ بِهِ أَيُّوبُ))، وَأَمَّا
? (†)
(1) [رواه البخاري، باب الأذان بعد الفجر، 595].
(2) [رواه أبو داود، باب في الأذان قبل دخول الوقت، ر 532]. (3) أَبُو الْمُؤَرِّجِ: عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ أَهْلِ قدم مِنَ الْيَمَنِ، هُوَ أَحَدُ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الثَّانِي مِمَّنْ أَخَذَ هُوَ وَالرَّبِيعُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ، وَقَدْ وَقَعَ لَهُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ خِلافُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرَّبِيعِ فِي مَسَائِلَ أَدَّى إِلَى تَدَخُلِ شَيْخِهِمْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَتَرْجِيحِهِ جَانِبَ الرَّبِيعِ، وَقَدْ سَبَقَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ ابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ مِمَّنْ يَرْوِي عَنْهُ أَبُو عَانِمِ الْخُرَاسَانِيُّ فِي كُتُبِهِ، وَذَكَرَ عَنْهُ أَنَّهُ قَدِمَ
إِلَى عُمَانَ، فَحَاجَّهُ عُلَمَاؤُهَا، فَرَجَعَ إِلَى الْحَقِّ. اهـ مُصَححه.
(4) هُوَ أَبُو أَيُّوبَ وَائِلُ بْنُ أَيُّوبَ الْحَضْرَمِيُّ مِنْ تَلَامِيذِ الرَّبِيعِ، وَقَدْ سَبَقَ التَّعْرِيفُ بِهِ. (1/358)
صفحة 359
atsatatatatatala alatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatal
الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ وَأَبُو غَسَّانَ (1) فَإِنَّهُ إِذَا تَكَلَّمَ عِنْدَهُمْ لِحَاجَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا فَلَا يُعِيدُ الأَذَانَ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ إِلَّا بِثَوْبِ طَاهِرٍ، وَلَا يَأْكُلُ فِيهِ وَلَا يَشْرَبُ. وَقَدْ سُئِلَ الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ مَتَى يَكُونُ الأَذَانُ لِلْفَجْرِ؟ فَقَالَ: عَلَى قَدْرِ مَا يَنتَبِهُ النَّائِمُ الْجُنُبُ فَيَغْتَسِلُ وَيُدْرِكُ الصَّلاةَ (2)، وَاللهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: وَقَدِ اسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ لِسَامِعِ الْأَذَانِ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ، لِقُبُوتِ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ: حَيٍّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، فَقِيلَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّ السَّامِعَ يَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ يَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: "إِذَا سَمِعْتُمُ الآذَانَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ (3)، وَاللهُ أَعْلَمُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي
فِي الإِقَامَةِ
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِهَا، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ أَبْلَغُ مِنْ تَأْكِيدِ الأَذَانِ، وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّهَا فَرْضٌ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَعْفَرِ الْعُمَانِيُّ فِي
(1) أَبو غَسَّانَ مخْلَدُ بْنُ الْعمْرَدِ [ق: 2 ها، هُوَ كَمَا قَالَ الشَّماخِيُّ: " مِنَ الْعُلَمَاءِ النَّحَارِيرِ وَالْفُقَهَاءِ القناطير" [السير، 111/ 1]، مِنْ عُلَمَاءِ الطَّبَقَةِ الرَّابِعَةٍ طَبَقَةِ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ وَوَائِلِ بْنِ أَيُّوبَ الْحَضْرَمِيِّ، وَحَمَلَةِ الْعِلْمِ إِلَى الْمَغْرِبِ وَالْمَشْرِقِ، وَكُلُّهُمْ مِنْ خِرِّيجِي مَدْرَسَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ بِالْبَصْرَةِ، أَمَّا تَارِيحُ مَوْلِدِهِ وَوَفَاتِهِ عَلَى التَّحْدِيدِ فَلَمْ أَعْتُرُ عَلَيْهِ كَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ طَبَعَيْهِ وَرَضِيَ
عَنْهُ. اهـ مُصَححه.
(2) [الجامع لابن جعفر (75/ 2، وا، والكندي: بيان الشرع، 31/ 11]. (3) [رواه الربيع، باب في الأذان، ر 175]. (1/359)
صفحة 360
قواعد الإه
Detakatakatakatakatakatakatala ala ala ala alaiata ala ala talasala takataka salatakatakataka 12
كِتَابِهِ) أَنَّ مَنْ تَرَكَ الإِقَامَةَ مُتَعَمِّدًا حَتَّى صَلَّى يُعِيدُ صَلَاتَهُ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَفِي
سُبُوعَ النَّعَمِ (2) مَنْزِلَتُهُ خَسِيسَةٌ.
وَسَبَبُ اخْتِلافِهِمْ: هَلِ الإِقَامَةُ مِنَ الأَفْعَالِ الَّتِي يُحْمَلُ الْعِلْمُ بِهَا عَلَى الْوُجُوبِ، لِقَوْلِهِ: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي (3) أَمْ هِيَ مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي تُحْمَلُ عَلَى النَّدْبِ؟ وَظَاهِرُ حَدِيثِ الرَّسُولِ لِلرَّجُلَيْنِ: "أَذْنَا وَأَقِيمَا" يُوجِبُ كَوْنَهَا فَرْضًا، إِمَّا عَلَى الْجَمَاعَةِ أَوْ عَلَى الْمُنْفَرِدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(3)
وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الإِقَامَةِ، فَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ التَّكْبِيرَ الَّذِي فِي أَوَّلِهَا فَمَثْنَى وَمَا بَعْدَهُ فَمَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَخَيَّرَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الإِفْرَادِ وَالتَّثْنِيَةِ، وَمَذْهَبُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْأَذَانَ وَالإِقَامَةَ مَثْنَى مَثْنَى، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ، وَاحْتَجُوا بِأَنَّ النَّبِي أَمَرَ بِلالاً فَأَذَّنَ مَثْنَى مَثْنَى، وَأَقَامَ كَذَلِكَ، وَرَوَى أَصْحَابُ الْقَوْلِ الأَوَّلِ أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَيُفْرِدُ الإِقَامَةَ، وَرَوَى أَصْحَابُنَا أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَفْرَدَ الإِقَامَةَ مُعَاوِيَةُ، وَكَانَ يَطُولُ عَلَيْهِ الْقُعُودُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَيَسْتَحِبُّ الْجَزْمَ فِي
الإقامة.
(0)
وَمَنْ نَسِيَ مِنْهَا شَيْئًا ثُمَّ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّي أَعَادَ ذَلِكَ وَحْدَهُ مَا لَمْ يَتَطَاوَلُ ذَلِكَ، وَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهَا فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُعِيدَهَا، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ أَنْ تَنْتَقِضَ الصُّفُوفُ فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِإِقَامَةِ الْجَمَاعَةِ، وَقَالَ مَنْ قَالَ: إِنْ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمْ فَلْيُقِمْ
(1) [كتابه: الجامع، 2/ 70]. (2) [مختصر أبي الحسن البسيوي، ص 46، ويسمى أيضا: سبوغ النعم]. كِتَابُ سُبُوعَ النِّعَمِ لِلشَّيْخِ أبِي الْحَسَنِ عَلِيٍّ بن مُحَمَّدٍ الْبَسْيَانِي الْعُمَانِي مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الثَّالِثِ، وَمِمَّنْ أَخَذَ الْعِلْمَ عَنِ
الإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَرَكَةَ الَّذِي تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ. اهـ مُصَحْحه. (3) [رواه البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة ... ، ر 605]. (4) الأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: عَنْ مَالِكِ أَنَّهُ قَالَ: أَمَّا التَّكْبِيرُ ... الخ.
(5) [رواه الربيع، باب في الأذان، ر 175، دون ذكر: "أمر بلالا"].
(6) [رواه البخاري، باب الأذان مثنى مثنى، ر 580]. "إلا الإقامَةَ"، يَعْنِي: إِلا قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ. (1/360)
صفحة 361
وَحْدَهُ، وَذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَمَنْ دَخَلَ الصَّلاَةَ بِمَا لَمْ تَتِمَّ بِهِ مِنَ انْتِقَاضِ وُضُوءٍ أَوْ تَوْبِ مَنْجُوسِ فَلْيُعِدِ الإِقَامَةَ مَعَ الصَّلاةِ، وَلَيْسَ لِصَّلَاةِ السُّنَنِ وَقَضَاءِ فَوَائِتِ الْفَرَائِضِ أَذَانُ وَلَا إِقَامَةٌ.
وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إِقَامَةٌ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكِ قَالَ: إِنْ أَقَمْنَ فَحَسَنٌ، وَعَنِ الشَّافِعِيُّ: إِنْ أَذَنَّ وَأَقَمْنَ فَحَسَنُ، وَرَوَى مُخَالِفُونَا عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا تُؤَذِّنُ وَتُقِيمُ.
وَأَصْلُ الاخْتِلَافِ: هَلَ الْمَرْأَةُ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ كَالرَّجُلِ أَمْ لَا وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِخَفْضِ الصَّوْتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فصل في التَّوْجِيهِ
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِهِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الإحْرَامِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ تَوْجِيهُ إِبْرَاهِيمَ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِنَّمَا عَلَيْهِ التَّسْبِيحُ، وَمَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ صَاحِبِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ التَّوْجِيهِ وَالتَّسْبِيحِ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكِ أَنَّ التَّوْجِيهَ فِي الصَّلاةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَمَذْهَبُ أَصْحَابِنَا أَنَّ التَّسْبِيحَ فِي التَّوْجِيهِ سُنَّةٌ، وَتَوْجِيهُ إِبْرَاهِيمَ مُسْتَحَبُّ، وَحُجَّةً أَصْحَابِنَا فِي التَّسْبِيحِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ نَقُومُ، وَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ: أَنَّهُ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: "سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ (2)، وَقَدِ اسْتَحَبَّ أَصْحَابُنَا أَنْ يَضُمَّ إِلَى تَوْجِيهِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ تَوْجِيهَ [سَيِّدِنَا]
(1) الطُّور: 48.
(2) [رواه مسلم، باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة، ر 918].
(1) (1/361)
صفحة 362
Patakatakatakatakatakaiskidatski skida shtakaiskatakatakatakatakatakatakatalavalatala alatalardan
إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ: إِنِّي وَجَهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ)، إِلَى قَوْلِهِ: رَبِّ الْعَالَمِينَ) (2) وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ دَخَلَ الصَّلاةَ بَعْدَ عَقْدِ النَّيَّةِ بِتَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ وَتَرَكَ مَا سِوَى ذَلِكَ، فَقِيلَ: تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لأَنَّهُ تَرَكَ سُنَةٌ مَعْمُولًا بِهَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا هِيَ التَّوْجِيهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: لا نَقْضَ عَلَيْهِ؛ لأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ صُلْبِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَمْثَلُ، وَأَمَّا إِنْ تَرَكَ ذَلِكَ نَاسِيّا فَلاَ نَقْضَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ خَافَ فَوَاتَ الإِمَامِ فَإِنَّهُ يُوَجِّهُ وَهُوَ سَائِرٌ إِلَى الصَّفٌ، وَيُحْرِمُ إِذَا وَقَفَ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ما ينبغي للمصلِّي فِعْلُهُ قَبْلَ تكبيرة الإحرام]
وَيَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ بَعْدَ الإِثْيَانِ بِجَمِيعِ شُرُوطِهَا مِنَ الطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا أَنْ يَقُومَ مُنتَصِباً جَاعِلاً بَيْنَ رِجْلَيْهِ مِقْدَارَ مَسْقَط نَعْلَ، مُرْسِلاً يَدَيْهِ إِرْسَالَاً، رَاذًا بَصَرَهُ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ، مُتَخَشَّعًا لِلهِ بِقَلْبِهِ وَجَمِيعِ جَوَارِحِهِ، مُتَوَجِّهَا إِلَى الْقِبْلَةِ بِنِيَّتِهِ وَوَجْهِهِ، عَالِمًا بِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالصَّلاَةِ وَبِالتَّوْجِيهِ بِهَا إِلَى الْقِبْلَةِ، عَارِفًا بِصَلَاتِهِ تِلْكَ وَيَوْمِهِ وَشَهْرِهِ، رَاجِبًا ثَوَابَ اللهِ فِي أَدَاءِ فَرْضِهِ، خَائِفًا مِنْ عِقَابِهِ فِي تَضْيِيعِ شَيْءٍ مِنْ أَوَامِرِهِ، وَلْيَقُلْ بَعْدَ عَقْدِ النِّيَّةِ عَلَى أَدَاءِ صَلَاةٍ مُعَيَّنَةٍ حَضَرِيَّةٍ أَوْ سَفَرِيَّةٍ: "رَبِّ إِنِّي عَمِلْتُ سُوءًا وَظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، اللهُمَّ أَعِنِّي عَلَى أَدَاءِ فَرِيضَتِكَ الَّتِي افْتَرَضْتَهَا عَلَيَّ، أَنْ أُصَلِّي صَلاةَ الظُّهْرِ فَرِيضَةً افْتَرَضْتَهَا عَلَيَّ فِي يَوْمٍ مَعْلُومٍ فِي شَهْرٍ مَعْلُومٍ، مُتَقَرِّبًا بِهَا إِلَيْكَ، رَاجِيًا ثَوَابَكَ، خَائِفًا مِنْ عِقَابِكَ، مُسْتَقْبِلاً بِهَا فَرْضَ الْقِبْلَةِ، وَهِيَ الْكَعْبَةُ الَّتِي هِيَ قِبْلَةٌ لَأَهْلِ الْمَسْجِدِ الَّذِي هُوَ قِبْلَةٌ لأَهْلِ مَكَّةَ الَّتِي هِيَ قِبْلَةٌ لأَهْلِ الْحَرَمِ، الَّذِي هُوَ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ
(1) الأنعام: 79.
(2) [أي قوله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) (الأنعام: 162)]. (1/362)
صفحة 363
الأَرْضِ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَسُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ، اللَّهُ أَكْبَرُ".
(Y).
[فصل] (1) مَسْأَلَةٌ فِي الاسْتِعَاذَةِ: وَهِيَ مَأْمُورٌ بِهَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا فِي الصَّلَاةِ وَفِي غَيْرِهَا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْمَ انَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرحيم (2) يَعْنِي: إِذَا أَرَدْتَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، وَهِيَ تُقْرَأُ سِرًّا فِي صَلَاةِ السِّرِّ وَالْجَهْرِ، وَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا فَصَلَاتُهُ نَاقِصَةٌ، وَيَسْتَعِيذُ الْمُصَلِّي كَمَا قَالَ اللَّهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ، لا يَزِيدُ عَنْ هَذَا شَيْئًا وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعِهَا، فَرَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ مُسْلِمُ الله أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَسْتَعِيذُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَرَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ أَيْضًا أَنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَابْنَ مَسْعُودٍ وَغَيْرَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَعِيدُونَ بَعْدَ الإِحْرَام قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَبِهَذَا أَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ ه فيما رَوَى عَنْهُ أَبُو الْمُؤَرِّج (3)، وَفِي أَثَرِ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ لِسَانُهُ مُتَعَوِّدًا بِعجْمِ ذَالِ الاسْتِعَاذَةِ فَلْيُعَوِّذْ بَعْدَ التَّكْبِيرِ وَإِلَّا قَبْلَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فصل] مَسْأَلَةٌ فِي الإِحْرَامِ اتَّفَقَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ - فِيمَا وَجَدْتُ – عَلَى أَنَّ تكْبِيرَةَ الإِحْرَام فَرْضٌ وَاجِبٌ لاَ يَصِحُ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ إِلا بِهَا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَرَبَّكَ فَكَير)، وَقَوْلِهِ: وَكَيْر تَكْبِيرًا)، وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْلُ الرَّسُولِ:
(E)
(1)
(1) [أضفتُ لعنوان هذه المسألة والمسائل التي بعدها كلمة "فصل"، ليكون تقسيم سنن الصلاة وأعمالها على نسق واحد على النحو الآتي: فصل في الأذان والإقامة، فصل في التوجيه، فصل في
الاستعاذة، فصل في الإحرام، ... الخ].
(2) النَّحْل: 98.
(3) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ قَرِيبًا. (4) الْمُدَّثر: 3. (1/363)
صفحة 364
قواعد)
سلام
مِفْتَاحُ الصَّلاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ، وَقَوْلُهُ لِلَّذِي يُعَلِّمُهُ الصَّلاةَ: "إِذَا أَرَدْتَ الصَّلاةَ فَأَسْبِعْ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ (3) الْحَدِيثِ، وَمَا نُقِلَ مِنْ فِعْلِهِ أَنَّهُ يُكَبِّرُ عِنْدَ افْتِتَاحَ الصَّلَاةِ، فَوَجَبَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ، لِقَوْلِهِ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أَصَلِّي (4)؛ وَلأَنَّ أَفْعَالَهُ فِي الصَّلَاةِ كَانَتْ بَيَانًا لِمُجْمَلِ فَرْضِهَا، إِلَّا مَا وَقَعَ الإِجْمَاعُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضِ فِيهَا، وَاللَّهُ
كَبِّرْ
بر ...
11
أَعْلَمُ. وَقَد ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ تَكْبِيرَ الصَّلاَةِ كُلَّهُ وَاجِبٌ، وَلَعَلَّهُمْ قَاسُوهُ عَلَى تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ، وَقَدْ شَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا: إِنَّ تَكْبِيرَ الصَّلاةِ كُلَّهُ نَفْلٌ وَسُنَّةٌ، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ،
وَلَعَلَّهُمْ قَاسُوهُ عَلَى الأَقْوَالِ الَّتِي لَيْسَتْ بِفَرْضِ فِي الصَّلَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ: وَاجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لَفْظَ التَّكْبِيرِ الْمُجْزِئَ فِي الصَّلَاةِ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَقُومُ غَيْرُ لَفْظِهِ مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ مَقَامَهُ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ لا يَقُومُ لَفْظُ سَوَاهُ مَقَامَهُ، إِلا أَنَّ الشَّافِعِي قَالَ: يَجُوزُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَاللهُ الأَكْبَرُ، وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إِلَى أَنَّهُ يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ إِذَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِثْلُ: اللَّهُ أَجَلُ اللَّهُ أَعْظَمُ، وَاخْتَلَفُوا فِي الأَجَلُ وَالأَعْظَمِ، وَالْجَلِيلِ وَالْعَظِيمِ، وَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ
أَصْحَابَنَا فِي هَذَا.
وَسَبَبُ اخْتِلافِهِمْ: هَلِ اللَّفْظُ هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الأفْتِتَاحَ أَوِ الْمَعْنَى؟ فَذَهَبَ الأَوَّلُونَ إِلَى أَنَّهُ اللَّفْظُ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا
(1) الإسراء: 110.
(2) [رواه الربيع، باب في ابتداء الصلاة، ر 220، بدون ذكر: مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ"، وأبو داود، كتاب
الطهارة، باب فرض الوضوء، ر 61].
(3) [رواه البخاري، باب من رد فقال: السلام عليکم، ر 5897].
(4) [سبق تخريجه]. (1/364)
صفحة 365
قواع
التَّسْلِيمُ (1)، فَالأَلِفُ وَاللدَّمُ هَهُنَا لِلْحَصْرِ، وَالْحَصْرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ خَاصٌ بِالْمَنْطُوقِ بِهِ، وَذَهَبَ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الثَّانِي إِلَى أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ ذَلِكَ هُوَ مِنْ بَابِ دليل الخِطَابِ، وهُوَ أَنْ يُحْكَمَ بِالْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِحُكْمِ الْمَنْطُوقِ بِهِ، وَالنَّظَرُ يُوجِبُ الْقَوْلَ الأَوَّلَ لأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ بَرَكَةَ الْعُمَانِيُّ فِي كِتَابِهِ (2)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ تَرَكَ تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ مُتَعَمِّدًا أَوْ نَاسِبًا فَلَا صَلَاةَ لَهُ، وَإِنْ جَاوَزَهَا إِلَى الْقِرَاءَةِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ وَيُحْرِمُ، وَإِنْ جَاوَزَهَا إِلَى الرُّكُوعِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يُعْتَبَرُ الشَّكُ فِيهَا بَعْدَ أَنْ جَاوَزَهَا؟ فَقِيلَ: لَا يُعْتَبَرُ. وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ،
وَهُوَ الأَصَحُ؛ لأَنَّهَا هِيَ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يُجَاوِزُهَا حَتَّى يُحْكِمَهَا. مَسْأَلَةٌ: وَلْتَكُنِ النِّيَّةُ مَقْرُونَةٌ بِالإِحْرَامِ، وَكَيْفِيَّتُهُ: أَنْ يَقْصِدَ بِقَلْبِهِ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةِ كَمَا قَدَّمْنَا، ثُمَّ إِذَا قَارَنَتْهُ النِّيَّةُ وَجَبَ اسْتِصْحَابُ حُكْمِهَا وَهُوَ اسْتِدَامَةُ أَمْرِهَا بِأَنْ لَا يُحْدِثَ مَا يُنَافِيهَا وَيَنْقُضُ جَزْمَهَا، مِثْلَ أَنْ يَنْقُلَ نِيَّتَهُ إِلَى الْخُرُوجِ مِنَ الصَّلَاةِ قَبْلَ إِثْمَامِهَا، وَإِنْ عَزبَتْ نِيَّتُهُ أَثْنَاءَ الصَّلَاةِ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا إِنَّ عَرَبَتْ نِيَّتُهُ فِي الانْهِمَاكِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَالتَّعَلُّقِ بِعَلائِقِهَا، وَالتَّشَبُّثِ بِفُضُولِهَا وَلَمْ يَرُدَّ نَظَرَهُ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ، فَالْأَقْوَى عِنْدِي تَرْكُ الْاعْتِدَادِ بِهَا؛ لأَنَّ ذَلِكَ وَاقِعٌ بِاخْتِيَارِهِ، وَقَدْ رَوَى ضُمَامُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ (3) قَالَ: أَجْمَعَ عِلْمُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنْ لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَّا مَا عَقَلَ مِنْهَا، وَرَفَعَهُ بَعْضُهُمْ إِلَى النَّبِيِّ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ طَرِيقِ عَمَّارٍ له أَنَّ
(£).
(1) تَقَدَّمَ قَرِيبًا. (2) سَبَقَ ذِكْرُهُ وَذِكْرُ كِتَابِهِ الْمَشْهُورِ بِجَامِعَ ابْنِ بَرَكَةً.
(3) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِمَا.
(4) [لم أجد من أخرجه بهذا اللفظ، ورواه محمد بن علي الترمذي: نوادر الأصول في أحاديث الرسول، الأصل الخامس والأربعون والمائة في حقيقة الخشوع، 174/ 2 بمعناه، (1/365)
صفحة 366
الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصَّلاَةَ وَلا يُكْتَبُ لَهُ نِصْفُهَا وَلاَ تُلْتُهَا وَلاَ رُبُعُهَا إِلَى عُشْرِهَا)،
وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا إِنْ تَذَكَّرَ فِي صَلَاتِهِ فَرَدَّ نَظَرَهُ فِيهَا فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا إِنْ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِمُهِمَّ دِينِي فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَسْتَنْكِحْهُ الشَّكُ فِي صَلَاتِهِ، كَمَا حُكِي عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ قَيْسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْوَسْوَاسُ يَعْتَرِينِي فِي الصَّلَاةِ، فَقِيلَ لَهُ: أَفِي أَمْرِ الدُّنْيَا؟ فَقَالَ: لأَنْ تَخْتَلِفَ فِي الأَسِنَّةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ يَسْتَغِلُ قَلْبِي بِمَوْقِفِي بَيْنَ يَدَيْ رَبِّي كَيْفَ أَنْصَرِفُ فَعَدَّ ذَلِكَ وَسْوَاسًا، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لأَنَّهُ يَشْغَلُهُ عَنْ فَهُم مَا هُوَ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
فصل] مَسْأَلَةٌ فِي قِرَاءَةِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي افْتِتَاحِ الصَّلاةِ بِهَا، فَرُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَأَصْحَابِهِ مَنْعُ الأَفْتِتَاحِ بِهَا فِي الْمَكْتُوبَةِ سِرًّا كَانَتْ أَوْ جَهْرًا إِلا فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، لَا فِي غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ، وَأَجَازَ ذَلِكَ فِي النَّافِلَةِ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا تُقْرَأُ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ وَمَعَ كُلِّ سُورَةٍ فِي الصَّلَاةِ وَفِي غَيْرِهَا، إِلا فِي أَوَّلِ سُورَةِ التَّوْبَةِ، وَتُقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ سِرًّا مَعَ السِّرِّ، وَجَهْرًا مَعَ
والمنذري: الترغيب والترهيب بلفظ: "لا يقبل الله من عبد عملا ... "، كتاب الصلاة، الترهيب من عدم إتمام الركوع والسجود، ر 24].
(1) [رواه النسائي في الكبرى، كتاب السهو، باب تخفيف الصلاة في تمام، ر 611]. (2) كَانَ يُرَخُصُ فِي أَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَلَوْ طَالَ زَمَنُ الْخَوَاطِرِ، يَعْنِي: لَا تَفْسَدُ إِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ، وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ: " إِنِّي لأَحْسَبُ جِزِيَةَ الْبَحْرَيْنِ وَأَنَا فِي الصَّلاةِ" [الهندي: كنز العمال، ر 22628]. فَمَعْنَاهُ: ذِكْرُ سُوءِ النَّفْسِ الأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ لاَ جَوَازُ عُمَرَ ذَلِكَ وَنَحْوَهُ. عن عمر بن الخطاب قال: "إِنِّي جَيْشِي وَأَنَا فِي الصَّلاةِ" [رواه البخاري، باب يفكر الرجل الشيء في الصلاة، 408/ 1، وقال (أجهز جيشي): "أي أتفكر في تجهيز جيشي وأنا أصلي، واللائق به رضي الله عنه يهجم. عليه فيحاول دفعه"]، وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ. الْعَصْرَ، فَلَمْا سَلَّمَ قَامَ سَرِيعا وَدَخَلَ عَلَى بَعْضٍ نِسَائِهِ، وَرَأَى مَا فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ مِنْ تَعَجُبِهِمْ لِسُرْعَتِهِ، قَالَ: "ذَكَرْتُ وَأَنَا فِي الصَّلاةِ تِبْرًا عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يُمْسِيَ أَوْ يَبِيتَ عِنْدَنَا، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ" [رواه البخاري، باب يفكر الرجل الشيء في الصلاة، ر 1163].
أن ذلك كان (1/366)
صفحة 367
الْجَهْرِ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ (1) وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدٍ قَوْلَيْهِ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ (3) وَغَيْرُهُمْ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ شَيْئَانِ، أَحَدُهُمَا اخْتِلافُ الآثَارِ، وَالثَّانِي: هَلْ هِيَ آيَةٌ مِنَ
الْفَاتِحَةِ أَمْ لَا؟ فَرَوَى مَنْ أَسْقَطَ قِرَاءَتَهَا عَنْ بَعْضِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ أَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ بِهَا فِي الصَّلاَةِ وَلاَ الْخَلِيفَتَانِ مِنْ بَعْدِهِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ (3)، وَرَوَى أَصْحَابُنَا عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ لَقِي ابْنَ عُمَرَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ النَّاسَ تَرَكُوا قِرَاءَةَ الْبَسْمَلَةِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَوَفَعَلُوهَا؟! ثُمَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ النَّبِيِّ وَالْخَلِيفَتَيْنِ بَعْدَهُ فَكَانُوا يَقْرَؤُونَهَا، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَأَنَا أَقْرَؤُهَا مَا دُمْتُ حَيًّا، قَالَ: فَسَاءَنِي إِذْ لَمْ يَسْتَثْنِ، وَرُوِيَ عَنْ صُحَارِ الْعَبْدِي لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ، فَقَالَ (1) الثَّوْرِيُّ: هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقِ الثَّوْرِيُّ الْكُوفِيُّ نِسْبَةٌ إِلَى ثَوْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ أَحَدِ أَجْدَادِهِ، وَهُوَ مِنْ تَابِعِي التَّابِعِينَ، وُلِدَ سَنَةَ 97 هـ، وَمَاتَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ 161 هـ. اهـ مُصَحْحه. (2) أَبُو ثَوْرٍ: هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْيَمَانِيُّ الْكَلْبِيُّ الْبَغْدَادِيُّ، أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ الْجَامِعُ بَيْنَ عِلْمي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، بَلْ قَالَ فِيهِ ابْنُ حِبَّانَ: "كَانَ أَحَدَ أَئِمَّةِ الدُّنْيَا فِقْهَا وَعِلْمًا وَوَرَعًا وَفَضْلاً وَدِيَانَةً وَخَيْرًا" [الثقات، 74/ 8]، يُعَدُّ مِنْ طَبَقَةِ الشَّافِعِي وَإِنْ كَانَ لَهُ مَذْهَبٌ مُسْتَقِلٌ، تُوُفِّيَ سَنَةَ 240 هـ، وَقِيلَ سَنَةَ 246. (3) لِحَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِي وَأَبا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدِ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" [رواه ابن أبي شيبة من قال لا يجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، 4168]، وَزَادَ مُسْلِمٌ: "لا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ الْقِرَاءَةِ وَلَا فِي آخِرِهَا" [باب حجة. من قال لا بالبسملة، ر 918]. وَفِي رِوَايَةٍ: "لاَ يَجْهَرُونَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " [رواه ابن حبان، باب صفة الصلاة، (1802] ... وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ النَّفَيُّ فِي رِوَايَةٍ مُسْلِمٍ خِلافًا لِمَنْ أَعَلَّهَا. (4) أَيْ لَمَّا قَالَ: مَا دُمْتُ حَيًّا، لَمْ يَقُل: إِنْ شَاءَ اللهُ)؛ لأَنَّ هَذَا أَمْرٌ غَيِّ، وَالْأَوْلَى رَدُّهُ إِلَى الْمَشِيئَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَيْ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا)) (الكهف: 23) [لم أجد
من أخرج هذا الأثر].
هـ.
يجهر (1/367)
صفحة 368
قواعد
سلام
ابْنُ عُمَرَ: إِنَّهَا لَآيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ اخْتَلَسَهَا مِنْهُمُ الشَّيْطَانُ، وَرَوَى مُخَالِفُونَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ ذَلِكَ (1).
وَأَمَّا السَّبَبُ الثَّانِي الْمُوجِبُ لِلْخِلافِ فَهُوَ كَمَا قَدَّمْنَا: هَلَ الْبَسْمَلَهُ آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ وَكُلُّ سُورَةٍ أَمْ لَيْسَتْ بِآيَةٍ إِلا فِي سُورَةِ النَّمْلِ خَاصَّةً؟ فَمَالِكُ وَأَصْحَابُهُ لَيْسَتْ بِآيَةٍ عِنْدَهُمْ إِلَّا فِي سُورَةِ النَّمْلِ، وَأَصْحَابُنَا وَمَنْ وَافَقَهُمْ هِيَ آيَةٌ عِنْدَهُمْ مِنَ الْفَاتِحَةِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ غَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ (2)، وَأَنَّهُ عَدَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعَ آيَاتٍ، وَعَدَّ فِيهَا بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي قِرَاءَتِهَا، فَقَالَ بَعْضُ: تُقْرَأْ سِرًا، وَقَالَ آخَرُونَ: تُقْرَأْ جَهْرًا، وَالَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ أَصْحَابُنَا: أَنَّهَا تُقْرَأُ سرا مَعَ السِّرِّ، وَجَهْرًا مَعَ الْجَهْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فصل] مَسْأَلَةٌ فِي الْقِرَاءَةِ: وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَجُوزُ بِغَيْرِ قِرَاءَةِ سَهْوًا وَلَا عَمْدًا، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: فَاقْرَ، وَا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} (3)، وَلِحَدِيثِ
عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لا صَلاَةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَصَاعِدًا
وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَغَيْرِهِمْ عَنْهُ قَالَ:
،
(1) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ صلى الله عليه وسلم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا قَرَأْتُمُ الْفَاتِحَةَ فَاقْرَءُوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَإِنَّهَا إِحْدَى آيَاتِهَا" [رواه الدارقطني، باب وجوب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة والجهر بها واختلاف الروايات في ذلك، ر 36].
(2) لِمَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ، فَقَرَأَهَا وَقَرَأَ فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَقَالَ: "إِنَّهَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ" [رواه الربيع، باب في القراءة في الصلاة، ر 223، قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ مِثْلَ هَذَا].
(3) الْمُؤْمل: 20.
(4) [رواه الربيع، باب في القراءة في الصلاة، ر 225، وأبو داود، باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة
الكتاب، ر 823]. (1/368)
صفحة 369
(1) 11
صَلَاةٍ لَمْ يُقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجٌ (1)، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ
فَاتِحَةَ الْكِتَابِ جَهْرًا فِي خَفْضِ صَوْتٍ، ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَهَا سُورَةٌ.
وَعِنْدَ عُلَمَائِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي السِّرِّ وَالْجَهْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الأول: الْجَهْرُ فِي جَمِيعِ الرَّكَعَاتِ بِالْحَمْدِ وَالسُّورَةِ، كَالصُّبْحِ وَالْجُمُعَةِ فِي زَمَانِ الإِمَامِ، الثَّانِي: الإِسْرَارُ فِي جَمِيعِهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ خَاصَّةٌ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، الثَّالِثُ: الْجَمْعُ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ، كَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، فَيُجْهَرُ فِي الأُولَيَيْنِ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَيُسَرُّ فِي سَائِرِهَا، وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِي لَمْ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأَخِيرَتَيْنِ مِنَ الصَّلَوَاتِ إِلا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ سِرًّا، وَعَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الأُمَّةِ، وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا: جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَا يُقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ سرا، خِلافًا لِفُقَهَاءِ مُخَالِفِينَا مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ فِي إِيجَابِهِمْ (2) قِرَاءَةَ السُّورَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ.
(2)
(1) [رواه الربيع، باب في القراءة في الصلاة، ر 222]. (2) [قال سيد سابق: "الأصل أن الصلاة لا تصح إلا بقراءة سورة الفاتحة، في كل ركعة من ركعات الفرض والنفل كما تقدم في فرائض الصلاة، إلا أن المأموم تسقط عنه القراءة ويجب عليه الاستماع والإنصات في الصلاة الجهرية، لقول الله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) (الأعراف: (204)، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كبر الامام فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا" [رواه مسلم، باب التشهد في الصلاة، ر 931، 932]، وعلى هذا يحمل حديث: " من كان له إمام فقراءة الامام له قراءة [رواه ابن ماجه كتاب إقامة الصلاة، باب إذا قرأ الإمام فأنصتوا ر 850]: أي إن قراءة الامام له قراءة في الصلاة الجهرية، وأما الصلاة السرية فالقراءة فيها على المأموم وكذا تجب عليه القراءة في الصلاة الجهرية، إذا كان بحيث لا يتمكن من الاستماع للإمام. قال أبو بكر بن العربي (أحكام القرآن (73/ 4: "والذي نرجحه وجوب القراءة في الإسرار لعموم "الأخبار" أن قراءة السورة فيهما سنة عندهم". (فقه السنة، القراءة خلف الإمام 159/ 1). وانظر: ابن عبد البر: الاستذكار الجامع لفقهاء الأمصار، 418/ 1. كما ورد في الموسوعة الفقهية: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَحَل الْقِرَاءَةِ الْمَسْنُونَةِ هُوَ الرَّكْعَتَانِ الْأُولَيَانِ مِنْ صَلَاةِ الْفَرْضِ" (90/ 27)]. (1/369)
صفحة 370
قواعد الإس
Waktakatakatakatakatakatalada da da diskaskadad skaalslatalass
وَحُجَّةُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُمْ قَالُوا: رَأَيْنَا النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى أَنَّ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ لَا يُجْهَرُ فِيهِمَا، وَرَأَيْنَا كُلَّ صَلَاةٍ أَوْ رَكْعَةٍ لا يُقْرَأُ فِيهَا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ يُسَرُّ بِهَا لَيْلاً وَنَهَارًا، وَوَجَدْنَا الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ يُجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ لأَجْلِ السُّورَةِ، وَهِيَ صَلاةُ النَّهَارِ، فَأَخَذْنَا فِيهِمَا بِقَوْلِ مَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِيهِمَا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ خَاصَّةٌ)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى الإِسْرَارِ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ: "صَلاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ (2).
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْقَدْرِ الْمُجْزِي فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ، فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إِلَى أَنَّهَا تُقْرَأْ بِجَمِيعِهَا فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ تَرَكَ مِنْهَا شَيْئًا عَمْدًا أَعَادَ صَلاتَهُ، وَإِنْ تَرَكَ الأَقَلَّ مِنْهَا نَاسِيّا فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، وَحُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ أَوْجَبَهَا فِي نِصْفِ الصَّلاَةِ، وَحُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: تُجْزِئُ قِرَاءَتُهَا فِي رَكْعَةٍ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَجَازَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ التَّسْبِيحَ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ.
(1) يُعَكُرُ عَلَى هَذَا الاسْتِتَاج قَوْلُهُ الله عَنْ فَنَادَةَ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ الله يُصَلِّي بِنَا يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا، وَيُطَوِّلُ الرَّكْعَةً الأُولَى، وَيَقْرَأُ فِي الأُخْرَتَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" [رواه البخاري، باب يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب، (743]، وَعِنْدِي أَنَّ الْقَوْلَ الْجَامِعَ فِي هَذَا الْمَقَامِ هُوَ مَا جَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: فِي كُلِّ صَلَاةٍ يَقْرَأُ، "فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى عَنَّا أَخْفَيْنَا عَنْكُمْ، وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَتْ، وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ" [رواه البخاري، باب القراءة في الفجر، ر 738]. اهـ مصححه. [والمسألة محل خلاف] (2) [رواه عبد الرزاق باب ترديد الآية في الصلاة، وباب قراءة النهار، ر 4199. وقال النووي: "وهذا الحديث الذي ذكره باطل غريب لا أصل له، وهو من قول بعض التابعين (المجموع شرح المهذب، 389/ 3)]، وَفِي مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ فَارْجُمُوهُ بِالْبَعْرِ" [رواه الطبراني في الكبير، (3896، والديلمي: الفردوس بمأثور الخطاب،
ر 1035]. (1/370)
صفحة 371
(1)
وَسَبَبُ الْخِلافِ: الاحْتِمَالُ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ: كُلُّ صَلَاةٍ لَمْ يُقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ ... " الْحَدِيثِ)، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ قَرَأَهَا أَوْ قَرَأَ بَعْضَهَا فِي كُلِّ الصَّلَاةِ أَو فِي رَكْعَةٍ مِنْهَا لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ قَوْلِهِ: "لَمْ يُقْرَأْ فِيهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَة: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُجْزِئَ مِنْ قِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ ثَلاثُ آيَاتٍ فَصَاعِدًا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا دُونَ ذَلِكَ، فَقِيلَ: تُجْزِئُ آيَةٌ قَصِيرَةٌ، وَقِيلَ: آيَةٌ مُنْتَظِمَةٌ طَوِيلَةٌ كَايَةِ الدَّينِ، وَرُوِيَ أَنَّ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ اللَّه قَرَأَ:
قُلْ أَرَمَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَا مَعِين (2) ثُمَّ رَكَعَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْمُسْتَحَبُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا فِي قِرَاءَةِ الصُّبْحِ أَنْ يُقْرَأَ بِصَدْرٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ مِنْ سُورَةِ مُحَمَّدٍ إِلَى تَبَارَكَ وَإِلَى عَبَسَ، وَفِي الْعَتَمَةِ مِنْ عَبَسَ إِلَى الْفَجْرِ، وَفِي الْمَغْرِبِ مِنْ إِذَا زُلْزِلَتْ إِلَى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَيَجُوزُ قِرَاءَةُ سُورَةٍ فِي رَكْعَتَيْنِ مَعًا، وَتَكْرِيرُهَا فِي رَكْعَتَيْنِ، وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَ قَرَأَ فِي آخِرِ رَكْعَتَيِ الصُّبْحِ سُورَةَ الْمُرْسَلَاتِ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، ثُمَّ رَكَعَ وَلَمْ يَقْنُتْ، وَبَلَغَنَا عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَرَأَ فِي الْعَتَمَةِ بِهَذِهِ
(r).
الآية: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا لله إِلَى آخِرِ السُّورَةِ (3)، ثُمَّ قَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةِ الْغَاشِيَةِ، وَقِيلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِأَلَمْ نَشْرَحْ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، ثُمَّ قَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةِ وَالضُّحَى)، وَكَذَلِكَ بَلَغَنَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَرَأَ
(1) وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا. (2) الْمُلْك: 30. (3) الْفُرْقَانَ: مِنْ 61 إِلَى 77.
(4) قَالَ الْمُحَنِّي: قَالَ فِي الإِيضاح: "وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُنكس السُّوَرَ فِي الصَّلَاةِ، مِثْلَ أَنْ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى بِسُورَةٍ، وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ هِيَ فَوْقَ السُّورَةِ الَّتِي قَرَأَهَا، وَإِنْ فَعَلَ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ فِي
صَلاتِهِ " [باب في القراءة في الصلاة، 488/ 1، 489]. اهـ مُصححه. (1/371)
صفحة 372
قواعد الإس
بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ أَلَمْ تَرَكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبٍ الْفِيلِ) وَبِسُورَةِ الْهُمَزَةِ، وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَرَعَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (3)، وَاللهُ
أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَحَدُّ الْجَهْرِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَأُذُنَيْهِ، وَقِيلَ: وَمَنْ يَلِيهِ، فَمَنْ قَرَأَ فِي الْجَهْرِ وَلَمْ يُسْمِعْ أُذُنَيْهِ فَلَا يُعْتَدُّ بِقِرَاءَتِهِ وَلَا تُجْزِتُهُ، وَكَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ السُّورَةِ إِنْ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ فَلَا تُجْزِتُهُ، إِذِ الْقِرَاءَةُ عِبَارَةٌ عَنْ تَقْطِيعِ الْحُرُوفِ بِالصَّوْتِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُلْحَقَ الْحُرُوفُ بِمَخَارِجِهَا إِلا وَيُسْمِعُ نَفْسَهُ وَإِلَّا صَارَ تَكْيِيفًا، وَقِرَاءَةُ السِّرِّ يُشْتَرَطُ فِيهَا تَحْرِيكُ النِّسَانِ بِالْحُرُوفِ وَإِسْمَاعُ النَّفْسِ، فَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِهَا لَمْ يُعْتَدَّ بِمَا فَعَلَ مِنَ الْقِرَاءَةِ؛ لأَنَّهَا تَكْبِيفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَنْ نَسِيَ فَقَرَأَ بِالسُّورَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ سِرًّا فَلَا فَسَادَ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَإِنْ قَرَأَ السَّشَهدَ فِي مَوْضِعِ الْفَاتِحَةِ فَرَكَعَ فَلْيَسْتَأْنِفْ صَلَاتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَرْكَعْ فَلْيَقْرَأ
الْفَاتِحَةَ، ثُمَّ يَرْكَعْ فِي صَلَاةِ السِّرِّ أَوْ يَقْرَأُ السُّورَةَ فِي الْجَهْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُسْتَحَبُّ تَرْتِيلُ الْقِرَاءَةِ بِغَيْرِ لَحْنِ وَالتَّفَكُرُ فِي مَعَانِيهَا. وَاللَّحْنُ الَّذِي يُفْسِدُ الصَّلاةَ أَنْ يُبَدِّلَ آيَةَ الرَّحْمَةِ بِآيَةِ الْعَذَابِ، أَوْ آيَةَ الْعَذَابِ بِآيَةِ الرَّحْمَةِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ
مِنْ تَبْدِيلِ الْوَحْدَانِيَّةِ شِرْكًا وَالشِّرْكِ تَوْحِيدًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدِ اسْتَحَبَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ سَكتَيْنِ فِي الصَّلاةِ: إِحْدَاهُمَا: بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ، وَالثَّانِيَةُ: بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "كَانَتْ لِلنَّبِيِّ سكتتَانِ حِينَ يُكَبِّرُ وَيَفْتَتِحُ الصَّلاةَ، وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ (3)،
(1) الفيل: 1.
(2) الْمَاعُون: 1.
(3) [رواه البيهقي، باب في سكتتي الإمام، ر 2900]. (1/372)
صفحة 373
takatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatalated
(£)
(1)
وَفِي أَثَرِ أَصْحَابِنَا: يَسْكُتُ مِقْدَارَ التَّنَفْسِ، أَوْ مِقْدَارَ مَا يَبْلَعُ الرِّيقَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فصل] مَسْأَلَةٌ فِي الرُّكُوعِ: وَهُوَ فَرْضٌ لا تَتِمُّ الصَّلَاةُ إِلَّا بِهِ بِإِجْمَاعِ مِنَ النَّاسِ، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {أَرَكَعُوا وَاسْجُدُوا، وَلأَمْرِ النَّبِي بِهِ الأَعْرَابِيِّ الَّذِي يُعَلِّمُهُ الصَّلاةَ (3)، وَلِمَا نُقِلَ إِلَيْنَا مِنْ فِعْلِهِ فِي الرُّكُوعِ، فَوَجَبَ الاقْتِدَاء بِهِ، لِقَوْلِهِ: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أَصَلِّي" وَحَدُّ الرُّكُوعِ اللُّغَوِيُّ: الانْحِنَاءُ، وَحَدُّهُ فِي الشَّرْعِ: إِمْكَانُ وَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ أَفَلُهُ، وَأَكْمَلُهُ: مَا رُوِيَ مِنْ صِفَةِ رُكُوعِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ إِذَا رَكَعَ اسْتَقَامَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عُضْوِ مِنْهُ إِلَى مِفْصَلِهِ، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَسَوَّى ظَهْرَهُ مُعْتَدِلاً، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ اسْتَقَامَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عُضو مِنْهُ إِلَى مِفْصَلِهِ، وَإِذَا رَكَعَ قَالَ اللهُ أَكْبَرُ (5) فَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أَنْ يَفْعَلَ فِي رُكُوعِهِ، وَيُجَافِي مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَيُسَوِّي عُنُقَهُ، وَلَا يُجَاوِزُ فِي الانْحِنَاءِ الاسْتِوَاءَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِي أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (1):
(1) [لم أقف على هذا الأثر] بَلْ يَكُونُ سُكُوتُهُ أَطْوَلَ مِمَّا حَدَّدَهُ هَذَا الأَثَرُ قَطْعًا، لِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ هِ إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ سَكَتَ هُنَيْهَةٌ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَرَأَيْتَ سُكُونَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: أَقُولُ: "اللهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللهُمَّ نَفْنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ" [رواه البخاري، باب ما يقول بعد التكبير،
ر 711].
(2) الْحَج: 77.
(3) رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ الأَعْرَابِي: "تَرْكَعُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، وَتَرْفَعُ حَتَّى تَعْتَدِلَ فَيَكُونَ ذَلِكَ تَامَّا مِنْ غَيْرِ تقصير، وَمَا نَقَصْتَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّمَا نَقَصْتَهُ مِنْ صَلاتِكَ" [رواه البخاري، كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها، ر 757].
(4) [سبق تخريجه].
(5) وَرَدَتْ أَحَادِيثُ بِأَلْفَاظِ مُخْتَلِفَةٍ تَصِفُ هَيْئَةَ رُكُوعِ النَّبِيِّ الْمَأْمُورِ بِهِ شَرْعًا، وَكُلُّهَا مُتَّحِدَةٌ فِي مَعْنَاهَا [منها: ما رواه أبو داود، في باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، ر 863]. (1) [الواقعة: 96، الحاقة: 52]. (1/373)
صفحة 374
قواعد الإست
Matakatakatakatakisktalishtakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakat
قَالَ: "اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ (1)، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَنْعِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ قَالَ: نُهِيتُ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعَ وَالسُّجُودِ (2)، وَذَهَبَ بَعْضُ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ (3).
(Y)"
وَهَلْ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ قَوْلٌ مَحْدُودٌ؟ فَرُوِيَ عَنْ مَالِكِ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَحْدُودٌ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمَا إِلَى أَنَّ الْمُصَلِّي يَقُولُ فِي الرُّكُوعِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ثَلاثًا، وَفِي السُّجُودِ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ثَلَاثًا، عَلَى مَا فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَبِهَذَا أَخَذَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَرُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ لَهُ أَنَّ الثَّلَاثَةَ تُجْزِى، فَإِنْ زَادَ فَهُوَ أَحْسَنُ وَأَطْيَبُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِمَامَ قَوْمٍ فَلْيَقْتَصِرْ عَلَى الثَّلاثَةِ لِئَلا يُطِيلَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمَعْمُولُ بِهِ سَبْعٌ
وَالْمُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ ثَلاثٌ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرِهِ، وَرُوِيَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يُسَبِّحُ عَشْرًا، وَيُصَلِّي خَلْفَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَيَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَشْبَهَ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ الله مِنْ صَلاةِ هَذَا الْغُلَامِ، وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ عَنِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ ثَلَانَّا (2)، وَلَيْسَ عِندَ أَهْلِ الْعِلْمِ نَقْضُ صَلَاةٍ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فِي التَّسْبِيحِ وَالتَّعْظِيمِ، وَمَنْ سَبَّحَ ثَلاثًا فَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ، وَمَنْ سَبَّحَ وَاحِدَةٌ فَلَا نَقْضَ عَلَيْهِ.
6
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اعْتِدَالِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ: "اعْتَدِلُوا فِي رُكُوعِكُمْ وَسُجُودِكُمْ ()،
It
(1) [رواه الربيع، باب في الركوع والسجود وما يفعل فيهما، ر 233]. (2) [رواه الربيع، باب في الركوع والسجود وما يفعل فيهما، ر 231، بلفظ: "عن علي بن أبي طالب قال: نهاني رسول الله ... وعن قراءة القرآن في الركوع والسجود"].
(3) وَهَذَا الْقَوْلُ يَتَضَارَبُ مَعَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: "وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ ... " [وَمَعَ نهيه عن قراءة القرآن في الركوع والسجود].
(4) [رواه أبو داود، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، ر 870].
(0) [رواه أحمد، ر 12683].
(1) [رواه الدارقطني، باب صفة ما يقول المصلي عند ركوعه وسجوده، را]. (1/374)
صفحة 375
valatakatakataka akatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatad
قواعد الا
وَسُجُودِكُمْ (1)، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبِ قِيَاسًا عَلَى الْأُمُورِ الْمَحْمُولَةِ عَلَى النَّدْبِ، وَعَنْهُ قَالَ: "لا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ (2) وَكَرِهَتِ الْعُلَمَاءُ التَّخْفِيفَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَشَدَّ الْكَرَاهِيَةِ إِذَا لَمْ يُقمِ الْمُصَلِّي ظَهْرَهُ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ الله كَانَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى فَخَفَّفَ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ، فَدَعَا بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: مُنْذُ كَمْ تُصَلِّي هَذِهِ الصَّلاةَ فَقَالَ: مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةٌ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةٌ (3)، وَرَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَجُلاً يُخَفِّفُ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ، فَعَلاهُ بِالدِّرَّةِ، فَقَالَ: وَاللهِ لا نَتْرُكُ النَّفَاقَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلاةَ (4)،
وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا أَتَمَّ الْمُصَلِّي التَّعْظِيمَ فَلْيَسْتَوِ قَائِمًا حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عُضْوِ إِلَى مِفْصَلِهِ، وَيَقُولُ فِي حِينِ الرَّفْعِ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، إِذَا كَانَ فَذًا أَوْ إِمَامًا، وَإِذَا كَانَ مَأْمُومًا فَلْيَقُلْ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ يَهْوِي إِلَى السُّجُودِ بِالتَّكْبِيرِ. وَاخْتَلَفُوا فِيهِ إِذَا (1) [رواه النسائي: السنن الكبرى، الاعتدال في الركوع، ر 1101] الاعْتِدَالُ هُوَ التَّوَسُطُ بَيْنَ الافْتِرَاشِ وَالْقَبْضِ؛ بِوَضْعِ الْكَفَّيْنِ عَلَى الْأَرْضِ وَرَفْعِ الذَّرَاعَيْنِ عَنْهَا وَالْبَطْنِ عَنِ الْفَخِذَيْنِ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِالتَّوَاضُعِ، وَأَمْكُنُ مِنْ تَمْكِينِ الْجَبْهَةِ، هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلسُّجُودِ، أَمَّا بِالنَّسْبَةِ لِلرُّكُوعِ فَهُوَ أَنْ يَحْنِي ظَهْرَهُ وَتَصِلَ الْيَدَانِ إِلَى الرُّكْبَتَيْنِ مَعَ اسْتِوَاءِ، لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَلا يُصَوِّبُهُ، كَرُكُوعِهِ، فَقَدْ كَانَ "إِذَا رَكَعَ لَوْ وُضِعَ عَلَى ظَهْرِهِ قَدَحٌ مَاءٍ مَا تَحَرَّكَ مِنَ اعْتِدَالِهِ" [رواه أحمد، ر 997، وعبد الرزاق، كتاب الصلاة، باب التصويب في الركوع وإقناع الرأس، (2872]، وَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، لاَ صَلاةَ لِمَنْ لا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ثُمَّ لَا يَفْتَرِسُ ذِرَاعَيْهِ فِي السُّجُودِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ" [رواه ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب الركوع في الصلاة، ر 871]، فَكَمَا يُشْتَرَطُ الاعْتِدَالُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ كَذَلِكَ يُشْتَرَطُ فِي الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ، وَذَلِكَ بِالاسْتِوَاءِ قَائِمًا حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ مَعَ الطُّمَأْنِينَةِ، وَحَدُّهَا: أَنْ يَمْكُتَ زَمَنَا مَا بَعْدَ اسْتَقْرَارِ الْأَعْضَاءِ.
(2) [رواه أبو داود، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، ر 855]. (3) [رواه النسائي: السنن الكبرى، عن حذيفة بن اليمان، تطفيف الطلاة، ر 608] (4) [لم أجد من خرجه بهذا اللفظ]. (1/375)
صفحة 376
قواعد الإسنا
Naktskickatakatakatakatakatakataka dla katakatakatalavalaudat alatala da da da alaalaisla
سَجَدَ هَلْ يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ أَوْ يُقَدِّمُ رُكْبَتَيْهِ؟ فَرَوَى أَصْحَابُ كُلِّ قَوْمٍ حَدِيثًا يُقَوِّي مَذْهَبَهُ.
[فصل] مَسْأَلَةٌ فِي السُّجُودِ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ السُّجُودَ فَرْضٌ فِي الصَّلَاةِ،
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَاسْجُدُوا وَقَوْلِهِ: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب (1).
وَصِفَةُ السُّجُودِ: أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ مِنَ الْأَرْضِ مَعَ الْكَفَّيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَصَابِعِ الْقَدَمَيْنِ، لِقَوْلِ النَّبِيُّ: أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَرَابٍ، وَلَا أَكُفَّ شعرًا وَلَا تَوْبًا (2)، وَهِيَ الأَعْضَاءُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَرُوِيَ أَنَّهُ أَمَرَ بِوَضْعِ الْكَفَّيْنِ وَنَصْبِ الْقَدَمَيْنِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَجَدَ جَافَى عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ وَفَتَخَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ (3)، قَالَ بَعْضُهُمْ: الْفَتْحُ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا: فَنَصَبَ أَصَابِعَهُ ثُمَّ غَمَزَ مَوْضِعَ الْمَفَاصِلِ مِنْهَا إِلَى بَاطِنِ الرَّاحَةِ، يَعْنِي أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِأَصَابِعِ رِجْلَيْهِ، فَإِذَا سَجَدَ الْمُصَلَّي جَافَى عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ وَفَرَّقَ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَجَنْبَيْهِ وَبَطْنِهِ وَفَخِذَيْهِ وَهُوَ التَّفْرِيجُ، وَلا تُفَرِّجُ الْمَرْأَةُ، وَتُؤْمَرُ بِالضَّمِّ وَالالْتِصَاقِ، وَيَجْعَلُ كَفَّيْهِ بَيْنَ رَأْسِهِ وَرُكْبَتَيْهِ، وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِمَا، وَلَا يَكُفُّ شَعْرًا وَلَا تَوْبًا، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ أَنْفُهُ إِلَى الْأَرْضِ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ، وَلْيُسَبِّحْ ثَلَاثًا، يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي الأَعْلَى ثَلاثًا كَمَا قَدَّمْنَا، وَلْيُوَصِّلْ إِلَى الْأَرْضِ أَكْثَرَ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ، وَلْيَرْفَعْ رَأْسَهُ بِالتَّكْبِيرِ، وَلْيَقْعُدْ بَيْنَ رِجْلَيْهِ وَظَاهِرُ الْيُسْرَى مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ، وَلْيَسْتَوِ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عُضْوِ إِلَى مِفْصَلِهِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ كَفَّيْهِ مِنَ النَّوْبِ وَيُبَاشِرَ بِهِمَا الأَرْضَ، وَلاَ يَسْجُدَ عَلَى غَيْرِ مَا أَنْبَتَتِ الأَرْضُ.
(1) الْعَلق: 19.
(2) [رواه البخاري، كتاب صفة الصلاة، باب لا يكف ثوبه في الصلاة، ر 783].
(3) [رواه الترمذي، باب ما جاء في وصف الصلاة، ر 304]. (1/376)
صفحة 377
وَاخْتَلَفُوا فِي السُّجُودِ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةِ، فَأَجَازَهُ بَعْضُ، وَمَنَعَ مِنْهُ آخَرُونَ وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى طَاقَاتٍ (1) يَسِيرَةٍ مِنَ الْعِمَامَةِ أَوْ كَثِيرَةٍ، وَبَيْنَ أَنْ تَمَسَّ الْأَرْضُ جَبْهَتَهُ أَوْ لَا تَمَسَّ، واخْتَلَفُوا فِي الاعْتِدَالِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَا فِي الرُّكُوعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فصل] مَسْأَلَةٌ فِي الْجُلُوسِ: وَهُوَ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ؛ لأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْعُدْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، فَإِذَا جَلَسَ وَضَعَ ظَاهِرَ قَدَمِهِ الْيُمْنَى فِي أَخْمَصِ الْيُسْرَى، وَظَاهِرَ الْيُسْرَى مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ، وَقَدْ أَجَازُوا هَيْئَاتِ الْقُعُودِ كُلَّهَا، إِلَّا قُعُودَ الْحَبَشَةِ وَتَرْبِيعَ الْمُلُوكِ، وَقَدْ جَاءَ النَّهْيُ عَنِ الإِفْعَاءِ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ فِيمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ: أَنْ يَقْعُدَ الرَّجُلُ بِإِلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ فِيمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَفِي التَّشَهُدِ، وَقِيلَ: أَنْ يَقْعُدَ الرَّجُلُ عَلَى إِلْيَتَيْهِ نَاصِبًا فَخِذَيْهِ مِثْلَ إِفْعَاءِ الْكَلْبِ، وَقَوْمٌ رَأَوْا أَنَّ الإِفْعَاءَ هُوَ أَنْ يَجْعَلَ إِلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَأَنْ يَجْلِسَ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الإِفْعَاءُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فِي السُّجُودِ عَلَى هَذِهِ الصَّفَةِ هُوَ سُنَّةٌ نَبِيِّكُمْ (3). وَعَقِبُ الشَّيْطَانِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ النَّهْيُ هُوَ أَنْ يَقْعُدَ الرَّجُلُ بِإِلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ فِي الصَّلاَةِ، وَمَا سِوَى هَذَا مِنْ هَيْئَاتِ الْقُعُودِ لَا يُفْسِدُ الصَّلاةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) [الطاقات مفرده، طاقة إذا كان القماش ملتفا بعضه على بعض، يقال: طاقة القماش].
(2) تربيع الملك: "وَهُوَ وَضْعُ الآليتين وَبَعْضِ الْفَحْذَيْنِ عَلَى الْأَرْضِ وَالْبَعْضِ الْآخَرِ مَعَ الرُّكْبَتَيْنِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ" (شرح النيل، 2/ 184)]. (3) الإفْعَاء إِفْعَاآنِ، الأَوَّلُ: أَنْ يَفْرِضَ قَدَمَيْهِ وَيَجْلِسَ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَهْل الْحَدِيثِ، فَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُوسَ يَقُولُ: "قُلْنَا لابْن عَبَّاس فِي الإِفْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فَقَالَ: هِيَ السُّنَّةُ، قَالَ فَقُلْنَا: إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاء بِالرَّجُل، فَقَالَ: هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ [رواه مسلم، باب جواز الإقعاء على العقبين، (1226]. وَالإِقْعَاةَ الثَّانِي: بِمَعْنَى وَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الْأَرْضِ وَنَصْبِ الْفَخِذَيْنِ، فَهَذَا مَكْرُوهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَانِي النَّبِيُّ عَنْ ثَلاثَةِ: عَنْ نَفْرَةٍ كَنَقْرِ الدِّيكِ، وَإِفْعَاءِ كَإِفْعَاءِ الْكَلْبِ، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ" [رواه الربيع، بَاب فِي الْقُعُود فِي الصَّلَاةِ وَالتَّحِيَّاتِ، ر 238]. (1/377)
صفحة 378
اعد الإسلام
وَأَمَّا قُعُودُ الْمَرْأَةِ فَهُوَ أَنْ تُفْضِي إِلَى الأَرْضِ بِأَوْرَاكِهَا (1) وَتَرُدَّ رِجْلَيْهَا إِلَى الْجَانِبِ الأَيْمَنِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
[فصل] مَسْأَلَةٌ فِي التَّحِيَّاتِ: وَقِرَاءَةُ التَّحِيَّاتِ فِي الصَّلَاةِ فَرْضٌ وَاجِبٌ مِنَ السُّنَّةِ لا تَتِمُّ الصَّلاةُ إِلا بِهَا، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ التَّشَهدَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ)، وَقَدْ وَجَدْتُ أَنَّ جُمْهُورَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْجَلْسَةَ الأَخِيرَةَ هِيَ الْفَرِيضَةُ دُونَ الْوُسْطَى، وَقَالَ بَعْضُ: الْوُسْطَى هِيَ الْفَرِيضَةُ، وَقِيلَ: كِلْتَاهُمَا فَرِيضَتَانِ، وَقِيلَ: كِلْتَاهُمَا مَسْنُونَتَانِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكِ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ التَّشَهدَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَدَاوُدُ إِلَى وُجُوبِهِ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ مُعَارَضَةُ الأَثَرِ الْمُتَقَدِّمِ الْمَرْوِيِّ فِي التَّشَهُدِ لِلْقِيَاسِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي إِلْحَاقَهُ بِسَائِرِ الأَقْوَالِ الَّتِي لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فِي الصَّلَاةِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ، مَعَ أَنَّ الأَصْلَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ تَكُونَ أَقْوَالُ الرَّسُولِ وَأَفْعَالُهُ فِي الصَّلَاةِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْوُجُوبِ حَتَّى يَدُلُّ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالتَّشَهدُ الْمَأْثُورُ عَنِ الصَّحَابَةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهِ: أحدها: تَشَهدُ ابْنِ عَبَّاسِ: التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ لِلهِ وَالصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ، وَكَانَ يَتَأَوَّلُ فِي ذَلِكَ: تَحِيَّةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبَارَكَةٌ طَيِّبَةُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا
اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
(1) [الأوراك: الفخذان والساقان، (شرح النيل، 409/ 2)]. (2) [رواه مسلم، باب التشهد في الصلاة، ر 929]. (1/378)
صفحة 379
Jokatskickatalisktskickatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatad
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مُسْلِمٌ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو الْمُؤَرِّجِ): إِذَا قَالَ وَحْدَهُ؛ فَقَدْ نَفَى أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكَ. وَهَذَا التَّشَهدُ هُوَ الَّذِي أَخَذَ بِهِ أَصْحَابُنَا وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ
وَأَصْحَابُهُ.
وَالتَّشَهدُ الثَّانِي: مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، كَانَ يُعَلِّمُهُ النَّاسَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ التَّحِيَّاتُ لِلهِ، الزَّاكِيَاتُ لِلهِ، الصَّلَوَاتُ لِلهِ ... إِلَى آخِرِهِ، كَمَا قَدَّمْنَا، وَاخْتَارَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَأَصْحَابُهُ. وَالثَّالِثُ: تَشَهدُ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنَّا إِذَا جَلَسْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قُلْنَا: السَّلامُ عَلَى اللهِ قَبْلَ عِبَادِهِ السَّلامُ عَلَى جِبْرِيلَ السَّلامُ عَلَى مِيكَائِيلَ، السَّلامُ عَلَى فُلانٍ، فَسَمِعَنَا رَسُولُ اللهِ لا فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلامُ، فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاةِ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَإِذَا قَالَهَا أَحَدُكُمْ أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ... "، ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِيَهَا كَمَا تَقَدَّمَ). وَاخْتَارَ هَذَا التَّشَهدَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ. فَبِأَيِّ هَذِهِ الأَلْفَاظِ أَخَذَ الإِنْسَانُ فَلا بَأْسَ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَذُكِرَ فِي بَعْضِ آثَارِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُمْ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ كَانُوا يَقُولُونَ: السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ.
وَقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى التَّحْيِيرِ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّحِيَّاتِ، كَمَا ذَهَبُوا إِلَى التَّحْيِيرِ فِي الأَذَانِ وَالتَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَائِزِ وَالْعِيدَيْنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَوَاتَرَ نَقْلُهُ، وَهُوَ الصَّوَابُ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِي أَنَّهُ اشْتَرَطَ فِي التَّشَهُدِ الصَّلَاةَ
(1) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ. (2) [رواه البخاري، باب التشهد في الآخرة، ر 797]. (1/379)
صفحة 380
عَلَى النَّبِيِّ، قَالَ: إِنَّهَا فَرْضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، وَزَعَمَ أَنَّ هَذَا التَّسْلِيمَ هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْمُتَشَهْدِ أَنْ يَتَعَوَّذَ مِنَ الْأَرْبَعِ الَّتِي وَرَدَ الْحَدِيثُ بِهَا: "أَنَّ النَّبِي كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْهَا فِي آخِرِ التَّشَهُدِ، وَهِيَ: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَمِنَ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ (2).
وَقَدِ اتَّفَقَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى إِجَازَةِ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ، وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إِلَى إِجَازَةِ ذَلِكَ بَعْدَ التَّشَهُدِ، وَأَنْ يَدْعُوَ بِمَا فِي الْقُرْآنِ وَمَا أَشْبَهَ مَا فِي الْقُرْآنِ لَأَمْرِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ لاَ يَرَوْنَ بَأْسًا أَنْ يَدْعُوَ الإِنْسَانُ فِي الصَّلَاةِ بِأَيِّ دُعَاءِ، كَانَ لِلدُّنْيَا وَالآخِرَةِ مَا لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةٌ، وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ فِيمَا وَجَدْتُ عَلَى إِجَازَةِ الدُّعَاءِ فِي الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ، إِلا مَا كَانَ مِنَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فَإِنَّهُ يكره الدُّعَاءَ فِي الْمَكْتُوبَةِ، وَأَظُنُّ بِهَذَا أَخَذَ أَصْحَابُنَا مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ وَأَهْلِ الْجَبَلِ.
(3)
فصل] مَسْأَلَةٌ فِي التَّسْلِيمِ: وَفِي حَدِيثِ النَّبِيِّ: "تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ (4)، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حُكْمِهِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى وُجُوبِهِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ؛ لأَنَّهُ عَقَدَ الصَّلاةَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، وَلِإِجْمَاعِ الْكُلِّ عَلَى أَنَّ
(1) الأحزاب: 56. (2) [رواه الربيع، باب في الدعاء، ر 490]. (3) الْمُرَادُ بِأَهْلِ الْمَغْرِبِ عُلَمَاءُ الْجَزَائِرِ الْمَغْرِبِ الأَوْسَطِ، وَبِأَهْل الْجَبَل عُلَمَاءُ لِيبْيَا، هَذَا وَإِنَّ مَنْ تتبَّعَ كُتبَ السُّنَّةِ وَمَا وَرَدَ فِيهَا مِنْ أَحَادِيثَ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا تَتَعَلَّقَ بِصَلَاتِهِ وَجَدَهَا تَطْفَحُ بِالْأَذْكَارِ وَالأَدْعِيَةِ، لا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَوَّلِهَا وَأَثْنَائِهَا أَوْ آخِرَهَا، كَمَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَكْتُوبَةِ وَالنَّافِلَةِ، فَإِذَا كَانَ الرَّسُولُ يَقُولُ: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" [سبق تخريجه]، وَإِذَا وَجَدْنَا الْعُلَمَاءَ يَحْرِصُونَ كُلَّ الْحِرْصِ عَلَى تَقْرِيرِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ صلى الله عليه وسلم لِلتَّأَسِّي بِهَدْيِهِ، فَمَا بَالُنَا نَجِدُهُمْ يَخْتَلِفُونَ حَتَّى قَصَرَ الْبَعْضُ جَوَازَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقُرْآنِ وَمَا أَشْبَهَ الْقُرْآنَ؟ وَهَلْ يَسُوعُ الْعُدُولُ عَمَّا ثَبَتَ عَنِ الْمَعْصُومِ أَوْ تَفْسِيدُ مَا أَطْلَقَ؟ فَلْيُتَأَمَّلْ. اهـ مُصَححه.
(4) تَقَدَّمَ. (1/380)
صفحة 381
381
الدُّخُولَ فِيهَا لا يَصِحُ إِلا بِالتَّكْبِيرِ، فَكَذَلِكَ الْخُرُوجُ مِنْهَا لَا يَصِحُ إِلَّا بِالتَّسْلِيمِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا جَلَسَ الرَّجُلُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ فَأَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يُسَلَّمَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلاتُهُ، وَالَّذِينَ أَوْجَبُوهُ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْوَاجِبُ عَلَى الْمُنْفَرِدِ وَالإِمَامِ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَصْحَابُنَا وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، لِقَوْلِهِ: تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ تَسْلِيمَتَانِ، وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ الرَّبِيعُ: وَكَانُوا يَكْتَفُونَ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَكْتَفِي بِهَا، وَرُوِيَ عَنْ عَمَّارٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَضُمَامِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُتَتُونَ التَّسْلِيمَ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ التَّسْلِيمُ إِذْنٌ بِانْقِضَاءِ الصَّلاةِ، وَهِيَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَرَأَى ابْنُ مَسْعُودٍ رَجُلاً يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةً، فَقَالَ: أَنَا أَعْقِلُ عَمَّنْ أَخَذَهَا، وَبِهَا أَخَذَ أَصْحَابُنَا.
الله
وَمَنْ سَلَّمَ قَبْلَ تَمَامِ الصَّلاَةِ سَاهِيًا فَإِنَّهُ يُتِمُّ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَزَعَمَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ بَرَكَةَ (2) أَنَّ التَّسْلِيمَ بِالسَّهْوِ لاَ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ إِجْمَاعًا مِنَ النَّاسِ، وَأَمَّا مَنْ وَجَدَ قَيْنَا أَوْ رُعَافًا وَقَدْ تَشَهَّدَ فَلْيَكُمْ وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ (3)، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ إِنْ قَرَأَ بَعْضَ التَّشَهُدِ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ ثُمَّ حَدَثَ عَلَيْهِ عُذْرٌ فَلْيُسَلَّمْ إِنْ كَانَ وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ خَلْفَ إِمَامٍ فَلْيَقُمْ، فَإِذَا غَلَبَ ظَنُّهُ أَنَّ الإِمَامَ قَدْ سَلَّمَ فَلْيُسَلَّمْ، وَإِنْ سَلَّمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ التَّحِيَّاتِ بِلَا عُدْرٍ أَوْ تَرَكَ التَّسْلِيمَ رَأْسًا فَلْيُعِدْ صَلاتَهُ، وَإِنْ قَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فِي مَوْضِعِ التَّحِيَّاتِ سَاهِيًا ثُمَّ سَلَّمَ فَأَرْجُو أَنْ لَا
(1) يَعْنِي اضْطِرَارًا. [رواه البيهقي، باب مبتدأ فرض التشهد، ر 2648، وقال: هذا الحديث لا
يصح].
(2) تَقَدَّمَ، وَأَنَّهُ أَبُو مُحَمَّدٍ لَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ.
(3) [رواه الدارقطني، باب في الوضوء من الخارج من البدن كالرعاف، ر 19]. (1/381)
صفحة 382
قواعد الإس
فَسَادَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يُسَلَّمَ فَلْيَقْرَ أَهَا ثُمَّ يُسَلَّمْ.
وَالتَّسْلِيمُ أَنْ يَقُولَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، يُصْفِحُ بِهَا وَجْهَهُ عَلَى الْيَمِينِ ثُمَّ عَلَى الشِّمَالِ، وَيَنْوِي بِهِ الْخُرُوجَ مِنَ الصَّلاةِ، وَقِيلَ: يَنْوِي بِهِ التَّسْلِيمَ عَلَى الْحَفَظَةِ، وَإِنْ نَوَّنَ فَقَالَ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، فَقَوْلانِ فِي الاجْتِزَاءِ بِهِ، وَلَا يُسَلِّمُ الْمَأْمُومُ حَتَّى يَفْرُغَ الإِمَامُ مِنَ التَّسْلِيمِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(2)
[فصل] مَسْأَلَةٌ فِي الدُّعَاءِ: قَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا فَرَغْتَ يَعْنِي: مِنَ الصَّلاةِ، فانصب (2) يَعْنِي فِي الدُّعَاءِ، وَفِي الْحَدِيثِ: "لِكُلِّ شَيْءٍ ثَمَرَةٌ، وَثَمَرَةُ الصَّلَاةِ الدُّعَاءُ بَعْدَهَا (3)، وَوَجَدْتُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ تَه أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ قَالَ إِذَا صَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَثْنِي رِجْلَهُ: أَسْتَجِيرُ بِاللهِ مِنَ النَّارِ؛ سَبْعَ مَرَّاتٍ، إِنْ مَاتَ فِي لَيْلَتِهِ تِلْكَ رُجِيَ لَهُ أَنْ يَنْجُوَ مِنَ النَّارِ، إِنْ سَلِمَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنَ الدَّمَاءِ الْحَرَامِ، وَالأَمْوَالِ الْحَرَامِ، وَالأَشْرِبَةِ الْحَرَامِ، وَالْفُرُوجِ الْحَرَامِ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَهَا إِذَا صَلَّى الصُّبْحِ ثُمَّ مَاتَ مِنْ يَوْمِهِ عَلَى الْحَالِ الْمُتَقَدَّم". وَوَجَدْتُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي إِذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ أَنْ يَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ وَآيَةَ الْكُرْسِي، وَ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَيْكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَابِمَا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4) و قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَى وقَدِيرٌ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ)
(0)
أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّهُنَّ مُعَلَّقَاتٌ، لَيْسَ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ، يَقُلْنَ: إِي رَبَّنَا تُهْبِطُنَا
(1) [ويرى بعض أصحابنا أن لفظ التشهد واجب من واجبات الصلاة، وقيل هو ركن، ولا تتم صلاة
من تركه (انظر: المعتمد في فقه الصلاة، ص 231)].
(2) الشَّرْح: 7.
(3) لم أجد من خرجه، وذكره ابن عبد البر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، (42،
300/ 10، موقوفا عن ابن مسعود].
(4) آل عِمْرَانَ: 18.
(5) آل عِمْرَانَ: 26. (1/382)
صفحة 383
382
gring
قواعد الإس
إِلَى أَرْضِكَ وَإِلَى مَنْ يَعْصِيكَ؟ فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: "إِنِّي حَلَفْتُ أَنْ لَا يَقْرَأَكُنَّ عَبْدٌ فِي دُبُرِ صَلَاةٍ إِلا جَعَلْتُ الْجَنَّةَ مَنْوَاهُ، وَأَسْكَنتُهُ حَظِيرَةَ الْفِرْدَوْسِ، وَنَظَرْتُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ نَظْرَةٌ - أَرَادَ نَظْرَةَ رَحْمَةٍ، وَقَضَيْتُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ حَاجَةً أَوَّلُهَا الْمَغْفِرَةُ، وَأَعِيدُهُ مِنْ كُلِّ عَدُوٌّ لَهُ، وَنَصَرْتُهُ عَلَيْهِ (1)، وَإِذَا أَرَادَ الْمُصَلِّي أَنْ يَدْعُوَ فَلْيُقَدِّمْ بَيْنَ يَدَيْ دُعَائِهِ التَّوْبَةَ وَالصَّلاَةَ عَلَى النَّبِيِّ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا فَرِيضَةٌ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: هِيَ فَرِيضَةٌ وَاحِدَةٌ مَعَ الذِّكْرِ لَهُ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ له تَعَالَى قَالَ: إِذَا صَلَّيْتُمْ فَصَلُّوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ أَمَرَكُمُ اللهُ بِهَا، وَيُقَالُ لَمْ تُؤْمَرْ أُمَّةٌ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى نَبِيِّهَا غَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَإِذَا صَلَّى عَلَى الرَّسُولِ كَمَا قَدَّمْنَا وَاسْتَفْتَحَ بِالتَّسْبِيحِ فَلْيَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِنَ الْأَرْبَعِ الَّتِي يَسْتَعِيدُ مِنْهَا النَّبِيُّ (2)، وَيَقُولُ: اللهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْ عِبَادَتِكَ (3)، وَلْيَدْعُ بِدُعَاءِ رَسُولِ اللهِ، الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ الله أَن كَانَ يَدْعُو بِهِ إِذَا فَرَغَ مِنْ صَلاةِ الْوِتْرِ، وَهُوَ: "اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ تَهْدِي بِهَا قَلْبِي، وَتَجْمَعُ بِهَا شَمْلِي، وَتَلُمُ بِهَا شَعَنِي، وَتَرُدُّ بِهَا أُلْفَتِي، وَتَحْفَظُ بِهَا غَائِبِي، وَتَرْفَعُ بِهَا شَاهِدِي، وَتُزَكِّي بِهَا عَمَلِي، وَتُبَيِّضُ بِهَا وَجْهِي، وَتُلْهِمُنِي بِهَا رُشْدِي، وَتَعْصِمُنِي بِهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ، اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ إِيْمَانًا صَادِقًا، وَيَقِينًا لَيْسَ بَعْدَهُ كُفْرُ، وَرَحْمَةٌ أَنَالُ بِهَا شَرَفَ كَرَامَتِكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْفَوْزَ عِنْدَ الْقَضَاءِ، وَمَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَعَيْشَ السُّعَدَاءِ، وَالنُّضْرَةَ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَمُرَافَقَةَ الأَنْبِيَاءِ، اللهُمَّ إِنْ قَصُرَ عَمَلِي، وَضَعُفَ رَأْتِي، وَافْتَقَرْتُ إِلَى رَحْمَتِكَ،
(2)
(1) [رواه الهندي: كنز العمال الأدعية المطلقة، ر 5056، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات،
[245/ 1
(2) مِنْ حَدِيثٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ،
وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ" [سبق تخريجه].
(3) [رواه أبو داود، باب في الاستغفار، ر 1524]. (1/383)
صفحة 384
قواع
فَإِنِّي أَسْأَلُكَ يَا قَاضِي الْأُمُورِ، وَيَا شَافِي الصُّدُورِ، كَمَا تُجِيرُ بَيْنَ الْبُحُورِ فَأَجِرْنِي مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ، وَمِنْ دَعْوَةِ النُّبُورِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْقُبُورِ، اللهُمَّ مَا قَصُرَ عَنْهُ عِلْمِي وَلَمْ تَبْلُغُهُ مَسْأَلَتِي مِنْ خَيْرٍ وَعَدْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنَّكَ مُعْطِيهِ أَحَدًا مِنْ عِبَادِكَ، فَإِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَرْغَبُ إِلَيْكَ فِيهِ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللهُمَّ اجْعَلْنَا هُدَاةٌ مُهْتَدِينَ غَيْرَ ضَالَّينَ وَلا مُضِلَّينَ، اللهُمَّ يَا ذَا الْأَمْرِ الرَّشِيدِ، وَالْحَبْلِ الشَّدِيدِ أَسْأَلُكَ الأمْنَ يَوْمَ الْوَعِيدِ، وَالْجَنَّةَ يَوْمَ الْخُلُودِ مَعَ الْمُقَرَّبِينَ الشُّهُودِ الرُّكَّعِ السُّجُودِ الْمُوفِينَ بِالْعُهُودِ، فَإِنَّكَ رَحِيمٌ وَدُودٌ، وَأَنْتَ تَفْعَلُ مَا تُرِيدُ، اللهُمَّ مِنِّي الدُّعَاءُ وَعَلَيْكَ الإِجَابَةُ، وَهَذَا الْجَهْدُ وَعَلَيْكَ التَّكْلَانُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ، اللهُمَّ اجْعَلْ لِي نُورًا فِي قَلْبِي، وَنُورًا فِي قَبْرِي، وَنُورًا فِي بَصَرِي، وَنُورًا فِي لَحْمِي، وَنُورًا فِي دَمِي، وَنُورًا فِي عَظْمِي، وَنُورًا بَيْنَ يَدَيَّ، وَنُورًا مِنْ أَمَامِي، وَنُورًا مِنْ وَرَاءِي، وَنُورًا عَنْ يَمِينِي، وَنُورًا عَنْ شِمَالِي، وَنُورًا مِنْ فَوْقِي، وَنُورًا مِنْ تَحْتِي، اللهُمَّ زِدْنِي نُورًا، وَأَعْطِنِي نُورًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ بِرَحْتَمِكَ يَا أَرْحَمَ
الرَّاحِمِينَ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ
لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"
(1)
وَإِنْ وَجَبَ عَلَى الْمُصَلِّي الْوَهُمُ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَسْجُدْ قَبْلَ الدُّعَاءِ.
(1) [رواه الترمذي، باب 30 منه (باب) مَا يَقُولُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ إِلَى الصَّلاةِ)، (3419]. (1/384)
صفحة 385
valoda dla skaaluda ala dla skicka elatakaiska skickiska skicka dla dlateg
قواعد الإس
بَابٌ
فِي سُجُودِ السَّهْوِ [وَالتَّلَاوَةِ]
وَالسُّجُودُ الْمَأْمُورُ بِهِ نَوْعَانِ [النَّوْعُ الأَوَّلُ: سُجُودُ السَّهْوِ الْمَنْقُولُ فِي الشَّرِيعَةِ فِي أَحَدٍ مَوْضِعَيْنِ: إِمَّا عِنْدَ الزِّيَادَةِ أَوِ النُّقْصَانِ اللَّذَيْنِ يَقَعَانِ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَأَقْوَالِهَا مِنْ قِبَلِ النِّسْيَانِ فَقَط لا مِنْ قِبَلِ الْعَمْدِ، وَفِيهِ خَمْسُ مَسَائِلَ تَجْرِي مَجْرَى الْأُمَّهَاتِ وَالْأُصُولِ فِيهِ. الْمَسْأَلَةُ الأُولَى فِى حُكْمِهِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: هُوَ فَرْضٌ مَشْرُوعٌ لِجُبْرَانِ الصَّلاةِ، وَقِيلَ: هُوَ سُنَّةٌ مَشْرُوعَةٌ لِتَرْغِيمِ الشَّيْطَانِ. وَسَبَبُ الْخِلافِ هَلْ أَفْعَالُهُ فِيهِ مَحْمُولَةٌ عَلَى النَّدْبِ أَوْ عَلَى الْوُجُوبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي مَوَاضِعِ سُجُودِ السَّهْوِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: قَبْلَ التَسْلِيمِ، وَقِيلَ: بَعْدَ التَّسْلِيمِ، وَقِيلَ: إِنْ وَجَبَنَا لِلنُّقْصَانِ فَقَبْلَهُ، وَإِنْ وَجَبَنَا لِلزِّيَادَةِ فَبَعْدَهُ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلَ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إِلَّا فِي الْمَوَاضِعِ
الْخَمْسَةِ الَّتِي قِيلَ إِنَّ الرَّسُولَ سَجَدَ فِيهَا.
وَسَبَبُ الْخِلافِ اخْتِلافُ الأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي سُجُودِهِ لِلسَّهْوِ (1/385)
صفحة 386
د
الإسلام
وَأَمَّا الْمَوَاضِعُ الْخَمْسَةُ الَّتِى قَدَّمْنَا، فَأَحَدُهَا: أَنَّهُ قَامَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، والثاني: أَنَّهُ سَلَّمَ مِنَ اثْنَتَيْنِ عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ، والثالث: أَنَّهُ صَلَّى خَمْسًا، والرابع: أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ ثَلاثٍ، والخامس: السُّجُودُ عِنْدَ الشَّكٌّ عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(1)
وَالَّذِي اخْتَارَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي أَفْعَالِ الصَّلاَةِ وَأَقْوَالِهَا الَّتِي يُسْجَدُ لَهَا، اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ إِنَّمَا يَكُونُ عَنْ نِسْيَانِ سُنَنِ الصَّلَاةِ دُونَ الْفَرَائِضِ وَالْفَضَائِلِ، فَالْفَرَائِضُ لَا يُجْزِئُ فِيهَا إِلا الإِنْيَانُ بِهَا (2)، أَوْ جَبْرُهَا إِذَا كَانَ السَّهْرُ عَنْهَا مِمَّا لَا يُوجِبُ إِعَادَةَ الصَّلاةِ بِأَسْرِهَا (3)، وَالْفَضَائِلُ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَالْوَهُمُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مِنْ تَمَامِ الصَّلاَةِ، وَيَجِبُ عَلَى الْمُصَلِّي بِالْغَلَطِ الَّذِي لَا يَنْقُضُ الصَّلَاةَ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فِيهَا، وَقَالَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ لا يَجِبُ عَلَى الْمُصَلِّي إِلَّا إِنْ قَامَ حَتَّى تُقِلُّهُ الأَقْدَامُ فِي مَوْضِعِ يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الْقُعُودُ، أَوْ قَعَدَ فِي مَوْضِعِ الْقِيَامِ،
وَعَنِ الرَّبِيعِ لَهُ أَنَّهُ كَانَ يَسْجُدُ سَجْدَتَيِ الْوَهْمِ وَإِنْ لَمْ يُوهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا إِنْ تَرَكَ مِنَ السُّنَنَ أَقَلَّهَا فِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ نَاسِيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَامِدًا أَعَادَ صَلَاتَهُ، وَذَلِكَ مِثْلُ التَّوْجِيهِ، وَالاسْتِعَاذَةِ، وَالْبَسْمَلَةِ، وَالإِسْرَارِ فِي مَوْضِعِ الْجَهْرِ، وَالْجَهْرِ فِي مَوْضِع السِّرِّ، وَالتَّكْبِيرِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّعْظِيمِ، أَوْ سَلَّمَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَإِنْ تَرَكَ الأَكْثَرَ مِنَ السُّنَنِ أَعَادَ صَلَاتَهُ، وَأَمَّا الشَّتُ فِي الصَّلَاةِ إِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْرِي
(1) [انظر ابن المنذر الأوسط، ر 1660]. (2) أَيْ: ابْتِدَاء. (3) يَعْنِي إِنْ لَمْ يُجَاوِزْهُ إِلَى حَدٌ ثَالِثٍ فَإِنَّ هَذَا السَّهْوَ لا يُوجِبُ إِعَادَةَ الصَّلَاةِ بِأَسْرِهَا، وَأَمَّا إِنْ سَهَا حَتَّى جَاوَزَهَا إِلَى حَدٌ ثَالِثٍ فَإِنَّ هَذَا السَّهْوَ يُوجِبُ إِعَادَةَ الصَّلَاةِ بِأَسْرِهَا. (1/386)
صفحة 387
2875
نواعـ
كَمْ صَلَّى فَإِنَّهُ يُتِمُّ وَيُعِيدُ. وَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَلَبِسَ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ حَتَّى لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى مِنْهَا، فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ"، قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ذَلِكَ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ خَلْفَ إِمَامِهِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ وَحْدَهُ فَلْيُعِدْ صَلَاتَهُ)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ فِي صِفَةِ سُجُودِ السَّهْوِ وَهُوَ أَنْ يَسْجُدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ الْفَرَاغَ مِنَ الصَّلاَةِ بَعْدَ التَّسْلِيم (3)، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَقُولُهُ فِي حَالِ السُّجُودِ، فَقِيلَ: يُسَبِّحُ كَتَسْبِيحِ السُّجُودِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ كَتَسْلِيمِ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ يَقُولُ: أَسْتَغْفِرُكَ اللهُمَّ مِمَّا كَانَ مِنِّي، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى.
(1) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ يَبْنِي فِيهَا الْمُصَلِّي عَلَى الْيَقِينِ، وَيُجْبِرُ شَكَهُ بِسَجْدَتَي السَّهْوِ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الإِعَادَةُ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا شَكٌّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَ وَلْيَيْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلَّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ صَلَاتَهُ - يَعْنِي أَنَّ السَّجْدَتَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الرَّكْعَةِ، وَصَارَتِ الصَّلَاةُ شَفْعًا - "وَإِنْ كَانَ صَلَّى تَمَامًا كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ" [رواه مسلم، باب السهو في الصلاة
والسجود له، ر 1300].
(2) [رواه الربيع، باب في السَّهْوَ فِي الصَّلاةِ، 246]. (3) نَعَمْ شَرَعَ اللَّهُ سُجُودَ السَّهْوِ لِجَبْرِ مَا يَقَعُ فِي الصَّلاةِ مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، عَنْ سَهْرٍ وَغَفْلَةٍ، وَلِتَرْغِيمِ الشَّيْطَانِ الَّذِي كَانَ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ السَّهْوِ، وَلَمْ يَشْرَعَهُ لِصَلاةٍ لَمْ يَقَعْ فِيهَا وَهُمْ، وَقَدِ اعْتَادَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عِنْدَنَا الْتِزَامَهُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ فِيهَا سَهْوٌ، فَتَرَى الْوَاحِدَ مِنْهُمْ يَنْزِلُ آلِيَّا إِلَى السُّجُودِ إِثْرَ التَسْلِيمِ مُبَاشَرَةً كَأَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ، وَالْعَجَبُ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَنْظُرُونَ إِلَى مَنْ لَمْ يَسْجُدْ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ لَهُ سَهْوٌ نَظَرَهُمْ إِلَى مَنْ أَخَلَّ بِوَاجِبٍ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ، وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّكَ تَجِدُ بَعْضَ الْغُلَاةِ مِنْ أَدْعِيَاءِ الْعِلْمِ يُنْكِرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ إِنْكَارَهُ عَلَى مَنْ أَخَلَّ بِوَاجِبٍ مَفْرُوضَ، مُعْتَقِدًا أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الدِّينِ وَالتَّمَسُّكِ بِسِيرَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ! وَلَوْ تَأَمَّلَ هَذَا الْمُتَنَطَّعُ قَلِيلاً لَوَجَدَ ذَلِكَ مِنَ الْغُلُو فِي الدِّينِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ الرَّسُولُ فِي قَوْلِهِ: "إِيَّاكُمْ وَالْعُلُو فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغَلُوُّ فِي الدِّينِ" [رواه النسائي: المجتبى، باب التقاط الحصى، 3057]. اهـ مُصححه. (1/387)
صفحة 388
سلام
وَوَجَدْتُ أَنَّ عُلَمَاءَ السَّلَفِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكِ وَعَطَاءٍ أَنَّهُ لا يَتَشَهَدُ فِي السَّهْوِ وَلاَ يُسَلِّمُ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَتَشَهَدُ وَيُسَلِّمُ، وَقَالَ قَوْمُ: يَتَشَهَدُ فَقَط دُونَ أَنْ يُسَلَّمَ، وَقِيلَ: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْإِثْيَانِ بِالتَّشَهُدِ وَتَرْكِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ فِي السَّهْوِ إِلا التَّسْلِيمُ دُونَ التَّشَهُدِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَالْمَعْمُولُ عِنْدَهُمْ، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَبَّرَ فِيهِمَا أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَأَنَّهُ سَلَّمَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(1)
وَأَمَّا مَنْ يُصَلِّي بِالإِيمَاءِ فَوَهْمُهُ بِالنَّوَى، وَإِنْ نَوَى الْقِيَامَ فِي مَوْضِعِ الْقُعُودِ، أَوِ الْقُعُودَ فِي مَوْضِعِ الْقِيَامِ فَلْيُوهِمْ بِالإِيمَاءِ، وَمَنْ وَهِمَ فِي وَهْمِهِ فَلَا وَهُمَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ الْوَهُمُ، وَمَنْ وَهِمَ فِي الصَّلاَةِ مِرَارًا فَيَكْفِيهِ سُجُودُ وَهُم وَاحِدٌ، وَمَنْ نَسِيَهُ فَلْيَسْجُدْ دُبُرَ صَلَاةٍ أُخْرَى، أَوْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَلْيُوهِمْ عَلَى أَثَرِهِمَا. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ مِن سُنَّةِ الْمُنْفَرِدِ وَالإِمَامِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَأْمُوم يَسْهُو وَرَاءَ الإِمَامِ، فَقِيلَ: يَحْمِلُهُ عَنْهُ الإِمَامُ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ السُّجُودُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَكْحُولٍ، وَبِهِ
أَصْحَابُنَا.
أَخَذَ
وَسَبَبُ الْخِلافِ: هَلْ يَحْمِلُهُ الإِمَامُ أَمْ لاَ؟ وَعِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ وَهْمَ الإِمَامِ لاَ يَلْحَقُ الْمَأْمُومَ إِلا إِنْ تَبِعَهُ، وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ وَإِنْ لَمْ يَتْبَعُهُ،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاخْتَلَفُوا مَتَى يَسْجُدُ الْمَأْمُومُ إِذَا فَاتَهُ مَعَ الإِمَامِ بَعْضُ الصَّلَاةِ وَعَلَى الْإِمَامِ سُجُودُ السَّهْوِ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: يَسْجُدُهُمَا مَعَ الإِمَامِ، ثُمَّ يَقُومُ لِيُصَلِّي مَا عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ سُجُودُهُ قَبْلَ السَّلام أَوْ بَعْدَهُ، رُوِيَ هَذَا عَنْ عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِي وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقَالَ قَوْمٌ: يَقْضِي ثُمَّ يَسْجُدُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ
(1) [ابن المنذر الأوسط، جماع أبواب السهو، ر 1665]. (1/388)
صفحة 389
سِيرِينَ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ قَوْمٌ: إِذَا سَجَدَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ سَجَدَ مَعَهُ، وَإِنْ سَجَدَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ أَخَّرَ السُّجُودَ حَتَّى يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَاللَّيْثِ وَالأَوْزَاعِي.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: أَيُّهُمَا أَحَقُّ أَنْ يَتْبَعَهُ، فِي السُّجُودِ مُصَاحِبًا لَهُ أَوْ فِي آخِرِ صَلاتِهِ؟ فَكَأَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الاتِّبَاعَ وَاجِبٌ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ... " الْحَدِيثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1)
وَالنَّوْعُ الثَّانِي فِي سُجُودِ التَّلَاوَةِ: وَتَنْحَصِرُ فُرُوعُهُ فِي خَمْسٍ مَسَائِلَ: إِحْدَاهَا فِي حُكْمِهِ: وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّهُ مَسْئُونٌ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةً وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: تَنَازُعُهُمْ فِي مَفْهُوم الأَوَامِرِ وَالْأَخْبَارِ الْخَارِجَةِ مَخْرَجَ الأوامر بالسُّجُودِ مِثل قَوْلِهِ: خَرُوا سُجَدَاوَنكَيًا، هَلْ هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى النَّدْبِ أَوْ عَلَى الْوُجُوبِ؟ فَالْجُمْهُورُ اتَّبَعُوا فِيهَا مَفْهُومَ الصَّحَابَةِ؛ لأَنَّهُمْ كَانُوا أَقْعَدَ فِي فَهْمِ الأَوَامِرِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلِمَا ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَرَأَ السَّجْدَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَنَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ قَرَأَهَا، فتَهَيَّةَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقَالَ: عَلَى رَسْلِكُمْ، إِنَّ اللهَ لَمْ يَكْتُبُهَا عَلَيْنَا إِلا أَنْ نَشَاءَ (3)، قَالَ هَذَا بِمَحْضَرِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يُنْقُلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خِلَافٌ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِتَفْسِيرِ
الشَّرْعِ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَحَمَلَ الْأَوَامِرَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ عَزَائِمِ سُجُودِ الْقُرْآنِ، فَرُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهَا إِحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةٌ، أَوَّلُهَا: خَاتِمَةُ الأَعْرَافِ، وَفِي الرَّعْدِ بِالْغُدُةِ
(1) [سبق تخريجه].
(2) مريم: 58.
(3) [رواه البيهقي، باب من لم ير وجوب سجدة التلاوة، ر 3574]. (1/389)
صفحة 390
قواعد الإسلام
وَالْآصَالِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ، وَفِي النَّحْلِ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، وَفِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا، وَفِي مَرْيَمَ خَرُوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا، وَفِي أَوَّلِ الْحَجِّ
إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَفِي الْفُرْقَانِ وَزَادَهُمْ نُفُورًا، وَفِي النَّمْلِ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وَفِي سَجْدَةِ ألم تَنزِيلَ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ، وَفِي صَ وَخَرَ رَاكِعًا وَأَنَابَ، وَفِي سُورَةِ فُصِّلَتْ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ. وَهَذَا هُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمُ اللهُ، إِلا فِي سُورَةِ فُصِّلَتْ، فَإِنَّ السُّجُودَ فِيهَا عِنْدَ قَوْلِهِ: وَهُمْ لَا يَسْتَمُونَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا
أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةٌ، ثَلَاثُ مِنْهَا فِي الْمُفَصَّل: فِي الانْشِقَاقِ، وَفِي النَّجْمِ، اقرأ باسم رَبِّكَ، وَلَمْ يَرَ فِي ص سَجْدَةٌ لأَنَّهَا عِنْدَهُ مِنْ بَابِ الشُّكْرِ، وَاحْتَـ النَّبِيِّ قَرَأَهَا ذَاتَ يَوْم عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ سَجَدَ فَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ آخَرُ فَرَأَهَا وَتَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقَالَ: إِنَّهَا تَوْبَةُ نَبِيِّ، وَلَكِنْ رَأَيْتُكُمْ تُشِيرُونَ إِلَى السُّجُودِ، فَنَزَلْتُ وَسَجَدْتُ (1)، فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةٌ، أَثْبَتُوا سَجْدَةً ثَانِيَةٌ فِي الْحَجِّ، وَسَجْدَةَ ص، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: أَنَّ بَعْضَهُمُ اعْتَمَدَ عَلَى الْعَمَلِ الْمُسْتَقِرٌّ عِنْدَهُ كَمَالِكِ وَأَصْحَابِهِ، وَبَعْضُهُمُ اعْتَمَدَ عَلَى السَّمَاعِ كَالشَّافِعِي وَأَصْحَابِهِ، وَبَعْضُهُمُ اعْتَمَدَ عَلَى الْقِيَاسِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، أَعْنِي أَنَّهُ قَاسَ السَّجَدَاتِ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا عَلَى الْمُجْتَمَع عَلَيْهَا، إِذْ كَانَ الْخِطَابُ الْوَارِدُ فِي جَمِيعِهِنَّ بَعْضُهُ بِالْأَمْرِ كَالَّتِي فِي النَّجْمِ وَفِي اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وَفِي آخِرِ الْحَجِّ، وَبَاقِيهِ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ، قَالُوا: فَوَجَدْنَا الْمُجْتَمَعَ عَلَيْهَا مِنْ سَجْدَةِ آخِرِ الأَعْرَافِ إِلَى السَّجْدَةِ فِي فُصِّلَتْ إِنَّمَا جَاءَ الأَمْرُ فِيهَا بِصِيغَةِ الْخَبَرِ، وَجَبَ أَنْ تُلْحَقَ بِهَا سَجْدَةُ ص وَسَجْدَةُ الانْشِقَاقِ، وَأَسْقَطَ
(1) [رواه أبو داود، باب السجود في (ص)، ر 1412]. (1/390)
صفحة 391
ـلام
الثَّلاثَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَاعْتَمَدَ سَمَاعَ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَجَدَ فِي الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي وَقْتِ سُجُودِهِ، وَهُوَ الْوَقْتُ الْمُبَاحُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ هَلْ يَسْجُدُ فِي الأَوْقَاتِ الْمَنْهِي عَنِ الصَّلاَةِ فِيهَا؟ فَمَنَعَهُ قَوْمٌ بِإِطْلَاقٍ، وَهُوَ الْمُسْتَقِرُّ بِهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَصْلِهِ فِي مَنْعِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ، وَاخْتَلَفَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكِ، وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ السُّنَنَ تُصَلَّى فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ مَا لَمْ تَدْنُ الشَّمْسُ مِنَ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ، وَوَجَدْتُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ سُجُودِهَا بَعْدَ الصُّبْحِ فَأَجَازَ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ عَلَى مَنْ يَتَوَجَّهُ حُكْمُهَا، وَقَدْ وَجَدْتُ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ عَلَى الْقَارِئِ لَهَا، فِي الصَّلاةِ كَانَ أَوْ غَيْرِهَا، إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَنَا أَجَازُوا سُجُودَهَا فِي النَّافِلَةِ وَمَنَعُوهُ فِي الْفَرِيضَةِ، وَأَجَازَهُ غَيْرُهُمْ فِي الْحَالَتَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاخْتَلَفُوا فِي السَّامِعِ، فَقِيلَ: عَلَيْهِ السُّجُودُ بِإِطْلَاقِ، وَقَالَ قَوْمٌ: يَسْجُدُ السَّامِعُ بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ جَلَسَ لِلاسْتِمَاع، والثاني: أَنْ يَكُونَ الْقَارِئُ لَهَا يَسْجُدُهَا، وَهُوَ أَيْضًا مِمَّنْ يَصِحُ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا لِلسَّامِعِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالْمُحْدِثِ يَسْمَعُهَا، فَقِيلَ: عَلَى هَؤُلاءِ السُّجُودُ إِذَا انْتَقَلُوا إِلَى حَالِ الطَّهَارَةِ، وَقِيلَ: لا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا قَارِئُ الْمُصْحَفِ وَقَارِئُ اللَّوْحِ عَلَى التَّكْرَارِ (1) وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا رَجَحَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّ سُجُودَ التَّلَاوَةِ لَيْسَ بِصَلَاةٍ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ طَهَارَةٍ وَغَيْرِهَا. قال ابن حزم: "وَالسُّجُودُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لَيْسَ رَكْعَةً، وَلَا رَكْعَتَيْنِ فَلَيْسَ صَلَاةٌ، وَإِذْ لَيْسَ هُوَ صَلاَةً فَهُوَ جَائِزٌ بِلاَ وُضُوءٍ، وَلِلْجُنُبِ وَلِلْحَائِضِ وَإِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ كَسَائِرِ الذِّكْرِ، وَلَا فَرْقَ، إِذْ لَا يَلْزَمُ الْوُضُوءُ إِلَّا لِلصَّلَاةِ فَقَطْ إِذْ لَمْ يَأْتِ بِإِيجَابِهِ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلا إِجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسُ. فإن قيل: إِنَّ السُّجُودَ مِنْ الصَّلاَةِ، وَبَعْضَ الصَّلَاةِ صَلَاةٌ، قلنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: هَذَا بَاطِلٌ؛ لأَنَّهُ لا يَكُونُ بَعْضُ الصَّلاَةِ صَلاة إلا إذَا تَمَّتْ كَمَا أُمِرَ بِهَا الْمُصَلِّي" [ابن
حزم المحلى، 1/ 80]. اهـ مُصححه. (1/391)
صفحة 392
قواع
أَنَّهُ يَسْجُدُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، ثُمَّ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ تَكَرَّرَتْ، وَقِيلَ: مَا دَامَ فِي مَوْضِعِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: وَاخْتَلَفُوا هَلْ مِنْ شُرُوطِهَا الطَّهَارَةُ وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ لَهَا؟ فَالأَكْثَرُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهَا، وَقَالَ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ حَتَّى يُشْتَرَطَ لَهَا ذَلِكَ، وَالْقَوْلُ الأَوَّلُ هُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالُوا فِي الاسْتِقْبَالِ: إِنَّهُ مُتَعَيِّنٌ عَلَى الَّذِي يَسْجُدُهَا بِالْقَوْمِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَيُسْتَحَبُّ فِي حَقِّه مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا صِفَتهُ فَإِنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ قَالُوا: إِذَا سَجَدَ الْقَارِئُ لَهَا كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ كَبَّرَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَنَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبَّنَا لَمَفْعُولًا) وَقِيلَ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، وَقِيلَ يَقُولُ: سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، ثُمَّ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ: رَبَّنَا لَكَ سَجَدْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، اللهُمَّ احْطُطْ بِهَا عَنِّي وِزْرًا، وَأَحْدِث لي بِهَا شُكْرًا، وَاكْتُبْ لِي بِهَا أَجْرًا، وَارْفَعْ لِي بِهَا ذِكْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَ مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ سَجْدَتَهُ، وَقِيلَ يَقُولُ: سَجَدْتُ بِوَجْهِي لِلْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ سُجُودِي إِلَّا لَهُ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: "اللهُمَّ اجْعَلْهَا كَفَّارَةً لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِي، وَزِيَادَةَ خَيْرٍ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِي، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَن لَمْ يَسْتَطِعِ السُّجُودَ لَهَا فَلْيُومِنْ إِيمَاءً، وَقِيلَ: إِنَّ مَنْ جَازَهَا وَلَمْ يَسْجُدْهَا قَبَّلَهُ الشَّيْطَانُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(1) الإسراء: 108. (1/392)
صفحة 393
lickajakickatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakataka
سند معتد
فصل
فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَتَرْتِيبِ أَئِمَّتِهَا
وَهَذَا الْفَضْلُ يَنْحَصِرُ فِي سَبْعَةِ أَقْسَامٍ.
الْقِسْمُ الأَوَّلُ
فِي حُكْمِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهَا، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ، أَوْ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهَا فَرْضٌ مُتَعَيِّنٌ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ، وَرُوِيَ هَذَا عَنِ الظَّاهِرِيَّةِ، وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إِلَى أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ)، وَبِالأَوَّلِ قَالَ فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ.
وَسَبَبُ التَّنَازُعِ: اخْتِلَافُ مَفْهُومِ الآثَارِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: "صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَنْ صَلاةِ الْفَةٌ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً ()، يُؤَدِّي إِلَى أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا، وَأَنَّهَا كَمَالٌ زَائِدٌ عَلَى صَلاةِ الْفَةٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَكْمَلُ مِنْ صَلاةِ الْمُنْفَرِدِ، وَقَوْلِهِ الابْنِ أُمَّ مَكْتُومٍ حِينَ قَالَ: إِنِّي ضَرِيرٌ شَاسِعُ الدَّارِ،
(1) [قد سبق القول أن بعض علمائنا يرون أن صلاة الجماعة فرض عين (انظر: المعتمد في فقه
الصلاة، ص
[275
(2) [رواه الربيع، باب في صلاة الجماعة والقضاء في الصلاة، ر 216، والبخاري، باب وجوب صلاة الجماعة، ر 619. وفي رواية: "بسبع وعشرين درجة، رواه الربيع نفسه، ر 215، والبخاري،
نفسه، ر 619]. (1/393)
صفحة 394
قواعد الإست ـلام
dadadadadla alakala eletalstalaisia
وَلَا قَائِدَ لِي، فَهَلْ لِي مِنْ رُحْصَةٍ أُصَلِّي فِي بَيْنِي؟ قَالَ: "هَلْ تَسْمَعُ النَّدَاءَ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَأَجِبْ، وَقِيلَ قَالَ لَهُ: "لا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةٌ (1)، وَهَذَا كَالنَّصِّ فِي وُجُوبِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ دَخَلَ عَلَى الإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ وَقَدْ صَلَّى وَحْدَهُ تِلْكَ الصَّلاةَ، فَقَالَ قَوْمٌ يُصَلِّي مَعَهُمْ كُلَّ الصَّلَوَاتِ إِلا الْمَغْرِبَ، رُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكِ وَأَصْحَابِهِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا إِلَّا الْمَغْرِبَ وَالْعَصْرَ، وَعَنِ الأَوْزَاعِيٌّ إِلا الْمَغْرِبَ وَالصُّبْحَ، وَقَالَ قَوْمٌ إِلَّا الْعَصْرَ وَالْفَجْرَ، وَعَنِ الشَّافِعِيُّ: يُعِيدُ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: حَدِيثُ النَّبِيِّ لا لِلرَّجُل الَّذِي لَمْ يُصَلِّ مَعَهُ: "مَا لَكَ لَمْ تُصَلِّ مَعَنَا؟ أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنِّي صَلَّيْتُ فِي أَهْلِي، فَقَالَ: "إِذَا جِئْتَ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ (2)، فَحَمَلَ الشَّافِعِيُّ هَذَا عَلَى عُمُومِهِ فَأَوْجَبَ إِعَادَةَ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا، وَاسْتَثْنَى مَالِكٌ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ بِقِيَاسِ شُبْهَةٍ، وَهُوَ زَعْمُ أَنَّ إِعَادَةَ الْمَغْرِبِ وَهُوَ وِتْرُ صَارَتْ شَفْعًا بِسِتٌ رَكَعَاتٍ مَعَ الَّتِي صَلاهَا، وَهَذَا قِيَاسُ ضَعِيفٌ؛ لأَنَّهُ فُصِلَ بَيْنَهُمَا بِالسَّلَامِ، وَقَالَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: إِنْ أَعَادَهَا كَانَ قَدْ أَوْتَرَهَا مَرَّتَيْنِ، وَقَدْ جَاءَ الأَثَرُ: لَا وِتْرَانِ فِي
لَيْلَةٍ، وَإِنْ أَعَادَ الْعَصْرَ كَانَتِ الثَّانِيَةُ نَفْلاً، وَقَدْ صَحَ النَّهْيُ عَنِ النَّفْلِ بَعْدَهَا. وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ فَلأَنَّهُ لَمْ تَخْتَلِفِ الْآثَارُ فِي النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَاخْتُلِفَ فِي الصَّلاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَأَمَّا مَنِ اسْتَثْنَى الصُّبْحَ
(1) [رواه أبو داود، باب في التشديد في ترك الجماعة، ر 552].
(2) [رواه الربيع، باب في صلاة الجماعة والقضاء في الصلاة، ر 219]. (3) [رواه أبو داود، باب في نقض الوتر، ر 1441]. (1/394)
صفحة 395
قواعد الإسلام
وَالْعَصْرَ فَلِلنَّهْيِ الثَّابِتِ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَهُمَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَبُو ثَوْرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتَلَفُوا فِيهِ أَيْضًا إِذَا صَلَّى مَعَ الْجَمَاعَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُعِيدُهَا جَمَاعَةٌ، لِمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "لا تُصَلَّى صَلاةٌ وَاحِدَةٌ مَرَّتَيْنِ (1)، وَقَالَ آخَرُونَ: يُصَلِّيهَا، لِحَدِيثِ مُعَاذٍ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ، ثُمَّ يَؤُمُّ قَوْمَهُ بِتِلْكَ
الصَّلاةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي
فِيمَنْ أَوْلَى بِالإِمَامَةِ الْفَقِيهُ أَوِ الْقَارِئُ
فَرُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْفَقِيهَ أَوْلَى، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكِ، وَقِيلَ: الْقَارِئُ أَوْلَى، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: قَوْلُهُ: يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ .. " الْحَدِيثِ (3)، فَمَنْ فَهِمَ مِنَ الأَقْرَأْ أَنَّهُ الأفْقَهُ، قَالَ الْفَقِيهُ أَوْلَى وَلأَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى الْفِقْهِ مَاسَّةٌ فِي الإِمَامَةِ أَمَسَّ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى الْقِرَاءَةِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الأَقْرَأَ مِنَ الصَّحَابَةِ هُوَ الْأَفْقَهُ
(1) [رواه أبو داود، باب إذا صلى ثم أدرك جماعة أيعيد، ر 579، والطبراني: المعجم الكبير، ر 13270]. (2) [رواه مسلم، باب القراءة في العشاء، ر 1070]. (3) وَتَمَامُهُ: "فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءَ فَأَعْلَمُهُمُ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءٌ فَأَسْبَقُهُمْ هِجْرَةٌ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهَجْرَةِ سَوَاءٌ فَأَكْبَرُهُمْ سِنًا، وَلاَ يَؤُمَنَّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يُفْعَدُ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلا بِإِذْنِهِ" [رواه الربيع، باب في الإمامة والخلافة في الصلاة، ر 209، ومسلم، باب من أحق
بالإمامة، ر 1564]. (1/395)
صفحة 396
قواعد الإسـ
مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ النَّاسُ الْيَوْمَ، وَأَمَّا أَبو حَنِيفَةَ فَحَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ،
فَأَوْجَبَ إِمَامَةَ الْقَارِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِي إِمَامَةِ الْفَاسِقِ، فَرَدَّهَا قَوْمٌ بِإِطْلَاقِ، وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ الْفَاسِقِ الْمُتَأَوَّلِ وَغَيْرِهِ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: أَنَّهَا مَسْأَلَةٌ مَسْكُوتٌ عَنْهَا فِي الشَّرْعِ، وَالْقِيَاسُ لَهَا مُعَارِضُ، فَمَنْ حَمَلَ عُمُومَ قَوْلِهِ: صَلُّوا خَلْفَ كُلَّ بَارٌ وَفَاجِرٍ (2)، وَقَوْلِهِ: يَؤُمُ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ (3)، أَجَازَ الصَّلاةَ خَلْفَهُ بِإِطْلَاقِ، وَمَنْ قَاسَ الصَّلَاةَ عَلَى
الشَّهَادَةِ فَاتَّهَمَهُ فِي فَسَادِ الصَّلَاةِ كَمَا اتَّهَمَهُ فِي فَسَادِ الشَّهَادَةِ، رَدَّهَا بِإِطْلَاقٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي إِمَامَةِ الصَّبِيِّ، فَأَجَازَهَا قَوْم ()، وَمَنْعِهَا قَوْمٌ، وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ فَأَجَازَهَا فِي النَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي إِمَامَةِ الأَعْمَى، فَأَجَازَهَا قَوْمُ (6) وَمَنَعَ مِنْهَا قَوْمٌ آخَرُونَ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ. (1) وَهُوَ الأَظْهَرُ؛ لأنَّ الْمُرَادَ بِالأَقْرَأ الأَكْثَرُ حِفْظًا، لِحَدِيثِ عَمْرِو بْن سَلَمَةَ، وَفِيهِ: لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا" [رواه البخاري، باب من شهد الفتح، ر 4051]. (2) [رواه الربيع، كتاب الصلاة ووجوبها، باب في الإمامة والخلافة في الصلاة، ر 208] بلفظ: " الصَّلاةُ جَائِزَةٌ خَلْفَ كُلِّ بَارُ وَفَاجِرٍ مَا لَمْ يَفْعَلُ فِيهَا مَا يُفْسِدُهَا".
(3) تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
(4) وَهُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ الصَّدْرُ الأَوَّلُ، يَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا جَاءَ فِي مُسْنَدِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "سَيَكُونُ مِنْ بَعْدِي أَمَرَاءُ تَشْغَلُهُمْ أَشْيَاءُ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى يُؤَخِّرُوهَا عَنْ وَقْتِهَا، فَصَلُّوا لِوَقْتِهَا، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ أَدْرَكْتُهُمْ أَصَلِّي مَعَهُمْ؟ قَالَ: "نَعَمْ، إِنْ شِئْتَ" [رواه الربيع، باب في الإمامة والخلافة في الصلاة، ر 214]. (5) لِمَا ثَبَتَ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ أَنَّهُ صَلَّى بِقَوْمِهِ وَلَهُ سِتٌ أَوْ سَبْعُ سِنِينَ. [رواه البخاري، باب من شهد
الفتح، ر 4051]
(1) لاسْتِخْلافِ الرَّسُولِ ابْنَ أُمَّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ يُصَلِّي بِهِمْ وَهُوَ أَعْمَى. [رواه أبو داود، باب في الضرير يُولّى، ر 2933]. (1/396)
صفحة 397
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا تَجُوزُ الصَّلاَةُ خَلْفَ مَنْ عَلِمْتَهُ يَقْنُتُ فِي الصَّلَاةِ؛ لأَنَّهَا مِنْ كَلامَ الآدَمِيِّينَ، قَالُوا: وَمَنْ صَلَّى خَلْفَهُ وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِهِ فَلَا بَأْسَ بِصَلَاتِهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا الصَّلَاةُ خَلْفَ مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ كَالصَّلَاةِ وَحْدَهُ.
وَاخْتُلِفَ فِي إِمَامَةِ الْعَبْدِ أَيْضًا، فَأَجَازَهَا قَوْمٌ فِي الصَّلَاةِ، وَمَنَعَهَا آخَرُونَ. وَاخْتُلِفَ فِي إِمَامَةِ الْمَرْأَةِ، فَعَامَّةُ فُقَهَائِنَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا إِمَامَةَ لَهَا فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ لِلرِّجَالِ وَلا لِلنِّسَاءِ؛ لأنَّ النَّبِي جَعَلَ مَقَامَهُنَّ فِي الصَّفٌ الأَخِيرِ، فَلا يَجُوزُ لَهَا التَّقْدِيمُ، وَاخْتَلَفُوا فِي إِمَامَتِهَا بِالنِّسَاءِ، فَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ
أَنَّهُ أَجَازَهَا إِذَا كُنَّ مُتَسَاوِيَاتٍ فِي الْمَرْتَبَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَاحْتَجُوا بِأَنَّ النَّبِيَّ جَعَلَ لِلْمَرْأَةِ مُؤَذِّنا (1) يُؤَذِّنُ لَهَا، وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَ أَهْلَ بَيْتِهَا وَدَارِهَا، وَالْمَشْهُورُ فِي الأثرِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ كَانَتْ تَؤُمُّ النِّسَاءَ فِي النَّافِلَةِ، وَتَكُونُ وَسْطَهُنَّ (2)، وَاللهُ أَعْلَمُ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ
في مَقَامِ الْمَأْمُومِ مِنَ الإمام
(2)
وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ سُنَّةَ الْوَاحِدِ الْمُنْفَرِدِ مِنَ الرِّجَالِ أَنْ يَقُومَ عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ، لِثْبُوتِ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاس (3) وَغَيْرِهِ، وَأَنَّهُمْ إِنْ كَانُوا ثَلَاثًا سِوَى الإِمَامِ قَامُوا وَرَاءَهُ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا كَانَا اثْنَيْنِ سِوَى الإِمَامِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ
(1) [كما جعل النبي صلى الله عليه وسلم لأم ورقة مؤذنا، روي عن أم ورقة الأنصاري: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: انطلقوا بنا إلى الشهيدة فنزورها - يعني أم ورقة – وأمر أن يُؤذِّن
لها ويُقام وتؤم أهل دارها في الفرائض " [رواه البيهقي، باب إثبات إمامة المرأة، ر 5137]. (2) [رواه ابن أبي شيبة، المرأة تؤم النساء، (4952، 4953] (3) عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "بِتُ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقَامَ النَّبِيُّ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ أَصَلِّي معَهُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِرَأْسِي فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ". [رواه البخاري، باب إذا قام الرجل عن
يسار الإمام، (666]. (1/397)
صفحة 398
لام
398
أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُمَا يَقُومَانِ خَلْفَ الإِمَامِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَى أَنَّ الإِمَامَ يَقُومُ بَيْنَهُمَا، وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ الأَوَّلُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي وَعَنْ يَمِينِهِ رَجُلٌ يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِمَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ فَقَامَ عَنْ شِمَالِ النَّبِيِّ، فَأَدَارَهُمَا إِلَى خَلْفِهِ (1).
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الثَّانِي بِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ صَلَّى بِعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ (2) فَقَامَ فِي وَسَطِهِمَا، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَسُنَّتهَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ تَقِفَ خَلْفَ الإِمَامِ وَخَلَفَ صَفٌ الرِّجَالِ إِنْ كَانُوا هُنَاكَ، لِحَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ فِي حَدِيثِهِ الْمَشْهُورِ:
فَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَ النَّبِيِّ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَاءِنَا (3)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) [رواه البيهقي، باب المأموم يخالف السنة في الموقف فيقف عن يسار الإمام فلا تفسد صلاته،
ر 4953].
(2) عَلْقَمَةُ: هُوَ ابْنُ قَيْسٍ، وَيُكَنَّى أَبَا الشَّبْلِ، وَهُوَ مِنَ النَّخَعِ رَهْطِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ. وَالْأَسْوَدُ: هُوَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ قَيْسِ ابْنُ أَخِي عَلْقَمَةَ، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كِلَاهُمَا صَاحَبَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، وَكَانَ ابنه عبدُ الرَّحمنِ بنُ الأَسْوَدِ مِنَ الخِيَارِ، وكان يقولُ فِي تَلْبِيتِهِ: لَبَّيْكَ أَنَا الحَاجُ بنُ الحاج، وَكَانَ أَبُوهُ حَجٌ ثَمَانِينَ بَيْنَ حَجَةٍ وَعُمْرَةٍ. قَالَ الشَّعْبِيُّ فِي حَقِّهِمَا: كَانَ الْأَسْوَدُ قَوَّامًا صَوَّامًا، وَكَانَ عَلْقَمَةُ مَعَ الْبَطِيءِ وَهُوَ يَسْبِقُ السَّرِيعَ مَاتَ عَلْقَمَةٌ سَنَةً 62 هَ وَالْأَسْوَدُ سَنَةَ 73 هـ وَقِيلَ: 75 هـ. اهـ
(3) [رواه الربيع، باب الإمامة في النوافل، ر 202، بلفظ: "عن أنس بن مالك قَالَ: كَانَتْ جَدَّتِي مُلَيْكَةُ صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَعَامًا، فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ: "قُومُوا لأُصَلِّي بِكُمْ". قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَتَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ، فَصَفَفْتُ أَنا وَالشَّيْخُ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ وَرَاءَنَا فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ". (1/398)
صفحة 399
القِسْمُ الرَّابِعُ
فِي تَرْتِيبِ الإِمَامِ وَصِفَتِهِ
وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى تَقْدِيمِ الأَفْضَلِ فِي الصَّلَاةِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ: "مَنْ
جَمَعَ الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ كَانَ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ
(1) m
وَالشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الإِمَامَةِ الَّتِي لا تَنَازُعَ فِيهَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي صِحَّةِ صَلاةِ مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ هِيَ: الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ، وَالإِسْلامُ، وَالذُّكُورِيَّةُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْعَدَالَةُ، وَالْعِلْمُ بِمَا لاَ تَصِحُ الصَّلاَةُ إِلا بِهِ قِرَاءَةٌ وَفِقْهَا، وَسَلَامَةُ الْأَعْضَاءِ الَّتِي يَكُونُ فَقْدُهَا قَادِحًا فِي الصَّلَاةِ.
وَقَدْ جَمَعْنَا فِيمَا عَدَدْنَا هَهُنَا بَيْنَ شُرُوطِ الصَّحَّةِ وَشُرُوطِ كَمَالِ الْفَضِيلَةِ، وَنَحْنُ نَشْرَعُ فِي تَمْيِيزِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
أَمَّا الْبُلُوغُ: فَشَرْطُ فِي صِحَّةِ الْفَرِيضَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ الْأَعْظَمِ، فَلَا تَجُوزُ إِمَامَةُ الصَّبِيِّ فِي الْفَرِيضَةِ، وَإِنْ كَانَ أَثْبَتَ لَهُ الْحَجَّ، فَإِنَّ ذَلِكَ تَفَضُّلْ عَلَيْهِ لَا اسْتِحْقَاقُ، وَقَالَ آخَرُونَ: تَجُوزُ إِمَامَتُهُ فِي النَّفْلِ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ هَلْ يَؤُمُّ أَحَدٌ فِي صَلَاةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ وُجُوبُ تِلْكَ الصَّلَاةِ؟ وَذَلِكَ لَاخْتِلَافِ نِيَّةِ الإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ".
وَأَمَّا الْعَقْلُ: فَشَرْطُ فِي صِحَّةِ الصَّلاةِ؛ لأَنَّهُ لَا تَجُوزُ إِمَامَةُ الْمَجْنُونِ وَمَنْ كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ جَمِيعِ مَنْ غَابَ عَقْلُهُ بِإِغْمَاءٍ، أَوْ سُكْرٍ، أَوْ عَتَهِ، أَوْ مَرَضِ بِرِسَامٍ
(1) لِقَوْلِهِ: "يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءٌ فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءٌ فَأَقْدَمُهُمْ فِي الهِجْرَةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَكْبَرُهُم سِنا". [سبق تخريجه]. (2) وَتَقَدَّمَ جَوَازُ إِمَامَةِ الصَّبِيُّ إِذَا كَانَ مُمَيِّزًا، وَجَوَازُ اخْتِلَافِ نِيَّةِ الإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ لِلأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلإِمَامَةِ مُعَاذٍ بِقَوْمِهِ. (1/399)
صفحة 400
قواعد الإسلام
أَوْ غَيْرِهِ، لاسْتِوَاءِ الْجُنُونِ وَالطُّفُولِيَّةِ فِي رَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُمَا، لِعَدَمِ صِحَّةِ الْعَقْلِ
مِنْهُمَا، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(1)
وَأَمَّا الإسلامُ: فَشَرْطُ صِحَةٍ أَيْضًا، وَلا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ الْأُمَّةِ، وَذَكَرَ ابْنُ بَرَكَةَ فِي كِتَابِهِ) له أَنَّ رَجُلاً أَمَّ أُنَاسًا فِي سَفَرٍ سَنَةٌ كَامِلَةً، ثُمَّ خَرَجَ مُشْرِكًا، فَأَلْزَمَهُمُ الْفُقَهَاءُ إِعَادَةَ الصَّلَاةِ.
وَكَذَلِكَ الْخِتَانُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ؛ لأَنَّهُ لا تَجُوزُ عِنْدَهُمْ
إمَامَةُ الأَقْلَفِ الْبَالِغِ وَلَا صَلَاتُهُ فِي الأَيَّامِ الَّتِي لَا يُعْذَرُ فِيهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الذُكُورِيَّةُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهَا، وَأَنَّهَا لَا تَجُوزُ إِمَامَةُ الْمَرْأَةِ لِلنُّقْصَانِ اللاحِقِ بِهَا قِيَاسًا عَلَى الإِمَامَةِ الْعُظْمَى، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ: فَفِيهَا خِلافٌ قِيلَ: هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ، فَلَا تَجُوزُ إِمَامَةُ الْعَبْدِ لِنُقْصَانِهِ بِالرِّقِّ، وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ إِمَامَتَهُ فِي الصَّلَاةِ دُونَ الأَحْكَامِ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ. وَالْعَدَالَةُ: اضْطَرَبَتْ فِيهَا أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ مَعَ اتَّفَاقِهِمْ عَلَى كَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ يَلُوذُ بِالْحَرَامِ مِنْ فَرْجِ أَوْ مَالٍ أَوْ شَرَابِ خَمْرٍ، وَأَجَازَ بَعْضُهُمُ الصَّلاةَ خَلْفَ أَهْلِ الأَهْوَاءِ مَا لَمْ يُدْخِلُوا فِيهَا مَا يُفْسِدُهَا؛ لأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنَ الإِمَامِ صِحَّةُ
الصَّلاةِ.
وَلَمْ يُجِزْ أَصْحَابُنَا الصَّلاَةَ خَلْفَ مَنْ يَقْنُتُ فِيهَا أَوْ يَقُولُ: وَلَا الضَّالِّينَ آمِينَ؛ لأَنَّهَا مِنْ كَلامِ الآدَمِيِّينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
(1) [جامع ابن بركة، 473/ 1].
(2) جُمْهُورُ عُلَمَائِنَا عَلَى أَنَّ الْقُنُوتَ قَدْ كَانَ سُنَةٌ، ثُمَّ نُسِخَ لِحَدِيثِ أَنَسِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءَ مِنَ الْعَرَبِ ثُمَّ تَرَكُهُ" [مسند الربيع، الزيادات، (1/400)
صفحة 401
elatedatalauslauadatakatakasalasalatakatakatalishtala ...
وَأَمَّا الْعِلْمُ بِمَا لَا تَصِحُ الصَّلَاةُ إِلَّا بِهِ قِرَاءَةٌ وَفِقْهَا: فَهُوَ مِنْ شُرُوطِ الصَّحَّةِ؛ لأَنَّ الإِمَامَ إِذَا أَخَلَّ بِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاةِ عَنْ عَمْدٍ أَوْ سَهْرٍ فَقَدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةٌ مَنْ خَلْفَهُ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَكَذَلِكَ الْقِرَاءَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الإِمَامَةِ؛ لأَنَّ الأُمِّيَّ الَّذِي لاَ يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ لَا تَصِحُ إِمَامَتُهُ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى النُّطْقِ بِالْحُرُوفِ مِنْ مَخَارِجِهَا عَلَى الصِّحَّةِ لِسَبَبِ الْجَهْلِ، دُونَ حُلُولِ الْآفَةِ فِي لِسَانِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْأَلْكَنُ فَتَجُوزُ إِمَامَتُهُ لِلسَّالِمِ مِنَ اللُّكْنَةِ إِذَا كَانَ يُقِيمُ الْحُرُوفَ إِقَامَةٌ تُجْزِئُ فِي الصَّلَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا اللَّحَانُ فَإِذَا كَانَ لَحْنُهُ لا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى فَقَدْ تَصِحُ صَلَاتُهُ، إِذَا كَانَ بِغَيْرِ تَعَمُّدٍ مِنْهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ لَحْنُهُ يُغَيَّرُ الْمَعْنَى كَعَجْمِ الدَّالَّ مِنْ قَوْلِهِ: قَدَّرَ فهدى (1)، أَوِ التَّاءِ مِنْ قَوْلِهِ: وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ، أَوْ يُبْدِلُ آيَةَ رَحْمَةٍ
(1)
(2)
(909]، فَمَنْ قَنَتَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةٌ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يَقْنُتُ، إِلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ غَيْرُ مُرْتَبِطَةٍ بِصَلَاةِ الإِمَامِ. أَمَّا زِيَادَةُ "آمِينَ" بَعْدَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَلَمْ تَثَبُتْ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَإِنْ تَبَتَتْ عِنْدَ غَيْرِنَا مِنْ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ، لِذَلِكَ نَجِدُ جُمْهُورَنَا يَحْكُمُونَ بِفَسَادِ صَلاَةِ الْفَذْ إِذَا زَادَهَا، وَبِفَسَادِ صَلَاةِ مَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَزِيدُهَا، وَهُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، بَيْدَ أَنَّ هُنَاكَ مِنْ عُلَمَائِنَا مَنْ يَحْكُمُ بِصِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَقُولُهَا كَمَا هُوَ مُخْتَارُ الشَّيْخِ خَمِيسِ الْعُمَانِيِّ صَاحِبِ مَنْهَجِ الطَّالِبِينَ [353/ 4] وَهُنَاكَ مَسَائِلُ فِي الصَّلَاةِ غَيْرُ الْقُنُوتِ وَزِيَادَةِ آمِينَ كَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ، وَالإِشَارَةِ بِالسَّبَّابَةِ، وَالتَّوَرُّكِ عَلَى الْيَسَارِ، وَوَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى السُّرَّةِ، لَمْ تَثْبُتَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَثَبَتَتْ عِنْدَ غَيْرِهِمْ. قَالَ الشَّيْخُ خَمِيسٌ فِي حَقَّهَا أَيْضًا: "لا بَأْسَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَغَيْرُنَا يَرَاهُ سُنَّةٌ". اهـ. وَقَالَ الشَّيْخُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدِ الْعبرِيُّ: "إِنَّ مَا يَفْعَلُهُ غَيْرُنَا فِي الصَّلاةِ لَمْ يَفْعُلُوهُ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ جَهْلاً أَوْ لِمُجَرَّدِ هَوًى أَوْ عَمَلَا لِلْبِدْعَةِ، وَلَكِنَّهُمْ فَعَلُوهُ عَمَلاً بالسُّنَّةِ الَّتِي بَلَغَتْهُمْ، وَصَحتْ عِنْدَهُمْ، وَتَنَاقَلُوهَا خَلَفًا بَعْدَ سَلَفٍ، وَإِنَّ أَصْحَاتِنَا لَمْ يَنْفِقُوا عَلَى أَنَّهَا مِمَّا يُفْسِدُ الصَّلاةَ، وَإِنَّهُمْ لَمْ يَتَّفِقُوا
عَلَى مَنع الصَّلاةِ خَلْفَهُمْ، بَل الأَصَحُ الَّذِي عَلَيْهِ سَلَفْنَا جَوَازُهَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ". اهـ مُصَححه.
(1) الأعلى: 3.
(2) الحج: 34. (1/401)
صفحة 402
قواعد الإس
بِآيَةِ عَذَابٍ، أَوْ آيَةَ عَذَابٍ بِآيَةِ رَحْمَةٍ، فَإِنَّ هَذَا لَا تَصِحُ إِمَامَتُهُ وَلَا صَلَاتُهُ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ مِنْ قِبَلِ اللَّسَانِ فَلاَ بَأْسَ بِصَلَاتِهِ وَإِمَامَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ بِلالا الله كَانَ يَقُولُ: أَسْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ بِالسِّينِ، فَيَقُولُ النَّبِيُّ: "سِينُ بِلالٍ هُوَ الشَّينُ () ()
(1) 119
أَمَّا نُقْصَانُ الْخَلِيقَةِ وَسَلامَةِ الأَعْضَاءِ الَّتِي يَكُونُ فَقْدُهَا قَادِحًا فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ عَلَى وُجُوهِ:
أحدها: نُقْصَانُ الْعُضْوِ الَّذِي لاَ يُقَرِّبُ بِهِ الإِنْسَانُ مِنَ الأُنْثَوِيَّةِ، كَالْعَمَى
وَشَبَهِهِ مِنَ الصَّمَمِ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي إِمَامَةِ الْأَعْمَى. الثَّانِي: نُقصَانُ يُقَرِّبُ مِنَ الأُنْوَثِيَّةِ، كَالْخِصَاءِ وَالْعَنَّةِ وَشَبَهَهَا، فَتُكْرَهُ إِمَامَةٌ
الْخَصِي وَالْعنِّينِ وَالْمَحْبُوبِ وَالْمُسْتَأْصَل، إِلا لِمَنْ كَانَ مِثْلَهُمْ.
وَالثَّالِثُ: النُّقْصَانُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ فَرْضُ الصَّلَاةِ، كَالْمَرِيضِ الْعَاجِزِ عَنِ الْقِيَامِ وَالْمُقْعَدِ وَأَشْبَاهِهِمَا، فَلاَ تَجُوزُ إِمَامَةُ هَؤُلَاءِ لِلْقَادِرِينَ عَلَى الْقِيَامِ، وَقَدْ أَجَازَ أَصْحَابُنَا إِمَامَةَ الْقَاعِدِ إِذَا كَانَ إِمَامًا عَادِلاً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعُ: التَّقْصَانُ الْمُتَعَلِّقُ بِالأَعْضَاءِ الْمُوَجَّهَةِ لِلسُّجُودِ، كَقَطْعِ الْيَدِ أَوْ شَلَلِهَا، فَلا يَؤُمُّ الأَقْطَعُ وَلَا الأَشلُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ فِي الْأَرْضِ؛ لأَنَّهُ وَإِنْ بَلَغَ نِهَايَةَ طَاقَتِهِ فِي فِعْلِ لاَ يَتَحَمَّلُهُ عَنِ الْمَأْمُوم فَإِنَّهُ مُنْتَقِصُ عَنْ دَرَجَةِ الْكَمَالِ،
وَكَذَلِكَ الْمُقَطَّرُ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَؤُمَّ الأَصِحَاءَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا شُرُوطُ الْفَضِيلَةِ: فَلَا يُؤَثِّرُ إِخْلالُهَا فِي نُقْصَانِ الصَّلَاةِ، كَإِمَامَةِ الْمُتَيَمِّمِ بِالْمُتَوَفِّيِ، وَالْبَادِي بِالْحَاضِرِ، وَالْمُسَافِرِ بِالْمُقِيمِ، مِنْ أَجْلٍ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي الْهَيْئَةِ (1) [ذكره العجلوني: كشف الخفاء، ر 1520، 464/ 1، وقال: قال ابن كثير ليس له أصل، ولا يصح "]. (1/402)
صفحة 403
وَاللُّبَاسِ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ، وَكَذَلِكَ مَنِ انْفَرَدَ بِالْعِلْمِ وَالْوَرَعِ فَهُوَ أَوْلَى مِمَّنْ دُونَهُ؛ إِذْ بِهِمَا يَحْسُنُ الأَدَاءُ وَتَحْصُلُ الشَّفَاعَةُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ: إِنْ سَرَّكُمْ أَنْ تَزْكُوَ
صَلَاتُكُمْ فَقَدِّمُوا خِيَارَكُمْ، فَإِنَّهُمْ وَفَدُكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ (1).
وَهِيَ عَشْرُ:
الْقِسْمُ الْخَامِسُ
فِي الْوَطَائِفِ الْمُشْتَرَطَةِ عَلَى الإِمَامِ
إِحْدَاهَا: مُرَاعَاةُ الْوَقْتِ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: "إِنَّ أَحَبَّ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ يُرَاعُونَ الشَّمْسَ وَالأَظلَّة (2).
الثَّانِيَةُ: الصَّلاةُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَأَوْسَطُهُ رَحْمَةُ اللهِ، وَآخِرُهُ عَفْرُ اللهِ (3)، إِلَّا مَا اسْتُحِبَّ لَهُ مِنْ تَأْخِيرِ
الظُّهْرِ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ حَتَّى يَبْرُدَ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَجْعَلَ مَنْ يُرَاعِي الصُّفُوفَ وَيُسَوِّيهَا، لِتُبُوتِ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ
، فَلا يُكَبِّرُ حَتَّى تُسَوَّى.
الرَّابِعَةُ: أَنْ يُرْسِلَ نِيَّتَهُ إِرْسَالَا لِكُلِّ مَنْ يُصَلِّي بِإِمَامَتِهِ، وَيَعْقِدَ نِيَّتَهُ وَيَقُولَ: "اللهُمَّ إِنَّ نِيَّتِي وَاعْتِقَادِي أَنْ أُصَلِّي هَذِهِ الصَّلاَةَ الْحَاضِرَةَ وَبِكُلِّ مَنْ لَهُ صَلَاةٌ
(1) [رواه الربيع، ببعض معناه منقطعا باب الحجة على من لا يرى الصلاة على موتى أهل القبلة، ر 781، والطبراني في الكبير، ببعض معناه، ر 777].
(2) [رواه البيهقي، باب مراعاة أدلة المواقيت، ر 1656] [روي هذا الحديث من طريق ابن أبي أوفى، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، لا مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ كَمَا سَاقَهُ الْمُؤَلِّفُ].
(3) [رواه البيهقي، باب الترغيب في التعجيل بالصلوات في أوائل الأوقات، ر 1892]. (1/403)
صفحة 404
bunkialajala akatakatakataladadadadadadada ak?dadadadadadadau
وَبِجَمِيعِ مَنْ يُصَلِّي وَرَاءِي هَذِهِ الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْمَعْلُومِ، كَمَا
قَدَّمْنَا فِي اعْتِقَادِ الْمُنْفَرِدِ قَبْلَ هَذَا.
الْخَامِسَةُ: أَنْ يُجْزِمَ التَّكْبِيرَ وَالتَّسْلِيمَ جَزْمًا، وَلاَ يَمُدَّ بِهِمَا صَوْتَهُ لِئَلَّا يُسَابِقَهُ بِهِمَا
مَنْ وَرَاءَهُ.
السَّادِسَةُ: أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ كُلِّهِ، وَبِسَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لِيَقْتَدِيَ بِهِ مَنْ
وَرَاءَهُ.
السَّابِعَةُ: أَنْ يُخْلِصَ نِيَّتَهُ لِلْمَأْمُومِينَ فِي حِفْظِ صَلاتِهِ، وَمُرَاعَاةِ حُدُودِهَا الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَالاجْتِهَادِ فِي الدُّعَاءِ إِلَيْهِمْ جَمِيعًا.
النَّامِنَةُ: أَنْ يَقْتَصدَ فِي صَلَاتِهِ وَلا يُطَوِّلَهَا عَلَيْهِمْ، وَيُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ أَضْعَفِهِمْ. التَّاسِعَةُ: أَنْ يَتَنَحَّى عَنْ مَكَانِهِ إِذَا صَلَّى وَلاَ يَمْكُثَ فِي مُصَلاهُ إِذَا كَانَ فِي
مَسْجِدٍ.
الْعَاشِرَةُ: أَنْ يَجْعَلَ وَرَاءَهُ أَفْضَلَ الْقَوْمِ، لِقَوْلِ النَّبِي: "ليليني الإخْلاصِ وَالْفَضْل (1)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَهْلُ
(1) [رواه الربيع، باب الحجة على من لا يرى الصلاة على موتى أهل القبلة ... ، ر 783، بلفظ: "البليني في الصف الأَوَّلِ أُولُو النُّهَى مِنْكُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ". (1/404)
صفحة 405
وَيَنْحَصِرُ فِي أَرْبَعَةِ شُرُوطٍ:
الْقِسْمُ السَّادِسُ فِي شُرُوطِ الْقُدْوَةِ
أحدها: النيَّةُ لِلاقْتِدَاءِ بِالإِمَامِ، فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ مُقِيمًا فَلْيَنْوِ أَدَاءَ فَرْضِهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ مُسَافِرًا فَلْيَنْوِ أَنْ يُصَلِّي بِصَلَاةِ الإِمَامِ، وَلْيَقُلْ: صَلَاتِي صَلاةُ الإِمَامِ، مُقِيمًا كَانَ الْإِمَامُ أَوْ مُسَافِرًا، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فَوَافَقَ، فَفِيهِ خِلافٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثاني: أَنْ لَا يُنْزِلَ الْمَأْمُومُ جِنْسَ صَلَاةِ الإِمَامِ عَنْ جِنْسِ صَلَاتِهِ، كَمُتَنَفِّلٍ يَؤُمُ مُفْتَرِضًا.
الثَّالِثُ: اتِّحَادُ الْفَرْضِ الْمُؤْتَمِّ فِيهِ، فَلا يُصَلِّي الظُّهْرَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الصُّبْحَ أَوْ
غَيْرَهُ
الرَّابِعُ: الْمُتَابَعَةُ وَالْمُسَاوَقَةُ دُونَ الْمُسَاوَاةِ وَالْمُسَابَقَةِ، وَهَذَا فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَأَقْوَالِهَا الْمُخْتَصَّةِ بِالْجَهْرِ، كَالإِحْرَامِ، وَالْجَهْرِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَالتَّسْلِيمِ، وَأَشْبَاءِ ذَلِكَ، وَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الإِمَامِ أَعَادَ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَإِلا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بلا خلافٍ، وَكَذَلِكَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَالتَّسْلِيمُ إِنْ سَبَقَ بِهَا الإِمَامَ مُتَعَمِّدًا، وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا رَجَعَ إِلَى الْحَدُ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، وَإِنْ سَاوَى إِمَامَهُ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ فَصَلَاتُهُ غَيْرُ مُضَاعَفَةِ
الثَّوَابِ. وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمَأْمُومِ أَنْ يَتْبَعَ الإِمَامَ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، إِلَّا فِي قَوْلِ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَذَهَبَ بَعْضَ إِلَى أَنَّ الإِمَامَ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ (1/405)
صفحة 406
واعد الإسلام
حَمِدَهُ، وَيَقُولُ الْمَأْمُومُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ، إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ (1)، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الإِمَامَ وَالْمَأْمُومَ يَقُولاَنِ جَمِيعًا: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْقِسْمُ السَّابِعُ فِيمَا يَحْمِلُهُ الإِمَامُ عَنِ الْمَأْمُومِ
وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الإِمَامَ لَا يَحْمِلُ عَنِ الْمَأْمُومِ شَيْئًا مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ مَا خَلاَ الْقِرَاءَةَ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهَا، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الإِمَامَ يَحْمِلُهَا، لِقَوْلِ النَّبِي: "مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَحْمِلُ عَنْهُ شَيْئًا مِنَ الْقِرَاءَةِ إِلَّا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ (3)، لِقَوْلِهِ: "لا تَفْعَلُوا إِلا بِأَمْ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (4)
مَسْأَلَة [في صلاة الاستخلاف]: وَإِذَا أَحْدَثَ الإِمَامُ بِقَيْءٍ أَوْ رُعَافٍ خَدشٍ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُتِمُّ بِالْقَوْمِ، وَلَيْسَ الاسْتِخْلافُ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ؛ لأَنَّهُ إِنَّمَا الْتَزَمَ لِيُقْتَدَى بِهِ مَا دَامَ الاقْتِدَاءُ بِهِ مُمْكِنًا، فَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِعِوَضٍ مِنْهُ؛ لأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَأْمُومُونَ مَمْنُوعِينَ مِنَ الْكَلَامِ كَانَ مِنْ
(1) [سبق تخريجه].
(2) [سبق تخريجه].
(3) [لعل الصواب: يحمل عنه القراءة إلا فاتحة الكتاب، أي يحمل الإمام عن المأموم قراءة ما زاد بعد الفاتحة. من القرآن؛ لأن أغلب الفقهاء يرون أن الفاتحة لا تسقط عن ا المأموم وراء الإمام. أو أن المؤلف يقصد سقوط القراءة مطلقا عن المأموم في الصلاة الجهرية في قول بعض الفقهاء. وقد سبق ذكر هذه المسألة (انظر: تفصيل سنن الصلاة وأعمالها ... ، مسألة: في القراءة)]. (4) [رواه أبو داود، كتاب الصلاة، باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب، ر 823]. (1/406)
صفحة 407
قواعد الإسلام
حُسْنِ النَّظَرِ لَهُمْ أَنْ يُقِيمَ لَهُمْ مَنْ يُتِمَّ بِهِمْ، وَلاَ يَجُوزُ الاسْتِخْلافُ إِلَّا فِي الثَّلَاثَةِ الأَحْدَاثِ الْمُتَقَدِّمَةِ، لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا لَا تَنْقُضُ الصَّلَاةَ، فَإِذَا انْفَلَتَ الْمُصَلِّي بِهَا تَوَضَّأَ وَبَنَى عَلَى صَلاتِهِ، وَأَمَّا إِذَا أَحْدَثَ بِغَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الأَوْجُهِ الأَنْجَاسِ وَالأَحْدَاثِ الَّتِي تَنْقُضُ الصَّلاةَ، فَقَدْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةٌ الْقَوْمِ جَمِيعًا، وَيَجُوزُ الاسْتِخْلافُ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ إِلَّا فِي صَلَاةِ الْمَيِّتِ فَإِنَّ
مِنْ جَمِيع
فيها خلافًا.
وَصِفَةُ الاسْتِخْلافِ: أَنْ يَجْذِبَهُ الإِمَامُ مِنْ يَدِهِ وَيُوقِفَهُ فِي مَكَانِهِ، وَيَأْخُذَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ حَيْثُ كَانَ الإِمَامُ إِنْ عَلِمَهُ، وَإِلَّا فَمِنْ حَيْثُ هُوَ، وَيُصَلِّي بِالْقَوْمِ صَلَاةَ الإِمَامِ، مُقِيمًا كَانَ أَوْ مُسَافِرًا، وَإِنْ بَقِيَ لِلْخَلِيفَةِ شَيْءٌ فِي أَوَّلِ صَلَاتِهِ أَوْ فِي آخِرِهَا اسْتَدْرَكَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلاَةِ، وَلاَ يُسَلَّمُ مَنْ خَلْفَهُ حِينَ يَسْتَدْرِكُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ فَيُسَلِّمُونَ مَعَهُ جَمِيعًا، وَلا يَسْتَخْلِفُ إِلا الإِمَامُ، وَيُسَاعِدُهُ الْمُسْتَخْلَفُ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ أَبَى فَلْيَسْتَخْلِفْ غَيْرَهُ إِلَى ثَلاثَةٍ، وَقِيلَ: لَا يُجَاوِزُ وَاحِدًا، وَكَذَلِكَ الْخَلِيفَةُ لاَ يَسْتَخْلِفُ هُوَ أَيْضًا إِلا وَاحِدًا، وَقِيلَ: يَسْتَخْلِفُ إِلَى ثَلَاثَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسِ له أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الْقَيْءُ وَالرُّعَافُ لَا يُنقِضَانِ الصَّلَاةَ" [سبق
تخريجه]. (1/407)
صفحة 408
الجُمْلَةُ الثَّالِقَةُ
فِي صَلَاةِ السُّنَنِ
وَهِيَ بِالْجُمْلَةِ عَشْرٌ: صَلاةُ الْوِتْرِ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ، وَرَكْعَتَا الْمَغْرِبِ، وَقِيَامُ رَمَضَانَ، وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ، وَصَلاَةُ الْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ، وَصَلَاةٌ الاسْتِسْقَاءِ، وَصَلاةُ الضُّحَى، وَصَلاةُ الْعِيدَيْنِ، وَصَلَاةُ الْجَنَائِزِ، فَتَشْتَمِلُ
هَذِهِ الْجُمْلَةُ عَلَى عَشَرَةِ فُصُولٍ (1):
(1) [ذكر المؤلف أنها عشرة فصول، ولكن عند التفصيل جعلها تسعة فصول، حيث جمع بين ركعتي الفجر والمغرب فجعلهما في فصل واحد؛ وهو "الفصل الثاني"]. (1/408)
صفحة 409
jelstalotakatakatakatakataka za slatslatekatelatulatolatalatokatakatakatalaidatskate
قواعد الان
وَفِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ:
(1) m
الفصل الأول
فِي صَلَاةِ الْوِتْرِ
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى فِي حُكْمِهِ: وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّهُ سُنَةٌ وَاجِبَةٌ، وَاحْتَجُوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ: "الْمَغْرِبُ وِتْرُ النَّهَارِ، فَأَوْتِرُوا صَلاةَ اللَّيْلِ (1)، وَبِقَوْلِهِ: "إِنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةٌ سَادِسَةٌ ... الْحَدِيث (2)، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوب، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّهُ سُنَةٌ، وَأَنَّ الْفَرْضَ مَقْصُورٌ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، لِقَوْلِهِ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ (3)، وَقَوْلِهِ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ (4) فِي أَمْثَالِهَا، وَهِيَ أَيْضًا لَا تُصَلَّى جَمَاعَةٌ، وَلَا لَهَا فِي الْمَكْتُوبَاتِ نَظَائِرُ وَلا وَقْتُ مُرَتَّبٌ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ تَوَابِعِ الصَّلَاةِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكُ بْنُ أَنَسِ الْمَدَنِيُّ وَالشَّافِعِيُّ.
(4)
وَفَائِدَةُ الْخِلافِ: هَلْ يُكَفِّرُ تَارِكُ الْوِتْرِ وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ أَمْ لَا؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) [رواه النسائي: السنن الكبرى، الأمر بالوتر، ر 1382]. (2) [رواه الربيع، كتاب الصلاة ووجوبها، باب فِي فَرْض الصَّلاة في الحضر والسفر، ر 192]. (3) [رواه الربيع، كتاب الصلاة، باب في فرض الصلاة في الحضر والسفر، ر 189]. (4) [رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، ر 1331]. (1/409)
صفحة 410
قواعد الإس
Yatakatakatakatakatakatala alatala alatala dlatula ala alatala dla de platelet
(Y).
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي صِفَتِهِ: وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: هِيَ سَبْعُ رَكَعَاتٍ، وَقِيلَ: خَمْسٌ، وَقِيلَ: ثَلاثُ، وَقِيلَ: وَاحِدَةُ، وَبِهَذَا يَقُولُ أَصْحَابُنَا، وَلَكِنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا أَنْ يُصَلَّى ثَلَاثًا يَفْصِلُ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَالرَّكْعَةِ بِالتَّسْلِيمِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكُ بْنُ أنس. وَالنَّظَرُ فِيهِ: هَلْ مِنْ شَرْطِ الْوِتْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ شَفْعٌ أَمْ لَا؟ فَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِهِ، إِذْ كَانَ النَّبِيُّ لا يُصَلِّي بِاللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى حَتَّى إِذَا خَافَ الْفَجْرَ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ)، وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ؛ لَأَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُ يُصَلِّي مَثْنَى مَثْنَى حَتَّى إِذَا انْتَهَى إِلَى الْوِتْرِ أَيْقَظَ عَائِشَةَ فَأَوْتَرَتْ مَعَهُ (3). فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهَا أَوْتَرَتْ مِنْ غَيْرِ شَفْعِ مُتَقَدِّمٍ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَصْحَابُنَا أَنَّ مَنْ أَوْتَرَ بَعْدَ الْعَتَمَةِ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ أَجْزَأَهُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ الله " أَنَّهُ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ لِيُرِيَ أَصْحَابَهُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُمْ، فَقَالَ: هَذَا وِتْرُ الْعَاجِزِ (4). وَكَذَلِكَ بَلَغَنَا أَنَّ مُعَاوِيَةَ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَيْحَهُ مِنْ أَيْنَ عَرَفَ هَذَا لَا أُمَّ لَهُ؟!، أَمَا إِذَا عَرَفَ هَذَا فَلا يَزِيدُ عَلَى رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنْ يُصَلِّيَ الْوِتْرَ ثَلَاثًا، إِنْ شَاءَ فَصَلَ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَالرَّكْعَةِ بِالتَّسْلِيمِ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْصِلْ، إِلَّا مَنْ كَانَ لَهُ عُذْرُ خَوْفٍ أَوْ مَرَضِ أَوْ سَفَرٍ أَوْ شُغُل، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدَةٍ أَجْزَأَهُ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيُّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ، فَقَرَأَ فِي الْأُولَى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وَفِي الثَّانِيَةِ (1) وَالْحَقُّ التَّخْبِرُ لِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَل". [رواه أبو داود، كتاب الوتر، باب كم الوتر، ر 1422].
(4)
عائشة
(2) [رواه البخاري، باب الحلق والجلوس في المسجد، ر 461]. (3) [روى المصنف حديثين في حديث واحد، الأول هو نفس الحديث السابق والثاني: عن. قالت: "كان النبي صلى الله عليه و سلم يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر
أيقظني فأوترت"، (رواه البخاري، باب إيقاظ النبي صلى الله عليه وسلم أهله بالوتر، ر 952)]. (4) [انظر: بيان الشرع للكندي، 20/ 14]. (1/410)
صفحة 411
بِقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّالِثَةِ بِقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، وَفِي حَدِيثٍ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُسَلَّمُ إِلا فِي آخِرِهِنَّ (2)، وَقِيلَ عَنْهُ أَيْضًا: إِنَّهُ يُوَاظِبُ فِي الْوِتْرِ عَلَى رَكْعَةٍ وَاحِدَة (3).
وَلَا بَأْسَ أَنْ تُصَلَّى النَّوَافِلُ بَعْدَ الْوِتْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي وَقْتِهِ: وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ وَقْتَهُ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ صَلَاتِهِ بَعْدَ الْفَجْرِ، فَقَوْمٌ مَنَعُوا ذَلِكَ، وَقَوْمٌ أَجَازُوهُ مَا لَمْ يُصَلُّ الْفَجْرَ، وَالْمُسْتَحَبُّ لِمَنْ يَعْتَادُ الْقِيَامَ فِي اللَّيْلِ أَنْ يُؤَخِّرَ الْوِتْرَ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ، وَإِنْ صَلَّى أَوَّلَ اللَّيْلِ فَلا بَأْسَ، وَتُجْزِئُ فِي قِرَاءَةِ الْوِتْرِ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ مَعَ أَيَّ سُورَةِ اتَّفَقَتْ، لَكِنِ الْمُسْتَحَبُّ مَا شَرَعَهُ أَصْحَابُنَا فِيهِ مِنْ قِرَاءَةِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَخَوَاتِمِ الْبَقَرَةِ، وَإِنَّا أَنْزَلْنَاهُ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.
(4)
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ فِي قَضَائِهِ بَعْدَ الْفَجْرِ: هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَبِهِ قَالَ طَاوُسُ، وَبَعْضُهُمْ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَبِهِ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ، وَبَعْضُهُمْ يُقْضَى مِنَ اللَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَسَبَبُ التَّنَازُع: اخْتِلافُهُمْ فِي تَأْكِيدِهِ وَقُرْبِهِ مِنْ دَرَجَةِ الْفَرْضِ، فَمَنْ رَأَىهُ أَقْرَبَ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ فِي زَمَانِ أَبْعَدَ مِنَ الزَّمَانِ الْمُخْتَصُّ بِهِ، وَمَنْ رَأَىهُ أَبْعَدَ أَوْجَبَ
(1) [رواه النسائي، ذكر اختلاف الناقلين لخبر أبي بن كعب في الوتر، ر 1699].
(2) [رواه النسائي، ذكر اختلاف الناقلين لخبر أبي بن كعب في الوتر، ر 1701]. (3) [رواه مسلم، باب صَلاةِ اللَّيْلِ وَعَدَدِ رَكَعَاتِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم- فِي اللَّيْلِ، وَأَنَّ الْوِتْرَ رَكْعَةٌ، وَأَنَّ الرَّكْعَةَ صَلَاةٌ صَحِيحَةٌ، (1752]. (4) يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا التَّشْرِيعَ مُجَرَّدُ اسْتِحْسَانِ مِنَ الأَصْحَابِ، وَلا يُقْبَلُ هَذَا الاسْتِحْسَانُ إِلَّا إِذَا كَانَ يَسْتَنِدُ إِلَى دَلِيل نَقْلِي، وَإِلا فَقِرَاءَةُ مَا ثَبَتَ عَنِ الرَّسُولِ أَوْلَّى وَأَحَبُّ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ إِلْزَامَ النَّاسِ بِتَرْتِيبٍ
وَضْعِيٌّ فِي بَابِ الْعِبَادَةِ تَشْرِيعُ، وَلَا تَشْرِيعَ فِيهَا إِلا لِلهِ وَرَسُولِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ مُصَ (1/411)
صفحة 412
قواعد الإس
الْقَضَاءَ فِي زَمَانٍ أَقْرَبَ وَمَنْ رَأَىهُ سُنَّةٌ كَسَائِرِ السُّنَنِ ضَعُفَ عِنْدَهُ الْقَضَاءُ؛ إِذِ
الْقَضَاءُ إِنَّمَا يَجِبُ فِي الْوَاجِبَاتِ، وَاللهُ أَعْلَمُ).
(1) لَكِنْ وَرَدَ فِي الْوِتْرِ الْقَضَاءُ، لِقَوْلِهِ الله مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّهِ إِذَا ذَكَرَهُ". [رواه أبو داود، كتاب الوتر، باب في الدعاء بعد الوتر، ر 1431]. وَهَذَا الْحَدِيثُ يُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الأَصْحَابُ مِنْ أَنَّ الْوِتْرَ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ. اهـ مُصَححه. (1/412)
صفحة 413
Jelatekatalatslatslated
وَفِيهِ خَمْسُ مَسَائِلَ:
الفصل الثاني
في رَكْعَ الْفَجْرِ وَالْمَغْرِب
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى فِي حُكْمِهِمَا: وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُمَا سُنَّةٌ، وَعِنْدَ أَصْحَابِنَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَإِنَّمَا اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ لِمُعَاهَدَتِهِ إِيَّاهُمَا أَكْثَرَ مِنْهُ عَلَى سَائِرِ النَّوَافِلِ، وَلِرَغْبَتِهِ فِيهَا؛ وَلَأَنَّهُ قَضَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حِينَ نَامَ عَنِ الصَّلاَةَ، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَسَبِّحْهُ وَادْبَرَ النُّجُوم (2)، فَقَالَ: "هُمَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ، وَعَنْ قَوْلِهِ: فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَرَ السُّجُود (3)، فَقَالَ: "رَكْعَتَا الْمَغْرِبِ (4)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(2)
(0) 1
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي وَقْتِهِمَا: فَرَكْعَتَا الْفَجْرِ وَقْتُهُمَا إِذَا انْفَجَرَ الصُّبْحُ، لِقَوْلِهِ: "لا صَلاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَنَا الصُّبْحِ، وَوَقْتُ رَكْعَتَيِ الْمَغْرِبِ بَعْدَ قضَاءِ الْفَرِيضَةِ، وَقَالَ مَنْ قَالَ: وَقْتُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ حِينَ يَدْخُلُ النِّصْفُ الْأَخِيرُ
(1) [رواه أبو داود، باب من نام عن الصلاة أو نسيها، ر 444].
(2) الطور: 49.
(3) ق 40.
(4) [رواه ابن أبي شيبة في إدبار السجود وإدبار النجوم، ر 8753]. (5) [رواه الترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتين،
ر 419]. (1/413)
صفحة 414
قواعد الإسلام
مِنَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَاهُمَا ثُمَّ نَامَ فَعَلَيْهِ إِعَادَتُهُمَا، وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ عَلَى الْقَوْلِ الأَوَّلِ فَصَلاهُمَا فَلْيُعِدُهُمَا، وَلا يُسْتَحَبُّ الْكَلَامُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْفَرِيضَةِ بِغَيْرِ
ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا: فَاسْتَحَبَّ أَصْحَابُنَا فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ مَعَ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةِ الإِخْلَاصِ ثَلَاثًا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِمَا ذَكَرْنَا)، وَيُسْتَحَبُّ التَّخْفِيفُ فِيهِمَا، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُخَفِّفُ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ)،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِيمَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ الْمَكْتُوبَةُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَهُمَا، أَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ الإِمَامَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فَلْيَدْخُلْ مَعَ الإِمَامِ وَلا يُصَلِّيهِمَا فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلِ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْهُمَا خَارِجًا مِنْهُ مَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ رَكْعَةٍ مِنَ الصَّلاَةِ، وَإِنْ خَافَ فَلْيَدْخُلْ مَعَ الإِمَامِ، ثُمَّ يُصَلِّيهِمَا إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ (3)، وَقَالَ بَعْضُ: يَرْكَعُهُمَا خَارِجًا مَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ مِنَ الصُّبْحِ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا يُصَلِّيهِمَا دَاخِلَ الْمَسْجِدِ وَلَا خَارِجَهُ.
(1) [رواه مسلم، کتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب ركعتي الفجر ... ، ر 1723]. لا يُوجَدُ تَكْرِيرُ الإِخْلاصِ ثَلَاثًا فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فِيمَا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ، بَلْ وَرَدَ مُطْلَقًا بِلا ذِكْرِ الْعَدَدِ. (2) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ الله إِذَا سَمِعَ النَّدَاءَ بِالصُّبْحِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ". [رواه
الربيع، باب في سبحة الضحى وتبردة الصلاة، (199]. (3) [لقوله: " مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَذَلِكَ وَقْتُهَا". (سبق تخريجه)]. (1/414)
صفحة 415
وَسَبَبُ الْخِلافِ: تَنَازُعُهُمْ فِي مَفْهُوم قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلاةَ إِلا الْمَكْتُوبَةُ)، فَمَنْ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى عُمُومِهِ لَمْ يُجِزْ رُكُوعَهُمَا إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ وَلاَ خَارِجَهُ، وَمَنْ قَصَرَهُ عَلَى الْمَسْجِدِ فَقَطْ فَقَدْ
أَجَازَ ذَلِكَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ مَا لَمْ تَفْتُهُ الْفَرِيضَةُ أَوْ رَكْعَةٌ مِنْهَا، فَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْعُمُومِ فَالْعِلَّةُ فِي النَّهْي. إِنَّمَا هُوَ الاشْتِغَالُ بِالنَّفْلِ عَنِ الْفَرْضِ، وَمَنْ قَصَرَ ذَلِكَ عَلَى الْمَسْجِدِ فَالْعِلَّةُ عِنْدَهُ لِئَلاً تَكُونَ الصَّلاتَانِ مَعَا فِي مَوْضِعِ وَاحِدٍ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ فِي قَضَائِهِمَا: إِذَا فَاتَنَا حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ، فَقَالَ مَنْ قَالَ: يَقْضِيهِمَا بَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَقَالَ قَوْمٌ: يَقْضِيهِمَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَقَطْ وَقَالَ مَنْ قَالَ: مِنْ لَدُنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى وَقْتِ الزَّوَالِ، وَالأَضَلُ فِي هَذَا قَوْلُهُ: مَنْ فَاتَتْهُ رَكْعَتَا الْفَجْرِ فَلْيُصَلِّهِمَا إِذَا
طَلَعَتِ الشَّمْسُ (2).
(1) [رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب كراهة الشروع في نافلة بعد شروع
المؤذن ... ، ر 1678].
(2) تَقَدَّمَ. (1/415)
صفحة 416
قواعد الإس
4167
الفصل الثالث
فِي قِيَامِ رَمَضَانَ
(1) ?
وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مُرَغَبُ فِيهِ لِقَوْلِهِ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَقَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (1)، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمُخْتَارِ مِنْ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا النَّاسُ فِي رَمَضَانَ، فَاخْتَارَ بَعْضُهُمُ الْقِيَامَ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً سِوَى الْوِتْرِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكِ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِبُّ الْقِيَامَ بِسِتٌ وَثَلاثِينَ رَكْعَةً، وَالْوِتْرَ بِثَلَاثٍ وَالْعَمَلُ الْمُسْتَقِرُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الْقِيَامُ بِأَرْبَعِ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً مَا خَلَا الْوِتْرَ وَرَكْعَتَيْهِ.
وَأَحْسَبُ أَنَّ سَبَبَ الْخِلافِ فِي هَذَا اخْتِلافُ الأَحَادِيثِ الْمَنْقُولَةِ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ قَالَ لَأَصْحَابِهِ: هَذَا شَهْرُ رَمَضَانَ شَهْرٌ مُبَارَكَ افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ صِيَامُهُ وَلَمْ يُفْتَرَضْ قِيَامُهُ (2)، وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَهُ وُحْدَانَا مِنْهُمْ مَنْ يَقُومُ فِي بَيْتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُومُهُ فِي الْمَسْجِدِ،
عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ وَرَغْبَتِهِ فِي الْقِيَامِ، فَكَانَ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ
النبي
وَخِلافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرٍ مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ، فَبَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَرَأَى النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْزَاعًا مُتَفَرِّقِينَ، يُصَلِّي الرَّجُلُ وَحْدَهُ، وَآخَرُ يُصَلِّي بِصَلَاةِ
(1) [رواه الربيع، باب في فضل رمضان، ر 327].
(2) [رواه ابن ماجه، باب ما جاء في قيام شهر رمضان، ر 1328]. (1/416)
صفحة 417
قواعد الإس
الرَّهْطِ، قَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لأَرَى أَنِّي لَوْ جَمَعْتُ النَّاسَ عَلَى قَارِي وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ، فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجَ لَيْلَةٌ أُخْرَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ فَقَالَ: نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي تَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي تَقُومُونَ بِهَا، يَعْنِي الصَّلاةَ آخِرَ اللَّيْلِ (1). وَبَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ ضَمَّ نَمِيمَا الدَّارِيَّ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ بِإِحْدَى وَعِشْرِينَ رَكْعَةٌ بِالْوِتْرِ، فَكَانَا يُطِيلانِ الْقِيَامَ وَالْقِرَاءَةَ، فَكَانَ الْقَارِئُ مِنْهُمَا يَقْرَأُ بِالْمِائَتَيْنِ، حَتَّى كَانَ النَّاسُ يَعْتَمِدُونَ عَلَى الْعِصِيِّ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، وَمَا كَانُوا يَنْصَرِفُونَ إِلَّا فِي فُرُوعِ الْفَجْرِ (3)، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ طُولُ الْقِيَامِ فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، فَأَمَرَ الْقَارِنَيْنِ أَنْ يُخَفِّفَا مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، وَيَزِيدُوا فِي عَدَدِ الرُّكُوعِ فَفَعَلَا، فَكَانَا يَقُومَانِ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً، فَكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ بِالْبَقَرَةِ فِي ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، فَإِذَا قَرَأَهَا فِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، رَأَى النَّاسُ أَنَّهُ خَفَّفَ، وَلَقَدْ كَانُوا يَنْصَرِفُونَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَيَسْتَعْجِلُونَ الْخَدَمَ بِالسَّحُورِ مَخَافَةَ الْفَجْرِ، فَكَانَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْفِطْرِ، فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَى النَّاسِ طُولُ الْقِيَامِ شَكَوْا ذَلِكَ أَيْضًا، فَنَقَصُوا مِنْ طُولِ الْقِرَاءَةِ وَزَادُوا فِي عَدَدِ الرُّكُوعِ، حَتَّى أَتَمُوا سِرًّا وَثَلاثِينَ رَكْعَةً، وَالْوِتْرَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَذَلِكَ تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ رَكْعَةً بِالْوِتْرِ سِوَى الْعَتَمَةِ، فَصَارَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، وَبَلَغَنَا أَنَّ أَهْلَ عُمَانَ كَانُوا يُصَلُّونَ أَرْبَعِينَ رَكْعَةً غَيْرَ الْعَتَمَةِ وَالْوِتْرِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ رَأَى بَعْضُ النَّاسِ، فَأُمِرَ الْقُرَّاءُ فِي رَمَضَانَ أَنْ يَقُومُوا بِذَلِكَ، وَأَنْ يَقْرَءُوا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَشْرَ آيَاتٍ، فَاسْتَقَرَّ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، وَذَلِكَ فِي زَمَانِ مِائَةِ عَامٍ مِنَ التَّارِيخ، فَهَذَا مَا وَجَدْتُهُ فِي أَثَرِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ.
(1) [رواه البخاري، باب فضل من قام رمضان، ر 1906]. (2) [رواه الهندي كنز العمال، صلاة التراويح، (23465]. (1/417)
صفحة 418
قواعـ
Auskickatskidatekatakatakatakatakatakatakatakatakatakatala datolatalatokatalataletalatale slajalaiskau
418
الفضيل الرائع
فِي رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ
(1)
وَهِيَ سُنَّةٌ أَيْضًا، يُصَلِّيهِمَا الطَّائِفُ بعدَ كُلِّ أُسْبُوعِ مِنْ طَوَافِهِ خَلْفَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ، أَوْ حَيْثُ شَاءَ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَبِقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةِ الإِخْلَاصِ ثَلَاثًا، فَمَنْ تَرَكَ رُكُوعَهُمَا فِي الطَّوَافِ الْوَاجِبِ مِنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَلْيَرْكَعْهُمَا مَا دَامَ فِي الْحَرَمِ، وَإِنْ خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ وَلَمْ يَرْكَعْهُمَا فَلْيَرْ كَعْهُمَا حَيْثُ شَاءَ، وَعَلَيْهِ دَمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) [بعد أسبوع من طوافه: أي بعد الطواف بالبيت سبعة أشواط، يقال: طاف بالبيت سبعا، أو أسبوعا
(تاج العروس، مادة سبع)]. (1/418)
صفحة 419
قواعد الإس
الفصل الحامين
فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ
وَقَدِ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ صَلاَةَ كُسُوفِ الشَّمْسِ سُنَّةٌ، وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِي صَلاهَا وَعَمِلَ بِهَا الْمُسْلِمُونَ، وَهِيَ رَكْعَتَانِ مِنْ غَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، يُسْتَحَبُّ فيهما طُولُ الْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، لِمَا ثَبَتَ مِنْ فِعْلِهِ حِينَ مَاتَ وَلَدُهُ إِبْرَاهِيمُ، فَصَلاهَا وَانْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ النَّاسُ: كُسِفَتِ الشَّمْسُ لأَجل مَوْتِ وَلَدِهِ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ بَشَرٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَتَضَرَّعُوا"، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: "وَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ (1)، وَيُصَلِّيهَا النَّاسُ حَيْثُ شَاؤُوا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ خَارِجًا مِنْهُ، وَرُوِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلاهَا بِالنَّاسِ فِي مَسْجِدِهِ (3)، وَتُصَلَّى بِالْجَمَاعَةِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَإِذَا فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْهَا اسْتَقْبَلَ النَّاسَ بِوَجْهِهِ، فَيَعِظُهُمْ وَيُذَكِّرُهُمْ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالصَّدَقَةِ، وَكَثْرَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنَ الصَّلَاةِ فَأَدْرَكَ بَعْضَهَا مَعَ الإِمَامِ فَلْيَقْضِ مَا فَاتَهُ مِنهَا إِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ عَلَى حَسَبِ مَا فَاتَهُ، وَلَا تُصَلَّى فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ فِي ذَلِكَ كَثْرَةُ الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى حِينَ تَنْجَلِي.
(1) [رواه الربيع، بـ بع، باب في صلاة الكسوف، ر 194].
(2) [رواه البخاري، باب خطبة الإمام في الكسوف، ر 999]. (1/419)
صفحة 420
د الإسلام
وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلاَةِ لِخُسُوفِ الْقَمَرِ، فَقِيلَ: تُصَلَّى جَمَاعَةٌ، وَقِيلَ: تُصَلَّى فُرَادَى، تُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَسَائِرِ النَّوَافِلِ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ أَوِ انْخَسَفَ الْقَمَرُ فَصَلُّوا كَإِحْدَى صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا (1)، فَمَنْ فَهِمَ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ الأَمْرَ بِالصَّلاةِ قَالَ:، تُصَلَّى جَمَاعَةٌ قِيَاسًا عَلَى كُسُوفِ الشَّمْسِ، وَمَنْ فَهِمَ مِنْهُ أَقَلَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلاةِ قَالَ: تُصَلَّى فُرَادَى كَالنَّافِلَةِ؛ لأَنَّهُ قِيلَ: لَمْ يُرْوَ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ جَمَاعَةٌ، مَعَ كَثْرَةِ دَوَرَانِهِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَعُثْمَانَ صَلَّيَا فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ جَمَاعَةٌ.
وَقَدِ اسْتَحَبَّ قَوْمُ الصَّلاةَ لِلزَّلْزَلَةِ، وَالرِّيحِ، وَالظُّلْمَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، قِيَاسًا عَلَى كُسُوفِ الشَّمْسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) [رواه أبو داود، باب من قال أربع ركعات، (1187]. (1/420)
صفحة 421
datolatalaislaiskatalaislaislaiskatakatakatakatala dlatclickiskaislaiskter.
قواعد الإس
الفصل السادسن
فِي صَلَاةِ الاسْتِسْقَاءِ (1)
أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ إِلَى الاسْتِسْقَاءِ، وَالدُّعَاءَ إِلَى اللَّهِ، وَالتَّضَرُّعَ إِلَيْهِ فِي نُزُولِ الْمَطَرِ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ فِي الاسْتِسْقَاءِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا مِنْ سُنَّةِ الاسْتِسْقَاءِ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ آخَرُونَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ: اخْتِلَافُ الآثَارِ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي بَعْضِهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ خَرَجَ إِلَى الاسْتِسْقَاءِ، فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ فِي الْفِطْرِ وَالأَضْحَى (2)، وَقِيلَ: إِنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ، وَرَفَعَ بِيَدَيْهِ، وَاسْتَسْقَى، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ حَوَّلَ ظَهْرَهُ إِلَى النَّاسِ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ (3)، وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ جَاءَهُ رَجُلٌ وَهُوَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَسَأَلَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ الاسْتِسْقَاءَ، فَقَالَ: "اللهُمَّ اسْتَفْنَا مِنْ
(1) اسْتِسْقَاءُ النَّبِيِّ الله كَانَ عَلَى أَنْوَاعِ، فَالأَوَّلُ: خُرُوجُهُ إِلَى الْمُصَلَّى وَصَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ، وَالثَّانِي: يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمَنَابِرِ أَثْنَاءَ الْخُطْبَةِ، وَالثَّالِثُ: اسْتِسْقَاؤُهُ عَلَى مِنْبَرِ الْمَدِينَةِ، اسْتَقَى مُجَرَّدًا فِي غَيْرِ صلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَلَمْ يُحْفَظْ لَهُ فِيهِ صَلاةٌ، الرَّابِعُ: أَنَّهُ اسْتَسْقَى وَهُوَ جَالِسٌ بِالْمَسْجِدِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَدَعَا الله، الْخَامِسُ: أَنَّهُ اسْتَسْقَى عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ قَرِيبًا مِنَ الزَّوْرَاءِ، وَهِيَ خَارِجَ بَابِ الْمَسْجِدِ، السَّادِسَةُ: أَنَّهُ اسْتَسْقَى فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ لَمَّا سَبَقَهُ الْمُشْرِكُونَ إِلَى الْمَاءِ، وَقَدْ أُغِيثَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ اسْتَسْقَى فِيهَا. اهـ. (2) [رواه أبو داود، باب الاستسقاء، ر 1167، بلفظ: "صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدِ"، والطبراني
في الكبير، ر 10819].
(3) [رواه البخاري، باب الجهر بالقراءة في الاستسقاء، ر 978]. (1/421)
صفحة 422
واعد الإسلام
غَيْرِ صَلاةٍ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى، فَاسْتَسْقَى فَدَعَا قَائِمًا، ثُمَّ
تَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ فَسُقُوا (3).
وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ الْخُرُوجِ إِلَى الاسْتِسْقَاءِ، فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ وَقْتَهَا حِينَ تَرْتَفِعُ الشَّمْسُ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ إِلَيْهَا حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ (3)، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ وَقْتَهَا حِينَ الزَّوَالِ، وَالَّذِي يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَخْرُجُوا إِلَيْهَا بِثِيَابِ رَبَّةٍ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ، مُتَوَاضِعِينَ مُتَخَطِّعِينَ وَجِلِينَ مُتَوَرِّعِينَ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ الْجَانِيَ إِذَا رَأَى مَخَايِلَ الْعُقُوبَةِ الْمُهْلِكَةَ مِنْ مَوْلَاهُ لَمْ يَأْتِهِ رَاجِيًا فِي رَفْعِ الْعُقُوبَةِ، إِلَّا وَأَمَارَةُ الذُّلِّ بَادِيَةٌ عَلَيْهِ، وَالْخَوْفُ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، فَإِذَا بَلَغُوا الْمُصَلَّى فَيَنْبَغِي لِلإِمَامِ أَنْ يُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ، ثُمَّ إِذَا فَرَغَ خَطَبَهُمْ خُطْبَتَيْنِ، يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا يَسِيرًا، فَإِذَا فَرَغَ تَحَوَّلَ إِلَى الْقِبْلَةِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَيَجْعَلُ ظُهُورَهُمَا إِلَى السَّمَاءِ وَبُطُونَهُمَا إِلَى الأَرْضِ، وَيَدْعُو كَذَلِكَ مُسْتَقْبِلا لِلْقِبْلَةِ يَقُولُ: اللهُمَّ أَمَرْتَنَا بِدُعَائِكَ وَوَعَدْتَنَا إِجَابَتِكَ، فَقَدْ دَعَوْنَاكَ كَمَا أَمَرْتَنَا فَاسْتَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدْتَنَا، اللهُمَّ فَامْنُنْ عَلَيْنَا بِمَغْفِرَةِ مَا قَارَفْنَا، وَإِجَابَتِكَ فِي سُفْيَانَا، وَسَعَةِ أَرْزَاقِنَا، وَيَدْعُو النَّاسُ كَذَلِكَ جُلُوسًا مُسْتَقْبِلِينَ لِلْقِبْلَةِ، فَيَدْعُونَ وَيَتَضَرَّعُونَ، ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ.
وَأَمَّا تَحْوِيلُ الرِّدَاءِ فَإِنَّمَا هُوَ تَفَاؤُلٌ بِتَحْوِيلِ الْحَالِ مِنَ الْمُحْلِ إِلَى الْخِصْبِ، وَكَيْفِيَّةُ تَحْوِيلِهِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ: أَنْ يَجْعَلَ مَا عَلَى يَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، وَمَا عَلَى شِمَالِهِ
(1) [رواه ابن ماجه، باب ما جاء في الدعاء في الاستسقاء، ر 1270] بلفظ: (جَاءَ أَعْرَابِيُّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُكَ مِنْ عِنْدِ قَوْمٍ لَا يَتَزَوَّدُ لَهُمْ رَاعٍ، وَلا يَخْطرُ لَهُمْ فَحْلٌ فَصَعِدَ النَّ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللهَ ثُمَّ قَالَ: "اللهُمَّ اسْقِنَا عَيْنًا مُغِينًا مَرِيئًا سَرِيعا طَبَقًا غَدَقًا عَاجِلا غَيْرَ رَائِبٍ". ثُمَّ نَزَلَ فَمَا يَأْتِيهِ أَحَدٌ مِنْ وَجْهِ مِنَ الْأَوْجُهِ إِلَّا قَالُوا: قَدْ أُحْيِينَا).
(2) [رواه البخاري، باب الدعاء في الاستسقاء قائما، ر 977]. (3) [رواه أبو داود، باب رفع اليدين في الاستسقاء، ر 1175]. (1/422)
صفحة 423
(4)
عَلَى يَمِينِهِ، وَلَيْسَ عَلَى الإِمَامِ أَنْ يَرْجِعَ بِوَجْهِهِ إِلَى النَّاسِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُدِيمَ الإِمَامُ وَالنَّاسُ الاسْتِغْفَارَ وَالدُّعَاءَ، فَإِنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ لَهُ اسْتَسْقَى بِالنَّاسِ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى الاسْتِغْفَارِ حَتَّى انْصَرَفَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: مَا رَأَيْنَاكَ اسْتَسْقَيْتَ فَقَالَ: لَقَدْ طَلَبْتُ الْمَطَرَ (1) لِمَجَادِيحٍ (3) السَّمَاءِ الَّتِي بِهَا يُسْتَنْزَلُ الْمَطَرُ، ثُمَّ تَلاَ قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ان يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مدْرَارًا إِلَى قَوْلِهِ وَيَجْعَل لَكُمْ أَنهَرا (3)، وَقَوْلَهُ: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعَكُم مَّنعًا حَسَنًا (4) الآية ()، وَيَقُولُ الإِمَامُ: اللهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهَائِمَكَ، وَانْشُرْ رَحْتَمَتَكَ، وَأَحْيِ بِلادَكَ الْمَيْتَةَ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيِّ اسْتَسْقَى بَعْدَمَا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ (2)، قِيلَ: كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَالاسْتِسْقَاءِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسَبِّح اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةِ الْغَاشِيَةِ بَعْدَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ اسْتَقْبَلَ الْقَوْمَ بِوَجْهِهِ الْمُبَارَكِ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ جَنَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَكَبَّرَ تَكْبِيرَةً قَبْلَ أَنْ يَسْتَسْقِي، ثُمَّ قَالَ: "اللهُمَّ اسْقِنَا وَأَعِتْنَا، اللهُمَّ اسْقِنَا غَيْنًا مُغِيثًا وَحَيَّا ربيعًا وَجدًا طَبَقًا مُعْدقًا مُوَنَّقًا عَامًا هَنِيئًا مَرِيئًا سَرِيعا مَرِيعًا مُربعًا وَابِلا سَائِلاً مُسْبِلاً مجللاً دَيمًا دَررًا نَافِعًا غَيْرَ ضَارٌ عَاجِلا غَيْرَ رَائِب، اللهُمَّ تُحْيِي بِهِ الْبِلادَ، وَتُغِيتُ بِهِ الْعِبَادَ، وَتَجْعَلُهُ بَلاغًا لِلْحَاضِرِ مِنَّا
(1) وَفِي نُسْخَةٍ "الْغَيْثَ". (2) [المجاديح: واحِدُها مِجْدَح ... والمِجْدَح: نَجْم من النجوم، قِيلَ هو الدَّبَران، وقيل هو ثلاثة كواكب كالأثافِي تَشْبِيها بالمجد الذي له ثلاث شُعَب، وهو عند العرب من الأنواء الدَّالَّة عَلَى المَطر فجعل الاستغفار مُشَبَّهاً بالأنواء مُخاطَبَة لهم بما يعرفونه لا قولاً بالأنواء، وجاء بلفظ الجمْع؛ لأنه أراد الأنواء جَمِيعَها التي يَزْعُمون أنَّ من شأنها المطر" (النهاية في
غريب الأثر، 700/ 1)].
(3) نُوح: 10 - 12. (4) هود: 3.
(5) [رواه البيهقي، باب ما يستحب من كثرة الاستغفار في خطبة الاستسقاء، ر 6217، دون ذكر الآية
الثانية].
(1) [رواه البخاري، باب الجهر بالقراءة في الاستسقاء، ر 978]. (1/423)
صفحة 424
د الإسـ
وَالْبَادِي، اللهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا فِي أَرْضِنَا زِينَتَهَا، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا فِي أَرْضِنَا سَكَنَهَا، اللهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا، فَأَحْيِ بِهِ بَلْدَةً مَيْنَا، وَاسْقِهِ مِمَّا خَلَقْتَ لَنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِي كَثِيرًا (1).
وَقِيلَ: إِنَّمَا قَلَبَ رِدَاءَهُ لِكَيْ يَنْقَلِبَ الْقَحْطُ إِلَى الْخِصْبِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ حَوَّلَ الأَيْسَرَ عَلَى الأَيْمَنِ، وَالْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ.
وَالْغَيْثُ وَالْحَيَا قَطرٌ تُحْيِي الأَرْضَ وَالْجِدَا: الَّذِي يَعُمُهَا، وَالطَّبَقُ: الَّذِي يَطْبِقُهَا، وَالْغَدقُ وَالْمُغْدِقُ: الْكَثِيرُ الْقَطْرِ، وَالْمُونَقُ: الْمُعْجِبُ، وَالْمَرِيعُ: ذُو الْمَرَاعَةِ وَالْخِصْبِ، وَالْمُرْبعُ: الَّذِي يُرْبعُ النَّاسَ عَلَى الانْقِيَادِ، أَيْ يَحْبِسُهُمْ، وَالْوَائِلُ: الْكَثِيرُ الْقَطْرِ، وَالْمجللُ: الَّذِي يُجَلِّلُ الْأَرْضَ، أَيْ: يَكْسُوهَا بِالْمَاءِ وَالنَّبَاتِ وَالدُّرَرُ: جَمْعُ دُرَّةِ الْمَطَرِ، وَالرَّائِتُ: الْبَطِيءُ، وَزِينَةُ الْأَرْضِ: النَّبَاتُ،
وَسَكَنُهَا: قُوتُهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَا بَأْسَ بِخُرُوجِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ إِلَى الاسْتِسْقَاءِ، وَيُكْرَهُ لِلنَّاسِ أَنْ يَطُوفُوا بِالْجِبَالِ وَالصَّحَارِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصَّبْيَانِ بِالْبُكَاءِ وَالصُّرَاحَ؛ لأَنَّ ذَلِكَ تَشَبهُ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَيْسَتْ تُطْلَبُ رَحْمَةُ اللهِ بِمِثْلِ إِصَابَةِ السُّنَّةِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُسْتَسْقَى فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ مِرَارًا، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ
الْعَظِيمِ.
(1) [رواه الطبراني: المعجم الأوسط، ر 7619]. (1/424)
صفحة 425
قواعد الإس
talatalatex
EY
مكة (1)
الفضيل السابع فِي صَلَاةِ الضُّحَى
وَهِيَ سُنة، سُنَّةٌ، قِيلَ: عَنْ أُمَّ هَانِي بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلاةَ الضُّحَى فِي بَيْتِي ثَمَانِي رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبِ وَاحِدٍ يَوْمَ فَتْحِ
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِيهَا مِنَ اثْنَتَيْنِ إِلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَأَفَلُهَا رَكْعَتَانِ، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ أَفْضَلُ، وَوَقْتُهَا: مُنْذُ تَرْتَفِعُ الشَّمْسُ قَيْدَ رُمْحٍ إِلَى أَنْ يَنْتَصِفَ النَّهَارُ، وَيُقَالُ: إِنَّ النَّبِيَّ الله خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ يُصَلُّونَ عِنْدَ الإِشْرَاقِ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَلا إِنَّ صَلاةَ الأَوَّابِينَ إِذَا رَمِضَتِ الْفِصَالُ (3)، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الأَفْضَلَ فِي الضُّحَى أَنْ تُصَلَّى إِذَا رَمِضَتِ الْفِصَالُ مِنَ الْحَرِّ، إِذَا كَانَ يَقْتَصِرُ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ تُصَلَّى الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ إِشْرَاقِ الشَّمْسِ وَانْبِسَاطِهَا وَارْتِفَاعِهَا قَيْدَ رُمْحٍ، وَتُصَلَّى أَرْبَعًا أَوْ سِرًّا أَوْ ثَمَانِيَ إِذَا رَمِضَتِ الْفِصَالُ، وَضَحِيَتِ الأَقْدَامُ بِحَرِّ الشَّمْسِ، فَوَقْتُ الرَّكْعَتَيْنِ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِي وَالْإشْرَاقِ (3)، وَوَقْتُ الرَّكَعَاتِ الْأَرْبَعِ هُوَ الضُّحَى الأَعْلَى الَّذِي
6
(1) [رواه الربيع، باب في سبحة الضحى وتبردة الصلاة، ر 197]. (2) [رواه مسلم، باب صلاة التوابين حين ترمض الفصال ر 1782]، [رمضت: احترقت أخفاف صغار الإبل من شدة حر الرمل الفصال: جمع الفصيل، وهو ولد الناقة إذا فصل عن أمه"].
(3) ص: 18. (1/425)
صفحة 426
قواعد الان
أَقْسَمَ اللهُ تَعَالَى بِهِ فِي قَوْلِهِ: {وَالضُّحَى وَالَّيْلِ له (1)، فَاسْمُ الضُّحَى يَنْطَلِقُ عَلَى الْكُلِّ، وَكَانَ رَكْعَنَا الإِشْرَاقِ تَقَعُ فِي مَبْدَا وَقْتِ الصَّلَاةِ وَانْقِطَاعِ الْكَرَاهِيَةِ، إِذْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ.
(1) الضُّحَى: 1.
(2) [رواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب أوقات الصلوات الخمس،
ر 1419]. (1/426)
صفحة 427
الفصل الثامن
فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ
وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ مَعْمُولٌ بِهَا عَلَى الْكِفَايَةِ) وَأَهْلِ الْآفَاقِ، وَعَدَدُهَا رَكْعَتَانِ، وَهِيَ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ فِي الشَّرَائِطِ وَالْهَيْئَةِ، إِلا فِي زِيَادَةِ التَّكْبِيرِ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: وقد أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى (2) أَنَّهَا زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فصل (3) أَنَّهَا صَلاةُ الْعِيدِ، وَكَذَلِكَ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَاغْخَر الله (4) أَنَّهَا صَلاَةُ الأَضْحَى، وَالنَّحْرُ بَعْدَهَا، وَيُسْتَحَبُّ الْبُرُوزُ إِلَيْهَا بِالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، لِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: أَمَرَنَا أَنْ نَخْرُجَ إِلَى الْعِيدِ حَتَّى الْعَوَاتِقُ مِنَ الْخُدُورِ (5)، وَيُسْتَحَبُّ التَّأْخِيرُ فِي صَلاَةِ الْفِطْرِ لاشْتِغَالِ النَّاسِ بِالصَّدَقَةِ، وَالتَّعْجِيلُ لِصَلَاةِ الأَضْحَى لِيَرْجِعَ النَّاسُ إِلَى ضَحَايَاهُمْ. وَمِنْ سُنَنِهَا الْغُسْلُ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَالسَّوَاكُ، وَالطَّيبُ، وَاللَّبَاسُ الْحَسَنُ لِلرِّجَالِ، وَأَمَّا الْعَجَائِزُ فَيَخْرُجْنَ فِي ثِيَابِ رَبَّةٍ، وَإِقَامَتُهَا فِي الصَّحْرَاءِ أَفْضَلُ، إِلَّا فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ، وَلَيْسَ لِصَلاةِ الْعِيدَيْنِ أَذَانٌ وَلاَ إِقَامَةٌ، وَاخْتُلِفَ فِي التَنْقُل فِيهَا،
(1) يَظْهَرُ أَنَّهُ سَقَطَ مِنَ الْعِبَارَةِ: "عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى".
(2) الأَعْلَى: 14 - 15.
(3) الأَعْلَى: 14 - 15.
(4) الْكَوْثَر: 2.
(5) [رواه البخاري، كتاب الحيض باب شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين ويعتزلن
المصلى، ر 324]. (1/427)
صفحة 428
قواع
فَقِيلَ: يَجُوزُ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَنَسٍ وَعُرْوَةَ، وَقِيلَ: لَا يُتَنَفَّلُ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرِهِمَا، وَقِيلَ: يُتَنَفَّلُ بَعْدَهَا وَلا يُتَنَفَّلُ قَبْلَهَا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِ، وَالْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا التَّنَفُلُ قَبْلَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدِ اسْتَحَبَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُصَلَّى بَعْدَ عِيدِ الْفِطْرِ اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَبَعْدَ الأَضْحَى سِتّا، وَقِيلَ: هِيَ مِنَ السُّنَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(2)
وَصِفَتُهَا: أَنْ يَتَقَدَّمَ الإِمَامُ مُسْتَقْبِلاً لِلْقِبْلَةِ، فَيَنْوِي فِي ذَلِكَ أَدَاءَ السُّنَّةِ فِي صَلاةِ الْعِيدِ طَاعَةٌ لِلهِ وَلِرَسُولِهِ، وَأَنْ يَكُونَ إِمَامًا لِمَنْ يُصَلِّي وَرَاءَهُ بِصَلَاتِهِ، فَيُوَجِّهُ وَيُحْرِمُ وَيُكَبِّرُ عَلَى أَثَرِ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَام أَرْبَعًا، ثُمَّ يَسْتَعِيدُ وَيَقْرَأُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْمُسْتَحَبُّ مِنَ الْقِرَاءَةِ، فَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ سُورَةَ الأَعْلَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةِ الْغَاشِيَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنِ رَسُولِ اللهِ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ سُورَةَ ق فِي الأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ بِاقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ، وَاسْتَحَبَّ أَصْحَابُنَا أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِسُورَةِ وَالشَّمْسِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةِ وَالضُّحَى، وَيَجْهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ، ثُمَّ إِذَا قَرَأَ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَقْرَأُ، فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَرْكَعُ بِتَكْبِيرَةٍ، وَيَسْجُدُ وَيَتَشَهَدُ وَيُسَلِّمُ. فَهَذَا حُكْمُ مَنْ كَبَّرَ فِيهَا بِسَبْعٍ، وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ عِندَ (1) لا تنافِي فِيمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ مَا ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ الرَّسُولَ ال لَمْ يُصَلِّ قَبْلَ صَلاةِ الْعِيدِ وَلَا بَعْدَهَا، وَبَيْنَ الْمَعْمُولِ بِهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مِنَ التَنفُلِ قَبْلَهَا، فَذَاكَ بِصِفَتِهِ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الرَّسُولِ، وَهَذَا بِصِفَتِهِ نَافِلَة؛ لأَنَّ مُطلَقَ النَّفْلُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ مَنْعٌ بِدَلِيلِ خَاصٌ إِلَّا إِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ فِي جَمِيعِ الأَيَّامِ. ا هـ مُصَححه. (2) وَرَدَ عَنْ سُفيان التَّوْرِي [قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء، ر 625، 2/ 125]: "لَمْ أَجِدْ لَهُ أَصْلاً فِي كَوْنِهِ سُنَّةٌ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَا يُخَالِفُهُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِ التَّابِعِيِّ مِنَ السُّنَّةِ كَذَا، وَأَمَّا قَوْلُ تَابِعِي التَّابِعِيِّ كَذَلِكَ كَالثَّوْرِيِّ فَهُوَ مَقْطُوع".
(3) [رواه مسلم، باب ما يُقرأ في صلاة الجمعة، ر 2065]. (4) [رواه مسلم، باب ما يُقرأ به في صلاة العيدين، ر 2096]. (1/428)
صفحة 429
Matalaplapkalarlackiskiskiskickatakatakaskiskaiskiskiskted
أَصْحَابِنَا: أَبِي عُبَيْدَةَ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُكَبَّرَ فِيهَا بِتِسْعِ كَبَّرَ فِي الْأُولَى بَعْدَ الإِحْرَامِ بِأَرْبَعِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْقِرَاءَةِ بِخَمْسٍ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُكَبِّرُ بِإِحْدَى عَشْرَةً كَبَّرَ فِي الأُولَى بَعْدَ الإِحْرَامِ بِسِتٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ بِخَمْسٍ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُكَبِّرُ بِثَلاثَ عَشْرَةَ كَبَّرَ فِي الأُولَى خَمْسًا، وَفِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ خَمْسًا، وَبَعْدَ الرَّفْعَ مِنَ الرُّكُوعِ ثَلاثًا، وَقِيلَ: يُكَبِّرُ فِي الأُولَى بَعْدَ الإِحْرَامِ سِتَّا، وَفِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ سَبْعًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْمُفْرِدُ إِذَا لَمْ يُحْسِنِ التَّكْبِيرَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَالنَّافِلَةِ، ثُمَّ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ قَامَ إِلَى الْخُطْبَةِ مُفْتَتِحًا لَهَا بِسَبْع تَكْبِيرَاتٍ أَوْ أَكْثَرَ، ثُمَّ إِذَا فَرَغَ مِنَ الْكَلِمَاتِ عَادَ إِلَى التَّكْبِيرِ، ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ بَيْنَهُمَا جَلْسَةٌ، يَذْكُرُ فِي خُطْبَةِ الْفِطْرِ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَسُنَنَهَا، وَيَحُضُّ النَّاسَ عَلَى أَدَائِهَا، وَيَذْكُرُ فِي خُطْبَةِ الْأَضْحَى الضَّحِيَّةَ وَمَا يُجْزِئُ مِنْهَا.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ لِلْعِيدَيْنِ وَتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى الْخُطْبَةِ فِيهما، لِتُبُوتِ ذَلِكَ عَنْهُ)، وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ يَوْمَ الْفِطْرِ أَنْ يُفْطِرُوا قَبْلَ الْغُدُوِّ إِلَى الصَّلاَةِ (3)، وَيَوْمَ الْأَضْحَى بَعْدَ الانْصِرَافِ مِنَ الصَّلاةِ، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي مَشَى عَلَيْهَا، لِتُبُوتِ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّكْبِيرِ بَعْدَهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقِ.
(3)
(1) [رواه البخاري، باب الخروج إلى المصلى بغير منبر، (913].
(2) [رواه أبو داود، كتاب الصوم، باب ما يفطر عليه، ر 2356]. (3) [رواه البخاري كتاب العيدين باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد، (986]. (4) الْبَقَرَة: 185. (1/429)
صفحة 430
قواعد الإس
الفصل التاسع فِي أَحْكَامِ الْجَنَائِزِ
وَيَنْحَصِرُ ذَلِكَ فِي سَبْعِ مَسَائِلَ تَجْرِي مَجْرَى الْأُمَّهَاتِ.
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى فِي آدَابِ الْمُحْتَضِرِ، وَهُوَ أَنْ يُلَقَّنَ الشَّهَادَةَ، لِقَوْلِ الرَّسُولِ: القُنُوا مَوْتَاكُمْ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله (1)، وَاخْتَلَفُوا فِي تَوْجِيهِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَرَأَى ذَلِكَ قَوْمٌ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْمَوْتِ، وَعَلامَتُهُ: إِحْدَادُ نَظَرِهِ وَإِشْخَاصُ بَصَرِهِ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ عَطَاءٍ وَالنَّخَعِي وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَهْل الشَّامِ، وَكَرِهَ ذَلِكَ آخَرُونَ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، ثُمَّ إِذَا قَضَى غَمْضَتْ عَيْنَاهُ، وَاسْتُحِبَّ تَعْجِيلُ دَفْنِهِ، لِقَوْلِهِ: "لاَ يَنْبَغِي أَنْ تُحْبَسَ جِيفَةٌ مُسْلِمٍ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ إِلَّا الْغَرِيقَ وَنَحْوَهُ فَإِنَّهُ يُنتَظَرُ بِهِ (2)، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ قِرَاءَةَ يَس عَلَيْهِ، وَقِيلَ: سُورَةِ الرَّعْدِ؛ لأَنَّهُ قِيلَ: أَهْوَنُ لِقَبْضِ رُوحِهِ وَأَيْسَرُ لِشَأْنِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي غُسْلِهِ، وَيَتَفَرَّعُ مِنْهَا أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ:
الأول: فِي حُكْمِ غُسْلِهِ، وَهُوَ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، لِقَوْلِهِ: أَغْسِلُوا مَوْتَاكُمْ (3).
(1) [رواه مسلم، كتاب الجنائز، باب تلقين الموتى لا إله إلا الله، (2162]. (2) [رواه الربيع، كتاب الجنائز، باب الكفن والغسل، ر 476]. (3) [رواه الربيع، كتاب الجنائز، باب الكفن والغسل، ر 476]. (1/430)
صفحة 431
takatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakashishishize
431
الثَّانِي: فِيمَنْ يَجِبُ غُسْلُهُ مِنَ الْمَوْتَى، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى غَسْلِ الْمَيِّتِ الْمُقِرِّ بِاللهِ وَرَسُولِهِ مَا لَمْ يُقْتَلْ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي غُسْلِ الشَّهِيدِ الْمَقْتُولِ فِي
في
الْمَعْرَكَةِ فِي حَرْبِ الْكُفَّارِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ، لِقَوْلِهِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ: "زَمِّلُوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ وَدِمَائِهِمْ (1)، وَشَذَّ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، فَقَالَا: يُغَسَّلُ؛ لأَنَّ كُلَّ مَيِّتٍ يُجْنِبُ. وَاخْتُلِفَ فِي قَتِيلِ اللَّصُوصِ، فَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ لاَ يُغَسَّلُ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يُغَسَّلُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَجْدُورِ وَمَنْ كَانَ فِي مَعْنَاهُ، فَقِيلَ: يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ إِذَا خِيفَ
أَنْ يَتَهَرَّى لَحْمُهُ، وَقِيلَ: بَلْ يُتَيَمَّمُ لَهُ، وَهَذَا أَعْجَبُ إِلَيَّ.
وَأَمَّا عَلَى مَنْ يَجِبُ غُسْلُهُ: فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرِّجَالَ يُغَسِّلُونَ الرِّجَالَ، وَالنِّسَاءَ يُغَدِّلْنَ النِّسَاءَ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَرْأَةِ تَمُوتُ مَعَ الرِّجَالِ، أَوِ الرَّجُلِ يَمُوتُ مَعَ النِّسَاءِ، فَرُوِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ أَنَّهَا تُغَسَّلُ فِي ثِيَابِهَا، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ، وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ يُصَبُّ عَلَيْهَا الْمَاءُ صَبّا، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَمَالِكِ وَأَهْلِ الرَّأْيِ أَنَّهُ يُتَيَمَّمُ لَهَا، وَبِهَذَا يَقُولُ أَصْحَابُنَا.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: هُوَ التَّرْجِيحُ بَيْنَ تَغْلِيبِ النَّهْيِ عَنِ النَّظَرِ إِلَى بَدَنِ الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ، وَتَغْلِيبِ الأَمْرِ بِغُسْلِهَا، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى التَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ خَرَجَ مِنْ كِلاَ الْوَجْهَيْنِ، إِذِ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ لَيْسَا بِعَوْرَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) [رواه الربيع، كتاب الجهاد، باب في فضل الشهادة، (459]. وَتَمَامُ الْحَدِيثِ: "فَإِنَّ دِمَاءَهُمْ تَعُودُ مِسْكًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". (1/431)
صفحة 432
vickickatakatakatakatakataladala skaistsida akidaichida chiakida takatakatakatakatalajristalat
قواعد الإسلام
وَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ فِيمَا وَجَدْتُهُ إِلَى جَوَازِ غَسْلِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا، لِقُبُوتِ ذَلِكَ: أَنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ وَجَابِرَ بْنَ زَيْدٍ وَأَبَا مُوسَى قَدْ أَوْصَوْا أَنْ تُغَسَّلَهُمْ أَزْوَاجُهُمْ)، وَاخْتَلَفُوا فِي الزَّوْجِ هَلْ يُغَسِّلُ زَوْجَتَهُ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى إِجَازَةِ ذَلِكَ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى مَنْعِهِ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: تَشْبِيهُ الْمَوْتِ بِالطَّلاقِ الْبَائِنِ، فَمَنْ شَبَّهَهُ بِهِ رَأَى أَنَّ الْعِصْمَةَ قَدِ انْقَطَعَتْ بَيْنَهُمَا، إِذَا كَانَ يَجُوزُ لَهُ تَزَوُّجُ أُخْتِهَا، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ عِلَّةَ الْجَمْعِ مُرْتَفِعَةٌ بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ أَجَازَ غَسْلَهَا (2)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تُغَسْلُ الطِّفْلَ الصَّغِيرَ، وَاخْتَلَفُوا فِي سِنِّهِ، فَقِيلَ عَنِ الْحَسَنِ: تُغَسِّلُ الْفَطِيمَ أَوْ فَوْقَهُ بِشَيْءٍ، وَقِيلَ: ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكِ، وَعَنِ الأَوْزَاعِيِّ ابْنَ أَرْبَعِ أَوْ خَمْسٍ، وَأَمَّا الطَّفْلَةُ فَلَا يُغَسِّلُهَا الرَّجُلُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، صَغِيرَةٌ كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: تُغَسِّلُ
الْمَرْأَةُ الطَّفْلَ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ، وَيُغَسِّلُ الرَّجُلُ الصَّغِيرَةَ مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ، وَاللهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي كَيْفِيَّةِ غُسْلِهِ، فَفِي أَثَرِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ تُحْفَرُ حُفْرَةٌ، وَيُوضَعُ عَلَيْهَا بَابٌ وَأَعْوَادٌ، فَتَفْرَشُ الْحَصِيرَةُ عَلَيْهَا بَعْدَ أَنْ تُبَل بِالْمَاءِ، وَيُعْمَلُ عَلَيْهَا مُسْتَحَم بِحِجَارَةٍ عَرِيضَةٍ، ثُمَّ يَلفُ الْغَاسِلُ يَدَهُ إِلَى الرُّسْعَ، وَيَقْعُدُ الرَّجُلُ خَلْفَ الْمَيِّتِ يَرْفَعُهُ عَلَى الْمُسْتَحَمَّ قَلِيلاً، وَيَنْزِعُ ثَوْبَ الْمَيِّتِ بَعْدَ أَنْ تُوضَعَ عَلَيْهِ خِرْقَةٌ تَسْتُرُهُ مِنَ الرُّكْبَةِ إِلَى السُّرَّةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ سُتْرَةٌ، ثُمَّ أُخْرَى (1) وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا غَسَّلَ النَّبِيِّ الله إِلا نِسَاؤُهُ". رواه أبو داود، كتاب الجنائز، باب في ستر الميت عند غسله، ر 3141]. (2) الْجُمْهُورُ عَلَى الْجَوَازِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُصَنِّفُ لِمَا رُوِيَ مِنْ غَسْل عَلِيٌّ فَاطِمَةَ، [رواه البيهقي، باب الرجل يغسل امرأته إذا ماتت، ر 6453]، وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ لِعَائِشَةَ: "لَو مُتَّ قَبْلِي لَغَسَلْتُكِ وَكَفَنْتُكِ". [رواه ابن ماجه، باب ما جاء في غسل الرجل امرأته وغسل المرأة زوجها،
ر 1532]. (1/432)
صفحة 433
قواعد الإس
سلام
بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُمْسِكُ السُّتْرَةَ عَلَيْهِ رَجُلانِ، وَآخَرُ يَسْنِدُهُ مِنْ خَلْفِهِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَآخَرُ يَصُبُّ الْمَاءَ، فَيَقْعُدُ الْغَاسِلُ حَيْثُ أَمْكَنَهُ غَسْلُ الْمَيِّتِ، فَيَبْدَأُ بِغَسْل
(1)
يَدَيْهِ، ثُمَّ يَسْتَنْجِي لَهُ بِيَدِهِ الْمَلْفُوفَةِ مِنَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ لَهُ، ثُمَّ يَسْتر عَوْرَتَهُ فَيُضْجَعُ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ فَيُغْسَلُ، ثُمَّ عَلَى شِقِّهِ الأَيْسَرِ فَيُغْسَلُ، وَيُمِرُّ الْمَاءَ مَعَ الْيَدِ عَلَى جَمِيعِ أَعْضَائِهِ وَجَسَدِهِ مَعَ الدَّلْكِ، وَيَبْدَأُ بِمَيَامِنِهِ قَبْلَ مَيَاسِرِهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُغَسَّلَ ثَلَاثًا، وَالْوَاحِدَةُ تُجْزِئُ.
ردو (2)
وَفِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ النَّبِي قَالَ لِلنِّسْوَةِ لَمَّا تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَاغْسِلْنَهَا بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَاذِنَّنِي، فَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حَقْوَهُ وَقَالَ: "أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ (3)، وَفِي أَثَرِ أَصْحَابِنَا مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ أَنَّ الْمَيِّتَ إِذَا لَمْ يَنْقَطِعْ بَلَلُهُ، أَوْ كَانَ مَفْتُوحَ الْفَم أَوِ الْعَيْنَيْنِ، أَوْ تَعَلَّقَتْ بِهِ قُرَادَةٌ مَنْجُوسَةٌ لا يُمْكِنُ نَزْعُهَا، وَبِالْجُمْلَةِ كُلُّ مَا يَمْنَعُهُ الْغُسْلَ فِي حَيَاتِهِ فَإِنَّهُ يُتَيَمَّمُ لَهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الأَخْذُ مِنْ شَعْرِ الْمَيِّتِ، وَلَا أَظْفَارِهِ، وَلَا يُعْصَرُ بَطْنُهُ، أَيْ: عَصْرًا قَوِيًّا، وَلَا يُشَقُّ بَطْنُ حَامِلَةٍ).
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي التَّوْقِيتِ فِي غُسْلِهِ، فَاعْتَبَرَ بَعْضُهُمْ فِيهِ الْوِتْرَ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، وَلَمْ يَعْتَبِرُ بَعْضُهُمْ فِيهِ إِلا الإنْقَاءَ وَالتَّنْظِيفَ، وَأَنَّ الْوَاحِدَةَ تَكْفِي،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) الظَّاهِرُ: عَلَى جَنْبِهِ الأَيْسَرِ، فَيُغَسْلُ ثُمَّ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ فَيُغَسَّلُ. تَأَمَّلُ.
(2) زَيْنَ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ. [باب في غسل الميت، ر 2216] (3) [رواه الربيع، باب الكفن والغسل، (475]، [(فأذنني): من الإيذان وهو الإعلام، (حقوه): إزاره، (أشعرنها): أي اجعلنه شعارا، وهو الثوب الذي يلي الجسد]. (4) قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا مَاتَتْ وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ حَيٍّ وَجَبَ شَقُّ بَطْنِهَا لِإِخْرَاجِ الْجَنِينِ، إِذَا كَانَتْ حَيَاتُهُ مَرْجُوَّةً، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِوَاسِطَةِ الأَطِباءِ الثَّقَاتِ. (1/433)
صفحة 434
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ فِي تَكْفِينِهِ، وَهُوَ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ: كَفْنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ)، وَالْمُسْتَحَبُّ فِي لَوْنِ الْكَفَنِ الْبَيَاضُ لِقَوْلِهِ: "عَلَيْكُمْ بِالشَّيَابِ الْبِيضِ الْبِسُوهَا أَحْيَاءَكُمْ وَكَفْنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ (3)، وَأَمَّا جِنْسُهُ: فَالْكِتَانُ وَالْقُطْنُ وَكُلُّ مَلْبُوسِ جَائِزٌ لِبَاسُهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، وَلَا يُكَفِّنُ فِي الْحَرِيرِ إِلا إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ تَحْسِينَ الْكَفَنِ، لِقَوْلِهِ: إِذَا وَلي أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ (3)،
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ لله: قَالَ: لاَ تُغَالُوا فِي كَفَنِي، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيِّ كُفْنَ فِي ثَلَاثَةِ أَنْوَابِ بِيضِ سُحُولِيَّةٍ يَمَانِيَةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصُ وَلَا عِمَامَةٌ، وَأُدْرِجَ فِيهَا إِدْرَاجا))، وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كُفْنَ فِي ثَلاثَةِ أَيْضًا، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَحَبُّ الأَكْفَانِ مَا كُفْنَ فِيهِ النَّبِيُّ، وَيُجْزِئُ مَا كُفْنَ فِيهِ مِنْ ثَوْبِ أَوْ تَوْبَيْنِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ كَفَّنَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي خُمْرَةٍ، فَكَانَ إِذَا غُطِّيَ بِهَا رَأْسُهُ خَرَجَتْ رجلاهُ، وَإِنْ غُلِّي بِهَا رِجَلاهُ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "غَطُوا بِهَا رَأْسَهُ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الإِذْخِرِ (5)، وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ ثَوْبٌ سَاتِرٌ لِجَمِيعِ الْجَسَدِ، وَلَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ فِي كَفَنِ الرَّجُلِ ثَلَاثَةُ أَثْوَابِ.
I
وَاخْتُلِفَ فِي كَفَنِ الْمَرْأَةِ، فَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ اسْتَحَبُّوا فِيهِ خَمْسَةَ أَثْوَاب دِرْعٍ وَخِمَارٍ، وَلِفَافَتَيْنِ، وَثَوْبِ لَطِيفٍ لِيُشَدَّ عَلَى وَسَطِهَا يُجْمَعُ بِهَا ثِيَابُهَا، (1) [رواه البخاري، كتاب أبواب الإحصار وجزاء الصيد باب المحرم يموت بعرفة ... ، ر 1849]. وَالتَّوْبَانِ هُمَا الإِزارُ وَالرِّدَاءُ.
،
(2) [رواه الربيع كتاب الجنائز، باب الكفن والغسل، ر 471]. (3) [رواه مسلم عن جابر بن عبد الله بلفظه، كتاب الجنائز، باب في تحسين كفن الميت، ر 2228، بلفظ: "إذا كفن أحدكم ... "]. (4) [رواه الربيع، باب الكفن والغسل، ر 474، " قال الربيع السحولية ثياب من موضع يسمى سحولا، وهو موضع بأرض اليمن"] (0) [رواه البخاري، باب غزوة أحد را 382]. وَالإِذْخِرُ: حَشِيشَةٌ طَيِّبَةُ الرَّائِحَةِ تُسَقَفُ بِهَا الْبُيُوتُ
فَوْقَ الْخَشَبِ. (1/434)
صفحة 435
datakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatas.
وَقِيلَ: يُجْزِئُ دِرْعٌ وَخِمَارٌ، وَلِفَاقَةٌ تُدْرَجُ فِيهَا، وَيُجْزِئُ فِي كَفَنِ الصَّبِيِّ: الصَّبِيِّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ أَوْ إِزَارٌ أَوْ خِرْقَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى تَغْطِيَةِ رَأْسِ الْمَيِّتِ مَا خَلاَ الْمُحْرِمَ، فَإِنَّ السُّنَّةَ فِيهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ: يُغَسَّلُ الْمُحْرِمُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَيُكَفِّنُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا يَمَسُّ طِيبًا، وَلَا يُخَمَّرُ رَأْسُهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبَيَا، وَيُكْشَفُ رَأْسُ الْمُحْرِمِ مِنَ الْكَفَنِ وَوَجْهُ الْمُحْرِمَةِ،
(1)
وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلا يُكَفِّنُ الْمَيِّتُ فِي الثَّوْبِ الْمَنْجُوسِ، وَلَا فِي جَمِيعِ مَا لَا يُصَلَّى بِهِ مِنَ الْجُلُودِ وَغَيْرِهَا، إِلَّا فِي حَالِ الاضْطِرَارِ.
وَأَجْمَعَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْكَفَنَ إِنَّمَا يُخْرَجُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ قَبْلَ الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ، وَمَنْ لا مَالَ لَهُ فَلْيُكَفِّنْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَكَفَنُهُ عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُبَخَّرَ الْمَيِّتُ بَعُودٍ إِنْ تَيَسَّرَ، ثُمَّ يُلَقُ الْكَفَنُ عَلَيْهِ، وَيُشَدُّ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ، وَقِيلَ: يُخَاطُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: فِي صِفَةِ الْمَشْيِ مَعَ الْجَنَازَةِ وَاتَّبَاعِهَا، وَقَدْ صَحَ أَنَّ النَّبِيَّ أَمَرَ بِعِيَادَةِ الْمَرْضَى وَاتَّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَاخْتَلَفُوا فِي حَمْلِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مُوَقِّتُ تُحْمَلَ مِنْ حَيْثُ شَاءَ حَامِلُهَا، وَيُسْرِعُ بِهَا، لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ (3)، وَقِيلَ: يَرْفُقُ بِهَا، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي جَنَازَةِ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ: "لا تُزَلْزِلُوا وَارْفُقُوا، فَإِنَّهَا أُتُكُمْ"، وَاللهُ أَعْلَمُ.
:
(1) [رواه الربيع، كتاب الحج، باب في غسل المحرم، ر 403 - 404]. (2) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله: " أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةٌ فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُنْ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ" [رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب السرعة بالجنازة، (1315]. وَالإِسْرَاعُ هُنَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيْنِ: الإِسْرَاعُ بِالْجَنَازَةِ فِي السَّيْرِ بِهَا إِلَى مَقَرَّهَا الأَخِيرِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقِيلَ: الإِسْرَاعُ أنْ لا يُتباطأ بِالْمَيِّتِ عَنِ الدَّفْنِ. (1/435)
صفحة 436
قواعد الإسلام
أَنَّ
وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمُ الْمَشْيَ خَلْفَهَا، وَبَعْضُهُمْ أَمَامَهَا، وَرَوَوْا أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ، وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ (1)، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الرَّاكِبَ فِيهَا كَالْجَالِسِ فِي أَهْلِهِ، وَعَنْ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ أَنَّ لِلْمَاشِي فِيهَا قِرَاطَيْنِ، وَلِلرَّاكِبِ قِيرَاطًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَا يَنْبَغِي لِلنِّسَاءِ أَنْ يَتْبَعْنَ الْجَنَازَةَ، لِتُبُوتِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِطَرْدِ امْرَأَةٍ رَأَىهَا فِي الْجَنَازَةِ، فَطُرِدَتْ حَتَّى لَمْ يَرَهَا (2)، وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لِنِسَاءٍ رَأَىهُنَّ فِي جَنَازَةٍ: "أَتَحْمِلْنَهُ فِيمَنْ يَحْمِلُهُ؟ " قُلْنَ: لَا، فَقَالَ: "أَفَتُدْخِلْنَهُ فِي قَبْرِهِ مَعَ مَنْ يُدْخِلُهُ؟ فَقُلْنَ: لَا، قَالَ: "أَفَتَحْثِينَ عَلَيْهِ فِيمَنْ يَحْنِي؟ " قُلْنَ: لا، قَالَ: فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ (3)، وَقِيلَ: كَانَ مَسْرُوقٌ يَحْيِي فِي وُجُوهِهِنَّ التُّرَابَ وَيَطْرُدُهُنَّ، فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْنَ وَإِلَّا رَجَعَ، وَكَانَ الْحَسَنُ يَطْرُدُهُنَّ، فَإِذَا لَمْ يَرْجِعْنَ لَمْ يَرْجِعْ، وَيَقُولُ: لَا نَدَعُ حَقًّا لِبَاطِلِ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ لِلنِّسَاءِ فِي الْجَنَازَةِ نَصِيبٌ.
(1) [رواه الترمذي، باب ما جاء في الصلاة على الأطفال، ر 1031]. (2) الَّذِي أَبْصَرَ الْمَرْأَةَ هُوَ عُمَرُ لَا النَّبِيُّ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "إِنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي جَنَازَةٍ فَرَأَى عُمَرُ امْرَأَةٌ فَصَاحَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: دَعْهَا يَا عُمَرُ، فَإِنَّ الْعَيْنَ دَامِعَةٌ، وَالنَّفْسَ مُصَابَةٌ، وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ ". [رواه النسائي، باب الرخصة في البكاء على الميت، ر 1859]. نَعَمْ يُكْرَهُ اتِّبَاعُ النِّسَاءِ الْجَنَازَةَ، لِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: نُهِينَا أَنْ نَتَّبِعَ الْجَنَائِرَ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا". [رواه البخاري، باب اتباع النساء الجنائز، ر 1219]. (3) [رواه ابن ماجه، باب ما جاء في اتباع النساء الجنائز، ر 1578] بلفظ: " عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ لا فَإِذَا نِسْوَةٌ جُلُوسٌ فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُنَّ؟ قُلْنَ: تَنتَظِرُ الْجَنَازَةَ، فَقَالَ: هَلْ تَغَسَلْنَ؟ قُلْنَ: لَا. قَالَ: هَلْ تَحْمِلْنَ؟ قُلْنَ لاَ قَالَ: هَلْ تُدْلِينَ فِيمَنْ يُدْلِي؟ قُلْنَ: لَا. قَالَ: فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ". (1/436)
صفحة 437
قواعد الإسلام"
وَيُسْتَحَبُّ خَفْضُ الصَّوْتِ فِي الْجَنَازَةِ، وَأَنْ لَا يَجْلِسَ حَتَّى تُوضَعَ عَنْ أَعْنَاقِ الرِّجَالِ (1)، وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ يَكْرَهُونَ رَفْعَ الصَّوْتِ فِي الْجَنَازَةِ، وَعِنْدَ الْقِتَالِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَفِيهَا ثَلَاثَةُ مباحث:
في.
المبحث الأول
حُكْمِهَا وَصِفَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ
أَمَّا حُكْمُهَا فَهِيَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، إِذَا قَامَ بِهَا الْبَعْضُ أَجْزَأَ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِنْ تَرَكَهَا الْجَمِيعُ هَلَكُوا، وَيَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهَا قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "الصَّلَاةُ عَلَى
(Y),,
الْمَوْتَى الْمُقِرِّينَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاجِبَةٌ)، وَخَصَّ أَصْحَابُنَا بِالْمَنْعِ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى مَانِعِ الْحَقِّ، وَالآبِقِ، وَالْمَرْأَةِ الْعَاصِيَةِ، وَالْبَاغِيَةِ، وَالْقَاعِدَةِ عَلَى فِرَاشِ الْحَرَامِ، فَلاَ أَدْرِي بِأَيِّ حُجَّةٍ احْتَجُوا وَلَا بِأَيِّ دَلِيلِ اسْتَدَلُوا، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ لَمْ يُجِزِ
(1) لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ قَالَ: [إذا رأيتم الجنازة فقوموا فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع "، باب من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع على مناكب الرجال ... ، ر 1248]. (2) رَوَاهُ الرَّبِيعُ بِلَفْظِ: " الصَّلَاةُ عَلَى مَوْتَى أَهْلِ الْقِبْلَةِ الْمُقِرِّينَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَاجِبَةٌ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ [باب الحجة على من لا يرى الصلاة على موتى أهل القبلة ولا يرى الصلاة خلف
کل بار وفاجر، ر 776].
(3) يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُمْ مُبَالَغَةٌ فِي الزَّجْرِ عَنْ هَذِهِ الْمُخَالَفَاتِ الشَّيعَةِ، قِيَاسًا عَلَى امْتِنَاعِ الرَّسُولِ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَدِينِ الَّذِي لَمْ يَتْرُكْ فَضْلاً، وَأَمرِهِ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ، وَعَلَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي قَاتِلِ نَفْسِهِ بِمَشَاقِصَ: "أَمَّا أَنَا فَلَا أُصَلِّي عَلَيْهِ" [رواه مسلم، كتاب الجنائز، باب ترك الصلاة على القاتل نفسه، ر 2309]، فَصَلَّى عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ [مشاقص: جمع مشقص، وهو: النصل الطويل العريض، والسهم ذو النصل العريض. (المعجم الوسيط مادة "شقص")]، وَإِلَّا فَإِنَّ مَا جَرَى عَلَيْهِ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ أَنْ يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمَحْدُودٍ وَمَرْجُومٍ وَقَاتِلِ نَفْسِهِ وَوَلَدِ الزِّنَى وَأُمِّهِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ: صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَصَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" [رواه الدارقطني، باب صفة من تجوز الصلاة معه والصلاة عليه، (3]، وَلَقَدِ اسْتَقَرَّ نِظَامُ الْعَرَابَةِ فِي مِيزَابَ عَلَى قَاعِدَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ آرَاءِ الْفُقَهَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ: ذَلِكَ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ، لَكِنْ لَا مِنْ قِبل (1/437)
صفحة 438
واعد الإنس
الصَّلاةَ عَلَى أَهْلِ النِّفَاقِ وَأَهْلِ الْكَبَائِرِ وَأَهْلِ الْبَغْيِ وَالْبِدَعِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ قُتِلَ فِي حَدٌ، أَو قَتَلَ نَفْسَهُ، أَوْ وَلَدِ الزِّنَى، وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الشُّهَدَاءِ
(4)
الْمَقْتُولِينَ فِي الْمَعْرَكَةِ (3)، وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ الصَّلاةَ عَلَى أَهْلِ النِّفَاقِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم، وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ فَلاَ اخْتِلافَ فِي تَكْفِيرِهِمْ، وَأَمَّا قَاتِلُ نَفْسِهِ فَرُوِيَ أَنَّ النَّبِي لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ، وَالَّذِي عِنْدِي أَنَّ النَّبِيِّ أمر بِالصَّلاةِ عَلَى أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُمْ أَحَدًا، بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَيُصَلَّى عَلَى الطَّفَلِ إِنْ صَحَتْ حَيَاتُهُ، وَكَذَلِكَ وَلَدُ الزِّنَى يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُتَوَلَّى إِنْ كَانَ أَهْلَا لِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْفُضَلاءِ، لِهَذَا اشْتَمَلَ هَذَا النِّظَامُ عَلَى هَيْئَةٍ رَئِيسِيَّةٍ تَقُومُ بِالْفَرْضِ الْكَفَائِيُّ إِزَاءَ عُمُومِ الْمَوْتَى الْمُقِرِّينَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَعَلَى هَيْئَةٍ ثَانَوِيَّةٍ تَتَوَلَّى بَدَلاً مِنَ الرَّئِيسِيَّةِ الْقِيَامَ بِمَوْتَى الْفَرِيقِ الْمُنْحَرِفِ، وَهَكَذَا يَتَحَقِّقُ بِفَضْل ذَلِكَ غَرَضُ الشَّارع، وَهُوَ حَمْلُ هَؤُلَاءِ الْمُنْحَرِفِينَ وَسَائِرِ الْفُسَّاقِ عَلَى الانْزِجَارِ، فَشَرِدْ بِهِم مِّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَكَرُونَ} (الأنفال: 57) اهـ مُصَححه. (1) الْمَشْهُورُ أَنْ يُغَسَّلَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَسْلَمَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ، فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَى، فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ: إِنَّكَ مَجْنُونٌ؟ قَالَ: لا. قَالَ: أَحْصِنَتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ بِالْمُصَلَّى الْمَكَانِ الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ الْعِيدُ)، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ فَرَّ، فَأُدْرِكَ فَرُحِمَ حَتَّى مَاتَ فَقَالَ لَهُ - أَيْ عَنْهُ - النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خَيْرًا، وَصَلَّى عَلَيْهِ باب الرجم بالمصلى، ر 6434. ولكن روي بأنه لم يصل عليه، كما روى ذلك أبو داود، باب رجم ماعز بن مالك ر 4432، والترمذي، باب ما جاء في درء الحد عن المعترف إذا رجع ر 1429، وكذلك النسائي والدارقطني والبيهقي وغيرهما، وَكَذَلِكَ الْعَامِدِيَّةُ بَعْدَ أَنْ رُجِمَتْ أَمَرَ بِهَا أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهَا فَدُفِنَتْ [رواه مسلم، باب من اعترف على نفسه بالزنا، ر 4528]. (2) قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْقَاضِي: مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةٌ الصَّلاةُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمَحْدُودٍ وَمَرْجُومٍ وَقَاتِلِ نَفْسِهِ وَوَلَدِ الزِّنَى [شرح صحيح مسلم، 47/ 7]، وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَى الْغَالَ وَقَاتِلَ نَفْسِهِ، فَلَعَلَّهُ لِلزَّجْرِ عَنْ هَذَا الْفِعْلِ، كَمَا امْتَنَعَ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَدِينِ، وَأَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ. اهـ
مُصَححه.
(3) الرَّاجِحُ أَنَّ الشَّهِيدَ الَّذِي قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ بِأَيْدِي الْكُفَّارِ لا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيُّ عَلَك أَمَرَ بِدَفْنِ شُهَدَاءِ أَحَدٍ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسْلُهُمْ، وَلَمْ يُصَل عَلَيْهِمْ. [رواه أبو داود، باب في الشهيد يغسل، ر 3137].
(4) التَّوْبَة: 84. (1/438)
صفحة 439
valatakatakatakatakatakatakataka da slatslaidaisladlatakidladate
24390
قواعد الإس
وَأَمَّا صِفتها (1): فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي عَدَدِ تَكْبِيرِهَا (2) وَقِرَاءَتِهَا وَالدُّعَاءِ فِيهَا، لَكِنِ الْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا: أَنْ يُوضَعَ الْمَيِّتُ عَلَى سَرِيرٍ طَاهِرٍ فِي مَكَانٍ طَاهِرٍ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلاً بِهِ الْقِبْلَةَ، رَأْسُهُ مِمَّا يَلِي الْمَغْرِبَ، وَرِجْلَاهُ مِمَّا يَلِي الْمَشْرِقَ، فَيَتَقَدَّمُ لِلصَّلاةِ عَلَيْهِ وَلِيُّهُ إِذَا حَضَرَ أَوْ مَنْ أَمَرَهُ، أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِنْ لَمْ يَحْضُرْ، فَيَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَيِّتِ مِقْدَارَ سُجُودِهِ بَعْدَ أَنْ يَأْتِيَ بِشُرُوطِ الصَّلَاةِ فِي نَفْسِهِ وَفِي الْمَيِّتِ، وَيَسْتَقْبِلُ مِنَ الذَّكَرِ صَدْرَهُ، وَمِنَ الأُنثَى رَأْسَهَا، وَيَعْقِدُ النِّيَّةَ، فَيَقُولُ: اللهُمَّ إِنَّ نِيَّتِي وَاعْتِقَادِي أَنْ أُصَلِّي صَلاَةَ الْمَيِّتِ طَاعَةٌ لَكَ وَلِرَسُولِكَ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْجَلِيل الْكَبِيرِ سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ، ثُمَّ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ سِرًّا فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ يُكَبَر ثَانِيَةً، ثُمَّ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ أَيْضًا سِرًّا، ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَالِثَةٌ، ثُمَّ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنَّ هَذَا عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ وَنَحْنُ عَبِيدُكَ بَنُو عَبِيدِكَ بَنُو إِمَائِكَ، تَوَفَّيْتَهُ وَأَبْقَيْتَنَا بَعْدَهُ، اللهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلا تَفْتِنَا بَعْدَهُ آمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، ثُمَّ يُكَبِّرُ رَابِعَةٌ فَيُسَلَّمُ. هَكَذَا الصَّلَاةُ عَلَى عَامَّةِ الأَمْوَاتِ: أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ، وَتَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ، لَيْسَرَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلاَ سُجُودٌ وَلَا تَشَهُدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ أُنْثَى قَالَ: اللهُمَّ إِنَّ هَذِهِ أَمَتُكَ، فَيُخَاطِبُهَا بِلَفْظِ التَّأْنِيثِ فِي جَمِيعِ خِطَابِهَا، وَإِنْ كَانَ طِفْلاً زَادَ فِي دُعَائِهِ: اللهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا سَلَفًا وَفَرطًا وَأَجْرًا وَذُخْرًا عِنْدَكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَلَّى تَرَحْمَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَبْدِلْ لَهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَقَرَارًا خَيْرًا مِنْ قَرَارِهِ، وَأَهْلاً خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَوَسُعْ عَلَيْهِ
(1) [انظر: المعتصم المعولي المعتمد في فقه الصلاة، ص 363 - 365].
(2) أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ أَرْبَعًا وَخَمْسًا، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى أَرْبَعِ. وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ وَجْهِ آخَرَ عَنْ سَعِيدٍ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي وَائِلِ قَالَ: كَانُوا يُكَبِّرُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعًا وَخَمْسًا وَسِتّاً وَعَشْرًا، فَجَمَعَ عُمَرُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ، فَأَخْبَرَ كُلِّ بِمَا رَأَى، فَجَمَعَهُمْ عُمَرُ عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ". (1/439)
صفحة 440
د الإسـ
لَحْدَهُ، وَأَلْحِقْهُ بِنَبِيِّكَ، وَأَصْعِدْ رُوحَهُ مَعَ أَرْوَاحِ الصَّالِحِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، ثُمَّ يُكَبِّرُ رَابِعَةً وَيُسَلِّمُ فِي جَمِيعِ مَا قَدَّمْنَا. وَتُصَلَّى صَلَاةُ الْمَيِّتِ بِالْجَمَاعَةِ وَبِالانْفِرَادِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
المبحث الثاني
فِي مَوَاضِعِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَأَوْقَاتِهَا
وَهُوَ كُلُّ مَوْضِعِ طَاهِرٍ تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَجَازَ
بَعْضُهُمُ الصَّلاةَ فِيهِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ آخَرُونَ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُهَا، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى عَلَى سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ (1)، وَاخْتُلِفَ فِيهَا
11
بَيْنَ الْقُبُورِ، وَالصَّحِيحُ كَرَاهِيَتُهَا، لِبُوتِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ. وَأَمَّا وَقْتُ صَلاتِهَا: فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ فِي كُلِّ وقت، إلا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَعِنْدَ تَوَسُّطِهَا حَتَّى تَزُولَ، وَعِنْدَ غُرُوبِهَا حَتَّى يَسْتَكْمِلَ غُرُوبُهَا لِثْبُوتِ النَّهْي عَنِ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
(1) رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: "وَاللهِ لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ"؛ أَي: بِالْقَسَمِ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ رَدًّا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهَا صَلاتَهَا عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَتْ: "مَا أَسْرَعَ وَمَا أَنْسَى النَّاسَ وَاللهِ لَقَدْ صَلَّى .... الْحَدِيثِ. وَبَصِيغَةِ الثنيةِ فِي ابْنَي بَيْضَاءَ، وَهُمَا: سَهْلٌ، وَسُهَيْلٌ، وَبَيْضَاءُ اسْمُهَا " دَعْدٌ، وَالْبَيْضَاءُ وَصْفٌ، وَأَبُوهُمَا وَهْبُ: رَبِيعَةَ الْقُرَشِيُّ الْفِهْرِيُّ. (2) لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: "ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّي فِيهِنَّ وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةٌ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (1/440)
صفحة 441
المبحث الثالث
قواعد الإس
فِي شُرُوطِ صَلَاةِ الْمَيِّتِ
وَقَدِ اتَّفَقَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِهَا الطَّهَارَةَ، كَمَا أَنَّ مِنْ شُرُوطِهَا الاسْتِقْبَالَ لِلْقِبْلَةِ بِهَا، وَاخْتُلِفَ فِي التَّيَمُّمِ فِيهَا إِذَا خِيفَ فَوَاتُهَا، فَأَجَازَهُ بَعْضُ،
وَمَنَعَ مِنْهُ آخَرُونَ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ: قِيَاسُهَا عَلَى الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، فَمَنْ شَبَّهَهَا بِالْفَرِيضَةِ
أَنَّ
أَجَازَ التَّيَمُّمَ عِنْدَ فَوَاتِ وَقْتِهَا، وَمَنْ لَمْ يُشَبِّهَهَا لَمْ يُجِزِ التَّيَمُّمَ؛ لأَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا بِغَيْرِ طَهَارَةٍ، وَعِنْدَهُمْ اسْمَ الصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ لا يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ الدُّعَاءِ؛ إذْ لَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ فِي الدَّفْنِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَانًا (5) أَحْيَاء وَأَمْوَنَا، وَقَوْلُهُ: فَبَعَتَ اللَّهُ غُرَابًا يبْحَثُ فِي الْأَرْضِ له (2)، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "احْفِرُوا وَوَسُعُوا وَادْفِنُوا
الاثنينِ وَالثَّلَاثَةَ، وَقَدِّمُوا أَكْثَرَ الْقَوْمِ قُرْآنًا (3).
(1) الْمُرْسَلات: 25 - 26.
(2) الْمَائِدَة: 31.
(3) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتُّرْمِذِيُّ وَصَحْحَهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ لا يَوْمَ أُحُدٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْحَفْرُ عَلَيْنَا لِكُلِّ إِنْسَانٍ شَدِيدٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "احْفِرُوا، وَأَعْمِقُوا، وَأَحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الاثْنَيْنِ وَالثَّلاثَةَ فِي قَبْرِ وَاحِدٍ". فَقَالُوا: فَمَنْ نُقَدِّمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا". وَكَانَ أَبِي ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ. [النسائي: المجتبى، باب ما يستحب من
إعماق القبر، ر 2010]. (1/441)
صفحة 442
Judaichicktektekatelaidatskatelaisladlaslaska da da dadadada da da da da da gladly
وَلا بُدَّ لِلْمَيِّتِ مِنْ حُفْرَةٍ تُحْرِزُهُ عَنِ السَّبَاعِ، وَتَكْتُمُ رَائِحَتَهُ عَنِ النَّاسِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لأَنَّهُ أَوْصَى أَنْ يُعَمَّقَ قَبْرُهُ قَامَةٌ وَسِطَةٌ، وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَوْصَى فَقَالَ: احْفِرُوا لِي وَلَا تُعَمِّقُوا، فَإِنَّ خَيْرَ الْأَرْضِ أَعْلَاهَا، وَشَرَّهَا أَسْفَلُهَا. وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ أَنْ تُحْفَرَ إِلَى الرُّكْبَتَيْنِ، فَإِنْ زَادَتْ فَإِلَى الْحِقْوَيْنِ، فَإِنْ زَادَتْ فَإِلَى الْمَنْكِبَيْنِ، وَلاَ يَتَجَاوَزُ ذَلِكَ، وَأَمَّا طُولُهَا فَعَلَى قَدْرِ الْمَيِّتِ وَزِيَادَة أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ، وَعَرْضُهَا ثَلاثَةُ أَشْبَارٍ، وَلا يُقْتَلُ فِيهَا مَا لَهُ رُوحٌ، وَيَكُونُ الْحَافِرُ مُشْتَمِلاً عَلَى عَوْرَتِهِ، وَلاَبِسًا سَرَاوِيلَ، وَلاَ يَنينُ فِي حَالِ الْحَفْرِ، وَلَا يَتْفُلُ فِي الْقَبْرِ وَلَا فِي يَدَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَاللَّحْدُ أَفْضَلُ مِنَ الضَّرِيحِ مَعَ إِمْكَانِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَلْيَكُنْ فِي نَاحِيَةِ الْقِبْلَةِ، وَيُدْخَلُ الْقَبْرَ مِنْهَا، وَيُوضَعُ تُرَابُهُ خَلْفَهُ أَوْ حَيْثُ
أَمْكَنَهُ.
وَاخْتَلَفُوا مِنْ أَيْنَ يُؤْخَذُ عِنْدَ إِدْخَالِهِ فِي الْقَبْرِ، فَقَالَ قَوْمٌ: يُسَلُّ سَلاً مِنْ عِنْدِ رِجْلِ الْقَبْرِ، وَقِيلَ: يُؤْخَذُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ مُعْتَرِضًا، وَخَيَّرَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ أَيِّ جهَةٍ شَاءَ، وَيُضْجَعُ الْمَيِّتِ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلا لِلْقِبْلَةِ، وَتَمْدِيدُهُ الْيُمْنَى مَعَ جَسَدِهِ، وَتُحَلُّ الْعُقَدُ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ، وَيُعْدَلُ رَأْسُهُ بِالتُّرَابِ لِئَلَّا يَتَصَوَّبَ، وَكَذَلِكَ رِجَلاهُ، وَيُرْفَقُ بِهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَأَنَّهُ حَيٌّ، وَيَقُولُ وَاضِعُهُ: بِاسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ. وَإِنْ كَانَ مُتَوَلَّى قَالَ: وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَيُسْتَرُ الْقَبْرُ بِالتَّوْبِ مِنْ أَوَّلِ إِدْخَالِهِ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ امْرَأَةَ تَوَلَّى إِدْخَالَهَا فِي الْقَبْرِ زَوْجُهَا مِنْ أَسْفَلِهَا وَمَحَارِمُهَا مِنْ أَعْلَاهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ إِذَا وُضِعَ فِي اللَّحْدِ نُزِّدَتِ اللَّبِنُ عَلَى فُرج اللَّحْدِ لِتَمْنَعَ عَنْهُ التُّرَابَ، ثُمَّ يُهَالُ عَلَيْهِ التُّرَابُ، وَيَحْيِي كُلُّ مَنْ دَنَا حَشَيَاتٍ، وَلَا يُرْفَعُ الْقَبْرُ إِلا بِقَدْرِ شِبْرٍ، وَلاَ يُجَصَّصُ وَلَا يُطَيَّنُ، وَيُوضَعُ الْحَجَرُ عَلَى رَأْسِ الْقَبْرِ، وَيُسَوَّى تُرَابُهُ، وَيُدِيرُ عَلَيْهِ الْقَوْمُ خُطُوطًا بِأَرْجُلِهِمْ وَهُمْ يَقْرَءُونَ (1/442)
صفحة 443
443
أَوَّلَ سُورَةِ يَس إِلَى قَوْلِهِ: فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) وَيَنْصَرِفُونَ عَنِ الْقَبْرِ، وَلَا يَتَلَفَّتُونَ
إِلَيْهِ.
مَسْأَلَة [في التعزية]: وَيُعَزَّى وَلِيُّ الْمَيِّتِ بَعْدَ الْفَرَاغَ مِنْ أَمْرِهِ فِي الْبُعْدِ عَنْ
قَبْرِهِ أَوْ فِي مَنْزِلِهِ.
وَمَعْنَى التَّعْزِيَةِ: الْحَمْلُ عَلَى الصَّبْرِ لِوَعْدِ الْأَجْرِ، وَيُدْعَى لِلْمُسْلِمِ بِالصَّبْرِ وَحُسْنِ الْعَزَاءِ وَالثَّوَابِ فِي الآخِرَةِ، وَغَيْرِ الْمُسْلِمِ يُدْعَى لَهُ بِالْخَلَفِ وَمَا يُمْكِنُهُ مِنْ دُعَاءِ الدُّنْيَا، وَيَرُدُّ الْجَوَابَ الْمُعَنِّي لِمَنْ عَزَّاهُ بِمَا يَسْتَحِقُهُ، إِنْ كَانَ مُسْلِمًا دَعَا لَهُ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَغَيْرُ الْمُسْلِمِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا فَقَطْ.
وَلَا يُعَزّى أَهْلُ الْفِتْنَةِ وَقُطَّاعُ الطُّرُقِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَيُعَزَّى عَلَيْهِمْ قَرِيبُهُمْ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، ويُعَزَّى الْمُسْلِمُ وَلَوْ مَضَى عَلَيْهِ زَمَانٌ كَثِيرٌ، وَغَيْرُ الْمُسْلِمِ مَا دُونَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ، وَيُسْتَحَبُّ تَهْيِئَةُ الطَّعَامِ لأَهْلِ الْمَيِّتِ مَا لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَى نِيَاحَةٍ، لِقَوْلِ النَّبِيُّ الأَهْلِهِ: "اصْنَعُوا لآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَإِنَّهُمْ مَشْغُولُونَ يمتهم (2)، وَالْبُكَاءُ جَائِزٌ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ غَيْرِ نِيَاحَةٍ وَجَزَعٍ وَضَرْبٍ خَدٌ وَشَقٌ ثَوْبٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ، لِنَهْيِ الرَّسُولِ الله عَنْ ذَلِكَ.
(1):يس الآيات -1 - 9
(2) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَةَ وَالتُّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ بِلَفْظِ: "فَإِنَّهُ قَدْ أَنَاهُمْ أَمْرٌ يَشْغَلُهُمْ". وَلَقَدِ انْعَكَسَتِ الْقَضِيَّةُ لِطُولِ الزَّمَنِ، فَأَصْبَحَ أَهْلُ الْمَيِّتِ هُمُ الَّذِينَ يُطْعِمُونَ الْوَافِدِينَ عَلَيْهِمْ أَيَّامَ الْمَآتِمِ الأَمْرُ الَّذِي اضْطَرَ الآبَاءَ - شَفَقَةً عَلَى الأَبْنَاءِ - أَنْ يُوصُوا بِمَا يُطْعِمُونَهُ تِلْكَ الأَيَّامَ. هَذَا وَأَنَّ مَا يَجْرِي فِي مُعْظَمِ نَوَاحِي الْبِلادِ مِنْ إِسْرَافٍ وَتَكَاثُرِ وَمَا يُعَانِيهِ أَهْلُ الْمَيِّتِ مِنْ نَفَقَاتٍ، وَيَرْكَبُهُمْ مِنْ دُيُون قَدْ تُؤَدِّي بِهِمْ أَحْيَانًا إِلَى بَيْعِ مُمْتَلَكَاتِهِمْ، سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْفَقِيدُ مِنَ الْمَنْظُورِ إِلَيْهِمْ وَأَهْلُهُ فُقَرَاءَ؛ لأَنَّ أَيَّامَ الْمَأْتَمٍ قَدْ تَمَتَدُّ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ أَسْبُوعِ، بَيْنَمَا يُحَدِّدُهَا الشَّرْعُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَقَطْ، وَمِمَّا زَادَ الطِّينَ بِلَّة مَا أَحْدَثُوهُ مِمَّا أَسْمَوْهُ " مَأْتَمَ الأَرْبَعِينَ" و"مَأْتَمَ رَأْسِ السَّنَةِ" مِمَّا لَمْ يَرِدْ فِيهِمَا عَنِ الشَّارِعِ تَرْغِيبٌ، بَلْ هُمَا مِنَ الْبِدَعِ السَّيِّئَةِ الَّتِي أَضَرَّتْ بِالأُمَّةِ، لِمَا يَقَعُ فِيهِمَا مِنْ إِسْرَافِ وَمُبَاهَاةٍ وَإِعْنَاتِ الضُّعَفَاءِ، عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْجِهَاتِ الْجَنُوبِيَّةِ مِنَ الْوَطَنِ – وَإِنْ (1/443)
صفحة 444
الفصل العاشق
فِي فَضَائِلِ الصَّلَاةِ
وَذَلِكَ كَقِيَامِ اللَّيْلِ، وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَرَكْعَتَيِ السَّحَرِ، وَإِحْيَاءِ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ، وَأَشْبَاءِ ذَلِكَ.
أَمَّا قِيَامُ اللَّيْلِ: فَهُوَ فَرِيضَةٌ عَلَى الرَّسُولِ، وَفَضِيلَةٌ لأُمَّتِهِ، لِقَوْلِهِ: ثَلاثُ هُنَّ عَلَيَّ فَرِيضَةٌ وَهُنَّ لَكُمْ تَطَوُّع: قِيَامُ اللَّيْلِ، وَالْوِتْرُ، وَالسَّوَاكُ (1)، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُيِ الَّيْلِ له (2)، وَعَنْهُ قَالَ: "رَكْعَتَانِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ خَيْرٌ مِن الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا (3)، وَقَالَ: "عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأْبُ
نَالَهُمْ هُمْ بِدَوْرِهِمْ دَاءُ الْمَأْتَمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ - لا تَزَالُ تُحَافِظُ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، فَقَدِ اعْتَادَ جِيرَانُ أَهْلِ الْمَيِّتِ وَأَقَارِبُهُمْ وَأَصْهَارُهُمْ وَأَصْدِقَاؤُهُمْ وَأَهْلُ الإِحْسَانِ يَصْنَعُونَ لَهُمُ الطَّعَامَ أَيَّامَ الْمَأْتَمِ إِسْعَادًا وَتَكَافُلَا طَلَبَا لِمَا عِنْدَ اللهِ. هَذَا وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ أَحْرَارِ الْعُلَمَاءِ مُخَالَفَةً سُنَّةِ الرَّسُولِ فِي الإِطْعَامِ، مِنْهُمُ الْعَلامَةُ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ، وَلَهُ فِي أَرْجُوزَتِهِ جَوْهَرِ النِّظَامِ كَلَامُ نَفِيسٌ [انظر: باب إنفاذ الوصايا، 136/ 3]، وَلَعَلَّ الْمُسْلِمِينَ يَتُوبُونَ إِلَى رُشْدِهِمْ فَيَتَّبِعُونَ فِي مَآتِمِهِمُ - الَّتِي لَا يَخْلُو مِنْهَا يَوْمٌ - سُنَّةَ الْمُصْطَفَى الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا مَا عِنْدَ اللهِ مِنْ جَزِيلِ الْمَثُوبَةِ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْقَرَابَةِ وَالْجِيرَانِ، وَيَجْتَنِبُونَ مَا يَعْتَادُونَ مِنَ التَّبَاهِي وَالتَّفَاخُرِ الْبَاعِثِ عَلَيْهِمَا الرِّيَاءُ الَّذِي يُحْبِطُ أَعْمَالَ
الْعَبْدِ، وَيَحْرِمُهُ ثَوَابَ اللهِ، وَإِنَّمَا الْمُصَابُ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ. اهـ مُصَححه
(1) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ والدَّارَ قُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ. (2) الْمُزَّمِّل: 20.
(3) [رواه الديلمي في الفردوس، ر 5404]. (1/444)
صفحة 445
7445
قواع
(2)
(1) ?
6
الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَقُرْبَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ، وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَيَّاتٌ عَنِ الإِثْم (1)، وَسُئِلَ: أَيُّ اللَّيْلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: "نِصْفُ اللَّيْلِ الْغَابِرُ، أَيِ الْبَاقِي وَرُوِيَ أَنَّ دَاوُدَ قَالَ: إِلهِي إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَتَعَبَّدَ لَكَ، فَأَيُّ وَقْتٍ أَفْضَلُ؟ فَأَوْحَى إِلَيْهِ: يَا دَاوُدُ، لا تَقُمْ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَلا آخِرَهُ، فَإِنَّهُ مَنْ قَامَ أَوَّلَهُ نَامَ آخِرَهُ، وَلَكِنْ قُمْ وَسَطَ
اللَّيْل حَتَّى تَخْلُوَ بِي وَأَخْلُوَ بِكَ، وَارْفَعْ إِلَيَّ حَوَائِجَكَ.
وَيُرْوَى أَنَّ النَّبِيُّ كَانَ إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُدِ فِي اللَّيْلِ قَالَ: اللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيُّومُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مِمَّا قَدَّمْتُ وَأَخَرْتُ، وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ (3)، اللهم آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكَّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، وَأَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاهَا، اللهُمَّ اهْدِنِي لأَحْسَن الأَخْلاقِ فَإِنَّهُ لا يَهْدِي لَأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا فَإِنَّهُ لا يَصْرِفُ سَيِّئَهَا إِلا أَنْتَ، أَسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ الْبَائِسِ الْفَقِيرِ الْمِسْكِينِ، وَأَدْعُوكَ دُعَاءَ الْمُفْتَقِرِ الدَّلِيلِ، فَلاَ تَجْعَلْنِي بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا، وَكُنْ
(1) [رواه الترمذي، باب في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ر 3549]. (1) أي: الْبَاقِي رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِ جَيْدٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ بِلَفْظِ: "قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ لأَبِي ذَرٌ: أَيُّ قِيَامِ اللَّيْل أَفْضَلُ؟ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ كَمَا سَأَلْتَ فَقَالَ: "جَوْفُ اللَّيْلِ الْغَابِرِ، وَقَلِيلٌ فَاعِلِهِ". وَفِي مَعْنَاهُ مَا جَاءَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنَ الرَّبِّ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُونَ اللهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ". رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ مُسْلِم وَالتَّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ أَيْضًا النَّسَائِيُّ وَابْنُ
خُزَيْمَةَ، وَالْمُرَادُ مِنْ جَوْفِهِ الآخِرِ: هُوَ الثَّلْتُ الأَخِيرُ كَمَا وَرَدَتْ بِهِ الأَحَادِيثُ. (3) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتُّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَةَ وَمَالِكٌ بِزِيَادَةٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ": "وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ". (1/445)
صفحة 446
بي
رَءُوفًا رَحِيمًا حَفِيَّا، يَا خَيْرَ الْمَسْئُولِينَ وَأَكْرَمَ الْمُعْطِينَ، يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا
(1).
وَالآخِرَةِ (1)
وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ، فَقَالَ: اللهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا أَخْتَلِفُ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، أَنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، ثُمَّ يَفْتَتِحُ الصَّلاةَ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَثْنَى مَثْنَى مَا تَيَسَّرَ لَهُ، وَيَخْتِمُ بِالْوِتْرِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَلَّى الْوِتْرَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ صَلاتَيْنِ عِنْدَ تَسْلِيمِهِ بِمِائَةِ تَسْبِيحَةٍ لِيَسْتَرِيحَ وَيَزْدَادَ نَشَاطُهُ لِلصَّلاةِ، وَقَدْ صَحَ فِي صَلَاتِهِ أَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَقْصُرُ بِالتَّدْرِيج إِلَى ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةٌ (3)، وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَجْهَرُ الْقِرَاءَةَ فِي قِيَام اللَّيْلِ أَمْ يُسِرُ؟ فَقَالَتْ: رُبَّمَا جَهَرَ وَرُبَّمَا أَسَرَّ. وَأَكْثَرُ مَا صَحَ عَنْهُ
في قِيَامِ اللَّيْلِ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةٌ)، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي هَذِهِ الصَّلَوَا قَدْرَ ثَلاثِمِائَةِ آيَةٍ مِنَ السُّوَرِ الْمَخْصُوصَةِ الَّتِي رُوِيَ أَنَّ النَّبِيِّ يُكْثِرُ مِنْ قِرَاءَتِهَا، مِثْل: يس، وَالسَّجْدَةِ، وَلُقْمَان وَسُورَةِ الدُّخَانِ، وَتَبَارَكَ الْمُلْكِ، وَالزُّمَرِ، وَالْوَاقِعَةِ، وَخَوَاتِمِ الْحَدِيدِ، وَخَوَاتِمِ الْحَشْرِ، وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
(1) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِزِيَادَةٍ وَنَقْصٍ فِي أَوَّلِهِ.
(2) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتَّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَةَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. (3) [رواه الربيع، باب في سبحة الضحى وتبردة الصبح، (199]، ومُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ. (4) وَقَدْ فُصِّلَ إِجْمَالُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشَرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلا فِي آخِرِهَا". [رواه مسلم، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي ... ، ر 1754] (1/446)
صفحة 447
قواعد الإس
وَأَمَّا تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ: فَهِيَ رَكْعَتَانِ يُصَلِّيهِمَا الْإِنْسَانُ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ عَلَى
يَمِينِ الْمِحْرَابِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ فِي وَقْتٍ تَحِلُّ فِيهِ الصَّلَاةُ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي حُكْمِ رَكْعَتَيِ الْمَسْجِدِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ إِلَى أَنَّهَا مَنْدُوبُ إِلَيْهِمَا لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ (1)، وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى وُجُوبِهِمَا فِيمَا وَجَدْتُ، تَعَلَّقًا بِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ حَمْلُ الأَمْرِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْوُجُوبِ حَتَّى يَدُلُّ الدَّلِيلُ عَلَى النَّدْبِ، وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّهُمَا مَنْدُوبَتَانِ، لِمَكَانِ التَّعَارُضِ الَّذِي بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَسَائِرِ مَا وَرَدَ مِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي تَقْتَضِي أَنْ لَيْسَ عَلَى الإِنْسَانِ فَرْضُ الصَّلَاةِ مَا خَلَاَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقَدْ رَكَعَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرَ فِي بَيْتِهِ، هَلْ يَرْكَعُ فِي الْمَسْجِدِ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إِلَى أَنَّهُ لَا يَرْكَعُ فِيهِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا خَلاَ رَكْعَتَيْهِ، لِتُبُوتِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ، مَا خَلاَ الْفَجْرَ وَرَكْعَتَيْهِ)، وَلَكِن يُسْتَحَبُّ إِذَا مُنِعَ مِنَ الصَّلاَةِ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَيُقَالُ: إِنَّهَا تَعْدِلُ رَكْعَتَيْنِ فِي الْفَضْلِ، وَإِنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلاةِ فَلا يُصَلِّي فِيهِ، لَكِنْ يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى، وَيُقَالُ: مَنْ لَمْ
يُحَيِّ الْمَسْجِدَ عِنْدَ دُخُولِهِ بِرَكْعَتَيْنِ حَاجَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(Y)
وَأَمَّا رَكْعَتَا السَّحَرِ: فَمَنْدُوبُ إِلَيْهِمَا، لاقْتِضَاءِ الْمَدْحِ لِلْمُصَلِّينَ فِيهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (3) أَي يُصَلُّونَ، وَهَذَا السَّحَرُ مُقَارِبٌ لِلْفَجْرِ الَّذِي هُوَ وَقْتُ انْصِرَافِ مَلائِكَةِ اللَّيْلِ وَإِقْبَالِ مَلَائِكَةِ النَّهَارِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي
(1) [رواه الربيع، باب الإمامة في النوافل، ر 201]، ومُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ. (2) لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لا صَلاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ إِلا سَجْدَتَيْنِ". [رواه أبو داود، باب من رخص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة، (1280]، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: "لا صَلَاةَ
بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ". وَمِثْلُهُ لِلدَّارَ قُطني عَنِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
(3) الدَّارِيَات: 18 (1/447)
صفحة 448
قواعد الإس
044874
هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ خُرُوجَنَا وَقُعُودَنَا فِي الْمَسْجِدِ هَذِهِ السَّاعَةَ - يَعْنِي: قَبْلَ
الْفَجْرِ - بِمَنْزِلَةِ غَزْوَةٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ.
وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ (1) أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم طَرَقَ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَهُمَا نَائِمَانِ فَقَالَ: أَلاَ تُصَلِّيَانِ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَنْفُسَنَا بِيَدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثْنَا بَعَثْنَا، فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُوَلَّ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَيَقُولُ: {وَكَانَ الْإِنسَنُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (2)
وَيُقَالُ: إِنَّ الْقَبْرَ يُنَوِّرُ بِرَكْعَتَيِ السَّحَرِ كَمَا يُضِيءُ الْبَيْتُ الْمِصْبَاحِ، وَفِي حَدِيثٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ أَنَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى الْمَسْجِدِ يُصَلِّي فِيهِ صَلاةَ الصُّبْحِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ حَسَنَةٌ، وَمُحِيَ عَنْهُ سَيِّئَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، فَإِذَا صَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ فِي جَسَدِهِ حَسَنَةٌ، وَانْقَلَبَ بِحَجَّةٍ مَبْرُورَةٍ، فَإِنْ جَلَسَ حَتَّى يَرْكَعَ كَتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ رَكْعَةٍ أَلْفَ حَسَنَةٍ، وَمَنْ صَلَّى الْعَتَمَةَ فَلَهُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَانْقَلَبَ بِعُمْرَةٍ مَبْرُورَةِ (3)،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا إِحْيَاءُ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ: فَقَدْ وَرَدَ فِيهِ فَضْلٌ كَثِيرٌ حَتَّى قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ يَأْمُرُ بِصَلَاةٍ غَيْرِ الْمَكْتُوبَةِ؟ فَقَالَ: مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) الآيَةِ، فَقَالَ:
(4)
(1) [إحياء علوم الدين باب عدد الأوراد وترتيبها، 1/ 332]. (2) الكهف: 54، [رواه البخاري، باب تحريض النبي صلى الله عليه و سلم على صلاة الليل والنوافل
من غير إيجاب، ر 1057].
(3) لَمْ أَعْتُرْ عَلَى سَنَدِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَإِنْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي مَعْنَاهُ: [منها ما رواه الترمذي، باب ذكر ما يستحب من الجلوس في المسجد بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، 586، بلفظ:" مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ
كَأَجْرِ حَجَةٍ وَعُمْرَةٍ"، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-: "تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ"].
(4) السَّجدة: 16. (1/448)
صفحة 449
(Y)11
ـد الإسـ
هِيَ صَلاةُ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ، وَهِيَ صَلاةُ الأَوَّابِينَ (1)، وَقَالَ: "عَلَيْكُمْ بِهَا فَإِنَّهَا مَذْهَبَةٌ لِمُلاغَاتِ النَّهَارِ (2)، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ اللَّغْوِ، وَعَنِ الأَسْوَدِ (3) قَالَ: مَا أَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فِي هَذَا الْوَقْتِ إِلا وَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: نَعَمْ، هِيَ سَاعَةُ الْغَفْلَةِ، وَكَانَ أَنَسٌ يُوَاظِبُ عَلَيْهَا، وَيَقُولُ: هِيَ نَاشِئَةُ اللَّيْلِ، وَيَقُولُ: فِيهِ نَزَلَ قَوْلُهُ: نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ، وَسُئِلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَنْ صَوْمِ النَّهَارِ وَإِحْيَاءِ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ، فَقَالَ لِلسَّائِل: اجْمَعْ بَيْنَهُمَا إِنْ تَيَسَّرَ، قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ؟ قَالَ: أَفْطِرْ وَصَلِّ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ صَلَّى بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ عِشْرِينَ رَكْعَةٌ حَفِظَ اللَّهُ لَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَدِينَهُ وَوَلَدَهُ وَدُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ (4)، وَمِمَّا نُقِلَ مِنْ فِعْلِهِ فِي ذَلِكَ سِتُّ رَكَعَاتٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَعَنْ أَنَسِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِع) (السجدة: 16): "نَزَلَتْ فِي انْتِظَارِ الصَّلاةِ الَّتِي تُدْعَى الْعَتَمَةَ". رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
(1) [رواه ابن أبي شيبة عن أنس موقوفا في الصلاة بين المغرب والعشاء، ر 5981]. (2) صَلاةُ الأَوَّابِينَ هِيَ أَيْضًا صَلاةُ الضُّحَى، كَمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى أَهْلِ قُبَاءَ وَهُمْ يُصَلُّونَ الضُّحَى، فَقَالَ: "صَلاةُ الأَوَابِينَ إِذَا رَمِضَتِ الْفِصَالُ مِنَ الضُّحَى". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتَّرْمِذِيُّ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ وَقْتَ الضُّحَى يَمْتَدُّ مِنْ وَقْتِ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قَدْرَ رُمْحٍ، وَيَنْتَهِي حِينَ الزَّوَالِ، وَلَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ تُؤَخَّرَ إِلَى أَنْ تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ وَيَشْتَدَّ الْحَرُّ، وَإِنَّ عَدَدَ رَكَعَاتِهَا إِلَى مَا لَا حَدَّ لَهُ. فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّى أَرْبَعًا، وَصَلَّى ثَمَانِي، وَصَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى الضُّحَى لِنتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ". رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وقال: حديث غريب. اهـ مُصححه.
(3) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ. (4) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَةً مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ: مَنْ صَلَّي بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ عِشْرِينَ رَكْعَةٌ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ". وَفِي إِسْنَادِهِ يَعْقُوبُ بْنُ الْوَلِيدِ اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ. وَقَالَ فِيهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ: مِنَ الْكَذَّابِينَ الْكِبَارِ، وَكَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ حَبِيبِي رَسُولَ اللهِ يُصَلِّي بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ، وَقَالَ: "مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ". حَدِيثٌ غَرِيبٌ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِي فِي الثَّلَاثَةِ. وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ صَالِحُ بْنُ قطنٍ الْبُخَارِيُّ. كَمَا رُوِيَ: "مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا بَعْدَ الْمَغْرِبِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ رُفِعَتْ صَلَاتُهُ إِلَى عِلِّيِّينَ. وَكَانَوَا يَتَنَفَّلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَيَعْتَبِرُونَ ذَلِكَ - كَمَا قَالَ الْحَسَنُ - مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ. اهـ مُصَححه. (1/449)
صفحة 450
قواعد
الفصل الحادي عشر
فِي مُتَطَوَّعِ الصَّلَاةِ
(3)
قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَدْ بِهِ نَافِلَةٌ لَكَ، أَيْ: زِيَادَةٌ لَكَ، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ صَلاةُ اللَّيْلِ نَافِلَةٌ لأَنَّهَا زَائِدَةٌ عَنِ الْفَرْضِ يَتَطَوَّعُ الْعَبْدُ بِهَا مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ مِنَ اللهِ عَلَيْهِ بِهَا، وَقَالَ: "الصَّلاةُ خَيْرٌ مَوْضُوعٌ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُقْلِلْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُكْثِرُ (2)، وَرُوِيَ: "النَّوَافِلُ تَكْمُلُ بِهَا الْفَرَائِضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ") وَقَالَ أَشْيَاخُنَا رَحِمَهُمُ اللهُ: مَثَلُ النَّفَل لِلْفَرِيضَةِ كَالْغِلَافِ لِلْغَرْسِ يَقِيهِ مِنَ الآفاتِ، وقَالُوا: يُسْتَحَبُّ لِلْمُقِيمِ أَنْ يُصَلَّي بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ خَمْسِينَ رَكْعَةً، وَهِيَ أَرْبَعُ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعٌ لَهَا، وَأَرْبَعُ بَعْدَهَا، وَأَرْبَعَ قَبْلَ الْعَصْرِ، وَأَرْبَعُ لَهَا، وَثَلاثٌ لِلْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا، وَقِيلَ: أَرْبَعُ، وَأَرْبَعُ بَعْدَهَا قَبْلَ الْعَتَمَةِ، وَأَرْبَعُ لَهَا، وَسَبْع بَعْدَهَا بِالْوِتْرِ، وَرَكْعَنَا السَّحَرِ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَهَا، وَأَرْبَعُ
لِلضُّحَى.
(1) الإسراء: 79. (2) [رواه أحمد، 21586].
(3) وَنَصُّ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَةَ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ تَمِيمٍ الدَّارِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَلَاتُهُ؛ فَإِنْ كَانَ أَتَمَّهَا كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَتَمَّهَا قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعِ فَتَكْمِلُونَ بِهَا فَرِيضَتَهُ؟ ثُمَّ الزَّكَاهُ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ". (1/450)
صفحة 451
to
(Y)"
أَمَّا الْأَرْبَعُ قَبْلَ الظَّهْرِ: فَلِمَا رُوِيَ عَنْهُ صَلَاهَا، وَقَالَ: "لِيَرْتَفِعِ عَمَلِي فِي الْعَابِدِينَ نَ (1)، وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ: "مَنْ صَلاهُنَّ تَامَّاتٍ صَلَّى مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكِ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى اللَّيْلِ (2)، وَتُصَلَّى بَعْدَ الزَّوَالِ، وَهِيَ سَاعَةٌ يُسْتَجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ فِيمَا قِيلَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقْرَأَ فِي هَذِهِ النَّافِلَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةِ الإِخْلاصِ ثَلاثًا، وَفِي الثَّالِثَةِ بِخَوَاتِمِ الْبَقَرَةِ، وَفِي الرَّابِعَةِ بِسُورَةِ الإِخْلاصِ ثَلَاثًا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، وَيُقْرَأُ فِي الْأَرْبَعِ بَعْدَهَا بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَسُورَةِ الإِخْلاصِ ثَلاثًا، وَفِي اللَّوَاتِي قَبْلَ الْعَصْرِ بِإِذَا زُلْزِلَزِتْ، وَسُورَةِ الْعَادِيَاتِ، وَبِالْقَارِعَةِ وَبِالتَّكَاثُرِ، وَفِي الْحَدِيثِ: "رَحِمَ اللَّهُ مَنْ صَلَّى أَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ (3)، وَقَدْ قِيلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ يَسْتَحِبُّ بَعْدَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، له ثُمَّ أَرْبَعًا؛ لأَنَّهُ قِيلَ عَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تُتْبَعَ الْفَرِيضَةُ بِمِثْلِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَعَنِ النَّبِيِّ
(£)
قالَ: "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ رَكْعَتَانِ إِلَّا الْمَغْرِبَ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي جَمِيعِ النَّوَافِلِ
بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ، وَكَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعِشَاءِ أَرْبَعًا ثُمَّ يَنَامُ.
(1) رَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَيْضًا أَرْبَعًا، فَقِيلَ لَهُ: مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ؟ فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ لا يُصَلِّيهَا، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: "إِنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فَأُحِبُّ أَنْ
يُرْفَعَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ". (2) [ذكره العراقي في تخريج أحاديث الإحياء، ر 570، 2/ 70، وقال: "ذكره عبد الملك بن حبيب بلاغا من حديث أبي مسعود ولم أره من حديث أبي هريرة "].
(3) [رواه ابن خزيمة، باب فضل صلاة التطوع قبل العصر، ر 1193].
(4) رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مغفل أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ". وَقَالَ فِي الثَّالِثِ: "لِمَنْ شَاءَ". وَلَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَا مِنْ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ إِلَّا وَبَيْنَ يَدَيْهَا رَكْعَتَانِ". وَهَذَا الْحَدِيثُ يَتَعَارَضُ مَعَ الاسْتِثْنَاءِ الْوَارِدِ فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، قَالَ الْقُطْبُ فِي الذَّهَبِ الْخَالِص [ص 219]: "وَعَنْهُ: بَعْدَ كُلِّ أَذَانِ رَكْعَتَانِ إِلَّا أَذَانَ الْمَغْرِبِ، فَهَذَا نَاسِخٌ لِمَا كَانُوا يُصَلُّونَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ بَيْنَهُمَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ لا يُصَلِّي قَبْلَ الْمَغْرِبِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا أَمَرَ النَّاسَ رَكْعَتَيْنِ، فَكَانُوا يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ فَيَرْكَعُونَهُمَا حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ لِيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَيَحْسَبُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ لِكَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهَا" - إِلَى أَنْ قَالَ -: "تُمَّ وَقَعَ الإِجْمَاعُ عَلَى تَرْكِهِمَا". اهـ (1/451)
صفحة 452
سلام
وَيُقَالُ: مُسْتَحَبَّاتُ النَّوَافِلِ خَمْسٌ: أَنْ تُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، وَأَنْ يُفْصَلَ بَيْنَهُمَا بِتَسْلِيمٍ، وَالْجَهْرُ فِيهَا فِي اللَّيْلِ، وَالإِسْرَارُ فِي النَّهَارِ، وَإِجْفَاهُ ذَلِكَ عَنْ
أَعْيُنِ النَّاسِ.
وَاخْتُلِفَ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ: تَكْثِيرُ الرَّكَعَاتِ أَوْ تَطْوِيلُ الْقِيَامِ؟ وَاخْتَارَ بَعْضُ
الْعُلَمَاءِ تَكْثِيرَ الرَّكَعَاتِ بِالنَّهَارِ، وَتَطْوِيلَ الْقِيَامِ بِاللَّيْلِ.
وَشُرُوطُ النَّافِلَةِ: كَالْفَرِيضَةِ مِنَ الطَّهَارَةِ وَالْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهَا، إِلَّا فِي أَدَائِهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَاصٌ بِالنَّافِلَةِ دُونَ الْفَرِيضَةِ، إِلَّا مِنْ عُذْرٍ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا)، وَمَنْ قَطَعَ النَّافِلَةَ بَعْدَمَا دَخَلَهَا بِالتَّمَامِ لَزِمَهُ إِعَادَتُهَا، وَلَا يُتَنَفَّلُ فِي الأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا.
وَالْمُصَلِّي بِالتَّكْبِيرِ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَتَنَفَّلُ دُونَ الْقَاعِدِ وَالْمُومِي فِي الصَّلَاةِ. وَأَمَّا صَلاةُ التَّطَوُّعِ الْمُخْتَصَّةُ بِالأَسْبَابِ: وَذَلِكَ كَالصَّلَاةِ فِي الْمَنْزِلِ، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ لِوَدَاعِهِ عِنْدَ الْخُرُوجِ إِلَى السَّفَرِ أَوِ الْقُدُومِ مِنْهُ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةِ الإِخْلَاصِ ثَلاثًا، وَكَانَ النَّبِيُّ يَقُولُ فِيهِمَا: نِعْمَتِ السُّورَتَانِ (2)، أَمَّا إِحْدَاهُمَا فَتَعْدِلُ تُلتَ الْقُرْآنِ، وَالأُخْرَى رُبُعَهُ (3)، وَكُلُّ ذَلِكَ مَأْثُورٌ مِنْ فِعْلِ الرَّسُولِ، وَيَقُولُ
(1) الْبَقَرَة: 239.
(2) [رواه ابن خزيمة باب استحباب قراءة قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون في الركعتين قبل الفجر، 1114]
(3) أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِسُورَةِ الإِخْلاصِ فَقَدْ وَرَدَ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الإِخْلاصِ فَقَدْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أُبي بْنِ كَعْبٍ بِإِسْنَادِ صَحِيح. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ. وَرَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَإِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ" [8]. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِسُورَةِ الْكَافِرِينَ" فَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: [" من قرأ إذا زلزلت عدلت له بنصف القرآن ومن قرأ قل يا أيها الكافرون عدلت له بربع القرآن ومن قرأ قل
هو الله أحد عدلت له بثلث القرآن". رواه الترمذي، باب ما جاء في إذا زلزلت، ر 2893.]. (1/452)
صفحة 453
atakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakata?"
قواعد الإ
بَعْدَ الْفَرَاغَ مِنْهُمَا: اللهُمَّ إِنِّي اسْتَوْدَعْتُكَ دِينِي وَإِيمَانِي وَأَهْلِي وَمَالِي وَسَرَائِرِي
وَخَوَاتِمَ عَمَلِي. وَبَلَغَنَا أَنَّ مَنْ تَعَاهَدَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ غَابَ افْتَقَدَهُ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مَرِيضًا فَاشْفِهِ، وَإِنْ كَانَ غَرِيبًا فَرُدَّ غُرْبَتَهُ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا فَأَغْنِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي حَاجَةٍ فَيَسِّرْهَا لَهُ، فَإِذَا قَدِمَ تَبَاشَرَ بِقُدُومِهِ.
وَمِنْهَا صَلَاةُ التَّسْبِيحِ): وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ لِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ: يَا عَمَّ، صَلِّ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، تَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةٌ، فَإِذَا انْقَضَتِ الْقِرَاءَةُ فَقُلْ: اللهُ أَكْبَرُ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً قَبْلَ أَنْ تَرْكَعَ ثُمَّ ارْكَعْ وَقُلْهَا عَشْرًا، ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْهَا عَشْرًا، ثُمَّ اسْجُدْ وَقُلْهَا عَشْرًا، ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ وَقُلْهَا عَشْرًا، ثُمَّ اسْجُدْ وَقُلْهَا عَشْرًا، ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْهَا عَشْرًا قَبْلَ أَنْ تَقُومَ إِلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، فَذَلِكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ مَرَّةً فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٌ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، فَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُكَ مِثْلَ رَمْلِ عَالِج (2) لَغَفَرَهَا اللهُ لَكَ (3)، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ مَأْثُورَةٌ عَلَى وَجْهِهَا، وَلَا تَخْتَصُّ بِوَقْتٍ (1) [أي: ومِنْ مُتَطَوَّعِ الصَّلاةِ] (2) [عالج ما تراكم من الرمل ودخل بعضه في بعض" ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر، باب العين مع اللام)]. (3) [رواه الترمذي، باب ما جاء في صلاة التسبيح، ر 482]. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: يَا عَبَّاسُ، يَا عَمَّاهُ، أَلا أُعْطِيكَ أَلا أَمْنَحُكَ أَلا أَحْبُوكَ (أَخُصُّكَ) أَلَا أَفْعَلُ بِكَ عَشْرَ خصَالٍ، أَيْ: أَعَلِّمُكَ مَا يُكَفِّرُ عَشْرَ أَنْوَاعِ مِنْ ذُنُوبِكَ، إِذَا أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ غَفَرَ اللَّهُ ذَنَبَكَ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، قَدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ، وَخَطَأَهُ وَعَمْدَهُ، وَصَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ، وَسِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ، عَشْرَ خِصَالٍ: أَنْ تُصَلِّيَ - إِلَخْ قَوْلِهِ - فَذَلِكَ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَتَفْعَلُ ذَلِكَ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ زَادَ: وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُصَلِّبَهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَافْعَلْ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَفِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي عُمُرِكَ مَرَّةَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَةَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ. قَالَ الْحَافِظُ: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَأَمْثَلُهَا حَدِيثُ عِكْرِمَةَ هَذَا، وَقَدْ صَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ الآجُرِيُّ، وَشَيْخُنَا أَبُو (1/453)
صفحة 454
قواعد الإسلام
وَلَا سَبَبٍ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَوْ جُمُعَةٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ.
وَمِنْهَا صَلاةُ الاسْتِخَارَةِ: وَذَلِكَ إِذَا هَمَّ الرَّجُلُ بِأَمْرِ لَا يَدْرِي عَاقِبَتَهُ، وَلَا يَعْرِفُ أَنَّ الْخَيْرَ فِي تَرْكِهِ وَلَا فِي الإِقْدَامِ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ أَنْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِأَمْرٍ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ سِوَى الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ، أَسْأَلُكَ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ الْخَيْرَ لِي فِي هَذَا الأَمْرِ لِدِينِي وَدُنْيَايَ وَمَعِيشَتِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي وَعَاجِلِهِ وَآجِلِهِ فَيَسِّرْهُ لِي، وَبَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَمَعِيشَتِي وَعَافِيَتِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي وَعَاجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَقَدَّرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ مَا
كَانَ (1).
وَمِنْهَا صَلاةُ الاسْتِغْفَارِ: وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَيَسْتَغْفِرُ الله مِنْهُ، إِلا غَفَرَ اللهُ لَهُ، ثُمَّ تَلاَ: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا
الله (2)
مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْمِصْرِيُّ، وَشَيْخُنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمَقْدِسِيُّ رَحِمَهُمُ اللهُ. وَقَالَ ابْنُ مُبَارَكِ: صَلاةُ التَّسْبِيحِ مُرَغَبُ فِيهَا، يُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْتَادَهَا فِي كُلِّ حِينٍ وَلَا يَتَغَافَلَ عَنْهَا. اهـ مُصَحْحه. (1) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ السُّلَمِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ الاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَيَقُولُ: "إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِأَمْرٍ .... " إِلَخْ مَا سَاقَهُ
الْمُصَفُ.
(2) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ والتَّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَتُسَمَّى صَلَاةَ التَّوْبَةِ أَيْضًا وَرَوَى الطَّبَرَانِي فِي الْكَبِيرِ بِسَنَدٍ حَسَنِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا مَكْتُوبَةً أَوْ غَيْرَ مَكْتُوبَةٍ، فَأَحْسَنَ فِيهِنَّ الرُّكُوعَ
وَالسُّجُودَ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ؛ غُفِرَ لَهُ".
آل عِمْرَانَ: 135. (1/454)
صفحة 455
too
وَمِنْهَا صَلاَةُ الدَّهْرِ: وَهِيَ عَشْرُ رَكَعَاتٍ، يَقْرَأُ فِي كُلِّ بِالْفَاتِحَةِ وَقُلْ هُوَ اللهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ، وَيُقَالُ: مَنْ صَلاهَا كَمَنْ وَافَقَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَتُصَلَّى فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ أَوْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، أَوْ فِي كُلِّ شَهْرٍ، أَوْ سَنَةٍ، أَوْ مَرَّةٌ فِي الْعُمُرِ.
وَمِنْهَا صَلاةُ الرَّجَاءِ: وَهِيَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةِ الإِخْلاَصِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً، تُصَلَّى فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَيُقَالُ: مَنْ صَلَاهَا لاَ يَرْجُو عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا إِلَّا وَجَدَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهَا صَلاةُ الأَجْرِ: وَهِيَ رَكْعَتَانِ، وَقِيلَ: أَرْبَعُ تُصَلَّى فِي وَقْتِ الضُّحَى مِنْ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْغُسْلِ وَلُبْسِ الشَّيَابِ الْبِيضِ النَّقِيَّةِ فِي مَكَانٍ مُرْتَفِعِ وَحْدَهُ، وَيَقْرَأُ كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ عَشْرًا وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ عَشْرًا، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ عَشْرًا، وَسُورَةَ الإِخْلاصِ عَشْرًا، ثُمَّ يُسَلِّمُ فَيَسْتَغْفِرُ سَبْعِينَ مَرَّةً، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ سَبْعِينَ مَرَّةً، ثُمَّ يَسْأَلُ اللهَ حَاجَتَهُ مِائَةَ مَرَّةٌ، فَقِيلَ: لَا يَسْأَلُ اللهَ حَاجَتَهُ إِلا قَضَاهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (1/455)
صفحة 456
بَابٌ
فِيمَا تَتَغَيَّرُ بِهِ أَحْكَامُ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ
اعْلَمْ أَنَّ صُورَةَ الصَّلَاةِ تَتَغَيَّرُ بِأَسْبَابٍ:
أحدها السبب الأولُ]: لِصَلاَةِ الْخَوْفِ وَهِيَ عِنْدَ مُوَاجِهَةِ الْعَدُوِّ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوةَ)
(1)
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي صِفَتِهَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا لاخْتِلافِ الأَثَرِ، لَكِنَّ الْمَعْمُولَ بِهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الرَّبِيعِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ جُمْلَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ، فَصَفَّتْ طَائِفَةٌ خَلْفَهُ وَطَائِفَةٌ وَاجَهَتِ الْعَدُوَّ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ مِنْ خَلْفِهِ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، فَانْصَرَفَتِ الطَّائِفَةُ الأُولَى وَوَاجَهَتِ الْعَدُوَّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ثَانِيَةً، ثُمَّ سَلَّمَ فَسَلَّمُوا جَمِيعًا، فَثَبَتَ لَهُ رَكْعَتَانِ وَلِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةٌ. وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مَعْنَى هَذَا أَنَّهُ قَالَ: الصَّلاةُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعُ، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَانِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَيْسَ عَلَى مَنْ وَاجَهَ الْعَدُوَّ
(1) النِّسَاء: 201. (1/456)
صفحة 457
takatakatakatakatakatakatakatakichichtsklicktslatskatolatalatsiated
24579
تَشَهُدٌ، وَلَكِنْ يُسَلِّمُونَ إِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ، وَهَكَذَا تُصَلَّى جَمِيعُ الصَّلَوَاتِ: الْمَغْرِبِ وَغَيْرِهَا فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ سَوَاءٌ فِي حَالِ الْحَرْبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالسَّبَبُ الثَّانِي: تَغَيَّرُهَا لِصَلاةِ الْمُسَايَفَةِ كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَدَاءَهَا إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ فَلْيُكَبِّرُ خَمْسًا لِكُلِّ صَلَاةٍ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، وَلَمْ نَسْمَعْ أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ بِالتَّكْبِيرِ، وَكَذَلِكَ الرَّاكِبُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعِ النُّزُولَ لِمَخَافَةِ الْعَدُوِّ أَوْ غَيْرِهِ صَلَّى عَلَى دَابَّتِهِ وَاقِفًا وَسَائِرًا حَيْثُ تَوَجَّهَتْ إِذَا خَافَ الطَّلَبَ وَلَمْ يَكُنْ بَاغِيّا، وَإِذَا كَانَ هُوَ الطَّالِبَ صَلَّى صَلَاةٌ تَامَّةٌ، وَإِنْ كَانَ مُنْهَزِمًا مَظْلُوبًا كَبَّرَ خَمْسًا، كَمَا قَدَّمْنَا فِي الْمُسَايَفَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالسَّبَبُ الثَّالِثُ الْمُغَيِّرُ لِصُورَةِ الصَّلاةِ الْفَرْضِ: الْمَانِعُ مِنَ اسْتِيفَاءِ أَرْكَانِهَا، فَلْيُصَلِّ كَمَا أَمْكَنَهُ، وَكَذَلِكَ رَاكِبُ السَّفِينَةِ يُصَلِّي كَمَا أَمْكَنَهُ، وَكَذَلِكَ
الأسد
أَسِيرُ الْمَمْنُوعُ بِعُذْرِ الإِكْرَاءِ يَفْعَلُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ كَيْفَ أَمْكَنَهُ.
[السَّببُ الرابع] وَالْمُغَيِّرُ الرَّابِعُ لِصُورَةِ الصَّلاَةِ: تَقْصِيرُهَا فِي السَّفَرِ، كَمَا قَدَّمْنَا قَبْلَ هَذَا.
وَ السَّببُ] الْخَامِسُ: تَغْيِيرُهَا لِصَلاَةِ الْجُمُعَةِ بِالْقَصْرِ وَالْجَهْرِ، وَقَدْ بَدَا لَنَا أَنْ نُثْبِتَ مِنْهَا مَا شَاءَ اللهُ طَرَفًا فِي هَذَا الْمَرْسُومِ لِيَتَضَمَّنَ كِتَابُنَا أَقْسَامَ الصَّلاةِ عَلَى الْعُمُومِ. (1/457)
صفحة 458
قواعد الإ (1/458)
صفحة 459
Wakatakatakatakatakatakatakakakakakatakatakatakatakatakatalated
باب فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
وَهَذَا الْبَابُ يَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا: فِي الْجُمُعَةِ، وَالثَّانِي: فِي قَضَاءِ الْفَوَائِتِ الْمَفْرُوضَاتِ. (1/459)
صفحة 460
قواعد الإ
الفصل الاول
فِي صَلَاةِ الجُمُعَةِ
وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ تَجْرِي مِنْهَا مَجْرَى الْقَوَاعِدِ وَالْأُمَّهَاتِ.
الْقِسْمُ الأَوَّلُ
فِي حُكْمِ الْجُمُعَةِ
وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِهَا خَلْفَ الإِمَامِ الْعَادِلِ فِي الأَمْصَارِ السَّبْعَةِ الَّتِي مَصَّرَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهِيَ: مَكَّةُ، وَالْمَدِينَةُ، وَالْبَصْرَةُ، وَالْكُوفَةُ، وَالشَّامُ، وَالْيَمَنُ، وَالْبَحْرَيْنِ، وَعُمَانُ، فَهَذِهِ مُتَفَقٌ عَلَى وُجُوبِ الْجُمُعَةِ فِيهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَة ال (1)، وَالْأَمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ، لِقَوْلِهِ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلاً يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُحَرِّقَ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ
عَنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ (2).
وَاخْتَلَفُوا فِيهَا خَلْفَ الْجَبَابِرَةِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ خَلْفَهُمْ فِي الأَمْصَارِ السَّبْعَةِ وَاجِبَةٌ، وَالْمُعَطَّلَ لَهَا مُعَطَّلٌ لِلْفَرِيضَةِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا لاَ تُصَلَّى خَلْفَ الْجَبَابِرَةِ، وَزَعَمُوا أَنَّ وُجُوبَهَا فِي الْأَصْلِ خَلْفَ
(1) الْجُمُعَة: 9.
(2) [رواه الربيع، باب في أوقات الصلوات، ر 182، ومسلم، باب فضل صلاة الجماعة ... ، ر 1517]. (1/460)
صفحة 461
(1)
الأَئِمَّةِ الْعَادِلَةِ، أَعْنِي النَّبِي وَأَصْحَابَهُ، قَالُوا: فَالْمُدَعِي جَوَازَهَا خَلْفَ الْجَبَابِرَةِ مُحْتَاجُ إِلَى دَلِيلِ، وَالأَوَّلُ أَصَحُ؛ لأَنَّ الْفِسْقَ لَا يُؤَكِّرُ فِي الصَّلَاةِ إِذَا تَمَّتْ شُرُوطُهَا، لاتِّفَاقِنا عَلَى أَنَّ الْفَاسِقَ إِذَا تَابَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِعَادَةُ مَا صَلَّى فِي حَالِ فِسْقِهِ إِذَا وَفَّاهَا شُرُوطَهَا، وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَارٌ وَفَاجِرٍ (2)، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا ذَرِّ وَجَابِرَ بْنَ زَيْدٍ وَالْحَسَنَ وَأَنَسًا وَغَيْرَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ يُصَلُّونَ خَلْفَ عُثْمَانَ (3) وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَنَجْدَةَ بْنِ عَامِرٍ وَالْحَجَّاحِ بْنِ يُوسُفَ وَوُلاةِ بَنِي أُمَيَّةَ وَبَنِي الْعَبَّاسِ وَغَيْرِهِمْ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ.
(1) أَجَلْ هُنَاكَ دَلِيلٌ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَنَاتِهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} (الجمعة: (9) الآية، فَقَدْ أُطْلِقَتِ الآيةُ وَلَمْ تُقَيَّدْ. قَالَ صَاحِبُ الإِيضَاحَ نَفْلاً عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَا نَصُّهُ: "أَنَّ فَرْضَهَا وَاجِبٌ لأَمْرِ اللهِ تَعَالَى: وبناتها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوَة الآية، وَهَذَا أَمْرٌ عَامٌ، فَلا يَزُولُ فَرْضُهَا إِلَّا بِإِجْمَاعِ يَعْنِي: يُقَيَّدُ عُمُومَهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الأَمْرِ عَادِلٌ أَوْ غَيْرُ عَادِلٍ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْقَوْلُ الأَخِيرُ عِنْدِي أَشْبَهُ الْقَوْلَيْنِ وَأَقْرَبُهُمَا فِي الحُجَّةِ". اهـ[كتاب الإيضاح، باب في شروط صلاة الجمعة، 1/ 605]. وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ: "صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَارٌ وَفَاجِرٍ" [سبق تخريجه]. وَهُوَ كَمَا تَرَى عَامٌ غَيْرُ خَاصٌ وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي إِحْدَى خُطَبِهِ: "وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْجُمُعَةَ فِي مَقَامِي هَذَا، فِي يَوْمِي هَذَا، فِي مِنْبَرِي هَذَا، فِي عَامِي هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ تَرَكَهَا فِي حَيَاتِي وَبَعْدَ مَمَاتِي وَلَهُ إِمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ اسْتِحْفَافًا بِهَا فَلاَ جَمَعَ اللهُ شَمْلَهُ، وَلَا بَارَكَ اللَّهُ فِي أَمْرِهِ، أَلَّا وَلَا صَلاةَ لَهُ، أَلاَ وَلَا صَوْمَ لَهُ، أَلاَ وَلا بَرَكَةَ حَتَّى يَتُوبَ، فَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ" [رواه البيهقي، کتاب الجمعة، ر 5359]. وَعَلَيْهِ فَلَا يَتِمُّ لِصَاحِبِ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ لِمُجَرَّدِ اعْتِمَادِهِ عَلَى أَنَّ وُجُوبَهَا خَلْفَ الأَئِمَّةِ الْعَادِلَةِ هُوَ الأَصْلُ. اهـ مُصَحـ
(2) [سبق تخريجه].
(3) لا يَنْبَغِي حَشْرُ عُثْمَانَ فِي زُمْرَةِ الْجَبَابِرَةِ، كَيْفَ وَهُوَ أَحَدُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ الرَّاشِدِينَ، وَمَا وَقَعَ مِنَ ارْتِبَاكِ وَفِتْنَةٍ فِي أَيَّامِهِ إِنَّمَا كَانَ سَبَبُهُ عِنْدِي تَلاعُبَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بِالسُّلْطَةِ استغلالاً لِحُسْنِ ظَنَّه (1/461)
صفحة 462
Yuslatkastalatakaiskaalaidaidaisladaslatokatalaidavalatakatakatakatakatalada
الْقِسْمُ الثَّانِي
فِي شُرُوطِهَا
وهي أحَدَ عَشَرَ: الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ، وَالإِسْلامُ، وَالذُّكُورِيَّةُ، وَالصَّحَّةُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالإِقَامَةُ، وَالإِمَامُ، وَالْمِصْرُ، وَالْجَمَاعَةُ، وَالْخُطْبَةُ.
فَأَمَّا الْبُلُوغُ والعَقْلُ فَلاَ خِلَافَ فِي أَنَّ الْفَرْضَ لَا يَجِبُّ عَلَى طِفْلِ وَلَا عَلَى مَجْنُونِ، لِقَوْلِهِ: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ ... الْحَدِيث (1).
وَكَذَلِكَ الإِسْلَامُ شَرْطٌ فِي جَمِيعِ الْفَرَائِضِ أَيْضًا، لاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكَ لا تُقْبَلُ مِنْهُ طَاعَةٌ مَا دَامَ مُقِيمًا عَلَى شِرْكِهِ.
وَأَمَّا الذُكُورِيَّةُ وَالصَّحَّةُ فَهُمَا مِنْ شُرُوطِ الْجُمُعَةِ، لَاتِّفَاقِ النَّاسِ عَلَى أَنَّهَا لَا
تَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ، وَلَكِنَّهُمْ إِذَا حَضَرُوا كَانُوا مِنْ أَهْلِهَا. وَكَذَلِكَ الْحُرِّيَّةُ وَالإِقَامَةُ مِنْ شُرُوطِ الْجُمُعَةِ أَيْضًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ الْأَعْظَمِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، إِلا خِلَافًا شَاذًا يُرْوَى عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٌّ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا الْجُمُعَةَ عَلَى الْمُسَافِرِ وَالْعَبْدِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ: تَنَازُعُهُمْ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلا عَلَى أَرْبَعَةِ: عَبْدِ مَمْلُوكٍ، أَوِ امْرَأَةٍ، أَوْ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: "إِلا خَمْسَةٌ: أَو مُسَافِرٍ (3)، وَقَالَ
،
(Y),
صَبِي، أَوْ مَرِيض" (1) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَتَمَامُهُ: " ... عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَحَسَّنَهُ
الترمذي.
(2) [رواه أبو داود، باب الجمعة للمملوك والمرأة، ر 1069]. (3) وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ [المعجم الأوسط، (818] بِإِسْنَادِ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
لَيْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٌ". (1/462)
صفحة 463
vakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatad
2463
قواعد الا
أَصْحَابُنَا إِذَا لَمْ يَبْقَ عِنْدَ الإِمَامِ إِلا النِّسَاءُ وَالْعَبِيدُ وَالْمُسَافِرُونَ صَلَّى أَرْبَعًا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَحْرَمَ بِهَا صَلاهَا جُمُعَةً، وَقَالُوا: إِنَّ الْجُمُعَةَ إِنَّمَا تَجِبُ عَلَى أَهْلِ الأَمْصَارِ؛ لأَنَّ الله تَعَالَى خَاطَبَهُمْ فَقَالَ: فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} الآية)، وَالْعَبِيدُ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الأَمْصَارِ، وَلاَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْعِ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَهُمْ؛ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: عَبْدًا مَمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ (2).
وَأَمَّا سُقُوطُهَا عَنِ الْمُسَافِرِ فَلِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ بِعَرَفَةَ صَلاةَ الْمُسَافِرِ وَهُوَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ " (3)، وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا صَلَّى بِأَهْل مَكَّةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ: أَتِمُّوا صَلاتَكُمْ، وَلأَنَّ اتِّخَاذَ الْوَطَنِ مِنْ شُرُوطِ الصَّلاةِ، لِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ النَّبِي لَمَّا هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ اتَّخَذَ الْمَدِينَةَ وَطَنَا، فَكَانَتْ لَهُ مَوْضِعَ التَّمَامِ، ثُمَّ فَتَحَ مَكَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَانَتْ دَارَ إِسْلام، فَلَمْ يَتَّخِذْهَا وَطَنًا، فَكَانَ يَقْصُرُ فِيهَا الصَّلَاةَ، وَفِيهَا دَارُهُ وَدَارُ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَكَانَا يُصَلِّيَانِ فِي مَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ، وَفِيهَا دُورُهُمْ وَدُورُ آبَائِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الإِمَامُ وَالْمِصْرُ فَهُمَا مِنْ شُرُوطِ الْجُمُعَةِ أَيْضًا عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَمَّا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فَلَمْ يَرَ السُّلْطَانَ وَالْمِصْرَ شَرْطًا فِي
الجمعة.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: الاحْتِمَالُ الْمُتَطَرِّقُ فِي فِعْل النَّبِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا إِلَّا فِي جَمَاعَةٍ وَمِصْرٍ وَمَسْجِدٍ جَامِعٍ، فَمَنْ رَأَى أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ شَرْطُ فِي صحة وُجُوبِ الْجُمُعَةِ اشْتَرَطَهَا، وَمَنْ رَأَى بَعْضَهَا دُونَ بَعْضِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ
(1) الْجُمُعَة: 9.
(2) النَّحْل: 75.
(3) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ. (1/463)
صفحة 464
الْبَعْضَ دُونَ غَيْرِهِ، وَقَدْ رَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ فِي حَدِيثِ عَلِيٌّ أَنَّهُ قَالَ: "لا جُمُعَةَ وَلاَ تَشْرِيقَ إِلا فِي مِصْرٍ جَامِعِ "، يَعْنِي بِالتَّشْرِيقِ صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ، وَقِيلَ: كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ لا يَرَى فِي شَيْءٍ مِنْ بِلادِ الأَعَاجِمِ جُمُعَةٌ، وَقِيلَ: كَانَ ضُمَامٌ لَهُ يَقُولُ: كُلُّ أَرْضِ مِنْ أَرْضِ أَهْلِ الذَّمَّةِ وَالْعَرَبِ أُقِيمَتْ فِيهَا الْحُدُودُ جُمِعَ فِيهَا، وَقِيلَ عَنْ أَبِي الْحَوَارِيِّ (1) مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ قَالَ: تَجُوزُ صَلاَةُ الْجُمُعَةِ خَلْفَ الْجَبَابِرَةِ فِي الأَمْصَارِ السَّبْعَةِ، وَلَا تَجُوزُ فِي غَيْرِهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ فَهِيَ شَرْطٌ فِي صِحَةِ الْجُمُعَةِ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، إِذْ لَا تُصَلَّى
فُرَادَى، وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْجَمَاعَةِ، فَقِيلَ: وَاحِدٌ مَعَ الإِمَامِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ لِلرَّجُلَيْنِ: هَذَانِ جَمَاعَةٌ (3)، وَقِيلَ: اثْنَانِ سِوَى الإِمَامِ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ سِوَى الإِمَامِ، وَقِيلَ: ثَلَاثُونَ، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ.
(1) أبو الْحَوَارِيُّ: هُوَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَوَارِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَوَارِي الْعُمَانِيُّ، مِنْ بَلْدَةِ تَنُوفَ مِنْ أَعْمَالِ بَيْنَ نَزْوَى وَالْجَبَلِ الْأَخْضَرِ، عَاشَ بِنَزْوَى، وَكَانَ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الثَّالِثِ الْهِجْرِيِّ، أَخَذَ الْعِلْمَ عَنْ أَبِي الْمُؤَكِّرِ الصَّلْتِ بْنِ خَمِيسِ الْحَرُوصِيِّ، وَتَخَرَّجَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَكَانَ مَرْجِعَ الْعُمَانِيِّينَ فِي عَصْرِهِ، وَمِمَّنْ يُشَارُ إِلَيْهِ بِالْبَنَانِ، وَكَانَ فَاضِلاً زَاهِدًا يَعِيشُ بِكَدٌ يَمِينِهِ، نَاهِيكَ أَنَّهُ يَخْرُجُ إِلَى الْفَلَاةِ فَيَأْتِي بِالخَشَبِ إِلَى السُّوقِ يَبِيعُهُ لِبَعِيشَ مِنْهُ، أَدْرَكَهُ زَمَنُ الْقَرَامِطَةِ الَّذِينَ عَمَّ بَلاؤُهُمُ الْجَزِيرَةَ الْعَرَبِيَّةَ، وَأَصْدَرَ عَلَيْهِ بَعْضُ وَلَاتِهِمْ حُكْمًا بِالإِعْدَامِ، فَوَجَدَهُ الرَّسُولُ يَتْلُو الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ فِي مَسْجِدِ الشَّجَبِي فِي عُقْرِ نَزْوَى، فَأَمْسَكَ عَنْهُ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ لَمْ تَقْتُلُهُ؟ قَالَ: خَشِيتُ أَنْ يَنَالَ دَمُهُ جُدْرَانَ الْمَسْجِدِ. وَلَقَدْ تَرَكَ لَنَا تُرَانًا أَدَبِيَّا زِيَادَةً عَلَى مَا تَخَرَّجَ عَلَيْهِ مِنْ عُلَمَاءَ، تَرَكَ لَنَا: زِيَادَاتٍ مُفِيدَةٌ عَلَى جَامِعِ ابْنِ جَعْفَرٍ، وَكِتَابَ تَفْسِيرِ خَمْسِمِائَةِ آيَةٍ، الَّذِي قَامَ بِطَبْعِهِ أَخِيرًا أَخُونَا الْفَاضِلُ الشَّيْخُ سَالِمُ بْنُ حَمَدٍ الْحَارِثِيُّ، وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدِ امْتَلاتُ كُتُبُ الأَصْحَابِ بِعِلْمِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. اهـ مُصَححه. (2) بَلْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ الْجُمُعَةَ تُصَلَّى وَلَوْ فُرَادَى وَلَوْ يُصَلِّيهَا الْإِنْسَانُ فِي بَيْتِهِ وَحْدَهُ، وَإِنَّمَا الْجَمَاعَةُ لِتَلا تَنْقَطِعَ. (3) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ. وَفِي مَعْنَى الْحَدِيثِ قَوْلُهُ: " الاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ". رَوَاهُ الدَّارَ قُطْنِيُّ. (1/464)
صفحة 465
وَسَبَبُ الْخِلافِ: تَنَازُعُهُمْ فِيمَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَمْعِ، وَأَمَّا مَنِ اشْتَرَطَ الأَرْبَعِينَ، فَلِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ صَلاهَا بِالْمَدِينَةِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بِأَرْبَعِينَ
رَجُلا).
وَالْخُطْبَةُ أَيْضًا مِنْ شُرُوطِ الْجُمُعَةِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ صَلُّوا الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَلَيْسَتِ الْخُطْبَةُ بَدَلاً مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ؛ لأَنَّ الْمُصَلِّي يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَالْخَطِيبَ يَسْتَدْبِرُهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ وَقَدِ احْتَجَّ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ أَنَّ الْخُطْبَةَ فَرِيضَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وتركوك قايمان (2)، يَقُولُ: تَخْطُبُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّهَا سُنَّةٌ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ: "إِنَّمَا الْخُطْبَةُ عَزِيمَةٌ (3)، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا شَرْطٌ وَرُكْنٌ فِي الصَّلاةِ، كَمَا قَدَّمْنَا
(r),
الْقِسْمُ الثَّالِثُ
فِي شُرُوطِ أَدَاءِ الْجُمُعَةِ
وَهِيَ: دُخُولُ الْوَقْتِ وَالنِّيَّةُ وَالسَّعْيُ لَهَا، وَالْخُطْبَةُ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا يُجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ بَعْدَهَا، وَاخْتُلِفَ فِي الْأَذَانِ لَهَا، وَالْإِنْصَاتِ إِلَيْهَا،
وَالطَّهَارَةِ فِيهَا.
أَمَّا الْوَقْتُ فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ وَقْتَهَا وَقْتُ الظُّهْرِ بِعَيْنِهِ، يَعْنِي بَعْدَ الزَّوَالِ، فَلا تَجُوزُ الْخُطْبَةُ وَلا الصَّلاةُ قَبْلَهُ، إِلا خِلَافًا شَاذًا يُرْوَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَل أَنَّهُ أَجَازَهَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: مَا كُنَّا
(1) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "كَمْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: أَرْبَعُونَ رَجُلا. [رواه الدارقطني، ذكر العدد في الجمعة، ر 7].
(2) الجمعة: 11.
(3) [لم أجد من خرجه]. (1/465)
صفحة 466
(1).
)
نَتَغَدَّى فِي عَهْدِ النَّبِيِّ إِلا بَعْدَ الْجُمُعَةِ، وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ الأَوَّلُ، لِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلَ الشَّمْسُ (2)،
وَأَيْضًا فَإِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ بَدَلاً مِنَ الظُّهْرِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ وَقْتُهَا وَقْتَ الظُّهْرِ. وَأَمَّا النيةُ وَالسَّعْيُ لَهَا فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ (3)، فَالذِّكْرُ هُوَ الصَّلاةُ، وَالسَّعْيُ هُوَ الْقَصْدُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْخُطْبَهُ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهَا، وَهُمَا خُطْبَتَانِ، يُفْصَلُ بَيْنَهُمَا بِجَلْسَةٍ خَفِيفَةٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَأَمَّا فِي أَثَرِ أَصْحَابِنَا قَالَ: لَا يَجُوزُ الْجُلُوسُ، وَقَالَ: لَمْ يُرْفَعْ إِلَيْنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيًّا كَانُوا يَجْلِسُونَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ عُثْمَانُ فِي آخِرِ سِنْهِ لِلْكِبَرِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَحْدَثَ الْجُلُوسَ مُعَاوِيَةُ حِينَ كَثُرَ شَحْمُ بَطْنِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَأَقَلُّ مَا قِيلَ فِي الْخُطْبَةِ الَّتِي تَصِحُ بِهَا الْجُمُعَةُ، وَتَنْعَقِدُ بِهَا صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ، وَيَتِمُّ بِهَا التَّزْوِيجُ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ، وَهِيَ الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَصَلَّ اللهُمَّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، اللهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
(1) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ تُصَلَّى قَبْلَ الزَّوَالِ، نَعَمْ كَانَ يُسَارِعُ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الزَّوَالِ بِخِلَافِ الظُهْرِ، فَقَدْ كَانَ يُؤَخِّرُهُ بَعْدَهُ حَتَّى تَجْتَمِعَ النَّاسُ.
(2) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتَّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسِ.
(3) الجمعة 9.
(4) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ قَالَ إِنَّهُ يَخْطُبُ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ، فَقَدْ وَاللَّهِ صَلَّيْتُ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِي صَلاة". الْمُرَادُ بِهَا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ.
(5) رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ طَاوُوسَ قَالَ: "خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمًا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، وَأَوَّلُ مَنْ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ مُعَاوِيَةُ". (1/466)
صفحة 467
467
وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فِيهَا فَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُقْرَأَ فِيهَا بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ، لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنَ الصَّحَابَةِ يَقُولُونَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَقْرَأُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى أَثَر سُورَةِ الْجُمُعَةِ بِسُورَةِ الْغَاشِيَةِ ()، وَقَالَ جَابِرٌ: وَسَمِعْتُ أَيْضًا أَنَّهُ يَقْرَأُ بِسَبِّح اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وَالْقَوْلُ الأَوَّلُ رُوِيَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْهُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ
(2)
الأُولَى بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةِ الْمُنَافِقِينَ (3)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتُلِفَ فِي الأَذَانِ لَهَا، فَقِيلَ: هُوَ أَذَانُ وَاحِدٌ، وَقِيلَ: أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ الإِنْصَاتُ إِلَى الإِمَامِ وَهُوَ يَخْطُبُ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، [القول الأول] مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ حُكْمٌ لاَزِمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْخُطْبَةِ، وَعَلَى هَذَا الْجُمْهُورُ مِنَ النَّاسِ، لِقَوْلِهِ: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ (4)، وَاخْتَلَفُوا فِي رَدَّ السَّلاَمِ وَتَشْمِيثِ الْعَاطِسِ، فَأَجَازَهُ بَعْضُ، وَمَنَعَ مِنْهُ آخَرُونَ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْكَلامَ جَائِزٌ إِلا عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ عْبِي وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَاحْتَجُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرهَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا)، وَأَنَّ مَا عَدَا الْقُرْآنَ فَلَيْسَ يَجِبُ لَهُ الإِنْصَاتُ، وَفَرَّقَ آخَرُونَ بَيْنَ أَنْ يَسْمَعَ الْخُطْبَةَ أَوْ لَا يَسْمَعَهَا، وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي رَدُّ السَّلَامِ
وَتَشْمِيثِ الْعَاطِسِ فَلِتَعَارُضِ الأَمْرِ بِهِمَا وَالْأَمْرِ بِالإِنْصَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) رَوَى مُسْلِمٌ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ الله كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَفِي الْجُمُعَةِ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ
الأَعْلَى - هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ. [سبق تخريجه]
(2) أَنَّهُ تَارَةً يَقْرَأُ هَكَذَا وَتَارَةً هَكَذَا.
(3) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَوَاهُ مُسْلِم. (4) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. (5) الأعراف: 204. (1/467)
صفحة 468
4685
وَقَدِ اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الأَذَانِ هُوَ إِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَإِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَخَذَ الإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ، وَلَا يَنْزِلُ حَتَّى يَقُولَ الْمُؤَذِّنُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ، فَيَدْخُلُ الإِمَامُ فِيهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُنَنُ الْجُمُعَةِ الْمُخْتَصَّةُ بِهَا: الْغُسْلُ عِنْدَ الرَّوَاحِ لَهَا، وَلَا يُجْزِتُهُ إِلَّا بَعْدَ الصُّبْحِ، وَالطَّيِّبُ، وَالسَّوَاكُ، وَالتَّجْمِيلُ فِي اللُّبَاسِ، وَالْبُكُورُ، وَالإِنْصَاتُ لِلإِمَامِ، وَالاسْتِقْبَالُ لَهُ بِالْوَجْهِ، وَالْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ.
وَفَضَائِلُهَا التَّهْجِيرُ لَهَا، وَصِلَةُ الْغُسْلِ بِالرَّوَاحِ لَهَا، وَاسْتِعْمَالُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ مِنْ قَصَّ الشَّارِبِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ، وَالاسْتِحْدَادِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَالاقْتِصَادُ فِي خُطْبَتِهَا، وَالتَّوَكُؤُ عَلَى عَصًا أَوْ سَيْفٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَاشْتِمَالُهَا عَلَى الذِّكْرِ وَالثَّنَاءِ عَلَى اللهِ وَالشَّهَادَتَيْنِ، وَالتَّذْكِيرُ وَالدُّعَاءُ وَالصَّدَقَةُ قَبْلَهَا.
وَفِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِل:
الْقِسْمُ الرَّابِعُ
فِي أَحْكامِ الْجُمُعَةِ
إِحْدَاهَا: فِي غُسْلِ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى وُجُوبِهِ، لِقَوْلِهِ: طُهْرُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِم
(Y)"
(1) لِحَدِيثٍ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "طُولُ صَلَاةِ الرَّجُل وَقِصَرُ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْمَئِنَّةُ: الْعَلامَةُ بِفَتْح الْعِيمِ وَهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ نُونٍ مُشَدَّدَةٍ يَعْنِي: مِمَّا
يُعْرَفُ بِهِ فِقْهُ الرَّجُلِ.
(2) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِلَفْظِ: "الْغَسْل". (1/468)
صفحة 469
وَاحْتَجَّ الأَوَّلُونَ بِقَوْلِهِ: مَنْ تَوَضَّأَ فِيهَا وَنِعْمَتْ وَمَنِ اغْتَسَلَ فَهُوَ
أفْضَلُ (1).
وَالثَّانِيَةُ: اخْتِلافُهُمْ فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ خَارِج الْمِصْرِ، فَقِيلَ: عَلَى مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَسِيرَةُ يَوْمٍ، وَقِيلَ: فَرْسَخَانِ. وَقِيلَ: ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ.
وَالثَّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ الرَّوَاحِ إِلَيْهَا الْمُرَغَبِ فِيهِ، لِقَوْلِهِ: مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةٌ .... الْحَدِيث (3)، فَقِيلَ: أَوَّلَ النَّهَارِ،
وَقِيلَ: قَبْلَ الزَّوَالِ، وَقِيلَ: بَعْدَهُ.
وَالرَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الْبَيْعِ بَعْدَ النَّدَاءِ، فَقِيلَ: يُفْسَخُ، وَقِيلَ: لَا يُفْسَخُ. وَسَبَبُ الْخِلَافِ: تَنَازُعُهُمْ فِي النَّهْيِ، هَلْ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَمْ لَا؟ وَأَمَّا بَيْعُ مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ فَلَا يُفْسَخُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالدَّارَ قُطنِيُّ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتَّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ بِلَفْظِ: " وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْعَسْلُ أَفْضَلُ". (2) [رواه الربيع، باب في صلاة الجمعة وفضل يومها، (283]، والْجَمَاعَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ: مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ فَرَاحَ فِي السَّاعَةِ الأُولَى فَكَأَنَّهُ قرَبَ بَدَنَةٌ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذَّكْرَ". (1/469)
صفحة 470
Yakiskiskiskipatalaislai dla sla zlatolatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatak
بَابٌ
في اسْتِدْرَاكِ الصَّلَاةِ وَقَضَاءِ الْفَوَائِتِ مِنْهَا
وَهَذَا الْبَابُ يَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ:
الفصل الأول
في اسْتِدْرَاكِ فَوَائِتِ الصَّلَاةِ
إِذَا فَاتَ الْمَأْمُومُ وَرَاءَ إِمَامِهِ، فَإِنَّ فِيهِ مَسَائِلَ تَجْرِي مَجْرَى الأَصْلِ: الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: مَتَى تَفُوتُهُ الرَّكْعَةُ إِذَا دَخَلَ وَالْإِمَامُ قَدْ هَوَى إِلَى الرُّكُوعِ؟ فَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: إِذَا رَكَعَ مَعَ الإِمَامِ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ فَهُوَ مُدْرِكٌ لِتِلْكَ الرَّكْعَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا، وَقَالَ آخَرُونَ: إِذَا رَكَعَ الإِمَامُ فَقَدْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ مَا لَمْ يُدْرِكْهُ قَائِمًا، وَهَذَا مَنْسُوبٌ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقِيلَ: إِذَا رَفَعَ الإِمَامُ رَأْسَهُ وَأَدْرَكَ بَعْضَ الْمَأْمُومِينَ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ إِنَّ ذَلِكَ يُجْزِتُهُ، لأَنَّ بَعْضَهُمْ أَئِمَّةٌ لِبَعْضٍ، وَبِهِ قَالَ
الشَّافِعِيُّ. (1/470)
صفحة 471
alickiskiskickickatekatalataistalatala elatakatakatakatakaslated
وَسَبَبُ الْخِلافِ: تَرَدُّدُ الرَّكْعَةِ بَيْنَ أَنْ تَدُلُّ عَلَى الانْحِنَاءِ فَقَطْ، أَوْ تَدُلُّ عَلَى الانْحِنَاءِ وَالْوُقُوفِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ (1)، فَمَنْ قَصَرَ اسْمَ الرُّكُوعِ عَلَى الْقِيَامِ قَالَ: إِذَا فَاتَهُ وُقُوفُ الإِمَامِ فَقَدْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ، وَمَنْ قَالَ: الرُّكُوعُ يَشْتَمِلُ عَلَى الْقِيَامِ وَالانْحِنَاءِ، جَعَلَ إِدْرَاكَ الانْحِنَاءِ إِدْرَاكًا لِرَكْعَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الرُّكُوعَ يُطْلَقُ عَلَى الانْحِنَاءِ لُغَةٌ، وَعَلَى الْقِيَامِ وَالانْحِنَاءِ وَالسُّجُودِ شَرْعًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الأَوَّلِ إِذَا دَخَلَ فِي رُكُوعِ الإِمَام بِتَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، قَالَ بَعْضُ: يُجْزِتُهُ إِذَا نَوَاهَا تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ، وَلَكِنَّ الْاخْتِيَارَ اثْنَتَانِ: إِحْدَاهُمَا لِلافْتِتَاح، وَالثَّانِيَةُ لِلرُّكُوعِ، وَقَالَ قَوْمٌ: لا بُدَّ مِنْ تَكْبِيرَتَيْنِ، وَقِيلَ: تُجْزِتُهُ وَاحِدَةٌ
وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا لِلإِحْرَامِ، وَالصَّحِيحُ الأَوَّلُ.
وَأَمَّا إِذَا سَهَى عَنِ اتَّبَاعِ الإِمَامِ فِي الرُّكُوعِ حَتَّى سَجَدَ فَقَالَ قَوْمٌ: إِذَا فَاتَهُ إِدْرَاكُ الرُّكُوعِ مَعَهُ فَقَدْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا، وَقِيلَ: إِذَا رَكَعَ وَأَدْرَكَ الإِمَامَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ إِلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ يَعْتَدُّ بِهَا وَتُجْزِتُهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَتْبَعُهُ وَيَعْتَدُّ بِهَا مَا لَمْ يَرْفَعِ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلْ مِنْ شَرْطِ فِعْلِ الْمَأْمُومِ أَنْ يَكُونَ مُقَارِنَا لِفِعْلِ الإِمَامِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ شَرْطًا، فَهَلْ هُوَ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الرَّكْعَةِ الثَّلَاثَةِ: مِنَ الْقِيَامِ وَالانْحِنَاءِ وَالسُّجُودِ، أَمْ إِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي بَعْضِهَا؟ وَمَتَى يَكُونُ اخْتِلَافًا عَلَى الْإِمَامِ إِذَا لَمْ يَكُنْ يُقَارِنُ فِعْلَ الْمَأْمُومِ فِعْلُهُ؟ أَعْنِي أَنْ يَفْعَلَ هُوَ فِعْلاً وَيَفْعَلَ الإِمَامُ فِعْلَا ثَانِيَا،
(1) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئًا، وَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ خُزَيْمَةً فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَقَالَ: صَحِيحٌ. وَمَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الإِمَامَ سَاجِدًا وَافَقَهُ فِي السُّجُودِ، وَلَا يُعِدُّ ذَلِكَ رَكْعَةٌ، وَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ؛ أي: الرُّكُوعَ مَعَ الإِمَامِ؛ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ؛ أَي: الرَّكْعَةَ، وَحُسِبَتْ لَهُ. (1/471)
صفحة 472
قواعد الان
فَمَنْ قَالَ: الرَّكْعَةُ وَجَمِيعُ أَجْزَائِهَا عَمَلٌ وَاحِدٌ، قَالَ: إِذَا اتَّبَعَ الإِمَامَ وَلَحِقَهُ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ إِلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَهُوَ مُدْرِكُ لِلرَّكْعَةِ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي قَوْلِهِ: "لَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ (1)، وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِ فِعْل الْمَأْمُومٍ أَنْ يُقَارِنَ فِعْلَ إِمَامِهِ، وَإِنَّمَا مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ فَقَطْ قَالَ: إِنْ أَدْرَكَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ
(1) n
فَإِنَّهُ يَعْتَدُّ بِهَا. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَسْتَدْرِكُهُ الْمَأْمُومُ بَعْدَ تَسْلِيمِ الإِمَامِ، هَلْ يَكُونُ قَضَاءٌ أَوْ أَدَاءٌ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ قَضَاءُ، وَأَنَّ مَا أَدْرَكَ لَيْسَ هُوَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ أَدَاءُ، وَأَنَّ مَا أَدْرَكَ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ.
وَفَائِدَةُ الْخِلافِ فِيمَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْمَغْرِبِ رَكْعَةً، فَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ قَضَاءُ، يَقُومُ الْمَأْمُومُ إِلَى الرَّكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي يَقُومُ إِلَى رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَيَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ
وَسُورَةٍ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ جَلَسَ، ثُمَّ يَقُومُ إِلَى الثَّانِيَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَبَبُ الْخِلَافِ: أَنَّهُ وَرَدَ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ: "فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا (2)، وَالإِثْمَامُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَا أَدْرَكَ هُوَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ، وَوَرَدَ فِي بَعْضِ الأَحَادِيثِ: "فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا (3)، وَالْقَضَاءُ يُوجِبُ أَنَّ مَا أَدْرَكَ هُوَ آخِرُ صَلاتِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَا أَدْرَكَ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ،
(1) يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ: "لاَ تَخْتَلِفُوا عَلَى إِمَامِكُمْ وَلَا تُتَابِعُوهُ فِي الْقُعُودِ". قَالَ صَاحِبُ سُبُلِ السَّلَامِ: "كَذَا فِي شَرْحِ الْقَاضِي وَلَمْ يُسْيَدُهُ إِلَى كِتَابٍ، وَلَا وَجَدْتُ قَوْلَهُ: "لا تُتَابِعُوهُ فِي الْقُعُودِ فِي حَدِيثٍ، فَيُنْظَرُ". اهـ. [الصنعاني: سبل السلام، 23/ 2]. (2) [رواه البخاري، كتاب الأذان باب قول الرجل فاتتنا الصلاة، 609، ومسلم، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار، ر 1389].
(3) [رواه الربيع، كتاب الصلاة ووجوبها، باب في صلاة الجماعة والقضاء في الصلاة، ر 217، والنسائي، كتاب الإمامة باب السعي إلى الصلاة، ر 861]. (1/472)
صفحة 473
473
لا تُفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ مَوْضِعُ الإِحْرَامِ، وَإِيجَابِهِمْ عَلَى الدَّاخِلِ تَرْتِيبَ آخِرِ صَلَاتِهِ، لَكِنْ تَخْتَلِفُ فِي التَّرْتِيبِ نِيَّةُ الْمَأْمُومِ وَالإِمَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1)
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً، فَقَالَ قَوْمٌ: عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ رَكْعَةً ثَانِيَةٌ، وَإِنْ أَدْرَكَ أَفَلَ مِنْ رَكْعَةٍ صَلَّى أَرْبَعًا، وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يَقْضِي الرَّكْعَتَيْنِ أَدْرَكَ مِنْهُمَا مَا أَدْرَكَ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: التَّعَارُضُ الْوَاقِعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا "، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: "مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلاَةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاة (2). الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يُمْكِنُ وُصْلَانُ الصَّلَاةِ إِلَّا فِي حَالِ الْقِيَامِ أَوِ الْقُعُودِ، وَيُسَلِّمُ الدَّاخِلُ - إِذَا اسْتَدْرَكَ مَا فَاتَهُ بِهِ الإِمَامُ - قَاعِدًا عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَقِيلَ: إِنْ أَدْرَكَ الْقِيَامَ يُسَلِّمُ قَائِمًا، وَيَلْزَمُ الْمُسَافِرَ إِنْ دَخَلَ عَلَى الإِمَامِ الْحَاضِرِ التَّمَامُ، وَإِنِ اسْتَخْلَفَهُ الْحَاضِرُ كَانَ خَلِيفَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) لِقَوْلِهِ: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلاةِ الْجُمُعَةِ فَلْيُضِفْ إِلَيْهَا أُخْرَى، وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ". [رواه
الدارقطني، باب فيمن يدرك من الجمعة ركعة أو لم يدركها، (12].
(2) تَقَدَّمَ قَرِيبًا. (1/473)
صفحة 474
47475
الفصل الثاني فِي قَضَاءِ الْفَوَائِتِ
اتَّفَقَ أَهْلُ الإِسْلامِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى النَّائِمِ وَالنَّاسِي، لِقَوْلِهِ: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسَيَهَا فَلْيُصَلُّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَذَلِكَ وَقْتُهَا (1)، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الثَّارِكَ لِلصَّلاَةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا أَنَّهُ آثِمٌ عَاص،) وَقْتُهَا أَنَّهُ آثِمٌ عَاصِ، وَأَنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، إِلَّا مَا ذُكِرَ عَنِ الظَّاهِرِيَّةِ أَنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ آثِمٌ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ شَيْتَانِ، أَحَدُهُمَا: قِيَاسُ الْعَامِدِ عَلَى النَّاسِي الَّذِي عَذَرَهُ الشَّرْعُ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، فَالْمُتَعَمِّدُ أَحْرَى أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ؛ لأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ، وَالْحَقُّ فِي هَذَا إِذَا جُعِلَ الْوُجُوبُ مِنْ بَابِ التَّعْلِيطِ كَانَ الْقِيَاسُ سَائِغًا، وَأَمَّا إِنْ جُعِلَ مِنْ بَابِ الرِّفْقِ فَلاَ يَسُوعُ؛ لأَنَّ الْعَامِدَ ضِدُّ النَّاسِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا صِفَةُ القَضَاءِ فَهيَ بِعَيْنِهَا صِفَةُ الأَدَاءِ إِذَا كَانَتِ الصَّلاتَانِ فِي صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ فِي أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، مِثْل أَنْ يَذْكُرَ صَلَاةٌ حَضَرِيَّةٌ فِي سَفَرٍ، أَوْ سَفَرِيَّةٌ فِي حَضَرِ، فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إِلَى أَنَّ الْعَامِدَ لِتَرْكِ الصَّلاةِ، أَوْ يُصَلِّيهَا بِمَا لا تَتِمُّ بِهِ، إِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ؛ لأَنَّهَا دَيْنٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا النَّائِمُ وَالنَّاسِي فَلْيُرَاعِ الْوَقْتَ الَّذِي اسْتَيْقَظَ فِيهِ أَوْ تَرَكَ الصَّلاَةَ فِيهِ، لِقَوْلِهِ: فَذَلِكَ وَقْتُهَا، فَيَقْضِي الْحَضَرِيَّةَ فِي السَّفَرِ سَفَرِيَّةٌ، وَالسَّفَرِيَّةَ فِي الْحَضَرِ حَضَرِيَّةً، وَقَالَ بَعْضُ: يَقْضِي أَرْبَعًا عَلَى كُلِّ،
(1) [سبق تخريجه]. (1/474)
صفحة 475
tyo
د الإسلا
سَفَرِيَّةٌ كَانَتِ الْمَنْسِيَّةُ أَوْ حَضَرِيَّةٌ، فَعَلَى رَأْيِ هَؤُلَاءِ إِنْ ذَكَرَ فِي السَّفَرِ حَضَرِيَّةٌ صَلَاهَا حَضَرِيَّةٌ، وَإِنْ ذَكَرَ فِي الْحَضَرِ سَفَرِيَّةً صَلاهَا حَضَرِيَّةٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي قَضَاءِ الْمَنْسِيَّاتِ، أَعْنِي تَرْتِيبَ الْمَنْسِيَّاتِ مَعَ الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ فِي الْوَقْتِ، وَتَرْتِيبَ الْمَنْسِيَّاتِ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ إِذَا كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ فِي الْخَمْسِ الصَّلَوَاتِ فَمَا دُونَهَا، وَأَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْمَنْسِيَّةِ وَإِنْ فَاتَهُ وَقْتُ الْحَاضِرَةِ، حَتَّى أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنْ ذَكَرَ الْمَنْسِيَّةَ وَهُوَ فِي الْحَاضِرَةِ فَسَدَتْ عَلَيْهِ، وَقَالَ آخَرُونَ: التَّرْتِيبُ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ إِذَا كَانَ وَقْتُ الْحَاضِرَةِ وَاسِعًا فَحَسَنُ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: تَشْبِيهُ الْقَضَاءِ بِالأَدَاءِ، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَاتَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فَصَلاهُنَّ عَلَى التَّرْتِيبِ
(1)
(1) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [باب من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت 571]، لَكِنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْفَائِتَةَ صَلاةُ الْعَصْرِ فَقَط، لا خَمْس صَلَوَاتٍ كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ عَامِرٌ فِي كِتَابِ الْإِيضَاحِ أَنَّ الْفَائِتَاتِ أَرْبَعُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ لا فَاتَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ فَصَلاهُنَّ عَلَى التَّرْتِيبِ باب القضاء في الصلاة، 686/ 1]، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب عَنِ النَّبِيِّ الله أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: "مَلَأَ اللهُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا كَمَا شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ "، وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ جَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشَ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّي حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَعْرُبَ، قَالَ النَّبِيُّ: "وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا، فَنَزَلْنَا مَعَ النَّبِيُّ الله بطحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ. [رواه البخاري، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب، ر 3886]. وَهُنَاكَ رِوَايَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ مُخْتَلِفَةٌ: فَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ لَمْ يَفْتَهُ إِلَّا الْعَصْرُ، وَفِي الْمُوَطَّأ: الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ، وَفِي التَّرْمِذِي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ شَغَلُوا رَسُولَ اللهِ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ. (موطا مالك. ك - رواية يحي الليثي، باب صلاة الخوف، 1/ 345]. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي طَرِيقِ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ: "إِنَّ وَقْعَةَ الْخَنْدَقِ بَقِيَتْ أَيَّامًا، فَكَانَ هَذَا فِي بَعْضِ أَيَّامٍ، وَهَذَا فِي بَعْضِهَا، وَقَالَ - قبل ذلك -: "وَأَمَّا تَأْخِيرُ النبي صَلَاةَ الْعَصْرِ حَتَّى غَرَبَتِ (1/475)
صفحة 476
قواعد الإس
مَسْأَلَة [في حُكْمِ تَارِكِ الصَّلاةِ بِغيرِ عُذْرٍ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ كَافِرٌ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ: لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْكُفْرِ إِلا تَرْكُهُ الصَّلاة ((1).
أَثَرِ أَصْحَابِنَا عَمْرُوسِ بْنِ فَتْح وَغَيْرِهِ: مَنْ تَرَكَ صَلاةَ النَّهَارِ إِلَى اللَّيْلِ،
6
وَصَلاةَ اللَّيْلِ إِلَى النَّهَارِ فَقَدْ ضَلَّ وَهَلَكَ، وَرَوَى أَصْحَابُ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ مُؤَذِّنا أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ حِينَ غَزَا بَنِي قُرَيْظَةَ: "مَنْ كَانَ سَمِيعًا مُطِيعًا فَلَا يُصَلِّينَ الْعَصْرَ إِلا فِي بَني قُرَيْظَةَ (2)، فَلَمْ يُصَلِّ بَعْضُ أَصْحَابِهِ الْعَصْرَ إِلَّا بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وُقُوفًا لأمْرِهِ، وَشَغَلَهُمْ فِيمَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ بُةٌ فِي حَرْبِهِمْ، قَالَ: فَمَا عَاتَبَهُمُ اللهُ بِذَلِكَ وَلَا عَنْفَهُمْ رَسُولُهُ.
وَعِنْدَ أَصْحَابِنَا مِنْ أَهْل عُمَانَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْعَامِدَ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ وَالْمُشْتَغَلَ عَنْهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالتَّوْبَةَ وَالْكَفَّارَةَ: صِيَامَ شَهْرَيْنِ، أَوْ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَاللهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَبِهِ الْحَوْلُ وَالتَّوْفِيقُ.
تمَّ الْجُزْءُ الأَوَّلُ بِعَوْنِ اللَّهِ، وَيَلِيهِ الْجُزْءُ الثَّانِي
أَوَّلُهُ كِتَابُ الزَّكَاةِ
الشَّمْسُ فَكَانَ قَبْلَ نُزُولِ صَلَاةِ الخَوْفِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَخَرَهَا نِسْيَانًا لَا عَمْدًا، وَكَانَ السَّبَبُ فِي النِّسْيَانِ الاشْتِغَالَ بِأَمْرِ الْعَدُوِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَخَرَهَا عَمْدًا لِلاشْتِغَالِ بِالْعَدُوِّ، وَكَانَ هَذَا عُدْرًا فِي تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ قَبْلَ نُزُولِ صَلاةِ الْخَوْفِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا بِسَبَبِ الْعَدُوِّ وَالْقِتَالِ، بَلْ يُصَلِّي صَلاةَ الْخَوْفِ عَلَى حَسَبِ الْحَالِ. [شرح صحيح مسلم،
[130/ 5
(1) رَوَاهُ الرَّبِيعُ [كتاب الصلاة ووجوبها، باب جامع الصلاة، (303]، وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله: " بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاَةِ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتَّرْمِذِيُّ
وَابْنُ مَاجَةَ.
(2) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْأَحْزَابِ: "لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ". فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ: لاَ نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ. فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِي فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ. (1/476)
صفحة 477
مقدمة التحقيق.
مقدمة المصحح.
الفهارس
الشيخ الجيطالي وكتابه قواعد الإسلام.
ترجمة الشيخ الجيطالي
مقدمة المؤلف (الجيطالي).
كِتَابُ التَّوْحِيدِ.
الرُّكْنُ الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ اللهِ.
مقدمة
علامات البلوغ
O
10 ..
17.
YI ......
25.
270
YA ....
YA .......
الباب الأول: في معرفة الله عز وجل، وما لا يسع جهله كل مكلف ............
فصل في أَدِلَّهُ مَعْرِفَةِ اللهِ ..
الأَبْوَابُ الثَّلاثَةُ الَّتِي يَشْتَمِلُ عَلَيْهَا هَذَا الرُّكْنُ الأَوَّلُ.
الفضلُ الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ عز وجل.
3500
TV ....
القسم الأول: فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَعْتَقِدَهُ فِي اللَّهِ لَا وُجُوبًا وَإِثْبَاتًا.370 الْقِسْمُ الثَّانِي: فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَعْتَقِدَهُ نَفْيًا وَاسْتِحَالَةٌ .......... 38
الْفَضْلُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ الرَّسُولِ ..
الْفَضْلُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ.
40
410
بَابُ ذِكْرِ الأَقْسَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ الَّتِي تَجْرِي مَجْرَى الْأُمَّهَاتِ مِنْ وَظَائِفِ (1/477)
صفحة 478
قواعد الإس
الاعْتِقَادَاتِ ..
اسلام
القسم الأول: الإيمان بالموت
الْقِسْمُ الثَّانِي: فِي قِيَامِ السَّاعَةِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي اعْتِقَادِ كَوْنِ الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ: فِي الْحِسَابِ ..
الْقِسْمُ الْخَامِسُ: فِي الثَّوَابِ.
الْقِسْمُ السَّادِسُ: فِي الْعِقَابِ ..
الْقِسْمُ السَّابِعُ: فِي الْمَلائِكَةِ.
القِسْمُ الثَّامِنُ: فِي الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُل.
الْقِسْمُ التَّاسِعُ: فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ.
القِسْمُ الْعَاشِرُ: فِي الإِيمَانِ بِالْقَدَرِ.
470
EV .....
50
01 ..
or .......
54000
550
OV
610
640
الْقِسْمُ الْحَادِي عَشَرَ: فِي مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ وَالشِّرْكِ ..
الْقِسْمُ الثَّانِي عَشَرَ: فِي فَرْزِ مَا بَيْنَ كَبَائِرِ الشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ ...
670
VI.
الْقِسْمُ الثَّالِثَ عَشَرَ: في معرفة حرمة دماء المسلمين وغنيمة أموالهم وسبي
ذراريهم.
الْقِسْمُ الرَّابِعَ عَشَرَ فِي معرفة أمرِ اللهِ ونهيه.
القِسْمُ الْخَامِسَ عَشَرَ: فِي الْمَنِّ وَالدَّلائِل ..
الْقِسْمُ السَّادِسَ عَشَرَ: فِي الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ ..
الْبَابُ الثَّانِي مِنَ الرُّكْنِ الأَوَّلِ: فِي الْوَلَايَةِ وَالْبَرَاءَةِ وَأَحْكَامُهَا.
74
V .......
VV ..
VA ....
AY .. (1/478)
صفحة 479
Devay
الجُمْلَةُ الأُولَى فِي الْوَلايَةِ وَتَقَاسِيمِهَا ..
قواعد الإسلام
الفصل الأول: فِي مَعْنَى الْوَلايَةِ وَالاسْتِشْهَادِ عَلَى وُجُوبِهَا. الْفَضْلُ الثَّانِي: فِي وَلايَةِ جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ.
A) .......
??
الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِى وَلاَيَةِ الأَوْلِيَاءِ الْمَوْصُوفِينَ بِالْعِصْمَةِ وَالاصْطِفَاءِ فِي
الْقُرْآنِ ..
الْفَضْلُ الرَّابِعُ: فِي وَلَآيَةِ الْبَيْضَةِ.
الْفَضْلُ الْخَامِسُ: فِي وَلايَةَ الْخَارِجِ مِنَ الشِّرْكِ إِلَى الإِسْلامِ.
86000
MA ...
90
الْفَضْلُ السَّادِسُ فِي وَلايَةِ الْخَارِج مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ الْخِلافِ إِلَى مَذْهَبِ أَهْلِ
الْوِفَاقِ ..
92.0
الْفَضْلُ السَّابِعُ فِي وَلَآيَةِ الْمَخْصُوصِ بِاسْمِهِ الْمَعْرُوفِ بِشَخْصِه ...... 97 القسم الأول: في الاستدلال علَى فَرضِ وَلاية الأشخاص ................
القسم الثاني: فِي كَيْفِيَّةِ وَلايَتِهِ ..
القسم الثَّالِثُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ وَلَآيَةِ الْمَنْصُوصِ وَغَيْرِهِ
الْفَضْلُ الثَّامِنُ: فِي وَلايَةِ الأَطْفَالِ.
الْفَضْلُ التَّاسِعُ فِي شُرُوطِ الْوَلايَةِ وَالْجِهَاتِ الَّتِي تَحْصُلُ بِهَا.
الْفَضْلُ الْعَاشِرُ: فِي وَلايَةِ الأَئِمَّةِ وَقَادَةِ الأُمَّةِ.
الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي الْبَرَاءَةِ وَتَقَاسِمِهَا ..
الفَضلُ الأَوَّلُ: فِي مَعْنَى الْبَرَاءَةِ وَأَدِلَّةِ وُجُوبِهَا.
الْفَضْلُ الثَّانِي: فِي بَرَاءَةِ الْجُمْلَةِ.
98.0
100
\.\ ........
1.0 .....
V ..
111 ..
111 ...
118 .. (1/479)
صفحة 480
قواعد الإن
الْفَضْلُ الثَّالِثُ فِي الْبَرَاءَةِ مِنَ الْمَذْمُومِينَ فِي الْقُرْآنِ ..
117 ..........
الْفَضْلُ الرَّابِعُ فِي الْبَرَاءَةِ مِنْ إِمَامِ الْجَوْرِ وَجَمِيعِ مَنْ تَبِعَهُ عَلَى جَوْرِهِ .. 118
الْفَضْلُ الْخَامِسُ فِي الْبَرَاءَةِ مِنَ الْمُرْتَدَّ مِنَ الإِسْلامِ إِلَى الشِّرْكِ ......... 12
الْفَضْلُ السَّادِسُ فِي الْبَرَاءَةِ مِنَ الْخَارِجِ مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ إِلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْخِلافِ.
122 .....
الْفَضْلُ السَّابِعُ: فِي الْبَرَاءَةِ مِنَ الْمَخْصُوصِ بِاسْمِهِ الْمَقْصُودِ إِلَيْهِ بِشَخْصِهِ. 124 القِسْمُ الأَوَّلُ: فِي الاستدلال على فَرْضِ براءةِ الأشخاص ........
القِسْمُ الثَّانِي: فِي حُكْمِ براءةِ الشَّخْصِ المَخْصُوصِ.
1240
القِسْمُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ الْوَلايَةِ وَالْبَرَاءَةِ مِنَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ فِي
الْقُرْآنِ أَوْ فِي السُّنَّةِ.
الْفَضْلُ الثَّامِنُ: فِي الْجِهَاتِ الَّتِي تَصِحُ بِهَا الْبَرَاءَةُ.
الْفَضْلُ النَّاسِعُ: فِي اسْتِتَابَةِ الْمُتَوَلِّي إِذَا قَارَفَ كَبِيرَةٌ ..
12600
128 ..
130
الْفَضْلُ الْعَاشِرُ: فِي حَقِيقَةِ الْوَلايَةِ وَالْبَرَاءَةِ وَوَلَآيَةِ اللَّهِ فِي الْعِبَادِ، وَأَلْفَاظِ
الْوَلايَةِ وَالْبَرَاءَةِ.
القسم الأوّلُ: فِي حَقِيقَةِ الْوَلايَةِ وَالْبَرَاءَةِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: فِي وَلايَةِ اللهِ فِي الْعِبَادِ ...
Iro .........
Iro ..........
......
القِسْمُ الثَّالِثُ فِي مَا يَجُوزُ مِنَ الأَلْفَاظِ فِي الْوَلَايَةِ وَالْبَرَاءَةِ وَمَا لَا يَجُوزُ 139
الْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الْوُقُوفِ ..
143. (1/480)
صفحة 481
481
قواعد الا
الْفَضْلُ الأَوَّلُ: فِي الأَدِلَّةِ عَلَى فَرْضِ الْوُقُوفِ .. الْفَضْلُ الثَّانِي: فِي حُكْمِ الْمَوْقُوفِ عَنْهُ.
الْفَضْلُ الثَّالِثُ فِي أَحْكَامِ الْوُقُوفِ فِي الأَفْعَالِ الإِنْسَانِيَّةِ.
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْمِلَل السِّتْ وَأَحْكَامِهَا.
الْجُمْلَةُ الأُولَى فِي أَحْكَامِ مِلَّةِ الإِسْلامِ.
الْفَضْلُ الأَوَّلُ: فِي حُكْمِ مِلَّةِ الإِسْلامِ.
القسم الأول: في حكم أهل الوفاق ..
القسم الثاني: في حكم أهل خلاف المسلمين. الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي أَحْكَامِ مِلَلِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالأَصْنَامِ.
1440
14600
JEA .........
153.
153.
107 ........
10% .......
lov ...
171 ...
القِسْمُ الأَوَّلُ: في أحكام الملل الثلاث: اليهود والنصارى والصابئين 161
الْقِسْمُ الثَّانِي: في أحكامِ الْمَجُوسِ ..
163
الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي أَحْكَامِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ أَهْلِ اللآتِ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةِ
الأُخرى ..
مسألة: في مقدار الجزية وأحكامها.
163.
164 ...
مسألة: في الزي الذي يمتاز بهِ أهلُ الكتاب عن غيرهم، وبعض أحكامٍ
معاملتهم ..
مسألة: في حُكمُ بَلَل أهل الكتابِ.
177 .....
167.
الْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ فِي الْقَوَاعِدِ وَالأَرْكَانِ الَّتِي بُنِي عَلَيْهَا الإِسْلامُ ........... 168
قواعد الدين الأربعة ..
168.0 (1/481)
صفحة 482
AY
17100
171 ....
171.
172
1720
176.
IVA ..
182.0
183
VAT ........
183
JAY ......
184.
1840
110.
110.
فَصْلٌ: فِي مَعْرِفَةِ الْعِلْمِ الْمُفْتَرَض تَعَلَّمُهُ.
الوجه الأول: فِي مَعْرِفَةِ مَا لاَ يَسَعُ النَّاسَ جَهْلُهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ ..
الوجه الثاني: في مَعْرِفَةُ مَا يَسَعُ جَهْلُهُ إِلَى الْوُرُودِ.
الوجه الثالث: في معرفةِ مَا يَسَعُ جَهْلُهُ أَبَدًا.
مَا لا يسعُ جهلُهُ فِي هَذَا الوَجهِ.
فَصْلٌ: فِي الْعَمَل ..
فَضْلُ: فِي النِّيَّةِ وَتَوَابِعِهَا مِنَ الصِّدْقِ وَالإِخْلاَصِ ..
فَصْلٌ: فِي الْوَرَعِ.
درجات الورع أربعة.
- ورعُ العُدول ......
- ورعُ الصَّالحين.
- ورعُ المُتَّقين.
- ورعُ الصِّدِّقين.
وجوب اقتران العلم بالورع ..
فَضْلُ: فِي أَرْكَانِ الدِّينِ الأَرْبَعَةِ ..
- مَسْأَلَةٌ فِي الاسْتِسْلَامِ لأمر الله (1/482)
صفحة 483
مَسْأَلَةٌ فِي الرِّضَى بقضاء الله ..
مَسْأَلَةٌ فِي التَّوَكُلِ عَلَى اللَّهِ وبعضُ أَحْكَامِهِ.
- مسألةٌ في تفويض الأُمُورِ إِلَى الله.
كتاب الطهارات.
110.
18600
189 ..
191 .......
الرُّكْنُ الثَّانِي مِنَ الْكِتَابِ فِي شُرُوطِ الصَّلاَةِ وَمَا فِيهَا مِنَ السُّنَنِ وَالآدَابِ 192
الْمُقَدِّمَةُ الأُولَى فِي آدَابِ قَضَاءِ حَاجَةِ الإِنْسَانِ ..
1930
الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: فِي أَعْيَانِ النَّجَاسَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَالْمُخْتَلَفِ فِيهَا ...... 197
الأعيان المتفق على تحريمها ونجاستِها عشرة ..
الأعيان المختلَفُ في نجاستِها عشرة ..
197000000
197.
الْمُقَدِّمَةُ الثَّالِثَةُ: فِيمَا تُزَالُ عَنْهُ هَذِهِ النَّجَاسَاتُ وَبِمَا تُزَالُ بِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ
وَالْجِهَاتِ.
الأشياء التي تُزالُ عنهَا النَّجاسة ثلاثةٌ.
الأَشْيَاءُ الَّتِي تُزَالُ بِهَا النَّجَاسَةُ عشرة ..
الأول: الغسل ..
المياه أربعة أقسام ..
القسم الأول: الماء المطلق.
الْقِسْمُ الثَّانِي: الماء المقيد
213.
213
2140
2140
2150
215
215. (1/483)
صفحة 484
484
TIT .......
218 ..
221 .....
YYY .........
224 .....
225 .....
2260000
226000
YYV .......
YYA .......
228 ..
229.
2310
2320
2340
237.
237.
237.
واعد الإسـ
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الماء المضاف ..
القِسْمُ الرَّابِعُ: الماء المستعمل.
فَضل: في أحكام الماء المطلق.
فَصْلٌ: فِي أَحْكَامِ الْغَسْلِ بِالْمَاءِ.
الثاني: فَصْلٌ فِي الْمَسْحِ ..
الثالث: النَّصْحُ.
الرابع: الوطء.
الخامس: النَّارُ.
السادس: الزَّمانُ.
السابع: الدباغ ..
الثامن: التريب.
التاسع: الرِّيحُ والشَّمسُ والمطر.
العاشر: الرَّشْحُ ..
الْمُقَدِّمَةُ الرَّابِعَةُ: فِي الاسْتِنْجَاءِ.
الْفَضْلُ الأَوَّلُ: فِي الاسْتِجْمَارِ ..
الْفَضْلُ الثَّانِي: فِي كَيْفِيَّةِ الاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ.
بَابٌ فِي الطَّهَارَةِ الْمَشْرُوعَةِ لِلصَّلَاةِ.
الفصل الأول: طهارة الوضوء من الأحداثِ.
الْقِسْمُ الأَوَّلُ: فِي الْوُضُوءِ وَكَيْفِيَّتِهِ. (1/484)
صفحة 485
YYA ........
YYA ........
YYA ..........
238.0
YYA .....
239 .....
2390
2450
2500
Yo ......
2520
2540
255 ....
YOT ..........
YOA .........
262.
YTE ...
26500
Malatakatakatakatakatakatakatakatak
قواعد الإس
أقسام الوضوء
فرض (المفروض).
سنة (المسنون) ..
فضيلة (المستحب).
مباح (المباح).
فَصْلٌ: فِي أَحْكَامِ الْوُضُوء.
فرائض الوضوء
مسنونات الوضوء
فضائل الوضوء
مكروهات الوضوء
مسألة في المسح على الخفين .... القِسمُ الثَّانِي: فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوء.
موجبات الوضوء
الْفَضْلُ الأَوَّلُ: فِي الأَحْدَاثِ.
الْفَضْلُ الثَّانِي: فِي الأَسْبَابِ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى نَقْضِ الْوُضُوءِ.
الْفَضْلُ الثَّالثُ فِي الأَفْعَالِ الْمُوجِبَةِ لِلْوُضُوءِ
القسمُ الثَّالِثُ فِي الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى (وهي التَّيَمُّمُ).
فضل: فِي أَسْبَابِ التَّيَمُّمِ وَكَيْفِيَّتِهِ وَأَحْكَامِهِ.
الْقِسْمُ الأَوَّلُ: فِيمَا يَنْقُلُ إِلَى التَّيَمُّمِ وَهُوَ الْعَجْزُ وأسبابه سنّةٌ. ستة ......... 265
4850 (1/485)
صفحة 486
486
26500
2670
268 ...
268 ...
26800
26900
270
270.
270.0
271 ..
272.0
قواعد الإسلام
الأول: فقد الماء.
الثاني: الخوف .....
الثالث: الحاجة إلى الماء.
الربع الجهل بوجود الماء.
الخامس: المرض ..
السادس: عدم إمكان عزل الجروح والقروح.
الْقِسْمُ الثَّانِي: فِي كَيْفِيَّةِ التَّيَمُّم.
أركان التيمم ......
الركن الأول: النية.
الرُّكْنُ الثَّانِي: مَا تُعْمَلُ بِهِ هَذِهِ الطَّهَارَةُ مَا يَجوزُ بِهِ التَّيَمُّمُ).
الرُّكْنُ الثَّالِثُ: فِي كَيْفِيَّةِ التَّيَمُّمِ ..
الرُّكْنُ الرَّابِعُ: فِي أَحْكَامِ التَّيَمُّمِ (مُفْسِدَاتُهُ).
القِسْمُ الرَّابِعُ فِي الطَّهَارَةِ مِنَ الأَحْدَاثِ الْمُوجِبَةِ لِلاغْتِسَال ........ 275
27500
TVO ....
TVO .....
276000
276000
.........
الغسل الواجب لخمسة أحداث ......
الأول: الإنزال غيوب الحشفة ..
الثاني: انقطاع الحيض وكمال وقته.
الثالث: انقطاع دم النفاس.
الرابع: الموت ..
الخامس: الدخول في الإسلام (1/486)
صفحة 487
481
قواعد الإسلام
الغسل المسنون خمسة.
276 .........
الغسل المستحب ستة.
TV ........
فرائض الاغتسال ستة.
276000
سنن الاغتسال ستة.
فضائل الاغتسال أربع.
مكروهات الاغتسال.
الجُمْلَةُ الأُولَى فِي الغُسْلِ مِنَ الجَنَابَةِ. الْفَضْلُ الأَوَّلُ: فِي الاحْتِلام.
الْفَضْلُ الثَّانِي: فِي مُوجِبِ الْغُسْلِ مِنَ الْجِمَاعِ.
الْفَضْلُ الثَّالِثُ فِي كَيْفِيَّةِ الْغُسْلِ.
الْفَضْلُ الرَّابِعُ: فِي أَحْكَامِ الْجَنَابَةِ.
الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي أَحْكَامِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِمَا.
277.
277.
277 ....
279.
280
282 .....
YAO ....
288 ..
291
الْفَضْلُ الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِ الدِّمَاءِ الْخَارِجَةِ مِنَ الأَرْحَامِ ......... 29
الأول: دم الحيض.
الثاني: دم الاستحاضة.
الثالث: دم النفاس
291.0
292.
292
الْفَضْلُ الثَّانِي: فِي أَحْكَامِ الْحَيْضِ الْمُتَعَلَّقَةِ بِهِ وَالْمَمْنُوعَةِ مِنْ أَجْلِهِ .... 293
الأول: فِي حَدٌ الْحَيْضِ.
الثَّانِي: فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ.
293
rar ......... (1/487)
صفحة 488
واعد الإن
الثَّالِثُ فِي حُكْمِ مَا يُمْتَنَعُ بِهِ فِي حَالِ الْحَيْضِ.
295 .......
الفَضْلُ الثَّالِثُ فِي اخْتِلافِ حُكْمِ النِّسَاءِ الْمُعْتَادَةِ [المُعَدَّةِ لِلْمَحِيضِ.298
الأُولَى الْمُبْتَدِئَةُ.
الثانية: المعتادة ..
الثالثة: المُستحَاضَةُ.
الرابعة: الحَامِلُ.
في اليائسَةِ تَرَى الدَّمَ أَوْ شيئًا مِنْ تَوابِعِهِ.
الأشياءُ التِي تَقْطَعُ الحَيْضَ.
الْفَضْلُ الرَّابِعُ: فِي دَمِ النَّفَاسِ.
الرُّكْنُ الثَّانِي مِن الْكِتَابِ: فِي الصَّلاَةِ.
أقسام الصلاة ..
الأول: قِسْمُ فُرُوض.
الثاني: قِسْمُ سُنَنٍ.
الثالث: قِسْمُ فَضَائِلَ.
الرَّابِعُ: قِسْمُ تَطوع.
الْخَامِسُ: قِسْمُ مَمْنُوعَ الصَّلَاةِ.
298 ......
299.
305 ...
TO .......
....
310
311.
الْجُمْلَةُ الأُولَى فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَفَرَائِضِهَا وَسُنَنِهَا وَفَضَائِلِهَا ..... 314
فرائض الصلاة ..
فرائضها قبل الدخول فيها ..
3140
3140 (1/488)
صفحة 489
315000
316000
3170
3170
takatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatalated
- فرائضها بعد الدخول فيها.
سنن الصلاة.
فضائل الصلاة.
مكروهات الصلاة ..
مفسدات الصلاة.
الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي تَفْصِيلِ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ وَسُنَنِهَا عَلَى مَا يَنْبَغِي ........ 319
الفريضة الأولى: طَهَارَةُ التَّوْبِ
الفريضة الثانية: طهارة .. البدن .......
الفريضة الثالثة: طهارة البقعة (المكان) ..
319.
319 ..
323
TYE ..........
3350
337.
....
339 ..........
3400
{ .........
الْفَرِيضَةُ الرَّابِعَةُ: دُخُولُ الْوَقْتِ لأَدَائِهَا.
الْفَضْلُ الأَوَّلُ: فِي الأَوْقَاتِ الْمَأْمُورِ بِهَا ..
الْفَضْلُ الثَّانِي: فِي الأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّلاَةِ فِيهَا ....
الْفَضْلُ الثَّالِثُ فِي أَوْقَاتِ الْمَعْذُورِينَ.
الفريضة الخامسة: في سَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا. القِسْمُ الأَوَّلُ: فِي حَدَّ الْعَوْرَةِ وَحُكْمِ سَتْرِهَا ..
القِسْمُ الثَّانِي: فِي اللُّبَاسِ الْمُجْزِي فِي الصَّلاَةِ. الْفَرِيضَةُ السَّادِسَةُ: فِي الْقِيَامِ مَعَ الْقُدْرَةِ فِي الصَّلاَةِ. الْفَريضَةُ السَّابِعَةُ: فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي جَمِيعِ الصَّلاَةِ ..
الرُّكْنُ الأَوَّلُ: فِي الصَّلاَةِ. (1/489)
صفحة 490
Metalasalatakatakatakatakatakatakatakatakatala alatala elatakatakatakatakatakatakatakatakatakatala ala ala alat
E\ .......
الرُّكْنُ الثَّانِي: فِي أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ.
الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي الْمَعْنَى الْمُعَيَّنِ عَلَى الْمُكَلَّفِ اسْتِقْبَالُه ............. 3430
E .......
3470
TEA ........
مسألة: في استحبابِ السُّترةِ للمُصلِّي.
الفريضةُ الثَّامِنِةُ: فِي النِّيَّةِ ..
مَسْأَلَةٌ فِي كَيْفِيَّةِ النَّيَّةِ فِي الصَّلاَةِ.
مَسْأَلَةٌ فِي أَخْذِ الْوَطَنِ.
مَسْأَلَةٌ فِي صَلَاةِ السَّفَرِ.
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى فِي حُكْمِ الْقَصْرِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي الْمَسَافَةِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا الْقَصْرُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي أَنْوَاعِ السَّفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاةُ ..
TEA ........
TEA .......
ror ........
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَبْدَأُ مِنْهُ الْمُسَافِرُ قَصْرَ الصَّلَاةِ .... 352 الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: في مقدار المدة التي يصير فيها المسافر مقيما ...... 353
تفصيل سنن الصلاة وأعمالها، وبعض فرائضها بعد الدخول فيها ..... 356
فَصْلٌ: فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ.
الْقِسْمُ الأَوَّلُ: فِي الأَذَانِ ...
الْقِسْمُ الثَّانِي: فِي الإِقَامَةِ.
فَصْلٌ: فِي التَّوْجِيهِ ..
فصل: في الاستعاذة.
فصل في الإحرام.
3560000
356000
359.
36100
363
3630 (1/490)
صفحة 491
17 ......
.....
37600
377.0
TVA ........
380
3820
TAO ......
TAO ....
393
393.
فصل: في فِي قِرَاءَةِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ".
ــــد الإس
397
3990
? ........
2.0 .....
?. 7 ............
فصل: في القراءة.
فصل: في الركوع
فصل: في السجود
فصل: في الجلوس.
فصل: في التحيات ..
فصل: في التسليم.
فصل: في الدعاء.
بَابٌ: فِي سُجُودِ السَّهو والتَّلاَوَةِ.
النوع الأول: سجود السهو.
النوع الثاني: سجود التلاوة.
فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَتَرْتِيبِ أَئِمَّتِهَا. القِسْمُ الأَوَّلُ: فِي حُكْم صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: فِيمَنْ أَوْلَى بِالإِمَامَةِ الْفَقِيهُ أَوِ الْقَارِئُ؟.
القِسْمُ الثَّالِثُ فِي مَقَامِ الْمَأْمُومِ مِنَ الإِمَامِ.
القِسْمُ الرَّابع: فِي تَرْتِيبِ الإِمَامِ وَصِفَتِهِ ...
القِسْمُ الْخَامِسُ فِي الْوَطَائِفِ الْمُشْتَرَطَةِ عَلَى الإِمَامِ ..
القِسْمُ السَّادِسُ فِي شُرُوطِ الْقُدْرَةِ.
القِسْمُ السَّابِعُ: فِيمَا يَحْمِلُهُ الإِمَامُ عَنِ الْمَأْمُوم. (1/491)
صفحة 492
4060
40800
2.9 ...
413
17 .........
41800
4250
4270
430
تواعد الإسـ د الإسلام
مسألة: في صلاة الاستخلاف
الجملة الثالثة: في صلاة السنن
الْفَضْلُ الأَوَّلُ: فِي صَلَاةِ الْوِتْرِ ..
الْفَضْلُ الثَّانِي: فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ.
الْفَضْلُ الثَّالِثُ: فِي قِيَامِ رَمَضَانَ ..
الْفَضْلُ الرَّابِعُ: فِي رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ. الْفَضْلُ الْخَامِسُ فِي صَلاَةِ الْكُسُوفِ ..
الْفَضْلُ السَّادِسُ فِي صَلاةِ الاسْتِسْقَاءِ.
الْفَضْلُ السَّابِعُ: فِي صَلَاةِ الضُّحَى.
الْفَضْلُ الثَّامِنُ: فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ ...
الْفَضْلُ التَّاسِعُ: فِي أَحْكَامِ الْجَنَائِزِ.
مسألة: في الصلاة على الميت
المبحَثُ الأَوَّلُ: فِي حُكْمِهَا وَصِفَةِ الصَّلاَةِ عَلَى الْجَنَازَةِ .........
المبحَثُ الثَّانِي: فِي مَوَاضِعِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَأَوْقَاتِهَا.
المبحَثُ الثَّالِثُ: فِى شُرُوطِ صَلاَةِ الْمَيِّتِ.
مسألة في الدفن.
43700
4400
441 ........
4410
441
4430
444
4440
مسألة: في التعزية.
الْفَضْلُ الْعَاشِرُ: فِي فَضَائِلِ الصَّلَاةِ. - قِيَامُ اللَّيْلِ. (1/492)
صفحة 493
4470
4470
{{A .......
4500
450
450
201 ..........
?OY .......
- تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ.
- رَكْعَنَا السَّحَرِ.
- إِحْيَاءُ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ.
الفضل الحادي عشر: فِي مُتَطَوِّعِ الصَّلاَةِ.
- النوافل قبل صلاة الفريضة وبعدها.
- صلاة السحر.
- صلاة الضحى.
- صَلاَةُ التَّطَوُّع الْمُخْتَصَّةُ بِالأَسْبَابِ.
كَالصَّلَاةِ فِي الْمَنْزِلِ، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ لِوَدَاع المسافر أو قدومه ... 452
? or .....
454000
5450
4550
- صلاة التسبيح.
- صلاة الاستخارة.
- صلاة الاستغفار.
- صلاة الدهر. (1/493)
صفحة 494
قواعد الإسـ
- صلاة الرجاء ..
- صلاة الأجر.
بَابٌ: فِيمَا تَتَغَيَّرُ بِهِ أَحْكَامُ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ ..
السبب الأول: لِصَلاةِ الْخَوْفِ.
السَّبَبُ الثَّانِي: لِصَلاَةِ الْمُسَايَفَةِ ..
السَّبَبُ الثَّالِثُ الْمَانِعُ مِنَ اسْتِيفَاءِ أَرْكَانِهَا.
السبب الرابع: تَقْصِيرُهَا فِي السَّفَرِ.
200 ........
4550
207 .....
207 .......
? ov ....
45700
457 ....
السَّببُ الْخَامِسُ: تَغْيِيرُهَا لِصَلاَةِ الْجُمُعَةِ بِالْقَصْرِ وَالْجَهْرِ .............. 457
بَابٌ: فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ..
الْفَضْلُ الأَوَّلُ: فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ.
القِسْمُ الأَوَّلُ: فِي حُكْمِ الْجُمُعَةِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: فِي شُرُوطِهَا.
القِسْمُ الثَّالِثُ فِي شُرُوطِ أَدَاءِ الْجُمُعَةِ.
سنن الجمعة.
-
فضائل الجمعة.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ: فِي أَحْكَامِ الْجُمُعَةِ. - فِي غُسْل الْجُمُعَةِ.
209 ......
460
460 ....
ETY ..........
465 .....
468 ......
468 .........
46800
46800 (1/494)
صفحة 495
4690
4690
46900
470
470
47400
476000
47700
فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ.
- فِي وَقْتِ الرَّوَاحِ إِلَيْهَا الْمُرَغَبِ فِيهِ.
- فِي الْبَيْعِ بَعْدَ النِّدَاءِ ..
بَابٌ: فِي اسْتِدْرَاكِ الصَّلاَةِ وَقَضَاءِ الْفَوَائِتِ مِنْهَا. الْفَضْلُ الأَوَّلُ: فِي اسْتِدْرَاكِ فَوَائِتِ الصَّلاَةِ. الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي قَضَاءِ الْفَوَائِتِ ....
مسألة: في حكم تارك الصلاة بغير عذر.
فَهَارِسُ. (1/495)
صفحة 496
قول ان الايك والا
الامام أبي طاهر اسماعيل بن موسى الجيب العين
قيل عن كتاب:
قواعد الأست مارا
وكتاب "قواعد" "الإسلام" للشيخ إسماعيل بن موسى الجيطالي وهو في غاية الحسن أيضاً وللمتأخرين عليه حواشي واختصار (الشيخ السالمي: اللمعة المرضية)
"قواعد الإسلام" ولا يقل هذا الكتاب روعة عن القناطر، وإن كان كتاب القواعد لم يعن بالناحية الفلسفية للشريعة الإسلامية، وإنما عنى المؤلف فيه بالتحليل والتعليل والتدليل، ويعتبر هذا الكتاب من أهم المراجع في قواعد الإسلام الخمسة، وهو كتاب ضخم قل أن تجد في موضوعه مثله.
(الشيخ علي يحي معمر: الإباضية في موكب التاريخ)
"قواعد الإسلام" كتابُ فِقْهِ في مَجْمُوعِه، صَدْرَهُ مؤلّفه بأبواب في العقيدة - التي هي الفقه الأكبر - كعادة العلماء المتقدمين، ويتبوأ مكانة معتبرة بين أسفار تراث المكتبة الإباضية لإيجازه والْمَامِه
(الدكتور عمرو خليفة النامي)
مكتبة العامة
مكونات
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
ص ب 2. الرمز البريدي 121. السيب. سلطنة عمان
البريد الإلكتروني: t.k.aldhamri@gmail.com الهاتف: 00968/ 96444669 (1/496)
صفحة 497
مكتبة الشامية
النشر والتوليان
قواعد الأنت حوا
,
للإمام أبي طاهر اسماعيل بن موسى الجيطالي
المتوفى سنة 750 هجرية
الجزء الثاني
تصحيح وتعليق بكلي عبد الرحمن بن عمر
المتوفى سنة 1406 هـ
تحقيق وإخراج
أحمد بن صالح الشيخ أحمد (2/1)
صفحة 498
محفوظ جميع حقوق
الطبعة الخامسة
1436 هـ / 2015 م
نشر وتوزيع مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
هاتف: 0096896444669
الناشر: E.mail: t.k.aldhamri@gmail.com
ب: 2 السيب. الرمز البريدي: 121
سلطنة عمان (2/2)
صفحة 499
atakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatiskaislaidaiskidlashta
قواعد الإسلام
الجزء الثاني
للإمام أبي طاهر إسماعيل بن موسى الحيطالي المتوفى سنة 750 هجرية
تصحيح وتعليق بكلي عبد الرحمن بن عمر
المتوفى سنة 1406 هـ
تحقيق وإخراج
أحمد بن صالح بن عمر الشيخ أحمد
نشر وتوزيع مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
هاتف: 0096896444669
الناشر: E.mail: t.k.aldhamri@gmail.com
ص ب: 2 السيب. الرمز البريدي: 121 سلطنة عمان (2/3)
صفحة 500
قال تعالى:
ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
وَحَدِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن
125
ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)
[النحل: 125] (2/4)
صفحة 501
م الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ لِلهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا
الرُّكْنُ الثَّالِثُ
فِي فَرْضِ الزَّكَاةِ وَمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَقْسَامِ وَالْأَبْوَابِ
اعْلَمْ أَنَّ اللهَ شَرَعَ الزَّكَاةَ فِي أَمْوَالِ الأَغْنِيَاءِ، وَجَعَلَهَا حَقًّا وَاجِبًا لِلْفُقَرَاءِ، حِكْمَةٌ أَلَّفَ بِهَا بَيْنَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، لِتَثْبُتَ الْمَوَدَّةُ بَيْنَ ذَوِي الْفَاقَةِ وَالْأَغْنِيَاءِ فِي أَقْطَارِ الْبِلادِ، وَيَقَعَ مِنْهُمُ التَّعَاوُنُ وَالتَّنَاصُرُ عَلَى الْحَقِّ وَسَبِيلِ الرَّشَادِ؛ لأَنَّ الرَّاجِيَ لِغَيْرِهِ هَائِبٌ لَهُ مَوْصُولٌ، وَالْمَرْجُو مَا لَدَيْهِ مَهِيبٌ مَوْصُولٌ، إِذْ لَوِ انْقَطَعَتْ حَاجَةُ الْفُقَرَاءِ مِنْ ذَوِي الأَمْوَالِ لَسَقَطَتْ بِذَلِكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ هَيْبَةُ الإِجْلَالِ، وَوَقَعَ بَيْنَهُمْ مِنْ أَجْلِهِ التَّبَاغُضُ وَالتَّنَافُرُ، وَاسْتَحْكَمَ فِيهِمُ التَّقَاطِعُ وَالتَّدَابُرُ، فَيَؤُولُ ذَلِكَ إِلَى خَرَابِ الدُّنْيَا وَانْقِطَاعِ سُكَانِهَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الزَّكَاةَ ذَرِيعَةٌ إِلَى تَوَاصُلِ الأَنَامِ، وَتَطْهِيرًا لِلْقُلُوبِ مِنْ رَيْنِ الآثَامِ، وَتَكْفِيرًا لِلذُّنُوبِ وَالإِجْرَامِ، وَمَثْرَاةٌ لِلأَمْوَالِ، وَتَضْعِيفًا لِلْحَسَنَاتِ غَدًا فِي الْمَآلِ، فَقَالَ لِنَبِيِّهِ: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} ()، فَأَنْزَلَ اللهُ فَرْضَ الزَّكَاةِ فِي الْمَدِينَةِ مُجْمَلاً، فَبَيَّنَهُ رَسُولُ اللهِ بِحُدُودِهَا وَأَرْكَانِهَا، وَأَوْضَحَهَا بِرُسُومِهَا وَمَعَالِمِهَا، وَجَعَلَهَا مَشْرُوعَةٌ رُوعَةٌ فِي سِتَّةِ أَشْيَاءَ، أَحَدُهَا: زَكَاةُ الأَنْعَامِ، وَالثَّانِي: زَكَاةُ الْحُبُوبِ وَالثَّمَارِ، وَالثَّالِثُ: زَكَاةُ التَّقْدَيْنِ: الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالرَّابِعُ: زَكَاةُ التِّجَارَةِ الْمُتَّخَذَةِ لِلنَّمَاءِ
(1) التَّوْبَة: (103). (2/5)
صفحة 502
وَالزَّيَادَةِ، وَالْخَامِسُ: زَكَاةُ الْمَعَادِنِ وَالرِّكَازِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَالسَّادِسُ: زَكَاةُ الْفِطْرِ الْمَشْرُوعَةُ لِلأَبْدَانِ.
وَنَحْنُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ نَشْرَعُ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الأَجْنَاسِ السِّتَّةِ جُمْلَةٌ وَتَفْصِيلاً. اعْلَمْ أَنَّ زَكَاةَ الأَمْوَالِ لَا اخْتِلافَ بَيْنَ الأُمَّةِ فِي وُجُوبِهَا نَصَّا مِنَ الْكِتَابِ وَإِجْمَاعًا مِنْ أُولِي الأَلْبَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِالزَّكَاةِ حِينَ كَانَ بِمَكَّةَ شَيْئًا غَيْرَ مُؤَفَّتٍ وَلَا مَعْلُومٍ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَرِيضَةَ الزَّكَاةِ، فَنَسَخَ بِهَا مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ صَدَقَةٍ وَزَكَاةِ تَطَوُّع، فَقَالَ: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزكوة)، وَقَالَ: "لا صَلاةَ لِمَانِعِ الزَّكَاةِ، قَالَهَا ثَلَاثًا، وَالْمُتَعَدِّي فِيهَا كَمَانِعِهَا (2).
(1)
الأشياءُ التِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكاةُ]
وَهِيَ تَجِبُ بِالْجُمْلَةِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: عَيْنٍ وَمَاشِيَةٍ وَحَرْثٍ، فَالْعَيْنُ صِنْفَانِ: ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ، وَالْمَاشِيَةُ: إِبِلٌ وَغَنَمْ وَبَقَرٌ، وَالْحَرْتُ: مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ، وَهِيَ شَيْئَانِ: ثِمَارٌ وَحُبُوبٌ، فَالثَّمَارُ نَوْعَانِ: تَمْرُ وَزَبِيبٌ، وَالْحُبُوبُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعِ: بُر وَشَعِيرٌ وَذُرَةٌ وَسُلْتُ. وَنَحْنُ نَشْرَعُ فِي تَفْصِيلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(3)
(1) البقرة: (110). (2) رَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، قَالَ الرَّبِيعُ: الْمُتَعَدِّي فِيهَا هُوَ الَّذِي يَدْفَعُهَا لِغَيْرِ أَهْلِهَا. [باب الوعيد في منع الزكاة، ر 342]. (3) لا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي هَذِهِ الأَجْنَاسِ إِلا إِذَا اسْتَكْمَلَتِ النِّصَابَ، وَقَدْ حَدَّدَ نِصَابَ كُلِّ فِي قَوْلِهِ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ - وَالأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ عِشْرِينَ مِثْقَالاً صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ ذُوَدٍ صَدَقَةٌ - يَعْنِي خَمْسَةَ أَبْعِرَةِ، وَلَيْسَ فِيمَا دونَ أَرْبَعِينَ شَاةٌ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقِ صَدَقَةٌ". [رَوَاهُ الرَّبِيعُ، باب في
النصاب، 332]. (2/6)
صفحة 503
أَمَّا زَكَاةُ الأَنْعَامِ فَهِيَ أَرْبَعَةُ: الإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالضَّأْنُ وَالْمَعْرُ، وَقَدِ اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي هَذِهِ الأَجْنَاسِ الأَرْبَعَةِ إِذَا كَانَتْ سَائِمَةٌ، وَاخْتَلَفُوا فِيهَا إِذَا كَانَتْ غَيْرَ سَائِمَةٍ، فَقَالَ قَوْمٌ لاَ زَكَاةَ فِيهَا، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ فِيهَا زَكَاةً، سَائِمَةٌ كَانَتْ أَوْ غَيْرَ سَائِمَةٍ. وَسَبَبُ الْخِلافِ: مُعَارَضَةُ الْمُطْلَقِ الْمُقَيَّدَ، وَمُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِعُمُومِ اللَّفْظِ، أَمَّا الْمُطْلَقُ فَقَوْلُهُ: " فِي أَرْبَعِينَ شَاءَ شَاةٌ، وَالْمُقَيَّدُ قَوْلُهُ: " فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ (2)، فَمَنْ غَلَّبَ الْمُطْلَقَ قَالَ: الزَّكَاةُ فِي السَّائِمَةِ وَغَيْرِ السَّائِمَةِ، وَمَنْ غَلَّبَ الْمُقَيَّدَ قَالَ: الزَّكَاةُ فِي السَّائِمَةِ خَاصَّةً، وَأَمَّا الْقِيَاسُ الْمُعَارِضُ لِقَوْلِهِ: " فِي أَرْبَعِينَ شَاءَ شَاةٌ"؛ فَهُوَ أَنَّ السَّائِمَةَ هِيَ الَّتِي الْمَقْصُودُ مِنْهَا النَّمَاءُ وَالرِّبْحُ، وَالزَّكَاةُ إِنَّمَا هِيَ فَضَلاَتُ الأَمْوَالِ، وَهِيَ إِنَّمَا تُوجَدُ فِي الْأَمْوَالِ النَّامِيَةِ، فَمَنْ خَصَّصَ بِهَذَا الْقِيَاسِ عُمُومَ الْحَدِيثِ قَصَرَ الزَّكَاةَ عَلَى السَّائِمَةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْخَيْلِ أَيْضًا، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِلَى أَنْ لَا صَدَقَةَ فِيهَا، لِقَوْلِهِ: "عُفِيَ عَنْ أُمَّتِي زَكَاةُ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ (3)، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ فِيمَا وَجَدْتُ إِلَى أَنَّ فِيهَا الزَّكَاةَ إِنْ كَانَتْ سَائِمَةٌ، مَقْصُودًا بِهَا النَّسْلُ فِي الذُكُورِ وَالإِنَاثِ: دِينَارٌ عَلَى كُلِّ فَرَسٍ أُنْثَى، أَوْ تُقَوَّمُ دَرَاهِمَ؛ فَيَكُونُ فِي كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَاحْتُجَّ بَأَنَّ
(1) وَرَدَ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، باب زكاة الغنم، (1386].
(1) وَرَدَ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، باب زكاة الغنم، (1386]. (1) لاَ زَكَاةَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ غَيْرَ الْأَنْعَامِ، فَلا زَكَاةَ فِي الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ إِلَّا إِذَا كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ، لِحَدِيثِ: لَيْسَ فِي الْجَارَةِ هِيَ الَّتِي تُجَرُّ بِالزِّمَامِ تَذْهَبُ وَتَرْجِعُ بِقُوتِ أَهْلَ الْبَيْتِ)، وَلَا فِي الْكَسْعَةِ (الْحَمِيرِ)، وَلا فِي النَّخَةِ (الرَّقِيقِ)، وَلَا فِي الْجَبْهَةِ (الْخَيْل) صَدَقَةٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَ قُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِحَدِيثِ: "قَدْ عَفَوْتُ لَكُمْ عَنِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ، وَلا صَدَقَةً لَهُمَا ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيْدِ عَنْ عَلِيٍّ. (2/7)
صفحة 504
قواعد الإس
الْخَيْلَ السَّائِمَةَ حَيَوَانٌ مَقْصُودٌ بِهَا النَّسْلُ، فَأَشْبَهَ الإِبِلَ وَالْبَقَرَ، وَزَعَمَ أَيْضًا أَنَّ الْحَقِّ الْمَذْكُورَ فِي قَوْلِهِ حِينَ ذَكَرَ الْخَيْلَ فَقَالَ: "وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي
رِقَابِهَا " (1) أَنَّ الْحَقِّ: هُوَ الزَّكَاةُ الْمَشْرُوعَةُ فِيهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي الْخَيْلِ وَلَا فِي الرَّقِيقِ، رَوَى الْبُخَارِيُّ: لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَغُلَامِهِ صَدَقَةٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ: "لَيْسَ فِي الْخَيْلَ وَالرَّقِيقِ زَكَاةٌ إِلَّا زَكَاةَ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ"، وَقَالَ التَّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ، أَيْ: عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَيْلِ السَّائِمَةِ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي الرَّقِيقِ إِذَا كَانُوا لِلْخِدْمَةِ صَدَقَةٌ، إِلا أَنْ يَكُونُوا لِلتَّجَارَةِ، فَفِي أَثْمَانِهِمُ الزَّكَاةُ إِذَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "وَالْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ، فَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتّر، وَلِرَجُل وِزْرٌ ... الْحَدِيث"، ثُمَّ قَالَ: فَالَّذِي هِيَ لَهُ سِتّرٌ فَالرَّجُلُ الَّذِي يَتَّخِذُهَا تَكَرُّمًا وَتَجَمُّلاً وَلَا يَنْسَى حَقَّ ظُهُورِهَا وَبُطُونِهَا فِي عُسْرِهَا وَيُسْرِهَا". اهـ (2/8)
صفحة 505
الفصل الاول
فِي تَفْصِيلِ صَدَقَةِ الْأَنْعَامِ
أَمَّا [نصَابُ الإِبلُ فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لا صَدَقَةَ فِيمَا دُونَ الْخَمْسِ مِنْهَا، لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ (1)، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ فِي خَمْسِ مِنَ الإِبِلِ شَاةٌ، وَفِي عَشْرِ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثُ شِيَاءٍ، وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ، وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ بِنْتُ مَخَاضِ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فَابْنُ لَبُونِ إِلَى خَمْسٍ وَثَلاثِينَ، فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونِ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةٌ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الفَحْل إِلَى السِّتِّينَ، فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا جَدَعَةٌ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ إِلَى التَّسْعِينَ، فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةٌ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْفَحْلِ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَكُلُّ هَذَا مُجْمَعٌ
عَلَيْهِ، وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ الأُمَّةِ خِلافًا، لِبُوتِ هَذَا فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ الَّتِي أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ وَعَمِلَ بِهَا الْخَلِيفَتَانِ بَعْدَهُ (2).
(Y),
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْهَا:
(1) [رواه الربيع، كتاب الزكاة والصدقة باب (55) في النصاب، (332]. (1) كِتَابُ الصَّدَقَةِ أَوْرَدَهُ بِأَكْمَلِهِ ابْنُ حَجَرٍ فِي كِتَابِهِ: بُلُوغُ الْمَرَامِ مِنْ أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ [كتاب الزكاة،
ر 600]. (2/9)
صفحة 506
قواعد الإسـ
أَحَدُهُمَا المَوْضِعُ الأَوَّلُ]: فِيمَا زَادَ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا يُؤْخَذُ مِنْهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ إِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً إِلَى ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، فَفِيهَا حِقَّةٌ وَبِئْتَا لَبُون، ومَا لَمْ يَكْمُل الْعَشَرَةَ فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ، وَبَعْدَ هَذَا كُلَّمَا بَلَغَتِ الإِبلُ عَشْرًا فَفِي الأَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونِ، وَفِي الْخَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَهَذَا ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ، وَوَافَقَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَإِسْحَاقُ أَصْحَابَنَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَاخْتَلَفَ غَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا يَطُولُ ذِكْرُهُ.
وَالْمَوْضِعُ الثَّانِي: اخْتَلَفُوا إِذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الإِبِلِ السِّنُ الْوَاجِبُ وَوُجِدَ دُونَهُ أَوْ فَوْقَهُ، مِثْلُ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ حِقَّةٌ فَيَجِدُ جَذَعَةٌ، أَوْ تَجِبَ جَذَعَةٌ فَيَجِدُ حِقَّةٌ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا فِي كِتَابِ ابْنِ جَعْفَرٍ (1) وَغَيْرِهِ: يَأْخُذُ الْمُصَدِّقَ ذَلِكَ السِّنَّ الَّذِي وَجَدَ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمَالِ فَضْلَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، إِنْ كَانَ الَّذِي وَجَدَ الْمُصَدِّقُ دُونَ مَا عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فَوْقَ مَا عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ الْمُصَدِّقُ الْفَضْلَ، وَبِهَذَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ غَيْرُ أَصْحَابِنَا إِذَا أَخَذَ الْمُصَدِّقُ دُونَ السِّنِّ الْوَاجِبِ رَدَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمَالِ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَإِنْ أَخَذَ فَوْقَ الْوَاجِبِ رَدَّ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا ثَابِتٌ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكِ أَنَّهُ قَالَ: يُكَلَّفُ شِرَاءَ ذَلِكَ السِّنِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي يُرْوَى عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّعِي وَأَبِي ثَوْرِ وَالشَّافِعِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا نِصَابُ الْبَقَرِ فَهُوَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا كَالإِبِل حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ (2): في ا وَالْعِشْرِينَ مِنَ الْبَقَرِ فَمَا دُونَهَا فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ حَوْلِيَّةٌ، نَظِيرَةُ بِنْتِ مَخَاضِ، وَالنَّبِيَّةُ مِنَ الْبَقَرِ مَكَانَ بِنْتِ لَبُونٍ مِنَ الإِبِلِ، وَالرَّبَاعِيَّةُ مَكَانَ الْحِقَّةِ، وَالسَّدِسُ مِنَ الْبَقَرِ مَكَانَ الْجَذَعَةِ مِنَ الإِبِلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَةٍ
(1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. (1) وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ أَيْضًا قِيَاسًا عَلَى الإِبِلِ. (2/10)
صفحة 507
وَعِشْرِينَ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ثَنِيَّةٌ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ رَبَاعِيَّةٌ، هَذَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا دُونَ غَيْرِهِمْ، وَأَظُنُّ أَنَّهُمْ قَاسُوا ذَلِكَ عَلَى نِصَابِ الإِبِلِ، أَوْ صَحَّ عِنْدَهُمْ فِيهِ حَدِيثٌ لَمْ أَقِفْ أَنَا عَلَيْهِ.
وَأَمَّا مُخَالِفُونَا فَوَجَدْتُ عَنْ أَكْثَرِهِمْ أَنَّ نِصَابَ الْبَقَرِ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةٌ تَبِيعٌ
(1) ,
أَوْ تَبِيعَةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ، وَأَسْنَدُوا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ، وَفِي كِتَابِ الإِشْرَافِ يَقُولُ: هَذَا قَوْلُ النَّخَعِي وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَمَالِكِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعِيدٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَإِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمْ، وَذَكَرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ فِي كُلِّ عِشْرِينَ مِنَ الْبَقَرِ شَاةٌ إِلَى ثَلَاثِينَ فَفِيهَا تَبِيعُ، وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ فِيهَا أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا، تَرَكْنَاهَا مَخَافَةَ
(2)
التَّطْوِيل. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الأَوْقَاصِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنْ لا زَكَاةَ فِيمَا زَادَ عَلَى الْفَرِيضَةِ حَتَّى تَبْلُغَ الأُخْرَى، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ فِيهِ
الصَّدَقَة.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: مَا رُوِيَ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلِ الله تَوَقَّفَ عَلَى الْأَوْقَاصِ فِي
(1) نَعَمْ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل أَنَّ النَّبِي بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ، وَمِنْ كُلِّ حَالِم دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرِيًّا". [رواه أبو داود، باب في زكاة السائمة، ر 1576]. التَّبِيعُ: وَلَدُ الْبَقَرَةِ فِي السَّنَةِ الْأُولَى، وَالْأُنثَى تَبِيعَةٌ. وَالْمُسِنَّةُ: ذَاتُ الحَوْلَيْنِ. قَالَ الصَّنْعَانِيُّ فِي سُبُلِ السَّلَامَ: " قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ السُّنَّةَ فِي زَكَاةِ الْبَقَر عَلَى مَا فِي حَدِيثِ مُعَادٍ، وَأَنَّهُ النَّصَابُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيمَا دُونَ الثَّلاثِينَ شَيْءٍ، وَفِيهِ خِلاَفٌ لِلزُّهْرِيِّ، فَقَالَ: يَجِبُ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ قِيَاسًا عَلَى الإِبِلِ. وَأَجَابَ الْجُمْهُورٌ بِأَنَّ النِّصَابَ لَا يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ، وَبِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ ثَلاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ شَيْءٍ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مَجْهُولَ الإِسْنَادِ فَمَنْهُومُ حَدِيثِ مُعَادٍ يُؤيده". اهـ. [سبل السلام، 125/ 2].
(1) [انظر: زيادات أبي سعيد الكدمي على كتاب الإشراف، 321/ 2، 322]. (2/11)
صفحة 508
قواعد الإن
12
الْبَقَرِ، فَقَالَ: حَتَّى أَسْأَلُ النَّبِيِّ، فَلَمْا قَدِمَ وَجَدَهُ تُوُفِّيَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَقَالَ، مَنْ أَوْجَبَ فِيهِ الزَّكَاةَ الأَصْلُ فِيهِ الزَّكَاةُ، إِلا مَا اسْتَتْنَاهُ الدَّلِيلُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: "لا شنَاقَ وَلَا شِغَارَ الْحَدِيث (1)، فَذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنْ لَا زَكَاةَ فِيهَا قياسًا عَلَى الإِبِلِ وَالْغَنَمِ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَجْعَلُ الْأَشْنَاقَ فِي الإِبِلِ، وَالْأَوْقَاصَ فِي الْبَقَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا نِصَابُ الْغَنَمِ وَالْقَدَرُ الْوَاجِبُ فِيهَا فَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنْ لَا صَدَقَةَ فِيهَا دُونَ أَرْبَعِينَ شَاةٌ، وَأَنَّهَا إِذَا كَمُلَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا شَاةٌ إِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ فَفِيهَا شَاتَانِ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ مِائَتَيْنِ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاءٍ حَتَّى تَبْلُغَ ثَلاثَمِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، هَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، لِتُبُوتِهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْنِ وَالثَّلَاثِمِائَةِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا فِيهَا ثَلاثٌ ثُمَّ لاَ شَيْءٍ فِي الزِّيَادَةِ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعَمِائَةٍ فَفِيهَا أَرْبَعُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنِ الشَّافِعِي وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ هُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا زَادَتْ شَاةٌ عَلَى الْمِائَتَيْنِ فَفِيهَا ثَلَاثٌ إِلَى ثَلاثِمِائَةٍ، فَإِذَا كَثُرَتِ الْغَنَمُ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، وَبِهَذَا يَقُولُ أَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، إِلَّا لْحَسَنَ بْنَ صَالِحٍ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْغَنَمَ إِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَائِمِائَةٍ وَاحِدَةً فَفِيهَا (1) هَذَا بَعْضُ مَا وَرَدَ فِي كِتَابِ بَعَثَهُ الرَّسُولُ إِلَى وَائِلِ بْنِ حجرِ الْحَضْرَمِيِّ نَصُّهُ: " مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى الأَقْبَالِ الْعَبَاهِلَةِ مِنْ أَهْلِ حَضْرَمَوْتَ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَعَلَى التَّبَعَةِ شَاةٌ، وَالثَّيْمَةُ لِصَاحِبَهَا، وَفِي السُّيُوب الخُمُسُ، وَلا خَلَاطَ وَلا وَرَاطَ، وَلا شناق وَلَا شِغَارَ، وَمَنْ أَحْيَا فَقَدْ أَرْبَى وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَام [رواه البيهقي: فصل في بيان النبي صلى الله عليه وسلم فصاحته، (1433]. التَّيْعَةُ: أَرْبَعُونَ شَاةَ، التَّيْمَةُ: الشَّاةُ تُعْلَفُ لِلذَّبْحِ أَوْ لِلْحَلْب السُّيُوبُ: الرِّكَازُ، أَيْ: دَفِينُ الْجَاهِلِيَّةِ، لا خَلاَطَ وَلاً ورَاطَ: أَي لا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِع لا شَنَاقَ أَيْ لاَ يُؤْخَذُ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتينِ، كَقَوْلِكَ: لا وَقْصَ الشَّغَارُ:
مِنْ أَنْكِحَةِ الْجَاهِلِيَّةِ، أَحْيَا: بَاعَ لِزَرْعٍ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، إِلَخْ أَهـ مُصَحْحه. (2/12)
صفحة 509
أَرْبَعُ، وإِذَا زَادَتْ عَلَى أَرْبَعِمِائَةٍ فَفِيهَا خَمْسٌ وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ مُعَاذٍ غَيْرَ مَا
ذَكَرْنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ضَمُ الْمَعْزِ إِلَى الضَّأْنِ]
وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمَعْزَ يُضَمُّ إِلَى الضَّأْنِ فِي الصَّدَقَةِ، وَيُسْتَتَمُّ بِهَا النَّصَابُ، وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّدَقَةِ مِنْ أَيَّ صِنْفِ مِنْهَا تُؤْخَذُ، فَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ: تُؤْخَذُ مِنْ أَكْثَرِ الْعَدَدَيْنِ إِلَّا إِنِ اسْتَوَيَا فَتُؤْخَذُ مِنْ أَيْهِمَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ، وَبِهِ
قَالَ مَالِكٌ وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْقِيَاسُ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْ كُلِّ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ، وَهُوَ الْأَصَحُ، لِقَوْلِ عُمَرَ له لشقيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِي حِينَ بَعَثَهُ عَلَى صَدَقَةِ الْغَنَمِ: "دَعْ لَهُمُ الرُّبَى وَالْمَخَاضَ وَالأَكُولَةَ وَالْفَحْلَ وَاللَّبُونَ، وَاجْعَل الْغَنَمَ ثَلَاثَ فِرَقٍ، ثُمَّ خَيْرٌ رَبَّ الْغَنَمِ فِي الثَّلْثِ الأُولَى، ثُمَّ يَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ صَدَفَتَهُ مِنَ الثَّلُثِ الْأَوْسَطِ، وَلَا تَأْخُذُ تَيْسًا وَلَا هَرِمَةٌ".
وَعَنْ عُمَرَ أَيْضًا قَالَ لِعُمَّالِهِ: "خُذُوا الْعَنَاقَ وَالشَّنِيَّةَ وَالْجَذَعَةَ، وَذَلِكَ عَدْلٌ
بَيْنَ الْغِذَاءِ وَخِيَارِ الْمَالِ (1). وَعِنْدِي أَنَّ الْغِذَاءَ مَعْنَاهُ الرَّدِيءُ.
وَفِي أَثَرِ أَصْحَابِنَا يُعْطِي عَنِ الضَّأْنِ ثَنِيَّةٌ أَوْ رَبَاعِيَّةٌ أَوْ سَدَاسِيَّةٌ أَوْ بِنْتَ خَمْسٍ سِنِينَ، وَيُؤَدِّي عَلَى الْمَعْزِ الرَّبَاعِيَةِ وَالسَّدَاسِيَّةِ وَبِنْتِ خَمْسٍ أَوْ سِتٌ مِنَ السِّنِينَ، وَقَدْ رَخَّصُوا فِي الشَّنِيَّةِ مِنَ الْمَعْزِ أَنْ تُعْطَى عَنْهَا، وَكَذَلِكَ عَنِ الضَّأْنِ ابْنَةُ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ إِذَا كَانَتْ وَافِرَةٌ، وَلَا تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسُ، إِلا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَدِّقُ، لِنُبُوتِ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ، وَكَذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِي
(1) [رواه البيهقي، باب السنن التي تؤخذ في الغنم، ر 7093].
(1) كَمَا فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ، [وقد تقدم]. (2/13)
صفحة 510
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَا يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ ذَكَرُ، وَلاَ هَرِمَةٌ، وَلَا جَذَعَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ. وَرُخُصَ فِي أَثَرِ أَصْحَابِنَا فِي الْهَرِمَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا عَيْبٌ، وَكَذَلِكَ الذَّكَرُ إِذَا كَانَ أَكْثَرَ ثَمَنًا مِنَ الْأُنْثَى وَاخْتُلِفَ إِذَا كَانَتِ الْغَنَمُ كُلُّهَا مَهَازِيلَ أَوْ ذَوَاتَ عَيْبٍ أَوْ جَرَبٍ، فَقِيلَ: يَأْخُذُ مِنْهَا وَاحِدَةً، وَقِيلَ: أَفْضَلَهَا، وَقِيلَ: يُكَلِّفُ شِرَاءَ الْفَرِيضَةِ، رُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ عَنِ الشَّافِعِيِّ.
وَفِي أَثَرِ أَصْحَابِنَا يُعْطِي السَّالِمَةَ مِنَ الْعُيُوبِ وَلَوْ لَمْ يَجِدْهَا إِلَّا بِثَمَنِ الْغَنَمِ كُلِّهَا، وَقِيلَ: يُعْطِي مِنْهَا مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ خِرْفَانًا كُلُّهَا فَإِنَّهُ لا يُجْزِتُهُ إِلَّا الشَّاةُ الْمُسِنَّةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) m
وَسَبَبُ الْخِلافِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ: هَل اسْمُ مُطْلَقِ الشَّاةِ يَتَنَاوَلُ الْمَرْضَى وَالأَصِحَاءَ، وَالصَّغَارَ وَالْكِبَارَ أَوْ لاَ؟ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "يَعُدُّ صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَا وَيَعُدُّ السِّخَالَ وَعَجَاجِيلَ الْبَقَرِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي لسِّخَالِ هَلْ تُعَدُّ فِي النِّصَابِ وَيُؤْخَدُ مِنْهَا؟ وَكَذَلِكَ الْفِصْلَانِ وَالْعَجَاجِيلُ وَالْحِمْلَانُ، فَرُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: يَعُدُّونَهَا، وَيُكَلِّفُ صَاحِبُ الْأَرْبَعِينَ مِنَ السِّخَالِ أَنْ يَأْتِي بِجَذَعَةٍ أَوْ بِثَنِيَّةٍ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنَ الصِّغَارِ شَيْءٌ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ: وَكَذَلِكَ فِي صَدَقَةِ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ، وَرُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيُّ أَنَّهُ قَالَ: يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ
صِنفٍ مِنْهَا.
(1) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتُّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَلِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: "تُعَدُّ عَلَيْهِمُ السَّخْلَةُ يَحْمِلُهَا الرَّاعِي، وَلَا تَأْخُذْهَا، لَا تَأْخُذِ الأَكُولَةً وَلَا الرُّبَّى، وَلَا الْمَخَاضَ، وَلا فَحْلَ الْغَنَمِ، وَتَأْخُذُ الْجَذَعَةَ وَالتَّنَيَّةَ، وَذَلِكَ عَدْلٌ بَيْنَ أَغْذَاءِ الْمَالِ وَخِيَارِهِ". يَعْنِي أَنَّ مَنْ مَلَكَ نِصَابًا مِنَ الإِبِلِ أَوِ الْبَقَرِ أَوِ الْغَنَمِ فَنَتَجَتْ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ وَجَبَتْ زَكَاةُ الْجَمِيعِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِ الْكِبَارِ، وَأَخْرَجَ عَنِ الأَصْلِ وَعَنِ النَّتَاحِ زَكَاةَ الْمَالِ الْوَاحِدِ؛ فِي
قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلَ الْعِلْمِ. (2/14)
صفحة 511
وَأَحْسَبُ أَنَّ أَهْلَ الظَّاهِرِ لا يُوجِبُونَ فِي السَّخَالِ شَيْئًا وَلَا يَعُدُّونَ بِهَا، وَسَبَبُ الْخِلافِ: هَلِ اسْمُ الْجِنْسِ يَتَنَاوَلُ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ أَمْ لَا يَتَنَاوَلُ إِلا الْكَبِيرَ خَاصَّةً؟
وَلِقَوْلِ عُمَرَ حِينَ أَمَرَ أَنْ تُعَدَّ عَلَيْهِمُ السِّخَالُ، ثُمَّ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا.
وَعِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ اسْمَ الشَّاةِ لاَ يُطْلَقُ إِلا عَلَى الَّتِي اسْتَغْنَتْ عَنْ غَيْرِهَا،
وَلَكِنْ يُعَدُّ فِي النِّصَابِ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَة في زكاة مال الشريكين]: وَيَسْتَتِمُ الشَّرِيكُ بِنَصِيبِ شَرِيكِهِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ نِصَابِ الأَنْعَامِ، لِقَوْلِهِ: " فِي خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَفِي الْأَرْبَعِينَ شَاةٌ شَاةٌ (1)، وَلَمْ يَسْتَثْنِ شَرِيكًا مِنْ شَرِيكٍ، وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنِ السَّافَعَيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعِيدٍ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكِ وَأَهْل الْعِرَاقِ أَنْ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِمَا حَتَّى يَسْتَكْمِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النَّصَابَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[حكم الخليطين]
وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ: "وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّمَا يَتَرَادَدَانِ الْفَضْلَ (2)، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا جَمَعَهُمُ الرّاعِي وَالْفَحْلُ وَالْمُرَاحُ فَهُمَا خَلِيطَانِ،
بالسوية (1) رَوَاهُ الدَّارَ قُطْنِيُّ بِلَفْظِ: " فِي الأَرْبَعِينَ". (1) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسِ قَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ إِلَيْهِ هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ، وَفِيهِ "وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِع خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ". يَعْنِي: يُؤَدِّي كُل شَرِيكَ مَا يَلْزَمُهُ زَكَاةً عَنْ نَصِيبِهِ فِي الشَّرِكَةِ، وَإِنْ أَخَذَ الْمُصَدِّقُ مِنْهُ أَكْثَرَ؛ لأَنَّ مَالَهُمَا كَمَالُ وَاحِدٍ، أَمَّا مَنْ لَزِمَتْهُ جَذَعَةٌ وَلَيْسَتْ لَهُ إِلَّا حِقَّةٌ أَوْ لَزِمَتَهُ حِقَّةٌ وَلَيْسَتْ لَهُ إِلَّا جَذَعَةٌ، فَإِنَّ حَدِيثَ الصَّدَقَةِ يَنْصُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَزِمَتْهُ جَذَعَةٌ وَلَيْسَتْ لَهُ إِلا حِقَّهُ أَنَّهُ يَدْفَعُهَا لِلْمُصَدِّقِ وَيَجْعَلُ مَعَهَا تَوْفِيقًا لَهَا شَاتَيْنِ إِذَا اسْتَيْسَرَنَا أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمَا وَمَنْ لَزِمَتْهُ حِقَّةٌ وَلَيْسَتْ لَهُ إِلَّا جَذَعَةٌ قَبِلَهَا مِنْهُ الْمُصَدِّقُ وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ مُقَابِلَ مَا زَادَ عِنْدَهُ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمَا فَتَبَيَّنَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الشَّاتَيْنِ هُمَا الأَصْلُ فِي تَقْدِيرِ الزِّيَادَةِ أَوِ النَّقْصِ بَيْنَ السَّنتَينِ، أَمَّا الدَّرَاهِمُ وَتَحْدِيدُهَا بِالْعِشْرِينَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا كَانَ سِعْرُ الشَّاتَيْن يُسَاوِي ذَلِكَ الْعَدَدَ كَمَا هُوَ الْحَالُ فِي زَمَنِهِ، (2/15)
صفحة 512
(1)
فَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكِ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ جَعْفَرٍ: حَتَّى يَجْمَعَهَا الْمُحْلَبُ وَالْمَرْبَضُ سَنَةٌ (1)، وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ أَنَّهُمَا إِذَا عَرَفَا أَمْوَالَهُمَا فَلَيْسَا بِخَلِيطَيْنِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْخُلْطَةُ إِنَّمَا هِيَ بِالْمُشَارَكَةِ وَالْمُفَاوَضَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) فِي زَكَاةِ الإِبِلِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا
لا يَخْفَى أَنَّ مَا دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ لَا زَكَاةَ فِيهَا.
مِنْ 5 إِلَى 24 - شَاةٌ عَنْ كُلِّ 5.
مِنْ 25 إِلَى 35 - بِنْتُ مَخَاضِ، وَهِيَ الَّتِي اسْتَكْمَلَتْ لَهَا سَنَةٌ وَدَخَلَتْ فِي الثَّانِيَةِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَابْنُ لَبُونٍ.
مِنْ 36 إِلَى 45 - بِنْتُ لَبُونٍ، وَهِيَ الَّتِي اسْتَكْمَلَتِ الثَّانِيَةَ وَدَخَلَتْ فِي الثَّالِثَةِ. مِنْ 46 إِلَى 60 - حِقَّةٌ، وَهِيَ الَّتِي اسْتَكْمَلَتِ الثَّالِثَةَ وَدَخَلَتْ فِي الرَّابِعَةِ. مِنْ 61 إِلَى 75 جَذَعَةٌ، وَهِيَ الَّتِي اسْتَكْمَلَتِ الرَّابِعَةَ وَدَخَلَتْ فِي الْخَامِسَةِ.
مِنْ 76 إِلَى 90 - بِنتَا لَبُونٍ.
مِنْ 91 إِلَى 120 - حِقَّتَانِ.
مِن 120 فَصَاعِدًا - فَفِي كُلِّ 40 بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ 50 حِقَّةٌ. أَمَّا إِذَا ارْتَفَعَتِ الأَسْعَارُ وَرُبَّمَا كَانَ الارْتِفَاعُ فَاحِشًا كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي زَمَتِنَا فَالْوَاجِبُ - وَاللَّهُ أَعْلَمَ - هُوَ زِيَادَةُ فَضْلِ الْقِيمَةِ مِنْ رَبِّ الْمَالِ، أَوْ رَدُّ الْفَضْلِ مِنَ الْمُصَدِّقِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْهَادَوِيَّةِ، وَيَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى التَّقْويمِ، وَأَمَّا فِي سَوَى الْجَذَعَةِ وَالْحِقَّةِ مِمَّا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ
نَضًا فَالْقَاعِدَةُ الْمُنْضَبِطَةُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ هُوَ التَّقْوِيمُ، وَيُؤَيَّدُهُ قَوْلُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلِ لأَهْلِ الْيَمَنِ: "ائْتُونِي بِعَرَضِ لِبَاسِكُمْ خَمِيصٍ وَلَبِيسٍ فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذَّرَةِ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَخَيْرٌ لأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ بِالْمَدِينَةِ، وَلاَ شَكُ أَنَّ ذَلِكَ عِمَادُهُ التَّقويم، والله أَعْلَمُ.
اهـ مُصَححه.
(1) [الجامع، 152/ 3]. (2/16)
صفحة 513
17
زَكَاةُ نِصَابِ الْغَنَمِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا
مِنْ 40 إِلَى 120 - شَاةٌ وَاحِدَةٌ.
مِنْ 121 إِلَى 200 - شَاتَانِ.
من 201 إِلَى 300 - ثَلَاثُ شِيَاءٍ.
مِنْ
وَإِذَا زَادَتْ عَلَى 300 فَفِي كُلِّ 100 شَاةٌ.
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الصَّدَقَةِ فِي الْعَوَامِل مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٌّ وَمُعَاذٍ أَنْ لا صَدَقَةَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِل (1)، وَرُوِيَ هَذَا أَيْضًا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالنَّخَعِي وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ وَعَطَاءِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعِيدٍ وَالشَّافِعِي وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْي، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: فِي الإِبِلِ النَّوَاضِحِ وَالْبَقَرِ السَّوَانِي وَبَقَرِ الْحَرْثِ صَدَقَةٌ، وَرُوِي هَذَا عَنْ مَكْحُولٍ وَقَتَادَةَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ فِي كِتَابِ ابْنِ جَعْفَرٍ (2) وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَأَنَّ هَذَا هُوَ المَأْخُوذُ بِهِ عِنْدَهُمْ، وَهَذَا مَعَ اسْتِفَاضَةِ حَدِيثِ الرَّسُولِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: "لَيْسَ فِي الْقُتُوبَةِ وَلا فِي الْجَارَّةِ صَدَقَةٌ (3)، وَأَظُنُّ أَنَّهُمُ احْتَجُوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ: " (3)، فِي خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ (4)، وَمَنْ أَسْقَطَ الزَّكَاةَ عَنِ الْعَوَامِلِ خَصَّهُ بِالْحَدِيثِ
(1) رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَ قُطْنِيُّ عَنْ عَلِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَيْسَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ، وَرُوِيَ بِلَفْظِ: لَيْسَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِل شَيْءٍ".
(1) [الجامع، 3/ 150]
(1) [رواه الربيع، باب ما عفي عن زكاته، ر 338، بلفظ: " ليس في الجارة ولا في الكسعة ولا في النخة ولا في الجبهة صدقة"، وذكره ابن قيبة في غريب الحديث، 189/ 1] الْقَتُوبَةُ بِالْفَتْح: الإِبلُ الَّتِي تُوضَعُ الأَقْتَابُ عَلَى ظُهُورِهَا كَالرَّكُوبَةِ وَالْحَلُوبَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ: "لا صَدَقَةَ فِي الإبل القتُوبَةِ، وَالْجَارَّةُ: هِيَ الَّتِي تُجَرُّ بِالزَّمَامِ تَذْهَبُ وَتَرْجِعُ بِقُوتِ الْعِمَالِ الْمُرَادُ: لَيْسَ فِي الإِبلَ الْعَوَامِل صَدَقَةٌ.
(1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. (2/17)
صفحة 514
الْمُتَقَدِّمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
18
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي بَقَرِ الْحَرْثِ إِنْ كَانَ فِي حَرْثِهَا الزَّكَاةُ فَلَا صَدَقَةَ عَلَى
عواملِهَا، وَإِلا فَفِيهَا الصَّدَقَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا وَجَدْتُ عَلَى أَنَّ الْجَوَامِيسَ بِمَنْزِلَةِ الْبَقَرِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَمَالِكِ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِي وَإِسْحَاقَ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. (2/18)
صفحة 515
stalasiatalny
katakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakaiskisktas
الفطيك الثاني
فِي زَكَاةِ الْمُعَشَرَاتِ [الثَّمَارُ والحُبوبُ]
وَهِيَ الثَّمَارُ وَالْحُبُوبُ، وَالْقَدْرُ الْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {أَنفِقُوا مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ) (1)، وَقَالَ: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ (3)، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: "هُوَ الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ"، وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ: "حَقُّهُ الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ يَوْمَ يُكَالُ وَيُعْلَمُ كَيْلُهُ، وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالحَسَنِ وَطَاوُسَ وَقَتَادَةَ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: هُوَ إِذَا حَصَدَ زَرْعَهُ أَلْقَى لَهُمْ مِنَ السُّنْبُل، وَإِذَا جَنَّ نَخْلَهُ أَلْقَى لَهُمْ مِنَ الشَّمَارِيخِ، وَإِذَا كَالَهُ زَكَاهُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كَانَ هَذَا قَبْلَ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَأَنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنْسُوخَةٌ؛ لأَنَّ السُّورَةَ مَكَّيَّةٌ، رُوِيَ هَذَا عَنِ النَّخَعِيِّ وَأَبِي جَعْفَرٍ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ. مَسْأَلَة [في أصنافِ الشِّمارِ وَالحُبوبِ التي تَجِبُ فِيهَا الزَّكاةُ: أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ جَمِيعِ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ وَاجِبَةٌ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ مِمَّا تُخْرِجُهُ الأَرْضُ، وَهِيَ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهُ،
(1) البقرة: (267). (1) الأنعام: (141). (2/19)
صفحة 516
قواعد الإس
(1)
فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنْ لا صَدَقَةَ إِلا فِي هَذِهِ الأَرْبَعَةِ الأَشْيَاءِ، رُوِيَ هَذَا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِي (1) وَابْنِ سِيرِينَ وَالشَّافِعِي وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِي سِتَّةِ أَشْيَاءَ فِي الأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مَعَ الذَّرَةِ وَالسُّلْتِ، وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَاحْتَجُوا بِمَا رَوَتْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقَطَانِي صَدَقَةٌ إِلَّا فِي سِتَّةِ أَشْيَاءَ. وَهِيَ الْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ وَالدُّرَةُ السُّلْتُ وَالتَّمْرُ والزبيب (2)، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ.
pp
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنْ لَا زَكَاةَ فِي جَمِيعِ الْقَطَانِي: وَهِيَ الْحِمَّصُ وَاللُّوبْيَا وَالْعَدَسُ وَالْفُولُ وَالتُّرْمُسُ (3) وَأَشْبَاهُهُ فِي جَمْع مَا يُقْتَاتُ وَيُدَّخَرُ، مِمَّا يُتَّخَذُ لِلْعَيْشِ غَالِبًا مِنْ جَمِيعِ النَّبَاتِ، رُوِيَ هَذَا عَنْ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ: مَالِكِ وَأَصْحَابِهِ وَالشَّافِعِي وَغَيْرِهِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ فِي كُلِّ مَا تُخْرِجُهُ الأَرْضُ، مَا عَذَا الْحَشِيشَ وَالْحَطَبَ وَالْقَصَبَ.
(1) رَأْيُّ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالشَّعْبِي أَنَّهُ لا زَكَاةَ إِلَّا فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ؛ لَأَنَّ مَا عَدَاهُ لاَ نَصَّ فِيهِ. وَمُجْمَلُ الْقَوْلِ أَنَّ الزَّكَاةَ كَانَتْ لَا تُؤْخَذُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ إِلَّا مِنَ الْحِنْطَةِ وَالسَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَةَ زِيَادَةُ الذَّرَةِ". وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ فِي أَثَرِ عَنِ الرَّسُولِ زِيَادَةَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ: "السُّلْت"، فَاعْتَبَرَ أَصْحَابُنَا الأَصْنَافَ السِّنَّةَ جَمْعًا بَيْنَ الأَحَادِيثِ، أَمَّا مَا عَدَاهَا مِنَ الْخَضْرَاوَاتِ وَالْفَوَاكِهِ فَلَا صَدَقَةَ فِيهَا، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ أَخُذُ الزَّكَاةِ مِنَ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ وَلَا مِنَ الْبِغَالِ وَلَا الْحَمِيرِ، وَلَا الْخَضْرَاوَاتِ وَلَا الأَبَاطِحَ وَالْمَقَاتِي وَالْفَوَاكِهِ الَّتِي لَا تُكَالُ، وَلَا تُدَّخَرُ إِلَّا الْعِنَبَ وَالرُّطَبَ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الزَّكَاةَ مِنْهُ جُمْلَةٌ، وَلَمْ يُفَرِّقُ بَيْنَ مَا يَبِسَ وَمَا لَمْ يَيْبَسُ". [زاد المعاد، 11/ 2] اهـ - وَالْقَطَانِيُّ أَوِ الْقَطَنِيَّاتُ: هِيَ الْحُبُوبُ سِوَى الْبَرَ وَالشَّعِيرِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأنَّهَا تُقْطَنُ فِي الْبُيُوتِ، أَيْ: تُخَزَنُ. وَقَدْ سَبَقَ أَنْ مَثَلَ لَهَا الْمُصَنِّفُ. اهـ.
(1) [لم أجد من خرجه] (1) [التُرمُسُ: شجرٌ لَهُ حبّ مُضلع مُحزّز، وبه سُمّي الجُمان: تَرَامِسَ الفراهيدي، كتاب العين، باب السين
والتاء)]. (2/20)
صفحة 517
ـلام
akiskisatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatad
21
وَسَبَبُ الْخِلافِ - فِيمَا عَدَا الأَصْنَافَ السِّتَّةَ الْمُجْتَمَعَ عَلَيْهَا -: هُوَ تَنَازُعُهُمْ فِي تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِهَذِهِ الْأَصْنَافِ، هَلْ هُوَ لِعَيْنِهَا أَوْ لِعِلَّةٍ هِيَ فِيهَا وَهِيَ الْاقْتِيَاتُ والادْخَارُ؟ فَمَنْ قَالَ لِعَيْنِهَا قَصَرَ الوُجُوبَ عَلَيْهَا، وَمَنْ قَالَ لِعِلَّةِ الاقْتِيَاتِ، قَالَ: الزَّكَاةُ فِي جَمِيعِ مَا يُفْتَاتُ، قِيَاسًا عَلَى الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا.
وَسَبَبُ الْخِلافِ بَيْنَ مَنْ قَصَرَ الزَّكَاةَ عَلَى مَا يُقْتَاتُ بِهِ وَبَيْنَ مَنْ عَدَّاهَا إِلَى جَمِيعِ مَا تُخْرِجُهُ الأَرْضُ - إِلَّا مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الإِجْمَاعُ مِنَ الْحَشِيشِ وَالْقَصَبِ وَالْحَطَبِ: هُوَ مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِعُمُومِ اللَفْظِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّوَاضِحِ نِصْفُ الْعُشْرِ، وَمَا هَهُنَا بِمَعْنَى الَّذِي وَهُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّتٍ مَعْرُوشَتٍ وَغَيْرَ
(1) 11
C
مَعْرُوشَةٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ، وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَبِها وَغَيْرَ مُتَشَبِ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَعَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ، (2)، وَأَمَّا الْقِيَاسُ الْمُعَارِضُ لِهَذَا الْعُمُومِ فَهُوَ أَنَّ الزَّكَاةَ الْمَقْصُودُ بِهَا سَدُّ الْخَلَّةِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ غَالِبًا إِلَّا فِيمَا هُوَ قُوتٌ، وَمَنْ خَصَّصَ الْعُمُومَ بِهَذَا الْقَياسِ أَسْقَطَ الزَّكَاةَ مِمَّا عَدَا الْمُقْتَاتِ، وَمَنْ
غَلَّبَ الْعُمُومَ أَوْجَبَهَا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ الإِجْمَاعُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِي الزَّيْتُونِ، فَذَهَبَ بَعْضُ إِلَى إِيجَابِ الزَّكَاةِ فِيهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَالأَوْزَاعِيٌّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعِيدٍ وَالثَّوْرِيِّ وَمَالِكِ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَوُجِدَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَذَهَبَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَى
(1) [رواه الربيع، باب في النصاب (331] الدَّوَالِي: جَمْعُ دَالَّةٍ، وَهِيَ الدَّلْوُ الصَّغِيرُ الْغَرْبُ: الدَّلْوُ الْكَبِيرُ الْعَارِي وَالْبَعْلُ: مَا يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ بِدُونِ سَفْيِ السَّانِيَةُ: مُفْرَدُ السَّوَانِي، وَهِيَ الدَّوَابُّ النَّضْحُ: السَّقْيِ بِغَيْرِ الدَّوَابُ كَنَضْحِ الرِّجَالِ بِالآلَةِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْكُلِّ مَا يُسْقَى بِتَعَبٍ
وَعَنَاء. (1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا. (2/21)
صفحة 518
قواعـ
22
أَنْ لَا زَكَاةَ فِي الزَّيْتُونِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَأَبِي
عُبَيْدٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ بِمِصْرَ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: هَلْ هُوَ قُوتٌ أَمْ لَيْسَ بِقُوتِ؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (2/22)
صفحة 519
[مسألة]: فِي نِصَابِ الْحُبُوبِ وَالثَّمَارِ
اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْ سَاقٍ صَدَقَةٌ (1)، وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا، وَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدِّهِ. واخْتَلَفُوا فِي مُدِّهِ، فَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: رِطْلٌ وَثُلُثٌ وَزِيَادَةٌ يَسِيرَةٌ بِالْبَغْدَادِيِّ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْمُدَّ رِطْلَانِ، وَفِي الصَّاعِ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ.
وَاتَّفَقَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى إِيجَابِ النِّصَابِ فِي الْحُبُوبِ وَالثَّمَارِ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَوْسَاقٍ وأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى صَاحِبِهِ شَيْءٌ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَا وَجَدْتُ إِلَى أَنَّ الْحُبُوبَ وَالثَّمَارَ لَيْسَ فِيهِمَا نِصَابٌ وَاجِبٌ، لِقَوْلِهِ: " فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ الْعُشْرُ (2)، وَذَهَبَ غَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى تَخْصِيصِ هَذَا الْعُمُومِ بِقَوْلِهِ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ
صَدَقَةٌ (3)، لأَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا خَرَجَ مَخْرَجَ تَبْيِينِ الْعَدَدِ لَاَ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ. مَسْأَلَة [في حُكمِ ضَمَّ صِنفٍ إلى آخرَ]: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الإِبِلَ لَا تُضَمُّ إِلَى الْبَقَرِ وَلاَ إِلَى الْغَنَمِ، وَأَنَّهُمَا لاَ يُضَمَّانِ إِلَى الإِبِلِ، وَعَلَى إِسْقَاطِ الزَّكَاةِ عَنْ كُلِّ صِنْفِ مِنْهَا حَتَّى يَبْلُغَ النَّصَابَ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ التَّمْرَ لا يُضَمُّ إِلَى الزَّبِيبِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الصِّنْفَ الْوَاحِدَ مِنَ الْحُبُوبِ وَالثَّمَارِ وَغَيْرِهِمَا يُجْمَعُ جَيِّدُهُ إِلَى رَدِيئِهِ، وَتُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْ جَمِيعِهِ عَلَى قَدْرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَعْنِي مِنَ الْجَيِّدِ
(1) [سبق تخريجه].
(1) قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. (1) قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَرِيبًا. (2/23)
صفحة 520
وَالرَّدِيءِ، وَأَنَّ السَّمْرَ وَغَيْرَهُ إِنْ كَانَ أَصْنَافًا أُخِذَ مِنْ أَوْسَطِهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي ضَمِّ
الْحِنْطَةِ إِلَى الشَّعِيرِ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لا يُضَافُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، رُوِيَ
الله
(1)
ذَلِكَ عَنْ وَائِلِ بْنِ أَيُّوبَ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَكْحُولٍ وَعَطَاءِ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَالشَّافِعِي وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ الشَّعِيرَ يُحْمَلُ عَلَى الْبُرِّ وَيُسْتَتَمُّ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّصَابُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْبُوبِ (2) وَمُوسَى بْنِ أَبِي جَابِرٍ (3) فِيمَا وَجَدْتُ عَنْهُمَا، وَهُوَ آخِرُ قَوْلِ أَبِي
(1) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ. (1) تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ.
(2) هُوَ أَبُو عَلِيٌّ مُوسَى بْنُ أَبِي جَابِرٍ الأَزْكَوِيُّ الْعُمَانِيُّ، مِنْ أَسَاطِينِ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الثَّانِي وَأَحَدُ حَمَلَةِ الْعِلْمِ إِلَى الْمَشْرِقِ الَّذِينَ تَخْرَجُوا عَلَى الإِمَامِ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ اللَّهُ، فَنَشَرَ الْعِلْمَ، وَوَجَّهَ حَرَكَةَ التَّحْرِيرِ وَإِحْيَاءِ سِيرَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بِعَمَانَ، وَلَعِبَ دَوْرًا خَطِيرًا فِي تَحْرِيرِهِ مِنَ الْجَبَابِرَةِ وَالتَّبِعِيَّةِ، وَكَانَ مِنْ رِجَالِ السُّورَى الَّذِينَ بَايَعُوا أَوَّلَ إِمَامٍ عَادِلِ الْجُلَنْدَى بْنِ مَسْعُودٍ، وَظَلَّ عَلَى رَأْسِ الْحَرَكَةِ الإِصْلَاحِيَّةِ يُرَاقِبُهَا بِعَيْنِ عُقَابِ، وَيَتَحَيَّنُ الْفُرْصَةَ لِإِعَادَةِ الْإِمَامَةِ مِنْ جَدِيدٍ، لَا سِيَّمَا بَعْدَ أَنِ اسْتُشْهِدَ الْجُلَنْدَى وَصَفْوَةُ رِجَالِ الأُمَّةِ مَعَهُ، وَاسْتَوْلَى جَبَابِرَةُ ذَلِكَ الْعَهْدِ عَلَى مَقَالِيدِ الأُمُورِ. وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ عُمَانَ بَقِيَ بَعْدَ مَقْتَلِ الْجُلَنْدَى بِيَدِ الْجَبَابِرَةِ مِنْ بَنِي الْجُلَنْدَى التَّابِعِينَ لأُمَرَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ مِنْ سَنَةِ 135 إِلَى سَنَةِ 177، إِذِ انْتَقَلَتِ الدَّوْلَهُ مِنْ بَنِي
الْجُلَندَى نِهَائِيًّا إِلَى بَنِي الْيَحْمَدِ، وَاسْتَوْلَتْ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الأُمُورِ، هُنَاكَ أَصْبَحَ مُو شَيْخَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمِحْوَرَ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ حَرَكَةُ الْبِلادِ، تَلْتَفُ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ صَفْوَةِ الْأُمَّةِ كُلُّهُمْ يَصْلُحُونَ لِلإِمَامَةِ وَيَطْمَحُونَ إِلَيْهَا، وَكَانَ أَمْرُ الأُمَّةِ ضَعِيفًا، فَخَافَ عَاقِبَةَ الْمُنَافَسَةِ وَتَفْرِيقَ الْجُهُودِ، فَابْتَكَرَ طَرِيقَة لإقْرَارِ الأَمْرِ، فَوَلَّى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الشَّخْصِيَّاتِ نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الْقُطْرِ لِيَسْتَبِينَ مَنْ تَرْسَخُ جُدُورُهُ وَيَقْوَى أَمْرُهُ فَيُسْنِدُ إِلَيْهِ الإِمَامَةَ الْعَامَّةَ، وَكَانَ الْكُلَّ سَمِيعًا لَهُ وَمُطِيعًا، وَاسْتَقَرَّ كُلِّ فِي نَاحِيَتِهِ فِعْلاً، وَسَارَ إِلَى غَايَتِهِ، بَيْدَ أَنَّ بَشِيرَ بْنَ الْمُنْذِرِ - سَاعِدَهُ الأَيْمَنَ، وَأَحَدَ حَمَلَةِ الْعِلْمِ مِثْلَهُ - قَلَقَ مِنَ الْحَالَةِ، فَقَالَ لَهُ: كُنَّا رَجَوْنَاكَ يَا أَبَا عَلِيٌّ أَنْ تَسِيرَ بِهَذِهِ الدَّوْلَةِ فَرَدَدْتَهَا إِلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَخَافُونَ عَلَى الدَّوْلَةِ"، هُنَا يَكْشِفُ لَهُ مُوسَى عَنْ حَقِيقَةِ نَوَايَاهُ، فَيُجِيبُهُ: "إِنَّمَا نَظَرِي يَا أَبَا الْحَكَمِ إِلَى الدَّوْلَةِ لأَنَّهُمُ اجْتَمَعُوا، وَكُلُّ يَطْلُبُ هَذَا الأَمْرَ لِنَفْسِهِ، وَالأَمْرُ بَعْدَهُ ضَعِيفٌ، فَفَرَّقْنَاهُمْ عَنْ وُجُوهِنَا حَتَّى يَقْوَى الْأَمْرُ. أَجَلْ لَمَّا قَوِيَ أَمْرُ ابْنِ أَبي عَفَّانَ أَحَدِ أُولَئِكَ " أَمَرَهُ مُوسَى بْنُ أَبِي جَابِرٍ فَأَرْسَلَ إِلَى الْقُرَى الْوُلاَةَ، وَعَزَلَ كُلِّ مَنْ كَانَّ وَلَاهُ، فَقَامَتِ الدَّوْلَةُ بِإِذْنِ اللهِ، وَذَلِكَ سَنَةَ 177 هـ، وَهَكَذَا يَظَلُّ الْمُتَرْجَمُ لَهُ شَيْخَ الْمُسْلِمِينَ (2/24)
صفحة 521
YO
(1)
عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ، وَقَاسَهُمَا عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَطَاوُسُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: هَل الْمُرَاعَاةُ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ اتَّفَاقُ الْمَنَافِعِ أَوِ اتَّفَاقُ الأَسْمَاءِ؟ فَمَنْ رَاعَى اتَّفَاقَ الْمَنَافِعِ قَالَ هُمَا جِنْسُ وَاحِدٌ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهَا، وَمَنْ رَاعَى اتَّفَاقَ الأَسْمَاءِ قَالَ هُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَة [في نصاب الحبوب والثمار أيضا]: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ رَسُولَ الله سَنَّ فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ الْعُشْرَ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالدَّوَالِي وَالنَّوَاضِح نِصْفَ الْعُشْرِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ إِذَا سُقِيَ بَعْضُهُ بِالسَّمَاءِ وَبَعْضُهُ بِالدِّلاءِ، فَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: يُنْظُرُ إِلَى أَكْثَرِ السَّفْيَيْنِ فَيُزَكَّى عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ النَّوْرِيُّ: عَلَى الَّذِي أَحْيَاهُ وَغَلَبٌ عَلَيْهِ صَدَقَتُهُ، وَقِيلَ: تُخْرَجُ زَكَاتُهُ بِالْمُحَاصَصَةِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ
الشَّافِعِي.
مَسْأَلَة: [فِي تَقْدِيرِ النِّصَابِ بِالْخَرْضِ وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِ النِّصَابِ بِالْخَرْصِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى إِجَازَةِ الْخَرْصِ فِي النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ حِينَ يَبْدُو صَلاحُهَا، لِضَرُورَةِ أَنْ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ أَنْ يَأْكُلُوهُ رُطَبًا، وَعَنْ دَاوُدَ أَنَّهُ أَجَازَ
وَالدُّولابَ الْمُحَرِّكَ لِجِهَازِ الدَّوْلَةِ رَغْمَ ضَعْفِهِ وَشَيْخُوخَتِهِ، فَقَدْ قَصَّ عَلَيْنَا التَّارِيخُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا أَرَادُوا عَزَّلَ ابْن أَبي عَفَّانَ لأَحْدَاثِ ظَهَرَتْ مِنْهُ، حَضَرَ مُوسَى بْنُ أَبِي جَابِرٍ الْعَسْكَرَ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَشْدُودٌ عَلَى حَاجِبَيْهِ بِعِمَامَةٍ وَهُوَ نَائِمٌ عَلَى سَرِيرٍ فِي الْعَسْكَرِ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ لِمُوسَى: مَنْ إِمَامُنَا؟ " فَقَالَ مُوسَى: "أَنَا إِمَامُكُمْ، فَلَمَّا وَصَلُ الْوَارِثُ بْنَ كَعْبٍ إِلَى نَزْوَى أَخَذَ مُوسَى بِيَدِهِ فَقَدَّمَهُ إِمَامًا، فَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ عَابَ ذَلِكَ، وَاسْتَمَرُّ الْوَارِثُ فِي الإِمَامَةِ مَرْضِيَّا عَنْهُ مُدَّةَ 12 سَنَةٌ وَسِتَةَ أَشْهُرٍ، وَهَكَذَا يَظَلُّ شَيْخًا مُطَاعًا وَتَظَلُّ أُمُورُ الدَّوْلَةِ فِي قُوَّةٍ وَاسْتِقَامَةٍ إِلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللهُ إِلَيْهِ فِي لَيْلَةِ 11 مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَة 181 ه، وَكَانَ قَدْ عَاشَ أَرْبَعًا وَتِسْعِينَ سَنَةٌ وَأَشْهُرًا، وَكَانَ مُوسَى جَدَّ شَيْخِ الإِسْلَامِ مُوسَى بْنِ عَلِيٍّ لأُمِّهِ، فَتَكُونُ ولادَتُهُ فِي سَنَةِ 87 هـ، وَأَرْضَاهُ. اهـ مُصَححه. (1) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ. (2/25)
صفحة 522
الْخَرْصَ فِي النَّخِيل دُونَ غَيْرِهِ، وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْخَرْصُ الْيَوْمَ بِدْعَةٌ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ إِلَى إِبْطَالِهِ، وَأَنَّ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُؤَدِّيَ عُشْرَ مَا تَحَصَّلَ فِي يَدِهِ زَادَ الْخَرْصُ أَمْ نَقَصَ.
وَسَبَبُ اخْتِلافِهِمْ فِي جَوَازِهِمُ الْخَرْصَ: مُعَارَضَةُ الأُصُولِ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ بِإِجَازَتِهِ، وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِي اجْتَازَ عَلَى امْرَأَةٍ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا، فَقَالَ: اخْرُصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: كَمْ جَاءَتْ حَدِيقَتُكِ؟ قَالَتْ: عَشَرَةَ أَوْسُقِ خَرْصًا يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى الْيَهُودِ فَيَخْرُصُ عَلَيْهِمُ النَّخِيلَ حِينَ يَطِيبُ.
وَأَمَّا الأُصُولُ الْمُعَارِضَةُ لِهَذِهِ الأَحَادِيثِ فَهُوَ أَنَّ الْخَرْصَ مِنْ بَابِ الْمُزَابَنَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، وَهُوَ بَيْعُ التَمْرِ عَلَى رُؤُوسِ النَّخِيل بِالتَّمْرِ كَيْلاً؛ وَلَأَنَّهُ مِنْ بَابِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ نَسِيئَةٌ أَيْضًا، فَإِنَّ الْخَرْصَ إِنَّمَا كَانَ عَلَى الْيَهُودِ، وَهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلِ زَكَاةٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَحْمِينًا لِيَعْلَمَ مَا بِأَيْدِيهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) [رواه البخاري، باب خرص التمر، ر 1411]. وَالْخَرصُ: هُوَ الْحَزَرُ وَالتَّحْمِينُ، وَذَلِكَ إِذَا زَهَي النَّخِيلُ وَالأَعْنَابُ وَبَدَا صَلاحُهَا اعْتُبِرَ تَقْدِيرُ النِّصَابِ فِيهَا بِالْخَرص دُونَ الْكَيْلِ، وَذَلِكَ أَنْ يُحْصِيَ الْخَارِصُ الأَمِينُ الْعَارِفُ مَا عَلَى النَّخِيلَ وَالأَعْنَابِ مِنَ الْعِنَبِ وَالرُّطَبَ، ثُمَّ يُقَدِّرُهُ تَمْرًا وَزَبِيبًا لِيَعْرِفَ مِقْدَارَ الزَّكَاةِ فِيهِ، فَإِذَا جَفَّتِ الثَّمَارُ أَخَذُ الزَّكَاةَ الَّتِي سَبَقَ تَقْدِيرُهَا فِيهَا، وَلَيْسَ الْخَرِصُ ظَنَّا وَتَحْمِينًا لا يَلْزَمُ بِهِ خَكْمْ كَمَا تَقُولُهُ الأَحْنَافُ، بَلْ هُوَ سُنَّةٌ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَاجْتِهَادٌ فِي مَعْرِفَةِ قَدْرِ التَّمْرِ، كَالاجْتِهَادِ فِي تَقْويمِ الْمُثْلَفَاتِ. وَسَبَبُ الْخَرِصِ: أَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِأَكُلِّ الثَّمَارِ رُطَبًا، فَكَانَ مِنَ الضَّرُورِي إِحْصَاءُ الزَّكَاةِ قَبْلَ أَنْ تُؤْكَلَ وَتُصْرَمَ، وَمِنْ أَجْلٍ أَنْ يَتَصَرَّفَ أَرْبَابُهَا بِمَا شَاؤُوا وَيَضْمَنُوا مِقْدَارَ الزَّكَاةِ. وَفَائِدَتُهُ: أَمْنُ الْخِيَانَةِ مِنْ رَبِّ الْمَالِ، وَضَبْطُ حَقِّ الْفُقَرَاءِ عَلَى الْمَالِكِ، وَمُطَالَبَةُ الْمُصَدِّقِ بِقَدْرِ مَا خَرَصَةُ، وَانْتِفَاعُ الْمَالِكِ بِالأَكْلِ. وَصِفَةُ الْخَرِصِ: أَنْ يَطُوفَ بِالشَّجَرَةِ وَيَرَى جَمِيعَ ثَمَرَتِهَا وَيَقُولُ: خَرِصُهَا كَذَا وَكَذَا رُطَبًا، وَيَجِيءُ مِنْهَا كَذَا وَكَذَا يَابِسًا. (2/26)
صفحة 523
27
مَسْأَلَة: [في حساب مَا يُؤكَلُ مِنْ النَّخْلِ وَالزَّرْعِ قَبْلَ الْجُذَاذِ وَالْحَصَادِ فِي النِّصَابِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ هَلْ يُحْسَبُ عَلَى الرَّجُلُ مَا يَأْكُلُ مِنْ نَخْلِهِ وَزَرْعِهِ قَبْلَ الْجُدَادِ وَالْحَصَادِ فِي النِّصَابِ؟ فَذَهَبَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ إِلَى أَنَّهُ مَحْسُوبٌ عَلَيْهِ، وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إِلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَحْسُوبِ عَلَيْهِ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ الْقِيَاسِ لِلآثَارِ وَمَنْهُومِ الْكِتَابِ، أَمَّا الْقِيَاسُ فَلَأَنَّهُ مَالٌ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَتَعَلَّقَ فِيهِ حَقُّ الْغَيْرِ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَأَمَّا الْآثَارُ فَلِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِي بَعَثَ رَجُلاً خَارِصًا، فَقَالَ صَاحِبُ الْمَالِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ زَادَ عَلَيَّ، فَقَالَ الْخَارِصُ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ تَرَكْتُ لَهُ قَدْرَ عَرِيَّةِ أَهْلِهِ، وَمَا يُطْمِعُهُ الْمَسَاكِينَ، وَمَا تُسْقِطُ الرِّيحُ، فَقَالَ: "قَدْ زَادَ ابْنُ عَمِّكَ وَأَنْصَفَكَ " (1)، وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا خَرَضْتُمْ فَدَعُوا الثَّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثلتَ فَدَعُوا الرُّبُعَ (2)، وَقَوْلَهُ: "خَفِّفُوا الْخَرْصَ فَإِنَّ فِي الْمَالِ الْعَرِيَّةَ وَالآكِلَاتِ وَالْوَصَايَا وَالِنوَائِبَ وَمَا وَجَبَ فِي التَّمْرِ مِنَ الْحَقِّ " (3)، وَأَمَّا مَفْهُومُ
الْكِتَابِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَتْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ الله
(4)
(1) [رواه الدارقطني، باب في قدر الصدقة فيما أخرجت الأرض وخرص الثمار، ر 2078].
(1) [رواه أبو داود، باب في الخرص، ر 1607]. (2) [رواه البيهقي، باب من قال يترك لرب الحائط قدر ما يأكل هو وأهله، ر 7238، بلفظ: "خففوا على الناس في الخرص فإن فيه العرية والوطية والأكلة"، قال الوليد: قلت لأبي عمرو وما العرية؟ قال: النخلة والنخلتين والثلاث يمنحها الرجل الرجل من أهل الحاجة، قلت: فما الأكلة؟ قال: أهل المال يأكلون منه رطبا فلا يخرص ذلك ويوضع من خرصه، قال: قلت فما
الوطية؟ قال: من يغشاهم ويزورهم"]. (1) الأنعام: (141). (2/27)
صفحة 524
قواعد الإس
28
مَسْأَلَة: [في إخراج قيمةِ الزَّكاةِ وَاخْتَلَفُوا فِي إِخْرَاجِ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ، فَأَجَازَهَا بَعْضُ، وَمَنَعَ مِنْهَا آخَرُونَ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: هَل الزَّكَاةُ عِبَادَةٌ أَوْ حَقٌّ وَاجِبٌ لِلْمَسَاكِينِ؟ فَمَنْ قَالَ عِبَادَةٌ، قَالَ: لا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ إِلا الْوَاجِبَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ وَالشَّافِعِي، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا حَقِّ لِلْفُقَرَاءِ، أَجَازَ إِخْرَاجَ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِلَيْهِ يَؤُولُ قَوْلُ بَعْضٍ أَصْحَابِنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: على مَنْ تكون زكاةُ مَا تُخرِجُهُ الأرضُ المُسْتَاجَرَةُ وَالْعَامِلُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا تَبَعْ لِصَاحِبِ الْمَالِ إِلا أَنْ يَكُونَ أَجِيرًا. وَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الثَّمَارِ وَالْحُبُوبِ إِلا بَعْدَ إِدْرَاكِهَا، وَيُبْسِهَا، وَبُلُوغ النّصَابِ فِيهَا، لِقَوْلِهِ: " الْحَبَّةُ حَتَّى تَشْتَدُّ، وَالْعِنبَةُ حَتَّى تَسْوَدُّ (2)، وَكَذَلِكَ الرُّطَبُ لَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَصِيرَ تَمْرًا
يابسا
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا تُخْرِجُهُ الأَرْضُ الْمُسْتَأْجَرَةُ عَلَى مَنْ تَكُونُ زَكَاتُهُ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ الْعُشْرُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَقَالَ آخَرُونَ الزَّكَاةُ عَلَى مَالِكِ الزَّرْعِ الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ رَبِّ (1) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ إِلَى فَرِيقَيْنِ: بَعْضُ يَرَاهَا عِبَادَةٌ، وَالْبَعْضُ الآخَرُ حَقًّا لِلْمَسَاكِينِ، بَيْدَ أَنَّ الْقَوْلَ الثَّانِي هُوَ الرَّاجِعُ عَلَى مَا يَظْهَرُ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا، أَمَّا أَوَّلاً فَلِنُّبُوتِ وُجُوبِهَا بِالأَدِلَّةِ النَّقْلِيَّةِ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَهُمَا غَيْرُ مُكَلَّفَيْنِ، وَأَمَّا ثَانِيَا فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّابِلِ وَالمَحْرُومِ) (الذاريات: (19)، وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِتَعْجِيل أَدَائِهَا قَبْلَ وَقْتِهَا، وَالْعِبَادَةُ الْمُوَفَّتَهُ لَا تَصِحُ قَبْلَ وَقْتِهَا، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْعَبَّاسَ عَمَّ النَّبِي اسْتَأْذَنَهُ فِي تَعْجِيلِهَا فَأَذِنَ لَهُ، وَعَلَيْهِ إِذَا تَحَقَّقَتْ حَاجَةُ الْمَسَاكِينِ إِلَيْهَا جَازَ تَعْجِيلُهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمْ يَثْبِّتْ عَنِ الرَّسُولِ أَنَّهُ أَمَرَ عَمَّهُ بِإِعَادَةِ إِخْرَاجِهَا عِنْدَ حُلُولِ وَقْتِهَا، بَلِ الْأَمْرُ كَانَ بِالْعَكْسِ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَعَثَهُ النَّى مُصَدِّقًا، فَأَتَى الْعَبَّاسَ يَطلُبُ مِنْهُ زَكَاتَهُ، فَمَنَعَهَا إِلَى آخِرِ مَا فَصَّلْتُهُ فِي بَعْضٍ تَعَالِيقي. اهـ. (1) رَوَاهُ الدَّارَ فَطَنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَتَمَامُهُ: "فَإِنْ نَقَصَتْ عَنِ الثَّلَائِمِائَةِ صَاعٍ فَلَيْسَ فِيهَا شَيْ". (2/28)
صفحة 525
الْمَالِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكِ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ
الشَّافِعِيِّ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: هَلِ العُشْرُ حَقُّ الأَرْضِ أَوْ حَقُّ الزَّرْعِ؟ فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ حَقُّ الشَّيْءِ الَّذِي تَجِبَ فِيهِ الزَّكَاةُ وَهُوَ الزَّرْعُ، وَهُوَ الأَصَحُ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ حَقُّ الْأَصْلِ، وَهُوَ الْأَرْضُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (2/29)
صفحة 526
قواعد الإس
الفصل الثالث
فِي زَكَاةِ النَّقْدَيْنِ [الذَّهَبُ والفِضَّةُ]
نصابُ النَّهْدَيْنِ، وَهُمَا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ.
مسألة: في نصابُ الفِضَّةِ الوَرِقِ)]
(1).
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَكْذِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ} الآية (1) وَقَالَ النَّبِيُّ ليْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ (3)، وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ نِصَابَ الْفِضَّةِ مِانَتَا دِرْهَم لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ؛ لأَنَّ الْأُوقِيَةَ أَرْبَعُونَ دِرْهَما، وَخَمْسُ أَوَاقٍ جُمْلَتُهَا مِانَتَا دِرْهَمٍ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْنِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُخْرَجُ بِحِسَابِهِ رُبْعُ الْعُشْرِ قَلَّتِ الزَّيَادَةُ أَوْ كَثُرَتْ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَمَرَ عُمَرَ (3) وَالنَّخَعِي، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا شَيْءَ فِي الزِّيَادَةِ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ دِرْهَما، ثُمَّ فِيهَا دِرْهَمْ، رُوِيَ هَذَا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَطَاوُسٍ وَالشَّعْبِيِّ، وَمَكْحُولٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَالزُّهْرِيُّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَغَيْرِهِمْ.
(1) التَّوْبَة: (34). (1) [سبق تخريجه].
(1) رُوِيَ أَنَّهُمَا قَالاً: إِنَّ مَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَفِيهِ - أَيْ: فِي الزَّائِدِ - رُبْعُ الْعُشْرِ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَأَنَّهُ لا وَقصَ فِيهِمَا. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْح مُسْلِمٍ: أَمَّا الْحُبُوبُ فَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنْ مَا زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقِ أَنَّهُ تَجِبُ زَكَاتُهُ بِحِسَابِهِ، وَأَنَّهُ لا وَقصَ فِيهَا [49/ 7]. (2/30)
صفحة 527
وَسَبَبُ اخْتِلافِهِمْ شَيْتَانِ أَحَدُهُمَا اخْتِلافُهُمْ فِي تَصْحِيح الْحَدِيثِ الْمَرْوِي
عَنْ رَسُولِ اللهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: "لَيْسَ فِي مِاتَني دِرْهَم شَيْءٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، ثُمَّ فِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَمَا زَادَ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمَا دِرْهَم (1)، وَالشَّيْءُ الثَّانِي الْمُوجِبُ لِلْخِلافِ: هُوَ تَرَدُّدُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بَيْنَ الْأَصْلَيْنِ اللَّذِيْنِ هُمَا الْمَاشِيَةُ وَالْحُبُوبُ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي الْمَاشِيَةِ أَنْ لَا زَكَاةَ فِي الْأَوْقَاصِ مِنْهَا، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحُبُوبِ أَوْقَاصُ، فَمَنْ شَبَّهَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ بِالْمَاشِيَةِ قَالَ فِيهِمَا بِالْأَوْقَاصِ، وَمَنْ شَبَّهَهُمَا بِالْحُبُوبِ قَالَ: لَيْسَ فِيهِمَا أَوْقَاصُ،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَة: [في نصابِ الذَّهَبِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الذَّهَبَ إِذَا كَانَ عِشْرِينَ مِثْقَالاً وَقِيمَتُهَا مِانَنَا دِرْهَم أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهِ، وَهِيَ نِصْفُ مِثْقَالٍ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيٌّ وَبَعْضِ أَصْحَابِ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ أَنْ لَيْسَ فِي الذَّهَبِ شَيْءٌ حَتَّى يَبْلُغَ أَرْبَعِينَ دِينَارًا، ثُمَّ فِيهَا رُبْعُ عُشْرِهَا دِينَارٌ وَاحِدٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي الذَّهَبِ يَكُونُ عِشْرِينَ مِثْقَالاً فَقِيمَتُهُ دُونَ مِائَتَي دِرْهَمٍ، أَوْ تَكُونُ قِيمَتُهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَهُوَ دُونَ الْعِشْرِينَ مِثْقَالاً عَدَدًا، فَقَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا زَكَاةَ فِي أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا أَوْ مِثْقَالاً، وَفِي الْعِشْرِينَ دِينَارًا نِصْفُ دِينَارٍ، وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسِ وَالزُّهْرِيِّ وَسُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الصَّدَقَةَ رُبْعُ الْعُشْرِ، إِذَا كَانَتْ قِيمَةَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَإِنْ كَانَتْ دُونَ الْعِشْرِينَ عَدَدًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
سَبَبُ تَنَازُعِهِمْ: اخْتِلافُهُمْ فِي تَصْحِيحِ الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: "هَاتُوا زَكَاةَ الذَّهَبِ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا نِصْفُ
(1) [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، باب في زكاة السائمة، ر 1574]. (2/31)
صفحة 528
قواعد الإس
32
دينار (1)، وَمَنْ لَمْ يَصِحَ عِنْدَهُ الْحَدِيثُ اعْتَمَدَ عَلَى الإِجْمَاعِ: أَنَّ فِي الأَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارًا وَاحِدًا، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ اعْتَمَدُوا فِي ذَلِكَ عَلَى
الْعَمَلِ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِهِ الْمُوَطَّأ: "السُّنَّةُ الَّتِي لَا خِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي عِشْرِينَ دِينَارًا عَيْناً، كَمَا تَجِبُ فِي مِائَتَيْ دِرْهَم")، وَهُوَ
(1) [رواه أبو داود بلفظ: " ... وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ - يَعْنِي فِي الذَّهَبِ - حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا فَإِذَا كَانَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذلِكَ"، باب في زكاة السائمة، ر 1575]. فَائِدَةُ: تَيْسِيرًا عَلَى الْقُرَّاءِ أَقَدِّمُ جَدْوَلا فِي بَيَانِ أَسْمَاءٍ مِنَ الْمَكَابِيلِ وَالْمَقَابِسِ وَالنُّقُودِ يَكْثُرُ وُرُودُهَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ الإِسْلَامِيِّ، وَيَعْمُضُ بَعْضُهَا عَلَى جُمْهُورِهِمْ.
جَدْوَلُ الْمَكَادِيلِ وَالْمَقَابِسِ وَالنُّقُودِ)
الْقَفِيزُ مِكْيَالٌ يَسَعُ ثَمَانِيَةَ مَكَاكِيكِ، (الْمَكُوكُ) نِصْفُ الْوَيْبَةِ، وَتُسَمَّى عِنْدَنَا (الْحَثِيةَ) وَبِالْكَيْلِ الْجَدِيدِ (دِيكَاليش)، (الْفَرَةُ) بِفَتْحَتَيْنِ: رَنْبِيلٌ يَسَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، (الْفَرْقُ) بِفَتْح فَسُكُونِ: مِكْيَالُ بِالْمَدِينَةِ يَسَعُ ثَلَاثَةَ آصُع، (ويبةُ الْعَرَبِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ مُدًا بِمُدَّ النَّبِي، وَتُسَمَّى الآنَ "القُلَّةَ" أَوْ دُوَيْل دِيكَالِيتر، أَيْ ضِعْفُهُ، (ويبة امسين) اثْنَا عَشَرَ مُدًا أَوِ الْحَثِية، (ويبة يَفْرن) تِسْعَةُ أَمْدَادٍ و 5/ 3، (ويبة (ابْناين) ثَمَانِيَةُ أَمْدَادٍ، (الْوَسْقُ) سِتُّونَ صَاعًا، الصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدِّ النبي. (الثمْنَة) سِتَّةُ أَمْدَادٍ، وَيُقَالُ لَهُ الرِّبَاعِي"، (الْمُدُّ) وَزْنُ 675 جِرَامًا مِنَ الْقَمْحِ، و 500 حِرَامًا مِنَ الشَّعِيرِ الْجَرَّةُ) الْكَبِيرَةُ) هُوَ الْمِكْيَالُ الَّذِي يُسَمَّى فِي عُرْفِ مِيزَابٍ وَعُرْفٍ نفُوسَةَ "نقاصَة"، (قَرْنُ الزَّيْتِ) هُوَ نِصْفُ الْجَرَّةِ الْكَبِيرَةِ الْمَنِّ) رِطْلُانِ أَوْ مَا يُسَاوِي كِيلُو حِرَام تَقْرِيبًا، (الرّطْلُ) خَمْسُمِائَةِ جِرَامٍ بِاصْطِلاحِ عَصْرِنَا الْبَرِيدُ) أَثْنَا عَشَرَ مِيلاً، (الْفَرْسَجُ) 5541 مترا، (الْمِيلُ) 1348) مِتْرًا، (الْقَفَيرُ) مِنَ الْأَرْضِ يُسَاوِي 144 ذِرَاعًا، (الْمِثْقَالُ) وَزْنُ خَمْسَةِ حِرَامَاتٍ ذَهَبًا، (الدِّينَارُ) صَرْفُ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، (البدرَةُ) تُسَاوِي عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَم (الدِّينَارُ الْمَرْجُوحُ) يُسَاوِي عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، (الأُوقِيَّةُ) أَرْبَعُونَ دِرْهَما فِضَّةٌ، (الدَّرْهَمُ) سِتَّةُ دَوَانِقَ، وَوَزْنُ الدَّرَاهِمِ ثَلَاثَةُ حِرَامَاتٍ تَقْرِيبًا، (الدَّانِقُ) سُدُسُ الدَّرْهَمِ 1/ 6 وَزْن قِيرَاطَيْنِ، وَالدَّانِقُ الإِسْلامِيُّ حَبَّنا حَرْنُو 2/ 3، (الْقِيرَاطُ طَسُّوجَانِ، (وَالطَّسُّوحُ) حَبَّتَانِ، (الْخَرُّوبَةُ) فِي عُرْفِ تَقْسِيم مِيَاهِ الآبَارِ يُسَاوِي 1/ 24، مَثَلاً يُقَالُ: فُلاَنٌ يَمْلِكُ فِي الْبَشِّرِ سِنَّ خَرَارِيبَ، يَعْنِي:: يَمْلِكُ رُبَعَ الْبِيْرِ (1/ 4)، (الْحَبَّةُ) جُزْءٌ مِنْ 48 مِنَ الدُّرْهَمِ، (النَّشُ) عِشْرُونَ دِرْهَمَا،
(النَّوَاةُ) خَمْسُ دَرَاهِمَ. اهـ مُصَححه.
(1) موطأ الإمام مالك - رواية يحي الليثي، ر 583، 246/ 1]. (2/32)
صفحة 529
الصَّحِيحُ، وَبِهِ أَخَذَ أَصْحَابُنَا، لِقَوْلِ النَّبِيِّ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ عِشْرِينَ مِثْقَالاً صَدَقَةٌ (1)، وَقَوْلِهِ: " فِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ (2)، وَالرِّقَةُ اسْمُ جَامِعٌ لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَعَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ قَاسَ الذَّهَبَ عَلَى الْفِضَّةِ إِذْ كَانَتْ هِيَ الأَصْلَ، وَلا تَفَاقِهِمْ عَلَى صِحَةِ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي نِصَابِ الْفِضَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاخْتَلَفُوا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِذَا كَانَا نَاقِصَيْنِ عَنْ وَزْنِ الزَّكَاةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِيهَا الزَّكَاةُ إِذَا كَانَتِ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ تَجُوزُ جَوَازَ الْوَازِنَةِ)، رُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكِ وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَقَالَ آخَرُونَ لا زَكَاةَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ نَقَصَتْ حَبَّةٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ.
مَسْأَلَة: [في حُكم ضم الذَّهَبِ إلى الفضَّةِ وَاخْتَلَفُوا فِي ضَمَّ الذَّهَب إِلَى الْفِضَّة، فَقَالَ بَعْضُهُم لاَ يَضُمُّ أَحَدُهُمَا إِلَى الآخر، رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرِ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَقَتَادَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُضَمُّ إِلَى الْآخَرِ، فَإِذَا كَمُلَ النَّصَابُ فِي مَجْمُوعِهِمَا وَجَبَ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَبِهِ أَخَذَ أَصْحَابُنَا.
وَسَبَبُ الْخِلافِ هَلْ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا لِعَيْنِهِ أَوْ لِعِلَّةٍ تَعُمُّهُمَا، وَهِيَ كَوْنُهُمَا رُؤُوسَ الأَمْوَالِ وَقِيمَةَ الْمُتْلَفَاتِ وَاتِّفَاقَ الْمَنَافِعِ، فَمَنْ رَأَى وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِعَيْنِهِ قَالَ: هُمَا جِنْسَانِ كَالإِبِلِ وَالْبَقَرِ، وَمَنِ
اعْتَبَرَ فِيهِمَا الْعِلَّةَ الْجَامِعَةَ لَهُمَا قَالَ: يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ.
(1) [سبق تخريجه].
(1) [رواه البخاري، باب زكاة الغنم، ر 1386]. (1) [تَجُوزُ جَوَازَ الوازِنَة: أي إن هذه وإن لم تكن وازنة فهي تجوز مجازها وجوازها لقربها منها" السيوطي: المزهر في علوم اللغة، 1/ 282)]. (2/33)
صفحة 530
مسألة: في صِفَةِ صَمَّ الذَّهَبِ إِلى الفِضَّةِ]
وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ ضَمِّهِمَا وَإِخْرَاج الزَّكَاةِ مِنْهُمَا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ يُضَمُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ بِالْقِيمَةِ، وَيُخْرَجُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْقِيمَةِ مَا وَجَبَ فِيهِ، مَا لَمْ تَنْغَلِقْ فَرِيضَةُ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَأَمَّا إِذَا انْغَلَقَتِ الْفَرِيضَةُ فِي أَحَدِهِمَا فَلاَ يَكْسِرُهَا إِلَى الآخَرِ، قَالُوا: وَإِنَّمَا يُصْرَفُ إِلَى الذَّهَبِ، قَلِيلاً كَانَ أَوْ كَثِيرًا، وَلَا يُصْرَفُ إِلَى الْوَرِقِ إِلَّا إِلَى دِرْهَمٍ وَنِصْفٍ فَصَاعِدًا، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكِ أَنَّهُ قَالَ: يُضَمَّانِ بِصَرْفٍ مَحْدُودٍ، وَذَلِكَ عِنْدَهُ بِأَنْ يُنْزَلَ الدِّينَارُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّرْفُ قَدِيمًا، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِيهِمَا الزَّكَاةُ، فَإِنْ كَانَتْ تِسْعَةُ دَنَانِيرَ قِيمَتُهَا مِائَنَا دِرْهَم فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ سَبْعَةَ دَنَانِيرَ وَمِائَةَ دِرْهَمٍ فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَأَجَازَ أَنْ تُخْرَجَ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: [في حُكْمِ اسْتِثْمَامِ الشَّرِيكِ بِنصيب شَرِيكِهِ في الأصل والنصابِ] وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ هَلْ يَسْتَتِمُ الشَّرِيكُ بِنَصِيبٍ شَرِيكِهِ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا فِي الأَصْلِ وَالنِّصَابِ؟ فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إِلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَتِمُ بِنَصِيبٍ شَرِيكِهِ فِيهِمَا فِي الْأَصْلِ وَلَا فِي النِّصَابِ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَالِكُ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ يَسْتَتِمُ بِهِ، وَأَنَّ حُكْمَ الْمَالِ الْمُشْتَرِكِ حُكْمُ مَالِ رَجُلٍ
واحد.
وَسَبَبُ اخْتِلافِهِمْ: الاحْتِمَالُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ (3)، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمِقْدَارُ لِمَالِكِ وَاحِدٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ
(1) وَفِيهِ نَظَرُ.
(1) [سبق تخريجه]. (2/34)
صفحة 531
لِمُلاكِ شَتَّى، إِلا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ اشْتِرَاطُ النِّصَابِ إِنَّمَا هُوَ الرِّفْقُ بِصَاحِبِ الْمَالِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ لِمَالِكِ وَاحِدٍ، وَهُوَ الأَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَة: [في زكاةِ الحُلِيِّ] اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي زَكَاةِ الْحُلِيِّ الْمُتَّخَذِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَوَافَقَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَمُجَاهِدٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ وَابْنُ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ أَنَّ الزَّكَاةَ فِيهِ وَاجِبَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا قَاطِبَةً، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ أَنَّهُ يُزَكِّي عَامًا وَاحِدًا، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ إِذَا أُرِيدَ بِهِ الزِّينَةُ وَاللَّبَاسُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ وَالشَّعْبِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، وَبِهِ قَالَ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ: مَالِكٌ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعِيدٍ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ إِذْ كَانَ بِالْعِرَاقِ، ثُمَّ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ وَقَفَ عَنْهُ بِمِصْرَ، وَقَالَ: هَذَا مِمَّا اسْتُخِيرَ اللهُ فِيهِ، وَرُوِيَ عَن الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: زَكَاتُهُ عَارِيَتُهُ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتَادَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ.
وَسَبَبُ اخْتِلافِهِمْ شَيْئَانِ، أَحَدُهُمَا اخْتِلافُهُمْ فِي تَصْحِيحِ الأَثَرِ، وَهُوَ
ثلاث
حَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَفِي يَدِي صلى الله عليه وسلم فَتَخَاتٍ مِنْ وَرِقٍ - أَوْ قَالَتْ مِنْ ذَهَبٍ - فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ فَقَالَتْ: أَتَزَيَّنُ لَكَ بِهِ، فَقَالَ: "أَتُؤَدِّينَ زَكَاتَهُنَّ؟ " قَالَتْ لاَ، قَالَ: حَسْبُكِ" مِنَ النَّارِ " ()، وَمَا رُوِيَ " أَنْهُ
(1)
دَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ وَفِي يَدِهَا سِوَارٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ سَبْعُونَ مِثْقَالَا، فَقَالَتْ: أَخْرِجِ الْفَرِيضَةَ، فَأَخْرَجَ مِنْهَا مِثْقَالاً وَثَلاثَةَ أَرْبَاعِ الْمِثْقَالِ). فَبِهَذَا وَغَيْرِهِ يَحْتَجُ مَنْ
(2)
(1) [رواه أبو داود، كتاب الزكاة، باب الكنز ما هو وزكاة الحلي، ر 1565، 1567].
(1) [رواه الدارقطني، باب زكاة الحلي، ر 2]. (2/35)
صفحة 532
قواعد الإس
أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي الْحُلِيِّ، وَاحْتَجَّ مَنْ أَسْقَطَ الزَّكَاةَ عَنْهُ بِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: "لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاة " (1).
وَالشَّيْءُ الثَّانِي الْمُوجِبُ لِلْخِلافِ: هُوَ تَرَدُّدُ الْحُلِيِّ بَيْنَ أَنْ يُشْبِهَ الْعُرُوضَ الْمَوْضُوعَةُ لِلانْتِفَاعِ وَبَيْنَ التَّبْرِ وَالْفِضَّةِ اللَّذَيْنِ الْمَقْصُودُ مِنْهُمَا الْمُعَامَلَةُ، أَعْنِي كَوْنَهُمَا ثَمَنًا، وَالصَّحِيحُ إِيجَابُ الزَّكَاةِ فِيهِ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لِوُقُوعِ اسْمِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الْحُلِيِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ).
(1) [رواه الترمذي، باب ما جاء في زكاة الحلي، ر 636، بلفظ: " وقال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم منهم ابن عمر و عائشة و جابر بن عبد الله و أنس بن مالك: ليس في الحلي زكاة، وهكذا روي عن بعض فقهاء التابعين، وبه يقول مالك بن أنس والشافعي وأحمد وإسحق"] [قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: "والذي يرويه بعض فقهائنا مرفوعا: (ليس في الحلي زكاة)، لا أصل له، إنما يروى عن جابر من قوله غير مرفوع، وقال: "باطل لا أصل له". (البيهقي: معرفة السنن
والآثار، ر 2505)].
(1) مِنَ الْمَعْلُوم أَنَّ الْقَوْلَ بِعَدَم وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي حُلِيِّ النِّسَاءِ إِذَا اتَّخِذَ لِلزِّينَةِ هُوَ مَذْهَبُ مَالِكِ وَأَحْمَدَ وَالشَّافِعِي فِي أَحَدٍ أَقْوَالِهِ، قَالَ الصَّنْعَانِيُّ: "لآثَارِ وَرَدَتْ عَنِ السَّلَفِ فَاضِيَةٍ بِعَدَم وُجُوبِهَا فِي الْحُلِيِّ، وَلَكِنْ بَعْدَ صِحَةِ الْحَدِيثِ لا أَثَرَ لِلآثَارِ"، ثُمَّ قَالَ: "وَأَظْهَرُ الأَقْوَالِ دَلِيلاً وُجُوبُهَا لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ وَقُوَّتِهِ". اهـ[سبل السلام 135/ 2] وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمُ
الله. اهـ مُصَححه. (2/36)
صفحة 533
الفصل الرابع
فِي زَكَاةِ الْعُرُوضِ الْمُتَّخَذَةِ لِلتَّجَارَةِ
وَهَذَا الْفَضْلُ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامِ، أَحَدُهَا: فِي زَكَاةِ التِّجَارَةِ، وَالثَّانِي: فِي زَكَاةِ الْفَوَائِدِ، وَالثَّالِثُ: فِي زَكَاةِ الدُّيُونِ.
الْقِسْمُ الأَوَّلُ فِي زَكَاةِ الْعُرُوضِ
أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى إِيجَابِ الزَّكَاةِ فِي الْعُرُوضِ الَّتِي تُعَدُّ لِلتِّجَارَةِ، مُدِيرَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مُدِيرَةٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَابْنِ عَبَّاس وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ وَأَبِي صَالِحِ الدَّهَانِ وَالرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ، وَبِهِ قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَطَاوُسٌ وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ، وَعَلَيْهِ فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ، وَلا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا، إِلَّا مَا ذُكِرَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٌّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْل الظَّاهِرِ: زَعَمُوا أَنَّ الزَّكَاةَ فِي الْعَيْنِ، فَإِذَا صَارَ عُرُوضًا صَارَ إِلَى مَا عَلَيْهِ الْعُرُوضُ حَتَّى يَعُودَ إِلَى الْعَيْنِ. (2/37)
صفحة 534
وَسَبَبُ الْخِلافِ شَيْئَانِ، أَحَدُهُمَا اخْتِلافُهُمْ فِي تَصْحِيحِ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ
جندب أَنَّهُ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الزَّكَاةَ مِمَّا نُعِدُّهُ لِلْبَيْعِ (1)، وَالثَّانِي: اخْتِلافُهُمْ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ أَنَّ الْعُرُوضَ الْمُتَّخَذَةَ لِلتَّجَارَةِ مَالٌ مَقْصُودٌ بِهَا التَّنْمِيَةُ وَالزِّيَادَةُ، فَأَشْبَهَ الأَجْنَاسَ الثَّلَاثَةَ الَّتِي فِيهَا الزَّكَاةُ بِاتِّفَاقِ، أَعْنِي الْحَرْثَ وَالْمَاشِيَةَ وَالذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِيمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، أَفِي ثَمَنِهِ الَّذِي اشْتُرِيَتْ بِهِ الْعُرُوضُ أَمْ فِي قِيمَتِهِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُزَكِّيهِ عَلَى مَا جُعِلَ فِيهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُؤَدَّى عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ بِالْقِيمَةِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَذَهَبَ الأَوْزَاعِيُّ إِلَى أَنَّهُ مُخَيْرٌ إِنْ شَاءَ زَكَّى ثَمَنَهُ الَّذِي اشْتَرَاهُ، وَإِنْ شَاءَ زَكَّى قِيمَتَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِي عُرُوضِ تُقِيمُ سِنِينَ، فَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَمِنْهُمْ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَالرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِنَا: تُقَوَّمُ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ، وَتُخْرَجُ زَكَاتُهَا لِكُلِّ سَنَةٍ مَا أَقَامَتْ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي عُبَيْدِ وَالثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنْ لَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تُبَاعَ وَإِنْ أَقَامَتْ سِنِينَ، فَإِذَا بَاعَهَا زَكَّاهَا لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَقَوْلُهُمْ هَذَا لاحِقٌ بِقَوْلِ الظَّاهِرِيَّةِ، لَمْ يَخْتَلِفُوا إِلا فِي الْمُدِيرَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِي الْعُرُوضِ يَشْتَرِيهِ الرَّجُلُ بِأَقَلْ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، ثُمَّ يَحُولُ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَهُوَ يُسَاوِي مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةٌ حَتَّى يَبِيعَهُ بِمَا تَجِبُ فِيهِ، ثُمَّ يَحُولُ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِذَا بَاعَهُ بِمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ بَعْدَ حَوْلِ الْحَوْلِ زَكَّاهُ مِنْ يَوْمِ مِلْكِ الْعُرُوضِ، وَلَا يُنْظَرُ فِي
(1) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، باب العروض إذا كانت للتجارة هل فيها زكاة، ر 1564]. (2/38)
صفحة 535
قِيمَتِهِ أَوَّلَ السَّنَةِ وَلا أَوْسَطَهَا، رُوِيَ هَذَا عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنِ اشْتَرَى أَكْسِيَةٌ لِلتَّجَارَةِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا لِلْبَاسِ، أَوِ اشْتَرَاهَا لِلْبَاسِ فَنَوَاهَا لِلتِّجَارَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ فِي الْحَالَتَيْنِ، وَقَالَ آخَرُونَ غَيْرَ ذَلِكَ،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي
فِي زَكَاةِ الْفَائِدَةِ
وَهَذَا الْقِسْمُ يَشْتَمِلُ عَلَى سِتْ مَسَائِلَ:
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى فِي وَقْتِ الزَّكَاةِ: أَجْمَعَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى اشْتِرَاطِ الْحَوْلِ فِي زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْمَاشِيَةِ، لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَهُوَ قَوْلُ مُعَاذِ بْنِ جَبَل: انْتَظِرْ بِأَرْبَابِ الأَمْوَالِ حَوْلاً كَامِلاً، ثُمَّ خُذْ مِنْهُمْ مَا أَمَرْتُكَ " (1)، وَقَوْلُهُ: "لاَ زَكَاةَ فِي الْمَالِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ (2). وَاسْتَحَبَّ أَصْحَابُنَا أَنْ يَأْخُذَ الإِنْسَانُ لِوَقْتِ زَكَاتِهِ شَهْرًا مَعْلُومًا مِنْ شُهُورِ السَّنَةِ، كَرَجَبٍ وَرَمَضَانَ وَالْمُحَرَّمِ، وَأَنَّهُ إِنْ دَخَلَ مِلْكَهُ الْمَالُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَشْهُرِ أَنَّهُ يُخْرِجُهُ مِنْ مِلْكِهِ حَتَّى يَسْتَهِلْ عَلَيْهِ الشَّهْرُ الْمَرْغُوبُ فِيهِ، ثُمَّ يَرُدُّهُ فِي مِلْكِهِ، وَيَأْخُذُ ذَلِكَ الشَّهْرَ وَقْتًا لِزَكَاتِهِ (3).
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(1) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثٍ عَلِي بِإِسْنَادِ جَيْدٍ، وَرَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ: مَنِ اسْتَفَادَ مَالاً فَلَا زَكَاةً عَلَيْهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ". (2) إِخْرَاجُ الْمَالِ أَثْنَاءَ الْحَوْلِ مِنْ مِلْكِ مَن اتَّخَذَ شَهْرًا مُعَيَّنًا لِزَكَاتِهِ وَإِرْجَاؤُهُ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ حِيلَةٌ مَكْشُوفَةٌ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَكِبَهَا مَنْ يَسْتَبْرِئُ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، تَبْعَثُ عَلَيْهَا الْمُمَاكَسَةُ وَالْمُشَاحَنَةُ مَعَ اللَّهِ الَّذِي أَفَاضَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْمَالِ، خَشْيَةَ أَنْ يَنَالَ الْفُقَرَاءَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِلَّا فَهَلْ يَعْتَقِدُ حَقًّا أَنَّ (2/39)
صفحة 536
قواعد الأ.
وَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيمَا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى أَخْذِ الْوَقْتِ إِلَّا بِشَيْتَيْنِ: حُلُولِ الْحَوْلِ وَاسْتِكْمَالِ النِّصَابِ، وَأَنَّهُ إِذَا زَكَّاهُ فَقَدْ ثَبَتَ وَقْتُهُ، وَلَا يَنتقِضُ إِلا بِإِخْرَاجِهِ مِنَ الْمِلْكِ، أَوْ نُزُولِهِ عَنْ حَدَّ الأَصْلِ، وَاخْتُلِفَ فِي انْتِقَاضِ الْوَقْتِ بِإِبْدَالِهِ إِيَّاهُ بِجِنْسِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ نِصَابَ الْمَالِ إِذَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْفَوَائِدِ مِنَ الأَمْوَالِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا يُزَكِّيهَا مَعَ النِّصَابِ الأَصْلِي، وَإِنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْفَائِدَةُ بَعْدَمَا زَكَّاهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي زَكَاةِ الْفَائِدَةِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، وَقَالَ آخَرُونَ لا زَكَاةَ فِي الْفَائِدَةِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزَيزِ وَعَلِي وَعَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَعَطَاءٍ وَالنَّخَعِي وَالشَّافِعِي وَغَيْرِهِمْ، وَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَتَبَ أَنْ لَا يُعَارَضَ لَأَرْبَاحِ التَّجَارِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، وَقَالَ مَالِكٌ: حَوْلُ الرِّبْحِ هُوَ حَوْلُ الأَصْل، إِذَا كَمُلَ لِلأَصْلِ حَوْلٌ زَكَّى الرِّبْحَ مَعَهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْأَصْلُ نِصَابًا أَوْ أَقَلَّ مِنَ النِّصَابِ إِذَا بَلَغَ الأَصْلُ مَعَ رِبْحِهِ نِصَابًا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالزُّهْرِيِّ فِي الْفَائِدَةِ أَنَّهَا تُزَكَّى حِينَ يَسْتَفِيدُهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ذَلِكَ الْمَالَ لَيْسَ مَالاً لَهُ، وَإِنْ أَخْرَجَهُ صُورِيًّا مِنْ مِلْكِهِ؟ أَلَمْ يَكُنْ يَوْمَ أَنْ أَخْرَجَهُ كَانَ عَلَى نِيَّةِ أَنْ يُرْجِعَهُ فِي مَوْعِدٍ مُحَدَّدٍ، وَمَا أَشْبَهَهُ بِمَنْ أَقْرَضَ غَيْرَهُ مَالاً أَفَلَا تَلْزَمُهُ زَكَاتُهُ؟ أَلَا يَكُونُ فِي صَدْرِهِ حَرَجٌ لَوْ أَنَّ الْمُوهِبَ لَهُ امْتَنَعَ عَنْ إِرْجَاعِهِ أَوِ اسْتَهْلَكَهُ؟ أَلَا يَعْتَبِرُهُ فِي قَرَارَةِ نَفْسِهِ غَاصِبًا وَآكِلَا لِمَا لَهُ بِالْبَاطِلِ؟ إِذَنْ فَالْمَالُ مَالُهُ، وَفِي حَوْزَتِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَالْوَاقِعُ أَبْقَاهُ أَوْ أَخْرَجَهُ. وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ الزَّكَاةَ تَتْبَعُ مَالِكِ الْمَالِ فَمَا يُبْدِئُ الْمُحْتَالُ وَمَا يُعِيدُ؟ ثُمَّ أَوَكُلَّمَا دَخَلَ مِلْكَهُ مَالٌ أَثْنَاءَ الْحَوْلِ فَعَلَ كَذَلِكَ، وَفِيهِ مِنَ الْحَرَجِ مَا لاَ يَخْفَي؟ أَلاَ يَكُونُ مِنَ الْخَيْرِ وَمِنَ السَّمَاحَةِ الَّتِي هِيَ شَارَةُ الإِسْلامِ، وَمِنْ شُكْرِ اللهِ عَلَى مَا أَوْلَى وَأَنْعَمَ أَنْ يُزَكِّيَ مَا دَخَلَ يَدَهُ مِنَ الْمَالِ أَثْنَاءَ الْحَوْلِ مَعَ نِصَابِهِ الْأَصْلِيُّ، كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي الْفَائِدَةِ؟ وَبِذَلِكَ يَنتَظِمُ أَمْرُ زَكَاتِهِ وَلَا يُحْوِجَ نَفْسَهُ إِلَى إِخْرَاجِ وَإِدْخَالٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ مُصَححه. (2/40)
صفحة 537
وَسَبَبُ الْخِلَافِ: تَرَدُّدُ الرِّبْحِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَالِ الْمُسْتَفَادِ أَوْ حُكْمَ الأَصْلِ، فَمَنْ شَبَّهَهُ بِالْمَالِ الْمُسْتَفَادِ ابْتِدَاءً قَالَ: يَسْتَقْبِلُ بِهِ الْحَوْلَ، وَمَنْ
شَبَّهَهُ بِالأَصْلَ وَهُوَ رَأْسُ الْمَالِ قَالَ حُكْمُهُ حُكْمُ رَأْسِ الْمَالِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَحُكْمُ نَسلِ الْحَيَوَانِ حُكْمُ الأَرْبَاح وَالْفَوَائِدِ عِنْدَنَا لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكِ أَنَّهُ قَالَ: حَوْلُ النَّسْل هُوَ حَوْلُ الأُمَّهَاتِ، كَانَتِ الأُمَّهَاتُ نِصَابًا أَوْ لَمْ تكُنْ، كَمَا قُلْنَا عَنْهُ فِي رِبْح النَّاضُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَكُونُ حَوْلُ النَّسْل حَوْلَ الأُمَّهَاتِ إِلا أَنْ تَكُونَ الأُمَّهَاتُ نِصَابًا، وَهُوَ الْأَصَحُ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكِ أَيْضًا فِيمَنِ اتَّجَرَ بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ فَلَمْ يَحُلْ عَلَيْهِ الْحَوْلُ حَتَّى بَلَغَتْ مِقْدَارَ الزَّكَاةِ أَنَّهُ يُزَكِّيهَا، وَقَالَ فِي الْغَنَمِ مِثْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: لَا تَجِبُ فِي ذَلِكَ الزَّكَاةُ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ صَارَتْ نِصَابًا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِي وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْجِيل الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ، فَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالزُّهْرِيِّ وَالنَّخَعِي وَالأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِي وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: مَنْ زَكَّاهَا قَبْلَ الْوَقْتِ أَعَادَ كَالصَّلَاةِ.
وَسَبَبُ الخِلافِ هَلْ هِيَ عِبَادَةٌ أَوْ حَقٌّ لِلْمَسَاكِينِ؟ فَمَنْ قَالَ عِبَادَةٌ شَبَّهَهَا بِالصَّلَاةِ لَمْ يُجِزْ إِخْرَاجَهَا قَبْلَ الأَجَلِ عَلَى جِهَةِ التَّطَوُّعِ، وَقَدِ احْتَجَّ أَصْحَابُ (2/41)
صفحة 538
قواعد الإسلام
الْقَوْلِ الأَوَّلِ بِحَدِيثِ عَلِيٌّ أَنَّ النَّبِيَّ اسْتَسْلَفَ صَدَقَةَ الْعَبَّاسِ قَبْلَ مَحَلّها (1)،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَخْرَجَ زَكَاةَ مَالِهِ فَضَاعَتْ، فَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَقتَادَةَ أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُمْ: هُوَ لَهَا ضَامِنٌ حَتَّى يَضَعَهَا مَوَاضِعَهَا، وَقِيلَ: إِنْ أَخْرَجَهَا فِي حِينٍ وُجُوبِهَا فَضَاعَتْ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَخَرَهَا عَنْ وُجُوبِهَا فَأَخْرَجَهَا فَضَاعَ ضَمِنَ، وَهُوَ مَشْهُورُ قَوْلِ مَالِكِ، وَقِيلَ: إِنْ فَرَّطَ ضَمِنَ، وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطُ زَكَّى مَا بَقِيَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ بَعْضُ: يَحْسِبُ الذَّاهِبَ مِنَ الْجَمِيعِ وَيَبْقَى رَبُّ الْمَالِ وَالْمَسَاكِينُ شَرِيكَيْنِ فِي الْبَاقِي، وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَالَهَا فَقَدْ لَزِمَتْهُ إِنْ ضَاعَتْ، وَإِلَّا فَلَا
ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: تَشْبِيهُ الزَّكَاةِ بِالدُّيُونِ الْمُتَعَلَّقَةِ بِالذَّمَّةِ، أَوْ تَشْبِيهُهَا بِالْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَالِ؟ فَمَنْ شَبَّهَ أَصْحَابَ الزَّكَاةِ بِالأُمَنَاءِ قَالَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيمَا أَخْرَجُوهُ، وَمَنْ شَبَّهَهُمْ بِالْغُرَمَاءِ قَالَ: يَضْمَنُونَ. وَأَمَّا إِذَا تَمَكَّنَ مِنْ إِخْرَاجِهَا فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى هَلَكَ بَعْضُ الْمَالِ فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى ضَمَانِهِ، إِلَّا فِي الْمَاشِيَةِ عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ وُجُوبَهَا إِنَّمَا يَتِمُّ بِخُرُوجِ السَّاعِي مَعَ الْحَوْلِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) بَعَثَ النَّبِيُّ الله عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لِقَبْضِ الزَّكَاةِ، فَأَتَى الْعَبَّاسَ عَمَّ النَّبِيِّ يَطلُبُ مِنْهُ زَكَاتَهُ فَمَنَعَها، فَأَتَى عُمَرُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنَّ عَمَّكَ مَنَعَ زَكَاةَ مَالِهِ، فَقَالَ: "يَا أَبَا حَفْصٍ، إِنَّ عَمِّي لَمْ يَمْنَعْ زَكَاتَهُ، إِنَّمَا احْتَجْنَا فَعَجَّلْنَا زَكَاةَ عَامَيْنِ لِعَام. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، وَذَكَرَ أَحْمَدُ
أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَهُ عَنْ تَعْجِيلِ زَكَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يَحُولُ الْحَوْلُ فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ. (2/42)
صفحة 539
Nakushishishishdaltakatakatakatakatalalalated
43
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: وَاخْتَلَفُوا إِذَا مَاتَ بَعْدَ وُجُوبِهَا، فَقِيلَ: تُخْرَجُ مِنَ الْكُلِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقِيلَ: إِنْ أَوْصَى بِهَا أُخْرِجَتْ مِنَ الثَّلْثِ، وَإِلا فَلاَ شَيْءَ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَالِ يُبَاعُ بَعْدَ وُجُوبِ الصَّدَقَةِ فِيهِ، فَقَالَ قَوْمُ: يَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ الزَّكَاةَ مِنْ نَفْسٍ الْمَالِ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِقِيمَتِهِ، وَقِيلَ: الْبَيْعُ جَائِزُ، وَالزَّكَاةُ عَلَى الْبَائِعِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: تَشْبِيهُ بَيْعِ مَالِ الزَّكَاةِ بِتَفْوِيتِهِ وَإِتْلَافِ عَيْنِهِ، فَمَنْ شَبَّهَهُ بِذَلِكَ قَالَ: الزَّكَاةُ فِي ذِمَّةِ الْمُثْلِفِ وَالْمُفَوِّتِ، وَمَنْ قَالَ: الْبَيْعُ لَيْسَ بِإِثْلَافٍ لِعَيْنِ الْمَالِ - كَمَنْ بَاعَ مَا لَيْسَ لَهُ - قَالَ: الزَّكَاةُ فِي عَيْنِ الْمَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ
فِي زَكَاةِ الدُّيُونِ
وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الدَّيْنِ الْمَرْجُو أَخْذُهُ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَالرَّبِيعُ وَابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرُهُمْ: يُؤَدِّي زَكَاةَ مَا كَانَ مِنْهُ عَلَى مَلِيٍّ يَرْجُو أَخْذَهُ لِكُلِّ سَنَةٍ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَطَاوُسِ وَالنَّخَعِي وَالزُّهْرِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ وَقَتَادَةَ وَحَمَّادِ بْنِ سُلَيْمَانَ (1) وَالشَّافِعِي وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ. قَالَتْ طَائِفَةٌ: يُزَكِّيهِ إِذَا قَبَضَهُ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءِ الْخُرَاسَانِي وَمَالِكِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَالَ آخَرُونَ: زَكَّاتُهُ عَلَى الْمِدْيَانِ، قَالَهُ (1) هُوَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ لا سَلَيْمَانُ فَقَط هُوَ شَيْخُ أَبِي حَنِيفَةَ، لَازَمَهُ 18 سَنَةٌ، وَمِمَّنْ أَخَذَ
عَنْهُمُ الْفِقْة. (2/43)
صفحة 540
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فقه
------------------------------------------
العنوان: قواعد الإسلام
المؤلف: إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر
تصحيح وتعليق: عبد الرحمن بن عمر بكلي
تحقيق وإخراج: أحمد بن صالح الشيخ أحمد
الناشر: مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
مكان النشر: السيب - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1436ه/ 2015م
الطبعة: 5
عدد الأجزاء: 2
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=5889&id_ty=1
------------------------------------------
ملاحظة: تم استغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 22 ربيع الأول 1447ه/ 15 - شهر 09 - 2025م. 44
(1)
ابْنُ عَبَّادٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَقَالا: مَنْ أَكَلَ مَهْنَاهُ (2) فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ،
وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ عَلَيْهِ فِي الدَّيْنِ زَكَاةٌ حَتَّى يَقْبِضَهُ، فَإِذَا قَبَضَهُ زَكَّاهُ لِلسَّنَةِ الأُولَى، وَيُحَطُّ عَنْهُ مَا أَدَّى فِي الثَّانِيَةِ، وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ بَعْضُ الأَوَائِلِ: لَا زَكَاةَ فِي الدَّيْنِ حَتَّى يَقْبِضَهُ، وَيَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ قَبْضِهِ، رُوِيَ
ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَعِكْرِمَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فِي الدَّيْنِ الْمَيْؤُوسِ مِنْهُ إِذَا قَبَضَهُ صَاحِبُهُ]
وَاخْتَلَفُوا فِي الدَّيْنِ الْمَيْؤُوسِ مِنْهُ إِذَا قَبَضَهُ صَاحِبُهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُزَكِّيهِ لِمَا مَضَى وَهُوَ مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ، وَقَالَ آخَرُونَ: يُزَكِّيهِ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (3) وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالأَوْزَاعِيِّ، وَكَانَ قَتَادَهُ يَقُولُ: لَا زَكَاةَ فِي الْمَالِ النِّمَارِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي بِالنِّمَارِ الْغَائِبَ الَّذِي لَا يُرْجَى، وَأَمَّا مَنْ أَبْضَعَ بَضَائِعَ أَوْ بَعَثَ مَالاً قِرَاضًا فَإِنَّهُ يُؤَدَّى عَنْهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، كَانَ الْمَالُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا مَا كَانَ يَرْجُوهُ، وَعِنْدَ بَعْضٍ مُخَالِفِينَا: لاَ تُؤَدَّى الزَّكَاةُ عَلَى مَا كَانَ غَائِبًا، فَإِذَا قَدِمَ حُسِبَ وَأُدْيَ عَلَى مَا مَضَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
هذا
(1) الْمِصْرِيُّ لا الْمَدَنِيُّ. (1) [مهناه: بفتح الميم والنون وبينهما الهاء ساكنة هو ما يأتي بلا مشقة، وأكل هنيئا (لسان العرب، والمعجم الوسيط مادة "هنا")، وفي موسوعة الفقه الإسلامي: " يعني الذي يستفيد من الدين ويستثمر هذا الدين هو الذي يدفع هذه الزكاة" (13/ 588)]. (2) رُوِيَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ فِي مَظَالِمَ كَانَتْ فِي بَيْتِ الْمَالِ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى أَرْبَابِهَا، وَيَأْخُذَ مِنْهَا زَكَاةَ عَامِهَا، فَإِنَّهَا كَانَتْ مَالاً ضِمَارًا، (الْمَالُ الضّمَارُ: الَّذِي لَا يُرْجَى)، وَإِذَا رُجِيَ فَلَيْسَ بِضِمَارٍ، مِنْ أَضْمَرْتُ الشَّيْءَ إِذَا غَيَّبْتُهُ فِعَالٌ بِمَعْنَى فَاعِل أَوْ مُفْعِلٍ، وَمِثْلُهُ مِنَ الصَّفَاتِ نَاقَةٌ كِتَانٌ، وَإِنَّمَا أَخَذَ مِنْهُ زَكَاةَ عَام وَاحِدٍ؛ لأَنْ أَرْيَابَهُ مَا كَانُوا يَرْجُونَ رَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِمْ زَكَاةَ السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ، وَهُوَ فِي بَيْتِ الْمَالِ. اهـ (2/44)
صفحة 541
اعد الإسلام
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ بِيَدِهِ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَعَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ مِثْلُهُ أَوْ دُونَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى تُخْرَجَ مِنْهُ الدُّيُونُ، فَإِذَا بَقِيَ نِصَابُ الزَّكَاةِ زَكَّى وَإِلا فَلَا، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءُ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَجَمَاعَةٌ، وَقَالَ قَوْمُ: الدَّيْنُ لا يَمْنَعُ الزَّكَاةَ أَصْلاً، وَفَرَّقَ أَصْحَابُنَا بَيْنَ دُيُونِ النَّفِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ، فَقَالُوا: يَسْقُطُ مَا عَلَيْهِ مِنْ دُيُونِ النَّضٌ مِمَّا بِيَدِهِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ خَاصَّةٌ، وَلَا يَسْقُطُ مَا عَلَيْهِ مِنْ دُيُونِ غَيْرِ النَّضٌ مِمَّا فِي يَدِهِ مِنَ الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ، وَذَهَبَ إِلَى هَذَا طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: هَل الزَّكَاةُ عِبَادَةٌ أَمْ حَقٌّ مُرَتَّبُ فِي الْمَالِ لِلْمَسَاكِينِ؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّهَا عِبَادَةٌ تَجِبُ عَلَى مَنْ بِيَدِهِ مَالٌ؛ لأَنَّ ذَلِكَ شَرْطُ التَّكْلِيفِ وَعَلَامَةُ الْقَضِيَّةِ عَلَى الْمُكَلَّفِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنُ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَأَيْضًا فَإِنَّ دَيْنَ اللَّهِ أَوْلَى وَأَحَقُّ أَنْ يُقْضَى مِنْ حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ، قَالَ: لاَ يَسْقُطُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الزَّكَاةَ حَقٌّ لِلْفُقَرَاءِ، قَالَ: لاَ زَكَاةَ فِي مَالِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَهَذَا هُوَ الْأَشْبَهُ بِغَرَضِ الشارع، لِقَوْلِهِ: أُمِرْتُ أَنْ أَخُذَهَا مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ (1)، وَالْمِدْيَانُ لَيْسَ بِغَنِي، وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ دُيُونِ النَّصِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْحُبُوبِ وَالْمَاشِيَةِ فَلَا أَعْلَمُ لَهُ شُبْهَةٌ
6
(2)
بينة (2)، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(1) [رواه أحمد، ر 23176].
(1) الْقَوْلُ بِإِسْقَاطِ دُيُونِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَتَى كَانَتْ عَلَيْهِ لِلْغَيْرِ يَنْسَجِمُ وَيَتَكَافَأُ مَعَ الْقَوْلِ بِإِيجَابِ زَكَاتِهَا عَلَيْهِ مَتَى كَانَتْ لَهُ بِذِمَّةِ الْغَيْرِ وَلَمْ يَيْأَسُ مِنْهَا، فَلَوْ لَمْ يُسْقِطْهَا لَشَمِلَتْهَا الزَّكَاةُ ضِمَّنَ مَالِهِ وَلَزُكِّيَتْ مَرَّتَيْنِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ فِي مَالٍ مَرَّتَيْنِ، اللهُمَّ إِلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: زَكَاةُ الدِّينِ عَلَى الْمِدْيَانِ؛ لأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَكَلَ، مهنأَهُ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُسْقِطَهَا حِينَئِذٍ مِنْ زَكَاتِهِ لِيَتمَّ الأَنْسِجَامُ وَالتَّكَافُقُ، وَإِنَّمَا خَصُّوا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ؛ لأَنَّهُمَا فِي الْأَصْلِ ثَمَنَانِ يُمَثَّلَانِ مَا بِالذَّمَّةِ بِخِلَافِ الْمَاشِيَةِ وَالْحَرْثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ مُصَححه. (2/45)
صفحة 542
الفصل الخامس
فِي زَكَاةِ الْمَعَادِنِ وَرِكَازِ الْجَاهِلِيَّةِ
في نصابِ الرِّكاز والمقدارِ المُخرَج]
وَالأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُهُ: " فِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ " (1)، وَفِي بَعْضِ الأَحَادِيثِ: "وَفِي السُّيُوبِ الْخُمْسُ " (2)، وَاخْتَلَفُوا فِي الرِّكَازِ، فَقِيلَ: هُوَ دَفِينُ الْجَاهِلِيَّةِ، رُوِيَ هَذَا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا؛ لأَنَّ اسْمَ الرِّكَازِ مَأْخُوذُ مِنْ قَوْلِكَ: رَكَزْتُ الرُّمْحَ، إِذَا أَثْبَتْ أَصْلَهُ فِي الْأَرْضِ. وَقِيلَ:
الرَّكَازُ الْمَالُ الْمَدْفُونُ وَالْمَعْدِنُ جَمِيعًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدِ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَجِبُ فِيهِمَا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَا يُخْرَجُ مِنَ الْمَعْدِنِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِذَا بَلَغَ عِشْرِينَ دِينَارًا أَوْ مِاتَتَني دِرْهَمٍ، وَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ أُخْرِجَ مِنَ الْعِشْرِينَ نِصْفَ دِينَارٍ، وَمِنَ الْمِائَتَيْنِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، إِلا أَنَّهُ قَالَ: يُزَكَّى مَا يُخْرَجُ مِنَ الْمَعَادِنِ مَكَانَهُ إِذَا كَانَ نِصَابًا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْحَوْلِ، وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا فِي اعْتِبَارِ الْحَوْلِ وَالنَّصَابِ.
(1) [رواه الربيع، كتاب الزكاة والصدقة باب في النصاب، ر 334]. (1) [رواه الطبراني: المعجم الكبير، (795]. السُّيُوبِ: هِيَ بِمَعْنَى الرِّكَازِ، وَهُوَ دَفِينُ الْجَاهِلِيَّةِ. (2/46)
صفحة 543
Jakakatakatakatakatakatakisktakiskiskisk
47
مد الإ
وَسَبَبُ الْخِلافِ: تَرَدُّدُ شَبَهِهِ بَيْنَ مَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ مِنَ الْحُبُوبِ وَالثَّمَارِ، وَبَيْنَ التَّبْرِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْمُقْتَنَاةِ لِلْمُعَامَلَةِ، فَمَنْ شَبَّهَهُ بِمَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ لَمْ
يَعْتَبِرِ الْحَوْلَ، وَمَنْ شَبَّهَهُ بِالتَّبْرِ وَالْفِضَّةِ اعْتَبَرَ الْحَوْلَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي دَفِينِ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا وَجَدَهُ إِنْسَانٌ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: إِذَا وَجَدَ فِيهِ عَلامَةَ أَهْلِ الشِّرْكِ، كَالصَّلِيبِ وَالتِّمْثَالِ، وَكَانَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ دَوَانِقَ أَخْرَجَ خُمْسَهُ إِلَى الإِمَامِ، أَوْ أَهْلِ وِلَايَتِهِ إِنْ عَدِمَ الإِمَامَ.
وَقَالَ جُمْهُورُ مُخَالِفِينَا: يُخْرِجُ الْخُمْسَ مِنْ قَلِيل الْكَيْرِ وَكَثِيرِهِ، لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْخُمْسَ يَجِبُ فِي رِكَازِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ إِذَا كَانَ جَوْهَرًا أَوْ حَدِيدًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْعُرُوضِ، فَقَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ: فِي جَمِيعِ ذَلِكَ الْخُمْسُ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ مَالِكِ وَغَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الذَّمِّيِّ وَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ يَجِدُونَ كَنَزَا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَأْخُذُهُ جَمِيعُ مَنْ لا يَأْخُذُ الْغَنِيمَةَ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ مِنْ جُمْهُورِ مُخَالِفِينَا: يَأْخُذُونَ ذَلِكَ، إِلا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُمَا، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ أَيْضًا إِذَا وُجِدَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ مِنْ دَارٍ أَوْ أَرْضِ، فَقِيلَ: هُوَ لِلْوَاجِدِ، وَقِيلَ: هُوَ لِمَالِكِ الْأَرْضِ وَالدَّارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (2/47)
صفحة 544
تواعد الان
48
بَابٌ
فِيمَنْ تَجِبُ لَهُ الزَّكَاةُ
وَالْكَلامُ فِي هَذَا الْبَابِ يَنْحَصِرُ فِي ثَلَاثَةِ قُصُولٍ):
الْفَضْلُ الأَوَّلُ: فِي عَدَدِ الأَصْنَافِ الَّذِينَ تَجِبُ لَهُمُ الزَّكَاةُ، وَهُمُ الثَّمَانِيَةُ الْمَذْكُورُونَ فِي آيَةِ الصَّدَقَةِ الَّذِينَ نَصَّ اللهُ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِ: إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ الآية (3)، وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي جُمْلَةِ مَسَائِل.
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى هَلْ يَجُوزُ أَنْ تُصْرَفَ إِلَى صِنْفِ وَاحِدٍ دُونَ سَائِرِ الْأَصْنَافِ أَمْ هُمْ شُرَكَاءُ فِيهَا؟ فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إِلَى أَنَّهُ فِي أَيِّ الْأَصْنَافِ وَضَعَهَا صَاحِبُهَا أَجْزَأَهُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ حُذَيْفَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَالضَّحَاكُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكِ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلإِمَامِ أَنْ يَصْرِفَهَا فِي صِنْفِ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ إِذَا رَأَى ذَلِكَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ، وَقَالَ آخَرُونَ:
(1) ذكر المؤلف أن هذا الباب ينحصر في ثلاثة فصول، ولكنه ذكرا فصلا واحدا فقط، ويبدو أن الفصل الثاني المسألة الثانية: في صِفَتِهِمُ الَّتِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهَا الصَّدَقَةً، والفصل الثالث: هو مسألة: فِيمَا يُعْطَى الْفَقِيرُ مِنَ
هو
الصَّدَقَة، كما سيأتي].
(1) التَّوْبَة: (60). (2/48)
صفحة 545
وَاجِبٌ عَلَيْهِ تَصْرِيفُهَا فِي الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ كَمَا سَمَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: مُعَارَضَةُ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى، فَإِنَّ لَفْظَ الْآيَةِ يَقْتَضِي الْقِسْمَةَ بَيْنَ الْجَمِيعِ، وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي أَنْ يُؤْثَرَ بِهَا أَهْلُ الْحَاجَةِ، إِذْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا سَدَّ الْحَلَّةِ، فَكَانَ تَقْدِيرُ عَدَدِهِمْ فِي الآيَةِ عِنْدَ أَصْحَابِ الْقَوْلِ الأَوَّلِ إِنَّمَا وَرَدَ لِتَمْيِيزِ الْجِنْسِ لَا لِلتَّشْرِيكِ فِي الصَّدَقَةِ، فَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ.
وَرَوَى أَصْحَابُنَا أَيْضًا أَنَّ النَّبِي فَسَّمَ صَدَقَةً أَهْلِ حَضَرَمَوْتَ عَلَى أَرْبَعَةِ رِجَالٍ، وَأَعْطَى سَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ صَدَقَةَ بَنِي زُرَيْقٍ كُلَّهَا. وَقَدِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَهُ الصَّدَقَةَ أَنْ يُعْطِيَهَا لَهُ، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ
(1) الأَصْنَافُ الَّتِي تُصْرَفُ إِلَيْهَا الزَّكَاةُ لَمْ يَرْضَ اللَّهُ فِيهَا حُكْمَ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ حَتَّى حَكَمَ فِيهَا فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، بَيْدَ أَنَّ لِلإِمَامِ أَنْ يَصْرِفَ فِي الْمِقْدَارِ الَّذِي يُصْرَفُ إِلَى كُلِّ صِنْفٍ تَبَعًا لِمَصْلَحَةِ الإِسْلامِ، وَقَدْ يَصْرِفُ زَكَاةً نَاحِيَةٍ بِأَسْرِهَا إِلَى صِنْفِ وَاحِدٍ، بَلْ رُبَّمَا مَيْزَ بِهَا أَفْرَادًا مُعَيَّنِينَ إِذَا اقْتَضَى الْأَمْرُ ذَلِكَ، كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ عَمَلِهِ صلى الله عليه وسلم وَفِيمَا سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ، عَلَى أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثَيْنِ اثْنَيْنِ لاَ إِلَى وَاحِدٍ كَمَا يُتَبَادَرُ إِلَى الْقَارِئِ بَادِئَ الرَّأْيِ، (الأول): فِي قِسْمَتِهِ صَدَقَةً أَهْلِ حَضْرَمَوْتَ عَلَى أَرْبَعَةِ رِجَالٍ، فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ عَلِيًّا بَعَثَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذَهَبًا مِنَ الْيَمَنِ، فَقَسَمَهُ عَلَى أَرْبَعَةِ رِجَالٍ: الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وَعَلْقَمَةَ، وَزَيْدِ بْنِ الْخَيْرِ، فَغَضِبَتْ قُرَيْضٌ وَقَالُوا: يُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ؟!! فَقَالَ: "إِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ أَتَأَلَّفَهُمْ، فَصَرَفَهَا بِحَالِهَا إِلَى الْمُؤَلَّفَةِ. (الثاني): فِي صَرْفِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ كُلِّهَا إِلَى سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ. رَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَأَبُو دَاوُدُ أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ قَالَ: ظَاهَرْتُ مِنَ امْرَأَتِي، إِلَى أَنْ قَالَ لَهُ الرَّسُولُ: "اذْهَبْ إِلَى عَامِل بَنِي زُرَيْقٍ فَمُرْهُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْكَ صَدَقَاتِهِمْ، فَأَطْعِمْ مِنْهَا سِتِّينَ مسْكِينًا، وَاسْتَعِنْ بِسَائِرِهَا عَلَى نَفْسَكَ وَعَلَى أَهْلِكَ، فَأَعْطَى سَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ صَدَقَةَ بَنِي زُرَيْقٍ كُلَّهَا لِيَقْضِي بِهَا مَا عَلَيْهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ وَلِيُمْسِكَ زَوْجَتَهُ لِئَلَا تَفُوتَهُ. اهـ مُصَحْحه. (2/49)
صفحة 546
نَبِي وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَةِ حَتَّى حَكَمَ فِيهَا، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءِ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ حَقَّكَ (1)، وَاللهُ أَعْلَمُ.،
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ [وَهِيَ الفصل الثاني]): فِي صِفَتِهِمُ الَّتِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهَا الصَّدَقَةَ وَيُمْنَعُونَ بِأَضْدَادِهَا، وَهِيَ بِالْجُمْلَةِ: الإِسْلَامُ وَالْفَقْرُ؛ لأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الذَّمِّي لا يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ شَيْئًا، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم "أُمِرْتُ أَنْ أَخُذَهَا مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ وَأَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِكُمْ (3)، فَصَرْفُهَا إِلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ لِعُمُومِ الْخِطَابِ فِي الْكَافِ وَالْمِيمِ، وَأَمَّا الْفَقْرُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ
(4)
وَاخْتَلَفُوا فِي الْغَنِيُّ الَّذِي لا يَجُوزُ لَهُ أَخُذُ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تُعْطَى لِلأَغْنِيَاءِ جُمْلَةٌ، إلا لِلْخَمْسَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِمْ فِي السُّنَّةِ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٌّ إِلا لِخَمْسَةٍ: عَامِل عَلَيْهَا، أَوْ مُشْتَرِيهَا، أَوْ مَنْ أُهْدِيَتْ لَهُ، أَوْ غَارِم،
(0) 11
أَوْ غَازِ فِي سَبِيلِ اللهِ ()، وَقَالَ آخَرُونَ لا تُعْطَى لِغَنِيٌّ أَصْلاً، مُجَاهِدًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُجَاهِدٍ، عَامِلاً كَانَ أَوْ غَيْرَهُ. وَالَّذِينَ أَجَازُوهَا لِلْعَامِلَ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا أَجَازُوهَا لِلْقُضَاةِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ مِمَّنْ بِهِ الْمَنْفَعَةُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ فَالْقِيَاسُ عِنْدَهُ لَا تَجُوزُ لِغَنِي أَصْلاً.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: هَلِ الْعِلَّةُ فِي إِيجَاب الصَّدَقَةِ لِلأَصْنَافِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْحَاجَةُ فَقَط أَوِ الْحَاجَةُ وَالْمَنْفَعَةُ؟ وَاللهُ أَعْلَمُ.
(1) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. (1) [يبدو أن هذه المسألة. هي (1) تَقَدَّمَ.
الفصل الثاني لهذا الباب، كما ذكر المؤلف أن لهذا الباب ثلاثة فصول].
(1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا.
(1) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَةَ بِزِيَادَةٍ فِي آخِرِهِ: "أَوْ مِسْكِينٍ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا فَأَهْدَى مِنْهَا
لِغَني". (2/50)
صفحة 547
قواعد الإسا
وَالصِّفَاتُ الْمُبِيحَةُ لأَخْذِ الزَّكَاةِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَرْبَعُ، وَهِيَ الْفَقْرُ، وَالإِسْلامُ - كَمَا قَدَّمْنَا - وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْعَدَالَهُ.
أَمَّا الْفَقْرُ فَهُوَ وَصْفٌ مُبِيحٌ لَأَخْذِ الزَّكَاةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي ضِدِّهِ مِنَ الْغِنَى الَّذِي يَمْنَعُ الزَّكَاةَ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ الْقُوَّةُ الَّتِي يَقْدِرُ بِهَا عَلَى الاكْتِسَابِ، لِقَوْلِ النَّبِي الله: "لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٌّ وَلا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٌّ ((1)، وَهُوَ الْقَوِيُّ الْمُحْتَرِفُ، وَقَالَ آخَرُونَ مَنْ لَمْ يَمْلِكُ مِائَتَي دِرْهَم فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الزَّكَاةَ، وَلِلْمُعْطِي أَنْ يُعْطِيَهُ، قَوِيًّا مُكْتَسِبًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُكْتَسِ وَلاَ قَوِيّ، وَالْقَوْلُ الأَوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِ الشَّافِعِيُّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي نَوْرٍ وَغَيْرِهِمْ؛ لأَنَّ الْغَنِي عِنْدَ الشَّافِعِي أَقَلُّ مَا يُطَلَقُ عَلَيْهِ الاسْمُ، وَحُكِي عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: يَكُونُ الرَّجُلُ بِالدِّرْهَم غَنِيًّا مَعَ كَسْبِهِ، وَلَا يُغْنِيهِ الْأَلْفُ مَعَ ضَعْفٍ فِي نَفْسِهِ وَكَثْرَةِ عِبَالِهِ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَرَكَةَ الْعُمَانِيُّ ()، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِلْقَوِيِّ الْمُحْتَرِفِ إِذَا كَانَ مُتَأَثَّلاً بِهَا مَالاً، أَيْ: جَامِعًا لَهُ، وَأَمَّا إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ أَوْ مَعِيشَةٍ فَلا بَأْسَ، وَقِيلَ: لاَ يَأْخُذُهَا مَنْ لَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمَا، وَقِيلَ: ثَلَاثُونَ، وَأَحْسَبُهُ أَنَّهُ قَوْلُ الرَّبيع الله، وَقِيلَ: لاَ يَأْخُذُهَا مَنْ لَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا ذَهَبًا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، وَأَظُنُّهُمُ احْتَجُوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ: "مَنْ سَأَلَ عَنْ ظَهْرِ غِنِّى جَاءَتْ مَسْأَلَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُدُوشًا أَوْ خُمُوشًا أَوْ كُدُوحًا فِي وَجْهِهِ، قِيلَ: وَمَا حَدُّ الْغِنَى؟ قَالَ: خَمْسُونَ دِرْهَمَا أَوْ عِدْلُهَا ذَهَبًا (3)، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ
(1) [رواه الربيع، باب من تكره له الصدقة والمسألة، (356]. (1) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ. (2) [رواه ابن ماجه باب من سأل عن ظهر غنى، ر 1840]. (2/51)
صفحة 548
لَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمَا فَهُوَ غَنِيٌّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَأَظُنُّ حُجَّتَهُمْ قَوْلَهُ: "مَنْ سَأَلَ وَمَعَهُ أُوتِيَّةٌ فَقَدْ سَأَلَ النَّاسَ إِلْحَافًا (1)، وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَنْ لَهُ مَالٌ يُؤَدِّي عَنْهُ الزَّكَاةَ فَلَا يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ إِلَّا إِذَا كَانَ مدْيَانًا، لِقَوْلِ النَّبِيِّ: "أُمِرْتُ أَنْ أَخُذَهَا مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ .... " الْحَدِيث (3)، وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يَكْفِيهِ هُوَ وَعِيَالَهُ نَفَقَتَهُمْ وَكِسْوَتَهُمْ وَمُؤْؤنَتَهُمْ إِلَى الْحَوْلِ فَهُوَ فَقِيرٌ يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ، وَيَشْهَدُ بِصِحَتِهِ الْخَبَرُ، وَهَذَا إِذَا كَانَ عِنْدَهُ فِي جَمِيعِ مَا جَرَى عَلَيْهِ مِلْكُهُ مَا لَوْ بَاعَهُ فَاتَهُ سَنَةٌ، مَا خَلاَ بَيْتًا يَسْكُنُهُ وَخَادِمًا يَخْدُمُهُ، وَقَالَ مَنْ قَالَ: لا يُنظَرُ فِي ذَلِكَ إِلَى قِيمَةِ الْمَمْلُوكَاتِ الَّتِي لا يُسْتَغْنَى عَنْهَا، مِثْلِ الْبَيْتِ وَالدَّارِ وَالْخَادِمِ وَالدَّابَّةِ وَالأَصْل الَّذِي لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَيْسَ لِلْغَنِي حَدٌ يُوقَفُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ إِلَى
لاجْتِهَادِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ الْمَدَنِيُّ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَالُوهَا مِنْ طَرِيقِ الْاجْتِهَادِ وَمَفْهُومِ الْآثَارِ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ فِي ذَلِكَ هَلَ الْغِنَى الْمَانِعُ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ هُوَ مَعْنَى شَرْعِيٌّ أَوْ مَعْنَى لُغَوِيٌّ؟ فَمَنْ قَالَ: مَعْنِّى شَرْعِيٌّ، قَالَ: هُوَ وُجُودُ النِّصَابِ الْمَشْرُوعَةِ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ مَعْنَى لُغَوِيٌّ، اعْتبَر فِي ذَلِكَ أَقَلَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الاسْمُ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَجَمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِيمَنْ يَأْخُذُ الزَّكَاةَ، لاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهَا لا تُعْطَى لِلْعَبِيدِ.
(1) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِي.
(1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. (2/52)
صفحة 549
وَأَمَّا الْعَدَالَةُ فِيهَا فَمَشْرُوطَةٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا دُونَ غَيْرِهِمْ، فَلَا تُدْفَعُ الزَّكَاةُ
عِنْدَهُمْ إِلا لِلْمُتَوَلَّي، رُوِيَ ذَلِكَ فِي جَوَابَاتِ الإِمَامِ أَفْلَحَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمُ اللهُ، وَلا تُدْفَعُ لِصَاحِبِ كَبِيرَةٍ عِنْدَهُمْ، وَأَمَّا ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَشُعَيْبٌ فَرُوِيَ عَنْهُمَا أَنَّ الصَّدَقَةَ لِلْفُقَرَاءِ عَامَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مُسْلِمِينَ كَانُوا أَوْ مِنْ قَوْمِنَا، تُؤْخَذُ مِنْهُمْ وَتُوضَعُ فِيهِمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تُعْطَى إِلَّا لِلْمُتَوَلَّي، وَلَا تُؤْخَدُ إِلا مِنَ الْمُتَوَكَّي وَمَنْ لَا يَعْلَمُ خِلافَكَ لَهُ، وَقَالَ ضِمَامُ بْنُ السَّائِبِ (1): لَا بَأْسَ فِي أَخْذِهَا مِنْ أَهْلِ الْخِلافِ إِذَا عَلِمُوا خِلَافَكَ، وَعَنْهُ أَيْضًا: فَلَا بَأْسَ أَنْ تَضَعَ بَعْضَ زَكَاتِكَ فِي أَرْحَامِكَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَوْمِنَا، وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَقُولُ: لَا تُعْطِهِمْ شَيْئًا، وَلَا تَأْخُذُوهَا مِنْهُمْ، وَفِي جَوَابَاتِ أَبِي الْمُؤَكِّرِ قَالَ: الْفَقِيرُ الْفَاسِقُ مِنْ أَهْلِ دَعْوَةِ الْمُسْلِمِينَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْفِقْهِ مِنْ قَوْمِنَا (3)، قَالَ: لَأَنَّهُ لَا يَسْتَوِي مَنْ يَدِينُ بِوِلَايَةِ الْمُسْلِمِينَ وَمَحَبَّتِهِمْ وَالاعْتِرَافِ بِفَضْلِهِمْ وَمُقِرٌّ بِحُرْمَةِ مَا يَرْتَكِبُهُ، وَمَنْ يَدِينُ بِتَضْلِيلِ الْمُسْلِمِينَ وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُمْ، لَا حَقَّ لِهَؤُلَاءِ فِي صَدَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَعَمْرِي لَكَذَلِكَ، وَقَالَ قَوْمٌ: إِذَا كَانَتْ دَعْوَةُ الْمُسْلِمِينَ ظَاهِرَةً يُدْفَعُ ثُلُثُ الزَّكَاةِ إِلَى جَمِيعِ الْفُقَرَاءِ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَإِنْ كَانَتْ مَقْهُورَةٌ لَمْ تُدْفَعِ الزَّكَاةُ إِلا
لأَهْلِ الْمُوَافَقَةِ، وَلَا تُدْفَعُ إِلَى مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَتَقَوَّى بِهَا عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ.
(1) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ.
(1) هَذَا الْقَوْلُ قَدْ قِيلَ فِيمَا يَبْدُو تَحْتَ تَأْثِيرِ البِيئَةِ الَّتِي كَانَ يَعِيشُ فِيهَا يَوْمَئِذٍ، وَمَا كَانَ يُلاقِيهِ هُوَ وَأَمْثَالُهُ مِنْ سُوءِ الْمُعَامَلَةِ، فَقَدْ عَاشَ فِي حِقْبَةٍ مُنِي فِيهَا عُمَانُ بِفِتْنَةِ الْقَرَامِطَةِ الْمُلْحِدِينَ الْمَارِقِينَ مِنَ الدِّينِ اسْتَفْحَلَتْ نَزْعَتُهُمْ، وَاشْتَدَّتْ وَطَأَتُهُمْ، فَعَانُوا فِيهِ فَسَادًا، وَذَاقَ أَهْلُهُ مِنْهُمُ الأَمَرَّيْنِ، فَلا جَرَمَ أَنْ يَكُونُوا هُمُ الْمَعْنِينَ بِهَذِهِ الْقَوْلَةِ، ثُمَّ لَا جَرَمَ أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى أَحَدٍ هَؤُلَاءِ الْمَارِقِينَ، وَفِيهِمْ ذُو الْفَضْلِ وَالْفِقْهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ فَاسِفًا مِنْ أَهْلِ الدَّعْوَةِ، بَيْدَ أَنَّ كَلِمَتَهُ تَعُمُّ وَلَا تَخُصُّ هَؤُلَاءِ الْمُبْتَلَى بِهِمْ، فَلَيْسَ كُلُّ مُخَالِفَ كَذَلِكَ، وَأَنَّ فِيهِمْ مُحَافِظِينَ وَرِعِينَ لَا يَقْصِدُونَ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مُحَادَّةَ غَيْرِهِمْ وَلَا تَخْطِئَتَهُ. أَفَتُفَضَّلُ عَلَيْهِمْ فِي اسْتِحْقَاقِ الزَّكَاةِ فَاسِقًا فَاجِرًا يُحَارِبُ الله رَسُولَهُ وَإِنِ انْتَسَبَ إِلَيْنَا زُورًا؟ كَلاا اهـ مُصَححه. (2/53)
صفحة 550
د الإس
مَسْأَلَة [وَهِيَ الفضلُ الثَّالِثُ]: وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يُعْطَى الْفَقِيرُ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: لَا يُجَاوِزُ خَمْسِينَ دِرْهَمَا، إِلا أَنْ يَكُونَ غَارِمًا، وَقِيلَ: يُعْطِيهِ مَا يَكْفِيهِ مِنَ الثَّمَرَةِ إِلَى الثَّمَرَةِ، وَقِيلَ: حَتَّى تَبْقَى مَعَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمَا، وَقِيلَ: يُعْطَى مَا يَبْتَاعُ بِهِ خَادِمًا إِذَا كَانَ ذَا عِيَالٍ وَكَانَتِ الزَّكَاة كَثِيرَةٌ، وَقِيلَ: مَوْكُولٌ إِلَى النَّظَرِ وَالاجْتِهَادِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَكَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ يُعْطَى مِقْدَارَ النَّصَابِ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَأَمَّا الْغَارِمُ فَإِنَّهُ يُعْطَى عَلَى قَدْرِ دَيْنِهِ إِذَا كَانَ فِي طَاعَةٍ وَفِي غَيْرِ سَرَفٍ، بَلْ فِي أَمْرِ ضَرُورِيٌّ، وَكَذَلِكَ ابْنُ السَّبِيلِ يُعْطَى مَا يَحْمِلُهُ إِلَى بَلَدِهِ، وَالْغَازِي مَا يَحْمِلُهُ إِلَى مَغْزَاهُ، وَأَمَّا الْعَامِلُ فَيُعْطَى بِقَدْرِ مَا يَرَى الْإِمَامُ، وَقِيلَ: مِقْدَارُ عَمَلِهِ، وَقِيلَ: يُعْطَى الشَّمْنَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي إِعْطَاءِ الزَّكَاةِ فِي الْحَجِّ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ وَابْنِ عُمَرَ جَوَازُ ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْحَجُّ مِنْ سَبِيلِ اللهِ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ أَنَّهُمَا قَالَا: لا يُعْطَى مِنْهَا فِي الْحَجِّ وَلَا فِي الْعُمْرَةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِيهَا هَلْ تُعْطَى فِي دَيْنِ مَيِّتِ؟ فَقَالَ النَّخَعِيُّ وَغَيْرُهُ: لا تُعْطَى فِي دَيْنِ مَيِّتٍ وَلَا فِي كَفَنِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُعْطَى فِي دَيْنِهِ؛ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِلْغَارِمِينَ فِيهَا سَهْمًا. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ لا تُعْطَى لِغَنِي وَلَا بِنَاءِ مَسْجِدٍ وَلَا فِي شِرَاءِ مُصْحَفِ، وَبِهَذَا الْقَوْلِ يَقُولُ أَصْحَابُنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَة [في دَفْعِ الزَّكَاةِ إِلى مَنْ لَهُ دَارٌ وَخَادِمٌ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُمَا]: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَهُ دَارٌ وَخَادِمٌ
(1) [يبدو أن هذه المسألة هي الفصل الثالث لهذا الباب، كما ذكر المؤلف أن لهذا الباب ثلاثة فصول]. () مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا جَوَازُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ فَرِيضَةً، أَمَّا النَّافِلَةُ فَلاً، وَبِالأَوْلَي تُعْطَى لِمَنِ افْتَقَرَ وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُ أَيَّامَ غِنَاهُ وَلَمْ يَحُجَّ. (2/54)
صفحة 551
لا يَسْتَغْنِي عَنْهُمَا أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاةِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَكَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَقُولُ: إِذَا كَانَتْ دَارٌ لَيْسَ فِي ثَمَنِهَا فَضْلُ إِنْ بِيعَتْ وَاشْتَرَى فِي ثَمَنِهَا دَارًا، وَيَفْضِلُ مِنْ ثَمَنِهَا مَا لَا يَعِيشُ بِهِ، رَأَيْتُ أَنْ يُعْطَى الزَّكَاةَ، وَإِنْ كَانَ فِي ثَمَنِهَا مَا يَشْتَرِي مَسْكَنًا وَيَفْضِلُ مِنْهُ مَا يَعِيشُ بِهِ لَمْ يُعْطَ شَيْئًا، وَاللهُ أَعْلَمُ.
6
(1)
مَسْأَلَةٌ [في دفع الزكاة إلى الوالدين والأولاد والأقارب]: قَالَ أَبُو بَكْرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تُدْفَعُ إِلَى الْوَالِدَيْنِ وَلَا إِلَى الْأَوْلَادِ فِي الْحَالِ الَّذِي يُجْبَرُ الْوَالِدُ عَلَى نَفَقَتِهِمْ (2)، وَاخْتَلَفُوا فِي سَائِرِ الْقَرَابَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ يُجْبَرُ الْمَرْءُ عَلَى نَفَقَتِهِ لاَ يُعْطَى شَيْئًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ أَنَّهُمَا قَالَا: تُدْفَعُ إِلَى قَرَابَةِ الرَّجُلِ الْمُحْتَاجِينَ إِلَيْهَا، وَبِهَذَا يَقُولُ أَصْحَابُنَا، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَطَاوُسٌ: لا يُعْطَى ذُو قَرَابَةٍ لِقَرَابَتِهِ مِنَ الزَّكَاةِ شَيْئًا، وَقَالَ النُّعْمَانُ: يُعْطِي الرَّجُلُ زَكَاتَهُ كُلَّ فَقِيرِ، إِلَّا امْرَأَتَهُ وَوَلَدَهُ وَوَالِدَيْهِ وَزَوْجَتَهُ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْطِي زَوْجَتَهُ شَيْئًا، وَاخْتَلَفُوا فِيهَا هِيَ، فَقِيلَ: تُعْطِي زَوْجَهَا زَكَاتَهَا، وَقِيلَ: لَا تُعْطِيهِ شَيْئًا، وَالأَصَحُ أَنَّهَا تُعْطِيهِ؛ لأَنَّهُ دَاخِل فِي جُمْلَةِ الْفُقَرَاءِ، وَلِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِزَوْجَتِهِ: " ضَعِيهِ فِي وَفِي بَنِي فَإِنَّا لَهُ مَوْضِع "، فَسَأَلْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "صَدَقَ، ضَعِيهِ فِيهِ وَفِي بَنِيهِ (3)، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(1) أَمَّا الْوَالِدُ فَعَلَى إِطْلَاقِهِ، وَأَمَّا الْوَالِدَةُ فَيَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ لَهَا الزَّكَاةَ إِذَا كَانَتْ فَقِيرَةٌ وَكَانَتْ تَجِبُ عَلَى زَوْجِ فَقِير لأَنَّهُ لَمْ تَرْجِعْ إِلَيْهِ نَفَقَتُهَا. وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَالِدَيْنِ وَالأَوْلَادِ مَنْ كَانَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، فَيُعْطِيهَا لِجَدِّهِ وَجَدَّتِهِ وَبَنِي بَنِيهِ الْأَطْفَالِ قَوْلاً وَاحِدًا.
(1) [الإجماع، كتاب الزكاة، 48/ 1]
(1) رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ زَيْنَبَ امْرَأَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدُهُ أَحَقُّ مَنْ (2/55)
صفحة 552
مَسْأَلَةٌ فِي نَقل الصَّدَقَةِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدِ]: وَاخْتَلَفُوا فِي نَقْلِ الصَّدَقَةِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، فَاسْتَحَبَّ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنْ لا تُنْقَلَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالنَّخَعِي وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَكْثَرِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَإِنْ فَرَّقَهَا عِنْدَهُمْ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ فَهُوَ جَائِزٌ فِي قَوْلِ اللَّيْثِ بْنِ سَعِيدٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ رَدَّ زَكَاةً أُوتِي بِهَا مِنْ خُرَاسَانَ إِلَى الشَّامِ فَرَدَّهَا إِلَى خُرَاسَانَ، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيٌّ أَنَّهُمَا كَرِهَا نَقْلَ زَكَاةٍ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ إِلَّا لِذِي قَرَابَةٍ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّهُ كَانَ يَبْعَثُ زَكَاةَ مَالِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَظُنُّ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ عَابَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا فِي أَثَرِ أَصْحَابِنَا أَبِي الْمُؤَفِّرِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ فُقَرَاءُ فَسَاقٌ مِنْ أَهْل الدَّعْوَةِ، وَفِي غَيْرِهِ قَرِيبًا مِنْهُ أَهْلُ وَلَآيَةٍ، أَتُدْفَعُ الزَّكَاةُ إِلَى فُسَّاقِ الْبَلَدِ أَمْ تُنْقَلُ إِلَى أَهْلِ الْوَلايَةِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْبَلَدِ؟ فَقَالَ: الَّذِي نَرَى أَنَّ الْفُقَرَاءَ مِنْ أَهْلِ الدَّعْوَةِ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ أَحَقُّ بِهَا، حَتَّى يَسْتَغْنَوْا لَوْ كَانُوا فَسَاقًا، وَلَا تُدْفَعُ إِلَى غَيْرِهِمْ وَهُمْ مُحْتَاجُونَ (1)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ فِي الدَّيْنِ يَكُونُ لِلرَّجُلِ عَلَى الْمُعْسِرِ، هَلْ يَحْسِبُهُ عَلَيْهِ فِي الزَّكَاةِ]: وَاخْتَلَفُوا فِي الدَّيْنِ يَكُونُ لِلرَّجُلِ عَلَى الْمُعْسِرِ، هَلْ يَحْسِبُهُ عَلَيْهِ فِي الزَّكَاةِ؟ فَأَجَازَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدِ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الرَّأْيِ، قَالُوا: وَإِنْ قَضَاهُ ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ، وَاخْتَلَفُوا تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ: صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ عَلَيْهِمْ. قَالَ الْمُحَنِّي هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ سُؤَالِ الزَّكَاةِ لِمَنْ كَانَ فَقِيرًا. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي زَكَاةِ الإِبِلِ: فَمَنْ سَأَلَهَا عَلَى وَجْهِهَا يُعْطَاهَا، وَمَنْ سَأَلَهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا لَا يُعْطَاهَا، مَعَ أَنْ سُؤَالَ الزَّكَاةِ فِي الإِسْلَامٍ شَيْنٌ (1) ذَلِكَ فِي زَمَانِ الْكِثْمَانِ، أَمَّا فِي زَمَانِ الظَّهُورِ فَأَمْرُ ذَلِكَ إِلَى الإِمَامِ، وَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يُفَرِّقَ زَكَاتَهُ بِنَفْسِهِ إِلَّا إِنْ أَذِنَ لَهُ الإِمَامُ. (2/56)
صفحة 553
فِي الْفَقِيرِ يُعْطِيهِ الرَّجُلُ عَلَى ظَاهِرِ الْفَقْرِ ثُمَّ يَسْتَبِينُ غِنَاهُ، فَقِيلَ: يُجْزِيهِ، وَلَاَ يَضْمَنُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدِ، وَبِهِ قَالَ النُّعْمَانُ، وَقَالَ غَيْرُ
صَالِحٍ
هَؤُلَاءِ: لا يُجْزِيهِ، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَاللهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ في أَخْذِ الزكاةِ مِنَ الأَمْلاكِ النَّاقِصَةِ وَالْأَمْوَالِ الْمُحْبَسَةِ وَالْعَبِيدِ وَأَهْل الذَّمَّةِ وَالْيَتَامَى والأطفالِ]: اتَّفَقَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ فِيمَا وَجَدْتُ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ تُؤْخَذُ مِنْ مُلاكِ الأَمْوَالِ الْوَاجِبَةِ فِيهَا إِذَا كَانُوا أَحْرَارًا مُسْلِمِينَ ذَوِي عُقُولٍ بَالِغِينَ، وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ أَخْذِهَا مِنَ الأَمْلاكِ النَّاقِصَةِ وَالْأَمْوَالِ الْمُحْبَسَةِ وَالْعَبِيدِ الْمُسَخَّرَةِ وَأَهْل الذَّمَّةِ وَالْيَتَامَى وَذَوِي الطُّفُولِيَّةِ. أَمَّا الأَمْلاكُ النَّاقِصَةُ: فَهِيَ أَمْوَالُ مَنْ لَهُ الدُّيُونُ وَأَمْوَالُ مَنْ هِيَ فِي ذِمَّتِهِ، أَمَّا مَنْ لَهُ الدُّيُونُ عَلَى النَّاسِ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهَا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُؤَدِّي عَلَيْهَا الزَّكَاةَ صَاحِبُهَا وَلَوْ لَمْ تُقْبَضْ إِذَا كَانَتْ حَالَّةٌ، وَهَذَا فِي دُيُونِ النَّصِّ خَاصَّةٌ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا زَكَاةَ فِيهَا إِلَّا بَعْدَ قَبْضِهَا مَعَ اسْتِكْمَالِ الْحَوْلِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدٍ قَوْلَيْهِ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعِيدٍ أَوْ قِيَاسُ قَوْلِهِ وَقِيلَ: إِذَا قَبَضَهُ زَكَّاهُ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ قَامَ عِنْدَ الْمَدْيَانِ سِنِينَ إِذَا كَانَ أَصْلُهُ مِنْ عِوَضِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ عِوَضِ
مِثْلُ الْمِيرَاثِ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِهِ الْحَوْلَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا الأَمْوَالُ الْمُحْبَسَةُ: أَصْلُهَا فَكُ الْحَوَائِطِ الْمَوْقُوفَةِ لِسَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي زَكَاةِ مَا يُخْرَجُ مِنْهَا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا زَكَاةَ فِيهَا أَصْلَا، وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ وَعَطَاءُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدِ: إِنْ كَانَتْ صَدَقَةٌ عَلَى أَهْلِ الْحَاجَةِ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ فَفِيهَا الزَّكَاةُ، وَقَوْمٌ أَوْجَبُوا فِيهَا الزَّكَاةَ إِذَا كَانَ فِيهَا مِقْدَارُ النَّصَابِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكِ وَالشَّافِعِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (2/57)
صفحة 554
اعد الإسلام
وَأَمَّا الْعَبِيدُ: فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: أَنْ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ أَصْلاً، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالزُّهْرِيِّ
وَقَتَادَةَ وَمَالِكِ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَالثَّانِي: أَنَّ زَكَاةَ مَالِ الْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَ جُمْهُورِ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ وَأَهْلِ الرَّأْيِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَأَوْجَبَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى عَلَى الْعَبْدِ فِي مَالِهِ الزَّكَاةَ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا وَعَطَاءٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظاهِرِ، وَاخْتَلَفُوا فِي زَكَاةِ مَالِ الْمُكَاتِبِ، فَقَالَ أَكْثَرُ مُخَالِفِينَا: لَيْسَ فِيهِ زَكَاةٌ حَتَّى يُعْتَقَ عَلَى أَصْلِهِمْ فِيهِ أَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمْ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ كَمَا تَجِبُ عَلَى الْحُرِّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَلَى أَصْلِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا فِيهِ أَنَّهُ حُرٌّ عِنْدَ وُقُوعِ الْكِتَابَةِ، وَهُوَ فِيمَا عَلَيْهِ غَرِيمٌ مِنَ
الْغُرَمَاءِ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: هَلْ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْمُكَلَّفِينَ مِنَ الْأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ أَمْ يَتَنَاوَلُ الأَحْرَارَ فَقَطْ؟ وَحُجَّةُ مَنْ أَوْجَبَ زَكَاتَهُ عَلَى سَيّدِهِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، وَلأَنَّهُ مَالٌ، وَالْمَالُ لَا يَمْلِكُ مَالاً، وَقَوْلُ النبي: "مَنْ بَاعَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ (2) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ
(1).
لا يَمْلِكُ، وَالزَّكَاةُ إِنَّمَا هِيَ حَقٌّ وَاجِبٌ فِي الْمَالِ، لَا عَلَى الْبَدَنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا زَكَاةُ الْيَتَامَى وَالصَّغَارِ: فَاخْتَلَفُوا فِيهَا، فَقَالَ قَوْمٌ: الزَّكَاةُ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَاجِبَةٌ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَعَلِيٌّ وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَعَطَاءٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَمُجَاهِدٍ وَابْنِ سِيرِينَ وَعَامَّةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا، وَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ فِيهِ الزَّكَاةُ أَصْلاً، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَأَبِي وَائِلِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: لاَ يُزَكِّي حَتَّى يُحْصِيَ الصَّلَاةَ وَيَصُومَ
(1) النَّحْل: (75).
(1) [رواه أبو داود، باب في العبد يباع وله مال، ر 4335]. (2/58)
صفحة 555
شَهْرَ رَمَضَانَ، وَقَالَ قَوْمٌ: الزَّكَاةُ فِي مَالِهِ، وَلَكِنْ لَا يُخْرِجُهَا الْوَصِيُّ حَتَّى يَبْلُغَ فَيُزَكِّي عَنْ نَفْسِهِ، رُوِيَ هَذَا عَنِ الأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرِهِ، وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ مَا تُخْرِجُهُ الأَرْضُ مِنْ مَالِهِ وَمَا لاَ تُخْرِجُهُ الأَرْضُ مِنَ النَّضٌ وَالْمَاشِيَةِ، فَقَالُوا: عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِيمَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ دُونَ مَا سِوَاهُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَفَرَّقَ آخَرُونَ فَقَالُوا: عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، إِلَّا فِي النَّضٌ وَمَا خَفِيَ مِنْ مَالِهِ، رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ فِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ عَلَى الْيَتِيمِ أَوْ إِسْقَاطِهَا عَنْهُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ الزَّكَاةِ الشَّرْعِيَّةِ، هَلْ هِيَ عِبَادَةٌ كَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ أَوْ حَقٌّ لِلْفُقَرَاءِ؟ فَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا عِبَادَةٌ اشْتَرَطَ فِيهَا الْبُلُوغَ وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا حَقٌّ لِلْفُقَرَاءِ لَمْ يَشْتَرِطِ الْبُلُوغَ فِيهَا، وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ النَّضٌ وَغَيْرِهِ فَلَا أَعْلَمُ لَهُ حُجَّةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَالِ الطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ وَغَيْرِهِمْ، لِعُمُومِ الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ: "أُمِرْتُ أَنْ أَخُذَهَا مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ"، وَتُوضَعُ فِي هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لِقَوْلِهِ: "وَأَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِكُمْ، إِلَّا أَنَّهُمُ اشْتَرَطُوا فِي الأَطْفَالِ وِلايَةَ آبَائِهِمْ، وَتُوضَعُ فِي أَيْتَامِهِمْ بِوَاسِطَةِ الْخَلَائِفِ
وَالْأَوْصِيَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) تَقَدَّمَ. (2/59)
صفحة 556
قواعد الان
الفصلُ السَّادِسُ
فِي سِيرَةِ تَفْرِيقِ الزَّكَاةِ عَلَى أَهْلِهَا فِي الظُّهُورِ وَالْكِتْمَانِ
قَالَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنْ أَصْحَابِنَا إِذَا كَانَ إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ ظَاهِرًا فَأَمْرُ الصَّدَقَاتِ إِلَيْهِ، يَبْعَثُ عُمَّالَهُ إِلَى الأَنْصَارِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِنْ سِنِينِ الْقَمَرِ، فَيَجْبُونَ الزَّكَاةَ مِنْ أَغْنِيَاءِ الرَّعِيَّةِ الَّذِينَ حَمَاهُمْ مِنَ الظَّلْمِ، وَأَجْرَى حُدُودَ اللَّهِ فِيهِمْ وَعَلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانَ الإِمَامُ مُسْتَغْنِيَا عَنِ الزَّكَاةِ قَسَّمَ فِيهِمُ الْعُمَّالُ صَدَقَةَ كُلِّ بَلَدٍ فِي فُقَرَاءِ أَهْلِهِ مِنْ مُوَافِقٍ وَمُخَالِفٍ، يُعْطُونَ لِكُلِّ فَقِيرِ قَدْرَ مُؤْنَةٍ سَنَةٍ مِنَ الْكِسْوَةِ وَالنَّفَقَةِ اقْتِصَادًا مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ، وَإِنْ فَضَلَ مِنَ الصَّدَقَةِ شَيْءٌ قَسَمُوهُ فِي أَقْرَبِ الْقُرَى إِلَيْهِمْ، وَلَا يُعْطَى لِلْفَقِيرِ أَكْثَرُ مِنْ مَؤُونَةِ سَنَةٍ، إِلَّا إِنْ كَانَ مِدْيَانًا فَيُقْضَى
دَيْنَهُ، أَوْ مُحْتَاجًا إِلَى التَّزْوِيجِ فَيُعْطَى مَا يَتَزَوَّجُ بِهِ بِالنَّظَرِ وَالاجْتِهَادِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُفَرِّقُ الْعَامِلُ ثُلُثَ الصَّدَقَةِ فِي كُلِّ بَلَدٍ جُبِيَتْ مِنْهُ عَلَى
فُقَرَائِهِمْ، وَيُرْجِعُ ثُلُثَيْهَا إِلَى بَيْتِ الْمَالِ فَتُوضَعُ لِأَهْلِهَا.
وَإِنْ كَانَ الإِمَامُ مُحْتَاجًا إِلَى جَمِيعِهَا فِي عِزّ الدَّوْلَةِ وَمَصَالِحِ الإِسْلَامِ أَخَذَهَا كُلَّهَا، وَإِلا فَرَّقَهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَيُفَضِّلُ ذَا الْفَضْلِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْعَجُوزَ (2/60)
صفحة 557
61
وَالضَّعِيفَ وَأَهْلَ الْفِقْهِ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى، وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مُحْتَاجًا فَرَضَ لَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْهَا عَلَى قَدْرِ مَؤُونَتِهِ هُوَ وَعِيَالُهُ إِلَى الْحَوْلِ بِالنَّظَرِ وَالاجْتِهَادِ. قَالُوا: وَإِنْ عُدِمَ الإِمَامُ فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقِيمُوا لأَنْفُسِهِمْ حَاكِمًا أَفْضَلَهُمْ وَرَعًا وَأَكْثَرَهُمْ فِقْهَا وَعِلْمًا، فَيُسْنِدُونَ إِلَيْهِ أُمُورَ الإِسْلامِ مِنْ فُتْيَا النَّوَازِلِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِ الإِسْلَامِ وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ، فَيَدْفَعُونَ إِلَيْهِ زَكَاتَهُمْ.
وَاخْتَلَفُوا فِيهِمْ إِذَا دَفَعُوهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُ: هُمْ بُرَأَئُ مِنْهَا، وَقَالَ آخَرُونَ: لَمْ يَبْرَزُوا مِنْهَا حَتَّى يَضَعَهَا فِي الْمُسْتَحِفِّينَ مِنْ أَهْلِهَا؛ لأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ، قَالُوا: وَلَاَ يَأْخُذُهَا إِلا مِنْ أَهْل وِلايَتِهِ، وَلاَ يَضَعُهَا إِلا فِي أَهْلِ وِلَايَتِهِ أَيْضًا، وَهَذَا عِنْدِي حَرَجٌ وَتَضْسِيقٌ، وَالَّذِي أَرَى - وَاللهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ إِذَا حُصِّلَتْ عِنْدَهُ هُوَ النَّاظِرُ فِيهَا يَضَعُهَا فِي ذَوِي الْحَاجَةِ مِنَ الْمُتَعَلِّمِينَ مِنْهُ، مِمَّنْ لَا يَطَّلِعُ لَهُ عَلَى كَبِيرَةٍ، وَذَوِي الْفَاقَةِ مِنْ أَهْلِ وِلايَتِهِ وَغَيْرِهِمْ، وَلاَ يَجْعَلُهَا طَعَامًا يَأْكُلُهَا الْمُتَعَلَّمُونَ مِنْهُ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ عَوَّامِ النَّاسَ، وَيَصْرِفُ مَا فِي يَدِهِ مِمَّا يُرْفَعُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَمْوَالِ مِنْ وُجُوهِ الْوَصَايَا وَالصَّدَقَاتِ الْمُتَطَوَّعِ بِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ فِي إِحْيَاءِ الإِسْلَامِ وَالْمُدَارَاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِهِ، وَفِي ذَوِي الْفَاقَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ عَوَامُ النَّاسِ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى، وَإِنْ كَانَ الْقَائِمُ بِذَلِكَ فَقِيرًا نَظَرَ لَهُ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الْعِلْمِ فِي نَفَقَتِهِ وَمَؤُونَتِهِ مِمَّا فِي يَدِهِ عَلَى قَدْرِ مَا رَأَوْا، وَمَا بَقِيَ فِي يَدِهِ بَعْدَ مُؤْنَتِهِ مِنْ جَمِيعِ تِلْكَ الأَمْوَالِ الْمَجْمُوعَةِ إِلَيْهِ فَمَصْرُوفٌ فِي أَهْلِهِ عَلَى الأَسْلُوبِ الَّذِي قَدَّمْنَا؛ لأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَالٍ لِلْقَيِّمِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَالُ اللَّهِ يُصْرَفُ فِي سَبِيلِ طَاعَتِهِ وَإِحْيَاءِ دِينِهِ، وَلَوْلَا مَا دَخَلَ مِنْ أمُورِ الإِسْلامِ لَمَا عُرِفَ بِذَلِكَ وَلَا جُبيَتْ إِلَيْهِ تِلْكَ الأَمْوَالُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ لِعَامِلِهِ الَّذِي بَعَثَهُ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا لِي، فَقَامَ
فِيهِ (2/61)
صفحة 558
قواعد الإس
خَطِيبًا، فَقَالَ فِي آخِرِ كَلامِهِ: أَفَلاَ جَلَسَ فِي بَيْتِ أُمِّهِ فَلْيَرَ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لام " (1)، فَلَعَمْرِي لَكَذَلِكَ.
أَلا تَرَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الله حِينَ أَهْدَتِ امْرَأَتُهُ إِلَى امْرَأَةِ كِسْرَى طِيبًا فَتَطَيَّبَتْ بِهِ، فَقَالَ: كِسْرَى كَافِئِيهَا بِتَاجِي فَكَافَأَتْهَا، فَجَعَلَهُ عُمَرُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَأَعْطَى امْرَأَتَهُ ثَمَنَ طِيبِهَا، وَهَكَذَا فَعَلَ فِيمَا أَهْدَاهُ الْمُشْرِكُونَ لَأَوْلَادِهِ، فَأَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْمَالِ الَّذِي أَسْلَفَهُمْ إِيَّاهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَقَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ اجْعَلْهُ عَلَيْهِمْ قِرَاضًا، فَفَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ الله؛ لأَنَّهُ لَوْلَا الإِسْلَامُ وَسُيُوفُ أَهْلِهِ لَمَا عَرَفَ أَهْلُ الشِّرْكِ عُمَرَ وَلَا أَوْلَادَهُ. وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَنْ يَقُومُ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ لَا ظَاهِرًا وَلَا مُكْتَتِمًا، فَإِنَّ السِّيرَةَ فِي الزَّكَاةِ فِيمَا وَجَدْتُ فِي أَثَرِ أَصْحَابِنَا أَنْ يَجْمَعَ صُلَحَاءُ أَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ زَكَاةَ بَلَدِهِمْ ذَلِكَ، فَيُعْطَى مِنْهَا كُلُّ فَقِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ مَؤُونَةَ سَنَةٍ مِنَ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ قَصْدًا بِغَيْرِ سَرَفٍ، وَإِنْ فَضَلَ شَيْءٍ قُسَمَ فِي أَقْرَبِ الْقُرَى إِلَيْهِمْ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْفُقَرَاءِ أَنْ يَطلُبُوا الزَّكَاةَ بِأَنْفُسِهِمْ عِنْدَ أَهْلِهَا؛ لأَنَّ ذَلِكَ شَيْنٌ فِي الإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ: "مَنْ تَوَاضَعَ لِغَنِي لِيَنَالَ مَا فِي يَدِهِ أَحْبَطَ اللَّهُ ثُلُثَيْ دِينِهِ " (2)، وَقَدْ
(1) [رواه أبو داود، باب في هدايا العمال، ر 2948].
(1) [رواه البيهقي: شعب الإيمان، فصل في ذكر ما في الأوجاع والأمراض والمصيبات من الكفارات، ر 10044] سُئِلَ الإِمَامُ السَّالِمِيُّ عَنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ فَأَجَابَ: "التَّوَاضُعُ لِغَنِي لأَجْل غِنَاهُ لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَحْوَالِ إِذْلال لِلنَّفْسِ، وَإِذْلالُ الْمُؤْمِنِ نَفْسَهُ لأَجْلِ الدَّيْنِ حَرَامٌ. أَمَا مَعْنَى ذَهَابِ ثُلُثَيِ الدِّينِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُضَيِّعًا لِرُكَنَيْنِ مِنْ دِينِهِ؛ لأَنَّ الدِّينَ ثَلَاثَةٌ أَرْكَانٍ: اعْتِقَادُ بِالْجَنَانِ، وَقَولُ بالسَانِ، وَعَمَلَ بِالأَرْكَانِ فَالتَّوَاضُعُ الْمَحْجُورُ يَذْهَبُ بِالرُّكْنَينِ الْأَخِيرَيْنِ؛ لأَنَّهُ إِنَّمَا يَنْشَأَ عَنِ التَّمَلْقِ بِاللَّسَانِ، وَعَنْ حَرَكَةِ الْأَبْدَانِ، وَبَقِيَ لَهُ الرُّكْنَ الْأَوَّلُ، فَبَذَلِكَ يُعَدُّ مِنْ جُمْلَةِ الْمُوحِينَ" اهـ. وَالْحَقُّ أَنَّ مَنْ عَضَهُ الْفَقْرُ بِنَابِهِ وَاضْطَرَّتْهُ الْحَاجَةُ إِلَى طَلَب نَصِيبِهِ مِنْ مَالِ اللَّهِ لَا نَخَالُ يَسْمَلُهُ الْحَدِيثُ وَعِيدَهُ؛ لأَنَّ الْفَقِيرَ يَجُوزُ لَهُ سُؤَالُ الزَّكَاةِ، وَقَدْ سُقْنَا أَدِلَّةَ الْجَوَاز فِي تَعْلِيقِ سَبَقَ. اهـ مُصححه. (2/62)
صفحة 559
63
قواعد الإسـ
وَصَفَ اللهُ تَعَالَى أَهْلَ الصَّدَقَةِ مِنَ الْفُقَرَاءِ فَقَالَ: لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أَحْصِرُوا في سبيل الله الله إِلَى قَوْلِهِ: لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ الْحَانَا، وَفِي أَثَرِ الْمَشَائِحَ أَنَّ سُؤَالَ الزَّكَاةِ إِنَّمَا أُخِذَ مِنْ فَتْوَى إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَقَالَ بَعْضُ مَشَائِخِنَا: جَوَابُ مَنْ طَلَبَ إِلَيْكَ الزَّكَاةَ أَنْ تَقُولَ لَهُ: هَلْ تَوَلَّيْتُكَ بَعْدُ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تُعْطَى الزَّكَاةُ لِمَنْ طَلَبَهَا، وَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُهُمْ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِهَا، وَأَمَّا مَا تَفْعَلُهُ الْعَوَامُّ مِنْ جَمْعِهِمُ الزَّكَاةَ وَيَدْفَعُونَ مِنْهَا أَجْرَةَ الْمُعَلِّمِينَ لِلْقُرْآنِ، وَيَضَعُونَ الْبَقِيَّةَ فِي بَيْتٍ يُدَارُونَ بِهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَيَتَّقُونَ بِهَا عَلَى أَمْوَالِهِمْ، فَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الأُمَّةِ قَالَ بِجَوَازِ هَذَا فِي الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ قَدِيمًا وَلَا حَدِيثًا، وَإِنَّمَا الْمَشْهُورُ عِنْدَ مَشَائِحِنَا وَجُمْهُورِ الأُمَّةِ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ.
وَقَدْ وَجَدْتُ فِي بَعْضِ أَثَرِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَأَهْلِ الصَّلاحِ وَالْفَضْلِ فِي الإِسْلامِ أَنْ يَجْمَعُوا مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ صُلْبِ أَمْوَالِهِمْ وَيَضَعُوهُ عَلَى يَدِ أَمِينٍ
يَصْرِفُهُ فِي مَصَالِحِهِمْ مِنَ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ بِمَشُورَتِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وإِنْ عَدِمَ صَاحِبُ الزَّكَاةِ جَمِيعَ هَذِهِ الْوُجُوهِ فَلْيَدْفَعْ زَكَاتَهُ بِنَفْسِهِ لَأَهْلِ وِلايَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُمْ فَأَهْلُ التَّعَفُّفِ وَالْمَسْكَنَةِ مِنْ أَهْلِ الْوُقُوفِ، وَإِنْ عُدِمُوا فَأَهْلُ الْمَسْكَنَةِ مِنْ أَهْلِ الدَّعْوَةِ، وَإِنْ عُدِمُوا مِنْ بَلَدِهِ فَلْيَقْصَدْهُمْ فِي أَقْرَبِ الْقُرَى إِلَيْهِ، وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ فُقَرَاءُ أَهْلِ الدَّعْوَةِ رَأْسًا فَلْيَجْعَلْ زَكَاتَهُ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةٌ، فَلْيَبْعَثْهَا إِلَى أَهْلِ الْوَلايَةِ مِنْ أَهْلِ الدَّعَوَةِ أَيْنَمَا كَانُوا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: صَدَقَةُ الْكِثْمَانِ كِثْمَانِيَّةٌ، وَإِنْ تَعَسَّرَ عَلَيْهِ الأَمْرُ وَكَانَ فِي حَيِّز أَهْلِ الْخِلَافِ فَلْيَقْصِدُ بِهَا أَهْلَ الْمَسْكَنَةِ وَمَنْ قَلَّتْ عَدَاوَتُهُ فِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ فُقَرَائِهِمْ، وَإِنْ عُدِمُوا فَعَامَّةٌ فُقَرَائِهِمْ، وَيُفَضَّلُ أَهْلُ الضَّعْفِ وَالْمَسْكَنَةِ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ فِي بَلَدِ الشِّرْكِ فَتَعَذَّرَ
(1) البقرة: (273). (2/63)
صفحة 560
عَلَيْهِ فُقَرَاءُ مُنتَحِلِي الإِسْلامِ، وَخَافَ فَجْأَةَ الْمَوْتِ بِزَكَاتِهِ وَلَمْ يَجِدْ إِلَى إِيصَالِهَا إِلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلِ، فَلْيَضَعْهَا فِي ذَوِي الضَّعْفِ وَالْمَسْكَنَةِ مِنْ فُقَرَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنْ عُدِمُوا فَغَيْرُهُمْ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى قَدْرِ قُرْبِ مِلَلِهِمْ مِنَ الإِسْلَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَجُوزُ لِصَاحِبِ الزَّكَاةِ أَنْ يُفَرِّقَهَا فِي أَهْلِ وِلَايَتِهِ مِنَ الْفُقَرَاءِ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ الْمُتَقَدِّمَةِ، مَا خَلَاَ زَمَانَ الإِمَامِ الْعَادِلِ، فَفِي وَضْعِهِ الزَّكَاةَ فِي أَهْلِ وِلَايَتِهِ
دُونَ أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَيْهِ اخْتِلافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي الإِجْزَاءِ عَنْهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَة [فِي نِيَابَةُ الْغَيْرِ فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ عَنْ صَاحِبِهَا]: وَتَجُوزُ نِيَابَةُ الْغَيْرِ فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ عَنْ صَاحِبِهَا بِإِمَارَةٍ أَوْ وَكَالَةٍ أَوْ خِلافَةٍ، وَيُجْزِئُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ النَّائِبُ أَمِينًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ أَمِينٍ فَحَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ وَضَعَهَا فِي مُسْتَحقِّهَا، وَكَذَلِكَ فِي قَبْضِهَا فَيُجْزِئُ فِيهَا صَاحِبَ الزَّكَاةِ أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَى وَكِيلِ الْفُقَرَاءِ وَيَبْرَأَ مِنْهَا، وَيَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى الْفُقَرَاءِ حَاضِرَةٌ كَانَتْ أَوْ غَائِبَةٌ إِذَا بَلَغَتْ مُسْتَحقَّهَا، وَالإِجَارَةُ فِي حَمْلِهَا عَلَى صَاحِبِهَا، وَهِيَ فِي ضَمَانِهِ حَتَّى يَقْبِضَهَا مُسْتَحِقُهَا.
إعلام الفقير بالزَّكَاةِ عِندَ دَفْعِها إِليهِ]
وَلَا يُحْتَاجُ فِي الزَّكَاةِ إِلَى لَفْظِ الْقَبُولِ، وَيَنْبَعِي لِصَاحِبِهَا أَنْ يُعْلِمَ الْفَقِيرَ أَنَّهَا زَكَاةٌ لِئَلاً يَظُنَّهَا هَدِيَّةٌ فَيَقْبِضَهَا فِي حَالِ لاَ يَسْتَحِقُ مَعَهَا أَخَذَ الزَّكَاةِ، إِمَّا بِكَبِيرَةِ
ارْتَكَبَهَا، أَوْ بِإِغْنَاءٍ اسْتَغْنَى عَنْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ فِيمَنْ أَخَذَ الزَّكَاةَ وَهو مُرتكبٌ لِكَبِيرَةٍ فِي حَالِ أَخْذِهِ إِيَّاهَا ثُمَّ تَابَ]: وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَخَذَ الزَّكَاةَ وَمَعَهُ كَبِيرَةٌ فِي حَالِ أَخْذِهِ إِيَّاهَا ثُمَّ تَابَ، فَقِيلَ: يَرُدُّهَا إِلَى صَاحِبِهَا. وَقِيلَ: يَضَعُهَا فِي الْفُقَرَاءِ، وَقِيلَ: إِذَا كَانَ فَقِيرًا فِي حَالِ أَخْذِهِ إِيَّاهَا ثُمَّ تَابَ مِنْ تِلْكَ الْكَبِيرَةِ أَنَّهُ لاَ شَيْء عَلَيْهِ، وَأَمَّا إِنْ أَخَذَهَا وَهُوَ مُشْرِكٌ مُسْتَتِرًا (2/64)
صفحة 561
بِالإِسْلامِ، أَوْ عَبْدٌ فِي هَيْئَةِ الأَحْرَارِ، أَوْ غَنِيٌّ فِي ذِي الْفُقَرَاءِ، ثُمَّ تَابَ فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا عَلَى صَاحِبِهَا، أَوْ يُنْفِقُهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ، بِخِلَافِ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ إِذَا تَابَ؛ لأَنَّ فِي إِجَازَةِ الزَّكَاةِ لَهُ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَالْعَبْدُ وَالْمُشْرِكُ وَالْغَنِيُّ لا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَحِلُّ لَهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (2/65)
صفحة 562
الفصل السابع
في زَكَاةِ الْفِطْرِ
وَفِي هَذَا الْفَصْلِ [ست] مَسَائِلَ تَجْرِي مَجْرَى الْأُمَّهَاتِ.
إحْدَاهَا [المسألة الأولى]: فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِهَا، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ فَرْضٌ وَرُوِيَ هَذَا عَنْ جُمْهُورِ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ، وَبِهِ قَالَ الْعُمَانِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقِيلَ: هِيَ سُنَّةٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَبَعْضِ الْمُتَأَخَّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكِ، وَقَالَ قَوْمٌ هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِالزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ. وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا مِنْ أَهْلِ الْجَبَلِ وَأَهْلِ الْمَغْرِبِ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ، الأخُذُ بِهَا فَضِيلَةٌ، وَتَرْكُهَا لَيْسَ بِخَطِيئَةٍ. وَسَبَبُ الْخِلافِ: تَعَارُضُ الآثَارِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: "فَرَضَ رَسُولُ الله زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى النَّاسِ مِنْ رَمَضَانَ صَاعًا مِنْ تَمْرِ وَصَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرِّ أَوْ عَبْدِ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (2)، فَظَاهِرُ هَذَا الْقَوْلِ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَثَبَتَ عِنْدَنَا أَيْضًا فِي حَدِيثِ الأَعْرَابِيِّ الْمَشْهُورِ، وَذَكَرَ الزَّكَاةَ فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ (3)، فَذَهَبَ مَنْ قَالَ إِنَّهَا فَرْضٌ إِلَى أَنَّهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَذَهَبَ الْغَيْرُ إِلَى أَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ، وَاحْتَجُوا
(1) في الأصل: ذكر المصنف أنها خمس مسائل، ولكن عند عرضها ذكر ستا، كما سيأتي] (1) [رواه الربيع باب في النصاب (333،والبخاري باب فرض صدقة الفطر،
ر 1432].
(1) رَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ. (2/66)
صفحة 563
بِمَا رُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ لا يَأْمُرُنَا بِهَا قَبْلَ نُزُولِ الزَّكَاةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ لَمْ نُؤْمَرْ بِهَا وَلَمْ تُنْهَ عَنْهَا، وَنَحْنُ نَفْعَلُهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: عَلَى مَنْ تَجِبُّ؟ وَعَنْ مَنْ تَجِبُ؟ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَهْلَ الإِسْلامِ مُخَاطَبُونَ بِهَا، صِغَارًا أَوْ كِبَارًا، ذُكْرَانًا أَوْ إِنَاثًا، أَحْرَارًا أَوْ عَبِيدًا، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّم، وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهَا عَلَى الْفَقِيرِ بَعْدَ اتَّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهَا عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ إِلا مَنْ لا شَيْءَ لَهُ، فَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يَرَاهَا عَلَى الْغَنِي وَالْفَقِيرِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَالشَّعْبِي وَعَطَاءٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَيْسَ عَلَى مَنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ زَكَاةُ الْفِطْرِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ فِي نَفْسِهِ، وَأَنَّهَا زَكَاهُ بَدَنٍ لاَ زَكَاهُ مَالٍ، وَأَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِي أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ، وَفِي عَبِيدِهِ أَيْضًا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ عَنْ جَمِيعِ مَنْ أَلْزَمَهُ الشَّرْعُ نَفَقَتَهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا تَلْزَمُهُ فِي زَوْجَتِهِ وَلَا عَنْ خَادِمِهَا.
وَسَبَبُ الْخِلافِ هَل الْعِلَّةُ فِي وُجُوبِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ الْوَلايَةُ أَوْ وُجُوبُ النَّفَقَةِ الشَّرْعِيَّةِ؟ فَمَنْ قَالَ الْوَلاَيَةُ أَوْجَبَ عَلَى الْوَلِيِّ إِخْرَاجَ الصَّدَقَةِ عَنْ كُلِّ مَن يَلِيهِ مِنَ الطِّفْلِ أَوِ الْعَبْدِ أَوِ الزَّوْجَةِ، كَانَ لِهَؤُلَاءِ مَالٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهَا وُجُوبُ النَّفَقَةِ قَالَ: يَجِبُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُهَا عَنْ كُلِّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ شَرْعًا، لِقَوْلِهِ "يُخْرِجُهَا الْمَرْءُ عَمَّنْ يَمُونُهُ (1).
وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَبْدِ الْمُشْرِكِ، فَقَالَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: عَلَى سَيِّدِهِ زَكَاتُهُ، وَقِيلَ:
لَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْكَافِرِ زَكَاةٌ.
(1) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالدَّارَ قُطْنِيُّ: "يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ يَمُونُهُ". (2/67)
صفحة 564
وَسَبَبُ الْخِلافِ هُوَ تَنَازُعُهُمْ فِي الزِّيَادَةِ الْوَارِدَةِ فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: عَلَى كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ " ()، وَاخْتَلَفُوا فِي عَبِيدِ التِّجَارَةِ أَيْضًا. وَسَبَبُ الْخِلافِ فِيهِمْ: مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِلْعُمُومِ الْوَارِدِ فِي اسْمِ الْعَبْدِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي جَمِيعِ الْعَبِيدِ، وَالْقِيَاسُ الْمُخَصِّصُ لَهُ هُوَ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي مَالِ وَاحِدٍ زَكَاتَانِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ مِمَّا تَجِبُ؟ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُخْرِجُهُ الْمَرْءُ مِنْ جُل قُوتِهِ مِنْ قَمْح أَوْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ ذُرَةٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ لَحْمٍ أَوْ لَبَنٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَأْكُلُهُ، مَا خَلاَ بُقُولَ الصَّحْرَاءِ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا تُخْرَجُ مِنَ الْبَرِّ أَوِ الشَّعِيرِ أَوِ التَّمْرِ أَوِ الزَّبِيبِ أَوِ الأَقطِ، وَأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي إِخْرَاجِ أَيُّهَا شَاءَ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: اخْتِلافُهُمْ فِي مَفْهُوم حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم صَاعًا مِنْ طَعَامِ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ أَقطٍ أَوْ تَمْرِ (3)، فَمَنْ فَهِمَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ التَّخْيِيرَ، قَالَ: أَيَّ هَذِهِ أَخْرَجَ أَجْزَأَهُ، وَمَنْ فَهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَخْرَجَ بِسَبَبِ اعْتِبَارِ قُوتِ الإِنْسَانِ، قَالَ بِالْقَوْلِ الأَوَّلِ، وَعِنْدَ أَصْحَابِنَا لَا تُعْطَى زَكَاةً إِنْسَانٍ وَاحِدٍ مِنْ جِنْسَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ فِي مِقْدَارِ مَا يُخْرَجُ عَنْ كُلِّ إِنْسَانِ مِنَ الْقَمْحِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: نِصْفُ صَاعِ مِنَ الْقَمْحِ، أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يَقُوتُهُ، وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ حَدِيثًا أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ: "إِنَّمَا هِيَ صَاعٌ مِنْ بُرِّ بَيْنَ اثْنَيْنِ، أَوْ
(1) تَقَدَّمَ قَرِيبًا. (1) [الأقط: " هو يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك حتى يمصل" الفراهيدي: العين، 194/ 5)]. (2) [رواه البخاري، باب صدقة الفطر صاع من تمر، ر 1435]. (2/68)
صفحة 565
69
صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ تَمْرٍ عَنْ كُلَّ وَاحِدٍ (1)، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يُجْزِئُ مِنَ الْقَمْحِ أَقَلُّ مِنْ صَاعِ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَقَدِّمِ، ذَكَرَ فِيهِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَعِيرٍ .... الْحَدِيثَ، قَالُوا: فَالْمَفْهُومُ مِنَ الطَّعَامِ الْقَمْحُ. وَبِهَذَا يَقُولُ أَصْحَابُنَا، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: وَاخْتَلَفُوا مَتَى يُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُهَا بَعْدَ مَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيِّ " أَمَرَ بِإِخْرَاجِ الْفِطْرِ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الْمُصَلَّى (2)؟ وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا فِي آخِرِ رَمَضَانَ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ الْوَقْتِ، فَقَالَ قَوْمٌ: تَجِبُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقِيلَ:
، بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: هَلْ هِيَ عِبَادَةٌ مُتَعَلَّقَةٌ فِي خُرُوجِ رَمَضَانَ أَوْ يَوْمِ الْعِيدِ؛ لأَنَّ لَيْلَةَ الْعِيدِ لَيْسَتْ مِنْ رَمَضَانَ.
وَفَائِدَةُ هَذَا الْخِلافِ فِي الْمَوْلُودِ يُولَدُ قَبْلَ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْعِيدِ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ، هَلْ يَجِبُ أَنْ تُخْرَجَ عَنْهُ أَمْ لَا؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَبِذَلِكَ يَأْمُرُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَكَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَعِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا فِطْرَةٌ إِلَى يَوْمِ الْأَضْحَى، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وَالنَّخَعِي أَنَّهُمَا يُرَخَّصَانِ فِي تَأْخِيرِهَا عَنْ يَوْمِ الْفِطْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: "فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنثَى وَالْحُرُ وَالْمَمْلُوكِ صَاعًا مِنْ تَمْرِ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ - قَالَ: فَعَدَلَ النَّاسُ إِلَى نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُر". (1) كَمَا مَرَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. (2/69)
صفحة 566
قواعد الإست
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: فِيمَنْ يَسْتَحِقُ أَخْذَهَا، قَالَ أَصْحَابُنَا تُصْرَفُ إِلَى أَهْل الْوَلَايَةِ كَزَكَاةِ الْفَرِيضَةِ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ: تُصْرَفُ إِلَى عَامَّةِ فُقَرَاءِ الإِسْلَام؛ لِيَسْتَغْنُوا عَنِ السُّؤَالِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا يُصْرَفُ مِنْهَا إِلَى فُقَرَاءِ أَهْلِ الذَّمَّةِ، وَاشْتَرَطَ قَوْمٌ أَنْ يَكُونُوا رُهْبَانًا.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: هَلْ جَوَازُ أَخْذِهَا بِالْفَقْرِ فَقَطْ أَمْ بِالْفَقْرِ وَالإِسْلَامِ؟ فَمَنْ قَالَ
بِالْفَقْرِ أَجَازَهَا لأَهْلِ الذُّمَّةِ، وَمَنْ قَالَ بِالْفَقْرِ وَالإِسْلَامِ مَنَعَهَا مِنْهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (2/70)
صفحة 567
فصل
1 في ما يُستحبُّ عند إخراج الزَّكَاةِ]
وَيُسْتَحَبُّ لِلإِنْسَانِ إِذَا أَرَادَ إِخْرَاجَ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ أَنْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيَدْعُوَ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَهُ لِيَضَعَهَا مَوَاضِعَهَا، فَإِذَا دَفَعَهَا لِأَهْلِهَا فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّدَقَةِ يَنْوِيهَا لاحْتِيَاطِ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْفَرِيضَةِ، إِذْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ الْفَرَائِضَ تكملُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالتَّطَوُّعِ، وَيَصْرِفُهَا سِرًّا، أَوْ يُؤْثِرُ بِهَا الْأَقَارِبَ
(1)
وَالْجِيرَانَ، وَيُكْثِرُ مِنْهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(1) رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمِ الـ مَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرْضِهِ شَيْئًا قَالَ الرَّبُّ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّع فَيُكْمِلُ بِهَا مَا نَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ". (2/71)
صفحة 568
V? (2/72)
صفحة 569
كِتَابُ الصَّوْمِ (2/73)
صفحة 570
[صفحة فارغة] (2/74)
صفحة 571
الركن الرابع
فِي قَاعِدَةِ الصِّيَامِ الْمَفْرُوضِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ
اعْلَمْ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَوْجَبَ فَرْضَ الصِّيَامِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ مُنْقَطِع عُذْرُهُ مِنْ جَمِيعِ الأَنامِ، وَقَدَّمَهُ فِي تَرْتِيبِ الْفُرُوضِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ وَاجِبِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ، وَإِنَّمَا قَدَّمْنَا الزَّكَاةَ عَلَى الصَّوْمِ فِي تَرْتِيبِ أَرْكَانِ هَذَا الْكِتَابِ؛ إِذْ كَانَتْ مَقْرُونَةٌ بِالصَّلاةِ فِي الْقُرْآنِ وَفِي أَحَادِيثِ الرَّسُولِ الْمُوكَّلِ إِلَيْهِ الْبَيَانُ، وَفَرَضَ سُبْحَانَهُ الصَّوْمَ عَلَى ذَوِي الْفَاقَةِ وَالْأَغْنِيَاءِ لِكَسْرِ شَهْوَةِ النَّفْسِ الَّتِي هِيَ دَابَّةُ الشَّيْطَانِ، وَلِيَعْرِفُوا إِذَا صَامُوا رَمَضَانَ مَا يُقَاسِيهِ ذَوُو الْفَاقَةِ مِنْ شِدَّةِ الْمَجَاعَةِ طُولِ الزَّمَانِ، فَتَسْخُوَ أَنْفُسُهُمْ حِينَئِذٍ بِدَفْعِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ
عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ لِيُوسُفَ: أَنجُوعُ وَبِيَدِكَ خَزَائِنُ الْأَرْضِ؟ فَقَالَ: أَخَافُ إِذَا شَبِعْتُ أَنْ أَنْسَى أَهْلَ الْجُوعِ. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ فِي الصَّوْمِ وَاجِبًا يَتَعَلَّقُ الْعِقَابُ بِتَرْكِهِ، وَهُوَ مَا يَجِبُ لِنَفْسِ الزَّمَانِ كَصِيَامٍ رَمَضَانَ، وَمِنْهُ مَا يَجِبُ لِعِلَّةِ الْحِنْثِ فِي الْأَيْمَانِ كَصَوْمِ الْكَفَّارَاتِ مِنَ الْقَتْلَ وَالظَّهَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمِنْهُ مَا يَجِبُ بِإِيجَابِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ كَصِيَامِ النَّذْرِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَ تَعَالَى فِي الصَّوْمِ مَسْنُونًا مَنْدُوبًا إِلَيْهِ (2/75)
صفحة 572
تتَعَلَّقُ الْفَضِيلَةُ بِامْتِثَالِهِ، وَلَا يَتَوَجَّهُ الْوَعِيدُ إِلَى تَارِكِهِ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَلَا يَتَضَمَّنُ كِتَابُنَا هَذَا مِنْ أَقْسَامِ وَاجِبِ الصَّوْمِ إِلَّا رَمَضَانَ، وَالْكَلَامُ فِيهِ
يَنْحَصِرُ فِي ثَمَانِيَةِ أَبْوَابٍ. (2/76)
صفحة 573
77
الْبَابُ الأَوَّلُ فِي حُكْمِهِ وَمَعْنَاهُ
أَمَّا حُكْمُ صَوْمِهِ فَهُوَ الْوُجُوبُ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ مِنَ الأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ الآيَة، وَمَعْنَى كُتِبَ أَيْ فُرِضَ وَأُوجِبَ، وَمِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "بني الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ (2)، فَذَكَرَ فِيهَا الصَّوْمَ، وَقَوْلُهُ لِلأَعْرَابِي: "وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: "لا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ " (3)، وَأَمَّا الإِجْمَاعُ: فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِي إِيجَابِ صَوْمِهِ خِلافُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الأُمَّةِ، وَأَمَّا تَعْيِينُ شَهْرِ رَمَضَانَ لِمَحَلَّ الصَّوْمِ فَبِتَعْرِيفِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِالإِضَافَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْهَانُ)، ثُمَّ ذَكَرَ تَعْرِيفَهُ بِالأَلِفِ وَاللام فَقَالَ: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)، فَتَكْرِيرُ الْمَعْرِفَةِ عِنْدَ أَهْل الْعَرَبِيَّةِ تَكْرَارُ، وَأَمَّا النَّكِرَةُ فَتكْرَارُهَا إِغْيَارُ، الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ
(1) الْبَقَرَة: (183).
(2) [سبق تخريجه]. (3) تَقَدَّم.
(1) البقرة: (185).
(5) الْبَقَرَة: (185). (2/77)
صفحة 574
(1)
قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يرَانَ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يرا، فَالْعُسْرُ وَاحِدٌ وَالْيُسْرُ اثْنَانِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ وَاحِدٌ يُسْرَيْنِ (2)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا مَعْنَاهُ فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: لُغَوِيٌّ وَشَرْعِيِّ، فَاللُّغَوِيُّ: هُوَ الإِمْسَاكُ، وَالشَّرْعِيُّ: هُوَ الإِمْسَاكُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْجِمَاعِ وَغَيْرِهِ مِنْ جَمِيعِ مَا يُفْسِدُ
الصَّوْمَ.
(1) الشرح: (6،5).
(2) [رَوَاهُ الْحَاكِمُ في المستدرك، تفسير سورة آل عمران، ر 3176، وهو قول عمر، دون رفعه إلى
النبي. (2/78)
صفحة 575
الْبَابُ الثاني فِي أَسْبَابِ الصَّوْمِ
وَفِيهِ مُقَدِّمَةٌ وَفَصْلَانِ:
فَالْمُقَدِّمَةُ: تَحْتَوِي عَلَى صَوْمِ يَوْمِ الشَّكُ وَاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهِ، وَقَدْ أَجْمَعَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ تُبُوتَ النَّهْي عَنْ صِيَام يَوْمِ الشَّكُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ: "لا تَتَقَدَّمُوا الشَّهْرَ حَتَّى تَرَوُا الْهِلَاكَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ قَبْلَهُ (1)، وَاخْتَلَفُوا فِي صَوْمِهِ، فَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: لَا يَجُوزُ صَوْمُهُ، رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِي وَحُذَيْفَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَمَّارٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَنَسُ وَأَبُو وَائِلِ وَعِكْرِمَةُ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَالأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَالْعَامَّةِ مِنْ فُقَهَائِنَا، وَأَجَازَ آخَرُونَ صِيَامَهُ، وَذَكَرُوا عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا كَانَتْ تَصُومُ الْيَوْمَ الَّذِي يُغَمَّى عَلَى النَّاسِ فِيهِ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: لَصَوْمُ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ الأَوَّلُ؛ لظاهِرِ الأَحَادِيثِ الَّتِي يُوجِبُ مَنْهُومُهَا تَعَلَّقَ الصَّوْمِ بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِالْخَبَرِ عَلَى مَا
سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ.
(1) [رواه أبو داود، باب إذا أغمي الشهر، ر 1981]. (2/79)
صفحة 576
وَاخْتَلَفُوا فِي تَحَرِّي صِيَامِهِ تَطَوُّعًا إِذَا حَالَ دُونَهُ سَحَابٌ، فَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ،
وَبِهِ قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَأْمُرُ بِفَصْلِ مَا بَيْنَهُمَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: مَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ - يَعْنِي يَوْمَ الشَّكُ - فَقَدْ عَصَى الله وَرَسُولَهُ، وَرَخَصَتْ طَائِفَةٌ فِي صَوْمِهِ تَطَوُّعًا، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعِيدٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَهْلِ الرَّأْيِ، وَحُجَّتُهُمْ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "لا تتقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِيَوْمٍ وَلَا بِيَوْمَيْنِ إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْمًا كَانَ أَحَدُكُمْ يَصُومُهُ فَلْيَصُمْهُ (1)، وَالْمَعْمُولُ بِهِ عِندَ أَصْحَابِنَا فِي يَوْمِ الشَّكُ الإِمْسَاكُ عَنِ الطَّعَامِ حَتَّى يَنتَشِرَ النَّاسُ وَتَرْجِعَ الرُّعَاةُ، فَإِنْ صَحْ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ أَتَقُوهُ وَإِلا أَفْطَرُوا، وَعَلَى الْجَمِيعِ الإِعَادَةُ مَنْ أَفْطَرَهُ وَمَنْ صَامَهُ؛ لَأَنَّهُ صَامَهُ عَلَى غَيْرِ نِيَّةٍ،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) [رواه الترمذي، باب ما جاء لا تقدموا الشهر بصوم، ر 620]. (2/80)
صفحة 577
الفصل الأول
فِي أَحَدِ سَبَبَيْ مُوجِبِ الصَّوْمِ
وَهُوَ الرُّؤْيَةُ لِلْهِلَالِ
لِقَوْلِهِ: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا له (1)، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّهْرَ الْعَرَبِيّ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَيَكُونُ ثَلاثِينَ، لِقُبُوتِ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْاعْتِبَارَ فِي تَحْدِيدِ طَرَفَيْ رَمَضَانَ إِنَّمَا هُوَ الرُّؤْيَةُ، لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَأَعْنِي بِالرُّؤْيَةِ أَوَّلَ ظُهُورِ الْقَمَرِ بَعْدَ السرار (2).
وَاخْتَلَفُوا فِي الْحُكْمِ إِذَا غُمَّ الشَّهْرُ وَلَمْ تَكُنِ الرُّؤْيَةُ فِي وَقْتِهَا الْمُعْتَبَرِ لَهَا، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ إِكْمَالُ الْعِدَّةِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَإِنْ كَانَ الَّذِي غُمَّ هِلالُ أَوَّلِ الشَّهْرِ عُدَّ الشَّهْرُ الَّذِي قَبْلَهُ ثَلَاثِينَ، وَكَانَ أَوَّلُ رَمَضَانَ
(1) [رواه الربيع، باب النهي عن صيام العيدين ويوم الشك، ر 323، والبخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا،
[1773
(2) [السرار: هي لحظة اقتران القمر بالشمس ولها عدة مسميات، فتسمى: التولد، أو السرار، أو الاستسرار، أو المحاق، أو اجتماع النيرين، وغير ذلك من التسميات الجارية على ألسنة العرب (مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الثاني، 952/ 2.)]. (2/81)
صفحة 578
82
الْحَادِي وَالثَّلاثِينَ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي غُمَّ هِلالُ آخِرِ الشَّهْرِ صَامَ النَّاسُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُغَمَّى هِلَالُ أَوَّلِ الشَّهْرِ صَامَ النَّاسُ الْيَوْمَ الْمَعْرُوفَ بِيَوْمِ الشَّلِّ.
[مَبْحَثُ الْعَمَلِ بِالْحِسَابِ الْفَلَكِيِّ فِي إِثْبَاتِ أَوَّلِ رَمَضَانَ وَأَوَّلِ شَوَّالَ] وَرُوِيَ عَنْ مُطَرْفِ بْنِ الشَّخِير (1) - وَكَانَ مِنَ التَّابِعِينَ - أَنَّهُ إِذَا غُمَّ الْهِلَالُ اعْتُبِرَ الْحِسَابُ بِسَيْرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ()، وَمِثْلُهُ مَرْوِيٌّ عَنِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ
(2)
(1) [هو مطرف بن عبد الله بن الشخير الحرشى العامري البصري، أبو عبد الله: زاهد من كبار التابعين له كلمات في الحكمة مأثورة، وأخبار ثقة فيما رواه من الحديث. ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ثم كانت إقامته ووفاته في البصرة، توفي سنة 95 هـ، وقيل سنة 87 هـ. (انظر: الأعلام للزركلي، 250/ 7)].
(1) مَبْحَثُ الْعَمَل بِالْحِسَابِ الْفَلَكِي فِي إِثْبَاتِ أَوَّلِ رَمَضَانَ وَأَوَّلِ شَوَّالَ لَئِنْ قِيلَ بِالْحِسَابِ الْفَلَكِيِّ لإِثْبَاتِ أَوَّلِ رَمَضَانَ وَنِهَايَتِهِ فِي عَصْرِ التَّابِعِينَ يَوْمَ كَانَتِ الْأُمَّةُ الإِسْلَامِيَّةُ ي أُمِّيَّتِهَا، فَأَوْلَى بِهَا الْيَوْمَ أَنْ تَعْمَلَ بِهِ وَقَدِ الْتَحَقَّتْ بِرَكْبِ الْمَعْرِفَةِ وَتَقَدَّمَ عِلْمُ الْفَلَكِ فِي الْعَالَمِ بِأَسْرِهِ وَأَصْبَحَ لَهُ مَرَاصِدُ عَالَمِيَّةٌ تُعْنَى بِالْحِسَابِ عِنَايَةَ لَا يَبْقَى مَعَهَا مَجَالٌ لِلشَّكُ فِي صِحَّةِ مَا تُثْبِتُ، وَنَظَرًا لِكَوْنِ حُكُومَةِ الْجَزَائِرِ تَمْلِكُ مَرْصَدَيْنِ عَالَمِيِّيْنِ مَرْصَدَ "بوزرِيعَةَ" بِالْجَزَائِرِ الْعَاصِمَةِ، وَمَرْصَدَ تمنراست" بِنُجُومِ الصَّحْرَاءِ، يَتَسَنَّى لَهَا بِوَاسِطَتِهِمَا أَنْ تتبنى الْمَسْأَلَةَ بِكُلِّ جَدَارَةِ، رَأَتْ أَنْ تَجْعَلَ حَدًا لِلْقَوْضَى الاجْتِمَاعِيَّةِ وَالتَّلَاعُبِ الَّذِي نَالَ شَعِيرَةَ الصَّوْمِ، فَقَدْ كَشَفَتْ لَهَا الْأَيَّامُ أَنَّ شَهَادَاتٍ قُدِّمَتْ إِلَيْهَا فِي سَنَوَاتٍ خَلَتْ وَاعْتَمَدَتْهَا فِي إِثْبَاتِ أَوَّلِ رَمَضَانَ وَنِهَايَتِهِ كَانَتْ مُفْتَعَلَةٌ وَمَكْذُوبَةً، آخِرُهَا شَهَادَةٌ جَاءَتْهَا مِنْ بَلْدَةِ "بُو سَعَادَة سَنَةَ 1391 هـ وَقَبْلَهَا شَهَادَةٌ مِنْ "مَعْنيةَ"، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ رُفِعَتْ إِلَى لَجْنَةِ الإِفْتَاءِ الْمَرْكَزِيَّةِ التَّابِعَةِ لِوَزَارَةِ التَّعْلِيمِ الأَصْلِي وَالشُّؤُونِ الدِّينِيَّةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِتُصْدِرَ فِيهَا فَتْوَى شَرْعِيَّةٌ، فَأَصْدَرَتْ فَتْوَاهَا بِجَوَازِ الْعَمَلِ بِالْحِسَابِ الْفَلَكِيِّ فِي إِثْبَاتِ أَوَّلِ الصَّوْمِ وَالْإِفْطَارِ مُدَعَمَةٌ بِحُجَجِ مُقْنِعَةٍ فِي جَلْسَتِهَا الْمُنْعَقِدَةِ مَسَاءَ 29 الْمُحَرَّم سَنَة 1392 هـ وَنُشِرَتْ فِي جَرِيدَةِ الشَّعْبِ بِتَارِيخ 5 أَكْتُوبَر 1972 م، وَاعْتَمَدَتْهَا الْحُكُومَةُ فِعْلاً، وَقَرَرَتِ الْعَمَلَ بِهَا مِنْ بِدَايَةِ رَمَضَانَ 1392 هـ وَمِنْ ثَمَّ أَصْبَحَ الْعَمَلُ جَارِيًا بِالْحِسَابِ الْفَلَكِي فِي إِثْبَاتِ الصَّوْمِ وَالإِفْطَارِ فِي عُمُومِ الْجَزَائِرِ، كَمَا هُوَ جَارٍ فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ لاَ سَيَّمَا مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ، وَبِذَلِكَ قُطِعَ الطَّرِيقُ فِي وَجْهِ الْعَابِثِينَ بهَذَا الرُّكْنِ الْعَظِيمِ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ. أَمَّا أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ نُقَدِّمَ - كَيْ نَفْهَمَهَا فَهُمَا صَحِيحا - بَعْضَ حَقَائِقَ عَلَيْهَا يَدُورُ مِحْوَرُ
الْبَحْثِ: (2/82)
صفحة 579
Neatzaizkitakiakichichicktekiskishichichichishte
-1
83
قواعد الإسلام -
1 - لَقَدْ بَلَغَ عِلْمُ الْفَلَكِ فِي هَذَا الْعَصْرِ شَأْوا بَعِيدًا مِنَ الدَّقَةِ وَالضَّبْطِ فِي تَجْلِيَةِ الْحَقَائِقِ الْغَامِضَةِ بِوَسَائِلِهِ الْعَجِيبَةِ، وَالآلَةُ الْكَاشِفَةُ تُكَبِّرُ الأَشْيَاءَ الدَّقِيفَةَ وَتُقَرِّبُ الأَبْعَادَ، وَتُصَيرُ مَا كَانَ خَيَالًا مُتَوَهَّمًا حَقِيقَةٌ مَلْمُوسَةً، وَمَا كَانَ خَفِيًّا بَادِيًا لِلنَّاظِرِينَ، فَأَصْبَحَ الْحِسَابُ الْفَلَكِيُّ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ، لا رَيْبَ فيهِ، يَصِحُ الاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فِي إِثْبَاتِ مَوَاقِيتِ الْعِبَادَاتِ، وَمِنْهَا بِدَايَةُ الصَّوْمِ وَنِهَايَتُهُ. 2 - إِنَّ مَنْ تَأَمَّلَ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ حَوْلَ الْمَوْضُوعِ نَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ مَنْ فَسَّرَ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ: فاقْدُرُوا لَهُ بِالْحِسَابِ الْفَلَكِيِّ لَمْ يَذْهَبْ بَعِيدًا عَنْ مَنْطُوقِ الْقُرْآنِ، وَلَا خَرَجَ عَنْ مَدْلُولِ الْحَدِيثِ الْبَيِّةَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، اينينِ فَحَونَا ايَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا من رَّبِّكُمْ وَلَتَعْلَمُوا عَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَ) الإسراء: (12)، وَقَوْلِهِ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا) (الأنعام: 96). لَيْسَتْ هَذِهِ النَّظَرِيَّةُ مِنْ مُبْتَكَرَاتِ الْعَصْرِ وَلاَ قَالَ بِهَا الْعُلَمَاءُ الْمُتَأَخُرُونَ فَقَطْ، بَلْ قَالَ بِهَا مُطرِفُ بْنُ الشَّخِيرُ مِنَ التَّابِعِينَ، وَابْنُ سُرَيْحٍ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيّة، وَقَالَ بِهَا الرَّوَافِضُ وَغَيْرُهُمْ. 4 - إِثْبَاتُ أَوَّلِ رَمَضَانَ وَأَوَّلِ شَوَالَ كَإِثْبَاتِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ لَا فَرْقَ، وَغَرَضُ الشَّارِعِ مِنْ ذَلِكَ الْعِلْمُ بِهَذِهِ الْأَوْقَاتِ لَا التَّعَبُدُ بِرُؤْيَةِ الْهَلال.
ه - تَعْلِيقُ نُبُوتِ الشَّهْرِ بِرُؤْيَةِ الْهَلالَ أَوْ إِكْمَالِ الْعِدَّةِ بِشَرْطِهِ مُعَلَّلٌ بِكَوْنِ الأُمَّةِ كَانَتْ أُمِّيَّةٌ فِي عَهْدِهِ 6 - إِنَّ مِنْ مَقَاصِدِ بَعْثَهِ أَنْ يُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ. -7 الْعَمَلُ بِالْحِسَابِ الْمَقْطُوعِ بِهِ أَقْرَبُ إِلَى مَقْصِدِ الشَّارع - "وَهُوَ الْعِلْمُ الْقَطْعِيُّ بِالْمَوَاقِيتِ وَعَدَمُ الاخْتِلافِ فِيهَا" - مِنَ الْعَمَلِ بِالرُّؤْيَةِ فِي جَمِيعِ مَوَاقِيتِ الْعِبَادَاتِ، أَخْذًا بِظَوَاهِرِ النُّصُوصِ وَحُسْبَانِهَا تَعَبدِيَّةٌ مَعَ كَثْرَةِ الْاخْتِلَافِ. 8 - اخْتِلَافُ أَقْوَالِ مُؤَلِّفِي التَّقَاوِيمِ الَّذِي اتَّخَذَهُ مُنْكِرُو الْعَمَلِ بِالْحِسَابِ الْفَلَكِيِّ قَادِحًا فِي قَطْعِيَّتِهِ إِنَّمَا كَانَ سَبُهُ أَنَّ بَعْضَهُمْ جَرَى عَلَى قَاعِدَةِ تَوَلَّدِ الْقَمَرِ، وَبَعْضَهُمْ عَلَى قَاعِدَةِ تَوَافُقِ الشَّرْعِ بِأَنْ يَجْعَلَ أَوَّلَ الشَّهْرِ اللَّيْلَةَ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يُرَى فِيهَا الْهِلَالُ إِذَا انْتَقَتِ الْمَوَانِعُ كَالْغُيُومِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا. 9 - لأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَأُمَرَائِهِمْ إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ أَنْ يُصْدِرُوا حُكْمًا بِالْعَمَلِ بِهِ فَيَصِيرُ حُجَّةً عَلَى الْجُمْهُورِ، وَهَذَا أَصَحُ مِنَ الْحُكْمِ بِإِثْبَاتِ الشَّهْرِ بِإِكْمَالِ عِدَّةِ شَعْبَانَ مَعَ عَدَمَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَالْمَسَاءُ
وَبَعْدَ كُلِّ هَذَا وَذَاكَ فَالْمَسْأَلَهُ مَسْأَلَةٌ فَرْعِيَّةٌ مِمَّا يَصِحُ فِيهَا اخْتِلافُ أَنْظَارِ الْعُلَمَاءِ، وَلَا يَسُوغُ لِأَحَدٍ الْفَرِيقَيْنِ أَنْ يُخَطَّئَ فِيهَا الْآخَرَ، فَالْمُخَطَّى هُوَ الْمُخْطِئُ قَالَ صَاحِبُ قَامُوسِ الشَّرِيعَةِ: "الْخِلافُ فِي الأُصُولِ أَضْبَقُ مِنْ سَمَّ الْخِيَاطِ عَلَى الْجَمَلِ وَالْخِلافُ فِي الْفُرُوعِ أَوْسَعُ مِنْ رِمَالِ الدَّهْمَاءِ عَلَى رَاعِي الإِبل"، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَبَعْدُ فَإِنَّ الْحَجَرَ الأَسَاسِيَّ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ بُنْيَانُ الْبَحْثِ هُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ الرَّبِيعُ بْنُ فِي مُسْنَدِهِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ: "لاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَاكَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا (2/83)
صفحة 580
84
لَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: "فَأَتِمُّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا"، إِنَّ مَنْ أَمْعَنَ النَّظَرَ فِيهِ طَوِيلاً وَجَدَهُ يُشِيرُ بِرِوَايَتَيْهِ إِلَى اخْتِلَافِ حَالَةِ الْأُمَّةِ إِزَاءَ تَحْدِيدِ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَآخِرِهِ مَتَى حَمَلْنَا قَوْلَهُ: " فَاقْدُرُوا لَهُ عَلَى التَّأْسِيسِ لَا عَلَى التَّأْكِيدِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ عُلَمَائِنَا، وَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ، وَهُوَ بِكَلامَ مَنْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ أَلْيَقُ وَأَوْفَقُ، فَمَا دَامَتِ الأُمَّهُ أُمِّيَّةٌ - كَمَا قَالَ: نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ الشَّهْرِ هَكَذَا وَهَكَذَا، يَعْنِي تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا أَوْ ثَلاثِينَ يَوْمًا - فَالْعَمَلُ إِذَا غُمَّ الْهِلَالُ يَكُونُ عَلَى رِوَايَةِ إِثْمَامِ الثَّلَاثِينَ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَمِّ عَدَمُ الظُّهُورِ وَلَوْ فِي الصَّحْوِ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْقُطْبُ أَطْفَيَّشُ فِي شَرْحِ الدَّعَائِمِ، أَمَّا إِذَا تَقَدَّمَتِ الأُمَّهُ فِي الْعِلْمِ وَتَيَسَّرَتْ لَدَيْهَا وَسَائِلُهُ، وَحَذَقَتِ الْحِسَابَ فَإِنَّ الشَّهْرَ يُقَدَّرُ بِالْحِسَابِ الْفَلَكِيِّ، إِمَّا:
- فَلَأَنَّ الرَّوَايَةَ الْأُولَى عِنْدَ الرَّبِيعِ تُلِحُ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ بِالْحِسَابِ هُوَ الْأَصْلُ. 2 - وَأَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ حَتَّ عَلَى عِلْمِ الْحِسَابِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الصَّوْمِ بِبَضْعَةَ عَشَرَ عَامًا، لَكِنْ لَمَّا وَجَدَ الرَّسُولُ الأُمَّةَ أُمِّيَّةٌ وَلَيْسَ مِنَ الْحِكْمَةِ أَنْ يُكَلِّفَهَا بِمَا لَيْسَ فِي وُسْعَهَا أَرْشَدَهَا فِي إِثْبَاتِ مَوَاقِيتِ الْعِبَادَاتِ إِلَى الرُّؤْيَةِ الَّتِي هِيَ فِي إِمْكَانِ كُلِّ حَاضِرٍ وَبَادٍ، فَقَالَ فِي حَقٌّ شَهْرِ رَمَضَانَ: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ
وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ - أَوْ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ". 3 - وَأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ فِي الْأَرْضِ مَنَاطِقَ غَيْمُهَا دَائِمٌ وَلَيْسَ لَهَا شَعْبَانُ وَلَا رَمَضَانُ، فَيَتَأَنَّى لَهَا إِكْمَالُ الثَّلَاثِينَ، وَأَنَّ جِهَاتٍ مِنَ الْمِنْطَقَةِ الْمُعْتَدِلَةِ لَهَا شَعْبَانُهَا وَرَمَضَانُهَا، لَكِنَّ سَمَاءَهَا تَظُلُّ غَائِمَةً مُدَدًا لَا يَتَيَسَّرُ مَعَهَا تَمْيِيرُ رَمَضَانَ، فَضْلاً أَنْ يُكْمَلَ هَذَا أَوْ ذَاكَ، وَعَلَيْهِ فَتَعْلِيقُ الصَّوْمِ وَالْإِفْطَارِ فِي أَوَّلِ عَهْدِ الأُمَّةِ بِرُؤْيَةٍ الهلالِ يُعْتَبَرُ مَرْحَلَةٌ تَمْهِيدِيَّةُ لِشَرِيعَةِ الإِسْلامِ آخِرِ الشَّرَائِعِ السَّمَاوِيَّةِ الْبَاقِيَةِ بَقَاءَ الدُّنْيَا، رَيْثَمَا يَمْتَدُّ الإِسْلامُ إِلَى الْجِهَاتِ الْمُومَى إِلَيْهَا، وَتُنْمِرُ تَعَالَيمُهُ السَّامِيةُ فِي نُفُوسِ أَتْبَاعِهِ مِمَّا حَتَّ عَلَيْهِ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ هُنَالِكَ إِذْ تَتَأَمَّلُ الأُمَّةُ لإِثْبَاتِ مَوَاقِيتِ عِبَادَاتِهَا بِالطَّرِيقَةِ الْيَقِينِيَّةِ، فَإِنَّ اعْتِقَادَهَا قَطْعِيَّتَهَا حِينَئِذٍ يَمْنَعُهَا أَنْ تَعْدِلَ عَنْهَا إِلَى الشَّهَادَةِ الظَّنِّيّةِ الَّتِي كَثِيرًا مَا يَقَعُ فِيهَا التَّلاَعُبُ وَالتَّزْوِيرُ وَيُحْدِثُ اخْتِلَافُهَا فِي الأُمَّةِ فَوْضَى دِينَيَّةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ تُمَزِّقُهَا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، يُخَطَّئُ الْوَاحِدُ الْآخَرَ فِي سُلُوكِهِ وَيَتَّهِمُهُ بِرِيَّةِ الدِّينِ.
4 - وَأَنَّ الرَّسُولَ ع لَمَّا قَالَ: "نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نكتُبُ وَلا نَحْسُبُ ... الحَدِيث " لا يَقْصِدُ بِذَلِكَ إِقْرَارَهَا عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى أُمِّيَّتِهَا، وَأَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عَالِمَةٌ كَاتِبَةً حَاسِبَةٌ يَوْمًا، فَلَوْ فَرَضْنَا ذَلِكَ لَكَانَ الرَّسُولُ مُنَبِّطًا عَمَّا حَتَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ إِذْ يَقُولُ: لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ" وَحَاشَاهُ مِنْ ذَلِكَ حَاشَاهُ! كَيْفَ وَقَدْ عَمِلَ هُوَ نَفْسُهُ عَلَى رَفْعِ الأُمِّيَّة؛ إِذْ جَعَلَ فِدَاءَ أَسْرَى بَدْرِ الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ الْكِتَابَةَ وَالْقِرَاءَةَ أَنْ يُعَلَّمَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ عَشَرَةَ مِنْ صِبْيَانِ الْمُسْلِمِينَ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ ثُمَّ هُوَ حُرٌّ طَلِيقٌ، وَجَعَلَ هُوَ نَفْسُهُ الْقُرْآنَ الْمِعْيَارَ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ صِدْقُ حَدِيثِهِ وَصِحَّةُ نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ: "مَا جَاءَكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ ... الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مُفْصِحًا عَمَّا أَمْكَنَهُ تَطْبِيقُهُ حِينَذَاكَ، وَلَوْ أَمْكَنَهُ أَكثر مَا عَدَلَ - وَاللهُ أَعْلَمُ - عَنِ الْقَطْعِي إِلَى الظَّنِّي. (2/84)
صفحة 581
??
تواعد الإسلام
كَانَ مَذْهَبُهُ الاسْتِدْلَالَ بِالنُّجُومِ وَمَنَازِلِ الْقَمَرِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ أَنَّ الْهِلَالَ مَرْنِيٌّ وَقَدْ غُمَّ، فَإِنَّهُ يَعْتَقِدُ الصَّومَ وَيُجْزِيهِ).
(1)
وَسَبَبُ الْخِلافِ: الاحْتِمَالُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: " فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ، فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ التَّأْوِيلَ إِكْمَالُ الْعِدَّةِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ التَّقْدِيرُ بِالْحِسَابِ النُّجُومِي، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يُصْبحَ الْمَرْءُ صَائِمًا، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ، كَمَا قَدَّمْنَا فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَكَانَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالْحَسَنُ إِذَا غُمَّ أَصْبَحَا مُفْطِرَيْنِ.
مَسْأَلَةٌ فِي وَقْتِ اعْتِبَارِ رُؤْيَةِ الْهِلاَلِ]: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَقْتِ اعْتِبَارِ رُؤْيَةِ الهلالِ، مَعَ اتَّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ إِذَا رُبِّي بِالْعَشِيِّ أَنَّهُ مِنَ اللَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَاخْتَلَفُوا ه - كَلامُ الرَّسُولِ كَلامُ مُشَرِّع لا ع لا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى مِنْ شَأْنِ عِبَارَتِهِ أَنْ تَكُونَ مَرِنَةٌ جَامِعَةً تُلائِمُ مَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ مِنْ تَطَوُّرِ حَالِ الْبَشَرِ بِحَيْثُ لا يَتَضَارَبُ وَسَيْرَ الْعِلْمِ، فَكُلَّمَا اسْتَجَدَّتْ حَالَةٌ أَوْ بَلَغَ الْعِلْمُ مُسْتَوَى أَعْلَى مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلُ إِلا وَنَجِدُ نَصَّ الشارع يَسَعُهُ وَلا يَأْبَاهُ، فَقَوْلُهُ أَيْضًا: "لا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ رُؤْيَتَهُ بِالْعَيْنِ الْمُجَرَّدَةِ لِكَوْنِ ذَلِكَ فِي عَهْدِهِ، لَكِنَّهُ قَدْ يُقَالُ إِنَّ ذَلِكَ لا يُنَافِي الْحِسَابَ الْفَلَكِي بَلْ يَسَعُهُ وَيَشْمَلُهُ، ذَلِكَ أَنَّ الرُّؤْيَةَ وَرَدَتْ فِي الْحَدِيثِ مُطْلَقَةٌ وَلَمْ يُقَيَّدْهَا بِالْعَيْنِ الْمُجَرَّدَةِ، فَجَازَ أَنْ تَشْمَلَ الرُّؤْيَةَ بِالْمِجْهَرِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ بِهَا الْحِسَابُ الْفَلَكِيُّ مَتَى أَثْبَتَ الْعِلْمُ وِلَادَةَ الهَلالِ وَتَعَذَّرَتْ رُؤْيَتُهُ بِالْعَيْنِ الْمُجَرَّدَةِ، أَمَّا قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: "فَإِنْ أَغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ، فَيَنْصَرِفُ إِلَى الْحِسَابِ إِذَا كَانَتِ الأُمَّهُ غَيْرَ أُمَّيَّةٍ أَوْ إِكْمَالِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا إِنْ كَانَتْ لَا تَزَالُ عَلَى أُمَّيَّتِهَا، وَعَلَى هَذَا التَّوْجِيهِ يُحْمَلُ كَلَامُ مَنْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ حَتَّى لَا يَتَعَارَضَ وَالْحَقِيقَةَ الْوَاقِعِيَّةَ مَتَى تَطَوَّرَتِ الأُمَّهُ وَأَصْبَحَتْ عَالِمَةَ بِالْحِسَابِ الْفَلَكِيِّ. وَهَكَذَا شَأْنُهُ التَّعْبِيرِ عَنِ الأَحْكَامِ الَّتِي تَخْضَعُ لِسُنَّةِ التَّطَوُّرٍ تَكُونُ عِبَارَتُهُ دَائِمَا مَرِنَةٌ لَا تَتَعَارَضُ وَمَا يُثْتُهُ الْعِلْمُ الْقَطَعِيُّ، وَهُوَ سِرُّ كَمَالِ شَرِيعَةِ الْخُلُودِ الَّتِي ثَلَائِمُ كُلَّ عَصْرٍ وَتُوَاكِبُ رَكْبَ الْمَعْرِفَةِ مَهْمَا تَطَوَّرَتِ الْعُلُومُ وَاتَّسَعَتْ آفَاقُهَا وَارْتَقَتِ الْمَدَارِكُ وَأَصْبَحَتْ حَقَائِقُهَا وَاقِعِيَّةٌ مَلْمُوسَةٌ مَا إِلَى إِنْكَارِهَا مِنْ سَبِيلٍ. هَذَا مَا تَيَسَّرَ لِي تَسْطِيرُهُ فِي إِيضَاحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْحَدِيثَةِ الَّتِي التَبَسَ فِيهَا وَجْهُ الصَّوَابِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، أَرْجُو أَنْ أَكُونَ فِيهِ مُسَدَّدَ الْخُطُوَاتِ، صَادِقَ النَّظَرَاتِ، مَعْصُومًا مِنَ الْخَطَا وَالزَّلَلِ، ثُمَّ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ. اهـ مُصَحْحه.
(1) [ابن رشد: بداية المجتهد، 284/ 1].
في (2/85)
صفحة 582
قواء
إِذَا رُئي فِي سَائِرِ أَوْقَاتِ النَّهَارِ، فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا وَبَعْضُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إِلَى أَنَّهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ رُئِي مِنَ النَّهَارِ أَنَّهُ مِنَ اللَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبِلَةِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِمْ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا رُثِيَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَهُوَ مِنَ اللَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ، وَإِنْ رُئِي بَعْدَ الزَّوَالِ فَهُوَ مِنَ اللَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكِ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ. وَسَبَبُ الْخِلافِ التَّحَرِّي فِيمَا سَبِيلُهُ التَّحَرِّي، وَالرُّجُوعُ إِلَى الْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الأَوَّلِ بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي وَائِل أَنَّهُ قَالَ: أَتَى فِي كِتَابِ عُمَرَ أَنَّ الأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ، فَإِنَّهَا إِذَا وَفَّتْ رُثِيَتْ بِالنَّهَارِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلالَ فَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى يَشْهَدَ رَجُلَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بِالْأَمْسِ، وَالثَّانِي مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ قَوْمًا رَأَوُا الْهِلَالَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَأَفْطَرُوا، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ يَلُومُهُمْ فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُوهُ نَهَارًا قَبْلَ الزَّوَالِ فَأَفْطِرُوا، وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُ بَعْدَ الزَّوَالِ فَلَا تُفْطِرُوا وَالْقَوْلُ الأَوَّلُ أَصَحُ فِيمَا وَجَدْتُ فِي أَثَرِ أَصْحَابِنَا، وَزُعِمَ أَنَّهُ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَالْعَامَّةِ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعُثْمَانَ وَأَكْثَرِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ في مَنْ أَبْصَرَ هِلالَ الصَّوْمِ وَحْدَهُ]: وَاتَّفَقَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَبْصَرَ هِلَالَ الصَّوْمِ وَحْدَهُ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنْ لَا يَصُومَ إِلَّا بِرُؤْيَةِ غَيْرِهِ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُفْطِرُ بِرُؤْيَتِهِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يُفْطِرُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ وَالشَّافِعِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا، إِلا أَنَّهُمْ قَالُوا: يُفْطِرُ سِرًّا لِئَلاً يُبِيحَ الْبَرَاءَةَ مِنْ نَفْسِهِ، وَذَهَبَ (2/86)
صفحة 583
aldiskidiskiskickat skatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakata
87
آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "صُومُوا لِرُؤيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤيَتِه (1).
فَحُصُولُ الْعِلْمِ بِالرُّؤْيَةِ يَقَعُ مِنْ طَرِيقَيْنِ، أَحَدُهُمَا: الْحِس [وَهُوَ الرُّؤْيَةُ كَمَا قَدَّمْنَا، وَبِهِ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَالثَّانِي: الْخَبَرُ، وَهُوَ أَحَدُ سَبَي مُوجِبِ
الصَّوْمِ، وَسَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
(1) [سبق تخريجه]. (2/87)
صفحة 584
قواعد
الفصل الثاني
في السَّبَبِ الآخَرِ الْمُوجِبِ لِلصَّوْمِ
وَهُوَ الخَبَرُ
وَفِيهِ ثَلاثُ مَسَائِلَ:
88
إِحْدَاهَا [المسألة الأولى]: فِي عَدَدِ الْمُخْبِرِينَ الَّذِينَ يَجِبُ قَبُولُ خَبَرِهِمْ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَجِبُ الصِّيَامُ بِخَبَرِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ، وَلَا يُفْطَرُ إِلَّا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل فِيمَا وَجَدْتُ عَنْهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يُصَامُ وَلَا يُفْطَرُ إِلا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ، رُوِيَ ذُلِكَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعِيدٍ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَطَاءُ وَغَيْرُهُ، وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ فِي الصَّوْمِ وَالإِفْطَارِ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ الأَثَرُ وَتَرَدُّدُ الْخَبَرِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ أَوْ مِنْ بَابِ الْعَمَلِ بِالأَحَادِيثِ، فَلا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعَدَدُ، أَمَّا الْأَثَرُ فَحَدِيثُ الأَعْرَابِيِّ الْمَرْوِيُّ عَنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَبْصَرْتُ الْهِلَالَ اللَّيْلَةَ، فَقَالَ: " أَتَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ؟ "، فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "قُمْ يَا بِلالُ (2/88)
صفحة 585
89
فَأَذَنْ فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا (1)، وَبِهَذَا يَأْخُذُ أَصْحَابُنَا، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ مَرْوِيٌّ عَنْهُ قَالَ: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا
الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا (3).
وَأَظُنُّ أَصْحَابَنَا وَمَنْ وَافَقَهُمْ إِنَّمَا فَرَّقُوا بَيْنَ هِلَالِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ لِمَكَانِ سَدِّ ذَرِيعَةِ أَنْ لَا يَدَّعِي مَنْ لاَ يُوثَقُ بِهِ أَنَّهُ رَأَى الْهِلَالَ وَهُوَ بَعْدُ لَمْ يَرَهُ، وَقِيلَ: إِنَّمَا رَدُّوا شَهَادَةَ الْعَدْلِ فِي الإِفْطَارِ وَأَجَازُوها فِي الصَّوْمِ؛ لأَنَّهُ فِي الصَّوْمِ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ، وَفِي الإِفْطَارِ شَهِدَ لِنَفْسِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي الصَّوْمِ إِجَازَةُ قَوْلِ الْعَبْدِ وَالأَمَةِ، وَلا يَجُوزُ فِي الإِفْطَارِ إِلا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَيْنِ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا يُصَامُ بِأَمِينٍ وَاحِدٍ، وَبِأَمِينَيْنِ، وَامْرَأَتَيْنِ أَمِينَتَيْنِ، وَبِثَلَاثَةِ نَفَرٍ مِنْ
أَهْلِ الْجُمْلَةِ إِذَا لَمْ يُسْتَرَابُوا، وَبِالشُّهْرَةِ الَّتِي لا تُدْفَعُ، وَاللهُ أَعْلَمُ (3).
(1) [رواه أبو داود، باب في شهادة الواحد على رؤية الهلال، ر 2342].
(1) [سبق تخريجه]. (2) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ تَفْرِيعا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ رُؤْيَةَ الْهِلالِ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ لَا مِنْ بَابِ الْخَبَرِ، وَالْعَمَلُ بِالأَحَادِيثِ وَالتَّحْقِيقِ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الْخَبَرِ هُوَ الأَظْهَرُ، ذَلِكَ أَنَّ بَابَ الْخَبَرِ قِوَامُهُ تَصْدِيقُ المُخْبِرِ لا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَأَنْ تُبُوتَ الصَّوْمِ بِالْعَبْدِ وَحْدَهُ وَبِالْأَمَةِ وَحْدَهَا، وَاشْتِرَاطُ عَدَم الاسْتِرَائِةِ فِى الْجُمْلَتين كُلُّ ذَلِكَ يَلْحَنُ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَر فِي الْبَابَ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَهُوَ مَا يُؤَيِّدُ هَذِهِ النَّظَرِيَّةَ، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ فَلَنَا أَنْ نَعْمَلَ بِالنِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ كَمَا تَعْمَلُ بِالرِّجَالِ وَحْدَهُمْ، أَلا تَرَى أَنَّنَا نُصَدِّقُ الْمَرْأَةَ كَالرَّجُلِ إِذَا مَا عَهِدْنَا إِلَيْهَا بِتَطْهِيرِ ثَوْبٍ، فَأَخْبَرَتْنَا أَنَّهَا طَهَّرَتْهُ وَصَدَّقْنَاهَا وَالتَّصْدِيقُ حُجَّةٌ)، صَحْ لَنَا أَنْ نُصَلِّي بِذَلِكَ الثَّوْبِ وَتَكُونُ صَلَاتُنا صَحِيحَةٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، فَأَيُّ فَرْقٍ إِذَنْ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ وَكِلاهُمَا مِنْ قَوَاعِدِ الإِسْلَامِ؟ أَضِف إِلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّظَرِيَّةَ تُلائِمُ يُسْرَ الإِسْلامِ وَسَمَاحَتَهُ، وَالدِّينُ يُسْرُ. "وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ". اهـ مُصَحْحه. (2/89)
صفحة 586
وقواعد الإسـ
(1)
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي هِلالٍ يَرَاهُ أَهْلُ بَلَدٍ وَلَا يَرَاهُ غَيْرُهُمْ، فَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ: "لِكُلِّ قَوْمٍ رُؤْيَتُهُمْ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ آخَرُونَ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ أَهْلَ بَلَدٍ رَأَوْهُ فَعَلَى مَنْ أَفْطَرَ بَعْدَ ذَلِكَ
(2)
الْقَضَاءُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّافِعِي وَاللَّيْثِ بْنِ سَعِيدٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَبَبُ الْخِلافِ: تَعَارُضُ النَّظَرِ وَالآثَارِ، أَمَّا النَّظَرُ فَهُوَ أَنَّ الْبِلادَ إِذَا لَمْ تَخْتَلِفْ مَطَالِعُهَا كُلَّ الاخْتِلافِ وَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَأَمَّا الْآثَارُ فَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ (2) أَنَّهُ قَالَ: قَدِمْتُ مِنَ الشَّامِ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي آخِرِ رَمَضَانَ، فَسَأَلَنِي ابْنُ عَبَّاس فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلاَکَ؟ فَقُلْتُ: لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَرَأَىهُ النَّاسُ فَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلا نَزَالُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلاثِينَ يَوْمًا أَوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: أَلا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةً؟ فَقَالَ: لا، هَكَذَا أَمَرَنَا النَّبِيُّ (3). فَظَاهِرُ الْأَثَرِ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ بَلَدٍ.30 ظَاهِرُ الأثر يقضى آن كار را لر
وَرُؤْيَتَهُ قَرُبَ أَوْ بَعْدَ، وَالنَّظَرُ يُعْطِي الْفَرْقَ بَيْنَ الْبِلادِ النَّائِيَةِ وَالْقَرِيبَةِ؛ لأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا فِيمَا وَجَدْتُ عَلَى أَنَّهُ لا يُرَاعَى ذَلِكَ فِي الْبَلَدِ النَّائِيَةِ، كَالأَنْدَلُسِ وَالْحِجَازِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَإِذَا صَحَ رَمَضَانُ بِشَهَادَةِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ فَلَمْ يَصُمْهُ أَحَدٌ مُحْتَجًا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلا شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ، فَذَكَرَ ابْنُ جَعْفَرٍ فِي كِتَابِهِ: أَنْ لَا كَفَّارَةَ (1) [قال مسلم: "باب" بَيَانِ أَنَّ لِكُلِّ بَلَدٍ رُؤيَتهُمْ وَأَنَّهُمْ إِذَا رَأَوُا الْهَلَالَ بِبَلَدٍ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ لِمَا بَعْدَ عَنْهُمْ، صحيح مسلم، 126/ 3]. (1) هُوَ كُرَيْبٌ كريب بن أبي مسلم الهاشمي العباسي، أبو رشدين مولى ابن عباس، تابعي جليل، أدرك عثمان بن عفان، وروى عن جمع من الصحابة، وكان ثقة، حسن الحديث توفي 98 هـ. (انظر: سير أعلام النبلاء، 36/ 8. محمد بن سعد بن منيع، أبو عبد الله البصري الزهري: الطبقات الكبرى، تحقيق: إحسان عباس، ط 1، 1968 م، دار صادر، بيروت، 293/ 5)]. (1) [رواه مسلم، باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم، ر 2580]. (2/90)
صفحة 587
91
عَلَيْهِ، وَأَنَّ مَنْزِلَتَهُ خَسِيسَةٌ)، لاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى قَبُولِ قَوْلِ الثَّقَةِ فِي صَوْمِهِ. وَلَعَمْرِي لَكَذَلِكَ؛ لأَنَّ هَذَا أَمْرٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَأَمَّا إِنْ صَحٌ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ أَوْ بِالشُّهْرَةِ فَلَمْ يَصُمْهُ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، مَعَ لُزُومِ الْكُفْرِ إِيَّاهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا إِلَّا أَنَّ عِنْدَ
بَعْضِهِمْ إِنِ ادَّعَى الْجَهَالَةَ فَعَلَيْهِ بَدَلُ يَوْمٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ مِنَ الْمَسَائِلِ بِزَمَانِ الْوُجُوبِ، أَعْنِي تَحْدِيدَ طَرَفَيِ الشَّهْرِ.
(1) [الجامع، 163/ 3] (2/91)
صفحة 588
الفضيل الثالث
فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِزَمَانِ الإِمْسَاكِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَغَيْرِهِمَا
مسألة: في آخِرِ زمانِ الإمساك]
وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ آخِرَهُ مَغِيبُ الشَّمْسِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَهُنَا - يَعْنِي مِنَ الْمَشْرِقِ - وَأَدْبَرَ النَّهَارُ وَغَابَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ أَكَلَ أَوْ لَمْ يَأْكُلْ (1)، وَقَوْلِهِ: "إِذَا سَقَطَ الْقُرْصُ وَجَبَ الإِفْطَارُ (2)، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَفْطَرَ وَهُوَ يَرَى أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَابَتْ وَهِيَ لَمْ تَغِبْ بَعْدُ، فَقَالَ أكثرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ أَتِمُّوا القِيَامَ إِلَى الَّيْلِ (3) وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمُعَاوِيَةَ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَالزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَأَهْلِ الرَّأْيِ، وَقَالَ آخَرُونَ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيٌّ وَغَيْرِهِ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّاسِي،
وَالأَوَّلُ أَصَحُ
(3)
(1) [رواه البخاري، كتاب الصوم، باب متى يحل فطر الصائم، ر 1954]. (1) ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ أَثَرًا لأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي بَابِ مَتَى يَحِلُّ فِطْرُ الصَّائِمِ": "فَأَفْطَرَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ حِينَ غَابَ قُرْصُ الشَّمْسِ". [باب 42، 690/ 2]
(2) البقرة: 187.
(1) يُمْكِنُنَا أَنْ نَعْتَبِرَ بِنَاءً عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرِ الْقَوْلَ الثَّانِيَ
هُوَ الأَصْحَ، كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا إِيضَاحُهُ. (2/92)
صفحة 589
93
قواعد الإ
مَسْأَلَةٌ فِي أَوَّلِ زَمَانِ الإِمْسَاكِ]: وَاخْتَلَفُوا فِي أَوَّلِ زَمَانِ الْإِمْسَاكِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: هُوَ طُلُوعُ الْفَجْرِ الثَّانِي الْمُسْتَطِيرِ الْأَبْيَضِ الْمُعْتَرِضِ
(1).
في الأُفُقِ، لِتُبُوتِ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَوَامُ عُلَمَاءِ الأَمْصَارِ، وَشَذَّتْ فِرْقَةٌ فَقَالَتْ: هُوَ الْأَحْمَرُ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ الأَبْيَضِ، وَهُوَ نَظِيرُ الشَّفَقِ الأَحْمَرِ، زَعَمُوا ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ صَلَّى الْفَجْرَ فَقَالَ هَذَا حِينَ تَبَيَّنَ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ، وَزَعَمُوا مِثْلَهُ عَنْ حُذَيْفَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَّ حُذَيْفَةَ لَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ تَسَخَّرَ ثُمَّ صَلَّى"، وَعَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ قَالَ لَمْ يَكُونُوا يَعُدُّونَ الْفَجْرَ فَجْرَكُمْ هَذَا، إِنَّمَا كَانُوا يَعُدُّونَ الْفَجْرَ الَّذِي يَمْلأُ الْبُيُوتَ
وَالطُّرق".
وَسَبَبُ الْخِلافِ فِي هَذَا اشْتِرَاكُ اسْم الْفَجْرِ وَاخْتِلافُ الآثَارِ، وَالأَصَحُ مَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلاً، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ (2) فَهَذَا نَصُّ فِي مَوْضِعِ النزاع، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَعَامَّةِ الْفُقَهَاءِ.
دو
مَسْأَلَة [فِي الْحَدِّ الْمُحَرَّمِ لِلأَكْلِ]: وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَدِّ الْمُحَرِّمِ لِلأَكْلِ، فَقَالَ قَوْمٌ هُوَ طُلُوعُ الْفَجْرِ نَفْسِهِ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ تَبَيَّنَهُ عِنْدَ النَّاظِرِ إِلَيْهِ، وَإِلا فَالأَكْلُ مُبَاحٌ لَهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ وَإِنْ كَانَ قَدْ طَلَعَ.
وَفَائِدَةُ الْخِلافِ: إِذَا انْكَشَفَ لِمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يَطْلُعْ بَعْدَمَا أَكَلَ، فَمَنْ قَالَ الْحَدُّ فِي ذَلِكَ هُوَ الطُّلُوعُ نَفْسُهُ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ، وَمَنْ قَالَ الْحَدُّ هُوَ الْعِلْمُ الْحَاصِلُ لَهُ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَكَلَ وَهُوَ لا يَعْلَمُ طُلُوعَ الْفَجْرِ ثُمَّ عَلِمَ بِهِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ، رُوِيَ
(1) [رواه الترمذي، باب ما جاء في بيان الفجر، ر 706، بلفظ: "لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر المستطير في الأفق"]. يَعْنِي بِالْمُسْتَطِيرِ الْمُعَرِّضَ فِي ا (1) البقرة: 187. (2/93)
صفحة 590
قواعد الإسـ
ذَلِكَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَهْلِ الرَّأْيِ، وَقَالَ قَوْمٌ لا قَضَاءَ عَلَيْهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَالْقَوْلُ
الأَوَّلُ أَحْوَطُ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: الاحْتِمَالُ الْوَاقِعُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الخيط الأبيضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ الآية ()، فَإِضَافَةِ التَّبَيُّنِ لَنَا بِظَاهِرِ اللَّفْظِ يُوجِبُ تَعَلَّقَ الإِمْسَاكِ بِالْعِلْمِ، وَالْقِيَاسُ يُوجِبُ تَعَلَّقَهُ بِالطُّلُوعِ نَفْسِهِ، أَعْنِي قِيَاسًا عَلَى الْغُرُوبِ وَسَائِرِ الأَوْقَاتِ الشَّرْعِيَّةِ كَالزَّوَالِ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّ الاعْتِبَارَ فِي جَمِيع ذَلِكَ حُلُولُ الْوَقْتِ تَبَيَّنَ لَنَا أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ، فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِ الإِمْسَاكِ قَبْلَ الطلوع جَرَى عَلَى الاحْتِيَاطِ وَسَدَّ الذَّرِيعَةِ وَهُوَ أَوْرَعُ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْأَكْلَ مُتَّصِلُ بِالطُّلُوعِ احْتَجَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ تكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى لا يُؤَذِّنُ حَتَّى يُقَالُ لَهُ أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ (2)، وَهُوَ أَقْبَسُ، وَالأَوَّلُ أَوْرَعُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا قَرِيبًا.
(1) [رواه البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان قبل الفجر، 596 - 597]، دون ذكر: "وَكَانَ
رَجُلاً أَعْمَى ... " إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. (2/94)
صفحة 591
iskidaisiaiskichichichichichichichichickchickchickchicksaltz
90
وَهِيَ أَرْبَعَةٌ
الْبَابُ الثَّالِثُ في أَرْكَانِ الصَّوْمِ
أَحَدُهَا الركن الأول]: الْعِلْمُ بِدُخُولِ الشَّهْرِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وَالْمُشَاهَدَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ، أَحَدُهُمَا: مُشَاهَدَةٌ بِالرُّؤْيَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا، وَالثَّانِي: مُشَاهَدَةٌ بِالْعِلْمِ لِمَنْ عَدِمَ رُؤْيَتَهُ بِالْحِسَ، وَهُوَ الأَعْمَى وَالْمَحْبُوسُ وَالأَسِيرُ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ مِمَّنْ عَجَزَ عَنْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، فَإِذَا عَدِمَ هَؤُلَاءِ الْعِلْمَ بِحُلُولِ الشَّهْرِ تَحَرَّوْا شَهْرًا فَيَصُومُونَهُ، فَإِنْ خَرَجَ ذَلِكَ الشَّهْرُ رَمَضَانَ أَوْ بَعْدَهُ أَجْزَأَ عَنْهُمْ فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ؛ لأَنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ دَيْنٌ فَقَضَوْهُ بَعْدَ رَمَضَانَ، وَإِنْ خَرَجَ شَعْبَانَ أَوْ مَا قَبْلَهُ فَلَا يُجْزِيهِمْ صَوْمُهُ؛ لَأَنَّهُمْ صَامُوهُ قَبْلَ وُجُوبِ فَرْضِهِ عَلَيْهِمْ، كَمَنْ صَلَّى قَبْلَ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى جَوَازِهِ قَبْلَ رَمَضَانَ، فَشَبَّهُوا ذَلِكَ بِخَطَأَ الْقِبْلَةِ وَخَطَا عَرَفَةَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَالأَوَّلُ أَصَحُ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَؤُلاَءِ إِذَا صَامُوا رَمَضَانَ تَطَوُّعًا، فَقِيلَ: يُجْزِيهِمْ. وَقِيلَ: لاَ يُجْزِيهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، أَيْ: حَضَرَهُ فِي بَلَدِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) الْبَقَرَة: 185. (2/95)
صفحة 592
97
الرُّكْنُ الثَّانِي
في اسْتِكْمَالِ طَرَفَيِ الشَّهْرِ الْمُفْتَرَضِ
وَهُوَ أَنْ يُصَامَ لِرُؤْيَتِهِ، وَيُفْطَرَ لِرُؤْيَتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ. (2/96)
صفحة 593
الرُّكْنُ الثَّالِثُ النِّيَّةُ
وَفِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ:
إِحْدَاهَا [المسالة الأولى]: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ الْمَفْرُوضِ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ زُفَرَ أَنَّهُ قَالَ: رَمَضَانُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي يُرِيدُ صِيَامَهُ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: الاحْتِمَالُ الْمُتَطَرِّقُ إِلَى الصَّوْمِ، هَلْ هُوَ عِبَادَةٌ مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى أَوْ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّهَا غَيْرُ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ أَوْجَبَ النِّيَّةَ، وَلإِجْمَاعِهِمْ لَوْ أَنَّ إِنْسَانًا أَصْبَحَ غَيْرَ مُعْتَقِدِ الصَّوْمَ فَلَمْ يَأْكُلْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ أَنَّهُ لاَ يُسَمَّى صَائِمًا صَوْمًا شَرْعِيَّا، وَلَا يَسْتَحِقُ ثَوَابَ الصَّائِمِ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةُ مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى قَالَ: قَدْ حَصَلَ صَوْمُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، لَكِنَّ تَخْصِيصَ زُفَرَ رَمَضَانَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الصَّوْمِ فِيهِ ضَعْفٌ، فَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّ رَمَضَانَ لا يَجُوزُ فِيهِ الإِفْطَارُ رَأَى أَنَّ كُلَّ صَوْمٍ يَقَعُ فِيهِ يَنْقَلِبُ صَوْمًا شَرْعِيًّا،
وَاللهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِ النبيَّةِ الْمُجْزِئَةِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ صَوْمِ رَمَضَانَ، وَلا يُجْزِيهِ اعْتِقَادُ النَّيَّةِ لِلصَّوْمِ مُطْلَقًا، وَلَا اعْتِقَادُ (2/97)
صفحة 594
98
صَوْمٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ صَوْمِ رَمَضَانَ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنْ أَطْلَقَ الصَّوْمَ أَوْ نَوَى فِيهِ غَيْرَ رَمَضَانَ أَجْزَاهُ وَانْقَلَبَ إِلَى صِيَامٍ رَمَضَانَ، إِلا الْمُسَافِرَ فَإِنَّهُ إِذَا نَوَى فِي رَمَضَانَ غَيْرَهُ أَجْزَأَهُ، وَهَذَا يُنْسَبُ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَمْ يُفَرِّقُ صَاحِبَاهُ - فِيمَا رُوِيَ عَنْهُمَا - مَا بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ، فَقَالَا: كُلُّ صَوْمِ اعْتَقَدَهُ الإِنْسَانُ فِي رَمَضَانَ انْقَلَبَ إِلَى رَمَضَانَ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ هَل الْكَافِي فِي رَمَضَانَ تَعْيِينُ جِنْسِ الْعِبَادَةِ أَوْ تَعْيِينُ شَخْصِهَا؟ وَذَلِكَ أَنَّ كِلاَ الأَمْرَيْنِ مَوْجُودٌ فِي الشَّرْع، مِثَالُ ذَلِكَ: النِّيَّةُ فِي الْوُضُوءِ يَكْفِي مِنْهَا اعْتِقَادُ رَفْعِ الْحَدَثِ لِجَمِيعِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي الْوُضُوءُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا، وَلَيْسَ يَخْتَصُّ كُلَّ عِبَادَةٍ بِوَضُوءٍ مُحَدَّدٍ، وَأَمَّا الصَّلاةُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ النِّيَّةِ فِيهَا إِنْ عَصْرًا فَعَصْرُ وَإِنْ ظَهْرًا فَظُهُرٌ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، فَتَرَدُّدُ الصَّوْمِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْجِنْسَيْنِ، فَمَنْ أَلْحَقَهُ بِالْوُضُوءِ قَالَ يَكْفِي فِيهِ اعْتِقَادُ الصَّوْمِ مُطْلَقًا، وَمَنْ أَلْحَقَّهُ بِالصَّلاةِ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ صَوْمِ رَمَضَانَ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ أَيْضًا: إِذَا نَوَى فِي رَمَضَانَ غَيْرَهُ، هَلْ يَنْقَلِبُ إِلَيْهِ أَوْ لَا يَنْقَلِبُ؟ سَبَبُهُ أَيْضًا أَنَّ مِنَ الْعِبَادَةِ مَا يَنْقَلِبُ فَرْضًا إِذَا ابْتَدَأَهُ تَطَوُّعًا، وَذَلِكَ كَالْحَجِّ إِذَا ابْتَدَأَهُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ تَطَوُّعًا انْقَلَبَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَرْضًا، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ التَّطَوُّعِ إِذَا دَخَلَ فِيهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ تَمَامَهُ كَالْفَرْضِ، وَإِنْ أَفْسَدَهُ فَعَلَيْهِ الإِعَادَةُ، وَمِنَ الْعِبَادَةِ مَا لَا يَنْقَلِبُ كَالصَّلَاةِ إِذَا عَقَدَهَا نَافِلَةٌ فَلَا تَسْتَحِيلُ فَرْضًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
"
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَة [في عقد نية واحدة لصوم الشهر كله]: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ أَنَّهُ أَجْزَأَهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي اعْتِقَادِ النِّيَّةِ مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةٍ أَنَّهُ يَصُومُهُ كُلَّهُ، هَلْ يُجْزِيهِ ذَلِكَ؟ فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إِلَى جَوَازِهِ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى
(1) وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا. (2/98)
صفحة 595
99
ذَلِكَ بَعْضُ فُقَهَاءِ قَوْمِنَا، وَأَظُنُّ مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يُجْزِيهِ حَتَّى يَنْوِي كُلَّ لَيْلَةٍ.
وَحُجَّةُ أَصْحَابِ الْقَوْلِ الأَوَّلِ: أَنَّ رَمَضَانَ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ تَكْفِي فِيهِ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ أَوَّلِهِ كَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَلَعَلَّ الآخَرِينَ احْتَجُوا بَأَنَّ اللَّيَالِي فَصَلَتْ بَيْنَ صِيَامِ الأَيَّامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ النَّيَةِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَجُوزُ صِيَامُ فَرْضِ وَلَا نَفْلِ إِلا بِتبييتِ النِّيَّةِ مِنَ اللَّيْلِ قَبْلَ الصُّبْحِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى إِجَازَتِهَا بَعْدَ الْفَجْرِ لِصَوْمِ النَّفْلَ دُونَ الْفَرْضِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى جَوَازِهَا بَعْدَ الْفَجْرِ فِي كُلِّ فَرْضِ مُتَعَيِّنٍ وَقَتُهُ مِثْلِ رَمَضَانَ أَوْ نَذْرِ أَيَّامٍ
مَعْدُودَة.
وَسَبَبُ الْخِلافِ فِي هَذَا اخْتِلافُ الآثَارِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: "لَا صَوْمَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ (1)، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَأَلَهَا النَّبِيُّ: "هَلْ عِنْدَكِ مِنْ طَعَامِ؟ قَالَتْ: لا، قَالَ: "فَإِنِّي صَائِمٌ"، وَذَلِكَ فِي النَّهَارِ، وَالأَوَّلُ أَصَحُ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ فِي النَّفْلِ وَالْفَرْضِ جَمِيعًا، وَالْحَدِيثُ الثَّانِي يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَأَلَهَا عَنْ قُوتِهِمُ الَّذِي لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ وَقْتَ الإِفْطَارِ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ.
(2)
(1) [رواه النسائي، كتاب الصيام، باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة في ذلك،
ر 2334].
(1) [رواه مسلم، باب جواز صوم النافلة بنية من النهار، ر 2770] وَهَذَا الْحَدِيثُ وَارِدٌ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ الَّذِي تُجْزِئُ نِيَّتُهُ مِنَ النَّهَارِ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ طَعِمَ، لَا فِي صَوْمِ الْفَرْضِ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِي صحتِهِ تَبْسِيتُ النِّيَّةِ مِنَ اللَّيْلِ، وَالْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ. (2/99)
صفحة 596
قواعد الإسـ
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: فِي كَيْفِيَّةِ اعْتِقَادِ النَّيَةِ، وَذَلِكَ أَنْ يَعْتَقِدَ نِيَّةَ الصَّوْمِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَيَقُولُ: غَدًا إِنْ شَاءَ اللهُ أُصْبِحُ صَائِمَا الْفَرِيضَةَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ طَاعَةٌ لِلهِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أَوْ إِلَى اللَّيْلِ. فَإِنْ عَقَدَ النِّيَّةَ كَمَا وَصَفْنَا لِلشَّهْرِ كُلِّهِ أَوَّلَ اللَّيْلَةِ، ثُمَّ سَهَا بَعْدَ ذَلِكَ عَنِ النَّيَةِ لَيْلَةَ مِنَ اللَّيَالِي فَأَصْبَحَ صَائِمًا فَلا بَأْسَ عَلَيْهِ مَا دَامَ مُسْتَصْحِبًا لِلنَّيَّةِ وَلَمْ يَقْطَعْهَا، وَإِنْ عَقَدَ لِكُلِّ يَوْمٍ نِيَّةٌ فَحَسَنُ؛ لأَنَّهُ قِيلَ: لِكُلِّ يَوْمٍ فَرْضٌ جَدِيدٌ، وَلَهُ نِيَّةٌ جَدِيدَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَإِنْ لَّمْ يَعْقِدِ النِّيَّةَ حَتَّى أَصْبَحَ، وَصَامَ الشَّهْرَ كُلَّهُ عَلَى غَيْرِ نِيَّةٍ فَلَا يُجْزِتُهُ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَالنَّظَرُ يُوجِبُ عِنْدِي أَنْ لا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لأَنَّ هَذَا أَمْرٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (2/100)
صفحة 597
الركن الرابع
فِي الإِمْسَاكِ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ
الإمْسَاكُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْجِمَاعِ]
وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الصَّائِمِ الإِمْسَاكُ زَمَانَ الصَّوْمِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْجِمَاعِ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ القِيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَا بِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْتَنَ بَشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الخيط الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ الآيَة)، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حَظْرَ هَذِهِ الأَشْيَاءِ بِالنَّهَارِ. حكم صيامِ من ضَيَّعَ الغُسلَ مِنَ الجنابَةِ]
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُفْسِدُ الصَّوْمَ تَضْيِيعُ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصْبِحَ، وَبِالنَّهَارِ مِقْدَارُ مَا يَغْتَسِلُ فِيهِ، فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إِلَى الْقَوْلِ بِانْهِدَام مَا مَضَى مِنْ صَوْمِهِ، وَأَنَّ الطَّهَارَةَ مِنَ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنَّفَاسِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ جَمِيعًا.
مفطرا (2)
وَحُجَّةً أَصْحَابِنَا: قَوْلُ النَّبِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "مَنْ أَصْبَحَ جُنْبا أَصْبَحَ وَبِهِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَطَاوُسُ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَرُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ فِي الْمَرْأَةِ تُؤَخِّرُ الاغْتِسَالَ مِنَ الْحَيْضِ حَتَّى تُصْبحَ أَنَّهَا
6
(1) الْبَقَرَة: 187.
(1) [رَوَاهُ الرَّبِيعُ، كتاب الصوم، باب ما يفطر الصائم ووقت الإفطار والسحور، ر 315]. (2/101)
صفحة 598
تَقْضِي فَرَّطَتْ أَوْ لَمْ تُفَرِّطُ، وَذَهَبَ جُمْهُورُ مُخَالِفِينَا إِلَى أَنَّ الْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابَةِ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ، وَإِنْ أَصْبَحَ جُنبا لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَزَعَمُوا ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَبِهِ قَالَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ، وَاحْتَجُوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم "كَانَ يُصْبِحُ جُنُبا مِنْ جِمَاعِ غَيْرِ اختلام " (1)، وَالَّذِي قَالَهُ فِي هَذَا الحَدِيثِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَاسِيًا أَوْ لَهُ عُذْرٌ،
11
(1) [رواه البخاري، باب اغتسال الصائم، ر 1830]. قَالَ صَاحِبُ سُبُلِ السَّلَامِ: "وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ - يَعْنِي: ذَهَبُوا إِلَى صِحَةِ صَوْمِ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبا -. "وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّهُ إِجْمَاعٌ وَقَدْ عَارَضَهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ صَلاةِ الصُّبْح وَأَحَدُكُمْ جُنُبٌ فَلاَ يَـ يَوْمَهُ. وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَأَنْ أَبَا هُرَيْرَةَ رَجَعَ عَنْهُ لَمَّا رُوِيَ لَهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَأَفْتَى بِقَوْلِهِمَا". قَالَ الْمُصَرِّحُ [بكلي]: وَيُعَارِضُهُ أَيْضًا حَدِيثُ الرَّبِيعِ الْمُتَقَدِّمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ. ثُمَّ قَالَ [يعني صاحب سبل السلام: "وَيَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَفْتِيهِ وَهِيَ تَسْمَعُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ - أَيْ صَلاةُ الصُّبْحِ - وَأَنَا جُنُب. فَقَالَ النَّبِيُّ. النبي: "وأنا الصَّلاةُ وَأَنَا جُنَّبٌ فَأَصُومُ. فَقَالَ الرَّجُلُ: لَسْتَ مِثْلَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا
تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ فَقَالَ: "وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي" وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى النَّسْحَ الْخَطَّابِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمَا وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدْفَعُ قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّ ذَلِكَ كَانَ خَاصَّابِهِ. وَرَدَّ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ أَقْوَى سَنَدًا حَتَّى قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: صَحَ وَتَوَاتَرَ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِهِ، وَرِوَايَةُ
الرَّفْعِ أَقَلُّ، وَمَعَ التَّعَارُضِ يُرَجَحُ لِقُوَّةِ الطَّرِيقِ". اهـ[الصنعاني: سبل السلام، 2/ 165]. قَالَ بَدْرُ الدِّينِ السَّمَانِيُّ فِي شَرْحِ التَّوْحِيدِ: "مَسْأَلَة الْفِعْلاَنِ لَا يَتَعَارَضَانِ إِلَّا إِنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى تَكْرَارِ الْأَوَّلِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ الثَّانِي نَاسِخًا لَهُ، وَإِنْ عَارَضَهُ الْقَوْلُ نَحْوَ: " مَنْ أَصْبَحَ جِنْبا أَصْبَحَ مُفْطَرًا فَالْفِعْلُ خَاصٌ بِهِ وَالْقَوْلُ مُتَوَجَّهُ إِلَيْنَا، وَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى التَّأْسِي بِهِ وَدَلَّتْ عَلَى تَكْرَارِ الْفِعْلِ فَالثَّانِي نُسِخَ، وَإِنْ جُهِلَ التَّارِيحُ فَفِي حَقِّ الْأُمَّةِ ثَالِيُّهَا الْمُخْتَارُ الْعَمَلِ بِالْقَوْلِ؛ لأَنَّ دَلَالَتَهُ أَقْوَى لأَنَّهُ وُضِعَ لِذَلِكَ، وَلأَنَّ دَلَالَتَهُ تَعُمُّ الْمَعْدُومَ وَالْمَوْجُودَ وَالْمَعْقُولَ وَالْمَحْسُوسَ؛ لأَنَّ دَلَالَتَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا. اهـ[مقدمة التوحيد وشروحها، ص 128]. سَتَرُوحُ مِنْ هَذَا التَّفْصِيل أَنَّ تَارِيخَ الْحَدِيثَيْنِ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبا" وَحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيِّ كَانَ يُصْبِحُ جُنْبا" كَانَ مَجْهُولاً، لِذَلِكَ رَبَّحَ أَصْحَابُنَا الْعَمَلَ بِالْقَوْلِ لِقُوَّةِ دَلالَتِهِ، وَلَأَنَّ الْخِطَابَ مُقَدَّمٌ عَلَى وَاقِعَةِ الْحَالِ. اهـ مُصَححه. (2/102)
صفحة 599
الإسلام
وَالصَّحِيحُ مَا قَالَ أَصْحَابُنَا؛ لأَنَّ فِيهِ احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ، وَهُوَ أَجْمَعُ الْأَمْرَيْنِ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ.
[الاستمناء باستدعاء المني أو باستدامة الفكر والنظر] وَاسْتِدْعَاءُ الْمَنِي بِالاسْتِمْنَاءِ أَوْ بِاسْتِدَامَةِ الْفِكْرِ، وَالنَّظَرِ، أَوْ بِمُجَرَّدِهِمَا مِنْ غَيْرِ اسْتِدَامَةٍ حَتَّى يُمْنِي يَفْسُدُ بِهِ الصَّوْمُ وَتَلْزَمُهُ بِهِ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءُ، وَقِيلَ عَنْ مَالِكِ: إِنْ لَمْ يُتَابِعِ النَّظَرَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ. وَذُكِرَ فِي كِتَابِ الإِشْرَافِ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، أَعْنِي: عَلَى مُرَدِّدِ النَّظَرِ حَتَّى يُمْنِي. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ لَمَسَ فَأَمْنَى، فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ فِيمَا يَرِدُ الْجَوْفَ مِمَّا لَيْسَ بِمُغَةٌ مِمَّا يُمْكِنُ الاحْتِرَازُ مِنْهُ]: وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَرِدُ الْجَوْفَ مِمَّا لَيْسَ بِمُعَةٌ مِمَّا يُمْكِنُ الاحْتِرَازُ مِنْهُ، مِثْلُ مَنْ أَكَلَ طِينًا أَوْ حَصًى أَوْ أَشْبَاءَ ذَلِكَ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: إِنَّهُ يَجِبُ الإِمْسَاكُ عَمَّا يَصِلُ إِلَى الْجَوْفِ مِنْ أَيِّ الْمَنَافِذِ وَصَلَ مُعَذِّيَا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعَذِّ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بَأْسًا بِأَكل الطِّينِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَيْسَ بِمُغَةٌ، وَهُوَ خَطَةٌ مَحْضٌ؛ لأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ غَيْرُ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى، وَأَنَّ مَعْنَاهُ الإِمْسَاكُ، وَمَنْ أَكَلَ غَيْرَ الْمُغَذِّي لا يُسَمَّى مُمْسِكًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ [فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ]: وَاخْتَلَفُوا فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ، فَأَجَازَهَا بَعْضُهُمْ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيِّ الله كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ (2)، وَكَرِهَهَا آخَرُونَ، لِمَا "
(1) [انظر: زيادات أبي سعيد الكدمي على كتاب الإشراف، 511/ 2]. (1) رَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنْ عَائِشَةَ ثُمَّ قَالَ: كَانَ يَصْنَعُ بِنَا ذَلِكَ وَهُوَ يَضْحَكُ. [باب ما يفطر الصائم ووقت الإفطار والسحور، ر 318]. (2/103)
صفحة 600
قواعـ
تَدْعُو إِلَيْهِ مِنَ الْوِقَاعِ، وَأَجَازَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ لِلشَّيْخِ، وَكَرِهَهَا لِلشَّبَابِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَشَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا: إِنَّهَا تُفْطِرُ. وَكُلُّهُمْ يَقُولُونَ: إِنْ قَبَّلَ فَأَمْنَى أَفْطَرَ، وَإِنْ أَمْدَى لَمْ يُفْطِرْ.
مَسْأَلَةٌ فِي مَنِ اسْتَقَاءَ مُتَعَمِّدًا]: وَاخْتَلَفُوا فِي مَنِ اسْتَقَاءَ مُتَعَمِّدًا، فَذَهَبَ أَكْثَرُ مُخَالِفِينَا إِلَى إِبْطَالِ صَوْمِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ، فَرَوَوْا عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَلْقَمَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَالشَّافِعِي وَمَالِكِ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ، وَعَنْ
عَطَاءٍ وَأَبِي نَوْرٍ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا يُبْدِلُ يَوْمَهُ.
وَاتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَشَذَّ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: هُوَ
مُفْطِرُ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: مَا رُوِيَ عَنْهُ قَالَ: "مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ (1)، وَرُوِي أَيْضًا " أَنَّهُ قَاءَ فَأَفْطَرَ (2)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ في السَّعُوطِ لِلصَّائِمِ]: وَاخْتَلَفُوا فِي السَّعُوطِ لِلصَّائِمِ، فَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ وَرَأَى عَلَيْهِ الْقَضَاءَ إِذَا وَصَلَ جَوْفَهُ، وَرَأَى بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ.
وَفِي الاحْتِقَانِ فِي الدُّبُرِ اخْتِلافُ أَيْضًا، وَأَمَّا فِي الإِحْلِيل (3) فَلَا بَأْسَ.
(1) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. (1) رَوَاهُ التّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبي الدَّرْدَاءِ وَثَوْبَانَ وَفَضَالَةَ بْن عُبَيْدِ أَنَّ النَّي "قَاءَ فَأَفْطَرَ". قَالَ: وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذَا أَنَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كَانَ صَائِمًا مُتَطَوّعًا، فَقَاءَ فَضَعُفَ فَأَفْطَرَ لِذَلِكَ، هَكَذَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ مُفَسَّرًا، وَالْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ
: "أَنَّ الصَّائِمَ إِذَا ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَإِذَا اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضَ". (1) [الإحليل: مَخْرَجُ البَوْلِ من الذَّكَر ومَخَرجُ اللُّبَنِ من الضَّرْع الفراهيدي: العين، 168/ 1)]. (2/104)
صفحة 601
وَفِي أَثَرِ أَصْحَابِنَا: أَنْ لا بَأْسَ أَنْ يُقَطَّرَ فِي أُذُنَيْهِ الدُّهْنَ إِذَا اشْتَكَى، قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَى الْجَوْفِ وَإِنَّمَا يَصِلُ إِلَى الدِّمَاغِ.
[فِي مَضْعَ الْعِلْكِ لِلصَّائِمِ]
وَاخْتَلَفُوا فِي مَضْعَ الْعِلْكِ لِلصَّائِمِ، فَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَعَطَاءٍ أَنَّهُمَا رَخَّصَا فِيهِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَحْصَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْضِعَ لِوَلَدِهَا، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ والأَوْزَاعِيُّ، وَكَرِهَ مَضْعَ الْعِلْكِ لِلصَّائِمِ النَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَعَطَاءٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ لِلصَّائِمِ أَنْ يَمَسَّ بِلِسَانِهِ شَيْئًا لَهُ طَعْمٌ.
[فِي الْكُحْل للصَّائِمِ
وَاخْتَلَفُوا فِي الْكُحْل فَرَخَّصَ فِيهِ أَكْثَرُهُمْ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ وَالنَّخَعِيِّ والأَوْزَاعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا، وَكَرِهَ ذَلِكَ آخَرُونَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنِ اكْتَحَلَ قَضَى يَوْمًا مَكَانَهُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَغَيْرِهِمْ، وَكَرِهَ قَتَادَةُ الاكْتِحَالَ بِالصَّبِرِ، وَرَخَّصَ فِي الإِثْمِدِ (3)، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا.
[فِي السَّوَاكِ لِلصَّائِمِ]
وَاخْتَلَفُوا فِي السَّوَاكِ لِلصَّائِمِ، فَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسِ وَعَائِشَةَ، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَمَالِكُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَكَرِهَهُ آخِرَ
(1) [الصبر عصارة شجرٍ مُرٌ، واحدته صَبِرّة، وجمعه صبور. (ابن منظور لسان العرب، مادة "صبر")]. (1) [الإثمد: حجر الكحل]. (2/105)
صفحة 602
قواعد الإسـ
النَّهَارِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَفَرَّقَ أَصْحَابُنَا بَيْنَ السَّوَاكِ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ فَأَجَازَ بَعْضُهُمُ الرَّطْبَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَالْيَابِسَ
آخِرَهُ، وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ؛ لأَنَّهُ يَقْطَعُ خُلُوفَ الصَّائِمِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ
[في
الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ]: وَاخْتَلَفُوا فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ، فَقَالَ
أَصْحَابُنَا لَيْسَ فِيهَا فَسَادُ صَوْمِ إِلا كَرَاهِيَّةَ الضَّعْفِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم "أَنَّهُ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، وَمِثْلُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّهَا غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ، وَشَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا: إِنَّهَا تُفْطِرُ، وَرُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَدَاوُدَ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ، وَرَوُوْا فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ لَهُ (1)، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَرَكَةَ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لأَنَّهُ اجْتَازَ عَلَيْهِمَا وَهُمَا يَغْتَابَانِ رَجُلاً مُسْلِمًا، فَقَالَ: أَفْطَرَا بِالْغِيبَةِ لا بِالاحْتِجَامِ، وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَحْتَجِمُ وَيَقُولُ: صَامَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَحْتَجِمُ أَوَّلَ النَّهَارِ، فَلَمَّا كَبَرَ أَخَّرَهَا إِلَى الْعِشَاءِ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ فِي الْغِيبَةَ وَالنَّمِيمَةَ وَالْكَذِبَ وَأَيْمَانَ الْفُجُورِ وَالنَّظَرَ إِلَى الْفُرُوجِ]: وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إِلَى أَنَّ الْغِيبَةَ الْمُحَرَّمَةَ وَالنَّمِيمَةَ وَالْكَذِبَ وَأَيْمَانَ الْفُجُورِ وَالنَّظَرَ إِلَى الْفُرُوحِ الْمُحَرَّمَةِ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يُفْسِدُ الصَّوْمَ، وَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ، لِثْبُوتِ ذَلِكَ عن النبي في الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، وَسَائِرِ الْكَبَائِرِ قِيَاسًا عَلَيْهِمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ،
(1) [رواه الترمذي، كتاب الصوم، باب كراهية الحجامة للصائم، ر 774]، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ الْحِجَامَةَ لَا تُفْطِرُ الصَّائِمَ، وَأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَنَّ النَّبِيِّ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمْ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ"؛ لأَنَّ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسِ مُتَأَخر، لأَنَّهُ صَحِبَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَامَ حَجِّهِ وَهُوَ سَنَةَ عَشْرِ، وَشَدَّادٌ صَحِبَهُ عَامَ الْفَتْحِ، كَذَّا حُكِي عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: وَتَوَفِّي الْحِجَامَةِ احْتِيَاطًا أَحَبُّ إِلَيَّ. اهـ. (2/106)
صفحة 603
وَكَذَلِكَ الارْتِدَادُ إِلَى الشِّرْكِ بِقَوْلِ أَوْ فِعْلٍ، وَالإِفْطَارُ عَلَى الْحَرَامِ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ، كُلُّ ذَلِكَ يُفْسِدُ الصَّوْمَ عِنْدَهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ فِي الصَّائِمِ يُمَضْمِضُ وَيَسْتَنْثِرُ فَيَسْقُهُ الْمَاءُ إِلَى حَلْقِهِ]: وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّائِمِ يُمَضْمِضُ وَيَسْتَنْثِرُ فَيَسْقُهُ الْمَاءُ إِلَى حَلْقِهِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ والأَوْزَاعِيُّ: لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْمَضْمَضَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا كَانَ ذَاكِرًا لِصِيَامِهِ قَضَى يَوْمًا مَكَانَهُ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكِ فِي الاسْتِنْثَارِ مِثْلُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا كَانَ تَوَضَّأَ فِي وَقْتِ الصَّلاةِ فَسَبَقَهُ الْمَاءُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا قَضَى يَوْمًا مَكَانَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فِي مَنْ أَكَلَ نَاسِيا]
وَاخْتَلَفُوا فِي مَنْ أَكَلَ نَاسِيّا، فَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ لِمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيّا: "اللهُ أَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَالْعَامَّةِ مِنْ فُقَهَائِنَا، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي ذُوَيْبٍ وَالشَّافِعِي وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ إِلا رَبِيعَةَ وَمَالِكِ، وَرُوِيَ أَنَّهُمَا قَالا: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ قَوْلُ بَعْضٍ أَصْحَابِنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فِيمَنْ جَامَعَ نَاسِيًا]
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ جَامَعَ نَاسِيّا أَيْضًا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَقْضِيَانِ يَوْمًا مَكَانَهُ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَطَاءِ والأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعِيدٍ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
(1) [رواه البخاري، عن ناسيا ... ، ر 1933].
أبي هريرة بمعناه كتاب الصوم، باب الصائم إذا أكل أو شرب (2/107)
صفحة 604
مَسْأَلَةٌ مَنْ بَلَعَ مَا لَا يَجِدُ بُدًّا مِنَ الاحْتِرَازِ مِنْهُ]: وَأَمَّا مَنْ بَلَعَ مَا لَا يَجِدُ بُدا
مِنَ الاحْتِرَازِ مِنْهُ مِنْ غُبَارِ الطَّرِيقِ وَغَيْرِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَبِهِ أَخَذَ أَصْحَابُنَا، وَاللهُ أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمُ اسْتَحَبَّ لِمَنْ يُعَالِجُ دَقِيقًا وَنَحْوَهُ أَنْ يَتَقَنَّعَ بِثَوْبٍ عَلَى فِيهِ وَمِنْخَرَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَدَخَلَ شَيْءٌ فِي جَوْفِهِ عَلَى حَدٌ الْغَلَبَةِ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَمَنِ ابْتَلَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بَيْنَ أَسْنَانِهِ مِنَ الطَّعَامِ مِمَّا يَجْرِي مَجْرَى الدَّقِيقِ فَلَا بَأْسَ بِصَوْمِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا لَمْ يَجِدْ مِنَ الامْتِنَاعِ مِنْهُ بُدًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَمَّا إِنِ ابْتَلَعَ مَا ذَكَرْنَا مُتَعَمِّدًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ. (2/108)
صفحة 605
واعدا
الْبَابُ الرَّابِعُ فِي حُكْمِ مَنْ أَفْسَدَ رَمَضَانَ بِإِحْدَى مُفْسِدَاتِهِ
وَفِي هَذَا الْبَابِ سَبْعُ مَسَائِلَ:
إِحْدَاهَا [المسألة الأولى]: فيمَنْ أَفْسَدَهُ بِالْجِمَاعِ مُتَعَمِّدًا، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَذَلِكَ لِلثَّابِتِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِي فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي هَلَكْتُ وَأَهْلَكْتُ، فَقَالَ: مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: أَتَيْتُ أَهْلِي نَهَارًا فِي رَمَضَانَ، قَالَ: وَهَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقَ بِهِ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا، فَقَالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ صَوْمَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لا، فَقَالَ: هَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ سِتِّينَ مِسْكِينا؟ قَالَ: لا، ثُمَّ جَلَسَ فَأُوتِي بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: تَصَدَّقُ
(1)
بها
(1) الْعَرَقُ: مِكْيَالٌ يَسَعُ 15 صَاعًا. [ذكره أبو ستة بلفظ: "بعذق فيه تمر". وقال: "قوله (بعذق) هو بكسر العين وسكون الذال المعجمة: الكباسة كما في الصحاح والمراد منه الشماريخ التي تكون في رأس العرجون؛ لأن العرجون أصل العذق الذي يعوج وتقطع منه الشماريخ، ويبقى على النخل يابسا كذا في الصحاح ... وفي بعض الكتب ما نصه: (بعذق تمر) وهو مكيال لأهل الحجاز خمسة عشر أو ستة عشر صاعا، انتهى. وفي بعض نسخ القواعد (بعرق) أعني يسع بالراء. وفي بعض الكتب ما نصه: (بعَرَق) هو للجمهور بفتح العين والراء، ويروى بإسكان الراء، والصواب بالفتح، والعرق الزَّبيل بفتح الزاي دون نون، ويقال الزنبيل بكسر الزاء ونون زائدة، ويقال له القفة والمكيل بكسر الميم وفتح الياء، ويسمى زبيلا، لحمل الزبيل فيه،
ا (2/109)
صفحة 606
قواعد الإس
فَقَالَ: مَا بَيْنَ لأَبَيْهَا (1) أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهَا مِنَّا، قَالَ: فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِدُهُ، فَقَالَ: " اذْهَبْ وَأَطْعِمْ أَهْلَكَ وَلاَ تُجْزِئُ أَحَدًا غَيْرَكَ " (2)، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيٌّ أَنَّ عَلَيْهِ عِتْقَ رَقَبَةٍ، أَوْ هَدْيَ بَدَنَةٍ، أَوْ إِطْعَامَ عِشْرِينَ صَاعًا لأَرْبَعِينَ مِسْكِينًا (3).
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي حُكْمِ مَنْ أَفْسَدَ صَوْمَهُ بِالإِفْطَارِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ مِنْ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ إِلَى أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا بِأَكْلِ أَوْ شُرْبٍ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ مِثْلَ مَا عَلَى الْمُجَامِعِ بِهِ مُتَعَمِّدًا، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ عَنِ النَّخَعِيِّ أَنَّ عَلَيْهِ صِيَامَ ثَلَاثَةِ آلَافِ يَوْمٍ، وَعَنْ عَلِيٌّ وَعَبْدِ اللَّهِ قَالا: لَا يَقْضِيهِ أَبَدًا وَإِنْ صَامَ الدَّهْرَ، وَشَدَّ آخَرُونَ فَقَالُوا: إِنَّمَا عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَابْنِ سِيرِينَ وَحَمَّادِ بْنِ أَبَى سُلَيْمَانَ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَهْل الظَّاهِرِ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: تَنَازُعُهُمْ فِي قِيَاسِ الْمُفْطِرِ بِالأَكْلِ عَلَى الْمُجَامِعِ، فَمَنْ وسمي عرق؛ لأنه جمع عرقة وهي الضفيرة الواسعة من الخوص". [أبو ستة: حاشية الترتيب، 52/ 2. وانظر لسان العرب، وتاج العروس، مادة: "عذق"]. (1) [اللابة أرض ذات حجارة سود، والمدنية بين لابتين]. (1) [رواه البخاري، باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفر، ر 1834] بِدُونِ زِيَادَةِ أَهْلَكْتَ" "وَلاَ تُجْزِئُ أَحَدًا غَيْرَكَ فِي آخِرِهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: قَوْلُ النَّبِي لِلرَّجُلِ الَّذِي أَفْطَرَ فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ يَحْتَمِلُ هَذَا مَعَانِيَ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْكَفَّارَةُ عَلَى مَنْ قَدَرَ، وَهَذَا رَجُلٌ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْكَفَّارَةِ، فَلَمَّا أَعْطَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا وَمَلَكَهُ فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا أَحَدٌ أَفْقَرَ مِنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "خُذْهُ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ"؛ لأَنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ الْفَضْلِ عَنْ قُوتِهِ. وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ لِمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْحَالِ أَنْ يَأْكُلَهُ كُلَّهُ، وَتَكُونُ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ دَيْنًا، فَمَتَى مَا مَلَكَ يَوْمًا مَا كَفَّرَ. اهـ. (2) لَيْتَ شِعْرِي مَا هُوَ مُسْتَنَدُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ فِي الْرَامِهِ بِذَلِكَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَلِمَا جَرَى عَلَيْهِ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ؟ وَلَيْسَ الْحَسَنُ - لِعِلْمِهِ وَوَرَعِهِ وَيُعَدُّ مَفْخَرَةَ الإِسْلَامِ - مِمَّنْ يُلْقِي الْكَلامَ اعْتِبَاطًا دُونَ أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى دَلِيلِ نَقْلِي أَوْ يَكُونَ لَهُ مَلْحَظٌ بَعِيدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (2/110)
صفحة 607
قواعد الإس
ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِمَا وَاحِدَةٌ، وَهِيَ انْتِهَاكُ الْحُرْمَةِ جَعَلَ حُكْمَهُمَا وَاحِدًا، وَمَنْ رَأَى أَنَّ الْجِمَاعَ أَشَدَّ فِي انْتِهَاكِ الْحُرْمَةِ، وَالْعِقَابُ الْأَكْبَرُ إِنَّمَا يُوضَعُ لِمَا إِلَيْهِ النَّفْسُ أَمْيَلُ، قَالَ: هَذِهِ الْكَفَّارَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالْجِمَاعِ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى
الْقِيَاسَ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَرَهُ فَإِنَّهُ لَا يُجَاوِزُ بِالْكَفَّارَةِ الْمُجَامِعَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتُلِفَ فِي الْمُجَامِعِ نَاسِيّا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ، وَقَالَ آخَرُونَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِلأَثَرِ، أَمَّا الْقِيَاسُ فَهُوَ تَشْبِيهُ نَاسِي الصَّوْمِ بِنَاسِي الصَّلَاةِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا الْقَضَاءُ، وَأَمَّا الأثرُ فَقَوْلُهُ: " اللَّهُ أَطْعَمَةَ وَسَقَاهُ (1)، وَيَشْهَدُ لَهُ عُمُومُ قَوْلِهِ: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا أُكْرِهُوا
عليه (2)
أَعْلَمُ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلافُهُمْ فِيمَنْ ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَابَتْ فَأَكَلَ (3)، وَاللَّهُ
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْكَفَّارَةِ، هَلْ هِيَ مُرَتَّبَةٌ عَلَى الإِنْسَانِ أَوْ هُوَ مُخَيْرٌ فِيهَا، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا مُرَتَّبَةٌ عَلَيْهِ: يُكَفِّرُ بِالْعِتْقِ أَوَّلاً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ
(1) تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
(1) [رواه الربيع، ما جاء في التقية، ر 794]. (2) يَسْتَدِلُّ مَنْ قَالَ: إِنَّ صَوْمَهُ صَحِيحٌ وَلَا فَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (لَيْسَ عَلَيْكُ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ" (الأحزاب: (5)، وَبِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي ... الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَبِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: "أَفْطَرْنَا يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ فِي غَيْم عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، تَعْنِي: وَلَمْ يَأْمُرُهُمْ بِالْقَضَاءِ، وَلَوْ أَمَرَهُمْ لَشَاعَ ذَلِكَ كَمَا نُقِلَ فِطْرُهُمْ، لِذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ
الْقَضَاءُ. اهـ. (2/111)
صفحة 608
112
فَبِالصِّيَامِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَبِالإِطْعَامِ، رُوِيَ هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالتَّوْرِيُّ فِيمَا حُكِي عَنْهُمَا، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِيهَا، رُوِيَ
ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ أَثَرًا عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلا أَفْطَرَ عَلَى عَهْدِهِ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةٌ، أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ، أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا)، وَ أَوْ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ تَقْتَضِي التَّخْيِيرَ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ
عِنْدِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَصْحَابُ الْقَوْلِ الأَوَّلِ احْتَجُوا بِحَدِيثِ الأَعْرَابِيِّ الْمُتَقَدِّم، الَّذِي قَالَ: "إِنِّي هَلَكْتُ وَأَهْلَكْتُ أَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي التّرْتِيبَ، وَقَاسُوهَا أَيْضًا عَلَى كَفَّارَةِ الظَّهَارِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: فِي مِقْدَارِ الإِطْعَامِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ مُدَّيْنِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، وَهُمَا نِصْفُ صاع بِصَاع النَّبِيِّ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ، وَقَاسُوا ذَلِكَ بِفِدْيَةِ الأَذًى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا لِلْمُحْرِمِ، وَقَالَ آخَرُونَ: يُجْزِئُ مُدُّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْكَفَّارَةِ أَنَّ الْعَرَقَ (2) كَانَ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، وَالْعَرَقُ مِيكَالُ أَهْلِ الْحِجَازِ، لَكِنْ لَيْسَ يَدُلُّ كَوْنُهُ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا عَلَى الْوَاجِبِ مِنْ ذَلِكَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ إِلا دَلالَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَدَلَ الصِّيَامِ فِي هَذِهِ
الْكَفَّارَةِ هُوَ الْعَرَقُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) [رواه الربيع، باب ما يفطر الصائم ووقت الافطار والسحور، ر 316].
(1) [وقد سبق التعريف به]. (2/112)
صفحة 609
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا طَاوَعَتْ)، فَذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى إِيجَابِهَا عَلَيْهَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكُ
وَأَصْحَابُهُمَا، وَزَعَمَ الشَّافِعِيُّ وَدَاوُدُ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُمَا أَنْ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا (2). وَسَبَبُ الْخِلافِ: أَنَّ النَّبِيُّ لا لَمْ يَأْمُرِ الْمَرْأَةَ بِالْكَفَّارَةِ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ
الْمُتَقَدِّمِ، وَالْقِيَاسُ أَنَّهَا مِثْلُ الرَّجُلِ؛ إِذِ التَّكْلِيفُ جَارٍ عَلَيْهِمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ جَامَعَ وَأَكَلَ مِرَارًا فِي أَيَّامٍ شَتَّى مِنْ رَمَضَانَ، هَلْ تَتكَرَّرُ الْكَفَّارَةُ أَمْ لا؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يُكَفِّرْ، فَإِنْ كَفَّرَ ثُمَّ عَادَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ أُخْرَى، رُوِيَ هَذَا عَنِ الزُّهْرِيِّ والأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَرَكَةَ، وَشَبَّهُوا ذَلِكَ بِالْحُدُودِ، فَكَمَا يَلْزَمُ الزَّانِي حَدٌ وَاحِدٌ وَإِنْ زَنَى مِرَارًا مَا لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ وَاحِدٌ مِنْهَا، كَذَلِكَ تُجْزِئُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ عَنْ أَفْعَالٍ كَثِيرَةٍ مَا لَمْ يُكَفِّرْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَقَالَ آخَرُونَ عَلَيْهِ لِكُلِّ يَوْمٍ كَفَّارَةٌ، رُوِيَ هَذَا عَنِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعِيدٍ وَغَيْرِهِمْ، وَلَمْ يُشَبِّهُوا ذَلِكَ بِالْحُدُودِ، وَجَعَلُوا لِكُلِّ يَوْمِ حُكْمًا مُنْفَرِدًا وَكَفَّارَةٌ مُنْفَرِدَةٌ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحُدُودِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ فِيهَا نَوْعُ قُرْبَةٍ، وَالْحُدُودَ زَجْرٌ مَحْضُ، وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَمَكْحُولٍ أَنَّ عَلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ يُفْطَرُ
كَفَّارَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) لا إِنْ أُكْرِهَتْ مِنَ الرَّجُلِ أَوْ كَانَتْ مُفْطِرَةٌ لِعُذْرٍ، فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ عَلَيْهِ دُونَهَا لَكِنْ يَلْزَمُهَا
الْقَضَاءُ
(1) وَكَذَلِكَ أَحْمَدُ يَقُولُ بِقَوْلِهِمَا. (2/113)
صفحة 610
114
اللواء (2/114)
صفحة 611
قواعد الإس
الْبَابُ الْخَامِسُ فِي شَرَائِطِ صِحَّةِ الصَّوْمِ
وَهِيَ [خَمْسُ شَرَائِطَ]):
إِحْدَاهُنَّ [الشَّرِيطَةُ الأُولَى]: الإِسْلامُ، إِذْ لَا يَصِحُ صِيَامُ مُشْرِكِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ إِذَا أَسْلَمَ فِي بَعْض الشَّهْرِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَصُومُ مَا بَقِيَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى مِنْهُ، رُوِيَ هَذَا عَنِ الشَّعْبِيِّ وَقَتَادَةَ وَالأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَصُومُ مَا بَقِيَ وَيَقْضِي مَا مَضَى، رُوِيَ هَذَا عَنْ عَطَاءٍ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، فَقِيلَ عَنْهُ: يَقْضِي مَا مَضَى، وَقِيلَ: لَا
يَقْضِي.
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ: فَقِيلَ: يَكْفُ عَنْهُ ثُمَّ يَقْضِيهِ، وَقِيلَ:
لا يَقْضِي ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلَا مَا مَضَى مِنَ الشَّهْرِ. وَلَعَلَّ مَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ إِنَّمَا يَحْتَجُ بَأَنَّ الْكَافِرَ مُخَاطَبُ بِالْفَرْضِ عِنْدَ الْبُلُوعِ، وَأَنَّ مَنْ أَسْقَطَهُ يَحْتَجُ بَأَنَّ الإِسْلَامَ أَسْقَطَ عَنْهُ مَا كَانَ فِي الشِّرْكِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ: "الإِسْلامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْفَرْضَ إِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ سَاعَةَ
(1) في الأصل: ذكر المصنف أنها أربع شرائط، ولكن عند عرضها ذكر خمسا، كما سيأتي]
(1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. (2/115)
صفحة 612
أَسْلَمَ فِيهَا، وَلَعَلَّ مَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءَ يَوْمِهِ يَحْتَجُ بَأَنَّ صَوْمَ بَعْضِ النَّهَارِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ إِذِ الْيَوْمُ لا يَتبَعضُ الصَّوْمُ فِيهِ وَلَا يَكُونُ قُرْبَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الشَّرِيطَةُ الثَّانِيَةُ: الْعَقْلُ؛ لأَنَّ الْمَجْنُونَ وَزَائِلَ الْعَقْلِ غَيْرُ مُخَاطَبِ بِالْفَرْضِ؛ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وَهَذَا غَيْرُ شَاهِدٍ لَهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَجْنُونِ إِذَا أَفَاقَ فِي بَعْضِ الشَّهْرِ، فَقِيلَ: يَقْضِي مَا مَضَى، وَقِيلَ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْجُنُونُ يَأْخُذُهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتَّى يُذْهِبَ عَقْلَهُ، فَإِنَّهُ إِذَا جُنَّ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَلْيَقْضِ الصَّوْمَ دُونَ الصَّلاةِ، إِلَّا إِنْ دَخَلَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ وَهُوَ صَحِيحٌ وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى جُنَّ، فَعَلَيْهِ قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ.
مَسْأَلَةٌ: وَالْمُعْمَى عَلَيْهِ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَانَ فَلَمْ يُفِقُ إِلَّا فِي شَوَّالَ فِيهِ اخْتِلافُ، وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ لاَ يَقْضِي إِلَّا الْيَوْمَ الَّذِي أَفَاقَ فِيهِ، وَأَمَّا إِنْ أَغْمِيَ عَلَيْهِ أَيَّامًا فَأَفَاقَ فَفِيهِ خِلافُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا نَوَى الصَّوْمَ أَوَّلَ اللَّيْلِ ثُمَّ أُغْمِي عَلَيْهِ فِي بَعْضِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النَّائِمِ، وَيُجْزِتُهُ ذَلِكَ الْيَوْمُ، فَإِنْ أُعْمِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَعَلَيْهِ الْبَدَلُ؛ لأَنَّهُ دَخَلَ فِيهِ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ، وَحُكِيَ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّهُ قَالَ: لا فَضَاءَ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَإِنِّي
لأُحِبُّ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِالْقَضَاءِ، وَهَذَا كُلُّهُ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ الإِغْمَاءَ وَالْجُنُونَ صِفَةٌ يَرْتَفِعُ بِهَا التَّكْلِيفُ، فَإِذَا ارْتَفَعَ لَمْ يُوصَفْ بِصَائِمٍ وَلَا مُفْطِرٍ (3)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا. (1) قَالَ الْمُحَنِّي: هَذَا صَرِيحٌ فِي اخْتِيَارِ أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ لَا يَقْضِي صَوْمًا وَلَا صَلَاةٌ حَيْثُ كَانَ كَالْمَجْنُونِ، وَهَذَا ظَاهِرُ إِذَا أُغْنِي عَلَيْهِ فِي الشَّهْرِ كُلِّهِ، وَإِنْ أَغْمِيَ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الأَيَّامِ فَالظَّاهِرُ الْقَضَاءُ؛ لأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ فَرِيضَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا فِي الْمَجْنُونِ، وَلَا يَقْضِي الصَّلاةَ مُطْلَقًا حَيْثُ شُبِّهَ بِهِ، إِلا إِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ كَمَا في الْمَجْنُونِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ وَالْمُتَبَادَرُ عِنْدِي أَنَّ الْمُعْمَى عَلَيْهِ أَقْرَبُ إِلَى النَّائِمِ مِنْهُ إِلَى الْمَجْنُونِ، ذَلِكَ أَنَّ كُلاً مِنَ الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالنَّائِمِ وَإِنْ رُفِعَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ، غَيْرَ أَنَّ الآخَرَيْن مَتَى انْتَبَهَ أَحَدُهُمَا عَادَتْ إِلَيْهِ (2/116)
صفحة 613
وَالنَّائِمُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ لا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِي الصَّوْمِ، إِلَّا إِنْ كَانَ نَامَ عَلَى جَنَابَةٍ؛ لأَنَّ الْمُعْمَى عَلَيْهِ صَحِيحُ الْعَقْلِ، وَإِنَّمَا آفَتُهُ فِي جِسْمِهِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الشَّرِيطَةُ الثَّالِثَةُ الْبُلُوغ، لأنَّ الصَّبِيَّ مَرْفُوعٌ عَنْهُ الْقَلَمُ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ أَيْضًا: إِذَا بَلَغَ فِي بَعْضٍ رَمَضَانَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: يَقْضِي مَا مَضَى، وَقِيلَ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُؤْمَرُ فِيهِ الصَّبِيُّ بِالصَّوْمِ، فَحُكِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِهِ إِذَا أَطَاقَهُ، وَقِيلَ عَن بَعْضِهِمْ: إِذَا بَلَغَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةٌ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّفَ الصَّوْمَ لِيَعْتَادَهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يُؤْمَرُ بِهِ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
الشَّرِيطَةُ الرَّابِعَةُ فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَيْضِ وَالنَّفَاسِ، إِذْ صِيَامُهُمَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مَعْصِيَةٌ لِرَبِّهِمَا، لِمَا وَرَدَ فِي الأَثَرِ عَنِ الرَّسُولِ مِنْ تَفْسِيقِهِ إِيَّاهُمَا إِذَا صَامَنَا (1)، وَلَكِنَّ الْحَائِضَ تُخْفِي الأَكْلَ عَنِ النَّاسِ لِئَلا تُبِيحَ الْبَرَاءَةَ مِنْ نَفْسِهَا، وَالتَّفَسَاءُ لا تُخْفِيهِ؛ لأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ النَّاسِ، وَإِذَا جَاءَ
حَالَتُهُ الأُولَى مِنْ صِحَّةِ الْعَقْلِ بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ الْأَطِبَّاءَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْجُنُونِ وَمَرَضِ الأَعْصَابِ الْجِهَازِ الْعَقلِى وَالإِغْمَاءِ فَالْجُنُونُ: هُوَ اخْتِلالُ الْعَقْلِ اخْتِلالاً لا يُمْكِنُ علاجُهُ، وَمَرَضُ الأَعْصَاب: هُوَ اعْتِلالُهَا، وَيُمْكِنُ عِلاجُهُ غَالِبًا، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ يَتَمَاثَلُ لِلصَّحْرِ بدون علاج، بل يقتصر على تنبيهه كالنَّائِمِ، لِذَلِكَ قُلْتُ: هُوَ أَشْبَهُ بِالنَّائِمِ مِنْهُ بِالْمَجْنُونِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ مصححه. (1) وَجَبَ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ الإِفْطَارُ لِمَا جَاءَ فِيهِمَا مِنَ الأَثَرِ عَنِ الرَّسُولِ بِتَفْسِيقِهِمَا إِذَا صَامَنَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَمَّا أَنْ تُخْفِي أَكْلَهَا لِئَلَا تُبِيحَ مِنْ نَفْسِهَا الْبَرَاءَةَ فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَهِيَ مَظَنَّةٌ الْحَيْضِ، وَالشَّرْعُ يُوجِبُ عَلَيْهَا فِيهِ الأَكَلَ وَإِلا كَانَتْ فَاسِقَةً؟ أَيَسُوغُ لِلْمُسْلِمِ الَّذِي يَجِبُّ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ وَقَافًا لَا وَثاباً أَنْ يَكتفي بالإِشَارَةِ وَيَيراً بمُقْتَضَاهَا مِمَّنْ لَمْ يَتَحَقَّقَ مِنْهُ مُخَالَفَةً شَرْعِيَّةٌ؟ إِنَّهُ إِنْ فَعَلَ كَانَ هُوَ الظَّالِمَ وَالْمُتَعَدِّيَ لِحُدُودِ اللَّهِ. نَعَمْ إِنْ أَخْفَتْ أَكْلَهَا مُخْتَارَةً تَقْدِيرًا لِحُرْمَةِ الشَّعِيرَةِ فَحَسَنٌ، أَمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَوْفًا أَنْ تُعَرِّضَ نَفْسَهَا لِلْبَرَاءَةِ فَلَا، وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ. اهـ مُصَححه. (2/117)
صفحة 614
وقواعد الإس
2118
الْمَرْأَةَ الْحَيْضُ فِي بَعْضِ نَهَارِ الصَّوْمِ فَلَهَا أَنْ تَأْكُلَ وَتَشْرَبَ، رُوِيَ هَذَا عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرِ والأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَأَمَّا إِذَا طَهُرَتْ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَكُفَّ عَنِ الأَكْل تَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ رَمَضَانَ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَقَالَ آخَرُونَ: تَأْكُلُ فِي الْحَالَتَيْنِ جَمِيعًا، وَاللهُ أَعْلَمُ.
الشَّرِيطَةُ الْخَامِسَةُ فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْعَجُوزِ الْكَبِيرَةِ الْعَاجِزَيْنِ عَنْهُ فِيمَا يَلْزَمُهُمَا بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِ الإِفْطَارِ لَهُمَا، فَقَالَ قَوْمٌ: عَلَيْهِمَا الإِطْعَامُ، يُطْعِمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَطَاوُسِ وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِي وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَخَيَّرَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ أَطْعَمَ مُدًا، وَإِنْ شَاءَ حَفَنَ حفنًا كَمَا صَنَعَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ عَلَيْهِمَا شَيْءٌ، رُوِيَ هَذَا عَنْ مَكْحُولٍ وَجَمَاعَةٍ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ الله أَمَرَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ أَنْ يُطْعِمَ عَنْ أُمِّهِ وَكَانَتْ عَجُوزًا لَا تَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ، ثُمَّ أَمَرَ سَنَةٌ أُخْرَى أَنْ يُصَامَ عَنْهَا. وَسَبَبُ الْخِلافِ: تَنَازُعُهُمْ فِي قِرَاءَةِ هَذِهِ الآيَةِ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طعام مسكين من الآية)، قَرَأَ بَعْضُهُمْ لا يُطِيقُونَهُ. فَمَنْ أَوْجَبَ الْعَمَلَ بِالْقِرَاءَةِ الَّتِي لَمْ تَثْبُتُ فِي الْمُصْحَفِ إِذَا وَرَدَتْ مِنْ طَرِيقِ الْعُدُولِ قَالَ: الشَّيْخُ وَالْعَجُوزُ مِنْهُمْ،
وَمَنْ لَمْ يُوجِبْ بِهَا عَمَلاً جَعَلَ حُكْمَهُمَا حُكْمَ الْمَرِيضِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(1) البقرة: 184. (2/118)
صفحة 615
(1)
فصل
[في سنن رمضان]
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مِنْ سُنَنِ رَمَضَانَ تَعْجِيلَ الْفُطُورِ وَتَأْخِيرَ السَّحُورِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ: "لاَ تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرِ مَا لَمْ يَنتَظِرُوا بِالْمَغْرِبِ اشْتِبَاكَ النُّجُوم، وَلا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَلُوا الإِفْطَارَ، فَإِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى كَانُوا يُؤَخِّرُونَ الإِفْطَار " ()، وَقَالَ: "تَسَحَّرُوا فَإِنَّ السَّحُورَ بَرَكَةٌ (2)، وَقَالَ: "فَضْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أُكْلَةُ السَّحُورِ (3)، وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مِنْ سُنَنِهِ كَفَّ النِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ عَنِ الرَّفَثِ وَالْخَنَا وَمَا لَا يَنْبَغِي لِقَوْلِ النَّبِيِّ: " الصَّوْمُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلا يَرْفُتُ وَلَا يَفْسُقُ" الْحَدِيثُ (5)، وَمِنْ سُنَنِ رَمَضَانَ أَيْضًا الْقِيَامُ فِي لَيَالِيهِ بِالْجَمَاعَةِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَالْأَعْتِكَافُ فِي آخِرِهِ، وَإِخْرَاجُ زَكَاةِ الْفِطْرِ عِنْدَ تَمَامِهِ، وَمِنْ سُنَنِهِ أَيْضًا تَرْكُ السَّوَاكِ الرَّطَبِ بِالنَّهَارِ، وَتَرْكُ الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا تَوَضَّأْتَ فَبَالِغ إلا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا " (6)، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(1) متفقٌ عَلَيْهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ. (1) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بِزِيَادَةِ (فِي) يَعْنِي: فَإِنَّ فِي السُّحُورِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - وَمِثْلُهُ: "عَلَيْكُمْ بِهَذَا السُّحُورِ فَإِنَّهُ هُوَ الْعَذَاءُ الْمُبَارَكُ عَن الْمِقْدَامِ بْن مَعْدِ يَكْرَبَ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ جَيْدٍ، وَزَادَ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "السُّحُورُ بَرَكَةٌ، فَلا تَدَعُوهُ وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جَرْعَةَ مَاءٍ،
فَإِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُحِرِّينَ".
(2) رَوَاهُ مُسْلِمٌ مَرْفُوعًا.
(1) [الخنا: الكلام القبيح والفاحش]
(1) رَوَاهُ الرَّبِيعُ - وَتَمَامُهُ: "وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ". (1) [رواه الربيع، كتاب الطهارة، باب في آداب الوضوء وفرضه، ر 93]. (2/119)
صفحة 616
[صفحة فارغة] (2/120)
صفحة 617
الْبَابُ السَّادِسُ
فِي مُبِيحَاتِ الإِفْطَارِ
وَهِيَ السَّفَرُ، وَالْمَرَضُ، وَالْحَمْلُ، وَالرَّضَاعُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَهَذَا الْبَابُ يَنْحَصِرُ الْكَلَامُ فِيهِ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ. (2/121)
صفحة 618
الفضيل الأول
فِيمَنْ أُبِيحَ لَهُ الصَّوْمُ وَالإِفْطَارُ بِإِجْمَاعِ
وَهُمَا الْمَرِيضُ بِاتِّفَاقِ، وَالْمُسَافِرُ بِاخْتِلافِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَن كَانَ مِنكُم
مرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرِ الآية (1).
وَفِي هَذَا الْفَصْلِ سَبْعُ مَسَائِلَ:
إِحْدَاهَا [المسألة الأولى]: فِي الْمُسَافِرِ، هَل الإِفْطَارُ أَفْضَلُ لَهُ أَمِ الصَّوْمُ؟ فَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ، وَبِهِ قَالَ أَنَسٌ وَالنَّخَعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَمُعَاوِيَةُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الإِفْطَارَ أَفْضَلُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ وَابْنِ عُمَرَ وَالشَّعْبِيِّ والأَوْزَاعِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُمَا يَكْرَهَانِ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ، وَزَعَمَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ هُ أَنَّ الصَّائِمَ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ الْحَضَرِ، وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِلَى التَّخْيِيرِ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرُوا ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ، وَرُوِي هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي
في
Naa
سَعِيدٍ وَأَنَسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرِهِمْ.
(1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا. (2/122)
صفحة 619
وَسَبَبُ الْخِلافِ: مُعَارَضَةُ الْمَفْهُومِ مِنْ ذَلِكَ لِظَاهِرِ بَعْضِ الْقَوْلِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنَ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ إِنَّمَا هُوَ الرُّحْصَةُ لِمَكَانِ الْمَشَقَّةِ، وَذَلِكَ نَضٌ فِي قَوْلِهِ: "رُحْصَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَمَنْ أَخَذَهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ صَامَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ (1)، وَمَا كَانَ رُحْصَةٌ فَالْأَفْضَلُ تَرْكُهَا.
وَأَمَّا مَنْ مَنَعَ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ فَرَوَى فِي ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ (2).
وَأَمَّا مَنْ خَيْرَ فِي ذَلِكَ فَاحْتَجَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ لِحَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ حِينَ سَأَلَهُ عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ: "إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ " (3)، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ أَفْضَلَهُمَا أَيْسَرُهُمَا عَلَى الإِنْسَانِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: وَيُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بكُمُ الْمُسْر الآية (4).
(1) رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِيِّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجِدُ فِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ هِيَ رُحْصَةٌ .. (1) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَةَ. قَالَ ابْنُ بَرَكَةَ: فَفِي الْخَبَرِ الْمَرْوِيٌّ عَنْهُ " أَنَّهُ مَرَّ بِزِحَامٍ فِي حَالِ سَفَرِهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ صَائِمٌ، فَقَالَ: "اقْبَلُوا رُحْصَةَ اللَّهِ، وَفِي الرَّوَايَةِ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ قَدْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ مِنْ شِدَّةِ الصَّوْمِ، فَظَلَّلَ عَلَيْهِ بِثَوْبٍ، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: "عَلَيْكُمْ بِرُحْصَةِ اللهِ فَاقْبَلُوهَا " اهـ[جامع بن بركة، 2/ 10، 11]. يَعْنِي أَنَّ نَفْيِ الْبِرِّ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا تَحَقَّقَتِ الْمَشَقَّةُ، فَالصَّوْمُ حِينَئِذٍ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ، بَلْ هُوَ كَالرَّفْضِ لِرُحْصَةِ اللَّهِ الَّتِي شَرَعَهَا رَحْمَةً بِعِبَادِهِ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا} (البقرة: (185)، فَإِذَا كَانَ الْإِفْطَارُ يُبَاحُ فِي السَّفَرِ لِمَظَلَّةِ الْمَشَقَّةِ فَكَيْفَ لَا يُمْنَعُ فِيهِ لِلْمَشَقَّةِ إِذَا تَحَقَّقَتُ؟ أَمْ كَيْفَ يُعتبرُ هَذَا الصَّوْمُ مِنَ الْبِرِّ وَهُوَ
يُخَالِفُ مَقْصِدَ الشَّارع يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ) اهـ مُصَححه. (2) [رواه البخاري، باب الصوم في السفر والإفطار، ر 1841]. (1) الْبَقَرَة: 185. (2/123)
صفحة 620
قواعد الإسلام
1240
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي حَدٌ الْمَسَافَةِ الَّتِي يُفْطِرُ فِيهَا الْمُسَافِرُ، فَذَهَبَ ا
جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يُفْطِرُ فِي السَّفَرِ الَّذِي يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءُ وَالشَّافِعِيُّ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يُفْطِرُ فِي كُلِّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّفَرِ، وَهُمْ أَهْلُ الظَّاهِرِ، وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا مِنْ أَهْلِ الْجَبَلِ إِلَى أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ حَتَّى يُجَاوِزَ الْحَوْزَةَ الْمَحْدُودَة عِنْدَهُمْ، أَوْ يَسِيرَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، وَهُوَ السَّفَرُ النَّائِي عِنْدَهُمْ، إِلا أَنْ يَكُونَ مَنْزِلُهُ فِي طَرَفِ الْحَوْزَةِ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ إِذَا جَاوَزَ الْفَرْسَخَيْنِ بَعْدَ الْحَوْزَةِ، قَالُوا: وَإِنْ أَفْطَرَ مُفْطِرٌ فِيمَا دُونَ الْحَوْزَةِ بَعْدَ أَنْ يُجَاوِزَ فَرْسَخَيْنِ فَإِنَّهُ يُنْهَرُ وَلَا يَبْرَأُ مِنْهُ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ سَفَرًا نَائِيًا فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ فِي هَذَا: مُعَارَضَهُ ظَاهِرِ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى، وَذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أَنَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ مُسَافِرٍ فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَن كان منكم مريضًا أَوْ عَلَى سَفَرِ} الآية)، وَأَمَّا الْمَعْنَى الْمَعْقُولُ مِنْ إِجَازَةِ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَهُوَ الْمَشَقَّةُ، فَلَمَّا كَانَتْ لاَ تُوجَدُ فِي كُلِّ سَفَرٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ الَّذِي فِيهِ الْمَشَقَّةُ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ مُجْمِعِينَ عَلَى الْحَدِّ فِي ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يُقَاسَ ذَلِكَ عَلَى الْحَدِّ فِي تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ.
أَمَّا الْمَرَضُ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ الْفِطْرُ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ الْمَرَضُ الْغَالِبُ، وَهُوَ الَّذِي تَلْحَقُّ مِنَ الصَّوْمِ مَعَهُ مَشَقَّةٌ، وَقِيلَ: هُوَ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ مَرَضِ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا هُوَ الْمَرَضُ الَّذِي يُضْعِفُ عَنِ الصَّوْمِ وَيُحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى الإِفْطَارِ، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَأْكُلَ فِيهِ مَا يُبْلِغُهُ إِلَى اللَّيْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: هُوَ بِعَيْنِهِ اخْتِلَافُهُمْ فِي حُكْمِ السَّفَرِ.
(1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا. (2/124)
صفحة 621
قواعد الإسلام
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُفْطِرُ فِيهِ الْخَارِجُ إِلَى السَّفَرِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُفْطِرُ مِنْ يَوْمِهِ إِذَا خَرَجَ مُسَافِرًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيل وَالشَّعْبِي، وَقِيلَ: يُفْطِرُ إِذَا بَرَزَ مِنَ الْبُيُوتِ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يُفْطِرُ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَمَكْحُولُ والأَوْزَاعِيُّ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ، وَقِيلَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيٌّ أَنَّهُ قَالَ: يُفْطِرُ إِنْ شَاءَ فِي بَيْتِهِ يَوْمَ يُرِيدُ السَّفَرَ. وَفِي أَثَرِ أَصْحَابِنَا: أَنَّ الْمُسَافِرَ لا يُفْطِرُ حَتَّى يَصِيرَ فِي حَدٌ السَّفَرِ، فَيَعْقِدُ الإِفْطَارَ مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ يُصْبِحُ حِينَئِذٍ مُفْطِرًا، وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ لا يُفْطِرُ حَتَّى يَنْوِيَ الإِفْطَارَ مِنَ اللَّيْلَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبَانَ بْنِ وَسِيمٍ الله أَنَّهُ بَرَزَ مِنْ مَنْزِلِهِ لِسَفَرٍ نَاءٍ فَأَكَلَ وَقَصَرَ الصَّلاةَ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ. وَسَبَبُ الْخِلافِ: مُعَارَضَةُ الآثَارِ لِلنَّظَرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ
عَبَّاس أَنَّ النَّبِيِّ لا صَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ، ثُمَّ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ مَعَهُ (1)، فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ أَفْطَرَ بَعْدَ أَنْ بَيَّتَ الصَّوْمَ، وَأَمَّا النَّاسُ فَلَا شَكٍّ أَنَّهُمْ أَفْطَرُوا بَعْدَ
(2)
6
تبييتهمُ الصَّوْمَ، وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَمَّا جَاوَزَ الْبُيُوتَ دَعَا بِالسُّفْرَةِ، فَقِيلَ لَهُ: أَلَسْتَ تَرَى الْبُيُوتَ؟ فَقَالَ: أَتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ، وَأَمَّا النَّظَرُ فَلَأَنَّهُ لَمَّا
(1) رَوَاهُ الرَّبِيعُ: خَرَجَ النَّبِيُّ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْح فِي رَمَضَانَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ، فَأَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ مَعَهُ، فَكَانُوا يَأْخُذُونَ بالأَحْدَثِ فَالأَحْدَث منْ أَمْرِ النَّبيِّ ". (1) الْمَفْهُومُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنْ لَيْسَ ثَمَّتْ تَبْسِيتُ النِّيَّةِ مِنَ اللَّيْل لاَ مِنَ ا وَلَا مِنَ الصَّحَابَةِ، بَلْ يَكَادُ الْحَدِيثُ أَنْ يَكُونَ تَحْصِيصًا لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "لا صَوْمَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ". يُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ ما جَاءَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: "فَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ النَّبِي، وَعَلَيْهِ فَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ السَّفَرَ فِي حَدٌ ذَاتِهِ سَبَبٌ مُّبِيحٌ لِلإِفْطَارِ مَتَى تَحَقَّقَ جَازَ الإِفْطَارُ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَنَسَبَهُ إِلَى عَمْرِو: هِ الْمُصَنِّفُ وَنَسَبَهُ إِلَى عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ وَالشَّعْبِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ مُصَححه. (2/125)
صفحة 622
قواعد الإس
265
كَانَ الْمُسَافِرُ لاَ يَجُوزُ لَهُ إِلا أَنْ يُبَيِّنَ الصِّيَامَ لَيْلَةَ سَفَرِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُبْطِلَ صَوْمَهُ،
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَكُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّ صَوْمَ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ لا يُجْزِيهِمَا عَنْ صِيَامِهِمَا، وَزَعَمُوا أَنَّ فَرْضَهُ هُوَ أَيَّامُ أَخَرُ، وَذَهَبَ سَائِرُ
الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُمَا إِنْ صَامَا وَقَعَ صِيَامُهُمَا مَوْقِعَهُ، وَأَجْزَأَ عَنْهُمَا.
(2)
وَسَبَبُ الْخِلافِ: تَرَدُّدُ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (2) بَيْنَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَلاَ يَكُونُ هُنَاكَ مَحْذُوفٌ أَصْلاً، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ "فَأَفْطَرَ" فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، وَهَذَا الْحَذْفُ هُوَ الَّذِي يُعْرَفُ بِلَحْنِ الْخِطَابِ، فَمَنْ حَمَلَ الآيَةَ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ حَذْفٍ قَالَ: فَرْضُهُ عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، وَمَنْ قَدَّرَ فَأَفْطَرَ" قَالَ: إِنَّمَا فَرْضُهُ عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ إِذَا هُوَ أَفْطَرَ، وَأَمَّا إِنْ صَامَ فَلَا.
وَكِلا الْفَرِيقَيْنِ يُرَجُحُ مَذْهَبَهُ بِالآثَارِ الشَّاهِدَةِ لِمَفْهُومِهِ، أَمَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ فَيَحْتَجُونَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ اللهُ الْكَدِيدَ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ مَعَهُ، فَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالأَحْدَثِ فَالأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِهِ، قَالُوا: هَذَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِهِ
(3)
الصَّوْمَ عَلَى الْمُسَافِرِ، وَأَمَّا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ فَاحْتَجُوا بِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: "سَافَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ " (4).
(1) مُحَمَّد: 33.
(1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا ..
(4)
() تَقَدَّمَ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: "أُولَئِكَ الْعُصَاةُ "، وَقَوْلِهِ: لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّيَامُ فِي السَّفَرِ". (1) [رواه الربيع، كِتَابُ الصَّوْمِ بَاب في صيام رمضان في السفر، (307]. (2/126)
صفحة 623
قَالَ أَبُو عَمْرٍو الْحُجَّةُ عَلَى أَهْلِ الظَّاهِرِ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا صَامَ
أَجْزَأَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجُوزُ لِلصَّائِمِ بَعْضَ رَمَضَانَ أَنْ يُنْشِئَ سَفَرًا
(2)
ثُمَّ لَا يَصُومُ فِيهِ، فَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِي (2) وَسُوَيْدِ بْنِ عَلْقَمَةَ وَأَبِي مِجْلَزِ أَنَّهُ إِنْ سَافَرَ فِيهِ صَامَ، وَلَمْ يُجِيزُوا لَهُ الإِفْطَارَ، وَذَهَبَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأُمَّةِ إِلَى أَنَّهُ إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ.
6
وَسَبَبُ الْخِلافِ: الاحْتِمَالُ الْوَاقِعُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (3)، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ شَهِدَ بَعْضَ الشَّهْرِ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَهُ كُلَّهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ شَهِدَ بَعْضَهُ أَنْ يَصُومَ ذَلِكَ الْبَعْضَ فَقَطْ، وَيُؤَيَّدُ قَوْلَ الْجُمْهُورِ إِنْشَاءُ النَّبِيِّ السَّفَرَ فِي رَمَضَانَ، فَأَفْطَرَ حِينَ بَلَغَ الْكَدِيدَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُسَافِرِ يَصُومُ فِي السَّفَرِ ثُمَّ يُعْقِبُهُ الإِفْطَارَ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْخِلافِ مَعَ قَوْمٍ مِنْ عُلَمَائِنَا: صَوْمُهُ تَامٌ كَانَ فِي السَّفَرِ أَوْ فِي الْحَضَرِ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّ كُلَّ صَوْمِ فِي السَّفَرِ أَعْقَبَهُ الإِفْطَارُ فَهُوَ فَاسِدٌ. وَحُجَّتُهُمْ: أَنَّهُ يُقَالُ لِلْمُسَافِرِ عَلَيْكَ أَنْ تَصُومَ وَلَكَ أَنْ تُفْطِرَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَيَّ الْحُكْمَيْنِ الْتَزَمَ وَجَبَ عَلَيْهِ إِثْمَامُهُ، فَإِنْ حَلَّ مَا عَقَدَ عَلَى نَفْسِهِ كَانَ هَادِمًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِهِ، غَيْرَ مُسْتَحِقٌ لِثَوَابِ عَمَلِهِ، كَالأَجِيرِ الَّذِي يَرْجِعُ قَبْلَ إِثْمَامِ مَا اسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ، فَلَا يَسْتَحِقُ ثَوَابَ مَاضِي عَمَلِهِ.
بدَةُ بْنُ قَيْسِ السَّلْمَانِيُّ مِنْ مُرَادِ، أَسْلَمَ قَبْلَ وَفَاةِ الرَّسُولِ وَلَمْ يَلْقَهُ.
عُبَيْدَة
(1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا. (2/127)
صفحة 624
قواعد الإس
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الأَوَّلِ أَنَّ الآيَةَ الَّتِي فِيهَا رُحْصَةُ الإِفْطَارِ لَا تَدُلُّ عَلَى
فَسَادِ صَوْمِهِ عَلَى أَيِّ وَجْهِ كَانَ.
وَقَالَ غَيْرُ هَؤُلَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا إِنَّ كُلَّ صَوْمٍ صَامَهُ فِي السَّفَرِ فَهُوَ تَامٌ، إِلَّا صَوْمُ مَا بَيْنَ فِطْرَيْنِ فَإِنَّهُ فَاسِدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُسَافِرِ يَقْدُمُ الْحَضَرَ فِي النَّهَارِ بَعْدَ مَا أَكَلَ فِي أَوَّلِهِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ أَكَلَ أَوَّلَ النَّهَارِ فَلْيَأْكُلْ آخِرَهُ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، وَذُكِرَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ الْحَسَنُ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَأَبُو نُوحٍ صَالِحُ الدَّمَّانُ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَفِي أَثَرِ أَصْحَابِنَا: أَنَّ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَدْ طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ فَوَطِئَهَا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمَرَهُ الْعُلَمَاءُ - الَّذِينَ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُمْ – بِالْكَفَّ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ لِمَكَانِ التُّهْمَةِ لَهُ مِمَّنْ لا يُعْلَمُ عُذْرُهُ، وَلِذَلِكَ اسْتَحَبَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَدْخُلُ الْمِصْرَ أَوَّلَ يَوْمِهِ ذَلِكَ أَنْ يُبَيَّتَ صِيَامَهُ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ يَدْخُلَ صَائِمًا؛ لأَنَّ كُلَّهُمْ لَمْ يُوجِبُوا عَلَى مَنْ دَخَلَ مُفْطِرًا كَفَّارَةٌ إِذَا أَكَلَ أَوَّلَ يَوْمِهِ خَارِجًا مِنْ سِتَّةِ أَمْيَالٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. (2/128)
صفحة 625
الفصل الثاني
في لوازم الإفطار المُباح لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرٍ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمَا
وَهِيَ ثَلاث:
إِحْدَاهَا [اللازمة الأولى]: القَضَاءُ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُفْسِدِ لِلصَّوْمِ أَوْ تَارِكِ لَهُ بِسَفَرٍ أَوْ مَرَضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، وَيَتَعَلَّقُ بِالْقَضَاءِ سَبْعُ مَسَائِلَ:
إِحْدَاهَا [المسألة الأولى]: يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ وَالْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ كَانَا يَأْمُرَانِ بِتَعْجِيلِهِ، وَيَقُولاَنِ: لَا تُؤَخِّرُوهُ، وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ كَانَتْ تَقُولُ لأَهْلِهَا: مَنْ كَانَ نَاسِيّا شَيْئًا مِنْ رَمَضَانَ فَلْيَقْضِهِ بَعْدَ الْفِطْرِ مِنَ الْغَدِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَعْدِلُ بَعْضَ صَوْمِ رَمَضَانَ. وَإِنْ أَخَرُوا الْقَضَاءَ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِمْ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كُنْتُ أُفطِرُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَمَضَانَ، فَمَا أَقْضِيهِ إِلا فِي شَعْبَانَ " (")، وَقِيلَ عَنْ أَبِي نُوحٍ مِنْ أَصْحَابِنَا: إِنْ أَفْسَدَهُ بِالأَكْلِ وَتَضْيع الْغُسْل مُتَعَمِّدًا فَلَمْ يَقْضِهِ مِنَ الْغَدِ مِنَ الْفِطْرِ، أَنَّهُ قَدِ انْهَدَمَ مَا صَامَ قَبْلَهُ، وَرَخَّصَ فِيهِ عَمْرُوسُ بْنُ فَتح أَيْضًا، وَأَمَّا إِنْ أَفْطَرَ بِالسَّفَرِ أَوْ بِالْمَرَضِ فَأَخَرَ قَضَاءَهُ فَلَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا.
(1) [رواه مسلم باب قضاء رمضان في شعبان، ر 2743]. (2/129)
صفحة 626
قواعد الإسـ
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ صَوْمِ الْقَضَاءِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَجِبُ التَّتَتابعُ فِي الْقَضَاءِ كَمَا يَجِبُ فِي الأَدَاءِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٌّ وَابْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالنَّخَعِي وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَبِهِ قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَعَامَّةً فُقَهَائِنَا، وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: نَزَلَتْ "فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَاتٍ"، فَسَقَطَتْ مُتَتَابِعَاتٍ، وَقَالَ غَيْرُ أَصْحَابِنَا مِنْ مُخَالِفِيهِمْ: "أَخْصُوا الْعِدَّةَ وَصُمْ (1) كَيْفَ شِئْتَ (2)، وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكِ وَمُعَادٍ وَرَافِعِ بْنِ حَدِيجٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ فُقَهَاءِ الأَمْصَار (3).
(1) [رواه الدارقطني، باب القبلة للصائم، ر 60]. قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: لَمْ تَثْبُتْ عِنْدَنَا صِحَتُهُ، وَلَوْ صَحَ حَمَلْنَاهُ عَلَى الاسْتِحْبَابِ وَالأَفْضَلِيَّةِ. قِيلَ: وَلَوْ ثَبَتَتْ كَانَتْ مَنْسُوخَةٌ لَفْظًا وَحُكْمًا، لِهَذَا لَمْ يَقْرَأْ بِهَا أَحَدٌ، فَلا تَجُوزُ الزَّيَادَةُ عَلَى الْكِتَابِ قُرّاء الشَّوَاةٌ، وَإِنْ قَالَ الْعَيْنِيُّ: قَرَأَ بِهَا أَبِي وَلَمْ تُشْتَهَر فَكَانَتْ كَخَبَرِ وَاحِدٍ غَيْرِ مَشْهُورٍ بِمِثْلِهِ بِخِلَافِ قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَإِنَّهَا قِرَاءَةٌ مَشْهُورَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ. اهـ. [ابن قدامة: الشرح الكبير، 3/ 80]. (1) [رواه الدارقطني، باب القبلة للصائم، ر 64، لما سئل أبو عبيدة بن الجراح عن قضاء الصيام، فقال: "أخص العدة وصم كيف شئت"].
(2) بَلْ عَنْ جَمْعِ غَفِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الأَمْصَارِ، ذَكَرَهُمُ الْعَيْني وَاحِدًا وَاحِدًا رِوَايَةٌ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَأَنْهَى عَدَدَهُمْ إِلَى سَبْعَةٍ وَثَلَاثِينَ أَنَّهُمْ، قَالُوا: يَقْضِي مُفَرِّقًا. وَقَدِ هَذَا الْقَوْلِ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ عَامِرِ بْنِ الْجَرَّاحِ، قَالَ: "لَمْ يُرَخُضْ لَكُمْ فِي فِطْرِهِ وَهُوَ
رِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَلَيْكُمْ فِي قَضَائِهِ، فَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاصْنَعُوا مَا شِئْتُمْ". وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَ قُطني " فِي قَضَائِهِ" زِيَادَةُ إِنْ شِئْتَ فَوَاتِرْ وَإِنْ شِئْتَ فَفَرِّقُ". وَقَدْ صَحَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صوْمِ رَمَضَانَ، فَقَالَ: "ذَلِكَ إِلَيْكَ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَحَدِكُمْ دَيْنٌ
الدَّرْهَم بنِ، أَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَضَاءِ؟ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يَعْفُوَ وَيَغْفِرَ، وَهُوَ الْأَرْفَقُ بِحَالِ الأُمَّةِ وَالأَوْفَى لِرُوحِ التَّشْرِيع، ويُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: 185)، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمَ التَّتَابِع مَا وَرَدَ فِي كِتَابِ الْفِقْهُ الإِسْلَامِيُّ أَسَاسُ التَّشْرِيعِ": أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا أتى فِي النَّصُ الْقُرْآنِيُّ مُطْلَقًا وَلَمْ يَـ فِي نَص آخَرَ مِنْ نُصُوصِ الْقُرْآنِ أَوِ السُّنَّةِ لَزِمَ الْعَمَلُ بِالْمُطْلَقِ عَلَى إِطْلَاقِهِ، وَلَا يَصِحُ أَنْ يُقَيَّدَ بِشَيْءٍ إِلَّا إِذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى تَفْسِيدِهِ، مِثَالُ ذَلِكَ كَلِمَةُ أَيَّام " الْوَارِدَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: "فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ"؛ فَإِنَّهَا ذُكِرَتْ مُطْلَقَةٌ غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِالتَّتَابِعِ، وَلَمْ تَرِدْ فِي نَصَّ آخَرَ مُقَيَّدَةٌ بِهِ، وَلَّمْ يَقُمْ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى تَقْيِيدِهَا بِذَلِكَ، فَيُعْمَلُ بِهَا عَلَى إِطْلَاقِهَا، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ مِنْ أَجْلِ (2/130)
صفحة 627
وَسَبَبُ الْخِلافِ مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْقَضَاءُ عَلَى صِفَةِ الأَدَاءِ، أَصْلُهُ الصَّلاةُ وَالْحَيُّ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَامٍ أُخَرَ إِنَّمَا يَقْتَضِي إِيجَابَ الْعَدَدِ لَا إِيجَابَ التَّابِعِ، وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ الأَوَّلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ إِذَا أَخَّرَا الْقَضَاءَ حَتَّى يَدْخُلَ رَمَضَانُ آخَرُ وَقَدْ أَمْكَنَهُمَا الْقَضَاءُ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَصُومَانِ هَذَا الْحَاضِرَ وَيُطْعِمَانِ عَنِ الْمَاضِي لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا غَدَاءَهُ وَعَشَاءَهُ، وَيَقْضِيَانِهِ بَعْدَ ذَلِكَ صِيَامًا، رُوِيَ هَذَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءُ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَالزُّهْرِيُّ والأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَصُومُ هَذَا الْحَاضِرَ، ثُمَّ يَقْضِي بَعْدَ ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ صِيَامًا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِطْعَامٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: هَلْ تُقَاسُ الْكَفَّارَاتُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ فَمَنْ أَجَازَ الْقِيَاسَ قَالَ بِكَفَّارَةِ الإِطْعَامِ قِيَاسًا عَلَى الْمُفْطِرِ تَعَمُّدًا؛ لأَنَّ كِلَيْهِمَا مُنْتِهَكًا لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ الْمُفَرِّطُ بِالإفْطَارِ وَالْمُفَرِّطُ بِالتَّأْخِيرِ، وَمَنْ لَمْ يُجِزْهُ قَالَ: عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ
فَقَطْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِكَفَّارَةِ الإِطْعَامِ فِي قَدْرِ الإِطْعَامِ، فَقِيلَ: يُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ، وَقِيلَ: يُطْعِمُ عَنْ كُلَّ يَوْمٍ نِصْفَ صَاعِ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الثَّوْرِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَرْضِ أَوِ السَّفَرِ لا يَجِبُ عَلَيْهِ التَتابعُ في الأيام الَّتِي يَلْزَمُهُ صِيَامُهَا بَدَلاً مِنَ الأَيَّامِ الَّتِي أَفْطَرَهَا، بَلْ لَهُ أَنْ يَصُومَهَا مُتَتَابَعَةً وَلَهُ أَنْ يَصُومَهَا مُتَفَرِّقَةً" اهـ. وَيُقَوِّي هَذَا الاسْتِدْلَالَ مَا رَوَى الدَّارَ قُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ: إِنْ شَاءَ فَرَّقَ، وَإِنْ شَاءَ
تَابَعَ ". اهـ مُصَحْحه. (2/131)
صفحة 628
قواعد الإن
132
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَاخْتَلَفُوا إِذَا اتَّصَلَ الْمَرَضُ بِالْمَرِيضِ وَالسَّفَرُ بِالْمُسَافِرِ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِمَا رَمَضَانُ الْمُقْبِلُ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَصُومَانِ هَذَا الْحَاضِرَ، وَلَا يُطْعِمَانِ عَلَى الْمَاضِي كَمَا قَدَّمْنَا، فَإِذَا انْسَلَخَ الْحَاضِرُ صَامَا مَا عَلَيْهِمَا، وَقِيلَ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ وَابْنِ عُمَرَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِنَصَّ الْقُرْآنِ، وَالَّذِي وَجَدْتُ فِي أَثَرِ أَصْحَابِنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَصُومُ هَذَا الْحَاضِرَ وَيُطْعِمُ عَنِ الْمَاضِي وَيَقْضِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَالَ مَنْ قَالَ: يَصُومُ هَذَا الْحَاضِرَ، وَيَقْضِي الأَوَّلَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالصَّوْمِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِطْعَامٌ، رُوِيَ هَذَا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَطَاوُسٍ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا الَّذِي قَدَّمْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَرِيضِ يُفْطِرُ ثُمَّ يَمُوتُ قَبْلَ أَنْ يَبْرَأ، وَفِي الْمُسَافِرِ يُفْطِرُ ثُمَّ يَمُوتُ فِي السَّفَرِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَالشَّعْبِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا، وَكَذَلِكَ فِي الْمُسَافِرِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقَالَ آخَرُونَ يُطْعَمُ عَنِ الْمَرِيضِ إِذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَصِحَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ وَقَتَادَةَ، وَالصَّحِيحُ الأَوَّلُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيٌّ وَعِكْرِمَةَ أَنَّهُمْ قَالُوا: مَنْ مَاتَ فِي رُخْصَةِ اللَّهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَالْعَامَّةُ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا يُصَامُ عَنْهُ، وَلَكِنْ يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ وَعَائِشَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ وَابْنِ عُمَرَ وَالزُّهْرِيُّ، وَقَالَ آخَرُونَ: يُصُومُ عَنْهُ وَلِيُّهُ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَطْعَمَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقِيلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ (2/132)
صفحة 629
dajskalaiskaalalalalalalalalalalala
قَالَ: مَا كَانَ مِنْ رَمَضَانَ يُطْعَمُ عَنْهُ، وَمَا كَانَ مِنْ صَوْمِ النَّذْرِ يُقْضَى عَنْهُ، وَقَالَ قَوْمٌ لا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ كَمَا لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا إِذَا فَرَّطَ فِي الْقَضَاءِ فَأَوْصَى بِهِ أَطْعَمَ عَنْهُ وَلِيُّهُ أَوْ صَامَ عَنْهُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُطْعِمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا صَاعًا مِنْ بُرِّ إِذَا أَوْصَى بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: يُطْعِمُ عَنْهُ مُدًّا لِكُلِّ يَوْمٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ، وَرَأَتْ طَائِفَةٌ أَنْ يُصَامَ عَنِ الْمَيِّتِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ طَاوُسِ وَالْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ
وَقَتَادَة.
وَسَبَبُ اخْتِلافِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِلآثَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقِيَاسَ لا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ كَمَا لاَ يُصَلَّى عَنْهُ، وَأَمَّا الْأَثَرُ فَهُوَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ (1)، وَلِمَا رُوِيَ " أَنَّ امْرَأَةَ سَأَلَتْ عَنْ أُمِّهَا مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صِيَامٌ، فَقَالَ: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ تَقْضِينَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ (2).
1
وَأَمَّا مَنْ أَوْجَبَ الإِطْعَامَ فَمَصِيرُهُ إِلَى قِرَاءَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين)، وَمَنْ خَيَّرَ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْإِفْطَارِ فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الآيَةِ وَالأَثَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا وَجَدْتُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا صَامَتْ بَعْضَ الْقَضَاءِ فَحَاضَتْ أَنَّهَا تَبْنِي إِذَا طَهُرَتْ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ مَرِضَ فِي بَعْضِهِ، فَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءِ وَالشَّافِعِي وَجَمَاعَةٍ أَنَّهُ يُتِمُّ إِذَا بَرِئَ، وَرُوِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ وَالشَّافِعِي وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُ
ر 1851].
(1) [رواه البخاري، باب من مات وعليه صوم، (1) [رواه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب من مات وعليه نذر، ر 6699].
(1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا. (2/133)
صفحة 630
نواع
134
الصَّوْمَ، وَالأَوَّلُ أَصَحُ؛ لأَنَّهُ مَعْذُورٌ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ إِذَا صَامَ بَعْضَ الْقَضَاءِ ثُمَّ سَافَرَ فَأَفْطَرَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَسْتَأْنِفُ؛ لأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَحْدَثَ السَّفَرَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ
وَالشَّافِعِيُّ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُتِمُّ بَقِيَّتَهُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
اللازِمَةُ الثَّانِيَةُ: إِطْعَامُ الْمَسَاكِينِ لِمَنْ ضَيَّعَ الْقَضَاءَ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ الثَّانِي، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا فِي خِلَالِ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
اللازِمَةُ الثَّالِثَةُ: الْوَصِيَّةُ بِهِ تَلْزَمُ الْمُفَرِّطَ فِي صَوْمِ الْقَضَاءِ حَتَّى يَحْضُرَهُ الْمَوْتُ، ثُمَّ إِنْ أَوْصَى لَزِمَ الْوَرَثَةَ الْقَضَاءُ عَنْهُ بِالإِطْعَامِ أَوْ بِالصِّيَامِ كَمَا وَرِثُوهُ مُتَتَابِعًا، ثُمَّ إِنِ انْقَطَعَ بِفِعْلِ أَحَدِهِمْ أَوْ أَفْسَدَهُ أُفْسِدَ عَلَى الْجَمِيعِ، وَيَلْزَمُ مَنْ أَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ صَامَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَجْزَأَ عَنْهُمْ إِذَا كَانَ مِنَ الْوَرَثَةِ، وَلَا يُجْزِئُ عَنْهُمْ صَوْمُ الأَجْنَبِيُّ، وَرَخَّصَ بَعْضُهُمْ فِي صَوْمِ وَارِثِ الْوَارِثِ. وَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُقَدِّمُوا فِي الصَّوْمِ النِّسَاءَ قَبْلَ الرِّجَالِ، لِمَا يُعَارِضُ لَعَلَّهَا يَعْرِضُ النِّسَاءَ مِنَ الْحَيْضِ وَالنَّفَاسِ، وَأَمَّا إِنْ أَوْصَى بِصَوْمِ النُّذُورِ أَوِ الْكَفَّارَاتِ فَإِنَّهُ يُطْعَمُ عَنْهُ لِلنَّذْرِ لِكُلِّ
يَوْمٍ مِسْكِينٌ مُدَّيْنِ، وَعَشَرَةٌ لِكُلِّ كَفَّارَةِ يَمِينِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. (2/134)
صفحة 631
الفصل الثالث
فِي الْحَامِلِ وَالْمُرْضِع يَخَافَانِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَأَوْلَادِهِمَا الضَّعْفَ الَّذِي يُورِدُهُمَا الْمَوْتَ
فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِمَا إِذَا أَفْطَرَنَا عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا [القول الأول]: أَنَّهُمَا يُطْعِمَانِ وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِمَا، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ
ابْنِ عَبَّاسِ وَابْنِ عُمَرَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْهُمَا يَقْضِيَانِ فَقَطْ وَلاَ إِطْعَامَ عَلَيْهِمَا بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ، رُوِيَ هَذَا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَطَاءِ وَالضَّحَاكِ وَالنَّخَعِي وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُمَا يُفْطِرَانِ وَيُطْعِمَانِ ثُمَّ يَقْضِيَانِ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَوَافَقَهُمُ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجَاهِدٍ إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا: الْحَامِلُ تُطْعِمُ
مِنْ مَالِهَا، وَالْمُرْضِعُ تُطْعِمُ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا الَّذِي هُوَ وَالِدُ صَبِيَّهَا.
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْحَامِلَ تَقْضِي وَلاَ تُطْعِمُ بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ، وَالْمُرْضِعَ نَقْضِي وَتُطْعِمُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي هَذَا الْبَابِ: هُوَ تَرَدُّدُ شَبَهِهِمَا بَيْنَ الَّذِي يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ وَبَيْنَ الْمَرِيضِ، فَمَنْ شَبَّهَهُمَا بِالْمَرِيضِ قَالَ: عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ فَقَطْ وَمَنْ شَبَّهَهُمَا بِالَّذِي يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ قَالَ: عَلَيْهِمَا الْكَفَّارَةُ فَقَدْ، وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَيُشْبِهُ أَنْ (2/135)
صفحة 632
قواعد الإسـ
يَكُونَ رَأَى أَنَّ فِيهِمَا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ شَبَهَا، فَقَالَ: عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ مِنْ جِهَةِ مَا فِيهِمَا مِنْ شَبَهِ الْمَرِيضِ، وَعَلَيْهِمَا الْفِدْيَةٌ مِنْ جِهَةِ مَا فِيهِمَا مِنْ شَبَهِ الَّذِي يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ.
مَسْأَلَةٌ [فيمن أجهدَهُ الصَّومُ فاضطر إلى الأكل أو الشُّربِ]: فَكُلُّ مَنْ أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ أَوْ فِي قَضَائِهِ فَاضْطُرَ إِلَى الْأَكْلِ أَوِ الشُّرْبِ، فَإِنَّهُ يُنَجِّي نَفْسَهُ بِأَيْهِمَا اضْطَرَ إِلَيْهِ؛ لأَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَحَلَّ الْمَيْتَةَ لِلْمُضْطَرُ إِلَيْهَا، وَلَيْسَ قَتْلُ النَّفْسِ قُرْبَةً إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: "إِنْ مَاتَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى تَنْجِيَةِ نَفْسِهِ بِالطَّعَامِ أَوْ بِالشَّرَابِ إِنَّهُ فِي النَّارِ، وَلَعَمْرِي لَكَذلِكَ، وَكَذَلِكَ إِنْ أُكْرِهَ عَلَى الأَكْل فَإِنَّهُ يَأْكُلُ وَلَا يَمُوتُ، ثُمَّ يَقْضِي مَا عَلَيْهِ،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1)
(1) عِنْدِي أَنْ ذَلِكَ لا يُطَبّقُ عَلَى الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ اشْتَدَّتْ حَالَتُهُ فَامْتَنَعَ عَنِ الأَكل وَالشُّرْب وَإِنْ خُيْلَ إِلَيْنَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ جَرَّاءِ صَوْمِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِي حَالَةٍ لَا يُحِسُّ مَعَهَا بِمَا نَتَخَيَّلُهُ نَحْنُ إِزَاءَهُ، ذَلِكَ أَنَّ جِسْمَهُ لَمْ يَعُدْ بَعْدُ فِي حَاجَةٍ إِلَى الْغِذَاءِ، فَقَدْ أَصْبَحَتْ قُوَاهُ مُنْهَارَةٌ تَعْجِزُ عَنِ الْمُقَاوَمَةِ، فَاسْتَسْلَمَتْ أَمَامَ وَقعِ الْمَوْتِ الَّذِي أَخَذَ يَدِبُّ فِي مَفَاصِلِهِ دِرَاكًا، فَفَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ يَتَمَتَّعُ بِصِيَّةٍ يُؤَكِّرُ فِيهَا الْعَذَاءُ فَامْتَنَعَ جَهْلاً أَوْ جُمُودًا عَنْ تَنَاوُلِهِ وَإِنْ أَشْرَفَتْ حَيَاتُهُ عَلَى الْخَطَرِ، أَثَرَ الْمُقَامَرَةَ بِهَا عَلَى الأَخْذِ بِالرُّحْصَةِ الَّتِي أَحَبَّ اللَّهُ أَنْ تُؤْتَى لُطْفًا بِنَا وَتَيْسِيرًا، ويُريدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسَرَ} (البقرة: (185)، وَعَلَيْهِ فَلا أَرَى هَذَا الْمَريضَ قَدْ خَتَمَ حَيَاتَهُ بِمَا يَسُوؤُهُ فِي آخِرَتِهِ، وَاللهُ يُحَاسِبُ عَلَى الضَّمَائِرِ لَا عَلَى الظَّوَاهِرِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ". اهـ مُصَححه. (2/136)
صفحة 633
137
الْبَابُ السَّابِعُ
في الأيام المنهي عن الصوم فيها، و الأيامِ الْمَنْدُوبِ إِلَى
صومها] (1)
وَالْكَلَامُ يَنْحَصِرُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
[القسم الأَوَّلُ فِي الأَيَّامِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّوْمِ فِيهَا، وَهِيَ سِتَّةٌ: يَوْمُ الشَّلِّ، وَيَوْمُ
الأَضْحَى، وَأَيَّامُ النَّشْرِيقِ وَهِيَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ ا وَهِيَ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ الْأَضْحَى، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى ثبوت النهي ع عَنْ صِيَامِ هَذِهِ الأَيَّامِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى مَنْعِ صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الْأَضْحَى، وَاخْتَلَفُوا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَأَجَازَ بَعْضُهُمْ صِيَامَهَا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، وَكَرِهَ آخَرُونَ صِيَامَهَا، وَهُو مَرْوِيٌّ عَنِ الشَّافِعِي وَمَالِكَ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا أَجَازَ صِيَامَهَا لِلْمُتَمَتِّعِ بِالْحَجِّ إِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: تَرَدُّدُ قَوْلِهِ فِيهَا: "إِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلِ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ)، هُوَ بَيْنَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ، فَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْوُجُوبِ قَالَ صَوْمُهَا مُحَرَّمْ، وَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى النَّدْبِ قَالَ هُوَ مَكْرُوهُ، إِلَّا أَنَّهُ عَارَضَهُ قَوْلُهُ: "لا يَصِحُ صِيَامُ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ (1) [في الأصل: ذكر المؤلف هذا الباب السابع بعنوان: فِي الصَّوْمِ الْمَنْدُوبِ إِلَيْهِ، ولكنه قسمه إلى ثلاثة أقسام، الأول منها: فِي الأَيَّامِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّوْمِ فِيهَا، لذلك أدرجت هذا الأخير في عنوان الباب]. (1) أَخْرَجَهُ الدَّارَ قُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِي، وَرِوَايَةٌ مُسْلِمٍ لِحَدِيثِ نُيَبْشَةَ الْهُذَلِيُّ: "أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ لِلهِ ". (2/137)
صفحة 634
قواعد الان
الْفِطْرِ وَيَوْمِ الْأَضْحَى)، فَدَلِيلُ الْخَطَابِ يَقْتَضِي أَنَّ مَا عَدَاهُمَا يَصِحُ صَوْمُهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي يَوْمِ الشَّكُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَقَدْ مَنَعَ قَوْمٌ صَوْمَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إِلَّا إِنْ تَقَدَّمَهُ صَوْمُ يَوْمٍ قَبْلَهُ وَيَوْمٍ بَعْدَهُ)، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَرَخَّصَ فِيهِ آخَرُونَ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: مُعَارَضَةُ الآثَارِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النبي "كَانَ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ (3)، قَالَ: "وَمَا رَأَيْتُهُ يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ " جُمُعَةِ ()، وَمِنْهُ نَهْيُهُ عَنْ صِيَامِهِ إِلا أَنْ يَتَقَدَّمَهُ بِصَوْمٍ يَوْمٍ قَبْلَهُ وَيَوْمٍ بَعْدَهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي صَوْمِ يَوْمِ السَّبْتِ أَيْضًا، لَاخْتِلَافِ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: "لاَ تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلا فِيمَا فُرِضَ عَلَيْكُمْ" ()، وَوَرَدَ إِبَاحَةُ صَوْمِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ، فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَمِنْ سَحَرٍ إِلَى سَحَرٍ)، وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ يُوَاصِلُ وَهُوَ ابْنُ
(1) [رواه البخاري، باب صوم يوم الفطر، ر 1889]. (1) [والصحيح يوم قبله أو يوم بعده، كما في رواية ابن ماجه عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة إلا بيوم قبله أو بيوم بعده، باب في صيام يوم الجمعة، ر 1723].
(1) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ. (1) متفق عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
الآن
(1) رَوَاهُ الْخَمْسَةُ مِنْ حَدِيثِ الصَّمَّاءِ بِنْتِ عَمْرٍو، وَتَمَامُهُ: "وَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لَحَا عِنَبٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضَعْهُ وَمَعْنَى الْكَرَاهَةِ فِي هَذَا أَنْ يَخْتَصُّ الرَّجُلُ يَوْمَ السَّبْتِ بِصِيَامٍ؛ الْيَهُودَ يُعَذِّمُونَ يَوْمَ السَّبْتِ. () قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: "كَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ يَوْمَ السَّبْتِ وَيَوْمَ الْأَحَدِ أَكْثَرَ مِمَّا يَصُومُ مِنَ: الأَيَّامِ. وَيَقُولُ: إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدَ لِلْمُشْرِكِينَ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ لِلْمُشْرِكِينَ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَخَالِفَهُمْ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ،
وَالْحَاكِمُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَصَحَّحَاهُ. (1) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "لا تُوَاصِلُوا، فَأَيْكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إِلَى السَّحَرِ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ كَانَ نَهْيَ كَرَاهَةٍ لَا نَهْيَ تَحْرِيمٍ، وَلِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ (2/138)
صفحة 635
(1)
الزُّبَيْرِ، وَثَبَتَ النَّهْيُ أَيْضًا عَنْ صِيَامِ الدَّهْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي
الأَيَّامُ الْمَنْدُوبُ إِلَى صَوْمِهَا
وَهُوَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ بِاتِّفَاقِ، لِقَوْلِهِ الله مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسِ: " مَنْ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ كَانَتْ كَفَّارَتُهُ سِتِّينَ شَهْرًا وَعِتْقَ عَشْرِ رِقَابِ مُؤْمِنَاتٍ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ (2)، وَاخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: هُوَ يَوْمُ عَاشِرِ الْمُحَرَّمِ، وَقِيلَ: التَّاسِعُ.
وَمِنْهَا: صَوْمُ عَرَفَةَ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ والآتية " (3)، وَاخْتُلِفَ فِي صَوْمِهِ لِلْوَاقِفِ بِعَرَفَةَ، فَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ، لِئَلَّا يُضْعِفَهُ عَنِ
الدُّعَاءِ.
وَمِنْهَا: سِتَّةُ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالَ لِقَوْلِهِ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالَ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ
(4)
وَمِنْهَا: صِيَامُ الأَيَّامِ الْبيضِ، وَهِيَ: الثَّالِثَ عَشَرَ وَالرَّابِعَ عَشَرَ وَالْخَامِسَ عَشَرَ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُهَا، وَأَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لَمَّا أَكْثَرَ
وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ: نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَن الْوِصَالِ وَلَيْسَ بِالْعَزِيمَةِ، وَلِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ: "نَهَى عَنِ الْحِجَامَةِ وَالْمُوَاصَلَةِ، وَلَمْ يُحَرِّمُهُمَا إِبْقَاء عَلَى أَصْحَابِهِ".
(1) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْمُتَفَقِ عَلَيْهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ". وَالْقَوْلُ الْمُخْتَارُ أَنْ صَوْمَ الدَّهْرِ حَرَامٌ.
(1) رَوَاهُ الربيع.
(1) رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ: "الْبَاقِيَة " بَدَلَ الآتية.
(1) رَوَاهُ الرَّبِيعُ بِلَفْظِ: فَكَأَنَّمَا صَامَ ... إلخ.
(1) رَوَاهُ النَّسَانِي وَالتَّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ بِلَفْظِ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نَصُومَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ: ثَلَاثَ عَشَرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ". (2/139)
صفحة 636
قواعد الإسـ
الصِّيَامَ:
" أَمَا يَكْفِيكَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ؟ قَالَ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: خَمْسًا؟ قَالَ: أَطِيقَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: لا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ دَاوُدَ شَطْرَ
(1)
الدَّهْرِ: صِيَامُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ يَوْمٍ"
و (2)
وَمِنْهَا: صِيَامُ الإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُهُمَا وَأَمَرَ بِهِمَا غَيْرُهُ (). وَمِنْهَا شَهْرُ شَعْبَانَ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ا لَمْ يَسْتَمَّ شَهْرًا قَطُّ، وَأَكْثَرُ صِيَامِهِ
في شَعْبَانَ (3)
أَعْلَمُ.
وَمِنْهَا: صِيَامُ رَجَبٍ، لِمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُذْهِبُ وَغَرَ الصُّدُورِ). وَمِنْهَا: صِيَامُ الْعَشْرِ، لِمَا وَرَدَ فِيهَا مِنَ الْفَضْلِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِمَنْ يَصُومُهَا)، وَاللَّهُ
(1) [رواه البخاري، باب في كم يقرأ القرآن، ر 4765]. (1) رَوَاهُ مُسْلِمٌ مُقْتَصِرًا عَلَى يَوْمِ الإِثْنَيْنِ، قَالَ: "وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ الإِثْنَيْنِ" فَقَالَ: "ذَلِكَ يَوْمَ وُلِدْتُ فِيهِ، وَبُعِثْتُ فِيهِ، وَأُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ". سَأَلَهُ أَسَامَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تَصُومُ لَا تَكَادُ تُفْطِرُ، وَتُفْطِرُ حَتَّى لا تَكَادَ تَصُومُ إِلا يَوْمَيْنِ إِنْ دَخَلَا فِي صِيَامِكَ وَإِلَّا صُمْتَهُمَا. قَالَ: أَيَّ يَوْمَيْنِ؟ قَالَ: يَوْمَ الإِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ. قَالَ: ذَانِكَ يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الْأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ". ذَكَرَهُ أَحْمَدُ - وَسُئِلَ فَقِيلَ: إِنَّكَ تَصُومُ الإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَقَالَ: إِنَّ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ يُغْفَرُ فِيهِمَا لِكُلِّ مُسْلِمٍ إِلَّا مُهْتَجِرَيْنِ "مُتَهَا جِرَيْنِ"، يقولُ: حَتَّى يَصْطَلِحًا ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَةَ. (2) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لا يَصُومُ. وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتَكْمِلُ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ". (1) [رواه البيهقي، باب سهم الصفي، (12529]. وَسَبَبُ الْحَدِيثِ أَنَّ رَجُلاً مِنْ بَاهِلَةَ أَتَى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا الرَّجُلُ الَّذِي جِئْتُكَ عَامَ الأَوَّلِ. فَقَالَ: "مَا غَيْرَكَ وَقَدْ كُنْتَ حَسَنَ الْهَيْئَةِ؟ " قَالَ: مَا أَكَلْتُ طَعَامًا إِلا بِلَيْل مُنذُ فَارَقْتُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لِمَ عَذَّبْتَ نَفْسَكَ؟ " ثُمَّ قَالَ: صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ الْحَدِيثَ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ صِيَامَ رَجَبَ لَيْسَ لَهُ فَضْلُ زَائِدٌ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ إِلا أَنَّهُ مِنَ الأَشْهَرِ الْحُرُمِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ فِيهَا الإِكْثَارُ مِنَ الصِّيَامِ. اهـ مُصَححه.
(0) الْمُرَادُ بِصِيَامِ الْعَشْرِ التَّسْعَ الأَوَّلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَسَمَّاهَا عَشْرًا تَغْلِيبًا. (2/140)
صفحة 637
Nakikishiakakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatalated
14
الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي شُرُوطِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ
وَهِيَ بِعَيْنِهَا شُرُوطُ صَوْمِ الْفَرْضِ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا لَمْ يَشْتَرِطِ النِّيَّةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ النِّيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَفْطَرَ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ غَيْرِ عُذْرٍ، فَأَوْجَبَ أَصْحَابُنَا عَلَيْهِ الْقَضَاءَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَكَذَلِكَ تَطَوُّع أَفْسَدَهُ بَعْدَمَا دَخَلَ فِيهِ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ حَجٌ أَوْ صَوْمِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ آخَرُونَ لا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لأَنَّ اللَّهَ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُؤَاخِذَهُ بِمَا لَمْ يَفْتَرِضْ عَلَيْهِ، وَزَعَمَ ابْنُ رُشْدِ مِنْ فُقَهَاءِ قَوْمِنَا أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ تَطَوُّعًا ثُمَّ أَفْسَدَهُ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ، وَأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ خَرَجَ مِنْ صَلاةِ التَّطَوُّع أَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ، فَتَرَدَّدَ الصَّوْمُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ، فَمَنْ شَبَّهَهُ بِالْحَجِّ قَالَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَمَنْ شَبَّهَهُ بِالصَّلَاةِ قَالَ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ تَطَوُّعِ أَفْسَدَهُ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ أَنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَهُ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: أَيْضًا اخْتِلَافُ الأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِي صِيَامِ التَّطَوُّعِ إِذَا عَزَمَ عَلَيْهِ فِي النَّهَارِ فَأَفْطَرَ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ يَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا فِيمَا وَجَدْتُ فِي الأثرِ، وَاحْتَجُوا بِحَدِيثِ شَدَّادَ بْنِ أَوْسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ، قَالَ: قُلْنَا: وَمَا الشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ؟ قَالَ: يُصْبِحُ أَحَدُكُمْ صَائِمًا، فَتَعْرِضُ لَهُ الشَّهْوَةُ فَيُوَاقِعُهَا وَيَدَعُ صَوْمَهُ، وَذُكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَنَّهُ دُعِيَ إِلَى طَعَامٍ، فَقِيلَ لَهُ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ أَلَّا أَفْطَرْتَ، فَقَالَ: لَأَنْ تَخْتَلِفَ نَاجِرُ فِي بَطْنِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَفْطِرَ قَالُوا: وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ عَالِمٌ بِمَا
(1) [بداية المجتهد، 312/ 1]. (1) [مسند الربيع، الزيادات، ر 919]. (2/141)
صفحة 638
142
عَلَيْهِ كَانَ عَلَيْهِ الإِثْمُ مَعَ الْقَضَاءِ. وَزُعِمَ أَنَّ بَعْضَ قَوْمِنَا يَقُولُونَ: إِذَا أَقْسَمَ عَلَيْكَ أَخُوكَ الْمُسْلِمُ فَبِرَّ قَسَمَهُ وَأَفْطِرْ، وَاقْضِ يَوْمًا مَكَانَهُ، وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا إِذَا اسْتَثْنَى عِنْدَ أَصْحَابِنَا فِي صَوْمِ التَّطَوُّع فَإِنَّهُ يُصِيبُ اسْتِثْنَاؤُهُ، وَيُفْطِرُ مَا لَمْ يَنتَصِفِ النَّهَارُ، وَإِذَا انْتَصَفَ فَلَا يُفْطِرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (2/142)
صفحة 639
الْبَابُ الثَّامِنُ فِي الاعْتِكَافِ
وَحَقِيقَتُهُ فِي اللُّغَةِ: اللُّبْتُ بِالْمَكَانِ، وَفِي الشَّرِيعَةِ: اللُّبْتُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْعِبَادَةِ، وَهُوَ قُرْبَةٌ مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ وَوَاجِبٌ بِالنَّدْرِ، لِقَوْلِهِ: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ الْحَدِيثِ (1)، وَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِهِ بِغَيْرِ النَّدْرِ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ كَرِهَ الدُّخُولَ فِيهِ مَخَافَةَ أَلا يُوَفِّيَ بِشُرُوطِهِ، وَهُوَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَلَا سِيَّمَا فِي رَمَضَانَ، وَبِخَاصَّة الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْهُ لِطَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، لِمَا ثَبَتَ "أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَعْتَكِفُهَا حَتَّى مَاتَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَبَرَكَاتُهُ (2)، وَالْكَلَامُ فِيهِ يَنْحَصِرُ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ.
(1) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الأَرْبَعَةِ - وَتَمَامُهُ: "وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ".
(1) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ. (2/143)
صفحة 640
اعد الإسـ
الفصل الاول
فِي أَرْكَانِهِ
وَهِيَ أَرْبَعَةٌ
t t
الرُّكْنُ الأَوَّلُ
اسْتِمْرَارُ الإِقَامَةِ عَلَى عَمَلِ مَخْصُوص فِي الْعِبَادَةِ كَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى خَاصَّةٌ، وَقِيلَ: جَمِيعُ أَعْمَالِ الْبِرِّ الْمُخْتَصَّةِ بِالآخِرَةِ مِنْ شُهُودِ
الْجَنَازَةِ وَدَرْسِ الْعُلُومِ وَغَيْرِهَا.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: أَنَّهُ أَمْرُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، أَعْنِي: لَيْسَ فِيهِ حَدٌ فِي الشَّرْعِ، فَمَنْ فَهِمَ مِنَ الاعْتِكَافِ حَبْسَ النَّفْسِ عَلَى الأَفْعَالِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْمَسَاجِدِ قَالَ: لاَ يَجُوزُ لَهُ غَيْرُ الصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ، وَمَنْ فَهِمَ مِنْهُ حَبْسَ النَّفْسِ عَلَى الْقُرَبِ الأُخْرَوِيَّةِ أَجَازَ لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٌّ أَنَّهُ قَالَ: "مَنِ اعْتَكَفَ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَفْسُقُ، وَلْيَشْهَدِ الْجُمُعَةَ وَالْجَنَائِرَ، وَيُوصِي أَهْلَهُ إِذَا كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ وَهُوَ قَائِمٌ وَلَا يَجْلِسُ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ، وَمَنَعَ آخَرُونَ الْمُعْتَكِفَ مِنْ شُهُودِ الْجَنَازَةِ وَعِبَادَةِ الْمَرْضَى، رُوِيَ هَذَا عَنْ عَطَاءٍ وَعُرْوَةَ بْنِ (2/144)
صفحة 641
الزُّبَيْرِ وَمُجَاهِدٍ وَالزُّهْرِيِّ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا لَا تَعُودُ مَرِيضًا إِلَّا إِذَا كَانَ عَلَى
طريقها.
وَلَا بَأْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ يَتَحَدَّثَ بِمَا لاَ إِثْمَ فِيهِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ زَارَتْهُ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَتَحَدَّثَتْ مَعَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ لِتَنْقَلِبَ فَشَيَّعَهَا إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، وَلا بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَ بِقَضَاءِ حَوَائِجِهِ وَمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِمَعَاشِهِ، وَيَعْقِدَ النِّكَاحَ، وَيَتَطَيَّبَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. وَرِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ أَنَّ تَشْبِيعَهُ إِيَّاهَا لَمْ يَنتَهِ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، بَلْ خَرَجَ مَعَهَا حَتَّى أَبْلَغَهَا مَنْزِلَهَا، قَالَتْ صَفِيَّةٌ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ مُعْتَكِفًا، فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلاً، فَحَدَّتْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ فَانْقَلَبْتُ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي، وَكَانَ مَسْكَنُها فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَمَرَّ رَجُلانِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا رَأيَا النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَسْرَعَا فَقَالَ النَّبِيُّ: عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةٌ بِنْتُ حُيِّ، قَالَا: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ"، فَخَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا أَوْ قَالَ "شَرًا"، حُكِي عَنِ الشَّافِعِيُّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ شَفَقَةٌ عَلَيْهِمَا؛ لأَنَّهُمَا لَوْ ظَنَّا بِهِ ظَنَّ سَوْءٍ كَفَرَا، فَبَادَرَ إِلَى إِعْلَامِهِمَا ذَلِكَ لِتَلاً يَهْلِكًا. اهـ. وَإِنَّمَا شَيَّعَهَا لِمَنْزِلِهَا لأَنَّ اللَّيْلَ مَظَنَّةُ الْخَوْفِ لَا سِيَّمَا عَلَى النِّسَاءِ، فَالْحَاجَةُ تَقْضِي بِتَشْـ
وَالاطْمِثْنَانِ عَلَى اسلاميان وَلَا تلين بِحالِ أَنْ تَخُوضَ عَلامَ اللَّيْلَ مُتَفَرِدَةَ، فَبَنِينَ أَنْ خُرُوعَ الْمُعْتَكِفِنِ
لِلْحَاجَةِ وَهِيَ مِنَ الْمَعْرُوفِ جَائِز، ويُؤَيَّدُ هَذَا مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ: "وَفِي هَذَا - أَيْ حَدِيثِ صَفِيَّةَ - حُجَّةٌ لِمَنْ رَأَى أَنَّ الاعْتِكَافَ لا يَفْسِدُ إِذَا خَرَجَ فِي وَاجِبٍ، وَأَنَّهُ لا يُمْنَعُ الْمُعْتَكِفُ مِنْ إِثْيَانِ مَعْرُوفٍ. [معالم السنن، 401/ 1] اهـ مُصححه. (2/145)
صفحة 642
ـد الإسـ
الرُّكْنُ الثَّانِي
تَرْكُ الْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُبْشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَكِفُونَ فِي التعليم ()، وَأَجْمَعُوا عَلَى فَسَادِ اعْتِكَافِ الْمُجَامِعِ فِي الْفَرْجِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُجَامِعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالزُّهْرِيِّ، وَقَالَ آخَرُونَ: فَسَدَ اعْتِكَافُهُ، وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، رُوِيَ هَذَا عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَهْل الشَّامِ، وَقِيلَ: يَتَصَدَّقُ بِدِينَارَيْنِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقِيلَ: يَعْتِقُ رَقَبَةٌ، فَإِنَّ
لَمْ يَجِدْ فَلْيُهْدِ بَدَنَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَصَدَّقَ بِعِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِي فَسَادِ الاعْتِكَافِ أَيْضًا بِمَا دُونَ الْجِمَاعِ مِنَ الْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ، فَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: لا يُفْسِدُهُ إِلا الْجِمَاعُ، وَقِيلَ: إِنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ يُفْسِدُهُ،
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكِ وَغَيْرِهِ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: اشْتِرَاكُ اسْمِ الْمُبَاشِرِ، فَمَنْ قَالَ: يُطْلَقُ عَلَى الْجِمَاعِ دُونَ غَيْرِهِ، قَالَ: لَا يُفْسِدُهُ إِلا الْجِمَاعُ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْجِمَاعِ فَمَا دُونَهُ، قَالَ: يُفْسِدُ الاعْتِكَافَ جَمِيعُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) البقرة (187). (2/146)
صفحة 643
الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي الصَّوْمِ
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ الاعْتِكَافِ بِغَيْرِ صَوْمٍ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ عَلَى خِلَافٍ أَيْضًا، وَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالأَوْزَاعِيُّ وَالزُّه وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَقَالَ آخَرُونَ الاعْتِكَافُ جَائِزٌ بِغَيْرِ صَوْمٍ، إِلَّا أَنْ يُوجِبَهُ الْمُعْتَكِفُ عَلَى نَفْسِهِ نَذرًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَلِيٌّ وَابْنِ مَسْعُودٍ،
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: اقْتِرَانُ الاعْتِكَافِ بِالصَّوْمِ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنَّ اعْتِكَافَ النَّبِيِّ إِنَّمَا وَقَعَ فِي رَمَضَانَ، فَمَنْ رَأَى أَنَّ الصَّوْمَ الْمَقْرُونَ بِاعْتِكَافِهِ هُوَ شَرْطُ فِيهِ، قَالَ: لا بُدَّ مِنَ الصَّوْمِ وَمَنْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا وَقَعَ اتِّفَاقًا فِي زَمَانِ الصَّوْمِ لَا أَنَّ ذَلِكَ مَقْصُودُهُ فِي الاعْتِكَافِ، قَالَ: لَيْسَ الصَّوْمُ مِنْ شُرُوطِ الاعْتِكَافِ،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (2/147)
صفحة 644
قواعد الإست
148
الرُّكْنُ الرَّابِعُ الْمُعْتَكَفُ فِيهِ وَهُوَ الْمَسْجِدُ
وَقَدِ اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْعُكُوفَ إِنَّمَا أُضِيفَ إِلَى الْمَسْجِدِ؛ لأَنَّهُ مِنْ شُرُوطِهِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الاعْتِكَافَ جَائِزٌ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَبَيْتِ الْقُدْسِ، وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ، وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَجُوزُ الاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ تُجْمَعُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَبِهِ قَالَ فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي مَسْجِدِ جُمُعَةٍ، لِئَلَّا يَنْقَطِعَ عَمَلُ الْمُعْتَكِفِ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَالأَوَّلُ أَصَحُ
لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنتُمْ عَكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالنِّيَّةُ مِنْ شُرُوطِ الاعْتِكَافِ عِنْدَ الْجَمِيعِ فِيمَا عَلِمْتُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا قَرِيبًا. (2/148)
صفحة 645
الفصل الثاني
فِي وَقْتِ دُخُولِ الْمُعْتَكِفِ فِي الْمَسْجِدِ وَخُرُوجِهِ مِنْهُ
وَفِي أَثَرِ أَصْحَابِنَا إِذَا نَوَى أَنْ يَعْتَكِفَ شَهْرًا فَإِنَّهُ يَدْخُلُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْهُ، وَرُوِيَ هَذَا عَنِ النَّخَعِي وَمَالِكِ وَالشَّافِعِي وَأَهْلِ الرَّأْيِ، وَأَمَّا إِذَا نَوَى أَنْ يَعْتَكِفَ أَيَّامًا أَوْ يَوْمًا وَاحِدًا، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَبِهِ قَالَ فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَدْخُلُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، رُوِيَ هَذَا عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ،
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ نَوَى عَشْرَ لَيَالٍ دَخَلَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: تَعَارُضُ الأَقْسِسَةِ لِلآثَارِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ رَأَى أَنَّ أَوَّلَ الشَّهْرِ لَيْلَة اعتبرَ اللَّيَالِي فَقَالَ: يَدْخُلُ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَمَنْ لَمْ يَعْتَبِرِ اللَّيَالِيَ قَالَ: يَدْخُلُ
(1) قَالَ الْمُحَنِّي: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَصِحُ اعْتِكَافُ يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الإِيضَاحِ لَا يَصِحُ ذَلِكَ، وَأَنَّ هَذَا قَوْلُ بَعْض الْمُخَالِفِينَ، حَيْثُ قَالَ: "وَاخْتَلَفُوا فِي أَقَلِّ مَا يَصِحُ الاعْتِكَافُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا، وَقَالَ آخَرُونَ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا وَيَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِ الْقَائِلِينَ بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ مَا ثَبَتَ مِنْ فِعْلِهِ لا أَنَّهُ يَعْتَكِفُ فِي رَمَضَانَ كُلَّ سَنَةٍ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا، فَدَلَّ فِعْلُهُ هَذَا أَنَّ أَقَلَّ الْاعْتِكَافِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ؛ إِذْ عَلَيْنَا الاقْتِدَاهُ بهِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَمَّا مَنْ قَالَ بِثَلاثَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى فِعْلِهِ ما رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: "إِنِّي لَا أَعْتَكِفُ عَشْرَ الأَوَائِل أَلْتَمِسُ بِهَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَطْلُبَهَا فَلاَ يَطْلُبُهَا إِلا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَقَالَ: رَأَيْتُهَا فَاخْتُلِسَتْ مِنِّي فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ تِسْعِ بَقِينَ أَوْ سَبْعِ بَقِينَ أَوْ ثَلَاثٍ بَقِينَ" (رواه الترمذي) إِلَحْ الشماخي: كتاب الإيضاح، باب في الاعتكاف 1/ 224، 225]. اهـ، الْمُصَحح. وَفِي رِوَايَةٍ أَوْ خَمْسٍ بَدَلَ ثَلاثٍ، وَبِنَاءً عَلَيْهَا فَلَا يَتِمُّ اسْتِدْلَالُهُ. (2/149)
صفحة 646
د الإسـ
قَبْلَ الْفَجْرِ؛ لأَنَّ الْيَوْمَ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ يَقَعُ عَلَى الْيَوْمِ خَاصَّةٌ، وَعَلَى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَيْضًا ()، وَأَمَّا الْأَثَرُ الْمُعَارِضُ لِهَذَا فَلِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم "إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ (3)، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْت خُرُوجِهِ أَيْضًا، فَقِيلَ: يَخْرُجُ إِذَا اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَى صَلَاةِ الْعِيدِ، وَإِنْ خَرَجَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلا بَأْسَ عَلَيْهِ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكِ، وَقِيلَ: يَخْرُجُ بَعْدَ الْغُرُوبِ، رُوِيَ هَذَا عَنِ الشَّافِعِي وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنْ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ فَسَدَ
اعْتِكَافُهُ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: هَلَ اللَّيْلَةُ الْبَاقِيَةُ مِنَ الْعَشْرِ أَمْ لَا؟
(1) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: سَبْعَ بَالِ وَنَمَنِيَة أَيَّامٍ حُسوما) (الحاقة: 7). (1) كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَثَةَ أَيَّامٍ) (هود: 65). (1) [رواه مسلم، باب متى يدخل من أراد الاعتكاف في معتكفه، ر 2842]. (2/150)
صفحة 647
الفصل الثالث
فِي أَحْكَامِ الاعْتِكَافِ
وَهِيَ مُلازَمَةُ الْمَسْجِدِ عَلَى فِعْلِ الْعِبَادَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُعْتَكِفِ، هَلْ يَدْخُلُ تَحْتَ سَقْفِ غَيْرِ الْمَسْجِدِ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ؟ فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَصْحَابُنَا إِلَّا مُضْطَرًا لِمُغْتَسَل أَوْ قَضَاءِ حَاجَةِ الإِنْسَانِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَرَخَّصَ فِيهِ الزُّهْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَالأَوَّلُ أَصَحُ، لِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأَرَجُلُهُ، وَكَانَ لا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ. وَلَا يَبِيعُ الْمُعْتَكِفُ وَلَا يَشْتَرِي إِلَّا مَا لا بُدَّ مِنْهُ مِنَ الْقُوتِ، وَلاَ بَأْسَ عَلَيْهِ فِي إِثْيَانِ مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ الْعِلْمَ، وَبَعْضُ كَرِهَهُ وَاخْتُلِفَ فِيهِ، هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَتَعَشَّى فِي مَنْزِلِهِ؟ وَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لاَ يَشْتَرِطُهُ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَتَعَشَى فِي الْمَسْجِدِ. وَإِذَا مَرِضَ مَرَضًا يُمْكِنُهُ الْمُقَامُ فِي الْمَسْجِدِ أَقَامَ فِيهِ، وَإِلَّا خَرَجَ إِلَى بَيْتِهِ، فَإِذَا صَحَ قَضَى مَا عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إِذَا حَاضَتْ فَلْتَخْرُجُ، وَإِذَا طَهُرَتْ
رَجَعَتْ.
(1) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا. (2/151)
صفحة 648
وَاخْتَلَفُوا إِذَا نَذَرَ الصَّمْتَ فِي اعْتِكَافِهِ، فَقِيلَ: يَتَكَلَّمُ بِلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْي: لَيْسَ فِي الاعْتِكَافِ صَمْتُ (1)، وَقِيلَ: إِنْ رَأَى فِيهِ السَّلَامَةَ فَعَلَ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لا يَلْزَمُهُ نَذْرٌ؛ لأَنَّ الْكَلامَ بِالْحَقِّ أَفْضَلُ مِنَ السُّكُوتِ، وَالْقَوْلُ الْبَاطِلُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ الْمُعْتَكِفُ وَغَيْرُهُ، وَبَعْضُ أَوْجَبَ عَلَيْهِ إِطْعَامَ مِسْكِينٍ أَوْ مِسْكِينَيْنِ إِنْ تَكَلَّمَ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّ رَجُلا نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ وَلاَ يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَظِلَّ وَيَتَكَلَّمَ وَيَجْلِسَ وَيُتِمَّ صَوْمَهُ (3)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُعْتَكِفِ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ فِعْلَ شَيْءٍ وَيَمْنَعَهُ الاعْتِكَافُ مِثْلَ حُضُورٍ جَنَازَةٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ شَرْطَهُ لَا يَنْفَعُ، وَأَنَّهُ إِنْ فَعَلَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ. وَاخْتَلَفُوا إِذَا خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ مَتَى يَنْقَطِعُ اعْتِكَافُهُ؟ فَقِيلَ: يَنتَقِضُ عِنْدَ أَوَّلِ خُرُوجِهِ، وَبَعْضُ رَخَّصَ فِي السَّاعَةِ، وَآخَرُونَ فِي الْيَوْمِ، وَاللهُ أَعْلَمُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ: إِذَا قَطَعَ الْمُتَطَوِّعُ اعْتِكَافَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، لِمَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ
الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ فَلَمْ يَعْتَكِفُ، وَاعْتَكَفَ فِي شَوَّالَ (3).
(1) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لا يُتِمُ بَعْدَ احْتِلاَمِ وَلَا صُمَاتٍ يَوْمٌ إِلَى اللَّيْلِ" رَوَاهُ أَبُو
دَاوُدَ.
(1) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ عَن ابْنِ عَبَّاس. (2) وَاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَقطَعَ اعْتِكَافَهُ الْمُسْتَحَبَّ مَتَى شَاءَ، وَقَدْ ذَكَرَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ السَّبَبَ الَّذِي حَمَلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى قَطع اعْتِكَافِهِ أَوَاخِرَ رَمَضَانَ، وَقَضَاهُ فِي شَوَّالَ، فَقَالَتْ: كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الفَجْرَ وَدَخَلَ مُعْتَكَفَهُ، وَأَنَّهُ أَرَادَ مَرَّةً أ يَعْتَكِفَ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَأَمَرَ بِبِنَائِهِ فَضُرِبَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ أَمَرْتُ بِبِنَائِي فَضُرِبَ وَأَمَرَ غَيْرِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِنَائِهِ فَضُرِبَ، فَلَمَّا صَلَّى الْفَجْرَ نَظَرَ إِلَى الأَبْيَةِ، فَقَالَ: "مَا هَذِهِ؟ الْبِرَّ تُرِدْنَ؟ قَالَ: "فَأَمَرَ بِبِنَائِهِ فَقُوِّضَ، وَأَمَرَ أَزْوَاجَهُ بِأَبْنِيَتِهِنَّ فَقُوضَتْ، ثُمَّ أَخَرَ الاعْتِكَافَ إِلَى الْعَشْرِ الْأُوَّلِ يَعْنِي مِنْ شَوَّالَ". (2/152)
صفحة 649
وَأَمَّا النَّذْرُ الْوَاجِبُ فَلاَ خِلافَ فِي قَضَائِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَضَائِهِ عَنِ الْمَوْتَى، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ أَنَّهُ لاَ يُعْتَكَفُ عَنِ الْمَيِّتِ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِذَا كَانَ عَلَى الإِنْسَانِ اعْتِكَافُ شَهْرٍ أُطْعِمَ عَنْهُ سِتُّونَ مِسْكِينًا: ثَلاثُونَ لِلاعْتِكَافِ، وَثَلاثُونَ لِلصَّوْمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ في تحري ليلة القدر وفضلها]: وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ [
(1) m
قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيْمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَعَنْهُ قَالَ: الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَفِي كُلِّ وِتْرِ مِنْهَا (2)، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّهَا فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى أَوْ سَابِعَةٍ أَوْ خَامِسَة (3). وَالأَحْوَطُ لِلْمَرْءِ أَنْ يُحْيِي اللَّيَالِي الْعَشْرَ تَحَرِّيًا لِطَلَبِهَا لِئَلاً تَفُوتَهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا
دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْعَشْرُ الأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ أَيْقَظَ أَهْلَهُ وَشَدَّ الْمِثْزَرَ وَأَحْيَا اللَّيَالِي وَاللهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَبِهِ الْحَوْلُ وَالتَّوْفِيقُ.
(1) [رواه الربيع، باب في فضل رمضان، ر 327]. (1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَرِيبًا.
6
(4)
(2) تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَرِيبًا. وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا لَيْلَةُ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا لَيْلَةَ السَّابِع وَالْعِشْرِينَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَلِحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: "وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّهَا لَفِي رَمَضَانَ، يَحْلِفُ وَمَا يَسْتَنِي، وَوَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ أَيَّ لَيْلَةٍ هِيَ هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ بِقِيَامِهَا، هِيَ لَيْلَةُ سَبْع وَعِشْرِينَ، وَأَمَارَتْهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ صَبِيحَةً يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لَا
شُعَاعَ لَهَا". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتَّرْمِذِيُّ. وَصَحْحَهُ. (1) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: "وَأُحْيِي اللَّيْلَ" بَدَلَ اللَّيَالِي. (2/153)
صفحة 650
واعد الإسـ (2/154)
صفحة 651
الرُّكْنُ الْخَامِسُ مِنَ الْكِتَابِ فِي الْعُمْرَةِ وَالسَّادِسُ فِي الْحَجّ
إِذْ هُمَا فَرْضَانِ عَلَى الْعَبْدِ مَأْمُورٌ بِإِثْمَامِهِمَا إِلَّا أَنَّ الْعُمْرَةَ قَدِ انْدَرَجَتْ تَحْتَ الْحَجِّ وَاشْتَمَلَ عَلَيْهَا).
اعْلَمْ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ فَرَضَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ عَلَى الْمُسْتَطِيعِينَ مِنَ الْعِبَادِ، فَكَانَ فِي السَّفَرِ إِلَيْهِمَا تَذْكِرَةٌ لِسَفَرِ الْآخِرَةِ وَأَهْوَالِ الْمَعَادِ إِذِ الْخَارِجُ إِلَيْهِمَا مُنْخَلِعُ عَنِ الأَهْلِ وَالأَوْلادِ، قَلَّ مَا يَخْلُو مِنْ تَوْبَةٍ وَأَحْكَام وَصِيَّتِهِ، وَكَانَ رُكُوبُهُ لِلرَّاحِلَةِ مَثَلاً لِرُكُوبِهِ نَعْشَ الْجَنَازَةِ، وَدُخُولُهُ الْبَادِيَةَ وَقَطَعُهُ عَقَبَاتِهَا إِلَى الْمِيقَاتِ تَذْكِرَةٌ لِلْخُرُوج مِنَ الدُّنْيَا بِالْمَوْتِ إِلَى مِيقَاتِ الْقِيَامَةِ وَمُشَاهَدَةِ تِلْكَ الْأَهْوَالِ وَالْمُطَالبَاتِ، فَكَانَ انْفِرَادُهُ عَنِ الأَهْل فِي الْبَرِّ وَمَا يُكَابِدُهُ مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَسِبَاعِهِ مَثَلاً لِخَلْوَتِهِ فِي الْقَبْرِ مَعَ دِيدَانِهِ وَأَفَاعِيهِ، وَكَانَ الْتِفَافُهُ لِتَوْبَي إِحْرَامِهِ مُخَالِفًا لِزِيَّهِ وَهَيْئَةِ لِبَاسِهِ تَذْكِرَةٌ لِثِيَابِ الْكَفَنِ وَقُدُومِهِ عَلَى رَبِّهِ بِزِيٍّ مُخَالِفٍ لِزِيٍّ (1) أَجَلُ الْعُمْرَةُ دَاخِلَةٌ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، يَعْنِي دَاخِلَةٌ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَالْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ نَفْيُ مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَعْتَقِدُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَصِحُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلِذَلِكَ شَقَّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ حِينَ قَالَ لَهُمْ وَهُمْ مُحْرِمُونَ بِالْحَجِّ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "اجْعَلُوهَا عُمْرَةً، أَمَرَ بِذَلِكَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْي. قَالَ طَاوُسُ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَرَوْنَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْجَرَ الْفُجُورِ، وَيَقُولُونَ: إِذَا انْفَسَخَ صَفَرٌ، وَبَرَأَ الدُّبُرُ، وَعَفَا الأَثَرُ حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرَ، فَلَمَّا كَانَ الإِسْلَامُ، أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَعْتَمِرُوا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَدَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، اهـ مُصَححه. (2/155)
صفحة 652
قواعد الإسـ
الدُّنْيَا، إِذْ كِلاهُمَا غَيْرُ مَخِيطَيْنِ مَلْفُوفٌ فِيهِمَا الْعَبْدُ فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ، وَكَانَ تَلْبِيتُهُ لِلرَّبِّ تَعَالَى عِنْدَ الْمِيقَاتِ تَذْكِرَةً لإِجَابَةِ الدَّاعِي مِنَ الْأَجْدَاثِ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، وَكَانَ دُخُولُهُ الْحَرَمَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَثَلاً لِقِيَامِهِ مِنَ الْقَبْرِ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُهُ مَعَ النَّاسِ ذَاهِلَ الْعَقْلِ عَارِيَ الْبَدَنِ مِنَ اللَّبَاسِ، فَكَانَ انْصِبَابُهُ إِلَى مَكَّةَ مَعَ جُمْلَةِ الزَّائِرِينَ مَثَلاً لانْصِبَابِ النَّاسِ فِي الْقِيَامَةِ إِلَى جِهَةِ الْجَنَّةِ آمِلِينَ فِي دُخُولِهَا، فَكَانَ دُخُولُهُ إِلَى الْبَيْتِ وَتَعَلَّقُهُ بِأَسْتَارِهِ مَيْلاً لِحَضْرَةِ الْمَلِكِ يَقْصِدُهُ الزُّوَّارُ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ وَأَوْبِ سَحِيقٍ شُعْنًا غُبْرًا مُتَوَاضِعِينَ لِرَبِّ الْبَيْتِ خُضُوعًا لِجَلَالِهِ وَاسْتِكَانَةٌ لِعِزَّتِهِ، فَكَانَ وُقُوفُهُ بِعَرَفَاتٍ مَعَ جُمْلَةِ الْحَجِيجِ، وَارْتِفَاعُ أَصْوَاتِهِمْ بِالْبُكَاءِ وَالضَّجِيحِ، وَاتَّبَاعُ الْفِرَقِ أَئِمَّتَهُمْ فِي التَّرَدُّدَاتِ عَلَى الْمَشَاعِرِ اقْتِدَاءٌ بِهِمْ فِي امْتِثَالِ الْمَنَاسِكِ مَثَلاً لِلْوُقُوفِ عَلَى عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، وَافْتِدَاءِ كُلِّ أُمَّةٍ بِنَبِيِّهَا طَمَعًا مِنْهُمْ إِلَيْهِ فِي الشَّفَاعَةِ، وَانْدِفَاعُهُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ مُنْقَسِمِينَ إِلَى مَرْدُودِينَ وَمَقْبُولِينَ مَثَلاً لانْقِسَامِ الْخَلْقِ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَى مَحْرُومِينَ وَمَرْحُومِينَ، وَلَكِنَّ الْكَرَمَ مِنَ اللَّهِ مِيمٌ، وَشَرَفَ الْبَيْتِ عَظِيمٌ، وَحَقَّ الزَّائِرِينَ مَرْعِيُّ، وَذِمَامَ الْمُسْتَجِيرِينَ غَيْرُ مُضَيَّعِ، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ هِمَمُهُمْ، وَتَجَرَّدَتْ لِلضَّرَاعَةِ وَالابْتِهَالِ قُلُوبُهُمْ، وَارْتَفَعَتْ إِلَى اللهِ أَيْدِيهِمْ، وَامْتَدَّتْ رِقَابُهُمْ، وَشَخِصَتْ نَحْوَ السَّمَاءِ أَبْصَارُهُمْ مُجْتَمِعِينَ عَلَى طَلَبِ الرَّحْمَةِ مِنْ مَوْلاهُمْ فَلا تَظُنَنَّ أَنَّهُ يُخَيِّبُ أَمَلَهُمْ وَيُضَيِّعُ سَعْيَهُمْ، مَعَ اجْتِمَاعِ الْهِمَمِ وَالاسْتِظْهَارِ بِالأَوْلِيَاء مِنْ جَمِيعِ الأُمَمِ فِي وَقْتِ وَاحِدٍ وَصَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَلِذَلِكَ قِيلَ إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ فَظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَغْفِرْ لَهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ أنقى، وَجَاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ وَلَمْ يَرْفُتْ وَلَمْ
(1) البقرة: (203). (2/156)
صفحة 653
يَفْسُقُ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ فِي تَعْرِيفِ أَسْرَارِ الْحَجِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلْنَشْرَعِ الآنَ فِي ذِكْرِ طَرَفٍ مِنْ أُمَّهَاتِ مَسَائِلِهِ وَامْتِثَالِ مَنَاسِكِهِ، وَإِنْ كُنَّا قَدْ أَلَّفْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ مُسْتَقْصَى؛ لأَنَّا شَرَطْنَا فِي صَدْرِ الْكِتَابِ أَنْ نَسُوقَ فِيهِ سَبْعَةَ أَرْكَانٍ تَتَضَمَّنُ سَبْعَ سُؤَالَاتِ الْقَنَاطِرِ فِي الْمَعَادِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، وَلْنَحْصُرِ
الْكَلامَ فِي هَذَا الرُّكْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ.
الْبَابُ الأَوَّلُ: فِي مُقَدِّمَاتِ الْحَجِّ.
الْبَابُ الثَّانِي: فِي مَقَاصِدِهِ.
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي لَوَاحِقِهِ الأَوَّلُ: فِي الشَّرَائِطِ وَالْمُقَدِّمَاتِ، وَهِيَ مَحْصُورَةٌ
فِي فَصْلَيْنِ.
(1) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. (2/157)
صفحة 654
الفصل الأول
فِي شُرُوطِ وُجُوبِ الْحَجّ
الشَّرْطُ الأَوَّلُ: الْبُلُوغ، وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ وُقُوعِهِ مِنَ الصَّبِيِّ، فَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَبَعْضُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ إِلَى صِحَّةِ وُقُوعِهِ مِنْهُ، وَذَهَبَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى مَنْعِهِ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: مُعَارَضَةُ الأَثَرِ لِلأَصْلِ، وَهُوَ قَوْلُ الْمَرْأَةِ إِذْ أَخَذَتْ بِعَضُدِ
(1)
صَبِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِهَذَا حَجٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ)، وَالأَصْلُ أَنَّ الصَّبِيَّ مَرْفُوعٌ عَنْهُ الْقَلَمُ حَتَّى يَحْتَلِمَ. الشَّرْطُ الثَّانِي: الْعَقْلُ؛ لأَنَّ الْمَجْنُونَ لا يَصِحُ حَجُّهُ لِعَدَمٍ صِحَّةِ عَقْلِهِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ وَلِيَّهُ يُحْرِمُ عَنْهُ كَالصَّبِيِّ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: الإِسْلامُ، إِذْ لَا يَصِحُ حَجُّ الْمُشْرِكِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "أَيُّمَا
أَعْرَابِي حَجَّ ثُمَّ هَاجَرَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى (2)، وَأَرَادَ بِالْهِجْرَةِ هَهُنَا الإِسْلامَ.
(1) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وأحمد مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرِوَايَةٌ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لَفِي رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ، مَحَل يَقَرَبُ مِنَ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، فَقَالَ: " مَنَ الْقَوْمُ؟ " قَالُوا
النَّبِيَّ "مَن
"الْمُسْلِمُونَ". فَقَالُوا: "مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: "رَسُولُ اللهِ" فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَيًّا فَقَالَتْ: أَلِهَذَا
حَج؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرُ". اهـ مُصَحْحه. (1) رواه أحمد وأبو داود والنسائي. (2/158)
صفحة 655
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: الْحُرِّيَّةُ، إِذْ لَا يَصِحُ حَجُّ الْعَبْدِ إِلَّا بِإِذْنِ مَوْلَاهُ، إِلَّا إِنْ أُعْتِقَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ لِقَوْلِ النَّبِيِّ: "أَيُّمَا عَبْدِ حَجَّ ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ
أُخْرَى (1)
(Y),
الشَّرْطُ الْخَامِسُ: الاسْتِطَاعَةُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَجَمَاعَةٌ.
(3)
وَالثَّانِي: أَنَّهَا صِحَّةُ الْبَدَنِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَالضَّحَاكِ، وَبِهِ قَالَ
مَالِكُ، وَلَعَلَّ حُجَّتَهُمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَأْتُوكَ رِجَالًا لله الآية)، أَيْ مُشَاةً. وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا زَادٌ وَرَاحِلَةٌ وَصِحَّةُ الْبَدَنِ، حُكِي هَذَا عَنْ بَعْضِ الْعُمَانِيِّينَ (ه). وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: الاسْتِطَاعَةُ مَا ذَكَرْنَا مَعَ زِيَادَةِ الْأَمْنِ وَمُرَافَقَةِ الأَصْحَابِ، وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
مَسْأَلَة [في نيابة الغير في الحج]: وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْحَجِّ بِاسْتِطَاعَةِ نِيَابَةِ الْغَيْرِ مَعَ الْعَجْزِ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ، فَأَوْجَبَ ذَلِكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَمَنَعَ مِنْهُ آخَرُونَ.
(1) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
(1) آلُ عِمْرَانَ: (97). (1) هُوَ مَا رُوِيَ عَنْ أَنَس قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: "الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ". رَوَاهُ الدَّارَ قُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَالرَّاجِعُ إِرْسَالُهُ، وَأَخْرَجَةَ التَّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِي
إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
(1) الْحَجَ: (67).
(0) [خميس الشقصي: منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، 10/ 7]. (2/159)
صفحة 656
قواعد الإس
وَسَبَبُ الْخِلافِ مُعَارَضَةُ الْآثَارِ لِلْقِيَاسِ؛ وَذَلَكَ أَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَحُجُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ كَمَا لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَأَمَّا الآثَارُ الَّتِي عَارَضَتْهُ فَحَدِيثُ الْخَنْعَمِيَّةِ وَغَيْرِهَا، إِذْ أَمَرَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي أَنْ تَحُجَّ عَنْ أَبِيهَا شَيْخ كَبِيرٍ لَا يَسْتَطِيعُ الرُّكُوبَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيمَا وَجَدْتُ فِي وُقُوعِهِ عَنِ الْغَيْرِ تَطَوُّعًا، وَإِنَّمَا الْخِلافُ فِي وُقُوعِهِ فَرْضًا.
(1)
مَسْأَلَة [هل يشترط في من يحج على غيره أن يكون قد حج لنفسه؟]: وَاخْتَلَفُوا فِي الَّذِي يَحُجُ عَنْهُ غَيْرُهُ، سَوَاءٌ كَانَ حَيَّا أَوْ مَيَّنًا، هَلْ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ حَجَّ لِنَفْسِهِ أَمْ لاَ؟ فَذَهَبَ بَعْضُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ، وَإِنْ أَدَّى الْفَرْضَ عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: اخْتِلافُهُمْ فِي تَصْحِيحِ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِمَنْ يُلَبِّي عَنْ غَيْرِهِ: إِنْ كُنْتَ حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ فَحُجَّ عَنْ غَيْرِكَ (3).
مَسْأَلَة [في الأجرة على الحج]: وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجُل يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ فِي الْحَجِّ، فَكَرِهَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، وَإِنْ وَقَعَ جَازَ، وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ آخَرُونَ، وَحَجَّتُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ إِلَى اللهِ تَعَالَى، فَلا تَجُوزُ فِيهَا الإِجَارَةُ؛ لأَنَّهَا مِنْ بَابِ الأَكْلِ بِالدِّينِ، وَحُجَّةُ
(1) رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَالرَّبِيعُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَنْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاس يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَجَعَل رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشَّقِّ الآخَرِ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبِتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَخَجُ عَنْهُ؟ قَالَ: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهِ عَنْهُ أَكُنْتِ قَاضِيَةٌ عَنْهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: "فَذَاكَ
ذَاكَ".
(1) وَنَصُّ الْحَدِيثِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ. قَالَ: "مَنْ شُبْرُمَةُ؟ " قَالَ: أَخٌ لِي أَوْ قَرِيبٌ لِي. فَقَالَ: حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ " قَالَ: لا. قَالَ: "حُجَّ. نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةً". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحْحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالرَّاجِحُ عِندَ
أَحْمَدَ وَقْفُهُ. (2/160)
صفحة 657
الأَوَّلِينَ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى جَوَازِ الإِجَارَةِ فِي بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَكِتَابَةِ الْمَصَاحِفِ (1). مَسْأَلَة [هل وجوب الحج على التراخي أم على الفور]: وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الحج، هَلْ هُوَ عَلَى التَّرَاخِي أَوْ عَلَى الْفَوْرِ؟ فَحُجَّةُ أَصْحَابِ الْقَوْلِ الأَوَّلِ أَنَّ النبي فُرِضَ عَلَيْهِ الْحَجُ وَأَخَرَهُ سَنَتَيْنِ، فَلَوْ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ لَمْ يُؤَخِّرْهُ، وَحُجَّةُ الآخَرِينَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُخْتَصًا بِوَقْتِ كَانَ مَنْ أَخْرَهُ حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُهُ آئِمًا، أَصْلُهُ الصَّلَاةُ.
مسألة [هل يجب الْحَجُّ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي لا زَوْجَ لَهَا ولا محرم]: وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي لا زَوْجَ لَهَا، وَلَا ذَا مَحْرَمٍ يُطَاوِعُهَا عَلَى الْخُرُوجِ، فَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَجَمَاعَةٍ أَنَّهَا لَا تَحُجُ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ تَخْرُجُ مَعَ رُفْقَةٍ مَأْمُونَةٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ. وَسَبَبُ الْخِلافِ مُعَارَضَةُ الأَمْرِ بِالْحَجِّ (2) النَّهْيَ عَنْ سَفَرِ الْمَرْأَةِ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا (3)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(2)
(1) وَمُجْمَلُ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الْحَجَّ عَنِ الْغَيْرِ يَصِحُ إِذَا: ضَرُورَةٍ وَعَلَى وَجْهِ الأُجْرَةِ، بَيْدَ أَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَشْتَرِطُ فِيمَنْ يَحُجُ عَنْ غَيْرِهِ أَنْ يَكُود أَوَّلاً لِحَدِيثِ: حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ، وَأَنْتَ.، وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْحَجِّ هُنَا حَجُّ الْفَرِيضَةِ، أَمَّا التَّطَوُّعِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ، وَهُنَاكَ مَنْ يُجِيرُهُ مُطْلَقًا عَنِ الْغَيْرِ مَيْتًا كَانَ أَوْ حَيًّا إِذَا كَانَ عَاجِزا، وَهُمْ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا، وَحُجَّتُهُمْ مَا رُوِيَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ثَلَاثَةُ بِالْحَجَّةِ الْوَاحِدَةِ إِذَا كَانُوا مُسْلِمِينَ، الْمُوصِي بِهَا، وَالَّذِي يُنْفِذُهَا، وَالْخَارِجُ بِهَا".
اهـ مُصَححه.
(1) هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: "وَلِلهِ عَلَى النَّاسِ حَجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا". (آل عمران: 97) (1) عَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَخَطُبُ وَيَقُولُ: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرمٍ، وَلَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إِلا مَعَ ذِي مَحْرِمٍ". فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولُ اللَّهِ (2/161)
صفحة 658
قواعد الان
الفصل الثاني
فِي الْمُقَدِّمَاتِ
إحْدَاهَا [المقدمة الأولى]: فِي الْمَوَاقِيتِ
وَهِيَ نَوْعَانِ: زَمَانِيَّةٌ وَمَكَانِيَّةٌ.
(1) ,
أَمَّا المَوَاقِيتُ الزَّمَانِيَّةُ فَالأَصْلُ فِيهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْحَجُ أَشْهُرُ مَعْلُومَت ()، وَاخْتُلِفَ فِيهَا، فَقِيلَ: هِيَ شَوَّالُ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ بِأَسْرِهَا، حُكِي هَذَا عَنْ قَتَادَةَ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: هِيَ شَهْرَانِ شَوَّالُ وَذُو الْقَعْدَة وَعَشَرَةٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ وَالشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا، وَقِيلَ: هِيَ شَهْرَانِ وَعِشْرُونَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ.
وَفَائِدَةُ الْخِلافِ: تَأْخِيرُ طَوَافِ الإِفَاضَةِ إِلَى آخِرِ الشَّهْرِ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ، فَقِيلَ: لَا يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ، وَقِيلَ: يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ إِحْرَامَ عَمْرَةٍ لَا حَجٌ،
وَهُوَ الصَّحِيحُ.
، إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةٌ وَإِنِّي اكْتُبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: انْطَلِقُ فَحُجَّ مَعَ
امْرَأَتِكَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
(1) الْبَقَرَة: (197). (2/162)
صفحة 659
وَسَبَبُ الْخِلافِ: تَشْبِيهُ وَقْتِهِ بِوَقْتِ الصَّلاَةِ، فَمَنْ شَبَّهَهُ بِهَا قَالَ: لَا يَنْعَقِدُ قَبْلَ
(1).
الْوَقْتِ. وَحُجَّةُ مَنْ أَجَازَهُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَتِمُوا الْحَجَّ وَالْقَمَرَةَ لِلَّهِ، وَالأَوَّلُ
أَصَحُ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا. وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِهَا فِي كُلِّ أَوْقَاتِ السَّنَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي
تَكْرِيرِهَا فِي السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ، فَأَجَازَهُ قَوْمٌ، وَكَرِهَهُ آخَرُونَ.
وَأَمَّا الْمَوَاقِيتُ الْمَكَانِيَّةُ فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا: أَمَّا أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَذُو الْحُلَيْفَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّامِ فَالْجَحْفَةِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ قَرْنٌ، وَأَهْلُ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ، لِنُّبُوتِ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ، وَاخْتُلِفَ فِي مِيقَاتِ أَهْل الْعِرَاقِ، فَقِيلَ: ذَاتُ عِرْقٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ (3)، وَقِيلَ: هُوَ الْعَقِيقُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ وَفَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ، فَقِيلَ: هُوَ النَّبِيُّ، وَقِيلَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ()، لأَنَّهُ هُوَ الَّذِي فَتَحَ الْعِرَاقَ عَلَى يَدِ عُمَّالِهِ، وَهُوَ الْأَصَحُ.
مَسْأَلَةٌ: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ أَحَدٍ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ أَوْ قَبْلَهَا أَنَّهُ مُحْرِمْ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَحْرَمَ بَعْدَ أَنْ تَعَدَّاهَا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: إِنْ رَجَعَ إِلَى
(1) البقرة: (196). (1) عَنِ ابْن عَبَّاس أَنَّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وَقتَ لأَهْل الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ - أَبْيَارَ عَلِيٌّ يَفْرُبُ بِسِتَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ) -، وَلأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ - قُرْبَ رَابِعَ اسْتُبْدِلَ بِهَا) -، وَلَأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ - (وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ) -، وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ - عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ) - هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَنِّي عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ مَكَةَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (1) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَتَ لأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ إِلا أَنَّ رَاوِيَهَا شَكَ فِيهِ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ هُوَ الَّذِي وَقَتَ ذَاتَ عِرْقٍ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ وَالتَّرْمِذِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَقَتَ
لأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ. (1) كَمَا فِي حَدِيثٍ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ. (1) لِمَا عِنْدَ الْبُخَارِيُّ. (2/163)
صفحة 660
وقواعد الإسـ
الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ فَأَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لأَنَّهُ أَدْخَلَ النَّقْصَ فِي مَنَاسِكِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَسْقُطُ الدَّمُ وَإِنْ رَجَعَ، وَقِيلَ: لا دَمَ عَلَيْهِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَهُنَّ فَمِيقَاتُهُ مِنْ مَنْزِلِهِ، لِبُوتِ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ).
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَرَكَ الإِحْرَامَ مِنْ مِيقَاتِهِ فَأَحْرَمَ مِنْ مِيقَاتِ غَيْرِهِ، مِثْلُ أَنْ يَتْرُكَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَيُحْرِمُوا مِنَ الْجُحْفَةِ، فَقِيلَ: لَا شَيْء عَلَيْهِ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ دَمُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكِ وَأَصْحَابِهِ، وَالأَوَّلُ أَصَحُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاس: "هُنَّ لَكُمْ مَوَاقِيتُ وَلِكُلِّ آتٍ عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ (2).
مَسْأَلَةٌ: كُلُّ مَنْ مَرَّ بِأَحَدِ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ لَزِمَهُ الإِحْرَامُ إِذَا كَانَ مُرِيدًا لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، إِلا مَنْ أَكْثَرَ تَرَدُّدَهُ إِلَى مَكَّةَ مِثْلَ الْحَطَّابِينَ، فَإِنَّهُ رُخْصَ لَهُمْ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ؛ لأَنَّ فِي إِلْزَامِهِ الإِحْرَامَ مَشَقَّةٌ وَقَطْعًا عَنْ مَعَاشِهِ،
Y
وَاخْتَلَفُوا فِي أَهْلَ الآفَاقِ الَّذِينَ يَقْصِدُونَ مَكَّةَ لِحِجَارَةٍ أَوْ حَاجَةٍ، فَقَالَ قَوْمٌ: يَلْزَمُهُمُ الإحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لا يُجَاوِزُونَ الْمِيقَاتَ إِلَّا مُحْرِمِينَ،
وَاللهُ أَعْلَمُ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَلْزَمُهُمْ إِنْ لَمْ يُحْرِمُوا، فَقَالَ قَوْمٌ: أَسَاؤُوا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ؛ لأَنَّ دُخُولَ مَحَلِّ الْفَرْضِ لا يُوجِبُ الدُّخُولَ فِي الْفَرْضِ، أَصْلُهُ الدُّخُولُ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرُوِيَ عَنِ الرَّبِيع اللهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُمُ الدَّمُ إِلَّا الْحَطَّابِينَ، قَالَ: وَعَلَيْهِمْ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ مَكَّةَ.
(1) الْحَج: (67).
(1) تَقَدَّمَ قَرِيبًا. (2/164)
صفحة 661
قواعد الإس
وَهَذَا كُلُّهُ لِغَيْرِ أَهْل مَكَّةَ، وَأَمَّا أَهْلُ مَكَّةَ الْمُقِيمُونَ فِيهَا فَإِنَّ مِيقَاتَهُمْ لِلإِحْرَامِ بِالْحَجِّ مَكَةُ، وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَإِنَّهُمْ يُحْرِمُونَ لَهَا مِنَ الْحِلِّ مِنَ التَّنْعِيمِ وَالْجَعْرَانَةِ أَوِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَهُوَ الْأَفْضَلُ.
وَاخْتَلَفُوا فِيهِمْ مَتَى يُحْرِمُونَ؟ فَقِيلَ: إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ، وَقِيلَ: إِذَا خَرَجَ النَّاسُ إِلَى مِنِّي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَمِيقَاتُهَا مِيقَاتُ الْحَجِّ إِلا فِي حَقِّ الْمُقِيمِ بِمَكَّةَ مَكَّيًّا كَانَ أَوْ آفَاقِيَّا، فَإِنَّ عَلَيْهِ الْخُرُوجَ إِلَى الْحِلَّ وَلَوْ بِخَطْوَةٍ فِي ابْتِدَاءِ الإِحْرَامِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى طَافَ وَسَعَى لَمْ يُعْتَدَّ بِعُمْرَتِهِ تِلْكَ؛ لأَنَّهُ لَمْ يُجْمِعْ بَيْنَ الْحِلَّ وَالْحَرَمِ، وَالْحَاجُ بِوُقُوفِ عَرَفَةَ جَامِعٌ بَيْنَهُمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (2/165)
صفحة 662
الْمُقَدَّمَةُ الثَّانِيَةُ
فِي اخْتِلافِ النَّاسِ فِي حُكْمِ الْعُمْرَةِ
فَقَالَ قَوْمٌ هِيَ فَرِيضَةٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ وَابْنِ عُمَرَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا، وَاحْتَجُوا بِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَأَتِمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ الله الآية)، وَلِقَوْلِ النَّبِي لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْحَجِّ، قَالَ: "بِاثْنَيْنِ حَبَّةٍ وَعُمْرَةٍ، فَمَنْ قَضَاهُمَا فَقَدْ قَضَى الْفَرِيضَةَ"
(2)
وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ سُنَةٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّخَعِي وَالشَّعْبِي، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَاحْتَجُوا بِالأَحَادِيثِ الْمَعْدُودِ فِيهَا فَرَائِضُ الإِسْلامِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْعُمْرَةَ، وَبِمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْعُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ؟ فَقَالَ: لا، وَإِنْ تَعْتَمِرْ خَيْرٌ لَكَ " (3). وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ تَطَوُّع، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَاحْتَجُوا بِحَدِيثٍ رَوَوْهُ أَنَّهُ قَالَ: " الْحَج وَاجِبٌ، وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّع (4). وَسَبَبُ الْخِلافِ: اخْتِلافُ الآثَارِ وَتَرَدُّدُ الْأَمْرِ بِالْإِثْمَامِ بَيْنَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى
الْوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) البقرة: (196).
(1) [لم اجد من خرجه].
(1) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتُّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ.
(1) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ "الْحَجُ جِهَادٌ، وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّع". (2/166)
صفحة 663
وهي:
الْمُقَدِّمَةُ الثَّالِثَةُ
فِي مُسْتَحَيَّاتِ الإِحْرَامِ
الأولى]: الغُسْلُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِي اغْتَسَلَ لَهُ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ
(1)
عَلَى أَنَّ الإِحْرَامَ جَائِزٌ بِغَيْرِ اغْتِسَالِ، لَكِنَّهُمُ اسْتَحَدُّوهُ لِغُسْل النَّبِيِّ، وَلأَمْرِهِ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ - وَهِيَ نُفَسَاءُ - أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُحْرِمَ (3)، وَمِمَّنِ اسْتَحَبَّهُ طَاوُسٌ وإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَفُقَهَاءُ الأَمْصَارِ وَأَهْلُ الرَّأْيِ، وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ تَعَلَّقًا بِأَنَّ الْأَمْرَ عَلَى الْوُجُوبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالثَّانِيَةُ: التَّجَرُّدُ للإِحْرَامِ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءِ وَنَعْلَيْنِ، لِقَوْلِهِ: لِيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءِ وَنَعْلَيْنِ (3)، وَإِنْ أَحْرَمَ فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ أَوْ رِدَاءِ وَاحِدٍ فَلَا بَأْسَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ.
(E)
وَالثَّالِثَةُ: الإِحْرَامُ دُبُرَ الصَّلاَةِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ "أَحْرَمَ عُقَيْبَ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، وَقِيلَ: نَافِلَةٍ، وَاسْتَحَبَّ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٌ وَجَمَاعَةٌ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَجَرَّدَ لإمْلالِهِ وَاغْتَسَلَ". رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. (1) الحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَجَّ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، فَقَالَ: "اغْتَسِلِي وَاسْتَكْفِرِي بِثَوْبِ وَأَحْرِمِي". [رواه مسلم، باب حجة
النبي، ر 3009] (1) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ بِلا ذِكْرِ "نَعْلَيْنِ". (1) أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّهُ لَمَّا صَلَّى فِي مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ حِينَ فَرَغَ مِنْهُمَا. (2/167)
صفحة 664
[صفحة فارغة] (2/168)
صفحة 665
الْبَابُ الثاني فِي الْمَقَاصِدِ
وَالْكَلَامُ فِيهِ يَنْحَصِرُ فِي جُمْلَتَيْنِ وَمُقَدِّمَةٍ
أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ: فَهِيَ فِي كَيْفِيَّةِ الإِحْرَامِ، وَصِفَاتُهُ ثَلَاثٌ:
إِحْدَاهَا الإِفْرَادُ: وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا عَارِيًا مِنْ صِفَاتِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، وَلاَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِلا بَعْدَ النَّحْرِ حِينَ يَزُورُ، فَإِنْ طَافَ فَقَدْ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ،
وَأَمَّا إِنْ طَافَ وَسَعَى فَقِيلَ: عَلَيْهِ هَدْي.
وَالثَّانِيَةُ الْقِرَانُ: وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا، فَإِذَا قَدِمَ مَكَّةَ طَافَ وَسَعَى لِعُمْرَتِهِ، ثُمَّ يَبْقَى عَلَى إِحْرَامِهِ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِلا بَعْدَ النَّحْرِ لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ، فَيَحِلُّ حِينَئِذٍ مِنْ إِحْرَامِهِ.
وَالثَّالِثَةُ التَّمَتُّعُ: وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مُفْرَدَةٌ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلَهَا سِتَّةُ شُرُوطٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحَجِّ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ إِنْ عَادَ إِلَى بَلَدِهِ بَعْدَ الإِحْلالِ مِنْ عُمْرَتِهِ ثُمَّ سَافَرَ إِلَى الْحَجِّ مِنْ عَامِهِ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّع، الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي عَامِهِ، وَالثَّالِثُ: أَنْ يَفْعَلَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، الرَّابِعُ: أَنْ يُقَدِّمَهَا عَلَى الْحَجِّ الْخَامِسُ: أَنْ يُنْشِيَ الإِحْرَامَ بِالْحَجِّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا، السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ وَطَنْهُ خَارِجَ الْحَرَمِ. (2/169)
صفحة 666
تواعد الإسـ
وَهَذِهِ شُرُوطُ التَّمَتُّع، فَإِنْ عُدِمَ وَاحِدٌ مِنْهَا فَلا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا، وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِيمَا وَجَدْتُ، إِلا مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: إِنِ اعْتَمَرَ ثُمَّ عَادَ إِلَى بَلَدِهِ لَمْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ أَنَّ عَلَيْهِ هَدْيَ التَّمَتُّع)؛ لأَنَّهُ قِيلَ عَنْهُ بِهِ كَانَ يَقُولُ: عَمْرَةٌ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مُتْعَةٌ، وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنِ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ أَنَّهُ مُتَمَتِّعْ.
(2)
وَهَذَا النُّسُكُ هُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَن تَمَنَعَ بِالْعُمرة إلى الحج» الآية (2) وَمَعْنَى التَّمَتُّع: التَّحْلِيلُ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ، وَيَسْقُطُ السَّفَرُ عَنْهُ مَرَّةً ثَانِيَةٌ إِلَى النُّسُكِ الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْحَجُ.
[الخلاف في نوعين من التمتع]
وَهُنَاكَ نَوْعَانِ مِنَ التَّمَتُّعِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فيهما، أَحَدُهُمَا [النوع الأول]: فَسْخُ الْحَجِّ فِي عَمْرَةٍ، وَهُوَ تَخَوِيلُ النَّبيِّةِ مِنَ الإِحْرَامِ بِالْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ، وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى جَوَازِهِ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ، وَكُلُّ الْفُقَهَاءِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ أَمَرَ أَصْحَابَهُ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُفْتَ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً"، "وَأَمَرَ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ أَنْ يَفْسَخَ إِهْلَالَهُ فِي
عُمْرَةٍ " (3)، فَذَهَبَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْأَمْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أحدها: أَنَّهُ لاَ يُحِلُّ مُحْرِمٌ بِحَجٌ أَوْ بِعُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا جَمِيعًا إِلَّا بِإِثْمَامِ مَا أَهَلَّ بِهِ، كَانَ مَعَهُ هَدْيٌّ أَوْ لَمْ يَكُنْ رُوِيَ هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ.
(1) فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ اعْتَمَرَ فِي شَوَّالَ وَعَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ دُونَ أَنْ يَحُجَّ، وَلَمْ يَثْبِتْ عَنْهُ أَنَّهُ سَاقَ هَدْيَ التَّمَتِّعِ، بَلْ ظَاهِرُ الآيَةِ لَا يَسْمَلُهُ؛ لأَنَّهُ لَا يَنْوِي الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ بَعْدَهَا، وَاللَّهُ يَقُولُ:
"فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ "، أَيْ: إِلَى الْإِحْرَامِ بِهِ، فَتَأَمَّلْ. اهـ مُصَحْحه.
(1) الْبَقَرَة: (196).
(2) [رواه مسلم، باب حجة النبي، ر 3009]. (2/170)
صفحة 667
والثاني: أَنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ يُحِلُّ بِعُمْرَةٍ شَاءَ أَوْ أَبَى، سَوَاءٌ كَانَ
قَارِنَا أَوْ مُفْرِدًا أَو مُتَمَتِّعًا، هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ. والثالث: أَنَّ فَسْخَ الإِحْرَامِ بِعُمْرَةٍ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ إِيجَابِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، رُوِيَ هَذَا عَنْ أَحْمَدَ وَمَنْ وَافَقَهُ.
وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إِلَى التَّخْيِيرِ فِي ابْتِدَاءِ الإِحْرَامِ بَيْنَ الإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ، لَكِنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا التَّمَتُّعَ؛ لِمَا فِيهَا مِنَ التَّيْسِيرِ وَالتَّسْهِيلِ، وَلَأَمْرِهِ أَصْحَابَهُ بِهَا، فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، "عُمْرَتُنَا هَذِهِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَقَالَ: بَلْ هِي لِلأَبَدِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " (1)، وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لَوْ حَجَجْتُ أَرْبَعِينَ مَرَّةٌ لَجَعَلْتُ مَعَهَا مُتْعَةٌ، وَبِهَذَا قَالَ - فِيمَا وَجَدْتُ - عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسِ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَجَمَاعَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ فَتَمَسَّكُوا بِنَهْيِ الصَّحَابَةِ عَنْهَا كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَغَيْرِهِمَا. وَسَبَبُ الْخِلافِ: هَلْ فِعْلُ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْعُمُومِ أَوْ عَلَى
الْخُصُوص؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي مِنَ التَّمَتُّعِ: فَهُوَ مَا كَانَ يَذْهَبُ إِلَيْهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ التَّمَتُّعَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ هُوَ تَمَتَّعُ الْمُحْصَرِ عَنِ الْحَجِّ بِمَرَضِ أَوْ عَدُوٌّ، وَذَلِكَ إِنْ خَرَجَ الرَّجُلُ حَاجًا فَحَبَسَهُ عَدُوٌّ أَوْ غَيْرُهُ حَتَّى تَذْهَبَ أَيَّامُ الْحَجِّ، فَيَأْتِي الْبَيْتَ فَيَطُوفُ
وَيَسْعَى، فَيَسْتَمْتِعُ بِإِحْلالِهِ إِلَى الْعَامِ الْمُقْبِلِ، ثُمَّ لِيَحُجَّ وَيَهْدِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) رِوَايَةُ أَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: "لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ أَنْ يُحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِهِمْ بِالْحَجِّ وَتَجْعَلُوهَا عُمْرَةً قَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا عَنْ عُمْرَتِنَا هَذِهِ، أَلَنَا خَاصَّةً أَمْ هِي لِلأَبَدِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ: "بَلْ هِي لِلأَبَدِ، دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". (2/171)
صفحة 668
اعدا
172
مَسْأَلَة [في اشتراط النية مع التلبية في الإحرام]: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الإِحْرَامَ لا يَكُونُ إِلا بِنِيَّة، وَهِي الاعْتِقَادُ بِالْقَلْبِ لِلدُّخُولِ فِي الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ مَعَ التَّلْبِيةِ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ تُجْزِئُ النِّيَّةُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَلْبِيَة، فَأَجَازَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ مَالِكِ وَالشَّافِعِي، وَكَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكِ تُجْزِئُ النِّيَّةُ فِي الصَّلَاةِ عَنْ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ، وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إِلَى أَنَّهُ لا يَكُونُ مُحْرِمًا دَاخِلاً فِي الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ إِلا بِالتَّلْبِيةِ، كَمَا لا يَكُونُ دَاخِلَا فِي الصَّلَاةِ إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: هَل التَّلْبِيةُ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ أَمْ لَا؟ وَهَلْ فِعْلُهُ فِي ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْوُجُوبِ أَوِ النَّذَبِ؟ فَمَالِكُ لاَ يَرَاهَا رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ، وَيَرَى عَلَى مَنْ تَرَكَهَا دَمًا، وَذَهَبَ غَيْرُهُ إِلَى أَنَّهَا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهِ، وَأَنَّ أَفْعَالَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الْوُجُوبِ؛ لأَنَّهَا أَنَتْ بَيَانًا لِوَاجِبِ، لِقَوْلِهِ: "خُذُوا عَنِّي
مَنَاسِكَكُمْ (1).
مَسْأَلَة في لفظ التلبية]: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ: "لبيك اللهُمَّ لَبَّيْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكُ لاَ شَرِيكَ لَكَ (2)، وَاخْتَلَفُوا أَهِيَ وَاجِبَةٌ بِهَذَا اللَّفْظِ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ قَومٌ - فِيمَا وَجَدْتُ - إِلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ كُلُّ لَفْظ يَقُومُ مَقَامَهَا كَمَا يُجْزِئُ عِنْدَهُمْ فِي تَكْبِيرَةِ الإحْرَامِ كُلُّ لَفْظ يَقُومُ مَقَامَ التَّعْظِيمِ، وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إِلَى وُجُوبِهَا بِهَذَا اللَّفْظِ. وَالْحُجَّةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هِيَ الْحُجَّةُ الَّتِي قَبْلَهَا، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي
(1) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ يَوْمَ النَّحْرِ وَهُوَ يَرِمْي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا
أَدْرِي لَعَلِّي أَنْ لَا أَحُجَّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ، أَوْ قَالَ: بَعْدَ حَجِّي هَذَا". (1) رَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، بَيْدَ أَنَّ صِيغَةَ التَّلْبِيةِ الَّتِي سَاقَهَا الْمُصَنِّفُ نَاقِصَةٌ عَمَّا وَرَدَتْ فِي الرِّوَايَتَيْنِ، فَفِي بَعْض النسخ عِندَهُ: "لبيك اللهُمَّ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ أَمَّا تَلْبِيةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الثَّابِتَةُ فَهِيَ: لَبَّيْكَ اللهُمَّ لبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ" (2/172)
صفحة 669
اسْتِحْبَابِ لَفْظِ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ الله، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي تَبْدِيلِهَا وَالزِّيَادَةِ عَلَيْهَا، لِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، فَذَكَرَ التَّلْبِيةَ الَّتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ عَلَى ذَلِكَ: لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ، وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ، وَالنَّبِيُّ يَسْمَعُ وَلَا يَقُولُ شَيْئًا (1).
مَسْأَلَةٌ [فِي رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ: وَاخْتَلَفُوا فِي رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ، فَاسْتَحَبَّهُ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، لِقَوْلِهِ: " الْحَقُّ هُوَ الْعَجُ وَالنَّج (2)، فَالْعَج: هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ وَالتَّجُ: إِهْرَاقُ الدِّمَاءِ مِنَ الذَّبَائِحِ (3)، وَلِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَهُ أَنْ يَأْمُرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ صلى الله عليه وسلم أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِي الله لا يَبْلُغُونَ الرَّوْحَاءَ حَتَّى نَبِعٌ حُلُوقُهُمْ. وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى إِيجَابِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ.
(0)
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا وَجَدْتُ عَلَى أَنَّهَا تُسْمِعُ بِالتَّلْبِيَةِ نَفْسَهَا، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا يُرْفَعُ الصَّوْتُ بِالتَّلْبِيَةِ فِي الْمَسَاجِدِ، إِلَّا فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ
وَمِنِّي، لَكِنْ فِي غَيْرِ هَذَيْنِ يُسْمِعُ مَنْ يَلِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَة [في الوقت الذي يقطعُ فيه المُحرمُ التَّلْبِيةَ: وَاخْتَلَفُوا مَتَى يَقْطَعُ الْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ التَّلْبِيةَ، فَرُوِيَ أَنَّهُ يَقْطَعُهَا إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَذَهَبَ (1) قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ نَافِعُ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَةُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ".
(1) عَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " الْعَجُ وَالنَّج". رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. (2) يَعْنِي: نَحَرُ الْبُدْنِ يَوْمَ النَّحْرِ. (1) لِحَدِيثِ خَلادِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالإهْلاَلِ". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحْحَهُ التَّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ. وَفِي
رِوَايَةٍ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ: "فَإِنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الْحَجِّ".
(1) [رواه ابن أبي شيبة، من كان يرفع صوته بالتلبية، ر 15282] (2/173)
صفحة 670
قواعد الإس
جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ لا يَقْطَعُ التَّلْبِيَّةَ حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَاخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: يَقْطَعُهَا إِذَا رَمَاهَا بِأَسْرِهَا، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ رَدِيفَ النَّبِيِّ وَأَنَّهُ قَطَعَ التَّلْبِيةَ فِي آخِرِ حَصَاةٍ (1)، وَقَالَ قَوْمٌ: يَقْطَعُهَا عِنْدَ أَوَّلِ حَصَاةٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ وَالْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ وَأُسَامَةَ وَعَلِيٌّ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِي قَطْعِ التَّلْبِييَةِ بِالْعُمْرَةِ، فَقِيلَ عَنْ مَالِكِ وَأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يَقْطَعُهَا إِذَا انْتَهَى إِلَى الْحَرَمِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعُرْوَةَ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَقْطَعُهَا عِنْدَ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ إِذَا افْتَتَحَ الطَّوَافَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ التَّلْبِيَّةَ إِجَابَةٌ إِلَى الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ فَلَا يَقْطَعُ حَتَّى يَشْرَعَ فِي الْعَمَلِ،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(1) [رواه البخاري، باب الركوب الارتداف في الحج، ر 1469]. (2/174)
صفحة 671
الجُمْلَةُ الأُولَى
مِنَ الْمَقَاصِدِ فِي مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ
وَتَحْتَوِي عَلَى خَمْسَةِ فُصُولٍ:
الفصل الاول
فِيمَا يَتَّقِيهِ الْمُحْرِمُ مِنَ اللَّبَاسِ
وَالأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَمَّا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الشَّيَابِ، فَقَالَ: لاَ يَلْبَسُ الْقُمُصَ، وَلاَ الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِيسَ، وَلَا الأَخْفَافَ إِلا أَحَدٌ لا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَيَلْبَسُ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ الْكَعْبَيْنِ، وَلا يَلْبَسُ مِنَ الشَّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ، وَأَجْمَعَ
(1)
الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ لُبْسِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَأَنَّ هَذَا مَخْصُوصٌ (1) رَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. (2/175)
صفحة 672
ـد الإـ
Vakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatak
بِالرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَأَنَّهُ لا بَأْسَ أَنْ تَلْبَسَ الْمَرْأَةُ الْقَمِيصَ وَالدَّرْعَ وَالسَّرَاوِيلَ
وَالأَخْفَافَ وَالْخِمَارَ (1).
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا السَّرَاوِيلَ هَلْ لَهُ لِبَاسُهُ؟ فَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَبَعْضِ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ، وَمَنَعَ مِنْهُ آخَرُونَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَحُجَّتُهُمْ: أَنَّهُ لَوْ رَخَّصَ فِيهِ النَّبِيُّ الاسْتَكْنَاهُ كَالْخُفَّيْنِ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الأَوَّلِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ، وَالْخُفَّانِ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ ((2)، وَاتَّفَقَ أَكْثَرُهُمْ عَلَى إِجَازَةِ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ مَقْطُوعَيْنِ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، وَأَجَازَ آخَرُونَ لُبْسَهُمَا مِنْ غَيْرِ قطع، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ (3)، وَقَالَ: فِي قَطْعِهِمَا فَسَادٌ، وَاللَّهُ لَا
يُحِبُّ الْفَسَادَ (4).
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ إِحْرَامَ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا، وَأَنَّ لَهَا أَنْ تُغَطَّيَ رَأْسَهَا وَتَسْتُرَ شَعْرَهَا، وَأَنَّ لَهَا أَنْ تُسْدِلَ التَّوْبَ عَنْ وَجْهِهَا، لِنَحْوِ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "كُنَّا مُحْرِمَاتٍ مَعَ النَّبِيِّ، فَإِذَا مَرَّ بِنَا رَكْبٌ سَدَلْنَا عَلَى وُجُوهِنَا
(1) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَنْ عُمَرَ: "أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَنْهَى امْرَأَةٌ عَنْ لُبْسِ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ وَمَا مَسَّهُ مِنَ الشَّيَابِ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ". (1) رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ يَخْطُبُ يَقُولُ: "مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا وَوَجَدَ سَرَاوِيل فَلْيَلْبَسْهَا، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ وَوَجَدَ
خُفَّيْنِ فَلْيَلْبَسْهُمَا". قُلْتُ: وَلَمْ يَقُلْ لَيَقْطَعْهُمَا؟ قَالَ: لَا. (21) وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَحْمَدُ، فَأَجَازَ لِلْمُحْرِمِ لُبْسَ الْخُفَّ وَالسَّرَاوِيلِ لِلَّذِي لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ وَالْإِزَارَ عَلَى حَالِهِمَا اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسَ، وَأَنَّهُ لا فِدْيَةٌ عَلَيْهِ، وَرَبَّحَ هَذَا ابْنُ الْقَيِّمِ. (1) هَذَا التَّعْلِيلُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ عَلَى مَا أَرَى؛ لأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَحْذُورٌ هُوَ أَنَّهُ أَقَرَ الْفَسَادَ إِذْ أَمَرَ بِقَطْعِهِمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ الآنفِ الذِّكْرِ، وَهُوَ مَا لَا يَرْضَاهُ قَطعًا، وَالْأَوْلَى أَنْ يُعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ وَرَدَ عَنْهُ مُطْلَقًا بِدُونِ اسْتِثْنَاءِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسِ الْمُتَقَدِّمِ قَرِيبًا. اهـ
مُصَححه. (2/176)
صفحة 673
التَّوْبَ مِنْ قِبَلِ رُؤُوسِنَا، فَإِذَا جَازَ الرَّكْبُ رَجَعْنَاهُ (1)، وَثَبَتَ أَنَّ النِّسَاءَ مَنْهَيَّاتٌ
عَنْ لُبْسِ الْقُفَّازَيْنِ وَالنّقَابِ، لِتُبُوتِ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ لِتَلْبَسُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ سَرَاوِيلَ أَوْ خُفَّيْنِ " ()، وَلَأَنَّ مَا عَدَا الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مِنْ جَسَدِهَا عَوْرَةٌ لَا يَجُوزُ لَهَا إِظْهَارُهُ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ إِحْرَامَ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَغْطِيَتُهُ، وَأَنَّ إِحْرَامَ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا لَا يَجُوزُ تَعْطِيَتُهُ بِيُرْقُعِ وَلَا غَيْرِهِ، إِلَّا أَنْ تَخَافَ مَعَهُ الْفِتْنَةَ مِنْ جَمَالِهَا فَتُسْدِلُ الثَّوْبَ كَمَا قَدَّمْنَا، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ تُغَطِّي وَجْهَهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ، وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَدْلاً كَفِعْلٍ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ. وَاخْتَلَفُوا فِي تَخْمِيرِ الْمُحْرِمِ وَجْهَهُ، فَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَطَاوُسٍ مْ ذَهَبُوا إِلَى إِبَاحَةِ ذَلِكَ إِلَى الْحَاجِبِينَ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُخْمِرُ مَا فَوْقَ الذَّقَنِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَمَالِكِ، وَأُلْزِمَ فِيهِ الْفِدْيَةَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَة [في استظلال المحرم بالخيم والقباب والبيوت]: وَيَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ استظلالُ الْخِيَمِ وَالْقِبَابِ وَالْبُيُوتِ وَالدُّخُولُ فِيهَا، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَزَلَ فِي عَرَفَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ (3)، وَاخْتَلَفُوا فِي اسْتِظْلَالِهِ عَلَى الإِبِلِ وَسَائِرِ
أَنَّهُمْ
(1) رَوَاهُ أَحْمَدُ بِلَفْظِ: عَنْ عَائِشَةَ: كُنَّا مُحْرِمَاتٍ وَيَمُرُّ بِنَا الرَّكْبُ فَتُسْدِلُ إِحْدَانَا التَّوْبَ عَلَى
وَجْهِهَا".
(1) [رواه ابن أبي شيبة في المحرمة تلبس السراويل والخفين، ر 15965، بلفظ: "عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ تَلْبَسَ الْمُحْرمَةُ الْخُفَّيْن وَالسَّرَاوِيلَ ".
(1) يُرْوَى أَنَّهُ لَمَّا أَجَازَ الْمُزْدَلِفَةَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ قُبَّةٌ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةٍ، فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرَّحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ ... إِلَخَ مِنْ حَدِيثٍ مُطَوَّلٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. (2/177)
صفحة 674
واعد الإسـ
الدَّوَابِّ، فَرَخَّصَ بَعْضُهُمْ فِيهِ (1)، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعَطَاءِ وَالْأَسْوَدِ
بْنِ يَزِيدَ وَجَمَاعَةٍ، وَكَذَلِكَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ [فِي لُبْسِ الْهِمْيَانِ لِلْمُحْرِمِ]: وَاخْتَلَفُوا فِي لُبْسِ الْهِمْيَانِ (3) لِلْمُحْرِمِ، فَرَخَّصَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسِ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَمُجَاهِدٌ وَطَاوُسٌ وَالنَّخَعِيُّ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ فِي الْمِنْطَقَةِ (3) لِلْمُحْرِمِ اشْدُدْ عَلَيْكَ
(4)
نَفَقَتَكَ، وَكَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْقِدَ الْهِمْيَانَ، وَلَكِنْ يُدْخِلُ السُّيُورَ (6) بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ فِي عَقْدِ الْمُحْرِمِ التَّوْبَ عَنْ نَفْسِهِ]: وَاخْتَلَفُوا فِي عَقْدِ الْمُحْرِمِ التَّوْبَ عَنْ نَفْسِهِ، فَمَنَعَ مِنْهُ قَوْمٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَرَخَّصَ فِيهِ ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ
لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: إِزَارِي يَنْحَلُ. فَقَالَ: اعْقِدُهُ، أَوْ قَالَ: أَوْثِقَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
(1) [الهمْيانُ بالكسرِ: شِداد السراويل ووعاء للدراهم القاموس المحيط فصل الهاء)]. (2) [المنطقة والنطاق كل ما يشد به الوسط من ثوب وغيره، وسميت أسماء بنت أبي بكر بـ ذات النطاقين (لسان العرب، مادة "نطق")] (1) [وفي نسخة: منطقتك]. [رواه ابن أبي شيبة في الهميان للمحرم، ر 15676 عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنِ الْهِمْيَانِ لِلْمُحْرِج، فَقَالَتْ: أَوْثِقَ نَفَقَتِكَ فِي حَقْوَيكَ"].
(0) [رواه الشافعي في مسنده (1124 أن بن عمر كان يكره لبس المنطقة للمحرم"] (1) [السُّيُورُ: مفرده السِّيْرَ بالفتح، وهو الشراك (تاج العروس، مادة: سير)]. (2/178)
صفحة 675
الفصل الثاني
فِيمَا يَتَّقِيهِ الْمُحْرِمُ مِنَ الطَّيبِ
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الطَّيبَ كُلَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ لَهُ عِنْدَ الإِحْرَامِ، فَكَرِهَهُ قَوْمٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ. وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ: قَوْلُ النَّبِيِّ لِلرَّجُلِ الَّذِي جَاءَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ مُلَطَّخَة بطيب؟ قَالَ النَّبِيُّ: "أَمَّا الطَّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلُهُ عَنْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي حَجَّتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي عُمْرَتِكَ " (1)، اخْتَصَرْتُ الْحَدِيثَ، وَفِقْهُهُ هَذَا.
وَأَجَازَ آخَرُونَ ذَلِكَ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَاحْتَجُوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "كُنْتُ أُطيِّبُ رَأْسَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمَا (2)، فَقَالَ الأَوَّلُونَ: إِذَا اغْتَسَلَ إِنَّمَا يَبْقَى عَلَيْهِ أَثَرُهُ لَا
(1) [رواه البخاري، باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب، ر 1463]. (1) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ، وَوَرَدَتِ الرِّوَايَةُ بِلَفْظِ آخَرَ: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كُنتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ فَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطَّيِّبَ يَحْرُمُ بَعْدَ الإِحْرَام لا قَبْلَهُ. وَالْمُرَادُ بِالْحِل الإخلال الَّذِي يَحِلُّ بِهِ كُلُّ مَحْظُورٍ، وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَقَدْ كَانَ حَلَّ بَعْضَ الإخلالِ وَهُوَ بِالرَّمْيِ وَالْحَلْقِ الَّذِي يَحِلُّ بِهِ الطَّيبُ وَغَيْرُهُ، وَلا يُمْنَعُ إِلا
مِنَ النِّسَاءِ بَعْدَهُ. اهـ مُصَححه. (2/179)
صفحة 676
قواعد الإس
نَفْسُهُ، قَالُوا: فَلَمَّا كَانَ الإِجْمَاعُ مُنْعَقِدًا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا تَجِبُ مِنْهُ الْفِدْيَةُ لَا يَجُوزُ اسْتِصْحَابُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ مِثْلُ لُبْسِ الشَّيَابِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الطَّيبُ
كَذَلِكَ.
وَتَجِبُ الْفِدْيَةُ بِتَنَاوُلِ الطِّيبِ وَشَمِّهِ قَلِيلاً كَانَ أَوْ كَثِيرًا، وَرَخَّصَ الرَّبِيعُ فِي الرَّيْحَانِ الْعَرَبِي، وَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الطَّيبِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ لا يَرَى دُهَانِ الْفَارِسِيَّةِ مِنَ الطَّيبِ، وَيَجُوزُ لَهُ أَكْلُ مَا طُبِخَ فِيهِ الطَّيِّبُ؛ لأَنَّهُ قَدْ بِالطَّبْخِ عَنْ حُكْمِ الطَّيِّبِ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ إِذَا اخْتَلَطَ مَعَ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ مِنْ
غَيْرِ أَنْ تَمَسَّهُ النَّارُ فَتَنَاوَلَهُ الْمُحْرِمُ، فَقِيلَ: عَلَيْهِ دَمٌ، وَقِيلَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَاخْتُلِفَ فِي لُبْسِ الثَّوْبِ الَّذِي مَسَّهُ زَعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ أَوْ غَيْرُهُمَا، فَغْسِلَ حَتَّى ذَهَبَ رِيحُهُ، فَرَخَّصَ فِيهِ أَصْحَابُنَا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالنَّخَعِيِّ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، إِلا أَنْ يَكُونَ غُسِلَ فَذَهَبَ لَوْنُهُ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ مَمْنُوعَةٌ مِمَّا مُنِعَ مِنْهُ الرَّجُلُ فِي حَالِ الإِحْرَامِ إِلَّا بَعْضَ اللُّبَاسِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ. (2/180)
صفحة 677
biskala alalalalalalalashda shishishdatskickatakatakatakatakata
181
الفصل الثالث
فِيمَا يَتَّقِيهِ الْمُحْرِمُ مِنْ إِلْقَاءِ التَّفَثِ وَإِزَالَةِ الشَّعْرِ وَالظُّفُرِ وَقَتْلِ الْقَمْلِ وَأَشْبَاءِ ذَلِكَ
وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى مَنْعِهِ عَلَى الْمُحْرِمِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَا تَحْلِقُوارُهُ وَسَكُمْ الآية (1)، وَاتَّفَقُوا عَلَى إِجَازَةِ غَسْل رَأْسِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَرَاهِيَةِ غَسْلِهِ مِنْ غَيْرِ جَنَابَةٍ، فَأَجَازَهُ قَوْمٌ، وَمَنَعَ مِنْهُ آخَرُونَ، فَمِمَّنْ أَجَازَهُ أَصْحَابُنَا (2) وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَابْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَجَمَاعَةٌ، وَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَاحْتَجُوا بِأَنَّ الإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ قَتْلِ الْقَمْلِ وَنَتْفِ الشَّعْرِ، وَالْغَاسِلُ رَأْسَهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَفْعَلَ كُلَّ هَذَا أَوْ بَعْضَهُ.
(1) الْبَقَرَة: 196.
(1) قَالَ الْمُحَنِّي: الدَّلِيلُ عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ: اخْتَلَفْتُ أَنَا وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ بِالأَبْوَاءِ، فَقُلْتُ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ هُوَ: لَا يَغْسِلُهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَرْسَلْتُ رَجُلاً إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ فَوَجَدَهُ الرَّجُلُ يَغْسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ وَهُوَ مُسْتَرِ بِتَوْبِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَنَا رَسُولُ ابْنِ عَبَّاسِ إِلَيْكَ يَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمْ؟ قَالَ الرَّجُلُ: فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ فَطَاطَأَهُ حَتَّى بَدَا لَهُ رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ: اصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ. فَعَلَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ جَائِزٌ؛ لَأَنَّ الْمَاءَ لَا يَزِيدُ إِلَّا شَعَئًا اهـ. (2/181)
صفحة 678
انواع
Ducktakatakatakatakatakatakatakatakakatakatakatakata
182
الخلاف في غسل المحرم رأسه بالخطمي (1)]
وَاخْتَلَفُوا فِي غَسْل رَأْسِهِ بِالْخِطْمِي، فَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَطَاوُسٍ وَعَطَاءٍ أَنَّهُمْ رَخَصُوا لِمَنْ لَبَّدَ رَأْسُهُ فَشَقَّ عَلَيْهِ الْحَلْقُ أَنْ يَغْسِلَهُ بِالْخِطْمِي حَتَّى يَلِينَ، وَكَرِهَهُ آخَرُونَ، وَأَوْجَبُوا فِيهِ الْفِدْيَةَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَحُجَّةٌ مَنْ أَجَازَهُ: أَنَّ النَّبِي أَمَرَ بِغَسْلِ الْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ (2)، وَالْخِطْمِيُّ فِي مَعْنَاهُ. [الخلاف فِي احْتِجَامِ المُحْرِمِ]
وَاخْتَلَفُوا فِي الاحْتِجَامِ لِلْمُحْرِمِ، فَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُهُمْ مَا لَمْ يُقْطَعِ الشَّعْرُ،
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَسْرُوقٍ وَعَطَاءٍ وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَرَ وَجَمَاعَةٍ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيِّ احْتَجَمَ مِنْ وَجَعِ وَهُوَ مُحْرِم (3)، وَمَنَعَ مِنْهُ آخَرُونَ، وَأَوْجَبُوا فِيهِ الْفِدْيَةَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إِلا إِنِ احْتَجَمَ لِضَرُورَةٍ وَحَلَقَ الشَّعْرَ فَلْيَفْتَدِ، وَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ.
(1) [الْخِطْمِي بِكَسْرِ الْخَاءِ وَتَفْتَحُ وَبِالْأَلِفِ لَا بِالْيَاءِ، نَبَاتٌ مُحَلِّلٌ مُنَضّحٌ مُلَيِّنٌ، نَافِعٌ لِعُسْرِ الْبَوْلِ، وَالْحَصَى، وَالنَّسَاءِ وَقَرْحَةِ الْأَمْعَاءِ، وَالارْتِعَاشِ، وَنُصْحِ الْجُرْحِ، وَتَسْكِينِ الْوَجَعِ. قال الأَزهري: وهو بفتح الخاء، ومن قال خطمي بكسر الخاء فقد لحن، وفي الحديث أنه كان يغسل رأسه بالخطمي وهو جنب المحيط مادة خطم، لسان العرب مادة خطم].
" [القاموس
(1) رَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - وَمِنْ طَرِيقِهِ أَيْضًا عَنْهُ لا قَالَ: "إِذَا مَاتَ الْمُحْرِمُ غُسْلَ، وَلَا يُكَفِّنُ إِلا فِي ثَوْبَيْهِ اللَّدَيْنِ أَحْرَمَ فِيهِمَا، وَلا يُمَسُّ بِطِيبٍ، وَلا يُخَمْرُ رَأْسُهُ". (1) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسَ، بَيْدَ أَنَّ الرِّوَايَةَ وَرَدَتْ مُطْلَقَة مِنْ ذِكْرِ الْوَجَع، بِخِلَافِ مَا أَثْبَتَهُ الْمُصَنِّفُ. وَالْقَوْلُ الْفَضْلُ فِي الْبَابِ: أَنَّ مُحَرَّمَاتِ الإِحْرَامِ مِنَ الْحَلْقِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ وَنَحْوِهِمَا تُبَاحُ لِلْحَاجَةِ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ كَمَا يُنبهُ إِلَى ذَلِكَ هَذَا الْحَدِيثُ وَحَدِيثُ كَعْبَ بْنِ عُجْرَةَ، فَمَنِ احْتَاجَ إِلَى حَلْقِ رَأْسِهِ وَلُبْسٍ قَمِيصِهِ لِحَرُ أَوْ بَرْدِ أَبِيحَ لَهُ ذَلِكَ وَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةٌ، وَعَلَيْهِ دَلَّ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ الآيَةِ. (2/182)
صفحة 679
katakatakatakatakisktaktakatakatakatakiskatakatakatakatakata
183
الخلافُ فِي قَتْلِ الْبَعُوضِ وَالْبَقِّ وَالْبَرَاغِيثِ وَالزُّنْبُورِ)]
وَاخْتَلَفُوا فِي قَتْلِ الْبَعُوضِ وَالْبَقِّ وَالْبَرَاغِيثِ وَالزُّنْبُورِ، فَرَخَّصَتْ فِيهِ طَائِفَةٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَقْتُلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ بِقَتْلِ الزُّنْبُورِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: فِي الذُّبَابِ وَالذَّرِّ وَالنَّمْلِ يَتَصَدَّقُ مَنْ قَتَلَهُ بِشَيْءٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْقَمْلُ فَيَطْرَحُهَا عَنْ بَدَنِهِ فِي ثَوْبِهِ وَلَا يُلْقِيهَا فِي الْأَرْضِ وَلَا يَقْتُلُهَا.
(1) [الزنبور: ذباب لاسع] (2/183)
صفحة 680
قواعد الان
Yakikishiakickickatakisktakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakata
الفصل الرابع
في الجماع
وَمُقَدِّمَاتِهِ مِنَ اللَّمْسِ وَالنَّظَرِ وَالْقُبْلَةِ وَغَيْرِهَا
وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنَ الْجِمَاعِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجِّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوفَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَ) ()، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْجِمَاعَ يُفْسِدُ الْحَجَّ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَيُفْسِدُ الْعُمْرَةَ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَاخْتَلَفُوا فِي فَسَادِ الْحَجِّ بَعْدَ الْوُقُوفِ، وَقَبْلَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَقَبْلَ طَوَافِ الإفَاضَةِ، الَّذِي هُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: فَسَدَ حَبُّهُ، وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ وَالْقَضَاءُ مِنْ عَامِ قَابِلِ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ آخَرُونَ: عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَحَجُهُ تَامٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ وَطِعَ بَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ وَقَبْلَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ فَقَالَ قَوْمٌ: يَفْسُدُ
حَجُهُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَفْسُدُ حَجُهُ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ: أَنَّ لِلْحَجِّ تَحْلِيلَيْنِ شَبَهَ التَّسْلِيمٍ مِنَ الصَّلَاةِ، أَحَدُهُمَا بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَهُوَ التَّحَلُّلُ الأَصْغَرُ، يَحِلُّ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطَّيِّبَ
(1) البقرة: (197). (2/184)
صفحة 681
وَالصَّيْدَ (1) فَحَتَّى يَزُورَ الْبَيْتَ، وَالتَّحَلُّلُ الآخَرُ بَعْدَ الزِّيَارَةِ، يَحِلُّ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ، فَمَنِ اشْتَرَطَ التَّحَلُلَيْنِ قَالَ بِفَسَادِ حَجِّهِ إِذَا وَطِئَ قَبْلَهُمَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا، وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِ طُهُمَا قَالَ بِإِبَاحَةِ الْوَطْئِ عِنْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ التَّحَلُّلَ الأَكْبَرَ يَحِلُّ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَأَصْطَادُوا هِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعُمْرَةَ يُحَلُّ مِنْهَا بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ
(Y),
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَلْقٌ وَلَا تَفْصِيرُ، إِلا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الدَّمُ إِذَا وَطِئَ فِيهَا قَبْلَ الْحَلْقِ. وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الْجِمَاعِ الَّذِي يُفْسِدُ الْحَجَّ وَفِي مُقَدِّمَاتِهِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْ يَشْتَرِطُ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ الإِنْزَالَ
أَنْ يَشْتَرِطَهُ فِي الْحَجِّ. وَاخْتَلَفُوا فِي الإِنْزَالِ بِغَيْرِ إِيلاج فِي الْفَرْجِ، فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ إِلا الإِنْزَالُ فِي الْفَرْجِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ قَوْمٌ: مَا يُوجِبُ الْحَدَّ يُفْسِدُ الْحَجَّ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ آخَرُونَ: يُفْسِدُهُ الإِنْزَالُ مِنْ غَيْرِ وَطْي؛ لأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ الإيلاج، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لأَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ يُفْسِدُهَا إِنْزَالُ الْمَاءِ عَنْ تَعَمُّدٍ كَمَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَفْسُدُ بِمُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ مِنَ النَّظَرِ وَالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: يَلْزَمُهُ الدَّمُ فِي كُلِّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُنْزِلِ الْمَاءَ، وَقِيلَ: يَفْسُدُ حَجُهُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ لِرَجُل قَبْلَ أَوْ نَظَرَ: أَفَسَدْتَ حَجَّكَ، وَقَالَ قَوْمٌ: كُلُّ إِنْزَالٍ عَنْ نوع مِنَ الاسْتِمْتَاعِ يُفْسِدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ بَعْضٍ أَصْحَابِنَا، وَأَظُنُّهُ (1) حِلٌّ لَهُ النِّسَاءُ وَالصَّيْدُ، أَمَّا الطَّيبُ فَهُوَ حِلٌّ لَهُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسِ وَالرَّبِيعِ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا رَمَيْتُمْ وَخَلَقْتُمْ حَلَّ لَكُمُ الطَّيبُ وَكُلُّ شَيْءٍ إِلا النِّسَاء" [رواه أبو داود، باب في رمي الجمار،
ر 1980] اهـ مُصَححه. (1) الْمَائِدَة: (6). (2/185)
صفحة 682
قَوْلُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَالْحَسَنِ وَمَالِكِ وَغَيْرِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: كُلُّ مَا
حَرَّكَ الذَّكَرَ فَفِيهِ دَمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ جَامَعَ نَاسِيّا، فَقَالَ قَوْمٌ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ الْجَزَاءُ،
وَاللهُ أَعْلَمُ. (2/186)
صفحة 683
الفضيل الحامين
في أكل المحرم من الصيد]
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَكْلُ لَحْمِ الصَّيْدِ إِذَا صَادَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِ مَا دُمْتُمْ حُرُمَا، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ أَكْلِهِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا صَادَهُ الْمُحِلُ، فَقَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ أَكْلُهُ لَهُ إِذَا ذَبَحَهُ الْمُحِلُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَنْ عَطَاءٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الرَّأْيِ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَجُوزُ أَكْلُهُ إِذَا لَمْ يُصْطَدْ مِنْ أَجْلِهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَمَالِكِ وَالشَّافِعِي وَجَمَاعَةٍ، وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ أَكْلُهُ وَاصْطَيَادُهُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَابْنِ عُمَرَ وَطَاوُسٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَيَقُولُ: الآيَةُ مُنْهمَةٌ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: هَل النَّهْيُ يَتَعَلَّقُ بِشَرْطِ الاصْطِيَادِ أَوِ الأَكل أَوْ بِهِمَا جَمِيعًا؟ فَمَنْ قَالَ بِشَرْطِ الاصْطِيَادِ خَاصَّةً أَجَازَ أَكْلَهُ إِذَا لَمْ يَصْطَدَهُ الْمُحْرِمُ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوَّلِينَ، وَاحْتَجُوا عَلَى هَذَا بِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَحْمُ الصَّيْدِ لَكُمْ حَلالٌ إِلا مَا صِدْتُمْ أَوْ صِيدَ مِنْ أَجْلِكُمْ (2)، وَبِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ حِينَ كَانَ مَعَ أَصْحَابِ لَهُ مُحْرِمِينَ، فَاصْطَادَ حِمَارًا وَحْشِيًّا فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ
() الْمَائِدَة: (96). (1) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِلَفْظِ: " صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلالٌ وَأَنْتُمْ حَرَامٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتَّرْمِذِي. (2/187)
صفحة 684
قواعد الان
MAA
وَأَبَى بَعْضُ، فَسَأَلَ النَّبي الله فَقَالَ: "طُعْمَةً أَطْعَمَكُمُ اللهُ إِيَّاهَا (1)، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ النَّهْي يَتَعَلَّقُ بِالاصْطِيَادِ وَالأَكُل جَمِيعًا - وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا - قَالَ: لَا يَأْكُلُهُ، وَاحْتَجُوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسِ "أَنَّ رَجُلاً أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ
بِالأَبْوَاءِ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا مُحْرِمُونَ (2)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ فِي الْمُضْطَرُ هَلْ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ أَوْ صَيْدَ الْحَرَمِ]: وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُضْطَرَ هَلْ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ أَوْ صَيْدَ الْحَرَمِ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ دُونَ صَيْدِ الْحَرَمِ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَأْكُلُ الصَّيْدَ وَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَلاَ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ؛ لأَنَّ أَكْلَ الصَّيْدِ سَدُّ ذَرِيعَةٍ إِلَى إِبَاحَتِهِ، وَلَا يَأْتِي فِيهِ حَالٌ يَجُوزُ أَكْلُهُ فِيهِ (3)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(nd)
(1) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي فَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ حَاجًا، فَخَرَجُوا مَعَهُ، فَصَرَفَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ - فَقَالَ: "خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ حَتَّى نَلْتَقِيَ". فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلَّا أَبَا قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشِ، فَحَمَلَ أَبُو فَتَادَةَ عَلَى الْحُمُرِ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَتَزَلُوا فَأَكَلُوا مِنْ لَحْمِهَا وَقَالُوا: أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ الأَتَانِ، فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا أَحْرَمْنَا، وَقَدْ كَانَ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، فَرَأَيْنَا حُمُرَ، وَحْشِ، فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا لَحْمَهَا، ثُمَّ قُلْنَا: أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا. قَالَ: "أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَمْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ " قَالُوا: لَا. قَالَ: "فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا".
(1) [رواه الربيع، باب في الصيد للمحرم، (436]. . (1) قَالَ الْمُحَشْي: هَكَذَا فِيمَا رَأَيْنَاهُ مِنَ النُّسَخ، وَلَعَلَّهُ تَحْرِيفٌ؛ لأَنَّهُ لا يَصْلُحُ عِلَّةٌ لِجَوَازِ أَكل الصَّيْدِ دُونَ الْمَيْتَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي أَيُّهُمَا أَوْلَى عِنْدَ الاضْطِرَارِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ فِي التَّعْلِيل أَنْ يُقَالَ فِي تَرْجِيح أَكل الْمَيْتَةِ عَلَى الصَّيْدِ؛ لأَنَّ الْمَيْتَةَ قَدْ وَرَدَ فِيهَا مِنَ اللَّهِ الاسْتِثْنَاءَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، فَفِي أَكْلِهَا سَدُّ ذَرِيعَةٍ إِلَى إِبَاحَتِهِ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِيهِ حَالٌ يَجُوزُ أَكْلُهُ فِيهِ، وَفِي تَرْجِيحٍ أَكْلِ لَحْمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمَيْتَةِ؛ لأَنَّ لَحْمَ الصَّيْدِ طَاهِرٌ بِخِلَافِ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا نَجِسَةٌ، وَإِذَا تَعَارَضَ الأَمْرُ بَيْنَ الطَّاهِرِ وَالنَّجِسِ فَالطَّاهِرُ أَوْلَى. اهـ. (2/188)
صفحة 685
قواعد الإسلام
وَاخْتَلَفُوا إِذَا أَحْرَمَ وَفِي يَدِهِ صَيْدٌ، قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ: يُرْسِلُهُ مِنْ يَدِهِ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ وَجَمَاعَةٌ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِرْسَالُ مَا فِي يَدِهِ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (2/189)
صفحة 686
وَفِيهَا سِتَّةُ نُصُولٍ:
الجُمْلَةُ الثانية فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ
الفصل الأول
فِي الطَّوَافِ
وَسَنَذْكُرُ مِنْ مَسَائِلِهِ مَا يَجْرِي مَجْرَى الْقَوَاعِدِ، وَهِيَ اثْنَتَا عَشْرَةَ.
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى فِي حُكْمِهِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ الَّتِي
(1)
لا يَتِمُّ إِلا بِهَا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلْيَطَّوَفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وَلَا خِلَافَ
فِي هَذَا، لِقُبُوتِ ذَلِكَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي صِفَتِهِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يُبْتَدَأَ بِهِ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ بَعْدَ أَنْ يُقَبِّلَهُ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَجْعَلُ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ، ثُمَّ يَمْضِي فِي الطَّوَافِ عَلَى يَمِينِهِ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْيَمَانِي إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ،
(1) الْحَج: (69). (2/190)
صفحة 687
وَيَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ، وَإِنَّمَا اتَّفَقُوا عَلَى هَذَا لِبُبُوتِ ذَلِكَ مِنْ فِعْل النَّبِيِّ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الرَّمَل فِي الطَّوَافِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُ مُخَالِفِينَا مِنْ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ إِلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ فِي الثَّلاثَةِ الأَشْوَاطِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ مِنْ فِعْل النَّبِيِّ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا الرَّمَلُ فِي الطَّوَافِ مَنْسُوخٌ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ فِي حَدِيثِ ابْنِ الطُّفَيْلِ، وَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ عَنْ قَوْمِهِ فَقَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا، فَقَالَ كَيْفَ؟ فَقَالَ: صَدَقُوا فِي قَوْلِهِمْ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَعَلَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَكَذَبُوا إِذْ جَعَلُوهُ سُنَّةً لا يَجُوزُ تَرْكُهَا، قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ بَلَغَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي جَهْدٍ وَشِدَّةِ جُوعِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَذَلِكَ فِي زَمَانِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ لا أَنْ يَرْمُلُوا لِكَيْ يُرُوا الْمُشْرِكِينَ أَنَّ بِهِمْ قُوَّةً، وَأَنَّهُمْ غَيْرُ مُجْهَدِينَ (1)، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ لَيْسَ عَلَيْهِنَّ
رَمَلٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: هَلْ يَسْتَلِمُ الأَرْكَانَ كُلَّهَا أَمْ لا؟ فَذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ لا يَسْتَلِمُ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِي وَرُكْنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ
عَبَّاس قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمُ الْحُمَّى وَلَقُوا مِنْهَا شَرًا، فَأَطْلَعَ اللهُ سُبْحَانَهُ نَبِيَّه عَلَى مَا قَالُوهُ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاثَةَ وَأَنْ يَمْشُوا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ رَمَلُوا قَالُوا: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قَدْ وَهَنَتْهُمْ؟ هَؤُلَاءِ أَجْلَدُ مِنَّا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَمْ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِبْقَاءَ عَلَيْهِمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَاللَّفْظُ لَهُ. وَلَقَدْ بَدَا لِعُمَرَ أَنْ يَدَعَ الرَّمَلَ بَعْدَمَا انْتَهَتِ الْحِكْمَةُ مِنْهُ، وَمَكَّنَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْأَرْضِ إِلا أَنَّهُ رَأَى إِبْقَاءَهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْعَهْدِ النَّبِوِيِّ لِتَبْقَى هَذِهِ الصُّورَةُ مَائِلَةٌ لِلأَحْيَالِ بَعْدَهُ، فَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: فِيمَ الرَّمَلاَنُ الْيَوْمَ وَالْكَشْفُ عَنِ الْمَنَاكِبُ وَقَدْ أَطَأَ (ثَبِّتَ اللهُ الإِسْلامَ وَنَفَى الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ؟ وَمَعَ ذَلِكَ لَا نَدَعُ شَيْئًا
كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِي " [رواه أبو داود، باب في الرمل، ر 1889]. (2/191)
صفحة 688
(2)
النَّبِي لَمْ يَسْتَلِمْ إِلَّا الرُّكْنَ الْيَمَانِي وَرُكْنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، قَالَ آخَرُونَ: بَلْ يَسْتَلِمُ الأَرْكَانَ كُلَّهَا، لِحَدِيثِ بَعْضِهِمْ قَالَ: كُنَّا إِذَا طُفْنَا نَرَى أَنْ نَسْتَلِمَ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ تَقْبِيلَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الطَّوَافِ، لِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَهُ أَنَّهُ قَبْلَهُ، وَقَالَ: إِنَّكَ حَجَرٌ لا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ (2). الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الطَّوَافِ، فَأَجَازَهَا قَوْمٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لَيْسَ شَيْءٌ أَفْضَلَ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَكَرِهَهَا آخَرُونَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعُرْوَةَ وَمَالِكِ، وَاسْتَحَبَّ أَصْحَابُنَا التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ وَالتَّهْلِيلَ وَذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَالدُّعَاءَ عِنْدَ الْأَرْكَانِ وَعِنْدَ الرُّكْنِ الْيَمَانِي: رَبَّنَا وَايْنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (3)، لِقُبُوتِ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنَّ الْحَجَرَ الْحَطِيمَ مِنَ الْبَيْتِ، وَأَنَّ الطَّائِفَ بِالْبَيْتِ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يُدْخِلَهُ فِي الطَّوَافِ وَيَطُوفَ مِنْ وَرَاءِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الطَّوَافِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ: قَوْلُ النَّبِيِّ لِعَائِشَةَ: "لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكَ بِالْكُفْرِ لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ وَصَيَّرْتُهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنَّهُمْ تَرَكُوا مِنْهَا سَبْعَةَ أَذْرُعٍ
(1) [رواه مسلم، باب استحباب استلام الركنين اليمانيين، ر 3125، بلفظ: "لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ يَسْتَلِمُ
غَيْرَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ". (1) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ.
(1) الْبَقَرَة: (201). (2/192)
صفحة 689
مِنَ الْحَجَرِ ضَاقَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ وَالْخشب (1)، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسِ.
6
بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلْيَطَّوَفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (3)، وَيُقَالُ: طَافَ النَّبِيُّ وَرَاءِ الْحَجَرِ، وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ ظَاهِرُ الْآيَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ سَلَكَ الْحَجَرَ فِي طَوَافِهِ، فَقِيلَ: يُعِيدُ طَوَافَهُ كُلَّهُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ، وَإِنْ أَحَلَّ أَهْرَقَ دَمًا، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَبْنِي عَلَى مَا طَافَ، وَلَا يَعْتَدُّ بِمَا سَلَكَ فِي الْحَجَرِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ طَافَ مَنْكُوسًا عَلَى خِلافِ السُّنَّةِ، فَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُعِيدُ مَا كَانَ بِمَكَّةَ، وَإِنْ رَجَعَ إِلَى الْمِصْرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يُجْزِتُهُ طَوَافُهُ بِخِلَافِ السُّنَّةِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ "مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدُّ" (3)، وَهُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللهُ. الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الطَّوَافِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ أَنَّهَا سُنَّةٌ فِيهِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يُجْزِئُ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ لا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ آخَرُونَ: يُجْزِتُهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَطَافَ فَلَا يُجْزِتُهُ.
(1) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ. (1) الْحَجَ: (31)، يَعْنِي: يَطُوفُ بِالْبَيْتِ لا فِي الْبَيْتِ؛ لأَنَّ مَنْ طَافَ فِي الْحَجَرِ طَافَ فِي الْبَيْتِ لَا يَصِحُ طَوَافُهُ، وَأَنَّ الْحَجَرَ وَالشَّاذَرْوَانَ مِنَ الْبَيْتِ. الشَّاذَرْوَانُ: بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، هُوَ مِنْ جِدَارِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَهُوَ الَّذِي تُرِكَ مِنْ عَرْضِ الأنسَاسِ خَارِجًا وَيُسَمَّى تَأْزِيرًا، لأنَّهُ كَالأَوزَارِ لِلْبَيْتِ. وهُو لَفْظَةٌ أَعْجَمِيَّةٌ، هِيَ فِي لِسَانِ الْفُرْسِ بِكَسْرِ الذال، وهو الأوفْرِيزُ الْمُسَلَّمُ الْخَارِجُ عَنْ عَرْضِ جِدَارِ الْبَيْتِ قَدْرَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ، وَهُوَ بَارِزْ مِنْ جِدَارِ الْكَعْبَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَمْشِي عَلَيْهِ أَحَدٌ (الموسوعة الفقهية، 314/ 25)].
(2) [رواه الربيع، باب في الولاية والإمارة، ر 49]. (2/193)
صفحة 690
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الأَوَّلِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ: " الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلاةٌ، لَكِنْ أَحَلَّ اللهُ فِيهِ الْكَلام (1)، " وَلأَمْرِهِ الْحَائِضَ أَنْ تَفْعَلَ أَفْعَالَ الْحَجِّ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرَ (2)، وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ، قَالَ: وَلَيْسَ كُلُّ عِبَادَةٍ يُشْتَرَطُ فِيهَا الطَّهَارَةُ، إِلا الْحَائِضَ مِنْ شَرْطِهَا الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثِ، أَصْلُهُ الصَّوْمُ عِنْدَهُمْ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ الأَوَّلُ.
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: وَأَجْمَعُوا أَنَّ مِنْ سُنَّةِ الطَّوَافِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ فَرَاغِهِ، يَأْتِي بِهِمَا الطَّائِفُ عِنْدَ انْقِضَاءِ كُلِّ أُسْبُوعِ إِنْ طَافَ أَكْثَرَ مِنْ أَسْبُوعِ وَاحِدٍ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَطُوفُ ثَلَاثَةَ أَسَابِيعَ ثُمَّ تَرْكَعُ سِتَّ رَكَعَاتٍ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَجَازَ
بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنْ لَا يُفَرَّقَ بَيْنَ الْأَسَابِيعِ بِالرُّكُوعِ
وَحُجَّةُ الأَوَّلِينَ: فِعْلُ النَّبِي " إِذَا طَافَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ (3)، وَقَالَ: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ (4)، وَحُجَّةُ مَنْ أَجَازَ الْجَمْعَ بَيْنَ الأَسَابِيعِ بِغَيْرِ رُكُوعِ قَالَ: الْمَقْصُودُ إِنَّمَا هُوَ رَكْعَتَانِ لِكُلِّ أُسْبُوعِ، وَلَيْسَ لِلطَّوَافِ وَلَا لِلرُّكُوعِ
بَعْدَهُ وَقْتُ مَعْلُومٌ.
(1) نَصُ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ التَّرْمِذِيُّ: الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، وَمَنْ تَكَلَّمَ فَلَا يَنكَلَّمُ إِلَّا بِخَيْرٍ". (1) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاس أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ النُّفَسَاءَ وَالْحَائِضَ تَغْسِلُ وَتُحْرِمُ وَتَفْضِي الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْر كُلَّهَا غَيْر أَنَّهَا لا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتَّرْمِذِي
وَحَسَّنَهُ.
(2) [رواه البخاري، باب صلى النبي صلى الله عليه و سلم لسبوعه ركعتين، ر 1544].
(1) سَبَقَ ذِكْرُهُ.
(1) [أي بعد كل سبعة أشواط]. (2/194)
صفحة 691
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَة عَشْرَةَ: وَقْتُ الطَّوَافِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ؛ فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى إِجَازَتِهِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَمَنْعِهِ عِنْدَ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى كَرَاهِيَتِهِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَمَنْعِهِ عِنْدَ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ، وَأَجَازَهُ آخَرُونَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ كُلِّهَا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ، وَالْقَوْلُ الأَوَّلُ هُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: يُؤَخِّرُ الرُّكُوعَ حَتَّى يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ.
وَأُصُولُ أَدِلَّتِهِمْ فِي هَذَا رَاجِعَةٌ إِلَى مَنْعِ الصَّلاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ وَإِبَاحَتِهَا، مَا خَلَا الطُّلُوعَ وَالْغُرُوبَ، فَإِنَّ الآثَارَ مُتَّفِقَةٌ عَلَى مَنْعِ الصَّلَاةِ فِيهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي الطَّوَافِ، هَلْ يُلْحَقُ بِهَا أَمْ لاَ؟ (1).
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةِ عَشْرَةَ: وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ طَافَ فِي الْوَاجِبِ أَقَلُّ مِنْ سَبْعِ، فَقَالَ عَطَاءٌ وَجَمَاعَةٌ: لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ سَبْعٍ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَرْجِعُ حَتَّى يُكْمِلَهُ، وَعَلَيْهِ لتأخِيرِهِ دَمُ، وَالأَصَحُ أَنَّهُ لا يُجْزِئُ أَقَلَّ مِنْ سَبْعٍ؛ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: وَلْيَطَّوَفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، فَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ سَبْعًا كَمَا بَيَّنَ عَدَدَ رُكُوعِ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ،
فَلَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ الْعَدَدِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا فِي الطَّوَافِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَفُرُوعُ مَسَائِلِ الْحَجِّ كَثِيرَةٌ، لَكِنَّا نَذْكُرُ الْقَوَاعِدَ مِنْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) الطَّوَافُ وَإِنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ اسْمَ الصَّلاَةِ مَجَازًا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِصَلَاةٍ فِي الْحَقِيقَةِ، كَيْفَ وَقَدْ أَبِيحَ فِيهِ الْكَلامُ وَالصَّلاةُ الْحَقِيقِيَّةُ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلامَ الأَدَمِنِينَ، فَلا تَنْسَحِبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُهَا مِنْ مَنْعِهِ فِي الأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ فِيهَا عَنِ الصَّلاَةِ، بَلْ هُوَ جَائِزٌ مُطْلَقًا فِي أَيِّ سَاعَةٍ مِنْ لَيْل أَوْ نَهَارِ، يَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا ثَبَتَ عَن الرَّسُولِ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم أَنَّ النَّبِيِّ قَالَ: "يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْل أَن
نهارٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتَّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ. اهـ مُصَححه.
أَوْ (2/195)
صفحة 692
قواعد الإس
الفصل الثاني
في السعي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ
وَنَذْكُرُ قَوَاعِدَ مَسَائِلِهِ، وَهِيَ ثَلَاثُ:
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى فِي حُكْمِهِ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ فَرِيضَةٌ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَمَنْ لَمْ يَسْعَ
عِنْدَ هَؤُلَاءِ فَلَا حَجَّ لَهُ فِي عَامِهِ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلِ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ سُنَّةٌ يَلْزَمُ تَارِكَهُ دَمْ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَأَهْلُ الْكُوفَةِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ تَطَوُّع، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَابْنِ سِيرِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِي كَانَ يَسْعَى وَيَقُولُ: "اسْعُوا فَقَدْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ ()، وَأَنَّ الأَصْلَ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الْوُجُوبِ حَتَّى يَدُلُّ الدَّلِيلُ عَلَى خِلافِهِ، وَعُمْدَةُ مَنْ يُوجِبُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِنَّ الصفا والمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَوَفَ بهِمَا (2)، قَالُوا: مَعْنَاهُ أَنْ لا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، وَهِي قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ،
(Y).
(1) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ
(1) البقرة: (158). (2/196)
صفحة 693
uchishtdaidaisicaldadadadadadadatakatakatakatakatakata
كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا، مَعْنَاهُ: لِئَلَّا تَضِلُّوا، وَحَمَلَ الأَوَّلُونَ الآيَةَ عَلَى ظَاهِرِهَا، قَالُوا: وَإِنَّ السَّعْيَ مِنْ أَفْعَالِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي صِفَتِهِ، وَهِيَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَرْقَى عَلَى الصَّفَا حَتَّى يَبْدُوَ لَهُ الْبَيْتُ فَيُكَبِّرُ ثَلاثًا وَيَقُولُ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَيَقُولُ هَذَا ثَلَاثًا، يَدْعُو وَيَنْحَدِرُ عَنِ الصَّفَا قَاصِدًا إِلَى الْمَرْوَةِ يَمْشِي، حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْعَلَمَ الْأَخْضَرَ هَرْوَلَ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَلَمَ الَّذِي يَلِي الْمَرْوَةَ، يَمْشِي رُوَيْدًا حَتَّى يَبْلُغَ الْمَرْوَةَ فَيَرْقَى عَلَيْهَا، وَيَصْنَعُ كَمَا يَصْنَعُ عَلَى الصَّفَا مِنَ التَّكْبِيرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّهْلِيلِ، فَإِنْ وَقَفَ أَسْفَلَ الْمَرْوَةِ أَجْزَأَهُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ، فَيَنْزِلُ عَنِ الْمَرْوَةِ يَمْشِي حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى بَطْنِ الْمَسِيلِ، فَيُهَرْوِلُ بَيْنَ الْعَلَمَيْنِ حَتَّى يَقْطَعَ إِلَى الْجَانِبِ الَّذِي يَلِي الصَّفَا، يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ يَبْتَدِئُ فِي كُلِّ ذَلِكَ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ، فَإِنْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ قَبْلَ الصَّفَا أُلْغِيَ ذَلِكَ الشَّوْطُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ "نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ"
لات
(3)
(Y)11
يَعْنِي قَوْلَهُ: وَإِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ (3) الآية. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: تَرْتِيبُهُ، وَأَجْمَعَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ – فِيمَا وَجَدْتُ - عَلَى أَنَّ السَّعْيَ إِلا بَعْدَ الطَّوَافِ، وَأَنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ، وَأَنَّ مَنْ سَعَى قَبْلَ الطَّوَافِ أَنَّهُ يَرْجِعُ فَيَطُوفُ وَيَسْعَى، وَإِنْ أَصَابَ النِّسَاءَ فِي الْحَجِّ أَوْ فِي الْعُمْرَةِ كَانَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَالْحَجُ مِنْ قَابِل أَوْ عَمْرَةٌ أُخْرَى إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَزَعَمُوا عَنِ الثَّوْرِيُّ أَنْ لا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا اشْتَرَطَ الطَّهَارَةَ فِي السَّعْيِ إِلا الْحَسَنَ الْبَصْرِيُّ، فَإِنَّهُ شَبَّهَهُ بِالطَّوَافِ، وَلَكِنَّ الطَّهَارَةَ فِيهِ
(1) النِّسَاء: (176). (1) رَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. (2) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا. (2/197)
صفحة 694
مُسْتَحَبَّةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَإِذَا أَتَمَّ السَّعْيَ كَمَا قَدَّمْنَا وَنَزَلَ عَنِ الْمَرْوَةِ فَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِعُمْرَةٍ مُتَمَتِّعًا فَإِنَّهُ يَقُصُّ شَعْرَ رَأْسِهِ أَوْ يَحْلِقُهُ، فَيُقِيمُ بِمَكَّةَ حَلَالًا لَهُ كُلُّ الْحَلَالِ إِلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ أَوْ قَارِنَا لَهُ مَعَ الْعُمْرَةِ فَلْيُقِمْ مُحْرِ مَا إِذَا نَزَلَ مِنَ الْمَرْوَةِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ خَرَجَ مَعَ النَّاسِ إِلَى مِنِّي مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ إِحْرَامٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (2/198)
صفحة 695
قواعد ال
الفصل الثالث
فِي الْخُرُوجِ إِلَى مِنِّى وَالْمَبِيتِ بِهَا
فَإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَلْيُوَدِّع الْمُتَمَتِّعُ الْبَيْتَ بِسَبْعَةِ أَشْوَاطٍ، وَلْيُحْرِمْ عَلَى أَثَرِهَا بِالْحَجِّ مِنْ تَحْتِ الْمِيزَابِ أَوْ مِنْ بَطْحَاءِ مَكَّةَ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَنْطَلِقُوا إِلَى مِنّى فَاهِلُّوا (1)، وَلَيْسَ فِي الْأَخْبَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ وَدَّعُوا الْبَيْتَ بِالطَّوَافِ، وَلَكِنِ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنَ الْحَرَمِ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ أَنَّهُمَا لَا يَرَيَانِ بَأْسًا أَنْ يَتَقَدَّمَ الَّذِي يُرِيدُ الْحَجَّ إِلَى مِنِّى قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَكَرِهَ ذَلِكَ آخَرُونَ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُصَلِّي مَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى مِنِّى الظُّهْرَ بِهَا، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ صَلاهَا بِمَكَّةَ، وَتَخَلَّفَتْ عَائِشَةُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَخْرُجُ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى بِمِنِّى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ، وَذَلِكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ (2)، وَاتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى هَذَا، إِلَّا أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْحَجِّ
(1) رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا أَحْلَلْنَا أَنْ نُحْرِمَ إِذَا
تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنِّى وَأَهْلَلْنَا مِنَ الأَبْطح.
(1) رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِهِ الْمُطَوَّلِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ. (2/199)
صفحة 696
لِمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ، ثُمَّ إِذَا أَصْبَحَ الإِمَامُ بِمِنِّى مَشَى بِالنَّاسِ إِلَى عَرَفَاتٍ لِلْوُقُوفِ بِهَا، وَلَا يُجَاوِزُ مِنِّى إِلا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَيَغْدُونَ إِلَى عَرَفَاتٍ. (2/200)
صفحة 697
وَفِيهِ خَمْسُ مَسَائِلَ:
الفطين الرائع
فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى فِي حُكْمِهِ، وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ، لِقَوْلِ النَّبِيُّ الله: "الْعُمْرَةُ الطَّوَافُ، وَالْحَج عَرَفَاتٌ (1)، وَأَنَّ مَنْ فَاتَهُ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ وَالْهَدْيُ مِنْ قَابِلِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي صِفَتِهِ، وَهُوَ أَنْ يَصِلَ الإِمَامُ عَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ خَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي أَوَّلِ الظُّهْرِ، ثُمَّ يَقِفُ
حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَهَذِهِ الصُّفَةُ مُتَفَقٌ عَلَيْهَا، لِمَا ثَبَتَ مِنْ فِعْل النَّبِيِّ
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي إِقَامَةِ الْحَجِّ بِعَرَفَةَ وَغَيْرِهَا، وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدِ مِنْ فُقَهَاءِ قَوْمِنَا أَنَّ النَّاسَ أَجْمَعُوا عَلَى إِقَامَةِ الْحَجِّ لِلسُّلْطَانِ الْأَعْظَمِ أَوْ لِمَنْ يُقِيمُهُ، وَأَنَّهُ يُصَلَّى وَرَاءَهُ بَرًا كَانَ أَوْ فَاجِرًا أَوْ مُبْتَدِعًا، وَأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَأْتِيَ الْمَسْجِدَ بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ خَطَبَ النَّاسَ وَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَاخْتَلَفُوا فِي
(1) [ذكره البصيري: إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، كتاب الزكاة، ر 2572 عن ابن عباس موقوفا. أما الحديث المشهور فهو: الحج عرفة"، رواه الترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج، ر 889]. (2/201)
صفحة 698
وَقْتِ أَذَانِ الْمُؤَذِّنِ) وَتَرَكْتُ الاخْتِلافَ فِي ذَلِكَ اخْتِصَارًا، لِمَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيِّ خَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ أَذَّنَ بِلاَلٌ، ثُمَّ أَقَامَ الصَّلاةَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى
الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى الْمَوْقِفِ.
مَسْأَلَةٌ: وَأَجْمَعُوا أَنَّ صَلاةَ الإِمَامِ بِعَرَفَةَ جَائِزَةٌ وَلَوْ لَمْ يَخْطُبْ قَبْلَ الظُّهْرِ، بِخِلافِ الْجُمُعَةِ، وَأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي هَذِهِ الصَّلاةِ سِرًّا، وَأَنَّهَا تُصَلَّى قَصْرًا إِذَا كَانَ
الإِمَامُ مُسَافِرًا.
وَاخْتَلَفُوا إِذَا كَانَ الإِمَامُ مَكَّيَّا، هَلْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ بِمِنِّي وَبِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ؟ فَقَالَ قَوْمُ: السُّنَّةُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ التَّقْصِيرُ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا وَغَيْرِهِمْ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكِ والأَوْزَاعِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا وَجَمَاعَةٌ مِنْ مُخَالِفِينَا: لَا يَجُوزُ التَّقْصِيرُ إِلا لِلْمُسَافِرِ، وَأَمَّا أَهْلُهَا فَلاَ؛ لأنَّ الأَصْلَ فِي التَّقْصِيرِ إِنَّمَا هُوَ لِلْمُسَافِرِ حَتَّى يَدُلُّ الدَّلِيلُ عَلَى غَيْرِهِ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الأَوَّلِ أَنَّهُ لَمْ يَرِدِ الْخَبَرُ أَنَّ أَحَدًا أَتَمَّ الصَّلَاةَ مَعَ النَّبِيِّ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ مِنْهَا فِي عَرَفَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ عَرَفَةَ الْوُقُوفَ فِيهَا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَأَنَّ مَنْ وَقَفَ قَبْلَهُ أَنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِوُقُوفِهِ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ فَيَقِف بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ فِي لَيْلَتِهِ تِلْكَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَنْ وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ ثُمَّ دَفَعَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا الرَّبِيعُ وَأَبُو نُوحٍ وَأَبُو عُبَيْدَةَ - فِيمَا وَجَدْتُ -: لَا حَجَّ لَهُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَقَالَ آخَرُونَ: حَجُهُ تَامّ، إِلا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّمِ، وَاحْتَجُوا
(1) بداية المجتهد، 287/ 1] (2/202)
صفحة 699
(1)
بِحَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مَطْرُوحٍ)، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عِنْدَهُمْ، قَالَ: "أَتَيْتُ النَّبِيِّ بِجَمْعِ، فَقُلْتُ: هَلْ لِي مِنْ حَجٌ؟ فَقَالَ: مَنْ صَلَّى هَذِهِ الصَّلَاةَ مَعَنَا وَأَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَرَفَاتٍ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُهُ وَقَضَى تَفَثَهُ (2) وَاحْتَجَّ الأَوَّلُونَ بِوُقُوفِهِ إِلَى اللَّيْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ جَائِزٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ وَقَفَ بِبَطْنِ عَرَفَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا حَجَّ لَهُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عَرَفَةَ، وَقَالَ آخَرُونَ: حَجَّهُ تَامٌ، وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَبِهِ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَاحْتَجَّ أَنَّ الأَصْلَ جَوَازُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ كُلَّهَا إِلا مَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَلَمْ يَصِحٌ الْحَدِيثُ عِنْدَهُ، وَالصَّحِيحُ الأَوَّلُ لاسْتِفَاضَةِ النَّهْيِ عَنِ الْوُقُوفِ بِبَطْنِ عَرَفَةَ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ.
(1) هُوَ عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسٍ بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، كُوفِيُّ، شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، لَا ابْنُ مَروحٍ كَمَا فِي بَعْضِ النَّسَخِ، وَلَا ابْنُ مُطرح كَمَا فِي أُخْرَى (1) رَوَاهُ الْخَمْسَةُ بِلْفَظِ: "مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ وَلَحِقِّ مَعَنَا صَلَاتَنَا هَذِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ بِجَمْعِ فَقَدْ أَذَرَكَ الْحَجَّ "، وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسِ قَالَ: "أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِالْمَوْقِفِ، يَعْنِي جَمْعًا، فَقُلْتُ: جِئْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مِنْ جَبَلَ طَيِّ فَأَكَلَلْتُ مَطِيَّنِي وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي، وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ جَبَلٍ إِلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ: فَهَلْ لِي مِنْ حَجٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا - يَعْنِي صَلَاةَ الْفَجْرِ - هَذِهِ يَعْنِي بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلاً أَوْ
نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُهُ وَقَضَى نَفَتَهُ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التَّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ. (2) رَوَاهُ الدَّارَ قُطْنِيُّ بِلَفْظِ "إلا" بَدَلَ ارْتَفِعُوا عَنْ". وَفِي حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطعم أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: "كُلُّ مُزْدَلِفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ مُحسِرٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. (2/203)
صفحة 700
قواعد الإس
الفصل الحامين فِي أَفْعَالِ الْمُزْدَلِفَةِ
وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْمَبِيتِ بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا إِنَّهُ سُنَّةٌ، وَقَالَ آخَرُونَ: الذِّكْرُ فِيهَا فَرِيضَةٌ، وَاحْتَجُوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَةٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ الله الآية)، وَرُوِيَ عَنِ الأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ أَنَّ الْمَبِيتَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَالْوُقُوفَ بِهَا بَعْدَ الصُّبْحِ مِنْ فُرُوضِ الْحَجِّ، وَمَنْ فَاتَهُ كَانَ عَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ السُّنَّةَ فِيهَا أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ هُ أَنَّهُ قَالَ: "يُسْتَحَبُّ بَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَانِ خَفِيفَتَانِ (2)، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ صَلاهُمَا قَبْلَ أَنْ يَأْتِي جَمْعًا (3)، فَقَالَ قَوْمٌ: لَا إِعَادَةَ
(1) البقرة: (198).
(1) قَالَ الإِمَامُ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْجَامِعِ الصَّحِيح: "وَهَذَا قَوْلٌ مَتْرُوكٌ لِخُدُونِهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَلِخِلافِهِ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، عَلَى أَنْ أَبَا عُبَيْدَةَ الله لَمْ يَتَفَرَّدْ بِهِ، فَفِي الْبُخَارِيِّ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ صَلَّى بَيْنَهُمَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ دَعَا بِعَشَاءٍ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَمَرَ رَجُلاً فَأَذَّنَ وَأَقَامَ. اهـ[شرح الجامع الصحيح، 3/ 267]. (2) وَقَدْ كَانَ مُلُوكُ بَنِي أُمَيَّةَ يُصَلُّونَ الْمَغْرِبَ بالشَّعْب - قُرْبَ الْمُزْدَلِفَةِ" - فَلَمْ يُوَافِقُهُمُ ابْنُ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: "اتَّخَذَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هَبَالاً وَاتَّخَذُوهُ مُصَلَّى". (2/204)
صفحة 701
عَلَيْهِ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا رَحِمَهُمُ اللهُ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَطَاءٍ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ
وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَجَمَاعَةٍ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا تُصَلَّى إِلَّا بِجَمْعِ. وَلَعَلَّ حُجَّتَهُمْ قَوْلُ النَّبِيِّ الأُسَامَةَ حِينَ دَفَعَ مِنْ عَرَفَاتٍ فَقَالَ: الصَّلَاةُ، فَقَالَ: " الصَّلاةُ أَمَامَكَ بِجَمْعِ (1)، وَصَحَ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ هُنَاكَ بِأَذَانِ وَإِقَامَتَيْنِ. مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ فَاتَهُ الْمَبِيتُ بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُهْرِقُ دَمًا، وَبِهِ قَالَ عَطَاءُ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَأَهْلُ الرَّأْيِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَقَالَ قَوْمٌ: مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِجَمْعِ فَلاَ حَجَّ لَهُ، وَيَجْعَلُهُ عُمْرَةً، رُوِيَ هَذَا عَنْ عَلْقَمَةَ وَالشَّعْبِي، وَاحْتَجُوا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الحرام (3)، وَبِقَوْلِ النَّبِيِّ: "مَنْ أَدْرَكَ جَمْعًا فَوَقَفَ مَعَ النَّاسِ حَتَّى يُفِيضَ فَقَدْ أَدْرَكَ، وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ فَلَا حَجَّ لَهُ (3).
وَحُجَّةُ الأَوَّلِينَ: إِجْمَاعُهُمْ عَلَى تَرْكِ الأَخْذِ بِجَمِيعِ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَذَلِكَ أَنَّ عِنْدَ جُمْهُورِ الأَعْظَم مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ لَيْلاً وَدَفَعَ قَبْلَ
الصُّبْحِ أَنَّ حَجَّهُ نَامٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم "أَنَّهُ رَخَّصَ فِي تَقْدِيمِ الضُّعَفَاءِ مِنْ جَمْعِ بِلَيْلِ ()، رُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَائِشَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ
(4)
(1) رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
(1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا قَرِيبًا.
(1) تَقَدَّم.
(1) كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي النُّقَلِ أَوْ قَالَ فِي الضَّعَفَةِ مِنْ جَمْعِ بليل [رواه البخاري، باب من قدم ضعفة أهله بليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون ويقدم إذا غاب القمر، (1593، ومسلم]، وَحَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَذِنَ لِلظَّعْنِ، وَكَمَا أَذِنَ لِسَوْدَةَ أَنْ تَدْفَعَ مِنَ الْمُرْدَلِفَةِ قَبْلَ الْفَجْرِ لأَنَّهَا كَانَتْ شَبِطَةٌ، وَأَرْسَلَ أُمَّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ فَرَمَتِ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ. (2/205)
صفحة 702
رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَرُوِيَ أَنَّهُ " أَفَاضَ مِنْ جَمْعِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حِينَ أَسْفَرَ جِدًا، وَقَالَ لِلنَّاسِ: عَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ وَالْوَقَارَ، وَهُوَ كَافٍ نَاقَتَهُ وَأَوْضَعَ فِي وَادٍ مُحَسِّر (1)، وَمِمَّنْ كَانَ يُوضِعُ فِي بَطْنِ مُحَدِّرٍ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسِ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزَّبَيْرِ، وَتَبِعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ
كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَكَمَا فِي حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ، أَيِ الإِسْرَاعِ إِلَّا إِذَا أَتَى مُحسِرًا أَسْرَعَ قَدْرَ رَمْيِهِ
بِحَجَرٍ. (2/206)
صفحة 703
قواعد الإس
stalate
الفصل السادين
فِي رَني الْجِمَارِ وَقَطْعِ التَّلْبِيةِ
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ النَّبِي دَفَعَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَمَا صَلَّى الْفَجْرَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا أَتَى مِنِّى سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تُخْرِجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، وَرُوِي مِنْ طَرِيقِ الْفَضْلِ بْنِ
عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ: لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُهُ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ " (1).
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَقْطَعُ فِيهِ الْحَاجُ التَّلْبِيةَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَدِمَ حَاجًا أَوْ مُعْتَمِرًا قَطَعَ التَّلْبِيَةَ إِذَا رَأَى الْحَرَمَ حَتَّى يَطُوفَ وَيَسْعَى، ثُمَّ (1) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسِ وَأَسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنْهُمَا قَالا: لَمْ يَزَلْ .... الْحَدِيثِ. وَالْجِمَارُ الَّتِي تُرْمَى ثَلَاثُ، وَكُلُّهَا بِمِنِّي:
1 - جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ عَنْ يَسَارِ الدَّاخِل إِلَى مِنِّي.
2 - الْوُسْطَى بَعْدَهَا نَحْوَ 120 مِثْرًا. 3 - الصُّغْرَى وَهِيَ تَلِي مَسْجِدَ الْخَيفِ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الصُّغْرَى وَالْوُسْطَى نَحْوَ 160 مِتْرًا. رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَمَا أَتَى بْرَاهِيمُ (ع). م) الْمَنَاسِكَ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ عِندَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى
الأَرْضِ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ فِي الْجَمْرَةِ الثَّانِيَةِ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى سَاخَ فِي! عَرَضَ لَهُ فِي الْجَمْرَةِ الثَّالِثَةِ فَرَمَاهُ بِسَبْع حَصَيَاتٍ حَتَّى سَاخَ فِي الأَرْضِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاس الشَّيْطَانَ تَرْجُمُونَ، وَمِلَّةَ أَبِيكُمْ تَتَّبِعُونَ". قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ، رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا. (2/207)
صفحة 704
Jushichidaadadadadaalalalalalalalalalalalavakakatakatakatakatakatakatakataka
يَعُودُ فِيهَا، وَقِيلَ: يَقْطَعُهَا إِذَا أَرَاحَ إِلَى الْمَوْقِفِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ وَسَعْدِ بْنِ وَقَاصِ، وَقِيلَ عَنْ عَلِيٌّ وَأُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهُمَا يُلَبِّيَانِ حَتَّى زَوَالِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَرُوِيَ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لا يَقْطَعُهَا حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَهْلُ الرَّأْيِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِتُبُوتِ ذَلِكَ
عَنْ رَسُولِ اللهِ.
مَسْأَلَة [في وقت رمي جمرة العقبة]: وَرَوَى أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ النَّبِيِّ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَمْ يَرِمْ غَيْرَهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ رَمَاهَا بَعْدَ الطُّلُوعِ إِلَى الزَّوَالِ أَنَّهُ رَمَاهَا فِي وَقْتِهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي مَنْ رَمَاهَا لَيْلاً أَوْ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُجْزِتُهُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالنَّخَعِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَقَالَ آخَرُونَ يُجْزِتُهُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ وَالشَّافِعِي وَغَيْرِهِمْ، وَرَخَّصَ آخَرُونَ فِي رَمْيِهَا بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكِ وَأَحْمَدَ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يُجِزْ رَمْيَهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ لِضَعَفَةِ أَهْلِهِ: "لاَ تَرْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ (1)، وَبِفِعْلِهِ ذَلِكَ الْوَقْتَ، وَقَالَ: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ (2)، وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ أَرْسَلَ أُمَّ سَلَمَةَ يَوْمَ النَّحْرِ فَرَمَتْهَا قَبْلَ الْفَجْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) [رواه النسائي، باب النهي عن رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس، ر 3064].
(1) تَقَدَّمَ. (2/208)
صفحة 705
(1)
وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْحَصَاةِ، فَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: تَكُونُ مِثْلَ حَصَاةِ الْخَذْفِ)، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ بِمِثْلِ بَعْرِ الْغَنَمِ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ أَنْ تُلْقَطَ مِنْ جَمْعِ، وَقَالَ آخَرُونَ: خُذِ الْحَصَى مِنْ حَيْثُ شِئْتَ. وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ: يَرْمِي بِحَصَى غَيْرِ الْحَرَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَة [في المكان التي تُرمى منه جمرة العقبة]: وَالْمُسْتَحَبُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ أَنْ تُرْمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَنَافِعِ وَسَلَامِ وَجَمَاعَةٍ، وَثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَتَى الْجَمْرَةَ، فَجَعَلَ مِنِّى عَنْ يَمِينِهِ وَالْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، فَرَمَاهَا حَصَيَاتٍ، وَقَالَ: هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ (2)، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّ
عُمَرَ جَاءَ وَالزِّحَامُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ، فَصَعِدَ وَرَمَاهَا مِنْ فَوْقِهَا.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ: يُجْزِئُ مِنْ حَيْثُ رَمَى، وَالْمُسْتَحَبُّ مَا فَعَلَ ابْنُ
مَسْعُودٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ: وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ انْصَرَفَ إِلَى بَدَنَةٍ فَنَحَرَهَا، ثُمَّ حَلَقَ رَأْسَهُ.
(1) [الخَلْفُ: رميك بحصاة أو نواة تأخذها بين سبابتيك وتَخْذِفُ بها أي ترمي" (الفراهيدي:
العين، باب الخاء والذال والفاء معهما)،].
(1) [رواه البخاري، باب رمي الجمار بسبع حصيات، ر 1661]. (2/209)
صفحة 706
قواعد الإ سلام
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْحَجِّ تَحَلَّلَيْنِ: يَحْصُلُ أَحَدُهُمَا بِرْمَيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالثَّانِي بِطَوَافِ الزَّيَارَةِ، وَهُوَ التَّحَلُّلُ الأَكْبَرُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ
فَأَصْطَادُوا (1)، وَأَشْبَهَ التَّسْلِيمَ مِنَ الصَّلاَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
6
وَإِذَا رَمَى الْحَاجُ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ كَمَا قُلْنَا فَلْيَذْبَحْ أُضْحِيَتَهُ ثُمَّ يَحْلِقُ رَأْسَهُ، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُهُ وسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهُدَى يَحِلَهُ)، فَدَلِيلُ الْخِطَابِ إِذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ جَازَ لَهُ حَلْقُ رَأْسِهِ، وَإِذَا حَلَقَ رَأْسَهُ فَلْيَأْكُلْ مِنْ أُضْحِيَتِهِ وَلْيُطْعِمْ مِنْهَا، وَلْيَمْضِ إِلَى مَكَّةَ لِزِيَارَةِ الْبَيْتِ، وَاسْتُحِبَّ التَّعْجِيلُ فِي ذَلِكَ.
مسألة في أنواع الطواف]: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ - فِيمَا وَجَدْتُ - عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ ثَلاثَةُ أَنْوَاع: أحدها: طَوَافُ الْقُدُومِ، وَالثاني: طَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَهُوَ الْفَرْضُ الَّذِي لاَ حَجٌ لِمَنْ تَرَكَهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلْيَطُوفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ، وَالثالث: طَوَافُ الْوَدَاعِ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُجْزِئُ عَلَى طَوَافِ الزِّيَارَةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَتَى بِهِ الْحَاجُ، قَالُوا: لأَنَّهُ طَوَافٌ مَعْمُولٌ بِالْبَيْتِ فِي وَقْتِ طَوافِ الْوُجُوبِ. وَعِنْدِي إِذَا نَوَى طَوَافَ الْوَدَاعِ لِلزِّيَارَةِ أَنْ يُجْزِتَهُ وَيَلْزَمُهُ لِلْوَدَاعِ
(3)
دَمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الإِجْمَاعَ مِنَ النَّاسِ عَلَى أَنَّ الْمَكَّيَّ لَيْسَ عَلَيْهِ طَوَافُ الإِفَاضَةِ وَهِيَ الزِّيَارَةُ، كَمَا أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَمِرِ إِلا طَوَافُ الْقُدُومِ، قَالُوا: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ أَنَّ عَلَيْهِ طَوَافَيْنِ: أَحَدُهُمَا لِلْعُمْرَةِ يُحِلُّ مِنْهَا، وَالثَّانِي لِلْحَجِّ بَعْدَ النَّحْرِ، وَأَمَّا الْمُفْرِدُ بِالْحَجِّ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا طَوَافٌ وَاحِدٌ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَلَى الْقَارِنِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَيْهِ طَوَافَانِ وَسَعْيَانِ،
(1) الْمَائِدَة: (2). (1) الْبَقَرَة: (196).
(1) الْحَج: (29). (2/210)
صفحة 707
رُوِيَ هَذَا عَنِ الشَّعْبِي وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ وَالثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقَالُوا: لَمَّا كَانَ طَوَافَانِ إِذَا أَفْرَدَ وَجَبَ أَنْ يَثْنَا عَلَيْهِ إِذَا قَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَعًا. وَقَالَ آخَرُونَ: يَكْفِيهِ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌّ لِقَوْلِ النَّبِيِّ لِعَائِشَةَ: طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ يَكْفِيكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ " (1)، وَإِلَى
وَاحِدٌ،
هَذَا ذَهَبَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَطَاوُسُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ
وَجَمَاعَةٌ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالدَّارَ قُطْنِيُّ، أَمَّا رِوَايَةٌ مُسْلِمٍ فَفِيهَا بَعْدَ قَوْلِهِ بِالْبَيْتِ زِيَادَةُ: "وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ". (2/211)
صفحة 708
211 (2/212)
صفحة 709
takatakatakatakatakatakatakiskiskt?ktskickaidring
الْبَابُ الثَّالِثُ في لواحق الحج والعمرة
وَهَذَا الْبَابُ يَتَوَنَّعُ عَلَى فُصُولٍ:
الفصل الأول
فِي الْخَلْقِ
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ، وَأَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "اللهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ - ثَلَاثًا - قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: وَالْمُقَصِّرِينَ ((1)، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ لا يَحْلِقْنَ رُؤُوسَهُنَّ، وَأَنَّ سُنَتَهُنَّ التَّقْصِيرُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ: لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْق وَإِنَّمَا عَلَيْهِنَّ التَّقْصِيرُ (2)، وَلأَنَّ الْحَلْقَ لِلنِّسَاءِ مُثْلَةٌ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ نُسُكٌ
11 (2)
يَجِبُ عَلَى الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ أَوْ لاَ؟ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ نُسُكٌ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ
(1) [رواه الربيع، باب في فضل الحج والعمرة، ر 444].
(1) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (2/213)
صفحة 710
2147
skatakatakatakatakajalatala alaalaalaalaalatalavalatakatakatakatalet
الْفُقَهَاءِ، إِلا فِي الْمُحْصِرِ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ حَلْقٌ وَلَا تَقْصِيرٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَبِالْجُمْلَةِ فَمَنْ جَعَلَ الْحَلْقَ وَالتَّقْصِيرَ نُسُكًا أَوْجَبَ فِي تَرْكِهِ الدَّمَ)، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ نُسُكًا لَمْ يُوجِبْ فِي تَرْكِهِ شَيْئًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1)
(1) وَهُوَ مَذْهَبْنَا. (2/214)
صفحة 711
datekatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatalate
الفصل الثاني فِي رَمْيِ الْحِمَارِ
وَإِذَا طَافَ الْحَاجُ طَوَافَ الزِّيَارَةِ وَسَعَى فَلْيَنْصَرِفْ إِلَى مِنِّي لِرَمْيِ الْحِمَارِ فِي الثَّلاثَةِ الأَيَّامِ الَّتِي هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ إِنَّمَا تُرْمَى فِي يَوْمِ النَّحْرِ دُونَ غَيْرِهَا، وَأَنَّ جُمْلَةَ مَا يَرْمِيهِ الْحَاجُ فِي الْجَمَرَاتِ كُلِّهَا سَبْعُونَ حَصَاةٌ مِنْهَا فِي يَوْمِ النَّحْرِ سَبْعُ لِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَأَنَّ مَنْ رَمَاهَا مِنْ حَيْثُ يَتَيَسَّرُ مِنْ أَسْفَلِ الْعَقَبَةِ أَوْ مِنْ أَعْلاهَا أَوْ وَسَطِهَا كُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ، إِلَّا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ مِنْ بَطْنِ الْوَادِيَ كَمَا قَدَّمْنَا، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يُعِيدُ الرَّمْيَ إِذَا لَمْ تَقَعِ الْحَصَاةُ فِي الْعَقَبَةِ، وَأَنَّهُ يَرْمِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ثَلَاثَ جَمَرَاتٍ بِإِحْدَى وَعِشْرِينَ حَصَاةً، كُلُّ جَمْرَةٍ مِنْهَا بِسَبْعٍ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَرْمِيَ مِنْهَا يَوْمَيْنِ وَيَنْفَرَ فِي الثَّالِثِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَن تَعَجَلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ (1) وَأَنَّ السُّنَّةَ فِي رَمْيِ الْحِمَارِ أَنَّهُ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الْأُولَى وَيَقِفُ عِنْدَهَا وَيَدْعُو، وَيَرْمِي الثانية ثُمَّ يَدْعُوَ وَيُطِيلُ الْقِيَامَ، ثُمَّ يَرْمِي الثَّالِثَةَ وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، وَيُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ الثَّانِيَةَ حَصَاةٍ تَكْبِيرَةً، لِمَا ثَبَتَ فِي هَذَا عَنِ النَّبِيِّ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مِنْ سُنَّةِ رَمْي الْحِمَارِ الثَّلَاثِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا رَمَاهَا قَبْلَ الزَّوَالِ، فَقَالَ
(1) الْبَقَرَة: (203). (2/215)
صفحة 712
جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: يُعِيدُ رَمْيَهَا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (1) أَنَّهُ قَالَ: رَمْيُ الْحِمَارِ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى غُرُوبِهَا، وَاتَّفَقَ رَأْيُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الرَّمْيَ لا يَجُوزُ بِاللَّيْلِ إِلا لِلْخَائِفِ، وَرَخَّصَ فِيهِ أَبُو عُبَيْدَةَ مُسْلِمٌ، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي رَمْيِهَا لَيْلاً.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَخَرَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ إِلَى اللَّيْلِ تَعَمُّدًا، فَقَالَ قَوْمُ: يَرْمِيهَا وَعَلَيْهِ دَمُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لاَ يَرْمِيهَا حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ مِنَ الْغَدِ، وَعَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ إِذَا أَخَرَهَا إِلَى اللَّيْلِ تَعَمُّدًا عَلَيْهِ دَمٌ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إِنْ رَمَاهَا لَيْلاً فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَرَكَهَا إِلَى الْغَدِ فَعَلَيْهِ دَمُ، وَعَنِ الرَّبِيعِ الله مَنْ لَمْ يَرْمِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ أَوَّلَ النَّهَارِ ثُمَّ ذَكَرَ فَلْيَرْمِهَا آخِرَهُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُؤَخِّرَهَا إِلَى الْغَدِ،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ رَمْيَهَا لَيْلاً بِتَرْخِيصِ النَّبِيِّ لِرُعَاةِ الإِبِلِ أَنْ يَرْمُوهَا لَيْلاً، وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَهَا لَيْلاً أَنَّ الْوَقْتَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ هُوَ وَقْتُ رَمْيِ النَّبِيِّ، وَهُوَ السُّنَّةُ، وَأَنَّ مَنْ خَالَفَ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَزَعَمُوا أَنَّ رُحْصَةَ الرُّعَاةِ إِنَّمَا هِيَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَبَعْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ أَيَّامِ النَّفْرِ، رَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَرْمُوهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَالْيَوْمِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَإِنْ رَمَوْا فَقَدْ فَرَغُوا، وَإِنْ قَامُوا إِلَى الْغَدِ رَمَوْا مَعَ النَّاسِ يَوْمَ النَّفْرِ الْآخِرِ وَنَفَرُوا (2)، وَعِنْدَ جَمَاعَةِ (1) مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الثَّانِي، مِنْ أَهْل الْحلَّ وَالْعَقْدِ بِعُمَانَ، وَهُوَ أَخُو مُوسَى بْنِ عَلِيٌّ قَاضِي الْمُسْلِمِينَ فِي إِمَامَةِ الْمُهَنَّا. (1) وَالْقَوْلُ الْفَضْلُ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التَّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمِ عدِي قَالَ: "إِنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَحْصَ لِرُعَاةِ الإِبل فِي الْبَيْتُونَةِ عَنْ مِنّى، رَحْصَ لِرُعَاةِ الإِبِلِ فِي الْبَيْتُونَةِ عَنْ مِنِّي، يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، النَّفْرِ، يَعْنِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ: يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ جَمْرَةَ) يَرْمُونَ الثَّالِثَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ وَالْيَوْمِ الَّذِي فَاتَهُمُ الرَّمْيُّ فِيهِ، وَهُوَ
يرمود
يَنْفِرُونَ وَلَا و
الْيَوْمُ الثَّانِي، ثُمَّ يَرْهُ مَ الرَّابِعَ إِنْ لَمْ يَتَعَجَّلُوا. (2/216)
صفحة 713
قواعد الإسلام
الْعُلَمَاءِ أَنَّ رُحْصَةَ الرُّعَاةِ إِنَّمَا هِيَ جَمْعُ بَيْنَ يَوْمَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَرَخَّصَ كَثِيرٌ
مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي جَمْعِ يَوْمَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَرْمِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِهَا فَلَا يَرْمِيهَا بَعْدُ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَلَيْهِ، فَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ تَرَكَهَا كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا أَوْ وَاحِدَةً مِنْهَا فَعَلَيْهِ دَمْ، رُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكِ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنْ تَرَكَهَا كُلَّهَا فَعَلَيْهِ دَمُ، وَإِنْ تَرَكَ جَمْرَةٌ وَاحِدَةً فَصَاعِدًا فَعَلَيْهِ لِكُلِّ جَمْرَةٍ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعِ حِنْطَةٌ، إِلا أَنْ يَتْرُكَهَا كُلَّهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ، مَا خَلاَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ فِي تَرْكِهَا دَمًا، رُوِيَ هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، فَقَالَ قَوْمٌ عَلَيْهِ فِي الْحَصَاةِ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ مُدًّا مِنْ طَعَامِ، وَفِي الْحَصَاتَيْنِ كَذَلِكَ، وَفِي الثَّلاثِ فَصَاعِدًا دَمْ، وَبِهَذَا يَقُولُ أَصْحَابُنَا، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ، وَرَخَّصَتْ طَائِفَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي الْحَصَاةِ الْوَاحِدَةِ وَالْحَصَاتَيْنِ، وَلَمْ يَرَوْا فِيهَا شَيْئًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: "رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبَعْضُنَا يَقُولُ
رَمَيْتُ بِسِتُ، وَآخَرُ يَقُولُ: رَمَيْتُ بِسَبْعِ، فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَة [في وجوب المبيت بِمِنّى]: وَلاَ يَجُوزُ لَأَحَدٍ أَنْ يَبِيتَ لَيَالِيَ مِنِّي فِي غَيْرِهَا، فَإِنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ دَمُ لِكُلِّ لَيْلَةٍ، إِلا الرُّعَاةَ فَإِنَّ النَّبِيَّ رَحْصَ لَهُمْ فِي الْبَيْتُوتَةِ بِغَيْرِ مِنِّي، وَيُصْبِحُونَ يَرْمُونَ مَعَ النَّاسِ.
فَإِذَا أَرَادَ الْحَاجُ أَنْ يَنْفَرَ مِنْ مِنّى فِي النَّفْرِ الأَوَّلِ بِالْعَشِيِّ مِنَ الْيَوْمِ الثَّانِي فَلْيَدْفِنْ مَا بَقِيَ مِنَ الْحَصَى فِي أَصْل جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجُ مِنْ مِنِّى حَتَّى أَدْرَكَهُ اللَّيْلُ لَزِمَهُ الْقُعُودُ لِلْيَوْمِ الثَّالِثِ حَتَّى يَرْمِيَ الْجِمَارَ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) [رواه النسائي، باب عدد الحصى التي يرمى بها الجمار، ر 3077]. (2/217)
صفحة 714
قواعد الإس
218
الفصل الثالث
في الْهَدْي وَالضَّحَابًا وَأَحْكامِهمَا
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْهَدْيَ نَوْعَانِ: وَاجِبٌ، وَتَطَوُّع (1)
النَّوْعُ الأَوَّلُ: وَأَنَّ الْوَاجِبَ يَكُونُ بِالنَّذْرِ، وَيَكُونُ بِالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ عَلَى خلافٍ فِيهِ أَيْضًا، وَيَكُونُ بِلْزُومِ الْكَفَّارَةِ كَهَدْيِ قَضَاءِ الْحَجِّ، وَهَدْيِ كَفَّارَةِ الصَّيْدِ، وَهَدْيِ كَفَّارَةِ الْقَاءِ الأَذَى وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْهَدْيِ الَّذِي قَاسَهُ الْفُقَهَاءُ عَلَى الْمَنْصُوصِ فِي بَعْضِ النُّسُكِ، وَيَتَوَنَّعُ هَذَا الْفَضْلُ عَلَى عَشَرَةِ أَقْسَامٍ):
الْقِسْمُ الأَوَّلُ
فِي هَدْيِ النَّذْرِ
وَهُوَ يَجِبُ بِالْيَمِينِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ إِنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَعَلَيَّ هَدْيٌّ، فَحَيْثَ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُهْدِيَهُ إِلَى مَكَّةَ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا عَلَى جِهَةِ الْفِدَاءِ، مِثْلَ أَنْ يَنْذُرَ بِابْنِهِ أَوْ عَبْدِهِ (1) لم يُفرد المؤلفُ لهذا النوع عُنوانًا مستقلاً كما أفرد للنوع الأول، بلْ ذَكَرَهُ في بعض مسائل هذا (1) [ذكر المؤلفُ أنَّ هذا الفصل على عشرة أقسام، ولكنَّه عند التفصيل تطرق إلى تسعة أقسام
الفصل].
فقط]. (2/218)
صفحة 715
dicktektaktekktastes slatskickatakatakatakatakatakatakatakatakatalated
أَنْ يَنْحَرَهُ بِمَكَّةَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَ عَنْهُ هَدْيَا يَكُونُ فِدَاءً لَهُ. وَقِيلَ فِي الْعَبْدِ: يُهْدِيهِ لِخِدْمَةِ الْبَيْتِ، وَقِيلَ: يَبِيعُهُ فَيَشْتَرِي بِثَمَنِهِ بَدَنَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
6
الْقِسْمُ الثَّانِي
فِي هَدْيِ التَّمَتُّعِ
وَلَا خِلافَ فِي وُجُوبِهِ، وَإِنَّمَا الْخِلافُ فِي الْمُتَمَتَعِ مِنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ شَاةٌ، وَاحْتَجُوا بَأَنَّ اسْمَ الْهَدْيِ يُطْلَقُ عَلَى الشَّاةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {هَدْيَا بَلِغَ الكعبة)، وَمَعْلُومٌ بِالإِجْمَاعِ أَنَّهُ يَجِبُ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ شَاةٌ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَأَجْمَعُوا أَنَّ هَذِهِ الْكَفَّارَةَ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَأَنَّهُ مَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ فَعَلَيْهِ الصِّيَامُ، يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَهُوَ مُحْرِمٌ آخِرُهَا يَوْمُ عَرَفَةَ، وَسَبْعَةٌ إِذَا رَجَعَ فِي الطَّرِيقِ، وَقِيلَ:
إِلَى مِصْرِهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي حَدٌ الزَّمَانِ الَّذِي يَنتَقِلُ بِانْقِضَائِهِ فَرْضُهُ مِنَ الْهَدْيِ إِلَى الصِّيَامِ، فَقِيلَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: إِذَا شَرَعَ فِي الصَّوْمِ فَقَدِ انْتَقَلَ فَرْضُهُ إِلَيْهِ، وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ وَإِنْ وَجَدَهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ، وَقَالَ قَوْمٌ إِنْ وَجَدَهُ قَبْلَ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ الأَيَّامِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَهُ، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي صَوْمِ السَّبْعَةِ فَلاَ هَدْيَ عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ فَرْضِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ صَلَّى بِالتَّيَهُم ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ فَلَا بَدَلَ لَهُ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: هَلْ مَا هُوَ شَرْطٌ فِي ابْتِدَاءِ الْعِبَادَةِ شَرْطٌ فِي انْتِهَائِهَا أَمْ لاَ؟ وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ صَامَ الثَّلاثَةَ الأَيَّامِ فِي أَيَّامِ عَمَلِ الْعُمْرَةِ أَوْ
(1) الْمَائِدَة: (95). (2/219)
صفحة 716
عد الإس
صَامَهَا فِي أَيَّام مِنّى، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَصُومُهَا إِذَا أَحْرَمَ وَتُجْزِتُهُ، وَإِذَا لَمْ يَصُمْهَا إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ فَلاَ صَوْمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَبِهَذَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ: يَأْتِي بِهَا مَتَى مَا يَشَاءُ فِي أَيَّامٍ مِنِّى أَوْ غَيْرِهَا.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: هَلْ يُطْلَقُ اسْمُ الْحَجِّ عَلَى هَذِهِ الأَيَّامِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا أَمْ لَا؟ وَإِنْ أُطلِقَ فَهَلْ مِنْ شَرْطِ الْكَفَّارَةِ أَنْ لا تُجْزِئُ إِلا بَعْدَ وُقُوع مُوجِبِهَا؟ فَمَنْ قَالَ: لا تُجْزِئُ إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِ مُوجِبِهَا، قَالَ: لا يُجْزِئُ الصَّوْمُ إِلَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْحَجِّ، وَمَنْ قَاسَهَا عَلَى كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ قَالَ: يَجُوزُ، وَاللهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ
في الهدي لمن عليه الحج من قابل]
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُ بِفَوَاتِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ غَلَطِهِ فِي الزَّمَانِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ جَهْلِهِ أَوْ نِسْيَانِهِ، أَوْ إِثْيَانِهِ فِي الْحَجِّ فِعْلَا مُفْسِدًا لَهُ، أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ
يَقْضِيَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْهَدْيِ إِذَا حَجَّ مِنْ عَام قَابِلِ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْهَدْيَ يَجِبُ عَلَيْهِ لِلنُّقْصَانِ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ فِي فَسَادِ الْحَجِّ، وَاخْتَلَفُوا فِي حَجِّ التَّطَوُّع إِذَا فَسَدَ عَلَيْهِ أَيْضًا، فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَوْجَبُوا عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْهَدْيَ، وَشَدَّ قَوْمٌ فَقَالُوا: لا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِي التَّطَوُّعِ وَلَا الْهَدْيِ أَصْلاً، وَالأَوَّلُ أَصَحُ، وَبِهِ قَالَ الأَكْثَرُونَ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْحَجَّ إِذَا فَسَدَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْمَرَ (2/220)
صفحة 717
بِإِثْمَامِهِ، ثُمَّ يُحِلُّ، وَعَلَيْهِ الْحَجُ وَالْهَدْيُ مِنْ قَابِلِ، وَاحْتَجُوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
وَأَتِمُّوا الحَج وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ الآية (1).
الْقِسْمُ الرَّابِعُ
فِي هَدْيِ كَفَّارَةِ الصَّيْدِ
وَالأَصْلُ فِيهَا: قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمَ إِلَى قَوْلِهِ: هَدْيا
(2)
بلغ الكعبة (2)، وَاخْتَلَفُوا هَل الْوَاجِبُ فِي قَتْل الصَّيْدِ قِيمَتُهُ أَوْ مِثْلُهُ؟ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ الْمِثْلُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَجَزَاهُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ (3)، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقِيمَةِ وَالْمِثْلِ، أَعْنِي قِيمَةَ الصَّيْدِ وَبَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا الْمِثْلَ، وَتَقْدِيرُ الآيَةِ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَعَلَيْهِ قِيمَهُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ، أَوْ عَدْلُ الْقِيمَةِ طَعَامًا، أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِي اسْتِثْنَافِ الْحُكْمِ عَلَى قَاتِلِ الصَّيْدِ مِمَّا حَكَمَ فِيهِ السَّلَفُ، مِثْلَ حُكْمِهِمْ أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَعَامَةٌ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ تَشْبِيهَا، وَمَنْ قَتَلَ غَزَالاً فَعَلَيْهِ شَاءُ، وَمَنْ قَتَلَ بَقَرَةً وَحْشِيَّةٌ فَعَلَيْهِ بَقَرَةٌ إِنْسِيَّةٌ، فَقَالَ قَوْمٌ: يُسْتَأْنَفُ الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ عِبَادَةٌ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنْ أُخْبِرَ بِحُكْمِ الصَّحَابَةِ مِمَّا حَكَمُوا
فِيهِ جَازَ؛ لأَنَّهُ حُكْمٌ مَعْقُولُ الْمَعْنَى، فَلَيْسَ لِإِعَادَتِهِ مَعْنِّي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا.
(1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا.
(1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا. (2/221)
صفحة 718
قواعد الإسـ
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْكَفَّارَةِ، هَلْ هِيَ عَلَى التَّخْسِيرِ أَوْ عَلَى التَّرْتِيبِ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: عَلَى التَّخْيِيرِ، أَعْنِي أَنَّ الْحَكَمَيْنِ يُخَيَّرَانِ الَّذِي عَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ عَلَى التَّرْتِيبِ تَشْبِيهَا بِكَفَّارَةِ الظَّهَارِ وَالْقَتْلِ.
وَحُجَّةُ الأَوَّلِينَ: أَنَّ لَفْظَةَ (أَوْ) تَقْتَضِي التَّخْيِيرَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِ الإِطْعَامِ بِالصَّيَامِ، فَقَالَ قَوْمٌ: يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدَّ يَوْمًا، وَهُوَ مَا يُطْعِمُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ عِنْدَهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدَّيْنِ يَوْمًا، وَهُوَ مَا يُطْعِمُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ عِنْدَ هَؤُلاء، فَالأَوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَهْلِ الْحِجَازِ، وَالثَّانِي مَرْوِيٌّ عَنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَهُوَ الْأَصَحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِي قَتل الصَّيْدِ خَطَاً، هَلْ فِيهِ جَزَاءٌ أَوْ لَا؟ فَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: عَلَيْهِ الْجَزَاءُ قِيَاسًا عَلَى الأَمْوَالِ؛ لأَنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ فِيهَا خَطَأَ وَعَمْدًا، وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّ الْخَطَأَ فِي الصَّيْدِ لا جَزَاءَ فِيهِ؛ لأَنَّ الْعَمْدَ إِنَّمَا يَجِبُ فِيهِ الْجَزَاءُ لِمَكَانِ الْعُقُوبَةِ، وَالْخَاطِئُ بِمَنْزِلَةِ النَّاسِي لَا لَوْمَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ، وَالأَوَّلُ أَصَحُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّيْدِ تَشْتَرِكُ فِيهِ جَمَاعَةٌ مُحْرِمُونَ، فَقَالَ قَوْمٌ: عَلَيْهِمْ جَزَاءُ وَاحِدٌ، وَقَالَ آخَرُونَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاءُ، وَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ كَانُوا قَتَلُوهُ فِي الْحَرَمِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاءٌ، وَإِنْ قَتَلُوهُ فِي الْحَرَمِ وَهُمْ مُحِلُّونَ فَعَلَيْهِمْ جَزَاءُ وَاحِدٌ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: هَلْ مُوجِبُ الْجَزَاءِ التَّعَدِّي أَوِ التَّعَدِّي عَلَى جَمَاعَةِ الصَّيْدِ؟ فَمَنْ قَالَ: التَّعَدِّي فَقَط، أَوْجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَاتِلِينَ الصَّيْدَ الْجَزَاءَ، وَمَنْ (2/222)
صفحة 719
قَالَ: التَّعَدِّي عَلَى جَمَاعَةِ الصَّيْدِ، أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ جَزَاءً وَاحِدًا، وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُحِلِّينَ وَالْمُحْرِمِينَ فَعَلَى جِهَةِ التَّعْلِيظِ عَلَى الْمُحْرِمِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِي قَاتِل الصَّيْدِ إِذَا عَادَ إِلَى قَتْلِهِ ثَانِيَةٌ بَعْدَ أَنْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْجَزَاءِ، فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْمَرَّةِ الأُولَى، وَلَكِنْ يُقَالُ لَهُ: اذْهَبْ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْكَ، وَفَرَّقَ آخَرُونَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَا، فَقَالُوا: يُعَادُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فِي الْخَطَا دُونَ الْعَمْدِ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا يُعَادُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ كُلَّمَا قَتَلَ الصَّيْدَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْقَائِلِينَ لِلصَّيْدِ حَاكِمًا؟ فَقَالَ
قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ، وَأَجَازَهُ آخَرُونَ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: تَعَارُضُ ظَاهِرِ الآيَةِ لِمَفْهُومِ الْمَعْنَى الأَصْلِيِّ فِي الشَّرْعِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ الآيَةِ لَيْسَ فِيهِ شَرْطٌ فِي الْحَكَمَيْنِ إِلَّا الْعَدَالَةَ، فَيَجِبُ عَلَى ظَاهِرِهَا أَنْ يَجُوزَ حُكْمُ قَاتِل الصَّيْدِ إِذَا كَانَ عَدْلاً، قَاتِلَا كَانَ أَوْ غَيْرَ قَاتِلِ، وَأَمَّا مَنْهُومُ الْمَعْنَى الأَصْلِيُّ فِي الشَّرْعِ فَهُوَ أَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ حَاكِما عَلَى
نَفْسِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعِ الإِطْعَامِ، فَقَالَ قَوْمٌ: حَيْثُ مَا أَطْعَمَ أَجْزَأَهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: يُطْعِمُ فِي المَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَ فِيهِ الصَّيْدَ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يُطْعِمُ إِلَّا مَسَاكِينَ مَكَّةَ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: تَشْبِيهُ الإِطْعَامِ فِي الْجَزَاءِ بِالزَّكَاةِ فِي أَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَسَاكِينِ، فَمَنْ شَبَّةَ الإِطْعَامَ فِي الْجَزَاءِ بِالزَّكَاةِ، قَالَ: لَا يُنْقَلُ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ الرِّفْقُ بِالْمَسَاكِينِ، قَالَ: لاَ يُطْعِمُ إِلَّا مَسَاكِينَ مَكَّةَ، وَمَنِ اعْتَمَدَ ظَاهِرَ إِطْلَاقِ الآيَةِ، قَالَ: يُطْعِمُ حَيْثُ شَاءَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ مَرْوِيٌّ عَن النَّخَعِي وَمَالِكِ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، أَعْنِي أَنَّ الدَّمَ بِمَكَّةَ وَالإِطْعَامَ وَالصَّوْمَ حَيْثُ (2/223)
صفحة 720
224
شَاءَ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الدَّمَ وَالإِطْعَامَ بِمَكَّةَ وَالصَّوْمَ حَيْثُ شَاءَ، وَهُوَ الْقَوْلُ
الثَّانِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُحِل يَقْتُلُ الصَّيْدَ فِي الْحَرَمِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ قِيَاسًا عَلَى الْمُحْرِمِ، وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى إِسْقَاطِ الْجَزَاءِ عَنْهُ؛ لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالْقِيَاسِ، مَعَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى تَحْرِيمِ صَيْدِ الْحَرَمِ، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا (1)، وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ
(1) ,
مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ .. الْحَدِيثِ (2)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْقِسْمُ الْخَامِسُ
فِي الْحُكْمِ الْوَارِدِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ (3)، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَلِيٌّ وَعُثْمَانَ فِي جُمْلَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا: فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ، وَرُوِيَ عَنِ النَّخَعِي أَنَّهُ قَالَ: عَلَى قَاتِلَ النَّعَامَةِ مُحْرِمًا ثَمَنْهَا، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا: فِي بَيْضَةِ النَّعَامَةِ ثَمَنْهَا. وَقِيلَ: فِيهَا صَوْمُ يَوْمٍ أَوْ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَأَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، وَرُوِيَ فِيهَا عَنْ عَلِيٌّ أَنَّهُ قَالَ: يُحْمَلُ الْفَحْلُ عَلَى الإبل، فَإِذَا تَبَيَّنَ لِقَاحَهَا سَمَّى عَدَدَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْبِيضِ، فَيُقَالُ: هَذَا هَدْيٌّ، ثُمَّ لَيْسَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ ضَمَانٌ فَسَدَ أَوْ صَلُحَ، وَقِيلَ عَنِ الْحَسَنِ: فِيهَا جَنِينٌ مِنَ الإِيلِ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَضَى فِي الضَّبُعِ بِكَيْشٍ، وَفِي الْغَزَالِ بِعَنْزِ، وَهُوَ مَا
(1) الْعَنْكَبوت: (67).
(1) [رواه البخاري، كتاب المغازي، باب من شهد الفتح، ر 4059]. (2) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا. (2/224)
صفحة 721
وُلِدَ مِنَ الْمَعْزِ، أَوْ وُلِدَ مِثْلُهُ، وَحَكَمَ فِي الأَرْنَبِ بِعِنَاقٍ، وَفِي الْيَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ، وَالْيَرْبُوع: دُوَيْبَةٌ لَهَا أَرْبَعُ قَوَائِمَ وَذَنَبٌ، وَهِيَ فِيمَا قِيلَ تَجْتَرُ كَمَا تَجْتَرُ الشَّاةُ، وَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْكُرُوشِ، وَالْجَفْرَةُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَا أَكَلَ وَاسْتَغْنَى عَنِ الرَّضَاعِ، وَالْعَنَاقُ: مَا فَوْقَ الْجَفْرَةِ، وَقِيلَ: دُونَهَا، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكِ أَنَّهُ قَالَ فِي الْأَرْنَبَ وَالْيَرْبُوع: لا يَقُومَانِ إِلَّا بِمَا يَجُوزُ فِي الْهَدْيِ وَالضَّحِيَّةِ، وَذَلِكَ لِجَذَعِ فَمَا فَوْقَهُ مِنَ الضَّأْنِ، وَالثَّنِي فَمَا فَوْقَهُ مِنَ الْمَعْزِ وَالإِبِل وَالْبَقَرِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ومديا بلغ الكعبة)) (المائدة: (95)، وَلَمْ تَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ مَنْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ هَدْيَا أَنَّهُ لا يُجْزِتُهُ أَقَلُّ مِنَ الْجَذَعِ مِنَ الضَّأْنِ، وَالنَّبِيِّ مِمَّا سِوَاهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي صِغَارِ الصَّيْدِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مِثْلُ صِغَارِ النَّعَمِ، كَمَا أَنَّ كِبَارَهُ مِثْلُ كِبَارِهَا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٌّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَاحْتَجَّ أَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةُ الْمِثْلِ، فَعِنْدَ هَؤُلاَءِ فِي النَّعَامَةِ الْكَبِيرَةِ بَدَنَةٌ، وَفَى الصَّغِيرَةِ فَصِيلٌ، وَقَالَ آخَرُونَ: كُلُّ ذَلِكَ بِالْقِيمَةِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
(1)
وَاخْتَلَفُوا فِي حَمَام مَكَّةَ وَغَيْرِهَا، فَقَالَ قَوْمٌ: فِي حَمَامِ الْحَرَمِ شَاةٌ، وَفِي حَمَامِ الْحِلِّ حُكُومَةٌ، وَقَالَ قَوْمٌ: فِي كُلِّ ذَلِكَ شَاةٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الطَّيْرِ شَاةٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْقِيمَةِ فِي كُلِّ هَذَا عَلَى أَصْلِهِ. وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْجَرَادَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِم فِيهِ الْجَزَاءُ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَاجِبِ مِنْ ذَلِكَ، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ لَهُ أَنَّهُ قَالَ: قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامِ أَوْ تَمْرَةٌ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسَ فِيهَا تَمْرَةٌ، وَقِيلَ: فِيهَا حُكُومَةٌ،
وَاللهُ أَعْلَمُ.
(1) [أي يحكُمُ عَليهِ الحَكَمَانِ وَيَنظُرَا فِيمَا اصْطَادَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (مَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ
يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ) (المائدة: 95)]. (2/225)
صفحة 722
قواعد الم
الْقِسْمُ السَّادِسُ
فِيمَا هُوَ صَيْدٌ مِمَّا لَيْسَ بِصَيْدِ
وَفِيمَا لَيْسَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ مِمَّا هُوَ مِنْهُ
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ صَيْدَ الْبَرِّ عَلَى الْمُحْرِمِ حَرَامٌ، إِلَّا الْخْمَسَ الْفَوَاسِقَ الَّتِي اسْتَتْنَاهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأَرَةُ (1)، وَاخْتَلَفُوا هَلْ هَذَا مِنْ بَابِ الْخَاصٌ أُرِيدَ بِهِ الْعَامُ أَوْ بِالْعَكْسِ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ مِنْ بَابِ الْخَاصٌ أُرِيدَ بِهِ الْعَامُ وَاخْتَلَفُوا فِي أَيِّ الْعَامِ أُرِيدَ بِذَلِكَ، فَقَالَ قَوْمٌ: الْكَلْبُ الْعَقُورُ إِشَارَةٌ إِلَى كُلِّ سَبْع عَادِ، كَالأَسَدِ وَالذَّنْبِ وَالنَّمِرِ وَالْفَهْدِ، وَأَنَّ مَا لَيْسَ بِعَادٍ فَلَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ قَتْلُهُ، وَلَمْ يَرَ هَؤُلَاءِ قَتْلَ صِغَارِ السَّبَاعِ؛ لأَنَّهَا لَا تَعْدُو، وَلَا قَتْلَ مَا لَا يَعْدُو مِنَ الْكِبَارِ مِثْل الضَّبُعِ وَالثَّعْلَبِ وَالْهِرٌ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُقْتَلُ مِنَ الْكِلابِ الْعَفُورِ إِلا الْكَلْبُ الإِنْسِيُّ وَالذَّنْبُ. وَقَالَ آخَرُونَ: كُلُّ مُحَرَّم الأَكْلِ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْخَمْسِ، وَاحْتَجُوا بَأَنَّ الْمُحْرِمَ إِنَّمَا حُرِّمَ عَلَيْهِ الْحَلَالُ مِنَ الصَّيْدِ الْمُبَاحِ الأَكْلِ. وَلَا خِلافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي قَتْلِ الْعَقْرَبِ وَالْحَيَّةِ، لِنُبُوتِ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ وَاخْتَلَفُوا فِي الزُّنْبُورِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ مِثْلُ الْعَقْرَبِ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ
أَضْعَفُ نِكَايَةٌ مِنَ الْعَقْرَبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ السَّمَكَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ، وَأَنَّهُ حَلَالٌ لِلْمُحْرِمِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} الآية (2)، وَاخْتَلَفُوا فِي مَا عَذَا السَّمَكَ،
(1) [رواه الربيع، باب ما يتقي المحرم وما لا يتقي، ر 407]. (1) الْمَائِدَة: (96). (2/226)
صفحة 723
belichickteatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakaiskinstalata
2270
فَقَالَ قَوْمٌ: مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى الزَّكَاةِ فَهُوَ صَيْدٌ حَلَالٌ كَالسَّمَكِ، وَكُلُّ مَا يَحْتَاجُ إِلَى الزَّكَاةِ فَلَيْسَ هُوَ بِصَيْدِ الْبَحْرِ وَلَا يَحِلُّ لِمُحْرِمٍ.
وَاخْتِلافُهُمْ فِي هَذَا إِنَّمَا هُوَ فِيمَا هُوَ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، هَلْ يُلْحَقُ بِصَيْدِ الْبَرِّ أَوْ بِصَيْدِ الْبَحْرِ؟ فَقِيَاسُ قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ أَنَّهُ يُلْحَقُ بِمَا يَكُونُ فِيهِ عَيْشُهُ غَالِبًا، وَهُوَ حَيْثُ يُولَدُ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ طَيْرَ الْمَاءِ مَحْكُومٌ لَهُ بِحُكْمِ الْحَيَوَانِ
الْبَرِّي، إلا مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ غَالِبٍ عَيْشِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاخْتَلَفُوا فِي نَبَاتِ الْحَرَمِ، فَقَالَ قَوْمُ: لَا جَزَاءَ فِيهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ الإِثْمُ لَارْتِكَابِهِ النَّهْيَ الْوَارِدَ فِيهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكِ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ فِيهِ الْجَزَاءُ فِي الدَّوْحَةِ بَقَرَةٌ، وَفِي مَا دُونَهَا شَاةٌ. وَقَالَ قَوْمٌ: كُلُّ مَا كَانَ مِنْ غَرْسِ الْإِنْسَانِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَكُلُّ مَا كَانَ نَبَاتًا مِنْ قِبَلِ اللهِ فَفِيهِ الْجَزَاءُ، رُوِيَ هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَبِهِ يَقُولُ
أَصْحَابُنَا.
وَسَبَبُ الْخِلافِ فِي هَذَا هَلْ يُقَاسُ النَّبَاتُ عَلَى الصَّيْدِ لَاجْتِمَاعِهِمَا فِي النهي عَنْ ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ: "لاَ يُنْفَرُ صَيْدُهَا وَلاَ يُخْضَدُ شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ
شَجَرَهَا ... الْحَدِيث (1)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
اله الا الى اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فَتَح مَكَّةَ (1) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ مِنْ خُطْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ -
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (2/227)
صفحة 724
قواعد الإن
القِسْمُ السَّابِعُ فِي فِدْيَةِ الأَذَى
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهَا، لِوُرُودِ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُ الله: ومن كَانَ مِنكُم مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِن رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْصَدَقَةٍ أَوْنُ (1)، وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَحَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الثَّابِتُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ مُحْرِمًا، فَآذَاهُ الْقَمْلُ فِي رَأْسِهِ، فَأَمَرَهُ بِحَلْقِ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: "صُمْ ثَلَاثَةَ أيامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، أَوْ انْسُكْ بِشَاةٍ؛ أَيَّ ذَلِكَ فَعَلْتَ أَجْزَاكَ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَقَ مِنْ ضَرُورَةٍ أَنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ كَمَا قَدَّمْنَا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ حَلَقَ نَاسِيّا، فَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: الْفِدْيَةُ تَجِبُ عَلَى النَّاسِي وَالْمُتَعَمِّد، وَزَعَمَ أَهْلُ الظَّاهِرِ أَنْ لَا فِدْيَةَ عَلَى النَّاسِي.
(3)
وَحُجَّةُ الأَوَّلِينَ: أَنَّهُ لَمَّا وَجَبَتِ الْفِدْيَةُ عَلَى الْمُضْطَرُ فَهِيَ عَلَى غَيْرِ الْمُضْطَر أَوْجَبُ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْعَامِدِ وَالنَّاسِي فَلِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ (3) الآية، وَلِقَوْلِهِ: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ، وَمَنْ لَمْ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا قَاسَ ذَلِكَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَمْ يُفَرِّقِ الشَّرْعُ فِيهَا بَيْنَ الْخَطَا وَالنِّسْيَانِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(1) البقرة: (196). (1) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيُّ: "مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ بِالْحُدَيْبِيةِ وَرَأْسِي يَتَهَافَتُ فَمْلاً، فَقَالَ: "أَتُؤذِيكَ هَوَامُّكَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "فَاحْلِقْ رَأْسَكَ ... الْحَدِيث". وَفِيهِ فَقَالَ: نَزَلَتْ فِي هَذِهِ الآيَةُ: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ" الآية
(البقرة: 196). (1) الأحزاب: (5).
(1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. (2/228)
صفحة 725
stakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakata
مَسْأَلَةٌ: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْفِدْيَةَ ثَلَاثُ خِصَالٍ، وَأَنَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الإطْعَامِ وَالصِّيَامِ وَالنُّسُكِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا وَجُمْهُورُ الْعَلَمَاءِ: سِتَّةُ مَسَاكِينَ، وَالنُّسُكُ أَفَلَهُ شَاةٌ، وَقِيلَ عَنِ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَنَافِعِ أَنَّهُمْ أَجَازُوا الإِطْعَامَ لِعَشَرَةِ مَسَاكِينَ، وَالصِّيَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَقَاسُوا ذَلِكَ عَلَى صِيَامِ الْمُتَمَتِّعِ، وَسَوَّوْا بَيْنَ الإِطْعَامِ وَالصَّيَامِ، لِقَوْلِهِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ أَوْ عدلُ ذَلِكَ صِيَاما (1)
وَحُجَّةُ الأَوَّلِينَ: حَدِيثُ كَعْبِ الْمُتَقَدِّمُ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَمْ يُطْعِمُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: مُدَّيْنِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ بِمُدَّ النَّبِيِّ، وَقَالَ
آخَرُونَ: يُطْعِمُ مِنَ الْبُرْ نِصْفَ صَاعٍ، وَمِنَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ صَاعًا.
هَذَا.
وَسَبَبُ اخْتِلافِهِمُ اخْتِلَافُ الآثَارِ فِي الإِطْعَامِ فِي الْكَفَّارَةِ كَمَا قَدَّمْنَا قَبْلَ
مَسْأَلَةٌ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْفِدْيَةَ تَجِبُ عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِضَرُورَةِ مَرَضِ أَوْ حَيَوَانِ يُؤْذِيهِ فِي رَأْسِهِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْمَرَضُ أَنْ يَكُونَ فِي رَأْسِهِ قُرُوحٌ، وَالأَذَى الْقَمْلُ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ الْمُحْرِمُ مَمْنُوعًا مِنْهُ مِنْ لِبَاسِ الشَّيَابِ، وَحَلْقِ الرَّأْسِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَنَزْعِ الشَّعْرِ مِنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَإِخْرَاجِ الدَّمِ مِنْهُ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِيهِ إِذَا اسْتَبَاحَهُ الْمُحْرِمُ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الضَّرُورَةِ وَغَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ اسْتِعْمَالُ الطَّيبِ عَلَى
هَذَا الْحَالِ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ قَصَّ بَعْضَ أَظْفَارِهِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرِ: إِنْ قَصَّ ظُفُرًا وَاحِدًا فَعَلَيْهِ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ، وَفِي الظُّفْرَيْنِ
(1) المائدة: 95 (2/229)
صفحة 726
Asialaiakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatalada alaalaala dla slika
إِطْعَامُ مِسْكِينَيْنِ، وَفِي الثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا دَمٌ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَحَدٍ قَوْلَيْهِ أَنْ لا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُصَّهَا كُلَّهَا، وَشَذَّ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: يَقُصُّ الْمُحْرِمُ أَظْفَارَهُ وَشَارِبَهُ، وَأَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إِلَّا فِي الرَّأْسِ، لِوُرُودِ النَّصِّ فِيهِ، وَرُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ حَزْمٍ مِنْ فُقَهَاءِ قَوْمِنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى مَنْعِ حَلْقِ شَعْرِ الرَّأْسِ لِلْمُحْرِمِ، وَاخْتَلَفُوا فِي حَلْقِهِ مِنْ سَائِرِ الْجَسَدِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ فِيهِ الْفِدْيَةَ، وَرُوِيَ عَنْ دَاوُودَ أَنْ لَا فِدْيَةٌ فِيهِ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَتَفَ مِنْ رَأْسِهِ أَوْ لِحْيَتِهِ شَعْرَةٌ أَوْ شَعْرَتَيْنِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا فِي الشَّعْرَةِ إِطْعَامُ مِسْكِينِ، وَفِي الشَّعْرَتَيْنِ كَذَلِكَ، وَفِي الثَّلاثَةِ فَصَاعِدًا دَمٌ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي نتفِ الْبَسِيرِ مِنَ الشَّعْرِ أَنْ لا يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ، إِلَّا إِنْ أَمَاطَ بِهِ أَذًى فَفِيهِ الْفِدْيَةُ. وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلْ مَنْعُ الْمُحْرِمِ مِنْ حَلْقِ الشَّعْرِ عِبَادَةٌ أَوْ نَظَافَةٌ؟ فَمَنْ قَالَ عِبَادَةٌ، سَوَّى بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي لُزُومِ الْفِدْيَةِ، وَمَنْ قَالَ مَنْعُهُ لأَجْلِ النَّظَافَةِ وَالزِّينَةِ وَالاسْتِرَاحَةِ، فَرَّقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعِ أَدَاءِ هَذِهِ الْفِدْيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: حَيْثُ شَاءَ بِمَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا، رُوِيَ هَذَا عَنْ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَزَعَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِهَدْيِ؛ لأَنَّ الْهَدْيَ لا يَجُوزُ إِلا بِمَكَّةَ أَوْ مِنِّى وَقَالَ قَوْمُ: الدَّمُ وَالإِطْعَامُ لاَ يُجْزِتَانِ إِلَّا بِمَكَّةَ، وَالصَّوْمُ حَيْثُ شَاءَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
أَنَّهُ قَالَ: مَا كَانَ مِنْ دَمٍ فَبِمَكَّةَ، وَمَا كَانَ مِنْ طَعَامٍ أَوْ صِيَامٍ فَحَيْثُ شَاءَ). (1) هَذِهِ الرِّوَايَةُ تُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ لَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ فِي الإِطْعَامِ عَنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ، حَيْثُ قَالَ: وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ: أَنَّ الدَّمَ وَالإِطْعَامَ بِمَكَّةَ، وَالصَّوْمَ حَيْثُ شَاءَ. قَالَهُ الْمُحَدِّي. (2/230)
صفحة 727
وَسَبَبُ الْخِلَافِ: اسْتِعْمَالُ قِيَاسِ دَمِ النُّسُكِ عَلَى الْهَدْيِ، فَمَنْ قَاسَهُ عَلَى
الْهَدْيِ أَوْجَبَ فِيهِ شُرُوطَهُ مِنَ الذَّبْحِ فِي الْمَكَانِ الْمَخْصُوصِ وَفِي مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكِ أَنَّهُ أَجَازَ إِطْعَامَ الْهَدْيِ لِغَيْرِ مَسَاكِينِ الْحَرَمِ. وَالَّذِي يَجْمَعُ الْهَدْيَ وَالنُّسُكَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ مَنْفَعَةُ الْمَسَاكِينِ الْمُجَاوِرِينَ لِبَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَقَالَ مَنْ خَالَفَ هَذَا إِنَّ الشَّرْعَ لَمَّا فَرَّقَ بَيْنَ أَسْمَائِهِمَا فَسَمَّى أَحَدَهُمَا نُسُكًا وَالآخَرَ هَدْيَا، وَجَبَ أَنْ تَخْتَلِفَ أَحْكَامُهُمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْقِسْمُ الثَّامِنُ
فِي فِدْيَةِ الْمُحْصَرِ
وَالأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنْ أَحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي} إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فإذا أمنتم الآية)، وَاتَّفَقَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُحْصَرَ عَلَى الْحَجِّ ضَرْبَانِ: مُحْصَرٌ بِعَدُوٍّ غَالِبٍ، أَوْ مَرَض فَادِحٍ، فَأَمَّا الْمُحْصَرُ بِالْعَدُوِّ فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يَحِلُّ مِنْ عُمْرَتِهِ أَوْ حَجَّهِ حَيْثُ أُحْصِرَ.
وَفِي أَثَرِ أَصْحَابِنَا إِذَا أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فَصُدَّ عَنِ الْبَيْتِ بِعَدُوٌّ أَوْ مَرَضِ أَنَّهُ يَبْعَثُ هَدْيَهُ فَيُنْحَرُ عَنْهُ فِي يَوْمٍ مَعْلُومٍ، فَيَتَحَلَّلُ مِنْ إِحْرَامِهِ إِذَا مَضَى ذَلِكَ الْيَوْمُ، وَيَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ وَالصَّيْدَ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ مِنْ عَامٍ قَابِلِ أَوْ بَعْدَهُ، وَأَمَّا إِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنَا لَهُ مَعَ الْعُمْرَةِ فَإِنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ حَتَّى يُنْحَرَ عَنْهُ الْهَدْيُ يَوْمَ النَّحْرِ، أَوْ يَفُوتُهُ الْحَجُ فَيَجْعَلُهَا عُمْرَةً، فَإِذَا نُحِرَ عَنْهُ الْهَدْيُ يَوْمَ النَّحْرِ حَلَّ كَمَا
(1) تَقَدَّمَ. (2/231)
صفحة 728
قواعد الإسـ
(1)
وَصَفْنَا، إِلا مِنَ النِّسَاءِ وَالصَّيْدِ وَالطِّيبِ فَحَتَّى يَحُجَّ مِنْ عَامِ قَابِلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمُحْصَرِ عَنِ الْحَجِّ بِمَرَضِ هَدْيِ فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ حَتَّى يَفُوتُ وَقْتُ الْحَجِّ، وَقِيلَ: لا يَحِلُّ حَتَّى يَصِحَ وَيَحُجّ. مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِي إِيجَابِ الْهَدْيِ عَلَى الْمُحْصَرِ بِعَدُوٌّ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لا هَدْيَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَيَنْحَرُهُ حَيْثُ أَحَلَّ، وَقَالَ آخَرُونَ: عَلَيْهِ الْهَدْيُ
يَنْحَرُهُ حَيْثُ مَا حَلَّ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَنْحَرُهُ إِلَّا فِي الْحَرَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُحْصَرِ بِالْعَدُوِّ إِذَا حَلَّ، هَلْ عَلَيْهِ إِعَادَةُ الْعُمْرَةِ أَمْ لَا؟
فَقَالَ قَوْمُ: لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، وَقَالَ آخَرُونَ: عَلَيْهِ الإِعَادَةُ.
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ لاَ يَلْزَمُ الْمُحْصَرَ بِالْعَدُوِّ هَدْيٌّ وَلَا إِعَادَةٌ بِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيِّ حَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ، فَنَحَرُوا الْهَدْيَ وَحَلَقُوا رُؤُوسَهُمْ وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ، وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ الْهَدْيُّ، قَالُوا: ثُمَّ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ ا أَمَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يَقْضِيَ شَيْئًا، وَلَا يَعُودَ عَلَى شَيْءٍ.
وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الإِعَادَةَ أَنَّهُ اعْتَمَرَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ مِنْ عَامِ الْحُدَيْبِيَّةِ قَضَاء لِتِلْكَ الْعُمْرَةِ، لِذَلِكَ قِيلَ لَهَا عُمْرَةُ الْقَضَاءِ، وَاحْتَجُوا فِي إِيجَابِ
(1) أَنَّ فِيمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ اللَّهُه تَشْدِيدًا رُبَّمَا اعْتُبِرَ بِالنِّسْبَةِ لِفَرِيقِ مِنَ الْمُحْصَرِينَ مِنَ التَّكْلِيفِ بِمَا لا يُطَاقُ أَوْ مِنَ الْعُسْرِ الَّذِي نَفَاهُ اللهُ عَنِ الْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، وَلَمْ يُرِدْهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ إِذْ يُمَارِسُونَهَا، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَاذَا عَسَى أَنْ يَفْعَلَهُ الْمُحْصَرُ عَنِ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ إِنْ لَمْ يَتَأَنَّ لَهُ الْعَوْدَةُ إِلَى الْحَجِّ سِنِينَ لِسَبَبٍ مِنَ الأَسْبَابِ كَعَدَم الاسْتِطَاعَةِ مَثَلاً؟ أَيَبْقَى عَزَبًا مَحْرُومًا مِمَّا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ طَوَالَ هَذِهِ الْمُدَّةِ أَمْ مَاذَا يَصْنَعُ؟ كَيْفَ وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ الرَّسُولِ إِنَّهُ حَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَيْنِيَةِ إِذْ صُدُّوا عَن الْبَيْتِ، فَتَحَرُوا هَدْيَهُمْ، وَحَلَقُوا رُؤُوسَهُمْ، وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْهَدْيُ إِلَى مِنَى، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّهُ قَالَ: "قَدْ أَحْصِرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَحَلَقَ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قابلاً". وَلِذَلِكَ كَانَ الأَوْلَى الأَخذُ بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ الَّذِي صَدَرَ بِهِ، وَهُوَ الْأَرْفَقُ بِرُوحِ الشَّرِيعَةِ وَالْأَرْفَقُ بِالأُمَّةِ، وَأَيَّدَتْهُ الأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي الْبَابِ. اهـ مُصَححه. (2/232)
صفحة 729
الا
(1)
الْهَدْيِ عَلَيْهِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ أَحْصِرْتُمْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَدِي، وَبِنَحْرِهِ الْهَدْيَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ. وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي مَوْضِعِ نَحْرِ الْهَدْيِ
فَلاخْتِلافِهِمْ فِي مَوْضِعِ نَحْرِ هَدْيِ النَّبِيِّ، فَقَالَ قَوْمٌ: نَحَرَهُ فِي الْحَرَمِ، وَقَالَ آخَرُونَ: فِي الْحِلِّ.
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُحْصَرِ بِالْمَرَضِ، فَذَهَبَ أَهْلُ الْحِجَازِ إِلَى أَنَّهُ لَا يُحِلُّهُ إِلا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيُ إِلا إِذَا فَاتَهُ الْحَجُ بِطُولِ مَرَضِهِ انْقَلَبَ عُمْرَةً، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ، وَزَعَمَ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُحْصَرِ بِعَدُوٌّ، أَعْنِي أَنْ يُرْسِلَ هَدْيَهُ، وَيُقَدِّرَ يَوْمَ نَحْرِهِ، وَيُحِلَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَرُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَاحْتَجُوا بِحَدِيثٍ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ كُسِرَ أَوْ عُرِجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى (2).
(2)
وَاخْتَلَفُوا فِي إِيجَابِ الْهَدْيِ عَلَيْهِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى إِيجَابِهِ، وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى إِسْقَاطِهِ عَنْهُ اعْتِمَادًا عَلَى أَنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي الْمُحْصَرِ بِالْعَدُوِّ، وَأَجْمَعُوا عَلَى إِيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَنْ فَاتَهُ الْحَبُّ بِخَطَا مِنَ الْعَدَدِ فِي الْأَيَّامِ، أَوْ لِخَفَاءِ الْهِلَالِ عَلَيْهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَعْذَارِ، فَحُكْمُهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ حُكْمُ الْمُحْصَرِ بِمَرَضِ؛ أَنْ يَبْقَى عَلَى إِحْرَامِهِ حَتَّى يَحُجَّ مِنْ عَامٍ قَابِل، فَلاَ هَدْيَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ فَعَلَيْهِ هَدْيُ الْمُحْصَرِ؛ لأَنَّهُ حَلَقَ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ، فَكُلُّ مَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَإِذَا أمِنتُمْ فَمَن تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلى الج) (3) أَنَّهُ خِطَابٌ لِلْمُحْصَرِ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَقِدَ عَلَى ظَاهِرِ الآيَةِ أَنَّ عَلَيْهِ هَدْيَيْنِ: هَدْيًا لِحَلْقِهِ عِنْدَ التَّحَلُّلِ قَبْلَ نَحْرِهِ فِي حَجَّةِ الْقَضَاءِ،
(1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا.
(3)
(1) [رواه أبو داود، باب الإحصار، ر 1864]. (1) البقرة: 196. (2/233)
صفحة 730
takatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatak
وَهَدْيَا لِتَمَتُّعِهِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَإِنْ حَلَّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ بِالْعُمْرَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ هَدْي ثَالِثُ، وَهُوَ هَدْيُ التَّمَتُّع الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِ نُسُكِ الْحَجِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْقِسْمُ التَّاسِعُ
فِي الْهَدْيِ وَأَحْكَامِهِ
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْهَدْيَ لاَ يَجُوزُ إِلا مِنَ الْأَزْوَاجِ الثَّمَانِيَةِ الَّتِي نَصَّ اللهُ عَلَيْهَا، وَأَنَّ الأَفْضَلَ فِي الْهَدْيِ الإبِلُ، ثُمَّ الْبَقَرُ، ثُمَّ الضَّأْنُ، ثُمَّ الْمَعْزُ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الضَّحَايَا، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ فَمَا فَوْقَهُ فِي الْأَسْنَانِ يُجْزِئُ فِي الْهَدْيِ، وَأَنَّهُ لا يُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنَ الْمَعْزِ فِي الْهَدَايَا وَلَا فِي الضَّحَايَا، لِقَوْلِ النَّبِيِّ لأَبِي بُرْدَةَ حِينَ أَجَازَ لَهُ الْجَذَعَ فِي الضَّحِيَّةِ: "تُجْزِئُ عَنْكَ وَلَا تُجْزِئُ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ " (1). وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَذَعِ مِنَ الضَّأْنِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى جَوَازِهِ فِي الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُجْزِئُ فِي الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا إِلَّا الْأُنْثَى لَعَلَّ الصَّوَابَ النَّبِيُّ مِنْ كُلِّ جِنْسِ وَالثَّنِيُّ مِنَ الْمَعْزِ قِيلَ: هُوَ ابْنُ سَنَةٍ خَرَجَتْ ثَنِيتُهُ، وَمِنَ الْبَقَرِ: مَا دَخَلَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ، وَالْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ: مَا لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ،
(1) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي زَيْدٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: "مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ بِدَارٍ مِنْ دُورِ الأَنْصَارِ، فَوَجَدَ رِيحَ قِتَارٍ، فَقَالَ: "مَنِ الَّذِي ذَبَحَ؟ " فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَّا فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أُصَلِّي فَأَطْعَمْتُ أَهْلِي وَجِيرَانِي. فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ مَا عِنْدِي إِلَّا جَذَعٌ أَوْ حَمَلْ مِنَ الضَّأْنِ. قَالَ: " اذْبَحْهَا وَلَنْ تُجْزِئَ جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ". خَطَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَالَ: "مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَنَسَكَ نُسُكَنَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ شَاةُ لَحْمٍ". فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، واللهِ لَقَدْ نَسَكْتُ قَبْلَ أَنْ أَخْرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكُل وَشُرْبٍ فَتَعَجَّلْتُ وَأَكَلْتُ وَأَطْعَمْتُ أَهْلِي وَجِيرَانِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "تِلْكَ شَاءُ لَحْمٍ". قَالَ: فَإِنَّ عِنْدِي عَنَاقُ جَذَعَةٍ أَوْ عَنَافًا جَدَعَةٌ هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ، فَهَلْ تُجْزِئُ عَنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. اهـ مُصَـ (2/234)
صفحة 731
قواعد الإسلام
وَقِيلَ عَشَرَة، وَلاَ خِلافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ الأَغْلَى ثَمَنًا مِنَ الْهَدَايَا أَفْضَلُ، وَيُقَالُ: أَفْضَلُهَا أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا.
وَرَوَى الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَهْدَى نَجِيبَةٌ، فَطُلِبَتْ مِنْهُ بِثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ، فَسَأَلَ النَّبي الله أَنْ يَبِيعَهَا وَيَشْتَرِي بِثَمَنِهَا بُدْنَا، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: "بَلْ أَهْدِهَا (2)، قَالَ: وَذَلِكَ لأَنَّ الْقَلِيلَ الْجَيَّدَ خَيْرٌ مِنَ الْكَثِيرِ الدُّونِ. وَقَالَ: فِي ثَلاثِمِائَةِ دِينَارٍ قِيمَةُ ثَلَاثِينَ بَدَنَةٍ، وَفِيهَا تَكْثِيرُ اللَّحْمِ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ عَنْ صِفَةِ الْبُخْلِ لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ} الآية)، وَلَيْسَ فِي عَدَدِ الْهَدْيِ حَدٌ مَعْلُومٌ ()، وَقَدْ كَانَ هَدْيُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِائَةَ بَدَنَةٍ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ فِي كَيْفِيَّةِ سَوْقِ الْهَدْيِ، وَهِيَ التَّقْلِيدُ وَالإِشْعَارُ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ هَدْيٌّ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ لا خَرَجَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَمَّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الْهَدْيَ
وَأَشْعَرَهُ فَأَحْرَمَ (6).
(1) هُوَ مَا لَهُ سنةٌ تَامَّةٌ.
(1) [رواه البيهقي: السنن الصغرى باب النهي عن إبدال الهَدي والأضحية التي أوجبها،
ر 1810].
(2) وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِبَنِيهِ: "لاَ يُهْدِ أَحَدُكُمْ لِلهِ تَعَالَى مِنَ الْبُدْنِ شَيْئًا يَسْتَحْيِي أَنْ يَهْدِيَهُ لِكَرِيمِهِ، فَإِنَّ اللهَ أَكْرَمُ الْكُرَمَاءِ وَأَحَقُّ مَنِ اخْتِيرَ لَهُ".
(1) الْحَج (37).
(1) [إحياء علوم الدين، 1/ 265]. (1) [رواه البخاري، باب من أشعر وقلد بذي الحليفة ثم أحرم، (1608]. قَالَ الْمُحَنِّي: اعْلَمْ أَنَّ تَقْلِيدَ الْهَدْيِ وَإِشْعَارَهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أُمُورٌ:
مِنْهَا: وُجُوبُ الإِحْرَام وَإِنْ لَمْ يَصِلُ إِلَى الْمِيقَاتِ، لِمَا رُوِيَ فِي الأَثَرِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَالُ لَهَا أَمَّ عُمَرَ بْن كَعْبِ بْنِ الْحَارِثِ خَرَجَتْ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَتْ عَلَى مَرْحَلَةٍ مِنَ الْبَصْرَةِ أَمَرَتْ مَوْلى لَهَا يُقَالُ لَهُ مُسلِمُ السَقَطَ وَكَانَ فَاضِلاً: يَا مُسْلِمُ، اشْتَرِ
لِي
جَلَالَةٌ، لَهَا مِصْرَة فَقَا لَو نَمَا قَالَ قَالَ عَمِيلُ القَالَ: فَقَالَكَ، مَا اسْتَمَام إِنَّا أَن بَدَنَةٌ، فَاشْتَرَى لَهَا بَدَنَةٌ، فَقَالَتْ لَهُ: أَشْعِرْهَا؟ قَالَ: فَفَعَلَ، قَالَ: فَقَالَتْ: مَا صَنَعْنَا إِنَّا نَخَافُ (2/235)
صفحة 732
قواعـ
وَاحِدٌ.
وَصِفَةُ التَّقْلِيدِ: أَنْ يُجْعَلَ فِي عُنُقِ الْبَعِيرِ حَبْلٌ، فَيُعَلَّقُ فِيهِ نَعْلَانِ أَوْ نَعْلُ
وَصِفَةُ الإِشْعَارِ: أَنْ يَشُقَّ فِي الْجَانِبِ الأَيْسَرِ مِنَ الْبَدَنَةِ شَقًّا، آخِذًا مِنْ نَحْوِ الرَّقَبَةِ إِلَى الْمُؤَخَّرِ بَعْدَ أَنْ يُسَمِّيَ الله تَعَالَى بِاسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ (1)، ثُمَّ يُجْلِلْهَا (2) إِنْ شَاءَ، وَكُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ، وَاسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ تَوْجِيهَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ فِي حِينٍ تَقْلِيدِهِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ دَعَا بِبَدَنَةٍ
فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا إِلَى الْأُذُنِ، ثُمَّ سَلَتَ الدَّمَ عَنْهَا وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
،
(3)
يَدْخُلَ عَلَيْنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَقَامَتْ مَكَانَهَا فَوَجَهَتْ مُسْلِمًا إِلَى الرَّبِيعِ تَسْأَلُ، قَالَ: فَقَالَ لَهَا: قَدْ وَجَبَ عَلَيْكِ الإِحْرَامُ فَأَمْسِكِي عَمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الْمُحْرِمُ حَتَّى تَنْحَرِي بَدَنَتَكِ اهـ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَمَّا قَبْلَهُ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ وَإِنْ نَوَاهُ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِلِسَانِهِ
أَنَّهُ هَدْي. وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يُبَدِّلُهُ بِغَيْرِهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْضًا، قَالَ فِي الإِيضاح: "وَمَنْ سَاقَ هَدْيَا وَلَمْ يُشْعِرْهَا فَلَهُ أن يَعُودَ فِيهَا أَوْ يُبْدِلَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِلِسَانِهِ أَنَّهَا هَدى". [مسألة في البدن والهدي، 2/ 334]. وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَنتَفِعَ بِهِ إِلَّا فِي حَالِ الاضْطِرَارِ عَلَى الرَّاجِحِ، وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَهُ الانْتِفَاعُ بِهِ وَإِنْ
نَوَاهُ أَيْضًا.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لا يَحِلُّ مِنْ إِحْرَامِهِ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ، لأَمْرِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيِّ أَنْ يُحِلَّ، وَأَمَّا مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِمَّا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ الأُمَّةِ عَلَى أَنَّ التَّقْلِيدَ وَالإِشْعَارَ مِنْ سُنَّةِ الْبُدْنِ، وَذَهَبَ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَنَّهُ لا تُشْعَرُ، قَالَ: لأَنَّ الإِشْعَارَ مِثْلُهُ، وَيَرُدُّهُ أَنَّهُ لَا حَظَّ لِلنَّظَرِ مَعَ وُجُودِ الأَثَرِ. وَظَاهِرُ كَلامِهِمْ أَنَّ الإِشْعَارَ خَاصٌ بِالإِبل دُونَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَإِنَّمَا الْخِلافُ فِي مَحِلُّهِ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَأَمَّا التَّقْلِيدُ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلإِيلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ عِندَ أَصْحَابِنَا إِلَّا الرَّبِيعَ ما الله،
فَإِنَّهُ قَالَ: الْغَنَمُ لَا تُقَلَّدُ، وَاللَّهُ أَعْلَم. اهـ مُصَححه.
(1) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسِ (1) وَفِي نُسْخَةٍ: يُحْلِلْهَا بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ هُنَا. [وجل الدابة وجلها: الذي تلبسه لتصان به،
(لسان العرب، مادة "جلل")].
(2) [رواه مسلم، باب تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام، ر 3075]. (2/236)
صفحة 733
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا مِنْ أَيْنَ يُسَاقُ الْهَدْيُّ، فَقَالَ قَوْمٌ سُنَتُهُ أَنْ يُسَاقَ مِنَ الْحِلَّ،
وَإِنِ اشْتَرَاهُ مِنْ مَكَّةَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقِفَ بِهِ عَرَفَاتٍ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ الْبَدَلُ، وَإِنْ كَانَ أَدْخَلَهُ مِنَ الْحِلِّ فَلْيَقِفْ بِهِ عَرَفَاتٍ رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسِ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعِيدٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: وُقُوفُ الْهَدْيِ سُنَّةٌ، وَلَا هَدْيَ عَلَى مَنْ لَمْ يَقِفْ بِهِ، كَانَ دَاخِلاً مِنَ الْحِلَّ أَوْ خَارِجًا مِنَ الْحَرَمِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَبَاحَتِ التَّخْيِيرَ فِي التَّعْرِيفِ فِي الْهَدْيِ وَتَرْكِ
تَعْرِيفِهِ.
وَحُجَّةُ أَصْحَابِ الْقَوْلِ الأَوَّلِ: أَنَّ النَّبِي فَعَلَهُ، وَقَالَ: "خُذُوا عَنِّي مناسككُمْ (1)، وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ التَّعْرِيفُ بِالْهَدْيِ سُنَّةٌ، وَقَالُوا: وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ، لأَنَّ مَسْكَنَهُ خَارِجَ الْحَرَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ فِي مَحِلِّهِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَحِلَّهُ مَكَةُ وَالْحَرَمُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: تم يَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (3)، وَقَوْلِهِ: هَدْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا أَجْمَعُوا
(3)
عَلَى أَنَّ الْبَيْتَ الْحَرَامَ وَالْمَسْجِدَ لاَ يَجُوزُ لأَحَدٍ فِيهِمَا ذَبْحُ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّحْرِ مَكَةُ، احْتِسَابًا مِنْهُ لِمَسَاكِينِهِمْ وَفُقَرَائِهِمْ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَحَرَ فِي الْحَرَمِ دُونَ مَكَةَ، فَقَالَ قَوْمٌ: يُجْزِتُهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يُجْزِتُهُ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: هَدْيا بلغَ الْكَعْبَةِ (4) أَنَّهُ مَكَةُ، وَقَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ نَحْرُ الْهَدْيِ حَيْثُ شَاءَ صَاحِبُهُ إِلا هَدْيُ الْقِرَانِ وَجَزَاءُ الصَّيْدِ، فَإِنَّهُ لَا يُنْحَرُ إِلَّا فِي الْحَرَمِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالنَّحْرُ بِمِنِّي إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَفِي الْعُمْرَةِ بِمَكَّةَ، إِلَّا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ فِي نَحْرِ هَدْيِ الْمُحْصَرِ، وَعِنْدَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: إِنْ نَحَرَ لِلْحَجِّ بِمَكَّةَ وَلِلْعُمْرَةِ بِمِنِّى أَجْزَأَهُ،
(1) تقدم. (1) الحج: (33). (1) الْمَائِدَة: (95). (1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا. (2/237)
صفحة 734
ـد الإسـ
238
وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لا يَجُوزُ النَّحْرُ فِي الْحَرَمِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "فِجَاجُ مَكَّةَ وَطَرَفُهَا: كُلُّهَا مَنْحَرُ (1)، وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ هَدْيَ الْفِدْيَةِ، فَأَجَازَ ذَبْحَهُ بِغَيْرِ مَكَّةَ.
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِيهِ مَتَى يُنْحَرُ، فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ ذَبْحُ هَدْيِ التَّمَتُّعِ وَلَا التَّطَوُّعِ إِلا فِي يَوْمِ النَّحْرِ، وَأَجَازَ آخَرُونَ ذَبْحَ هَدْيِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَلَمْ يُجِزْ هَدْيَ التَّمَتُّعِ قَبْلَهُ، وَأَجَازَهُ الْآخَرُونَ فِي كِلَيْهِمَا.
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِي رُكُوبِ هَدْيِ الْوَاجِبِ أَوِ التَّطَوُّعِ، فَكَرِهَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ رُكُوبَهُ إِلا مِنْ ضَرُورَةٍ، وَأَجَازَ أَهْلُ الظَّاهِرِ رُكُوبَهُ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَاحْتَجُوا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةٌ، فَقَالَ: "ارْكَبُهَا". فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، فَقَالَ: " ارْكَبُهَا (2) وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "ارْكَبُهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا احْتَجْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا (3) وَمِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى: أَنَّ الْانْتِفَاعَ بِمَا كَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَنْعُهُ مَفْهُومٌ مِنَ الشَّرِيعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ: أَجْمَعُوا عَلَى هَدْيِ التَّطَوُّعِ إِذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ صَاحِبُهُ كَسَائِرِ النَّاسِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ له أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَكَلَ مِنْهُ فَعَلَيْهِ الْبَدَلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَطبَ قَبْلَ مَحِلِّهِ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ، وَقَالَ آخَرُونَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ رُفْقَتِهِ، لِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم " أَنَّهُ بَعَثَ هَدْيَا مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: إِنْ عَطِبَ فَانْحَرْهُ ثُمَّ اصْبُعْ نَعْلَيْهِ فِي دَمِهِ وَخَلْ (1) [رواه أبو داود، باب الصلاة بجمع، (1939]، بلفظ: "كُلُّ مِنِّي مَنْحَرُ، وَكُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ فِجَاجٍ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرُ. وَالأَوْلَى بِالنَّسْبَةِ لِلْحَاجِّ أَنْ يَذْبَحَ بِمِنِّي، وَبِالنِّسْبَةِ لِلْمُعْتَمِرِ أَنْ يَذْبَحَ عِنْدَ الْمَرْوَةِ؛ لأَنَّهَا مَوَاضِعُ تَحَلَّلَ كُلِّ مِنْهُمَا اهـ.
(1) [رواه الربيع، باب في الهدي والجزاء والفدية، ر 429].
(2) [رواه مسلم، باب جواز ركوب البدنة المهداة لمن احتاج إليها، ر 3278]. (2/238)
صفحة 735
قواع
بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ "، وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ هَذَا الْحَدِيثَ وَزَادَ فِيهِ: "وَلَا تَأْكُلْ مِنْهُ أَنْتَ وَلا أَهْلُ رُفْقَتِكَ (1).
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ أَكَلَ مِنْهُ، فَقَالَ قَوْمٌ: عَلَيْهِ بَدَلُهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا عَلَيْهِ قِيمَهُ مَا أَكَلَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَطِبَ فِي الْحَرَم قَبْلَ أَنْ يَصِلَ مَكَّةَ، فَقَالَ قَوْمٌ: بَلَغَ مَحِلَّهُ، وَقِيلَ: لا يَبْلُغُ مَحِلَّهُ حَتَّى يَصِلَ مَكَّةَ عَلَى مَا قَدَّمْنَا قَبْلَ هَذَا، وَاللهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا الْهَدْيُ الْوَاجِبُ إِذَا عَطِبَ قَبْلَ مَحِلِّهِ فَإِنَّ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ؛ لأَنَّ عَلَيْهِ بَدَلَهُ، وَأَجَازَ لَهُ بَعْضُهُمْ بَيْعَ لَحْمِهِ، وَأَنْ يَسْتَعِينَ بِهِ فِي الْبَدَلِ، وَكَرِهَ ذَلِكَ
مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي الأَكْلِ مِنَ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ إِذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ، فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا، وَيَتَصَدَّقُ بِلَحْمِهِ وَنِعَالِهِ وَجِلالِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَأْكُلُ مِنَ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ إِلا جَزَاءَ الصَّيْدِ وَنُذُرَ الْمَسَاكِينِ وَفِدْيَةَ الأَذَى، وَقَالَ قَوْمٌ: لا يَأْكُلُ مِنَ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ، إِلَّا هَدْيَ الْمَيْتَةِ وَهَدْيَ الْقِرَانِ.
وَحُجَّةُ مَنْ مَنَعَ الأَكْلَ مِنَ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ: أَنَّهُ شَبَّهَ جَمِيعَ أَصْنَافِ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ بِالْكَفَّارَةِ، وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ فِي ذَلِكَ فَلأَنَّهُ يَظْهَرُ فِي الْهَدْيِ مَعْنَيَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عِبَادَةٌ مُبْتَدِئَةٌ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَفَّارَةٌ، فَمَنْ غَلَبَ شَبَهَ الْعِبَادَةِ عَلَى شَبَهِ الْكَفَّارَةِ فِي نوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْهَدْيِ كَهَدْيِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ لَمْ يَشْتَرِطُ أَنْ لَا يَأْكُلَ؛ لأَنَّ هَذَا الْهَدْيَ عِنْدَهُ هُوَ فَضِيلَةٌ لاَ كَفَّارَةٌ، وَمَنْ غَلَّبَ شَبَهَ الْكَفَّارَةِ قَالَ: لَا يَأْكُلُهُ لِلاتِّفَاقِ (1) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَةَ. (2/239)
صفحة 736
أَنَّهُ لا يَأْكُلُ صَاحِبُ الْكَفَّارَةِ مِنْ كَفَّارَتِهِ. فَلَمَّا كَانَ هَدْيُ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَفِدْيَةُ الْأَذَى ظَاهِرًا أَمْرُهُ أَنَّهُ كَفَّارَةٌ لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ لا يَأْكُلُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (2/240)
صفحة 737
قواعد الإ
الفطين الرائع
فِي الضَّحَايَا وَأَحْكَامِهَا
وَهَذَا الْفَضْلُ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي حُكْمِ الضَّحَايَا، وَالثَّانِي فِيمَا
يُجْزِئُ مِنْهَا.
الْقِسْمُ الأول
فِي حُكْمِ الضَّحَايَا
اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الضَّحَايَا، فَقَالَ قَوْمٌ هِيَ وَاجِبَةٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَاحْتَجَّ بِفِعْل النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ ضَحَى وَوَاظَبَ عَلَى ذَلِكَ، وَحَمَلَهُ عَلَى الْوُجُوبِ، وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ أَبَا بُرْدَةَ بِإِعَادَةِ الضَّحِيَّةِ حِينَ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ، فَهِمَ مِنْهُ قَوْمٌ الْوُجُوبَ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا هِيَ سُنَّةٌ عَلَى أَهْل الأَمْصَارِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ: " أُمِرْتُ بِالنَّحْرِ، وَهُوَ لَكُمْ سُنَةٌ ((1)، وَبِقَوْلِهِ: "إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ فَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحُيَ فَلا يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ وَلاَ مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا (2)، فَرَدَّ ذَلِكَ إِلَى اخْتِيَارِ
(1) يُشِيرُ إِلَى مَا رَوَاهُ الدَّارَ قُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: "ثَلَاثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرْضٌ وَلَكُمْ تَطَوُّع: النَّحْرُ، وَالْوِتْرُ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ". وَإِلَى قَوْلِهِ: فُرِضَتْ عَلَيَّ الضَّحِيَّةُ وَلَمْ
تُفْرَضْ عَلَيْكُمْ. رَوَاهُ الدَّارَ قُطني.
(1) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ: "فَلاَ يَمَسُّ مِنْ شَعْرِهِ وَلاَ بَشَرِهِ". (2/241)
صفحة 738
Detskyalatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakataladada!
قواعد الإسلام
الْمُضَحِي، وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: بَعَثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ بِدِرْهَمَيْنِ أَشْتَرِي لَهُ لَحْمًا، فَقَالَ: مَنْ لَقِيتَ فَقُلْ: هَذِهِ ضَحِيَّةُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ بِلالٍ له أَنَّهُ ضَحَى بِدِيكِ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلاً أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ أَضْحِيَّةٌ، فَلَمْ يَجِدْ إِلَّا مَهْزُولاً، فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ فَاكِهَةٌ، فَأَكَلَ وَأَطْعَمَ الْفُقَرَاءَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِي الاشْتِرَاكِ فِي الْبَدَنَةِ، فَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: تُجْزِئُ الْبَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكِ وَعَطَاءِ وَالْحَسَنِ وَطَاوُسٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْبَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ وَإِنْ تَمَتَّعُوا، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَمَنَعَ قَوْمُ الاشْتِرَاكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا الْبُدْنِ وَلَا النُّسُكِ فِي الْفِدْيَةِ وَغَيْرِهَا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَالصَّحِيحُ الأَوَّلُ، لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: "اشْتَرَكْنَا مَعَ النَّبِيِّ الله فِي الْحَج وَالْعُمْرَةِ، وَنَحَرْنَا مَعَهُ عَامَ الْحُدَيْيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ " (1).
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِي الأَفْضَل فِي الضَّحَايَا، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ الْكِبَاشُ، ثُمَّ الْبَقَرُ، ثُمَّ الإِبِلُ، فَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ الإِبِلُ، ثُمَّ الْبَقَرُ، ثُمَّ
الْغَنَم
وَاحْتَجَّ الأَوَّلُونَ بِفِعْلِ النَّبِي أَنَّهُ ضَحَى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ (2)، وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ أَحَدٌ أَنَّهُ ضَحَى بِغَيْرِ الْكِبَاشِ، وَأَنَّهُ لَا يَفْعَلَ إِلَّا الْأَفْضَلَ، وَاحْتَجُوا أَيْضًا
(1) [رواه الربيع، باب في الهدي والجزاء والفدية، ر 430]، وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك " أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أقرنين ويسمي ويكبر وَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا". وَفِي لفظ: ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ". مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لفظ: "سَمِينينِ". وَلأبي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ: "ثَمِينَيْنِ". بِالْمُثَلَّثَةِ بَدَلَ السِّينِ، وَفِي لفظ لِمُسْلِمِ: وَيَقُولُ "بَاسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ". وَالْكَبْشُ الأَمْلَحُ: هُوَ الَّذِي بَيَاضُهُ أَكْثَرُ مِنْ سَوَادِهِ، وَصِفَاحُهُمَا، أَيْ: صَفْحَةُ الْعُنُقِ، وَهِيَ جَانِبُهُ.
(1) [رواه الربيع، باب في السبايا والعزلة، ر 528]. (2/242)
صفحة 739
YEY
(2)
واعد الإسـ
بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَفَدَيْنَهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (1) أَنَّهُ الْكَبْشُ، وَأَنَّ ذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ، وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِقَوْلِهِ فِي فَضْل الْجُمُعَةِ: " مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةٌ .. " الْحَدِيث (3).
الْقِسْمُ الثَّانِي
فِيمَا يُجْزِئُ وَمَا لَا يُجْزِئُ مِنْهَا
(4)
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنَ الْمَعْزِ، بَلِ النَّبِيُّ فَمَا فَوْقِ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لأَبِي بُرْدَةَ: وَلا يُجْزِئُ جَدَعْ لأَحَدٍ بَعْدَكَ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَذَعِ مِنَ الضَّأْنِ كَمَا قَدَّمْنَا قَبْلَ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا مَا لاَ يُجْزِئُ فَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي الضَّحَايَا أَرْبَعُ: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا،
،
(0)
وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لا تُنْقِي لِتُبُوتِ هَذَا فِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ) وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَا كَانَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ خَفِيفًا أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي مَنْعِ الإِجْزَاءِ،
وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعَيْنِ: الْمَوْضِعُ الأَوَّلُ: فِيمَا كَانَ مِنَ الْعُيُوبِ أَشَدَّ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ الْمَنْصُوصِ
عَلَيْهَا فِي السُّنَّةِ، مِثْلِ الْعَمَى وَقَطْعِ السَّاقِ، وَأَشْبَاءِ ذَلِكَ.
(1) الصَّافات (107).
(1) الصَّافات (108).
(2) تَقَدَّمَ.
(1) تَقَدَّمَ.
(1) مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحْحَهُ التَّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَفِيهِ: "وَالْكَسِيرُ الَّتِي لا تنقي"، أَيْ: لَا نَفْي فِيهَا؛ أَيْ: لَا مُخَ. (2/243)
صفحة 740
قواعد الإسـ
الْمَوْضِعُ الثَّانِي: فِيمَا كَانَ مُسَاوِيًا فِي إِفَادَةِ النُّقْصَانِ، مِثْل مَا كَانَ مِنَ الْعُيُوبِ
في الْأُذُنِ وَالْعَيْنِ وَالضَّرْسِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْضَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ يَسِيرًا. أَمَّا الْمَوْضِعُ الأَوَّلُ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ مَا كَانَ أَشَدَّ مِنَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي الْعُيُوبِ أَنَّهُ يَمْنَعُ الإِجْزَاءَ، وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الإِجْزَاء.
وَسَبَبُ الْخِلافِ هَلِ الْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِي الْعُيُوبِ الْأَرْبَعَةِ خَاصٌ أُرِيدَ بِهِ الخاص، أَوْ خَاصٌ أُرِيدَ بِهِ الْعَامُ؟ فَمَنْ قَالَ: هُوَ خَاصٌ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، وَلِذَلِكَ أَخْبَرَنَا بِالْعَدَدِ، قَالَ: لَا يَمْنَعُ الإِجْزَاء إِلا هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ فَقَطْ وَمَنْ قَالَ: هُوَ خَاصٌ أُرِيدَ بِهِ الْعَامُ، قَالَ: مَا هُوَ أَشَدُّ مِنَ الْمَنْصُوصِ أَحْرَى أَنْ يَمْنَعَ الإِجْزَاء.
وَأَمَّا الْمَوْضِعُ الثَّانِي أَعْنِي مَا كَانَ مِنَ الْعُيُوبِ فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ مُفِيدًا لِلنَّقْصِ عَلَى نَحْوِ إِفَادَةِ الْعُيُوبِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلاثَةِ أَقْوَالٍ: أحدها: أَنَّهُ لا يَمْنَعُ الإِجْزَاء وَإِنْ كَانَ يُسْتَحَبُّ اجْتِنَابُهَا، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهَا تَمْنَعُ الإِجْزَاء كَمَنْعِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا. والثالث: لَا تَمْنَعُ الإِجْزَاءَ وَلَا يُسْتَحَبُّ اجْتِنَابُهَا.
وَسَبَبُ الْخِلافِ هُوَ تَرَدُّدُ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْأَرْبَعِ الْعُيُوبِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَامًا أَوْ خَاصَّا، فَمَنْ فَهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ خَاصٌ أُرِيدَ بِهِ الْعَامُ، وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الأَعْلَى فَقَطْ لاَ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِالْمُسَاوِي عَلَى الْمُسَاوِي، قَالَ: يُلْحَقُ بِهَذِهِ الأَرْبَعَةِ مَا كَانَ أَشَدَّ مِنْهَا، وَلا يُلْحَقُ بهَا مَا كَانَ مُسَاوِبًا لَهَا إِلَّا عَلَى وَجْهِ الاسْتِحْبَابِ، وَمَنْ فَهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَاصٌ أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ قَالَ: لَا يَمْنَعُ مَا
سِوَى الْأَرْبَعَةِ مِمَّا كَانَ مُسَاوِيَا لَهَا أَوْ أَشَدَّ مِنْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (2/244)
صفحة 741
وَذُكِرَ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ النَّقْصُ فِي
الأُذُنِ وَالْعَيْنِ، فَقَالَ: " مَا كَرِهْتَ فَدَعْهُ وَلَا تُحَرِّمُهُ عَلَى غَيْرِكَ " (1)، وَعَارَضَ هَذَا حَدِيثُ عَلِيٌّ قَالَ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الأُذُنَ وَالْعَيْنَ، وَلَا نُضَحِّي بِشَرْقَاءَ، وَلاَ خَرْقَاءَ، وَلاَ مُدَابِرَةٌ، وَلَا بَتْرَاءَ " (2). فَالشَّرْقَاءُ: الْمَشْقُوقَةُ الأُذُنِ، وَالْخَرْقَاءُ: الْمَثْقُوبَةُ الأُذُنِ، وَالْمُدَابِرَةُ: الَّتِي يُقْطَعُ مِنْ جَنْبَي
أُذُنِهَا مِنْ خَلْفٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي كَسْرِ الْقَرْنِ، فَقِيلَ: يُجْزِئُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ يُؤْمِي، فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَابِ الْمَرَضِ؛ لأَنَّ الْمَرَضَ الْبَيِّنَ يَمْنَعُ الإِجْزَاءَ، وَقَدْ رُوِيَ النَّهْيُ عَنِ الْأَعْضَبِ وَالْعَصْبَاءِ، فَقِيلَ: هُوَ مَكْسُورُ الْقَرْنِ، وَقِيلَ: هُوَ مَقْطُوعُ الْأُذُنِ، فَمَنْ رَبَّحَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمَ قَالَ: لَا تُتَّقَى إِلا الْعُيُوبُ الأَرْبَعَةُ وَمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهَا. وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ عَلِيٌّ حَمَلَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى الْيَسِيرِ الَّذِي لَيْسَ بِعَيْبٍ، وَحَمَلَ حَدِيثَ عَلِيٌّ عَلَى الْكَثِيرِ الَّذِي هُوَ عَيْبٌ، وَلِذَلِكَ اعْتَبَرُوا التَّحْدِيدَ فِيمَا يَمْنَعُ الإِجْزَاءَ مِمَّا يَذْهَبُ مِنْ هَذِهِ الأَعْضَاءِ، فَاعْتبر بَعْضُهُمُ الثَّلُثَ، وَبَعْضُهُمُ الأَكْثَرَ، وَكَذَلِكَ الأَمْرُ فِي ذَهَابِ الأَسْنَانِ وَاللَّذِي.
(1) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بِلَفْظِ: "أَكْرَهُ النَّقْصَ فِي الْقَرْنِ وَالْأُذُنِ" ... الْحَدِيثِ. وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْعَيْبَ الْبَسِيرَ الَّذِي هُوَ غَيْرُ بَيْنِ لَا يُتَّقَى. (1) رَوَاهُ البخاري وأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ بِحَذْفِ أَنْ لا يُضَحُيَ". وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَصَحْحَهُ التَّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَلى أَنَّهُ قَالَ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ تَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالأُذُنَ، وَلَا نُضَحُيَ بِعَوْرَاء وَلا مُقَابِلَةٍ، وَلاَ مُدَابِرَةٍ، وَلا حَرْفَاءَ، وَلَا ثَرْمَاءَ وَمَعْنَى "نَسْتَشْرِفَ نَتَأَمَّل سَلامَتَهُمَا مِنْ آفَةٍ تَكُونُ بِهِمَا، "الْخَرْقَاهُ": الَّتِي فِي أُذُنِهَا ثَقْبٌ مُسْتَدِيرَةٌ، وَ الثَّرْمَاءُ": سَقَطَتْ ثَنِيَّتُهَا. (2/245)
صفحة 742
نواعد الإن
وَاخْتَلَفُوا فِي السَّكَاءِ، وَهِيَ الَّتِي خُلِقَتْ بِلا أُذُنٍ، فَأَجَازَهَا بَعْضُهُمْ قِيَاسًا عَلَى الْجَمَاءِ إِذَا كَانَ خِلْقَةٌ، وَمَنَعَهَا آخَرُونَ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ قَطعَ الْأُذُنِ كُلِّهِ أَوْ أكْثَرِهِ عَيْبٌ، وَكُلُّ هَذَا رَاجِعُ إِلَى مَا قَدَّمْنَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي الأَبْتَرِ، فَأَجَازَهُ قَوْمٌ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: "اشْتَرَيْتُ كَبْشًا لأُضَحّي بِهِ، فَأَكَلَ الذَّتْبُ ذنبه، فَسَأَلْتُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "ضَحٌ بِهِ " (1)، وَمَنَعَهُ قَوْمٌ لِحَدِيثِ عَلِيِّ الْمُتَقَدِّمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: "اشْتَرَيْتُ كَبْشًا لأُضَحِيَ بِهِ، فَعَدَا الذَّنْبُ فَأَخَذَ الإليةَ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "ضَحٌ بِهِ". (2/246)
صفحة 743
د الإسـ
الفصل الحامين فِي كَيْفِيَّةِ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ
قالَ اللهُ تَعَالَى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَ، يَعْنِي مَعْقُولَةَ الْيُسْرَى) قَائِمَةٌ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ قَوَائِمِهَا، وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِي "نَحَرَ الْبُدْنَ قِيَامًا بِمِنِّى (2)، فَاسْتَحَبَّ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنْ تُنْحَرَ عَلَى هَذِهِ الصُّفَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا وَجَتْ جنوبها (3)، أَيْ: سَقَطَتْ إِلَى الأَرْضِ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ أَنْ تُنْحَرَ بَارِكَةٌ؛ لِئَلا تُؤْذِيَ النَّاسَ بِدَمِهَا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ ذَبَحَ يَوْمَ الْعِيدِ كَبْشَيْنِ، ثُمَّ قَالَ حِينَ وَجَهَهُمَا: إِنِّي وَجَهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ
(3)
(4)
والْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِسْمِ اللهِ اللهُ أَكْبَرُ، " اللهُ مِنْكَ وَلَكَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ (5). وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَلِي الإِنْسَانُ ذَبْحَ أُضْحِيَتِهِ بِيَدِهِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ نَحَرَ بِيَدِهِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةٌ، فَأَعْطَى عَلِيًّا، وَنَحَرَ مَا بَقِيَ مِنْ هَدْيِهِ،
(1) الْحَجَ: (36). (1) لِحَدِيثِ جَابر أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَنْحَرُونَ الْبَدَنَةَ مَعْقُولَةَ الْيُسْرَى قَائِمَةٌ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْهَا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ - وَمِصْدَاقًا لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَ، أَيْ: قِيَامًا عَلَى ثَلَاثٍ رَوَاهُ الْحَاكِمُ - وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أتي عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يَنْحَرُ بَدَنَتَهُ بَارِكَةٌ فَقَالَ: ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً سُنَّة نَبِيِّكُمْ.
(1) الْحَج (36).
(1) الأنعام: (79).
(1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. (2/247)
صفحة 744
(1)
وَأَشْرَكَهُ فيه (1)، وَرُوِي أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ كَانَ يَأْمُرُ بَنَاتَهُ أَنْ يَذْبَحْنَ ضَحَايَاهُنَّ بِأَيْدِيهِنَّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ فِي وَقْتِ ذَبْحِ الصَّحَايَا، وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَقْتُهَا بَعْدَ صَلاةِ الْعِيدِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى وَقْتِ الزَّوَالِ مِنَ الْيَوْمِ الرَّابِعِ، وَقَالَ آخَرُونَ: الأَضْحَى يَوْمُ النَّحْرِ وَحْدَهُ إِلَّا مَنْ كَانَ بِمِنِّي، فَإِنَّهُ جَعَلَ لَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تَوْسِعَةٌ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْغَنَمَ أَوْ تَعَاسَرَتْ عَلَيْهِ، فَلَهُ أَنْ يَنتَظِرَ يَوْمَ النَّحْرِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ إِلَى زَوَالِ الشَّمْسِ مِنْهُ، وَهُوَ وَقْتُ النَّفْرِ الأَوَّلِ، فَلا ذَبْحَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى عَامٍ قَابِلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَأَحْكَمُ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ شَيْئَانِ، أَحَدُهُمَا اخْتِلافُهُمْ فِي الأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ مَا هِيَ، والثاني: قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: "إِنَّهَا أَيَّامُ ذَبْحِ (2)، وَاخْتَلَفُوا فِي لَيَالِي مِنِّي، هَلْ يَجُوزُ فِيهِنَّ الذَّبْحُ؟ فَأَجَازَهُ قَوْمٌ تَعَلَّقًا بِأَنَّ اسْمَ الْيَوْمِ فِي كَلَامِ لْعَرَبِ يَقَعُ عَلَى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَثَةَ أَيَّامٍ (3) فَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ تَمَتَّعُوا الأَيَّامَ وَاللَّيَالِي، وَمَنَعَهُ آخَرُونَ، وَتَعَلَّقُوا بِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَات) (4) أَنَّ الأَيَّامَ هَهُنَا لَا تَتَنَاوَلُ اللَّيَالِي، لِقَوْلِهِ
تَعَالَى: {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَنَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} (5) الآية.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هُوَ الاشْتِرَاكُ الْوَاقِعُ فِي اسْمِ الْيَوْمِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) [رواه ابن ماجه، باب حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ر 3074].
(1) رَوَاهُ أَحْمَدُ بِلَفْظِ: "كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ".
(1) هود: (65).
(1) الْبَقَرَة: (203).
(1) الْحَاقَّة: (7). (2/248)
صفحة 745
مَسْأَلَةٌ فِي حُكْمِ لُحُومِ الضَّحَايَا، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُضَحِّيَ مَأْمُورٌ أَنْ يَأْكُلَ أَضْحِيَتِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَ، وَيَقُولُ النَّبِيُّ
(1)
في الضَّحَايَا: "كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا (2)، وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِالأَكَل وَالصَّدَقَةِ مَعا، أَوْ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَفْعَلَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ إِلا أَحَدَهُمَا، إِمَّا أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَتَصَدَّقَ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَهُ أَنْ يَفْعَلَ أَيُّهُمَا أَحَبَّ، وَاسْتَحَبَّ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَقْسِمَ أُضْحِيَتَهُ أَثْلَاثًا: ثُلُنَا لِلأَكُل، وَثُلُنَا لِلصَّدَقَةِ،
وَثُلُنَا لِلادْخَارِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ، وَأَوْجَبَ ذَلِكَ أَهْلُ الظَّاهِرِ لأَمْرِهِ بِذَلِكَ، وَلا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ أَجَازَ بَيْعَ لَحْمِهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي بَيْعِ مَا سِوَى کوره (3) اللَّحْمِ مِنَ الْجِلْدِ وَالشَّعْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَقَالَ أَخَرُونَ: يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالدَّرَاهِمِ وَغَيْرِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
6
مَسْالة: فِي طَوافِ الْوَدَاعِ، وَهُوَ مَشْرُوعُ إِذَا لَمْ يَبْقَ لِلْحَاجِّ شُغْلٌ وَعَزَمَ عَلَى الانْصِرَافِ إِلَى وَطَنِهِ، وَجَهَزَ رَحْلَهُ، فَلْيَكُنْ حِينَئِذٍ آخِرُ عَهْدِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ،
(4)
لِقَوْلِ النَّبِيِّ: "لا يَنْفِرَنَّ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَمَلِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَكَيْفِيَّتُهُ: أَنْ يَطُوفَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، وَيَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ، وَيَدْنُوَ مِنَ الْبَيْتِ وَيَدْعُوَ بِمَا بَدَا لَهُ، وَيَخْرُجَ، وَمَنْ لَمْ يُوَدِّع الْبَيْتَ فَلَهُ دَمٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَلَا وَدَاعَ عَلَى مَكَّيِّ، وَلَا عَلَى قَادِم أَوْطن مَكَّةَ، وَلَا عَلَى مُجَاوِرِيهَا، وَلَا عَلَى خَارِجِ إِلَى التَّنْعِيمِ لِيَعْتَمِرَ، وَلاَ عَلَى مُعْتَمِرٍ خَرَجَ مِنْ فَوْرِهِ، فَإِنْ أَقَامَ ثُمَّ أَرَادَ الْخُرُوجَ فَلْيُوَدِّعْ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ خَارِجًا مِنَ الْمِيقَاتِ فَعَلَيْهِ الْوَدَاعُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) الْحَج: (36).
(1) [رواه الربيع، باب الذبائح، ر 621]. (1) لِقَوْلِهِ: " مَنْ بَاعَ جِلْدَ أَضْحِيَتِهِ فَلا أُضْحِيَّةً لَهُ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. (1) [رواه أبو داود، باب الوداع، ر 2004]. (2/249)
صفحة 746
25
أَعْلَمُ.
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْتِي الْمَدِينَةَ لِزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِفَرْضِ، وَاللَّهُ
وَقَدْ ذَكَرْنَا كَيْفِيَّةَ الزِّيَارَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، وَذَكَرْنَا فِيهِ فُرُوعَ مَسَائِلِ الْحَجِّ وَالدُّعَاءَ الْمَأْنُورَ فِيهِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَدَبِ الْحَجِّ وَسُتَّتِهِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَبِهِ الْعَوْنُ
وَالتَّوْفِيق. (2/250)
صفحة 747
كِتَابُ الْحُقُوقِ وَمَظَالِمِ الْعِبَادِ (2/251)
صفحة 748
[صفحة فارغة] (2/252)
صفحة 749
الرُّكْنُ السَّابِعُ مِنَ الْكِتَابِ فِي الْحُقُوقِ وَمَظَالِمِ الْعِبَادِ
وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَحَارِمِ وَالْكَبَائِرِ الَّتِي يُسْأَلُ عَنْهَا الْعَبْدُ فِي الْمَعَادِ
وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ يَنْحَصِرُ فِي ثَلَاثَةِ أَبْوَابِ الْأَوَّلُ: فِي الْحُقُوقِ، والثاني: فِي الْمَظَالِم، والثالث: فِي الْمُحَرَّمَاتِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. (2/253)
صفحة 750
قواعد الإس
الْبَابُ الأَوَّلُ
فِي الْحُقُوقِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَى الْعِبَادِ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ
وَهِيَ بِالْجُمْلَةِ تَنْحَصِرُ فِي عَشَرَةِ فُصُولٍ:
الفصل الأول
فِي حُقُوقِ الْقَرَابَاتِ
(1).
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَتَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ (1) الآيَةَ، فَفَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى حَقَّ الْقَرَابَةِ وَالأَرْحَامِ، فَقَالَ: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَامَ، وَأَنْفَذَ الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ فِي قَاطِعِهِمَا، فَقَالَ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِمُوا أَرْحَامَكُمْ) أو لَيْكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَتَهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَرَهُمْ) (3)، وَقَالَ: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ
(1) الروم: (38). (1) النِّسَاء: (1).
(2) مُحَمَّد: (23).
6 (2/254)
صفحة 751
بهِ أَن يُوصَلَ إِلَى قَوْلِهِ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} ()، وَالآثَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ تَرَكْتُهَا
مَخَافَةَ التَّطْوِيل. وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى وُجُوبِ حَقِّ الْقَرَابَاتِ، وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّهَا، فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ مَا دُونَ خَمْسَةِ آبَاءِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِي لَمَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين) دَعَا مَنْ دَعَا مِنْ بُطُونِ قُرَيْشٍ فَأَنْذَرَهُمْ، وَيُقَالُ: اتَّخَذَ طَعَامًا، فَدَعَا إِلَى أَرْبَعِ دَرَجَاتٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْخَامِسِ، وَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِقَرَابَتِهِ فِي الْخُمُسِ نَصِيبًا، فَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ دُونَ عَبْدِ شَمْسٍ وَنَوْفَل، وَقَالَ قَوْمُ: الْقَرَابَةُ مَا دُونَ سَبْعَةِ آبَاءِ، وَقِيلَ: مَا دُونَ الشِّرْكِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (3). وَجُمْلَهُ حُقُوقِ الْقَرَابَةِ: أَنْ يُوَاسِيَهُمُ الإِنْسَانُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ إِنْ كَانُوا مُحْتَاجِينَ،
وَيَحْضُرَ لِفَرَحِهِمْ وَحُزْنِهِمْ، وَيَأْمُرَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَإِنْ مَنَعَهُ الْخَوْفُ عَنْ زِيَارَتِهِمْ فَلْيُوَاصِلْهُمْ وَلَوْ بِالسَّلاَمَ فِي الْكِتَابِ، وَلَا يَقْطَعُهُمْ إِنْ قَطَعُوهُ، وَلْيُعْطِ لَهُمْ حَقَّهُمْ وَإِنْ حَرَمُوهُ، وَفِي الْحَدِيثِ: "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ صَدَقَةٌ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحَ (4) وَيُقَالُ: إِنَّ عُمَرَ أَمَرَ الْأَقَارِبَ أَنْ يَتَزَاوَرُوا وَلاَ
(1) الرعد: (25). (1) الشعراء: (214).
1
(1) الَّذِي يَبْدُو لِي - وَاللهُ أَعْلَمُ - أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ الأَقْرَبِينَ وَالْأَقَارِبِ وَذَوِي الْقُرْبَى، فَالْأَقْرَبُونَ "وَلِصِيغَةِ التَّفْضِيل دَلالَتُهَا": هُمُ الَّذِينَ يَجْمَعُهُمُ الْجَدُّ الرَّابِعُ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَنْزَلَ قَوْلَهُ: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين) جَمَعَ اعلام آبَاءَ عَبْدِ مَنَافٍ: هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ وَنَوْفَلِ
وَعَبْدِ شَمْسٍ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَجْمَعُهُمُ الْجَدُّ الرَّابِعُ بِخِلافِ الأَقَارِبِ جَمْعَ ـ وَهُمُ الَّذِينَ يَجْمَعُهُمُ الْجَدُّ السَّابِعُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ الأَنْصَارِيَّ تَصَدَّقَ بِأَرْضِ "بيرحاء"، فَقَالَ لَهُ: اجْعَلَهَا لِفُقَرَاءِ أَقَارِبِكَ، فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ اللَّذَيْنِ يَجْمَعُهُمَا بِهِ عُمَرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّجَارِ، وَهُوَ الْجَدُّ السَّابِعُ الْجَامِعُ، وَأَمَّا ذَوُو الْقُرْبَى فَمُشْتَرَكْ يَتَنَاوَلُ الصَّنْفَيْنِ. اهـ مُصَحِحه (1) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِي مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ، وَفِيهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ – وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمَّ كُلْثُومَ بِنْتِ عُقْبَةَ. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحْحه.
ع (2/255)
صفحة 752
يَتَجَاوَرُوا، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لأَنَّ التَّجَاوُرَ يُوجِبُ التَّرَاحُمَ عَلَى الْحُقُوقِ، فَرُبَّمَا
يُؤَدِّي إِلَى الْوَحْشَةِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَة فِي حَقِّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الأَوْلاَدِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بوالديه الآية (1)، وَقَالَ النَّبِيُّ: "لا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ وَيُعْتِقَهُ، وَلَا يَخْفَى عَلَى ذِي عَقْلِ أَنَّهُ لَمَّا تَأَكَّدَ حَقُّ الْقَرَابَةِ وَالْأَرْحَامِ فَأَخُقُهَا وَأَمَسُّهَا الْوَالِدَةُ، فَيَتَضَاعَفُ تَأْكِيدُ الْحَقِّ فِيهَا، وَقَالَ: "بِرُ الْوَالِدَةِ عَلَى الْوَالِدِ ضِعْفَانِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدَةِ أَسْرَعُ إِجَابَةٌ، قِيلَ: وَلِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هِيَ أَرْحَمُ مِنَ الأَبِ، وَدَعْوَةُ الرَّحِمِ لاَ تَسْقُطُ (3).
وَجُمْلَهُ حَقُّ الْوَالِدَيْنِ: أَنْ يَبَرَهُمَا أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا، أَبْرَارًا كَانُوا أَوْ فُجَّارًا، أَمَّا فِي الْحَيَاةِ فَمَلْزُومٌ طَاعَتُهُمَا وَإِجَابَةُ دَعْوَتِهِمَا، وَخَفْضُ جَنَاحَ الرَّحْمَةِ لَهُمَا، وَتَعَاهُدُهُمَا بِالسَّلام عَلَيْهِمَا، وَالْقِيَامِ بِحَوَائِجِهِمَا، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ أَمْرِهِمَا وَرَأْيهِمَا إِلا إِنْ تَبَيَّنَ لَهُ الرُّشْدُ فِي خِلَافِ رَأْيِهِمَا، وَإِنْ كَانَا فَقِيرَيْنِ أَعَانَهُمَا بِنَفْسِهِ وَوَاسَاهُمَا بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَآثَرَهُمَا عَلَى نَفْسِهِ، وَيَتَوَلاهُمَا إِنْ كَانَا أَهْلاً لِلْوِلَايَةِ، وَإِلَّا فَلَا يُظْهِرُ الْبَرَاءَةَ فِي وُجُوهِهِمَا، وَلا يَنْظُرُ شَزَرًا إِلَيْهِمَا، وَيَمْتَيَّلَ أَوَامِرَهُمَا، إِلَّا إِنْ أَمَرَاهُ بِمَعْصِيَةٍ مِنْ تَرْكِ صَلَاةٍ، أَوْ صَوْمٍ، أَوْ تَرْكِ تَعَلُّمِ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، وَمَا يَحِلُّ لَهُ مِنَ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَلَا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ خِلَافَهُمَا، لَأَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي
مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ.
(1) الْعَنْكَبوت: (8).
(1) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتَّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَةَ.
(1) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتَّرْمِذِيُّ. (2/256)
صفحة 753
قواعد الإسـ
وَحُقُوقُهُمَا كَثِيرَةٌ وَلاَ سِيَّمَا الْوَالِدَةَ؛ لأَنَّهَا حَمَلَتْهُ فِي بَطْنِهَا، وَأَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِهَا، وَأَوْلَتْهُ الْخَيْرَ وَالشَّفَقَةَ حِينَ لاَ يُطِيقُ لِنَفْسِهِ دَفْعًا وَلاَ حِيلَةٌ وَلَا نَفْعًا، فَكَانَ حِجْرُهَا لَهُ حِوَاءٌ، وَثَدْيُهَا لَهُ سِقَاء.
وَأَمَّا حَقُّهُمَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا: فَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ بَقِي عَلَيَّ مِنْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَالاسْتِغْفَارُ لَهُمَا - وَهَذَا إِنْ كَانَا مُتَوَلَّتِيْنِ - قَالَ: وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لا تُوصَلُ إِلا بِهِمَا)، "فَإِنْ عَقَّهُمَا فِي حَيَاتِهِمَا وَأَدَّى هَذِهِ الْحُقُوقَ بَعْدَ مَوْتِهِمَا فَقَدْ بَرَّهُمَا " (2)، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَة: فِي حَقٌّ الأَوْلاَدِ عَلَى وَالِدِهِمَا، وَيُرْوَى أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَبَرُ؟ قَالَ: وَالِدَيْكَ، قَالَ: لَيْسَ لِي وَالِدَانِ؟ قَالَ: فَبَرَّ وَلَدَكَ، فَكَمَا أَنَّ لِوَالِدَيْكَ عَلَيْكَ حَقًّا كَذَلِكَ لِوَلَدِكَ عَلَيْكَ حَقٌّ، قَالَ: "رَحِمَ اللَّهُ وَالِدًا أَعَانَ وَلَدَهُ عَلَى بره (3)، يَعْنِي: لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الْعُقُوقِ بِسُوءٍ عَمَلِهِ.
S
وَيُقَالُ: وَلَدُكَ رَيْحَانَتُكَ سَبْعًا، وَخَادِمُكَ سَبْعًا، ثُمَّ عَدُوُّكَ أَوْ شَرِيكُكَ، وَعَنْهُ قَالَ: "يُعَقُّ عَلَى الْوَلَدِ يَوْمَ السَّابِعِ، وَيُمَاطُ عَنْهُ الْأَذَى، فَإِذَا بَلَغَ سِنَّ سِنِينَ أُدبَ، فَإِذَا بَلَغَ سَبْعًا عُزِلَ عَنْ فِرَاشِهِ، وَإِذَا بَلَغَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ ضُرِبَ عَلَى الصَّلَاةِ، وَإِذَا بَلَغَ سِتَّ عَشْرَةَ زُوِّجَ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ بِيَدِهِ فَيَقُولُ لَهُ: قَدْ أَذَبْتُكَ وَعَلَّمْتُكَ (1) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الإسْنَادِ عَنْ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ عَلَيَّ مِنْ بِر أَبَوَيْ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِمَا؟ قَالَ: نَعَمْ، الصَّلَاةُ ... إِلَخُ الْحَدِيثِ.
(1) [رواه الهندي: کنز العمال، ر 45541، عن أبي هريرة]. (2) [رواه ابن أبي شيبة، باب ما جاء في حق الولد على والده، ر 25924]. (2/257)
صفحة 754
قواعد الإس
وَأَنْكَحْتُكَ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ فِتْنَتِكَ " (1)، وَعَنْهُ قَالَ: "يَلْزَمُ الْوَالِدَ مِنَ الْعُقُوقِ مَا يَلْزَمُ الْوَلَدَ (2)، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) (3). "
وَحُقُوقُ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ: أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهُ مِنْ قَوْمِ لَا يُعَيَّرُ بِهِمْ وَلَدُهُ، وَإِذَا وُلِدَ سَمَّاهُ بِأَحَقِّ الأَسْمَاءِ، وَاسْتَرْضَعَهُ أَطْهَرَ أَلْبَانِ النِّسَاءِ، وَأَدَّبَهُ أَحْسَنَ الآدَابِ، وَعَلَّمَهُ مَا يَلْزَمُ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ وَمَا يُصْلِحُهُ مِنْ صِنَاعَاتِ الدُّنْيَا لِمَعَاشِهِ، وَيُحْسِنُ تَرْبِيَتَهُ، وَيَكْسِيهِ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ (4) حَتَّى يُدْرِكَ الْبُلُونَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(1) [لم أجد من خرجه، قال العزالي في إحياء علوم الدين، 217/ 2]: "أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْحَ ابْنُ حِبَّانَ في كِتَابِهِ الضَّحَابًا وَالْعَقِيقَة إِلا أَنَّهُ قَالَ: "وَأَدْبُوهُ لِسَبْعٍ، وَزَوِّجُوهُ لِسَبْعَ عَشْرَة، وَلَمْ يَذْكُرِ
الصَّوْمَ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَنْ لَمْ يُسَمَّ".
(1) [رواه الديلمي: الفردوس بمأثور الخطاب، ر 8954].
(1) التَّحْرِيم (6).
(1) [في نسخ الكتاب: ويُنفِقُه]. (2/258)
صفحة 755
قواعدا
الفصل الثاني
في حُقُوقِ الْأَزْوَاجِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا إِلَى قَوْلِهِ: وَالصَاحِبِ بِالْجَنبِ، وَقِيلَ فِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ: إِنَّهَا الزَّوْجَةُ، وَقَالَ النَّبِيُّ: "اتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ((2)، وَفِي حَدِيثٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ آخِرَ، كَلامِهِ وَلِسَانُهُ يَتَلَجْلَجُ بِهِ " الله الله فِي النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ فِي أَيْدِيكُمْ (3)، يَعْنِي: أسيرات، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى فِي تَعْظِيمِ حَقِّهِنَّ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِيثَقًا
غليظا (4)
(1) النِّسَاء: (36).
(1) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْكُبْرَى وَابْنُ مَاجَةَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ وَالَّذِي بَعْدَهُ فِي عَرَضِ خُطبَةِ الرَّسُولِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاع (21) رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيل - وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْكُبْرَى هَكَذَا: "وَآخَرُ مَا أَوْصَى بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَلاث"، كَانَ يَتَكَلَّمُ بِهِنَّ حَتَّى تَلَجْلَجَ لِسَانُهُ وَخَفِيَ كَلَامُهُ وَجَعَلَ يَقُولُ: "الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، لاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا لاَ يُطِيقُونَ، الله الله في النِّسَاءِ، فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ، أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ".
(1) النِّسَاء: (21). (2/259)
صفحة 756
وَجُمْلَةُ حُقُوقِ الْمَرْأَةِ: أَنْ يُحْسِنَ إِلَيْهَا الزَّوْجُ فِي مُعَاشَرَتِهَا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، وَيَنْبَسِطُ فِي وَجْهِهَا لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) كَانَ مِنْ أَفْكَهِ النَّاسِ مَعَ نِسَائِهِ (3)، وَوَصَفَتْ أَعْرَابِيَّةٌ زَوْجَهَا وَقَدْ مَاتَ فَقَالَتْ: كَانَ وَاللَّهِ ضَحُوكًا إِذَا وَلَجَ، كَسُوبًا إِذَا خَرَجَ، آكِلاً مَا وَجَدَ، وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا فُقِدَ. وَلْيَعْدِلْ بَيْنَ نِسَائِهِ إِنْ كُنَّ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ فِي الْجِمَاعِ وَغَيْرِهِ، وَلَا يَتَوَعَدُهَا بِالضَّرَّةِ، وَلا يُهَدِّدُهَا بِالطَّلاقِ، وَلَا يَهْجُرُ فِرَاشِهَا إِلَّا إِنْ كَانَتْ نَاشِزَةٌ، فَلْيَسْتَدْرِجُ تَأْدِيبَهَا بِالْوَعْظِ وَالتَّخْوِيفِ أَوَّلاً، فَإِنْ لَمْ تَرْتَدِعْ وَلَاهَا ظَهْرَهُ فِي الْمَضْجَعِ وَهَجَرَهَا فِي الْبَيْتِ إِلَى ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَإِنْ لَمْ تَرْجِعْ ضَرَبَهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ بِحَيْثُ يُؤْلِمُهَا وَلَا يُدْمِيهَا، وَلا يَضْرِبُ وَجْهَهَا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} الآية (3).
?
وَرُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ: "يَا رَسُولَ اللهِ، مَا حَقُّ الْمَرْأَةِ عَلَى الرَّجُل؟ قَالَ: يُطْعِمُهَا إِذَا طَعِمَ، وَيَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَى، وَلا يُقَبِّحُ الْوَجْهَ، وَلَا يَضْرِبُهَا إِلَّا ضَرْبًا غَيْرَ (4)، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَهُ أَنْ يَغْضَبَ عَلَيْهَا وَيَهْجُرَهَا فِي أَمْرِ الدِّينِ مِنْ عَشْرِ إِلَى شَهْرٍ، وَلَا يُفْشِ سِرَّهَا فِي النِّكَاحِ، وَلاَ عِنْدَ الطَّلاقِ، وَلْيُعَلِّمْهَا مَا يَلْزَمُهَا مِنَ الدِّينِ فِي الصَّلاةِ وَالطَّهَارَةِ وَأَحْكَامِ الْحَيْضِ وَالاسْتِحَاضَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مبرح
(1) النِّسَاء: (19).
(1) [رواه الهندي كنز العمال، باب شمائل الأخلاق، ر 18692، بلفظ: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفكه الناس خلقا "]، أَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ عَسَاكِرَ عَنِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ. فَبِلَفْظِ: "كَانَ إِذَا خَلَا بِنِسَائِهِ أَلْيَنَ النَّاسِ وَأَكْرَمَ النَّاسِ ضَحَاكًا بَسَّاما". [كنز العمال، في شمائل تتعلق
بالعادات، ر 18327]. (1) النِّسَاء: (34).
(1) [رواه ابن ماجه، باب حق المرأة على زوجها، ر 1850، دون ذكر: "وَلَا يَضْرِبُهَا إِلَّا ضَرْبًا غَيْرَ
مبرح "] (2/260)
صفحة 757
bakichakalakiskiskaisladatokatakatakatakatakatakatakatakatad
مَسْأَلَةٌ فِي حُقُوقِ الزَّوْجِ عَلَيْهَا، وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَتَاةٌ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَخْطَبُ، وَأَنَا أَكْرَهُ التَّزْوِيجَ، فَمَا حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: "لَوْ كَانَ مِنْ قَرْنِهِ إِلَى قَدَمَيْهِ صَدِيدًا فَلَحَسْتِهِ مَا أَدَّيْتِ شُكْرَهُ، قَالَتْ: فَلَا أَتَزَوَّجُ، قَالَ: بَلَى، تَزَوَّجِي فَإِنَّهُ خَيْرٌ (1)، وَسَأَلَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَم عَنْ حَقٌّ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ؟ قَالَ: "إِنَّ مِنْ حَقِّهِ عَلَيْهَا أَنْ لا تُعْطِيَ شَيْئًا مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنْ فَعَلَتْ كَانَ الْأَجْرُ لَهُ وَالْوِزْرُ عَلَيْهَا، وَلا تَصُومُ تَطَوُّعًا إِلا بِإِذْنِهِ، فَإِنْ فَعَلَتْ جَاءَتْ وَعَطِشَتْ وَلَمْ يُقْبَلُ مِنْهَا، وَلا تَخْرُجُ إِلا بِإِذْنِهِ، فَإِنْ فَعَلَتْ لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تَرْجِعَ وتوب (2)
وَقَالَ: " الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ، فَإِذَا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَهَا (3) الشَّيْطَانُ (4)، وَقَالَ أَيْضًا: "الْمَرْأَةُ عَشْرُ عَوْرَاتٍ فَإِذَا تَزَوَّجَتْ سَتَرَ الزَّوْجُ مِنْهَا عَوْرَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِذَا مَاتَتْ سَتَرَ الْقَبرُ الْعَشْرَ عَوْرَاتِ " (5).
وَحُقُوقُ الزَّوْجِ عَلَيْهَا كَثِيرَةٌ، وَأَهَمُّهَا أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: الصِّيَانَةُ وَالسَّتْرُ، وَالآخَرُ: تَرْكُ الْمُطَالَبَةِ لِمَا وَرَاءَ الْحَاجَةِ، وَالتَّعَفُّفُ عَنْ كَسْبِهِ إِنْ كَانَ حَرَامًا. وَالْقَوْلُ الْجَامِعُ لأَدَبِهَا مِنْ غَيْرِ تَطْوِيل أَنْ تَكُونَ قَاعِدَةٌ فِي قَعْرِ بَيْتِهَا، لَازِمَةً لِمغْزَلِهَا، قَلِيلَةَ الْكَلامِ لِجِيرَانِهَا، حَافِظَةٌ لِبَعْلِهَا فِي غَيْبَتِهِ وَحَضْرَتِهِ، حَرِيصَةٌ عَلَى (1) رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَ إِسْنَادَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبَى هُرَيْرَةَ دُونَ قَوْلِهِ: بَلَى فَتَزَوجِي فَإِنَّهُ خَيْرٌ". والْمُصَنِّفُ أَوْرَدَ الْحَدِيثَ بِدُونِ استفهام، يَعْنِي: "فَلا أَتَزَوَّجُ " وَالرِّوَايَةُ "أَفَلَا أَتَزَوَّجُ؟ " يُرْشِدُ إِلَى صِحَّتِهَا جَوَابُ الرَّسُولِ "بيلى". (1) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مُقْتَصِرًا عَلَى شَطْرِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَتَمَامُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. (2) [استشرفها: استقبلها وتطلع إليها]. (1) رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ. (1) [رواه الديلمي في الفردوس، ر 4978، والسيوطي: اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة،
[2/ 364 (2/261)
صفحة 758
طَلَبِ مَسَرَّتِهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهَا، غَيْرَ خَائِنَةٍ لَهُ فِي مَالِهِ وَلَا فِي نَفْسِهَا، وَلَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا إِلا لِضَرُورَةٍ دَعَتْهَا فَلْتَخْرُجْ بِإِذْنِ زَوْجِهَا فِي هَيْئَةٍ رَبَّةٍ تَطْلُبُ الْمَوَاضِعَ الْخَالِيَةَ دُونَ الشَّوَارِعِ وَالأَسْوَاقِ، مُحْتَرِزَةٌ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ أَحَدٌ صَوْتَهَا، أَوْ يَعْرِفَ شَخْصَهَا، وَلَا تَتَعَرَّفَ إِلَى صَدِيقِ زَوْجِهَا فِي حَاجَاتِهَا، هَمُّهَا صَلَاحُ شَأْنِهَا وَتَدْبِيرُ بَيْتِهَا، مُقْبِلَةٌ عَلَى صَلاتِهَا وَصِيَامِهَا، وَإِذَا اسْتَأْذَنَ صَدِيقُ زَوْجِهَا فِي غَيْبَةِ زَوْجِهَا لَمْ تَسْتَفْهِمْهُ وَلَمْ تُعَاوِدُهُ فِي الْكَلَامِ غَيْرَةٌ عَلَى نَفْسِهَا، قَانِعَةٌ مِنْ زَوْجِهَا بِمَا رَزَقَهَا اللهُ مِنْهُ، مُقَدِّمَةٌ حَقَّهُ عَلَى حَقَّهَا، مُشْفِقَةٌ عَلَى أَوْلادِهَا، حَافِظَةٌ لِلسَّتْرِ عَلَيْهِمْ، قَصِيرَةَ النِّسَانِ عَنْ سَبِّ الأَوْلادِ وَمُرَاجَعَةِ الزَّوْجِ، غَيْرَ مُفْتَخِرَةٍ عَلَيْهِ بِجَمَالِهَا، وَلَا مُمْتَنَّةٍ عَلَيْهِ بِمَالِهَا، وَلَا مُحِبَّةٍ لِمَنْ أَبْغَضَهُ زَوْجُهَا، حَافِظَةٌ لَهُ فِي أَبَوَيْهِ وَأَقَارِبِهِ، وَلَا تَزْدَرِيهِ لِقُبْحِهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ: " أَيْمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضِ دَخَلْتِ
الْجَنَّةَ " (1)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَابْنُ مَاجَةَ مِنْ حَدِيثِ أُمَّ سَلَمَةَ. (2/262)
صفحة 759
الفصل الثالث
فِي حُقُوقِ الْمَمَالِيكِ
اعْلَمْ أَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ يَقْتَضِي حُقُوفًا فِي الْمُعَاشَرَةِ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهَا، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِي كَانَ مِنْ آخِرِ مَا أَوْصَى بِهِ أَنْ قَالَ: "اتَّقُوا اللهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ، فَمَا أَحْبَبْتُمْ فَامْسِكُوا وَمَا كَرِهْتُمْ فَبَدِّلُوا، وَلَا تُعَذِّبُوا خَلْقَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ مَلكَكُمْ إِيَّاهُمْ وَلَوْ شَاءَ لَعَلَّكَهُمْ إِيَّاكُمْ (1).
(1)
(2)
وَعَنْهُ قَالَ: "لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مُتَكَبَرُ، وَلاَ حِبُّ (2)، وَلَا خَائِنٌ، وَلَا سَيِّئُ الْمَلَكَةِ " (3)، وَعَنْهُ قَالَ: "مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِرِفْقِ الْمَمْلُوكِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنْ سَيَضْرِبُ لَهُ أَجَلاً يَخْرُجُ فِيهِ حُرًّا))، وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ: "إِذَا اشْتَرَى أَحَدُكُمْ مَمْلُوكًا فَلْيَكُنْ أَوَّلُ شَيْءٍ يُطْعِمُهُ الْحُلْوَ فَإِنَّهُ طِيبٌ لِنَفْسِهِ، وَعَنْهُ أَيْضًا
11
(1) رُوِيَ مُفَرَّقًا فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ، رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. (1) [الخب: المخادع الذي يسعى بين الناس بالفساد]. (1) رَوَاهُ أَحْمَدُ مَجْمُوعًا، وَالتَّرْمِذِيُّ مُفَرَّقًا، وَابْنُ مَاجَةَ مُقْتَصِرًا عَلَى سَيِّئِ الْمَلَكَةِ"، وَأَخْرَجَهُ التَّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ: "لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ خَيٌّ وَلاَ بَخِيلُ وَلاَ سَيِّئُ الْمَلَكَةِ عَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ. (1) رَوَاهُ الدَّارَ قَطْنِي وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَةَ وَالتِّرْمِذِي بِلَفْظِ: " حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ ابْنَ آدَمَ لَا يُسْتَخْدَمُ". وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ بِزِيَادَةِ أَبَدًا" فِي آخِرِهِ.
(1) [رواه الهندي: كنز العمال، ر 25056، والسيوطي: في اللآلي المصنوعة، ر 2/ 202]. (2/263)
صفحة 760
قواعد الإس
قَالَ: "إِذَا كَفَى أَحَدَكُمْ مَمْلُوكُهُ صَنْعَةَ طَعَامِهِ فَكَفَاهُ حَرْهُ وَمُؤْنَتَهُ وَقَرَّبَهُ إِلَيْهِ فَلْيُجْلِسْهُ وَلْيَأْكُلْ مَعَهُ أَوْ لِيَأْخُذْ لُقْمَةً وَلْيَضَعْهَا فِي يَدِهِ، وَلْيَقُلْ: كُلْ هَذِهِ وَالْآثَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ، وَقَدْ قَالَ: "كُلُّ رَاعٍ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، لَكِنْ
(1) P
(Y)
جُمْلَةُ حُقُوقِ الْمَمْلُوكِ: أَنْ يُشْبِعَ بَطْنَهُ، وَيُدْفِى ظَهْرَهُ، وَلَا يُكَلِّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، وَلَا يَسْتَخْدِمَهُ بَعْدَ الْعِشَاءِ إِنِ اسْتَقْصَى خِدْمَتَهُ بِالنَّهَارِ، وَلَا يَنْظُرَ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الْكِبْرِ وَالازْدِرَاءِ، وَيَعْفُو عَنْ زَلَّتِهِ، وَيَتَفَكَّرَ عِنْدَ غَضَبِهِ عَلَيْهِ بِهَفْوَتِهِ، وَجِنَايَتِهِ فِي هَفْوَتِهِ هُوَ، وَجِنَايَتِهِ عَلَى حَقِّ اللَّهِ، وَتَقْصِيرِهِ فِي طَاعَتِهِ مَعَ أَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَوْقَ قُدْرَتِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ (3). مَسْأَلَة فِي حَقُّ السَّيْدِ عَلَى عَبْدِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا نَصَحَ سَيِّدَهُ وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَعَنْهُ قَالَ: عُرِضَ عَلَيَّ أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَأَوَّلُ ثَلَاثَةِ يَدْخُلُونَ النَّارَ، فَأَمَّا أَوَّلُ ثَلاثَةِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فَالشَّهِيدُ، وَعَبْدٌ مَمْلُوكُ أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَنَصَحَ لِسَيْدِهِ، وَفَقِيرٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِبَالِ "، وَأَمَّا أَوَّلُ ثَلائَةٍ يَدْخُلُونَ النَّارَ فَأَمِيرٌ مُتَسَلَّطُ، وَذُو ثَرْوَة
د (4)
(1) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِعِبَارَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، قَالَ: "إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامٍ فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلُهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ أَوْ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ؛ فَإِنَّهُ وَلِيَ عِلاجَهُ".
(1) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، [وفي أغلب الروايات بلفظ: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"]. (2) رُوِيَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: "فَبَيْنَمَا أَنَا ضَارِبٌ غُلَامًا لِي بِسَوْطٍ إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا خَلْفِي يَقُولُ: اعْلَمْ يَا أَبَا مَسْعُودٍا فَجَعَلْتُ لا أَعْقِلُ مِنَ الْغَضَب حَتَّى أَتَانِي رَسُولُ اللهِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ وَقَعَ السَّوْطُ مِنْ يَدِي، فَقَالَ: "اعْلَمْ يَا أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلامِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لاَ ضَرَبْتُ غُلَامًا أَبَدًا، أَوْ قَالَ: "مَمْلُوكًا أَبَدًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِي وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ - وَفِي رِوَايَةٍ: فَقُلْتُ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ
اللهِ. فَقَالَ: " أَمَا أَنَّكَ لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلحَفَتْكَ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
(1) رَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. (2/264)
صفحة 761
لا يُعْطِي حَقَّ اللَّهِ، وَفَقِيرٌ فَخُورٌ (1).
وَبِالْجُمْلَةِ إِنَّ حَقَّ السَّيْدِ عَلَى عَبْدِهِ: أَنْ يُنَاصِحَهُ فِي ضَيْعَتِهِ، وَيَحْفَظَ لَهُ مَا اثْتَمَنَهُ عَلَيْهِ، وَيُحْسِنَ خِدْمَتَهُ، وَلا يَعْصِيهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، إِلَّا إِنْ أَمَرَهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، وَلاَ يُصَلِّي نَافِلَةٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا يَصُومُ تَطَوُّعًا إِلَّا بِإِذْنِهِ لِئَلَّا يُضْعِفَهُ ذَلِكَ عَنْ عَمَلِ مَوْلَاهُ؛ لَأَنَّهُ مَسْئُولٌ عَنِ الْقِيَامِ بِحَقِّ سَيِّدِهِ، كَمَا أَنَّ سَيِّدَهُ مَسْئُولٌ عَنْ حَقِّهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ،
وَاللهُ أَعْلَمُ.
(1) رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ. وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. (2/265)
صفحة 762
قواع
Setakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakata
الفطيك الرائع فِي حُقُوقِ الْجَارِ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ، فَأَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْجَارِ حَقًّا بِمُقْتَضَى الْجِوَارِ فَضْلاً عَنِ الْحُقُوقِ الَّتِي اسْتَوْجَبَهَا بِالإِسْلَامِ؛ لأَنَّهُ قَالَ: " الْجِيرَانُ ثَلاثَةٌ: جَارٌ لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ، وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ، وَجَارٌ لَهُ ثَلَاثَهُ حُقوقِ، أَمَّا الْجَارُ الَّذِي لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ فَالْجَارُ الْمُشْرِكُ، فَأَثْبَتَ لَهُ حَقًّا بِمُجَرَّدِ الْجِوَارِ، وَأَمَّا الَّذِي لَهُ حَفَّانِ فَالْجَارُ الْمُسْلِمُ غَيْرُ ذِي الرَّحِمِ، وَأَمَّا الَّذِي لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقِ فَالْجَارُ الْمُسْلِمُ ذُو الرَّحِيمِ (2)، وَيُرْوَى أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: " إِنَّ فُلانٌةَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ وَتُؤْذِي جِيرَانَهَا، فَقَالَ: هِي فِي النَّارِ " (3)، وَرَوَوْا أَنَّهُ شَكَا إِلَيْهِ رَجُلٌ جَارَهُ، فَأَمَرَ مَنْ يُنَادِي عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ "أَلَا إِنَّ أَرْبَعِينَ دَارًا جَارٌ (4)، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَرْبَعُونَ دَارًا مِنْ أَرْبَعِ جِهَاتٍ وَعَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا حَقُّ الْجَارِ؟ إِنِ اسْتَعَانَ بِكَ فَأَعِنْهُ، وَإِنِ اسْتَقْرَضَكَ فَأَقْرِضُهُ، وَإِنِ افْتَقَرَ عُدْتَ
11
(1) النِّسَاء: (36). (1) [رواه البيهقي: شعب الإيمان، باب في إكرام الجار، ر 9560]. (2) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. (1) رَوَاهُ الطَّبَرَانِي عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: "أَتَى النَّبِيَّ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَزَلْتُ فِي مَحِلَّةٍ بَني فُلانٍ، وَإِنَّ أَشَدَّهُمْ بِي أَذًى أَقْرَبُهُمْ لِي جِوَارًا، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَليًّا يَأْتُونَ الْمَسْجِدَ فَيَقُومُونَ عَلَى بَابِهِ فَيَصِيحُونَ: "أَلا إِنَّ أَرْبَعِينَ دَارًا جَارٌ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ يَخَافُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ، أَيْ: شُرُورَهُ. (2/266)
صفحة 763
عَلَيْهِ، وَإِنْ مَرِضَ عُدْتَهُ، وَإِنْ مَاتَ اتَّبَعْتَ جَنَازَتَهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ هَنَأْتَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ عَزَّيْتَهُ، وَلَا تَسْتَطِلْ عَنْهُ فِي الْبِنَاءِ فَتَحْجُبَ عَنْهُ الرِّيحَ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَإِذَا اشْتَرَيْتَ فَاكِهَةٌ فَاهْدِ لَهُ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَأَدْخِلْهَا سِرًّا، وَلَا يُخْرِجُ بِهَا وَلَدَكَ لِيَغِيظُ وَلَدَهُ، وَلَا تُؤْذِهِ بِقَتَارِ قِدْرِكَ إِلَّا أَنْ تَغْرِفَ لَهُ مِنْهَا (1).
وَقَالَ: " أَتَدْرُونَ مَا حَقُّ الْجَارِ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَبْلُغُ حَقَّ الْجَارِ إلا مَنْ (2)، هَكَذَا رُوِيَ عَنْهُ.
وَلْيُعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ حَقُّ الْجَارِ كَفَّ الأَذَى عَنْهُ فَقَطْ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الرِّفْقِ وَإِسْدَاءِ الْخَيْرِ وَالْمَعْرُوفِ إِلَيْهِ، إِذْ يُقَالُ: إِنَّ الْجَارَ الْفَقِيرَ يَتَعَلَّقُ بِجَارِهِ الْغَنِيِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، سَلْ هَذَا لِمَ مَنَعَنِي مَعْرُوفَهُ، وَسَدَّ بَابَهُ (3) دُونِي.
وَجُمْلَةُ حُقُوقِ الْجَارِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ مَعَ زِيَادَةِ: أَنْ يَبْدَأَهُ بِالسَّلَامِ، وَلَاَ يُطِيلَ مَعَهُ الْكَلامَ، وَلا يُكْثِرَ عَنْ حَالِهِ السُّؤال، وَيَصْفَحَ عَنْ زَلَاتِهِ، وَلَا يَطَّلِعَ مِنَ السَّطْحِ إِلَى عَوْرَاتِهِ، وَلا يُضَايِقَهُ فِي رَفْعِ الْجِذْعِ عَلَى جِدَارِهِ، وَلَا فِي مَصَبِّ الْمَاءِ مِنْ مِيزَابِهِ، وَلَا فِي طَرْحِ التُّرَابِ بِفِنَائِهِ، وَلا يُضَيِّقَ طَرِيقَهُ إِلَى دَارِهِ، وَلَا يَتْبَعَهُ النَّظَرَ فِيمَا يَحْمِلُهُ إِلَى بَيْتِهِ، وَيَسْتُرَ مَا يَنْكَشِفَ لَهُ مِنْ عَوْرَاتِهِ، وَيُنْعِشَهُ مِنْ مَصْرَعَتِهِ إِذَا نَابَهُ نَائِبَةٌ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ، وَلَا يَغْفُلَ عَنْ مُلَاحَظَةِ دَارِهِ عِنْدَ غَيْبَتِهِ، وَلَا يَسْتَمِعَ عَلَيْهِ كَلامَهُ، وَيَغُضّ بَصَرَهُ عَنْ حُرْمَتِهِ، وَلاَ يُدِيمَ النَّظَرَ إِلَى خَادِمِهِ، وَيَتَلَطَّفَ لِوَلَدِهِ فِي كَلامِهِ، وَيُرْشِدَهُ إِلَى مَا يَجْهَلُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَيَأْمُرَهُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْتَحِلَ مِنْ دَارِهِ لأَجْل ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) [رواه البيهقي: شعب الإيمان، باب في إكرام الجار، ر 9560] .. (1) [سبق تخريجه انظر: "الجيران ثلاثة ... "، والحديث السابق]. (1) [رواه الديلمي، ر 984]. (2/267)
صفحة 764
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا فِي حَدٌ الْجِوَارِ، فَقِيلَ: أَرْبَعُونَ بَيْتًا، وَقِيلَ: مِقْدَارُ مَا يَحْمِيهِ الْكَلْبُ، وَقِيلَ: عَشَرَةُ بُيُوتٍ مِنْ كُلِّ جَانِبِ، وَقِيلَ: سَبْعَةٌ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ. وَيَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ حَقُّ جَارِهِ إِذَا كَانَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى مَا لَمْ يَقْطَعْ حِوَارَهُ طَرِيقٌ جَائِزُ شَارِعُ أَوْ وَادٍ نَافِذُ أَوْ سُوقٌ خَارِجٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. (2/268)
صفحة 765
الفصل الخامسين
في حُقُوقِ الضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ
وَحَقُّ الضَّيْفِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ نَزَلَ بِهِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ: " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضَّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ صَدَقَةٌ، وَلاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ (1) عِنْدَهُ حَتَّى يُخْرِجَهُ (2)، وَقَالَ: "لا خَيْرَ فِيمَنْ لا يُضِيفُ (3)، وَيُقَالُ: الأَضْيَافُ ثَلاثَةٌ: ضَيْفٌ يَسِيرُ فِي طَلَبَ الْعِلْمِ، وَضَيْفٌ يَمْشِي فِي زِيَارَةِ مَنْ يَنْبَغِي أَنْ يَزُورَهُ، وَضَيْفٌ صَاحِبُ حَاجَةٍ أَدْرَكَهُ اللَّيْلُ قَبْلَ الْوُصُولِ إِلَيْهَا، فَهَؤُلاَءِ وَأَشْبَاهُهُمْ تَجِبُ ضِيَافَتُهُمْ عَلَى النَّاسِ كَافَّةً إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا إِنْ نَزَلُوا عَلَى أَحَدٍ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الضَّيَافَةُ فَقَدْ سَقَطَ حَقُّهُمْ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ، وَلَا تَجِبُ الضَّيَافَةُ عَلَى الْمُسَافِرِ، وَلَا عَلَى الْأَطْفَالِ وَالْعَبِيدِ، وَتَجِبُ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ، إِلَّا مَنْ كَانَ مَاشِيَا فِي مَعْصِيَةٍ مِنْ فَاطِعِ طَرِيقِ، أَوْ عَبْدِ آبِقِ مِنْ مَوْلاهُ، أَوْ مُحَارِبِ لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ مَانِعِ حَقٌّ، أَوِ امْرَأَةٍ عَاصِيَةٍ لِزَوْجِهَا، أَوْ صَاحِبِ فِتْنَةٍ، أَوْ مَهْجُورٍ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَمَا أَشْبَهَ هَؤُلَاءِ،
(1) [يثوي: يقيم].
(1) [رواه الربيع، باب في الضيافة والجوار ... ،،ر 681،،والبخاري، باب حق الضيف،
ر 5785].
(2) رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ. (2/269)
صفحة 766
وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَبِتِ الضَّيْفُ فَلاَ شَيْءَ عَلَى النَّاسِ، وَلَوْ طَلَبَ عَشَاءَهُ أَنْ يَرْفَعَهُ مَعَهُ وَلَمْ يَبِتْ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ.
وَجُمْلَهُ حُقُوقِ الضَّيْفِ: أَنْ يُعَجِّلَ قِرَاهُ، وَيَحْفَظَ لَهُ أَوْقَاتَ الصَّلاةِ، وَيَعْلِفَ دَابَّتَهُ، وَيُرْشِدَهُ إِلَى الْمُسْتَرَاحَ فِي الدَّارِ وَمَوْضِع الاغْتِسَالِ، وَيُقَدِّمَ لَهُ خَيْرَ مَا فِي
الْبَيْتِ، وَلَا يَتَكَلَّفَ لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ مضِيفِهِ، وَلَا يُقَدِّمَ إِلَيْهِ عَشَاءَ الْعِيَالِ. وَحُقُوقُ صَاحِبِ الْبَيْتِ عَلَى الضَّيْفِ: أَنْ لَا يَحْتَقِرَ مَا قَدَّمَهُ إِلَيْهِ، وَلَا يُفْشِيَ سِرَّهُ، وَلَا يَصُومَ تَطَوُّعًا إِلا بِإِذْنِهِ، وَلَا يَرْتَحِلَ إِلا بِأَمْرِهِ، وَلْيَجْلِسْ فِي الْبَيْتِ حَيْثُ أَجْلَسَهُ صَاحِبُهُ، وَلْيُغْمِضُ بَصَرَهُ عَنِ الالْتِفَاتِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ بِالاسْتِمْذَانِ، وَيُسَلَّمَ عَلَى مَنْ جَازَ عَلَيْهِ أَوْ جَلَسَ حِذَاءَهُ.
وَتَمَامُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ: طَلَاقَةُ الْوَجْهِ، وَطِيبُ الْحَدِيثِ عِنْدَ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ وَعَلَى الْمَائِدَةِ؛ لأَنَّ الانْقِبَاضَ عَلَى الضَّيْفِ يُوَرِّثُهُ الْوَحْشَةَ، وَيَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْبَيْتِ أَنْ يَخْدُمَهُ بِنَفْسِهِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ وَفْدَ النَّجَاشِيِّ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ، فَقَامَ يَخْدُمُهُمْ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ نَحْنُ نَكْفِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: "إِنَّهُمْ لأَصْحَابِي مُكْرِمُونَ فَأَرَدْتُ أَنْ أَكَافِتَهُمْ (1)، وَيُشَيِّعَ الضَّيْفَ إِلَى بَابِ الدَّارِ، (1)، وَذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مِنْ سُنَّةِ الضَّيْفِ أَنْ يُشَيَّعَ إِلَى بَابِ الدَّارِ (2)، وَيَنْبَغِي لِلضَّيْفِ أَنْ يَنْصَرِفَ طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِنْ جَرَى فِي حَقِّهِ تَقْصِيرٌ. مَسْأَلَةٌ: وَيَجِبُ حَقُّ ابْنِ السَّبِيلِ عَلَى مَنْ جَازَ عَلَيْهِ كَمَا يَجِبُ حَقُّ الضَّيْفِ، وَهَذَا إِذَا خَرَجَ مِنَ الأَمْيَالِ وَانْقَطَعَ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُسْلِفُهُ، وَلَا مَنْ يَبيعُ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ تَرَدَّدَ فِي الْبِلادِ تَرَدُّدَ الْبَهَائِمِ فِي الصَّحَارِي وَالْقِفَارِ مُتَفَرِّجًا مِنْ
(1) لَمْ أَقِفْ عَلَى سَنَدِهِ، وَتَمَامُ الإِكْرَامِ طَلَاقَةُ الْوَجْهِ وَطِيبُ الْحَدِيثِ عِنْدَ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ وَعَلَى
الْمَائِدَةِ.
(1) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَةَ بِلَفْظِ: "إِنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ الرَّجُلُ مَعَ ضَيْفِهِ إِلَى بَابِ الدَّارِ". (2/270)
صفحة 767
كَرْبِ الْبَطَالَةِ فِي الْبِلادِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَلَيْسَتْ لَهُ حَاجَةٌ هُوَ قَاصِدٌ إِلَيْهَا، فَلَا حَقَّ لِهَؤُلاَءِ فِي الضَّيَافَةِ وَلَا فِي أَمْوَالِ الْمَسَاجِدِ وَالْأَوْقَافِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (2/271)
صفحة 768
قواعد الإس
الفصل السادين
فِي حَقِّ الصَّاحِبِ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَالصَاحِبِ بِالْجَنبِ، قِيلَ: هُوَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَقِيلَ: هِيَ الزَّوْجَةُ، وَكِلاهُمَا قَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُمَا حَقَّ الصُّحْبَةِ وَأَمَرَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا، وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ: " مَا مِنْ صَاحِبِ يَصْحَبُ صَاحِبًا وَلَوْ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ إِلا وَيُسْأَلُ عَنْ صُحْبَتِهِ، هَلْ أَدَّى فِيهَا حَقٌّ اللَّهِ أَوْ أَضَاعَهُ؟ (2)، وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ: "مَا اصْطَحَبَ اثْنَانِ قَطُّ إِلا كَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَى اللَّهِ أَرْفَقُهُمَا بِصَاحِبِهِ (3)، وَقَالَ: " النَّاسُ كَأَسْنَانِ الْمُشْطِ، وَالْمَرْءُ كَبِيرٌ بِأَخِيهِ، وَلَا خَيْرَ فِي صُحْبَةِ مَنْ لا يَرَى لَكَ مَا يَرَى لِنَفْسِهِ (4)، وَقَالَ خَيْرُ أَصْحَابِكَ مَنْ إِذَا ذَكَرْتَ أَعَانَكَ، وَإِذَا نَسِيتَ ذَكَّرَكَ (5)، وَيُرْوَى أَنَّ رَجُلاً قَالَ لإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ وَهُوَ يُرِيدُ بَيْتَ
(1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا.
6
) 4
(1) [قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: "لم أقف له على أصل"، ر 1783، 283/ 4]. (1) وَفِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ: مَا تَحَابُ اثْنَانِ فِي اللَّهِ تَعَالَى إِلا كَانَ أَفْضَلَهُمَا أَشَدُّهُمَا حُبًّا لِصَاحِبِهِ". (1) وَفِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ: مَا تَحَابَّ اثْنَانِ فِي اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا كَانَ أَفْضَلَهُمَا أَشَدُّهُمَا حُبًّا لِصَاحِبِهِ".
(1) [رواه الهندي في كنز العمال، آداب الصحبة والمصاحب، ر 24763]. (2/272)
صفحة 769
skatekiskiskiskiskatakatakaiskidaichishishishtalater
قواعد الإسلام
الْمَقْدِسِ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَرَافِقَكَ، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: عَلَى أَنْ أَكُونَ أَمْلَكَ بِشَيْئِكَ
مِنْكَ، قَالَ: لا، قَالَ: أَعْجَبَنِي صِدْقُكَ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ عَقَدَ الصُّحْبَةَ مَعَ غَيْرِهِ فِي الْحَضَرِ أَوِ السَّفَرِ فَقَدْ لَزِمَتْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُقُوقُ الصُّحْبَةِ، وَلَا يَلْزَمُ فِي السَّفَرِ حَتَّى يُجَاوِزَ سِتَّةَ أَمْيَالٍ، فَإِذَا وَصَلَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي سَافَرَا إِلَيْهِ، فَإِنْ أَرَادَا الرُّجُوعَ فَلْيَعْقِدَا أَيْضًا الصُّحْبَةَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: مَنْ قَالَ: لاَ تَلْزَمُهُ حُقُوقُ الصُّحْبَةِ إِلا لِمَنِ اشْتَرَكَ فِي الزَّادِ وَالأَكْلِ، وَلَاَ يَعْقِدُ الصُّحْبَةَ مَعَ أَهْل الْفِتْنَةِ، وَلا مَعَ قَاتِل النَّفْسِ، أَوْ مَانِعِ الْحَقِّ، أَوْ طَاعِنٍ فِي الدِّينِ، أَوْ عَبْدِ آبِقِ مِنْ مَوْلاهُ أَوِ امْرَأَةٍ عَاصِيَةٍ لِزَوْجِهَا، وَمَنِ اصْطَحَبَ مَعَ أَحَدٍ حَتَّى فَعَلَ مَا لَا يُصْطَحَبُ بِهِ مَعَهُ فَإِنَّهُ قِيلَ: يُهَاجِرُهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ الصُّحْبَةِ مَعَهُ شَيْءٌ، وَالْمُشْرِكُ الدِّمِّي لا يُصْطَحَبُ مَعَهُ إِلَّا بِالأُجْرَةِ.
وَإِذَا ثَبَتَ عَقْدُ الصُّحْبَةِ فَإِنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَصْحَابِ أَنْ يَحْفَظَ صَاحِبَهُ مِنْ جَمِيعِ مَا يَسُوؤُهُ أَوْ أَرَادَ ظُلْمَهُ وَلْيَبْدَأُ بِالأَكْلِ مِنْ زَادِ أَضْعَفِهِمَا بَهِيمَةٌ، وَلْيَأْكُلْ مِثْلَ أَكُل صَاحِبِهِ أَوْ دُونَهُ إِنِ اشْتَرَكَا زَادَهُمَا، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْكَبَ دُونَ صَاحِبِهِ إِلَّا إِنِ اضْطُرَّ إِلَى ذَلِكَ، وَلْيُوَاسِهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَلَا يُنَاجِي أَحَدًا دُونَهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَلْيَقُمْ بِحَوَائِجِهِ، وَإِنْ مَاتَ فَلْيُؤَدِّ حُقُوقَهُ، وَلْيَحْفَظْ تَرِكَتَهُ لِوَرَثَتِهِ.
وَمِنْ حُقُوقِ الصَّاحِبِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ أَنْ يَنْصَحَهُ فِي أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَيُعَلِّمَهُ مَا جَهِلَ مِنَ الْعِلْمِ وَالأَدَبِ، وَيُوَاسِيَهُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَيُرَغْبَهُ فِي الاجْتِهَادِ، وَإِنْ رَأَى لَهُ زَلَةٌ فَلْيَرْجرْهُ، وَلْيَسْتَتِبْهُ مِنْهَا، ثُمَّ يَسْتُرُهَا عَلَيْهِ، وَيُحِبُّ لَهُ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَيَكْرَهُ لَهُ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ، وَيَحْفَظُهُ فِي غَيْبَتِهِ وَحُضُورِهِ، وَلْيَرُدَّ عَنْهُ الْغِيبَةَ وَجَمِيعَ مَا يَشِينُهُ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. (2/273)
صفحة 770
الفصيل السابع فِي حَقِّ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ
وَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِالإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَأَوْجَبَ لَهُمْ فِي الْأَمْوَالِ حُقُوقا، فَقَالَ: وَ الَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَنَكِينَ الآية)، وَقَالَ: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ، وَأَوْجَبَ فِي الْخُمُسِ نَصِيبًا، وَقَالَ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَى و (3) الآية، ثُمَّ ذَمَّ مَنْ لَا يَحُضُّ عَلَى شَيْءٍ طَعَامِهِمْ فَقَالَ: رَمَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُ اليتيم وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (4) الآية، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ أَهْلِ النَّارِ فَقَالَ: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَفَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، وَقَالَ النَّبِيُّ: "اللهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ ((1)، وَقَالَ فِي الْيَتِيمِ: " مَنْ رَبِّي يَتِيمَا مِنْ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ حَتَّى
(1) الْبَقَرَة: (177). (1) الْمَعارج: (24 - 25). (1) الأنفال: (41). (1) الْمَاعُون: (2 - 3). (1) الْمُدَّثِّر: (42 - 47).
(4)
(1) [رواه الترمذي، باب جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم، ر 2352]. (2/274)
صفحة 771
قواعد الإس
(1) m
حَتَّى يَسْتَغْنِي فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ الْبَيَّة ((1)، وَقَالَ: "أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ - وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ (3)، وَقَالَ: "مَنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ الْيَتِيمِ تَرَحْمَا كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَمُرُّ يَدُهُ عَلَيْهَا حَسَنَةٌ (3)، وَأَنْفَذَ الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ فِي أَكَلَةِ أَمْوَالِهِمْ، فَقَالَ: وإِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} (4) الآية.
(?)
مَسْأَلَةٌ: وَالْوَاجِبُ عَلَى النَّاسِ الْقِيَامُ بِحُقُوقِ الْيَتَامَى فِي جَمِيعِ مَصَالِحِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ الأَوْلِيَاءُ وَالأَوْصِيَاءُ فَعَلَى حَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ الْقِيَامُ بِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ، وَلْيَسْتَخْلِفُوا لَهُمْ أَمِينًا ثِقَةٌ يَقُومُ بِجَمِيعِ مَصَالِحِهِمْ كَمَا يَقُومُ بِهَا لِنَفْسِهِ، وَإِنْ قَامَ بِهَا أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ خَلِيفَةٌ فَقَدْ أَجْزَأَ عَنِ
النَّاسِ. وَقَدْ قَالَتِ الأَشْيَاخُ رَحِمَهُمُ اللهُ: ثَلاثَةٌ عِلْمُهُمْ فِيمَا يَصْلُحُ لَهُمْ: الْيَتِيمُ، وَالْغَائِبُ، وَالزَّكَاةُ، وَكَذَلِكَ الأَغْيَابُ وَاجِبٌ عَلَى النَّاسِ حِفْظُ أَمْوَالِهِمْ بِالْخَلَائِفِ وَغَيْرِهَا، وَيَعْمَلُوا فِيهَا كُلَّ مَا يَصْلُحُ لَهُمْ حَتَّى يُقْدِمُوا عَلَيْهَا، أَوْ يَمُوتُوا فَتَصِيرَ لِوَرَثَتِهِمْ، وَقَدْ رَخَّصَ اللهُ تَعَالَى لِلأَوْصِيَاءِ فِي مُخَالَطَةِ الْيَتَامَى، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى قُلْ إصْلَاح لَّهُمْ خَيْرٌ (5) الآية، وَيُنْفِقُ الْوَصِيُّ عَلَى الْيَتِيمِ وَيَكْسُوهُ عَلَى قَدْرِ مَالِهِ، وَيَأْخُذُ لَهُ الأَجَرَاءَ، وَيُعْطِي مِنْ مَالِهِ أَجْرَتَهُمْ، وَيُخْرِجُ مِنْهُ الزَّكَاةَ، وَلَا يُعْطِي مِنْ مَالِهِ شَيْئًا غَيْرَ الزَّكَاةِ، وَيُعْطِي مِنْهُ النَّوَائِبَ وَجَمِيعَ مَا يَلْزَمُ اليتيم، وَيَأْكُلُ الْوَصِيُّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ بِالْقَرْضِ إِنِ احْتَاجَ، وَإِذَا أَيْسَرَ رَدَّهُ، كَمَا قَالَ
(1) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: "مَنْ ضَمَّ" بَدَلَ " مَنْ رَبَّى". (1) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِزِيَادَةِ: "فِي الْجَنَّةِ، وَبَعْدَ أَصْبُعَيْهِ: "السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا".
(2) رَوَاهُ أَحْمَدُ بِلَفْظِ: "مَنْ مَسَحَ عَلَى رَأْسِ يَتِيمِ لَمْ يَمْسَحْهُ إِلا لِلِهِ كَانَ لَهُ فِي كُلِّ شَعْرَةٍ مَرَّتْ عَلَيْهَا يَدُهُ حَسَنَاتٌ".
(1) النِّسَاء: (10). (0) الْبَقَرَة: (220). (2/275)
صفحة 772
276
اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ)، يَعْنِي: بِالْقَرْضِ، وَلَهُ أَنْ يَرْكَبَ دَابَّتَهُ فِي مَنْفَعَةِ الْيَتِيمِ، وَيَأْكُلَ فَضْلَ طَعَامِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ يُبَاعُ فِي الْبَلَدِ، وَيُخْلِفُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ، وَيُخَالِطَهُ مُخَالَطَةٌ تَصْلُحُ لِلْيَتِيمِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَإِذَا بَلَغَ وَأَنِسَ مِنْهُ رُشْدًا فَلْيَدْفَعْ لَهُ مَالَهُ وَلْيَسْتَشْهِدْ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا)، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْيَتِيمِ مَالٌ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الاكْتِسَابِ فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ الْقِيَامُ بِهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَا يُتْرَكُ لِضَيْعَةٍ، وَكَذَلِكَ الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ عَلَى هَذَا الْحَالِ، وَإِنْ هَلَكُوا جُوعًا وَهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى تَنْجِيَتِهِمْ
فَقَدْ هَلَكُوا بِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(1) النِّسَاء: (6).
(1) النِّسَاء: (6). (2/276)
صفحة 773
nickiskaskialtalashishida akishida deskslaiskiskiste
قواعد الإس
الفصل الثامن
فِي حَقَّ الْأُخُوَّةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ
(1) ,
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، فَأَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى بِمُقْتَضَى الْأُخُوَّةِ
حُقُوفًا فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ وَالْقَلْبِ وَاللَّسَانِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِمُ الْقِيَامُ بِهَا.
وَحُقُوقُ الأُخُوَّةِ فِي الإِسْلَام كَثِيرَةٌ، لَكِنَّا نُشِيرُ إِلَى طَرَفٍ مِنْهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى (2) الآية، وَقَالَ النَّبِيُّ: " الْمُسْلِمُونَ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا (3)، وَقَالَ: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادُدِهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوٌّ مِنْهُ تَدَاعَى سَائِرُهُ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ " ()، وَقَالَ: "مَثَلُ الأَخَوَيْنِ كَالْيَدَيْنِ تَغْسِلُ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى (5)، وَقَالَ: " لَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَقَاطَعُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا (6).
(1) الْحُجُرَات (10).
(1) الْمَائِدَة: (7).
(1) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِ: " الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِن" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(1) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيدٍ
(1) تقدم.
(0) 99
(1) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَنْ أَنَسٍ، وَلَهُ رِوَايَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ. وَتَمَامُهُ: "وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ
ثلاث". (2/277)
صفحة 774
قواعد الإست
فَمِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ: أَنْ يُحِبُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِلآخَرِ
مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَيَكْرَهَ لَهُ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ.
ال
وَمِنْهَا: أَنْ لا يُؤْذِيَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلٍ وَلَا فِعْل، لِقَوْلِ النَّبِيِّ: مَلْعُونٌ مَنْ ضَارٌ مُسْلِمًا (1)، وَقَالَ: " الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ)، قَالُوا: فَمَنِ الْمُؤْمِنُ؟ قَالَ: مَنْ أَمِنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ (3)، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: "الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، قَالُوا: فَمَنِ الْمُهَاجِرُ؟ قَالَ: مَنْ هَاجَرَ السُّوءَ وَاجْتَنبه (4)، قَالَ رَجُلٌ: "فَمَا الإِسْلامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ يَسْلَمَ قَلْبُكَ لِلهِ وَيَسْلَمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِكَ وَيَدِكَ (5)، وَلَيْسَ كَفُّ الأَذَى يَقْضِي مَا يَلْزَمُ مِنَ الْحَقِّ فِي النَّصِيحَةِ وَإِسْدَاءِ الْخَيْرِ، فَمَنْ قَنِعَ بِكَفِّ الأَذَى وَالسُّكُوتِ عَنِ الإِخْوَانِ فَلْيَصْحَبْ أَهْلَ الْقُبُورِ، وَإِنَّمَا شَرَعَ اللهُ أُخُوَّةَ الإِسْلَامِ لِيَسْتَفِيدَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضِ الْخَيْرَ، وَيَتَعَاوَنُوا عَلَيْهِ، وَلِيَتَخَلَّصَ الْبَعْضُ مِنْ أَذَى الْبَعْضِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَرُدَّ عَلَى الْمُسْلِمِ غِيبَةَ أَهْل النِّفَاقِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، لِقَوْلِهِ: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلاَ يَغَشُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ (1)، فَمِنَ الْخُذْلانِ (1) وَفِي مَعْنَاهُ: "مَنْ ضَارَّ ضَادَّ اللهُ بِهِ، وَمَنْ شَاقٌ شَافَ اللهُ عَلَيْهِ". رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي صِرْمَةَ
الْمَازِنِي. (1) [رواه البخاري، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ر 10، بلفظ: " ... من سلم المسلمون"].
(2) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ بِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ". قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "الَّذِي لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ، أَيْ: شُرُورَهُ
وَغِشَّهُ.
(1) وَفِي مَعْنَاهُ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ".
(1) رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ عَبَسَةَ.
(1) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِيهِ: "يُحَفِّرُهُ" بَدَلَ " يَغُشُهُ". (2/278)
صفحة 775
2791
لِلْمُسْلِمِ: إِهْمَالُهُ لِتَمْزِيقِ عِرْضِهِ، وَذَلِكَ بِمَثَابَةِ تَمْزِيقِ لَحْمِهِ، وَأَخْسِسْ بِأَحْ يَرَاكَ وَالْكِلابُ تَفْتَرِسُكَ وَتُمَزِّقُ لَحْمَكَ وَعِرْضَكَ وَهُوَ سَاكِنُ لَا تُحَرِّكُهُ الشَّفَقَةُ وَالإِسْلَامُ عَنِ الذَّبُ وَالدَّفْعِ عَنْكَ.
(1)
وَمِنْهَا: أَنْ لا يَقْبَلَ فِي الْمُسْلِمِ مَا يَسْمَعُهُ مِنْ أَهْلِ النَّمِيمَةِ وَالْحَسَدِ فِيهِ، وَأَلاَ يُبلغ بَعْضُهُمْ مَا يَسْمَعُ مِنْ بَعْضٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وإِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَهَا فتبينوا (1) الآية، وَقَالَ: "شَرُّ عِبَادِ اللهِ الْمَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأحبة " (2)، وَقَالَ: "لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَتَّاتٌ " (3) وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ: مَنْ نَقَلَ إِلَيْكَ نَقَلَ عَنْكَ.
وَمِنْهَا: أَنْ لا يَزِيدَ فِي هُجْرَانِ مَنْ يَعْرِفُهُ بِالإِسْلَامِ مَهْمَا غَضِبَ عَلَيْهِ عَلَى ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، لِقَوْلِهِ: "لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ"
(4)
وَمِنْهَا: أَنْ لا يَدْخُلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلا بِالاسْتِمْدَانِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: لَا تدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} الآية ()، وَقَالَ
(1) الْحُجُرَات: (9). (1) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ: " أَحَبُّكُمْ إِلَى اللَّهِ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا الْمُؤَلِّمُونَ أَكْنَافًا الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَى اللهِ تَعَالَى الْمَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الإخْوَانِ الأَحِيَّةِ الْمُبْتَغُونَ لِلْبَرَاءِ الْعَتَرَاتِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بِسَنَدٍ
ضَعِيف.
(1) [القتات: النمام، رواه البخاري، باب ما يكره من النميمة، ر 5709].
(1) [رواه الربيع، باب جامع الآداب، ر 697]. (0) النور: (27). (2/279)
صفحة 776
النبي: "الاسْتِعْذَانُ ثَلاثُ، فَالأُولَى يَتَنَصَّتُونَ، وَالثَّانِيَةُ يَتَصَلَّحُونَ، وَالثَّالِثَةُ
يَأْذَنُونَ أَوْ يَرُدُّونَ (1).
وَمِنْهَا: أَنْ يَبْدَأَ كُلُّ مُسْلِمٍ بِالسَّلَامِ قَبْلَ الْكَلَامِ وَيُصَافِحَهُ عِنْدَ السَّلَامِ، وَقَالَ: "مَنْ بَدَأَ بِالْكَلاَمِ قَبْلَ السَّلاَمِ فَلاَ تُجِبْهُ حَتَّى يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ " (2)، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَلَمْ أَسْتَأْذِنْ فَقَالَ: " ارْجِعْ فَقُلِ السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَادْخُلْ (3)، وَقَالَ: " قُبْلَةُ الْمُؤْمِنِ أَخَاهُ الْمُصَافَحَةُ).
وَلا بَأْسَ بِتَقْبِيل يدِ الْمُعَظَّمِ فِي الدِّينِ تَبَرُّعًا بِهِ كَمَا فَعَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ لِعُمَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ صَافَحَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ. وَيُقَالُ: مُصَافَحَةُ الأَبَوَيْنِ وَالأَجْدَادِ الْمُعَانَقَةُ وَتَقْبِيلُ الرُّؤُوسِ، وَمُصَافَحَةُ الأَخِ أَخَاهُ الْمُعَانَقَهُ وَتَقْبِيلُ جَوَانِبِ الْعُنُقِ، وَمُصَافَحَةُ الْمَرْأَةِ وَلَدَهَا التَّقْبِيلُ بِالْخَدٌ، وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ لِوَلَدِهِ وَوَلَدِ غَيْرِهِ الذَّكَرِ يُقَبِّلُهُ فِي الرَّأْسِ، وَأَمَّا الأُنثَى فَلَا يُبَاشِرُهَا، وَمُصَافَحَةُ الأُخْتِ وَالأَخِ التَّقْبِيلُ فِي الْعَيْنِ، وَعَنْ عَلِيٌّ قَالَ: قُبْلَةُ الْوَلَدِ رَحْمَةٌ، وَقُبْلَةُ الْمَرْأَةِ شَهْوَةٌ، وَقُبْلَةُ الْوَالِدَيْنِ عِبَادَةٌ، وَقُبْلَةُ الأَخِ أَخَاهُ زَيْنٌ، وَتَقْبِيلُ الإِمَامِ عِبَادَةٌ.
وَمِنْهَا: تَوْقِيرُ الْكَبِيرِ فِي الإِسْلامِ وَرَحْمَةُ الصَّغِيرِ، وَقَالَ النَّبِيُّ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوَفِّرْ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا (5)، وَقَالَ: "مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِجْلالُ ذِي الشَّيْبَةِ فِي الإِسْلامِ، وَقَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا يَسْتَخِفُ بِحَقِّهِمْ إِلَّا مُنَافِقٌ: حَامِلُ الْعِلْمِ،
(7) 11
(1) [رواه مسلم، باب الاستئذان، (5753] بلفظ: "الاستتذَانُ ثَلاتٌ، فَإِنْ أَذِنَ لَكَ وَإِلا فَارْجِعْ". (1) [رواه الهندي في كنز العمال، الأحكام والآداب، ر 25320].
(1) [رواه أبو داود، باب كيف الاستئذان، ر 5178].
(1) [رواه الترمذي، باب ما جاء في المصافحة، ر 2731] بلفظ: "تَمَامُ تَحِيَّاتِكُمْ بَيْنَكُمُ الْمُصَافَحَةُ".
(0) [رواه الربيع، باب في الربا والانفساخ والغش، ر 582].
(1) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ. (2/280)
صفحة 777
281
نواعـ
ـــلام
(1) n
الْعِلْمِ، وَذُو الشَّيْبَةِ فِي الإِسْلامِ، وَالإِمَامُ الْعَادِلُ، وَتَمَامُ تَوْقِيرِ الْمَشَايِخِ أَنْ لَا
يَتَكَلَّمَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ إِلا بِإِذْنِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مَعَ كَافَّةِ الْخَلْقِ مُسْتَبْشِرًا طَلِقَ الْوَجْهِ رَفِيقًا، لِقَوْلِهِ:
"حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى الْهَيِّنِ اللَّيْنِ السَّهْل الْقَرِيبِ
(Y)11
وَمِنْهَا: إِذَا ابْتُلِي بِذِي شَرِّ أَنْ يُحَامِلَهُ وَيَتَّقِيَهُ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: خَالِص الْمُؤْمِنِ مُخَالَصَةٌ، وَخَالِقِ الْفَاجِرَ مُخَالَقَةٌ، فَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرْضَى بِالْخُلُقِ الْحَسَنِ فِي الظَّاهِرِ. وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: إِنَّا لَنْكَشْرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنْهُمْ. وَعَنْ عَلِيٌّ وَأَبِي ذَر قَالا: إِنَّا لَنُصَافِحُ أَيْدِي (3) نَرَى قَطْعَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُنْ مَعَ أَبْنَاءِ
الدُّنْيَا بِالأَدَبِ، وَمَعَ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ بِالْعِلْمِ، وَمَعَ الْعَارِفِينَ كَيْفَ شِئْتَ.
وَمِنْهَا الْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ لِمَنْ عَاهَدَهُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ الآية)، وَقَالَ فِي صِفَةِ الْمُنَافِقِ: "مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ (5).
وَمِنْهَا: الإِنْصَافُ لِلنَّاسِ مِنْ نَفْسِهِ، وَلا يَأْتِي إِلَيْهِمْ إِلَّا بِمَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ، لِقَوْلِهِ: "لا يَسْتَكْمِلُ الْعَبْدُ الإِيمَانَ حَتَّى تَكُونَ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ: الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِهِ، وَالإنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ، وَبَذْلُ السَّلاَمِ (2).
(1) [مسند الربيع، الأخبار المقاطيع عن جابر بن زيد، ر 927]
(1) رَوَاهُ أَحْمَدُ بِلَفْظِ: "حُرِّمَ عَلَى النَّارِ كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلِ قَرِيبٍ مِنَ النَّاسِ".
(1) [وفي رواية: أَكْفا]
(1) الإسراء: (34).
(0) [مسند الربيع، الأخبار المقاطيع عن جابر بن زيد، ر 936]، ومُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(1) [رواه البخاري، باب إفشاء السلام من الإسلام، باب رقم 18، 18/ 1 عن عمار موقوفا]. (2/281)
صفحة 778
قواعد الإس سلام
وَمِنْهَا: أَنْ يَزِيدَ فِي تَوْقِيرِ مَنْ تَدُلُّ هَيْتَتُهُ عَلَى عُلُو مَنْزِلَتِهِ، فَلْيُنْزِلِ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ، لِقَوْلِهِ: "إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ (1)، وَيُرْوَى أَنَّ عَائِشَةَ وَضَعَتْ طَعَامَهَا، فَمَرَّ بِهَا سَائِلٌ فَقَالَتْ: نَاوِلُوهُ قُرْصًا، ثُمَّ مَرَّ بِهَا رَجُلٌ عَلَى دَابَّةٍ، فَقَالَتْ: ادْعُوهُ إِلَى الطَّعَامِ، فَقِيلَ لَهَا فِي ذَلِكَ، فَقَالَتْ: إِنَّ الْمِسْكِينَ يَرْضَى بِالْقُرْصِ، وَقَبِيحٌ بِنَا أَنْ نُعْطِي هَذَا الْغَنِي عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ قُرْصًا، وَلَا بُدَّ أَنْ تُنْزِلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ.
6
وَمِنْهَا: أَنْ يُصْلِحَ ذَاتَ الْبَيْنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: أَوْ إِصْلَاحِ بين النَّاسِ (3)، وَقَالَ: وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ (3)، وَقَالَ النَّبِيُّ: "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ إِصْلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَقَالَ: "كُلُّ الْكَذِبِ مَكْتُوبٌ إِلا أَنْ (4)، يَكْذِبَ الرَّجُلُ فِي الْحَرْبِ، فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدِيعَةٌ، أَوْ يَكْذِبَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَيُصْلِحَ بَيْنَهُمَا، أَوْ يَكْذِبَ لَامْرَأَتِهِ لِيُرْضِيَهَا " ()، وَقَالَ: "لَيْسَ بِكَذَّابٍ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(1) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَقَالَ: صَحِيحُ الإِسْنَادِ
(1) النِّسَاء: (114).
(1) الأنفال: (1).
(1) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، رَوَاهُ التُّرْمِذِي وَأَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ: "أَلا أُخْبُرُكُمْ بأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاةِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟ قَالُوا: بَلَى قَالَ: إِصْلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ. لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ
الدين".
(1) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أُمَّ كُلْثُومَ بِنْتِ عُقْبَةَ: "مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يُرَخَصُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكَذِبِ إِلا فِي ثَلَاثٍ، كَانَ يَقُولُ: "لا أَعُدُّهُ كَاذِبًا: الرَّجُلُ يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ يَقُولُ الْقَوْلَ وَلاَ يُرِيدُ بِهِ إِلا الإِصْلاحَ، وَالرَّجُلُ يَقُولُ فِي الْحَرْبِ، وَالرَّجُلُ يُحَدِّثُ امْرَأَتَهُ، وَالْمَرْأَةُ تُحَدِّثُ
زَوْجَهَا".
(1) [رواه أبو داود، باب في إصلاح ذات البين، (4922، بلفظ: "لَيْسَ بِالْكَاذِبِ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ خَيْرًا أَوْ نَمَى خَيْرًا"] (2/282)
صفحة 779
283
د الإسـ
وَمِنْهَا: أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، لِقَوْلِهِ: "مَنْ سَتَرَ عَلَى مُؤْمِنٍ سَتَرَ
اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ (1).
وَمِنْهَا: أَنْ لا يَغْتَابَ الْمُسْلِمَ، وَلا يَتْبَعَ عَوْرَتَهُ، لِقَوْلِهِ: "يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ، لاَ تَغْتَابُوا النَّاسَ، وَلَا تَتَّبَعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ يَتْبَعُ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَبِعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتْبَعُ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحُهُ وَلَوْ كَانَ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ (2).
(2)
وَمِنْهَا: تَسْمِيتُ الْعَاطِسِ إِذَا حَمِدَ اللهَ تَعَالَى، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الْحَمْد لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ فَلْيَقُلْ لَهُ مَنْ عِنْدَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ وَلْيَرُدَّ عَلَيْهِ: يَهْدِيكُمْ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ (3)، وَقَالَ: "تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ إِذَا عَطَسَ ثَلاثًا، وَإِنْ زَادَ فَهُوَ زُكَامُ (4).
وَمِنْهَا: أَنْ يَنْصُرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ وَيَصُونَ عِرْضَهُ وَمَالَهُ وَنَفْسَهُ، لِقَوْلِهِ: انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، قِيلَ: كَيْفَ تَنْصُرُهُ ظَالِمَا؟ قَالَ: تَكْفُهُ عَنِ الظُّلْمِ ()، وَقَالَ: " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَرُدُّ يَرُدُّ عَنْهُ نَارَ جَهَنَّمَ، وَفِي بَعْضُ الرِّوَايَاتِ: "كَانَ حِجَابًا مِنَ النَّارِ، وَفِي بَعْضِهَا: "مَنْ حَمَى عِرْضَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فِي الدُّنْيَا بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يَحْمِيهِ يَوْمَ
(1) رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
(1) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(1) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: "شَمِّتْ أَخَاكَ ثَلاثًا، فَإِنْ زَادَ فَهُوَ زُكَامُ". وَمِثْلُهُ: "شَمنُوا الْمُسْلِمَ إِذَا عَطَسَ ثَلاثًا، فَإِنْ زَادَ فَهُوَ زُكَامٌ". () مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ.
(1) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. (2/283)
صفحة 780
وقواعد الإسـ
الْقِيَامَةِ " (1)، قَالَ: "وَمَنْ ذُكِرَ عِنْدَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ وَهُوَ يَسْتَطِيعُ نَصْرَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ، إِلا أَدْرَكَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ (2).
وَمِنْهَا النَّصِيحَةُ لِكُلِّ مُسْلِمِ وَالْجُهْدُ فِي إِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ: " الدِّينُ النَّصِيحَةُ (3)، وَقَالَ: " مِنْ أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ إِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنِ بِأَنْ يُفَرِّجَ عَنْهُ غَمٌ، أَوْ يَقْضِيَ عَنْهُ دَيْنٌ، أَوْ يُطْعَمَ مِنْ جُوع (4)، وَقَالَ: "مَنْ قَضَى حَاجَةٌ لأَخِيهِ الْمُسْلِمِ فَكَأَنَّمَا خَدَمَ اللَّهَ عُمْرَهُ ()، وَقَالَ: "مَنْ مَشَى فِي حَاجَةِ أَخِيهِ سَاعَةٌ مِنْ لَيْلِ أَوْ نَهَارٍ قَضَاهَا أَوْ لَمْ يَقْضِهَا خَيْرٌ لَهُ مِنَ اعْتِكَافِ
(7) 11 •°
شهرين
وَمِنْهَا: أَنْ يَعُودَ مَرْضَى الْمُسْلِمِينَ، لِقَوْلِهِ: " مَنْ عَادَ مَرِيضًا فَعَدَ فِي مَخَارِفِ الْجَنَّةِ، حَتَّى إِذَا قَامَ وُكِّلَ بِهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ إِلَى
اللَّيْلِ "
(V)11
وَآدَابُ الْعَائِدِ: خِفَّةُ الْجَلْسَةِ، وَقِلَّةُ السُّؤَالِ، وَإِظْهَارُ الرَّيَّةِ، وَالدُّعَاءُ لَهُ بالْعَافِيَةِ، وَغَضُ الْبَصَرِ عَنْ عَوْرَاتِ الْمَوْضِعِ، وَقَالَ: " تَمَامُ عِبَادَةِ الْمَرِيضِ (1) وَفِي مَعْنَاهُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَرُدَّ عَنْهُ
نار جَهَنَّمَ". (1) [رواه البزار، 3542، والبيهقي: شعب الإيمان، التعاون على البر والتقوى، (7638]. (2) عَنْ أَبِي رُقَيَّةَ تَمِيمِ بْنِ أَوْسِ الدَّارِيِّ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَتَمَامُ الْحَدِيثِ: "قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ".
(1) [رواه ابن المبارك الزهد، باب ما جاء في الشح، ر 684].
(1) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيحَ وَالطَّبَرَانِيُّ. (1) رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَحَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: "الأَنْ يَمْشِيَ أَحَدُكُمْ مَعَ أَخِيهِ فِي قَضَاءِ حَاجَتِهِ - وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ - أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِي هَذَا شَهْرَيْنِ". وَفِي مَعْنَاهُ: "مَنْ
مَشَى فِي حَاجَةٍ أَخِيهِ كَانَ خَيْرًا مِنَ اعْتِكَافِ عَشْرِ سِنِينَ".
(2) رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَلِي بِلَفْظِ مُخْتَلِفٍ. (2/284)
صفحة 781
2857
أَنْ يَضَعَ أَحَدُكُمْ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ أَوْ عَلَى يَدِهِ وَيَسْأَلَهُ كَيْفَ هُوَ، قَالَ: "وَتَمَامُ تَحِيَّتِكُمُ الْمُصَافَحَةُ " (1)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهَا: أَنْ يُشَيِّعَ جَنَائِزَهُمْ لِقَوْلِهِ: " مَنْ شَيَّعَ جَنَازَةٌ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَإِنْ قَامَ
حَتَّى يُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ (2)، وَفِي الْخَبَرِ: الْقِيرَاطُ مِثْلُ جَبَل أُحُدٍ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَزُورَ قُبُورَهُمْ، وَالْمَقْصُودُ فِي ذَلِكَ الدُّعَاءُ وَالاعْتِبَارُ وَرِقَةُ الْقَلْبِ لِقَوْلِهِ: " مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا إِلَّا وَالْقَبرُ أَقْطَعُ مِنْهُ (3).
وَمِنْهَا: أَنْ يُعَذِّيَهُمْ عَلَى مَوْتَاهُمْ، وَالتَّعْزِيَةُ سُنَّةٌ.
فَهَذِهِ جُمْلَةٌ مِنْ حُقُوقِ الإِسْلامِ مَعَ مَا قَدَّمْنَا مِنْ سَائِرِهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ. وَالْخُلَّةُ الْجَامِعَةُ لِهَذَا الأَدَبِ: أَنْ لا يَسْتَصْغِرَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَنْظُرَ إِلَى أَهْلِ الدُّنْيَا بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ لِدُنْيَاهُمْ، وَلاَ يُسِيءَ الظَّنَّ بِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ، وَهَذَا الَّذِي قَدَّمْنَا كُلَّهُ فِي أَهْلَ الْوَلايَةِ وَالْوفَاقِ، لَا فِي أَهْلِ النَّفَاقِ وَأَهْلَ الْخِلَافِ وَالشَّقَاقِ مَا خَلاَ آدَابَ الْمُعَاشَرَةِ، فَإِنَّهَا عَامَّةٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقُولُو الِلنَّاسِ حُسْنًا، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
(4)
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَكَارِمُ الأَخْلاقِ عَشَرَةٌ، تَكُونُ فِي الرَّجُلِ وَلَا تَكُونُ فِي أَبِيهِ، وَتَكُونُ فِي الابْنِ وَلاَ تَكُونُ فِي الأَبِ، وَتَكُونُ فِي الْعَبْدِ وَلَا تَكُونُ فِي سَيِّدِهِ، يَقْسِمُهَا اللهُ تَعَالَى لِمَنْ أَرَادَ بِهِ السَّعَادَةَ، وَهِيَ: صِدْقُ الْحَدِيثِ، وَصِدْقُ الْبَأْسِ،
(1) [سبق تخريجه].
(1) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: "مَنْ شَهِدَ بَدَلَ شَيَّعَ" وَقَامَ، وَتَمَامُهُ: "قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قِيلَ: مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ". (21) رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَةَ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ، وَقَالَ: صَحِيحُ الإِسْنَادِ. وَقَالَ التَّرْمِذِيُّ:
حَسَنٌ غَرِيبٌ. (1) الْبَقَرَة: (83). (2/285)
صفحة 782
وَإِعْطَاءُ السَّائِلِ، وَالْمُكَافَأَةُ بِالصَّنَائِعِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ، وَحِفْظُ الأَمَانَةِ، وَالتَّذَمُّمُ لِلْجَارِ، وَالتَّذَمُّمَّ لِلصَّاحِبِ، وَإِقْرَاءُ الضَّيْفِ، وَرَأْسُهُنَّ الْحَيَاءُ)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) [رواه البيهقي، شعب الإيمان، باب الحياء، ر 7323]. (2/286)
صفحة 783
287
قواع
الفضيل التاسع
في حُقُوقِ الْمَسْجِدِ وَالْمَجْلِسِ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الآية)، وَقَالَ النَّبِيُّ: "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلهِ وَلَوْ مِثْلَ مِفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ (2)، وَقَالَ: "يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ الْمَسَاجِدَ وَيَقْعُدُونَ فِيهَا حِلَقًا حِلَقًا ذِكْرُهُمُ الدُّنْيَا، فَلَا تُجَالِسُوهُمْ، فَلَيْسَ لِلهِ بِهِمْ مِنْ حَاجَةٍ (3)، وَفِي هَذَا آثَارٌ كَثِيرَةٌ، وَقَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أَبْنِي الْمَسَاجِدَ جُمَّا وَالْقُصُورَ شُرُفًا (4)، وَقَالَ: "طَهُرَتِ الْمَسَاجِدُ مِنْ خَمْسَةِ: أَنْ تُقَامَ فِيهَا الْحُدُودُ، وَأَنْ تُتَّخَذَ طَرِيقًا، أَوْ يُنشَدَ فِيهَا بِالضَّالَّةِ، أَوْ أَنْ تُتَّخَذَ سُوقًا لِلْبَيْعِ
(1) التَّوْبَة: (18). (1) رِوَايَةُ ابْنِ مَاجَةَ جَاءَتْ بِحَذْفِ: "وَلَوْ مِثْلَ مِفْحَصِ قَطَاةٍ" وَ "بَيْنَا" بَدَلَ "قَصْرًا" مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ دُونَ قوْلِهِ: "وَلَوْ مِثْلَ مِفْحَصِ الْقَطَاةِ".
(2) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِزِيَادَةِ: " وَالتَّناظُرُ فِي أُمُورِهَا " بَعْدَ ذِكْرِهِمُ الدُّنْيَا .. (1) [رواه البيهقي، باب في كيفية بناء المساجد، ر 4101، بلفظ: عن ابن عباس قال: "أمرنا أن نبني المساجد جما والمدائن شرفا". قوله: جُمَّا الْجُمُ الَّتِي لا شُرَفَ لَهَا، وَكَذَلِكَ الْبِنَاءُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شُرَفٌ فَهُوَ أَجَمُّ، وَجَمْعُهُ جُم "). (2/287)
صفحة 784
وَالشَّرَاءِ ((1)، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ بِإِنْشَادِ الضَّالَّةِ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ؛ لأَنَّهَا مَجْمَعُ النَّاسِ.
وَجُمْلَهُ حُقُوقِ الْمَسْجِدِ عَلَى أَهْلِهِ: أَنْ يَتَّخِذُوا لَهُ مُؤَذِّنًا أَمِينًا حَافِظًا لَأَوْقَاتِ الصَّلاةِ، وَيُصَلُّوا فِيهِ بِالْجَمَاعَةِ، وَلَا يُصَلُّوا فُرَادَى صَلَاةَ فَرِيضَةٍ، وَلَا تُصَلَّى فِيهِ الْفَرِيضَةُ بِجَمَاعَةٍ مَرَّةٌ بَعْدَ مَرَّةٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَتُوقَدَ فِيهِ الْمَصَابِيحُ فِي أَطْرَافِ اللَّيْلِ، وَيُحْفَظَ ضَيْفُهُ، وَيُكْرَمَ بِالطَّهَارَةِ وَمُجَانَبَةِ الصِّبْيَانِ، وَيُعَمَّرَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَتِلاوَةِ الْقُرْآنِ، وَيُمْنَعَ مِنْ إِحْدَاثِ الْمَضَرَّةِ وَالأَنْجَاسِ فِيهِ وَفِي حَرِيمِهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، وَقِيلَ: حَرِيمُهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا فَضِيلَةُ مَجْلِسِ الذِّكْرِ: فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ:
6
،
(Y)11
الْمَجْلِسُ الصَّالِحُ يُكَفِّرُ عَنِ الْمُؤْمِنِ أَلْفَي أَلْفِ مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ السُّوءِ" وَعَنْهُ قَالَ: "مَا جَلَسَ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ الله إِلا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ (3)، وَعَنْهُ قَالَ: "حُضُورُ مَجْلِسِ الْعِلْمِ أفْضَلُ مِنْ حُضُورِ أَلْفِ جَنَازَةٍ إِذَا كَانَ مَنْ يَقُومُ بِهَا، وَأَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ رَكْعَةٍ وَصِيَامِ أَلْفِ يَوْمٍ وَصَدَقَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَمِنْ أَلْفِ حَبَّةٍ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، وَمِنْ أَلْفِ غَزْوَةِ سِوَى الْوَاجِبَةِ (()؛ لأَنَّ اللهَ يُطَاعُ بِالْعِلْمِ وَيَعْبُدُ بِالْعِلْمِ، فَخَيْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ مَعَ الْعِلْمِ، وَشَرُّ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ مَعَ الْجَهْلِ، فَقَالَ رَجُلٌ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ (1) رَوَاهُ الْخَمْسَةُ بِزِيَادَةٍ فِي آخِرِهِ: وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيَنْهَوْهُ وَيُخْرِجُوهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْ ذَلِكَ فَلْيَضْرِبُوهُ". (1) رواه صَاحِبُ الْفِرْدَوْسِ [الديلمي، (543] مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَدَاعَةَ. (1) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ مَعَ بَعْضِ اخْتِلافِ فِي اللَّفْظِ.
(1) ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيٌ فِي الْمَوْضُوعَاتِ [223/ 1]، وَذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الآلِي الْمَصْنُوعَةِ مِنَ الأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ [42/ 1] (2/288)
صفحة 785
قواعدا
فَقَالَ: وَيْحَكَ مَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ؟ "أَمَا بَلَغَكَ أَنَّ السُّنَّةَ تَقْضِي عَلَى الْقُرْآنِ، وَالْقُرْآنَ لاَ يَقْضِي عَلَى السُّنَّةِ " (2)، وَالْأَخْبَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةُ.
وَحَقُّ الْمَجْلِسِ: تَدْوِيرُ الْحَلْقَةِ فِي أَوَّلِ الْقُعُودِ، وَسَدُّ الْخُلَلِ؛ لأَنَّ الشَّيْطَانَ يَفْرَحُ بِالْفُرْجَةِ إِذَا كَانَتْ فِيهِ، وَيَتَكَلَّمُ الْكَبِيرُ وَيُنْصِتُ إِلَيْهِ الْجَمِيعُ، وَيَقُولُ الْقَاعِدُ فِي أَوَّلِ قُعُودِهِ فِيهِ: " أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَشْهَدُ أَنَّ الدِّينَ كَمَا شَرَعَ، وَأَنَّ الإِسْلامَ كَمَا وَصَفَ، وَأَنَّ الْكِتَابَ كَمَا أُنْزِلَ، وَأَنَّ الْقَوْلَ كَمَا حَدَّثَ، وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ، ذَكَرَ اللهُ مُحَمَّدًا بِخَيْرِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ وَحَيَّاهُ بِالسَّلامِ، فَإِنْ أَرَادَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ، وَلْيَقُلْ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَلْيَأْخُذُوا فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ ثُمَّ يَقْرَءُونَ مَا شَاؤُوا، وَعَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، وَلْيَتَفَهَمُوا مَعَانِيَهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: اليَدَّبَّرُوا ايته (3) الآية، وَلَا يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ بِكَلاَمِ الدُّنْيَا وَرُخَّصَ فِي السُّؤَالِ عَنِ الْمَطَرِ، وَقُدُومِ الْمُسَافِرِ، وَرِخَصِ الأَسْعَارِ، وَوِلادَةِ الصَّبِيِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ أَرَادُوا الأَكْلَ أَوْ قِرَاءَةَ بِطَاقَةٍ أَوْ أَمْرًا يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ فَلْيَقْطَعُوا الْقِرَاءَةَ بِالدُّعَاءِ، وَلَا بَأْسَ بِالْأَكْلِ الْيَسِيرِ فِيهِ، وَاشْتِمَالِ التَّوْبِ فِيهِ، وَكَلَامِ الْآخِرَةِ، وَأَشْبَاءِ ذَلِكَ.
وَلا يَنْبَغِي أَنْ يَقُومَ أَحَدٌ لِغَيْرِهِ فِي الْمَجْلِسِ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: وَإِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجْلِسِ فَأَفَسَحُوا يَفْسَ اللهُ لَكُمْ، وَقَالَ النَّبِيُّ: "إِذَا أَخَذَ الْقَوْمُ
(1) [تقضي: تُبَيِّنُ وتُخَصِّص]
(1) [ذكره السيوطي في اللآلي المصنوعة، 42/ 1، وقال: موضوع].
(2) ص: (29).
(1) الْمُجَادَلَة: (11). (2/289)
صفحة 786
290
Yudhisatakatalatokatalaislaidatalaisdatalaislaidlaalaislaislaidaidaislaidaisiaislada
Pr
مَجَالِسَهُمْ فَإِنْ دَعَا رَجُلٌ أَخَاهُ فَأَوْسَعَ لَهُ فَلْيَأْتِهِ فَإِنَّمَا هُوَ كَرَامَةٌ أَكْرَمَ بِهَا أَخُوهُ، وَإِنْ لَمْ يُوَسِّعْ لَهُ فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَوْسَع مَكَانٍ يَجِدُهُ فَلْيَجْلِسْ فِيهِ (1)، وَإِذَا أَرَادَ الإِنْسَانُ أَنْ يَقُومَ مِنَ الْمَجْلِسِ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَتُبْ عَلَيَّ ((2). فَمَنْ قَالَهَا إِذَا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ فَهِيَ كَفَّارَةٌ لِلَّغْوِ إِذَا كَانَ مِنْهُ فِي الْمَجْلِسِ، رُوِيَ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ، وَقَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الأَوْفَى فَلْيَقُلْ كُلَّمَا قَامَ مِنَ الْمَجْلِسِ: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ"، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) [رواه البخاري في ي في الأدب المفرد بمعناه، باب خير المجالس أوسعها، ر 1136]. (1) رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ بِزِيَادَةِ إِلَّا غُفِرَ لَكَ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِكَ ذَلِكَ" وَبِدُونِ قَوْلِهِ آخِرَ الْحَدِيثِ: "اللهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَتُبْ عَلَيَّ" (2/290)
صفحة 787
الفصل العاشق
فِي حُقوقِ الْجُمُعَةِ
وَيُقَالُ إِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا اسْتَعْمَلَهُ فِي الْأَوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ بِفَوَاضِلِ الأَعْمَالِ، وَإِذَا مَقَتَهُ اسْتَعْمَلَهُ فِيهَا بِسَيِّنِ الأَعْمَالِ، لِيَكُونَ أَوَجَعَ فِي عِقَابِهِ، وَأَشَدَّ لِمَقْتِهِ بِحِرْمَانِهِ بَرَكَةَ الْوَقْتِ وَانْتِهَاكِهِ حُرْمَتَهُ.
وَحُقُوقُ الأَيَّامِ كُلِّهَا: أَنْ لَا يُعْصَى اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا مِنْ تَرْكِ حَقٌّ، وَلَا ارْتِكَابِ
مُحَرَّم وَيُقَالُ مِنْ حُقُوقِ الْجُمُعَةِ: أَنْ يَبِيتَ الْمَرْءُ لَيْلَتَهَا عَلَى الصِّيَامِ؛ لأَنَّهُ قِيلَ: مَنْ صَامَهُ فَكَأَنَّمَا صَامَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَيُقَالُ: مَنْ صَامَ أَرْبَعِينَ جُمُعَةٌ مُتَوَالِيَاتٍ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ، وَلاَ يُوَافِقُ ذَلِكَ إِلا الْمُسْلِمِ، وَيُسْتَحَبُّ الإِكْثَارُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ وَخُصُوصًا سُورَةَ الْكَهْفِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمَا رَوَيَا فِي ذَلِكَ "أَنَّ مَنْ قَرَأَهَا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَهَا أُعْطِيَ نُورًا مِنْ حَيْثُ يَقْرَأُهَا إِلَى مَكَّةَ، وَغُفِرَ لَهُ إِلَى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَفُضَّلَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، وَصَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكِ حَتَّى يُصْبِحَ، وَعُوفِيَ مِنَ الْبَرَصِ وَالْجُذَامِ وَذَاتِ الْجُنُبِ وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ (1)،
(1) n
(1) هُنَا ثَلاثَةُ أَحَادِيثَ لَا حَدِيثُ وَاحِدٌ: الأَوَّلُ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مَوْقُوفًا. (2/291)
صفحة 788
تواعد الإسـ
وَيُقَالُ إِنَّ النَّبِيُّ "كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، وَفِي الْعِشَاءِ بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ وَسُورَةِ الْمُنَافِقُونَ"، طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ
موره
وَقَالَ: "خَيْرُ يَوْم أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ).
وَمِنْ حُقُوقِ الْجُمُعَةِ: الاغْتِسَالُ فِيهِ، وَالرُّكُوعُ فِيهِ وَقْتَ الضُّحَى، وَزِيَارَةُ الإِخْوَانِ فِي اللهِ وَالأَرْحَامِ، وَالصَّدَقَةُ فِيهِ؛ لأَنَّهَا تُضَاعَفُ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَيَّامِ، وَتَنْظِيفُ الْجَسَدِ فِيهِ بِالْقَاءِ التَّفَثِ مِنَ الْعَشْرِ الْخِصَالِ الَّتِي هِيَ مِنْ فِطْرَةِ الإِنْسَانِ، وَهِيَ: حَلْقُ شَعْرِ الرَّأْسِ لِلرِّجَالِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَالاخْتِتَانُ، وَالْمَضْمَضَةُ، وَالاسْتِنْشَاقُ، وَالاسْتِنْجَاءُ، وَالسِّوَاكُ. وَالسُّنَّةُ فِي تَقْلِيمِ الأَطْفَارِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ وَنَتْفِ الإِبِطِ أَنْ تُنَظَّفَ بِالْقَاءِ شَعْرِهَا فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مَرَّةً، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ أَمَرَ أَحَدًا بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ بِذَلِكَ.
وَيُقَالُ مِنْ حَقِّ الْجُمُعَةِ: دُخُولُ الْمَاءِ، وَحُضُورُ الْمَجْلِسِ، وَقِرَاءَةُ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ فِيمَا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ مِائَةَ مَرَّةٌ، وَقَدْ يُقَالُ: اثْنَتَا عَشْرَةَ مِائَةَ مَرَّةٍ بَيْنَ الْفَجْرِ الثاني: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مَوْقُوفًا. الثالِثُ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْم الْجُمُعَةِ سَطَعَ لَهُ نُورٌ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ إِلَى عَنَانِ السَّمَاءِ يُضِيءُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَغُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ ". رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ بِإِسْنَادِ لا بَأْسَ بِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. (1) رَوَاهُ أَحْمَدُ. هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ: فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ هَبَطَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ قُبِضَ، وفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةِ، وَمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ إلا وهي تُصْبِحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُصِيحَةٌ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقَةٌ مِنَ السَّاعَةِ إِلَّا ابْنِ آدَمَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لا يُصَادِفَهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ فِي الصَّلاَةِ يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ". (2/292)
صفحة 789
وَطُلُوعِ الشَّمْسِ، وَيُقَالُ: مَنْ قَرَأَهَا مِائَةَ مَرَّةٍ فَقَدْ جَعَلَ لِلْجُمُعَةِ حَقًّا لَا يَجْعَلُهُ إِلَّا
الْمَلَائِكَةُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ فِي حَقِّ الطَّرِيقِ، وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَلْعُونٌ
(1)
مَنْ آذَى الْمُسْلِمِينَ فِي طُرُفَاتِهِمْ، وَقَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالْقُعُودَ عَلَى الطُّرُقَاتِ، فَإِنْ كَانَ وَلا بُدَّ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: غَضُ الْبَصَرِ، وَكُفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلامِ، وَأَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ، وَنَهْي عَنْ مُنْكَرٍ، وَذِكْرُ الله تَعَالَى (2)
وَمِنْ حُقُوقِ الطَّرِيقِ كَمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ: غَضُّ الْبَصَرِ، وَإِرْشَادُ الضَّالِّ، وَهِدَايَةُ الأَعْمَى، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَنُصْرَةُ الْمَظْلُومِ، وَإِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ، وَعَوْنُ الضَّعِيفِ، وَإِعْطَاءُ السَّائِلِ، وَأَنْ لَا تُحْدِثَ فِيهِ مَضَرَّةٌ مِنْ إِهْرَاقِ مَاءٍ، وَوَضْعِ تُرَابٍ أَوْ حِجَارَةٍ أَوْ شَوْكٍ، أَوْ تَضْيِيقِهِ بِالْبُنْيَانِ، أَوْ رَبْطِ الدَّوَابِّ فِيهِ بِحَيْثُ يَضِيقُ عَلَى الْمَارَةِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لأَنَّ الطَّرِيقَ مُشْتَرَكَةُ الْمَنَافِعِ بَيْنَ النَّاسِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: فِي حَقِّ الْبَهَائِمِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تركبون الآية (3)، وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ "أَنَّهُ نَهَى أَنْ تُتَّخَذَ ظُهُورُ الدَّوَابُ كَرَاسِي، يَعْنِي أَنْ يُنَامَ عَلَيْهَا، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ امْرَأَةَ عُذِّبَتْ فِي هِرَّةٍ
(E)pp =
(1) رَوَاهُ الرَّبِيعُ بِلَفْظِ: "طَرِيقِهِمْ". وَتَمَامُهُ: "مَلْعُونَ مَنْ أَتَى بَهِيمَةً". وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ أَذَى الْمُسْلِمِينَ فِي طَرِيقِهِمْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ".
(1) [رواه البخاري، باب أفنية الدور والجلوس فيها ... ، ر 2333].
(1) الزخرف: (12). (1) رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ مِنْ رِوَايَةِ مُعَاذِ بْنِ أُنَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ - وَلَفْظُ الْحَدِيثِ: "ارْكَبُوا هَذِهِ الدَّوَابَّ وَلاَ تَتَّخِذُوهَا كَرَاسِي لَأَحَادِيثِكُمْ فِي الطَّرُقِ وَالأَسْوَاقِ، فَرُبَّ مَرْكُوبَةٍ خَيْرٌ مِنْ رَاكِبِهَا، وَأَكْثَرُ ذِكْرًا لِلهِ مِنْهُ". وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُهُ: (2/293)
صفحة 790
قواعد الان
رَبَطَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، وَقِيلَ لَهَا: لا أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا وَلَا أَنْتِ أَرْسَلْتِهَا تَأْكُلُ مِنْ
خَشَاشِ الأَرْضِ
(1)
وَمِنْ حَقُّ الدَّابَّةِ عَلَى صَاحِبِهَا: أَنْ يَرْفُقَ بِهَا، وَيُحْسِنَ عَلْفَهَا وَسَفْيَهَا، وَيَعْرِضَهَا عَلَى الْمَاءِ إِذَا مَرَّ عَلَيْهِ، وَلا يُحَمِّلَهَا مَا لَا تُطِيقُ، وَيُلِينَ ذَاتَ رَحْلِهَا مِنْ
(2)
بَرْزَعَةٍ أَوْ حَوِيَّةٍ أَوْ إِكَافٍ (2) وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَا يَضْرِبَ وَجْهَهَا؛ لأَنَّهُ قِيلَ: مَنْ آذَى الْبَهِيمَةَ بِضَرْبٍ أَوْ حَمْلِ مَا لاَ تُطِيقُ طُولِبَ بِذَلِكَ فِي الْقِيَامَةِ"؛ لأَنَّهُ قِيلَ: فِي كُلِّ كَبِدِ رَطْبٍ أَجْرٌ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ قَالَ لِبَعِيرِ لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ: أَيُّهَا الْبَعِيرُ، لَا تُخَاصِمْنِي عِنْدَ رَبِّكَ، فَإِنِّي لَمْ أُحَمِّلْكَ فَوْقَ طَاقَتِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
" إِيَّاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ، فَإِنَّمَا سَخَّرَهَا اللَّهُ لَكُمْ لِتُبْلِعَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا
بَالِغِيهِ إِلا بِشِقُ الأَنْفُسِ
(1) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمُهَا وَلَمْ
تَدَعْهَا تَأْكُل مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ".
(1) [الإكاف: البرذعة] (2/294)
صفحة 791
الْبَابُ الثَّانِي فِي الْمَظَالِمِ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أَوَلَيْكَ لَهُمْ عَذَابُ اليه)، فَأَجْمَلَ الظُّلْمَ فِي الأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْحُقُوقِ وَغَيْرِهَا، وَقَالَ النَّبِيُّ: "الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (2)، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (3).
6
وَالْكَلَامُ فِي الْمَظَالِمِ يَنْحَصِرُ فِي أَرْبَعَةِ فُصُولٍ، الْفَضْلُ الْأَوَّلُ: فِي مَظَالِمِ الأَمْوَالِ، والثاني: فِي مَظَالِمِ الأَبْدَانِ، والثالث: فِي مَظَالِمِ الْفُرُوجِ، والرابع: في
مَظَالِمِ الأَعْرَاضِ.
(1) الشُّورى: (42).
(1) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ: "اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ".
(2) طه: (111). (2/295)
صفحة 792
قواعد الإ (2/296)
صفحة 793
الفصل الأول
فِي مَظَالِمِ الأَمْوَال
أَمَّا مَظَالِمُ الْأَمْوَالِ فَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
الْقِسْمُ الأَوَّلُ
فِيمَا يَلْزَمُ الإِنْسَانَ مِنْ وُجُوهِ الْغَصْبِ وَالتَّعَدِّي
فِي مَالِ غَيْرِهِ بِنَفْسِهِ وَبِمَالِهِ أَوْ بِوَاسِطَةِ أَطْفَالِهِ بِأَمْرِهِ فَهَذَا يَلْزَمُهُ فِيهِ الْغُرْمُ وَالنَّكَالُ فِي الدُّنْيَا، مَعَ الإِثْمِ وَالْعَذَابِ فِي الآخِرَةِ)
الْقِسْمُ الثَّانِي
مَا يَلْزَمُهُ مِنْ قِبَلِ الْخَطَا وَالنِّسْيَانِ
فَهَذَا يَلْزَمُهُ فِيهِ الْغُرْمُ دُونَ الإِثْمِ.
(1) وَفِي نُسْخَةِ: "وَالْعَار " بَدَلَ "الْعَذَابِ". (2/297)
صفحة 794
واعدا
الْقِسْمُ الثَّالِثُ
مَا جَاءَ مِنْ قِبَلِ مَالِهِ
وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: [الوجه الأول] ذِي رُوحِ كَالْعَبِيدِ وَالْبَهَائِمِ، فَجِنَايَةُ الْعَبِيدِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فِي رِقَابِهِمْ، وَلاَ إِثْمَ عَلَى السَّيِّدِ إِلا تَسْلِيمَ الْقِيمَةِ فِي الْعَبِيدِ فَقَطْ، وَهَذَا فِي التَّعْدِيَةِ، وَأَمَّا الْمُعَامَلاَتُ فَالْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ مِنْ عَبِيدِهِ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ مَا أَقرَّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، وَالْمُسَرّحُ مِنْ عَبِيدِهِ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مِلْكِهِ، وَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ مِنْ عَبِيدِهِ فَعَلَى مَوْلَاهُ قِيمَتُهُ إِذَا خَرَجَ مِنْ مِلْكِهِ بِعِوَضٍ مَا مَعَ إِحْيَاءِ صَاحِبِ الْحَقِّ دَعْوَتَهُ (1).
وَأَمَّا الْبَهَائِمُ فَإِنَّهُ إِنْ ضَيَّعَ لَزِمَهُ الضَّمَانُ قَلِيلاً كَانَ أَوْ كَثِيرًا، وَقِيلَ: مِقْدَارُ الرِّقَابِ، وَإِنْ لَمْ يُضَبِّعْ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِذَا أَوْثَقَهَا بِمَا يُوثَقُ بِهِ مِثْلُهَا فَانْفَلَتَتْ وَلَمْ
يَقْدِرْ عَلَيْهَا.
وَالْوَجْهُ الآخَرُ: مَا جَاءَ مِنْ قِبَل مَالِهِ مِمَّا لَيْسَ لَهُ رُوحٌ، كَالْجِدَارِ الْمُعْوَجٌ وَالنَّخْلَةِ الْمَائِلَةِ وَنَحْوِهِمَا، إِذَا تَرَكَهُ بَعْدَ التَّقَدُّم إِلَيْهِ لَزِمَهُ الضَّمَانُ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ
إِلَيْهِ فِي صَرْفِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ، وَيَلْزَمُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ إِنْ عَلِمَ بِهِ.
(1) الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ: هُوَ الَّذِي سَوَّعَ لَهُ سَيْدُهُ فِي كُلِّ مَا يَدْخُلُ فِي التِّجَارَةِ كَالْمُعَاوَضَةِ، فَهُوَ عَلَى ذَلِكَ كَالْوَكِيلِ الْمُفَرَّضِ إِلَيْهِ، وَالْمُسَرَّحُ: هُوَ الَّذِي أَذِنَ لَهُ مَوْلاهُ بِالْخِدْمَةِ بِبَطْنِهِ أَوْ أَنْ يَحْتَسِبَ بِلا مُعَامَلَةِ النَّاسِ وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ هُوَ مَنْ لَمْ يَأْذَنَ لَهُ مَوْلاهُ بِالنُّجرِ، سَوَاءٌ قَالَ لَهُ لَا تَتَّجِرُ أَمْ لَّمْ يَقُلْ لَهُ ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ مَحْجُورٌ بِحُكْمِ الشَّرْع مَا لَمْ يَأْذَنَ لَهُ. (2/298)
صفحة 795
299
الْقِسْمُ الرَّابِعُ
فِيمَا يَلْزَمُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ دُونَ الْحُكْمِ
وَهُوَ مَا غَسَقَهُ بِعَيْنِهِ) أَوْ مِثْلَهُ بِلِسَانِهِ، أَوْ كَيْفَهُ بِقَلْبِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ فَأُصِيبَ، فَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، وَقِيلَ: لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ إِنْ أُصِيبَ إِلَّا فِيمَا دُونَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقِيلَ: سَبْعَةٍ، وَقِيلَ: ثَلاثَةٍ، وَقِيلَ: إِنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَمْرُ لَا تُدْرَكُ حَقِيقَةُ الضَّمَانِ فِيهِ إِلا أَنَّهُ رُوِيَ فِي الْخَبَرِ: أَنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ لَا تزَالُ بِالرَّجُلِ حَتَّى تُورِدَهُ الْقَبْرَ، وَبِالْجَمَل حَتَّى تُورِدَهُ الْقِدْرَ (2)، وَاللهُ أَعْلَمُ.
نفقته
6
وَتَنْقَسِمُ التَّبَاعَاتُ الَّتِي يَلْتَزِمُ بِهَا الْعَبْدُ فِي الْمَعَادِ عَلَى عَشَرَةِ أَوْجُهِ:
الْوَجْهُ الأَوَّلُ: مَا يَلْزَمُهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الْغَيْرِ، وَذَلِكَ كَالزَّكَاةِ، وَالْكَفَّارَاتِ مِنَ الظَّهَارِ وَالْمُغَلَّظَاتِ، وَكَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ الْوَاجِبَاتِ، وَتَضْيِيعِ نَفَقَاتِ الأَزْوَاجِ وَالْعَبِيدِ وَالْأَوْلَادِ وَجَمِيعِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ مِنَ الآبَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ، وَمَا يَنْفَسِدُ (3) عَلَى يَدِهِ مِنْ أَمْوَالِ الْغُيَّابِ وَالْيَتَامَى إِذَا كَانَ لَهُمْ خَلِيفَةٌ، وَتَنْجِيَةِ الأَنْفُسِ مِنَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَأَسْبَابِ الْهَلَاكِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ مِنْ قِبَلِ الْعِدَّاتِ وَالْهِبَاتِ إِذَا لَمْ يُوَفَّ بِهَا، وَمَا يَجْرِي عَلَى يَدَيْهِ مِنْ أَمْوَالِ الْوَصَايَا وَالْمَسَاجِدِ وَالأَوْقَافِ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَالْفُقَرَاءِ، وَمَا دَخَلَ يَدَهُ مِنْ أَمْوَالِ الْقِرَاضِ وَاللُّقَطِ وَالأَمَانَاتِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، فَهَذَا كُلُّهُ تبَاعَاتٌ وَفَرَائِضُ لَا يُؤَاخَذُ بِهَا في ظَاهِرِ الأَحْكَامِ، مَا خَلَدَ الْوَصَايَا وَالْقِرَاضَ وَالْأَمَانَاتِ، فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِهَا إِنْ ثَبَتَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَمَا سِوَاهَا يَلْزَمُهُ إِصْلاحُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَالأَدَاءُ إِلَى كُلِّ ذِي حَقٌّ حَقَّهُ، فَإِنْ تَابَ وَلَمْ يَرُدَّ ذَلِكَ تَسْوِيفًا أَوْ جَهْلاً حَتَّى مَاتَ فَهُوَ مَأْخُوذُ بِهَا فِي الآخِرَةِ.
(1) الْمُرَادُ الإِصَابَةُ بِالْعَيْنِ، وَفِي بَعْضِ التَّسَخ "عَشِقَهُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالدِّينِ الْمُعْجَمَةِ. (1) [لم أجد من خرجه، ورواه البخاري، باب العين حق، ر 5408، بلفظ: "العين حق"]. (1) الصَّوابُ فَسَدَ، وَلا يُقَالُ انْفَسَد. (2/299)
صفحة 796
قواع
الْوَجْهُ الثَّانِي: مَا يَلْزَمُهُ فِي الْحُكْمِ الظَّاهِرِ بِشُهُودِ النُّورِ وَحُكُومَةِ الْبَاطِلِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ قِبَلِ الْخَفَارَاتِ (1) وَالدَّلالاتِ، وَمَا يَجْرِي عَلَى الْعَوَاقِلِ مِنَ الْغَرَامَاتِ
وَالدِّيَاتِ وَأَشْبَاءِ ذَلِكَ، فَإِنْ أَخَذَ بِهَذَا غُرِّمَ، وَإِنْ عُوفِيَ سَلِمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: مَا يَدْخُلُ يَدَهُ مِنْ قِبَلِ الْمُعَامَلَةِ الْمَحْظُورَةِ فِي الشَّرْعِ، مِثْلِ بَيْعِ الرِّبَا وَالانْفِسَاحَ وَالْغَرَرِ وَالْغَلَطِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْبُيُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا فِي الشَّرْعِ، فَهَذَا كُلُّهُ يَلْزَمُهُ فِيهِ رَدُّ الثَّمَنِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَا تَنْفَعُ الْمُحَالَلَةُ فِي الرِّبَا وَالْأَنْفِسَاخِ
وَالْغَلَطِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} الآية (3). الوَجْهُ الرَّابِعُ: مَا يَدْخُلُ يَدَهُ مِنْ قِبَلِ الْوُجُوهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا فِي الشَّرْعِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَجْرَةِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ إِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِمَا صَاحِبُهُمَا، وَأُجْرَةِ الْفُحُولِ وَالْمُغَنِّيَاتِ وَالْبَاكِيَاتِ وَالنَّائِحَاتِ، وَأَصْنَافِ الْمَلاهِي وَأَنْوَاعِهَا مِنَ الدُّفُوفِ وَالْمَزَامِيرِ وَالْقِمَارِ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ، وَأَثْمَانِ الْكِلاَبِ غَيْرِ الْمُعَلَّمَةِ، وَالْقِرَدَةِ، وَالْخُمُورِ، وَالْخَنَازِيرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ، وَأُجْرَةِ السَّاحِرِ، وَأَجْرَةِ صُوَرِ الثَّمَاثِيلِ، وَأَشْبَاءِ
ذَلِكَ.
(1) [الْخَفَارَاتِ: "بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِهَا وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ جَمْعُ خَفَارَةٍ ... وَهِيَ مَا يُجْعَلُ لِلْمُجِيرِ وَالْمَانِعِ مِنَ الظُّلْمِ مَثَلَا، وَالْخَفَارَةُ بِالسّلِيثِ أَيْضًا الْإِجَارَةُ وَالْمَنْعُ" (شرح النيل،
[(81/ 12
(1) الْبَقَرَة: (279). قَالَ الإِمَامُ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ الله فِي كِتَابِهِ الْعِقْدُ النَّمِينُ" مَا نَصُّهُ: " الْمُحَالَةُ فِي الرِّبَا إِذَا تَابَا فَلأَنَّ الْحَقِّ يَصِيرُ لِمَنْ لَهُ الْبَاقِي، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ أَحَلَّ مِنْهُ صَاحِبَهُ رِفقًا بِهِ إِذَا رَأَى مِنْهُ إِخْلاصًا، ويَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَ وَأَن تَصَدَّ قُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: 280). فَإِنَّ فِي أَوَّلِها الأمر بِالإِنْظَارِ لَهُ وَإِنْ أُعْسِرَ، وَفِي آخِرِهَا حَلٌّ عَلَى التَّصَدُّقِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَفِيهَا مَا يُشْبِهُ التَّصْرِيحَ بِجَوَازِ الْمُحَالَّةِ مِنَ الرِّبَا، وَمَنْ مَنَعَ تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} (البقرة: (279) قُلْنَا: لَهُمْ رُؤوسُ أَمْوَالِهِمْ إِنْ لَمْ يَصَّدَّقُوا بِهَا عَلَيْهِمْ فَإِنْ تَصَدَّقُوا بِهَا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. اهـ[انظر: جوابات الإمام السالمي، المقاصة في الحقوق والمحالة في الربا، 124/ 5] مُصححه. (2/300)
صفحة 797
قواعد الإست
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: مَا يَدْخُلُ يَدَهُ عَلَى الْمُدَارَاةِ مِنْ أَصْحَابِهِ، مِثْلُ مُصَانَعَةِ الْجَبَابِرَةِ، وَالْحُكّام الْجَاثِرَةِ، وَهَدِيَّةِ الشَّفَاعَةِ، وَمُصَانَعَةِ الشُّعَرَاءِ لِئَلَا يَهْجُوهُ، وَجَمِيعِ مَا يُعْطَى لَهُ مَخَافَةَ شَرِّهِ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: مَا دَخَلَ يَدَهُ مِنَ الإِجَارَاتِ عَلَى الْفَرَائِضِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ عَمَلُهَا بِاللَّسَانِ، مِثْلُ الرِّشْوَةِ فِي الْحُكْمِ وَالإِجَارَةِ عَلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ أَوْ تَعْلِيمِ الْعِلْمِ، أَوِ الإِجَارَةِ عَلَى أَدَاءِ الصَّلاَةِ بِالإِمَامَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الأَذَانِ، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ عَمَلُهَا مِنَ الْفَرَائِضِ بِالْبَدَنِ فَلا بَأْسَ بِأَخْذِ الأُجْرَةِ فِيهِ، وَذَلِكَ كَالْحَجِّ عَنِ الْغَيْرِ، وَإِنْفَاذِ
الْوَصَايَا، وَحَفْرِ الْقُبُورِ، وَأَجْرَةِ الْقَوَابِلِ وَأَشْبَاءِ ذَلِكَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَجْرَةِ قَسْمِ الْمَوَارِيثِ وَكَاتِبِ الْحُرُوزِ وَالرَّاقِي وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ (1).
كَلِمَةٌ مُجْمَلَةٌ حَوْلَ أَخْذِ الأُجْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ"
(1) أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الإِسْلَامِ عَلَى أَنَّ أَخَذَ الأُجْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ حَرَامٌ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "اقْرَأُوا الْقُرْآنَ وَلَا تأكُلُوا بِهِ " [رواه أحمد،، ر 15568]، وَلأَمْرِ رَسُولِ اللهِ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ قَائِلاً: " اتَّخِذَ مُؤَذِّنَا لاَ يَأْخُذُ عَلَى الأَذَانِ أَجْرًا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ جُزْئِيَّاتٌ مِنْهَا تُوجِبُهَا مَصْلَحَةُ الإِسلام، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى مَنْعِهَا إِضَاءَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالشَّرْعِ الشَّرِيفِ بِالْقِرَاضِ حَمَلَتِهِ، كَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَتَعْلِيمِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ حَدِيثٍ وَفِقْهِ، وَالْقَضَاءِ، وَالشَّهَادَةِ، وَالأَذَانِ وَالإِمَامَةِ، وَالرُّقْيَا، وَالنِّيَابَةِ فِي الْحَجِّ؟ فَالْحَنَابِلَةُ وَعَلَى الأَخَصُ الإِمَامَ أَحْمَدَ وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ لاَ اسْتِثْنَاءَ مِنَ الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ، ذَلِكَ بِأَنَّ الطَّاعَةَ لَا تَقَعُ إِلَّا قُرْبَةٌ لِفَاعِلِهَا، وَيَحْرُمُ أَخَذُ الأُجْرَةِ عَلَيْهَا، بَيْدَ أَنَّهُمْ يُجَوِّزُونَ مَا يُجْرَى عَلَيْهِمْ مِنْ رِزْقٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ وَقْفٍ عَلَى عَمَل يَتَعَدَّى نَفْعَهُ؛ لأَنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى الطَّاعَةِ، وَلَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ قُرْبَةٌ، وَلَا يَفْدَحُ فِي الإخلاص، بَلْ يُؤْجَرُ فَوْقَ ذَلِكَ إِذَا مَا نَصَحَ، وَإِلا مَا اسْتُحِفْتِ الْغَنَائِمُ
وَسَلْبُ الْقَاتِل. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَابْنُ حَزْمٍ فَقَدْ أَجَازُوا الإِجَارَةَ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَعَلَى تَعْلِيمِ الْعِلْمِ مُشَاهَرَةٌ وَجُمْلَةٌ، وَعَلَى الرُّقَى وَنَشْحَ الْمَصَاحِفِ وَكُتُبِ الْعِلْمِ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ نَ، بَلْ قَدْ جَاءَتِ الإِبَاحَةُ كَمَا وَرَدَ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ مَرُّوا بِمَاءٍ فِيهِ لَدِيعٌ أَوْ سَلِيمٌ، فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ؟ فَإِنَّ فِي الْمَاءِ رَجُلاً لَدِيفًا أَوْ سَلِيمًا، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى شَاءٍ شِيَاءِ"، فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ، (2/301)
صفحة 798
قواعد الان
فكرِهُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللهِ أَجْرًا حَتَّى الْمَدِينَةِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللهِ أَجْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ". عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
قَالَ مَالِكُ: كَمَا يَجُوزُ أَخْذُ الأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ يَجُوزُ أَخَذُ الأُجْرَةِ عَلَى الْحَجِّ وَالْأَذَانِ، أَمَّا الإِمَامَةُ فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ الأُجْرَةُ عَلَيْهَا إِنْ أَفْرَدَهَا وَحْدَهَا، فَإِنْ جَمَعَهَا مَعَ الْأَذَانِ جَازَتِ الْأُجْرَةُ وَكَانَتْ عَلَى الْأَذَانِ وَالْقِيَامِ بِالْمَسْجِدِ لَا عَلَى الصَّلَاةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجُوزُ الْأَجْرَةُ عَلَى الْحَجِّ وَلَا تَجُوزُ عَلَى الإِمَامَةِ فِي صَلَاةِ الْفَرَائِضِ، هَذَا وَقَدِ استثنى مُتَأَخُرُو الْفُقَهَاءِ بَلْ وَالْمُعَاصِرُونَ مِنْ أَسَائِدَةِ الشَّرِيعَةِ الإِسْلاميَّةِ فِي بَعْضِ الْعَوَاصِم الإِسْلَامِيَّةِ مِنَ الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ وَالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَالإِمَامَةَ وَالْأَذَانَ، فَأَجَازُوا أَخُذُ الأُجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ، وَلَمْ يُجِيزُوهُ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، أَجَازُوا ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا بَعْدَ أَنِ انْقَطَعَتِ الصَّلاتُ وَالْعَطَايَا الَّتِي كَانَتْ تُجْرَى عَلَى هَؤُلاَءِ الْمُعَلِّمِينَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ مِنَ الْمُوسِرِينَ وَبَيْتِ الْمَالِ دَفْعًا لِلْحَرَج وَالْمَشَقَّةِ؛ لأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إِلَى مَا بِهِ قِوَامُ حَيَاتِهِمْ هُمْ وَمَنْ يَمُونُونَهُمْ، وَفِي اشْتِغَالِهِمْ بِالْحُصُولِ عَلَيْهِ مِنَ الزَّرَاعَةِ أَوِ التَّجَارَةِ أَوِ الصَّنَاعَةِ إِضَاعَةُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
وَالشَّرْعِ الشَّرِيفِ بِالْقِرَاضِ حَمَلَتِهِ، فَجَازَ إِعْطَاؤُهُمْ أَجْرًا عَلَى هَذَا التَّعْلِيمِ. أَمَّا أَصْحَابُنَا فَبَعْدَ أَنْ أَقرُوا الْقَاعِدَةَ الْعَامَّةَ "حُرْمَةَ أَخْذِ الأُجْرَةِ عَلَى الطَّاعَاتِ" اسْتَثْنَوْا مِنْهَا لِلْمَصْلَحَةِ اسْتِحْسَانًا تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ وَالْعُلُومِ وَالرُّقْيَا وَالنِّيَابَةَ فِي الْحَجِّ، فَأَجَازُوا أَخَذَ الْأُجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَبِالْعَكْسِ مَنَعُوا أَخْذَ الأُجْرَةِ عَلَى الأَذَانِ وَالإِمَامَةِ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا مِنَ الْأُجْرَةِ الْمُحَرَّمَةِ مَا يُجْرَى عَلَى الأَئِمَّةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ مِنْ أَوْقَافِ الْمُحْسِنِينَ، بَلْ ذَلِكَ مِنَ الْإِعَانَةِ عَلَى
الطَّاعَةِ، كَمَا مَنَعُوا أَخْذَ الأُجْرَةِ عَلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، كَمَا نَصَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى ذَلِكَ. وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَحَمُّل الشَّهَادَةِ وَبَيْنَ أَدَائِهَا مَتَى تَعَيَّنَتْ وَخِيفَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى كِثْمَانِهَا ضَبَاعُ الْحَقِّ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى الْأَدَاءِ دُونَ التَّحَمُلِ؛ لأَنَّ الأَدَاءَ فَرْضُ عَيْنِ عَلَى مَنْ تَحَمَّلَهَا – سَوَاءٌ دُعِيَ إِلَيْهَا أَوْ لَمْ يُدْعَ - مَتَى خِيفَ ضَبَاعُ الْحَقِّ، اللهُمَّ إِلَّا إِذَا دُعِيَ لإِقَامَتِهَا وَرَاءَ الْفَرْسَخَيْنِ وَلَمْ يَتَحَمَّلْهَا عَلَى إِقَامَتِهَا وَرَاءَهُمَا، وَإِذَا تَحَمَّلَهَا فَأَبَى مِنْ أَدَائِهَا حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ الأَدَاءُ فَضَاعَ الْمَالُ أَوِ النَّفْسُ بِعَدَم أَدَائِهِ ضَمِنهُ، وَإِذَا أَقَامَ الشَّهَادَةَ ثُمَّ احْتَاجَ صَاحِبُهَا إِلَى إِعَادَةِ إِقَامَتِهَا فَلَهُ طَلَبُ الْأُجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ لِزَوَالِ الْفَرْضِ عَنْهُ بِالإِقَامَةِ الأُولَى إِنْ لَمْ يَكُنِ الْقُصُورُ وَالتَّقْصِيرُ مِنْهُ فِي إِقَامَتِهِ الْأُولَى، وَإِلَّا فَلَا يَأْخُذُ الأُجْرَةَ عَلَى إِعَادَتِهَا مَا لَمْ يُؤَدِّهَا كَمَا تَحَمَلَهَا.
وَبَعْدُ فَإِنَّ تَقْسِيمَ الْمُصَنِّفِ الطَّاعَاتِ إِلَى قَوْلِيَّةٍ يَحْرُمُ أَخَذُ الأُجْرَةِ عَلَيْهَا، وَإِلَى فِعْلِيَّةٍ يَجُوزُ أَخُذُ الأُجْرَةِ عَلَيْهَا لا يَكُونُ مُطَرِدًا؛ لأَنَّا نَجِدُ مِنَ الطَّاعَاتِ الْقَوْلِيَّةِ مَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأَجْرَةِ عَلَيْهِ، وَنَجِدُ مِنَ الْفِعْلِيَّةِ مَا لاَ يَجُوزُ أَخُذُ الأُجْرَةِ عَلَيْهِ، فَكَانَ الأَوْلَى اعْتِبَارَ الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ وَضَبْطَ مَا اسْتُثْنِيَ مِنْ جُزْيَّاتِهَا، لِذَلِكَ بَسَطْتُ الْقَوْلَ نَوْعًا عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي كَثرَ فِيهَا الْخَوْضُ مُنْذُ الْقَدِيمِ وَلَا يَزَالُ، (2/302)
صفحة 799
الْوَجْهُ السَّابِعُ: مَا دَخَلَ يَدَهُ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي لَا يَسْتَحِقُهَا، مِثْلُ أَخْذِ الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ أَوِ انْتَسَبَ إِلَى غَيْرِ نَسَبِهِ، أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ مُكَاتَبٌ، أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ فَقِيرٌ وَهُوَ غَنِيٌّ، أَوْ أُعْطِيَ لَهُ بِظَاهِرِ الدِّيَانَةِ وَهُوَ يُبْطِنُ خِلافَهَا مِمَّا لَوْ ظَهَرَ لِلْمُعْطِي لَمَنَعَهُ ذَلِكَ، فَهَذَا كُلَّهُ تَبَاعَاتٌ.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: مَا دَخَلَ يَدَهُ مِنْ قِبَلِ الاحْتِيَالِ وَالْمَكْرِ لِغَيْرِهِ، إِمَّا مِنْ سِلْعَةٍ غَشَّ فِي بَيْعِهَا، أَوْ مَدَحَهَا بِمَا لَيْسَ فِيهَا، أَوْ ذَمَّ سِلْعَةٌ حَتَّى يَشْتَرِيَهَا بِدُونِ قِيمَتِهَا، أَوْ خَانَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، أَوْ مَالَ يَتِيمِ أَوْ غَائِبٍ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: مَا دَخَلَ يَدَهُ مِنْ جِهَةِ أَصْحَابِ الْحَرَامِ وَالرِّيبَاتِ، فَأَكَلَهُ أَوْ أَتْلَفَهُ، أَوِ اسْتَعْمَلَ الأَحْرَارَ بِالْكَرَاهِيَةِ أَوْ بِالْمُطَاوَعَةِ، ثُمَّ مَنَعَهُمْ إِجَارَتَهُمْ، وَأَشْبَاءِ ذَلِكَ، فَهَذَا كُلُّهُ تَبِعَاتٌ يَلْزَمُ الإِنْسَانَ التَّخَلُصُ مِنْهَا فِي الْحَيَاةِ إِلَى أَرْبَابِهَا إِنْ
عَرَفَهُمْ، وَإِلا فَلْيُوصٍ بِهَا ثُمَّ يُخْرَجُ مِنْ جُمْلَةِ مَتْرُوكَاتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَهُوَ مَا دَخَلَ يَدَهُ وَأَكَلَهُ بِالدَّلَالَةِ مِنْ أَمْوَالِ الأَقْرِبَاءِ وَالأَصْدِقَاءِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: الأَكْلُ بالدلالَةِ جَائِزٌ بِشَرْطِ لَوْ صَادَفَكَ صَاحِبُكَ أَوْ قَرِيبُكَ أَوْ صَدِيقُكَ فِي أَكْلِ مَالِهِ لَمْ تَحْتَشِمْ مِنْهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا تَجُوزُ، لِعُمُوم قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ (3)، وَقَالُوا:
الدَّلالَهُ سَبَبُ وَاهِ فِي الأَمْوَالِ، وَهِيَ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالسَّرِقَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
عَسَايَ أَرْفَعُ بِذَلِكَ بَعْضَ الْحَيْرَةِ عَنِ الْبَاحِثِينَ وَرَاءَ الْقَوْلِ الْفَضْلِ فِي الْمَوْضُوعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَمِنْهُ نَسْتَمِدُ التَّوْفِيقَ. اهـ مُصَححه. (1) وَإِلا فَيَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ، عَلَى أَنَّ بَعْضًا مِنْ تِلْكَ التَّبِعَاتِ تُعْطَى تَوْا لِلْفُقَرَاءِ، وَلَوْ عَرَفَ أَصْحَابُهَا كَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ وَأَجْرَةِ السَّاحِرِ وَالزَّانِيَةِ مَثَلاً وَمَا رَبِحَهُ مِنَ الْقِمَارِ. اهـ مُصَحَحه.
(1) النِّسَاء: (29). (2/303)
صفحة 800
[صفحة فارغة] (2/304)
صفحة 801
الفطيك الثاني
فِي مَظَالِمِ الْأَبْدَانِ
اعْلَمْ أَنَّ الْجِنَايَةَ فِي الأَبْدَانِ تُسَمَّى قَتْلاً وَجِرَاحًا، وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهِ: عَمْدٍ مُتَفَقٍ عَلَيْهِ، وَشِبْهِ عَمْدٍ مُخْتَلَفٍ فِي الْحُكْمِ فِيهِ، وَخَطَا مَحْضِ مُتَّفَقٍ عَلَى حُكْمِهِ. أَمَّا الْعَمْدُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى إِيجَابِ الْقَتْلِ فِيهِ، وَهُوَ عَلَى وُجُوهِ، وَحَدُّهُ: أَنْ تَخْرُجَ الرَّمِيَّةُ عَمْدًا مِنْ يَدِ عَاقِلِ مُكَلَّفٍ نَافِذِ الأَحْكَامِ عَلَى شَخْصٍ مَعْرُوفٍ يَتَكَافَأُ دَمُهُ دَمَ الْقَاتِلِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ مِمَّا لَا يَحِلُّ لَهُ قَتْلُهُ.
تَفْسِيرُ هَذَا التَّقْسِيدِ [فِي حَدٌ العَمْدِ]
أَمَّا قَوْلُنَا: أَنْ تَخْرُجَ الرَّمِيَّةُ مِنْ يَدِهِ عَمْدًا؛ لأَنَّ الْآمِرَ بِقَتْلِ إِنْسَانٍ لَا يَقْتُلُ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الدِّيَهُ إِذَا كَانَ الْمَأْمُورُ طِفْلاً أَوْ عَبْدًا أَوْ بَهِيمَةٌ لِغَيْرِهِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنِ الآمِرُ سُلْطَانًا لِلْمَأْمُورِ وَمَالِكًا لِأَحْكَامِهِ أَوْ مُطَاعًا عِنْدَ أَمْرِهِ؛ لأَنَّ السُّلْطَانَ يُقْتَلُ بِمَنْ قَتَلَهُ الرَّعِيَّةُ بِأَمْرِهِ (1)، وَالْمَوْلَى يُقْتَلُ بِمَنْ قَتَلَهُ عَبْدُهُ بِأَمْرِهِ أَوْ قَتَلَتْهُ بَهِيمَتُهُ (1)
(1) وَفِي نُسْخَةٍ: "لأَنَّ السُّلْطَانَ يَقْتُلُ مَنْ قَتَلَهُ الرَّعِيَّةُ بِأَمْرِهِ، وَالْأُولَى أَظْهَرُ. (2/305)
صفحة 802
بِإِغْرَائِهِ، وَالْمُعَلِّمُ يُقْتَلُ بِمَنْ قَتَلَهُ الصَّبْيَانُ بِأَمْرِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي بَعْضِ الْأَقْوَالِ
يُقْتَلُونَ إِيَّالَةٌ) وَسِيَاسَةٌ.
وَقَوْلُنَا مِنْ يَدِ عَاقِلِ نَافِذِ الأَحْكَامِ؛ لأَنَّ الطِّفْلَ وَالْمَجْنُونَ لَا يُقْتَلَانِ بِمَنْ قَتَلاهُ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ فِيهِ دِيَةٌ الْخَطَأَ تُؤَدِّيهَا الْعَاقِلَةُ.
وَقَوْلُنَا: يَتكَافَأُ دَمُهُ دَمَ الْقَاتِل مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، أَيْ: يَتَسَاوَى؛ لأَنَّ الْحُرَّ لَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ، وَلَا الْمُسْلِمُ يُقْتَلُ بِالْمُشْرِكِ حُرًّا كَانَ الْمُسْلِمُ أَوْ عَبْدًا، لَكِنْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ إِذَا كَانَ الْقَاتِلُ حُرّا، وَعَلَى مَوْلَى الْعَبْدِ الْقَاتِل قِيمَتُهُ إِنْ كَانَ الْمُشْرِكُ الْمَقْتُولُ مُعَاهَدًا، كِتَابِيًّا كَانَ أَوْ مَجُوسِيًّا أَوْ وَثَنِيًّا، فَالْكِتَابِيُّ دِيَتُهُ ثُلُثُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ،
(2)
وَالْمَجُوسِيُّ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ نُقْرَةٌ، وَالْوَثَنِيُّ سِتُّمِائَةٍ، وَالْمَرْأَةُ مِنْهُمْ عَلَى النِّصْفِ
فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. وَقَوْلُنَا مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ؛ لأنَّ الرَّجُلَ لا يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ حَتَّى يُؤَدِّيَ أَوْلِيَاؤُهَا نِصْفَ الدِّيَةِ. وَقَالَ آخَرُونَ: يُقْتَلُ مِنْ غَيْرِ أَدَاءِ شَيْءٍ، وَأَمَّا إِنْ قَتَلَهَا فَتْكًا فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهَا مِنْ غَيْرِ رَدْ شَيْءٍ، كَانَ الْقَاتِلُ لَهَا وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ قتل ثَلاثَةَ رِجَالٍ بِامْرَأَةٍ اشْتَرَكُوا فِي قَتْلِهَا، فَقَالَ: لَوْ تَمَالاً عَلَيْهَا أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ. وَأَمَّا الْعَبْدُ فَدِيَتُهُ ثَمَنْهُ، وَجِرَاحَاتُهُ عَلَى قَدْرِ ثَمَنِهِ، وَكُلُّ مَا هُوَ نِصْفُ فِي دِيَةِ الْحُرِّ فَهُوَ فِي الْعَبْدِ نِصْفُ ثَمَنِهِ، وَكَذَلِكَ إِلَى أَقَلْ قَلِيلِ أَوْ أَكْثَرِ كَثِيرٍ.
وَلا يُقْتَلُ عَبْدٌ بِعَبْدِ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ قِيمَةٌ حَتَّى يُؤَدِّيَ صَاحِبُهُ فَضْلَ مَا بَيْنَهُمَا.
(1) [إيالة آل ماله يَؤوله إيالة إذا أصلحه وساسه والائتيال الاصلاح والسياسة ... والإيالة السياسة. (لسان العرب، مادة "أول")]. (1) [النُّقْرَةُ من الذهب والفضة: القِطْعَةُ المُذابَةُ، وقيل هو ما سُبِك مجتمعاً منها، والنُّقْرَةُ السَّبِيكَةُ، والجمع نِقار" (لسان العرب، مادة "نقر")]. (2/306)
صفحة 803
aerialastataksichicksaldatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakiskiskiski
وَقَوْلُنَا مِمَّا لا يَحِلُّ قَتْلُهُ، احْتِرَازًا مِنَ الْمُرْتَدَّ وَالْبَاغِي وَالْمُشْرِكِ الْمُحَارِبِ؛ لأَنَّهُ لا يُقْتَلُ بِهِمْ. وَكَذَلِكَ الإِمَامُ فِي الْجِنَايَةِ الْجُنَاةِ"، وَالزَّانِي الْمُحْصَنِ،
وَالزِّنْدِيقِ وَأَشْبَاهِهِمْ.
فَقَتْلُ الْعَمْدِ عَلَى وُجُوهِ: أَحَدُهَا مَا قَدَّمْنَاهُ، فَوَلِيُّ الْمَقْتُولِ مُخَيَّرٌ فِي الْقَاتِل بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْعَفْوِ وَأَخْذِ الدِّيَةِ، فَالدِّيَةُ فِي قَضَاءِ الرَّسُولِ وَالْخُلَفَاءِ مِنْ بَعْدِهِ مِائَةٌ مِنَ الإبل. وَفِي أَثَرِ أَصْحَابِنَا قِيمَهُ كُلِّ نَاقَةٍ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، وَجُمْلَهُ ذَلِكَ أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ ذَهَبًا سَكَكًا.
وَوَجْهُ آخَرُ: قَتْلُ الْفَتْكِ، وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَأْتِيَهُ الْقَاتِلُ فِي مَكَانِهِ وَهُوَ غَافِلٌ لَا يَرَى أَنَّهُ يُرِيدُ بِهِ بَأْسًا فَيَقْتُلَهُ مُفَاجَأَةٌ، فَذَلِكَ الْفَتْكُ الَّذِي قِيلَ فِيهِ: "الإِسْلَامُ قَيَّدَ الْفَتْكَ، لا يُفْتَكُ مُؤْمِنٌ، وَلَا فَتْكَ فِي الإِسْلامِ".
وَوَجْهُ آخَرُ: وَهُوَ قَتْلُ الْغَدْرِ؛ وَذَلِكَ أَنْ يُعْطِيَهُ الأَمَانَ، وَهُوَ أَشَرُّ هَذِهِ الْوُجُوهِ.
وَأَمَّا الْعَقْصُ فَهُوَ أَنْ يُضْرَبَ بِحَدِيدَةٍ فَيَمُوتَ مَكَانَهُ.
وَأَمَّا شِبْهُ الْعَمْدِ فَهُوَ أَنْ يُضْرَبَ بِمَا لاَ يَقْتُلُ مِثْلُهُ، مِثْلِ الرِّيشَةِ وَنَحْوِهَا، ثُمَّ يَمُوتَ الْمَضْرُوبُ مَكَانَهُ، وَفِيهِ اخْتِلافُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: فِيهِ دِيَةٌ، وَلَا قَوَدَ، وَلَا تَعْقِلُهُ الْعَاقِلَةُ، وَهِيَ مُغَلَّظَةٌ عَلَى الْقَاتِل يُؤَدِّيهَا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: يُقَادُ مِنْهُ؛ لأَنَّهُ تَعَمَّدَ ضَرْبَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ قَتَلَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْخَطَأُ الْمَحْضُ: وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ الرَّامِي شَيْئًا يَحِلُّ لَهُ قَتْلُهُ، أَوْ رَمِيَّةٌ كَالصَّيْدِ وَالدَّابَّةِ وَقَاتِل وَلِيْهِ وَأَشْبَاءِ ذَلِكَ، فَيُصِيبَ غَيْرَهُ بِالْقَتْلِ، أَوْ يَسْقُطَ مِنْهُ شَيْءٌ فَيُصِيبَ إِنْسَانًا فَيَقْتُلَهُ، أَوْ يَسْقُطُ هُوَ بِنَفْسِهِ، أَوْ يَصِيحَ صَائِحٌ فِي أَمْرٍ يَحِلُّ لَهُ فَيَسْقُطَ مِنْهُ شَيْءٌ، أَوْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ مِنْ صَيْحَتِهِ تِلْكَ، ذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْوُجُوهَ فَهُوَ خَطَأً مَحْضُ، اصْطَلَحَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى دِيَتِهِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، تَعْقِلُهُ بِشَهَادَةِ (2/307)
صفحة 804
قواعد الإس
دو
الشُّهُودِ دُونَ إِقْرَارِ الْقَاتِلِ، وَلاَ تَعْقِلُ مِنْ ذَلِكَ صُلْحًا وَلَا عَمْدًا، وَلَا اعْتِرَافًا، وَلاَ مَالاً، وَلَا مَا جَنَى عَبْدٌ مَمْلُوكُ، وَلاَ تَعْقِلُ مَا دُونَ الثَّلُثِ، وَقِيلَ: تَعْقِلُ مَا فَوْقَ الْمُوضِحَةِ حَةِ (1)، وَلاَ تَعْقِلُ مَا دُونَهَا، وَيَعْقِلُ دِيَةَ الْخَطَةِ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٍ قُسِّمَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ أَقْرَبُ لِلْمَيِّتِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ إِلَى آخِرِهِمْ، فَإِنْ لَمْ تَتِمَّ أُعِيدَتْ عَلَيْهِمْ كَذَلِكَ حَتَّى تَيَمَّ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَاقِلَةِ، فَقِيلَ: هِيَ إِلَى خَمْسَةِ آبَاءِ، وَقِيلَ: إِلَى سَبْعَةٍ، وَقِيلَ:
إِلَى عَشَرَةٍ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يَقْطَعُهُمُ الشَّرْكُ.
وَيَجُوزُ الْقَوَدُ فِي الظُّهُورِ وَالْكِثْمَانِ، وَهِيَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَالنِّصْفُ يُؤَدَّى فِي عَامَيْنِ، وَالتَّلْتُ فِي عَامٍ وَاحِدٍ. وَشَرْحُ هَذِهِ الْمَعَانِي يَطُولُ بِهِ الْكِتَابُ. مَسْأَلَةٌ: وَالْجِرَاحَاتُ مَا أَمْكَنَ فِيهِ الْقِصَاصُ اقْتُصَّ مِنْهُ، وَإِلا فَالدِّيَةُ إِنْ كَانَ مَا هُوَ مَعْلُومًا دِيَتْهُ كَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَأَشْبَاهِهِمَا مِنَ الْجَوَارِحِ، وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ دِيَتُهُ فَيَنْظُرُ فِيهِ الْعُدُولُ، فَيَجُوزُ فِيهَا حِينَئِذٍ أَخَذُ الدِّيَةِ أَوِ الْهَبَةِ أَوِ الْمُحَالَلَةُ، وَقِيلَ: تَجُوزُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَظَرَ الْعُدُول، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ الطَّالِبَ أَنْ يَطْلُبَ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَمَرَ الْمَطْلُوبَ أَنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ إِلَى صَاحِبِهِ بِإِحْسَانٍ، قَالَ: فَمَنْ عُنِى لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ (2) الآية، ثُمَّ قَالَ: فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (3) يَعْنِي: مَنْ قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ، وَلاَ يُعْفَى عَنْهُ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الدِّيَةُ، وَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَمَنْ قَتَلَ بِالدَّيْنُونَةِ فَهُوَ إِلَى السُّلْطَانِ يَقْتُلُهُ وَلَا يَعْفُو عَنْهُ، وَكَذَلِكَ
(2)
قاطِعُ الطَّرِيقِ. وَاخْتَلَفُوا فِي قَتَلَ الْغِيلَةِ، فَقِيلَ: أَمْرُهُ إِلَى السُّلْطَانِ، وَقِيلَ: إِلَى الْوَلِيِّ. وَمَعْنَى
(1) [الْمُوضِحَةُ وَهِيَ الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ، أَي تُظهِرُهُ" (شرح النيل، 16/ 15)]
(1) البقرة: (178).
(1) البقرة: (178) (2/308)
صفحة 805
الْغِيلَةِ: أَنْ يُحْتَالَ بِالرَّجُل فَيُدْعَى إِلَى طَعَامِ أَوْ غَيْرِهِ حَتَّى يُؤْتَى بِهِ إِلَى مَكَانٍ مُطْمَئِنٌ وَهُوَ غَافِلٌ لا يَعْلَمُ مَا يُرَادُ بِهِ، فَيُقْتَلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَالْمَقْتُولُ عَمَدًا وَلِيُّهُ مُخَيَّرٌ فِي الْقَاتِلِ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْعَفْوِ وَأَخْذِ الدُّيَةِ، فَإِنْ عَفَا أَوْ أَخَذَ الدِّيَةَ فَعَلَى الْقَاتِلِ كَفَّارَةُ الْقَتْلِ، وَهِيَ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَالاعْتِرَافِ، وَإِنْ قَتَلَهُ الْوَلِيُّ فَإِنْ تَابَ قَبْلَ ذَلِكَ صُلّي عَلَيْهِ، وَيُتَوَلَّى إِنْ كَانَ أَهْلاً لِذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ (3)، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(1) كَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: آية 92 {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَا - إلى قوله - فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِمَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا
حَكِيمًا.
(1) سَبَقَ فِي بَعْضٍ تَعَالِيقِنَا السَّالِفَةِ أَنَّ الْمَحْدُودَ يُصَلَّى عَلَيْهِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: " صَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَعَلَى مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ". (2/309)
صفحة 806
katakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatak (2/310)
صفحة 807
قواعد الإ
الفصل الثالث
فِي مَظَالِمِ الْفُرُوجِ
وَهِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ: مَظْلَمَةِ سِفَاحٍ وَنِكَاحٍ
الوجه الأوَّلُ]: فَالسِّفَاحُ يَلْزَمُ فِيهِ لِلْحُرَّةِ الْعَقْرُ بِالإِكْرَاهِ مَعَ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الزَّانِي وَاسْتِحْقَاقِ الْكُفْرِ، وَأَمَّا بِالْمُطَاوَعَةِ فَلَا يَلْزَمُهُ إِلَّا الْكُفْرُ وَالْحَدُّ، وَأَمَّا الأمةُ وَالصَّيَّةُ وَالْمَجْنُونَةُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْعَقْرُ وَالْحَدُّ وَالْكُفْرُ بِالْمُطَاوَعَةِ وَالإِكْرَاءِ، مَا خَلاَ الأَمَةَ فِي إِسْقَاطِ الْعَقْرِ عَنْهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهَا دُونَ الْحَدِّ وَالْكُفْرِ، وَإِنْ كَانَ زَنَى بِالْبَهِيمَةِ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ مَعَ غُرْم قِيمَتِهَا، وَتُذْبَحُ وَتُدْفَنُ فِيمَا ذُكِرَ فِي أَثَرِ أَصْحَابِنَا، وَرُوِيَ أَنَّ امْرَأَةٌ سَأَلَتْ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ فَقَالَتْ: إِنَّ زَوْجِي كَانَ يَأْتِي شَاتِي، أَفَيَحِلُّ لِي لَبَنُهَا؟ فَقَالَ: تَسْأَلِينَ عَنْ لَبَنِ شَاتِكَ وَقَدْ حُرِّمَ عَلَيْكِ زَوْجُكِ؟! فَكَرِهَ جَابِرٌ لَبَنَهَا،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ كَانَ الزِّنَى بِالشَّيِّبِ فَنِصْفُ عَفْرِهَا، وَأَمَّا إِنْ أَدْخَلَ أُصْبُعَهُ فِي فَرْجِ النَّيِّبِ فَلا عَقْرَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْبَكْرُ فَعَلَيْهِ عَفْرُهَا إِنِ افْتَضَّهَا، وَأَمَّا الصَّبِيُّ إِنْ وَطِئَهُ فِي دُبُرِهِ فَعَلَيْهِ مِثْلُ صَدَاقِ الشَّيْبِ فِيمَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ أَثَرِ بَعْضِ مَشَائِخِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَأَمَّا مُفَاخَذَةُ الذُّكْرَانِ فَفِيهَا الْكُفْرُ وَالإِثْمُ دُونَ الْغُرْمِ، وَكَذَلِكَ مُقَدِّمَاتُ الزِّنَى مِنَ (2/311)
صفحة 808
قواعد الإسلام
التَّقْبِيلِ وَالدَّمْسِ وَالنَظَرِ بِشَهْوَةٍ، فَلا أَعْلَمُ فِيهَا إِلا الإِثْمَ وَالْعِصْيَانَ وَالْكُفْرَ، مَعَ
شَرِيطَةِ الإِصْرَارِ وَالشَّهْوَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الوَجْهُ الثَّانِي: وَأَمَّا النَّكَاحُ الصَّحِيحُ فَفِي الْوَطْئِ مِنْهُ الصَّدَاقُ كَامِلاً إِنْ سُمِّي، وَإِلا فَنِصْفُهُ إِنْ وَقَعَتْ فُرْقَةٌ قَبْلَ الْمَسِيسِ بِالطَّلَاقِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَوْتِ، فَقِيلَ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الدُّخُولِ، وَقِيلَ: كَالطَّلَاقِ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ يُسَمَّ الصَّدَاقُ فَفِي الْحُرَّةِ الْعَذْرَاءِ عُشْرُ دِيَتِهَا وَنِصْفُ الْعُشْرِ إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، وَالأَمَةُ الْعَذْرَاءُ عُشْرُ ثَمَنِهَا، وَلِلشَّيِّبِ نِصْفُ عُشْرِ الثَّمَنِ، وَهُوَ الْعَقْرُ الَّذِي يَحْكُمُ بِهِ الْحَاكِمُ فِي الْإِمَاءِ وَالْحَرَائِرِ جَمِيعًا. وَأَمَّا النِّكَاحُ الْفَاسِدُ فَفِي الْمَسِيس مِنْهُ الصَّدَاقُ، وَإِلا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي مُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ مِنَ الْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ بِالْيَدِ وَالنَّظَرِ، وَعَلَيْهِ الصَّدَاقُ بِذَلِكَ فِي الْفَرْجِ إِذَا وَقَعَ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ.
وَإِنْ وَقَعَتْ فُرْقَةٌ بِالطَّلَاقِ فِي صَحِيحِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ تَسْمِيَةِ الصَّدَاقِ فَعَلَيْهِ الْمُتْعَةُ وَاجِبَة لِنَظَرِ الْعُدُولِ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ، وَلِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ
مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ مَا خَلَا الَّتِي لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ فِي وُجوبِ غُرمِ الصَّداقِ على الزَّوْحِ]: وَيَجِبُ عَلَى الزَّوْحِ غُرْمُ الصَّدَاقِ إِذَا حَلَّ أَجَلُهُ، وَبِالتَّزويج أَوِ التَّسَرِّي أَوِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةَ فِي رَجْعِيِّ الطَّلَاقِ، وَيَجِبُ عَلَى الْوَرَثَةِ بِمَوْتِ الزَّوْجِ إِنْ لَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ إِلَى الزَّوْجَةِ، إِلَّا إِنْ وَهَبَتْهُ لَهُ بِطِيبَةِ نَفْسِهَا وَلَمْ تَرْجِعْ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ تَبَرَّأَتْ مِنْهُ إِلَى زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضْرِبَهَا فِي نَفْسِهَا وَلَا فِي مَالِهَا، وَكَذَلِكَ الْمُتْعَةُ بَعْدَ وُجُوبِهَا بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لَا
تَسْقُطُ عَنِ الزَّوْحِ، إِلا أَنْ تَهَبَهَا لَهُ بِطِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (2/312)
صفحة 809
datelatolatakatatakatakas
الفصل الرابع
فِي مَظَالِمِ الْأَعْرَاضِ
وَمَظْلَمَةُ الأَعْرَاضِ تُسَمَّى قَدْفًا وَاغْتِيَابًا وَطَعْنَا وَاقْتِدَاحًا.
القسم الأول] أَمَّا الْقَذْفُ: فَهُوَ الرَّمْيُ لِلإِنْسَانِ بِأَمْرِ هُوَ مِنْهُ بَرِيءٌ، مِثْلُ أَنْ يَرْمِيَهُ بِالزِّنَا أَوْ بِالسَّرِقَةِ أَوِ الْقَتْلِ لِغَيْرِهِ أَوْ بِالشِّرْكِ أَوْ بِالنِّفَاقِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَهُوَ
بَرِيءٌ مِنْهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَن يَكْسِبُ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمَاثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَنا وإنما مبينا، إِلا أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الْقَذْفِ وَالزِّنَا وَغَيْرِهِ مِنْ وُجُوهِ
(1).
ه
النِّفَاقِ فِي الْحَدِّ وَالتَّنْكِيل فِي الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمَّ لَوْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَة فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنَينَ جَلْدَة (2) الآية، فَكُلُّ مَنْ قَذَفَ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا فَهُوَ هَالِكٌ. وَقِيلَ عَنْ بَعْضِهِمْ: وَلَوْ قَذَفَ صَخْرَةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَكِنْ لا يَجِبُ الْحَدُّ فِيهِ إِلَّا إِنْ كَانَ الْقَاذِفُ وَالْمَقْذُوفُ بَالِغَيْنِ حُرَّيْنِ مُوَحْدَيْنِ، وَهُوَ ثَمَانُونَ جَلْدَةً كَمَا قَدَّمْنَا، مَا خَلاَ مَنْ قَذَفَ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ الْحَدَّ فِيهِ الْقَتْلُ؛ لأَنَّهُ بِذَلِكَ مُشْرِكٌ، إِلَّا إِنْ تَابَ مِنْ
رِدَّتِهِ، فَإِنَّهُ يُجْلَدُ الْحَدَّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) النِّسَاء: (112).
(1) النور: (4). (2/313)
صفحة 810
قواعد الإس
وَأَمَّا الْقَذْفُ بِالنِّفَاقِ وَالْكُفْرِ فَيَجِبُ فِيهِ التَّعْزِيرُ مَعَ التَّوْبَةِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَا مُنَافِقُ، يَا كَافِرُ، يَا فَاجِرُ، يَا عَدُوَ اللهِ، يَا خِنْزِيرُ، وَهُوَ لَا يَسْتَحِقُ ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ أَوِ النَّكَالُ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْحَاكِمُ، وَعَلَى قَدْرِ مَنْزِلَةِ الْمَرْمِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَذَلِكَ الرَّمْيُ بِالتُّرَابِ فِي وَجْهِهِ أَوْ بِالْبُزَاقِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ النَّكَالُ
عَلَى قَدْرِ النَّظَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[القسم الثاني]: وَأَمَّا الاغْتِيَابُ وَالطَّعْنُ فِي الْأَعْرَاضِ: فَلَيْسَ فِيهَا وُجُوبُ حَدٌ فِي الدُّنْيَا، لَكِنْ يَلْزَمُ فِيهَا الْكُفْرُ وَانْهَدَامُ الصَّوْمِ وَالْوُضُوءِ، وَاسْتِحْقَاقُ الْعِقَابِ فِي الآخِرَةِ فِي اغْتِيَابِ أَهْلِ الْوَلايَةِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ الْغِيبَةَ تُفْطِرُ الصَّائِمَ وَتَنْقُضُ الْوُضُوءَ (1)، وَلاَ يَنْقُضُ الصَّوْمَ وَالْوُضُوءَ - وَهُمَا مِنْ أَشْرَفِ طَاعَاتِ الْمُتَعَبِّدِينَ - إِلا الْكَبَائِرُ الْمُوبِقَاتُ، وَقَدْ شَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى اغْتِيَابَ الْمُؤْمِنِ بِأَكْلِ لَحْمِهِ، فَقَالَ: {وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ لحم أخيه مييّنا) () الآية، وَتَمْزِيقُ الأَعْرَاضِ أَشَدُّ عَلَى النُّفُوسِ مِنْ تَمْزِيقِ النُّحومِ، وَلِذَلِكَ شَبَّهَهُ اللهُ تَعَالَى بِأَكْلِ لَحْمِ الْمَيِّتِ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْمَلَكَ الَّذِي يُمَثْلُ لابْنِ آدَمَ فِي الْمَنَامِ مَا يُطَالِعُهُ الرُّوحِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوطِ بِالْأَمْثِلَةِ الْمَحْسُوسَةِ، يُمَثَلُ الْغِيبَةَ بِأَكُل لَحْمِ الْمَيْتَةِ، حَتَّى أَنَّهُ مَنْ رَأَى فِي مَنَامِهِ أَنَّهُ يَأْكُلُ لَحْمَ الْمَيْتَةِ أَنَّهُ يَغْتَابُ النَّاسَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فَلَمَّا كَانَ الظُّلْمُ فِي الْمَالِ يَسْتَوْجِبُ لِلإِنْسَانِ الْكُفْرَ وَلَوْ ظَلَمَ حَبَّةٌ فَمَا دُونَهَا، كَانَ مَعْلُومَا بِالضَّرُورَةِ أَنَّ ظُلْمَ الْمُسْلِمِ فِي عِرْضِهِ أَعْظَمُ فِي النَّفْسِ مِنْ أَكْلِ حَبَّةٍ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَوَاهُ الرَّبِيعُ، وَتَمَامُهُ: "وَتَهْدِمُ الأَعْمَالَ هَدْمًا وَتَسْقِي أُصُولَ الشَّرُ".
(1) الْحُجُرَات: (12). (2/314)
صفحة 811
akiskiskskickiskisla sintalatakatakataka zaislaislaiskiskiplie
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتُلِفَ فِي تَوْبَةِ الْمُغْتَابِ لِلْمُسْلِمِ، فَقَالَ قَوْمٌ: لَا تَوْبَةَ لَهُ حَتَّى يَتَحَلَّلَ مِنْ صَاحِبِهِ إِنْ كَانَ حَيَّا، وَإِنْ كَانَ مَيْتًا فَلْيَسْتَغْفِرْ لَهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " الْغِيبَةُ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَى قِيلَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: الزَّانِي إِذَا تَابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، وَالْغِيبَةُ لا تُغْفَرُ حَتَّى يَغْفِرَهَا صَاحِبُهَا "، وَقَالَ آخَرُونَ: إِذَا لَمْ تَبْلُغُهُ فَلْيَتُبِ
الْمُعْتَابُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، لِئَلاً يُشَوِّشَ قَلْبَهُ إِنْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ اغْتَابَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَعْنَى الْغِيبَةِ: أَنْ يُقَالَ فِي الْمُسْلِمِ وَرَاءَ ظَهْرِهِ مَا هُوَ فِيهِ مِمَّا يَكْرَهُ الْمُجَاهَرَةُ بِهِ، يُرِيدُ تَصْغِيرَ شَأْنِهِ فِي الْقُلُوبِ، وَإِنْ قَالَ مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ بُهْتَانٌ. وَالْمُسْتَمِعُ إِلَى الغيبَةِ شَرِيكُ الْقَائِلِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ؛ لأَنَّهُ "نَهَى نَهَى عَنِ الْغِيبَةِ وَالاسْتِمَاعِ إِلَيْهَا، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي مِثْلِ ذَلِكَ: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَبِ إِلَى قَوْلِهِ: حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ (3) الآية، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ.
(1) [رواه البيهقي: شعب الإيمان، فصل فيما ورد من الأخبار في التشديد على من اقترض من
عرض أخيه المسلم شيئا بسب أو غيره، ر 6740].
(1) [رواه الهندي: كنز العمال التغني المحظور، ر 40662].
(1) النِّسَاء: (140). (2/315)
صفحة 812
قواعد الإس
الفصل الخامسين
فِي التَّنَصُّلِ مِنْ هَذِهِ التَّبَاعَاتِ
اعْلَمْ أَنَّ مَظَالِمَ الْعِبَادِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا مِنَ الْحُقُوقِ وَالأَمْوَالِ وَالْفُرُوجِ لَا تَجُوزُ تَوْبَةُ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ أَوْ فِي ذِمَّتِهِ إِلَّا بِالتَّنَصُّلِ مِنْهَا إِلَى أَرْبَابِهَا، وَالْخُرُوجِ مِنْهَا بِالأَدَاءِ أَوِ الْمُحَالَلَةِ مِنْهُمْ لَهُ بِطِيبَةِ نَفْسٍ، وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ الأُمَّةِ فِي هَذَا خِلافًا. وَاخْتَلَفُوا إِذَا لَمْ يَجِدْ أَرْبَابَهَا بَعْدَ مَا تَابَ، فَقِيلَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ قُفَل ضَاعَ مِفْتَاحُهُ، وَقِيلَ: يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَأَظُنُّهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَحْسَبُهُ أَنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَأَمَّا إِنْ تَابَ تَوْبَةٌ نَصُوحًا، وَأَدَّى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ التَّبَاعَاتِ، وَنَسِيَ بَعْضَهَا فَلَمْ يُؤَدِّهَا وَلَمْ يَتَذَكَّرْ حَتَّى مَاتَ، فَإِنَّ هَذِهِ التَّبَاعَاتِ تُخْرَجُ مِنْ حَسَنَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنْ كَانَتْ لَهُ، وَإِلا فَالْمُؤَدَّاتُ عَلَى مَوْلاهُ، وَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ، وَفِي رِوَايَةِ ضُمَامِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ رَسُولِ اللهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّهُ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ فَإِنَّهُ يَتَحَمَّلُ مِقْدَارَ تِلْكَ التَّبَاعَاتِ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهَا، وَلَمْ يَصِحَ عِنْدَنَا هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (2/316)
صفحة 813
datakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakaichte
الْبَابُ الثَّالِثُ مِنَ الرُّكْنِ فِي الْمَحَارِمِ وَالْكَبَائِرِ
(1).
قَالَ سُبْحَانَهُ: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبيثَ)، وَهِيَ جَمِيعُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى
مِنْ كَسْبِ الْحَرَامِ، وَأَكْلِهِ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْخَمْرِ وَالنَّبِيدِ الْمُسْكِرِ وَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَأَنْجَاسِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَذَبَائِحِهِمْ، وَجَمِيعِ الْفَوَاحِشِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ مِنَ الزِّنَى وَالنَّظَرِ إِلَى الْعَوْرَاتِ، وَجَمِيعِ مُقَدِّمَاتِ الزِّنَى مِنَ النَّظَرِ وَاللَّمْسِ وَالْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ لِلنِّسَاءِ الأَجْنَبِيَّاتِ، وَجَمِيعِ مَا حَرَّمَ اللهُ تَعَالَى مِنَ الرِّبَا وَالْغِضُّ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالتَّطْفِيفِ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَأَكْلِ الأَمْوَالِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْبَاطِلِ مِنَ السَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ وَغَيْرِهَا، وَمَا حَرَّمَ اللهُ تَعَالَى مِنَ الْبَغْيِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَالْقَوْلِ بِالنُّورِ
وَالْكَذِبِ وَالنَّمِيمَةِ وَالشِّرْكِ وَالْبُهْتَانِ وَقَدْفِ الْبَرِيءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ
ما
قَدَّمْنَا فِي أَبْوَابِ الْمَظَالِم فَهُوَ مُحَرَّمٌ خَبِيفٌ، وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ الَّتِي أَوْجَبَ اللهُ عَلَيْهَا النَّكَالَ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابَ فِي الآخِرَةِ، وَسَنَذْكُرُ بَعْضَ أَصْنَافِ الْكَبَائِرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّة، لِيُسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَأَحْكَمُ.
(1) الأعراف: (157). (2/317)
صفحة 814
مَسْأَلَةٌ فِي فَرْزِ بَعْضِ الْكَبَائِرِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَّرَ الْإِثْمِ
والفواحش الآية (1).
(2)
فَمِنْهَا الشِّرْكُ بِاللَّهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ان الشِرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، وَقَوْلِهِ: وإِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ (3)، وَقَوْلِ النَّبِيِّ: "أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الشِّرْكُ بِاللهِ، وَهُوَ جَمِيعُ الْوُجُوهِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا فِي صَدْرِ الْكِتَابِ.
(4)
وَمِنْهَا أَكْلُ أَمْوَالِ النَّاسِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْبَاطِلِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ إِلَى قَوْلِهِ: {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا)، وَلِقَوْلِ: " الْقَلِيلُ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ يُورِثُ النَّارَ (6).
(v).
وَمِنْهَا قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ بِغَيْرِ حَقٌّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ الآية ()، وَلِقَوْلِهِ: " مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْل مُؤْمِنٍ وَلَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ آبِسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَقَوْلِهِ: "أَلَا لَيَحُولَنَّ بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ بَعْدَ أَنْ يَرَاهَا كَفَّ مِنْ دَمٍ يُهْرِقُهُ أَوْ
مَالِ ضَمِنه (9)
(1) النَّجم: (32). (1) لُقْمَان: (13).
(1) الْمَائِدَة: (72).
(1) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(0) النِّسَاء: (29 - 30).
(1) رَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ.
(1) النِّسَاء: (93).
(1) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَةَ بِحَذْفِ "وَلَوْ لَقِيَ الله" بَدَلَ جَاءَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ. (1) رَوَاهُ الرَّبِيعُ بِحَذْفِ إِلا فِي أَوَّلِهِ، وَزِيَادَةِ بَعْدَ أَنْ يَرَاهَا بَعْدَ قَوْلِهِ: وَبَيْنَ الْجَنَّةِ. (2/318)
صفحة 815
(2) 1
وَمِنْهَا: أَكْلُ السُّحْتِ وَالْحَرَامِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {أَوَلَيْكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ: "كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتِ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ" به (2)، وَبِالْجُمْلَةِ فَظُلْمُ النَّاسِ فِي جَمِيعِ أَمْوَالِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ بِالْحَبَّةِ فَمَا دُونَهَا، وَبِاللَّطْمَةِ فِي الْأَبْدَانِ فَمَا دُونَهَا حَرَامٌ مُحَرَّمٌ مُعَاقَبٌ عَلَيْهَا.
وَمِنْهَا: شُرْبُ الْخَمْرِ، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إِلَى قَوْلِهِ: فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (3)، وَلِقَوْلِهِ: لُعِنَتِ الْخَمْرُ وَشَارِبُهَا (4)،
(6)
وَلِقَوْلِهِ: شَارِبُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ الْوَثَنِ " ()، وَقَوْلِهِ: " الْخَمْرُ جِمَاعُ الإِثْمِ ". وَمِنْهَا: شُرْبُ النَّبِيدِ الْمُسْكِرِ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: " مَا أَسْكَرَ قَلِيلُهُ فَكَثِيرُهُ حَرَامٌ ()، حَرَامٌ ()، وَقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَ لِمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ. قِيلَ: فَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: عُصَارَةُ أَهْل النَّارِ "
(^) 11
وَمِنْهَا الْمَيْسِرُ؛ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَرَنَهُ بِالْخَمْرِ فِي التَّحْرِيمِ.
وَمِنْهَا: أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ لِغَيْرِ الْمُضْطَرُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ إِلَى قَوْلِهِ: {وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَهِ ذَلِكُمْ فِسْقُ) الآية)، وَنَهَى عَنْ أَكْلِ الأَنْجَاسِ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَغَيْرِهِمَا لِدُخُولِهِمَا فِي
(1) البقرة: (174). (1) رَوَاهُ الرَّبِيعُ، وَرَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ.
(1) الْمَائِدَة: (90). (1) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْن عَبَّاس وَتَمَامُهُ: "وَسَاقِيهَا وَبَائِعُهَا وَمُبْتَاعُهَا، وَعَاصِرُهَا وَمُعْتَصِرُهَا وَحَامِلُهَا، وَالْمَحْمُولَهُ إِلَيْهِ وَآكِلٌ ثَمَنِهَا".
(1) رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: "مُدْمِنُ الْخَمْرِ".
(1) [رواه الدارقطني، كتاب الأشربة وغيرها، ر 2].
(2) [رواه أبو داود، باب النهي عن المسكر، ر 3683].
(1) رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ بِلَفْظِ: " أَنَّ عَلَى اللهِ عَهْدًا"، وَبِزِيَادَةِ: "عَرَق أَهْلِ النَّارِ".
(1) الْمَائِدَة: (3). (2/319)
صفحة 816
قواع
(1)
جُمْلَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَتُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبينَ، وَسَمَّاهُمُ النَّبِيُّ الأَخْبَتَيْنِ. وَمِنْهَا عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَأَنِ اشْكُرْ لي ولوالديك (3)
وَقَوْلِ النَّبِيِّ: عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ "
(3)
(4)
وَمِنْهَا: قَطِيعَةُ الرَّحِمِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَتُقَطِعُوا أَرْحَامَكُمْ) الآية.
وَمِنْهَا: الزِّنَى لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَا نَقْرَبُوا الزِنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً) الآية، وَقَوْلِهِ: وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَنا ما (1) الآية، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا زَنَا الزَّانِي سُلِبَ الإِسْلامَ، فَإِنْ تَابَ أَلْبِسَهُ).
وَمِنْهَا: النَّظَرُ إِلَى الْعَوْرَاتِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَقُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أبصرهم) الآية، وَلِقَوْلِهِ: "مَنْ نَظَرَ نَظْرَةَ حَرَامٍ تُحْلَتْ عَيْنَاهُ بِمَسَامِيرَ
مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ (9)
وَمِنْهَا: قَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ إِلَى
(1.)
قَوْلِهِ: وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم (10)
(1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا. (1) لُقْمَان: (14).
(1) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (1) الْقِتَال: (22).
(1) الإسراء: (32).
(1) الْفُرْقَان: (68).
(1) [رواه الربيع، باب الحجة على من قال إن أهل الكبائر ليسوا بكافرين، (766].
(1) النور: (30).
(1) لَمْ أَطَّلِعُ عَلَى سَنَدِهِ بِهَذَا النَّصُ، وَفِي مَعْنَاهُ: "النّظْرَةُ سَهْمٌ مِنْ سِهَامٍ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ، فَمَنْ تَرَكَهَا خَوْفًا مِنَ اللَّهِ آتَاهُ اللهُ وَل إِيمَانًا يَجِدُ حَلاوَتَهُ فِي قَلْبِهِ". [رواه الطبراني في الكبير، (10362].
(1) النور: (23). (2/320)
صفحة 817
(1)
وَمِنْهَا: شَهَادَةُ الزُّورِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ وَاجْتَنِبُوا قول الزور (1) وَمِنْهَا الْكَذِبُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَيَوْمَ الْقِيَكَمَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَهُ} الآية (3)، وَقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي حِلْيَةِ الْمُنَافِقِ: الْمُنَافِقِ: "مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ (3).
(?)
وَمِنْهَا الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَن يُوَلِهِمْ يَوْمَيذٍ دُبُرَهُ (4) الآية،
وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ خَاصٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ؛ لأَنَّهُمْ فَرُّوا يَوْمَ أُحُدٍ فَعَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ، لِقَوْلِهِ:
وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ
(0)
(1)
وَمِنْهَا الْغِيبَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَلْمِرُونَ الْمُطَوِعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى قَوْلِهِ فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ، وَكَذَلِكَ الطَّعْنُ فِيهِمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ تُمَزَة.
(A)
(A)
وَمِنْهَا النَّمِيمَةُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: هَمَّازٍ مَشَاء بِنَمِيمٍ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ
(9) 11
: "لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَتَّات (9).
وَمِنْهَا: الْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ نَنَا قليلا إلى آخِرِ الآية (10)، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ: " الْيَمِينُ الْغَمُوسُ مِنْ أَكْبَرِ
(1) الْحَج: (30). (1) الزمر: (60).
(1) [مسند الربيع، الأخبار المقاطيع عن جابر بن زيد، ر 936].
(1) الأنفال: (16).
(0) آل عِمْرَان: (155).
(1) التَّوْبَة: (80).
(1) الْهُمُزَة: (1).
(1) الْقَلَم: (11).
(1) تَقَدَّمَ.
(1) آل عِمْرَانَ: (77). (2/321)
صفحة 818
الْكَبَائِرِ "
(1) وَمِنْهَا: السِّحْرُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي
الآخرة مِنْ خَلَقٍ (3)، أَيْ: مِنْ نَصِيبٍ.
وَمِنْهَا الْغُلُولُ فِي الْغَنَائِمِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا عَلَّ يَوْمَ
القيمة (3)
وَمِنْهَا: التَّنَابُرُ بِالْأَلْقَابِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ). وَمِنْهَا: قِسْمَةُ الْمَوَارِيثِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ، يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فيها (5) الآية، وَقِيلَ: إِنَّهَا فِي قِسْمَةِ
الْمَوَارِيثِ.
وَمِنْهَا الْحُكْمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَوْلَتَيكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (6).
وَمِنْهَا: الرَّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: أَكَلُونَ لِلسُّحْتِ، وَلِقَوْلِ النبي: " الرَّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ كُفْرٌ).
وَمِنْهَا: كِتْمَانُ الشَّهَادَةِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ عَائِمٌ
(1) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ: أَلا أُنكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، قَالَهَا ثَلاثًا. قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ، وَشَهَادَةُ النُّورِ".
(1) البقرة: (103). (2) آل عِمْرَانَ: (161).
(1) الْحُجُرَات: (11). (1) النِّسَاء: (14). (1) الْمَائِدَة: (45).
(1) الْمَائِدَة: (42).
(1) رَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. (2/322)
صفحة 819
قَلْبُهُ، وَيُقَالُ: مَنْ كَتَمَهَا كَمَنْ شَهِدَ بِهَا زُورًا.
وَمِنْهَا: تَحْلِيلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ أَرَهَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن
رِزْقٍ إِلَى قَوْلِهِ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (2) الآية.
وَمِنْهَا: تَرْكُ الصَّلاةِ الْمَفْرُوضَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَضَاعُوا الصَّلَوَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّا (3)، أَيْ: وَادِيًا فِي جَهَنَّمَ فِي بَعْضِ أَقْوَالِ التَّفَاسِيرِ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ: " مَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ فَقَدْ كَفَرَ (4).
وَمِنْهَا: مَنْعُ الزَّكَاةِ، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَكْذِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ) إِلَى قَوْلِهِ: فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (5)، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ: " الزَّكَاةَ مَالٌ يُؤَدِّي إِلَى النَّارِ " ()، وَقَوْلِهِ: "لاَ صَلَاةَ لِمَانِعِ الزَّكَاةِ، وَلِقَوْلِهِ: "مَانِعُ الزَّكَاةِ
يقتل)
(1) الْبَقَرَة: (283).
(1) يونس: (60).
(2) مريم: (59).
(1) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتَّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بِلَفْظِ: "الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ.
(1) التَّوْبَة: (34).
(1) لم أجد من خرجه]، مَنْ أَخَذَهَا وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَحِقُ لَهَا لِكُفْرِهِ أَوْ فِسْقِهِ أَوْ لِغِنَاهُ، وَمَنْ يُؤَدِّيهَا لِغَيْرِ مُسْتَحِقُهَا، وَمَنْ مَنْعَهَا عَنْ مُسْتَحِقَّهَا.
(2) رَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَتَمَامُ الْحَدِيثِ: "قَالَهَا ثَلاثًا، وَالْمُتَعَدِّي فِيهَا كَمَانِعِهَا". قَالَ الرَّبِيعُ: الْمُتَعَدِّي فِيهَا هُوَ الَّذِي يَدْفَعُهَا لِغَيْرِ أَهْلِهَا. قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ذَلِكَ إِذَا مَنَعَهَا مِنْ إِمَامٍ يَسْتَحِقُ أَخَذَهَا، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يَقْتُلُ مَنْ مَنَعَهُ إِيَّاهَا.
(1) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ. (2/323)
صفحة 820
قواعد الإس
وَمِنْهَا: الأَكْلُ فِي رَمَضَانَ، لأَنَّهُ كَبِيرَةٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَلِقَوْلِ الرَّجُلِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنِّي هَلَكْتُ وَأَهْلَكْتُ، قَالَ: مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: أَتَيْتُ أَهْلِي نَهَارًا فِي رَمَضَانَ " (1) فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ قَوْلَهُ هَلَكْتُ وَأَهْلَكْتُ.
وَمِنْهَا: تَرْكُ الْحَجِّ حَتَّى يَمُوتَ وَلَمْ يُوصِ بِهِ إِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (3)، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَج فَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ يَهُودِيًا أَوْ نَصْرَانِيًّا (3) الْحَدِيثِ.
(E).
وَمِنْهَا الْكِبْرُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} الآية (4)، وَلِقْوَلِ وَلِقُولِ النَّبِي: لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ
كبر"
(0) 11
وَمِنْهَا الْحَسَدُ، وَهُوَ أَنْ يُحِبُّ زَوَالَ النّعْمَةِ عَنِ الْإِنْسَانِ، وَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ
يَسْتَعِيدَ مِنْ شَرِّ الْحَاسِدِ، فَقَالَ: {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ)
(6)
وَمِنْهَا الْبَغْضَاءُ، وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ لِلدِّينِ لاَ حَالِقَةُ الشَّعْرِ " ().
(1) تَقَدَّمَ.
(1) آل عِمْرَانَ: (97).
(2) [رواه الترمذي، باب ما جاء في التغليظ في ترك الحج، ر 812].
(1) غَافِر: (60).
(1) [رَوَاهُ البيع، باب الحجة على من قال إن أهل الكبائر ليسوا بكافرين، ر 764]، ومُسْلِمٌ، وَتَمَامُهُ: وَتَمَامُهُ: "فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةٌ. قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ".
(1) الْفَلَقِ: (5).
(1) الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ: "دَبَّ لأَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمُ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ، وَلَا أَقُولُ حَالَقَةَ الشَّعْرِ وَلَكِنْ حَالِقَةُ الدِّينِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَنْ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَلَا أُنبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَلِكَ لَكُمْ: أَفَشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ". رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَوْلَى الزُّبَيْرِ عَنِ الزُّبَيْرِ. (2/324)
صفحة 821
وَمِنْهَا: الرِّيَاءُ بِأَعْمَالِهِ، وَهُوَ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَمَن كَانَ يَرْجُوا
لِقَاءَ رَبِّهِ إِلَى آخِرِ الآيَةِ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "يُدْعَى الْمُرَانِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَرْبَعَةِ أَسْمَاءَ: يَا مُرَائِي، يَا فَاجِرُ، يَا غَادِرُ، يَا خَاسِرُ
و (2)
(3)
(4)
وَمِنْهَا: سُوءُ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِ) الآية، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "إِيَّاكُمْ وَسُوءَ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ فَإِنَّهُ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ. وَمِنْهَا: الإياسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالأَمْنُ مِنَ الْعَذَابِ، إِلَى غَيْرِهِمَا مِنْ غَوَائِل الْقَلْبِ: مِنَ الْغِلّ، وَطَلَبِ الْعُلُو، وَحُبِّ الثَّنَاءِ، وَسَخَطِ الْمَقْدُورِ، وَالْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ، وَالْبُخْلِ وَالرَّغْبَةِ، وَالْفَخْرِ، وَتَعْظِيمِ الْأَغْنِيَاءِ، وَاحْتِقَارِ الْفُقَرَاءِ، وَالتَّنَائِزِ بِالْأَلْقَابِ، وَالْمُدَاهَنَةِ فِي الدِّينِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، عَصَمَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ
بِرَحْمَتِهِ، إِنَّهُ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.
(1) الْكَهْف: (110).
(1) [مسند الربيع، الأخبار المقاطيع عن جابر بن زيد، ر 986].
(1) الْحُجُرَات: (12).
(1) [رَوَاهُ الربيع، باب جامع الآداب، (698]، والْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَنَصُّ الْحَدِيثِ: " إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلا تَحَسَّسُوا وَلا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلاَ تباغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا". (2/325)
صفحة 822
akatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakataka (2/326)
صفحة 823
lateletskickatatatatatala elisa daskaskadatskisaishishishishichiskiskiskiskickatz
قواعد الإ
كِتَابُ الآدَابِ (2/327)
صفحة 824
[صفحة فارغة] (2/328)
صفحة 825
الرُّكْنُ الثَّامِنُ
فِي الآدَابِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ مُرَاعَاتُهَا فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ
قَالَ الْمُؤَلِّفُ الله وَرَضِيَ عَنْهُ: لَمَّا أَتَيْنَا بِحَمْدِ اللَّهِ عَلَى ذِكْرِ الْأَرْكَانِ السَّبْعَةِ الْمَشْرُوطَةِ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا السُّؤَالُ غَدًا فِي الْمَآبِ، رَأَيْنَا أَنْ نَضُمَّ إِلَيْهِ ثَامِنَا فِي أَدَبِيَّاتِ الأَغْذِيَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ آدَابِ اللُّبَاسِ وَالْغَشَيَانِ وَمُعَاشَرَةِ أَصْنَافِ الْبَرِيَّةِ، إِذْ بِتَنَاوُلِ الأَقْوَاتِ تَصْفُو سَلامَةُ الأَبْدَانِ لِعَمَل الطَّاعَةِ، فَيَنْبَغِي لِلإِنْسَانِ أَنْ لَا يُهْمِلَ نَفْسَهُ فِي تَنَاوُلِ الأَغْذِيَةِ إِهْمَالَ الْبَهَائِمِ الْمَرْعِيَّةِ، بَلْ يُلْجِمُهَا بِلِجَامِ الْوَرَعِ، وَيَزِنُ شَهَوَاتِهَا فِي الْغِذَاءِ بِمِيزَانِ الشَّرْعِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مِنْ أَعْمَالِ الْمُؤْمِنِ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِقَوْلِهِ: تَايّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَتِ وَاعْمَلُوا صالحا)، وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيُؤْجَرُ حَتَّى فِي النُّقْمَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى فِيهِ أَوْ إِلَى فَمِ امْرَأَتِهِ (3)، وَإِنَّمَا ذَلِكَ إِذَا رَفَعَهَا لِيَتَقَوَّى بِهَا عَلَى عَمَلِ الدِّينِ، مُرَاعِيًا فِي أَخْذِهَا وَرَفْعِهَا شُرُوطَ الرَّفْعِ وَآدَابَهُ بِالْيَقِينِ.
وَإِذَا كَانَتِ النَّفْسُ لا بُدَّ لَهَا مِنْ تَنَاوُلِ الْغِذَاءِ وَقَمْعِ الشَّهْوَةِ الَّتِي هِيَ أَعْدَى الأَعْدَاءِ، رَأَيْنَا أَنْ نَحْصَرَ الْكَلامَ فِي هَذَا الرُّكْنِ فِي خَمْسَةِ نُصُولٍ: أحدها: في
(1) وَفِي نُسْخَةٍ: "أَعْمَالِ الدِّينِ"
(1) الْمُؤْمِنُونَ: (51).
(2) [رواه أحمد، (1487]، وبِلَفْظِ: "وَإِنَّكَ إِنْ تُنْفِقُ نَفَقَةٌ تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى مَا
تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ". متفق عليه. (2/329)
صفحة 826
آدَابِ الطَّعَامِ وَأَكْلِهِ، والثاني: فِي آدَابِ الشَّرَابِ وَتَنَاوُلِهِ، والثالث: فِي آدَابِ اللبَاسِ وَهَيْئَتِهِ، والرابع: فِي آدَابِ الْجِمَاعِ وَمُسْتَحَيَّاتِهِ، والخامس: فِي آدَابِ
الْمُعَاشَرَةِ مَعَ سَائِرِ الْخَلْقِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. (2/330)
صفحة 827
الفصل الأول
فِي آدَابِ الطَّعَامِ وَأَكْلِهِ
وَهَذَا الْقِسْمُ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ، أَحَدُهُمَا: فِيمَا لَا بُدَّ لِلْمُنْفَرِدِ بِالْأَكْلِ مِنْ مُرَاعَاتِهِ، وَالثاني: فِيمَا يَزِيدُ مِنَ الْآدَابِ بِسَبَبِ الاجْتِمَاعِ.
وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهِ:
الْقِسْمُ الأَوَّل
الْوَجْهُ الأَوَّلُ: مُرَاعَاةُ الْآدَابِ قَبْلَ الأَكْلِ، وَهِيَ سَبْعَةٌ:
(1).
أحدها: مَعْرِفَةُ الطَّعَامِ أَنَّهُ طَيِّبٌ، وَذَلِكَ فَرِيضَةٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَكُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالا طيبا (1) الآية؛ لأَنَّهُ قِيلَ: إِذَا كَانَ حَرَامًا شَارَكَهُ الشَّيْطَانُ فِي أَكْلِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَدِ} (2).
الثاني: غَسْلُ الْيَدَيْنِ لِلنَّظَافَةِ، لِقَوْلِهِ: " الْوُضُوءُ قَبْلَ الطَّعَامِ يَنْفِي الْفَقْرَ
وَبَعْدَهُ يَنْفِي اللّمَمَ (3).
(1) الْبَقَرَة: (168).
(1) الإسراء: (64).
(1) [رواه الطبراني في الأوسط، ر 7166]. (2/331)
صفحة 828
قواعد الان
الثالث: الجُلُوسُ عَلَى الأَيْسَرِ، وَنَصْبُ الرّجُلِ الْيُمْنَى اقْتِدَاء بِرَسُولِ اللَّهِ، وَكَانَ يَقُولُ: "لا أكُلُ مُتَّكِنَّا، أَنَا عَبْدٌ أَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ، وَآكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ (1)، وَيُرْوَى أَنَّهُ رُبَّمَا جَنَا لِلأَكُل عَلَى رُكْبَتَيْهِ (3)، وَيُرْوَى أَنَّ عَلِيًّا أَكَلَ طَعَامًا (3) عَلَى تُرْسٍ وَهُوَ مُضْطَجِعُ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الله. الرابع: انْتِظَارُ الْحَارُ حَتَّى يَبْرُدَ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "دَعُوا الْحَارَّ حَتَّى يَبْرُدَ، فَإِنَّهُ غَيْرُ ذِي بَرَكَةٍ (4)، وَيُقَالُ أَيْضًا: مَا أَنْضَجَتْهُ الشَّمْسُ يُؤْكَلُ بَارِدًا، وَمَا أَنْضَجَتْهُ النَّارُ يُؤْكَلُ حَارًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الخامس: عَقْدُ النَّيَّةِ لِلأكل، وَهُوَ أَنْ يَنْوِي بِهَا التَّقَوِّيَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِيَكُونَ مُطِيعًا بِالأَكْلِ، وَلَا يَقْصِدَ التَّلَذُذَ وَالتَّنْعُمَ.
السادس: أَنْ لا يُحَقِّرَ الطَّعَامَ، وَلَكِنْ يَرْضَى بِهِ، وَلَا يَنتَظِرُ الإِدَامَ؛ لأَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَرَامَةِ الْخُبْزِ، وَيُقَالُ: أَرْبَعٌ حَدَثَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ وَهِيَ الْمَوَائِدُ، وَالْمَنَاخِلُ، وَالأَشْنَانُ، وَالشُّبَعُ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: لَا تَنْخُلُوا الدَّقِيقَ، فَإِنَّهُ (1) [رواه البخاري، باب الأكل متكئا، ر 5083، بلفظ: " لا آكل متكئا"، والبيهقي، باب الأكل
متكئا، ر 14428].
(1) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ: "أَهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللهِ شَاةٌ، فَجَنَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ يَأْكُلُ، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: مَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ؟ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا". [رواه أبو داود، باب ما جاء في الأكل من أعلى الصحفة، ر 3775] (1) في خ: كَعْكًا. (1) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْنَادِ صَحِيح، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: "أَبْرِدُوا الطَّعَامَ؛ فَإِنَّ الطَّعَامَ الْحَارَّ غَيْرُ ذِي بَرَكَةٍ".
(0) [المناخل: نَخَل الشيء نخلا غربله وصفاه، يقال نخل الدقيق والمنخل أداة النخل، يجمع على مناخل،
والنخالة ما بقي من الشيء بعد نخله (المعجم الوسيط مادة "نخل")]. (1) [الأشنان والإسنانُ: من الحمض معروف الذي يُغسل به الأَيْدِي، ويقال له الحُرُضُ (لسان العرب، مادة
"اشن")]. (2/332)
صفحة 829
takatakatakatakatakatakatakataktakiskiskisktaktaktakiskistad
طَعَامٌ
كُلُّهُ، وَكَانَ يَأْكُلُ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ، فَكُلُّ مَا يُدِيمُ الرَّمَقَ وَيُقَوِّي عَلَى
الْعِبَادَةِ فَهُوَ خَيْرٌ كَثِيرٌ.
السَّابِعُ: أَنْ يَجْتَهِدَ عَلَى تَكْثِيرِ الأَيْدِي عَلَى الطَّعَامِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " اجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ يُبَارَك لَكُمْ فِيهِ (1)، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ وَحْدَهُ، وَتُعْجِبُهُ كَثْرَةُ الأَيْدِي عَلَى الطَّعَامِ)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي آدَابِ حَالَةِ الأَكْلِ، وَهِيَ عَشَرَةُ آدَابِ:
"
أحدها: التَّسْمِيةُ فِي أَوَّلِهِ، وَالْحَمْدُ لَهُ فِي آخِرِهِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ: " اذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَى الطَّعَام (3)، وَيُقَالُ فِي الْحَدِيثِ: "إِذَا أَكَلَ الإِنْسَانُ أَوْ شَرِبَ وَلَمْ يُسَم أَكَلَ مَعَهُ الشَّيْطَانُ، فَإِنْ نَسِيَ ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهَ فِي أَثْنَاءِ الطَّعَامِ تَقَيَّأَ الشَّيْطَانُ مَا أكل ()، وَلْيَجْهَرْ بِالتَّسْمِيَةِ لِيُذَكَّرَ بِهَا غَيْرَهُ، فَإِنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ حَتَّى فَرَغَ فَلْيَقُلْ: بِاسْمِ اللهِ عَلَى أَوَّلِهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ عَلَى آخِرِهِ، وَيُقَالُ: إِنَّ ذَلِكَ ثَمَنُ الطَّعَامِ. وَقِيلَ: إِنَّ نُوحًا كَانَ لا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ إِلا سَمَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَحَمِدَهُ، فَسَمَّاهُ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا.
(1) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ فِي رِوَايَتِهِ: "وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ " قَبْلَ: "يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ".
(1) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ: "اجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ".
(2) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بِلَفْظِ: "سَمَّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلِّ مِمَّا يَلِيكَ". (1) جَاءَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ جَالِسًا وَرَجُلٌ يَأْكُلُ فَلَمْ يُسَمِّ اللهَ حَتَّى حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ طَعَامِهِ إِلا لُقْمَةٌ، فَلَمَّا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ثُمَّ قَالَ: "مَازَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَهُ، فَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ اسْتَقَاءَ مَا فِي بَطْنِهِ". (2/333)
صفحة 830
الثاني: الأكلُ بِالْيَمِينِ، لِنَهْيِ النَّبِيُّ عَنِ الْأَكْلِ وَالْإِعْطَاءِ وَالْأَخْذِ بِالشِّمَالِ، وَكَانَ يَمِينُهُ لِطَعَامِهِ وَوُضُوئِهِ، وَقَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ وَيَأْخُذُ وَيُعْطِي بشماله (1)
الثالث: الأَكْلُ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم " يَأْكُلُ بِالثَّلَاثَةِ، وَرُبَّمَا اسْتَعَانَ بِالرَّابِعَةِ، وَلاَ يَأْكُلُ بِأَصْبُعَيْنِ ((2)، وَيُقَالُ: إِنَّ ذَلِكَ إِكْلَهُ الشَّيْطَانِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعَلَمَاءِ الأَكْلُ بِأَصْبُعِ وَاحِدٍ مِنَ الْمَقْتِ، وَبِاثْنَيْنِ مِنَ الْكِبْرِ، وَبِالثَّلَاثَةِ مِنَ السُّنَّةِ، وَبِالأَرْبَعَةِ وَالْخَمْسِ مِنَ الشَّرَهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرابع: تَصْغِيرُ اللُّقَمَةِ وَتَجْوِيدُ مَضْغِهَا، وَمَا لَمْ يَبْتَلِعْهَا لَا يَمُدُّ الْيَدَ إِلَى الأُخْرَى، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْعَجَلَةِ فِي الأَكْلِ، وَلا يَدمُ مَأْكُولًا كَائِنَا مَا كَانَ، لِمَا رُوِيَ
أَنَّ النَّبِي: " مَا ذَمَّ طَعَامًا قَطُّ إِنْ أَعْجَبَهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ (3) الخامس: الأَكْلُ مِمَّا يَلِيهِ إِلا فِي الْفَاكِهَةِ، فَإِنَّهُ لَهُ أَنْ يُجِيلَ يَدَهُ، قَالَ "كُل مِمَّا يَلِيكَ " ()، ثُمَّ كَانَ يَدُورُ عَلَى الْفَاكِهَةِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: "لَيْسَ
هُوَ نَوْعًا وَاحِدًا " (5).
(1) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ: اليَأْكُل أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ، وَلْيَشْرَبُ بِيَمِينِهِ، وَلْيُعْطِ بِيَمِينِهِ، وَلْيَأْخُذُ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ، وَيُعْطِي بِشِمَالِهِ، وَيَأْخُذُ بِشِمَالِهِ". [رواه مسلم، آداب الطعام والشراب وأحكامهما، ر 5384] (1) رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ، وَإِذَا فَرَغَ
لَعِقَهَا.
(2) [رواه البخاري، باب ما عاب النبي صلى الله عليه وسلم طعاما، ر 5093] (1) [رواه البخاري، باب التسمية على الطعام والأكل باليمين، ر 5061].
(1) رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ بِسَنَدِهِ إِلَى عِكْرَاشِ بْنِ ذُوَيْب عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِجَفْنَةٍ كَثِيرَةِ الشَّرِيدِ وَالْوَدَكِ، فَأَقْبَلْنَا نَأْكُلُ مِنْهَا، فَخَبَطَتْ يَدِي فِي نَوَاحِيهَا، فَقَالَ: "يَا عِكْرَاشُ، كُلِّ مِنْ موضع وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ. ثُمَّ أَتِينَا بِطَبَق فيه أَلْوَانٌ مِنَ الرُّطب، فَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ في الطبق، وَقَالَ: "يَا عِكْرَاشُ كُلِّ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّه غَيْرُ لَوْنِ وَاحِدٍ". [رواه الترمذي،
باب في ترك الوضوء قبل الطعام، (1848]. (2/334)
صفحة 831
3350
السادس: أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْ ذِرْوَةِ الْقَصْعَةِ، وَلَا مِنْ وَسَطِ الطَّعَامِ؛ لأَنَّهُ مَوْضِعُ الْبَرَكَةِ، فَلِذَلِكَ وَرَدَ النَّهْيُ فِيهِ، إِلا إِذَا فَرَغَ الطَّعَامُ وَلَمْ يَبْقَ إِلا ذِرْوَةُ الْقَصْعَةِ
فَلْيَأْكُلْهَا.
السَّابِعُ: أَنْ لَا يُقَشِّرَ وَجْهَ الطَّعَامِ، وَلَا يُحَفِّرَ فِيهِ لِيَجْتَمِعَ إِلَيْهِ الإِدَامُ دُونَ الْقَوْمِ، لِنَهْيِ النَّبِيُّ فِي الطَّعَامِ عَنِ الْحَفَّارِ وَالْقَشَّارِ وَالدَّوارِ؛ وَهُوَ الَّذِي يَأْكُلُ يَمِينًا وَشِمَالاً، وَعَنِ الْمُرَمِّلِ؛ وَهُوَ الْمُتَابِعُ اللَّقْمَ بِعَجَلَةٍ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يَرْفَعُ مَا لا يَسَعُ فَمَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّامِنُ: أَنْ يَرْفَعَ الطَّعَامَ إِذَا وَقَعَ مِنْ يَدِهِ وَلْيَأْكُلْهُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَأْخُذْهَا، وَلْيُمِطْ مَا كَانَ عَلَيْهَا مِنْ أَذًى وَلْيَأْكُلْهَا، وَلَا يَذَرهَا لِلشَّيْطَانِ (2)، وَنَهَى عَنِ النَّفْخِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَفِي اللَّحْمِ لِلْبَيْعِ، وَفِي الْكِتَابِ، وَفِي مَوْضِعِ السُّجُودِ، وَقَالَ: "النَّفْخُ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ يُذْهِبُ الْبَرَكَةَ " (4)، وَاللهُ أَعْلَمُ.
التَّاسِعُ: أَنْ لَا يَمْسَحَ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَهَا لَعْقًا جَيْدًا، كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً وَاحِدَةً حَتَّى تَحْمَرَّ وَيَقُولُ: لَا أَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهَا
البركة (5).
(1) رَوَاهُ الربيع.
(1) رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَجَابِرٍ، وَتَمَامُهُ عِنْدَهُ: "وَلَا يَمْسَحُ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ؛
لأَنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَة".
(1) رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالتَّرْمِذِيِّ، وَصَحَّحَهُ فِي حَدِيثِ
أبِي سَعِيدٍ: نَهَى عَنِ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ".
(1) [رواه أحمد، ر 2818، دون ذكر: "يذهب البركة"].
(1) [رواه مسلم، باب استحباب لعق الاصابع والقصعة ... ، 5421]. (2/335)
صفحة 832
قواع
الْعَاشِرُ: أَنْ يَبْدَأُ بِالْمِلْحِ وَيَخْتِمَ بِهِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ: "اجْعَلُوا الْمِلْحَ أَوَّلَ طَعَامِكُمْ، فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءٌ مِنَ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ دَاءً، مِنْهَا الْجُنُونُ وَالْجُدَامُ وَالْبَرَصُ وَوَجَعُ الأَضْرَاسِ وَالْحَلْقِ وَالْبَطْنِ ((1)، وَيُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى بِذَلِكَ إِلَى بَعْضِ الأَنْبِيَاءِ، وَفِي حَدِيثٍ أَيْضًا: "اجْعَلُوا الزَّيْتُونَ أَوَّلَ طَعَامِكُمْ وَآخِرَهُ، فَإِنَّهُ مُبَارَك (2).
6
الْوَجْهُ الثَّالِثُ فِي آدَابِ آخِرِ الطَّعَامِ، وَهِيَ سِتَّةٌ:
أحدها: أَنْ يُمْسِكَ قَبْلَ الشَّبَعِ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ التَّقَوِّيَ عَلَى الصَّوْمِ فَلَا بَأْسَ، وَفِي الْحَدِيثِ: " مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ، حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيَّمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ " (3). وَيُقَالُ: عَادَةُ الشِّبَعِ زِيَادَةٌ فِي الْجُوعِ.
الْمَنَامِ.
وَحُسْنُ الأَدْوِيَةِ وَجْهَانِ: أَنْ لا يَشْبَعَ الرَّجُلُ مِنَ الطَّعَامِ، وَيَتَغَوَّطَ وَيَبُولَ قَبْلَ
والثاني: أَنْ يَلْعَقَ الْقَصْعَةَ بِبَعْضٍ أَصَابِعِهِ، وَيَغْسِلَهَا بِالْمَاءِ ثُمَّ يَشْرَبَهُ، يُقَالُ: إِنَّ ذَلِكَ يَعْدِلُ رَقَبَةٌ، وَيُقَالُ: إِنَّ ذَلِكَ عَادَةُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ.
(1) [رواه الحارث والهيثمي: مسند الحارث - زوائد الهيثمي، باب وصية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ر 469]. (1) [لم أجد من خرجه بهذا اللفظ، رواه الطبراني في الكبير، 774، بلفظ: "عليكم بهذه الشجرة المباركة زيت الزيتون فتداووا به فانه مصحة من الباسور"]
(1) عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ، رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ. (2/336)
صفحة 833
datakiskiskisktakatakatakatakatakatakatakatala?rlatan
قواعـ
الثالث: أَنْ يَلْتَقِطَ فتات الطَّعَامِ، وَقَالَ: " مَنْ أَكَلَ مَا يَسْقُطُ مِنَ الْمَائِدَةِ عَاشَ فِي سَعَةٍ وَعُوفِي وَلَدُهُ (1)، وَيُقَالُ: إِنَّ الْتِقَاطَ الْفُتَاتِ مَهْرُ الْحُورِ الْعِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الرابع: أنْ يُخَلَّلَ أَضْرَاسَهُ وَلَا يَبْتَلِعَ مَا يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ بِالْخِلَالِ، لَكِنْ يَرْمِيهِ، وَأَمَّا مَا يَجْتَمِعُ فِي أُصُولِ أَسْنَانِهِ فَأَخْرَجَهُ بِاللَّسَانِ فَلَا يَرْمِيهِ، وَلْيُمَضْمِضْ بَعْدَ الْخِلالِ، وَإِذَا أَكَلَ الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ وَلْيَمْسَحْ بِفَضْلِ مَائِهِمَا وَجْهَهُ،
لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِي يَفْعَلُهُ.
الخامس: أَنْ يَشْكُرَ اللهَ تَعَالَى بِقَلْبِهِ عَلَى مَا أَطْعَمَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كُلُوا
من طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَأَشْكُرُوا لِلَّهِ (2).
السادس: الدُّعَاءُ بِالْبَرَكَةِ، لِقَوْلِهِ: ادْعُوا فِي طَعَامِكُمْ بِالْبَرَكَةِ يُبَارَكَ لَكُمْ (3)، وَيُقَالُ: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يَا كَافِيَ كُلِّ شَيْءٍ وَلا يَكْفِي مِنْهُ شَيْءٌ، أَطْعَمْتَ مِنْ جُوعٍ، وَآمَنْتَ مِنْ خَوْفٍ، فَلَكَ الْحَمْدُ، أَوَيْتَ مِنْ يُثْمٍ، وَهَدَيْتَ مِنْ ضَلالَةٍ، وَأَغْنَيْتَ مِنْ عَيْلَةٍ، فَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا أَنْتَ أَهْلُهُ اللهُمَّ كَمَا أَطْعَمْتَنَا طَيِّبًا فَاسْتَعْمِلْنَا صَالِحًا، وَاجْعَلْهُ عَوْنًا لَنَا عَلَى طَاعَتِكَ، وَنَعُوذُ بِكَ أَنْ نَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى مَعَاصِيكَ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ.
(1) [رواه الهندي كنز العمال في آداب الأكل، ر 40822] بِلَفْظِ: " من أكل مما يسقط من المائدة لم يزل في سعة من الرزق، ووقى الحمق في ولده وولد ولده".
(1) الْبَقَرَة: (172).
(1) تَقَدَّم. (2/337)
صفحة 834
الْقِسْمُ الثَّانِي
فِيمَا يَزِيدُ مِنَ الآدَابِ بِسَبَبِ الاجْتِمَاعِ
وَهَذَا الْقِسْمُ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: فِي آدَابِ الدَّعْوَةِ وَفَضِيلَتِهَا، وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ: "مَنْ أَطْعَمَ أَخَاهُ حَتَّى يُشْبِعَهُ، وَسَقَاهُ حَتَّى يَرْوِيَهُ أَبْعَدَهُ اللهُ مِنَ النَّارِ بِسَبْعَةِ خَنَادِقَ بَيْنَ كُلِّ خَنْدَقَيْنِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامِ" (1)، وَعَنْ عَلِيٌّ قَالَ: لَأَنْ أَجْمَعَ إِخْوانِي عَلَى صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ رَقَبَةٌ، وَقَالَ: " خَيْرُكُمْ مَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ (2)، وَالْآثَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ.
وَأَمَّا آدَابُهَا قَبْلَ الطَّعَامِ فَهِيَ خَمْسَةٌ: أَحَدُهَا: تَرْكُ الأكل مِنَ الطَّعَامِ الَّذِي لَمْ يُدْعَ إِلَيْهِ، مَخَافَةَ أَنْ يَحْصُلَ مَا فِي الْحَدِيثِ الْوَارِدِ: " مَنْ مَشَى إِلَى طَعَامٍ لَمْ يُدْعَ إِلَيْهِ مَشَى فَاسِقًا وَأَكَلَ حَرَامًا (3)، وَفِي خَبَرٍ آخَرَ: دَخَلَ سَارِفًا، فَأَكَلَ حَرَامًا، وَخَرَجَ مُغِيرًا (4).
الثَّانِي: تَرْكُ التَّكَلْفِ وَتَقْدِيمُ مَا حَضَرَ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ شَيْءٌ فَلَا يَسْتَقْرِضْ لأَجْلٍ ذَلِكَ، وَكَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ يُقَدِّمُونَ مِن الْكِسَرَ الْيَابِسَةَ وَحَشَفَ السَّمْرَ وَيَقُولُونَ: مَا نَدْرِي أَيُّهُمَا أَعْظَمُ وِزْرًا الَّذِي يَحْتَقِرُ مَا (1) رَوَاهُ الطَّبَرَانِي مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: لَيْسَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ. وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: غَرِيبٌ مُنْكَرُ.
(1) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ صُهَيْبِ، وَقَالَ: صَحِيحُ الإِسْنَادِ.
(2) رَوَى الْبَيْهَقِيُّ نَحْوَهُ عَنْ عَائِشَةَ وَضَعَفَهُ (1) وَفِي مَعْنَى الْحَدِيثَيْنِ مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ: "وَمَنْ دَخَلَ عَلَى غَيْرِ دَعْوَةٍ دَخَلَ سَارِفًا وَخَرَجَ مُغِيرًا. باب ما جاء في إجابة الدعوة، (3743]. (2/338)
صفحة 835
ـلام
قدمَ إِلَيْهِ أَوِ الَّذِي يَحْتَفِرُ مَا عِنْدَهُ أَنْ يُقَدِّمَهُ (1)، وَقَالَ: "لا تَتَكَلَّفُوا لِلضَّيْفِ
فتبغَضُوه (2).
الثالث: أَنْ لا يَقْتَرِحَ الضَّيْفُ عَلَى صَاحِبِ الْبَيْتِ، وَإِنْ خُيْرَ فَلْيَخْتَرْ أَيْسَرَهُمَا عَلَيْهِ، وَرَوَى الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلِ (3) قَالَ: مَضَيْتُ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي نَزُورُ سُلَيْمَانَ الله (4)، فَقَدَّمَ إِلَيْنَا خُبْزَ شَعِيرٍ وَمِلْحًا جِرِيشًا، فَقُلْتُ لِصَاحِبِي: لَوْ كَانَ مَعَ هَذَا الْمِلْحِ زَعْتَرٌ لَكَانَ أَحْسَنَ، فَخَرَجَ سُلَيْمَانُ فَرَهَنَ مِطْهَرَتَهُ وَأَخَذَ زَعْتَرًا، فَلَمَّا أَكَلْنَا قَالَ صَاحِبِي الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَقْنَعَنَا بِمَا رَزَقْنَا، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: لَوْ قَنَعْتَ لَمْ تَكُنْ مِطْهَرَتِي (5) مَرْهُونَةٌ. الرابع: أَنْ يُشَهِيَ صَاحِبُ الْبَيْتِ ضَيْفَهُ كَيْ يُصَادِفَ شَهْوَتَهُ، فَفِي ذَلِكَ فَضْلُ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ، وَفِي حَدِيثٍ عَنِ النَّبِيِّ: "مَنْ لَذَّذَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ بِمَا يَشْتَهِي كَتَبَ اللهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ [الف] حَسَنَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ [الفَ] دَرَجَةٍ، وَأَطْعَمَهُ مِنْ
ثَلَاثِ جَنَّاتٍ، جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ، وَجَنَّةِ عَدْنٍ، وَجَنَّةِ الْخُلْدِ)، وَاللهُ أَعْلَمُ.
الخامس: أَنْ لا يَقُولَ لَهُ: هَلْ أَقَدِّمُ طَعَامًا أَمْ لَا؟ وَلَكِنْ يُقَدِّمُ، فَإِنْ أَكَلَ وَإِلا
فَلْيَرْفَعْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) وَفِي مَعْنَاهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو يَعْلَى: حَرَامٌ أَنْ يُقَدِّمَ الرَّجُلُ مَا يحقرُهُ فِي مَنْزِلِهِ إِلَى قَوْمِ، وَحَرَامٌ عَلَى الرَّجُل أَنْ يحقرَ مَا قُدَّمَ إِلَيْهِ". (1) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ، وَتَمَامُهُ: "فَإِنَّ مَنْ أَبْغَضَ الضَّيْفَ فَقَدْ أَبْغَضَ اللَّهَ، وَمَنْ أَبْغَضَ اللَّهَ فَقَدْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ".
(1) هُوَ أَبُو وَائِلٍ شَفِيقُ بْنُ سَلَمَةَ، مَاتَ فِي زَمَنِ الْحَجَّاجِ بَعْدَ الْجَمَاجِمِ .. (1) هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ، وُلِدَ فِي عَاشُورَاءَ سَنَةَ 61 هََ يَوْمَ قُتِلَ الْحُسَيْنُ، وَمَاتَ سَنَةَ 148 هـ.
(1) [المطهرة كل إناء يتطهر منه كالإبريق والسطل والركوة وغيرها].
(1) ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَعَنْ جَابِرٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلَ: هَذَا بَاطِلٌ كَذِبُ. [انظر: العراقي تخريج أحاديث الإحياء، 334/ 3] (2/339)
صفحة 836
قواعد الإس
وَأَمَّا آدَابُهَا فِي حَالَةِ الأَكْلِ فَهِيَ أحدَ عَشَرَةٌ):
أحدها: أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَكْلِ أَفْضَلُ الْحَاضِرِينَ تَبَرُّكًا بِهِ.
الثاني: أنْ لا يَسْكُنُوا عَلَى الطَّعَامِ، وَلَكِنْ يَتَكَلَّمُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ فِي الأَطْعِمَةِ وَغَيْرِهَا، وَيَتَكَلَّمَ مَعَهُمْ صَاحِبُ الْبَيْتِ لِئَلا
تَدْخُلَهُمْ وَحْشَةٌ.
الثالث: أنْ لا يَنْظُرَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَى أَكْلِ جَلِيسِهِ.
الرابع: أنْ يَأْكُلَ كَأَكُل رَفِيقِهِ، فَإِنْ زَادَ فَهُوَ حَرَامٌ إِذَا كَانَ الطَّعَامُ بَيْنَهُمْ وَلَمْ تَسْمَحْ
نَفْسُ صَاحِبِهِ.
الخامس: أنْ لا يَقُولَ لِرَفِيقِهِ: كُلْ، إِنْ كَانَ الطَّعَامُ لِغَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ فَلَا يَزِدْ عَلَى قَوْلِهِ: كُلْ، أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِلْحَاحُ، وَأَمَّا الْيَمِينُ فَمَمْنُوعٌ رَأْسًا عَلَى الطَّعَامِ، لَأَنَّهُ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ يُحْلَفَ عَلَيْهِ.
السادس: أَنْ لَا يَذْكُرُوا الْمَوْتَ عَلَى الطَّعَامِ حَتَّى يَفْرُغُوا مِنْهُ.
السابع: أَنْ لا يَرْفَعَ يَدَهُ قَبْلَ صَاحِبِهِ، لِقَوْلِ عُمَرَ: لُوْمٌ بِالرَّجُلِ أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ مِنَ الطَّعَامِ قَبْلَ أَصْحَابِهِ.
الثَّامِنُ: أَنْ لا يُعَاوِدَ الأَكْلَ سَاعَةٌ بَعْدَ سَاعَةٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِ الْبَهَائِمِ وَسُوءِ
الأدب.
التَّاسِعُ: أَنْ لا يَفْعَلَ مَا يَسْتَقْذِرُهُ غَيْرُهُ مِنَ الْمَضْعَ بِشِدْقَيْهِ جَمِيعًا، أَوْ نَفْضِ يَدِهِ الْقَصْعَةِ، أَوْ يُدْنِي إِلَيْهَا رَأْسَهُ عِنْدَ وَضْعِ النُّقْمَةِ فِي فِيهِ، وَإِذَا أَخْرَجَ شَيْئًا مِنْ فِيهِ فَلْيَصْرِفْ وَجْهَهُ عَنِ الطَّعَامِ، وَلْيَأْخُذْهُ بِيَسَارِهِ وَلَا يَغْمِسُ
في
(1) [ذكر المصنف أنها عشر، آداب، ولكن عند عرضها ذكر أحد عشر]. (2/340)
صفحة 837
atolatalatalata
بَقِيَّةَ اللُّقْمَةِ الَّتِي قَطَعَ بِأَسْنَانِهِ فِي الْمَرَقِ، وَلَا يَتَكَلَّمْ بِكَلامٍ يَسْتَقْذِرُهُ غَيْرُهُ،
وَاللهُ أَعْلَمُ.
الْعَاشِرُ: غَسْلُ الأَيْدِي بَعْدَ الطَّعَامِ وَاللَّحْمِ إِنْ أَكَلُوهُ فِي الْقَصْعَةِ. وَفِيهَا آدَابُ: أَنْ لا يَنْصُقَ فِيهَا، وَأَنْ يَبْتَدِئَ بِالْغَسْلِ أَفْضَلُ الْقَوْمِ، وَأَنْ يَقْبَلَ الإِكْرَامَ بِهِ فِي التَّقْدِيمِ، وَأَنْ يُدَارَ يُمْنَةٌ، وَأَنْ تَجْتَمِعَ فِيهِ جَمَاعَةٌ، وَأَنْ يَجْتَمِعَ الْمَاءُ فِي الطَّسْتِ، وَأَنْ يَكُونَ مَنْ يَصُبُّ قَائِمًا، وَأَنْ يَمجَ الْمَاءَ مِنْ فِيهِ فِي يَدِهِ بِرِفْقٍ لِئَلا يَرُشَّ عَلَى الْفِرَاشِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: الدُّعَاءُ وَالانْصِرَافُ، وَسُهُ: التَّشْيعُ لِلضَّيْفِ إِلَى بَابِ الدَّارِ. وَمِنْ آدَابِ الْمَدْعُو إِلَى الضَّيَافَةِ: أَنْ لا يَمْتَنِعَ مِنَ الإِجَابَةِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ: "لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُراع الْغَمِيمِ (1) لأَجَبْتُ (2)، وَهُوَ مَوْضِعٌ عَلَى أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَيُقَالُ: سِرْ مِيلاً عُدْ مَرِيضًا، سِرْ مِيلَيْنِ أَصْلِحْ بَيْنَ اثْنَيْنِ، سِرْ
ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ أَجِبْ دَعْوَةٌ، سِرْ أَرْبَعَةَ أَمْيَالٍ زُرْ أَخًا فِي اللَّهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ الدَّاعِي ظَالِمًا أَوْ صَاحِبَ رِيبَةٍ أَوْ فَاسِقًا أَوْ مُبْتَدِعًا أَوْ شِرِّيرًا أَوْ مُتَكَلِّفًا أَوْ مُبَاهِيًا فَلَا بَأْسَ بِتَرْكِ إِجَابَتِهِ، بَلْ لا يَنْبَغِي أَنْ يُجِيبَهُ.
وَإِنْ أَجَابَ لِمَنْ يَنْبَغِي فَلاَ يَتَصَدَّرْ فِي الْمَجْلِسِ، بَلْ يَتَوَاضَعُ وَلَا يُضَيِّقَ عَلَى الْحَاضِرِينَ بِالرَّحْمَةِ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَجْلِسَ فِي مُقَابَلَةِ بَيْتِ النِّسَاءِ، وَيَغُضُّ بَصَرَهُ، وَلا يُكْثِرُ الالْتِفَاتَ إِلَى مَجِيءِ الطَّعَامِ، فَإِنَّهُ دَلِيلُ الشَّرَهِ، وَإِنْ رَأَى فِي الدَّارِ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرُهُ، وَإِلَّا فَلْيَخْرُجْ إِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَغْيِيرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(1) [كراع الغميم: "موضع بناحة الحجاز بين مكة والمدينة وهو واد أمام عسفان بثمانية أميال" (ياقوت الحموي: معجم البلدان، باب الحاء والذال)]
(1) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. (2/341)
صفحة 838
تواعد الإن
وَهِيَ عَشَرَةٌ
الفصل الثاني
فِي آدَابِ الشَّرَابِ
أحدها: أَنْ يَأْخُذَ الْكُونَ بِيَمِينِهِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَشْرَبُ
(1)
بشماله (1) بِشِمَالِهِ
الثاني: أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ، لِئَلا يُشَارِكَهُ الشَّيْطَانُ فِي شَرَابِهِ.
الثالث: أَنْ لا يَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ شَرِبَ فِيهَا
(2)
إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي جَوْفِهِ نَارَ جَهَنَّمَ" الرابع: أنْ لا يَشْرَبَ قَائِمًا وَلا مُضْطَجِعًا، يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِنَهْيِهِ عَنِ الشَّرَابِ قَائِمًا، وَقَدْ قِيلَ: لَوْ يَعْلَمُ الشَّارِبُ قَائِمًا مَا عَلَيْهِ لَاسْتَقَاءَ مَا شَرِبَ، وَقَدْ
رُوِيَ عَنْهُ " أَنَّهُ شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ قَائِمًا " (3).
(1) تَقَدَّمَ.
(1) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ.
(2) [رواه الربيع، باب أدب الطعام والشراب، ر 381]. (2/342)
صفحة 839
الخامس: أَنْ يَمُصَّ الْمَاءَ مَصَّا، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "مُدُّوا الْمَاءَ مَصَّا وَلَا تَعُبُوهُ عَبَّا، فَإِنَّ الْعَبَادَ مِنَ الْعَب (1).
السادس: أَنْ يُرَاعِيَ أَسْفَلَ الْكُوزِ حَتَّى لا يَقْطُرَ عَلَيْهِ، وَيَنْظُرَ فِي الْكُوزِ أَوَّلاً
قَبْلَ الشَّرَابِ.
السَّابِعُ: أَنْ لا يَتَجَشَّأَ فِي الإِناءِ، وَهُوَ الْكُونُ، وَلَا يَتَنفَّسَ فِيهِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنِ التَنَفْسِ فِي الإِناءِ، وَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَا أَرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ، قَالَ: أَبِنِ الْقَدَحَ عَنْ فِيكَ ثُمَّ تَنَفَّس، قَالَ الرَّجُلُ: وَإِنِّي لَأَرَى الْقَذَى فِيهِ، قَالَ: فَأَهْرِقْهُ (2)، وَيُنَجِّي الْكُوزَ عَنْ فِيهِ بِالْحَمْدَلَةِ وَيَرُدَّهُ بِالْبَسْمَلَةِ.
الثَّامِنُ: أَنْ لا يَنْفُخَ فِي الشَّرَابِ وَبِخَاصَّة اللَّبَنَ، لِقَوْلِهِ: "لا تَنْفُخُوا فِي اللَّبَنِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ الدَّرَّ (3).
(?) 99 -
النَّاسِعُ: أَنْ يُدَارَ بِالشَّرَابِ وَغَيْرِهِ يُمْنَةٌ لِقَوْلِهِ: "الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ"، وَأُوتِيَ مَا بِلَبَنِ وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِي وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ شِمَالِهِ وَعُمَرُ نَاحِيَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ: أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ، فَنَاوَلَ الأَعْرَابِي وَقَالَ: "الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ الْعَاشِرُ: أَنْ يَشْرَبَ فِي ثَلاثَةِ أَنْفَاسِ، يُسَمِّي اللَّهَ فِي أَوَّلِهَا، وَيَحْمَدُهُ فِي آخِرِهَا، يَقُولُ فِي آخِرِ النَّفْسِ الأَوَّلِ: الْحَمْدُ لِلهِ، وَفِي الثَّانِي: رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَفِي
(1) رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ: "إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمَصَ الْمَاءَ مَضًا وَلا يَعبُّهُ عَبَّا، فَإِنَّهُ يُورِثُ الْعِبَادَ؛ أَيْ: وَجَعَ الْكَبِدِ، وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُهُ: "لا تَعبُّوا الْمَاءَ عَبَّا؛ فَإِنَّهُ مِنْ ذَلِكَ يَتَوَلَّدُ الْبُهْرُ، وَلَكِنْ مُصُّوهُ مَصَّا". رَوَاهُ الرَّبِيعُ. والْبُهْرُ بِالضَّمِّ تَتابعُ النَّفَسِ. وَيُرْوَى: "لاَ تَشْرَبُوا فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ كَالْبَعِيرِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "لا تَشْرَبُوا وَاحِدًا كَشُرْبِ الْبَعِيرِ، وَلَكِنِ اشْرَبُوا
مَثْنِي وَثَلانًا، وَسَمُّوا إِذَا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ، وَاحْمَدُوا إِذَا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ". (1) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. (1) [لم أجد من خرجه].
(1) [رواه الربيع، باب أدب الطعام والشراب، (383]. (2/343)
صفحة 840
قواعد الإس
الثَّالِثِ يَزِيدُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ الشَّرْبِ: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي جَعَلَهُ عَذْبًا فُرَاتًا بِرَحْمَتِهِ وَلَمْ يَجْعَلَهُ مِلْحًا أُجَاجًا بِذُنُوبِنَا، وَإِنْ شَرِبَ لَبَنا قَالَ: اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ، وَكَانَ إِذَا أَكَلَ قَالَ: "اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ (1)، وَقَالَ فِي اللَّبَنِ: "وَزِدْنَا مِنْهُ (2)، وَيُمَضْمِضُ مِنَ اللَّبَنِ فَاهُ (3)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَة [في آداب أكل الفاكهة]: وَالْفَاكِهَةُ لاَ بَأْسَ أَنْ يُجِيلَ الإِنْسَانُ يَدَهُ إِلَيْهَا فِي الطَّبَقِ، إِلا مَا يُكْرَهُ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ صَاحِبِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ سُوءُ أَدَبٍ. وَقِيلَ: الأَوَّلُونَ يَكْرَهُونَ عَضَ التَّمْرَةِ بِالأَسْنَانِ وَلَكِنْ يُدْخِلُ الإِنْسَانُ التَّمْرَ فِي فِيهِ، ثُمَّ يُلْقِي النَّوَاةَ مِنْ فِيهِ عَلَى ظَهْرِ كَفْهِ، ثُمَّ يَضَعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا لَهُ عَجْمٌ وَنَوَى، وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْرِنَ تَمْرَتَيْنِ فِي فِيهِ، وَيُكْرَهُ تَقْشِيرُ التِّينِ الأَخْضَرِ.
وَيُقَالُ: إِنَّ عَلِيًّا كَانَ يَأْكُلُ الرُّمَّانَ بِشَحْمِهِ، وَيَقُولُ: هُوَ أَدْبَعُ لِلْمَعِدَةِ، وَيُرْوَى أَنَّ النَّبِي كَانَ إِذَا أُوتِي بِالْفَاكِهَةِ الْبَاكُورَةِ وَضَعَهَا عَلَى عَيْنَيْهِ وَفِيهِ، وَيَقُولُ: الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللهُمَّ فَكَمَا أَطْعَمْتَنَا أَوَّلَهَا فَأَطْعِمْنَا آخِرَهَا، ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلَدٍ يَرَاهُ فَيُنَاوِلُهُ إِيَّاهَا)، وَيُرْوَى: رُبَّمَا أَكَلَ الْعِنَبَ حَرطًا، وَيُرَى مَاؤُهَا
(1) [رواه أبو داود، باب ما يقول إذا شرب اللبن، ر 3732].
(1) [هو تكملة للحديث السابق].
(1) [رواه البخاري، باب هل يمضمض من اللبن، ر 208]. فَائِدَةٌ: آبَارُ الْمَدِينَةِ الَّتِي يُتَوَضَّأُ وَيُغْتَسَلُ وَيُشْرَبُ مِنْهَا سَبْعٌ: بثرُ أَرِيس، وَبَيْرُ حَاءِ، وَبِثْرُ
رُومَةً، وَبِثْرُ غرس، وَبِثْرُ بضَاعَةَ، وَبِثْرُ الْمُصَفَّاة، وَبِثْرُ السُّقْيَا، أَوِ الْعَنَ، أَوْ جَمَل. (1) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ بِلَفْظِ مُخْتَلِفِ: "كَانَ إِذَا أُوتِيَ بِبَاكُورَةِ الثَّمَرَةِ وَضَعَهَا عَلَى عَيْنَيْهِ ثُمَّ عَلَى شَفَتَيْهِ. وَقَالَ: اللهُمَّ كَمَا أَرَيْتَنَا أَوَّلَهُ فَأَرِينَا آخِرَهُ، ثُمَّ يُعْطِيهِ مَنْ يَكُونُ عِنْدَهُ مِنَ الصَّبْيَانِ". وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أُوتِي بِأَوَّلِ الثَّمَرَةِ قَالَ: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا وَفِي
ثِمَارِهَا وَفِي مُدْهَا وَفِي صَاعِهَا بَرَكَةً بَعْدَ بَرَكَةٍ، ثُمَّ يُنَاوِلُهُ أَصْغَرَ مَنْ يَحْضُرُهُ مِنَ الْوِلْدَانِ. (2/344)
صفحة 841
قواعد الإن
عَلَى لِحْيَتِهِ كَأَنَّهُ خَرَزَاتُ اللُّؤْلُو)، وَيُرْوَى أَنَّهُ أَكَلَ يَوْمًا رُطَبًا كَانَ فِي يَمِينِهِ وَيَحْفَظُ النَّوَى فِي شِمَالِهِ، فَمَرَّتْ بِهِ شَاةٌ فَأَشَارَ إِلَيْهَا بِالنَّوَى، فَجَعَلَتْ تَأْكُلُ فِي كَفِّهِ الْيُسْرَى وَهُوَ يَأْكُلُ فِي يَمِينِهِ حَتَّى فَرَغَ فَانْصَرَفَتِ الشَّاءُ (2).
وَيُقَالُ: أَكْلُ الْعِنَبِ حَرطًا وَأَكْلُ اللَّحْمِ نَهْشًا فَإِنَّهُ أَذْهَبُ لِلْقَوْمِ، وَيُكْرَهُ قَطْعُهُ بالسِّكِّينِ؛ لأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الأَعَاجِمِ. وَيُقَالُ: اللَّحْمُ يُنْبِتُ اللَّحْمَ، وَالنَّرِيدُ طَعَامُ الْعَرَبِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَأْكُلُ الشَّرِيدَ بِاللَّحْمِ، وَقَالَ: "هُوَ سَيِّدُ الطَّعَامِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ (3)، وَأَنَّهُ يَزِيدُ فِي السَّمْعِ. وَيُقَالُ أَيْضًا: الْمُدَاوَمَةُ عَلَى أَكْلِ اللَّحْمِ يُقَسِّي الْقَلْبَ، فَلِذَلِكَ قَسَتْ قُلُوبُ السَّبَاعِ الضَّارِيَةِ لاعْتِبَادِهَا أَكْلَ اللَّحْمِ وَاللهُ أَعْلَمُ.
فَكَانَ أَكْثَرُ طَعَامِ النَّبِيِّ السَّمْرَ وَالْمَاءَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ [في فوائدِ بعض الثمار وغيرِها]: وَعَنْ عَلِيٌّ قَالَ: مَنْ أَكَلَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَة قُتِلَتْ كُلُّ دَابَّةٍ فِي بَطْنِهِ، وَمَنْ أَكَلَ يَوْمًا إِحْدَى وَعِشْرِينَ زَبِيبَةً حَمْرَاءَ لَمْ يَرَ فِي جَسَدِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ. قَالَ: وَلَحْمُ الْبَقَرِ دَاءُ وَلَبَنُهَا شِفَاءٌ وَسَمْنُهَا دَوَاءُ، وَالشَّحْمُ يُخْرِجُ مِثْلَهُ مِنَ الدَّاءِ، وَلَنْ تَسْتَشْفِيَ النُّفَسَاءُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنَ الرُّطَبِ، وَمَنْ أَرَادَ الْبَقَاءَ وَلَا بَقَاءَ فَلْيُبَاكِرْ بِالْعِذَاءِ وَلْيُقَلِّلْ غَشَيَانَ النِّسَاءِ، وَلْيُخَفِّفِ الرِّدَاءَ، وَهُوَ الدَّيْنُ.
(1) [أخرجه ابن عدي في الكامل من حديث العباس والعقيلي في الضعفاء من حديث ابن عباس هكذا مختصرا وكلاهما ضعيف (انظر: تخريج أحاديث الإحياء للعراقي، 409/ 5)].
(1) رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ. (2) الْحَدِيثُ الَّذِي سَاقَهُ الْمُؤَلِّفُ مُرَكَّبٌ مِنْ حَدِيثَنِ الأَوَّلُ: "كَانَ يَأْكُلُ النَّرِيدَ بِاللَّحْمِ وَالْقَرْعِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثٍ أَنَسٍ، وَالثَّانِي: "كَانَ أَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ اللَّحْمُ، وَيَقُولُ - هُوَ يَـ السَّمْعِ، وَهُوَ سَيِّدُ الطَّعَامِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَوْ سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُطْعِمَنِيهِ كُلَّ يَوْمٍ لَفَعَلَ [رواه العجلوني في كشف الخفاء، 1/ 154]. (2/345)
صفحة 842
قواعد الإس
وَفِي الْخَبَرِ: قَطْعُ الْغِذَاءِ مَسْقَمَةٌ، وَتَرْكُ الْعِشَاءِ مَهْرَمَةٌ) وَالْعَرَبُ تَقُولُ: تَرْكُ
الْغِذَاءِ يُذْهِبُ شَحْمَ الْكَادَةِ، وَهِيَ الْأَلْيَةُ.
،
وَقَالَ الْحَكِيمُ لابْنِهِ: يَا بُنَيَّ لا تَخْرُجْ مِنْ بَيْتِكَ حَتَّى تَأْخُذَ حِلْمَكَ، أَيْ: تَتَغَذَّى؛ إِذْ بِهِ يَبْقَى الْحِلْمُ وَيَزُولُ الطَّيْشُ، وَهُوَ أَيْضًا أَقَلُّ لِشَهْوَةِ مَا يَرَى فِي
السُّوقِ.
وَقَالَ حَكِيمٌ لِسَمِينٍ: أَرَى عَلَيْكَ قَطِيعَةً مِنْ نَسْجِ أَضْرَاسِكَ فَمَا هِيَ؟ فَقَالَ:
كُلْ لُبَابَ الْبَرِّ وَصِغَارَ الْمَعْزِ، وَادَّهِنْ بِدُهْنِ الْبَنَفْسِجِ، وَالْبَسِ الْكِتَانَ. وَقَالَ الْحَجَّاجُ لِبَعْضِ الأَطِيَّاءِ: صِفْ لِي صِفَةٌ أَخُذُ بِهَا وَلَا أَعْدُوهَا، قَالَ: لَا تَنْكِحْ إِلا فتاةً مِنَ النِّسَاءِ، وَلاَ تَأْكُلْ طَعَامًا إِلا أَجَدْتَ مَضْغَهُ، وَلَا تَأْكُل اللَّحْمَ إِلا فتيا)، وَلَا تَأْكُلْ مِنَ الْمَطْبُوحَ حَتَّى يَنْعَمَ نُضْجُهُ، وَلَا تَشْرَبَنَّ دَوَاءٌ إِلَّا مِنْ عِلَّةٍ، وَلَا تَأْكُلَنَّ مِنَ الْفَاكِهَةِ إِلا نَاضِجَهَا، وَكُلْ مَا أَحْبَبْتَ مِنَ الطَّعَامِ وَلَا تَشْرَبْ عَلَيْهِ، وَإِذَا شَرِبْتَ فَلَا تَأْكُلْ عَلَيْهِ، لاَ تَحْبسِ الْغَائِطَ وَالْبَوْلَ، وَإِذَا أَكَلْتَ بِالنَّهَارِ فَنَمْ، وَإِذَا بِاللَّيْلِ فَامْشِ قَبْلَ أَنْ تَنَامَ وَلَوْ مِائَةَ خُطْوَةٍ. وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُ الْعَرَبِ: تَعَشَّ تَمَشَّ، تَغَذَّ تَمَدَّ؛ أَيْ: تَمَدَّدْ. وَيُقَالُ: إِنَّ حَبْسَ الْبَوْلِ يُفْسِدُ مِنَ الْجَسَدِ كَمَا يُفْسِدُ النَّهَرُ مَا حَوْلَهُ إِذَا سُدَّ مَجْرَاهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(1) [رواه الترمذي، باب ما جاء في فضل العشاء، ر 1856، بلفظ: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تعشوا ولو بكف من حشف فإن ترك العشاء مهرمة"، وقال: "هذا حديث منكر لا نعرفه إلا من هذا الوجه"].
(1) أَيْ ثَنِيَّا، وَالثَّني: الَّذِي يُلْقِي تَبَيَّنَهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الظُّلْفِ وَالْحَافِرِ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ، وَفِي الْخُفٌ
فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ. (2/346)
صفحة 843
وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ:
أَرْبَعُ فَرَائِضُ:
الفصل الثالث
فِي آدَابِ اللَّبَاسِ
ــدال
أحدها: أَنْ يَكُونَ حَلالاً لَمْ يُكْتَسَبْ مِنْ وَجْهِ حَرَامٍ.
الثاني: أنْ يَكُونَ لُبْسُهُ مُبَاحًا لَيْسَ فِيهِ حَرِيرٌ وَلَا خَرٌّ وَلا إِبْرِيسَم، إِلَّا مَوْضِعَ الأصْبُعَيْنِ، أَوْ طَرَازًا فِي ثَوْبِ إِلَّا فِي حَالِ الْحَرْبِ، فَهَذَا فِي الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ.
الثالث: أَنْ يَكُونَ سَاتِرًا لِلْعَوْرَةِ.
الرابع: أَنْ لَا يُقْصَدَ بِهِ التَّكَبُرُ وَالْعَجْبُ وَالْفَخْرُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ يُرْخِي إِزَارَهُ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ طَاهِرًا فِي حَالِ الصَّلاَةِ.
(1) رَوَاهُ أَبُو مَنْصُورٍ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَهُوَ مُنْكَرٌ. (2/347)
صفحة 844
وقواعد
وَأَرْبَعُ كَرَاهِيَةٌ:
إِحْدَاهَا: أَنْ لا يَلْبَسَ الْحُلَّةَ الشَّرِيفَةَ جِدًّا، وَلا الدَّنِيئَةَ جِدًّا، لِنَهْيِ النَّبِيِّ.
الشُّهْرَةِ فِي اللُّبَاسِ"
الثانية: أَنْ يَجْتَنِبَ لِبَاسَ التَّقَنُّعِ، فَإِنَّهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ " أَنَّ التَّقَنُّعَ فِي اللَّيْلِ مَحْرَمَةٌ، وَفِي النَّهَارِ رِيبَةٌ (2).
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَلْبَسَ عِمَامَتَهُ وَأَنْ يَجْعَلَهَا تَحْتَ لَحْيَيْهِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ لَمْ يَجْعَلْ عِمَامَتَهُ تَحْتَ لَحْيَيْهِ فَقَالَ: انْزِعْ، بَلَغَنَا أَنَّهَا عِمَامَهُ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ الله.
الرَّابِعَةُ: أَنْ لا يَتَشَبَّهَ بِزِيِّ الْفُسَّاقِ، لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: " مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ (3)، وَيُقَالُ: إِنَّ الْقُلُوبَ لاَ تَشْتَبِهُ حَتَّى يَتَشَبَّهَ الزِّيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَرْبَعُ سُنَنٌ: إِحْدَاهَا: أَنْ يَكُونَ أَبْيَضَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "عَلَيْكُمْ بِالشَّيَابِ الْبِيضِ الْبِسُوهَا
(1)
أحْيَاءَكُمْ وَكَفَنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ (1).
(1) لِقَوْلِهِ: "مَنْ لَبِسَ تَوْبَ شُهْرَةٍ فِي الدُّنْيَا أَلْبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِي وَابْنُ مَاجَةَ، وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَثَوْبُ الشَّهْرَةِ هُوَ
الثَّوْبُ الَّذِي يُشْهِرُ لَآ بِسَهُ بَيْنَ النَّاسِ. (1) لَمْ أَعْتُرْ عَلَيْهِ حَدِيثًا، وَلَعَلَّهُ أَثَرٌ لِبَعْضَ الْعُلَمَاءِ، أَمَّا التَّقَتُمُ وَهُوَ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ وَأَكْثَرِ الْوَجْهِ إِذَا كَانَ لِلْحَاجَةِ كَدَفْعِ حَرِّ أَوْ بَرْدِ أَوْ لِدَفْعِ مَضَرَّةٍ أَوْ لِحِرَاسَةٍ فَمُبَاحٌ. قَالَ إِبْنُ وَهْبٍ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ التَّقَنَّعِ بِالنَّوْبِ فَقَالَ: "أَمَّا الرّجُلُ الَّذِي يَجِدُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ أَوِ الْأَمْرَ الَّذِي لَهُ فِيهِ عُذْرٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَأَمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلا". [انظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني، 308/ 21]. (1) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. (2/348)
صفحة 845
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ إِلَى السَّاقِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ: لِبَاسُ الْمُؤْمِنِ إِلَى نِصْفِ سَاقِهِ، وَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ، وَأَمَّا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ، قِيلَ: وَالْمَرْأَةُ؟ قَالَ: تُغَطِّي ظَهْرَ قَدَمَيْهَا، قِيلَ لَهُ: إِذَا يَنْكَشِفُ. قَالَ: تُرْخِي شِبْرًا، قِيلَ: إِذَا يَنْكَشِفُ؟ قَالَ: فَذِرَاعًا لا تَزِيدُ عَلَيْهِ (2).
الثَّالِثَةُ: النِّيَّةُ فِي لُبْسِهِ، يَنْوِي بِهِ سَتْرَ الْعَوْرَةِ امْتِثَالًا لَأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
الرَّابِعَةُ: أَنْ يَبْدَأَ فِي لِبَاسِهِ بِالْمَيَامِنِ، وَفِي خَلْعِهِ بِالْمَيَاسِرِ.
(1) 11. 2°
وَأَرْبَعُ مُسْتَحَبَّاتٌ: إِحْدَاهَا: أَنْ يَتَشَبَّهَ بِزِيِّ الصَّالِحِينَ، لِقَوْلِهِ: " مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ" الثانيةُ: أَنْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبًا جَدِيدًا، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٌّ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ وَيَحْمَدَ اللهَ تَعَالَى وَيَقُولُ: "الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي، وَأَتَجَمَّلُ بِهِ فِي حَيَاتِي، لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ. الرَّابِعَةُ: يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكْسُوَ أَخْلاقَ ثِيَابِهِ مِسْكِينًا، لِمَا رُوِيَ عَنْهُ قَالَ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَكْسُو مُسْلِمًا مِنْ سَمَلِ ثِيَابِهِ، لَا يَكْسُوهُ إِلَّا لِلهِ، إِلَّا كَانَ فِي ضَمَانِ اللهِ وَحِرْزِهِ مَا وَارَاهُ حَيًّا وَمَيَّنَا (4)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (1).
(1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
(1) رَوَاهُ الرَّبِيعُ بِلَفْظِ: "إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ" وَزَادَ بَعْدَ "فَفِي النَّارِ قَالَهُ ثَلاثًا" "وَلَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ يَجُرُّ
إِزَارَهُ بَطَرًا. (1) تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
(1) رِوَايَةُ التَّرْمِذِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبَا إِلَّا كَانَ فِي حِفْظِ اللَّهِ تَعَالَى مَا دَامَ
عَلَيْهِ مِنْهُ خِرْقَةٌ" (2/349)
صفحة 846
قواع
(1) (كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ)
لَقَدْ أَعْطَى الْمُصَنِّفُ الله رُكْنَ الأدب حَقَّهُ مِنَ الْبَيَانِ وَالتَّفْصِيل مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِم أَنْ يَتَحَلَّى بِهِ وَيَسِيرَ فِي سَبِيلِهِ كَيْ يَعِيشَ حَيَانَهُ سَعِيدًا مُحْتَرَمًا وَعَزِيزًا مُكَرَّمًا، وَهُوَ جَدُّ بَدِيعِ بِالنِّسْبَةِ لَظُرُوفِ عَصْرِهِ، بَيْدَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ هَذِهِ الآدَابِ تَخْضَعُ لِنَامُوسِ التَّطَوُّرِ أَمَامَ مَا وَرَدَ فِي شَأْنِ بَعْضِهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ، فَلِمُجَرَّدِ الإِرْشَادِ وَلَيْسَتْ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمَفْرُوضَةِ الْقَارَّةِ الَّتِي لَا تَتَنَاوَلُهَا سُنَّةُ التَّطَوُّرِ، فَخُذْ لَكَ مَثَلاً آدَابَ الطَّعَامِ إِنَّ آدَابَ الطَّعَامِ مَوْقُوفٌ غَالِبُهَا عَلَى الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ تَبَعًا لِطَابَعٍ زَمَانِهَا مِنْ رَخَاءِ وَضِيقٍ، وَتَبَعًا لِسَمَاحَةِ الْمُصِيفِ وَسَخَائِهِ، لِذَلِكَ نَجِدُ طَائِفَةٌ مِنَ الآدَابِ الَّتِي سَاقَهَا الْمُصَنِّفُ عَمَ الله مُكَيَّفَةً وَمَطْبُوعَةٌ بِطَابَعِ عَصْرِهِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَيْهِ التَّقَشُّفُ وَضِيقُ الْعَيْشِ وَخُشُونَتُهُ، فَمَا عَلَى الْعَاقِلِ اللَّبِيبِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَتَقَيَّدَ بِأَدَبِ الدِّينِ إِلَّا أَنْ يُرَاعِيَ الظُّرُوفَ وَحَالَ الْمُضِيفِ، وَمَا يَنْقُلُ عَلَى النُّفُوسِ وَمَا يَخْفَى، وَبِعِبَارَةِ أَجْمَلَ: أَنْ يُرَاعِيَ مَا يُلائِمُ حَالَ عَصْرِهِ وَعُرْفَهُ وَمَا لاَ يُلائِمُ - حَاشَا مَا نَصَّ اللَّهُ عَلَى تَحْرِيمِهِ – فَإِذَا فِي طَرِيقِ لَا تَتَعَارَضُ وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ مَبَادِئُ الدِّينِ، وَقَدِيمًا قِيلَ: إِمَّا نَعِيمَهَا وَإِمَّا بُؤْسَهَا
وَالْبَسْ لِكُلِّ حَالَةٍ لِبُوسَهَا عَلَى أَنَّ هُنَاكَ حَالَاتٍ - وَنَحْنُ فِي عَصْرِ الرَّخَاءِ - تَدْعُو إِلَيْهَا الضَّرُورَةُ فَيُغْتَفَرُ الْتِزَامُهَا نُزُولاً عَلَى حُكْم سِيَاسَةِ التَّقَسُّفِ، لَكِنَّ مَزَاجَ الْعُصُورِ الَّتِي أَفَاضَ اللهُ فِيهَا عَلَى عِبَادِهِ خَيْرَاتِهِ لَا يَسْتَسِيعُهَا، بَلْ يَرَاهَا لِلرَّخَاءِ مُنَافِيَةٌ لِقَانُونِ الصَّحَّةِ وَآدَابِ اللَّيَاقَةِ، كَغَسْلِ الْقَصْعَةِ بَعْدَ لَعْقِهَا وَشُرْبِ مَائِهَا، وَكَاعْتِبَارِ أَكْل أَحَدِ الرَّفِيقَيْنِ مِنْ مَائِدَةٍ مُشْتَرَكَةٍ أَكْثَرَ مِنْ صَاحِبِهِ حَرَامًا، فَيَالَيْتَ شِعْرِي هَلْ يَسْتَوِيَانِ حَاجَةٌ وَشَهِيَّةٌ حَتَّى يَسْتَوِيَا أَكْلا؟ فَمَا الدَّاعِي لِهَذِهِ الْمُضَايَقَةِ وَالتَّحْرِيمِ؟ وَهَلْ أُعِدَّتِ الْمَوَائِدُ إِلَّا لِيَأْخُذَ كُلَّ مِنْهَا حَاجَتَهُ؟! نَحْنُ نَعْلَمُ - وَهَذِهِ ظَاهِرَةٌ عَالَمِيَّةٌ - أَنَّ مِنَ الْمُضِيفِينَ الأَسْخِيَاءِ مَنْ يَبْتَهِجُ لِلإِقْبَالِ عَلَى طَعَامِهِ، وَلاَ يَرَى فِي ذَلِكَ غَضَاضَةٌ أَوْ هَضْمَا لِحَقِّ الضَّيَافَةِ، بَلْ يَرَاهُ تَشْرِيفًا لِلْمَطْبَحَ عَلَى حَدَّ تَعْبِيرِ بَعْضِ الأُمَمِ. وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْآدَابِ الَّتِي سَاقَهَا الْمُصَنِّفُ مِمَّا يَخْضَعُ لِلظُّرُوفِ وَالأَحْوَالِ، وَيَتَكَيَّفُ بِالْأَعْرَافِ وَالْمِيثَاتِ، وَيَتَحَكُمُ فِيهَا الذَّوْقُ وَاللَّيَاقَهُ، وَمِنْهَا مَا يُسْتَحْسَنُ فِي أَوْسَاطٍ، وَيُسْتَقْبَحُ فِي أُخْرَى فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، فَلَيْسَتْ إِذَنْ بِعِبَادَاتٍ مَفْرُوضَةٍ قَارَّةٍ مَدَى الأَزْمَانِ وَالأَحْوَالِ حَتَّى لَا تُتَنَاوَلَ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ أَوْ بِالتَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ، وَعَلَيْهِ فَالتَّقَيُّدُ بِمَا سَارَ عَلَيْهِ السَّلَفُ فِي هَذَا الْمَيْدَانِ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْخَلَفِ مَا دَامَتْ مَعِيشَتُهَا مُخْتَلِفَةٌ، أَمَّا مَا يَجِبُ الْتِرَامُهُ وَعَدَمُ الْحَيْدِ عَنْهُ فَهُوَ مَا قَرَّرَهُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ كَفَوَانِينَ عَامَّةٍ تُلائِمُ كُلَّ عَصْرِ وَكُلَّ مِصْرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا (المؤمنون: ((5)، وَقَوْلِهِ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسرفوا (الأعراف: 31)، وَقَوْلِهِ: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيَمَةِ} (الأعراف (32)، وَقَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِقُوا وَلَمْ يَفْتَرُوا وَكَانَ بين ذلك قَوَامًا} (الفرقان: 67)، وَقَوْلِهِ: {وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ - إلى (2/350)
صفحة 847
قوله - جَمِيعًا أَوْ أَستانا (النور: (61)، وكَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: " يَا غُلامٍ، سَمَّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ" [سبق تخريجه]، وَكَقَوْلِهِ عودُوا كُلَّ جِسْمِ مَا اعْتَادَ" [لا أصل له (انظر: إحياء علوم الدين بتخريج العراقي، 135/ 4)]، وَقَوْلِهِ: "الْحَمِيَّةُ رَأْسُ كُلِّ دَوَاء" [ذكره العجلوني في كشف الخفاء، 214/ 2، وقال لا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وَقَوْلِهِ: "كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مخيلة" [رواه البخاري، كتاب اللباس، 5/ 2180]. فَهَذِهِ وَأَمْثَالُهَا فَوَانِينُ عَامَّةٌ قَارَّةٌ، أَمَّا التَّفَاصِيلُ فَمَوْكُولَةٌ إِلَى الظُّرُوفِ
وَالأَذْوَاقِ وَالأَعْرَافِ مَا لَمْ تَتَصَادَمْ مَعَ الْقَوَانِينِ الْعَامَّةِ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ. اهـ مُصححه. (2/351)
صفحة 848
[صفحة فارغة] (2/352)
صفحة 849
الفصل الرابع
في آداب الجماع
على
قِيلَ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَخُلِقَ الْإِنسَنُ ضَعِيفًا)، لأَنَّهُ لَا يَصْبِرُ الْجِمَاعِ، وَيَضْعُفُ عَنْ تَرْكِهِ، وَفِي بَعْضِ التَّفْسِيرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَابه) (2) أَنَّهَا شِدَّةُ الْعُلَمَةِ، فَأَبَاحَ اللهُ النِّكَاحَ لِعِبَادِهِ فَضْلاً مِنْهُ وَحِكْمَةٌ لِبَقَاءِ النَّسْل وَتَأْلِيفِ الْخَلْقِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ
إليها (3)
(2)
مَسْأَلَة [آدابُ غَشَيَانِ الأَهْل لَيْلَةَ الابْتِنَاءِ]: وَإِذَا أَرَادَ الْإِنْسَانُ غَشَيَانَ أَهْلِهِ لَيْلَةَ الابْتِنَاءِ بِهَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى طَهَارَةٍ، وَيَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ، وَيَدْعُوَ بِقَوْلِهِ: "الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَغْنَانِي بِالْحَلَالِ عَنِ الْحَرَامِ. وَمَا شَاءَ مِنَ الدُّعَاءِ، ثُمَّ يَدْنُو إِلَى أَهْلِهِ، فَتَنْزِعُ هِيَ مَا عَلَيْهَا مِنَ الشَّيَابِ مَا خَلَاَ التَّوْبَ الَّذِي يَلِي بَدَنَهَا فَإِنَّ الزَّوْجَ أَوْلَى بِنَزْعِهِ، ثُمَّ يَجُرُّ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهَا وَيَقُولُ: اللهُمَّ بَارِكْ لِي فِي أَهْلِي وَبَارِكْ لَأَهْلِي فِي. ثُمَّ يَنْغَمِرُ هُوَ وَهِيَ فِي مِلْحَفَةٍ أَوْ ثَوْبٍ، ثُمَّ يَنْحَرِفَانِ عَنِ الْقِبْلَةِ إِكْرَامًا لَهَا، ثُمَّ يَعْقِدُ النِّيَّةَ فِي الْجِمَاعِ، يَنْوِي بِهِ كَسْرَ النَّفْسِ وَتَحْصِينَ الْفَرْجِ وَطَلَبًا لِلْوَلَدِ طَاعَةً
(1) النِّسَاء: (28).
(1) البقرة: (286). (1) الأعراف: (981). (2/353)
صفحة 850
قواعد الإس
6
(2)
(3)
لِلهِ وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَيَقْرَأُ: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، وَيُكَبِّرُ وَيُهَلِّلُ وَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ الْعَلِي الْعَظِيمِ، اللهُمَّ اجْعَلْهَا ذُرِّيَّةٌ طَيِّبَةً إِنْ كُنْتَ قَدَّرْتَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ صُلْبِي. وَفِي الْحَدِيثِ: "لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ اللهُمَّ جَنِّبْنِي الشَّيْطَانَ وَجَنَّبٍ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنِي، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ (1)، فَإِذَا قَرُبَ مِنَ الإِنْزَالِ فَلْيَقُلْ فِي نَفْسِهِ وَلَا يُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَهُ: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي جَعَلَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا، وَفِي الْحَدِيثِ "كَانَ يُغَلِّي رَأْسَهُ وَيَغُضُّ صَوْتَهُ وَيَقُولُ لِلْمَرْأَةِ: عَلَيْكِ السكينة (2)، وَفِي الْحَدِيثِ: "إِذَا جَامَعَ أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلَا يَتَجَرَّدَانِ تَجَرُّدَ الْعِيرَيْنِ " ()، وَلْيُقَدِّمِ التَّلَطُّفَ بِالْكَلَامِ وَالتَّقْبِيلِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: "فَلَا يَقَعُ عَلَى امْرَأَتِهِ كَمَا تَقَعُ الْبَهِيمَةُ، وَلْيَكُنْ بَيْنَهُمَا رَسُولٌ قِيلَ: فَمَا هُوَ؟ قَالَ: الْقُبْلَةُ وَالْكَلامُ، وَفِي الْحَدِيثِ: " مِنَ الْجَفَاءِ أَنْ يُقَارِفَ الرَّجُلُ جَارِيَتَهُ فَيُصِيبَهَا قَبْلَ أَنْ يُحَدِّثَهَا وَيُضَاجِعَهَا فَيَقْضِي حَاجَتَهُ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَقْضِي حَاجَتَهَا " ()، وَفِي الْحَدِيثِ: "إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ غَشَيَانَ أَهْلِهِ فَلْيَسْتَتِرُ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَتِرِ اسْتَحَبَتِ الْمَلَائِكَةُ فَخَرَجَتْ وَحَضَرَتِ الشَّيَاطِينُ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ كَانَ الشَّيْطَانُ فِيهِ (1) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيُّ: لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ فَقَالَ بِاسْمِ اللهِ اللهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنْبِ الشَّيْطَانَ مَا رُزِقْنَا؛ فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا".
(1) [ذكره الهيثمي: الإفصاح عن أحاديث النكاح، 1/ 34].
(1) [رواه ابن ماجه، باب التستر عند الجماع، 1921]. (1) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.
(1) أَوْرَدَهُ الْقُطْبُ الله فِي وَفَاءِ الضَّمَانَةِ [محمد بن يوسف اطفيش: وفاء الضمانة بأداء الأمانة ر 34، 3/ 168] بِلا ذِكْرِ سَنَد، بِلَفْظِ: "إِذَا جَامَعَ أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلاَ يَتَنَعَ عَنْهَا بَعْدَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ حَتَّى تَقْضِي حَاجَتَهَا، وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِذَا جَامَعَ أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَصْدُقْهَا، فَإِذَا قَضَى حَاجَتَهُ قَبْلَ أَنْ تَقْضِي حَاجَتَهَا فَلَا يُعَجِّلْهَا حَتَّى تَقْضِيَ
حَاجَتَهَا". (2/354)
صفحة 851
شَرِيكا (1)، وَقَالَ لأبي هُرَيْرَةَ: "إِذَا غَشِيتَ أَهْلَكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ فَقُلْ بِاسْمِ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، فَإِنَّ حَفَظَتَكَ يَكْتُبُونَهُ حَسَنَاتٍ حَتَّى تَغْتَسِلَ، فَإِذَا اغْتَسَلْتَ غُفِرَتْ ذُنُوبُكَ " (2).
وَيُقَالُ: يُسْتَحَبُّ لِلْمُجَامِعِ أَنْ يَشْرَبَ بَعْدَ فَرَاغِهِ ثَلَاثَ جُرَعٍ مِنَ الْمَاءِ، وَيَنَامَ عَلَى يَمِينِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُعِيدُ مَا خَرَجَ مِنْهُ.
وَيُقَالُ: يُكْرَهُ الْجِمَاعُ فِي ثَلاثِ لَيَالٍ مِنَ الشَّهْرِ: الْأَوَّلِ وَالنَّصْفِ وَالْآخِرِ، يُقَالُ: إِنَّ الشَّيَاطِينَ يُجَامِعُونَ فِيهَا، وَفِي وَصِيَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِعَلِي: "يَا عَلِيُّ، لَا تتَكَلَّمْ عِنْدَ الْجِمَاعِ كَثِيرًا، فَإِنَّهُ إِنْ قُضِيَ بَيْنَكُمَا وَلَدٌ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ أَخْرَسَ، وَلاَ تَنْظُرْ إِلَى فَرْجِ امْرَأَتِكَ، فَإِنَّهُ يُورِثُ الْعَمَى لِلْوَلَدِ، وَلَا تُجَامِعْهَا إِلَّا وَمَعَكَ خِرْقَ وَمَعَهَا أُخْرَى، كَيْ لاَ تَقَعَ الشَّهْوَةُ عَلَى الشَّهْوَةِ فَتَقَعَ الْعَدَاوَةُ، وَلَا تُجَامِعْ لَيْلَةَ الْفِطْرِ وَلَيْلَةَ الأَضْحَى، وَلَا بَيْنَ الآذَانِ وَالإِقَامَةِ، فَإِنَّهُ إِنْ قُضِيَ بَيْنَكُمَا وَلَدٌ يَكُونُ عَشَارًا، وَلَا تُجَامِعِ امْرَأَتَكَ عَلَى السَّقْفِ، فَإِنَّهُ إِنْ قُضِيَ بَيْنَكُمَا وَلَدٌ يَكُونُ مُنَافِقًا، وَعَلَيْكَ بِالْجِمَاعِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ إِنْ قُضِيَ بَيْنَكُمَا وَلَدٌ يَكُونُ حَافِظًا لِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى " (3)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) وَفِي مَعْنَاهُ: "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَسْتَتِرُ وَلَا يَتَجَرَّدَانِ تَجَرُّدَ الْعِيرَيْنِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَةَ (1) رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَوْ أَنْ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ بِاسْمِ اللهِ اللهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنْبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنْ قُدْرَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ وَلَدٌ، لَنْ يَضُرَّ ذَلِكَ الْوَلَدَ الشَّيْطَانُ أَبَدًا". (1) أَنْكَرَ عُلَمَاءُ الْجَرْح وَالتَّعْدِيلَ نِسْبَةَ هَذِهِ الْوَصَايَا إِلَى الرَّسُولِ، وَعَدُّوهَا الْمَوْضُوعَاتِ، قَالَ الصَّاغَانِيُّ: وَمِنْهَا أَي مِنَ الْمَوْضُوعَاتِ وَصَايَا عَلِيٌّ أَوَّلُهَا: يَا عَلِيٌّ، لِفُلانٍ ثَلَاثُ عَلامَاتٍ، وَفِي آخِرِهَا: عَنِ الْمُجَامَعَةِ فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، كُلُّهَا مَوْضُوعَةٌ. وَآخِرُ هَذِهِ الْوَصَايَا يَا عَلِيُّ، أَعْطَيْتُكَ فِي هَذِهِ الْوَصِيَّةِ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ. وَضَعَهَا حَمَّادُ بْنُ عَمْرٍو النَّصيبي. [موضوعات الصغاني، 1/ 1]. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي اللَّآلِي: "وَكَذَلِكَ وَصَايَا عَلِيٌّ مَوْضُوعَةٌ، وَاتِهِمَ بِهَا حَمَّادُ بْنُ عَمْرٍو، وَكَذَلِكَ وَصَايَاهُ الَّتِي وَضَعَهَا عَبْدُ (2/355)
صفحة 852
قواعد الإسـ
وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَسْتَحِبُّ الْجِمَاعَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ: "رَحِمَ اللهُ مَنْ غَسَلَ وَاغْتَسَلَ ((1) أَنَّهُ الْمُرَادُ فِي أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُرْوَى أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ النَّوْمَ مَعَ أَهْلِهِ اتَّخَذَ خِرْقَةٌ، فَإِذَا فَرَغَ نَاوَلَتْهُ إِيَّاهَا فَتَتَمَسَّحُ عَنْهُ الأَذَى وَيَتَمَسَّحُ عَنْهَا، ثُمَّ بَاتَا فِي ثَوْبِهِمَا ذَلِكَ " (2)، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ أَنْ تَكُونَ الْخِرْقَةُ مِنَ الصُّوفِ؛ لأَنَّ الْكِتَانَ يُضْعِفُ الذَّكَرَ فِيمَا أَظُنُّ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم " أَنْ يُجَامِعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ عِنْدَ أَحَدٍ حَتَّى الصَّبِيِّ فِي الْمَهْدِ (3)، وَهَذَا نَهْي تَأْدِيبٍ، إِلا إِنْ كَانَ يَعْقِلُ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ سَمْعَانَ أَوْ شَيْخُه اهـ[انظر: القاري: الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة، 405/ 1]. وَإِذَا نَفَيْنَا نِسْبَةَ هَذِهِ الْوَصَايَا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ غَيْرُ حْسَنَةٍ، بَلْ قَدْ تَكُونُ حَقًّا وَحِكْمَةَ، وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّ مَا هُوَ حَقٌّ حَدِيثًا. هَذَا وَمِمَّا يُؤَيَّدُ وَضْعِيَّتَهَا أَنَّنَا نَجِدُ الإِمَامَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ يَتَحَاشَى سُؤَالَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كِفَاحًا عَمَّا يَسْتَحْيِيَ مِنْهُ مِمَّا يَحُومُ حَوْلَ الْعَلَاقَاتِ الزَّوْجِيَّةِ، فَهَذَا الْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ يَأْمُرُهُ أَنْ يَسْأَلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ رَجُلٍ دَنَا مِنَ امْرَأَتِهِ، فَخَرَجَ مِنْهُ مَدْيٌّ مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: فَأَنَا أَسْتَحْيِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ أَسْأَلُهُ لأجل ابْنَتِهِ عِنْدِي، فَإِذَا كَانَ لَا يَقْدَمُ عَلَى أَبْسَطِ سُؤَالٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ فَكَيْفَ يَقْوَى
عَلَى تَلَقِّي هَذِهِ الْوَصَايَا الَّتِي يَنْدَى مِنْهَا الْجَبِينُ خَجَلا؟ (1) رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ بِلَفْظِ: "رَحِمَ اللهُ مَنْ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ وَغَسَلَ وَاغْتَسَلَ". وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثٍ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ: "مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ ... الْحَدِيثِ، وَحَسَّنَهُ التَّرْمِذِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ: "وَدَنَا مِنَ الإِمَام وَاسْتَمَعَ". وَمَعْنَى بَكْرَ: أَنِّي الصَّلاةَ أَوَّلَ وَقْتِهَا، يَعْنِي صَلاةَ الْجُمُعَةِ، وَابْتَكَرَ، أَيْ: أَدْرَكَ أَوَّلَ الْخُطْبَةِ، مِنَ ابْتَكَرَ الرَّجُل، إِذَا أَكَلَ الْبَاكُورَةَ، وَغَسَّلَ: بِالتَّفْعِيفِ، أَيْ: جَامَعَ أَهْلَهُ فَأَحْوَجَهَا إِلَى غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَاغْتَسَلَ، أَيْ: مِنَ الْجَنَابَةِ. (1) الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ صَاحِبُ وَفَاءِ الضَمَانَةِ أَنَّهُ قَوْلُ لِعَائِشَةَ، قَالَ: "كَقَوْلِ عَائِشَةَ: التَعُدَّنَ إِحْدَاكُنَّ الْخِرْقَةَ لِزَوْجِهَا إِذَا أَتَاهَا، فَإِذَا قَضَى الرَّجُلُ حَاجَتَهُ مَسَحَتْ بِهَا ثُمَّ نَاوَلَتْهُ فَمَسَحَ بِهَا".
وفاء الضمانة بأداء الأمانة، ر 34، 168/ 3].
(1) [رواه البيهقي، باب التستر في حال الوطء، ر 13874]. (2/356)
صفحة 853
(1)
وَنَهَى عَنِ الْفَهْرَةِ، قَالَ بَعْضُ: مَعْنَاهَا أَنْ يُجَامِعَ جَارِيَتَهُ ثُمَّ يُنْزِلَ الْمَاءَ فِي غَيْرِهَا مِنْ نِسَائِهِ.
مَسْأَلَة [الغسل واحد ولو تكرر الجماع]: وَقَدْ أَجَازُوا لِلرَّجُلِ أَنْ يُجَامِعَ امْرَأَتَهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَأَنْ يُجَامِعَ نِسَاءَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَيَغْسِلَ لِلْجَمِيعِ غُسْلاً وَاحِدًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ.
وَلا بَأْسَ بِالْجِمَاعِ بَعْدَ إِصَابَةِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ غَسْلُ الْأَذَى إِذَا
أَرَادَ الْمُعَاوَدَةَ أَوِ النَّوْمَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلا بَأْسَ عَلَيْهِ.
وَيُكْرَهُ الْجِمَاعُ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ حَتَّى لاَ يَنَامَ عَلَى جَنَابَةٍ، وَيَجُوزُ لَهُ وَطْءُ امْرَأَتِهِ مُقْبِلَةٌ أَوْ مُدْبِرَةً أَوْ مُضْطَجِعَةٌ، وَلاَ يَجُوزُ الْوَطْهُ فِي الدُّبُرِ، وَلَا فِي الْفَرْجِ فِي حَالِ الْحَيْضِ، وَلا قَبْلَ الاغْتِسَالِ مِنْهُ، لِنَهْيِ اللهِ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، وَلِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُورِثُ الْوَلَدَ الْجُذَامَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
وَيَجُوزُ الْعَزْلُ عَنِ الأَمَةِ بِغَيْرِ إِذْنِهَا، وَعَنِ الْحُرَّةِ بِإِذْنِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَبِهِ الْحَوْلُ وَالتَّوْفِيقُ.
(1) وَفِي نُسْخَةٍ: الْعَهْرَةُ بِالْعَيْنِ، وَفُسِّرَتْ بِمَا فَسَّرَ الْمُصَنِّفُ الْفَهْرَةَ بِالْفَاءِ، وَهِيَ نَوْعٌ مِنَ الْعَزْلِ. (2/357)
صفحة 854
betaltakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakata
الفضيل الحامين
فِي آذَابِ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ سَائِرِ الخَلْقِ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا (1)، وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ فَاسْعُوهُمْ بِأَخْلاقِكُمْ (2)، وَعَنْ. عُمَرَ اللهُ قَالَ: ثَلاث يُصَفِّينَ لَكَ وُدَّ أَخِيكَ: أَنْ تُسَلَّمَ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيتَهُ أَوَّلاً، وَتُوَسِّعَ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ، وَتَدْعُوهُ بِأَحَبِّ أَسْمَائِهِ إِلَيْهِ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: الْبِرُّ شَيْءٌ هَيِّنٌ، وَجْهُ طَلِيقٌ وَكَلامٌ لَيِّنٌ". وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَا رَسُولَ اللهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَل يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، قَالَ: "إِنَّ مُوجِبَاتِ الْمَغْفِرَةِ بَذْلُ السَّلامِ، وَحُسْنُ الْكَلَامِ، وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ل: قَالَ لِي: " أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَوَفَاءِ الْعُهُودِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، وَتَرْكِ الْخِيَانَةِ، وَحِفْظِ الْجَارِ، وَرَحْمَةِ الْيَتِيمِ، وَلِينِ الْكَلَامِ، وَبَذْلِ السَّلَامِ، وَخَفْضِ الْجَنَاحَ).
(1) البقرة: (83).
) 4
:
(1) رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مَكَارِ الـ الأَخْلاقِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي. بلفظ: "إِنَّكُمْ لَنْ وَبِنَضٌ طُرُقِ
تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ لِيَسَعَهُمْ مِنْكُمْ بِبَسْطِ الْوَجْهِ وَحُسْنِ الْبَزَّارِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: "فَسَعُوهُمْ" بَدَلَّ "ليَسعَهُمْ مِنكُمْ"
(2) [رواه الطبراني في الكبير، ر 469]. (1) رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ في حلية الأولياء [241/ 1]. (2/358)
صفحة 855
sickchickickchickchicktekisktaktaktaktakiskiskted
وَالْقَوْلُ الْجَامِعُ لَآدَابِ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ سَائِرِ الْخَلْقِ كَلَامُ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ الْقَ صَدِيقَكَ وَعَدُوَّكَ بِوَجْهِ الرَّضَى مِنْ غَيْرِ ذِلَّةٍ لَهُمْ وَلَا هَيْبَةٍ مِنْهُمْ، وَتَرَفَّعْ فِي غَيْرِ كِبْرِ، وَتَوَاضَعْ مِنْ غَيْرِ مَذَلَّةٍ، وَكُنْ فِي جَمِيعِ أَمُورِكَ وَسَطًا، فَكِلًّا طَرَفَي الْأُمُورِ ذَمِيمٌ، وَلَا تَنْظُرْ فِي عِطْفَيْكَ، وَلا تُكْثِرِ الالْتِفَاتَ، وَلَا تَقِفْ عَلَى الْجَمَاعَاتِ، وَإِذَا جَلَسْتَ فَلَا تَسْتَوْفِرْ وَتَحَفَّظْ عَنْ تَشْبِيكِ أَصَابِعِكَ، وَالْعَبَثِ بِلِحْيَتِكَ، وَتَخْلِيلِ أَسْنَانِكَ، وَإِدْخَالِ أَصَابِعِكَ فِي أَنْفِكَ، وَكَثْرَةِ بِصَاقِكَ وَتَنَخُمِكَ، وَطَرْدِ الذُّبَابِ عَنْ وَجْهِكَ، وَلا تُكْثِرِ التَّمَطَّيَ وَالتَّناؤُبَ فِي وُجُوهِ النَّاسِ، وَفِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَلْيَكُنْ مَجْلِسُكَ هَادِنَا، وَكَلامُكَ مَنْظُومًا مُرَتَّبَا، وَاصْغَ إِلَى الْكَلَامِ الْحَسَنِ مِمَّنْ حَدَّثَكَ بِغَيْرِ إِظْهَارِ تَعَجُب مُفْرِطٍ مِنْكَ، وَلا تَسْأَلُهُ إِعَادَةَ ذَلِكَ، وَاسْكُتْ عَنِ الْمَضَاحِكِ وَالْحِكَايَاتِ، وَلَا تَتَحَدَّثْ عَنْ إِعْجَابِكَ لِوَلَدِكَ وَلَا سَائِرِ مَا يَخُصُّكَ، وَلَا تَتَصَنَّعْ تَصَنُّعَ الْمَرْأَةِ فِي التَّزْيِينِ، وَلَا تَبَلَّذْ تَبَلُّذَ الْعَبْدِ فِي الرَّزَّةِ، وَلَا تُلِيَّ فِي الْحَاجَاتِ، وَلاَ تُشَفَّعْ أَحَدًا عَلَى الظُّلْمِ، وَلاَ تُعْلِمْ أَهْلَكَ وَوَلَدَكَ – فَضْلاً عَلَى غَيْرِهِمْ - مِقْدَارَ مَالِكَ، فَإِنَّهُمْ إِنْ رَأَوْهُ قَلِيلاً هُنْتَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ تَبْلُغَ رِضَاهُمْ، وَأَخِفْهُمْ فِي غَيْرِ عُنْفٍ، وَلِنْ لَهُمْ مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ، وَلَا تُهَازِلْ أَمَتَكَ وَلَا عَبْدَكَ فَيَسْقُطَ وَقَارُكَ، وَإِذَا خَاصَمْتَ فَتَوَكَّرْ، وَتَحَفَّظُ مِنْ جَهْلِكَ، وَتَجَنَّبْ عَجَلَتَكَ، وَتَفَكَّرْ فِي حُجَّتِكَ، وَلاَ تُكْثِرِ الإِشَارَةَ بِيَدِكَ، وَلَا تُكْثِرِ الالْتِفَاتَ إِلَى مَنْ وَرَاءَكَ، فَإِذَا هَدَأَ غَيْظُكَ فَتَكَلَّمْ، وَإِنْ قَرَّبَكَ سُلْطَانٌ فَكُنْ مِنْهُ عَلَى حَدَّ السَّنَانِ، وَإِنِ اسْتَرْسَلَ إِلَيْكَ فَلا تَأْمَنِ انْقِلابَهُ عَلَيْكَ، وَارْفقُ بِهِ رِفْقَكَ بِالصَّبِيِّ، وَكَلِّمْهُ بِمَا يَشْتَهِيهِ، وَلَا يَحْمِلُكَ لُطْفُ الْمَلِكِ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَحَشَمِهِ، وَإِنْ كُنْتَ لِذَلِكَ مُسْتَحِقًا عِنْدَهُ، فَإِنَّ سَقْطَةَ الدَّاخِل بَيْنَ الْمَلِكِ وَأَهْلِهِ سَقْطَةٌ لَا تُنْعِشُ، وَزَلَّةٌ لا تُقَالُ، وَإِيَّاكَ وَصَدِيقَ الْعَافِيَةِ فَإِنَّهُ أَعْدَى الأَعْدَاءِ، وَلَا تَجْعَلْ مَالَكَ أَكْرَمَ
مِنْ عِرْضِكَ. (2/359)
صفحة 856
قواعد الإسـ
فَإِنْ دَخَلْتَ مَجْلِسًا فَالْأَدَبُ الْبَدَاءَةُ بِالتَّسْلِيمِ، وَتَرْكُ التَّخَلِّي لِمَنْ جَلَسَ، وَالْجُلُوسُ حَيْثُ اتَّسَعَ، وَحَيْثُ يَكُونُ أَقْرَبَ إِلَى التَّوَاضُعِ، وَأَنْ تُحَيِّي بِالسَّلَامِ مَنْ قَرُبَ مِنْكَ عِنْدَ الْجُلُوسِ، وَلا تَجْلِسْ عَلَى الطَّرِيقِ، وَإِنْ جَلَسْتَ فَأَدَبُهُ غَضُ الْبَصَرِ، وَنُصْرَةُ الْمَظْلُومِ، وَإِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ، وَعَوْنُ الضَّعِيفِ، وَإِرْشَادُ الضَّالِّ، وَرَدُّ السَّلام، وَإِعْطَاهُ السَّائِلِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالارْتِيَادُ لِمَوْضِعِ الْبَصَاقِ، وَلَا تَبْصُقُ فِي وَجْهِ الْقِبْلَةِ وَلَا عَنْ يَمِينِكَ وَلَا عَنْ يَسَارِكَ، وَلَكِنْ تَحْتَ قَدَمِكَ الْيُسْرَى.
وَلَا تُجَالِسِ الْمُلُوكَ، فَإِنْ فَعَلْتَ فَأَدَبُهُ: تَرْكُ الْغِيبَةِ، وَمُجَانَبَةُ الْكَذِبِ، وَصِيَانَةُ السِّرِّ، وَقِلَّةُ الْحَوَائِجِ، وَتَهْذِيبُ الأَلْفَاظِ وَالإِعْرَابُ فِي الْخِطَابِ، وَالْمُذَاكَرَةُ بِأَخْلاقِ الْمُلُوكِ، وَقِلَّةِ الْمُدَاعَبَةِ، وَكَثْرَةِ الْحَذَرِ مِنْهُمْ وَإِنْ ظَهَرَتِ الْمَوَدَّةُ، وَأَنْ لَا تَتَجَشَّى بِحَضْرَتِهِ، وَلَا تُخَلَّلْ بَعْدَ الأَكْل عِنْدَهُ، وَعَلَى الْمَلِكِ أَنْ يَتَحَمَّلَ أَيَّ شَيْءٍ إِلا إِفْشَاءَ السِّرِّ، وَالْقَدْحَ فِي الْمَلِكِ، وَالتَّعَرُّضَ لِلْحُرَمِ.
وَلَا تُجَالِسِ الْعَامَّةَ، فَإِنْ فَعَلْتَ فَالأَدَبُ: تَرْكُ الْخَوْضِ فِي حَدِيثِهِمْ، وَقِلَّهُ الإِصْغَاءِ إِلَى أَرَاجِيفِهِمْ، وَالتَّغَافُلُ عَمَّا يَجْرِي فِي سُوءِ أَلْفَاظِهِمْ، وَقِلَّةُ اللَّقَاءِ لَهُمْ مَعَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِمْ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُمَازِحَ لَبِيبًا أَوْ غَيْرَ لَبِيبٍ، فَإِنَّ اللَّبِيبَ يَحْقِدُ عَلَيْكَ، وَالسَّفِيهَ يَجْتَرِئُ عَلَيْكَ لأَنَّ الْمِزَاحَ يَخْرِقُ الْهَيْبَةَ، وَيُذْهِبُ مَاءَ الْوَجْهِ، وَيُعقِبُ الْحِقْدَ، وَيَذْهَبُ بِحَلَاوَةِ الْمَوَدَّةِ، وَيشِينُ فِقْهَ الْفَقِيهِ، وَيُجَرِّئُ السَّفِيهَ، وَيُسْقِطُ الْمَنْزِلَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَيَمْقُتُهُ الْمُتَّقُونَ، وَهُوَ يُمِيتُ الْقَلْبَ، وَيُبَاعِدُ عَنِ الرَّبِّ، وَيُكْسِبُ الْغَفْلَةَ، وَيُورِثُ الذُّلَّةَ، وَبِهِ تُظْلَمُ السَّرَائِرُ، وَتَمُوتُ الْخَوَاطِرُ، وَبِهِ تَكْثُرُ الذُّنُوبُ وَالْعُيُوبُ، وَمَنِ ابْتُلِي فِي مَجْلِسٍ بِمِزَاحٍ أَوْ لَغَطٍ فَلْيَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ قِيَامِهِ، كَمَا قَالَ: "مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطْهُ فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ (2/360)
صفحة 857
stat
مَجْلِسِهِ ذَلِكَ سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلا غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ " (1)،، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَإِيَّاكَ وَصُحْبَةَ أَكْثَرِ النَّاسِ، فَإِنَّهُمْ لا يَقِيلُونَ عَشْرَةٌ، وَلَا يَغْفِرُونَ زَلَّةٌ، وَلَا يَسْتُرُونَ عَوْرَةً، يُحَاسِبُونَ عَلَى النَّقِيرِ وَالْقِطْمِيرٍ، وَيَحْسُدُونَ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، يَنتَصِفُونَ وَلَا يُنْصِفُونَ، وَيُؤَاخِذُونَ عَلَى الْخَطَا وَالنِّسْيَانِ وَلَا يَغْفِرُونَ، يُغَيِّرُونَ الإِخْوَانَ بِالنَّمَائِمِ وَالْبُهْتَانِ، فَصُحْبَةُ أَكْثَرِهِمْ خُسْرَانٌ وَقَطِيعَتُهُمْ رُجْحَانُ، إِنْ رَضُوا فَظَاهِرُهُمُ الْمَلَقُ، وَإِنْ سَخِطُوا فَبَاطِنُهُمُ الْحَلْقُ، لَا يُؤْمَنُونَ فِي حَنَقِهِمْ وَلَا يُرْجَوْنَ فِي مَلَقِهِمْ، ظَاهِرُهُمْ ثِيَابٌ، وَبَاطِنُهُمْ ذِئَابُ، يَقْطَعُونَ بِالظُّنُّونِ، وَيَتَغَامَزُونَ وَرَاءَكَ بِالْعُيُونِ، وَيَتَرَبَّصُونَ بِصَدِيقِهِمْ مِنَ الْحَسَدِ رَيْبَ الْمَنُونِ، يُحْصُونَ عَلَيْكَ الْعَثَرَاتِ
مَحَبَّتِهِمْ لِيُوَاجِهُوكَ بِهَا عِنْدَ غَضَبِهِمْ وَوَحْشَتِهِمْ.
كَمَا قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ: دَعِ الرَّاغِبِينَ فِي صُحْبَتِكَ وَالتَّعَلَّمَ مِنْكَ، فَلَيْسَ لَكَ مِنْهُمْ مَالٌ وَلاَ جَمَالٌ، إِخْوَانُ الْعَلانِيَةِ أَعْدَاءُ السَّرِيرَةِ، إِذَا لَقُوكَ تَمَلَّقُوكَ، وَإِذَا غِبْتَ عَنْهُمْ سَلَقُوكَ، مَنْ أَتَاكَ مِنْهُمْ كَانَ عَلَيْكَ رَقِيبًا، وَإِذَا خَرَجَ كَانَ عَلَيْكَ خَطِيبًا، أَهْلُ نِفَاقٍ وَنَمِيمَةٍ وَغِلٌ وَخَدِيعَةٍ (2).
وَمِنْ كَلامِ غَيْرِهِ فَلاَ تَغْتَر بِاجْتِمَاعِهِمْ وَلَا تَسْكُنْ إِلَى حُسْنِ ثَنَائِهِمْ فِي وَجْهِكَ، وَإِظْهَارِ مَوَدَّتِهِمْ لَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ طَلَبْتَ حَقِيقَةَ ذَلِكَ لَمْ تَجِدْ فِي الْمِائَةِ وَاحِدًا وَرُبَّمَا لا تَجِدُهُ، وَلا تَشْكُ إِلَيْهِمْ أَحْوَالَكَ فَيُكِلْكَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ، وَلَا تَطْمَعْ فِي أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي الْغَيْبِ وَالسِّرِّ كَمَا كَانُوا لَكَ فِي الْعَلَانِيَةِ وَالْجَهْرِ، فَذَلِكَ طَمَعُ كَاذِبٌ وَأَنَّى تَجِدُهُ، وَإِذَا سَأَلْتَ أَحَدًا مِنْهُمْ حَاجَةً فَقَضَاهَا فَهُوَ أَخٌ مُسْتَفَادٌ، وَإِنْ لَمْ يَقْضِهَا فَلَا تُعَاتِبُهُ فَيَصِيرَ عَدُوًّا يَطُولُ عَلَيْكَ مُقَاسَاتُهُ، وَإِذَا بَلَغَكَ مِنْهُمْ غِيبَةٌ أَوْ
(1) [رواه الهندي: كنز العمال حق المجالس والجلوس، ر 25466]. (1) [انظر: إحياء علوم الدين، 237/ 2] (2/361)
صفحة 858
قواعد الإ
رَأَيْتَ مِنْهُمْ شَرًا أَوْ مَا يَسُوءُكَ فَكِلْ أَمْرَهُمْ إِلَى اللهِ، وَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهِمْ، وَكُنْ فِيهَا سَمِيعًا لِحَقِّهِمْ، أَصَمَّ عَنْ بَاطِلِهِمْ، نَطُوقًا بِحَقِّهِمْ، صَمُوتًا عَنْ مَسَاوِئِهِمْ، فَاجْعَلْ خَطَأَهُمْ إِصَابَةً وَاعْوِجَاجَهُمُ اسْتِقَامَةٌ، وَقَبِيحَهُمْ إِحْسَانًا، وَمُنْكَرَهُمْ عِرْفَانًا، وَخَالِطْهُمْ بِجِسْمِكَ، وَفَارِقْهُمْ بِقَلْبِكَ وَعَمَلِكَ تَنْجُ مِنْ شَرِّهِمْ، وَيَصْفُ
لَكَ بَعْضُ سُرُورِهِمْ، وَيَسْلَمُ لَكَ دِينُكَ إِنْ صَحْ يَقِينُكَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ الله تَعَالَى: قَدْ جَمَعْتُ فِي هَذَا الْكِتَابِ قَوَاعِدَ الْفَرَائِضِ الْوَاجِبَاتِ، وَوَاجِبَ الْحُقُوقِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْكَبَائِرِ الْمُوبِقَاتِ وَالْفَضَائِلِ الأَدَبِيَّاتِ، فَمَنِ امْتَثَلَ فَرَائِضَهَا بِالْكَمَالِ، وَأَدَّى الْحُقُوقَ الْمَذْكُورَةَ فِيهِ مِنَ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ، وَاجْتَنَبَ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ كَبَائِرِ الْأَعْمَالِ، وَطَهَّرَ قَلْبَهُ وَبَاطِنَهُ مِنْ غَوَائِلِ الْآثَامِ، وَكَفَّ لِسَانَهُ عَنِ الْخَوْضِ فِي الأَباطيل، وَتَوَاضَعَ لِلهِ، وَأَنْصَفَ مِنْ نَفْسِهِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَحَاسَبَ نَفْسَهُ فِي لَطَائِفِ الأُمُورِ وَجَلاَئِلِهَا، وَتَابَ إِلَى اللَّهِ مِنْ صَغِيرِ وَكَبِيرِهَا، وَلَزِمَ الاسْتِغْفَارَ، وَذَكَرَ الْمَوْتَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَحَسُنَ ظَنُّهُ بِاللَّهِ،
الْخَطَايَا
وَرَضِيَ بِهِ فِي جَمِيعِ مَا يُجْرِي عَلَيْهِ مِنَ الْمَقَادِيرِ، وَصَبَرَ عَلَى الْمَصَائِبِ وَاحْتَسَبَهَا، وَكَظَمَ غَيْظَهُ، وَاسْتَعْمَلَ الْعَفْوَ وَالإِحْسَانَ إِلَى النَّاسِ، وَكَفَّ لِسَانَهُ عَنْ أَعْرَاضِهِمْ، وَبَطْنَهُ عَنْ أَمْوَالِهِمْ، وَخَفَّفَ ظَهْرَهُ عَنْ أَثْقَالِهِمْ، وَصَانَ نَفْسَهُ عَنْ مُخَالَطَةِ الْأَشْرَارِ، وَاسْتَعْمَلَ التَّوْبَةَ وَالاسْتِغْفَارَ، وَسَلِمَ مِنَ الْبِدْعَةِ وَالْإِصْرَارِ، وَدَاوَمَ عَلَى هَذَا حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ، رَجَوْنَا لَهُ السَّلَامَةَ وَالنَّجَاةَ يَوْمَ الدِّينِ، وَدُخُولَ الْجَنَّةِ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ
خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَإِمَامِ الْمُرْسَلِينَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
فَأَنْشُدُ اللهَ مَنْ قَرَأَ كِتَابِي هَذَا وَفَهِمَ مَضْمُونَ مَا أَوْدَعْنَاهُ مِنْ عُلُومِ الْعِبَادَاتِ، وَمَا ضَمَّنَّاهُ مِنَ الْحُقُوقِ وَالْأَدَبِيَّاتِ، أَنَّهُ إِذَا اطَّلَعَ فِيهِ عَلَى خَطَا أَوْ زَلَلِ أَنْ يُحْسِنَ الظَّنَّ بِنَا (2/362)
صفحة 859
وَيَسُدَّ الْخَلَلَ؛ لأَنَّنا جَمَعْنَاهُ مِنْ كُتُبِ مُخْتَلِفَةٍ، وَذَكَرْنَا فِيهِ بَعْضَ اخْتِلَافِ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ، وَضَمَّنَّاهُ جُلَّ مَا يَلْزَمُ الإِنْسَانَ مِنَ الْحُقُوقِ وَعِبَادَاتِ الأَبْدَانِ، رَغْبَةٌ فِي ثَوَابِ مَنْ أَلْهَمَنَا إِلَى تَأْلِيفِهِ، وَأَعَانَنَا عَلَى تَصْنِيفِهِ، فَلِلِهِ الْحَمْدُ عَلَى مَمَرَّ السِّنِينَ وَالْأَعْوَامِ، وَالشُّكْرُ مَدَى اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ، وَالصَّلاةُ عَلَى خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
تَمَّ بِعَوْنِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ كِتَابُ قَوَاعِدِ الإِسْلَامِ
وَالْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ (2/363)
صفحة 860
[صفحة فارغة] (2/364)
صفحة 861
12
13
10.
10 ..
17 ...
17.
19.0
19.
23
فهرست الجزء الثاني
الرُّكْنُ الثَّالِثُ: فِي فَرْضِ الزَّكَاةِ وَمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الأَقْسَامِ وَالأَبْوَابِ.
الأشياء التي تجبُ فيهَا الزَّكاةُ.
الفصل الأول: فِي تَفْصِيلِ صَدَقَةِ الأَنْعَامِ.
نصاب الإبل.
نصاب البقر.
نصاب الغنم.
ضم المعز إلى الظأن
- مسألة: في زكاة مال الشريكين.
- في حكم الخليطين.
في زكاة الإبل وما يخرج منها
- مسألة: في حكم زكاة العوامل من الإبل والبقر
الفصل الثاني: فِي زَكَاةِ الْمُعَشَّرَاتِ الثمار والحبوب).
مَسْأَلَةٌ: في أصنافِ الثَّمَارِ وَالحُبوبِ التِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكاةُ
مسألة: فِي نِصابِ الْحُبُوبِ وَالشِّمَارِ.
مسألة: في حكم ضم صنف إلى آخر. (2/365)
صفحة 862
واعد الاسلام
مسألة: في نصاب الحبوب والثمار أيضا.
مَسْأَلَةٌ: فِي تَقْدِيرِ النِّصَابِ بِالْخَرْصِ
2500
25.
مَسْأَلَة: في حساب مَا يُؤكَلُ مِنْ النَّخْلِ وَالزَّرْعِ قَبْلَ الْجُذَادِ وَالْحَصَادِ فِي النِّصَابِ.270
YA ..
YA ...
مَسْأَلَة: في إخراج قيمةِ الزَّكاة ...
مَسْأَلَةٌ: على مَنْ تكون زكاةُ مَا تُخْرِجُهُ الأَرضُ المُسْتَأَجَرَةُ.
الفصل الثالث: فِي زَكَاةِ النَّقْدَيْنِ.
نصابِ النَّقدَيْنِ.
مسألة: في نصابُ الفِضَّةِ (الوَرِقِ).
مَسْأَلَةٌ: في نصابِ الذَّهَبِ.
مَسْأَلَةٌ: في حُكمِ ضَمِّ الذَّهَبِ إِلى الفِضَّةِ.
مَسْأَلَةٌ: في صِفَةِ ضِمَّ الذَّهَبِ إِلى الفِضَّةِ.
....
30
310
340
مَسْأَلَة: في حكم استتمام الشريك بنصيب شريكه في الأصل والنصاب ......... 34
35
370
مَسْأَلَة: في زكاةِ الحُلي
الفصل الرابع: في زَكَاةِ الْعُرُوضِ الْمُتَّخَذَةِ لِلتِّجَارَةِ. (2/366)
صفحة 863
37
390
الْقِسْمُ الأَوَّلُ: فِي زَكَاةِ الْعُرُوضِ
قواعد الإس
الْقِسْمُ الثَّانِي: فِي زَكَاةِ الْفَائِدَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى فِي وَقْتِ الزَّكَاةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: في زكَاةِ فَوَائِدِ الأَمْوَالِ ..
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِيمَنْ أَخْرَجَ زَكَاةَ مَالِهِ فَضَاعَتْ .....
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: فِيمَنْ مَاتَ بَعْدَ وُجُوبِهَا.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: فِي الْمَالِ يُبَاعُ بَعْدَ وُجُوبِ الصَّدَقَةِ فِي
الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي زَكَاةِ الدُّيُونِ ....
فِي الدَّيْنِ الْمَيْتُوسِ مِنْهُ إِذَا قَبَضَهُ صَاحِبُهُ.
390
410
420
430
44
مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ بِيَدِهِ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَعَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ مِثْلُهُ أَوْ دُونَهُ ....... 450
4600
4600
EA ....
الفصل الخامس: فِي زَكَاةِ الْمَعَادِنِ وَرِكَازِ الْجَاهِلِيَّةِ.
في نصابِ الرِّكازِ والمقدارِ المُخرَج.
بَابٌ: فِيمَنْ تَجِبُ لَهُ الزَّكَاةُ .. (2/367)
صفحة 864
قواعد الإسلام
الْفَضْلُ الأَوَّلُ: فِي عَدَدِ الأَصْنَافِ الَّذِينَ تَجِبُ لَهُمُ الزَّكَاةُ.
4800
الفصل الثاني: في صِفَتِهِمُ الَّتِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهَا الصَّدَقَةَ وَيُمْنَعُونَ بِأَضْدَادِهَا ..... 50
الفصل الثالث: فيما يُعْطَى الْفَقِيرُ مِنَ الصَّدَقَةِ.
540
الفصل السادس: فِي سِيرَةِ تَفْرِيقِ الزَّكَاةِ عَلَى أَهْلِهَا فِي الظُّهُورِ وَالْكِتْمَانِ ......... 6
6600
66 .....
670
6800
TA ..
79 ..
VI ..
VY .......
Vo.
الفصل السابع: فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ.
المسألة الأولى: فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِهَا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: عَلَى مَنْ تَجِبُ؟ وَعَنْ مَنْ تَجِبُ؟.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ مِمَّا تَجِبُ؟.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي مِقْدَارِ مَا يُخْرَجُ عَنْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنَ الْقَمْحِ ..
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: مَتَى يُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُهَا.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ فِيمَنْ يَسْتَحِقُ أَخْذَهَا.
فصل: في ما يُستحبُّ عند إخراج الزَّكاةِ.
كتاب الصوم ..
الرُّكْنُ الرَّابِعُ: فِي قَاعِدَةِ الصِّيَامِ الْمَفْرُوضِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ (2/368)
صفحة 865
VV ..
VA ...........
V 9 ..
A\ .........
الْبَابُ الأَوَّلُ: فِي حُكْمِهِ وَمَعْنَاهُ.
الْبَابُ الثَّانِي: فِي أَسْبَابِ الصَّوْمِ.
مقدمة: في صوم يوم الشك.
الفصل الأول: فِي أَحَدِ سَبَي مُوجِبِ الصَّوْمِ وَهُوَ رُؤْيَةُ الهلال.
مَبْحَثُ الْعَمَلِ بِالْحِسَابِ الْفَلَكِيِّ فِي إِثْبَاتِ أَوَّلِ رَمَضَانَ وَأَوَّلِ شَالَ ...........
AA ........
الفصل الثاني: في السَّبَبِ الآخَرِ الْمُوجِبِ لِلصَّوْمِ وَهُوَ الخَبَرُ.
المسألة الأولى: فِي عَدَدِ الْمُخْبِرِينَ الَّذِينَ يَجِبُ قَبُولُ خَبَرِهِمْ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: في الهلال يَرَاهُ أَهْلُ بَلَدٍ وَلاَ يَرَاهُ غَيْرُهُمْ.
88.
90
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي مَنْ صَحَ عِنْدَهُ رَمَضَانُ بِشَهَادَةِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ فَلَمْ يَصُمْهُ ........
الفصل الثالث: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِزَمَانِ الإِمْسَاكِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَغَيْرِهِمَا ...... 92
92.
93
950
مسألة: فِي آخِرِ زمانِ الإمساك.
مَسْأَلَةٌ فِي أَوَّلِ زَمَانِ الإِمْسَاكِ.
مَسْأَلَةٌ: فِي الْحَدِّ الْمُحَرَّمِ لِلأَكْلِ.
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي أَرْكَانِ الصَّوْمِ. (2/369)
صفحة 866
95
97.
970
1.1.
1.9 ..
109.
111
111.
112
تدالان
الركن الأول: الْعِلْمُ بِدُخُولِ الشَّهْرِ.
الرُّكْنُ الثَّانِي: فِي اسْتِكْمَالِ طَرَفَيِ الشَّهْرِ الْمُفْتَرَضِ
الرُّكْنُ الثَّالِثُ: النية.
الرُّكْنُ الرَّابِعُ فِي الإِمْسَاكِ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ.
الْبَابُ الرَّابِعُ: فِي حُكْمِ مَنْ أَفْسَدَ رَمَضَانَ بِإِحْدَى مُفْسِدَاتِهِ.
المسألة الأولى: فِيمَنْ أَفْسَدَهُ بِالْجِمَاعِ مُتَعَمِّدًا ..
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي حُكْمِ مَنْ أَفْسَدَ صَوْمَهُ بِالإِفْط.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتُلِفَ فِي الْمُجَامِعِ نَاسِيًا.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتُلِفَ فِي تَرتِيبِ الْكَفَّارَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: فِي مِقْدَارِ الإِطْعَامِ ..
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا طَاوَعَتْ ....... 113
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا فِيمَنْ جَامَعَ وَأَكَلَ مِرَارًا فِي أَيَّامٍ شَتَّى مِنْ رَمَضَانَ، هَلْ
\\ { ........
110.
تتكررُ الْكَفَّارَةُ أَمْ لا.
الْبَابُ الْخَامِسُ: فِي شَرَائِطِ صِحَّةِ الصَّوْم (2/370)
صفحة 867
110.
116 ...
117.
118 ...
119.
121
122
122.
1240
IYE .........
125 ..........
الشَّرِيطَةُ الأُولَى: الإسلام.
الشَّرِيطَةُ الثَّانِيَةُ: الْعَقْلُ.
الشَّرِيطَةُ الثَّالِثَةُ: الْبُلُوغ ..
الشَّرِيطَةُ الرَّابِعَةُ: الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَيْضِ وَالنَّفَاسِ.
الشَّرِيطَةُ الْخَامِسَةُ: الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ.
فصل: في سنن رمضان ..
الْبَابُ السَّادِسُ فِي مُبِيحَاتِ الإِفْطَارِ.
الفصل الأول: فيمَنْ أُبِيحَ لَهُ الصَّوْمُ وَالإِفْطَارُ بِإِجْمَاعِ.
المسألة الأولى: فِي الْمُسَافِرِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي حَدِّ الْمَسَافَةِ الَّتِي يُفْطِرُ فِيهَا الْمُسَافِرُ.
في الْمَرَضُ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ الْفِطْرُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُفْطِرُ فِيهِ الْخَارِجُ إِلَى السَّفَرِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ فِي قَوْلِ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنَّ صَوْمَ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ لَا يُجْزِيهِمَا عَنْ
12600
صيَامِهِمَا، وَأَنَّ فَرْضَهُ هُوَ أَيَّامُ أَخَرُ .. (2/371)
صفحة 868
قواعد الإن
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: هَلْ يَجُوزُ لِلصَّائِمِ بَعْضَ رَمَضَانَ أَنْ يُنْشِئَ سَفَرًا ثُمَّ لَا يَصُومُ فِيهِ .... 127 الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: فِي الْمُسَافِرِ يَصُومُ فِي السَّفَرِ ثُمَّ يُعْقِبُهُ الإِفْطَار ....... 127 الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ فِي الْمُسَافِرِ يَقْدُمُ الْحَضَرَ فِي النَّهَارِ بَعْدَ مَا أَكَلَ فِي أَوَّلِهِ ...... 128
الفصل الثاني: فِي لَوَازِمِ الإِفْطَارِ الْمُبَاحِ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ.
اللازمة الأولى: القَضَاءُ ..
129.
اللأَزِمَةُ الثَّانِيَةُ: إِطْعَامُ الْمَسَاكِينِ لِمَنْ ضَيَّعَ الْقَضَاءَ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ الثَّانِي ..... 134
اللأَزِمَةُ الثَّالِثَةُ: الْوَصِيَّةُ بِهِ تَلْزَمُ الْمُفَرِّطَ فِي صَوْمِ الْقَضَاءِ حَتَّى يَحْضُرَهُ الْمَوْتُ.134
الفصل الثالث: فِي الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ يَخَافَانِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَأَوْلَادِهِمَا الضَّعْفَ
الَّذِي يُورِدُهُمَا الْمَوْتَ ...
Iro .........
135.
135
135
1360
القول الأول: أَنَّهُمَا يُطْعِمَانِ وَلا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا يَقْضِيَانِ فَقَطْ وَلاَ إِطْعَامَ عَلَيْهِمَا بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُمَا يُفْطِرَانِ وَيُطْعِمَانِ ثُمَّ يَقْضِيَانِ ..
الْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْحَامِلَ تَقْضِي وَلَا تُطْعِمُ بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ، وَالْمُرْضِعَ تَقْضِي
وَتُطْعِمُ.
مَسْأَلَة: فيمن أجهدَهُ الصَّومُ فاضطر إلى الأكل أو الشُّربِ. (2/372)
صفحة 869
137.
181.
143
144.
الْبَابُ السَّابِعُ فِي الصَّوْمِ الْمَنْدُوبِ إِلَيْهِ .. القسم الأول: فِي الأَيَّامِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّوْمِ فِيهَا.
الْقِسْمُ الثَّانِي: الأَيَّامُ الْمَنْدُوبُ إِلَى صَوْمِهَا.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: فِي شُرُوطِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ ..
الْبَابُ الثَّامِنُ: فِي الاعْتِكَافِ.
الفصل الأول: فِي أَرْكَانِهِ.
الرُّكْنُ الأَوَّلُ: اسْتِمْرَارُ الإِقَامَةِ عَلَى عَمَلِ مَخْصُوص فِي الْعِبَادَة ............. 144
الرُّكْنُ الثَّانِي: تَرْكُ الْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ.
146000
147.
1480
الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي الصَّوْمِ ..
الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الْمُعْتَكَفُ فِيهِ، وَهُوَ الْمَسْجِدُ.
الفصل الثاني: فِي وَقْتِ دُخُولِ الْمُعْتَكِفِ فِي الْمَسْجِدِ وَخُرُوجِهِ مِنْهُ .......... 149
101.
100 ........
100 ........
الفصل الثالث: فِي أَحْكَامِ الاعْتِكَافِ.
الرُّكْنُ الْخَامِسُ: مِنَ الْكِتَابِ فِي الْعُمْرَةِ ..
الرُّكْنُ السَّادِسُ: فِي الْحَجِّ. (2/373)
صفحة 870
1374
Jov ..
10 A ..
162.
1620
162 ..
163.
16600
167.
16900
1690
169 ....
1690
179 ...........
\Vo ....
قواعد الإسلام
الْبَابُ الأَوَّلُ: فِي مُقَدِّمَاتِ الْحَجِّ.
الفصل الأول: فِي شُرُوطِ وُجُوبِ الْحَجِّ.
الفصل الثاني: فِي الْمُقَدِّمَاتِ ..
المقدمة الأولى: فِي الْمَوَاقِيتِ ..
الْمَوَاقِيتُ الزَّمَانِيَّةُ.
الْمَوَاقِيتُ الْمَكَانِيَّةُ.
الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: فِي اخْتِلافِ النَّاسِ فِي حُكْمِ الْعُمْرَةِ ..
الْمُقَدِّمَةُ الثَّالِثَةُ: فِي مُسْتَحَبَّاتِ الإِحْرَامِ
الْبَابُ الثَّانِي: فِي الْمَقَاصِدِ.
الْمُقَدِّمَةُ: فِي كَيْفِيَّةِ الإِحْرَامِ.
إِحْدَاهَا: الإِفْرَادُ.
الثَّانِيَةُ: الْقِرَانُ.
الثَّالِثَةُ: التَّمَتُّع
الْجُمْلَةُ الأُولَى مِنَ الْمَقَاصِدِ فِي مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ .. (2/374)
صفحة 871
1750
179.
الفصل الأول: فِيمَا يَتَّقِيهِ الْمُحْرِمُ مِنَ اللُّبَاسِ.
الفصل الثاني: فِيمَا يَتَّقِيهِ الْمُحْرِمُ مِنَ الطَّيبِ.
الفصل الثالث: فِيمَا يَتَّقِيهِ الْمُحْرِمُ مِنْ الْقَاءِ التَّفَتْ وَإِزَالَةِ الشَّعْرِ وَالظُّفُرِ وَقَتْلِ الْقَمْلِ
وَأَشْبَاءِ ذَلِكَ.
الفصل الرابع: فِي الْجِمَاعِ وَمُقَدَّمَاتِهِ مِنَ اللَّمْسِ وَالنَّظَرِ وَالْقُبْلَةِ وَغَيْرِهَا ...... 184
الفصل الخامس: في أكل المحرم من الصيد.
الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي أَفْعَالِ الْحَجّ وَالْعُمْرَةِ.
الفصل الأول: في الطَّوَافِ، وفيه اثنتا عشرة مسألة.
الفصل الثاني: فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ..
الفصل الثالث: فِي الْخُرُوجِ إِلَى مِنِّى وَالْمَبِيتِ بِهَا.
JAV ..
190
190
190
199 .....
201
YE ........
207.
213
الفصل الرابع: فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ ..
الفصل الخامس: فِي أَفْعَالِ الْمُزْدَلِفَةِ.
الفصل السادس: فِي رَمْيِ الْجِمَارِ وَقَطْعِ التَّلْبِيَةِ.
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي لَوَاحِقِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ. (2/375)
صفحة 872
376
الفصل الأول: فِي الْحَلْقِ.
الفصل الثاني: فِي رَمْيِ الْحِمَارِ ..
الفصل الثالث: في الْهَدْيِ وَالضَّحَايَا وَأَحْكَامِهمَا.
الْقِسْمُ الأَوَّلُ: فِي هَدْيِ النَّذْرِ ..
الْقِسْمُ الثَّانِي: فِي هَدْيِ التَّمَتُّع.
القِسْمُ الثَّالِثُ: في الهدي لمن عليه الحج من قابل.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ: فِي هَدْيِ كَفَّارَةِ الصَّيْدِ.
الْقِسْمُ الْخَامِسُ فِي الْحُكْمِ الْوَارِدِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ.
213
21500
218.
218.
219.
220
TYE ..........
الْقِسْمُ السَّادِسُ: فِيمَا هُوَ صَيْدٌ مِمَّا لَيْسَ بِصَيْدٍ، وَفِيمَا لَيْسَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ مِمَّا هُوَ
22600
228 ...
234
YE ...........
منه.
الْقِسْمُ السَّابِعُ فِي فِدْيَةِ الأَذَى ..
الْقِسْمُ الثَّامِنُ: فِي فِدْيَةِ الْمُحْصَرِ.
الْقِسْمُ التَّاسِعُ: فِي الْهَدْيِ وَأَحْكَامِهِ ..
الفصل الرابع: فِي الضَّحَايَا وَأَحْكَامِهَا. (2/376)
صفحة 873
2410
2430
24700
24900
2510
2530
2540
2540
259 ..
263
26600
الْقِسْمُ الأَوَّلُ: فِي حُكْمِ الضَّحَايَا.
الْقِسْمُ الثَّانِي: فِيمَا يُجْزِئُ وَمَا لاَ يُجْزِئُ مِنْهَا.
الفصل الخامس: فِي كَيْفِيَّةِ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ.
مَسْأَلَةٌ: فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ ..
کتاب الحقوق ومظالم العباد
الرُّكْنُ السَّابِعُ مِنَ الْكِتَابِ: فِي الْحُقُوقِ وَمَظَالِمِ الْعِبَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَحَارِمِ وَالْكَبَائِرِ الَّتِي يُسْأَلُ عَنْهَا الْعَبْدُ فِي الْمَعَادِ ...
الْبَابُ الأَوَّلُ: فِي الْحُقُوقِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَى الْعِبَادِ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ.
269 .....
272
الفصل الأول: فِي حُقُوقِ الْقَرَابَاتِ.
الفصل الثاني: في حُقُوقِ الأَزْوَاجِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ.
الفصل الثالث: فِي حُقُوقِ الْمَمَالِيكِ.
الفصل الرابع: فِي حُقُوقِ الْجَارِ.
الفصل الخامس: فِي حُقُوقِ الضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ.
الفصل السادس: فِي حَقٌّ الصَّاحِبِ. (2/377)
صفحة 874
378
27400
277 ....
287.
291
2930
2930
2950
297.
الفصل السابع: فِي حَقِّ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ. الفصل الثامن: فِي حَقِّ الأُخُوَّةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ..
الفصل التاسع: فِي حُقُوقِ الْمَسْجِدِ وَالْمَجْلِسِ.
الفصل العاشر: فِي حُقُوقِ الْجُمُعَةِ.
مَسْأَلَةٌ فِي حَقٌّ الطَّرِيقِ.
:
مَسْأَلَةٌ: فِي حَقِّ الْبَهَائِمِ ..
الْبَابُ الثَّانِي: فِي الْمَظَالِمِ ..
الفصل الأول: فِي مَظَالِمِ الأَمْوَالِ.
الْقِسْمُ الأَوَّلُ: فِيمَا يَلْزَمُ الإِنْسَانَ مِنْ وُجُوهِ الْغَصْبِ وَالتَّعَدِّي فِي مَالِ غَيْرِهِ بِنَفْسِهِ
297.0
298 ..
299.
raq ...........
وَبِمَالِهِ أَوْ بِوَاسِطَةِ أَطْفَالِهِ بِأَمْرِهِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا يَلْزَمُهُ مِنْ قِبَلِ الْخَطَا وَالنِّسْيَانِ.
القِسْمُ الثَّالِثُ: مَا جَاءَ مِنْ قِبَلِ مَالِهِ ..
الْقِسْمُ الرَّابِعُ: فِيمَا يَلْزَمُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ دُونَ الْحُكْمِ.
التباعَاتُ الَّتِي يَلْتَزِمُ بِهَا الْعَبْدُ فِي الْمَعَادِ. (2/378)
صفحة 875
3050
3050
3050
3050
3060
306000
الفصل الثاني: فِي مَظَالِمِ الأَبْدَانِ
عَمْدٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
شِبْهُ عَمْدٍ مُخْتَلَفٍ فِي الْحُكْمِ فِيهِ.
خَطَةٌ مَحْضُ مُتَفَقٌ عَلَى حُكْمِهِ.
حد العمد.
وُجُوهُ قَتْلِ الْعَمْدِ.
قتْلُ شِبْهُ الْعَمْدِ.
قتْلُ الْخَطَةِ الْمَحْضِ.
مَسْأَلَةٌ: فِي الْجِرَاحَاتِ.
مَسْأَلَة: في تَخْيِيرِ وَلِي الْمَقْتُولِ عَمْدًا فِي الْقَاتِلِ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْعَفْوِ وَأَخْذِ الدِّيَة .... 309
الفصل الثالث: فِي مَظَالِمِ الْفُرُوجِ ..
الوَجْهُ الأَوَّلُ: السِّفَاحُ.
الوَجْهُ الثَّاني: النِّكَاحُ
الفصل الرابع: فِي مَظَالِمِ الأَعْرَاضِ. (2/379)
صفحة 876
138
3140
314 .........
31500
31500
31600
318000000
329.
3310
~~ \ .........
قواعد الإس
القسم الأولُ الْقَذْفُ
القسم الثاني: الاغْتِبَابُ وَالطَّعْنُ فِي الأَعْرَاضِ
مَسْأَلَةٌ: فِي تَوْبَةِ الْمُغْتَابِ لِلْمُسْلِمِ. فِي مَعْنَى الْغِيبَة.
الفصل الخامس: فِي التَّنَصُّلِ مِنْ هَذِهِ التَّبَاعَاتِ
الْبَابُ الثَّالِثُ: مِنَ الرُّكْنِ فِي الْمَحَارِمِ وَالْكَبَائِرِ.
مَسْأَلَةٌ: فِي فَرْزِ بَعْضِ الْكَبَائِرِ.
كتاب الآداب.
الرُّكْنُ الثَّامِنُ: فِي الآدَابِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ مُرَاعَاتُهَا فِي الأَكُل وَالشُّرْبِ.
الفصل الأول: فِي آدَابِ الطَّعَامِ وَأَكْلِهِ.
القِسْمُ الأَوَّلُ: وَهُوَ عَلَى ثَلاثَةِ أَوْجُه ...
الْوَجْهُ الأَوَّلُ: مُرَاعَاةُ الآدَابِ قَبْلَ الأَكْلِ ..
الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي آدَابِ حَالَةِ الأَكْلِ، وَهِيَ عَشَرَةُ آدَابٍ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: فِي آدَابِ آخِرِ الطَّعَامِ، وَهِيَ سِتَّةٌ (2/380)
صفحة 877
33800
338000
340
34100
3420
34400
TEO .........
3470
34700
TEA .......
34800
34900
For ........
الْقِسْمُ الثَّانِي: فِيمَا يَزِيدُ مِنَ الآدَابِ بِسَبَبٍ الاجْتِمَاعِ.
فِي آدَابِ الدَّعْوَةِ وَفَضِيلَتِهَا.
آدَابُهَا قَبْلَ الطَّعَامِ خَمْسَةٌ.
آدَابُهَا فِي حَالَةِ الأَكْلِ أَحدَ عشرَ.
مِنْ آدَابِ الْمَدْعُو إِلَى الضَّيَافَةِ.
الفصل الثاني: فِي آدَابِ الشَّرَابِ، وهي عَشرة ...
مَسْأَلَةٌ: فى آداب أكل الفاكهة
مَسْأَلَة: في فوائدِ بعض الثمار وغيرها.
الفصل الثالث: في آداب اللباس وهي ستة عشر.
أَرْبَعٌ فَرَائِضُ.
أَرْبَعُ كَرَاهِيَةٌ.
أَرْبَعُ سُنَنٌ.
أَرْبَعُ مُسْتَجَبَّاتٌ.
الفصل الرابع: فِي آدَابِ الْجِمَاعِ. (2/381)
صفحة 878
TOA .......
3650
skatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatakatal
الفصل الخامس: في آدابِ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ سَائِرِ الْخَلْقِ.
فهرس الموضوعات. (2/382)
صفحة 879
[صفحة فارغة] (2/383)