صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فقه
------------------------------------------
العنوان: قواعد الإسلام
المؤلف: إسماعيل بن موسى الجيطالي
صححه وعلق عليه: بكلي عبد الرحمن بن عمر
الناشر: مكتبة الاستقامة
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: 1416ه/ 1995م
الطبعة: 3
عدد الأجزاء: 2
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/123
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن في الجزء الأول عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 07 ربيع الأول 1447ه/ 31 - شهر 08 - 2025م. قواعد الإسلام
للإمام أبي طاهر اسماعيل بن موسى الجيطالي
المتوفي سنة 750 هجرية
الجزء الأول
صححه وعلق عليه بكلي عبد الرحمن بن عمر
الطبعة الثالثة
1416 هـ ـ 1995 م
الناشر: مكتبة الاستقامة (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
مقدمة المصحح
الحمد لله الذي ارسى قواعد دينه على اساس من الحق المبين، وهدى الى حرمه الامين اولياءه الصالحين ليتفيأ وا ظلاله ويتمتعوا بثماره فيعيشوا هادئين مطمئنين، وتتوفاهم الملائكة طيبين. والصلاة والسلام على من بعثه الله في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين، سيدنا محمد وعلى آله واصحابه الذين حملوا امانته، واحيوا سنته، وترسموا سيرته، وعلى الذين جاءوا من بعدهم من حماة دينه، قادة امته، وحاملي شريعته.
(اما بعد): فان الله تبارك اسمه وتعالى جده خلق الخلق لعبادته فقال: وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون، ما اريد منهم من رزق وما اريد ان يطعمون ان الله هو الرزاق ذو القوة المتين. فاقام عليهم الحجة بما آتاهم من قوى وحواس وركب فيهم من عقل و احساس، وارسل اليهم رسلا مبشرين ومنذرين بكتب قيمة لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. فا وجب على كل عاقل بلغ الحنث ان يتعلم دينه ويقيم حياته العملية على قاعدته ليضمن له السعادة معاشا ومعاداً. ولن تتحقق هذه السعادة الا اذا كانت عقيدته صحيحة خالية من البدع والخرافات؛ خالصة من الاهواء والضلالات تحبب للعبد ربه وتعرفه بجلاله وسطوته ليعمل له كامل حياته راغبا راهبا. والا اذا كان عمله خالصا لوجهه الكريم لاتشوبه شائبة الرياء، مهاجرا لما الله عنه. مؤمنا أمِنَهُ الناس على دمائهم واموالهم سلموا من يده ولسانه، متحليا بمكارم الاخلاق التي بعث محمد لتتميمها، ثم لابد لمن يريد سلوك هذه المحجة ويرغب فى اداء حقوق الله وحقوق عباده ان يتلقى دينه عن علماء عارفين مخلصين ومن كتبهم المحررة المنتقاة،
نهي
، مسلما (1/3)
صفحة 4
علماء تشبعت نفوسهم بروح الدين فافرغوها في مضفاتهم باسلوب سهل مستساغ. يجيدون القول ويحسنون العرض ويوردون اراء ائمة العلم بكل وضوح ونزاهة، ويقرنون كل مسالة بدليلها معزوة الى اصلها ليوازن بينها من له مشاركة علمية وعقل متزن وصدر سليم، فيقطف من بين الاراء المختلفة وردة الحق الفواحة ويكون فى دينه على بينة واطمئنان
الشيخ الجيطالي وكتابه «قواعد الاسلام» ومن هؤلاء المصنفين البارعين الأمام ابوطاهر اسماعيل بن موسى الجيطالي النفوسي وكتابه «قواعد الاسلام، الذي نحن بصدد اعداده للطبع. وانك ايها القاريء الكريم عند تصفح الكتاب
لتحس معي
-
-
بروح التاثير تغمرك باخلاصها وتستولي على مشاعرك بنزاهتها: تقرر لك الحقائق واضحة وتكشف عن اسرار العبادات جلية فتتبعث جوارحك لخير العمل وانت
لا تشعر
اما خطوط الكتاب العريضة فتنحصر في ثلاثة
في العقيدة 2 - العبادات واقسامها 3
-
-
-
تفصيل القول
الكلام على حقوق الله والعباد
امرا ونهيا فعلا وتركا وعلى شيء من آداب السلوك.
عن
والمؤلف الى نصاعته في التعبير وبساطته في التقرير نجده:
1
قد تأثر الى حد بعيد بمسلك الامام الغزالي في «الاحياء» من استشهاده بالاحاديث الضعفيفة والموضوعة احيانا فى باب الترغيب والترهيب عمد تجوزا. سلك الجيطالي هذا المسلك على بينة منه. وهاهو ذا يوضح رأيه في نهاية قنطرة الصوم من كتابه قناطر الخيرات فيقول: اعلموا. ارشدكم الله ـ الي انما اوردت الاحاديث المتقدمة في فضل صلاة الايام والليالي وغير ذلك من احاديث فضل العلم والتعلم، وما اوردت من الاحاديث ههنا فى فضل رمضان وغيره من صوم الايام المتقدمة، وما (1/4)
صفحة 5
الله عنه
(
سنورده من الفضائل ان شاء الله، وان كان اكثرهم غير مستفيض عند اصحابنا، ولا موثوق بصحتها فالي انما فعلت ذلك لحديث رأيته في آثار اصحابنا عن ابي عبيدة مسلم رحمه الله وذلك انه قال: بلغني عن ابن عباس (رضى انه قال: «من بلغه حديث في الرغائب والفضائل في العمل فاجتهد فيه قال: فان كان الحديث على نحو ما بلغه كان له اجران: اجر حفظه الحديث وطاعته فيه، واجر عمله به، وان كان الحديث على غير ما بلغه كان له اجره على نحو ما بلغه، لان الله لا يضيع أجر المحسنين، فلا يذهب اجتهاده الله ونصيحته لربه ما لم يكن اجتهاده في بدعة).
2
افاض القول في شرح العقيدة واستقراء مباحثها بما يثلج له صدر المسلم الصادق النزعة وان اطال فى بعضها كابواب الولاية والبراءة وقسا
حكمه فيها احيانا
-
ولئن سوغ له ولمعاصريه منطق عصرهم بعض هذه القساوة كما هي النزعة السائدة وقتئذ بين المذاهب الاسلامية فان وحدة المسلمين التي ضعفت اسبابها في ايامنا وركت حبالها ـ تقضي على بني الاسلام ان يتفاهموا
-
بالحسنى ولين القول ويسلكوا مع بعضهم مسلك الافهام والاقناع، ولان يتركوا التراشق بالكلمات الجارحة جانبا محافظة على البقية الباقية هذه من الوحدة والا فعدوهم المشترك بالمرصاد.
-
وقد حشى على الكتاب الشيخ ابو ستة محمد بن عمر القصبي
الجربي من علماء القرن الحادي عشر المشهور عند اباضية المغرب بالمحشي لكثرة حواشيه ناهيك انها بلغت على ما يقال نيفا وعشرين حاشية. وحاشيته هذه مطبوع على هامشها كتاب القواعد طبعة حجرية بمصر سنة 1297 هـ. وقد رغب مني بعض الاخوان ان نطبعها مع الاصل لكن فضلنا ان يطبع الكتاب مجردا عن الحاشية لان طبعه بمفرده اليق واجمع لهمة الطالب، على
اننا ربما نقلنا شيئا منها على بعض مسائل الكتاب متى اقتضى الأمر ذلك
ج (1/5)
صفحة 6
ه ــ كما اختصر الكتاب والحاشية معا القطب اطفيش رحمه الله في كتاب سماه الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص، صححه وعلق عليه الشيخ ابو اسحاق ابراهيم اطفيش دفين القاهرة رحمه الله وطبعه بالمطبعة السلفية سنة
1343 هـ.
-
6 ــ وراينا ان نخرج ما في الكتاب من الاحاديث النبوية والآي القرآنية تكميلا لما اخل به صاحب القواعد واتماما للفائدة
ـ وربما قسمنا الكتاب الى جزأين بدلا من جزء واحد رغم تجريده
من الحاشية اذا ما ضخم حجم الكتاب بالتعاليق وتخريج الاحاديث رعاية لذوق الصناعة وتسهيلا لاقتناء الكتاب
هذا ولا نالو جهدا في الاعتناء بتصحيحه ووضع العناوين الجانبية لابوابه وفصوله ومباحثه ان امكن، والتعاليق على المواضيع التي يكتنفها نوع غموض استدراكا لما يجب استدراكه مسايرة للتيار العلمي وتطور بعض نظرياته وسواء كان ذلك من المصحح نفسه ام من المحشي، او من غيرهما والله اسال ان يسدد خطانا فى اخراج الكتاب الذي ظل كنزا مدفونا وتراثا مجهولا على احسن وجه واكمله عسانا ان نسهم بذلك في امداد المكتبة الاسلامية ونقدم للامة عملا نرجو بره وذخره عند الله يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم. انه ولي الهداية والتوفيق. وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب، والحمد لله اولاً وآخرا.
غارداية
ـ 15 فيفري 1975
-
صفر 1395 هـ
بكلي عبدالرحمان بن عمر (1/6)
صفحة 7
ترجمة الشيخ الجيطالي
باختصار
هو حجة الاسلام الامام ابو طاهر اسماعيل بن موسى الجيطالي النفوسي نشأ في مدينة «جيطال» الزاخرة وقتئذ بالعلماء كغيرها من مدن نفوسة وقراها. و (جيطال) مدينة فسيحة تقع بين (امسين) و (اينر)، على ربوتين متقابلتين تحيط بها من جميع جهاتها غابات كثيفة من شجر التين والزيتون. اما تاريخ مولده فلم نعثر عليه ولم ينص عليه العلامة الشماخي في سيره
الجامع لتراجم الاشياخ، بيد انه كان ولا شك
-
-
من علماء الخمسين
الثانية للقرن السابع الأولى من القرن الثامن وان لم نستطع تحديد سنة ميلاده
على التحقيق.
حياته العلمية والاجتماعية
اخذ العلم عن العالم الكبير ابي موسى عيسى بن عيسى الطرميسي المتوفى سنة 722 هـ صاحب المدرسة العظيمة التي اخرجت عددا غير قليل من
العلماء في ذلك العصر. كما صاحب الشيخ ابا عزيز زمانا.
كان
رحمه الله قوي الحافظة ـ على ما ذكره الشماخي ـ يحفظ ديوان
-
-
الدعائم ومقامات الحريري والاشعار الستة ويقرأ ويحفظ كتاب العدل والانصاف للامام ابي يعقوب الوارجلالي في ثلاثة اجزاء، وجمل الزجاج في النحو، وشاع على ألسنة بعض الاشياخ انه كان اتخذها اورادا على ايام الاسبوع وخصص اليوم الاخير لدراسة القرآن لتكون الختمة ليلة الجمعة كان هو والشيخ عامر صاحب الايضاح كفرسي رهان: تخرجا من مدرسة واحدة هي مدرسة ابي موسى الآنفة الذكر، واتجها اتجاها واحدا (1/7)
صفحة 8
في حياتهما العلمية: كلاهما ترك آثارا خالدة وتآليف قيمة كان لها الصدى البعيد في الاوساط الاباضية الى يومنا. اجل انهما وان اشتركا في حسن بالتاليف والجهاد في سبيل العقيدة ونصرة الحق غير ان الشيخ الجيطالي اشتغل بالتنقل من هنا الى هنا لنشر الدعوة والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في شتى الميادين حتى فى الاسواق وحتى ولغ بعض حاسديه في عرضه فقالوا انه يعلم السوقة مسائل الغش يعني ينهاهم عنها فتعلموها، امضى الامام الجيطالي حياته الاولى في التنقل بين مدن الجبل مدرسا ومربيا وداعيا ومذكرا على عادة علمائه الله، فاقام مدة بمزغورة والتقى في مسجدها الكبير بالشيخ ابي عزيز والشيخ يدراسن؛ ثم غادر مزغورة بعد وفاة ابي عزيز وسكن فرسطا من بلاد الجبل ايضا تسعة اعوام وحملهم على الطريق
رحمهم
المستقيم. وكان رحمه الله كثير الحساد والاضداد اشغلوه كثيرا عن اداء رسالته فصرف جانبا من حياته في مقاومتهم ودفع مكائدهم. وذات مرة سافر إلى طرابلس لمأرب فأهتبلوا فرصة وجوده في محيطهم فلم يزالوا يغرون به عامل طرابلس حتى عقد له مجلس من العلماء لمناظرته لكنه ظهر عليهم فافحمهم فازدادوا عليه غيظا وحنقا فظلوا يسعون ضده لديه حتى سجنه ومكث في سجنه مدة. ثم ان الشيخ الجيطاني مدح ابن مكي صاحب القيروان الذي كانت جربة تحت يده بقصيدة فشفع فيه لدى حاكم طرابلس فاطلق سراحه، ويقول الشماخي: ان ابناء ابي زكرياء بن ابي مسور تسببا في اطلاقه من السجن وتحملوا معه مالا، مع ما تقدم من مدحه لابن مكي. فقدم جربة وقصد بها ابناء ابي زكرياء بن ابي مسور ونزل الجامع الكبير. وتلقاه علماء جربة احسن لقاء واجتمعت عليه الطلبة فكان يقرى الواحد، وهكذا يستوطن جربة الى آخر حياته.
تلاميذه
من المفروض ان يكون للشيخ الجيطالي - نظرا لغزارة علمه وقوة
و (1/8)
صفحة 9
نشاطه -
تلاميذ بارزون لاسيما بعد ان استقر بجربة والتف حوله الطلبة لكن لم يحدثنا التاريخ انه ابقى مريدين نابهين ولم يكر من هذه الناحية محظوظا کزميله ابي ساكن عامر الذي ترك بعده اعلاما تصدروا مجالس العلم وانتهت اليهم الفتوى وابقوا لنا تأليف قيمة فكانوا همزة وصل بين الاوائل والاواخر: جددوا ما اندرس من معالم الدين واحيوا ما مات وانطمس. امثال ابنه ابي عمران موسى بن عامر وابن ابنه سليمان والشيخ ابي القاسم البرادي وابي يعقوب يوسف بن مصباح والشيخ بن محمد بن الشيخ، وابي عمران موسى بن يوسف وابي زكرياء يحي بن زكرياء والشيخ ايوب الجيطالي ونوح بن حازم المرساواني وابي عبدالله محمد بن التفجاني وابي الضياء ابن يسفلو الطرميسي وغيرهم ممن يطول تعدادهم.
تأليفه
قال الشماخي: وله تأليف جليلة احيى بها المذهب: منها القواعد. ومنها القناطر في اجزاء كثيرة. ومنها شرح النونية فى ثلاثة اجزاء في اصول الدين على قصيدة الشيخ ابي نصر فتح بن نوح التمولوشائي. ومنها كتاب الحساب وقسم الفرائض. ومنها كتاب الحج والمناسك. ومنها ما جمع من اجوبة الائمة في ثلاثة اجزاء. ومنها ما جمع من رسائل وله قصائد. وبعد فقد ترك الامام الجيطالي ثروة كبيرة من الجهاد العلمي الجاد المثمر في مؤلفاته القيمة العميقة هي من ارفع الجهود العلمية واخصبها ويجد القاري في كتاب القناطر صورة جلية لهذه الآفاق الرحبة التي يرتادها هذا العالم الكبير في ميادين المعرفة الاسلامية فى تدفق وعمق ودراية. توفي رحمه الله بجربة سنة 750 هـ ودفن بمقبرة الجامع الكبير المذكور. رضي الله عنه وارضاه.
مصحح
الكتاب
بكلي عبدالرحمان بن عمر (1/9)
صفحة 10
بسم الله الرحمن الرحيم
أدع إلى سبيل رَبِّكَ بالحكمة
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَندِ لَهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبِّكَ
هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
قرآن کريم
النحل 125 (1/10)
صفحة 11
و كتاب التوحيد)
بسم
الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
الحمد لله الذي اخترع الاشياء على غير مثال، ودبر الامور على غير تمثال وابدع بحكمته الانسان من صلصال، فاخرج من صلبه ذرية وشيكة الاضمحلال، فتفضل عليهم بالنعم قبل الاستحقاق، وتكفل لهم بمضمون الارزاق، وركب فيهم عقولا اليها ينتهون ويعرفون ما ياتون وما يتقون، ثم بعث رسله اليهم دعاة، وجعل لهم ائمة وهداة وختم انبياءه بالنبيء المبعوث الطاهر المطهر الاولين والآخرين محمد بن عبد الله المخصوص بالمواهب السنية والمفاخر السمية فكشف به عن الهدى دياجي الغمة وهدى به من الضلالة الامة، وانزل عليه كتابا فيه هدى ونور وشفاء لما في الصدور فكلف فيه عباده المفروضات، وزجرهم فيه من ارتكاب المحظورات، واكد مفروضاته بمواعد المثوبة ترغيبا، وزواجره بمواعيد العقوبة ترهيبا، لان الرغبة باعثة على الطاعة والالتباس بها والرهبة رادعة عن المعصية وارتكابها، فالتكليف يجمع امتثال الاوامر واجتناب الزواجر،. فجعل ما اودع كتابه من القصص والامثال عظة واعتبارا تقوى بهما الرغبة في امتثال العزائم وتزداد بهما الرهبة في اجتناب المحارم، ثم جعل الى رسوله بيان ما كان من كلامه مجملا وايضاح ما كان مشكلا فبين الله ما اجمل فيه من الحدود والاحكام وأنار معالم الحلال من الحرام، وشمر عن ساق الجد والاجتهاد ودعا الى طاعة ربه جميع العباد وامرهم باعداد الزاد ليوم
-1 - (1/11)
صفحة 12
المعاد حتى اكمل الله دينه على لسانه وقبضه الى رضوانه الله وعلى آله الطاهرين الابرار واصحابه المهاجرين والانصار ـ اما بعد. فانه لما كانت
-
—
السعادة الابديه منوطة بالعلم والعبادات وجب على المكلف اتقان هذين التوأمين على التحقيق وهما العلم بكيفية امتثال الاوامر المحتومة والالتباس بها فعلا وامتثالا، والمعرفة بموجب اعتقاد قلب وتطهيره من الاخلاق المذمومة نطقاً واعتقادا ونفيا وارتداعا، ولما كان الخبر المروي من طريق ابن عمر عنه عليه السلام متضمنا قواعد الاسلام (1) وكانت السؤالات السبعة المذكورة في قوله عز وجل ان ربك لبالمرصاد» (2) مشتملة على جميع ما يسأل عنه العبد في المعاد رأينا ان نقصر الكلام في هذا المختصر على سبعة اركان تحتوي على جمل من الفرائض والمظالم التي يلزم بها الانسان، وكل ركن منها يشتمل على ابواب مرتبة مبانيها وفصول مشروحة معانيها تكون لسالكي هذا المنهج من التحف المخزونة والدرر المكنونة يقل على الناظر لفظها ويسهل على القارئ حفظها وتكون للمسترشدين ملجأ يلجأون اليه وعصمة يعتصمون بها والله سبحانه هو المرجو للتوفيق والمرشد الى سواء الطريق وهو باجابة السائلين حقيق وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
الركن الاول
في معرفة الله عز وجل
ووظائفها وما يتعلق بها من قواعد التوحيد واركانه. وهذا الركن يحتوي على مقدمة وابواب ثلاثة، اما المقدمة فهي: ان الله سبحانه خلق
1) يشير الى قوله (ص) بني الاسلام على خمس: الحديث، وسياتي اسناده (2) الفجر. 14
-2 - (1/12)
صفحة 13
الدنيا وحفها شهوات وملأها آفات واسكنها الثقلين من عباده وسخر لهم كل ما في بلاده اكلا وانتفاعا ولبسا واستمتاعا ليبلوهم ايهم احسن عملا واسرعهم الى طاعته قبولا وفعلا وامتثالا. ثم ركب فيهم عقولا غريزية يتعلق التكليف بكمالها (1) ويتميز بها الانسان من سائر الحيوانات على اختلاف اجناسها. جعله الله تعالى اصلا لشريعته وجعل احكام الدنيا مدبرة بواسطته والف به بين خلقه وساوى بين اهله في التكليف واداء الحق، وجعل ما تعبدهم به ماخوذا من واجب عقلي ورد الشرع بتأكيده، ومسموعا من خطاب نقلي لا يمنع العقل من جوازه. ولذلك توجه الخطاب الى ذوي الالباب و به استوجبوا الثواب والعقاب، اذ ليس من الحكمة تكليف من انعرى من العقل والتمييز كما ان ليس من الحكمة تكليف الاصم السمع وتكليف الأخرس النطق، وكذلك ليس من الحكمة اهمال العاقل بغير تكليف لان ذلك يؤدي الى اباحة الشتم له والافتراء عليه بما ليس من اهله. فكيف وقد نزه الجليل جل جلاله نفسه عن هذه الصفة فقال افحسبتم انما خلقناكم عبثا الآية (2) (ايحسب الانسان ان يترك سدي) (3)، اي مهملا لا يخاطب، ومتروكا لا يعاقب؟ فاذا صحت غريزة العقل من الانسان توجه اليه التكليف والالزام ونفذت له وعليه الاحكام. وقد نصب الشرع لذلك علامات بادية وحدودا متناهية. احداها الاحتلام للذكور، والمحيض للنساء بازائه لقوله تعالى (واذا بلغ الاطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم) (4) فاوجب
1) الحاصل عند البلوغ. والا فالكمال لا يحصل الا عند الاربعين فلذلك لم يبعث الله نبيئا الاعلى رأس الاربعين الا ابني الخالة عيسى ويحيى لقوله تعالى: ولما بلغ اشده واستوى اي بلغ الاربعين. اهـ، المحشي باختصار.
2) المؤمنون: 115
3) القيامة: 36
(4) النور: 59 (1/13)
صفحة 14
عليهم
الاستئذان ببلوغ الاحتلام
،
واما الحيض
روي ان النبيء علاالله
لم يجز لمن بلغ المحيض من النساء أن تصلي بلا خمار (1) فدل ان التكليف
توجه اليها ببلوغ المحيض
عليهم
•
رحمهم
والثانية: الانبات في موضع الاستحداد. لحديث بني قريظة حين حكم سعد بن معاذ الانصاري ان يكشف عن الاطفال: فمن انبت منهم قتل ومن لم ينبت سبي، فكان محمد بن كعب القرظي ممن لم ينبت فترك (2) فيما قيل والله اعلم. وقد اجاز بعض مشائخنا الله البلوغ بشعرة واحدة اذا كانت سوداء غليظة والله اعلم والثالثة: السنون. وقد اختلف في نهاية ذلك، والمحصول من اختلافهم قولان احدهما خمس عشرة سنة. والثاني سبع عشرة. والصحيح الاول ان النبيء انفذه في الجيش وهو ابن خمس عشرة
الخطاب
لحديث ابن عمر سنة وضرب له في الغنيمة سهما (3). وكذلك روي ان عمر بن عنه كان يضرب للمقاتلة في الغنيمة من بلغ منهم خمس عشرة
رضي
الله.
سنة. فهذه حدود البلوغ فيما بلغنا فمتى ما ظهر من الانسان احدى هذه العلامات وسلم عقله من شوائب الآفات فقد تعين
1) رواه الخمسة الا النسائي وصححه ابن خزيمة من حديث عائشة بلفظ ولا يقبل الله صلاة حائض الابخمار كما ساقه المؤلف فيما بعد بهذا اللفظ
2) ذلك هو عطية القرظي كما في حديث رواه عنه في الانبات الاربعة وصححه ابن حبان والحاكم وقال على شرط الشيخين. قال الصنعاني في سبل السلام: والحديث دليل على انه يحصل بالانبات البلوغ فتجري على من انبت احكام المكلفين. ولعله اجماع اهـ. روى البخاري ومسلم ان ابن عمر قال عرضت نفسي على رسول الله (ع) يوم احد وانا ابن اربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وانا ابن خمس عشرة سنة فاجازني وإذ أجازه واسهم له فى الغنيمة وهو ابن خمس عشرة سنة كما افاده الحديث وذكره المصنف دل ذلك على ان غير البالغ لاينفذ في الجيش ولا يسهم له في الغنيمة وان البلوغ بالسنين يتحقق ببلوغ خمس عشرة سنة، وهو القول المعتمد عندنا، ويؤيده ايضا قوله (ع) اذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ماله وما عليه واقيمت عليه الحدود ولذلك نص المصنف على ترجيحه والله اعلم
اهـ مصححه (1/14)
صفحة 15
عليه الامر بالتوحيد مع سائر العبادات، ولم يسعه جهل التوحيد في وقت من الاوقات ويسعه جهل الفرائض حتى يجيء اوقاتها، وجهل المحرمات ما لم يلتبس بها او يتولى من ارتكبها او يقف فيه على علمه بما ارتكب من محرمات ربه. والدليل على ان البالغ والمشرك مأموران بجملة الفرائض منهيان عن ارتكاب المحرمات قول الله جل جلاله اخباراً عن المشركين «ماسلككم في سقر الى قوله وكنا نكذب بيوم الدين» (1)، فاخبر تعالى انهم استوجبوا العذاب بمجموع هذه الاشياء كما استوجبوه بآحادها والله
اعلم.
أدلة معرفة الله تعالى»
* فصل اعلم ان الله سبحانه وتعالى قدم معرفته على العبد في الدنيا على سائر المفروضات كما قدم السؤال عنها في الآخرة قبل سائر السؤالات. قال الله سبحانه مخاطبا لعباده فآمنوا بالله ورسوله» الآية (2) في امثالها. وقال ايضا وذكر اصل الايمان «ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب معناه ليس الايمان ان تصلوا فقط. ولكن البر من آمن بالله الى قوله «واولئك هم المتقون» (4). وسئل ابو ذر رحمه الايمان فقرأ هذه الآية فقال السائل سألناك عن الايمان فتخبرنا عن البر؟ فقال سأل رجل النبيء عليه السلام عن الايمان فقرأ هذه الآية. فهذا اصل
الايمان في كتاب الله عز وجل.
السنة. و من -
-
الله
عن
ما روي ان جبريل عليه السلام اتى النبيء عليه
السلام في صورة اعرابي وهو لا يعرفه فقال يا محمد: ما الايمان؟ فقال ان تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث بعد الموت
1) سورة المدثر: الآية: 46 (3) البقرة 177
(2) التغابن: 8
) وفي بعض النسخ زيادة: ولا ان تفعلوا خيرا غير الصلاة، ثم ذكر الايمان وقدمه على سائر وظائف الاسلام وقال: (ولكن البر الخ. (1/15)
صفحة 16
والقدر خيره وشره انه من الله. قال فاذا فعلت ذلك فأنا مؤمن؟ قال نعم، قال صدقت! قال فما الاسلام؟ قال عليه السلام ان تشهد ان لا إله الا الله وحده لاشريك له وان محمدا عبده ورسوله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت وتغتسل من الجنابة قال: فاذا فعلت ذلك فانا مسلم؟ قال نعم، قال صدقت! قال فما الاحسان، قال عليه السلام: ان تعمل الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك
قال صدقت! الحديث (1): فلما انصرف من عند النبيء له قال علي
•
بالرجل فقام اصحابه في كل وجه (وجهة) ثم ناداهم ان هلموا فانه جبريل عليه السلام جاءكم ليعلمكم امر دينكم، فبدأ بالايمان بالله عز وجل قبل وظائف الاسلام كما قدمنا لأنه بمعرفة الله سبحانه تؤدى العبادات رغبة في مرضاته وتجتنب المحرمات مخافة سطواته والتعرض لمقته، فمن لم يعرف معبوده كيف يرجوه لكشف ملمة او تيسير مهمة، أو كيف يخافه اذا ارتكب موبقة او اهمل فريضة؟ لذلك قال عليه السلام «ابى الله ان يقبل العمل الا بالايمان (2) ولذلك جعل مفتاح دعوة كل رسول ارسله في سالف الدهر شهادة ان لا اله الا الله وذلك قوله تعالى «وما ارسلنا من قبلك من رسول الا اليه انه لا اله الا انا فاعبدون» (3) وكذلك في يوحى المعاد انما يسأل العبد اولا عن الايمان ثم الصلاة ثم الزكاة ثم سائر الاعمال
كما ورد في الحديث. واشتهر عن اهل التفسير في قوله عز وجل ان ربك ملائكة يرصدون العباد على جسر جهنم عند القناطر
لبالمرصاد (4) يعني
(1) رواه الشيجان بزيادة ونقصان 2) لم اقف على اسناده
الانبياء: 25
(4) الفجر: 14: المعنى انه لا يفوته شيء من اعمال العباد كما لا يفوت من بالمرصاد،
قاله الحسن وعكرمة. (1/16)
صفحة 17
السبع المحابس فيسأل العبد عند اولهن عن الايمان فان جاء به مخلصا جاز الى الثاني فيسأل عن الصلاة فان جاء بها تامة جاز الى الثالث فيسأل عن الزكاة فان جاء بها تامة جاز الى الرابع ثم يـ أل، عن الصوم فان جاء به تاما جاز الى الخامس فيسأل عن العمرة فان جاء بها تامة جاز الى السادس فيسأل عن الحج فان جاء به تاما جاز الى السابع فيسأل عن المظالم فان لم يكن ظلم احدا جاز الى الجنة والله اعلم.
•
الابواب الثلاثة
التي يشتمل عليها هذا الركن الاول، أحدها باب في معرفة.
وجل وما لا جهله كل عاقل سلم. عقله
يسع
الله
عز
من الآفات عند حال بلوغه
من الذكور والاناث، وهذا الباب يتوزع على ثلاثة فصول:
الفصل الاول: في معرفة الله سبحانه وتعالى
والفصل الثاني: في معرفة الرسول عليه السلام والاقرار به والفصل الثالث: في معرفة ما جاء به الرسول والاقرار به انه حق من
عند ربه.
الفصل الاول
في معرفة الله سبحانه وتعالى
وهو ينقسم قسمين:
القسم الاول: فيما يجب على العبد ان يعتقده في الله عز وجل وجوبا واثباتا، والثاني فيما يجب ان يعتقده نفيا واستحالة، أما الاول فيجب على العبد معرفة ربه والايمان به نطقا باللسان واعتقادا بالجنان. ويعقد في قلبه
ان لا اله الا الله، واحد غير منقسم في ذاته، ولا معه ثان في الوهيته
موجود بغير مشاهدة، قديم بلا بداية أوجد
- Y - (1/17)
صفحة 18
منها نفسه. دائم بلا نهاية ينتهي اليها. حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، عالم بما كان وما يكون لا يعزب عنه مثقال ذرة في الارض ولا في السماء
ولا يخفى عليه شيء في ظلمات ولا ضياء. قادر بلا تكلف ولا جهد،
متكلم بلا لسان، بلا آذان
الانسان
سميع
، بصير
بلا حدقة
ولا اجفان،
، وانه
اله
كل شيء وخالقه ومنشئه وموجده، خلق كل شيء فقدره، واخترع وصوره، ويعلم ما توسوس به نفسه وما يجلب اليه حسه، مريد لكل كائن من خير وشر وجميع ما يجري على العالم من نفع وضر، ما شاء كان ومن لم يشأ لم يكن، صادق في وعده ووعيده، عدل في قضائه وحكمه، آمر بطاعته، ناه عن معصيته، مستو على عرشه وجميع خلقه بالقهر والغلبة، هو الاول والآخر والظاهر الباطن وهو بكل شيء
عليم (1).
القسم الثاني
فيما يجب على العبد ان يعتقده نفيا واستحالة
وذلك ان يعتقد ان الله سبحانه يستحيل عليه الحدوث والعدم والتغيير والفناء في الحال والازل (2)، بل هو موجود على الاطلاق، غير مقيد بزمان ولا مخصوص بجهة ولا مكان، بل هو في كل مكان بلا حواية ولا اجتنان، لاتحيط به الجهات والاقطار، ولا تكيفه العقول والافكار، منزه عن جميع الاماكن والجهات، غني عن جميع الكائنات، متعال عن الحلول على العرش والسموات. ليس بمتصل فتمسه صفحات الاجرام، ولا
1) الحديد: 3
2) والابد
1^1 (1/18)
صفحة 19
بمنفصل فتدركه لمحات إبصار الاجسام، لا يوصف بالحركة ولا بالسكون، ولا تعتريه وساوس الظنون تعالى عن العيوب والآفات وتنزه عن نقائص العاهات. لا تبدو له البدوات، ولا يوصف بالجوارح والادوات ولا تحله دواعي الخطرات، ولا يوصف بنوم ولاسبات، ليس له شريك ينازعه، ولا كفؤ يدافعه، ولا مثل يعادله، ولا نظير يشاكله (1)، ولا وزير يوازره، ولاند يحاوره ولا تكيفه العقول ولا تمثله النفوس، ولا تلحقه الاوهام والافكار، «لاتدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير) (2) ليس بجوهر ولا عرض، ولا بذي طول ولا عرض، ولابذي صورة ولاشكل، ولا هيئة ولا مثل، بل هو الواحد الاحد العدل الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد. لا تحله الحوادث والآفات ولا تلحقه النقائص والعاهات، ولا يليق به الظلم ولا يجور في الحكم، بل قضاؤه كله حكمة وعدل. وامتنان وفضل. كل افعال البرية بقضاء منه ومشيئة وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته (3) ولا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، يضل من يشاء ويهدي من يشاء (4) لا يسأل عما يفعل وهم يسألون (5) هو الحي لا اله الا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين (6).
1) وفى نسخة يشاركه
الانعام: 103
الانع
ام: 115
•
4) النحل: 93: والآية ولو شاء الله الجعلكم امة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي
من يشاء ولتسئلن عما كنتم تعملون.
ه الانبياء: 33
(6) غافر: 65 (1/19)
صفحة 20
الفصل الثاني
في معرفة الرسول عليه السلام
وذلك انه يجب على المكلف نطقا واعتقادا ان يعرف انه محمد بن عبدالله ابن عبد المطلب هاشمي النسب مبعوث من العرب باسمه ونسبه. وهو عبدالله الامين ورسوله المبين الى الثقلين اجمعين، وانه خاتم النبيئين، وانه بلغ رسالة رب العالمين وعبد ربه حتى اتاه اليقين، وصدع بأمر ربه مجتهدا
في تبليغه، ناصحا لامته. حريصا على هداية الخلق اجمعين، رءوفا بالمؤمنين، رحيما بالمتقين، آخذا بالعفو، آمرا بالمعروف، معرضا عن الجاهلين، كاظما لغيظه. شاكرا لانعم ربه، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الاسواق، ولا يجزيء بالسيئة السيئة لكن يعفو ويصفح، اشد الناس تواضعا في غير ذلة واسكتهم من غير تكبر وابلغهم من غير تطويل، أكلا ما وجد ولا يسأل عما فقد، يلبس ما تيسر له ويركب ما امكنه ويردف خلفه، يجيب دعوة العبد والامة، ويجالس اهل الضعف والمسكنة، لا يحتقر الفقير لفقره، ولا يهاب ملكا لملكه. قد الله له السيرة الفاضلة والسياسة الكاملة والاخلاق التامة، هاشمي النسب مبعوث من العرب مولده بمكة ومبعثه بمكة وهجرته بطيبة وقبره بالمدينة وملكه بالشام (1) و على آله مدى الليالي والأيام.
جمع
1) قال القطب اطفيش رحمه الله في الذهب الخالص وذلك انه قطع فيه قبل فتحه بركة عظيمة تميم بن اوس الداري وتسمى بركة التميميين) وهي في اعمال القدس وروي انه اعطى ـ تميم بن اوس الداري واخيه نعيم ويزيد بن قيس وابي عبد الله
-
-
بن
عبدالله
كتابا فيه:
واخيه الطيب بن عبدالله وفاكهة بن النعمان، وقد أسلموا وسألوه الهبة. بسم الله الرحمن الرحيم - هذا كتاب ذكر فيه ما وهب محمد رسول الله لا للداريين اذا اعطاه الله الارض: وهب لهم بيت عينون وجبرون والمرطوم وبيت ابراهيم
10 (1/20)
صفحة 21
فهي
الفصل الثالث
في معرفة ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم
وهذا الفصل يحتوي على مقدمة وستة عشر قسما، ــ اما المقدمة ـ ان تعلم انه يجب على كل مكلف من الانام معرفة ما جاء به الرسول
عليه السلام من الدين والاسلام وغير ذلك مما يحتوي عليه القرآن من الرسالة والقصص والامثال والحدود والاحكام وانه صادق في
جميع
ما نطق
به من كلام وما ينطق عن الهوى ان الا هو وحي يوحي (1) وذلك ان دعوة الرسول عليه السلام ثلاث جمل لا يستغنى بعضها عن بعض ولا يسع جهلها كل عاقل عند بلوغه طرفة عين ولا يخرج من الشرك ما لم يات بها معرفة واعتقادا ولفظا
?
بن
= وما فيهن الى ابد الابد، شهد عباس بن عبد المطلب وخزيمة بن قيس وشرحبيل حسنة وكتب، ثم قال انصرفوا حتى تسمعوا اني هاجرت، ولما هاجر قدموا عليه وسألوه ان يجدد لهم كتابا فكتب فيه الله الرحمن الرحيم * هذا ما انطى ــ اي اعطى بسم محمد رسول الله تميم الداري واصحابه، انى انطيتكم بيت عينون وحبرون والمرطوم وبيت ابراهيم برمتهم وجميع ما فيهم نطية بت ونهيت وسلمت ذلك لهم ولا عقابهم من بعدهم ابد الابد. فمن آذاهم فيه آذاه الله، شهد ابوبكر بن ابى قحافة وعمر بن الخطاب و عثمان بن عفان وعلي بن ابى طالب ومعاوية بن بن ابى سفيان وكتب، وفتح ذلك في خلافة ابي بكر وانفذه. (يعني بواسطة ابي عبيدة بن الجراح اهـ ويسمون هذا الانطاء الشريف وهو محفوظ عند اولاده. قال ابن حجر في الاصابة، والكتاب المذكور مشهور بيد ذرية تميم، وقد كتبت فى شانه جزء اسميته البناء الجليل بحكم بلد الخليل) قال ابو عبيد البكري في معجم ما استعجم من البلاد والمواضع ان حبري» بكسر اوله واسكان ثانيه وفتح الراء المهملة على وزن فعلى هي احدى القريتين اللتين اقطعهما النبي (ع) تميما الداري واهل بيته والاخرى «عينون وهما بين وادى القرى والشام قال الكلبي: وليس الرسول الله (ع) قطيعة غيرها. وكان سليمان ابن عبد الملك اذا مر بها لم يعرج
ويقول: اخاف ان تمسني دعوة رسول الله (ع)، اهـ. (1/21)
صفحة 22
واقراراً وهي شهادة ان لا اله الا الله وحده لاشريك له وان محمدا عبده ورسوله وما جاء به حق من عند ربه. والدليل على فرضها قول الله تعالى
فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي انزلنا، والله بما تعملون خبير (1).
ومن السنة ــ ما روي عن علي بن ابي طالب عن النبيء عليه السلام انه قال: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: «شهادة ان لا اله الا الله واني رسول الله وانه بعثني بالحق والبعث بعد الموت والقدر (2) وهذه الدعوة هي التي يدعو اليها رسول الله وكل نبيء مرسل وهو فرض على كل بالغ، وهى الجملة التي انتظمت التوحيد وغير التوحيد فاذا اتى العبد بهذه الجمل الثلاث نطقا واعتقاداً فقد تم ايمانه فيما بينه وبين العباد، وحقن بها دمه وماله وذريته من السبي والفساد وجرت عليه بذلك احكام اهل القبلة، وصار مؤسوما بالدخول في الملة، وقيل: ان ايمانه قد تم بالكلية فيما بينه وبين الله وسائر البرية ما لم يسأل عن شيء من وظائف الجملة التي أنا ذاكرها فينكره او يختلجه الشك فيه فضلا عن انكاره، لان تصديقه بما جاء به الرسول مشتمل على وظائف التوحيد وغيرها من
العلوم، وقول الجمهور من اهل العلم ان ايمانه لا يتم فيما بينه وبين الرب يأتي بوظائف التوحيد التي تجيء مقسمة ان شاء الله
جل جلاله
حتى
بالكمال، وقد قال اهل التفسير من آمن بما في القرآن فقد آمن
1) التغاب ن: 8
(2) لم اقف على تخريجه بهذا اللفظ.
- 12 (1/22)
صفحة 23
بجميع ما امر الله به فالقول الاول مروي عن عمروس بن فتح (1) وابن
1) الامام عمروس بن فتح المساكني النفوسي امام من ائمة الدين وكهف من كهوف العلم في القرن الثالث الهجري كان من المواليد الميامين الذين ولدوا في طريق الحج قال الشيخ السالمي في اللمعة المرضية من اشعة الأباضية: كان اهل المغرب يحجون بالذراري والنساء حتى ولد لهم في طريق الحج فى سنة واحدة ثلاثماية مولود منهم عمروس ابن فتح رحمه الله اهه. ولعل الذين لهم ازواج حوامل استصحبوهن عمداً ليلدن في طريق الحج او في الأماكن المقدسة تبركا و لم يتفق ذلك صدفة، نشأ في قرية «قطرس» من ارض الرحيبات (جبل نفوسة) ووقف حياته على العلم تحصيلا وتأليفا وتدريسا وقضاء فترك لنا كتبا قيمة: منها «العمروسي» و «اعلام الملة و كتاب الحكم والمعارف» و «كتاب الدينونة، تولى القضاء لابى منصور الياس حاكم جبل نفوسة فكان مثالا للقاضي العادل الجريء في احكامه، الخبير في حل مشاكل القضاء وقضاياه العويصة، عاصر الامام محمد ابن محبوب عالم الشرق فى وقته وحضر مجلسه فساله مسألة عمروس عن من مكنونات العلم فتعجب ابن محبوب وكان لا يعرفه الاسماعا فقال: وان كان ابو حفص يعني عمروسا في هذا البلد فهذا السؤال منه فأخبره الحاضرون بالحقيقة فزاد في تعظيمه ورفع مقامه. وعاصر الفقيه المحدث ابا غانم بشر بن غانم الخراساني صاحب المدونة الذي روى الامام افلح، اجتمع به لما حمل الى الامام عبدالوهاب مدونته في اثني عشر جزءا وكان قد اودع نسخة منها عند عمروس فاجتهد في نسخها مستعينا باخته فما عاد من كان تيهرت حتى عمروس قد اتم نسخها فلما تصفحها ابو غانم وجد نقطة حبر فعلم انه نقلها فقال له: قد سرقتها يا عمروس فقال عمروس: سماني سارق العلم، ولولا نسخة عمروس لحرم المغرب هذا التراث العلمي الذي انتفع به خلق كثير لان نسخة الامام عبدالوهاب ذهبت طعمة للنيران لما احرقت المعصومة مكتبة تيهرت العظيمة وقد رايت نسخة منها في خزانة القطب اطفيش رحمه الله الذي رتبها واستدرك عليها استدراكات ذات بال زادت من قيمتها العلمية ومات رحمه الله في وقعة مانو بين نفوسة وابن الاغلب سنة 282 اهـ.
عنه
– 13 - (1/23)
صفحة 24
وابن زرقون (1) والامام عبدالرحمن بن رستم (2) والي خزر يغلا بن زلتاف (3)
ومن
1) هو ابو الربيع سليمان بن زرقون احد اقطاب العلم بنفوسة من قرية تاديوت» علماء النصف الثاني للقرن الرابع. اخذ العلم ـــ هو والامير ابو يزيد مخلد عن الشيخ ابن الجمع احد شيوخ العلم البارزين
-
کيداد بن
-
اليفرني الملقب بصاحب الحمار صحبه مدة ولما ارتضى ذكاءه ونباهته اصطحبه معه الى سلجماسة ومكث هناك سنين الى ان توفاه الله فاوصى له بكتبه فلما عاد ابو الربيع الى قصطالية وبلاد الجريد بالجنوب التونسي اهتزت كلها لمجيئه وشهرته العلميه، ثم شمر عن ساعد الجد لنشر العلم الصحيح ومقاومة الزيع والبدع فكان اثره فيها عظيما
ذكر عنه بعض المشائخ انه راى له ديوانا وكتبا في قرية تاديوت ولا ندري الاتزال باقية او شيء منها ام عبثت بها ايدي البلى والفناء والبقاء الله وحده، اهـ مصححه (2) الامام عبدالرحمان بن رستم احد حملة العلم الى المغرب عن ابي عبيدة والساعد الايمن لابي الخطاب عبدالا على المعافري في تأسيس دولتي طرابلس والقيروان وتسييرهما على نهج الكتاب والسنة، ومؤسس الدولة الرستمية بتاهرت التي لقنت سكان المغرب الأوسط العقيدة الصحيحة والدين القويم وبسطت عدلها عليه ما يقرب من قرنين ارسى قواعدها ووطد اركانها فازدهرت فيها العلوم وطابت الحياة وذاق سكان المغرب ومن هاجر اليها في ظلها حلاوة الدين وطمأنينة الامن وسعادة الحياة. وظل قائما بدين الله ناصحا للمسلمين، مرضيا عنه من الامة الى ان توفاه الله سنة 171 هـ رضي الله عنه وارضاه (3) ابو خزر يغلا بن ايوب المشهور بابن زلتاف، وزلتاف امه هو من علماء القرن الرابع الذين بلغوا درجة الاجتهاد وعده الامام ابو يعقوب الوارجلاني ضمن الائمة العشرة الذين انفردوا بآراء في علم الكلام. عاش في عصر العبيديين الغاشم الذي استبيحت فيه دماء المسلمين ظلما وارتكبت به افحش المناكر فكان من ضحايا هذا الظلم الامام ابو القاسم يزيد بن محلد اليهراسني الحامي العالم المجتهد الذائع الصيت وشيخ الي خزر نفسه. اعلن ابو خزر الثورة على العبيديين لمقتل الامام ابي القاسم وبويع له امام دفاع لكن ثورته اخفقت لاسباب ليس هنا محل ذكرها، فالتجأ الى جبل نفوسة المنيع ولما ايس المعز الفاطمي من القبض عليه. وخاف ان تتجدد ثورة الاباضية بذل له الامان فرجع. وبعد مدة انتقل المعز الى مصر سنة 362 هـ فاخذه معه كعالم المغرب ظاهراً وكرهينة في الحقيقة ليأمن على خلفائه من نشوب ثورة بعده. وهكذا يظل ابو خزر في مصر وقد وجدت =
14
- (1/24)
صفحة 25
بن
الله
وابي معاوية عزان الصقر)، ومن شايعهم رحمهم الارفق وهو بعوام الامة. والاليق برأفة الرب الكريم ذي الرحمة، والاشهر من دعوة
نبيء الامة الداعي عوام الجاهلية الى الملة الحنيفية. والقول الثاني يؤثر عن
سليمان
بن يخلف (2) وغيره من اهل العلم.
=
بمكتبة
بن
في بعض التقاييد ان له «رسالة في الرد على جميع المخالفين توجد نسخة اليغطوري في جربة. واخرى بكباو لدى اسرة الباروني بقلم عميدها الشيخ عبد الله يحي. هذا والظاهر ما قاله بعض المؤرخين ان ابا خزر مات بمصر سنة 380 هـ اذ لم الله يحدثنا التاريخ انه رجع الى المغرب، وعند تجتمع الخصوم. اهـ. مصححه 1) ابو معاوية عزان بن الصقر امام من ائمة الدين المشاهير في عمان واحد الائمة العشرة المجتهدين الذين ذكرهم الشيخ ابو يعقوب الوارجلاني في الدليل والبرهان، عاصر الامام محمد بن محبوب الذي انتهت اليه امامة الاباضية فى ايامه وتتلمذ له هو والفضل بن الحوارى وكانا كفرسي رهان في مضمار العلم وكانت للفضل بعزان بن الصقر قرابة قال فيهما القائل: انهما في عمان كالعينين فى جبين فمات عزان قبل الفتنة، فتنة بن مالك وادركها الفضل فاصاب منها وقتل فيها في وقعة القاع سنة 278 هـ في امامة عزان بن تميم. وتوفي عزان رحمه الله سنة 268 هـ. اهـ
حتى الصلت
(2) ابو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي. احد العلماء العاملين الذين تخرج عليهم خلق كثير واشتهر علمه في آفاق الاصحاب، اخذ العلم عن الامام ابي عبدالله محمد بن بكر وله من التأليف المتحف في الاصول وكتاب الفضائل والتعريف بالخيره في الاصول والكلام. .. وكتب سيرة حول نظام العزابة الذي وضعه شيخه ابو عبدالله محمد ابن بكر وكان من علماء الطبقة العاشرة اي النصف الثاني للقرن الخامس وتوفي رحمه الله سنة
471 هـ.
110_ (1/25)
صفحة 26
باب ذكر الاقسام المتقدمة
التي تجري مجرى الامهات من وظائف الاعتقادات
من
القسم الاول: فيما يجب على كل مكلف في الاعتقادات ان يعلم ان ورود الموت حق على كل العباد من ساكنى السموات والارض وما بينهما من رفع وخفض، وان كل نفس ذائقة الموت وسالكة سبيل الفوت، وان الفناء جار على اهل الارض ومن عليها وعلى من في السماء سكانها، كل حي يموت الا الحى القيوم الذي لا تاخذه سنة ولا نوم، (كل شيء هالك الا وجهه) (1) لان الله سبحانه كتب على الدنيا الفناء وعلى الآخرة البقاء. فالاشياء كلها فانية على التلاشي لا على الانقلاب ما خلا المكلفين واطفال المسلمين فان فناءهم على الانقلاب. واختلفوا في اطفال الكفار، والاصح ان فناءهم على الانقلاب (2) بدليل قوله تعالى «واذا المؤودة سئلت (3) وهى بنات المشركين في مشهور التفسير. واختلفوا في البهائم فقيل عن ابن عباس انه قال حشر كل شيء الموت الا الثقلين فانهما يواقيان يوم القيامة. وقال جمهور العلماء: أنها تحشر. وروي ذلك عن ابي كعب وابي هريرة، وعن قتادة قال يحشر كل شيء حتى الذباب بدليل قوله تعالى ه وما من دابة في الارض ولا طائر يطير. إلى قوله ثم إلى ربهم يحشرون (4) وليس قصدنا في هذا الكتاب التطويل والاسهاب وبالله التوفيق
1) القصص الآية: 88،
?
(2
على التلاشي يعني ينقلبون ولا يتلاشون لقوله (ع): سالت الله في اللاهين
فاعطانيهم خدما لاهل الجنة. واللاهون هم اطفال المشركين.
3) التكوير الآية: 9
4) الانعام الآية: 38
-17 - (1/26)
صفحة 27
لا
القسم الثاني في قيام الساعة
وهو ما يجب على العبد اعتقاد وقوعها قال الله تعالى وان الساعة آتية ريب فيها (1) وقال تعالى وما امر الساعة الا كلمح البصر او هو اقرب» (2) وهي النفخة الاولى التي يميت الله بها كل حي وبينها وبين النفخة التي للبعث اربعون سنة فيما روي عن النبيء عليه السلام. وهي مما استأثر الله تعالى بعلمه لم يطلع عليها احدا خلقه كما قال الله تعالى من يسالونك عن الساعة ايان مرساها اي متى مثبتها «قل انما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها الا هو (3) اي لا يكشف عن وقتها الا هو. وقال ايضا: «ان الله عنده علم الساعة (4)
القسم الثالث
في اعتقاد كون البعث بعد الموت
وذلك حق على كل مكلف ان يعتقده لقوله تعالى وان الله يبعث من في القبور (5) وقال كما بدأنا اول خلق نعيده (6) وقال كما بدأكم تعودون، فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة (7). يبعثهم من القبور كأنهم جراد منتشر ـ مبعوثون ليوم عظيم، وقد احتج الله تعالى على منكري البعت فقال يا ايها الناس ان كنتم في ريب من البعث اي في شك من البعث فانا خلقناكم من تراب الآيات كلها (8). ثم ذكر اية
(1) الحج الآية: 7 2) النحل: الآية 77 الاعراف: الآية 187 4) لقمان: الآية 34 5) الحج: الآية 7 (1) الانبياء: الآية 104 الحج: الآيات 5 - 6 ـ 7
الاعراف: الآية 30
17 (1/27)
صفحة 28
اخرى فقال وترى الارض هامدة الى قوله ذلك بان الله هو الحق وانه يحيي
الموتى (1) وقال تعالى حكايه عن منكري البعث او لم الانسان انا
خلقناه
ير
من نطفة الى قوله قل يحييها الذي انشأها اول مرة (2) فاخبر تعالى
ان الذي انشأهم من ماء مهين بعد ان لم يكونوا شيئا مذكورا قادر ان يعيدهم خلقا جديدا.
القسم الرابع
في الحسـ
ساب
وعلى المكلف ان يعتقد ان الحساب على العباد حق في المعاد قال سبحانه زعم الذين كفروا ان لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم» (3) وقال وان كان مثقال حبة من خردل اتينا بها وكفى بنا حاسبين» (4)، وليس حساب الله العباد يومئذ كحساب الخلق تعالى الله ربنا عن ذلك، ولكن حسابه فصل وتمييز لا يشغله حساب احد عن احد كما لا يشغله رزق احد عن احد. قيل لعلي بن ابي طالب: كيف يحاسب الله العباد على كثرة عددهم؟ فقال كما يرزقهم على كثرة عددهم. ويقال ان الناس يومئذ على ثلاثة اصناف؛ صنفان لا يسألان عن الاعمال وهم الانبياء والمشركون. فالانبياء الى الجنة بغير حساب (5). والمشركون الى النار بغير
•
1) الحج: الأيات 5 ـ 6 2 يس: الآيات 77، 78، 79 (3) التغابن: 7 4) اول الآية، ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وان كان ... الى آخره الأنبياء (47). (5) قال المحشي: واما المشركون فلم يظهر لنا دليل قاطع على عدم سؤالهم بل غالب نصوص القرآن تدل على سؤالهم كقوله تعالى: ولنسئلن الذين ارسل اليهم، وقوله بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم، وقوله: «يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما =
– 18 – (1/28)
صفحة 29
حساب ولايسال عن ذنوبهم المجرمون) (1) ويعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والاقدام (2)، وصنف ثالث يسأل عن الاعمال وهم. المؤمنون. واختلف فيمن مات على كبيرة. وكذلك من مات على الوفاء هل يحاسبان ام لا؟ والأصح ان الحساب يأتي على الجميع. اما المسلم
فيحاسب حسابا يسيرا وينقلب الى اهله مسرورا. واما المنافق فيناقش في الحساب والمساءلة الزاما للحجة وقطعا للمعاذير فيحاسب على النقير والفتيل والقطمير (3) وبالله التوفيق.
وفي الحديث: يسأل العبد يوم القيامة عن اربع خصال: عن عمره
فيم افناه وعن شبابه فيما ابلاه وعن ماله من اين اكتسبه وفيم انفقه وعن ماذا عمل فيما علم (4) والله اعلم واحكم وبالله التوفيق.
الله
=
القسم
الخامس
في الثواب
وذلك مما يجب معرفته واعتقاده على كل مكلف: وهو ان يعلم ان ثوابا لا يشبهه ثواب. وثوابه الجنة، ويعلمها باسمها، وانها كائنة
عملواه وقوله وقفوهم انهم مسئولون» وقوله: «فوربك لنسئلنهم اجمعين عما كانوا يعملون فهذه الآيات كلها تدل على انهم يسئلون
1 القصـ
(2) الرحم من 41
النقيراج هي النقرة التي في ظهر النواة. والفتيل ما يكون في شق النواة والقطمير، القشرة الرقيقة التي تغطي النواة. المراد. اقل القليل كما قال تعالى ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وان كان مثقال حبة من خردل اتينا بها وكفى
مي
بنا حاسبين
4) رواه الترمذي وقال حسن صحيح من حديث ابي برزة نضلة الاسلمي.
•
-19 - (1/29)
صفحة 30
وانها ثواب الله لأوليائه في الآخرة. لا انقطاع لدوامها. وقيل عن بعضهم انه لابد ان يعلم ان الجنة قصور وانهار وبساتين لانهم قالوا لا يعرف الاشياء من لم يعرف حقائقها، وليس على العبد ان يعلم ان الجنة موجودة اليوم، وانما عليه ان يعتقد وجودها ودوامها، قال الله سبحانه: «اكلها دائم وظلها» (1)، وقال في اصحابها «اخوانا على سرد متقابلين لا يمسهم فيها نصب وماهم منها بمخرجين (2) فى ظلال على الارائك متكئون، لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون» (3)
يعلم
القسم السادس
في العقاب
وذلك ما يجب على المكلف اعتقاد وجوده ومعرفة كونه، وذلك ان عقابا لا يشبهه عقاب ولا غاية لدوامه. وعقابه هو النار.
ان
يعلمها باسمها، وانها عذاب الله لاعدائه في الآخرة لا انقطاع لدوامها، وقيل عن بعضهم ان عليه ان يعلم ان النار سوداء مظلمة لا يطفأ لهيبها ولا يخمد جمرها (وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد) (4)
اعدت للمنافقين والمشركين تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون) (ه). (سرابيلهم من قطران) (6) (يطوفون بينها وبين حميم آن) (7)، (يصب من فوق رءوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من
1) الرعد، 35
(3
(2) الحجر، 47
يسن آية 56 ـ 57 560 ــ 57 وقبلها وان اصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون هم وازواجهم الخ ... التحريم: 6 واول الآية (يا ايها الذين آمنوا قوا انفسكم وأهليكم ناراه.
5) المومنون 104
(6) ابراهيم: 50
الرحم
44:
، (1/30)
صفحة 31
حديد) (1)، يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون» (2)، «لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها) (3)، «لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون» (4)، «لا يموتون وماهم منها بمخرجين، خالدين فيها ابد الآباد، اعاذنا الله من الخزي وعذاب المعاد انه رءوف بالعباد.
القسم السابع
في الملائكة
يجب على الانسان ان يعتقد ان الله سبحانه جملة الملائكة وهي غير جملة الانس والجن، وان وجود الملائكة حق، قال الله تعالى «آمن الرسول بما انزل اليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله الآية (5): منهم حفظه يكتبون اعمال العباد، ومنهم رسل الله تعالى الى انبيائه كما قال تعالى «الله يصطفي من الملائكة رسلا الآية» (6) ومنهم ملائكة غلاظ شداد خزنة للنيران لا يعصون الله ما امرهم ويفعلون ما وهم جملتان: روحانيون وكروبيون، فالروحانيون هم
يؤمرون (7)
الرسل وجبريل عليه السلام منهم، والكروبيون ليسوا برسل، عباد مكرمون يسبحون الليل والنهار لا يفترون (8) ويقال الملائكة عشرة اجزاء تسعة اجزاء منهم الكروبيون الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون (9)
(1
فاط
21، 20:
36:
(2) غافر: 71، 72
الزخرف: 57
ه البق ة: 285
التحري
(9) تقـ
1:
21
Yo :
18 الانبي
اء: 20 (1/31)
صفحة 32
وجزء واحد للرسالة والخزانة ولما شاء الرب من اوامره، وهم مكلفون ملزمون مأمورون مكتسبون: يصلون ويصومون ويحجون (1)، خلقوا للعبادة ومصيرهم إلى السعادة لا يوصفون بالتعب ولا بالشهوة ولا بالذكورية ولا بالانوثية، ولا بالجنون ولا بالطفولة، ولا باللحم ولا بالدم، ولا بالبول ولا بالغائط، ولا بالجوع ولا بالعطش، ومن وصفهم بشيء من هذا فقد أخطأ في صفتهم وجعلوا الخطأ في صفة الملائكة شركا لأنه جعل غير الملك ملكا (2). وجعلوا الخطأ في صفة البارئ سبحانه على وجهين ان واجه أشرك، وأن تأول نافق. وانما توصف الملائكة بما تعالى في قوله تعالى جاعل الملائكة رسلا أولي اجنحة مثنى
وصفها
الله
وثلاث ورباع (3)، وما وصفها به من العبادة والتسبيح والاستغفار والكلام والرغبة في الطاعة والاجتهاد في العبادة بلا تعب ولا نصب والخوف والرجاء وغير ذلك مما يليق الصفات فعلى المكلف الايمان من بهم بهم والقصد الى جبريل عليه السلام باسمه ويعلم انه رسول الله الى رسله عليهم السلام ويتولاه بالترحم دون الاستغفار وكذلك ولاية سائر الملائكة بالترحم دون الاستغفار (4) وثوابهم واصل اليهم، وهو ما يوافق طبائعهم. وقيل الذي يوافقهم ايصال الهدايا الى المسلمين ويوالون ويبرءون بالظواهر
1) قال المحشى وينظر كيفية الصوم في الملائكة، واما الصلاة والحج فقد ورد في الحديث. ان جبريل عليه السلام صلى بالنبيء الا الله والنبيء يصلي بالصحابة، وفي الحديث ايضا، ان الملائكة قالت لآدم عليه السلام: حججنا هذا البيت قبلك بالفي عام و الله اعلم. . اهـ.
(2) صواب العبارة. جعل الملك ملك
(3) فاط
:
4) لان الرحمة وسعت كل شيء، والاستغفار للمذنبين وهم لا ذنب لهم اهـ
- 22 (1/32)
صفحة 33
صلوات الله عليهم اجمعين (1) ووقع الاختلاف في موتهم وخلقهم هل هم متفاوتون في الخلق والممات؟ ام خلقوا جميعا وسيموتون جميعا؟ قولان
كما قدمنا، وكذلك وقع الاختلاف في عدد الحفظة وفي ايهم
ام المؤمنون من بنى آدم؟ قولان، وبالله التوفيق.
-
-
القسم الثامن
في الانبياء والرسل
افذ
وذلك مما يجب على المكلف الايمان بهما وهما جملتان على معرفتهما: كل واحدة منهما على حدة لقوله تعالى (قولوا آمنا بالله وما انزل الى قوله - وما اوتي النبيئون من ربهم (2) والانبياء اعم من الرسل لأن الأنبياء انبياء مرسلين وانبياء غير مرسلين، وفي حديث ابي ذر رحمه الله قال قلت يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: مائة الف نبيء واربعة وعشرون الفا. قال قلت: كم الرسل من ذلك؟ قال ثلاثمائة وثلاثة عشر،
من
صلوات
1) يبدو ان قوله: يبريون بالظواهر» يتنافى مع قوله ومصيرهم الى السعادة وقوله. وكذلك ولاية سائر الملائكة بالترحم دون الاستغفاره. قال المحشي: وانما قال الله عليهم اجمعين ليدخل هاروت وماروت. قال في السؤالات بعد ذكر آيات تدل على مدحهم ما نصه. ومثل ذلك من المدحة ما لجملتهم ولم يخص زمانا من زمان ولا ملكا ملك من ودع عنك ما تتلو الشياطين وما يقول المبطلون من افترائهم على الله وتنقيصهم اولياء الله حاشاهم من العصيان، هذا الذي عليه ائمة الهدى وأولوا النهى. وفي بعض كتب قومنا: ولا يرد هاروت وماروت ان قلنا بانهما ملكان لأنهما لم يصدر عنهما ذنب، وتعليمهما الناس السحر انما كان بامر الله ابتلاء لهم وتمييزا بينه وبين المعجزة، على ان تعليم السحر للاحتراز عنه ليس بذنب بل هو
طاعة اهـ.
(2) البقرة: 136.
23 (1/33)
صفحة 34
جم غفير يعني
خلقه
كثيرا طيبا، قال قلت: من كان اولهم؟ قال اولهم آدم عليه السلام: قال قلت يا رسول الله: أنبيا كان ام رسولا؟ قال نعم الله بيده ونفخ فيه من روحه وسواه رجلا (1) ثم قال يا ابا ذر: اربعة سريانيون، آدم، وشيت واخنوج وهو ادريس وهو اول من خط بالقلم، ونوح عليهم السلام. واربعة من العرب هود، وصالح، وشعيب ونبيك يا ابا ذر، واول أنبياء بني اسرائيل هو موسى (2) وآخرهم عيسى عليهم السلام، اول الرسل آدم وآخرهم محمد عليه السلام، واختلف في النبوءة والرسالة فقيل هما اضطرار، وقيل هما اكتساب (3) وقيل النبوءة اضطرار، والرسالة اكتساب، والوحي علم الانبياء والرسل، وسئل النبيء عليه السلام فقيل له: كيف يأتيك الوحي؟ فقال احيانا ياتيني مثل صلصلة الجرس وهو اشده علي فينفصم عني وقد وعيت ما قال، واحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فاعي ما يقول (4) فقالت عائشة
1) بيده اي بقدرته ونفخ فيه من روحه التي خلقها.
من
-
وسواه رجلا
-
انه خلقه
يعني
الله كذلك و لم ينقله آدم على صورته، رواه الشيخان من حديث ابي هريرة والضمير في (صورته) لآدم اي على هيئته التي مات عليها لامتصفا بالصغر ثم كبر بعد ذلك كما هو شأن ذريته. 2) يعني ان أول نبيء من ذرية ابناء اسرائيل من صلبه هو موسى كما وجهه القطب رحمه
حالة الى حالة كالواحد منا فلذلك قال الله، وان الله خلق
الله.
) قال الشيخ ابو يحي زكرياء بن ابى بكر، وان الرسالة تتصرف في اللغة على وجهين. على معنى الارسال من الله عزوجل، الثاني على معنى التبليغ من الرسل، فمن قال
ان الرسالة اضطرار ذهب بالرسالة الى الارسال من الله عز وجل للرسل، ومن قال
الرسالة اكتساب ذهب بمعنى الرسالة الى التبليغ من الرسل. قال الشيخ ابو عمار:
وهذا احسن ما سمعناه في هذا الوجه اهـ. 4) رواه الربيع من حديث عائشة قالت: سال الحارث بن هشام رسول الله (ع)
كيف ياتيك الوحي الخ. وعن عائشة ايضا من رواية البخاري ومسلم انه: وكان يسمع كلام جبريل ويشاهده ومن حوله لا يسمعونه ولا يشاهدونه.
C (1/34)
صفحة 35
ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد وان جبينه لينصب عرقا. والأنبياء عليهم السلام منهم من ياتيه الوحي احيانا، ومنهم من يلهمه الهاما ومنهم من يراه في النوم فيحفظه والله اعلم، فعلى العبد ان يعتقد كما قدمنا ان الله جملة الانبياء والرسل، ارسلهم الى عباده وجعلهم الامناء على خلقه والحكام في بلاده، وانزل عليهم كتبه وآياته وكلماته وجعل اولهم آدم ابا البشر رسولا الى اولاده، وآخرهم نبينا محمداً عليه السلام ختم به انبياءه ورسله وانزل عليه القرآن ليكون من المنذرين هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، نزل به الروح الأمين على قلب محمد عليه السلام ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين، وانه كلام الله ووحيه وتنزيله، وان الانبياء والرسل كلهم آدميون، منهم من ارسل الى الجن والانس كافة، كآدم ونوح وابراهيم وموسى وداود وعيسى ومحمد الله اجمعين (1)، ومنهم من
كانت
1) على ان ارسال هؤلاء الى الانس والجن كافة مشكل مع قوله (ع): واعطيت خمسا لم يعطهن احد من الانبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، واعطيت مفاتيح الارض وجعلت لي الارض مسجدا وطهورا، وجعلت امتي خير الامم، واعطيت الشفاعة، وكان النبيء يبعث الى قومه خاصة وبعثت الى الناس عامة»، (رواه البخاري و مسلم) والذي يفهم من غضون النصوص الواردة في حق الجن ان دعوتهم بالتبعية لدعوة الانس لا استقلالا. وذلك ان الله ارسل رسلا الى الانس والجن اجمعين ولم يقم دليل على ان الله ارسل من الجن رسلا. ولا كانوا في وقت من الأوقات غير مكلفين فتعين ان يكون رسل الانس هم انفسهم رسلا للجن، وان الجن يتلقون الله كما يتلقى عنهم الانس سواء بسواء، وعليه ففي كل زمان نذر من الانس والجن ينذرون اقوامهم ويهدونهم الى سواء الصراط، صراط الله الذي له مافى السموات وما فى الارض. يدل لذلك فى حق الانس قوله تعالى: «فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرونه وفي حق الجن قوله: واذ صرفنا اليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا انصتوا فلما قضي ولوا الى قومهم منذرين الآيات. وقال تعالى واوحي الي هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ، وهذا القول اقرب الى المعقولية لبراهين واعتبارات =
عنهم دين
— Yo_ (1/35)
صفحة 36
ارسل الى اقوام فيسوغ لمن بلغته دعوته ان يستجيب له كهود وصالح وشعيب وغيرهم عليهم السلام (1) والذي عليه الجمهور الأعظم من اهل العلم ان الله تعالى ما نبأ عبداً ولا امراة ولا رجلا من اهل البادية (2) لقول الله تعالى (وما ارسلنا قبلك الا رجالا يوحى اليهم من اهل القرى (3) وقال آخرون، ان الله تعالى نبأ لقمان الحكيم وهو عبد لبلخشخاش ونبأ يعقوب وبنيه عليهم السلام وهم بداة قال الله تعالى (وجاء بكم من البدو) (4)،
= يطول شرحها. قال تعالى، يا معشر الجن والانس الم ياتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على انفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على انفسهم انهم كانوا كافرين وقال (وما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم وقال. واذ صرفنا اليك نفرا من الجن - الى قوله ـ في ضلال مبين). اما ان اهل الكافة مبعوثون الى الجن فيمكن حمل ذلك على معنى ان رسلهم كانوا
،
بدليل
من
رسلا للمبعوثين الى الكافة يتلقون عنهم ويبلغون الى قومهم كما يستشف ذلك امرهم مع رسول الله (ع) ولولا ما قص علينا القرآن من صرفهم الى الرسول وتلقيهم عنه. وانهم على دين موسى، وانهم كانوا مستخدمين لسليمان ومن جنده لما علمنا عنهم شيئا. ولطالبنا من يثبت ذلك لمن لم يرد في حقه نص نقلي قاطع، كيف والمسالة من الاعتقاديات التي يشترط فيها اليقين ولو عمموا وقالوا: ان كل رسول مبعوث الى قومه من الانس والى الجن الذين يساكنونهم بالتبع، ولم يخصصوا البعثة اليهم برسل الكافة لكان اقرب الى الحقيقة فيما ارى فالواجب علينا في حق الجن ان نعتقد انهم موجودون وان احتجبوا عنا، وانهم مكلفون مثلنا: بعثت اليهم الرسل كما بعثت الينا، يثاب مؤمنهم! بالجنة ويعاقب كافرهم بالنار. وهذا القدر كاف في باب العقيدة وهو ما يلائم سماحة الاسلام واخذه بالميسور فيما جاء به من تعاليم واحكام والله اعلم. هذ ما بدالي في هذه المسالة. ان يكن صوابا فمن الله، وان يكن خطأ فمني واستغفر الله
اهـ مصححه
1) اما اذا لم يكن على دين فيجب عليه الاتباع ولا يسعه المقام على الشرك. (2) اي من اهل العمود يرحلون وينزلون ولا يرد قوله تعالى في حق يعقوب وبنيه وجاء بكم من البدوه لان يعقوب (ع. م.) كان من اهل الماشية وكان منزله في اطراف
الشام. لا انه ممن يرحل وينزل
يوم
ف: 109
اهـ. مصححه
(4 سورة يوسف: 100
- 26 - (1/36)
صفحة 37
ونبأ مريم وسارة وام موسى عليهم السلام وهن نساء (1)
القسم التاسع
في الكتب المنزلة
وذلك مما يجب على المكلف الايمان به، وذلك ان يعلم ان الله سبحانه جملة كتب انزلها على رسله بواسطة الملائكة الكرام البررة الذين هم سفرة تعالى وخلقه، ويقصد الى القرآن ويؤمن به خصوصا، ويؤمن
بين
الله
بغيره من الكتب عموما، قال الله تعالى (يا ايها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي انزل من قبل.
1) الجمهور على ان الانبياء لا يكونون الا ذكورا احرارا من اهل القرى، وأن كان ثمت فريق من المحققين لا يرون النبوءة مقصورة على الذكور وهو ما يستروح من كلام الامام نور الدين السالمي معقبا على من يستدل بقوله تعالى وما ارسلنا من قبلك الارجالا يوحى اليهم من اهل القرى قال: اقول: ليس في هذا دليل على حصر النبوءة في الذكور، وانما هو دليل على قصر الرسالة عليهم. ولذا قال ابن حجر (ومن النساء تنباً من وهن ست: حواء، وسارة، وهاجر، ومريم، وام موسى، وآسية امرأة فرعون). وعن غيره: وقد وقع الاختلاف في نبوءة أربع نسوة: مريم وأسية وسارة وهاجره اهـ ومما لاريب فيه ان هناك فرقا بين الرسالة والنبوءة: فالرسالة تستلزم الكفاح والجهاد فى تبليغها وهي بالرجال انسب، النساء تأبى تكليفهن بمثل هذه المامورية الثقيلة، وان فيما شغلهن الله به من وظيفة الامومة الكثيرة التكاليف لحاجزا حصينا يمنعهن ان يكن رسولات، بخلاف النبوءة ا هي الهام وتوجيه وتكريم من الله لعقائل طاهرات كرمهن بولادة رسل كام موسى ومريم، او كانت مثالا اعلى في نوعها من حيث ثباتها على صحة العقيدة رغم ما من فتنة فرعون طاغية زمانه وتعذيبه كآسية بنت مزاحم، واذا كان هناك انبياء نبوءتهم وحي الهام وتوجيه فلا يستبعد ان يكون من بين النساء نبيئات لا رسولات: والله اعلم
فانما
نالها
وطبيعة
'
اهـ مصححه
- YY - (1/37)
صفحة 38
حكيم
الآية) (1) وان القرآن كلام الله ووحيه وفرقانه، تنزيل من حميد، معجزة للرسول عليه السلام انزله اليه من اللوح المحفوظ في ليلة القدر جملة الى السماء الدنيا ثم ينزل به جبريل الأمين نحوما نجوما على قدر ما ادت اليه الحاجة حتى اكمل الله نزوله في عشرين سنة: عشر بمكة وعشر بالمدينة (2) واختلفوا في اللوح
بعد ذلك
1) النساء: 136 قال الشيخ ابو يعقوب الوارجلاني في الدليل والبرهان قد ورد في القرآن ما. هو اوكد من هذا فلم يوجبوا معرفته كقوله تعالى: (قولوا آمنا بالله وما أنزل الينا وما انزل ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط وما اوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيئون من ربهم لا نفرق بين احد منهم ونحن له مسلمون) مع اجماع الامة ان ليس علينا من معرفة ابراهيم شيء، ولا معرفة الانبياء وما انزل اليهم وان كان علينا الايمان جملة من غير قصد الى معرفة احد منهم باسمه وما انزل
بهم وعلى ان
بهم
بهم
"
الله
عليه. على ان ظاهر القرآن لم يدعنا الى الايمان هكذا بل الى القول بالايمان لم يكلف احدا لاشهادة الا قول لا اله الا الله محمد رسول وما جاء به حق، وما سوى هذا فليس عليك فيه من الشهادة شيء الا الايمان بما قامت عليك به الحجة. اهـ.
المتبادر ان الله اكمل انزاله في ثلاث وعشرين سنة اعتبارا من نزول اول آية عليه كما هو رأي الجمهور، لكن هناك من يعتبر مدة اقتران اسرافيل به کالمصنف رحمه الله اعتمادا على بعض الروايات الصحيحة، قال الامام الربيع بن حبيب في مسنده: بعث رسول الله (ع) وهو ابن اربعين سنة وقرن معه اسرافيل اول مبعثه ثلاث سنين و لم يكن ينزل عليه شيء عزل عنه اسرافيل وقرن معه جبريل فنزل عليه القرآن عشر سنين بمكة وعشر سنين بالمدينة. فمات رسول الله (ع) وهو ابن ثلاث وستين سنة اهـ. وكذلك نص الزمخشري فى الكشاف على ان القرآن نزل في عشرين سنة، يظهر ان القول الأول يعضده ما ثبت في السيرة النبوية من ان اول آية نزل بها جبريل على سيدنا محمد (ع) كانت في غار حراء وعمره حينئذ اربعون سنة ولم يفتر عنه الوحي بعد ذلك الا نحو اربعين يوما حتى انزل الله عليه
سورة المدثر ثم تواتر نزول الوحي على. حسب الوقائع الى ان كمل يوم حجة الوداع. هذا ولا ندري ما الحكمة من اقتران اسرافيل به ثلاث سنين بلا وحي، ولكن لاحظ
للنظر مع ورود الاثر.
اهـ مصححه
- YA- (1/38)
صفحة 39
المحفوظ (1) فقيل: هو لوح من درة بيضاء قدر مسيرة خمسمائة عام في مثل ذلك عرضا، وقيل هو جبهة ملك والله اعلم، وفي حديث البي ذر رحمه الله تعالى قال، قلت يا رسول الله، كم كتابا انزل الله؟ قال مائة كتاب واربعة كتب، انزل على شيث بن آدم خمسين صحيفة، وانزل على خنوج (ادريس) ثلاثين صحيفة، وعلى ابراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قيل التوراة عشر صحائف، وانزل التوراة والانجيل والزبور والفرقان، قال قلت يارسول الله فما كانت صحف ابراهيم؟ قال كانت امثالا كلها، (ايها الملك المسلط المغرور المبتلى اني لم ابعثك تجمع الدنيا بعضها الى بعض ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فاني لا أردها ولو كانت من كافر. وكان فيها امثال. وعلى العاقل ان تكون له ساعات، ساعة يناجي فيها ربه. وساعه يحاسب فيها نفسه. وساعة يتفكر في صنع
-
1) اللوح المحفوظ شيء اخبرنا الله به وأنه اودعه كتابه: بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ، ولكن لم يعرفنا حقيقته فعلينا ان نؤمن بانه شيء موجود، وان الله حفظه فيه كتابه ايمانا بالغيب، واما دعوى انه جرم محفوظ فى سماء معينة ووصفه بما جاء في روايات مختلفة فهو مما لم يثبت عن المعصوم (علل بالتواتر فلا ينبغي ان يدخل في عقائد اهل اليقين من المؤمنين. وما اجدرنا ـ لو اردنا التأويل ــ ان نأخذ بما قيل: ان اللوح المحفوظ هو لوح الوجود الحق ومعاني القرآن وقضاياه الشريفة لما كان لا ياتيها الباطل، ولا يدانيها الخطا كانت ثابتة في لوح الواقع المحفوظ الذي لاحق الا ما وافقه، ولا باطل الا ما خالفه ولا باقي الا مارسم فيه، ولا ضائع الأما لم ينطبق عليه اهـ من تفسير عم للشيخ عبده. ولنا ان نقول مثل ذلك في قلم القضاء الله. الوارد في قوله (ع) رفعت الأقلام وجفت الصحف يجب علينا ان نومن به هكذا مجملا. وليس علينا ان نبحث عن صفته، ولا من اي مادة هو، ولا كيف جرى، او باي لسان سجل: مما لم يثبت عن المعصوم بطريقة يقينية، وانت خبير ان الاعتقادبات لا تثبت الا بالادلة اليقينية، فسلامة المؤمن في الايمان بذلك مجملا كما ورد، ولنكل امر التفصيل الى الله الذي لا يخفى عليه شيء في الارض ولا في السماء.
اهـ مصححه
- 29 – (1/39)
صفحة 40
الله جل جلاله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب، وعلى العاقل الا يكون ظاعنا الا في ثلاث تزود المعاد، ومرمة لمعاش (1) ولذة في غير
، حافظا
محرم، وعلى العاقل ان يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه من عمله قل كلامه الا فيما يعنيه، قال قلت يا
للسانه
عد كلامه من
رسول الله فما كانت صحف موسى عليه السلام قال كانت عبرا كلها، عجبا لمن ايقن بالموت كيف يفرح! وعجبا لمن ايقن بالقدر ثم هو ينصب! وعجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن اليها! وعجبا إن ايقن بالحساب غدا ثم هو لا يعمل! قال قلت يا رسول الله. افي ايدينا شيء مما كان في يد ابراهيم وموسى عليهما السلام؟ قال نعم يا اباذر قد افلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى الى آخر السورة (2).
1) وفي نسخة: وحرفة: ومرمة لمعاش اي اصلاح له. (2) سورة الاعلى: 15 - . وفي نسخة: وانقلابها - ولهذا الحديث الطويل بقية آثرنا اثباتها هنا لما فيها من وصايا مفيدة. قال ابو ذر: قلت يا رسول الله اوصني. قال (اوصيك بتقوى الله، فانها راس الامر كله قلت يارسول الله زدني. قال: (عليك بتلاوة القرآن وذكر الله عز وجل. فانه نور لك في الارض وذخر لك في السماء) قلت: يا رسول الله زدني. قال: اياك وكثرة الضحك فانه يميت القلب ويذهب بنور الوجه قلت يا رسول الله زدني قال: عليك بالجهاد فانه رهبانية امتي) قلت يارسول الله زدني قال، (احب المساكين وجالسهم قلت يا رسول الله زدني قال (انظر الى من هو تحتك، ولا تنظر الى ما هو فوقك فانه اجدر ان لا تزدري نعمة الله عندك قلت يارسول الله زدني، قال. قل الحق وان كان مراه قلت يارسول الله زدني، قال: ليردك عن الناس ما تعلمه من نفسك، ولا تجد عليهم فيما تأتي
وكفى بك عيبا ان تعرف من الناس ما تجهله من نفسك، وتجد عليهم فيما تأتيه
ثم ضرب بيده على صدري فقال: يا اباذر: لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف
ولا حسب كحسن الخلق رواه ابن حبان في صحيحه واللفظ له، والحاكم، وقال
صحيح
الاسناد (1/40)
صفحة 41
القسم العاشر في الايمان بالقدر
وذلك واجب على كل مكلف ان يعلم ان ما كان من خير او شر ونفع وضر وما يكون من ذلك فبالله يكون، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وانه تعالى خالق لجميع الأشياء وكانت منه بقضاء وقدر، ويعلم ان ما. يصيب الانسان لم يكن ليخطئه، وما اخطأه لم يكن ليصيبه
كما جاء عن النبيء عليه السلام عن طريق الربيع بن حبيب (1) رحمه
الله
1) هو التابعي الجليل والمحدث الكبير الامام الحجة ابو عمرو الربيع بن حبيب الازدي الفراهيدي صاحب الجامع الصحيح الثلاثي السند المشهور بمسند الربيع. نشأ بالبصرة وتعلم بها وتصدى لنشر العلم تحريرا وتدريسا وافتاء حتى اصبح في ذلك العصر الذهبي وفي ذلك المجتمع الذي يزخر بائمة الدين واساطين العلم ممن يشار اليه بالبنان ويصمد اليه فى حل المعضلات، ومن اجل ما الف مسنده المومى اليه، وانت خبير ان الثلاثيات من اصح الاحاديث لعلو سندها والقربها من الينبوع المحمدي ورجال هذه السلسلة الربيعية من اوثق الرجال واحفظهم واصدقهم لم يشب احاديثها شائبة انكار ولا ارسال ولا انقطاع واعضال لذلك يطلق عليها «سلسلة الذهبه وثلاثياته (ابو عبيدة عن جابر عن عائشة) او (ابو عبيدة عن جابر عن ابن عباس) او (ضمام عن جابر عن ابن عباس يعتبر بها مسند الربيع من الكتب الصحاح الموثوق بها لدى ائمة الحديث، وقد وثقه شيخه ابو عبيدة واثنى عليه ثناء جميلا قال: (الربيع تقينا واميننا وثقتنا) وقال الشماخي، جاء نصر ابو محمد الازدي الى ابي عبيدة يساله عن مسالة فاجابه، ثم قال، انت بالربيع فلما حضر ساله فاجاب بغير جواب الي عبيدة فراجعه ابوعبيدة فيه وقال: الذي حفظت عنك كذا، قال او حفظت؟ قال نعم. قال للرجل انظر ما قال الربيع فخذ به فانه حفظ!!! وكان ابو عبيدة في وقت ذلك فى شكاية، وكان الربيع اذا سئل عن مسالة
عني
قيل ويقال له عمن أخذتها فيقول انما حفظت الفقه عن ثلاثة، ابي عبيدة وضمام والي نوح وهذا قول احدهم، ولم يكن يخفى عليه قول واحد منهم اهـ، على ان الربيع نفسه قد روى عن بعض الصحابة كابي ايوب الانصاري وعبادة بن الصامت، وابي مسعود الانصاري، وبعد ان انتهت اليه ــــ بعد شيخه ابي عبيدة ـ الرئاسة العلمية بالعراق وتخرج عليه. من مختلف الاقطار علماء فطاحل كانت لهم الصدارة فى اوطانهم توفي في اواخر القرن الثاني
اهـ مصححه
الله.
رضي عنه وارضاه
- 31 – (1/41)
صفحة 42
عن عبادة بن الصامت عن النبيء عليه السلام قال انك لن تجد ولن تبلغ
حقيقة الايمان حتى مؤمن بالقدر خيره وشره انه
خير
من الله، قال، قلت يا
رسول الله كيف لي ان اعلم القدر وشره؟ قال، ان تعلم ان ما اخطأك لم يكن ليصيبك وما اصابك لم يكن ليخطئك فان مت على غير ذلك دخلت الناره فاعلم ايدك الله ان كل ما يجري في العالم من حركة وسكون،، وخير وشر، ونفع وضر وايمان وكفر، فلا يطير طائر بجناحيه، ولا يدب حيوان على بطنه ورجليه، ولا تسقط ورقة، ولا تتحرك ذرة الابقضاء وقدر وارادة من الله ومشيئة. فاعلم ان القدر والطلب لا يتنافيان والتوكل والكسب لا يتضادان، وذلك ان تعلم ان ما قضى الله تعالى فهو كائن لا محالة، كما ان ما علم الله ان يكون فهو كائن في القضاء والقدر وافقنا في العلم. قرب امر قدر وصوله اليك بعد الطلب فلا يصل اليك لا بالطلب. والطلب ايضا من القدر ولافرق بين الأمر المطلوب وبين الطلب فانهما مقدوران فمن هنا ثبت انهما لا يتنافيان، وكذلك التوكل مع الكسب لأن التوكل محله القلب والكسب محله الجوارح ولا يتضاد شيئان في محلين، فبهذا يتحقق العبد ان التقدير من الله، فان تعذر شيء فبتقديره، وان اتفق فبتيسيره، وفي الحديث جاء رجل الى النبيء عليه السلام على ناقة له فقال يا رسول الله: ادعها واتوكل فقال: (اعقلها وتوكل) (1) فالتوكل على الله تعالى هو الثقة بما ضمنه والقطع بكون ما يحكم به، فمن رام امرا من الأمور
لا محالة
الله
، ومن
خالفنا
1) ذكره ابن حبان والترمذي بلفظ. وسأله (ع) رجل فقال يارسول الله ارسل ناقتي واتوكل على الله؟ فقال، بل اعقلها وتوكل، ورواه ابن خزيمة في التوكل.
والطبراني من حديث عمرو بن امية الضمري باسناد جيد (1/42)
صفحة 43
فليس الطريق في تحصيله ان يغلق بابه عليه ويفوض امره الى ربه وينتظر ذلك الوجه الذي اراده، وقد روي ان النبيء عليه السلام ظاهر بين درعين
واتخذ خندقا حول المدينة يستظهر به ويحترس من العدو واقام الرماة يوم الكفار، ويلبس لامة الحرب، واسترقى واكتوى
احد يحتفظ
بهم من
وتداوى وامر بالمداواة وقال: ان الذي انزل الداء هو الذي انزل الدواء (1)، وامر الله تعالى بالايمان بقضائه وقال لنبيئه (قل لن يصينا الا ما كتب الله لنا هو مولانا) (2) وامر عباده ان ياخذوا بالحذر وقال: (يا ايها الذين آمنوا خذوا حذركم) (3) الآية وقال: (وليأخذوا حذرهم واسلحتهم (4)) وقال عليه السلام: (لو) توكلتم على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطيور تغدو خماصا وتروح بطانا) (5) فاخبر انها تروح وتغدو في طلب ارزاقها من غير ان يحملها لها الى اوكارها، وانما الهمها الطلب بالغدو والرواح، وقد روي ان ابليس اللعين قال لعيسى عليه السلام: الله الست تزعم انه لن يصيبك الا ما قدر الله عليك؟ قال بلى يالعين. قال فارم نفسك اذا ذروة جبل فان قدرت لك السلامة. من تسلم (6) قال يا عدو الله ان الله يختبر العباد وليس للعباد ان يختبروا ربهم.
يا روح
1) عن ابي هريرة رواه الحاكم بلفظ (الشفاء) بدل (الدواء) ومثله قوله (ع) هما من داء الا له دواء عرفه من عرفه وجهله من جهله الا السام. اي الموت، رواه احمد والطبراني من حديث ابن مسعود بدون قوله الا السام) وعند ابن ماجة مختصرا بدون قوله (يعرفه من يعرفه الى آخره يعني كرواية المصنف. ومثله قوله (ع) (تداووا وضع له دواء، غير داء واحد. قيل يا رسول
عباد الله فان الله
الله وما هو
2) التوبة 52
لم يضع داء الا
اسامة
؟ قال الهرم) عن بن شريك رواه الترمذي.
3) النساء 74
(4) النساء 104
ه عن عمر رواه الترمذي وحسنه ولفظه عنده لو) انكم تتوكلون على الله حق توكله
لرزقتم كما ترزق الطير تغدو الى آخر الحديث).
(6) وفي نسخة فتسلم بالقاء (1/43)
صفحة 44
ومثل هذا كثير تركته حبا للاختصار. فمن ظن ان الطلب والاكتساب والأخذ بالحزم والاحتراز يناقض التوكل فقعد في بيته واغلق عليه بابه متوكلا على ربه بزعمه كان عن العقل خارجا وفي ظلمة الجهل والجا. ويقال لهذا ينبغي لك على قياس قولك اذا جعت وحضر الطعام بين يديك ان لاتمد يدك اليه، ولا تفتح فمك، وان وضع في فمك فلا تمضغه حتى يقيض الله لك ملكا يمضغه لك، او يحدث شبعا في بطنك من غير اكل ولا تناول منك، فان تم على هذا كان الى العقل احوج منه الى المعرفة والزهد. وقد قال الله تعالى لمريم عليها السلام: (وهزى اليك بجذع النخلة) (1) وقال (فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض) (2) ولم يأمر بالقعود. وقد قيل عن بعضهم: من لزم المسجد وقبل كل ما يأتيه فقد سأل الناس الحافا. وهكذا اعمال الطاعات والسيئات لابد من الجد
جميع
والاجتهاد في الطاعة، والصبر والحذر عن المعصية، وبالله التوفيق.
القسم الحادي عشر
في معرفة التوحيد والشرك
وذلك مما يجب معرفته على المكلف ايضا لأنهم قالوا: لا يعرف الأشياء
من لا يعرف حقائقها
•
اما التوحيد: فمعناه افراد الرب سبحانه عن الخلق وجميع معانيهم، فحقيقة المعرفة به سبحانه ان تعلم ان الأشياء لا تشبهه ولا يشبهها في جميع الجهات: في فعل ولا اسم، ولا صفة، ولا ذات لأنه لو اشبه شيئا من
ولو في القليل لدخل عليه العجز من
(1) مريـ
م: 26
تلك
الأشياء
الجمعة: 11
- r? - (1/44)
صفحة 45
الصفة، فلهذا وجب على المكلف ان يعرف حقيقة الوحدانية الله تعالى ويصفه بما يليق به من الصفات، وينفي عنه شبه الاشياء من جميع الجهات. وان اتفقت الاسماء في اللفظ فليعلم ان تلك المعاني مختلفة، نظير ذلك ان الله قديم لم يزل وعالم لا يجهل ويقال لبعض الخلق قديم وعالم ولا يقال لم يزل ولا لا يجهل، فيتفق اللفظان ويختلف المعنى لان تاويل قول القائل: الله قديم اي من غير بدء ولا اول لوجوده والانسان قديم بعدد السنين والأوقات وقد كان له بدء واول، وكذلك قوله: فلان عالم انما اخبر عن علم استفاده بعد جهل وهو مع ذلك جاهل بأكثر الأشياء، فالفصل بين معاني هذه الاسماء انك تقول: الله قديم لم يزل ولا
انما
يعني
يعجز،
يزال ولا يجوز ذلك في غيره، وتقول عالم لا يجهل وقدير لا الصفات على هذا الحال. لأن الله تعالى يقول (ليس كمثله جميع
وكذلك
شيء وهو السميع البصير (1) وقال (هل تعلم له سميا) (2) وقال (ولم يكن له كفوا احد) (3). فثبت بدليل الشرع وشاهد العقل ان الله لا يشبهه شيء من الأشياء في اسم ولاصفة، ولاذات، ولا فعل، وبالله التوفيق. واما الشرك: فمعناه التساوي بين الأشياء في الذوات والصفات، ومعناه في الله جل جلاله هو التسوية بينه وبين خلقه في الذات او الصفات. قال الله سبحانه وتعالى اذ نسويكم برب العالمين) (4) اى في العبادة والتعظيم واثبات الألوهية، فالشرك اذا على وجهين: جحود ومساواة ويتصرف على وجوه: منها ان ينكر وجود الله سبحانه البتة كالدهرية الزاعمة ان الأشياء لا محدث لها. ومنها ان يقيم غير الله سبحانه
1) الشورى: 10 الاخلاص: 4
2) مريم: 67
(4) الشعراء
99: (1/45)
صفحة 46
مقامه في الخلق والانشاء والاختراع كالمنانية والديصانية الذين يزعمون ان الأشياء تكونت من اصلين قديمين وهما النور والظلمة، وكالمجوس الزاعمة ان الأشياء القبيحة مخلوقة للشيطان، وما اشبه ذلك من مذاهب الملحدة، ومنها ان يقيم الخلق في العبادة مقام الله تعالى كمشركي العرب الذين يعبدون الأصنام ويقولون هي شفعاؤنا عند الله مع اقرارهم بان الخلق
والرزق والاحياء والاماتة الله وحده، ومنها ان يجهل معرفة وجود
مالا وجميع
الله تعالى
يسع جهله من وظائف التوحيد المتقدمة (1). ومنها ان يكذب
الله تعالى بانكار حرف من كتابه (2) او نبيء من أنبيائه او رسول من رسله، او ملك ملائكته من
او جهله البعث والمعاد، او شك في وجه من وجوه التوحيد وما اشبه ذلك من جميع مالا يسع جهله. ومنها ان يصف ربه بصفات الخلق ومعاني النقص من الجهل والعجز والحدوث والعدم والجور والظلم والهيئة والجسم والسهو والنوم والأكل والشرب والتعب والنصب والحركة والسكون والاشكال والاضداد والصاحبة والاولاد في جميع ما لا يليق به سبحانه، او يصف الخلق بصفاته عز وجل من العلم والقدرة والوجود والقدم على الحقيقة، والاحياء والاماتة والخلق والاختراع من العدم الى الوجود والارسال والانزال من جميع صفاته التي لا يليق ان يوصف الخلق بها، ومنها ان يتقرب العبد إلى الله سبحانه بمعاصيه انه امره بها، او يزعم نهى عن التوحيد وغيره مما من لا يحتمل التأويل فى التنزيل. ومنها ان يتقرب الى المخلوق بأفعاله من جميع طاعة الله عز وجل من الصلاة والذبح وغيرهما، ومنها ان يدعو العباد الى عبادة نفسه كفعل ابليس اللعين وقد فسر ذلك في قوله تعالى ومن يقل
ويزعم
1) هذا على راي الجمهور
انه
طاعته
(2) وفى نسخة من كلامه
- 36 - (1/46)
صفحة 47
منهم اني اله من دونه فذلك نجزيه جهنم» الآية (!). فمهما فعل العبد ذلك فهو مشرك، والشاك في شركه مشرك لأنه لا يسع جهل شركه على حال من الأحوال. ومنها شرك الاكراه وذلك قول المكره على القول بالهين اثنين او انکاره عزوجل رأسا على جهة الاكراه. وقد اختلف فيه فقال بعضهم لا شرك ولا كفر ولا معصية، وقال بعضهم انه شرك ولاشرك في الحكم. زلا معصية ولا كفر، واتفق الجميع انه لا إثم ولا معصية ولا ذنب ولاعقاب ويقال كذب أبيح له. ومنها ماركب في قلوب العباد من الجزع والهلع وقلة الثقة الله بموعود عز وجل وثقتهم بانفسهم وقواهم وحيلهم حتى انهم ليثقون بكلابهم، فسمي هذا المعنى شركا. ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنه لا تزالون تشركون: تقولون لولا كلابنا لسرقنا. وقال الله تعالى فلما نجاهم الى البر اذا هم يشركون (2) يقولون لولا استواء الريح لهلكنا. ومنها شرك الرياء ومعناه ان يري العبد فعله الناس ويتزين به اليهم رياء وسمعة، وهو الشرك الاصغر، ولذلك قال النبيء عليه السلام «الشرك اخفى في امتى من ذرة سوداء على صخرة صماء في ليلة ظلماء (3). وقال الله تعالى «فمن كان لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة يرجو ربه احدا» (4)، نزلت فيمن يتصدق بصدقة ويلتمس بها الأجر والثناء
والله اعلم.
ا الان اء: 31
) العنكبوت: 66
) رواه الربيع من حديث ابن عباس بلفظ [ياتي على الناس زمان الشرك فيه اخفى من ذرة سوداء على صخرة سوداء في ليلة ظلماء]. ورواه ابو يعلى وابن عدي وابن حبان
في الضعفاء من حديث ابي بكر ولاحمد والطبراني نحوه من حديث ابي موسى. (4) الكهف: 111
- ry- (1/47)
صفحة 48
القسم الثاني عشر
في فرز ما بين كبائر الشرك والنفاق
وذلك واجب على المكلف، قال اصحابنا من لم يفرز بين كبائر الشرك وكبائر النفاق فهو مشرك، والشاك في شركه مشرك (1). قالوا لأن كثيرا
1) لا يراد بالشرك هنا الشرك الأكبر الذي تترتب عليه احكام الشرك من اباحة الدم،
?
وسبي الذرية، واستحلال المال، وحرمة الزوجة الى غير ذلك، وانما يراد به كما هو اصطلاح اباضية المغرب ومؤلفنا منهم [الشرك الأصغر الذي يطلق على مرتكب الكبيرة في الاعتقاديات وهو الشرك الخفي الذي اشار اليه (ع) بقوله (الشرك اخفى في امتي من ذرة سوداء (الحديث ولا تترتب عليه احكام الشرك الاكبر ولا مشاحة في الاصطلاح. قال المحشي: (صريح كلام السؤالات حيث رتب المعاصي على ثلاثة اوجه ان الذي تجب معرفته من كبائر الشرك بعنوان كونه كبيرة شرك انما هو القول بالهين اثنين فقط اي القول بالتعدد، ويجوز له الشك فيما عداه من كبائر الشرك حتى ياخذ انها شرك. وذلك كانكار البعث والجنة والنار والانبياء والرسل وما أشبه ذلك فان الذي يجب عليه فيه ان يعلم انه كفر وكبير ومعصية عليه العقاب اخذ او لم ياخذ واما انه شرك فحتى ياخذ. اهـ نرى المصنف رحمه الله: يتشدد في مسألة العقيدة حرصا على نقاوتها وحملا للمسلم على التثبت فيما عسى ان يعترضه من شك لغموض بعض صورها ليكون في ايمانه مقيدا لا مقلدا: بيد ان هذا التدقيق الفلسفي لنا الاسلام في صورة لا تتفق وبساطته التي ظهر بها على الدين كله لاننا اذا ا رجعنا القهقري الى عصر النبوءة وجدنا الرسول (لم يكتفي من الاعراب بظاهر الايمان دون ان يطالبهم بفرز كبائر الشرك من كبائر النفاق وما الى ذلك. وفي الحديث ان رسول الله (علا الله اكتفى من اجلاف العرب بالتصديق والاقرار من غير تعلم دليل. وحسب الواحد منهم ان ينطق بكلمة الشهادة فيعتبره مسلما ثم يسلمه الى من يعلمه دينه. قال الامام ابو يعقوب يوسف بن ابراهيم الوارجلاني رحمه الله في الدليل والبرهان: هو لم يبلغنا عن رسول الله (ع) انه شرع للوفود التي جاءته شيئا سوى الجملة التي كان يدعو اليها رسول الله (ع) فاذا نطق احد بالجملة يقول (ع) لاصحابه وفقهوا اخاكم ولا تجاوزوا اليه مسائل الصلاة والزكاة والاداب، ولم يؤثر عن من اصحاب رسول الله (انه شرع لاحد من مسائل الاعتقاد =
ربما
صور
احد (1/48)
صفحة 49
من الناس ضلوا من قبل فرز ما بينهما فزعمت الازارقة ان المعاصي كلها كبائر وشرك وكفر. واستدلوا بقوله تعالى ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا (1) في أمثاله من القرآن، وقالت النجدية منهم: الكبائر
كلها شرك. واما الصغائر فلا، وزعمت المعتزلة ان كبائر النفاق فسق وضلال وليست كفرا ولا شركا، وقالت المرجئة بالشك في وعيد مرتكبي كبائر النفاق وقال اصحابنا رحمهم الله، ان الكبائر كلها كفر والعقاب عليها واجب. فمن الكبائر شرك وغير شرك وهو النفاق، فمن رد على
الله
عز وجل في كتابه مواجهة بلا تأويل فهو مكذب الله مشرك به ويدخل في ذلك جميع اقسام الشرك ووجوهها التي قدمنا آنفا ما خلا الثلاثة الاوجه المتأخرة: وهو شرك الاكراه، وشرك الهلع المركب في قلوب العباد، وشرك الرياء اذا لم يقارنه التقرب، واما غير هذه الثلاثة الأوجه من انكار التوحيد ومعرفة الله عز وجل والأنبياء والرسل والملائكة والكتب والمعاد والبعث والحساب والجنة والنار. او وصف الله سبحانه بما
=
شيئا إلى آخر ما اطال اهـ. هذه البساطة هي التى حببت هذا الدين القيم الى اولئك الذين نشأوا فى احضان الوثنية. كانوا اغلظ اكبادا من الابل فصاروا يدخلون فيه افواجا افواجا مختارين. ولقد لاحظ هذا الملحظ بعض ائمتنا المجتهدين كعبد الرحمان بن رستم، وابي خزر، وعمروس. وابن زرقون. وابن محبوب، وعزان فقالوا. ان من اتى بالجملة التي كان يدعو اليها رسول
الله
،
ابن الصقر. رحمهم الله (ع) تم توحيده فيما بينه وبين الله والعباد، هذا وقد سبق للمصنف نفسه ان ارتضي رايهم قائلا: وهو الارفق بعوام الامة، والاليق برأفة الرب الكريم ذي الرحمة. والاشهر من دعوة نبيء الامة الداعي عوام الجاهلية الى الملة الحنيفية [والخلاصة ان من أتى بالجملة تم توحيده ووسعه جهل ماسواه الا اذا احدث بان انکرها او تفسيرها او جهلها بعد قيام الحجة بها، اوشك فيها والله اعلم
اهـ مصححه.
1) الاحزاب: 36 (1/49)
صفحة 50
لا يليق به من جميع ما قدمنا فهو من كبائر الشرك، ووجه آخر من كبائر الشرك: هو الاستحلال لما حرمه الله تعالى في كتابه نصا بغير تأويل كالميته والدم ولحم الخنزير ونكاح ذوات المحارم وقتل النفس بغير حق وأكل الربا وارتكاب الزنا وقذف المحصنات ودخول البيوت بغير اذن وغير ذلك مما يطول ذكره. او استحل ترك الفرائض المنصوصات كالولاية والبراءة جملة، والصلاة والزكاة والصوم والحج وصلة الارحام وما اشبه ذلك، او حرم ما أحله الله تعالى في كتابه نصا كالبيع والنكاح والأكل والشرب وغير ذلك مما يطول به الكتاب. فكل من انكر وجها من وجوه التوحيد او استحل ترکه، او جهل الشرك، او فعله. او استحل فعله، او امر به، او تقرب بفعل معصية منصوصة الى الله تعالى، او استحل فعلها، او انكر فريضة منصوصة. او ملكا او نبيئا منصوصا. او حرم حلالا منصوصا فهو مشرك. والله اعلم
•
-
ـــل.
وكبائر النفاق على وجهين:
کخلاف
احدهما: استحلال ما حرمه الله تعالى بتأويل الخطأ فاعله، أو قائله جميع من خالف الملسمين وبراءتهم منهم بتأويل الخطأ، فهم بذلك منافقون ليسوا بمشركين ولو تقربوا بذلك الى الله تعالى لأنهم
متأولون،
والوجه الآخر: هو مقارفة جميع ما أوعد الله على فعله النكال في الدنيا والعذاب في الآخرة.
- E- (1/50)
صفحة 51
>
او عذب به أمة من الأمم الماضية كالقتل والزنا والربا والسرقة وبخس المكيال
والميزان واتيان الرجال وعقر الناقة والاعتداء في السبت لاهل ذلك الزمان
الله
وغير ذلك من جميع ما نص يطول به الكتاب. وبالله التوفيق
عنه في القرآن واوجب عليه النكال مما
•
القسم الثالث عشر
ويقيموا
ومما يجب على المكلف المعرفة به: ان يعلم ان دماء المسلمين وغنيمة اموالهم وسبي ذراريهم محرمة بالتوحيد الذى معهم. وذلك لقول الرسول عليه السلام: «امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله الصلاة ويؤتوا الزكاة فاذا فعلوا ذلك منعوا مني دماءهم واموالهم الا بحقها هذا الحديث» (1) ووقع الاجماع على من جميع الامة لانه نص من القرآن قال الله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم الى قوله فخلوا سبيلهم (2) ومن استحل دماء المسلمين واموالهم بغير تأويل وزعم انها حلال فقد اشرك وان تأول فهو منافق. وذلك مثل الصفرية الزاعمة ان كل من عمل ذنبا فهو مشرك حلال دمه وسبي ذريته وغنيمة ماله وتأولوا في ذلك قول الله تعالى في ذكر الميتة: وان اطعتموهم انكم لمشركون (3) فقالوا كل من عمل ذنبا فقد اطاع الشيطان و من أطاعه اشرك. وعند الأئمة تأويل الآية (وان) اطعتموهم في استحلال الميتة انكم لمشركون باستحلالها، بأكلها. والله اعلم. واختلف فيما يجب على العبد ان
1) وتمام الحديث: وحسابهم على الله تعالى عن ابن عمر رواه البخاري ومسلم. بالفاظ
مختلفة
2) التوبة:: 6
2) الانعام: 122 (1/51)
صفحة 52
يعتقده في تحريم دماء المسلمين: فقيل هو خروج الروح، وقيل ما قام عنه الموت. واما سبيهم وغنيمة اموالهم فقيل: انما يعتقد سوقهم وان قتلهم في موضعهم حكم عليه بالعصيان وعن بعض مشائخنا رحمهم الله ال: لا يتم ايمان الرجل حتى يعرف تحريم. دمه وماله.
ومعرفة تحريم دماء المسلمين توحيد، وجهلها شرك. وكذلك السبي والغنيمة على هذا الحال. فكما وجبت على المكلف معرفة تحريم دماء المسلمين وسبيهم وغنيمة اموالهم بالتوحيد والاسلام كذلك يجب عليه معرفة تحليل دماء المشركين واموالهم (1) بالشرك والكفر لان تحليل دمائهم وسبي ذراريهم وغنيمة اموالهم انما كان بنص واجماع الامة كما قدمنا في تحريم دماء المسلمين وسبيهم وغنيمة اموالهم! واحل الله اطفال المشركين ليجروهم بذلك الى الاسلام. وقيل تقوية بيت مال المسلمين، وقيل نظرا لهم حين قتل آباؤهم لئلا يموتوا هزلا. والله اعلم.
القرآن
سبي
القسم الرابع عشر
في الأمر والنهي
وذلك ايضا واجب على المكلف البلوغ. وهو ان يعلم ان الله مع
سبحانه امر بطاعته واوجنب عليها ثوابا، ونهى عن معصية واوجب عليها عقابا، وان لم يعلم ذلك أشرك. وان علم انه امر بالتوحيد ونهى عن
الشرك فلا يجزئه ذلك حتى يعلم انه امر بالطاعة ونهى عن المعصية هكذا والله اعلم. فكل ما تلزم فته طاعة الله عز و جل لزمت المعرفة بان معر من
الله امر به واوجب عليه الثواب واما المعرفة) بان الله اوجب على تركه
1) والاولى زيادة وسبي ذراريهم لينسجم مع ما بعده.
- (1/52)
صفحة 53
العقاب فلا يلزم ذلك الا في التوحيد خصوصا دون سائر الطاعات لان على كل مكلف ان يعلم ان الله امر به واوجب عليه ثوابا فقط، وكذلك
المعاصي على هذا الحال ما خلا الشرك فان عليه ان يعلم ان الله واوجب على فعله عقابا. والله اعلم.
نهي
عنه
مسألة: وعلى المكلف ايضا ان يعلم الاسلام والمسلمين والكفر والكافرين ومن وسع جهل ذلك فقد كفر. ويجب عليه ايضا ان يعلم أنه أمر بالاسلام وان الاسلام فعل المسلمين كما ان الكفر فعل الكافرين والله اعلم.
القسم الخامس عشر
في المتن والدلائل
وهما ايضا مما يجب على المكلف معرفتهما مع اول بلوغه. وهو ان يعلم الانسان ان الله سبحانه خلق خلقه اطوارا وأفاض عليهم النعم صغارا وكبارا منا وفضلا، لا وجوبا وفرضا، بل خلقهم اظهارا لقدرته وتحقيقا لما سبق من ارادته. ولما حق فى الازل من كلماته. لا لافتقاره اليهم وحاجته، وبعث اليهم رسله وشرع لهم دينه لغير حاجة دعته الى تكليفهم: ولا من ضرورة قادته الى تعبدهم. وانما قصد نفعهم تفضلا منه عليهم كما تفضل عددا من نعمه. بل النعمة فيما تعبدهم به اعظم لان نفع
بما لا
ما
يحصى
سوى المتعبدات يختص بالدنيا العاجله ونفع المتعبدات يشتمل على نفع الدنيا والآخرة. وما جمع نفع الدارين كان اعظم نعمة واكثر تفضلا وجعل ما كلفهم به ثلاثة اقسام: قسما امرهم باعتقاده كالتوحيد ووظائفه
-
- 43 (1/53)
صفحة 54
وقسما امرهم بفعله كالفرائض وما يتعلق بها. وقسما امرهم بالكف عنه
وهو على ثلاثة اقسام: قسم لاحياء نفوسهم كنهيه عن القتل واكل الخبائث
والسموم وشرب الخمور المؤدية الى فساد العقل وزواله. وقسم لائتلافهم
بينهم
كنهيه عن
الغصب والظلم والشر المفضي الى القطيعة
•
ذات واصلاح والبغضاء، وقسم لحفظ انسابهم وتعظيم محارمهم. كنهيه عن الزنى ونكاح ذوات المحارم فكانت نعمته فيما حرمه عليهم كنعمته فيما اباحه لهم وتفضله فيما كفهم عنه كتفضله فيما امرهم به. فهل يجد العاقل في رويته مساغا ان يقصر فيما امر به وهو نعمة عليه. او يرى فسحة في ارتكاب ما نهي عنه وهو تفضل عليه؟ وهل يكون من انعم عليه بنعمة فاهملها شدة مع فاقته اليها الا مذموما في العقل مع ما جاء من وعيد الشرع؟ فتبين بما ذكرنا لأهل العقول والبصائر ان الله سبحانه ممتن على العباد في الدنيا بسعة الارزاق وصحة العقول والابدان، وتسخيره لهم مافي الارض والسموات، وايجابه عليهم الفرائض والعبادات وتحريمه عليهم المحرمات، وممتن على اهل طاعته في الاخرة بالغفران ودخول الجنان وبالله التوفيق.
واما الدلائل: فهي مخلوقات الله تعالى الدالة على ربوبيته ووحدانيته من السموات والارض وما فيهما وما بينهما من الجوهر والعرض فالعاقل اذا نظر في ذلك بعين البصيرة علم ان الله لم يخلق ذلك عبثا ولا باطلا ولم يترك الانسان سدى ولا مهملا، بل خلق الانس والجن يمتثلوا اوامره قولا وفعلا وجعل ما على الارض زينة لها ليبلوهم ايهم احسن عملا (1) دلائله على وحدانيته وربوبيته الرسل الذين جعلهم للخلق ادلاء وانزل عليهم كتبا تتلى. وجعل جميع ذلك دلائل على وحدانيته وربوبيته وبا الله
ومن
التوفي
الكهف: 7، واول الآية: انا جعلنا ما على الارض زينة لها الخ.
ق. (1/54)
صفحة 55
يقنط
من
عذاب الله
القسم السادس عشر
في الخوف والرجاء
وهما فريضتان واجبتان على المكلف معا في حالة البلوغ، وعليه ان يعتدلا في قلبه اعتدالا لا يميل احدهما بالآخر لانه اذا مال الخوف به فذلك يدعو الى الاياس من رحمة الله تعالى. والاياس اعظم الكبائر. وقد قال الله تعالى انه لا يأس من روح الله الا القوم الكافرون (1)، وقال «ومن من رحمة ربه الا الضالون (2) وان مال به الرجاء خشي عليه الامن وهو ايضا كبيرة من الكبائر، قال الله تعالى «فلا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون» (3) ويجب على العبد ان يعدل بين الخوف والرجاء في قلبه ولو لم يعلم من نفسه ذنبا ويعتدلان ايضا ولو في حالة عمل المعصية، وبلغنا ان لقمان الحكيم رضي الله عنه قال لابنه: يا بني كن ذا قلبين قلب تخاف الله به خوفا لا يخالطه تقنيط، وقلب ترجوه به رجاء لا يخالطه تغرير (4)، والخوف والرجاء يثبتان في القلب بزوال الامن والاياس منه وهما وطان زاجران للعباد. فالخوف زاجر عن المعصية سود ورادع عنها، والرجاء داع الى الطاعة وباعث عليها. وقد قيل بالرخصة عن بعضهم ما لم ينعر القلب من احدهما فاذا انعرى من الخوف اطمأن
او انعرى من الرجاء آيس فحينئذ يضل به يهلك على هذا القول والله اعلم. وفي الحديث عن رسول الله الله قال، لو وزن خوف المؤمن
(1) يوسف: 87
2) الحجر: 57
3) الاعراف: 99
وزاد في القناطر، فقال: يا ابتاه فكيف وانما لي قلب واحده؟ فقال: يا بني ان المؤمن لو شق قلبه لوجد فيه نور رجاء ونور خوف ولو وزنا لم يمل احدهما بصاحبه وهذا كما ورد في الحديث الخ.
?
— (1/55)
صفحة 56
ورجاؤه بميزان تريص ما زاد احدهما على الآخر (1) ومعنى تريص محكم، وقال بعض العلماء اذا احتضر المؤمن فالرجاء فى تلك الحالة اليق به واحق.
كما روي عن حذيفة اليمان رحمه الله
فالآن
بن
حين احتضر انه قال. مرحبا بزائر
جاء على فاقة لافرح من ندم، اللهم امرتنا ان نعدل بين الخوف والرجاء ن الرجاء فيك امثل، والخوف والرجاء فريضتان غير محدودتين يثبتان في القلب بفرائض غير محدودة كبر الأباء والندم على سوالف الاثام وبجهالة كبائر الذنوب من صغائرها وما اشبه هذا، لأنه يخاف ان لم يبلغ الى الحد الذي يكون به مؤديا لما افترض الله عليه فى هذه الفرائض ان يعذبه على تقصيره فيها. ويرجو ان يكون قد بلغ الحد الواجب عليه فيثيبه الله على ذلك في الآخرة، ويثبتان ايضا يجهل المصير وعاقبة الخاتمة. وبجهل قبول التوبة اذا تاب من ذنب اقترفه، وفرضهما الله العباد من غير ان يحد لهم في ذلك حدا يعلمونه، لأن ذلك اصلح لهم في الاجتهاد في الطاعة
على
الله
والابتعاد عن المعصية. ولهما حد يعلمه الله تعالى اذا بلغه العبد رضي تعالى عنه عند اداء ما عليه، وهما من افعال العباد يتفاضلون فيهما فبعض الناس اعظم خوفا من بعض، والأنبياء عليهم السلام يخافون الله تعالى خوف عقاب، الا ترى الى ابراهيم عليه السلام حين قال واجنبني وبني ان نعبد الأصنام (2) وراجون الله تعالى رجاء ثواب كما قال تعالى عن خليله عليه السلام والذي اطمع ان يغفر في خطيئتي يوم الدين (3) الآية لأن الخوف والرجاء من افعال (4) العباد استعبدهم الله تعالى بفعلهما (ه) كما استعبدهم بالصلاة والصوم وسائر الفرائض والله اعلم.
1) وفى بعض الراويات. المسلم، بدل المؤمن. (3) الشعراء: 83 4) خ افاعيل
(2) ابراهيم: 39
ه) خ بهما
-
46 - (1/56)
صفحة 57
الباب الثانى من الركن الاول
-
في الولاية البراءة واحكامها
اعلم ان هذا الباب ينبعث منه ثلاث جمل، الجملة الأولى في الولاية وتقاسيمها وهذه الجملة تتفرع منها عشرة فصول.
الفصل الاول
في معنى الولاية - والاستشهاد على وجوبها من الكتاب والسنه واجماع الأمة، اعلم ان الولاية معنيان لغوي وشرعي، «فالولاية في اللغة» القرب مأخوذ من ولاية امر اليتيم وهو القيام بامره والاهتمام بمصالحه وهو معنى ولاية الله لأوليائه، وذلك معنى قوله تعالى «الله ولي الذين آمنوا (1) اى ناصرهم ومتولي امورهم وحافظهم. والولاية في الشريعة ايجاب الترحم والاستغفار للمسلمين. (مسألة). الدليل على وجوب الولاية نص من القرآن ومن السنة واجماع من اهل الايمان: اما القرآن فقول الله تعالى واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمومنات» (2) ومعنى الاستغفار طلب الغفران بصحة الارادة. (واما السنة) فقول النبيء عليه السلام لابن مسعود: يا ابن مسعود اي عرى الاسلام اوثق؟ قال الله ورسوله اعلم. قال: الولاية
الله
رحمهم
الله الولاية في الله
والبغض في الله (3) وكذلك عند اصحابنا، هي حقيقة الايمان فمن لم يدن بها فلا دين لـ
في
والبغض في
له
الله
، ولا ولاية
عندهم (واما الاجماع) فليس بين الأمة اختلاف في ولاية الجملة،
1) البقرة: 259
(2) محمد: 22
3) رواه احمد من حديث البراء بن عازب بلفظ اوثق عرى الايمان الحب في الله والبغض
في الله
— EV - (1/57)
صفحة 58
وانما الاختلاف بينهم في ولاية الاشخاص فان ولاية المسلمين بعضهم بعضا كونهم معهم على شريعتهم، وقد قال الله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى) (1) وقال (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء (بعض) الآية (2) فالولاية والبراءة تجبان معا على المكلف في حال البلوغ فهما سواء لاعذر لمن جهلهما، فكما تجب الولاية لاولياء الله كذلك تجب البراءة من
الله باي معصية كانت مع الاصرار (3) عليها. وبالله التوفيق.
الفصل الثاني
في ولاية جملة المسلمين
اعداء
وهي فريضة على كل مكلف في حال البلوغ وهو ان يواني المسلمين الاولين والآخرين من الجن والانس اجمعين الى يوم من
وجميع اولياء الله
الدين من غير قصد الى احد بشخصه، وهي فرض مضيق كما قدمنا والعمل بها توحيد والترك لها والجحود والانكار والجهل بانها فرض شرك. لان عليه ان يتولى المطيعين ويبرأ من العاصين. ويجب لهما في كلتا المنزلتين ما يجب لنفسه (4) لانه اذا تفكر علم انه ليس بمطيع له من لايوالي وليه ويعادي عدوه وقد قال تعالى ان اكرمكم عند الله اتقاكم (5) فلا قربة الا بالتقوى ولا بعد من النار الا بمجاتبة الهوى والا فالناس في دين
1) االمائدة
4:
الاصرار هو: الاقامة على الذنب واعتقاد العودة اليه
الله
سواء.
2) التوبة: 73
4) ويجب لهما اي يتبت للجنسين في كلتا المنزلتين اي في حالة الطاعة والمعصية مايجب
لنفسه اي ما يتبت لنفسه اهـ المحشي
ه الحجرات: 14
48 (1/58)
صفحة 59
نص
الفصل الثالث
في ولاية الاولياء الموصوفين بالعصمة والاصطفاء في القرآن
وهم على اربعة اقسام: جملة وافراد، ذكور واناث، فالجملة كالأنبياء والرسل واصحاب الكهف واصحاب الاخدود والسحرة وامثالهم، والافراد نوعان مسمى كآدم واشباهه، وغير مسمى كمؤمن آل فرعون وامثاله، والذكور نوعان: أنبياء واولياء، والأناث نوعان مسميات كمريم ابنة عمران واشكالها وغير مسميات كامرأة فرعون وامثالها، فجميع من الله عليه باسمه في كتابه من الرجال والنساء من اهل العصمة والاصطفاء فولايته توحيد وبراءته شرك. وانما تجب ولايتهم جملة من غير قصد الى احد منهم باسمه ماخلا آدم ومحمدا عليهما السلام فان من سئل يسعه الا ان يعلم انهما انبياء من اهل الجنة. وقيل وجبريل عليه السلام مثل ذلك (1) واما سائر من ذكره الله في كتابه انما عليه ان يتولاهم ويعلم انهم من اهل الجنة الا ان قامت عليه الحجة بتسمية احد ممن ذكرنا فعليه امضاء الحكم فيه على ما يقتضيه من السعادة والعصمة بالعلم اليقيني الذي لا يتحول، كمن صح عنده بالتواتر في قول الله عز وجل «فوجدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا (2) ان العبد هو الخضر عليه السلام، وان الفتى المذكور في اول الآية هو يوشع بن النون، فمن قامت عليه الحجة بتواتر الأخبار وصحيح الآثار بتسمية احد من هؤلاء اعتقد علم
عنهما لا
عبدا
1) قال الامام ابو يعقوب الوارجلاني في الدليل والبرهان مانصه: واما معرفة جبريل وآدم عليهما السلام وفرز القرآن من الكتب فلم يرد فيه شيء عن رسول الله (ع) توقيفا الا ان يكون حمل ذلك على الشهرة والله اعلم. ولم يرد فى نبوءة ابينا آدم صلوات الله على
نبيئنا وعليه، ولا في رسالته امر يقطع به الشهادة لامتواترا ولا مسندا اهـ 2) الكهف: 65
- {9 - (1/59)
صفحة 60
ذلك يقينا بما صح عنده. فان الشهرة التي لا تدفع تؤدي الى العلم اليقيني الذي لا يتحول. والا فالاقتصار على ظاهر الخطاب من غير التغات الى اشارة ولا تسمية محتملة اسلم واولى وبالله التوفيق.
الفصل الرابع
في ولاية البيضة
وهي ولاية الامام العادل امام المسلمين ومن اتبعه على طاعة الله تعالى الا ان ظهر من احد ما يبرأ به منه، وذلك ان كل دار يكون اهلها الغالبون عليها، القاهرون لاهلها (1)، هم العاملين بما جاء به التنزيل. المتعبدين الرسول، الناهين بما نهى عنه الشرع والعقول، الداعين الى السنة
ب، ولا
بما شر عه والعمل بها الرادين البدعة على من جاء بها غير متجانقين للاقارب، متعصبين على الاجانب يتولاهم الانسان ويسميهم اهل العدل والاحسان وينسب الدار اليهم فيسميها دار العدل والحق فكل من رآه منهم في زي اهلها فليحكم عليه بحكمهم الا ان ظهر منه خلافهم. و ونحو من هذا ذكر
في جوابات الامام افلح (2) بن عبدالوهاب رضي الله عنهما يقول: اذا كان امام المسلمين عدلا فكل من جرت عليه طاعته ورضي بحكمه ولم يظهر منه خلاف للمسلمين فهو عندهم في حكمهم من الولاية يتولونه بعينه ويتولون في البيضة جملة وقصدا، قال وانما الولاية بهذا المعنى حكم من احكام الدنيا تعبد الله بذلك عباده على علمهم بما ظهر لهم من
جميع من
1) اي وان يكون القاهرون لاهلهاهم العاملين الخ.
(2) هو ثالث ائمة الدولة الرستمية (1/60)
صفحة 61
الناس دون ما غاب عنهم، ولا ما انفرد الله بعلمه في عباده. وانما هذه الولاية حبل تمسك به المسلمون فيؤجرون عليها كنحو ما جرت به، به احکام الموارثة والمناكحة والذبائح وتثبت به الانساب، وكل ذلك من امور الظاهر دون الباطن لان الله سبحانه هو المسهل لاوليائه طرق ما تعبدوا به في احكامهم وحط عنهم ما عجزت عن ادراكه طبائعهم. قال بعض
عر
العلماء في ولاية البيضة لانتولى الا من رفناه بخير من قول وعمل، والمشهور هو القول الأول. والله اعلم. ويدل على صحته قول عمر رضي
الله عنه «المسلمون كلهم عدول الامجربا عليه شهادة زور، اوظنينا في ولاء او نسب (1)، وذلك ان الأصل في المسلمين العدالة بظهور الاسلام لانها فرع عنه ونتيجة له، فلما فشت الخيانة فيهم على عهد عمر وزالت الامانة احدث لهم المزكين والله اعلم. وذكر في بعض كتب اصحابنا من اهل المغرب ان المتولى بولاية البيضة لا يحكم بشهادته اذا شهد، ولا يستتاب
اذا عمل كبيرة والله اعلم.
الفصل الخامس
في ولاية الخارج من الشرك الى الاسلام
اذا
اتم الجملة
وجبت ولايته واثبات التوحيد له والشهادة عليه بها،
وتحريم ماله ودمه بالاتيان بها. وانما تجب له هذه الامور من الولاية وسائرها بالوفاء الذي جاء به وهو ترك الذنوب واعتقاد الاسلام والدخول فيه، لقوله تعالى قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف» (2)
الرواية المشهورة المسلمون عدول بعضهم على بعض الا مجلودا في حد او مجربا عليه الخ ... 2) الانفال: 40
1911 (1/61)
صفحة 62
وقوله «قولوا حطة تغفر لكم خطاياكم (1) فى بعض اقوال اهل التفسير: لا اله الا الله. وقيل معناه: احطط عنا خطايانا وهو قريب من الاول. (ومن السنة) قول الرسول عليه السلام) الاسلام جب لما قبله (2) اي قطع لما قبله من الشرك والمعاصي، فالمستجيب الى الاسلام خارج عن الشرك وجميع المعاصي فان مات قبل حلول الفرض عليه فهو مسلم ما لم يكن منه حدث، او تفريط في شيء من الفروض (3). وقد قيل ان المستجيب اليوم على خلاف المستجيب في زمان الرسول والخلفاء عليهم السلام، اراد ان لا يتولى حتى يدين بالبراءة من الجبابرة والا فهو كواحد من اهل القبلة
1) البقرة: 580
علية) فقلت
(2) رواه الطبري بلفظ: «الاسلام يجب ما كان قبله وفي معنى هذا الحديث مارواه مسلم من حديث عمرو بن العاص قال: فلما جعل الله الايمان في قلبي. اتيت النبيء. ابسط يدك ابايعك، فبسط يده، فقبضت بيدي. فقال مالك؟ قلت اردت ان اشترط، قال: ماذا تشترط؟ قلت ان يغفر لي، قال «اما عملت ياعمرو ان الاسلام يهدم ما كان قبله، وان الهجرة تهدم ما كان قبلها. وان الحج
يهدم
كان قبل
(3) نعم ان مات قبل ذلك دخل الجنة وان لم يصل ولم يصم فقد روي عن عمرو ابن افيش انه آمن فلحق بجيش المسلمين يوم احد فقاتل غضبا الله ولرسوله فمات ودخل
الجنة
ولم يصل الله صلاة. وكما روي عن عبد الله بن نهم رضي الله عنه انه قال لعمه،
ياعم: هلم نسلم الله ونؤمن بالدين الجديد؟ فهدده عمه قائلا له لا نزعن منك كل ما اعطيتك فقال عبدالله. اتهددنى؟ والله لنظرة من محمد احب الي من الدنيا عنه عمه ما اعطاه حتى ثيابه. فاعطته امه بجادا (كساء) ثم توجه
وما فيها. فنزع: صلى الله الى الرسول (فاعلن اسلامه وغزا معه فقاتل حتى قتل، فانزله النبيء (ع) في قبره بيده ثم وقف عليه يقول: اللهم انى امسيت راضيا عن صاحب هذا القبر
فارض عنه ثم صاح ابن مسعود قائلا، ليتني كنت صاحب هذا القبر!
52 ـ (1/62)
صفحة 63
فنمسك عن ولايته حتى يبرأ من الجبابرة (1) والله اعلم، وسواء دعاه الى الاسلام موافق او مخالف فانه يتولى ما لم يشرع له المخالف ضلالته فيتبعه عليها والله اعلم.
الفصل السادس
في ولاية الخارج من مذهب اهل الخلاف الى مذهب اهل الوفاق
اذا لم يمنع من ولايته الا الخلاف الذي كان عليه. وهو على وجهين: متدين وغير متدين، اما) (المتدين الذي دان ببدعته فانه لا يتولى حتى مقالته الى مقالة المسلمين قصدا كما جرى يرجع من لمحمد بن عباد المدني (2) حين شهدوا عليه بمعذرة من جهل محمدا عليه السلام، او جهل الجنة والنار والثواب والعقاب والبعث وتحريم دماء المسلمين. وقالوا أن مفتي
ال في هذا القول تشديد اي تشديد لان الاستجابة براءة ضمنية من اولئك الجبابرة. وما أحوج المسلمين الى تسهيل طريق الاستجابة لاسيما في عصرنا الذي غزت فيه الاسلام النزعات الباطلة فكثرة القيود والشروط ربما كانت حجر عثرة في سبيل الاستجابة والتيسير اولى. ولا يصلح آخر هذه الامة الا بما صلح به اونا. قال ابو الموثر وابو قحطان ائمة علماء من عمال ما نصه وان البراءة من الاشخاص ليست مثل الصلاة والصوم فانها وان كانت لازمة فانما تلزم من وصل الى علم ذلك بنظر نفسه، اما من وصل اليه بنظر غيره فلا تلزمه باجماع، ويكفي ان نعتقد البراءة من جملة اهل الضلال فقد بعث رسول الله (ع) والناس في جاهلية عمياء فلم يكن يدعوهم الا الى الشهادتين ثم يعلمهم شرائع الاسلام، وكانوا قبل ظهوره يتولون آباءهم وطواغيطهم فلم يكن ((الله) يلزمهم ان يبرءوا منهم واحدا
واحدا، وانما يكتفي منهم بقبول الاسلام والدخول في شرائطه، ويتضمن ذلك البراءة من
اضداده
اهـ مصححه
| المشهوران بابن عباد اثنان، عبدالله بن عباد المصري الفقيه (وسيأتي التعريف به) ومحمد بن عباد المتكلم الذي ذكر المصنف قصته محمد بن محبوب بمكة: كلاهما اباضي وعاشا في عصر واحد لذلك كثيرا ما يلتبس احدهما بالآخر فليتنبه!
اهـ مصححه
- (1/63)
صفحة 64
هذه المسائل کافر فالتقى ابن عباد محمد مع
بن محبوب رحمه
الله بمكة (1)
فنقض عليه ابن محبوب هذه المسائل وعرفه الحق ودعاه اليه. فقال ابن
عباد: تبت من جميع الخطا. فقال له من حضر من المسلمين انك متدين لا يجزئك ذلك تعدها وتتوب من اعتقادك فيها كلها: وتقر بالخطأ
حتى
في كل واحدة فخاف من البراءة فصار كالجمل المحرنجم ان تقدم نحر،
وان تأخر عقر، فلما رآه ابن محبوب كذلك قال له: المعترف بذنبه الراجع
عنه
الله
?
يبرأ منه في قول بعض المسلمين فتاب ورجع الى مقالة المسلمين
وان كان المبتدع دعا الى بدعته فاستجيب له فاراد التوبة فانه لابد له ان يذهب الى من دعاه فيعرفه ان الذي دعاه اليه ضلال، وانه تاب الى من ذلك، فان غابو وكانوا بحيث يعرف اثرهم وصل اليهم وعرفهم توبته وردهم عن ضلالهم، فان قبلوا فسبيل ذلك كالذي جرى لهلال بن عطية (2) وكان على دين الصفرية فيما بلغنا وتاب فلم يقبلوا
منه حتى
1) محمد بن محبوب هو كهف من كهوف العلم وأحد مجتهدي الامة انتهت اليه امامة الاباضية العلمية في ايامه بالمشرق ثم انتقل الى عمان فتصدى لنشر العلم تحريراً او تقريرا وقضاء وحسبه انه ترك لنا كتابه الجامع في سبعين جزءا. وقد لعب فوق ذلك دورا هاما فى اقرار الامامة بعمان. وكان امام اهل الحل والعقد الذين نصبوا مالك الخروصي اماما (272238) وتوفي وهو لايزال على القضاء يوم 3 المحرم سنة 260 هـ رحمه الله ورضي عنه. اهـ مصححه
الصلت
بصحار
بن
(2) هو هلال بن عطية الخراساني احد علماء الاسلام الاعلام في الصدر الاول المتخرجين من مدرسة ابي عبيدة مسلم بالبصرة عاشر الربيع صاحب الجامع الصحيح في الحديث، ومحمد بن محبوب، وكان من اصحاب الجلندى بن مسعود. بايعه و قاتل، في صفوفه حتى استشهد معه في حرب خازم بن خزيمة الخراساني قائد السفاح سنة 134 هـ، يروى انه لما قتل خازم جميع اصحاب الجلندى فلم يبق الاهو وهلال قال الجلندى لهلال. واحمل ياهلاله فقال هلال. انت امامي فكن امامي ولك علي ان
لا ابقى بعدك فتقدم الجلندى فقاتل حتى قتل رحمه الله. ثم تقدم هلال وعليه
= (1/64)
صفحة 65
خرج الى القوم وعرفهم ضلالته ثم رجع الى عمان فقبلوا منه
الجلندى بن مسعود (1) الامام رحمه الله حتى قتل معه شهيدا
فكان
مع
(واما غير المتدين) فانه اذا تاب ورجع الى المسلمين قبلت توبته. (واما كيفية دخوله في مذهب المسلمين فقد وجدت في اثر بعض اصحابنا من اهل المشرق يقول: وعن رجل قال للمسلمين انا منكم: وليي وليكم وعدوي عدوكم (الأولى: وليكم ولبي وعدوكم عدوي و يعرف شريعة الاسلام، قال اذا اعطاهم الجملة التي لا يسع الناس جهلها فهو منهم -
و وجدت عن ابي سفيان محبوب بن الرحيل (2) يقول: ان المسلمين دعوا
=
لامة حربه فكان اصحاب خازم يتعجبون من ثقافته وهم لم يعرفوه ثم عرفوه فقالوا. هلال بن عطية، فاحتونوه حتى قتلوه رحمه الله.
عنهم
اهـ مصححه
من بعده
ثم استشهد الجلندى
1) الامام الجلندى بن مسعود اول امام في عمان. وامامته مجمع عليها من علماء عصره. كان في ايامه حاجب والربيع في العراق، وعبدالله بن القاسم وهلال بن عطية و خلف بن زياد البحراني وشبيب بن عطية العماني وموسى بن ابي جابر الازكوي، وبشير بن المنذر النزواني ومنير بن النير الجعلاني (وكلهم من أئمة العلم ومن اهل الحل والعقد كان في الفضل والسياسة والقيام بالحق بمنزلة اتعبت الائمة وقد ذكر طرفا من سيرته منير بن النير الجعلاني الله رضي بجلفار وهي الصير فى حرب خازم بن خزيمة الخراسانى عامل السفاح سنة 134 هـ وكانت مدة امامته سنتان واشهر يحكى ان خازما هذا لما حضرته الوفاة قيل له: ابشر فقد فتح على يديك. فقال: غررتمونا في الحياة و تغروننا في الممات! هيهات هيهات فكيف بقتل الشيخ العماني، هذا وبعد ان استشهد الجلندى استولى الجبابرة على عمان. ولم تنتعش من عثرتها الا بعد مقدم حملة العلم من البصرة فاعادوا عهد الامامة وتنفس الصعداء شعب عمان الذي لا تحلوله الحياة الا في حقل الدين ولا يهناً له عيش الاتحت ظلال العدل
والنظام.
اهـ مصححه
(2) هو ابو سفيان محبوب بن الرحيل القرشي تابعي جليل ومحدث ثقة. لذلك نجد الامام ابا يعقوب مرتب مسند الربيع يضم اليه روايات محبوب عن الربيع، وهو الى ذلك اب اسرة عريقة في العلم والتقوى، حسبك انه هو وابنه محمد بن محبوب وحفيده = (1/65)
صفحة 66
بسطام ابا النظر (1) الى دعوتهم وكان صفريا، وكان ابو النظر يقول لما: دعوني قالوا انا قد ندعوك الى ولاية من قد علمته يقول بالحق ويعمل به، وندعوك الى البراءة ممن قد علمته يقول بخلاف الحق ويعمل به، وندعوك الى الوقوف عمالم تعلم حتى تعلم. قال وذلك في الكتمان، قال ابو النظر فلما سمعت هذا من كلامهم علمت ان هذا دين الله الذي ارتضاه. قال فقبل الاسلام وكان خيرا فاصلا له فضل في الاسلام وشرف. والمبتدع الذي اضل ببدعته الخلق وكان متدينا فليس عليه الا ان يظهر توبته ويدعو اليها كما اظهر بدعته ودعا اليها. كالذي جرى لعائشة رضي الله عنها يوم الجمل وقتل معها خلق كثير فلم يلزموها الا اظهار التوبة. وكذلك علي بن ابي طالب وخلف بن السمح (2) لو رجعا عما كانا عليه لم يلزمهما
= بشير بن محمد بن محبوب من اعلام الاسلام الذين بلغوا درجة الاجتهاد وتركوا في المكتبة الاسلامية آثارا خالدة لاسيما الحفيد فقد ترك مؤلفات جليلة: منها كتابه المشهور «الخزانة في سبعين جزءا وكتاب البستان» في الأصول، وكتاب «الرضف» في التوحيد و حدوث العالم وكتاب المحاربة الى كثير غيرها 1) هو ابو النظر بسطام بن عمرو بن المسيب بن زهير الضبي من خيار المسلمين وكان يحضر مجالس الدعوة واول من يتكلم فيها، وكان فى اول امره صفريا من اصحاب شبيب ففر من الحجاج ونزل البصرة قال ابو سفيان نزل عندنا في دارنا في الازد وكان اسمه مصقلة فغلب عليه بسطام الخ الخ، فدعاه المسلمون فاجاب: قالوا له حين دعوه ما ذكره المصنف: ندعوك الى ولاية من علمت الخ، وقد عده الشماخي في طبقة الربيع من اهل الطبقة الثالثة اي في الجمسين الاولى للقرن الثاني والله أعلم.
اهـ مصححه
(2) خلف بن السمح هو احد رجالات نفوسة في القرن الثاني الذين كانت تدخرهم ليوم كريهة وسداد ثغر لولا انحرافه عن الجادة ومفارقته الجماعة.
كان ابوه السمح وجده عبد الأعلى بن السمح المعافري كلاهما عظيم في امته، محبوب ومرضي عنه العدله وحسن سيرته: كان الاول عاملا عادلا للامام عبدالوهاب الرستمي على جبل نفوسة، وكان الثاني احد حملة العلم عن ابي عبيدة الى المغرب:
= (1/66)
صفحة 67
الا اظهار التوبة من غير غرم شيء اتلفاه لأنهما متدينان والله اعلم.
=
ومؤسسا لدولتي طرابلس والقيروان، كلاهما يحفظ له التاريخ ذكرا جميلا على صفحاته (وما عند الله خير وابقى فخلف من بعدهما خلف هدم ما اعليا من مجد وافسد ما انهجا من صلاح وحسن سيرة وسير الركبان القالة بعد ذلك الذكر بسوء الحميد تولى الله جزاءه. لما مات ابوه رات طائفة من العامة ان احسن مكافأة لآل السمح ان يقدموا ولده بعده اعترافا بجميله وزينواله ذلك، فبدل ان يتريث وينتظر امر امامه وثبت على المنصب فاستاء اولوا الحل والعقد من هذا التهافت وابوا ان تكون قيادة المسلمين فوضى فعارضوا امره الى ان يأذن الامام له او يعين غيره. فكاتبوا بذلك الامام الذي عالج الموقف بحكمة ودهاء اجاب بكتابين قائلا: ابلغوا خلفا الكتاب الأول الذي يتضمن عزله، فان اعتزل انقيادا لامر الامام فاعطوه الكتاب الثاني الذي فيه توليته - وبذلك يستبين حقيقة امره. وفعلا لما اطلع خلف على الكتاب الاول كان قد استلذ طعم الرئاسة فابى النزول على حكم امامه، بل ابعد في النزع فدعا الى فصل جبل نفوسة عن تيهرت بدعوى بعد المسافة واعتراض دولة الاغالبة بينهما. ازاء هذا التمرد وجب على الامام ان يعين بكل سرعة حاكما قويا يرهب
بن
جانبه فاختار البطل الصنديد فارس المغرب ايوب العباس فما ان سمع به خلف حتى قبع في جحره واخلد الى السكون، اما ايوب فاخذ زمام الامور بيد من حديد فظلت فتنة خلف نائمة مدة ولايته حتى اذا ما مات وخلفه ابو عبيدة الجناوني نجم قرنه من جديد وشجعه على ذلك امور، 1 - استضعافه لجانب ابي عبيدة. 2 - اقتطاعه ناحية من جبل نفوسة اتخذها منطقة نفوذه، 3 ـ خصب ناحيته في بعض السنين وجدب ناحية ابي عبيدة وانتقال اصحاب الماشية واهل والبادية اليها طلبا لرخاء الاسعار وجودة المرعى فكثرت بذلك اتباعه وقوي جنده واعجب بذلك حتى حدث نفسه بالهجوم على ابى عبيدة والاستيلاء على ما بيده وضم الجبل كله، فاطلق ايدي اتباعه يشنون الغارات على النواحي التابعة لحكم الامام، ينهبون ويسلبون واحيانا يقتلون فراجع ابو عبيدة الامام عبد الوهاب فكان يامره. وكذلك الامام افلح بعده ـ بمسايرة خلف واستعمال كل سياسة توطد الامن وتحقن الدماء وتسد ابواب الحرب فلم يزدد ازاء هذا اللين الاعتوا واستكبارا. ازاء هذه الحالة التي تاباها الشهامة عيل صبر ابي عبيدة فاشتبك معه في معارك دامية كانت الحرب بينهما سجالا الا الاخيرة فقد دارت دائرتها على خلف وكان ذلك سنة 221 هـ فعاد الى تيمي» او تيمتي كما ذكرها الدرجيني مركز قيادته. ومن نحس طالعه انه امر باخراج من فيها من نفوسة وغيرهم ممن يميل الى الى عبيدة، وضرب لهم اجل ثلاثة ايام فارتحلوا تاركين منازلهم وارزاقهم وفيهم اليتامى والارامل والضعفاء ومن لا ذنب:
اليه
=
—
ov - (1/67)
صفحة 68
الفصل السابع
في ولاية المخصوص باسمه المعروف بشخصه
وهي فريضة واجبة، ويتفرع عن هذا الفصل ثلاثة اقسام:
احدها: في الأدلة على فرض ولاية الأشخاص.
والثاني: في كيفية ولايته
والثالث: في الفرق بين ولاية المنصوص عليه باسمه وغيره
انما
هي
'
•
القسم الاول: اما الدليل على ولاية الاشخاص انها فريضة فانها لما اتفقت علتها في الأصل وجب ان يتفق حكمهت ايضا في الفرع لأن العلمية الوفاء في كلا الوجهين. وقال بعض مخالفينا ليس علينا من ولاية الأشخاص شيء. وقال بعضهم الا بشريطة ان يكون من اهل الجنة. قلنا لهم: وكذلك قول الله عز وجل) وقاتلوا المشركين كافة) (1) فليس علينا من قتلهم واحدا واحدا شيء و لم نقدر على قتلهم في الجملة. فمن ابطل ولاية الأشخاص فقد ابطل حقوق المسلمين بعضهم من بعض. وقد قال عليه السلام: للمسلم
(1
له ولا دخول في شيء من! امر هذه الفتن، واجلى معهم كثيرين من اصحابه الذين ظن فيهم الميل الى ابي عبيدة غلظة وجفاء فادركوا ان امره قد ادبر فتفرقوا عنه وعاد كثير ممن كانوا معه الى ابى عبيدة تائبين. ثم ادركت ابا عبيدة منيته فخلفه العلامة العباس بن أيوب وكان حازما شجاعا والشبل من ذاك الاسد وكان قد انتعش امر خلف بعض انتعاش بين موت ابي عبيدة وتولية العباس. فعاد الى افساده فناصحه العباس ونهاه. ولما لم ينته ناصبه الحرب ووالى عليه الهجوم الى ان شتت امره وقضى عليه القضاء المبرم. وبقى وحيدا حتى مات وترك ولدا هرب الى جربة، وهكذا انتهت حياته على أسوا حالة وان ظل مع ذلك اماما لطائفة من الأباضية غير الوهبية تنتسب اليه وتحمل اسم «الخلفية ظلت لها الكلمة في بعض الأوساط الاباضية اجيالا فما كان الله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل. والعاقبة للمتقين ولا عدوان
الا على الظالمين
الآية 36 من سورة التوبة.
اهـ مصححه
1^1 (1/68)
صفحة 69
على اخيه ست بالمعروف: يسلم عليه اذا لقيه، ويعوده اذا مرض،
ويستجيب
له اذا دعاه، ويشهده اذا توفي، ويشمته اذا عطس، ويحب
له ما يحب لنفسه (1). قال عليه السلام «رحم الله اباذر يمشي وحده
ويموت وحده ويبعث وحده (2)، وقال ايضا من اعطى ومنع واحب
وابغض الله فقد استكمل الايمان» (3) وقد روي عن ابى خزر رضي
الله
عنه (4) انه قال: اصل الولاية الموافقة في الشريعة فكل من وافقته في الشريعة فقد وجبت عليك بعض ولايته. وقال عمر بن الخطاب رضي عنه: من راينا فيه خيرا، قلنا فيه خيرا، وظننا فيه خيرا، وتوليناه. ومن رأينا فيه شرا قلنا فيه شرا وظننا فيه شرا وتبرانا منه والله اعلم (5).
الله
1) عن ابي هرير رواه البخاري بلفظ: حق المسلم ست: اذا لقيته فسلم عليه، واذا، واذا استنصحك فانصح له، واذا عطس فحمد الله فشمته، واذا مرض
دعاك فأجبه
فعده، واذا مات فاتبعه
2) رواه ابن اسحاق في السيرة النبوية من حديث ابن مسعود بلفظ: «رحم الله اباذر:
يعيش وحده، ويموت وحده، ويحشر وحده.
3) عن ابي امامة رواه ابو داود بلفظ: من احب الله وابغض الله واعطى الله ومنع الله فقد استكمل الايمان. وفى معنى الحديث: من سره ان يجد حلاوة الايمان فليحب المرء لا يحبه الا الله، عن ابي هريرة رواه احمد.
) تقدم التعريف به.
ه) ورواية مسند الربيع: عن ابي عبيدة قال: بلغني عن عمر بن الخطاب رضي الله عن أنه قال: من علمنا فيه خيرا قلنا فيه خيرا وظننا فيه خيرا، ومن علمنا فيه شرا قلنا
فيه شرا وظننا فيه شراه
-
09 (1/69)
صفحة 70
القسم الثاني
في كيفية ولايته
وهي اضمار الحب له في الجنان، واعلان الترحم والاستغفار باللسان
فمتى ما ظهر من
احد الوفاء بدين
الله تعالى قولا وعملا فعلى من
شاهد
ذلك منه ولايته، واعتقاد الحب له والاستغفار له، وتحريم بغضه وشتمه
وغشه وغيبته وسوء الظن به، لأن المسلم اخو المسلم لايشتمه ولا يسلمه
ولا يحسده ولا يطعن فيه. وفي حديث الاخوان كاليدين تغسل احداهما الأخرى (1) والمؤمن كبير بأخيه والمسلمون كالبنيان يشد بعضهم بعضا» (2) ومثل المسلمين في تواددهم وتراحمهم كالجسد ان اشتكى بعضه تداعى سائره بالحمى والسهر (3)، لأن انفس المسلمين في حقيقة الدين كنفس واحدة، ولذلك قال الله تعالى ولا تقتلوا انفسكم (4) اي لا يقتل بعضكم بعضا وامثالها في القرآن كثير. «مسألة»: ومن شهد من الوفاء بدين الله تعالى ولم يتوله فهو هالك. سواء كان منه تضييعا او جهلا. وكذلك ان تولاه قبل ان يشاهد منه الوفاء بالدين فهو هالك، ووقت وجوبها عند علم الوفاء منه بالدين وبالله التوفيق
•
الانسان
1) رواه السلمي في آداب الصحبة وابو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث انس بلفظ: مثل الاخوين اذا التقيا مثل اليدين تغسل احداهما الاخرى. وتمام
الحديث: وما التقى االمؤمنان قط الا افاد الله احدهما من صاحبه خيراه (2) رواه البخاري ومسلم والترمذي من حديث ابي موسى الاشعري بلفظ: «المؤمن للمؤمن كالبنيات يشد بعضه بعضا ثم شبك بين اصابعه
(3) اخرجه البخاري ومسلم بعبارات مختلفة ولفظه: ترى المومنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد اذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى.
(4) النساء: 29 (1/70)
صفحة 71
القسم الثالث
في الفرق بين ولاية المنصوص وغيره
اعلم ان ولاية المنصوص (1) على وجهين: تكون توحيدا وغير توحيد فالمقصود من المعصومين والمنصوص عليه باسمه من قبل رب العالمين على لسان رسوله الأمين فولايتهما توحيد وترك ولايتهما شرك اذا وجبت والجهل بها انها فرض شرك ايضا، واما جحودها وانكارها فهو كفر (2) واما ولاية الخاص من الناس غير المعصوم والمنصوص ممن تجب ولايته بما ظهر منه من الوفاء في الدين بالقول والعمل فولايته طاعة غير توحيد. وبراءته كفر غير شرك. وكذلك الانكار لها والجهل بها وان الله اوجب عليها ثوابا كفر غير شرك ايضا. والولاية انما تجب بالوفاء بجميع الفرائض قولا وفعلا، والانتهاء عن جميع الكبائر نطقا وامتثالا لأن الولاية لا تنزل على كبيرة ولا صغيرة مصرا عليها، كما ان البراءة يستحقها المقارف لكبيرة واحدة او صغيرة مصرا عليها لأنها ضد الولاية التي لاتجب الا بالوفاء بجميع
الدين
1) وفى بعض النسخ (المخصوص) والموصوفون بالعصمة هم المعصومون من الموت على
الكبيرة
مع
(2) انظر كيف جعل الجحود والانكار كفرا دون شرك، وجعلهما انزل مرتبة من الجهل ان حكمهما واحد كما تقدم له رحمه الله فى ولاية الجملة التسوية بين هذه الاشياء وكما سياتى له بعد سطور ان الكفر ادنى مرتبة من الشرك، على انهم نصوا على تساويهما فى غير هذا الموضع اهـ المحشي بتصرف وزيادة
— (1/71)
صفحة 72
الفصل الثامن
في ولاية الاطفال
قال ومن
اعلم ان الناس قد اختلفوا فيهم على اربعة اقوال: فقالت المرجئة بولايتهم جميعا وهو مذهب معاذ بن جبل رحمه الله، وقال بعضهم بالوقوف فيهم جميعا، وهذا القول يروى عن النكات (1) بقولهم. وقال بعضهم ان الأطفال بمنزلة الآباء فأطفال المسلمين مسلمون واطفال المشركين مشركون، وهذا القول مروي عن الصفرية واصحاب الحديث. ولكل فريق حجة يحتج بها تركتها مخافة التطويل. وقال اصحابنا
1) قال الشيخ ابو اسحاق اطفيش: النكات والنكار ومستاوة واليزيدية اسماء لفرقة واحدة خرجت من الاباضية الوهبية وخالفت في مسائل، وانما سموا نكاتالنكثهم بيعة الامام عبدالوهاب الرستمي (و يسمون النجوية ايضا لكثرة نجواهم ونكارا لانكارهم لها: و مستاوة لبطن البربر، ويزيدية نسبة الى عبد الله بن يزيد الفزاري الكوفي، كان من اصحاب الامام الربيع بن حبيب، خالف في مسائل قلاه عليها المسلمون وهجروه ومن معه: وله مسائل في الفروع يوخذ بها. اهـ على ان الشيخ الشماخي رحمه الله ذكر في سيره فرق الاباضية غير الوهبية فقال: مر ابن زرقون على ويصوه فوجد
،
القضاء
فيها اربع فرق من الاباضية 1 - مستاوة اتباع عبدالله بن يزيد الفزاري الخلفية: اتباع خلف بن السمح، 3 ـ النفاثية: اتباع نفاث بن نصر، اهل الدعوة. وذلك في ايام الى الخطاب وسيل بن سنتين الزواغي: كان امر والاحكام لابي الخطاب، والفنيا للنكار وهم مستاوة، وامامة رمضان للخلفية، والاذان للنفائية. ثم زاد في موضع آخر من سيره فقال: ان من الأباضية غير الوهبية الحسينية اتباع احمد بن الحسين الاباضي اخذوا فى الفقه بقول ابن عبد العزيز، وابي المؤرج، وحاتم بن منصور، وشعيب بن المعرف كل هؤلاء تلاميذ للامام أبي عبيدة وزملاء للربيع وقع بينهم وبين الربيع خلاف فى بعض مسائل صوب فيها أبو عبيدة قول الربيع وهاجرهم اذ اصروا على نظريتهم فتظاهروا بالرضوخ لكنهم انبعثوا من جديد بعد وفاة أبي عبيدة، هذا ولم يكن خلافهم في العقيدة لكنه في بعض المسائل الفقهية الفرعية. ولهم في الفقه اقوال يؤخذ بها والله اعلم اهـ مصححه
- 62 - (1/72)
صفحة 73
ومن وافقهم بولاية اطفال المسلمين والكف عما سواهم حتى يبلغ الحلم فيولون اذا ظهر منهم الوفاء او يتبرأ منهم اذا ظهرت منهم الكبائر. واحتجوا بقول الله تعالى «والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بايمان الحقنا بهم ذرياتهم (1) ويقول رسول الله الله: لولده اتمام رضاعه في الجنة» (2) وذلك انه مات
«مسألة»
وهو ابن ثمانية عشر شهرا. واحتجوا في الوقوف عن اطفال غير المسلمين بقول رسول الله الا الله وقد سئل عنهم فعال: الله اعلم بما كانوا صانعين وتجوز ولاية اطفال المتولي بأربعة اوجه: «احدها» المعرفة انهم ولدوا على فراش ابيهم (3) و «الثاني» اقرار الأب انه ابنه اذا حضر. وقيل حتى يكون معه امين آخر لانه مدع، وقيل حتى يكون معه امينان و «الثالث» شهادة الامناء ان لفلان اولادا كانوا حضورا او غيابا احياء كانوا او امواتا. و «الرابع» شهادة اهل الجملة يثبت بهم النسب ويتولى بهم الاطفال اذا حضروا. وعبيد المتولى اذا كانوا اطفالا فيهم قولان. 1) الطلـ ور: 21.
) رواه ابن ماجه من حديث الحسين بن علي انه قال: لما توفي القاسم ابن رسول الله قالت خديجة: يارسول الله درت لبينة القاسم. فلو كان الله ابقاه حتى يستكمل رضاعه: فقال رسول الله (علا الله وان اتمام رضاعه في الجنة، قالت لواعلم ذلك يارسول الله لهون علي امره فقال رسول الله (ع) و ان شئت دعوت | الله تعالى صوته. قالت يارسول الله اصدق الله ورسوله. واما في حق ولده ابراهيم
فاسمعك
(
الله
فقد روى ابن ماجه من حديث ابن عباس انه قال. لما مات ابراهيم ابن رسول الله ما الله (صلى رسول الله (ع) وقال: وان له مرضعا في الجنة، ولو عاش لكان صديقا نبياً ولو عاش لعتقت اخواله القبط، وما استرق قبطي!!! لكن بلفظ: وان له مرضعا في الجنة. يدلك لذلك ما ذكره ابن قتيبة في كتاب المعارف عن مجاهد انه قال: مكث القاسم سبع ليال ثم مات اما ابراهيم فقد ذكر انه ولد بالمدينة
بعد ثمان سنين من
3) خ آباءهم.
مقدمه وعاش سنة وعشرة اشهر وثمانية ايام فليتنبه اهـ مصححه
-
63 - (1/73)
صفحة 74
قيل بالولاية، وقيل بالوقوف، والموالي الأطفال اذا اعتقهم المتولى فيهم قولان ايضا، وابن امه يتولى بولاية امه اذا كانت مسلمة. وقيل لا يتولى الا بأبيه. وكذلك التى اسلمت من الشرك ولها اولاد فانها تجر بهم الى الاسلام ويتولون بولايتها. والعبد اذا اعتقه المتولى وغيره فانه يتولى بالمتولى منهما. واما المشترك من الاطفال بين المتولى وغيره فقيل فيه بالكف والمتولى الولاية فان اذا ارتد الى الشرك: فقيل ان اولاده في منزلتهم الاولى من علم من ابيهم نفاق فالكف عن اولاده. واطفال اهل الولاية اذا بلغوا فهم في الوقوف: فان علم منهم الوفاء فهم في منزلتهم الولاية فان الأولى من علم منهم كفر فهم في البراءة، وان تشابه بلوغهم فهم على الأصل الأول الطفولية، وان قالوا في حين الشبهة بلغنا: حكما عليهم بحكم البالغين، ومن تجنن في الطفولية فحكمه حكم الطفل. ان كان ابوه متولى كان ابوه مشركا او منافقا وقف عنه واطفال المتولى اذا غابوا فقيل هم على ولايتهم ما لم يتبين بلوغهم بالمشاهدة، او بالامناء. وقيل ينظر الى اترابهم فاذا بلغوا حكم ببلوغهم وصاروا في الوقوف. وان قال الأمناء انهم قد بلغوا، او كبار، أولزمتهم الفرائض فجائز. ويقال ثلاثة لا يعلم حدها الا الله. الحد الاول من البلوغ والحقيقة في المكيال والميزان [مسألة]: وولاية المرء نفسه واجبة على التوبة من جميع الذنوب وكذلك اطفاله وعبيده اذا كانوا اطفالا. وفي ولاية اطفال مماليك المسلمين قولان، والله اعلم.
من
فانه يتولى، ومن (1/74)
صفحة 75
الفصل التاسع
في شروط الولاية والجهات التي تحصل بها.
الاذن اما شروط الولاية فهي اربعة: [احدها] مسموع مرضي، و «الثاني» منظور العين مرضي. و «الثالث مرضي القلب مقبول الحال، و «الرابع» موافق للمذهب والشريعة لانه من اتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى واصلاه جهنم وساءت مصيرا.
واما الجهات التي تتم بها الولاية
فهي اربعة ايضا:
احداها: الخبرة بصاحبها انه موافق للمسلمين في القول والفعل والثانية: الشهرة التي لاتدفع: وهو ان يشهد له ذلك، فمن علمه لايعلم منه الا الخير، ومن جهله جهله، لان المشهور في الخير يتولى بغير بينة
والله اعلم والثالثة: شهادة العدلين اللذين تقوم بهما الولاية والبراءة وتنفذ بهما الاحكام، فهذه الثلاثة الأوجه مجمع عليها ولا اعلم فيها خلافا
بوجب
والرابعة في مختلف فيها وهي شهادة العدل الواحد بما للمعين الولاية، فقيل ذلك حجة على المرفوع اليه الولاية، فشبهوا ذلك بالشاهد في حقوق الله عز وجل من صوم رمضان دون افطاره وطهارة الثياب: بقول الغاسل ودخول اوقات الصلاة واوقات الافطار بقول الثقة وأشباه ذلك. وقيل ليس ذلك حجة عليه ولا له لان الواحد أنما يكون حجة في الكفر، دون التصديق في قول بعضهم، والحجة انما تقوم بامينين مسلمين حرين أو امين وامينتين مسلمتين كالشهادة في الأحكام من الحقوق والدماء والأموال، وقيل هو مخير في الواحد بين (1/75)
صفحة 76
القبول والوقوف عنه، وقيل ان سأله ابتداء لزمه قبول قوله، وان لم يسأله وانما شهد ابتداء فهو مخير فيه بين القبول والوقوف عنه ايضا كالمعدل للشهود والله اعلم، واجاز بعض اصحابنا الولاية والبراءة بقول رجل وامرأة واحدة اذا كانت تبصر الولاية والبراءة وذكر مثل ذلك عن ابن عباد (1) انه رخص لابي ميمون رحمه الله (2) ان يتولى امه بشهادة امرأة متولية عنده ويحج عنها ففعل ذلك والله اعلم.
الفصل العاشر
في ولاية الائمة وقادة الامة
وروي عن ابي خزر رحمه الله انه قال: لا يسع جهل الائمة: فقيل اراد الائمة التسعة: اربعة من العرب ابوبكر الصديق بن ابي قحافة التيمي وعمر بن الخطاب من بني عدي بن كعب، وعبدالله بن يحي الكندي
1) هو عبدالله
بن عباد المصرى الفقيه من جلة فقهاء الاباضية وممن انتهت اليه الرئاسة
العلمية بمصر ايام الربيع، كما انتهت رئاسة العراق العلمية الى الربيع وحسبك ان الامام
عبد الوهاب الرستمي
استفتا هما معاً لما منعته نفوسة من الذهاب الى الحج خوفا
الامامة فكان
عنه
عليه من خصوم من جواب الامام ابن عباد انه افتي بسقوط الحج ع لعدم امن الطريق بالنسبة اليه. وغير خاف ان امان الطريق شرط اساسي في وجوب الحج. وفقد اثبتت الايام صدق نظر نفوسة فقد القى العباسيون بعد ذلك القبض على الى اليقظان حفيد الامام لما ذهب الى الحج فلم ينج من اسرهم بعد طول حبسه الاباعجوبة، ولا غرو فالمؤمن بنور الله (2) ابو ميمون: هو احد خيار المسلمين من نفوسة ماتت والدته وهو في المهد وتركته وصيا لها على وصيتها فلما شب اراد انفاذها والحج عنها فسال عن ولايتها فلم يجد
ينصر
اهـ مصححه
من يتولاها الا امرة واحدة صالحة فافتى له ابن عباد بولاية امه بشهادة المرؤة.
اه
مصححه. (1/76)
صفحة 77
طالب الحق (1) وابو الخطاب عبد الاعلى بن السمح المعافري (2) رحمهم الله والجلندى بن مسعود امام عمان (3) زاده بعضهم، وخمسة من الفرس:
عبدالرحمان بن رستم الفارسي، وابنه عبدالوهاب، وافلح بن عبدالوهاب
ومحمد بن افلح، ويوسف بن
بويع
محمد رضي
الله
عنهم
(4)
•
و من
علينا
1) الامام عبدالله بن يحي طالب الحق اعلن الامامة باليمن بعد ان ضجت الامة من الجور والفجور اللذين اتى بهما عمال بني امية ففزعت الى طالب الحق وهو قاض يومئذ حضرموت فلما وضعت الامة ثقتها فيه قام بالامر بعد استشارة الامام ابي عبيدة ـ ابتغاء مرضاة الله واقامة لشرعه فاستولى على الحرمين الشريفين قائد جيوشه ابو حمزة المختار بن عوف وذلك سنة 130 هـ ودامت امامته نحوا من ثلاث سنين وانتهت باستشهاده رحمه الله، اهـ الشيخ ابو اسحاق اطفيش رحمه الله. (2) ابو الخطاب عبد الاعلى بن السمح المعافري اليمني هو احد حملة العلم الى المغرب، بالامامة في حيز طرابلس سنه 140 هـ بامر من شيخه ابي عبيدة فسار بالامة سيرة رشيدة اعاد فيها للاسلام بشاشته واقام للعدل دولته امتد حكمه الى القيروان فطهرها من رجس ورفجومة التي بلغ من طغيانها ان ربطت خيلها بمسجد القيروان وانقادت له الرعايا فذاقوا في ايامه خلاوة الاسلام وتضيئوا ظلال الامن والامان لكن دولة الطغيان المسيطرة والت عليها هجماتها وكلما صد جيشا اورد غارة اعقبتها جيوش وغارات حتى سقط شهيد المعركة ودالت دولته - التي كانت مضرب المثل في ريعان شبابها اذ لم تدم اكثر من اربعين سنة والبقاء لله وحده. اهـ مصححه الجلندى تقدم الكلام عليه، وبعد فياليت شعري مالمعرفة هؤلاء ودخولها في عقيدة المسلم؟ وهل تجب كذلك معرفة كل امام عادل سار في ايامه سيرة الخلفاء الراشدين وياما اكثرهم في تاريخ الاسلام؟ ام ثمت ميزة فى هؤلاء استوجبوا بها هذا التخصيص دون سواهم؟ اما في حق الخلفاء الراشدين فلا كلام، واما غيرهم من ائمة المسلمين العدول فكانه يريد انه لا ينبغي لمن يغار على نهج الاستقامة ان يجهل هؤلاء الائمة غير ثم من أئمة المسلمين في كل عصر ومصر الذين رفعوا لواء الدين واقاموا قسطاس العدل واحيوا في دولهم سيرة الرسول مع الله وخلفائه الراشدين ليتاسى بهم من يبغي السيرة الرشيدة اما ان يكون جهلهم قدحا في العقيدة فلا ترى ذلك وجيها،
اهـ مصححه.
4) اسرة بني رستم اسرة علم ودين واضطلاع بأعباء المسلمين كانت لها مملكة قاهرة زاهرة بسطت نفوذها على المغرب الأوسط وائمتها كانوا اجل واقوى ائمة عرفها شمال
افريقيا، اولهم عبدالرحمان بن رستم وقد سبق التعريف به. اما بنوه عبدالوهاب
=
-
67 - (1/77)
صفحة 78
بالتمسك على منهاجهم القويم وطريقهم المستقيم انه رحيم كريم. واما ائمة الدين والهدى وقادة المسلمين من اهل المروءة والتقوى فانهم يتولون عند اصحابنا بغير حجة لانها بمنزلة الديانة من التفسيق والتكفير والتحليل والتحريم وليست بمنزلة ولاية الاشخاص وبراءتها. الا ترى انك تنتقل عن ولاية الاشخاص وبراءتها بشهادة الامناء وليست كذلك ولاية الائمة لانك لا تنتقل عنها بالشهود وان كثروا، وهكذا البراءة قادة اهل الخلاف من يبرأ منهم بغير حجة من سمع ذلك وقبله لان البراءة منهم بمنزلة الديانة كما قدمنا في ولاية ائمة الهدى. قال وليس علينا من معرفة الائمة شيء مع قيام الحجة، وولاية قادة المسلمين هي البراءة من قادة المخالفين
البراءة من هي
الا
قادة اهل الوفاق. وكذلك
اسماء
وكذلك ولاية قادة اهل الخلاف. التصويب والتخطئة على هذا الحال. واختلفوا فيمن تقلد باسم من اهل الخلاف فحكى عن ابي خزر انه قال من تبرأ منه لم يظلمه (1). وقيل
المتوفى سنة 190 هـ وابنه افلح المتوفى سنة 240 هـ وقيل 250 هـ وابنه محمد بن افلح (ابو اليقظان المتوفى سنة 281 هـ وابنه يوسف بن محمد (ابو حاتم) الذي مات مقتولا سنة 294 هـ فقد بسط الشيخ سليمان الباروني في كتابه الازهار الرياضية في ائمة وملوك الاباضية اخبارهم بما لا مزيد عليه فاطلبها ان شئت هناك.
اهـ مصححه
هذا الحنق
1) يظهر ان الامام اباخزر كان شديد الحنق على مخالفيه حتى اعتبر من حكم بالبراءة على من تقلد باسم من اسمائهم غير ظالم له. قال القطب رحمه الله في الذهب الخالص قلت: ظلمه لانه لم يحقق بل اسرع واهمل اهـ. ونحن اذا بحثنا عن سر وجدناه والله اعلم يرجع الى تأثير البيئة. ذلك انه عاش في عصر العبيديين الذي بلغ فيه التعصب المذهبي اشده، وعومل فيه ائمة الاباضية معاملة المارقين من الدين تزلفا من مخالفيهم للجورة وممالكة لهم على سياسة الابادة التي انتهجتها الدولة العبيدية في حقهم. الامر الذي حمل هذا الامام ان يقسو مع مخالفيه ويقابل بالتخطئة من بدأه بها والبادئ اظلم، والافليس من. شأن الاباضية ولا من مبدئهم التهجم على:
= (1/78)
صفحة 79
ليس ذلك بشيء. واختلفوا ايضا هل يبرأ منهم بعلامتهم ام لا؟ والله اعلم
واحكم.
الجملة الثانية
في البراءة وتقاسيمها
وهذه الجملة ايضا تنبعث منها عشرة فصول.
من خالفهم فى الراي الا ان يكون هو البادئ بالتخطئة. وقد اعرب الامام السالمي من اباضية عمان عن هذا المبدأ اذ يقول في قصيدته ردا على طعن الغرياني: الو سكتوا عنا سكتنا عنهم، ويقول في كتابه جوهر النظام في علمي الاديان والاحكام: ومنكر لخلقه يختلف، فقيل فاسق وقبل نقف، ما لم يخط للذي قد، ضد ما قال فع المقالا، يعني بخلق القرآن وزاد ذلك توضيحا في كتابه «تحفة الاعيان فى ملوك وائمة عمان في معرض الكلام على عقيدة الاباضية: ليس من رأينا الغلو في ديننا، ولا الغشم فى امرنا، ولا التعدي على من. ربنا، ومحمد نبيئنا، والقرآن اما''، والسنة طريقنا، وبيت الله الحرام قبلتنا
قالا
-
الله
والحمد لله
-
والاسلام ديننا، الخ الخ.
-
خالفنا
وقال الامام ابو يعقوب يوسف بن ابراهيم الوارجلاني من اباضية المغرب [الجزائر] في كتابه الدليل والبرهان (ج): 3 ص: (88): .... فاذا لم يعتقدوه دينا و لم يقطعوا عذر احد المسلمين الذين خالفوهم عليه فلا بأس عليهم بذلك، وذلك خطأ مجمول عليهم الى ان قال: ولكل معتقده ما لم يبغ بعضهم على بعض والباديء اظلم والتالي اسلم اهـ. وبعد فما أحوج الامة الاسلامية سيما في عصرنا وقد تداعت عليها الاعداء من كل حدب وصوب ـ ان تتغاضى عن تجريح بعضها وتتعالى عن المناقشات والمهاترات التي لاتزيد اوصالها الا تفكيكا وكلمتها الا انقساما، ولتكثف مع بعضها بمبدأ التوحيد الذي يجمع بينها، وتعمل يدا بيد لتوحيد صفوفها وصد هجمات عدوها
المشترك عساها ان تسترجع بذلك ما ضاع لها من عزة ومجد، او تحافظ على ما بقي لديها من تراث على الاقل، هدى الله المسلمين لما فيه خيرهم وعزتهم
اهـ مصححه
69 - (1/79)
صفحة 80
الفصل الاول
في معنى البراءة والادلة على وجوبها من القرآن والسنة واجماع الامة
اما القرآن فقول الله تعالى: ولا يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنيين (1) فنهى الله تعالى عن ولاية الكفار فانفذ فيها الوعيد فقال ا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم] (2) وقال [ومن يتولهم منكم فانه منهم] (3) فمن يتولى مشركا كان مشركا ومن تولى منافقا كان منافقا صاحب كبيرة. وقال الخليل عليه السلام وانا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء ابدا (4) وقال تعالى «لاتتخذوا آباءكم واخوانكم اولياء الى قوله ومن يتولهم منكم فاولئك هم الظالمون (5) (واما السنه. فاكثر من ان تحصى كقوله عليه السلام «لعن احدث الله من في الاسلام حدثا او آوى محدثا (6) في مثلها من الملاعن، وقوله (ليس
منا
من صلق او حلق) (7).
1) آل عمـ
ران: 28
الممتحنة: 13.
المائدة: 51.
الممتحنة: 4
المائدة: 23.
(6) عن أبن عباس رواه الربيع.
(7) روي عن عبدالرحمن بن يزيد وابي بردة قالا: لما ثقل ابو موسي اقبلت امرأته ام عبدالله تصيح برنة فقال لها: او ما علمت اني بريء ممن برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: وانا برئ ممن حلق وسلف
وكان يحدثها ان رسول الله وخرق» رواه ابن ماجة. والذي رواه الشيخان عن ابي موسى الاشعري ان رسول الله (ع) برئ من الصالقة والحالقة والشاقة الصالقة التي ترفع صوتها بالنياحة والحالقة التي تحلق شعرها وتنتفه عند المصيبة؛ والشاقة التي تشق ثيابها عند المصيبة وكل هذا حرام باتفاق العلماء. (1/80)
صفحة 81
وليس منا من غشنا (1) في امثاله من الالفاظ التي تدل على البراءة.
من
وقوله: [اني بريء ممن تطير او تكهن او تكهن له] (2). في امثالها الفاظ البراءة فبراءة الجملة واجبة بنص القرآن واجماع من اهل الايمان لا عذر لمن جهلها. فكما تجب الولاية لاهل طاعة الله فكذلك البراءة واجبة من اهل معصية الله باي معصية كانت مع الاصرار عليها. ولا تختلف الامة في هذا وانما الخلاف في براءة الاشخاص من اهل القبلة كما قدمنا في الولاية وبالله التوفيق. واما البراءة، فمعناها في اللغة البعد من الشيء والخروج منه. واما في الشرع فمعناها ايجاب الشتم واللعن للكفار، فأصل البراءة مخالفة الفاعل والتبرئ منه، قال الله تعالى (فان عصوك) اي فيما تأمرهم به وتنهاهم عنه فقل اني بريء مما تعملون (3). اى بريء منكم ومن عملكم مخالف لكم غير موافق ـ واصل البراءة كما قدمنا هو المخالفة كما ان اصل الولاية الموافقة والمساعدة على امر الله تعالى لان الولي قد يكون
غثنا
1) هذا بعض من حديث رواه مسلم: من حمل علينا السلاح فليس منا ومن فليس مناه ورواية الدار قطني من حديث انس بسند ضعيف جدا من غش امتي فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين، قيل يا رسول الله وما غش امتك؟ قال: ان يبتدع بدعة خمل الناس عليها - ولفظ الحديث في رواية الربيع: «من غشنا فليس منا،
-
ومن لم يوثرنا فليس منا، ومن احدث في الاسلام حدثا او آوى محدثا فليس منا، ومن لم يوقر كبيرنا و لم يرحم صغيرنا فليس مناه قال الربيع: معنى هذا كله البراءة
منه.
(2) رواه الربيع في مسنده بلفظ: «يقول الله تبارك وتعالى: انا بريء ممن تطير او تكهن او تكهن له، او تسحر او تسحر له، ورواية القطب في وفاء الضمانة وليس منا من تطير او تطير له، او سحر او سحر له - ومن اتى كاهنا فصدقه بما قال فقد كفر بما انزل على محمد (ع)، ومن اتاه غير مصدق له لم تقبل له صلاة اربعين
ليلة
الشعراء: 216
71 (1/81)
صفحة 82
في النسب والدين. قال الله تعالى «ومر تولهم منكم اي يساعدهم ويوافقهم فانه منهم (1)، والله اعلم.
الفصل الثاني
في براءة الجملة
اعداء الله
وهي فريضة على كل مكلف في حال البلوغ كالولاية حذو النعل بالنعل، ففرض البراءة على كل مكلف ان يتبرأ من جميع الأولين والآخرين من الجن والانس اجمعين الى يوم الدين من غير قصد
من
ذلك
الى احد بشخصه: فبراءة الكافرين هكذا توحيد والترك لشيء من شرك والجهل بان الله امر بها شرك، وكذلك الجهل بان الله اوجب على العمل بها ثوابا كفر وشرك، والانكار لوجوبها وفرضها شرك ايضا، وكذلك البراءة من الكافرين من الجن انما جملة هي غير قصد الى احد من بعينه وان ظهر كلامه. وتجزئنا البراءة منهم في الجملة كما تجزئنا ولاية المسلمين منهم جملة. وليس ظهور الاصوات منهم بظهور، بل ظهور الاجساد (2) واحكامهم بينهم كاحكام بني آدم فيما بينهم، وان ظهروا
1) المائدة: 51.
(2) ظهورهم بالاجساد لا يصح لقوله تعالى انه يراكم هو وقبيلة من حيث لاترونهم الاعراف: (27) ولقد بالغ العلماء في انكاره حتى قال الامام الشافعي: «من زعم انه يرى الجن ابطلنا شهادته الا ان يكون نبيئاه اما الامام ابن بركة من اصحابنا المشارقة قال بتجريح من يزعم رؤية الجن وبالبراءة منه والحق ان ما يشاهده البعض بالكذب انما. هو تخييل قال عمر رضي الله عنه وان احدا لا يستطيع ان يتحول عن صورته التي خلقه الله عليها ولكن لهم سحرة كسحرتكم فاذا رأيتم ذلك فاذنواه. واذا كان الرسول (ع) - وقد كلف بتبليغهم ـ ولم يرهم كما رواه ابن عباس بل علم ذلك بالوحي لقوله تعالى: قل اوحي الي انه استمع نفر من
ممن
?
عن))
يتهم
الجن، فكيف يصح
ما الله
لنا ان نثبت رؤيتهم لغيره (ع)
اهـ مصححه
72 (1/82)
صفحة 83
كانت احكامهم واحكامنا واحدة، لانهم مكلفون ملزمون مأمورون بالطاعة منهيون عن المعصية: فمن اوفى منهم الله بالطاعة فله عليها الجنة، ومن لم يوف بالطاعة واجترأ على المعصية فله عليها النار، وقيل ان الجن في الدنيا في الصحاري وان المطيعين منهم يوم القيامة يكونون في صحاري الجنة والله اعلم، وهم كلهم المطيع منهم والعاصي من ذرية ابليس كما ان الانس كلهم المطيع منهم والعاصي من ذرية آدم النبيء التقي الامين صلوات الله على نبينا وعليه. والله اعلم واحكم.
الفصل الثالث
في البراءة من المذمومين في القرآن
الموصوفين بالاساءة والعصيان. وهم قسمان: جملة وافراد، فالجملة كقوم نوح ولوط وعاد وثمود واصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا. والافراد نوعان: مسمى كفرعون وهامان وقارون وابولهب وجالوت، وغير مسمى كالذي حاج ابراهيم، وكالذي اتاه آياته فانسلخ منها، وكالملك الذي ياخذ كل سفينة غصبا وامثالهم من الذكور. وكحمالة الحطب وامرأة نوح وامرأة لوط واشباههن من الاناث. فجميع من نص الله عليه باسمه من الرجال والنساء والموصوفين بالاساءة وقبح الثناء فبراءتهم توحيد وولايتهم شرك. والفرض علينا فيهم البراءة منهم جملة والمعرفة بانهم من اهل النار الا من قامت عليه الحجة بتسمية احد ممن ذكرنا، فعليه امضاء الحكم فيه بالبراءة. والمعرفة بانه اهل الشقاوة بالعلم الحقيقي الذي لا يتحول كمن صح عنده بالتواتر ان الذي حاج ابراهيم هو النمروذ بن
- 73 (1/83)
صفحة 84
كنعان لعنه الله وهو الذي كفر: وان الذي اتاه الله اياته فانسلخ منها هو بلعام بن باعوراء وقيل هو امية ابن أبي الصلت الثقفي. وقيل غير ذلك وكذلك قيل في قوله تعالى ولقد جاءهم يوسف من قبل بالبينات» (1) ان يوسف هذا غير يوسف بن يعقوب عليه السلام، وكذلك قوله «يا اخت هارون ان هارون هذا ليس هو باخي موسى بن عمران عليه السلام وانما اخ لها لابيها صالح اسمه هارون، وقيل هو رجل فاسق وانما نسبوها اليه توبيخا وتشبيها بالقصة (2) فهذا ما يأتي مجملا فلا ينبغي لنا التكلف في تفسيره ولا يلزمنا من علم حقائقها أكثر من الايمان بجملته على ما هو تعالى الا ان يقع الاجماع على تأويل احد فذلك حجة على من
هو
عند
الله
بلغته والله اعلم.
امره
الفصل الرابع
في البراءة من امام الجور وجميع من تبعه على جوره
ولا يبرأ من جميع من كان تحت ولايته لانه قد يكون المسلمون تحته بالتقية فيسوغ لهم ذلك كما كان رسول علل الله في اول امره مكتتها بمكة حتى الله بالخروج والهجرة واظهر دينه بالمدينة. ثم انه لما وقعت الفتنة وصارت الخلافة ملكا وجبرية فاضطهد الاسلام وشمل الجور والظلم جميع الانام فصار المسلمون تحت الجبابرة بالتقية آخذين بالرخصة الشرعية فمنهم من شرى نفسه رغبة في جهاد الائمة الظلمة داعيا الى الله منكرا لاحكام
1) غافر: 34. (2) سئل رسول الله (الله) عن قوله تعالى يا اخت هارون وبين عيسى وموسى عليهما السلام ما بينهما فقال وكانوا يسمون بانبيائهم وبالصالحين قبلهم
74 - (1/84)
صفحة 85
الجورة شاهرا سيفه قاتلا من ناواه وصده، وافيا الله بما عاهد عليه من بيعته حتى قتل شهيداً في ذات ربه. فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر
اجله حتى اتى عليه. ومنهم من ضعف عن الجهاد والقتال فاخذ بالرخصة فعاش تحت الظلمة متمسكا بالتقية. والأصل في هذا ما روي ان النبيء
قال: «قدموا قريشا ولا تتقدموها وتعلموا منها ولا تعلموها واطيعوهم ما اقاموا فيكم كتاب الله فاذا وسنتي عصو هما فلا طاعة لهم عليكم، ثم خذوا اسيافكم واجعلوها على عواتقكم واضربوهم بها حتى تبيدوا خضراءهم والا فعيشوا تحتهم حراثين فدادين حتى تلقوني بسوء حال» (1) فالواجب على الإنسان اذا رأى دارا الغالب عليها الجبابرة والحكام الجورة الضالة المضلة ان ينسب الدار اليهم فيسميها دار الجور والظلم ويبرا من دان بطاعتهم مع انقياد الرعية الى احكامهم الجائرة وديانتهم العامة المسخرة بطاعتهم ويبرأ من كل من دان بطاعتهم واحتطب في حبالهم، ولا يتولى منهم احدا الا من يعرف انه موافق المسلمين في اقوالهم وافعالهم وبالله التوفيق.
من
كل
لكم
1) رواه الطيالسي والطبراني من حديث ثوبان رفعه بلفظ استقيموا لقريش ما استقاموا، فان لم يستقيموا فضعوا اسيافكم على عواتقكم فابيدوا خضراءهم فان لم تفعلوا فكونوا زراعين اشقياء ورجاله ثقات. وعند احمد وابي يعلى من حديث ابن مسعود رفعه: يا معشر قريش انكم اهل هذا الأمر ما لم تحدثوا. فاذا غيرم بعث الله عليكم من يلحاكم كما يلحى القضيب ورجاله ثقات. ورواية الربيع عن ابي مسعود الانصاري قال: قال رسول الله () لقريش: ولن يزال هذا الامر فيكم وانتم ولاته ما لم تحدثوا فاذا فعلتم سلط الله عليكم شرار خلقه فيلحونكم كما يلحى هذا القضيب لقضيب كان في يده. وفى معنى الحديث قول ابي بكر (ض): وان هذا الامر فى قريش ما اطاعوا الله واستقاموا على امره.
-
Yo (1/85)
صفحة 86
الفصل الخامس
فى البراءة من المرتد من الاسلام الى الشرك
قال الله تعالى ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر» الآية (1) وفي الحديث عن رسول الله الله قال: (من بدل دينه فاقتلوه) (2) واجمعوا
انه المرتد من الاسلام الى الشرك، فمن ارتد من الاسلام الى الشرك فحقه رأى استتابته ثلاثة
بن الخطاب رضي
الله عنه
البراءة والسيف لكن عمر ايام، فان تاب والاقتل - رأيا من رأيه - ولا تسبى له ذرية، ولا يغنم
له مال .. واتفقوا عليه اذا مضت له ثلاثة اجيال بالقتل والسبي والغنيمة اذا درجت بنو ابنائه على ذلك. وقيل في الثالث من بني الأبناء بالقتل والسبي والغنيمة. فاذا ارتد الرجل عن الاسلام فقد حل قتله بعد الاستتابة و حرمت عليه ازواجه وانقطعت بينه وبين المسلمين الولاية والموارثة والمناكحة والمدافنة، وحبطت اعماله كلها، لقول الرسول عليه السلام من اشرك بالله ساعة احبط الله عمله وان تاب جدد له العمل) (3). وقال تعالى «لئن اشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين» (4) وكذلك ان كانت فيه خصلة من خصال الشرك ثم اطلع عليها، وقيل فيه غير ذلك
والله اعلم.
1) سورة البقرة (217).
(2) عن ابن عباس رواه البخاري ومسلم - م ف معناه: «من خالف دينه دين الاسلام فاضربوا عنقه اخرجه الطبراني عن ابن عباس مرفوعا.
) رواه الربيع عن انس
(4) الزمر: (65). (1/86)
صفحة 87
الفصل السادس
فى البراءة من الخارج من مذهب اهل الحق الى مذهب اهل الخلافم
فمن خرج من من حب اهل الحق الى مذهب اهل الخلاف فتولى ائمتهم وتبرأ من ائمة المسلمين كان واجبا على المسلمين بغضه وعداوته وخلع ولايته حتى يتوب ويرجع الى المسلمين فيتولى وليهم ويعادي عدوهم وان خرج من مذهب المسلمين وخالفهم وطعن في مذهبهم وعابه عنهم حل قتله واغتياله بپاي سبب وصلوا الى اهلاكه وقتله، كما فعل الامام الصالح جابر بن زيد (1) رضي الله عنه حين سئل عن افضل الجهاد؟ فقال
فقد
1) جابر بن زيد الازدي. هو التابعي الجليل والبحر الزاخر الذي اخبر عن نفسه بقوله: ادركت سبعين بدريا فحويت ما عندهم من العلم الا البحر الزاخر] يعني ابن عباس نعم صاحبه وغرف من بخره العذب الطامي ما شاء له استعداده فتالقت شمسه في سماء ذلك العصر الذهبي العصور الذي كان يزخر بائمة العلم والدين - نال اعجاب بيخه ابن عباس فقال في حقه (عجبا) لاهل العراق كيف يحتاجون الينا و عندهم جابر بن زيد لو قصدوا خوه لوسعهم علمه. وذات مرة سمع ابن عباس قائلا يقول: من المصلي فوق الكعبة فانه لا صلاة له لانه لاقبلة له) فقال (ان كان جابر فى شيء من هذه البلاد فهو (منه فكان الامر كما تفرس. اما اياس بن معاوية فقد قال: (رايت البصرة وما فيها مفت غير جابر بن زيد) كان امام المذهب الاباضي الاول الذي ارسى قواعده واحكم بنيانه فانحدرت منه نسبة الدين. وكان ممن يروي عنه الامام البخاري الحديث. وتخرج عليه علماء مجتهدون: منهم ابو عبيدة مسلم بن ابي كريمة التميمي الامام الثاني للمذهب الاباضي، وضمام بن السائب، وابو نوح
صالح الدهان، وجعفر بن السماك العبدي وصحار العبدي واضرابهم كثيرون الف ديوانه المشهور بديوان جابر الذى كان من الاعلاف النفيسة في خزانة بغداد
رحمه الله
العظيمة التي ذهبت ضحية النيران فى فتنة التتار ولعله كان اول موسوعة الفت في الاسلام لان عهد التاليف لم يعرف فيه الامن عهد عمر بن عبد العزيز ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر اي سنة 21 هـ ونوفي سنة 93 هـ وقيل سنة 96 هـ
الله رضي
عنه وارضاه
اهـ مصححه
- 77 (1/87)
صفحة 88
للسائل افضل الجهاد قتل خردلة (1) فأخذ الغلام خنجرا فسمه فمضى مع رجل من المسلمين الى المسجد فنعت له خردلة فلم يرض حتى وضع الرجل يده على خردلة فانصرف، ودخل الغلام فضربه بين كتفيه فقتله فاخذ الغلام فقتله الوالي بعد ذلك والله اعلم. وكان خردلة هذا فيما وجدت من اهل هذه الدعوة ثم خرج عنها وتركها فجعل يطعن على المسلمين ويدل على عوراتهم بذلك استحل جابر رحمه الله قتله وقد قال جل ثناؤه وطعنوا في دينكم فقاتلوا ائمة الكفر (2). الآية
•
من
1) خردلة كان هجيراه الطعن في المسلمين والدلالة على عوراتهم حتى اذا ما اغرق في النزع وطف صاعه، وعيل صبر الامام اشار بتطهير الارض من رجسه وفساده: و لم يستبح دمه لاجل انه خالف المسلمين في الراي كلا وحاشا الامام ان يشير باغتيال يخالفه في الراي وهو التابعي الجليل وعالم البصرة فتلك شنشنة الخوارج الصفرية والازارقة والنجدية. ولا يبعد ان يكون قد قتل بدلالته بعض المسلمين ظلما (والدال على عورات المسلمين يقتل فامر الامام بقتله قصاصا والزمان زمان الحجاج الذي ياخذ بالظنة ويتعقب حركات المسلمين لعله يصيب منهم غرة او تبلغه عنهم وشاية وان كاذبة. بل سعى فعلا. قال الشماخي وكان خرد دلة قد بجماعة سعي المسلمين فقتلوا. هذا وهناك خردلة آخر يجب الانتياه له حتى لا يشتبه الواحد بالآخر لاتفاقه:
من
في الاسم والصفة. ذلك هو خردلة بن سماعة من جبابرة بني نبهان في عمان الدين حكموا بالاستبداد والجبرية وكان على سمائل عاث فيها فسادا واستنزف اموال اهلها بلا شفقة. وهو الذي قتل العالم الجليل الشيخ احمد بن النظر صاحب ديوان الدعائم ظلما واحرق كتبه ومصنفاته فحرم المكتبة الاسلامية من نفائسه التي يندر وجودها
اليوم
وعند الله تجتمع الخصوم.
(2) سورة التوبة (12).
اهـ مصححه
- YA- (1/88)
صفحة 89
الفصل السابع
في البراءة من المخصوص باسمه المقصود اليه بشخصه
وهذا الفصل ينقسم الى ثلاثة اقسام.
منه. (القسم الثاني) في
القسم الاول) في الادلة على وجب البراءة حكم براءته (القسم الثالث) في براءة المنصوص عليه باسمه
القسم الاول
في الادلة
اعلم ان الدليل على براءة المخصوص انها فريضه اتفاق (1) العلة في براءة المخالفة في الدين والاتيان فيه بما لم ياذن به رب العالمين،
الجملة
وهي
فكما اتفقت العلة فى الاصل فكذلك يتفق الحكم في الفرع. وقد ذكر الله سبحانه في كتابه البراءة من الكفار جملة وافرادا وتعميما وتخصيصا فقال في المنافقين: لا تتخذوا بطانة من دونكم (2) الآية لا تتخذوا الكافرين اولياء من دون المومنين] (3) فقال [فويل للمصلين] الآية (4) وقال في الافراد ويل لكل همزة لمزة] (5) وقال في المنافق المفرد [ومنهم من عاهد الله، لئن فضله الى قوله: وبما كانوا يكذبون] (6) فالعلة التي استوجبت به من النار جملة الكفار والمنافقين هي الكفر والنفاق وبها استوجبها الكافر المفرد
اتانا
أيضا والله اعلم.
1) في نسخة: اتفاقا والعلة الخ. ولوزاد في آخر الجملة (معها) لكانت العبارة اوضح.
) آل عمران (118)
ه الهم زة (1).
النساء (144).
) الماعون (5). (6) التوبة (75، 77). (1/89)
صفحة 90
القسم الثاني في حكم براءته
اعلم ان البراءة من المخصوص واجبة عند مقارفة الفعل الذي يستحق به البراءة فمن شاهد منه فعل كبيرة او صغيرة مصرا عليها فعليه ان يبرأ منه والا كان مثله. فالبراءة يستحقها الخارج من الدين ولو بخصلة واحدة لانه بذلك مستحق اسم ظالم وفاسق في الحقيقة اذا مات على ذلك مصرا خلافا للمرجئة القائلين ان اهل الكبائر من اهل القبلة يرجى امرهم الى الله. او يرجى لهم الله،
، وقد قال تعالى. خلافا لقولهم ـ[وقد خاب
—
من حمل ظلما] (1) اي مات مصرا عليه. فقليل الظلم وكثيرها سواء في باب الاحباط والاسقاط اذا اصر صاحبه والله اعلم.
فمن اخر براءة المخصوص بعد وجوبها، او تبرا منه قبل الحدث فهو هالك. وبراءة المنصوص اذا ظهرت منه الكبائر طاعة غير توحيد وتضييعها كفر غير شرك والله اعلم. ومن ضيع ولاية رجل وبراءته حتى مات فانه يتوب من تضييعه فيتولاه او يتبرأ منه والله اعلم
القسم
الثالث
في حكم الولاية والبراءة من المنصوص عليه باسمه في القران او في السنة المتواترة
اعلم ان المنصوص عليه في الخير اذا صدرت منه الافعال التي يستحق
1) ط
(111) (1/90)
صفحة 91
بها البراءة فانه لا يبرأ من المنصوص عليه في الخير ويعتقد فيه انه لا يموت لا بالتوبة (1)، والبراءة من المنصوص عليه في الشر توحيد وولايته شرك ..
كما ان ولاية المنصوص عليه في الخير توحيد وبراءته شرك. وقال عمار الله يوم الجمل وقد اختلفت الأسنة. ابن ياسر
رحمه
عند
عائشة هودج
رضي
الله عنها والله انا لنعلم انك زوج نبينا في الجنة ولكن لا ندع الله يعصى] وما نزل فيها من الأيات دال على انها من اهل الجنة، وانما لم تلحق بالمنصوصات حين لم يذكر اسمها. قال الله تعالى [والذين يرمون المحصنات الغافلات الآيات كلها (2) ويروى ان ابا الدرداء لما بلغه ان عثمان
قد
سير
عفان بن ابا ذر قال: او قد فعلوها؟ ارتقبهم واصطبر (3) والذي نفس ابي
الدرداء بيده لو ان ابا ذر قطع يميني ما بغضته بعد حديث سمعته من رسول له يقول: ما اقلت الغبراء وما اظلت الخضراء اصدق ذي لهجة
من
اتفق
غيره من
1) اي هو ولي الله دئما وابداً وان اشرك لاستحالة تغير علمه تعالى لكن بعض المحققين أئمة الدين كالامام نور الدين السالمي يرى ذلك مقصورا على حالة الحياة وان علماء السلف علي اجراء الاحكام الظاهرية عليه كأن يفعل ما يوجب حدا او يرتد والعياذ بالله فانها تجرى عليه بحسب اتيانه لموجباتها فهي نافذة حكما ظاهريا على جميع من فعل اسبابها المناطة بها. اما اذا ما فارقت روحه الدنيا لزمنا ان نقطع انه مات على توبة مقبولة وان لم نطلع عليها لان الله لا يغفر ان يشرك به وقد اخبرنا ان هذا من اهل الجنة فبضم كل واحد من الخبرين الى الآخر يحصل القطع بانه مات على توبة من شركه. واذا قطعنا بذلك لزمنا تنزيله منزلة المسلمين فيجب الصلاة عليه ويجوز ميراثه ورثته المسلمين ودفنه فى مقابر المسلمين خلافا الجمهرة الاصحاب الذين نزلوه -- اذا مات على حالة شرك في الظاهر حيث نزل نفسه في احكام الظاهر كترك الصلاة عليه وعدم دفنه في مقابر المسلمين وعدم
-
ميراثه و لم يفرقوا بين حالة حياته وحالة موته. وانت خبير ان ماذهب اليه ذلك المحقق اکثر معقولية واقوم قيلا اهـ بتصرف من مشارق انوار العقول
النور: 23 - 26
القم
TV: (1/91)
صفحة 92
من ابي ذر (1) ومن سره ان ينظر الى عيسى بن مريم فى صدقه و وبره وزهده في الدنيا ورغبته في الآخرة فلينظر الى ابي ذر (2)، والله اعلم، وبه الحول
والتوفيق.
الفصل الثامن
في الجهات التي تصح بها البراءة
وهي اربع: (احداها) الاقرار من الفاعل انه فعل كبيرة من الذنوب او نصب الخطا دينا كان به على الله شاهداً (3) وفي شهادته عليه كاذبا، أو قطع عذر من خالفه، (الثانية) الشهادة للانسان البالغ المكلف على كبيرة من الذنوب، او صغيرة مصرا عليها. (الثالثة) شهادة عدلين ممن تقوم
الله
بهما الحجة في الولاية والبراءة (4). وقد روي ان جابر بن زيد رضي عنه سمع رجلين من اصحابه يتحدثان حتى ذكرا رجلان فلعناه فقال جابر: لعن الله من اعنتما فقالا كيف تلعن رجلا لم يثبت عندك لعنه؟
1) رواه ابن ماجة حديث عبدالله بن عمرو ولفظه عنده ما اقلت الغبراء ولا اظلت الخضراء من رجل اصدق لهجة من الى ذر 2) روى الحافظ الشيباني في حديث فضائل الصحابة عن انس قال قال رسول الله (ع) وارحم امتي بامتي ابو بكر الى ان قال ولا اظلت الخضراء ولا اقلت الغبراء اصدق لهجة من الى ذر. اشبه عيسى عليه السلام في ورعه فقال عمر (ض) اتعرف له ذلك؟ قال: نعم فاعرفوه له» رواه الترمذي واخرجه النسائي ايضا
وفى نسخة شهيدا.
4) وهذا القيد لاخراج الامين في الاموال فقط ولادخال العدل من العبيد مثلا. قال الامام افلح (ض). ولا يبرأ من المسلم مطلقا بشهادة الشهود حتى يكون حاضرا يدفع عن نفسه) والله اعلم.
- AY- (1/92)
صفحة 93
فقال: واي ثبات اثبت من اجتماعكما على لعنه؟. وروي ان ضماما (1)
رحمه الله كان
مع بعض المسلمين فذكر رجلا فنقصه فقال ضمام مه لا تفعل.
الله
الله
فقال الرجل برئ منه. فقال ضمام برئ منك. ثم انه تاب فاستغفر له ضمام. (والرابعة) الشهرة التي لاتدفع ومعنى ذلك ان من عرفه لا يعرفه الا بالسوء ومن جهله جهله فالاشتهار اعظم حجة. وحكي عن ابى الموثر (2) انه قال: «ان المشهور في الخير يتولى بغير شهود وكذلك
1) ضمام بن السائب البصري هو احد الائمة بالبصرة من طبقة التابعين اخذ عن الامام جابر ابي الشعثاء وهو من طبقة ابي عبيدة واحد شيوخه. وقضيته ان رجلا من اهل الولاية تبرأ من رجل من خيار المسلمين الخراسانيين في مجلس ضمام فتبرأ منه ضمام فقال له اتبرأ منى يا ضمام؟ قال له: انت احللت بي ما ترى الجاتني اليه، اترى انك تبرأ من رجل اتولاه واتولاك؟ بئس ما ظننت. قال استغفر الله واتوب اليه قال له ضمام: فغفر الله لك اهـ ابو اسحاق
قال المصحح كان ضمام متبحرا في العلوم وناهيك انه شيخ ابي عبيدة مسلم بن ابي كريمة الامام الثاني للمذهب، وكان رواية جابر حافظا لكتاب الله. سريع القراءة وما اخذ عن جابر اكثر مما اخذ عنه ابو عبيدة ذكر ابو العباس الشماخي عن ابي سفيان محبوب ان ابا الحر علي بن الحصين العنبري قال لابي عبيدة: (اقم للناس خمسة ايام بعد الموسم فابى، فقيل له: عليك بضمام فقال او عنده من العلم ما يكتفي به الناس؟ قالوا: وفوق ذلك فاتاه. فاقام للناس وكثر عليه السؤال وكان جوابه. سألت جابرا، وسئل جابر، وسمعت جابرا، وقال جابر.
(2) ابو الموثر هو الصلت بن خميس الخروصي) احد اعلام الاسلام الحصفاء في عمان وكان احد رجال الشيرى الذين قاموا ببيعة الامام الصلت بن مالك الخروصي بعمان (237 272) ومعصرا لمحمد بن محبوب وحملة العلم عن ابي عبيدة الى المشرق، وكان رحمه الله قوي لعارضة، مستحضر الحجة وان مواقفه ازاء مشكلة البراءة من المهنا بن جيفر وما تاج به خصومه لتدل على اصالة رايه وغزارة علمه وبعد نظره في سياسة الامة وله من التأليف كتاب لاحداث والصفات ذكر فيه الاحداث الواقعة في ايام الصلت بن مالك وكتاب البيان والبرهان». اما وفاته فالراجح انها كانت في اواخر القرن الثالث الهجري والبقاء الله وحده.
اهـ مصححه
- Ar- (1/93)
صفحة 94
المشهور في الشر تبرأ منه بغير شهوده ومن يبرأ برجل واحد فقد ضل وهلك. ومن عرف
بالصلاح او كان موقوفا عنه فشهد عليه بالكفر عدلان من المسلمين فانه يبرأ منه والله
اعلم.
الفصل التاسع
في استتابة المتولى اذا قارف كبيرة
واستتابة المتولى واجبة اذا قارف ذنبا صغيرا كان او كبيرا، ومن لم يستتبه فهو مثله ولكن استتابته من الذنب الصغير لا يكون بتضييعه كافرا والله اعلم. واذا عاين الرجل من المتولى كبيرة موبقة كالزنى والسرقة والربا والقتل وشرب الخمر وما اشبه ذلك من الكبائر الموبقة فانه يبرأ منه ثم يستتيبه فان تاب رجع في الولاية وان الى واصر ترك في البراءة. وقيل عن بعض مشائخ اهل المغرب من اصحابنا في المولى اذا قارف كبيرة انه يستتاب قبل البراءة فان لم يتب برئ منه الا في فاحشة الزنى فانه يبرأ منه في حين الفعل ثم يستتاب فان تاب رجع في الولاية وان اصر ترك في البراءة (1). واما من فعل كبيرة من اهل الجملة فانه يبرأ منه فان تاب قبل ان يبرأ منه فلا يبرأ منه بعد التوبة،، ولكن يرد الى حاله من الوقوف
1) وهذا القول في غاية من المعقولية لولا استثناؤه فاحشة الزنا من بين سائر الفواحش. و لم؟ اتكون اقبح من الربا مثلا؟ ولئن قال الله في حق الزنا: انه كان فاحشة وساء سبيلا فقد قال في حق الربا: يمحق الله الربا ويربي الصدقات. وقال وان لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله وهو اشد تهديدا في باب الوعيد وابلغ مما ورد في الزنى. ولو اطلق ولم يستثن لكان اقرب إلى روح التشريع اهـ مصححه (1/94)
صفحة 95
وقال من قال يبرأ منه ولا تقبل توبته (1) وعلى القول الأول ان سبقه الى التوبة قبل ان يبرأ منه فلا يبرأ منه، ولكن يرد الى الوقوف والله اعلم.
من
واذا استتيب المتولى من فعل الكبيرة ثم رجع اليها الى ثلاث مرات: قال: بعض يترك في البراءة. وفي بعض الكتب ان اقبل فاقبل عليه وان ادبر فادبر عنه. وهذا عندي اصح لان التوبة مبسوطة مالم يتغرغر العبد والتائب الذنب كمن لا ذنب له. فكما نعتقد ان الله يقبل توبته كذلك يجب علينا استتابته والله اعلم (2) وقد روي عن ابي عبيدة مسلم (3) رحمه الله انه قال «يستتاب حتى يكون الشيطان هو الخاسر»، وحكي ذلك عن علي بن ابي طالب. والمتولى بولاية البيضة قيل انه لا يلزمنا استتابته اذا قارف كبيرة (4) ومن فعل كبيرة فاستتيب منها فتاب ثم انكر بعد ذلك فقال: لم اتب قط مما فعلت متماديا مصرا فانة يبرأ منه، ومن اخذ من عالم واحد من فعل هذا الفعل يبرأ منه فقبل ذلك فانه يبرأ من كل من راه يفعل ذلك الفعل اذا كان عاقلا، وان لم ياخذ ذلك عن العالم فرأى من يفعله
ان
1) هذا باطل غير معقول وتشديد تاباه سماحة الاسلام. كيف وقد روى مسلم حديثا
شريفا ان من تاب قبل ان تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه
يؤيده ما ورد عنه
انه قال: ما اصر من استغفر وان عاد في اليوم سبعين
مرة رواه الترمذي عن ابي بكر. ولقوله (ع). ان الله لا يمل من التوبة حتى يمل العبد من الاستغفار، وقال (ع). تكلفوا من العمل ما تطيقون فان الله لن يمل حتى تملوا متفق عليه من حديث عائشة بلفظ: «كلفواه، وعن عائشة (ض) ان ها الله النبيء (ع) دخل عليها وعندها امراة قال؛ من هذه؟ قالت فلانة تذكر من صلاتها عليكم ماتطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا وكان احب الدين اليه مادام
قال: «مه
عليه صاحبه رواه البخارى.
سياتي التعريف به قريبا.
4) ولم ذلك؟ اليس ذلك من باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
— 10 — (1/95)
صفحة 96
فسال عن
ذلك العالم
، فافتاه بالبراءة منه فانه لا يبرا منه الا بامينين فبذلك
منه،
تقوم عليه الحجة وينقطع عذره والله اعلم، والمتولى اذا فعل كبيرة فاستتيب فقال تبت من جميع ذنوبي هكذا من غير قصد الى الذنب الذي فعله، فقيل لا يجزئه حتى يقصده فيما بيننا وبينه، وقيل فيه غير ذلك والله اعلم. والرجل المتولى اذا قال بريء مني فلان وفلان وهما متوليان فانه يبرأ وكذلك ان كان من اهل الجملة فانه يبرأ. منه، وان قال قد برئ مني فلان المتولى على غير ما استحق فقد رماه بكبيرة فلا مخرج للرامي من البراءة. فمن قال في شيء من الافعال ان هذا الفعل كبيرة او كفر، ثم فعله فهو الى البراءة اقرب، واذا قال برئت من واحد من هذه الجماعة وهم كلهم من اهل ولاية فهو هالك، وان كان بعضهم اهل وقوف فليس علينا منه شيء، والمتوليان اذا فعل احدهما فعلا لايدرى ما هو فبرئ منه على ذلك، وبرئ منه الفاعل ايضا فليس على السامع شيء حتى يتبين له المحق من المبطل، واما ان كان احدهما متولى آخر والمتوليان مع حجة على السامع والله اعلم
الآن
مسألة: وفي بعض اثر اصحابنا من اهل المشرق يقول فيه وقد ادركنا المسلمين يتبرعون من الناس على الأعمال المكفرة لهم ممن كذب الرسل ومن اهل الاحداث من اهل القبلة بما شهر معهم من قبيح آثارهم ومساوي اعمالهم التي استحلوا بها ما حرم الله ورسوله وان لم يشهدوا احداثهم، و لم يدركوا زمانهم، ولم يشهد معهم بها من تقوم به الحجة عليهم ولكن شهرة اعمالهم قامت عندهم مقام للعاينة منهم لها. واما من لم يشتهر معهم له اسم ولا عمل من اهل الانكار ولا من اهل الأحداث من اهل القبلة ولم تقم عليهم بذلك الحجة او شهرت معهم اسماؤهم ولم (1/96)
صفحة 97
يشهد احد باحداثهم كانت البراءة منهم موضوعة عنهم حتى تقوم عليهم الحجة، فاذا قامت عليهم الحجة بمعرفة اسمائهم واحداثهم لزمتهم البراءة منهم، ومن ذلك لو ان احدا لم يشتهر معه تكذيب قوم نوح عليه السلام ولا غيره من الرسل كانت البراءة عنه موضوعة حتى تقوم عليه الحجة كما قدمنا. وكذلك لو لم يسمع بأحد من اهل الاحداث في الاقرار من اهل القبلة ممن تقدمه او سمع بهم و لم يسمع باحداثهم الشاهرة عنهم او غيرهم ممن شهرت الأحداث منهم كانت البراءة منهم موضوعة عنه حتى
تشتهر معه اسماؤهم واحداثهم او تقوم عليه الحجة كذلك، او يشتهر معه فاذا كان ذلك فقد وجبت عليه البراءة منهم والله اعلم (1).
ذلك
1) ان البنت وراء احداث من سبقنا المتحقق من حالة اشخاص خاضوا في فتن منيت بها أمة الاسلام عبر تاريخها كفتنة الصحابة مثلا، ليس من وراءه فائدة ولا اثر محمود ينفع الأمة في مستقبلها بل بالعكس لا يزيد شملها الاتشتيتا. و شقة الخلاف بينها الا انفراجا. على ان التوصل الى الحقيقة التي تطمئن اليها النفس يصعب جدا مع مانراه في كتب التاريخ من تضارب اخبارها و اختلاف رواياتها وكثرة التدليس فيها عمدا او انسياقا مع الهوى او خضوعا للسياسة الغاشمة التي تصبغ الحوادث باللون الذي يخلوها. وعليه فالخير كل الخير للمسلم الذي يستبرئ لدينه وعرضه ان لايفني عمره في التنقيب عن هنات اشخاص اصبحوا فى ذمة التاريخ، وخير له ان يستغني عن ذلك ببراءة الجملة ويكل امر التفصيل الى من لا تخفى عليه خافية واذا كان الامام العادل افلح بن عبدالوهاب الرستمي يقول في كلمته الرصينة: الايبرأ من المسلم مطلقا بشهادة الشهود حتى يكون حاضرا يدفع عن نفسه، فمن اين لنا ان نحضر من تغلغل في احشاء القدم ليدفع عن نفسه؟
و المعلامة خلفان بن جميل السيابي من علماء عمان المعاصرين المتوفى (15 شعبان 1392) كلام نفيس في الموضوع جوابا عن سؤال وجه اليه نصه: ما بالنا نرى الأصحاب منقسمين في شان الصحابة بعد الفتنة: بعض يشدد، وبعض يتوقف، و بعض يوالي ومبدأ الولاية والبراءة عندهم واحد؟ قال رحمه: «اما القول في =
- AV.
- (1/97)
صفحة 98
الفصل العاشر
في حقيقة الولاية والبراءة وولاية الله في العباد
والفاظ الولاية والبراءة. وهذا الفصل ينقسم الى ثلاثة اقسام.
=
الفتن التي كانت نيرانها مشتعلة بين الصحابة ولاتزال فالخطب سهل. فتلك دماء طهر الله منها ايدينا فلنطهر منها السنتنا. تلك امة قد خلت لها ماكسبت ولكم ما كسبتم ولا تسالون عما كانوا يعملون فالصحابة كلهم عدول في الولاية قبل الافتراق. اما بعد الافتراق فمن توقف و لم يدخل فى الفتنة فهو على حاله في الولاية واما الذين دخلوا الفتنة واقتتلوا فاصحابنا الاولون حكموا على كل بما عاينوه فيه او صح عندهم. لكن طال الزمان وتساهل الناس في نقل ماكتبوا فقد قلت الامانة، وكثرت الاهواء وعم التعصب بسبب الجهل فلم يتحتم علينا التنقيب والبحث عن خفيات من مضى والستر مطلوب، وان ابيت الا ان تحتكم فاحكم فيهم بما تستيقنه
منهم
،
بلا ريب. واما ماتغيب او يخفى او ارتبت فيه فواجب عليك ان تتوقف ولا يجب علينا ان نقلد من سبق في ديننا بل لانحكم الا بعلمنا فيهم سيما والشك والتحريف محتملان في النقل عنهم كما قدمت لك. فلنكتف بولاية الجملة فيما غاب عنا علمه. نسأل الله ان يعصمنا ويلهمنا رشدا. اهـ ما اعذبه كلاما واعدله حكما فلقد وقف موقفا معتدلا ابان فيه عن صحة عقيدة واستبراء للدين والعرض اذ احترس عن الخوض فى قضية شائكة لا يؤمن فيها الزلق والزلل. ناهيك انها تتناول سلفنا الصالح ورعيلنا الاول الذي كان الواسطة بيننا وبين رسولنا الاعظم علا في تبليغ ما انزل اليه وتلقوه عنه. وقد تقادم العهد وكثرت الاهواء واختلفت الروايات فان من تامل حتى فيما سطره بعض تقات المؤرخين منا ومن غيرنا في قضية واحدة من قضايا تلك الفتنة الكبرى يجد بينها اختلافا كثيرا لإختلاف المصادر التي استقوا منها معلوماتهم فكانت السلامة حقا في الكف عن تعصف تلك المجاهيل. ولوان الذين خاضوا في هذه الفتن بالجرح والتعديل سيما الذين اسرفوا منهم في الطعن – تنزهوا وتوقفوا كما فعل علامتنا الجليل، وكرسوا حياتهم في اصلاح حاضر المسلمين وعملوا بالآية الكريمة: وتلك امة قدخلت لها ماكس ولكم ماكسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون لتجافينا كثيرا من الفتن والبلايا التي عانتها الامة عبر القرون ولاتزال. والامر الله عصمنا الله من الزلل وهدى الامة الى مافيه وحدتها وعزتها:
اهـ مصححه
- 88 - (1/98)
صفحة 99
القسم الاول
في حقيقة الولاية والبراءة
اعلم ان حقيقة الولاية كما قدمنا هي الموافقة في الشريعة لان الله تعالى امر المؤمنين ان يكونوا على شريعة واحدة فقال واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا» (1) والبراءة ايضا حقيقتها المفارقة للكفار. واكثر شروط رسول الله الا الله فيما بلغنا لمن اسلم على يديه ان يفارق المشركين ويكون مع المومنين (2) هذا نفس الولاية والبراءة وسائر ذلك توابع والله اعلم فكل ما جاز في الولاية من المحبة بالقلوب والتوادد بالجوارح وسائر حقوق اهلها الاسعاف والاستغفار والترحم وحسن المعاشرة والموافقة في الشريعة جاز
من
في البراءة مثله من البغض بالقلب والشتم باللسان والقطيعة وترك الاستغفار
لاهلها ومفارقتهم عليها لان ما جاز في شيء جاز في ضده خلافه باجماع لان من انعرى من محبة المسلمين ومودتهم لن
الأئمة فيما وجدت، من ينتهي دون بغضهم وهي البراءة. قال ابراهيم عليه السلام وبدأ بيننا وبينكم
العداوة والبغضاء» الآية (3) والله اعلم.
1) آل عمران: 103.
2 مصداق ذلك قوله تعالى: والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا». وقوله: «الم تكن ارض الله واسعة الآية. وقوله: و يا ايها الذين
آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين.
الممتحنه: 4
- 19 - (1/99)
صفحة 100
القسم الثاني
في ولاية الله في العباد
اعلم ان ولاية الله فى العباد العلم بما يستوجبون من الثواب وكذلك
عداوته العلم بما يستوجبون من العقاب، وفي جوابات الامام افلح بن عبد الله الوهاب رضي عنه يقول. وذكرت ما ذكر الله في القرآن مثل لقمان الحكيم ورجل مؤمن من آل فرعون وغيرهم ممن ذكر الله عز وجل في
القرآن
الله
: ان كانوا معصومين؟ فقال: بلغنا ان ابابكر الصديق رضي عنه قال:: مدح الله اهل الجنة بمحاسنهم وسكت عن مساويهم، وذم اهل النار بمساويهم وسكت عن محاسنهم. وأحسب انه قد روي عن جابر الله بن زيد رضي عنه مثل ذلك قال: «ان الله تعالى عادى فلم يوال ووالى فلم يعاد. وقد اتفق اهل التوحيد فيما بلغنا على ان الله تعالى موال
ومعاد
لم يزل، واتفقوا على ان الله لم يزل عالما بما كان وما يكون ان لو كان كيف كان يكون وانه لم يزل عالما باسماء اهل الجنة واسماء ابائهم وعشائرهم
وقبائلهم وليس عند اهل الصلاة فيما وجدت اختلاف في هذا
-
الأصل (1). واختلفوا بعد ذلك فزعم ابن الحسين والنكاث فيما وجدت
الجنة
حتى
1) يشهد لذلك قوله (الله): «فو الله الذي لا اله غيره ان احدكم ليعمل بعمل اهل ما يكون بينه وبينها الاذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل النار فيدخلها. وان احدكم ليعمل بعمل اهل النار حتى ما يكون بينه وبينها الاذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل الجنة فيدخلها من حديث ابن مسعود رواه الخاري ومسلم ـــ وفي حديث عبدالله بن عمر قال: خرج علينا رسول الله (ع) ذات يوم ومعه كتابان وهو قابض على كفيه قال: اتدرون ما هذان الكتابان؟ قلنا لا يا رسول الله، الله ورسوله اعلم، قال: والذي في يمينى فيه باسم الله الرحمن الرحيم
هذا كتاب من رب العالمين باسماء اهل الجنه واسماء ابائهم وعشائرهم وعددهم =
= (1/100)
صفحة 101
ان ولاية الله لأوليائه وعداوته لاعدائه تتقلبان على تقلب الأحوال في
عدوهم
اعمالهم: ان عملوا بالايمان فالله وليهم، وان عملوا بالكفر فالله على اي حال انقلبوا وكانوا بتلك المنزلة، فقالوا انهم يتحولون من علم الله الى علمه. وقال اصحابنا ومن وافقهم على ذلك ان ولاية الله وعداوته لاتتقلبان وان من علم الله انه يموت على الايمان فهو من اهل ولايته وسكان جنته، وان كان يعمل بالشرك في بعض الأحوال، وان من علم الله ان يموت على الكفر فهو من اهل عداوته وان كان يعمل بالطاعة في بعض الأحوال، واحتجوا في ذلك بان علم الله لا يتحول وهو قول ابي عبيدة مسلم (1) وغيره من اصحابنا ولا اعلم بينهم في ذلك اختلافا، وقد ذكرت
منهم
اجمالا
من
قبل ان يستقروا في الارحام اذهم في الطينة منجدلون فليس بزائد فيهم ولا ناقص الله تعالى عليهم الى يوم القيامة،. ثم قال: والذي في يساري هذا كتاب من رب العالمين باسماء اهل النار واسماء آبائهم وعشائرهم وعددهم قبل ان يستقروا فى الارحام اذهم. في الطينة منجدلون فليس بزائد فيهم ولا ناقص منهم. الله تعالى عليهم الى يوم القيامة ثم قال عبدالله بن عمر. فقيم العمل اذا يارسول الله فقال: اعملوا ولا تغتروا فكلكم ميسر لما خلق له. سددوا وقاربوا فان صاحب
من
اجمالا
له
اهل الجنه يختم له بعمل اهل الجنة وان عمل اي عمل. وصاحب اهل النار يختم ا بعمل اهل النار وان عمل اي عمله. قال المحشي: فذكر العدد في كل من الفريقين وانه ليس بزائد فيهم ولا ناقص منهم. وهذا مما يكذب القول بالخروج من النار لانه لو خرج واحد من اهل النار الحصلت الزيادة في اهل الجنة، والنقصان من اهل النار، ومما يدل ايضا على عدم المزيادة والنقصان قوله تعالى: «فريق في الجنة وفريق في السعيره فمن اراد الله له بالخير فنسأله به خيرا ختم
?
احسن الخاتمة آمين
اه
اهـ مصححه
(2) ابو عبيدة مسلم بن ابي كريمة التميمي: لئن قال الشاعر: والناس الف منهم كواحد وواحد كالف ان امر عنا فانا اقول: ان من الناس من يخلق اجيالا، ويحيي أمما، وينشئ دولا، ويسعد على يديه اقطار واوطان، ومن هؤلاء الامام التابعي ابو عبيدة مسلم بن ابي كريمة التميمي المشهور بالاعور وبالقفاف لانه يحترف صناعة القفاف ويرتزق بها هو =
-91 - (1/101)
صفحة 102
احتجاج كلا الفريقين مستقصى في كتاب شرح قصيدة الشيخ ابي نصر وبالله التوفيق (1)، (مسألة) ولاية العباد في الله قبول او امره بالامتثال وزواجره بالانتهاء والله اعلم.
=
وطلته وهي كما ترى ـ حرفة شريفة تسد الضرورة ولا تشغل عن اداء
الرسالة.
كانت مدرسة ابي عبيدة - رغم ما يكتنفها من مضايقات الحجاج ومعاكساته مصدر اشعار ديني اضاء مشرقا ومغربا فيالله ما ابركها على الاسلام. فقد تخرج منها العلامة البغطوري الذي عاد الى ليبيا وانقطع لنشر العلم تدريسا وافتاء، وظل فكان ساعده هناك مرابطا وبارك الله في عمره الى ايام الامام عبد الوهاب الرستمي الايمن في قمع الظالمين والمفسدين، كما تخرج منها العلامة سلمة بن سعد رائد الدعوة المحمدية الصافية من شوائب البدع والخرافات الذي طاف انحاء المغرب ودعا اقوامه الى الله فايقظ منهم عيونا غافية، واهاب بقبائل البربر الى الدين الحق والهب نفوسهم الى العلم والاكتراع من ينابيعه الصافية، والفت نظرهم الى مدرسة ابي عبيدة بالبصرة فكان من ثمرة هذه الدعوة المباركة ان التحق بها من اراد الله ان يعيد للاسلام بشاشته على ايديهم. أولئك هم حملة العلم الى المغرب الذين اسسوا دولتي ابي الخطاب بطرابلس والقيروان ودولة بني رستم بتاهرت، ومن خريجي مدرسته حملة العلم الى المشرق الذين انتزعوا عمان من ايدي الجبابرة واقاموا به امامة احيوا بها سيرة الخلفاء الراشدين، كما ازال مريدوه معالم الجور من اليمن وحضرموت، وعلى ايديهم وبمشورته كانت امامة عبدالله طالب الحق التي بسطت نفوذها على اليمن وسائر الحجاز وان لم يطل امدها. هذا بعض ما تم على يد ابي عبيدة مسلم وهو قليل من كثير وما احراه ان يسمى (جندي) الاسلام المجهول) ثم لاغرو ان يقول فيه الخليفة ابو جعفر المنصور اذ بلغه موته: او قد مات؟ انا لله وانا اليه راجعون، ذهبت الاباضية) وكانت وفاته فى خلافة ابي جعفر حوالي سنة 150 هـ رحم الله تلك النفس الكبيرة
والروح الجبارة التي دكت.
القاسطين ورضي صروح
الله عنه وارضاه. اهـ مصححه
1) يشير الى شرحه لقصيدة ابي نصر النونية التي مطلعها:
?
سلام على الاخوان في كل موطن بنجد وخيف والسهولة والحزن
وابو نصر هو فتح بن نوح الملوشائي النفوسي. قال الشيخ الشماخي: عالم فائق
و واعظ صادق، اخذ العلم عن خاله ابى يحي زكرياء بن ابراهيم وله عليه مرثية،
وكان لغو با قرض ما الفه شعرا: له النونية في اصول الدين شرحها الشيخ:
=
– 92 – (1/102)
صفحة 103
القسم
الثالث
فيما يجوز من الألفاظ في الولاية والبراءة وما لا يجوز
اعلم ان من وجبت ولايته فقد وجب تعظيمه وتوقيره على من تولاه، ويحب له مثل ما يحب لنفسه ويدعو له بالمغفرة والرحمة. وكذلك من وجبت عليه براءة و رجل فقد وجب عليه بغضه واهانته وتحقيره ولا يدعو له بدعاء الاخرة ولا بكل ما يستحق به المغفرة، ومن قال للمسلم يا عدو
الله
الله
دين
، او يا کافر، او يا ضال، او يا فاسق، او قاتلك الله، او ذمك، او لعنك الله، او اخزاك الله، أو أضلك الله، او اف لك، او سحقا لك، او بعدا لك او قبحك الله، او حشرك الله على شبه اليهود، او الكفر، وبالجملة ان الدعاء بالشر كله في الآخره براءة كان المدعو عليه حيا او ميتا، والدعاء الحسن كله في الآخرة ولاية كان المدعو له حيا او ميتا وكل دعاء كان ضرا في الدنيا لا يكون براءة ممن دعا به على احد. وكذلك كل. خير في الدنيا لا يكون ولاية ممن دعا به لاحد. وقال بعض العلماء الدعاء السوء على المسلم براءة لانه لا. پشتمه الا وهو يبغضه، قال لمن رأى منه الوفاء بدين يا مسلم، يا بار، يا مرحوم، يا شاب انك اصحاب الجنة فذلك ولاية ولا تجزئه وان قال اطال الله من بقاءك وعمرك فلا يجزئه ذلك الا ان قال في الجنة، وان قال آجرك الله الله عليك قبرك ونوره
و من
الله
فلا يجزئه حتى يقول اجر المحسنين، وان قال وسع
==
اسماعيل بن موسى (وهو الشرح المشار (اليه وله القصيدة الرائية في الصلاة وديوان قصائد بين فقهية ووعظية ومقامات نثرية بليغة على غرار اطواق الذهب للزمخشري تنم على علو كعبه فى اللغة والادب. وكان من علماء القرن السابع ممن يغلب عليه الزهد. وتأليفه تنضح بذلك رحمه الله
ورضي عنه.
اهـ مصححه
-
93
- (1/103)
صفحة 104
لك
وبرد ضريحك وهون عليك سكرات الموت وغفر الله ذنوبك فذلك ولاية وتجزئه، وان قال لمن يتبرأ منه يا ضال يا مشرك انك من اصحاب النار فذلك براءة ولا تجزئه. وان قال ضيق الله عليك قبرك فليس ببراءة وان قال اظلم الله عليك قبرك فذلك براءة، وان قال اذلك الله فلا يجزئه الا ان قال في الآخرة، وان قال نقش الله عليك الحساب فذلك براءة وتجزئه رئه، وان قال لمن يتولاه: يا مشئوم، يا منحوس فيه اختلاف. وفي بعض اثر اهل المشرق المحبة والترحم والبركة للمسلمين ولسائر الناس عافاك الله واصلحك، ولا يقال للمتبرئ رحب الله بك، واما مرحبا ففيه اختلاف، والأصح جوازه، ولا يقال لغير المتولى ايدك الله. ولا قواك، ولا سلام الله عليك، ولا حياك الله ولا بارك الله فيك. وذكر في كتاب الجهالات (1) عن بعض المشائخ ما يدل انه يرى الخروج من هذه العهده بالمعاريض. وذلك انه اذا بقوم وضع يديه على ركبتيه ويقول
الله
1) كتاب الجهالات تاليف الشيخ تبغورين بن عيسى بن داود الملشوطي من علماء القرن الخامس الهجري. اخذ العلم عن الشيخ ابى الربيع سليمان بن يخلف المزاني المتوفى سنة 471 هـ وعن الشيخ عبدالله اللنتي. وكان. كما قال الشماخي ـ من اعظم الناس قدرا واكثرهم علما واشدهم عملا: تعلم العلوم وعلمها واستفاد وافاد وطلب العلا فساده تخرجت عليه جماعة كانت لهم الصدارة في اوساطهم لأمن الرجال فقط بل حتى من النساء. كالعالمة عائشة بنت معاذ التي قيل عنها انها خير نساء اجلو بليدة اعمره ـ بلغت في العلم شاوا بعيدا وكانت تساجل العلماء وتناقشهم وكثيرا ما يكون الحق في جانبها، - كما ترك لناثروة علمية من التأليف القيمة في العقائد على الاخص تدل على نباهة شانه و علو درجته ككتابه في الكلام وكتاب الادلة والبيان في اصول الفقه. وابرز كتاب اشتهر به هو كتاب الجهالات المومى اليه كان موضع عناية من المشائخ لأهميته! شرحه الشيخ ابو عمار عبدالكافي التناوتي. والشيخ محمد بن يوسف المصعبي الملكي. والشيخ ابوستة محمد بن عمر القصبي الجربي المشهور بالمحشي. وشرحه اخيرا مجتهد الامة الشيخ محمد بن يوسف اطفيش. وبالجملة فقد كان الشيخ تبغورين حلقة في سلسلة ائمة الدين رحمهم الله اجمعين اهـ مصححه
- (1/104)
صفحة 105
اعانكم الله، قواكم الله. وفي كتب بعض المخالفيتنا ذكر عن بعض فقهائهم مثل ذلك. وذلك انه كان رجل له جار نصراني يقضي له حوائجه وينفعه فكان الفقيه يكثر ان يقول: ابقاك الله تولاك الله، اقر الله عينيك، يسرني والله ما يسرك، جعل الله يومي قبل يومك، ولا يزيد على هذه الكلمات فيبتهج النصراني بها وتسره عوتب الفقيه بذلك، فقال انما ادعو بمعاريض وقد علم الله ذلك من نيتي. اما قولي ابقاك الله وتولاك الله فانما اريد ان يبقيه لغرم الجزية ويتولاه بالعذاب، واما قولي اقر الله عينيك فانما اريد ان تقر بشيء يعرض لها فلا تتحرك جفونها. واما قولي يسرني والله ما يسرك فان العافية والله تسرني كما تسره، واما قولي جعل الله يومي قبل يومك فاريد ان يجعل اليوم الذي ادخل فيه الجنة برحمته قبل اليوم الذي يدخله النار بكفره.
وفي كتاب ابن جعفر (1) ومن كان في حد التقية جاز له ان يدعو لمن لا يتولاه بما يدعو به لاهل الولاية ويعتقد المعنى لغيره. وكذلك قيل اذا عزى من لا يتولاه في مصيبة جاز له ان يقول له عظم الله اجرك، وجبر مصيبتك ويجعل المعنى لغيره. وذكر في بعض الآثار عن محمد بن محبوب (2) مثل هذا في الصاحب والجار والرحم، وبالجملة ان كل من لا يتولاه لا يدعى
من
(1) المشهور بجامع ابن جعفر تاليف العلامة ابي جعفر محمد بن جعفر الازكوي من علماء القرن الثالث بعمان. والكتاب فى ثلاثة مجلدات. وفيه زيادات ابي الحوارى وغيره العلماء كابن المسبح جعلوا زيادتهم حكم الحواشي، وهو كما قال العلامة نورالدين السالمي كتاب مبارك نافع للخاصة والعامة، هذا وقد الف الامام ابو سعيد محمد بن سعيد الكدمي كتاب المعتبر، اعتبر فيه الاثار وتعقب به جامع ابن جعفر ففصل مجملاته واوضح مشكلاته واستخرج كنوزه فكان فى متناول ايدى الراغبين والحمد
رب
العالمين
2) سبق التعريف به.
اهـ مصححه
90 - (1/105)
صفحة 106
له برضاء ولا بالمغفرة وبما يكون نحو ذلك مما يستحق به الجنة الا ان اضطر الى ذلك بالتقية كما قدمنا لانهم قالوا ان في المعاريض لمندوحة عن الكذب (1) والله اعلم. وهدا باب ينبغي لذي الدين حفظه واتقان مخاريج
المعاني فيه.
الجملة الثالثة
في الوقوف
وهذه الجملة تتفرع منها ثلاثة فصول (احدها) في الادلة على فرض الوقوف ووجوبه، و (الثاني) في حكم الموقوف فيه من الاشخاص،
و (الثالث) في الافعال الموقوف فيها.
الفصل الاول
في الادلة على فرض الوقوف
قال الله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم (2) فيه تأويلان احدهما ان تقول رأيت ولم تر وعلمت ولم تعلم، و (الثاني) لاتتبع ما لا يعنيك وما ليس لك به علم، وقال تعالى ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا» (3) اي تثبتوا. وقال ايضا «قل انما حرم ربي الفواحش ـ الى قوله ـــ وان تقولوا على الله ما لا تعلمون» (4) فلما نهاهم عن القول بغير علم ثبت بذلك
-
1) يشعر تعليل المصنف ان في المعاريض لمندوحة عن الكذب انه من غير كلام الرسول والحال انه حديث رواه ابن ماجة في سننه.
(2) الاسـ راء: 31.
) الحجرات: 6
الاعراف: 2
الاعراف: 32 (1/106)
صفحة 107
انه امر هم بالامساك عنه لان النهي عن الشيء امر بضده. ومن الاجماع الذي لا مناكرة فيه ان الناس مع كل مكلف في خاصة نفسه فريقان احدهما مجهول الحال والآخر معلوم الحال، فمجهول الحال عند المكلف في وقوف الدين اللازم في كل مشار اليه بعينه لا محالة بل الحكم النقلي يشهد بان الامور ثلاثة: امر بان لكم رشده فاتبعوه. وامر بان لكم غيه فاجتنبوه، وأمر اشكل عليكم فكلوه الى الله (1)، وهذا الثالث هو الفريق المجهول. واما الفريق المعلوم الحال فصنفان صنف علم منه الخير وهو الموافقة في الدين بالقول والعمل فهذا هو الولي المستحق للولاية، وصنف علم الشر وهو المخالفة في الدين بالقول والعمل فهذا هو المخلوع المستحق البراءة والعداوة، وبهذا التقسيم صار الوقوف في الدين وهو معنى واحد يضادد الولاية والبراءة وهما معنيان متضادان من حيث ان الوقوف عن جهل والولاية والبراءة عن علم بخير او بشر فثبت بما اوردناه الاحتجاج الاصلي والنقلي ان الوقوف فرض لازم، ومعناه الامساك عن فضد الوقوف الامضاء كما ان ضد الامضاء الوقوف والله اعلم:
من
منه
الامضاء،
1) هذا من كلام عيسى عليه السلام رواه الطبراني فى الكبير باسناد لاباس به عن ابن عباس رواه بصيغة الأفراد: ان الامور ثلاثة: امر بان لك رشده فاتبعه وامر تبين
لك غيه فاجتنبه، وامر اختلف فيه فرده الى عالم.
97 (1/107)
صفحة 108
الفصل الثاني
في حكم الموقوف عنه
واعلم ان وقت وجوب فرض الموقوف عند معاينة شخص لايدرى منه كفر ولا ايمان، فالموقوف عنه من الاشخاص نوعان: (احدهما) كل شخص بالغ مكلف لا يعرف منه كفر ولا ايمان فالفرض فيه الوقوف عنه حتى يعلم حاله من خير او شر فيستحق حينئذ الولاية او البراءة، فمن امضى فيه الولاية او البراءة بغير علم فهو هالك. والنوع الثاني هم) اطفال اهل الشرك والنفاق فهم عند اصحابنا في حكم الوقوف حتى يبلغوا الحلم الايمان فيتولون او الكفر فيتبرأ منهم. وقد ذكرنا احكامهم
ويشاهد منهم
قبل هذا
مسألة: اختلف الناس في المتوليين اذا قتل بعضهما بعضا فلم يدر المحق منهما من المبطل. وفي المتلاعنين اللذين لم يعرف الظالم منهما من المظلوم اذا كانا متوليين. وفي كل من له اصل الولاية ثم احدث فعلا ولا يدرى ما هو: فقال بالوقوف فيهما جميعا لئلا نتولى كافرا او نتبرأ قال من
من مسلم فالوقوف فيهما جميعا اسلم. واحسب انه قول الناكثة وابن الحسين (1) وقال من قال بالولاية لهما على الاصل الاول: قالوا لان الله تعالى فرض الولاية علينا لمن اظهر لنا الوفاء بدينه، والبراءة ممن اظهر لنا خلافه فنزلت هذه البلية فلا مخرج لنا منها الا الثبوت على الاصل الاول
1) تقدم التعريف بالنكات وانهم هم الذين نكثوا بيعة الامام عبد الوهاب الرستمي وخالفوا الاباضية الوهبية في مسائل بل اصبحوا فرقة من الاباضية غير الوهبية -
اما ابن الحسين فقد سبق انه كان رئيسا لفرقة من الاباضية غير الوهبية تنتسب اليه
وهي
الحسينية
اهـ مصححه
98 - (1/108)
صفحة 109
اذ كان ثابتا بالعلم لانه او زال لثبت ضده من البراءة فأمضينا الولاية فيهما والله تعالى يحكم فيهما يعلمه، واظنه قول اصحابنا وهو اقيس لان اليقين لايزيله الا اليقين، والرجوع عن العلم لا يسع عند الجميع. وقد ذكرنا هذه المسألة والاحتجاج فيها لكلا الفريقين في شرح قصيدة الشيخ أبي
نصر (1) والله أعلم.
الفصل الثالث
في احكام الوقوف في الافعال الانسانية
من
فاعله
ثم
اعلم ان الافعال التي يكون حكمها الوقوف هي الافعال التي تصدر من اهل الولاية ولا يدرى ماهي كبائر او صغائر، فالحكم في كل فعل يصدر عمن له اصل الولاية ان يوقف عن الفعل حتى يدرى ماهو ويكون الولي الفاعل له على اصل ولايته المتقدمة، فاذا تبين له الفعل ما هو حكم على الفاعل بما يقتضيه فعله من كبيرة أو صغيرة، فاذا كان الفعل كبيرة موبقة بشهادة عدلين يشهدان ان هذا الفعل كبيرة يتبرأ يستتاب، وان كان صغيرة استتيب قبل البراءة، فاذا تاب قبل منه وان اصر برئ منه وبالله التوفيق. مثال ذلك ان يري الانسان متولى له على معصية شبه الزنى ولا يدري ما قول المسلمين فيه فيأتي اليهم فيقول ما تقولون في رجل ممن تتولونه رأيتموه يزني ماهو عندكم؟ ولا يقول رايت فلانا يزني لانه اذا قال ذلك برئوا منه لانه رمى متولاهم بكبيرة. فاذا سألهم كما وصفنا فاذا اخبروه انه يبرأ منه بريء منه ويكون انما يقف حتى
1) وهذه المسالة مشهورة فى كتب الاصحاب بمسألة الحارث وعبد الجبار وقد تقدم التعريف بالشيخ ابي نصر والاشارة الى قصيدته وشرحها.
99 - (1/109)
صفحة 110
يسأل ويكون من برئ منه عنده مسلما اذا كان اول من يلقاه فيسأله عنه فيقول له هو كافر وليس له ان يتبرأ من الذي قال: هو كافر ولكن يتولاه ويقول انا سائل فاذا اقامت عليه الحجة برئ منه،، وهكذا يحترز في سؤاله عن هذه المعصية وما يشبهها وبالله التوفيق.
مسألة:
: وعن ثلاثة نفر راوا رجلا من اهل ولايتهم قارف ذنبا مما يسع جهله وهو كبير في الوصف ولا يدرون ما يبلغه ذلك فتوقف فيه احدهم وتولاه الآخر وتبرأ منه آخر ايضا على ذلك الفعل. الجواب فيه
—
ان الذي تولاه على فعل كبيرة والذي وقفه فيه واخرجه من الولاية ضالان واما الذي تبرأ منه فقيل انه اخطأ خطأ لا يهلك به، وقيل انه يهلك بتقدمه في البراءة منه برأيه والله اعلم. والذي ينبغي في هذا وفي كل فعل لا يدرى ماهو اذا كان من فعله من اهل الولاية ان يكون على اصل ولايته حتى
يتبين فعله ذلك وما يبلغ به فاعله كما ذكرنا قبل هذا والله اعلم
مسألة: ومن وقف في الناس كلهم. او تبرأ منهم كلهم، او تولاهم كلهم فهو مشرك لان من وقف فيهم كلهم فقد وقف في الانبياء والرسل وكذلك الولاية والبراءة على هذا الحال. والسامع يعذر في الولاية فيما وجدت في الاثر. واما الوقوف والبراءة فعليه ان يبرأ منه والله اعلم. ومن تبرأ من الجنس المعلق بالصفة كالعمى او البكم او المعلق الى الصفة كالحياكه والنجارة فيتبراً الحياكين او النجارين او ما اشبه ذلك فقد كفر لانه
من
كمن تبرأ منهم على صنعتهم، واما ان قال تبرأت من بني آدم، او المسلمين الا ان لم يحل لي فذلك من اخلاق السوء. وقيل يبرأ منه، وان قال تبرأت الانبياء والرسل الا ان لم يحل لي ذلك فقد اشرك، لان علينا ولايتهم من جملة. ومن تبرأ من الاطفال والبهائم فقد كفر. وكذلك جميع من لا تجري
11 (1/110)
صفحة 111
بيننا وبينه ولاية ولا براءة من جميع الاشياء والله اعلم. والرجل الصالح اذا مات على الوفاء فشهد عليه امينان بالكفر: فقيل يبرأ منه، وقيل من
مات على الوفاء لاتقبل فيه شهادة الشهود. وفي جوابات الامام افلح رضي انه لا يبرأ من المسلم وان شهد الشهود على براءته حتى يكون
الله
عنه
حاضرا يدفع عن نفسه والله اعلم.
(فصل) مسألة
:
من حكى عن متولى كبيرة فانه يبرأ من الحاكي
وكذاك اهل الجملة اذا حكوا عن متولى كبيرة او برءوا منه فانه يبرأ منهم جميعا. وان حكى متولى عن رجل من اهل الجملة كبيرة او تبرأ منه فليس علينا منه شيء الا ان حكى الشرك او الزنى. وان حكى متولى عن متولى كبيرة فانه يبرأ من الاول اذا كانا من اهل الولاية لقول الرسول عليه السلام اذا قال الرجل لصاحبه يا كافر فقد باء بالكفر احدهما والبادئ اظلم (1) واما ان قال له يازان فقال له انت الزاني فانه يبرأ منهما جميعا وسواء في هذا كانا متوليين او غير متوليين او احدهما متولى والآخر من اهل الجملة وعن رجلين متوليين قال احدهما لصاحبه احدنا كافر اما انت واما انا فانه يبرأ. منه بذلك القول سواء فى هذا المعنى كانا اثنين او جماعة. اذا قال واحد من هذه الجماعة كافر او انا، وقال واحد منهم كافر اذا كانوا كلهم اهل ولاية فانه يبرأ منه لهذا القول متولى كان او غير متولى. وان قال هذا لغير اهل الولاية فليس علينا منه شيء. واما في باب الدعاوي وما يقع من الخضم لصاحبه في تلك الحالة فلا يبرأ منه. مثال ذلك اذا
1) رواية الربيع عن ابن عباس، من قال لاخيه يا كافر فقال له: انت كافر فقد باء بالكفر احدهما والبادئ اظلم، قال الربيع: استحق اسم الكافر دون صاحبه لقوله له يا کافر
-1·1 - (1/111)
صفحة 112
ادعى رجل على رجل عند الحاكم انه قتل وليه بالتعدية، او جرحه. او
ظلمه -
او اكل ماله، او افسده، او بغى عليه فانه لا يبرأ من المدعى عليه بهذا سواء كان متولى او غير متولى، وكذلك الشهود اذا كانوا من غير اهل الولاية، واما اهل الولاية فانه يبرأ منه اذا كان الذي شهدوا عليه مما يستحق به المشهود عليه البراءة. وكذلك المشهود عليه اذا شهدوا عليه بالزور فانه يبرأ منهم، وكذلك المدعى عليه بما ليس عليه يبرأ من المدعي، ولا يبرأ من المشهود عليه اذا قال للشهود شهدتم علي بالزور، او قال للمدعي ادعيت علي بما ليس لك على، او قال للحاكم حكمت على بالجور فليس علينا ايضا منه براءة، واما الشهود والحاكم فانهم يبرءون منه اذا لم يكونوا كما زعم، واما اذا قال للشهود انتم شهود الزور، او قال للحاكم انت حاكم الجور فانه يبرأ قال الناس كلهم عندي في الولاية و من منه ما يبرأ به فانه يبرأ ممن قال ذلك. ومن رأى من رجل
منه.
الا من ظهر كبيرةت فتبرأ منه ثم رءاه فعل كبيرة اخرى فليس عليه اعادة البراءة سواء كانت الكبيرة شركا او نفاقا. ومن تولى رجلا من اهل الكبائر على خصلة
واحدة من الطاعة فقد كفر والله اعلم وبه التوفيق.
- 102 (1/112)
صفحة 113
الباب الثالث - من الركن الأول
في الملل الست واحكامها (1)
اعلم ان هذا الباب يشتمل على ثلاث جمل من الأحكام (احداها) في احكام ملة الاسلام، و (الثانية) في احكام ملل اهل الشرك والاصنام
و (الثالثة) في القواعد والاركان التي يبنى عليها الدين والاسلام الجملة الأولى: في احكام ملة الاسلام، وهذه الجملة تحتوي على مقدمة تجمع القول في الملل السنت وعلى فصلين مختصين في احكام المللة الاسلامية، (اما المقدمة (فهو ان الله تعالى خلق الخلق للعبادة وسبقت كلمته في اهل الشقاوة منهم والسعادة، ثم اظهر محنته على ابليس اللعين والملائكة في امره لهم بالسجود لآدم المختص بالكرامة فسجدت الملائكة اذعانا بالطاعة وابى ابليس من السجود استكبارا وانفة، واظهر الاصرار ركونا إلى المعصية، فصارت الطاعة من الملائكة اصلا للمطيعين إلى يوم الدين، وصارت المعصية من ابليس اللعين اصلا للعاصين من الجن والانس اجمعين. ثم ان الله سبحانه امتحن آدم لنهيه اياه عن اكل الشجرة فعصاه إذ اطاع زوجته وهواه حين
1) الملل الست
-
قال الشيخ ابو اسحاق اطفيش في مقدمة التوحيد تعليقا على هذه المسالة: اعلم ان مسألة الملل من جهة الايمان من اخمل المسائل واعجزها ان تكون ذات شأن يعتبر في رياض الايمان والكمال الاسلامي - الى ان قال ـ ونرى ان ابا نضر رحمه الله يقول: لقد شددوا في جاهل الملل الاولى فاعتبر قولهم فيها من قبل الايمان تشديدا. وفى هذه الكلمة من مغزى لا يخفى عن اللبيب ـ ورحم الله شمس الدين ابا يعقوب اذ يقول عن هذه المسالة في كتابه الدليل: واما حكاية الشيخ يعني علم الدين ابا الربيع سليمان بن يخلف ان، لا يسع جهل الملل وهم اليهود والنصارى والصائبون والمجوس والذين اشركوا. فهذه ابعد من هذه المسائل كلها واخمل و لم تبلغ درجة اليهود والنصارى والمجوس والذين اشركوا ان يقرن الله الايمان به بالايمان ذلك الخ الخ. اخس من بل هم بهم
-
اه
مصححه
- 1. — (1/113)
صفحة 114
دلاهما ابليس بالوسوسة والغرور فأهبط
خمسة
الله الجميع من الجنة دار السرور الى مستقر الارض ومظان الثبور بعد ان جعلهم اعداء متفرقين واحزابا متباغضين فشرع الله له الاسلام دينا ارتضاه للعباد الى التناد بعد ان يوم تاب عليه وهداه الى سبيل الرشاد فبعث رسله دعاة الى دينه جميع الخلق وبث ابليس جنوده سعيا وعنادا في مخالفة الحق بعد ان شرع لهم أديان تحتوى على الكفر والعصيان فانزل الله ذلك في كتابه فقال: «ان الذين آمنوا هم اهل التوحيد من اهل ملة الإسلام «والذين هادوا» يعني اليهود من اهل ملة. موسى عليه السلام والصابين» هم قوم يعبدون الملائكة ويقرءون الزبور ويصلون الى القبلة، وقيل عن ابن عباس انهم قوم بين اليهود والنصارى اختاروا مطايب التوراة ومطايب الانجيل فقالوا اصبنا دينا. وقيل هم قوم بين اليهود والمجوس لان من دين المجوس القول بالتثنية وهو قولهم هرمز خالق للخير والاشياء الجميلة والشيطان خالق للشر والاشياء القبيحة. والصابئون ايضا قوم يقولون فيما بلغنا بالتثنية: نور وظلام، والقول عند اصحابنا انهم قوم يقرءون الزبور كما قدمنا والنصارى» وهم اهل ملة عيسى عليه السلام والمجوس» وهم عبدة النيران والشمس والقمر والنجوم وينكحون ذوات المحارم ويأكلون الميتات من البهائم والذين اشركوا وهم عبدة الاصنام من اهل اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى، إن الله يفصل بينهم يوم القيامة» الآية (1) فجميع افتراق اهل الشرك والمذاهب المحمدية. اصلها من اهل الملل الست المذكورة وتنحصر افعالها الى ثلاثة اشياء: ايمان ونفاق وشرك. كما ان اسماء فاعليها ثلاثة اسماء: ففاعل الايمان يسمى مؤمنا بثلاثة اركان: نطق باللسان
1) الحج: 17
11.?1 (1/114)
صفحة 115
و اعتقاد بالجنان وعمل بالاركان، وفاعل النفاق يسمى منافقا مقرا باللسان والجنان مضيعا للأركان، متصفا بالنفاق بتضييع فريضة او انتهاك حرمة
موبقة، وفاعل الشرك يسمى مشركا بالجحود والانكار. والاصل في هذا قول الله جل ذكره انا عرضنا الامانة على السموات الآية (1) ثم اخبر عن احوال الناس فيها فقال اليعذب الله المنافقين والمنافقات اهل الجحود
الله
والانكار ويتوب على المومنين والمومنات (2) اهل الصدق والوفاء بالقول والعمل وبالله التوفيق.
مسألة: قال اصحابنا معرفة الملل واحكامها واجبة على كل مكلف في اول حال بلوغه وشددوا فيمن جهلها ان يبلغه ذلك الى الشرك، ومن العلماء من يقول علينا معرفة المجوس انهم مشركون ومن لم يعلم ذلك
اشرك. واختلفوا في اليهود والنصارى فقيل علينا ان نعلم انهم كافرون.
ومن لم يعلم ذلك اشرك، وقيل يعلم انهم مشركون ومن لم يعلم ذلك كفر. والله اعلم واحكم
الفصل الاول
في حكم ملة الاسلام
وهي (3) (3) قسمان (احدهما) في حكم مذهب اهل الوفاق (والثاني) في حكم اهل الخلاف. اما حكم اهل الوفاق فنوعان اهل ولاية وأهل براءة: اما اهل الولاية فالحكم فيهم اجراء جميع حقوق المسلمين عليهم
1) الاحزاب: 72.
(2) الاحزاب: 73
"
الاولى وهو
قسمان
1.01 (1/115)
صفحة 116
المودة والاستغفار والنصيحة والتعاون على البر والتقوى وصرف الأذى من عنهم وتحريم بغضهم واغتيابهم وغير ذلك من جميع ما لا يجوز عليهم ظاهرا وباطنا. واما اهل البراءة فالحكم فيهم اذا صحت براءتهم بمعاينة، او اقرار، او بينة، او اشتهار اجراء الحدود عليهم من الزنى والقذف من الجلد والرجم وقطع الايدي من السرقة مع ابطال شهادتهم، وتجريح عدالتهم: وتحليل مناكحتهم وموارثتهم، واجراء حقوق الموتى عليهم، واخذ الزكاة من اغنيائهم ووضعها في فقرائهم، والحج معهم، واشهادهم على النكاح والتسوية بيننا وبينهم في القود والقصاص والدية، فان صدر البغي والفساد منهم دعوا الى ترك ذلك واعطاء الحق والانصاف، فان اجابوا الى الحق اقيمت عليهم الحدود مع غرم المتلفات ورد التباعات وفي الانفس القود والديات بخلاف المحاربين وقطاع الطرق التائبين قبل القدرة عليهم. وان ابوا من الرجوع الى امر الله والكف عن الفساد بعد الاعذار قوتلوا حتى يفيئوا الى امر الله. ولا يغنم لهم مال ولا يسبى لهم اهل ولاعيال. وان انهزموا لم يتبع مديرهم ولم يجهز على جريحهم، ولا يحل الفرار منهم في
حال
حربهم
التوفيق.
الا متحرفا لقتال او متحيزا الى فئة، وقال:
الم الدين
وبالله
واما الحكم في اهل خلاف الملسمين فانهم يدعون الى ترك ما به ضلوا من اعتقد البدع والبراءة من الائمة الذين ابتدعوها لهم، والدخول في ديننا وولاية ائمتنا ومن تولوه والبراءة ممن تبرءوا منه، فإن فعلوا ذلك فهم إخواننا لهم مالنا وعليهم ما علينا، وان امتنعوا من ذلك وسفهوا مقالتنا دعوناهم إلى رفع واجب الحقوق الينا والاستسلام لاحكامنا واقامة الحدود عليهم كما نقيمها على اهل مذهبنا فان اذعنوا لذلك تركناهم وما هو من غير اكراه على شيء من الدين مع تحليل جميع ما يحل من اهل مذهبنا المناكحة والذبائح والموارثة والمدافنة وغير ذلك
منهم من
عليه
11.7 - (1/116)
صفحة 117
من حقوقهم. واجازة شهادة العدول منهم في الاحكام خصوصا دون الولاية والبراءة والحدود وما فيه تكفير للمسلمين، وقيل في كتاب عن ابي المؤثر (1) اذا قهرونا جازت شهادتهم وان قهرناهم لم تجز شهادتهم. ويجب لهم من الحقوق ما يجب لنا ويجب عليهم ما يجب علينا الا الولايه والاستغفار فليس لهم فيها حق ماداموا متمسكين بضلالتهم كما قال ابوسفيان الله (2) ليس بيننا وبين قومنا الا منزلتان البراءة
محبوب بن الرحيل
رحمه
منهم عند المعصية والخلع لهم على خلافهم وما ركبوا من المعاصي، واستحلال دمائهم عند المباينة بعد دعائهم الى الحق والعمل به، وما سوى
ذلك
الله
من الامور التي اجرى بين المؤمنين من المناكحة والموارثة واكل
الذبيحة والقصاص وقبول الشهادة اذا لم يتهموا والصلاة عليهم فهذه الامور جائزة بيننا وبين قومنا بدين، وكذلك عن ابي ايوب (3) عن ابي عبيدة مسلم بن ابي كريمة رحمهما الله انه قال: للمثنى بن معروف (4) اخي
1) تقدم التعريف به.
(2) تفـ دم.
عنهم
:
3) ابو ايوب هو وائل بن ايوب الحضرمي من خريجي مدرسة الربيع بن حبيب وعالم حضرموت في وقت تزخر فيه بالعلماء النحارير، وقال وائل نفسه متحدثا ادرکت بحضرموت رجالا ان كان الرجل منهم لوولي على الدنيا كلها لاحتمل ذلك في عقله وحلمه وعلمه وورعه. كان ابو عبيدة الصغير عبد الله بن القاسم الجلالة
قدره وعلو كعبه في العلم اذا سئل ربما اجاب عليكم بوائل فانه اقرب عهدا بالربيع.
اهـ مصححه
هو المثنى بن المعرف من علماء القرن الثانى وكان تقيا فاضلا وداعيا الى الله، اخذ العلم عن ابي عبيدة وصاحب الربيع وكان ذا منزلة سامية عند ابي عبيدة لذلك ارتضاه
ان يصحب الربيع الى موسم الحج وان راجعه المثنى في ذلك قائلا: «ماكنت لا فعل. اخرج مع الربيع والربيع غاية في فضله وسنه وعلمه، فما اشير عليكم ان تبعثوا غلاما حدثا مثلي - وفى الربيع كفاية فازداد محبة بقوله في نفس ابي عبيدة وازداد عندهم رضا فخرج الربيع وحده.
اهـ مصححه
،
- 1 • Y- (1/117)
صفحة 118
هو
شعيب بن معروف الشعبي (1): ما تقول في محمد بن سيرين والحسن في التزويج والطلاق اكنت تجمع وتفرق بشهادتهما قال نعم قال ابوعبيدة نعم ذلك، ويجب لاهل الخلاف ايضا حقوقهم من الفيء، والغنائم والصدقات اذا كان امام العدل تؤخذ منهم وتوضع في فقرائهم ايضا، ولهم ايضا على المسلمين دفع الظلم عنهم كما يدفعونه عن بعضهم. ومن امتنع منهم من اجراء حقوق عليه ادبه بما يقمعه وان جاوز ذلك الى المنع والمكابرة حل قتاله واستبيح دمه، ويمنعون من اظهار جميع المناكر واحداث امر لم يكن قبل ذلك. وان امتنعوا من طاعة الامام العادل واجرائه واجب الحقوق عليهم قاتلهم امام المسلمين حتى يذعنوا بعد الدعوة والاعذار. وان انهزموا فلا يتبع مديرهم ولا يجهز على جريحهم الا ان كانت لهم فئة يرجعون اليها، ولا يحل منهم سبي عيال ولا عنيمة مال، ولا يحل منهم غير قتالهم والبراءة منهم وبالله التوفيق.
مسألة: وتحل الدماء بالظلم والابتداء به كما قال عز وجل اذن
-
1) شعيب بن المعرف هو ــ اخ المثنى السابق الذكر. من العلماء الذين اخذوا العلم عن العزيز، وحاتم بن منصور، وسهل بن صالح. راي ابو عبيدة ان الحق فيها مع الربيع فانكرها عليهم وطردهم من المجالس واتوا حاجبا والربيع فتابوا وأعادهم الى المجالس - ثم اظهروها في ايام الربيع وتمادوا عليها وكذلك مخالفة عبدالله بن يزيد وعيسى بن عمير. قال الامام افلح فى حق هؤلاء نقلا عن الشماخي قال. وفى جواباب الامام افلح وقد سئل عن ابي المؤرج و ابن عبد العزيز فقال. وقعت منهم مسائل معروفة فلم يؤخذ بقولهم في تلك المسائل. واما غيرها فما فيه اختلاف من راي اصحاب النبي الله و اختلاف فقهاءنا فلا يدفع اسنادهم وهم بمنزلة من سواهم من المسلمين. واما البراءة قال: لم يكن عند المسلمين يعني ابن عبد العزيز - محمودا وهو الى البراءة اقرب وسيأتي مزيد كلام في ترجمة ابن عبد العزيز.
-
اهـ مصححه
- 108 - (1/118)
صفحة 119
للذين يقاتلون بانهم ظلموا الآية (1)، وتحل باظهار النفاق والارجاف في الناس كما قال الله سبحانه لئن لم ينته المنافقون» الى قوله «وقتلوا تقتيلا (2)
وتحل بالطعن في الدين كما قال الله تعالى «وطعنوا في دينكم فقاتلوا ائمة الكفر» الآية (3) وتحل بقتل النفس بغير حق كما قال الله تعالى «ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا (4)، وتحل بالسعي في الارض فسادا كما قال الله تعالى «انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله» الآية (5) واجمعت الأمه فيما وجدت على تحليل الدماء بتبديل الاحكام. وروي ان الامام عبدالوهاب رضي الله عنه (6) انه قال: سبعون وجها تحل بها الدماء فاخبرت منها لأبي مرداس (7) بوجهين فقال: من اين هذا؟ من اين هذا؟ وفي كتاب سير المشائخ ان الامام كان يقول: ان عندي اربعة وعشرين وجها تحل بها دماء اهل القبلة ولم تكن منهم عند ابي مرداس رحمه
الا اربعة اوجه وقد شدد علي فيهم، والله اعلم واحكم.
الله
1) الحج: 39
2) الاحزاب: 60، 62
3) التوبة: 12.
) الاسراء: 33.
(°
المائدة: 33
(6) تقدم.
(7) ابو مرداس مهاصر السدراتي من علماء القرن الثانى، بلغ في العلوم شاوا بعيدا. وفي العمل بما علم منزلة لا يبلغها الا افذاذ العصور. آمراً بالمعروف ناهيا عن المنكر لا يخاف في الله لومة لائم يلازم ذوي السلطان ويلطف من عنفهم في استخراج الحق، ويقف لهم دون ان يصدر منهم باطل، لا يبتعد عن مجالس الحكم خوفا من ان يقع ظلم. وكان اصحاب السلطان يعرفون منه هذا فكانوا لا يصدرون الا عن رضاه، صاحب الامام عبد الوهاب سبع سنين مدة اقامته بليبيا، وكان يحاسبه حساب المؤمن الحريص على دماء المسلمين واموالهم. وفيما اورده المصنف رحمه لدليل على في عمره فلازم عماله بعده كايوب بن العباس وابي عبيدة عبدالحميد، والعباس وكان يراقب احكامهم واحوالهم بعين عقاب حتى في زمن ضعفه وشيخوخته و من اراد دراسة حياة هذا العالم البطل باستفاضة فعليه بكتاب الاباضية في موكب التاريخ) للاستاذ علي يحي معمر ففيه تحليل بديع وكلام ممتع اهـ مصححه
ذلك
مد الله
-1.9— (1/119)
صفحة 120
الجملة الثانية
فى احكام ملل اهل الشرك والاصنام
وهذه الجملة تحتوي على ثلاثة اقسام.
[القسم الاول] في احكام الملل الثلاث وهم اليهود والنصارى والصابئون والقسم الثاني] في احكام المجوس. [والقسم الثالث] في احكام
عبدة الاصنام.
القسم الاول
اعلم ان اليهود والنصارى والصابئين هم اهل كتاب واحكامهم واحدة وذلك انهم يدعون اولا الى الدخول في الاسلام (1). واختلف في كيفية دعوتهم فقيل يدعو الامام من اهل القرى الأمراء. واما اهل البادية فانهم يدعوهم واحدا واحدا. وقيل يدعو المنظور اليه منهم والرؤساء كاهل القرى وان لم يعلم لغتهم فانه يترجم لهم بأمينين وقيل: بواحد، فان قبلوا دعوته ودخلوا الاسلام فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وان ابوا من الاسلام دعوا الى اعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون. فان اعطوها
1) يعني لا يجوز قتالهم الا بعد الدعاء الاسلام، فلو قاتلوهم وسبوهم من غير دعاء فانهم يردونهم الى مأمنهم، قال فى السؤالات فان قيل ما الدليل على ان المشرك لا يقاتل حتى يدعى الى الجملة فقل: روي عن النبي (ع) (انه) بعث سرية فقال:: يا علي لا تقاتل القوم حتي تدعوهم وتنذرهم وبذلك امرت وقال وجيء باسارى من حي من أحياء العرب، فقالوا يارسول الله مادعانا احد ولا بلغنا فقال الله؟ فقالوا الله. فقال، «خلوا سبيلهم حتى تصل اليهم دعوتي فان دعوتى تامة لا تنقطع الى يوم القيامة ثم تلا رسول الله (ع) هذه الآية: واوحي الي هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ أإنكم لتشهدون الى اخر الاية اهـ.
-11 - (1/120)
صفحة 121
نهي حين
قبلت منهم وتركوا على ماهم عليه. وتحل منهم تلك الجزية، واكل ذبائحهم ونكاح الحرائر المحصنات منهم دون الاماء والمسافحات. وقد الله اتفق الناس على هذا الا ما روي عن عمر رضي عنه انه تزوج حذيفة كتابية فنهاه عمر، فقال حذيفة: اتشهد انها حرام؟ قال انى اذا لظنين الشهادة وذلك منه نهى تأديب. اراد ان يتنزه المسلمون عن الكتابيات حين كثرت المسلمات. فان امتنعوا من الجزية مع الامتناع في الدخول في الاسلام ناصبهم الامام الحرب فاستحل بذلك سبيهم وغنيمة اموالهم وسفك دمائهم وحرم اكل ذبائحهم ونكاح الحرائر من نسائهم فان خضعوا للامام قبل القتل فكل ما صالحهم عليه فليؤدوه ولا يجاوزوا اليهم غير ذلك. وقال بعض العلماء اذا اذعن اهل الكتاب للجزية فلا يتزوج المسلم منهم حتى يشترط عليها خمسة شروط: ان لا تشرب الخمر، ولا تأكل لحم الخنزير، ولا تعلق الصليب، وان تغتسل من الجنابة، وتحلق
العانة
القسم الثاني
في المجوس
واحكامهم ايضا كاحكام اهل الكتاب حذو النعل بالنعل الا في الذبائح ونكاح الحرائر منهم فهما على التحريم ولو مع اعطاء الجزية، والاصل في هذا حديث النبيء عال من طريق عبد الرحمن بن عوف
رحمه
الله
انه
عليه السلام قال: سنواى بهم سنة اهل الكتاب (1): فان ابوا من الاسلام ا وتمام الحديث: وغير اكلي نائحهم، ولا ناكني نساءهم.
قال عمر بن الخطاب: ما اخذت الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف ان رسول الله (ع) اخذها من مجوس هجر، وقال: «سنوابهم سنة اهل الكتاب وكذا اخذها ابو عبيدة بن الجراح من اهل البحرين بامر رسول (صلى الله عليه وسلم)
وهم مجوس اهـ وفاء الضمانة
111 (1/121)
صفحة 122
والجزية قوتلوا وسبوا وغنموا الا ما ادوا عليه الجزية في حال مصالحتهم فلا يغنم ولا وكذلك اهل الكتاب على هذا الحال والله اعلم يسبي
القسم الثالث
في احكام عبدة الأوثان من اهل اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى
فاما الحكم في اهل الأوثان فانهم يدعون الى الاسلام فان ابوا قوتلوا وسبوا وغنموا ولا يقبل منهم صلح ولا جزية بعد قول الله تعالى «اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم» الآية (1) واما اهل مكة من المشركين فلا يسبون الحرمة النبيء عليه السلام. وقيل جميع العرب (2) والله اعلم. وقال النبيء عليه السلام في المشركين لاتتراءى نارهم الا عن حرب (3)، والله اعلم.
مسألة: واختلفوا في مقدار الجزية فقيل ذلك الى ما يرى الامام.
1) التوبة: 5.
(2) قال الامام السالمي حجة من قال: الاسترفاق ينال كل مشرك وان كان عربا من ولد اسماعيل قوله (عليه واله): (من صام يوم عاشوراء كان كفارة لستين شهرا وعتق عشر رقبات مومنات من ولد اسماعيل (ع. م) فان فيه اشارة الى استرفاق العرب اذا اشركوا حتى ولد اسماعيل: اهـ مصححه. (3) رواية ابي داود: المؤمن والمشرك لاتتراءى نارهما، وروى الترمذي من حديث جرير: وانا برئ من كل مسلم يقيم بين اظهر المشركين قالوا يا رسول الله: لم؟ قال: ولاتتراءى نارهما، ورواه النساءي مرسلا وقال البخاري الصحيح انه مرسل. هذا وقد ساق صاحب السؤالات الحديث بلفظ: انا بريء من مسلم مع مشرك قال: لم يا رسول الله؟ قال: «لا تتراءى نارهما الا عن حرب: هذه تدعو الى الله، وهذه تدعو الى الشيطان
اهـ مصححه.
112 (1/122)
صفحة 123
وقيل عشرة دراهم على اليهود واثنا عشر درهما على النصارى، وقيل خمسة عشر. وقيل على الدهقان اربعة دراهم والاوسط در همان، والدون درهم هذا في كل شهر. وبهذا كتب عمر بن الخطاب رضي الله عن عنه الى عثمان ابن حنيف بالكوفة فوضع على الغني ثمانية واربعين درهما، وعلى من دونه اربعة وعشرين درهما، وعلى من دون ذلك اثني عشر درهما، وذلك بمحضر من الصحابة ولم يخالف احد وكان الصرف اثني عشر درهما
بدينار (1). وقيل على النصارى الجزية وضيافة ثلاثة ايام، وعلى اليهود الجزية والمبيت (2) وليس على النساء والعبيد والاطفال والشيوخ والمجانين كل ذلك عافي عدم دمنا نائمين بحمايتهم را را از ا عجزتانه شما که جزية واختلف في الرهبان (3) واما المفلس فيدعى الى الجزية ويعطيها لأن
الغنى في لسانه يوجد ويخلى سبيله والا حبس فى الشمس بعد ان يطلى نهاية
(1
هذا في غير الزكاة، واما فيها فصرف الدينار عشرة دراهم فقط كانت الجزية ايام الخلفاء الراشدين على حسب احوال اهل الذمة ويسارهم لاتزيد على 48 درهما في السنة ولا تنقص عن 12 توخذ على الرجال غير المساكين دون النساء ولا على من لا قدرة له على العمل والاطفال
بن
(2) المشهور ان اهل الذمة ازاء ضيافة من يمر بهم من المسلمين سواء لافرق بين اليهود والنصارى متى شرطت عليهم من اول الامر، فقد روى الاحنف بن قيس ان عمر الخطاب (ض) يشرط على اهل الذمة ضيافة يوم وليلة، وان يصلحوا القناطر، وان قتل رجل من المسلمين بارضهم فعليهم ديته رواه احمد وروى اسلم: ان اهل الجزية من اهل الشام اتوا عمر فقالوا: ان المسلمين اذا مروا بنا كلفونا ذبح الغنم والدجاج فى ضيافتهم فقال عمر (ض) اطعموهم مما تاكلون ولا تزيدوهم على ذلك!!! كل ذلك ماض عليهم مادمنا قائمين بحمايتهم. اما اذا عجزنا عن حمايتهم فلا نستحق منهم جزية ولا ضيافة. يدل لذلك ان خالد بن الوليد وقيل ابو عبيدة عامر بن الجراح امير الجيش قد ردها الى نصارى حمص حين اجلاء الروم عنا وقال ما معناه، وانما اخذناها لحمايتكم وقد عجزنا عنهاه. اهـ مصححه
300) الذي جزم به في الدعائم انه لاجزية عليهم.
– 113 - (1/123)
صفحة 124
جسده بالعسل وقيل يطلى وجهه باللبن فلا يزال كذلك حتى يؤديها، وقيل ليس عليه شيء (1). واذا اخذ الجزية الامام فانه يعطي منها لفقرائهم. ولا يترك الظلم يصل اليهم وان لم يقدر على صرف الظلم عنهم فلا يأخذ منهم الجزية، وكذلك في حال الكتمان لا تؤخذ منهم ولا يعامل من قادته ديانته الى ذلك. ولا يتركهم الامام ان
فيها من
اخذها الا
- Y
1) وهذا القول يتمشى وسماحة الاسلام بخلاف القولين السابقين قال (ع) واحب ان يعلم اهل الكتاب ان في ديننا سماحة رواه احمد وابو عبيدة في غريب الحديث. هذا وان حكمة تمييز اهل الكتاب بالجزية دون سائر المشركين وابقائهم على ديانتهم يمارسون طقوسها خرية انما كانت. 1 ـ لاجل انهم يوافقون المسلمين في اصول التوحيد الثلاثة، ليدركوا بما يضفي عليهم الاسلام من حسن رعاية ومعاملة. وفي ذلك استدراج لهم ان يعتنقوه مختارين. فاذا تأملنا قول من يحكم على الذمي المفلس ان يطلى جسده بالعسل او وجهه باللبن ويحبس في الشمس حتى يؤدي الجزية وجدنا هذه المعاملة مزرية ومنفرة تنافى روح الاسلام في تشريعه، والاسلام تبشير لا تنفير وتيسير لا تعسير. ليت شعري كيف يتحلل من جزيته وهو محبوس؟ ام كيف يطالب بالاداء وهو مفلس؟ اللهم الا ان يراد بهذه المضايقة اكراهه على الاسلام والله يقول لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيه ويقول الرسول (صلى الله عليه وسلم):
الله
الجنة حرام على من قتل ذميا او ظلمه او حمله ما لا يطيق، وانا حجيج الذمي فكيف المومن! رواه الربيع فهل يجني الاسلام من وراء هذه الاهانة التي تشبه ان تكون انتقاما ثمرة؟ ثم اي خير للاسلام فيمن يعتنقه كرها اللهم الا اذا اردنا ان يكون عينا لاعدائه يعمل لمضرته تحت استار الخفاء والاسلام في غنية عن هذا. اليس من حسن الدعاية للاسلام ان نعفي هذا المفنس لاسيما وهو قول لبعض العلماء من ادائها كرما وتاليقا ولانه غير مستطيع ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها؟ الا ان الاسلام دين رحمة وشفقة وان الرسول (ع) انما غزا القلوب القاسية والضمائر المتحجرة بمكارم اخلاقه، رقته ولطفه وجمعهم على مبدأ التوحيد بكتابه لا بكتائبه وينبله لابنباله، قال تعالى: وانك لعلى خلق عظيم وقال: ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك والله اعلم
اه مصححه
-
114 - (1/124)
صفحة 125
يظهروا شيئا من امورهم مثل الخمر (1) وامساك السلاح وبنيان الكنائس، واجماع الصلاة وضرب الناقوس، وبيع الربا. وقد امر عمر بن الخطاب الله عنه ان تهدم كل كنيسة لم تكن قبل الاسلام. وقيل: ان هذا
رضي
اجماع من الناس وكان عروة بن محمد بن عروة يهدمها بصنعاء، وشدد عمر بن عبدالعزيز وامر ان لاتترك في الاسلام بيعة ولا كنيسة بحال: قديمة ولا حديثة. وهو مذهب الحسن البصري. ويعلم الامام اهل الذمة بالزنار في اطراف ارديتهم، والنصارى يمسكون في ايديهم العصي الصغار، وقيل يميز اهل الذمة بالزنانير في اوساطهم، ويكون في رقابهم خواتم من رصاص اونحاس او جرس. وليس لهم ان يلبسوا العمائم ولا الطيلسان، واما المرأة فتشد الزنار تحت الازار. وقيل فوقه، ويكون في عنقها خاتم يدخل معها الحمام ويكون احد خفيها اسود والآخر ابيض، ولا يركبون الخيل ويركبون البغال والحمير بالأكف عرضا، ولا يركبون السروج. ولا يصدرون في المجالس ولا يبدءون بالسلام ويلجئون الى اضيق الطريق، ولا يعلون على المسلمين في البنيان. ولا يستعلمون على الامور، وقد روي ان عمر بن عبدالعزيز كتب إلى عماله ان لاتولوا على اعمالنا الا اهل القرآن، فكتبوا اليه انا وجدناهم خونة فكتب اليهم، ان لم يكن في اهل فاجدر الا يكون في غيرهم (خير» ومتى نقض الذمي العهد بمخالفة لاي من الشروط المأخوذة عليه لم يرد الى مأمنه والامام فيه مخير بين القتل والاسترقاق فى قول بعض العلماء. ولا يصحب
القرآن
خير
الا الذمي
(1) قال المحشى: يعني لا يجوز اظهاره فى الخارج واما في بيوتهم فـ فانه لا يحجر عليهم ذلك. وان افسده احد من المسلمين فعليه قيمته بنظر العدل منهم دون المسلمين لانه لاقيمة. وكذلك سائر ماكان حراما عند المسلمين وهو حلال عندهم كما ذكره الشيخ عامر رحمه الله في كتاب الايضاح في باب احكام الرهن. اهـ مصححه
له
عندهم
•
11101 (1/125)
صفحة 126
بالجعل وان قل، ولا يؤاكل ولا يجالس ولا يحدث لئلا تحل اللعنة به فتشمل جليسه. والله اعلم، ولا يسلم عليه ولا يصافح فان سلم الذمي على احد فليرد عليه، وعليك ما قلت وان دخل المسجد واستقبل القبلة فلا يترك بعد ذلك حتى يرجع الى الاسلام. وفي البلل من اهل الكتاب اختلاف بين العلماء والاحوط ان يحذر منهم جميع البلل، واما المجوس وعبدة الأوثان فان البلل منهم نجس باتفاق الجمهور الاعظم من اهل العلم، ومسائلهم ان نأتي عليها والله اعلم وبالله التوفيق.
اكثر من
الجملة الثالثة
في القواعد والاركان التي يني عليها الاسلام
اعلم
ان
الله
سبحانه شرع للعباد دينه وجعل له قواعد يبنى عليها، ولا تصح العبادة للمكلف الا بأحكامها وهن الأربعة عة التي هي اصل التقوى ومنها تفرعت اركان الدين الأقوى: (فالقواعد الاربعة) (احداها) العلم المؤدي الى بيان حد المأمور بامتثاله. و (الثانية): العمل الذي يؤدى الى الحد الذي يرضي الأمر به في امتثال اوامره. و (الثالثة): النية هي اس العمل ولبابه. و (الرابعة): الورع عن المحارم التي تحبط العمل عند ارتكابها فهذه قواعد الدين التي لا يبنى الاعليها. ومنها تفرعت الأركان الأربعة والتي هي [الاستسلام لأمر الله خضوعا وانقيادا. و [الرضى] بقضائه محبوبا او مكروها دينيا كان او نفسيا. و [التوكل] عليه في جميع المواهب طمأنينه واشتياقا وتفويض الدين في جميع الأمور رضاء بأحكامه واعتقادا بقضائه واكتفاءاً فالقواعد الأولى
هي اصل لطب الدين المشروع للعباد في الايمان.
116 ـ (1/126)
صفحة 127
كما ان اصل الطب الموضوع للابدان اربع طبائع الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، فتفرعت من قواعد الدين الأربعة الأركان المتقدمة كما تفرعت من طبائع البدن اربعة فروع الحار اليابس والبارد اليابس والحار الرطب والبارد الرطب فصارت قواعد الشرع واركانه ثمانية بها يكمل طب الدين الذي يجازى به العبد يوم القيامة كما كانت طبائع البدن وفروعه ثمانية بها يكمل طب الأبدان ولا يصح الا بالتفصيل بين اللطيف والكثيف فيجمع من اربعة لطائفها بالاعتدال من الوزن الطبيعي) (1) فشتان ما بين طب الابدان وطب الاديان كما بين العاجلة والآجلة. ولابد من الاشارة الى تفصيل قواعده واركانه كشفا وتصريحا بالفاظ ومعان مختصرة ليعلم ان لكل حق حقيقة ولكل مورد طريقة ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من عن بينة وبالله التوفيق. فقواعد الدين كما قدمنا اربع العلم والعمل والنية والورع. فهذه الخصال الاربعة في الدين لا يستغني بعضها عن بعض، كما قدمنا في طبائع البدن.
مسألة
: في (طلب العلم)
وطلب العلم فرض واجب على كل مكلف لنص الكتاب والسنة واجماع من الامة: اما الكتاب فقول الله جل ذكره «فاسألوا اهل الذكر» الآية (2) واما السنة فقول النبيء عل الله طلب العلم فريضة على كل محتلم (3) والاوامر فيها الوجوب عند الجمهور الاعظم من اهل العلم. واما الاجماع فلا احد
»
1) في العبارة غموض يوجد هكذا في سار النسخ التي بين ايدينا.
(2) النحل: 43
) وفي رواية اخرى على كل مسلم، كما سيأتي للمصنف قريبا والحديث على الرواية الاخيرة رواه ابن ماجة من حديث انس وضعفه احمد والبيهقي وغيرهما.
– 117 – (1/127)
صفحة 128
يخالف ما ذكرنا ولان العقل يشهد ببطلان فعل اذا امتثل بغير معرفة بكيفيته، ولذلك قال النبيء عل الله: «عمل قليل في علم خير من كثير في جهل (1). وعنه عليه السلام قال: لو ان جاهلا فاق المجتهدين
عمل
في العبادة لكان ما يفسد أكثر مما يصلح (2) ويقال هلك الناس كلهم الا العالمين والعلماء كلهم هلكوا الا العاملين والعاملون كلهم هلكوا الا المخلصين والمخلصون من ذلك على حطر عظيم. فاذا كان الامر على ما وصفنا وجب على المكلف تعلم دينه وفرائضه اولا ليمتثلها على الحقيقة نطقا واعتقادا
وفعلا وامتثالا وبالله التوفيق
فصل
في معرفة العلم المفترض تعلمه
يسع
الناس
اعلم ان العلم المفترض تعلمه على ثلاثة اوجه: وجه جهله طرفة عين ووجه يسع جهله الى الورود، ووجه يسع جهله ابدا: فالوجه الأول في معرفة ما لا يسع الناس جهله طرفة عين وذلك ما قدمناه من معرفة الله جل ذكره ونفي الأشباه والامثال عنه، واما معرفة ما يسع جهله الى الورود فهي على وجهين [احدهما] ما لا وترك علمه يسع جهله اذا ورد. وذلك كمعرفة الله انه بصير عليم سميع في امثاله
ها الله
من
الاسماء
1) وفى معناه ما رواه ابن عبد البر من حديث انس بسند ضعيف. فقيل يارسول الله: اي الاعمال افضل؟ قال: العلم بالله عز وجل». فقيل: اي العلم تريد؟ قال (ع) العلم بالله عز وجل، فقيل نسأل عن العمل فتجيب عن العلم فقال (ع) وان قليل العمل ينفع مع العلم بالله، وان كثير العمل لا ينفع مع الجهل بالله. 2) لم اقف على سنده لعله اثر وليس بحديث نبوي فلا تبدو عليه مسحة من جمال النبوءة
- 118 –
والله اعلم (1/128)
صفحة 129
والصفات اذا ورد عليه شيء من صفات الله تعالى، او سئل عنها او خطرت على باله من غير ان يوردها عليه احد فلا يسعه الا ان يصف
اسماء الله
،
تعالى او صفة
من
الله بصفته وينفي عنه صفات خلقه، وهكذا اذا فهم ذلك بلغته او قامت عليه الحجة ان هذا اسم من صفاته فعليه ان يعلم الحق في ذلك ويصف الله بصفاته، وان لم يفعل فقد نقض جملة التوحيد التي اقر بها اولا والوجه الآخر) يسع جهله حتى تقوم عليه الحجة. وذلك كمعرفة نبيء من الانبياء، او ملك من الملائكة. او حرف من كتاب الله فاذا قامت عليه الحجة بشيء مما ذكرنا فشك فيه او انكره فقد نقض الجملة التي اقربها اولا واشرك بالله تعالى، وعلى السامع ان يبرأ منه اذا قصد ذلك فأنكره. و [الوجه الثاني] من علوم الدين يسع جهله حتى يجيء وقته، وذلك كالفرائض الموسعات الاوقات من الصلاة والصوم والزكاة والحج وسائرها من جميع الفرائض البدنية والمالية يسع جهل جميع ما ذكرنا ما لم يبتل العبد بالعمل فحينئذ يلزمه العلم بها وامتثالها والله اعلم. و [الوجه الثالث] يسع جهله ابدا مثل قسمة المواريث، وتصريف القصاص في وجوهه وتحريم الربا في معانيه، وتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير واشباه ذلك من جميع المحرمات، وذوات المحارم من النساء من جهة النسب والرضاع وغير ذلك من جميع المعاصي ما خلا الشرك فانه يسع واما غيره من المعاصي وجميع الحرام فانه يسع جهله مالم يقارف شيئا من ذلك. واما الذي لا يسعهم في هذا الوجه فهو احد ثلاثة اشياء. ان لا يتقولوا فيه على الله الكذب فيحلوا ما حرم الله منها. او يحرموا ما احل ذلك، او يخطئوا في حكم من احكامه بالقول، والثاني ان لا الله تعالى من ذلك بالفعل، والثالث ان تقوم عليهم الحجة
الله
من
يقارفوا ما
حرم
جهله
-119 - (1/129)
صفحة 130
بتحريم شيء من ذلك او تحليله فيردوها. فمهما فعلوا شيئا مما ذكرنا فهم غير معذورين والله اعلم. والاثر الوارد في هذا الوجه ما روي عن جابر بن زيد (1) رحمه الله من طريق ابي سفيان محبوب بن الرحيل رحمه الله (2) وذلك روي عنه انه قال: قيل لجابر بن زيد رحمه الله ما جهله؟ فقال مادانوا بتحريمه ما لم يرتكبوه، وما لم يتبرءوا من العلماء،
واذا برءوا من راكبه ولم يقفوا عنهم. وكذلك اذا
رضي بفعل
يسع
الناس
الخطأ
اذا
حضره، أو غاب عنه فبلغه فرضي به فانه لا يسعه ذلك. وانما عليه الامساك عن جميع ما لا يعرفه حتى يعلم الحق من ذلك فيتبعه والخطأ
فيجتنبه والله اعلم.
مسألة: وفي اثر اصحابنا ان المقارف لكبائر النفاق يسع جهل كفره ما لم تقم الحجة على الشاك بتحريم ذلك الفعل الذي قارفه المقارف ماخلا ثلاثة اوجه: اذا سئل عنهم هكذا فلا يسعه الا ان يكفرهم وهم المحل والمصر والراجع عن علمه، والمحل على وجهين: (احدهما) المحل لما فرض الله في كتابه نصا فهو مشرك مكذب الله تعالى لا يسع من علم ذلك منه الا البراءة منه. (والوجه الثاني) محل الله بتأويل الخطأ كتحليل حرم اهل الخلاف البراءة من المسلمين وما أشبه ذلك. فمن قامت عليه الحجة بعلم ماذكرنا فعليه البراءة ممن استحل ذلك بمصادمة النص، او بتأويل الخطأ. واما اذا لم يعلم انه استحل ماحرم الله فلا يضيق عليه ذلك كما لا يضيق تكفير من قارف فعلا لا يدري ماهو. فاذا علم ان ذلك الفعل كبيرة فعليه تكفيره والبراءة من منه. قال اصحابنا ان المحرم يسع جهل كفره
1) تقدم التعريف به.
(2) تقدم هو ايضا
– 120 – (1/130)
صفحة 131
والمستحل لا يسع جهله الا ما روي عن بشير بن محمد ابن محبوب
ما
انه قال جهل معرف يسع
لم
الله
الله (1) رحمه رفة كفر المستحل الله ما حرم يتوله المعاين له على ذلك. وروي انه قيل لابي سفيان محبوب رحمه معنى قولهم المستحل؟ وهل احد من اهل القبلة يزعم ان الزنى حلال؟ ومن زعم ذلك فهو مشرك؟ قال ليس على هذا المعنى ولكن يقول هو مسلم وان زنى. قلت ما معنى قولهم المحرم قال من كان الزنى عنده حراما وركبه ليس بمسلم ولكن اذا كان ضعيفا (2) فواسع له ان لا يسميه (3) بالكفر اذا كان لايدري ماقول المسلمين فيه حتى يعلم ذلك فيعمل فيه على ما يقتضيه فعله والله اعلم. واما المصر فهو المقيم على المعصية فلا يسع جهل كفره ايضا عند من رعاه قد اصر على فعل قد علم ان الله صغيرا كان او كبيرا فلم يتب من ذلك و لم ينزع لانه قد صار بمنزلة المعاند فلذلك ضيقوا على من علم منه هذا، لان كل مصر كافر ولو اصر على ذنب صغير لقوله عليه السلام هلك المصرون (4). فلم يخص مصرا من مصر والله اعلم. واما الراجع عن علمه، فهو عندهم من تعلم القرآن ثم نسيه حتى لا يفرزه من الشعر. وهذا قد ورد فيه الوعيد لقول الرسول من تعلم القرآن ثم نسيه حشر يوم القيامة اجذم (5) وقوله عليه
حرمه
1) تقدم التعريف به استقلالا وضمن اسرة ابي سفيان محبوب بن الرحيل القرشي. (2) في علمه بدليل ما بعده. لعل: يسمه اي يصفه
(4) رواه مسلم من حديث ابن مسعود بلفظ: «المتنطعون وعبارة الاساس تنطع في كلامه تفصح فيه وتعمق ورمي بلسانه الى نطع الفم ونطع الف موقع اللسان في
الحنك.
ه عن ابن عباس رواه الربيع.
- 121 - (1/131)
صفحة 132
من
السلام: «عرضت علي، او قال نظرت ذنوب امتى فلم أرذنبا اعظم ناسي القرآن وذلك انه لا ينساه الا بهجرانه اياه وتهاونه به وانما اراد القراءة و لم يرد نسيان نفس القرآن لانه قد ذكر بعضهم ان الناسي للقرآن هو التارك للعمل به وان كان يقراه ظاهرا. وقيل: اذا نسيه بالمرض لا يكون له ناسيا ولو كان لا يحفظه منظوما. وقيل في كل مالم يفرض عليه العمل به ان لا يؤاخذ بنسيانه والله اعلم واحكم.
فصل
في العمل
اعلم ان العلم والعمل توأمان لا ينفع علم بغير عمل ولا يقبل عمل بغير علم، كما قيل عن عيسى عليه السلام قال: من علم وعمل فذلك الذي يدعى عظيما في ملكوت السموات، ومن علم و لم يعمل فذلك الذي يضاعف له العذاب ضعفين، ومن لم يعلم ولم يعمل فذلك الذي يموت موتة جاهلية. واعلم ان العلم علمان، علم باللسان وعلم بالجنان، فاما العلم باللسان فذلك حجة الله على ابن آدم، واما العلم بالجنان فذلك هو العلم النافع كما ورد به الحديث ولذا قال بعض العلماء ليس العمل بكثرة الرواية ولكن العلم نور جعله الله في قلب من يشاء كما قال الله تعالى: نشاء ولكن جعلناه ذوراً نهدي به من من عبادنا (1) واعلم ان العلم
1) (وفي رواية) عرضت علي امتي باعمالها: «حسنها وسيئها، فرايت من محاسن اعمالها اماطة الأذى عن الطريق. ورايت من سيء اعمالها النخامة في المسجد لم تدفنه رواه
احمد عن ابي ذر الشورى: 52.
– 122 – (1/132)
صفحة 133
النافع نوعان: (احدهما) بامثال الفرائض والتقرب بها الى الله تعالى واجتناب المعاصي كلها خوفا من عقاب الله تعالى. والثاني ما ازداد العبد به حبا
لله وطاعته وخلص له ايمانه واشتد به يقينه وما سوى هذا فلينزله العبد من جهله فانه فتنة لكل مفتون والله اعلم.
مسألة
: ولا يصح علم الفرائض الا بمعرفة ادائها والعمل بامتثالها ويجب على العبد في كل عمل فريضة ثلاثة اشياء وهو ان يمتثله العبد على ما امر به راجيا فيه ثوابا خائفا من تركه عقابا. ويجب عليه في علم الفريضة ثلاثة اوجه ايضا: ((احدها) العلم بامتثال الفعل وكيفيته الله و (الثاني) العلم بان امره بها والزمه فعلها. (والثالث) ان يعلم ان الله اوجب له على ذلك ثوابا وعلى تركه عقابا والله اعلم وبالله التوفيق.
فصل
في النية (1) وتوابعها من الصدق والاخلاص
اعلم ان النية لباب الفعل وصفوته وعماد الدين واسه ولذلك نفى الرسول الله الاعمال الا بها. لانها في العمل بمنزلة البذر في الزراعة، فمن زرع بالبذر فحقيق ان يحصد غبطة ـ ومن تعنى بلا بذر فثمرته
-
1) النية: ثارة يقصد بها تعيين العبادة كالوضوء فانه يكفي. منه اعتقاد رفع الحدث الجميع العبادات التى الوضوء شرط في صحتها: وليس يختص كل عبادة بوضوء مجدد وتارة يقصد بها تعيين شخصها كالصلاة فلابد من تعيين النية فيها ان عصرا فعصر وان ظهرا فظهر. كما ان من العبادات ما ينقلب فرضا اذا ابتدأه تطوعا كالحج اذا ابتدأه. تطوعا انقلب ذلك عندهم فرضا، ومنها ما لا ينقلب كالصلاة
من وجب عليه
1
اذا عقدها نافلة لا تستحيل فرضا.
اهـ محشي
-
– 123 – (1/133)
صفحة 134
الندامة
(
ومن اهمل عمله بسهو او غفلة كان بمنزلة من لم يعمل، والعمل بغير نية عناء. والنية بغير اخلاص رياء، وهو والنفاق سواء، والاخلاص من غير صدق وتحقيق هباء، وليت شعري كيف تصح نية من لا يعرف
حقيقة النية؟ او كيف اذا لم يعرف حقيقة يصح له عمل صحيح الاخلاص او كيف يطالب المخلص نفسه بالصدق اذا لم يعلم معناه؟ فالواجب على كل عبد اراد طاعة الله تعالى ان يتعلم النية لتخلص له المعرفة ثم يصحبها بالعمل بعد فهم حقيقة الصدق والاخلاص اللذين هما وسيلتا العبد الى النجاة والخلاص يوم الاخذ بالنواصي. اعلم ان النية انما تؤثر في الطاعات والمباحات دون المعاصي والسيئات. اما اعمال الطاعات فانه يجب على العبد ان ينوي في كل عمل منها ان يمتثله عبادة الله تعالى وتقربا
به اليه. فحقيقة النية في الطاعة انبعاث القلب والتحري الى مرضاة الرب فنية المؤمن خير من عمله كما جاء الحديث (1) ومعناه والله اعلم ان النية في نفسها خير من الاعمال اذا كانت لاتصح الا بها. او نية المؤمن اعتقاده الله ولو عاش الف سنة. وان مات دونها انقطع عمله و لم تنقطع نيته (2) فان نوى بالطاعة رياء وسمعة انقلبت معصية والله اعلم، واما
طاعة
المباحات فتنقلب طاعة بالنية فلا ينبغي للعاقل ان يتعاطى افعاله تعاطي البهائم المهملة فتصدر افعاله عنه بسهو وغفلة فاغلب حظوظ النفس من المباح كالأكل والنوم والنكاح فينوي في الأكل التقوي للجسم على العبادة، وينوي في النوم استراحة الجسم لينشط للقراءة والعبادة. وينوي بالنكاح تحصين الفرج واحراز الدين وطلب الولد لعبادة الله تكثيرا لامة
1) رواه الربيع عن ابن
عباس.
(2) وهو اظهر من الاول واحسن تاويلا
- 124 - (1/134)
صفحة 135
محمد
، فينبغي للعاقل المريد للآخرة ان يقيس جميع افعال المباح على هذه الثلاثة المذكورة. ويحسن النية في جميعها حتى تصير طاعة الله تعالى وعبادة. واما المعاصي فلا تؤثر فيها النية ولا تنقلب بها الله تعالى قربة وطاعة، مثل من يغتاب الناس تطييبا لقلب المسلم او يطعم فقيرا من مال غيره طلبا للأجر: فهذا كله جهالة واغترار. لقول الرسول الله انما الاعمال بالنيات (1) فالنية لا تؤثر في اخراج الفعل عن كونه ظلما ومعصية بل قصده الخير بالشر على خلاف مقتضى الشرع شر آخر: فان عرفه فهو معاند للشرع، وان جهله كان عاصيا بالجهل وارتكاب الفعل. اذ طلب العلم فريضة على كل مسلم (2) وبالله التوفيق. واما الاخلاص: فمعناه اخلاص العمل وتصفيته من شوائب الكادورات من الرياء والسمعة وحب الثناء والمحمدة حتى يصير خالصا مخلصا لوجه، عاريا من خفوظ النفس المختصة بها في الدنيا الخلق قال الله سبحانه الا لله الدين الخالص» (3) وقال «ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار، ولن تجد لهم نصيرا الا الذين تابوا واصلحوا واعتصموا بالله واخلصوا دينهم الله الآية (4).
الله
من
جهة
واما الصدق فيستعمل لفظه في ستة معان. صدق في القول. وصدق في النية والارادة، وصدق في العزم، وصدق في الوفاء بالعزم، وصدق في العمل، وصدق في تحقيق مقامات الدين، فمن اتصف بالصدق في جميع هذه المعاني فهو الصديق لانه من المبالغة في الصدق كما قيل في الحديث ان النبيء عليه السلام سئل عن الكمال. فقال: «قول الحق والعمل
1) عن ابن عباس رواه الربيع. (2) تق
الزمر: 3
النساء 145، 146
11901 (1/135)
صفحة 136
بالصدق (1) وقال تعالى: والذين آمنوا بالله ورسله اولئك هم الصديقون (2) ومن اتصف بمعنى من الصدق من هذه المعاني المتقدمة فهو صادق بالاضافة الى ما فيه صدقه. وليس كتابنا هذا موضوعا لهذه المعاني
وبالله التوفيق.
في الورع
الخطاب
الله رضي
اعلم ان كمال الدين الورع كما روي عن عمر بن عنه انه نظر الى المصلين فقال لا يغرني كثرة رفع احدكم رأسه وخفضه الدين الورع في دين الله والكف عن محارم الله والعمل بجلال الله والكف عن محارمه. وسئل النبيء عليه السلام عن الورع فقال «الوقوف عند الشبهات ويقال: لامعقل احرز من الورع. وقال بعض العلماء غاية الورع الوقوف عن كل شبهة ومحاسبة النفس عند كل لحظة. ويقال فضل العلم العبادة وخير دينكم الورع. ويقال دين بلا ورع كسفينة
خير
من
1) كان العباس (ض) يلبس الثياب النقية البياض فجاء يوما الى رسول الله (ع) وعليه ثياب بيض. فلما نظر النبيء (لعل الله تبسم فقال العباس يارسول الله ما الجمال؟ قال، صواب القول بالحق، وقال فما الكمال؟ قال، (حسن الفعل بالصدق).
2) الحديد: 19
- 126 - (1/136)
صفحة 137
بلا شراع عن الشيخ ابي محمد (1) قال من حفظ القرآن بجميع معانيه والسنن بجميعها وعرف شرائع الاسلام وليس له ورع فمثله (كالقوس) الذي لاوترله، ومن تورع بلا بحث ولا معرفة فمثله كمثل الحمار يدور بالرحى كلما اشتد في ورعه اشتد الحمار في دوره. ومما يؤثر من عيسى عليه السلام: لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا، وصمتم حتى تكونوا
كلام
كالأوتار ما نفعكم ذلك الا بالورع. واذا كان الورع ملاك الامر كله وجب على العبد ان يتفقد نفسه في جميع امورها من قول وعمل واعطاء ومنح ويحاسب نفسه في جميع ذلك فما رآه قربة الى الله تعالى فعله وغير ذلك اجتنبه ويقال الورع على اربع درجات: (احدها) ورع العدول
محمد عبد
الله
بن
الخير
1) من هو ابو محمد؟ المشهورون بكنية (الى (محمد) الذين انتهت اليهم الرئاسة العلمية قيل زمن المؤلف ويمكنه ان ينقل عنهم كثيرون ابرزهم فى المغرب ثلاثة. 1 ـ ابو من علماء القرن الثالث وممن ضرب به المثل فقيل، (من ضيع كتابا فكمن ضيع خمسة عشر عالما مثل عبد الله بن الخير تولى الحكم على جبل نفوسة وما يتبعه باتفاق اولي الامر من علماء الجبل 2 ـ ابو محمد يصليتن الكباوى من علماء القرن الرابع، درس على ابي هارون الجلالمي واسندت اليه الفتوى في جبل نفوسه زمن ابي زكرياء التندميرتي وكان ملجأ يلجأ اليه في حل المشكلات. ـ ابو محمد خصيب بن ابراهيم التمصميصي (وهو المقصود هنا) لتصريح المحشي به في بعض المواضع من حاشيته على القواعد، وكذلك صاحب الايضاح. وهو من علماء القرن الرابع، تخرج على العلامة الكبير الي الربيع سليمان بن ابي هارون اللالوتي الذي قيل في حقه: (قل ان يكون ذو علم وبصيرة لم يقتبس من سناه، ولم يغترف من ينبوعه اسندت اليه الفتوى في جبل نفوسة زمن الامير الي زكرياء التندميرتي بعد ابي محمد الكباوي. يروي عنه الشيخ اسماعيل في كتاب القواعد والقناطر. وكذلك الشيخ عامر فى الايضاح اما المشهورون بهذه الكنية في الشرق فاكثرهم نقلا عنه. (ابو محمد عبد الله ابن محمد بن بركة البهلوي العماني من
علماء
القرن الثالث
اهـ مصححه
– 127 – (1/137)
صفحة 138
وهذا (1) الذي يستحق العبد بارتكابه النار، وذلك كل ما يقتضيه تحريم الفتوى من جميع المحارم. (الثاني) ورع الصالحين وهو الورع عن كل شبهة يستحب اجتنابها كقوله عليه السلام: دع ما يريبك الى ما لا يريبك (2) (والثالث) ورع المتقين كقوله عليه السلام: انما سمي المتقون متقين لتركهم مالا بأس به مخافة ما فيه البأس (3) ولذلك قال عمر رضي) الله عنه كنا ندع تسعة اعشار من الحلال مخافة ان نقع في الحرام. وقال ابو الدرداء تمام التقوى ان يتقي العبد في مثقال ذرة حتى يترك بعض مايرى انه حلال خشية ان يكون حراما يكون حجابا بينه وبين النار: و (الرابع) ورع الصديقين وهو ان يترك مالاباس به اصلا ولا يخاف ان يؤدي الى ما فيه الباس ولكنه يتناول لغير الله، او يجتلب اليه بقوة غذيت بمحظور الشرع.
او يأتي به اليه بعض منتهكي حرمات الله، مثل الظلمة والفساق كما قال الله وقد جاءه ولده بلحم صيد فابي ان ياكله فقال،
بعض مشائخنا
رحمهم
كل ما جاء به بونس فهو يونس، وكان ولده يخالط زنانة (4) في المعاملة والله اعلم، والورع لايتم الا بالعلم لان الجاهل ربما اغلق على نفسه ما ينبغي وفتح عليها ما لا ينبغي فمثال ذلك كرئيس السفينة اذا كان عالما بالبحر ارساها واجراها على وجهها، والجاهل بالبحر يغرق السفينة ومن فيها فينبغي للعبد ان يتفقد جنوده التي جعلها الله في جسده ويغلقها
1) ظاهر العبارة مشكل يفيد عكس الحقيقة ولعل سقطا وقع من العبارة وصحة العبارة تكون ولا بد هكذا: ورع العدول هوترك المحرم الذي يستحق الخ.
2) عن ابي محمد الحسن بن على رواه الترمذي وصححه والنسائي وابن حبان. لفظ الحديث: لا يكون الرجل من المتقين حتى يدع مالاباس به مخافة مما به باسه رواه الترمذي وحسنه وابن ماجه والحاكم وصححه من حديث عطية السعدي. (4) وفي نسخة: زنتات:
- IYA- (1/138)
صفحة 139
بأبوابها فباب العين الجفون، وباب اللسان الشفتان، وباب اليدين الكف عن المحارم، وباب الفرج التوبة، وباب الرجلين الوقوف عند الشبهات، فاذا حضره امر حسن فيه فتح باب من هذه الابواب فليفتحه والا فليغلقه
وبالله التوفيق.
فصل
في اركان الدين الاربعة
التي هي الاستسلام لامر الله، والرضاء بقضاء الله والتوكل على الله
والتفويض الى الله
مسألة: في الاستسلام. وهو فرض على العباد وتركه معصية، ويكون في الفرض والنفل، ومعناه الخضوع الله تعالى. وحقيقته هو ان يلجيء العبد اموره التي يرجوها ويخافها الى الله تعالى ويستسلم له قبل وقوع الحكم، فاذا وقع رضي به كأنه يريده فيتبع اوامره بالامتثال وزواجره بالكف والانتهاء. وليس مع الله عز وجل خيار في جميع مقاديره من الأوامر والنواهي في جميع الأحكام. فاذا كان العبد بهذه المنزلة كان
مستسلما مسلما الله تعالى
مسألة
: في الرضى وهو ايضا قريب من الاستسلام، ومعناه ان يرضى العبد باوامر الله تعالى فيمتثلها وبنواهيه فيجتنبها وبما قدر عليه من الأمراض والمصائب فيرضى بها ولا يسخطها بل يصبر على ذلك محتسبا فيه الأجر والثواب لان ذلك عدل من الله وصواب، وان لم يرض بجميع ماذكرناه وسخطه، او جور الله تعالى في فعله. ذلك فقد هلك وبطل
– 129 – (1/139)
صفحة 140
اجره. واما المتصوفة فالراضي عندهم هو المحب لما يغشاه من قبل الله عز وجل من امر ونهى وحادث محبوبا كان او مكروها. وليس الراضي عندهم راضيا حتى يحب جميع ذلك ويؤثره على ما سواه ويكون في جريان المقادير عليه من قبل الله عز وجل كالميت بين يدي الغاسل، وليس الذي قالوه ذلك ببعيد. وقد قال النبيء عل الله لابن عباس، يا ابن عباس: اعمل من على الرضى واليقين والا ففي الصبر على ما تكرهه خير كثير (1) يريد والله اعلم ان العبد اذا لم يجد في نفسه سرورا في عمل الطاعة وترك المعصية
فليحمل نفسه على الصبر فى ذلك فان فيه خيرا كثيرا، وان كان منزلة الصابر دون منزلة الراضي. والله اعلم. مسألة: في التوكل. وهو فرض واجب على العبد قال الله سبحانه وعلى الله فتوكلوا ان كنتم مؤمنين (2)، معنى التوكل سكون القلب في ضمان الرب والطمانينة بما عند الله دون غيره في جميع المواهب والاحسان من نعم الدنيا والآخرة، اعلم ان الجاهل قد يظن ان معنى التوكل ترك الكسب بالبدن والتدبير بالقلب والسقوط على الارض كالخرقة الملقاة وكاللحم على الوضم وهذا ظن الجاهل فان ذلك حرام في الشرع لانه قد اثنى على المتوكلين فكيف ينال مقام من مقامات الدين بمحظوراته بل نكشف الغطاء عنه ونقول انما يظهر تاثير التوكل في حركة العمد وسعيه بعلمه الى مقاصده. اما ان يكون لجلب نافع مفقود بالكسب، او لحفظ موجود عنده بالادخار، او دفع ضار لم ينزل به كاللص والسباع،
1) رواه الطبراني. وروى ابن عبدالبر من حديث معاذ: ما انزل الله شيئا اقل من اليقين، ولاقسم شيئا بين الناس اقل من الحلم. وفي معناه: وقليل من التوفيق خير من كثير من العلم
المائدة: 23. (1/140)
صفحة 141
او لازالة ضار قد نزل به كالتداوي من المرض فمقصود حركات العبد لا تعدو هذه الوجوه اما جلب نافع فيكون على ثلاثة اوجه: (احدها) مقطوع به مثل الاسباب التي ارتبطت المسببات بها بتقدير الله ارتباطا مطردا لا يختلف (1) مثل الطعام الموضوع بين يدي الجائع المحتاج اليه فلا يمد اليه اليد فيقول: اني متوكل وشرط التوكل ترك السعي، ومد اليد سعي وحركة. وكذلك مضغه بالانسان فهذا جنون وليس من التوكل في شيء فانه ان انتظر ان يخلق الله فيه شيئا دون اكل الخبز ودون ان يتحرك اليه او يسخر ملكا يمضغه له فقد جهل سنة الله تعالى في البلاد والعباد وكان كمن طمع في الزرع من غير بذر ولاحرث، وطمع في الولد بغير جماع زوجته كمريم ابنة عمران، وامثال هذا مما يكثر، فليس التوكل في هذا امقام بالعمل بل بالحال والعلم، اما العمل فهو ان يعلم ان الله تعالى خالق الطعام واليد وانه الذي يطعمه ويسقيه واما الحال فيكون سكونه واعتماده على فضل الله تعالى لا على اليد والطعام اذ تجف اليد ويسلبه الطعام في الحال. واذا كان حاله هكذا وعلمه فليمد اليه اليد فانه متوكل، (الوجه الثاني الاسباب التي ليست متعينة لكن الغالب ان المسبب لا يحصل دونها كالذي يسافر في البادية بغير زاد فهذا متوكل بشرطين احدهما ان يكون قد راض نفسه على الصبر على الطعام اسبوعا او ما قارب. والثاني ان يكون بحيث يتقوت بالحشيش والاشياء الخسيسة فبين الوجهين فرق لأنه في هذا الوجه يحتمل ان يجد طعاما او ما يعطى له او ينتهي الى محلة او قرية. والوجه الاول لا يحتمل ان يتحرك الطعام ممضوغا في فيه فبينهما فرق. ولكن الثاني قريب من معنى الاول وهكذا نقول لو انجاز الى
1) الظاهر: لا يتخلف
- 131 – (1/141)
صفحة 142
جبل لاماء فيه ولا حشيش ولا يطرقه انسان وجلس فيه متوكلا لكان أنما ساعيا في اهلاك نفسه. كما روي ان زاهدا فارق الامصار واقام في جبل سبعا وقال لا اسأل احدا فكاد يموت فقال يارب ائتني برزقى. فاوحى الله اليه وعزتي وجلالي لا رزقتك حتى تدخل الامصار. فدخل فجاءه هذا بطعام، وهذا بشراب فأوجس في نفسه ذلك فاوحى الله من اليه اردت ان تذهب حكمتي بزهدك اما علمت اني ارزق عبدي بأيدي عبادي احب الي ان ارزقه بيد قدرتي، فان التباعد عن الاسباب كلها من مراغمة الحكمة وجهل بسنة الله تعالى. فالاول متوكل بالحال والعلم والثاني متوكل بالحال والعلم والشرط اذ يمكن ان يؤخذ الزاد من صاحبه فيموت جوعا (الوجه الثالث القاعد في مسجد قرية تاركا للكسب فهذا متوكل ولكنه اضعف من الاول لانه بالقعود في المصر متعرض لاسباب الرزق ولكن هذا لا يبطل توكله اذا كان نظره الى مسخر سكان البلد والله اعلم. (الوجه الرابع ان يكتسب على الوجه المباح في الشرع يرى كسبه وبضاعته بالاضافة الى قدرة الله تعالى كما يرى القلم في يد الملك ويكون نظره الى القلم بل الى قلب الملك بماذا يتحرك والى ماذا يميل. فاذا كان هكذا فهي ببدنه مكتسب وبقلبه عنه منقطع، فحال هذا اشرف من حال اذا القاعد في بيته روعيت فيه الشروط وانضاف اليه الحال والمعرفة كما سبق. والدليل على هذا ان الصديق رضي الله عنه لما بويع بالخلافة اخذ الاثواب تحت حضنه فدخل السوق ينادي فعوتب فقال لا تشغلوني عن عيالي فاني ان ضيعتهم كنت لما سواهم اضيع ففرض له قوت عياله من بيت المال وتجرد حينئذ للقيام بأمور المسلمين فيستحيل ان يقال لم يكن الصديق متوكلا فمن أولى بالتوكل. منه؟ فدل انه كان متوكلا لا باعتبار
– 132 – (1/142)
صفحة 143
ترك الكسب وكذلك غيره من اولياء الله وانبيائه والله اعلم.: ويجوز للعبد الاتكال على الله في منافع الدنيا من غير ان
مسألة
يستحقها ولا ان يجري ذلك على ايدي العباد
دون
واما منافع الآخرة وثوابها فلا يتوكل على الله دون افعاله ولا على افعاله الله ان يثيبه هو غيره في الآخرة بغير افعال او
الله وان اتكل على
،
فقد قيل انه يهلك. وان استوثق العبد بما في يده وظن انه لا يزول فهذا
عند من
اتكال على غير الله، واما ان تيقن انه وهو قادر على ازالته فهو متوكل على الله. ويقال الاستيثاق بما في اليد من ضعف اليقين والثقة بالموجود ظن سوء بالمعبود. وبالله التوفيق. وقد ذكرنا طرفا من التوكل وشواهده في باب القدر والله اعلم.
مسألة في التفويض: اعلم ان تفويض الامور الى الله تعالى فرض واجب ومعناه ان تعلم انه لا يملك ضرك ونفعك وحياتك وموتك الا الله ولا لك رازق غيره ولا معه سواه ولا مانع حاشاه، فاذا استقر ذلك في قلبك فقد فوضت الامور التي تنجو بها وترجو الى مالكها! فأس التفويض والباعث عليه انما هو اعتقاد انه لا يكون من الخير ولا من الشر کونه نه فاذا كان اعتقاد العبد هكذا فقد استراح قلبه من
الا ما اراد
الله
الخضوع الا لمولاه عز وجل. وقد قال سبحانه وتعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون وأفوض امري الى الله ان الله بصير بالعباد» (1) وقد بالغ النبيء في التصريح به والنص عليه بقوله لعبد الله بن مسعود: «ليقل همك ما قدر اتاك وما لم يقدر لم ياتك (2)، واعلم ان الخلق لو جهدوا ان
(1) غاف
44:
(2) حديث: الا تكثر همك ماقدر يكن وما ترزق ياتك) رواه ابو نعيم في الترغيب
والترهيب من رواية مالك بن عمرو المعافري مرسلا
– 133 - (1/143)
صفحة 144
ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عز وجل لك لم يقدروا على ذلك، ولو جهدوا ان يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا على ذلك. وقوله لاله
«ليقل همك» امر بالتفويض لانه يكون بالقلب واللسان جميعا وان كان اصله القلب وان نزل على العبد بلاء او نعمة فشك انه من من الله او من غيره او انكر ان يكون من قبل الله فقد هلك على كل حال،
والله اعلم
واحكم. (1/144)
صفحة 145
من
الركن الثاني
الكتاب في شروط الصلاة وما فيها من السنن والآداب
اعلم انه يبغي ان نقدم بين يدي الطهارة المشروعة من الاحداث اربع
مقدمات
المقدمة الاولى
في آداب قضاء حاجة الانسان
وتحتوي على عشرين مسألة من المناهي والادبيات: (احداها) ابعاد المذهب للغائط في الصحراء وحيث يتعذر الاستتار بجدور المباحات: لما روي ان النبيء عليه السلام كان اذا ذهب لحاجة الانسان ابعد المذهب (1) (الثانية) الاستتار عن الناس بحيث لا يرى له شخص ولا يسمع له صوت لنهيه عليه السلام ان يقضي الرجل حاجته والناس ينظرون اليه (2). الثالثة» اختيار الموضع السهل لقوله عليه السلام: اذا اراد احدكم ان يبول فليدمت لبوله (3) والدمث اللين. (الرابعة) ان لا يبول قائما لنهي الرسول عليه السلام عن ذلك (4) (الخامسة ان لا يكشف عورته قبل انتهائه الى
1) روي اين ماجه من حديث جابر (ض) اخرجنا مع رسو رسول الله في سفر فكان لاياتي البراز حتى يغيب فلا يرى، ولابي داود: وكان اذا اراد البراز انطلق حتى لا يراه احده. وله: ان النبيء الا اذا ذهب ابعد المذهب
(2) رواه ابوداود والترمذي.
(3
(3) رواه احمد و ابوداود بلفظ: «فليرتد لبوله.
(4) اللهـ
الالعذر
– 135 – (1/145)
صفحة 146
موضع تبرزه لما روي انه عليه السلام كان لا يكشف ازاره حتى يقرب من (1) (السادسة): ان يستتر بما امکنه من جدار او صخر او خشب
الارض
منه
او راحلة او ثوبه ان لم يجد ما يديره على نفسه ويجعل للريح منفرجا [السابعة] ان لا يستقبل القبلة بفرجه ولا يستدبرها في الصحراء دون
التاسعة
الكهوف والابنية للنهي الوارد في ذلك لحرمة القبلة (2) «الثامنة»، ان لا يستقبل الشمس والقمر لاحترام نور العرش لانهما خلقتا منه ان لا يستقبل الريح لئلا ترد عليه النتن ولانه قيل يورث مرض الجذام؛ وان لا يستقبل الطريق لئلا تبدو عورته للمارة. «العاشرة» ان لا يقعد في متحدث الناس ولا في الطرقات. ولا في ظلال الاشجار المثمرة. ولا في ظلال الجدرات ولا في شطوط الانهار. ولا في المياه، ولا في ظهور المساجد وحريمها للنهي الوارد في هذه الوجوه وهو قوله عليه السلام: من قضى حاجته تحت شجرة مثمرة او على نهر جار، او طريق عامرة او على ظهر مسجد من مساجد الله فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين (3) الحادية عشرة ان لا يقعد في حرث لحرمة الطعام، ولا في مقبرة لقوله عليه السلام) حرمة موتانا كحرمة احيائنا (4)، «الثانية عشرة»
1) رواية الربيع عن ابن عباس عن النبي (علا الا انه كان من آدابه ان لا يكشف ازاره اذا اراد حاجة الانسان حتى يقرب من الارض - - ثم اخرجه ابوداود والترمذي عن انس بلفظ: واذا اراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الارض». 2) روى ابو هريرة (ض) ان رسول الله (ع) قال: واذا جلس أحدكم لحاجته يستقبل القبلة ولا يستدبرها» (رواه احمد ومسلم.
فلا
(3) اخرجه الطبراني في مسنده من حديث ابن عمر بسند ضعيف، ـ وروى ابو هريرة ان النبي (ع) قال: واتقوا اللاعنين قالوا. وما اللاعنان يارسول الله؟ قال: الذى يتخلى في طريق الناس اوظلتهم رواه احمد ومسلم وابو داود
) رواه الخمسة الا النسائي.
- 136 - (1/146)
صفحة 147
ان لايبول في جحر، ولا في مهواة، ولا في موضع حافر دابة، لنهي الرسول عليه السلام عن قضائها في الاجحرة لانها مساكن اخوانكم من الجن (1). وقيل للاشفاق ان تكون فيه دابة مؤذية، والثالثة عشرة ان لا يقعد في بيوت الناس، ولا في موضع الوضوء. «الرابعة عشرة ان يقول عند القعود لحاجته. اعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم (2) ويجتنب ذكر الله على الخلاء لنهي الرسول عل الله عن ذلك (3) الخامسة عشرة ان يحتفر للبول حفرة يفرق بينه وبين الغائط لان اختلاطها قيل من الذنوب التي تحجب الدعاء عن القبول، وتورث الوسواس، السادسة عشرة ان يعتمد على الشق الايسر لانه ايسر لقضاء حاجته.
انه
،
السابعة عشرة ان لا يمس ذكره بيمينه لنهيه عليه السلام عن ذلك (4) الثامنة عشرة» ان لا يشتغل بالحديث، ولا بانشاد الشعر ولا بالقراءة، ولا يرد السلام، ولا يسلم عليه ايضا للنهي الوارد في ذلك أن النبي ء ع ال نهى عن رد السلام في تلك الحالة، ولا يلزمه الرد بعد 1) ولحديث قنادة عبدالله عن بن سرجس انه قال: نهى رسول الله (ع) ان يبال في جحره قالوا لقتادة: مايكره من البول في الجحر؟ قال: ولانها مساكن الجنه رواه احمد والنسائي وابو داود والحاكم والبيهقي وصححه ابن خزيمة وابن السكن. (2) لحديث انس (ض) قال: كان رسول الله (ع) اذا اراد ان يدخل الخلاء قال: الله، اللهم اني أعوذ بك من الخبث والخبائث رواه الجماعة. الخبث بضم الباء
ابسم
جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة والمراد. ذكران الشياطين وانائهم.
(3) ولاباس. اذا عطس اثناء ذلك ـ ان يحمد الله في نفسه، ولا يحرك به لسانه.
او يستنجي
(4) لحديث سلمان (ض) قال: نهانا ان نستقبل القبلة بغائط او ببول، او نستنجي باليمين، احدنا باقل من ثلاثة احجار، وان لا يستنجي برجيع اوعظم. رواه مسلم وابوداود والترمذي. وعن حفصة (ض) ان النبي (ع) كان يجعل يمنيه لا كله وشربه وثيابه واخذه وعطاءه. وشماله الماسوى ذلك رواه احمد وابوداود وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي
•
– 137 (1/147)
صفحة 148
فراغه ايضا (1) (التاسعة عشرة ان لا يتمخط ولا يبصق في
وينبغي
له ان يسلت الذكر من لدن العجان الى اصل القضيب ليستبريء. بذلك
[العشرون ان يزيل النجس بالاحجار او ما يقوم مقامها من كل جامد طاهر منق ليس بمطعوم ولا بذي حرمة كالمدر والتراب والاعواد. ويتقي الاستنجاء بالنجس والعظم والروث لنهيه عليه السلام عن العظم والروث (2) وقال من فعل ذلك فهو ملعون، وينبغي ان يقتصر في الاستجمار على وتر الاعداد على ثلاثة او خمسة وان انقى بحجر واحد له ثلاثة حروف فلا بأس، ولا يستنجي بالزجاج الاملس، ولا بالفحم لأنه لا ينشف ولا يعامل البول بيده يورث عذاب القبر. ويستنجي من كل ما خرج من السبيلين من البول او الغائط والمني والمذي والودي والدابة والدم الا الريح خصوصا. والعمل في جميع ذلك مقصور على الشمال دون اليمين وليبدأ بمخرج البول ولا يلزمه طلب الثلاثة اذا انقى بدونها والله
اعلم.
لأنه
المقدمة الثانية
في اعيان النجاسات المتفق عليها والمختلف فيها
اعلم ان المتفق عليها من اعيان النجاسات عشرة اشياء: وهي الميتة
1) عن ابن عمر. وقد مر برسول الله (ع) رجل ـ وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه رواه الجماعة الا البخاري
يعني
: ان يكف عن الكلام مطلقا سواء كان ذكرا او غيره، فلا يرد سلاما ولا يجيب مؤذنا الالما لابد منه كارشاد اعمى يخشى عليه التردي. اهـ.
(2) سبق قريبا من حديث سلمان
- 138 - (1/148)
صفحة 149
والدم ولحم الخنزير والغائط والبول والمني والودي والمذي والطهر من
النساء والخمر، فهذه الأشياء متفق على تحريمها ونجاستها عند
جميع
الامة
فيما علمت (1) ولابد من تفصيلها بالفاظ مختصرة. اما الميتة فانها محرمة
على الاطلاق (2) منها. ـــ وحد الميتة -، كل ما خرج منه الروح على غير سبيل الذكاة، وهي نوعان: برية وبحرية اما البرية فنوعان:
الامة الا ما خصته السنة الكتاب والاجماع من بنص
احدهما ماله نفس سائلة مجتمع فيه اللحم والدم والعظم كالانعام والحشرات
من جميع
ما اشبهها
فلا خلاف في نجاستها لقوله الا الله اذا ماتت الفأرة في السمن الذائب فاريقوه، وان كان جامدا فألقوها وما حولها» (3) وكذلك غير الفأرة قياسا عليها كالعصافير والحيات وجميع الحشرات، واختلف في الضمج والقراد والقمل والبعوض والبق وما اشبه ذلك.
ينجس
بالموت
النوع الثاني: من ميتة البر ما ليس له نفس سائلة كالذبابا والذر والخنافس والعقارب وما اشبه ذلك فهذا متفق عليه ان لا ولا مامات فيه من ماء أو مائع قياسا على الذباب، لقوله عليه السلام: ه اذا وقع في اناء احدكم فامقلوه ثم اخرجوه فان في احد جناحيه داء وفي الآخر شفاء، وانه ليقدم الداء ويؤخر الشفاء (4) ومعلوم ان بعضها يموت من ذلك ولم يقل افسد طعاما والله اعلم. (واما الميتة) البحرية فمتفق على طهارتها وتحليلها لقوله تعالى
ا لست كلها مجمعا عليها على ما اعلم. (2) الا عند الضرورة فتباح بنص
الكتاب
) رواية البخاري عن ابن عباس عن ميمونة (ض): سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال القوها وما حولها وكلوا سمنكم يعني لم يصح فيه التفصيل بين الجامد والمائع ـ ورواية احمد وابي داود من حديث ابي هريرة: اذا وقعت الفأرة في السمن: فان كان جامداً فالقوها وما حولها، وان كان مائعا فلا تقربوا وقد حكم عليه البخاري وابو حاتم بالوهم.
(4) رواه احمد والبخاري وابو داود وابن ماجه (1/149)
صفحة 150
احل لكم صيد البحر وطعامه، الآية (1) ولقول الرسول الله هو الطهور ماؤه والحل ميتته (2) ولقوله: احلت لكم ميتتان و دمان فالميتتان السمك والجراد والدمان الكبد والطحال (3) وميتة البحر» نوعان ايضا: ما مات بسبب رمي او قتل في حين الاصطياد فهذا متفق على تحليله. «والثاني» مامات بغير سبب: فقيل هو حلال. وقيل هو مكروه اذا انتن. واختلف في الماء وانسان الماء: فقيل فيهما بالتحليل. وقيل بالكراهية، وقيل التحليل مقصور على السمك دون سواه من الحيتان. ويتميز من غيره بالقشور لانها بمنزلة الشعر من دواب البر. وما ليس عليه قشور من حيتان فهو بمنزلة الحيات والاماحي وما كان املس من حشرات البر، وقيل ذكاة الحيتان التسمية عليه في حي اصطياده والله اعلم.
خنزير
مسألة: واما اجزاء ميتة البر: فمنها ما هو متفق على تحريمه كاللحم والشحم والبلل منها. ومنها ماهو متفق على تحليله كالصوف والشعر واطراف الريش والوبر واشباهها. ومنها ماهو مختلف فيه كالجلد بعد دباغه وطرف القرن واطراف الاظلاف والعظام وما في معناها، واما ما قطع من البهيمة وهي حية فلا خلاف انه ميتة (4) والله اعلم. (واما الدم المسفوح فمتفق ايضا على نجاسته وتحريمه لقوله تعالى او دما
المائدة: 92
جه الاربعة وصححه ابن خزيمة والترمذي من حديث ابى هريرة، قال قال رسول (ع) في البحر: يعني سئل عن الوضوء بماء البحر فقال: هو الطهور ماؤه والحل ميتته والطهور هو الطاهر المطهر
) عن ابن عمر رواه احمد وابن ماجه ورواه الربيع من حديث ابن عباس 4) لقوله (ع). وماقطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة اخرجه ابو داود والترمذي
وحسنه.
11?1 (1/150)
صفحة 151
مسفوحان (1) الاما خصته السنة من قول النبيء لله احلت لكم ميتتان ودمان فالميتتان الجراد والسمك، والدمان الكبد والطحال (2) واختلف في
ذكاة الجراد فقيل ذكاته التسمية عليه حين يطبخ او يشوى. وقيل غير والله اعلم. واختلف في قليل من الدم الذي لم
ذلك
من
قطف
رءوسه
ينجس
يكن مسفوحا وفي الرشاش الذي لو اجتمع لم يفض، فقيل لا ولا ينقض الوضوء. وقيل الشيء النجس بعينه لا يتبعض ولقوله: حرمت عليكم الميتة والدم (3) عموما في كل دم. ورخص في الحمرة التي تتعلق باليد والثوب بعد غسل المذبح من الذبيحة، واختلف في دم القلب ودم العروق. ورخص ايضا في دم الذباب وما كان في معناه من البراغيث واشباهها. واختلف فى دم الشهداء والبغاة ايضا، والاصح عندي نجاسته لعموم الدم. وشدد اصحابنا في القمل اذا كان اصله من بني آدم، على ان بعضهم شدد في قمل الحيوان والانعام ايضا والله اعلم. [واما الخنزير] فمجمع على تحريمه ونجاسته بجميع اجزائه من اللحم والشحم والعظم والعصب واللبن والجلد لأنه لا تصح فيه الذكاة لقوله تعالى او لحم خنزير فانه رجس (4) برد الهاء اليه فصح انه محرم بالكلية. ولقوله عليه السلام بعثت بقتل الخنزير (5). واختلف في شعره فأجازه بعض. ومنع منه آخرون. والقرد والفيل في معنى الخنزير ولا تصح فيهما الذكاة. واختلف
1) الانعام: 145
(2) من حديث ابن عمر اخرجه احمد وابن ماجه وفيه ضعف
) المائدة: 3.
الانم
ام: 145.
ه) روي احمد. بعثت بقتل الخنزير واراقة الخمره على انهما حديث واحد لا انهما حديثان وقد جرى الشيخ عامر فى الايضاح على انهما حديث واحد.
- (1/151)
صفحة 152
في عظم ناب الفيل والمكاحل المتخذة منه. واما رجيع ابن آدم وغائطه فمتفق على نجاسته، وكذلك بوله على هذا الحال، وكذلك جميع الأجزاء المنفصلة منه والمتصلة به من النحم والعظم والعصب وغيرها. واختلف في مخه، واتفقوا على البزاق والعرق والمخاط والبلغم وجميع البلل منه انه طاهر، وكذلك ما يستحيل من الاجسام الى صلاح كلبن الآدميات والمحلل من الحيوانات فلا خلاف في طهارته كما لا خلاف في نجاسة لبن الخنزيرة، واما لبن الحيوان المحرم الاكل: فقيل مكروه، وقيل تابع للحم. واما بيض الطير المباح فلا بأس به دون بيض الحشرات من الحيات والاماحي واشكالها لانها من الخبائث والله اعلم. وكذلك ما يتولد من الجروح والقروح من المدة والقيح، اتفقوا انه طاهر. واختلف في الصديد وما اشبهه: واما المني والمذي والودي فاتفقوا على انها نجسة اذا فصلت عن البدن (1) واختلف في سبب نجاستها فقيل استمرار خروجها من مجرى
1) التحقيق ان نجاسة المني مختلف فيها لامتفق عليها: فالحنفية والمالكية والهادوية ورواية عن احمد يقولون كاصحابنا بنجاسته قالوا لان الغسل لا يكون الا عن نجس وقياسا على فضلات البدن المستقذرة. لكن الشافعية يقولون بطهارة المني مستدلين بما روي عن عائشة انها قالت، كنت افرك المني من ثوب رسول الله (ع) واذا كان يابساء رواه الدارقطني وابو عوانه والبزار، ولقولها ــ واللفظ لا بن حبان (لقد رأتني افرك المني من ثوب رسول الله (عل الله) وهو يصلي رجاله رجال الصحيح ـــ وبما روي عن ابن عباس ان رسول الله (الله) سئل عن المني يصيب الثوب فقال (انما هو بمنزلة المخاط والبصاق) وقال (انما يكفيك ان تمسحه بخرقة او اذخرة) رواه الدارقطني والبيهقي والطحاوي، قالوا: واحاديث غسله محمولة على الندب وليس الغسل دليل النجاسة فقد يكون لاجل النظافة وازالة الدرن. وتشبيهه بالمخاط والبصاق دليل الطهارة ايضا والامر بمسحه بخرقة واذخرة لاجل ازالة الدرن المستكره بقاؤه في ثوب المصلي، ولا كان نجسا لما اجزاً واما التشبيه للمني بالفضلات المستقذرة من البول والغائط كما قاله من قال بنجاسته فلا يقاس مع النص. على ان هناك نصا يدل على نجاسة المني هو قوله (عل الله لعمار من رواية احمد والدارقطني (انما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني والدم والقيء). اهـ مصححه
مسحه (1/152)
صفحة 153
النجس وانه لو احتلم الانسان ثلاث مرات فصاعدا ثم مست النطفة ثوبا انه لا ينجس ويلزمه الغسل لانه تعبد وقاسوها على سائر الفضلات التي تخرج من البدن كالعرق واللبن، وقال آخرون انها نجسة بعينها لان اصلها دم ولانها تجري في مجرى النجس قياسا على البول وما كان في معناه. واما الطهر من النساء فهو ايضا نجس و لم اقف على علة نجاسته واظنها من قبل خروجه على مخرج النجس لانه قيح متولد من دم الحيض جار على مجرى البول والحيض. (واما الخمر فمتفق ايضا على نجاسته (1). وكذلك كل مسكر ايضا عند الجمهور من علماء الامة لقوله عليه السلام بعثت باراقة الخمر (2) فدل على انها محرمة بعينها لايجوز الاستنفاع بها، ولا بجميع فضلاتها من الخل والدردي وغيره وقد زعم قوم ان الخمر ليست بنجسة (3) واظن قولهم انما اخذ من جهة الشدة المطربة اذا حلت فيها صارت محرمة، واذا ارتفعت ارتفع حكمها والله اعلم. واما العشرة المختلف فيها فهي: القيء وابوال ما يؤكل لحمه من البهائم، والفرث وذو ناب من السباع، وذو مخلب من الطير، والهر، والكلب المعلم،
1) الخمر محرمة اجتماعا ونجسة عند جمهور العلماء مستدلين بقوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان الآية). بيد ان هناك طائفة من العلماء المحققين يرون طهارتها وان نجاستها معنوية لاحسية لان الاصل في الاعيان الطهارة الا ماقام دليل خاص على نجاسته وان التحريم لا يلازم النجاسة فان الحشيشة محرمة وهي طاهرة. واما النجاسة فيلازمها التحريم، فكل نجس محرم ولا عكس. وذلك لان الحكم في النجاسة هو المنع من ملامستها على كل حال فالحكم بنجاسة العين حكم بتحريمها بخلافه الحكم بالتحريم، فانه يحرم لبس الحرير والذهب وهما طاهران ضرورة واجماعا
(2) تقدم قريبا.
اهـ مصححه
) التعبير بزعم يشعر بتضعيفه وليس بضعيف كما سبق قريبا بيانه.
- 143 - (1/153)
صفحة 154
، وعرق السكران، والجلال من البهائم، وما كان في معناه، (اما
والمشرك القيء) فزعم قوم انه طاهر قياسا على البلغم. واتفق اصحابنا على نجاسته لانه ينقض الوضوء لقول الرسول عليه السلام: من فاء او قلس فليتوضأ (1) والمؤثر في نقض الطهارة هو النجس والافعال المحظورة في الشرع، وكذلك القلس - اذا وصل الى الفم او الموضع المحكوم عليه فيه ـ انه ينجس وينقض الوضوء ويعصي من بلعه. واما اذا لم يبلغ حد الفم فلا باس به والله اعلم. (واما بول ما يؤكل لحمه فقد اختلف فيه ايضا. فقال قوم هو طاهر لحديث العرنيين (2) الذين مرضوا في المسجد فأمرهم النبيء عليه السلام ان يخرجوا الى ابل الصدقة ويشربوا من وألبانها (3)، ولقوله عليه السلام اذا حضرتك الصلاة وانت في مرابض
ابوالها
الغنم فصل، واذا حضرتك في معاطن الابل فلا تصل» (4)، وقياسا 1) عن عائشة رواه ابن ماجه وضعفه ولفظه عنده. من اصابه قيء اورعاف او قلس او مذي فلينصرف فليتوضا ثم ليين على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم. (2) هم قوم من عكل وعرينة قدموا على رسول الله (ع) وتكلموا بالاسلام فقالوا يا نبيء الله انا كنا اهل ضرع ولم نكن اهل ريف واستوخموا بالمدينة فامرهم النبيء (ع) بذود وراع وامرهم ان يخرجوا فيه فيشربوا من ابوالها والبانها فانطلقوا حتى اذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد اسلامهم وقتلوا راعي النبيء (علي) واستاقوا الذود فبلغ النبيء عل فبعث الطلب في آثارهم فامر بهم فسملوا اعينهم وقطعوا ايديهم وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم. وكانوا ثمانية. قال انس وانما سمل لانهم سملوا اعين الرعاء فيكون ما فعل بهم قصاصا
رسول الله
اعينهم
) ان اباحة النبي (ع) للعرنيين شراب ابوال الابل لا ينافي ما ذهب اليه اصحابنا من نجاسة الابوال كلها لان العرنيين اهل ضرر واهل الضرر تحل لهم اشياء لاتحل لغيرهم رخصة. الله والرخصة لايقاس عليها، ويقال انهم اصيبوا بالبول السكري وان بول الابل من الادوية التي تقطعه. وهو من الطب النبوي الذي اثبتت التجارب
صحته.
من
اهـ مصححه
(4) رواه الترمذى من حديث ابي هريرة بلفظ وصلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في اعطان الابله. (1/154)
صفحة 155
على اللبن والعرق وسائر الفضلات، وقال آخرون: الابوال تابعة للحوم: فالمحرم اكله نجس بوله. والمحلل على عكسه. وقال اكثر اصحابنا ان الابوال كلها نجسة سواء كانت من بني آدم، او من البهائم لان النبيء سمى البول خبثا وقال لا يصل احدكم وهو يدافع الأخبثين (1)، قال
تعالى ويحرم عليهم الخبائث (2) فكل بول خبيث، وكل خبيث حرام؟ فبول ما يؤكل لحمه كبول ما لا يؤكل لحمه. كما ان دمهما متفق على نجاسته وتحريمه. والله اعلم. ولم يقطع اصحابنا عذر من شرب ابوال المأكولات. واتفق الجميع على ان ابوال المكروهات والمحرمات حرام نجس. والله اعلم. واما الفرث والارواث» فقد اختلف فيها ايضا لكن اصحابنا وجمهور الامة اجمعوا على انها طاهرة من جميع ما يؤكل لحمه لامر الله النفر الجنيين بالتزود منه لعلف الدواب فقالوا يا رسول الله آدم ينجسونه علينا فعند ذلك نهى عليه السلام ان يستنجى بالعظم والروث (3) فلو كانت الارواث نجسة لم ينه عليه السلام عن تنجيسها
النبيء
ان بني
1) متفق عليه، ورواية مسلم عن عائشة (ض) الاصلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه
الاخبثان
2) الاعراف 157
-
ورواه احمد ومسلم عن ابن مسعود ـ
3) عن ابي هريرة رواه الدارقطني وصححه ورواه ابو عبدالله الحاكم في دلائل النبوءة بلفظ آخر
-
ولفظه في سنن البيهقي وانه
قال لابى هريرة (ض) ابغني احجارا استنفض بها ولا تاتني بعظم ولا روث،
فاتيت باحجار في ثوبي فوضعنها بجنبه حتى اذا فرغ وقام وتبعته فقلت يارسول ما بال العظم والروث؟ فقال: اتاني وفد نصيبين فسألوني الزاد فدعوت.
-
الله
لهم
ان لا يمروا بروثة ولا عظم الا وجدوا عليه طعاما - ولما علل (ع) بان العظ العظم و والروثة طعام الجن قال له ابن مسعود وما يغني عنهم. ذلك يارسول الله قال: وانهم لا يجدون عظما الا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم اخذ، ولا وجدوا روثا
الاوجدوا فيه حبه الذي كان يوم اكل رواه ابو عبدالله الحاكم في الدلائل.
11801 (1/155)
صفحة 156
من
وفي بعض كتب اصحابنا من اهل المشرق ان الفرث نجس الا ما تخلص الكرش الى الامعاء فلا باس به (1). وبعض اصحابنا يكرهون روث البقرة الانثى في زمان الربيع لانه يجري على مجرى النجس، وذكر بعضهم روث البغال والخيل اذا كان رقيقا وكانت تعلف الشعير. «واما ذو ناب من السباع فاختلف فيه ايضا، فقال قوم محرم اللحم وجميع اجزائه والفضلات الخارجة منه من الروث واللبن والعرق والبلل جميعه (2) واحتجوا بالنهي الوارد فيه عن النبيء). واحتجوا على نجاسة استارها بقوله عليه السلام وقد سئل عن الحياض التي تكون في الفلاة وما يأويها من السباع والدواب فقال: «اذا زاد الماء على قلتين لم
1) من علماء المغرب من يقول بنجاسته ايضا كسليمان بن الامام يعقوب بن افلح الملقب بسليمان الفرئي وانما لقب بذلك لانه يحرم الفرث فباهله الشيخ ابو صالح جنون بن يمريان فتاه اثناء رجوعه من المباهلة ولا حول ولا قوة الا بالله. كما حكم بتحريم الجنين المذبوحة امه، وتنجيس عرق الجنب والحائض، ودم العروق بعد تنقية مذبح الشاة، وتحريم صوم يوم الشك وتحريم الزكاة للقرابة - وهذه المسائل لم يوافقه عليها
علماء الاباضية
اهـ مصححه
2) قال المحشي رحمه الله: لم يذكر المصنف له مقابلا وقد ذكر له الشيخ عامر مقابلين وهما الكراهة والاباحة، وسبب اختلافهم معارضة ظاهر الكتاب وهو قوله تعالى «قل لا أجد فيما اوحي الي محرماه الآية، والسنة وهو قوله (ع): «اكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير حرام فمن ذهب الى ظاهر الآية قال بالاباحة، ومن ذهب الى ظاهر الحديث قال بالتحريم، ومن حاول الجمع بين الآية والحديث قال بالكراهة وحمل النهي الوارد فى ذلك على الكراهة، لانه روي عنه عليه السلام انه نهى عن اكل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير، وقصة ايوب ابن العباس وجد سبعا ولبوءة واشبالا فقطع ارجلها ثم ذبحها فجاء الى الحي فقال
الله رحمه
لهم من يبتغي اللحم المكروه فعليه بالوادي الفلاني يدل على الكراهة
•
) وهو قوله (ع): اكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير حرام» رواه
الربيع من حديث ابي هريرة.
-187 - (1/156)
صفحة 157
•
يحتمل خبثا (1) قالوا فلو لم تكن السباع نجسة لم يكن للتفريق بين ما زاد على القلتين معنى، وقال أخرون ان استارها طاهرة. واحتجوا بقول الرسول عليه السلام حين سئل عن المياه التي تأوي اليها فقال: لها ما اخذت بافواهها ولكم ما غبر يعني ما بقي (2) وهكذا اختلفوا في اكل لحوم الخيل والبغال والحمير فكرهها قوم لنهي الرسول عن اكل لحوم الحمر الانسية (3). فكانت الخيل والبغال في معناها قياسا لانها مركوبة غير مأخوذة منها الزكاة، وليست من الانعام. [وذو مخلب من الطير] اختلف
1) عن ابن عمر اذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث وفي لفظ: «لم ينجسه اخرجه الاربعة وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه.
(2) رواه الربيع عن جابر بن زيد قال: بلغني عن عمر بن الخطاب (ض) قال سئل رسول الله (ع) عن السباع ترد الحياض وتشرب منها فقال رسول الله (ع) ولها ما ولغت في بطونها ولكم كا غير، قال الربيع اي لكم ما بقي
ولفظ الحديث عن انس بن مالك لما كان يوم خيبر امر رسول الله (ع) ابا طلحة فنادي وان ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الاهلية فانها رجس» متفق عليه ـ وفي رواية عن جابر (ض) قال: انهى رسول الله مع الم يوم خيبر عن لحوم الحمر الاهلية واذن في لحوم الخيل متفق عليه. وفى لفظ البخاري ورخص وعن جابر صلى الله (ض) قال نهانا رسول الله (ع) يوم خيبر عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيله قال النووي: اختلف العلماء فى اباحة لحوم الخيل فذهب الشافعي والجمهور من الخلف والسلف انه مباح لاكراهة فيه. اهـ. وقال القطب فى وفاء الضمانة: كانت الصحابة - ابن الزبير، وفضالة بن عبيد وانس بن مالك، واسماء بنت ابي بكر، وسويد بن غفلة، وعلقمة (وزاد النووي الاسود وعطاء. وشريح، وسعيد بن جبير، والحسن البصري. وابراهيم التخعي وحماد بن ابي سليمان، واحمد، واسحاق؛ وابو يوسف ومحمد وداود وجمهور المحدثين وغيرهم - ياكلون لحم الخيل - وحديث النهي عنه منسوخ وكانت قريش على عهد رسول الله (ع) وآله تذبحها. وقد يقال تحريمها من اجل ان يجدوا ما يغزون عليه ويقاتلون لالحرمة لحمها - ولو قال حرم عليكم لحمها ـ ولما كثرت
حل لحمها.
اهـ مصححه. (1/157)
صفحة 158
فيه أيضا فحرمها قوم بالكلية لورود النهي عن اكل لحومها فكان الروث والبلل وسائر الفضلات تابعة للحومها. وكرهها آخرون والله اعلم. «واما سائر الطيور من العصافير والحمام وغيرها فلا بأس بأكل لحمها وسورها، الا ما كره اصحابنا من قتل ستة اجناس منها، لورود النهي عن قتلها. وقد وجدت في ذلك حديثا عن النبيء الا الله انه قال، لا تقتلوا ستا: الضفادع فان الذي تسمعونه منها تسبيح وتقديس، وان ابراهيم عليه السلام لما ألقي في النار استأذنت دواب البر والطير ان تطفئ النار عن فأذن الله للضفادع فأزكت عليها (1) فذهبت ثلثاها وبقي الثلث فأبدل الله بحرارة النار برد ماء، ولا تقتلوا النمل فان سليمان عليه السلام خرج يستسقي فاذا بنملة رافعة يديها تقول: اللهم انا خلق من ولا غنى بنا عن فضلك فاسقنا مطرا تنبت به لنا اثمارا فقال سليمان: ارجعوا فقد سقيتم. ولا تقتلوا النحل فانها تضع لكم طيبا وتطعمكم طيبا
ابراهيم
خلقك
ولا تقتلوا الهدهد فانه احب ان يعبد الله حيث لم يكن يوجد عبد ولا تقتلوا الصرد فانه كان دليل آدم عليه السلام من الجنة الى الارض اربعين سنة ولا تقتلوا الخطاف فان دورانه الذي ترون جزع عن بيت المقدس حين احرق (2) فشدد اصحابنا في قتل هذه الاجناس حتى جعلوا الدية على
1) قال المحشى: فأزكت: هكذا فيما رايناه من النسخ ولعله فزكأت فيكون ماخوذا من قولهم زكأت الناقة بولدها تزكاً رمت به عند رجليها فيكون معنى زكات عليها رمت بنفسها عليها اي على النار اهـ. (2) هكذا يسوق المصنف هذا الحديث مفصلا ويورده ابو داود باستثناء الضفدع والخطاف مختصرا باسناد صحيح عن ابن عباس ان النبي (ع) نهى عن قتل اربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرده - وكذلك نهى (ع) عن قتل الضفدع لما رواه عبد الرجمان بن عثمان: وان طبيبا سأل النبي (ع) عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه عن قتلها رواه ابو داود والنسائي واحمد وصححه الحاكم.
اهـ مصححه
- 1 EA- (1/158)
صفحة 159
قاتلها در همين لكل واحد منها وجعلوا في الضفدعة نعجة بجزتها والله اعلم بهذا ان كان عن اثر اثروه او عن نظر منهم رأوه. «واما الدجاج وما كان في معناه مما لا يمتنع من اكل القذر فانهم شددوا في روثه نجس. ورخصوا في سؤر ما لم يعاين النجس على منقاره في حين وقوعه في الماء. ونجسوا بيضه حتى يغسل. واما سائر «الصيد» من جميع ما احل الله اكله ا من الضباع والارانب واليرابيع والثعالب والسلاحف وغيرها فمتفق على تحليله وطهارته. وكذلك الضباب ايضا. «واما الحيات والاماحي واشباهها من الافاعي واللغا فقد ذكروا ان النبيء عليه السلام حرم ما كانت العرب في الجاهلية تستقذره» (1): فما اشبههن من هذه الاجناس الحلال فهو حلال وما اشبه الحرام فهو حرام. وقد شددوا في سور الاماحي والافاعي والحيات والله اعلم واحكم. (واما الهر) ففيه اختلاف. والاصح انه طاهر لانه من الطوافين والطوافات على الناس، ولحديث ابي قتادة انه اصغي اليه الاناء فشرب منه (2). ومن ذهب الى نجاسته راعى
(1) الصحيح ان استقذار النفوس ليس هو سبب التحريم، وانما الحرام ماحرمه الشرع لما روي عن ابن عباس قال: قال خالد بن الوليد المخرومي: دخلت على رسول الله (ع) في بيت ميمونة فأتي بضب محتوذ فاهوى اليه رسول الله (ع) بيده فقالت بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة اخبرن رسول الله بما يريد ان ياكل منه فقيل: هو ضب يا رسول الله، فرفع يده. قال خالد: فقلت له يا رسول الله: احرام هو؟ قال: لا، ولكنه لم يكن بارض قومي فاجدني اعافه، قال خالد: فأجتررته واكلته ورسول الله ينظره اخرجه السنة الا الترمذي
2) اخرجه الاربعة عن ابي قتادة بلفظ: قال في الهرة: وانها ليست بنجسة انما هي من الطوافين عليكم، ورواية الربيع عن ابي عبيدة قال: بلغني عن كبيشة والصواب كبشة بغير تصغيره بنت كعب بن مالك وكانت تحت ابي قتادة الانصاري انها سكبت لابي قتادة وضوءا فجاءت هرة فشربت منه، فاصغى ابو قتادة الاناء حتى شربت. قالت كبشة فرآني انظر اليه، فقال اتعجبين بما رأيت؟ قالت قلت نعم قال لي. ان رسول الله (ع) قال وانها ليست بنجسة. انها من الطوافين والطوافات عليكم.
11891 (1/159)
صفحة 160
ان الاصل فيه سبع. والفأر كذلك. فلعمري انهما لكما زعم لكن الرخصة وردت في الهر للحاجة اليه، ولتعذر الاحتراز منه في البيوت، وتلحق به الفأرة في تعذر الاحتراز منها. (واما الكلب) المعلم فقيه اختلاف بين اصحابنا: قال بعصهم بطهارته لعلة صيانته عن اكل الخبائث. وقال آخرون بل هو لاحق بالحكم الاصلي في الكلاب من النجاسة. ولم تتفق الامة على نجاسة الكلاب ايضا، فمن ذهب الى نجاستها احتج بامر النبيء بغسل الاناء من ولوغها في سبعا اولاهن واخراهن بالتراب (1): ومن ذهب الى طهارتها احتج بقول الله سبحانه فكلوا مما امسكن عليكم] (2) ولم يأمر بغسل الموضع الذي امسك فيه الكلب، ولانه من الطوافين والطوافات قياسا على الهر. وحمل الأمر بغسل الاناء من ولوغه على جهه والله اعلم ـ وهو مذهب مالك انس المدني بن قال بقوله ومن والله اعلم. (واما المشرك) فمجمع ايضا على نجاسته لقول الله تعالى (انما المشركون نجس) (3). ومن العلماء من حمل لفظ النجس الوارد فيه على جهة الذم لا ان عينه نجس والله اعلم. وجمهور العلماء على نجاسته. والمشرك ايضا عند اصحابنا نوعان: كتابي ومن سواه من مجوسي ووثني، والكتابي فيه اختلاف بين اصحابنا، فمن ذهب الى طهارة بلله احتج بقوله تعالى وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم الآية (4). الطعام وان
التعبد
-
1) عن ابي هريرة قال: قال رسول الله (ع): طهور اناء احدكم اذا ولغ فيه الكلب ان يغسله سبع مرات اولاهن بالتراب» رواه مسلم واحمد وابو داود والبيهقي. ورواية الربيع عن ابي عبيدة عن جابر بن زيد قال بلغني عن ابى هريرة قال قال رسول الله (ع): اذا ولغ الكلب في اناء احدكم فليهرقه ويغسله سبع مرات اولاهن واخراهن
ما الله
بالت
2) المائدة: 4
راب
اه
3) التوبة 27
(4) المائدة.
11011 (1/160)
صفحة 161
كان المراد به ههنا الذبائح فلفظه عام. واحتج ايضا بأكل النبيء الا الله العظم المسموم الذي اهدته له اليهودية، واحسب اني وجدت في بعض
من
الآثار انها قصعة من ثريد مع لحم والله اعلم، واجاز بعضهم الغسال اهل الكتاب. وبعض كرهه، وروي ان النبيء علا الله امر ان تغسل آنية
اهل الكتاب اذا احتج اليها (1) فدل على نجاستهم (2) والله اعلم. (واما عرق السكران) كان في معناه و من من جميع من يشرب الخمر، وكذلك لبن المرأة الشاربة للخمر. وبيض ما يشرب النجاسة او يأكلها ففى الكل خلاف. وعند مشائخنا ان الجلال من الناس الذي يشرب الخمر يتقى البلل منه يوما وليلة وهو مقدار ما يبقى الطعام في جوف الانسان. وقيل فيه غير ذلك. واما الجلالة من البهائم فقد روي فيها ان النبيء الا الله عن اكل لحم الجلالة وشرب البانها وان يحج عليها (3). وهي عند اصحابنا التي لا تعلف الا العذرة ولا تخلط معها شيئا من المرعى، وفي اثر
نهي
1) سال ابو تعلية الخشني رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: انا بارض قوم اهل الكتاب وانهم ياكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم؟ فقال ان لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء واطبخوا فيها واشربواه - وفي الصحيحين انا بارض قوم اهل كتاب، افناكل في آنيتهم؟ قال: ولا تاكلوا فيها الا ان لا تجدوا غيرها، فاغسلوها ثم كلوا فيهاه وفي المسند والسنن، افتنا في آنية المجوس اذا اضطررنا اليها؟ فقال واذا اضطررتم اليها فاغسلوها بالماء واطبخوا فيها، وفي الترمذي سئل عن قدور المجوس فقال وانقوها غسلا واطبخوا فيهاه
-
(2) قال المحشي ابو ستة ان دليل طهارة بلل اهل الكتاب قوي ودليل نجاسته ضعيف جدا. (3) ورد بروايات مختلفة مجموعها يفيد ما يفيده الحديث الذي ساقه المصنف عن ابن عباس (ض) انه قال: ينهى رسول الله (ع) عن شرب لبن الجلالة، رواه الخمسة الا ابن ماجة وصححه الترمذي - وفى رواية عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده قال: انهى رسول الله عن لحوم الحمر الاهلية وعن الجلالة عن ركوبها واكل لحومها رواه احمد والنسائي وابو داود. ويروى لاتحجوا عليها»
-101
— (1/161)
صفحة 162
مشائخنا انها لا تكون جلالة باكلها الميتة او الدم او لحم الخنزير عند بعضهم - وقيل غير ذلك، فعرق الجلالة نجس كما قدمنا، وكذلك اكل ما لايصان من البهائم عن اكل النجاسات فعرقها وبللها نجس. وقد جعل اصحابنا لكل شيء من ذلك اذا اقلع عن اكل النجس مدة ينتهي اليها فيحكم بطهارته. فجعلوا للجلالة من الابل من اربعين الى عشرة ايام، وللبقرة
من
ثلاثين الى سبعة، وللشاة من عشرين الى ثلاثة ـ وللوزة من
الى ثلاثة الى
يوم
خمسة
، وللدجاجة من ثلاثة الى يوم. وقيل ان ذبحت ونزع
ذلك منها وغسلت انها تؤكل ولو في يومها ورخص ايضا في لبن الشاة
اذا شربت النجس. والله اعلم.
المقدمة الثالثة
فيما تزال عنه هذه النجاسات وبما تزال به من الاشياء والجهات
اما الاشياء التي تزال عنها النجاسات فهي ثلاثة بلا خلاف: احدها: الثياب لقول الله تعالى (وثيابك فطهر (1) ولأمر النبيء عليه السلام بغسل الثوب من دم الحيض وغسله من المني ايضا (2) والثاني: الابدان لما روي انه عليه السلام امر بغسل المني منه
ايضا (3)
والثالث: المساجد ومواضع الصلاة لامره ع ان يصب على بول الاعرابي ذنوب من ماء حين بال
1) المدثر 4
(2) مشهور صحيح رواه الخمسة عن ابي هريرة وقال الترمذي حسن صحيح، وفي معناه والمذي والودي والمني ودم الحيض والنفاس نجس لا يصلى بثوب وقع عليه شيء منها حتى يغسل ويزول اثره اخرجه ابوداود والترمذي.
الحديث ابن عباس (ض) المني والودى والمذي: اما المني ففيه الغسل، واما المذي والودي ففيهما اسباغ الطهوره رواه الاثرم والبيهقي.
152 - (1/162)
صفحة 163
في المسجد (1). ولصبه الماء ايضا على ثوبه من بول الرضيع (2)، ولامره بغسل رأس الذكر من المني، وان ينضح عليه الماء من المذي (3) والله اعلم.
واما الاشياء التي تزال بها النجاسة فهي بالجملة عشرة بعضها: منطوق
•
بها في السنة، وبعضها مقيس عليها، احدها الغسل، الثاني المسح والثالث النضح، والرابع الوطء، والخامس الرشح، والسادس الزمان، والسابع الدباغة. والثامن التتريب، والتاسع الريح والمطر. والعاشر النار. اما الغسل فهو عام في جميع النجاسات ويختص بالماء دون سائر المائعات على اختلاف في بعضها. وسنذكر احكام المياه واقسامها ان شاء الله تعالى. اعلم ان المطهر للحدث والخبث هو الماء من بين سائر المائعات. قال الله تعالى. وانزلنا السماء ماء طهورا» (4). وقال «ماء ليطهركم من به» فالطهور هو الفعول للطهارة وهو ابلغ في اللغة من فاعل، ثم المياه اربعة اقسام. احدها الماء المطلق وهو الباقي على اوصاف خلقته من غير مخالط له، فهو الطهور كماء المطر والبحر وماء البئر والنهر وما قام عليها القلتات (5). والغدران وماء السباخ على اي صفة كان من اصل
من
1) متفق عليه من حديث انس بن مالك وهنا يقف المتأمل معجبا من حسن سياسة الرسول (ع) وتيسيره لاجلاف العرب سبيل الاسلام. فقد روي انه لما بال ما الله الاعرابي بالمسجد وثار اليه الناس ليوقعوا به قال لهم الرسول (علي): دعوه واهريقوا على بوله ذنوبا من ماء او سجلا من ماء الذنوب والسجل الدلو» «فانما بعثتم ميسرين لامعسرين» رواه الجماعة الامسلما.
) و (3) سياتي سندهما قريبا.
4) الانفال [11] والاية اذ يغشيكم النعاس امنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم
(°
به الآية.
القلتات
هي
البرك على حد تعبير العامة
- 153 (1/163)
صفحة 164
الخلقة
ويلحق بهذا التقسيم المتغير بطول مكث او تراب او زرنيخ لجريه عليه، او بطحلب. وكل ما كان من قراره، او متولد عنه ولا ينفك
غالبا
القسم الثاني
(الماء المقيد) المضاف الى ما وقع فيه مثل العصفر والزعفران او اللك 1) والفوت (2) واشكالها من المضافات. فهذا الماء يجزئ في غسل
النجاسات. واختلف فيه في رفع الاحداث.
القسم
الثالث
الماء المضاف الى الخارج منه كالماء المعتصر من النباتات والمستخرج من الفواكه والبقول: فهذا الماء مزيل للنجاسة غير رافع للحدث والله اعلم
القسم الرابع
الماء المستعمل للوضوء والاغتسال وقد تنازع العلماء فيه مع اتفاقهم على طهارته. وقد روي ان اصحاب النبيء لله كانوا يقتتلون على فضل وضوءه، وغلا بعضهم حتى زعم ان اسم الغسالة احق به من اسم الماء فيما وجدت والله اعلم، فالاول طاهر مطهر باجماع والثاني طاهر مطهر اذا لم تتغير احد اوصافه، والثالث طاهر غير مطهر (3) باتفاق، والرابع
(1) صبغ أحمر يصبغ به جلود المعربي (2) لعل الصواب الفرث.
(3) بل هو مطهر على التحقيق فهو مطهر للانجاس قطعا اللهم الا ان يريد بقوله: غير مطهر غير رافع للاحداث كما يدل عليه قوله فيما سبق قريبا: فهذا الماء مزيل للنجاسة غير رافع للحدث)
–108 (1/164)
صفحة 165
كذلك على القول المشهور عند الجمهور، الا قولا شاذا روي عن ابي يوسف صاحب ابي حنيفة وهو محجوج عند الجميع والله اعلم، واما الخل لحم النبيذ واللبن والزيت فقد قالوا ان هذه الاشياء تنزع النجس ولكن لا يحل ان يتعمد تنجيسها (1) الا ماذكر عن ابي حنيفة انه اجاز الطهارة بالنبيذ محتجا بحديث ليلة الجن وذلك زعموا ان النبيء لا سأل ابن مسعود هل معك ماء؟ فقال معي نبيذ فقال ثمرة طيبة وماء طهور، والله اعلم.
فصل
واما احكام الماء المطلق: فاحدها ماء المطر فالحكم فيه الطهارة لقول الرسول عليه السلام خلق الله الماء طهورا لا ينجسه الا ما غير لونه او طعمه او رائحته (2). فاختلف فيه اذا لم تجتمع الاوصاف فيه ايضا اذا حلته النجاسة ولم تغير احد اوصافه: فقيل هو طاهر قليلا كان او كثيرا (3) وقوم فرقوا بين القليل والكثير فقالوا القليل ينجس والكثير لا ينجس، وحد
1) وفوق ذلك لاتستوي هذه الاشياء الاربعة فى ازالة النجاسة، اما الخل والنبيذ فمحتملان. واما اللبن والزيت فيمنعان انحلال النجاسة للزوجتهما. اهـ مصححه (2) رواه ابن ماجه عن ابي امامة الباهلي. وله طرق متعددة: رواه بدون استثناء ابوداود والنسائي والترمذي من حديث ابي سعيد وصححه ابوداود وغيره ورواية البيهقي
بلفظ: «الماء طهور الا ان تغير ريحه او طعمه اولونه بنجاسة تحدث فيه.
(3) وهو المختار عند بعض المحققين، الموافق لسير الاسلام والمنطوق بعض الاحاديث الواردة في الباب: كقوله (ع): الماء طهور الا ان تغير ريحه او طعمه اولونه بنجاسة تحدث
فيه يعني
القليل من
-
والله اعلم -
هو ظهور على كل حال الا في حالة ما اذا يقول: لو كان الماء يؤثر فيه القليل من النجاسة ماكان لتطهير الانجاس من البدن والثوب
غاية. لانه كلما صب على موضع النجس لقليل من الماء نجسه، وكلما صب عليه
نجسه يصير منجوسا ابدا.
اهـ مصححه
- 155
- (1/165)
صفحة 166
القليل منه بما دون القلتين وهما قربتان ونصف بقلال هجر عند بعضهم، وقيل هما مقدار خمسمائة رطل، وحدوا الكثير منه بحيث يحرك طرفه فلا يتحرك الطرف الاخر (1). وقوم لم يحدوا فى ذلك حدا، وانما وقع التنازع في هذا لقول النبي عل الله: واذا زاد الماء على قلتين لا يحتمل خبثا (2) ونهيه عليه السلام الجنب ان يغتسل بالماء الدائم او قال الراكد، فقيل لابي هريرة كيف يفعل؟ قال يتناوله تناولا (3) وهذا يدل على قلته. ونهى ان يبول احد في الماء الدائم ثم يتوضا منه (4) والله اعلم. واما ماء البحر فان الحكم فيه الطهارة، وقد اختلف فيه ايضا فقيل لا يتوضأ به الا في الضرورة. وقال بعض التيمم احب الي منه، وجمهور العلماء على ما قدمنا لقول النبيء عليه السلام: وقد سئل عنه هو الطهور ماؤه والحل ميتته (5) وهكذا ماء البئر ايضا فالحكم فيه الطهارة فان خالطته نجاسة او ميتة نزعت
كله
منه اربعون دلوا للسنة اذا كان ماء البئر غزيرا، وان كان قليلا نزع ابن عباس وابن الزبير نزعا زمزم لزنجي مات فيه (6) ونزع
روي
1) قال ابو محمد عبدالله بن بركة في كتابه: مدح العلم واهله: التقدير في حركة الماء لاوجه له، لان الحركة تختلف: حركة الثقيل، وحركة الخفيف الخ الخ.
2) تقدم.
ولفظه عن ابى هريرة قال قال رسول الله (ع): ولا يغتسل احدكم في الماء الدائم وهو جنب اخرجه مسلم بل متفق بينه وبين البخاري - ثم انفرد مسلم برواية لايبولن احدكم فى الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه» وفي رواية منه، ولابى داود. ولا يغتسل فيه من الجنابة
(4) و (5) تقـ دم.
6) وذلك ان ابن عباس امر بسد عيونها ونزع مافيه. فكان مقدارها اربعين دلوا وقيل خمسين. قال: القطب في وفاء الضمانة احاديث النزع والاثار وردت في الابيار نزع من غيرها كالبركة والماجل وسائر الاحواض ويحكم بطهارتهن اذا لم يتغير الماء الصحبة الاصل واحاديث لكم ماغبره اهـ.
فلا
- 156 - (1/166)
صفحة 167
الا
من
الماء انما يكون بعد اخراج الميتة اولا، واتفقوا انه لايجب غسل جوانب البئر، وانها اذا نزحت فقد طهرت هي والدلو جميعا. ولم يقطعوا ايضا بنجاسة الماء الذي يغرف للسنة. وقد قال بعض لا تجب السنة في البئر الميتة او الدم أو خنزير، والله اعلم. وكذلك ماء النهر الجاري الحكم فيه الطهارة على كل حال، وان وقعت فيه الميتة او النجاسة الا ان كانت الميتة او النجاسة في مجراه فغمرت الماء كله، او اهريق فيه بول او دم فغمر الماء كله ولم يظهر منه الا مالاقاه فانه حينئذ ينجس. . والماء الجاري ولو كان رقيقا فانه لا ينجس بوقوع النجس فيه الا ان غمره كما قدمنا. واذا كان الماء يجري الى الساقية ولا يخرج منها، او يخرج منها ولا يجري اليها فوقع فيه نجس ففيه اختلاف. والله اعلم.
فصل
في احكام الغسل بالماء
اعلم ان الماء اقوى مادة في غسل النجاسة لانه يذهب العين والأثر، فكل نجاسة مما لايرى لها عين قائمة كالبول. والماء المنجوس وما في معناهما فثلاث غسلات تجزئ في ازالتها لقول النبيء عليه السلام ـ اذا انتبه
-
احدكم من نومه فلا يغمس يده في الاناء حتى يغسلها ثلاثل (1) فسواء كانت النجاسة على اليد او غيرها من البدن والثوب في الحوض فاعيد له الماء ثلاث مرات فانه يحكم بطهارته كما قدمنا. وان كان النجس على الحائط الاملس فانه يطهر بذر التراب تحته ويغسل الحائط فيقع الماء
1) عن ابى هريرة متفق عليه بزيادة فانه لايدري اين باتت يده.
— 101 — (1/167)
صفحة 168
على التراب ثم يكنسه فيرمي به خارجا. وان كانت النجاسة في بيت او مسجد فأراد الانسان غسلها بالماء فانه يفتها اذا كانت ما لها عين كالدم والنطفة والقيء ثم يدير بها التراب فيصب الماء في الموضع المدار به التراب فيتركه حتى ينشف ثم يكنس، ويعاد في موضعه تراب آخر ثلاث مرات. واما النجس القائم العين - فلابد من ازالة العين مع الاثر فتغسل حتى لا تنتقص ومادامت الغسالة متغيرة فالمحل نجس واما بقاء الرائحة فلا باس بها بعد زوال العين. وفي ازالة النجاسة بالريق والمخاط قولان، وان كان النجس في اواني الطين فانه يجتهد في غسلها ثم يملأها ماء فيترك فيها ليلا
-
قال
ثم يراق نهارا ويقام في الشمس يصنع بها. هكذا ثلاثا. وقال من وليلة ثم يحكم بطهارتها، وان كانت الخابية ماتت فيها فأرة فانها توقد
يوما
-
مع
وان
ابدال
فيها شعلة نار لكي يحترق الشعر اللاصق بها ثم تغسل كما قدمنا. كان كوز ضيق العنق جعل الماء مع الحصباء ثم يخضخض فيه الماء ثلاث مرات ثم يحكم بطهارته، واعلم ان الماء يزيل النجاسات من اي محل حلت به من الارض وجميع أجزائها ونباتها المعمول منها او غير المعمول وكذلك الحيوانات وجميع اجناسها، والثياب وجميع انواعها الا ما يتعذر اخراج النجس منه اذا عجن به الاشياء، او طبخ فيها، او اختمر معها، او وقع عليه الودك او الدهن في الثوب او غيره من الاوعية بعد ماسبق اليها او خيط الثوب او عقد. النجس، او صبغ بصباغ منجوس، او جعل للحم ملح منجوس، او ما اشبه هذه الوجوه من ادهان الرأس بدهن منجوس او غيره من اجزاء الحيوان، او عقد الشعر على النجس. فان هذا وامثاله تتعذر طهارته حتى يحل جميع ما عقد على النجس،
11011 (1/168)
صفحة 169
او يعركه حتى تتيقن طهارته، ويزال الدهن قبل غسل النجس (1) وبالله
التوفيق.
فصل
في المسح
مسح
اعلم ان المسح منطوق به في السنة لثلاثة اشياء: واحدها» في مسـ اذى المتحرجين بالاحجار. «الثاني» فى الخفين والنعلين لقوله عليه السلام اذا وطئ احدكم الاذى بنعليه فان التراب له طهور (2). والثالث» في ذيل المرأة الطويل لحديث ام سلمة قالت: يا رسول الله اني امرأة اطيل ذيلي وامشي في المكان القذر، فقال: يطهره ما بعده (3)، وهذا لما كانت
1) في كلام الشيخ عامر (ض) مايدل على انه اذا اجتهد في غسله يحكم له بالطهارة ويكون كاثر النجس الباقي بعد الاجتهاد في الغسل، وليس عليه ان يقطع ذلك المكان لان قطعه فساد والله لا يحب الفساد. والدليل على هذا ما اجمعوا عليه ان من صبغ يده بالصباغ المنجوس ليس عليه ان يسلخ جلده لاجل أثر الصباغ بالمنجوس حين لم يزل بالغسل وكان هذا قياسا عليه اهـ.
2) من حديث ابي هريرة اخرجه ابوداود وصححه ابن حبان بلفظ: «إذا وطئ احدكم الاذى بخفيه فطهورهما التراب
(3) رواه الاربعة والبيهقي عن انس
-
ورواية الربيع عن ابي عبيدة عن جابر بن زيد
قال ان امراة سالت ام سلمة زوج النبى (ع) فقالت: اني امراة الى آخر الحديث فام سلمة سالت للمراة لا لنفسها. ولعل كلمة امراة سقطت من الناسخ، و ام سلمة
هي، ام المؤمنين هند بنت ابي امية كانت تحت البي سلمة بن عبد الاسد وهاجرت مع زوجها الى الحبشة وتوفي عنها في المدينة بعد عودتهما من الحبشة، وتزوجها النبيء (ع) في المدينة سنة اربع من الهجرة كانت اول امرأة هاجرت الى الحبشة، واول ظعينة دخلت المدينة، وآخر امهات المؤمنين موتا، كانت وفاتها سنة 57 هـ وقيل = (1/169)
صفحة 170
المرأة مأمورة باطالة الذيل جعل الشارع ما بعده مطهرا له كما قدمنا في
الحديث. وهذا عند العلماء.
-
فيما وجدت اذا كان الذيل جافا والمعنى
انه ينثره الجفافه. وان كان رطبا فلابد من غسله كسائر النجاسات فوردت السنة بالمسح في هذه الوجوه الثلاثة: فأجازه قوم في اي محل حلته النجاسة اذا ذهبت عينها. وقوم قصروه على الوارد المتفق عليه في السنة. والظاهر من قول اصحابنا انهم اجازوه في كل جسم املس من الحديد والحجارة وامثالها ولم يجيزوه في الثياب ومحل الشعر من الابدان والفروج وشقوق الارجل وما اشبه ذلك مما لا ينعري من النجس غالبا اذا وقع فيه، وقد اجازوه في ضرع الشاة اذا بالت عليه فتمرغت في التراب، او كان على طهرها. او على منقار الدجاجة وما أشبه ذلك اذا زال اثره، فحكموا بطهارتها والله اعلم. وقالوا اذا نجست يد الرجل فطلع بها نخلة، او حفر
بها، او بنى او احتطب، او عمل عملا يؤثر في ازالتها من اليد فقد طهرت، وكذلك غير اليد من الحديد اذا قطع به، او حلق. او نجست الرحى فطحن بها او حجر فدق به، او ما اشبه ذلك فقد حكم بطهارته، وهذا اذا مسح موضع النجس سبع مرات بسبعة احجار، او في سبعة مواضع، وقيل يجزئ ثلاث مرات والله اعلم. (واما النضح) فقد وردت به في ثلاثة اشياء [احدها] الحصير في حديث انس بن مالك حين
السنة
=
اثنتين وستين ودفنت بالبقيع وعمرها اربع وثمانون سنة رضي الله عنها، وكانت لها بنت هي زينب بنت سلمة، ربيبة رسول الله (ع) اذا دخل يغتسل تقول لي امي، ادخلى عليه، فاذا دخلت نضح في وجهى من الماء ويقول، ارجعي ام عطاف بنت خالد راوية الحديث، فرايت زينب وهي عجوز كبيرة مانقص من
قالت
وجهها شيء، وفى رواية، لم يزل ماء الشباب في وجهها حتى كبرت وعمرت.
اهـ مصححه
– 160 - (1/170)
صفحة 171
الله
اكل النبيء عليه السلام طعاما عند جدته (1)، قال انس فقمت الى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس فنضحته بالماء، و لم ار اصحابنا يعتبرونه الا في الحصير اذا ارادوا ان يغسلوا عليها الميت فانها قالوا تنضح بالماء لئلا يسبق اليها النجس، والثاني» في بول الرضيع في حديث عائشة رضي عنها قالت: كان يؤتى النبيء عليه السلام بالصبيان فيحنكهم فأتي لم يأكل الطعام فأجلسه في حجره فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله (2) و لم يعتبره اصحابنا في هذا الحديث (3) وقد وجدت انهم يعتبرونه في ابوال المأكولات اذا بالت على غرائر الطعام انهم قالوا يصب على البول الماء فتكفى الغرارة والله اعلم الثالث في المذي يصيب الذكر فأمر عليه
بصبي
السلام ان ينضح الذكر بالماء وذلك في حديث علي حين سأل المقداد
بن
منه
الاسود ان يسال النبي عليه السلام عن رجل دنا من امراته فخرج مذي فقال «اذا وجد احدكم ذلك فلينضح ذكره بالماء (4) وقال بعض
1) اسمها ملكية
(2) رواية الربيع عن ابن عباس ان ام قيس بنت محصن انت بابن صغير لها لم ياكل الطعام الى رسول الله (ع) فاجلسه رسول الله (الله) في حجره قبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه نضحا ولم يغسله، ومتفق عليه.
لم يعتبروا النضح مطهرا لما تيقنت نجاسته فيكون النضح في الحديث كما قال ابن حجر لتليين الحصير او لتنظيفه او لتطهيره اي من نجاسة غير متيقنة وهو بعيد فالاصل الطهارة، قال بعض العلماء: الغسل طهارة ما تيقن نجاسته، والنضح ما كان مشكوكا فيها ويرد على هذا القول النضح فى المذي وهو ما تيقن نجاسته. اهـ.
(4) روي عن جابر بن زيد انه قال: بلغني عن علي بن ابي طالب انه امر المقداد ابن الاسود ان يسأل النبي (ع) عن رجل دنا من اهله فخرج منه المذي ماذا عليه؟
قال علي
: فانا استحي من رسول الله (ع) ان اساله لاجل ابنته عندي. فجاء المقداد رسول الله (ع) فسأله عن ذلك فقال: اذا وجد احدكم ذلك فلينضح ذكره بالماء ثم يتوضأ وضوء الصلاة
- 171 - (1/171)
صفحة 172
فلابد من
الماء
العلماء: الغسل طهارة ما تيقن نجاسته، والنضح ما كان مشكوكا فيها، وقوم فرقوا بين بول الغلام وبول الجارية فقالوا ينضح بول الغلام ويغسل بول الجارية (1) واما الوطء فقد وردت به السنة كما قدمنا في النعلين، لحديث ابي هريرة عن النبيء عليه السلام انه قال: اذا وطئ الاذى احدكم بخفيه فطهرهما التراب (2) فقال اصحابنا اذا وطئ الرجل بنعليه او خفيه نجسا فان طهارتهما ان يمشي بهما حتى يزول الاثر، وقيل سبع خطوات. وهذا اذا ذهب اثره. وهكذا اذا لم تلتصق النجاسة به. واما اذا التصقت، واما الرجل اذا تنجست فلا ينقيها المشي. وقيل فيها غير ذلك اذا لم يكن فيها شقاق، واما النار فانها تزيل النجس عند اصحابنا من الارض وما كان معمولا من اجزائها من اواني الطين والحديد وامثالها، اذ النار تأكل النجس اذا القي فيها. وقالوا التنور والفرن يطهران مبلغ حرارتهما (3) وتطهر الحديد وغيره اذا حمي فيها، وكذلك اواني الطين اذا سبق اليها النجس انها تحمى في النار، والموضع المنجوس من الارض اذا اوقد عليه النار مقدار مالا يحتمله اليد فانه يطهر بذلك والله اعلم، واما الزمان» فانه ينقي النجس من الارض وما تولد من أجزائها دون المعمول من نباتها على قدر اختلافهم في تحديد ذلك فى الصيف والشتاء وخارج البيوت وداخلها، وكذلك النبات والثمار المتصلة بالارض دون البائنة عنها ينقيها الزمان، وقيل غير ذلك في اليابسة والله اعلم، وروي عن عمروس بن فتح (4) رحمه الله انه امر بتين بال عليها الجديان ان ينشر للشمس،
الله 1) لحديث علي بن ابي طالب كرم وجهه قال: قال رسول الله (ع) بول الغلام
ينضج عليه، وبول الجارية يغسله رواه احمد
2) تقدم قريبا.
لعل الصواب: بمبلغ حرارتها.
) تقدم التعريف به.
– 162 – (1/172)
صفحة 173
وكذلك قيل في جوابات ابي سهل انه رخص في ثمار نخيل اصابها روث
هو
ذي مخلب من الطير ان تنشر وتوكل والله اعلم، «واما الدباغ» فانما طهارة الاديم لقول النبيء الا الله دباغ الاديم طهارته (2)، وقد اختلفوا في جلود الميتة ايضا فمنع الانتفاع بها قوم على كل حال. واجاز آخرون الانتفاع بها بعد الدباغ، لقوله عليه السلام ايما اهاب دبغ فقد طهره (3). وقوله عليه الصلاة والسلام انما حرم اكلها (4) فدباغ اديم الميتة طهارته كما ان طهارة اديم المذكاة ذكاته. وكيفية الدباغ نزع الفضلات بالاشياء المعتادة عند الناس كقشر الشجر من الطرفاء والجوز والرتم واشباهها ويكون الدباغ بالثمار ايضا كالتين والتمر والزيتون وغيرها من ثمار الشجر البري. واختلفوا في الملح والشمس والتراب واشباه ذلك. وقد ذكر عن رسول الله الله انه قال: «الشمس والملح دباغ» (4). واختلف في قرون الميتة وعظامها واظلافها هل يؤثر فيها الدباغ، فقيل تطهر بالدباغ، وقيل لايؤثر فيها. واختلفوا في صوف الميتة وشعرها، فقيل
اه
(1) ابوسهل البشر بن محمد التندميرتي اللالوتي من علماء القرن الرابع. بجبل نفوسة تلقى العلم عن ابي يحي يوسف بن ريد الدرفي حاكم جادو، وعن الشيخ الي نصر زار بن يوسف التفستي الذي تخرج عليه علماء فطاحل كالعلامة ابي يوسف وجدليش ابن في وغيرهم. وكان ابوسهل من اولئك الذين ادوا رسالة العلم على خير ماتؤدى رسالة سامية. وممن جازت عليه نسبة الدين وممن له اليد الطولى في نشر العلم واشاعة الروح الدينية بين الطلبة والجماهير رحمه الله وجازاه عن الاسلام خيرا. (2) رواه البزار والطبراني والبيهقي عن ابن عباس من حديث شاة ميمونة. 3) روي من طريق ابن عباس ان النبيء (ع) مر بشاة ميتة كانت اعملتها مولاة الميمونة فقال (ع): هلا انتفعتم بجلدها؟ فقيل انها ميتة فقال (انما حرم اكلهاه واما قوله وايما اهاب دبغ فقد طهره فحديث مستقل رواه احمد ومسلم وابن ماجة والترمذي عن ابن عباس
=)
(4) لم اقف على سنده (1/173)
صفحة 174
لا يؤثر الدباغ. وقيل الا ان كانت متصلة بالجلد غير بائنة. وقيل يؤثر فيها وان كانت بائنة عن الجلد والله اعلم. ثم اختلف في بيع المدبوغ من جلود الميتة والصلاة بها: فقيل جائز لانه طاهر الباطن والظاهر جميعا. وقيل طهارته مخصوصة بالاستعمال في اليابسات وفي الماء وحده من بين سائر المائعات والله اعلم. واما التتريب فهو طهارة صوف الميتة ووبرها. وكذلك انهم قالوا تترب بما لا يلتزق بها كالتربة البيضاء والجبس والرمل ونحوها سبع مرات بسبعة اعواد في سبعة امكنة. وقيل يكفي فيها ثلاث مرات بثلاثة اعواد في ثلاثة امكنة واما ما يلتزق بها كالثرى وتراب السباخ والرماد ومدقوق النبات فلا يطهرها، وكذلك الغسل بالماء لايطهرها الا ان اختلط مع التراب او التربة البيضاء والله اعلم (1) وان وجد فيها جلد الميتة ملتزقا بها فلا ينقيها التتريب ولا الغسل حتى ينزع عنها. وان عمل منها الثياب قبل التتريب فانها تغسل بالماء مع التربة البيضاء والله اعلم، (واما الريح والشمس والمطر) فانها طهارة للارض وجميع اجزائها ونباتها المتصل بها وما يخرج من معادنها، واختلف في الثمار البائنة عنها، وفي المعمول من نباتها، واختلف في المدة التي تظهر فيها بالشمس والريح. فقيل سبعة ايام في الصيف واضعاف ذلك في الشتاء، وقيل غير ذلك. واذا ذهبت عين النجاسة عن الأرض بشمس او ريح او وطء او مدة كما قدمنا
فضلات
1) يشترط التتريب فى صوف الميتة ووبرها وشعرها حرصا على نزع ما بها من الميتة وودكها بايسر طريقة لكل احد، والدين يسر. لذلك اشترطوا التراب حتى الماء الذي هو اقوى مظهر. واذ تطورت اساليب الحياة في عصرنا وتيسر فيه ما لم يتيسر لمن كان قبلنا فان غسلها بالصابون يكون اشد تحقيقا للغرض. و لم يكن التتريب تعبديا حتى لا يعدل عنه الى غيره. وانما هو للعلة المعقولة. وعليه فوسيلة الصابون اضمن فى ازالة الدسم، اللهم الا اذا لم يتيسر الصابون فانه يعدل حينئذ الى التت ريب والله اعلم
ـ 164 ـ
اه
مصححه (1/174)
صفحة 175
فقد طهر المحل ولو بقي الاثر. وكذلك اذا ذهب الاثر وبقيت الرائحة في الارض او الثوب فلا بأس، واما معاطن الابل وامثالها من المزابل والمجازر
فانهم قالوا لا ينقيها الا مطر سنة وريحها. وقيل معاطن الابل الرملية اذا ذهب اثرها بالريح والشمس فقد طهرت، واذا كان النجس في موضع لاتصل اليه الشمس والريح فانهم قالوا: الدهر طهارته، وينقي الارض وجميع اجزائها ونباتها المتصل بها اذا لم يكن معمولا والله اعلم. واختلف في الدهر فقيل هو سنة وقيل ستة اشهر، وقيل ثلاثة. وقيل شهران اثنان، وقيل أربعون يوما والله اعلم. (واما الرشح) فهو طهارة القلال الراشحة ومواضع الزقاق المبتلة اذا بلغها النجس من خارجها فرشحت الماء حتى زال اثر النجاسة فقد ظهرت وطهر جميع ما يبلغ بللها. والفاكهة اذا غذيت بالماء المنجوس. فقيل طهارتها ان تسقى بالماء الطاهر ثلاث مرات، وكذلك القلال المطبوخة بالعذرة قيل طهارتها ان تحمي بالحطب الطاهر ثلاث مرات. وقد قالوا ايضا الكنس طهارة الموضع المنجوس اذا کنس سبعا، وقيل ثلاثا، وهذا اذا زالت عين النجس، واختلف في دخان النجس وجميع ما يقوم عن موضعه من الغبار، ودخان الحطب المنجوس، و رماد النجس، وما اشبه ذلك: فقيل ما قام من النجس فهو نجس على حكم الأصل، وقيل ماقام من النجس طاهر لان النجس اكلته النار والله اعلم واحكم وبالله التوفيق
•
-
?? ? (1/175)
صفحة 176
المقدمة الرابعة
في الاستنجاء
و معنى الاستنجاء ازالة النجو، وهو الحدث بنفسه، وتسميته بذلك تجوز واتساع، كما يسمى غائطا: فالنجو المكان المرتفع في لغة العرب، كما ان الغائط المكان المنخفض فسموا المكان باسم الحدث توسعا و مجازا (1). ويتفرع من هذه المقدمة فصلان يشتملان على معاني الاستنجاء لانه لابد فيه من وجهين: احدهما استطابته بالاحجار لازالة. العين المجتمعة. والثاني الجمع بينها وبين الماء لازالة العين والاثر جميعا
الفصل الاول
في الاستجمار
وقد تقدم ذكره. ولكن صفة المستجمر به ثمانية اشياء، وهو ان يكون (طاهرا) احترازا من العذرة وغيرها من الانجاس، (جامدا) احترازا من المائعات كاللبن والعسل ونحوها. [منفصلا عن البدن] احترازا من اليد وغيرها من البدن، [منقيا] احترازا من الزجاج والفحم والحديد الاملس ونحوها. [ليس بذي مطعوم] احترازا من الحبوب والثمار وما قام عنها من الطعام وما انفصلت عليه من قصب الزرع وشماريخ النخيل ونحوها. (ولا بذي حرمة) احترازا من الملح والطعام وجدران المساجد ومحل الكتابة من الالواح والاوراق ونحوها، ولا) متعلقا به حق الغير) احترازا من الروث
1) ولعل صواب العبارة: فسموا الحدث باسم المكان
-177 - (1/176)
صفحة 177
ما والعظم وغيرهما من جميع يملكه مما ليس الناس فيه سواء. (ولا فيه
سرف) احترازا من الذهب والفضة والجواهر النفيسة
(وسنن ازالة هذه النجاسة من المخرجين خمس): احداها كون الاحجار وترا ثلاثا فما زاد كما قدمنا،) والثانية) مباشرة ذلك بالشمال. (والثالثة (اتقاء الاستنجاء بالعظم والروث، (والرابعة) البداية بالقبل قبل الدبر. (والخامسة (الاستبراء من البول قبل ذلك بالنتر والسلت كما قدمنا قبل هذا والله اعلم.
الفصل الثاني
في كيفية الاستنجاء بالماء
ابن
ولابد فيه من الجمع بين الماء والاحجار لتخفيف العين عن الموضع ثم الماء للانقاء وازالة الاثر. وقد قال بعض اصحابنا فيما وجدت عنهم: اذا لم يفض البول عن ثقبة الذكر او رمي الغائط عن الدبر رميا انه ليس عليه استنجاء. قال لانه مامور بازالة ما ظهر من النجاسة دون مابطن. ووجدت مثل ذلك عن اكثر مخالفينا، وهذه الرخصة موجودة عن عباس وغيره من الصحابة والتابعين، واما المعمول به عند اصحابنا ان لابد من الماء لان ما قدمناه انما كان في الصدر الاول حين قالت عائشة رضي عنها: انما كانوا يتبعرون بعرا، وانتم تثلطون ثلطا (1) وقد اثنى الله تعالى على اهل قباء في امرارهم الماء على اثر البول والغائط. فدل ذلك على ان الجمع بين الاحجار والماء في الاستنجاء افضل واولى، والمستحب
1) رطبا رقيقا اي كانوا يتغوطون يابسا كالبعر لانهم كانوا قليلي الاكل والمأكل وانتم تتلطون رقيقا وهو اشارة الى كثرة المآكل وتنوعها.
– 167 – (1/177)
صفحة 178
في صفة استعمال الماء ان تصب الماء على اليد قبل مباشرتها النجاسة والاذى فيغسلها ثلاثا ثم يجلس على المستحم متمكنا على غير موضع صلب او مكان نجس لئلا يتطاير عليه من الغسالة شيء، ثم يذكر الله تعالى مبتدئا بغسل محل البول اولا ثم ينتقل الى محل الغائط فيرسل الماء ويوالي الصب على يده اليسرى غاسلا بها المحل ويسترخي قليلا قليلا ليتمكن من الانقاء، ويجيد العرك حتى ينقى وتزول اللزوجة وتطمئن النفس وتطيب ويزول الشك عنها من غير تحديد عدد، لان ذلك يختلف بالقلة والكثرة والغلظة والرقة. فان احدث بالريح ملاقيا للبلل قبل جفوفه امر الماء عليها ولا تضره الرائحة الباقية بعد الاستنجاء، ثم ينفصل عن المستحم بذكر الله تعالى والدعاء اليه: يقول اللهم حصن فرجي بالاسلام، وطهر قلبي من النفاق وجسدي
•
من النجاسات وزوجني من الحور العين برحمتك يا ارحم الراحمين فاداب الاستنجاء بالماء خمسة] (احداها): ان يكون ذلك على المستحم، (والثانية) أن يبدأ أيضا بذكر الله تعالى قاصدا محل البول أولاً (والثالثة (صب الماء على اليد مرة بعد مرة (والرابعة) الاستنجاء بالشمال (والخامسة (الدعاء عند الفراغ كما قدمنا. فاذا فرغ من الاستنجاء غسل كل نجاسة لاقت بدنه من بول أو غائط أو دم أو غيره، لانه لا يصح له الوضوء الا بعد نزع جميع الانجاس من بدنه، فان توضأ ونسي ذلك فعليه إعادة الوضوء بعد ازالتها من البدن لانه لا يجوز له القيام الى الصلاة حتى يجتمع له اسمان وهما طاهر ومتطهر، فالطاهر من الانجاس والمتطهر من الأحداث، وبالله التوفيق.
باب في الطهارة المشروعة للصلاة
اعلم ان الطهارة المشروعة لاداء الصلاة تنقسم الى اربعة اقسام: (احداها) الطهارة من الانجاس وقد تقدم ذكرها، «الثانية» طهارة الوضوء
-
17 A- (1/178)
صفحة 179
من
ن الاحداث. «الثالثة الطهارة بالتيمم عند عدم الماء وهي بدل من الوضوء «الرابعة» الطهارة من الاحداث والجنابات، وهذا الباب يشتمل على خمسة فصول: احدها طهارة الوضوء من الاحداث وهذا الفصل
ينقسم قسمين: «احدهما» فى كيفية الوضوء، والثاني» في نواقضه
القسم الأول
في الوضوء وكيفيته
اعلم ان الوضوء مفتاح الصلاة: وهو فرض واجب بالكتاب والسنة واجماع الامة. اما الكتاب فقول الله تعالى «يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم» الآية (1) ومن السنة قول الرسول عليه السلام لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول» (2). «وقوله لا يقبل من حتى يتوضأ (3)، واما الاجماع فلا احد يخالف في
الله صلاة احدث فرضه واقسام الوضوء اربعة: وهي فرض وسنة وفضيلة ومياح .. ففروضه خمسة «احدها لاداء الصلوات الخمس للمحدث «والثاني» وأقسام الوضوء أربعة.، وهي فرض وسنة وفضيلة
ومباح: ففروضه خمسة: احدها، لاداء الصلوات الخمس للمحدث، والثاني للجمعة. . والثالث، لصلاة الجنازة. . والرابع: لطواف الإفاضة،، والخامس:
لطواف العمرة
وسننه اربع:. حداها: الوضوء لصلاة السنن.
ه والثانية، لطواف الوداع
ه والثالثة، لمس المصحف. . والرابعة، للجنب اذا اراد ان ينام
وفضائله: اربعه احداها، الوضوء للنوم.
1) المائدة: 6.
،
(2) رواه الجماعة ومتفق عليه من حديث ابن عمر.
(3) رواه الشيخان وابوداود والترمذي بلفظ صلاة احدكم اذا احدث
- (1/179)
صفحة 180
مقامة
والثانية» لقراءة القرآن، والثالثة للدعاء والرابعة» لدخول المسجد ومبلكه نوعان احدهما لركوب البحر وشبهه من المخاوف: «والثاني» ليكون به على طهارة من غير ارادة الصلاة والله اعلم واحكم.
في احكام الوضوء
اعلم ان الوضوء ينقسم الى فرائض وسنن وفضائل. «ففرائضه» ست الاولى الماء المطلق الذى لم يتغير احد اوصافه وقد تقدم ذكره. «والثانية» النية عند التلبس به مع استصحاب حكمها «والثالثة» غسل الوجه بالاستيعاب والرابعة غسل اليدين مع المرفقين، والخامسة» مسح الرأس، والسادسة غسل الهرجلين مع الكعبين والله اعلم، اما النية فهي شرط في جميع العبادات لقوله تعالى وما امروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الآية (1) ولقول النبيء عليه السلام: «انما الاعمال بالنيات ولكل امريء مانوي (2) فحصر الاعمال الى النية. ومعناها القصد الى الفعل بالاعتقاد من القلب والعزيمة عليه بالجوارح .. والنية مستدامة، والعمل منقطع، فكل عمل خلا من النية فهو باطل، ولا تنازع بين اهل العلم
الدين
في وقوع الحكم اذا اجتمع القول والنية. وكيفية اعتقاد النية للوضوء ان ينوي به استباحة الصلاة، ويقول عند ارادة الوضوء: ارفع بوضوءي.
هذا
جميع الاحداث واتوضأ للصلاة طاعة الله ولرسوله عليه السلام. مسألة: اختلف الناس في الوضوء هل النية شرط في ايقاعه؟ فقال
1) البينة: 5.
(2) تقـ دم.
- 170 (1/180)
صفحة 181
الجمهور هي شرط فيه، ولا يصح ايقاعه الا بالنية، واجاز آخرون الطهارة بغير نية اذا اتى بصيغة الطهارة، واظن ان اصحاب هذا الرأي يذهبون الى ان الامر بالنية حث وترغيب في نيل الثواب. كقوله عليه السلام الاصلاة لجار المسجد إلا في المسجد (1)، واجمعوا انه لو صلى في بيته كان مؤديا للفرض، والمختار عند اصحابنا ان لا يكون الانسان متطهرا لوضوء صلاة او غسل جنابة الا بقصد ونية لان الوضوء عبادة غير معقولة المعنى والعبادة غير المعقولة المعنى لا تؤدى الا بالنية
باجماع (2) مسألة
: وفي اثر اصحابنا لو غسل الانسان بعض جوارحه ثم نواها للوضوء وبنى على غسله ذلك انه لا يجزيه لانه قدم عمله على نيته ولا تجوز الطهارة الا بتقديم النية باسرها. وان نوى بوضوءه نافلة فله ان يصلي الفريضة بوضوئه ذلك والله اعلم. «الثالثة» في غسل الوجه، والفرض في غسل الوجه استيعاب جميعه بالغسل، وحد الوجه طولا من منابت الشعر
1) عن ابن عباس رواه الربيع.
2) ان من العبادات ماظهرت مصلحته وتبينت فائدته كالزكاة فان المعنى فيها نفع الفقراء ومساعدتهم، وازالة النجاسة فان المعنى فيها النظافة من الاوساخ. وعدة الحامل بوضع الحمل معناه لئلا تختلط الانساب، وعدة التى تحيض بالحيض ليعلم انها سالمة من الحمل ونحو ذلك متى عرفت الفائدة التي شرعت لاجلها. والذي ليس له معنى معقول كالتيمم فانه ليس فيه تنظيف وانما هو امتثال لامر المالك لاغير. وكذلك كون الظهر اربع ركعات، والمغرب ثلاث ركعات ليس فيه معنى نعقله وانما هو امتثال للامر، ويسمى التعبد، وهو الذي يحتاج الى نية. ولما كان الوضوء بالماء يحتمل ان يكون للنظافة ويحتمل ان يكون للتعبد كان في وجوب النية فيه خلاف وكذلك عدة العجوز بثلاثة اشهر ليس له معنى نعقله ـ فكل ما لا نعرف له فائدة فهو تعبد. انتهى المحشي.
– 171 – (1/181)
صفحة 182
المعتاد الى منتهى الذقن، وعرضه من الاذن الى الاذن. وقيل من العذار الى العذار. وقيل ان كان نقي الخد فكالاول. وان كان اكتسى الشعر فكالثاني. ومنشأ الخلاف والتنازع في المواجهة لان الوجه ما واجه الانسان: فاذا كان موضع اللحية نقيا من الشعر وجب غسله باتفاق،
عمار
واذا ستره الشعر ففي ايجاب غسله خلاف. واظن انه قد ذكر عن بن ياسر رحمه الله انه قال: كان الوجه قبل اللحية كانه يرى ان يغسل ما تحت شعرها، قال آخرون لا يجب عليه غسل ما تحت اللحية. واحتجوا بان النبيء عليه السلام توضأ واحدة واحدة فقال: هذا وضوء لاتقبل الصلاة إلآ به (1) وليس فى طاقة الانسان ايصال الماء الى اصول شعر اللحية الكثيفة بمرة واحدة، وايضا فان المتيمم لا يجب عليه وصول التراب الى اصول شعر اللحية. وقد قال الله تعالى فاغسلوا وجوهكم» واستحب العلماء تخليل اللحية من غير ان يوجبوها، فان كانت اللحية داخلة في الآية فالتخليل لا يجزيء عن الغسل، وليس فيه سنة مجتمع عليها فيثبت بها الفرض والله اعلم. وموضع الغمم (2) من الوجه ايضا يجب ايضا غسله ويجب ايضا ايصال الماء الى منابت الشعور الخفيفة التي تظهر البشرة منها بالتخليل كالحاجبين والاهداب والشارب والعذارين وغيرها. ولا يجب ذلك فيها اذا كانت كثيفة. والذي يجب على الانسان افاضة الماء على جميع وجهه وغسله بامرار اليد عليه الى اذنيه، ويغسل البياض الذي بين العارض والاذن ويجمع لحيته ويخللها ما طال. من شعرها والله اعلم ـ وحقيقة
مع
-
الغسل نقل الماء الى العضو مع الدلك وان غسل الوجه واستوعبه فقد ترك الافضل لان تخليل اللحية مأمور به في الشرع، لما روي عن الربيع
1) تقدم.
(2) هو سيلان الشعر حتى تضيق الجبهة او القفا.
– 172 – (1/182)
صفحة 183
جبريل
ابن حبيب عن انس بن مالك ان النبيء قال: «امرني حبيبي ان اخلل لحيتي (1) الفرض الرابع: غسل اليدين مع المرفقين لقوله تعالى (وايديكم إلى المرافق) (2) نظيره) ولا تأكلوا اموالهم إلى اموالكم (3) اي مع اموالكم، وقيل إلى هنا لانتهاء الغاية نظيره (ثم اتموا الصيام إلى الليل ((4) والصحيح ماقدمناه اولا لان المحدودات على وجهين:
من
و احدهما» من جنس المحدود فحده داخل فيه، كالذي قدمناه المرافق والذراع لان المرفق من جنس الذراع «والثاني، محدود من غير جنسه فحده لايدخل فيه كالذي قدمناه في الآية من ذكر الليل لانه ليس من جنس النهار والله اعلم. ويؤيد ما قلنا داخل في الذراع ما روي عن ابي هريرة في صفة النبيء الا انه توضأ فغسل يده اليمنى حتى شرع في العضد، ثم اليسرى كذلك ثم غسل الرجل اليمنى حتى شرع في الساق، ثم اليسرى كذلك. ثم قال هكذا رايت رسول الله توضأ. وجمهور علماء الامة على هذا القول والله اعلم
واحكم (ه)
مسألة
•
: واذا قطع اليد عن الذراع فانه يجب عن المتوضيء غسل
1) رواه الربيع عن انس
3) النساء: 2.
2) المائدة: 6.
(4) البقرة: 187.
ه قال صاحب سبل السلام: كلمة (الى) فى الاصل للانتهاء وقد تستعمل بمعنى مع. وبينت الاحاديث انه المراد كما في حديث جابر وكان يدير الماء على مرفقيه اي النبي (ع) أخرجه الدارقطني بسند ضعيف واخرج بسند حسن في صفة، وضوء عثمان انه غسل يديه الى المرفقين حتى مسح اطراف العضدين وهو عند البزار والطبراني من حديث وائل بن حجر في صفة الوضوء وغسل ذراعيه حتى جاوز المرافق وفى الطحاوي والطبراني من حديث ثعلبة بن عباد عن ابيه ثم غسل ذراعيه حتى سال الماء على مرفقيه، فهذه الاحاديث يقوي بعضها بعضا، - قال الشافعي لا اعلم خلافا فى ايجاب دخول المرفقين في الوضوء. وبهذا عرفت ان الدليل قد قام على دخول المرافق
اهـ
- 173 - (1/183)
صفحة 184
الباقي. ولو قطع من المرفق لم يجب عليه شيء، لان القطع اتى على جميع الذراع، والمرفق في الذراع، الا ان يكون بقي شيء من المرفق في العضد، وتعرفه العرب في كلامها فان عليه غسله
الفرض الخامس: مسح الرأس، وقد اتفق الناس على انه من فروض الوضوء، لقوله تعالى (وامسحوا برءوسكم (1)، واختلفوا في القدر المجزئ منه فذهب بعض اصحابنا فيما وجدت إلى ان الواجب مسح جميعه. ووافقهم على ذلك مالك ابن انس وبعض اصحابه واعتلوا بان الباء في قوله برءوسكم داخلة للتوكيد لا للبعيض استشهادا بقوله «وليطوفوا بالبيت العتيق (2) وذهب آخرون إلى ان مسح بعضه هو الغرض، ووافقهم على ذلك الشافعي وابو حنيفة واحتجوا بقوله تعالى و تنبت بالدهن (3) وبما روى ان النبيء علي مسح ببعض رأسه في الوضوء (4) وروى آخرون انه مسح بناصيته والناصية بعض الرأس وهو مقدمه. والعمل عند اصحابنا على هذا القول، وقد روي عن ابي عبيدة ان جابر بن زيد رضي الله عنهما توضأ وكان على رأسه العمامة فأخر الكمة (5) عن رأسه ثم مسح باحدى يديه مقدم رأسه ثم اعاد القلنسية. ومن مسح رأسه بأقل من ثلاثة اصابع فأنه لا يجزئه. وكذلك لو مسح من رأسه اقل من ثلاث شعرات فانه لا يجزئه، واجاز بعضهم ان يمسح رأسه ببلل لحيته، وكره آخرون ذلك. وذكر عن الربيع بن حبيب رحمه الله قال: لا يكون عملان بماء واحد. وذكر عن جابر بن زيد رحمه الله انه كره ان يغسل الرجل رأسه في الاناء ثم
2) الحج: 39
(3
المؤمنون: 20.
1) المائدة: 6. 4) رواه احمد ورواه الشافعي من حديث عطاء بلفظ آخر. وروي مثل ذلك عن انس مرفوعا، اخرجه ايضا سعيد بن منصور من حديث عثمان في صفة الوضوء.
(°
الكمة
هي
القلنسية المدورة التي تغطي الرأس.
— (1/184)
صفحة 185
،
يفيض ذلك الماء على جسده، كأنه يذهب الى انه لا يجزيه. ومن ترك مسح رأسه حتى صلى فعليه اعادة الوضوء والصلاة ناسيا كان او متعمدا. والمستحب للمتوضيء ان يمسح رأسه بجميع كفيه من مقدم الرأس الى ما تحويه الجمجمة من خلف او الى اخر منابت شعر القفا حتى يخرج من الاختلاف، وان اقتصر على مسح بعضه اجزأه كما قدمنا، «وحد الرأس فيما بلغنا من فوق الاذنين الى اعلى الجبين. وكان عمر رحمه الله لا يرى القفا من الرأس في القصاص والله اعلم الفرض السادس: «غسل الرجلين مع الكعبين». وقد اتفق الجميع على وجوبه ايضا، واختلفوا في غسل الكعبين كاختلافهم في المرفقين والادلة فيهما واحدة. والكعبان هما العظمان اللذان هما عند مقعد الشراك، وليجتهد ايضا في غسل الرجلين مع الكعبين وتخليل اصابعهما، وليبالغ في غسل اخمص رجليه وعرقوبيه لانه روي عن النبيء الا الله انه قال: «ويل للعواقب من النار وويل لبطون الاقدام من النار (1) ارد بذلك من ترك عرقوبيه وباطن قدميه في الوضوء. وقد استحب بعض اصحابنا ان يتعاهد تقليم اظفار رجليه والله اعلم. ه و مسنونات الوضوء» ثمانية. احداها التسمية لقول النبيء عليه: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه (2) اراد بذلك عليه السلام الترغيب في نيل الثواب الجزيل بذكر الله، واحسب ان بعضهم
السلام
قال
-
إذا ذكر المتوضيء الله عز وجل عند ابتداء وضوئه فقد طهر جميع جسده والا فلا يطهر منه الا ما غسل دون سائره، وهذا قول يقال ه الثانية) غسل الايدي، واختلف في امره عليه السلام بغسل الايدي هل ذلك على
1) رواه الربيع عن ابن عباس بلفظ العراقيب
(2) رواه الربيع من حديث ابن عباس ورواه الترمذي بلفظ له، وابن ماجة
والبيهقي.
-
- (1/185)
صفحة 186
وجه
النظافة او على وجه العبادة قولان (1) وقد جاء في الحديث «توضاً مرة مرة فقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة الا به. ثم ثنى فقال من ضاعف ضاعف الله له الحديث (2) الثالثة المضمضة
الفم.
-
وهي تطهير باطن
-
وصفة
، واما غسل ما يظهر من الشفتين فواجب مع الوجه ان يأخذ الماء بفيه فيخضخضه ثم يمجه، وينبغي له ان يدخل
المضمضة
اصبعه في فيه ويدلك بها اسنانه، وان كان يدمى لثاثة بذلك فيجزئه ان
يخضخض الماء بلسانه والله اعلم.
وصفة المضمضة انما نقلت من
فعله عليه السلام فثبتت انها من سنته
والله اعلم
والرابعة - الاستنشاق وهو غسل باطن الانف. واما
ما يبدو فهو من الوجه، وصفته ان يجتذب الماء بخياشيمه ويجعل ابهامه وسبابته على انفه ثم ينثر بالنفس ويبالغ في الاستنشاق ما لم يكن صائما، لقول النبيء عليه السلام اذا توضأت فبالغ الا ان تكون صائما (3)
1) وان قال قائل. ما هو وجه الجمع بين اشتراط الغسل ثلاثا في قوله (ع)، واذا انتبه احدكم من نومه فلا يغمس يده فى الاناء حتى يغسلها ثلاثا فانه لايدري اين باتت يده، وبين الاكتفاء بالمرة في قوله (ع) اذ توضأ واحدة واحدة هذا لا تقبل الصلاة الا به قلنا وجه الجمع ان الغسل في الحديث الاول للنظافة وفي الثاني
المتعب
د.
اه
مصحح
وضوء
2) رواه الربيع عن ابن عباس عن النبي (ع) انه توضاً مرة فقال: «هذا وضوء لا تقبل الصلاة الا به ثم توضأ اثنتين اثنتين فقال من ضاعف ضاعف الله له ثم توضاً ثلاثا ثلاثا فقال هذا وضوءي ووضوء الانبياء من قبليه.
(3) رواية الربيع عن ابن عباس عن النبيء (علي) قال للقيط بن صبرة واذا استنشقت فبالغ الا ان تكون صائماء، ورواية الخمسة قال لقيط: قلت يارسول الله اخبرني عن الوضوء؟ قال: اسبغ الوضوء وخلل بين الاصابع، وبالغ في الاستنشاق الا ان تكون صائماه صححه الترمذي.
– 176 - (1/186)
صفحة 187
وقال عليه السلام للقيط بن صبرة اذا توضأت فضع في انفك ماء ثم اسنثر بالاستنشاق (1) وينبغي ان يدخل اصبعه في انفه الى العظم الذي فيه وان كان له عذر فلا بأس عليه في تركه ويجوز التمضمض والاستنشاق
بغرفة واحدة ويستنشق ثلاثا من غرفة واحدة، وكلاهما مروي في الحديث (2) والله اعلم.
في
وان ترك المضمضة والاستنشاق حتى صلى فان كان عامدا فلا خلاف اعادة الوضوء والصلاة. وان كان ناسيا ففيه خلاف. وذكر في اثر بعض اصحابنا عن ابن عباس رضي الله عنه، انه قال من تركهما في الوضوء فلا اعاد عليه، واما في الجنابة فعليه الاعادة والله اعلم. «الخامسة» التخليل للحية والاصابع لقوله عليه السلام خللوا بين اصابعكم في الوضوء قبل ان تخلل بمسامير من نار (3) وقال. قبل ان تخللها النار، وصفة تخليل الاصابع ان يجعل باطن كفه اليسرى على ظاهر اليمني وباطن اليمني على ظاهر اليسرى فيخللهما كذلك، والله اعلم. وقيل في تخليل الاصابع انه سنة. وقيل واجب لانها من اليد، وكذلك اختلفوا في اجالة الخاتم في اليد كما قدمنا، والاصح اجالته ليصل الماء الى موضع التختم. «السادسة» الاذنين ظاهرهما وباطنهما، وقد اختلفوا فيه فذهب قوم الى ان مسحهما فريضة ويجدد لهما الماء. وقال آخرون مسحهما سنة ويمسخان مع الرأس
مسح
1) اخرجه احمد والشافعي وابن الجارم وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي من حديث ابن عباس بحذف بالاستنشاق) من آخره. 2) الصحيح الثابت عن رسول الله (ع) انه كان يصل بينهما. فعن عبدالله بن زيد ان رسول الله (ع) وتمضمض واستنشق من كف واحده، فعل ذلك ثلاثا وفى
رواية وتمضمض واستنفر بثلاث غرفات متفق عليه
(رواه الربيع عن ابن عباس.
،
177 -
- (1/187)
صفحة 188
غير تجديد الماء، والمعمول به عند اصحابنا هو القول الآخر، وكان جابر ابن زيد رحمه الله لا يرى مسح الاذنين واجبا. وذكر عن سعيد بن من الرأس ما اقبل منهما وما ادبر. وعن الربيع رحمه
انه قال الاذنان جبير
الله انه قال: يستحب مسح باطن الاذنين مع الوجه وظاهرهما مع الرأس. وعن عبدالله بن مسعود رحمه الله انه يستحب تجديد الماء للاذنين، وكيفية مسحهما ان يدخل اصبعه في صماخ اذنيه ويمسح ظاهرهما وباطنهما. واختلف ايضا في ظاهر الاذنين: فمنهم من قال هو ما وقعت به المواجهة وقال آخرون هو ما يلي الرأس وهو الاظهر ــ ومن نسي مسح حتى صلى فان كان عامدا اعاد، وان كان ناسيا ففيه اختلاف والله اعلم السابعة التوضوء ثلاثا ثلاثا لكل جارحة لقول النبيء عال حين توضأ
الاذنين
واحدة واحدة فقال: هذا وضوء لا تقبل الصلاة الابه» ثم ثنى فقال: من ضاعف ضاعف الله له ثم توضأ ثلاثا ثلاثا فقال: «هذا وضوءي ووضوء الانبياء من قبلي (1). واجمعوا على الواحدة كافية اذا كانت سابغة. والله اعلم لان الامر بالفعل يقتضي مرة واحدة اعني الامر الوارد في الوضوء. وقد اختلفوا في تكرار مسح الرأس هل فيه، فضيلة ام لا، والله اعلم. «الثامنة» ترتيب الوضوء وهو ان يبدأ بغسل يديه ثم يمضمض
ثم يستنشق ثم يغسل وجهه ثم يده اليمنى ثم اليسرى ثم يمسح رأسه ثم الاذنين ثم يغسل رجله اليمنى ثم اليسرى وقد اختلف الناس (2) في غسل الاعضاء، فقال بعضهم يجوز تقديم ما تأخر ذكره في التلاوة، واعتلوا
،
(1) رواه الربيع عن ابن عباس.
(2) جري اصطلاح بعض الفقهاء ان يعبروا فيما لايجوز فيه الاختلاف
وفيما يجوز فيه واختلف العلماء».
- IYA-
به
واختلف الناس (1/188)
صفحة 189
بان الواو لاتقتضي النسق والترتيب، وانما تقتضي الجمع فقط، وقال آخرون لا يجوز الا على الترتيب المذكور فى الآية، وان الواو هنا واو النسق
امرك
وضوء
لا واو الجمع. وبما روي ان النبيء عليه السلام قال للسائل: توضأ كما الله (1) وبقوله على الصفا «نبدا بما بدأ الله به» (2) وبقوله هذا لا تقبل الصلاة الا به (3) قال ذلك وهو يتوضأ على الترتيب في مكان واحد. وذهب بعض اصحابنا الى جواز التقديم والتأخير ما لم يرد المتوضي بذلك خلاف السنة، روي ذلك عن ابي عبيدة مسلم بن ابي كريمة (4) وابي نوح (5) وابن عبدالعزيز (6)، وغيرهم. وعن الربيع رحمه الله 1) كما أمرك الله في سورة المائدة: يشير الى آية الوضوء فاغسلوا وجوهكم وايديكم الى المرافق وامسحوا برءوسكم وارجلكم الى الكعبين الداخلة تحت الامر بقوله ابدءوا بما بدأ الله به، قاله للاعرابي وعين ذلك في قوله (ع) ولا تتم صلاة
احد
حتى يسبغ الوضوء كما امره الله فيغسل وجهه ويديه الى المرفقين ويمسح رأسه ورجليه الى الكعين كما اخرجه ابوداود من حديث رفاعة اهـ مصححه (2) رواه مسلم عن جابر بن عبدالله واخرجه النسائي بلفظ الامر ابديواه. 4) تقدم التعريف به.
(3) تف دم.
ه) هو ابونوح صالح الدهان: احد علماء القرن الأول، كان شديد الورع غزير العلم ممن ادرك اهل العلم واخذ عنهم، اخذ عن جابر بن زيد وغيره. وكان احد شيوخ ابي عبيدة مسلم اخذ عنه اكثر مما اخذ عن جابر ومع ذلك فهو يحترم ابا عبيدة ويفتي هذا بمحضره وان ظل ينكر عليه تشدده كما كان ينكره عليه رفيقه حيان الاعرج. كان ابو نوح كثيرا ما يقول اذا بلغه عن ابي عبيدة تشديدا: والم انهاكم يا معشر الفتيان ان تسالوني اذا كان ابو عبيدة حاضرا؟ وهكذا نجد من بين من تلقى عن جابر من يميل الي التيسير كابي نوح وضمام وحيان، ومن يجتح الى التحري وحمل الناس على الاحوط كابي عبيدة والربيع، وقد اخرج لنا هذا الفريق الاخير ادمغة عامرة علماء مجتهدين حملوا الشريعة وارسلوا انوارها إلى ابعاد سحيقه فاضاءوا
في الله.
شرقا ومغربا رحم الله تلك الاوصال الطاهرة التى كافحت الجهل والجور وجاهدوا حق جهاده حتى اتاهم اليقين. اما تاريخ وفاته فغير منضبط ككثير من زملائه لقلة إعتناء الاوائل بالتقييد واعتمادهم على الحفظ ولكل عصر ميزيته.
اهـ
(6) ابن عبدالعزيز هو عبدالله بن عبدالعزيز احد علماء القرن الثاني النحارير الذين =
179 (1/189)
صفحة 190
قال ايضا: ان ابا عبيدة لم يكن يعتبر عدد المرات في الوضوء وانما يعتبر التنظف والانقاء والله اعلم. واما الربيع رحمه الله فروي عنه انه لم يكن يرى الوضوء الا مرتبا كما جاءت به السنة. وان فرغ الماء للمتوضئ قبل تمام الوضوء فلم يجد الماء الا بعدما جف: فان كان اشتغل بغير طلب الماء اعاد الوضوء مستأنفا، وان لم يتوان بنى على ما مضى من غسل
اعضائه. وكذلك ان فرق وضوءه في مواضع من غير عذر: فان جف استأنف، والابنى على ما مضى والله اعلم
•
واما فضائل الوضوء فهي ست: احداها ترتيب المسنون على المفروض. (والثانية، السواك قبله بعود رطب أو يابس، والاخضر احسن ما لم يكن صائما، فإن لم يجد عودا استاك بأصبعه «والثالثة» التونو باليمني. لانه روي ان النبيء لله كانت
=
تخرجوا على ابي عبيدة وجمعته والربيع حلقة درسه، ومعلوم ان تلاميذ ابي عبيدة
L
قضية
?
كانوا فريقين: فريق الكبار على رأسهم الربيع، وفريق الصغار ومنهم ابن عبدالعزيز وبحكم المعاصرة والمناقشة العلمية وقع بينهم الخلاف في مسائل علمية وتلك هي عالمية في مختلف الازمنة والأمكنة، الصغار بحكم التفاوت الزمني يحاولون التحرر من سيطرة الكبار ولو في ميدان العلمي، والكبار يبذلون جهدهم بحكم تنازع البقاء لاستبقاء نفوذهم والمحافظة على مركزهم ومن هنا كان الاصطدام لا ينفك عادة بين الطبقتين. ولذا نرى الخلاف يستحر بين الفريقين بين سمع شيخهم وبصره حتى يضطر الشيخ الى التدخل حكما بينهما فيرجح كفة الربيع، وينك ابن عبدالعزيز ومن معه خلافهم ويتهددهم بالهجران ولم يسعهم ازاء ذلك الا ان يرضخوا وان على مضض. لذلك نرى هذا الخلاف ينبعث من جديد اثر وفاة الامام ابي عبيدة. وفى الحق ان هذه الظاهرة لا يصح ان نعتبرها خلافا بل هي تمخض فكري يبشر بنهضة زاهرة لان الاراء والمعلومات لاتستكن بل هي كالبخار لابد ان يوجد له منفذا ومتنفسا وان احدث زلزلة. وفى جوابات الامام افلح وقد سئل عن الي المؤرج وابن عبد العزيز فقال وقعت منهم مسائل معروفة فلم يؤخذ بقولهم في تلك المسائل. واما غيرها مما فيه اختلاف من راي اصحاب النبي (ع) واختلاف فقهائنا فلا يدفع اسنادهم وهم بمنزلة من سواهم من المسلمين الخ.
اهـ مصححه
– 180 – (1/190)
صفحة 191
،
يمينه لوضوئه وطعامه وشرابه وشماله الخلائه وما كان مثل ذلك (1)
الرأس
ه والرابعة» المبالغة بالاستنشاق لغير الصائم (والخامسة، البداءه في مسح من مقدمه، والتيامن فيه، والاقتصار فيه على مسحة واحدة عند بعضهم ورد اليدين فيهما فيمر بيديه من المقدم إلى قفاه ثم يرجع الى مقدم رأسه ـ (والسادسه» التقليل من صب الماء مع ذكر الله تعالي في اثناء الوضوء والدعاء، وقد استحب بعضهم ان يقول عند غسل الرجل اليمنى
D
اللهم اجعل سعي يعيا مشكورا وذنبي ذنبا مغفورا وعملي عملا مقبولا (2) صلى الله وذكر سعيد بن جبير انه قال. قال النبيء عليه (من قال حين يفرغ من وضوءه) (سبحانك اللهم وبحمدك اشهد ان لا اله الا انت استغفرك واتوب اليك ختم عليها بخاتم ثم توضع تحت العرش فلا تكسر إلى يوم القيامة ((3)
مكروهات الوضوء له عشرة: وهي الاكثار من صب الماء فيه»، والزيادة عن مغسوله فوق الثلاثة (4) وعلى الواحدة في ممسوحه،
1) عن حفصه أم المؤمنين رضي الله عنها وأن النبي (كان يجعل يمينه لاكله وشربه وثيابه وأخذه وعطاية. وشماله لما سوى ذلك: رواه احمد وابوداود وابن ماجه وابن حبان والحاكم واليهقي (2) ليت شعري ما الداعي الى تخصيص الرجل اليمنى بالدعاء؟ أليس الدعاء مستحبا في كل الأعضاء؟.
?
) رواه النسائي وصوب وقفه وفى رواية اخرى للطبراني في الاوسط ورجاله رجال الصحيح، كتب في رق ثم جعل في طابع فلم يكسر الى يوم القيامة» ـــ وفى معناه ما رواه الدارمي في مسنده من حديث عقبة بن عامر ان من توضا فاحسن الوضوء ثم رفع طرفه الى السماء فقال: اشهد ان لا اله الا الله وحده شريك له وان محمدا عبده ورسوله فتحت له ابواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاءه (4) ربما كانت محرمة لا مكروهة فقط لحديث عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده قال جاء اعر ابي إلى رسول الله (ع) فسأله عن الوضوء فاراه ثلاثا ثلاثا وقال: وهذا الوضوء. فمن زاد على هذا فقد اساء وتعدى وظلم رواه احمد والنسائي وابن ماجة.
181
- (1/191)
صفحة 192
والوضوء في موضع الخلاء. والكلام فيه بغير ذكر الله تعالى، والاقتصار على مرة واحدة لغير العالم، والوضوء من الماء المشمس لانه يورث البرص، وجدت ذلك عن النبيء عل الله (1) «والوضوء من اناء الذهب والفضه، وقد قيل في هذا انه حرام، والتوضؤ عريانا ولو كان في ظلمة او خلوة،، والتوضؤ من الماء المضاف الذي لم يتغير احد اوصافه»،، والله اعلم، ومسح الوضوء بالمنديل مكروه ايضا لانه تكتب له الحسنات مادام على اعضائه بلل ولم يجف (2) والله اعلم.
مسألة: في المسح على الخفين، اختلف الناس فيه ثلاثة مذاهب فذهب اكثر فقهاء مخالفينا الى اجازته باطلاق من غير ضرورة في السفر والخضر. وذهب آخرون إلى اجازته في السفر دون الحضر، واجمع اصحابنا رحمهم الله فيما علمت على منعه في الحالتين، ولهم في ذلك سلف من الصحابة وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنه، وعن علي بن ابي طالب، وعن ابي هريرة، وبلال، وعائشة رضي الله عنها، وكان ابن عباس يقول انما كان ذلك قبل نزول المائدة. ويذهب الى انه منسوخ بآية المائدة، وكان جابر بن زيد رحمه الله يقول كيف يمسح على الخفين والله تعالى يخاطبنا بنفس الوضوء - وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: والله ما كان للنبيء عليه السلام خفان قط ولا مسح عليهما ولوددت ان يوم امسح على خفين. والأمر المجتمع عليه عند اصحابنا ان
رجلي قطعت
(1
له اعثر على سده.
نا الله
(2) بل يباح للمتوضئ ان ينشف اعضاءه بمنديل او نحوه صيفا او شتاء. لثبوت ذلك عن النبيء) رواه ابوعبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني ان رسول الله (ع) كان متخذا منديلا يمسح به بعد الوضوء، وكان بعض نساءه يناوله اياه ويجفف به.
اهـ مصححه
- JAY- (1/192)
صفحة 193
المتوضئ اذا احدث يتوضأ وينزع خفيه ويغسل قدميه مقيما كان او مسافرا، وان طهارة القدمين هي الغسل خلافا لمن قال: طهارتهما المسح، واستدل بقراءة من قرأ وارجلكم بالخفض عطفا على الرأس بالمسح والله اعلم (1).
1) خلاصة القول في المسح على الخفين: يرى المصنف اجماع اصحابنا على منع المسح على الخفين وان الاحاديث الواردة في المسح منسوخة بآية المائدة. والدليل على النسخ قول الامام علي: وسبق الكتاب الخفين، وقول ابن عباس: ما مسح رسول الله (ع) بعد المائدة، لكن القائلين بالمسح يجيبون 1 - ان آية الوضوء نزلت في غزوة المريسيع ومسحه (ع) في غزوة تبوك لحديث المغيرة بن شعبة المتفق عليه قال كنت
مع
مع النبي (ع) في غزوة تبوك لحديث المغيرة بن شعبة المتفق عليه قال كنت النبيء (الله) فتوضأ فاهويت لانزع خفيه فقال: دعهما فاني ادخلتهما طاهرتينه فمسح عليهما فكيف ينسخ المتقدم المتأخره؟ 2 ـ اما حديث علي فهو منقطع وكذا ما روي عن ابن عباس مع انه يخالف ما ثبت عنهما من القول بالمسح، وقد عارض حديثهما ما هو اصح منهما وهو حديث جرير البجلي لما روي
المائدة
عنه انه راى رسول الله (ع) يمسح على خفيه فقيل له: هل كان ذلك قبل او بعدها؟ قال: وهل اسلمت الا بعد المائدة؟ وهو حديث صحيح، ـــ نقل ابن المنذر عن الحسن البصري قال: حدثني سبعون من اصحاب رسول الله انه كان يمسح على الخفين. 5 ـ وذكر ابو القاسم بن منده اسماء من رواه في تذكرته فبلغوا ثمانين صحابا. 6 ـ وقال ابن المبارك: ليس في المسح على الخفين بين الصحابة اختلاف لان كل من روي عنه انكاره فقد روي عنه اثباته. والقول بالمسح قول الامام علي، وسعد بن ابي وقاص، وبلال، وحذيفة، وبريدة، وخزيمة بن ثابت، وسلمان وجرير البجلى وغيرهم. على ان القول بالمسح يتمشى وروح التشريع الاسلامي المبني على التيسير ويريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسرة وفى الاجتزاء بمسحهما تيسير اي تيسير. واكثر لابسي الخفين من المسافرين او من اهل البادية. ومن اولى بالتيسير من هؤلاء؟ اهـ مصححه
- Y
- 183
— (1/193)
صفحة 194
القسم الثاني
في نواقض الوضوء
اعلم ان المتوضئ يجب عليه استصحاب حال الوضوء عند فعل الصلاة
وان طرأ عليه ما ينقضه وجب عليه الاتيان به. والا بطلت صلاته لقول الله صلاة من احدث حتى يتوضأ (1)،
النبي عليه السلام لا
يقبل
«والموجب الموضوء» عند الامة عشر خصال متفق عليها وهي: البول، والغائط، والمني، والمذي، والودي، وخروج الريح من الدبر، وغيوب الحشفة في الفرج، وخروج الدم من المرأة بحيض او نفاس. وزوال العقل بالاغماء او جنون او سكر، وذهاب العقل بالنوم مضطجعا وهذا ما اجمعوا عليه فيما وجدت الاخلافا شاذا في المذي والنوم والشاذ لا يعتد به، والمشهور عند اصحابنا ان الوضوء ينتقض بثلاثة اشياء: اخدها احداث تطرأ عليه، والثاني اسباب تؤدي الى نقضه. «والثالث» افعال ينتقض بارتكابها. ومحصول موجبات الوضوء تنحصر في ثلاثة فصول.
الفصل الأول
في الأحداث
?
ثلاثة وهي
ونعني بها ما ينقض الوضوء بنفسه، لا بما يؤدي اليه، انواع. «احدها» كل نجاسة تسيل من الجسد من اي موضع خرجت سواء
كانت من القبل كالول، والمني؛ والمذي، والودي، والدم، أو كانت من
1) تف
دم.
ـ 184 ـ (1/194)
صفحة 195
الدبر كالغائط، والدم، والدابة والحصاة والريح وغيرها، او سالت من الانف كالرعاف، او من الفم كالقي والقلس، او سفحت من جرح او قرح كالدم، والصديد الغالب عليه الدم، او من سائر الجسد كالفصد والحجامة لثبوت الاحاديث في هذه الاحداث. فصح انه انما علق الحكم بها في نقض الوضوء من جهة انها انجاس خارجة من البدن لان الوضوء طهارة والطهارة انما يؤثر فيها النجس، فثبت انه اذا خرج من ال الجسد نقض الوضوء على اي جهة خرج من مرض او صحة، ووافق اصحابنا ابو حنيفة واصحابه في هذا المعنى، وقد روي ان النبيء اللقاء فتوضأ (1) وفي بعض الاحاديث من قاء، او قلس فليتوضأ (2). وقد استحب ابو عبيدة مسلم رحمه وجد الانسان طعمه في الحلق وان لم يبلغ حد الفم والدم اذا سفح من انف او جرح وجب به الوضوء، وان اخرجه بيده او اخرجه ذباب فقولان، والله اعلم.
الله التوضؤ من القلس اذا
النوع الثاني: مما ينقض الوضوء: وهو كل نجاسة تلاقي بدن المتوضئ من غيره سواء لاقته باختياره كلمسه النجس الرطب، او ميتة رطبة كانت او يابسة، او ظهر الكلب اذا كان رطبا، او غسل ميتا غير متولى. او ما اشبه ذلك. او لاقته بغير اختياره كدابة تبول او تذبح فيطير البول منها او الدم اليه فيمس جسده النوع الثالث: كل نجاسة اكلها على وجه الاضطرار كالميتة والدم ولحم الخنزير والمنجوس من الطعام والشراب وما اشبه ذلك، فمتى اضطر
1) وهو دليل على نجاسة القيء. ومما يدل عليه ايضا قوله (ع) لعمار من رواية احمد والدار قطني: «انما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني والدم والقيء. (2) عن جابر بن زيد مرسلا
- (1/195)
صفحة 196
الى شيء من هذا فأكله فقد انتقض وضوءه وان كان مباحا له اكله حال
الضرورة والله اعلم (1).
الفصل الثاني
في الاسباب التي تؤدي الى نقض الوضوء
ونعني بها ما لا ينقض الوضوء بنفسه ولكن بما يؤدي اليه، وهي ثلاثة انواع: (احدها) زوال العقل باغماء، او جنون، اوسکر، او مرض برسام او نوم، كل ذلك ينقض الطهارة مطلقا الا النوم ففيه تفصيل واختلاف (2) اما التفصيل فهو ان النوم له اربع هيئات: «احداها» ان يكون طويلا ثقيلا في حال الاضطجاع، فهذا متفق عليه ان ينقض الوضوء
1) وقيل لا ينتقض وضوءه لحديث ابن عباس قال: قال بلال حدثني مولاي ابوبكر الصديق (ض) قال: قال رسول الله (ع): ولا يتوضأ من طعام احل الله اكله رواه ابو داود. 2) وخلاصة ما يؤخذ من احاديث الباب ان الرسول (ع) حصر النوم الناقض للوضوء غط في نوم الاضطجاع لما روي عن ابن عباس (ض) ان النبيء (ع) مسجد حتى فنفخ فقام فصلى فقلت يا رسول الله قد نمت فقال: وانما الوضوء على من نام مضطجعاه رواه ابوداود عن ابن عباس مرفوعا. وقال فيه ضعف ـ اما اذا كان النائم غير مضطجع بان كان جالسا ممكنا مقعدته من الارض مثلا فان وضوءه لا ينتقض ولو كان نومه ثقيلا. وعليه يحمل حديث انس (ض) قال: وكان اصحاب رسول الله (ع) ينتظرون صلاة العشاء الاخيرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون» رواه الشافعي ومسلم وابوداود والترمذي - ولفظ الترمذي من طريق شعبة: ولقد رايت اصحاب رسول الله (ع ينتظرون الصلاة حتى لا سمع لاحدهم غطيطا ثم يقومون فيصلون ولا يتوضئون قال ابن المبارك: هذا عندنا وهم جلوس. وكأن ابن المبارك يلحن بقوله هذا ان السبب في عدم انتقاض وضوءهم هو تمكين مقعدتهم من الارض لكن يعكر عليه ان نوم الرسول (ع) كان في السجود لا في القع
ود
ل!
مصححه
- 186 - (1/196)
صفحة 197
لثبوت الحديث في ذلك، الهيئة الثانية ان يكون قصيرا خفيفا غير مزيل
للعقل، فهذا لا ينقض الوضوء على اي حالة كان عليها المتوضئ من قيام او قعود او اضطجاع، والهيئة الثالثة ان يكون خفيفا ثقيلا وهو النعاس لم يغلب عليه ولكن يطاوله ويعالجه ففيه خلاف اذا كان مضطجعا، والاصل فيه انتقاض الوضوء .. والهيئة الرابعة ان يكون ثقيلا خفيفا وهو اذا غلب عليه النعاس و لم يقع. منه الا سنة. فهذا مختلف فيه. واعتبر بعض العلماء هيئات النائم ايضا. فقال ان كان النائم على هيئة ينتهي به الطول الحدث غالبا كالساجد انتقض وضوءه، وان كان قائماً او قاعدا
—
الى خروج او محتبيا فلا ينقض عليه، وان كان جالسا متكئا ناعسا طويلا ففيه خلاف بين العلماء، وان كان قائما راكعا ففيه خلاف ايضا. ومقصود الجميع النظر الى اغلب الهيئات في النوم فان كان يمكن خروج الحدث ولم يشعر به انتقض وضوءه وان. كان بالعكس لم ينتقض، و لم يجب عليه التوضوء الا ان احتاط، وان اشكل عليه الامر في انتقاض وضوءه كان بمنزلة من تيقن طهارته ثم شك في فسادها بطروء الحدث عليها. «واما الاختلاف فان العلماء اختلفوا في النوم على ثلاثة مذاهب فذهب: قوم الى انه حدث ينقض الوضوء قليله وكثيره، وذهب آخرون الى انه ليس بحدث ولا ينقض الوضوء الا اذا تيقن بالحدث واظنه يروى عن ابي موسى الاسمري او غيره والله اعلم، وذهب اصحابنا ومن وافقهم من فقهاء قومنا الى التفصيل المتقدم في النوم، وقال بعض اصحابنا ان الناعس في الصلاة لا ينتقض وضوءه كان قائما اوساجدا والله اعلم.
النوع الثاني: من الاسباب. بدن المرأة الاجنبية فهو ينقض الوضوء مس
اذا كانت ممن توجد اللذة فمسها على غير سبيل المعالجة من دواء او غيره.
—
JAY- (1/197)
صفحة 198
الله
واما اذا مسها مضطرا او معالجا فلا. واما المتبرجة والمملوكة فلا ينقض وضوء من مس بدنها ما خلا الفرج (1)، وكذلك ذوات المحارم على هذا الحال، واما اذا قبل زوجته او سريته فلا نقض عليه لحديث عائشة رضي عنها ان النبيء لله كان يقبل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ (2) النوع الثالث: مس الفرج مباشرا بيده من غير حائل لحديث النبيء ايما رجل افضى بيده الى ذكره انتقض وضوءه، وايما امرأة افضت بيدها الى فرجها انتقض وضوءها (3) فذهب العلماء الى ان الامر بذلك
لمراعاة وجود اللذة، ولذلك اعتبر بعض علمائنا المس بباطن الكف واختلف اصحابنا في تحديد القدر الناقض للوضوء من العورة: فذهب بعضهم الى ان من مس ذكره او انشيه او مقعدته انتقض وضوءه، وذهب آخرون الى ان مس الذكر والدبر هو الناقض دون غيرهما، واظن العمل على هذا القول، وزعم آخرون انه لا ينتقض وضوءه الا إن الثقبتين مس وعلى اختلاف فقهاء الامصار، ان الشافعي يرى مسه ناقضا للوضوء على كل حال كيفما مسه. وابو حنيفة لا يرى النقض بمس الذكر على
1) في هذا نظر هب المملوكة مالا كما علله بعض العلماء. فماهو موجب استنثاء المتبرجة من عموم الاجنبيات؟
(2) عن جابر بن زيد قال: بلغني عن عروة بن الزبير يقول عن عائشة (ض) انها قالت: يقبلني رسول الله ثم يصلي ولا يتوضأه.
(3) رواه احمد من حديث عمرو بن شعيب، وعن عروة بن الزبير قال دخلت على مروان بن الحكم فتذاكرنا ما كان من نقض الوضوء قال: قال مروان من مس ذكره فليتوضأه قال. فقلت له: ما اعلم ذلك. فقال مروان اخبرتني برة بنت صفوان انها سمعت رسول الله (ع) يقول اذا. احدكم ذكره فليتوضاً
مس
1
ورواية احمد
عن ابي هريرة بلفظ: ايما رجل افضى بيده الى فرجه فمسه بكفه انتقض وضوءه
اهـ مصححه
-
188 (1/198)
صفحة 199
كل حال (1)، ومالك بن انس فرق بين احوال مسه كما قدمنا في قول اصحابنا. واختلف اصحابنا ايضا فيمن مس فرجه خطأ او نسيانا:
فذهب بعضهم الى انه لا وضوء عليه وذهب آخرون الى ايجاب الوضوء عليه قياسا على خروج الريح ودم الاستحاضة فهما يجب بهما الوضوء كان ذلك باختيار او بغير اختيار، وذهب اصحابنا ايضا الى ان الوضوء لا يجب بمس الذكر في حال الصلاة اذا شك في الحدث والله اعلم. واما الذكر بغير اليد فلا نقض عليه، واستحب بعضهم التوضؤ منه. وقد ذكر ان ابا عبيدة مسلم رحمه الله كان يتخذ جوارب يتقي بها فرجه عن مواضع وضوءه فبلغ ذلك حيان الاعرج رحمه الله (2) فقال «قد اشقانا الله اذا في ديننا» تعظيما لفعل ابي عبيدة. وقد جاء في الحديث عن النبيء انه قال. «ليس على من مس عجم الذنب وضوء، ولا على من
ان
مس
مس موضع الاستحداد وضوء (3) والله اعلم
1) وحجته حديث طلق: ان رجلا سأل النبيء (ع) عن رجل يمس ذكره. هل عليه الوضوء؟ قال: «لا انما هو بضعة منك، رواه الخمسة ثم صححه ابن حبان
وقال المديني: هو احسن من حديث بسرة.
(2) حيان الاعرج من علماء القرن الأول وكان كما قال الشماخي من العلماء الراسخين ومن اهل التقوى والدين، ومن اكبر من صحب جابر بن زيد واخذ عنه فهو اكبر من ابي عبيدة مسلم سنا، وكان داعيا الى الله، آمرا بالمعروف، نهاء عن المنكر ممن يميل في فتواه الى التيسير وينكر على ابي عبيدة تشدده، وكثيرا ما يقول لقد اشقانا في ديننا ان كان الامر كما يقول ابو عبيدة اما تاريخ وفاته بالضبط فلم اعتر عليه
الله
رغم البحث الشديد
رضي
الله
عنه وارضاه
اه
لحديث ابن عباس ان النبيء)) قال: «ليس على من مس عجم الذنب وضوء ولا على من مس موضع الاستحداد وضوء رواه الربيع في مسنده الصحيح.
11190 (1/199)
صفحة 200
قدمنا
الفصل الثالث
في الافعال الموجبة للوضوء
وهى اربعة ايضا وهي لمس وقول واستماع ونظر. اما اللمس فكما من مس المرأة الاجنبية او فرج المحرمة او فرج نفسه او زوجته،
او. ما ملكت: يمينه، او مس فرج الجارية الطفلة، او فروج الانعام الرطبة. واختلف في الاطفال الصغار، فقيل عن ابن عباس انه قال: هي فروج فتوضوا منها واما القول فكغيبة المسلم، وبهتان البريء، وقذف المحصنات والكذب والنميمة بين الناس، ولعن البهائم والاطفال ومن وكالاشراك بالله وما أشبه ذلك من تسمية الفروج باقبح
يستحق اللعنة
?
اسمائها وذكر العذرة مع فاعلها (1) والله اعلم، وهذا كله قياسا على الغيبة والنميمة اذ وردت فيهما السنة بنقض الوضوء (2) واما الاستماع فكالاستماع الى الغيبة المحرمة اذ وردت السنة ان المستمع شريك القائل (3) وكالاستماع الى اللهو والمزامير والغناء والنواح واسرار الناس وما اشبه ذلك. واما النظر فكالنظر الى عورات الآدميين عمدا غير نفسه وزوجته وما ملكت يمينه. وكالنظر الى حرمة فى منزل قوم، او في سر كتاب غير مباح، والله اعلم ولا اعلم احدا من اهل الخلاف اوجب الوضوء في جميع ماذكرنا في هذا الفعل الأخير الا في الارتداد الى الشرك خاصة وقد انفرد به
1) على وجه الشتم قال الربيع: كل شيء خبيث من الكلام ينقض الوضوءه. 2) عن ابن عباس (ض) عن النبيء عل الله قال: الغيبة تفطر الصائم وتنقض الوضوء رواه الربيع.
) رواه الطبراني من حديث ابن عمر (نهى رسول الله (علي عن الغيبة وعن الاستماع الى الغيبة وهو ضعيف وعنه (الله) المستمع احد المغتابين» رواه ابن حبان
- 19.— (1/200)
صفحة 201
اصحابنا رحمهم لحديث ابي العالية (1) دون مخالفيهم والله اعلم.
الله كما انهم قد انفردوا بنقض الوضوء في القهقهة في الصلاة
الفصل الثاني
في الطهارة الصغرى
وهي التيمم المبدل من الوضوء. اعلم ان الطهارة بأسرها انما تجب بسبعة شروط، وهي البلوغ والعقل والاسلام ودخول وقت الصلاة المفروضة وكون المكلف ذاكرا غير ساه، ولا نائم وعدم الاكراه وارتفاع موانع الحيض والنفاس وهي شروط وجوب التيمم ايضا. وفروض التيمم ثمان خصال: طلب الماء قبله، والنية اوله، وضربة لليدين الى الرسغين والموالاة. وعموم الوجه والكفين في المسح وفعل ذلك بالصعيد الطاهر، ودخول. الوقت
وسننه: اربع الترتيب بتقديم مسح الوجه، وتجديد مسح اليدين إلى
الرسغين، ونقل (2) ما تعلق بهما من الغبار، والتسمية بذكر الله تعالى
•
1) ذكر القطب اطفيش رحمه الله في وفاء الضمانة ان انسا رضي الله عنه قال: امر رسول الله ع الله بالوضوء من القهقهة حين ضحك القوم من وقوع رجل في حفرة وهم
في الصلاة وقال: من ضحك فليعد الوضوء والصلاة
(2) لعل الصواب ونفض»
- 191 (1/201)
صفحة 202
فصل
في اسباب التيمم وكيفيته واحكامه
وهذا الفصل يتوزع على ثلاثة اقسام: احدها في اسباب التيمم. والثاني في حقيقته. والثالث في احكامه.
القسم الاول
فيما ينقل الى التيمم وهو العجز. وله اسباب وهي ستة: احدها فقد الماء لقول الله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا (1). فاذا دخل وقت الصلاة على المسافر لزمه طلب الماء فان عاز الماء بعد الطلب فانه لا يخلو من اربعة احوال احدها ان يتحقق عدم الماء حواليه فانه يتيمم اول الوقت من غير تكرار طلب الماء. «الثاني ان يتوهم وجوده حواليه فليتردد وليلاحظ وليسأل الى حد لا يدخل على نفسه ولا على اصحابه ضرر ولا مشقة في التخلف عنهم او يعوقهم على حاجتهم، فاذا لم يسأل عن الماء فصلى فان عليه الاعادة في الوقت وبعد الوقت فيما ذكر بعض اصحابنا قال وكذلك لو رآهم يتيممون ويصلون فتيمم هو وصلى اعاد كما قدمنا فى الوقت وبعده. كذا ذكر في تقييدات ابي عبدالله بركة (2) رحمه الله تعالى قال: وكذلك لو نزل على قوم ونزلوا على غير
1) المائدة: 6.
محمد بن
2) ابو محمد عبدالله بن محمد بن بركة البهلوي السلمي عالم تحرير وامام من ائمة المسلمين بعمان في القرن الثالث الهجري، اخذ العلم عن الشيخ ابي مالك غسان بن محمد بن
الخضر الصلاتي وتخرج على ابن بركة علماء تحارير كالعلامة ابي علي البسياني
=
-
192 - (1/202)
صفحة 203
ماء فان عليه ان يطلب ويلاحظ. وكذلك لو طلب الماء فلم يجده ثم تيمم فصلى ثم علم ان الماء كان في موضع لو طلبه لوجده، او كان في رحله ولم يعلم به حتى صلى فعليه الاعادة. واختلفوا فيمن لم يجد الماء متى يتيمم؟ وقيل ان الآئس يتيمم اول الوقت، والراجي يتيمم آخر الوقت، والذي تساوى عنده الامر ان يتيمم اوسط الوقت. وقيل المتيمم يتيمم آخر الوقت على الاطلاق. وقيل آخر الوقت الا الآئس كما قدمنا. فان صلى احد هؤلاء ثم وجد الماء بعد الصلاة فلا اعادة على من اوقع
الصلاة
علمه مع
في الوقت المأمور بايقاعها فيه الا الشاك المتردد في ادراك الماء بوجوده فانه يعيد في الوقت كالمقصر في اجتهاده، وفي مثله الخائف من اللصوص فقصر في الطلب. وكذلك المريض الذي عدم من يناوله الماء لانه قصر في الاستعداد فحكم هؤلاء التيمم وسط الوقت. والله اعلم. الحال الثالث ان يعتقد وجود الماء فى حد القرب فيلزمه السعي اليه،
= صاحب
،
سبوغ النعم - وسيرة البسياني الشهيرة واضرابهم ممن لعبوا ادوارا هامة في اقرار قواعد الامامة بعمان: نشروا العلم وحرروا المسائل فمهدوا سبيل المعرفة لسالكيه. كما ترك لنا الامام ابن بركة من محصوله ثروة طائلة من التأليف المعتبرة ذكر له الشيخ السالمي صاحب اللمعة المرضية من اشعة الاباضية الكتب الأتيه، الجامع المعروف بجامع ابن بركة وهو كتاب جليل وضع فيه المسائل بادلتها وصدره بأبواب من اصول الفقه. ثم ذكر بعد ذلك أبواب الفروع. قام بطبعه في هذه السنوات الاخيرة احد الطلبة النفوسيين (ليبيا) وكتاب الشرح الجامع ابن جعفره وكتاب التقييد، وكتاب الموازنة، وكتاب المبتدا، وكتاب التعارف، وكتاب الاقليد وله رسائل. وبالجملة فقد اشتهر علمه شرقا ومغربا قل ان يخلو كتاب من كتب الاصحاب من ذكره. هذا وان المؤلف يذكره في كتبه باسم البي عبدالله محمد بن بركة سواء في القواعد او في القناطر. ويذكره الشيخ عامر كذلك في كتاب الايضاح. والتحقيق انه، ابو محمد عبدالله بن محمد بن بركة كما ذكره العلامة السالمي وهو الحجة: واهل مكة ادري بشعابها قليتنبه!. اهـ مصححه
– 193 – (1/203)
صفحة 204
آمنا
وحد القرب ما لم ينته الى المشقة او خوف فوات الاصحاب، وقيل لا يعذر في ميلين، وان انتهى البعد الى حيث يخرج وقت الصلاة ان كان من فوات الاصحاب فليطلب اصحابه كما قدمنا، ولا يلزمه ان يطلبهم جميعا اذا كانوا كثيرا بل يطلب من يليه منهم كما قدمنا، والله اعلم، الحالة الرابعة ان يكون الماء حاضرا ولكن يتعذر حضوره اليه بعدم الآلة التي
يتوصل اليه فانه يتيمم لانه فاقد الماء. وان وجد الآلة ولكن كان الماء
في بئر بعيدة القعر فان اشتغل بالنزع فاته الوقت ففيه خلاف بين العلماء لان قيل يتيمم عدم القدرة على الاستعمال فى الوقت كالعادم المطلق. وكذلك لو كان الماء بين يديه يمكنه استعماله لكن لو تشاغل باستعماله لخرج الوقت لضيقه فقولان ايضا: قيل يتيمم ويصلي ويشتغل بعد ذلك بالوضوء، وقيل يشتغل بالتوضؤ وهو الاصح لانه واجد للماء. «السبب
—
الثاني عجز خيفة. وهو ان يخاف على نفسه اذا عدل الى الماء - عدوا يهلكه، او سبعا يتلفه، فكل هذه الاحوال التيمم له بها جائز،
وليس عليه ولا له ان يحمل نفسه على حالة مخوفة، ولا ان يعرضها لخطة ولله الحمد متلفة وقد يسر الله على عباده تخفيفا وكان بهم لطيفا، وقد قيل ان الخوف على المال لا يلحق الخوف على النفس في الاباحة وان وجد الماء بثمن يباع به قبل ذلك، وان امتنع منه الا بثمن يجحف به لقلة دراهمه او لكثرة الزيادة على ثمنه المعتاد لم يلزمه شراؤه، واما بثمن المثل وما لا يجحف به فانه يلزمه الا ان احتاج الى الثمن لنفقة سفره السبب الثالث، وان احتاج اليه لعطشه في الحال او لتوقعه في المآل بان يغلب على ظنه انه لا يجد ماء او لعطش من معه فله التيمم ان خاف العطش الذي يهلكه، وان خاف عطشا يمرضه كان بمنزلة من خاف استعمال
من (1/204)
صفحة 205
الماء لمرض. ولو مات صاحب الماء وكان معه جنب آخر والماء انما يكفي احدهما فصاحبه اولى به الا ان احتاج الحي الى شربه فهو اولى به بعد اداء قيمته الى الوارث. وان كان الماء بينهما ففيه قولان: قيل الحي اولى به ويتيمم للميت، وقيل الميت اولى به والله اعلم. السبب الرابع الجهل كما انه اذا نسي الماء في رحله فتيمم وصلى، ثم علم به ففي اعادة صلاته اختلاف بين العلماء.
والذي يذهب اليه ابو عبدالله محمد بن بركة (1) ان يعيد صلاته وقاسه بنسيان الرقبة في ملكه اذا ظاهر من امرأته، او نسي النجاسة في ثوبه حتى صلى قال: فلما كان الصوم لا يجزيء ناسي الرقبة ولا تجزي صلاة ناسي النجاسة كان ناسي الماء في رحله كذلك. والسبب الخامس» المرض الذي يخاف من الوضوء معه فوات روح، او فوات منفعة. او اتلاف عضو، او تأخير برء، او زيادة مرض، او حدوثه. فانه يتيمم في ما ذكرنا لحديث عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل (2) وحديث الرجل المشجوج في رأسه (3) وصاحب الجدري فاستفتوا فأمروا
جميع
1) تقدم التعريف به.
(2) قال عمرو احتلمت في ليلة شديدة البرودة، فاشفقت ان اغتسلت أهلك، ثم صليت باصحابي صلاة الصبح. فلما قدمنا على رسول الله (ع) ذكروا ذلك له فقال: ياعمرو صليت باصحابك وانت جنب؟ فقال. ذكرت قول الله عز وجل ولا تقتلوا انفسكم ان الله كان بكم رحيماء فتيممت ثم صليت فتبسم رسول الله (ع) ولم يقل شيئاه رواه احمد وابوداود والحاكم والدارقطني وابن حبان.
حجر
نشجه
) اما المشجوج فلحديث جابر (ض) قال: خرجنا في سفر فاصاب رجلا منا. في رأسه ثم احتلم ثم سأل اصحابه. هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: لانجدلك رخصة، وانت تقدر على الماء، فاغتسل فمات فلما قدمنا على رسول الله (ع) اخبرناه بذلك فقال قتلوه قتلهم الله. الاسألوا اذ لم يعلموا، فانما شفاء العي السؤال. انما كان يكفيه ان يتيمم ويعصر او يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليه، ثم يغسل سائر جسده رواه ابوداود وابن ماجه والدارقطني وصححه ابن السكن (1/205)
صفحة 206
بالغسل فقال الله قتلوه قاتلهم الله (1) وعن ابن عباس رضي الله عنه انه كان يقول نزلت هذه الآية فيمن كان به جرح او قرح والله اعلم. ولعله يريد قول الله تعالى وإن كنتم مرضى الآية (2) وكذلك الصحيح ان خاف من استعمال الماء نزلة او حمى فله ان يتيمم لان كل ذلك مرض ظاهر، السبب السادس كون الجروح والقروح في موضع لا يمكن عزله كالفرج او اليد وما اشبه ذلك فله ان يتيمم. واما ان كان سالم الاعضاء الاعضوا واحدا فيه جرح او قرح او غير ذلك فليتوضأ ويمسح على القليل بالماء، وان خاف ان يضره فليجر الماء حواليه والافليتمم له، وان نسي ان يتيمم له حتى صلى ففيه خلاف اعني في اعادة الصلاة. والاصح أنه لا يعيد لان الخطاب توجه الى الاعضاء الصحيحة دون العليلة والله اعلم.
القسم الثاني
في كيفية التيمم
جميع
اعلم ان اركان التيمم اربعة، واحدها النية لانها عبادة غير معقولة المعنى، ولا تصح الا بالنية، وقيل فيها غير ذلك. وكيفية عقدها ان ينوي بها رفع الاحداث واستباحة الصلاة. ولفظها ان يقول: ارفع بتيممي هذا الاحداث واتيمم للصلاة طاعة الله ولرسوله عليه السلام. ثم اذا حصل متيمما فليصل به الصلوات الخمس مالم يحدث او يجد الماء كالوضوء
ما الله
صلى الله 1) قال جابر بن زيد: بلغنى عن قوم مات بحضرتهم مجدور فقيل للنبيء) انه امر بالغسل كما ترى فكر عليه الجدري فمات. فقال النبي (ع): وقتلوه قتلهم: ماذا عليهم لو امروه بالتيمم؟» رواه الربيع في مسنده
الله
2). المائدة: (6).
-197 - (1/206)
صفحة 207
حذو النعل بالنعل. الدليل على ذلك قول النبيء ع «التيمم طهور المسلم ولو الى عشر سنين ما لم يجد الماء» (1) وقد اختلف اصحابنا في هذا فوجدت عن البصريين من اصحابنا ان التيمم لا ينقضه الا الحدث او الماء كما قدمنا. وذهب آخرون الى انه يجدد التيمم عند كل صلاة الا ان جمعها فانه يجتزي بتيمم واحد. روي هذا عن الربيع رحمه الله وغيره من اصحابنا العمانيين والله اعلم. ووافقهم على ذلك كثير من الناس. واعتلوا بثلاث علل احداها» ان التيمم عندهم لا يرفع الحدث وانما هو مشروع لاستباحة اقل ما يمكن له من الصلاة (2) والثانية انه لا يتيمم قبل وقت الصلاة والثالثة ان تكرار الطلب واجب عندهم لكل صلاة. فاذا لم يجد الماء عدل الى التيمم
1) عن ابي هريرة رواه البزار بلفظ والصعيد وضوء المسلم وان لم يجد الماء عشر سنين، فاذا وجد الماء فليتق الله ويمس بشرته ورواية احمد والترمذي وصححه بحذف فليتق وزيادة: فان ذلك خير: في آخره.
الله
(2) التحقيق ان التيمم رافع للحدث رفعا مؤقتا الى حال وجدان الماء ء لامبيح العبادة فقط؛ لان النبي (ع) سماه طهورا ووضوء وجعله قائما مقام الماء وعوضا عنه عند عدمه. والاصل انه قائم في جميع احكامه فلا يخرج عن ذلك الا بدليل. وعليه فهو بدل من الوضوء والغسل عند عدم استعمال الماء، وللمتيمم ان يصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض والنوافل فحكمه كحكم الوضوء سواء بسواء لحديث ابي هريرة المتقدم. بيد ان حديثا ورد عن الرسول يقضي بالغسل متى قدر على استعمال الماء. قال عمر صلى رسول الله (ع) بالناس فلما انتهى من صلاته اذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم قال، ما منعك يا فلان ان تصلي مع القوم؟ قال، أصابتني جنابة فلم اجد ماء قال: وعليك بالصعيد فانه يكفيك، ثم ذكر عمر انهم بعد ان وجدوا الماء اعطى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي اصابته الجنابة اناء من ماء. وقال: اذهب ففرغه عليك رواه البخاري. ويظهر ان ذلك كان سبيل الاستحباب كما يشير اليه قوله فان ذلك خيره في الحديث المتقدم. اهـ مصححه
- 197
— (1/207)
صفحة 208
الركن الثاني
ما تعمل به هذه الطهارة
وقد اختلف الناس فيما يجوز به التيمم: فذهب بعض اصحابنا الى اجازته بغير التراب من اجزاء الارض، ووافقهم على ذلك مالك بن انس. وذهب آخرون الى جوازها بالرمل والنورة والزرنيخ وما اشبه ذلك وذهب بعض اصحابنا الى ان التيمم لا يجوز الا بالتراب الطيب وبه قال ابو محمد عبدالله ابن محمد بن بركة رحمه الله ووافقهم على ذلك الشافعي، وهذا هو الذي يوجبه النظر عندي لقول النبيء وجعلت لي الارض وترابها طهورا (1) فخص التراب دون غيره. وقال الله تعالى فتيمموا صعيدا طيبا (2) علمنا ان الصعيد التراب وحده دون قول من قال انه اسم مشتق لما صعد على وجه الارض، فقوله عليه السلام «الصعيد كافيك» (3) فلما ذكر التراب في حديث آخر علمنا ان الصعيد هو التراب، وهو ايضا موجود في اشعار العرب تركته مخافة التطويل. والله
مسجدا
اعلم
الركن الثالث
في كيفية التيمم
وقد اختلف الناس فيه اختلافا كثيرا تركته مخافة الاكثار. والمعمول
به عند اصحابنا ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين الى الرسغين للحديث
1) متفق عليه
2) المائدة: 6.
- 198 –
(3) تقدم. (1/208)
صفحة 209
الخائف
الثابت عن النبيء علا الله من طريق عمار بن ياسر رحمه الله وغيره (1). واما كيفيته فانه اذا دخل وقت الصلاة على المريض او المسافر او الصحيح من استعمال الماء، فان كان يرجو وجود الماء او التوصل الى استعماله ان كان موجودا فلينتظر ذلك على قدر اختلاف احواله كما قدمنا، وان كان آيسا من الماء عدل الى التراب الطاهر الذي يصلح للحرث والنبات فليعقد النية كما قدمنا، وليقل باسم الله وليضع يديه وهما يابستان مفرقا بين اصابعه على التراب اليابس، ثم يرفعهما يقرن بعضهما الى بعض وينفضهما نفضا خفيفا فيمسح بهما وجهه مستوعبا، يبدأ به مارا بيديه من اعلاه الى ان يستوفيه، وليراع الوترة وهى مابين المنخرين وليقل حين يرفعهما الى الوجه. الله اكبر، ثم يردهما الى الصعيد، ثم يضرب بهما ضربة اخرى، ثم يرفعهما قارنا لهما من عند ابهامه فيضع اليسرى على ظاهر اليمنى ويمر بها على ظاهر الكف، ثم يعمل بكفه اليمنى على ظاهر كفه اليسرى كذلك، وان اخطأ شيئا من مواضع الوضوء لم يصبه التراب فقد اجزأه، وليس عليه ان يخلل بين اصابعه في التيمم فيما وجدت. لان لاغسل، وان تيمم بأصبع واحدة فلا يجزئه. وكذلك ان لم يعلق بهما شيء من التراب، وقيل غير ذلك، وكره بعضهم ان يمسح تراب التيمم عن وجهه حتى يصلي، وزعم ان التيمم نور الاسلام (2).
هذا
مسح
1) سياتي قريبا.
(2) بل بالعكس فهو مأمور بنفحهما قبل ان يمسح بهما وجهه وكفيه الحديث عمار من رواية الشيخين قال: اجتنبت فلم اصب الماء فتمعكت في الصعيد وصليت فذكرت ذلك للنبيء (صلى الله عليه وسلم) فقال: وانما كان يكفيك هكذاه وضرب النبيء) بكفيه الارض وتنفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه. فانت ترى ان من السنة لمن تيمم بالتراب ان ينفض يديه وينفخهما منه، ه، ولا يعفر به وجهه. اهـ مصححه
- 199
- (1/209)
صفحة 210
واما جابر بن زيد رحمه الله فرخص في ذلك فيما وجدت عنه، وقال لانه لم يمسحه على جهة الرفض بل لما يؤذيه، وليس عليه ان ينوي بالتيمم صلاة فريضة ولا تطوع، ولكن ينوي به رفع الحدث وطهارة الصلاة كما قدمنا، ثم لا ينتقض عليه حتى يحدث كالوضوء الا قول عن الربيع وجابر وغيرهما من اصحابنا انه يتيمم لكل صلاة كما قدمنا والله اعلم. والتيمم طهور لكل مسافر طال سفره او قصر وكذلك كل مريض يخاف زيادة المرض بالماء. ومن لم يجد ماء ولا صعيدا فانه ينوي الطهارة ويصلي خلافا لبعض فقهاء قومنا في اسقاطهم الصلاة عنه (1) واختلف اصحابنا في اعادة صلاته اذا خرج الوقت ثم وجد الماء (2) واذا وجد من الماء مالا يكفيه للوضوء وللاغتسال فانه يغسل مذاكيره وينزع النجس ثم يتوضأ وبتيمم ان كان جنبا. وان لم يجد ما
يتوضأ
به
فلينزع النجس ويتيمم للوضوء
هكذا عند اصحابنا جابر بن زيد وغيره رحمهم الله تعالى. خلافا لبعض
1) الحق ان من عدم الماء والصعيد بكل حال يصلي على حسب حاله ولا اعادة عليه لما رواه مسلم عن عائشة انها استعارت من اسماء قلادة فهلكت، فارسل رسول الله (ع) ناسا من أصحابه في طلبها فادركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء فلما اتوا النبيء الله شكوا ذلك اليه فنزلت آية التيمم. فقال اسيد بن حضير. جزاك خيرا. فوالله ما نزل بك امر قط ـ الا جعل الله لك منه مخرجا، وجعل للمسلمين منه بركة، فهؤلاء الصحابة صلوا حين عدموا ماجعل لهم طهورا. وشكوا ذلك للنبيء (ع) فلم ينكره عليهم، ولم يأمرهم بالاعادة، قال النووي وهو اقوى الاقوال
دليلا
(2) وقيل لا تجب عليه الاعادة وان كان الوقت باقيا لحديث الى سعيد الخدري قال: وخرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا فصليا ثم وجد الماء فاعاد احدهما الوضوء والصلاة، ولم يعد الآخر. فاتيا رسول فذكرا له ذلك. فقال للذي لم يعد: اصبت السنة واجزأتك صلاتك وقال للذي توضاً واعاد لك الاجر مرتين» رواه ابو داود والنسائى.
الله
- Y .. (1/210)
صفحة 211
فقهاء قومنا فى أمرهم اياه بترك استعماله والعدول الى التيمم والله اعلم. وان قطعت ي الانسان من المرفق يتيمم لوجهه بالاخرى يضرب بها ضربة
مريضا
ثم يضرب بها على الارض مرة اخري يقلب كفه عليه ظهرا وبطنا، ولا بأس ان يكون للمتيمم تراب موضوع في شيء يتيمم به اذا كان في حضر اوسفر، وهكذا روي ان ابا عبيدة حين مرض الفالج كان له تراب موضوع في شيء فكان يتيمم به. واما ما لاقى يد المتيمم او وجهه فوقع فلا يتيمم به مرة اخرى، لانه كالماء المستعمل. وان عدم المتيمم التراب عدل الى الرمل، والا فليدق حجرا ويتيمم به. ولا يتيمم بالتراب النجس، ولا بالجص، ولا بالجير، ولا بالنورة، ولا بالزرنيخ ولا بالتراب الندي والله اعلم.
الركن الرابع
في احكام التيمم
اعلم ان حكم التيمم الطهارة ما لم يجد الماء، فاذا وجد الماء قبل الدخول في الصلاة فقد بطل. وان دخل في الصلاة ثم طرأ عليه الماء فانه يقطع الصلاة ويعدل الى الماء عند اصحابنا، وان فرغ من الصلاة ثم وجد الماء فانه يستحب الاعادة (1) وان خرج الوقت فلا اعادة عليه، والله اعلم، والذي يفسد التيمم كما قدمنا هو رؤية الماء للقادر على استعماله، والحدث بعده من جميع ما ينقض الموضوء، وكذلك لو ترك فرضا من فرائضه المتقدمة والله اعلم.
(1) انظر التعليق الذي قبل هذا. (1/211)
صفحة 212
من
القسم الرابع
في الطهارة
الاحداث الموجبة للاغتسال وهي اربعة: واحدها» الغسل لانزال
الماء الدافق كيفما كان من
جماع او احتلام او مغيب حشفة في قبل او
دبر ممن كان من بني آدم او من البهائم احياء كانوا او امواتا ذكرانا كانوا او اناثا حلالا كان او حراما. والثاني انقطاع دم الحيض او استكمال وقته اذا كانت الاستحاضة. والثالث) انقطاع دم النفاس. واختلف في الغسل من الولادة اذا كانت المرأة ذات جفاف. «والرابع» الموت لخروج الروح من الانسان المأمور بغسله، والخامس، مختلف فيه وهو الاسلام: هل يجب به الغسل على المشرك اذا دخل فيه ام لا؟ (1) «ومسنون الغسل خمسة: الاغتسال للجمعة، وللاحرام بحج او عمرة، ولدخول مكة، وللعيدين، وللحجامة، ومستحباته ستة: الاغتسال للوقوف بعرفة، وللمزدلفة، وللطواف بالبيت، وللسعي بين الصفا والمروة، ولمن غسل ميتا، وللمستحاضة الآيسة من الحيض اذا رأت الدم فانها لاتترك الصلاة، انقطع عنها استحب لها الغسل منه والله اعلم. وقيل لاغسل على من غسل الميت، وانما عليه الوضوء. وكذلك المستحاضة لاغسل عليها بعد الاول، ومفروضات» الغسل الواجب ستة: احدها النية عند التلبس به واستصحاب حكمها في جميعها، وعموم الجسد بالغسل. وامرار اليد معه، او ما يقوم مقام اليد وكون ذلك بالماء المطلق والموالاة مع الذكر.
فاذا
1) الراجح والله اعلم وجوب الاغتسال عليه لامره (ع) ثمامة الحنفي بالاغتسال حين اسلم، رواه الحافظ عبدالرزاق واصله في الصحيحين
- 202 – (1/212)
صفحة 213
مسح
واختلف في «السادسة وهي المضمضة والاستنشاق فقيل هما فريضتان في الاغتسال الواجب وسنتان في الوضوء، وقيل غير ذلك. ومسنوناته ستة الاذنين، وتخليل اللحية، وقيل هو فرض، وغسل اليدين قبل ادخالهما في الاناء وان كانتا طاهرتين، ثم غسل ما به من الاذى، والوضوء قبله، وغرف الماء على رأسه ثلاثا، والبداية بالميامن قبل المياسر. وفضائله اربع: التسمية في اوله وذكر الله تعالى في اثناء غسله، والتعجيل به قبل كل شيء من نوم او اكل او شرب، وعند بعضهم غرف الماء ثلاثا. والبداية بالميامن من الفضائل ومكروهات التنكيس في عمله، والاكثار من صب الماء فيه، وتكرار المغسول اكثر من مرات، او مرة اذا كمل ـ والاغتسال في موضع الخلاء، والكلام بغير
-
-
ثلاث
ذكر الله تعالى في حال الاغتسال ـ والله اعلم واحكم، واعلم ان هذا القسم ينحصر في جملتين احداهما في الغسل من الجنابه والكلام فيه ينحصر في اربعة فصول: الفصل الاول في موجب الغسل من الاحتلام، والثاني في موجبه من الجماع، والثالث في كيفية عمله. والرابع في احكامه
الفصل الاول
في الاحتلام
اعلم ان خروج الماء الدافق من
الانسان يوجب نقض الطهارة ويجب
من
اجله الغسل بظاهر الكتاب والسنة واجماع الامة: اما الكتاب فقول الله تعالى وان كنتم جنبا فاطهروا ولا تنازع بين الناس في هذا، وانما يجب الاغتسال بالمني الدافق الذي له رائحة كرائحة الطلع وهو الثخين الابيض، (1/213)
صفحة 214
وقد يصفر من علة الا ان الرائحة لا تنقطع عنه، وبه توجد اللذة وتنقطع الشهوة ويضطرب القضيب ويقذف المني وهو الجنابة. والمذي هو الذي يخرج من قبل الانتشار وبعده وهو رقيق يسيل كاللعاب. واما الودي فهو الذي يخرج بعد البول ويكون ابيض: والمني يجب منه الغسل بالاجماع. والمذي يجب منه الوضوء لقول النبيء الا الله الوضوء من المذي (1) وعن علي قال: كل فحل يمذي وكل امرأة تقذي، فمن احس من ذلك شيئا فليغسل مذاكيره بالماء وليتوضأ، وقال علي: انا الفحل المذاء، والودي
يجب منه الوضوء ايضا. وقال بعض في المذي ايضا يحب فيه الغسل والاول اصح. واختلف في الاثر فيمن استيقظ فوجد على فراشه او في فخذه بللا او رأى رؤيا فقال بعض يجب عليه الغسل الا ان يعلم انه مذي ليس بمني، وعن ابي حمزة قال قلت لابن عباس انى بينما اني اسير على راحلتي اذ ذكرت نفسي وانا بين النائم واليقظان فوجدت بللا فقال اغسل فرجك وما اصاب منك ولم يأمرني بالغسل. وقال بعض انه يشم رائحته. والاحتياط في هذا ان يغتسل. وان رأى في المنام انه يغشى ثم استيقظ فلم يجد بللا فليس عليه غسل. فزعم في بعض اثر اصحابنا ان هذا مجمع عليه وانه ما لم يستيقن فلا غسل عليه الا الوضوء (2) والله اعلم.
1) وفى رواية الربيع عن ابن عباس: الوضوء من المذي والغسل من المنيه 2) وهو الحق ان شاء الله لقوله (ع) وانما الماء من الماء وسئل رسول الله (ع) عن الرجل يرى انه قد احتلم ولم يجد البلل فقال: لا غسل عليه ذكره احمد. وسالته (ع) خولة بنت حكيم عن المرأة ترى فى منامها ما يرى الرجل فقال:
وليس عليها غسل حتى تنزل، كما ان الرجل ليس عليه غسل حتى ينزله.
1 Y.E 1 (1/214)
صفحة 215
الفصل الثاني
في موجب الغسل من الجماع
ويحصل الغسل من الجماع بالتقاء الختانين باتفاق من اصحابنا وكثير من مخالفيهم لماروي ان النبيء لله قال: واذا التقى الختانان وجب الغسل انزل او لم ينزل (1) وفي حديث آخر قال عليه السلام: اذا قعد الرجل بين شعاب المراة الأربع واجهد نفسه فقد وجب عليه الغسل انزل او لم ينزل (2) والتقاء الختانين لا يصح الا بعد غيوب الحشفة ويلتقي ختانه وختانها. ثم ليس المقصود الختان بل لو قطعت الحشفة فغاب مثلها وجب الغسل ـ وكذلك لواولج في فرج ميتة او بهيمة او في الدبر ولاختان فيه. وكذلك لو فعلته إمرأة بذكر بهيمة. وان كان الجماع في الفخذ وفيما دون الفرج فلا غسل على الواطئ ولا الموطوءة الا بالانزال. وان عدم البلوغ فيهما فلا غسل عليهما إلا انهما يؤمران به على جهة التدريب والتعلم للغسل، واختلف فى الكبيرة يطؤها الصغير والأصح وجوب الغسل، وان وطئ الكبير صغيرة ممن تؤمر بالصلاة فقولان، واختلف في المرأة ترى ما يراه الرجل: فقال اكثر مخالفينا فيما وجدت عنهم عليها الغسل إذا انزلت (3) واليه ذهب ابن بركة العماني (4) ووجد عن بعض اصحابنا
1) رواية جابر عن عائشة وام سلمة بلفظ واذا التقى الختانان فالغسل واجب انزل الرجل او لم ينزله
من عن ابي سعيد رواه
2) رواية الربيع عن عائشة بلفظ: اذا قعد الرجل من المرأة بين شعبها وجب الغسله.) وهو الحق ان شاء الله لقول رسول الله (ع): وإذا الماء مسلم ـ وعن ام سلمة (ض) ان ام سليم قالت: يارسول الله: ان الله لا. من الحق، فهل على المرأة غسل اذا احتلمت؟ قال: نعم اذا رأت الماء» رواه 4) تقدم التعريف به.
-
الشيخان وغيرهما
يستحيى
14.01 (1/215)
صفحة 216
بن
ان الاحتلام للرجال والمحيض للنساء، وبه قال ابو عبيدة عبدالله القاسم (1). ووجدت عن ابراهيم النخعي مثل ذلك، وعن الربيع رحمه الله مثل ذلك ــ وقال لاغسل على النساء الا من جماع او من طهر حيض،
ال
وقال بعض اصحابنا يلزمها الغسل اذا انزلت باختيار منها او بعلاج. ذكره ابن بركة في كتابه والله اعلم، وفي الحديث عن النبيء حين سئل عن ذلك فقال: وعليها الغسل اذا أنزلت (2). ووجدت عن جابر بن زيد عن ابن عباس في الجنب يخرج منه شيء بعد الغسل انه يتوضأ. واظن بعضهم قال ان كان بال قبل ذلك توضأ، وان كان لم يبل اغتسل والله اعلم
1) ابو عبيدة عبدالله بن القاسم من علماء القرن الثاني ومن تلاميذ الربيع بن حبيب كان يلقب بابي عبيدة الصغير تمييزا بينه وبين ابي عبيدة مسلم. قال الشماخي وكان ممن حاز قصب السبق في حلبة الرهان علما وعملا، وخاض في بحور الزهد والتقوى شابا وكهلاه، وكانت اقامته بمكة بيد انه كان عزبا فسعى له اصحابه في تزوج امرأة صالحة موسرة من المسلمين لا تكلفه مؤنة فقال اذا ابيتم الا ذاك فابلغوا بمهرها مهر مثلها ولا تنقصوها شيئا ففعلوا فلما تزوجها ودخل بها طابت له نفسا عن الصداق وكان بمكة حين مات ابو جعفر المنصور فاخذت على الناس ابواب المسجد للبيعة، فلطف الله وكان ابو عبيدة والفضل بن جندب ووائل وعلي الحضرمي فنجوا بهم فقيل لابي عبيدة لو اخذت ما انت صانع؟ قال تذهب والله نفسي قبل ان اعطيهم البيعة وذلك من شدة ورعه وعدم هوادته فى الحق لان البيعة لا تؤخذ غلابا ولكن
اهـ مصححه
باختيار من المسلمين 2) روي من طريق زيد بن ثابت قال: بلغني ان ام سليم امرأة الي طلحة الانصاري سألت النبي (ع) فقالت: يارسول الله، ان الله لا يستحيي من الحق، هل على احتلمت؟ قال: نعم اذا رأت الماء!».
المرأة من غسل اذا
مي
- 206 - (1/216)
صفحة 217
الفصل الثالث
في كيفية الغسل
والغسل من الجنابة فرض في كتاب الله تعالى ولا عذر لمن جهله ـ وهي. امانة يسأل عنها العبد يوم القيامة ولا يصح مع الجنابة عندنا صوم ولاصلاة الا بعذر يبيح التيمم، ومن اراد الغسل فانه يؤمر ان لا يغتسل حتى يستبرئ من البول، وان اغتسل ولم يرق البول ثم صلى فخرج منه فانه شيء يعيد الغسل دون الصلاة. ثم اذا اراد الغسل قدم النية ونوى ان يغتسل من الجنابة فريضة افترضها الله عليه طاعة الله ولرسوله عليه السلام، واختلف فيه اذا اغتسل تبردا بغير نية ثم علم بالجنابة. قال بعض يجزئه، وقال بعض لا يجزئه. وقال الجمهور انه لا يجزئه لعدم النية. ومما يؤثر عن ميمونة زوجة النبيء عليه السلام في كيفية غسله انه عليه السلام يغسل يديه وكفيه، ثم يفرغ الماء بيده اليمنى على اليسرى فيغسل بها عورته ثم يمسح يده اليسرى بالارض ثم يغسلها ثم يتوضا وضوء الصلاة غير القدمين ثم يصب الماء على رأسه وعلى جسمه، ثم يتنحى عن مكانه ويغسل قدميه، وهكذا الغسل من الجنابة. وان اخر الوضوء حتى يغتسل فلا بأس. . وكذلك ان وقع في نهر فبدأ بالغسل قبل الوضوء فلا بأس عليه. وقال بعض العلماء من اصحابنا يبدأ المغتسل بعد المضمضة والاستنشاق بشق رأسه الايمن ثم الايسر ووجهه وعنقه ثم يده اليمنى وما يليها ثم اليسرى وما يليها ثم ظهره وصدره ثم رجليه ويعرك بدنه بيده او ما يقوم مقامها، وان قدم جارحة قبل الاخرى فلا بأس بلا ان يؤمر بذلك. واقل الغسل النية واستيعاب البدن بصب الماء مع امرار اليد والفرك ايصال الماء مع
– 207 - (1/217)
صفحة 218
-
الى منابت الشعر وأن كثفت، لانه قيل عن الرسول عليه السلام: «تحت كل شعرة جنابة قبلوا الشعر وانقوا البشرة (1) ويخلل الرجل لحيته ولا يجب على المرأة نقض ضفائرها بل تحثي عليها الماء وتضغطها بيدها كما جاء في حديث ام سلمة. والاكمل كما قدمنا ان يبدأ بغسل يديه، ثم يزيل ما على بدنه من اذى، ثم يتوضأ وضوء الصلاه وان لم يكن محدثا ويؤخر غسل الرجلين الى آخر الغسل في بعض الاحاديث. ويفعله في مكانه من الوضوء في بعض الحديث. ثم يفيض الماء على رأسه يكرره ثلاثا ويضغطه في كل دفعة بعد المضمضة والاستنشاق واما القدر الذي يغتسل به من الماء فغير محدود ولا مقدر لانه قد يرفق بالقليل فيكفي ويخرق بالكثير فلا يكفي، وان كان جاء في الحديث انه عليه السلام يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمده (2) والاصل في هذا الانقاء والنظافة. وان مس عورته بعد التوضيء في حال الغسل فليعد الوضوء، وقد وجدت عن جابر بن زيد رحمه الله ان الجنب اذا غسل مواضع النجس في مبدئه ثم انقى جسده بالغسل فلا بأس بذلك قال واي الوضوء (3) افضل من الاغتسال
والله اعلم.
1) رواه الربيع عن ابن عباس بلفظ وانقوا البشر) بلا تاء
2) متفق عليه
(3
هكذا يوجد في النسخة التي بين يدينا ولعل تصحيح العبارة وان الوضوء افضل
قبل الاغتسال، والله اعلم.
- YA- (1/218)
صفحة 219
الفصل الرابع
في احكام الجنابة
اعلم ان حكم الجنابة حكم الحدث مع زيادة تحريم قراءة القرآن ودخول المسجد، ورخص بعضهم ان يقرأ الآية ونحوها للتعوذ. وعرق الجنب وسوره طاهر (1) وكذلك جميع جسده الا موضع النجاسة. لحديث حذيفة امتنع من مصافحة النبيء عله فقال عليه السلام. المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا (2) فاخرج يده فاعتمد عليها النبيء الى الصلاه. ويكره للجنب ان يأكل او يشرب او ينام ما لم يغسل فرجه
الالالالالي
رضي
وهو سائر
عنه وقد
ويتوضأ وضوء الصلاة لقول النبيء عليه السلام لعمر الله عن الجنب اينام؟ فقال: توضاً واغسل رأس ذكرك (3) ويقال
سأله
انه لم يرد وضوء الصلاة وانما اراد غسل يديه. ورخص بعضهم ان يغسل يديه وفاه ويأكل ويشرب. وروي مثل ذلك عن بعض علمائنا. واما جابر بن زيد رضي الله عنه فانه قال: يستحب للجنب ان لايتكلف حاجة حتى يتوضأ وضوء الصلاة. ومثله عن ضمام رحمه الله (4). واما ابو نوح رحمه الله (ه) فرخص فيه وينبغي له ان لا ينزع شعرا ولا يقلم ظفرا مالم يغتسل. واما معاودة اهله قبل الغسل فلا باس والله اعلم.
1) الصواب «طاهران
(2) اسناده صحيح، وروي مرفوعا اخرجه الدارقطني والحاكم، وورد مرفوعا من حديث
ابن عباس.
3) رواية الجماعة من حديث عائشة (ض) كان رسول الله (ع) اذا اراد ان ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضاً وضوء الصلاة.
تقدم التعريف به.
ه تقدم التعريف به كذلك
- Y.q 1 (1/219)
صفحة 220
الجملة الثانية
في احكام الحيض والنفاس وما يتصل بهما
وهذه الجملة تحتوي على اربعة فصول.
الفصل الاول
في معرفة انواع الدماء الخارجة من الارحام
ثلاثة
اجتمعت الامة فيما علمت ان الدماء الخارجة من الرحم احدها» دم الحيض وهو الخارج على جهة الصحة متميز من غيره معروف كما جاء في الحديث عن النبيء عل الله انه قال «دم الحيض لسود ثحين له رائحة ولون يعرف به منتن اسن لايكاد يخرج من الثوب. معروف بلونه عند النساء من سائر الدماء؟ (1)، فاذا كان كذلك فامسكي عن الصلاة. واذا كان الآخر فاغتسلي وصلي (2). وعند اذا اشكل على المرأة فلتناظره بما كان احمر شديد الحمر كالدم لاول من
مشائخنا
رحمهم
الله
الذبيحة ودم الحلمة والخزفة الاولية والارجوان المصري واشباه ذلك والثاني دم الاستحاضة وهو الخارج من الرحم من جهة المرض وهو دم احمر رقيق لا رائحة له يتميز لونه عن لون دم الحيض. لقول النبي عله
1) خ من سائر الدم رواه ابو داود والنسائي عن عائشة من حديث فاطمة بنت ابي
حبيش. (2) عن عائشة من حديث فاطمة بنت الى حبيش رواه ابو داود والنسائي بلفظ ان دم الحيض دم معروف اسود فاذا كان ذلك فامسك عن الصلاة، واذا كان الآخر
فتوضئي وصلي.
- 210 – (1/220)
صفحة 221
وانما ذلك دم عرق وليس بحيض (1). والثالث» دم النفاس: وهو الدم الخارج من الفرج بسبب الولادة من غير مرض خارج عنها (2) ولهذه
الدماء احكام ستأتي فيما بعد ان شاء الله تعالى ـ فالواجب على المرأة
-
المتعبدة ان تعرف الفرق بين الدماء تتمتثل ما تعبدت به من الفروض على يقين، وتترك المحظور عليها في حال ظهور هذه الدماء عليها بيقين. كما انه واجب على المتعبدين من الرجال ان يعرفوا الفرق بين الاحداث الطارئة عليها من المني والمذي والودي وغيرها لان الله سبحانه تعبد الكل بفروض ونصب لمعرفتها ادلة ليتوصل بها الى امتثالها بيقين، وجعل في المرأة دماء اربعة: احدها دم الجسد يشترك فيه الذكر والانثى، والثلاثة هي التي قدمنا ذكرها (خالفا (3) بين احكامها كما سيأتى ان شاء الله.
مختلفة
وهي
الفصل الثاني
في احكام الحيض المتعلقة به والممنوعة من اجله
خمسة: «احدها» في حد الحيض: وهو على ما حده بعض العلماء
انه الدم الخارج من المرأة اليافعة ومن فوقها في السن الى نهاية تقصر عن
1) رواه الربيع عن عائشة قالت: قالت فاطمة بنت الي حبيش لرسول الله (ع) لا اظهر افدع الصلاة؟ فقال لها: وانما ذلك دم عرق نجس ليس بحيضة فاذا اقبلت الحيضة فاتركي لها الصلاة، واذا ادبرت وذهب قذرها فاغسلي الدم عنك وصليه وفي رواية اخرى: سئل النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: وتدع الصلاة ايام اقرائها التي كانت تحيض فيها، ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة، وتصوم، وتصليه.
(2) الاولى
-
اي عن المرض. عنه ـ
3) وفي نسخة ـ خلاف ـ ولعل كلمة سقطت من العبارة اي مع خلاف بين
احكامها
- 211 - (1/221)
صفحة 222
سن
اليائسة في مدة خمسة عشر يوما فما دونها الى ساعة من غير ولادة ولا مرض (1) فذكر اليافعة احتراز عن من قصر سنها عن ذلك كبنت خمس اوست سنين اذ ذاك مرض وليس بخيض. وكذلك بنت السبعين والثمانين وباقي الحد احتراز عن النفاس والاستحاضة. والثاني» في مدة الحيض، وقد اختلف السلف في ذلك، والذى يوجبه النظر ان اقل مدته الى العبادات غير محدود بتقييد مضبوط لان الدفعه الواحدة تكون حيضا اذا فاضت من الفرج وان لم تكن حيضة معدودة في العدة والاستبراء. إذ العبادة لاتترك الا بعلم متيقن به سقوطها عن المتعبد، والمباح الاخذ فيه بالحوطة او ثق (2) ويدل على ما قلنا في الحيض قول: اذا اقبلت الحيضة فدعي الصلاة. واذا ادبرت فاغتسلي
فيما
يرجع
النبيء
1) المعتمد والمفتى به عندنا ما سياتي بيانه قريبا في كلام المصنف (2) قال المحشي ما خلاصته: يعنى ان الدفعة الواحدة تتيقن انها حيض حيث ظهرت علاماته فتترك العبادة لاجل ذلك ولو كانت تعيدها بعد ذلك اذا انقطع قبل ثلاثة ايام على الراجح، ولم تعتبر في العدة والاستبراء لان الذى يترتب عليهما امر مباح وهو التزويج والوطء فيحتاط له ويراعى قول من قال مثلا: «أقل الحيض ثلاثة ايام اهـ. هذا كله توضيح العبارة المصنف وبيان عرضه. اما تحقيق المسالة قد قال: ـ ان الاصل في الشيء ان يكون جاريا على طريقة واحدة فيكون الحيض في العدة والاستبراء والعبادة شيئا واحدا، واما قوله عليه السلام: واذا اقلت الحيضة، الخ فيحتمل ان يكون المراد الحيضة المعتبرة. وهي ما بين ثلاثة ايام وعشرة لقوله عليه السلام في رواية جابر عن انس بن مالك: أقل الحيض ثلاثة ايام واكثره عشرة ولان الواجب على المرأة اذا اقبلت الحيضة وظهرت اماراتها ان تترك الصلاة والصوم وما يحرم على الحائض. واذا ادبرت وجب عليها ان تغتسل وتصلي لكن اذا ادبرت بعد الثلاثة فانها تغتسل وتصلي ما يستقبل فقط واذا ادبرت قبل الثلاثة فانها تغتسل وتصلي ما مضى ايضا لانه كشف الغيب ان ذلك ليس بحيض لقوله عليه السلام: اقل الحيض ثلاثة ايام والحديث يصدق بعضه بعضا، فاذا كان احدهما عاما والآخر خاصا وجب حمل العام على الخاص والله اعلم
اهـ مصححه
– 212 – (1/222)
صفحة 223
وصلي (1) والمشهور عند اكثر اصحابنا الربيع بن حبيب وموسى بن على (2) ومحمد بن عبدالله الحضرمي (3) وغيرهم، ان اقل الحيض ثلاثة ايام واكثره عشرة ايام، وقد روي عن النبيء عليه السلام من طريق جابر بن زيد عن انس بن مالك عنه عليه السلام. اقل الحيض ثلاثة ايام واكثره عشرة (4) فما دون الثلاثة ليس بحيض ولا حكم له في ترك الصلاة ولا صوم ولا عدة فانما هو غيض الارحام، وكذلك مافوق العشرة الايام عندهم ليس بحيض، والى هذا ذهب ابو حنيفة فيما وجدت، والاول مروي عن مالك ايضا. وعنه في ذلك ان النساء على ضربين مبتدئة ومعتادة والمبتدئة عنده تترك الصلاة برؤية دم تراه الى تمام خمسة عشر يوما، فان لم ينقطع صلت وكانت مستحاضة، وبه قال الشافعي ايضا الا ان اقل الحيض عنده يوم وليلة، واما ابو عبيدة مسلم وابو معاوية عزان
1) هذا القول من المصنف رحمه الله مخالف لما ذهب اليه جمهور اصحابنا وقد نص الشيخ عامر في الايضاح على انه قول شاذ.
(2) قاضي المسلمين موسى بن علي هو قاضي المصر وقدوة المسلمين في دينهم ابو علي موسى بن علي صاحب الجامع المشهور بجامع موسى بن علي من علماء القرن الثاني بعمان. كان قاضيا للامام المهنا. ومعلوم ان قاضي الأمام هو شيخ المسلمين يومئذ ومرجع الفتوى في الامامة، وراس اهل الحل والعقد. ولذا يرجع اليه اهل الراي والمشورة في امر الاسلام من بيعة وخلع. ولم يكن ذلك مقصورا على عمان بل
كان ذلك كدلك في امامة المغرب الرستمية فقاضي الأمام هو شيخ المسلمين بايع موسى بمشورة المسلمين الامام المهنا. وهو الذي قام قبل ذلك بامر الدولة لما اسن وضعف الامام عبدالملك الطويل، وكان يرى امامته ثابتة، ولم يستحل عزله حتى مات. توفي رحمه الله سنة 230 هـ في اواخر امامة المهنا بن جيفر يعنى قبل موت هذا الامام بسبع سنوات، والبقاء الله وحده
لم اعثر على ترجمته
(4) رواه الربيع عن انس بن مالك ورواه ابوداود عن عائشة
– 213 (1/223)
صفحة 224
بن
الصقر (1) وجماعة من اصحابنا ايضا فأكثر الحيض عندهم خمسة عشر يوما. واختلفوا في اقله: فقيل ثلاثة أيام. وقيل يومان. وقيل يوم وليلة. ولهم حجج تركتها مخافة التطويل. واكثر ما انعقد عليه الاجماع في مدة الحيض سبعة عشر يوما فيما وجدت والله اعلم (2)، واما الطهر فأكثره عند اصحابنا ستون يوما واقله عشرة ايام. وقيل خمسة عشر يوما والله اعلم وبه العون والتوفيق (3). «الثالث) في حكم ما يمتنع به في حال الحيض وهي: خمسة اشياء، واحدها كل ما يفتقر الى الطهارة الكبرى كالصلاة والطواف والصوم والاعتكاف وسجود التلاوة ودخول المسجد المصحف وغير ذلك. ثم لا يجب عليها قضاء الصلاة دون الصوم.
ومس
«والثاني» الفراق مع الزوج بطلاق او خلع او خيار لقوله تعالى «فطلقوهن لعدتهن» (4) اي لطهرهن - واختلف هل منعه فيه خيفة من تطويل المدة، او هو شرح غير معلل؟ فقولان - «الثالث القاء التفث من تقليم الاظفار ونتف الابط وحلق العانة وما اشبه ذلك. «الرابع» الزينة المعهودة للبدن الاكتحال والاستياك والاختضاب واشباه ذلك. وقد رخص لها في
من
شرح الدعائم في الامتشاط وتقليم الاظفار واشباه ذلك، وزعم انها ليست مثل الجنب، والله اعلم «الخامس الوطء في الفرج مع استمرار الدم وهو محرم باجماع من الامة فان وطئ تعمدا ففيه اختلاف: قيل بتحريم ا وهو مذهب العمانيين، وقيل فيها بالوقوف. روي ذلك عن الربيع
الابد
1) سبق التعريف بهما.
) لم ينعقد الاجماع على شيء ولو قال (وغاية ما وقع فيه من الخلافي) لكان اظهر.
(3) والصحيح: لاحد للظهر لانه لا يكذب.
(4) الطلاق: 11.
- TIE- (1/224)
صفحة 225
وغيره، وبعض مخالفينا اوجب في ذلك الكفارة (1). وبعضهم لم يوجب في ذلك الا التوبة والاستغفار. وكذلك الحكم فيها اذا وطئ بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال عند ابي عبيدة مسلم. وقال غيره: لا تستوي من تطهرها ركوة ماء بمن لاتطهرها دجلة. واما لاستمتاع بما فوق السرة من الحائض فلا يحرم عند الجميع لقول النبيء علل انما امرتم بعزل الفروج الحديث (2)، واختلف فيما تحت الازار مما دون الفرج فاباحه قوم. ومنع منه آخرون. والله اعلم.
الفصل الثالث
في اختلاف حكم النساء المعتادة للمحيض وهن في ذلك على اربعة احوال واحدها» حال المبتدئة في الحيض التي ليس لها وقت مستقر، والثانية حال المعتادة المستقر وقتها. والثالثة حال المستحاضة التي حكم باستحاضتها «والرابعة حال الحامل التي يطرأ الدم عليها. اعلم
1) بل ومن اصحابنا من قال بذلك، والكفارة هو ما يطلق عليه في اصطلاحهم اسم دينار الفراش، وذلك استنادا على حديث رواه ابن عباس ان النبي (ع) قال في رجل جامع امرأته وهي حائض، وان كان الدم غيضا فليتصدق بدينار؛ وان كان صفرة فنصف دينار، يعني ولم يامره (ع) بفراقها. والذي صححه القطب، ان الزوجة لاتحرم به لكنه الى ذنبا عظيما (2) رواه الجماعة الا البخاري من طريق انس بن مالك بلفظ (ان تحزلوا) ـ وفي
الله رحمه
اهـ مصححه
معناه: اصنعوا كل شيء الا النكاح، رواه مسلم عن انس ـ وفى رواية اخرى
-
سال رجل رسول الله (ع) ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال: شد عليها ازارها ثم شأنك باعلاها، ذكره مالك.
– 215 – (1/225)
صفحة 226
وهي
ان حكم هذه الاربع في ابتداء الحيض واحد: فمن رأت دما سن من تحيض فهو حيض مبتدئة كانت او معتادة حائلا او حاملا لكن تختلف احكامهن فى التمادي فالمبتدئة اذا رأت دما فهو حيض فان انقطع لعادة اترابها من ثلاثة ايام الى عشرة ايام اغتسلت وصلت، وان تمادى بها الدم بعد عشرة ايام و لم تر الطهر انتظرت يومين بعد العشرة، فان دام بها الدم فانها تغتسل وتصلي عند كل صلاة كذلك الى عشرة ايام بعد الانتظار. فان لم تر الطهر على تمام العشرة ايام التي صلت فيها انتسبت الى قرابتها النساء من من ام او اخت أوخالة او عمة حرة كانت اوامة، موحدة كانت او مشركة حية كانت او ميتة عاقلة كانت او مجنونة، فان لم تجد قرابتها فلتنتسب الى غيرهن من المسلمات ومعني انتسابها الى من ذكرنا ان تسألها عن وقتها في الصلاة فان قالت لها وقتي عشرة ايام فلتترك الصلاة اذا اغتسلت وصلت عشرة ايام، وان قالت لها ان ايام صلاتي خمسة عشر يوما او عشرون يوما فلتغتسل وتصلى حتى تنتهي الى العدد الذي قالت لها، ثم تترك الصلاة عشرة أيام، ثم تنتظر يومين بعد العشرة ثم تصلي بعد ذلك ما قالت لها قريبتها من هذه الايام وتصنع كذلك مادام بها الدم الى سنة فتكون بعد ذلك مبتلية تترك الصلاة اثني عشر يوما وتصلي عشرة ايام حتى يفرج الله ما بها. وهذا إذا دام بها الدم من وقت انتظارها. واما ان وجدت الطهر بعد الانتظار فلتغتسل وتصلي حتى يأتيها الدم، فاذا راجعها الدم انتسبت كما قدمنا. واما حال المعتادة التي استقر وقتها فيما بين الثلاثة الى العشرة. وذلك ان ترى حيضها الأول فيدوم بها ثلاثة او اربعة او خمسة او عشرة ثم ترى الطهر فيدوم بها سبعة ايام او ثمانية او تسعة فانها تغتسل وتصلي خمسين صلاة لعشرة ايام ثم تنتسب كما قدمنا
– 216 - (1/226)
صفحة 227
في المبتدئة، وكذلك ان خولط طهرها الاول فانها تنتسب اذا رأت الدم بعد عشرة ايام، وكذلك اذا رأت الطهر على الإنتظار او بعده فيما دون عشرة ايام فانها تنتسب اذا اتاها الدم بعد عشرة ايام. واما ان رأت حيضها الاول فدام عليها يومين ثم رأت بعدها طهرا فان هذين اليومين يكونان لها اصلا. فكل ما رأته من الدم الخالص بعد ذلك الطهر المتقدم فانها تجمعه الى اليومين الأولين اللذين هما الاصل، وذلك فيما تراه بين اليوم الاول من الحيض الى العاشر، وما تراه بعد ذلك العاشر فلا تجمعه، فان قطع بين ما تضمه طهر جمعت ما قبل الطهر الى الاصل الأول فيكون لها وقتا للحيض ولا تجمع ما بعد الطهر القاطع (1) ولا ما بعد العاشر من اليوم الأول الذي ترى فيه الحيض. واليوم الاول الذي اتاها فيه الحيض لانعتد به الا ان رأت فيه الحيض قبل طلوع الفجر. وقيل قبل طلوع الشمس (2)، واما ان تم وقتها في الحيض ولم ينقطع عنها الدم فانها تنتظر يومين، فان انقطع والا اغتسلت وصلت وكانت مستحاضة، وان انتظرت يومين فرأت الطهر فاعتادها ذلك ثلاث مرات فانها تطلع اليها وتترك الوقت الاول، وكذلك ان انقطع عنها الدم فرأت الطهر قبل تمام وقتها المعتاد فتمادى ذلك عليها مرتين فانها تنزل اليه وتتخذه وقتا وتترك
1) الطهر القاطع هو الذي تقدمه دم ثلاثة ايام فصاعدا. (2) والذي يراه القطب اطفيش رحمه الله وخلافا لما جرت به الفتوى من قبل عندناه ان لا تلغي اليوم الاول سواء جاءها الدم بعد طلوع الفجر او بعد طلوع الشمس على القول الآخر بل تحسب من وقت رات فيه الدم الى مثل ذلك الوقت غدا يوما واحدا، وعلى هذا القياس تعد ايام حيضها دون ان تلغي اوقاتا هي من حيضها قطعا. يرى ذلك حبتها لزاما لا يسوغ سواه وهو ما يؤيده ظاهر قوله (ع) واذا افلت الحيضة فاتركي الصلاة اي وعدي ذلك من ايام اقرائك فتأمل! اهـ مصححه
– 217 – (1/227)
صفحة 228
الوقت الأول، فان تم وقتها وانقطع عنها الدم وبقي شيء من الكدرة او الصفرة او الترية فانها تنتظر يوما وليلة فان انقطع والا اغتسلت وصلت لان الصفرة والكدرة والترية لاحكم لها على الانفراد، انما الحكم لما سبقها وتقدمها. ان تقدمها حيض فحكمها حكم الحيض وان تقدمها طهر الله فحكمها حكم الطهر في قول الربيع رحمه وهو المعمول به عند اصحابنا، وقيل عن ابن عباد (1) أنها حيض في ايام الحيض لانه قيل: ان الحيض ستة اشياء وهي: الدم والصفرة والكدرة والترية والحمرة والغبرة فهذه الاوصاف حكمها حكم الحيض واما الطهر فنوعان جفوف وهو ان تدخل المرأة الخرقة فتخرجها جافة. والثاني القصة البيضاء وهو رقيق ابيض يأتي في آخر الحيض كماء القصة وهو الجير، وهذا هو في الظهر عند اصحابنا. كان ذلك عادة في المرأة او ليس بعادة ــــ وحجتهم
-
ماء
الاقعد
الاقعد
قول النبيء ليل الا الله ولا تطهر المرأة حتى ترى القصة البيضاء (2). والتي عادتها الجفوف هو طهرها، فان جفت التي عادتها الماء الابيض: فبعض اصحابنا يقول تنتظر من ساعة الى ساعة فان أتاها الماء الابيض والا اغتسلت وصلت وعند بعض اهل المدينة الاقعد هو الجفوف، وعند بعضهم القصة البيضاء كما قدمنا والله اعلم. واما المستحاضة التي تمادى بها الدم وحكم باستحاضتها فلا تخلو من ان تكون مبتدئة او معتادة. وكل واحدة منهما اما مميزة واما غير مميزة فهي اذاً على اربعة اقسام ومبتدئة مميزة وغير مميزة ومعتادة بتمييز ومعتادة بغير تمييز: «فاما الاولى فانها تترك الصلاة عند بعض العلماء مدة تمييز حيضها بشرط ان لا تزيد على اكثر مدة الحيض. فان زاد على اكثرها لم يكن عنده حيضا. واما الثانية، وهي
1) تقدم التعريف به.
(2) رواه الربيع عن ابن عباس.
– 218 – (1/228)
صفحة 229
المبتدئة
المعتادة
وهي
غير تمييز فانها عند بعض العلماء تجلس خمسة عشر يوما اذا من تمادى بها الدم فان انقطع والاصارت مستحاضة. واما الثالثة وهي من غير تمييز فانها عند بعضهم اذا شكت فلم تدر اذلك انتقال في حيضها ام استحاضة فانها تغسل وتصلي وتصوم ولا يطؤها زوجها احتياطا، ثم تنتظر الى ما يصير اليه امرها، فان انقطع عنها الدم تمام خمسة عشر يوما علم انها قد انتقلت عادتها وكانت المدة كلها حيضا، وان استمر الدم علم ان ذلك استحاضة واعتدت بحيضتها كما تقدم من عادتها، وتقضى الصوم فيما بين ذلك وبين الزيادة على خمسة عشر يوما، واما الرابعة المعتادة بتمييز فانها تعتبر التمييز عندهم لحديث فاطمة بنت ابي حبيش ان النبيء لا امرها وكانت مستحاضة وان تدع الصلاة مقدار اقرائها التي كانت تحيض فيها قبل ان يصيبها ما إصابها ثم تغتسل وتصلي (1) قالوا لأن العادة تختلف والتمييز لا يختلف، ولان النظر الى اللون اجتهاد والنظر الى العادة تقليد والاجتهاد اولى من التقليد، والله اعلم. والعمل عند اصحابنا على ما قدمنا في صدر الكتاب لكني انما اثبت هذا التقسيم ههنا لئلا يضطر اليه مضطر فيسوغ له الاخذ بأقاويل اهل العليم. ثم المستحاضة حكمها حكم الطاهر في جميع معانيها لان الاستحاضة كسلس البول لاتمنع الصلاة لكن يستحب لها ان تغتسل لكل صلاة، فان لم تفعل فتوضأت لكل صلاة فلا بأس عليها بعد ان تغتسل عند الحكم لها بالاستحاضة، ويؤمر زوجها ان يطأها اذا اغتسلت للصلاة، وان وطئها في غير ذلك فلا بأس ان شاء الله تعالى. «والخامسة» الحامل التي يطرأ عليها الدم فانها تصنع كما تصنع المستحاضة، وان ضربها الطلق فجاءتها دفعة
من
1) رواه ابو داود والنسائي عن عائشة من حديث فاطمة بنت الي حبيش.
من
الدم
– 219 – (1/229)
صفحة 230
ثم انقطع فانها تغتسل وتصلي. وان كانت حاملا فرأت بلة او صفرة فانها تتوضأ وتصلي فان ضربها الطلق فرأت صفرة او كدرة قبل ان تلد فانها تتوضأ وتصلي لان هذا ليس بحيض ولا نفاس، وان كان دما سائلا اغتسلت وصلت. وقال من قال الحامل اذا رأت الدم فانها تقعد ايام اقرائها وتجمع بين الصلاتين بالغسل اذا كان دما سائلا، وان كانت صفرة توضأت لكل صلاة ويغشاها زوحها في الصفرة والكدرة ويكره له ذلك في الدم السائل، وعن الربيع رحمه الله في المرأة ترى الدم فتحسب انه حيض فتترك الصلاة ثم استبان انها حامل، قال: عليها اعادة ماتركت الصلاه في حملها (1) وكان يرى ان تصنع كالمستحاضة.، وسئل بعض علمائنا رحمهم
من
يعني وان
1) ما الاطباء فيرون امكان الحيض مع وجود الجنين اما لوفرة قوة المرأة وضعف الجنين او لمرضه. وعليه اذا رأت الحامل دما في معتادها اعتبرته حيضا. وقد جرى فريق من الفقهاء على هذا القول. بل ثم من العلماء من يعتبره حيضا مطلقا لم يجيء في وقته المعتاد قبل الحمل. اما المانعون للحيض مع الحبل فحجتهم قول الرسول (ع) ولم يكن الله ليجعل حيضا مع حبله. والمجيزون يحملون الحديث على الغالب اي لا يجعل حيضا مع حبل فى الغالب واذا جعله كان حيضا. على ان للمانعين ان يقولوا: سلمنا ان الحيض وبعبارة ادق الدم يأتى المرأة مع وجود الجنين في بطنها كما يقول الاطباء لكن الاطباء ينظرون الى ذلك الدم بالنظر الطبيعي لا بالنظر الشرعي بدليل انهم لا يفرقون بين دم الحيض ودم الاستحاضة بل يرونهما كليهما من الدم الصالح الذي يجري في شرايين المرأة بخلاف الشارع (ع) فانه ينظر الى ذلك الدم بالنظر الشرعي فيثبته او ينفيه شرعيا يعني يعتبره دم حيض، وانت خبير ان العبرة في هذا المقام بما يقرره الشرع. وعليه فياليت شعري هو الحل لمشكل النساء وخلطهن في امر طهارتهن وقد اضلهن تشبثهن باسطورة الراقد ضرب الجنين فى البطن فلمجرد ان تحس احداهن الما او حركة في بطنها وقد يكون الالم من قرحة والحركه نبض عرق او تكبد دم او مجرد ريح ينتقل من جهة البطن الى اخرى وتحسه كما تحس حركة الجنين تماما. سيما اللاتي يتعلقن بازواجهن الراغبين فى النسل فان الواحدة منهن يروقها ان تعتبر حيضها استحاضة لمجرد ان يتأخر عن وقته المعتاد فتصلي وتصوم ويباشرها زوجها متى جاءها متوهمة انها حامل =
-
استحاضة لا
دم
– 220 – (1/230)
صفحة 231
الله عن المرأة ترى الصفرة والكدرة او الحمرة قبل ولادتها بيومين او ثلاثة: هل تترك الصلاة قال لا. هو داء جاء احيانا وذهب احيانا، قيل له فان رأت ذلك اياما وظنت انها تلد فتركت الصلاة والصوم، قال اذا كان حبل قد استبان فعليها بدل تلك الصلاة والصوم لان ذلك الدم ليس
بشيء
=
لا
هي
:
ولا حيض مع حبل. ولربما مضت عليها سنون على هذه الحالة، وكلما انكر عليها اجابت ان لديها راقدا في بطنها. ناهيك ان بعض هؤلاء طلقها زوجها على مثل هذه الحالة فقام بنفقتها مدة حتى اذا ما طال امد ولادة الجنين المستغرق في نومه امسك عن الانفاق فناصبته الخصومة بدعوى انها حامل تستحق النفقة فيضطر لمراجعتها حسما للنزاع وتظل بعد ذلك في عصمته سنين اخرى لم تترك اثناءها صلاة ولا صياما ولا اقترابا من زوجها، ولا ابصر المولود المنتظر ضياء الحياة الى ان توفي زوجها فاصطدمت بصخرة الميراث فاذا هي حائل لا حامل. ازاد هذا الوضع الغريب الذي يرتضيه الشرع ولا يقره العلم ولا الواقع يجب على المفتي وهو طبيب الاديان ان يقف موقفا حكيما لا يصادم نصا ثبت عن الشارع من جهة، ولا يستسلم لوسواس الموسوسات او هوس المتهوسات من جهة اخرى مادام لدينا من الوسائل العلمية ما يكشف لنا عن الحقيقة، ويمكننا ان نجري امرنا على طريقة علمية تطمئن اليها النفس، ويثلج لها الصدر. ذلك ان ننظر الى حالات المرأه المختلفة فاذا 1 - اما ان يأتيها الدم قبل ان تتحقق بالحمل، ففي هذه الحالة تعطي للحيض سيما اذا راته في معتادها استصحابا للاصل ولا يسوغ لها ان تلغيه لمجرد ان تاخر عن وقته المعتاد. او اعتراها شك انها حامل. فاذا طالت بها هذه الحالة فلا تستسلم للوسواس بل يجب عليها ان تعرض نفسها على طبيب اما ان يثبت وجود الحمل واما ان ينفيه ثم تعمل بمقتضى نظر الطبيب 2 ـ واما ان يأتيها الدم بعد التحقق من الحمل وسواء تحققت ذلك بالطبيب او بالامينات العارفات او بنموه نموا طبيعيا فانها تعتبر الدم حينئذ دم استحاضة كما يدل عليه قوله (ع) وما كان الله ليجعل حيضا مع حبل - واما ان ياتيها الدم بعد مضي سنة بيضاء (قمرية: 5354 يوما على حملها المزعوم تمسكا باسطورة الراقد ففي هذه الحالة تعطي للحيض قولا واحدا ولا هوادة فى ذلك لان العلم الصحيح ينفي بقاء ـ الجنين في بطن الام اكثر من سنة بيضاء باجماع الاطباء مؤمنهم وكافرهم. وبذلك يقضى على خلط النساء وخبطهن في امر طهارتهن. والله اعلم.
-
-
اهـ مصححه
– 221 – (1/231)
صفحة 232
وكذلك اليائسة التي قعدت عن الحيض بالكبر فانها اذا رأت الدم اغتسلت وصلت وتصنع كالمستحاضة لان ذلك داء ليس بحيض ــ ويجوز صومها وصلاتها. وان رأت صفرة توضأت لكل صلاة، واختلف في حكم الاياس فقيل: خمسون سنة. وقيل خمسة وخمسون سنة، وقيل ستون. وقيل يقطع الحيض خمسة اشياء: الكبر والحمل والرياح والرضاع والمرض. والله اعلم.
الفصل الرابع
في دم النفاس
وهو الخارج بسبب الولادة. وهو عند العلماء حيض زادت ايامه، ولم يختلف مع دم الحيض الا في طول المدة وقصرها. والدفعة الواحدة من الدم تكون نفاسا باتفاق اهل العلم، وليس الحيض كذلك عند اكثرهم، واختلف اهل العلم في اقصى النفاس، فقال اكثرهم: اقصى النفاس اربعون يوما الا ان ترى الطهر قبل ذلك. وروي مثل هذا في حديث ام سلمة قالت. كنا نقعد في النفاس على عهد رسول الله الله اربعون يوما الا ان نرى الطهر قبل ذلك» (1)، قال آخرون: اكثر النفاس ستون يوما، وقيل تسعون. واقل النفاس عند اصحابنا عشرة ايام. وكذلك ادنى اوقات الصلاة عندهم عشرة ايام واكثرها ستون يوما. واذا وضعت الحامل تركت الصلاة والصوم واجتنبها زوجها حتى تطهر من نفاسها او تبلغ اربعين يوما. فاذا رأت الطهر اغتسلت وصلت فان لم
1) رواه ابو داود والترمذي وصححه الحاكم.
– 222 – (1/232)
صفحة 233
تر الطهر بعد الاربعين انتظرت ثلاثة ايام ثم تغتسل وتصلي، تصنع كالمستحاضه. وإن كان لها وقت دون اربعين يوما فاذا تم لها وقتها لم تر الطهر انتظرت ثلاثة ايام كما قدمنا. ثم تصنع بعد ذلك كما تصنع المستحاضة، وان كان وقتها اربعين يوما وانقطع الدم دونها ثم اغتسلت وصلت اياما ثم راجعها الدم قبل اربعين ففي أعادة صلاتها وصيامها قولان، وكذلك الحائض يكون وقتها ثمانية ايام فتحيض ثلاثة ايام، ثم تطهر فتصوم اربعة ايام ثم يراجعها الدم في الثامن فقولان في اعادة صلاتها وصيامها. واتفقوا على ان حكم النفاس في وقته حكم الحيض، ولو انقطع دم النفاس ثم عاد بعدما مضى طهر تام فهو حيض. وان عاد دون الطهر فهو نفاس الا ان يكون النفاس كمل بالاول فلا يكون مابعد انتظار ثلاثة ايام نفاسا. واما الدم الذي يكون بين التوأمين ففي كونه نفاسا لانفصال الاول، او حيضا لبقاء الثاني؟ قولان فى بعض الآثار. وحكم دم النفاس فيما يمنعه وفي اقتضاء الغسل حكم دم الحيض. ولا تغتسل من حيض او نفاس حتى ترى طهرا بينا او تخرج منه بالانتظار، فان اغتسلت وصلت عند انقطاع الدم من غير ان ترى طهرا بينا فاذا رأت الطهر اعادت الغسل وبالله التوفيق. واغتسال الحائض والنفساء كاغتسال المجنبة الا ان الحائض تؤمر بنقض شعر رأسها عند الغسل وتغسله بالرمل او بالطفل وتمشطه ثم تجمع الشعر فتغسله ثم تدفنه، والله اعلم واحكم وبه العون والتوفيق. (1/233)
صفحة 234
ان
من
الركن الثاني
الكتاب في الصلاة
واقسامها وفرائضها وسننها وما يتعلق بها من الفضائل
اعلم ان هذا الركن ينحصر في مقدمة وثلاث جمل. اما المقدمة فتشتمل على ذكر اقسام الصلاة من الفرائض والمسنونات ومتطوعها من الفضائل والمستحبات. اعلم ان الله سبحانه فرض على المكلفين من عباده بعد احكام معرفته وتصديق لنبيائه عبادات الابدان وقدمها على ما يتعلق من واجب الحقوق في الاموال، لان النفوس على الاموال اشح وبما يتعلق بالابدان اسمح، ثم قدم فرض الصلاة على سائر العبادات البدنية لان الصلاة اسهل فعلا وايسره عملا، ثم جعلها مشتملة على خضوع له رهبة من سطوته وعقابه ومتضمنة على تضرع وابتهال اليه رغبة في ثوابه وفضله بعد شرع لنا شروطا لازمة من رفع الاحداث وازالة الانجاس ليستديم العبد النظافة للقاء ربه، والطهارة لاداء فرضه، ثم ضمنها تلاوة كتابه المنزل ليتدبر ما فيه من اوامره ونواهيه ويعتبر باعجاز لفظه ومعانيه، ثم علقها باوقات لازمة وازمان مترادفة ليكون ترادف ازمانها وتتابع اوقاتها سبا لاستدامة الخضوع له والابتهال اليه حتى لا تنقطع الرهبة من عقابه ولا الرغبة في ثوابه، فاذا لم تنقطع الرهبة ولا الرغبة من قلوب الخليقة ادعنت للعبودية وذلت واستقامت على الطريقة وصلحت، وبحسب قوة الرغبة والرهبة يكون استيفاء الفروض على الكمال، او التقصير فيها عن حال الجواز، كما جاء عن الرسول عليه السلام انه قال: «الصلاة مكيال
ـ 224 ـ (1/234)
صفحة 235
فمن وفى وفي
له
، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله تعالى في المطففين (1) ثم ان الله سبحانه جعل لكل فرض من فرائضه توابع مسنونات على لسان نبيه ولواحق متطوعات تبرعت بها انفس اوليائه ليثيبهم على جميع ذلك افضل الثواب وينالوا عنده بذلك حسن المثاب. فاذا الصلاة تنقسم الى خمسة اقسام: «احدها) قسم فروض وهي نوعان: فرض على الأعيان كالصلوات الخمس، وفرض على الكفاية كالجمعة على من تعينت عليه في الامام،، وكصلاة الميت على من حضرها من الانام. والجمعة ايضا فرض عين لانها بدل من الظهر ولكنها لها احكام تخالفها. والثاني» قسم سنن وهي ثلاثة انواع: واجبات كالوتر وصلاه الميت اربع تكبيرات ومؤكدات كركعتي صلاة الفجر، وركعتين بعد المغرب، وصلاة وسجود القرآن، وقيام رمضان
مصر
،
"
العيدين، وركعتي الطواف ومرغوبات»، کكسوف الشمس والقمر والزلزلة وصلاة الاستسقاء وركعتي الاحرام. «الثالث» قسم فضائل: كتحية المسجد ركعتان، وقيام الليل، وركعتا السحر، وصلاة الضحى، واحياء مابين العطاءين، وأشباه ذلك. الرابع قسم تطوع وهي نوعان: «احدهما كل صلاة يتنفل بها في اوقات المفروضات. الثاني الصلاة المختصة بالأسباب كالصلاة لوداع المنزل عند الخروج الى السفر وعند القدوم منه، وصلاة الاستخار ركعتان، وصلاة الحاجة ركعتان وصلاة التسبيح اربع، وركعتان قبل الدعاء، وركعتان بعد التوبة من الذنوب وصلاة الدهر وهي عشر ركعات.، وصلاة الرجاء وهي اربع، وصلاة الأجر اربع ركعات (2)
1) رواه الحافظ الذهبي في كتاب الكبائر من حديث سلمان الفارسي. (2) وفي بعض النسخ زيادة وصلاة التسبيح ركعتان، وقد سبق ذكرها هنا.
1 YYO 1 (1/235)
صفحة 236
الخامس، قسم ممنوع الصلاة: وهي عند طلوع الشمس وعند غروبها وعند توسطها في
،
كبد السماء قبل ان تزول، والصلاة بعد طلوع الفجر ماخلا صلاة الصبح وركعتيه. والوتر ان نسيه، اونام عنه، وبعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس الا لمن تذكر فرضا، اونام عنه، او لزمه قضاؤه. وقبل صلاة المغرب وبين الصلاتين لمن قرنهما. والتنفل لمن عليه فرض خرج وقته اوضاق، وصلاة الرجل وحده في المسجد مخالفا للامام والله اعلم واحكم.
الجملة الأولى
في الصلوات الخمس وفرائضها وسننها وفضائلها
اعلم ان الصلاة بنيت على اركان وفرائض لاتصح الابها، وعلى سنن لاتتم الابامتثالها مع الذكر لها اوجبرها بالسجود عند السهو عنها، وعلى فضائل يؤجر العبد باحرازها. ففرائضها مع جملة شروطها عشرون: عشرة قبل الدخول فيها، وعشرة بعد التلبس بها، فاللواتي قبل الدخول
الانسان
فيها واحداها الطهارة من الأحداث بالوضوء والاغتسال ان طرأ على والثانية ازالة النجس قبل الطهارة والثالثة طهارة الثوب وطهارة البقعة المصلى عليها. والرابعة دخول الوقت لأدائها. والخامسة» الستر للعورة في جملتها من الركبة الى السرة للرجل وللمراة الحرة جميع جسدها ماخلا الوجه والكفين من زينتها والسادسة القيام مع القدرة في حال عملها. والسابعة استقبال القبلة في جميعها. الثامنة» النية بالقلب عند التلبس بها. التاسعة استصحاب حكم النية في سائرها والعاشرة العلم بكيفية امتثالها. واما العشرة التي بعد الدخول فيها فاحداها» حرام
-
226 - (1/236)
صفحة 237
بلفظ التكبير او ما يقوم مقامه عند بعضهم في اولها. والثانية» القراءة بأم القرآن فصاعدا. والثالثة الركوع فيها، والرابعة الاعتدال في والخامسة» السجود بعد الركوع والسادسة
الركوع والرفع
منه،
الفصل بين السجدتين والاعتدال فيهما. والسابعة الجلوس بعده، والثامنة» التحيات على الاختلاف بين الائمة في ايتهما الفريضة الاولى أو الآخرة منهما، «والتاسعة ترتيب الافعال في جميعها والعاشرة استصحاب الخشوع فيها من اولها الى آخرها، وسننهاه عشرون ايضا: واحداها الاذان لها في المساجد وحيث الأئمة فرض على الكفاية، وسنة لكل احد في خاصة نفسه للرجال دون النساء. والثانية» الاقامة للرجال، والثالثة» الصلاة بالجماعة «والرابعة» التوجيه، والخامسة الاستعاذة بعد التكبير. والسادسة» قراءة البسملة. والسابعة قراءة السورة مع ام القرآن في الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء ولركعتي الفجر، والثامنة» الجهر بالقراءة في موضع الجهر وهي فيما قدمنا صلاة مع الجماعة، والتاسعة الاسرار بفاتحة الكتاب في الظهر والعصر وآخر المغرب والعشاء، والعاشرة الانصات لقراءة الامام اذا جهر، والحادية عشرة قراءة فاتحة الكتاب للمأموم وراء الامام والثانية عشرة التكبير مع كل خفض ورفع الا عند الرفع من الركوع فيقول الامام سمع الله لمن حمده ويقول الفذ وراء الامام: ربنا ولك الحمد. والثالثة عشرة) التعظيم في حال الركوع، والرابعة عشرة» التسبيح في حال السجود، والخامسة عشرة السجود على سبعة آراب السادسة عشرة، التحيات مع الاسرار بها، والسابعة عشرة) التسليم منها. والثامنة عشرة، التيامن بالسلام على اليمين ثم اليسار، والتاسعة عشرة الدعاء بعد الصلاة والعشرون
– 227 – (1/237)
صفحة 238
الصلاة على النبيء عليه السلام، وفضائلها عشر: احداها الآذان للمسافر. والثانية الاقامة للنساء والثالثة توجيه ابراهيم عليه السلام، والرابعة إطالة القراءة في الصبح وتخفيفها في المغرب وتوسطها في العشاء، والخامسة مباشرة الارض بالجبهة والكفين عند السجود مع ايصال الانف، والسادسة التجافي في الركوع والسجود بالضبعين ولا يضمهما والسابعة الدنو من السترة للامام والفذ، والثامنة» الصلاة اول الوقت والتاسعة وضع البصر في موضع السجود، «والعاشرة» المشي اليها بالوقار والسكينة والله اعلم، (ومكروهاتها) (اثنتا عشرة) احداها» صلاة الرجل وهو يدافع الاخبثين، والثانية الالتفات قليلا من غير ان يرى من خلفه، والثالثة، تحدث النفس بأمور الدنيا، «والرابعة» العبث بشيء من جوارحه والخامسة الاقعاء وهو الجلوس على الاليتين مع نصب الفخذين عند بعضهم في التشهد، والسادسة الصفن وهو رفع احدى الرجلين كما تفعل الدابة عند الوقوف، والسابعة الصفد وهو ضم القدمين في القيام كالمكبل. والثامنة الصلب وهو فيما وجدت وضع اليدين على الخاصرتين وتجافي العضدين في حال القيام كصفة المصلوب، وفي معناه الاختصار، «والتاسعة» الصلاة بالتلثم، والعاشرة» كف الثوب او الشعر لأجل الصلاة، والحادية عشرة الحمل فى الفم او في غيره مما يشغل عن الصلاة والثانية عشرة ان يصلي وهو مشغول الخاطر بغضب او نعاس او غيره من حضور طعام او خلاء مما يشغله عن فهم صلاته وما اشبه ما ذكرنا، ومفسداتها كثيرة وهي: ترك ركن من اركانها او فريضة من فرائضها كترك النية، او قطعها او القراءة، او غير ذلك مما قدمنا ذكره عمدا ترك ذلك او جهلا اوسهوا الاخطأ القبلة بعد الاجتهاد في
– 228 (1/238)
صفحة 239
،
التحري اولا او ترك سنة
من
سنتها، او ترك اكثر التكبير او التعظيم
او ما اشبه ذلك: ان فاتت جبرها بسجود السهو. وكذلك الزيادة بالسهو عند بعضهم فيها، والردة، والقهقهة كيف كانت، والكلام لغير اصلاح الصلاة، والاكل والشرب فيها، والعمل الكثير من غير جنسها وغلبة الهم او الحقن حتى يشغله عنها ولا يفقه ماصلى والاتكاء في حال قيامه على حائط او عصى بغير عذر مما لو ازيل عنه ذاك لسقط، او ذكر صلاة فرض يجب ترتيبها عليه، والصلاة في الكعبة، او على ظهرها، وحدوث الماء على المتيمم فيها. واختلاف نية المأموم وامامه يفسد الصلاة ايضا، وكذلك فساد صلاة امامه يفسدها ايضا، وما اشبه ما ذكرنا، فكل هذا يفسد الصلاة وسنسوق ان شاء الله ما ينبغي من تقسيمات فرائض الصلاة مع سنتها حتى يضبطها المسترشد على التحقيق وبالله التوفيق.
الجملة الثانية
في تفصيل فرائض الصلاة وسننها على ما ينبغي
اما الطهارة من الاحداث فقد ذكرناها وهي شرط في الصلاة في الابتداء والدوام حتى لو احدث فى الصلاة عمدا اوسهو لبطلت، وكذلك لو سبقه الحدث ماخلا الاحداث الثلاثة التي ورد فيها الحديث انها لا تنقض الصلاة وهو قول الرسول عليه السلام: القى والرعاف والخدش لا ينقضن الصلاة فاذا انفلت المصلي بها توضأ وبنى على صلاته (1). واما طهارة
(1) رواه الربيع عن ابن عباس بلفظ: «القيء والرعاف لا ينقضان صلاة فاذا انمنت المصلي مهما توضاً وبني على صلاته. ورواية الدارقطني وابن حبان عن طريق ابن عباس: القيء والرعاف والخدش لا ينقض الوضوء (1/239)
صفحة 240
الثوب فهي شرط في صحة الصلاة، لقوله الله تعالى وثيابك فطهر (1) ولما روي في السنة من امره عليه السلام بغسل النحاسة من الثوب والبدن وقد تقدم ذلك، وان صلى بثوب نجس فلا صلاة له عمدا كان اوسهوا ذاكراً كان او ناسيا، وعليه الاعادة في الوقت وبعده، وان كانت نطفة
لا يدري متى حدثت فليعد من آخر نومة، وان كان غائط فليعد من آخر قعدة، وان كان دما فليحتط لنفسه وفال من قال فيمن جهل حدوث النجاسة في الثوب جملة. فانه يعيد صلاة يوم وليلة، وان كان احد ثوبيه نجسا ولا يفرزه فليصل بكل واحد صلاة، وقيل يتحرى الطاهر منهما في غالب ظنه لان الاصل فيهما الطهارة. والاول احوط، وان اصاب بعض ثوبه نجس و لم يعلم موضعه لم يجز التحري وغسل جميعه لتيقن النجاسة فيه بعد الاصابة، ولو شقه نصفين لم يجز التحري لجواز ان تنقسم
النجاسة فيهما، ولو تحقق ان النجاسة اصابت احد الكمين فغسلهما او قطعهما جميعا جازت الصلاة به اجماعا. واذا رأى النجاسة في ثوبه في الصلاة استأنفها باقامة جديدة والله اعلم. واما البدن فقد تقدم تطهيره بالغسل، او بالمسح فيما يمكن فيه المسح من المواضع الملس قبل الطهارة، وان نسي النجس في رجله او في غيرها من بدنه حتى صلى فليعد الصلاة بعد غسل النجاسة والتوضئ بعدها، وكذلك ان التصقت به الميتة على هذا الحال، واما الثوب ان غسله غيره فلا يعيد الوضوء وليعد الصلاة والله اعلم. وان كان معذورا في تعلق النجاسة به فقد رخص فيه بعض الله وذلك في رجل نهشته افعى من رجله فجعل رجله
مشائخنا رحمهم
في جوف كلب مذبوح فرخص له ان يصلي كذلك والله اعلم، واما
1) المدث
(4):
- 230 ـ (1/240)
صفحة 241
طهارة البقعة فهي ايضا من شروط الصلاة التي لا تصح الا بها، الدليل على ذلك امر النبي عله الا الله بصب الذنوب من الماء على بول الاعرابي، فدل هذا على انه لا تجوز الصلاة على شيء من الانجاس، والمشترط من المكان ان يكون كل ما تماس بدن المصلى عند القيام والقعود والسجود
طهارة
طاهر؛ فله صلى على حصير او خوه مما ينتقل وطرفه متصل بنجاسة ففي انزالها منزلة المتصل به قولان، والاختيار في جوابات اني سهل اللالوتي رحمه الله (1) ان لا تفسد الصلاة بذلك. ومما يتصل بمكان الصلاة نهيه عن الصلاة في سبعة مواطن: المزبلة والمجزرة، وقارعة الطريق. وبطن الوادي، والحمام وظهر الكعبة، ومعاطن الابل (2) وهو مجتمعها عند الصدر عن المنهل. واختلف الناس في الصلاة في هذه المواضع فبعض كرهنها. و بعض استثنى من ذلك المقبرة فقط وبعض المقبرة والحمام (3). والاصح ان المقبرة عند اصحابنا لاتجوز الصلاة عليها القول لعن الله اقواما اتخذوا قبور انبيائهم مساجد (:). وكذلك ظهر
النبيء
1) ابو سهل اللالوني: هو ابوسهل البشر بن محمد التندميرني اللالوني من علماء القرن الرابع جبل نفوسة، تلقى العلم عن الشيخ الي يخي يوسف بن زيد الدرفي، وعن الي نصر زار بن يوسف التفستي. وكان من اولئك الذين ادها رسالة العلم على خير ما تؤدى رسالة سامية، وثمن نشر العلم وبث الروح الدينية وغرس الاخلاق الإسلامية في نفوس الطلبة والجماهير وتخرج عليه علماء خارير وجازت عليه نسبة الدين رحمه ورضي عنه.
اه متححه
2) لحديث ابن عمر (ض) ان النبيء) فهي ان يصلى في سبع مواطن: المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام ومعاطن الابل وفوق ظهر بيت الله. رواه الترمذي وضعفه
:
الحديث الى سعيد الخدري ان النبي (ع) قال: والأرض كلها مسجد الا المقبرة والحمام رواه الترمذي وله علة
) رواه الربيع. اما رواية الشيخين عن ابى هريرة فبلفظ: وقاتل الله اليهود اتخذوا قبور انبيائهم مساجده.
– 231 (1/241)
صفحة 242
الكعبة لنهي الرسول عليه السلام عن ذلك (1). ولقول جابر بن زيد رحمه الله للمصلي على ظهر الكعبة: من المصلي؟ لاقبلة له، واما المزبلة والمجزرة فتجوز الصلاة عندهم عليهما بعد طهارتهما بمطر سنة، ومعاطن الابل كذلك. واما الحمام فالصلاة فيه في المواضع الطاهرة منه مكروهة، وكذلك بطن الوادي وقارعة الطريق مع عدم المضرة فيه لاحد، والاصل في هذا قول النبي عل الله: جعلت لي الارض مسجدا وترابها طهوراً فحيثما ادركتك الصلاة فصل (2) الا ما قدمناه من المواضع المنهي عن الصلاة فيها. واختلف في علة نهيه على الله عن الصلاة في معاطن الابل دون مرابض الغنم: فقيل لاجل نجاستها. وقيل لا يؤمن نفارها. وقيل لزفورتها. وقيل لكونها يستتربها الانسان في العادة عند قضاء الحاجة. وقيل لانها من جن خلقت، والكنيف عند اصحابنا لا يصلى اليه الا اذا كان بينه وبين المصلي سترتان: جداران، او حصيران بينهما فرجة، واختلف في الصلاة على الارض المغصوبة فقيل لا يصلى عليها الغاصب ولا غيره. وقيل جائزة صلاة الجميع. وقيل بابطال صلاة الغاصب دون غيره. واختلف ايضا في الصلاة في البيع والكنائس فكرهها قوم، واجازها آخرون اذا لم يكن فيها نجس وتماثيل. روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه لقول عمر رحمه الله. لا تدخلوا كنائسهم من اجل التماثيل. وفرق اصحابنا رحمهم الله فأجازوا الصلاة في التي بنيت قبل الاسلام وابطلوها فيما بني بعده وهو اسبق الى النفس. واجمع الناس على اجازة الصلاة على الارض وما انبتت معمولا كان اوغير معمول، واختلفوا في السجود على غير ما انبتت الارض فكره
(1) الحديث ابن عمر المتقدم.
2) متفق عليه
– 232 – (1/242)
صفحة 243
الاشياء
ذلك اصحابنا واكثر الامه من غير بطلان الصلاة. واختلفوا في الجص ونحوه ولم يجيزوها على الرماد والهك والحرير والابريسم والماء والطين والوحل ونحوه، وكذلك الحديد والرصاص والقصدير والنحاس والذهب والفضة والملح والشب والمغرة والنورة والزرنيخ الا ان اختلط احد هذه مع التراب حتى غلب عليها. واما النجاسة اذا كانت عن يمين المصلي، او شماله فقد اجازوا صلاته اذا لم تمسه النجاسة. واذا كانت في قبلته فحتى يكون بينه وبينها مقدار ثلاثة اذرع اونحوها. والمستحب ان يصلى الا على مكان طاهر متمكن فيه المصلي ليس بمنهي عنه ولا بقربه النجاسة، وقدكره الربيع رحمه الله ان يكون مغتسل الرجل في مؤخر المسجد اوقريبا منه الا ان يكون بينه وبينه ذراعان اوذراع، هذا اذا كان المغتسل طاهرا والله اعلم واحكم.
الفريضة الرابعة
دخول الوقت لأدائها. وفيه ثلاثة فصول: والأول): في الأوقات المأمور بالصلاة فيها. ه والثاني»: في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها. ه والثالث): في أوقات المعذورين.
الفصل الاول
في الاوقات المأموربها
وفيه خمس مسائل. وقد اتفق الناس على ان للصوات الخمس اوقاتا هي شرط في صحتها لقوله تعالى ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا
- 233 (1/243)
صفحة 244
موقوتاه (1) واتفقوا على ان من الأوقات ماهو فضيلة ومنها ماهو توسعة. المسألة الأولى: في وقت الظهر، وقد اتفق الجميع على ان وقت الظهر الذي لاتصلى قبله هو زوال الشمس. وهو عبارة عن ظهور بداية انحطاطها عن نهاية ارتفاعها، الدليل على ذلك قول الله تعالى واقم الصلاة لدلوك الشمس الآية (2) يعني زوالها. وبما صح في تواثر الحديث ان صلى الظهر حين زالت الشمس (3) وهو اشبه بدلوكها. وقد
النبيء
يصح
وضع اهل العلم في معرفة ذلك علامات احداها» معرفة ظل الزوال بالاقدام المترتبة على الشهور العجمية وذلك يعسر على العوام لانه الا بمعرفة دخول الشهر العجمي، والذي يقرب لاى افهام العوام ثلاث علامات احداها معرفة ظل الاشخاص. وذلك ان كل شخص لابد ان يقع له في ابتداء النهار ظل مستطيل في جانب المغرب، ثم لا يزال ينقص الى وقت الزوال، ثم يأخذ بالزيادة في جهة المشرق ولا يزال يزيد الى الغروب - واذا اراد الانسان معرفة دخول الوقت بالظل فليقم في موضع راه في النقصان فانه لم يدخل بعد وقت الصلاة. والطريق في ذلك ان ينظر في البلد وقت الاذان المعتمد عليه الى ظل قامته. فاذا كان مثل ثلاثة اقدام بقدمه فهما صار كذلك في غير البلد واخذ في الزيادة صلى، ثم إذا زاد عليه ستة اقدام ونصف دخل وقت العصر اذ ظل كل شخص بقدمه ستة اقدام ونصف بالتقريب، ثم ظل الزوال يزيد كل يوم في ابتداء الصيف وينقص كل يوم فى اول الشتاء والله أعلم. والعلامة الثانية ان يستقبل القبلة واقفا غاضا عينه اليمنى ناظرا باليسرى فان لم يبصر عين الشمس
1) النساء: (103). (3) لحديث امامة جبريل عليه السلام:
(2) الاسراء: (78).
-
234 (1/244)
صفحة 245
فقد دخل وقت الظهر لان الشمس حينئذ على قرنه الايمن فلذلك لم يبصرها، وذلك لا يكون الابعد انحطاطها عن كبد السماء. والعلامة الثالثة: ان يستدل بالشمس اذا قطعت اكثر السماء والله اعلم (1). واختلف في آخر وقت الظهر الموسع: فقيل اذا صار ظل كل شيء مثله في الصيف ومثليه في الشتاء. وقيل المثل آخر الظهر واول العصر فيبقى الوقت بينهما مشتركا الا ان يتجاوز زيادة الظل المثل فينحصر حينئذ الوقت للعصر خاصة. وقيل بل الاشتراك في القامة الاولى فيكون ما قبلها بقدرما توقع فيه احدى الصلاتين مشتركا بينهما. واحتج اصحاب هذا الرأي بقول النبيء لا اله الا يخرج وقت الصلاة حتى يدخل وقت الاخرى (2). المسألة الثانية: في اول وقت صلاة العصر، وقد اختلف فيه ايضا: فقال بعض العلماء هو آخر وقت الظهر بعينه. وذلك اذا صار ظل كل
1) كان المؤذنون - وما بالعهد من قدم يحددون اوقات الصلوات بالاقدام خصوصا في الجنوب الجزائري وعلى الأخص في ميزاب. اما الآن فقد استقر العمل على التوقيت الفلكي واعتماد الساعة الزمنية فى كامل القطر الجزائري بل والعالم الاسلامي باجمعه. فلانكاد نجد اليوم مؤذنا ليست له ساعة زمنية يعتمدها في معرفة اوقات الصلوات، وقد اعتنت وزارة التعليم الاصلي والشئون الدينية – توحيدا لهذه الشعيرة الدينية _ يضبط مواقيت الصلوات في يومية توزعها دراكا على مساجد القطر. ثم ان مما عمم هذا التوقيت وصيره في ميسور كل احد نشر المواقيت الشرعية في الجريدة اليومية. وهكذا يرفع الحساب الفلكي الذى يضبط الاوقات بدقة عن المؤذنين كلفة تحديد المواقيت بالاقدام الذي يختلف زيادة نقصا باختلاف فصول السنة ولا يكاد المؤذنون كلهم يتقنونه. وهكذا تتوحد مواقيت العبادة في سائر نواحي البلاد وهو ما يدعواليه الاسلام دين التوحيد والوحدة
اهـ مصححه
(1) ساق الحديث بالمعنى وهو بعض من حديث عبد
الله بن عمر والذي يحدد مواقيت
الصلوات. ولفظه: وقت الظهر اذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله مالم
يحضر العصر
الحديث) رواه مسلم.
– 235 (1/245)
صفحة 246
مثله شيء وهو وقت مشترك للصلاتين معا. وقال آخرون اول وقت العصر ان يصير ظل كل شيء مثليه. واحتج اصحاب هذا القول بما روي عن النبيء عل له من طريق ابن عمر انه قال وقت الظهر ما لم يدخل وقت العصر (1) واحتج الاول بان جبريل عليه السلام صلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الاول. وعلامة العصر عند بعضهم ان تكون الشمس بيضاء نقية. وعلامتها عندهم ايضا ان يستقبل الانسان الشمس بوجهه فتضربه بين حاجبيه، او في العظم الذي خلف الاذن والله اعلم (2)). واختلف في آخر وقت العصر: فقيل اصفرار الشمس ورد ذلك في الحديث. وقيل آخرها غيوب قرنها.
المسألة الثالثة: في اول وقت المغرب. ووقت المغرب يدخل عند اصحابنا بثلاثة اشياء: واحدها بغيوب قرص الشمس المستدير بشعاعها، والثانى ان يتساوى الموضع الذي غربت فيه مع غيره في الحمرة «والثالثه إقبال الليل من المشرق. وان كان في المغرب ما يحول دون غيوب الشمس من غيم او جبل فلينظر الى المشرق مهما ظهر سواد الافق مرتفعا عن الارض قيد رمح فصاعدا فقد دخل وقت المغرب. واختلف في آخره: فقيل هو موسع وهو وقت واحد مضيق غير ممتد. آخره مقدار الفراغ منها في حق كل مكلف. واظن اصحاب هذا الرأي احتجوا بما روي عن النبيء انه قال: الاتزال طائفة من امتي على الفطرة ماصلوا المغرب قبل
غير
ان يروا النجوم (3) ولهذا ـ فيما
1) تقدم.
-
-
اعتق عمر او غيره ثلاثة
2) يعني يستقبل المغرب من غير ان يرفع راسه ولا يخفضه فيفتح عينيه فتضربه بين
الحاجبين
(2) رواه ابوداود من طريق عقبة بن عامر. وفى رواية قبل طلوع النجوم، عن السائل
بن يزيد رواه احمد والطبراني.
236 - - (1/246)
صفحة 247
بن
اعبد حين أخرها حتى طلعت ثلاثة نجوم، وقيل آخرها مالم تتميز الشاة من الذئب. وان كان سحاب فوقت المغرب يحصل بتنكر الوجوه. وقيل بعموم الضوء في البيت. وقيل ما لم تعد فيه الخشب. وقيل آخره مقدار ركعتين، وقيل اربع. وقيل مالم يعرف موضع الرماية. وقيل هو وقت ره غيوب الشفق آخره موسع وهو المشهور عن النبيء الا انه قال:
المغرب مالم تذهب حمرة الشفق» (1) والله اعلم.
المسألة الرابعة: في اول وقت العشاء وهو متعلق بغيوبة الشفق الأحمر الذي يلي الشمس. دون الأبيض والصفرة في قول الجمهور الأعظم من اهل العلم. واليه ذهب ابن مسعود وابن الزبير وعمر وابنه وعبادة الصامت وشداد بن اوس وانس بن مالك وقتادة الأنصاري وابوهريرة و جابر بن عبدالله وغيرهم من الصحابة فيما وجدت عنهم. وبه قال سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وطاوس وعبد الله بن دينار من التابعين. وقال به من الفقهاء مالك بن انس والشافعي والأوزاعي وابو عبيدة (2) وغيرهم. وذهب ابو حنيفة الى ان الوقت متعلق بغيوبة الشفق الثاني وهو الأبيض. وروي ذلك عن عمر بن عبدالعزيز. وسبب التنازع اشتراك اسم الشفق في لسان العرب، فكما ان الفجر فجران كذلك الشفق شفقان الأحمر والابيض فمغيب الابيض يلزم ان يكون بعد الأحمر من اول الليل كما يكون الفجر الصادق المستطير بعد الفجر الكاذب من آخر الليل، وتكون الحمرة بعد الفجر الصادق نظير الحمرة في الليل. فالطوالع اربعة: الفجر الكاذب والصادق والاحمر والشمس، وكذلك يجب ان
1) من حديث عبدالله بن عمرو رواه بلفظ «ووقت المغرب.
(2) وفي نسخة ابو عبيد» وهو الطاهر
اذا
237
- (1/247)
صفحة 248
تكون الغوارب. وذكر عن الخليل بن احمد انه قال: صعدت منارة الاسكندرية فرمقت البياض فرأيته يتردد من افق الى افق و لم اره يغيب والله اعلم. وان كان الغيم في السماء فيحصل وقت العشاء وغيرها بالاجتهاد والتحري الا ان كان السحاب في موضع الشفق خاصة فانه قيل: اذا ظهرت الكواكب الصغار وكثرت فانها تدل على غيبوبة الشفق والله اعلم (1) وقد روي في امامة جبريل بالنبيء عل الله انه صلى به العشاء في الليلة الأولى حين غاب الشفق. وروى بعضهم ان النبيء كان يصلي العشاء عند مغيب القمر في الليلة الثالثة والله اعلم. واختلفوا في آخر وقت العشاء: فقيل الى ثلث الليل وقيل الى النصف. وهو مذهب جمهور ا
العلماء
وشذ بعضهم فقال اخرها طلوع الفجر وروي ذلك عن داود والله اعلم. وقد احتج كل بحديث رواه.
المسألة الخامسة: في دخول وقت الفجر. وقد اتفق الجميع على أن وقت الصبح يحصل عند طلوع الفجر الصادق المستطير ضوءه، لا بالفجر الكاذب الذي يبدو مستطيلا مقدار السماء او ما شاء الله. وقد جاء ربع في الحديث ان النبيء عليه السلام قال ليس الصبح هكذا وجمع كفيه، وانما الصبح هكذا ووضع احدى سبابتيه على الاخرى (2) اشار الى انه
1) (من قوله: وخاصة ... الى قوله غيوبة الشفق زيادة لاتوجد في بعض النسخ التي بايدينا.
-
2) رواه الترمذي من حديث ابن مسعود باسناد صحيح دون الاشارة بالكف والسبابتين. ولأحمد من حديث طلق بن علي ليس الفجر المستطيل في الافق لكنه المعترض الاحمره باسناد حسن - وعن ابن عباس (ض) قال قال رسول الله (ع): والفجر فجران: فجر يحرم الطعام وتحل فيه الصلاة، وفجر تحرم فيه الصلاة ويحل فيه الطعام» رواه ابن خزيمة والحاكم وص وصححاه. وللحاكم في حديث جابر وزاد في الذي يحرم الطعام وانه يذهب مستطيلا في الافق. وفي الآخر انه كذنب السرحانه
238 -
- (1/248)
صفحة 249
المعترض ويتمادى وقت الاختيار الى الأسفار. واختلف في الوقت المختار منه فقيل الافضل التغليس به لما ثبت في الحديث انه عليه السلام يصلي الصبح فينصرف والنساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغبش (1) وقيل الاسفار افضل لقوله عليه السلام فيما روي عنه اسفروا بالفجر فكلما اسفرتم فهو اقوى للأجر (2) وفي الحديث عنه عليه السلام انه قال وكلوا واشربوا ولا يهيذنكم الساطع المصعد، وكلوا وأشربوا حتى يتعرض لكم
الأحمر (3) والله اعلم.
مسألة
:
وجوب الصلاة عند اصحابنا يتعلق بجميع الوقت وانه متى
فعل فقد سقط عنه الفرض. وقد اختلف في الاوقات: فقيل كل صلاة انفردت بوقتها. وهو قول الربيع بن حبيب رحمه الله. وقيل الظهر والعصر مشتركتا الوقت، وكذلك المغرب والعشاء. وهذا هو المعتمد عليه عند الله. واما صلاة الفجر فقد انفردت بوقتها ويلزم الكفر
اصحابنا رحمهم
بالتفريط فيها حتى تطلع الشمس والله اعلم.
مسألة
: وتعجيل الصلاة في اول الوقت افضل عند الجميع، لقول النبي الا الله افضل الصلاة لأول وقتها (4) وقال بعضهم الافضل في حق الجماعة تأخير الظهر الى ربع القامة والابراد بها في وقت الحر الشديد. للحديث الثابت عنه عليه السلام: ابر دوا) بالظهر فان شدة الحر من
1) رواه الربيع عن عائشة بزيادة الغسل والغبش.
(2) روى الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان من حديث رافع بن خديج قال قال رسول: اصبحوا بالصبح فانه اعظم لاجوركم.
-
) رواه الترمذي من حديث طلق بن على ـ والمعني: لا يهيذنكم اي لا تنزعجوا للفجر المستطيل فتمتنعوا على السحور فانه الكاذب
(4) عن ابن مسعود رواه الترمذي.
– 239 - (1/249)
صفحة 250
فيح جهنم (1) ولما روي عنه عليه السلام يؤخر في الصيف ويعجل في الشتاء» (2) واختلفوا في العشاء فقيل تأخيرها افضل لقول عليه السلام لولا ان اشق على امتي لأمرهم بتأخير العشاء الى ثلث الليل (3) وقيل التعجيل فيها افضل للحديث المتقدم. واختار بعضهم التعجيل ان اجتمع الناس والتأخير ان ابطأوا. واستحب بعضهم تأخيرها في زمان الشتاء قليلا لطول الليل وفي ليالى شهر رمضان اكثر من ذلك قليلا توسعة عن الناس في افطارهم. واختلف في العصر: فقيل تعجيلها افضل. وقيل تأخيرها الى زيادة ذراع على القامة في وقت الحر الشديد افضل. واما الصبح والمغرب فتقديمهما بعد تحقق دخولهما افضل على كل حال
مسألة: وان اشتبه عليه الوقت فليجتهد وليستدل بالاوراد وارباب الصنائع عند بعضهم. والمعمول به عند اصحابنا اذا غامت السماء حتى خفي وقت الصلاة ان يؤخذ بالرخصة فيجمع بين الظهر والعصر جميعا. وبين المغرب والعشاء جميعا، وكيفية الجمعه: ان يؤخر الأولى ويعجل العصر فيجمع بينهما. وكذلك المغرب والعشاء. وهذا بعد ان ينوي الجمع قبل قيامه الى الاولى، ويقول اللهم ان نيتي واعتقادي ان اؤخر الظهر واعجل العصر واجمع بينهما احياء للسنة طاعة الله ولرسوله عليه السلام. اذا نوى الجمع جازله ذلك من اول الاولى الى آخر العصر.
1) متفق عليه. واوله: واذا اشتد الحر فابردوا أبي الحديث ومن حديث والى هريرة قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): اذا اشتد الحر فابردوا بالصلاة فان شدة الحر من فيح جنهم متفق عليه
(2) ولفظه عند النسائي: وكان (يعجل بالظهر فى وقت الشتاء الشديد ويؤخر في الحر الشديد ويبرد بها الى وسط الوقت وللبخاري نحوه.
(3) رواه احمد وابوداود بلفظ العتمة وزيادة او نصف الليل، واول الحديث: وانكم لفي صلاة من حين انتظرتموها.
-
ولولا أن أشق الخ.
ـ 240 ـ (1/250)
صفحة 251
ان
وبين اول المغرب الى ثلث الليل او نصفه، ولا يكون بين الصلاتين الا الاقامة والتسليم، ولا يتكلم بينهما، ولا يتنفل، ولا يعمل عملا. وان فعل ذلك فقد انتقض قرانه ويؤخر الآخرة الى وقتها ويصليها ـ وان من
شيئا
-
نوى ان يجمع فله ان يفرق. واما ان عقد على التفريق فلا يجوز له الجمع وقد اتفق الناس على جواز الجمع بعرفة والمزدلفة، واختلفوا في غير هذين الموضعين فأجازه الجمهور من الناس، ومنعه ابو حنيفة واشياعه. وسبب
ما الله
التنازع فيه اختلافهم في مفهوم الاحاديث المروية عن النبيء عل في الجمع في السفر الحديث معاذ بن جبل رحمه الله انه جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في غزوة تبوك (1) وحديث جابر بن زيد عن ابن عباس النبي الله وجمع بين الظهر والعصر في غير خوف ولا سفر ولاسحاب ولا مطر (2) فكثر التنازع لاجل هذا: فمنهم من اجاز الجمع في عرفة والمزدلفة فقط. ومنهم من اجازه فيما ذكرنا وفي السفر، واجازه اصحابنا في جميع ذلك وفيما يشبهه مما تلحق فيه المشقة كالمستحاضة والمبطون والمريض الذي يخاف ان يغشى عليه، ولمن خفيت عليه اوقات الصلاة بالسحاب، واشباه ذلك قياسا على المتفق عليه من الجمع في عرفة والمزدلفة وفي السفر لاستواء العلة فى الجميع: وهي الرخصة لاجل المشقة والله اعلم. واما صلاة الفجر اذا خفي وقتها فليس فيها الا الاجتهاد حتى لايشك في الفجر. ثم ان وقعت صلاته في اول الوقت او بعده فلا قضاء عليه، وان صلى قبل الوقت اعاد بلاخلاف. وارجو لمن صلى العصر قبل القامة والعشاء قبل مغيب الشفق ان يكون قد صلى وان كان في غير
1) اخرجه البيهقي. ورواه الربيع بزيادة: قال معاذ: فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل فخرج فصلى المغرب والعشاء جميعاه.
(2) عن ابى هريرة رواه الترمذي وقواه البخاري.
- 241 ـ (1/251)
صفحة 252
سفر ولا سحاب ولا مطر لأن هذا امر مختلف فيه. والله اعلم.
الفصل الثاني
في الاوقات المنهي عن الصلاة فيها
وهي اربعة: بعد طلوع الفجر حتى تصلى الصبح، وبعد الصلاة حتى تطلع الشمس وترتفع، وعند وقت استوائها حتى تزول. وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وزاد آخرون منهم الصلاة بعد صلاة الجمعة حتى ينصرف المصلي والله اعلم. واختلفوا في الصلاة التي لا تجوز في هذه الاوقات: فقال بعضهم هي جميع الصلوات باطلاق: لا فريضة مقضية ولاسنة، ولا نافلة الاعصر يومه فانه يجوز ان يقضيه الناسي عند غروب الشمس قبل ان تشرع فيه، وقال آخرون يفضي جميع المفروضات في هذه الأوقات، وقال بعضهم يجوز قضاء السنن ايضا، وانما الممنوع النوافل. قال لا يصلى عند طلوع الشمس حتى ترتفع، ولا عند استوائها حتى تزول، ولاعند غروبها حتى يستكمل، فلا يصلى في هذه الاوقات لافريضة، ولانافلة، ولاسنة، ولاصلاة جنازة، ولا قضاء فائتة، واما قبل الطلوع والغروب فتقضى فيه الفوائت المفروضة، ويصلى فيه على الجنازة، وزاد آخرون قضاء ركعتي الفجر بعد الصلاة، والله اعلم. واصل التنازع فيها تعارض الأحاديث: حديث عقبة بن عامر. قال ثلاث ساعات كان رسول الله الله ينهانا ان نصلي فيها. ونقبر فيها موتانا: حين تطلع الشمس حتى ترتفع. وعند قيام الظهيرة حتى تزول، وحين تضيفت الشمس للغروب (1) وكذلك حديث ابي هريرة انه عليه السلام لانهى عن الصلاة
وقال
من
1) عن عقبة بن عامر رواه مسلم.
ـ 242 ـ (1/252)
صفحة 253
بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس (1) فاقتضى هذان الحديثان منع الصلاة في هذه الأوقات. ثم صح
عنه عليه السلام انه قال من نام عن صلاة او نسيها فليصلها اذا ذكرها فذلك وقتها» (2) فتعارضت الاحاديث كما قدمنا، فذهب الناس فيها ثلاثة مذاهب واحدها» منع الصلاة باطلاق، والثانى منع ماعدا الفرض من السنن والنوافل. «والثالث» منع النوافل. وقول رابع التفريق المتقدم انه عند طلوع الشمس، وعند وقوفها، وعند غروبها لا يصلى فيها على كل حال وبعد الفجر والعصر تصلى فيه الفوائت والصلاة الحاضرة والله اعلم.
الفصل الثالث
في اوقات المعذورين
واما اوقات المعذورين واهل الضرورات فهي الأوقات المتقدمة. واتفقوا على انها لأربع: «الحائض» تطهر وتحيض في هذه الاوقات وهي
لم تصل. والمسافر» يذكر هذه الصلاة في هذه الاوقات وهو حاضر، او حاضر يذكر فيها وهو مسافر. والصبي يبلغ فيها، والمشرك يسلم. واختلفوا في المغمى عليه، فقيل هو كالحائض لا يقضي الا الصلاة التي افاق فيها، وقيل يقضي فيها دون الخمس، واتفقوا على الحائض اذا طهرت في هذه الاوقات انها تجب عليها الصلاة التي طهرت في وقتها، واختلفوا
1) متفق علي
(2) عن قتادة قال: ذكروا للنبيء)) نومهم عن الصلاة فقال: وانه ليس في النوم تفريط. انما التفريط في اليقظة، فاذا نسي احدكم صلاة او نام عنها فليصلها اذا ذكرها، رواه النسائي والترمذي وصححه.
- 243 ـ (1/253)
صفحة 254
فيها، فقيل اذا طهرت وقد بقي لغروب الشمس مقدار اربع ركعات آنها تجب عليها العصر فقط وان بقي مقدار خمس ركعات وجب عليها الظهر والعصر جميعا، وقيل ان بقي للغروب ركعة فالصلاتان معا عليها، وكذلك القول في الاصناف الاربعة التي قدمناها. اعني المسافر يتذكر الصلاة في الحضر، او الحاضر يتذكرها فى السفر، او الصبي يبلغ، او الكافر يسلم وقد بقي من الوقت ما قدمنا على الاختلاف المتقدم، وسبب التنازع في هذه المسألة الحديث المروي عن النبيء له انه قال من ادرك من العصر ركعة قبل ان تغرب الشمس فقد ادرك العصر (1) فجعلها بعضهم من باب التنبيه بالاقل على الاكثر اعني انه عبر بالركعة على الاربع وجعلها بعضهم من باب التنبيه بالاكثر على الاقل اعني عبر بالركعة عما من السجدتين. وايد قوله هذا بما روي عنه انه قال عليه السلام من ادرك من العصر سجدة قبل ان تغرب الشمس فقد ادرك العصر» (2) ودل على ذلك قول بعضهم من ادرك تكبيرة قبل الطلوع والغروب فقد ادرك الوقت، فرأى صاحب القول الاول ان الحائض انما تعتد بهذا الوقت بعد الفراغ من غسلها. وكذلك الصبي يبلغ، واما المشرك فانما يعتد به من حين اسلم دون الفراغ من الغسل والله اعلم. ويرى ايضا ان الحائض اذا حاضت في هذه الاوقات وهي بعد لم تصل ان القضاء ساقط عنها وغيره يرى القضاء عليها اذا حاضت وقد بقي من الوقت ما يمكن ان توقع فيه الصلاة لانها وجبت عليها بدخول الوقت والله اعلم واحكم.
تضمنت
•
1) متفق عليه عن ابي هريرة واول الحديث: من ادرك من الصبح ركعة قبل ان تطلع الشمس فقد ادرك الصبح، ومن ادرك من العصر
الحديث
(2) رواية مسلم سجدة بدل ركعة عن عائشة (والسجدة انما
-
هي
الركعة).
- YEE- (1/254)
صفحة 255
فصل
في ستر العورة في الصلاة وغيرها
وهذا الفصل ينقسم على قسمين احدهما) في ستر العورة. والثاني»
فيما يجزئ من اللباس في الصلاة.
القسم الاول
في حد العورة وحكم سترها
اجتمعت الامة على ان ستر العورة فرض باطلاق. واختلفوا في الصلاة: هل ستر العورة شرط فى صحتها ام لا؟ فذهب جمهور اهل العلم من اصحابنا وغيرهم الى انها شرط فى صحة الصلاة، وذهب بعضهم الى انها من سنن الصلاة، روي هذا عن مذهب مالك والله اعلم. وسبب التنازع: هل الامر الوارد من قوله تعالى «خذوا زينتكم عند كل مسجد» (1) يحمل على الوجوب او الندب: فمذهب الجمهور كما قدمنا انه محمول على الوجوب، وقالوا لأن الآية نزلت في اهل الشرك يطوفون بالبيت عراة فدل على ان المراد به ستر العورة. ومن حمل الأمر على الندب قال المراد به الزينة الظاهرة والله اعلم. واما حد العورة فان المكلفين في ذلك صنفان: رجال ونساء. والنساء قسمان حرائر واماء: اما الصنف
الأول فقد اجمعوا على ان السوأتين منهم عورة. واختلفوا فيما سوى ذلك على ثلاثة اقوال: «احدها ان العورة من السرة الى الركبة وهما داخلتان
1) الاعراف: (31).
- 245 — (1/255)
صفحة 256
محبوب
في ذلك. وهو مذهب اصحابنا: ابي المؤثر وغيره، فان كشف الركبة والسرة ونظر هما محرم ينقض الوضوء. وروي عن بشير بن محمد بن رحمهم الله من اصحابنا (1) ان المحرم عنده ذلك ما كان من من حد منابت الشعر الى مستغلظ الفخذين. والقول الثاني ان العورة ما بين السرة الى الركبة وهما غير داخلتين فى العورة، وهو ماروي عن مذهب مالك والشافعي. وروي عن داود بن علي: ان العورة هي السوأتان لا غير، والقول الثالث ان ستر جميع بدن الرجل في الصلاة اذا امكن ذلك واجب، واما الصنف الثاني من النساء الحرائر (2) فاجمعوا ان ابدانهن عورة ماخلا الوجه والكفين وذهب ابو حنيفة» الى ان قدمها ليس بعورة، وسبب التنازع الاشتراك الواقع فى المستثنى من الزينة في قوله تعالى ولا يبدين زينتهن الا ماظهر منها (3) هل هذا المستثنى المقصود منه اعضاء محدودة، وان ماجرت به العادة فيما لايستر ليس بعورة كالوجه والكفين اذ لو كانا عورة لوجب ستر الوجه فى الاحرام. فمن قال ان مايستر من البدن بخلاف مالا يستر منه فى العادة، ذهب الى ان ماذكرنا ليس بعورة، ومن ذهب الى ان المقصود مالا تملك ظهوره عند الحركة قال. بدنها كله عورة حتى ظفرها، والله اعلم. واما الصنف الثاني» وهن الاماء فلا اعلم خلافا بين الناس فى ان عورتهن ليست كعورة الحرائر لأنهن لسن في الحرمة الله عنه راى امة متقنعة فضربها فقال لا
كالحرائر لماروي ان عمر رضي تتشبهي بالحرائر بالكاع والله اعلم.
1) تقدم التعري
(2) يعني القسم الأول من الصنف الثاني
الن
ور: (31).
246 - (1/256)
صفحة 257
الق سم الثاني
في اللباس المجزئ في الصلاة
والاصل فيه قوله تعالى خذوا زينتكم عند كل مسجده (1) اي لباسكم عند كل صلاة، وقد اجمعوا فيما وجدت على ان المجزئ في الصلاة من اللباس للرجل ثوب واحد لقوله عليه السلام وقد سئل: ايصلي الرجل في الثوب الواحد؟ فقال: «او كلكم يجد ثوبين»؟ (2). واختلف في الرجل يصلي مكشوف الظهر والبطن، فذهب بعضهم الى ان صلاته جائزة لأن الظهر والبطن ليستابعورة. وقال آخرون ان صلاته فاسدة لنهى الرسول عليه السلام ان يصلى في الثوب الواسع ليس على عاتق المصلي منه شيء (3). واجمعوا على ان اللباس المجزئ للمرأة في الصلاة هو درع وخمار. لحديث ام سلمة ان النبيء عل الله قال: «لا يقبل الله صلاة حائض الا بخمار (4)، واختلف اصحابنا في المرأة تصلي مكشوفة الرأس، فرخص فيها ابو نوح رحمه الله (5) وروى ابوعبيدة عن صحار (6) انه قال: فاني
1) الاعراف: (31). (2) عن ابي هريرة رواه الربيع. (3) روى البخاري ومسلم عن ابى هريرة: لا يصلي احدكم في الثوب الواحد ليس له على عاتقه منه شيء وابو داود من طريق ابي بن كعب ـ وروى الجماعة من طريق عمرو بن الى سلمة: ان النبي (ع) كان يصلي في ثوب واحد في بيت ام سلمة واضعا طرفيه على عاتقيه (4) تقدم.
ه) تقدم التعريف به. (1) صحار العبدي هو من اعلام الاسلام في القرن الأول كان في العلم غاية وممن يدعو الى الله على بصيرة، ويده في العقائد طويلة. اخذ العلم عن جابر ابن زيد وكان شيخا لابي عبيدة مسلم الامام الثاني للمذهب الاباضي قال ابو سفيان: واكثر ما حمل ابو عبيدة عن جعفر بن السماك وصحار العبدي وكان من ائمة المسلمين وقادتهم
اهـ مصححه
- - 247 (1/257)
صفحة 258
لأكره ان تصلي مكشوفا رأسها كانها رأس أم ربيع المجنونة يعني مجنونة في سوق طليحة تدعى أم ربيع والله أعلم. وأما ان صلت وفخذها مكشوفة أو في خمار رقيق أو في ازار يرى منه جسدها فصلاتها فاسدة إذا كانت تقدر على الثياب والله أعلم. وقد ورد النهي في هيئات من اللباس في الصلاة كاشتمال الصماء: وهو ان يحتبي الانسان بئوبه وليس على فرجه منه شيء في قول بعضهم. وعن لباس السدل: وهو ان يرخي ازاره من على راسه ولا يجمع بين طرفيه، وذلك كله سد ذريعة لئلا تنكشف عورته، و لم اعلم ان احدا ابطل صلاة من صلى ببعض هذه الهيئات ان لم تنكشف عورته والله أعلم. وقد اجازوا صلاة الاماء غير مختمرات مكشوفات الصدور كحال الرجال. وكذلك السراري والمدبرات عند اصحابنا. واما المرأة المراهقة فلا ينبغي ان تصلي الا مختمره مستترة كالحرة البالغة، وروي عن الحسن البصري انه أوجب على الأمة في الصلاة لبس الخمار، واستحبه عطاء، وسبب الخلاف: هل الخطاب يشمل العبيد والاحرار أم لا؟ والله أعلم. واختلف في الصلاة بثوب حرير: فبعض اجازها، وبعض ابطلها. وهو مذهب اصحابنا للنهي الوارد عن لباس الحرير للرجال الا في حال الحرب. واجازوا موضع الاصبعين منه اذا كان علما في الثوب، وان لم يجد الا الثوب النجس فالحرير أولى به (1) ثم ان وجد غيره في الوقت اعاد الصلاة. وكرهوا الصلاة بالثوب الذي يشف
ليلا
1) الذي يظهر ان الثوب النجس اولى من ثوب الحرير كما ذهب اليه صاحب الايضاح اللهم الا اذا كان حريرا صناعيا فهو اولى، ذلك بان ثوب الحرير نهي عنه لعينه، والثوب النجس لمعنى غيره. يعني واذا دار الامر بين التحريم المثقل كاكل لحم الخنزير والتحريم المخفف كاكل الميتة قدم التحريم المخفف على المثقل. ولقائل يقول: ان ماذهب اليه الشيخ الجيطالي اولى واوجه مماذهب اليه صاحب الايضاح ذلك ان الحرير يباح لبسه في بعض الحالات لعلة كالحكة والحرب مثلا بخلاف النجس فانه لايباح في حال من الاحوال. اضف الى ذلك ان العبد في صلاته واقف بين يدي الرب والمقام مقام قداسة وطهر وماكان اجدره ان يتجافى النجاسة ما أمكن ولئن يقابله بثوب من حرير نظيف خير له ان يقابله بثوب نجس قدر فليتامل.
ـ 248 ـ
اهـ مصححه (1/258)
صفحة 259
ونهارا والله اعلم، والذي ينبغي من لساب المصلي ان يكون كثيفا صفيقا فلا يكون شفا ولا بحيث يصف. فان كان شفا فهو كالعدم بالانفراد ان لم يكن تحته ثوب آخر، وان كان بحيث يصف فهو مكروه ولا يؤدى الى بطلان الصلاة ان لم تنكشف منه عورته والله اعلم، هذا حكم القادر على السترة، وان عجز عنها صلى عريانا قاعدا يرد على عورته ما يواريها به من شجر او تراب او غيره يوميء ايماء، وان كانوا جماعة صلوا قغودا وامامهم قاعد في وسطهم كما قدمنا، يومون ايماء بعد ان يواروا عوراتهم بما قدمنا ذكره والله اعلم وبالله التوفيق.
الفصل السادس
في القيام مع القدرة في الصلاة
وقد اجمعوا ان ليس للصحيح ان يصلي فرضا قاعدا اذا كان منفردا او اماما لقوله تعالى وقوموا الله قانتين (1) اي مطيلين القيام في الصلاة فان صلى قاعدا او توكأ واستند مع القدرة على القيام والاستقلال بنفسه فقد بطلت صلاته اذا كان لوزال لسقط، وان كان بحيث لوزال لم يسقط لم تبطل مع كراهية فعله، فقد روي ان الربيع بن حبيب رحمه الله يكره الاستناد والإتكاء على شيء، ورخص فيه ابو عبيدة للشيخ الضعيف، وكان يفعله بعد ماضعف والله اعلم، فان عجز عن الاستقلال بنفسه ففرضه التوكو على شيء يعمده، فان عجز عن ذلك انتقل الى الجلوس مستقلا، فان عجز عنه ففرضه الجلوس مستندا، ولو قدر على القيام ولكن
(1) البق رة: (238)
ـ 249 ـ (1/259)
صفحة 260
تلحقه مشقة فادحة تلحقه بحكم العاجزين لسقط عنه القيام، وقد ذكر في بعض اثار اصحابنا انه لا يصلي قاعدا الا اذا كان في حالة لايستطيع بها القيام الى قضاء حاجة الانسان من البول والغائط فحينئذ يصلي قاعدا يؤمئ ايماء يجعل السجود اخفض من الركوع ويقعد كقعود المصلي في الصلاة، وقيل على مقعدتيه ناصبا ركبتيه والله اعلم، وان عجز عن القعود صلى مضطجعا على جنبه الايمن مستقبلا للقبلة، او مستلقيا على قفاه ورأسه مما يلي الشمال كما لو جلس قاعدا لاستقبال القبلة بوجهه. وان عجز صلى بالتكييف لجميع صلاته من القراءة والركوع والسجود والقعود والتسلمين، وان عجز صلى بالتكبير سبعا، وقيل ستا، وقيل اربعا. وقيل تكبير الصلاة كلها، وان عجز كبر وليه ويتبعه بقلبه ولسانه، وان غاب
عقله
حتى
لا يعقل فلا صلاة عليه ولا قضاء اذا افاق، وقد روي ان
الله
عنه غشي عليه اياما فلم يقض والله اعلم عمر رضي
الفصل السابع
في استقبال القبلة في جميع الصلاة
وقد اتفق اهل الاسلام على ان التوجه الى القبلة شرط من شروط الصلاة لقوله تعالى «فول وجهك شطر المسجد الحرام (1) ويتفرع من هذا
الفصل ثلاثة اركان
1) البقرة: (144).
– 250 – (1/260)
صفحة 261
الركن الاول
في الصلاة
ويتعين الاستقبال في جميع الصلاة الا في القتال، ولا تؤدى فريضة على الراحلة الا في حال الاضطرار، واما النوافل فلا بأس. ويستقبل القبلة بوجهه عند الاحرام ثم لا يضره انحراف الدابة عن القبلة في التمادي، وكذلك راكب السفينة على هذا الحال.
الركن الثاني
في ادلة القبلة
اعلم ان الانسان قد يكتفي في البلاد والقرى بالمحاريب والمساجد والقبور عن طلب الادلة على القبلة، ولكن اذا كان في السفر ربما تشتبه عليه القبلة فيحتاج الى معرفة الادلة عليها. وهي بالجمله ثلاثة اقسام واحدها ادلة ارضية كالاستدلال بالقرى والجبال والانهار، والثاني» ادلة هوائية كالاستدلال بالرياح شمالها وجنوبها وصباها ودبورها. والثالثه ادلة سمائية كالاستدلال بالنجوم والشمس والقمر، فأما الارضية والهوائية فتختلف باختلاف البلاد قرب طريق فيها جبل مرتفع يعلم انه على يمين المستقبل، او شماله، او ورائه او امامه فليتعلم ذلك وليتفهمه. وكذلك الرياح قد تدل في بعض البلاد فليتفهم ذلك ولسنا نقدر على استقصاء ذلك اذ كل بلد او اقليم له حكم آخر. واما السمائيه فادلتها تنقسم الى نهارية وليلية اما النهارية فكالشمس فلابد ان يراعيها الانسان عند زوالها
– 251 – (1/261)
صفحة 262
قبل الخروج من البلد ليعلم اين تقع منه: اهي بين الحاجبين او على العين اليمني او اليسرى او تميل الى الحاجبين ميلا اكثر من ذلك فان الشمس لاتعدو في البلاد الشمالية هذه المواضع. وكذلك غروبها تعرف به القبلة ايضا بان تكون عن يمين المستقبل، او هي مائلة الى وجهه اوقفاه ايضا، وتعرف القبلة بالشفق ايضا للعشاء الآخيرة، وتعرف بمشرق الشمس لصلاة الصبح وكذلك تعرف القبلة بمطالع منازل الليل ومغاربها، وكذلك القطب وهو الكوكب الذي يقال له الجدي فانه كوكب كالثابت لا تظهر حركته عن موضعه. وذلك اما ان يكون على قفا المستقبل او على منكبه الايمن من ظهره، او منكبه الايسر فى البلاد الشمالية من مكة، وفي البلاد الجنوبية كاليمن وما وراءها فيقع في مقابلة المستقبل، فمتى تعلم ذلك وعرفه فليعول عليه في طريقه والله اعلم.
الركن الثالث
في المعنى المعين على المكلف استقباله
ماهو؟ وقد اجمعوا ان الفرض عليه عند المشاهدة للبيت استقبال العين. واختلفوا فيمن بعد عنه: فقيل الفرض عليه استقبال العين اعني اذا كانت الكعبة غير مبصرة. وقال الجمهور انما الفرض عليه استقبال الجهة عند تعذر المعاينة. وهذا هو الذي يعضده الدليل من الكتاب والسنة والقياس: اما الكتاب فقوله تعالى وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره (1)
1) البقرة (144) عن البراء قال صلينا مع رسول الله (ع) ستة عشر شهرا اوسبعة عشر شهرا نحو بيت المقدس ثم صرفنا نحو الكعبة رواه مسلم.
– 252 – (1/262)
صفحة 263
اي نحوه. ومن قابل جهة الكعبة فانه يقال قد ولى وجهه شطرها. واما السنة فما روي عن رسول الله الله انه قال لاهل المدينة ما بين المشرق
-
والمغرب قبلة» (1) والمغرب يقع على يمين اهل المدينة، والشمس على يسارهم فجعل علا الله جميع ما يقع بينهما قبلة ومساحة الكعبة لاتفي ما بين المشرق والمغرب وانما تفي بذلك جهتها، واما فعل الصحابة فما روي ان اهل مسجد قباء كانوا في صلاة الصبح مستقبلين لبيت المقدس مستدبرين للكعبة. لان اهل المدينة بينهما ـ فقيل لهم قد حولت القبلة الى الكعبة فاستداروا في اثناء الصلاة من غير طلب دلالة ولم ينكر عليهم، فسمي مسجدهم ذا القبلتين (2) - ومقابلة العين من المدينة الى مكة لاتعرف الا بأدلة هندسية يطول النظر فيها كيف ادركوا ذلك على البديهة في اثناء الصلاة في ظلمة الليل؟ ويدل على ذلك ايضا ان اهل الاسلام بنوا المساجد حوالي مكة وفي بلاد الاسلام و لم يحضروا فيما بلغنا قط مهندسا عند تسوية المحاريب، واما القياس فهو ان الحاجة تمس الى الاستقبال وبناء المساجد في جميع اقطار الارض، ولا يمكن مقابلة العين الابعلوم هندسية لم يرد الشرع بالنص فيها، بل ربما زجر عن التعمق فيها. ولو كان الفرض مقابلة العين لكان حرجا والله سبحانه وتعالى يقول «وماجعل عليكم في الدين
من حرج (3) فيجب الاكتفاء بالجهة للضرورة كما قدمنا والله اعلم. مسألة: واختلفوا هل الفرض في الاستقبال الاجتهاد او الاصابة فقولان ـ فروي عن ابى حنيفة ومالك بن انس ان الفرض عليه الاجتهاد واليه يؤول مذهب اصحابنا في قياس اصولهم. وروي عن الشافعي ان
-
1) عن ابي هريرة رواه ابن ماجة والترمذي وقال: حسن صحيح وقواه البخاري. (2) منفق عليه عن ابن عمر. 3) الحج: (78).
253 (1/263)
صفحة 264
الفرض الاصابة وانه اذا تبين له الخطأ اعاد ابدا فقاس جهة المكان على جهة الزمان اعنى الوقت الموضوع للصلاه. وكذلك انهم اجمعوا على ان الفرض عليه فيه الاصابة وانه اذا انكشف للمكلف انه قد صلى قبل الوقت اعاد ابدا الاخلافا شاذا روي عن ابن عباس وعن الشافعي ايضا. وروي مالك عن بن انس ان المسافر اذا جهل فصلى العشاء قبل مغيب الشفق انه قد مضت صلاته. واما من ذهب الى ان الفرض الاجتهاد فانه اذا اجتهد وصلى بالتحري الى القبلة ثم تبين بعد ذلك انه اخطأ القبلة فانه لا يعيد صلاته. وقد روي في الأثر مثل ذلك ان اناسا من اصحاب رسول الله خرجوا في سفر فحضرتهم الصلاة في يوم غائم فمنهم من صلى نحو المشرق، ومنهم من صلى نحو المغرب فسألوا النبيء عن ذلك فقال: مضت صلاتكم (1) فنزلت والله المشرق والمغرب الآية (2)
مسألة: والانسان القادر على معرفة القبلة يقينا لايجوز له الاجتهاد والقادر على الاجتهاد لايجوز له التقليد لكن يجتهد ويتحرى القبلة ويصلي، فان تبين له انه اخطأ القبلة بعد خروج الوقت لم تلزمه الاعادة، وان كان الوقت لم يخرج اعاد الصلاة استحبابا. وقيل ان استدبر القبلة خطأ اعاد ولو بعد الوقت، وان شرق او غرب لم يعد بعد الوقت. وقيل من تحير القبلة فليصل الصلاة اربع مرات الى اربع جهات مختلفات والله اعلم. واما الأعمى ففرضه التقليد، وان يقلد شخصا عالما بأدلة القبلة مسلما مكلفا، وان عدم من يقلده فليجتهد او يصلي الصلاة اربع مرات الى اربع جهات كما قدمنا والله اعلم. واختلف في الصلاة في داخل الكعبة فمنعها
عن
(1) متفق عليه عن ابي هريرة.
(2) البق رة: (115)
254 (1/264)
صفحة 265
قوم على الاطلاق. واجازها آخرون على الاطلاق. وفرق قوم بين الفرض والنفل، وسبب التنازع اختلاف الروايات المنقولة عنه عليه السلام. وذلك ان في بعضها انه عليه السلام دخل فدعا فيها ولم يصل حتى خرج فركع ركعتين في قبل الكعبة، وقال هذه القبلة (1). وفي حديث آخر عن بلال رحمه الله انه عليه السلام جعل عمودا عن يمينه وعمودا عن يساره وثلاثة اعمدة وراءه ثم صلى (ع. م. (2) والله اعلم. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه انه قال: البيت كله قبلة، وقبلة البيت الباب، والبيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الارض كلها والله اعلم
مسألة.
واتفق اهل العلم على استحباب السترة للمصلي بين يديه منفردا كان او اماما لقول النبيء لله واذا كان بين يدي المصلي مثل مؤخرة الرحل لم يبال بمامر بين يديه (3). واختلفوا فيه اذا لم يجد سترة: هل بخط امامه خطة ويصلي؟ فاستحب ذلك اصحابنا وبعض الأمة، وقال
1) دخل النبيء (ع) البيت فدعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه. فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة. وقال: «هذه القبلة» رواه البخاري من حديث عطاء سماعا عن ابن عباس وقبلها اي مقابلها وهذه القبلة الاشارة الى الكعبة قال الخطاب: معناه ان امر القبلة قد استقر على استقبال هذا البيت فلا ينسخ
--
بعد اليوم فصلوا اليه ابداء
-
اه
(2) وحجة القائلين بصحة الصلاة فى الكعبة لافرق بين الفرض والنفل ماروي عن ابن عمر (ض) قال: دخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) البيت هو واسامة بن زيد وبلال وعثمان طلحة فاغلقوا عليهم الباب. فلما فتحوا كنت اول من ولج فلقيت: ن بلالاً فسالته:
بن
هل صلى رسول الله؟ قال: نعم بين العمودين اليمانيين» رواه احمد والشيخان.) رواه احمد ومسلم وابن ماجه من حديث عائشة قالت: سئل رسول الله (ع) في غبوة تبوك عن سترة المصلي فقال: «مثل مؤخرة الرحله.
:
1 Y 001 (1/265)
صفحة 266
آخرون ليس عليه ان يخط. والاصح الاول لقول النبيء واذا صلى احدكم فليجعل تلقاء وجهه سيفا، فان لم يجد فعصا، فان لم يجد فليخط خطاً ثم لا يضره مامر بين يديه (1)، وقد روي عنه (ع) انه صلى الى غير سترة (2) وفي حديث آخر انه غرز عنزة فصلى اليها (3)، وانما استحب اصحابنا السترة لاجل ما يمر بين يدي المصلي لئلا يقطع عليه الصلاة كالحائض والنفساء والكلب الذي له نكتتان فوق عينيه، واختلف في الجنب وكذلك استقبال الاموات والتصاوير والعجل والنار الموقدة. شدد في استقبال هؤلاء الوجوه بعضهم، واختلف في استقبال الالواح والنائم فهذه المعاني عند بعضهم تنقض الصلاة ما لم يكن الامام والسترة الا ان كان بينه وبين المصلي مقدار سبعة اذرع، وقيل خمسة، وقيل ثلاثة،
والله اعلم (4)
•
1) عن ابي هريرة رواه احمد وابوداود وابن حبان وصححه، كما صححه احمد وابن
المديني. وقال البيهقي: لاباس بهذا الحديث في هذا الحكم ان شاء الله (2) لحديث ابن عباس وان النبي (ع) صلى فضاء وليس بين يديه شيء» رواه احمد وابوداود. ورواه البيهقي وقال، وله شاهد باسناد اصح من هذا عن الفضل بن
عباس.
عبدالله بن
) متفق عليه من طريق ابن عمر بلفظ «حربة وفي رواية اخرى عن ابي جحيفة وهب (ض) قال: رايت النبي (ع) بمكة وهو بالابطح في قبة له حمراء من آدم فخرج بلال بوضوئه، فخرج النبي (صلى الله عليه وسلم) وعليه حلة حمراء كاني انظر الى بياض ساقيه فتوضا واذن بلال فجعلت اتتبع فاه ههنا وههنا يقول بمينا وشمالا، حي على الفلاح، ثم ركزت له عنزة (عصا في اسفلها حديدة)
حي على الصلاة
فتقدم فصلى يمر بين يديه الكلب والحمار لا يمنع متفق عليه 4) وقيل لا يقطعها. شيء: قال الربيع وابن محبوب وهاشم وبعض المغاربة وليست الصلاة حبلا ممدودا كل ماجاء يقطعها. وانما تعرج الى السماء: يصلها بر القلب ويقطعها فجوره - فلا يقطعها شيء من ذلك ونحوه ولو مر بينه وبين سجوده الا نجاسة مس نعم نهي عن المرور بين يدي المصلي. والمار آثم ان تعمد وللمصلي ان يمنعه ويدفعه وان بعنف، ورغم ذلك لا يؤثر في صلاته لانها صلة روحية بينه
ان
وبين ربه.
اهـ مصححه
- 256 - (1/266)
صفحة 267
في النية
وقد اجمعوا على انها شرط في صحة الصلاة لكون الصلاة رأس العبادات التي ورد الشرع بها لغير مصلحة معقولة من المصالح المحسوسة، واختلفوا هل من شرط نية المأموم ان توافق نية الامام في تعيين الصلاة وفي الوجوب حتى لا يجوز ان يصلي المأموم ظهرا خلف امام يصلي عصرا؟ ولا يجوز ان يصلي الامام ظهرا تكون في حقه نفلا، وفي حق المأموم
فرضا؟ فذهب اصحابنا الى انه يجب ان توافق نية المأموم نية الامام:
ووافقهم على ذلك مالك وابو حنيفة. وذهب الشافعي الى انه ليس يجب عليه ذلك، واحتج اصحاب القول الاول بقول النبيء له وانما جعل الامام ليؤتم به (1). واحتج الشافعي بما روي ان معاذاً كان يصلي مع النبيء لا ثم يصلي بقومه (2) والله اعلم
مسألة: في كيفية النية في الصلاة. وذلك يعقد في قلبه ويقصد به الدخول في الصلاة المعينة: اما ظهرا او عصرا، او غيرهما ليوم معلوم او ليلة معلومة. وقد استحب بعض اصحابنا معرفة الشهر. ويتصل بعقد النية للصلاة ان تكون حضرية او سفرية وسنذكر من ذلك ههنا طرفا ان شاء الله.
1) سباتي قريبا.
(2) عن جابر
عبدالله بن. وفيه: انه يصلي المغرب، كان معاذ (ض) يصلي مع النبيء (ع) العشاء الاخيرة ثم يرجع الى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة فكانت صلاته له تطوعا ولهم فريضة. ـ وعن محجن ابن الادرع قال: اتيت النبيء) وهو في المسجد فحضرت الصلاة فصلى و لم اصل فقال لي: الاصليت؟ قلت يارسول الله اني صليت في الرحل ثم اتيتك قال: واذا جئت فصل معهم واجعلها نا فلة.
اهـ مصححه
،
1 YOY — (1/267)
صفحة 268
مسألة: في اخذ (الوطن). وهو من شروط الصلاة التي لاتصح
الا بها بلاخلاف اجده بين الامة، لما صح من توطين الرسول عليه السلام واصحابه المدينة بعدما كان وطنهم مكة اعزها الله تعالى، ولا صلاة لمن لا وطن له، ولا يوطن الرجل الا موضعا معروفا طاهرا مما تجوز الصلاة عليه من الارض وما اتصل بها. وكل مكان لا يصلى عليه لا يوطنه، ويأخذ اربعة اوطان فما دونها، والمرأة لاتوطن الا واحدا الا ان كانت ذات زوج فوطنها وطن زوجها واحدا كان او اربعة. ويأخذ الرجل الوطن بالنوى دون اللفظ ولا ينزعه الابالنوى واللفظ. ويكون وطن الرجل وطن جميع من علق اليه امره من عبيده واطفاله وازواجه وبناته البالغات مالم يخرجن عنه، وما تعلق اليهن من العبيد وعبيد اطفاله ايضا كذلك، وعبيد مواليه ولقيطه ما دام طفلا كذلك مسألة في صلاة السفر: وفيها خمس مسائل مما يتعلق به الاختلاف
الله عنها
بين الناس. وقد اجمعوا على ان السفر له تأثير في قصر الصلاة، وانه جائز للمسافر ان يقصرها فيه الاخلافا شاذا روي عن عائشة رضي وهو ان القصر لا يجوز الا للخائف لقول الله تعالى «ليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلاة ان خفتم الآية (1)، وقالوا ان النبيء لا انما
1) النساء (101) - فعن يعلى بن امية قال: قلت لعمر بن الخطاب ارايت اقصار الناس الصلاة؟ وانما قال الله عز وجل ان خفته ان يفتنكم الذين كفرواه فقد ذهب ذلك اليوم؟ فقال عمر: عجبت مما عجبت منه فذكرت ذلك لرسول الله (ع) فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته، رواه الجماعة. وقيل لابن عمر: انا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضير في القرآن ولا نجد صلاة السفر، فقال ابن عمر: يا ابن اخي ان الله بعث الينا محمدا (ع) ما نعلم شيئا، فانما نفعل ما رأيناه يفعله. مصداق ذلك قوله (ع) صلوا كما رأيتموني اصليه - ورأى ابن عمر قوما يسبحون يصلون في السفر تطوعاه بعد الصلاة فقال ولو كنت مسبحا لاتممت صلاتي. يا ابن اخي صحبت رسول الله (ع) فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله تعالى. وصحبت ابا بكر فلم يزد على ركعتين. وذكر عمر وعثمان وقال: ولقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة رواه البخاري.
مصححه
1 YOU— (1/268)
صفحة 269
قصرها لانه كان خائفا والله اعلم.
المسالة الاولى في حكم القصر: وقد اختلف الناس فيه على اربعة اقوال، واحدها ان القصر فرض للمسافر المتعبد. وبه قال اصحابنا ووافقهم على ذلك ابو حنيفة واصحابه والكوفيون باسرهم. والثاني ان القصر سنة وهو ما روي عن مالك في اشهر الروايات عنه، والثالث ان المسافر مخير بين القصر والاتمام كالتخيير في واجب الكفارات. والقول الرابع ان القصر رخصة وان الاتمام افضل. وسبب التنازع تعارض العلة المعنوية للآثار الثقلية، ومعارضة الدليل الفعلي للمعنى النقلي. وذلك ان المفهوم من قصر الصلاة انما هو الرخصة لموضع المشقة كما رخص له في الفطر واشياء كثيرة. ويؤيد هذا حديث النبيء عل الله حين سئل عن ذلك من الله تصدق بها عليكم فاقبلوا صدقته (1) فمفهوم هي الرخصة. واما الأثر النقلي المعارض لهذه العلة فحديث عائشة المتفق عليه انها قالت: اول ما فرضت الصلاة ركعتان ثم زيدت في الحضر (2). وعن النبيء عل الله ايضا قال: «ان الصلاة التي كنتم تصلون ركعتان الا انها صلاة المسافر (3) واما الدليل للفعلي المعارض للمعنى النقلي الاثار فهو ما نقل عنه عليه السلام انه يقصر في جميع اسفاره
فقال: صدقة اهي
هذا
ومفهوم
1) رواه الجماعة
(2) متفق عليه. ونص حديث عائشة كما ساقه الشماخي في الايضاح اول ما فرضت الصلاة ركعتان ركعتان في السفر والحضر، واقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر، ونص المتفق عليه: اول ما فرضت الصلاة ركعتين فاقرت صلاة السفر
واتمت صلاة الحضر وللبخاري ثم هاجر ففرضت اربعا وأقرت صلاة السفر على
الاول، وزاد احمد: الا المغرب فانها وتر النهار والا الصبح فانها تطول فيها القراءة
•
- 259
لم اطلع على سنده بهذا اللفظ (1/269)
صفحة 270
ولم يصح
عنه انه اتم الصلاة قط (1)، ومن ذهب الى التخيير للمسافر بين
عائشة القصر والاتمام احتج بما روي عن
رضي
الله
عنها ان النبيء عال
كان يتم في السفر ويقصر ويصوم ويفطر، ويؤخر الظهر ويعجل العصر:
ويؤخر المغرب ويعجل العشاء (2) والله اعلم
•
المسألة الثانية: اختلف العلماء في المسافة التي يجوز فيها القصر فذهب اصحابنا وبعض أهل العراق واهل الظاهر الى انها فرسخان وهما
في التقدير ستة اميال. وذلك مروي عن انس بن مالك ان النبيء خرج بأصحابه الى ذي الحليفة فصلى بهم ركعتين ثم رجع فسئل عن ذلك فقال اردت ان اعلمكم حد السفر او قال صلاة السفر (3) وبه قال علي بن ابي طالب، وعبدالله بن عباس، وأبو عبيدة مسلم، وجابر بن زيد وغيرهم من اصحابنا بلا خلاف اجده بينهم. وذهب اهل المدينة مالك واصحابه والشافعي واشياعه الى ان المسافة لقصر الصلاة اربعة برد. وذلك فيما وجدت مسيرة يوم بالوسط. ورووا ذلك عن عمر، وابن عباس وغيرهما. وذهب بعض اهل الكوفة وابو حنيفة واصحابه الى ان اقل مسافة التقصير ثلاثة ايام. قالوا: انما القصر لمن سافر من افق الى افق. ورووه عن ابن مسعود رضي الله عنه، وسبب التنازع معارضة المعنى المعقول للفظ المنقول. وذلك ان علة قصر الصلاة في السفر انما هي لأجل المشقة وكذلك في الصوم فلما كان الأمر هكذا وجب ان يكون القصر اذا كانت
اهـ مصححه
1) قال ابن القيم: وكان (علي) يقصر الصلاة الرباعية فيصليها ركعتين من حين يخرج مسافرا الي ان يرجع الى المدينة، ولم يثبت عنه انه اتم الصلاة الرباعية ولم يختلف في ذلك احد الائمة المحفوظ عن عائشة ان ذلك من فعلها قالت: انه لا يشق عليه رواه البيهقي.) رواه الدارقطني والبيهقي والنسائي
260 (1/270)
صفحة 271
المشقة. واما اللفظ المعارض له فما روي ان النبيء عل الله قال: «ان الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة (1) والله اعلم. المسألة الثالثة: فقد اختلف الناس في اي انواع السفر الذي تقصر فيه الصلاة: فذهب بعضهم الى انه مقصور على السفر المتقرب به كالحج والجهاد واشباه ذلك. واحتجوا بأن النبيء عل الله لم يقصر الصلاة قط الا في سفر متقرب به (2). وذهب آخرون الى ان القصر انما هو في السفر المباح دون سفر المعصية. وهو الأليق. بأصول اصحابنا. وهو مروي عن مالك والشافعي، وبعضهم اجازوه في كل سفر مباحا كان او معصية وذكر ذلك عن ابي حنيفة واصحابه. وسبب التنازع تعارض المعنى المعقول وظاهر اللفظ بدليل الفعل. وذلك ان من اعتبر المشقة وظاهر لفظ السفر لم يفرق بين سفر وسفر. ومن اعتبر فعل الرسول عليه السلام لم يجز القصر الا في السفر المتقرب به كالحج والجهاد كما قدمنا. وأما من فرق بين المباح والمعصية فعلى جهة التغليظ. والأصل فيه: هل تجوز الرخصة للعصاة ام لا؟ والله اعلم.
المسألة الرابعة: اختلف العلماء في الموضع الذى يبدأ منه المسافر
1) رواه الترمذي من حديث انس بن مالك ان رجلا من بني عبدالله بن كعب قال: اغار علينا خيل رسول الله (ع) فأتيت رسول الله (ع) فوجدته يتغذى فقال ادن فكل، فقلت: اني صائم فقال ادن احدثك عن الصوم او الصيام: وان الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل او المرضع الصوم او الصيام، والله صل الله لقد قاهما كلتيهما النبي (ع) او احداهما، فيالهف نفسي ان لا اكون طعمت صلابته من طعام النبيء ()
•
اهـ مصححه
(2) ونص الحديث كما اورده صاحب الايضاح رحمه الله: وانه كان (علي) اذا سافر قصر حتى يرجع متفق عليه. (1/271)
صفحة 272
في تقصير الصلاة: فذهب أصحابنا الى أنه ان كان ينوي سفراً نائياً فانه
يقصر من حين خرج من قريته، وخيره بعضهم فيما دون الفرسخين بين الفطر والاتمام، واوجبوا عليه القصر اذا جاوز الفرسخين بخلاف الفطر في الصوم قالوا: لأن الفطر في السفر رخصة مخير بين قبولها وردها، وليس كذلك قصر الصلاة لأنه امر لازم لا تصح صلاة المسافر الا بالقصر، والا فعليه الاعادة أبدا، قالوا: واما ان خرج في طلب حاجة فيما فوق الفرسخين فانه لا يقصر حتى يجاوز الفرسخين والله اعلم. وروي عن وهو ان المريد للسفر لا يقصر حتى يخرج من
مالك
فانه
بن
متي
انس مثل هذا
بيوت المصر، ولا يتم ما لم يدخل أول بيوتها. وقد روي عنه ايضا انه لا يقصر اذا كانت قرية جامعة. حتى يكون منها بنحو ثلاثة اميال. وسبب التنازع معارضة مفهوم اللفظ بدليل الفعل: فمن راعى مفهوم لفظ السفر ما شرع في السفر فقد انطلق عليه اسم مسافر، فيقصر الصلاة خرج من بيوت المصر، ومن راعى فعل الرسول عليه السلام فانه لا يقصر حتى يجاوز ثلاثة اميال فصاعدا لأنه ذكر بعضهم في حديث انه عليه السلام كان اذا خرج مسيره ثلاثة اميال او ثلاثة فراسخ صلى ركعتين (1) والله اعلم
اذا
•
المسألة الخامسة: اختلف الناس في مقدار الزمان الذي اذا مكث فيه المسافر في المصر لزمه الاتمام: فروى بعض العلماء ان مبلغ اختلافهم في هذه المسألة احد عشر قولا الا ان الأشهر منها ثلاثة اقوال: واحدها» مذهب الشافعية والمالكية انه اذا عزم على اقامة اربعة ايام لزمه الاتمام. والثاني مذهب ابي حنيفة وسفيان الثوري. انه اذا عزم على اقامة خمسة
1) عن انس رواه مسلم.
262 - (1/272)
صفحة 273
الخلاف
عشر يوما لزمه الاتمام. والثالث) مذهب الحسن البصري ان المسافر يقصر ابدا ما لم يتخذ وطنا. وكان فيما بلغنا يقول: مضت السنة ان يقصر المسافرون وان اقاموا عشر سنين ما لم يتخذوها وطنا. وسبب انها مسألة مسكوت عنها في الشرع، والقياس على التحديد ضعيف عند الجميع. فلما سكت عنها الرسول عليه السلام و لم يحد في تقصير صلاة المسافر حدا. وثبت عنه عليه السلام انه اقام بمكة عام الفتح سبعة عشر يوما يقصر الصلاة. وفي بعض الروايات ثمانية عشر، او تسعة عشر (1) فاختلف الناس في ذلك: فذهب اهل المدينة مالك واصحابه والشافعي واشياعه ان المسافر اذا قام اربعا صلى اربعا، ورووا ذلك عن عثمان بن عفان وانه فعله في بعض خلافته، وعن سعيد بن المسيب مثله. واحتج ابو حنيفة واصحابه باقامة النبيء الا الله بمكة سبعة عشر يوما يقصر الصلاة (2). ومذهب اصحابنا فى هذا ابي عبيدة، وجابر بن زيد، وضمام الله بن السائب، وابي نوح (3) وغيرهم رحمهم ان المسافر يقصر الصلاة وان اقام في المصر ابدا ما لم يتخذه وطنا، او يشتري فيه دارا فيما وجدت عن ابي عبيدة خاصة (4) حجة اصحابنا في هذا ماروي عن عمرو
•
1) اما رواية الربيع عن ابن عباس فخمسة عشر يوما. قال: وان النبيء) اقام بمكة عام الفتح خمسة عشر يوما يقصر الصلاة وهو لا ينوي الاقامة بهاء قال الربيع، هذه حجة من لم ير الاقامة للمسافر اذا كان ينوي الاقامة اربعة ايام في موضعه الذي وفي رواية البخاري عن ابن عباس تسعة عشر يوماه ولابي داود وسبعة عشره ـ وله عن عمران بن حصين و ثمانية عشره - وله عن جابر (ض) واقام بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة ورواته ثقات الا انه اختلف في وصله اهـ مصححه
نزل فيه
-
(2) وقد تقدم قريبا
(3) ابو نوح صالح الدهان تقدم التعريف به.
(4) اوتزوج فيها كما روي عن عثمان بن عفان انه صلى بمنى اربعا فانكر عليه الصحابة ذلك فقال: «انما اتممت لانني تاهلت بهذا البلد وسمعت النبيء) يقول: «من
تأهل ببلد فهو من اهله اه
=)
- 263 - (1/273)
صفحة 274
ابن عبيد ان النبيء علا الله اقام في بعض غزواته في قرية تسعة اشهر يقصر الصلاة. وهذا الحديث لم اره الا في بعض اثار اصحابنا. وروى اصحابنا
ان الحسن اقام بفارس سنتين يقصر الصلاة. وعن ابراهيم النخعي ان علقمة اقام بخوارزم سنتين يقصر الصلاة، وروى بعضهم انه اقام بها اربع سنين، وعن ابن عمر انه اقام بأذريبجان ستة اشهر، وقيل سبعة عشر شهرا يقصر الصلاة. وعن سعد بن ابي وقاص في نفر من اصحاب النبيء الا الله اقاموا بالقادسية ماشاء الله يقصرون الصلاة. والله اعلم. فهذه امهات مسائل التقصير، ولنرجع ان شاء الله الى متعلقات الأذان الصلاة سنن والاقامة والجماعة والتوجيه وغير ذلك من كيفية امتثال سنن الصلاة
من
وفرائضها والله اعلم.
الفصل
في الاذان والاقامة
وهذا الفصل ينقسم قسمين: احدهما» في الأذان. «والثاني» في
الاقامة.
من
القسم الاول
في الاذان
وهو على وجهين لغوي و شرعي: فاللغوي معناه الاعلام. دليله وأذان الله ورسوله الى الناس يوم الحج الاكبر (1) اي اعلام. والشرعي
1) التوبة: (3).
ـ 264 ـ (1/274)
صفحة 275
هو التعريف للصلاة بألفاظ شرعية في اوقات مخصوصة. ولتذكر فيه ههنا خمس مسائل تجري مجرى الامهات فيه: احداها» في صفة الآذان. وقد اختلف الناس فيه فيما وجدت على اربع صفات واحداها، تثنية التكبير فيه وتربيع الشهادتين وباقيه مثنى. وهذه الصفة مذهب اهل المدينة مالك واصحابه، والصفة الثانية، اذان اهل الكوفة وهو تربيع التكبير الأول وتثنية باقي الأذان وهو مذهب أصحابنا، ووافقهم على ذلك ابو حنيفة الا ان اصحابنا راوا تربيع التكبير في جميع الاذان والله اعلم. والثالثة. اذان اهل البصرة فيما روي عنهم: وهو تربيع التكبير الاول وتثنية الشهادتين والحيعلتين وروي هذا عن الحسن البصري وابن سيرين، والصفة الرابعة: اذان اهل مكة فيما روي عنهم: وهو تربيع التكبير الاول والشهادتين وتثنية باقى الاذان: وروي مثلها عن الشافعي وسبب التنازع اختلاف الآثار واختلاف العمل المتصل عند كل فريق منهم: والله
اعلم.
المسألة الثانية: (حكمه). وقد اختلف فيه على ثلاثة اقوال: واحدها»
انه فريضة على الأعيان وعلى الجماعات روي هذا عن اهل الظاهر.
>
ولعلهم احتجوا بقول النبيء عل الله لمالك بن الحويرث ولصاحبه، اذا كنتما في سفر فأذنا واقيما وليؤمكما افضلكما (1) والقول الثانى انه فرض على مساجد الجماعات. وقيل سنة مؤكدة. وروي ذلك عن مالك بن انس وعن اصحابه. ذلك انهم قالوا: ان الأذان فرض كفاية على اهل كل بلد لاقامة شعائر الاسلام، وان تركه الجميع أنموا وقوتلوا. وان فعله واحد
(1) رواية البخاري قال (علي) لرجلين واذا حضرت الصلاة فاذنا واقيما وليؤمكما افضلكما او قال استكماه
– 265 ـ (1/275)
صفحة 276
اجزا
عن الباقين. وعللوا وجوبه في المساجد ومواضع الجماعة بوجهين اقامة الشعار وتعريف الأوقات. والقول الثالث قول اصحابنا ان الأذان فرض على الكفاية وهو سنة لكل احد في خاصة نفسه. وسبب الاختلاف هو سبب تردده بين ان يكون قولا من أقاويل الصلاة المختصة بها، او ان يكون المقصود به هو اعلام الناس بالصلاة والدعاء اليها في المساجد ومواضع الجماعات
المسألة الثالثة: في وقته. وقد اجمعوا فيما وجدت على انه لا يؤذن للصلاة قبل دخول الوقت ما عدا الصبح فانهم اختلفوا فيه: فذهب بعضهم الى انه يجوز ان يؤذن لها قبل طلوع الفجر. وروي
من
هذا عن
مالك
لا بد للصبح
والشافعي، وذهب ابو حنيفة الى انه لا يجوز. وقال بعض اذان ثان ان اذن لها قبل طلوع الفجر. وسبب اختلافهم حديثان متعارضان واحدهما قول النبيء الا ان بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم (1). والثاني ما روي عن ابن عمر: ان بلالا أذن قبل طلوع الفجر فأمره عليه السلام ان يعيد فينادي الا ان العبد قد نام (2) والله اعلم. المسألة الرابعة في شروط الأذان: وقد اختلف فيها: قال بعضهم لا يؤذن الا على طهارة قائما على قدميه، غير قاعد، ولا راكب، متوجها للقبلة، غير متكلم في حالة الآذان، وهو بالغ صحيح العقل. ولا يقيم
1) من حديث ابن عمر وعائشة قالا، قال رسول الله (ع): وان بلالا الى قوله ابن ام مكتوم وكان رجلا اعمى لا ينادي حتى يقال له اصبحت اصبحت. متفق
عليه، وفي آخره ادراج.
(2) رواه ابوداود وضعفه
266 - (1/276)
صفحة 277
الصلاة غيره، أى غير المؤذن الا من عذر، ولا يأخذ على أذانه اجرا. فصاحب هذا القول قاس الأذان على الصلاة. وهو اللائق بأصول أصحابنا، وقد وجدت عن ابي المؤرج (1): ان تكلم اعاد الأذان. واعجب به ايوب (2)، واما الربيع بن حبيب وابوغسان (3) فانه اذا تكلم عندهم لحاجة لابد منها فلا يعيد الاذان. ولا ينبغي له ان يؤذن الابثوب طاهر، ولا يأكل فيه، ولا يشرب وقد سئل الربيع بن حبيب: متى يكون
الاذان للفجر؟ فقال: على قدر ما ينتبه النائم الجنب فيغتسل ويدرك الصلاة. والله اعلم. المسألة الخامسة: وقد استحب العلماء لسامع الأذان ان يقول مثل ما يقول المؤذن لثبوت ذلك عن النبيء علل. واختلفوا فيه عند قول المؤذن حي على الصلاة، حي على الفلاح: فقيل عن بعض الصحابة ان السامع يقول: لاحول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. وقال بعضهم: بل
1) ابو المؤرج عمرو بن محمد من اهل قدم من اليمن هو احد علماء القرن الثاني ممن أخذ هو والربيع عن ابي عبيدة مسلم، وقد وقع له في جماعة. اصحابه خلاف من بينهم وبين الربيع في مسائل ادى الى تدخل شيخهم ابي عبيدة وترجيحه جانب الربيع. وقد سبقت الاشارة الى ذلك فى ترجمة ابن عبدالعزيز. وهو ممن يروي عنه ابوغانم الخراساني في كتبه. وذكر عنه انه قدم الى عمان فحاجه علماؤها فرجع الى
الحق
اهـ مصححه
1) هو ابو ايوب وائل بن ايوب الحضرمي من تلاميذ الربيع وقد سبق التعريف به. (3) ابو غسان مخلد بن العمر دهو ـ كما قال الشماخي -: (من | العلماء النحارير والفقهاء القناطير من علماء الطبقة الرابعة طبقة الربيع بن حبيب ووائل بن أيوب الحضرمي
الله
وحملة العلم الى المغرب والمشرق وكلهم من خريجي مدرسة ابي عبيدة مسلم بالبصرة، اما تاريخ مولده ووفاته على التحديد فلم اعثر عليه كغيره من اهل طبقته رحمه ورضي عنه.
اهـ مصححه
- 267 - (1/277)
صفحة 278
يقول مثل ما يقول المؤذن لعموم الحديث. وهو قوله عليه السلام: اذا
سمعتم
الأذان
فقولوا مثل ما يقول المؤذن (1) والله اعلم.
القسم الثاني
في الاقامة
وقد اختلف العلماء في حكمها، فقال الجمهور: انها سنة مؤكدة ابلغ من تاكيد الأذان. وذهب اهل الظاهر الى انها فرض. وقد ذكر ابن جعفر العماني في كتابه (2): ان من ترك الاقامة متعمدا حتى صلى يعيد صلاته في قول بعضهم. وفي سبوغ النعم (3) منزلته خسيسة. وسبب اختلافهم هل الاقامة من الافعال التي يحمل العلم بها على الوجوب لقوله عليه السلام: «صلوا كما رأيتموني اصلي (4) ام هي من الأفعال التي تحمل على الندب، وظاهر حديث الرسول للرجلين اذنا واقيما يوجب كونها فرضا:
1) متفق عليه رواه الترمذي وابو داود والربيع من حديث ابي سعيد الخدري. (2) هو الكتاب الجامع. المشهور بجامع ابن جعفر لابي جابر محمد بن جعفر الازكوي العماني من علماء القرن الثالث فى ثلاث مجلدات. وفيه زيادات ابي الحواري وغيره العلماء كابن المسبح، جعلوا زياداتهم حكم الحواشي وهو كتاب مبارك نافع للخاصة والعامه. قاله السالمي. هذا وقد الف الامام ابو سعيد محمد بن سعيد الكدمي كتاب المعتبر» اعتبر فيه الاثار وتعقب به «جامع ابن جعفر، ففصل مجملاته واوضح مشكلاته، واستخرج كنوزه فكان في متناول ايدي الراغبين والحمد لله رب
من
العالمين
اهـ مصححه
(3) كتاب سبوغ النعم للشيخ ابي الحسن علي بن محمد البسياني العماني من. علماء القرن الثالث وممن اخذ العلم عن الامام ابي محمد عبدالله بن بركة الذي تقدمت ترجمته.
عن مالك بن الحويرث رواه البخاري.
اهـ مصححه
268 - (1/278)
صفحة 279
اما على الجماعة او على المنفرد والله اعلم، واختلفوا في صفة الأقامة فروي عن مالك ان التكبير الذي في اولها فمثنى ومابعده فمرة واحدة (1)، وخير بعضهم بين الافراد والتثنية، ومذهب اصحابنا ان الأذان والاقامة مثنى مثنى، ووافقهم على ذلك الحنفية، واحتجوا بان النبيء الا الله امر بلالا فاذن مثنى مثنى، واقام كذلك (2). وروى اصحاب القول الاول انه امره يشفع الاذان ويفرد الاقامة (3). وروى اصحابنا ان اول من افرد الاقامة معاوية وكان يطول عليه القعود على المنبر، ويستحب الجزم في الاقامة، ومن نسي منها شيئا ثم ذكر قبل ان يصلي اعاد ذلك وحده مالم يتطاول ذلك. ومن تكلم فيها فاحب الي ان يعيدها. ومن دخل المسجد قبل ان تنتقض الصفوف فانه يكتفي باقامة الجماعة. وقال من قال ان لم يدخل معهم فليقم وحده. وذلك احب الي، ومن دخل الصلاة بمالم تتم به من انتقاض وضوء، اوثوب منجوس فليعد الاقامة مع الصلاة، وليس لصلاة السنن وقضاء فوائت الفرائض اذان ولا اقامة، وجمهور العلماء اتفقوا على ان ليس على النساء اذان ولا اقامة، وروي عن مالك قال: ان اقمن
عائشة
فحسن. وعن الشافعي ان اذن واقمن فحسن. وروى مخالفونا عن. انها تؤذن وتقيم، واصل الاختلاف: هل المرأة في جميع العبادات كالرجل ام لا؟ ومعلوم انها مأمورة بخفض الصوت والله اعلم.
1) الأولى ان يقول: عن مالك انه قال: اما التكبير الخ ... (2) رواه الربيع عن الى سعيد الخدري ورواه كذلك الترمذي وابو داود والحديث متفق
عليه.
) من حديث انس بن مالك قال: أمر بلال ان يشفع الاذان ويوثر الاقامة والا الاقامة» الا قد قامت الصلاة، متفق عليه. ولم يذكر مسلم الاستثناء، وللنسائي وامر
يعني
النبيء
بلالا
- 269 ـ (1/279)
صفحة 280
فصل في التوجيه
وقد اختلف العلماء في حكمه: فذهب قوم الى انه واجب في الصلاة قبل الاحرام. وروي ذلك عن الشافعي وهو توجيه ابراهيم عليه السلام، وروي عن ابي حنيفة: انما عليه التسبيح، ومذهب ابي يوسف صاحبه الجمع بين التوجيه والتسبيح. وروي عن مالك ان التوجيه في الصلاة ليس بواجب ولاسنة، ومذهب اصحابنا ان التسبيح في التوجيه سنة. وتوجيه ابراهيم عليه السلام مستحب، وحجة اصحابنا في التسبيح قول الله تعالى: فسبح بحمد ربك حين تقوم (1) وماروي عن النبيء علل من طريق ابن مسعود وعائشة رضي الله عنهما: انه اذا قام الى الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا اله غيرك (2)، وقد استحب اصحابنا ان يضم الى توجيه النبيء محمد ع لا توجيه ابراهيم عليه السلام
-
وهو: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ــ الى قول ــ رب
العالمين (3). واختلف اصحابنا فيمن دخل الصلاة بعد عقد النية بتكبيرة الاحرام وترك ما سوى ذلك: فقيل تفسد صلاته لانه ترك سنة معمولا بها عند اصحابنا هو التوجيه، وقال آخرون لا نقض عليه لأنها ليست صلب الصلاة. وهذا القول امثل. واما ان ترك ذلك ناسيا فلا نقض عليه. وكذلك ان خاف فوات الامام فانه يوجه وهو سائر الى الصف
من
1) الط ـور: (48).
(2) رواه ابوداود والدارقطني عن عائشة، وللخمسة مثله من حديث الى سعيد واخرج
مثله مسلم عن عمر. الانعام: (162).
- 270
- (1/280)
صفحة 281
ويحرم اذا وقف فيه والله اعلم، وينبغي لمن اراد الصلاة بعد الاتيان بجميع شروطها من الطهارة وغيرها ان يقوم منتصبا جاعلا بين رجليه مقدار مسقط نعل، مرسلا يديه ارسالا، رادا بصره في موضع سجوده، متخشعا الله بقلبه وجميع جوارحه، متوجها الى القبلة بنيته ووجهه، عالما بأنه مأمور بالصلاة وبالتوجيه بها الى القبلة. عارفا بصلاته تلك ويومه وشهره، راجيا ثواب الله في اداء فرضه، خائفا من عقابه في تضييع شيء من اوامره. وليقل بعد عقد النية على اداء صلاة معينة حضرية او سفرية: رب اني عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفرلي فانه لا يغفر الذنوب الا انت. اللهم اعني على اداء فريضتك التي افرضتها علي، ان اصلي صلاة الظهر فريضة افرضتها علي في يوم معلوم، في شهر معلوم، متقربا بها اليك، راجيا ثوابك، خائفا عقابك، مستقبلا بها فرض القبلة وهي الكعبة التى هي قبلة لأهل المسجد الذي هو قبلة لأهل مكة التي هي قبلة لأهل الحرم، الذى هو قبلة لأهل الأرض. اني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما انا من المشركين، قل. ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لاشريك له وبذلك امرت. سبحانك اللهم
من
وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. الله اكبر. مسألة في الاستعاذة: وهي مأمور بها عند اصحابنا في الصلاة وفي غيرها قبل القراءة. لقوله تعالى فاذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (1) يعنى اذا اردت قراءة القرآن. وهي تقرأ سراً في صلاة السر والجهر، ومن تركها متعمدا فصلاته ناقصة. ويستعيذ المصلي كما قال الله عز وجل: اعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لا يزيد عن هذا شيئا،
(1) النح ل: (98)
- 271 - (1/281)
صفحة 282
واختلفوا في موضعها فروى ابو عبيدة مسلم رحمه الله
رضي ا
عمر بن
الخطاب
عنه كان يستعيذ قبل القراءة. وروى ابو عبيدة ايضا ان ابا بكر
الصديق وعلي بن ابي طالب وابن مسعود وغيرهم من الصحابة انهم كانوا يستعيذون بعد الاحرام قبل القراءة، وبهذا اخذ ابوعبيدة
رحمه الله
فيما
روى عنه ابو المؤرج (1). وفى اثر مشائخنا رحمهم الله انه ان كان لسانه
متعوداً
بعجم
ذال الاستعاذة. فليعوذ بعد التكبير والا قبله والله اعلم
-
•
مسألة في الاحرام: اتفق جمهور الأمة ـ فيما وجدت على ان تكبيرة الاحرام فرض واجب لا يصح الدخول في الصلاة الا بها. لقول الله تعالى (وربك فكبره (2)، وقوله فكبره تكبيرا (3). ومن السنة قول الرسول عليه السلام مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم (4) وقوله للذى يعلمه الصلاة اذا اردت الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة ثم كبر الحديث (5). وما نقل من فعله عليه السلام انه
الاسراء: (110).
(1) تقدم التعريف به قريبا 2) المدثر: (3). 4) رواه الخمسة الا النسائي، ورواه ابو داود والترمذي وصححه الحاكم، اما رواية الربيع من طريق علي بن ابي طالب فبحذف الجملة الاولى: مفتاح الصلاة الطهوره.
اهـ مصححه
ه) وللبخاري من حديث ابي هريرة بلفظ: اذا قمت الى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها، اخرجه حتى تطمئن قائما ومثله حديث ولابن ماجة باسناد مسلم
السبعة
-
—
رفاعة (ض) عند احمد وابن حبان وفي لفظ لأحمد فاقم صلبك حتى ترجع العظام وللنسائي وابي داود من حديث رفاعة بن رافع انها لن تتم صلاة احدكم حتى يسبغ الوضوء كما امره الله تعالى، ثم يكبر الله وبحمده ويثني عليه وفيه «فان كان معك قرآن فاقرأ. والا فاحمد الله وكبره وهلله ولايي داود ثم اقرأ بام القرآن وبما شاء ولابن حبان ثم بما شئت.
الله
272 (1/282)
صفحة 283
يكبر عند افتتاح الصلاة. فوجب ذلك فعله لقوله صلوا كما رأيتموني من اصلي (1). ولأن افعاله في الصلاة كانت بيانا لمجمل فرضها الا ما وقع الاجماع عليه انه ليس بفرض فيها. والله اعلم. وقد ذهب قوم الى ان تكبير الصلاة كله واجب. ولعلهم قاسوه على تكبيرة الاحرام، وقد شذ قوم فقالوا ان تكبيرة الصلاة كله نفل وسنة، وهو قول ضعيف، ولعلهم
قاسوه على الأقوال التي ليست بفرض في الصلاة والله اعلم. مسألة: واجمعوا على ان لفظ التكبير المجزئ في الصلاة: الله اكبر. واختلفوا هل يقوم غير لفظه مما هو في معناه مقامه؟ فذهب مالك والشافعي الى انه لا يقوم لفظ سواء مقامه الا ان الشافعي قال: يجوز الله اكبر والله الاكبر. وذهب اصحابنا الى انه يقوم غيره مقامه اذا كان في معناه مثل: الله اجل، الله اعظم، واختلفوا في الاجل والأعظم. والجليل والعظيم. ووافق ابوحنيفة اصحابنا في هذا. وسبب اختلافهم: هل اللفظ هو المعتبر في الافتتاح، أو المعنى: فدهب الأولون الى انه اللفظ. واستدلوا بقوله عليه السلام تحريمها التكبير وتحليلها التسليم (2) فالألف واللام ههنا للحصر، والحصر يدل على ان الحكم خاص بالمنطوق به، وذهب اصحاب القول الثاني الى ان المفهوم من ذلك هو من باب دليل الخطاب هو ان يحكم بالمسكوت عنه بحكم المنطوق به، والنظر
يوجب القول الأول لأنه
في كتابه (3) والله اعلم.
عليه، واليه ذهب ابن بركة العماني منصوص
1) عن مالك بن الحويرث رواه البخاري.
2) تقدم قريا.
سبق ذكره وذكر كتابه المشهور بجامع ابن بركة.
- 273 – (1/283)
صفحة 284
مسألة:
و من
ترك تكبيرة الاحرام متعمدا أو ناسيا فلا صلاة له. وان جاوزها الى القراءة فانه يرجع ويحرم. وان جاوزها الى الركوع فسدت صلاته، واختلفوا هل يعتبر الشك فيها بعد ان جاوزها: فقيل لا يعتبر وقيل الدخول في الصلاة فلا يجاوزها حتى يحكمها
يعتبر هو
الأصح لأنها
مي
مسألة: ولتكن النية مقرونة بالاحرام وكيفيته ان يقصد بقلبه الدخول في الصلاة المعينة كما قدمنا، ثم اذا قارنته النية وجب استصحاب
استدامة حكمها وهو ان ينقل نيته الى الخروج من الصلاة قبل اتمامها. وان عزبت نيته اثناء الصلاة لم يضره ذلك. واما ان عزبت نيته في الانهماك في امر الدنيا والتعلق بعلائقها والتشبث بفضولها و لم يرد نظره حتى فرغ من الصلاة، فالاقوى عندى ترك الاعتداد بها، لان ذلك واقع باختياره، وقد روى ضمام بن السائب عن جابر بن زيد رحمه الله (1) قال: اجمع علم العلماء على ان ليس للعبد من صلاته الا ما عقل منها ورفعه بعضهم الى النبيء (2) وقد ذكر عن النبيء من طريق عمار رحمه الله ان الرجل
امرها بان لا يحدث ما ينافيها وينقض جزمها، مثل
1) تقدم التعريف بهما
(2) رواه احمد من طريق عمار بن ياسر حديث: ليس للعبد من صلاته الا ما عقل منهاه لم يجده مخرج احاديث الاحياء مرفوعا، ـ وروى محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة من رواية عثمان بن ابي دهرش مرسلا: ولا يقبل الله
-
من عبد عملا
حتى يشهد قلبه بدنه ورواية أبي منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابي بن كعب. ولابن المبارك في الزهد موقوفا على عمار ولا بكتب للرجل من صلاته ماسهى عنه. وكان (ع) يقول من صلى صلاة فشك في النقصان فليصل حتى يشك في الزيادة فان العبد لا يحسب له من صلاته الا ما عقل منها يعني لا يعقل انه اتم الا بهذه الركعة
-
274 - (1/284)
صفحة 285
ليصلي الصلاة ولا يكتب له نصفها ولا ثلثها ولا ربعها الى عشرها. والله اعلم. واما ان تذكر في صلاته فرد نظره فيها فلا باس عليه ان شاء الله تعالى. واما ان تعلق قلبه بمهم ديني فلا باس عليه ان لم يستنكحه الشك في صلاته. كما حكي عن عامر بن عبد قيس انه قال: الوسواس يعتريني في الصلاة فقيل له: أفي امر الدنيا؟ فقال لان تختلف في الاسنة احب الي من ذلك، ولكن يشتغل قلبي بموقفي بين يدي ربي كيف انصرف. فعد ذلك وسواسا، وهو كذلك لانه يشغله عن فهم ماهو فيه، والله
اعلم (1).
مسألة
: «في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم ـ اختلف العلماء في افتتاح الصلاة بها فروي عن مالك بن انس واصحابه منع الافتتاح بها في المكتوبة سرا كانت او جهرا الا في اول الفاتحة، ولا في غيرها من السور، واجاز ذلك في النافلة. وقال اصحابنا تقرأ في اول الفاتحة ومع كل سورة في الصلاة وفى غيرها الا في اول سورة التوبة، وتقرأ في الصلاة سرا مع السر وجهرا مع الجهر. ووافقهم على ذلك ابو حنيفة وسفيان الثوري (2)،
1) كان (ع) يرخص في اعمال القلوب ولو طال زمن الخواطر يعني لا تفسد ان لم يتعمد. واما قول عمر (ض): اني لاحسب خراج البحرين وانا في الصلاة، فمعناه: ذكر سوء النفس الامارة بالسوء لاجواز عمر ذلك ونحوه. وعنه ايضا: اني لاجهز جيشي وانا في الصلاة - وعن عقبة بن الحارث قال: وصليت مع النبيء (علي) العصر فلما سلم قام سريعا ودخل على بعض نسائه ورأى ما في وجوه القوم من لسرعته قال: وذكرت وانا في الصلاة تبراً عندنا فكرهت ان يمسي او يبيت
تعجبهم عندنا فامرت بقسمته) رواه البخاري.
2) الثوري هو ابو عبدالله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفى نسبة الى ثور
بن عبد مناة احد اجداده وهو من تابعي التابعين، ولد سنة 97 هـ ـ ومات
بالبصرة سنة 161 هـ.
اهـ مصححه
- YVO - (1/285)
صفحة 286
والشافعي في أحد قوليه وابن قتيبة وابن المبارك وابو عبيد واحمد وابو ثور (1) وغيرهم. وسبب الخلاف شيئان: احدهما اختلاف الآثار.
الخليفتان
عمر
والثاني هل هي آية من الفاتحة ام لا؟ فروى من أسقط قرأتها عن بعض رواة الحديث ان الرسول عليه السلام لم يكن يقرأ بها في الصلاة ولا من بعده رحمهم. الله (2) وروى اصحابنا عن جابر بن زيد انه لقي ابن عمر في المسجد الحرام فأخبره ان الناس تركوا قراءة البسملة فقال ابن: او فعلوها، ثم اخبره انه صلى خلف النبيء الا الله والخليفتين بعده فكانوا يقرءونها. فقال ابن عمر وانا أقرؤها مادمت حيا. قال: فساءني اذ لم يستثن (3). وروي عن صحار العبدي رحمه الله مثل ذلك. فقال ابن عمر انها آية من کتاب الله اختلسها منهم الشيطان. وروى مخالفونا عن علي بن ابي طالب وأبي هريرة وأم سلمة مثل ذلك (4) عن النبيء واما السبب الثاني الموجب للخلاف فهو كما قدمنا: هل البسملة آية
1) ابو ثور هو ابراهيم بن خالد بن اليماني الكلبي البغدادي احد الائمة المجتهدين الجامع بين علمي الحديث والفقه. بل قال فيه ابن حبان وكان احد ائمة الدنيا فقها وعلما وورعا وفضلا وديانة وخيرا يعد من طبقة الشافعي وان كان له مذهب مستقل. توفي سنة 240 هـ. وقيل سنة 246 هـ.
2) لحديث انس ان النبيء (وابا بكر وعمر كانوا يستفتحون الصلاة بالحمد الله رب العالمين متفق عليه وزاد مسلم: ولايذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في اول قراءة ولا في آخرها. وفي رواية لاحمد والنسائي وابن خزيمة ولا يجهرون بسم الله الرحمن الرحيم، وفى اخرى لا بن خزيمة كانوا يسرون وعلى هذا يحمل النفي في رواية مسلم خلافا لمن اعلها
اي لما قال: مادمت حيا لم يقل ان شاء الله لان هذا امر غيبي، والاولى رده الى المشيئة، قال الله تعالى لنبيئه ولا تقولن لشيء اني فاعل ذلك غدا الا ان يشاء الله. 4) عن ابي هريرة (ض) قال: قال رسول الله (ع) واذا قرأتم الفاتحة فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم فانها احدى آياتها» رواه الدارقطني وصوب وقفه
ـ 276 ـ (1/286)
صفحة 287
من
الفاتحة وكل سورة ام ليست بآية الا في سورة النمل خاصة؟ فمالك واصحابه. ليست بآية عندهم الا في سورة النمل. واصحابنا ومن
عندهم من
الفاتحة
وروي ذلك عن ابن عباس وعن
وافقهم: هي آية غيره من السلف (1)، وانه عد الفاتحة سبع أيات وعد فيها بسم الله الرحمن الرحيم، فاختلف الناس في قراءتها، فقال بعض: تقرأ سراً، وقال آخرون تقرأ جهرا، والذي يذهب اليه اصحابنا: انها تقرأ سراً مع السر وجهرا مع الجهر. والله اعلم.
عبادة
مسألة في القراءة: واجمع اهل العلم على ان الصلاة لاتجوز بغير قراءة سهوا ولا عمداً لقول الله تعالى فاقرءوا ما تيسر من القرآن (2). والحديث بن الصامت عن النبيء عليه السلام قال: ولا صلاة الا بفاتحة الكتاب فصاعدا (3) وحديث ابي سعيد الخدري، وحديث ابي هريرة وغيرهم عنه عليه السلام قال: كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج» (4) وروي عنه انه كان يقرأ فاتحة الكتاب جهرا في خفض صوت ثم يقرأ بعدها سورة. وعند علمائنا رحمهم الله ان القراءة في السر والجهر، على ثلاثة اقسام، الأول» الجهر في جميع الركعات بالحمد
مي
1) لما روي من طريق ابن عباس (ض) قال: فاتحة الكتاب ام القرآن فقرأها وقرأ الله الرحمن الرحيم، وقال: وانها آية کتاب الله رواه الترمذي والدار قطني. قال الربيع: قال ابو عبيدة وقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس
فيها بسم
مثل هذا.
المزمل: (20).
من
(3) وفي معناه: الاصلاة الا بفاتحة الكتاب وسورة رواه ابوداود.
) رواه احمد وابن ماجة من طريق عائشة. واخرج ابوداود حديث ابي هريرة بلفظ: من صلى صلاة لا يقرأ فيها بام القرآن فهي خداج فهي خداج فهي خداج غير تمام.
277 (1/287)
صفحة 288
والسورة كالصبح والجمعة في زمان الامام الثاني الاسرار في جميعها بفاتحة الكتاب خاصة الظهر والعصر. الثالث» الجمع بين الأمرين كالمغرب والعشاء فيجهر في الأوليين من كل واحدة منهما ويسر في سائرها. وروي
ان النبيء الا الله ولم يقرأ في الركعتين الاخيرتين من الصلوات الا بفاتحة الكتاب سرا، وعلى ذلك كثير من الامة. واتفق اصحابنا جابر بن زيد وغيره انه لا يقرأ في الظهر والعصر الا بفاتحة الكتاب سرا خلافا لفقهاء مخالفينا من المالكية والشافعية وغيرهم في ايجابهم قراءة السورة في الظهر والعصر. وحجة اصحابنا انهم قالوا. رأينا الناس مجتمعين على ان الظهر والعصر لا يجهر فيهما، ورأينا كل صلاة او ركعة لا يقرأ فيها الا بفاتحة الكتاب يسر بها ليلا ونهارا، ووجدنا الجمعة والعيدين يجهر فيهما بالقراءة لأجل السورة وهي صلاة النهار، فأخذنا فيهما بقول من لم يقرأ فيهما الا بفاتحه الكتاب خاصة (1). والله اعلم. وقد اجمع الناس على الاسرار في صلاة النهار لقول النبيء لا: صلاة النهار عجماء (2) مسألة: واختلف العلماء في القدر المجزئ في قراءة الفاتحة في الصلاة: فذهب اصحابنا الى انها تقرأ بجميعها في جميع ركعات الصلاة: فان ترك منها شيئا عمدا اعاد صلاته، وان ترك الأقل منها ناسيا فلا
ا) يعكر على هذا الاستنتاج قوله (ع) عن قتادة قال: كان رسول الله (ع) يصلي بنا يقرا في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية احيانا، ويطول الركعة الأولى، ويقرأ في الآخريين بفاتحة الكتاب متفق عليه. وعندى ان القول الجامع في هذا المقام هو ماجاء عن ابي هريرة، قال في كل صلاة يقرأ: فما اسمعنا رسول الله (ع) اسمعناكم، وما اخفي عنا اخفينا عنكم وان لم تزد على ام القرآن اجزأت، وان زدت فهو خيره رواه البخاري. اهـ مصححه (2) رواه ابن عباس ـ وفي معناه من حديث ابي هريرة: اذا رأيتم من يجهر بالقراءة في صلاة النهار فارجموه بالبعره.
-
- 278 - (1/288)
صفحة 289
اعادة عليه. وحكي عن الشافعي انه اوجبها في نصف الصلاة، وحكي عن الحسن البصري انه قال: تجزئ قراءتها في ركعة. وروي عن ابي الخلاف حنيفة انه اجاز في الركعتين الاخيرتين التسبيح بغير قراءة، وسبب الاحتمال المفهوم من قوله عليه السلام وكل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن الحديث (1). وذلك ان من قرأها او قرأ بعضها في كل الصلاة، او في ركعة منها لم يدخل تحت قوله لم يقرأ فيها، والله اعلم
مسألة: اتفق العلماء على ان المجزئ من قراءة السورة في الصلاه بعد فاتحة الكتاب ثلاث آيات فصاعداً. واختلفوا فيما دون ذلك: فقيل تجزئ آية قصيرة. وقيل آية منتظمة طويلة كآية الدين. وروي ان جابر بن زيد رحمه الله قرأ: قل أرأيتم ان اصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين (2) ثم ركع، والله اعلم، والمستحب عند اصحابنا في قراءة الصبح ان يقرأ بصدر من المفصل من سورة محمد عليه السلام الى تبارك، والى عبس، وفي العتمة من عبس الى الفجر، وفي المغرب من اذا زلزلت الى: قل هو الله احد. والله اعلم
•
مسألة: ويجوز قراءة سورة في ركعتين معا وتكريرها في ركعتين، وروي ان ابن مسعود رحمه الله قرأ في آخر ركعتي الصبح سورة المرسلات، وعم يتساءلون، وقل هو الله احد، ثم ركع ولم يقنت. وبلغنا عنه ايضا انه قرأ في العتمة بهذه الآية: تبارك الذي جعل في السماء بروجا الى اخر السورة (3) ثم قرأ في الثانية بسورة الغاشية، وقيل عنه
1) وقد تقدم قريبا.
الملك: (30)
(3) الفرقان (من). 61) الى (77.
- 279 (1/289)
صفحة 290
انه قرأ في المغرب بالم نشرح، والتين والزيتون، ثم قرأ في الثانية بسورة
والضحى (1)، وكذلك بلغنا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه قرأ بين مكة والمدينة في صلاة المغرب بألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (2) وبسورة الهمزة، وفي الركعة الثانية بأرأيت الذي يكذب بالدين (3) والله اعلم.
مسألة: وحد الجهر ان يسمع نفسه واذنيه، وقيل ومن يليه، فمن قرأ في الجهر ولم يسمع اذنيه فلا يعتد بقراءته ولا تجزئه، وكذلك في قراءة السورة ان لم يسمع نفسه فلا تجزئه إذ القراءة عبارة عن تقطيع الحروف بالصوت ولا يمكن ان تلحق الحروف بمخارجها الا ويسمع نفسه والا صار تكييفا. وقراءة السر يشترط فيها تحريك اللسان بالحروف واسماع النفس، فان لم يتحرك بها لم يعتد بما فعل من القراءة لأنها تكييف. والله اعلم، ومن نسي فقرأ بالسورة في الظهر والعصر سرا فلا فساد عليه ان شاء الله، وان قرأ التشهد في موضع الفاتحة فركع فليستأنف صلاته، وان لم يركع فليقرأ الفاتحة ثم يركع في صلاة السر او يقرأ السورة في الجهر والله اعلم، ويستحب ترتيل القراءة بغير لحن والتفكر في معانيها، واللحن الذي يفسد الصلاة ان يبدل آية الرحمة بآية العذاب، او آية العذاب بآية الرحمة، واشباه ذلك من تبديل الوحدانية شركا والشرك توحيداً وما اشبه ذلك، والله اعلم، وقد استحب بعض العلماء سكتتين في الصلاة:
1) قال المحشي: قال في الايضاح: ولا ينبغي ان تنكس السورة في الصلاة مثل ان يقرأ في الركعة الأولى بسورة، وفي الركعة الثانية بسورة هي فوق السورة التي قرأها، وان فعل فلا بأس عليه في صلاته اهـ مصححه 2) الفيل: (1).
) الماعون: (1).
- YA- (1/290)
صفحة 291
احداهما بين التكبير والقراءة والثانية بين القراءة والركوع الحديث الي هريرة قال: وكانت للنبيء عليل اللي سكنتان حين يكبر ويفتتح الصلاة، وذا فرغ من القراءة قبل الركوع (1). وفي اثر أصحابنا يسكت مقدار التنفس، او مقدار مايبلع الريق (2) والله أعلم.
مسألة في الركوع: وهو فرض لانتم لصلاة ل. الناس، لقول الله تعالى اركعوا واسجدو (3) وأمر سيء عنه
الأعرابي الذي يعلمه الصلاة (4). ولما نقل الينا من فعله عنيه
الركوع فوجب الاقتداء به لقوله صلوا كما رايتموني صي). وحد الركوع اللغوي: الانحناء، وحده في الشرع: إمكان وضع اليدين على الركبتين في الصلاة وهو اقله. واكمله مناروي من صفة ركوع النبيء انه اذا ركع استقام حتى يرجع كل عضو منه الى مفصله، فاذا ركع وضع يديه على ركبتيه وسوى ظهره معتدلا. واذا رفع راسه من الركوع
1) رواه الدارقطني من حديث ابي هريرة وضعفه. ولفظه: «من صلى صلاة مكتوبة مع الامام فليقرأ بفاتحة الكتاب في سكتاته. 2) بل يكون سكوته اطول مما حدده هذا الاثر قطعا. لما رواه ابو هريرة قال كان رسول الله الله (ع) اذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل القراءة فقلت يا رسول: بابي انت وامي، ارأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال اقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الابيض من الدنس. اللهم اغسلني من خطاياي باليلج والماء والبرده رواه البخاري ومسلم واصحاب السنن الا الترمذي.
) الحج: (77)
(4) متفق عليه رواه البخاري عن مالك بن الحويرث.
حتى
ه) روي انه (ع) قال لاعرابي: تركع - تطمئن راكعا، وترفع حتى تة تعتدل فيكون ذلك تاما من غير تقصير، وما نقصت من ذلك فانما نقصته من صلاتك) رواه
ابوداود.
- YAI - (1/291)
صفحة 292
استقام حتى يرجع كل عضو منه الى مفصله. واذا ركع قال الله اكبر (1) فهكذا ينبغي للمصلي ان يفعل في ركوعه ويجافي مرفقيه عن جنبيه ويسوي عنقه ولا يجاوز في الانحناء الاستواء. وقد روي عن النبيء الا انه لما نزلت فسبح باسمك ربك العظيم قال اجعلوها في ركوعكم (2)، واجمع العلماء على منع قراءة القرآن في الركوع والسجود، لحديث ابن عباس عنه عليه السلام قال: انهيت عن قراءة القرآن في الركوع والسجود (3)، وذهب بعض الى جواز ذلك (4)، وهل في الركوع والسجود قول محدود؟ فروي عن مالك انه قال ليس في ذلك قول محدود. وذهب الشافعي وابو حنيفة وغيرهما الى ان المصلي يقول في الركوع سبحان ربي العظيم ثلاثاً، وفي السجود سبحان ربي الاعلى ثلاثا على ما في حديث عقبة بن عامر (5). وبهذا اخذ بعض اصحابنا. وروي عن الربيع رحمه الله ان الثلاثة تجزئ فان زاد فهو احسن واطيب الا ان يكون امام قوم فليقتصر على الثلاثة لئلا يطيل عليهم، وقال بعض اهل العلم المعمول به سبع، والمجزئ من ذلك ثلاث. روي ذلك عن الحسن البصري وغيره، وروي ان عمر بن عبدالعزيز كان يسبح عشرا ويصلي: ما رأيت اشبه بصلاة رسول الله الله
خلفه انس بن مالك ويقول
من
1) وردت احاديث بالفاظ مختلفة تصف هيئة ركوع النبيء المأمور به شرعا وكلها متحدة
في معناها، اما نص الحديث باللفظ الذي ساقه المصنف فلم اعثر عليه.
(2) رواه احمد وابوداود وغيرهما باسناد جيد من حديث عقبة بن عامر (3) رواه مسلم بلفظ والا اني نهيت ان اقرأ راكعا او ساجدا: فاما الركوع فعظموا فيه الرب، واما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أي حقيقه ان يستجاب لكم. 4) وهذا القول يتضارب مع قول المصنف واجمع العلماء الخ ـ ومع قوله (ع) والا اني نهيت ان اقرأ راكعا او ساجدا الحديث
اهـ مصححه
ه) رواه احمد وابوداود وابن ماجة من حديث عقبة بن عامر
- 282
- (1/292)
صفحة 293
الله
صلاة هذا الغلام. وعن حذيفة بن اليمان عن النبيء له قال: سبحان العظيم وبحمده ثلاثا (1) وليس عند اهل العلم نقض صلاة في الزيادة والنقصان في التسبيح والتعظيم. ومن سبح ثلاثا فهو المعمول به، ومن سبح واحدة فلا نقض عليه، واختلف العلماء في اعتدال الركوع والسجود: هل هو واجب ام لا؟ فذهب بعضهم الى انه واجب لقول النبي للاعتدلوا في ركوعكم وسجود كم (2). وذهب آخرون الى انه غير واجب قياسا على الأمور المحمولة على الندب. وعنه عل الله قال: لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في ركوعه وسجوده (3). وكرهت العلماء التخفيف في الركوع والسجود اشد الكراهية اذا لم يقم المصلي ظهره. وقد روي ان ابن مسعود رحمه الله كان جالسا في المسجد فدخل رجل
1) نص على ان هذا اللفظ جاء من عدة طرق كلها ضعيفة. الاعتدال هو التوسط بين الافتراش والقبض بوضع الكفين على الارض. ورفع الذراعين عنها، والبطن عن الفخذين وهو اشبه بالتواضع وامكن من تمكين الجبهة، هذا بالنسبة للسجود. اما بالنسبة للركوع فهو ان يحني ظهره وتصل البدان الى الركبتين مع استواء: لا يرفع رأسه ولا يصوبه كركوعه (ع)، فقد كان واذا ركع لو وضع على ظهره قدح ماء ما تحرك من اعتداله. وقال (ع): (يا معشر المسلمين لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، ثم لا يفترش ذراعيه في السجود افتراش الكلب، فكما يشترط الاعتدال في الركوع والسجود كذلك يشترط في الرفع من الركوع. وذلك بالاستواء قائما حتى يعود كل فقار مكانه الطمأنينة: مع: وحدها ان يمكث زمنا ما بعد استقرار الاعضاء. لقوله (ع): ولا ينظر الله إلى صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده رواه احمد من حديث ابي. هريرة وقال المنذري اسناده جيد فقوله بين ركوعه وسجوده يشير الى الرفع من الركوع والله اعلم.
اهـ مصححه
3) رواه ابوداود والترمذي بلفظ الاتجزيء ورواية احمد عن جابر بلفظ الا ينظر الله الى رجل لا يقيم صلبه في صلاته بين ركوعه وسجوده، ولا تتم صلاة رجل لاتمس انفه الارض حين تمس جبهته.
- 283 – (1/293)
صفحة 294
فصلى فخفف ركوعه وسجوده فدعا به ابن مسعود فقال: منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ فقال: منذ اربعين سنة قال ابن مسعود ما صليت منذ
اربعين سنة. ورأى عمر بن
الخطاب رضي
الله
عنه رجلا يخفف ركوعه وسجوده فعلاه بالدرة فقال، والله لا نترك النفاق بين اظهرنا، فأمره ان يعيد الصلاة والله اعلم. واذا اتم المصلي التعظيم فليستو قائما حتى يرجع كل عضو الى مفصله ويقول في حين الرفع سمع الله لمن حمده اذا كان فذا او اماما، واذا كان مأموما فليقل: ربنا ولك الحمد، ثم يهوي الى السجود بالتكبير. واختلفوا فيه اذا سجد هل يضع يديه قبل ركبتيه او يقدم ركبتيه؟ فروي اصحاب کل قوم حديثا يقوي مذهبه
مسألة في السجود: واتفقوا على ان السجود فرض في الصلاة لقول الله تعالى واسجدوا وقوله فاسجد واقترب (1). وصفة السجود ان
وهى
يمكن جبهته وانفه من الأرض مع الكفين والركبتين واصابع القدمين لقول النبي عل امرت ان اسجد على سبعة آراب ولا اكف شعراً ولا ثوبا (2) الاعضاء المتقدمة. وروي انه عليه السلام امر بوضع الكفين ونصب القدمين. وفي حديث ابي عبيدة انه عليه السلام وكان اذا سجد جافى عضديه عن جنبيه وفتخ اصابع رجليه (3) قال بعضهم الفتح ان تصنع هكذا: فنصب اصابعه ثم غمز موضع المفاصل منها الى باطن الراحة يعنى انه يفعل ذلك بأصابع رجليه. فاذا سجد المصلي جافي عضديه عن جنبيه وفرق بين ركبتيه ومرفقيه وجنبيه وبطنه وفخذيه وهو التفريج: ولا تفرج المرأة وتؤمر بالضم والالتصاق، ويجعل كفيه بين رأسه وركبتيه ويعتمد
(1) العلق: (19).
(3) متفق عليه من طريق جابر بن زيد
(2) متفق عليه من طريق ابن عباس.
- YAE
- (1/294)
صفحة 295
ويستحب
عليهما ولا يكف شعرا ولاثوبا. وان لم يصل انفه الى الارض فلا بأس عليه، وليسبح ثلاثا: يقول: سبحان ربي الاعلى ثلاثا كما قدمنا، وليوصل الى الارض اكثر اصابع رجليه، وليرفع رأسه بالتكبير وليقعد بين رجليه وظاهر اليسرى مما يلي الارض وليستوى حتى يرجع كل عضو الى مفصله له ان يخرج كفيه من الثوب ويباشر بهما الارض ولا يسجد على غير ما انبتت الأرض. واختلفوا في السجود على كور العمامة: فأجازه بعض، ومنع منه آخرون، وفرق قوم بين ان يسجد على طاقات يسيرة العمامة، أو كثيرة، وبين ان تمس الأرض جبهته أو لا تمس. واختلفوا في الاعتدال بين السجدتين كما قدمنا في الركوع والله اعلم. مسألة في الجلوس: وهو واجب باتفاق، لأنه
من
لو لم يقعد فسدت
صلاته، فاذا جلس وضع ظاهر قدمه اليمني في اخمص اليسري، وظاهر الأرض، وقد اجازوا هيئات القعود كلها الا قعود الحبشة
اليسرى مما
يلي
وتربيع الملوك. وقد جاء النهي عن الاقعاء في الصلاة وهو فيما زعم
بعضهم ان يقعد الرجل باليتيه على عقبيه فيما بين السجدتين وفي التشهد.
وقيل ض ان يقعد الرجل على اليتيه ناصبا فخذيه مثل اقعاء الكلب. وقوم
رأوا ان الاقعاء هو
ان يجعل اليتيه على عقبيه وان يجلس على صدور قدميه.
وقد روي عن ابن عباس انه كان يقول: الاقعاء على القدمين في السجود على هذه الصفة هو سنة نبيكم (1). وعقب الشيطان الذي ورد فيه
1) الاقعاء اقعاءان: الأول: ان يفرش قدميه ويجلس، على عقبيه وهذا قول اهل الحديث. فعن ابي الزبير انه سمع طاووس يقول وقلنا لابن عباس في الاقعاء على القدمين. فقال: هي السنة، قال: فقلنا: انا لنراه جفاء بالرجل فقال:. نبيئك (ع) رواه مسلم. وعن ابن عمر (ض) انه كان اذا رفع رأسه في السجدة
هي
سنة
الاولى يقعد على اطراف اصابعه ويقول: وانه السنة من. ـ وعن طاووس =
•
-
YAOI (1/295)
صفحة 296
النهي
هو
ان يقعد الرجل باليتيه على عقبيه في الصلاة. وما سوى هذا من هيئات القعود لا يفسد الصلاة والله اعلم. واما قعود المرأة فهو ان
تفضي الى الارض باوراكها وترد رجليها الى الجانب الايمن والله اعلم.
•
مسألة في التحيات: وقراءة التحيات في الصلاة فرض واجب من السنة لاتتم الصلاة الا بها لحديث ابن عباس ان النبيء لله كان يعلم اصحابه التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن (1). وقد وجدت ان جمهور اهل العلم اجمعوا على ان الجلسة الاخيرة هي الفريضة دون الوسطى، وقال بعض: الوسطى هي الفريضة، وقيل: كلتاهما فريضتان. وقيل: كلتاهما مسنونتان. وقد روي عن مالك وابي حنيفة ان التشهد ليس بواجب. وذهب الشافعي واحمد وداود الى وجوبه، وسبب الخلاف معارضة الاثر المتقدم المروي فى التشهد للقياس. وذلك ان القياس يقتضي الحاقه بسائر الاقوال التي ليست بواجبة في الصلاة، وحديث ابن عباس يقتضي وجوبه مع ان الأصل عند اهل العلم ان تكون اقوال الرسول عليه السلام وافعاله في الصلاة محمولة على الوجوب حتى يدل الدليل على خلاف ذلك والله اعلم، والتشهد المأثور عن الصحابة رحمهم الله على ثلاثة اوجه واحدها تشهد ابن عباس: التحيات المباركات
=
يعني
قال: رأيت العبادلة عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر. وعبد الله بن الزبير يقعون رواهما البيهقي، وقال الحافظ: صحيحه اسناد، والاقعاء الثاني: بمعنى وضع اليدين على الارض ونصب الفخذين، فهذا مكروه باتفاق العلماء فعن ابي هريرة قال نهاني النبيء (علم عن ثلاثة، عن نقرة كنقر الديك، واقعاء كاقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب رواه احمد والبيهقي والطبراني وابو يعلى وسنده
حسن.
اهـ مصححه
1) من حديث ابن عباس رواه الشافعي ومسلم وابوداود والنسائي.
- YAT- (1/296)
صفحة 297
الله والصلوات الطيبات. وكان يتأول فى ذلك: تحية من عند الله مباركة طيبة. السلام عليك ايها النبيء ورحمة الله ركاته، السلام علينا وعلى وبر عباد الله الصالحين، اشهد ان لا اله الا الله وحده لاشريك له وان محمدا عبده ورسوله. قال ابو عبيدة مسلم فيما رواه ابو المؤرج: (1) اذا قال
وحده فقد نفى ان يكون له شريك. وهذا التشهد هو الذي اخذ
به
اصحابنا ووافقهم على ذلك الشافعي واصحابه. والتشهد الثاني، ما روي عن عمر رحمه الله كان يعلمه الناس عن النبيء عليه السلام وهو: التحيات الله، الزاكيات الله، الصلوات الله الى آخره، كما قدمنا، واختاره مالك بن انس واصحابه والثالث: تشهد ابن مسعود رحمه الله قال: كنا اذا جلسنا مع النبيء علا الله قلنا السلام على الله قبل عباده. السلام على جبريل، السلام على ميكائيل. السلام على فلان فسمعنا رسول الله الا الله فقال: ان الله هو السلام فاذا جلس احدكم في الصلاة فليقل التحيات الله والصلوات والطيبات السلام عليك ايها النبيء ورحمة الله وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فاذا قالها احدكم اصابت كل عبد صالح في السماء والارض، ثم ذكر باقيها كما تقدم (2) واختار هذا التشهد ابو حنيفة واهل الكوفة. فبأي هذه الالفاظ اخذ الانسان فلا بأس عليه ان شاء الله، وذكر في بعض آثار اصحابنا انهم في زمان النبيء عليه السلام كانوا يقولون، السلام عليك أيها النبيء، وبعد موته: السلام على النبيء ورحمة الله. وقد ذهب كثير من الفقهاء الى التخيير فيما ذكرنا من التحيات. كما ذهبوا الى التخيير في الاذان والتكبير على الجنائز والعيدين وغير ذلك مما تواتر
(1) تقدم التعريف به
(2) رواه الجماعة بزيادة في آخره بعد رسوله: ثم ليختر احدكم من الدعا اعجبه اليه فيدعو به.
- YAY- (1/297)
صفحة 298
نقله وهو الصواب ان شاء الله، وقد روي عن الشافعي انه اشترط في التشهد الصلاة على النبيء عليه السلام، قال: انها فرض لقوله تعالى «صلوا عليه وسلموا تسليما (1) وزعم ان هذا التسليم هو المأمور به في الصلاة. وذهب بعض اهل الظاهر الى انه واجب على المتشهد ان يتعوذ من الاربع التي ورد الحديث بها: ان النبيء عليه السلام كان يتعوذ منها في آخر
التشهد وهي: اللهم اني اعوذ بك من عذاب جهنم ومن
ومن
(
عذاب القبر.
فتنة المسيح الدجال اهل العلم على اجازة الدعاء في الصلاة: وذهب اصحابنا الى اجازة ذلك بعد التشهد، وان يدعو بما فى القرآن وما اشبه ما في القرآن لامر دنياه وآخرته: رته، واهل الحجاز لا يرون بأسا ان يدعو الانسان في الصلاة بأي دعاء كان للدنيا والآخرة ما لم يكن معصية. واتفق الجميع فيما وجدت على اجازة الدعاء في الفريضة والنافلة الا ما كان الحسن البصري فانه من الدعاء في المكتوبة: واظن بهذا اخذ اصحابنا من اهل المغرب واهل
و من المحيا والممات (2). وقد اتفق كثير من
يري
المشرق (3).
1) الاحزاب: (56).
(2) رواه الجماعة الا البخاري والترمذي عن ابي هريرة بتكرار كلمة «اعوذه اولاً فثانيا فثالثا. وبدون تكرارها، ولمسلم في رواية: اذا فرغ احدكم من التشهد الاخيره. المراد باهل المغرب علماء الجزائر المغرب الأوسط، وباهل الجبل علماء ليبيا هذا وان صل الله من تتبع كتب السنة وما ورد فيها من احاديث متفق عليها تتعلق بصلاته (ع) وجدها تطفح بالاذكار والادعية لافرق في ذلك بين اولها واثناءها او آخرها كما لافرق بين المكتوبة والنافلة، فاذا كان الرسول (ع) يقول صلوا كما رأيتموني اصليه واذا وجدنا العلماء يحرصون كل الحرص على تقرير اقواله وافعاله (ع) للتأسي بهديه فما بالنا نجدهم يختلفون حتى قصر البعض جواز الدعاء فى الصلاة على القرآن وما اشبه القرآن؟ وهل يسوغ العدول عما ثبت عن المعصوم او تقييد ما اطلق؟ فليتامل.
اه مصححه
YAA- (1/298)
صفحة 299
مسألة في التسليم: وفي حديث النبيء ع وتحريمها التكبير وتحليلها
التسليم (1). واختلف الناس في حكمه، فذهب الجمهور الى وجوبه للحديث المتقدم. لانه عقد الصلاة بين الطرفين ولاجماع الكل على ان الدخول فيها لا يصح الا بالتكبير. فكذلك الخروج منها لا يصح الا بالتسليم. وذهب ابو حنيفة ومن وافقه الى انه ليس بواجب واحتج بما روي عن النبيء الا الله انه قال اذا جلس الرجل في آخر صلاته فاحدث
قال.
قبل ان يسلم فقد تمت صلاته (2)، والذين أوجبوه: منهم من الواجب على المنفرد والامام تسليمة واحدة والى هذا ذهب اصحابنا وجمهور الفقهاء لقوله عليه السلام تحليلها التسليم، وذهب بعضهم الى ان الواجب تسليمتان ورووا ذلك عن رسول الله الا الله قال الربيع رحمه الله وكانوا يكتفون بتسليمة واحدة وكان ابو عبيدة يكتفي بها، وروي عن عمار وابن مسعود وضمام رحمهم الله انهم كانوا يثنون التسليم. وعن ابن مسعود قال: التسليم اذن بانقضاء الصلاة وهي السلام عليكم ورحمة الله ركاته. ورأى ابن مسعود رجلا يسلم تسليمة واحدة فقال انا اعقل اخذها، وبها اخذ اصحابنا. ومن سلم قبل تمام الصلاة ساهيا فانه يتم ويسجد للسهو، وزعم ابو عبد الله بن محمد بن برك ركة (3) ان التسليم بالسهو لا يفسد الصلاة اجماعا من الناس. واما من وجد قيئا او رعافا وقد تشهد فليقم وقد تمت صلاته كما جاء في الحديث (4) وزعم بعضهم
وبر
عمن
1) تقدم.
(2) رواية البيهقي والدارقطني اذا قعد الرجل مقدار التشهد ثم احدث فقد تمت صلاته يعني اضطراراً.
(3) تقدم وانه ابو محمد لا ابو معبدالله.
(4) رواه احمد وابو داود والترمذي والدارقطني وقد ساقه صاحب الايضاح بزيادة
اومذيا» بعد قوله: «رعافاه
- YA 9 (1/299)
صفحة 300
الى انه ان. قرأ بعض التشهد او شيئا منه ثم حدث عليه عذر فليسلم ان كان وحده، وان كان خلف امام فليقم، فاذا غلب ظنه ان الامام قد سلم فليسلم، وان سلم قبل انقضاء التحيات بلا عذر او ترك التسليم رأسا فليعد صلاته. وان قرأ فاتحة الكتاب في موضع التحيات ساهيا ثم سلم فأرجو ان لافساد عليه، وان ذكر قبل ان يسلم فليقرأها ثم يسلم، والتسليم ان يقول: السلام عليكم يصفح بها وجهه على اليمين ثم على الشمال وينوي به الخروج من الصلاة. وقيل: ينوي به التسليم على الحفظة، وان نون فقال: سلام عليكم فقولان في الاجتزاء به. ولا يسلم المأموم حتى يفرغ الامام من التسليم والله اعلم.
الصلاة مسألة في الدعاء: قال تعالى «فاذا فرغت» يعني من «فانصب (1) يعنى في الدعاء. وفي الحديث لكل شيء ثمرة وثمرة الصلاة الدعاء بعدها (2)، ووجدت عن ابي عبيدة مسلم رحمه الله انه قال: من قال اذا صلى المغرب قبل ان يثني رجله استجير بالله من النار سبع مرات، ان مات في ليلته تلك له ان ينجو من النار ان سلم من اربعة: رجي الدماء الحرام والاموال الحرام والاشربة الحرام والفروج الحرام،
من
وكذلك
من قالها: اذا صلى الصبح ثم مات من يومه على الحال المتقدم. ووجدت انه يستحب للمصلي اذا سلم من صلاته ان يقرأ الفاتحة وآية
الكرسي
وشهد الله
انه لا اله الا الآية (3) وقل اللهم مالك الملك الى
هو
•
آخر الآية (4)، وروي عن النبي عل الله ان قال انهن معلقات ليس بينهن
وبين
الله حجاب يقلن: اي ربنا تهبطنا الى ارضك والى من يعصيك؟
1) الشرح (7).
آل عمران: (18).
(2) لم اعثر على سنده بهذا اللفظ.
(4) آل عمران: (26).
– 290 – (1/300)
صفحة 301
فقال الله تعالى اني حلفت ان لا يقرؤكن عبد في دبر صلاة الاجعلت
الجنة مثواه واسكنته حظيرة الفردوس، ونظرد
نظرة – اراد نظرة رحمة. وقضيت
-
-
له كل
ت اليه في كل يوم سبعين
يوم سبعين حاجة اولها
المغفرة، واعيذه من كل عدو له. ونصرته عليه (1) واذا اراد المصلي ان يدعو فليقدم بين يدي دعائه التوبة والصلاة على النبيء علا الله. وقد روي عن بعضهم انها فريضة في كل صلاة. وقال اصحابنا هي فريضة واحدة مع الذكر له الا الله، وعن ابن مسعود رحمه الله تعالى قال: واذا صليتم فصلوا على رسول الله فانها فريضة امركم الله بهاه. ويقال لم تؤمر امة ان تصلي على نبيها غير هذه الامة. واذا صلى على الرسول كما قدمنا واستفتح بالتسبيح فليتعوذ بالله من الاربع التي يستعيذ منها النبيء عليه السلام (2)، ويقول اللهم اعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك (3) وليدع بدعاء رسول الله لعل الله رواه عنه ابن عباس رحمه الله انه كان يدعو به اذا فرغ
عندك تهدي بها قلبي من صلاة الوتر وهو اللهم اني أسألك رحمة من. وتجمع بها شملي، وتلم بها شعثي وترد بها الفي (4) وتحفظ بها عائبي وترفع بها شاهدي وتزكي بها عملي وتبيض بها وجهي وتلهمني بها رشدي
،
1) رواه المستغفري في الدعوات من حديث علي وفي الحديث الحارث بن عمير ذكره ابن حبان في الضعفاء. وقال موضع لا اصل له.) من حديث متفق عليه عن ابي هريرة قال: قال رسول الله (ع) واذا تشهد احدكم فليستعذ بالله من اربع يقول: اللهم اني اعوذ بك من عذاب جهنم، ومن القبر، ومن فتنة انحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجاله وفي رواية لمسلم واذا فرغ احدكم من التشهد الاخيره.
عذاب
) رواه احمد وابوداود والنسائي بسندقوي من حديث معاذ ان رسول الله (ع) قال له: واوصيك يا معاذ لا تدعن دبر كل صلاة ان تقول: اللهم الحديث. 40) وفى الجامع الصغير (الفتي).
- 291 (1/301)
صفحة 302
و تعصمني بها من كل سوء، اللهم اني اسألك ايمانا صادقا ويقينا ليس بعده كفر ورحمة انال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة، اللهم: اني اسألك الفوز عند القضاء ومنازل الشهداء وعيش السعداء والنصرة على الاعداء ومرافقة الانبياء. اللهم ان قصر عملي وضعف رايي وافتقرت الى رحمتك فأني أسألك ياقاضى الامور وياشافي الصدور كما تجير بين البحور فأجرني من عذاب السعير، ومن دعوة الثبور ومن فتنة القبور. اللهم ما قصر عنه علمي و لم تبلغه مسألتي من خير وعدته احدا خلقك أو من انك معطيه احدا من عبادك فاني اسالك وارغب اليك فيه برحمتك يا ارحم الراحمين. اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. اللهم يا ذا الأمر الرشيد والحبل الشديد اسالك الامن يوم الوعيد والجنة يوم الخلود مع المقربين الشهود الركع السجود الموفين بالعهود فانك رحيم ودود وانت تفعل ما تريد. اللهم مني الدعاء وعليك الاجابة وهذا الجهد وعليك التكلان ولا حول ولا قوة الا بك. اللهم اجعل لي نورا في قلبي ونورا في قبري ونورا في بصرى ونورا في لحمي ونورا في دمي ونورا في عظمي ونورا بين يدي ونورا من امامي ونورا من وراءي ونورا عن يميني ونورا عن شمالي ونورا من فوقي ونورا من تحتي، اللهم زدني نورا واعطنى نورا في الدنيا والاخرة برحتمك يا ارحم الراحمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين
وان وجب على المصلي الوهم في الصلاة فليسجد قبل الدعاء.
– 292 – (1/302)
صفحة 303
باب
في سجود السهو
والسجود المأمور به نوعان: الاول» سجود السهو المنقول في الشريعة في احد موضعين: اما عند الزيادة او النقصان اللذين يقعان في افعال الصلاة واقوالها من قبل النسيان فقط، لا من قبل العمد. وفيه خمس مسائل تجري مجرى الامهات والاصول فيه.
المسألة الأولى: في حكمه، وقد اختلف فيه: فقيل هو فرض مشروع الجبران الصلاة. وقيل هو سنة مشروعة لترغيم الشيطان. وسبب الخلاف: هل افعاله عليه السلام فيه محمولة على الندب او على الوجوب؟
والله اعلم.
المسألة الثانية في مواضع سجود السهو: وقد اختلف فيه: فقيل
قبل التسليم. وقيل بعد التسليم، وقيل ان وجبتا للنقصان فقبله، وان وجبتا للزيادة فبعده. وذهب بعض اهل الظاهر الى انه لا يسجد للسهو الا في المواضع الخمسة التي قيل ان الرسول الله سجد فيها. وسبب الخلاف اختلاف الأحاديث الواردة في سجوده عليه السلام للسهو. واما المواضع الخمسة التي قدمنا فأحدها، انه عليه السلام قام من اثنتين والثاني» انه سلم من اثنتين على ما جاء في حديث ذي اليدين، والثالث» انه صلى خمسا، والرابع) انه سلم من ثلاث، والخامس، السجود عن الشك على ما جاء في حديث ابي سعيد الخدري والله اعلم. والذي اختاره
الله ان يسجد للسهو بعد التسليم
علماؤنا رحمهم المسألة الثالثة: فى افعال الصلاة واقوالها التي يسجد لها. اتفق
- 293 – (1/303)
صفحة 304
العلماء على ان سجود السهو انما يكون عن نسيان سنن الصلاة دون الفرائض والفضائل، فالفرائض لا يجزئ فيها الا الاتيان بها (1) او جبرها اذا كان السهو عنها مما لا يوجب اعادة الصلاة بأسرها (2). والفضائل
لاشيء عليه فيها. والوهم عند اصحابنا من تمام الصلاة ويجب على المصلي بالغلظ الذي لا ينقض الصلاة من الزيادة والنقصان فيها، وقال قال من انه لا يجب على المصلي الا ان قام حتى تقله الاقدام في موضع يجب عليه فيه القعود، او قعد في موضع القيام. وعن الربيع رحمه الله انه كان يسجد سجدتي الوهم وان لم يوهم والله اعلم. واما ان ترك السنن اقلها في الصلاة فانه ان كان ناسيا فلا شيء عليه. وان كان عامدا اعاد صلاته. وذلك مثل التوجيه. والاستعاذة والبسملة، والاسرار في موضع الجهر، والجهر في موضع السر والتكبير في الركوع والسجود. والتسبيح والتعظيم، او سلم من اثنتين او ما اشبه ذلك. وان ترك الأكثر من السنن اعاد صلاته، واما الشك في الصلاة ان طرأ عليه حتى لا يدري كم صلى
،
فانه يتم ويعيد (3). وأما ما ذكر في الحديث ان النبيء عليه السلام
1) اي ابتداء.
2) يعنى ان لم يجاوزه الى حد ثالث فان هذا السهو لا يوجب اعادة الصلاة باسرها، واما ان سها حتى جاوزها الى حد ثالث فان هذا السهو يوجب اعادة الصلاة
باسرها.
(3) الظاهر ان هذه الصورة يبني فيها المصلي على اليقين ويجبر شكه بسجدتي السهو ولا تجب عليه الاعادة، لحديث الي سعيد الخدري (ض) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) واذا شك احدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا ام اربعاء؟ فليطرح الشك وليين على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل ان يسلم، فان كان صلى خمسا شفعن صلاته ا يعني ان السجدتين بمنزلة الركعة وصارت الصلاة ضفعاء، وان كان صلى تماما كانتا ترغيما للشيطان، رواه مسلم
- (1/304)
صفحة 305
قال: «ان احدكم اذا قام يصلي جاءه الشيطان فلبس عليه صلاته حتى لايدري كم صلى منها، فاذا وجد احدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالس (1) قال الربيع: قال ابو عبيدة: ذلك اذا كان الرجل خلف امامه، واما اذا كان وحده فليعد صلاته، والله اعلم.
المسألة الرابعة في صفة سجود السهو: وهو ان يسجد سجدتين
وهو جالس بعد الفراغ من الصلاة بعد التسليم (2) واختلفوا فيما يقوله في حال السجود: فقيل يسبح كتسبيح السجود ثم يسلم كتسليم الصلاة، وقيل يقول: استغفرك اللهم مما كان مني، ثم يسلم على رسول الله الله: وقال بعضهم يقول: السلام على من اتبع الهدى، ووجدت ان علماء السلف اختلفوا في ذلك: فروي عن الحسن وانس بن مالك وعطاء انه لا يتشهد في السهو ولا يسلم. وقال آخرون يتشهد ويسلم، وقال قوم يتشهد فقط دون ان يسلم. وقيل هو مخير بين الاتيان بالتشهد وتركه
وقال بعضهم ليس في السهو الا التسليم دون التشهد، وبه قال ابن
(1) رواه ابو داود وابن ماجة
(2) نعم شرع الله سجود السهو لجبر ما يقع في الصلاة من زيادة او نقصان عن سهو وغفلة ولترغيم الشيطان الذي كان السبب في ذلك السهو ولم يشرعه لصلاة لم يقع فيها وهم، وقد اعتاد كثير من الناس عندنا التزامه فى كل صلاة وان لم يقع فيها سهو، فترى الواحد منهم ينزل آليا إلى السجود اثر التسليم مباشرة كانه ركن من اركان الصلاة. والعجب ان هؤلاء ينظرون الى من لم يسجد وان لم يقع له سهو نظرهم الى من اخل بواجب من واجبات الصلاة. واعجب من ذلك انك تجد بعض الغلاة من ادعياء العلم ينكر عليه ذلك على رؤوس الاشهاد انكاره على من اخل بواجب مفروض معتقداً ان ذلك من المحافظة على الدين والتمسك بسيرة السلف الصالحين. ولو تأمل هذا المتنطع قليلا لوجد ذلك من الغلو في الدين الذي نهى. الرسول (ع) في قوله: واياكم والغلو في الدين فانما اهلك من كان قبلكم الغلو
-
عنه
•
في الدين
•
اهـ مصححه
1990 - (1/305)
صفحة 306
سيرين. وهو قول اصحابنا والمعمول عندهم، قال ابوبكر بن عبدالمنذر، ثبت ان رسول الله الا الله كبر فيهما أربع تكبيرات وانه سلم، والله اعلم. واما من يصلي بالايماء فوهمه بالنوى. وان نوى القيام في موضع القعود، او القعود في موضع القيام فليوهم بالايماء، ومن وهم في وهمه فلا وهم عليه. وقيل عليه الوهم. ومن وهم في الصلاة مرارا فيكفيه سجود وهم واحد. ومن نسيه فليسجد دبر صلاة اخرى، او يصلي ركعتين وليوهم على اثرهما
المسألة الخامسة: واتفق العلماء على ان سجود السهو من سنة المنفرد والامام. واختلفوا في المأموم يسهو وراء الامام، فقيل يحمله عنه الامام. وقيل يلزمه السجود في خاصة نفسه. روي ذلك عن مكحول، وبه اخذ. وسبب الخلاف: هل يحمله الامام ام لا؟ وعند اصحابنا ان وهم الامام لا يلحق المأموم الا ان تبعه. وعند غيرهم انه يجب على المأموم وان لم يتبعه والله اعلم. واختلفوا متى يسجد المأموم اذا فاته
اصحابنا
هذا
مع
الامام
الامام
بعض الصلاة وعلى الامام سجود السهو؟ فقال قوم يسجدهما ثم يقوم ليصلي ماعليه، وسواء كان سجوده قبل السلام او بعده، روي عن عطاء والحسن والنخعي والشعبي واصحاب الرأي، وقال قوم يقضي ثم يسجد. روي ذلك عن ابن سيرين وغيره. وقال قوم اذا سجد قيل التسليم سجد معه، وان سجد بعد التسليم آخر السجود حتى يقضي
ما عليه، روي ذلك عن مالك بن انس والليث والاوزاعي
•
وسبب
الخلاف ايهما احق ان يتبعه في السجود: مصاحبا له او في آخر صلاته.
فكأنهم اتفقوا على ان الاتباع واجب، لقوله عليه السلام وانما جعل الامام
- 296 - (1/306)
صفحة 307
ليؤتم به الحديث (1) والله اعلم
والنوع الثاني في سجود التلاوة: وتنحصر فروعه في خمس مسائل احداها في حكمه: وقد اختلف فيه: فقال جمهور اهل العلم انه
•
مسنون غير واجب. وذهب ابو حنيفة واصحابه الى انه واجب. وسبب الخلاف تنازعهم في مفهوم الاوامر والاخبار الخارجة مخرج الاوامر بالسجود مثل قوله خروا سجدا وبكيا (2) هل هي محمولة على الندب او على الوجوب؟ فالجمهور اتبعوا فيها مفهوم الصحابة لانهم كانوا اقعد في فهم الاوامر الشرعية. ولما ثبت عن عمر بن الخطاب رضي انه قرأ السجدة الجمعة ونزل فسجد وسجد الناس معه فلما كان في يوم الجمعة الثانية قرأها فتهيا الناس للسجود فقال: على رسلكم ان الله لم يكتبها
الله عنه
علينا الا ان نشأ (3)، قال هذا بمحضر من الصحابة فلم ينقل عن
منهم
خلاف
احد
وهم اعلم بتفسير الشرع. واما ابو حنيفة فحمل الاوامر في
ذلك على الوجوب والله اعلم.
المسألة الثانية: واختلفوا في عدد عزائم سجود د القرآن. فروي عن
مالك بن انس: انها احدى عشرة سجدة: اولها» خاتمة الاعراف، وفي الرعد بالغدو والآصال، وفي النحل يفعلون ما يؤمرون»، وفي بني اسرائيل يزيدهم خشوعا، وفي مريم خروا سجدا وبكياه، وفى اول
حتى
1) رواه ابوداود ولفظه عنده: وانما جعل الامام ليؤتم به فاذا كبر فكبروا ولا تكبروا يكبر.، واذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع، واذا قال سمع ا الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، واذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد، واذا صلى قائما فصلوا قياما، واذا صلى قاعدا فصلوا قعودا اجمعين (2) مريم: (58).
3) رواه البخاري.
297 (1/307)
صفحة 308
الحج وان الله يفعل ما يشاء، وفي الفرقان وزادهم نفورا»، وفى النمل «رب العرش العظيم، وفي سجدة الم تنزيل وهم لا يستكبرون. وفى ص وخر راكعا واناب وفي سورة فصلت ان كنتم اياه تعبدون، وهذا هو المعمول به عند اصحابنا رحمهم الله الا في سورة فصلت فان السجود فيها عند قوله «وهم لا يسأمون روي ذلك عن جابر والله اعلم. وروي عن الشافعي انها اربع عشرة سجدة ثلاث منها في المفصل: في الانشفاق، وفي النجم وفي «اقرأ باسم ربك ولم ير في ص سجدة لأنها عنده من باب الشكر. واحتج بأن النبيء عل الله قرأها ذات يوم على المنبر ثم سجد فسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها وتهيأ الناس للسجودا فقال: انها توبة نبيء ولكن رأيتكم تشيرون الى السجود فنزلت وسجدت فقال قوم هي خمس عشرة سجدة اثبتوا سجدة ثانية في الحج وسجدة ص وروي عن ابي حنيفة واصحابه انها اثنتا عشرة. والله اعلم الخلاف ان بعضهم اعتمد على العمل المستقر عنده كمالك وأصحابه. وبعضهم اعتمد على السماع كالشافعي واصحابه، وبعضهم اعتمد على القياس كأبي حنيفة واصحابه اعني انه قاس السجدات المختلف فيها على المجتمع عليها اذ كان الخطاب الوارد في جميعهن بعضه بالامر كالتي في النجم، وفي «اقرأ باسم ربك وفي آخر الحج. وباقيه بصيغة الخبر، قالوا فوجدنا المجتمع عليها من سجدة آخر الاعراف الى السجدة في فصلت انما جاء الامر فيها بصيغة الخبر وجب ان تلحق بها سجدة ص وسجدة
وسبب
الانشقاق واسقط الثلاثة المتقدمة، واما الشافعي فاعتمد سماع الحديث ان
النبيء
ال
سجد في الثلاثة المتقدمة والله اعلم.
المسألة الثالثة: في وقت سجوده، وهو الوقت المباح فيه الصلاة.
- 298 (1/308)
صفحة 309
في
واختلفوا فيه هل يسجد في الاوقات المنهي عن الصلاة فيها؟ فمنعه قوم باطلاق وهو المستقر به العمل عند اصحابنا. وبه قال ابوحنيفة على اصله منع الصلاة المفروضة فى هذه الاوقات. واختلف القول في ذلك عند مالك. واجازه الشافعية على اصله ان السنن تصلى في هذه الاوقات ما لم تدن الشمس من الطلوع والغروب، ووجدت عن بعض اصحابنا انه سئل عن سجودها بعد الصبح فأجاز ذلك وقال انها ليست بصلاة (1)
•
والله اعلم المسألة الرابعة: على من يتوجه حكمها. وقد وجدت انهم اجمعوا على انه يتوجه على القارئ لها، في الصلاة كان اوغيرها. الا ان اصحابنا اجازوا سجودها في النافلة ومنعوه في الفريضة. واجازه غيرهم في الحالتين والله اعلم، واختلفوا في السامع، فقيل عليه السجود باطلاق. وقال قوم يسجد السامع بشرطين: احدهما ان يكون جلس للاستماع والثاني» ان يكون القارئ لها يسجدها وهو ايضا ممن يصح ان يكون امام للسامع، واختلف في الجنب والحائض والمحدث يسمعها: فقيل على هؤلاء السجود اذا انتقلوا الى حال الطهارة. وقيل لاشيء عليهم. واما قارئ المصحف.
1) وهو موافق لما رجحه بعض العلماء من أن سجود التلاوة ليس بصلاة فلا يشترط فيه ما يشترط فى الصلاة من طهارة وغيرها. ولا بن حزم كلام اورده في شرح المحلى لفظه: السجود في قراءة القرآن ليس ركعة او ركعتين فليس صلاة، واذا كان ليس صلاة فهو جائز بلا وضوء، وللجنب والحائض والى غير القيلة كسائر الذكر ولا فرق اذ لا يلزم الوضوء الا للصلاة. ولم يات بايجابه لغير الصلاة قرآن ولا سنة ولا اجماع ولاقياس، فان قيل: السجود من الصلاة وبعض الصلاة صلاة؟ قلنا والتكبير بعض الصلاة والجلوس والقيام والسلام بعض الصلاة فهل يلتزمون ان لا يفعل من هذه الافعال والاقوال الا وهو على وضوء؟ هذا لا يقولونه ولا يقووله
احد شيئا
احد اهـ.
اهـ مصححه (1/309)
صفحة 310
وقارئ اللوح على التكرار انه يسجد اول مرة، ثم لاشيء عليه بعد ذلك
ولو تكررت، وقيل مادام في موضعه والله اعلم.
المسألة الخامسة: واختلفوا هل من شروطها الطهارة واستقبال القبلة لها؟ فالاكثر ان ذلك من شرطها. وقال من قال انها ليست بصلاة حتى يشترط لها ذلك. والقول الأول هو المعمول به عند اصحابنا الا ان بعضهم قالوا في الاستقبال انه متعين على الذي يسجدها بالقوم ـ واما غيره فيستحب في حقه من غير اشتراط والله اعلم، واما صفته فان جمهور الفقهاء قالوا اذا سجد القاريء لها كبر. واذا رفع كبر، وينبغي ان يقول في سجوده سبحان ربنا ان كان وعد ربنا لمفعولا (1) وقيل يقول سبحان وبحمده. وقيل يقول سجد وجهي للذي فطره وشق سمعه وبصره ثم اذا رفع رأسه قال ربنا لك سجدنا واليك انبنا واليك المصير اللهم احطط بها عني وزرا واحدث لي بها شكرا واكتب لي بها اجرا وارفع لي بها ذكرا وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته». وقيل يقول سجدت بوجهي للحي الذي لايموت الحمد الله الذي لم يجعل سجودي الا له وكان بعضهم يقول اللهم اجعلها كفارة لما مضى من ذنوبي وزيادة فيما بقي من عمري، والله اعلم. ومن لم يستطع السجود لها فليوميء ايماء. وقيل ان من جازها و لم يسجدها قبله الشيطان بين عينيه.
الله
خير
والله اعلم واحكم.
1) الاسراء: (108). (1/310)
صفحة 311
فصل
في صلاة الجماعة وترتيب ائمتها
وهذا الفصل ينحصر في سبعة اقسام.
القسم الاول
في حكم صلاة الجماعة
وقد اختلفوا فيها: فذهب بعضهم الى انها سنة، او فرض كفاية. وذهب هذا آخرون الى انها فرض متعين على كل مكلف، وروي. عن الظاهرية. وذهب اصحابنا الى انها فرض كفاية. وبالأول قال فقهاء الأمصار. وسبب التنازع الأثار. وذلك ان قوله عليه السلام: اختلاف مفهوم صلاة الجماعة تفضل عن صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة (1) يؤدى الى ان صلاة الجماعة مندوب اليها. وانها كمال زائد على صلاة الفذ، فكأنه قال صلاة الجماعة اكمل من صلاة المنفرد، وقوله عليه السلام لابن ام مكتوم حين قال: اني ضرير شاسع الدار ولا قائد لي فهل لي من رخصة اصلي في بيتى؟ قال عليه السلام. هل تسمع النداء؟ قال نعم. قال فأجب. وقيل قال له. لا اجد لك رخصة (2). وهذا كالنص في
وجوبها والله اعلم.
•
مسألة: واختلفوا فيمن دخل على الامام في المسجد وقد صلى
1) عن ابي هريرة رواه البخاري وفي حديث عمر المتفق عليه بسبع وعشرين درجة.
(2) رواه احمد وابوداود وابن ماجه.
- r. - (1/311)
صفحة 312
وحده تلك الصلاة: فقال قوم يصلي معهم كل الصلوات الا المغرب. هذا عن مالك واصحابه. وعن ابي حنيفة انه يعيد الصلوات كلها
روي
•
وسبب
الخلاف
الا المغرب والعصر، وعن الأوزاعي الا المغرب والصبح، وقال قوم: الا العصر والفجر. وعن الشافعي يعيد الصلاة كلها حديث النبيء عل للرجل الذي لم يصل. معه مالك لم تصل معنا؟ الست برجل مسلم؟ قال بلى يارسول الله ولكني صليت في اهليه، فقال عليه السلام واذا جئت والناس يصلون فصل مع الناس (1) فحمل الشافعي هذا على عمومه مه فأوجب اعادة الصلوات كلها، واستثني مالك صلاة المغرب بقياس شبهة وهو زعم ان اعادة المغرب وهو وتر صارت شفعا بست ركعات مع التي صلاها. وهذا قياس ضعيف لانه فصل بينهما بالسلام، وقال اهل الكوفة ان اعادها كان قد اوترها مرتين وقد جاء الاثر لاوتران في ليلة. وان اعاد العصر كانت الثانية نفلا وقد صح النهي عن النفل بعدها. واما من فرق بين الصبح والعصر فلانه لم تختلف الأثار في النهي عن الصلاة بعد الصبح واختلف في الصلاة بعد العصر. واما من الصبح والعصر فللنهي الثابت عن الصلاة بعدهما وهو مذهب اصحابنا ووافقهم على ذلك ابوثور. والله اعلم واختلفوا فيه ايضا اذا صلى مع الجماعة: فقال قوم لا يعيدها جماعة لما روي عنه عليه السلام انه قال لا تصلى صلاة واحدة مرتين (2)، وقال آخرون يصليها لحديث معاذ انه
استثني
1) رواه الربيع بزيادة في آخره وان كنت صليت في اهلك ـ وفي رواية عن محجن بن الادرع قال: اتيت النبيء)) وهو في المسجد فحضرت الصلاة: فصلى ولم اصل فقال لي: الاصليت؟ قلت يا رسول الله صليت في الرحل ثم أتيتك قال: واذا جئت فصل معهم واجعلها نافلة (2) رواه احمد وابوداود والنسائي من حديث سلمان مولى النبيء (يعني لا تصلى فريضة مرتين في يوم واحد، اما من صلى الثانية مع الجماعة على انها نافلة = (1/312)
صفحة 313
كان يصلي خلف النبيء عليه السلام ثم يوم قومه بتلك الصلاة (1)
والله اعلم.
لقسم الثاني
فيمن اولى بالامامة الفقيه او القارئ
فروي عن بعضهم ان الفقيه اولى. وهذا مروي عن الشافعي ومالك. وقيل القارئ اولى وهو مروي عن ابي حنيفة، وسبب | الخلاف قوله الا الله يوم القوم اقرؤهم لكتاب الله الحديث (2). فمن فهم من الأقرأ انه الأفقه، قال الفقيه اولى ولأن الحاجة الى الفقه ماسة في الامامه امس من الحاجة الى القراءة، وايضا فان الاقرأ من الصحابة هو الأفقه مخالف لما عليه الناس اليوم: واما ابو حنيفة فحمل الحديث على ظاهره فأوجب امامة القارئ (3) والله اعلم. مسألة: واختلفوا في امامة الفاسق فردها قوم باطلاق، وفرق قوم
لامر النبيء (علم بذلك فليس من اعادة الصلاة في اليوم مرتين. ومن حديث ابن عمر بلفظ لايصل احدكم صلاة واحدة في اليوم مرتين. 1) عن جابر بن عبدالله - وفيه ان يصلي المغرب ـ وفي رواية انها «العشاءه وكان معاذ يصلي مع النبيء العشاء الآخرة ثم يرجع الى قومه فيصلي صلاته له تطوعا ولهم فريضة العشاء.
بهم
تلك الصلاة فكانت
(2) و تمامه: فان كانوا في القراءة سواء فاعلمهم بالسنة، فان كانوا في السنة سواء فاسبقهم هجرة، فان كانوا في الهجرة سواء فاقدمهم منا، ولا يؤمن الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته الاباذنه عن ابن مسعود رواه احمد ومسلم. الاظهر لان المراد بالاقرأ الاكثر حفظا لحديث عمرو بن سلمة وفيه: ليؤمكم وهو اکثر کم قرآناه. (1/313)
صفحة 314
بين الفاسق المتأول وغيره، وسبب الخلاف انها مسألة مسكوت عنها في الشرع، والقياس لها معارض: فمن حمل عموم قوله عليه السلام صلوا خلف كل بار وفاجر (1). وقوله يوم القوم اقرؤهم (2) اجاز الصلاة خلفه باطلاق (3)، ومن قاس الصلاة على الشهادة فاتهمه في فساد الصلاة كما
1) رواية الربيع عن ابن عباس الصلاة جائزة خلف كل بار وفاجر ما لم يفعل فيها ما يفسدها صلى ابن عمر خلف امير فاسد كان على المدينة فقيل له اتصلي خلفه؟ قال: والصلاة حسنة لا ابالي من شاركت فيها وحج نجدة فوادع ابن الزبير فصلى هذا بالناس يوما وليلة، وصلى هذا بالناس يوما وليلة فصلى ابن عمر خلفهما فاعترضه رجال من القوم فقالوا يا ابا عبدالرحمان: اتصلي خلف نجدة الحروري وتصلي خلف ابن الزبير؟ فقال ابن عمر: اذا نادوا. حي على الصلاة على خير العمل جئنا، واذا نادوا حي على قتل النفس قلنا لا، لا، ورفع صوته!!
(2) تقدم قريبا.
عن
، حي
كان
(3) وهو ما جرى عليه الصدر الاول يشهد لذلك ما جاء في مسند الربيع عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله (ع): سيكون من بعدي امراء تشغلهم اشياء الصلاة حتى يؤخروها عن وقتها، فصلوا لوقتها، فقال رجل يا رسول الله ان ادركتهم اصلي معهم؟ قال: نعم ان شئت فقد روى البخاري ان ابن عمر يصلي خلف الحجاج وخلف نجدة وابن الزبير كما في الحديث المتقدم. وروى مسلم ان ابا سعيد الخدري صلى خلف مروان صلاة العيد، وصلى ابن مسعود خلف الوليد بن عقبة ابن ابي معيط وقد كان يشرب الخمر، وصلى بهم يوما الصبح اربعا وجلده عثمان ابن عفان على ذلك. وكان الصحابة والتابعون يصلون خلف ابن عبيد، وكان متهما بالالحاد وداعيا الى الضلال، والاصل الذي ذهب اليه العلماء ان كل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره اجل الاصل ان. صحة صلاته صحت امامته الا بدليل خاص يقيد هذا الاطلاق. يؤيد ذلك قول الصحابة، فقد قيل لعثمان عفان بن وهو محصور انك امام عامة، ونزل بك ما نرى ويصلي لنا امام فتنة ونتحرج؟ فقال الصلاة احسن ما يعمل الناس، فاذا احسن الناس فاحسن معهم واذا اساءوا فاجتنب اساءتهم. وسئل الحسن عن الصلاة خلف المفتون والمبتدع فقال صلى وعليه بدعته فقد اخرج البخاري فى التاريخ عن عبد الكريم انه قال: وادركت عشرة من اصحاب رسول الله يصلون خلف ائمة الجور ويؤيده ايضا
-
-
= (1/314)
صفحة 315
فأجازها
اتهمه في فساد الشهادة ردها باطلاق، واختلفوا في امامة | الصبي قوم (1) ومنعها قوم، وفرق بعضهم فأجازها في النفل دون الفرض، واختلفوا في امامة الأعمى فأجازها قوم (2) ومنع منها قوم آخرون. والله
اعلم
وقال اصحابنا لا يجوز الصلاة خلف من علمته يقنت في الصلاة لأنها من كلام الأدميين قالوا ومن صلى خلفه وهو غير عالم به فلابأس بصلاته، وقال اصحابنا الصلاة خلف من لاولاية له كالصلاة وحده واختلف في امامة العبد ايضا فاجازها قوم في الصلاة ومنعها أخرون. واختلف في امامة المرأة فعامة فقهائنا اجمعوا على ان لا امامة لها في صلاة الفرض للرجال ولا للنساء لان النبيء عليه السلام جعل مقامهن في الصف الأخير فلا يجوز لها التقديم، واختلفوا في امامتها بالنساء، فروي عن الشافعي انه اجازها اذا كن متساويات في المرتبة في الصلاة. واحتجوا بان النبيء الا الله جعل للمرأة مؤذنا (3) يؤذن لها وامرها ان تؤم اهل بيتها
=
حديث مسلم وكيف انتم اذا كان عليكم امراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، او يميتون الصلاة عن وقتها، قال فماذا تأمرني؟ قال: وصل الصلاة لوقتها، فاذا ادركتها معهم فصل فانها لك نافلة فقد اذن بالصلاة خلفهم وجعلها نافلة لانهم اخرجوها عن وقتها، والظاهر انهم لوصلوها في وقتها لكان ماموراً بصلاتها خلفهم فريضة، ولكنهم مع ذلك كرهوا الصلاة خلف الفاسق والمبتدع. لما رواه ابوداود وابن حبان، وسكت. عنه ابوداود والمنذري عن السائب بن خلاد ان رجلا ام قوما فبصق في القبلة ورسول الله ينظر اليه، فقال رسول الله (ع): ولا يصلي لكم، فاراد بعد ذلك
ان يصلي بهم فمنعوه واخبروه بقول النبيء (فذكر ذلك للنبيء فقال نعم انك آذيت الله ورسوله.
اهـ مصححه
(1) لما ثبت عن عمرو بن سلمة انه صلى بقومه وله ست او سبع سنين. (2) لاستخلاف الرسول ابن ام مكتوم على المدينة مرتين يصلي بهم وهو اعمى.
3) ذكر صاحب فقه السنة ان المؤذن اسمه ورقة جعله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مؤذنا لام سلمة
وامرها ان تؤم اهل دارها في الفرائض اهـ. لعل تحريفا وقع من الناسخ فذكر.
=
14.0_ (1/315)
صفحة 316
ودارها. والمشهور في الأثر ان ام سلمة كانت تؤم النساء في النافلة وتكون
وسطهن والله اعلم.
القسم الثالث
في مقام الماموم من الامام
وقد اتفق اهل العلم على ان سنة الواحد المنفرد من الرجال ان يقوم عن يمين الامام لثبوت ذلك من حديث ابن عباس (1) وغيره، وانهم ان كانوا ثلاثا سوى الامام قاموا وراءه. واختلفوا اذا كانا اثنين سوى الامام فذهب
=
ام سلمة بدل ام ورقة والافياليت شعري ما الداعي ان يجعل (ع) لام سلمة مؤذنا وحجرتها في المسجد ومؤذنه ينادي لدى كل صلاة؟ ثم من اهل دار ام سلمة حتى يجعل لها مؤذنا خاصا ويأمرها ان تؤمهم في الفرائض؟ اللهم الا اذا قلنا ان ذلك كان قبل ان يتزوجها الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهذا بعيد على ما يظهر. يدل لذلك ورد في ترجمة ام ورقة. وخلاصته: يروى عن ام ورقة بنت نوفل نسبة الى جدها الاعلى الانصارية انها قالت: يارسول الله لو اذنت لي فغزوت معكم فمرضت مريضكم وداويت جريحكم فلعل الله ان يرزقني بالشهادة قال: يا ام ورقة! اقعدي في بيتك فان الله سيهدي اليك شهادة في بيتك، وكان رسول الله (ع) يزورها في بيتها ويسميها الشهيدة وجعل لها مؤذنا لها. وكان (ع) امرها ان توم اهل دارها لانها جمعت القرآن، وكان لها غلام وجارية فدبرتهما، فقاما اليها في الليل فغمياها بقطيفة لها فقتلاها فلما اصبح. قال: والله ما سمعت قراءة خالتي ام ورقة البارحة، فدخل الدار فلم ير شيئا. فدخل البيت فاذا هي ملفوفة في قطيفة في جانب البيت فقال: صدق الله ورسوله ثم صعد المنبر فذكر الخبر فقال: وعلي بهماء فاتي بهما فسالهما فاقرا انهما قتلاها فامر بهما فصلبا. وكانا اول مصلوب في المدينة. اهر مصححه،
1) عن ابن عباس (ض) قال: بت عند خالتي ميمونة فقام النبي (ع) يصلي من الليل فقمت اصلي. معه، فقمت عن يساره، فأخذ برأسي فاقامني عن يمينه. رواه
الجماعة.
15.71 (1/316)
صفحة 317
جمهور اهل العلم الى انهما يقومان خلف الامام، وذهب ابوحنيفة واهل الكوفة الى ان الامام يقوم بينهما، والصحيح القول الاول. لما روي ان كان يصلي، وعن يمينه رجل يصلي بصلاته، ثم دخل عليهما جابر بن عبدالله الانصاري فقام عن شمال النبيء علل الله فادار هما الى
النبيء
خلفه (1). واحتج اصحاب القول الثاني بان ابن مسعود صلى بعلقمة والاسود (2) فقام في وسطهما، واما المرأة فسنتها عند اهل العلم ان تقف خلف الامام وخلف صف الرجال ان كانوا هناك، لحديث انس بن مالك
فقال في حديثه المشهور. فصففت انا واليتيم وراء النبيء عليه السلام والعجوز من ورائنا (3) والله اعلم
(1) رواه مسلم وابوداود بزيادة وهو في الصلاة في آخر الحديث. 2) علقمة هو ابن قيس ويكنى أبا الشبل وهو من النخع رهط ابراهيم النخعي والاسود هو الاسود بن يزيد بن قيس ابن اخي علقمة، وكان يكنى ابا عبدالرحمان كلاهما صاحب عبدالله بن مسعود وكان أبوه حج ثمانين بين حجة وعمرة. قال الشعبي في حقهما كان الاسود قواما صواما، وكان علقمة مع البطيء وهو يسبق السريع. مات علقمة سنة 62 هـ، والاسود سنة 73 هـ وقيل 75 هـ. اهـ ابن قتيبة بتصرف
(3) روى الربيع عن ابي عبيدة عن جابر عن انس بن مالك قال: وكانت جدتي مليكة صنعت لرسول الله (طعاما فأكل ثم قال: «قوموا لاصلي بكم قال انس. فقمت الى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس فنضحته بالماء فتقدم رسول الله (ع) فصففت انا والشيخ وراءه والعجوز وراءنا يصلي بنا ركعتين ثم انصرف، مليكة: بالتصغير قيل هي ام سليم، وقيل غيرها وهو الاظهر والشيخ هو ضميرة بن ابي ضميرة مولى رسول الله () له ولأبيه صحبة وهو جد حسين بن.
-
عبدالله
بن ضميرة سماه «شيخاه نظرا للحال الذي هو عليه عند الاخبار ووقع عند غير الربيع مكان
الشيخ اليتيم» كما اورده المصنف وذلك بالظر الى الحال الذي كان عليه عند الصلاة قال ابن الاثير: روى ابن ابي ذئب عن حسين ابن عبدالله بن ضميرة عن ابيه
عن جده ضميرة ان رسول الله (ع) مر بام ضميرة وهي تبكي فقال:
= (1/317)
صفحة 318
القد
الرابع
في ترتيب الامام وصفته
وقد اتفق اهل العلم على تقديم الافضل في الصلاة، لقول النبيء عليه السلام من جمع القرآن والعلم كان اولى بالتقديم (1). والشروط المعتبر في الامامة التي لا تنازع فيها بين اهل العلم في صحة صلاة من
اجتمعت
،
فيه هي البلوغ، والعقل، والاسلام، والذكورية، والحرية، والعدالة والعلم بما لاتصح الصلاة الا به قراءة وفقها، وسلامة الاعضاء التي يكون فقدها فادحا في الصلاة، وقد جمعنا فيما عددنا ههنا بين شروط الصحة وشروط كمال الفضيلة، ونحن نشرع في تمييزها ان شاء الله. اما البلوغ» فشرط في صحه الفريضة عند الجمهور الاعظم فلا تجوز امامة الصبي في الفريضة وان كان عليه السلام اثبت له الحج فان ذلك تفضل عليه لا استحقاق. وقال آخرون تجوز امامته في النفل، وسبب الخلاف: هل يوم احد في صلاة غير واجبة عليه من تعين عليه وجوب تلك الصلاة؟
=
ما يبكيك اجائعة انت؟ اعارية انت؟ قالت يا رسول الله: فرق بيني وبين ولدي فقال رسول الله (ع) ولا يفرق بين الوالدة وولدها. ثم ارسل الى الذي معه ضميرة فدعاه وابتاعه منه ببكرة، قال ابن ابي ذئب، ثم اقرأني كتابا عندهم
مبكر الله
من النبيء (ع): بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لبني ضميرة واهل بيته ان رسول الله (ع) اعتقهم وانهم بيت من اهل العرب: ان احبوا اقاموا عند رسول الله (ع) وان احبو رجعوا الى اهلهم لا تعرض لهم الا بحق. من لقيهم من المسلمين فليستوصوا بهم خيرا. وكتب ابي ابن اهـ السالمي بتصرف
كعب
1) لقوله (الله): «يوم القوم اقرؤهم لكتاب الله، وان كانوا في القراءة سواء فاعلمهم بالسنة، فان كانوا في السنة سواء فاقدمهم في الهجرة. فان كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سناه. رواه مسلم. (1/318)
صفحة 319
وذلك لاختلاف نية الامام والمأموم (1)، واما العقل» فشرط في صحة الصلاة لانه لاتجوز امامة المجنون ومن كان في معناه من جميع من غاب عقله باغماء او سكر او عته او مرض برسام او غيره لاستواء الجنون والطفولية في رفع القلم عنهما لعدم صحة العقل منهما والله اعلم، واما الاسلام» فشرط صحة ايضا، ولا اعلم فيه خلافا بين الامة، وذكر ابن بركة في كتابه رحمه الله ان رجلا ام اناسا في سفر سنة كاملة ثم خرج مشركا فألزمهم الفقهاء اعادة الصلاة، وكذلك «الختان» عند اصحابنا شرط في صحة الصلاة لانه لا تجوز عندهم امامة الاقلف البالغ ولا صلاته في الايام التي لا يعذر فيها والله اعلم. «واما الذكورية، وقد تقم حكمها - وانها لا تجوز امامة المرأة للنقصان اللاحق بها قياسا على الامامة العظمى والله اعلم. واما الحرية ففيها خلاف: قيل هي شرط في صحة الصلاة فلا تجوز امامة العبد لنقصانه بالرق، واجاز بعضهم امامته في الصلاة دون الاحكام والله اعلم. والعدالة اضطربت فيها اقوال العلماء مع اتفاقهم على كراهية الصلاة خلف من يلوذ بالحرام من فرج او مال او شراب خمر، واجاز بعضهم الصلاة خلف اهل الاهواء ما لم يدخلوا فيها ما يفسدها، لان المطلوب من الامام صحة الصلاة، ولم يجز اصحابنا الصلاة خلف من يقنت فيها او يقول: ولا الضالين آمين. لانها من كلام الآدميين والله اعلم (2). واما العلم بما لا الصلاة الا تصح
به قراءة وفقها فهو من
1) وتقدم جواز امامة الصبي اذا كان مميزا وجواز اختلاف نية الامام والماموم للاحاديث المتقدمة، ولامامة معاذ بقومه
2) جمهور علماءنا على ان القنوت قد كان سنة ثم نسخ لحديث انس المتفق عليه وان
رسول الله (قنت شهرا بعد الركوع يدعو على احياء من العرب ثم تركه
فمن قنت فسدت صلاته وصلاة من صلى خلفه ولو لم يعلم انه يقنت الاعلى:
= (1/319)
صفحة 320
شروط الصحة لأن الامام اذا اخل بركن من اركان الصلاة عن عمد او
سهو
فقد بطلت صلاته وصلاة من خلفه باتفاق اهل العلم. وكذلك القراءة شرط في صحة الامامة لان الأمي الذي لا يحسن القراءة لاتصح امامته لنفسه ولا لغيره. وكذلك من كان لا يقدر على النطق بالحروف من مخارجها على الصحة لسبب الجهل دون حلول الآفة في لسانه والله اعلم. واما الألكن لتجوز امامته للسالم من اللكنة اذا كان يقيم الحروف اقامة تجزيء في الصلاة والله اعلم. واما اللحان فاذا كان لحنه لا يغير المعنى تصح صلاته اذا كان بغير تعمد منه والله اعلم. واما ان كان لحنه يغير المعنى كعجم الدال من قوله قدر فهدى، او التاء من قوله وبشر المخبتين، او يبدل آية رحمة بآية عذاب، او آية عذاب بآية رحمة.
فقد
= قول من يقول: ان صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الامام. وقال الامام ابو يعقوب يوسف ابن ابراهيم الوارجلاني: الاتفسد صلاة من صلى خلف قانت ولو علم ان يقنت اذا جاز القنوت في مذهب ذلك القانت اهـ. ـ اما زيادة «آمين» بعد قراءة الفاتحة فلم تثبت عند اصحابنا وان ثبتت عند غيرنا من علماء الاسلام لذلك نجد جمهورنا يحكمون بفساد صلاة الفذ اذا زادها، وبفساد صلاة من صلى خلف من يزيدها وهو ما جرى عليه المصنف. بيد ان هناك رحمه الله علماءنا من من يحكم بصحة صلاة من صلى خلف من يقولها كما هو مختار الشيح خميس العماني صاحب منهج الطالبين. وهناك مسائل في الصلاة غير القنوت وزيادة آمين كرفع اليدين في الصلاة والاشارة بالسبابة والتورك على اليسار ووضع اليدين على السرة لم تثبت عند اصحابنا وثبتت عند غيرهم. قال الشيخ خميس في حقها ايضا: ولا بأس على من فعل ذلك، وغيرنا يراه سنة اهـ وقال الشيخ ابراهيم بن سعيد العبري وان ما يفعله غيرنا في الصلاة لم يفعلوه من تلقاء انفسهم جهلا او لمجرد هوى او عمل للبدعة ولكنهم فعلوه عملا بالسنة التي بلغتهم وصحت عندهم وتناقلوها خلفا بعد سلف. وان اصحابنا لم يتفقوا على انها مما يفسد الصلاة. وانهم لم يتفقوا على الصلاة خلفهم. بل الأصح الذي عليه سلفنا جوازها، وبالله التوفيق.
-
منع
اهـ مصححه
-~- (1/320)
صفحة 321
فان هذا لا تصح امامته ولا صلاته لنفسه. واما ان كانت هذه الامور من قبل اللسان فلا باس بصلاته وامامته والله اعلم. وقد روي ان بلالا رحمه الله كان يقول اسهد أن لا اله الا الله بالسين فيقول النبيء عليه السلام سين بلال هو الشين. اما نقصان الخليقة وسلامة الأعضاء التي يكون فقدها قادحا في الصلاة فهو على وجوه، واحدها، نقصان العضو الذي لا يقرب به الانسان من الأنوثية كالعمى وشبهه من الصمم ونحوه وقد تقدم الخلاف في امامة الاعمى، والثاني نقصان يقرب من الانوثية كالخصاء والعنة وشبهها فتكره امامة الخصي والعنين والمجبوب والمستاصل الا لمن كان مثلهم، والثالث النقصان الذي يتعلق به فرض الصلاة كالمريض العاجز عن القيام والمقعد واشباههما قلا تجوز امامة هؤلاء للقادرين على القيام. وقد اجاز اصحابنا امامة القاعد اذا كان اماما عادلا والله اعلم. الرابع» النقصان المتعلق بالاعضاء الموجهة للسجود كقطع اليد او شللها فلا يؤم الاقطع ولا الاشل اذا لم يقدر ان يضع يديه في الارض لانه وان بلغ نهاية طاقته في فعل لا يتحمله عن المأموم فانه منتقص عن درجة الكمال، وكذلك المقطر ومن به سلس البول لا ينبغي ان يؤم الأصحاء والله اعلم. واما شروط الفضيلة فلا يؤثر اخلالها في نقصان الصلاة كامامة المتيمم بالمتوضيء، والبادي بالحاضر، والمسافر بالمقيم من اجل ان الافضل في واللباس اولى بالتقديم. وكذلك من انفرد بالعلم والورع فهو اولى
الهيئة
ممن دونه اذ بهما يحسن الاداء وتحصل الشفاعة لقول النبي علي الله وان سركم ان تزكو صلاتكم فقدموا خياركم فانهم وفدكم الى ربكم (1).
1) وفي رواية اخرى: ائمتكم وفدكم الى الله تعالى فان اردتم ان تزكو صلاتكم - الحديث للدارقطني والبيهقي وضعف اسناده من حديث ابن عمر.
- r 11 - (1/321)
صفحة 322
القسم
الخامس
في الوظائف المشترطة على الامام
وهي عشر: احداها مراعاة الوقت لحديث ابي ذر ان احب عباد الله الذين يراعون الشمس والأظلة» (1)، «الثانية» الصلاة في اول الوقت لقول النبي الاول الوقت رضوان الله، واوسطه رحمة الله، وآخره عفو الله (2) الا ما استحب له من تأخير الظهر في الحر الشديد حتى يبرد الثالثة ان يجعل من يراعي الصفوف ويسويها لثبوت ذلك عن رسول الله الا الا الله فلا يكبر حتى تسوى، الرابعة ان يرسل نيته ارسالا لكل من يصلي بامامته ويعقد نيته ويقول اللهم ان نيتي واعتقادي ان اصلي هذه الصلاة الحاضرة وبكل من أ له صلاة وبجميع من يصلي وراثي هذه الصلاة في هذا اليوم المعلوم كما قدمنا في اعتقاد المنفرد قبل هذا. «الخامسة» أن التكبير والتسليم جزما ولا يمد بهما صوته لئلا يسابقه بهما من وراءه، «السادسة» ان يرفع صوته بالتكبير كله وبسمع الله لمن حمده ليقتدي به من وراءه، «السابعة) ان يخلص نيته للمأمومين في حفظ صلاته حدودها الظاهرة والباطنة والاجتهاد في الدعاء اليهم جميعا. «الثامنة» ان يقتصد في صلاته ولا يطولها عليهم، ويصلي بهم صلاة اضعفهم التاسعة ان يتنحى عن مكانه اذا صلى ولا يمكث في مصلاه اذا كان في مسجد. «العاشرة ان يجعل وراءه افضل القوم لقول النبيء الا الله
يجزم
ومراعاة
1) حديث: ان احب عباد الله الى الله الذين يراعون الشمس والقمر والاهلة لذكر الله رواه الطبراني والحاكم وقال:. الاسناد حديث ابن ابي او فى بلفظ: خيار
صحيح
من
عباد الله لا من حديث ابي ذر كما ساقه المؤلف
(2) اخرجه الدارقطني باسناد ضعيف جدا عن ابي محدورة.
– 312 (1/322)
صفحة 323
ليليني اهل الاخلاص والفضل (1) والله اعلم.
القسم السادس
في شروط القدوة
وينحصر في اربعة شروط: واحدهاه النية للاقتداء بالامام فان كان المأموم مقيما فلينو اداء فرضه مع الجماعة، وان كان المأموم مسافرا فلينو ان يصلي بصلاة الامام، وليقل صلاتي صلاة الامام مقيما كان الامام او مسافراً وان لم يقل ذلك فوافق: ففيه خلاف. والله اعلم، والثاني» ان لا ينزل المأموم جنس صلاة الامام عن جنس صلاته كمتنفل يوم مفترضا والثالث) اتحاد الفرض المؤتم فيه فلا يصلي الظهر خلف من يصلي الصبح او غيره. الرابع» المتابعة والمساوقة دون المساواة والمسابقة. وهذا في افعال الصلاة من الركوع والسجود واقوالها المختصة بالجهر كالاحرام والجهر في القراءة والتسليم واشباه ذلك. وان احرم قبل الامام اعاد قبل الركوع والا بطلت صلاته بلا خلاف. وكدلك الركوع والسجود والتسليم ان سبق بها الامام متعمدا، وان كان ناسيا رجع الى الحد الذي خرج منه. وان ساوى امامه في افعال الصلاة فصلاته غير مضاعفة الثواب. وقد اجمع اهل العلم على ان على المأموم ان يتبع الامام في اقواله وافعاله الا في قول سمع الله لمن حمده، فذهب بعض الى ان الامام يقول سمع الله لمن حمده ويقول المأموم ربنا ولك الحمد. لقول النبيء علي الله وانما جعل الامام ليؤتم به فاذا ركع
1) رواية احمد ومسلم وابي داود والترمذي من حديث ابن مسعود: «ليتني في الصف الاول اولوا النهى منكم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. (1/323)
صفحة 324
فاركعوا واذا رفع فارفعوا واذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا الحمد (1). وذهب آخرون الى ان الامام والمأموم يقولان جميعا سمع
لمن حمده ربنا ولك الحمد والله اعلم:
القسم السابع
فيما يحمله الامام عن الماموم
الله
وقد اتفقوا على ان الامام لا يحمل عن المأموم شيئا من فرائض الصلاة ما خلا القراءة فانهم اختلفوا فيها. فذهب بعضهم الى ان الامام يحملها لقول امن كان له امام فقراءة الامام له قراءة (2) وقال آخرون
النبيء لا يحمل عنه شيئا من القراءة الا فاتحة الكتاب. لقوله لا لا تفعلوا الا بأم القرآن فانه لاصلاة الا بها (3) والله اعلم.
مسألة: واذا احدث الامام بقيء او رعاف او خدش فانه ينبغي له ان يستخلف من يتم بالقوم وليس الاستخلاف بواجب عليه لانه انما التزم ليقتدى به مادام الاقتداء به ممكنا، فاذا تعذر ذلك فليس عليه ان يأتي بعوض منه لانه لما كان المامومون ممنوعين من الكلام كان من احسن النظر لهم ان يقيم لهم من يتم بهم. ولا يجوز الاستخلاف الا في الثلاثة الاحداث المتقدمة للحديث الوارد في ذلك انها لا تنقض الصلاة، فاذا انفلت المصلي
(1) رواه الشيخان
بن
(2) رواه الدارقطني من طريق عبدالله شداد (3) رواه ابو داود والترمذي من حديث عبادة بن الصامت، واحمد وابن حبان بلفظ: ولعلكم تقرأون خلف امامكم؟ قلنا نعم. قال: لا تفعلوا الا بفاتحة الكتاب فانه لا صلاة لمن لم يقرأ بها». (1/324)
صفحة 325
بهم؟ توضاً وبنى على صلاته (1). واما اذا احدث بغير هذه الثلاثة الاوجه من جميع الأنجاس والأحداث التي تنقض الصلاة فقد فسدت صلاته وصلاة القوم جميعا. ويجوز الاستخلاف في جميع الصلوات إلا في صلاة الميت فان فيها خلافا، وصفة الاستخلاف: ان يجذبه الامام من يده ويوقفه في مكانه ويأخذ في الصلاة من حيث كان الامام ان علمه والا فمن حيث هو ويصلي بالقوم صلاة الامام مقيما كان أو مسافرا وإن بقي للخليفة شيء
في أول صلاته او في آخرها استدركه بعد الفراغ من الصلاة ولا يسلم خلفه حين يستدرك، ثم يسلم فيسلمون معه جميعا. ولا يستخلف من الا الامام ويساعده المستخلف ايضا على ذلك. وان الى فليستخلف غيره الى ثلاثة، وقيل لا يجاوز واحداً: وكذلك الخليفة لايستخلف هو ايضا الا واحداً، وقيل يستخلف الى ثلاثة والله اعلم.
الجملة الثالثة في صلاة السنن: وهي بالجملة عشر: صلاة الوتر، وركعتا الفجر، وركعتا المغرب، وقيام رمضان، وركعتا الطواف، وصلاة الكسوف والخسوف، وصلاة الاستسقاء ء وصلاة الضحى، وصلاة العيدين وصلاة الجنائز، فتشتمل هذه الجملة على عشرة فصول:
1) روي من طريق ابن عباس (ض) ان النبي (ع) قال: «القيء والرعاف والخدش لا ينقضن الوضوء» رواه الدارقطني وابن حبان. وقول المصنف اذا انفلت المصلي
ابهم»، الصحيح وبهاء
– 315 ـ (1/325)
صفحة 326
وفيها اربع مسائل.
الفصل الاول
في صلاة الوتر
الله
المسألة الاولي في حكمه: وقد اختلف فيه: فذهب اكثر اصحابنا الى انه سنة واجبة، واحتجوا بقول النبيء عيال والمغرب وتر النهار، فأوتروا صلاة الليل (1) وبقوله: «ان الله زادكم صلاة سادسة الحديث (2). والى هذا ذهب محمد بن محبوب رحمه ووافقه على ذلك ابو حنيفة والله اعلم. وذهب بعض اصحابنا الى انه سنة، وان الفرض مقصور على الصلوات الخمس لقوله عليه السلام وخمس صلوات كتبهن على العباده (3)، وقوله لمعاذ ابن جبل اعلمهم ان الله افترض عليهم
الله
1) متفق عليه وروي
-
احمد
من حديث ابن عمر باسناد صحيح: صلاة المغرب
اوترت صلاة النهار فاوتروا صلاة الليل
(2) رواية الربيع وان الله زادكم، وتمام الحديث وخير لكم من حمر النعم وهي الوتره. ورواية اخرى للخمسة الا النسائي وصححها الحاكم من حديث خارجة بن حذافة (ض) قال: قال رسول الله (الله: وان الله امدكم بصلاة خير لكم من حمر النعم، قلنا: وما هي يارسول الله؟ قال: الوتر ما بين صلاة العشاء الى طلوع
الفجر.
مي
وتمامه: «في اليوم والليلة، فمن جاء بهن تامة لم يضيع منهن شيئا فله عهد عند الله ان يدخله الجنة، ومن نقص من حقهن شيئا فله عهد عند الله ان يدخله الناره، وعن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول «خمس صلوات كتبهن على العباد، فمن اتى بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عهد عند الله ان يدخله الجنة. ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد ان شاء عذبه وان شاء غفر له رواه احمد وابوداود والنسائي وابن ماجة، وقال فيه: ومن.
الله
قد انتقص منهن شيئا استخفافا بحقهن
جاء
بهن
316 - (1/326)
صفحة 327
خمس صلوات (1) في امثالها، وهي أيضا لاتصلى جماعة، ولا لها في المكتوبات نظائر، ولا وقت مرتب وانما هي من توابع الصلاة. والى هذا ذهب مالك بن انس المدني والشافعي، وفائدة الخلاف: هل يكفر تارك الوتر وتلزمه الكفارة ام لا؟ والله اعلم.
المسألة الثانية في صفته: وقد اختلف فيه، فقيل هي سبع ركعات، وقيل خمس، وقيل ثلاث، وقيل واحدة (2) وبهذا يقول اصحابنا، ولكنهم استحبوا ان يصلى ثلاثا يفصل بين الركعتين والركعة بالتسليم، والى هذا ذهب مالك بن انس. والنظر فيه: هل من شرط الوتر ان يتقدمه شفع ام لا؟ فيشبه ان يقال ذلك من شروطه اذ كان النبيء لا يصلي بالليل مثنى مثنى حتى اذا خاف الفجر اوتر بواحدة: ويشبه ان يقال ليس اذا ذلك من شرطه، لانهم زعموا انه عليه السلام يصلي مثنى مثنى حتى انتهى الى الوتر ايقظ عائشة رضي الله عنها فأوترت. معه، فظاهر هذا انها اوترت من غير شفع متقدم. والى هذا ذهب اصحابنا ان من اوتر بعد العتمة بركعة واحدة اجزأه لما روي عن جابرين زيد رحمه الله انه اوتر
1) رواه الشيخان وتمام الحديث: عن ابن عباس ان رسول الله بعث معاذاً الى اليمن فقال: انك تأتي قوما اهل كتاب فادعهم الى شهادة ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله، فان هم اطاعوك لذلك فاعلمهم ان الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فان هم اطاعوك لذلك فاعلمهم ان فرض عليهم صدقة تؤخذ من اغنيائهم وترد الى فقرائهم، فان هم اطاعوك لذلك فاياك وكرائهم اموالهم، واتق دعوة المظلوم فانه ليس بينها وبين الله حجاب 2) والحق التخيير لحديث ابي ايوب الانصاري (ض) ان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال الوتر حق على كل مسلم، من أحب ان يوتر بخمس فليفعل، ومن احب ان يوتر بثلاث فليفعل، ومن احب ان يوتر بواحدة فليفعل رواه الاربعة الا الترمذي وصححه ابن حبان، ورجح النسائي وقفه.
- riv (1/327)
صفحة 328
بواحدة ليري اصحابه ان ذلك جائز لهم، فقال هذا وتر العاجز، وكذلك بلغنا ان معاوية فعل ذلك فقال ابن عباس ويحه من اين عرف هذا لا ام له؟ اما اذا عرف هذا فلا يزيد على ركعة واحدة. ولكن المستحب عند اصحابنا أن يصلي الوتر ثلاثاً ان شاء فصل بين الركعتين والركعة بالتسليم، وان شاء لم يفصل: الا من كان له عذر خوف او مرض او سفر او شغل فان اقتصر على واحدة اجزأه. وقد روي ان النبيء الراوتر بثلاث (1) فقرأ في الاولى سبح اسم ربك الاعلى وفي الثانية بقل يا ايها الكافرون، وفي الثالثة بقل هو الله احد. وفي حديث ايضا انه لايسلم الا في آخر هن (2). وقيل عنه ايضا انه يواظب في الوتر على ركعة واحدة. ولابأس ان تصلى النوافل بعد الوتر والله اعلم.
المسألة الثالثة في وقته: وقد اجمعوا ان وقته من بعد صلاة العشاء الى طلوع الفجر. واختلفوا في جواز صلاته بعد الفجر: فقوم منعوا ذلك. وقوم اجازوه ما لم يصل الفجر. والمستحب لمن يعتاد القيام في الليل ان يؤخر الوتر الى آخر الليل، وان صلى اول الليل فلابأس، وتجزيء في قراءة الوتر فاتحة الكتاب مع اي سورة اتفقت، لكن المستحب ما شرعه اصحابنا فيه (3) من قراءة اية الكرسي، وخواتم البقرة، وانا انزلناه، وقل
الله احد
1) رواه احمد وابوداود والنسائي - ولايي داود والترمذي نحوه عن عائشة (ض) وفيه كل سورة في ركعة وفي الاخيرة قل هو الله احد والمعوذتين.
(2) رواه النسائي من حديث ابي بن كعب يظهر ان هذا التشريع مجرد استحسان من الاصحاب ولا يقبل هذا الاستحسان الا اذا كان يستند الى دليل نقلي، والا فقراءة ما ثبت عن الرسول اولى واحب، وانت خبير ان الزام الناس بترتيب وضعي في باب العبادة تشريع، ولا تشريع فيها الا الله ورسوله والله اعلم. اهـ مصححه
- (1/328)
صفحة 329
المسألة الرابعة في قضائه بعد الفجر: هل يجوز ام لا؟ فذهب بعضهم الى جواز ذلك بعد الصبح وبه قال طاوس، وبعضهم بعد طلوع الشمس وبه قال الأوزاعي، وبعضهم يقضى من الليله المقبلة وهو مروي عن سعيد ابن جبير، وسبب التنازع اختلافهم في تأكيده وقربه من درجة الفرض، فمن راه اقرب اوجب القضاء في زمان ابعد من الزمان المختص به، ومن رآه ابعد اوجب القضاء في زمان اقرب، ومن رآه سنة كسائر السنن ضعف عنده القضاء، اذ القضاء انما يجب في الواجبات والله
اعلم (1)
وفيه خمس مسائل:
الفصل الثاني
في ركعتي الفجر والمغرب
المسألة الأولى في حكمهما: وقد اتفقوا على انهما سنة. وعند أصحابنا سنة مؤكدة، وانما اتفقوا على ذلك لمعاهدته عليه السلام اياهما اكثر منه على سائر النوافل، ولرغبته فيها ولانه قضى ركعتي الفجر بعد طلوع الشمس حين نام عن الصلاة، ولما روي ان عليا ساله عليه السلام عن قوله تعالى فسبحه وادبار النجوم (2)) فقال: وهما ركعتا الفجره، وعن قوله وادبار السجود (3) فقال ركعتا المغرب والله اعلم.
وهذا
1) لكن ورد في الوتر القضاء لقوله (ع) من حديث ابي سعيد الخدري من نام عن وتره او نسيه فليصله اذا ذكره رواه ابوداود: وقال العراقي اسناده صحيح. و اهـ مصححه الحديث يؤيد ما ذهب اليه الاصحاب من ان الوتر سنة واجبة.
الط
ور: (49).
3) ق: (40). (1/329)
صفحة 330
المسألة الثانية في وقتهما: فركعتا الفجر وقتهما اذا انفجر الصبح
لقوله عليه السلام الاصلاة بعد الفجر الاركعتا الصبح (1): ووقت ركعتي المغرب بعد قضاء الفريضة، وقال من قال: وقت ركعتي الفجر حين يدخل النصف الاخير من الليل، ومن صلاهما ثم نام فعليه اعادتهما، وكذلك ان لم يطلع الفجر على القول الأول فصلاهما فليعدهما، ولا يستحب الكلام بينهما وبين الفريضة بغير ذكر الله تعالى.
المسألة الثالثة فيما يستحب من القراءة فيهما: فاستحب اصحابن في الركعة الأولى قراءة الفاتحة مع قل يا أيها الكافرون، وفي الثانية بسورة الاخلاص ثلاثا بعد الفاتحة، لثبوت ذلك عن رسول الله لا وكان يقرأ فيهما بما ذكرنا (2)، ويستحب التخفيف فيهما لما روي انه عليه السلام كان يخفف في ركعتي الفجر (3) والله اعلم. المسألة الرابعة: فيمن اقيمت عليه الصلاة المكتوبة قبل ان يركعهما او دخل المسجد فوجد الامام في الصلاة: فقال بعضهم ان اقيمت عليه الصلاة فليدخل مع الامام ولا يصليهما في المسجد، فان لم يدخل المسجد فليركعهما خارجا منه ما لم يخف فوات ركعة من الصلاة. وان خاف فليدخل مع الامام ثم يصليهما اذا طلعت الشمس (4) وقال
1) رواية الدارقطني عن ابن عمرو بن العاص ولاصلاة بعد طلوع الفجر الا ركعتا الفجره. (2) لا يوجد تكرير الاخلاص ثلاثا في الركعة الثانية فيما اطلعنا عليه بل ورد مطلقا بلا ذكر العدد
لحديث عائشة (ض) قالت وكان رواه الجماعة الا الترمذي.
اذا سمع النداء بالصبح صل ركعتين خفيفتين
لقوله (ع) ومن فاته ركعتا الفجر فليصلهما اذا طلعت الشمس» تقدم عن ابي سعيد
الخدري بلفظ من نام
— (1/330)
صفحة 331
بعض يركعهما خارجا ما لم يخف فوات الركعة الاخيرة من الصبح. وقال آخرون ان اقمت الصلاة فلا يصليهما داخل المسجد ولا خارجه. وسبب الخلاف تنازعهم في مفهوم قوله عليه السلام واذا اقيمت الصلاة فلا صلاة الا المكتوبة (1) فمن حمل الحديث على عمومه لم يجز ركوعهما اذا اقيمت الصلاة داخل المسجد ولا خارجه، ومن قصره على المسجد فقط فقد اجاز ذلك خارج المسجد ما لم تفته الفريضة او ركعة منها. فمن ذهب مذهب العموم فالعلة في النهي عنده انما هو الاشتغال بالنفل عن ا الفرض، ومن قصر ذلك على المسجد فالعلة عنده لئلا تكون الصلاتان معا في موضع واحد والله اعلم. المسألة الخامسة في قضائهما: اذا فاتنا حتى صلى الصبح، فقال من قال يقضيهما بعد صلاة الصبح روي ذلك عن عطاء وابن جريج،
وقال
لدن طلوع
قوم يقضيهمها بعد طلوع الشمس فقط. وقال من قال من فاتته الشمس الى وقت الزوال. والاصل في هذا قوله عليه السلام من ركعتا الفجر فليصلهما اذا طلعت الشمس (2).
الفصل الثالث
في قيام رمضان
وقد اجمعوا على انه مرغب فيه لقوله عليه السلام من صام رمضان
1) متفق عليه بلفظ واذا اقيمت الصلاة فلا صلاة الاصلاة الجماعة مع الامام.
تف
دم. (1/331)
صفحة 332
واقامهم ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (1). واختلف اهل
العلم في المختار من عدد الركعات التي يقوم بها لاناس في رمضان: فاختار بعضهم القيام بعشرين ركعة سوى الوتر. وروي ذلك عن الشافعي وابي حنيفة وغيرهم. وروي عن مالك انه كان يستحب القيام بست وثلاثين ركعة والوتر بثلاث، والعمل المستقر عند اصحابنا القيام باربع وعشرين ركعة ماخلا الوتر وركعتيه، واحسب ان سبب الخلاف في هذا اختلاف الاحاديث المتقولة فيه والله اعلم. وقد روي عن رسول الله الله كان اذا دخل رمضان قال لاصحابه هذا شهر رمضان شهر مبارك افترض عليكم صيامه ولم يفترض قيامه (2). وكان الناس يقومونه وحدانا؛ منهم من يقوم في بيته، ومنهم من يقومه في المسجد كل على قدر طاقته ورغبته في القيام فكان الناس على ذلك فى زمان النبيء عليه السلام وخلافة ابى خلافة بكر وصدر من عمر، فبلغنا ان عمر خرج ذات ليلة فرأى الناس في المسجد اوزاعا متفرقين يصلي الرجل وحده، وآخر يصلي بصلاة الرهط، قال عمر والله لارى اني لو جمعت الناس على قاريء واحد لكان امثل فجمعهم على ابي بن كعب، ثم خرج ليلة اخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال: نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها افضل من التي تقومون بها يعني الصلاة آخر الليل. وبلغنا ان عمر ضم تميم
1) رواية الربيع عن ابي هريرة باسقاط «واقامه، وفي حديث آخر من قام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه عن ابي هريرة - وفي ثالث من قام ليلة القدر ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» رواه الشيخان 2) يشير الى ما روي عن سلمان الفارسي (ض) قال وخطبنا رسول الله (ع) في آخر يوم من شعبان فقال وقد اظلكم شهر عظيم، شهر مبارك، شهر فيه ليلة القدر هي خير من الف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيامه تطوعا الى آخر الخدية.
322 (1/332)
صفحة 333
عمر
الداري الى ابي بن كعب وامرهما ان يقوما للناس باحدى وعشرين ركعة بالوتر فكانا يطيلان القيام والقراءة فكان القارئ منهما يقرأ بالمائتين حتى كان الناس يعتمدون على العصي من طول القيام وما كانوا ينصرفون الا في فروع الفجر. ثم ان الناس اشتد عليهم طول القيام فشكوا ذلك الى فأمر القارئين ان يخففا من طول القيام ويزيدوا في عدد الركوع ففعلا فكانا يقومان بثلاث وعشرين ركعة فكان القاريء يقرأ بالبقرة في ثمان ركعات فاذا قرأها في اثنتي عشرة رأى الناس انه قد خفف. ولقد كانوا ينصرفون من المسجد فيستعجلون الخدم بالسحور مخافة الفجر. فكان الامر على ذلك الى يوم الفطر. فلما اشتد على الناس طول القيام شكوا ذلك ايضا فنقصوا من طول القراءة وزادوا في عدد الركوع حتى اتموا وثلاثين ركعة والوتر ثلاث ركعات وذلك تسع وثلاثين ركعة بالوتر سوى العتمة، فصار الأمر على ذلك، وبلغنا ان اهل عمان كانوا يصلون اربعين ركعة غير العتمة والوتر. وبعد ذلك رأى بعض الناس فأمر القراء في رمضان ان يقوموا بذلك وان يقرءوا في كل ركعة عشر ايات فاستقر الامر على ذلك. وذلك في زمان مائة عام من التاريخ. فهذا ما وجدته في اثر بعض اصحابنا والله اعلم.
ستا
الفصل الرابع
في ركعتي الطواف
وهي سنة ايضا يصليهما الطائف خلف كل اسبوع من طوافه خلف مقام ابراهيم عليه السلام او حيث شاء من المسجد، ويقرأ في الركعة الأولى
- 323 (1/333)
صفحة 334
بأم القرآن وبقل يا ايها الكافرون، وفي الثانية بام القرآن وسورة الاخلاص ثلاثا، فمن ترك ركوعهما في الطواف الواجب من الحج والعمرة فلير كعهما مادام في الحرم وان خرج من الحرم و لم يركعهما فليركعهما حيث
شاء
وعليه دم والله اعلم.
الفصل الخامس
في صلاة الكسوف
وقد اتفق الناس على ان صلاة كسوف الشمس سنة، وروي ان النبيء صلاها وعمل بها المسلمون. وهي ركعتان من غير اذان ولا اقامة يستحب فيهما طول القيام والقراءة والركوع والسجود، لما ثبت من فعله حين مات ولده ابراهيم عليه السلام فصلاها وانصرف وقد تجلت الشمس، فقال الناس كسفت الشمس لأجل موت ولده عليه السلام فبلغه ذلك فخطب الناس فقال: ان الشمس والقمر آيتان آيات الله لا من يخسفان لموت بشر ولا لحياته فاذا رأيتم ذلك فادعوا الله وتضرعوا» وفي رواية اخرى وافزعوا الى الصلاة (1) ويصليها الناس حيث شاءوا في المسجد او خارجا منه. وروي ان النبيء الا صلاها بالناس في مسجده. وتصلى بالجماعة في قول بعضهم. واذا فرغ الامام منها استقبل الناس بوجهه فيعظهم ويذكرهم ويأمرهم بالصدقة وكثرة ذكر الله تعالى. ومن فاته شيء من الصلاة فادرك بعضها مع الامام فليقض ما فاته منها اذا سلم الامام على حسب ما فاته. ولا تصلى في الاوقات المنهي عن الصلاة فيها
1) متفق عليـ
-
324 (1/334)
صفحة 335
، وسبب
ولكن يستحب في ذلك كثرة الدعاء والتضرع الى الله تعالى حين تنجلي. واختلفوا في الصلاة لخسوف القمر: فقيل تصلى جماعة. وقيل تصلى فرادي: تصلى ركعتين كسائر النوافل الخلاف قول النبيء على الله اذا انكسفت الشمس او انخسف القمر فصلوا كاحدى صلاة صليتموها» (1) فمن فهم هذا الخير الأمر بالصلاة قال تصلي جماعة من قياسا على كسوف الشمس، ومن فهم منه اقل ما يطلق عليه اسم الصلاة قال تصلى فرادى كالنافلة لانه قيل لم يرو عنه انه صلى في خسوف القمر مع كثرة دورانه، وقد روي ان ابن عباس وعثمان صليا في خسوف القمر جماعة. وقد استحب قوم الصلاة للزلزلة والريح، والظلمة وغير ذلك من الآيات قياسا على كسوف الشمس والله اعلم.
جماعة
الفصل السادس
في صلاة الاستسقاء (2)
والدعاء الى الله،
اجمع العلماء على ان الخروج الى الاستسقاء، والتضرع اليه في نزول المطر سنة سنها رسول الله ع. واختلفوا في الصلاة في الاستسقاء: فذهب قوم الى انها سنة الاستسقاء، ومنع
من
1) رواه احمد والنسائي من حديث قبيصة الهلالي بزيادة من المكتوبة» بعد صليتموها. 2) استسقاء النبيء (كان على انواع. فالاول خروجه الى المصلى وصلاته وخطبته. والثاني يوم الجمعة على المنابر اثناء الخطبة، والثالث استقاؤه على منبر المدينة استقى مجردا في غير صلاة الجمعة ولم يحفظ له فيه صلاة ـــ الرابع انه استسقى وهو جالس بالمسجد فرفع يديه ودعا الله عز وجل. الخامس انه استسقى عند احجار الزيت قريبا من الزوراء وهي خارج باب المسجد. السادسة انه استسقى في بعض غنواته لما سقه المشركون الى الماء. وقد اغيث) وفي كل مرة استسقى فيها!!! اهـ ..
-
- 325 - (1/335)
صفحة 336
ذلك آخرون من
"
وسبب ذلك اختلاف الاثار. وذلك ان في بعضها
عن ابن عباس ان النبي علا الله خرج الى الاستسقاء فصنع كما صنع في الفطر والأضحى (1) وقيل انه صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة ورفع بيديه واستسقى واستقبل القبلة ثم حول ظهره الى الناس وحول رداءه (2)، وفي بعض الاحاديث انه جاءه رجل وهو يخطب على المنبر وسأله على المنبر الاستسقاء. فقال اللهم استقناه. من غير صلاة (3). وفي حديث آخر: الى المصلى فاستسقى فدعا قائما ثم توجه الى القبلة وحول رداءه
انه
خرج
فسقوا (4). واختلفوا في وقت الخروج الى الاستسقاء: فذهب اصحابنا واكثر العلماء الى ان وقتها حين ترتفع الشمس. وقد روي ان النبيء عل الله خرج اليها حين بدا حاجب الشمس (5) وذهب آخرون الى ان وقتها حين الزوال، والذي ينبغي للناس ان يخرجوا اليها بثياب رئة بسكينة ووقار، متواضعين متخشعين وجلين متورعين، قال بعض العلماء. وذلك ان العبد الجاني اذا رأى مخايل العقوبة المهلكة من مولاه لم يأته راجيا في رفع
1) رواه الخمسة وصححه الترمذي وابو عوانة وابن حيان وفيه صلى ركعتين كما يصلى في العيد لم يخطب خطبتكم هذه
(2) اخرجه الجماعة من حديث عبدالله بن زيد المازني.
) رواه ابن ماجة وابوعوانة عن ابن عباس قال جاء اعرابي الى النبيء)) فقال يارسول الله جئتك من عند قوم لا يتزود لهم راع، ولا يخطر لهم فحل، فصعد النبيء) المنبر فحمد الله ثم قال: اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا سريعا طبقا غدقا عاجلا غير رائث ثم نزل فما ياتيه احد من وجه من الوجوه الا قالوا قد احييناه ورجاله ثقات.
) رواه احمد وابن ماجة والبيهقي عن ابي هريرة قال خرج نبي الله) يوما يستسقي وصلى بنا ركعتين بلا اذان ولا اقامة، ثم خطبنا ودعا الله وحول وجهه نحو القبلة رافعا يديه، ثم قلب رداءه فجعل الايمن على الايسر، والايسر على الايمن. ه من حديث عائشة الطويل رواه ابوداود وقال: غريب واسناده جيد
- 326 - (1/336)
صفحة 337
العقوبة الا وامارة الذل بادية عليه، والخوف آخذ بناصيته، فاذا بلغوا المصلى فينبغي للامام ان يصلي بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة ثم اذا فرغ خطبهم خطبتين يجلس بينهما يسيرا. فاذا فرغ تحول الى القبلة ورفع يديه فيجعل ظهورهما الى السماء وبطونها الى الارض ويدعو كذلك مستقبلا للقبلة يقول: اللهم امرتنا بدعائك ووعدتنا باجابتك فقد دعوناك كما امرتنا فاستجب لنا كما وعدتنا. اللهم فامنن علينا بمغفرة ما قارفنا، واجابتك في سقيانا وسعة ارزاقنا ويدعو الناس كذلك جلوسا مستقبلين للقبلة فيدعون ويتضرعون ثم ينصرفون. واما تحويل الرداء فانما هو تفاؤل بتحويل الحال من المحل الى الخصب. وكيفية تحويله عند بعضهم ان يجعل ما على يمينه على شماله وما على شماله على يمينه. وليس على الامام ان يرجع بوجهه الى الناس. ويستحب ان يديم الامام والناس الاستغفار والدعاء، فانه بلغنا ان عمر رحمه الله استسقى بالناس فلم يزد على الاستغفار حتى انصرف، فقيل له يا أمير المؤمنين ما رأيناك استسقيت فقال: لقد طلبت المطر (1) المجاديح السماء التي بها يستنزل المطر، ثم تلا قوله تعالى: فقلت استغفروا ربكم انه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا (الى قوله) ويجعل لكم انهارا (2): وقوله وان استغفروا ربكم ثم توبوا اليه يمتعكم متاعا حسناه (3) الآية، ويقول الامام: اللهم اسق عبادك وبهائمك وانشر رحتمك واحي بلادك الميتة، وفي الحديث ان النبيء علم استسقى بعدما صلى ركعتين (4). قيل كان يقرأ في العيدين والاستسقاء: في الركعة
(1) وفى نسخة الغيث
3) هود (3).
2) نوح (10 - 11 - 12). (4) رواه سعيد في سنته وعبد الرزاق والبيهقي وابن ابي شيبة عن الشعبي.
– 327 - (1/337)
صفحة 338
الاولى بفاتحة الكتاب وسبح اسم ربك الاعلى، وفى الثانية بسورة الغاشية بعد فاتحة الكتاب. فلما قضى صلاته استقبل القوم بوجهه المبارك وقلب رداءه ثم جثا على ركبتيه ورفع يديه وكبر تكبيرة قبل ان يستسقي، ثم قال اللهم اسقنا واغثنا، اللهم اسقنا غيثا مغيثا وحيا ربيعا وجدى طبقا مغدقا مونقا عاما هنيئا مريئا سريعا مريعا مربعا وابلا سائلا مسبلا مجللا ديما در را نافعا غير ضار عاجلا غير رائث، اللهم تحيي به البلاد، وتغيث به العباد. وتجعله بلاغا للحاضر منا والبادي، اللهم انزل علينا في ارضنا زينتها وانزل علينا فى ارضنا سكنها. اللهم انزل علينا من السماء ماء طهوراً فأحيي به بلدة ميتا واسقه مما خلقت لنا انعاما واناسي كثيرا، وقيل انما
قلب رداءه لكي ينقلب القحط الى الخصب. وذلك انه حول الا
يسر
على الايمن والايمن على الايسر. والغيث والحيا قطر تحيي الارض، والجدا الذي يعمها. والطبق الذي يطبقها، والغدق والمغدق الكثير القطر والمونق المعجب والمريع ذو المراعة والخصب والمربع الذي يربع الناس على الارقياد أي يحبسهم، والوابل الكثير القطر، والمجلل الذي يجلل الارض اي يكسوها بالماء والنبات، والدرر جمع درة المطر، والرائث البطيء. وزينة الارض النبات. وسكنها قوتها والله اعلم. ولا بأس بخروج النساء والصبيان الى الاستسقاء، ويكره للناس ان يطوفوا بالجبال والصحارى، النساء والصبيان بالبكاء والصراخ لان ذلك تشبيه باليهود والنصارى وليست تطلب رحمة الله بمثل اصابة السنة. ولا بأس ان يستسقى في العام الواحد مرارا. وبالله التوفيق. ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم.
مع
328 (1/338)
صفحة 339
الفصل السابع
في صلاة الضحى
ء
، قيل عن ام هانيء بنت ابي طالب انها قالت: صلى رسول سنة وهي الله الله صلاة الضحى في بيتي ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد يوم فتح مكة (1). وقد اختلفت الروايات فيها من اثنتين الى اثنتي عشرة ركعة، فأقلها ركعتان واكثر ذلك أفضل. ووقتها منذ ترتفع الشمس قيد رح الى ان ينتصف النهار. ويقال ان النبي علا الله خرج على اصحابه وهم يصلون عند الاشراق فنادى بأعلى صوته الا ان صلاة الأوابين اذا رمضت الفصال (2). ولهذا قال بعضهم ان الافضل في الضحى ان تصلى اذا رمضت الفصال من الحر اذا كان يقتصر على مرة واحدة، والمستحب. ان تصلى الضحى ركعتين عند اشراق الشمس وانبساطها وارتفاعها قيد رح وتصلى اربعا اوستا اوثماني اذا رمضت الفصال وضحيت الاقدام بحر الشمس، فوقت الركعتين هو المراد بقوله ويسبحن بالعشي والاشراق (3) ووقت الركعات الاربع هو الضحى الاعلى الذي اقسم الله تعالى به في
-
1) متفق عليه عن ام هانى فاختة بنت ابي طالب ـ وفي حديث عائشة وكان رسول الله يصلي الضحى اربعا ويزيد ما شاء الله رواه احمد ــ اما حديث وكان يصلي الضحى ست ركعات فقد رواه الحاكم في فضل صلاة الضحى من حديث جابر، ورجاله ثقات ــــ وحديث اذا اشرقت الشمس وارتفعت قام وصلى ركعتين، وإذا انبسطت الشمس وكانت في ربع النهار من جانب المشرق صلى اربعاء رواه الترمذي الله (ع) اذا زالت الشمس من مطلعها قيد من حديث علي وكان نبيء رح او رمحين كقدر صلاة العصر من مغربها صلى ركعتين ثم امهل حتى اذا ارتفع الضحى صلى اربع ركعات اللفظ للنسائي وقال الترمذي حسن. (2) رواه الترمذي عن زيد بن ارقم.
والنسائي
3) ص (18). (1/339)
صفحة 340
قول والضحى والليل الآية (1)، فاسم الضحى ينطلق على الكل وكان ركعتا الاشراق تقع في مبدا وقت الصلاة وانقطاع الكراهية، اذ جاء في الحديث ان الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان فاذا ارتفعت فارقها (2) والله
اعلم.
الفصل الثامن
في صلاة العيدين
وهي سنة مؤكدة معمول بها على الكفاية (3) واهل الآفاق، وعددها ركعتان وهي كسائر الصلوات في الشرائط والهيئة، الا في زيادة التكبير
"
وقد قيل في قول الله تعالى قد افلح من تزكى (4) انها زكاة الفطر. وذكر اسم ربه فصلى (5) انها صلاة العيد. وكذلك قيل في قوله تعالى فصل لربك وانحر (6) انها صلاة الاضحى والنحر بعدها، ويستحب البروز اليها بالرجال والنساء لحديث ام عطية قالت امرنا ان نخرج الى العيد حتى العوائق من الخدور (7).، ويستحب التأخير في صلاة الفطر لاشتغال الناس بالصدقة. والتعجيل لصلاة الاضحى ليرجع الناس الى
1) الضحي: (1). رواه مسلم من حديث عبدالله بن عمرو في تحديد مواقيت الصلاة بلفظ: «ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس. فاذا طلعت فامسك عن الصلاة فانها تطلع بين قرني الشيطان
4
يظهر انه سقط من العبارة وعلى اهل الامصار والقرى
و 5) الاعلى: (14
- (10
-
(1) الكوثر: (2).
) رواه الجماعة زيادة وامر الحائض ان تعتزل من مصلى المسلمين
- rr. — (1/340)
صفحة 341
ضحاياهم، ومن سننها الغسل بعد الفجر والسواك والطيب واللباس الحسن للرجال، واما العجائز فيخرجن في ثياب رثن، واقامتها في الصحراء افضل، الا في مسجد مكة، وليس لصلاة العيدين آذان ولا اقامة، واختلف في التنفل فيها: فقيل يجوز قبلها وبعدها، وهو مروي عن انس وعروة. وقيل لا يتنفل قبلها ولا بعدها وهو مروي عن ابن مسعود وعلي بن ابي طالب وغيرهما، وقيل يتنفل بعدها ولا يتنفل قبلها، وهو مروي عن الاوزاعي وغيره، والمعمول عند اصحابنا التنفل قبلها (1) والله اعلم، وقد استحب بعض العلماء ان يصل بعد عيد الفطر اثنتا عشرة ركعة وبعد الاضحى ست، وقيل هي من! السنة والله اعلم. وصفتها ان يتقدم الامام مستقبلا للقبلة فينوي في ذلك اداء السنة في صلاة العيد طاعة الله ولرسوله، وان يكون اماما لمن يصلي وراءه بصلاته فيوجه ويحرم ويكبر على اثر تكبيرة الاحرام اربعا، ثم يستعيذ ويقرأ. وقد اختلف في المستحب من القراءة: فاستحب بعضهم سورة الاعلى بعد الفاتحة في الركعة الأولى، وفي الثانية بسورة الغاشية بعد الفاتحة ورووا ذلك عن رسول الله الله، واستحب بعضهم سورة ق في الاولى، وفي الثانية باقتربت الساعة (2)، واستحب اصحابنا ان يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة بسورة والشمس، وفي الثانية
1) لاتنافي فيما ذكره المصنف بين ما ثبت في السنة الصحيحة ان الرسول (ع) لم يصل قبل صلاة العيد ولا بعدها، وبين المعمول به عند اصحابنا من التنفل قبلها فذاك بصفته سنة من سنن الرسول (ع) وهذا بصفته ناقلة لان مطلق النفل لم يثبت فيه منع بدليل خاص الا ان كان ذلك في وقت الكراهة في جميع
الايام.
اهـ مصححه
(2) ثبت ذلك عن رسول الله (ع) ايضا فعن ابي واقد الليثي (ض) قال: وكان النبيء يقرأ بالاضحى والفطر بق واقتربت اخرجه مسلم. (1/341)
صفحة 342
بالفاتحة وسورة والضحى ويجهر فيهما بالقراءة، ثم اذا قرأ ركع وسجد، ثم يقوم فيقرأ فاذا فرغ من القراءة كبر ثلاثا ثم يركع بتكبيرة ويسجد ويتشهد ويسلم. فهذا حكم من كبر فيها بسبع وهو المعمول به عند اصحابنا ابي عبيدة وغيره، وان اراد ان يكبر فيها كبر بتسع في الاولى بعد الاحرام بأربع وفي الثانية بعد الفراغ من القراءة بخمس، وان اراد ان يكبر بأحدى عشرة كبر في الأولى بعد الاحرام بست، وفي الثانية بعد القراءة بخمس. وان اراد ان يكبر بثلاث عشرة كبر في الأولى خمسا وفي الثانية بعد القراءة خمسا وبعد الرفع من الركوع ثلاثا. وقيل يكبر في الأولى بعد الاحرام ستا وفي الثانية بعد القراءة سبعا والله اعلم. واما المفرد اذا الصلاة قام الى من
لم يحسن التكبير صلى ركعتين كالنافلة ثم اذا فرغ
الخطبة مفتتحا لها
-
-
الكلمات اعاد
بسبع تكبيرات او اكثر ثم اذا فرغ من الى التكبير ثم يخطب خطبتين بينهما جلسة، يذكر في خطبة الفطر زكاة الفطر وسننها ويحض الناس على ادائها، ويذكر في خطبة الاضحى الضحية وما يجزئ منها، وقد اجمع العلماء على استحباب الغسل للعيدين وتقديم الصلاة على الخطبة فيهما لثبوت ذلك عنه عليه السلام (1). وكذلك اجمعوا على ان المستحب يوم الفطر ان يفطروا قبل الغدو الى الصلاة (2)، ويوم الاضحى بعد الانصراف من الصلاة، وانه يستحب ان غير الطريق التي مشى عليها لثبوت ذلك عن رسول الله (3)،
1) في حديث متفق عليه لابي سعيد الخدري.
يرجع
على
2) لحديث عائشة (ض) قالت وكان رسول الله (ع) ياكل قبل ان يغدو الى المصلى رطبات، فان لم تكن فتمرات، فان لم تكن يحسو من الماء حسوات (ع) اذا كان
3) اخرجه البخاري من حديث جابر قال: كان رسول الله خالف الطريق». ولابي داود عن ابن عمر (ض) نحوه.
العيد
يوم
-
332
- (1/342)
صفحة 343
واجمعوا على استحباب التكبير بعدها في ايام التشريق لقول الله تعالى ولتكبروا الله على ما هداكم (1) وبالله التوفيق.
الفصل التاسع
في احكام الجنائز
وينحصر ذلك في سبع مسائل تجري مجرى الامهات المسألة الأولى في آداب المحضر: وهو ان يلقن الشهادة لقول الرسول عل القنوا موتاكم شهادة ان لا اله الا الله (2)، واختلفوا في توجيهه الى القبلة: فرأى ذلك قوم عند معاينة الموت، وعلامته احداد نظره واشخاص بصره، وهذا مروي عن عطاء والنخعي واهل المدينة والاوزاعي واهل الشام، وكره ذلك آخرون، وهو مروي عن سعيد بن المسيب، ثم اذا قضى غمضت عيناه، واستحب تعجيل دفنه لقوله عليه السلام: «لا ينبغي ان تحبس جيفة مسلم بين ظهراني اهله الا الغريق ونحوه فانه ينتظر به (3). واستحب بعضهم قراءة يس عليه، وقيل سورة الرعد لانه قيل اهون لقبض روحه وايسر لشأنه، والله اعلم.
الله عنهما.
(1) البقرة: (185) (2) رواه مسلم والاربعة من حديث ابي سعيد وابي هريرة رضي 3) رواه الجماعة الا البخاري - وفى رواية البيهقي والا ما استخصوه من الملدوغ ومن قتله الماء او الدخان اي لا يسرعون في دفنهم. وينتظرون بهم من: تلك الساعة الى
مثلها
من
الغد، اما الاطباء فيشترطون ان ينتظر بهؤلاء مدة ثلاثة ايام على ما ذكره البعض، ولا يترك من اراد ان يدفن من اصيب بهذه المعاني قبل ان ينتظروا به ولو
كان وليه.
- 333 - (1/343)
صفحة 344
المسألة الثانية في غسله: وينفرع منها اربعة اقسام. الاول» في
حكم غسله ض وهو سنة واجبة على الكفاية عند الاكثر من العلماء لقوله عليه السلام: «اغسلوا موتاكم» (1). «الثاني» فيمن يجب غسله من الموتى. وقد اتفقوا على غسل الميت المقر بالله ورسوله ما لم يقتل في المعركة. واختلف في غسل الشهيد المقتول في المعركة في حرب الكفار؛ فذهب جمهور العلماء الى انه لا يغسل لقوله عليه السلام في شهداء احد زملوهم في ثيابهم ودمائهم (2)، وشذ الحسن وسعيد بن المسيب فقالا: يغسل لان كل ميت يجنب. واختلف في قتيل اللصوص فروي عن الشعبي والاوزاعي انه لا يغسل. وعن بعضهم انه يغسل. روي ذلك عن الشافعي ومالك والله اعلم. واختلفوا في المجدور ومن كان في معناه: فقيل يصب عليه الماء اذا خيف ان يتهرى لحمه. وقيل بل يتيمم له. وهذا اعجب الي. واما على من يجب غسله: فقد اجمعوا على ان الرجال يغسلون الرجال والنساء يغسلن النساء، واختلفوا في المرأة تموت مع الرجال او الرجل يموت النساء: فروي عن النخعي انها تغسل في ثيابها. وبه قال الزهري وقتادة. وعن الحسن البصري انه يصب عليها الماء صبا. وعن سعيد بن المسيب وحماد بن ابي سليمان ومالك واهل الرأي انه يتيمم لها. وبهذا
الخلاف هو
يقول اصحابنا. وسبب الترجيح بين تغليب النهي عن النظر الى بدن المرأة الاجنبية وتغليب الامر بغسلها: ومن ذهب الى التيمم
1) متفق عليه - ورواية الربيع من طريق ابن عباس قال ولا ينبغي ان تحبس جيفة مسلم م الله بين ظهراني اهله، وقال واغسلوا موتاكم فوجب غسل الميت على من
حضره
2) متفق عليه، ورواه ابوداود وابن ماجة. وتمام الحديث فان دماءهم تعود.
مسكا
يوم
القيامة
- (1/344)
صفحة 345
فانه
خرج من كلا الوجهين اذ الوجه والكفان ليسا بعورة والله اعلم. وذهب اكثرهم فيما وجدته الى جواز غسل المرأة زوجها لثبوت ذلك ان ابابكر الصديق وجابر بن زيد و ابا موسى قد أوصوا ان تغسلهم
ازواجهم (1). واختلفوا في الزوج هل يغسل زوجته: فذهب اكثرهم الى اجازة ذلك. وذهب بعض اصحابنا وابو حنيفة الى منعه. وسبب.
الخلاف
تشبيه الموت بالطلاق البائن، فمن شبهه به رأى ان العصمة قد انقطعت بينهما اذ كان يجوز له تزويج اختها، ومن ذهب الى ان علة الجمع مرتفعة بين الحي والميت اجاز غسلها (2) والله اعلم، وذهب اكثرهم الى ان المرأة تغسل الطفل الصغير، واختلفوا في سنه: فقيل عن الحسن تغسل الفطيم ذلك مالك او فوقه بشيء، وقيل ابن سبع سنين روي عن
، وعن
الاوزاعي ابن اربع او خمس. واما الطفلة فلا يغسلها الرجل عند اصحابنا على كل حال صغيرة كانت او كبيرة. وقال اصحاب الرأي تغسل المرأة الطفل ما لم يتكلم ويغسل الرجل الصغيرة ما لم تتكلم والله اعلم. المسألة الثالثة: في كيفية غسله ففي اثر اصحابنا انه تحفر حفرة
ويوضع عليها باب واعواد فتفرش الحصيرة عليها بعد ان تبل بالماء ويعمل عليها مستحم بحجارة عريضة، ثم يلف الغاسل يده الى الرسغ، ويقعد الرجل خلف الميت يرفعه على المستحم قليلا وينزع ثوب الميت بعد ان توضع عليه خرقة تستره من الركبة إلى السره ويستحب أن تكون بينه
1) ولقول عائشة (ض) لو استقبلت من امري ما استدبرت ما غسل النبي (ع) الانساؤه، رواه احمد وابوداود والحاكم وصححه. (2) الجمهور على الجواز كما اشار اليه المصنف لما روي من غسل علي فاطمة (ض) رواه الدارقطني والبيهقي وقد كانت فاطمة (اوصت في حياتها ان يغسلها زوجها عليه كما في حديث اسماء بنت عميس من رواية الدارقطني ولقول رسول الله (ع) لعائشة (ض) ولو مت قبلي لغسلتك وكفنتك رواه ابن ماجة.
- (1/345)
صفحة 346
وبين الناس سترة ثم اخرى بينه وبين السماء، ثم يمسك السترة عليه رجلان واخر يسنده من خلفه كما قدمنا، وآخر يصب الماء فيقعد الغاسل حيث امكنه غسل الميت فيبدأ بغسل يديه ثم يستنجي له بيده الملفوفة من السرة الى الركبة، ثم يتوضأ له، ثم يستر عورته فيضجع على جنبه الايمن فيغسل ثم على شقه الايسر فيغسل (1) ويمر الماء مع اليد على جميع اعضائه وجسده ان يغسل ثلاثا الدلك. ويبدأ بميامنه قبل مياسره، ويستحب مع والواحدة تجزئ، وفي حديث ام عطية ان النبيء عليه السلام قام للنسوة لما توفيت ابنته (2) رضي الله عنها واغسلها ثلاثا او خمسا او مرتين واغسلنها بماء وسدر واجعلن في الاخرة شيئا من كافور، فاذا فرغتن فقالت ام عطية فلما فرغنا اذناه فألقي الينا حقوه، وقال
اشعرنها اياه» (3)). وفي اثر اصحابنا من اهل المغرب: الميت اذا لم ينقطع بلله او كان مفتوح الفم او العينين او تعلقت به قرادة منجوسة لا يمكن ترعها، وبالجملة كل ما يمنعه الغسل في حياته فانه له، والله
يتيمم
اعلم، ولا يجوز عند اصحابنا الاخذ من شعر الميت، ولا اظفاره، ولا يعصر بطنه، «اي عصراً قويا ولا يشق بطن حاملة (4)، واختلف اهل العلم في التوقيت في غسله فاعتبر بعضهم فيه الوتر ثلاثا او خمسا او سبعا ولم يعتبر بعضهم فيه الا الانقاء والتنظيف وان الواحدة تكفي. والله اعلم.
1) الظاهر: على جنبه الا يسر فيغسل ثم على شقه الا يمن فيغسل تامل. 2) زينب (ض) كما في صحيح مسلم
-
(3) متفق عليه للبخاري فضفرنا شعرها ثلاثة قرون فالقيناها خلفها
وفي رواية اخرى: ابدان بميامنها ومواضع الوضوء منها، وفي لفظ
4) قال بعض العلماء ان المرأة اذا ماتت وفي بطنها جنين حي وجب شق بطنها لاخراج الجنين اذا كانت حياته مرجوة ويعرف ذلك بواسطة الاطباء الثقات.
- 336 - (1/346)
صفحة 347
المسألة الرابعة في تكفينه: وهو واجب لقوله عليه السلام وكفنوه في والمستحب في لون الكفن البياض. لقوله عليه السلام:
ثوبيه» (1)
الحرير
،
عليكم بالثياب البيض البسوها احياءكم وكفنوا فيها موتاكم (2) واما جنسه فالكتان والقطن وكل ملبوس جائز لباسه في حال الحياة: ولا يكفن في الا اذا لم يوجد غيره. واستحب بعضهم تحسين الكفن لقوله عليه السلام اذا ولي احدكم اخاه فليحسن كفنه (3). وقد روي عن حذيفة رحمه الله قال: لاتغالوا في كفني، وقد روي ان النبيء عليه السلام وكفن في ثلاثة اثواب بيض سحولية يمانية ليس فيها قميص ولا عمامة وادرج فيها ادراجا» (4)، وعن عمر انه كفن في ثلاثة ايضا، وقال بعض العلماء احب الاكفان ما كفن فيه النبيء عليه السلام، ويجزيء ما كفن فيه من ثوب او ثوبين. وقد روي ان مصعب بن عمير كفن يوم احد في خمرة فكان اذا غطي بها رأسه خرجت رجلاه وان غطي بها رجلاه خرج رأسه
1) رواه البيهقي وابوداود - قاله (ع) في ميت مات بحضرته ـــ وعن ابن عباس (ض) ان النبي (ع) قال في الذي سقط من راحلته فمات واغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين متفق عليه. واما رواية المصنف كفنوه في ثوبيه فبعض من حديث رواه الجماعة عن ابن عباس قال: بينما رجل واقف مع رسول الله (ع) بعرفة اذ وقع من راحلته فوقصته فذكر ذلك للنبي (ع) فقال: واغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه، ولا تخمروا راسه فان الله تعالى يبعثه يوم القيامة ملبياه والثوبان هما الازار والرداء (2) رواية الشافعي وابن حبان والحاكم والبيهقي والترمذي والنسائي بلفظ: وعليكم بهذه الثياب البيض البسوها احياءكم وكفنوا فيها موتاكم فانها. من خير ثيابكم، ولا تكفنوهم في حرير ولا مع شيء من الذهب، لانهما محرمان على رجال امتي ومحلان لنسائهاه
(3) رواه ابن ماجة والترمذي وحسنه عن ابي قتادة. (4) رواه الجماعة عن عائشة. وفيه (جدد) بدل (يمانية).
اهـ مصححه
337 (1/347)
صفحة 348
فقال رسول الله الغطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه شيئا من الاذخره (1). واقل ما يجزيء ثوب ساتر لجميع الجسد ولكن المستحب
ان
في كفن الرجل ثلاثه اثواب، واختلف في كفن المرأة فزعم بعضهم اكثر اهل العلم استحبوا فيه خمسة اثواب: درع وخمار ولفافتين وثوب لطيف ليشد على وسطها يجمع بها ثيابها، وقيل يجزيء درع وخمار ولفاقة تدرج فيها. ويجزيء في كفن الصبي ثوب واحد او ازار او خرقة والله أعلم. واجمعوا على تغطية رأس الميت ما خلا المحرم فان السنة فيه كما قال النبيء عليه السلام يغسل المحرم بماء وسدر ويكفن في ثوبيه ولا يمس طيبا ولا يخمر رأسه فانه يبعث ملبياه (2) ويكشف رأس المحرم من الكفن ووجه المحرمة والله اعلم. ولا يكفن الميت في الثوب المنجوس، ولا في جميع مالا يصلى به من الجلود وغيرها الا في حال الاضطرار. واجمع اكثر اهل العلم على ان الكفن انما يخرج من رأس المال قبل الدين والوصية. ومن لا مال له فليكفن من بيت المال، فان لم تكن فكفنه على كافة المسلمين وهذا ان لم يكن له ولي تلزمه نفقته (3) والله اعلم، ويستحب ان يبخر
1) رواه البخاري عن خباب بن الأرض – وفي رواية - الابردة ــ بدل خمرة والخمرة حصيرة صغيرة قدر ما يسجد فيها المصلي قال خباب لما هاجرنا مع رسول الله (ع) فوقع اجرنا على الله، فمنا من مات لم يأكل من اجره شيئا منهم
نلتمس وجه
الله
مصعب بن عميره، قتل يوم أحد. فلم نجد ما نكفنه الا بردة، اذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، واذ غطينا رجليه خرج رأسه، فامرنا النبي (ع) ان نغطي راسه. وان نجعل على رجليه من الاذخره والادفر حشيشة طيبة الرائحة تسقف بها البيوت فوق الخشب
(2) رواه الجماعة لكن بلفظ: اذا مات المحرم غسل ولا يكفن الا في ثوبيه اللذين احرم
فيهما فلا يمس طيبا ولا يخمر رأسه.
قال ابن حزم: وكفن المرأة وحفر قبرها من رأس مالها، ولا يلزم ذلك زوجها =
=
- TTA- (1/348)
صفحة 349
الميت بعد ان تيسر، ثم يلف الكفن عليه ويشد من عند رأسه ورجليه.
وقيل يخاط والله اعلم.
المسألة الخامسة في صفة المشي مع الجنازة واتباعها: وقد صح ان النبيء الا الله امر بعيادة المرضى واتباع الجنائز. واختلفوا في حملها فقال بعضهم ليس فى ذلك شيء موقت تحمل من حيث شاء حاملها ويسرع بها لما جاء في الحديث (اسرعوا بالجنازة (1). وقيل يرفق بها لقول ابن عباس في جنازة ميمونة زوج النبيء لا ولاتزلزلوا وارفقوا فانها امكم والله اعلم واستحب بعضهم المشي خلفها. وبعضهم امامها. ورووا ان
النبيء عل الله قال: الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء (2)،
وروي عن ابن عباس ان الراكب فيها كالجالس في
=
اهله. وعن
عبدالله
لان اموال المسلمين محظورة الا بنص قرآن او سنة، قال رسول الله (ع): الله ان دماءكم واموالكم عليكم حرام وانما اوجب على الزوج النفقة والكسوة والاسكان. ولا يسمى في اللغة التي خاطبنا الله تعالى بها الكفن كسوة، ولا القبر اسكانا قال البخاري باب الكفن من جميع المال. وبه قال عطاء والزهري وعمرو بن دينار وقتادة، وقال عمرو بن دينار: الحنوط من المال. وقال ابراهيم يبدأ جميع بالكفن ثم بالدين ثم بالوصية، وقال سفيان: اجر القبر والغسل هو من الكفن:
اهـ مصححه
،
1) رواه الجماعة عن ابي هريرة قال: قال رسول الله (علل و اسرعوا بالجنازة فان تك صالحة فخير تقدمونها اليه، وان تكن سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم، والاسراع هنا يحتمل معنيين: الاسراع بالجنازة في السير بها الى مقرها الاخير على ظاهره لما معاذ، روى البخاري فى التاريخ: ان النبيء أسرع حتى تقطعت نعالاه يوم ما سعد. وقيل الاسراع ان لا يتباطأ بالميت عن الدفن.
بن
(2) رواه احمد والنسائي الترمذي وصححه وتمامه: منها والطفل يصلي عليه، وفي رواية اخرى عن انس والراكب يسير خلف الجنازة والماشي يمشي خلفها وامامها وعن يمينها
وعن يسارها قريبا منهاه (1/349)
صفحة 350
الانصاري ان للماشي فيها قراطين وللراكب قيراطا والله اعلم. ولا ينبغي للنساء ان يتبعن الجنازة لثبوت النهي عن ذلك في حديث ام عطية. وقد روي ان النبيء عل الله أمر بطرد امرأة رآها في الجنازة فطردت حتى لم يرها (1)، وروي انه قال لنساء راهن في جنازة اتحملنه فيمن يحمله؟ قلن لا، فقال افتدخلنه في قبره مع من دخله؟ فقلن: لا، قال افتحثين عليه فيمن يحثي؟ قلن: لا، قال فارجعن مأزورات غير مأجورات (2). وقيل كان مسروق يحثي في وجوههن التراب ويطردهن فان لم يرجعن والارجع. وكان الحسن يطردهن فاذا لم يرجعن لم يرجع، ويقول لاندع حقا لباطل، وقال ابن عمر ليس للنساء في الجنازة نصيب، ويستحب خفض الصوت في الجنازة (3) وان لا يجلس حتى توضع عن اعناق الرجال (4)، وعن الحسن قال كان اصحاب النبيء عليه السلام يكرهون
رفع الصوت في الجنازة وعند القتال وقراءة القرآن والله اعلم.
المسألة السادسة في صلاة على الميت: وفيها ثلاثة فصول:
عمر
1) الذي ابصر المرأة هو عمر لا النبيء كما في حديث ابي هريرة قال: ان النبي (ع) كان في جنازة فرأى امرأة فصاح بها فقال رسول الله (ع) دعها ياعمر فان العين دامعة، والنفس مصاية، والعهد قريب اسناد هذا الحديث صحيح. نعم يكره النساء الجنازة لحديث ام عطية قالت: نهينا ان نتبع الجنائز و لم يعزم علينا» رواه
اتباع
احمد والبخاري ومسلم وابن ماجة. (2) رواه ابن ماجة والحاكم عن علي بن ابي طالب وفيه زيادة على ما اورده المصنف عن
ها الله
علي بن ابي طالب قال خرج النبي (ع) فاذا نسوة جلوس فقال: ما اجلسكن؟ قلن نتنظر الجنازة، فقال هل تغسلن؟ قلن: لا قال هل تحملن؟ قلن لا؛ قال: هل تدلين فيمن يدلي؟ قلن: لا قال: فارجعن مازورات غير ماجورات. وفي اسناده دينار بن عمر، قال ابو حاتم: ليس بالمشهور.
ا الله) وكان اصحاب رسول الله (ع) يكرهون رفع الصوت عند ثلاث: عند الجنائز وعند الذكر، وعند القتال عن قيس بن عباد رواه ابن المنذر
4) لما روى البخاري قال: من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال.
340 (1/350)
صفحة 351
الفصل الاول
في حكمها وصفة الصلاة على الجنازة
الصلاه
اما حكمها فهي فرض على الكفايه اذا قام بها البعض اجزأ عن الباقين وان تركها الجميع هلكوا، ويدل على وجوبها قول النبيء على الموتى المقرين بالله ورسوله واجبة) (1). وخص اصحابنا بالمنع من الصلاة على مانع الحق والآبق والمرأة العاصية والباغية والقاعدة على فراش، فلا ادري باي حجة احتجوا ولا بأي دليل استدلوا (2). ومن العلماء من لم يجز الصلاة على اهل النفاق واهل الكبائر واهل البغي والبدع. واختلفوا فيمن قتل في حد (3) او قتل نفسه او ولد
الحرام
1) رواه الربيع بلفظ الصلاة على موتى اهل القبله المقرين بالله ورسوله واليوم الآخر واجبة، فمن تركها فقد كفره.
) يظهر ان ذلك كان منهم مبالغة فى الزجر عن هذه المخالفات الشنيعة قياسا على امتناع الرسول (ع) عن الصلاة على المدين الذي لم يترك فضلا وامره بالصلاة عليه وعلى قوله (ع) في قاتل نفسه بمشاقص اما انا فلا اصلي عليه، فصلى عليه الصحابة وإلافان ماجرى عليه جمهور علماء الامة ان يصلي على كل مسلم ومحدود ومرجوم وقاتل نفسه وولد الزنى وامه لعموم قوله (صلوا على من قال لا اله الا الله وصلوا خلف من قال لا اله الا الله ولقد استقر نظام العزابة في ميزاب على قاعدة الجمع بين اراء الفقهاء المختلفة: ذلك ان يصلى عليهم لكن لا من قبل الفضلاء. لهذا اشتمل هذا النظام على هيئة رئيسية تقوم بالفرض الكفائي ازاء عموم الموتى المقرين بالله ورسوله واليوم الآخر، وعلى هيئة ثانوية تتولى بدلا من الرئيسية القيام بموتى الفريق المنحرف، وهكذا يتحقق بفضل ذلك غرض الشارع وهو حمل هؤلاء المنحرفين وسائر الفساق على الانزجار فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون
اهـ مصححه
المشهور ان يغسل ويصلى عليه لما رواه البخاري عن جابر ان رجلا من اسلم جاء
ما الله
الى النبي (ع) و فاعترف بالزنا فاعرض عنه حتى شهد على نفسه اربع مرات:
=
- 341 (1/351)
صفحة 352
،
الزنى (1)، واختلفوا في الصلاة على الشهداء المقتولين في المعركة واحتج من منع الصلاة على اهل النفاق بقوله تعالى ولا تصل على احد منهم (3) واما اهل البدع فلاختلافهم في تكفيرهم واما قاتل نفسه فروي ان النبي عل الله لم يصل عليه، والذي عندي ان النبيء له امر بالصلاة على اهل القبلة و لم يستثن منهم احدا برا كان او فاجرا والله اعلم. ويصلى على الطفل ان صحت حياته، وكذلك ولد الزنى يصلى عليه، ويتولى ان كان اهلا لذلك والله اعلم. واما وصفتها» فقد اختلف فيها العلماء اختلافا كثيرا من الصحابة والتابعين في عدد تكبيرها (4) وقراءتها والدعاء فيها لكن المعمول به عند اصحابنا: ان يوضع الميت على سرير طاهر في مكان طاهر على جنبه الأيمن مستقبلا به القبلة، رأسه مما يلي المغرب ورجلاه مما يلي
=
فقال: ـ انك مجنون؟ قال لا قال: – احصنت؟ ـ قال نعم فأمر به ان يرجم بالمصلى المكان الذي يصلي فيه العيد فلما اذلقته الحجارة فر فادرك فرجم حتى مات، فقال له اي عنه النبي عل خيرا وصلى عليه وكذلك الغامدية بعد ان رجمت امر بها ان يصلى عليها فدفنت
1) قال النووي: قال القاضي: مذهب العلماء كافة الصلاة على كل مسلم ومحدود و مرجوم وقاتل نفسه وولد الزنا وما روي انه (ع) لم يصل على الغال وقاتل نفسه
فلعله للزجر عن هذا الفعل كما امتنع عن الصلاة على المدين وامرهم بالصلاة عليه
اهـ مصححه
الراجح ان الشهيد الذي قتل في المعركة بأيدي الكفار لا يغسل ولا يصلى عليه لما روى البخاري عن جابر: ان النبيء) امر بدفن شهداء احد في دماءهم ولم يغسلهم ولم يصل عليهم.
(3) التوبة (84)
ايضا
(4) اخرج البيهقي عن سعيد بن المسيب ان عمر قال: ـ. كل ذلك قد كان. اربعا وخمسا فاجتمعنا على اربع - ورواه ابن المنذر من وجه آخر عن سعيد ورواه البيهقي عن ابى وائل: ـ قال كانوا يكبرون على عهد رسول الله (ع) اربعا وخمسا وستا وعشرا فجمع عمر اصحاب رسول الله (ع) فاخبر كل بما راي فجمعهم عمر على اربع تكبيرات.
- 342 ـ (1/352)
صفحة 353
المشرق فيتقدم للصلاة عليه وليه إذا حضر أو من امره، أو غيره من المسلمين ان لم يحضر فيجعل بينه وبين الميت مقدار سجوده بعد أن يأتي بشروط الصلاة في نفسه وفي الميت. ويستقبل من الذكر صدره ومن الانثى رأسها ويعقد النية، فيقول اللهم ان نيتي واعتقادي ان اصلي صلاة الميت طاعة لك ولرسولك عليه السلام سبحان الله الجليل الكبير سبحان العظيم، ثم يقرأ فاتحة الكتاب سرا في نفسه ثم يكبر ثانية، ثم يقرأ
الله
فاتحة الكتاب ايضا سرا. ثم يكبر ثالثة ثم يقول اللهم ان هذا عبدك ابن عبدك ابن امتك ونحن عبيدك بنو عبيدك بنو امائك توفيته وابقيتنا بعده اللهم لا تحرمنا اجره ولاتفتنا بعده آمين يارب العالمين. ثم يكبر رابعة فيسلم. هكذا الصلاة على عامة الاموات: اربع تكبيرات وتسليمة واحدة ليس فيها ركوع ولا سجود ولا تشهد والله اعلم. وان كان الميت انثى قال: اللهم ان هذه امتك فيخاطبها بلفظ التأنيث في جميع خطابها. وان كان طفلا زاد في دعائه: اللهم اجعله لنا وفرطا واجرا وذخرا عندك يا ارحم الراحمين. وان كان متولى ترحم عليه، وقال اللهم ابدل له دارا خيرا من داره وقرارا خيرا من قراره واهلا
سلفا
خيرا
اهله
من ووسع عليه لحده والحقه بنبيك عليه السلام واصعد روحه
مع ارواح الصالحين برحمتك يا ارحم الراحمين، ثم يكبر رابعة ويسلم في
جميع
ما قدمنا، وتصلى صلاة الميت بالجماعة وبالانفراد والله اعلم. (1/353)
صفحة 354
الفصل الثاني
في مواضع الصلاة على الميت واوقاتها
وهو كل موضع طاهر تجوز الصلاة عليه. واختلف في المسجد فأجاز الصلاة فيه على الميت ومنعه من ذلك آخرون. والصحيح جوازها
بعضهم لما روي ان النبيء عليه السلام صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد (1)، واختلف فيها بين القبور. والصحيح كراهيتها لثبوت النهي الصلاة في المقابر. واما وقت صلاتها فقد اختلف فيه ايضا، والصحيح انه بصلى عليه في كل وقت الا عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند توسطها حتى تزول، وعند غروبها حتى يستكمل غروبها لثبوت النهي عن الصلاة في هذه الاوقات والله اعلم (2)
عن
1) رواه مسلم عن عائشة (ض) بلفظ والله لقد صلى رسول الله (ع) على ابني بيضاء في المسجده اي بالقسم في اول الحديث ردا على من انكر عليها صلاتها على سعد بن ابي وقاص في المسجد فقالت: ما اسرع وما انسى الناس والله لقد صلى الحديث وبصيغة التثنية في ابني بيضاء وهما سهل، وسهيل وبيضاء اسمها، دعده والبيضاء وصف وابوهما وهب بن ربيعة القرشي الفهري. 2) لحديث عقبة بن عامر قال: ثلاث ساعات كان رسول الله (ع) ينهانا ان نصلي فيهن، وان نقبر فيهن موتانا، حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس، وحين تتضيف الشمس للغروب. رواه مسلم.
344 ـ (1/354)
صفحة 355
الفصل الثالث
في شروط صلاة الميت
وقد اتفق اكثر اهل العلم على ان من شروطها الطهارة كما ان من
شروطها الاستقبال للقبلة بها، واختلف في التيمم فيها اذا خيف فواتها
آخرون. وسبب
الخلاف قياسها على الصلاة
فأجازه بعض. ومنع منه المفروضة، فمن شبهها بالفريضة اجاز التيمم عند فوات وقتها. ومن لم تشبهها لم يجز التيمم. لانه عنده من فروض الكفاية. وذهب قوم الى جواز الصلاة عليها بغير طهارة. وعندهم ان اسم الصلاة الشرعية لا ينطلق عليها وانما ينطلق عليها اسم الدعاء اذ ليس فيها ركوع ولا سجود والله
اعلم.
المسألة السابعة في الدفن: وقد اجمعوا على وجوبه. والاصل فيه قول الله تعالى «الم نجعل الارض كفانا احياء وامواتا (1) وقوله فبعث الله غرابا يبحث في الارض الآية (2). وروي عن النبيء عل الله انه قال: احفروا ووسعوا وادفنوا الاثنين والثلاثة وقدموا اكثر القوم قرآناه (3). ولابد للميت من حفرة تحرزه عن السباع وتكتم رائحته عن الناس. وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي عنه ان اوصى
1) المرسلات: (25 - 26).
الله
يعمق قبره قامة
2) المائدة: (31).
(3) رواه النسائي والترمذي وصححه عن هشام بن عامر قال: شكونا الى رسول الله يوم احد فقلنا يا رسول الله: الحفر علينا لكل انسان شديد. فقال رسول الله (ع): احفروا، واعمقوا، واحسنوا ـ وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحده فقالوا: فمن نقدم يا رسول الله؟ قال: وقدموا اكثرهم قرآنا، وكان ابي ثالث ثلاثة في قبر واحد.
- 345 ـ (1/355)
صفحة 356
خير
وسطة، وان عمر بن عبدالعزيز اوصي فقال: احفروا لي ولا تعمقوا فان الارض اعلاها، وشرها اسفلها. واستحب بعضهم ان تحفر الى الركبتين، فان زادت فالى الحقوين، فان زادت فالى المنكبين ولا يتجاوز ذلك. واما طولها فعلى قدر الميت وزيادة اربعة اصابع. وعرضها ثلاثة اشبار ولا يقتل فيها ماله روح، ويكون الحافر مشتملا على عورته، ولابسا سراويل ولا ينين في حال الحفر، ولا يتفل في القبر ولا في يديه في تلك الحالة، واللحد افضل من الضريح مع امكان القدرة عليه، وليكن في ناحية القبلة، ويدخل القبر منها، ويوضع ترابه خلفه اوحيث امكنه. واختلفوا من اين يؤخذ عند ادخاله في القبر: فقال قوم يسل سلا من عند رجل القبر. وقيل يؤخذ من قبل القبلة معترضا. وخير بعضهم ان يؤخذ من أي جهة شاء، ويضجع الميت على جنبه الايمن مستقبلا للقبلة وتمديده اليمنى مع جسده وتحل العقد من عند رأسه ورجليه، ويعدل رأسه بالتراب لئلا يتصوب، وكذلك رجلاه ويرفق به في ذلك كله كأنه حي. ويقول واضعه باسم الله وبالله، وان كان متولى قال وعلى ملة رسول الله. ويستر القبر بالثوب من اول ادخاله فيه: فان كان الميت امرأة تولى ادخالها في القبر زوجها من اسفلها ومحارمها من اعلاها، وان لم يكن فصالح المؤمنين، ثم اذا وضع في اللحد نضدت اللبن على فرج اللحد لتمنع عنه التراب ثم يهال عليه التراب، ويحثي كل من دنا حثيات، ولا يرفع الا بقدر شبر، ولا يجصص ولا يطين، ويوضع الحجر على رأس القبر، ويسوى ترابه، ويدير عليه القوم خطوطا بارجلهم وهم يقرءون اول سورة الى قوله «فهم لا يبصرون وينصرفون عن القبر ولا يتلفتون اليه.
يس
مسألة
القبر
: ويعزى ولي الميت بعد الفراغ من امره في البعد عن قبره
346 - (1/356)
صفحة 357
او في منزله ومعنى التعزية الحمل على الصبر لوعد الاجر، ويدعى للمسلم بالصبر وحسن العزاء والثواب في الاخرة، وغير المسلم يدعى له بالخلف وما يمكنه دعاء الدنيا ويرد الجواب المعزى لمن عزاه بما يستحقه ان من كان مسلما دعا له بخير الدنيا والآخرة، وغير المسلم بخير الدنيا فقط ولا يعزى اهل الفتنة وقطاع الطرق بعضهم على بعض ويعزى عليهم قريبهم مسلما كان او غيره. ويعزى المسلم ولو مضى عليه زمان كثير، وغير المسلم ما دون ثمانية ايام. ويستحب تهيئة الطعام لاهل الميت ما لم يجتمعوا على نياحة لقول النبيء علي الله لاهله واصنعوا لال مشغولون بميتهم (1)، والبكاء جائز على الميت من غير نياحة وجزع
الى
جعفر
طعاما
فانهم
احيانا
1) رواه ابوداود وابن ماجة والترمذي وقال حسن صحيح بلفظ «فانه قد اتاهم امر يشغلهم. ولقد انعكست القضية لطول الزمن فاصبح اهل الميت هم الذين يطعمون الوافدين عليهم ايام المآتم، الامر الذي اضطر الآباء شفقة على الابناء ـــ ان يوصوا بما يطعمونه تلك الايام. هذا وان من تتبع ما يجري في معظم نواحي البلاد من اسراف وتكاثر وما يعانيه اهل الميت من نفقات. ويركبهم من ديون قد تؤدي بهم بيع ممتلكاتهم النظور اليهم واهله فقراء لان ايام المأتم، سيما اذا كان الفقيد من قد تمتد الى اكثر من اسبوع بينما يحددها الشرع بثلاثة ايام فقط. ومما زاد الطين بلة ما احدثوه مما اسموه ماتم الاربعين و ماتم رأس السنة مما لم يرد فيهما عن الشارع ترغيب بل هما من البدع السيئة التي اضرت بالامة لما يقع فيهما من اسراف ومباهاة واعنات الضعفاء. على ان بعض الجهات الجنوبية من الوطن وان نالهم هم بدورهم داء المأتمين الاخيرين لاتزال تحافظ على ما جاءت به السنة. فقد اعتاد جيران اهل الميت واقاربهم واصهارهم واصدقاءهم واهل الاحسان يصنعون لهم الطعام ايام الماتم اسعادا وتكافلا طلبا لما عند الله. هذا وقد انكر بعض احرار العلماء مخالفة سنة
الرسول فى الاطعام. منهم العلامة نور السالمي. وله في ارجوزته جوهر النظام كلام نفيس ولعل المسلمين يتوبون الى رشدهم فيتبعون في مأتمهم ـ التي لا يخلو منها يوم - سنة المصطفى التي يقصد بها ما عند الله من جزيل المثوبة بالاحسان الى القرابة والجيران ويجتنبون ما يعتادون من التباهي والتفاخر الباعث عليهما الرياء الذي يحبط اهـ مصححه اعمال العبد ويحرمه ثواب الله، وانما المصاب من حرم الثواب.
- 347 (1/357)
صفحة 358
وضرب خد وشق ثوب فان ذلك حرام لنهي الرسول علا عن ذلك
وفضيلة
الفصل العاشر في فضائل الصلاة
وذلك كقيام الليل، وتحية المسجد، وركعتي السحر، واحياء ما بين العشاءين، واشباه ذلك، «اما قيام الليل فهو فريضة على الرسول الله لأمته لقوله عليه السلام، ثلاث هن على فريضة وهن لكم تطوع: «قيام الليل والوتر والسواك» (1). وقال الله تعالى ان ربك يعلم انك تقوم ثلثي الليل» الآية (2). وعنه علا قال وركعتان في جوف الليل خير من الدنيا وما فيها) (3) وقال: عليكم بقيام الليل فانه دأب الصالحين قبلكم وقربة الى ربكم وتكفير للسيئات ومنهيات عن الاثم» (4) وسئل اي الليل افضل فقال: نصف الليل الغابر (5) اي الباقي، وروي
ادنى من
رواه احمد والطبراني والدارقطني واليهقي من طريق ابن عباس.
المزمل: (60)
) رواه النضر عن حسان بن عطية. وتمامه: لولا ان اشق على امتى لفرضتهما عليهم - وروي عن انس يرفعه الى النبي (ع) قال: صلاة في مسجدى تعدل بعشرة الآف صلاة، وصلاة بالمسجد الحرام تعدل بمائة الف صلاة والصلاة بارض الرباط تعدل بالفي الف صلاة. واكثر من ذلك كله الركعتان يصليهما العبد في جوف الليل، رواه ابو الشيخ وابن حبان في كتابه الثواب». وسكت عليه المنذري في الترغيب والترهيب
) رواه احمد عن بلال. وتمامه: ومطردة للداء عن الجسده وروي بأكمله عن سلمان
الفارسي
ه اي الباقى رواه احمد باسناد جيد عن ابي ذر بلفظ: قال ابو مسلم لابي ذر: اي قيام الليل افضل؟ قال: سالت رسول الله كما سألت فقال: جوف الليل
- 348 ـ (1/358)
صفحة 359
حب
ان اتعبد لك فاي وقت افضل؟
ان داود عليه السلام قال: الهي اني | فأوحى اليه: ياداود: لاتقم اول الليل ولا آخره، فانه من قام اوله نام آخره ولكن قم وسط الليل حتى تخلو بي واخلو بك، وارفع الي حوائجك، ويروى ان النبيء عليه السلام كان اذا قام للتهجد في الليل قال: اللهم لك الحمد انت نور السموات والارض، ولك الحمد انت قيوم السموات والارض، ولك الحمد انت رب السموات والارض ومن فيهن، انت الحق وقولك الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والساعة حق، اللهم لك اسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وبك خاصمت، واليك حاكمت فاغفرلي ما قدمت واخرت واسررت واعلنت انت المقدم وانت المؤخر لا اله الا انت (1)، اللهم ات نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها. وانت وليها ومولاها، اللهم اهدني لاحسن الاخلاق فانه لا يهدي لاحسنها الا انت، واصرف عني سيئها فانه لا يصرف سيئها الا انت. اسألك مسألة البائس الفقير المسكين، وادعوك دعاء المفتقر الذليل فلا تجعلني بدعائك رب شقيا وكن بي رءوفا رحيما حفيا، يا خير المسئولين واكرم المعطين يا رحمن الدنيا والآخرة (2)، وعن عنها قالت: كان الا اذا قام من الليل افتتح صلاته
عائشة
رضي
الله
اسمعت
= الغابر، وقليل فاعله وفى معناه ما جاء عن عمرو بن عبسة قال رسول الله () يقول: اقرب ما يكون العبد من الرب في جوف الليل الآخر، فان استطعت. ان تكون ممن يذكرون الله في تلك الساعة فكن» رواه الحاكم وقال:
على شرط مسلم والترمذي وقال حسن صحيح، ورواه ايضا النسائي وابن خزيمة، والمراد من جوفه الآخر هو الثلث الآخر كما وردت بها
الاحاديث
) رواه البخاري ومسلم وابو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة ومالك بزيادة بعد قوله: ولا اله الا انت ولا اله غيرك، ولا حول ولا قوة الا بالله
(2) رواه الطبراني عن ان عباس بزيادة ونقص في اوله. (1/359)
صفحة 360
فقال: اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل فاطر السموات والارض عالم الغيب والشهادة انت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختلف فيه من الحق باذنك انك تهدي من تشاء الى صراط مستقيم (1)، ثم يفتتح الصلاة فيصلي ركعتين خفيفتين ثم يصلي مثنى مثنى ما تيسر له ويختم بالوتر ان لم يكن صلى الوتر. ويستحب ان يفصل بين صلاتين عند تسليمه بمائة تسبيحات ليستريح ويزداد نشاطه للصلاة وقد صح في صلاته الله انه صلى اولا ركعتين خفيفتين ثم ركعتين طويلتين ثم ركعتين دون اللتين قبلهما. ثم لم يزل يقصر بالتدريج الى ثلاث عشرة ركعة (2)، وسئلت عائشة: اكان رسول الله الا الله يجهر القراءة في قيام الليل ام يسر
فقالت ربما جهر وربما سر، واكثر ما صح عنه عليه السلام في قيام الليل ثلاث عشرة ركعة (3). ويستحب ان يقرأ في هذه الصلوات قدر ثلاث مائة آية من السور المخصوصة التي روي ان النبيء له يكثر من قراءتها: مثل يس، والسجدة، ولقمان، وسورة الدخان، وتبارك الملك، والزمر، والواقعة، وخواتم الحديد، وخواتم الحشر، وسبح اسم ربك الاعلى، وقل يا ايها الكافرون، وقل هو الله احد. وما اشبه ذلك. واما «تحية المسجد» فهي ركعتان يصليهما الانسان اذا دخل المسجد على يمين، وهذا اذا كان في وقت تحل فيه الصلاة. وقد اختلف في حكم
المحراب
1) رواه مسلم وابوداود والترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث عبدالرحمن ابن
عوف
(2) متفق عليه من حديث عائشة
) وقد فصل اجماله في حديث عائشة ايضا قالت رضي الله عنها: وكان رسول الله صلى الله (ع) يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة: يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء
-
350
الا في آخرها (1/360)
صفحة 361
ركعتي المسجد: فذهب جمهور الامة الى انها مندوب اليهما لقوله لا اذا دخل احدكم المسجد فليركع ركعتين قبل ان يجلس (1) وذهب اهل الظاهر الى وجوبهما فيما وجدت تعلقا بان الاصل هو حمل الامر المطلق على الوجوب حتى يدل الدليل على الندب، وذهب غيرهم الى انهما مندوبتان. لمكان التعارض الذي بين هذا الحديث وسائر ماورد من الاحاديث التي تقتضي ليس على الانسان فرض الصلاة ما خلا الصلوات الخمس واختلف فيمن دخل المسجد وقد ركع ركعتي الفجر في
بيته؛ هل يركع في المسجد ام لا؟ فذهب اصحابنا انه لا يركع فيه بعد
طلوع الفجر ما خلا ركعتيه لثبوت النهي عن ا الصلاة بعد الصبح
ما خلا
الفجر وركعتيه (2)، اذا ولكن يستحب الصلاة ان يقول: منع من الله، والحمد لله، ولا اله الا الله، والله اكبر اربع مرات ويقال
سبحان
انها تعدل ركعتين في الفضل. وان دخل المسجد في غير وقت الصلاة فلا يصلي فيه لكن يدعو الله تعالى. ويقال من لم يحي المسجد عند دخوله ركعتين حاجه يوم القيامة. والله اعلم. واما ركعتا السحر فمندوب اليهما لاقتضاء المدح للمصلين فيه. قال الله تعالى وبالاسحار هم يستغفرون» (3) أي يصلون وهذا السحر مقارب للفجر الذي هو وقت انصراف ملائكة الليل واقبال ملائكة النهار، وقد روي عن ابي هريرة انه قال: كنا نعد خروجنا وقعودنا في المسجد هذه الساعة.
1) متفق عليه من حديث ابي قتادة
يعني
قبل الفجر
2) لما روي عن ابن عمر ان رسول الله (ع) قال: الاصلاة بعد الفجر الا سجدتين اخرجه الخمسة الا النسائي وفي رواية عبد الرزاق الاصلاة بعد طلوع الفجر
-
الله
عنهما. الاركعتي الفجره ومثله للدارقطني عن ابن عمرو بن العاص رضي
الذاريات: (18).
- Pol- (1/361)
صفحة 362
ال
بمنزلة غزوة مع رسول الله. وذكر الغزالي في كتابه ان النبيء الله عنهما وهما نائمان فقال: الاتصليان؟ فقال
طرق علياً وفاطمة رضي علي يارسول الله ان انفسنا بيد الله فاذا شاء ان يبعثنا بعثنا فانصرف النبيء وهو مول يضرب فخذه ويقول وكان الانسان اكثر شيء جدلا (1)، ويقال ان القبر ينور بركعتي السحر كما يضيء البيت المصباح، وفي حديث عن انس ابن مالك ان النبيء لله قال: من توضأ ثم توجه الى المسجد يصلي فيه صلاة الصبح كان له بكل خطوة حسنة ومحي عنه سيئة، والحسنة بعشر امثالها فاذا صلى ثم انصرف عند طلوع الشمس كتب له بكل شعرة في جسده حسنة وانقلب بحجة مبرورة، فان جلس حتى يركع كتب الله له بكل ركعة الف حسنة ومن صلى العتمة فله مثل ذلك وانقلب بعمرة مبرورة (2)، والله اعلم، واما احياء ما بين العشاءين فقد ورد فيه فضل كثير حتى قيل لبعضهم اكان رسول الله الله يامر بصلاة غير المكتوبة؟ فقال ما بين المغرب والعشاء، وعنه عليه السلام انه سئل عن قوله تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع» (3) «الاية»
1) متفق عليه
2) لم اعثر على سنده بهذا اللفظ وان وردت احاديث كثيرة في معناه: فعن أبي امامة قال قال رسول الله (ع): من صلى صلاة الغداة في جماعة ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم قام فصلى ركعتين انقلب بأجر حجة وعمرة رواه الطبراني باسناد جيد - وعن ابن عمر (ض) قال: كان رسول الله (ع) قال: «من صلى الصبح ثم جلس في مجلسه حتى تمكنه الصلاة كان بمنزلة عمرة وحجة متقبلتين) رواه الطبراني فى الاوسط ورواته ثقات الا الفضل بن الموفق ففيه كلام. 3) السجدة: (16) وعن انس (ض) في قوله تعالى تتجافى جنوبهم عن المضاجع» «نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح
غريب.
352 - (1/362)
صفحة 363
فقال
هي صلاة ما بين العشاءين وهي صلاة الأوابين، وقال عليكم بها فانه مذهبة الملاغات النهار (1) وهي مأخوذة من اللغو، وعن الاسود (2) قال: ما اتيت ابن مسعود في هذا الوقت الا ورأيته يصلي فسألته، فقال: نعم هي ساعة الغفلة. وكان انس يواظب عليها ويقول هي ناشئة الليل، ويقول فيه نزل قوله تتجافى جنوبهم الآية وسئل بعض العلماء عن صوم النهار واحياء ما بين العشاءين، فقال للسائل اجمع بينهما ان تيسر قال وان لم يتيسر؟ قال: افطر وصل بينهما. وقد روي عن النبي عل الله انه قال: من صلى بين المغرب والعشاء عشرين ركعة حفظ الله له اهله وماله ودينه وولده ودنياه وآخرته (3)، ومما نقل من فعله عل في ذلك ست ركعات
والله اعلم.
ما الله
1) صلاة الأوابين هي ايضا صلاة الضحى كما جاء عن النبي (الا انه خرج على اهل يصلون الضحى فقال صلاة الأوابين اذا رمضت الفصال من الضحى
قباء
وهم
رواه احمد ومسلم والترمذي. والتحقيق ان وقت الضحى يمتد من وقت ارتفاع الشمس قدر رح وينتهي حين الزوال ولكن المستحب ان نؤخر الى ان ترتفع الشمس ويشتد الحر، وان عدد ركعاتها الى ما لاحد له. فقد روي انه (ع) صلى ركعتين الله وصلي أربعا، وصلى ثماني، وصلى اثنتي عشرة، عن انس قال قال رسول (علي): من صلى الضحى اثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصرا في الجنة» رواه الترمذي
مام الله
واستغربه
(2) تقدم التعريف به.
اهـ مصححه
3) رواه ابن ماجة من حديث عائشة بلفظ: «قال رسول الله (ع) من صلى بين المغرب والعشاء عشرين ركعة بني | الله له بيتا في الجنة وفي اسناده يعقوب بن الوليد اتفقوا
على ضعفه. وقال فيه الامام احمد، من الكذابين الكبار وكان يضع الحديث، وروي ايضا عن محمد بن عمار بن ياسر انه قال رأيت حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يصلي بعد المغرب ست ركعات. وقال: من صلى بعد المغرب ست رکعات غفرت ذنوبه وان كانت مثل زبد البحره حديث غريب رواه الطبراني في الثلاثة. وقال تفرد به صالح بن قطن البخاري - كما روي: من صلى ركعتين او اربعا بعد المغرب قبل ان يتكلم رفعت صلاته الى عليين وكانوا يتنقلون فيما بينهما ويعتبرون ذلك ـ كما
قال الحسن - من قيام الليل
اهـ مصححه
-
353 (1/363)
صفحة 364
في متطوع الصلاة
قال الله سبحانه ومن الليل فتهجد به نافلة لك» (1) اي زيادة لك ولهذا سميت صلاة الليل نافلة لانها زائدة عن الفرض يتطوع العبد بها من الله غير ايجاب من عليه بها. وقال الله الصلاة خير موضوع، فمن شاء فليقلل ومن شاء فليكثر (2)، وروي النوافل تكمل بها الفرائض يوم القيامة (3)، وقال اشياخنا رحمهم الله: مثل النفل للفريضة كالغلاف للغرس يقيه من الأفات، قالوا: يستحب للمقيم ان يصلى بين الليل والنهار خمسين ركعة وهي: اربع قبل الظهر، لها، واربع، واربع بعدها، واربع قبل العصر، واربع لها، وثلاث للمغرب، وركعتان بعدها، وقيل اربع، واربع بعدها قبل العتمة، واربع لها وسبع بعدها بالوتر، وركعتا السحر، وركعتا الفجر وركعتان قبلها، واربع للضحى: اما الاربع قبل الظهر فما روي عنه صلاها وقال ليرتفع عملي في العابدين (4)، وعنه ايضا قال: من صلاهن تامات صلى معه سبعون الف ملك يستغفرون له حتى الليل (5)، وتصلى بعد الزوال وهي ساعة يستجاب فيها الدعاء فيما قيل
ونص
2) متفق عليه
1) الاسراء (79) الحديث الوارد في ذلك اخرجه احمد وابوداود وابن ماجة والحاكم من حديث تميم الداري قال قال رسول الله (ع) اول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته: فان كان اتمها كتبت له تامة، وان لم يكن اتمها قال الله لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي من
تطوع فتكملون بها فريضته، ثم الزكاة، ثم تؤخذ الاعمال على حسب ذلك (4) رواه الربيع عن ابي ايوب الانصاري انه كان يصلي قبل الظهر ايضا اربعا، فقيل له: ما هذه الصلاة؟ فقال رايت رسول الله (ع) يصليها فسألته فقال وانها ساعة تفتح فيها ابواب
السماء فاحب ان يرفع لي فيها عمل صالح. ه) رواه احمد من حديث عبيد ولى رسول الله (ع)
—
354 (1/364)
صفحة 365
رحم
ويستحب ان يقرأ في هذه النافلة بأم القراه وآية الكرسي، وفي الثانيه بالفاتحة وسورة الاخلاص ثلاثا، وفى الثالثة بخواتم البقرة، وفي الرابعة بسورة الاخلاص ثلاثا بعد الفاتحة. ويقرأ في الأربع بعدها بالمعوذتين، وقيل: يايها الكافرون وسورة الاخلاص ثلاثا. وفى اللواتي قبل العصر باذا زلزلزت، وسورة العاديات، وبالقارعة وبالتكاثر. وفي الحديث: الله من صلى اربعا قبل العصر (1). وقد قيل عن ابن مسعود رحمه الله انه يستحب بعد الظهر ركعتين ثم اربعا لأنه قيل عنه انه كره ان تتبع الفريضة بمثلها والله اعلم، وعن النبيء ليلا قال: بين كل اذانين ركعتان الا المغرب (2) وكان يقرأ في جمعي النوافل بالحمد وسورة، وكان يصلي بعد العشاء اربعا ثم ينام. ويقال. مستحبات النوافل خمس: ان تصلى ركعتين ركعتين، وان يفصل بينهما بتسليم، والجهر فيها في الليل، والاسرار فى النهار، واجفاء ذلك عن اعين الناس، واختلف ايما افضل تكثير: الركعات او تطويل القيام؟ واختار بعض العلماء تكثير الركعات
(1) رواه احمد وابو داود والترمذي وحسنه وابن خزيمة وصححه من حديث ابن عمر. 2) رواه الجماعة من حديث عبدالله بن مغفل ان النبي (ع) قال بين كل آذانين صلاة، بين كل آذانين صلاة وقال في الثالث المن شاء، ولا بن حبان من حديث ابن الزبير ان النبيء (علي) قال: ما من صلاة مفروضة الا وبين يديها ركعتانه. وهذا الحديث يتعارض مع الاستثناء الوارد فى رواية المصنف فيحمل المطلق على المقيد، قال القطب في الذهب الخالص وعنه)) بعد كل اذان ركعتان الا اذان المغرب، فهذا ناسخ لما كانوا يصلون من ركعتين بينهما. قال ابن عباس: لم يكن يصلي قبل المغرب شيئا، وانما امر الناس بركعتين فكانوا يتدرون السواري فيركعونهما حتى ان الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب ان الصلاة قد صليت لكثرة من يصليها الى ان قال: ثم وقع الاجماع على تركهماه اهـ.
رسول
355
- (1/365)
صفحة 366
بالنهار وتطويل القيام بالليل. وشروط النافلة كالفريضة من الطهارة والقراءة وغيرها الا في ادائها على الراحلة فان ذلك خاص بالنافلة دون الفريضة: الا من عذر كما قال الله تعالى: فان خفتم فرجالا اورکبانا (1) ومن قطع النافلة بعدما دخلها بالتمام لزمه اعادتها. ولا يتنفل في الاوقات المنهي عن الصلاة فيها. والمصلي بالتكبير قيل: انه لا يتنفل دون القاعد والمومئ في الصلاة: واما صلاة التطوع المختصة بالاسباب. وذلك كالصلاة في المنزل، او في المسجد لوداعه عند الخروج الى السفر او القدوم فينبغي له ان يصلي ركعتين بأم القرآن وقل يا ايها الكافرون، وفي الثانية بام القرآن وسورة الاخلاص ثلاثا. وكان النبيء عليه السلام يقول فيهما: «نعمت السورتان اما احداهما فتعدل ثلث القرآن، والاخرى ربعه (2)، وكل ذلك مأثور من فعل الرسول (ع) ويقول بعد الفراغ منهما اللهم اني استودعتك ديني وايمانى واهلي ومالي وسرائري وخواتم عملي، وبلغنا ان من تعاهد ذلك فى المسجد فان غاب افتقده، ويقول:
منه،
اللهم ان كان مريضا فاشفه. وان كان غريبا فرد غربته، وان كان محتاجا
فاغنه، وان كان في حاجة فيسرها له، فاذا قدم تباشر بقدومه
1) البقرة: (339).
2) اما بالنسبة لسورة الاخلاص فقد ورد: «من قرأ سورة الاخلاص فقد قرأ ثلث القرآن، رواه احمد من حديث ابي بن كعب باسناد صحيح ــ ورواه البخاري من حديث ابي سعيد ومسلم من حديث ابي الدرداء - ورواه الربيع عن ابي سعيد بلفظ والذي نفسي بيده لانها تعدل ثلث القرآن - واما بالنسبة لسورة الكافرين» فقد روي عن رسول الله (ع) انه قال من قرأ سورة الكافرين فكانما قرأ ربع القرآن، وباعدت منه مردة الشياطين وبرئ من الشرك، ويعافى من الفزع الأكبره
اخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي بسندهم الى ابي بن كعب، وصدره رواه الترمذي من حديث انس (ض).
•
- rot_ (1/366)
صفحة 367
منها صلاة التسبيح: وقد ذكر عن رسول الله له انه قال لعمه العباس: ياعم! صل اربع ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة فاذا انقضت القراءة فقل الله اكبر والحمد لله ولا اله الا الله وسبحان الله خمس عشرة مرة قبل ان تركع، ثم اركع وقلها عشرا، ثم ارفع رأسك وقلها عشرا، ثم اسجد وقلها عشرا ثم ارفع رأ رأسك من السجود وقلها عشرا، ثم اسجد وقلها عشرا، ثم ارفع را رأسك وقلها عشرا قبل ان تقوم الى الركعة الثانية، فذلك خمس وسبعون مرة في كل ركعة وهي في اربع ركعات فلو كانت ذنوبك مثل رمل عالج لغفرها الله لك (1). وهذه الصلاة مأثورة على وجهها ولا تختص بوقت ولا سبب وذلك في كل يوم او جمعة او شهر اوسنة
ثلاثمائة
ومنها صلاة الاستخارة: وذلك اذا هم الرجل بامر لايدري عاقبته ولا يعرف ان الخير فى تركه ولا في الاقدام عليه، فأمر النبي الله ان يصلي
1) رواه ابو داود من حديث ابن عباس وفى رواية عكرمة عن ابن عباس قال رسول الله (ع) للعباس بن عبد المطلب، يا عباس يا عماه! الا اعطيك الا أمنحك الا احبوك (اخصك) الا افعل بك عشر خصال واي اعلمك ما يكفر عشر انواع من ذنوبك اذا انت فعلت ذلك غفر الله ذنبك اوله وآخره، قديمه وحديثه،، وخطأه وعمده، وصغيره وكبيره، وسره وعلانيته، عشر خصال: ان تصلي الخ ... قوله فذلك خمسة وسبعون في كل ركعة، وتفعل ذلك في اربع ركعات ثم زاد: وان استطعت ان تصليها في كل يوم مرة فافعل فان لم تستطع ففي كل جمعة مرة، فان لم تفعل ففي كل سنة مرة، فان لم تفعل ففي عمرك مرة ـ رواه ابوداود وابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه، والطبراني. قال الحافظ: وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة، وعن جماعة من الصحابة، وامثلها حديث عكرمة هذا، وقد صححه جماعة منهم! الحافظ ابوبكر الآجري، وشيخنا ابو محمد عبدالرحيم المصري، وشيخنا ابو الحسن المقدسي رحمهم الله. وقال ابن مبارك: صلاة التسبيح مرغب فيها يستحب ان يعتادها في كل حين ولا يتغافل عنها: اهـ مصححه
-
357 - (1/367)
صفحة 368
ركعتين وذلك مروي عن ابن مسعود رحمه الله قال: اذا هم احدكم بأمر فليركع ركعتين سوى الفريضه، ثم ليقل: اللهم انى استخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك فانك تقدر ولا اقدر وتعلم ولا اعلم وانت علام الغيوب. اسألك ان كنت تعلم الخير لي في هذا الامر لديني ودنياي ومعيشتي وعاقبة أمري وعاجله وآجله فيسره لي وبارك لي فيه، وان كنت تعلم ان هذا الأمر شر في ديني ودنياي ومعيشتي وعافيتي وعاقبة امري وعاجله فاصرفه عني وقدر لي الخير حيث ما كان (1)
ومنها صلاة الاستغفار: وذلك مروي عنه عليه السلام من طريق ابي بكر الصديق رضي الله عنه انه قال: ما من عبد يذنب ذنبا فيحسن الطهور ثم يصلي ركعتين فيستغفر الله منه الاغفر الله له، ثم تلا والذين اذا فعلوا فاحشة او ظلموا انفسهم ذكروا الله الآية (2)
ومنها صلاة الدهر: وهي عشر ركعات يقرأ في كل بالفاتحة وقل هو الله عشر مرات، ويقال من صلاها كمن وافق ليلة القدر، وتصلى في ليلة الجمعة أو يوم الجمعة، او في كل شهر، او سنة، او مرة في العمر ومنها صلاة الرجاء: وهي: اربع ركعات بتسليمة واحدة يقرأ في
1) (متفق عليه) وعن جابر بن عبدالله السلمي قال: كان رسول الله (ع) يعلم اصحابه الاستخارة في الامور كلها كما يعلم السورة من القرآن فيقول: اذا هم احدكم بامر
الخ ماساقه المصنف
2) رواه ابوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي والترمذي، وقال، حديث حسن، وتسمى صلاة التوبة ايضا. وروى الطبراني في الكبير بسند حسن عن أبي الدرداء ان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال - من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال فصلى ركعتين او اربعا مكتوبة او غير مكتوبة، فحسن فيهن الركوع والسجود ثم استغفر الله غفر له، آل عمران: (135).
358 - (1/368)
صفحة 369
كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة الاخلاص خمسا وعشرين مرة تصلى في الجمعة. ويقال صلاها لا يرجو عند الله شيئا الاوجده والله اعلم. من
يوم
ومنها صلاة الاجر: وهي ركعتان. وقيل اربع تصلى في وقت الضحى من يوم الجمعة بعد الغسل ولبس الثياب البيض النقية في مكان مرتفع وحده، ويقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب عشرا وآية الكرسي عشرا، وقل يا ايها الكافرون عشرا. وسورة الاخلاص عشرا، ثم يسلم فيستغفر سبعين مرة، ثم يصلي على النبيء عليه السلام سبعين مرة، ثم يسأل الله حاجته مائة مرة. فقيل لا يسأل الله حاجته الا قضاها. والله اعلم.
باب
فيما تتغير به احكام الصلوات المفروضات
فأقمت لهم
الصلاة
اعلم ان صورة الصلاة تتغير باسباب «احدها»: لصلاة الخوف وهي عند مواجهة العدو كما قال سبحانه واذا كنت فيهم الآية (1). وقد اختلف الناس في صفتها اختلافا كثيرا لاختلاف الأثر،
اصحابنا
لكن المعمول به عند اصحابنا الربيع وابي عبيدة وغيرهما من الله ما روي عن جابر بن زيد عن رحمهم جملة اصحاب النبي علا الله من انه صلى باصحابه: فصفت طائفة خلفه وطائفة واجهت العدو، فصلى بالذين من خلفه ركعة ثم ثبت قائما فانصرفت الطائفة الاولى وواجهت العدو وجاءت الطائفة الاخرى فصلى بهم ركعة ثانية، ثم سلم فسلموا جميعا فثبت له علا الى ركعتان ولكن طائفة ركعة. وهذا مروي عن
النـ
اء: 02:1
- 359 (1/369)
صفحة 370
عن
الله ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة رضي عنهم. وقد روي ابن عباس في معنى هذا انه قال: الصلاة على لسان نبيئكم في الحضر اربع وفي السفر ركعتان وفي الخوف ركعة واحدة. وليس على من واجه العدو تشهد، ولكن يسلمون اذا سلم الامام، وهكذا تصلى جميع الصلوات: المغرب وغيرها في الحضر والسفر سواء في حال الحرب. والله اعلم. والسبب الثاني تغيرها لصلاة المسايفه كيف ما امكنه فان لم يستطع اداءها الا بالتكبير فليكبر خمسا لكل صلاة حيث كان و لم نسمع انه يجمع بين الصلاتين بالتكبير. وكذلك الراكب اذا لم يستطع. النزول لمخافة العدو او غيره صلى على دابته واقفا وسائرا حيث توجهت اذا خاف الطلب ولم يكن باغيا، واذا كان الطالب صلى صلاة تامة،
هو
وجهه،
6
وان كان منهزما مطلوبا كبر خمسا كما قدمنا في المسايفة والله اعلم «والسبب الثالث المغير لصورة الصلاة المرض المانع من استيفاء اركانها فليصل كما امكنه، وكذلك راكب السفينة يصلي كما امكنه، وكذلك الاسير الممنوع بعذر الاكراه يفعل ما قدر عليه كيف امكنه، والمغير الرابع لصورة الصلاة تقصيرها في السفر كما قدمنا قبل هذا، والخامس» تعييرها لصلاة الجمعة بالقصر والجهر، وقد بدا لنا ان نثبت منها ماشاء طرفا في هذا المرسوم ليتضمن كتابنا اقسام الصلاة على العموم.
الله
باب
في صلاة الجمعة
وهذا الباب يشتمل على فصلين، احدهما في الجمعة. والثاني في قضاء
الفوائت المفروضات.
360 - (1/370)
صفحة 371
الفصل الاول
في صلاة الجمعة
وهو مشتمل على اربعة اقسام تجري منها مجرى القواعد والامهات
القسم الاول
في حكم الجمعة
وقد اجمعوا على وجوبها خلف الامام العادل في الامصار السبعة التي
الله
مصرها عمر بن الخطاب رضي عنه وهي: مكة والمدينة والبصرة والكوفة والشام واليمن والبحرين وعمان. فهذه متفق على وجوب الجمعة فيها، لقوله تعالى اذا نودي للصلاة من يوم الجمعة» الآية (1) والامر على الوجوب لقوله لله لقد هممت ان آمر رجلا يصلي بالناس ثم احرق على رجال يتخلفون عن صلاة الجمعة (2). واختلفوا فيها خلف الجبابرة فذهب اكثر اصحابنا الى ان صلاة الجمعة خلفهم في الامصار السبعة واجبة والمعطل لها معطل للفريضة. وذهب بعضهم الى انها لاتصلى خلف الجبابرة وزعموا ان وجوبها في الاصل خلف الائمة العادلة اعني النبيء واصحابه قالوا فالمدعي جوازها خلف الجبابرة محتاج الى دليل (3)، والاول اصح.
1) الجمعة: 9
-
بيوتهم ـــ في آخره.
2) رواه احمد ومسلم عن ابن مسعود بزيادة اجل هناك دليل من الكتاب هو قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا اذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله الآية ـ فقد اطلقت الآية و لم تقيد ـــ قال صاحب الايضاح نقلا عن ابي محمد ما نصه: - لان فرضها واجب لامر الله تعالى يا ايها الذين آمنوا اذا نودي للصلاة الآية ـ وهذا امر عام فلا يزول فرضها الاباجماع =
-
- 361 - (1/371)
صفحة 372
لان الفسق لا يؤثر في الصلاة اذا تمت شروطها لاتفاقنا على ان الفاسق اذا تاب لم يكن عليه اعادة ما صلى في حال فسقه اذا وفاها شروطها، ولقوله عل صلوا خلف كل بار وفاجر (2) ولما روي ان ابن عباس واباذر وجابر بن زيد والحسن وانس وغيرهم من الصحابة والتابعين يصلون خلف عثمان (2) ومعاوية بن ابي سفيان ومروان بن الحكم ونجدة بن عامر والحجاج ابن يوسف وولاة بني أمية وبني العباس وغيرهم والله اعلم.
القسم الثاني
في شروطها
وهي احد عشر: البلوغ والعقل والاسلام والذكورية والصحة والحرية والاقامة، والامام، والمصر والجماعة والخطبة، فاما البلوغ والعق فلا
=
يومي
يقيد عمومه ولم يكن في الامر عادل او غير عادل ثم قال: وهذا القول يعني الاخير عندي اشبه القولين واقربهما للحجة اهـ ـ ومن السنة قوله (ع) صلوا خلف كل بار وفاجره وهو كما ترى» علم غير خاص ـ واصرح من ذلك قوله م الله (ع) في احدى خطبه واعلموا ان الله فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في هذا، في منبرى هذا في عامي هذا، الى يوم القيامة، فمن تركها في حياتي وبعد مماتي، وله امام عادل او جائر استخفافا بها فلا جمع الله شمله، ولا بارك الله في امره. الا ولا صلاة له. الا ولا صوم له، الا ولا بركة حتى يتوب فمن تاب تاب الله عليه، وعليه فلا يتم لصاحب هذا القول قوله لمجرد اعتماده على ان وجوبها خلف الائمة العادلة هو الاصل. اهـ مصححه 1) رواه الربيع عن ابن عباس بلفظ الصلاة جائزة خلف كل بار وفاجر ما لم يدخل فيها ما يفسدها، وقد تقدم.
(2) لا ينبغي حشر عثمان في زمرة الجبابرة، كيف وهو احد الخلفاء الاربعة الراشدين وما وقع من ارتباك وفتنة فى ايامه انما كان سببه عندي تلاعب مروان بن الحكم بالسلطة استغلالا لحسن ظنه فيه
– 362 ـ (1/372)
صفحة 373
خلاف في ان الفرض لا يجب على طفل ولا على مجنون لقوله عليه السلام رفع القلم عن ثلاث الحديث (1) وكذلك الاسلام شرط في جميع الفرائض ايضا لاتفاق الجميع على ان المشرك لاتقبل منه طاعة ما دام مقيما على شركه، واما الذكورية والصحة فهما من شروط الجمعة لاتفاق الناس على انها لا تجب على المرأة ولا على المريض ولكن اذا حضروا كانوا من اهلها، وكذلك الحرية والاقامة من شروط الجمعة ايضا عند الاعظم من اهل العلم الاخلافا شاذا يروى عن داود بن علي واصحابه انهم
الجمهور
اوجبوا الجمعة على المسافر والعبد، وسبب ذلك تنازعهم في صحة الحديث وهو قوله عليه السلام) الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة الا على اربعة عبد مملوك، او امرأة، او صبي، او مريض (2) وفي حديث آخر، الا خمسة او مسافره (3) وقال اصحابنا اذا لم يبق عند الامام الا النساء والعبيد والمسافرون صلى اربعا الا ان يكون قد احرم بها صلاها جمعة وقالوا ان الجمعة انما تجب على اهل الامصار لان الله تعالى خاطبهم فقال «فاسعوا الى ذكر الله الآية (4) والعبيد ليسوا من اهل الامصار، ولا من اهل البيع الا ان يؤذن لهم، لان الله تعالى قال:
1) من حديث عائشة وتمامه ... عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» رواه احمد واصحاب السنن، والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين وحسنه الترمذي. (2) اخرجه الدارقطني والبيهقي من طريق جابر. ومن حديث طارق بن شهاب قال النووي: اسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم. وقال الحافظ صححه غير
واحد
وروى الطبراني باسناد ضعيف عن ابن عمر ان رسول الله (ع) قال وليس على
مسافر جمعة.
الجمعة: 9.
- 363 - (1/373)
صفحة 374
عبدا مملوكا لا يقدر على شيء (1)، واما سقوطها عن المسافر فلما روي ان النبي عيال الله صلى الظهر والعصر بعرفة صلاة المسافر وهو يوم الجمعة (2) وكذلك روي ان عليا صلى بأهل مكة يوم الجمعة ركعتين فقال اتموا صلاتكم، ولان اتخاذ الوطن من شروط الصلاة لما اجمع عليه اهل العلم ان النبيء عليه السلام لما هاجر من مكة الى المدينة اتخذ المدينة وطنا فكانت له موضع التمام، ثم فتح مكة بعد ذلك فكانت دار اسلام،، فلم يتخذها وطنا فكان يقصر فيها الصلاة، وفيها داره ودار آبائه واجداده وكذلك فعل ابوبكر وعمر رضي الله عنهما فكانا يصليان في مكة ركعتين وفيها دورهم ودور آبائهم والله اعلم. واما الامام والمصر فهما من شروط الجمعة ايضا عند اصحابنا ووافقهم على ذلك ابوحنيفة. واما مالك بن انس فلم ير السلطان والمصر شرطا في الجمعة وسبب المتطرق، في فعل النبي علا الله وذلك انه لم يصلها الا في جماعة ومصر
الخلاف الاحتمال
ومسجد جامع فمن رأى ان هذه الاشياء شرط في صحة وجوب الجمعة
اشترطها، ومن رأى بعضها دون بعض اشترط ذلك البعض دون غيره
وقد روى ابو عبيدة في حديث علي انه قال: لاجمعة ولاتشريق الا في مصر جامعه يعني بالتشريق صلاة العيدين، وقيل كان ابوعبيدة لايرى في شيء من بلاد الاعاجم جمعة، وقيل كان ضمام رحمه الله يقول: كل ارض اهل الذمة والعرب اقيمت فيها الحدود جمع فيها، وقال عن ابي الحواري (3) من اصحابنا انه قال: تحوز صلاة الجمعه خلف الجبابرة في
1) النحل: 75
2) رواه ابوداود والنسائي من طريق ابن عباس.) ابو الحواري: هو الشيخ ابو الحواري محمد بن الحواري العماني من بلدة تنوف من اعمال نزوى بين نزوى والجبل الاخضره عاش بنزوى وكان من. علماء القرن الثالث
الهجري
اخذ العلم عن ابي المؤثر الصلت بن خميس الخروصي وتخرج عليه كثير
=
364 (1/374)
صفحة 375
الامصار السبعة. ولا تجوز في غيرها. والله اعلم. واما الجماعة فهي شرط في صحة الجمعة باجماع الامة اذ لا تصلى فرادى (1). واختلفوا في مقدار الجماعة: فقيل واحد مع الامام، لقول النبيء عل للرجلين وهذان جماعة (2) وقيل اثنان سوى الامام، وقيل ثلاثة سوى الامام. وقيل ثلاثون، وقيل اربعون. وسبب الخلاف تنازعهم فيما ينطلق عليه اسم الجمع. واما من اشترط الاربعين، فلما روي عن النبيء عليه صلاها بالمدينة في اول الامر بأربعين رجلا (3)، والخطبة ايضا من شروط الجمعة عند اصحابنا فاذا لم تكن صلوا الظهر أربعا. وليست الخطبة بدلا من الركعتين لان المصلي يستقبل القبلة والخطيب يستدبرها. والله اعلم. وقد انس ان الخطبة فريضة لقوله تعالى وتركوك قائما (4)
احتج
مالك بن
من
العلماء وكان
،
مرجع العمانيين فى عصره ممن يشار اليه بالبنان وكان رحمه الله فاضلا زاهدا يعيش بكد يمينه. ناهيك انه يخرج الى الفلاة فيأتي بالائب الى السوق يبيعه ليعيش منه. ادركه زمن القرامطة الذين عم بلاؤهم الجزيرة العربية واصدر عليه بعض ولاتهم حكما بالاعدام فوجده الرسول يتلو القرآن العظيم في مسجد الشجبي في عقر نزوى فامسك عنه، فقيل له لم لم تقتله؟ قال: خشيت ان ينال دمه جدران المسجد. ولقد ترك لنا ثراتا ادبيا زيادة على ما تخرج عليه من علماء: ترك لنا: زيادات مفيدة على جامع ابن جعفر وكتاب تفسير خمسمائة آية الذي قام بطبعه اخيرا اخونا الفاضل الشيخ سالم بن حمد الحارثي. وبالجملة فقد امتلأت كتب الاصحاب بعلمه
الله رضي عنه وارضاه
اهـ مصححه
1) بل روي عن ابن عباس والحسن البصري ان الجمعة تصلى ولو فرادى ولو يصليها الانسان في بيته وحده وانما الجماعة لئلا تنقطع. (2) رواه ابو داود وابن ماجه وابن حبان وفي معنى الحديث قوله (ع) والاثنان فما فوقهما جماعة رواه الدارقطني
(3) رواه ابوداود وابن ماجة عن عبدالرحمان بن كعب عن ابيه كعب بن مالك انتم يومئذ؟ قال: اربعون رجلاه
4) تقدم ذكرها
- 365 (1/375)
صفحة 376
يقول: تخطب وقال غيره انها سنة، واحتج بان ابن عباس قال المؤذنه: «انما الخطبة عزيمة والجمهور على انها شرط وركن في الصلاة كما قدمنا.
القسم الثالث
في شروط اداء الجمعة
وهي دخول الوقت، والنية، والسعي لها، والخطبة، كعتان بعدها ور يجهر فيهما بالقراءة بالفاتحة وسورة بعدها، واختلف في الاذان لها والانصات اليها والطهارة فيها: اما الوقت فجمهور العلماء اجمعوا على ان وقتها وقت الظهر بعينه يعني بعد الزوال فلا تجوز الخطبة ولا الصلاة قبله الاخلافا شاذا يروى عن احمد بن حنبل: انه اجازها قبل الزوال. واحتج بما روي عن بعضهم انه قال: ما كنا نتغذى في عهد النبيء عل الا بعد الجمعة (1) والصحيح القول الاول. لما ثبت من حديث انس بن مالك انه عليه السلام كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس (2). وايضا فانها لما كانت بدلا من الظهر وجب ان يكون وقتها وقت الظهر، واما النية والسعي لها فلقوله تعالى فاسعوا الى ذكر الله (3) فالذكر هو الصلاة والسعي هو القصد، والله اعلم. واما الخطبة فقد تقدم القول فيها وهما
1) متفق عليه من حديث سهل بن سعد (ض). وليس فى الحديث دليل على ان صلاة الجمعة تصلى قبل الزوال، نعم كان (يسارع بصلاة الجمعة في اول وقت
الزوال، بخلاف الظهر فقد كان يؤخره بعده حتى تجتمع الناس.
(2) رواه احمد والبخاري وابو داود والترمذي والبيهقي عن
3) تقدم ذكرها.
انس
—
366 - (1/376)
صفحة 377
خطبتان يفصل بينهما بجلسة خفيفة عند بعضهم (1). واما في اثر اصحابنا قال لا يجوز الجلوس وقال: لم يرفع الينا ان ابابكر وعمر وعليا كانوا يجلسون بين الخطبتين وانما فعل ذلك عثمان في آخر سنه للكبر: وقيل انه احدث الجلوس معاوية حين كثر شحم بطنه (2) والله أعلم واقل ما قيل في
الخطبة التي تصح بها الجمعة وتنعقد بها صلاة العيدين ويتم بها التزويج هذه الكلمات: وهي الحمد الله و رب العالمين والعاقبة للمتقين ولاعدوان الا على الظالمين وصل اللهم على سيدنا محمد خاتم النبيئين. اللهم اغفر لنا ولجميع المسلمين. واما القراءة فيها فاكثر الفقهاء على ان من السنة ان يقرأ فيها بسورة الجمعة لحديث جابر بن زيد رحمه الله قال: ادركت ناسا من الصحابة يقولون ان رسول الله عليه السلام يقرأ يوم الجمعة على اثر سورة الجمعة بسورة الغاشية (3) وقال: جابر وسمعت ايضا انه يقرأ بسبح اسم ربك الاعلى (4) والقول الأول روي عن النعمان بن بشير عنه عليه السلام، وفي حديث ابي هريرة انه عليه السلام. يقرأ في الركعة الأولى بسورة الجمعة. وفي الثانية بسورة المنافقين (5). والله اعلم. واختلف في الاذان لها فقيل هو آذان واحد، وقيل اكثر من ذلك، وكذلك الانصات
1) رواه احمد ومسلم وابوداود من حديث جابر بن سمرة قال: كان النبيء) يخطب قائما ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائما، فمن قال انه يخطب جالسا فقد
كذب فقد والله صلبت معه اكثر من الفي صلاة المراد بها الصلوات الخمس.
(2) روى ابن ابي شية عن طاوس قال وخطب رسول الله (علا قائما وابو بكر وعمر و عثمان، واول من جلس على المنبر معاوية
3) روى مسلم عن النعمان بن بشير انه (عليه) كان يقرأ في العيدين وفي الجمعة سبح اسم ربك الاعلى هل اتاك حديث الغاشية
-
) انه (ع) تارة يقرأ هكذا وتارة هكذا
ه عن ابن عباس رواه مسلم.
(
-
367 (1/377)
صفحة 378
قال هو
الى الامام وهو يخطب. اختلفوا فيه على ثلاثة اقوال: منهم من حكم لازم من احكام الخطبة. وعلى هذا الجمهور من الناس لقوله عليه السلام اذا قلت لصاحبك انصت والامام يخطب فقد لغوت (1) واختلفوا في رد السلام وتشميث العاطس فأجازه بعض ومنع منه، آخرون. والقول الثاني ان الكلام جائز الا عند قراءة القرآن. روي ذلك عن الشعبي وابراهيم النخعي وسعيد بن جبير، واحتجوا بقوله تعالى فاذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا (2) الآية وان ماعدا القرآن فليس يجب له الانصات. وفرق آخرون بين ان يسمع الخطبة او لا يسمعها واما اختلافهم في رد السلام وتشميت العاطس فلتعارض الامر بهما والامر بالانصات، والله اعلم. وقد اتفق جمهور العلماء على ان وقت الاذان هو: اذا جلس الامام على المنبر، فاذا قال المؤذن لا اله الا الله اخذ الامام في الخطبة، ولا ينزل حتى يقول المؤذن قد قامت الصلاة فيدخل الامام فيها: والله اعلم. وسنن الجمعة المختصة بها. الغسل عند الرواح لها، ولا يجزئه بعد الصبح. والطيب، والسواك، والتجميل في اللباس، والبكور، والانصات للامام، والاستقبال له بالوجه، والجهر بالقراءة، «فضائلها» التهجير لها وصلة الغسل بالرواح لها واستعمال خصال الفطرة من قص الشارب ونتف الابط والاستعداد وتقليم الاظفار والاقتصاد في خطبتها (3) والتوكو على عصا او سيف او نحوه واشتمالها على الذكر والثناء على الله والشهادتين والتذكير والدعاء والصدقة قبلها
الا
1) متفق عليه من حديث ابي هريرة. 2) الاعراف: 304.
لحديث عمار بن ياسر قال: سمعت رسول الله (ع) يقول: طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه رواه مسلم - والمئنة: العلامة بفتح الميم، وهمزة مكسورة ثم نون مشددة يعني مما يعرف به فقه الرجل.
-
368 (1/378)
صفحة 379
القسم الرابع في احكام الجمعة
وفيه اربع مسائل: احداها في غسل الجمعة» وهو سنة عند اكثر اهل العلم. وذهب اهل الظاهر الى وجوبه لقوله عليه السلام «طهر يوم الجمعة واجب على كل محتلم)» (1) واحتج الاولون بقوله عليه السلام من توضأ فيها ونعمت ومن اغتسل فهو افضل (2). والثانية» اختلافهم فيمن تجب عليه من خارج المصر: فقيل على من كان بينه وبينها مسيرة يوم. وقيل فرسخان، وقيل ثلاثة اميال: «الثالثة اختلفوا في وقت الرواح اليها المرغب فيه لقوله عليه السلام: من راح في الساعة الاولى فكانما قرب بدنة الحديث (3) فقيل اول النهار. وقيل قبل الزوال. وقيل بعده. «والرابعة» اختلفوا في البيع بعد النداء: فقيل يفسخ، وقيل لا يفسخ، وسبب الخلاف تنازعهم في النهي هل يدل على فساد المنهي عنه ام لا؟ واما بيع ن لا تجب عليه الجمعة فلا يفسخ، وا
من
والله اعلم.
—
ورواه مسلم وابوداود والنسائي بلفظ «الغسل
1) متفق عليه من حديث ابي سعيد 2) رواه اليبهقي والدارقطني - ورواه ابوداود والترمذي وحسنه والنسائي من حديث سمرة بلفظ ومن اغتسل فالغسل افضل 3) رواه الجماعة الا ابن ماجة من طريق ابي هريرة: ولفظ الحديث من اغتسل يوم الجمعة كغسل الجنابة فراح في الساعة الاولى فكانه قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكانما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكانما قرب كبشا اقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكانما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكانما قرب بيضة، فاذا خرج الامام حضرت الملائكة يستمعون الذكره.
- 369 ـ (1/379)
صفحة 380
باب
في استدراك الصلاة وقضاء الفوائت منها
وهذا الباب يشتمل على فصلين:
الفصل الاول
في استدراك فوائت الصلاة
اذا فات المأموم وراء امامه، فان فيه مسائل تجري مجرى الأصل. المسألة الأولى: متى تفوته الركعة اذا دخل والامام قد هوى الى الركوع؟ فقال جمهور العلماء: اذا ركع مع الامام قبل ان يرفع رأسه فهو مدرك لتلك الركعة، وليس عليه قضاؤها. وقال آخرون اذا ركع الامام فقد فاتته الركعة ما لم يدركه قائما، وهذا منسوب الى ابي هريرة. وقيل إذا رفع الامام رأسه وأدرك بعض المأمومين لم يرفع رأسه إن ذلك لأن بعضهم أئمة لبعض، وبه قال الشافعي. وسبب الخلاف تردد الركعة بين ان تدل على الانحناء فقط، او تدل على الانحناء والوقوف. وذلك في قوله عليه السلام من ادرك الصلاة فقد ادرك من الصلاة (1). فمن قصر اسم الركوع على القيام قال اذا فاته وقوف
يجزئه
ركعة
1) متفق عليه بلفظ: «الركوع بدل الركعة وهما بمعنى ـ وعن ابي هريرة قال: قال رسول الله (ع): اذا جئتم الى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئا. ومن ادرك الركعة فقد ادرك الصلاة رواه ابوداود وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح ومعنى الحديث: ان من أدرك الامام ساجدا، وافقه في السجود ولا يعد ذلك ركعة، ومن ادرك الركعة اي الركوع مع الامام، فقد ادرك الصلاة أي الركعة وحسبت له.
- ry.
- (1/380)
صفحة 381
الامام فقد فاتته الركعة، ومن قال الركوع يشتمل على القيام والانحناء جعل ادراك الانحناء ادراكا للركعة وذلك ان الركوع يطلق على الانحناء لغة وعلى القيام والانحناء والسجود شرعا. والله اعلم. واختلف اصحاب القول الأول اذا دخل في ركوع الامام بتكبيرة واحدة: قال بعض يجزئه اذا نواها تكبرة الاحرام. ولكن الاختيار اثنتان احداهما للافتتاح والثانية للركوع. وقال قوم لابد من تكبيرتين. وقيل تجزئه واحدة وان لم ينوها للاحرام. والصحيح الأول، واما اذا سهى عن اتباع الامام في الركوع حتى سجد: فقال قوم اذا فاته ادراك الركوع معه فقد فاتته الركعة ووجب عليه قضاؤها. وقيل اذا ركع وادرك الامام قبل ان يقوم الى الركعة الثانية فانه يعتد بها وتجزئه. وقال آخرون يتبعه ويعتد بها ما لم يرفع الامام رأسه من الركعة الثانية. وسبب الخلاف. هل من شرط فعل المأموم ان يكون مقارنا لفعل الامام ام لا؟ فان كان شرطا فهل هو في جميع اجزاء الركعة الثلاثة من القيام والانحناء والسجود ام انما هو شرط في بعضها؟ ومتى يكون اختلافا على الامام اذا لم يكن يقارن فعل المأموم فعله؟ اعني فعلا ويفعل الامام فعلا ثانيا. فمن قال الركعة وجميع اجزائها
ان يفعل هو عمل واحد، قال اذا اتبع الامام ولحقه قبل ان يقوم الى الركعة الثانية فهو مدرك للركعة ولم يدخل في قوله عليه السلام «لا تختلفوا عليه» (1) ومن قال. ليس من شرط فعل المأموم ان يقارن فعل امامه وانما من شرطه ان يكون بعده فقط، قال ان ادركه قبل ان يرفع رأسه الركعة الثانية من
فانه يعتد بها.
1) يشير الى حديث: لا تختلفوا على امامكم ولا تتابعوه في القعوده قال صاحب سهل السلام: كذا في شرح القاضي، ولم يسنده الى كتاب، ولا وجدت قوله ولا
تتابعوه في القعوده في حديث فينظر
اه
-
371 (1/381)
صفحة 382
المسألة الثانية: واختلفوا فيما يستدركه المأموم بعد تسليم الامام.
هل يكون قضاء او اداء؟ فقال قوم: هو قضاء وان ما ادرك ليس هو أول صلاته وقال آخرون هو اداء وان ما ادرك هو اول صلاته، وفائدة الخلاف فيمن ادرك من المغرب ركعة: فعلى قول من قال ان ذلك قضاء يقوم المأموم إلى الركعتين يقرأ فيهما بأم القرآن وسورة. غير ان يجلس من بينهما. وعلى القول الثاني يقوم الى ركعة واحدة فيقرأ فيها بأم القرآن وسورة فاذا رفع رأسه من السجود جلس ثم يقوم الى الثانية والله اعلم. الخلاف انه و سبب ورد الحديث المشهور في بعض الطرق «فما ادركتم فصلوا وما فاتكم فاتموا» (1) والاتمام يقتضي ان يكون ما ادرك هو اول صلاته. وورد في بعض الاحاديث فما ادركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» ان ما ادرك هو آخر صلاته، والصحيح ان ما ادرك هو
والقضاء يوجب اول صلاته لاتفاقهم على انه موضع الاحرام وايجابهم على الداخل ترتيب آخر صلاته لكن تختلف في الترتيب نية المأموم والامام، والله اعلم. المسألة الثالثة: واختلفوا فيمن ادرك من صلاة الجمعة ركعة: فقال قوم عليه ان يقضي ركعة ثانية (1). وان ادرك اقل من ركعة صلى اربعا وقال قوم بل يقضى الركعتين ادرك منهما ما ادرك. وسبب
الخلاف
1) متفق عليه من حديث ابي هريرة ـ وفى بعض الروايات وفاقضواء ولفظ الحديث: واذا ثوب للصلاة وفى رواية واذا اقيمت الصلاة فلا تأتوها وانتم تسعون فاتوها وعليكم السكينة والوقار، فما ادركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضواه رواه النسائي فان احدكم في صلاة ما كان يعمد الى الصلاة، رواه النسائي واحمد ــ كما انه متفق عليه من طريق ابي قتادة، ورواه الربيع عن انس) لقوله (ع) ومن ادرك ركعة من صلاة الجمعة فليضف اليها اخرى وقد تمت صلاته عن ابن عمر رواه النسائي وابن ماجة والدارقطني واللفظ له واسناده صحيح لكن قوي ابو حاتم ارساله
ها الله
•
-
372 - (1/382)
صفحة 383
التعارض الواقع بين قوله عليه السلام ما ادركتم فصلوا وما فاتكم فاتموا (1) وبين قوله من ادرك من الصلاة ركعة فقد ادرك الصلاة (2). المسألة الرابعة: قال بعض اصحابنا لا يمكن وصلان الصلاة الا في حال القيام او القعود. ويسلم الداخل اذ استدرك ما فاته به الامام، قاعدا على كل حال ـ وقيل ان ادرك القيام يسلم قائما. ويلزم المسافر ان دخل على الأمام الحاضر التمام. وان استخلفه الحاضر كان خليفة. والله اعلم
الفصل الثاني
في قضاء الفوائت
اتفق اهل الاسلام على انه يجب القضاء على النائم والناسي لقوله عليه السلام من نام عن صلاة او نسيها فليصلها اذا ذكرها فذلك وقتها (3) واجمعوا على ان التارك للصلاة حتى يخرج وقتها انه آثم عاص، وان القضاء
واجب عليه. الا ما ذكر عن الظاهرية انهم قالوا هو آثم ولاقضاء عليه الخلاف شيئان: احدهما قياس العامد على الناسي الذي عذره
وسبب
الشرع في اشياء كثيرة، فالمتعمد احرى ان يجب عليه القضاء لانه غير
معذور. والحق في هذا: اذا جعل الوجوب من باب التغليظ كان القياس
الناسي:
سائغا، واما ان جعل من باب الرفق فلا يسوغ لان العامد ضد والله اعلم. واما ان كانت في احوال مختلفة مثل ان يذكر صلاة حضريه
1) تقدم قريب 2) تقدم قريبا
(3) متفق عليه
،
- 373 (1/383)
صفحة 384
سفر او سفرية في حضر: فاختلفوا في ذلك: فذهب اصحابنا
العامد لترك الصلاة او يصليها بما لاتتم به انما عليه ان يقضي ما عليه من الصلاة من غير مراعاة سفر ولا حضر لانها دين عليه. واما النائم والناسي فليراع الوقت الذي استيقظ فيه او ترك الصلاة فيه لقوله عليه السلام فذلك وقتها فيقضي الحضرية في السفر سفرية والسفرية في الحضر حضرية. وقال بعض يقضي اربعا على كل سفرية كانت المنسية او حضرية فعلى رأي هؤلاء ان ذكر في السفر حضرية صلاها حضرية وان ذكر في الحضر سفرية صلاها حضرية وهو مذهب الشافعي والله اعلم. واختلفوا في وجوب الترتيب في قضاء المنسيات اعني ترتيب المنسيات مع الصلاة الحاضرة في الوقت، وترتيب المنسيات بعضها مع بعض اذا كانت اكثر من واحدة: فذهب بعضهم الى ان الترتيب واجب فى الخمس الصلوات فمادونها، وانه يبدأ بالمنسية وان فاته وقت الحاضرة، حتى انهم قالوا ان ذكر المنسية وهو في الحاضرة فسدت عليه. وقال آخرون الترتيب غير واجب، وان فعل ذلك اذا كان وقت الحاضرة واسعا فحسن. وسبب الخلاف تشبيه القضاء بالاداء، ولما روي ان النبيء ما فاته يوم الخندق خمسة صلوات فصلاهن على الترتيب (1)
المصنف
صل الله
فاته
(ع)
•
1) رواه البخاري لكنه نص على ان الفائتة صلاة العصر فقط، لاخمس صلوات كما ذكر وذكر الشيخ عامر فى كتاب الايضاح ان الفائنات اربع لماروي انه يوم الخندق اربع صلوات فصلاهن على الترتيب، وروي عن علي بن ابي طالب عن النبيء (علم انه قال يوم الخندق: ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس. وروى جابر بن عبدالله ان عمر بن الخطاب جاء: يوم الخندق بعدما غربت الشمس جعل يسب كفار قريش، وقال يارسول الله: ما كدت ان اصلي حتى كادت الشمس ان تغرب قال النبيء
=
(ع) والله ما صليتها فنزلنا مع النبي (بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا =
—
374 (1/384)
صفحة 385
مسألة
: واجمعوا على ان تارك الصلاة بغير عذر كافر لقول النبيء اليس بين المعبد والكفر الا تركه الصلاة» (1) وفي اثر اصحابنا عمروس بن فتح وغيره: من ترك صلاة النهار الى الليل وصلاة الليل الى
صلى الله
النهار فقد ضل وهلك، وروى اصحاب الحديث ان النبيء عل امر مؤذنا
الا
بعد العشاء
ان يؤذن في الناس حين غزا بني قريظة: من كان سميعا مطيعا فلا يصلين العصر الا في بني قريظة» (2) فلم يصل بعض اصحابه العصر الاخرة وقوفا لامره عليه السلام، وشغلهم فيما لم يكن منه بد فى حربهم قال: فما عاتبهم الله بذلك ولا عنفهم رسوله عليه السلام، وعند اصحابنا من اهل عمان وغيرهم ان العامد لترك الصلاة والمشتغل عنها حتى خرج
= لها فصلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب وفي المواهب
-
وفي الموطأ: الظهر روايات متعددة مختلفة: ففي بعضها انه لم يفته الا العصر والعصر. وفي الترمذي عن ابن مسعود ان المشركين شغلوا رسول الله
صلوات
يوم
عن اربع الخندق. قال النووي في طريق الجمع بين هذه الروايات: ان وقعة
الخندق بقيت اياما فكان هذا في بعض ايام، وهذا في بعضها، قال واما تاخيره صلاة العصر حتى غربت الشمس فكان قبل نزول صلاة الخوف. قال العلماء: يحتمل ان يكون اخرها نسيانا لاعمدا وكان السبب في النسيان الاشتغال بامر العدو. ويحتمل انه اخرها عمدا للاشتغال بالعدو ويكون هذا عذرا في تأخير الصلاة قبل نزول صلاة الخوف. واما اليوم فلا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها بسبب العدو والقتل بل يصلي صلاة الخوف على حسب الحال
(
1) رواه الربيع عن ابن عباس - وعن جابر قال قال رسول الله (ع): «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة رواه احمد ومسلم وابو داود والترمذي وابن ماجة. (2) رواه البخاري من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله (يوم الاحزاب ولا يصلين احد العصر الا في بني قريظة فادرك بعضهم العصر في الطريق فقال: لا نصلي حتى نأتيها. وقال بعضهم بل نصلي لم يرد منا ذلك. فذكر ذلك للنبيء
(ع) فلم يعنف واحدا منهم.
- 375 - (1/385)
صفحة 386
وقتها
عليه القضاء والتوبة والكفارة صيام شهرين، او اطعام ستين
مسكينا والله اعلم واحكم وبه الحول والتوفيق.
تم الجزء الأول بعون الله – ويليه الجزء الثاني
اوله كتاب الزكاة
376 - (1/386)
صفحة 387
استدراك
لما فاتنى اثباته بموضعه في ابانه - فعفوا -
ص: 11 (3) سبق ان قلت: لم اقف على تخريجه بهذا اللفظ ثم عثرت عليه على انه من حديث علي بن ابي طالب اخرجه الترمذي وابن ماجة.
ص: 15 (2) تتمة التعليق ويؤيده ما رواه ابو يعلى مرفوعا من حديث انس وسألت ربى اللاهين من ذرية البشر ان لا يعذبهم فاعطانيهم باسناد حسن. وقد ورد تفسير اللاهين بانهم الاطفال من حديث ابن عباس اخرجه البزار قال كان رسول الله ل فى بعض مغازيه فسأله رجل فقال يا رسول الله ما تقول فى اللاهين؟ فسكت رسول الله (ع) فلم يرد عليه كلمة فلما فرغ رسول الله (ع) من غزوة طائف هو بغلام قد وقع يعبث في الارض، فنادى مناديه: اين السائل عن اللاهين؟ فاقبل الرجل الى رسول الله (ع) فنهى رسول الله (عن قتل الاطفال ثم قال: (3) الله اعلم بما كانوا عاملين، هذا من اللاهين
فاذا
•
وعن ابن عباس (ض) قال: سئل رسول الله (ع) عن اولاد المشركين فقال: الله اذ خلقهم اعلم بما كانوا عاملين اي على اي دين يميتهم لو عاشوا فبلغوا العمل فاما اذا عدم منهم العمل فهم في رحمة الله التي ينالها من لا ذنب له ــ اما ما اورده البخاري في كتاب التغبير من حديث سمرة بن جندب الطويل فهو صريح انهم فى الجنة قال: اما الرجل الطويل الذي هو في الروضة فانه هو ابراهيم (ع) واما الولدان
مام الله
الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة. قال قال بعض المسلمين يارسول الله واولاد المشركين فقال رسول الله (ع) واولاد المشركين» واختار البخاري: ان اولاد المشركين غير البالغين يصيرون الى الجنة. قال النووي
انهم في الجنة وهو المذهب الصحيح المختار الذي صار اليه المحققون لقوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا واذا كان لا يعذب العاقل لكونه لم تبلغه الدعوة فلان لا يعذب غير العاقل من باب اولى. والله اعلم.
-
- قال المصنف الله رحمه
:
روي ان النبيء (ظاهر بين درعين الخ من:
ص: (31). نعم ظاهر (بين درعين في غزوة احد، بين درعين هما: ذات الفضول وفضة التي اصابها من بني قينقاع، ومعنى ظاهر: لبس درعا فوق درع. ص: 160 (2) تتمة التعليق وفي رواية مر (ع) بشاة ميتة فقال عن جلدها
-
377 (1/387)
صفحة 388
واليس فى الشث والقرظ ما يطهره؟» او «الشب» بالباء الموحدة، القرظ. والشث نبتان يدبغ بهما: اما القرظ فهو ورق السلم يقال اديم مقروظ اي مدبوغ بالقرظ. واما الشث فهو شجر طيب الرائحة مر الطعم ينبت في جبال الغور ونجد، واما الشيب بالباء الموحدة فهو معدن كالزاج يدبغ به. قال في شرح مسلم: يجوز الدباغ بكل شيء ينشف فضلات الجلد ويطيبه ويمنع من ورود الفساد عليه كالشث والقرظ وقشور الرمان وغير ذلك من الادوية الطاهرة. ولا يحصل بالشمس الا عند الحنفية ولا بالتراب والرماد والملح على الاصح.
اهـ مصححه
عد (المصنف في ص: 178 من مكروهات الوضوء التوضؤ بالماء المشمس لانه يورث البرص قال: وجدت ذلك عن النبيء). فهل ورد حقيقة في ذلك حديث نبوي؟ قال صاحب تذكرة الموضوعات لا تغسلوا بالماء الذي يسخن في الشمس فانه يعدي من البرص فيه مجهول وحديث غير محفوظ. وليس في الماء المشمس شيء يصح مسندا. انما يروى فيه شيء من قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه. اهـ ص: 337 (2) ابو العالية اسمه رفيع بن مهران الرياحي البصري، ادرك الجاهلية واسلم بعد موت النبيء (ع) بسنتين، ودخل على ابي بكر الصليريق (ض)، وصلى الخطاب (ض)، وروى عن جماعة من الصحابة ووثقه يحي وابوزرعة
منهم
خلف عمر بن وأبوحاتم. قال العيني في عمدة القارئ: ولنا في هذا الباب احد عشر حديثا عن رسول الله (ع) منها اربعة مرسلة وسبعة مسندة. فأول المراسيل، حديث ابي العالية الرياحي رواه عنه عبدالرزاق عن قتادة عن ابي العالية وهو عدل ثقة: ان اعمى تردى في بئر والنبيء يصلي باصحابه فضحك بعض من " كان صلى معه عليه السلام فأمر عليه كان ضحك السلام من ان يعيد الوضوء ويعيد الصلاة، اخرجه الدارقطني من جهة عبدالرزاق بسنده، وعبد الرزاق فمن فوقه من رجال الصحيح. ثم سرد الاحاديث كلها بسندها، اهـ وغالب تلك الاحاديث تنص على ان الضحك كان قهقهة او قرقرة، وبعضها الآخر بلفظ الضحك وبزيادة انه ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء» ومنه حديث الباب عند البخاري وقال جابر بن عبد الله: اذا ضحك في الصلاة اعاد الصلاة ولم يعد الوضوء فذهب مالك والميث والشافعي الى انه لا ينقض الوضوء. وذهب الحسن والنخعي الى انه ينقض الوضوء والصلاة، وذهب ابو حنيفة الى ان
الضحك يبطل الصلاة، ولا يبطل الوضوء والقهقهة تبطلها جميعا، والتبسم لا يبطلهما
،
فالضحك ما يكون مسموعا له دون جيرانه، والقهقهة ما يكون مسموعا لجيرانه، والتبسم مالا صوت فيه، وبالجملة فاحاديث الباب على عمومها تقري جانب من يقول بنقضهما معا وهو ما ذهب اليه اصحابنا والله اعلم. اهـ مصححه
-
378
- (1/388)
صفحة 389
•
ص: 194 (5) تتمة التعليق: ... قال الشيخ السالمي في حاشيته على مسند الربيع. . قال جابر: وهذه الرواية تمنع التيمم بغير التراب. وقال الربيع: والمسجد ما استقر عليه مساجد المصلي وهي سبعة اعضاء، القدمان والركبتان واليدان والجبهة. ثم قال السالمي، وغير الطيب لا يكون مطهرا لقوله تعالى فتيممو صعيد طيبا هذا هو المذهب وبه قالت العترة والشافعي واحمد وداود. فان عدم التراب عدل الى اشبه شيء منه من اجزاء الارض كالرمل والسبخة والآجر، ونحوه معذرة الى الله تعالى
اه
وحوطة لدينه ص: 275 (1) تتمة التعليق ... قال صاحب تذكرة الموضوعات: قال النووي حديث صلاة النهار عجماء باطل، وقال البيهقي، وانما هو من قول بعض الفقهاء.
قال: من
اهـ مصححه
ص: 228 اما قول المصنف قيل من السنة فقد ورد عن سفيان الثوري السنة ان يصلي بعد الفطر اثنتي عشرة ركعة وبعد الاضحى ست ركعات لم اجد له اصلا في كونه سنة. وفى الحديث الصحيح ما يخالفه وهو انه) لم يصل قبلها ولا بعدها، وقد اختلفوا فى قول التابعي من السنة كذا، واما قول تابعي التابع كذلك كالثوري فهو مقطوع هذا ولا يفوتني ان انبه على ما وقع من تكرار ترجمة ابي سهل اللالوتي 228 وترجمة ابن جعفر 264. وان العبارة الصحيحة، اصحابنا اهل المغرب واهل الجبل. لاما اثبت في ص، 284 اهل المغرب واهل المشرق غلطا، والعصمة لرسل الله فعفوا.
اهـ مصححه
- 379 - (1/389)
صفحة 390
Y
1
10
11
16
17
17
18
19
20
21
23
27
31
34
38
41
42
43
45
كتاب التوحيد
فهرست الجزء الاول
الركن الاول في معرفة الله عز وجل
ادلة معرفة الله
الفصل الاول في معرفة الله
القسم الثاني: فيما يجب على العبد ان يعتقده نفيا واستحالة
الفصل الثاني: في معرفة الرسول عليه السلام الفصل الثالث: في معرفة ما جاء به محمد الله
باب ذكر الاقسام المتقدمة
القسم الثاني: في قيام الساعة
القسم الثالث: في اعتقاد كون البعث بعد الموت
القسم الرابع: في الحساب
القسم الخامس: في الثواب
القسم السادس: في العقاب
القسم السابع: في الملائكة
القسم الثامن: في الانبياء والرسل
القسم التاسع: في الكتب المنزلة
القسم العاشر: في الايمان بالقدر
القسم الحادي عشر: في معرفة التوحيد والشرك
القسم الثاني عشر: في فرز ما بين كبائر الشرك والنفاق
القسم
الثالث عشر:
القسم الرابع عشر: في الأمر والنهي القسم الخامس عشر: في المن والدلائل القسم السادس عشر: في الخوف والرجاء
- TA.
— (1/390)
صفحة 391
الباب الثاني من الركن الاول: في الولاية والبراءة واحكامها
الفصل الاول
الفصل الثان: في ولاية جملة المسلمين
47
47
48
الفصل الثالث: في ولاية الاولياء الموصوفين بالعصمة والاصطفاء في القرآن 49
50
51
الفصل الرابع: في ولاية البيضة الفصل الخامس: في ولاية الخارج من الشرك إلى الاسلام الفصل السادس: في ولاية الخارج من مذهب أهل الخلاف الى مذهب أهل الوفاق 53
الفصل السابع: في ولاية المخصوص باسمه المعروف بشخصه
الفصل الثاني: في كيفية ولايته
الفصل الثالث: في الفرق بين ولاية المنصوص وغيره
الفصل الثامن: في ولاية الاطفال
الفصل التاسع: في شروط الولاية والجهات التي تحصل بها الفصل العاشر: في ولاية الائمة وقادة الامة
الجملة الثانية: في البراءة وتقاسيمها الفصل الاول: في معنى البراءة وادلتها
الفصل الثاني: في براءة الجملة
الفصل الثالث: في البراءة من المذمومين في القرآن
الفصل الرابع: في البراءة من امام الجور وجميع من تبعه على جوره
58
60
61
62
??
79
70
72
73
74
76
الفصل الخامس: في البراءة من المرتد من الاسلام الى الشرك الفصل السادس: في البراءة من الخارج من مذهب اهل الحق الى مذهب اهل الخلاف 77 الفصل السابع: في البراءة من المخصوص باسمه المقصود اليه بشخص
القسم الاول: في الادلة
القسم الثاني: في حكم براءته
الثالث: في حكم الولاية والبراءة من المنصوص عليه باسمه في القرآن القسم
الفصل الثامن: في الجهات التي تصح بها البراءة
79
79
80
80
?? (1/391)
صفحة 392
الفصل التاسع: في استتابة المتولي اذا قارف كبيرة الفصل العاشر: في حقيقة الولاية والبراءة وولاية الله في العباد
الفصل الاول: في حقيقة الولاية والبراءة
القسم الثاني: في ولاية الله في العباد
الالفاظ في الولاية والبراءة ومالا يجوز القسم الثالث: فيما يجوز من
الجملة الثالثة: في الوقوف
الفصل الاول: في الادلة على فرض الوقوف
الفصل الثاني: في حكم الموقوف عنه
الفصل الثالث: في احكام الوقوف في الافعال الانسانية
الباب الثالث: في الملل الست واحكامها
الفصل الاول: في حكم ملة الاسلام
الجملة الثانية: في احكام ملل اهل الشرك والاصنام
:
القسم الاول
القسم الثاني: في المجوس
A?
89
93
96
96
98
99
103
100
110
110
111
القسم الثالث: في احكام عبدة الأوثان من اهل اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى 112
الجملة الثالثة: في القواعد والاركان التي يبني عليها الاسلام
فصل: في معرفة العلم المفترض تعلمه
فصل: في العمل
فصل: في النية وتوابعها من الصدق والاخلاص
فصل: في الورع
فصل: في اركان الدين الاربعة
116
118
122
123
126
129
135
135
138
الركن الثاني: من الكتاب في شروط الصلاة وما فيها من السنن والآداب المقدمة الاولى: في آداب قضاء حاجة الانسان
المقدمة الثانية: في اعيان النجاسات المتفق عليها والمختلف فيها
المقدمة الثالثة: فيما تزال عنه هذه النجاسات وبما تزال به من الاشياء والجهات 152
- 382 – (1/392)
صفحة 393
154
154
100
157
159
166
177
167
168
169
170
184
184
186
190
191
192
192
196
198
198
201
202
203
القسم الثاني: القسم الثالث:
القسم الرابع:
فصل:
فصل: في أحكام الغسل بالماء فصل: في المسح
المقدمة الرابعة: في الاستنجاء
الفصل الاول: في الاستجمار
الفصل الثاني: في كيفية الاستنجاء بالماء
باب في الطهارة المشروعة للصلاة القسم الاول: في الوضوء وكيفيته
فصل: في احكام الوضوء
الفصل الثاني: في نواقض الوضوء
الفصل الاول: في الاحداث
الفصل الثاني: في الاسباب التي تؤدي الى نقض الوضوء الفصل الثاني: في الافعال الموجبة للوضوء
الفصل الثاني: في الطهارة الصغرى فصل: في اسباب اليمم وكيفيته واحكامه القسم الاول:
القسم الثاني: في كيفية اليمم
الركن الثاني: ما تعمل به هذه الطهارة الركن الثالث: في كيفية التيمم
الركن الرابع: في احكام التيمم
- 383
الطهارة
:
القسم الرابع
الفصل الاول: في الاحتلام (1/393)
صفحة 394
205
207
209
210
=
210
211
215
222
224
226
229
233
233
242
243
245
245
247
249
250
251
251
252
257
264
الفصل الثاني: في موجب الغسل من الجماع
الفصل الثالث: في كيفية الغسل
الفصل الرابع: في احكام الجنابة
الجملة الثانية: في احكام الحيض والنفاس وما يتصل بهما الفصل الاول: في معرفة انواع الدماء الخارجة من الارحام الفصل الثاني: في احكام الحيض المتعلقة به والممنوعة من اجله
الفصل الثالث:
الفصل الرابع: في دم النفاس الركن الثاني: من الكتاب في الصلاة
الجملة الاولى: في الصلوات الخمس وفرائضها وسننها وفضائلها الجملة الثانية: في تفصيل فرائض الصلاة وسننها على ما ينبغي
الفريضة الرابعة:
الفصل الاول: في الاوقات المأمور بها الفصل الثاني: في الاوقات المنهي عن الصلاة فيها
الفصل الثالث: في اوقات المعذورين فصل: في ستر العورة في الصلاة وغيرها القسم الاول: في حكد العورة وحكم سترها
القسم الثاني: في اللباس المجزئ في الصلاة الفصل السادس: في القيام مع القدرة في الصلاة
الفصل السابع: في استقبال القبلة في جميع
الركن الاول: في الصلاة
الركن الثاني: في ادلة القبلة
الصلاة
الركن الثالث: في المعنى المعين على المكلف استقباله
فصل: في النية
الفصل: في الاذان والاقامة
-
TAE (1/394)
صفحة 395
264
268
270
293
306
312
313
316
319
321
323
324
325
329
333
341
344
345
348
القسم الاول: في الاذان القسم الثاني: في الاقامة
فصل: في التوجيه
باب: في سجود السهو
فصل: في صلاة الجماعة وترتيب ائمتها
القسم الاول: في حكم صلاة الجماعة القسم الثاني: فيمن اولى بالامامة الفقيه أو القارئ القسم الثالث: في مقام الماموم من الامام القسم الرابع: في ترتيب الامام وصفته القسم الخامس: في الوظائف المشترطة على الامام
القسم السادس: في شروط القدرة القسم السابع: فيما يحمله الامام عن
الفصل الاول: في صلاة الوتر
الماموم
الفصل الثاني: في ركعتي الفجر والمغرب
الفصل الثالث: في قيام رمضان
الفصل الرابع: في ركعتي الطواف الفصل الخامس: في صلاة الكسوف
الفصل السادس: في صلاة الاستسقاء
الفصل السابع: في صلاة الضحى
الفصل الثامن: في صلاة العيدين الفصل التاسع: في احكام الجنائز
الفصل الاول: في حكمها وصفة الصلاة على الجنازة الفصل الثاني: في مواضع الصلاة على الميت واوقاتها
الفصل الثالث: في شروط صلاة الميت
الفصل العاشر: في فضائل الصلاة
- PAO- (1/395)
صفحة 396
354
359
360
361
361
362
366
369
370
370
373
377
381
فصل: في متطوع الصلاة
باب: فيما تتغير به احكام الصلوات المفروضات
باب: في صلاة الجمعة
الفصل الاول: في صلاة الجمعة
القسم الاول: في حكم الجمعة
القسم الثاني: في شروطها
القسم
الثالث
: في شروط اداء الجمعة
القسم الرابع: في احكام الجمعة
باب: في استدراك الصلاة وقضاء الفوائت منها
الفصل الأول: في استدراك فوائت الصلاة
الفصل الثاني: في قضاء الفوائت
- PAT-
استدراك:
فهارس: (1/396)
صفحة 397
[صفحة فارغة] (1/397)
صفحة 398
قواعد الإسلام
للإمام أبي طاهر اسماعيل بن موسى الجيطالي
المتوفى سنة 750 هجرية
الجزء الثاني
صححه وعلق عليه بكلي عبد الرحمن بن عمر
الطبعة الثالثة
1419 هـ ـ 1995 م
الناشر: مكتبة الاستقامة (2/1)
صفحة 399
[صفحة فارغة] (2/2)
صفحة 400
[صفحة فارغة] (2/3)
صفحة 401
[صفحة فارغة] (2/4)
صفحة 402
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
الركن الثالث
في فرض الزكاة وما يشتمل عليه من الاقسام والابواب
اعلم ان الله عز وجل شرع الزكاة في اموال الاغنياء وجعلها حقا واجبا للفقراء حكمة الف بها بين قلوب العباد لتثبت المودة بين ذوي الفاقة والاغنياء في اقطار البلاد، ويقع منهم التعاون والتناصر على الحق وسبيل الرشاد، لان الراجي لغيره هائب له، موصول، والمرجو مالديه مهيب موصول، اذلو انقطعت حاجة الفقراء من ذوي الأموال لسقطت بذلك من قلوبهم هيبة الاجلال ووقع بينهم من اجله التباغض والتنافر واستحكم فيهم التقاطع والتدابر فيئول ذلك الى خراب الدنيا وانقطاع سكانها، ولكن الله تعالى جعل الزكاة ذريعة الى تواصل الانام، وتطهيرا للقلوب من دون الأثام، وتكفيراً للذنوب والاجرام، ومثراة للأموال، وتضعيفا للحسنات غدا في المآل ـ فقال لنبيئه عليه السلام وخذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بهاء الآية (1) فأنزل الله فرض الزكاة في المدينة مجملا فبينه رسول الله بحدودها واركانها - وأوضحها برسومها ومعالمها، وجعلها
-
-
مشروعة في ستة اشياء: واحدها»: زكاة الانعام. والثاني. زكاة الحبوب والثمار. والثالث». زكاة النقدين: الذهب والفضة. «والرابع» زكاة التجارة المتخذة للنماء والزيادة والخامس زكاة المعادن والركاز
1) التـ وبة: (103). (2/5)
صفحة 403
الأمة
الجاهلية والسادس) زكاة الفطر المشروعة للأبدان. ونحن ان شاء الله نشرع في ذكر هذه الأجناس الستة جملة وتفصيلا: اعلم ان زكاة الأموال في وجوبها نصا لا اختلاف بين من الكتاب واجماعا من اولي الألباب، وذلك ان النبيء عليه السلام، امر بالزكاة حين كان بمكة شيئا غير موقت ولا معلوم فلما هاجر الى المدينة انزل الله عليه فريضة الزكاة فنسخ بها ما كان قبل ذلك من صدقة وزكاة تطوع، فقال «اقيموا الصلاة وآتوا الزكاة (1). وقال عليه السلام لا صلاة لمانع الزكاة قالها ثلاثا. والمتعدي فيها كمانعها (2)، وهي تجب بالجملة في ثلاثة اشياء: عين وما شية وحرث: فالعين صنفان ذهب وفضة. والماشية: ابل وغنم وبقر. والحرث، ما يخرج من الارض وهي شيئان: ثمار وحبوب، فالثمار نوعان: تمر وزييب. والحبوب اربعة انواع: بر وشعير ودرة وسلت. ونحن نشرع في تفصيل هذه الأشياء، ان شاء الله تعالى (3). اما زكاة الأنعام فهي اربعة: الابل والبقر والضأن والمعز. وقد اجتمعت الامة على وجوب الزكاة في هذه الأجناس الاربعة اذا كانت سائمة. واختلفوا فيها اذا كانت غير سائمة: فقال قوم لازكاة فيها. وقال آخرون بل فيها زكاة سائمة كانت وغير سائمة. وسبب الخلاف معارضة المطلق المقيد ومعارضة
(1) البقرة: (110).
(2) رواه الربيع عن ابن عباس، قال الربيع: المتعدي فيها هو الذي يدفعها لغير اهلها. م الله لا تجب الزكاة في هذه الاجناس الا اذا استكملت النصاب. وقد حدد (ع) نصاب كل في قوله: وليس فيما دون خمس اواق صدقة - والاوقية اربعون درهما ــ وليس فيما دون عشرين مثقالا صدقة – وليس فيما دون خمسة ذود صدقة ـ يعني. ابعرة - وليس فيما دون اربعين شاة صدقة - وليس فيما دون خمسة اوسق صدقة الله رواه الربيع من حديث ابن عباس رضي
عنهما
خمسة (2/6)
صفحة 404
القياس لعموم اللفظ
•
اربعين شاة اما المطلق فقوله عليه السلام
شاة (1)، والمقيد قوله في سائمة الغنم الزكاة: (2). فمن غلب المطلق قال الزكاة في السائمة وغير السائمة، ومن غلب المقيد قال الزكاة في السائمة
خاصة. واما القياس المعارض لقوله عليه السلام في اربعين شاة شاة. فهو ان السائمة التي المقصود منها النماء والربح والزكاة انما
هي
هي
فضلات
الأموال وهي انما توجد في الأموال النامية، فمن خصص بهذا القياس عموم الحديث قصر الزكاة على السائمة. واختلفوا في الخيل ايضا فذهب جمهور من الصحابة والتابعين الى ان لاصدقة فيها. لقوله عليه السلام عفي
الأمة عن امتي عن زكاة الخيل والبغال والحمير (3) وذهب ابو حنيفة وحماد بن ابي سليمان فيما وجدت الى ان فيها الزكاة ان كانت سائمة مقصودا بها النسل في الذكور والاناث: دينار على كل فرس انثى او تقوم دراهم فيكون في كل مائتي درهم خمسة دراهم. واحتج بان الخيل السائمة حيوان مقصود بها النسل فاشبه الابل والبقر. وزعم ايضا ان الحق المذكور في قوله حين ذكر الخيل فقال: ولم ينس حق الله في رقابها (4) ان
(1) و (2) كلاهما ورد فى كتاب الصدقة من حديث انس رواه البخاري. لا زكاة في شيء من الحيوانات غير الانعام، فلا زكاة في الخيل والبغال والحمير الا اذا كانت للتجارة. الحديث ليس في الجارة (هي) التي تجر بالزمام تذهب وترجع بقوت اهل البيت ولا في الكسعة (الحمير) ولا في النخة (الرقيق) ولا في الجبهة (الخيل صدقة رواه ابو داود والدارقطني والبيهقي عن ابن عباس - والحديث: وقد عفوت لكم عن الخيل والرقيق، ولا صدقة لهما رواه ابو داود واحمد بسند جيد عن علي. 4) الذي عليه الجمهور انه لازكاة في الخيل ولا في الرقيق - روى البخارى ليس على المسلم فى فرسه وغلامه صدقه من حديث ابي هريرة - ورواية ابي داود بلفظ وليس في الخيل والرقيق زكاة الازكاة الفطر فى الرقيق وقال الترمذي: والعمل عليه اي
على حديث ابي هريرة المذكور في الباب عند اهل العلم انه ليس في الخيل:
- Y- (2/7)
صفحة 405
الحق هو الزكاة المشروعة فيها والله اعلم
فصل
في تفصيل صدقة الانعام
اما الابل فاجمعوا على ان لاصدقة فيما دون الخمس منها. لما صح من قوله عل وليس فيما دون خمس ذود صدقة (1) واجمعوا على ان في خمس من الابل شاة. وفي عشر شاتان. وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين اربع، وفي خمس وعشرين بنت مخاض فان لم توجد فابن لبون الى خمس وثلاثين، فان زادت واحدة ففيها بنت لبون الى خمس واربعين، فان زادت واحدة ففيها حقة طروقة الفحل الى الستين فان زادت واحدة ففيها جذعة الى خمس وسبعين، فاذا زادت واحدة ففيها بنتا لبون الى التسعين، فان زادت واحدة ففيها حقتان طروقتا الفحل الى عشرين ومائة. فكل هذا مجمع عليه ولا اعلم بين الأمة خلافا لثبوت هذا في كتاب الصدقة التي امر بها النبيء له وعمل بها الخليفتان بعده رضي الله عنهما (2)،
واختلف اهل العلم في موضعين منها، واحدهما فيما زاد على عشرين ومائة
= السائمة صدقة، ولا في الرقيق اذا كانوا للخدمة صدقة الا ان يكونوا للتجارة ففي أثمانهم الزكاة اذا حال عليها الحول. قال رسول الله (ع) من حديث ابي هريرة والخيل ثلاثة. فهي لرجل اجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر الحديث ثم
-
-
قال: فالذي هي له ستر فالرجل الذي يتخذها تكرما وتجملا ولا ينسى حق ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها وهذا القدر اخرجه الطحاوي - واخرجه البزار ايضا مطولا ولفظه ولا يحبس حق ظهورها وبطونها اهـ.
1) رواه الدارقطني.
(2) كتاب الصدقة اورده باكمله ابن حجر في كتابه بلوغ المرام من ادلة الاحكام.
1^1 (2/8)
صفحة 406
فقال اصحابنا يؤخذ منها ثلاث بنات لبون اذا زادت واحدة. الى ثلاثين ومائة ففيها حقة وبنتا لبون، وما لم يكمل العشرة فليس فيها شيء. وبعد هذا كلما بلغت الابل عشرا ففي الاربعين بنت لبون، وفي الخمسين حقة. وهذا ثابت عن النبيء علل الله في كتاب الصدقة ووافق الشافعي وابوثور واسحاق اصحابنا على هذا القول، واختلف غيرهم في ذلك اختلافا يطول ذكره. والموضع الثاني: اختلفوا اذا لم يوجد في الابل السن الواجب ووجد دونه او فوقه مثل ان تجب عليه حقة فيجد جذعة، او تجب جذعة فيجد حقة: فقال اصحابنا في كتاب ابن جعفر (1) وغيره يأخذ المصدق ذلك السن الذي وجد ويرد عليه صاحب المال فضل ما بينه وبين الواجب عليه ان كان الذي وجد المصدق دون ما عليه، وان كان فوق ما عليه رد عليه المصدق الفضل، وبهذا يقول ابو حنيفة. وقال غير اصحابنا اذا اخذ المصدق دون السن الواجب رد عليه صاحب المال عشرين درهما او شاتين، وان اخذ فوق الواجب رد على صاحب المال مثل ذلك، وزعموا ان هذا ثابت في كتاب الصدقة، وروي عن مالك ان قال يكلف شراء ذلك السن والله اعلم. والقول الثاني يروى عن ابراهيم النخعي والبي ثور والشافعي والله اعلم.
واما نصاب البقر: فهو عند اصحابنا كالابل حذو النعل بالنعل (2): في الاربع والعشرين من البقر فما دونها في كل خمس شاة، وفي خمس وعشرين حولية نظيرة بنت مخاض والثنية من البقر مكان بنت لبون من الابل، والرباعية مكان الحقة، والسدس من البقر مكان الجذعة من الابل
1) تقدم ذكره
(2) وهو قول الزهري ايضا قياسا على الابل. (2/9)
صفحة 407
فاذا زادت على مائة وعشرين ففي كل اربعين ثنية، وفي كل خمسين رباعية، هذا عند اصحابنا دون غيرهم، واظن انهم قاسوا ذلك على نصاب الابل او صح عندهم فيه حديث لم اقف انا عليه. واما مخالفونا
(1)
، وفي كتاب
فوجدت عن اكثرهم ان نصاب البقر في كل ثلاثين بقرة تبيع او تبيعة وفي كل اربعين مسنة، واسندوا ذلك الى النبيء الاشراف يقول هذا قول النخعي، والحسن البصري، والشعبي،
،
ومالك، والليث بن سعيد، وسفيان الثوري، والشافعي، وعبدالملك وابي ثور، وابي عبيد، واسحاق وغيرهم، وذكر عن بعضهم ان في كل عشرين من البقر شاة الى ثلاثين ففيها تبيع، وروي عن بعض الفقهاء فيها اقوال كثيرة غير ما ذكرنا تركناها مخافة التطويل. واختلف اهل العلم في الاوقاص وهو ما بين الفريضتين، فذهب اكثرهم الى ان لا زكاة فيما زاد على الفريضة حتى تبلغ الأخرى وزعم بعضهم أن فيه الصدقة الخلاف ما روي ان معاذ بن جبل رحمه الله توقف على الاوقاص في البقر
فقال حتى
(
وسبب
اسأل النبيء فلما قدم وجده توفي صلوات الله عليه، فقال من اوجب فيه الزكاة الاصل فيه الزكاة الا ما استثناه الدليل
1) نعم عن معاذ بن جبل (ض) ان النبي (ص) بعثه الى اليمن فأمره ان ياخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا او تبيعة. ومن كل اربعين مسنة، ومن كل حالم دينارا او عدله معافرياه رواه الخمسة واللفظ لاحمد، وحسنه الترمذي واشار الى اختلاف في وصله وصححه ابن حبان والحاكم - التبيع: ولد البقرة فى السنة الاولى والانثى تبيعة. والمسنة: ذات الحولين - قال الصنعاني في سبل السلام قال ابن عبدالبر لاخلاف بين العلماء ان السنة في زكاة البقر على ما في حديث معاذ وانه النصب المجمع عليه، وفيه دلالة على انه لا يجب فيما دون الثلاثين شيء، وفيه خلاف للزهري فقال: يجب في كل خمس شاة قياسا على الابل. واجاب الجمهور ان النصاب لا يثبت، وبانه روي ليس فيما دون ثلاثين من البقر شيء وهو وان كان مجهول
-
بالقياس
-
الاسناد فمفهوم حديث معاذ يؤيده
اهـ (2/10)
صفحة 408
وهو قوله عليه السلام: الاشناق ولا شغار الحديث (1) فذهب جمهور اهل العلم الى ان لازكاة فيها قياسا على الابل والغنم، وبعض اهل العلم
يجعل الاشناق في الابل، والاوقاص في البقر والله اعلم. واما نصاب الغنم والقدر الواجب فيها فأجمع اهل العلم على ان لا صدقة فيها دون اربعين شاة وانها اذا كملت اربعين ففيها شاة الى مائة وعشرين فاذا زادت واحدة ففيها شاتان الى ان تبلغ مائتين، فاذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه حتى تبلغ ثلاثمائة، فاذا زادت واحدة ففي كل مائة شاة هذا مجمع عليه لثبوته عن رسول الله في كتاب الصدقة. واختلفوا فيما زاد على المائتين والثلاثمائة، فقال اصحابنا فيها ثلاث، ثم لاشيء في الزيادة حتى تبلغ اربعمائة ففيها اربع. ثم بعد ذلك في كل مائة شاة، وروي مثل هذا عن الشافعي واسحاق وابي ثور، وروي عن عمر رحمه الله انه كان يقول: اذا زادت شاة على المائتين ففيها ثلاث الى ثلاثمائة فاذا كثرت الغنم: ففي كل مائة شاة، وبهذا يقول اكثر فقهاء الامصار الا الحسن بن صالح فانه روي عنه ان الغنم اذا زادت على ثلاثمائة واحدة ففيها اربع واذا زادت على اربعمائة ففيها خمس. وروى بعضهم عن ما ذكرنا والله اعلم ـ واجمع اهل العلم على ان المعز يضم الى الضان
-
معاذ
غير
1) هذا بعض ما ورد في كتاب بعثه الرسول (ع) الى وائل بن حجر الضرمي نصه: من محمد رسول الله (علم الى الاقيال العباهلة من اهل حضرموت باقام الصلاة، وايتاء الزكاة، وعلى التيعة شاة، والتيمة لصاحبها، وفي السيوب الخمس ولاخلاط ولا وراط، ولاشناق، ولاشغار، ومن احيا فقداربي، وكل مسكر حرام التيعة اربعون شاة التيمة الشاة تعلف للذبح او للحلب. السيوب الركازاي دفين الجاهلية لاخلاط ولاوراط اي لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع. لاشناق اي لا يؤخذ ما بين الفريضتين كقولك لا وقص. الشغار من انكحة الجاهلية، احيا باع لزرع قبل ان يبدو صلاحه. الخ اهـ مصححه
-11 (2/11)
صفحة 409
في
الصدقة ويستتم بها النصاب. واختلفوا في الصدقة من اي صنف منها تؤخذ فروي عن عكرمة انه قال. تؤخذ من اكثر العددين الا ان استويا فتؤخذ من ايهما شاء المصدق. وبه قال مالك واسحاق. وقال بعضهم القياس ان تؤخذ من كل بقدر حصته. وهو الاصح لقول عمر رحمه الله لشقير بن عبدالله الثقفي حين بعثه. على صدقة الغنم ودع لهم الربى والمخاض والاكولة والفحل واللبون، واجعل الغنم ثلاث فرق ثم خير رب الغنم في الثلث الاولى، ثم يأخذ المصدق صدقته من الثلث الاوسط، ولا تأخذ تيسا ولا هرمة وعن عمر ايضا قال لعماله: خذوا العناق والثنية والجذعة وذلك عدل بين الغذاء وخيار المال، وعندي: ان الغذاء معناه الرديء. وفي اثر اصحابنا يعطي عن الضأن ثنية او رباعية او سداسية او بنت خمس سنين، ويؤدي على المعز الرباعية والسداسية وبنت خمس اوست من السنين وقد رخصوا في الثنية من المعز ان تعطى عنها، وكذلك عن الضأن ابنة عشرة اشهر اذا كانت وافرة. ولا تؤخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس الا ان يشاء المصدق. لثبوت ذلك عن رسول الله (1) وكذلك عن عمر وعلي وعن ابن مسعود: لا يؤخذ في الصدقة ذكر، ولا هرمة، ولا جذعة، ولا ذات عوار. ورخص في اثر اصحابنا في الهرمة اذا لم يكن فيها عيب. وكذلك الذكر اذا كان اكثر ثمنا من الانثى. واختلف اذا كانت الغنم كلها مهازيل او ذوات عيب او جرب، فقيل يأخذ منها واحدة، وقيل افضلها، وقيل يكلف شراء مالك. والقول الأول عن الشافعي، وفي اثر العيوب ولو لم يجدها الا بثمن الغنم كلها،
الفريضة. روي هذا
اصحابنا يعطي
السالمة
1) كما في كتاب الصدقة
عن
من
– 12 (2/12)
صفحة 410
وقيل يعطي منها ما وجب عليه فيها والله اعلم، واما اذا كانت خرفانا كلها فانه لا يجزئه الا الشاة المسنة والله اعلم. وسبب الخلاف في هذه المسائل هل اسم مطلق الشاة يتناول المرضى والاصحاء والصغار والكبار اولا؟ وقد روي عن النبيء عل الله انه قال يعد صغيرها وكبيرها ويعد السخال وعجاجيل البقره (1). وقد اختلف اهل العلم في السخال هل تعد في النصاب ويؤخد منها؟ وكذلك الفصلان والعجاجيل والحملان فروي: عن بعضهم انه قال يعدونها ويكلف صاحب الاربعين من السخال ان يأتي بجذعة او بثنية ولا يؤخذ من الصغار شيء، قال ابو عبيد وابو ثور، وكذلك في صدقة الابل والبقر، وروي عن الاوزاعي انه قال يؤخذ من كل صنف منها. واحسب ان اهل الظاهر لا يوجبون في السخال شيئا ولا يعدون بها، وسبب الخلاف هل اسم الجنس يتناول الصغير والكبير ام لا يتناول الا الكبير خاصة؟ ولقول عمر الله رضي عنه حين امر ان
تعد عليهم السخال ثم لا يؤخذ منها. وعند اصحابنا ان اسم الشاة لا
يطلق الا على التي استغنت عن غيرها، ولكن يعد في النصاب الصغير
والكبير والله اعلم.
مسألة
:
ويستتم الشريك بنصيب شريكه في جميع ماذكرنا من
نصاب الانعام. لقوله عليه السلام في خمس ذود صدقة، وفي الاربعين
1) رواه ابوداود والترمذي والنسائي، ولما رواه مالك والشافعي عن سفيان ابن عبدالله الثقفي ان عمر بن الخطاب قال: تعد عليهم السخلة يحملها الراعي، ولا تأخذها، لاتاخذ الاكولة ولا الربى، ولا المخاض، ولا فحل الغنم، وتأخذ الجذعة والثنية، وذلك عدل بين غذاء المال وخياره يعنى ان من ملك نصابا من الابل، او البقر، او الغنم فنتجت في اثناء الحول وجبت زكاة الجميع عند تمام حول الكبار، واخرج عن الاصل وعن النتاج زكاة المال الواحد. فى قول اكثر اهل العلم. (2/13)
صفحة 411
شاة شاة (1) ولم يستثن شريكا من شريك، وروي مثل هذا عن الشافعي والليث بن سعيد، وروي عن مالك واهل العراق ان لازكاة عليهما حتى يستكمل كل واحد منهما النصاب والله اعلم. واختلف في قوله ل دوما
اذا
كان من خليطين فانما يتراددان الفضل بالسوية (2)، فقال بعضهم جمعهم الراعي والفحل والمراح فهما خليطان، فهذا مروي عن الشافعي ومالك وفي كتاب ابن جعفر: حتى يجمعها المحلب والمريض سنة، وروي عطاء وطاوس انهما اذا عرفا اموالهما فليسا بخليطين. وقال بعض العلماء الخلطة انما هي بالمشاركة والمفاوضة. والله اعلم.
عن
(1) رواه الدارقطني بلفظ في الاربعين.
(2) رواه البخاري عن انس قال: ان ابابكر كتب اليه: هذه فريضة الصدقة التي فرضها
رسول الله على المسلمين، الله والتي امر بها رسوله: وفيه ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فانهما يتراجعان بينهما بالسوية يعني يؤدي كل شريك ما يلزمه زكاة عن نصيبه في الشركة وان اخذ المصدق منه اكثر. لان مالهما كمال واحد. اما من لزمته جذعة وليست له الا حقة أو لزمته حقة وليست له الا جذعة، فان حديث الصدقة ينص على ان من لزمته جذعه وليست له الاحقة انه يدفعها للمصدق ويجعل معها توفيق لها شاتين اذا استيسرتا او عشرين درهما. ومن لزمته حقة وليست له الاجذعة قبلها منه المصدق ويعطيه المصدق مقابل ما زاد عنده شاتين او عشرين درهما. فتبين والله اعلم ان الشاتين هما الاصل في تقدير الزيادة او النقص بين السنتين. اما الدراهم وتحديدها بالعشرين فالظاهر ان ذلك فيما اذا كان سعر الشاتين يساوي ذلك العدد كما هو الحال في زمنه (). اما اذا ارتفعت الاسعار وربما كان الارتفاع فاحشا كما هو الشأن في زمننا فالواجب والله اعلم - هو زيادة فضل القيمة من رب المال. اورد الفضل من المصدق كما ذهب اليه بعض الهادوية. ويرجع ذلك الى التقويم. واما في سوى الجذعة والحقة مما لم ينص عليه الحديث نصا فالقاعدة المنضبطة في كل زمان ومكان هو التقويم ويؤيده قول معاذ بن جبل (ض) لاهل اليمن: ايتوني بعرض لباسكم خميص ولبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة اهون عليكم وخير لاصحاب محمد بالمدينة، ولا شك ان ذلك عماده التقويم والله اعلم.
ميححه
6
-
18 - (2/14)
صفحة 412
مسألة: واختلفوا في وجوب الصدقة في العوامل من الابل والبقر: فروي عن علي ومعاذ ان لاصدقة في البقر العوامل (1). وروي هذا ايضا عن جابر بن عبدالله وسعيد بن جبير والنخعي ومجاهد والحسن
(فائدة في زكاة الابل وما يخرج منها)
لا يخفى ان مادون خمس ذود لا زكاة فيها
من 5 الى 24
شاة عن كل ه
من 25 الى 35 بنت مخاض وهي التي استكملت لها سنة ودخلت في الثانية فان لم تكن فابن لبون.
من 36 الى 45 بنت لبون وهي التي استكملت الثانية ودخلت في الثالثة. من 46 الى 60 حقة وهي التي استكملت الثالثة ودخلت في الرابعة. وهي التي استكملت الرابعة ودخلت في الخامسة.
من 61 الى 75
جذعة
من 76 الى 90
بنتا لبون
من 91 الي 120
ان.
من 120 فصاعدا ففي كل 40 بنت لبون وفى كل 50 حقة
من 40 الى 120
زكاة نصاب الغنم وما يخرج منها)
شاة واحدة.
من 121 الي 200 شانان
-
•
من 201 الي 300 ثلاث شياه
واذا زادت على 300 ففي كل 100 شاة
1) روي ابو داود والدارقطني عن علي عليه السلام قال: وليس في البقر العوامل صدقة وروي بلفظ وليس في البقر العوامل شيء واخرجه الدارقطني من حديث جابر بلفظ وليس في البقر المثيرة صدقة وضعف البيهقي اسناده. والحديث دليل على انه لا يجب في البقر العوامل شيء. وظاهره سواء كانت سائمة او معلومة، وقد ثبتت شرطية السوم في الغنم فى البخاري وفى الابل في حديث بهز عن ابي داود والنسائي قال الدميري، والحقت البقر بهما
1101 (2/15)
صفحة 413
البصري وعطاء والليث بن سعيد والشافعي وغيرهم من اصحاب الرأي. وقالت طائفة في الابل النواضح والبقر السواني وبقر الحرث صدقة. وروي
مع
استفاضة
هذا عن مكحول وقتادة. وبه قال مالك. وروي مثله في كتاب ابن جعفر اصحابنا. وان هذا هو المأخوذ به عندهم، وهذا وغيره من! حديث الرسول عليه السلام وهو قوله: ليس في القتوبة، ولا في الجارة صدقة (1). واظن انهم احتجوا بعموم قوله عليه السلام في خمس ذود صدقة (2) اسقط الزكاة عن العوامل خصه بالحديث المتقدم. والله. ومن اعلم. وقال بعض العلماء: في بقر الحرث ان كان في حرثها الزكاة فلاصدقة على عواملها. والاففيها الصدقة. والله اعلم. واجمع اهل العلم فيما وجدت على ان الجواميس بمنزلة البقر. روي ذلك عن الحسن البصري والزهري ومالك والثوري والشافعي واسحاق واصحاب الرأي. والله
اعلم ..
الفصل الثاني
في زكاة المعشرات
وهي الثمار والحبوب والقدر الواجب في ذلك، قال الله تعالى «انفقوا من طيبات ماكسبتم و مما اخرجنا لكم من الأرض (3) وقال «وآتواحقه يوم حصاده (4) فروي عن ابن عباس رضي الله عنه انه قال هو العشر
(1) القتوبة بالفتح الابل التي توضع الاقتاب على ظهورها كالركوبة والحلوبة. وفى الحديث: لاصدقة في الابل القتوبة والجارة هي التي تجر بالزمام تذهب وترجع بقوت العيال. المراد ليس في الابل العوامل صدقة
(2) تقدم ذكره.
) البقرة: (267)
الانعام: (141).
-17 - (2/16)
صفحة 414
ونصف العشر وعنه ايضا قال: حقه الزكاة المفروضة يوم يکال ويعلم كيله. وروي مثل هذا عن جابر بن زيد وسعيد بن المسيب والحسن وطاوس وقتادة. وعن مجاهد قال: هو اذا حصد زرعه القى لهم من السنبل، واذا جذ نخله القى لهم من الشماريخ، واذا كاله زكاة ــ وقالت طائفة: كان هذا قبل الزكاة المفروضة، وان هذه الآية منسوخة لان
السورة مكية. روي هذا عن النخعي وابي جعفر والله اعلم. مسألة: اجمع عوام اهل العلم من جميع فقهاء الامصار على ان الصدقة واجبة في اربعة اشياء مما تخرجه الأرض. وهي الحنطة والشعير والتمر والزبيب. ثم اختلفوا فيما سواها فذهبت طائفة الى ان لاصدقة الا في هذه الأربعة الأشياء. روي هذا عن الحسن البصرى (1). وابن سيرين والشافعي وابن ابي ليلى وسفيان الثوري والحسن بن صالح وابن المبارك وابي عبيد وغيرهم. وقال اصحابنا الزكاة واجبة في ستة اشياء في الاربعة المتقدمة الذرة والسلت وبه قال ابراهيم النخعي، واحتجوا
بما روت جماعة من
العلماء ان النبيء قال: وليس في
1) رأي الحسن البصري والشعبي: انه لازكاة الا في المنصوص عليه، وهو الحنطة والشعير، والتمر، والزبيب لان ما عداه لانص فيه، واعبر الشوكاني هذا المذهب
الحق. ومجمل القول، ان الزكاة كانت لا تؤخذ في عهد رسول الله الا.
من
الحنطة
البغال
والشعير والتمر والزبيب كما في حديث ابي بردة - وفي رواية ابن ماجة زيادة الذرة وذكر موسى بن طلحة فى اثر عن الرسول زيادة على ما تقدم «السلت» فاعتبر اصحابنا الاصناف الستة جمعا بين الاحاديث. اما ما عداها من الخضروات والفواكه فلا صدقة فيها قال ابن القيم: ولم يكن من هديه اخذ الزكاة من الخيل والرقيق ولا. من ولا الحمير، ولا الخضروات، ولا الاباطخ والمقاتي والفواكه التي لاتكال، ولاتدخر الا العنب والرطب فانه ياخذ الزكاة منه جملة، ولم يفرق بين ماييس وما لم ييبس. اهـ ـ والقطاني او القطنيات هي الحبوب سوى البر والشعير سميت بذلك لانها تقطن في البيوت اي تخزن. وقد سبق ان مثل لها المصنف. اهـ
- IV- (2/17)
صفحة 415
•
شيء من القطاني صدقة الا في ستة اشياء. وهي: القمح. والشعير. والذرة. والسلت والتمر والزبيب (1) وهو مجمع عليه عند العلماء. وذهب آخرون الى ان لا زكاة في جميع القطاني: وهي الحمص واللوبيا والعدس والفول والترمس. واشباهه في جميع ما يقتات ويدخر مما يتخذ للعيش غالبا من جميع النبات، روي هذا عن فقهاء الحجاز مالك واصحابه والشافعي وغيره. وذهب ابو حنيفة ومن وافقه الى ان الزكاة في كل ما تخرجه الارض ما عدا الحشيش والحطب والقصب، وسبب الخلاف ـ فيما عدا الاصناف الستة المجتمع عليها. هو تنازعهم في تعلق الزكاة بهذه الاصناف، هل هو لعينها؟ أولعلة. فيها وهي الاقتيات والادخار؟ فمن قال لعينها قصر الوجوب عليها، ومن قال لعلة الاقتيات قال الزكاة في جميع ما يقتات قياسا على المجتمع عليها، وسبب الخلاف بين من قصر الزكاة على ما يقتات به وبين من عداها الى جميع ما تخرجه الارض ـــ الا ما وقع عليه الاجماع من الحشيش والقصب والحطب - هو معارضة القياس لعموم
مي
-
اللفظ المذكور في قوله عليه السلام فيما سقت السماء والعيون العشر، وفيما سقى بالنواضح نصف العشر (2) وما ههنا بمعنى الذي وهو مطابق
1) اخرجة ابن ماجه والدارقطني. (2) رواه ابوداود بلفظ وما سقي بالدوالي والغروب نصف العشره ورواية البخاري من حديث سالم بن عبد الله عن ابيه عن النبي (ع) قال فيما سقت السماء والعيون او كان عثريا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشره قال ابو عبدالله اي البخاري هذا تفسير للاول لانه لم يوقت فى الاول يعني حديث ابن عمر وفيما سقت السماء العشر وبين في هذا ووقت. والزيادة مقبولة والمفسر يقضي على المبهوم اذا رواه اهل الثبت كما روى الفضل بن العباس ان النبيء لم يصل في الكعبة وقال بلال قد صلى فاخذ بقول بلال وترك قول الفضل. اهـ. ولايي داود من حديث
سالم واذا كان بعلا
-
عوضا عن قوله عثريا
1
العشر وفيما سقي بالسواني -
=
- 14 - (2/18)
صفحة 416
لقوله تعالى وهو الذي انشأ جنات معروشات وغير معروشات الى قوله وآتوا حقه يوم حصاده (1) واما القياس المعارض لهذا العموم فهو ان الزكاة المقصود بها سد الخلة وذلك لا يكون غالبا الا فيما هو قوت. ومن العموم بهذا القياس اسقط الزكاة مما عدا المقتات، ومن العموم اوجبها في جميع ذلك الا ما اخرجه الاجماع والله اعلم.
خصص
مسألة
غلب
: واختلفوا في الزيتون فذهب بعض الى ايجاب الزكاة فيه روي ذلك عن الزهري والاوزاعي والليث بن سعيد والثوري ومالك واصحاب الرأي. ووجد ذلك عن جابر بن زيد وابن عباس. وذهب غيره من اصحابنا الى ان لا زكاة في الزيتون. روي ذلك عن ابن ابى ليلى والحسن بن صالح والى عبيد والشافعي في قوله الآخر بمصر. وسبب الخلاف هل هو قوت ام ليس بقوت؟ والله اعلم.
فصل
في نصاب الحبوب والثمار
،
اتفق اهل العلم على ان رسول الله الله قال وليس فيما دون خمسة اوساق صدقة (1) والوسق ستون صاعا والصاع اربعة امداد بعده عل. واختلفوا في مده عليه السلام فقال: جمهور العلماء رطل وثلث وزيادة
=
-
الغرب الدلو
او النضح نصف العشره الدوالي جمع دالة الدلو الصغير وهي الكبير. العثري والبعل ما يشرب بعروقه بدون سقي - السانية مفرد السواني وهي الدواب. النضح السقي بغير الدواب كنضح الرجال بالآلة. والمراد من الكل ما
يسقى بتعب وعناء.
1) تقدم ذكرها.
) رواه احمد ومسلم والنسائي.
-
19 (2/19)
صفحة 417
يسيرة بالبغدادي، وبه قال اهل الحجاز. وذهب ابو حنيفة الى ان المد رطلان. وفي الصاع ثمانية ارطال. واتفق جمهور العلماء من الصحابة والتابعين على ايجاب النصاب في الحبوب والثمار وهو خمسة اوساق وان ما دون ذلك ليس على صاحبه شيء. وذهب ابو حنيفة فيما وجدت الى ان الحبوب والثمار ليس فيهما نصاب واجب لقوله عليه السلام فيما سقت السماء والعيون العشر (1) وذهب غيره من العلماء الى تخصيص هذا العموم بقوله ليس فيما دون خمسة اوساق صدقة (2) لان الحديث انما خرج مخرج تبيين العدد لا القدر الواجب
الزكاة
مسألة
من
: واجمعوا على ان الابل لا تضم الى البقر، ولا إلى الغنم وانهما لا يضمان الى الابل، وعلى اسقاط الزكاة عن كل صنف منها حتى يبلغ النصاب، واجمعوا على ان التمر لا يضم الى الزبيب، واجمعوا على ان الصنف الواحد من الحبوب والثمار وغيرهما يجمع جيده الى رديئه وتؤخذ جميعه على قدر كل واحد منهما، اعني من الجيد والردي» وان التمر وغيره ان كان اصنافا اخذ من اوسطه. واختلفوا في ضم الحنطة الى الشعير: فقال بعض اصحابنا لا يضاف بعضها الى بعض. روي ذلك عن وائل بن ايوب رحمه الله (3). وهو مذهب مكحول وعطاء والاوزاعي والثوري وابي عبيد والشافعي واصحاب الرأى وذهب اكثر اصحابنا الى ان الشعير يحمل على البر ويستتم بكل واحد منهما النصاب، وهو مذهب
1) قد تقدم ذكره.
(2) قد تقدم ذكره قريبا.
(3) تقدم التعريف به. (2/20)
صفحة 418
محمد
بن محبوب (1) وموسى بن ابي جابر (2) فيما وجدت عنهما، وهو
1) تقدمت ترجمته في الجزء الاول.
(2) هو ابو علي موسى بن ابي جابر الازكوي العماني من اساطين علماء القرن الثاني واحد حملة العلم الى المشرق الذين تخرجوا على الامام الربيع بن حبيب رحمه الله فنشر العلم ووجه حركة التحرير واحياء سيرة الخلفاء الراشدين بعمان ولعب دورا خطيرا في تحريره من الجبابرة والتبعية. وكان من رجال الشورى الذين بايعوا اول امام عادل الجلندى بن مسعود وظل على راس الحركة الاصلاحية يراقبها بعين عقاب وبتحين الفرصة لاعادة الامامة. من جديد. لاسيما بعد ان استشهد الجلندى وصفوة رجال الامة معه واستولى جبابرة ذلك العهد على مقاليد الامور ــ وانت خبير ان عمان بقي بعد مقتل الجلندى بيد الجبابرة من بني الجلندى التابعين لامراء بني العباس من سنة 135 الى سنة 177 اذ انتقلت الدولة من بني | اليحمد واستولت جماعة المسلمين على الامور، هناك اصبح موسى شيخ
-
الجلندى
- ساعده
نهائيا الى بني المسلمين والمحور الذي تدور عليه حركة البلاد تلتف به جماعة من صفوة الأمة كلهم يصلحون للامامة ويطمحون اليها، وكان امر الامة ضعيفا فخاف عاقبة المنافسة وتفريق الجهود فابتكر طريقة لاقرار الأمر فولى كل واحد من هؤلاء الشخصيات ناحية من نواحي القطر ليستبين من ترسخ جذوره ويقوى امره فيسند اليه الامامة العامة وكان الكل سميعا له ومطيعا واستقر كل فى ناحيته فعلا وسار الى غايته بيد ان بشير بن المنذر. الايمن واحد حملة العلم مثله. قلق من الحالة فقال له: كنا رجوناك يا ابا علي ان تسير بهذه الدولة فرددتها الى هؤلاء الذين يخافون على الدولة هنا يكشف له موسى عن حقيقة نواياه فيجيبه وانما نظري يا ابا الحكم الى الدولة لانهم اجتمعوا وكل يطلب هذا الامر لنفسه. والامر بعده ضعيف ففرقناهم عن وجوهنا حتى يقوى الامر اجل لما قوي امر ابن ابي عفان واحد اولئك مره موسى بن ابي جابر فارسل الى القرى الولاة وعزل كل من ولاه فقامت الدولة باذن الله وذلك سنة 177 وهكذا يظل المترجم له شيخ المسلمين والدولاب المحرك لجهاز الدولة رغم ضعفه وشيخوخته. فقد قص علينا التاريخ ان المسلمين لما ارادوا عزل ابن ابي عفان لاحداث ظهرت منه حضر موسى بن ابي جابر العسكر وهو شيخ كبير مشدود على حاجبيه بعمامة وهو نائم على سرير في العسكر، فقال المسلمون لموسى من امامنا؟ فقال موسى انا امامكم فلما وصل وارث بن كعب الى نزوى اخذ موسي بيده فقدمه امام فلم يعلم ان احدا من الناس عاب ذلك واستمر الوارث في الامامة مرضيا عنه مدة 12 سنة وستة اشهر. وهكذا يظل شيخا مطاعا وتظل امور الدولة في قوة واستقامة الى ان توفاه الله اليه فى ليلة 11 من المحرم سنة 181 هـ وكان قد عاش اربعا وتسعين سنة واشهرا وكان موسى جد شيخ الاسلام موسى بن علي لامه فتكون ولادته
في سنة 87
الله عنه رضي
وارضاه.
كان
اهـ مصححه
– 21 – (2/21)
صفحة 419
آخر قول ابي عبيدة مسلم (1) رحمه الله وقاسهما على الذهب وا. والفضة
المعتمد
وبه قال مالك بن انس والحسن البصري والزهري وطاوس، وهو عليه عندنا الخلاف: هل المراعاة في الصنف الواحد اتفاق المنافع وسبب او اتفاق الاسماء؟ فمن راعى اتفاق المنافع قال هما جنس واحد وان اختلفت اسماؤها، ومن راعى اتفاق الاسماء قال هما جنسان مختلفان. والله اعلم.
مسألة: اجمع اهل العلم على ان رسول الله الله سن فيما سقت السماء والعيون العشر، وفيما سقي بالدوالي والنواضح نصف العشر، واختلفوا فيه اذا سقي بعضه بالسماء وبعضه بالدلاء، فقال عطاء بن ابي رباح ينظر الى اكثر السقيين فيزكى على ذلك. وقال الثوري على الذي احياه وغلب عليه صدقته، وقيل تخرج زكاته بالمحاصصة روي ذلك
عن
الشافعي. مسألة: واختلفوا في تقدير النصاب بالخرص: فذهب اكثرهم الى اجازة الخرص في النخيل والاعناب حين يبدو صلاحها لضرورة ان يخلى بينه وبين اهله ان ياكلوه رطبا. وعن داود انه اجاز الخرص في النخيل دون غيره. وروي عن الشافعي انه قال: الخرص اليوم بدعة. وذهب ابو حنيفة وصاحباه الى ابطاله، وان على رب الارض ان يؤدي عشر ما تحصل في يده زاد الخرص ام نقص وسبب اختلافهم في جوازهم الخرص معارضة الاصول للحديث الوارد باجازته، وهو ما روي ان النبيء عليه السلام اجتاز على امرأة في حديقة لها فقال: اخرصي ما يخرج منها
1) تقدم التعريف به.
22 - (2/22)
صفحة 420
فلما
رجع قال: كم جاءت حديقتك؟ قالت عشرة اوسق خرصا يارسول الله (1). وما روي انه عليه السلام كان يبعث عبدالله بن رواحة الى اليهود فيخرص عليهم النخيل حين يطيب. واما الاصول المعارضة لهذه الاحاديث فهو ان الخرص من باب المزابنة المنهي عنها وهو بيع التمر على رءوس النخيل بالتمر كيلا، ولانه من باب بيع الرطب بالتمر نسبئة ايضا، فان الخرص انما كان على اليهود وهم ليسوا بأهل زكاة، فيحتمل ان يكون تخميتا ليعلم ما بأيديهم، والله اعلم.
مسألة
: واختلف اهل العلم هل يحسب على الرجل ما يأكل من نخله وزرعه قبل الجذاذ والحصاد في النصاب؟ فذهب مالك بن انس الى انه محسوب عليه. وذهب اصحابنا الى ان ذلك غير محسوب عليه ووافقهم على ذلك الشافعي، وسبب اختلافهم تعارض القياس للاثار ومفهوم
1) رواه البخاري من حديث ابي حميد الساعدي قال «غزونا مع رسول الله (ع) غزوة تبوك، فلما جاء وادي القرى اذا بامراة في حديقة لها فقال النبيء (ع)، اخرصوا وخرص رسول الله (ع) عشرة اوسق فقال لها احصي ما يخرج منهاه ــ والخرص هو الحزر والتخمين وذلك اذا زهى النخيل والاعناب، وبدا صلاحها اعتبر تقدير النصاب فيها بالخرص دون الكيل، وذلك ان يحصي الخارص الامين العارف ما على النخيل والاعناب من العنب والرطب ثم يقدره تمرا وزبيبا ليعرف مقدار الزكاة فيه، فاذا جفت الثمار اخذ الزكاة التي سبق تقديرها فيها. وليس الخرص ظنا وتخمينا لا يلزم به حكم كما تقوله الاحناف بل هو سنة رسول الله (ع) واجتهاد في معرفة قدر التمر كالاجتهاد في تقويم المتلفات – وسبب الخرص ان العادة جرت باكل الثمار رطبا فكان من الضروري احصاء الزكاة قبل ان تؤكل وتصرم، ومن اجل ان يتصرف اربابها بما شاءوا ويضمنوا مقدار الزكاة وفائدته: امن الخيانة من رب المال وضبط حق الفقراء على المالك، ومطالبة المصدق بقدر ما خرصه، وانتفاع المالك بالاكل وصفة الخرص: ان يطوف بالشجرة ويرى جميع ثمرتها ويقول: خرصها كذا وكذا رطبا ويجيء منها كذا وكذا يابسا.
-
23 (2/23)
صفحة 421
الكتاب. اما القياس فلانه مال وجبت فيه الزكاة وتعلق فيه حق الغير كسائر الاموال المشتركة. واما الاثار فلما روي ان النبيء عليه السلام بعث رجلا خارصا فقال صاحب المال: يارسول الله قد زاد علي، فقال الخارص: يارسول الله قد تركت له قدر عرية اهله وما يطمعه المساكين وما تسقط الريح، فقال عليه السلام قد زاد ابن عمك وانصفك. وما روي انه قال لعل الله: واذا خرصتم فدعوا الثلث فان لم تدعوا الثلث فدعوا الربع (1) وقوله: «خففوا الخمرص فان في المال العرية والأكلات والوصايا والنوائب وما وجب في التمر من الحق (2)، واما مفهوم الكتاب: فقوله تعالى: كلوا من ثمره اذا اثمر واتوا حقه يوم
حصاده (3)
مسألة:: واختلفوا في اخراج القيمة في الزكاة فأجازها بعض، ومنع منها آخرون، وسبب الخلاف هل الزكاة عبادة او حق واجب للمساكين؟ فمن قال عبادة قال لايجوز ان يخرج الا الواجب عليه، وهو قول مالك والشافعي، ومن قال انها حق للفقراء اجاز اخراج القيمة في الزكاة وهو قول ابي حنيفة واليه يؤول قول بعض اصحابنا والله اعلم (4)
•
1) رواه احمد بزيادة فخذوا قبل قوله ودعوا الثلث ورواه اصحاب السنن الا ابن ماجة. ورواه الحاكم وابن حبان وصححاه من حديث سهل بن ابي حثمه قال الترمذي
والعمل على حديث سهل عند اكثر اهل العلم. 2) وفى معنى الحديث ان رسول الله (ع) اذا بعث الخراص قال وخففوا على الناس فان في المال العرية والواطئة والآكلة، رواه ابو عبيد الواطئة السابلة سموا بذلك لوطئهم بلاد الثمار مختارين والآكلة ارباب الثمار واهلوهم ومن
الانه
ام: (141).
لصق
بهم.
) اختلف العلماء في ذلك الى فريقين: بعض يراها عبادة، والبعض الآخر حقا للمساكين بيد ان القول الثاني هو الراجح على ما يظهر وهو قول اصحابنا» = (2/24)
صفحة 422
مسألة: والعامل عند اصحابنا تبع لصاحب المال، الا ان يكون
اجيرا، ولا تجب الزكاة في الثمار والحبوب الا بعد ادراكها ويسها وبلوغ النصاب فيها، لقوله عليه السلام الحبة حتى تشتد والعنبة حتى تسود (1) وكذلك الرطب لا زكاة فيه حتى يصير تمرا يابسا، واختلف العلماء فيما تخرجه الارض المستأجرة على من تكون زكاته؟ فقال بعضهم: العشر على رب الأرض دون المستأجر. وهو مروي عن ابي حنيفة واصحابه، وقال آخرون الزكاة على مالك الزرع المستأجر دون رب المال، وروي ذلك عن مالك وابن المبارك والثوري والى ثور، وروي مثله عن الشافعي. وبه قال اصحابنا، وسبب الخلاف هل العشر حق الارض او حق الزرع؟ فذهب اكثرهم الى انه حق الشيء الذي تجب فيه الزكاة وهو الزرع وهو الاصح وذهب ابو حنيفة الى انه حق الاصل وهو الارض والله اعلم.
= اما اولا فلثبوت وجوبها بالادلة النقلية على الصبي والمجنون وهما غير مكلفين، واما ثانيا فلقوله تعالى: وفي اموالهم حق معلوم للسائل والمحروم. واما ثالثا فلتعجيل آدائها قبل وقتها والعبادة الموقتة لا تصح قبل وقتها فقد ثبت ان العباس عم ا النبيء (ع) استاذنه في تعجيلها فاذن له، وعليه اذا تحققت حاجة المساكين اليها جاز تعجيلها والله اعلم. ولم يثبت عن الرسول (ع) انه امر عمه باعادة اخراجها عند حلول وقتها بل الأمر كان بالعكس فقد روي ان عمر بن الخطاب (ض) بعثه النبيء (ع) مصدقا فاتى العباس يطلب منه زكاتة فمنعها الى آخر ما فصلته في بعض تعاليقي. اهـ.
1) رواه الدارقطني والبيهقي - وتمامه: وفان نقصت عن الثلاثمائة صاع فليس فيها
شيء
25 (2/25)
صفحة 423
الفصل الثالث في زكاة النقدين
وهما الذهب والفضة قال الله تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة الاية (1) وقال النبي عليه السلام ليس فيما دون خمس اواق من الورق صدقة (2) واجمع اهل العلم على ان نصاب الفضة مائتا درهم للحديث المتقدم، لان الاوقيه اربعون درهما وخمس اواق جملتها مائتا درهم، واختلفوا فيما زاد على المائتين: فقال بعضهم يخرج بحسابه ربع العشر قلت الزيادة او كثرت، روي ذلك عن علي وابن عمر (3) والنخعي ومالك ابن انس وابن ابي ليلى وسفيان الثوري والشافعي وابي عبيد وغيرهم، وقال اصحابنا لا شيء في الزيادة حتى تبلغ اربعين درهما، ثم فيها درهم. روي هذا عن الحسن البصري وعطاء بن ابي رباح، وسعيد بن المسيب وطاوس والشعبي، ومكحول، وعمرو بن دينار والزهري وابي حنيفة وغيرهم. وسبب اختلافهم شيئان احدهما؛ اختلافهم في تصحيح الحديث المروي عن رسول الله الا الله وهو قوله: ليس في مائتي درهم شيء حتى يحول عليها الحول ثم فيها خمسة دراهم فما زاد ففي كل اربعين درهما درهم (4)
1) التوبة: (34).
(2) رواه مسلم من حديث جابر بن عبدالله وفى معنى الحديث واذا زاد على المائتين ففي الاربعين درهما درهم قاله لمعاذ
) روي انهما قالا: ان ما زاد على النصاب من الذهب والفضة ففيه اي في الزائد ربع العشر في قليله وكثيره وانه لا وقص فيهما. قال النووي في شرح مسلم اما الحبوب اجمع العلماء على ان ما زاد على خمسة اوسق انه تجب زكاته بحسابه وانه لاوقص
فقد
فيها
(4) رواه ابوداود مع زيادة ونقصان وقال حسن من حديث علي.
- 26 - (2/26)
صفحة 424
والشيء الثاني الموجب للخلاف: هو تردد الذهب والفضة بين الاصلين اللذين هما الماشية والحبوب فان الحديث ورد في الماشية ان لا زكاة في الاوقاص منها، واجمعوا على انه ليس في الحبوب اوقاص فمن شبه الذهب والفضة بالماشية قال فيهما بالاوقاص ومن شبههما بالحبوب قال ليس فيهما
اوقاص
الله اعلم.
مسألة: واجمعوا على ان الذهب اذا كان عشرين مثقالا وقيمتها مائتا درهم ان الزكاة تجب فيه، وهي نصف مثقال الا ما روي عن الحسن البصري وبعض اصحاب داود بن علي ان ليس في الذهب شيء حتى يبلغ اربعين دينار ثم فيها ربع عشرها دينار واحد، واختلفوا في الذهب يكون عشرين مثقالا فقيمته دون مائتي درهم، او تكون قيمته مائتي درهم وهو دون العشرين مثقالا عددا: فقال جمهور اهل العلم لا زكاة في اقل من عشرين دينارا، او مثقالا، وفى العشرين دينارا نصف دينار. وروي عن عطاء وطاوس والزهري وسليمان بن حرب وغيرهم ان الصدقة ربع العشر اذا كانت قيمة مائتي درهم وان كان دون العشرين عددا والله اعلم. وسبب تنازعهم اختلافهم في تصحيح الحديث المروي في ذلك عن علي عن النبيء لله وهو قوله «هاتوا زكاة الذهب من كل عشرين دينارا نصف دينار» (1) ومن لم يصح عنده الحديث اعتمد على الاجماع ان في الاربعين
1) حديث علي الذي رواه اصحاب السنن جاء فيه فهاتوا صدقة الرقة الفضة) من كل اربعين درهما درهم الحديث لا هاتوا زكاة الذهب من كل عشرين دينار نصف ديناره كما ساقه المصنف. اما حديث علي في نصاب الذهب الذي ينبغي ايراده فهو قوله: عن النبيء) قال وليس عليك شيء - يعني في الذهب حتى يكون لك عشرون دينارا فاذا كان لك عشرون دينارا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك. وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول، رواه احمد وابو داود والبيهقي وصححه البخاري وحسنه الحافظ. «فائدة تيسيرا على القراء اقدم جدولا فى بيان اسماء من المكاييل والمقاييس والنقود يكثر ورودها في
كتب الفقه الاسلامي ويغمض بعضها على جمهورهم.
-
27 (2/27)
صفحة 425
دينارا ديناراً واحدا، واهل المدينة مالك او اصحابه اعتمدوا في ذلك على العمل، ولذلك قال مالك في كتابه الموطأ: السنة التي لا خلاف فيها عندنا ان الزكاة تجب في عشرين دينار كما تجب في مائتي درهم وهو الصحيح وبه اخذ اصحابنا لقول النبيء لا ليس فيما دون عشرين مثقالا صدقة (1) وقوله في الرقة ربع العشر (2) والرقة اسم جامع
(جدول المكاييل والمقاييس والنقود)
-
خمسة عشر
(القفيز مكيال ثمانية مكاكيك - ((المكوك) نصف الوبية وتسمى عندنا يسع (الحثية) وبالكيل الجديد (ديكاليتر) - (الفرق) بفتحتين: زنبيل يسع صاعا ـــ (الفرق) بفتح فسكون: مكيال بالمدينة يسع ثلاثة أصع ـ (ويبة العرب) أربعة وعشرون مدا بعد النبي (ع) وتسمي) الآن «القلة او دويل ديكاليتر اي ضعفه (ويية امسين) اثنا عشر مدا أو الحثية - (ويية يفرن) تسعة امداد (ويية ابناين) ثمانية امداد - (الوسق) ستون صاعا ــ الصاع اربعة امداد بمد النبيء
مك الله
-
و
3/ 5
(ع) - (الثمنة) سنة امداد ويقال له الرباعي» - المد) وزن 675 غراما من القمح، و 500 غراما من الشعير الجرة الكبيرة هو المكيال الذي يسمى في عرف ميزاب وعرف نفوسة «نقاصة) - (قرن (الزيت هو نصف الجرة الكبيرة (المن) رطلان او ما يساوي كيلوغرام تقريبا - (الرطل) خمسماية غرام باصطلاح عصرنا (البريد) اثنا عشر ميلا ـ (الفرسخ 5541) ميترا (الميل) 1348 ميترا (القفيز) من الارض يساوي 144 ذراعا - (المثقال) وزن خمسة غرامات ذهبا (الدينار) صرف عشرة دراهم ـ (البدرة) تساوي عشرة الآف درهما ـ (الدينار المرجوح) يساوي عشرة دنانير ـ (الاوقية) اربعون درهما فضة (الدرهم) ستة دوانق، ووزن الدراهم ثلاثة غرامات تقريبا - الدائق سدس الدرهم 1/ 6 وزن قيراطين والدائق الاسلامي حبتا خرنوب 2/ 3 - (القيراط) طسوجان (والطسوج) حبتان ــ (الخروبة) في عرف تقسيم مياه الابار يساوي 1/ 24: مثلا يقال فلان يملك في البئر ست خراريب يعني يملك ربع البئر (1/ 4) ـ (الحبة) جزء من 48 من الدرهم - (النش) عشرون درهما - (النواة) خمس دراهم.
1) رواه ابن ماجة والدارقطني والبيهقي.
(2) رواه احمد وابوداود والترمذي.
C
اهـ مصححه
- YA- (2/28)
صفحة 426
للذهب والفضة، وعلى ان بعضهم قاس الذهب على الفضة اذ كانت هي الاصل ولاتفاقهم على صحة الحديث الوارد في نصاب الفضة والله اعلم، واختلفوا في الذهب والفضة اذا كانا ناقصين عن وزن الزكاة، فقال بعضهم فيها الزكاة اذا كانت الدنانير والدراهم تجوز جواز الوازنة. روي عن مالك وبعض اصحابه، وقال آخرون: لا زكاة في ذلك وان
هذا
نقصت حبة، وهو الصحيح وبه قال الشافعي وغيره.
مسألة: واختلفوا في ضم الذهب الى الفضة: فقال بعضهم لا يضم احدهما الى الآخر روي هذا عن ابن ابي ليلى وابي عبيد، وابي ثور
•
والشافعي وغيرهم، وذهب الحسن البصري، والاوزاعي وقتادة والثوري ومالك وابو حنيفة واصحاب الرأي الى ان كل واحد منهما يضم الى الآخر فاذا كمل النصاب في مجموعهما وجب فيه الزكاة وهو الصحيح، وبه اخذ اصحابنا. وسبب الخلاف، هل وجوب الزكاة في كل واحد منها لعينه او لعلة تعمهما وهى كونهما رؤوس الاموال، وقيمة المتلفات، واتفاق المنافع فمن رأى وجوب الزكاة في كل واحد منهما لعينه قال هما جنسان كالابل والبقر، ومن اعتبر فيهما العلة الجامعة لهما قال يضم بعضها الى بعض. واختلفوا فى صفة ضمهما واخراج الزكاة منهما، فقال اصحابنا ووافقهم على ذلك ابو حنيفة يضم كل واحد منهما الى صاحبه بالقيمة ويخرج من كل واحد منهما بالقيمة ما وجب فيه ما لم تنغلق فريضة واحدة منهما، واما اذا انغلقت الفريضة في احدهما فلا يكسرها الى الآخر، قالوا: وانما يصرف الى الذهب قليلا كان او كثيرا ولا يصرف الى الورق الا الى درهم ونصف فصاعدا، وروي عن مالك انه قال يضمان بصرف محدود. وذلك عنده بان ينزل الدينار بعشرة دراهم على ما كان عليه
-
29 - (2/29)
صفحة 427
الصرف قديما، فمن كانت عنده عشرة دنانير ومائة درهم فقد وجبت عليه فيهما الزكاة فان كانت تسعة دنانير، قيمتها مائتا درهم فلا زكاة عليه
وان كانت سبعة دنانير ومائة درهم فعليه الزكاة (1) واجاز ان تخرج من احدهما على الآخر والله اعلم.
الاحتمال
مسألة: واختلف اهل العلم في الذهب والفضة هل يستتم الشريك بنصيب شريكه فيهما، او في احدهما في الاصل والنصاب: فذهب اصحابنا الى انه لا يستتم بنصيب شريكه فيهما في الاصل، ولافي النصاب ووافقهم على ذلك مالك وابو حنيفة، وذهب الشافعي الى انه يستتم به وان حكم المال المشترك حكم مال رجل واحد، وسبب اختلافهم الذي في قوله الا الله وليس فيما دون خمس اواق صدقة (2) فيحتمل إن يكون هذا المقدار لمالك واحد ويحتمل ان يكون لملاك شتى الا انه لما كان اشتراط النصاب انما هو الرفق بصاحب المال وجب ان يكون النصاب لمالك واحد، وهو الاظهر والله اعلم.
المتخذ مسألة: اختلف الفقهاء في زكاة الحلي
من الذهب والفضة
بن
فروي عن ابن عباس وابن مسعود وعمر بن الخطاب ووافقهم عبدالله عمر ومجاهد وجابر بن زيد وسعيد بن المسيب وعطاء وسعيد بن جبير، وعبدالله بن شداد و ميمون بن مهران وابن سيرين والزهري والثوري واصحاب الرأي ان الزكاة فيه واجبة، وهو قول اصحابنا قاطبة ووافقهم على ذلك ابو حنيفة واصحابه، وروي عن انس مالك انه يزكى عاما واحدا، وذهب آخرون الى انه لازكاة فيه اذا اريد به الزينة واللباس وهو
1) وفيه نظر
بن
2) رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله.
- r. - (2/30)
صفحة 428
مروي عن جابر بن عبدالله وعائشة واسماء بنت ابي بكر والشعبي ومحمد بن علي والقاسم بن محمد وابي عبيد وابي ثور واحمد واسحاق، وبه قال فقهاء الحجاز مالك والليث بن سعيد والشافعي في اول امره اذ كان
بالعراق، ثم روي عنه انه وقف عنه بمصر، وقال هذا مما استخير الله فيه
وروي عن الحسن انه قال: زكاته عاريته، وروي مثله
بن عتبة.
•
وعبدالله عن قتادة
وسبب اختلافهم شيئان: احدهما اختلافهم في تصحيح الاثر عنها قالت ودخلت على رسول الله الله
وهو حديث عائشة
رضي
الله
وفي يدي ثلاث فتخات من ورق، او قالت من ذهب. فقال ماهذا؟ فقالت: اتزين لك به، فقال: اتودين زكاتهن؟ قالت لا. قال حسبك من النار (1). وما روي: انه دخلت عليه امرأة وفي يدها سوار من ذهب فيه سبعون مثقالا، فقالت: اخرج الفريضة، فاخرج منها مثقالا
وثلاثة ارباع المثقال (2)). فبهذا وغيره يحتج من اوجب الزكاة في الحلي
•
واحتج من اسقط الزكاة عنه بحديث ضعيف روي عنه عليه السلام من طريق جابر بن عبد الله انه قال وليس في الحلي زكاة (3). والشيء الثاني) الموجب للخلاف هو تردد الحلي بين ان يشبه العروض الموضوعة للإنتفاع وبين التبر والفضة اللذين المقصود منها المعاملة اعني كونهما ثمنا. والصحيح ايجاب الزكاة فيه بظاهر الكتاب والسنة لوقوع اسم الذهب والفضة على
1) متفق عليه وفي آخره زيادة واعلمي ان فيهن الزكاة
2) رواه الترمذي.
(3) قال صاحب تذكرة الموضوعات عن احمد ان ابن عمر وعائشة وانسا وجابرا واسماء كانوا لايرون في الحلي زكاة ـ وعن اسماء كانت تحلي بناتها الذهب نحواً من خمسين الفا ولا تزكيه. قال البيهقي: وما يروى مرفوعا وليس في الحلي زكاة باطل لا اصل
-
31 (2/31)
صفحة 429
الحلي والله اعلم (1).
الفصل الرابع
في زكاة العروض المتخذة للتجارة
وهذا الفصل يشتمل على ثلاثة اقسام: احدها في زكاة التجارة. والثاني في زكاة الفوائد. والثالث: في زكاة الديون.
القسم الاول
في زكاة العروض
اجمع اهل العلم على ايجاب الزكاة في العروض التي تعد للتجارة مديرة
كانت او غير مديرة، روي ذلك عن عمر بن
عفان الخطاب وعثمان بن
وابن عباس وابن عمر وجابر بن زيد وابي عبيدة مسلم وابي صالح الدهان و به قال القاسم بن عبدالله والقاسم بن محمد وعروة
-
والربيع بن حبيب. بن الزبير وخارجة بن زيد والحسن البصري وطاوس وميمون ابن مهران والنخعي والشعبي، وعليه فقهاء الامصار من اهل الحجاز والعراق، ولا اعلم بينهم خلافا الا ما ذكر عن داود بن علي وغيره من اهل الظاهر: زعموا ان الزكاة في العين، فاذا صار عروضا صار الى ما عليه العروض
السلف قاضية بعدم
(4) من المعلوم ان القول بعدم وجوب الزكاة في حلي النساء اذا اتخذ للزينة هو مذهب مالك واحمد والشافعي في احد اقواله. قال الصنعاني: لأثار وردت عن وجوبها في الحلية ولكن بعد صحة الحديث لا اثر للآثار - ثم قال: واظهر الاقوال دليلا
وجوبها لصحة الحديث وقوته اهـ. وهو قول اصحابنا الله
رحمهم
•
اهـ مصححه
- (2/32)
صفحة 430
حتى يعود الى العين. وسبب الخلاف شيئان: احدهما اختلافهم في تصحيح حديث سمرة بن جندب انه قال: كان النبيء لا يأمرنا ان
نخرج الزكاة مما نعده للبيع (1). والثاني اختلافهم في وجوب الزكاة بالقياس وهو ان العروض المتخذة للتجارة مال مقصود بها التنمية والزيادة فأشبه الاجناس الثلاثة التي فيها الزكاة باتفاق، اعني الحرث والماشية والذهب والفضة، والله اعلم.
مسألة: واختلفوا فيما تجب فيه الزكاة: افي ثمنه الذي اشتري به العروض ام في قيمته؟ فقال بعضهم: يزكيه على ما جعل فيه، روي ذلك عن الحسن البصري، وقال بعضهم: تؤدى عند رأس الحول بالقيمة، روي ذلك عن جابر بن زيد. وذهب الاوزاعي الى انه مخير
ان شاء زكى ثمنه الذي اشتراه، وان شاء زكي قيمته والله اعلم مسألة: واختلفوا في عروض تقيم سنين: فقال اكثر الفقهاء جابر ابن زيد وابو عبيدة والربيع بن حبيب وغيرهم من اصحابنا تقوم عند رأس الحول وتخرج زكاتها لكل سنة ما اقامت وهو مذهب الشافعي وابي ثور وابي عبيد والثوري واصحاب الراي. وروي عن مالك انس ان لا بن زكاة فيها حتى تباع وان اقامت سنين، فاذا باعها زكاها لسنة واحدة، وهو قول عطاء وقولهم هذا لا حق بقول الظاهرية لم يختلفوا الا في المديرة والله اعلم. مسألة: واختلفوا في العروض يشتريه الرجل باقل من مائتي درهم ثم يحول عليه الحول وهو يساوي ماتجب فيه الزكاة، فقال بعضهم:
(1) رواه ابوداود و اسناده لين. (2/33)
صفحة 431
ليس عليه فيه زكاة حتى يبيعه بما تجب فيه، ثم يحول عليه الحول، وقال
ملك
آخرون اذا باعه بما تجب فيه الزكاة بعد حول الحول زكاة من يوم العروض ولا ينظر في قيمته اول السنة ولا اوسطها روي هذا عن
•
الشافعي والله اعلم. واختلفوا فيمن اشترى اكسية للتجارة ثم بدا له ان يجعلها للباس او اشتراها للباس فنواها للتجارة، فقال بعضهم: ليس عليه زكاة في الحالتين. وقال آخرون غير ذلك. والله اعلم.
القسم الثاني
في زكاة الفائدة
وهذا القسم يشتمل على ست مسائل:
المسألة الأولى في وقت الزكاة: اجمع اكثر اهل العلم على اشتراط الحول في زكاة الذهب والفضة والماشية لثبوت ذلك عن رسول الله لعل الله وهو قول معاذ بن جبل رضي ا عنه انتظر بارباب الاموال حولا كاملا ما أمرتك (1)، وقوله: لا زكاة في المال حتى يحول عليه
منهم
الله
ثم خذ الحول (2)، واستحب اصحابنا ان ياخذ الانسان لوقت زكاته شهرا معلوما من شهور السنة كرجب ورمضان والمحرم، وانه ان دخل ملكه
المال في غير هذه الاشهر انه يخرجه من
ملکه
حتى يستهل عليه الشهر
1) متفق عليه.
(2) متفق عليه عن ابي هريرة - ورواه الربيع عن ابي سعيد الخدري ورواه ابوداود من
حديث على باسناد جيد. - ورواه الترمذي مرفوعا عن ابن عمر
زكاة عليه حتى يحول عليه الحول.
استفاد مالا فلا من (2/34)
صفحة 432
المرغوب فيه ثم يرده في ملكه ويأخذ ذلك الشهر وقتا لزكاته (1). واتفق المسلمون على انه لا تجب الزكاة فيما يحتاج فيه الى اخذ الوقت الا بشيئين: حلول الحول واستكمال النصاب، وانه اذا زكاه فقد ثبت وقته، ولا ينتقض الا باخراجه من الملك، او نزوله عن حد الاصل، واختلف في انتقاض الوقت بابداله اياه بجنسه
المسألة الثانية: اجمع الفقهاء على ان نصاب المال اذا حال عليه الحول ان الزكاة تجب فيه، واختلفوا في الفوائد من الاموال: فقال اصحابنا يزكيها مع النصاب الاصلي وان دخلت عليه الفائدة بعد ما زكاه فلا شيء عليه في زكاة الفائدة حتى يحولا عليها الحول، وقال آخرون: لا زكاة في الفائدة حتى يحول عليها الحول. روي ذلك عن ابي بكر، وعمر بن عبد العزيز، وعلي، وعائشة، وابن عمر، وعطاء، والنخعي وغيرهم وذكر عن عمر بن عبدالعزيز انه كتب ان لا يعارض
(
والشافعي،
لأرباح
1) اخراج المال اثناء الحول من ملك من اتخذ شهرا معينا لزكاته وارجاءه على راس الحول حيلة مكشوفة لا ينبغي ان يرتكبها من يستبرئ لدينه وعرضه. تبعث عليها المماكسة الله الذي افاض عليه بذلك المال خشية ان ينال الفقراء منه شيء.
والمشاحنه
والا فهل يعتقد حقا ان ذلك المال ليس مالا له وان اخرجه صوريا من ملكه؟ الم يكن يوم ان اخرجه كان على نية ان يرجعه في موعد محدد وما اشبهه بمن اقرض غيره مالا افلا تلزمه زكاته؟ الا يكون فى صدره حرج لو ان الموهوب له امتنع امن ارجاعه او استهلكه؟ الا يعتبره في قرارة نفسه غاصبا واكلا لماله بالباطل؟ اذن فالمال ماله. وفى حوزته في نفس الامر والواقع ابقاه او اخرجه. وانت خبير ان لزكاة تتبع مالك المال فما يبدئ المحتال وما يعيد؟. ثم او كلما دخل ملكه مال اثناء الحول فعل كذلك، وفيه من الحرج مالا يخفى؟ الا يكون من الخير ومن التي شارة الاسلام، ومن شكر الله على ما اولى وانعم ان يزكي مادخل يده من المال اثناء الحول مع نصابه الاصلي كما هو الشان فى الفائدة؟ وبذلك ينتظم امر زكاته
مي
السماحة
ولا يحوج نفسه الى اخراج وادخال. والله اعلم. اهـ مصححه (2/35)
صفحة 433
وسبب
التجار حتى يحول عليها الحول، وقال مالك: حول الربح هو حول الاصل اذا كمل للاصل حول زكى الربح معه، سواء كان الاصل نصابا، او اقل من النصاب اذا بلغ الاصل مع ربحه نصابا. وروي عن ابن عباس، والحسن البصري والزهري في الفائدة انها تزكي حين يستفيدها والله اعلم الخلاف تردد الربح بين ان يكون حكمه حكم المال المستفاد او حكم الأصل، فمن شبهه بالمال المستفاد ابتداء قال: يستقبل به الحول، ومن شبهه بالاصل وهو راس المال قال حكمه حكم راس المال، والله اعلم، وحكم نسل الحيوان حكم الارباح والفوائد عندنا لافرق في ذلك. وروي عن مالك انه قال: حول النسل هو حول الامهات كانت الامهات نصابا او لم تكن كما قلنا عنه في ربح الناض. وقال الشافعي وابو حنيفة لا يكون حول النسل حول الامهات الا ان تكون الامهات نصابا وهو الاصح. وروي عن مالك ايضا فيمن اتجر بخمسة دنانير فلم يحل عليه الحول حتى بلغت مقدار الزكاة انه يزكيها. وقال في الغنم مثل ذلك. وقال اهل العراق: لا تجب في ذلك الزكاة حتى يحول عليه الحول من يوم صارت نصابا تجب فيه الزكاة. وهو قول الشافعي وابي عبيد وابي ثور. واحمد واسحاق وغيرهم من الفقهاء. وهو الصحيح عندنا والله
اعلم. المسألة الثالثة: واختلفوا في تعجيل الزكاة قبل الحول فرخص فيه بعض اصحابنا، وهو مروي عن سعيد بن جبير والزهري والنخعي والأوزاعي والشافعي والي عبيد واصحاب الرأي، وقال الحسن البصري: من زكاها قبل الوقت اعاد كالصلاة. . وسبب الخلاف هل هي عبادة او للمساكين؟ فمن قال عبادة شبهها بالصلاة لم يجز اخراجها قبل
حق
- 36 - (2/36)
صفحة 434
الاجل على جهة التطوع، وقد احتج اصحاب القول الأول بحديث علي ان النبيء لا استسلف صدقة العباس قبل محلها (1) والله اعلم
المسألة الرابعة: واختلفوا فيمن اخرج زكاة ماله فضاعت فروي عن الحسن وقتادة: انها تجزئ عنه، وقال الزهري وابو عبيد وغيرهم هولها ضامن حتى يضعها مواضعها، وقيل: ان اخرجها في حين وجوبها فضاعت انه لا ضمان عليه، وان اخرها عن وجوبها فاخرجها فضاع ضمن وهو مشهور قول مالك. وقيل ان فرط ضمن، وان لم يفرط زكى ما بقى وهو قول الشافعي. وقال بعض: يحسب الذاهب من الجميع ويبقى رب المال والمساكين شريكين في الباقي، وذهب بعض اصحابنا الى انه اذا كالها فقد لزمته ان ضاعت، والافلا ضمان عليه. وسبب الخلاف تشبيه الزكاة بالديون المتعلقة بالذمة او تشبيهها بالحقوق المتعلقة بالمال؟
فمن شبه اصحاب الزكاة بالامناء قال: لا ضمان عليهم فيما اخرجوه
•
ومن شبههم بالغرماء قال يضمنون. واما اذا تمكن من اخراجها فلم يفعل المال فانهم متفقون على ضمانه الا في الماشية عند من
حتى
هلك بعض
يرى ان وجوبها انما يتم بخروج الساعي مع الحول وهو قول مالك فيما روي عنه والله اعلم.
المسألة الخامسة: واختلفوا اذا مات بعد وجوبها: فقيل تخرج من
1) بعث النبيء (ع) عمر بن الخطاب لقبض الزكاة فاتى العباس عم النبيء () يطلب منه زكاته فمنعها فاتى عمر الى النبيء)) فقال: ان عمك منع زكاة ماله. فقال يا ابا حفص ان عمي لم يمنع زكاته: انما احتجنا فعجلنا زكاة عامين لعام رواه احمد ومسلم. وذكر احمد ان العباس مسألة. عن تعجيل زكاته قبل ان يحول الحول فاذن له في ذلك. (2/37)
صفحة 435
الكل وهو قول اكثر اهل العلم، وقيل ان اوصى بها اخرجت. والافلا شيء على الورثة. والله اعلم.
الثلث
المسألة السادسة: واختلفوا في المال يباع بعد وجوب الصدقة فيه: فقال قوم يأخذ المصدق الزكاة من نفس ال المال، ويرجع المشتري على البائع بقيمته. وقيل البيع جائز والزكاة على البائع. وهو الصحيح وسبب الخلاف تشبيه بيع مال الزكاة بتفويته واتلاف عينه فمن شبهه بذلك قال الزكاة في ذمة المتلف والمفوت. ومن قال: البيع ليس باتلاف لعين المال کمن باع ما ليس له ـ قال الزكاة في عين المال والله اعلم.
-
القسم الثالث
في زكاة الديون
عفان بن
واختلفوا في وجوب الزكاة في الدين المرجو أخذه: فقال اصحابنا جابر ابن زيد وابو عبيدة والربيع وابن عبدالعزيز وغيرهم: يؤدي زكاة ما كان منه على ملي يرجو اخذه لكل سنة، وروي مثل ذلك عن عثمان وابن عمر وجابر بن عبدالله وطاوس والنخعي والزهري والحسن البصري وميمون بن مهران وقتادة وحماد بن سليمان (1) والشافعي واسحاق وابي. قالت طائفة يزكيه اذا قبضه لسنة واحدة. روي ذلك عن عطاء بن ابي رباح وسعيد بن المسيب وعطاء الخراساني ومالك واهل المدينة. وقال آخرون زكاته على المديان قاله ابن عباد (2). من اصحابنا، وابراهيم
عبيد
1) هو حماد بن ابي سليمان الاسليمان فقط هو شيخ ابي حنيفة لازمه 18 سنة وممن
الفقه أخذ عنهم
المصري لا المدني.
-
38 (2/38)
صفحة 436
النخعي، وقالا من اكل مهنأته وفي خ مهنأه فعليه زكاته. وقال آخرون ليس عليه في الدين زكاة حتى يقبضه فاذا قبضه زكاه للسنة الاولى، ويحط عنه ما ادى في الثانيه، وكذلك في كل سنة وهو مذهب سفيان الثوري، وابي حنيفة واصحابه واختاره ابن عبدالعزيز من اصحابنا، وقال بعض الاوائل لا زكاة في الدين حتى يقبضه ويحول عليه الحول من يوم قبضه، روي ذلك عن ابن عمر وعائشة وعكرمة والله اعلم. واختلفوا في الدين المويئس منه اذا قبضه صاحبه فقال بعضهم يزكيه لما مضى، وهو مذهب الثورى وقال آخرون: يزكيه لسنة واحدة. روي ذلك عن عمر بن عبدالعزيز (1) والحسن البصري والاوزاعي وكان قتادة يقول: لازكاة في المال الضمار قال ابو عبيد يعني بالضمار الغائب الذي لا يرجى، واما من ابضع بضائع او بعث مالا قراضا فانه يؤدى عنه عند اصحابنا كان المال حاضراً او غائبا ما كان يرجوه، وعند بعض مخالفينا لا يؤدى الزكاة على ما كان غائبا، فاذا قدم حسب وادى على ما مضى. والله اعلم. مسألة واختلفوا فيمن بيده مال تجب فيه الزكاة وعليه من الدين مثله اودونه: فقال بعضهم لا زكاة عليه حتى تخرج منه الديون فاذا بقي نصاب الزكاة زكى والافلا، وبه قال الحسن وعطاء وابن المبارك وجماعة وقال قوم الدين لا يمنع الزكاة اصلا، وفرق اصحابنا بين ديون النض
1) روي انه كتب الى ميمون بن مهران في مظالم كانت في بيت المال ان يردها على اربابها وياخذ منها زكاة عامها فانها كانت مالاضمارا والمال الضمار الذي لا يرجى) رجي فليس بضمار. من اضمرت الشيء اذا غيبته فعال بمعنى فاعل او مفعل الصفات ناقة كناز. واتما اخذ منه زكاة عام واحد لان اربابه ما كانوا يرجون
واذا
ومثله من
رده عليهم فلم يوجب عليهم زكاة السنين الماضية وهو في بيت المال.
اهـ غريب الحديث
- (2/39)
صفحة 437
وغيره من الحرث والماشية، فقالوا: يسقط ما عليه من ديون النض مما الذهب والفضة خاصة ولا يسقط ما عليه من ديون غير النض بيده من
مما في يده من الحرث والماشية، وذهب الى هذا طائفة من الناس، وسبب الخلاف هل الزكاة عبادة ام حق مرتب في المال للمساكين؟ فمن رأي انها عبادة تجب على من بيده مال لان ذلك شرط التكليف وعلامة القضية على المكلف سواء كان عليه دين او لم يكن، وايضا فان دين الله اول واحق ان يقضى من حقوق الآدميين قال: لا يسقط ما عليه من الدين،
ومن قال ان الزكاة حق للفقراء قال لا زكاة فى مال من عليه الدين. وهذا الأشبه بغرض الشارع لقوله عليه السلام: امرت ان آخذها أغنيائكم (1). والمديان ليس بغنى. وأما من فرق بين ديون النص وغيره
من الحبوب والماشية فلا اعلم له شبهه بينة (2). والله اعلم.
من
(1) ثم قال: «واردها في فقرائكم) رواه البخاري عن ابن عباس. 2) القول باسقاط ديون الذهب والفضة متى كانت عليه عليه للغير ينسجم ويتكافاً مع القول بايجاب زكاتها عليه متى كانت له بذمة الغير ولم يويئس منها فلو لم يسقطها
لشملتها الزكاة ضمن ماله، ولزكيت مرتين: وانت خبير ان الزكاة لاتجب في مال مرتين اللهم الاعلى قول من يقول: زكاة الدين على المديان لانه هو الذي اكل مهناه فيتعين عليه ان لا يسقطها حينئذ من زكاته ليتم الانسجام والتكافؤ وانما خصوا
"
الذهب والفضة لانهما في الاصل ثمنين يمثلان ما بالذمة بخلاف الماشية والحرث والله
اعلم.
•
اهـ مصححه (2/40)
صفحة 438
الفصل الخامس في زكاة المعادن
وركاز الجاهلية. والأصل في هذا: قوله عليه السلام في الركاز الخمس (1)، وفي بعض الأحاديث وفي السيوب الخمس». واختلفوا في الركاز: فقيل هو دفين الجاهلية. روي هذا عن الحسن البصري والشعبي والأوزاعي والحسن بن صالح. وبه قال مالك بن انس. وابو ثور وهو الصحيح عند اصحابنا: لأن اسم الركاز مأخوذ من قولك ركزت الرمح اذا أثبت اصله في الأرض. وقيل الركاز المال المدفون والمعدن جميعا. روي ذلك عن الزهري وابي عبيد. واختلفوا فيما يجب فيهما: فقال اصحابنا:
المعادن
المعدن فيما يخرج من من الذهب والفضة اذا بلغ عشرين ديناراً او مائتي درهم وحال عليه الحول اخرج من العشرين نصف دينار، ومن المائتين خمسة دراهم، وبه قال مالك بن انس ا الا أنه قال يزكي ما يخرج من مكانه اذا كان نصابا من غير اعتبار الحول، وروي عن الشافعي مثل قول اصحابنا في اعتبار الحول والنصاب. وسبب الخلاف تردد شبهه بين ما تخرجه الارض من الحبوب والثمار، وبين التبر والذهب والفضة المقتناة للمعاملة: فمن شبهه بما تخرجه الأرض لم يعتبر الحول. ومن شبهه بالتبر والفضة اعتبر الحول، واختلفوا في دفين الجاهلية اذا وجده انسان: فقال اصحابنا اذا وجد فيه علامة اهل الشرك كالصليب والتمثال وكان اكثر من خمسة دوانق اخرج خمسه الى الامام او اهل ولايته ان الأمام.
عدم
1) متفق عليه من حديث أبي هريرة. ورواه الربيع عن ابن عباس ـ. وفي رواية وفي
السيوب وهي بمعنى الركاز. وهو دفين الجاهلية (2/41)
صفحة 439
في جميع
وقال جمهور مخالفينا يخرج الخمس من قليل الكنز وكثيره لظاهر الحديث. وأجمعوا على ان الخمس يجب في ركاز الذهب والفضة. واختلفوا فيه اذا كان جوهرا او حديدا اوغير ذلك من العروض فقال جمهور فقهاء الأمصار ذلك الخمس. واختلف فيه عن مالك وغيره، والله اعلم. واختلفوا في الذمي والعبد والمرأة والصبي يجدون كنزا: فقال اصحابنا لا يأخذه جميع من لا يأخذ الغنيمة. وقال غيرهم من جمهور مخالفينا يأخذون ذلك الاما روي عن ابي ثور في الصبي والمرأة انه قال لا يكون لهما. واختلفوا فيه ايضا اذا وجد في ملك الغير من دار اوارض فقيل هو للواجد. وقيل هو لمالك الأرض والدار. والله اعلم.
باب
فيمن تجب له الزكاة
والكلام في هذا الباب ينحصر في ثلاثة فصول. الفصل الأول في عدد الأصناف الذين تجب لهم الزكاة. وهم الثمانية المذكورون في آية الصدقة الذين نص الله عليهم في قوله انما الصدقات للفقراء والمساكين الآية (1)، واختلفوا من ذلك في جملة مسائل.
المسألة الأولى: هل تجوز ان تصرف الى صنف واحد دون سائر الأصناف؟ ام هو شركاء فيها؟ فذهب اصحابنا الى انه في اي الأصناف وضعها صاحبها فقد اجزاه. روي ذلك عن حذيفة ــ وابن عباس. وبه قال الحسن البصرى. وابراهيم النخعي وعطاء بن ابي رباح والضحاك.
1) التوبة: (6).
42
- (2/42)
صفحة 440
وسعيد ابن جبير. والثوري وابو عبيد. واصحاب الرأي. وروي عن مالك وابي حنيفة انه يجوز للامام ان يصرفها في صنف واحد او اكثر اذا رأى ذلك بحسب الحاجة. وقال آخرون: واجب عليه تصريفها في الاصناف الثمانية كما سماهم الله تعالى، وروي ذلك عن عكرمة. وبه قال
الشافعي. وسبب الخلاف معارضة اللفظ للمعني فان لفظ الأية يقتضي
من جهة
القسمة بين الجميع، والمعنى يقتضي ان يوثر بها اهل الحاجة اذ كان المقصود منها سد الخلة فكان تقدير عددهم في الآية عند اصحاب القول الأول انما ورد تتمييز الجنس لا للتشريك في الصدقة. فهذا أظهر المعنى. والقول الآخر اظهر من جهة اللفظ. وروى اصحابنا ايضا ان النبيء عليه السلام قسم صدقة اهل حضرموت على اربعة رجال واعطى بن صخر صدقة بني زريق كلها (1) وقد احتج الشافعي بما روي
سلمة
-
1) الاصناف التي تصرف اليها الزكاة لم يرض الله فيها حكم نبيء ولاغيره حتى حكم فيها فجزاها ثمانية أجزاء بيد ان للامام ان يصرف في المقدار الذي يصرف الى كل صنف تبعا لمصلحة الاسلام. وقد يصرف زكاة ناحية باسرها الى صنف واحد بل ربما ميز بها افرادا معينين اذا اقتضى الامر ذلك، كما يستفاد من عمله (ع) وفيما ساقه المصنف دليل على ذلك على ان كلام المصنف يشير الى حديثين اثنين لا إلى واحد. كما يتبادر الى القارئ بادئ الرأي، (الاول): في قسمته (ع) صدقة اهل حضرموت على اربعة رجال. فقد روى مسلم ان عليا بعث الى النبي (ع) ذهبا من اليمن فقسمه على اربعة رجال: الاقرع ابن حابس، وعيينة بن حصن وعلقمة وزيد بن الخير. فغضبت قريش قالوا يعطي صناديد نجد؟!! فقال وانما اريد ان اتألفهم، فصرفها بحالها الى المؤلفة (الثاني): في صرف صدقة بني زريق كلها بن صخر. روى البيهقي وابوداود ان سلمة. بن صخر قال: ظاهرت من امراتي ـ الى ان قال له الرسول اذهب الى عامل بني زريق فمره ان يدفع اليك صدقاتهم فاطعم منها ستين مسكينا واستعن بسائرها على نفسك وعلى اهلك. فاعطى بن صخر صدقة بني زريق كلها ليقضي بها ما عليه. من الكفارة ويمسك زوجته
الى سلمة
سلمة
لئلا تفوته
اهـ مصححه (2/43)
صفحة 441
سأله ان رجلا عليه السلام الصدقة ان يعطيها له فقال ان الله لم يرض بحكم نبيء ولا غيره في الصدقة حتى حكم فيها فجزاها ثمانية اجزاء؛ فان تلك الاجزاء اعطيتك حقك (1) والله اعلم. من
كنت
المسألة الثانية: في صفتهم التي يستوجبون بها الصدقة ويمنعون
لا
باضدادها، وهي بالجملة: الاسلام والفقر لانهم اجمعوا على ان الذمي يعطى من الزكاة المفروضة شيئا لقول النبيء علل امرت ان آخذها من اغنيائكم واردها في فقرائكم (2) فصرفها الى فقراء المسلمين لعموم الخطاب في الكاف والميم، واما الفقر فلقوله تعالى «انما الصدقات للفقراء والمساكين (3). واختلفوا في الغني الذي لايجوز له اخذ الصدقة: فقال بعضهم: لا تعطى للأغنياء جملة الا للخمسة المنصوص عليهم في السنة، لقوله ولا تحل الصدقة لغني الا لخمسة: عامل عليها او مشتريها او من اهديت له او غارم او غاز في سبيل الله (4). وقال آخرون لا تعطى لغني اصلا مجاهدا كان او غير مجاهد عاملا كان او غيره. والذين اجازوها للعامل وان كان غنيا اجازوها للقضاة ومن في معناهم ممن به المنفعة لعامة المسلمين. ومن لم يجز ذلك فالقياس عنده لا تجوز لغني اصلا ــــ وسبب
-
الخلاف: هل العلة في ايجاب الصدقة للاصناف المتقدمة الحاجة فقط او الحاجة والمنفعة؟ والله اعلم، والصفات المبيحة لاخذ الزكاة عند اصحابنا اربع وهي الفقر والاسلام كما قدمنا والحرية والعدالة: اما الفقر فهو
1) رواه ابوداود عن زياد بن الحارث الصدائي - قالوا: فيه عبدالرحمان الافريقي متكلم
فيه
(2) تقدم.
-
(3) تقدم ذكرها.
4) عن ابي سعيد الخدري رواه احمد وابوداود وابن ماجه بزيادة في آخره: او مسكين
تصدق عليه منها فاهدى منها لغني.
• (2/44)
صفحة 442
وصف مبيح لاخذ الزكاة، واختلفوا في ضده من الغنى الذي يمنع الزكاة: فقال قوم هو القوة التي يقدر بها على الاكتساب لقول النبيء علا ولا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سويه (1) وهو القوي المحترف، وقال آخرون من لم يملك مائتي درهم فله ان يأخذ الزكاة وللمعطي ان يعطيه قويا مكتسبا كان، او غير مكتسب ولا قوي، والقول الاول مروي عن الشافعي وابي عبيد، وابي ثور وغيرهم لان الغني عند الشافعي اقل ما ينطلق عليه الاسم، وحكي عنه انه كان يقول: يكون الرجل بالدرهم غنيا مع كسبه، ولا يغنيه الالف مع ضعف في نفسه وكثرة عياله. واليه اصحابنا ابو محمد عبدالله محمد بن بن بركة العماني (2). وقال بعضهم لأتحل الصدقة للقوي المحترف اذا كان متاثلا بها مالا اي جامعا له، واما ان احتاج اليها في طلب العلم او معيشة فلا بأس ــ وقيل لا من له خمسة عشر درهما، وقيل ثلاثون، واحسبه انه قول الربيع الله، وقيل لا يأخذها من له خمسون درهما. او قيمتها ذهبا، وهو
ذهب من
يأخذها
رحمه
مروي عن الثوري وابن المبارك والحسن بن صالح وعبد الله
واحمد واسحاق واظنهم احتجوا بقول النبيء غنى جاءت مسألته
امن
بن
الحسين
سأل عن ظهر
يوم القيامة خدوشا او خموشا او كدوحا في وجهه،
قيل وما حد الغنى؟ قال خمسون درهما او عدلها ذهبا (3) وروي عن الحسن البصري انه قال من له اربعون درهما فهو غني. وبه قال ابو عبيد واظن حجتهم قوله عل الله امن سأل ومعه اوقية فقد سأل الناس الحافا (4)
(1) رواه الدارقطني. وروى الخمسة الا ابن ماجه مثله عبدالله عن
(2) تقدم التعريف به.
) رواه الخمسة.
) رواه احمد وابوداود والنسائي.
بن عمرو.
45 (2/45)
صفحة 443
والاوقية اربعون درهما. وقال آخرون: من له مال يؤدي عنه الزكاة فلا يأخذ الصدقة الا اذا كان مديانا لقول النبيء عليه السلام امرت ان آخذها من اغنيائكم الحديث (1) وبه يقول ابو حنيفة، وقال بعض اصحابنا من لم يكن له مال يكفيه هو وعياله نفقتهم وكسوتهم ومؤنتهم الى الحول فهو فقير يأخذ الصدقة، فهذا هو الذي يوجبه النظر ويشهد بصحته الخبر، وهذا اذا كان عنده في جميع ما جرى عليه ملكه ما لو باعه فاته سنة ما خلا بيتا يسكنه وخادما يخدمه. وقال من قال لا ينظر في ذلك الى قيمة المملوكات التي لا يستغنى عنها مثل البيت والدار والخادم والدابة والاصل الذي لا يستغنى عنه والله اعلم، وقال بعض العلماء ليس للغنى حد يوقف عليه، وانما هو راجع الى الاجتهاد، وبه قال مالك بن انس المدني. وكل هذه الاقوال قالوها من طريق الاجتهاد ومفهوم الاثار، وسبب الخلاف في ذلك: هل الغني المانع من اخذ الزكاة هو معنى شرعي او معنى لغوي؟ فمن قال: معنى شرعي قال هو وجود النصاب المشروعة فيه الزكاة، ومن قال هو معنى لغوي اعتبر في ذلك اقل ما ينطلق عليه الاسم، والله، واما الحرية فجمهور الفقهاء على اشتراطها فيمن يأخذ الزكاة لاتفاقهم على انها لا تعطى للعبيد، واما العدالة فيها فمشروطة عند اصحابنا دون غيرهم، فلا تدفع الزكاة عندهم الا للمتولى، روي ذلك في جوابات الامام افلح وغيره من اصحابنا رحمهم الله. ولا تدفع لصاحب كبيرة عندهم، واما ابن عبدالعزيز وشعيب فروي عنهما ان الصدقة للفقراء من اهل الاسلام مسلمين كانوا او من قومنا: تؤخذ منهم وتوضع فيهم، وقال بعضهم لا تعطى الا للمتولى، ولا تؤخد الا من المتولى
اعلم
عامة
1) تقدم ذكـ (2/46)
صفحة 444
ومن لا يعلم خلافك له، وقال ضمام بن السائب (1): لاباس في اخذها من اهل الخلاف اذا علموا خلافك، وعنه ايضا فلا باس ان تضع بعض زكاتك في ارحامك وان كانوا من قومنا، وكان ابوعبيدة يقول لاتعطهم شيئا ولا تأخذوها منهم، وفي جوابات ابي المؤثر قال: الفقير الفاسق من اهل دعوة المسلمين احق بها من اهل الفضل والفقه من قومنا (2) قال لانه لا يستوي من يدين بولاية المسلمين ومحبتهم والاعتراف بفضلهم ومقر بحرمة ما يرتكبه، ومن يدين بتضليل المسلمين والبراءة منهم لاحق لهؤلاء في صدقات المسلمين، ولعمري لكذلك، وقال قوم اذا كانت دعوة المسلمين ظاهرة تدفع ثلث الزكاة الى جميع الفقراء من اهل البلد، وان كانت مقهورة لم تدفع الزكاة الا لأهل الموافقة، ولا تدفع الى من يعلم انه يتقوى بها على المعصية والله اعلم.
مسألة: واختلفوا فيما يعطى الفقير من الصدقة: فقيل لا يجاوز خمسين درهما، الا ان يكون غارما، وقيل يعطيه ما يكفيه من الثمرة الى الثمرة. وقيل حتى تبقى معه خمسة عشر درهما، وقيل يعطى ما يبتاع
1) تقدم التعريف به.
(2) هذا القول قد قيل فيما يبدو تحت تأثير البيئة التي كان يعيش فيها يومئذ، وماكان يلاقيه هو وامثاله من سوء المعاملة: فقد عاش في حقبة مني فيها عمان بفتنة القرامطة الملحدين المارقين من الدين: استفحلت نزعتهم واشتدت وطأتهم فعاتوا فيه فسادا الامرين فلاجرم ان يكونوا هم المعنيين بهذه القولة، ثم لاجرم ان
وذاق اهله
منهم
من
اهل
يقدم على احد هؤلاء المارقين - وفيهم ذو الفضل والفقه بالسنة اليهم فاسقا. ولا تخص هؤلاء المبتلى بهم. فليس كل مخالف كذلك،
الدعوة
ا، بيد ان كلمته نعم
وان فيهم لمحافظين ورعين لا يقصدون فيما ذهبوا اليه محادة غيرهم ولا تخطئته.
افتفضل عليهم في استحقاق الزكاة فاسقا فاجرا يحارب الله رسوله وان انتسب الينا
زورا؟ کلا!
اهـ مصححه (2/47)
صفحة 445
النصاب من
به خادما اذا كان ذا عيال وكانت الزكاة كثيرة، وقيل موكول الى النظر والاجتهاد، وبه قال مالك والشافعي، وكره ابوحنيفة ان يعطى مقدار الصدقة، واما الغارم فانه يعطى على قدر دينه اذا كان في طاعة وفى غير سرف بل فى امر ضروري، وكذلك ابن السبيل يعطى ما يحمله الى بلده، والغازي ما يحمله الى مغزاه، واما العامل فيعطى بقدر مايري الامام، وقيل مقدار عطه، وقيل يعطى الثمن، واختلفوا في اعطاء
الزكاة في الحج فروي عن ابن عباس وابن عمر جواز ذلك (1). وقال ابن الله، وقيل عن الشافعي وابي ثور قالا لا يعطى منها
عمر
الحج
من
سبيل
في الحج ولا في العمرة، واختلفوا فيها هل تعطى في دين ميت؟ فقال النخعي وغيره لا تعطى في دين ميت، ولا في كفنه، وقال بعضهم تعطى في دينه لان الله تعالى جعل للغارمين فيها سهما، وقال الثوري وابو عبيد، لا تعطى لغني ولا بناء مسجد ولا فى شراء مصحف. وبهذا القول يقول اصحابنا والله اعلم. مسألة: قال ابو بكر بن عبدالمنذر: اجمع كل من يحفظ عنه من اهل العلم على ان من له دار و خادم لا يستغني عنهما ان ياخذ من الزكاة، روي ذلك عن الحسن، وابراهيم النخعي:، والثوري، وابي عبيد واصحاب الرأي. وكان مالك بن انس يقول اذا كانت دار ليس في ثمنها فضل ان بيعت واشتري في ثمنها دار ويفضل من ثمنها ما لا يعيش به رأيت ان يعطى الزكاة، وان كان في ثمنها ما يشتري مسكنا ويفضل منه ما يعيش به لم يعط شيئا والله اعلم.
(1) مذهب اصحابنا جواز ذلك اذا كان فريضة، اما النافلة فلا. وبالاولى تعطى لمن افتقر وقد وجب عليه الحج ايام غناه ولم يحج. (2/48)
صفحة 446
مسألة: قال ابوبكر: اجمع اهل العلم على ان الزكاة لاتدفع الى
الوالدين (1) ولا الى الأولاد في الحال الذي يجبر الوالد على نفقتهم، واختلفوا في سائر القرابة فقال بعضهم: كل من يجبر المرء على نفقته لا يعطي شيئا، روي ذلك عن الشافعي والثوري وابي عبيد وغيرهم، وعن ابن عباس وعطاء انهما قالا: تدفع الى قرابة الرجل المحتاجين اليها، وبهذا يقول اصحابنا، وقال الحسن البصري، وطاوس، لا يعطى ذو قرابة لقرابته من الزكاة شيئا، وقال النعمان: يعطي الرجل زكاته كل فقير الا امرأته وولده، ووالديه وزوجته، واجمعوا على انه لا يعطي زوجته شيئا. واختلفوا فيها هي: فقيل تعطي زوجها زكاتها. وقيل لا تعطيه شيئا. والاصح انه تعطيه لانه داخل في جملة الفقراء. ولقول ابن مسعود لزوجته ضعيه في وفي فانا له بني موضع فسألت النبيء عل الله فقال صدق ضعيه فيه وفي بنيه (2) والله اعلم. مسألة واختلفوا في نقل الصدقة من بلد الى بلد، فاستحب اكثر العلماء ان لا تنقل وروي ذلك عن طاوس، وعمر بن عبدالعزيز،
1) اما الوالد فعلى اطلاقه، واما الوالدة فيجوز ان يدفع لها الزكاة اذا كانت فقيرة وكانت تجب زوج فقير لانه لم ترجع اليه نفقتها وانت خبير ان المراد بالوالدين والاولاد من كان بغير واسطة فيعطيها لجده وجدته وبني بنيه الاطفال قولا واحدا. (2) روى البخاري عن ابي سعيد الخدري: ان زينب امرة ابن مسعود قالت يانبيء الله، انك امرت اليوم: بالصدقة. وكان عندي حلي، فاردت ان اتصدق به فزعم ابن مسعود انه وولده احق من تصدقت به عليهم. فقال النبيء): صدق ابن مسعود زوجك، وولدك احق من تصدقت به عليهم، قال المحشي، هذا الحديث يدل على جواز سؤال الزكاة لمن كان فقيرا. وكذلك قوله (ع)، في زكاة الابل: فمن سالها على وجهها يعطاها، ومن سالها على غير وجهها لايعطاها
مع ان سؤال الزكاة في الاسلام شين.
•
اهـ مصححه
-
49 - (2/49)
صفحة 447
الرأي.
والنخعي، وسعيد بن جبير، واكثر فقهاء الامصار وان فرقها عندهم في غير بلده فهو جائز في قول الليث بن سعيد، والشافعي، واصحاب، وروي عن عمر بن عبد العزيز انه رد زكاة اوتي بها من خراسان الى الشام فردها الى خراسان، وروي عن الحسن والنخعي انهما كرها نقل زكاة من بلد الى بلد الا لذي قرابة، وروي عن ابي العاليه: انه كان يبعث زكاة ماله الى المدينة، واظن ان بعض العلماء عاب ذلك على من فعله والله اعلم. واما في اثر اصحابنا ابي المؤثر وغيره وقد سئل فقيل له: ارأيت ان كان في البلد فقراء فساق من اهل الدعوة، وفي غيره قريبا منه اهل ولاية اتدفع الزكاة الى فساق البلد ام تنقل الى اهل الولاية في غير ذلك البلد؟ فقال الذي نرى ان الفقراء من اهل الدعوة من اهل البلد احق بها حتى يستغنوا لو كانوا فساقا ولا تدفع الى غيرهم وهم محتاجون (1). والله اعلم.
مسألة: واختلفوا في الدين يكون للرجل على المعسر: هل يحسبه عليه في الزكاة فأجاز ذلك بعضهم وهو مروي عن الحسن وعطاء، وقال ابو عبيد لايجوز ذلك. وبه قال اهل الرأي: قالوا وان قضاه ثم تصدق به عليه اجزأه، واختلفوا في الفقير يعطيه الرجل على ظاهر الفقر ثم يستبين غناه: فقيل يجزيه ولا يضمن روي ذلك عن الحسن البصري وابي عبيد وبه قال النعمان، وقال غير هؤلاء لايجزيه وعليه الضمان: روي ذلك عن الثوري والحسن بن صالح وغيرهما والله اعلم.
مسألة: اتفق علماء السلف فيما وجدت على ان الزكاة تؤخذ من
1) ذلك فى زكاة الكتمان اما في زمان الظهور فامر ذلك الى الامام وليس لاحد ان يفرق زكاته بنفسه الا ان اذن له الامام. (2/50)
صفحة 448
ملاك الاموال الواجبة فيها اذا كانوا احرارا مسلمين ذوي عقول بالغين
واختلفوا في وجوب اخذها من الاملاك الناقصة والاموال المحبسة والعبيد المسخرة، واهل الذمة، واليتامى، وذوي الطفولية، اما الاملاك الناقصة فهي اموال من له الديون واموال من هي في ذمته. اما من له الديون على الناس فانهم اختلفوا فيها: فقال اصحابنا يؤدي عليها الزكاة صاحبها ولو لم تقبض اذا كانت حالة، وهذا في ديون النص خاصة. وقال آخرون لا زكاة فيها الا بعد قبضها مع استكمال الحول. وبه قال الشافعي في أحد قوليه، والليث بن سعيد او قياس قوله. وقيل اذا قبضه زكاه لسنة واحدة وان قام عند المديان سنين اذا كان اصله من عوض. واما ان كان من غير عوض مثل الميراث فانه يستقبل به الحول، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم، واما الاموال المحبسة اصلها فكالحوائط الموقوفة لسبيل الله، وقد اختلفوا في زكاة ما يخرج منها فقال اصحابنا لا زكاة فيها اصلا. وبه قال مكحول وعطاء، وقال ابو عبيد ان كانت صدقة على اهل الحاجه فلا زكاة فيها وان كانت على قوم معينين ففيها الزكاة، وقوم اوجبوا فيها الزكاة اذا كان فيها مقدار النصاب، روي ذلك عن مالك والشافعي والله اعلم. واما العبيد فقد اختلفوا في وجوب الزكاة عليهم على ثلاثة اقوال واحدها ان لا زكاة عليهم اصلا وهو مروي عن ابن عمر وجابر من الصحابة، والزهري وقتادة ومالك من الفقهاء والثاني» ان زكاة مال العبد على سيدة وهو مذهب اصحابنا وجمهور فقهاء الامصار واهل الرأي، وهو الصحيح. واوجبت طائفة اخرى على العبد في ماله الزكاة، وهو مروي عن ابن عمر ايضا. وعطاء من التابعين وبه قال اهل الظاهر، واختلفوا في زكاة مال المكاتب: فقال اكثر مخالفينا ليس فيه زكاة حتى يعتق على
51 (2/51)
صفحة 449
انه
انما
اصلهم فيه انه عبد ما بقي عليه درهم من مكاتبته، وقال ابو ثور تجب عليه الزكاة كما تجب على الحر وهو الصحيح على اصل قول اصحابنا فيه الكتابة. وهو فيما عليه غريم من الغرماء. وسبب عند وقوع ? الخلاف: هل يتناول جميع المكلفين من الاحرار والعبيد ام يتناول الاحرار فقط؟ وحجة من اوجب زكاته على سيده قوله تعالى «عبدا مملوكا لايقدر على شيء» (1) ولانه مال والمال لا يملك مالا، وقول النبيء له من باع عبدا فماله للبائع الا ان يشترطه المبتاع (2) دليل على انه لايملك. والزكاة حق واجب فى المال، لا على البدن والله اعلم. واما زكاة اليتامى هي والصغار فاختلفوا فيها، فقال قوم الزكاة فى مال اليتيم واجبة، وروي ذلك عن عمر وابنه وعلي وجابر وعائشة والحسن ابن علي وعطاء وجابر بن زيد ومجاهد وابن سيرين وعامة فقهاء الامصار، وبه قال اصحابنا. وقال قوم ليس فيه الزكاة اصلا. روي ذلك عن النخعي والحسن البصري، وابي وائل، وسعيد بن جبير. وقال ابن المسيب لا يزكي حتى يحصي الصلاة ويصوم شهر رمضان. وقال قوم الزكاة في ماله ولكن لا يخرجها الوصي حتى يبلغ فيزكي عن نفسه. روي هذا عن الاوزاعي وغيره، وفرق قوم بين ما تخرجه الأرض من ماله وما لا تخرجه الارض من النض والماشية فقالوا عليه الزكاة فيما تخرجه الأرض دون ما سواه وهو مروي
عن ابي حنيفة واصحاب الرأي. وفرق آخرون فقالوا عليه الزكاة في جميع
ماله
•
هذا
ذلك الا في النض وما خفي من اعلم، وسبب الخلاف في ايجاب الزكاة على اليتيم واسقاطها عنه اختلافهم في مفهوم الزكاة الشرعية: هل هي عبادة كالصلاة والصوم، او حق
عن ابن شبرمة والله روي
1) النحل: (75).
2) متفق عليه (2/52)
صفحة 450
للفقراء؟ فمن قال انها عبادة اشترط فيها البلوغ، ومن قال انها حق للفقراء لم يشترط البلوغ فيها. واما من فرق بين النض وغيره فلا اعلم له حجة والله اعلم. وقال اصحابنا تجب الزكاة في مال الطفل والمجنون والمعتوه وغيرهم لعموم الخطاب في قوله عليه السلام امرت ان آخذها من اغنيائكم وتوضع في هؤلاء وغيرهم من المسلمين لقوله واردها في فقرائكم (1) الا انهم اشترطوا في الاطفال ولاية آبائهم وتوضع في يتاماهم بواسطة الخلائف والاوصياء والله اعلم.
الزكاة
فصل
في سيرة تفريق الزكاة على اهلها في الظهور والكتمان
فيهم
قال علماء السلف من اصحابنا اذا كان امام المسلمين ظاهرا فأمر الصدقات اليه يبعث عماله الى الامصار في كل سنة من سني القمر فيجبون من اغنياء الرعية الذين حماهم من الظلم واجرى حدود الله وعليهم. فان كان الامام مستغنيا عن الزكاة قسم فيهم العمال صدقة كل بلد في فقراء اهله من موافق ومخالف يعطون لكل فقير قدر مؤنة سنة من الكسوة والنفقة اقتصادا من غير سرف، وان فضل من شيء قسموه في اقرب القرى اليهم. ولا يعطى للفقير اكثر من مؤونة سنة الا ان كان مديانا فيقضى دينه او محتاجا الى التزويج فيعطى ما يتزوج به بالنظر والاجتهاد، وقال بعض اصحابنا يفرق العامل ثلث الصدقة في كل بلد جبيت منه على فقرائهم، ويرجع ثلثيها الى بيت المال فتوضع لاهلها.
الصدقة
(1 (2/53)
صفحة 451
وان كان الامام محتاجا الى جميعها فى عز الدولة ومصالح الاسلام اخذها كلها، والافرقها على الفقراء كما قدمنا ويفضل ذا الفضل في الاسلام والعجوز والضعيف واهل الفقه على قدر ما يرى. وان كان الامام محتاجا فرض له المسلمون منها على قدر مؤونته هو وعياله الى الحول بالنظر والاجتهاد، قالوا وان عدم الامام فعلى المسلمين ان يقيموا لأنفسهم حاكما افضلهم ورعا واكثرهم فقها وعلما فيسندون اليه امور الاسلام من فتيا النوازل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من مصالح الاسلام وقضاء حوائجهم فيدفعون اليه زكاتهم. واختلفوا فيهم اذا دفعوها اليه فقال بعض هم برآء منها. وقال آخرون لم يبرءوا منها حتى يضعها في المستحقين اهلها لانه بمنزلة الوكيل. قالوا ولا يأخذها الا من اهل ولايته ولا من يضعها الا في اهل ولايته ايضا. وهذا عندى حرج وتضييق. والذي ارى والله اعلم انه اذا حصلت عنده هو الناظر فيها يضعها في ذوي الحاجة من المتعلمين منه ممن لا يطلع له على كبيرة وذوي الفاقة من اهل ولايته. ولا يجعلها طعاما يأكلها المتعلمون منه ولا غيره من عوام الناس
وغيرهم
ويصر
رف ما في يده مما يرفع اليه من الاموال من وجوه الوصايا والصدقات المتطوع بها وغير ذلك في احياء الاسلام والمداراة عنه وعن اهله وفي ذوي المسلمين وغيرهم من عوام الناس على قدر ما يرى. وان كان
الفاقة
من
القائم بذلك فقيرا نظر له المسلمون واهل العلم في نفقته ومؤونته مما في يده على قدر ما رأوا وما بقي في يده بعد مؤنته من جميع تلك الاموال المجموعة اليه فمصروف فى اهله على الاسلوب الذي قدمنا لان ذلك ليس بمال للقيم وانما هو مال الله يصرف في سبيل طاعته واحياء دينه، ولولا ا دخل فيه من امور الاسلام لما عرف بذلك ولا جبيت اليه تلك الأموال
02 (2/54)
صفحة 452
كما قال النبيء عليه السلام لعامله الذي بعثه على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا لي فقام خطيبا فقال في آخر كلامه افلا جلس في بيت امه فلينظر ايهدى له ام لا؟ فلعمري لكذلك. الا ترى الى عمر بن الخطاب رحمه الله حين اهدت امرأته الى امرأة كسرى طيبا فتطيبت به فقال كسرى كافيها بتاجي فكافأتها فجعله عمر في بيت المال واعطى امرأته ثمن طيبها. وهكذا فعل فيما اهداه المشركون لأولاده. فأراد ان يفعل مثل ذلك في المال الذي اسلفهم اياه ابو موسى الاشعري من بيت المال. فقال بعض الصحابة اجعله عليهم قراضا ففعل ذلك عمر رحمه الله لانه لولا الاسلام وسيوف اهله لما عرف اهل الشرك عمر ولا اولاده، وما لم يكن من يقوم بامور المسلمين لا ظاهرا ولا مكتتما فان السيرة في الزكاة فيما وجدت في اثر اصحابنا ان يجمع صلحاء اهل كل بلد زكاة بلدهم ذلك فيعطى منها كل فقير من اهل البلد مؤونة سنة والكسوة قصدا بغير سرف رف وان فضل شيء قسم في اقرب القرى اليهم،
اذا
من
النفقة
ولا ينبغي للفقراء ان يطلبوا الزكاة بانفسهم عند اهلها لان ذلك شين في الاسلام واهله. وفي الحديث من تواضع لغني لينال ما في يده احبط الله ثلثي دينه» (1) وقد وصف الله تعالى اهل الصدقة من الفقراء فقال اللفقراء
ذلك
1) سئل الامام السالمي عن معنى الحديث فاجاب: التواضع لغني لاجل غناه لالغير من الاحوال - اذلال للنفس، واذلال المؤمن نفسه لاجل الدين حرام، اما معني ذهاب ثلثي الدين فهو ان يكون مضيعا لركنين من دينه: لان الدين ثلاثة اركان: اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالاركان. فالتواضع المحجور يذهب بالركنين الاخيرين لانه انما ينشأ عن التملق باللسان، وعن حركة الابدان وبقي له الركن الاول فبذلك يعد من جملة الموحين اهه والحق ان من عضه الفقراء بنابه واضطرته الحاجة
الى طلب نصيبه من مال الله لا نخال يشمله الحديث وعيده لان الفقير يجوز له سؤال، وقد سقنا ادلة الجواز في تعليق سبق. اهـ مصححه
الزكاة (2/55)
صفحة 453
الذين احصروا في سبيل الله الى قوله لا يسألون الناس الحافا (1) وفي اثر المشائخ ان سؤال الزكاة انما اخذ من فتوى ابليس لعنه الله، وقال بعض
مشائخنا: جواب من طلب اليك الزكاة ان تقول له هل توليتك بعد؟
من
وقال بعضهم لا تعطى الزكاة لمن طلبها، ورخص فيه بعضهم اذا كان اهلها ـ واما ما تفعله العوام من جمعهم الزكاة ويدفعون منها اجرة المعلمين
للقرآن، ويضعون البقية فى بيت يدارون بها على انفسهم ويتقون بها على اموالهم فلا اعلم احدا من الامة قال بجواز هذا فى الزكاة المفروضة قديما ولا حديثا، وانما المشهور عند مشائخنا وجمهور الامة ما قدمنا ذكره، وقد وجدت في بعض اثر اصحابنا انه ينبغي لأهل الصلاح والفضل في الاسلام ان يجمعوا ما قدروا عليه من صلب اموالهم ويضعوه على يد امين يصرفه في مصالحهم من المسجد وغيره بمشورتهم والله اعلم. وان عدم صاحب الزكاة جميع هذه الوجوه فليدفع زكاته بنفسه لاهل ولايته، وان لم يجدهم فاهل التعفف والمسكنة من اهل الوقوف، وان عدموا فاهل المسكنة من اهل الدعوة، وان عدموا من بلده فليقصدهم في اقرب القرى اليه، وان تعذر عليه فقراء اهل الدعوة راسا فليجعل زكاته ذهبا أو فضه فليبعثها الى اهل الولاية من اهل الدعوة اينما كانوا وهذا معنى قولهم صدقة الكتمان كتمانية، وان تعسر عليه الامر وكان فى حيز اهل الخلاف فليقصد بها اهل المسكنة ومن قلت عداوته في المسلمين من فقرائهم، وان عدموا فعامة فقرائهم ويفضل اهل الضعف والمسكنة منهم، وان كان في بلد الشرك فتعذر عليه فقراء منتحلي الاسلام وخاف فجأة الموت بزكاته ولم يجد الى ايصالها اليهم من سبيل فليضعها في ذوي الضعف والمسكنة من
1) البقرة: (273). (2/56)
صفحة 454
فقراء اهل الكتاب، فان عدموا فغيرهم من فقراء المشركين على قدر قرب مللهم من الاسلام والله اعلم - ويجوز لصاحب الزكاة ان يفرقها في اهل ولايته من الفقراء في جميع، الاحوال المتقدمة ما خلا زمان الامام العادل ففي وضعه الزكاة في اهل ولايته دون ان يدفعها اليه اختلاف بين العلماء في الاجزاء عنه والله اعلم. مسألة: وتجوز نيابة الغير في دفع الزكاة عن صاحبها بامارة او وكالة او خلافة، ويجزئ ذلك ان كان النائب امينا، وان كان غير امين فحتى يعلم انه وضعها في مستحقها. وكذلك في قبضها فيجزئ فيها صاحب الزكاة ان يدفعها الى وكيل الفقراء ويبرأ منها، ويجوز دفعها الى الفقراء حاضرة كانت او غائبة اذا بلغت مستحقها والاجارة في حملها على صاحبها وهي في ضمانه حتى يقبضها مستحقها. ولا يحتاج في الزكاة الى لفظ القبول وينبعي لصاحبها ان يعلم الفقير انها زكاة لئلا يظنها هدية فيقبضها في حال لا يستحق معها اخذ الزكاة: اما بكبيرة ارتكبها او باغناء استغنى
عنها والله اعلم.
مسألة
: واختلفوا فيمن اخذ الزكاة ومعه كبيرة في حال اخذه اياها
ثم تاب: فقيل يردها الى صاحبها. وقيل يضعها في الفقراء. وقيل اذا كان فقيرا في حال اخذه اياها ثم تاب من تلك الكبيرة انه لاشيء عليه. واما ان اخذها وهو مشرك مستترا بالاسلام، او عبد في هيئة الاحرار او غني في زي الفقراء ثم تاب فانه يردها على صاحبها، او ينفقها على الفقراء بخلاف صاحب الكبيرة اذا تاب لان في اجازة الزكاة له خلافا بين العلماء والعبد والمشرك والغني لاخلاف بين العلماء في ان الزكاة لاتحل لهم والله اعلم. (2/57)
صفحة 455
الفصل السادس
في زكاة الفطر
وفي هذا الفصل خمس مسائل تجري مجرى الامهات: احداها في معرفه حكمها. وقد اختلفوا فيه فقال قوم هي فرض وروي هذا عن جمهور فقهاء الامصار وبه قال العمانيون من اصحابنا، وقيل هي سنة روي ذلك عن اهل العراق وبعض المتأخرين من اصحاب مالك. وقال قوم هي منسوخة بالزكاة المفروضة. وذهب اصحابنا من اهل الجبل واهل المغرب الى انها سنة الأخذ بها فضيلة وتركها ليس بخطيئة. وسبب الخلاف تعارض الآثار، وذلك انه ثبت من حديث ابن عمر انه قال: «فرض رسول الله زكاة الفطر على الناس من رمضان صاعا من تمر وصاعا من شعير على كل حر او عبد ذكرا كان او انثى (1) فظاهر هذا القول يقتضي الوجوب وثبت عندنا ايضا في حديث الاعرابي المشهور وذكر الزكاة فقال هل غيرها؟ قال لا الا ان تطوع (2) فذهب من قال انها فرض الى انها داخلة تحت الزكاة المفروضة. وذهب الغير الى انها غير داخلة. واحتجوا بما روي عن قيس بن سعد انه قال وكان النبيء عل الله يأمرنا بها قبل نزول الزكاة، فلما نزلت لم نؤمر بها ولم ننه عنها ونحن نفعلها والله اعلم. المسألة الثانية: على من تجب، وعن من تجب. فاتفقوا على ان اهل الاسلام مخاطبون بها صغاراً او كبارا، ذكرانا او اناثا، احرارا او عبيداً
1) رواه الجماعة بحذف على الناس و صاعا من بر بدل تمر وزيادة ـ صغيرا كان
-
او كبيرا ــ من المسلمين وامر بها ان تؤدي قبل خروج الناس الى الصلاة ـــ في آخر.
2) رواه الربيع عن طلحة
بن عبيد
الله
58
- (2/58)
صفحة 456
لحديث ابن عمر المتقدم. واخيلفوا في وجوبها على الفقير بعد اتفاقهم على انها على جميع الناس الا من لا شيء له. فروي عن ابي هريرة انه يراها على الغني والفقير. وروي ذلك عن ابي العالية والشعبي وعطاء وجماعة من الفقهاء، وقال اصحاب الراي ليس على من تحل له الصدقة زكاة الفطر واتفقوا على انها تجب على المرء في نفسه، وانها زكاة بدن لا زكاة مال
وانها تجب عليه في اولاده الصغار اذا لم يكن لهم مال، وفي عبيده ايضا واختلفوا فيما سوى ذلك. فقال بعضهم يخرجها الرجل عن جميع من الزمه الشرع نفقته. وقال آخرون لا تلزمه في زوجته ولا عن خادمها. وسبب الخلاف: هلا العلة في وجوب صدقة الفطر الولاية او وجوب النفقة الشرعية، فمن قال الولاية اوجب على الولي اخراج الصدقة عن كل من طفل او عبد او زوجة كان لهؤلاء مال او لم يكن. ومن ذهب الى ان العلة فيها وجوب النفقة قال يجب عليه اخراجها عن كل من تجب نفقته الشرع لقوله علي الله يخرجها المرء عمن يمونه (1). واختلفوا في العبد
المشرك فقال اهل الكوفة على سيده زكاته وقيل ليس عليه في الكافر زكاة
هو تنازعهم في الزيادة الواردة في الحديث وهو قوله «على
الخلاف و سبب كل صغير وكبير من المسلمين» (2)، واختلفوا في عبيدة التجارة ايضا الخلاف فيهم معارضة القياس للعموم الواورد في اسم العبد وذلك
وسبب
انه يقتضي وجوب الزكاة فى جميع العبيد والقياس المخصص له هو على انه لا يجب في مال واحد زكاتان.
اجماعهم
المسألة الثالثة: وهى مماذا تجب؟ فاختلفوا فيه: فقال اصحابنا
1) رواه البيهقي والدارقطني ويخرجها الرجل عن نفسه وعمن يمونه.
(2) تقدم قريب (2/59)
صفحة 457
يخرجه المرء من جل قوته من قمح اوتمر او شعير او ذرة او زبيب او لحم او لبن او غير ذلك مما يأكله ما خلا بقول الصحراء. وقال آخرون انما تخرج من البر او الشعير او التمر او الزبيب او الاقط، وانه مخير في اخراج ايها شاء. وسبب الخلاف اختلافهم في مفهوم حديث ابي سعيد الخدري انه قال وكنا نخرج زكاة الفطر في عهد النبيء ع صاعا من طعام او
شعير او اقط او تمر (1) فمن فهم من هذا الحديث التخيير قال اي هذه اجزاه، ومن فهم منه انه انما اخرج بسبب اعتبار قوت الانسان قال بالقول الأول، وعند اصحابنا لا تعطى زكاة انسان واحد من جنسين
اخرج
والله اعلم.
المسألة الرابعة: في مقدار ما يخرج عن كل انسان من القمح: قال بعضهم نصف صاع من القمح او صاع من شعير او غيره مما يقوته ورووا في ذلك حديثا ان النبيء قال في صدقة الفطر وانما هي صاع من بر بين اثنين، او صاع من شعير اوتمر عن كل واحد (2). وقال آخرون لا يجزئ من القمح اقل من صاع لحديث ابي سعيد المتقدم ذكر فيه صاعا من طعام او شعير الحديث. قالوا فالمفهوم من الطعام القمح، وبهذا يقول اصحابنا ووافقهم على ذلك الشافعي ومالك بن انس، والقول الاول مروي عن ابي حنيفة واصحابه والله اعلم.
المسألة الخامسة: واختلفوا متى يستحب اخراجها بعد ما ثبت ان النبيء الالالالالام و امر باخراج الفطر قبل خروج الناس الى المصلى (3)
1) متفق عليه بزيادة أو صاعا من زبيب.
(2) رواه الترمذي ولفظه فرض رسول الله (ع) صدقة الفطر على الذكر والانثى والحر
والمملوك صاعا من تمر أو صاعا من شعير ـ قال فعدل الناس الى نصف صاع من بره. کا مر في حديث ابن عمر (2/60)
صفحة 458
رمضان
وقد اتفقوا على انها في آخر رمضان لحديث ابن عمر المتقدم، واختلفوا في تحديد الوقت: فقال قوم تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر ـ روي ذلك عن ابي حنيفة. وقيل تجب بغروب الشمس من آخر يوم من، وبه قال الشافعي، وسبب الخلاف هل: هي عبادة متعلقة في خروج رمضان أو يوم العيد لان ليلة العيد ليست من رمضان، وفائدة هذا الخلاف في المولود يولد قبل الفجر من يوم العيد بعد مغيب الشمس هل يجب ان تخرج عنه أم لا؟ والله اعلم، ويستحب اخراجها قبل الصلاة للحديث المتقدم وبذلك يأمر ابن عباس وابن عمر وكثير من الفقهاء، وعند اصحابنا انها فطرة الى يوم الاضحى. وروي عن ابن سيرين والنخعي انهما يرخصان في تأخيرها عن يوم الفطر والله اعلم.
المسألة السادسة: فيمن يستحق اخذها. قال اصحابنا تصرف الى اهل الولاية كزكاة الفريضة، وقال غيرهم تصرف الى عامة فقراء الاسلام. ليستغنوا عن السؤال في ذلك اليوم، وزعم بعضهم انها يصرف منها الى فقراء اهل الذمة. واشترط قوم ان يكونوا رهبانا هل جواز اخذها بالفقر فقط ام بالفقر والاسلام؟ فمن قال بالفقر اجازها لاهل الذمة. ومن قال بالفقر والاسلام منعها منهم والله اعلم.
، وسبب
الخلاف
61 (2/61)
صفحة 459
فصل
ويستحب
ويدعو
للانسان اذا اراد اخراج الزكاة الواجبة ان يصلي ركعتين
الله تعالى ان يوفقه ليضعها مواضعها فاذا دفعها لاهلها فينبغي
له
ان يتطوع بشيء من الصدقة ينويها لاحتياط ما عليه من الفريضة اذ جاء في الحديث ان الفرائض تكمل يوم القيامة بالتطوع (1) ويصرفها سرا او يؤثر بها الاقارب والجيران ويكثر منها في شهر رمضان والله اعلم.
1) رواه اصحاب السنن والحاكم وصححه من حديث ابي هريرة وان اول ما يحاسب
به
يوم القيامة العبد
من عمله صلاته، فان انتقص من فرضه شيئا قال الرب عز
وجل انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما نقص من الفريضة.
-
62 - (2/62)
صفحة 460
كتاب
محمدح (2/63)
صفحة 461
الركن الرابع
في قاعدة الصيام المفروض وما يتعلق به
اعلم ان الله سبحانه اوجب فرض الصيام على كل مكلف منقطع عذره من جميع الانام وقدمه في ترتيب الفروض الشرعية على الزكاة وغيرها من واجب الحقوق المالية. وانما قدمنا الزكاة على الصوم في ترتيب اركان هذا الكتاب اذ كانت مقرونة بالصلاة في القرآن وفي احاديث الرسول الموكل
ذوو الفاقة من
اليه البيان، وفرض سبحانه الصوم على ذوي الفاقة والاغنياء لكسر شهوة النفس التي هي دابة الشيطان وليعرفوا اذا صاموا رمضان ما يقاسيه شدة المجاعة طول الزمان فتسخو انفسهم حينئذ بدفع الزكاة وغيرها من الحقوق الواجبة عليهم. وقيل ليوسف عليه السلام أتجوع وبيدك خزائن الارض؟ فقال اخاف اذا شبعت ان انسى اهل الجوع، ثم ان الله تعالى جعل في الصوم واجبا يتعلق العقاب بتركه وهو ما يجب لنفس الزمان كصيام رمضان، ومنه ما يجب لعلة الحنث في الايمان كصوم الكفارات من القتل والظهار وغير ذلك، ومنه ما يجب بايجاب الانسان على نفسه كصيام النذر الواجب عليه ثم جعل تعالى في الصوم مسنونا مندوبا اليه تتعلق الفضيلة بامتثاله ولا يتوجه الوعيد الى تاركه وسيأتي في آخر الكتاب ان شاء الله. ولا يتضمن كتابنا هذا من اقسام واجب الصوم الا رمضان. والكلام فيه ينحصر في ثمانية ابواب (2/64)
صفحة 462
الباب الأول
في حكمه ومعنان
كتب
اما حكم صومه فهو الوجوب بظاهر الكتاب والسنة واجماع من الامة اما الكتاب فقول الله تعالى كتب عليكم الصيام الآية (1) و معنى اي فرض واوجب. ومن السنة قول النبيء علال بني الاسلام على
خمس (2) فذكر فيها الصوم. وقوله للاعرابي (وصيام شهر رمضان) فقال: هل علي غيره؟ قال: لا الا ان تطوع (3). واما الاجماع فانه لم ينقل في ايجاب صومه خلاف عن احد من الامة: واما تعيين شهر رمضان لمحل الصوم فبتعريف الله اياه بالاضافة في قوله تعالى: شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن (4). ثم ذكر تعريفه بالالف واللام فقال «فمن شهد منكم الشهر فليصمه (5) فتكرير المعرفة عند اهل العربية تكرار، واما النكرة فتكرارها اغيار. الدليل على ذلك قول الله تعالى وفان مع العسر يسراً ان مع العسر يسرا (6) فالعسر واحد واليسر اثنان لقول النبيء له لن يغلب عسر واحد يسرين (7) والله اعلم واما معناه فهو على
وجهين. لغوي و شرعي، فاللغوي هو الامساك والشرعي هو عن الطعام والشراب والجماع وغيره من جميع ما يفسد الصوم.
الامساك
1) البقرة: (183)
(2) عن ابن عمر رواه البخاري ومسلم - وتمام الحديث وشهادة ان لا اله الا الله وان رسول الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان.
(3) تقدم.
(6) الشرح
(4) البقرة: (185).
(70):
7) رواه الحاكم من طريق عمر وهي اصح طرقه.
-
(5) البقرة: (185). (2/65)
صفحة 463
الباب الثاني في أسباب الصوم
وفيه مقدمة وفصلان فالمقدمة تحتوي على صوم يوم الشك واختلاف الناس فيه. وقد اجمع جمهور العلماء على ان ثبوت النهي عن صيام يوم الشك على انه من رمضان لقول النبيء عل الله لا تتقدموا الشهر حتى تروا
الهلال او تكملوا العدة (قبله (1) واختلفوا في صومه: فقال اكثر العلماء من الصحابة والتابعين: لا يجوز صومه. روي هذا عن عمر بن ا الخطاب وعلي، وحذيفة وابن مسعود وعمار رحمهم الله و به قال ابن عباس وابو هريرة وانس وابو وائل وعكرمة وابن المسيب والنخعي والشعبي وابن جريج والأوزاعي وغيرهم، وهو قول ابي عبيدة والعامة من فقهائنا ـ وأجاز آخرون صيامه وذكروا عن اسماء بنت ابي بكر انها كانت تصوم اليوم الذي يغمى على الناس فيه ـــ وروي عن. عائشة رضي الله عنها انها قالت: لصوم يوم من شعبان احب الي من ان افطر يوما من رمضان. والصحيح القول الاول لظاهر الاحاديث التي يوجب مفهومها تعلق الصوم بالرؤية او بالخبر على ما سيأتي ان شاء الله. واختلفوا في تحري صيامه تطوعا اذا حال دونه سحاب فكرهه بعضهم، وبه قال جابر بن زيد. وكان ابن عباس يأمر بفصل مابينهما وبه قال ابو هريرة. وعن عكرمة قال: من صام هذا اليوم
الشك فقد
يعني يوم
عصى
الله
ورسوله. ورخصت طائفة في صومه
تطوعا. وروي ذلك عن الاوزاعي والليث بن سعد واحمد واسحاق واهل
1) رواه الترمذي من حديث ابن عباس بلفظ: «لا تصوموا قبل رمضان. صوموا لرؤيته
وافطروا لرؤيته فان حالت حوله غيابة فاكملوا ثلاثين يوماه (2/66)
صفحة 464
الرأي، وحجتهم ما روي عن النبيء الا انه قال ولاتتقدموا رمضان بيوم ولا بيومين الا ان يوافق ذلك صوما كان احدكم يصومه فليصمه (1) والمعمول به عند اصحابنا في يوم الشك الامساك عن الطعام حتى ينتشر الناس وترجع الرعاة فان انه
الجميع
الاعادة
صح من رمضان اتموه والا افطروا، وعلى
من افطره ومن صامه لانه صامه على غير نية والله اعلم.
الفصل الاول
في احد سببي موجب الصوم
وهو الرؤية للهلال لقوله عليه السلام (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فان غم عليكم فاقدروا له (2) واجمع العلماء على ان الشهر العربي يكون تسعا وعشرين يوما ويكون ثلاثين لثبوت ذلك في الحديث، واجمعوا على ان الاعتبار في تحديد طرفي رمضان انما هو الرؤية للحديث المتقدم. واعني بالرؤية اول ظهور القمر بعد السرار. واختلفوا في الحكم اذا غم الشهر ولم تكن الرؤية في وقتها المعتبر لها فذهب جمهور العلماء الى ان الحكم في ذلك اكمال العدة ثلاثين يوما، فان كان الذي غم هلال أول الشهر عد الشهر الذي قبله ثلاثين وكان اول رمضان الحادي والثلاثين، وان كان الذي غم هلال آخر الشهر صام الناس ثلاثين يوما. الا ما روي عن ابن عمر انه ذهب الى انه ان كان المغمى هلال اول الشهر صام الناس اليوم المعروف بيوم الشك. وروي عن مطرف بن الشجري وكان من
2) تقدم اسناده من حديث ابي سعيد الخدري رواه الربيع بصيغة النهي يعني لاتصوموا حتى تروا الهلال الخ
1) متفق عليه من حديث ابي هريرة.
- 1 V- (2/67)
صفحة 465
التابعين: انه اذا غم الهلال اعتبر الحساب بسير الشمس والقمر (1). ومثله
كانت
1) مبحث العمل بالحساب الفلكي في اثبات اول رمضان واول شوال. لئن قيل بالحساب الفلكي لاثبات اول رمضان ونهايته في عصر التابعين يوم الامة الاسلامية في اميتها فاولى بها اليوم ان تعمل به وقد التحقت بركب المعرفة وتقدم علم الفلك فى العالم باسره واصبح له مراصد عالمية تعتني بالحساب عناية لا يبقى معها مجال للشك في صحة ما تثبت. ونظرا الكون حكومة الجزائر تملك مرصدين عالميين مرصد (بوزريعة بالجزائر العاصمة ومرصد «تمنراست بنجوم الصحراء يتسنى لها بواسطتهما ان تتبنى المسألة بكل جدارة، رأت ان تجعل حدا للفوضى الاجتماعية والتلاعب الذي نال شعيرة الصوم: فقد كشفت لها الايام ان شهادات قدمت اليها في سنوات خلت واعتمدتها في اثبات اول رمضان ونهايته كانت مفتعلة ومكذوبة آخرها شهادة جاءتها من بلدة بوسعادة سنة 1391 وقبلها: هادة من (مغنية). وبناء على ذلك رفعت الى لجنة الافتاء المركزية التابعة لوزارة التعليم الاصلي و الشؤون الدينية هذه المسألة لتصدر فيها فتوى شرعية فاصدرت فتواها بجواز العمل بالحساب الفلكي في اثبات اول الصوم والافطار مدعمة بحجج مقنعة في جلستها المنعقدة مساء 29 المحرم سنة 1392 ونشرت في جريدة الشعب تاريخ 5 اکتوبر 1972 واعتمدتها الحكومة فعلا وقررت العمل بها من بداية رمضان 1392. ومن ثم اصبح العمل جاريا بالحساب الفلكي فى اثبات الصوم والافطار في عموم الجزائر كما هو جار في سائر العبادات سيما مواقيت الصلاة وبذلك قطع الطريق في وجه العابثين بهذا الركن العظيم من اركان الدين اما اصل المسألة فلابد ان نقدم - كي تفهمها فهما صحيحا. بعض حقائق
عليها يدور محور البحث.
-
ا لقد بلغ علم الفلك في هذا العصر شأوا بعيدا من الدقة والضبط في تجلية الحقائق الغامضة بوسائله العجيبة والآلة الكاشفة. تكبر الاشياء الدقيقة وتقرب الابعاد وتصير ما كان خيالا متوهما حقيقة ملموسة، وما كان خفيا باديا للناظرين فاصبح الحساب الفلكي بمقتضى ذلك قطعي الدلالة لاريب فيه يصح عليه في اثبات مواقيت العبادات، ومنها بداية الصوم ونهايته. ان من تأمل ما ورد في القرآن حول الموضوع تبين له ان من فسر ما ورد في
الاعتماد
حديث ابي سعيد الخدري فاقدروا له بالحساب الفلكي لم يذهب بعيدا عن
منطوق القرآن ولا خرج عن مدلول الحديث البتة كقوله تعالى هو الذي
= (2/68)
صفحة 466
مروي عن الشافعي انه قال: من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر ثم تبين له من قبل ذلك ان الهلال مرءي وقد غم فانه يعتقد الصوم ويجزيه وسبب الخلاف الاحتمال الذي في قوله عليه السلام فان غم
ه
6
= وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وقوله: (وجعلنا الليل عدد السنين والحساب) وقوله: والشمس والقمر بحسبان).
ليست هذه النظرية من مبتكرات العصر ولا قال بها العلماء المتأخرون فقط بل قال بها مطرف بن الشجري من التابعين وابن سريج من ائمة الشافعية وقالت بها الروافض وغيرهم.
اثبات اول رمضان واول شوال كاثبات اوقات الصلوات الخمس لافرق. وغرض الشارع من ذلك العلم بهذه الاوقات لا التعبد برؤية الهلال. تعليق ثبوت الشهر برؤية الهلال او اكمال العدة بشرطه معلل بكون الامة كانت امية في عهده الله
ان
من مقاصد بعثته (الله ان يخرج الناس من الظلمات الى النور. العمل بالحساب المقطوع به اقرب الى مقصد الشارع وهو العلم القطعي بالمواقيت وعدم الاختلاف فيها من العمل بالرؤية في جميع مواقيت العبادات اخذا بظواهر النصوص وحسبانها تعبدية مع كثرة الاختلاف اخلاتف اقوال مؤلفي التقاويم الذي اتخذه منكر والعمل بالحساب الفلكي قادحا في قطعيته انما كان سببه ان بعضهم جرى على قاعدة تولد القمره وبعضهم على قاعدة «توافق الشرع بان يجعل اول الشهر الليلة التي يمكن ان يرى فيها الهلال اذا انتفت الموانع كالغيوم وما في معناها.
لائمة المسلمين و أمرائهم اذا ثبت ذلك عندهم ان يصدروا حكما بالعمل به فيصير حجة على الجمهور. وهذا اصح من الحكم باثبات الشهر باكمال عدة شعبان مع عدم رؤية الهلال والسماء صحو. 10 وبعد كل هذا وذاك فالمسالة مسألة فرعية مما يصح فيها اختلاف انظار العلماء ولا يسوغ لاحد الفريقين ان يخطئ فيها الاخر و فالمخطيء هو المخطى ـ قال صاحب قاموس الشريعة والخلاف في الاصول اضيق من سم الخياط على الجمل والخلاف في الفروع اوسع من رمال الدهماء على راعي الا بل!!! وفرق بين الاصول والفروع. (2/69)
صفحة 467
عليكم فاقدروا له، فذهب اكثر العلماء الى ان التاويل اكمال العدة ثلاثين يوما. وذهب آخرون الى ان معناه التقدير بالحساب النجومي، ومنهم
وبعد فان الحجر الاساسي الذي يقوم عليه بنيان البحث هو الحديث الذي رواه الامام الربيع بن حبيب في مسنده الصحيح عن ابي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (ع) في رمضان: ولا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فان غمي عليكم فاقدروا له وفي رواية اخرى فاتموا ثلاثين يوماه. ان من أمعن النظر فيه طويلا وجده يشير بروايتيه الى اختلاف حالة الامة ازاء تحديد اول الشهر وآخره. متي حملنا قوله (ع) وفاقدروا له على التأسيس لا على التاكيد الذي ذهب اليه جمهور علمائنا، والتاسيس اولى من التأكيد وهو بكلام من اوتي جوامع الكلم اليق وأوفق:: فما دامت الامة امية - كما قال (ع) ونحن امة امية لانكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذاه يعني: تسعة وعشرين يوما او ثلاثين يوما ـ فالعمل اذا غم الهلال يكون على رواية اتمام الثلاثين وانت خبير ان المراد بالغم عدم الظهور ولو في الصحو كما نص على ذلك القطب اطفيش في شرح الدعائم. اما اذا تقدمت الامة فى العلم وتيسرت لديها وسائله وحذقت الحساب فان الشهر يقدر
بالحساب الفلكي. اما:
1
امکان
كل
فلان الرواية الأولى عند الربيع تلح على ان العمل بالحساب هو الاصل 2 وان القرآن قد حث على علم الحساب قبل نزول آية الصوم ببضعة عشر عاما لكن لما وجد الرسول علال الامة امية وليس من الحكمة ان يكلفها بما ليس في وسعها ارشدها فى اثبات مواقيت العبادات الى الرؤية التي هي في حاضر وباد فقال في حق شهر رمضان صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فان غم عليكم فاكملوا العدة ـ او شعبان ثلاثين الله يعلم ان في الارض مناطق غمها دائما وليس لها شعبان ولا رمضان فيتأتى لها اكمال الثلاثين، وان جهات من المنطقة المعتدلة لها شعبانها ورمضانها لكن سماعها تظل غائمة مددا لا يتيسر معها تمييز رمضان فضلا ان يكمل هذا او ذاك. وعليه فتعليق الصوم والافطار فى اول عهد الامة برؤية الهلال يعتبر مرحلة تمهيدية لشريعة الاسلام آخر الشرائع السماوية الباقية بقاء الدنيا ريثما يمتد الاسلام الى الجهات المومى اليها وتثمر تعاليمه السامية في نفوس اتباعه مما حث عليه الله في كتابه المبين. هنالك اذ تتأهل الامة لاثبات مواقيت عباداتها بالطريقة
وان
اليقينية فان اعتقادها قطعيتها حينئذ يمنعها ان تعدل عنها الى الشهادة الظنية التي =
=
- Y. (2/70)
صفحة 468
من رأى ان معناه ان يصبح المرء صائما، وهو مذهب ابن عمر كما قدمنا فيما روي عنه والله اعلم وكان جابر بن زيد والحسن اذا غم اصبحا
مفطرين.
=
كثيرا ما يقع فيها التلاعب والتزوير ويحدث اختلافها في الامة فوضى دينية اجتماعية تمزقها شيعا كل حزب بما لديهم فرحون يخطيء الواحد الآخر في سلوكه ويتهمه برقة الدين
-
والله
وان الرسول (ع) لما قال نحن أمة امية لانكتب ولا نحسب الحديث لا يقصد بذلك اقرارها على المحافظة على اميتها وانه لا ينبغي ان تكون عالمة كاتبة حاسبة يوما فلو فرضنا ذلك لكان الرسول (ع) مشبطا عما حث عليه القرآن اذ يقول لتعلموا عدد السنين والحساب وحاشاه من ذلك حاشاه، كيف وقد عمل هو نفسه على رفع الامية اذ جعل فداء اسرى بدر الفقراء الذين يحسنون الكتابة والقراءة ان يعلم الواحد منهم عشرة من صبيان المسلمين القراءة والكتابة ثم هو حر طليق. وجعل هو نفسه القرآن المعيار الذي يعرف به صدق حديثه وصحة نسبته اليه ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله الحديث وانما قال ذلك مفصحا عما امكنه تطبيقه حينذاك ولو امكنه اكثر ما عدل اعلم. عن القطعي الى الظني ه كلام الرسول كلام مشرع لا ينطق عن الهوى من شان عبارته ان تكون مرنة جامعة تلائم ما يعلمه الله من تطور حال البشر بحيث لا يتضارب وسير العلم فكلما استجدت حالة او بلغ العلم مستوى اعلى مما كان عليه قبل الا ونجد نص الشارع يسعه ولا ياباه فقوله (ع) ايضا ولا تصوموا حتى تروا الهلالي ولا تفطروا حتى تروه وان كان المتبادر منه رؤيته بالعين المجردة لكون ذلك في عهده (علل لكنه قد يقال ان ذلك لا ينافي الحساب الفلكي بل يسعه ويشمله، ذلك ان الرؤية وردت في الحديث مطلقة ولم يقيدها بالعين المجردة فجاز ان تشمل الرؤية بالمجهر الذي يتحقق بها الحساب الفلكي متي اثبت العلم ولادة الهلال وتعذرت رؤيته بالعين المجردة اما قوله بعد ذلك فان اغمي عليكم فاقدروا له فينصرف الى الحساب اذا كانت الامة غير امية او اكمال ثلاثين يوما ان كانت لاتزال على اميتها. وعلى هذا التوجيه يحمل كلام من أوتي جوامع الكلم (علي) لا يتعارض والحقيقة الواقعية متى تطورت الامة واصبحت عالمة بالحساب الفلكي. وهكذا شانه (علل الله في التعبير عن الاحكام التي تخضع لسنة =
ما الله
حتى
- VI - (2/71)
صفحة 469
من
مسألة:: واختلف العلماء في وقت اعتبار رؤية الهلال مع اتفاقهم على انه اذا ربي بالعشي انه من الليلة المقبلة، واختلفوا اذا ربي في سائر اوقات النهار: فذهب اصحابنا وبعض فقهاء الامصار الى انه في اي وقت رئي النهار انه من الليلة المستقبلة. روي ذلك عن الشافعي وابي حنيفة ومالك بن انس وغيرهم، وذهب آخرون الى انه اذا ربي قبل الزوال من الليلة الماضية، وان ربي بعد الزوال فهو من الليلة المقبلة. وروي مثله عن سفيان الثوري وابي يوسف صاحب ابي حنيفة وبعض اصحاب مالك والله اعلم، وسبب الخلاف التحري فيما سبيله التحري والرجوع الى الأثار المروية عن عمر بن الخطاب رضي واحتج اصحاب القول الاول بما روي عن ابي وائل انه قال: اتى فى كتاب عمر ان الاهلة بعضها اكبر من بعض فانها اذا وفت رئيت بالنهار، فاذا رأيتم الهلا فلا تفطروا حتى يشهد رجلان انهما رأياه بالامس. والثاني ماروي عنه ان بلغه ان قوما رأوا الهلال بعد الزوال فأفطروا فكتب اليهم يلومهم فقال:
الله عنه،
اذا
رأيتموه نهارا قبل الزوال فافطروا وان رأيتموه بعد الزوال فلا تفطروا والقول الأول اصح فيما وجدت فى اثر اصحابنا، وزعم انه قول ابي عبيدة الفقهاء، وهو مروي عن عمر وابنه وابن مسعود وعثمان
والعامة
من
=
: التطور تكون عبارته دائما مرنة لاتتعارض وما يثبته العلم القطعي وهو سر كمال شريعة الخلود التي تلائم كل عصر وتواكب ركب المعرفة مهما تطورت العلوم واتسعت آفاقها وارتقت المدارك واصبحت حقائقها واقعية ملموسة ما الى انكارها من سبيل. هذا ماتيسرلي تسطيره في ايضاح هذه المسألة الحديثة التي التبس فيها وجه الصواب على كثير من الناس. ارجو ان اكون فيه مسدد الخطوات صادق النظرات معصوما من الخطا والزلل ثم استغفر الله على كل حال وما توفيقي الا بالله عليه توكلت
واليه انيب
اهـ مصححه
72
- (2/72)
صفحة 470
واكثر فقهاء الامصار والله اعلم.
مسألة: واتفق اكثر العلماء على ان من ابصر هلال الصوم وحده
ان لا
الا
ان عليه ان يصوم. وزعم بعضهم يصوم برؤية غيره وبه قال
عطاء
بن
ابي رباح فيما روي عنه، واختلفوا هل يفطر برؤيته: فذهب بعضهم الى انه يفطر. وبه قال ابوبكر بن عبدالمنذر والشافعي وهو قول اصحابنا الا انهم قالوا يفطر سرا لئلا يبيح البراءة. من نفسه. وذهب آخرون الى انه لا يفطر وروي ذلك عن مالك بن انس وابي حنيفة. وهذا لا له لان النبيء عل الله قال «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته (1) فحصول العلم بالرؤية يقع من طريقين احدهما الحس كما قدمنا. وبه يحصل العلم باتفاق العلماء والثاني المخبر وهو أحد سببي موجب الصوم وسنذكره إن
معني
شاء الله
الفصل الثاني
في السبب الآخر الموجب للصوم
وهو الخبر وفيه ثلاث مسائل: احداها في عدد المخبرين الذين يجب قبول خبرهم عند الرؤية: فقال اصحابنا يجب الصيام بخبر العدل الواحد ولا يفطر الا بشهادة عدلين. وبه قال احمد بن حنبل فيما وجدت عنه. وقال آخرون لا يصام ولا يفطر الا بشهادة عدلين. روي ذلك عن مالك ابن انس والاوذاعي والليث بن سعيد وبه قال عمر بن عبد العزيز
1) وتمام الحديث: فان غم عليكم فاكملوا العدة ثلاثين يوما، فان شهد شاهدان فصوموا وافطروا عن ابي هريرة رواه البخاري، بلفظ وان غبي» و «عدة شعبان
بدل العدة
- (2/73)
صفحة 471
وعطاء وغيره. واجاز بعضهم شهادة الواحد في الصوم والافطار. وسبب الخلاف الاثر وتردد الخبر بين ان يكون من باب الشهادة او من باب العمل بالاحاديث فلا يشترط فيها العدد. اما الاثر فحديث الاعرابي المروي عن طريق ابن عباس قال يا رسول الله ابصرت الهلال الليلة فقال اتشهد ان لا اله الا الله واني رسول الله؟ فقال نعم، قال عليه السلام: قم يا بلال فاذن في الناس فليصوموا غدا (1) وبهذا ياخذ اصحابنا، والحديث الآخر مروي عنه عليه السلام قال «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فان غم عليكم فاكملوا العدة ثلاثين يوما فان شهد شاهدان فصوموا وافطروا (2)، واظن اصحابنا ومن وافقهم انما فرقوا بين هلال الصوم والفطر لمكان سد ذريعة ان لا يدعي من لا يوثق به انه راى الهلال وهو بعد لم يره، وقيل انما ردوا شهادة العدل في الافطار واجازوها في الصوم لانه في الصوم شهد على نفسه وفي الافطار شهد لنفسه. والله اعلم. ولذلك روي عن بعضهم في الصوم اجازة قول العبد والامة، ولا يجوز فى الافطار الا شهادة رجلين او رجل وامراتين، وقال اصحابنا يصام بامين واحد، وبامينين وامراتين امينتين وبثلاثة نفر من اهل الجملة اذا لم يسترابوا وبالشهرة التي لاتدفع
والله اعلم (3).
(1) رواه الخمس الا احمد عن عكرمة عن ابن عباس.
من
(2) عن ابي هريرة رواه البخاري بلفظ وان غبي» و «عدة شعبان بدل العدة كل ذلك كان تفريعا على القول بان رؤية الهلال باب الشهادة لا باب الخبر من والعمل بالاحاديث والتحقيق ان القول بانها من باب الخبر هو الأظهر. ذلك ان باب الخبر قوامه تصديق المخبر لافرق في ذلك بين الرجل والمرأة، وان ثبوت الصوم بالعبد وحده: وبالامة وحدها واشتراط عدم الاسترابة في الجملتين كل ذلك يلحن الى ان المعتبر في الباب هو التصديق وهو ما يؤيد هذه النظرية. وبناء على ذلك فلنا ان نعمل بالنساء وحدهن كما نعمل بالرجال وحدهم الا ترى اننا نصدق =
— YE — (2/74)
صفحة 472
المسألة الثانية: واختلفوا في هلال يراه اهل بلد ولا يراه غيرهم فروي عن عكرمة انه قال لكل قوم رؤيتهم وروي مثله عن سالم عبدالله بن وابن عباس وغيرهم. وقال اخرون اذا ثبت ان اهل بلد رأوه فعلى من افطر بعد ذلك القضاء روي ذلك عن الشافعي والليث بن سعيد واهل المدينة والله اعلم. وسبب الخلاف تعارض النظر والآثار: اما النظر فهو ان البلاد اذا لم تختلف مطالعها كل الاختلاف وجب ان يحمل بعضها على بعض واما الآثار فما روي عن بعضهم (1) انه قال: قدمت من الشام الى المدينة فى آخر رمضان فسألني إبن عباس فقال متى رأيتم الهلال؟ فقلت ليلة الجمعة. فقال انت رأيته؟ قلت: نعم ورآه الناس فصاموا وصام معاوية، فقال لكن رأيته ليلة السبت فلا نزال حتى نكمل ثلاثين يوما أو نراه. فقلت الا تكتفي برؤية معاوية؟ فقال: لا، هكذا امرنا النبيء فظاهر الاثر يقتضي ان كل بلد ورؤيته قرب او بعد. والنظر يعطي الفرق بين البلاد النائية والقريبة، لانهم اجمعوا فيما وجدت على انه لا
يراعى ذلك في البلد النائية كالاندلس والحجاز والله اعلم.
المسألة الثالثة: واذا صح رمضان بشهادة العدل الواحد فلم يصمه احد محتجا انه يقبل فيه الاشهادة عدلين، فذكر ابن جعفر في كتابه: ان لا كفارة عليه، وان منزلته خسيسة لاتفاق المسلمين على قبول قول
المرأة ـ كالرجل ــ اذا ما عهدنا اليها بتطهير ثوب فاخبرتنا انها طهرته وصدقناها والتصديق حجة) صح لنا ان نصلي بذلك الثوب وتكون صلاتنا صحيحة باتفاق العلماء. فاي فرق اذن بين الصوم والصلاة وكلاهما من قواعد الاسلام؟ اضف الى ذلك ان النظرية تلائم يسر الاسلام وسماحته. والدين يسر. وما جعل عليكم
في الدين من حرج 1) هو كري
اهـ مصححه
— Yo — (2/75)
صفحة 473
الثقة في صومه. ولعمري لكذلك لان هذا امر مختلف فيه. واما ان صح بشهادة عدلين او بالشهرة فلم يصمه فعليه الكفارة مع لزوم الكفر اياه عند اصحابنا إلا ان عند بعضهم ان ادعى الجهالة فعليه بدل يوم والله اعلم.
فهدا ما يتعلق من المسائل بزمان الوجوب اعني تحديد طرفي الشهر
الفصل الثالث
•
فيما يتعلق بزمان الامساك عن الطعام والشراب وغيرهما وقد اجمعوا على ان آخره مغيب الشمس لقول النبيء علل «اذا اقبل الليل من ههنا يعني من المشرق وادبر النهار وغابت الشمس فقد افطر الصائم اكل او لم ياكل (1). وقوله اذا سقط القرص وجب الافطار (2)
واختلفوا فيمن افطر وهو يرى ان الشمس قد غابت وهي لم تغب بعد
فقال اكثر اهل العلم يقضي يوما مكانه لقوله تعالى «ثم اتموا الصيام الى الليل (3) وروي ذلك عن ابن عباس وعمر بن الخطاب. ومعاوية وبه قال عطاء وسعيد بن جبير ومجاهد والزهري وغيرهم من فقهاء الامصار
•
1) متفق عليه من حديث عمر ـ ورواية الترمذي عن عمر قال قال رسول الله (ع): اذا اقبل الليل، وادبر النهار، وغابت الشمس فقد افطرت (2) ذكره البخاري اثراً لابي سعيد الخدري في باب متى يخل فطر الصائم»: «فافطر ابو سعيد الخدري حين غاب قرص الشمس قال العيتى: ووصله سعيد بن منصور وابن ابي شيبة من طريق عبد الواحد بن ايمن عن ابيه قال: دخلنا على ابي سعيد فافطر ونحن نرى الشمس لم تغرب وجه ذلك: ان ابا سعيد لما تحقق غروب الشمس لم يطلب مزيداً على ذلك ولا التفت الى موافقة من عنده على ذلك فلو كان يجب عنده امساك جزء من الليل لاشتراك الجميع في معرفة ذلك
اهـ مصححه
البق
رة: 187.
- 76 - (2/76)
صفحة 474
واهل الراي، وقال آخرون لا شيء عليه، روي ذلك عن الحسن البصري
وغيره وزعموا انه بمنزلة الناسي. والأول اصح (1).
مسألة: واختلفوا في اول زمان الامساك: فقال اصحابنا وجمهور الفقهاء هو طلوع الفجر الثاني المستطير الابيض المعترض في الافق، لثبوت ذلك في الحديث عن رسول الله (2)، وبه قال عمر بن الخطاب وابن عباس وعوام علماء الامصار. وشذت فرقة فقالت هو الاحمر الذي يكون بعد الابيض. وهو نظير الشفق الاحمر: زعموا ذلك عن علي انه صلى الفجر. فقال هذا حين تبين الخيط الابيض، وزعموا مثله. عن حذيفة وابن مسعود، وان حذيفة «لما طلع الفجر تسحر ثم صلى»، وعن مسروق انه قال لم يكونوا يعدون الفجر فجركم هذا انما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق. وسبب الخلاف في هذا اشتراك اسم الفجر واختلاف الاثار - والاصح ما قدمناه اولا لقوله تعالى حتى يتبين لكم الخيط الابيض (3) فهذا نص في موضع النزاع وهو قول ابي عبيدة
وعامة الفقهاء.
مسألة: واختلفوا في الحد المحرم للاكل: فقال قوم هو طلوع الفجر نفسه وقال آخرون هو تبينه عند الناظر اليه، والا فالاكل مباح له حتى
1) يمكننا ان نعتبر بناء على ما روي عن عمر بن الخطاب وعن اسماء بنت ابي بكر القول الثاني هو الاصح كما سيأتي قريبا ايضاحه. 2) تقدم في كتاب الصلاة والمسألة الخامسة في وقت دخول الفجره. ولقوله (ع) واذا رأيتم الفجر المستطيل فكلوا واشربوا ولا تصلوا الفجر، واذا رايتم الفجر المستطير فلا تاكلوا ولا تشربوا وصلوا الفجر» رواه الخمسة ـ يعني بالمستطير المعرض في
الافق
البق
رة: 187
77 (2/77)
صفحة 475
يتبين وان كان قد طلع، وفائدة الخلاف اذا انكشف لمن ظن انه لم يطلع بعدما اكل: فمن قال الحد في ذلك هو الطلوع نفسه اوجب عليه الفضاء، قال الحد ومن هو العلم الحاصل له لم يوجب عليه القضاء، وهو قول جمهور العلماء، واختلفوا فيمن اكل وهو لا يعلم طلوع الفجر ثم علم به فقالت طائفة يقضي يوما مكانه، روي ذلك عن ابن سيرين وسعيد بن جبير والاوزاعي والشافعي واهل الرأي، وقال قوم لاقضاء عليه روي ذلك عن مجاهد وعطاء وعروة بن الزبير، والقول الاول احوط، وسبب الخلاف الاحتمال الواقع في قوله تعالى وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض الآية (1)، فاضافة التبين لنا بظاهر اللفظ يوجب الامساك بالعلم، والقياس يوجب تعلقه بالطلوع نفسه اعني قياسا على الغروب وسائر الأوقات الشرعية كالزوال وغيره، فان الاعتبار في جميع
تعلق
ذلك حلول الوقت تبين لنا او لم يتبين، فمن ذهب الى وجوب الامساك قبل الطلوع جرى على الاحتياط وسد الذريعة وهو اورع، ومن ذهب الى ان الاكل متصل بالطلوع احتج بقول النبيء ع فكلوا واشربوا حتى يؤذن ام مكثوم فانه رجل اعمى لا يؤذن حتى يقال له اصبحت اصبحت (2) وهو اقيس، والاول اورع والله اعلم.
1) تقدم ذكرها قريبا.
2) متفق عليه وفي آخره ادراج: ي ان قوله وكان رجلا اعمى الى آخر الحديث ليس من كلامه (ع) وانما هو من كلام ابن عمر او من كلام الزهري كما ذكره شارح
البخاري
- YA- (2/78)
صفحة 476
الباب الثالث
في اركان الصوم
وهي اربعة: احدها العلم بدخول الشهر لقول الله تعالى «فمن شهد منكم الشهر فليصمه (1) والمشاهدة على ضربين: احدهما مشاهدة بالرؤية وقد تقدم تفسيرها، والثاني مشاهدة بالعلم لمن عدم رؤيته بالحس وهو الاعمى والمحبوس والاسير ومن في معناهم ممن عجز عن رؤية الهلال، فاذا عدم هؤلاء العلم بحلول الشهر تحروا شهرا فيصومونه فان الشهر رمضان او بعده اجزأ عنهم في قول اصحابنا وجمهور العلماء لان
خرج
ذلك
ذلك عليهم دين فقضوه بعد رمضان، وان خرج شعبان او ما قبله فلا يجزيهم صومه لانهم صاموه قبل وجوب فرضه عليهم، كمن صلى قبل وقت الصلاة، وذهب بعضهم الى جوازه قبل رمضان فشبهوا ذلك بخطأ القبلة وخطأ عرفة عند بعضهم، والاول اصح، واختلفوا في هؤلاء اذا صاموا رمضان تطوعا فقيل يجزيهم، وقيل لا يجزيهم والله اعلم، وقد قيل في قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه اي حضره في بلده والله
اعلم.
وهو
ان
الركن الثاني
في استكمال طرفى الشهر المفترض
يصام لرؤيته ويفطر لرؤيته وقد تقدم تفصيل ذلك.
1) النق رة: 185.
- (2/79)
صفحة 477
الركن الثالث
النية
وفيها خمس مسائل: احداها: اجمع اهل العلم على ان النية شرط في صحة الصوم المفروض الا ما روي عن زفر انه قال: رمضان لا يحتاج الى نية الا ان يكون الذي يريد صيامه مريضا او مسافرا، وسبب الاحتمال المتطرق الى الصوم: هل هو عبادة معقولة المعنى او غير معقولة؟
الخلاف
فمن راى انها غير معقولة المعنى وهو قول الجمهور اوجب النية، ولا جماعهم لو ان انسانا اصبح غير معتقد المصوم فلم يأكل حتى غابت الشمس انه لا يسمى صائما صوما شرعيا ولا يستحق ثواب الصائم. ومن ذهب الى ان الصوم عبادة معقولة المعنى قال قد حصل صومه وان لم ينوه لكن تخصيص زفر رمضان دون غيره من انواع الصوم فيه ضعف فكانه لما راى ان رمضان لا يجوز فيه الافطار راى ان كل صوم يقع فيه ينقلب صوما شرعيا والله اعلم.
لابد
اعتقاد
المسألة الثانية: واختلفوا في تعيين النية المجزئة في ذلك: فقال بعضهم تعيين صوم رمضان ولا يجزيه اعتقاد النية للصوم مطلقا، ولا
من
بن
صوم معين غير صوم رمضان. والى هذا ذهب مالك انس (1) وقال آخرون: ان اطلق الصوم او نوى فيه غير رمضان اجزأه وانقلب الى صيام رمضان، الا المسافر فانه اذا نوى في رمضان غيره اجزأه. وهذا ينسب الى ابي حنيفة. ولم يفرق صاحباه - فيما روي عنهما ما بين المسافر
-
والمقيم فقالا: كل صوم اعتقده الانسان في رمضان انقلب الى رمضان.
(1) وهو مذهب اصحابنا
- ^. (2/80)
صفحة 478
وسبب الخلاف هل: الكافي في رمضان تعيين جنس العبادة، اوتعيين شخصها؟ وذلك ان كلا الامرين موجود في الشرع. مثال ذلك النية في الوضوء يكفي منها اعتقاد رفع الحدث لجميع العبادات التي الوضوء شرط في صحتها، وليس يختص كل عبادة بوضوء مجدد. واما الصلاة فلا بد من تعيين النية فيها ان عصرا فعصر وان ظهرا فظهر وهذا كله على المشهور عند العلماء، فتردد الصوم بين هذين الجنسين، فمن ألحقه بالوضوء قال يكفي فيه اعتقاد الصوم مطلقا، ومن ألحقه بالصلاة قال لابد من تعيير صوم رمضان الخلاف ايضا اذا نوى في رمضان غيره: و سبب
•
•
هل ينقلب اليه اولا ينقلب؟ سببه ايضا أن من العبادة ما ينقلب فرضا اذا ابتداه تطوعا وذلك كالحج اذا ابتدأه من وجب عليه تطوعا انقلب ذلك عندهم فرضا. وكذلك جميع التطوع اذا دخل فيه فان عليه اتمامه كالفرض، وان افسده فعليه الاعادة، ومن العبادة ما لا ينقلب كالصلاة اذا عقدها نافلة فلا تستحيل فرضا والله اعلم المسألة الثالثة: واتفقوا على ان من نوى الصوم في كل ليلة من رمضان انه اجزاه، واختلفوا في اعتقاد النية من اول ليلة انه يصومه كله. هل يجزيه ذلك؟ فذهب اصحابنا الى جوازه ووافقهم على ذلك بعض فقهاء قومنا واظن مالك واصحابه، وقال آخرون لا يجزيه حتى ينوى كل ليلة، وحجة اصحاب القول الأول، ان رمضان عبادة واحدة تكفي فيه نية واحدة من أوله كالصلاة وغيرهما من العبادات. ولعل الآخرين احتجوا بان الليالي فصلت بين صيام الايام والله اعلم.
المسألة.
الرابعة: واختلفوا في وقت النية: فقال اصحابنا لا يجوز صيام
فرض ولا نفل الا بتبييت النية من الليل قبل الصبح. وبه قال مالك بن
- (2/81)
صفحة 479
انس، وذهب الشافعي الى اجازتها بعد الفجر لصوم النفل دون الفرض، وذهب ابو حنيفة الى جوازها بعد الفجر في كل فرض متعين وقته مثل رمضان او نذر أيام معدودة. وسبب الخلاف في هذا اختلاف الاثار وذلك
عائشة
رضي
قوله عليه السلام ولا صوم لمن لم يبيت الصيام من الليل (1) وحديث الله عنها انها سألها النبيء عل هل عندك من طعام؟ قالت: لا، قال فاني صائم، وذلك في النهار (2). والاول اصح لعموم الحديث في النفل والفرض جميعا، والحديث الثاني يحتمل ان يكون سألها عن قوتهم الذي لابد لهم منه وقت الافطار والله اعلم.
المسألة الخامسة: في كيفية اعتقاد النية، وذلك ان يعتقد نية الصوم قبل الفجر: يقول: غدا ان شاء الله اصبح صائما الفريضة من شهر رمضان طاعة الله عز وجل من طلوع الفجر الى غروب الشمس، او الى الليل، فان عقد النية كما وصفنا للشهر كله اول الليلة ثم سها بعد ذلك عن النية ليلة من الليالي فاصبح صائما فلا بأس عليه مادام مستصحبا للنية ولم يقطعها وان عقد لكل يوم نية فحسن لانه قيل لكل يوم فرض جديد وله نية جديدة والله اعلم، وان لم يعقد النية حتى اصبح وصام الشهر كله على غير نية فلا يجزئه وعليه القضاء والكفارة عند اصحابنا، والنظر يوجب عندي ان لاكفارة عليه لان هذا امر مختلف فيه والله اعلم.
1) رواه الخمسة ــ وفي معناه حديث حفصة (ض) قالت قال رسول الله (ع) من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له رواه احمد واصحاب السنن وصححه ابن خزيمة وابن حبان.
(2) وهذا الحديث وارد في صوم التطوع الذي تجزئ نيته من النهار ان لم يكن قد طعم لا في صوم الفرض الذي يشترط في صحته تبييت النية من الليل والمتطوع امير نفسه.
- AY- (2/82)
صفحة 480
الركن الرابع
في الامساك عن المفطرات
وذلك انهم اجمعوا على انه يجب على الصائم الإمساك زمان الصوم عن الطعام والشراب والجماع. احل لكم ليلة الصيام الى قوله وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض» الآية (1) وفي هذا دليل على ان حظر هذه الأشياء بالنهار. واختلفوا فيما سوى هذه الثلاثة: فقال اصحابنا يفسد الصوم تضييع الغسل من الجنابة بالليل حتى يصبح، وبالنهار مقدار ما يغتسل فيه: فذهب اصحابنا الى القول بانهدام ما مضى من صومه، وان الطهارة من الجنابة والحيض والنفاس شرط في صحة الصوم والصلاة جميعا. وحجة اصحابنا قول النبيء الا الله من طريق ابي هريره من اصبح جنبا اصبح مفطرا» (2) وبه قال ابو هريرة وطاوس وعروة بن الزبير
-
وابراهيم النخعى، وروي عن الاوزاعي في المرأة تؤخر الاغتسال من الحيض حتى تصبح انها تقضي فرطت او لم تفرط. وذهب جمهور مخالفينا الى الجنابة ليس شرطا في صحة الصوم، وان اصبح جنبا لا
ان الغسل من عليه. وزعموا ذلك عن عمر وعائشة وابن مسعود وزيد بن ثابت
شيء
وابي الدرداء وبه قال فقهاء الامصار، واحتجوا بحديث عائشة ان النبيء
وكان
يصبح
جنبا من جماع غير احتلام (3)، والذي قالوه في هذا
1 البقرة: 187.
2) عن ابي هريرة رواه الربيع.
يصبح
كان الله عنهما وان النبي (ع) متفق عليه من حديث عائشة وام سلمة رضي ا جنبا من جماع غير احتلام ثم يغتسل ويصوم وزاد مسلم في حديث ام سلمة ولا يقضي قال صاحب سبل السلام، والى هذا ذهب الجمهور يعني ذهبوا الى صحة صوم من اصبح جنبا وقال النووي انه اجماع. وقد عارضه ما اخرجه احمد =
- (2/83)
صفحة 481
لحديث يحتمل ان يكون عليه السلام ناسيا اوله عذر. والصحيح ما قال اصحابنا لان فيه احتياطاً للصوم. وهو اجمع الامرين والله اعلم. واستدعاء المني بالاستمناء او باستدامة الفكر، والنظر، او بمجردهما من غير استدامة حتى يمنى يفسد به الصوم وتلزمه به الكفارة عند اصحابنا، وبه قال الحسن وعطاء. وقيل عن مالك ان لم يتابع النظر فعليه القضاء ولا كفارة. وذكر في كتاب الاشراف عن جابر بن زيد والشافعي والثوري
=
الاسناد
وابن حبان من حديث ابي هريرة قال: قال رسول الله (ع) واذا نودي للصلاة صلاة الصبح واحدكم جنب فلا يصم يومه واجاب الجمهور بانه منسوخ وان ابا هريرة رجع عنه لما روي له حديث عائشة وأم سلمة وافتى بقولهما. وقال المصحح: ويعارضه ايضا حديث الربيع المتقدم عن ابي هريرة. وهو حديث صحيح ثم قال: ويدل للنسخ ما اخرجه مسلم وابن حبان وابن خزيمة عن عائشة: وان رجلا جاء الى النبي (ع) يستفتيه وهي تسمع من وراء حجاب فقال يارسول تدركني الصلاة اي صلاة الصبح وانا جنب فقال النبيء (ع) وانا تدركني الصلاة وانا جنب فأصوم. لست مثلنا يارسول الله: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال والله اني لارجو ان اكون اخشاكم الله واعلمكم بما اتقي»
الله
م الله
وقد ذهب الى النسخ الخطابي وابن المنذر وغيرهما. وهذا الحديث يدفع قول من قال ان ذلك كان خاصا به (ع). ورد البخاري حديث ابي هريرة بان حديث عائشة اقوى سندا حتى قال ابن عبد البر صح وتواتر، واما حديث ابي هريرة فاكثر الروايات انه كان يفتي به ورواية الرفع اقل ومع التعارض يرجح لقوة الطريق. اهـ. قال بدر الدين الشماخي في شرح التوحيد: «مسألة الفعلان لا يتعارضان الا ان دلت قرينة على تكرار الاول فيكون حينئذ الثاني ناسخاله. وان عارضه القول نحو من اصبح جنبا اصبح مفطرا فالفعل خاص به والقول متوجه الينا، وان قامت قرينة على التأسي به ودلت على تكرار الفعل فالثاني نسخ، وان جهل التاريخ ففي حق الامة ثالثها المختار العمل بالقول لان دلالته اقوى لانه وضع لذلك ولان دلالته تعم المعدوم والموجود والمعقول والمحسوس لان دلالته متفق عليها اهـ. ستروح من هذا التفصيل ان تاريخ الحديثين من اصبح جنباه وحديث ان النبيء جنبا كان مجهولا لذلك رجع اصحابنا العمل بالقول لقوة دلالته ولان الخطاب مقدم
على واقعة الحال
اهـ مصححه
كان
يصبح
- (2/84)
صفحة 482
واصحاب الرأي ان لا شيء عليه اعني على مردد النظر حتى يمني. واختلفوا فيمن لمس فأمنى فقال اكثرهم لا شيء عليه. وقيل عليه قضاء
يوم
والله اعلم.
مسألة: واختلفوا فيما يرد الجوف مما ليس بمغذ مما يمكن الاحتراز
منه مثل من اكل طينا او حصى او اشباه ذلك: فقال اصحابنا ووافقهم على ذلك مالك بن انس انه يجب الامساك عما يصل الى الجوف من اي المنافذ وصل مغذيا كان اوغير مغذ، وروي عن ابي حنيفة انه لم ير بأسا باكل الطين وغيره مما ليس بمغذ وهو خطأ لان الصوم عبادة غير معقولة المعنى وان معناه الامساك، ومن اكل غير المغذي لا.
محض
ممسكا يسمى
والله اعلم. مسألة: واختلفوا فى القبلة للصائم فأجازها بعضهم لحديث عائشة ان النبيء عل الله كان يقبل وهو صائم» (1) وكرهها آخرون لما تدعو اليه من الوقاع. واجازها قوم آخرون للشيخ، وكرهها للشباب، وهو مروي عن ابن عباس، وشذ قوم فقالوا انها تفطر وكلهم يقولون ان قبل فأمنى
افطر، وان امذى لم يفطر.
مسألة: واختلفوا فيمن استقاء متعمدا: فذهب اكثر مخالفينا الى
ابطال صومه. واختلفوا فيما يجب عليه فرووا عن ابن عمر وعلقمة والزهري والشافعي ومالك واصحاب الرأي ان عليه القضاء، وعن عطاء وابي ثور ان عليه القضاء والكفارة، وقال اصحابنا يبدل يومه. واتفق الجمهور على انه ان ذرعه القيء فلا شيء عليه، وشذ بعضهم فقال
1) رواه الربيع عن عائشة ثم قال: كان يصنع بنا ذلك وهو يضحك.
هو
1101 (2/85)
صفحة 483
مفطر
وسبب الخلاف ماروي عنه عليه السلام قال من ذرعه القيء فلا شيء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء (1)، وروي ايضا انه قاء فافطر (2). والله اعلم.
مسألة: واختلفوا في السعوط للصائم فكرهه بعضهم ورأى عليه القضاء اذا وصل جوفه، ورأى بعضهم عليه القضاء والكفارة، وفي الاحتقان في الدبر اختلاف ايضا. واما في الاحليل فلا بأس، وفي اثر اصحابنا ان لا بأس ان يقطر في اذنيه الدهن اذا اشتكى، قال انه لا يصل الجوف وانما يصل الى الدماغ. واختلفوا في مضغ العلك للصائم فروي عن عائشة وعطاء انهما رخصافيه. وروي عن ابن عباس انه رخص للمرأة ان تمضغ لولدها. وبه قال الحسن والمخعي والاوزاعي. وكره مضغ العلك للصائم النخعي وقتادة وعطاء ومحمد بن علي. وكره بعضهم للصائم ان يمس بلسانه شيئا له طعم. واختلفوا في الكحل فرخص فيه اكثرهم. وروي ذلك عن عطاء والحسن البصري والنخعي والاوزاعي واصحاب الرأي.، وبه قال اصحابنا. وكره ذلك آخرون، وقال بعضهم ان اكتحل قضى يوما مكانه، روي ذلك عن ابن شبرمة وابن ابي ليلى وغيرهم، وكره قتادة الاكتحال بالصبر ورخص في الائمد وبه قال بعض
اصحابنا، واختلفوا في السواك للصائم فرخص فيه بعضهم بالغداة والعشي
فافطر
1) عن ابي هريرة رواه الخمسة واعله احمد وقواه الدارقطني (2) رواه الترمذي من حديث ابي الدرداء وثوبان وفضالة بن عبيد ان النبي (ع) «قاء. قال: وانما معنى هذا ان النبي (ع) كان صائما متطوعا فقاء فضعف فافطر لذلك. هكذا روي في بعض الحديث مفسرا. والعمل عند اهل العلم على حديث ابي هريرة عن النبي (ع): وان الصائم اذا ذرعه القيء فلا قضاء عليه، واذا استقاء عمدا فليقض (2/86)
صفحة 484
روي ذلك عن عمر وابن عباس وعائشة وبه قال النخعي وابن سيرين وعروة بن الزبير ومالك واصحاب، الرأي، ورخص فيه بعضهم اول النهار، وكرهه آخر النهار، روي ذلك. عن عطاء ومجاهد وبه قال الشافعي وغيره، وفرق اصحابنا بين السواك الرطب واليابس فأجاز بعضهم الرطب في اول النهار واليابس آخره، وكرهه بعضهم لانه يقطع خلوف الصائم والله اعلم. مسألة:: واختلفوا في الحجامة للصائم فقال اصحابنا ليس فيها فساد صوم الاكراهية الضعف. روي ذلك عن النبيء عل الله انه احتجم وهو صائم. ومثله عن سعيد بن جبير وانس بن مالك والحسن البصري. وروى ابو حنيفة واصحاب الى انها غير مكروهة، وشذ قوم فقالوا انها تفطر، وروي عن الاوزاعي وداود واحمد وغيرهم ورووا في ذلك ان النبيء عال قال افطر الحاجم والمحجوم له (1) وقال ابو محمد عبدالله محمد بن بركة بن انما قال ذلك لعل الله لانه اجتاز عليهما وهما يغتابان رجلا مسلما فقال افطر بالغيبة لا بالاحتجام (2) وكان سعيد بن جبير يحتجم ويقول صام الحاجم والمحجوم، وكان ابن عمر يحتجم اول الهنار فلما كبر اخرها الى العشاء
والله اعلم.
1) رواه الخمسة الا الترمذي وصححه احمد وابن خزيمة وابن حبان من حديث شداد بن اوس. لكن الجمهور على ان الحجامة لاتفطر الصائم وان هذا الحديث منسوخ بحديث ابن عباس الذى رواه البخاري ان النبي (ع) احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم، لان حديث ابن عباس متاخر لانه صحب النبيء () عام حجه وهو سنة عشر، وشداد صحبه عام الفتح كذا حكي عن الشافعي قال: وتوقي الحجامة احتياطا احب الي. اهـ.
(2) تقدم التعريف به.
-
87 (2/87)
صفحة 485
مسألة:: وذهب اصحابنا الى ان الغيبة المحرمة والنميمة والكذب وايمان
الفجور والنظر الى الفروج المحرمة ان ذلك كله بفسد الصوم، وينقض الوضوء لثبوت ذلك عن النبيء علل الله في الغبية والنميمة، وسائر الكبائر قياسا عليهما والله اعلم. وكذلك الارتداد الى الشرك بقول او فعل والافطار على الحرام مع العلم به كل ذلك يفسد الصوم عندهم والله اعلم. مسألة: واختلفوا في الصائم يمضمض ويستنثر فيسبقه الماء الى حلقه: فقال اصحابنا لا شيء عليه، وقال الحسن والاوزاعي لا شيء عليه في المضمضة، وقال بعضهم اذا كان ذاكرا لصيامه قضى يوما مكانه، وروي مالك في الاستنثار مثله. وقال بعضهم اذا كان توضأ في وقت الصلاة فسبقه الماء فلا شيء عليه. وان كان في غير وقتها قضى يوما مكانه ـ والله اعلم. واختلفوا فيمن اكل ناسيا فقال اكثر العلماء لا شيء عليه لقول النبيء الا الله ولمن اكل او شرب ناسيا الله اطعمه وسقاه (1)، وروي ذلك عن علي بن ابي طالب وابي هريرة وابن عمر وعطاء وطاوس وجابر ابن زيد وغيرهم. وهو قول ابي عبيدة والعامة من فقهاءنا. وروي مثله الأوزاعي وابي ذؤيب والشافعي واصحاب الرأي إلا ربيعة ومالك، وروي
عن
انهما قالا عليه القضاء. واليه ذهب قول بعض اصحابنا والله اعلم
عن
•
واختلفوا فيمن جامع ناسياً ايضا: فقال اصحابنا يقضيان يوما مكانه وروي مثله عن. عطاء والاوزاعي والليث بن سعيد. وقال آخرون لا شيء عليه. وروي ذلك عن مجاهد والحسن البصري وبه قال الشافعي واصحاب
الرأي.
1) متفق عليه عليه بلفظ: من نسي وهو صائم فاكل او شرب فليتم صومه، فانما أطعمه الله وسقاه وللحاكم: من افطر في رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة وهو صحيح. (2/88)
صفحة 486
مسألة: واما من بلع مالا يجد بدا من الاحتراز منه من غبار الطريق
وغيره فلا شيء عليه. روي ذلك عن ابن عباس والحسن البصري. وبه اخذ اصحابنا والله اعلم الا ان بعضهم استحب لمن يعالج دقيقا ونحوه ان يتقنع بثوب على فيه ومنخريه فان لم يفعل فدخل شيء في جوفه على حد الغلبة فلا بأس عليه. والله اعلم، ومن ابتلع ما يتعلق بين اسنانه من الطعام مما يجري مجرى الدقيق فلا بأس بصومه عند جمهور اهل العلم اذا لم يجد من الامتناع منه بدا. والله اعلم، واما ان ابتلع ما ذكرنا متعمدا فعليه القضاء والكفارة.
الباب الرابع
في حكم من افسد رمضان باحدى مفسداته
وفي هذا الباب سبع مسائل: احداها فيمن افسده بالجماع متعمدا: فذهب جمهور العلماء من أصحابنا وغيرهم الى ان الواجب عليه القضاء والكفارة، وبه قال عطاء بن ابي رباح، وذلك للثابت من حديث ابي هريرة قال جاء رجل الى النبيء علل الله فقال يا رسول الله اني هلكت واهلكت فقال ما فعلت؟ قال اتيت اهلي نهارا في رمضان. قال: وهل تجد ما تعتق به رقبة؟ قال لا. فقال هل تستطيع صوم شهرين متتابعين قال: لا. فقال هل تجد ما تطعم به ستين مسكينا؟ قال لا: ثم جلس فأوتي عليه السلام بغذق وفي خ بعرق» فيه تمر (1) فقال، تصدق بها. فقال ما بين لابتيها اهل بيت احوج اليها منا. قال فضحك
حتى
—
19 -
•
1) العرق مكيال يسع 15 صاعا (2/89)
صفحة 487
بدت نواجذه، فقال: اذهب واطعم اهلك ولا تجزئ احدا غيرك (1) وروي عن الحسن البصري ان عليه عتق رقبة او هدي بدنة او اطعام عشرين صاعا لاربعين مسكينا (1)
وروي
•
المسألة الثانية: في حكم من أفسد صومه بالافطار: فذهب جمهور الفقهاء من اصحابنا وغيرهم من فقهاء الامصار الى ان افطر متعمدا من بأكل أو شرب ان عليه القضاء والكفارة مثل ما على المجامع به متعمدا، مثله عن ابن عباس، وقيل عن النخعي ان عليه صيام ثلاثة الآف يوم، وعن علي وعبد الله قالا لا يقضيه ابدا وان صام الدهر. وشذ آخرون فقالوا انما عليه القضاء دون الكفارة وهو مروي عن سعيد بن جبير وابن سيرين وحماد بن ابى سليمان، والشافعى واهل الظاهر، وسبب تنازعهم في قياس المفطر بالاكل على المجامع: فمن ذهب الى ان العلة فيهما واحدة وهى انتهاك الحرمة جعل حكمهما واحدا، ومن رأى ان الجماع اشد في انتهاك الحرمة والعقاب الاكبر انما يوضع لما اليه النفس اميل قال مذه الكفارة مخصوصة بالجماع، وهذا على مذهب من يرى القياس،
الخلاف
1) رواه الجماعة بلفظ مختلف وبدون زيادة اهلكت ولا تجزيء احدا غيرك في آخره قال الشافعي: قول النبي (ع) للرجل الذي افطر فتصدق عليه «فاطعمه اهلك» يحتمل هذا معاني: يحتمل ان تكون الكفارة على من قدر، وهذا رجل لم يقدر على الكفارة فلما اعطاه النبي (ع) شيئا وملكه فقال الرجل ما احد افقر منا فقال النبي (ع) وخذه فاطعمه اهلك لان الكفارة انما تكون بعد الفضل عن قوته واختار الشافعي لمن كان على مثل هذا الحال ان يأكله كله وتكون الكفارة عليه دينا
فمتى ما ملك يوما ما كفر اهـ. (2) ليت شعري ما هو مستند الحسن البصري فى الزامه بذلك وهو مخالف لظاهر الحديث ولما جرى عليه عامة العلماء؟ وليس الحسن لعلمه وورعه ويعد مفخرة الاسلام ممن يلقي الكلام اعتباطا دون ان يستند الى دليل نقلي او يكون له ملحظ بعيد والله اعلم.
-9. (2/90)
صفحة 488
واما من لم يره فانه لا يجاوز بالكفارة المجامع والله اعلم. المسألة الثالثة: اختلف في المجامع ناسيا: فقال بعضهم لاقضاء عليه ولا كفارة، وقال آخرون عليه القضاء دون الكفارة، وقيل عليه القضاء بالكفارة، روي ذلك عن اهل الظاهر، وسبب الخلاف معارضة القياس للاثر - اما القياس فهو تشبيه ناسى الصوم بناسي الصلاة التي ورد فيها القضاء، واما الاثر فقوله عليه السلام الله اطعمه وسقاه (1) ويشهد له عموم قوله «رفع عن امتي الخطأ والنسيان وما اكرهوا عليه (2)
ومن
هذا
•
الباب اختلافهم فيمن ظن ان الشمس قد غابت فأكل (3) والله اعلم المسألة الرابعة: واختلفوا في هذه الكفارة هل هي مرتبة على الانسان
،
او هو مخير فيها: فذهب بعضهم الى انها مرتبة عليه: يكفر بالعتق اولا. فان لم يجد فبالصيام، فان لم يقدر فبالاطعام روي هذا عن ابى حنيفة واهل الكوفة، وبه قال الشافعي والثوري فيما حكي عنهما، وذهب آخرون الى انه مخير فيها. روي ذلك عن الحسن البصري ومالك بن انس
1) تقدم قريا
2) متفق عليه. ورواه ابن ماجة والبيهقي عن ابن عباس مرفوعا وان الله تجاوز عن امتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه
•
(115)
3) يستدل من قال: ان صومه صحيح ولا قضاء عليه ولا كفارة بقوله تعالى: وليس عليكم جناح فيما اخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم، وبقول رسول الله وان الله تجاوز عن امتي الحديث المتقدم، وبما روي عن زيد بن وهب: ان الناس امطروا في زمن عمر بن الخطاب»، فرأيت عساسا اقداحا ضخاماه اخرجت من بيت حفصة فشربوا ثم طلعت الشمس من السحاب فكأن ذلك شق على الناس، فقالوا: نقضي هذا اليوم؟ فقال عمر لم؟
فو
الله ما تجانفنا لاثم اي نمل لارتكاب الاثم، وبما روى البخاري عن اسماء بنت ابي بكر قالت و افطرنا يوما من رمضان في غيم على عهد رسول الله (ع) ثم طلعت الشمس). تعني ولم يامرهم (ع) بالقضاء ولو امر هم لشاع ذلك كما نقل فطرهم. لذلك دل على
انه لا يجب القضاء. اهـ
-91 - (2/91)
صفحة 489
ورووا في ذلك اثراً عن النبيء عليه السلام انه امر رجلا افطر على عهده ان يعتق رقبة او يصوم شهرين او يطعم ستين مسكينا (1)، وأو في كلام العرب يقتضي التخيير، وهذا هو الذي يوجبه النظر عندي والله اعلم. واصحاب القول الاول احتجوا بحديث الاعرابي المتقدم الذي قال انى هلكت واهلكت ان ظاهر الحديث يقتضي الترتيب، وقاسوها ايضا على كفارة الظهار، والله اعلم.
المسألة الخامسة: فى مقدار الاطعام: فقال بعضهم لا يجزئ اقل من مدين لكل مسكين، وهما نصف صاع بصاع النبيء عليه السلام، وروي
هذا
عن
ابي حنيفة وغيره وقاسوا ذلك بفدية الاذى المنصوص عليها للمحرم. وقال آخرون يجزئ مد لكل مسكين وهو مروي عن الشافعي ومالك بن انس واستدلوا بما روي فى بعض طرق الكفارة ان العرق كان فيه خمسة عشر صاعا، والعرق مكيال اهل الحجاز لكن ليس يدل كونه فيه خمسة عشر صاعا على الواجب من ذلك لكل مسكين الا دلالة ضعيفة. وانما يدل على ان بدل الصيام في هذه الكفارة هو العرق والله
اعلم. المسألة السادسة: واختلفوا في وجوب الكفارة على المرأة اذا طاوعت (2). فذهب جمهور اهل العلم الى ايجابها عليها. وبه قال ابو حنيفة ومالك واصحابهما وزعم الشافعى وداود فيما روي عنهما ان لا
1) رواه الدارقطني بزيادة في اوله بنهار رمضان» وزيادة في آخره على قدر ما استطاع
من ذلك
(2) لا ان اكرهت من الرجل، أو كانت مفطرة لعذر فان الكفارة تجب عليه دونها
لكن يلزمها القضاء.
•
-
92 (2/92)
صفحة 490
كفارة عليها (1) وسبب الخلاف ان النبيء لم يأمر المرأة بالكفارة في حديث الاعرابي المتقدم، والقياس انها مثل الرجل اذ التكليف جار عليهما
والله اعلم. المسألة السابعة: واختلفوا فيمن جامع واكل مراراً في ايام شتى من رمضان: هل تتكرر الكفارة ام لا؟ فقالت طائفة عليه كفارة واحدة ما لم يكفر، فان كفر ثم عاد فعليه كفارة اخرى. روي هذا عن الزهري والاوزاعي وابي حنيفة واصحاب الرأى، وبه قال ابو محمد عبدالله بن محمد ابن بركة وشبهوا ذلك بالحدود فكما يلزم الزاني حد واحد وان زنى مرارا ما لم يقم عليه واحد منها كذلك تجزئ كفارة واحدة عن افعال كثيرة ما لم يكفر عن واحد منها. وقال آخرون عليه لكل يوم كفارة. روي هذا عن الشافعي ومالك والليث بن سعيد وغيرهم. ولم يشبهوا ذلك بالحدود وجعلوا لكل يوم حكما منفردا وكفارة منفردة. وزعموا ان الفرق بينها وبين الحدود ان الكفارة فيها نوع قربة والحدود زجر محض. وروي عن عطاء ومكحول ان عليه في كل يوم يفطر كفارة. والله اعلم.
الباب الخامس
في شرائط صحة الصوم
وهي اربع: احداهن: الاسلام اذ لا يصح صيام مشرك. واختلفوا فيه اذا أسلم في بعض الشهر. فقالت طائفة يصوم ما بقي وليس عليه قضاء ما مضى منه. روي هذا عن الشعبي وقتادة والاوزاعى والشافعي ومالك
(1) وكذلك احمد يقول بقولهما.
-
93
- (2/93)
صفحة 491
ابن انس واصحاب الرأي، وقال آخرون يصوم ما بقي ويقضي ما مضى روي هذا عن عطاء. واختلف فيه عن الحسن البصري. فقيل عنه يقضي ما مضى وقيل لا يقضي. واختلفوا ايضا في اليوم الذي اسلم فيه: فقيل يكف عنه ثم يقضيه، وقيل لا يقضي ذلك اليوم ولا ما مضى من الشهر ولعل من اوجب عليه القضاء انما يحتج بان الكافر مخاطب بالفرض عند
وجب عليه
البلوغ وان من اسقطه يحتج بان الاسلام اسقط عنه ما كان في الشرك، لقول النبيء على الاسلام جب لما قبله (1) وان الفرض انما ساعة اسلم فيها ـ ولعل من اوجب عليه قضاء يومه يحتج بان صوم بعض النهار لا يعتد به اذ اليوم لا يتبعض الصوم فيه ولا يكون قربة والله اعلم. الشريطة الثانية: العقل لان المجنون وزائل العقل غير مخاطب بالفرض لان الله تعالى يقول فمن شهد منكم الشهر فليصمه (2) وهذا غير شاهد له. واختلفوا في المجنون اذا افاق في بعض الشهر: فقيل يقضي ما مضى. وقيل لاقضاء عليه. واما اذا كان الجنون يأخذه مرة بعد مرة حتى يذهب عقله فانه اذا جن يوما او يومين فليقض الصوم دون الصلاة، الا ان دخل عليه الوقت وهو صحيح ولم يصل حتى جن فعليه قضاه تلك الصلاة. مسألة: والمغمى عليه قبل دخول رمضان فلم يفق الا في شوال فيه اختلاف، وعن الحسن ان المغمى عليه لا يقضي الا اليوم الذي افاق فيه. واما ان اغمي عليه اياما فافاق ففيه خلاف. قال بعضهم: اذا نوى الصوم اول الليل ثم اغمي عليه في بعضه فهو بمنزلة النائم ويجزيه ذلك اليوم فان اغمي عليه اكثر من ذلك اليوم فعليه البدل لانه دخل فيه وهو لا يعقل،
1) تقدم ذكره.
2) تقدم ذكرها.
-
94 (2/94)
صفحة 492
وحكي عن مكحول انه قال: لاقضاء ععلى المغمى عليه واني لأحب ان يتطوع بالقضاء، وهذا كله ضعيف، فان الاغماء والجنون صفة يرتفع بها التكليف فاذا ارتفع لم يوصف بصائم ولا مفطر (1) والله اعلم. والنائم في هذا بمنزلة المغمى عليه لاقضاء عليه في الصوم الا ان كان نام على جنابة، لان المغمى عليه صحيح العقل وانما آفته في جسمه عند بعضهم والله اعلم. الشريطة الثالثة: البلوغ لان الصبي مرفوع عنه القلم، وقد اختلفوا فيه ايضا اذا بلغ في بعض رمضان: قال بعضهم يقضي ما مضى، وقيل لاقضاء عليه، واختلفوا في الوقت الذي يؤمر فيه الصبي بالصوم فحكي عن ابن سرين والحسن وعطاء وغيرهم انه يؤمر به اذا اطاقه، وقيل عن بعضهم: اذا بلغ اثنتي عشرة سنة يستحب له ان يتكلف الصوم ليعتاده وقال آخرون لا يؤمر به حتى يحتلم والله اعلم.
الشريطة الثالثة: البلوغ لان الصبي مرفوع عنه القلم، وقد اختلفوا فيه ايضا اذا بلغ في بعض رمضان: قال بعضهم يقضي ما مضى،
•
1) قال المحشي رحمه الله: هذا صريح في اختياران المغمى عليه لا يقضي صوما ولا صلاة حيث كان كالمجنون. وهذا ظاهر اذا اغمي عليه في الشهر كله، وان اعمي عليه في بعض الايام فالظاهر القضاء لان المذهب انه فريضة واحدة كما في المجنون ولا يقضي الصلاة مطلقا حيث شبه به، الا ان اغمي عليه بعد دخول الوقت كما في المجنون. والله اعلم. اهـ، والمتبادر عندي ان المغمى عليه اقرب الى النائم منه الى المجنون. ذلك ان كلا من المجنون والمغمى عليه والنائم وان رفع عنه التكليف غير ان الآخرين متى انتبه احدهما عادت اليه حالته الأولى من صحة العقل. بخلاف المجنون وانت خبير ان الاطباء يفرقون بين الجنون ومرض الاعصاب الجهاز العقل والاغماء: فالجنون هو اختلال العقل اختلالا لا يمكن علاجه. ومرض الاعصاب هو اعتلالها ويمكن علاجه غالبا. والمغمى عليه يتماثل للصحو بدون علاج بل يقتصر: على به كالنائم لذلك قلت: هو اشبه بالنائم منه بالمجنون والله اعلم. اهـ مصححه
-
95 - (2/95)
صفحة 493
وقيل لاقضاء عليه، واختلفوا في الوقت الذي يؤمر فيه الصبي بالصوم فحكي عن ابن سرين والحسن وعطاء وغيرهم انه يؤمر به اذا اطاقه، وقيل عن بعضهم: اذا بلغ اثنتي عشرة سنة يستحب له ان يتكلف الضوم ليعتاده. وقال آخرون لا يؤمر به حتى يحتلم والله اعلم
الشريطة الرابعة: في صحه الصرم الطهارة من الحيض والنفاس اذ صيامهما في تلك الحالة معصية لربهما لما ورد في الاثر عن الرسول عليه السلام من تفسيقه اياهما اذا صامتا (1) ولكن الحائض تخفي الاكل عن الناس لئلا تبيح البراءة من نفسها، والنفساء لا تخفيه لان ذلك امر مشهور عند الناس، واذا جاء المرأة الحيض في بعض نهار الصوم فلها ان تاكل هذا وتشرب. روي عن الحسن وقتادة وحماد بن ابي سليمان وسيد بن جبير والاوزاعي وغيرهم: واما اذا طهرت في بعض اليوم فانه يستحب لها ان تكف عن الاكل تعظيما لحرمة رمضان. وبه قال الاوزاعي وجماعة واصحاب الرأي. وقال آخرون تاكل في الحالتين جميعا والله اعلم. الشريطة الخامسة: في صحة الصوم القدرة عليه. واختلفوا في الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة العاجزين عنه فيما يلزمهما بعد اجتماعهم على جواز
1) وجب على الحائض والنفساء الافطار لما جاء فيهما من الأثر عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) بتفسيقهما اذا صامتاه متفق عليه ـ اما ان تخفي اكلها لئلا تبيح من نفسها البراءة فكيف يكون ذلك وهي مظنة الحيض – والشرع يوجب عليها فيه الاكل. والا
-
ان
كانت فاسقة؟ ايسوغ – للمسلم الذي يجب عليه ان يكون وقافا لاوثابا. يكتفي بالاشارة ويبرأ بمقتضاها ممن لم يتحقق منه مخالفة شرعية؟ انه ان فعل كان هو الظالم والمتعدي لحدود الله - نعم ان اخفت اكلها مختارة تقديرا لحرمة الشعيرة فحسن اما ان يكون ذلك خوفا ان تعرض نفسها للبراءة فلا. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. اهـ مصححه
-97 - (2/96)
صفحة 494
الافطار لهما: فقال قوم عليهما الاطعام يطعم كل واحد منهما عن كل يوم مسكينا غذاء وعشاء، وهو مروي عن سعيد بن جبير وطاوس والاوزاعي وبه قال اصحابنا. وهو قول الشافعي واصحاب الراي. وخيره بعضهم: فقال ان شاء اطعم مدا وان شاء حفن حفنا كما صنع انس بن مالك، وقال آخرون: ليس عليهما شيء روي هذا عن مكحول وجماعة.
وسبب
امه
وقد روي ان جابر بن زيد رحمه الله امر بعض اصحابه ان يطعم عن ا وكانت عجوزاً لا تقدر على الصوم ثم امر سنة اخرى ان يصام عنها. الخلاف تنازعهم في قراءة هذه الآية وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين (1) الآية. قرأ بعضهم لا يطيقونه: فمن اوجب العمل بالقراءة التي لم تثبت في المصحف اذا وردت من طريق العدول قال الشيخ والعجوز منهم. ومن لم يوجب بها عملا جعل حكمهما حكم المريض والله اعلم.
فصل
واجمع العلماء على ان من سنن رمضان تعجيل الفطور وتأخير السحور لقول النبيء علا الله. ولا تزال امتي بخير ما لم ينتظروا بالمغرب اشتباك النجوم ولا يزال الدين ظاهرا ما عجلوا الافطار فان اليهود والنصارى كانوا يؤخرون الافطار (2) وقال تسحروا فان السحور بركة (3)
1) البق ـرة: 184
(2) متفق عليه عن انس بن مالك
مالك
انس بن. ومثله: «عليكم
-
متفق عليه بزيادة (في) يعنى فان في السحور عن بهذا السحور فانه هو الغذاء المبارك عن المقدام بن معد يكرب رواه النسائي بسند جيد. وزاد احمد عن ابي سعيد الخدري السحور بركة فلا تدعوه ولو ان يجرع احدكم جرعة ماء. فان الله وملائكته يصلون على المستحرين
97 (2/97)
صفحة 495
وقال: «فصل ما بين صيامنا وصيام اهل الكتاب اكلة السحور (1) وكذلك اجمعوا على ان من سننه كف اللسان والجوارح عن الرفث والخناء وما لا ينبغي لقول النبيء عليا والصوم جنة: فاذا كان احدكم صائما فلا يرفث ولا يفسق الحديث (2) ومن سنن رمضان ايضا القيام في لياليه بالجماعة في المساجد والاعتكاف في اخره، واخراج زكاة الفطر عند تمامه، سننه ايضا ترك السواك الرطب بالنهار وترك المبالغة في المضمضة والاستنشاق لقول النبيء اذا توضأت فبالغ الا ان تكون صائما (3)
ومن
والله اعلم.
الباب السادس
في مبيحات الافطار
وهي السفر، والمرض، والحمل، والرضاع، وغير ذلك وهذا الباب ينحصر الكلام فيه في ثلاثة فصول.
(1) رواه مسلم مرفوعا.
(2) عن ابي هريرة رواه الربيع. - وتمامه: وان امرؤ قاتله او شاتمه فليقل اني صائم. (3) رواه ابو داود والترمذي. قال حديث حسن صحيح عن لقيط سمرة قال: قلت بن يا رسول الله اخبرني عن الوضوء. قال: اسبغ الوضوء، وخلل الاصابع، وبالغ في الاستنشاق الا ان تكون صائماه
-
98 - (2/98)
صفحة 496
الفصل الاول
فيمن ابيح له الصوم والأفطار باجماع
وهما المريض باتفاق؛ والمسافر باختلاف، لقوله تعالى «فمن كان منكم مريضا او على سفر» الآية (1)، وفي هذا الفصل سبع مسائل: «احداها» في المسافر، هل الافطار افضل له ام الصوم؟ فاختلف في ذلك: فذهب بعضهم الى ان الصوم افضل، وبه قال أنس والنخعي وسعيد بن جبير ومجاهد ومعاوية. وروي ذلك عن ابي حنيفة ومالك، وذهب آخرون الى ان الافطار افضل. روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر والشعبي والاوزاعي وجماعة. وذكر عن ابن عمر وسعيد بن جبير انهما يكرهان الصوم في السفر وزعما عن عبدالرحمن بن عوف الله رحمه: ان الصائم في السفر كالمفطر في الحضر. وذهب اصحابنا وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين الى التخيير في ذلك. وذكروا ذلك عن النبيء عليه السلام. وروي هذا عن ابن عباس وابي سعيد وانس وسعيد بن المسيب والحسن البصري وابراهيم النخعي وعطاء ومجاهد والاوزاعي وغيرهم. الخلاف معارضة المفهوم من ذلك لظاهر بعض القول. وذلك ان المفهوم من الفطر في السفر انما هو الرخصة لمكان المشقة. وذلك نص في قوله عليه السلام) رخصة من الله تعالى: فمن اخذها فحسن ومن صام فلا جناح عليه (2) وما كان رخصة فالافضل تركها. واما من منع
وسبب
1) تقدم ذكرها
2) رواه مسلم عن حمزة بن عمرو الاسلمي. قال: يا رسول الله: واجد في قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح؟ فقال رسول الله (عليه) هي رخصة الخ). (2/99)
صفحة 497
الصوم في السفر فروى ذلك ان علا الله قال ليس من البر الصوم في السفر (1). واما من خير فى ذلك فاحتج بقول النبيء لله الحمزة بن عمرو الاسلمي حين سأله عن الصوم في السفر وان شئت فصم وان شئت فافطر (2) وذهب آخرون الى ان افضلهما ايسر هما على الانسان. روي ذلك عن عمر بن عبدالعزيز ومجاهد، وقتادة، لقول الله الله تعالى يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر (3) الآية.
المسألة الثانية: واختلفوا في حد المسافة التي يفطر فيها المسافر:
•
فذهب جمهور العلماء الى انه انما يفطر في السفر الذي يقصر فيه الصلاة وبه قال عطاء والشافعي. وذهب قوم الى انه يفطر في كل ما ينطلق عليه اسم السفر، وهم اهل الظاهر. وذهب اصحابنا من اهل الجبل الى انه لا يفطر حتى يجاوز الحوزة المحدودة عندهم، او يسير ثلاثة ايام. وهو السفر الناءي عندهم الا ان يكون منزله في طرف الحوزة فانه يفطر
•
1) عن كعب بن عاصم رواه ابن ماجه. قال ابن بركه: ففي الخبر المروي عنه عليه السلام: انه مر بزحام في حال سفره؛ فقال: ما هذا؟ فقالوا: يا رسول الله رجل صائم». فقال: اقبلوا رخصة الله. وفي الرواية ان الرجل كان قد أشرف على الموت من شدة الصوم فظلل عليه بثوب فقال عند ذلك وعليكم برخصة الله فاقبلوهاه اهـ ان يعني، نفي البر مقيد بما اذا تحققت المشقة فالصوم حينئذ ليس من البر بل هو كالرفض لرخصة الله التي شرعها رحمة بعباده يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسره فاذا كان الافطار يباح في السفر لمظنة المشقة فكيف لا يمنع فيه للمشقة اذا تحققت؟ ام كيف يعتبر هذا الصوم من البر وهو يخالف مقصد الشارع الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسره؟ اهـ مصححه 2) متفق عليه. عن عائشة ان حمزة بن عمرو الاسلمي سأل رسول الله (ع) عن الصوم وكان يسرد الصوم فقال رسول الله (ع) إن شئت فصم وان شئت
ايريد
فافطر
البق
رة: 185. (2/100)
صفحة 498
من
اذا جاوز الفرسخين بعد الحوزة، قالوا وان افطر مفطر فيما دون الحوزة بعد ان يجاوز فرسخين فانه ينهر ولا يبرأ منه الا ان يريد سفرا نائيا فلا باس عليه. وسبب الخلاف في هذا معارضة ظاهر اللفظ للمعنى: وذلك ان ظاهر اللفظ يقتضي ان ما ينطلق عليه اسم مسافر فله ان يفطر، لقوله تعالى «فمن كان منكم مريضا أو على سفر (1) الآية. واما المعنى المعقول اجازة الفطر في السفر وهو المشقة، فلما كانت لا توجد في كل سفر ان يكون الفطر في السفر الذي فيه المشقة ـ ولكن لما كانت الصحابة كلهم مجمعون على الحد في ذلك وجب ان يقاس ذلك على الحد في تقصير الصلاة. أما المرض الذي يجوز فيه الفطر فذهب قوم الى انه المرض الغالب وهو الذي تلحق من الصوم معه مشقة. وقيل هو ما ينطلق عليه اسم مرض. وقال اصحابنا هو المرض الذي يضعف عن الصوم معه الى الافطار ولا يقدر ان ياكل فيه ما يبلغه الى الليل، والله
وجب
ويحتاج
اعلم
الخلاف. وسبب
هو بعينه اختلافهم في حكم السفر.
•
المسألة الثالثة: واختلفوا في الوقت الذي يفطر فيه الخارج الى السفر فقال بعضهم يفطر من يومه اذا خرج مسافرا. روي ذلك عن عمرو بن شرحبيل والشعبي. وقيل يفطر اذا برز من البيوت. وقالآخرون لا يفطر من يومه ذلك، وبه قال الزهري ومكحول والاوزاعي وفقهاء الامصار وقيل عن الحسن البصري انه قال: يفطر ان شاء في بيته يوم يريد السفر وفي اثر اصحابنا ان المسافر لا يفطر حتى يصير في حد السفر فيعقد الافطار من الليل ثم يصبح حينئذ مفطرا وكذلك المريض لا يفطر حتى ينوي الافطار من الليل. وقد روي عن ابان بن وسيم رحمه الله انه برز من
1) تقدم ذكرها.
-11 - (2/101)
صفحة 499
منزله لسفر ناء فاكل وقصر الصلاة والله اعلم. وسبب الخلاف معارضة الآثار للنظر، وذلك انه ثبت من حديث ابن عباس ان النبيء عصام حتى بلغ الكديد ثم افطر فافطر الناس معه فظاهر هذا انه افطر بعد ان بيت الصوم، واما الناس فلا شك انهم افطروا بعد تبييتهم الصوم (1) وروي عن بعضهم انه لما جاوز البيوت دعا بالسفرة فقيل له: الست ترى البيوت؟ فقال اترغب عن سنة النبيء علي، واما النظر فلانه لما كان المسافر لا: يجوز له الا ان يبيت الصيام ليلة سفره لم يجز له ان يبطل صومه
لقول الله تعالى ولا تبطلوا اعمالكم (2) والله اعلم.
المسألة
الرابعة:: وذهب قوم من اهل الظاهر الى ان صوم المريض والمسافر لا يجزيهما عن صيامهما، وزعموا ان فرضه هو ايام اخر. وذهب سائر العلماء الى انهما ان صاما وقع صيامهما موقعه واجزا عنهما. وسبب الخلاف تردد قوله تعالى فمن كان منكم مريضا الى قوله من ايام اخر» (3) بين ان يحمل على الحقيقة فلا يكون هناك محذوف اصلا، او يحمل على المجاز فيكون التقدير، «فافطر» فعدة من ايام اخر، وهذا الحذف هو
1) عن ابن عباس (رواه الربيع خرج النبي (لعل الله الى مكة عام الفتح في رمضان حتى بلغ الكديد فافطر فافطر الناس معه فكانوا يأخذون بالاحدث فالاحدث من امر النبيء (ع) - المفهوم من الحديث ان ليس ثمت تبيت النية من الليل لا من النبي (ع) ولا من الصحابة (ض) بل يكاد الحديث ان يكون تخصيصا لقوله (ع) الاصوم لمن لم يبيت الصيام من الليل يرشد الى ذلك ما جاء فى آخر الحديث فكانوا ياخذون بالاحدث فالاحدث من امر النبيء (ع) وعليه فيفهم من ذلك ان السفر في حد تحقق جاز الافطار مطلقا. وهو ما صرح به المصنف
ذاته سبب مبيع
للافطار متى
ونسبه الى عمرو بن شرحبيل والشعبي والله اعلم.
(2) محمد: 33
تقدم ذكرها.
اهـ مصححه
102 (2/102)
صفحة 500
عدة
من
الذي يعرف بلحن الخطاب، فمن حمل الآية على الحقيقة من غير تقدير حذف قال: فرضه عدة من ايام اخر، ومن قدر «فافطر» قال انما فرضه ايام اخر اذا هو افطر، واما ان صام فلا. وكلا الفريقين يرجح مذهبه بالاثار الشاهدة لمفهومه، اما اهل الظاهر فيحتجون بحديث ابن عباس انه قال: لما بلغ ع الكديد افطر فافطر الناس معه فكانوا ياخذون بالاحدث فالاحدث من امره عليه السلام (1)، قالوا هذا يدل على نسخه الصوم على المسافر، واما جمهور العلماء فاحتجوا بحديث انس قال سافرنا مع النبيء علل الله فمنا من صام ومنا من افطر فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم (2). قال ابو عمرو (3): الحجة على اهل الظاهر اجتماعهم على ان المريض اذا صام اجزأه والله اعلم. المسألة الخامسة: واختلفوا هل يجوز للصائم بعض رمضان ان ينشيء
علقمة
سفرا ثم لا يصوم فيه، فروي عن عبيدة السلماني (4) وسويد بن وابي مجلز انه ان سافر فيه صام ولم يجيزوا له الافطار، وذهب جمهور فقهاء الامة الى انه ان شاء صام وان شاء افطر. وسبب الخلاف الاحتمال الواقع في قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه (5)، وذلك انه يحتمل ان يفهم منه ان من شهد بعض الشهر الواجب عليه ان يصومه كله، ويحتمل ان يفهم منه ان من شهد بعضه ان ذلك البعض
1) تقدم: واستدلوا بقوله
السفر
(2) رواه الربيع عن انس بن مالك.
يعني الربيع بن حبيب.
يصوم
اولئك العصاة وقوله وليس من البر الصيام في
4) هو عبيدة بن قيس السلماني من مراد، اسلم قبل وفاة الرسول ولم يلقه.
) تقدم ذكرها.
-1.- (2/103)
صفحة 501
فقط ـ ويؤيد قول الجمهور انشاء النبيء عل السفر في رمضان فافطر
-
حين بلغ الكديد والله اعلم.
المسألة السادسة: واختلفوا في المسافر يصوم في السفر ثم يعقبه الافطار: فقال بعض اهل الخلاف مع قوم من علمائنا صومه تام كان في السفر او في الحضر ـ وقال آخرون ان كل صوم في السفر اعقبه الافطار فهو فاسد. وحجتهم انه يقال للمسافر عليك ان تصوم ولك ان تفطر برخصة | الله تعالى فاي الحكمين التزم وجب عليه اتمامه، فان حل ما عقد على نفسه كان هادما لما تقدم من فعله غير مستحق لثواب عمله كالاجير الذي يرجع قبل اتمام ما استؤجر عليه فلا يستحق ثواب ماضي عمله
واحتج اصحاب القول الاول ان الآية التي فيها رخصة الافطار لا تدل
على فساد صومه على اي وجه كان وقال غير هؤلاء من اصحابنا ان
-
كل صوم صامه فى السفر فهو تام الاصوم ما بين فطرين فانه فاسد والله
،
اعلم. المسألة السابعة: واختلفوا في المسافر يقدم الحضر في النهار بعد ما اكل في اوله: فروي عن ابن مسعود انه قال: ان اكل اول النهار فلياكل آخره: ره، والى هذا ذهب مالك والشافعى واكثر اصحابنا، وذكر عن جماعة العلماء منهم الحسن وجابر بن زيد وابو نوح صالح الدهان انه لا ياكل بقية يومه ذلك، وبه قال ابو حنيفة والاوزاعي، وفى اثر اصحابنا ان جابر ابن زيد قدم من سفر فوجد امرأته قد طهرت من الحيض في يومه ذلك فوطئها، والى هذا ذهب بعض فقهاء الامصار. وقد يحتمل ان يكون انما
من
امره العلماء ـــ الذين قدمنا ذكرهم - بالكف في بقية يومه لمكان التهمة
-
له ممن لا يعلم عذره، ولذلك استحب جماعة من العلماء لمن علم انه يدخل (2/104)
صفحة 502
المصر اول يومه ذلك ان يبيت صيامه من الليل ثم يدخل صائما لان كلهم لم يوجبوا على من دخل مفطرا كفارة اذا اكل اول يومه خارجا من ستة
اميال والله اعلم.
الفصل الثاني
في لوازم الافطار المباح للمريض والمسافر
ومن في معناهما
، وهي
ثلاث: «احداها» القضاء وهو واجب على كل
مفسد للصوم او تارك له بسفر او مرض ـ لقوله تعالى فعدة
من
ايام
اخره (1). ويتعلق بالقضاء سبع مسائل احداها» يستحب تعجيله لما روي
ان جابر بن زيد والحسن البصري كانا يأمران بتعجيله ويقولان لا تؤخروه ـ وروي ايضا ان ام سلمة الله رضي عنها كانت تقول لاهلها
الغد. فان ذلك كان ناسيا شيئا من رمضان فليقضه بعد الفطر من من
يعدل بعض صوم رمضان، وان اخروا القضاء فلا بأس عليهم. لما روي الله عنها قالت كنت افطر على عهد النبيء عل الله في
عائشة عن
رضي
رمضان فما اقضيه الا في شعبان. وقيل عن ابي نوح من اصحابنا: ان افسده بالاكل وتضييع الغسل متعمداً
الغد فلم يقضه من من الفطر انه
قد انهدم ماصام قبله: ورخص فيه عمروس بن فتح ايضا. واما ان افطر بالسفر او بالمرض فأخر قضاءه فلا يفسد صومه. والله اعلم. المسألة الثانية: واختلفوا في صفة صوم القضاء: فقال اصحابنا يجب
-
التتابع في القضاء كما يجب في الاداء. وروي ذلك عن علي وابن عمر
1) تقدم ذكرها.
11.01 (2/105)
صفحة 503
والحسن البصري والنخعي وعروة بن الزبير، وبه قال جابر بن زيد وابو عبيدة وعامة فقهائنا، وعن عائشة رضي الله عنها انها قالت: نزلت فعدة من ايام اخره متتابعات فسقطت متتابعات (1)، وقال غير اصحابنا من مخالفيهم احصوا العدة وصم كيف شئت: ورووا ذلك عن ابن عباس، وابي هريرة وانس بن مالك، ومعاذ، ورافع بن خديج، وسعيد بن جبير وغيرهم من فقهاء الامصار (2) وسبب الخلاف معارضة القياس الظاهر
1) صحح الدارقطني اسناد حديث عائشة: نزلت فعدة من ايام اخر متتابعات فسقطت متتابعات قال ابن قدامة لم تثبت عندنا صحته ولو صح حملناه على الاستحباب والافضلية قيل ولو ثبتت كانت منسوخة لفظا وحكما لهذا لم يقرأ بها احد فلا تجوز الزيادة على الكتاب قراء الشواذ وان قال العيني قرا بها ابي و لم تشتهر فكانت كخبر واحد غير مشهور بمثله بخلاف قراءة ابن مسعود في كفارة اليمين فانها قراءة مشهورة متواترة اهـ.
(2) بل عن جمع غفير من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، ذكرهم العيني واحدا واحدا رواية عن ابن ابي حاتم في تفسيره وانهى عددهم الى سبعة وثلاثين انهم قالوا يقضي مفرقا. وقد اشتهر نسبة هذا القول الى ابي عبيدة عامر بن الجراح قال: ه لم يرخص لكم في فطره وهو يريد ان يشق عليكم في قضائه فأحصوا العدة واصنعوا ماشئتم، وفي رواية الدارقطني بعد قوله في قضائه، زيادة ان شئت فواتر وان شئت ففرق. وقد صح ان رسول الله
ما الله
دين
(ع) سئل عن تقطيع صوم رمضان فقال ذلك اليك ارأيت لو كان على احدكم. فقضى الدرهم والدرهمين، الم يكن ذلك قضاء؟ فالله احق ان يعفو ويغفره وهو الارفق بحال الامة والاوفق لروح التشريع يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسره ـــ ومما يدل على عدم التتابع ما ورد فى كتاب الفقه الاسلامي اساس التشريع ان اللفظ اذا اتى في النص القرآني مطلقا ولم يرد مقيدا في نص آخر من نصوص القرآن او السنة لزم العلم بالمطلق على اطلاقه، ولا يصح ان يقيد بشيء. الا اذا قام الدليل على تقييده مثال ذلك كلمة ايام) الواردة في قوله تعالى «فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ايام اخره فانها ذكرت مطلقة غير مقيدة بالتتابع، ولم ترد فى نص آخر مقيدة به ولم يقم دليل يدل على تقييدها بذلك فيعمل بها على اطلاقها. ومقتضى ذلك ان من افطر في رمضان من اجل المرض او السفر لا يجب عليه التتابع فى الايام التي يلزمه صيامها بدلا من الايام التي افطرها بل له ان يصومها متتابعة وله ان يصومها متفرقة اهـ. ويقوى هذا الاستدلال ما روى الدارقطني عن ابن عمر رضي الله عنهما ان النبي (ع) قال في قضاء رمضان وان شاء فرق وان شاء تابع.
اهـ مصححه
-1.71 (2/106)
صفحة 504
اللفظ. وذلك ان القياس يقتضي ان يكون القضاء على صفة الاداء، اصله الصلاة والحج وظاهر قوله تعالى فعدة من ايام اخره انما يقتضي ايجاب
العدد لا ايجاب التتابع. والصحيح القول الاول. والله اعلم
المسألة الثالثة: واختلفوا في المسافر والمريض اذا اخر القضاء حتى
يدخل رمضان اخر وقد امكنهما القضاء، فقال أصحابنا يصومان هذا الحاضر ويطعمان عن الماضي، لكل يوم مسكينا غذاءه وعشاءه ويقضيانه
بعد ذلك صياما. روي هذا عن ابي هريرة، وابن عباس. وبه قال عطاء والزهري، والاوزاعي، والثوري، ومالك.
محمد والقاسم بن والشافعي وجماعة، وقال آخرون: يصوم هذا الحاضر ثم يقضي بعد ذلك ماعليه صياما وليس عليه اطعام. روي ذلك عن الحسن البصري، وابراهيم النخعي. وسبب الخلاف: هل تقاس الكفارات بعضها على بعض؟ فمن اجاز القياس قال بكفارة الاطعام قياسا على المفطر تعمدا لأن كليهما منتهكا لحرمة الشهر: المفرط بالافطار والمفرط بالتأخير، ومن لم يجزه قال عليهما القضاء فقط. والله اعلم. واختلف القائلون بكفارة الاطعام في قدر الاطعام: فقيل يطعم عن كل يوم مدا. روي ذلك عن ابي هريرة والقاسم محمد، ومالك، والشافعي، وقيل يطعم عن كل يوم نصف صاع،
بن
و به قال اصحابنا ووافقهم على ذلك الثوري، والله اعلم. المسألة الرابعة: واختلفوا اذا اتصل المرض بالمريض والسفر بالمسافر حتى يدخل عليهما رمضان المقبل. فقال اصحابنا يصومان هذا الحاضر ولا يطعمان على الماضي كما قدمنا، فاذا انسلخ الحاضر صاما ماعليهما وقيل لاقضاء عليهما. وروي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وسعيد ابن
جبير، وقتادة ـ وهذا مخالف لنص القرآن، والذي وجدت في اثر
- (2/107)
صفحة 505
اصحابنا عن ابن عباس انه يصوم هذا الحاضر ويطعم عن الماضي، ويقضيه بعد ذلك، وقال من قال يصوم هذا الحاضر ويقضي الاول بعد ذلك بالصوم، وليس عليه اطعام. روي هذا عن الحسن البصري. والنخعي، وطاوس، وحماد بن ابي سليمان. والاوزاعي، ومالك، والشافعي
وغيرهم. وهو قول اصحابنا الذي قدمناه. والله اعلم. المسألة الخامسة: واختلفوا في المريض يفطر ثم يموت قبل ان يبرا وفي المسافر يفطر ثم يموت في السفر، قال بعضم: لاشيء عليه. روي هذا عن ابن عباس، والحسن، وعطاء. ومحمد بن سيرين. والشعبي والزهري. ومالك، والشافعي واصحاب الراي وبه قال اصحابنا. وكذلك في المسافر لاشيء عليه. روي ذلك عن جابر بن زيد والحسن البصري وفقهاه الامصار، واصحاب الراي. وقال آخرون يطعم على المريض اذا مات قبل ان يصح، روي ذلك عن طاوس وقتادة، والصحيح الاول. لما روي عن جابر بن زيد، والحسن البصري، وعكرمة انهم قالوا مات في رخصة الله فلا شيء عليه. وبه قال ابن عباس وابو عبيدة والعامة من الفقهاء والله اعلم.
من
المسألة السادسة: واختلفوا فيمن عليه قضاء رمضان فمات قبل ان
،
يقضيه: فقال بعضهم لايصام عنه. ولكن يطعم عنه لكل مسكين يوم هذا روي عن ابن عباس، وعائشة، والحسن البصري، وابن عمر، والزهري وقال آخرون يصوم عنه وليه فان لم يستطع اطعم. روي ذلك
عن ابي حنيفة. وقيل عن ابن عباس انه قال: ماكان من رمضان يطعم عنه وماكان من صوم النذر يقضى عنه. وقال قوم: لا احد يصوم
عن
احد كما لا يصلي احد عن احد. وقال اصحابنا إذا فرط في القضاء فأوصى (2/108)
صفحة 506
به أطعم. عنه وليه، اوصام عنه، وقال ابو عبيدة يطعم عنه لكل يوم. مسكينا اذا اوصى به. وهو قول ابن عباس. وقيل يطعم عنه مدا
صاعا من بر
لكل يوم. روي ذلك عن الزهري، والشافعي ورأت طائفة ان يصام عن الميت روى ذلك عن طاوس، والحسن، والزهري، وقتادة، وسبب اختلافهم في هذا الباب معارضة القياس للأثر. وذلك أن القياس لا يصوم واما الأثر فهو ماروي عن النبيء لله انه قال:
عنه
احد كما لا يصلي من مات وعليه صوم صام عنه وليه (1) ولما روي ان امرأة سألت عن أمها ماتت وعليها صيام فقال: أرأيت لو كان على امك اكنت دين تقضينه؟ قالت نعم، قال فدين الله أحق بالقضاء (2). واما من اوجب الاطعام فمصيره الى قراءة قوله تعالى وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين (3) ومن خير بين الصوم والافطار فانه جمع بين الآية والاثر والله
اعلم. المسألة السابعة: واجمع اهل العلم فيما وجدت على ان المرأة اذا صامت بعض القضاء فحاضت انها تبني اذا طهرت. واختلف فيمن مرض في بعضه فروي عن سعيد بن المسيب والحسن، وعطاء، والشافعي وجماعة انه اذا برئ. وروي عن النخعي، والشافعي، واصحاب
يتم
الراي. أنهم يقولون انه يستأنف الصوم. والاول اصح
عن عائشة متفق عليه.
لأنه
معذور
(2) وفى معناه ما أوى الترمذي من حديث ابن عباس قال: جاءت امرأة الى رسول الله (ع) فقالت ان اختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين قال: أرأيت لو كان على اختك دين اكنت تقضينه؟ قالت: نعم. قال: حق الله احق. 3) تقدم ذكرها.
-1.9— (2/109)
صفحة 507
واختلفوا فيه اذا صام بعض القضاء ثم سافر فأفطر: فقال بعضهم يستأنف لأنه هو الذي احدث السفر. وبه قال مالك، والشافعي، وقيل انه يتم بقيته. روي ذلك عن الحسن. والله اعلم.
اللازمة الثانية: اطعام المساكين لمن ضيع القضاء حتى يدخل عليه رمضان الثاني. وقد ذكرنا هذا في خلال المسألة المتقدمة
اللازمة الثالثة: الوصية به تلزم المفرط في القضاء
صوم
حتى يحضره
الموت، ثم ان اوصى لزم الورثة القضاء عنه بالاطعام او بالصيام كما ورثوه
متتابعا. ثم ان انقطع بفعل احدهم، او فسده أفسد على الجميع، ويلزم
اجزا
عنهم
اذا كان
من الورثة.
من أفسده ذلك. وان صامه واحد منهم ولا يجزيء عنهم صوم الأجنبي. ورخص بعضهم في صوم وارث الوراث وينبغي لهم ان يقدموا في الصوم النساء قبل الرجال لما يعارض «لعل يعرض» من الحيض والنفاس. واما ان اوصى بصوم النذور او الكفارات فانه يطعم عنه للنذر لكل يوم مسكين مدين، وعشرة لكل كفارة يمين
النساء
والله اعلم.
الفصل الثالث
في الحامل والمرضع يخافان على انفسهما واولادهما الضعف الذي يوردهما الموت: فاختلف العلماء فيهما اذا افطرتا على اربعة مذهب: احدها» انهما يطعمان ولاقضاء عليهما. وهذا مروي عن ابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن جبير. والقول الثاني انهما يقضيان فقط، ولا اطعام عليهما بمنزلة المريض. روي هذا عن الحسن البصري. وعطاء.
110 (2/110)
صفحة 508
والضحاك والنخعي، والأوزاعي، والزهري واصحاب الراي ــ وبه قال
ابو حنيفة واصحابه، وابو عبيدة، وابوثور. والقول الثالث انهما يفطران ويطعمان ثم يقضيان. وبه قال اصحابنا ووافقهم الشافعي، وهو مروي عن مجاهد الا ان اصحابنا قالوا الحامل: تطعم من مالها والمرضع تطعم من مال زوجها الذي هو والدصبيها. والقول الرابع ان الحامل تقضي ولا تطعم بمنزلة المريض والمرضع تقضي وتطعم. روي ذلك عن مالك والله اعلم. وسبب الخلاف في هذا الباب هو تردد شبههما بين الذي يجهده الصوم وبين المريض، فمن شبههما بالمريض قال: عليهما القضاء. ومن شبههما بالذى يجهده الصوم قال عليهما الكفارة فقط الأمرين فيشبه ان يكون رأى ان فيهما من كل واحد شبها عليهما القضاء من جهة مافيهما من شبه المريض. وعليهما الفدية من جهة
فقط
جمع بين
مافيهما من شبه الذي يجهده الصوم.
مسألة: فكل من اجهده الصوم في صوم رمضان او في قضائه فاضطر الى الأكل او الشرب فانه نفسه بأيهما اضطر اليه لأن الله ينجي سبحانه احل الميتة. للمضطر إليها، وليس قتل النفس قربة الى الله تعالى. وقد روي عن ابن عمر انه قال: ان مات على تلك الحالة وهو يقدر على تنجية نفسه بالطعام او بالشراب انه في النار ولعمري (1) لكذلك.
1) عندي ان ذلك لا يطبق على المريض مرض الموت اشتدت حالته فامتنع عن الاكل والشرب وان خيل الينا ان ذلك كان من جراء صومه لجواز ان يكون في حالة لا يحس معها بما نتخيله نحن ازاءه. ذلك ان جسمه لم يعد بعد في حاجة الى الغذاء فقد اصبحت قواه منهارة تعجز عن المقاومة فاستسلمت امام وقع الموت الذي اخذ يدب في مفاصله دراكا. ففرق بينه وبين من يتمتع بصحة يؤثر فيها الغذاء فامتنع وان اشرفت حياته على الخطر. آثر المقامرة بها = جهلا او جمودا عن اتناوله
=
11111 (2/111)
صفحة 509
وكذلك إن اكره على الاكل فانه يأكل ولا يموت ثم يقضي ما عليه والله
اعلم.
وهي
الباب السابع
في الصوم المندوب اليه
والكلام ينحصر فيه على ثلاثة اقسام، الاول» في الأيام المنهي عن
ويوم
الأضحى. وايام التشريق.
الفطر
الصوم فيها وهي ستة: الشك يوم ثلاثة ايام بعد يوم الأضحى. وقد اجمع العلماء على ثبوت النهي عن صيام هذه الأيام، واتفقوا على منع صوم يوم ريوم الاضحى، واختلفوا في ايام التشريق فأجاز بعضهم صيامها. روي ذلك عن ابن عمر والاسود ابن يزيد، وكره آخرون صيامها. وهو مروي عن الشافعي. ومالك الا ان مالكا اجاز صيامها للمتمتع بالحج اذا وجب عليه الصوم. وسبب الخلاف تردد قوله عليه السلام فيها انها ايام اكل وشرب وبعال (1) هو بين ان يحمل على الوجوب او الندب: فمن حمله على الوجوب قال صومها محرم ومن حمله على الندب قال هو مكروه الا انه عارضه قوله عليه السلام لا يصح صيام يومين يوم الفطر
=
على الاخذ بالرخصة التي احب الله ان توتى لطفابنا وتيسيرا يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسره وعليه فلا ارى هذا المريض قد ختم حياته بما يسوءه في آخرته والله يحاسب على الضمائر لا على الظواهر والله يعلم وانتم لا تعلمون
اهـ مصححه
1) اخرجه الدارقطني من حديث عبدالله بن حذافة السهمي. ورواية مسلم الحديث نيبشة الهدلي: ايام التشريق ايام اكل وشرب وذكر الله. عز وجل.
-117 - (2/112)
صفحة 510
الجمعة
ويوم الاضحى (1) فدليل الخطاب يقتضي ان ما عداهما يصح صومه. واختلفوا في يوم الشك وقد تقدم ذكره وقد منع قوم صوم يوما الا ان تقدمه صوم يوم قبله، ويوم بعده روي ذلك عن ابي هريرة والزهري وغيرهما، ورخص فيه آخرون، وسبب الخلاف معارضة الاثار. وذلك انه ثبت من طريق ابن مسعود ان النبيء علل وكان يصوم ثلاثة ايام من كل شهر (2) قال وما رأيته يفطر يوم الجمعة (3). ومنه نهيه عن صيامه الا ان يتقدمه بصوم يوم قبله ويوم بعده واختلفوا في صوم يوم السبت ايضا لاختلاف الاثار الواردة فيه وهو قوله عل الاتصوموا يوم السبت الا فيما فرض عليكم» (4) وورد اباحة صومه في حديث آخر (ه) والله اعلم. واختلفوا في الوصال في الصوم لقوله عل واياكم والوصال فان كان ولابد فمن سحر الى سحر) (6) وروي عن بعضهم انه كان يواصل وهو
(1) متفق عليه من حديث ابي سعيد.
(2) متفق عليه من حديث ابن مسعود. متفق عليه من حديث ابي هريرة
(4) رواه الخمسة من حديث الصماء بنت عمرو وتمامه: وان لم يجد احدكم الا اوعود شجرة فليمضغه ومعنى الكراهة فى هذا ان يختص الرجل يوم السبت بصيام لان اليهود يعظمون يوم السبت
ه قالت ام سلمة (ض): وكان النبي (ع) يصوم يوم الست الاحد اكثر مما ويوم يصوم من الايام. ويقول: انهما يوما عيد للمشركين فانا احب ان اخافهم» رواه احمد والبيهقي، والحاكم وابن خزيمة وصححاه.
(1) عن ابي سعيد: لا تواصلوا فايكم اراد ان يواصل فليواصل الى السحر» رواه البخاري. واستدلوا بهذا الحديث على ان النهي كراهة لانهي تحريم. ولما
كان
م
نهي
(?)
رواه الطبراني والبزار من حديث سمرة انهي النبيء (عليه) عن الوصال وليس بالعزيمة
ولما اخرجه ابو داود باسناد صحيح عن رجل من الصحابة قال: انهي (ع) عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما ابقاء على اصحابه.
– 113 - (2/113)
صفحة 511
ابن الزبير، وثبت النهي ايضا عن صيام الدهر (1) والله اعلم.
الثاني
الايام المندوب الى صومها
وهو يوم عاشوراء باتفاق. لقوله الا الله من طريق ابن عباس من صام يوم عاشوراء كانت كفارته ستين شهرا وعتق عشر رقاب مؤمنات من ذرية اسماعيل عليه السلام) (2). واختلف فيه، فقيل هو يوم عاشر المحرم. وقيل التاسع، ومنها صوم عرفة لقوله عليل الله «صوم يوم عرفة يكفر السنة
لئلا
الماضية والاتية (3) واختلف في صومه للواقف بعرفة فكرهه بعضهم يضعفه عن الدعاء. ومنها ستة ايام من شوال لقوله لا من صام رمضان ثم اتبعه بستة ايام من شوال كان كصيام الدهر (4). ومنها صيام، الايام
البيض وهي
الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر لما روي انه عليه يصومها (5)، وانه قال لعبد الله بن عمر لما اكثر الصيام اما
السلام كان يكفيك ثلاثة ايام من كل شهر؟ قال اطيق اكثر من ذلك قال وخمسا قال اطبق اكثر من ذلك قال ع عالم الاصوم فوق صوم داود عليه السلام
1) لحديث عبد الله بن عمر المتفق عليه قال: قال رسول الله): «لاصام من صام الابد والقول المختار ان صوم الدهر حرام.
(2) رواه الربيع.
(3) عن ابي قتادة الانصاري رواه مسلم بلفظ الباقية بدل الاتية
(4) عن ابي ايوب الانصاري رواه الربيع بلفظ فكانما صام الخ
ه من حديث ابي ذر رواه النسائي والترمذي وصححه ابن حبان بلفظ امرنا رسول الله (ع) ان نصوم من الشهر ثلاثة ايام، ثلاث عشرة واربع عشرة وخمس
عشرة
-118 - (2/114)
صفحة 512
شطر الدهر. صيام يوم وافطار يوم» (1)، ومنها صيام الاثنين والخميس لما روي انه كان يصومهما وامر بهما غيره (2)، ومنها شهر شعبان الحديث عائشة (ض) انه عليه السلام لم يستتم شهرا قط. واكثر صيامه في شعبان (3). ومنها صيام رجب لما ثبت فى الحديث انه يذهب وغر الصدور (4). ومنها صيام العشر لما ورد فيها من الفضل عن النبيء علي الله لمن يصومها (ه) والله اعلم.
الاثنين
الاثنين ويوم
1) من حديث ابن عباس متفق عليه 2) عن ابي قتادة رواه مسلم مقتصرا على يوم الاثنين قال: وسئل عن صوم ا فقال: وذلك يوم ولدت فيه، وبعثت فيه، وانزل علي فيه. سأله (أسامة فقال بارسول الله (ع): انك تصوم لا تكاد تفطر وتفطر حتى لا تكاد الا تصوم يومين ان دخلا في صيامك والاصمتهما قال: اي يومين؟ قال: يوما الخميس قال: وذانك يومان تعرض فيهما الاعمال على رب العالمين فاحب ان يعرض عملي وانا صائم». ذكره احمد - وسئل (ع) فقيل: انك تصوم ا الاثنين والخميس فقال: أن يوم الاثنين والخميس يغفر فيهما لكل مسلم الا مهتجرين متهاجرين» يقول حتى يصطلحا ذكره ابن ماجه. 3) متفق عليه من حديث عائيشة واللفظ لمسلم كان رسول الله (ع) يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم. وما رايت رسول الله (ع) يستكمل
-
صيام شهر قط الا رمضان. وما رايته في شهر اكثر منه صياما في شعبان (4) لفظ الحديث في الايضاح. صوم شهر الصبر وثلاثة ايام من كل شهر يذهبن بوغر الصدور». ويعني بشهر الصبر رجبا. وسبب الحديث ان رجلا من ياهلة اتى النبيء (ع) فقال: يارسول الله انا الرجل الذي جئتك عام الاول. فقال: هما غيرك وقد كنت حسن الهيئة؟ قال: ما اكلت طعاما الا بليل منذ فارقتك. فقال رسول (ع): ولم عذبت نفسك؟ ثم قال: صم شهر الصبر الحديثه. والتحقيق ان صيام رجب ليس له فضل زائد عن غيره من الشهور الا انه من الاشهر الحرم التي يستحب فيها الاكثار من الصيام. قال ابن حجر: لم يرد في فضله، ولا في صيامه، ولا صيام شيء منه معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة منه حديث صحيح يصلح للاحتجاج اهـ ه المراد بصيام العشر التسع الاول من ذي الحجة وسماها عشرا تغليبا.
11101 (2/115)
صفحة 513
صوم
القسم الثالث
في شروط صوم التطوع
وهي بعينها شروط صوم الفرض، ولا اعلم احدا لم يشترط النية فيه وانما اختلفوا في وقت النية كما تقدم قبل هذا. واختلفوا فيمن افطر في التطوع من غير عذر فاوجب اصحابنا عليه القضاء. وبه قال مالك وابو حنيفة. وكذلك كل تطوع افسده بعدما دخل فيه من صلاة او حج او صوم فانه يجب عليه ان يقضيه عند اصحابنا، وقال آخرون لاقضاء عليه لان الله اعدل من ان يؤاخذه بما لم يفترض عليه. وزعم ابن رشد فقهاء قومنا انهم اجمعوا على ان من دخل في الحج والعمرة تطوعا ثم افسده ان عليه القضاء، وانهم اجمعوا على ان من خرج من صلاة التطوع ان ليس عليه قضاء فتردد الصوم بين الصلاة والحج، فمن شبهه بالحج قال عليه القضاء، ومن شبهه بالصلاة قال لاقضاء عليه. والصحيح ان كل تطوع افسده بعد الدخول فيه ان عليه قضاءه، وسبب ايضا اختلاف الاحاديث في ذلك.
من
عندنا
الخلاف
مسألة: واختلفوا في صيام التطوع اذا عزم عليه في النهار فافطر: فروي عن ابن عباس وابن عمر انه يقضي يوما مكانه. وهو قول اصحابنا فيما وجدت في الاثر. واحتجوا بحديث شداد بن اوس عن النبيء لله انه قال اخوف ما اخاف على امتي الشهوة الخفية قال قلنا وما الشهوة الخفية؟ قال يصبح احدكم صائما فتعرض له الشهوة فيواقعها ويدع صومه (1). وذكر عن سعيد بن جبير: انه دعي الى طعام فقيل له عزمت
1) رواه الربيع.
-117 - (2/116)
صفحة 514
القضاء. وزعم
عليك الا فطرت فقال لان تختلف الخناجر في بطني احب الي من ان افطر، قالوا وان فعل ذلك وهو عالم بما عليه كان عليه الاثم. مع ان بعض قومنا يقولون اذا اقسم عليك اخوك المسلم فبر قسمه وافطر، واقض يوما مكانه. ورووا ذلك عن الحسن وغيره. واما اذا استثنى عند اصحابنا في صوم التطوع فانه يصيب استثناؤه ويفطر ما لم ينتصف النهار واذا انتصف فلا يفطر والله اعلم واحكم.
الباب الثامن
في الاعتكاف
وحقيقته في اللغة اللبث بالمكان، وفى الشريعة اللبث في المسجد للعبادة. وهو قربة من نوافل الخير وواجب بالنذر، لقوله عليه السلام، من نذر ان يطيع الله فليطعه الحديث (1) ولاخلاف في استحبابه بغير النذر الا ما روي عن مالك بن انس: انه كره الدخول فيه مخافة الا يوفي بشروطه. وهو مندوب اليه في كل زمان، ولا سيما في رمضان وبخاصة العشر الاواخر منه لطلب ليلة القدر لما ثبت ان النبيء علي الله يعتكفها حتى مات صلوات الله عليه وبر بركاته (2)). والكلام فيه ينحصر في ثلاثة
فصول.
•
1) رواه البخاري واصحاب السنن الاربعة - وتمامه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه.
(2) متفق عليه من حديث عائشة.
-118 - (2/117)
صفحة 515
الفصل الاول
في اركانه، وهي اربعة
الركن الاول
استمرار الاقامة على عمل مخصوص في العبادة كالصلاة وقراءة القرآن وذكر الله تعالى خاصة، وقيل جميع اعمال البر المختصة بالاخرة من شهود
الجنازة ودرس العلوم وغيرها، وسبب الخلاف انه امر مسكوت
الاعتكاف حبس
عنه،
النفس على
اعني ليس فيه حد في الشرع. فمن فهم من الافعال المختصة بالمساجد قال لا يجوز له غير الصلاة والقراءة. ومن فهم النفس على القرب الأخروية اجازله غير ذلك. وقد روي عن
منه حبس
ويوصي
هذا
عن
على انه قال: من اعتكف فلا يرفث ولا يفسق وليشهد الجمعة والجنائز اهله اذا كانت له حاجة وهو قائم ولا يجلس». وروي سعيد بن جبير والنخعي والحسن. ومنع آخرون المعتكف من شهود الجنازة وعيادة المرضى. روي هذا عن عطاء وعروة بن الزبير ومجاهد والزهري. وروي عن عائشة انها لاتعود مريضا الا اذا كان على طريقها. ولا بأس على المعتكف ان يتحدث بما لا اثم فيه. لما روي ان صفية زوج النبيء لا زارته في المسجد وهو معتكف فتحدثت معه ساعة ثم قامت لتنقلب فشيعها الى باب المسجد (1). ولاباس ان يأمر بقضاء حوائجه
1) متفق عليه. ورواية البخاري ومسلم والي داود ان تشييعه اياها لم ينته بباب المسجد بل خرج معها حتى ابلغها منزلها قالت صفية: كان رسول الله (ع) معتكفا فاتيته ازوره ليلا. فحدثته: ثم قمت فانقلبت، فقام معي لبقلبني ـ وكان مسكنها =
-
– 118 – (2/118)
صفحة 516
وما فيه مصلحة لمعاشه، ويعقد النكاح، ويتطيب والله اعلم.
الركن الثاني
ترك الجماع ومقدماته لقوله تعالى ولا تباشروهن وانتم عاكفون في المساجد (1) واجمعوا على فساد اعتكاف المجامع في الفرج. واختلفوا فيما يجب عليه: فقال اصحابنا عليه ما على المجامع في نهار رمضان وروي ذلك عن الحسن البصري والزهري. وقال آخرون فسد اعتكافه ولا غرم عليه في ماله. روي هذا عن بعض فقهاء الأمصار من اهل المدينة، واهل العراق واهل الشام. وقيل يتصدق بدينارين، وهو مروي عن مجاهد. وقيل يعتق رقبة، فان لم يجد فليهد بدنة، فان لم يجد تصدق بعشرين صاعا من تمر. واختلفوا في فساد الاعتكاف ايضا بما دون الجماع من القبلة واللمس: عطاء انه قال: لا يفسده الا الجماع. وقيل: ان فروي عن جميع يفسده روي ذلك عن مالك وغيره وسبب الخلاف اشتراك اسم
-
ذلك
في دار اسامة بن زيد، فمر رجلان من الانصار. فلما رايا النبيء (ع) أسرعا فقال النبيء على رسلكما و انها صفية بنت حيي،. قالا: سبحان الله يا رسول الله قال: و ان الشيطان يجرى من الانسان مجرى الدم، فخشيت ان يقذف في قلوبكما شيئا أو قال و شرا». حكي عن الشافعي ان ذلك كان شفقة عليهما لانهما لو ظنا به ظن سوء كفرا، فبادر الى اعلامهما ذلك لئلا يهلكا اهـ. وانما شيعها لمنزلها لان الليل مظنة الخوف لاسيما على النساء فالحاجة تقضي بتشييعهن والاطمئنان على سلامتهن ولا يليق بحال ان تخوض ظلام الليل منفردة فتبين ان خروج المعتكف للحاجة وهي من المعروف جائز ويؤيد هذا ما قاله الخطابي: وفى هذا اي حديث صفية حجة لمن راى ان الاعتكاف لا يفسد اذا خرج فى واجب وانه لا يمنع ا المعتكف من اتيان معروف. اهـ
1) البقرة: (187).
اهـ مصححه
- 119 – (2/119)
صفحة 517
المباشرة: فمن قال ينطلق على الجماع دون غيره، قال: لا يفسده الا الجماع. ومن ذهب الى انه ينطلق على الجماع فما دونه، قال يفسد
الاعتكاف
الا
جميع ذلك والله اعلم.
الركن الثالث
في الصوم
الخطاب
وقد اختلف في جواز الاعتكاف بغير صوم: فقال اصحابنا لا اعتكاف بصوم، وبه قال مالك وابو حنيفة، وروي ذلك عن عمر بن وابن عباس، وعائشة على خلاف ايضا، وبه قال عروة بن الزبير، والأوزاعي، والزهري، واصحاب الرأي. وقال آخرون الاعتكاف جائز بغير صوم الا ان يوجبه ذلك المعتكف على نفسه نذرا روي عن الحسن البصري، وعلي وابن مسعود، وبه قال الشافعي، وسبب الخلاف اقتران الاعتكاف بالصوم في آية واحدة، وان اعتكاف النبيء لا انما وقع في رمضان فمن رأى ان الصوم المقرون باعتكافه هو شرط فيه، قال لابد من الصوم، ومن رأى ان ذلك انما وقع اتفاقا في زمان الصوم لا ان ذلك مقصوده عليه السلام في الاعتكاف قال ليس الصوم من شروط الاعتكاف
والله اعلم.
- 120 (2/120)
صفحة 518
الركن الرابع
المعتكف فيه وهو المسجد
وقد اتفق جمهور العلماء على ان العكوف انما اضيف الى المسجد لانه من شرطه، واجمعوا على ان الاعتكاف جائز في المساجد الثلاثة: بيت الله الحرام. وبيت القدس، ومسجد النبيء له، واختلفوا في غير هذه الثلاثة: فقال اصحابنا يجوز الاعتكاف في كل مسجد تجمع فيه الصلاة وبه قال فقهاء الامصار، والشافعي، وابو حنيفة، والثوري، ومالك وقال آخرون: لا يجوز الا في مسجد جمعة لئلا ينقطع عمل المعتكف بالخروج الى الجمعة، والاول اصح لعموم قوله تعالى وانتم عاكفون في المساجد (1) والله اعلم. والنية من شروط الاعتكاف عند الجميع فيما
علمت والله اعلم.
الفصل الثاني
في وقت دخول المعتكف في المسجد وخروجه منه
وفي اثر اصحابنا اذا نوى ان يعتكف شهرا فانه يدخل قبل غروب الشمس من اول ليلة منه، وروي هذا عن النخعي، ومالك، والشافعي واهل الرأي، واما اذا نوى ان يعنكف اياما او يوما واحدا، فانه يدخل
1) تقدم ذكرها قريبا
– 121 - (2/121)
صفحة 519
قبل طلوع الفجر، و به قال فقهاء الامصار (1)
،
وقال اخرون يدخل بعد
صلاة الصبح، روي هذا عن الاوزاعي. وقال بعضهم ان نوى عشر ليال دخل قبل غروب الشمس. وسبب الخلاف تعارض الأقيسة للاثار. وذلك ان من رأى ان اول الشهر ليلة اعتبر الليالي فقال يدخل قبل الغروب ومن لم يعتبر الليالي قال يدخل قبل الفجر لان اليوم في كلام العرب يقع على اليوم خاصة (2). وعلى اليوم والليلة ايضا (3). واما الاثر المعارض لهذا فلما روي ان النبيء عل الله اذا اراد ان يعتكف صلى الصبح ثم دخل
اذا
معتكفه (4) والله اعلم، واختلفوا في وقت خروجه ايضا: فقيل يخرج اعتكف في العشر الأواخر من رمضان من المسجد الى صلاة العيد، وان خرج بعد غروب الشمس فلا بأس عليه، وهذا مروي عن مالك، وقيل يخرج بعد الغروب. روي هذا عن الشافعي وابي حنيفة، وقال اخرون رجع الى بيته قبل صلاة العيد فسد اعتكافه، وسبب الخلاف هل الليلة
ان
الباقية
العشر ام لا؟ من
لا يصح
1) قال المحشي: ظاهره انه اعتکاف يصح يوم واحد. وظاهر كلام الايضاح ذلك، وان هذا قول بعض المخالفين حيث قال: واختلفوا في اقل مايصح به الاعتكاف. فقال بعضهم: عشرة ايام فصاعداً، وقال آخرون: ثلاثة ايام فصاعدا. ويدل على مذهب القائلين بعشرة ايام ماثبت من فعله عليه السلام انه يعتكف في رمضان كل سنة عشرة ايام فلما كان ذلك العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين عل الله يوما فدل فعله هذا (ع) ان اقل الاعتكاف عشرة ايام اذ علينا الاقتداء به في اقواله و افعاله والله اعلم، اما من قال بثلاثة ايام فانه يدل على فعله ماروي انه (ع) قال: اني لا اعتكف عشر الاوائل التمس بها هذه الليلة يعني ليلة القدر ثم قال: من اراد ان يطلبها فلا يطلبها الا في العشر الاواخر، وقال: رايتها فاختلست مني فالتمسوها في العشر الأواخر من تسع بقين او سبع بقين او ثلاث بقين الخ. اهـ،، المصحح. وفي رواية او خمس بدل ثلاث، وبناء عليها فلا
2) لقوله تعالى: سبع ليال وثمانية ايام حسوما. (3) كقوله تعالى: تمتعوا في داركم ثلاثة ايام. (4) متفق عليه من حديث عائشة.
يتم
استدلالة)
– 122 – (2/122)
صفحة 520
الفصل الثالث في احكام الاعتكاف
وهي ملازمة المسجد على فعل العبادة: واختلفوا في المعتكف: هل يدخل تحت سقف غير المسجد الذي اعتكف فيه، فمنع من ذلك اصحابنا
عطاء
الا مضطرا لمغتسل او قضاء حاجة الانسان، وروي ذلك عن والنخعي وغيرهما، ورخص فيه الزهري والشافعي واصحاب الرأي، والاول اصح لما ثبت من حديث عائشة انها قالت: كان النبيء لا اذا اعتكف يدني الي رأسه فأرجله وكان لا يدخل البيت الا لحاجة الانسان (1). ولا يبيع المعتكف. ولا يشتري الا ما لابد منه من القوت، ولا بأس عليه في اتيان مجالس العلماء في المسجد، وله ان يكتب العلم. وبعض كرهه، واختلف فيه: هل يشترط ان يتعشى في منزله؟ وقيل له ذلك. وقيل لا يشترطه وظاهر الحديث يدل عنه انه يتعشى في واذا مرض مرضا يمكنه المقام في المسجد اقام فيه. والأخرج الى بيته، فاذا صح قضى ما عليه، وكذلك المرأة اذا حاضت فلتخرج واذا طهرت رجعت، واختلفوا اذا نذر الصمت في اعتكافه. فقيل يتكلم بلا كفارة عليه، وقال اصحاب الرأي ليس في الاعتكاف صمت (2)، وقيل ان رأى فيه السلامة فعل، وقال بعض العلماء لا يلزمه نذر، لان الكلام بالحق افضل من السكوت، والقول الباطل منهي عنه المعتكف وغيره. وبعض اوجب عليه اطعام مسكين او مسكينين ان تكلم.
المسجد
(1) رواه البخاري ومسلم وغيرهما
(2) لما روي عن علي ان النبيء (ع) قال: ولايتم بعد احتلام ولاصمات يوم الى الليله
رواه ابو داود.
– 123 – (2/123)
صفحة 521
وقد روي من طريق ابن عباس: ان رجلا نذر ان يقوم في الشمس، ولا يستظل. ولا يتكلم، ويصوم، فأمره النبيء له ان يستظل ويتكلم ويجلس ويتم صومه (1)، والله اعلم. واختلفوا في المعتكف هل يجوز له
ان يشترط فعل شيء ويمنعه الاعتكاف مثل حضور جنازة او غير ذلك:
اعتکافه
وانه ان فعل بطل فذهب اكثر العلماء الى ان شرطه لا ينفع -
—
(
واختلفوا اذا خرج من المسجد لغير حاجة متى ينقطع اعتكافه، فقيل ينتقض عند اول خروجه، وبعض رخص في الساعة. واخرون في اليوم والله اعلم، وجمهور العلماء يقولون اذا قطع المتطوع اعتكافه لغير عذر وجب عليه القضاء لما ثبت ان النبيء لا اراد ان يعتكف العشر الاواخر من رمضان فلم يعتكف. واعتكف في شوال (2) واما النذر الواجب فلا خلاف في قضائه. واختلفوا في قضائه عن الموتى. فروي عن ابن عباس وعائشة انه لا يعتكف عن الميت، وقال آخرون: اذا كان على الانسان اعتكاف شهر اطعم عنه ستون مسكينا. ثلاثون للاعتكاف، وثلاثون للصوم والله اعلم.
مسألة: وروي عن النبيء الا الله انه قال: من قام ليلة القدر ايمانا
1) رواه البخاري وابوداود وابن ماجه عن ابن عباس (2) واستدل بذلك على ان للمعتكف ان يقطع اعتكافه المستحب متى شاء وقد ذكرت السيدة عائشة (ض) السبب الذي حمل النبيء)) على قطع اعتكافه أواخر رمضان و قضاه في شوال فقالت (كان (ع) اذا اراد ان يعتكف صلى الفجر ودخل معتكفه، وانه اراد مرة ان يعتكف فى العشر الأواخر من رمضان فامر ببنائه فضرب، قالت عائشة، فلما رايت ذلك امرت ببنائي فضرب وامر غيري من ازواج النبيء صلى الله (ع) ببنائه فضرب، فلما صلى الفجر نظر الى الابنيه فقال: ما هذه؟ البر تردن؟ قالت: «فامر ببنائه فقوض، وامر ازواجه بأبنيتهن فقوضت، ثم اخر الاعتكاف الى العشر الأول يعني من شوال
- ITE (2/124)
صفحة 522
واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (1). وعنه عليه السلام قال التمسوها في العشر الأواخر من رمضان وفي كل وترمنها (2)، وفي حديث ابن عباس انها في تاسعة تبقى، او سابعة، او خامسة (3). والأحوط للمرء ان يحيي الليالي العشر تحريا لطلبها لئلا تفوته، لما روي ان النبيء عل كان اذا دخلت عليه العشر الأواخر من رمضان ايقظ أهله وشد المئزر وأحيى
الليالي (4)، والله اعلم واحكم وبه الحول والتوفيق.
1) متفق عليه من حديث ابي هريرة.
(2) و (3)
•
تقدم ذكرهما قريبا. والصحيح الذي عليه اكثر العلماء انها ليلة السابع والعشرين. لحديث ابن عمر قال: قال رسول الله (ع): من كان متحريها فليتحرها ليلة السابع والعشرين. رواه احمد باسناد صحيح - ولحديث أبي بن كعب انه قال: والله الذي لا اله الا هو انها لفي رمضان. يحلف وما يستثني ـ ووالله انى لأعلم اي ليلة هي، هى الليلة التي أمرنا رسول الله (ع) بقايمها. وعشرين. وامارتها ان تطلع الشمس صبيحة يومها بيضاء لاشعاع لها» رواه احمد
ومسلم وابو داود والترمذي
•
وصححه
هي
ليلة سبع
(4) رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة بلفظ واحيبي الليل بدل الليالي.
– 125 – (2/125)
صفحة 523
الركن الخامس
من الكتاب في العمرة والسادس» في الحج
اذ هما فرضان على العبد مأمور باتمامهما الا ان العمرة قد اندرجت تحت الحج واشتمل عليها (1). اعلم ان الله سبحانه فرض الحج والعمرة على من العباد فكان في السفر اليهما تذكرة لسفر الآخرة واهوال
المستطيعين
المعاد
، اذ الخارج اليهما منخلع عن الاهل والاولاد، قل ما يخلو من توبة واحكام وصيته، وكان ركوبه للراحلة مثلا لركوبه نعش الجنازة ودخوله البادية وقطعه عقباتها الى الميقات تذكرة للخروج من الدنيا بالموت الى ميقات القيامة ومشاهدة تلك الاهوال والمطالبات، فكان انفراده عن الاهل في البر وما يكابده من قطاع الطريق وسباعه مثلا لخلوته في القبر مع ديدانه وافاعيه، وكان التفافه لثوبي احرامه مخالفا لزيه وهيئة لباسه تذكرة لثياب
الكفن وقدومه على ربه بزي مخالف لزي الدنيا، اذ كلاهما غير مخيطين ملفوفا فيهما العبد في كلتا الحالتين، وكان تلبيته للرب تعالى عند الميقات تذكرة لاجابة الداعي من الاجداث يوم ينفخ في الصور، وكان دخوله الحرم اشعث أغبر مثلا لقيامه من القبر شاخصة ابصاره مع الناس ذاهل
ذلك
-
1) أجل ـ العمرة داخلة في الحج الى يوم القيامة يعني داخلة في اشهر الحج والمراد من نفي ماكانت العرب تعتقده في الجاهلية من ان العمرة لاتصح في اشهر الحج. ولذلك شق على اصحاب رسول الله (ع) حين قال لهم وهم محرمون بالحج في حجة الوداع، اجعلوها عمرة». امر (ع) بذلك من لم يكن معه هدي، قال طاوس: كان اهل الجاهلية يرون العمرة في اشهر الحج افجر الفجور ويقولون: اذا انفسخ صفر، وبرأ الدبر، وعفا الاثر حلت العمرة لمن اعتمر فلما كان
—
الاسلام، امر الناس ان يعتمروا فى اشهر الحج فدخلت العمرة في اشهر الحج الى يوم القيامة،
اهـ مصححه.
- 126 - (2/126)
صفحة 524
العقل عاري البدن من اللباس فكان انصبابه الى مكة مع جملة الزائرين مثلا لانصباب الناس في القيامة الى جهة الجنة آملين في دخولها فكان دخوله
الى البيت وتعلقه باستاره ميلا لحضرة الملك يقصده الزوار من كل فج عميق واوب سحيق شعثا غبرا متواضعين لرب البيت خضوعا لجلاله واستكانة لعزته، فكان وقوفه بعرفات مع جملة الحجيج وارتفاع اصواتهم
بهم
بالبكاء والضجيج واتباع الفرق المتهم في التردادات على المشاعر اقتداء: في امتثال المناسك مثلا للوقوف على عرصات القيامة واقتداء كل امة بنبيها
طمعا
منهم
اليه في الشفاعة، واندفاعهم من عرفات منقسمين الى مردودين ومقبولين مثلا لانقسام الخلق في يوم القيامة الى محرومين ومرحومين، ولكن الكرم من! الله عميم وشرف البيت عظيم وحق الزائرين مرعي وذمام المستجيرين غير مضيع، فاذا اجتمعت هممهم وتجردت للضراعة والابتهال قلوبهم، وارتفعت الى الله ايديهم، وامتدت رقابهم، وشخصت نحو السماء ابصارهم مجتمعين على طلب الرحمة من مولاهم فلا تظنن انه يخيب املهم ويضيع سعيهم مع اجتماع الهمم والاستظهار بالاولياء من جميع الامم في وقت واحد وصعيد واحد. ولذلك قيل ان من اعظم الذنوب من وقف بعرفات فظن ان الله لم يغفر له. وقد قال تعالى «فمن تعجل في يومين تأخر فلا اثم عليه لمن اتقى (1). وجاء عن رسول الله
فلا اثم عليه ومن
انه قال: «من حج
هذا البيت ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه
كيوم ولدته امه (2) وهذا القدر كاف في تعريف اسرار الحج والله اعلم. الآن في ذكر طرف من امهات مسائله وامتثال مناسكه وان
ولنشرع
1) البقرة: (203). (2) متفق عليه عن ابي هريرة.
– 127 (2/127)
صفحة 525
كنا قد الفناه في غير هذا الكتاب مستقصى لانا شرطنا في صدر الكتاب ان نسوق فيه سبعة اركان تتضمن سبع سؤالات القناطر في المعاد وبالله التوفيق. ولنحصر الكلام في هذا الركن على ثلاثة ابواب
الباب الأول
-
في مقدمات الحج ـ الباب الثاني في مقاصده الباب الثالث في لواحقه الاول» في الشرائط والمقدمات: وهي محصورة في فصلين.
الفصل الاول
في شروط وجوب الحج
الشرط الاول: البلوغ، واختلفوا في صحة وقوعه من الصبي فذهب اصحابنا وبعض فقهاء الامصار الى صحة وقوعه منه.
محمد بن محبوب من
الخلاف معارضة وسبب
وذهب غيره من اصحابنا وابو حنيفة الى منعه الاثر للاصل وهو قول المرأة اذا اخذت بعضد صبي: يا رسول الله الهذا
يصح.
عنه
القلم
حجه لعدم صحه
حج؟ قال: نعم. ولك اجر (1) والاصل ان الصبي مرفوع حتى يحتلم. الشرط الثاني» «العقل لان المجنون لا عقله. وذهب بعضهم الى ان وليه يحرم عنه كالصبي. «الشرط الثالث الاسلام، اذ لا يصح حج المشرك لقول النبيء علل ايما اعرابي حج
1) رواه احمد ومسلم وابوداود والنسائي من طريق ابن عباس. ورواية مسلم عن ابن عباس ان النبيء) لقي ركبا بالروحاء ومحل يقرب من المدينة المنورة فقال: من القوم) قالوا المسلمون) فقالوا. من انت؟ قال: «رسول الله فرفعت اليه امراة صبيا فقالت: الهذا حج؟ قال: نعم ولك اجر». اهـ مصححه
- IYA- (2/128)
صفحة 526
ثم هاجر فعليه حجة اخرى (1). واراد بالهجرة ههنا الاسلام. والشرط
الرابع» «الحرية» اذ لا يصح حج العبد الا باذن مولاه الا ان اعتق قبل الوقوف بعرفات. لقول النبيء عل الله دايما عبد حج ثم اعتق فعليه حجة اخرى (2). والشرط الخامس» «الاستطاعة» لقوله تعالى من استطاع اليه سبيلا (3). ولا خلاف في ذلك، وقد اختلف فيها على اربعة اقوال: احدها انها الزاد والراحلة وهو مروي عن النبيء)
•
(E),
وبه قال الحسن وسعيد بن جبير وجماعة. والثاني انها صحة البدن وروي ذلك عن عكرمة والضحاك، وبه قال مالك، ولعل حجتهم قوله تعالى ياتوك رجالا، الآية (5) اي مشاة، والثالث» انها زاد وراحلة وصحة البدن حكي هذا عن بعض العمانيين. والقول الرابع: الاستطاعة ما ذكرنا مع زيادة الامن ومرافقة الاصحاب وهو المعمول به عند اصحابنا والله اعلم واحكم. مسألة: واختلفوا في وجوب الحج باستطاعة نيابة الغير مع العجز
وسبب
احد عن
عن المباشرة. فاوجب ذلك بعض العلماء، ومنع منه آخرون الخلاف معارضة الاثار للقياس. وذلك ان القياس لايحج احد كما لا يصلي احد عن احد. واما الاثار التي عارضته فحديث الخثعمية وغيرها اذ امرها النبيء في ان تحج. عن ابيها شيخ كبير لا يستطيع
(1) و (2) هما حديث واحد رواه احمد وابو داود والنسائي.
d)
آل عمران: (97)
(4) هو ماروي عن انس قال: قيل يارسول الله ما السبيل؟ قال: والزاد والراحلة رواه الدارقطني وصححه الحاكم. والراجح ارساله. واخرجه الترمذي من حديث ابن عمر
وفي اسناده ضعف.
الحج: (67).
– 129 – (2/129)
صفحة 527
الركوب على الراحلة (1). ولا خلاف بين العلماء فيما وجدت في وقوعه
عن
الغير تطوعا، وانما الخلاف في وقوعه فرضا.
مسألة: واختلفوا في الذي يحج عنه غيره سواء كان حيا او ميتا هل من شرطه ان يكون حج لنفسه ام لا؟ فذهب بعض الى انه ليس ذلك
من شرطه، وان ادى الفرض عن نفسه فهو افضل. وذهب آخرون الى. وسبب الخلاف اختلافهم في تصحيح قول النبيء
ان ذلك من
شرطه
المن يلبي عن غيره ان كنت حججت عن نفسك فحج عن
غيرك (2).
مسألة
: واختلفوا في الرجل يؤاجر نفسه في الحج فكره ذلك بعضهم وان وقع جاز و لم يجز ذلك آخرون. وحجتهم ان ذلك قربة الى الله تعالى فلا تجوز فيها الاجارة لانها من باب الاكل بالدين وحجة الاولين اجماعهم
على جواز الاجارة فى بناء المساجد وكتابة المصاحف (3)
1) رواه الجماعة والربيع عن ابن عباس قال: كان الفضل بن العباس رديف رسول الله (ع) فجاءت امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل بن عباس ينظر اليها وتنظر اليه فجعل رسول الله (ع) يصرف وجه الفضل الى الشق الآخر. قالت يارسول ان فريضة الله على العباد في الحج ادركت ابي شيخا كبيرا لا يستطيع ان يثبت على الراحلة افاحج عنه؟ قال: ارايت لو كان على ابيك دين فقضيته عنه اكنت قاضية عنه؟ قالت: نعم قال فذاك ذاك.
الله
(2) ونص الحديث: عن ابن عباس ان النبيء) سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة. قال: من شبرمة؟ قال: اخ لي او قريب لى، فقال: حجت عن نفسك؟ قال: لا. قال: «حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمه) رواه ابوداود وابن ماجه، وصححه ابن حبان، والراجح عند احمد وقفه 3) ومجمل القول في هذه المسألة: ان الحج عن الغير يصح اذا كان عن ضرورة وعلى وجه الاجرة، بيد ان هناك من يشترط فيمن يحج عن غيره ان يكون قد حج = (2/130)
صفحة 528
مسألة: واختلفوا في وجوب الحج هل هو على التراخي او على الفور؟ فحجة اصحاب القول الاول ان النبيء علل الله فرض عليه الحج واخره عليه السلام سنتين، فلو كان على الفور لم يؤخره. وحجة الاخرين انه لما كان مختصا بوقت كان من اخره حتى يذهب وقته آئما. اصله
الصلاة
ذا
مسألة: واختلفوا في وجوب الحج على المرأة التي لازوج لها، ولا محرم يطاوعها على الخروج: فروي عن ابراهيم النخعي والحسن البصري وجماعة انها لا تحج الا مع ذي محرم. وبه قال ابو حنيفة. وقال آخرون بل تخرج مع رفقة مأمونة. وبه قال الشافعي ومالك وجماعة. وسبب الخلاف معارضة الأمر بالحج (1) النهي عن سفر المرأة الا مع ذي محرم منها (2) والله اعلم.
=
عن نفسه اولا لحديث وحج عن نفسك ثم حج عن شبرمه، وانت خبير ان المقصود بالحج هنا حج الفريضة، اما حج التطوع فلا خلاف في جوازه، وهناك من يجيزه
مطلقا
عن
ماروي
الغير ميتا كان او حيا اذا كان عاجزا وهم جمهور | اصحابنا وحجتهم. م الله عنه () من طريق ابن عباس يدخل الجنة ثلاثة بالحجة الواحدة اذا كانوا مسلمين، الموصي بها، والذي ينفذها والخارج بها» اهـ مصححه
1) هو قوله تعالى: والله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلاه. (2) عن ابن عباس (ض) قال: سمعت رسول الله (ع) يخطب ويقول ولا يخلون رجل بامراة الا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المراة الا مع ذي محرم. فقام رجل فقال يارسول الله (ع) ان امراتي خرجت حاجة واني اكتبت في غزوة كذا وكذا؟ قال: «انطلق فحج مع امراتك متفق عليه واللفظ لمسلم.
- 131 – (2/131)
صفحة 529
الفصل الثاني
في المقدمات
قتادة،
احداها: في المواقيت وهي نوعان: زمانية ومكانية، اما الزمانية فالاصل فيها قوله تعالى (الحج اشهر معلومات (1)، واختلف فيها فقيل: هي شوال وذو القعدة وذوالحجة باسرها، حكي هذا عن وطاوس، ومجاهد وغيرهم، وقيل هي شهران شوال وذوالقعدة وعشرة من ذي الحجة روي هذا عن ابن عباس والشعبي وغيرهم، وبه قال اصحابنا: وقيل هي شهران وعشرون من ذي الحجة، وفائدة الخلاف تأخير طواف الإفاضة الى آخر الشهر. وان احرم بالحج قبل اشهره. فقيل لا ينعقد احرامه. وقيل ينعقد احرامه احرام عمرة لاحج. وهو الصحيح الخلاف، تشبيه وقته بوقت الصلاة: فمن شبهه بها قال لا ينعقد
وسبب
قبل الوقت، وحجة من اجازه قوله تعالى «واتموا الحج والعمرة الله (2) والاول اصح. وبه قال اصحابنا. واما العمرة فاتفقوا على جوازها في كل اوقات السنة. واختلفوا في تكريرها في السنة الواحدة، فأجازة قوم، وكرهه اخرون. واما المواقيت المكانية فاجمعوا على انها: اما اهل المدينة فذو الحليفة، واما اهل الشام فالجحفة، واهل نجد قرن، واهل اليمن يلملم لثبوت ذلك عن رسول الله (3)، واختلف في ميقات اهل العراق،
البقرة: (197)
2 البقرة: (196).
(3) عن ابن عباس (ض) وان النبيء لا وقت لاهل المدينة ذا الحليفة». «ابيار علي
يقرب بستة اميال من المدينة، ولاهل الشام الجحفة قرب رابغ استبدل بها، ولاهل
نجد قرن المنازل وبينه وبين مكة (مرحلتان ولاهل اليمن يلملم. على مرحلتين
=
– 132 – (2/132)
صفحة 530
فقيل ذات عرق، وهو قول الجمهور (1)، وقيل هو العقيق، روى ذلك
،
(2)
عن الشافعي واختلفوا فيمن وقت ذات عرق فقيل: هو النبيء وقيل عمر بن الخطاب (3) لانه هو الذي فتح العراق على يد عماله، وهو
الاصح. مسألة: واجمع العلماء على ان من احرم من احد هذه المواقيت او قبلها انه محرم. واختلفوا فيمن احرم بعد ان تعداها: فقال اصحابنا ان رجع الى الميقات فأحرم فلا شيء عليه، وان لم يرجع فاحرم من موضعه فعليه دم. وبه قال الشافعي لانه ادخل النقص في مناسكه. ومنهم من قال: لا يسقط الدم وان رجع، وقيل لادم عليه، وجمهور العلماء على ان من كان منزله دونهن فميقاته من منزله لثبوت ذلك عن النبيء السلام. واختلفوا فيمن ترك الاحرام من ميقاته فاحرم من ميقات غيره مثل ان يترك اهل المدينة ذا الحليفة ويحرموا من الجحفة: فقيل لا شيء عليه، وقيل عليه دم، وهو مروي عن مالك واصحابه، والاول اصح، لقول النبيء عليه السلام في حديث ابن عباس رضي لكم مواقيت ولكل آت عليهن من غيرهن ممن اراد الحج والعمرة (4)
=
من
الله
عنه، هن
مكة هن لهن ولمن اتى عليهن من غير هن ممن اراد الحج والعمرة، ومن دون ذلك فمن حيث انشأ حتى اهل مكة مكة
من. متفق عليه.
عليه
كان
م الله 1) لما روي عن عائشة: ان النبيء (ع) وقت لاهل العراق ذات عرق» رواه احمد والنسائي واصله عند مسلم من حديث جابر الا ان راويها شك فيه وفي صحيح البخاري ان عمر هو الذي وقت ذات عرق. وعند احمد وابي داود والترمذي عن ابن عباس ان النبيء (ع) وقت لاهل المشرق العقيق. (2) كما في حديث عائشة المتقدم
3) لما عند البخاري
4) تقدم قريبا.
– 133 - (2/133)
صفحة 531
مسألة فكل من مر بأحد من مر بأحد هذه المواقيت لزمه الاحرام اذا كان مريدا
للحج والعمرة باتفاق العلماء الا من اكثر تردده الى مكة مثل الحطابين فانه رخص لهم. روي ذلك عن ابن عباس لان في الزامه الاحرام مشقة، وقطعا عن معاشه، واختلفوا في اهل الافاق الذين يقصدون مكة لتجارة او حاجة: فقال قوم لا يلزمهم الاحرام من الميقات، وقال اصحابنا لا يجاوزون الميقات الا محرمين، والله اعلم، واختلفوا فيما يلزمهم ان لم يحرموا. فقال قوم أساؤوا ولا شيء عليهم، لان دخول محل الفرض لا يوجب الدخول في الفرض. اصله الدخول في المسجد الجامع يوم الجمعة. وروي عن الربيع رحمه الله انه يلزمهم الدم الا الحطابين، قال: وعليهم ان يطوفوا بالبيت قبل ان يخرجوا من وهذا كله لغير اهل مكة. واما اهل مكة المقيمون فيها فان ميقاتهم للاحرام بالحج مكة، واما العمرة فانهم يحرمون لها من الحل من التنعيم والجعرانية او الحديبية وهو الافضل. واختلفوا فيهم متى يحرمون؟ فقيل اذا رأوا الهلال، وقيل اذا خرج الناس الى منى والله اعلم، واما العمرة فميقاتها ميقات الحج الا في حق المقيم بمكة مكيا كان او آفاقيا فان عليه الخروج الى الحل ولو بخطوة في ابتداء الاحرام، فان لم يفعل حتى وسعى لم يعتد بعمرته تلك، لانه لم يجمع بين الحل والحرم والحاج بوقوف
عرفة جامع بينهما والله اعلم.
مكة،
طاف
- ITE_ (2/134)
صفحة 532
من
المقدمة الثانية
في اختلاف الناس في حكم العمرة
فقال قوم: هي فريضة، روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وجماعة التابعين، وبه قال اصحابنا. واحتجوا بقول الله تعاى واتموا الحج والعمرة الله» الآية (1) ولقول النبيء عل الله لما نزلت آية الحج. قال: باثنين حجة وعمرة فمن قضاهما فقد قضى الفريضة، وقال آخرون: هي سنة، روي ذلك عن النخعي والشعبي: وبه قال مالك. واحتجوا بالاحاديث المعدود فيها فرائض الاسلام و لم يذكر العمرة، وبما روي عنه عليه السلام انه سئل عن العمرة اواجبة؟ فقال لا وان تعتمر خير لك» (2) وقال اخرون هي تطوع روي ذلك عن ابي حنيفة واصحابه، واحتجوا بحديث رووه انه عليه السلام قال «الحج واجب والعمرة تطوع (3) وسبب الخلاف اختلاف الاثار وتردد الامر بالاتمام بين ان يحمل على الوجوب او الندب. والله اعلم.
المقدمة الثالثة
في مستحبات الاحرام
وهي: الغسل لما روي ان النبيء لا اغتسل له، وقد اجمع العلماء على البية الاحرام جائز بغير اغتسال لكنهم استحبوه لغسل النبيء
(2) رواه احمد والترمذي من حديث جابر بن عبدالله. 3) رواه ابن ماجه عن طلحة بن عبدالله مرفوعا بلفظ «الحج جهاد والعمرة تطوعه.) لحديث زيد بن ثابت ان رسول الله (ع) تجرد لاهلاله واغتسل، رواه الترمذي وحسنه.
- 135 – (2/135)
صفحة 533
ولامره اسماء بنت عميس، وهي نفساء (1)، ان تغتسل وتحرم. وممن استحبه طاوس وابراهيم النخعي وفقهاء الامصار واهل الراي، وذهب اهل
الظاهر الى وجوب الغسل تعلقا بان الامر على الوجوب والله اعلم. والثانية التجرد للاحرام في ازار ورداء ونعلين، لقوله اليحرم احدكم في ازار ورداء ونعلين (2) وان احرم في ازار واحد، او رداء واحد فلا بأس. روي ذلك عن جماعة من فقهاء الامصار، والثالثة الاحرام انه عليه السلام احرم عقيب صلاة مكتوبة وقيل
دبر
الصلاة، لما
روي
نافلة (3)، واستحب ذلك ابن عباس وطاوس وجماعة، وان احرم بغير
صلاة فلا شيء عليه والله اعلم.
الباب الثاني
في المقاصد
والكلام فيه ينحصر في جملتين ومقدمة: اما المقدمة فهي في كيفية، وصفاته ثلاث: احداها الافراد وهو ان يحرم بالحج مفردا
الاحرام، عاريا من يزور، فان طاف فقد كره له ذلك، واما ان طاف وسعى فقيل عليه هدي، والثانية) القرآن: وهو ان يحرم بالحج والعمرة معا، فاذا قدم
صفات التمتع والقرآن، ولا يطوف بالبيت الا بعد النحر حين
1) لحديث جابر بن عبدالله (ض) ان رسول الله (ع) حج فخرجنا معه حتى اتينا ذا الحليفة فولدت اسماء بنت عميس فقال: اغتسلي واستثفري بثوب واحرميه. (2) رواه البخاري عن ابن عباس بلا ذكر «نعلين)
(3) اخرج ابوداود والحاكم من حديث ابن عباس انه ((لما صلي في مسجد ذي الحليفة ركعتين اهل بالحج حين فرغ منهما.
-179 - (2/136)
صفحة 534
مكة طاف وسعى لعمرته ثم يبقى على احرامه يصلي في المسجد ولا يطوف بالبيت الا بعد النحر لطواف الزيارة، فيحل حينئذ من احرامه، والثالثة التمتع: وهو ان يحرم بالعمرة مفردة في اشهر الحج، ولها ستة شروط احدها ان يجمع بينها وبين الحج في سفره ذلك لأنها إن عاد الى بلده بعد الاحلال، من عمرته ثم سافر الى الحج من عامه فليس بمتمتع. الثاني) ان يكون ذلك في عامه. والثالث» ان يفعل العمرة في اشهر الحج «الرابع) ان يقدمها على الحج، «الخامس ان ينشئ الاحرام بالحج بعد فراغه منها، السادس ان يكون وطنه خارج الحرم. وهذه شروط التمتع فان عدم واحد منها فلا يكون متمتعا وهذا اجماع من العلماء فيما وجدت الا ما روي عن الحسن انه قال ان اعتمر ثم عاد الى بلده ولم يحج من عامه ذلك ان عليه هدي التمتع (1). لانه قيل عنه به كان يقول: عمرة في اشهر الحج متعة، وكذلك ما روي عن طاوس انه قال: في غير اشهر الحج ثم اقام حتى يحج من عامه انه متمتع، وهذا النسك هو المعني يقوله تعالى «فمن تمتع بالعمرة الى الحج» الآية (2) ومعنى التمتع التحليل بين النسكين ويسقط السفر عنه مرة ثانية الى النسك الثاني الذي هو الحج. وهنا نوعان من التمتع اختلف العلماء فيهما: احدهما فسخ الحج في عمرة وهو تحويل النية من الاحرام بالحج الى العمرة، فجمهور العلماء يكرهون ذلك، وذهب ابن عباس الى جوازه، وبه قال اهل الظاهر،
من
اعتمر
1) فقد ثبت عن عمر (ض) انه اعتمر فى شوال وعاد الى المدينة دون ان يحج ولم يثبت عنه انه ساق هدي التمتع. بل ظاهر الآية لا يشمله لانه لا ينوي الاحرام بالحج بعدها والله يقول: «فمن تمتع بالعمرة الى الحج» اي الى الاحرام به فتأمل.
(2) البق رة: (196).
اهـ مصححه
– 137 (2/137)
صفحة 535
وكل الفقهاء متفقون على ان رسول الله الا الله امر اصحابه عام حجة الوداع بفسخ الحج الى العمرة وهو قوله لو استقبلت من امري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة. وامر من لم يسق الهدي ان يفسخ اهلاله في عمرة (1) فذهب العلماء في هذا الأمر على ثلاثة مذاهب: «احدها» انه لا يحل محرم بحج او بعمرة او بهما جميعا الاباتمام ما اهل به كان معه هدي او لم يكن، روي هذا عن ابي حنيفة ومالك والشافعي، والثاني» ان كل من لم يسق الهدي فانه يحل بعمرة شاء او الى سواء كان قارنا او مفردا او متمتعا، هذا عن ابن عباس واهل الظاهر، والثالث» ان فسخ الاحرام بعمرة جائز من غير ايجاب ذلك عليه. روي هذا عن احمد ومن وافقه، وذهب اصحابنا الى التخيير في ابتداء الاحرام بين الافراد والقران والتمتع. لكنهم استحبوا التمتع لما فيها من التيسير والتسهيل، ولامره عليه السلام اصحابه بها. فقال سراقة بن مالك يا رسول الله «عمرتنا هذه العامنا هذا ام للابد؟ فقال: بل هي للابد الى يوم القيامة (2) وعن مجاهد
1) ورواية مسلم بلغنا عن جابر بن عبدالله قال: قدمنا مع رسول الله (ع) مكة صل الله. ونحن محرمون بالحج فطفنا بالبيت وسعينا بين الصفا والمروة فامر النبيء (علي) من لم يكن. معه هدي ان يحل. قلنا يانبيء الله اتامرنا بالاحلال. وانت محرم؟ قال: نعم. لو استقبلت من امري ما استدبرت ما قلدت الهدي ولأحللت قال جابر: فاحللنا وجعلناها عمرة. قال النبيء (ع) ( .. ) اذا رجعتم الى منى فاهلوا بالحج من وروي احمد من حديث انس قال: خرجنا نصرخ بالحج فلما
بطحاء مكة
قدمنا مكة امرنا رسول الله (ع) ان نجعلها عمرة وقال: لو استقبلت من امري
ما استدبرت لجعلتها عمرة، ولكن سقت الهدي، وقرنت بين الحج والعمرة
2) رواية احمد ومسلم ان جابر بن عبد الله قال: «لما امر النبي (ع) اصحابه ان: اخبرنا مالك: يانبي بن
يحلوا من احرامهم بالحج ويجعلوها عمرة قال سراقة
الله
عن عمرتنا هذه الناخاصة ام هي للابد؟ فقال النبي (ع): بل هي للابد دخلت
العمرة في الحج الى يوم القيامة
- 138 - (2/138)
صفحة 536
قال: لو حججت أربعين مرة لجعلت معها متعة، وبهذا قال وفيما وجدت، علي، وابن عباس، وسعد بن ابي وقاص، وابن عمر، وسعيد ابن المسيب، وجماعة والله اعلم، واما فقهاء الامصار فتمسكوا بنهي الصحابة عنها ابي بكر وعمر وغيرهما، وسبب الخلاف. هل فعل الصحابة
في هذا محمول على العموم أو على الخصوص؟ والله أعلم. واما النوع الثاني من التمتع: فهو ما كان يذهب اليه ابن الزبير ان التمتع الذي ذكره الله هو تمتع المحصر عن الحج بمرض أو عدو. وذلك ان خرج الرجل حاجا فحبسه عدو أو غيره حتى تذهب ايام الحج فيأتي البيت فيطوف ويسعى فيستمتع باحلاله الى العام المقبل ثم ليحج ويهدي
الخلاف
والله اعلم. مسألة: واجمع العلماء على ان الاحرام لا يكون الا بنية، وهي الاعتقاد بالقلب للدخول في الحج أو العمرة مع التلبية، واختلفوا هل تجزيء النية فيه من غير تلبية، فأجاز ذلك بعضهم، وهو مروي عن مالك والشافعي. وكذلك عند مالك تجزئ النية في الصلاة عن تكبيرة الاحرام. وذهب اصحابنا الى انه لا يكون محرما داخلا في الحج أو العمرة الا بالتلبية، كما لا يكون داخلا في الصلاة الا بالتكبير هل التلبية من أركان الحج أم لا؟ وهل فعله عل الله في ذلك محمول على الوجوب، أو الندب؟ فمالك لايراها ركنا من أركان الحج ويرى على من تركها دما. وذهب غيره الى انها ركن من اركانه، وان افعال النبيء الا الله فيها محمولة على الوجوب لانها اتت بيانا لواجب، لقوله و خذوا عني مناسككم (1) مسألة: واجمع العلماء على ان تلبية رسول الله ه لبيك اللهم
، وسبب
1) رواه احمد والنسائي من حديث جابر ـ ورواه احمد ومسلم والنسائي عن ابن مسعود ان رسول) (قال يوم النحر وهو يرمي جمرة العقبة على راحلته: خذوا عني مناسككم فاني لا ادري لعلي ان لا احج بعد حجتي هذه أو قال: بعد حجي هذا،
-
139 (2/139)
صفحة 537
لبيك، لا شريك لك لبيك ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك (1) واختلفوا اهي واجبة بهذا اللفظ ام لا؟ عندهم في تكبيرة
الاحرام كل لفظ يقوم مقام التعظيم، وذهب غيرهم الى وجوبها بهذا اللغظ، والحجة في هذه المسألة الحجة التي قبلها، ولا خلاف بين
هي
العلماء في استحباب لفظ تلبية النبيء الا الله، وانما اختلفوا في تبديلها والزيادة عليها لما روي في حديث جابر بن زيد فذكر التلبية التي في حديث ابن عمر فقال، والناس يزيدون على ذلك لبيك ذا المعارج ونحوه من الكلام والنبيء يسمع ولا يقول شيئا (2)
جمهور
مسألة: واختلفوا في رفع الصوت بالتلبية على كل شرف: فاستحبه العلماء لقوله عليه السلام والحج هو العج والثج» (3). فالعج هو رفع الصوت بالتلبية والثج اهراق الدماء من الذبائح (4). ولما روي في الحديث ان جبريل عليه السلام امره ان يأمر اصحابه بذلك (5) ولما روي
1) رواه الربيع عن ابي سعيد الخدري ورواه مسلم عن جابر بن عبدالله. بيد ان صيغة التلبية التي ساقها المصنف ناقصة عما وردت في الروايتين. ففي بعض النسخ عنده: صل الله. البيك اللهم لبيك ان الحمد والنعمة لك والملك لاشريك لك، اما تلبية النبيء (علي) الثابتة فهي: البيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، ان الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لكه
•
(2) قال الربيع: قال نافع: وكان ابن عمر يزيد فيها: لبيك وسعديك والخير بيديك، لبيك والرغبة اليك والعمل.
) عن ابي بكر الصديق (ض) ان رسول الله (ع) سئل: أي الأعمال افضل؟ قال: العج والشج) رواه الترمذي وابن ماجه.
•
4) يعني نحر البدن يوم النحر ه لحديث خلاد بن السائب عن ابيه ان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: أتاني جبريل فأمرني ان آمر اصحابي ان يرفعوا اصواتهم بالأهلاله. رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن
حبان. وفي رواية من حديث زيد بن خالد: فانها من شعائر الحج».
11811 (2/140)
صفحة 538
عن
ابي حازم ان اصحاب النبيء عل الله لا يبلغون الروحاء حتى تبح حلقوهم (1). وذهب اهل الظاهر الى ايجاب رفع الصوت بالتلبية. واما المرأة فاجمع اهل العلم فيما وجدت على انها تسمع بالتلبية نفسها وقال بعض العلماء لا يرفع الصوت بالتلبية في المساجد الا في مسجد مكة ومنى، لكن في غير هذين يسمع من يليه، والله اعلم. مسألة: واختلفوا متى يقطع المحرم بالحج التلبية: فروي انه يقطعها اذا زالت الشمس من يوم عرفه. وذهب جمهور العلماء الى انه لا يقطع التلبية حتى يرمي جمرة العقبة. واختلفوا: فقيل يقطعها اذا رماها باسرها، لحديث ابن عباس ان الفضل بن عباس كان رديف النبيء له وانه قطع التلبية في آخر حصاة (2). وقال قوم يقطعها عند اول حصاة روي ذلك عن ابن عباس. والفضل بن عباس. واسامة. وعلي وجابر بن زيد. والله اعلم. مسألة: واختلفوا في قطع التلبيه بالعمرة، فقيل عن مالك وابي حنيفة: انه يقطعها اذا انتهى الى الحرم. روي ذلك عن ابن عمر وعروة. وقال آخرون يقطعها عند الحجر الاسود اذا افتتح الطواف. وهو الصحيح. وبه قال الشافعي واحتج بان التلبية اجابة الى الطواف بالبيت فلا يقطع حتى يشرع في العمل. والله اعلم وبالله التوفيق.
1) اخرجه ابن ابي شيبة بلفظ: ان اصحاب رسول الله كانوا يرفعون اصواتهم بالتلبية حتى تبح اصواتهم بدون ذكر: بلغوا الروحاء»
(2) فقد روى البخاري عن ابن عباس واسامة بن زيد انهما قالا: ولم يزل (ع) يلبي
حتى رمى جمرة العقبة
- 1 E 1 - (2/141)
صفحة 539
الجملة الاولى
من المقاصد في محظورات الإحرام
وتحتوي على خمسة فصول:
الفصل الاول
فيما يتقيه المحرم من اللباس
والاسل في ذلك حديث ابن عمر وان
رجلا
سأل
النبيء الا عما يلبس المحرم من الثياب فقال لا يلبس القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات. ولا البرانيس، ولا الاخفاف الا احد لا يجد نعلين فيلبس خفين وليقطعهما اسفل الكعبين، ولا يلبس من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس (1). واجمع العلماء على ان المحرم ممنوع من لبس هذه الاشياء، وان هذا مخصوص بالرجال دون النساء، وانه لابأس ان تلبس المرأة القميص والدرع والسراويل والاخفاف والخمار (2). واختلفوا فيمن لم يجد الا السراويل، هل له لباسه؟ فاجازه بعضهم. روي ذلك عن عطاء وبعض فقهاء الامصار، ومنع منه آخرون،، وبه قال مالك وابوحنيفة. وحجتهم انه لورخص فيه النبيء للاستشناه كالخفين، واحتج اصحاب القول الأول بحديث ابن عباس عن النبيء
(1) رواه الربيع عن ابي سعيد الخدري. 2) متفق عليه عن عمر: انه سمع رسول والنقاب وما مسه من الثياب الورس والزعفران
ينهي امرأة عن لبس القفازين
-1? Y- (2/142)
صفحة 540
قال: «السراويل لمن لم يجد الازار والخفان لمن لم يجد النعلين (1). واتفق اكثرهم على اجازة لبس الخفين مقطوعين لمن لم يجد النعلين. واجاز آخرون لبسهما من غير قطع. روي ذلك عن عطاء بن ابي رباح (2)، وقال في قطعهما فساد والله لا يحب الفساد (3). واجمعوا على ان احرام المرأة في وجهها وان لها ان تغطي رأسها وتستر شعرها. وان لها ان تسدل
الثوب عن وجهها لنحو ماروي عن عائشة انها قالت وكنا محرمات مع فاذا النبيء: بنا ? رکب سدلنا على وجوهنا الثوب من قبل رؤوسنا فاذا جاز الركب رجعناه ((4). وثبت ان النساء منهيات عن لبس القفازين والنقاب لثبوت ذلك عن رسول الله الا انه قال عليه السلام والتلبس بعد ذلك ما احبت من سراويل او خفين (5). ولان ماعدا الوجه والكفين من جسدها عورة لايجوز لها اظهاره. واجمعوا على ان احرام الرجل في رأسه وانه لا يجوز له تغطيته. وان احرام المرأة في وجهها
1) رواه احمد عن عمرو بن دينار ان أبا الشعثاء اخبره عن ابن عباس (ض) انه سمع النبيء) وهو يخطب يقول: من لم يجد ازاراً ووجد سراويل فليلبسها، ومن لم يجد نعلين ووجد خفين فليلبسهما قلت: ولم يقل ليقطعهما؟ قال: لا.
(2) والى هذا ذهب احمد فأجاز للمحرم لبس الخف والسراويل للذي لا يجد النعلين
والازار، على حالهما، استدلالاً بحديث ابن عباس، وانه لافدية عليه. ورجح،
ابن القيم.
هذا
هذا التعليل مردود عليه على ما ارى، لأنه يلزم عليه محذور هو انه (ع) اقر الفساد اذ امر بقطعهما في حديث ابن عمر المتفق عليه الآنف الذكر. وهو مالا يرضاه قطعا. والاولى ان يعلله بأنه ورد عنه (ع) مطلقاً بدون استثناء في حديث ابن عباس المتقدم قريبا
اهـ مصححه
(4) رواه احمد بلفظ: عن عائشة: كنا محرمات ويمربنا الركب فتسدل احدانا الثوب
على وجهها
ه متفق عليه عن عمر
- 143 (2/143)
صفحة 541
لا يجوز تغطيته ببرقع ولا غيره الا ان تخاف معه الفتنة جمالها فتسدل من الثوب كما قدمنا. وقد روي ان اسماء بنت ابي بكر كانت تغطي وجهها وهي محرمة، وهذا يحتمل ان يكون سدلا كفعل عائشة المتقدم. واختلقوا تخمير المحرم وجهه: فروي عن عثمان بن. عفان، وزيد بن ثابت، وسعد بن ابي وقاص وعبدالرحمن بن عوف، وجابر بن عبدالله، وطاوس انهم ذهبوا الى اباحة ذلك الى الحاجبين. وذهب آخرون الى انه لا يخمر ما فوق الذقن. روي ذلك عن ابن عمر ومحمد بن الحسن ومالك والزم فيه الفدية
والله اعلم. مسألة: ويجوز للمحرم استظلال الخيم والقباب والبيوت والدخول فيها. لما روي ان النبيء عليه السلام نزل في قبة يوم عرفة في حجة الوداع (1). واختلفوا في استظلاله على الابل وسائر الدواب فرخص بعضهم فيه (2). روي ذلك عن عثمان بن عفان، وعطاء، والاسود بن يزيد، وجماعة، وكذلك مالك بن انس واحمد بن حنبل، والله اعلم. مسألة: واختلفوا في لبس الهميان للمحرم: فرخص فيه ابن عباس، وابن المسيب، وعطاء بن ابي رباح، ومجاهد، وطاوس، والنخعي، وفقهاء الامصار، وقالت عائشة في المنطقة للمحرم اشدد عليك منطقتك (3). وكره ذلك ابن عمر فيما روي عنه والله اعلم.
(1) يروى انه لما اجاز المزدلفة حتى اتى عرفة فوجد قبة ضربت له بنمرة فنزل بها حتى اذا زاغت الشمس امر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس الخ الخ من حديث مطول رواه مسلم عن جابر بن عبدالله
2) وهو المذهب
وفي نسخة نفقتك.
ـ 144 ـ (2/144)
صفحة 542
وقال بعضهم ليس له ان يعقد الهميان ولكن يدخل السيور بعضها في بعض
والله اعلم. مسألة: واختلفوا في عقد المحرم الثوب عن نفسه فمنع منه قوم، روي ذلك عن عطاء وعروة بن الزبير، وبه قال مالك والشافعي، ورخص فيه ابن المسيب، وقد روي عن عمرو بن دينار انه قال: قلت لجابر بن زيد. ازاري ينحل فقال اعقده او قال اوثقه والله اعلم.
الفصل الثاني
فيما يتقيه المحرم من الطيب
واجمع العلماء على ان الطيب كله محرم على المحرم في حال احرامه. واختلفوا في جوازه له عند الاحرام فكرهه قوم. روي ذلك عن عمر، وابنه. وعثمان عفان بن، وجماعة من التابعين، وبه قال مالك بن انس. وحجتهم في ذلك قول النبيء لا للرجل الذي جاءه فقال يارسول الله كيف ترى في رجل احرم بعمرة في جبة ملطخة بطيب؟ قال النبيء عليه السلام اما الطيب الذي بك فاغسله عنك ثلاث مرات، واما الجبة فانزعها ثم اصنع في حجتك ما تصنع في عمرتك» (1) اختصرت الحديث، هذا، واجاز آخرون ذلك. وهو مروي عن ابي حنيفة والشافعي وجماعة واحتجوا بما روي عن عائشة انها قالت وكنت اطيب رأس النبيء عليه السلام فيطوف على نسائه ثم يصبح محرما (2). فقال الاولون اذا
وفقهه
1) رواه
(2) متفق عليه. ووردت الرواية بلفظ آخر: عن عائشة قالت: وكنت اطيب =
11801 (2/145)
صفحة 543
اغتسل انما يبقى عليه اثره لا نفسه، قالوا فلما كان الاجماع. منعقداً على
ان كل ما تجب منه الفدية لايجوز استصحابه وهو محرم مثل لبس الثياب وقتل الصيد وجب ان يكون الطيب كذلك. وتجب الفدية بتناول الطيب وشمه قليلا كان او كثيرا. ورخص الربيع فى الريحان العربي، وقال انه ليس من الطيب. وبه قال ابن عباس، وعن عطاء انه كان لايرى لادهان الفارسية من الطيب، ويجوز له اكل ما طبخ فيه الطيب لانه قد خرج بالطبخ عن حكم الطيب، واختلف فيه اذا اختلط مع طعام او شراب من غير ان تمسه النار فتناوله المحرم: فقيل عليه دم وقيل لاشيء عليه واختلف في لبس الثوب الذي مسه زعفران، او ورس، او غيرهما فغسل حتى ذهب ريحه فرخص فيه اصحابنا، روي ذلك عن جابر بن زيد وسعيد بن المسيب، والنخعي، وعطاء وطاوس، ومجاهد، وجماعة من الفقهاء. وكره ذلك مالك بن انس الا ان يكون غسل فذهب لونه، واجمع اهل العلم على ان المرأة ممنوعة مما منع منه الرجل في حال الاحرام الا بعض اللباس كما قدمنا والله اعلم.
الفصل الثالث
فيما يتقيه المحرم من القاء التفث
وازالة الشعر والظفر وقتل القمل واشباه ذلك
وقد اجمعوا على منعه على المحرم لقول الله تعالى ولا تحلقوا
=
رسول الله (ع) لا حرامه قبل ان يحرم ولحله قبل ان يطوف بالبيت، فالحديث دليل علي ان الطيب يحرم بعد الاحرام لا قبله. والمراد بالحل الاحلال الذي يحل به كل محظور وهو طواف الزيارة وقد كان حل بعض الاحلال وهو بالرمي والحلق الذي يحل به الطيب وغيره ولا يمنع الامن النساء بعده
•
اهـ مصححه
11871 (2/146)
صفحة 544
رؤوسكم الآية (1) واتفقوا على اجازة غسل رأسه من الجنابة، واختلفوا في كراهية غسله من غير جناية، فاجازه قوم، ومنع منه آخرون فممن اجازه اصحابنا (2). وجابر بن عبدالله، وابن عمر، وسعيد بن جبير، وجماعة، وكره ذلك مالك بن انس وابو حنيفة، واحتجوا بان الاجماع منعقد على ان المحرم ممنوع من قتل القمل ونتف الشعر والغاسل رأسه لا يخلو ان يفعل كل هذا، او بعضه، واختلفوا في غسل رأسه بالخطمي فروي عن مجاهد، وطاوس، وعطاء. انهم رخصوا لمن لبد رأسه فشق عليه الحلق ان يغسله بالخطمي حتى يلين، وكره آخرون واوجبوا فيه الفدية، وبه قال مالك وابو حنيفة. وحجة من اجازه ان النبيء الا الله امر بغسل المحرم اذا مات بماء وسدر (3)، والخطمي في معناه. واختلفوا في الاحتجام للمحرم فرخص فيه بعضهم ما لم يقطع الشعر. روي ذلك عن مسروق، وعطاء،، وعبيد بن عمر، وجماعة، لما روي ان
(1) البق رة. 196
(2) قال المحشي: الدليل على قول اصحابنا ماروي عن ابن عباس (ض) انه قال: اختلفت انا والمسور بن مخرمة بالأبواء فقلت يغسل المحرم رأسه، وقال هو: لا يغسله قال ابن عباس فأرسلت رجلا الى ابي ايوب الانصاري فوجده الرجل يغسل بين القرنين
وهو مستتر بثوب فسلم عليه فقال من هذا؟ قال له الرجل انا رسول ابن عباس جل الله اليك يسالك كيف كان رسول الله (ع) يغسل راسه وهو محرم؟ قال الرجل فوضع ابو ايوب يده على الثوب فطاطأه حتى بداله راسه. ثم قال لانسان يصب عليه: اصبب فصب عليه، ثم حرك راسه بيده فاقبل بهما و ادبر قال: هكذا رايته يفعل صلوات الله عليه. فعلى هذا الحديث انه جائز لان الماء لا يزيد الاشعنا اهـ.) رواه الربيع عن ابن عباس. ومن طريقه ايضا عنه عليه السلام قال: واذا مات المحرم غسل ولا يكفن الافى ثوبيه اللذين احرم فيهما، ولا يمس بطيب، ولا يخمر
رأسه. .
ـ 147 ـ (2/147)
صفحة 545
النبيء عله احتجم من وجع وهو محرم» (1). ومنع منه آخرون واوجبوا فيه الفدية. روي ذلك عن الحسن وغيره وهو الصحيح. الا ان احتجم لضرورة وحلق الشعر فليفتد ولا بأس عليه. واختلفوا في قتل البعوض والبق والبراغيث والزنبور فرخصت فيه طائفة
روي ذلك عن عطاء واصحاب الرأي، وقال اصحابنا لا يقتل شيئا من ذلك كله. وقد روي ان عمر (ض) امر بقتل الزنبور. وقال قوم في الذباب والذر والنمل يتصدق بشيء والله اعلم، واما القمل فيطرحها عن بدنه في ثوبه ولا
من
قتله
يلقيها في الارض ولا يقتلها.
الفصل الرابع
في الجماع
ومقدماته من اللمس والنظر والقبلة وغيرها. واجمع اهل العلم على ان المحرم ممنوع من الجماع لقوله تعالى فمن فرض فيهن الحج فلا رفت ولا فسوق ولا جدال في الحج» (2). واجمعوا على ان الجماع يفسد الحج قبل الوقوف بعرفة ويفسد العمرة قبل الطواف بالبيت، واختلفوا في فساد الحج بعد الوقوف، وقبل جمرة العقبة، وقبل طواف الإفاضة الذي هو
1) متفق عليه عن ابن عباس بيد ان الرواية وردت مطلقة من ذكر الوجع بخلاف ما اثبته المصنف. والقول الفصل فى الباب: ان محرمات الاحرام من الحلق وقتل الصيد ونحوهما تباح للحاجة وعليه الفدية كما ينبه الى ذلك هذا الحديث. وحديث كعب بن عجرة فمن احتاج الى حلق راسه ولبس قميصه الحراو برد ابيح له ذلك ولزمته الفدية. وعليه دل قوله تعالى «فمن كان منكم مريضا او به اذى من راسه الآية. (2) البقرة: (197)
-18 A- (2/148)
صفحة 546
روي
ومن
طواف الزيارة: فقال قوم فسد حجه وعليه الهدي والقضاء من عام قابل، وهو قول اصحابنا، واليه ذهب مالك والشافعي، وقال آخرون عليه. الهدي وحجه تام. روي ذلك عن الثوري وابي حنيفة، واختلفوا فيمن وطئ بعد رمي الجمرة، وقبل طواف الزيارة، فقال قوم يفسد حجه، ذلك عن ابن عمر، وقال آخرون لا يفسد حجه الخلاف. وسبب ان للحج تحليلين شبه التسليم من الصلاة: احدهما بعد رمي جمرة العقبة وهو التحلل الاصغر يحل به كل شيء الا النساء والطيب والصيد (1) فحتى يزور البيت، والتحلل الآخر بعد الزيارة يحل به كل شيء: فمن اشترط التحللين قال بفساد حجه اذا وطئ قبلهما: وهو الصحيح عندنا لم يشترطهما قال باباحة الوطئ عند التحلل الاول. ولا خلاف بين العلماء ان التحلل الاكبر يحل به كل شيء لقوله تعالى وادا حللتم فاصطادوا (2). واتفقوا على ان العمرة يحل منها بالطواف والسعي وان لم يكن حلق ولا تقصير، الا انه يلزمه الدم اذا وطئ فيها قبل الحلق، واختلفوا في صفة الجماع الذي يفسد الحج وفي مقدماته. فذهب اكثرهم الى انه التقاء الختانين. ويحتمل ان يكون من يشترط في وجوب الغسل الانزال ان يشترطه في الحج. واختلفوا في الإنزال بغير ايلاج في الفرج: فقال قوم لا يفسد الحج الا الانزال في الفرج، روي ذلك عن ابي حنيفة. وقال قوم ما يوجب الحد يفسد الحج. وبه قال الشافعي. وقال آخرون يفسده الانزال من غير وطئ لانه هو المقصود وهو ابلغ من الايلاج.
(1) حل له غير النساء والصيد. اما الطيب فهو حل له عند ابن عباس والربيع لقوله (ع): اذا رميتم وحلقتم حل لكم الطيب وكل شيء الا النساء اهـ مصححه (المائدة: (6).
-189 - (2/149)
صفحة 547
وبه قال مالك، وهو الصحيح لان الحج عبادة يفسدها انزال الماء عن تعمد كما يفسد الصوم. واختلفوا هل يفسد بمقدمات الجماع من النظر والقبلة واللمس ام لا؟ فقال قوم: يلزمه الدم في كل ذلك ما لم ينزل الماء. وقيل يفسد حجه. روي ذلك عن ابن عباس انه قال: لرجل قبل او نظر افسدت حجك، وقال قوم كل انزال عن نوع استمتاع يفسد الحج والعمرة، وروي هذا عن بعض اصحابنا. واظنه قول جابر بن زيد، والحسن، ومالك، وغيرهم والله اعلم، وعن عطاء قال: كل ما حرك الذكر ففيه دم، والله اعلم. واختلفوا فيمن جامع ناسيا: فقال قوم عليه. وقيل عليه الجزاء، والله اعلم.
القضاء
الفصل الخامس
واجمعوا على ان المحرم يحرم عليه اكل لحم الصيد اذا صاده لقوله تعالى وحرم عليكم صيد البر مادمتم حرما (1)، واختلفوا في جواز اكله للمحرم اذا صاده المحل: فقال قوم يجوز اكله له اذا ذبحه المحل، روي ذلك عن عمر بن الخطاب وعن عطاء، وسعيد بن جبير، والزبير بن العوام وبه قال اهل الرأي وابو حنيفة. وقال آخرون يجوز اكله اذا لم يصطد من
عن
اجله، روي ذلك عطاء وقال قوم هو حرام عليه اكله واصطياده، روي ذلك عن علي بن ابي طالب، وجابر بن زيد، وابن عمر، وطاوس. وبه قال ابن عباس ويقول الآية مبهمة، وبه قال اصحابنا. وسبب الخلاف: هل النهي يتعلق بشرط
بن ابي رباح، ومالك، والشافعي وجماعة.
(1) المائدة: (96)
•
-10 .. (2/150)
صفحة 548
الاصطياد. او الاكل او بهما جميعا؟ فمن قال بشرط الاصطياد خاصة اجاز اكله اذا لم يصده المحرم بنفسه. وهو قول الاولين. واحتجوا على هذا بما روي ان النبيء عل الله قال الحم الصيد لكم حلال الا ماصدتم او صيد من أجلكم (1)، وبحديث ابي قتادة حين كان مع اصحاب له محرمين فاصطاد حمارا وحشيا فاكل منه بعض اصحابه وابى بعض فسأل النبي عل الله فقال «طعمة اطعمكم الله اياها (2). ومن قال ان النهي يتعلق بالاصطياد والاكل جميعا ـ وهو قول اصحابنا ـــ قال لا يأكله. واحتجوا بحديث ابن عباس ان رجلا اهدى الى النبيء لله حمارا وحشيا وهو بالابواء فرده عليه، وقال: انا لم نرده عليك الا انا محرمون (3) والله اعلم. مسألة: واختلفوا في المضطر هل يأكل الميتة او صيد الحرم؟ فقال قوم يأكل الميتة دون صيد الحرم. وقال آخرون. ياكل الصيد وعليه الجزاء ولا يأكل الميتة. لان اكل الصيد سد ذريعة الى اباحته، ولا يأتى فيه
1) عن جابر بن عبدالله بلفظ صيد البر لكم حلال وانتم حرام مالم تصيدوه او يصد لكم رواه احمد والترمذي. 2) رواه البخاري ومسلم عن ابي قتادة ان رسول الله (ع) خرج حاجا فخرجوا معه فصرف طائفة منهم فيهم ابو قتادة - فقال: خذوا ساحل البحر حتى نلتقي فاخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا احرموا كلهم الا اباقتادة لم يحرم فبينما هم يسيرون إذ رأوا
•
حمر وحش فحمل ابو قتادة على الحمر فعقر منها اثانا فنزلوا فاكلوا من لحمها، وقالوا: اناكل لحم صيد، ونحن محرمون فحملنا ما بقي من لحم الآثان، فلما اتوا رسول الله، قالوا. يارسول الله. انا كنا احرمنا وقد كان ابو قتادة لم يحرم فراينا حمر وحش فحمل عليها ابو قتادة فعقر منها اثانا فنزلنا فاكلنا لحمها ثم قلنا. انا كل لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها قال: وامنكم احد امره ان يحمل
عليها، ام اشار اليها؟ قالوا لا، قال: فكلوا مابقي من لحمها».
(متفق عليه عن الصعب بن جثامة الليثي (ض).
11011 (2/151)
صفحة 549
حال يجوز اكله فيه (1)، والله اعلم. واختلفوا اذا احرم وفي يده صيد:
قال اصحابنا رحمهم
الله يرسله من يده وبه قال مجاهد وعبدالله بن
•
الحارث وجماعة، وقال آخرون ليس عليه ارسال ما في يده، وحكي ذلك
عن ابي ثور والله اعلم واحكم.
الجملة الثانية
فى افعال الحج والعمرة
وفيها ستة فصول:
الفصل الأول
في الطواف
وسنذكر من مسائله ما يجري مجرى القواعد وهي اثنتا عشرة.
المسألة الأولى - في حكمه: وقد اجمعوا على انه ركن من اركان
الحج التي
?
يتم
الا
بها. لقول الله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق (2).
ولا خلاف في هذا لثبوت ذلك من الكتاب والسنة.
1) قال المحشي. هكذا فيما رايناه من النسخ ولعله تحريف لانه لا يصلح علة لجواز اكل الصيد دون الميتة. والحاصل. ان العلماء اختلفوا في ايهما اولى عند الاضطرار. والذي يظهر في التعليل ان يقال في ترجيح اكل الميتة على الصيد لان الميتة قد ورد فيها من الله الاستثناء عند الضرورة ففي اكلها سد ذريعة الى اباحته لانه لم يات فيه حال يجوز اكله فيه. ـ وفى ترجيح اكل لحم الصيد على الميتة لان لحم الصيد طاهر بخلاف الميتة فانها نجسة واذا تعارض الأمر بين الطاهر والنجس فالطاهر اولى. اهـ
2) الحج: (69).
152 (2/152)
صفحة 550
المسألة الثانية فى صفته: وقد اجمعوا على ان يبتدأ به من الحجر الاسود بعد ان يقبله ان قدر عليه، ثم يجعل البيت على يساره، ثم يمضي في الطواف على يمينه ويستلم الركن اليماني ان قدر عليه حتى ينتهي الى الحجر الاسود. ويفعل ذلك سبعة اطواف من الحجر الى الحجر. وانما
اتفقوا على هذا لثبوت ذلك من فعل النبيء عليه السلام.
المسألة الثالثة: وقد اختلفوا في الرمل في الطواف: فذهب اكثر مخالفينا من فقهاء الامصار الى انه سنة في الثلاثة الاشواط. وروي ذلك عن عمر وابن مسعود وزعموا ان ذلك ثابت من فعل النبيء علله، وقال اصحابنا: الرمل في الطواف منسوخ. وبه قال ابن عباس في حديث ابن الطفيل وذكر له ذلك عن قومه فقال: صدقوا وكذبوا فقال كيف؟ فقال صدقوا في قولهم ان النبيء له فعله هو واصحابه. وكذبوا اذ جعلوه سنة لا يجوز تركها قال وذلك ان المشركين بلغهم ان النبيء علا في جهد وشدة جوع هو واصحابه وذلك في زمان الحديبية فأمرهم النبيء ان يرملوا لكي يروا المشركين ان بهم قوة، وانهم غير مجهدين (1)،
صر الله
1) عن ابن عباس (ض) قال: قدم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مكة وقد وهنتهم حمى يثرب: فقال المشركون: انه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم الحمى، ولقوا منها شرا فأطلع الله سبحانه نبيه (ع) على ماقالوه فامرهم ان يرملوا الاشواط الثلاثة وان يمشوا بين الركنين فلما رأوهم رملوا، قالوا: هؤلاء الذين ذكر تم ان الحمى قد وهنتهم؟ هؤلاء اجلد منا!!! قال ابن عباس: ولم يامرهم ان يرملوا الاشواط كلها الا ابقاء عليهم رواه البخاري ومسلم وابو داود واللفظ له. ولقد بدا لعمر (ض) ان يدع الرمل بعدما انتهت الحكمة منه، و مكن الله للمسلمين في الارض. الا انه راى ابقاءه على ماكان عليه في العهد النبوي لتبقى هذه الصورة ماثلة للاجيال بعده. فعن زيد بن اسلم عن ابيه قال: سمعت عمر بن الخطاب (ض) يقول: فيم الرملان اليوم؟ المناكب وفد اطاً الله والكشف عن (ثبت) الاسلام ونفى الكفر واهله
لاندع شيئا كنا نفعله على عهد النبيء (علي)
ومع
ذلك
- 153 (2/153)
صفحة 551
والله اعلم. واتفق الجميع على ان النساء ليس عليهن رمل والله اعلم. المسألة الرابعة: هل يستلم الاركان كلها ام لا؟ فذهب جمهور اهل
العلم الى انه لا يستلم الا الركنين اليماني وركن الحجر الاسود. لحديث وان النبيء لم يستلم الا الركن اليماني وركن الحجر الاسود (1). وقال آخرون بل يستلم الاركان كلها. لحديث بعضهم
ابن عمر
قال: كنا اذا طفنا نرى ان نستلم الاركان كلها. والله اعلم. المسألة الخامسة: واجمعوا على ان تقبيل الحجر الاسود لمن قدر عليه من سنن الطواف، لما ثبت من حديث عمر رحمه الله: انه قبله وقال: لاتضر ولا تنفع ولو لا اني رايت رسول الله لا يقبلك ما
انه
انك حجر
قبلتك (2)
الحسن
المسألة السادسة: واختلفوا في قراءة القرآن في الطواف، فاجازها قوم، روي ذلك عن عطاء وغيره من الفقهاء. وقال ابن المبارك: ليس شيء افضل من قراءة القرآن. وكرهها آخرون. روي ذلك عن البصري وعروة ومالك. واستحب اصحابنا التسبيح. والتحميد، والتهليل، وذكر الله تعالى، والدعاء عند الاركان، وعند الركن اليماني ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (3) لثبوت ذلك عن رسول الله الله
(1) رواه البخاري ومسلم. ونص الحديث: يقول ابن عمر: ماتركت استلام هذين الركنين - اليماني والحجر الأسود - منذ رايت رسول الله (ع) استلمهما في شدة ولا في رخاء. وفي رواية اخرى عنه: لم ار رسول الله يستلم من البيت غير الركنين اليمانيين. وهي اقرب الى رواية المصنف لاشتمال كلتيهما على الحصر بخلاف الرواية الأولى (2) رواه البخاري ومسلم وابو داود. 3) البقرة: (201).
ـ 154 ـ (2/154)
صفحة 552
رضي
المسألة السابعة: وذهب جمهور العلماء من اصحابنا وغيرهم الى ان الحجر الحطيم من البيت وان الطائف بالبيت لابد له ان يدخله في الطواف ويطوف من وراءه، وان ذلك شرط في صحة الطواف، وذهب ابوحنيفة الى انه سنة. والحجة عليه قول النبيء لا لعائشة الله عنها الولا حدثان قومك بالكفر لهدمت الكعبة وصيرتها على قواعد ابراهيم عليه السلام فانهم تركوا منها سبعة اذرع من الحجر ضاقت بهم النفقة والخشب (1). وهو قول ابن عباس رضي الله عنه. ويحتج بقول الله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق (2)، ويقال طاف النبيء لا من وراء الحجر. وحجة ابي حنيفة ظاهر الآية والله اعلم.
عن
عطاء
المسألة الثامنة: واختلفوا فيمن سلك الحجر في طوافه، فقيل يعيد طوافه كله. روي ذلك عن الحسن، وان احل اهرق دما. وقال غيره يني على ما طاف ولا يعتد بما سلك في الحجر. روي. ذلك وفقهاء الامصار والله اعلم. واختلفوا فيمن طاف منكوسا على خلاف السنة: فقال اصحاب الرأي يعيد ما كان بمكة وان رجع الى المصر فعليه دم. وقال آخرون لا يجزئه طوافه بخلاف السنة لقول النبيء الا الله عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد (3) وهو الصحيح ان شاء الله. المسألة التاسعة: واختلفوا في جواز الطواف بغير طهارة بعد اجتماعهم انها سنة فيه، فقال اصحابنا لا يجزيء بغير طهارة لا عمدا ولا سهوا،
1) متفق عليه من حديث عائشة
من
(2) الحج: (31) يعنى يطوف بالبيت، لا في البيت لان من طاف في الحجر طاف في البيت لا يصح طوافه، وان الحجر والشادروان من البيت.
(3) رواه مسلم عن عائشة
100 (2/155)
صفحة 553
وبه قال مالك والشافعي، وقال آخرون يجزئه وعليه دم. روي ذلك عن ابي حنيفة، وقال قوم ان كان لا يعلم اجزأه. وان كان يعلم انه على غير وضوء فطاف فلا يجزئه، واحتج اصحاب القول الأول بقول النبيء الطواف بالبيت صلاة لكن احل الله فيه الكلام» (1)، «ولامره
الحائض ان تفعل افعال الحج كلها الا الطواف بالبيت حتى تظهر (2). واحتج ابو حنيفة باجماعهم على جواز السعي بين الصفا والمروة بغير طهارة قال: وليس كل عبادة يشترط فيها الطهارة الا الحائض من شرطها الطهارة من الحدث، اصله الصوم عندهم لا يشترط فيه الغسل من الجنابة، والصحيح القول الأول
•
المسألة العاشرة: واجمعوا ان من سنة الطواف ركعتين بعد فراغه يأتي بهما الطائف عند انقضاء كل اسبوع ان طاف اكثر من اسبوع واحد، الا ما روي عن عائشة انها كانت تطوف ثلاثة اسابيع ثم تركع ست ركعات بعد ذلك، واجاز بعض العلماء ان لا يفرق بين الاسابيع بالركوع، وحجة الاولين فعل النبيء الا الله اذا طاف سبعة اشواط ركع ركعتين (3) وقال «خذوا عني مناسككم» (4) وحجة من اجاز الجمع بين الاسابيع بغير ركوع قال المقصود انما هو ركعتان لكل اسبوع وليس للطواف ولا للركوع بعده وقت معلوم.
،
1) نص الحديث من رواية الترمذي. الطواف حول البيت مثل الصلاة الا انكم تتكلمون فيه، ومن تلكم فلا يتكلم الا بخيره
(2) لحديث ابن عباس ان النبي (ع) قال: ان النفساء والحائض تغسل وتحرم وتقضي المناسك كلها غير انها لاتطوف بالبيت حتى تطهر» رواه احمد وابو داود والترمذي
وحسنه.
اخرجه البخاري ولفظه: من طاف بالبيت وركع فله من الاجر كثيره.
4) سبق ذكره.
- (2/156)
صفحة 554
المسألة الحادية عشرة - وقت الطواف: واختلفوا فيه: فذهب قوم
والعصر
الصلاة
الى اجازته بعد الصبح والعصر ومنعه عند الطلوع والغروب، وبه قال اصحابنا وهو مذهب عمر بن الخطاب، وابي سعيد الخدري، وجماعة، و به قال مالك واصحابه،، وذهب آخرون الى كراهيته بعد الصبح، ومنعه عند الطلوع والغروب. وبه قال سعيد بن جبير، ومجاهد. واجازه آخرون في هذه الاوقات كلها، وبه قال الشافعي وجماعة، والقول الأول هو المعمول به عند اصحابنا، الا انهم قالوا يؤخر الركوع حتى يصلي المغرب. وأصول دلتهم في هذا راجعة الى منع ا في هذه الاوقات واباحتها ماخلا الطلوع والغروب فان الآثار متفقة على منع الصلاة فيها، واختلفوا في الطواف: هل يلحق بها ام لا؟ (1) المسألة الثانية عشرة: واختلفوا فيمن طاف في الواجب اقل من سبع: فقال عطاء وجماعة لا يجزئ اقل من سبع. وقال آخرون يرجع حتى يكمله، وعليه لتأخيره دم، والاصح انه لا يجزيء اقل من سبع لان الله تعالى قال وليطوفوا بالبيت العتيق، فبينه النبي عل الله سبعا كما بين عدد ركوع صلاة الفريضة فلا يجزئ اقل من ذلك العدد في الصلاة ولا في الطواف، والله اعلم. وفروع مسائل الحج كثيرة لكنا نذكر القواعد منها والله اعلم.
1) الطواف وان اطلق عليه الرسول (ع) اسم الصلاة مجازا لكنه ليس بصلاة في الحقيقة. كيف وقد ابيح فيه الكلام والصلاة الحقيقية لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين فلا تنسحب عليه احكامها من منعه في الأوقات المنهي فيها عن الصلاة بل هو جائز مطلقا في اي ساعة من ليل أو نهار، يشهد لذلك ما ثبت عن الرسول) من حديث جبير بن مطعم ان النبي (ع) قال: «يابني عبد مناف لا تمنعوا احدا طاف بهذ البيت، وصلى اية ساعة شاء. من ليل أو نهار رواه احمد والترمذي
وابو داود وصححه.
اهـ مصححه
-
108 - (2/157)
صفحة 555
الفصل الثاني
في السعي بين الصفا والمروة
ونذكر قواعد مسائله ثلاث: وهي
المسألة الأولى - في حكمه: وقد اختلفوا فيه: فقال قوم هو
فريضة، وهو مروي عن عائشة
رضي
الله عنها، وبه قال الشافعي،
ومالك واحمد، واسحاق. ومن لم يسع عند هؤلاء فلا حج له في عامه
ذلك وعليه الحج من قابل. وقال آخرون هو سنة يلزم تاركه دم. وبه
قال اصحابنا واهل الكوفة. وهو مروي عن الحسن، وقتادة، وغيرهما
وقال قوم هو تطوع روي ذلك عن أنس بن مالك، وعبدالله بن الزبير، وابن سيرين. والله اعلم. واحتج من قال بوجوبه لما روي ان النبيء عليه السلام كان. يسعى ويقول: «اسعوا فقد كتب الله عليكم السعي» (1) وان
الله
•
فمن
الاصل في هذه العبادة ان تحمل على الوجوب حتى يدل الدليل على خلافه وعمدة من يوجبه قول الله تعالى ان الصفا والمروة من شعائر حج البيت او اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما» (2)، قالوا معناه ان لا يطوف بهما وهي قراءة ابن مسعود فيما روي عنه كما قال الله تعالى يبين الله لكم ان تضلوا (3) معناه لئلا تضلوا. وحمل الاولون الآية على ظاهرها. قالوا وان السعي من افعاله عليه السلام. المسألة الثانية ـ في صفته: وهي عند جمهور العلماء ان يرقى على
-
الصفا حتى يبدو له البيت فيكبر ثلاثا، ويقول: لا اله الا الله
وحده
1) رواه ابن ماجه واحمد والشافعي. وقال في الفتح: هو حسن لكثرة طرقه. النساء: (176).
2 البقرة: (158).
11011 (2/158)
صفحة 556
لا شريك له، له الملك، وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، يقول هذا ثلاثا ثم يدعو وينحدر عن الصفا قاصدا الى المروة يمشي حتى اذا بلغ العلم الاخضر هرول حتى يبلغ العلم الذي يلي المروة مشى رويدا حتى يبلغ المروة فيرقى عليها ويصنع كما يصنع على الصفا من التكبير والدعاء والتهليل. فان وقف اسفل المروة اجزأه عند جميعهم فينزل عن المروة يمشي حتى ينتهي الى بطن المسيل فيهرول بين العلمين حتى يقطع الى الجانب الذي يلي الصفا، يفعل ذلك سبع مرات يبتدئ في كل ذلك بالصفا ويختم بالمروة، فان بدأ بالمروة قبل الصفا الغى ذلك الشوط لقول النبيء الا الله
ونبدأ بما بدأ الله به» (1)، يعني قوله «ان الصفا والمروة (2) الآية.
المسألة الثالثة
-
ترتيبه: واجمع اكثر العلماء فيما وجدت على ان
السعي لا يجوز الا بعد الطواف، وانه مرتب عليه، وان من سعى قبل الطواف انه يرجع فيطوف ويسعى، وان اصاب النساء في الحج او في
العمرة كان عليه الهدي والحج من قابل، او عمرة اخرى. الا ما روي عن ابي حنيفة انه لا ان يرجع خرج من، وعليه دم. وزعموا عن
مكة
الثوري ان لا شيء عليه. ولا اعلم احدا اشترط الطهارة في السعي الا
6
الحسن البصري فانه شبهه بالطواف ولكن الطهارة فيه مستحبة والله اعلم، واذا اتم السعي كما قدمنا ونزل عن المروة فان كان دخل بعمرة متمتعا فانه يقص شعر رأسه او يحلقه فيقيم بمكة حلالا له كل الحلال الى يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة، وان كان مفردا بالحج، او قارنا له مع العمرة فليقم محرما اذا نزل من المروة، فاذا كان يوم التروية خرج مع الناس الى منى من غير تجديد احرام والله اعلم.
1) رواه الربيع عن جابر بن عبدالله.
(2) تقدم ذكرها.
1109— (2/159)
صفحة 557
عن
من
الفصل الثالث
في الخروج الى منى والمبيت بها
فاذا كان يوم التروية فليودع المتمتع البيت بسبعة اشواط، وليحرم على اثرها بالحج من تحت الميزاب او من بطحاء مكة لما روي ان النبيء عل الله قال: اذا اردتم ان تنطلقوا الى منى فاهلوا (1) وليس في الاخبار ما يدل على انهم ودعوا البيت بالطواف ولكن استحب ذلك العلماء، روي ذلك عطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهم. وقال بعضهم: لا احد يخرج الحرم حتى يودع البيت، وقد روي عن الحسن وعطاء انهما لا يريان بأسا ان يتقدم الذي يريد الحج الى منى قبل يوم التروية بيوم او يومين، وكره ذلك آخرون، واستحب بعض العلماء ان يصلي من أراد الخروج الى منى الظهر بها، وقد روي ان ابن الزبير صلاها بمكة وتخلفت عائشة يوم التروية الى ثلث الليل، وقال ابن عباس يخرج اذا زاغت الشمس، وقد روي ان النبيء عل اللهم صلى بمنى يوم التروية الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح وذلك ليلة عرفة (2). واتفق الناس على هذا الا انهم اجمعوا على ان هذا الفعل ليس شرطا في صحة الحج لمن ضاق عليه الوقت. ثم اذا اصبح الامام بمنى مشى بالناس الى عرفات للوقوف بها، ولا يجاوز منى الا بعد طلوع الشمس فيغدون الى عرفات.
1) رواه مسلم من حديث جابر بن عبدالله قال: «امرنا رسول الله لما احللنا ان نحرم اذا توجهنا الى منى واهللنا من الابطح.
(2) رواه مسلم في حديثه المطول عن جابر بن
عبدالله
- 17.
- (2/160)
صفحة 558
الفصل الرابع في الوقوف بعرفة
وفيه خمس مسائل:
المسألة الأولى - في حكمه: وقد اجمع اهل العلم على انه ركن
من اركان الحج، لقول النبيء عل العمرة الطواف، والحج عرفات (1) فاته فعليه الحج والهدي من قابل في قول اكثرهم.
وان
من
المسألة الثانية ـ في صفته: وهو ان يصل الامام عرفة قبل الزوال فاذا زالت الشمس خطب الناس، ثم يجمع بين الظهر والعصر في اول الظهر، ثم يقف حتى تغرب الشمس. وهذه الصفة متفق عليها لما ثبت
من فعل النبيء عليه السلام.
المسألة الثالثة
-
في اقامة الحج بعرفة وغيرها: وذكر ابن رشد
من فقهاء قومنا ان الناس اجمعوا على اقامة الحج للسلطان الاعظم، او لمن يقيمه وانه يصلى وراءه برا كان، او فاجرا، او مبتدعا، وان السنة ان يأتي المسجد بعرفة يوم عرفة فاذا زالت الشمس خطب الناس وجمع بين الظهر والعصر، واختلفوا في وقت اذان المؤذن، وتركت الاختلاف في ذلك اختصارا لما ثبت ان النبيء عل خطب الناس ثم اذن بلال ثم اقام الصلاة فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا، ثم
ركب الى الموقف
•
مسألة: واجمعوا ان صلاة الامام بعرفة جائزة ولو لم يخطب قبل
1) متفق عليه
-171 - (2/161)
صفحة 559
الظهر، بخلاف الجمعة، وان القراءة فى هذه الصلاة سرا، وانها تصلى قصرا اذا كان الامام مسافرا. واختلفوا اذا كان الامام مكيا: هل يقصر الصلاة بمنى وبعرفة والمزدلفة؟ فقال قوم. السنة في هذه المواضع التقصير ان كان من اهلها وغيرهم. روي ذلك عن مالك والاوزاعي وجماعة، وقال اصحابنا وجماعة من مخالفينا: لا يجوز التقصير الا للمسافر، واما اهلها فلا لان الاصل في التقصير انما هو للمسافر حتى يدل الدليل على
غيره. واحتج اصحاب القول الأول انه لم يرد الخبر ان احدا اتم الصلاة مع النبيء علا الله بعد تسليمه منها في عرف رفة والله اعلم
•
عر
المسألة الرابعة: واجمع العلماء على ان من شرط رفة الوقوف فيها بعد الزوال، وان من وقف قبله انه لا يعتد بوقوفه، وان لم يرجع فيقف بعد الزوال، او في ليلته تلك قبل طلوع الفجر فقد فاته الحج. واختلفوا فيمن وقف بعد الزوال ثم دفع قبل غروب الشمس: فقال اصحابنا الربيع وابو نوح وابوعبيدة ـ فيما وجدت له، وبه قال مالك بن انس، وقال آخرون حجه تام، الا انهم اختلفوا في وجوب الدم، واحتجوا بحديث عروة بن مطروح (1) وهو حديث صحيح عندهم قال اتيت النبيء لله بجمع فقلت: هل لي من حج؟ فقال: من صلى هذه
-
-
حج
الصلاة معنا وافاض قبل ذلك من عرفات ليلا او نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه (2) واحتج الاولون بوقوفه الى الليل والله اعلم. واجمعوا على ان
1) هو عروة بن مضرس بضم الميم وتشديد الراء والضاد المعجمة والسين المهملة كوفي شهد حجة الوداع. لا ابن مطروح كما فى بعض النسخ ولا ابن مطرح كما في اخرى. (2) رواه الخمسة بلفظ: من وقف بعرفات ساعة من الليل ولحق معنا صلاتنا هذه صلاة الفجر بجمع فقد ادرك الحج، وعن عروة بن مضرس قال: واتيت رسول الله بالموقف
يعني جمعا فقلت: جئت يارسول الله من جبل طي فأكللت مطيتي واتعبت
=
– 162 – (2/162)
صفحة 560
الوقوف بعرفة على غير طهارة جائزة والله اعلم.
المسألة الخامسة: واختلفوا فيمن وقف ببطن عرفة. فقال بعضهم لاحج له، وبه قال الشافعي. واحتج بقول النبيء علال معرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرفة (1) وقال آخرون حجه تام وعليه دم. وبه قال مالك بن انس، واحتج ان الاصل جواز الوقوف بعرفة كلها الا ما قام عليه الدليل، و لم يصح الحديث عنده. والصحيح الاول لاستفاضة الوقوف ببطن عرفة والله اعلم.
النهي
عن
الفصل الخامس
في افعال المزدلفة
واختلفوا فى حكم المبيت بالمزدلفة: فقال اصحابنا انه سنة. وقال آخرون الذكر فيها فريضة واحتجوا بقول الله تعالى: فاذا افضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام الآية (2). وروي عن الاوزاعي وجماعة من التابعين ان المبيت بالمزدلفة والوقوف بها بعد الصبح من
ما الله
والله ما تركت من جبل الا وقفت عليه: فهل لي من حج؟؟ فقال رسول
يعني
-
يعني
هذه بالمزدلفة فوقف
(علي) من شهد صلاتنا - صلاة الفجر معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا او نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه
رواه الخمسة
وصححه الترمذي وابن خزيمة
(1) رواه الدارقطني بلفظ «الا) بدل ارتفعوا عن. وفي حديث جبير بن مطعم ان النبيء
م الله. (ع) قال: وكل مزدلفة موقف وارفعوا عن بطن محسره رواه احمد
ورجاله
موثقون
2 البقرة: (198).
– 163 - (2/163)
صفحة 561
فروض الحج، ومن فاته كان عليه الحج من قابل. وجمهور العلماء على قول اصحابنا انه سنة، والله اعلم. واجمع العلماء ان السنة فيها ان يجمع بين المغرب والعشاء الا ما روي عن ابي عبيدة مسلم رحمه الله انه قال يستحب بعد المغرب ركعتان خفيفتان (1). واختلفوا فيمن صلاهما قبل ان يأتي جمعا (2): فقال قوم لا اعادة عليه. وبه قال بعض علمائنا رحمهم، وروي مثله عن عطاء وعروة ابن الزبير والقاسم بن محمد وجماعة، وقال آخرون لاتصلى الا بجمع. ولعل حجتهم قول النبيء عليه
الله
حين دفع من
لأسامة
عرفات فقال: الصلاة فقال عليه السلام: «الصلاة امامك
يجمع (3).، وصح انه جمع بين المغرب والعشاء هناك بأذان واقامتين
دما
مسألة
:
واختلفوا فيمن فاته المبيت بالمزدلفة: فقال اصحابنا يهريق
وبه قال عطاء، والزهري، وقتادة، واهل الرأي، وجماعة من فقهاء
الامصار
فلا
له
وقال قوم من فاته الوقوف بجمع حج، ويجعله عمرة. عن علقمة والشعبي واحتجوا بظاهر قوله تعالى «فاذكروا الله
هذا روي عند المشعر الحرام (4) وبقول النبيء ليلا من ادرك جمعا فوقف مع
الناس حتى يفيض فقد ادرك، ومن لم يدرك ذلك فلا له (ه)
حج
1) قال الامام نورالدين السالمي في حاشيته على الجامع الصحيح: وهذا قول متروك لشذوذه عند الفقهاء والخلافه لظاهر الحديث. على ان ابا عبيدة رحمه الله لم يتفرد به. ففي البخاري: ان ابن مسعود صلى بينهما ركعتين ثم دعا بعشاء فتعشى، ثم امر رجلاً فأذن واقام. اهـ مصححه
(2) وقد كان ملوك بني امية يصلون المغرب بالشعب قرب المزدلفة فلم يوافقهم ابن عمر على ذلك، وقال عكرمة واتخذه رسول الله (هبالا واتخذوه مصلى».
) رواه مسلم عن جابر (4) تقدم ذكرها قريبا.
بن عبدالله.
-1981 (2/164)
صفحة 562
وحجة الاولين اجماعهم على ترك الاخذ بجميع ما في هذا الحديث، وذلك ان عند جمهور الاعظم من العلماء ان من وقف بالمزدلفة ليلا ودفع قبل الصبح ان حجه تام، والله اعلم. وقد روي عن النبيء له وانه رخص في تقديم الضعفاء من جمع بليل (1)، روي مثله عن عائشة وعبدالرحمن ابن عوف رحمهما الله، وبه قال عطاء وجماعة من فقهاء الامصار، والله اعلم، وروي انه عليه السلام افاض من جمع قبل طلوع الشمس حين اسفر جدا، وقال للناس عليكم السكينة والوقار وهو كاف ناقته واوضع في واد محسر. وممن كان يوضع في بطن محسر، ابن مسعود، وابن عباس وابن عمر، وابن الزبير وتبعهم على ذلك كثير من العلماء والله
اعلم.
(2)
الفصل السادس
في رمي الجمار وقطع التلبية
واجمع العلماء على ان النبيء عليه السلام دفع من المزدلفة بعد ما صلى الفجر قبل طلوع الشمس، روي انه لما اتى منى سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى اتى الجمرة التي عند الشجرة،
1) كما في حديث ابن عباس قال - بعثني رسول الله (ع) في الثقل او قال في الضعفة من جمع بليل. وحديث اسماء بنت ابي بكر ان رسول الله (ع) اذن للطعن وكما اذن لسودة ان تدفع من المزدلفة قبل الفجر لانها كانت ثبطة ـ وارسل ام سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر. 2) كما في حديث جابر، وكما في حديث الشيخين ان رسول الله (ع) كان يقول ـ ايها الناس عليكم بالسكينة فان البر ليس بالايضاع - اي الاسراع الا اذا اتى محسرا
-
•
اسرع قدر رمية بحجر (2/165)
صفحة 563
وروي من طريق الفضل بن عباس انه قال لم ازل اسمعه عليه السلام يلبي حتى رمى جمرة العقبة (1)، وقد اختلفوا في الوقت الذي يقطع فيه الحاج التلبية. روي عن ابن عمر كان اذا قدم حاجا او معتمرا قطع التلبية اذا رأى الحوم حتى يطوف ويسعى، ثم يعود فيها، وقيل بقطعها اذا اراح الى الموقف، روي ذلك عن عائشة وسعد بن ابي وقاص، وقيل عن علي وام سلمة انهما يلبيان حتى زوال الشمس من يوم عرفة، وروي عن العلماء انه لا يقطعها حتى يرمي جمرة العقبة، روي هذا عن ابن مسعود وابن عباس، وميمونة زوج النبيء عليه السلام، وبه قال عطاء، وسعيد بن جبير والنخعي والثوري والشافعي واهل الرأي. وهو الصحيح لثبوت ذلك عن رسول الله الله
جمهور
مسألة: وروى اهل العلم ان النبيء عليه السلام رمى جمرة العقبة
بعد طلوع الشمس ولم يرم غيرها في ذلك اليوم، وهو يوم النحر واجمعوا على ان من رماها بعد الطلوع الى الزوال انه رماها في وقتها. واختلفوا فيمن رماها ليلا او قبل طلوع الشمس، فقال قوم لا يجزئه،
-
-
•
1) رواه البخاري من حديث ابن عباس واسامة بن زيد انهما قالا لم يزل الحديث والجمار التي ترمى ثلاث وكلها بمنى 1 - جمرة العقبة عن يسار الداخل الى مني، 2 ــ الوسطى. بعدها نحو 120 ميترا، 3 – الصغرى وهي تلي مسجد الخيف وبينها وبين الصغرى والوسطى نحو 160 ميترا. روى البيهقي عن سالم بن ابي الجعد عن ابن عباس (ض) ان النبيء (ع) قال: ولما اتى ابراهيم (ع. م) المناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الارض ـ ثم عرض له في الجمرة الثانية فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الارض ـــ ثم عرض له في الجمرة الثالثة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ فى الارض ـ قال ابن عباس
-
(ض) الشيطان ترجمون وملة ابيكم تتبعون قاله المنذري رواه ابن خزيمة في صحيحه والحاكم وقال: صحيح على شرطهما.
- 177 - (2/166)
صفحة 564
ذلك
روي ذلك عن مجاهد، والنخعي، وجماعة. وقال آخرون: يجزئه. روي عن عطاء وعكرمة بن خالد والشافعي وغيرهم. ورخص آخرون في رميها بعد الفجر قبل طلوع الشمس. روي ذلك عن مالك واحمد واصحاب الرأي واحتج من لم يجز رميها قبل طلوع الشمس بما روي ان النبيء الا الله و كان يقول لضعفة اهله: ولا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس (1). وبفعله ذلك الوقت، وقال خذوا عني مناسككم (2). واحتج الآخرون بما روي عن عائشة انه عليه السلام ارسل ام سلمة يوم النحر فرمتها قبل الفجر. والله اعلم، واختلفوا في مقدار الحصاة: فقال جمهور العلماء تكون مثل حصاة الخذف. روي ذلك عن ابن الزبير، وعطاء، وطاوس، واصحاب الرأي، وروي عن ابن. انه كان
عمر
يرمي
يرمي
بحصى
الجمرة بمثل بعر الغنم، واستحب بعضهم ان تلقط من جمع. وقال آخرون: خذ الحصى من حيث شئت ولا اعلم احدا قال غير الحرم والله اعلم.
بن
مسألة: والمستحب عند اصحابنا في جمرة العقبة ان ترمى من بطن الوادي. روي ذلك عن جابر بن عبدالله، وعطاء بن ابي رباح، والقاسم محمد، ونافع، وسلام، وجماعة، وثبت ذلك عن ابن مسعود وذلك انه اتى الجمرة فجعل منى عن يمينه والبيت عن يساره فرماها بسبع حصيات، وقال هذا مقام الذي انزلت عليه سورة البقرة (3). وقال آخرون ان عمر جاء والزحام عند الجمرة فصعد ورماها من فوقها. وقال ابوبكر بن عبدالمنذر يجزئ من حيث رمى. والمستحب مافعل ابن مسعود
والله اعلم
1) رواه الخمسة الا النسائي وفيه انقطاع.
(2) تقدم مرارا.
(2) متفق علي
-
167 - (2/167)
صفحة 565
مسألة:: وروي ان النبي عله لما رمى جمرة العقبة انصرف الى بدنة فنحرها ثم حلق رأسه، واتفق العلماء على ان للحج تحللين يحصل احدهما برمي جمرة العقبة، والثاني بطواف الزيارة وهو التحلل الاكبر المراد بقوله واذا حللتم فاصطادوا (1) واشبه التسليم من الصلاة والله اعلم. واذا رمى الحاج جمرة العقبة كما قلنا فليذبح اضحيته ثم يحلق رأسه لقول الله تعالى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله (2) فدليل الخطاب اذا بلغ محله جاز له حلق رأسه. واذا حلق رأسه فليأكل من اضحيته وليطعم منها،
ويمض الى مكة لزيارة البيت، واستحب التعجيل في ذلك
مسألة: واجمع العلماء فيما وجدت على ان الطواف ثلاثة انواع: احدها» طواف القدوم. والثاني) طواف الزيارة. وهو الفرض الذي لا حج لمن تركه، وهو المراد بقوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق (3) والثالث طواف الوداع. وزعم بعضهم انه يجزيء على طواف الزيارة ان لم يكن أتى به الحاج؛ قالوا لأنه طواف معمول بالبيت في وقت طواف
-
الوجوب ـ وعندي: إذا نوى طواف الوداع للزيارة ان يجزئه ويلزمه للوداع دم والله اعلم. وزعم بعضهم ان الاجماع. من الناس على ان المكي ليس عليه طواف الإفاضة وهي الزيارة. كما انهم اجمعوا انه ليس على المعتمر الا طواف القدوم. قالوا واجمعوا على ان من تمتع بالعمرة الى الحج ان عليه طوافين احدهما للعمرة يحل منها. والثاني للحج بعد النحر. واما المفرد بالحج فليس عليه الا طواف واحد. واختلفوا فيما على القارن: فقال بعضهم عليه طوافان وسعيان، روي هذا عن الشعبي، وجابر بن زيد
1) المائدة: (2)
•
2 البقرة: (196).
- 174 -
) الحج: (29). (2/168)
صفحة 566
وعبدالرحمن بن الاسود، والثوري، والحسن بن صالح، واصحاب الرأي وقالوا لما كان طوافان اذا افرد وجب ان يثبتا عليه اذا قرن الحج والعمرة معا. وقال آخرون يكفيه طواف واحد وسعي واحد لقول النبيء عل الله
لعائشة طوافك بالبيت يكفيك لحجك وعمرتك (1)، والى هذا ذهب
جابر بن
عبدالله
، وعطاء، والحسن، ومجاهد، وطاوس، ومالك،
والشافعي وجماعة فيما روي عنهم والله اعلم.
الباب الثالث
في لواحق الحج والعمرة
وهذا الباب يتوزع على فصول:
الفصل الاول
في الحلق
ولا خلاف بين العلماء انه من افعال الحج وان الحلق أفضل من التقصير لحديث ابن عمر ان النبيء عل الله قال اللهم ارحم المحلقين ثلاثا قالوا والمقصرين يا رسول الله قال والمقصرين (2). واجمعوا على ان النساء لا يحلقن رؤوسهن، وان سنتهن التقصير، لقول النبيء عليه السلام اليس
1) رواه البيهقي والدارقطني. اما رواية مسلم ففيها بعد قوله بالبيت وبين الصفا والمروة.
(2) متفق عليه من حديث ابن عمر.
زيادة
- (2/169)
صفحة 567
على النساء حلق وانما عليهن التقصير (1) ولان الحلق للنساء مثلة، واختلفوا هل هو نسك يجب على الحاج والمعتمر او لا؟ فقال اصحابنا من الفقهاء، الا في المحصر فان بعضهم قال
نسك، وبه
قال جماعة
ليس عليه حلق ولا تقصير، روي ذلك عن ابي حنيفة، وبالجملة فمن جعل الحلق والتقصير نسكا اوجب في تركه الدم (2)، ومن لم يجعله نسكا لم يوجب في تركه شيئا والله اعلم.
الفصل الثاني
في رمي الجمار
واذا طاف الحاج طواف الزيارة وسعى فلينصرف الى لرمي الجمار في الثلاثة الايام التي هي ايام التشريق، واجمع اهل العلم على ان جمرة العقبة انما ترمى في يوم النحر دون غيرها، وان جملة ما يرميه الحاج في الجمرات كلها سبعون حصاة. منها في يوم النحر سبع لجمرة العقبة، وان من رماها من حيث يتيسر من اسفل العقبة، أو من اعلاها، او وسطها كل ذلك واسع الا ان المستحب من بطن الوادي كما قدمنا. واجمعوا على انه يعيد الرمي اذا لم تقع الحصاة في العقبة وانه يرمي في كل يوم من ايام التشريق ثلاث جمرات باحدى وعشرين حصاة كل جمرة منها بسبع، وانه يجوز ان يرمي منها يومين وينفر في الثالث لقوله تعالى «فمن تعجل في يومين فلا اثم عليه ومن تأخر فلا اثم عليه (3)، وان السنة في رمي الجمار
1) عن ابن عباس رواه ابو داود باسناد حسن.
(2) وهو مذهبنـ
– 170 –
(3) البقرة: (203). (2/170)
صفحة 568
انه يرمي
الجمرة الأولى ويقف عندها ويدعو ويرمي الثانية ثم يدعو ويطيل
القيام، ثم يرمي الثالثة ولا يقف عندها، ويكبر عند كل حصاة تكبيرة لما ثبت من هذا عن النبيء له، واجمعوا على ان سنة الثلاثة ان يكون بعد الزوال، واختلفوا اذا رماها قبل الزوال، فقال جمهور
من رمي
الجمار
العلماء يعيد رميها بعد الزوال، وروي عن محمد بن علي (1) انه قال:
وعن
رحمه
رمي الجمار من طلوع الشمس الى غروبها، واتفق راي جمهور العلماء على ان الرمي لا يجوز بالليل الا للخائف، ورخص فيه ابو عبيدة مسلم الله رحمه وروي عن الحسن انه رخص في رميها ليلا. واختلفوا فيمن أخر جمرة العقبة الى الليل تعمدا، فقال قوم يرميها وعليه دم، وبه قال مالك. وروي عن ابن عمر: انه لا يرميها حتى تزول الشمس من الغد، عطاء انه اذا اخرها الى الليل تعمداً عليه دم. وعن ابي حنيفة أنه ان رماها ليلاً فلا شيء عليه، وإن تركها الى الغد فعليه دم. وعن الربيع الله من لم يرم جمرة العقبة اول النهار ثم ذكر فليرمها اخره احب الى من ان يؤخرها الى الغد. والله اعلم. واحتج من أجاز رميها ليلاً بترخيص النبيء عليه السلام لرعاة الابل ان يرموها ليلا. واحتج من منعها ليلاً ان الوقت المتفق عليه هو وقت رمي النبيء وهو السنة. وان خالف سنة من سنن الحج فعليه دم، وزعموا ان رخصة الرعاة انما هي بعد الفجر وبعد جمرة العقبة في اليوم الثالث الذي هو اول ايام النفر رخص لهم ان يرموها في ذلك اليوم واليوم الذي بعده وان رموا فقد فرغوا، وان قاموا الى الغد رموا مع الناس يوم النفر الاخر
من
1) من علماء القرن الثاني من اهل الحل والعقد بعمان وهو اخو موسى بن علي قاضي المسلمين في امامة المهنا
– 171 – (2/171)
صفحة 569
ونفروا (1). وعند جماعة العلماء ان رخصة الرعاة انما هي جمع بين يومين في يوم واحد. ورخص كثير من العلماء في جمع يومين في يوم واحد والله اعلم. واجمع العلماء على ان من لم يرم في ايام التشريق حتى تغيب الشمس من آخرها فلا يرميها بعد. واختلفوا فيما عليه فقال قوم
مالك.
ان تركها كلها او بعضها او واحدة منها فعليه. دم. روي هذا عن وقال آخرون ان تركها كلها فعليه دم، وان ترك جمرة واحدة فصاعدا
فعليه لكل جمرة اطعام مسكين نصف صاع حنطة، الا ان يتركها كلها
فعليه دم
ما خلا جمرة العقبة فان عليه في تركها دما
روي
هذا
عن
ابي حنيفة، فقال قوم عليه في الحصاة إطعام مسكين مد من طعام وفي الحصاتين كذلك، وفي الثلاثة فصاعدا دم. وبهذا يقول اصحابنا ووافقهم على ذلك الشافعي والثوري ورخصت طائفة من التابعين في الحصاة الواحدة والحصاتين ولم يروا فيها شيئا روي ذلك عن مجاهد. واحتج بحديث سعد بن ابي وقاص قال ورجعنا مع رسول الله له وبعضنا يقول رميت بست وآخر يقول رميت بسبع، فلم يعب ذلك بعضهم على بعض والله
اعلم.
مسألة:: ولا يجوز لاحد ان يبيت ليالي منى في غيرها، فان فعل فعليه دم لكل ليلة الا الرعاة فانه رخص لهم النبيء علل الله في البيتوتة بغير منى، ويصبحون يرمون مع الناس فاذا اراد الحاج ان ينفر من منى
1) والقول الفصل في هذا ما رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان من حديث عاصم بن عدي قال: ان النبيء (علي) رخص لرعاة الابل في البيتوتة عن منى: (ع) يوم النحر ثم يرمون يومين ثم يرمون عند النفره يعني والله اعلم يرمون يوم النحر جمرة العقبة ثم ينفرون ولا يبيتون بمني ثم يرمون الثالث لذلك اليوم واليوم الذي فاتهم الرمي فيه وهو اليوم الثاني، ثم يرمون اليوم الرابع ان لم يتعجلوا.
يرمون
- 172
— (2/172)
صفحة 570
في النفر الاول بالعشي من اليوم الثاني فليدفن ما بقي من الحصى في اصل جمرة العقبة. فان لم يخرج من منى حتى ادركه الليل لزمه القعود لليوم حتى يرمي الجمار بعد الزوال والله اعلم.
الثالث
الفصل الثالث
في الهدي والضحايا واحكامهما
واجمع العلماء على ان الهدي نوعان: واجب وتطوع.
النوع الاول: وان الواجب يكون بالنذر، ويكون بالتمتع والقران على خلاف فيه ايضا، ويكون بلزوم الكفارة كهدي قضاء الحج، وهدي كفارة الصيد، وهدي كفارة القاء الاذى، وما اشبه ذلك من الهدي الذي قاسه الفقهاء على المنصوص في بعض النسك، ويتوزع هذا الفصل على عشرة اقسام:
القسم الاول
في هدي النذر
وهو يجب باليمين مثل ان يقول ان كلمت فلانا فعلي هدي فحنث فيلزمه ان يهديه الى مكة، ويجب عليه ايضا على جهة الفداء مثل ان ينذر بابنه او عبده ان ينحره بمكة فانه يجب عليه ان يهدي عنه هديا يكون فداء له. وقيل في العبد يهديه لخدمة البيت، وقيل يبيعه فيشتري بثمنه بدنة والله اعلم.
- 173 – (2/173)
صفحة 571
القسم الثاني في هدي التمتع
ولا خلاف في وجوبه، وانما الخلاف في المتمتع من هو، وقد تقدم ذلك، واختلفوا في الواجب عليه: فذهب جمهور العلماء الى ان ما استيسر من الهدي شاة. واحتجوا بان اسم الهدي ينطلق على الشاة لقوله تعالى هديا بالغ الكعبة) (1) ومعلوم بالاجماع انه يجب في جزاء الصيد شاة، وذهب بعضهم الى ان ما استيسر من الهدي الابل والبقر. وروي ذلك عن ابن عباس. واجمعوا ان هذه الكفارة على الترتيب، وانه من لم يجد الهدي فعليه الصيام: يصوم ثلاثة ايام في الحج وهو محرم آخرها يوم عرفة. وسبعة اذا رجع في الطريق. وقيل الى مصره. واختلفوا في حد الزمان الذي ينتقل بانقضائه فرضه من الهدي الى الصيام: فقيل عن بن انس، اذا شرع في الصوم فقد انتقل فرضه اليه، ولا هدي عليه وان وجده في اثناء الصوم، وقال قوم ان وجده قبل صوم الايام فعليه ان يهديه وان وجده في صوم السبعة فلا هدي عليه، وهذا هو الصحيح لانه قد خرج من فرضه كما انه لو صلى بالتيمم ثم وجد الماء فلا بدل له. وسبب الخلاف في هذه المسألة هل ما هو شرط في ابتداء العبادة شرط في انتهائها ام لا؟ واختلفوا فيمن صام الثلاثة الايام في ايام عمل العمرة او صامها في ايام منى، فقال بعض اصحابنا يصومها اذا احرم، واذا لم يصمها الى يوم عرفة فلا صوم بعد ذلك وعليه دم، وبهذا يقول ابو حنيفة، وقال اهل الحجاز يأتي بها متى ما يشاء في ايام منى
مالك
وتجزئه
1) المـ ائدة: (95).
الثلاثة
— IV? — (2/174)
صفحة 572
أو غيرها. وسبب الخلاف هل يطلق اسم الحج على هذه الايام المختلف فيها ام لا؟ وان انطلق فهل من شرط الكفارة ان لا تجزئ الا بعد وقوع موجبها؟ فمن قال لا تجزئ الا بعد وقوع موجبها قال لا يجزئ الصوم
الا بعد الشروع في الحج ومن قاسها على كفارة الايمان قال يجوز والله اعلم واحكم.
القس
الثالث
واجمعوا على ان فاته
من الحج بفوات ركن من اركانه، او من قبل
غلطه في الزمان، او من قبل جهله، او نسيانه، او اتيانه في الحج فعلا مفسد له ان عليه ان يقضيه بعد ذلك، واختلفوا في الهدي اذا حج من
عام قابل هل يجب عليه ام لا؟ فذهب اكثر العلماء الى ان الهدي يجب عليه للنقصان الذي دخل عليه فى فساد الحج. واختلفوا في حج التطوع اذا فسد عليه ايضا: فجمهور العلماء او جبوا عليه القضاء والهدي، وشذ قوم فقالوا لا قضاء عليه في التطوع ولا الهدي اصلا. والاول اصح. وبه قال الاكثرون. وعندهم ان الحج اذا فسد عليه ان يؤمر باتمامه، ثم يحل وعليه الحج والهدي من قابل. واحتجوا بقول الله تعالى واتموا الحج
والعمرة الله الآية (1)
1) تقدم ذكرهـ
175 (2/175)
صفحة 573
القسم الرابع
في هدي كفارة الصيد
والاصل فيها قول الله تعالى لا تقتلوا الصيد وانتم حرم الى قوله هديا بالغ الكعبة (1)، واختلفوا هل الواجب في قتل الصيد قيمته او مثله: فذهب جمهور العلماء الى ان الواجب المثل لقوله تعالى فجزاء مثل ماقتل من النعم (2)، وذهب ابو حنيفة فيما روي عنه انه مخير بين القيمة والمثل، اعنى قيمة الصيد وبين ان يشتري بها المثل. وتقدير الآية عند بهذا القول فكأنه قال: ومن قتله منكم متعمدا فعليه قيمة ما قتل من
النعم. او عدل القيمة طعاما، او عدل ذلك صياما والله اعلم
من
•
قال
مسألة: واختلفوا في استئناف الحكم على قاتل الصيد مما حكم فيه السلف. مثل حكمهم ان من قتل نعامة فعليه بدنة تشبيها. ومن قتل غزالاً فعليه شاة. ومن قتل بقرة وحشية فعليه بقرة انسية. فقال قوم يستأنف الحكم في كل ما وقع من ذلك لأنه عبادة. وقال آخرون إن اخبر بحكم الصحابة مما حكموا فيه جاز لأنه حكم معقول المعنى فليس لاعادته معنى.
والله اعلم. مسألة: واختلفوا في هذه الكفارة، هل هي على التخيير او على الترتيب؟ فقال قوم على التخيير اعنى ان الحكمين يخيران الذي عليه الجزاء. وقال آخرون هي على الترتيب تشبيها بكفارة الظهار والقتل، وحجة الاولين ان لفظة او تقتضي التخيير في لسان العرب، وهذا هو
الصحيح والله اعلم.
1) تقدم ذكرها.
2) تقدم ذكرها.
- - 176 (2/176)
صفحة 574
مسألة: واختلفوا في تقدير الاطعام بالصيام: فقال قوم يصوم عن
كل مد يوما. وهو ما يطعم لكل مسكين عنده، وقال آخرون يصوم عن كل مدين يوما وهو ما يطعم لكل مسكين عند هؤلاء. فالاول مروي عن الشافعي واهل الحجاز، والثاني مروي عن اهل الكوفة وهو الاصح ان شاء الله
مسألة: واختلفوا في قتل الصيد خطأ: هل فيه جزاء او لا؟ فقال جمهور العلماء عليه الجزاء قياسا على الاموال لان الضمان يجب فيها خطأ وعمدا. وذهب اهل الظاهر الى ان الخطأ في الصيد لا جزاء فيه لان العمد انما يجب فيه الجزاء لمكان العقوبة والخاطيء بمنزلة الناسي لا لوم عليه عندهم. والاول اصح والله اعلم
مسألة: واختلفوا في الصيد تشترك فيه جماعة محرمون: فقال قوم عليهم جزاء واحد. وقال آخرون على كل واحد منهم جزاء. وقال قوم ان كانوا قتلوه في الحرم وهم محرمون فعلى كل واحد منهم جزاء. وان قتلوه في الحرم وهم محلون فعليهم جزاء واحد. وسبب الخلاف: هل موجب الجزاء التعدي؟ او التعدي على جماعة الصيد؟ فمن قال التعدي فقط اوجب على كل واحد من القاتلين الصيد الجزاء، ومن قال التعدي على جماعة الصيد اوجب عليهم جزاء واحدا، وما من فرق بين المحلين والمحرمين فعلى جهة التغليظ على المحرمين والله اعلم.
مسألة: واختلفوا في قاتل الصيد اذا عاد الى قتله ثانية بعد ان حكم عليه بالجزاء فقال قوم: لا يحكم عليه بعد المرة الاولى. ولكن يقال له: اذهب فينتقم الله منك. وفرق آخرون بين العمد والخطأ، فقالوا يعاد عليه
– 177 – (2/177)
صفحة 575
الحكم في الخطأ دون العمد. وقال اصحابنا يعاد عليه الحكم كلما قتل الصيد، روي ذلك عن شريح، وسعيد بن جبير، وجابر بن زيد، والله اعلم.
مسألة: واختلفوا، هل يجوز ان يكون احد القاتلين للصيد حاكما؟ فقال قوم لا يجوز، واجازه آخرون، وسبب الخلاف تعارض ظاهر الآية المفهوم المعنى الاصلي في الشرع، وذلك ان ظاهر الآية ليس فيه شرط في الحكمين الا العدالة فيجب على ظاهرها ان يجوز حكم قاتل الصيد اذا كان عدلا قاتلا كان او غير قاتل، واما مفهوم المعنى الاصلي في الشرع فهو ان المحكوم عليه لا يكون حاكما على نفسه والله اعلم.
مسألة: واختلفوا في موضع الاطعام، فقال قوم حيث ما اطعم جزأه، وقال آخرون يطعم في موضع الذي اصاب فيه الصيد، وقال آخرون لا يطعم الامساكين مكة، وسبب الخلاف تشبيه الاطعام في الجزاء بالزكاة في انه حق للمساكين، فمن شبه الاطعام في الجزاء بالزكاة قال لا ينقل عن موضعه، ومن رأى ان المقصود بذلك الرفق بالمساكين قال لا يطعم الا مساكين مكة، ومن اعتمد ظاهر اطلاق الآية قال يطعم حيث شاء والله اعلم. فالقول الاول مروي عن النخعي ومالك، واصحاب الرأي اعنى ان الدم بمكة والاطعام والصوم حيث شاء، وعن ابن عباس ان الدم والاطعام بمكة والصوم حيث شاء، وهو القول الثاني والله اعلم. مسألة:: واختلفوا في المحل يقتل الصيد فى الحرم فذهب جمهور العلماء الى وجوب الجزاء عليه قياسا على المحرم. وذهب اهل الظاهر الى اسقاط الجزاء عنه لانهم يقولون بالقياس مع اجتماعهم على تحريم صيد الحرم
-
178 (2/178)
صفحة 576
لقول الله تعالى او لم يروا انا جعلنا حرما آمنا (1) وقال النبيء علي وان مكة يوم خلق السموات والارض الحديث (2) والله اعلم.
الله
جملة
من
حرم
القسم الخامس
في الحكم الوارد في جزاء الصيد
قال الله تعالى فمن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم (3). روي عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وعلي، وعثمان في من الصحابة والتابعين انهم قالوا في النعامة بدنة. وروي عن النخعي انه قال على قاتل النعامة محرما ثمنها. وروي عن عمر رحمه الله في جماعة الصحابة والتابعين انهم قالوا في بيضة النعامة ثمنها، وقيل فيها صوم يوم او اطعام مسكين. روي ذلك عن ابي عبيدة، وابي موسى الاشعري، وروي فيها عن علي انه قال. يحمل الفحل على الابل فاذا تبين لقاحها عدد ما اصيب من البيض فيقال هذا هذي ثم ليس عليه بعد ذلك ضمان فسد او صلح. وقيل عن الحسن فيها جنين من الابل. وروي عن الله عمر رضي عنه انه قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وهو ولد من المعز، او ولد مثله، وحكم في الارنب بعناق. وفي اليربوع بجفرة، واليربوع دوبية لها اربع قوائم وذنب وهي فيما قيل تجتر كما تجتر الشاة وهي من ذوات الكروش، والجفرة عند اهل العلم ما اكل واستغنى عن الرضاع. والعناق ما فوق الجفرة، وقيل دونها، وروي عن مانك
سمي
1) العنكبوت: (67) (2) عن ابن عباس رواه البخاري.
ا تقدم ذكره
-
179 – (2/179)
صفحة 577
انه قال في الارنب واليربوع لا يقومان الا بما يجوز في الهدي والضحية، وذلك لجذع فما فوقه من الضأن والثني فما فوقه من المعز والابل والبقر. ا
واحتج بقول الله تعالى هديا بالغ الكعبة ولم تختلف العلماء في ان من
جعل على نفسه هديا انه لا يجزئه اقل من
الجذع
الضأن
من والثني
مما
سواه. واختلفوا في صغار الصيد، فقال بعضهم هو مثل صغار النعم. كما ان كباره مثل كبارها. وهو مروي عن عثمان، وعلي، وابن مسعود، وبه قال الشافعي واحتج ان ذلك حقيقة المثل فعند هؤلاء في النعامة الكبيرة بدنة، وفي الصغيرة فصيل، وقال آخرون كل ذلك بالقيمة. وبه قال ابو حنيفة. واختلفوا في حمام مكة وغيرها: فقال قوم في حمام الحرم شاة. وفى حمام الحل حكومة. وقال قوم فى كل ذلك شاة، روي جماعة من الصحابة، وروي عن. عطاء انه قال في كل شيء من الطير شاة وقال ابو حنيفة بالقيمة في كل هذا على اصله، واكثر العلماء على ان الجراد
ذلك عن
ذلك
من صيد البر يجب على المحرم فيه الجزاء، واختلفوا في الواجب من فروي عن عمر رحمه الله انه قال: قبضة من طعام، او نمرة، وعن ابن
عباس فيها تمرة، وقيل فيها حكومة والله اعلم
•
التي
ليس
القسم السادس
فيما هو صيد مما ليس بصيد
د البحر مما
واجمع العلماء على ان صيد البر على المحرم حرام الا الخمس الفواسق استثناها رسول الله الله فقال خمس من الدواب ليس على المحرم
- 180 (2/180)
صفحة 578
انما
عليه الحلال حرم
في قتلهن جناح: الغراب والكلب العقور والحدأة والعقرب والفأرة (1). واختلفوا هل هذا من باب الخاص اريد به العام، او بالعكس؟ فقال قوم هو من باب الخاص اريد به العام. واختلفوا في أي العام اريد بذلك. فقال قوم الكلب العقور اشارة الى كل سبع عاد كالاسد والذئب والنمر والفهد، وان ما ليس بعاد فليس على المحرم قتله. ولم ير هؤلاء قتل صغار السباع لانها لا تعدو ولا قتل كل ما لا يعدو من الكبار مثل الضبع والثعلب والهر. وقال قوم لا يقتل من الكلاب العقور الا الكلب الانسي والذئب، وقال آخرون كل محرم الاكل فهو في معنى الخمس. واحتجوا بان المحرم من الصيد المباح الاكل، ولا خلاف بين العلماء في قتل العقرب والحية لثبوت ذلك عن النبيء علا الله. واختلفوا في الزنبور: فقال قوم هو مثل العقرب، وقال آخرون هو اضعف نكاية من العقرب والله اعلم واجمعوا على ان السمك من صيد البحر وانه حلال للمحرم لقول الله تعالى «احل لكم صيد البحر وطعامه الآية (2). واختلفوا في ماعدا السمك: فقال قوم ما لا يحتاج الى الذكاة فهو صيد حلال كالسمك، وكل ما يحتاج الى الذكاة فليس هو بصيد البحر ولا يحل للمحرم، واختلافهم في هذا انما هو فيما هو يعيش في البر والبحر: هل يلحق بصيد البر، او بصيد البحر؟ فقياس قول اكثرهم انه يلحق بما يكون فيه عيشه غالبا، وهو حيث يولد. وجمهور العلماء على ان طير الماء محكوم له بحكم الحيوان البري، الا ما روي عن عطاء انه قال: يحكم له بحكم 1) رواه احمد ـ وروى الشخان من حديث عائشة قالت: قال رسول الله (ع) وخمس من الدواب كلهن فواسق يقتلن في الحل والحرم: العقرب والحدأة والغراب
والفأرة والكلب العقور
181 -
المـ
ائدة: (96) (2/181)
صفحة 579
غالب عيشه والله اعلم. واختلفوا في نبات الحرم: فقال قوم لاجزاء فيه، وانما فيه الاثم لارتكابه النهي الوارد فيه. روي ذلك عن مالك، وقال
آخرون بل فيه الجزاء في الدوحة بقرة. وفي مادونها شاة. وقال قوم: الانسان فلا شيء فيه وكل ما كان نباتا من قبل
غرس
كل ما كان من الله ففيه الجزاء، روي هذا عن ابي حنيفة. وبه يقول اصحابنا. وسبب
عن
الخلاف في هذا. هل يقاس النبات على الصيد لاجتماعهما في النهي ذلك لقوله عليه السلام لاينفر صيدها ولا يخضد شوكها ولا يعضد شجرها الحديث (1) والله اعلم واحكم.
فقول
القسم السابع
في فدية الاذى
وقد اجمع العلماء عليها لورود ذلك في الكتاب والسنة. اما الكتاب
الله
عز وجل فمن كان منكم مريضا او به اذى من رأسه ففدية
الثابت انه كان
من صيام او صدقة او نسك (2)، واما السنة فحديث كعب بن عجرة مع النبيء الا الله عام الحديبية محرما فاذاه القمل في رأسه فامره عليه السلام بحلق رأسه فقال له عليه السلام «صم ثلاثة ايام او اطعم ستة مساكين مدين لكل مسكين او انسك بشاة اي ذلك
1) من حديث ابي هريرة رواه الشيخان وقد تقدم انه من خطبة رسول (ع) الله يوم
فتح مكة رواه البخاري.
(2) البقرة: (196).
- 182 (2/182)
صفحة 580
فعلت اجزأك» (1) واتفقوا على ان من حلق من ضرورة ان عليه الفدية كما قدمنا، واختلفوا فيمن حلق ناسيا: فقال جمهور العلماء الفدية تجب على الناسي والمتعمد. وزعم اهل الظاهر ان لا فدية على الناسي. وحجة الاولين انه لما وجبت الفدية على المضطر فهي على غير المضطر اوجب. ومن فرق بين العامد والناسي فلعموم قوله تعالى «ليس عليكم جناح فيما اخطأتم به (2) الآية ولقوله عليه السلام رفع عن امتي الخطأ والنسيان (3). ومن لم يفرق بينهما قاس ذلك على كثير من العبادات التي لم يفرق الشرع فيها الخطأ بين
عن
والنسيان والله اعلم
مسألة: واجمع العلماء على ان هذه الفدية ثلاث خصال، وانها على التخيير بين الاطعام والصيام والنسك، واختلفوا في الاطعام والصيام: فقال اصحابنا وجمهور العلماء ستة مساكين، والنسك اقله شاة، وقيل الحسن وعكرمة ونافع انهم اجازوا الاطعام لعشرة مساكين والصيام عشرة ايام وقاسوا ذلك على صيام المتمتع وسووا بين الاطعام والصيام لقوله في جزاء الصيد او عدل ذلك صيام وحجة الاولين حديث كعب المتقدم. واختلفوا في كم يطعم لكل مسكين، فقال اصحابنا وجمهور الفقهاء مدان لكل مسكين بمد النبيء عليه السلام. وقال آخرون يطعم من البر نصف صاع، ومن التمر والشعير صاعا. وسبب اختلافهم
1) متفق عليه من حديث ابي هريرة - وفى رواية البخاري مر بي رسول الله (ع) بالحديبية ورأسي يتهافت قملا فقال اتؤذيك هوامك؟ قلت نعم. قال وفا حلق راسك الحديث وفيه فقال: نزلت في هذه الآية فمن كان منكم مريضا او به اذى
رأسه الآية. من
(2) الاحزاب: (5)
تقدم ذكره.
- 183 – (2/183)
صفحة 581
اختلاف الآثار في الاطعام في الكفارة كما قدمنا قبل هذا
اصحابنا
مسألة: واتفقوا على ان هذه الفدية تجب على من حلق رأسه لضرورة مرض او حيوان يؤذيه في رأسه. وروي عن ابن عباس انه قال المرض ان يكون في رأسه قروح. والاذى القمل، وجمهور العلماء من وغيرهم ان كل ما كان المحرم ممنوعا منه من لباس الثياب وحلق الرأس وتقليم الاظفار ونزع الشعر من جميع البدن واخراج الدم منه على اختلافهم اذا استباحه المحرم فعليه الفدية، ولم يفرقوا بين الضرورة وغيرها. وكذلك استعمال الطيب على هذا الحال. واختلفوا فيمن قص بعض اظفاره: فقال اصحابنا ووافقهم على ذلك الشافعي وابو ثور: ان قص ظفرا واحدا فعليه اطعام مسكين، وفى الظفرين اطعام مسكينين، وفي الثلاثة فصاعدا دم. وحكي عن ابي حنيفة في احد قوليه ان لا شيء عليه حتى يقصها كلها. وشذ بعضهم فقال: يقص المحرم اظفاره وشاربه وانه لا فدية عليه إلا في الرأس لورود النص فيه. وروي هذا عن ابن حزم
من فقهاء قومنا. والله اعلم. واجمعوا على منع حلق شعر الرأس للمحرم،
واختلفوا في حلقه من سائر الجسد: فقال اصحابنا وجمهور العلماء ان فيه الفدية. وروي عن داود ان لافدية فيه. واختلفوا فيمن نتف من رأسه او لحيته شعرة، او شعرتين: فقال اصحابنا في الشعرة إطعام مسكين وفي الشعرتين كذلك وفي الثلاثة فصاعداً دم وبه قال الحسن والشافعي وابو
ثور وروي عن مالك بن انس انه رخص في نتف اليسير من الشعر ان لا يكون فيه شيء، إلا ان اماط به اذى ففيه الفدية. وسبب
الخلاف
هل منع المحرم من حلق الشعر عبادة او نظافة؟ فمن قال عبادة سوى بين القليل والكثير في لزوم الفدية. ومن قال منعه لأجل النظافة والزين
- 1^ {- (2/184)
صفحة 582
والاستراحة فرق بين القليل والكثير. والله اعلم.
مسألة: واختلفوا في موضع اداء هذه الفدية: فقال قوم حيث شاء
هذا عن مجاهد
وغيره، و به قال مالك بن انس،
بمكة او غيرها، روي وزعم انها ليست بهدي لان الهدي لا يجوز الا بمكة، او منى، وقال قوم الدم والاطعام لا يجزئان الا بمكة، والصوم حيث شاء. وبه قال الشافعي، وروي عن ابن عباس انه قال: ما كان من دم فبمكة وما كان من طعام او صيام فحيث شاء (1) الخلاف استعمال قياس دم النسك على و سبب
الهدي: فمن قاسه على الهدي اوجب فيه شروطه من الذبح في المكان المخصوص وفي مساكين الحرم، وروي عن مالك انه اجاز اطعام الهدي لغير مساكين الحرم. والذي يجمع الهدي والنسك ان المقصود به منفعة المساكين المجاورين لبيت الله الحرام، وقال من خالف هذا ان الشرع لما فرق بين اسمائهما فسمى احدهما نسكا، والاخر هديا وجب ان تختلف احكامهما والله اعلم
القسم الثامن
في فدية المحصر
والاصل فيه قوله تعالى (احصرتم فما استيسر من الهدي الى قوله تعالى فاذا امنتم) الآيه (2). واتفق جمهور العلماء على ان المحصر على الحج ضربان ما محصر بعدو غالب أو مرض فادح: فاما
1) هذه الرواية تخالف ما تقدم له عن ابن عباس فى الاطعام عن جزاء الصيد حيث قال: وعن ابن عباس: ان الدم والاطعام بمكة: والصوم حيث شاء قاله المحشي.
2) تقدم.
-
110 (2/185)
صفحة 583
المحصر بالعدو فجمهور العلماء على انه يحل من عمرته او حجه حيث احصر. وفي اثر اصحابنا: اذا احرم بعمرة فصد عن البيت بعدو، او مرض انه يبعث هديه فينحر عنه في يوم معلوم فيتحلل من احرامه اذا مضى ذلك اليوم، ويحل له كل شيء الا النساء والصيد فحتى يطوف بالبيت من عام قابل، او بعده. واما ان احرم بالحج مفردا او قارنا له مع العمرة فانه لا يتحلل حتى ينحر عنه الهدي يوم النحر، او يفوته الحج فيجعلها عمرة، فاذا نحر. عنه الهدي يوم النحر حل كما وصفنا الا من النساء والصيد والطيب فحتى يحج من عام قابل (1). وان لم يكن المحصر عن الحج بمرض هدي فانه لا يحل حتى يفوت وقت الحج، وقيل لا يحل حتى يصح
ويحج.
مسألة: واختلفوا في ايجاب الهدي على المحصر بعدو، فذهب قوم الى انه لاهدي عليه، وان كان معه هدي فينحره حيث احل، آخرون عليه الهدي ينحره حيث ما حل. وقال قوم لا ينحره الا في الحرم
وقال
والله اعلم. 1) ان فيما ذكره المصنف رحمه الله تشديدا ربما اعتبر بالنسبة لفريق من المحصرين من
التكليف بما لايطاق او من العسر الذي نفاه الله الحنيفية السمحة ولم يرده
عن
الله
لعباده اذ يمارسونها، فياليت شعري ماذا عسى ان يفعله المحصر عن الطواف بالبيت
ان لم يتأت له العودة الى الحج سنين لسبب من الاسباب كعدم الاستطاعة مثلا؟ ايبقى عزبا محروما مما يتعذر عليه الاستغناء عنه طوال هذه المدة ام ما ذا يصنع؟ كيف وقد ثبت عن الرسول (ع) انه حل هو واصحابه بالحديبية اذ صدوا عن البيت فنحروا هديهم وحلقوا رءوسهم وحلوا من كل شيء قبل ان يطوفوا بالبيت وقبل ان يصل الهدي الى منى، فقد روى البخاري عن ابن عباس انه قال وقد احصر رسول الله (ع) فحلق وجامع نساءه ونحر هديه حتى اعتمر عاما قابلاه ولذلك كان الأولى الاخذ بقول الجمهور الذي صدر به وهو الارفق بروح الشريعة، الارفق بالامة وأيدته الاحاديث الواردة في الباب
اهـ مصححه
– 186 - (2/186)
صفحة 584
من
مسألة
: واختلفوا في المحصر بالعدو اذا حل: هل عليه اعادة العمرة ام لا؟ فقال قوم: لا اعادة عليه. وقال آخرون عليه الاعادة. واحتج قال لا يلزم المحصر بالعدو هدي ولا اعادة بما روي ان النبيء الا الله حل هو واصحابه بالحديبية فنحروا الهدي وحلقوا رءوسهم و وحلوا من كل شيء قبل ان يطوفوا بالبيت، وقبل ان يصل اليه الهدي، قالوا: ثم لم يعلم انه عليه السلام امر احدا من اصحابه ان يقضي شيئا، ولا يعود على شيء. واحتج من اوجب عليه الاعادة انه عليه السلام اعتمر في العام المقبل من عام الحديبية قضاء لتلك العمرة. ولذلك قيل لها عمرة القضاء. واحتجوا في ايجاب الهدي عليه بعموم قوله تعالى فان احصر تم فما استيسر من الهدي» (1). وبنحره عليه السلام الهدي هو واصحابه عام الحديبية. واما اختلافهم في موضع نحر الهدي فلاختلافهم في موضع نحر هدي النبيء ال: فقال قوم نحره في الحرم. وقال اخرون في الحل.
مسألة: واختلفوا في المحصر بالمرض: فذهب اهل الحجاز الى انه
لا يحله الا الطواف بالبيت والسعي، الا اذا فاته الحج بطول مرضه انقلب عمرة وهو مذهب ابن عباس. وعائشة، وابن عمر. وزعم اهل العراق الى ان حكمه حكم المحصر بمدو اعني ان يرسل هديه ويقدر يوم نحره ويحل في ذلك اليوم. وروي هذا عن ابن مسعود، واحتجوا بحديث روي عن النبيء لا انه قال «من كسر او عرج فقد حل، وعليه حجة اخرى (2). واختلفوا في ايجاب الهدي عليه: فذهب اكثر العلماء الى ايجابه. وذهب اهل الظاهر الى اسقاطه عنه اعتمادا على ان الآية انما
1) تقدم ذكرها.
(2) رواه البخاري وحسنه الترمذي
- 187 (2/187)
صفحة 585
نزلت في المحصر بالعدو، واجمعوا على ايجاب القضاء عليه. والله أعلم.
مسألة: وكل من فاته الحج بخطأ من العدد في الايام اولخفاء الهلال عليه، او غير ذلك من الاعذار فحكمه عند العلماء حكم المحصر بمرض
تأول
ان يبقى على احرامه حتى يحج من عام قابل، فلا هدي عليه، وان تحلل بعمرة فعليه هدي المحصر لانه حلق رأسه قبل ان ينحر،، فكل من قوله تعالى فاذا امنتم فمن تمتع بالعمرة الى الحج» انه خطاب للمحصر وجب عليه ان يعتقد على ظاهر الآية ان عليه هدين هديا لحلقه عند التحلل قبل نحره في حجة القضاء. وهديا لتمتعه بالعمرة الى الحج. وان حل في اشهر الحج بالعمرة وجب عليه هدي ثالث وهو هدي التمتع الذي هو انواع نسك الحج والله اعلم.
القسم التاسع
في الهدي واحكامه
احد
واجمع العلماء على ان الهدي لا يجوز الا من الازواج الثمانية التي نص الله عليها. وان الافضل في الهدي الابل، ثم البقر، ثم الضأن، ثم المعز. وانما اختلفوا في الضحايا، واجمعوا على ان الثني فما فوقه في الاسنان يجزئ في الهدي وانه لا يجزئ الجذع من المعز في الهدايا، ولا في الضحايا لقول النبيء ع لابي بردة حين اجاز له الجذع في الضحية «تجزئ عنك ولا تجزئ عن احد بعدك (1). واختلفوا في الجذع من الضأن: فذهب
1) رواه ابن ماجة من حديث ابي زيد الانصاري قال مر رسول الله (ع) بدار من دور الانصار فوجد ريح قتار فقال من الذي ذبح؟ فخرج اليه رجل منا =
– 188 – (2/188)
صفحة 586
انه
اكثر اهل العلم الى جوازه في الهدايا والضحايا، وروي عن ابن عمر قال لا يجزئ في الهدايا والضحايا الا الانثى لعل الصواب: الثنيه من
كل جنس
واثني من المعز قيل هو ابن سنة خرجت ثنيته، ومن البقر ما دخل في السنة الرابعة، والجذع من الضأن ماله ستة اشهر، وقيل عشرة (1)، ولا خلاف بين العلماء في ان الاغلى ثمنا من الهدايا افضل، ويقال افضلها اغلاها ثمنا وانفسها عند اهلها. وروى الغزالي في كتابه: ان ابن عمر اهدى نجيبة فطلبت منه بثلاثمائة دينار فسأل النبيء علا الله ان يبيعها ويشتري بثمنها بدنا فنهاه عن ذلك وقال: «بل اهدها (2) قال وذلك لان القليل الجيد خير من الكثير الدون (3)، وقال في ثلاثمائة دينار قيمة ثلاثين بدنة، وفيها تكثير اللحم ولكن المقصود تزكية النفس عن
=
فقال انا يا رسول الله (ع): ذبحت قبل ان اصلي فاطعمت اهلي وجيراني، فأمره ان يعيد، فقال لا والله الذي لا اله الا هو ما عندي الا جذع او حمل من الضأن قال اذبحها ولن تجزيء جذعة عن احد بعدك ـ خطب رسول الله (ع) يوم النحر بعد الصلاة فقال من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد اصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فانه شاة لحم فقام ابو بردة بن نيار فقال يا رسول الله (ع): والله لقد نسكت قبل ان اخرج الى الصلاة وعرفت ان اليوم يوم اكل وشرب فتعجلت واكلت واطعمت اهلي وجيراني فقال رسول الله (ع) وتلك شاة لحم. قال: فان عندي عناق جذعة او عناقا جذعة هي خير من شاتي لحم: ولن تجرئ عن احد بعدك، رواه البخاري. اهـ مصححه.
فهل تجزيء عني؟ قال: نعم
1) هو ما له سنة تامة.
(2) ورواية سعيد بن منصور ان ابن عمر (ض) سار فيما بين مكة على ناقة يختية فقال
لها: بخ بخ فاعجبته فنزل عنها، واشعرها واهداها. وروى مالك عن هشام بن عروة، عن ابيه: انه كان يقول لبنيه ولا يهد احدكم الله تعالى من البدن شيئا يستحيي ان يهديه لكريمه، فان الله اكرم الكرماء واحق من اختير له.
-149
- (2/189)
صفحة 587
صفة البخل لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى» الآية (1) وليس في عدد الهدي حد معلوم وقد كان هدي النبيء المائة بدنة عام حجة الوداع والله اعلم.
مسألة: في كيفية سوق الهدي وهي التقليد والاشعار ليعلم انه هدي. لما روي: ان النبيء عل خرج عام الحديبية فلما كان بذى الحليفة قلد الهدي و أشعره فأحرم (2). وصفة التقليد أن يجعل في عنق
البعير حبل فيعلق فيه نعلان، او نعل واحد. وصفة الاشعار، ان يشق
1) الح
(37):
(2) قال المحشي: اعلم ان تقليد الهدي واشعاره يترتب عليه امور منها» وجوب الاحرام وان لم يصل الى الميقات، لما روي في الأثر عن ابي سفيان قال: كانت امرأة من المسلمين يقال لها ام عمر بن كعب بن الحارث خرجت الى مكة، فلما كانت على مرحلة من البصرة امرت مولاها يقال له مسلم السقط. . وكان فاضلا ـــ يا مسلم: اشترلي بدنة، فاشترى لها بدنة. فقالت له، اشعرها؟ قال: ففعل قال، فقالت، ما صنعنا؟ انا نخاف ان يدخل علينا شيء من ذلك. قال، فقامت مكانها فوجهت مسلما الى الربيع تسأل. قال، فقال لها قد وجب عليك الاحرام فامسكي عما يمسك
عنه
-
المحرم حتى تنحري بدنتك اهـ. ومنها انه ليس له الرجوع فيه بعد ذلك
-
واما قبله فله الرجوع فيه وان نواه ما لم يتكلم بلسانه انه هدي. ومنها انه لا يبدله بغيره بعد ذلك ايضا قال في الايضاح ومن ساق هديا ولم يشعرها فله ان يعود فيها او يبدلها ما لم يتكلم بلسانه انها هدي». ومنها ان لا ينتفع به الا في حال الاضطرار على الراجح. وما قبل ذلك فله الانتفاع: به وان نواه ايضا. ومنها انه لا يحل من احرامه حتى ينحر هديه. لامره (ع) في حجة الوداع من لم يكن معه هدي ان يحل، واما من معه هدي فلا. كما هو معلوم مما تقدم والله اعلم. ثم قال، واعلم ان مذهب اصحابنا واكثر الامة على ان التقليد والاشعار من سنة البدن وذهب ابن عبد العزيز الى انه لا تشعر، قال لان الاشعار مثلة، ويرده انه لاحظ للنظر مع وجود الأثر. وظاهر كلامهم ان الاشعار خاص بالابل دون البقر والغنم وإنما الخلاف في محله إلى أن قال: وأما التقليد فإنه يكون للإبل والبقر والغنم عند اصحابنا الا الربيع رحمه الله فانه قال الغنم لا تقلد. والله اعلم.
اهـ مصححه
190 - (2/190)
صفحة 588
يسمي
في الجانب الايسر من البدنة شقا آخذا من نحو الرقبة الى المؤخر بعد ان الله تعالى باسم الله والله اكبر (1)، ثم يحللها ان شاء (2)، وكل ذلك واسع. واستحب العلماء توجيهه الى القبلة في حين تقليده. وفي حديث ابن عباس ان النبيء عل الله صلى الظهر بذي الحليفة ثم دعا ببدنة فاشعرها في صفحة سنامها الى الاذن ثم سلت الدم عنها وقلدها نعلين والله اعلم (3).
مسألة: واختلفوا من اين يساق الهدي: فقال قوم سنته ان يساق من الحل، وان اشتراه من مكة فعليه ان يقف به عرفات. وان لم يفعل فعليه البدل. وان كان ادخله من الحل فليقف به عرفات. روي هذا عن ابن عمر، وبه قال مالك بن انس، والليث بن سعيد. وقال آخرون وموف الهدي سنة. ولا هدي على من لم يقف به: كان داخلا من الحل عائشة او خارجا من الحرم، والى هذا ذهب الشافعي وجماعة، وروي عن. انها اباحت التخيير في التعريف فى الهدي وترك تعريفه، وحجة اصحاب القول الاول ان النبيء عليه السلام فعله، وقال خذوا عنى مناسككم (4). وقال آخرون: ليس التعريف بالهدي سنة. قال وانما
فعل ذلك النبي الله لان مسكنه خارج الحرم والله اعلم.
مسألة
: في محله، واجمعوا على ان محله مكة والحرم لقول الله تعالى
ائم محلها الى البيت العتيق (5) وقوله «هديا بالغ الكعبة (6). فلما
1) اخرجه مسلم من حديث ابن عباس.
2) وفي نسخة: يحللها بالماء المهملة وهي ظاهرة هنا. عن ابن عباس رواه البيهقي والدارقطني.
(4) تف
دم.
ه الح ج: (33).
(المائدة: (95).
-191 - (2/191)
صفحة 589
الا
اجمعوا على ان البيت الحرام والمسجد لا يجوز لاحد فيهما ذبح دل ذلك على ان المراد بالنحر مكة احتسابا منه لمساكينهم وفقرائهم. واختلفوا فيمن نحر في الحرم دون مكة، فقال قوم يجزئه، وقال آخرون لا يجزئه. وزعموا ان المعنى في قوله (هديا بالغ الكعبة (1) انه مكة، وقال قوم يجوز نحر الهدي حيث شاء صاحبه الا هدي القران وجزاء الصيد فانه لا في الحرم، وبالجملة فالنحر بمنى اجماع من العلماء، وفي العمرة بمكة، الا ما اختلفوا فيه في نحر هدي المحصر، وعند مالك بن انس: ان نحر للحج بمكة وللعمرة بمنى اجزأه، واحتج بانه لا يجوز النحر في الحرم بقول النبيء وطرفها كلها منحر) (2). واستثنى من ذلك هدي
مكة فجاج
الفدية فاجاز ذبحه بغير مكة
•
ينحر
مسألة: واختلفوا فيه متى ينحر: فقال قوم لا يجوز ذبح هدي التمتع، ولا التطوع الا في يوم النحر، واجاز آخرون ذبح هدي التطوع قبل يوم النحر، ولم يجز هدي التمتع قبله واجازه الاخرون في كليهما. مسألة: واختلفوا فى ركوب هدي الواجب او التطوع فكره جمهور العلماء ركوبه الا من ضرورة، واجاز اهل الظاهر ركوبه بغير ضرورة، واحتجوا بما روي عن النبيء له راى رجلا يسوق بدنة فقال اركبها» فقال: انها بدنة فقال اركبها». واحتج الاولون بما روي عنه انه
1) تقدم ذكرها.
:
-
هذا المنحر، وكل منى
(2) رواه مالك قال: بلغه ان رسول الله (ع) قال: - بمعنى. منحر، هذا المنحر. . يعني المروة - وكل فجاج مكة وطرفها منحر، ـــ وروى ابو داود وابن ماجة من حديث جابر ان رسول الله (ع) وقال كل منى منحر، وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طريق ومنحره - والاولى بالنسبة للحاج ان يذبح بمنى، وبالنسبة للمعتمر ان يذبح عند المروة لانها مواضع تحلل كل منهما اهـ.
192 - (2/192)
صفحة 590
قال: اركبها بالمعروف اذا احتجت اليها حتى تجد ظهرا (1). ومن طريق المعنى ان الانتفاع بما كان المقصود به قربة الى الله تعالى منعه مفهوم من
الشريعة والله اعلم
مسألة: اجمعوا على هدي التطوع اذا بلغ محله انه يأكل منه صاحبه كسائر الناس. وقد روي عن عمر بن الخطاب رحمه الله انه قال: اذا أكل منه فعليه البدل والله اعلم. واتفقوا على انه اذا عطب قبل محله خلى بينه وبين الناس، ولا يأكل. وقال آخرون ولا احد من رفقته لما ثبت من حديث النبيء عل الله انه بعث هديا مع علي بن ابي طالب فقال ان عطب فانحره ثم اصبغ نعليه في دمه وخل بينه وبين الناس، وروى ابن عباس هذا الحديث وزاد فيه ولا تأكل منه أنت ولا اهل رفقتك (2). واختلفوا فيما يجب على من اكل منه: فقال قوم عليه بدله. وقال آخرون انما عليه قيمة ما اكل. وروي ذلك علي، وابن مسعود، وابن عباس وجماعة من التابعين، واختلفوا فيما عطب في الحرم قبل ان يصل مكة فقال قوم بلغ محله، وقيل لا يبلغ محله حتى يصل مكة على ما قدمنا قبل هذا والله اعلم. مسألة: واما الهدي الواجب اذا عطب قبل محله فان لصاحبه ان يأكل منه لان عليه بدله، واجاز له بعضهم بيع لحمه، وان يستعين به في البدل، وكره ذلك مالك بن انس. واختلفوا في الاكل من الهدي الواجب اذا بلغ محله: فقال قوم لا يأكل منه شيئا ويتصدق بلحمه ونعاله وجلاله على المساكين. وقال آخرون يأكل من الهدي الواجب الا جزاء الصيد
1) متفق عليه من حديث ابي هريرة.
(2) رواه احمد ومسلم وابن ماجة
•
- 193 (2/193)
صفحة 591
ونذر المساكين، وفدية الاذى. وقال قوم لا ياكل من الهدي الواجب الاهدي المتمة وهدي القرآن. وحجة من منع الاكل من الهدي الواجب انه شبه جميع اصناف الهدي الواجب بالكفارة. واما من فرق في ذلك فلانه يظهر فى الهدي معنيان احدهما انه عبادة مبتدئة. والثاني انه كفارة. فمن غلب شبهه بالعبادة على شبه الكفارة فى نوع من انواع الهدي كهدي القران والتمتع لم يشترط ان لا يأكل، لان هذا الهدي عنده هو لا كفارة. ومن غلب شبه الكفارة قال لا يأكله للاتفاق انه لا يأكل صاحب الكفارة من كفارته. فلما كان هدي جزاء الصيد وفدية الاذى ظاهر امره انه كفارة لم يختلفوا انه لا يأكل
منه،
والله اعلم.
الفصل العاشر
في الضحايا واحكامها
فضيلة
وهذا الفصل ينقسم قسمين احدهما. في حكم الضحايا» و «الثاني
فيما يجزئ منها.
القسم الأول
في حكم الضحايا
اختلفوا في حكم الضحايا: فقال قوم هي واجبة. روي ذلك عن ابي حنيفة، واحتج بفعل النبيء عل الله انه ضحى وواظب على ذلك، وحمله على الوجوب. وكذلك امره لا ابا بردة باعادة الضحية حين ذبح (2/194)
صفحة 592
قبل الصلاة فهم منه قوم الوجوب، وقال اصحابنا هي سنة على اهل الامصار لقول النبيء الا الله وامرت بالنحر وهو لكم سنة (1)، وبقوله اذا دخل العشر فاراد احدكم ان يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من اظفاره
شيئا (2) فرد ذلك الى اختيار المضحي، وروي مثل هذا عن مالك
بن
انس وهو مذهب ابن عباس وغيره. وعن عكرمة قال بعثني ابن عباس بدرهمين اشتري له لحما فقال من لقيت فقل هذه ضحية ابن عباس. وعن الله انه ضحى بديك وعن جابر بن زيد رحمه الله انه امر رجلا
بلال
رحمه
ان يشتري له اضحية فلم يجد الا مهزولا، فأمره ان يشتري له فاكهة فاكل واطعم الفقراء والله اعلم
مسألة
واختلفوا في الاشتراك في البدنة: فقال جمهور العلماء تجزئ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، روي ذلك عن ابن عمر، وانس ابن مالك، وعطاء، والحسن، وطاوس. وقال ابن عباس البدنة عن سبعة وان تمتعوا، وبه قال جماعة من الفقهاء، ومنع قوم الاشتراك في شيء من الهدي ولا البدن ولا النسك في الفدية وغيرها. روي ذلك مالك بن انس والصحيح الاول لحديث جابر بن عبدالله قال اشتركنا مع النبيء عل الله في الحج والعمرة ونحرنا معه عام الحديبية البدنة. عن والبقرة عن سبعة) (3) 1) يشير الى ما رواه الدارقطني والحاكم عن ابن عباس انه (ع) قال ثلاث من علي فرض ولكم تطوع: النحر، والوتر، وركعتا الفجر والى قوله (ع): «فرضت علي الضحية ولم تفرض عليكم رواه الدارقطني.
عن
سبعة
(2) عن ام سلمة رواه ابوداود بلفظ فلا يمس من شعره ولا بشره. 3) متفق عليه. ـــ وعن انس بن مالك ان النبيء (كان ضحى بكبشين املحين اقرنين ويسمي ويكبر ويضع رجله على صفاحهما، وفي لفظ «ذبحهما بيده متفق عليه. وفى لفظ «سمينين)، ولابي عوانة في صحيحه ثمينين» بالمثلثة بدل السين - وفي لفظ لمسلم ويقول «باسم الله والله اكبر» - والكبش الاملح هو الذي بياضه اكثر من سواده. وصفاحهما اي صفحة العنق وهي
جانبه
-190 - (2/195)
صفحة 593
مسألة: واختلفوا في الافضل في الضحايا: فذهب قوم الى ان الافضل الكباش، ثم البقر، ثم الابل، فذهب آخرون الى ان الافضل الابل ثم البقر ثم الغنم، واحتج الاولون بفعل النبيء له وانه ضحى بكبشين املحين (1) ولم يرو عنه احد انه ضحى بغير الكباش، وانه عله لا يفعل الا الافضل. واحتج الآخرون ايضا بقوله تعالى وفديناه بذبح عظيم (2) انه الكبش. وان ذلك معنى قوله وتركنا عليه في الآخرين (3) واحتج الآخرون بقوله الا الله في فضل الجمعة من راح في الساعة الاولى فكأنما
قرب بدنة الحديث (4).
من
القسم الثاني
فيما يجزئ وما لا يجزئ منها
واجمعوا على انه لا يجزئ الجذع من المعز، بل الثني فما فوق لقوله ولابي بردة ولا يجزئ جذع لاحد بعدك» (ه) واختلفوا في الجذع
الضأن كما قدمنا قبل هذا والله اعلم.
مسألة
:
واما ما لا يجزئ فقد اجمع العلماء على انه لا يجزئ في الضحايا اربع: العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تنقي لثبوت هذا في الحديث عن رسول الله)، واجمعوا على ان ما كان من هذه الاربعة خفيفا انه لا
1) رواه مسلم
الصافات: (108).
(4) تقدم.
الصافات: (107).
ه) تقدم.
(6) من حديث البراء بن عازب رواه احمد والاربعة وصححه الترمذي وابن حبان وفيه والكسير التي لا تنقي اي لا نقي فيها اي لا فخ.
-197 - (2/196)
صفحة 594
تأثير له في منع الاجزاء. واختلفوا في موضعين:
من هذه الاربعة المنصوص
الموضع الاول: فيما كان العيوب اشد من عليها في السنة، مثل العمى وقطع الساق واشباه ذلك. الموضع الثاني: فيما كان مساويا في أفادة النقصان مثل ما كان من العيوب في الاذن والعين والضرس وغير ذلك من الاعضاء، ولم يكن
من
يسيرا. اما الموضع الاول فذهب جمهور العلماء الى ان ما كان اشد المنصوص عليها في العيوب انه يمنع الاجزاء. وذهب اهل الظاهر الى انه الخلاف هل الحديث الوارد في العيوب الاربعة وسبب
?
يمنع الاجزاء
•
خاص اريد به الخاص، او خاص اريد به العام؟ فمن قال هو خاص اريد به الخصوص ولذلك اخبرنا بالعدد قال: لا يمنع الاجزاء الا هذه الاربعة
فقط، ومن
قال
هو خاص اريد به العام قال: اشد هو من المنصوص احرى ان يمنع ما كان الاجزاء. واما الموضع الثاني اعني من العيوب في سائر الاعضاء مفيدا للنقص على نحو افادة العيوب المنصوص عليها، فانهم اختلفوا في ذلك على ثلاثة اقوال: واحدها انه لا: يمنع الاجزاء وان
كان يستحب اجتنابها والقول الثاني انها تمنع الاجزاء كمنع المنصوص الخلاف عليها. والثالث لا تمنع الاجزاء ولا يستحب اجتنابها، وسبب هو تردد الحديث المتقدم في الاربع العيوب بين ان يكون عاما او خاصا فمن فهم منه انه خاص اريد به العام وانه من باب التنبيه بالادنى على الاعلى فقط لا من باب التنبيه بالمساوي على المساوي قال يلحق بهذه الاربعة ما كان اشد منها ولا يلحق بها ماكان مساويا لها الا على وجه الاستحباب، ومن فهم منه انه من باب الخاص اريد به الخاص قال لا يمنع ما سوى الاربعة مما كان مساويا لها او اشد منها والله اعلم. وذكر ايضا عن ابي
-197 - (2/197)
صفحة 595
اذنها
يدمي "
خلف
هريرة انه قال يا رسول الله اكره ان يكون النقص في الاذن والعين، فقال ما كرهت فدعه ولا تحرمه على غيرك (1)، وعارض هذا حديث علي قال امرنا رسول الله الله ان نستشرف الاذن والعين ولا نضحي بشرقاء، ولا خرقاء، ولا مدابرة، ولا بتراء» (2). فالشرقاء المشقوقة الاذن، والخرقاء المثقوبة الاذن، والمدابرة التي يقطع من جنبي من، واختلفوا فى كسر القرن: فقيل يجزئ الا ان يكون فانه يكون من باب المرض لان المرض البين يمنع الاجزاء، وقد روي الاعضب والعضباء: فقيل هو مكسور القرن. وقيل هو مقطوع الاذن: فمن رجح حديث ابي هريرة المتقدم قال لا تتقى الا الغيوب الاربعة وما هو اشد منها، ومن جمع بينه وبين حديث علي حمل حديث ابي هريرة على اليسير الذي ليس بعيب، وحمل حديث علي على الكثير الذي هو غيب، ولذلك اعتبروا التحديد فيما يمنع الاجزاء مما يذهب من هذه الاعضاء فاعتبر بعضهم الثلث، وبعضهم الاكثر، وكذلك الامر في ذهاب الاسنان والثدي. واختلفوا في السكاء وهي التي خلقت بلا اذن فاجازها بعضهم قياسا على الجماء اذا كان خلقة. ومنعها آخرون. ولم يختلفوا في ان قطع الاذن كله او اكثره عيب. وكل هذا راجع الى
النهي
عن
1) رواه النسائي عن ابي برده بلفظ اكره النقص في القرن والاذن الحديث. واستدلوا بهذا الحديث على ان العيب اليسير الذي هو غير بين لايتقى (2) رواه احمد وابوداود والبخاري بحذف وانه لا يضحي – واخرجه احمد والاربعة وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم عن علي ان قال: أمرنا رسول الله (ع) ان نستشرف العين والاذن، ولا نضحي بعوراء، ولا مقابلة، ولا مدابرة، ولا خرقاء، ولاثر ماءه ومعنى نستشرف» نتأمل سلامتهما من آفة تكون بهما
-
والخرقاء» التي في اذنها ثقب مستديرة والثرماء» سقطت ثنيتها.
– 198 – (2/198)
صفحة 596
ما قدمنا. واختلفوا في الابتر فأجازه قوم لحديث ابي سعيد الخدري قال اشتريت كبشا لاضحي به فاكل الذئب ذنبه فسألت النبيء عل الله فقال اضح به (1). وقوم منعه لحديث علي المتقدم والله اعلم.
فصل
في كيفية الذبح والنحر
قال الله تعالى فاذكروا اسم الله
عليها صواف معقولة اليسرى
يعني
قائمة على ما بقي من قوائمها، وروي ان النبيء علل ونحر البدن قياما بمني (2) فاستحب اكثر العلماء ان تنحر على هذه الصفة لقوله تعالى فاذا وجبت جنوبها» (3)، اي سقطت الى الارض. واستحب بعضهم ان تنحر باركة لئلا تؤذي الناس بدمها. روي ذلك عن عطاء. وروي عن النبيء ذبح يوم العيد كبشين، ثم قال حين وجههما وجهت وجهي الله، الله اكبر، اللهم منك ولك وعن المسلمين من
الى قوله وانا
بسم
محمد وامته (4). ويستحب ان يلي الانسان ذبح اضحيته بيده لما روي
1) اخرجه احمد وابن ماجة والبيهقي من حديث ابي سعيد بلفظ: «اشتريت كبشا لاضحي به فعدا الذئب فاخذ الالية فسألت النبي (ع) فقال وضح به). 2) لحديث جابر ان النبيء (عله واصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي منها رواه ابو داود - ومصداقا لقول ابن عباس في قوله تعالى: فاذكروا الله عليها صواف اي قياما على ثلاث رواه الحاكم ـ وقد روى مسلم عن زياد
اسم
-
بن جبير ان ابن عمر اتى على رجل وهو ينحر بدنته باركة فقال وابعثها قياما مقيدة
سنة نبيكم (ع))
الحج: (36)
4) تقدم ذكره وصواب الآية اني وجهت وجهي ــ الى قوله: واما انا من المشركين.
- 199 (2/199)
صفحة 597
هديه
نحر بيده ثلاثا وستين بدنة، فأعطى عليا ونحر ما بقي من واشركه الله فيه (1)، وروي ان ابا موسى الاشعري كان يأمر بناته ان يذبحن ضحاياهن بايديهن والله اعلم.
مسألة: في وقت ذبح الضحايا، واختلفوا في ذلك فقال بعضهم وقتها بعد صلاة العيد من يوم النحر الى وقت الزوال من اليوم الرابع. وقال آخرون الاضحى يوم النحر وحده الا كان من بمني فانه جعل لهم ثلاثة ايام توسعة لمن لم يجد الغنم، او تعاسرت عليه فله ان ينتظر يوم النحر الثاني والثالث الى زوال الشمس منه وهو وقت النفر الأول، فلا ذبح بعد ذلك الى عام قابل والله اعلم واحكم. وسبب الخلاف شيئان احدهما اختلافهم في الايام المعلومات ماهي. و «الثاني» قول النبيء عليه السلام في ايام التشريق «انها ايام ذبح» (2) واختلفوا في ليالي منى: هل يجوز فيهن الذبح؟ فاجازه قوم تعلقا بان اسم اليوم في كلام العرب يقع على اليوم والليلة لقوله تعالى تمتعوا في داركم ثلاثة ايام (3) فمعلوم أنهم تمتعوا الايام والليالي. ومنعه آخرون وتعلقوا بان قوله تعالى واذكروا الله في ايام معدودات (4) ان الايام ههنا لاتتناول الليالي لقوله تعالى سخرها عيهم سبع ليال وثمانية ايام حسوما (5) الآية الخلاف هو
•
الاشتراك الواقع في اسم اليوم كما قدمنا والله اعلم.
وسبب
مسألة: في حكم لحوم الضحايا، واتفقوا على ان المضحي مأمور ان يأكل من اضحيته لقوله تعالى فكلوا منها واطعموا القانع والمعتره (1)
1) عن جابر رواه مسلم
(2) رواه احمد بلفظ كل ايام التشريق ذبح.
) هود: (65) ه) الحاقة: (7).
(4) البقرة: (203). 1) الحج: (36).
200 (2/200)
صفحة 598
ما سوى
ويقول النبيء عليه السلام في الضحايا: كلوا وتصدقوا وادخروا (1). واختلفوا هل هو مأمور بالأكل والصدقة معا، او هو مخير بين ان يفعل احد الامرين؟ فقال قوم ليس له ان يفعل الا احدهما، اما ان يأكل، او يتصدق. وقال آخرون: له ان يفعل ايهما احب. واستحب كثير من الفقهاء ان يقسم اضحيته اثلاثا ثلثا للاكل وثلثا للصدقة وثلثا للادخار كما تقدم في الحديث. واوجب ذلك اهل الظاهر لامره عليه السلام بذلك، ولا اعلم احدا من العلماء اجاز بيع لحمها. واختلفوا في بيع اللحم من الجلد والشعر وغير ذلك مما ينتفع به: فقال بعضهم بيعه (2). وقال آخرون يجوز بيعه بالدراهم وغيرها. والله اعلم. مسألة: في طواف الوداع، وهو مشروع اذا لم يبق للحاج شغل وعزم على الانصراف الى وطنه وجهز رحله فليكن حينئذ آخر عهده الطواف بالبيت لقول النبيء عليه السلام ولا ينفرن احدكم حتى يكون آخر عمله الطواف بالبيت (3)، وكيفيته ان يطوف سبعة اشواط ويركع ركعتين ويدنو من البيت ويدعو بما بدا له ويخرج، ومن لم يودع البيت
فله
دم
لا يجوز
عند اصحابنا. ولا وداع على مكي ولا على قادم اوطن مكة، ولا على مجاوريها ولا على خارج الى التنعيم ليعتمر. ولا على معتمر خرج من فوره، فان اقام ثم اراد الخروج فليودع، وكذلك من اراد الخروج من مكة خارجا من الميقات فعليه الوداع، والله اعلم. وينبغي له ان يأتي المدينة لزيارة قبر النبيء عليه السلام، وليس ذلك بفرض والله اعلم.
1) متفق عليه من حديث ابي هريرة. (2) لقوله (ومن باع جلد أضحيته فلا أضحية له» رواه البيهقي عن ابي هريرة.
(3) متفق
- Y.1 - (2/201)
صفحة 599
وقد ذكرنا كيفية الزيارة في غير هذا الكتاب وذكرنا فيه فروع مسائل الحج والدعاء المأثور فيه وغير ذلك من ادب الحج وسنته والله المستعان وبه العون والتوفيق. (2/202)
صفحة 600
كتاب
الحقوق ومظالم العباد (2/203)
صفحة 601
الركن السابع
من الكتاب في الحقوق ومظالم العباد
وغير ذلك من المحارم والكبائر التى يسأل عنها العبد في المعاد
والكلام في هذا الباب ينحصر في ثلاثة ابواب، الاول» في الحقوق والثاني في المظالم، والثالث في المحرمات. وبالله التوفيق.
الباب الاول
في الحقوق المفروضة على العباد لبعضهم على بعض
وهي بالجملة تنحصر في عشرة فصول:
الفصل الاول
في حقوق القرابات
قال الله تعالى «فات ذا القربى حقه (1). الآية ففرض الله تعالى حق القرابة والارحام فقال واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام» (2). وانفذ الوعيد الشديد في قاطعهما فقال «فهل عسيتم ان توليتم الى قوله واعمى ابصارهم (3) وقال ويقطعون ما امر الله به ان يوصل، الى قوله ولهم سوء الدار (4) والآثار في هذا كثيرة تركتها مخافة التطويل، واجمع الناس
1) الروم: (38).
(3) محمد: (23).
النساء: (1).
4) الرعد: (25).
204 ـ (2/204)
صفحة 602
على وجوب حق القرابات. واختلفوا في حدها: فقال قوم: هي ما دون خمسة اباء لما روي ان النبيء علل لما نزلت عليه وانذر عشيرتك الاقربين (1) دعا دعا بطون قريش فانذرهم. ويقال اتخذ طعاما من
من
فدعا الى اربع درجات، واختلفوا في الخامس. وجعل الله تعالى لقرابته في الخمس نصيبا فخص من ذلك بني هاشم وبنى المطلب دون عبد شمس، ونوفل، وقال قوم: القرابة ما دون سبعة آباء، وقيل ما دون الشرك والله اعلم (2)، وجملة حقوق القرابة ان يواسيهم الانسان بنفسه وماله ان كانوا محتاجين، ويحضر لفرحهم وحزنهم، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وان منعه الخوف عن زيارتهم فليواصلهم ولو بالسلام في الكتاب ولا يقطعهم ان قطعوه، وليعط لهم حقهم وان حرموه وفي الحديث «افضل الصدقة صدقة على ذي الرحم الكاشح (3) ويقال ان عمر رحمه الله امر الاقارب ان يتزاوروا ولا يتجاوروا، وانما فعل ذلك لان التجاور يوجب التزاحم على الحقوق فربما يؤدي الى الوحشة وقطيعة الرحم
والله اعلم.
1) الشعراء: (214).
1
2) الذي يبدولي والله اعلم - ان هناك فرقا بين الأقربين والاقارب وذوي القربى: فالاقربون ولصيغة التفضيل دلالتها هم الذين يجمعهم الجد الرابع. ويدل لذلك ان الله تعالى لما انزل قوله وانذر عشيرتك الاقربين، جمع عليه السلام اباء عبد مناف: هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس. ومن المعلوم ان هؤلاء يجمعهم الجد الرابع. بخلاف الاقارب جمع قريب وهم الذين يجمعهم الجد السابع. والدليل على هذا ان ابا طلحة الانصاري تصدق بارضه (بيرحاء) فقال له (ع): اجعلها لفقراء اقاربك) مالك فجعلها لحسان بن ثابت وابي بن كعب اللذين يجمعهما به عمر بن بن اهـ مصححه وهو الجد السابع الجامع. واما ذو والقربى فمشترك يتناول الصنفين:) رواه احمد والطبراني من حديث ابي ايوب، وفيه الحجاج بن ارطاة ـ ورواه البيهقي من حديث ام كلثوم بنت عقبة. ورواه الحكم وصححه.
النجار
- Y.O_ (2/205)
صفحة 603
ابر
مسألة:: في حق الوالدين على الاولاد قال الله تعالى ووصينا الانسان بوالديه الآية (1)، وقال النبيء الا الله ولا يحزي ولد والده الا ان يجده مملوكا فيشتريه ويعتقه (2) ولا يخفى على ذي عقل انه لما تأكد حق القرابة والارحام فأحقها وامسها الوالدة فيتضاعف تأكيد الحق فيها، وقال الله الوالدة على الوالد ضعفان ودعوة الوالدة اسرع اجابة، قيل ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: هي ارحم من الاب، ودعوة الرحم لا تسقط (3) و جملة حق الوالدين ان يبر هما احياء وامواتا، ابرارا كانوا او فجارا اما في الحياة فملزوم طاعتهما واجابة دعوتهما، وخفض جناح الرحمة لهما، وتعاهدهما بالسلام عليهما، والقيام بحوائجهما، ولا يخرج عن ورأيهما الا ان تبين له الرشد في خلاف رأيهما، وان كانا فقيرين اعانهما
امر هما
بنفسه وواساهما بنفسه وماله، وآثرهما على نفسه، ويتولاهما ان كانا اهلا للولاية، والا فلا يظهر البراءة في وجوههما، ولا ينظر شزرا اليهما، ويمتثل أوامرهما الا ان امراه بمعصية من ترك صلاة، أو صوم، او ترك
"
تعلم ما يلزمه من امر الدين، وما يحل له من النكاح والبيع والشراء فلا يضيق عليه خلافهما لانه لا طعاة لمخلوق في معصية الخالق (4)، وحقوقهما كثيرة ولا سيما الوالدة لانها حملته في بطنها وارضعته بلبنها واولته الخير والشفقة حين لا يطيق لنفسه دفعا ولا حيلة ولا نفعا فكان حجرها له حواء وثديها له سقاء، واما حقهما بعد موتهما فهو ما روي
ان رجلا سأل النبيء علل الله فقال يا رسول الله: هل بقي علي من بر
1) العنكبوت: (8)
رواه مسلم وابوداود والترمذي والنسائي وابن ماجة.
(3) رواه احمد وابو داود والترمذي.
(4) متفق علي
- 206 - (2/206)
صفحة 604
الوالدين شيء ابرهما به؟ قال نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما وهذا ان كانا متوليين - قال ـ وانفاذ عهدهما، واكرام صديقهما، وصلة
-
الرحم التي لا توصل الا بهما (1). وفان عقهما في حياتهما وادى هذه الله عنه الحقوق بعد موتهما فقد برهما، روي ذلك عن ابن عباس رضي
والله اعلم
الله
•
مسألة: في حق الاولاد على والدهما، ويروى ان رجلا قال يا رسول من ابر؟ قال: والديك، قال ليس لي والدان، قال: فبر ولدك فكما ان لوالديك عليك حقا كذلك لولدك عليك حق، قال: «رحم الله والدا عمله اعان ولده على بره (2)، يعني لم يحمله على العقوق
بسوء
ويقال: ولدك ريحانتك سبعا، وخدمك سبعا، ثم عدوك او شريكك
،
وعنه عليه السلام قال يعق على الولد يوم السابع، ويماط عنه الاذى، فاذا بلغ ست سنين ادب، فاذا بلغ سبعا عزن عن فراشه، واذا بلغ ثلاث عشرة ضرب على الصلاة، واذا بلغ ست عشرة زوج، ثم يأخذه بيده فيقول له: قد ادبتك وعلمتك وانكحتك اعوذ بالله من فتنتك (3)، وعنه قال: يلزم الوالد من العقوق ما يلزم الولد (4) وقال الله تعالى
1) رواه ابوداود وابن ماجة وابن حبان والحاكم وقال: صحيح الأـ ــ عن مالك بن ربيعة الله: قال: بينما نحن عند رسول الله (ع) اذ جاءه رجل من بني سلمة فقال يا رسول ا الصلاة هل بقي علي من برابوي شيء ابرهما به بعد وفاتهما؟ قال: نعم الحديث. الخ (2) رواه ابو عمر التوقاني في كتاب معاشرة الاهلين من حديث عثمان بن عفان دون قوله فكما ان لوالديك وهده القطعة رواها الطبراني من حديث ابن عمر قال الدارقطني في العلل: ان الاصح وقفه على ابن عمر.
) رواه ابو الشيخ وابن حبان فى كتابه الضحايا والعقيقة الا انه قال وادبوه لسبع. وزوجوه لسبع عشرة ولم يذكر الصوم، وفى اسناده من لم يسم. وفي آخره: من فتنتك في الدنيا
وعذابك في الآخرة.
(4) ولفظ الحديث يلزم الوالدين من العقوق ما يلزم ولدهما.
- 207 - (2/207)
صفحة 605
قوا انفسكم وأهليكم نارا (1). وحقوق الولد على الوالد. ان يتزوج امه من قوم لا يعير بهم ولده، واذا ولد سماه بأحق الاسماء، واسترضعه اطهر البان النساء وادبه احسن الاداب، وعلمه ما يلزم من امر الدين وما من صناعات الدنيا لمعاشه، ويحسن تربيته ويكسيه وينفقه حتى
يصلحه
يدرك البلوغ وبالله التوفيق.
الفصل الثاني
في حقوق الازواج بعضهم على بعض
•
قال الله تعالى واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا الى قوله والصاحب بالجنب (2)، وقيل في بعض التفاسير انها الزوجة وقال النبيء ال اتقوا الله في النساء فانهن اخذتموهن بامانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف (3) وفي حديث عن النبيء وان آخر كلامه ولسانه يتلجلج به الله الله في النساء فانهن عوان في ايديكم (4) (يعني اسيرات) وقال الله تعالى في تعظيم حقهن واخذن منكم ميثاقا غليظا (5). وجملة حقوق المرأة ان يحسن اليها الزوج في
(1
التحريم (6) (20) النسـ اء: (36)
) رواه النسائي في الكبرى وابن ماجة من حديث ام سلمة. وقد ورد الحديث والذي بعده في عرض خطبة الرسول (ع) في حجة الموداع.
(4) رواه الترمذي من حديث طويل - ورواه النسائي فى الكبرى هكذا وآخر ما اوصى به رسول ال) ثلاث، كان يتكلم بهن حتى تلجلج لسانه وخفي كلامه وجعل يقول الصلاة وما ملكت ايمانكم لا تكلفوهم ما لا يطيقون الله الله في النساء فانهن عوان عندكم، اخذتموهن بامانة واستحللتم فروجهن بكلمة الله.
ه النساء: (21)
- YA- (2/208)
صفحة 606
معاشرتها كما قال الله تعالى وعاشروهن بالمعروف (1)، وينبسط في
وجهها لما
روي ان النبيء
افكه الناس ا كان من
نسائه (2)،
ووصفت اعرابية زوجها وقد مات فقالت: كان والله ضحوكا اذا ولج، كسويا اذا خرج، أكلا ما وجد، ولا يسأل عما فقد. وليعدل بين نسائل ان كن اكثر من واحدة في الجماع وغيره، ولا يتوعدها بالضارة، ولا يهددها بالطلاق، ولا يهجر فراشها الا ان كانت ناشرة، فليستدرج تاديبها بالوعظ والتخويف اولا، فان لم ترتدع ولاها ظهره في المضجع وهجرها في البيت الى ثلاث ليال، فان لم ترجع ضربها ضربا غير مبرح بحيث يؤلمها ولا يدميها، ولا يضرب وجهها، وهو معنى قوله تعالى فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن» الآية (3). وروي انه قيل يارسول الله ما حق المرأة على الرجل؟ قال: يطعمها إذا طعم، ويكسوها إذا اكتسى، ولا يقبح الوجه، ولا يضربها إلا ضربا غير مبرح والله اعلم. وله ان يغضب عليها ويهجرها في امر الدين من عشر الى شهر، ولا يفش سرها في النكاح، ولا عند الطلاق، وليعلمها ما يلزمها من الدين في الصلاة والطهارة واحكام الحيض والاستحاضة والله اعلم.
رضي
الله عنها وان
عائشة مسألة: في حقوق الزوج عليها. وعن فتاة قالت يارسول اني اخطب وانا اكره التزويج. فما حق الزوج على المرأة؟ قال: «لو كان من قرنه الى قدميه صديدا فلحسته ما اديت
(1) النساء: (19)
(2) رواه الحسن بن سفيان في مسنده من حديث انس دون قوله مع نساءه» ـــ اما رواية ابن عساكر عن السيدة عائشة (ض) فبلفظ وكان اذا خلا بنسائه الين الناس واكرم
الناس ضحاكا بساماه
النساء: (34).
- Y. 9 - (2/209)
صفحة 607
شكره، قالت فلا اتزوج. قال: بلى تزوجي فانه خير (1). وسألته امرأة من من خثعم عن حق الزوج على الزوجة؟ قال ان من حقه عليها ان لا تعطي شيئا من بيته الا باذنه، فان فعلت كان الاجر له والوزر عليها، ولا تصوم تطوعا الا باذنه فان فعلت جاعت وعطشت و لم يقبل منها، ولا تخرج الا باذنه، فان فعلت لعنتها الملائكة حتى ترجع وتتوب (2). وقال المرأة عورة فاذا خرجت استشرفها الشيطان (3)، وقال ايضا المرأة
عشر عورات؟ فاذا تزوجت ستر الزوج منها عورة واحدة، فاذا ماتت ستر القبر العشر عورات (4)، وحقوق الزوج عليها كثيرة. واهمها امران: احدهما الصيانة والستر، والآخر ترك المطالبة لما وراء الحاجة، والتعفف عن كسبه ان كان حراما. والقول الجامع لأدبها من غير تطويل ان تكون قاعدة في قعر بيتها، لازمة لمغزلها، قليلة الكلام لجيرانها، حافظة لبعلها في غيبته وحضرته، حريصة على طلب مسرته في جميع امورها، غير خائنة له في ماله ولا في نفسها، ولا تخرج من بيتها الا لضرورة دعتها فلتخرج باذن زوجها في هيئة رئة تطلب المواضع الخالية دون الشوارع والاسواق، محترزة من ان يسمع احد صوتها، او يعرف شخصها، ولا تتعرف الى صديق زوجها في حاجاتها، همها صلاح شأنها وتدبير بيتها،
1) رواه الحاكم وصحح اسناده من حديث ابى هريرة دون قوله «بلى فتزوجي فانه خيره. والمصنف اورد الحديث بدون استفهام يعني فلا أتزوج؟ والرواية افلا
أتزوج؟ يرشد الى صحتها جواب الرسول (ع) «بلي» (2) رواه البيهقي مقتصرا على شطره من حديث ابن عباس، وتمامه من حديث ابن عمر
وفيه ضعف
-
) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، وابن حبان من حديث ابن مسعود. (4) رواه الحافظ ابوبكر محمد بن عمر من حديث علي بسند ضعيف. وللطبراني من حديث ابن عباس للمرأة ستران قيل وما هما؟ قال: الزوج والقبر. (2/210)
صفحة 608
رزقها
مقبلة على صلاتها وصيامها، واذا استأذن صديق زوجها في غيبة زوجها لم تستفهمه و لم تعاوده في الكلام غيرة على نفسها. قانعة من زوجها بما الله منه، مقدمة حقه على حقها، مشفقة على اولادها، حافظة للستر عليهم، قصيرة اللسان عن سب الاولاد ومراجعة الزوج، غير مفتخرة عليه بجمالها، ولا ممتنة عليه بمالها، ولا محبة لمن ابغضه زوجها، حافظة له في ابويه واقاربه ولا تزدريه لقبحه وبالله التوفيق. وفي الحديث «ايما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة (1).
عن
النبيء والله اعلم.
الفصل الثالث
في حقوق المماليك
اعلم ان ملك اليمين يقتضي حقوقا في المعاشرة لا بد من مراء مراعاتها وقد روي ان النبيء الا الله كان من آخر ما اوصى به ان قال: اتقوا الله فيما ملکت ايمانكم، اطعموهم مما تاكلون واكسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم ما لا يطيقون فما احببتم فامسكوا وما كرهتم فبدلوا، ولا تعذبوا خلق الله فان الله ملككم اياهم ولو شاء لملكهم اياكم (2) وعنه ع قال: ولا المملكة (3) يدخل الجنة مكر «متكبره ولا خب، ولا خائن، ولا.
سيء
-
1) رواه الترمذي وقال حسن غريب وابن ماجة من حديث ام سلمة. (2) روي مفرقا فى عدة احاديث، روى ابو داود من حديث علي ـ وفي المصحيحين من حديث انس، ولهما من حديث ابي ذر واسناده حسن.
الملكة واخرجه
) رواه احمد مجموعا، والترمذي مفرقا وابن ماجة مقتصرا على سيء. الترمذى بلفظ ولا يدخل الجنة خب ولا بخيل ولا. الملكة عن ابي بكر الصديق
سيء
- 211 - (2/211)
صفحة 609
حره ومؤنته
وعنه علا قال ما زال جبريل عليه السلام يوصينى برفق المملوك حتى ظننت ان سيضرب له اجلا يخرج فيه حرا (1)، وعنه ايضا قال واذا اشترى احدكم مملوكا فليكن اول شيء يطعمه الخلو فانه طيب لنفسه (2) وعنه ايضا قال اذا كفى احدكم مملوكه صنعة طعامه فكفاه وقربه اليه فليجلسه ولياكل معه أولياخذ لقمة وليضعها في يده وليقل كل هذه (3) والاثار في هذا كثيرة، وقد قال كل راع مسؤول عن رعيته) (4) لكن جملة حقوق المملوك ان يشبع بطنه، ويدفيء ظهره، ولا يكلفه فوق طاقته. ولا يستخدمه بعد العشاء ان استقصى خدمته بالنهار، ولا ينظر اليه بعين الكبر والازدراء، ويعفو عن زلته، ويتفكر عند غضبه عليه بهفوته وجنايته في هفوته هو وجنايته على حق الله وتقصيره في طاعته الله مع ان قدرة عليه فوق قدرته والله اعلم (5)
مسألة: في حق السيد على عبده، وفي الحديث عن النبيء له
1) رواه الدارقطني وابوداود وابن ماجة والترمذي بلفظ حتى ظننت ان ابن آدم لا يستخدم وكذلك رواه الربيع عن ابن عباس بزيادة «ابدأ في آخره.
(2) رواه الطبراني في الاوسط والخرائطي فى مكارم الاخلاق بسند ضعيف
(3) متفق عليه من حديث ابي هريرة بعبارة مختلفة قال اذا اتى احدكم خادمه بطعام فان فليناوله لقمة او لقمتين او اكلة او اكلتين فانه ولي علاجه.
لم يجلسه معه
(4) متفق عليه من حديث ابن عمر.
ه) روي عن ابي مسعود الانصاري قال فبينما انا ضارب غلاما لي بسوط اذ سمعت صوتا خلفي يقول: اعلم يا ابا مسعود! فجعلت لا اعقل من الغضب حتى اتاني رسول الله (ع) فلما رأيته وقع السوط من يدي فقال واعلم يا ابا مسعود ان الله اقدر عليك منك على هذا الغلام قلت يا رسول الله: والذي بعثك بالحق لاضربت غلاما ابدا، اوقال مملوكا ابداء رواه مسلم وابوداود والنسائي واحمد وابن ماجه ـ وفي رواية فقلت: هو حر لوجه الله. فقال اما انك لو لم تفعل للحفتك النار يوم
القيامة.
– 212 – (2/212)
صفحة 610
قال ان العبد اذا نصح سيده واحسن عبادة ربه فله اجره مرتين (1)، وعنه عليه السلام قال عرض علي اول ثلاثة يدخلون الجنة، واول ثلاثة يدخلون النار: فاما اول ثلاثة يدخلون الجنة فالشهيد، وعبد مملوك احسن عبادة ربه ونصح لسيده، وفقير متعفف ذو عياله، واما اول ثلاثة
يدخلون النار فامير متسلط، وذو ثروة لا يعطي حق الله، وفقير
فخور (2). وبالجملة ان حق السيد على عبده ان يناصحه في ضيعته، ويحفظ له ما ائتمنه عليه، ويحسن خدمته ولا يعصيه في جميع احواله الا
ان امره بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا يصلي نافلة الا باذنه، ولا يصوم تطوعا الا باذنه لئلا يضعفه ذلك عن عمل مولاه، لانه مسئول عن القيام بحق سيده، كما ان سيده مسئول عن حقه جاء في الحديث عن رسول الله الله والله اعلم.
الفصل الرابع
في حقوق الجار
، کا
قال الله تعالى والجار ذي القربى والجار الجنب 3) فاوجب الله تعالى للجار حقا بمقتضى الجوار فضلا عن الحقوق التي استوجبها بالاسلام لانه قال عليه السلام «الجيران ثلاثة: جار له حق واحد، وجار له حقان وجار له ثلاثة حقوق. اما الجار الذي له حق واحد فالجار المشرك فاثبت له
(1) رواه الربيع عن ابن عمر ومتفق عليه من حديث ابن عمر. (2) رواه الترمذي وقال حسن. وابن خزيمة في صحيحه. وابن حبان من حديث البي هريرة.
النساء: (36).
- 213 – (2/213)
صفحة 611
حقا بمجرد الجوار، واما الذي له حقان فالجار المسلم غير ذي الرحم، واما الذي له ثلاثة حقوق فالجار المسلم ذو الرحم (1) ويروى انه قيل له عليه السلام ان فلانة تصوم النهار وتقوم الليل وتؤذي جيرانها، فقال: هي في النار (2). ورووا انه شكا اليه رجل جاره فامر عليه السلام من ينادي على باب المسجد الا ان اربعين دارا جار (3) قال بعض العلماء اربعون دارا من اربع جهات. وعن النبيء علا قال اتدرون ما حق الجار، ان استعان بك فاعنه، وان استقرضك فاقرضه، وان افتقر عدت عليه، وان مرض عدته، وان مات اتبعت جنازته، وان اصابه خير هنئته، وان اصبته مصيبة عزيته، ولا تستطل عنه في البناء فتحجب عنه الريح الا باذنه، واذا اشتريت فاكهة فاهد له، وان لم تفعل فادخلها سرا، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ ولده، ولا تؤذه بقتار قدرك الا ان تغرف له منها (4) وقال عليه السلام اتدرون ما حق الجار والذي نفسي بيده لا يبلغ حق الجار الا من رحمه روي عنه (5) وليعلم انه ليس الجار كف الأذى عنه فقط. بل لابد من الرفق واسداء الخير
حق
الله هكذا
ما الله
1) اخرجه الحسن بن سفيان والبزار في مسنديهما وابو الشيخ في كتاب الثواب وابو نعيم في الحلية من حديث جابر، وابن عدي من حديث عبدالله بن عمر وكلاهما
ضعيف.
(2) رواه احمد والحاكم باسناد صحيح من حديث ابي هريرة.
3) رواه الطبراني عن كعب بن مالك قال اتى النبيء رجل فقال يارسول: اني نزلت في محلة فلان وان اشدهم لي اذى اقربهم لي جوارا، فبعث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بني ابا بكر وعمر وعليا ياتون المسجد فيقومون على بابه فيصيحون والا ان اربعين دارا جار ولا يدخل الجنة من يخاف جاره بوائقه اي شروره.
(4) عن عبدالله بن عمرو بن العاص رواه الخرائطي في مكارم الاخلاق ه) رواه مسلم وابوداود وتمام الحديث واول خصمين يوم القيامة جاران، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا اوليصمت، ولا تؤذ جاره ابداء
- 214 - (2/214)
صفحة 612
والمعروف اليه اذ يقال ان الجار الفقير يتعلق بجاره الغني يوم القيامة فيقول: يا رب سل هذا لم منعني معروفه، وسد بابه (1) دوني، وجملة حقوق الجار ما تقدم في الحديث مع زيادة ان يبدأه بالسلام، ولا يطيل معه الكلام، ولا يكثر عن حاله السؤال. ويصفح عن زلاته، ولا يطلع من
مصب
السطح الى عوراته، ولا يضايقه في رفع الجذع على جداره، ولا في. ميزابه، ولا في طرح التراب بفنائه، ولا يضيق طريقه الى داره،
الماء
من
6
ولا يتبعه النظر فيما يحمله الى بيته. ويستر ما ينكشف له من عوراته وينعشه من مصرعته اذا نابته نائبة في جميع اموره. ولا يغفل عن ملاحظة داره عند غيبته، ولا يستمع عليه كلامه، ويغض بصره عن حرمته، ولا يديم النظر الى خادمه ويتلطف لولده في كلامه، ويرشده الى ما يجهل من امر دينه ودنياه، ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر على قدر طاقته، فان لم ينته فلا يجب عليه ان يرتحل من داره لاجل ذلك والله اعلم. مسألة: واختلفوا في حد الجوار: فقيل اربعون بيتا، وقيل مقدارما يحميه الكلب. وقيل عشرة بيوت من كل جانب. وقيل سبعة. وقيل ثلاثة. ويجب على الانسان حق جاره اذا كان على هذا المعنى ما لم يقطع جواره طريق جائز شارع، او واد نافذ، او سوق خارج، والله اعلم.
1) رواه الأصبهاني بلفظ واغلق عني بابه بدل وقد سد بابه دوني في كتاب الترغ والترهيب من حديث ابن عمر واشار المنذري الى ضعفه.
- 215 ـ (2/215)
صفحة 613
الفصل الخامس
في حقوق الضيف وابن السبيل
وحق الضيف واجب على كل من نزل به لقول النبيء عليه السلام من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه: جائزته يوم وليلة،
والضيافة ثلاثة ايام وما وراء ذلك صدقة ولا يحل له ان يثوى عنده حتى يخرجه (1). وقال ولا خير فيمن لا يضيف (2). ويقال الأضياف ثلاثة: ضيف يسير في طلب العلم. وضيف يمشي في زيارة من ينبغي ان يزوره، وضيف صاحب حاجة ادركه الليل قبل الوصول اليها: فهؤلاء واشباههم تجب ضيافتهم على الناس كافة اذا لم يكن معهم طعام. الا ان نزلوا على احد من تجب عليه الضيافة فقد سقط حقهم عن غيره من الناس. ولا تجب الضيافة على المسافر، ولا على الاطفال والعبيد، وتجب لهم ولغيرهم من جميع الناس الا من كان ماشيا في معصية من قاطع الطريق، او عبد ابق من مولاه، او محارب للمسلمين، او مانع حق، او امرأة عاصية لزوجها او صاحب فتنة، او مهجور عند المسلمين، وما اشبه هؤلاء، واما اذا لم يبت الضيف فلا شيء على الناس. ولو طلب عشاءه ان يرفعه ولم يبت فليس عليهم شيء
معه
وجملة حقوق الضيف: ان يعجل قراه: وليحفظ له اوقات الصلاة ويعلف دابته، ويرشده الى المستراح في الدار وموضع الاغتسال، ويقدم ما في البيت، ولا يتكلف له ما لم يكن عند مضيفه، ولا يقدم
له
خير
1) رواه مالك والبخاري ومسلم وابوداود والترمذي وابن ماجة. 2) رواه احمد من حديث عقبة بن عامر وفيه ابن لهيعة.
- YIT- (2/216)
صفحة 614
اليه عشاء العيال:
وحقوق صاحب البيت على الضيف: ان لا يحتقر ما قدمه اليه، ولا يفشي سره، ولا يصوم تطوعا الا باذنه، ولا يرتحل الابامره، وليجلس في البيت حيث اجلسه صاحبه، وليغمض بصره عن الالتفات بعد ان يدخل بالاستئذان، ويسلم على من جاز عليه او جلس حذاءه. وتمام اكرام الضيف طلاقة الوجه، وطيب الحديث عند الدخول والخروج، وعلى المائدة لان الانقباض على الضيف يورثه الوحشة. وينبغي لصاحب البيت ان يخدمه بنفسه لما روي ان وفد النجاشي قدموا على النبيء عليه السلام فقام يخدمهم بنفسه فقال اصحابه نحن نكفيك يارسول الله. فقال انهم لاصحابي مكرمون فاردت ان اكافئهم (1) ويشيع الضيف الى باب الدار، وذلك من السنة لقول النبي الله وان سنة الضيف ان من يشيع الى باب الدار (2)، وينبغي للضيف ان ينصرف طيب النفس وان
جرى في حقه تقصير
مسألة: ويجب حق ابن السبيل على من جاز عليه كما يجب حق الضيف. وهذا اذا خرج من الاميال وانقطع عن اهله وماله ولم يجد من يسلفه، ولا من يبيع له، واما من تردد في البلاد تردد البهائم في الصحاري والقفار متفرجا من كرب البطالة في البلاد المختلفة وليست له حاجة هو قاصد اليها، فلا حق لهؤلاء في الضيافة ولا في اموال المساجد والاوقاف.
والله اعلم
1) لم اقف على سنده وتمام الاكرام طلاقة الوجه وطيب الحديث عند الدخول والخروج وعلى المائدة
(2) رواه ابن ماجة بلفظ ان من السنة ان يخرج الرجل مع ضيفه الى باب الداره.
– 217 – (2/217)
صفحة 615
الفصل السادس
في حق الصاحب
صاحب
قال الله تعالى والصاحب بالجنب (1) قيل هو الصاحب في السفر. وقيل هي الزوجة. وكلاهما قد اوجب الله لهما حق الصحبة وامر بالاحسان اليهما. وفي الحديث عن النبيء عليه السلام ما من يصحب صاحبا ولو ساعة النهار إلا ويسأل عن صحبته هل ادى فيها من الله حق، او اضاعه (2). وعنه ايضا قال ما اصطحب اثنان قط الا كان احبهما الى الله ارفقهما بصاحبه (3) وقال عليه السلام الناس كاسنان المشط والمرء كبير باخيه. ولاخير في صحبة من لا يري لك ما يرى لنفسه (4) وقال (خير اصحابك من اذا ذكرت اعانك، واذا نسيت ذكرك (5) ويروى ان رجلا قال لابراهيم ابن ادهم وهو يريد بيت
1) تقدم ذكرها.
(2) رواه مسلم بلفظ وانه لا يصحب احد احدا ساعة من نهار الا سأله الله هل ادى حقه. والذي ذكره صاحب قانون الموضوعات: عن عمر ودخل (ع) غيضة ومعه صاحب له فاحذ منها مسواكي اراك احدهما مستقيم والآخر معوج فاعطى صاحبه المستقيم، قالوا يا رسول الله انت احق بالمستقيم. فقال: وليس من صاحب يصحب صاحبا ولو ساعة من نهار الا سأله الله يوم القيامة فاحببت ان لا استأثر عليه بشيء فيه احمد بن محمد كذبوه. وفى معنى هذا الحديث ما رواه البخاري عن انس ما تحاب اثنان في الله تعالى الا
كان افضلهما اشدهما حبا لصاحبه.
(4) وفى معنى هذا الحديث ما رواه البخاري عن انس ما تحاب اثنان في الله تعالى الا كان افضلهما اشدهما حبا لصاحبه
ه) رواه مسلم وابو داود والدارقطني - ورواية ابن عدي من حديث انس بلفظ «ما يرى لك مثل ما تزاه له في آخره.
ه) رواه احمد ومسلم وابو داود.
– 218 – (2/218)
صفحة 616
المقدس: اني اريد ان ارافقك. فقال له ابراهيم على ان اكون املك بشيئك
منك، قال: لا. قال: اعجبني صدقك
عقد الصحبة مع غيره في الحضر او السفر فقد لزمت
فعل
مسألة: ومن. كل واحد منهما حقوق الصحبة، ولا يلزم في السفر حتى يجاوز ستة اميال، فاذا وصلا الى الموضع الذي سافرا اليه، فان ارادا الرجوع فليعقدا ايضا الصحبة على ذلك. وقال من قال لا تلزمه حقوق الصحبة الا لمن اشترك في الزاد والاكل. ولا يعقد الصحبة مع اهل الفتنة، ولا مع قاتل النفس، او مانع الحق، او طاعن في الدين، او عبد آبق من مولا مولاه، او امرأة عاصية لزوجها، ومن اصطحب مع احد حتى ما لا يصطحب به معه فانه قيل يهاجره وليس عليه من حقوق الصحبة معه شيء. والمشرك الذمي لا يصطحب معه الا بالاجرة. واذا ثبت عقد الصحبه فان على كل واحد من الاصحاب ان يحفظ صاحبه من جميع ما يسوءه او اراد ظلمه، وليبدأ بالاكل من زاد اضعفهما بهيمة. ولياكل مثل اكل صاحبه او دونه ان اشتركا زادهما، ولا ينبغي له ان يركب دون صاحبه الا ان اضطر الى ذلك. وليواسه بنفسه وماله، ولا يناجي احدا دونه، واذا مرض فليقم بحوائجه، وان مات فليؤد حقوقه، وليحفظ تركته لورثته، ومن حقوق الصاحب في طلب العلم ان ينصحه في امر دينه ودنياه، ويعلمه ما جهل من العلم والادب، ويواسيه بنفسه وماله، ويرغبه في الاجتهاد، وان رأى له زلة فليز جره، وليستتبه منها، ثم يسترها عليه، ويحب له ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه، ويحفظه في غيبته وحضوره، وليرد عنه الغيبة وجميع ما يشينه. والله المستعان
- 219 – (2/219)
صفحة 617
الفصل السابع
في حق اليتامى والمساكين
وقد امر الله تعالى بالاحسان اليهم وأوجب لهم في الاموال حقوقا فقال وآت المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين الآية (1) وقال والذين في اموالهم حق معلوم للسائل والمحروم (2). واوجب في الخمس نصيبا، وقال واعلموا انما غنمتم من شيء (3) الآية. ثم ذم من لا يحض على طعامهم فقال ارأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين (4) الآية. ثم اخبر عن اهل النار فقال ما سلككم في سقر؟ قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين (5) وقال النبيء الا الله واللهم احيني مسكينا وامتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين (6) وقال في اليتيم من ربى يتيما من ابوين مسلمين حتى يستغني وجبت له الجنة البتة) (7)) وقال انا وكافل اليتيم كهاتين. واشار باصبعيه (8)، وقال من وضع يده على رأس اليتيم ترحما كان له بكل شعرة تمر يده عليها حسنة (9)، وانفذ الوعيد الشديد في اكلة اموالهم،
فقد
1) البقرة: (177)
) الانفال: (41).
) المدثر: (42
(EV -
المعارج: (24 - 25).
(4) الماعون: (2 – 3).
(6) رواه ابن ماجة والحاكم وصححه من حديث ابي سعيد. (7) رواه احمد والطبراني من حديث مالك بن عمر بلفظ من ضم» بدل من ربى). رواه البخاري بزيادة في الجنة وبعد اصبعيه والسبابة والوسطى وفرج بينهما. (9) من حديث ابي امامة رواه الجماعة واحمد بلفظ من مسح على راس يتيم لم يمسحه الا الله كان له في كل شعرة مرت عليها يده حسنات – ولا بن جان في الضعفاء
من حديث ابن ابي اوفى من مسح يده على رأس يتيم رحمة له الحديث
– 220 – (2/220)
صفحة 618
فقال الذين بأكلون اموال اليتامى ظلما (1) الآية.
بهم
،
مسألة: والواجب على الناس القيام بحقوق اليتامى في جميع مصالهم: ان لم يكن لهم الاولياء والاوصياء فعلى حاكم المسلمين القيام، وان لم يكن فجماعة المسلمين، وليستخلفوا لهم امينا ثقة يقوم بجميع مصالحهم كما يقوم بها لنفسه، وان قام بها احد من غير ان يكون لهم خليفة فقد اجزاً عن الناس. وقد قالت الاشياخ رحمهم الله ثلاثة علمهم فيما يصلح لهم، اليتيم والغائب والزكاة، وكذلك الاغياب واجب على الناس حفظ اموالهم بالخلائف وغيرها ويعملوا فيها كل ما يصلح لهم حتى يقدموا عليها. او يموتوا فتصير لورثتهم. وقد رخص الله تعالى للاوصياء في مخالطة اليتامى: فقال الله تعالى ويسألونك اليتامى قل اصلاح لهم خيره (2) الآية وينفق الوصي على اليتيم ويكسوه على قدر ماله، ويأخذ له الاجراء ويعطي من ماله اجرتهم، ويخرج منه الزكاة ولا يعطي من ماله شيئا غير الزكاة. ويعطي منه النوائب وجميع ما يلزم اليتيم. ويأكل الوصي من مال اليتيم بالقرض ان احتاج، واذا ايسر رده، كما قال الله تبارك وتعالى فليأكل بالمعروف (3) يعني بالقرض وله ان يركب دابته في منفعة اليتيم، ويأكل ماله فضل طعامه ان لم يكن يباع فى البلد، ويخلف له مثل ذلك
عن
من
ويخالطه مخالطة تصلح لليتيم في جميع الاحوال. واذا بلغ وانس منه رشدا
فليدفع
6
له ماله وليستشهد عليه كما قال الله تعالى فاذا دفعتم اليهم اموالهم
فاشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا) (4) وان لم يكن لليتيم مال ولا يقدر
اء: (6).
(?
-
221 -
اء: (10).
البق
رة: (220).
النساء: (6).
(1 (2/221)
صفحة 619
على الاكتساب فعلى المسلمين القيام به من اموالهم، ولا يترك لضيعة. وكذلك الفقير والمسكين على هذا الحال، وان هلكوا جوعا وهم يقدرون على تنجيتهم فقد هلكوا بذلك. والله اعلم واحكم.
الفصل الثامن
في حق الاخوة بين المسلمين
قال الله تعالى (انما المؤمنون اخوة (1) فاوجب الله تعالى بمقتضى الاخوة حقوقا في النفس والمال والقلب واللسان، ويجب عليهم القيام بها، وحقوق الاخوة في الاسلام كثيرة لكنا نشير الى طرف منها، قال الله تعالى وتعاونوا على البر والتقوي (2) الآية. وقال النبيء المسلمون كالبنيان يشد بعضه بعضاه (3)). وقال مثل المؤمنين في تواددهم وتراحمهم كمثل الجسد اذا اشتكى عضو منه تداعى سائره بالحمى والسهر (4). وقال: مثل الاخوين كاليدين تغسل احداهما الاخرى» (ه)، وقال الله ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله اخوانا (6) «فمن حقوق المسلمين بعضهم على بعض ان يحب كل واحد للآخر ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه. ومنها ان
منهم
1) الحجرات: (10).
(2
المائدة: (7).
3) عن ابي موسى رواه البخاري بلفظ المومن للمومن متفق عليه 4) متفق عليه من حديث حذيفة (ض) - واخرجاه عن النعمان بن بشير بعبارات مختلفة
الروايات مختلفة.
ه تف
(6) متفق عليه عن انس، وله روايات مختلفة. وتمامه ولا يحل لرجل ان
فوق ثلاث.
يهجر
اخاه
-
222 (2/222)
صفحة 620
لا يؤذي احدا من المسلمين بقول ولا فعل لقول النبيء عله ملعون من ضار مسلما» (1). وقال المسلم من سلم الناس من لسانه ويده. قالوا فمن المؤمن؟ قال: من أمن جاره بوائقة (2) وفي رواية اخرى المؤمن من أمنه الناس على انفسهم واموالهم. قالوا فمن المهاجر؟ قال من هاجر السوء واجتنبه (3). قال رجل فما الاسلام يا رسول الله؟ قال ان يسلم قلبك الله ويسلم المسلمون من لسانك ويدك (4) وليس كف الأذى يقضي ما يلزم من الحق في النصيحة واسداء الخير فمن قنع بكف الأذى والسكوت عن الاخوان فليصحب اهل القبور، وانما شرع الله اخوة الاسلام ليستفيد بعضهم من بعض الخير ويتعاونوا عليه لا يتخلص البعض من اذي البعض، ومنها ان يرد على المسلم غيبة اهل النفاق من ظهره. لقوله الا الله المسلم اخو المسلم لا يظلمه ولا يغشه ولا يخذله (ه)
وراء
فمن الخذلان للمسلم اهماله تتمزيق عرضه. وذلك بمثابة تمزيق لحمه واخسس بأخ يراك والكلاب تفترسك وتمزق الحمك وعرضك وهو ساكن لا تحركه الشفقة والاسلام عن الذب والدفع عنك. ومنها ان لا يقبل في المسلم ما يسمعه من اهل النميمة والحسد فيه، ولا يبلغ بعضهم
1) وفي معناه من ضار ضار الله به، ومن شاق شاق الله عليه» رواه الترمذي عن ابي صرمة المازني
2) رواه البخاري من حديث ابي شريح العدوي بلفظ ان النبي (ع) قال والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن. قيل ومن يارسول الله؟ قال الذي لايامن جاره بوائقه اي شروره وغشه.
3) وفى معناه ما رواه البخاري وابو داود والنسائي عن عبدالله بن عمر المسلم من سلم المسلمون من لسانه وبيده، والمهاجر من هجر الله نہي عنها.
(4) رواه احمد باسناد صحيح من حديث عمر بن عبسة. ه) رواه البخاري ومسلم من حديث ابي هريرة وفيه يحقره) بدل «يغشه).
- 223 – (2/223)
صفحة 621
يسمع من بعض لقول الله تعالى ان جاءكم فاسق بنباء فتبينوا» (1) الآية،
وقال الله وشر عباد الله المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الاحبة (2) وقال
ولا يدخل الجنة قتان (3)، وقال الخليل بن
،
احمد من نقل اليك نقل
عنك. ومنها ان لا يزيد فى هجران من يعرفه بالاسلام مهما غضب عليه على ثلاثة ايام. لقوله الا الله ولا يحل لمسلم ان يهجر اخاه فوق ثلاثة ايام.، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام (4) ومنها ان لا يدخل على احد منهم الا بالاستئذان لقول الله تعالى ولا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستانسوا وتسلموا على اهلها الآية (5). وقال النبيء علا الله والاستئذان ثلاث فالاولى يتنصتون، والثانية يتصلحون، والثالثة يأذنون او يردون (6). ومنها ان يبدأ كل مسلم بالسلام قبل الكلام ويصافحه عند السلام، وقال علا من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجبه حتى يبدأ بالسلام (7) وقال بعضهم دخلت عليه ولم استأذن
1) الحجرات: (9). 2) من حديث ابي هريرة (ض) عن رسول الله (ع) احبكم الى الله احاسنكم اخلاقا المؤطئون اكنافا الذين يالفون ويؤلفون، وان ابغضكم الى الله تعالى المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الاخوان الاحبة المبتغون للبراء العثرات، رواه احمد من حديث اسماء بنت يزيد بسند ضعيف.
3) رواه الدارقطني في الافراد بسند ضعيف ـ وفي الصحيحين من حديث ابي موسى. (4) عن ابي ايوب الانصاري رواه ابوداود بلفظ لا يحل لرجل» ـ وفي معنى الحديث قول الرسول (ع) وما يحل لمومن ان يشتد الى أخيه بنظرة توذيه عن حمزة ابن عبيد مرسلا رواه ابن المبارك.
ه النور: (27)
-
(6) رواه الدارقطني في الافراد بسند ضعيف. . وفي الصحيحين من حديث ابي موسى والاستئذان ثلاث، فان اذن لك والا فارجع متفق عليه 7) رواه ابو نعيم. اما قوله (والسلام قبل الكلام فمن بداكم بالسؤال قبل السلام فلا تجيبوه فقد رواه ابن النجار عن عمر: وفى معناه ولا تأذنوا الا لمن يبدأ بالسلام.
224 (2/224)
صفحة 622
يده
•
فقال عليه السلام: ارجع فقل السلام عليكم وادخل (1). وقال عليه السلام «قبلة المؤمن اخاه المصافحة (2). ولا بأس بتقبيل يد المعظم في الدين تبرکا به كما فعل ابو عبيدة بن الجراح لعمر رحمهما الله صافحه وقبل ويقال مصافحة الابوين والاجداد المعانقة وتقبيل الرؤوس، ومصافحة الاخ اخاه المعانقة وتقبيل جوانب العنق، ومصافحة المرأة ولدها التقبيل بالخد، وكذلك الرجل لولده وولد غيره الذكر يقبله في الرأس، واما الانثى فلا يباشرها، ومصافحة الاخت والاخ التقبيل في العين، وعن علي قال قبلة الولد رحمة، وقبلة المرأة شهوة، وقبلة الوالدين عبادة، وقبلة الاخ اخاه زين، وتقبيل الامام عبادة، ومنها ـــ توقير الكبير في الاسلام
-
ورحمة الصغير. وقال النبيء عليه السلام وليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا (3) وقال من اجلال الله اجلال ذي الشيبة في الاسلام» (4) وقال ثلاثة لا يستخف بحقهم الا منافق: حامل العلم، وذو الشيبة في الاسلام، والامام العادل وتمام توقير المشايخ ان لا يتكلم بين ايديهم الاباذن، ـــ و. ومنها ــ ان يكون مع كافة الخلق مستبشرا طلق الوجه رفيقا. لقوله الا الله وحرمت النار على الهين اللين السهل
1) عن كلدة بن حنبل قال. بعثني صفوان بن امية الى رسول الله بلبن ولبا وصنابة اي بباه موحدة فمثناة فدخلت عليه ولم استأذن ولم اسلم فقال النبيء (علم) وارجع فقل السلام عليكم وادخل. (2) رواه الخرائطي وابن عدي من حديث انس. وقال غير محفوظ ـ وفى معناه تمام تحياتكم بينكم المصافحة رواه الخرائطي في مكارم الاخلاق، وهو عند الترمذي من وفى معناه ايضا من تمام التحية الاخذ باليده رواه
حديث ابي امامة وضعفه
الترمذي عن ابن مسعود.
-
(3) رواه ابوداود والترمذي وحسنه.
(رواه ابو داود باسناد حسن من حديث ابي موسى
الاشعري.
-
-
- YYO- (2/225)
صفحة 623
القريب (1). ومنها اذا ابتلي بذي شر ان يحامله ويتقيه. قال بعض العلماء: خالص المؤمن مخالصة، وخالق الفاجر مخالقة فان الفاجر يرضى بالخلق الحسن في الظاهر. وقال ابو الدرداء: انا لنكشر في وجوه اقوام وان قلوبنا لتلعنهم. وعن علي وابي ذر قالا: انا لنصافح ايدي نرى قطعها. وقال بعضهم. كن مع ابناء الدنيا بالادب، ومع ابناء الآخرة بالعلم
الانصاف
اذا
، ومع العارفين كيف شئت. ومنها الوفاء بالعهد لمن عاهده لقول الله تعالى واوفوا بالعهد» الآية (2). وقال لا في صفة المنافق من حدث كذب واذا اوتمن خان واذا وعد اخلف واذا خاصم فجر (3) ومنها الانصاف للناس من نفسه ولا يأتي اليهم الا بما يحب ان يؤتى اليه. لقوله لا يستكمل العبد الايمان حتى تكون فيه ثلاث خصال، من نفسه، والانفاق من الاقتار، وبذل السلام» (4). ومنها ان يزيد في توقير من تدل هيئته على علو منزلته، فلينزل الناس منازلهم، لقوله الا اذا اتاكم كريم قوم فاكرموه (ه) ويروى ان عائشة وضع طعامها فمر بها سائل فقالت ناولوه قرصا، ثم بها رجل على دابة فقالت: ادعوه الى الطعام، فقيل لها في ذلك: فقالت: ان المسكين يرضى بالقرص وقبيح بنا ان نعطي هذا الغني على هذه الهيئة قرصا، ولا بد
1) رواه الترمذي من حديث ابن مسعود، ورواه احمد بلفظ «حرم على النار كل هين لين سول قريب من الناس الاسراء (34). متفق عليـ
4) رواه الخرائطي فى مكارم الاخلاق من حديث عمار بن ياسر. والبخاري ووقفه
عليه.
—
ورواه ابن ماجة من حديث
ه) رواه الحاكم من حديث جابر وقال صحيح الاسناد ابن عمر، ورواه ابو داود في المراسيل من حديث الشعبي مرسلا بسند صحيح.
226 - (2/226)
صفحة 624
النبيء
ان تنزل الناس منازلهم. ومنها ان يصلح ذات البين بين المسلمين، لقول الله تعالى او اصلاح بين الناس (1) وقال واصلحوا ذات بينكم (2) وقال علي وأفضل الصدقة اصلاح ذات البين (3). وقال كل الكذب مكتوب الا ان يكذب الرجل في الحرب فان الحرب خديعة، أو يكذب بين اثنين فيصلح بينهما، او يكذب لامرأته ليرضيها (4) وقال: وليس بكذاب من اصلح بين اثنين (5) والله اعلم ومنها ان يستر عورات المسلمين لقوله لا من ستر على مؤمن ستر الله عليه في الدنيا والآخرة (6). ومنها ان لا يغتاب المسلم ولا يتبع عورته. لقوله عليه السلام: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الايمان في قلبه لا تغتابوا الناس ولا تتبعوا عوراتهم فانه من يتبع عورة اخيره المسلم تبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو كان في جوف بيته (7)، ومنها تشميت العاطس اذا حمد الله تعالى لقوله عليل واذا عطس احدكم فليقل الحمد لله رب العالمين، فاذا قال ذلك فليقل له من عنده
1) النساء: (114).
يرحمك الله
، وليرد عليه
2) الانفال: (1).
3) عن ابي الدرداء رواه الترمذي وابو داود بلفظ والا اخبركم بافضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا بلى. قال: اصلاح ذات البين وفساد ذات البين الحالقة وفي رواية ابي هريرة فان فساد ذات البين هي الحالقة. لا اقول: تحلق الشعر ولكن
تحلق الدين
4) رواه ابو داود عن ام كلثوم بنت عقبة ما سمعت رسول الله (ع) يرخص في شيء من الكذب الا فى ثلاث: كان يقول: ولا اعده كاذبا الرجل يصلح بين الناس يقول القول ولا يريد به الا الاصلاح، والرجل يقول في الحرب، والرجل يحدث امراته،
والمرأة تحدث زوجها
ه متفق علي
(6) رواه مسلم من حديث ابي هريرة.
عن ابي الدرداء رواه الترمذي بسناد حسن.
– 227 - (2/227)
صفحة 625
يهدكم ويصلح بالكم (1)، وقال: تشميت العاطش اذا عطس ثلاثا، وان زاد فهو زکام (2) (ومنها ان ينصر اخاه المسلم ويصون عرضه وماله ونفسه، لقوله الا اللهم انصر اخاك ظالما او مظلوما. قيل: كيف تنصره ظالما؟ قال: تكفه عن الظلم (3) وقال ما من مسلم يرد عن عرض اخيه الا كان حقا على الله ان يرد عنه نار جهنم وفي بعض الروايات كان حجابا من النار (4) وفي بعضها من حمى عرض اخيه المسلم في الدنيا بعث الله ملكا يحميه يوم القيامة» (5) قال ومن ذكر عند واخوه المسلم وهو يستطيع نصره فلم يفعل الا ادركه الله تعالى بها في الدنيا والآخرة (6)، ومنها النصيحة لكل مسلم والجهد في ادخال السرور عليه. لقوله علي الله الدين النصيحة (7) وقال من احب الاعمال الى الله ادخال السرور على المؤمن: ان يفرج عنه غم، او يقضي عنه دين، او يطعم من جوع (8)،
1) متفق عليه
(2) رواه ابوداود من حديث ابي هريرة بلفظ سمت اخاك ثلاثا فان زاد فهو زكام. ومثله وشمتوا المسلم اذا عطس ثلاثا فان زاد فهو زكام
(3) متفق عليه من حديث انس. (4) عن ابي الدرداء رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
الله
ه) وفى معناه الحديث المتقدم ما من مسلم يرد عن عرض اخيه الا كان حقا على ا ان يرد عنه نار جهنم. (6) رواه ابن ابي الذنيا عن انس بلفظ من اغتيب عنده اخوه المسلم فلم ينصره وهو يستطيع نصره اذله الله في الدنيا والآخرة.
(7) عن ابي رقية تميم بن اوس الداري رواه مسلم. وتمام الحديث وقلنا لمن قال الله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم
روي بطرق والفاظ مختلفة، ورواه ابو الشيخ من حديث ابن عمر ولفظه: احب الاعمال الى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم او تكشف عنه كربته او تطرد عنه جزعا او تقضي عنه ديناه
- YYA- (2/228)
صفحة 626
وقال من قضى حاجة لاخيه المسلم فكأنما
خدم
الله عمره (1). وقال
له
امن مشى في حاجة اخيه ساعة من ليل او نهار، قضاها او لم يقضها من اعتکاف شهرين (2). ومنها ان يعود مرضى المسلمين، لقوله الله من عاد مريضا قعد في مخارف الجنة حتى اذا قام وكل به سبعون الف ملك يستغفرون له الى الليل (3) واداب العائد. خفة الجلسة، وقلة السؤال، واظهار الرقة، والدعاء له بالعافية، وغض البصر عن عورات الموضع، وقال علي تمام عيادة المريض ان يضع احدكم يده على جبهته او على يده ويسأله كيف هو. قال: وتمام تحيتكم المصافحة (4) والله اعلم. ومنها ان يشيع جنائزهم. لقوله عليه السلام من شيع جنازة فله قيراط وان قام حتى يدفن فله قيراطان (5) وفي الخبز القيراط مثل جبل احد. ومنها ان يزور قبورهم والمقصود في ذلك الدعاء والاعتبار ورقة القلب. لقوله عليه السلام ما رأيت منظرا الا والقبر افظع منه (6). ومنها ان يعزيهم على موتاهم والتعزية سنة. فهذه جملة من
•
1) رواه البخاري في التاريخ والطبراني والخرائطي في مكارم الاخلاق من حديث انس
بسند ضعيف مرسلا
2) رواه الحاكم وصححه من حديث ابن عباس بلفظ الان يمشي احدكم مع اخيه في قضاء حاجته ـ وأشار باصبعه - افضل من ان يعتكف في مسجدي هذا شهرين ـ وفى معناه من مشى في حاجة أخيه كان خيرا من اعتکاف عشر سنين عن انس
—
رواه ابن ابي الدنيا، وكلاهما ضعيف
(3) را وه اصحاب السنن والحاكم من حذيث علي بلفظ مختلف.
(4) عن ابي امامه
ه متفق عليه من ابي هريرة بلفظ من شهد بدل شيعه وقام وتمامه: قيل وما
القيراطان؟ قيل مثل الجبلين العظيمين
(6) رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم من حديث عثمان. وقال صحيح.
الاسناد. وقال
الترمذي حسن غريب
– 229 - (2/229)
صفحة 627
رضي
حقوق الاسلام مع ما قدمنا من سائرها في هذا الكتاب. والخلة الجامعة لهذا الادب ان لا يستصغر احدا من المسلمين، ولا ينظر الى اهل الدنيا بعين التعظيم لدنياهم، ولا يسيء الظن باحد من اهل الاسلام، وهذا الذي قدمنا كله في اهل الولاية والوفاق، لا فى اهل النفاق واهل الخلاف والشقاق. ما خلا اداب المعاشرة فانها عامة لجميع الناس لقوله تعالى وقولوا للناس حسنا (1) وبالله التوفيق. وقالت عائشة الله عنها مكارم الاخلاق عشرة تكون في الرجل ولا تكون في ابيه، وتكون في الابن ولا تكون في الاب. وتكون في العبد ولا تكون في سيده. يقسمها الله تعالى لمن اراد به السعادة وهي: صدق الحديث، وصدق الباس، واعطاء السائل، والمكافأة بالصنائع لعل على الصنائع، وصلة الرحم، وحفظ الامانة، والتذمم للجار والتذمم للصاحب، واقراء الضيف، ورأسهن الحياء (2) والله اعلم.
الفصل التاسع
في حقوق المسجد والمجلس
قال الله تعالى وانما مساجد الله آمن بالله واليوم الآخر»
يعمر
من
الآية (3) وقال النبيء الا الله من بنى مسجدا لله ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له قصرا في الجنة (4) وقال لا يأتي في آخر الزمان ناس من امتي
1) البق ـرة: (83).
(2) رواه الحكيم عن السيدة عائشة
) التوبة: (18)
(4) رواية ابن ماجة جاءت بحذف: ولو مثل مفحص قطاة» و «بيتا» بدل «قصرا» من
حديث جابر بسند صحيح. وابن حيان من حديث ابي ذر، وهو متفق عليه من حديث عثمان دون قوله ولو مثل مفحص القطاة
-
230 - (2/230)
صفحة 628
الله
يأتون المساجد ويقعدون فيها حلقا حلقا ذكرهم الدنيا فلا تجالسوهم فليس بهم من حاجة) (1) وفي هذا اثار كثيرة وقال عليه السلام امرت ابني المساجد جماء والقصور شرفاء (2). وقال عليه السلام طهرت المساجد من خمسة ان تقام فيها الحدود، وان تتخذ طريقا، او ينشد فيها بالضالة، او ان تتخذ سوقا للبيع والشراء (3)، وقال ابن عباس: لابأس بانشاد الضالة على ابواب المساجد لانها مجمع الناس وجملة حقوق المسجد على اهله ان يتخذوا له مؤذناً أمينا محافظا لاوقات الصلاة. ويصلوا فيه بالجماعه، ولا يصلوا فرادى صلاة فريضة، ولا تصلى فيه الفريضة بجماعة مرة بعد مرة في يوم واحد، ويوقد فيه المصابيح في اطراف الليل ويحفظ ضيفه، ويكرم بالطهارة ومجانبة الصبيان، بذكر ويعمر احداث المضرة والانجاس فيه وفي حريمه ثمانية
وتلاوة القرآن
، ويمنع من
الله تعالى
عشر ذراعا، وقيل: حريمه اربعون ذراعا والله اعلم، واما فضيلة مجلس الذكر فقد قال رسول الله الله فيما روي عنه المجلس الصالح يكفر عن المؤمن الفي الف مجلس من مجالس السوء (4) وعنه علا قال ما جلس قوم يذكرون الله الا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده (5) وعنه عل الله قال حضور مجلس العلم افضل من حضور الف جنازة اذا كان من يقوم بها، وافضل من الف ركعة، وصيام الف يوم
1) رواه مسلم واحمد وابوداود والنسائي بزيادة والتناظر في امورها، بعد ذكرهم الدنيا. (2) رواه مسلم والترمذي والنسائي وابوداود. 3) رواه الخمسة بزيادة في آخره ومن فعل ذلك فلينهوه ــ ويخرجوه، وان لم ينته عن
ذلك فليضربوه
(4) رواه صاحب الفردوس من حديث ابن وداعة وهو مرسل. ه من حديث ابي هريرة رواه مسلم مع بعض اختلاف في اللفظ
- 231 - (2/231)
صفحة 629
وصدقة الف درهم، ومن الف حجة غير الفريضة، ومن الف غزوة سوى الواجبة (1) لان الله يطاع بالعلم ويعبد بالعلم فخير الدنيا والاخرة مع العلم، وشر الدنيا، والاخرة مع الجهل، فقال رجل: قراءة القرآن يا رسول الله؟ فقال: ويحك ما قراءة القرآن بغير علم: «اما بلغك ان السنة تقضي على القرآن والقرآن لا يقضي على السنة» (2) والاخبار في هذا
لأن
كثيرة. وحق المجلس تدوير الحلقة في اول القعود، وسد الخلل الشيطان يفرح بالفرجة اذا كانت فيه. ويتكلم الكبير وينصت اليه
الجميع.، ويقول القاعد في اول قعوده فيه: اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله، اشهد ان الدين كما شرع، وان الاسلام كما وصف، وان الكتاب كما انزل، وان القول كما حدث. وان الحق المبين. ذكر الله محمداً بخير وصلى عليه وحياه بالسلام.
الله
هو
فان اراد قراءة القرآن فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وليقل: رب إني اعوذ بك من همزات الشياطين وسلام على المرسلين والحمد الله رب العالمين. وليأخذوا في قراءة الفاتحة ثم يقرعون ماشاءوا، وعليهم السكينة والوقار، وليتفهموا معانيه. قال الله تعالى ليدبروا آياته (3) الآية، ولا يتكلمون فيه بكلام الدنيا ورخص في السؤال عن المطر، وقدوم المسافر.، ورخص الاسعار، وولادة الصبي، والله اعلم. وان ارادوا
•
1) من حديث وافضل العلم العلم بالله عز وجل بلفظ يختلف ذكره ابن الجوزي في الموضوعات من حديث عمر ولم اجده من طريق ابي ذر، وذكره السيوطي في اللآلي المصنوعة من الاحاديث الموضوعة.
(2) رواه ابن ماجة والدارقطني والبيهقي وابوداود وزاد في آخره تغزوها في سبيل الله
بنفسك ومالك
232
•
3) ص: (29). (2/232)
صفحة 630
فانما
الأكل او قراءة بطاقة، او امراً يتفقون عليه فليقطعوا القراءة بالدعاء. ولا بأس بالأكل اليسير فيه، واشتمال الثوب فيه، وكلام الاخرة، واشباه ذلك. ولا ينبغي ان يقوم احد لغيره في المجلس. قال الله سبحانه واذا قيل لكم تفسحوا في المجلس فافسحوا يفسح الله لكم (1). وقال النبيء عليه السلام: «اذا اخذ القوم مجالسهم فان دعا رجل اخاه فأوسع لا له فليأته امة اكرم بها اخوه، وإن لم يوسع له فلينظر الى اوسع مكان كرامة | هو يجده فليجلس فيه (2). واذا اراد الانسان ان يقوم من المجلس فليقل: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا انت استغفرك واتوب اليك. اللهم اغفر لي ذنوبي وتب علي (3). فمن قالها اذا قام من مجلسه فهي كفارة للغو اذا كان منه في المجلس. روي هذا عن النبيء علا الله وقال بعض الصحابة: من اراد ان يكتال بالمكيال الأوفى فليقل كلما قال من المجلس «سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب
العالمين». والله اعلم
الفصل العاشر
في حقوق الجمعة
ويقال ان الله تعالى اذا احب عبدا استعمله في الاوقات الفاضلة بفواضل الاعمال، واذا مقته استعمله فيها بسيء الاعمال ليكون اوجع في عقابه
(1) المجادلة: (11).
(2) رواه البغوي في معجم الصحابة من حديث ابن شيبة ورجاله ثقات.) رواه الترمذي من حديث ابي هريرة، وقال حسن صحيح بزيادة والا غفر لك ما كان في مجلسك ذلك وبدون قوله آخر الحديث اللهم اغفر لي ذنوبي وتب عليه.
- 233 - (2/233)
صفحة 631
واشد لمقته بحرمانه بركة الوقت وانتهاكه حرمته. وحقوق الايام كلها ان
لا
يعصى
الله
تعالى فيها من ترك حق، ولا ارتكاب محرم. ويقال: من حقوق الجمعة ان يبيت المرء ليلتها على الصيام لأنه قيل: صامه فكانما من صام خمسين الف سنة. ويقال: من صام اربعين جمعة متواليات غفرت ذنوبه، ولا يوافق ذلك الا المسلم. ويستحب الاكثار من القراءة في ليلة الجمعة. وخصوصا سورة الكهف. وقد روي عن ابن عباس وابي هريرة انهما رويا في ذلك. ان من قرأها ليلة الجمعة ويومها اعطي نورا من حيث يقراها الى مكة، وغفر له الى الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة ايام، وصلى عليه سبعون الف ملك حتى يصبح. وعوفي من البرص والجذام وذات الجنب وفتنة الدجال (1)، ويقال إن النبيء عليه السلام «كان يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة بقل يا أيها الكافرون وقل هو الله احد، وفي العشاء بسورة الجمعة وسورة المنافقون وقال «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه ادخل الجنة، وفيه اهبط الى الارض، وفيه تقوم الساعة (2)، ومن حقوق الجمعة الاغتسال فيه،
(1) هنا ثلاثة احاديث لا حديث واحد - الاول: عن ابي سعيد الخدري (ض) ان النبيء (ع) قال من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة اضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق، رواه الدارمي موقوفا - الثانى من قرأ سورة الكهف في الجمعة اضاءله يوم من النور ما بين الجمعتين) رواه النسائي والبيهقي موقوعا ـ الثالث: «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدميه الى عنان السماء يضيء له يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين رواه ابو بكر بن مردويه فى تفسيره باسناد لاباس به عن ابن عمر. 2) رواه احمد عن ابي هريرة بلفظ وخير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة: فيه خلق آدم وفيه اهبط من الجنة وفيه تيب عليه وفيه قبض وفيه تقوم الساعة وما على وجه الارض من دابة الا وهي تصبح يوم الجمعة مصيخة حتى تطلع الشمس شفقة. الساعة الا ابن آدم، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مؤمن في الصلاة يسأل الله شيئا
الا اعطاه الله اياه.
من
- 234 (2/234)
صفحة 632
والركوع فيه وقت الضحى، وزيارة الاخوان في الله، والارحام، والصدقة فيه لانها تضاعف فيه على غيره من الايام، وتنظيف الجسد فيه بالقاء التفث من العشر الخصال التي هي من فطرة الانسان، وهي: حلق
وحلق
شعر الرأس للرجال ونتف الابط، وقص الشارب وتقليم الاظفار، العانة والاختتان، والمضمضة والاستنشاق، والاستنجاء والسواك:
والسنة في تقليم الاظفار وحلق العانة ونتف الابط ان تنظف بالقاء شعرها في كل أربعين يوما مرة، روي ذلك عن رسول الله الا الله انه يامر اصحابه بذلك، ولم يبلغنا انه امر احدا باعادة الصلاة بذلك. ويقال من حق الجمعة دخول الماء، وحضور المجلس، وقراءة قل هو الله احد فيما بين الظهر والعصر مائة مرة، وقد يقال اثنتا عشرة مائة مرة بين الفجر وطلوع الشمس، ويقال من قرأها مائة مرة فقد جعل للجمعة حقا لا يجعله الا
•
الملائكة والله اعلم مسألة: في حق الطريق، وفي الحديث عن رسول الله لا قال ملعون من آذى المسلمين في طرقاتهم (1) وقال عليه السلام اياكم والقعود على الطرقات: فان كان ولابد فاعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق؟ قال غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام. وامر بمعروف، ونهي عن منكر، وذكر الله تعالى (2). ومن حقوق الطريق كما سبق في الحديث غض البصر، وارشاد الضال، وهداية الاعمى، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونصرة المظلوم، واغاثة الملهوف، وعون الضعيف،
1) رواه الربيع بلفظ «طريقهم» وتمامه ملعون من اتى بهيمة – واخرج الطبراني عن حذيفة ان النبي (ع) قال من آذى المسلمين في طريقهم وجبت عليه لعنتهم.
(2) عن ابي سعيد الخدري رواه ابوداود. (2/235)
صفحة 633
واعضاء السائل، وان لا تحدث فيه مضرة من اهراق ماء ووضع تراب، او حجارة، او شوك، او تضييقه بالبنيان، اوربط الدواب فيه بحيث يضيق على المارة، أو ما أشبه ذلك، لان الطريق مشتركة المنافع بين الناس والله اعلم. مسألة: في حق البهائم. قال الله تعالى وجعل لكم من والانعام ما تركبون الآية (1). وفي الحديث عن النبيء عليه السلام وانه نهى ان تتخذ ظهور الدواب كراسي (2) يعني ان ينام عليها. وفي الحديث ان امرأة عذبت في هرة ربطتها حتى ماتت جوعا، وقيل لها: لا انت اطعمتها ولا انت ارسلتها تأكل من خشاس الارض (3). ومن حق الدابة
الفلك
على صاحبها ان يرفق بها ويحسن علفها وسقيها ويعرضها على الماء اذا عليه، ولا يحملها ما لا تطيق، ويلين ذات رحلها من برذعة، او حوية، او اكاف وما اشبه ذلك، ولا يضرب وجهها؛ لأنه قيل من آذى البهيمة بضرب او حمل ما لا تطيق طولب بذلك في القيامة» لأنه قيل في كل كبد رطب اجره. وقد روي ان ابا الدرداء قال لبعير له عند الموت. ايها البعير لا تخاصمنى عند ربك فاني لم احملك فوق طاقتك. والله اعلم.
1) الزخرف: (12).
(2) رواه احمد من حديث سهل بن معاذ بسند ضعيف ورواه الحاكم وصححه من رواية
معاذ
بن انيس عن ابيه - ولفظ الحديث اركبوا هذه الدواب ولا تتخذوها كراسي لاحاديثكم في الطرق والاسواق، فرب مركوبة خير من راكبها واكثر ذكر الله منه وفى معناه قوله (ع) واياكم ان تتخذوا ظهور دوابكم منابر فانما سخرها الله لكم لتبلغكم الى بلد لم تكونوا بالغيه الا بشق الانفس
) رواه البخاري ومسلم عن ابي هريرة بلفظ: دخلت امرأة النار في مرة ربطتها فلم تطعمها، ولم تدعها تاكل من خشاش الارض حتى
مانت
- 236 - (2/236)
صفحة 634
الباب الثاني
في المظالم
قال الله تعالى الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق اولئك
لهم عذاب اليم» (1) فاجمل الظلم في الاموال والاعراض والحقوق وغيرها، ظلمات القيامة (2)، وقد قال الله
يوم
تعالى
وقال النبيء الظلم وقد خاب من حمل ظلما (3). والكلام في المظالم ينحصر في اربعة
فصول، الفصل الاول في مظالم الاموال. والثاني) في مظالم الابدان.
والثالث في مظالم الفروج. والرابع في مظالم الاعراض.
الفصل الاول
في مظالم الاموال
اما مظالم الاموال فهي على اربعة اقسام.
1) الشورى: (42)
2) اخرجه مسلم عن جابر ولفظ الحديث واتقوا الظلم فان الظلم ظلمات يوم القيامة،
واتقوا الشح فانه اهلك
من
كان قبلكم.
(3
ط
ـــه: (111).
– 237 - (2/237)
صفحة 635
القسم الاول
فيما يلزم الانسان من وجوه الغصب والتعدي
في مال غيره بنفسه وبماله او بواسطة اطفاله بامره
فهذا يلزمه فيه الغرم والنكال في الدنيا مع الاثم والعذاب في
الآخرة (1).
القسم الثاني
ما يلزمه من قبل الخطأ والنسيان
فهذا يلزمه فيه الغرم دون الاثم.
القسم
الثالث
ما جاء من قبل ماله
وهو على وجهين ذي روح كالعبيد والبهائم فجناية العبيد بغير امره
في رقابهم ولا اثم على السيد الا تسليم القيمة في العبيد فقط. وهذا في التعدية. واما المعاملات فالمأذون له في التجارة من عبيده يلزمه جميع ما اقر به على نفسه، او قامت عليه البينة، والمسرح من عبيده يلزمه قيمته من غير ان يخرج من ملكه، واما المحجور عليه من عبيده فعلى مولاه قيمته
ملکه
مع احياء صاحب الحق دعوته (2).
ما بعوض اذا خرج من
(1) وفي نسخة والعار» بدل العذاب)
العبد الماذون له هو الذي سوغ له سيده في كل ما يدخل في التجارة كالمعاوضة =
•
- 238 - (2/238)
صفحة 636
واما البهائم فانه ان ضيع لزمه الضمان قليلا كان او كثيرا. وقيل مقدار الرقاب. وان لم يضيع فلا ضمان عليه اذا اوثقها بما يوثق به مثلها فانفلئت ولم يقدر عليها. والوجه الاخر ما جاء من قبل ماله مما ليس له روح كالجدار المعوج والنخلة المائلة ونحوهما: اذا تركه بعد التقدم إليه لزمه الضمان، وان لم يتقدم اليه في صرفه فلا ضمان عليه في الحكم ويلزمه فيما بينه وبين الله ان علم به
•
القسم الرابع
فيما يلزمه فيما بينه وبين الله دون الحكم
وهو ما غسقه بعينه (1) او مثله بلسانه، او كيفه بقلبه من الاموال والانفس فأصيب: فاختلف في ذلك. وقيل لا ضمان عليه ان اصيب الا فيما دون اربعين يوما. وقيل سبعة. وقيل ثلاثة. وقيل ان صلى على النبيء علل فلا شيء عليه. وهذا امر لا تدرك حقيقة الضمان فيه الا انه روي في الخبر وان العين حق لا تزال بالرجل حتى تورده القبر، وبالجمل حتى تورده القدر (2) والله اعلم وتنقسم التباعات التي يلتزم بها العبد في المعاد على عشرة اوجه.
فهو على ذلك كالوكيل المفوض اليه - والمسرح هو الذي اذن له مولاه بالخدمة ببطنه او ان يكتسب بلامعاملة الناس - والمحجور عليه: هو من لم ياذن له مولاه بالتجر سواء قال له لا نتجرام لم بقل له ذلك لانه محجور بحكم الشرع ما لم ياذن له. 1) المراد الاصابة بالعين وفي بعض النسخ «عشقه بالعين المهملة والشين المعجمة. (2) تفرد به شعيب، اما العين حق بدون زيادة فمتفق عليه. قال المحشي حكاية عن العلقمي قال واما ما يتعلق بعلم الفقه فان الشرع ورد بالوضوء في هذا الامر في حديث سهل بن حنيف اما اصيب بالعين عند اغتساله فامر النبيء (ع. م) عاينه ان يتوضا رواه مالك في الموطاً. اهـ.
- 239 (2/239)
صفحة 637
الوجه الاول: ما يلزمه من حقوق الله تعالى التي يتعلق بها حق الغير،
وذلك كالزكاة، والكفارات من الظهار، والمغلظات، وكفارات الايمان، والنذور الواجبات، وتضييع نفقات الازواج، والعبيد والاولاد وجميع من وجبت عليه نفقته من الاباء والاولياء وما ينفسد (1) على يده من اموال الغياب واليتامى اذا كان لهم خليفة، وتنجية الانفس من الجوع والعطش واسباب الهلاك وما يتعلق بذمته من قبل العدات والهبات اذا لم يوف بها، وما يجري على يديه من اموال الوصايا والمساجد والاوقاف على المساكين والفقراء، وما دخل يده من اموال القراض واللقط والامانات واشباه ذلك فهذا كله تباعات وفرائض لا يؤاخذ بها فى ظاهر الاحكام ماخلا الوصايا والقراض والامانات فانه يؤاخذ بها ان ثبت شيء من ذلك عليه. وما سواها يلزمه اصلاح ذلك فيما بينه وبين الله. والاداء الى كل ذي حق حقه، فان تاب ولم يرد ذلك تسويفا او جهلا حتى مات فهو مأخوذ بها في الآخرة.
الوجه الثاني: ما يلزمه في الحكم الظاهر بشهود الزور وحكومة الباطل وما ينوبه من قبل الخفارات والدلالات وما يجري على العواقل من الغرامات والديات واشباه ذلك، فان اخذ بهذا غرم وان عوفي سلم في الدنيا
والآخرة.
الوجه الثالث: ما يدخل يده من قبل المعاملة المحظورة في الشرع مثل بيع الربا والانفساخ والغرر والغلط وغيرها من البيوع المنهي عنها في الشرع، فهذا كله يلزمه فيه رد الثمن على كل حال ولا تنفع المحاللة في
(1) الصواب فسد ولا يقال انفسد
- Y?. (2/240)
صفحة 638
الربا والانفساخ والغلط، قال الله تعالى فان تبتم فلكم رؤوس اموالكم
الآية (1).
الوجه الرابع: ما يدخل يده من قبل الوجوه المنهي عنها في الشرع وذلك مثل اجرة المكيال والميزان ان لم يعمل بهما صاحبهما، واجرة الفحول والمغنيات والباكيات والنائحات، واصناف الملاهي وانواعها من الدفوف، والمزامير، والقمار، وحلوان الكامن، واثمان الكلاب غير المعلمة، والقردة والخمور، والخنازير، والميتة، والدم، واجرة الساحر واجرة صور الثماثيل، واشباه ذلك.
الوجه الخامس: ما يدخل يده على المداراة من اصحابه مثل مصانعة الجبابرة، والحكام الجائرة، وهدية الشفاعة، ومصانعة الشعراء لئلا يهجوه وجميع ما يعطى له مخافة شره.
الوجه السادس: ما دخل يده من الاجارات على الفرائض التي يتعلق عملها باللسان مثل الرشوة في الحكم، والاجارة على اداء الشهادة او تعليم العلم، او الاجارة على اداء الصلاة بالامامة. واختلفوا في الاذان. واما ما يتعلق عملها من الفرائض بالبدن فلا باس بأخذ الاجرة فيه. وذلك
1) البقر: (279). قال الامام نور الدين السالمي رحمه الله في كتابه «العقد الثمين ما نصه المحاللة في الربا اذا تابا فلان الحق يصير لمن له الباقي فان شاء اخذ وان شاء احل منه صاحبه رفقا به اذا راى منه اخلاصا. يدل على ذلك قوله تعالى وان كان ذو عسرة فنظرة الى ميسرة وان تصدقوا خير لكم ان كنتم تعلمون، فان في اولها الامر بالانظار له ان اعسر، وفي آخرها حث على التصدق عليه بذلك، ففيها ما بشبه التمريح بجواز المحاللة من الربا - ومن منع تعلق بقوله تعالى وان تبتم فلكم رؤوس اموالكم لا تظلمون ولا تظلمون قلنا لهم رؤوس اموالهم ان لم يصدقوا بها عليهم، اهـ مصححه فان تصدقوا بها فهو خير لكم ان كنتم تعلمون والله اعلم. اهـ.
- YEI- (2/241)
صفحة 639
كالحج عن الغير، وانفاذ الوصايا، وحفر القبور، واجرة القوابل واشباه ذلك. واختلفوا في اجرة قسم المواريث وكاتب الحروز والراقي واشباه
ذلك (1)
•
استثناء
عليها
كلمة مجملة حول اخذ الاجرة على الطاعة
1) اجمع علماء الاسلام على أن اخذ الاجرة على الطاعة حرام. لقوله (ع): «اقرأوا القرآن ولا تاكلوا به، ولامر رسول الله (ع) عثمان بن ابي العاص الثقفي قائلا واتخذ مؤذنا لا ياخذ على الاذان اجراء رواه اصحاب السنن والحاكم وصححه. واختلفوا هل يستثني من هذه القاعدة العامة جزئيات منها توجبها مصلحة الاسلام ويترتب على منعها اضاعة القرآن الكريم والشرع الشريف بانقراض حملته كتعليم القرآن وتعليم العلوم الشرعية من حديث وفقه والقضاء والشهادة والاذان والامامة والرقيا والنيابة في الحج -؟ فالحنابلة وعلى الاخص الامام احمد وابو حنيفة على ان لا من القاعدة العامة، ذلك بان الطاعة لا تقع الاقربة لفاعله ويحرم اخذ الاجرة، بيد انهم يجوزون ما يجرى عليهم من رزق من بيت المال او وقف على عمل يتعدى نفعه لانه اعانة على الطاعة، ولا يخرجه ذلك عن كونه قربة ولا يقدح في الاخلاص بل يؤجر فوق ذلك اذا ما نصح. والا ما استحقت الغنائم وسلب القاتل. اما المالكية والشافعية وابن حزم: فقد اجازوا الاجارة على تعليم القرآن وعلى تعليم العلم مشاهرة وجملة وعلى الرقى ونسخ المصاحف وكتب العلم لانه لم يات في النهي ذلك، نص، بل قد جاءت الاباحة كما ورد ان نفرا من اصحاب رسول الله (ع) مروا بماء فيه لذي او سليم فعرض لهم رجل من اهل الماء فقال: هل فيكم من راق؟ فان في الماء رجلا لذيغا او سليما، فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء «شياه فجاء بالشاء الى اصحابه فكرهوا ذلك فقالوا: اخذت على كتاب الله اجرا حتى المدينة فقالوا: يا رسول الله اخذ على كتاب الله اجرا، فقال رسول الله وان احق ما اخذتم عليه اجرا كتاب الله!!!) عن ابن عباس رواه البخاري. قال مالك كما يجوز اخذ الاجرة على تعليم القرآن يجوز اخذ الاجرة على الحج والاذان، اما الامامة فانه لا تجوز الاجرة عليها، ان افردها وحدها، فان جمعها مع الاذان جازت الاجرة وكانت على الاذان والقيام بالمسجد لا على الصلاة. وقال الشافعي: تجوز الاجرة على الحج ولا تجوز على الامامة فى صلاة الفرائض هذا وقد استثنى متاخر والفقهاء بله المعاصرين من | اساتذة الشريعة الاسلامية في بعض العواصم
عن
الاسلامية من
القاعدة العامة تعليم القرآن والعلوم الشرعية والامامة والاذان
=
ـ 242 ـ (2/242)
صفحة 640
الوجه السابع: ما دخل يده من الحقوق التي لا يستحقها مثل اخذ الزكاة والكفارات او انتسب الى غير نسبه، او ادعى انه مكاتب، او ادعى انه فقير وهو غني، او اعطي له بظاهر الديانة وهو يبطن خلافها
مما لو ظهر للمعطي لمنعه ذلك، فهذا كله تباعات.
=
فاجازوا اخذ الاجرة على ذلك للضرورة ولم يجيزوه على قراءة القرآن، اجازوا ذلك استحسانا بعد ان انقطعت الصلات والعطايا التي كانت تجري على هؤلاء المعلمين في الصدر الاول من الموسرين وبيت المال دفعا للحرج والمشقة لانهم يحتاجون الى ما به قوام حياتهم هم ومن يمونونهم، وفى اشتغالهم بالحصول عليه من الزراعة او التجارة او الصناعة اضاعة القرآن الكريم والشرع الشريف بانقراض حملته فجاز اعطاؤهم اجرا على هذا التعليم. اما اصحابنا فبعد ان اقروا القاعدة العامة «حرمة اخذ الاجرة على الطاعات استثنوا منها للمصلحة استحسانا تعليم القرآن والعلوم والرقيا والنيابة في الحج فاجازوا اخذ الاجرة على ذلك، وبالعكس منعوا اخذ الاجرة على الاذان والامامة، ولم يعتبروا من الاجرة المحرمة ما يجري على الائمة والمؤذنين من بيت المال او من اوقاف المحسنين، بل ذلك الاعانة الطاعة، كما منعوا اخذ الاجرة على اداء الشهادة، كما نص المصنف على ذلك. والحق انه لا فرق بين تحمل الشهادة وبين اداءها متى تعينت وخيف ان يترتب على كتمانها ضياع الحق،
-
من
-
وانما نص على الاداء دون التحمل لان الاداء فرض عين على من تحملها ـ سواء دعي اليها او لم يدع متى خيف ضياع الحق. اللهم الا اذا. لاقامتها وراء دعي الفرسخين ولم يتحملها على اقامتها وراءهما، واذا تحملها فابي من اداءها حيث يجب عليه الاداء فضاع المال او النفس بعدم ادائه ضمنه، واذا اقام الشهادة ثم احتاج صاحبها الى اعادة اقامتها فله طلب الاجرة على ذلك لزوال الفرض عنه بالاقامة الاولى ان لم يكن القصور والتقصير منه في اقامته الاولى، والا فلا ياخذ الاجرة على اعادتها ما لم يؤدها كما تحملها. وبعد فان تقسيم المصنف الطاعات الى قولية يحرم اخذ الاجرة عليها، والى فعلية يجوز اخذ الاجرة عليها لا يكون مطردا لانا نجد من الطاعات القولية ما يجوز اخذ الاجرة عليها ونجد من الفعلية ما لا يجوز اخذ الاجرة عليه فكان الأولى اعتبار القاعدة العامة وضبط ما استثني من جزئياتها، لذلك بسطت القول نوعا عن هذه المسألة التي كثر فيها الخوض منذ القديم ولا يزال عساي ارفع بذلك بعض الحيرة عن الباحثين وراء القول الفصل في الموضوع والله اعلم ومنه نستمد التوفيق.
اهـ مصححه
- 243 - (2/243)
صفحة 641
الوجه الثامن: ما دخل يده من قبل الاحتيال والمكر لغيره، اما من
سلعة غش في بيعها، او مدحها بما ليس فيها، او ذم سلعة حتى يشتريها بدون قيمتها، او خان امانة في يده، او مال يتيم، او غائب، او ما اشبه
ذلك.
الوجه التاسع: ما دخل يده من جهة اصحاب الحرام والريبات، فأكله، او اتلفه، او استعمل الاحرار بالكراهية، او بالمطاوعة ثم منعهم اجارتهم، واشباه ذلك، فهذا كله تبعات يلزم الانسان التخلص منها في الحياة الى اربابها ان عرفهم، والا فليوص بها ثم يخرج من متروكاته (1) والله اعلم.
جملة
الوجه العاشر: اختلفوا فيه، وهو ما دخل يده واكله بالدلالة من اموال الاقرباء، والاصدقاء. قال بعضهم الاكل بالدلالة جائز بشرط لو صادفك صاحبك، او قريبك، او صديقك فى اكل ماله لم تحتشم منه. وقال آخرون لا تجوز لعموم قوله تعالى «لاتاكلوا اموالكم بينكم بالباطل (2) الاية، وقالوا الدلالة سبب واه في الاموال، وهي اشبه شيء بالسرقة والله اعلم واحكم.
1) والا فليتصدق بها على الفقراء، على ان بعضا من تلك التبعات تعطي توا للفقراء ولو
عرف اصحابنا كحلوان الكاهن واجرة الساحر والزانية مثلا وما ربحه من القمار
النساء: (29).
- YEE-
اهـ مصححه (2/244)
صفحة 642
الفصل الثاني في مظالم الابدان
اعلم ان الجناية في الابدان تسمى قتلا، وجراحا، وهي على ثلاثة اوجه عمد متفق عليه، وشبه عمد مختلف في الحكم فيه. وخطأ محض متفق على حكمه، اما العمد فقد اتفقوا على ايجاب القتل فيه. وهو على
وجوه. وحده ان تخرج الرمية عمدا من يد عاقل مكلف نافذ الاحكام
على شخص معروف يتكافاً
قتله
دمه
دم
القتال من كل الوجوه مما لا يحل له
تفسير هذا التقييد
اما قولنا ان تخرج الرمية من يده عمدا لان الأمر بقتل انسان لا يقتل به، وانما عليه الدية اذا كان المأمور طفلا او عبدا او بهيمة لغيره. وهذا اذا لم يكن الآمر سلطانا للمامور ومالكا لاحكامه او مطاعا عند امره لان السلطان يقتل بمن قتله الرعية بامره (1). والمولى يقتل بمن قتله عبده بامره او قتلته بهيمته باغرائه. والمعلم يقتل بمن قتله الصبيان بامره،، وهذا كله في بعض الاقوال يقتلون ايالة وسياسة. وقولنا من يد عاقل نافذ الاحكام لان الطفل والمجنون لا يقتلان بمن قتلاه، وانما عليهم فيه دية الخطأ تؤديها القاتل من كل الوجوه. اي يتساوى، لان
العاقلة. وقولنا يتكافاً
دمه
دم
الحر لا يقتل بالعبد، ولا المسلم يقتل بالمشرك حرا كان المسلم او عبدا، لكن عليه الدية اذا كان القتال حراً وعلى مولى العبد القاتل قيمته ان
1) وفى نسخة لان السلطان يقتل من قتله الرعية بامره والاولى اظهر.
245 ـ (2/245)
صفحة 643
كان المشرك المقتول معاهدا كتابيا كان، او مجوسيا، او وثنيا، فالكتابي ديته ثلث دية المسلم، والمجوسي ثمانمائة درهم نقرة. والوثني ستمائة، والمرأة منهم على النصف في جميع ذلك. وقولنا من كل الوجوه لان الرجل لا يقتل بالمرأة في قول بعضهم حتى يؤدي اولياؤها نصف الدية. وقال اخرون يقتل من غير اداء شيء، واما ان قتلها فتكا فانه يقتل بها من غير رد شيء، كان القاتل لها واحدا او اكثر كما فعل عمر رحمه الله، قتل ثلاثة رجال بامرأة اشتركوا في قتلها فقال لو تمالاً عليها اهل صنعاء لقتلتهم، واما العبد فديته ثمنه وجراحاته على قدر ثمنه. وكل ما هو نصف في دية الحر فهو في العبد نصف ثمنه، وكذلك الى اقل قليل او اكثر كثير. ولا يقتل عبد بعبد هو افضل منه قيمة حتى يدي صاحبه فضل ما بينهما. وقولنا مما لا يحل قتله احترازا من المرتد والباغي والمشرك المحارب لانه لا يقتل بهم. وكذلك الامام في الجناية «الجناة»، والزاني المحصن، والزنديق واشباههم، فقتل العمد على وجوه احدها ما قدمناه. فولي المقتول مخير في القاتل بين القتل والعفو واخذ الدية. فالدية في قضاء الرسول الله والخلفاء من بعده مائة من «الابل وفي اثر اصحابنا قيمة كل ناقة اربعة دنانير. وجملة ذلك اربعمائة دينار ذهبا سككا. ووجه آخر قتل الفتك ومعناه: ان يأتيه القاتل في مكانه وهو غافل لا يرى انه يريد به بأسا فيقتله مفاجأة، فذلك الفتك الذي قيل فيه الاسلام قيد الفتك. لا يفتك مؤمن، ولا فتك في الاسلام». ووجه آخر وهو قتل الغدر وذلك ان يعطيه الامان وهو اشر هذه الوجوه. واما العقص فهو ان يضرب بحديدة فيموت مكانه. واما شبه العمد فهو: ان يضرب بما لا يقتل مثله مثل الريشة ونحوها ثم يموت المضروب مكانه وفيه اختلاف: قال بعضهم فيه دية ولا
- YET- (2/246)
صفحة 644
قود ولا تعقله العاقلة
وهي مغلظة على القاتل يديها في سنة واحدة. وقال آخرون يقاد منه لانه تعمد ضربه وان لم يتعمد قتله والله اعلم. واما الخطأ المحض وهو ان يقصد الرامي شيئا يحل له قتله، او رميه كالصيد والدابة وقاتل وليه واشباه ذلك فيصيب غيره بالقتل او يسقط منه شيء فيصيب انسان فيقتله او يسقط هو بنفسه او يصيح صائح في امر يحل له فيسقط منه شيء، او يموت انسان من صيحته تلك، ذلك وما اشبه هذه الوجوه فهو خطأ محض اصطلح المسلمون على ديته على العاقلة تعقله بشهادة الشهود دون اقرار القاتل، ولا تعقل من ذلك صلحا ولا عمدا، ولا اعترافا، ولا مالا، ولا ما جنى عبد مملوك ولا تعقل ما دون الثلث، وقيل تعقل ما فوق الموضحة. ولا تعقل ما دونها ويعقل دية الخطأ الرجال دون النساء الاقرب فالاقرب على كل واحد اربعة دراهم، فان فضل شيء قسم على الذين يكون اقرب الميت، ثم الذين يلونهم الى آخرهم. فان
مي
الى
لم تتم اعيدت عليهم كذلك حتى تتم. واختلفوا في العاقلة فقيل خمسة أباء، وقيل الى سبعة، وقيل الى عشرة، وقيل مالم يقطعهم الشرك. ويجوز القود في الظهور والكتمان، وهي في ثلاث سنين. والنصف يؤدى في عامين والثلث في عام واحد. وشرح هذه المعاني يطول به الكتاب.
مسألة: والجراحات ما امكن فيه القصاص اقتص منه، والا فالدية ان كان ماهو معلوما ديته كاليدين والرجلين واشباههما من الجوارح، وان لم تعلم ديته فينظر فيه العدول فيجوز فيها حينئذ اخذ الدية، أو الهبة او المحاللة. وقيل تجوز فيما بينه وبين الله وان لم يكن نظر العدول. وقد امر الله الطالب ان يطلب بالمعروف، وامر المطلوب ان يؤدي الدية الى
- YEY- (2/247)
صفحة 645
صاحبه باحسان. قال فمن عفي له من اخيه شيء» (1) الاية، ثم قال فمن اعتدى بعد ذلك (2) يعني من قتل بعد اخذ، الدية فانه يقتل، ولا يعفى عنه ولا تؤخذ منه الدية وله عذاب اليم. ومن قتل بالدينونة فهو الى السلطان يقتله ولا يعفو عنه. وكذلك قاطع الطريق. واختلفوا في قتل الغيلة فقيل امره الى السلطان. وقيل الى الولي ومعنى الغيلة ان يحتال بالرجل فيدعى الى طعام او غيره حتى يؤتى به الى مكان مطمئن
وهو غافل لا يعلم ما يراد به فيقتل والله اعلم
مسألة
•
والمقتول عمدا وليه مخير فى القاتل بين القتل والعفو واخذ الدية، فان عفا او اخذ الدية فعلى القاتل كفارة القتل وهي عتق رقبة مؤمنة. فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين بعد التوبة والاعتراف (3). وان قتله الولي فان تاب قبل ذلك صلي عليه ويتولى ان كان اهلا لذلك والا فلا يصلى عليه ويدفن (4) والله اعلم.
(1) البق رة: (178).
(2) البقرة: (178).
(3) كما ذكره الله تعالى في سورة النساء: آية 92 وما كان لمومن ان يقتل مومنا الا الله خطاً ـ الى قوله ـ فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من وكان
حكيما.
-
عليما
4) سبق في بعض تعاليقنا السالفة ان المحدود يصلى عليه لعموم قوله (ع) «صلوا خلف
من قال لا اله الا الله وعلى من قال لا اله الا الله
248 - (2/248)
صفحة 646
الفصل الثالث
في مظالم الفروج
وهي على وجهين: مظلمة سفاح ونكاح، فالسفاح يلزم فيه للحرة العقر بالاكراه مع وجوب الحد على الزاني واستحقاق الكفر. واما بالمطاوعة فلا يلزمه الا الكفر والحد، واما الامة والصبية والمجنونة فانه يلزم العقر والحد والكفر بالمطاوعة والاكراه، ماخلا الامة في اسقاط العقر عنه باذن سيدها دون الحد والكفر. وان كان زنى بالبهيمة فعليه الحد مع غرم قيمتها وتذبح وتدفن فيما ذكر في اثر اصحابنا. وروي ان امرأة سالت جابر بن زيد فقالت: ان زوجي كان يأتي شاتي افيحل لي لبنها؟ فقال تسألين عن لبن شاتك وقد حرم عليك زوجك؟ فكره جابر ل يا. والله اعلم. وان كان الزنى بالثيب فنصف عقرها. واما ان ادخل اصبعه في فرج الثيب فلا عقر عليه. واما البكر فعليه عقرها ان افتضها. واما الصبي ان وطئه في دبره فعليه مثل صداق الثيب فيما ذكر في بعض اثر بعض مشائخنا رحمهم الله. وأما مفاخذة الذكران ففيها الكفر والاثم دون الغرم، وكذلك مقدمات الزنى من التقبيل واللمس والنظر بشهوة فلا اعلم فيها الا الاثم والعصيان والكفر مع شريطة الاصرار والشهوة والله اعلم. واما النكاح الصحيح ففي الوطئ منه الصداق كاملا ان سمي، والا فنصفه ان وقعت فرقة قبل المسيس بالطلاق، واختلفوا في الموت: فقيل هو بمنزلة الدخول وقيل كالطلاق. واما ان لم يسم الصداق ففي الحرة العذراء عشر ديتها ونصف العشر ان كانت ثيبا. والامة العذراء عشر ثمنها، وللثيب نصف عشر الثمن. وهو العقر الذي يحكم به الحاكم في الاماء والحرائر (2/249)
صفحة 647
جميعا. واما النكاح الفاسد ففي المسيس منه الصداق، والا فلا شيء عليه في مقدمات الجماع من القبلة واللمس باليد والنظر. وعليه الصداق بذلك في الفرج اذا وقع في النكاح الصحيح. وان وقعت فرقة بالطلاق في صحيح النكاح بغير تسمية الصداق فعليه المتعة واجبة لنظر العدول، على الموسم قدره وعلى المقتر قدره، ولكل مطلقة متاع بالمعروف ماخلا التي لها نصف الصداق، والله اعلم. مسألة: ويجب على الزوج غرم الصداق اذا حل اجله، وبالتزويج او التسري، او انقضاء العدة في رجعي الطلاق. ويجب على الورثة بموت الزوج ان لم يتخلص منه في حياته الى الزوجة الا ان وهبته له بطيبة نفسها ولم ترجع فيه بعد ذلك، أو تبرأت منه إلى زوجها من غير ان يضربها في نفسها ولا في مالها. وكذلك المتعة بعد وجوبها بانقضاء العدة لا تسقط عن الزوج الا ان تهبها له بطيبة من نفسها، والله اعلم واحكم.
الفصل الرابع
في مظالم الاعراض
ومظلمة الأعراض تسمى قذفا واغتيابا وطعنا واقتداحا، اما القذف فهو الرمي للانسان بأمر هو منه برئ مثل ان يرميه بالزنا او بالسرقة او
القتل لغيره، او بالشرك او بالنفاق او ما اشبه ذلك وهو برئ منه. قال
الله تعالى ومن
يكسب خطيئة او
اثما
ثم
يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا
وائما مبينا (1) الا ان الشرع قد فرق بين القذف والزنا وغيره من وجوه
(1
اء: (112).
250 ـ (2/250)
صفحة 648
النفاق في الحد والتنكيل في الدنيا كما قال الله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم ياتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة (1) الآية، فكل من قذف احدا من الناس حرا كان او عبدا ذكرا كان او انثى صغيرا كان او كبيرا فهو هالك. وقيل عن بعضهم ولو قذف صخرة، والله اعلم. ولكن لا يجب الحد فيه الا ان كان القاذف والمقذوف بالغين حرين موحدين. وهو ثمانون جلدة كما قدمنا ماخلا من قذف نبيا من الانبياء فان الحد فيه القتل لانه بذلك مشرك الا ان تاب من ردته فانه يجلد الحد والله اعلم، واما القذف بالنفاق والكفر فيجب فيه التعزير مع التوبة،
مثل ان يقول له يا منافق يا کافر يا فاجر يا عدو الله يا خنزير وهو يستحق ذلك فعليه التعزير، او النكال على قدر ما يرى الحاكم، وعلى قدر منزلة المرمي والله اعلم، وكذلك الرمي بالتراب في وجهه او بالبزاق او ما اشبه ذلك فعليه النكال على قدر النظر والله اعلم. واما الاغتياب والطعن في الاعراض فليس فيها وجوب حد في الدنيا لكن يلزم فيها الكفر وانهدام الصوم والوضوء واستحقاق العقاب في الآخرة في اغتياب اهل الولاية كما ورد في الحديث ان الغيبة تفطر الصائم وتنقض الوضوء (2) ولا ينقض الصوم والوضوء وهما من اشرف طاعات المتعبدين الا الكبائر الموبقات. وقد شبه الله تعالى اغتياب المؤمن بأكل لحمه فقال ولا يغتب بعضكم بعضا ايجب احدكم ان يأكل لحم اخيه ميتا (3) الآية. وتمزيق
الاعراض اشد على النفوس من تمزيق اللحوم ولذلك شبهه
الله
تعالى
1) النـ ــور: (4).
(2) عن ابن عباس رواه الربيع، وتمامه وتهدم الاعمال هداماً وتسقي اصول الشره.
الحج
رات: (12).
- (2/251)
صفحة 649
باكل لحم الميت: ويقال ان الملك الذي يمثل لابن آدم في المنام ما يطالعه الروح من اللوح المحفوظ بالامثلة المحسوسة، يمثل الغيبة باكل لحم الميتة انه حتى من رأى في منامه انه ياكل لحم الميتة انه يغتاب الناس والله اعلم. فلما كان الظلم في المال يستوجب للانسان الكفر ولو ظلم حبة فما دونها كان معلوما بالضرورة ان ظلم المسلم في عرضه اعظم في النفس من اكل ماله بغير اذنه والله اعلم.
حبة من
مسألة: واختلفا في توبة المغتاب للمسلم: فقال قوم لاتوبة له حتى يتحلل من صاحبه كان حيا، وان كان ميتا فليستغفر له. لما روي ان النبي الله قال «الغيبة اشد من الزنى، قيل: وكيف ذلك؟ قال الزاني اذا تاب قبلت توبته، والغيبة لاتغفر حتى يغفرها صاحبها» (1). وقال آخرون اذا لم تبلغه فليتب المغتاب فيما بينه وبين الله لئلا يشوش قلبه ان اخبره انه اغتابه والله اعلم. ومعنى الغيبة ان يقال في المسلم وراء ظهره ما هو فيه مما يكره المجاهرة به يريد تصغير شأنه في القلوب. وان قال. ما ليس فيه فهو بهتان. والمستمع الى الغيبة شريك القائل كما ورد في الحديث لانه الا الله انهى عن الغيبة والاستماع اليها» (2)، وقد قال الله تعالى في مثل ذلك وقد نزل عليكم في الكتاب» «الى قوله حتى يخوضوا في حديث غيره انكم اذا مثلهم» (3) الاية والله اعلم.
عن الغيبة وعن
1) عن جابر بن عبدالله والي سعيد الخذري 2) للطبراني من حديث ابن عمر بسند ضعيف: نهى رسول الله (ع) الاستماع الى الغيبة ـ اما حديث المغتاب والمستمع شريكان في الاثم، فغريب
النساء: (140).
- 252
- (2/252)
صفحة 650
في التنصل من هذه التباعات
اعلم ان مظالم العباد التي قدمناها من الحقوق والاموال والفروج لا تجوز توبة من هي في يده او في ذمته الابالتنصل منها الى اربابها والخروج
منها بالاداء او ا المحاللة
منهم
له بطيبة نفس ولا اعلم بين الامة في هذا خلافا
واختلفوا اذا لم يجد اربابها بعد ما تاب: فقيل عن ابن عباس انه قال:
مسعود رحمه
هو قفل ضاع مفتاحه. وقيل يتصدق بها على الفقراء، واظنه قول ابن الله، واحسبه انه قول جمهور العلماء، واما ان تاب توبة نصوحا وأدى ما كان عليه من التباعات ونسي بعضها فلم يؤدها و لم يتذكر حتى مات فان هذه التباعات تخرج من حسناته يوم القيامة ان كانت له والا فالمؤدات على مولاه وبدخله الجنة بفضل رحمته. وفي رواية ضمام بن السائب عن رسول الله الا الله وهو قول اصحاب الحديث: وقد زعموا انه اذا لم تكن له حسنات فانه يتحمل مقدار تلك التباعات من سيئات صاحبها ولم يصح عندنا هذا. والله اعلم.
الباب الثالث
من الركن في المحارم والكبائر
قال سبحانه ويحرم عليهم الخبائث (1) وهي جميع ما حرم
الله تعالى
من كسب الحرام واكله من اموال الناس وغيرها من الميتة والدم ولحم
1) الاعراف: (157).
- 253 - (2/253)
صفحة 651
الخنزير والخمر والنبيذ المسكر والبول والغائط وانجاس اهل الشرك وذبائحهم وجميع الفواحش ما ظهر منها وما بطن من الزنا والنظر الى
حرم
الله تعالى من
العورات وجميع مقدمات الزنى من النظر واللمس والقبلة والمباشرة للنساء ما الاجنبيات وجميع الربا والغش في البيع والشراء والتطفيف في الكيل والوزن واكل الاموال بجميع انواع الباطل من السرقة والخيانة وغيرها وما حرم الله تعالى من البغي بغير الحق والقول بالزور والكذب والنميمة والشرك والبهتان وقذف البريء وغير ذلك من جميع ما قدمنا في ابواب المظالم فهو محرم خبيث وهو من الكبائر التي أوجب الله عليها النكال في الدنيا والعذاب في الاخرة، وسنذكر بعض اصناف الكبائر المنصوص عليها في القرآن والسنة يستدل بها على ما سواها والله اعلم
اكبر الكبائر
: الشرك بالله (4)
حرم
واحكم. مسألة: في فرز بعض الكبائر، قال الله تعالى «والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش الآية (1)، فمنها الشرك بالله لقوله تعالى «ان الشرك لظلم عظيم» (2)، وقوله «انه يشرك بالله فقد من الله عليه الجنة» (3)، وقول النبيء وهو جميع الوجوه التي قدمناها في صدر الكتاب. ومنها اكل اموال الناس بجميع انواع الباطل التي قدمناها: لقول الله تعالى ولا تاكلوا اموالكم بينكم بالباطل. الى قوله فسوف نصليه نارا (5)، ولقول النبيء القليل من اموال الناس يورث النار (6)، ومنها قتل النفس التي حرم الله بغير حق لقوله تعالى
1) النجم: (32).
المائدة: (72)
ه النس
•
اء: (29
(6) رواه الربيع عن ابن عباس
•
(2) لقمان
(13):
(4) متفق عليه
254 - (2/254)
صفحة 652
ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم» الآية (1). ولقوله عال من اعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله (2)، وقوله الا ليحولن بين احدكم وبين الجنة بعد ان يراها كف من دم يهرقه او مال ضمنه (3)، ومنها اكل السحت والحرام لقول الله تعالى اولئك ما يأكلون في بطونهم الا النار (4) وقول النبيء لا اكل لحم نبت من سحت فالنار اولى به (*) وبالجملة فظلم الناس في جميع اموالهم وابدانهم بالحبة فما دونها وباللطمة في الابدان فما دونها حرام محرم معاقب عليها. ومنها شرب الخمر لقول الله تعالى وانما
الخمر والميسر، الى قوله فاجتنبوه لعلكم تفلحون)، ولقوله لعنت الخمر وشاربها (7)، ولقوله شارب الخمر كعابد الوثن (8) وقوله الخمر جماع الاثم (9). ومنها شرب النبيذ المسكر لقوله ع ما اسكر قليله فكثيره حرام (10) ان الله وعد لمن شرب الخمر ان يسقيه.
من
طينة
1) النساء: (93)
الله بدل جاء القيامة.
يوم
2) رواه احمد وابن ماجة بحذف و ولو، لقي (3) رواه الربيع بحذف الا فى اوله وزيادة بعد ان يراها بعد قوله وبين (4) البق رة: (174).
الجنة
ه) رواه الربيع. ورواه الترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث كعب بن عجرة.
المـ
ائدة: (90).
(7) رواه احمد وابو داود من حديث ابن عباس وتمامه وساقيها وبائعها ومبتاعها، و عاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة اليه وآكل ثمنهاه.
(8) رواه الامام احمد عن ابي هريرة بلفظ مدمن الخمر).
(9) وفى معناه: الخمر ام الفواحش واكبر الكبائر ومن شرب الخمر ترك الصلاة ووقع على امه واخته وخالته رواه الطبراني عن ابن عمر.
10) عن جابر بن عبدالله
وعبد
عمرو بن العاص. بن
1 YOO - (2/255)
صفحة 653
الخبال. قيل فما طينة الخبال؟ قال: عصارة اهل النار (1). ومنها الميسر، لان الله تعالى قرنه بالخمر فى التحريم. ومنها اكل الميتة والدم ولحم الخنزير لغير المضطر، لقوله تعالى حرمت عليكم الميتة الى قوله وان تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق) الآية (2)، ونهى عن اكل الانجاس من البول والغائط وغيرهما لدخولهما في جملة قوله تعالى ويحرم عليهم الخبائث (3)، وسماهم النبيء اهم الاخبثين. ومنها عقوق الوالدين لقول الله تعالى ان اشكر لي ولوالديك (4)، وقول النبيء عل الله وعقوق الوالدين من اكبر الكبائر (5)، ومنها قطيعة الرحم لقول الله تعالى وتقطعوا ارحامكم (6) الآية، ومنهما الزنى لقول الله تعالى ولا تقربوا الزنى انه كان فاحشة» (7) الآية وقوله ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق اثاما (8) الآية، ولقول النبيء الا الله واذا زني الزاني سلب الاسلام، فان تاب ألبسه» (9)، ومنها النظر الى العورات لقول الله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم (10) الآية، ولقوله لا من نظر نظرة حرام كحلت عيناه بمسامير من نار جهنم» (11). ومنها قذف المحصنات لقول تعالى ان الذين يرمون المحصنات الى قوله ولهم عذاب عظيم (12)
رواه مسلم عن جابر بلفظ ان على الله عهدا وبزيادة: عرق اهل النار».
(2
(°
(^
(9
المائدة: (3) متفق عليه
•
الفرقان: (68).
3) تقدم ذكرها
القتال: (22)
4) لقمان: (14).
الاسراء: (32).
رواه الحاكم من حديث ابي هريرة بلفظ من زنى او شرب الخمر نزع الله منه الايمان
كما يخلع الانسان القميص من راسه
(10) النور: (30).
11) لم اطلع على سنده بهذا النص. - وفي معناه: النظرة سهم من سهام ابليس لعنه
الله، فمن تركها خوفا الله آتاه الله من
عز وجل ايمانا يجد حلاوته في قلبه.
(12) النـ ور: (23)
- 256 - (2/256)
صفحة 654
ومنها شهادة الزور لقول الله تعالى فاجتنبوا الرجس من الاوثان واجتنبوا قول الزور» (1)، ومنها الكذب لقول الله تعالى ويوم القيامة ترى الذين: وجوههم مسودة الآية (2)، وقول النبيء عل الله في حلية
كذبوا على الله
المنافق
من اذا حدث كذب (3)، ومنها الفرار من الزحف لقوله تعالى
ومن يولهم يومئذ دبره (4) الآية، وقيل ان ذلك خاص بيوم بدر لانهم
فروا
احد فعفا الله يوم
عنهم لقوله «ولقد عفا الله عنهم (5)، ومنها الغيبة للمسلمين لقوله تعالى الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين الى قوله لن يغفر الله هم (6)، وكذلك الطعن فيهم لقوله تعالى ويل لكل همزة لمزة» (7) ومنها النميمة لقوله تعالى هماز مشاء بنميم (8)، وقول النبيء لا يدخل الجنة قتات (9)، ومنها اليمين الفاجرة لقول الله تعالى: الذين يشترون بعهد الله وايمانهم ثمنا قليلاه الى آخر الآية (10)، ولقول النبيء عل اليمين الغاموس من اكبر الكبائر (11)، ومنها السحر لقوله تعالى ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق (12) اي من نصيب، ومنها الغلول في الغنائم لقول الله تعالى ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة» (13)، ومنها التنابز بالالقاب لقول الله تعالى: ولا تنابزوا
(1
(4
(7
(9
الحج: (30). رواه ابو داود من حديث عبدالله بن عمر.
الانفال: (16).
التوبة: (80).
تف
دم.
(2) الزمر: (60).
ه آل عمران: (155).
الهمزة: (1). (8) القلم: (11).
(10
آل عمران: (77).
11) متفق عليه. قال (ع): الا انبئكم باكبر الكبائر قالها ثلاثا. قلنا بلى يارسول. قال: والاشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس واليمين الغاموس، وشهادة
الزور
(12) البق رة: (103).
- YOY_
13) آل عمران: (161). (2/257)
صفحة 655
الله
بالالقاب (1)، ومنها قسمة المواريث بغير ما انزل الله تعالى ومن يعص الله ورسول ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها (2) الآية، وقيل انها في قسمة المواريث، ومنها الحكم بغير ما انزل لقول الله تعالى ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الظالمون (3)، ومنها الرشوة في الحكم لقول الله تعالى «أكالون للسحت» (4) ولقول النبيء «الرشوة في الحكم كفر» (5)، ومنها كتمان الشهادة لقول الله تعالى «ومن يكتمها فإنه آثم قلبه (6) ويقال من كتبها كمن شهد بها زورا، ومنها تحليل ما حرم الله لقوله تعالى قل أرأيتم ما انزل الله لكم من رزق الى قوله ان الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة (2) الآية ومنها ترك الصلاة المفروضة لقوله تعالى اضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا» (8) أي واديا في جهنم في بعض اقوال التفاسير، ولقول النبيء عل الله من ترك الصلاة فقد كفر (9)، ومنها منع الزكاة لقول الله تعالى الذين يكنزون الذهب والفضة الى قوله فبشرهم بعذاب اليم (10) ولقول النبيء الزكاة مال يؤدي الى النار (11) وقوله «لاصلاة لمانع
(1
(4
الحجرات: (11). المائدة: (42)
2) النساء: (14)
) المائدة: (45).
?)
(6
رواه الربيع عن ابن مسعود يرويه عن الرسول (ع). ذكره الامام الربيع في مسنده الصحيح. وليس كما قال الحافظ انه كلام ابن مسعود من عنده.
يونس: (60).
البقرة: (283) مريم: (59). رواه احمد وابو داود والنسائي والترمذي من حديث بريدة بلفظ والعهد الذي بيننا
وبينهم
الصلاة فمن تركها فقد كفر.
(10) التوبة: (34)
11) من
اخذها
مستحقها
وهو غير مستحق لها لكفره، او فسقه، او لغناه ـ ومن يؤديها لغير
ومن منعها عن مستحقها
1 YOU 1 (2/258)
صفحة 656
الزكاة (1) ولقوله مانع الزكاة يقتل (2)، ومنها الاكل في رمضان انه كبيرة باجماع الامة. ولقول الرجل يارسول الله اني هلكت واهلكت قال ما فعلت؟ قال اتيت اهلي نهاراً في رمضان (3) فلم يرد عليه قوله هلکت واهلكت. ومنها ترك الحج حتى يموت ولم يوص به اذا لقول الله تعالى ومن كفر فان الله غني عن العالمين (4) ولقول النبيء عال
وجب عليه
من وجب عليه الحج فلم يحج فليمت يهوديا او نصرانيا (5) الحديث. ومنها الكبر لقوله تعالى ان الذين يستكبرون عن عبادتي الآية (6)، ولقول النبيء له ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر» (7) (ومنها (الحسد وهو ان يحب زوال النعمة الله نبيه ان يستعيذ من شر الحاسد فقال ومن شر حاسد اذا
وامر
عن
الانسان،
هي
حسد (8)، ومنها ولقول النبيء والحسد والبغضاء والبغضاء الحالقة للدين لا حالقة الشعر (9). ومنها الرياء باعماله وهو الشرك
(1) رواه الربيع عن ابن عباس. وتمام الحديث: وقالها ثلاثا والمتعدي فيها كمانعهاه قال الربيع: المتعدي فيها هو الذي يدفعها لغير اهلها. قال الربيع قال ابو عبيدة: ذلك
اذا منعها من امام يستحق اخذها. واما غيره فلا يقتل من منعه اياها.
تف
(2) رواه البخاري ومسلم والنسائي من حديث ابي هريرة ورواه الربيع عن ابن عباس. 4) آل عمران: (97). ه من حديث ابي هريرة. وللترمذي نحوه من حديث علي. وقال غريب: وفي اسناده
مقال
دم.
(6) غافر: (60).
عن ابن مسعود رواه مسلم - وتمامه: فقال رجل ان الرجل يحب ان يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة قال: ان الله جميل يحب الجمال: الكبر بطر الحق وغمط الناس». الفلق: (5).
الحالقة 9) الحديث بتمامه: دب لايكم داء الامم قبلكم الحسد والبغضاء والبغضاء هي ولا اقول حالقة الشعر ولكن حالقة الدين. والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تو منوا، ولن تومنوا حتى تحابوا. الا انبئكم بما يثبت ذلك لكم: افشوا السلام بينكم. رواه الترمذي من حديث مولى الزبير عن الزبير
1 Y 09 - (2/259)
صفحة 657
الاصغر لقول الله تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه الى آخر الآية (1) ولقول النبيء لا يدعى المرائى يوم القيامة باربعة اسماء: يامرائي يا فاجر. يا غادر، ياخاسر (2)، ومنها سوء الظن بالمسلم لقوله تعالى «اجتنبوا كثيرا من الظن (3) الآية، ولقول النبيء والله واياكم وسوء الظن بالمسلم
ء
فانه اكذب الحديث (4)، ومنها الاياس من رحمة الله والامن من العذاب الى غيرهما من غوائل القلب من الغل وطلب العلو وحب الثناء وسخط المقدور والمكر والخديعة والبخل والرغبة والفخر وتعظيم الاغنياء واحتقار الفقراء والتنابز بالالقاب والمداهنة في الدين وغير ذلك عصمنا الله تعالى ذلك من جميع برحمته انه رءوف رحيم.
ف: (110).
(2) رواه ابن ابي الدنيا
--
- وتمامه: اذهب فخذ اجرك ممن عملت له فلا اجر لك
عندنا
الحجرات: (12)
(4) رواه البخاري عن ابي هريرة: ـ ونص الحديث: واياكم والظن فان الظن اكتب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا
عباد الله اخوانا.
– 260 ـ (2/260)
صفحة 658
كتاب
الاداب (2/261)
صفحة 659
الركن الثامن
في الاداب التي يستحب مراعاتها في الاكل والشرب قال المؤلف رحمه الله ورضي عنه، لما اتينا بحمد الله على ذكر الاركان السبعة المشروطة في صدر الكتاب التي يتعلق بها السؤال غدا في المآب راينا ان نضم اليه ثامنا في ادبيات الاغذية وغيرها من آداب اللباس والغشيان ومعاشرة اصناف البرية اذ بتناول الأقوات تصفو سلامة الابدان
لعمل الطاعة فينبغي للانسان ان لا يهمل نفسه في تناول الاغذية اهمال البهائم المرعبة بل يلجمها بلجام الورع ويزن شهواتها في الغداء بميزان الشرع فيكون حينئذ من اعمال المؤمن وفي نسخة: اعمال الدين وعلى ذلك نبه رب العالمين بقوله «يا ايها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا (1) وقال النبيء الا ان الرجل ليؤجر حتى في اللقمة يرفعها الى فيه او الى فم امرأته» (2) وانما ذلك اذا رفعها ليتقوى بها على عمل الدين مراعيا في اخذها ورفعها شروط الرفع وادابه باليقين. واذا كانت النفس لابد لها من تناول الغذاء وقمع الشهوة التى هي اعدى الاعداء رأينا ان نحصر الكلام في هذا الركن في خمسة فصول احدها» في اداب الطعام وأكله والثاني» في اداب الشراب وتناوله. والثالث في اداب اللباس وهيئته. والرابع في اداب الجماع ومستحباته. والخامس في اداب المعاشرة مع سائر الخلق وبالله التوفيق
1) المومنون: (51).
(2) متفق عليه عن سعد بن ابي وقاص بلفظ: وانك ان تنفق نفقة تبغى بها وجه الا اجرت بها حتى ما تجعل في في امراتك
– 262 – (2/262)
صفحة 660
الفصل الاول
في اداب الطعام واكله
وهذا القسم ينقسم قسمين: احدهما فيما لابد للمنفرد بالاكل من
مراعاته، والثاني» فيما يزيد من الاداب
بسبب الاجتماع.
وهو على ثلاثة اوجه:
القسم الاول
الوجه الاول: مراعاة الاداب قبل الاكل وهي سبعة احدها معرفة الطعام انه طيب وذلك فريضة لقول الله تعالى وكلوا مما في الارض حلالا طيبا» (1) الآية. لانه قيل اذا كان حراما شاركه الشيطان في اكله قال الله تعالى وشاركهم فى الاموال والاولاد (2). «الثاني» غسل اليدين للنظافة لقوله علال الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم (3) «الثالث» الجلوس على الايسر ونصب الرجل اليمنى اقتداء برسول الله الله وكان يقول: ولا اكل متكنا انا عبد اجلس كما يجلس العبد وأكل كما يأكل العبد» (4) ويروى انه عليه السلام ربما جثا للاكل على ركبتيه (5). ويروى ان عليا اكل طعاما وفي خ كعك على ترس وهو مضطجع. وروي مثل (1) البقرة: (168). (3) رواه الطبراني عن ابن عباس وزاد في آخره: وهو من سنن لمرسلين.
4) رواه البخاري.
ه عن
عبدالله
بن بسر
2) الاسراء: (64).
شاة فجثا على ركبتيه ياكل فقال قال ض اهديت لرسول الاعرابي: ما هذه الجلسة؟ فقال: ان الله جعلني عبدا كريما ولم يجعلني جبارا
عنيدا
- 263 (2/263)
صفحة 661
ذلك عن ابي عبيدة
رحمه الله «الرابع» انتظار الحار حتى يبرد لقوله الا الله
دعوا الحار حتى يبرد فانه غير ذي بركة» (1) ويقال ايضا ما انضحته الشمس يؤكل باردا وما انضحته النار يؤكل حارا. والله اعلم. «الخامس» عقد النية للاكل وهو ان ينوي بها التقوي على طاعة الله تعالى ليكون مطيعا بالاكل ولا يقصد التلذذ والتنعم. السادس ان لا يحقر الطعام ولكن يرضى به ولا ينتظر الادام لان ذلك من كرامة الخبز، ويقال: اربع حدثت بعد النبيء عل الله: وهي الموائد، والمناخل والاشنان، والشبع، وكان بعضهم يقول لا تنخلوا الدقيق فانه طعام كله وكان ياكل الشعير غير منخول فكل ما يديم الرمق ويقوي على العبادة فهو «السابع ان يجتهد على تكثير الا يدي على الطعام، لما روي ان النبيء عل الله قال «اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه) (2) وكان لا ياكل وحده، وتعجبه كثرة الايدي على الطعام (3) والله اعلم.
خير
كثير
الوجه الثاني: في اداب حالة الاكل وهي عشرة اداب واحدها» التسمية في اوله والحمد له في آخره، لقول النبيء لا اذكروا اسم الله على الطعام (4) ويقال في الحديث اذا اكل الانسان او شرب ولم يسم اكل معه الشيطان فان نسي ثم ذكر الله في اثناء الطعام تقيأ الشيطان ما اكل (5)
1) رواه البيهقي من حديث ابي هريرة باسناد صحيح. – ورواه الطبراني في الاوسط من حديث ابي هريرة بلفظ. «ابردوا الطعام فان الطعام الحار غير ذي بركة. (2) رواه ابو داود من حديث وحشي بن حرب باسناد حسن وزاد ابن ماجه في روايته واذكروا اسم الله عليه قبل: «يبارك لكم فيه
3) رواه ابو داود بلفظ: «اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه
4) ومتفق عليه بلفظ: اسم الله وكل بيمينك، وكل مما يليك»
ه جاء في رواية ابي داود والنسائي ان رسول الله كان جالسا ورجل ياكل فلم
يسم
حتى لم يبق من طعامه الا لقمة: فلما رفعها الى فيه قال باسم الله:
=
264 (2/264)
صفحة 662
وليجهر بالتسمية ليذكر بها غيره فان نسي التسمية. فرغ فليقل باسم الله على اوله والحمد لله على آخره، ويقال ان ذلك ثمن الطعام. وقيل ان نوحا عليه السلام كان لا ياكل ولا يشرب الا سمى الله تعالى عليه وحمده قسماه الله عبدا شكورا. (الثاني) الاكل باليمين لنهي النبي علي الله عن الاكل والاعطاء والاخذ بالشمال. وكان يمينه علا الطعامه ووضوءه، وقال: ان الشيطان ياكل ويأخذ ويعطي بشماله (1) الثالث الاكل بثلاثة اصابع، لما روي عن النبيء لا ياكل بالثلاثة وربما استعان بالرابعة، ولا ياكل باصبعين) (2)، ويقال ان ذلك أكله الشيطان. وقال بعض العلماء الاكل باصبع واحد من المقت، وباثنين من الكبر، وبالثلاثة من السنة، وبالاربع والخمس من الشره، والله اعلم. الرابع» تصغير اللقمة وتجويد مضغها وما لم يبتلعها لا يمد اليد الى الاخرى فان ذلك العجلة من في الاكل. ولا يذم ماكولا كائنا ما كان، لما روي ان النبيء عل وما ذم طعاما قط ان اعجبه اكله وان كرهه ترکه (3). الخامس الاكل مما يليه الا في الفاكهة فانه له ان يجيل يده قال لا وكل مما يليك، ثم كان يدور على الفاكهة فقيل له في ذلك فقال وليس هو نوعا واحدا (4)، السادس ان لا يأكل من ذروة القصعة ولا من وسط الطعام لانه
=
اسم
اوله وآخره فضحك النبيء علا الله ثم قال: ومازال الشيطان ياكل معه فلما ذكر
الله استقاء ما في بطنه
1) عن ابي هريرة عن النبيء عل والياكل احدكم بيمينه، وليشرب بيمينه وليعط بيمينه، ولياخذ بيمينه فان الشيطان ياكل بشماله، ويشرب بشماله، ويعطي بشماله، وياخذ بشماله
2) روي مسلم عن كعب بن مالك قال: رأيت رسول الله (ع) ياكل بثلاث اصابع واذا فرغ لعقها.
(3) متفق عليه
4) روي محمد بن بشار بسنده الى عکراش بن ذؤيب عن النبيء) قال:
- 265 - (2/265)
صفحة 663
موضع البركة فلذلك ورد النهي فيه الا اذا فرغ الطعام ولم يبق الا ذروة القصعة فلياكلها. السابع ان لا يقشر وجه الطعام ولا يحفر فيه ليجتمع
اليه الادام دون القوم لنهي النبيء عليه السلام في الطعام عن الحفار والقشار والدوار وهو الذي ياكل يمينا وشمالا وعن المرمل وهو المتابع اللقم بعجلة، وقيل هو الذي يرفع ما لا يسع فمه (1) والله اعلم. «الثامن ان يرفع الطعام اذا وقع من يده وليأكله، لقول النبيء عليه السلام «اذا وقعت لقمة احدكم فلياخذها وليمط ما كان عليها من اذى ولياكلها ولا يذرها للشيطان (2) ونهى عن النفخ في الطعام والشراب (3) وفي اللحم للبيع، وفي الكتاب، وفي موضع السجود وقال النفخ في الطعام والشراب يذهب البركة (4) والله اعلم. التاسع» ان لا يمسح يده بالمنديل حتى يلعقها لعقا جيدا، كما روي انه عليه السلام يلعق اصابعه واحدة واحدة حتى تحمر ويقول لا ادري في اي طعامها البركة (5). العاشر ان يبدا بالملح ويختم به لقول النبيء عليه السلام) اجعلوا الملح اول طعامكم فان فيه شفاء
اتي النبي (ع) بحفنه كثيرة الثريد والودك فاقبلنا ناكل منها فخبطت يدي في نواحيها فقال: يا عكراش: كل من موضع واحد فانه طعام واحده ثم اتينا بطبق فيه الوانا من الرطب فجالت يد رسول الله (ع) في الطبق وقال: «يا عكراش: كل من حيث شئت فانه غير لون واحد!!!
1) رواه الربيع. (2) رواه مسلم من حديث انس وجابر. وتمامه عنده: ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق اصابعه لانه لا يدري في اي طعامه البركة
) رواه احمد في مسنده من حديث ابن عباس وعند ابي داود والترمذي وصححه في حديث ابي سعيد: نهى عن النفخ في الشراب
(4) رواه ابن عباس بدون ذكر العلة. ه تقدم الكلام عليه في التعليق السابق
وقد رواه احمد في مسنده من حديث ابن
عباس
266 - (2/266)
صفحة 664
من اثنين وسبعين داء، منها الجنون والجذام والبرص و وجع الاضراس والحلق والبطن (1) ويقال ان الله تعالى اوحى بذلك الى بعض الانبياء
عليهم السلام وفي حديث ايضا اجعلوا الزيتون اول طعامكم واخره، فانه مبارك (2).
الوجه الثالث: في آداب آخر الطعام وهي ستة: واحدها ان يمسك قبل الشبع الا ان يريد التقوي على الصوم فلا بأس، وفي الحديث وما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن. حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه وان لم يفعل فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس (3). ويقال عادة الشبع زيادة في الجوع. وحسن الادوية وجهان. ان لا يشبع الرجل من الطعام، ويتغوط ويبول قبل المنام. والثاني ان يلعق القصعة ببعض اصابعه، ويغسلها بالماء ثم يشربه، يقال ان ذلك يعدل رقبة، ويقال ان ذلك عادة المهاجرين والانصار في الزمان الاول. الثالث ان يلتقط فتات الطعام، وقال عليه السلام من اكل ما يسقط من المائدة عاش في سعة وعوفي ولده (4) ويقال ان النقاط الفتات مهر الحور العين والله اعلم.
1) روي بالفاظ مختلفة ففي اللآلي: يا علي: عليك بالملح فانه شفاء من سبعين داء الجذام والبرص والجنون لا:. فيه عبد الله يصح احمد بن بن عامر وهو وابوه يرويان عن اهل البيت نسخة كلها باطلة. قلت اي صاحب تذكرة الموضوعات اخرج ابن منده عن معاذ بلفظ استغنموا طعامكم بالملح فو الذي نفسي بيده انه ليرد ثلاثا وسبعين نوعا من البلاء او قال من الداء. وللبيهقي عن علي من طريق آخر من ابتدأ غذاءه بالملح اذهب الله عنه سبعين نوعا من البلاء، وذكره صاحب الاحياء في آداب الاكل على انه من كلام علي لا انه حديث نبوي.
لم اعثر على سنده
3) عن المقدام بن معد يكرب رواه الترمذي.
(4) رواه ابو الشيخ فى كتاب الثواب من حديث جابر بلفظ: امن من الفقر والبرص =
- 267 - (2/267)
صفحة 665
«الرابع ان يخلل اضراسه ولا يبتلع ما يخرج من بين اسنانه بالخلال لكن يرميه. واماما يجتمع في اصول اسنانه فاخرجه باللسان فلا يرميه ويمضمض بعد الخلال. واذا أكل الخبز واللحم فيغسل يديه ويمسح بفضل ماءهما وجهه، روي ان النبيء عليه السلام يفعله. «الخامس ان يشكر الله تعالى بقلبه على ما اطعمه، قال الله تعالى وكلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الله (1) (السادس الدعاء بالبركة لقوله عليه السلام «ادعوا في طعامكم بالبركة يبارك لكم (2) ويقال الحمد لله الذي اطعمنا وسقانا وجعلنا من المسلمين يا كافي كل شيء ولا يكفي منه شيء، اطعمت من جوع وآمنت من خوف فلك الحمد. آويت من يتم وهديت من واغنيت من عيلة فلك الحمد حمداً كثيرا طيبا مباركا فيه كما انت اهله، اللهم كما اطعمتنا طيبا فاستعملنا صالحا واجعله عونا لنا على طاعتك ونعود بك ان نستعين به على معاصيك والله اعلم.
القسم الثاني
فيما يزيد من الاداب بسبب الاجتماع
ضلالة
وهذا القسم على وجهين: احدهما» في اداب الدعوة وفضيلتها، وفى الحديث عن النبيء عليه السلام من اطعم اخاه حتى يشبعه وسقاه حتى
=
سعة
والجذام وصرف عن ولده الحمق». - وله من حديث الحجاج بن علاط واعطي
من الرزق ووقي في ولده وكلاهما منكر جدا.
1) البقرة: (172).
(2) تقدم في بعض التعاليق السابقة
268 - (2/268)
صفحة 666
يرويه ابعده الله من النار بسبعة خنادق بين كل خندقين مسيرة خمسمائة عام (1) وعن علي قال. لان اجمع اخواني على صاع من طعام احب الي من ان اعتق رقبة. وقال عليه السلام وخيركم من اطعم الطعام (2) والآثار في هذا كثيرة. واما ادابها قبل الطعام فهي. خمسة. احدها. ترك الا كل من الطعام الذي لم يدع اليه مخافة ان يحصل في الحديث الوارد من مشى الى طعام لم يدع اليه مشى فاسقا واكل حراما (3). وفي خبر آخر: دخل سارقا فاكل حراما وخرج مغيرا (4) الثاني. ترك التكلف وتقديم ما حضر وان لم يحضر شيء فلا يستقرض لاجل ذلك. وكان انس بن مالك وغيره من الصحابة فيما روي عنه يقدمون من الكسر اليابسة وحشف التمر ويقولون ما ندري ايهما اعظم وزراً الذي يحتقر ما قدم اليه، او الذي يحتقر ما عنده ان يقدمه (5). وقال عليه السلام ولا تتكلفوا للضيف فتبغضوه (6) (الثالث) ان لا يقترح الضيف على صاحب البيت، وان خير فليختر ايسرهما عليه. وروى الاعمش عن ابي وائل (7) قال: مضيت انا وصاحب لي نزور سليمان رحمه الله (8) فقدم الينا خبز شعير
1) رواه الطبراني من حديث عبدالله بن عمر. وقال ابن حبان: وليس من حديث رسول مل الله الله (ع). وقال الذهبي غريب منكر
(2) رواه احمد والحاكم من حديث صهيب وقال صحيح الاسناد
(3) روى البيهقي نحوه من عائشة وضعفه
•
(4) وفى معنى الحديثين ما ورد من حديث ابن عمر ورواه ابو داود بلفظ: «ومن دخل على غير دعوة دخل سارقا وخرج مغيراء
ه وفى معناه ما رواه احمد والطبراني وابو يعلى حرام) ان يقدم الرجل ما يحقره في منزله الى قوم، وحرام على الرجل ان يحقر ما قدم اليه. (6) رواه احمد وابن ماجه وابن حبان. وتمامه. فان من ابغض الضيف فقد ابغض الله، ومن ابغض الله فقد ابغضه الله.
(7) هو ابو وائل شفيق بن سلمة مات في زمن الحجاج بعد الجماجم. (8) هو سليمان بن مهران ولد فى عاشوراء سنة 61 هـ يوم قتل الحسير ومات سنة 148 هـ.
- 269 - (2/269)
صفحة 667
ففي
وملحا جريشا، فقلت لصاحبي لو كان مع هذا الملح سعترا لكان احسن، فخرج سليمان فرهن مطهرته واخذ سعترا فلما اكلنا قال صاحبي: الحمد الله الذي اقنعنا بما رزقنا، فقال سليمان: لو اقنعت لم تكن مطهرتي مرهونة. الرابع ان يشهي صاحب البيت ضيفه كي يصادف شهوته. ذلك فضل واجر كبير. وفي حديث عن النبيء عال من لذذ اخاه المؤمن بما يشتهي كتب الله له الف الف حسنة، ورفع له الف الف درجة، واطعمه من ثلاث جنات، جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنه الخلد (1) والله اعلم. الخامس ان لا يقول له هل اقدم طعاما ام لا؟ ولكن يقدم، فان اكل والا فليرفعه والله اعلم. واما آدابها في حالة الاكل فهي عشرة: احدها ان يبدأ بالاكل افضل الحاضرين تبركا به. «الثاني» ان لا يسكتوا على الطعام ولكن يتكلمون بالمعروف وحكايات الصالحين في الاطعمة وغيرها ويتكلم معهم صاحب البيت لئلا تدخلهم وحشة. «الثالث» ان لا ينظر احد منهم الى اكل جليسه. الرابع ان ياكل كأكل رفيقه فان زاد فهو حرام؛ اذا كان الطعام بينهم، ولم تسمح نفس صاحبه «الخامس ان لا يقول لرفيقه كل ان كان الطعام لغيرهم، وان كان لهم يزد على قوله: كل: اكثر من ثلاث، فان ذلك الحاح، واما اليمين فممنوع راسا على الطعام لانه اهون من ان يحلف عليه. «السادس» ان لا يذكروا الموت على الطعام حتى يفرغوا منه. «السابع» ان لا يرفع يده قبل صاحبه لقول الله عمر رضي عنه: لؤم بالرجل ان يرفع يده من الطعام قبل اصحابه. (الثامن) ان لا يعاود الاكل ساعة بعد ساعة، فان ذلك
فلا
1) ذكره ابن الجوزي في الموضوعات من رواية محمد بن نعيم عن ابن الزبير وعن جابر.
وقال احمد بن حنبل: هذا باطل كذب
•
- 270 – (2/270)
صفحة 668
وضع
-
من أفعال البهائم وسوء الادب. التاسع» ان لا يفعل ما يستقذره غيره من المضغ بشدقيه جميعا، او نفض يده في القصعة، او يدني اليها رأسه عند اللقمة في فيه. واذا أخرج شيئا من فيه فليصرف وجهه عن الطعام، ولياخذه بيساره ولا يغمس بقية اللقمة التي قطع باسنانه في المرق ولا يتكلم بكلام يستقذره غيره والله اعلم. العاشره غسل الايدي. . بعد الطعام واللحم ان اكلوه – في القصعة. وفيها اداب: ان لا يبصق فيها، وان يبتدئ بالغسل افضل القوم، وان يقبل الاكرام به في التقديم. وان يدار يمنة، وان تجتمع فيه جماعة، وان يجتمع الماء في الطست، وان يكون من يصب. قائما. وان يمج الماء من فيه في يده برفق لئلا يرش على الفراش وعلى اصحابه. «العاشر الدعاء والانصراف. وسنته التشييع للضيف الى راب الدار، ومن اداب المدعو الى الضيافة ان لا يمتنع من الاجابة لقول النبيء لا لو دعيت الى كراع الغميم لاجبت (1) وهو موضع على المدينة ويقال من ميلا عد مريضا، سر ميلين اصلح بين اثنين، ثلاثة اميال اجب دعوة، سر اربعة اميال زراخا في الله تعالى، واما ? ان كان الداعي ظالما، او صاحب ريبة، او فاسقا، او مبتدعا، او شريرا، او متكلفا او مباهيا فلا بأس بترك اجابته، بل لا ينبغي ان يجيبه. وان اجاب لمن ينبغي فلا يتصدر في المجلس بل يتواضع ولا يضيق على الحاضرين بالزحمة، ولا ينبغي ان يجلس في مقابلة بيت النساء، ويغض بصره، ولا يكثر الالتفات الى مجيء الطعام فانه دليل الشره وان راى في الدار منكرا فليغيره والا فليخرج ان لم يقدر على تغييره والله اعلم واحكم.
اميال
?
1) رواه البخاري من حديث ابي هريرة.
- 271 – (2/271)
صفحة 669
الفصل الثاني
في اداب الشراب
وهي عشرة: «احدها ان ياخذ الكوز بيمينه لقول النبيء وان الشيطان يشرب بشماله (1) «الثاني» ان يقول
بسم
الله لئلا يشاركه الشيطان في شرابه. «الثالث» ان لا يشرب في آنية الذهب والفضة لقوله «من شرب فيها انما يجرجر في جوفه نار جهنم» (2). «الرابع» ان لا يشرب قائما ولا مضطجعا، يستحب ذلك لنهيه لا عن الشراب قائما،. وقد قيل لو يعلم الشارب قائما ما عليه لاستقاء ما شرب. وقد روي عنه عليه السلام انه شرب من زمزم قائما (3). «الخامس» ان يمص الماء مصا، لقوله المصوا الماء مصا ولا تعبوه عبا فان الكباد من العب (4). «السادس ان يراعي اسفل الكوز حتى لا يقطر عليه وينظر في الكوز اولا قبل الشراب. «السابع» ان لا يتجشأ في الاناء وهو الكوز ولا يتنفس فيه لنهي النبيء علي الله عن التنفس في الاناء، وقال رجل يا رسول الله اني لا اروى من نفس واحد. قال ابن القدح عن فيك ثم تنفس.
قال الرجل: واني لارى القذى فيه. قال فأهرقه (5) قال فأهرقه (ه) وينحي الكوم
1) تقدم.
وجع
2) متفق عليه عن ام سلمة رضي الله عنها.
(3) متفق عليه من حديث ابن عباس. وذلك من زمزم. 4) رواه الجماعة: اذا شرب احدكم فليمص الماء مصا ولا يعبه عبا فانه يورث الكباده اي الكبد - وفى معناه قوله (علي): لا تعبو الماء عبا فانه من ذلك يتولد البهر ولكن مصوه مصاء رواه الربيع. والبهر بالضم تتابع النفس. ويروي: ولا تشربوا في نفس واحد كالبعير. وعن ابن عباس عن النبيء): ولا تشربوا واحدا كشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث وسموا اذا انتم شربتم، واحمدوا اذا انتم رفعتم ه عن ابي سعيد الخدري رواه ابو داود بتقديم وتاخير وقال حديث صحيح.
– 272 – (2/272)
صفحة 670
عن فيه بالحمدلة ويرده بالبسملة. الثامن) ان لا ينفخ في الشراب وبخاصة اللبن لقوله لا لا تنفخوا في اللبن فانه يقطع الدره (1). التاسع» انه يدار بالشراب وغيره يمنة لقوله الا الله والايمن فالايمن (2) واوتي عليه السلام بلبن وعن يمينه اعرابي وابو بكر شماله وعمر ناحية فقال عمر)
عن
اعط
ابا بكر فناول الاعرابي وقال الايمن فايمن (3). العاشره ان يشرب في
ثلاثة انفاس
•
يسمي
الله في اولها ويحمده في آخرها: يقول في آخر النفس
الاول الحمد لله، وفى الثاني رب العالمين وفي الثالث يزيد الرحمن الرحيم، ثم يقول بعد الشرب الحمد الله الذي جعله عذبا فرانا برحمته ولم يجعله
منه،
ملحا اجاجا بذنوبنا. وان شرب لبنا قال: اللهم بارك لنا فيه وزدنا. وكان لها اذا اكل قال: اللهم بارك لنا فيه واطعمنا خيرا منه، وقال
في اللبن «وزدنا منه ويمضمض من اللبن فاه (4) والله اعلم. مسألة: والفاكهة لابأس ان يجيل الانسان يده اليها في الطبق الا ما يكره ان ينزعه من بين يدي صاحبه، فان ذلك سوء ادب. وقيل الاولون يكرهون عض التمرة بالاسنان ولكن يدخل الانسان التمر في فيه ثم يلقي النواة من فيه على ظهر كفه ثم يضعه بعد ذلك. وكذلك كل ماله ونوى. ويكره ان يقرن تمرتين في فيه. ويكره تقشير التين الاخضر.
1) لم اعثر عليه بهذا اللفظ المنصوص على اللبن.
عجم
(2) و (3) رواه النسائي وابن ماجة وابو داود والبخاري من حديث انس. (4) عن ابن عباس رواه ابن ماجة بلفظ: من اطعمه الله طعاما قال: اللهم بارك لنا فيه وارزقنا خيرا منه، ومن سقاه الله لبنا فليقل. اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، فاني لا اعلم ما يجزيء من الطعام والشراب الا اللبن. «فائدة» آبار المدينة التي يتوضأ ويغتسل ويشرب منها (ع) سبع: بئر اريس، وبيرحاء، وبئر رومة، وبئر غرس، وبئر بضاعة، وبئر المصفاة، وبئر السقيا، او العهن، او جمل.
- 273 - (2/273)
صفحة 671
ويقال: ان عليا كان ياكل الرمان بشحمه ويقول هو ادبغ للمعدة. ويروى ان النبيء عليه السلام كان اذا اوتي بالفاكهة الباكورة وضعها على عينيه وفيه، ويقول الحمد لله رب العالمين اللهم فكما اطعمتنا اولها فاطعمنا اخرها ثم يدعو اصغر ولد يراه فيناوله أياها (1) ويروى ربما اكل العنب خرطا ويرى ماؤه على لحيته كانه خرزات اللؤلؤ (2). ويروى انه اكل يوما رطبا كان فى يمينه ويحفظ النوى في شماله فمرت به شاة فاشار اليها بالنوى فجعلت تأكل في كفه اليسرى وهو ياكل في يمينه حتى فرغ فانصرفت الشاة (3). ويقال: اكل العنب خرطا واكل اللحم نهشا فانه اذهب للقرم ويكره قطعه بالسكين لانه من فعل الاعاجم. ويقال: اللحم ينبت اللحم والثريد طعام العرب، وكان النبيء عليه السلام يأكل الثريد باللحم. وقال: «هو سيد الطعام في الدنيا والاخرة ((4)، وانه يزيد في السمع. ويقال ايضا المداومة على اكل اللحم يقسي القلب فلذلك قست قلوب السباع الضاربة لاعتيادها اكل اللحم والله اعلم. فكان اكثر طعام النبيء عليه السلام التمر والماء والله اعلم.
1) رواه الطبراني عن ابن عباس بلفظ مختلف. وكان اذا اوتي بباكورة الثمرة وضعها على عينيه ثم على شفتيه. وقال: اللهم كما اريتنا اوله فأرينا آخره، ثم يعطيه من يكون عنده من الصبيان ورواية عن ابي هريرة أنه كان (ع) اذا اوتي بأول الثمرة
قال: اللهم بارك لنا في مدينتنا وفى ثمارها وفى مدها وفى صاعها بركة بعد برك
ثم يناوله اصغر من يحضره من الولدان.
(2) قال العقبلي لا اصل له. وقال البيهقي ليس له اسناد قوي. وقال العراقي ضعيف (3) رواه احمد من حديث عبد الله
بن جعفر
كة
4) الحديث الذي ساقه المؤلف مركب من حديثين. الاول: وكان يأكل الثريد باللحم والقرع» رواه مسلم من حديث انس ـ والثاني: وكان احب الطعام اليه اللحم ويقول
-
هو يزيد في السمع، وهو سيد الطعام في الدنيا والآخرة ولو سألت ربي ان يطعمنيه كل يوم لفعله. رواه ابو الشيخ من رواية ابن سمعان
-
274 - (2/274)
صفحة 672
مسألة: وعن على قال: من اكل كل يوم سبع تمرات عجوة قتلت
كل دابة في بطنه، ومن اكل يوما احدى وعشرين زبيبة حمراء لم ير في جسده شيئا يكرهه. قال ولحم البقر داء ولبنها شفاء وسمنها دواء. والشحم مثله يخرج من الداء، ولن تستشفي النفساء بشيء افضل من الرطب، ومن اراد البقاء ولا بقاء فليباكر بالغذاء وليقلل غشيان النساء وليخفف الرداء، وهو الدين. وفي الخبر قطع الغذاء مسقمة وترك العشاء مهرمة. والعرب تقول ترك الغذاء يذهب شحم الكادة وهي الالية. وقال الحكيم لابنه يا بني لا تخرج من بيتك حتى تاخذ حلمك اي تتغذى اذ به يبقى الحلم ويزول الطيش، وهو ايضا اقل لشهوة ما يرى في السوق، وقال حكيم لسمين ارى عليك قطيعة من نسج اضراسك فما هي؟ فقال كل لباب البر وصغار المعز وادهن بدهن البنفسج والبس الكتان. وقال الحجاج لبعض الاطباء صف لي صفة آخذ بها ولا اعدوها، قال: لا تنكح الافتاة من النساء، ولا تاكل طعاما الا اجدت مضغه ولا تاكل. اللحم الافتيا (1). ولا تاكل من المطبوخ حتى ينعم نضجه، ولا تشرين دو علة. ولا تاكلن من الفاكهة الا ناضجها. وكل ما احببت من الطعام ولا تشرب عليه. واذا شربت فلا تاكل عليه، تحبس الغائط والبول، واذا اكلت بالنهار فنم، واذا بالليل فامش قبل ان تنام ولو مائة تمدد. ويقال
الا
من
خطوة. وفى معناه قول العرب: تعش تمش، تغذ تمد اي
ان
حبس
البول يفسد الجسد كما يفسد النهر ما حوله اذا سد مجراه من
والله اعلم واحكم.
1) اي ثنيا. والثني: الذي يلقي ثنيته ويكون ذلك فى الطلف والحافر في السنة الثالثة،
وفي الخف في السنة السادسة.
- YYO - (2/275)
صفحة 673
الفصل السادس
في اداب اللباس
ستة عشر: اربع فرائض واحدها ان يكون حلالا لم يكتسب وهي من وجه حرام. الثاني ان يكون لبسه مباحا ليس فيه حرير ولاخز ولا ابريسم الا موضع الاصبعين او طرازا في ثوب الا في حال الحرب. فهذا في الرجال دون النساء. الثالث) ان يكون ساترا للعورة، «الرابع» ان لا يقصد به التكبر والعجب والفخر لقول النبيء عليه السلام في الرجل يرخي ازاره لا ينظر الله اليه (1) وان يكون طاهراً في حال الصلاة. واربع كراهية: احداها ان لا يلبس الحلة الشريفة جدا، ولا الدنيئة جدا لنهي النبيء عن الشهرة في «اللباس» (2)). (الثانية) ان يجتنب لباس التقنع فانه جاء في الحديث ان التقنع في الليل محرمة، وفي النهار ريبة» (3) «الثالثة ان يلبس عمامته وان يجعلها تحت لحييه لما روي عن بعض انه نظر الى رجل لم يجعل عمامته تحت لحييه فقال: انزع. بلغنا انها
العلماء
القيامة يوم
1) رواه ابو منصور الديلمي في مسنده الفردوس من حديث انس وهو منكر (2) لقوله (علي): من لبس ثوب شهرة فى الدنيا البسه الله ثوب مذلة اخرجه احمد وابو داود والنسائي وابن ماجة ورحال اسناده ثقاث
من حديث ابن
عمر. وثوب الشهرة هو الثوب الذي يشهر لابسه بين الناس. لم اعثر عليه حديثا. ولعله اثر لبعض العلماء. اما التقنع وهو تغطية الراس واكثر الوجه اذا كان للحاجة كدفع حر او برد او لدفع مضرة او لحراسة فمباح. قال ابن وهب سالت مالکا عن التقنع بالثوب. فقال: واما الرجل الذي يجد الحر والبرد او الامر الذي له فيه عذر فلا بأس به، واما لغير ذلك فلا. وقال الابهري: اذا تقنع لدفع مضرة فمباح. ولغيره فمكروه فانه من فعل اهل الريب،،، ويكره ان يفعل شيئا يظن به الريبة.
اهـ مصححه
- (2/276)
صفحة 674
-
عمامة ابليس لعنه الله. الرابعة ان لا يتشبه بزي الفساق لما ورد في الحديث من تشبه بقوم فهو منهم (1)، ويقال ان القلوب لا تشتبه، حتى يتشبه الزي والله اعلم. واربع سنن احداها ان يكون ابيض لقول النبيء عل الله عليكم بالثياب البيض البسوها احياكم وكفنوا فيها موتاكم» (2) الثانية ان يكون الى الساق لقول النبيء ع لباس المؤمن الى نصف ساقه، ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين واما اسفل من ذلك ففي النار. قيل والمرأة؟ قال تغطى ظهر قدميها. قيل له اذا ينكشف. قال ترخي شبرا. قيل اذا ينكشف؟ قال: فذراعا لا تزيد عليه» (3). «الثالثة النية في لبسه ينوي به ستر العورة امتثالا لامر الله تعالى. «الرابعة ان يبدأ في لباسه بالميامن وفي خلعه بالمياسر. واربع مستحبات»: «احداها ان يتشبه بزي الصالحين لقوله الله من تشبه بقوم فهو منهم» (4). «الثانية ان يصلي ركعتين اذا أراد ان يلبس ثوبا جديدا لما روي عن علي انه كان يفعل ذلك. الثالثة ان يدعو بهذا الدعاء ويحمد الله تعالى ويقول: «الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي واتجمل به في حياتي، لما ورد في الحديث عن النبيء علل الله في ذلك. الرابعة ينبغي له ان يكسو اخلاق ثيابه مسكينا لما روي عنه عله قال: وما من مسلم يكسو مسلما من سمل ثيابه. لا يكسوه الا الله الا كان في ضمان
(1) رواه ابو داود من حديث ابن عمر بسند
(2) تقدم ذكـ
3) عن ابي سعيد الخدري رواه الربيع بلفظ: «ازرة المومن» وزاد بعد ففي النار قاله ثلاثا ولا ينظر الله إلى من يجر ازاره بطراه
4) تقدم قريبا.
-
277 - (2/277)
صفحة 675
الله
و حرزه واراه حيا وميتا (1) والله اعلم (2).
1) رواية الترمذي عن ابن عباس: ما من مسلم كسا مسلما ثوبا الا كان في حفظ الله تعالى مادام عليه منه خرقة).
2) (كلمة (جامعة) لقد اعطى المصنف رحمه الله ركن الادب حقه من البيان والتفصيل مما يجب على المسلم ان يتحلى به ويسير في سبيله كي يعيش حياته سعيدا محترما وعزيزا مكرما، وهو جد بديع بالنسبة لظروف عصره. بيد ان كثيرا من هذه الاداب تخضع لناموس التطور. أما ماورد في شأن بعضها من الاحاديث فلمجرد الارشاد. وليست من العبادات المفروضة القارة التي لا تتناولها سنة التطور. فخذ لك مثلا. اداب الطعام. ان اداب الطعام موقوف غالبها على العادة والعرف تبعا لطابع زمانها من رخاه وضيق، وتبعا لسماحة المضيف و سخائه. . لذلك نجد طائفة من الاداب التي ساقها المصنف رحمه الله مكيفة ومطبوعة بطابع عصره الذي يغلب عليه التقشف وضيق العيش وخشونته. فما على العاقل اللبيب الذي يريد ان يتقيد بأدب الدين الا ان يراعي الظروف وحال المضيف وما يثقل على النفوس وما يخف وبعبارة اجمل: ان يراعي ما يلائم حال عصره وعرفه وما لا يلائم. حاشا ما الله على تحريمه
-
نص
فاذا به يسير في طريق لا تتعارض وما تدعو اليه مباديء الدين. وقديما قيل:
•
- -
والبس لكل حالة لبوسها اما نعيمها واما بوسها على ان هناك حالات - وان في عصر ا الرخاء. تدعو اليها الضرورة فيغتفر التزامها نزولا على حكم سياسة التقشف لكن مزاج العصور التي افاض الله فيها على عباده خيراته لا يستسيغها بل يراها للرخاء منافية لقانون الصحة واداب اللياقة كغسل القصعة بعد لعقها وشرب مائها. وكاعتبار اكل احد الرفيقين من مائدة مشتركة اكثر من صاحبه حراما، فباليت شعري هل يستويان حاجة وشهية حتى يستويا اكلا؟ فما الداعي لهذه المضايقة والتحريم؟ وهل اعدت الموائد الا لياخذ كل منها حاجته؟. نحن نعلم ـ وهذه ظاهرة عالمية - ان من المضيفين الاسخياء للاقبال على طعامه ولا يرى في ذلك غضاضة او هضما لحق الضيافة، بل يراه تشريفا للمطبخ على حد تعبير بعض الامم. واذا تبين ان كثيرا من الاداب التي ساق المصنف مما يخضع للظروف والاحوال ويتكيف بالاعراف والبيئات ويتحكم فيها الذوق واللياقة. ومنها ما يستحسن في اوساط ويستقبح في اخرى في عصر واحد، فليست اذن بعبادات مفروضة قارة مدى الازمان والاحوال حتى لا تتناول بالزيادة والنقصان او بالتبديل والتغيير. وعليه فالتقيد بما سار عليه السلف في هذا الميدان لا يتعين =
1
-
من يبتهج
278 - (2/278)
صفحة 676
الفصل الرابع
في اداب الجماع
يصبر على
قيل في قول الله تعالى وخلق الانسان ضعيفا (1) لانه لا الجماع، ويضعف عن تركه، وفي بعض التفسير في قوله تعالى ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به (2) انها شدة الغلمة، فاباح الله النكاح لعباده فضلا منه وحكمة لبقاء النسل وتأليف الخلق كما قال الله تعالى وخلق منها زوجها
ليسكن اليها (3)
مسألة
: واذا اراد الانسان غشيان اهله ليلة الابتناء بها ينبغي ان يكون على طهارة، ويركع ركعتين، ويدعو بقوله: «الحمد لله الذي اغناني بالحلال عن الحرام، وما شاء من الدعاء، ثم يدنو الى اهله فتنزع هي ما عليها من الثياب ما خلا الثوب الذي يلي بدنها فان الزوج أولى بنزعه، ثم يجريده على رأسها ويقول اللهم بارك لي في اهلي وبارك لاهلي في.
=
على الخلف مادامت معيشتها مختلفة. اما ما يجب التزامه وعدم الحيد عنه فهو ما قرره القرآن الكريم والسنة الصحيحة كقوانين عامة تلائم كل. عصر وكل مصر كقوله تعالى وكلوا من الطيبات واعملوا صالحا وقوله وكلوا واشربوا ولا تسرفواه وقوله: «قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة، وقوله: «والذين اذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماه. وقوله: ولا على انفسكم ان تاكلوا من بيوتكم - الى قوله - جميعا او اشتاتا. وكقوله. (يا غلام: سم) وكل مما يليك، وكقوله (عودوا كل جسم ما اعتاده. وقوله: والحمية رأس كل دواءه وقوله: «كلوا وتصدقوا والبسوا في غير اسراف ولا مخيلة. فهذه وامثالها قوانين عامة قارة. اما التفاصيل فموكولة الى الظروف والاذواق والاعراف. مالم اهـ مصححه تتصادم مع القوانين العامة وبالله التوفيق
الله وكل بيمينك
1) النساء: (28
2) البقرة: (286).
) الاعراف: (981).
- 279 – (2/279)
صفحة 677
ثم ينغمر هو وهي في ملحفة او ثوب، ثم ينحرفان عن القبلة اكراما لها، ثم يعقد النية في الجماع ينوي به كسر النفس وتحصين الفرج وطلبا للولد طاعة الله وتكثيرا لامة رسول الله الله
يقول
بسم
الله
، ويسمي
الله في نفسه: والحمد الله ويقرأ قل هو الله احد، ويكبر ويهلل ويقول
بسم الله العلي العظيم، اللهم اجعلها ذرية طيبة ان كنت قدرت ان تخرج من صلبي. وفي الحديث ولو ان احدكم اذا اتى اهله قال: اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني فان كان بينهما ولد لم يضره الشيطان (1) فاذا قرب من الانزال فليقل في نفسه ولا يحرك به لسانه الحمد الله الذي جعل من الماء بشرا الآية (2)، وفي الحديث وكان الله يغطي رأسه ويغض صوته ويقول للمرأة عليك السكينة» (3). وفي الحديث اذا جامع احدكم اهله فلا يتجردان تجرد العيرين» وليقدم التلطف بالكلام والتقبيل (4) وفي رواية اخرى فلا يقع على امرأته كما تقع البهيمة وليكن بينهما رسول. قيل: فما هو؟ قال القبلة والكلام (5) وفي الحديث من الجفاء ان يقارف الرجل جاريته فيصيبها قبل ان يحدثها ويضاجعها فيقضي
حاجته منها قبل ان تقضي حاجتها (6). وفي الحديث اذا اراد احدكم 1) متفق عليه من حديث ابن عباس. ولفظ البخاري لو ان احدكم اذا اراد ان ياتي اهله فقال باسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقنا فانه ان يقدر بينهما ولد فى ذلك الوقت لم يضره الشيطان ابداء
(الفرقان: (54)
) رواه الخطيب من حديث ام سلمة بسند ضعيف.
(4) رواه الديلمي في مسند الفردوس بسند ضعيف
ه) رواه ابن ماجه من حديث عتبة بن عبد بسند ضعيف.
-
(6) اورده القطب رحمه الله في وفاء الضمانة بلا ذكر سند بلفظ واذا جامع احدكم اهله فلا يتنح منها بعد قضاء حاجته حتى تقضي حاجتها ورواه ابو يعلى عن انس بن مالك ان روسل الله (ع) قال اذا جامع احدكم اهله فليصدقها فاذا قضى حاجته قبل ان تقضي حاجتها فلا يعجلها حتى تقضي حاجتها
-
- 280 (2/280)
صفحة 678
غشيان اهله فليستتر فان لم يستتر استحيت الملائكة فخرجت وحضرت الشياطين، فان كان بينهما ولد كان الشيطان فيه شريكا (1) وقال الله لابي هريرة اذا غشيت اهلك او ما ملكت يمينك فقل باسم الله، والحمد
من
،
الله، فان حفظتك يكتبونه حسنات حتى تغتسل، فاذا اغتسلت غفرت ذنوبك» (2) ويقال يستحب للمجامع ان يشرب بعد فراغه ثلاث جرع الماء وينام على يمينه فان ذلك يعيد ما خرج منه. ويقال يكره الجماع في ثلاث ليال من الشهر: الاول والنصف والاخر، يقال ان الشياطين يجامعون فيها. وفي وصية النبيء الا الله العلي يا علي لا تتكلم عند الجماع كثيرا، فانه ان قضى بينكما ولد لا يؤمن ان يكون اخرس، ولا تنظر الى فرج امراتك فانه يورث العمى للولد، ولا تجامعها الا ومعك خرقة ومعها أخرى كي لا تقع الشهوة على الشهوة فتقع العداوة، ولا تجامع ليلة الفطر وليلة الاضحى، ولا بين الآذان والاقامة، فانه ان قضى بينكم ولد يكون عشارا، ولا تجامع امرأتك على السقف فانه ان قضي بينكما ولد يكون منافقا، وعليك بالجماع ليلة الجمعة فانه ان قضي بينكما ولد يكون حافظا لكتاب الله تعالى عز وجل (3) والله اعلم. ومن
العلماء
وفى معناه واذا اتى احدكم اهله فليستر ولا يتجردان تجرد العيرين» رواه ابن ماجة. 2) روي البخارى ومسلم من حديث ابن عباس ان رسول الله قال لو ان احدكم اذا اتى اهله قال باسم الله اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فان قدر بينهما في ذلك ولد، لن يضر ذلك الولد الشيطان ابداء. 3) انكر علماء الجرح والتعديل نسبة هذه الوصايا الى الرسول (ع) وعدوها في قسم الموضوعات. قال الصغاني ومنها اي من الموضوعات وصايا علي (ض) كلها - التي اولها يا علي لفلان ثلاث علامات، وفي آخرها الني عن المجامعة في اوقات مخصوصة. كلها موضوعة. وآخر هذه الوصايا: يا علي اعطيتك في هذه الوصية علم الاولين والآخرين. وضعها حماد بن عمرو النصيبي ـ وقال السيوطي في =
-
- 281 – (2/281)
صفحة 679
من يستحب الجماع يوم الجمعة تحقيقا لقوله علي الله الله من غسل ارحم واغتسل (1) انه المراد في احد التأويلين والله اعلم. ويروى انه لا اذا
اراد النوم اهله اتخذ
مع
خرقة رقة فاذا فرغ ناولته اياها فتمسح عنه الاذى
ويتمسح عنها، ثم باتا فى ثوبهما ذلك (2). واستحب بعضهم ان تكون الخرقة من الصوف لان الكتان يضعف الذكر فيما اظن في قولهم هذا والله اعلم، ونهى النبيء الا الله وان يجامع الرجل امرأته عند احد حتى الصبي في المهد (3)، وهذا نهي تاديب الا ان كان يعقل فلا يجوز ذلك
=
الله
ما الله
اللآلي: وكذلك وصايا علي موضوعة واتهم بها حماد بن عمرو. وكذلك وصاياه التي وضعها عبدالله بن زياد سمعان بن او شيخه اهـ. واذا نفينا نسبة هذه الوصايا الى النبيء (ع) فليس معنى ذلك انها باطلة غير مستحسنة بل قد تكون حقا وحكمة ولكن ليس كل ما هو حق حديثا. هذا ومما ايؤيد وضعيتها اننا نجد الامام علي كرم وجهه يتحاشى سؤال النبيء) كفاحا عما يستحى منه مما يحوم حول العلاقات الزوجية. فهذا المقداد بن الاسود يامره ان يسال النبيء (ع) عن رجل امراته فخرج منه مذي ماذا عليه؟ قال علي: فانا استحي من رسول الله (ع) اساله لاجل ابنته عندي. فاذا كان لا يقدم علي ابسط سؤال في هذا الشجن فكيف يقوى على تلقي هذه الوصايا التي يندى منها الجبين خجلا؟
دنا
من
1) رواه اصحاب السنن بلفظ رحم الله بكر وابتكر وغسل واغتسل، وابن حبان من والحاكم وصححه من حديث اوس بن اوس: من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر
وابتكره الحديث وحسنه الترمذي، وفي رواية زيادة ودنا من الامام واستمع
-
و معنى بكر: اتى الصلاة أول وقتها يعني صلاة الجمعة ـ وابتكر اي ادرك اول الخطبة من ابتكر الرجل اذا اكل الباكورة. - وغسل: بالتضعيف اي جامع اهله فاحوجها الى غسل الجنابة - واغتسل اي من الجنابة
-
3) الذي جرى عليه صاحب وفاء الضمانة انه قول لعائشة. قال كقول عائشة (ض) لتعدن احداكن الخرقة لزوجها اذا اتاها، فاذا قضى الرجل حاجته مسحت
بها ثم ناولته فمسح بها
) لم اعثر على سنده
-
282 - (2/282)
صفحة 680
عنده والله اعلم. ونهى الله عن الفهرة (1)
، قال بعض معناها ان يجامع
جاريته ثم ينزل الماء في غيرها من نسائه
•
نساءه
مسألة: وقد اجازوا للرجل ان يجامع امرأته مرة بعد مرة وان يجامع مرة بعد اخرى ويغسل للجميع غسلا واحدا. روي ذلك عن النبي صلى الله ل، ولا بأس بالجماع بعد اصابة البول والغائط. والمستحب له غسل الاذى اذا اراد المعاودة، أو النوم، وان لم يفعل فلا بأس عليه. ويكره الجماع في اول الليل حتى لا ينام على جنابة. ويجوز له وطء امراته مقبلة او مدبرة او مضطجعة، ولا يجوز الوطء في الدبر. ولا في الفرج في حال الحيض. ولا قبل الاغتسال منه، لنهي الله تعالى عن ذلك. ولما روي في الحديت انه يورث الولد الجذام والله اعلم واحكم، ويجوز العزل عن الامة بغير اذنها، وعن الحرة باذنها، والله اعلم واحكم وبه الحول والتوفيق.
الفصل الخامس
في اداب المعاشرة مع سائر الخلق
قال الله تعالى وقولوا للناس حسنا (2) وقال النبيء لله وانكم لن تسعوا الناس باموالكم فاسعوهم بأخلاقكم (3)، وعن عمر رحمه الله قال
1) وفي نسخة العهرة بالعين. وفسرت بما فسر المصنف الفهرة بالفاء. وهي نوع من العزل. (2) البقر: (83)) رواه ابو يعلى الموصلي و الطبراني فى مكارم الاخلاق من حديث ابي هريرة بلفظ انكم لن تسعوا الناس باموالكم، ولكن ليسعهم منكم ببسط الوجه وحسن الخلق، وبنص طرق البزار ورحاله ثقات. وفي رواية فسعوهم بدل اليسعهم منكم.
- 283 - (2/283)
صفحة 681
ثلاث يصفين لك ود اخيك: ان تسلم عليه اذا لقيته اولا، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب اسمائه اليه، وقال عبدالله بن عمر: البر شيء هين، وجه طليق وكلام لين، وقال بعضهم: يا رسول الله، دلني على
عمل يدخلني الجنة. قال ان موجبات المغفرة بذل السلام، وحسن الكلام (1). وقال معاذ بن جبل رحمه الله قال لي علا اوصيك بتقوى الله، وصدق الحديث ووفاء العهود، واداء الامانة، وترك الخيانة، وحفظ الجار، ورحمة اليتيم ولين الكلام، وبذل السلام، وخفض الجناح (2)، والقول الجامع، لآداب المعاشرة مع سائر الخلق كلام بعض الحكماء: الق صديقك وعدوك بوجه الرضى من غير ذلة لهم ولا هيبة منهم، وترفع في غير كبر. وتواضع من غير مذلة، وكن في جميع امورك وسطا فكلا طرفي الامور ذميم، ولا تنظر في عطفيك، ولا تكثر الالتفات، ولا تقف على الجماعات، واذا جلست فلا تستوفز وتحفظ عن تشبيك اصابعك، والعبث بلحيتك، وتخليل اسنانك، وادخال اصابعك في انفك، وكثرة بصاقك وتنخمك، وطرد الذباب عن وجهك. وتكثر التمطي والتثاؤب في وجوه الناس، وفي الصلاة وغيرها، وليكن مجلسك هادئا، وكلامك منظوما مرتبا، واصغ الى الكلام الحسن
ممن حدثك بغير إظهار تعجب مفرط منك. ولا تساله اعادة ذلك واسكت عن المضاحك والحكايات، ولا تتحدث عن اعجابك لولدك ولا سائر ما يخصك. ولا تتصنع تصنع المرأة في التزيين، ولا تتبذذ تبذذ العبد في الرثة، ولا تلح في الحاجات، ولا تشفع احدا على الظلم، ولا
1) رواه البيهقي فى شعب الايمان من حديث هاني بن يزيد باسناد جيد. (2) رواه ابو نعيم في الحلية
•
— YAE — (2/284)
صفحة 682
تعلم اهلك وولدك
، فضلا على غيرهم، مقدار مالك فانهم ان رأوه قليلا
هنت عليهم، وان كان كثيرا لم تبلغ رضاهم، وأخفهم في غير عنف ولن لهم من غير ضعف، ولا تهازل امتك ولا عبدك فيسقط وقارك،
•
واذا خاصمت فتوقر، وتحفظ من جهلك، وتجنب عجلتك، وتفكر في حجتك، ولا تكثر الاشارة بيدك، ولا تكثر الالتفات الى من وراءك فاذا هدأ غيظك فتكلم، وان قربك سلطان فكن منه على حد السنان، وان استرسل اليك فلا تأمن انقلابه عليك، وارفق به رفقك بالصبي، وكلمه بما يشتهيه، ولا يحملك لطف الملك ان تدخل بينه وبين اهله وولده وحشمه، وان كنت لذلك مستحقا عنده، فان سقطة الداخل بين الملك واهله سقطة لا تنعش وزلة لاتقال. واياك وصديق العافية، فانه اعدى الاعداء، ولا تجعل مالك اكرم من عرضك. فان دخلت مجلسا فالادب البداءة بالتسليم وترك التخطي لمن جلس، والجلوس حيث اتسع وحيث يكون اقرب الى التواضع، وان تحيي بالسلام من قرب منك عند الجلوس، ولا تجلس على الطريق، وان جلست فادبه غض البصر، ونصرة
المظلوم،، واغاثة الملهوف، وعون الضعيف، وارشاد الضال، ورد السلام، واعطاء السائل، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر. والارتياد لموضع البصاق، ولا تبصق في وجه القبلة ولا عن يمينك، ولا عن يسارك ولكن تحت قدمك اليسرى، ولا تجالس الملوك، فان فعلت فاديه ترك الغيبة، ومجانبة الكذب، وصيانة السر، وقلة الحوائج وتهذيب الالفاظ والاعراب في الخطاب، والمذاكرة باخلاق الملوك وقلة المداعبة. وكثرة
الحذر
منهم
وان ظهرت المودة. وان لا تتجشي بحضرته. ولا تخلل بعد الاكل عنده. وعلى الملك ان يتحمل كل شيء الا افشاء السر. والقدح (2/285)
صفحة 683
فى الملك. والتعرض للحرم. ولا تجالس العامة. فان فعلت فالادب ترك الخوض في حديثهم، وقلة الاصغاء الى اراجيفهم. والتغافل عما يجري في سوء الفاظهم، وقلة اللقاء لهم مع الحاجة اليهم. واياك ان تمازح لبيبا او غير لبيب فان اللبيب يحقد عليك، والسفيه بجترئ عليك، لان المزاح يخرق الهيبة. ويذهب ماء الوجه، ويعقب الحقد، ويذهب بحلاوة المودة ويشين فقه الفقيه ويجرئ السفيه، ويسقط المنزلة عند الحاكم. ويمقته المتقون، وهو يميت القلب، ويباعد عن الرب، ويكسب الغفلة. ويورث الذلة، وبه تظلم السرائر وتموت الخواطر، وبه تكثر الذنوب والعيوب. ومن ابتلي في مجلس بمزاح او لغط فليذكر الله عند قيامه كما قال له من
جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل ان يقوم من مجلسه ذلك سبحانك اللهم وبحمدك اشهد ان لا اله الا الله استغفرك واتوب اليك. الا غفر الله له ما كان في مجلسه ذلك (1) والله اعلم. واياك وصحبة اكثر الناس فانهم لا يقيلون عثرة ولا يغفرون زلة. ولا يسترون عورة. يحاسبون على النقير والقطمير ويحسدون على القليل والكثير. ينتصفون ولا ينصفون ويؤاخذون على الخطا والنسيان ولا يغفرون. يغيرون الاخوان بالنمائم والبهتان. فصحبة اكثرهم خسران وقطيعتهم رجحان، ان رضوا فظاهرهم الملق، وان سخطوا فباطنهم الحنق. لا يؤمنون في حنقهم ولا يرجون في ملقهم، ظاهرهم ثياب وباطنهم ذئاب يقطعون بالظنون ويتغامزون وراءك بالعيون، ويتربصون بصديقهم من الحسد ريب المنون، يحصون عليك العثرات في محبتهم ليواجهوك بها عند غضبهم ووحشتهم. كما قال ابو سليمان الخطابي رضي دع الراغبين في صحبتك والتعلم منك
الله عنه:
رواه الترمذي من حديث أبي هريرة. وقال حسن صحيح.
-
286 (2/286)
صفحة 684
خرج
فليس لك منهم مال ولا جمال. اخوان العلانية اعداء السريرة، اذا لقوك تملقوك واذا غبت عنهم سلقوك، من اتاك منهم كان عليك رقيبا، واذا كان عليك خطيبا. اهل نفاق ونميمة وغل وخديعة. ومن كلام غيره، فلا تغتر باجتماعهم ولا تسكن الى حسن ثنائهم في وجهك، واظهار مودتهم لك، فانك ان طلبت حقيقة ذلك لم تجد في المائة واحدا وربما لا تجده، ولا تشك اليهم احوالك فيكلك الله اليهم، ولا تطمع ان يكونوا لك في الغيب والسر. كما كانوا لك في العلانية والجهر، فذلك طمع كاذب، وانى تجده، واذا سالت احدا حاجة فقضاها فهو اخ مستفاد، وان لم يقضها فلا تعاتبه فيصير عدوا يطول عليك مقاساته، واذا بلغك منهم غيبة او رايت منهم شرا، او ما يسوءك فكل امرهم الى الله، واستعذ بالله من شرهم وكن فيها سميعا لحقهم اصم عن باطلهم، نطوقا بحقهم صموتا عن مساويهم فاجعل خطأهم اصابة، واعوجاجهم احسانا، ومنكرهم عرفانا، وخالطهم بجسمك وفارقهم
استقامة وقبيحهم
منهم
بقلبك وعملك تنج من شرهم ويصف لك بعض سرورهم ويسلم لك
قد
دينك ان صح يقينك وبالله التوفيق: قال المؤلف رحمه الله تعالى جمعت في هذا الكتاب قواعد الفرائض الواجبات وواجب الحقوق وغير من الكبائر الموبقات والفضائل الادبيات، فمن امتثل فرائضها
ذلك
بالكمال وادى واجب الحقوق المذكورة فيه من الانفس والاموال واجتنب فيه ما ذكرنا من كبائر الاعمال وطهر قلبه وباطنه من غوائل الاثام وكف لسانه عن الخوض في الاباطيل وتواضع الله وانصف من نفسه في كل حال، وحاسب نفسه فى لطائف الامور وجلائلها وتاب الى الله من صغير الخطايا وكبيرها ولزم الاستغفار وذكر الموت في جميع الاحوال، وحسن ظنه
- YAY- (2/287)
صفحة 685
بالله ورضي به في جميع ما يجري عليه المقادير، وصبر على المصائب
من
البدعة
واحتسبها، وكظم غيظه واستعمل العفو والاحسان الى الناس، وكف لسانه عن اعراضهم وبطنه عن اموالهم، وخفف ظهره عن اثقالهم، وصان نفسه عن مخالطة الاشرار واستعمل التوبة والاستغفار، وسلم من والاصرار وداوم على هذا حتى اتاه اليقين رجونا له السلامة والنجاة يوم الدين ودخول الجنة
جمعناه
الله
مع الذين انعم عليهم من النبيئين والصديقين
و الشهداء والصالحين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيئين وامام المرسلين صلوات الله عليهم اجمعين. فانشد الله من قرأ كتابي هذا وفهم مضمون ما اودعناه من علوم العبادات وما ضمناه من الحقوق والادبيات، انه اذا اطلع فيه على خطا او زلل ان يحسن الظن بنا ويسد الخلل لاننا من كتب مختلفة وذكرنا فيه بعض اختلاف علماء الامة وضمناه جل ما يلتزم الانسان من الحقوق وعبادات الابدان رغبة في ثواب من الهمنا الى تاليفه واعاننا على تصنيفه فلله الحمد على ممر السنين والاعوام والشكر مدى الليالي والايام والصلاة على خاتم الانبياء سيدنا محمد صلى الله عليه وصحبه وسلم تسليما.
وعلى آله
تم بعون الله وتوفيقه كتاب قواعد الاسلام والحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات (2/288)
صفحة 686
117
126
152
169
202
237
253
261
فهرست الجزء الثاني
الركن الثالث: في الزكاة
الركن الرابع: في الصيام الاعتكاف
الركن الخامس: العمرة والحج الجملة الثانية: في افعال الحج والعمرة الباب الثالث: في لواحق الحج والعمرة
الحقوق ومظالم العباد
المظالم
المحارم والكبائر كتاب الأداب (2/289)
صفحة 687
[صفحة فارغة] (2/290)