صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: الفقه
------------------------------------------
العنوان: كتاب الإيضاح
المؤلف: عامر بن علي الشماخي
مع حاشية عليه: محمد بن عمر أبو ستة القصبي النفوسي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة
مكان النشر: مسقط - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1420ه/ 1999م
الطبعة: 4
عدد الأجزاء: 4
الإيداع القانوني: 158/99
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/11
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، ماعدا الجزء الأول فإنه عند تهميش صفحاته يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) كتاب الإيضاح
تأليف العالم العلامة
الشيخ عامر بن علي الشماخي
رحمه الله
الجزء الأول
الطبعة الرابعة
1420 ه/ 1999 م (1/1)
صفحة 2
كِتَابِ الأيضاح
تأليف العالم العلامة الشيخ عامر بن على الشماخي
رحمة الله
حاشية عليه
تأليف الإمام العلامة الشيخ
محمد بن عمر أبو ستة القصبي النفوسي
رحمه الله
الجزء الأول
الطبعه الرابعه
1420 هـ - 1999 م (1/2)
صفحة 3
[صفحة فارغة] (1/3)
صفحة 4
نسبه:
ترجمة المؤلف
هو أبو ساكن عامر بن علي بن عامر بن سيفاو الشماخي:
وكلمة سيفاو كلمة بربرية معناها المضيء أو المنير
وكلمة الشماخي نسبة إلى جبل شماخ، وهو ربوة مرتفعة تقع في أرض الرياينة الآن، وتنسب إليها أسرة الشماخي لأنها كانت مقراً لها ومنها انتقلت الى
الاستقرار في (يفرن).
نشاته:
:
نشأ في أسرة كريمة مشهورة بالصلاح والتقوى، فتأثر بها منذ صغره، أرسله أبوه يرعى بقرة له مع أطفال القرية فكان الاطفال يرسلون أبقارهم ويلعبون، أما عامر فقد كان لا يفلت رسن البقرة وكان يتتبعها أو يتنقل بها من مكان الى مكان، دون أن تمس زروع الناس، فمر به أعرابي من أصدقاء والده فلاحظ عليه ذلك وعندما اجتمع الأعرابي بوالد عامر قال له: إن ولدك عامر يصلح الدراسة العلم لا لرعي الأبقار.
فأمسكه منذ ذلك اليوم ودرس مع أطفال القرية حتى حفظ القرآن الكريم وكثيراً من السنة النبوية المطهرة، وأتقن القراءة والكتابة وعرف بعض مبادئ العلوم، ثم انتقل الى الشيخ أبي موسى عيسى الطرميسي وكانت مدرسته حينئذ أعظم مدرسة في جبل نفوسة، ومنها تخرج عدد غير قليل من فطاحل العلماء
•
بقي ابو ساكن في مدرسة ابي موسى حتى بلغ اعظم الدرجات، وكان أنبغ (1/4)
صفحة 5
وأحب الطلاب الى الشيخ، وآثرهم عنده، وعندما أحس الشيخ يضعف الكبر وقرب النهاية، دعا إليه أحب تلاميذه، وأجدرهم بتحمل المسئولية، عامراً الشماخي فأوصاه. ومما قال له:
ه لقد أبلغت إليك هذا الدين سالماً دون أن تشوبه الخرافة أو البدعة، فإن حافظت عليه بقي، وإن أهملته ضاع».
إنتقل
كفاحه:
بعد أن أتم دراسته رجع الى بلده (يفرن) وكون مدرسته الشهيرة التي لا تزال مبانيها باقية الى اليوم، ولا يزال المسجد على حاله التي كان عليها في عهده في القرن السابع الهجري. بعد أن رتب المدرسة وأسند تدريس المواد الى بعض المشايخ من زملائه وطلابه الكبار، وأسند إدارتها الى من يثق في كفاءته منهم هو إلى مدرسة مزغورة، المدرسة التي كونها الشيخ ابو زيد المزغورتي من علماء القرن الثالث الهجري، وتعاون مع صديقه وزميله ابي عزيز في تنظيم المدرسة وأقسامها الداخلية، ولما انتظمت فيها الدراسة وسارت على منهج قار ثابت ترك إدارتها إلى بعض طلابه الكبار، وانتقل هو إلى ميتيون من قرى الرحيبات، فأسس هنالك مدرسة عامرة وبقي بها ثلاث عشرة سنة حتى عمرت المدرسة وتخرج من طلابها من يقوم بأمرها، وأحس الشيخ بالحنين الى مسقط رأسه (يفرن) فرجع إلى بلده واستقر في مدرسته ومسجده يوالي العمل الله حتى اختاره الله للرفيق الأعلى رحمه الله ورضي عنه
آثاره:
اشتغل بالتدريس، والدعوة الى الاستمساك بدين الله ومحاربة البدع والخرافات والإنحرافات، وكان مرجع الفتوى والرأي في جبل نفوسة، يرضى بحكمه ورأيه الموافق والمخالف. تخرج على يديه عدد من فحول العلماء منهم: ولده موسى، وحفيده سليمان، وأبو يعقوب بن مصباح، والشيخ بن محمد بن الشيخ، وأبو زكريا
-و- (1/5)
صفحة 6
يحيى بن زكريا، وأيوب الجيطالي، أوبو القاسم البرادي صاحب كتاب «الجواهر المنتقاة، ونوح بن حازم المرساوني، وأبو عبد الله محمد التفجاني، وأبو الضياء الطرميسي، وغيرهم كثير
وكان الناس في كافة الجبل يعتبرونه في مقام الإمام، يرجعون إليه في جميع مشاكلهم ومع. كثرة الأشغال، والإنتقال من مكان إلى مكان، فقد ترك لنا ثروة علمية قيمة من أهمها هذا الكتاب الذي نقدمه إليك في هذه الطبعة، والذي كان الإباضية في المغرب الإسلامي من ليبيا الى مراكش يعتبرونه من أمهات كتب الفقه ويرونه أهم المراجع، ويعطيه كثير من العلماء الدرجة الثانية بعد ديوان الأشياخ أما في عمان وزنجبار سابقاً فرغم كثرة الكتب المؤلفة في مادته عندهم فإنهم يضعونه في المرتبة الأولى من كتب المغرب الإسلامي.
أخلاقه:
كان رحمه الله من أصدق المؤمنين إيماناً، وأدومهم في سبيل الله كفاحاً، وأكثرهم مواصلة عمل وبر وتقوى. وكان حكيماً وقوراً، عفيفاً لطيفاً، لين العريكة سهل الخلق، يحب الناس ويحبونه، ويألفهم ويألفونه. إلا ان تنتهك حرمة من حرم الله فلا يقر له قرار حتى يقوم فيها بأمر الله.
وكان واسع الإطلاع، جم المعرفة، دائم الدراسة، متحرر الفكرة، يدرس ما يصل الى يديه من كتب الموافقين والمخالفين، يتحرى الحق، وينتصر له
ويبرهن عليه، بعيداً عن الجمود، بريئاً من التعصب، رحمه الله ورضي عنه
• (1/6)
صفحة 7
[صفحة فارغة] (1/7)
صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الامام العالم العلامة أبو ساكن عامر بن علي الشماخي النسب في إيضاح ماقدر الله من أبواب الفقه ونسأل الله العون والتوفيق.
باب في إيضاح الصلاة بدلائلها وجميع وظائفها) المعلقة بأصولها ومسائلها
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسوله.
محمد عبد
وبعد: فهذه حواش وجدت بخط الشيخ الفاضل أبي. الله
سعيد بن
السدو يكشي رحمه الله تعالى ورضي عنه على الجزء الأول من إيضاح الشيخ الفاضل عامر بن علي الشماخي رحمه الله تعالى وهو (كتاب الصلاة) قوله: من أبواب الفقه الفقه في اللغة: الفهم من فقه بالكسر إذا فهم وإذا سبق غيره إلى الفهم قبل فقه وإذا صار الفقمه له سجية قيل فقه بالضم. واصطلاحاً العلم و بالأحكام الشرعية العملية الناشئة عن الاجتهاد وموضوعه فعل المكلف من حيث تتوارد تلك الأحكام عليه و استمداده من الأدلة المجمع عليها الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والمختلف فيها كالاستصحاب ومسائله، كل مطلوب خبري يبرهن عليه فيه، وفائدته: امتثال الأوامر واجتناب المناهي، وغايته: انتظام المعاش والمعاد مع
الفوز بكل خير دنيوي وأخروي.
1 - (1/8)
صفحة 9
الحَمْدُ لله الذي
علمنا ما لم نعلم، وَفَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنَ خَلْقِهِ وكَرَّمَ، وَهَدانَا لِدِينِهِ وَهُداه، وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله، وَمَنْ عَلَيْنَا بِما شَرعَ مِنْ دِينِ الإِسلام، وجعلنا من أمة محمد عليه
قوله: وفضلنا على كثير من خلقه وكرم مأخوذ من قوله تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير خلقنا تفضيلا) واختلفوا في التكريم. قال ابن عباس رضي الله عنه: هو أنهم يأكلون بالأيدي وغيرهم يأكل من الأرض بفمه، وروي عنه أنه قال: بالعقل، وقيل: بأنهم خير أمة أخرجت للناس، وقال الضحاك: بالنطق، وقال عطاء:
ممن
بتعديل القامة وامتدادها والدواب منكبة على وجوهها، وقيل بحسن الصورة وقيل: الرجال باللحاء والنساء بالذوائب، وقيل: بأن سخر لهم سائر الأشياء. وحملناهم في البر والبحرك أي في البر على الدواب و في البحر على السفن ورزقناهم من الطيبات يعني لذيذ المطاعم والمشارب. قال مقاتل: السمن والزبد والحلوى والتمر وجعل رزق غيرهم مما لا يخفى ثم اختلفوا في قوله تعالى: {وفضلناهم على كثير فقال: قوم فضلوا على جميع الخلق إلا على الملائكة، وقال الكلبي: فضلوا على جميع الخلائق إلا على طائفة الملائكة من جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وأشباههم عليهم السلام. وفي تفضيل الملائكة على البشر اختلاف وقال: قوم فضلوا على جميع الخلق والملائكة كلهم وقد يوضع الأكثر موضع الكل. قال الله تعالى: وهل أنبئكم على من تنزل الشياطين. تنزل على كل أفاك أثيم. يلقون السمع وأكثرهم كاذبون (2) أي كلهم، وفي الحديث عن جابر رضي الله عنه يرفعه إلى النبي: لما خلق الله آدم عليه الصلاة والسلام وذريته
(1) الآية 7 سورة الاسراء. (2) الآيات 221 - 222 - 223 سورة الشعراء.
- Y- (1/9)
صفحة 10
السلام، إنه ذو الجلال والإكرام.
أحمده حمد مؤمن مخلص له الدين، وأُصلِّي على رسوله أحمد الامين، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله،
وأن ما جاء به محمد الله هو الحق من عند الله، صلى الله عليه وعلى من
قالت الملائكة: يارب خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة، فقال تعالى: لا أجمل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان).
قوله: لدينه، الدين: عرفه بعض قومنا بقوله: وضع إلهي سائق لذوي العقول المحمود إلى ماهو خير لهم بالذات وقد يفسر بما شرع من الأحكام.
باختيارهم قوله: ومن علينا مأخوذ من المن وهو النعمة مطلقاً، وقيل بقيد كونها ثقيلة مبتدأة من غير مقابل يوجبها، فنعمه تعالى من محض فضله إذ لا يجب لأحد عليه تعالى شيء خلافا للمعتزلة في وجوب الأصلح عليه كما أشار اليه الشيخ أبو نصر رحمه الله تعالى بقوله: وليس تراعى علة القبح و الحسن، وقول الشيخ اسماعيل رحمه الله في القواعد قبل الاستحقاق فيه تأمل.
قوله: ذو الجلال والاكرام: أي الذي لاجلال ولا كمال إلا هو له ولا كرامة ولا مكرمة إلا وهي صادرة منه، فالجلال في ذاته تعالى وإكرامه فائض منه على خلقه وفنون إكرامه لخلقه لا تكاد تنحصر وتتناهى قوله: مخلص، الاخلاص: إخراج الخلق من معاملة الخلق إلى معاملة الخالق.
قوله: أحمد بدل مقصود
قوله: عبده، العبد لغة: الانسان، واصطلاحاً: المكلف ولو كان ملكاً أو جنياً.
قوله: هو الحق: هو لتأكيد الحصر
• (1/10)
صفحة 11
صلح من آله وأصحابه أجمعين، صلاة نرجو بها ثواب رب العرش العظيم في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. واغفر اللهم لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، آمين يا رب العالمين
أما بعد حمد الله تعالى بجميع محامده، والصلاة والسلام على نبيه محمد وآله، فإنه قد دعاني الى إيضاح ما ألفت في هذا الكتاب من مسائل الصلاة ووظائفها بجميع الأسباب وما عليه عولت إن شاء الله وقدر سلامة وأعان على هداه مما قد اعتنيت به وألفته ومن أقوال أصحابنا خاصة جمعته بدلائل مسموعات مستندات وقياسات مستنبطات مستخرجات طلبي لمرضاة الله تعالى و ابتغاء ما عنده لا لشيء سواه، لا. لا. وأن أكون في ذلك عوناً للمتعامين ومتبعاً سبيل من سلك هذه الطريقة من صالح المؤمنين، لأن الله تعالى قال: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) (1)
ولأن من لم يتحكم على الأصول لما تتحصل عنده الفصول كما قال بعضهم، إنما منعهم من الوصول تضييع الأصول، فلما بطلوا تعطلوا، وهذا على
قوله: ولأن من لم يتحكم على الأصول الخ. الأصل له إطلاقات كما تقرر في محله ومقصوده رحمه الله تعالى أن كل شيء متفرع على شيء أو متوقف صحته
(1) سورة المائدة: 20. (1/11)
صفحة 12
غير دراية مني في العلم ولا بلوغ نهاية مني في الفهم ولا ادعاء فضل على الأئمة المتقدمة ولا استنارة بغير ضيائهم، رحمهم الله أجمعين. وبعد، جعلت الله على كل مسلم قرأ هذا الكتاب أن يستعمل فيه عين البصيرة السليمة من جميع الشوائب مخلصاً للملك الوهاب، ولا يأخذ فيه إلا بما وافق الحق والصواب، على أني جمعته في أيام دهش وهراش و بلوى على أني قاصر عن بلوغ الدرجة القصوى، ولنقل في كل موضع قلت في كتابي هذا فعندي، والله أعلم أن سبب اختلافهم أو العلة كذا وكذا أنه عندي في غالب الظن لا بمعنى علم مسموع قد ثبت و استن، وكذلك إذا قلت: والدليل كذا وكذا وأن العلة كذا وكذا فإنما هو في الاكثر استدلال واعتلال مني لا من صاحب القول الذي على طريقته
أسي وصلى الله على سيدنا محمد النبي الكريم وعلى آله وصحبه.
عليه لابد في معرفته من معرفة المتفرع عليه أو معرفة ما يصح به كما هنا فإن الفروع الفقهية لها شروط وأركان وموانع لا يعرف صحتها إلا بمعرفة شروطها وأركانها وانتفاء موانعها. والمصنف رحمه الله تكفل ببيان ذلك ليكون عوناً للمتعلمين هكذا يظهر في المراد ويحتمل أن يريد بالاصول ما يشمل الكتب وبالفروع ما يشمل المسائل، فكأنه قال: من لم يتحكم على الكتب قلما تحصل عنده المسائل
والله أعلم. قوله: جعلت الله على كل الخ. أي كفيلاً أو شاهداً أو رقيباً، فإن الكفيل مراع لحال المكفول به، رقيب عليه (1/12)
صفحة 13
باب في أدب حاجة الانسان
وإذا أراد أن يتهيأ لصلاته عندما ينتبه من نومه فليخرج قاصداً لحاجته، وليباعد من الناس، لما روي أنه كان إذا أراد حاجته أبعد المذهب، وليختر لنفسه موضع السترة لما روي أن النبي عليه السلام
نهى ان يقضي الانسان حاجته والناس ينظرون إليه وقال عليه السلام:
باب في أدب حاجة الانسان
(2)
قوله: في أدب، أي في أدب قضاء الحاجة، عرف بعضهم الأدب الأعم من أدب قضاء الحاجة بأنه تعلم علم الفرائض والسنن وما أمر الله به وندب اليه واتباع الأحسن والأتم. قوله: في أدب، الأدب محركة: التصرف وحسن التناول أدب كحسن أدباً فهو أديب والجمع آداب وأدبه علمه فتأدب واستأدب، والادبة بالضم والمأدبة
والمأدبة طعام صنع لدعوة أو عرس، وأدب البلاد إيدابا: ملأها عدلاً. قوله: في أدب حاجة الإنسان الخ الأدب مفرد مضاف فيعم أي كل أدب لقضاء الحاجة، والظاهر أن الإضافة للجنس وليست للاستغراق إذ المصنف لم يستوعب الآداب، راجع وحرر إذ لم يذكر من ذلك عدم استقبال الزرع ولا ما تنبت الارض من بقلها ولا عدم القعود في الخلاء في الحرث، نبت الزرع أو لم ينبت،
جميع
(1) رواه أبو داود والترمذي. (2) رواه أحمد
-7 - (1/13)
صفحة 14
(استتروا بستر الله، فإن الستر والحياء من الإيمان)، ولا يتحدث مع احد، ولا ينصت إلى حديث أحد حتى يفرغ من حاجته لما روي انه صلى الله عليه وسلم) (مر به رجل وهو يريد البول فسلم عليه فلم يرد عليه
وكذا لم يذكر أنه يحذر أن يلقاه أحد من الناس أو يلقى أحداً أو يصحبه أو يصاحب أحداً وألا يخرج الى القبلة.
أحد
قوله: وليباعد من الناس: لم يبين حكمه، و كأنه الندب، وهذا خاص بالفضاء كما نص عليه الشيخ إسماعيل رحمه الله.
قوله: وليباعد، ظاهره ولو كانت الحاجة بولاً، وقيده الشيخ اسماعيل رحمه الله بالغائط وهو المناسب، والحكمة فيه سد الذريعة على النظر اليه وسماع الخارج منه. قوله: وليختر لنفسه موضع السترة الخ: الظاهر أن الدليل أخص من المدعى اذ المدعى ندبية الستر لا إيجابه إذ المحرم إبداء العورة، والدليل على حرمة التعري للناس حال نظرهم إليه تأمل.
قلت: يمكن أن يقال المقصود ينظرون الى شخصه لا إلى عورته فيكون مما تأول. قوله: وليباعد وليختر ظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه لا يكفي أحدهما لأنه قد يستتر ويكون قريباً بحيث يسمع ويؤخذ من قوله والناس ينظرون اليه ان ذلك في الفضاء قوله: والحياء عرف بأنه تغير يعتري الانسان من لحوق ما يعاب به، وعرفه بعض
(1) رواه الجماعة إلا البخاري.
ورواية جابر: قال، خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فكان لا يأتي البراز حتى يغيب فلا يرى). رواه ابن ماجه، ولأبي داود: (كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد).
- Y- (1/14)
صفحة 15
السلام) ويكره له أن يعمل عملاً في تلك الحال من الطعام او الشراب او يطرح القمل من ثوبه فإن قال قائل: لم نهيته عن هذه الاعمال في تلك الحال والسنة إنما وردت في رد السلام؟ قيل له ـ والله اعلم - إنَّ ردّ السلام فريضة، وإذا وردت السنة في ترك الفريضة في تلك الحالة فالمباحات أولى بالترك لأن في طبع الخلائق أن المفضول تابع للفاضل، وهو مشغول بها عما سواها، ولو اشتغل عنها بغيرها لكان ذلك ذريعة إلى وصول النجس إلى ثيابه و بدنه، وقد نهى عن ذلك في الحديث عن أبي عبيدة عن مسلم الجابر رضي الله عنهما قال: بلغني عن رسول الله أنه قال:
قومنا بقوله: خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حق ذوي الحق، وروي عن الجنيد أنه قال: الحياء رؤية للآلاء أي النعم ورؤية التقصير فيتولد بينها حالة تسمى الحياء، وانما جعل من الايمان وإن كان غريزة لأنه قد يكون تخلقاً واكتساباً كسائر اعمال البر وقد يكون غريزة لكن استعماله على قانون الشرع يحتاج الى اكتساب ونية وعلم ولكونه باعثاً على افعال البر، ومانعاً من المعاصي. قوله: ولا يتحدث مع أحد فينبغي أن يقيد بما اذا كان اغير مهم كتنجية نفس أو مال، وهذا شامل للفضاء والكنيف ولو قال فليسكت لكان أعم وأشمل لشموله إنشاد الشعر لنفسه ونحوه تأمل. قوله: ولا ينصت الخ ظاهره الكراهة ولو في رد السلام وفي عبارة بعض العمانيين ولا يجوز لمن كان يبول أن يرد السلام، إلا أن بعض أصحابنا أوجب الرد إذا فرغ، وكان الشيخ أبو محمد لا يرد السلام على من كان في تلك الحالة ولا يوجب فيها رد السلام، قال أبو علي من كان في حال قضاء حاجة الانسان فلا أرى بأساً أن يكلم غيره إذا كلمه أو يتكلم لحاجة تعنيه وقوله ويكره الخ
-?- (1/15)
صفحة 16
رجلان يعذبان في القبر ولا يعذبان على كبير. أما أحدهما فإنه لا يستبرئ من البول والغائط، وأما الثاني فالذي يمشي بين الناس بالنميمة)) والعقوبة لا تكون إلا على ترك الفريضة، فإن قال قائل، ولعله إنما نهى عن رد السلام في تلك الحالة لأن السلام إسم من أسماء الله وقد روي أن النبي
يؤخذ منه انه لا يشمت عاطساً ولا يحمد اذا عطس ولا يحكي مؤذناً. قوله: وقد نهى عن ذلك في الحديث، لفظ الحديث في كتب المخالفين عن ابن عباس مرفوعاً أن النبي امر بقبرين فقال: إنها يعذبان وما يعذبان في كبير ـ زاد في رواية البخاري - بلى إنه كبير أي عند الله أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة واما الآخر فكان لا يستتم من بوله اي لا يحسن الاستبراء، قال العلماء: وما يعذبان في كبير اي في ظنها او كبير تركه عليها او عند الناس وإن كان كبيرا عند الله وبه يبطل ما توهم ان النميمة ليست من الكبائر والله اعلم، فالاستبراء مأمور به لأنه فرض، فيكون عدم الاستبراء منهي عنه لأن الأمر بشيء نهي عن ضده عند البعض و اذا نهي عن عدم الاستبراء اء فقد نهي عن ايصال النجس إلى الثياب والبدن تأمل. قوله: على الخلاء، الخلاء بالمد: موضع قضاء الحاجة، وأصله المكان الخالي ثم نقل الى موضع قضاء الحاجة قيل سمي بذلك باسم شيطان فيه يقال له خلاء وقيل لأنه يتخلا فيه اي يتبرز وجمعه اخلية كرداء وأردية، ويسمى: المذهب والرفق والكنيف والمرحاض والميمار.
قوله: لما ذكرنا اي من كونه مشغولاً بتلك الحالة عن غيرها
قوله: ولما روي عن جابر، لعل وجه الاستدلال من الحديث ان الشيخ رحمه الله حمل قوله لا في الحديث والذين لم يكونوا على طهارة على المتلبسين المشتغلين
(1) رواه الجماعة بلفظ آخر (1/16)
صفحة 17
عليه السلام نهى أن يُذكر اسم الله على الخلا، قيل له: ولو كان السلام اسم من أسماء الله عز وجل فرد السلام جواب لمن سلَّم، والدليل ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يسلم على من كان في الصلاة ولا على من كان في بول
=
أو غائط ولا على كل مشتغل عن الجواب) فقد جعله من الكلام، وجعله مشغولاً بتلك الحالة، وكذلك لا يقرأ القرآن عند حاجة الإنسان لما
:
ذكرنا، ولما روي أيضاً عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في الجنب
والحائض والذين لم يكونوا على طهارة لا يقرأون القرآن ولا يطئون مصحفاً بأيديهم حتى يكونوا متوضئين، وليرتد لبوله مكاناً سهلاً، لما روي عن جابر عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي بينما هو يمشي في طريق إذ مال إلى دمث فبال وقال: (إذا بال أحدكم فليرتد لبوله) (1)
وهي
بالبول والغائط حتى يصح الاستدلال به على ما ادعاه ولعله ايضاً حمل قوله ايضا حتى يكونوا متوضئين على الوضوء اللغوي أي النظافة، لكل أحد بحسبه، فالجنب والحائض: الاغتسال، ولغيرهما الاستبراء وغسل يديه، فلا ينافي ما سيأتي ان غير الحائض والجنب له ان يمس | المصحف ويقرأ القرآن وفيه نظر تأمل. قلت وجه النظر انه يحتمل ان الحديث محمول على ظاهره والاستدلال بالمفهوم الأولى لأنه اذا امتنع عن غير المتطهرين قراءة القرآن فمن باب اولى الملابسين لتلك الحالة وسيأتي ان المصنف رحمه الله يتكلم فيما بعد حرره.
(1) رواه أحمد وأبو داود.
-1 - (1/17)
صفحة 18
والدمث: المكان السهل اللين، وقوله (فليرتد لبوله) يعني أن يرتاد مكاناً ليناً ليس بصلب فينضح عليه أو مرتفع فيرجع إليه ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ببول ولا غائط. والناس في استقبال القبلة واستدبارها على ثلاثة أقوال: قول انه لا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها ببول ولا غائط أصلاً ولا في موضع من المواضع، وقول إنه يجوز على الاطلاق، وقول: يجوز في المباني ولا يجوز في الصحارى وغير المدن والمباني. وسبب اختلافهم حديثان متعارضان أحدهما حديث أبي أيوب الأنصاري
قوله: الدمث في القاموس: دمث المكان وغيره، كفرح سهل ولان، والدماثة: سهولة الخلق، والتدميث: التليين.
قوله: قول إنه لا يجوز هو قول ابي ايوب عبد الله بن زيد الانصاري الصحابي ومجاهد وابراهيم النخعي وسفيان الثوري وابي ثور وأحمد في رواية عنه، وقد بقي مذهب رابع وهو لا يجوز الاستقبال لا في الصحارى ولا في البنيان ويجوز الاستدبار فيهما وهو احد الروايتين عن ابي حنيفة وأحمد.
قوله: على الاطلاق اي في البنيان والصحارى جميعاً وهو مذهب عروة بن الزبير وربيعة شيخ مالك وداود الظاهري.
قوله: وقول يجوز في المباني هو مذهب مالك والشافعي وهو مروي عن العباس ابن عبد المطلب وعبد الله بن عمر والشعبي واسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل في احد الروايتين وهو رواية جابر بن زيد رضي الله عنه على ما رواه أبو عبيدة.
-11 - (1/18)
صفحة 19
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو بمصر: (والله لا أدري كيف أصنع بهذه الكرايس وقد قال عما إذا ذهب أحدكم لغائط أو بول فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بفرجه، والثاني: حديث ابن عمر (2) قال: (دخلت على حفصة فرأيت رسول الله الله جالساً لحاجته في بيت حفصة بين لبنتين مستديراً للكعبة مستقبلاً لبيت المقدس) فمن ذهب مذهب الجمع حمل
قوله: الكرايس: جمع كرياس بالياء المثناة التحتية وهو المرحاض الذي يكون على السطوح وما كان على الارض يسمى كنيفاً. ابو عبيدة: يقال لموضع الغائط
المرحاض والخلاء والمذهب والمرفق
قوله: وحيث لاسترة يحتمل ان يكون تقييداً لقوله على الصحاري فيجوز في ساتر ويحتمل أن يكون ليس تقييداً وإنما هو معطوف على الصحارى أي على الصحارى وفي غيرها كالمدن والقرى إذا لم يكن هناك ساتر وفي هذا الفرع الاخير خلاف. وعبارة خليل المالكي: وجاز بمنزل وطي، وبول و غائط مستقبلا قبلة ومستدبراً وإن لم يلجأ وأولى بالساتر وبالاطلاق وفي الفرع الاول خلاف ايضا بناء على ان من الملائكة المصلين السياحين في الارض وصالحي الجن وتعظيم الكعبة وجهتها فإن قلنا بالأول جاز الاستقبال والاستدبار في الفضاء مع وجود الساتر، وإن قلنا بالثاني لم يجز مطلقاً والمختار الثاني كما سيأتي في كلام المصنف رحمه الله فعلى مقتضى كلامه لا يجوز الاستقبال ولا الاستدبار مطلقاً
العلة
هي
الستر
قوله: فإن قال قائل لأي علة الخ، قلت: هذا مذهب الفقهاء والأصوليين في الأحكام. وأما أحكام الله تعالى فقيل إنها تعلل بالاغراض وهو مذهب المعتزلة
(1) رواه السبعة بلفظ: لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط أو بول ولكن شرقوا
أو غربوا).
(2) رواه الجماعة
-17 - (1/19)
صفحة 20
حديث أبي أيوب الأنصاري على الصحارى، وحيت لاسترة، وحمل حديث ابن عمر على السترة، وقد روي عن جابر بن زيد قال: سألت ابن عباس عن ذلك قال: إذا كان في الصحاري والقفار، وأما في البيوت فلا بأس لأنه حال بين الناس وبين القبلة حائل وهو الجدار، ومن ذهب مذهب الترجيح رجح حديث أبي أيوب الأنصاري لأنه إذا تعارض حديثان أحدهما فيه شرع والآخر موافق للأصل الذي هو عدم الحكم ولم يعلم المتقدم من المتأخر وجب أن يُصار إلى الحديث المثبت للشرع لأنه قد وجب العمل بنقله من طريق العدول وتركه الذي ورد من طريق العدول يمكن أن يكون ذلك قبل شرع ذلك الحكم، ويمكن أن يكون بعد، فلم يجز أن يترك شرع وجب العمل به بظن لم يؤمن أن يوجب النسخ به إلا لو نقل انه كان بعد لأنه لم يرفع الشك ما ثبت بالدليل الشرعي. وأما من ذهب مذهب الرجوع إلى الأصل وهو براءة الذمة عند التعارض يوجب أن الشك يسقط الحكم ويرفعه، وقول رابع: من قصر النهي في استقبال القبلة واستدبارها بمكة وهو بمذهب الجمع أليق فإن قال قائل لأي علة نهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند حاجة الانسان؟ قيل
ذلك
"
وقيل: لا تعلل أصلا وهو مذهب بعض الاشعرية، وذهب المحققون منهم إلى أنها تشتمل على حكم ومصالح، ولعل مذهب الأصحاب يوافق هذا القول
- 13 (1/20)
صفحة 21
له: ليس في الشرع أمر ولا نهي إلا وله معنى لأجله حظر أو أبيح إلا أن ذلك على ضربين منه ما عقلنا في الجملة أنه مصلحة للمكلف واستأثر الله تعالى بعلم معناه على التفصيل كقوله تعالى: «إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر (1) فعلمنا أن كل ما نهي عنه في الجملة فواجب لوجوبها قياساً عليها ولم يعلم المعنى في عددها وصفاتها ومواقيتها ولم ينص عليها، ومنه ما ورد النهي بمعناه كقوله تعالى في الخمر والميسر إنها تصد عن ذكر الله وغير هذا من وجوه القياسات، والنظر يوجب عندي أن يكون النهي عن الاستقبال لأجل الكعبة تعظيماً لها، فإن قيل يلزمك على هذا أن تجعل كل ما عظمه الشرع، كذلك، قيل له قد ذكر أن بعض الفقهاء يکره استقبال مطلع الشمس ومغربها وكذلك الشمس والقمر لأنهما خلقا من نور العرش، فهذا يقتضي المساواة والله أعلم. ولا يجوز استقبال
قوله: يلزمك على هذا الخ، قلت: لا يلزم ما ذكر لجواز ان يكون النهي عن ذلك لخصوصية الكعبة كما خصت بأمور لا تثبت لغيرها.
قوله: يكره استقبال مطلع الشمس الخ، قلت: مقتضى كلامه التحريم كالقبلة ولا بعد فيه، وهو خلاف موجود خارج المذهب، فقد حكى صاحب الشمائل فيه الخلاف من غير ترجيح، والظاهر أن بيت المقدس كذلك. وعند الشافعية
(1) سورة العنكبوت: 45.
- \ {- (1/21)
صفحة 22
لا
الريح لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أراد أحدكم البول) فليتحر الريح) يعني أن ينظر أين مجراها فلا يستقبلها ولكن يستدبرها لكي يرد عليه الريح البول، ولا يكون قعوده لحاجته تحت أشجار مثمرة كانت أو غير مثمرة، وقيل غير ذلك في الشجرة إذا كانت غير مثمرة. والنظر عندي أن سبب الخلاف ما توجبه اللغة من قوله عليه السلام: (من قضى حاجته (2) تحت شجرة مثمرة أو على ظهر نهر جار أو على طريق عامر أو على باب أو على ظهر مسجد من مساجد الله فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) لأن إسم الفاعل من قوله تحت شجرة مثمرة
يكره استقبال بيت المقدس، وعند المالكية يباح ولا يكره على ما في التوضيح. قوله:: مسجد من مساجد الله في الديوان إن دخل المسجد وغلق عليه الباب أو منعه الخوف من الخروج منه وقد شق عليه الأمر ولا يستطيع أن يملك نفسه فيقصد إلى المحراب فيقضي حاجته فيه وإن قصد إلى ركن الشمال فلا بأس وليصلح ذلك ما أفسده في المسجد وليطيبه بما أمكنه وقيل: إنه لا يقصد إلى المحراب ولكن يقصد إلى محل تقل فيه المضرة لأهل المسجد وإن حصر الرجل فوق المسجد ولم يجد إلى النزول سبيلاً وحصره حاجة الإنسان فلينظر موضعاً لا يضر فيه فليقض حاجته وليصلح ما أفسد
بعد
>
(1) رواه الربيع.
(2) أخرجه الطبراني في مسنده من حديث ابن عمر بسند ضعي
-101 (1/22)
صفحة 23
يصلح للحال والاستقبال، فمن اعتبر الحال قال معناه تحت شجرة ذات ثمار، ومن اعتبر الحالين وهو الأصح قال سواء كانت مثمرة أو غير مثمرة قال الشاعر: (وهو كثير) دليل على أن اسم الفاعل يقع على الاستقبال.
كأني إذا عدوا ضمنت بزى من العقبان جائية طلوبا جريمة ناهض في رأس نيق ترى العظام ما جمعت صليبا. قال جريمة ناهض وهو لم يطر بعد، ولا يقعد في موضع يكون للناس فيه مرور ومقعد ولا في بيوت الناس ما خرب منها وما عمر. الدليل
قوله: جريمة، في الصحاح: وجرم يحرم أي كسب فلان جريمة أهله أي كاسبهم وقال أبو خراش: جريمة ناهض البيت.
قوله: ناهض في الصحاح: نهض ينهض نهضاً ونهوضاً قام، وانتهضته أنا فانتهض واستنهضته لأمر كذا إذا أمرته بالنهوض له، وناهضته أي قاومته، وتناهض القوم في الحرب إذا نهض كل فريق إلى صاحبه ونهض النبت: استوى، ونهض الطير: أي بسط جناحه ليطير، والناهض: فرخ الطائر الذي وفر جناحاه للطير. قوله: ينق، النيق: أعظم موضع في الجبل، والجمع: نياق صحاح.
قوله: صليباً، أي ودك العظام.
قوله: بيوت الناس، في الديوان: وإن دخل دار غيره بإذن أو البيت الذي لا يحتاج إلى الإذن في دخولها مثل البيوت الغير المسكونة فشد عليه الأمر وخاف
-17 - (1/23)
صفحة 24
(1)
ما روي أن النبي عليه السلام قال: (إتقوا الملاعين وأعدوا النبل) والنبل
الحجارة الصغيرة والمواضع المنهي عنها. وما روي أيضاً عنه عليه السلام قال: (لا ضرر ولا ضرار (2) في الإسلام) ولا يقضي حاجته في الأجحرة والدليل ما روي من طريق ابن عباس أن النبي عليه السلام (نهى عن البول (3) والغائط في الأجحرة) قال ابن عباس: لأنها مساكن إخوانكم من
الحدث، فإن كان في ذلك البيت أو الدار مستراح فإنه يقصده ويقضي فيه حاجته وإن لم يكن فيه ولم يجد في نفسه احتمالاً فليقصد موضعاً لا يضر فيه أهل البيت ويقضي فيه حاجته ويصلح ما أفسد ويطلب صاحب البيت أن يجعله في حل. قوله: ولا يقضي حاجته في الأجحرة، الظاهر أن النهي للتحريم وعبارة الديوان: فليحذر الجحر لئلا يخرج منه الدواب المؤذية من الحيات وغيرها، وثم رخصة إذا لم يجد ما يحفر به ووجد أثر حافر فرس وغيره أن يزيد فيه بالحفر ويذكر اسم الله ويقضي حاجته فيه انتهى. واختار النووي من قومنا التحريم قال: للنهي الصريح إلا أن يعد لذلك فلا حظر ولا كراهة وأما عند مالك فيكره. قوله: الأجحرة جمع جحر بضم الجيم وهو ما استدار، وهل يلحق به
ما استطال وهو الشق والسرب بسين مهملة مشدده وظاهر التعليل الإلحاق قوله: نهى عن البول والغائط في الأجحرة قيل: إن البول في الجحر هو
(1) رواه ابو هريرة. وأخرجه مسلم بلفظ: (اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم).
(2) رواه احمد وابن ماجه عن ابن عباس.
(3) أخرجه ابو داود والنسائي من رواية عبد الله بن مرجس بلفظ آخر
-18 -
ه م 2 - الإيضاح» (1/24)
صفحة 25
الجن والله أعلم. وكذلك لا يقضي حاجته في أثر الحوافر كلها لأنها مساكن الجن والله أعلم. ولا يقضي حاجته قائماً إلا من عذر لأن المفهوم من حديث ابن عباس قال: كان من أدبه عليه السلام لا يكشف إزاره) حتى يقرب من الأرض إذا أراد قضاء حاجة الانسان أن يكون قاعداً، فإذا جلس فليقل كما قال عليه السلام، قال جابر: بلغني عن رسول الله عليه السلام إذا دخل الخلاء قال: (اللهم إني أعوذ بك من الرجس (2) النجس الخبيث
سبب موت سعد بن عبادة، وذلك أنه كان بالشام فقام ليلة فبال في جحر فمات فبينما غلمان بالمدينة يتغاطسون في بئر سكن نصف النهار في شدة الحر إذ سمعوا قائلاً يقول في البئر:
نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة رميناه بسهم فلم تخط فؤاده فذكر الغلمان وحفظ ذلك اليوم فوجد اليوم الذي مات فيه سعد بالشام.
قوله: فليقل اختلف الناس هل الذكر عند إرادة الدخول أو مطلقاً والكلام هنا في مقامين أحدهما هل يختص هذا الذكر بالأمكنة المعدة لذلك لكونها حضرة الشياطين أو يشمل حتى لو بال في إناء مثلاً في جانب البيت؟ والأصح عند الشافعية الثاني مالم يشرع في قضاء الحاجة. المقام الثاني متى يقول ذلك فمن يكره ذكر اسم الله في تلك الحالة يفصل، أما في الأمكنة المعدة لذلك فليقل قبل دخولها، وأما
(1) أخرجه ابو داود والترمذي عن أنس رضي الله عنه بلفظ (إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الارض). (2) رواه أنس بلفظ (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) اخرجه السبعة.
-14 - (1/25)
صفحة 26
المخبث: الشيطان الرجيم (الرجس: الشيطان، النجس بالكسر: الشيء المنجوس، والخبيث: ذو الخبث في نفسه، والمخبث: الذي هو اصحابه خبثاً، وليكن عنده ما يستنجى به عند قضاء حاجة الإنسان من الحجارة، والدليل ما روي أن النبي عليه السلام قال: (اعدوا النبل) وينبغي له ان يحفر لحاجته ويسترها لأن النبي عليه السلام امر بالسترة عند قضاء حاجة الانسان، ونهى أن يقضي الانسان حاجته والناس ينظرون إليه، وذلك من مكارم الأخلاق، وكان من فضائل الأنبياء عليهم السلام لا يرى
في غيرها فليقل أول الشروع كتشمير ثيابه أولاً وهذا مذهب الجمهور، وقالوا فيمن نسي: يستعيذ بقلبه لا بلسانه ومن يجيز مطلقاً كما نقل عن. مالك لا يحتاج إلى تفصيل حرر ذلك على قواعد المذهب. والذي ظهر من كلام الشيخ عامر والشيخ اسماعيل رحمهما الله تعالى موافقة التفصيل المذكور مع مذهب الشافعي فليراجع. قوله: المحبث هو الذي أصحابه وأعوانه خبثاً أي كقولهم المذي فرسه قوي مقو وقيل: هو الذي ينسب الناس إلى الخبث وقيل: الذي يعلمهم الخبث ويوقعهم فيه انتهى، فائق. قوله: أعدوا النبل في القاموس: والنبل محركة عظام الحجارة، والمدر صغارها ضد والحجارة يستنجى بها النبل كصرد ونبله النبل تنبيلا أعطاه إياها يستنجي بها، وتنبل بها استنجي، واستنبل المال أخذ خياره، والتنبالة بالكسر القصير والنبل السهام فلا واحد لها أو قبلة. قوله: أن يحفر لحاجته الخ. لم يبين قدر الحفرة عمقاً ولا عرضاً، وكذلك في الديوان لكن في الديوان بين ذلك في الأرض الصلبة ونص عبارته: وإن لم يجد
-19 - (1/26)
صفحة 27
خلاؤهم، وندب المسلمون إلى الاقتداء بهم عليهم السلام. قال الله تعالى:. لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أَسْوَةٌ حَسَنَة)، فإذا قضى حاجته (1) فليستنظف من الأذى بالحجارة والاستطابة بثلاثة أحجار أو سبعة أو بما
يمكنه أن يزيل به الأذى عن نفسه، والدليل على هذا ما روي من طريق
(1)
أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: (إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم أمر
دينكم) وأمر أن يستنجى بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرمة والعظم وما روي عن ابن عباس قال: (الاستنجاء بثلاثة أحجار ليس فيهن رجيع) وقال بعض: يجزئ حجر واحد إذا كان له ثلاثة أحرف قالوا
الرجل موضعاً يتهيأ فيه لحاجته إلا الموضع الصلب فانه يحفر فيه مقدار شير وقيل: مقدار ما تبلغ السكة، ومنهم من يقول عرض أربعة أصابع. قوله: أن يحفر لحاجته، زاد الشيخ إسماعيل رحمه الله: أن يحفر للبول حفرة يفرق بينه وبين الغائط لأن خلطهما قيل إنه من الذنوب التي تحجب الدعاء عن القبول وتورث الوسواس. وروي عن ابن مسعود رحمه الله أنه قال: دعاء الدنيا ولعل ذلك مقيد بالاختيار فلا يرد الكنيف قوله: الرمة أي فيها قولان أحدها: أنها بمعنى الرميم وهي العظم البالي ومنه شيخ رمة أي فان، والثاني: أنها جمع رميم كجليل وحلة ورم العظم إذا بلي
انتهى. فائق. قوله: رجيع المراد بالرجيع هاهنا رجيع بني آدم فقط في الديوان الرجيع
(1) سورة الأحزاب: 21 (2) رواه الدارقطني وصححه، والبخاري بلفظ قريب منه. وأخرجه ايضا مالك.
- Y.- (1/27)
صفحة 28
لأن المفهوم من هذا إزالة العين ولم يشترطوا العدد، وقد ذكر عن داود ابن علي، أعظم من هذا قال: يكفي المستنجي ما ينقيه ولم يخص بالذكر حجراً من غيره ولا عدداً قال: ولو عدل عن الحجر الى الخزف والخشب إن ذلك يجزيه ومن غلب الظاهر على المفهوم أو خصه به قال: لابد من ثلاثة أحجار وهو أقل ما يجزئ أو سبعة أو ما يمكنه مما يزيل به الأذى
روث الإبل ولكن ينظر التخصيص من أين فإنه الروث مطلقاً
قوله: وقد ذكر عن داود بن علي الخ، بل هو مذهب غالب أهل الرأي كمالك والشافعي وغيرهما
•
قوله: الخزف في القاموس الخزف محركة الآجر وكل شيء عمل من طين وشوي بالنار حتى يكون فخاراً وإلى بيعه نسب محمد بن علي الراشدي الفقيه وساباط الخزف موضع ببغداد وكجهيلة اسم وخزف في مشيه يخزف، خطر بيده. قوله: قال لابد من ثلاثة أحجار وهو أقل ما يجزي فعلى هذا تتعين الثلاثة فلا يجزي ما دونها وإن أنقى وهو خلاف ما قاله الشيخ إسماعيل رحمه الله حيث قال: ولا يلزمه طلب الثلاثة إذا أنقى بدونها.
قلت
:
قوله: أو ما يمكنه أي كالخشب مثلاً لكن ينافيه ما يأتي في كلامه رحمه الله، لا منافاة لأن ما سيأتي محمول على الندب وهذا محمول على ما يجوز به الاستنجاء، فحاصل کلامه رحمه الله أن أصحابنا رحمهم الله اعتبروا المنطوق وغلبوه على المفهوم فقالوا: لابد من الحجارة وقالوا: لابد من الوتر بدليل قوله: (من توضأ فليستنثر ومن استجمر فليوتر لكن خصوا الاستنجاء بالثلاث والسبع لما سيأتي وبقي ما عداهما من الإيتار على أصل الجواز فحينئذ لا منافاة
-71 - (1/28)
صفحة 29
عن نفسه وهو قول أصحابنا رحمهم الله، ومن غلب المفهوم قال يجزئ ولو حجر واحد، ومن جمع بين المفهوم والظاهر حمل العدد على الاستحباب، فإذا وجد الانسان الماء لم يكن له استعمال غيره أعني الحجارة فقط لأن فيه غاية الاستطابة ولأن النبي عليه السلام أراد بالاستنجاء الاستطابة، فإن قال قائل: لم خصصتم من العدد الوتر؟ قيل له: قد روي من طريق أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: (من توضأ فليستنثر ومن استجمر فليوتر) فإن قال: ولم خصصتم من الوتر الثلاثة والسبعة؟ قيل له: أما الثلاثة
بين كلاميه رحمه الله حرره.
قوله: وهو قول أصحابنا الخ ذهب الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث النقص من الثلاثة مع مراعاة الإنقاء فإذا لم يحصل بها فتزاد حتى
عدم
إلى اشتراط يستنقى ويستحب الايتار لقوله الله: من استجمر فليوتر الخ. قال الخطابي: لو كان القصد الإنقاء فقط لخلا اشتراط هذا العدد عن الفائدة فلما اشترط العدد لفظ وعلم الإنقاء فيه معنى دل على إيجاب الأمرين ونظيره العدة بالإقراء فإن العدد مشترط ولو تحققت براءة الرحم بقرء واحد. قوله: الثلاثة والسبعة ظاهرة أن الخمسة إذا اقتصر عليها لم يكن آتياً بالمستحب، وعبارة الشيخ إسماعيل رحمه الله تعالى: وينبغي أن يقتصر في الاستجمار على وتر الأعداد على ثلاثة أو خمسة ويمكن أن يقال أن كلام الشيخ أبي طاهر رحمه الله في الجائز الأعم من المستحب وغيره وكلام المؤلف رحمه الله في المستحب
(1) عن جابر (رواه احمد). وعن ابي هريرة، رواه احمد وأبو داود وابن ماجه واللفظان
مختلفان
- 22 - (1/29)
صفحة 30
فقد ورد نص الحديث فيها من طريق أبي هريرة والسبعة قد خصها الشرع في غسل الإناء من ولوغ الكلب وهو حديث أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: (إذا واغ الكلب) في إناء أحدكم فليغسله سبعاً أولهن و آخر هن بالتراب)، فكانت السبعة أولى، ولا يستنجي بما سوى الحجارة من حديد أو رصاص أو تراب أو فخار أو رضف أو غيره إلا في حال
فلا منافاة ويدل له
•
رحمه الله
قوله: فكانت السبعة أولى لكن هذا ينافيه قول الشيخ إسماعيل وينبغي له الخ حرره. قلت: لا ينافيه لأن الانبغاء المذكور في مقابلة غير الوتر وهو مكروه ومقابل
المكروه يشمل الجائز المستوي الطرفين والله أعلم بالصواب.
قوله: ولا يستنجى بما سوى الحجارة الخ. قد يقال فيه اعتبار مفهوم اللقب وهو ضعيف جداً فلذلك اختار الشيخ إسماعيل رحمه الله التعميم فيما يستنجى به حيث عرفه بقوله: كل جامد طاهر منق ليس بمطعوم ولا بذي حرمة كالمدر والتراب والأعواد الخ. وقد يقال التخصيص من فعله لا إذ لم ينقل أنه استنجى بغير الحجر حرر. قلت: ومن تصفح كلام الديوان وجده موافقاً لكلام الشيخ أبي طاهر رحمه الله تعالى راجعه. قوله: أو رضف في القاموس: الرضف الحجارة المحماة يوغر بها اللبن كالمرضافة
(1) حسنه الدارقطني وأخرجه ابن حبان في صحيحه ورواه مسلم بزيادة (أولاهن بالتراب)
- rr- (1/30)
صفحة 31
الضرورة لأن الحديث ورد في الحجارة، ولا يستنجي بعود رطب ولا
ورضفه يرضفمه كواء بها وعظام في الركبة كالأصابع المضمومة قد أخذ بعضها بعضاً وهي من الفرس ما بين الكراع والذراع، واحدتها رضفة ويحرك ومطفية الرضف داهية تنسي التي قبلها وشحمة إذا أصابته الرضفة ذابت فأخمدته، وحية تمر على الرضف فيطفي سمها ناره، والرضيف كأمير اللبن يغلى بالرضفة والمرضوف شيء يشوى عليها، وما أنضج بها والمرضوفة في قول الكميت:
ومرضوفة لم تؤن في الطبخ ضاهيا عجلت إلى محورها حين غرغرا الكرش تغسل وتنظف وتحمل في السفر فإذا أرادوا أن يطبخوا وليست قدر قطعوا اللحم وألقوه في الكرش ثم عمدوا إلى حجارة فأوقدوا عليها حتى تحمى ثم يلقونها في الكرش، والرضفة محرك كة، سمة تكوى بحجارة. قوله: لأن الحديث ورد في الحجارة الخ. تعليل لعدم جواز الاستنجاء بما سوى الحجارة عند وجودها.
وقوله: ولا يستنجى بعود رطب الخ، هذا في الحقيقة: يخرج من مفهوم قوله إلا في حال الضرورة فكأنه قال: إلا في حال الضرورة فيجوز الاستنجاء بغير الحجارة من كل شيء إلا ما استثنى بقوله ولا يستنجى الخ حرره. هذا كله إذا حمل قوله لا بد على تعيين الحجارة عند وجودها كما هو المفهوم من قوة كلامه، لكن يشكل عليه حينئذ استثناء الروث والعظم إذ ليسا داخلين في الحجارة حتى يستثنيا.
قوله: يعود رطب الخ، مفهومه أن اليابس يجوز به الاستنجاء مطلقاً وفي الديوان: ويستنجى بعود إذا كان يبسه بالقحط وأما إن قطع رطباً ثم تيبس فلا يستنجى به إلا في حال الضرورة والظاهر عدم الفرق.
- 24 - (1/31)
صفحة 32
بحشيش، رطباً كان أو يابساً لأنه علف البهائم كما روي في الحديث أن الجن شكوا إلى النبي عليه السلام قلة الزاد وقال لهم النبي عليه السلام: (كلما مررتم بعظم قد ذكر اسم الله عليه فهو لكم لحم غريض وكلما مررتم بروث فهو علف الدوابكم قالوا يا رسول الله إن بني آدم ينجسونه علينا. فعند ذلك نهى النبي عليه السلام أن يستنجى بالعظم والروث (1)) ولا يستنجى بقصب الزرع أو غيره إذا حصد مثل قصب الفول والعدس وكذلك كل ما له ثمر وكذلك عروقه وكذلك شماريخ النخل إذا نزع الثمر من عذقها، لا يستنجى بهذا كله لحرمة الثمار التي تكون منه لأن ما كان منه الشيء فهو مثله فإن قال قائل: أليس قد روي عن النبي عليه السلام
قوله: الجن شكوا وفي أبي داود من قومنا قدم وفد الجن على النبي الله فقالوا: يا محمد إنه أُمتك أن يستنجوا بعظم أو روث أو رمة فإن الله جاعل لنا فيها رزقاً فنهى النبي ما عن ذلك.
قوله: غريض في القاموس: والغريض المغني المجيد، وماء المطر كالمفروض وكل أبيض طري والضلع كالإغريض فيهما.
قوله: عذقها الخ، في القاموس العذق بالفتح النخلة بجملتها والجمع أعذق وعذاق تمر بالمدينة وبالكسر القنو منها والعنقود من العنب إذا أكل ماعليه، الجمع
عذاق وعذوق
(1) روي عن جابر وأبي هريرة بلفظين مختلفين. رواهما احمد ومسلم وأبو داود، والدارقطني قال عن رواية ابي هريرة إسنادها صحيح
كما رواه البخاري بلفظ آخر
- 25 - (1/32)
صفحة 33
أنه قال: (إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم أمر دينكم)؟ وأمر أن يستنجى بثلاثة أحجار ونهى عن الروث والرمة والعظم، فخص بالنهي الروث والعظم فقد دل دليل الخطاب أن ما سواهما مباح قيل له إنما نهى عن الروث والعظم لأن العظم زاد الجن، والروث زاد دوابهم، وكذلك طعام بني آدم وطعام بهائمهم قياساً على الجن، فإن قال: وما ليس بعلف الدواب مثل الأشجار أشجار البراري وغيرها قيل له: كل ما تنبت الأرض فهو مرعى للبهائم وبني آدم، فإن قال: وما سوى النبات والأشجار ينبغي أن يكون حكمه على الإباحة حتى يرد فيه الشرع ويخصه قيل له: والحجارة ما حكمها عندك وقد ورد فيها الشرع وخصها، فإن قال: حكمها الندب، قيل له: فهو مخير إذا بين الحجارة التي هي ندب وغيرها الذي هو
قوله: قياساً على الجن لقائل أن يقول هذا قياس مع الفارق لأن العظم والروث
بمنزلة الطعام المألوف لبني آدم ودوابهم فلا يلزم من النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث لتعين كونها رزق الجن كما يؤخذ من الحديث النهي عن الشجر والحشيش مثلا لعدم الاحتياج اليهما وإن سلم الاحتياج اليهما ليس كالاحتياج اليهما أي العظم والروث فيكون قياساً مع الفارق.
قوله: فهو مخير بين الحجارة الخ لقائل أن يقول: لا يتعين ذلك لأن الحجارة لما طلبها الشرع كانت مندوباً اليها وما سوى النبات والاشجار ينبغي ان يكون باقياً على الإباحة فإن كان مقصود المؤلف رحمه الله تعالى بطل الاستنجاء على جهة الاستحباب والندب فكلامه صحيح، لكن لا يلاقي كلام السائل وإن كان مقصوده
- 26 - (1/33)
صفحة 34
على الإباحة، فان قال: نعم ولا بد من ذلك أبطل قوله ونقضه لأن التخيير بين الإباحة والندب لا يجوز لأن ذلك يُخرج كل واحد منهما عن صفته
والله أعلم. ولا يستنجى بيمينه لما روي من طريق أبي هريرة أن النبي عليه
منع الاستنجاء بها مطلقاً فهو ممنوع وما ذكره لا يفيده بل لا يفيد إلا إبطال كون الاستنجاء بها مندوباً ولا يضر السائل لان السائل ما ادعى الندب بل الإباحة الأصلية فليحرر وعبارة الشيخ أحمد في شرح مختصر العدل: واعلم أن التخيير لا يصح بين شيئين أحدهما إباحة والآخر وجوب أو أحدهما ندب والآخر إباحة أو وجوب انتهى. زاد بعضهم ولا بين حرام وواجب وإلا انقلب أحدهما إلى الآخر فإن التخيير بين التحريم ونقيضه يرفع التحريم والتخيير بين الواجب وتركه يرفع الوجوب ولهذا ردوا على داود استدلاله على وجوب النكاح بقوله. فانكحوا ما طاب لكم من النساء لأن قوله: او ما ملكت أيمانكم لن تخيير بين النكاح وملك اليمين، والثاني لا يجب إجماعاً فكذلك ما خير بينه وبينه .. قوله: ولا بد من ذلك الخ، قلت: ممنوع الحواز أن يكون تخصيصها لا لكونها طلوبة مندوبة دون غيرها بل لكونها الغالب المتيسر فلا يكون له مفهوم كما في قوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق) ونظائره ويدل على عدم تعيين الحجارة نهيه لا عن العظم والروث ولو كان الحجر متعيناً لنهي عما سواه مطلقاً فحينئذ لا يرد كلام الشيخ رحمه الله نعم إن أراد الاعتراض على القائل بندبية الحجارة اتجه عليه الاعتراض وانت خبير بأن ما ذكرنا من البحث هو مقتضى كلام الشيخ أبي طاهر وما قاله رحمه الله مأخوذ من كلام الديوان كما يعلم بالوقوف عليه فليعتمد هنا والله أعلم، كذا ظهر بعد التأمل واستغفر الله من الخطأ والزلل قوله: ولا يستنجى بيمينه الخ، الجمهور على أنه للتنزيه وقال بعض اهل
- TY- (1/34)
صفحة 35
(1)
السلام قال: (إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه) ولا يستنجى بما استنجي به مرة لما روي أن النبي عليه السلام نهى أن يستنجى بما استنجى
به مرة.
ويستر حجر الاستنجاء كما يستر حاجته لأن المعنى واحد والله أعلم.
الظاهر أنه للتحريم، وفي كلام الشيخ اسماعيل رحمه الله ما يؤخذ منه انه للتنزيه. قوله: فلا يمس ذكره بيمينه ولكن يمسك الحجر بيمينه ويمسك ذكره بشماله ويمسح إلى الحجر وأما في الغائط فإنه يبدأ بأول الحجارة من أسفل الباب الى فوق كذا في الديوان وظاهره أن الثلاثة والخمسة مثلاً المخرج الغائط وظاهره أيضاً أن باقي الحجارة يمره من أعلى إلى أسفل، ثم انظر ما هو الظاهر هل يحتاج ايضاً في البول إلى ثلاثة أو يكفي واحد لم أر فيه نصاً حرره؟ قوله: بما استنجى مرة أي إذا لم يبق فيه شيء طاهر و أما إذا بقي منه شيء فإنه يستنجي به من الجهة التي بقيت طاهرة في الديوان ولا بأس أن يستنجي بحجر استنجى به غيره إذا بقيت أحرفه لم تتغير سواء استنجي به هو او غيره. قوله: ويستر حجارة الاستنجاء أي إذا عمها النجس.
(1) رواه ابو قتادة بلفظ آخر دون زيادة: (ولا يستنجي). وزيادته - ابو قتادة - (ولا يتمسح من الخلاء بيمينه ولا يتنفس في الاناء. متفق عليه واللفظ لمسلم.
- YA- (1/35)
صفحة 36
باب في الاستنجاء بالماء
والاستنجاء بالماء فرض لازم على من فرضت عليه الصلاة مالم يكن مانع من ذلك، والدليل على فرضه ما روي عن النبي عليه السلام قال
باب في الاستنجاء
معنى الاستنجاء إزالة النجوى وهو الحدث بنفسه وتسميته بذلك تجوز واتساع لأن النجو المكان المرتفع كما أن الغائط المكان المنخفض فسموا الحدث باسم
المكان وقد وقع في عبارة الشيخ اسماعيل رحمه الله هنا قلب
قوله: باب في الاستنجاء الخ، لم يذكر المصنف رحمه الله متى يجب إزالتها والظاهر إنما تجب عند إرادة القيام إلى الصلاة ونحوها ما لم يجد بللا يؤدي إلى انحلال شيء يلاقي البدن فإنه حينئذ تجب الإزالة لتحريم تلطيخ البدن بنجاسة كما تعدم وعبارة الديوان: ومن ترك الاستنجاء حق خرج عليه وقت الصلاة من غير عذر متعمداً لذلك فقد كفر.
قوله: والدليل على فرضه الخ، قد يقال الدليل الذي ساقه إنما يدل على كون الاستنجاء بالماء أفضل إلا أن يقال الثناء على الفعل إذا اطلق ينصرف إلى الكامل، والكامل إنما يكون على الواجب حرره.
قوله: ما روي عن النبي علي الله قال لأهل قباء الخ: رواه البزار من قومنا وقال بعضهم: ضعيف، وقال النووي: في المجموع لا اصل له.
- 29 - (1/36)
صفحة 37
(1)
(2)
لأهل قباء وكانوا يمرون الماء على أثر البول والغائط فأنزل الله: «فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين (2) فقال لهم النبي عليه السلام: (يا أهل قباء إن الله قد أثنى عليكم في الطهور، فما هذا الطهور؟ قالوا: نمر الماء على أثر البول والغائط فقرأ عليهم الآية) فلحق بالوجوب وفي الأصول أن كل شيء أقر عليه أمته وتركهم وفعلوه بين يديه وكان ذلك عندهم واجباً أو ندباً أو مباحاً فهو من سنته علي
•
وروي عن جابر بن زيد رحمه الله قال: الرجم والاختتان والاستنجاء و الوتر سنن واجبات، والجمع بين الحجارة والماء أفضل وهو
وجوب
قوله: وكان ذلك عندهم واجباً أو ندباً أو مباحاً أقول لعل هذا مبني على جواز اجتهاد الصحابة مع وجوده وذلك مثل ما وقع لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين قام فأتى بما فاته خلفه الله فإنه محال أن يقوم معاذ من غير اعتقاد أو ندب أو اباحة ويدل أيضاً لجواز الاجتهاد حديث معاذ أيضاً حين بعثه النبي إلى اليمن فليراجع وليحرر ويحتمل أن يكون وجوبه بعد التقرير ومسألة الاجتهاد في زمانه مختلف فيها والمختار الجواز سواء كان في حضرته الله أم لا وإنما استبعده المانع لوقوع الاعتماد على الظن مع إمكان القطع، ولا يضر ذلك لأنه بالتقرير يصير قطعياً قوله: والجمع بين الحجارة والماء أفضل الخ، انظر هذا فإنه إن أراد به مع (1) رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، بيان سبب نزول قول الله تعالى (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين). أبو داود والترمذي وابن ماجه. (2) التوبة: 8 1
17. - (1/37)
صفحة 38
قول أصحابنا رحمهم الله، قال الله عز وجل: «وأنزلنا من السماء ماء طهوراً، والطهور هو الفعول للطهارة وهو المتطهر في نفسه والمطهر لغيره
(1)
والشيء لا يسمى فعولاً إلا إذا كثر منه ذلك كقولهم للكثير الأكل أكول وللكثير الشرب شروب على المبالغة وكل ما كان من الأوصاف أبعد من بنية الفعل فهو أبلغ، والماء كله جائز الاستنجاء به مضافاً أو غير مضاف،
وجود الماء فتعبيره بأفضل مشكل لاقتضائه جواز الاقتصار على أحدهما، أما جوازه بالحجر مع وجود الماء فلم أر من جوزه من أصحابنا بل قالوا إذا ترك الاستنجاء بالماء مع وجوده وقدرة استعماله حتى خرج الوقت كفر وأما جوازه بالماء فقط فمقيد عندهم بعدم وجود ما يستنجى به غير الماء اللهم إلا أن يقال أفضل ليس على بابه ويراد بما لافضل فيه ما لا يجزى حرره وعبارة الشيخ اسماعيل رحمه الله تعالى في الفصل الثاني في كيفية الاستنجاء بالماء: ولا بد عند نافية من الجمع بين الماء والاحجار الخ، الا أن كلامه بعد ذلك مشكل، وقد قال ابن حبيب من المالكية: لا يجزي الحجر مع القدرة على الماء وخص الأحاديث في السفر وعدم الماء. قوله: والماء كله جائز الخ، المراد به ما يقابل الممتنع فلا يرد عليه أن الاستنجاء بالمضاف مكروه كما نص عليه في الديوان وفيه نظر لاضطراب كلام الديوان، فالحق ما قاله المصنف.
رحمه الله
قوله: أو غير مضاف الخ، وهو المطلق وعرفه الشيخ اسماعيل رحمه الله بقوله: وهو الباقي على أوصاف خلقته من غير مخالط له وعرفه بعضهم بقوله: وهو ما صدق عليه اسم الماء بلا قيد وهو مساو للأول لأن الماء إذا خولط بشيء يطلق عليه اسم ماء بلا قيد وظاهر كلام الشيخ اسماعيل رحمه الله يشمل الماء الذي جمع من الندى والذي كان سائلاثم جمد ثم ذاب بعد جموده كالثلج.
لا يصح
أن
(1) الفرقان: 148
-4 - (1/38)
صفحة 39
والمضاف هو المضاف إلى مكان قائم فيه كماء البحر أو مضاف إلى شيء خارج منه كماء البقول أو مضاف إلى شيء واقع فيه كماء الصباغات وغيرها إلا ما يكره من الاستنجاء بالماء المضاف إلى الطعام لحرمته فإن فعل فلا بأس عليه لأن علة الاستنجاء به زوال أثر
والبرد وظاهره ايضاً ولو كان سؤر بهيمة لا ينجس سؤرها. وانظر الملح إذا ذاب ويشمل سؤر حائض أو جنب وفضل طهارتها أو كان كثيراً خواط بنجس لم يغيره أو كان تغيره مما تولد منه كالطحلب بضم للطاء وسكون الحاء وبضم اللام أو بفتحها وهو خضرة تعلو الماء بطول مكثه أو تغير بقراره كملح بأرضه ما لم يتبين أثره في الجسد، وقيل ولو تبين او تغير بمطروح فيه كتراب أو زرنيخ.
فائدة:
المياه التي لا يستنجى بها منها الماء الذي فيه الودك ولم يمكن زواله والماء الذي طبخ فيه الطعام وبقي فيه وقيل لا يستنجى به ولو عمل فيه الملح فقط وماء السبخة اذا تبين أثره في الجسد وقيل يستنجى به والماء المكدر إذا بلغ تكديره حتى يلصق التراب بيد من اغتسل به وقيل لابأس به بخلاف الوضوء وقيل هو كالاستنجاء بالماء الراكد فرخص في الكثير الذي اذا حرك من الطرف لم تبلغ حركته الطرف الآخر وماء البئر إذا كان لا يجري ماؤه وقيل يستنجى به وماء العين الذي لا يخرج منها شيء ما لم ينشف ماؤها أو يزداد فيها أو يخرج منها ولو اقل القليل وماء ساقية لا يدري أيجري ماؤها أو لم يجر. والماء الجاري اذا لم يكن إلا ما مر بالميتة والنجس وفيه رخصة وماء الاحواض والسواقي إذا كان الماء يجري اليها ولا يخرج منها في حال جريه إليها وقيل بجوازه إذا كان يخرج منه، وماء الخليج ونحوه إذا كان لا يزيد بزيادة الوادي ولا ينقص بنقصانه، والماء المضاف وماء اليهود وماء ولغ فيه الكلاب والسباع وكذلك ما أصابه ذو مخلب من الطير أو الحيات والأفاعي واللماحي وما أشبهها وماء الإناء المكشوف
-32 - (1/39)
صفحة 40
النجاسة، فإن قال قائل: هذا ينكسر عليك لأن من قولك الاستنجاء لا يجزئ بما دون الماء، وجوزت الاستنجاء هاهنا بالماء المضاف إلى الطعام وغيره قيل له عندي والله أعلم.
في الصيف وما اشتراه الرجل ففيه قولان والماء الحرام فإن فعل اجزأه وعليه غرم قيمته لربه وماء الغدران إذا كان قليلاً ولم يمكنه منه الأخذ بآنية أو جعل مستحماً يجانبه، وماء كان في بطون البهائم والماء الذي يعرفونه للسنة إذا وجد غيره والماء الذي أعطاه عبد غيره أو طفل غيره إلا إذا كان على وجه الدلالة والماء إذا شهد أمين بنجاسته، وقيل لا بد من أمينين. وأما أهل الجملة وما لا تجوز شهادتهم فلا يشتغل بهم إلا إذا صدقهم على قول والماء الذي يعطى في الحقوق إذا كان غنياً والماء المضطر إليه وماء الإناءين المتنجس احدهما او اشتبه على قول. وكذلك ماء الإناءات المتعددة إذا كان الطاهر واحد على قول وماء آنية اختلطت مع آنية صي أو مجنون أو بالغ غائب.
قوله: فإن قال قائل الخ اقول ترتيب السؤال ينبغي ان يكون هكذا فإن قال قائل. هذا ينكسر عليك لأن من قولك الإستنجاء لا يجزئ بدون الماء والعلة التي ذكرتها لجواز الاستنجاء بالماء المضاف إلى الطعام تقتضى جواز الاستنجاء بغير الماء مما يزيل أثر النجاسة كما يدل عليه حاصل الجواب. وأما قوله وقد جوزت الاستنجاء بالماء المضاف وغيره فلا دخل له في السؤال اللهم إلا أن يقال المراد بغيره أي غير الماء على أن تكون الإضافة للجنس وبقوله وجوزت أي بناء على ما تقتضيه العلة وإن لم يصرح به الشيخ رحمه الله تعالى حرره، وحاصل الجواب تسليم اقتضاء العلة للعموم إلا أن الفروج وما ذكر معها لشدة تعلق النجاسة بها طلب في إزالتها ما هو اقوى مادة في ذلك وهو الماء والله اعلم كذا تخيلت
- 33 -
ه م 3 - الإيضاح» (1/40)
صفحة 41
إن زوال النجاسة يكون بالماء وغيره من المسح أو ما يزيل العين
لأن المراد من النجاسة زوال العين، والشرع قد ورد بذلك، الدليل ما روي
(1) ~
من طريق ابن عباس أن النبي عليه السلام قال: (المذي والودي والمني ودم الحيض والنفاس نجس لا يصلى بثوب وقع عليه شيء منها حتى يغسل ويزول أثره) فقد جعل غاية الطهارة زوال الأثر، والماء أقوى مادة في زوال العين من غيره لكن المسح في الفروج ومواضع الشعر ومواضع الشقاق في الرجلين لا يجزئ لأنه لا ينقى ولذلك قلنا لا يجزئ إلا الماء، وأما ماء المجذومين وأهل العلل مثل المجروب والمجدور وغيره فإنه يجزيه التيمم. ولا يستنجي بمائهم إذا خاف المضرة من مائهم فإن عارض معارض بقوله عليه السلام: (لا هامة ولا عدوى) أي لا يتحول شيء من المرض ولا يعدي، قيل له لما روي أن النبي عليه السلام من طريق ابن عباس قال: (لا يورد هائم على مصح (2)) أي لا ينزل عليه فيضره والضرر لا يحل علمنا أن قوله عليه السلام: (لا هامة ولا عدوى) وقوله: فما أعدى الأول ما كان تتوهمه العرب أن هذه الاشياء ليس الله فيها صنع وإنما فعل غيره ونهاهم أن يعتقدوا ذلك، والدليل ما روي عن جابر بن زيد رحمه الله
(1) اخرجه ابو داود والترمذي. (2) صححه ابن حبان. وروي عن ابي هريرة بلفظ آخر، اخرجه الحسين بن المبارك في الجامع الصحيح.
-- (1/41)
صفحة 42
قال: بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنه صلى صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل فلما انصرف من صلاته أقبل على الناس فقال لهم:
"
هل تدرون ماقال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، أما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي و مؤمن بالكوكب) وإن لم يجد الماء إلا بالشراء فإنه إن لم يزد عليه في
قوله: إلا بالشراء أنظر هل المعتبر في ثمن المثل تلك الحالة التي هو فيها زماناً ومكاناً من غير انتهاء الأمر الى حالة الاضطرار فإن الشربة وقتئذ تشترى بدنانير أو ثمن مثله في ذلك الموضع في غالب الأوقات. وآلات الاستقاء كذلك والشراء يمد فيكتب بالالف ويقصر فيكتب بالياء وجمعه أشرية. قوله: إن لم يزد عليه في الثمن أي أو يحتاج إليه لمؤنته او مؤنة حيوان محترم أو دين لأن هذه الأمور لا بد لها بخلاف الماء كذا ظهر والله اعلم.
رحمهم
الله ومن قدر على ثمن
فائدة: في بعض كتب أصحابنا من أهل عمان الماء للوضوء لزمه شراؤه بأي ثمن ما لم يضره في بقية طريقه ولا يتحمله بدين فإن
باعه عليه صاحبه بأكثر من ثمنه في موضعه لزم البائع رده فضل الثمن عليه
•
مسألة: واذا امتنع الماء بغلاء وبلغ فوق ثمنه وكان في شرائه على من عدمه كثير ضرر جازله التيمم وليس له ان يتلف جزءاً من ماله فيضر بنفسه وكذلك إن كان الثمن يجحف به من ذهاب نفقة أو راحلة وخشي على نفسه عند إخراج
(1) رواه الشيخان عن زيد خالد بن الجهني
1401 (1/42)
صفحة 43
الثمن فإنه يشتريه لأن الله لم يكلفنا أن نبيع أموالنا بما لا تسوى، وقد روي أن النبي عليه السلام (نهى عن إضاعة المال (1)) وذلك في البيع والشراء، وقال آخرون: يشتريه ولو زادوا عليه في الثمن لأن ما لا يصل إليه إلا
:
بماله عندهم مستطيع عليه. الدليل ما روي أن النبي عليه السلام قال في استطاعة الحج: (الاستطاعة زاد وراحلة (2) فجعل المال من الاستطاعة وقال آخرون: يجزيه التيمم ولا يشترى الماء، لأن الله لم يكلفنا أن نشتري فرائضه قال: «فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً (3)»، فذكر
ذلك
من يديه لم يكن عليه شراء الماء ويتيمم، وهذا مما لا تنازع فيه بين العلماء فيما علمنا وإن وجد بثمنه وكان الثمن غير مجحف به وجب عليه شراؤه لان القادر على الثمن قادر على الماء
مسألة: وكذلك لو جاء إلى بئر وليس عنده حبل ولا دلو وجب عليه شراء
•
حبل ودلو ليتوصل إلى الماء إذا وجد السبيل الى شرائها وبالله التوفيق مسألة: وإن كان عنده عبد غيره إن استعان به قدر على الماء وإن لم يستعن به لم يقدر قال يستعمل العبد اذا كان مقدار عناه يقدر على أدائه منه قيل ولو كان العبد ليتيم؟ قال: نعم
الخلاص
قوله: ولوزادوا عليه في الثمن الخ عبارة بعض قومنا ولزم قبول هبة ماء لا
ثمن أو قرضه وأخذه بثمن اعتيد لم يحتج له بثمن وإن بذمته
(1) متفق عليه.
(2) متفق عليه
(3) النساء: 43، المائدة: 61
- 36 -
• (1/43)
صفحة 44
الوجود ولم يذكر الشراء، وكذلك يلزم صاحب هذا القول، إن لم يجد الرقبة في كفارة الظهار، ووجد الثمن أن لا شيء عليه، وهذا القول أضعفهم عندي والقول الأول أصح، وكذلك أداة الماء على هذا الحال، وإن لم يجد الماء إلا بالدين أو بالسلف، فإنه يتدين ويتسلف ولا يتيمم لأن كل ما لا يمتثل الأمر إلا به فهو مأمور به، وقال بعضهم: يجزيه التيمم ولا يتدين وهذا القول عندي أحسن، لأن الله تعالى لم يكلفنا أن نقضي الدين بالدين وإن لم يجد الماء إلا بالحقوق شبه الانتصال وغيره، وكان ممن يحل له ذلك فإنه يأخذهم ويتوضأ ولا يجزيه التيمم لأنه واجد للماء، وقال بعضهم: يجزيه التيمم ولا يكون واجداً للماء إلا إذا كان الماء لديه أو كان عنده مال يصل به اليه أو وجده من غيره على سبيل الحقوق والديون، والمرأة إذا لم تجد الماء إلا بنكاحها فإنها تتيمم لأنها غير واجدة للماء،
قوله: فإنه يتدين ويتسلف ظاهره ولو زيد عليه بسبب الأجل ما يليق به فالظاهر ان هذا مقيد بما اذا كان له مال غائب وامتد الأجل الى أن يصل الى ماله اذ حينئذ قد اشتراه بثمن مثله بخلاف ما اذا لم يكن له مال غائب فإنه ينبغي أن لا يلزمه الشراء بلا خلاف والله اعلم.
قوله: والمرأة ان لم تجد الماء الخ، أنظر حكم الرجل والظاهر أنه كذلك، وفي الديوان التصريح به. فائدة: من تحول له مخرج البول أو الغائط وخرج من غير بابه فصار يبول أو
- 37 - (1/44)
صفحة 45
ووجود الماء لا يكون إلا بقدرة بدنية أو قدرة مالية وهما معدومتان ولا يكلف في ذلك مال غيره كما لا يكلف قوة غيره إن لم يقدر على الاستنجاء، وإن استنجى له أحد من الناس غير امرأته أو سريته فقد هلك إن تعمد ذلك ويجزيه ذلك لنزع النجاسة، وإن استنجت له امرأته أو سريته فهو غير هالك ولكن لا يستحب له ذلك لأنه لم يكلفه ومن لا ينقطع البلل من ذكره فإنه يتيمم ويجزيه، وإن كان البلل ينقطع من ذكره مقدار ما يستنجى فيه فإنه يستنجي ويحتشي بعد ما يجف البلل من ذكره إن كان يمنعه الحشو ثم يتوضأ بعد ذلك وإنما يحتشي بالقطن الصافي النقي.
يتغوط من غير أبوابه فليس عليه الاستنجاء الا أنه ينقي النجس من جسده. مسألة: قال قومنا من كان في سفر واحتاج الى الماء لوضوءه فعرض عليه لزمه قبوله ولم يجز له التيمم وقال بعض الشافعية: ان الرجل اذا لزمه كفارة ولم يكن معه ثمن الرقبة فعرض عليه رقبة أو ثمنها قبول ذلك للفرق بينهما ان اصل الماء الإباحة الا ترى انه لو كان في نهر جار كله لرجل واحد لجاز لكل أحد أن يشرب منه ويتوضأ من غير اذنه ولا منة تلحقهم في ذلك انتهى
مختصر الخصال. قوله: فإنه يستنجي ويحتشي الخ واما اذا كان يستنجي وينقي ولا يعارضه البلل مقدار ما يصلي فيه قاعداً فانه يستنجي ويصلي قاعداً ومنهم من يقول يتيمم ويصلي قائماً راكعاً ساجداً وأما ان كان يحصل له ذلك مقدار ما يصلي مضطجعاً فإنه يتيمم ويصلي قائماً راكعاً ساجداً. قوله: بالقطن أي أو بما يرة ذلك مما لا يضر به ويرد البلل ولا يحتشي بحشو
- YA- (1/45)
صفحة 46
وكذلك إن كان به جرح لا يرقأ دمه فإنه يغسل ذلك الدم، فإن قدر على أن يسكره بشيء سكره وتوضأ وإن لم يقدر تيمم، وقال بعض: يجزيه التيمم في كل هذا ولا يحتشي إن لم يقدر، وكذلك كل من لا يصل إلى الطهارة فإنه يتيمم مثل المحبوب والمستأصل إن لم ينقطع البلل منهم وكذلك الأقلف البالغ في الأيام التي يعذر فيها، والعفلة وصاحب أن عمر بن الخطاب رضي البواسير. وروي حه الله عنه أبو لؤلؤة عبد المغيرة فضرب التيمم، فإن قال قائل: أليس كل ما ينقض الوضوء ينقض التيمم؟ قيل له: نعم إذا كان صحيحاً، وأما المريض فلا لأن الله أباح للمريض التيمم عموماً، وهذا عاجز عن الوضوء لأنه لا يتم له.
واحد مرتين حتى يغسله.
قوله: والعفلة في القاموس، والعقل والعفلة محركين شيء يخرج من قبل المرأة وحيا الناقة كالادرة للرجل عفل كفرح فهي عفلاء والتعفيل إصلاحه والنسبة اليه وفيه أيضاً خصية ادرة عظيمة بلا فتق
•
فائدة: في أحكام الأقلف من طهارته وصلاته وذبيحته وشهادته وغير ذلك فيما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الأقلف البالغ لا تقبل له صلاة ولا تؤكل ذبيحته، وفي بعض الروايات إذا بلغ ولم يختن لا تقبل شهادته وهي رواية عن أ ابن حنبل واستثنى أحمد الكافر إذا أسلم وخاف على نفسه الختان أن له رخصة
فيكون موافقاً لمذهب الأصحاب.
(1) رواه احمد في مسنده.
أحمد
- 39 - (1/46)
صفحة 47
وقال أبو يعقوب يوسف بن خلفون رحمه الله في كتاب «الجوابات»: من به سلس البول لا ينقطع عنه قدر ما يتوضأ ويصلي فإن الربيع بن حبيب رضي الله عنه يقول: يتخذ كيساً ويجعل في أصله تراباً ويحشى رأس إحليله بقطن ويتوضأ لكل صلاة، هذا الذي أجد في آثارهم رحمهم الله (جابر بن زيد والربيع بن حبيب)، وكذلك القول عندهم في المستحاضة وكل حدث دائم لا يرقأ ولا ينقطع قدر الوضوء والفراغ من الصلاة. والأصل في هذا أخبار التي لا في النساء المستحاضات.
مسألة في صفة الاستنجاء:
قد ذكر عن بعض المتقدمين من أصحابنا في الاستنجاء من الغائط عشر مرات، ومن البول خمس مرات، وهذا التحديد يدل على إغفال صاحبه عن وجه التعبد بظاهر النجاسة، فلأن هذا يختلف في القلة والكثرة، وقال أيضاً بعض أصحابنا: لا نهاية في عدد ذلك إلا أن ينتهى
إلى تطهير وطيب النفس لأنهم إنما كلفوا في ذلك الطهارة عند الله لأنهم لو كلفوا الطهارة عند أنفسهم لاختلفت أهواءهم في الطهارة، ولكن عليهم الطهارة عند الله وليس عليهم أن يعلموا أنهم تطهروا عند الله ولا يكلفون في ذلك على ما علمه الله. وقد روي عن الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه أنه قال: استقل عندي من رمى لكل باب خمسين مرة، ويؤيد هذا
- 40 - (1/47)
صفحة 48
خبر النبي عليه السلام الوابصة: (استفت قلبك يا وابصة) وقال بعض: يغسل مخرج البول ثلاث مرات لما روي عن النبي عليه السلام من طريق
(1)
ابن عباس قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء
قوله: إذا استيقظ أحدكم من نومه الخ. وفي رواية أبي عبيدة عن جابر لأنه لا يدري أين باتت يده وسيأتي للمصنف فيه كلام.
قوله: من نومه أخذ بعمومه الشافعي والجمهور واستحبوه عقب كل نوم وخصه أحمد بنوم الليل لقوله في آخر الحديث: باتت يده لأن حقيقة المبيت تكون بالليل. وفي رواية لأبي داود وساق مسلم إسنادها أيضاً وإذا قام أحدكم إلى الوضوء حين يصبح لكن التعليل يقتضي إلحاق نوم النهار بنوم الليل، وإنما خص نوم الليل بالذكر للغلبة ثم الأمر عند الجمهور على الندب وحمله أحمد على الوجوب في نوم الليل دون النهار وعنه في رواية استحبابه في نوم النهار واتفقوا على أنه لوغمس يده لم يضر الماء. وقول إسحاق وداود والطبري ينجس والقرينة الصارفة للأمر عن الوجوب عند الجمهور التعليل بأمر يقتضي الشك لأن الشك لا يقتضي وجوباً في هذا الحكم استصحاباً لأصل الطهارة واستدل أبو عوانة على عدم الوجوب بوضوئها من السن المعلق بعد قيامه من النوم كما سيأتي في حديث ابن عباس وتعقب بأن قوله أحدكم يقتضي اختصاصه بغيره وأجيب بأنه لا صح عنه أنه غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء في حال اليقظة فاستحبابه بعد النوم أولاً فيكون تركه لبيان الجواز وأيضاً فقد قال في هذا الحديث: حتى يغسلها ثلاثاً والتقييد بالعدد في غير النجاسة المعينة يدل على ندبيته
قوله: فلا يغمس يده في الإناء أي الذي أعد للوضوء خرج بذكر الإناء البرك
(1) رواه الشيخان
• (1/48)
صفحة 49
حتى يغسلها ثلاثاً، ولم يجعل للغائط حداً لأن ذلك يختلف في القلة والكثرة وأما من قعد في نهر وعرك موضع الغائط ثلاث مرات ولم يعلم أنه بقي من الأذى شيء أجزأه ذلك في قول ابن محبوب رحمه الله. ودليل هذا الرأي الحديث المتقدم حديث ابن عباس) وقال بعض: اذا ذهب اللين وجاءت الخشونة علم أنه قد طهر، وإذا أراد الاستنجاء غسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ولو كانتا طاهرتين لئلا يسبق اليهما النجس فلا يجزئه الا الماء الكثير ثم يبدأ فيغسل مخرج البول قبل حتى ينقيه فإن قدم موضع الغائط فلا بأس إذا استنظف لكن المعمول أن يقدم مخرج البول لأن غسل النجس إنما يبدأ من فوق، لأنه لا ينقى إذا بدأ من أسفل، وإذا غسل موضع البول أفاض الماء على يديه ثلاث مرات وعندي لأجل ما يبقى في يده من النجس لم يصبه العرك فإن قال قائل: أفيجزيه النضح إن بقي في يده شيء؟ قيل له: نعم يجزيه لأنه قد ورد الشرع بالنضح في زوال النجاسة الغير المتيقنة. الدليل ما روي من طريق أنس بن مالك قال: (كانت
(1)
جدتي مليكة صنعت لرسول الله له طعاماً) فأكل منه ثم قال: قوموا
والحياض التي لا تفسد بغمس اليد فيها وسيأتي الكلام عليه.
(1) رواه البخاري وصححه.
- er- (1/49)
صفحة 50
فلأصلي لكم، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس فنضحته بالماء فتقدم رسول الله لا فصففت أنا واليتيم وراءه
قوله: فلأصلي لكم الرواية المشهورة كسر اللام وفتح الياء وفي رواية الأصل
بحذف الياء قال ابن مالك: روى بحذف الياء وثبوتها مفتوحة وساكنة ووجهه أن اللام عند ثبوت الياء مفتوحة لام كي والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة واللام ومصحوبها خبر لمبتدأ محذوف والتقدير قوموا فقيامكم لأصلي لكم ويجوز على مذهب الأخفش أن تكون الفاء زائدة واللام متعلقة بقوموا وعند سكون الياء يحتمل ان تكون اللام أيضاً لام كي، وسكنت الياء تخفيفاً أو لام الأمر وثبتت الياء في الجزم إجراء الممتل مجرى الصحيح كقراءة قنبل ومن يتق ويصبر وعند حذف الياء اللام لام الأمر وأمر المتكلم نفسه بفعل مقرون باللام فصيح قليل في الاستعمال ومنه قوله تعالى ولنحمل خطايا كمر
قوله: لكم أي لأجلكم قال السهيلي: الأمر هنا بمعنى الخبر كقوله تعالى: فليمدد له الرحمن مدال ويحتمل أن يكون أمراً لهم بالائتمام، لكنه أضافه
•
لنفسه لارتباط فعلهم يفعله. قوله: من طول ما لبس الخ. فيه أن الافتراش يسمى لبساً وقد استدل به على منع افتراش الحرير لعموم النهي عن لبس الحرير ولا يرد على ذلك أن من حلف لا يلبس حريراً إنه لا يحنث بالافتراش لأن الأيمان مبناها على العرف.
قوله: فنضحته يحتمل أن يكون النضح لتليين الحصير أو لتنظيفه أو لتطهيره ولا يصح الجزم بالأخير بل المتبادر غيره لأن الأصل الطهارة انتهى فتح الباري. قوله: فصففت أنا واليتيم الخ. هذه الرواية بالضمير أفصح ويجوز في اليتيم
الله
بن
الرفع والنصب قال صاحب العمدة: اليتيم هو ضمرة جد الحسن بن عبد ضمرة، وضمرة هو ابن أبي ضمرة مولى رسول الله واختلف في اسم أبي
-? r- (1/50)
صفحة 51
والعجوز من ورائنا فصلى بنا ركعتين فانصرف). ثم يغسل ذكره كله بعد ذلك ثم يفيض الماء على يديه ثلاث مرات، فإن قال قائل قد قلت إن المراد بالاستنجاء زوال العين فلم أمرته بغسل ذكره بعد غسل مخرج البول؟ قيل له: من أجل ما يلحقه من النجس ولما روي أن النبي عليه السلام قال للمقداد ابن الاسود وقد سأله عن رجل دنا من امرأته (1) فخرج منه المذي ماذا عليه؟ قال عليه السلام: (اذا وجد أحدكم ذلك فلينضح ذكره بماء ثم يتوضأ وضوء الصلاة) ثم يقصد الى بيضته اليمنى فيغسلها ثم اليسرى ثم يجمعهما بالغسل ثم يفيض الماء على يديه ثلاث مرات كما قدمنا. فإن قال قائل: ولم أمرته بتقديم اليمنى قبل اليسرى؟ قيل له: هذا استحباب عند العلماء والشرع
ضمرة فقيل: روح. وقيل: غير ذلك، وجزم البخاري بأن اسم أبي ضمرة
سعيد الحميري ويقال: سعيد
قوله: والعجوز هي مليكة المذكورة أولاً.
فائدة: في هذا الحديث من الفوائد إجابة الدعوة ولو لم تكن عرساً ولو كان الداعي إمرأة لكن حيث تؤمن الفتنة والأكل من طعام الدعوة وصلاة النافلة جماعة وتنظيف مكان المصلى وقيام الصبي مع الرجل صفاً وتأخير النساء عن صفوف
(1) صححه الشيخان من طريق علي بن أبي طالب رضي الله عنه
-- (1/51)
صفحة 52
قد ورد بتقديم اليمنى على الشمال في أمور كثيرة كما روي أنه شرب وناول من عن يمينه فقال: (الأيمن (فالأيمن) ولما روي أنه استقبل القبلة وأعطى للحالق شق رأسه الأيمن ثم الأيسر ثم يجمع بيضتيه وذكره بالغسل ثم يفيض الماء على يده ثلاث مرات ثم يقصد إلى ما بين البابين بالغسل حتى يستنظفه وهذا لغير المتأهل، والمتأهل إذا لم يحدث لنفسه ما يوجب غير هذا وأما إذا جامع فإنه يبدأ بغسله من السرة إلى أسفل حتى يصل إلى الثقبة فيغسلها كما ذكرنا قبل بعد غسل ذكره وعانته وما يحاذيهما ويجمع بيضتيه بالغسل ثم يغسل رفعيه بعد ذلك ثم يفيض الماء على يديه ثلاث مرات وإنما يبدأ بغسل اليمني كما ذكرنا ثم يرجع إلى غسل مخرج الغائط فيبدأ في غسله من فوق الباب إلى أسفله لأن النجس إنما يبدأ في غسله من فوق، كذلك يغسل إلا أنه لا يجاوز المخرج في أول غسله لئلا ينقل النجس من موضعه ويجعل السعة في جسده قليلاً قليلاً حتى يستقصي سعة بدنه، وإنما قلنا لا يسترخي
الرجال وقيام المرأة صفاً وحدها إذا لم يكن معها امرأة غيرها وفيه اقتصار في نافلة النهار على ركعتين خلافاً لمن اشترط أربعاً وصحة صلاة الصبي المميز ووضوءه، وأن محل الفضل الوارد في صلاة النافلة مفرداً حيث لا يكون هناك مصلحة كالتعليم بل يمكن أن يقال هو إذ ذاك أفضل ولا سيما في حقها وفيه الرد على
من روى عن عائشة رضي الله عنها أنه لم يكن يصلي على الحصير
1101 (1/52)
صفحة 53
أول مرة ليحكم على موضع النجس ثم يفيض الماء على يده ثلاث مرات كما قدمنا ثم يجعل الشدة في جسده أيضاً يبدأ بالسعة ويختم بالضيق ويتمادى في الغسل حتى ينقى وإذا فرغ من استنجائه أفاض الماء على أعضاء استنجائه ثم يفيض الماء على يديه ثلاث مرات وينبغي له أن يغسل مقعدته اليمني ثم اليسرى غسلاً نظيفاً ثم يجمعها بالغسل إلى عجم الذنب والله أعلم،
وبالله التوفيق.
- {7 - (1/53)
صفحة 54
باب في الوضوء
وهو فريضة، الدليل على فرضه الكتاب والسنة والإجماع، أما
باب في الوضوء
إعلم أن أقسام الوضوء أربعة: فرض وسنة وفضيلة ومباح، ففروضه خمسة لأداء الصلوات الخمس للمحدث وللجمعة ولصلاة الجنازة إن تعينت ولطواف الإفاضة ولطواف العمرة.
وسننه أربع: لصلاة السنن ولطواف الوداع ولمس المصحف و للجنب إذا أراد أن ينام ولم يغتسل. وفضائله أربع: للنوم ولقراءة القرآن وللدعاء ولدخول المسجد ومباحه نوعان: لركوب البحر وشبهه من المخاوف وليكون به على طهارة من إرادة صلاة والله أعلم. والوضوء لغة سيأتي في كلام المصنف رحمه الله والمراد بالوضوء ذكر أحكامه وشرائطه وصفته فالوضوء بالضم هو الفعل وبالفتح الماء الذي يتوضأ به على المشهور وقيل بالعكس، وعن الخليل الفتح فيهما وحكى ضمهما وهو شاذ وهو من خصائص هذه الأمة ولا ينافيه حديث (هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي) لأن الخصوصية لها لا لأمها سلمنا لأمها لكن فضيلة الغرة والتحجيل في المحشر لهذه الأمة دون غيرها. إعلم أن شروط الوضوء منها ما هو للوجوب فقط كالبلوغ والوقت ومنها ما هو شرط صحة فقط كالإسلام على الراجح وارتفاع موانع الحيض والنفاس ومنها ما هو شرط وجوب وصحة كالعقل و كونه غير ساه ولا نائم وزاد بعض المخالفين عدم الإكراه في شروط الوجوب وانظره على قواعد
- {Y- (1/54)
صفحة 55
الكتاب فقوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إذا قُمْتُم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم)، الآية، يعني إذا أردتم أن تقوموا إلى الصلاة وأنتم محدثين؟ وأما السنة فما روي من طريق ابن عباس رضي الله عنهما أن
الأصحاب إذ يقولون أن الإكراه لا يكون إلا فيما يتعلق بالقول فقط راجع شرح العدل قلت الذي تقتضيه قواعد المذهب أن المكره مكلف فحينئذ لا يسقط عنه الوضوء ثم رأيت ذلك في الشيخ إسماعيل رحمه الله عده من الشروط وسيأتي بص عبارته في التيمم قلت بقي من شروط صحته الاستنجاء وقد تقدم والاختتان عند أصحابنا على الرجال دون النساء قد يقال الوقت شرط وجوب وصحة في الابتداء لكن لما لم يكن شرط صحة على الإطلاق صح جعله من شروط الوجوب
فقط حرره
قوله: يعني إذا أردتم الخ. قاعدة العرب التعبير بالفعل عن أمور أحدها وقوعه وهو الحقيقة. الثاني مشارفته نحو وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فامسكوهن أي فشار فن انقضاء العدة إذ بعد انقضاء العدة لاحكم له عليها وهو مجاز من تسمية الشيء بما يؤول اليه. والثالث إرادته وأكثر ما يكون ذلك بعد أداة الشرط. والرابع القدرة عليه نحو وعداً علينا إنا كنا فاعلين له أي قادرين على الفعل وأصل ذلك أن الفعل مسبب عن القدرة والإرادة وهم يقيمون السبب مقام المسبب وبالعكس.
قوله: إذا أردتم قد استنبط بعض العلماء من هذه الآية و- وجوب النية في الوضوء لأن التقدير إذا أردتم القيام إلى الصلاة فتوضؤ وا لأجلها ومثله قولهم: إذا رأيت
الأمير فقم أي لأجله.
(1) المائدة: 6
- {^- (1/55)
صفحة 56
(2)
11
النبي عليه السلام قال: (لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له، ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله) و ما روي أنه قال عليه السلام: (لا صلاة بغير طهور () وأما الإجماع فإنه لم ينقل إلينا عن أحد من المسلمين في ذلك خلاف. وأما من يجب عليه فإنه يجب على كل من لزمه فرض الصلاة وهو البالغ العاقل. الدليل على هذا الإجماع والسنة. أما السنة فما روي عنه عليه السلام قال: (رفع الفلم عن ثلاثة من أمتي: عن الصي
قوله: بغير ظهور هو بضم الطاء، والمراد به ما هو أعم من الوضوء. قوله: وأما الإجماع الخ هذا يقتضي أن الوضوء لما عدا الفرائض واجب بل كلامه فيما سيأتي كذلك وقيل الوضوء بحسب المتوضأ له، وقيل شرط
صريح
لا تصح الصلاة إلا به ولا يقال فيه سنة ولا نفل وإذا عدم الشرط انتفى المشروط قلت: صريح كلام الشيخ إسماعيل رحمه الله أن الوضوء بحسب المتوضأ له قلت: والظاهر أن الخلاف بينهما لفظي وذلك لأن من أثبت الفريضة أراد بالفرض ما يتوقف عليه صحة العبادة ومن قال بالسنة مثلاً أراد بالفرض ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه والله أعلم
قوله: على كل من لزمه فرض الصلاة الخ، ولا يرد عليه ما قيل من اقتضائه صحة صلاة الصبي بلا وضوء مع أنها لا تصح إلا به لأن الوضوء شرط في صحة صلاته لا فرض في حقه، فإذا لم يتوضأ لم تصح.
(1) رواه ابن عبد البر وغيره موقوفاً.
صلاته
(2) متفق عليه
- {9 -
ه م 4 - الإيضاح، (1/56)
صفحة 57
حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ) وأما الإجماع فإنه لم ينقل إلينا خلاف في ذلك. وأما متى يجب؟ فهو إذا دخل وقت الصلاة أو أراد الإنسان الفعل الذي فيه الوضوء. الدليل قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة، الآية، فأوجب الوضوء عند القيام إلى الصلاة، والصلاة من شرطها دخول الوقت، والله أعلم.
مسألة في النية:
والنية شرط في صحة الوضوء. والدليل قوله تعالى: «وما أمروا
قوله: وأما متى يجب الخ. اختلف العلماء أيضاً في موجب الوضوء فقيل يجب بالحدث وجوباً موسعاً وقيل به وبالقيام إلى الصلاة معاً.
مسألة في النية:
قوله: في النية الخ، قال بعض هي قصد شيء مقترن بفعله، فاذا قصد وتراخي عنه عزم وشرعت النية لتمييز العبادات من العادات كالجلوس يكون للاعتكاف تارة وللاستراحة أخرى ولتمييز مراتب العبادات كالصلاة تكون للفرض تارة و للنفل أخرى، وشرط النية العلم بالمنوي كما سيأتي في الصلاة وهل إن اعتقد أن أفعاله فرض تصح أو سنة فلا، أو البعض فرض والبعض سنة ولم يميز ولم
جميع
يقصد بفرض سنة تصح حرر جميع
ذلك بنقل صريح.
قوله: والنية شرط هذا هو المشهور المعول عليه في المذهب، وقيل ليست
(1) المائدة: 6 (1/57)
صفحة 58
(1)
إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) وما روي أن النبي عليه السلام
بشرط في صحته وإنما أمر بها النبي الله لنيل الثواب واليه أشار صاحب الدعائم
رحمه الله بقوله:
فإن توضأت بلا نية فصل للفرض وللأجر
ويحتمل أن يكون مقصوده بلانية فرض أو نقل فلا ينافي وجوب أصل النية والله أعلم وهي القصد للشيء المأمور به باعتقاد من القلب والعزيمة عليه بالجوارح، ويلزمها تمييز العبادة عن غيرها ومحلها القلب عند أكثر المتشرعة وأقل الفلاسفة لأنه محل العقل والعلم والإرادة والميل والاعتقاد وعند أقل المتشرعة وأكثر الفلاسفة الدماغ ..
فرع: ولو نوى في أول وضوئه ثم عزبت بعد ذلك لا يضره ذلك كما يؤخذ من كلام الشيخ اسماعيل رحمه الله وإنما المضر رفضها راجعه، وانظر ما إذا قال إن كنت أحدثت فهذا له أي فهذا الوضوء للحدث ثم تيقن حدثه هل حدثه لا يرتفع أو يرتفع؟ والظاهر الأول لعدم الجزم وكذلك لو اخرج بعض الاحداث لا يجزيه، وكذلك إذا جدد فتبين حدثه، وانظر ما إذا فرق النية على الأعضاء، وفي الشيخ إسماعيل رحمه الله ما يؤخذ منه أنه لا يصح إذ جعل من شرطها تقديمها
بأسرها.
فائدة: عزوب النية أي الذهول عنها ليس بمضر، والمضر هو رفضها بعد حصولها خلافاً للمالكية حيث اغتفروا ذلك في الوضوء والحج، وأما في الصلاة والصوم فيؤثر البطلان، وهل الرفض المضر ما كان في اثناء العبادة أو ولو بعد كمالها؟ والظاهر الأول، والظاهر أنه لا يجوز الإقدام على ذلك لقول الله تعالى:
ولا تبطلوا أعمالكم فليتأمل.
(1) البينة:.
1911 (1/58)
صفحة 59
حصر
قال: (إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى)). أراد. الأعمال إلى النيات وإبطالها بغير نية. وإنما من حروف الحصر كقوله
الله، فائدة: وإذا نوى النفل صلى به الفرض هكذا في اثر أصحابنا رحمهم وذكر بعض المخالفين أن الأوضية أربعة عشر، سبعة ينوب بعضها عن بعض، الوضوء للفرائض وللنوافل والجنازة والعيدين والاستسقاء والكسوف ومس المصحف، وسبعة لا يجزيء بعضها عن بعض لدخول المسجد وللنوم وللدخول على السلطان ولقراءة القرآن والتبرد والتنظف والتعلم، وأصل ذلك أن كل عبادة لا تجوز إلا بطهارة، فالوضوء لها يجزيء لغيرها وكل عبادة تجوز بطهارة وغيرها فالوضوء لها لا ينوب لغيرها. قوله: الأعمال الخ. جمع عمل، وهو في مقابلة الأقوال، والمراد به أعمال البدن لأن النية عمل القلب وليس بمراد لئلا يلزم الدور.
فائدة: اعلم أن الوضوء يشتمل على فرائض وسنن وفضائل ومكروهات ففرائضه المتفق عليها الماء المطلق، والنية عند التلبس به مع استمرار حكمها، وغسل الوجه بالاستيعاب، وغسل اليدين مع المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين مع الكعبين، وسننه ثمان: التسمية عند ابتدائه، وغسل اليدين، والمضمضة، والاستنشاق، وتخليل اللحية، والأصابع، ومسح ظاهر الأذنين وباطنهما، والتثليث، والترتيب، وفضائله ست: ترتيب المسنون على المفروض، والسواك قبله بعود ولو يابساً، والتوضي باليمين، والمبالغة في الاستنشاق لغير الصائم، والبداءة من مقدم الرأس، وتقليل صب الماء مع ذكر الله في أثناء الوضوء والدعاء، ومكروهات الوضوء عشر: الإكثار منصب الماء والزيادة على الثلاثة في المغسول وعلى الواحدة
(1) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
- 52 - (1/59)
صفحة 60
تعالى: «إنما الله إله واحد، وما روي عنه عليه السلام: (من عمل وأهمل كان بمنزلة من لم يعمل). وصورة الفعل وصفته لا تدل على طاعة
ولا معصية، وإنما تدل على طاعة ومعصية بتصرف النية، فإن عارض بعض من خالفنا بغسل النجاسة وقال: ليست النية شرطا في صحة الوضوء كما لا يفتقر غسل النجاسة إلى النية لأن في الوضوء شبهاً من النظافة، والوضوء في اللغة من الوضاءة، والوضاءة النظافة والحسن، ومنه قيل
في الممسوح، والوضوء في موضع الخلاء، والكلام فيه بغير ذكر الله، والاقتصار على مرة واحدة لغير العالم، والوضوء من الماء المشمس، والوضوء من إناء الذهب والفضة، وقيل حرام، والتوضؤ عرياناً ولو في خلوة أو ظلمة، والتوضؤ من الماء المضاف الذي لم يتغبر أحد أوصافه، ومسح الوضوء بالمنديل
فائدة زاد في القناطر وأن ينفض فيرش الماء، وأن لا يلطم وجهه بالماء ومن
إناء الصفر
:
قوله: ترتيب المسنون على المفروض: الترتيب على ثلاثة أوجه ترتيب الفرائض بعضها مع بعض، وهذا هو المختلف فيه، أسنة أم فريضة كما سيأتي إن شاء الله في كلام المصنف رحمه الله؟ وترتيب السنن بعضها مع بعض كتقديم غسل اليدين أولاً ثم المضمضة ثم الاستنشاق، فلو استنشق ثم تمضمض لكان تاركا لترتيبها، ولم يتعرض له الشيخ رحمه الله، ويمكن إدخاله في ترتيب المسنون في كلامه، وترتيب فرائضه كترتيب المضمضة على غسل الوجه، فلو غسل وجهه ثم
مننه
تمضمض لكان تاركاً لترتيب السنة مع الفرض.
قوله: من الوضاءة أي مأخوذ من الوضاءة.
(1) النساء: 171
- 53 - (1/60)
صفحة 61
فلان وضيء الوجه أي نظيفه، فكأن الغاسل لوجهه وصاه أي نظفه بالماء وحسنه، قلب عليه بالطهارة اليابسة وهو التيمم لأن التيمم عنده قد قامت الدلالة على أنه محتاج إلى النية، وقياس الوضوء إلى التيمم الذي هو بدل منه أشبه من قياسه إلى غسل النجاسة لأنه من جنس التقرب، و غسل النجاسة المراد منها زوال العين، ولذلك لا يحتاج إلى النية. والوضوء عبادة غير معقولة المعنى، ولذلك يفتقر إلى النية، وإنما ينوي بوضونه رفع الحدث. يقول: أرفع بطهارتي هذه جميع الأحداث وأتطهر
قوله:: يفتقر إلى النية ومحلها أولاً غسل اليدين، وقيل عند المضمضة، وقيل عند أول واجب، والمختار الاول لأنه إن لم ينو لهما لزم عروهما عنها، وإن نوى لزم أن يكون للوضوء نيتان ولا قائل به، وجمع بعضهم بين القولين بأن يبدأ بها أول الفعل ويستصحبها لأول فرض من كلام قومنا.
•
قال الشيخ اسماعيل رحمه الله: ويستديم النية إلى غسل الوجه، فإن نسيها عند الوجه فقد شدد بعضهم في وضوئه أن لا يجزيه لأن ما قبل الوجه سنن توابع
والمقصود من العبادات واجباتها. قوله: وإنما ينوي الخ، أو استباحة الصلاة كما قال الشيخ اسماعيل رحمه الله تعالى وظاهره رحمه الله انه يلزمه ان يكون معيناً بنيته الفعل المستباح، فلو قال استباحة ممنوع لم يجز حرره، والظاهر الإجزاء.
قوله: الأحداث اي الموانع القائمة بالاعضاء، إعلم أنهم أجمعوا أن الجنابة تحل جميع البدن واختلفوا في الحدث الاصغر، فقيل هو كذلك وإنما اكتفي بالأربعة تخفيفاً لتكرره، وقيل مختص بالأربعة لاختصاصها بوجوب الغسل، وربما يؤنسه
1831 (1/61)
صفحة 62
الصلاة طاعة الله ولرسوله عليه السلام.
مسألة في التسمية وغسل اليدين:
ذهب قوم إلى أن التسمية من فروض الوضوء، واحتجوا بما روي عنه عليه السلام أنه قال: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه). وذهب قوم إلى أن المراد بالتسمية النية، وحملها بعضهم على الندب، وهو
سؤال اخبار النبي الله عن حكمة أمر الله تعالى بغسل الأربعة دون سائر البدن، وانظر كلام الشيخ اسماعيل رحمه الله في التسمية.
مسألة في التسمية:
قوله: التسمية: انظر اذا ترك التسمية ناسياً هل يتداركها في الأثناء كالأكل؟ وهل إذا تدارك يستحب أن يقول بسم الله على أوله وآخره كالأكل؟ والظاهر
فيهما نعم. قوله: وحملها بعضهم الخ. قال الشيخ اسماعيل رحمه الله وأحسب بعضهم قال: إذا ذكر المتوضيء الله عز وجل عند ابتداء وضوئه فقد طهر جميع بدنه، وإلا فلا يطهر منه إلا ما غسل دون سائره وهذا قول يقال وما ذكره ـ رحمه الله - ذكره بعض مخالفينا أنه حديث، ونص الحديث على مارواه البيهقي والدارقطني) من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهوراً الجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهوراً لما مر عليه الماء). قال النووي: معناه طهوراً من صغائر
(1) رواه الترمذي واللفظ له و ابن ماجه والبيهقي. عن رباح بن عبد الرحمن بن ابي سفيان بن حويطب
1801 (1/62)
صفحة 63
الصحيح لنيل الفضل، كقوله عليه السلام: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) لأنهم أجمعوا أنَّ من صلى في بيته فقد أدى الفرض الذي عليه، فكذلك التسمية يقول: (بسم الله) هكذا في آثارهم رحمهم الله. وأما غسل اليدين، اختلف الفقهاء في غسل اليدين قبل إدخالهما في إناء الوضوء، فذهب قوم إلى أنه من سنن الوضوء باطلاق وإن تيقن طهارة يديه، وقيل إنه مُسْتَحَبُّ للشاك في طهارة يديه، وقيل غسل يديه واجب
الذنوب، لكن الحديث لم يصح، وأما تصحيح الحاكم له فإنه اشتبه عليه وانقلب
عليه إسناده.
قوله يقول: الله الخ. المأخوذ من كلام الشيخ إسماعيل رحمه الله بسم الاقتصار على بسم الله من غير زيادة (الرحمن الرحيم) وهو كذلك، وقيل يزيد الرحمن الرحيم، وينوي به التبرك والتعوذ من ا الشيطان الرجيم لما يدخله من الوسواس
حينئذ إذ فيها معنى التعوذ من الشيطان الرجيم
•
قوله: قبل إدخالها في الإناء الخ. في الشيخ اسماعيل رحمه الله ما يؤخذ منه أنه لا يتقيد ذلك بالإناء بل الحكم كذلك إذا توضأ من حوض أو نهر أو نحو ذلك فيحتمل ان يكون وفاقاً ويكون تخصيص المصنف رحمه الله تعالى نظراً إلى الغالب ويحتمل الخلاف وهو موجود في الخارج عند غيرنا.
قوله: بإطلاق أي فيكون الأمر بغسلهما تعبداً، فعلى هذا يفتقران إلى النية
لأن ذلك شأن التعبد، وقيل للنظافة. ومن فوائد الخلاف أنه اذا كان تعبداً
فلا بد من غسلهما من الماء المطلق، وإلا كفى المضاف
•
-07 - (1/63)
صفحة 64
والأصل في هذا الاختلاف حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي ل و قال: (اذا استيقظ أحدكم من نومه) فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً فإنه لا يدري أين باتت يده). فمن لم ير من الزيادة الواردة في هذا الحديث على ما في آية الوضوء معارضة بينها وبين آية الوضوء حمل لفظ الأمر على ظاهره على الوجوب، ومن رأى أن بين هذه الزيادة وآية الوضوء معارضة لأن ظاهر الآية المقصود منها حصر فروض الوضوء، كان
وجه الجمع بينهما أن أخرج لفظ الأمر من ظاهره إلى الندب، ومن تأكد
قوله: حديث ابن عباس إنما ساقه رحمه الله لإفادة المقصود إذ فيه النهي عن غمس المتوضيء وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثاً، وإنما خص المصنف رحمه الله ذلك بحالة الوضوء لأن الكلام فيها.
قوله: فلا يغمس يده، في رواية المخالفين فلا يغمس يديه حتى يغسلهما.
قوله: لفظ الأمر لعل المراد به الأمر المأخوذ من النهي بناء على أن النهي عن الشيء أمر بضده، تأمل.
قوله: ومن تأكد الخ. يشير الى الفرق بين السنة والمستحب، والحاصل أن الفرق بين الفرض والمستحب أن الفرض يستحق الذم والتأثيم على تركه، وأما الفرق بينه وبين السنة فزيادة الأجر ونقصانه وكثرة تحضيض صاحب الشرع، فكل ما حض عليه وأكد أمره وعظم قدره سميناه سنة، لة، وكل ما سهل تركه وخفف أمره سميناه فضيلة وهي كثيرة.
(1) تقدم ذكره.
- OY- (1/64)
صفحة 65
عنده
عنده هذا الندب جعله من جنس السنن المؤكدات، ومن لم يتأكد. قال إن ذلك من جنس المندوب، فمن لم يفهم من الحديث معنى قصر حكمها على المنتبه وجعله من باب الخاص أريد به الخاص، ومن فهم من الحديث معنى الشك جعله من باب الخاص أريد به العام لقوله عليه السلام: (فإنه لا يدري أين باتت يده)، والظاهر من الحديث أنه لم يقصد به حكم اليد وإنما قصد حكم الماء الذي به يتوضأ لأن من شرط الماء الطهارة. وأما ما نقل من غسله عليه السلام يديه قبل إدخالهما في الإناء فإنه يحتمل أن يكون من حكم اليد، والله أعلم.
قوله: قصر حكمها على المنتبه أي بعد نومه بخلاف المنقبه ابتداء. قوله: من باب الخاص الخ. وهو النائم أريد به العام وهو النائم وغيره ممن
شك في نجاسته والله اعلم.
- 58 - (1/65)
صفحة 66
مسألة في المضمضة والاستنشاق:
وهما سنتان في الوضوء، وفريضتان في الغسل الواجب، الدليل ما
مسألة في المضمضمة والاستنشاق:
قوله: المضمضة هي بمعجمتين وحقيقتها لغة الترديد والتحريك، وشرعاً قال الشيخ اسماعيل رحمه الله تعالى: أخذ الماء بفيه وخضخضته وتحثه تطهيراً لباطن الفم، وأما غسل ما يظهر من الشفتين فواجب مع الوجه، انتهى بالمعنى، وقد أدخل المج في ذلك فظاهره أنه لو ابتلعه لم يأت بالسنة، ويحتمل أنه ذكره لأنه الغالب لا أنها تتوقف عليه، حرره. وأما إدخال إصبعه فمستحب وظاهره أيضاً لو أدخل الماء بيده لم يأت بالسنة، وفي الديوان: ومن جعل الماء في فيه ومضمض فاه ثم ابتلعه فإنه لا بأس به، وإن جعل الماء في فيه ثم رده قبل أن يمضمض فاه فإنه لا يجزيه، وإنما يصبه من فيه قدامه، ومنهم من يقول: يصبه على كفه بعد ذلك انتهى. وكان الشيخ ر رحمه الله بين أكمل
الأس
أيسر
يسر ثم يصب عليه الماء
الصفات كما يؤخذ من الديوان.
قوله: والاستنشاق، قال الشيخ اسماعيل رحمه الله: وهو جذب الماء بخياشيمه ويجعل إبهامه وسبابته على أنفه ثم ينثر بالنفس لغسل باطن الأنف وأما ما يبدو منه فهو واجب مع الوجه، فأدخل الإستنثار في الإستنشاق فيكون سنة واحدة. وما ذكره رحمه الله من جعل الإبهام والسبابة فهو لبيان
الأكمل. قوله: وهما سنتان زاد في الديوان لا تجوز الصلاة إلا بهما. فائدة: الحكمة في تقديم هذه السنن أن يدرك أوصاف الماء الثلاثة اللون والطعم والرائحة.
-09 - (1/66)
صفحة 67
روي من طريق ابن عباس رضي الله عنه ان النبي عليه السلام قال للقيط ابن صبرة أو لغيره: (إذا توضأت فضع في أنفك ماء ثم استنثر) و يُستحب له أن يجعل الماء في فيه وفي أنفه بيده اليمنى ويمضمض ويستنشق بالشمال كما كان يغسل رجليه بشماله ويستنجي بشماله، وإن شاء جعل الماء في فيه وفي أنفه بمرة وإن شاء فرق ذلك. والدليل ما روي عن جابر بن زيد رحمه الله قال: (بلغني عن رسول الله لا أنه تمضمض واستنشق من غرفة واحدة) وإن فرق ذلك فليبدأ بالمضمضة قبل الاستنشاق. والدليل ما روي عن عمرو بن عنبسة وكان يُسمى ربع الإسلام أنه قال: (قلت يا
قوله: أن يجعل الماء الخ. وقيل يأخذ الماء بيده اليمنى ويجعله في الشمال
ويمضمض ويستنشق، ديوان
•
•
قوله: فليبدأ بالمضمضة الخ. قيل الحكمة في ذلك شرف منافع الفم على الأنف لأنه مدخل القوت الذي هو قوام البدن ومحل الإذكار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوله: فليبدأ بالمضمضة ظاهره أن التقديم على التفريق مستحق وقيل في تعليله: إنهما عضوان مختلفان، فتعين الترتيب فيهما كسائر الأعضاء وقيل إنه مستحب لأنهما لما تقاربا نزلا منزلة العضو الواحد، والظاهر أن الخلاف في الافضل فلو تمضمض واستنشق كيف كان فقد أدى سنتها. قوله: عمرو بن عنبسة في بعض كتب المخالفين عمرو بن عيينة السلمي.
(1) اخرجه احمد والشافعي وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي.
17.- (1/67)
صفحة 68
رسول الله حدثني عن الوضوء فقال: (ما منكم من أحد يقرب وضوءه فيمضمض ويستنشق إلا خرجت خطاياه من فيه وخياشمه مع الماء، ثم
مع
إذا غسل وجهه كما أمره الله خرجت خطايا وجهه من أطراف لحيته الماء، ثم إذا غسل يديه إلى المرفقين خرجت خطايا يديه من أنامله مع
الماء، ثم إذا مسح رأسه خرجت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم إذا غسل رجليه إلى الكعبين خرجت خطايا قدميه من أنامله مع الماء، فإذا قام وصلى وحمد الله وأثنى عليه وتجده انصرف من خطيئته كيوم ولدته أمه (1)). وقدم المضمضة قبل الاستنشاق، وقدمهما قبل غسل الوجه فإن عارض معارض بقوله عليه السلام للقيط بن صبرة: (إذا توضأت فضع في أنفك ماءً ثم استنثر)، والفاء توجب التعقيب، قيل له والله أعلم
قوله: إلا خرجت الخ. في رواية المخالفين إلا خرت بالخاء والراء ومعناه سقطت وذهبت، ويروى جرت بالجيم أي جرت مع ماء الوضوء. قوله: إلا خرجت خطاياه، المراد بالخطايا الصغائر دون الكبائر، والمراد بخروجها المجاز في غفرانها، لأنها ليست بأجسام فتخرج حقيقة، وقيل بلحقيقة
إذ المعاني قد تتشكل قوله: للقيط، لقيط باللام في أوله والطاء المهملة في آخره كذا رأيته في
نسخة صحيحة وصبره بالصاد والباء
(1) اخرجه مسلم ورواه الجماعة
•
-71 - (1/68)
صفحة 69
النظر يوجب عندي أن معنى الحديث يتوجه أن يكون إذا أردت أن تتوضأ فابدأ بالمضمضة والاستنشاق، والدليل على هذا التأويل قوله عز وجل: «يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم، الآية. أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثين فابدأوا بالوضوء قبل الصلاة، ويُحتمل أن يتوجه إلى غسل اليدين، أي إذا غسلت يديك فضع في أنفك ماء، والدليل على هذا التأويل أن الغسل يسمى وضوء، وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا رسول الله تصيبني الجنابة من الليل ماذا أصنع؟ قال له رسول الله: (توضأ واغسل
قوله: توضأ واغسل رأس ذكرك، قلت لا مانع من حمل الوضوء على الوضوء الشرعي كما هو المستحب في حق الجنب أن لا ينام من غير غسل، ولا ينافيه قوله واغسل ذكرك إذ الواو لا تقتضي ترتيباً، وقد ثبت في رواية البخاري من قومنا الأمر بالوضوء الشرعي من طريق عائشة رضي الله عنها، وقد تقدم عن
الشيخ اسماعيل رحمه الله عده من الوضوء المسنون فليراجع.
فرع: إن ترك المضمضة والاستنشاق حتى صلى فإن كان عامداً فلا خلاف في إعادة الوضوء، وإن كان ناسياً ففيه اختلاف قواعد.
فائدة: في الديوان، ومن رَعَف واستنشق من غير أن يقصد أنفه بالغسل فإنه إذا جعل الماء في فيه وفي أنفه معا ثلاث مرات أنه لابأس عليه إذا لم يكن أثر الدم، وإن جعل الماء مرتين ففيه قولان، وأما مرة واحدة فلا يجزيه، وأما إن فرق بين الأنف والفم ورعف ولم يقصد إلى غسل أنفه قبل وتوضأ على ذلك
- 62 - (1/69)
صفحة 70
رأس ذكرك (1)) أراد غسل يديه ثم ذكره، لأنه لم ينقل إلينا من أحد بلغنا جعل المضمضة والاستنشاق بعد الوضوء والله أعلم.
ويبدأ بالمضمضة ويجعل إصبعه في شدقه اليمين، يأخذ من رباعيته ثم يمر على أضراسه العليا ثم السفلى إلى رباعيته السفلى، ثم يرجع إلى شدقه الشمال فيعمل به مثل ما يعمل باليمين ويُدخل في أنفه عند الاستنشاق السبابة والوسطى إلى العظم إلا إن لم يمكنه ذلك فليفعل ما يمكنه، وإن مضمض واستنشق بعود أو حجر أجزاه ذلك، وإصبعه أفضل لأن المضمضة والإستنشاق غسل لفيه وأنفه، ولذلك يجزيه، والدليل ما روي أن النبي عليه السلام أمر بالوضوء لما مسته النار (2) فهو عندنا غسل
الحال، فإنه لا يجزيه، وكذلك إن تقيأ أو خرج الدم من فيه وتوضأ ولم يغسل فاه قبل فإنه لا يجزيه، ومنهم من يقول إذا مضمض فاه ثلاث مرات فلا بأس عليه، الخ.
قوله: لأنه لم ينقل الخ. تعليل لقوله: إن معنى الحديث إلى آخر التأويل
الثاني.
فائدة: في الديوان وإن كان مقطوع الأنف وبقي شيء من أنفه فإنه يجعل إصبعه في أنفه، فإن لم يبق منها شيء واستؤصلت أنفه فليمر بإصبعيه على ذلك
(1) رواه احمد (2) رواه احمد ومسلم والنسائي عن عائشة وزيد بن ثابت و ابراهيم بن عبد الله.
- 63 - (1/70)
صفحة 71
اليد والفم، وما روي عنه أنه عليه السلام أوتي بسويق فشربه ومضمض
الماء
فاه وصلّى، وسمى المضمضة غسلاً، والغسل عند أصحابنا إفراغ وإمرار اليد على البدن، وأما غيرنا فصب الماء عندهم بظاهر اللغة،
قال الشاعر:
:
وبتنا جميعاً ناعمين بلدة تحدثني طوراً وأُنشدها الغزل فجاءت سحابة واغتسلنا بقطرها وما عملت كفّي عراكاً المغتسل
الموضع، الخ.
قوله: وسمى المضمضة غسلاً فيه قلب والمراد سمى الغسل مضمضة حيث أطلقها على الغسل والله أعلم.
قوله: إفراغ الماء وإمرار اليد الخ. اختلف في الدلك فلم يوجبه بعضهم و أو جبناه، ووافقنا على ذلك مالك والمزني صاحب الشافعي، واحتج ابن بطال
على وجوبه بالإجماع على وجوب إمرار اليد على اعضاء الوضوء عند غسلها، فيجب ذلك في الغسل قياساً لعدم الفرق بينها، وتعقب بأن جميع من لم يوجب الدلك أجازوا غمس اليد في الماء للمتوضيء من غير إمرار فبطل الإجماع وانتفت الملازمة، لكن صريح كلام المصنف رحمه الله أن إمرار اليد ليس شرطاً بل الشرط الدلك ولو بعود، وعند المالكية هل يجب خصوص اليد فلا يجزي غسل إحدى رجليه بالأخرى خلاف، ولا بد من إمرار اليد قبل ذهاب الماء على
العضو؟
قوله: وأما غيرنا (مذهب مالك أن الدلك فرض في الوضوء والغسل فليس
المراد كل غسل.
- 78 - (1/71)
صفحة 72
والوضوء لا بد فيه من إمرار اليد لأنه أمر بالمبالغة فيه لقوله عليه السلام: (أشربوا أعينكم الماء لعلها لا ترى ناراً حامية)). وقوله عليه السلام: (ويل للعواقب من النار، وويل لبطون الأقدام من النار) (2)
مسألة في غسل الوجه:
اتفق العلماء على أن غسل الوجه بالجملة من فرائض الوضوء، الدليل
فائدة: قيل إنما يبدأ بالأعلى في الطهارة لشرفها، فالوجه لما اشتمل عليه من الحواس والنطق، ثم اليدين لكثرة جوادهما في الطاعة وغيرها، ثم الرأس على الرجلين لما اشتمل عليه من القوى المدركة والحكمة، والفم على الأنف لشرفها بالذوق والطعم والنطق، والفرجان محافظة على الطهارة من النقض. قوله: ويل للعواقب من النار الخ. الظاهر أنه من الإسناد إلى السبب، والمقصود ويل للشخص التارك لغسل عقبيه في الوضوء من النار، لكن أسند ذلك إلى العواقب لأن تركها هو السبب في دخول الشخص النار والله أعلم، وكذا قوله: ويل لبطون الأقدام من النار، ويحتمل أن يكون من التعبير بالجزء على
الكل والله أعلم فليتأمل.
مسألة في غسل الوجه:
قوله: غسل الوجه التعبير بالغسل الرد على من قال الفرض الاغتسال
(1) الحديث ضعيف، وروى مثله أحمد وأخرجه ابن ماجه من أبي امامة بلفظ: (وكان يتعهد الماقين)
(2) رواه مسلم عن ابي هريرة بلفظ) ويل للأعقاب) ورواه أحمد عن جابر وروى أ والدارقطني عن عبد الله بن الحارث) ويل الأعقاب ولبطون الأقدام من النار).
- 65 -
أحمد
ه م 5 ـ الإيضاح» (1/72)
صفحة 73
قوله تعالى: «فاغسلوا وجوهكم» وحد الوجه من منابت شعر الرأس إلى الذقن طولاً، وإلى الأذنين عرضاً، وسواء كان المتطهر ذا لحية أو غير ذي لحية والمنشأ داخل في الوجه وهو البياض الذي بين العارض والأذن، والدليل ما توجبه اللغة، لأن الوجه ما واجه به الانسان، والعرب لا تعقل الوجه إلا ما ظهر لها وواجهها وخوطبت بما تعرفه في لغتها، وغسل مواضع اللحية واجب لأنه مواجه به إذا لم يكن هناك شعر، فإذا ظهر
لا خصوص الغسل، وسيأتي التصريح بذلك فيما يأتي.
قوله: من منابت شعر الرأس الخ. ويجب غسل بعض الرأس لأنه لا يتوصل إلى التعميم إلا بغسل بعض الرأس لأنه مما لا يتم الواجب إلا به، ولو قال المعتاد كما قال الشيخ إسماعيل رحمه الله لكان أولى الخ.
قوله: الذقن بفتح الذال المعجمة والقاف هو مجمع اللحيين، وظاهر كلام رحمه الله أن اللحى الأسفل ليس من الوجه، ولو قال
المصنف
اللحية لكان أولى.
مع
ما طال من
قوله: إلى الأذنين الخ، هذه العبارة مشكلة لفظاً ومعنى حررها، ولو قال: وحد الوجه طولاً من منابت شعر الرأس المعتاد إلى منتهى الذقن، وعرضاً من الأذن إلى الأذن، لكان أظهر، بل لو قال: ما بين الأذنين لكان أولى من التعبير بإلى، حرره.
قوله: وغسل مواضع اللحية الخ. وكذا يجب عليه غسل موضع العذار والشارب والحاجبين والهدب ونحوها إذا لم يكن كثيفاً، وأما إذا كان كثيفاً فلا، كما يؤخذ من كلام المصنف رحمه الله، و كذا الوترة بفتح الواو والمثناة الفوقية،
-77 - (1/73)
صفحة 74
فيه شعر وستره لم يجب عليه غسله لأن اسم الوجه زال عنه، وإن عارض
-
وهي حجاب ما بين المنخرين وظاهر شفتيه كما نص على ذلك الشيخ اسماعيل رحمه الله، ويحتمل أن يقال: يجب غسل هذه الشعور مطلقاً لأن الغالب على هذه الشعور الخفة لا الكثافة، وكثافتها نادرة، ثم رأيت النص في الشيخ إسماعيل رحمه الله أنه لا يجب غسلها والله أعلم.
وسمي
شارباً لملاقاته
قوله: والشارب هو الشعر النابت على الشفة العليا، قم الإنسان عند الشرب، وانظر هل لابد من نقل الماء كما يقتضيه صنيع الشيخ
رحمه
الله والشيخ إسماعيل رحمه الله ولا يكفي ذلك إذا جاء على العضو كيف اتفق، كأن وقع عليه ماء مطر ثم دلك، حرره. ويؤخذ من الديوان أنه ليس بشرط، ونص عبارته: وإن توضأ في الماء فلا بأس عليه إلا وجهه فإنه لا يغسله داخل الماء، فإن فعل فقد أجزاء، ثم قال: وإن غسل أعضاء وضوئه لشأن الوسخ أو لغير ذلك من غير أن يقصد بذلك الوضوء، فإنه لا يجزيه، وكذلك إن كان المطر يسكب عليه حتى ابتلست أعضاءه انتهى. فلعله إذا لم يدلكها، وأما لو دلكتها أجزاء والله أعلم.
قوله: فإذا ظهر فيه شعر الخ. أنظر هل انتقل الفرض إلى ظاهر اللحية فيجب غسل ما ظهر منها أولاً فلا يجب حرره، راجع القواعد
•
قوله: وستره قيد لابد منه، وانظر هل يستثنى من ذلك لحية المرأة لندرتها وهل يجوز للمرأة حلقها وكذا شاربها وعنفقتها لم أر فيه نصاً لأصحابنا، وقد اختلف في ذلك قومنا فقيل يستحب لها حلقها. وقال محمد بن جرير لا يجوز لها حلق شيء من: ذلك، وقيل يجب حلقها لئلا تشتبه بالرجال في إبقائها والله أعلم وذكر في بعض اللقط لأصحابنا أنها إذا حلقتها ليس عليها شيء.
-77 - (1/74)
صفحة 75
(1).
من أوجب غسله بأنه عليه السلام أمر بتخليل اللحية وقال: المسح يكون غسلاً، الدليل ما روي (أن النبي عليه السلام اغتسل من جنابته فرأى في بدنه لمعة لم يصبها الماء، فعصر جمته ثم مسحها بما قطر منها) قيل له الدليل على ما قلنا ما روي من طريق ابن عباس (أنه لا توضأ مرة مرة، فقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، ثم اثنين اثنين فقال: من ضاعف ضوعف له، ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً فقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي) (3)، وليس في وسع الإنسان وطاقته إيصال الماء إلى أصول الشعر إذا كان كثيفاً بمرة واحدة، ويدل أيضاً على ما قلنا أن
قوله: جمته الوفرة، الشعر إلى شحمة الأذن، ثم الجمة ثم اللمة، وهي التي المت بالمنكبين صحاح. قوله: ما روي من طريق ابن عباس إلخ. لقائل أن يقول شرط الدليل أن يكون مسلماً عند الخصم والخصم قد لا يسلم صحته إذ الحديث متكلم في صحته عند المخالفين، إلا أن يقال إن هذا للقائل بصحة هذا الحديث فيتوجه عليه والله
أعلم بالصواب.
•
(1) روي ابن ماجه عن عثمان: (ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته) ورواه الترمذي مصححا. وروى أبو داود في سننه عن انس (ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته وقال: هكذا امرني ربي عز وجل).
اخذ كفا من
•
(2) رواه الجماعة إلا مسلماً متوقفين عند قوله - ابن عباس - مرة مرة. وروى احمد عن عبد الله بن زيد ان النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرتين مرتين. وروى احمد ومسلم عن عثمان ان النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثاً (1/75)
صفحة 76
الوجه الذي أمر الله بغسله بالماء هو الوجه الذي أمر الله بمسحه بالصعيد،
ولا أعلم خلافاً أن المتطهر بالصعيد لا يجب عليه تخليل اللحية ولا يؤمر
بذلك، وإسم الوجه غير لاحق بالموضع الذي يواريه الشعر.
مسألة في غسل اليدين مع الذراعين:
6
وهو من فرائض الوضوء، والدليل قوله تعالى: «فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق». واختلفوا في إدخال المرافق في الغسل، والأصل في اختلافهم الاشتراك الذي في حرف إلى في كلام العرب، وذلك أن حرف إلى في كلام العرب مرة يدل على الغاية، ومرة يكون بمعنى مع، وهو بمعنى مع ها هنا. الدليل أنا رأينا المحدودات
مسألة في غسل اليدين:
قوله: اليدين انظر هل هذا بناء على الغالب فلو نبت له ذراع في ذراعه وجب غسله، وكذا في عضده وامتد للذراع الأصلية، وكذا لو خلق له وجهان ورأسان، حرره بنقل صحيح، ويجب غسل بقية المعصم وهو موضع السوار
من اليدين.
قوله: بمعنى مع هذا قول الأكثرين قيل وفيه نظر لأن المشهور أن اليد حقيقة إلى المنكب فتعين أن يكون للغاية، والغاية إذا كانت جزءاً من المفيا دخلت كقولك: قطعت أصابعه من الخنصر إلى المسبحة، وبعتك هذه الاشجار من هذه إلى هذه، أو أنها غاية للمتروك أي اتركوا منها إلى المرافق، فالمراد بالتحديد
-99 - (1/76)
صفحة 77
على ضربين حد من جنس المحدود حده يدخل فيه، كقوله تعالى: ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم). ومحدود إلى غير جنسه حده
(2)
لا يدخل فيه، كقوله تعالى: «ثم أتموا الصيام إلى الليل (2)، فذلك حد وانتهاء، وكذلك قوله تعالى: «يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (3). وكان المرفقان من جنس المحدود، ولذلك وجب أن يدخلا في الغسل، ويبدأ بغسل يده اليمنى يبدأ بظاهرها من الكنف إلى المرفق، ثم بباطنها من الكف إلى المرفق، ثم يجمعها بالغسل ثم الشمال يبدأ بباطنها من
في هذا إخراج ما وراء الحد وهذا ينبني على الخلاف في المجاز والإضمار أيهما أولى؟ اقال الشيخ أحمد بن سعيد رحمه الله: والمجاز أولى من الإضمار لأن المجاز أكثر فالحمل عليه أولى، يعني فعلى الأول فيه تجوز بلفظ اليد على جزئها حتى يتكرر لمغيا، إذ من شرطه أن يثبت قبل الغاية ويتكرر، وعلى الثاني الترك متكرر. قوله: بمعنى مع لا يناسبه قوله الدليل إلخ. إذ ما أتى به دليلا إنما يأتي على أنها للغاية لا بمعنى مع كما يظهر بالتأمل فيما كتبناه، فالأولى أن يجعل توجيها لكونها للغاية لا لكونها بمعنى مع.
قوله: المرفق بكسر الميم وفتح الفاء وعكسه سمي بذلك لأن المتكيء يرتفيق به إذا أخذ براحة رأسه متكئاً على ذراعه.
(1) النساء: 2 (2) البقرة: 187
(3) مريم: 85
- Y. - (1/77)
صفحة 78
الكف إلى المرفق، ثم بظاهرها كذلك، ثم يجمعهما بالغسل لأنه لما أمر بتقديم اليمين على الشمال أمر بتقديم الجانب الأيمن على الجانب الشمال من اليدين جميعاً قياساً والله أعلم، ويخلل أصابعه في الوضوء، الدليل ما روي أن النبي عليه السلام قال: (خللوا بين أصابعكم في الوضوء قبل أن تخلل بمسامير من نار)). وأجمعوا أنه غير واجب وإن كان إيصال الماء إلى مواضع التخليل واجباً، وفي هذا دليل على أن ما أصابه الماء من مواضع
قوله: أصابعه جمع إصبع مؤنثة وفيها عشر لغات جمعها قول الناظم:
تثليث باء إصبع مع شكل هَمْزَتِهِ
من غير قيد مع الأصبوع قد كملا
فائدة: قد اختلف في إجالة الخاتم في اليد قال الشيخ إسماعيل رحمه الله: والأصح إجالته ليصل الماء موضع التختم، وتعليله يرشد إلى الفرق بين الضيق والواسع،
حرره.
رحمه
قوله: وأجمعوا كأنه لم يعتد بالمخالف فلا ينافي ما قاله الشيخ إسماعيل الله تعالى أو أراد إجماع الأصحاب، والظاهر الأول. قوله: وفي هذا دليل أي في الإجماع المذكور لكن لقائل ان يقول ليس
(1) روي بألفاظ: روى وائلة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يخلل أصابعه بالماء خللها الله بالنار يوم القيامة (رواه الطبراني في الكبير. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لتنتهكن الأصابع بالطهور أو لتنتهكنها بالنار) رواه الطبراني في الاوسط مرفوعاً ووقفه في الكبير على ابن مسعود بإسناد حسن.
-11 - (1/78)
صفحة 79
الوضوء إذا لم يمر عليه اليد مع الماء أنه يجزيه إذا جرت اليد على الأكثر منه في قول من رأى أن اليد مع الماء واجب في الطهارة، وإن غسل وجهه أو ذراعيه أو عضواً من أعضاء وضوئه بعود أو حجر أو بشيء غير اليد إن ذلك يجزيه لاستحقاقه اسم غاسل ومتوضيء، فإن قال قائل: أرأيت إن توضأ له غيره أيجزيه ذلك؟ قيل له: لا يجزيه لأن المخاطبة متوجهة إليه لا إلى غيره، وإن بدأ بالشمال قبل اليمين فقد أجزاه ذلك. والمستحب له أن يبدأ باليمين، والله أعلم.
مسألة في مسح الرأس:
و مسح
الرأس من فروض الوضوء، والدليل قوله تعالى:
فيه دليل على ما ذكر وإنما لم يوجبه لأن محاكتها وتدافعها حال الغسل يقوم مقام اليد إذ ليس خصوص اليد شرطاً كما تقدم.
قوله: لأن المخاطبة الخ. قلت هذا إنما يمنع فعل الغير، وأما الاستعانة به فلا حرره. وعند قومنا في رواياتهم: (أنه من استعان بغيره).
قوله: وإن بدأ بالشمال أي ولم يقصد خلاف السنة كما سيأتي.
مسألة في مسح الرأس:
قوله: الرأس الخ. الرأس هو العضو المخصوص كما يؤخذ من كلام الشيخ إسماعيل رحمه الله، فثم محذوف أي امسحوا شعر رؤوسكم، والشعر إسم جمع
- 72 - (1/79)
صفحة 80
د وامسحوا برؤوسكم (1) واختلف الناس في القدر المجزئ منه فقال بعضهم: الواجب مسحه كله، وقال بعضهم: مسح بعضه هو الواجب وهو الفرض، فمنهم من حد هذا البعض بالثلث، ومنهم من حده بالثلثين، ومنهم من حده بالربع، ومنهم من لم يجعل في ذلك حداً ويجزيه أقل القليل، والأصل في هذا الاختلاف الإشتراك الذي في الباء في كلام العرب، وذلك أن تكون مرة زائدة مثل قوله تعالى: «وشجرة تخرج
من طور سيناء تنبت بالدهن (2)». على قراءة من قرأ تنبت
بضم التاء
من أنبت، وتدل على الكل مثل قوله تعالى: «وليطوفوا بالبيت
العتيق، ومرة تدل على التبعيض مثل قول القائل: أخذت بثوبه و بعضده، ومسحت يده بالأرض، فمن رأى أنها زائدة أوجب
مسح
أو إسم جنس، يعني يفرق بينه وبين مفرده بالتاء، وأقل الجمع ثلاثة فلذلك قال أصحابنا لا يجزئ مسح أقل من ثلاث شعرات بثلاثة أصابع، وعلى كلام الأصحاب فالمسح على البشرة لم يتناوله النص بل ثبت بالإجماع، وقيل الرأس من تراوس وهو كل ما علا فيتناول اللفظ الشعر لعلوه والبشرة عند عدمه لعلوها بغير توسط والله أعلم.
قوله: على التبعيض أنكر ابن جنسي وصاحب البسيط مجيئها للتبعيض
(1) المائدة: 6 (2) المؤمنون: 20
(3) الحج: 29
- 73 - (1/80)
صفحة 81
الرأس كله، وقياسه على الوجه يعضد هذا التأويل، ومن رأى أنها مبعضة أوجب مسح بعضه، ورجح قوله بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق ابن عباس رضي الله عنه (أنه مسح ببعض رأسه في الوضوء)) ويدل أيضاً على الاختلاف معنى آخر وهو هل الواجب الأخذ بأوائل الأسماء أو بأواخرها؟ والعرب تسمي البعض باسم الكل كنحو قوله
وقالا: لم يذكره أحد من النحاة وأثبته جماعة، منهم إبن مالك، وقال ذكره الفارسي في التذكرة ونقل عن الكوفيين وتبعهم فيهم الأصمعي والعتبي وكذا ابن مخلد في شرح الجمل ومثله بقوله: مسحت بالحائط، وتيممت بالتراب، واستحسنه العبدي في شرح الإيضاح قال: ووجهه عندي أن الباء الدالة على الآلة
•
لا يلزم فيها أن يلابس الفعل جميعها ولا يكون العمل بها كلها بل ببعضها فائدة: بعض الشيء قد يراد به ما هو فرد منه، كما يقال زيد بعض الإنسان، وقد يراد به ما هو جزء له كما يقال اليد بعض زيد.
قوله: والعرب تسمي البعض الخ. يعني والرأس كل، إذ حده من فوق الأذنين إلى أعلى الجبين أو من القفا إلى الجبين لكن ظاهر كلام المصنف رحمه الله أن المسح متوجه ابتداء إلى البشرة لا إلى الشعر فيكون ما كتبته لا يوافق كلام الأصحاب، وعلى ما ذكرته يندفع إشكال التخصيص بالثلاثة والله أعلم، حرره. لكن قد لا يتعين ما ذكرته إذ كلامه بعد يدل على ما ذكرته حرره بتأمل صادق، ولكن قد يقال لا دلالة بعد لاحتمال أن يراد من قوله كنحو التشبيه في الإطلاق لا التمثيل للكل وإرادة البعض، ويحتمل
وروي مثل ذلك عن انس
(1) رواه احمد ورواه الشافعي من حديث عطاء بلفظ آخر رفوعاً، اخرجه ايضاً سعيد بن منصور من حديث عثمان رضي الله عنه في صفة الوضوء.
- YE - (1/81)
صفحة 82
تعالى: و تدمر كل شيء بأمر ربها، ولم يقل تدمر الكل، وكذلك تسمي بعض الماء باسم الماء وبعض النار باسم النار، ويستحب له أن يبدأ بمسح رأسه من وسط الرأس إلى أن يبلغ بخنصرته جبهته، ثم يرجع فيأخذ من وسط رأسه إلى قفاه من خلف رأسه ثم يمسح من وسط رأسه إلى ما يقابل الأذنين، ثم يمسح الأذنين ويجعل إصبعيه في القمعين، هذا على قول من أوجب مسح الرأس كله، والدليل على هذا أن المسح خفيف
أنه تمثيل وتجوز في الكلام رحمه الله تعالى.
قوله: باسم الكل، قلت ويحتمل أن يراد بالكل الكل الجميعي لا المقابل للجزء، ويشهد له التعبير بالبعض دون الجزء، والاستدلال بالآية، بل أراد بالكل ما يصدق على متعدد وإن لم يكن عاماً كما يظهر من سياق كلامه، فحينئذ لا دلالة فيه على أن مراده العضو، بل يحتمل الشعر بل هو الأظهر، فاتضح ما كتبته في الهامش من تخصيص الاصحاب المسح بثلاث شعرات ولا ينافيه التمثيل بماء الخ، تأمل.
قوله: بعض الماء الخ، قلت الماء إسم جنس إفرادي، وكذا النار فيطلق على القليل والكثير بلفظ واحد حقيقة والله أعلم ما المراد رحمه الله. قوله: ثم يمسح الأذنين إنما ذكره ها هنا إشارة إلى أنه هو المعول عليه عندنا، وعبارة الشيخ إسماعيل رحمه الله: وقد اختلفوا فيه أي في مسح الأذنين، فذهب قوم إلى أن مسحها فريضة ويجدد لهما الماء، وقال آخرون مسحها سنة ويمسحان مع الرأس من غير تجديد الماء، والمعمول به عند أصحابنا هو القول الأخير الخ. قوله: إن المسح خفيف الغسل، يؤخذ منه أنه لو غسل رأسه ونواه للفرض
- yo- (1/82)
صفحة 83
الغسل، والغسل إنما يبدأ به من فوق إلى أسفل، والدليل على هذا ما روي من طريق عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي عما إذا أراد الغسل من الجنابة بدأ بغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة،
ثم يُدخِلُ أصابعه في الماء ويخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه
(1)
ثلاث غرفات بيده، ثم يفيض الماء على جسده كله) وهذا بعد ما استنجى ألا تراه قد بدأ برأسه بالغسل قبل جسده فإن قال ليس فيا ذكرت دليل على ما قلت لأنه إنما بدأ برأسه في الغسل، ولم تقل بدأ بوسط رأسه، قيل له إنما استدللت بهذا الحديث لكون الغسل يبدأ به من فوق إلى أسفل، ويكون هذا الحديث أصلاً يرجع إليه كل غسل والله أعلم، وإن بدأ من مقدم رأسه إلى مؤخره فقد أجزاه، وإن مسح مؤخر رأسه قبل مقدمه فلا يفعل، وإن فعل فقد أجزاء لأنه
ماسحاً والله أعلم.
يسمى
لأجزاء عن المسح والله أعلم.
قوله: وإن مسح مؤخر رأسه الخ. يعني بخلاف المرأة فالمستحب في حقها البداءة من مؤخر رأسها كما نص عليه في الديوان والله أعلم.
(1) متفق عليه، واللفظ لمسلم.
-17 - (1/83)
صفحة 84
:
مسألة في الأذنين
اختلفوا في مسح الأذنين هل هو فريضة أو سنة؟ وهل يجدد لها الماء أم لا؟ وأصل اختلافهم في كون مسحهها سنة أو فريضة اختلافهم في الآثار الواردة في ذلك، هل هي زائدة على ما في الكتاب من مسح الرأس فيكون حكمهما أن يحملا على غير الفرض لمكان التعارض الذي يتخايل بينها وبين الآية إن حملت على الوجوب؟ أم هي مبينة للمجمل الذي في الكتاب فيكون حكمها حكم الرأس في الوجوب؟ وأما اختلافهم في تجديد الماء لهما فسببه تردد الأذنين بين أن يكونا عضواً مفرداً بذاته من أعضاء الوضوء، وبين أن يكونا من الرأس، وقد ذهب قوم إلى أنهما يغسلان مع الوجه، وذهب آخرون إلى أنه يمسح ظاهر هما مع الرأس ويغسل باطنهما مع الوجه، وذلك لتردد هذا العضو
مسألة في الأذنين:
قوله: وذهب آخرون إلى أنه يمسح ظاهر هما الخ. قال الشيخ اسماعيل رحمه الله: واختلف أيضاً في ظاهر الأذنين فمنهم من قال: هو ما وقعت به المواجهة وقال آخرون: هو ما يلي الرأس وهو الأظهر انتهى. ويدل له ما قاله بعض من أن ابتداء خلقتها منغلقة " كزر الورد فإذا أكمل خلقتها انفتحتا على الرأس فالظاهر للحس الآن كان باطناً أولاً، والباطن كان ظاهراً، وما أحسن قول بعضهم في ذلك
:
- YY - (1/84)
صفحة 85
بين أن يكون جزءاً من الوجه أو جزءاً من الرأس والله أعلم. والدليل على أنها سنة على حيالها أجمعوا على أن مسح الأذنين لا يجزي عن مسح رأسه عند من يقول يجزيه من مسح رأسه أقل القليل، وقال الموجب للكل لو مسح رأسه كله وترك أذنيه لأجزاه ذلك، والموجب للثلث والربع قال: لا يجزيه إن أتم الثلث أو الربع بالأذنين، فقد دل هذا على أنها ليستا من الرأس، وأجمعوا على أن ليس للمتيمم أن يمر بها مع مسح الوجه، وفي هذا دليل على أنهما ليستا من الوجه ولكنهما سنة على حيالهما والله اعلم، ولست أنكر أنهما من الرأس لما روي عن جابر رحمه الله قال: (سمعت عن رسول الله قال: الأذنان من الرأس) (1) قال: (وبلغني عنه عليه السلام أنه غرف غرفة فمسح بها رأسه وأذنيه) و من اعتبر هذا بآذان الأنعام والسباع لم يخف عليه أن آذانها من رؤوسها لا من وجوهها، ويدل على هذا قول الشاعر
:
إلى هامة قد وقر الضرب سمعها وليست كأخرى سمعها لم يوقرا
الأذن كالوردة مفتوحة فلا تمرن عليها الخنا فإنه أنتن من جيفة فاحرص على الوردة أن تنتنا
(1) رواه احمد، وأخرجه ابن ماجه عن ابن عباس.
- YA- (1/85)
صفحة 86
وإذا كان كأخرى السمع لها فالأذنان هما السامعتان والله أعلم.
مسألة في الرجلين:
إتفق العلماء على أن الرجلين من أعضاء الوضوء واختلفوا في نوع طهارتهما، فقال قوم فرضهما الغسل، وقال قوم فرضهما المسح، وأصل
مسألة في الرجلين:
فائدة: لكل رجل كعبان على المعروف عند أهل اللغة، قيل قوله تعالى إلى الكعبين إشارة إلى الناتئين في مفصلي الساقين لأن لليد مرفقاً واحداً، فلو كان المراد الناتئ في ظهر القدم لكان لكل رجل كعب واحد، فكان يقول إلى الكعاب كما يقول إلى المرافق لتقابل الجمع بالجمع، فلما عدل عنه إلى التثنية دل على أن مراده الكعبان اللذان في أطراف الساق، فيصير معنى الآية: اغسلوا كل رجل لكعبيها، انتهى مزني، وقد نقل بعض قومنا الإجماع على غسل الكعبين الناتئين في مفصلي الساقين، ونقل بعضهم القول بانتهاء الغسل للكعب الذي في معقد الشراك، وقرئ أرجلكم بالرفع مبتدأ خبره محذوف أي اغسلوها، وفي كلام المشيخ إسماعيل رحمه الله التصريح بأن المراد بالكعب العظم الذي عند معقد الشراك، وفي كلام المؤلف رحمه الله آخراً ما يدل على أن المراد به الناتيء في مفصل الساق وهو الصواب والله أعلم. اللهم إلا أن يريد الشيخ أبو طاهر بالنعل غير معناه المتعارف بل ما تعرف الآن هو اللائق به رحمه الله تعالى
وهذا
•
قوله: فقال قوم فرضها الخ. وذهب ابن جرير والطبري وداود الظاهري
- 19 - (1/86)
صفحة 87
هذا الاختلاف القراءتان المشهورتان في آية الوضوء، قراءة من قرأ (وأرجلكم) بالنصب عطفاً على المغسول، وقراءة من قرأ (وأرجلكم)
بالخفض عطفاً على الممسوح، وتأول من ذهب إلى الغسل قراءة الخفض أن ذلك عطف على اللفظ لا على المعنى، إذ كان ذلك موجوداً في كلام.
العرب مثل قول الشاعر:
لَعِبَ الزَّمانُ بهَا وغَيَّرَها بعدِي سَوَا فِي الْمَوْرِ وَالْقَطْرِ
ولو عطف على المعنى لرفع القطر، وأما الفريق الثاني وهم الذين أوجبوا المسح فإنهم تأولوا قراءة النصب على أنها عطف على الموضع
كقول الشاعر:
إلى التخيير جمعاً بين القراءتين، وابن جرير هذا رجل من الشيعة موافق في الإسم
والنسبة لابن جرير المشهور دميري.
قوله: فرضها المسح هو مذهب الشيعة
•
قوله: قراءة الخفض، وذهب بعض المخالفين إلى أن قراءة الخفض محمولة على مسح الخفين
قوله: (المور) في القاموس (مار) تردد في عرض، وأتى نجداً، والدم جرى، وأمارة أساله، والمسور الموج والاضطراب والجريان على وجه الارض والتحرك، والطريق الموطأ المستوي والشيء اللين، ونتف الصوف، وساحل لقرى اليمن شمالي زبيد، وبالضم الغبار المتردد والتراب تثيره الريح، مارَ مَوْراً وأمارته
-80 - (1/87)
صفحة 88
مُعاوِيَةُ إنَّنا بَشَرٌ فاسجح ولسنا بالجبال ولا الحديدا واستدل من ذهب إلى أن الغسل هو الفرض، وهو الصحيح بالثابت عنه عل الله أنه قال في قوم لم يستوفوا غسل أعقابهم في الوضوء:
(1)
ويل للعواقب من النار)). فهذا يدل على أن الغسل هو الفرض، لأن الواجب هو الذي يتعلق بتركه العقاب. وقال آخرون: إنما يتعلق الوعيد بترك التعميم لا بنوع الطهارة، قيل له والله أعلم فما بال التخصيص؟ ودليل آخر من دليل الإجماع أنهم أجمعوا جميعاً أن من غسل قدميه فقد أدى الفرض الذي عليه، واختلفوا فيمن مسح عليهما، فنحن على ما أجمعوا عليه، والإجماع حجة والاختلاف ليس بحجة. و دليل آخر من جهة المعنى أن الغسل أشد مناسبة للقدمين من المسح، كما أن المسح أشد مناسبة للرأس إذ كانت القدمان لا ينقى دَنَسُهُما بالمسح كما ينقى دنس الرأس بالمسح، والمصالح المعقولة لا تمنع أن تكون
الريح الخ. وقال في موضع آخر والسائفة الرمل الرقيقة، الى ان قال: والسافة والسائفة والسوفة الارض بين الرمل والجلد، الخ. قوله: فاسجح لعله من الإسجاح وهو حسن العفو، في القاموس سجح كفرح سجحاً سهل ولان الى أن قال: والإسجاح. حسن العفو.
(1) تقدم ذكره.
-^-
ه م 6 - الإيضاح» (1/88)
صفحة 89
أسباباً للعبادة المفروضة حتى يكون الشرع يحيط به معنيان: معنى مصلحي، ومعنى عبادي، واختلفوا في الكعبين هل يدخلان في الغسل أم لا؟ وأصل اختلافهم الاشتراك الذي في حرف (إلى)، وقد تقدم القول في هذا الحرف بما فيه كفاية والله أعلم، وإنما يبدأ بغسل رجله اليمنى وينبغي له أن يبدأ في غسلها من أصل بنانه الصغرى لأنها من الجانب الأيمن ثم التي يليها ثم التي يليها إلى أن يفرغ منهن، ويخلل ما بينهن وما تحتهن لقوله عليه السلام: (خلوا بين أصابعكم في الوضوء) الحديث. وإنما يبدأ بغسل بنان رجله لأن نهاية الغسل إلى الكعبين، لقوله تعالى: «وأرجلكم إلى الكعبين، ثم ترجع إلى أصل بنان رجله
قوله: ويخلل ما بينهن الظاهر انه مندوب كتخليل أصابع اليدين، ويمكن الفرق بينها بانفراج أصابع اليدين فيسرع وصول الماء مع تحاكتها بخلاف الرجلين، قلت: بل ظاهر كلام الشيخ رحمه الله وكلام أبي طاهر رحمه الله أن تخليل أصابع الرجلين واجب فليعتمد.
قوله: وإنما يبدأ بغسل الخ. ومثل ما قاله الشيخ رحمه الله ما قاله بعضهم،
ينبغي ختم الرجلين واليدين بالكعبين والمرفقين موافقة للغاية القرآنية تأدباً
•
قوله: لأن نهاية الغسل يعني ولو عكس لانعكست الغاية فلذلك قلنا يبدأ
بالبنان.
قوله: ثم يرجع هذا كالتصريح في أن التخليل في المرة الأولى حرره والله
أعلم.
- AY- (1/89)
صفحة 90
الصغرى، فيبدأ به إلى الكعب لأنه الجانب الأيمن، ثم يرجع إلى بنانه العظمى فيبدأ بها إلى كعبه، ثم يغسل ظاهر قدمه إلى الكعب ليكمل طهر القدم، ثم يغسل باطنها ويبالغ في غسلها لقوله عليه السلام: (ويل لبطون الأقدام من النار) ثم يغسل عرقوبه إلى كعبه، ويجمع رجله بالغسل، ثم يرجع إلى رجله اليسرى فيغسلها إلى كعبه كما غسل اليمني، إلا أن الابتداء في اليسرى من بنانه العظمى في غسل البنان، ومن أصلها إلى الكعب في غسل الجوانب، والباقي غسلهما واحد، وإن غسل رجليه ونظفهما من غير أن يقصد إلى المعمول في غسلهما أجزأه لأنه
غسل الرجل المأمور بغسلها والمستحب كما أعلمتُك، والله أعلم.
مسألة في ترتيب الاعضاء:
اختلفوا في وجوب الترتيب، قال بعضهم: يجوز تقديم ما تأخر ذكره في التلاوة، وقال بعضهم: لا يجوز إلا على الترتيب الذي ذكره الله في التلاوة، وذهب أصحابنا رحمهم الله إلى جواز التقديم والتأخير
مسألة في ترتيب الأعضاء:
قوله: وذهب أصحابنا الخ. وهذا الذي قاله الشيخ رحمه الله مخالف لظاهر كلام الديوان فحرره، وعبارة الشيخ اسماعيل رحمه الله، وذهب بعض أصحابنا إلى جواز التقديم والتأخير ما لم يرد بذلك خلاف السنة إلى أن قال: وأما
- AY- (1/90)
صفحة 91
هذا الاختلاف
ما لم يقصد المتطهر بذلك الفعل مخالفة السنة، وسبب شيئان اثنان: أحدهما الاشتراك الذي في واو العطف، وذلك أنه قد يعطف بها الأشياء المترتبة بعضها على بعض، ويعطف بها غير المرتبة، وذلك ظاهر من استقراء كلام العرب، ومن رأى أن الواو في آية
الربيع رحمه الله فروي عنه أنه لم يكن يرى الوضوء الأمر تبئا كما جاءت به السنة الخ. وفي عبارة أبي إسحاق الحضرمي رحمه الله إشارة إلى الخلاف، فلعل قول الشيخ رحمه الله وذهب أصحابنا نظراً إلى الأكثر والمقابل عنده ضعيف كما يدل عليه عبارة أبي إسحاق المذكور، حرره. . وأما عبارة الديوان فتقتضي العكس راجعه، إلا أن يقال كلام الديوان فيما إذا قصد خلاف السنة كما هو ظاهر كلامه، فحينئذ يلتئم الكلام، لكن كلامه في الموالاة يدل على أن
المختار عندهم وجوب الترتيب حرره.
قوله: وذهب أصحابنا الخ. الذي يظهر من كلام الديوان أن الوضوء المنعكس باطل من غير خلاف، وأما غير المرتب ففيه خلاف، و نص عبارته: وإن بدأ بوضوئه من الرجلين حتى بلغ الوجه فلا يجزيه، وأما إن توضأ على غير ترتيب الآية فإنه إذا قدم ما يجب عليه أن يؤخره فلا يجزيه حتى يعيد له الغسل، وقيل فيها بالرخصة وما ذكره في الديوان من الرخصة موافق لمن قال الشرط عدم التنكيس، واختاره بعض أصحاب الشافعي، وحكاه البغوي عن أكثر
العلماء
قوله: جواز التقديم والتأخير أي لأن الأصل عدم الوجوب.
قوله: ومن رأى أن الواو الخ. الأولى الفاء، وقال القائلون بأن الترتيب هو الواجب بأن الواو وإن كانت لمطلق الجمع على الصحيح لكن الله أمر بغسل
-^ {- (1/91)
صفحة 92
(1)
الوضوء تقتضي الترتيب قال بوجوب الترتيب، ومن رأى أنها لا تقتضي الترتيب لم يقل بإيجابه، والصحيح أن الواو إنما تقتضي الجمع لا الترتيب، و الترتيب في أعضاء الوضوء سنة. ألا ترى أن العرب سألوا رسول الله لما نزل قوله تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم بأيهما يبدأون قال: (ابدأوا بما بدأ الله به) والعرب عارفون أنها لا تقتضي الترتيب، ولو كانت تقتضي الترتيب لما سألوه، والدليل على هذا قوله تعالى في سورة البقرة: " وإذ قلنا أدخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شِئْتُم رَغَداً وادْخُلُوا الباب سُجَّداً وقولوا حِطَّةٌ نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (2)، وقال في الأعراف: «وقولوا حطة وادخلوا الباب سجَّداً (3) ولو كانت الواو تقتضي الترتيب لما جاز أن يتقدم في إحدى الآيتين ما تأخر في الأخرى، وقال الشاعر دليل على أن الواو
?
الوجه بحرف العطف الموجب للترتيب والتعقيب، وإذا ثبت تقديم الوجه وجب الترتيب في بقية الأعضاء إذ لا قائل بالفرق، واستدل بأن النبي عليك لانه لم ينقل عنه انه توضاً منكساً أبداً ولو جاز لفعله ولو مرة واحدة لبيان الجواز، واعترض بأنه علي الا لم ينقل عنه أنه غسل الشمال قبل اليمين والخلاف في جوازه حرره.
(1) البقرة: 158
(2) البقرة: 58 (3) الاعراف: 161
1401 (1/92)
صفحة 93
لا تقتضي الترتيب: أغلي السباء بكل أذكن عاتق أو جُونَةٍ قَدْحَتْ وفُض ختامها تقديره فض ختامها، وقدحت أي غرفة بالمُقْدَحَةِ وهي المغرقة، والسبب الثاني اختلافهم في أفعاله الا الله وهل هي محمولة على الوجوب، أو على الندب؟ فمن حملها على الوجوب قال بوجوب الترتيب. ولما روي أيضاً عنه عليه السلام (أنه لم يتوضأ قط إلا مرتباً))، ومن
حملها على الندب قال: إن الترتيب ندب.
مسألة في الموالاة في الوضوء:
إختلف العلماء في الموالاة في أفعال الوضوء، فذهب قوم إلى أن الموالاة فرض، وذهب آخرون إلى أن الموالاة ليست بفرض وليست من واجبات الوضوء، والسبب في ذلك الإشتراك الذي في الواو أيضاً، وذلك أنه قد يعطف بها الأشياء المتتابعة المتلاحقة بعضها على بعض،
مسألة في الموالاة في الوضوء:
قوله: الذي في الواو أيضاً الأولى تقديم أيضاً ويقال السبب في الاختلاف
أيضاً الاشتراك الذي في الواو الخ.
(1) رواه مسلم. (1/93)
صفحة 94
وقد يعطف بها الأشياء المتراخية بعضها على بعض، وقد احتج بعضهم لسقوط الموالاة بما ورد (أنه عليه السلام كان يتوضأ في أول طهره ويؤخر غسل رجليه إلى آخر الطهر). وقد يدخل الخلاف في هذه المسألة من الاختلاف في حمل أفعاله الا الله على الوجوب أو على الندب، و استدل من قال بالوجوب ما روي أن النبي عليه السلام من طريق ابن عباس رضي الله عنه توضأ مرة مرة فقال: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به))، وهذا يوجب الموالاة، وفرق قوم بين العمد والنسيان وهو الصحيح لأن الناسي الأصل فيه في الشرع أنه معفو عنه إلا أن يقوم الدليل على غير ذلك لقوله عليه السلام: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما لم يستطيعوا وما أكرهوا عليه) (2)، وكذلك العذر
قوله: وكذلك العذر الخ. فحاصله أنه رحمه الله إختار أن الموالاة واجبة
مع الذكر والقدرة، وأنه إن فقد أحدهما بنى على ما تقدم طال أو لم يطل، وظاهره أنه لو بنى بغير نية أجزاء، ولعل الأمر كذلك لاستصحاب النية، وظاهره أيضاً في عذر النسيان مطلقاً، وقيل يستثنى من العذر بالنسيان من فرق ناسياً، فأمر أن يبنى على فعله الأول فنسي ثانياً فإنه يبتدى وضوءه، ولا يعذر بنسيانه ثانياً، ولم أر من تعرض لها من أصحابنا، والظاهر أنه يعيد ولا
(1) تقدم ذكره.
(2) متفق عليه.
- AY- (1/94)
صفحة 95
بوجوب
يظهر من أمر الشرع أن له تأثيراً في التخفيف والله أعلم. مثال ذلك: أن أخذ في وضوئه حتى فرغ له الماء، ولم يتم وضوءه فإنه يأخذ في طلب الماء فإذا جاء به فليأخذ من حيث ترك ولو نشف بلل وضوئه لأنه معذور ولم يضيع الطلب ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وأما إن ضيع الطلب ووجد الماء فإنه يبني على وضوئه إن لم ينشف بلل وضوئه، وإن نشف فإنه يستأنف: وقال بعضهم ممن قال الموالاة ولم يلتفت إلى غيرها: إذا نشف بلل وضوئه فليستأنف ولو لم يضيع، وك وكذلك من نسي عضواً من أعضاء وضوئه ولم يذكره إلا بعد ما فرغ، على هذا الإختلاف من عذره في النسيان، قال: يقصد إلى العضو ويغسله، ومن لم يعذره قال يستأنف الوضوء إن جف البلل، و اختلف من عذره أيضاً، قال بعضهم: يقصد إلى العضو وما ردّ ذلك العضو إلى أسفل، وقال بعضهم: يقصده وليس عليه غير ذلك، وسبب اختلافهم، من قال بوجوب الترتيب قال: يقصد إلى العضو وما رد أسفل، ومن لم ير الترتيب واجباً قال: يقصد العضو فقط، والله أعلم وبالله التوفيق.
يبني كما يظهر بالتأمل.
قوله: وأما إن ضيع الخ. ينظر ما ضابط التضييع هنا، هل يقال مقدار ما لو طلب الماء لوجد، أو يقاس على تضييع غسل الجنابة في رمضان كما سيأتي والله أعلم.
- AA- (1/95)
صفحة 96
باب في احكام المياه
والمياه ثلاثة: ماء مضاف إلى مكان قائم فيه، وماء مضاف إلى شيء واقع فيه، وماء مضاف إلى شيء خارج منه، فالمضاف إلى مكان قائم فيه مثل ماء الأمطار، وماء العيون والآبار، وماء البحار، فقد أجمع العلماء أن هذه المياه تزيل النجاسات وترفع الأحداث، وإضافتها إلى المكان لا يسلبها حكم التطهر ولا يخرجها عن حد الإطلاق لأنها لابد
باب في أحكام المياه
قوله: عن حد الإطلاق الخ. عرفه الشيخ إسماعيل رحمه الله بقوله: وهو الباقي على أوصاف خلقته من غير مخالط كماء المطر والبحر والبئر والنهر وماء السباخ على أي صفة كان، ويلحق بهذا المتغير بطول مكث أو تراب أو زرنيخ يجري عليهما، أو بطحلب أو بكل ما كان قراره، أو بمتولد عنه لا ينفك غالباً
انتہي
قوله: من غير مخالط له أي سواء كان طاهراً ولم يتغير أوصافه أو أحد أوصافه أو حتى يكون عن طبخ كما سيأتي في كلام المصنف رحمه الله، أو كان كثيراً وخواط بنجس ولم يتغير كما سيأتي، أو قليلا لم يتغير على قول أو تغير ريحه بطاهر أو نجس على ما سيأتي في كلام المصنف رحمه الله
-49 - (1/96)
صفحة 97
لها من مكان، والدليل على هذا قوله تعالى: " وأنزلنا من السماء ماء
قوله: يجري عليهما يتأمل هل هو قيد معتبر أو المراد من غير أن يكون بصنع أحد، فلو طرح فيه ما ذكر ربح يكون مطلقاً، والظاهر الثاني إذ هو محل ضرورة كالسابق كما يؤخذ من الديوان.
E
قوله: أو بمتولد عنه، ظاهره ولو تغير به بعد انفصاله عنه، ويحتمل ما لم ينفصل عنه ثم يرد إليه وهو طاهر، وظاهره ولو من. سمك أو من روثه لكن الذي يظهر أنه إن تولد من الماء لم يسلب طهوريته وإن احتاج لإناث وذكور سلب عنه إذ لم يتولد منه وخرج عنه ما تغير بما يفارق غالباً من طاهر كالطعام أو بورق شجرة أو تين إذا كان من خارج، وأما لو نبتت شجرة في الماء وتغير فلا يضر والله أعلم، أو نجس كالدم والبول إذا غمر الماء كله ولم يظهر منه إلا " ما لاقاه وانظر حكم الأجنبي المخالط للماء الموافق له في أوصافه كماء الرياحين المنقطعة الرائحة غير المغيرة له، هل حكمه حكم المخالف؟ والذي يؤخذ من المصنف رحمه الله. عدم سلبه الطهورية كما سيأتي في قوله.
كلام
مسألة: إذا خولط الماء زعفران تأمل وبالجملة هذا المحل يحتاج إلى بسط وبحث وتفتيش إذ القياس ليس كافياً، راجع المطولات من كتب العمانيين (كالضياء) و (التبصرة) وانظر ما إذا وجدنا الماء متغيراً وجوزنا أن يكون بطول المكث أو طارئ طرأ عليه، والذي يظهر من كلامهم أنه ثم شك، راجع كلام المصنف في غسل اليدين عند القيام من النوم لكن القاعدة أنا لا ننجس بالشك مسألة: وإذا وقع في البئر ورق الشجر أو بسر النخل أو أشباه هذا من الأشياء الطاهرة فتغير طعمها أو لونها أو ريحها، فإن كان وقع ذلك فيها من غير أن يستعملها به أحد فجائز التطهر منها للصلاة، وإن كانت استعملت فلا يجوز
-9. (1/97)
صفحة 98
طهوراً) وقوله: «فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً (2) إلا قولاً شاذاً في ماء البحر أنه يزيل النجاسات ولا يرفع الأحداث، وهو يروى
عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وقال بعضهم: يجوز التطهر به عند عدم الماء، والصحيح أنه يرفع الأحداث لما روي من طريق ابن عباس رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى النبي الله يسأله عن ماء البحر، فقال يارسول الله إنا لنركب البحر على أرماث لنا، وتحضرنا الصلاة وليس معنا
التطهر منها للصلاة إذا كان يجد غيرها، مصنف
مسألة: قال أبو الحسن في بئر تلقى الريح فيها الأوراق والأرواث حتى يتغير طعمها ولونها إن كانت الأوراق والأرواث نجسة لم يجز التطهر منها، وإن كانت طاهرة ففيها اختلاف. ثالثها إن وجد غيرها فلا يتطهر منها وهو أحب إلي، قال أبو محمد: أما طعمها وريحها فلا بأس، وأما لونها إذا تغير لا يجوز الوضوء به أصلا ولا يغسل به الجنابة، وأما غسل النجاسة بهما جميعاً فجائز ولا تؤدى به الفرائض، مصنف.
قوله: والدليل على هذا، وجه الدلالة أن (ماء) في الآية فكرة عامة لوقوعها في سياق الإمتنان إذ يستحيل أن يمن علينا بغير طاهر فوجب حمل قوله طهوراً على معنى زائد وهو التطهر، ولو استدل بقوله تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به لكان أصرح.
قوله: على أرمات لنا، نص الحديث في الفائق أن رجلا أتاه فقال يا رسول
(1) الفرقان: 48 - (2) النساء: 47.
-91 - (1/98)
صفحة 99
ماء إلا لشفاهنا أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال عميل: (هو الطهور ماؤه والحل
ميتته) (1). وقال تبارك وتعالى: «وأنزلنا من السماء ماء طهوراً» (2)
6
ولا فرق بينهما والله أعلم. الثاني من المياه المضاف إلى شيء واقع فيه، والواقع فيه على وجهين إما نجس يسلبه حكم الطهر والتطهير جميعاً، وإما طاهر يسلبه حكم التطهر فقط. إتفق العلماء في الماء إذا خالطته نجاسة وغيرت أوصافه أنه نجس، واختلفوا إذا غيرت إحدى أوصافه، قال بعضهم: نجس، وقال آخرون: حتى تجتمع الأوصاف الثلاثة، وأصل الإختلاف ما روي من طريق ابن عباس رضي الله عنه أن النبي
قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو
(3)
رائحته) (3). وبعضهم يقول: إلا ما غير لونه وطعمه ورائحته
،
الله إنا نركب على أرمات لنا في البحر فتحضر الصلاة وليس معنا ماء إلا لشفاهنا أنتوضأ بماء البحر؟ قال: (هو الطهور ماؤه والحل ميتته) والرمث الطوف وهو خشب يضم بعضه إلى بعض ويركب عليه في البحر، وهو فعل بمعنى مفعول من رمئت الشيء إذا أصلحته ولممته، فائق
(1) صحيح مشهور، رواه الخمسة عن ابي هريرة وقال الترمذي حسن صحيح.
(2) المائدة: 6
(3) اخرجه ابن ماجه من طريق أبي أمامة الباهلي. بلفظ) و طعمه ورائحته (ضعفه ابو حاتم، اي ضعف العضو اللون والطعم والرائحة بالواو، اما اصل الحديث فثابت في حديث بئر بضاعة المتفق عليه، وهو صحيح مشهور
- ar- (1/99)
صفحة 100
والأول أصح عندي والله أعلم، واختلفوا أيضاً إذا خالطته نجاسة ولم تغير أحد أوصافه، قال بعضهم: هو طاهر سواء كان قليلاً أو كثيراً. وفرق قوم بين القليل والكثير فقال: القليل نجس والكثير طاهر، وقال آخرون: القليل مكروه والكثير طاهر، وبعضهم لم يعتبر في ماء العيون الكثرة إذا كان راكداً، وقال: هو نجس وإن لم يتغير أحد أوصافه والأصل في هذا الإختلاف تعارض الأحاديث الواردة في ذلك والله أعلم. وذلك أن حديث ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو رائحته) يدل على أن قليل الماء وكثيره سواء لا ينجسه إلا ما غير أحد أوصافه، ويعضد هذا قوله عز وجل: «وأنزلنا من السماء ماء طهوراً». والطهور هو الفعول للطهارة، وهو الذي يطهر الشيء، ولو تركنا والظاهر لحكمنا بتطهير كل ما لقيه الماء الذي سماه الله طهوراً، غير أن أدلة قامت في بعض المواضع، فامتنعنا لذلك عند قيام الأدلة، وكل موضع تنازع المسلمون فيه فطهارته
:
حاكمة بما قلنا، واحتج من فرق بين القليل والكثير بما روي عن رسول الله الله قال: (إذا كان الماء قدر قلتين لم يحتمل خبثاً)). قال ولو لم يكن القليل من الماء يؤثر فيه القليل من النجس من غير ظهور علامته
(1) أخرجه الاربعة وصححه ابن خزيمة والحاكم وابن حبان.
- gr- (1/100)
صفحة 101
لما كان لتخصيص القلتين معنى، وعارضه من أبى من ذلك وقال: قدر القلتين مجهول والله تعالى لا يتعبدنا بمجهول، ودليل الخطاب ضعيف عند بعض العلماء، واحتج أيضاً من فرق بين القليل والكثير بما روي أن النبي عليه السلام (نهى الجنب أن يغتسل في الماء الدائم)، وما روي عن جابر رضي الله عنه قال: أدركت ناساً من الصحابة أكثر فتياهم حديث النبي عليه السلام يقولون: قال النبي عليه السلام: (لا يبولن: أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه أو يتوضأ) (1)، وما روي من طريق ابن عباس رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً) ولو لم ينجس القليل من الماء بقليل النجاسة لما كان لغسله يده ثلاثاً معنى، فدلت هذه الأحاديث أن قليل الماء ينجس بقليل النجاسة ولو لم يتغير أحد أوصافه، وعارضه من أبى من ذلك بحديث الأعرابي الذي بال في المسجد) فأمر رسول الله أن يصب عليه ذنوب من ماء) (2). (رسول له
(2)
فهذا يدل أن القليل من الماء لا ينجسه القليل من النجاسة، وأيضاً لو كان
(1) روي عن ابي هريرة قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يغتسل احدكم في الماء الدائم وهو جنب) متفق عليه بين البخاري ومسلم. ثم انفرد مسلم برواية: (لا يبولن احدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه)، وفي رواية منه ولأبي داود) ولا يغتسل فيه من الجنابة).
(2) متفق عليه بين الشيخين من رواية انس بن مالك رضي الله عنه.
-93 - (1/101)
صفحة 102
القليل من الماء يؤثر فيه القليل من النجاسة لما كان لتطهير الأنجاس من البدن والثوب غاية لأنه كلما صب على موضع النجس القليل من الماء نجسه وكلما صب عليه نجسه يصير منجوساً أبداً، ولحديث الأعرابي وحديث جابر فرق قوم بين ورود الماء على النجس وورود النجس على الماء. قالوا: إن ورد الماء على النجس صار طاهراً كما في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، وإن ورد النجس على الماء صار الماء نجساً كما في حديث أبي هريرة عن النبي عليه السلام قال: (لا يبو لن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل أو يتوضأ منه). وأما من ذهب إلى كراهية القليل من الماء إذا خالطه القليل من النجاسة فإنه يرى على الجمع بين القولين والله أعلم، وأما من اعتبر القلة والكثرة في ماء الأمطار قال: إنما جاءت الرواية في ماء المطر خاصة وذلك أنه: سئل عن السباع ترد الحياض وتشرب منها فقال: (إذا كان الماء قدر القلتين لم يحتمل خبثاً) (1)، والله أعلم. واختلف العلماء الذين اعتبروا القلة والكثرة
قوله: لما كان لتطهير الأنجاس الخ. هذا ممنوع لأنه مبني على أن النجاسة
انتقلت إلى الماء وليس كذلك بل الماء قهرها وغلبها.
(1) تقدم ذكره.
-90 - (1/102)
صفحة 103
أيضاً في حد القلة والكثرة المذكورتين، فقال قوم: الحد في ذلك قلتا ماء لقوله عليه السلام: قلتا ماء لا سهما شيء) واختلفوا في مقدار القلتين فقال أكثر أصحابنا رحمهم الله: القلة هي الجرة التي تحملها الخادم في العادة الجارية من استخدام العبيد بها، والقلة مأخوذة من استقل فلان بحمله إذا طاقه وحمله، والقلة إسم يقع على الكوز الصغير، والكبير والجرة الكبيرة التي لا يستطيع القوي من الرجال أن يحملها،
ويدل على هذا قول جميل:
فَضَلَلْنا بِنِعْمَةٍ واتَّكَانا وشَرِبْنَا
وشَرِبْنَا الْحَلالَ مِن قُلَلِه
وذهب الشافعي إلى أن الحد في ذلك قلتان من قلل هجر، وذلك نحو خمسمائة رطل، وقيل عن الربيع رحمه الله: إذا كان الماء بقدر أربعين قلة لم ينجسه شيء، وقال بعضهم: الحد في ذلك إذا كان الماء يبلغ من كثرته إذا حرك منه جانب لم يضطرب الجانب الآخر، وإنما قالوا هذا بالقياس قالوا: لأن الماء لا ينجس عينه، وإنما منع من استعماله على سبيل المجاورة لأنها جسم والأجسام لا تتداخل لأنه لا يصل إلى استعمال شيء منه إلا ومعه جزء من النجاسة، وذكر أبو عبد الله محمد بن بركة في كتابه المعروف بمدح العلم وأهله: التقدير في حركة الماء لا وجه له لأن الحركة تختلف، حركة الثقيل، وحركة الخفيف، وهذا التحديد
-97 - (1/103)
صفحة 104
في الماء الراكد، وأما الجاري فلا بأس به ما لم تغلب عليه النجاسة، وإذا كان الماء يجري فانقطع من أوله وآخره وبقي يجري في الوسط فهو جار من الموضع الذي يجري فيه وإن حمل بعرشاة فهو جار لا يفسده من النجاسة إلا ما غلب عليه لأنه لم تسر النجاسة في جميع أجزائه، منزلته منزلة الماء الكثير الذي إذا حرك من أوله لم تصل الحركة إلى آخره. وعن بعض أصحابنا أنه لا بأس بالبول في الماء الجاري لأن النهي إنما
لم
ورد في الماء الدائم لقلته. وقال عبد الله بن القاسم: إن وضعت فيه الغائط فلا بأس به لأنهم ذهبوا إلى أنه لا ينجسه والله أعلم، والبئر إن وقع فيه النجس إن كان يجري ماؤها تحت الأرض فلا بأس به لأنه جار، وإن كان لا يجري تحت الأرض ففيه قولان: من اعتبر الحركة نَجسَهُ كالماء الراكد، ومن اعتبر غير ذلك لم يقل بتنجيسه وإن وقعت الميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو الخمر في البئر فإنه ينزع منها ما وقع فيها ويغرف منها أربعون دلواً للسُّنَّة، وذكر بعض العلماء أن التقدير
قوله: ويغرف الخ. قيل وإن كان من غير قصد للنزح أجزأ.
قوله: أربعون دلواً الخ. فإن كان لها دلو فبدلوها وإلا فبالوسط كما نص عليه بعض أئمتنا، وأما البئر إذا كان يزجر ويسقى منها للشرب بدلو غير دلو الزجر فإنها تنزح بدلو الزجر إلا أن تكون لا تزجر وإنما هي للشرب والوضوء
- 97 -
م 7 - الإيضاح» (1/104)
صفحة 105
لأصحابنا في نزح البئر النجسة أربعون دلواً أو خمسون دلوا أن هذا مقدار ما فيها من الماء من غير أن تزيد مادة العيون. وقال بعض أئمتنا ممن قال بتنجيس البئر إذا حلتها النجاسة القليلة وهي تمد زاجرها أنها تنزح خمسون دلواً بدلوها بعد أن يكون الدلو طاهراً، ويطهر الدلو بعد فراغ النزح بها، وإن كانت النجاسة متجسدة لها عين قائمة في البئر لم
فتنزح بدلوها أربعين دلواً و إن كان عليها دلو كبير فليس لهم أن ينزحوها بدلو أصغر منه، فإن نزحوها بدلو أكبر من دلوها على حسابه جاز ذلك، قال أبو سعيد رحمه الله: تنزح بالأوسط من الدلاء وهو أصح في الحكم، وأما الاحتياط فبالأكبر
مسألة: البئر إذا كان لها دلوان أحدهما أصغر من الآخر فإذا تنجست كان فيها قولان، أحدهما: إنها تنزح بالأكبر منها، والآخر: إنها تنزح بالأغلب من كثير سقيها قبل، فإن كانت تنزجر ويسقى منها، قال: إن تنجست في وقت الزجر زجرت وإلا فبالصغير، والله أعلم.
قوله: بعد أن يكون الدلو طاهراً الخ. قال أبو سعيد: إختلف في غسل الدلو قبل النزح، فقول: لا ينزح حتى يغسل، وقول: يجوز أن ينزح به قبل أن يغسل فإذا تم النزح طهرت البئر والدلو. وفي موضع آخر فإذا نزحت البئر النجسة لم يغسل الدلو ولكن يغسل الحبل إن كان مسه شيء من مائها قبل أن ينزح منها أربعون دلواً وأما الولد فهو نظيف والله أعلم.
قوله: وإن كانت النجاسة متجسدة الخ. هذا فيما إذا أمكن إخراجها وأما إذا كثر الماء ولم يستطع إخراجها فإنه ينزح منها ولا بأس والله أعلم.
-94 - (1/105)
صفحة 106
يطهرها النزح الذي ذكرنا إلا بعد إخراجها من البئر قال: وإن رجعـ الدلو في بئر أخرى قبل أن تغسل نزحت البئر الثانية أيضاً خمسين دلواً بعد أن تطهر الدلو، وإن بقي دلو واحد من الخمسين لم ينزح في ذلك اليوم وأخرت إلى اليوم الثاني فإنه يستقبل بنزحها من أوله لأن الأصل
قوله: وإن رجعت الدلو في بئر آخر الخ. قال أبو الحواري رحمه الله فيمن نزح بئراً نجسة بدلوها النجس فإذا نزح منها أربعين دلواً فقد طهر البئر بمس الدلو ماء البئر قبل أن ينزح، وإن غسل الدلو والرشا فحسن، وإن لم يغسل فلابأس، وفي موضع إن نزحت البئر النجسة بداو نجس من غير نجاسة البئر، فقول يجزى ذلك، ويطهر الدلو إذا طهرت البئر وذهبت النجاسة، وقول: لا يجزئ حتى يطهر الدلو ثم ينزح به بعد ذلك، وفي موضع قيل ما حد الدلو؟ قال: بدلو البئر إلا أن يخرج عن المتعارف في الصغر أو الكبر فبالوسط ولا يضر ما رجع من الدلو في حال النزح لانحراف وغيره لأن ذلك
:
لا يمتنع منه. قوله: وإن بقي الخ. قال أبو الحواري: إذا علموا أنهم قد استقوا منها أربعين دلواً من بعد ما تنجست فقد طهرت ولعله يريد لو كان النزح متفرقاً. ثم قال: فإذا نزح منها مقدار أربعين دلواً في يوم أو أيام بلا قصد للنزح أجزأ مصنف ولعله لابن وصاف.
قوله: وأخرت إلى اليوم الثاني الخ. وما اقتضاه كلام الشيخ و رحمه الله من أنه إذا تم نزحها في ذلك اليوم كفى ليس كذلك، وعبارة أصحابنا أهل عمان الله: فإن نزح عشرين داوا غداة وعشرين بالعشي" فلا يجزيهم إلا إن نزحوا منها أربعين دلواً في مكان واحد إلا أن يكون ماؤها قليلا فلا بأس.
رحمهم
-99 - (1/106)
صفحة 107
في هذا الماء أنه نجس عندهم، وإذا نزحت عشرة دلاء وفرغ ماؤها طهرت على قول من اعتبر الخمسين دلواً مقدار ما فيها وإن لم تكن تنزح لقوتها لا ينجسها شيء، ومن لم يعتبر ذلك قال لا بد من خمسين دلواً للسنة أو أربعين، ولا يرى تنجيس الماء الذي يغرف منها والله أعلم، ولا يجب غسل جوانب البئر عند من نجس الماء الذي يغرف منه لأن ما يلاقي جوانب البئر من الماء النجس يزيله عنه ما يقع عليه من جانب البئر لأنه ماء جار ويرده إلى الماء الراكد، فالماء لا يبقى على جوانبها، وقيل في الكلب إذا خرج من النهر والماء يجري من شعره وجلده ان ذلك الماء طاهر بمنزلة الماء الجاري لا بأس به والله أعلم. وقد أجمعوا
قوله: لأن الأصل في هذا الماء أنه نجس عندهم هذا إنما يظهر في البئر القليلة الماء تنشف وأما الغزيرة الماء فلا، عبارة الشيخ إسماعيل رحمه الله تعالى: هكذا ماء البئر أيضاً فالحكم فيه الطهارة فإن خالطته نجاسة أو ميتة نزعت منها أربعين دلواً للسنة إذا كان ماء البئر غزيراً وإن كان قليلا نزح كله لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما وابن الزبير نزحا زمزم لزنجي مات فيه، ونزح الماء إنما يكون بعد إخراج الميتة أولاً، واتفقوا أنه لا يجب غسل جوانب البئر وأنها إذا نزحت فقد طهرت هي والدلو جميعاً ولم يقطعوا أيضاً بنجاسة الماء الذي يغرف للسنة قلت: بل هو طاهر وذلك لأن ما ذكره المصنف مبني على القول باعتبار الحركة والمذهب هو الثاني وهو قوله: ومن لم يعتبر ذلك الخ. وهو موافق
•
11·1 (1/107)
صفحة 108
أن قدر ما يتوضأ به يطهر قطرة من البول في الثوب والبدن، واختلفوا في قطرة من البول إذا وقعت في قدر ما يتوضأ به والله أعلم لأنه معلوم أن قدراً ما من الماء لو حَلَّهُ قدر ما من النجاسة لسرت فيه ولكان نجساً. وإذا ورد الماء على النجاسة جزءاً فجزءاً فإنه معلوم أنه يفني عين تلك النجاسة وتذهب قبل فناء ذلك الماء فعلى هذا يكون آخر جزء ورد من ذلك قد طهر المحل لأن نسبته إلى ما ورد عليه مما بقي من النجاسة نسبة الماء الكثير إلى القليل من النجاسة، فلذلك كان العلم يقع في تطهير هذه المحال بذهاب عين النجاسة والله أعلم. والماء الراكد مثل الحوض إذا كان يخرج منه الماء ويزداد إليه فألقي فيه نجاسة فإنه طاهر ما لم تغلب عليه لأنه جار بمنزلة الماء الراكد الكثير الذي لم تسر النجاسة في جميع أجزائه، وإن كان الماء يزداد إليه ولا يخرج منه أو يخرج منه ولا يزداد إليه فحلته نجاسة ففيه قولان على ما تقدم، قال بعضهم: طاهر كالماء الجاري، وقال بعضهم: نجس كالماء الراكد، وأما الماء الطاهر إن صب فيه ماء منجوس فطار منه شيء فلا بأس بما طار منه لأن النجاسة تنزل إلى أسفل، ومنهم من يقول: قد نجس ما مس ذلك الماء
لكلام الشيخ اسماعيل رحمه الله تعالى. حرره. قوله: ويزداد اليه الخ. أي حال خروجه.
-1·1 - (1/108)
صفحة 109
لما رُوِيَ أن النبي عليه السلام قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه أو يتوضأ)). وأما الماء المنجوس إن صب فيه الماء الطاهر فما طار منه فهو منجوس الحديث ابن عباس رضي الله عنهما (إذا استيقظ
(2)
أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء)). وقال بعضهم: طاهر، ويدل على هذا حديث الأعرابي، وكذلك إن صب الماء في المكان المنجوس فطار منه على هذا الاختلاف، وإن غسل يده وهي منجوسة في الموضع الذي ينشف أو استنجى فيه، أو غسل فيه النجس من ثوبه فلا بأس إذا كان الماء الآخر لا يبلغ الماء الأول إلا وقد نشف وإن لحق الماء الآخر الماء الأول فقد نجس إن لم ينشف الماء، ومنهم من يرخص إذا كان الموضع ينشف لحديث الأعرابي ولقول النبي عليه
قوله: لما روي عنه علي الله قال الخ: لعل وجه الاستدلال به أنه يفهم منه أن الحكم للطاريء كالبول مثلا قوله: الحديث ابن عباس لعل وجه الاستدلال به أنه يفهم منه أن العلة في نهيه خوف النجاسة ففهم منه أنه ينجس بالشك ففي مسألتنا صار الماء مشكوكاً فيه فنجس عملا بمقتضى الحديث وإلا فلم يظهر وجه الاستدلال، تأمله وحرره.
(1) تقدم ذكره.
(2) تقدم ذكره.
- 102 - (1/109)
صفحة 110
السلام: (إن الأرض لا تحمل خبث بني آدم)). وكذلك المستحم إذا كان ماؤه يجري أو ينشف فلا بأس به وما طار من الماء من اليدين إذا كان يغسلهما فلا بأس به إذا صب الماء على يديه ثلاث مرات ولم تر عليهما عين النجاسة لحديث ابن عباس (إذا استيقظ أحدكم من نومه) الحديث، ومنهم من يقول إذا وصل الماء من يديه إلى الأرض فلا بأس بما طار منه كالماء الجاري، وكذلك الاستنجاء على هذا الحال
والله أعلم، والقول الأول أصح عندي
مسألة:
(2)
إتفقوا على طهارة أسار بني آدم إلا المشرك والأقلف البالغ في الأيام التي لا يعذر فيها فإن أسآرهما والبلل منهما نجس، والدليل على نجاسة ما مسته المشرك قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس، (2). وأما الأقلف البالغ فإن المسلمين نجسوا البلل منه ولعابه وسوره وعرقه ولا صلاة له ولا صيام ولا حج ولا عمرة ولا تؤكل ذبيحته ولا يجوز نكاحه ولا شهادته، ولا أدري لم حكموا عليه بهذه قوله: ولا أدري لم حكموا عليه الخ. قلت: رأيت في بعض كتب المخالفين
(1) ذكره ابن أبي شيبة بلفظ) زكاة الارض يبسها (موقوفاً وليس من كلامه صلى الله عليه وسلم كما ذكره عبد الرزاق حديث أبي قلابة موقوفاً أيضاً بلفظ. (جفوف الارض طهورها). (2) التوبة: 28
-1·7 - (1/110)
صفحة 111
الأحكام التي لم يحكم بها إلا على المشركين. غير أن النظر يوجب عندي والله أعلم، أنه لما ترك الفريضة التي بان بها الموحدون من المشركين جاز أن يحكم عليه بهذه الخصال، وأيضاً فإن المشركين سماهم الله نجساً وحكم عليهم بهذا الاسم لأنهم لا يصلون إلى الطهارة ما داموا في شركهم ولأنهم لا يتوقون من النجاسات في أكثر أحوالهم والأقلف أيضاً كذلك لا يصل إلى الطهارة ما دام أقلف، ولا يكون له الماء طهارة لأن المراد بالختان الطهارة والله أعلم، ولا تصح له صلاة ولا صيام ولا حج ولا عمرة مع ما هو فيه من المعصية، ولا تؤكل ذبيحته لأن الزكاة الشرعية طاعة ولا تصح منه، ولا يجوز نكاحه لأن الأقلف أشد من الحيض الذي سماه الله أذى وحرم معه الوطء لأن الحيض صاحبه معذور، وترك الختان غير معذور صاحبه والله أعلم. واتفقوا على طهارة أشار بهيمة الأنعام واختلفوا في العلة التي من أجلها صارت الأسار طاهرة، قال بعضهم: العلة في ذلك الحياة لأن الموت من غير زكاة لما كانت سبباً
رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الأقلف البالغ لا تقبل له صلاة ولا تؤكل ذبيحته، وفي بعض الروايات إذا بلغ ولم يختتن لا تقبل شهادته وهي رواية عن أحمد بن حنبل واستثنى أحمد من ذلك الكبير إذا أسلم وخاف على نفسه الختان أن له رخصة انتهى، وهو موافق لمذهب الاصحاب والظاهر أنها لا يقولون ذلك عن رأي.
-1·8 - (1/111)
صفحة 112
لنجاسة عين الحيوان بالشرع وجب أن تكون الحياة سبباً لطهارة عين الحيوان، فكل حي طاهر العين، وكل طاهر العين طاهر سؤره، وقال بعضهم: العلة في ذلك أن لحومها تؤكل وأشارها تابعة للحومها وهذا من باب الخاص أريد به العام وهو أصح عندي، واحتج أصحاب القول الأول بما روي من طريق عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (سئل النبي عليه السلام عن السباع ترد الحياض وتشرب منها فقال عليه السلام: لها ما حملت في بطونها ولكم ما غبر). وعارضوهم بما روي أن النبي عليه السلام من طريق أبي هريرة قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً أولهن وآخر هن بالتراب) (2). وبما روي أنه سئل عن الماء يكون في الفلاة وما يأويه من السباع والدواب، فقال: (ما زاد على القلتين لم يحتمل خبئاً) فلو لم تكن السباع نجسة لم يكن للتفريق بين ما زاد على القلتين معنى، وقال أصحاب القول الأول أمر النبي عليه
قوله: وهذا من باب الخاص أريد به العام قلت: الظاهر المراد بالخاص ما ذكره من بهيمة الأنعام، والعام كل ما يؤكل لحمه سواء كان من بهيمة الأنعام أو من غيرها، حرره.
(1) أخرجه ابن ماجه وابو داود.
(2) أخرجه مسلم عن ابي هريرة وللنرمذي) اولاهن او اخراهن بالتراب).
11.01 (1/112)
صفحة 113
السلام بغسل الإناء من ولوغ الكلب يحتمل أن يكون عبادة غير معقولة المعنى موقوفاً على ما ورد عليه من الماء خاصة، ويحتمل أن يكون معقول المعنى ليس من سبب النجاسة بل من سبب ما يتوقع أن يكون الكلب الذي ولغ في الإناء كلباً فخاف من ذلك السم، ولذلك جاء هذا العدد الذي هو السبع في غسله، ولا يستنكر أن يرد مثل هذا في الشرع فيكون هذا من باب ما ورد في الذباب إذا وقع في الطعام فأمغلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء، وإنه يقدم الداء ويؤخر الشفاء لأنه ليس من شرط غسل النجاسة العدد. وقال آخرون: قدر: قد روي عن أبي هريرة أنه أفتى بغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثاً كسائر النجاسات والله أعلم. وقال الربيع: قال ضمام بن السائب: (يكفي من ذلك ثلاث). وهو الصحيح وغير منكور أن يكون الشرع يخص نجاسة دون نجاسة بحكم دون حكم تغليظاً لها. واختلفوا في سؤر الستور قال بعضهم: نجس لأنه سبع، وقال آخرون: طاهر لحديث كبشة بنت كعب بن مالك - وكانت تحت أبي قتادة الأنصاري - أنها سكبت لأبي قتادة وضوءاً فجاءت هرة تشرب منه فأصغى أبو قتادة لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: ورآني أنظر إليه، قال: أتعجبين مما رأيت؟ قالت: قلت نعم، قال لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنها ليست بنجس
-1.7 - (1/113)
صفحة 114
إنها من الطوافين والطوافات عليكم). فعلل رسول الله و عدم النجاسة في الهرة بسبب الطواف وخفف عن المسلمين المحنة لأجل البلوى بها. وكذلك الفأر على هذا الاختلاف وسؤر الحيات والأماحي والأفاعي والأوزاغ وما كان في معناها نجس لأن لحومها محرمة بدليل
(2)
?
قوله تعالى: «ويحل لكم الطيبات ويحرم عَلَيْكُم الْخَبايت (2). ولأجل
ما يتوقى منها من السم و الله أعلم. واختلفوا في سؤر الكلب المكلب، قال بعضهم:: طاهر سوره إذا صانه أهله، وقال آخرون: سوره نجس ولا ينتقل حاله بصيانة أهله عن حكم الكلاب من أن يكون سبعاً. وكذلك الدجاج إذا كان يرعى ويأكل القذر والجلالة من البهائم وهي التي تأكل النجس، اختلفوا في أكلها وسؤرها وسبب الخلاف معارضة الحديث والقياس وذلك أنه روي عنه: (نهى عن أكل لحوم الجلالة وألبانها وأن يحج عليها)، والقياس هو أن ما يرد جوف الحيوان ينقلب إلى ذلك الحيوان وسائر أجزائه فإذا كان لحم ذلك الحيوان حلالاً وجب أن يكون لما ينقلب إليه من ذلك حكم ما انقلب إليه كانقلاب الدم لحماً والله أعلم. وقال بعضهم: الجلالة هي التي عاشت بالنجس ولم
(1) اخرجه الاربعة عن ابي قتادة، وصححه الترمذي وابن خزيمة وصححه ايضا
البخاري والعقيلي والدارقطني.
(2) الاعراف: 157
- 107 - (1/114)
صفحة 115
تخلطه بشيء من المرعى ثلاثة أيام، أو أكلت الميتة أو الدم أو لحم
الخنزير ولو مرة واحدة.
مسألة.
:
و الماء إذا خالطه زعفران أو غيره من الاشياء الطاهرة التي تنفك عنه غالباً وغيرت إحدى أوصافه فإنه طاهر غير مطهر، وقال بعضهم: طاهر مطهر ما لم يكن التغيير عن طبخ، وسبب الخلاف هل يتناوله إسم الماء المطلق أم لا؟ لأن الوضوء لا يكون إلا بالماء المطلق، والعرب تفعل بالمطلق ما لا تفعله بالمقيد، والدليل قوله تعالى: «آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه، (1). فأطلق ولم يقيد، فأثبتنا له كل الإيمان نطقاً. و اعتقاداً وامتثالاً، وقال في آية أخرى: (قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم) (2). فقيد إيمانهم بأفواههم ولم يطلق كما أطلق في الآية الأخرى، والله أعلم. والنظر يوجب عندي أن الاختلاط يختلف بالقلة والكثرة، وقد يبلغ من الكثرة إلى حد لا يتناوله اسم الماء المطلق، وقد لا يبلغ إلى ذلك وبخاصة متى تغير منه الريح فقط، ولذلك لم يعتبر قوم الريح ممن منع الماء المضاف في الوضوء، والدليل على هذا ما روي أن النبي
(2)
(1) البقرة: 185 (2) المائدة: 41
- 108 - (1/115)
صفحة 116
(1)
عليه السلام قال لأم عطية في إبنته حين توفت: (1) (اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر واجعلن في الآخرة شيئاً من كافور فإذا فرغتن فأذنني. قالت فلما فرغنا آذناه فأعطانا حقوه؟
قوله: اغسلنها ثلاثا الخ. هذا الحديث ورد بألفاظ مختلفة متفقة في المعنى،
والمراد اغلنها وتراً وليكن ثلاثاً، فإن احتجتن زيادة الانقاء فليكن خمساً وهكذا أبداً، وحاصله أن الإيتار مأمور به والثلاثة مأمور بها ندباً فإن حصل الانقاء بثلاثة لم تشرع الزيادة والأزيد حتى يحصل الانقاء ويندب كونها وتراً وسيأتي الكلام في أحكام الميتة. قوله: إن رأيتن ذلك وهو بكسر الكاف خطاباً لأم عطية، ومعناه إن احتجتن إلى ذلك وليس معناه التخيير وتفويض ذلك إلى شهوتهن، وكانت أم عطية غاسلة الميتات وكانت من فاضلات الصحابيات رضي الله عنها الانصارية واسمها نسيبة بضم النون وقيل بفتحها، وأما بنت رسول الله الا الله هذه التي غسلتها رضي الله عنها فهي زينب هكذا قاله الجمهور. قال القاضي عياض وقال بعض أهل السير: إنها أم كلثوم والصواب زينب. وقوله لا بماء وسدر فيه دليل على استحباب السدر في غسل الميت وهو متفق عليه ويكون في المرة الأولى وقيل يجوز فيها وهو ظاهر كلام المصنف رحمه الله حتى يصح الاستدلال، وقوله: اجعلن شيئاً من كافور فيه استحباب شيء من الكافور في الآخرة وبه قال الجمهور وكرهه أبو حنيفة، وحجة الجمهور هذا الحديث ولأنه يطيب الميت ويصلب بدنه.
قوله: فأعطانا حقوه، وهو بكسر الحاء وفتحها لفتان يعني إزاره، وأصل الحقو معقد الإزار وجمعه أحق وهو الخصر وسمي به لأنه يلي شعر الجسد
-1.9 -
البخاري ومسلم.
(1) (1/116)
صفحة 117
وقال: أشعرنها إياه فهذا ماء مختلط)، ولكنه لم يبلغ من الإختلاط بحيث ينسلب عنه إسم الماء المطلق. وقد اعتبر قوم القلة والكثرة في المخالطة وأجازه مع القلة، وإن ظهرت الأوصاف والله أعلم، فالمضاف إلى ما يخرج منه، مثل مياه النبات المستخرجة منه لا يجوز الوضوء بها ولا الغسل من الجنابة، والحيض والنفاس، ولا غسل الميت بالإجماع لأنه مضاف والله أعلم. والماء المستعمل لا يجزئ في رفع الأحداث لأنه لا يتناوله اسم الماء المطلق واسم الغسالة أحق به من إسم الماء، والدليل على هذا ما روي أن النبي عليه السلام (نهى عن الوضوء بفضل المرأة)). والفضل يحتمل أن يكون ما لاقى بدنها، ويحتمل أن يكون بقية الماء
والحكمة في ذلك تبركها به ففيه التبرك بآثار الصالحين ولباسهم وفيه جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل.
قوله: حقوه الخ. الحقو الإزار، وأشعرنها أي أجعلنه شعارها الذي يلي جسدها وذلك هو الشعار وما فوقه الدثار.
مسألة: من أتى إلى ماء وليس معه إناء يتوضأ به فله أن يحتال على الطهارة من غير أن ينجس الماء على غيره وقول له أن يستخرج الماء بفيه ما لم يكن له إناء يتوضأ به وقيل ينبغي له إذا لم يقدر إلا على استخراجه بالثوب ان ينوي أن
الثوب وعاء لحل الماء والله أعلم.
(1) اخرجه ابو داود والنسائي، واسناده صحيح.
-11 - (1/117)
صفحة 118
في الإناء بعد الوضوء منه، وروي أن عائشة رضي الله عنها قالت: اغتسلت أنا والنبي الا الله من إناء واحد يقول: أبقي لي، وأقول: أبقي لي) (1). فعلمنا عند هذا أنه إنما نهى عما لاقى بدنها، لأن المتوضئين من إناء واحد كل واحد منها يغتسل من فضلة صاحبه، وأما إن لم يباين
(1)
الجسد فإنه يجزئ والدليل ما روي ان النبي عليه السلام اغتسل من جنابة فرأى في بدنه لمعة لم يصبها الماء، فعصر جمته ومسحها بما قطر منها) (
(2)
قوله: اغتسلت أنا والنبي الا الله الخ. وعبارة بعض المخالفين أجمعوا على جواز تطهر المرأة والرجل من إناء واحد وكذلك تطهيرها بفضلته وأما تطهيره بفضلتها فجائز عندنا وعند أبي حنيفة والشافعي والجماهير خلت به اولاً خلافاً لداود وأحمد في منع التطهر بما خلت، انتهى بمعناه.
قوله: ومسحها بما قطر منها هذا في الغسل لأن الجسد كله بالنسبة للغسل كعضو واحد، وأما بالنسبة للوضوء فلا، فما غسل به الوجه لا يغسل به اليدين مثلا، قلت: سيأتي في باب الغسل في فوائد هذا الحديث أن الماء المستعمل ما لم يباين الجسد جاز استعماله فيما فات من الجسد، فإن كان الحكم هكذا عند الاصحاب فالأمر واضح وإلا ففي الاخذ نظر لما تقدم من الفرق، وعبارة بعض العمانيين بعد كلام طويل موافق لكلام المصنف، فدل ذلك على أن الماء المستعمل على ضربين: ضرب باين الجسد لا يتوضأ به وضرب لم يباينه فجائز، إلا أن ما غسل به الوجه لا يغسل به اليدين وفي موضع آخر فإن قيل لو كان
(1) متفق عليه.
(2) تقدم ذكره.
-111 - (1/118)
صفحة 119
وقال بعض مخالفينا: هو ماء مطلق يجوز التطهر به، لأنه في الأغلب ليس ينتهي إلى أن يتغير أحد أوصافه بدنس الأعضاء التي تغسل به، وإن انتهى فحكمه حكم الماء المتغير بشيء طاهر والله أعلم.
لحصوله
مسألة في نواقض الوضوء:
والذي ينقض الوضوء ثلاثة أشياء: حدث، ونوم،
ممنوعاً من استعماله ما جاز نقله من أول العضو الخ، لأنه قد صار مستعملا أول العضو قيل له المستعمل شرطه مفارقته للعضو وما دام من في العضو فليس له حكم الاستعمال بالاتفاق فلذلك جاز نقله من أول العضو إلى آخره وإنما المنع من استعمال ماء قد استعمل بعضه في عضو غيره وهذا ظاهر في عدم النقل من عضو إلى غيره سواء فات أم لا، وإن امكن حمله على ما ذكر المصنف بتكلف والله أعلم
•
الماء
مسألة: من توضأ من ماء والماء يقطر من جسده في الإناء فلا يجوز الوضوء بالماء القاطر من جسده لأنه مستعمل فإن كان الراجع من جسده أكثر من الذي يتوضأ. منه فقد فسد عليه وضوءه والصلاة، وإن كان المتوضأ منه أكثر الراجع من جسده لم يفسد، وقيل إذا كان الراجع من ماء المتوضيء الذي يتوضأ. منه الثلث أفسده والله أعلم.
مسألة: في نواقض الوضوء.
من
قوله: نواقض الوضوء عبر عنها بعضهم بموجبات الوضوء والشيخ إسماعيل رحمه الله إستعمل التعبيرين في قواعده، وناقض الشيء ونقيضه ما لا يمكن اجتماعه معه، وجمع ناقض نواقض لأن فاعلا إذا لم يكن وصفاً لمذكر عاقل جاز جمعه على فواعل قياساً كجارح وجوارح وطالق وطوالق قاله سيويه، قال. اين في شرح كافيته غلط فيه كثير من المتأخرين فعدوه مسموعاً وليس كذلك.
مالك
- 112 - (1/119)
صفحة 120
وفعل، فالحدث كل نجاسة خرجت من مخرجيه أو من أحد مخرجيه، أو من داخل بدنه، مثل: البول، والغائط، والريح، والمذي، والودي، والمني، والدم، والطهر من النساء، وسلس البول، وكل دابة ورطوبة تخرج من مخرجيه، والقيء والرعاف، وكل دم فائض يخرج من جرح أو قرح أو ما أشبه ذلك، والدليل على هذا الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: «أو جاء أحد منكم مِنَ الْغَائِطِ (1) وأجمعوا على أن البول والغائط، والريح والمذي والودي ينقضون الوضوء، والعلة التي من أجلها تنقض هؤلاء الأحداث الوضوء لأنها أنجاس، والأنجاس مؤثرة في الطهارة، والدليل على هذا ما روي من طريق ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي عليه السلام قال:
<
قوله: والمني آخره لندوره لكونه لا ينقض إلا في بعض الصور وقد أشار الى ذلك صاحب الدعائم رحمه الله تعالى بقوله
:
وليس في الودي اغتسال ولا المذي ولا المني بلا نشر
فحينئذ لا يرد أن يقال المني يوجب الغسل فكيف ذكره فيما ينقض الوضوء ولذلك لم يعد دم النفاس والحيض، قلت: الصحيح إنه ينقض الوضوء في جميع حالاته خلافاً للشافعي حيث يرى أن المني لا ينقض الوضوء مطلقاً.
(1) النساء: 43
- 113 -
ه م 8 - الإيضاح) (1/120)
صفحة 121
(دم الاستحاضة نجس لأنه دم عرق ينقض الوضوء)) فعلله عليه السلام نأخذ بقول من اعتبر بأنه دم عرق نجس، ولذلك ينقض الوضوء، ولم
جميعاً
المخرج فقط وهو الشافعي، ولا بقول من اعتبر الخارج والمخرج وهو مالك، والدليل على صحة قولنا ما ورد من طريق ابن عباس أن النبي عليه السلام قال: (الوضوء من المذي، والغسل من المني) (3) وما روي أيضاً عنه عليه السلام قال: (لا وضوء إلا من صوت أو ريح)، و ما روي أيضاً من طريق ابن عباس أن النبي عليه السلام قال: (القيء والرعاف لا ينقضان الصلاة، فإذا انفلت المصلي بهما توضأ وبني على صلاته) وما روي أنه قال عليه السلام: (من قاء أو قلس فليتوضأ)
قوله: دم الاستحاضة: الاستحاضة جريان الدم في غير أوانه، قالوا: ودم الحيض يخرج من قعر الرحم، ودم الإستحاضة يسيل من العادل بعين مهملة وكسر
الذال المعجمة وهو عرق فمه الذي يسيل منه في أدنى الرحم دون قعره. قوله: الخارج والمخرج جميعاً .. الخ. وعبارة خليل المالكي وينقض الوضوء يحدث وهو الخارج المعتاد في الصحة لا حصى ولا دود ولو ببلة إلى أن قال: من مخرجيه أو ثقبه تحت المقعدة إن استد وإلا فقولان:
:
(1) روته عائشة. رامي (2) روي عن علي بن ابي طالب رضي الله عنه. رواه احمد وابن ماجه، والترمذي صححه. (3) متفق عليه برواية ابي هريرة. (4) رواه ابن ماجه والدارقطني عن اسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة.
الله عنها عن فاطمة بنت أبي حبيش. صححه البخاري.
-118 - (1/121)
صفحة 122
والدليل على غير ما ذكرناه عن النبي عليه السلام من الأنجاس الخارجة من البدن دليل اللفظ، لأنه لما ذكر عليه السلام ما ينقض الوضوء من
قوله: لما ذكر عليه السلام ما ينقض الوضوء من هؤلاء الأنجاس .. الخ. وقد
أشار المصنف إلى أن حكم المذكورات ثابت بالقياس ويحتاج إلى بعض إيضاح فنقول: القياس قد عرف بأنه إبانة حكم مثل حكم المذكورين بمثل علة في الآخر. فالمذكور الأول هو الأصل الثاني هو الفرع، وشروطه: أن لا يكون الأصل مخصوصاً بحكمه بنص آخر كشهادة خزيمة، وأن لا يكون معدولا به عن التمياس كبقاء الصوم مع الأكل ناسياً، و أن يتعدى الحكم الشرعي الثابت بالنص بعينه إلى فرع هو نظيره ولا نص فيه، وأما معرفة تفصيل ذلك وما يحترز عنه بكل قيد من القيود فموضعه أصول الفقه. إذا عرفت ذلك فنقول أما الأصل فيا نحن فيه فهو الخارج من السبيلين أعني الغائط والبول وما ورد فيه النص المتقدم وهو يشتمل على معنى معقول، وهو أن الخروج النجاسة أثراً في زوال الطهارة على المخريج بضد الطهارة وهو التلوث بالنجاسة وعلى سائر البدن باعتبار أن الاتصاف بالحدث لا يقبل التجزئة، وعلى معنى غير معقول وهو الاقتصار على الأعضاء الأربعة، وأما الفرع فيه فهو الخارج من غير السبيلين وما ذكر معه وذلك أن رحمهم الله اعتبروا فاستنبطوا أن الخارج من السبيلين وما ذكر معه كان حدثاً لكونه نجساً خارجاً من بدن الإنسان من قوله تعالى: أو جاء أحد منكم من الغائط الآية، وهو نص معلوم يذلك الوصف لظهور أثره في جنس الحكم المعلل به وهو انتقاض الطهارة بخروج دم الحيض والنفاس ووجدوا مثله في الخارج من غير السبيلين فعدوا الحكم الأول إليه وتعدى الحكم الثاني وهو الإقتصار على الأعضاء الأربعة أيضا ضرورة تعدي الأول لأنه لو لم يتعد إليه تغير حكم
لاتصافه
علماءنا
النص بالتعليل وذلك يفسد القياس.
•
-110 - (1/122)
صفحة 123
هؤلاء الأنجاس المذكورة حمل عليها ما هو نجس مثلها وهو من باب الخاص أريد به العام، وما لم يذكر محمول على ما ذكر، واستدل من اعتبر المخرج وهو الشافعي بخروج الريح من الدبر أنه ينقض الوضوء وخروجه من الفم لا ينقض الوضوء قال: لما كان ينقض الوضوء على جهة ولا ينقض الوضوء على جهة وهو ذات واحدة دلّ ذلك أن المراد ينقض الوضوء المخرج، ويرد عليه بالفرق وهو أن الريحين مختلفان،
ذلك
قوله: وهو أن الريحين مختلفان .. الخ. وذلك لأن الريح التي تخرج من فم الرجل أو فرج المرأة لا تنبعث عن محل النجاسة، واختلف أن عين الريح نجسة أم تنجس بمرورها على النجاسة وثمرته تظهر فيها إذا خرج منه الريح وعليه سراويل مبتلة فمن قال بنجاسة عينها تنجس السراويل ومن قال بطهارة عينها لم يقل به كما لو مرت الريح بنجاسة ثم مرت بثوب مبتل فإنه لا ينجس بها كذا رأيته في كتب الحنفية، وأما في كتب أصحابنا فقد عدوها من الأحداث فيقتضي. نجاستها لعينها. وقد صرح الشيخ اسماعيل رحمه الله تعالى في قواعده بأن من أحدث بالريح ملاقياً للبلل قبل جفوفه أمر الماء عليها وهذا يؤخذ منه ما أشار إليه الحنفية، وأما الثياب فلم أر من نص عليها ويمكن أن يجري فيها ما أجرى من الخلاف في الثياب المبلولة إذا لاقت نجاسة ويمكن أن يفرق بين الاستنجاء والثياب والظاهر أن لافرق حرره، والظاهر أن الريح لا تنجس للطاقتها فلا تظهر عينها حتى تزال لكن يرده ما قاله الشيخ في الاستنجاء، وربما يؤخذ من كلام الربيع رحمه الله أنها ليست بنجسة لذاتها وذلك أن هاشم الخرساني قال: خرجنا إلى مكة فسمعت إمرأة تسأل الربيع عن إمرأة وجدت من قبلها ريحاً وتسمع صوتاً قال: فسكت الربيع ما شاء الله ثم قال: هذه ريح دخلت من خارج
-117 - (1/123)
صفحة 124
وما قدمنا من الآثار ناقضة لما قال والله أعلم. وأما من اعتبر الخارج والمخرج جميعاً وهو مالك تمسك على ما أجمعوا عليه وجعله من باب الخاص أريد به الخاص، واستدل على صحة قوله أن الأصل في الخاص
(1)
يحمل على خصوصه حتى يرد دليل ينقله إلى العموم، قيل له الدليل الذي ينقله ما روي من طريق ابن عباس أن النبي عليه السلام قال: دم الاستحاضة نجس لأنه دم عرق ينقض الوضوء)) فجعله عليه السلام ينقض الوضوء نجساً لأنه دم عرق والله أعلم. وإذا لم يفض الدم من الجرح ولكنه ارتفع حتى كان له ظل فإنه ينقض الوضوء، وقيل لا ينقض الوضوء، وكذلك من كان له شقاق في رجله، أو أقرع
وليس للريح هنا طريق ولا بأس عليها، وخروج الريح من قبل المرأه لا ينقض طهرها لأن الريح لا تتصل بالجوف وينفصل عن الطعام النجس في الجوف وإنما ينقض
خروجها من الدبر الذي هو مجرى الطعام النجس هكذا قيل. والله أعلم. ولينظر ما إذا أفضيت المرأه فخرج الريح من قبلها أينقض أم لا؟ حرره. قلت: كتبته غافلاً عن قول المصنف فالحدث كل نجاسة الى قوله: والريح فجعله من أعيان النجاسة التي تخرج من المخرجين. وقد صرح بنجاسته لذاته في الديوان أيضاً راجعه، وعبارته: وليحذر ثوبه إذا كان مبلولاً مما يلحقه من ذلك
النجس من الريح وغيره تأمل وفيه مسألة الثوب السابقة عن الحنفية
(1) تقدم ذكره.
-118 - (1/124)
صفحة 125
الرأس فخدش في قرعه أو في بعض شقاق رجله وفاض الدم من ذلك الموضع إلا أنه لم يفض من القرع أو من الشقاق كله فإن فيه قولين: منهم من يقول ينقض الوضوء عليه، ومنهم من يقول ليس عليه الوضوء حتى يفيض الدم من الشقاق كله أو من القرع كله، وكذلك إذا جرح في الفم، أو في العين، أو في الأنف، أو في الأذن، فخرج الدم من موضعه إلا أنه لم يفض من الفم، ولا من العين، ولا من الأنف، ولا من الأذن، على هذا الاختلاف إلا في الفم فإنه يراعى فيه البصاق إذا غلب عليه الدم فقد نجس وينقض الوضوء، واختلفوا في غلبة الدم على البصاق، قال بعضهم: اللون، وقال بعضهم: الكثرة أي حتى يغلب عليه كله. وكذلك الجرح الكبير فيبرأ بعضه ولم يبرأ بعضه فخرج الدم من طرفه إلا أنه لم يفض منه كله، وكذلك من عثَرَ وتبين الدم من ظاهر الجلد و اجتمع من غير أن يخرج، إن لم يمكنه نزعه فَلْيَتَوَضَّأُ كذلك حتى يمكنه نزعه، فإذا نزعه فقد انتقض عليه وضوءه، ومنهم من يقول لا ينتقض بعدما يبس، وسبب هذا الاختلاف الذي ذكرنا في هذه المسائل إختلافهم في صفة الدم المسفوح وسيأتي بيانه إن قدر الله السلامة في بابه والله أعلم. وكذلك إن نزع شعرة من جسده وقلعها من أصلها أنه ينقض عليه وضوءه، ومنهم من يقول: لا ينقض وضوءه عليه
-314 - (1/125)
صفحة 126
وكذلك الضرس إذا نزعه ولم يكن الدم على هذا الاختلاف، وسبب الاختلاف فيما يوجبه النظر، هل ما تحت الجلد نجس كله قياساً على الدم؟ أم غير نجس قياساً على ما اتفق على طهارته كالعرق واللين والله أعلم؟ وكذلك من نزع الجلد الحي من جسده، أو نزع ظفره الحي، أو كوى نفسه حتى بلغ الجلد الحي من جسده وكذلك إذا جرح حتى بلغ الحديد اللحم الحي، وعن أبي محمد رحمه الله فيها قولان وكذلك مخه إذا مسه اختلفوا هل ينتقض وضوءه أم لا ينتقض؟ وسبب الاختلاف ما ذكرناه أولاً.
قوله: وكذلك من نزع الجلد الحي .. الخ. وانظر هل إذا أقلع جلده الميتة ينتقض وضوءه لأن ما انفصل عن الحي فهو ميتة، وقد ذكر أن مس الميتة ينقض الوضوء. قلت: رأيت التصريح في بعض كتب أصحابنا العمانيين أن الجلد الميت المنفصل عن الحي طاهر فحينئذ معنى قولهم: ما انفصل من الحي ميتة يعني إذا كان حياً. والله أعلم بالصواب. حرره، وإليه أشار المصنف بالتقييد والله أعلم.
قلت: لكن الميتة لم تنقض عند المصنف لنجاستها وإنما تنقض للسنة كما تقدم والدي يظهر أن مس الميتة تنقض بشرط نجاستها وإن مس ميتة الآدمي إن قلنا بطهارتها لا تنقض وإن قلنا بنجاستها نقضت وحكم الجزء كحكم الكل والله أعلم بالصواب.
-119 - (1/126)
صفحة 127
مسألة في النوم الذي ينقض الوضوء:
واختلفوا في النوم الذي ينقض الوضوء، قال بعضهم: النوم حدث فأوجبوا من قليله وكثيره الوضوء، ويدل على هذا القول ما روي من طريق ابن عباس أن النبي عليه السلام قال: (إذا استيقظ أحدكم من
قوله: قال بعضهم النوم حدث .. الخ. هو مذهب الحسن البصري والمزني
وأبي عبد القاسم بن سلام وإسحاق بن راهويه وهو قول غريب للشافعي فائدة: إختلف الناس في النوم على مذاهب احدها أن النوم لا ينقض الوضوء على أي حال كان وهو محكي عن أبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وأبي مجلد وحميد الأعرج والشعبي المذهب الثاني: ان النوم ينقض بكل حال وهو مذهب الحسن البصري ومن ذكر معه المذهب الثالث: أن كثير النوم ينقض الوضوء بكل حال. وقليله لا ينقض بكل حال وهو مذهب الزهري وربيعة والأوزاعي ومالك وأحمد في أحد الروايتين عنه. المذهب الرابع: انه إذا نام على هيئة من هيئة المصلين كالراكع والساجد والقائم والقاعد لا ينقض وضوءه سواء كان في الصلاة او لم يكن، و إن نام مضطجعاً أو مستلقياً على قفاه انتقض وضوءه، وهو مذهب أبي حنيفة وداود. المذهب الخامس: أنه لا ينقض إلا نوم الساجد والراكع احمد. المذهب السادس: أنه لا ينقض إلا نوم الساجد، روي عن أحمد، المذهب السابع: أنه لا ينقض النوم في الصلاة بكل حال وينقض خارج الصلاة وهو قول ضعيف للشافعي. المذهب الثامن: أنه إن نام جالساً ممكناً مقعدته من الأرض لم ينتقض وإلا انتقض سواء قل أو كثر سواء كان في الصلاة أو خارجها وهو مذهب الشافعي، وعنده أن النوم ليس حدثاً في نفسه وإنما هـ دليل على خروج الريح.
وروي عن
هو
- 120 - (1/127)
صفحة 128
نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً)). وما روي عنه أيضاً عليه السلام قال: (العينان) وكاء الله فإذا نامت العينان انطلق الوكاء)). وقال آخرون: النوم كله لا ينقض الوضوء، إلا نوم الإضطجاع، والدليل على هذا القول حديث ابن عباس أن النبي عليه
قوله: وقال آخرون: النوم له لا ينقض الوضوء .. الخ. قال أبو محمد: وهذا القول على قلة إستعمالهم له عندي أنظر لأن السنة تشهد بصحته لما روي (أن النبي ما إنكا على يده نائماً حتى نفخ ثم قام وصلى فقيل له: نعست، فقال: تنام عيني ولا ينام قلبي) والنبي الله مستو هو وغيره في حكم البشرية إلا فيما أخبرنا انه مخصوص به، وكيف وقد نام حتى طلعت الشمس عليه ولو لم ينم قلبه لم يؤخر الصلاة عن وقتها حتى تذهب ويصليها في غير وقتها هو وأصحابه انتهى. قلت: ما ادعاه من الاستدلال بالحديث لا دليل فيه بل هو دليل وحجة عليه إذ علل عدم الوضوء بعدم نومه الذي يترتب عليه نقض الوضوء وذلك من وأما ما استدل به من نومه حتى طلعت الشمس ففيه
خصوصيته ما
"
العلماء ان قلبه ما إنما يدرك الحسيات المتعلقات به كالحادث
نظر لما صرح بها من والألم ونحوهما، ولم يدرك الفجر وغيره مما يتعلق بالغير وإنما يدرك ذلك بالعين والعين قد نامت وإن كان القلب يقظان حرره.
(1) تقدم ذكره.
(2) روي عن علي رضي الله عنه. رواه احمد وأبو داود وابن ماجه. وروي عن معاوية.
رواه احمد والدارقطني.
-17 - (1/128)
صفحة 129
السلام سجد حتى غط فنفخ فقام فصلى، فقلت يا رسول الله قد نمت؟ فقال: إنما الوضوء على من نام مضطجعاً). وما روي عن. جابر بن زيد رحمه الله قال: كان أصحاب رسول الله لا ينامون جلوساً حتى
تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضأون) والنبي عليه السلام شاهدهم على
(2)
تلك الحالة ولا يأمرهم بإعادة الوضوء (2). وقال آخرون: من نام ساجداً أو متكناً على شيء من خلفه انتقض وضوءه لأنه في معنى الاضطجاع فقد أجمع أصحابنا أن نوم الاضطجاع بنقض الوضوء، ومن ذهب مذهب الجمع بين الأحاديث حمل الأحاديث التي أوجبت النقض على النوم الثقيل،
قوله: حق غط فنفخ في القاموس: غطه في الماء يغطه ويغطه غطسه و البعير يغط غطيطاً هدر والنائم صات وكذا المذبوح والمخنوق والغطاط كسحاب القطا، أو ضرب منه أغير الظهور والبطون أسود الأجنحة الواحدة بالهاء ويضم أول الصبح أو بقية من سواد الليل والسحر ويفتح. قوله: على النوم الثقيل الخ. قلت: مراتب النوم أربعة: طويل، ثقيل، قصير تقيل طويل خفيف، قصير خفيف، وظاهر كلام المصنف أن الثقيل ينقض مطلقاً والخفيف لا ينقض مطلقاً وانظر التفصيل في الشيخ إسماعيل رحمه الله وعبارته أما التفصيل فهو أن النوم له أربع هيئات، أحدها: أن يكون طويلا ثقيلا في حالة الاضطجاع فهذا متفق عليه أنه ينقض الوضوء لثبوت الحديث في ذلك والهيئة
(1) رواه أبو داود عن ابن عباس مرفوعاً. وقال: إن فيه صعف. (2) رواه قتادة عن أنس. أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي.
- 122 - (1/129)
صفحة 130
والأحاديث التي لم توجب النقض على النوم الخفيف، والنظر يوجب عندي هذا القول حتى يصح القياس وتطرد العلة في المجنون والسكران و المغمي عليه، ولذلك خص عليه السلام نوم الاضطجاع لأنه يعرض فيه الثقل ما لا يعرض في غيره لأن من قولهم رحمهم الله، أن من تغير عقله بجنون أو سكر أو علة انتقض وضوءه سواء كان قائماً أو قاعداً قياساً على النائم، وليس كل نائم ينتقض وضوءه إلا أن يكون النوم الغالب فيصح القياس عليه وتطرد العلة ويكون كل من غاب عقله انتقض وضوءه قياساً على النوم الغالب الذي يغيب معه العقل بالكلية والله أعلم.
الثانية: أن يكون قصيراً خفيفاً غير مزيل للعقل فهذا لا ينقض الوضو ء على أي حالة كان عليها المتوضئ من قيام أو قعود أو اضطجاع، والهيئة الثالثة: أن يكون خفيفاً ثقيلاً وصوابه طويلا، وهو أن النعاس لم يغلب عليه ولكنه يطاوله ويعالجه ففيه خلاف إذا كان مضطجعاً، والأصل فيه انتقاض الوضوء. والهيئة الرابعة: أن يكون ثقيلاً خفيفاً وصوابه قصيراً ثقيلاً، وهو إذا غلب عليه النعاس ولم تقع منه إلا سنة فهذا مختلف فيه فليحرر. قوله: والسكران أي سكر بمباح وأما المنجوس فقد انتقض بشربه للنج
كما هو في الديوان والله أعلم.
- 123 - (1/130)
صفحة 131
مسألة في الفعل الذي ينقض الـ
والأفعال التي تنقض الوضوء أربعة، أحدها الكلام، وذلك إذا تكلم بالكذب أو الغيبة أو التميمة أو أيمان الفجور أو لعن من لا يستحق اللعنة، أو لَعَنَ المسلمين أو شتَمَهم أو طَعَنَ في دينهم أو تكلم بالشرك والكفر، والفحشاء والمنكر، أو ذكر الفروج أو العذرة بأقبح أسمائها، شتم بها أحداً انتقض وضوءه في هذا كله، والدليل على ما ذكرنا أنه ينقض الوضوء ما روي أن النبي عليه السلام قال: (الكذب والغيبة ينقضان الوضوء) (1)، وكذلك عمل الكبائر كلها ينقض الوضوء قياساً على الكذب والغيبة، وهو من قياس المعنى والله أعلم. وصفة الكذب الذي ينقض الوضوء أن يخبر عن الشيء بخلاف ما هو به يإرادة منه لذلك
أو
مسألة في الفعل الذي ينقض الوضوء:
قوله: وكذلك عمل الكبائر الخ. أنظر ما إذا فعل ما تبطل به الصلاة متعمداً هل ينتقض وضوءه إذ بطلانه عمداً موجب للهلاك فهو كبير
•
قوله: بشرط أن يكون اعتقاده موافقاً الخ. احترز به عن المبالغات والتقيات كما يؤخذ مما بعد كقولك مثلا: جئتك ألف مرة فإن المبالغة إذا قصد ظاهرها كانت كذباً لمخالفتها الواقع، وإن قصد معنى التكثير مجازاً
(1) رواه الربيع.
- ITE- (1/131)
صفحة 132
من غير إكراه بشرط أن يكون اعتقاده موافقاً لظاهر قوله، وذلك أن التقية في ذوي الأرحام والجار والصاحب جائزة ويظهر إليه الجميل والدعاء حتى يرى أنك تحمد أمره وإن كنت لا تتولاه، والمعنى في ذلك لغيره وذلك إذا دعوت له بالعافية والحفظ والكرامة والرحمة فذلك جائز، وذلك ما أولاه الله لبني آدم في الدنيا جميعاً، وكذلك إن قلت له عافاك الله من النار أو نجاك الله، أو رحمك الله من النار وتعني من نار الدنيا فلا بأس وهذا ليس من جنس هذا الفن الذي نحن فيه، ولكن أردت بهذا التنبيه على جواز التعريض في الكلام وليس من الكذب والدليل على هذا ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: (إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب) (1) وأما الإكراه فسائغ في الشرك إذا ظهر الخوف على نفسه أو ماله الذي يؤدي تلفه إلى تلف نفسه بشرط طمأنينة
كانت صدقاً، فالصدق مطابقة الواقع، والكذب عدم مطابقة الواقع كما هو مذهب الجمهور لا مطابقة الواقع والاعتقاد، وعدم مطابقة الاعتقاد واعتقاد العدم كما هو مذهب الجاحظ قوله: وذلك إن التقية الخ بيان للقيد الأخير على غير ترتيب اللف ولو قال المصنف أن يخبر على الشيء بخلاف ما هو به بإرادة منه من غير مسوغ لذلك
المكان أظهر، تأمله.
(1) رواه ابن ماجه في سننه.
1170 - (1/132)
صفحة 133
القلب بالإيمان لقوله عز وجل: إلا من أكرِهَ وَقَلْبُه مطمئن بالإيمان)
(1)
وما سوى الشرك من جميع ما يقول بلسانه جائز قياساً على الشرك وهو من قياس المعنى أيضاً إذ الشرك أشد منه. وروي عن ابن مسعود أنه قال: ما من كلمة يرفع الله بها عني ضربتين بسوط يسألونيها إلا تكلمت بها وليس الرجل بأمين على نفسه إذا عذبت أو ضربت أو قيدت أو جوعت أو خوفت وبايع الناس، ولعله يريد إذا التقى يبايع من لا يستحق البيعة، وقد بلغنا عن رجل من أصحاب النبي أنه سئل عن ذلك وهو في المسجد فقال: ما أبالي. مسحت هذه الأسطوانة بيدي أو بيده إنما البيعة بالقلب وليست باللسان والله أعلم. وأما الغيبة التي تنقض الوضوء، أن تذكر عيوب المسلمين وزلاتهم. وقد روي عن التي وصى المسلمين بعضهم بعضاً وأمرهم بالرعاية في ذلك والستر على بعضهم بعضاً وأن لا يهتكوا إخوانهم عند هفواتهم وزلاتهم، وقال: (من ستر على مؤمن ستر الله عليه في الدنيا والآخرة ((3) وقال: (لا تتبعوا عورات إخوانكم) (3). وبالجملة إن كل ما يكره
(1) النحل: 106 (2) رواه الجماعة ..
(3) متفق عليه
-177 - (1/133)
صفحة 134
المسلم أن تذكره لو حضر مما هو فيه فهو غيبة. وروي (أن رجلاً ذكر عند رسول الله مال اللي رجلاً فقال: ما أعجز فلاناً لا يرحل حتى يرحل له، فقال له النبي: هل غزوت الروم؟ فقال: لا. فقال: هل غزوت كذا وكذا؟ فقال: لا، قال له النبي ع ل: كل أولئك قد سلموا منك ولم يسلم منك أخوك المسلم)؟ وهذا في المؤمن دون المنافق لما روي أن النبي مال الله قال: (أذكر الفاسق بما فيه يعرفه الناس)) وروي عن ضمام قال: قيل لجابر بن زيد أرأيت الرجل يكون وقاعاً في الناس فأقع فيه ألهُ غيبة؟ قال: لا، قيل: ومن هو الذي تحرم غيبته؟ قال: رجل خفيف الظهر من دماء المسلمين، عفيف بطنه من أموالهم، أخرس اللسان عن أعراضهم فهذا الذي تحرم غيبته وما سواه فلا حرمة له ولا غيبة فيه، قال ضمام: قلت له يا أبا الشعثاء ما تقول في الرجل يعرف بالكذب أله غيبة؟ قال: لا، قلت: فالغاش لأمة محمد؟ قال: لا غيبة له ولا حرمة، قلت: فالصانع بيده يغش في عمله أله غيبة؟ قال:
قوله: مما هو فيه الخ. إحترز به عن البهتان وهو ظلم البريء والله اعلم.
(1) رواه احمد (2) رواه رزين بافظ: (لا غيبة لفاسق ولا مجاهر وكل أمتي معافى إلا المجاهرون) عن جابر وأبي هريرة. وقال الحاكم: انه غير صحيح و ولا معتمد.
- 127 - (1/134)
صفحة 135
لا، قلت: ولم؟ قال: أكل الحرام فلا غيبة له ولا حرمة وهو مهتوك الستر، ألا لا غيبة لكل مهتوك الستر ولا حرمة له عند رب العالمين فكيف عند المخلوقين؟ قلت: فإنه يكذب أحياناً ويتوب أحياناً، ويغش أحياناً ويتوب أحياناً، فأي صنف هذا من الناس؟ قال: هذا رجل مستخف بالله مستهزئ بالأمة، والدليل على من لعن البلاد، والدواب، والصبيان، وكل من لا يستحق اللعنة فينتقض وضوءه، وذلك أنه وجد في الأثر أن جابر بن زيد رضي الله عنه قال: (من لعن الدواب ومن لا يستحق اللعنة رجعت عليه اللعنة)، وذلك مما روي عن التي لا قال: (من استحق اللعنة فقد استحق عداوة الله، ولا يستحق عداوة الله إلا على كبيرة (1) والله أعلم. والدليل أن من ذكر الفروج والعذرة بأقبح أسمائها أو شتم بها أحداً انتقض وضوءه ما روي عن عائشة رضي الله عنها ـ قالت: يتوضأ أحدكم مما مست النار، ولا
قوله: يتوضأ أحدكم مما مست النار الخ. فإن قلت: حيث أخذتم بمفهوم الحديث في وجوب الوضوء بالكلام القبيح فهلا أوجبتم الوضوء مما مست النار كما هو منطوق الحديث؟ قلت: لنسخه بما رواه بعض قومنا من حديث جابر قال: (كان آخر الأمرين من رسول الله لا ترك الوضوء مما مست
(1) رواه أبو داود عن أبي الدرداء، وأحمد عن ابن مسعود من حديث طويل.
- 128 - (1/135)
صفحة 136
يتوضأ من الكلمة العوراء يقولها لأخيه. فقد أوجبت عائشة رضي الله عنها انتقاض الوضوء من الكلمة العوراء بدليل الخطاب، وروي عن الربيع - رحمه الله - قال: (كل شيء خبيث من الكلام فهو ينقض الوضوء)، وقيل إن بشيراً قال: لا ينقض الوضوء ما لم يشتم به أحداً والله أعلم.
والقهقهة في الصلاة تنقض الصلاة والوضوء جميعاً لما روي عن النبي أنه قال: (من قهقه في الصلاة نقض الوضوء والصلاة جميعاً) فإن قيل: كيف يكون شيء واحد ينقض الوضوء في الصلاة ولا ينقضه في غير الصلاة؟ قيل له: القهقهة في الصلاة تنقض الطهارة للخبر الوارد في ذلك. ولعل هذا أن يكون لحرمة الصلاة، فإن قال: وكذلك يلزمك أن تنقض الطهارة بالكلام في الصلاة لحرمة الصلاة وجميع المناهي في الصلاة على هذا المعنى، قيل له: العلل الشرعية لاتكاد تطرد وتنعكس، كالعقليات
النار) (1) وقد صححوه أو بغيره مما وصل إلى علمائنا رحمهم الله، وقيل: المراد بالوضوء الأول غسل الفم والكفين. قلت: لكن لا يناسبه بقية الحديث، والحق في الجواب أنه تركنا العمل به للإجماع بعد الصدر الأول أنه لا يجب الوضوء بأكل ما مسته النار وسيأتي في آخر الفعل الثاني الإشارة إلى الجواب.
قوله: والقهقهة في الصلاة الخ. مفهوم في الصلاة أنها لا تنقض خارج الصلاة وقد وافقنا أبو حنيفة على ذلك.
(1) رواه ابو داود والنسائي. أخرجه ابن خزيمة وابن حبان.
- 179 -
هم 9 - الإيضاح (1/136)
صفحة 137
فالعلل الشرعية قد تطرد وتنعكس، وقد لا تطرد ولا تنعكس. الثاني من الأفعال التي تنقض الوضوء: اللمس، كلمس النجاسة الرطبة قياساً على ما أجمعوا عليه أن من قدم الوضوء قبل الاستنجاء من البول والغائط لا يجزيه وضوؤه لأن الوضوء طهارة، والطهارة تؤثر فيها الأنجاس والله أعلم. ومن الميت ينقض الوضوء والدليل ما روي أنه قال عليه السلام: (مس الميت ينقض الوضوء) (1)، فقد دل هذا الحديث أن كل ما وقع عليه إسم الميتة ينقض الوضوء إذا مسه ولو كانت يابسة ويده يابسة، بخلاف النجس لأن النجس لا ينقض الوضوء مسه إذا كان يابساً واليد يابسة لأن كل واحد منهما لا يأخذ من صاحبه. والميتة وجب
قوله: قياساً على ما أجمعوا عليه في حكاية الإجماع نظر قد رأيت في كتب المخالفين أن التقديم ليس بواجب بل لو أخره صح بشرط أن لا يباشر فرجه بيده لكن لم يحضرني الآن نص العبارة، نعم فيه دليل عند من يقول بوجوب
تقديمه.
•
قوله: فقد دل هذا الحديث أن كل ما وقع عليه الخ. قلت: قد يقال العلة يط في تأثير الملة وإلا لورد عليه أن من مس
شر
کونه ميتة، وأما النجاسة فهي: السمك والجراد ينتقض وضوءه، فليحرر.
(1) رواه أبو داود وابن حبان
- 130 - (1/137)
صفحة 138
النقض من مستها للخبر الوارد لا لأنها نجسة، وخص قوم مس الميت المتولي لا ينقض الوضوء الحديث حذيفة أنه امتنع من مصافحة النيل لأجل جنابة أصابته، فقال له النبي ال: (المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً)). وقال آخرون: لو كان مس المتولي لا ينقض الوضوء لكانت ميتة الحيوان أحرى أن لا تنقض الوضوء، ولكن مس الميتة ينقض الوضوء لعموم الخبر والله أعلم. ومس الفروج كلها تنقض الوضوء إلا
قوله: وخص قوم مس الميت المتولي إذ ليس عليه العمل، والعمل على أنه
ينقض.
قوله: لحديث حذيفة الخ. ليس فيه دليل على عدم النقض لكونه ميتة وإنما فيه دليل على عدم نجاسته والميتة لم تنقض الوضوء لنجاستها كما قدمه المصنف رحمه الله حرره، وكتبته قبل انتقال نظري إلى ما بعده. قوله: لكانت ميتة الحيوان أحرى الخ. فيه منع لأن ابن آدم مكرم ومن تمام كرامته أن لا تنجس ميتته إذا كان مسلماً تأمل، لعل وجه التأمل أنه وإن لم يكن نجساً ينقض الوضوء للسنة لا لنجاسته يدل له قول المصنف فيما سبق.
قوله: ومس الفروج كلها الخ. ظاهره ولو بان منه الذكر. كذلك،
وهو
وعبارة الديوان: فإن قطعت عورته وهي بائنة فمسها انتقض وضوءه وفيها رخصة انتهى، لكن هذا إنما يتمشى على قول من لا يعتبر اللذة، وأما من اعتبرها
(1)
اسناده
صحيح، وروي مرفوعاً. اخرجه الدارقطني والحاكم
حديث ابن عباس ..
- 171 -
"
وورد مرفوعاً من (1/138)
صفحة 139
قال:
ما لا حرمة له مثل فروج الدواب، واختلفوا في مس فروج الصبيان. بعضهم: تنقض الوضوء، لأن لهم حرمة الإنسان، وقال آخرون: لا نقض على مس فروج الصبيان، والعلة في ذلك عندهم أن فروج الصبيان كفروج البهائم لا عبادة عليهم ولا نقض على من مسهم، وفرق قوم بين الذكر والأنثى وقالوا: مس فروج الإناث ينقض الوضوء، واختلفوا في الفرج الذي ينقض مسه الوضوء.
قال بعضهم: من مس عورته فقد انتقض عليه الوضوء، وكذلك
وو
من مس عانته أو أنثيه وما بين الفرجين، وكذلك من مس دبره وما
فلا، اللهم إلا أن يقال إن نقضه في هذه الحالة لكونه ميتة لا لكونه عورة
قوله: إلا ما لا حرمة له كفروج الدواب، ظاهره أن مس فروج الدواب لا ينقض الوضوء ولو في حال انتشارها، وهو خلاف ما في الديوان، نعم جعل ذلك رخصة فيحتمل أن المصنف اعتمد تلك الرخصة فأطلق، ويحتمل أن لا يكون اعتمدها فيقيد كلامه بكلام الديوان قوله: كفروج البهائم، أي إذا لم تكن رطبة، وأما إذا كانت رطبة فإنها
•
تنقض الوضوء لكن لنجاستها لا لكونها فروجاً، حرره وكذا الصبيان.
قوله. قال بعضهم: من مس الخ. سيأتي في كلام المصنف رحمه الله ما يؤخذ منه أن محل نقض مسا الذكر إذا كان في غير الصلاة، وأما في حال الصلاة إذا شك في الحدث فلا ينقض، وقد نص عليه الشيخ إسماعيل رحمه الله
- 132 – (1/139)
صفحة 140
يحاذيه ينقض عليه الوضوء، ويدل على هذا القول ما روي أن النبي علي قال: (أيما رجل أفضى بيده إلى فرجه فمسه بكفه انتقض وضوءه (1).
وإسم الفرج يقع على عورات الرجال والنساء والقبلان وما يليهما كله فروج، والدليل على هذا قول الشاعر:
كأن هزيز الريح بين فروجه أحاديث جن زرن جنّا بِحَيْهما يعني بالفروج ما بين قوائمه، وقال آخرون: لا ينقض الوضوء إلا
قوله: أيما رجل أفضى بيده إلى فرجه الخ. . لا مفهوم له لقوله رجل لما صرح به الشيخ إسماعيل رحمه الله في تمام هذا الحديث.
قولها
وأيما امرأة أفضت بيدها إلى فرجها انتقض وضوءها فيحتمل أن ما ذكره المصنف حديث وما ذكره الشيخ إسماعيل حديث آخر، وعليه فلا إشكال في اقتصار المصنف على ما ذكر، ويحتمل أن يكون اقتصر على قطعة من الحديث من غير إشارة إلى تمامه وهو معيب عند المحدثين كما هو معلوم من
كلامهم.
قوله: فمسه بكفه، قلت: هذا الحديث يشهد لمن اعتبر من أصحابنا المس بباطن الكف لاعتباره اللذة، لكن ينظر هل يفرق في أحواله فينقض إن قصد لذة وجدها أم لا أو وجدها قصدها أم لا؟
قوله: يجيها، اسم موضع
(1) رواه احمد عن ابي هريرة. صححه الحاكم وابن حبان وابن عبد البر وأخرجه البيهقي
والطبراني. وروى احمد وابو زرعة عن أم حبيبة مثله
•
- 134 - (1/140)
صفحة 141
،
الإحليل و الدبر، ويدل على هذا ما روي عن عائشة رضي الله عنها كانت تقول: من مس الفرج الأسفل والأعلى فليتوضأ، وما روي عن ضمام ابن السائب قال: بلغني عن ابن عباس رضي الله عنهما - يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ليس على من مس عجم الذنب وضوء، ولا على من مس موضع الاستعداد وضوء). وقال آخرون: مس القضيب كله ينقض الوضوء، وأما الدبر والأنثيان ومواضع الشعر فليس ينقض الوضوء، ويدل على هذا القول ما روي أن النبي عليه السلام قال: (إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ)). فقيد عليه السلام المس بالذكر والله أعلم. واختلفوا فيمن مس فرجه ناسياً ـ قال بعضهم: لا نقض عليه لأن الناسي معفو عنه بالشرع، وقال آخرون: عليه
قوله: إلا الإحليل والدبر، قال الشيخ إسماعيل رحمه الله: وأظن العمل على هذا القول. قلت: لعل وجهه أن الأحاديث التي لم يذكر فيها الذكر أثبت من الذي ذكر فيها كما يعلم ذلك من كتب قومنا
قوله: وقال آخرون: مس القضيب كله الخ، عليه الشافعي وكذلك حلقة الآدمي عنده في الجديد قياساً على القبل لأنه في معناه كما أن الأمة في معنى العبد في قوله: (من اعتق شقصاً له في عبد قوم عليه) (2) ولأن اسم الفرج
(1) تقدم ذكره.
(2) رواه الجماعة إلا النسائي عن ابي هريرة وفي لفظه زيادة.
- 134 - (1/141)
صفحة 142
النقض على العمد والنسيان وهو الذي يوجبه النظر عندي لأن ما ينقض الوضوء لا يراعى فيه العمد والنسيان كخروج الريح والبول والغائط، وإنما يراعى النسيان والعمد فيها يلزم فاعله الإثم، ومس الفروج ليس من باب الإثم والله أعلم. واختلفوا في مس الفروج بغير اليد، قال بعضهم: ينقض الوضوء، ويدل على هذا القول ما روي أن النبي عليه السلام قال: (من مس ذكره فليتوضأ). واللمس معنى في ظاهر الجلد يقع به للامس معرفة الشيء الملموس، وقال آخرون: لا ينقض الوضوء إلا اللمس باليد لأن ظاهر اللمس في اللغة إنما يكون باليد، ولما روي أن النبي الله قال: (أيما رجل أفضى بيده إلى ذكره انتقض وضوءه).
في الحديث يشمله.
•
قوله: لا يراعى فيه العمد والنسيان، أي لأنه من خطاب الوضع إذ هو من الأسباب وخطاب الوضع لا يشترط فيه العلم ولا القدرة ولا الاختيار ولا عدم السهو والنسيان، وإنما يلزم ذلك في خطاب التكليف كما أشار إليه رحمه الله بقوله فيما يلزم فاعله الإثم، فما أدق نظره رحمه الله وما أعرفه بالأصول فلذلك ترى كلامه لا يفهمه إلا من له إحاطة بذلك.
قوله: قال من مس
ذكره فليتوضأ، لكن المطلق يحمل على المقيد فلا دليل
على أن فيه ضعفاً عند بعض قومنا
قوله: أيما رجل أفضى بيده، قال به الشافعي والإفضاء في اللغة إذا أضيف
إلى الكف كان عبارة عن اللمس بباطنها. قلت: الذي في الحديث اليد لا الكف
إلا أن يدعى مثل ذلك في اليد
•
-190 - (1/142)
صفحة 143
دو
وفي بعض الروايات (فمسته بكفه انتقض وضوءه)، ولذلك اختلفوا إن مسه بظاهر الكف والله أعلم، وإن مسه على الثوب لم ينتقض وضوءه لأنه لم يستحق لم يستحق اسم اللمس، وروي في بعض الأخبار عن النبي الله أنه قال: (من مس فرجه قاصداً بيده ليس نه ستر فليتوضأ) والله أعلم. وإن مس فرج زوجته انتقض وضوءه هو دونها لأن الخبر يتوجه إلى الفاعل، وإن مس فرج الغير انتقض وضوءه ووضوء الملموس على العمد، وإنما انتقض وضوء من مس فرج الغير بالقياس والمعنى لأن الخبر ورد من مس ذكره فليتوضأ فكان مس فرج الغير مثله كقوله عليه السلام: من أعتق شخصاً له في عبد قوم عليه، وكانت الأمة في معنى العبد بالإجماع فإن قال قائل: لم فرقت بين الملموس الذي هو الزوجة وبين الماموس الذي هو الغير فأوجبت نقض الوضوء على الماموس الذي هو غير الأزواج على العمد؟ قيل له: فرقت بينهما لأن الملموس الذي هو غير الأزواج عاص وإباحته
قوله: بكفه، الكف مؤنثة سميت كفاً لأنها تكف عن البدن الأذى. قوله: وإن مس فرج الغير عليه الشافعي، وأما أصحاب مالك فقد اختلفوا لكن قال المازري المالكي جمهور من أثبت الوضوء من مس الذكر أثبته بمس ذكر غيره إلا داود، انتهى. قوله: فكان مس فرج الغير مثله بل أولى لأنه أفحش من مس ذكره.
-177 - (1/143)
صفحة 144
فرجه لمن يمسه أشد من إباحته لمن ينظر إليه، وإباحته لمن ينظر إليه لا يجوز لأنه ملعون على ذلك وفعله لذلك كبيرة لقوله عليه السلام:) ملعون من أبدى عورته للناس))، وليس بين الأزواج في مس الفرج إثم والله أعلم. ولمس أبدان النساء الأجنبيات ينقض الوضوء لما روي أن النبي عليه السلام قال: (إن محاسن النساء عليكم حرام) (2)،
قوله: لمس أبدان الخ. ظاهره عدم شمول الشعر والظفر والسن وهو كذلك على ما يظهر لأنها لا تفيد الشهوة لعدم الإحتساس ولو سلم فالإلتذاد بهذه المذكورات بالنظر دون اللمس.
قوله: ولمس أبدان الخ. ظاهره مطلقاً وهو مذهب الشافعي، واعتبر مالك قصد اللذة أو وجودها إلا القبلة بفم وان بكره أو استقبال لا لوداع ورحمة. وقوله: النساء دخلت الصغيرة إذ ليس المراد به البالغة لكن ينبغي ان تكون التي تشتهي وهل كذلك الأمر لم أر فيه نصاً والظاهر أنه كالمرأة والله أعلم، وظاهر كلامه أن النقض على اللامس دون الملموس خلافاً لمالك ووفاقاً للشافعي لكن الأظهر عند بعض أصحابنا أن الملموس كاللامس لاشتراكها في اللذة الحاصلة من اللمس.
قوله: أبدان النساء الخ. قال الشيخ إسماعيل رحمه: الله الثاني من الأسباب مس بدن المرأة الأجنبية إذا كانت ممن توجد اللذة بمسها، فمسها على غير سبيل المعالجة من دواء وغيره وأما إذا مسها مضطراً أو معالجاً فلا، وأخذ منه ومن
(1) رواه أبو داود والدارقطني. (2) رواه احمد
- 137 - (1/144)
صفحة 145
وأما الزوجة وذوات المحارم فلا. فإن عارض بعض مخالفينا بقوله
كلام المصنف رحمها الله تعالى انه لا ينقض الوضوء إلا إذا كان مباشراً لبدنها وأما لو كان هناك حائل ساتر لم ينتقض وفاقاً للشافعي وخلافاً لمالك وظاهره ولو كانت ممن لا تشتهى كالعجوز والمتبرجة فيكون مخالفاً لكلام الشيخ إسماعيل رحمه الله وهو مذهب الشافعي، ويحتمل أن يقيد بما ذكره الشيخ إسماعيل رحمه الله وهو موافق لمذهب مالك، لكن مالكا اعتبر قصد اللذة ووجودها والشيخ إسماعيل رحمه الله لم يعتبر ذلك، والحق عدم الاعتبار إذ اللمس سبب لنقض الوضوء والأسباب والشروط والموانع والصحة والفساد من خطاب الوضع وهو لا يشترط فيه قصد ولا غيره وهو مأخوذ من كلام المصنف رحمه الله فيهما سبق من الكلام على الذكر ناسياً، وعلى كلام الشيخ إسماعيل إذا مس بيده الشلاء لا ينتقض وضوءه الخروج ذلك على مظنة اللذة والشلل يبسن في العضو، وهل هو موت العضو أو فساده فيه خلاف؟
مس
قوله: وذوات المحارم الخ. قلت: لم يبين المصنف رحمه الله ما يجوز مسته من ذوات المحارم، والظاهر أنه الذي يجوز النظر إليه لما سيأتي، وأما الأجنبية فلا يجوز لمس شيء من بدنها حتى الوجه والكفين على ما يظهر إذ اللمس أبلغ في إثارة الشهوة والظاهر أن هذا محله إذا كان لغير ضرورة والله أعلم. وظاهره ولو لغير شهوة وهو الأصح من مذهب الشافعي، وكذا النظر فيما سيأتي ثم رأيت التصريح عن الشيخ اسماعيل رحمه الله بأن محل ذلك إذا كانت ممن توجد اللذة بمستها وهو كالنص فيما قلناه والله أعلم. وكذا فيه التصريح بتقييد ذلك بغير الضرورة وبغير المتبرجات والإماء إلا الفروج.
قوله: فإن عارض الخ. فأطلق ولم يقيد فشمل الزوجة إذ ليست من ذوات المحارم وعليه مالك والشافعي.
- IPA- (1/145)
صفحة 146
تعالى: «أو لامستم النساء»، قيل له: اللمس ها هنا الجماع بدليل قراءة العامة أو لامستم النساء، والمفاعلة لا تكون إلا من اثنين، ولأن اللمس أيضاً والمباشرة كناية عن الجماع وكان اللمس ها هنا يدل على الجماع، فإن قال: ظاهر اللمس إنما يكون باليد وهو الحقيقة وعلى الجماع مجاز فالحقيقة أولى من المجاز، قيل له: قد وردت الشريعة بأشياء كانت في الشرع مجاز فرجعت بالعرف حقائق كالغائط والنجو والنكاح وا والله أعلم. ويدل على ما قلنا أن اللمس لا ينقض الوضوء في الزوجة ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: «فقدتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم
قوله: بقوله تعالى أو لامستم النساء صوابه أو لمستم. قال ابن السكيت في اصلاح المنطق: ويقال لمست الشيء فأنا ألمسه لمسأ ولمست المرأة فأنا ألمسها لما إذا غشيتها.
•
قوله: قد وردت الشريعة الخ. فيه إشارة إلى ما ذكره الأصوليون من أن اللفظ إذا كان له معنى لغوي ومعنى شرعي أو عرفي ثم خاطبنا أهل العرف والشرع يحمل على المعنى العرفي والشرعي دون اللغوي.
•
قوله: والنكاح، وأصله في اللغة الضم والاجتماع، ومنه تناكحت الأشجار إذا تمايلت وتعانقت وأطلق على الوطء لإفضائه إلى الضم والعرب تستعمله بمعنى الوطى والعقد وأما الغائط والنجو فقد سبقا فيما تقدم.
قوله: ويدل على ما قلنا أن اللمس الخ. لو استدل بهذا على أن حكم الملموس مخالف لحكم اللامس وبحديث عروة على ما هو بصدده لكان أظهر.
-179 - (1/146)
صفحة 147
ذات ليلة فوجدته يصلي فطلبته فوقعت يدي في أخمص رجليه وهما منصوبتان وهو يقول: (أعوذ بعفوك من عقابك، وبرضاك من سخطك، قال جابر وهذا الحديث يدل على إزالة الوضوء من مس الرجل إمرأته، وما روي عن عروة بن الزبير قال: قالت عائشة رضي الله عنها: (يقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يصلي ولا يتوضأ) والله أعلم. . واختلفوا فيمن أكل الميتة أو الدم أو لحم الخنزير على الإضطرار، قال بعضهم: ينتقض وضوءه لأنه إنما أبيح له الأكل على الإضطرار فقط. وقال آخرون: لا ينتقض وضوءه، ويدل على هذا حديث ابن عباس قال: قال بلال حدثني مولاي أبو بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يتوضأ من طعام أحل الله أكله))، فهذا الحديث يدل على إزالة الوضوء على من أكل ما أحل الله له أكله، وكذلك ما مسته النار لا يجب منه نقض الوضوء لهذا الحديث والله أعلم.
قوله: واختلفوا فيمن أكل الميتة الخ. ومبنى الخلاف اختلافهم في هذه المذكورات حين تحليلها هل تصير طاهرة بالنسبة إلى من أبيحت له أم باقية على
نجاستها وأبيح له التناول فقط؟
(1) رواه مسلم والترمذي وصححه.
-18 -
4
(2) رواه ابو داود (1/147)
صفحة 148
مسألة:
الثالث من الأفعال التي تنقض الوضوء النظر، وبالجملة إلى كل نظر لا يحل على العمد ينقض الوضوء، وأما نظر الفجأة لا ينقض الوضوء لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النظرة الثانية، والدليل على هذا قول الله تعالى: «قُل للمؤمنين يَغُضُّوا من أبصارهم) الآية. مثال ذلك النظر على العمد إلى فروج بني آدم البالغين منهم إلا الأزواج فيما بينهما فإن النظر بينهما مباح لا ينقض الوضوء كنظره إلى نفسه،
مسألة: الثالث من الأفعال التي تنقض الوضوء النظر.
قوله: فإن النظر بينهما مباح لعل المراد ليس حراماً فلا ينافي أنه مكروه لما قيل إنه يورث التباغض بين الأزواج.
قوله: كنظره الى نفسه، نظر الشخص الى عورة نفسه مباح، وقالت
الشافعية حرام.
فائدة: قلت في الضياء: ونهي عن التعري بالليل والنهار، قال: معنى هذا أن يظهر عورته للناس نهاراً أو ليلا، في النهار وأما في الظلام وحيث لايراه الناس فليس ذلك بحرام، ولكنه نهي تأديب لأنه قيل يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر. قال: إن استطعتم أن لا يراها أحد فلا يراها، فقال السائل: إذا كان أحدنا خالياً، فقال: الله أحق أن يستحيى منه. فهذا تأديب
(1) النور: 30
(2) رواه الخمسة إلا النسائي عن بهز بن حكيم.
(2)
-1 {1 - (1/148)
صفحة 149
الدليل على ما قلنا ما روي أنه قال عليه السلام: (ملعون من نظر إلى عورة أخيه) أو قال: (فرج أخيه). وقال عليه السلام: (لعن الله الناظر والمنظور إليه)، واختلفوا في حد العورة التي تنقض الوضوء، قال بعضهم: من السرة إلى الركبة واختلفوا في السرة والركبة هل هما من العورة أم لا؟ وقال بعضهم: النظر المحرم ما كان من حد منابت الشعر إلى مستغلظ الفخذين، والدليل على هذا القول ما روي (أن النبي صلى الله عليه وسلم كشف على فخذه إلى أبي بكر الصديق وعمر رضي الله عنهما))، وكذلك من نظر إلى جوف منزل قوم متعمداً انتقض وضوءه. والدليل على هذا القول ما روي أن النبي عليه السلام قال: (من اطلع إلى دار قوم بغير إذن فقد دمر) (2) وما روي أنه صلى الله عليه
وبحضرة الناس حيث يرونه تحريم، وقد قيل إنه قال: أستر عورتك إلا من زوجتك وما ملكت يمينك. قوله: من اطلع إلى دار قوم .. الخ. رواية الزمخشري في الفائق من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد دمر، قال في تفسيره: دمر على القوم هجم عليهم بمكروه ومنه الدمار الهلاك وهجوم الشر وقيل للدخول بغير إذن دمور
هجوم بما يكره، والمعنى: إن إساءة المطلع كإساءة الدامر.
(1) رواه احمد عن عائشة. (2) متفق عليه
لأنه (1/149)
صفحة 150
وسلم رمى إنساناً بمشقص قد رآه ينظر إليه من كوة فأخطأه فقال: (لو أصيبت عيناك لهدرت () ولا تباح الدماء بما دون الكبائر والله أعلم. وكذلك من نظر في كتاب أحد بغير رأيه من كتب السر انتقض
وضوءه، والدليل ما روي أن النبي عليه السلام قال: (من نظر في كتاب إنسان فكأنما ينظر في النار ومن نظر إلى بسم الله الرحمن الرحيم فقط فلا نقض عليه ((2). وكذلك من نظر إلى عنوانه فلا نقض عليه لأنه ظاهر والله أعلم. واستثنوا من عموم الحديث كتب التجار والحسابات، والدواوين والأشعار، ودفاتر الحكام، لأن هذا كله ظاهر عندهم. وقال بعضهم: لا نقض على من نظر في كتاب قوم بغير إذنهم، ولا على من نظر في جوف منزل قوم، ولعل هؤلاء لم تبلغهم هذه الأخبار أو لم يجوزوا القياس والله أعلم. والنظر إلى أبدان النساء الأجنبيات على
:
قوله: بمشقص، قال: في القاموس الشقص بالكسر السهم والنصيب والشريك كالشقيص وهو الشريك والفرس الجواد والقليل من الكثير والمشقص كعنبر نصل عريض أو. فيه ذلك يرمي به الوحش وتشقيص الذبيحة تفصيل أعضاءها
سهم
سهاماً معتدلة بين الشركاء، والمشقص كمحدث القصاب.
قوله: والنظر إلى أبدان النساء الأجنبيات .. الخ. أي بغير شهوة، وأما
- ver-
صححه البخاري
(1)
(2) رواه ابن ماجه والبيهقي. (1/150)
صفحة 151
العمد محرم ينقض الوضوء إلا الوجه والكفين ما لم يخش الفتنة فيحرمان. والمرأة كلها عورة إلا الوجه والكفين لقوله تعالى: ولا يُبْدِينَ زينَتَهُنَّ إلا ما ظَهَرَ منها (1). ذكروا عن عبد الله بن مسعود (ما ظهر منها الثياب)، وذكروا عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (ما ظهر منها الكحل والخاتم). قال العلماء: هذه الآية في الأحرار، وأما الإماء فإن
النظر بشهوة فحرام ولو لما ظهر منها بل ولو إلى لبسها، والله أعلم، حرره
بنقل صريح. قوله: والنظر الى أبدان النساء .. الخ. قلت ظاهر كلامه رحمه الله تعالى التسوية بين الفحل والممسوح وهو الذي ليس له ذكر ولا أنثيان أو خصي وهو الذي مات أنسياء وبقي ذكره أو محبوباً وهو الذي ذهب ذكره وبقيت أنثياه أو عنينا وهو من له آلة لا يتأتى به الفعل لغاية قصرها أو مخنثاً وهو المتشبه بالنساء أو شيخا هرما، ولم أر من تعرض للتفصيل ولا يؤخذ من كلام الديوان في باب النكاح في باب الأولياء حيث لم يجوزوا الولي الأملس المعبر عنه هنا بالممسوح عقد النكاح
لوليته لنقصانه عن مرتبة الرجال لأن الضرر مرتب عليه والفتنة عند رؤيته ولا ولأنه يجوز له نكاحها وكذا ما ذكره في باب التحليل راجعه، وأما الخنثى فإن تبين حاله فالأمر ظاهر وإلا فينبغي الإحتياط فيجعل مع الرجال امرأة ومع النساء رجلا، ويدل له ما قالوا في الصف للصلاة وغير ذلك من أحكامه ولم يتعرض المصنف للنساء وهل حكمهن حكم الرجال بدليل قوله تعالى: (وقل للمؤمِنَاتِ يَغْضُضْنَ من أبصارهن ويحفظن فروجهن) (2) لم أر من تعرض للمسألة من أصحابنا، ورأيت في بعض كتب قومنا الخلاف، ونص عبارة الكتاب: وجاز منظر إمرأة الى
(1) و (2) النور: 31
(2)
- 1 {E- (1/151)
صفحة 152
عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى أمة عليها قناع فعلاها بالدرة فقال: اكشفي رأسك لا تتشبهين بالحرائر. والمرأة ليست كالأمة لأنها مال
بدن أجنبي سواء ما بين سرته وركبته إن لم تخف فتنة، لأن عائشة رضي الله عنها نظرت إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد وأذن النبي ا لفاطمة بنت قيس أن تعتد عند ابن أم مكتوم (1) وليس كنظر الرجل الى المرأة لأن بدنها عورة في نفسه ولذلك يجب ستره في الصلاة لكن صرح المتولي بكراهة نظرها إلى
وجهه و بدنه
قلت: الأصح التحريم لقوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصار من (2) وأما حديث عائشة فأجيب عنه بأنها لم تنظر الى وجوه الحبشة ولا إلى أبدانهم. في المسألة وجه ثالث أنها تنظر إلى ما يبدو من المهنة فقط، كل ذلك إذا لم تخش الفتنة فإن خافتها لم يجز قطعاً. انتهى. والظاهر من كلام المصنف رحمه الله الجواز وعليه فهل تنظر منه ما ينظره المحرم من ذوات محارمه أو ما ينظره الرجل من الرجال، ولم يذكر المصنف حكم الأمرد، وحكى النووي الإجماع على حرمة النظر إليه بشهوة، قال بعضهم: هو أعظم إثماً من الأجنبية إذ لا سبيل إلى حله وصحح ـ أي النووي - حرمة النظر إليه ولو لغير شهوة ورد بأنه لو كان حراماً مطلقاً لأمروا بالاحتجاب كالنسوة، والظاهر أن المراهق كالبالغ لأنه ممن ظهر على عورات النساء فيجب على المرأة الحجاب عنه ولا يجوز لها أن تبدي له زينتها، وأما هو فليس بمكلف ولكن يؤمر أمر تأديب، حرر جميع ذلك
كالبالغ
بنقل صريح.
قوله: محرم أي إلا لضرورة كان أراد تزويجها.
(1) رواه الشيخان.
(2) النور: 31.
1120 -
ه م 10 - الإيضاح، (1/152)
صفحة 153
ولا نقض على من نظر إلى بدنها بغير شهوة على العمد إلا النظر إلى السرة والركبة وما بينهما، وكذلك اللمس، والله أعلم، وقد رخص بعض المسلمين النظر إلى غير الوجه والكفين من المتبرجات من النساء والعجائز ونساء تهامة بغير شهوة مثل الإماء لأن النظر إلى هؤلاء لا يفتن ولا يكاد يحدث الشهوة، وأما النظر إلى أبدان ذوات المحارم فقد ذكر في بعض كتب التفسير في تفسير قوله تبارك وتعالى: «ولا يُبدين زينَتَهُنَّ إلا ما ظَهَرَ منها، ثم قال: «إِلا لِبُعُولَتِين، أو آبائهن، أو آباء بعولتهن، أو أبنائهن، أو أبناءِ بُعُولَتِهِنَّ، أو إخوانهن، أو بني إخْوَانِهِنَّ، أو بني أخواتهن أو نسائهن، المسلمات اللواتي يرين منها ما يرى ذو المحارم ولا ترى
قوله: بغير شهوة قلت: رأيت في بعض كتب قومنا ان المراد بالشهوة أن ينظر لقضاء وطر فمن يحب النظر إلى الوجه الجميل فنظر للتلذذ به فهو حرام وليس المراد زيادة على ذلك من وقاع وغيره فذلك زيادة في الفسق.
فائدة: وعبارة بعض قومنا وهي يعني العورة من الرجل مع رجل وأمة مع أمة و إن بشائبة من بين سرة وركبة ولا يدخلان ومن امرأة حرة مع امرأة ما بين سرة وركبة وقيل كرجل مع محارمه، وعورة الحرة مع رجل أجنبي غير الوجه والكفين، ومع محرم غير الوجه والأطراف وترى من الأجنبي ما يراه من محارمه
و ترى من المحرم ما عدا ما بين السرة والركبة كرجل مع مثله.
-1 {7 - (1/153)
صفحة 154
ذلك منها اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية أو التابعين غير أولي الإربة فهذه ثلاث حرم بعضها أعظم من بعض، منهن الزوج الذي يحل له كل شيء منها فهذه حرمة ليست لغيره، ومنهن الأب والابن والأخ والعم والخال وابن الأخ وابن الأخت، والرضاع في هذا بمنزلة النسب فلا يحل لهؤلاء في تفسير الحسن أن ينظروا إلى الشعر والصدر والساق وأشباه ذلك، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ينظرون إلى موضع القرطين والقلادة
قوله: اليهودية الخ. هل يستثنى من ذلك ما إذا كانت أمة للضرورة، حرره. وصرح بعض قومنا بأن الفاسقة مع العفيفة كالذمية مع المسلمة، قلت: وكأني نظرته في بعض كتب أصحابنا، راجعه.
قوله: القرطين في القاموس: القرط بالكسر نوع من الكراث يعرف بكراث المائدة وبالضم نبات كالرطبة إلا أنه أجل منها فارسية السيد روسيف عبد الله ابن الحجاج وشعلة النار وزيبة الصبي والضرع والسيف أو المعلق في شحمة الأذن فحينئذ أقراط وقراط وقروط وقرطة كقردة وجارية مقرطة كعظمة ذات قرط وذو القرط الوشاح وسيف خالد بن الوليد ولقب الكسر بن معاوية بن أبي أمية والقرطة كهمزة وعنبة أن يكون للتيس زنمتان معلقتان من أذنيه وقد قرط كفرح فهو أقرط وقرط الكراث تقريطاً قطعه في القدر كقرط وعليه أعطاه قليلا والجارية ألبسها القرط والفرس ألجمها أو أدخل أعنتها وراء أذنها عند طرف اللجام والسراج نزع منه ما احترق وككتاب المصباح أو شعلته والقروط بالضم بطون من كلاب وهم إخوة قرط وقروط وقريط كقفل وزبير وأمير
-\ {Y- (1/154)
صفحة 155
والسوارين والحجالين، فهذه الزينه الباطنة. وحرمة أخرى وهي الثالثة، منهم: أبو الزوج، وابن الزوج، والتابع الذي قال الله: «غير أولي الإربة» أي غير أولي الحاجة إلى النساء وهم قوم بالمدينة طبعوا على غير شهوة النساء. وقال بعضهم: هو الرجل الأحمق الذي لا تشتهيه المرأة ولا يغار عليه الرجل، وقال الحسن: هو الرجل يتبع الرجل يخدمه بطعام بطنه، ومملوك المرأة لا بأس أن تقوم بين يدي هؤلاء في درع صفيق وخمار
والقريطة ويضم ضرب من الإبل وكزبير فرس لكندة والقراط والقيراط بكسرهما يختلف وزنه بحسب البلاد فمكة ربع سدس دينار وبالعراق نصف عشره والقرطيط بالكسر: الشيء اليسير والداهية كالقرطان بالضم والقرطاط بالكسر والضم والقير وطي مرهم.
قوله: والحجالين في القاموس: الحجل الذكر من القبح الواحدة الحجلة والحجلي كدفلي إسم للجمع ولا نظير لها سوى ضرباً ولحمه معتدل وابتلاع نصف مثقال من كبده ينفع للصرع والاستعاط بمرارته كل شهر مرة يذكي الذهن جداً ويقوي البصر. والحجلة محركة كالقصبة موضع تزين بالثياب والستور للعروس الجمع حجل وحجال وصغار الإبل وحشوها الجمع حجل وحجلها تحجيلا اتخذ لها حجلا أو أدخلها فيه، والمرأة بنانها لوثت خضابها، وحجل المقيد بحجل ويحجل حجلا وحجلانا رفع رجلا وترتب في مشيه والحجل بالكسر والفتح وكابل وضمر الخلخال الجمع أحجال وحجول وبالكسر البياض نفسه الخ. والمناسب هنا الخلخال فلعل النسخة والحجلين من غير ألف ولعل زيادة الألف للإزدواج مع السوارين.
قوله: وخمار كل ما ستر شيئاً فهو خمار.
-12 A- (1/155)
صفحة 156
جديد بغير جلباب. ذكروا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم منها). وإن قيل حموها إنما حموها الموت. وقال بعضهم: أو ما ملكت أيمانهن أي الإماء وليس العبيد أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء أي الذين لم يبلغوا الحلم ولا النكاح، وكذلك لمس أبدان النساء المحرمات، عندي على هذا
الاختلاف والله أعلم.
مسألة الرابع من الأفعال التي تنقض الوضوء، الاستماع: كاستماع الباطل من اللهو والمزامير والغناء، وكذلك من استمع سرَّ قَوْم في بيتهم، ومن استمع إلى النائية، وبالجملة إن كل ما لا يحل له أن يسمعه ينقض الوضوء، والدليل على هذا قوله عليه السلام: (لعنت
?
قوله: بغير جلباب الجلباب كسرداب وستار القميص وثوب واسع للمرأة دون الملحفة أو ما تغطي به ثيابها من فوق كالملحفة أو هو الخار، وجليبه
فتجليب قاموس
قوله: النساء المحرمات أي ذوات المحارم.
مسألة: الرابع من الأفعال التي تنقض الوضوء الإستماع.
قوله: الإستماع أي بخلاف السماع من غير استماع.
-189 - (1/156)
صفحة 157
النائحة، والجالسة إليها، والمستمعة) فأوقع اللعنة على المستمعة كما أوقعها
على النائحة، وكذلك. ما لا يحل على هذا المعنى وهو من قياس
جميع
المعنى والله أعلم وبالله التوفيق.
مسألة في معرفة الاشياء التي تفعل لها هذه الطهارة:
إتفقوا أن هذه الطهارة شرط في جميع الصلاة لقوله عليه السلام: (لا صلاة بغير طهور (2). فعم هذا جميع الصلوات، فريضة أو نافلة، لأن النكرة إذا قارنها النفي كانت عموماً واستغراقاً للجنس، إلا في سجود التلاوة وصلاة الجنازة فإن الخلاف واقع فيهما، وسبب الخلاف هل ينطلق عليها الإسم إسم الصلاة أم لا؟ ومن أطلق إسم الصلاة عليهما
قوله: المستمعة احترازاً من السامعة غير المستمعة
قوله: اتفقوا الخ. لعله أراد اتفاق الجمهور فلا ينافي ما يأتي من حكاية قول يجواز صلاة النافلة بالتيمم وإن كان المصلي ممن يغتسل لكن لا تلاقيه، عبارة الديوان ونص عبارته: وجائز أن تصلي النوافل بالتيمم والماء حاضر الخ، تأمل. قلت: تلاقيه إذ ليس فيه نص على أن الجواز مذهب الجمهور فهي محتملة لإرادة البعض القليل كما سيأتي في كلام المصنف رحمه الله.
قوله: ومن أطلق الأولى بالفاء.
(1) رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري. رواه البزار والطبراني بزيادة في اللفظ
(2) متفق عليه.
1101 - (1/157)
صفحة 158
اشترط هذه الطهارة فيهما، ومن ذهب إلى أنه لا ينطلق عليهما إذ كانت صلاة الجنازة ليس فيها ركوع ولا سجود وكان سجود التلاوة أيضاً ليس فيه قيام ولا ركوع لم يشترط هذه الطهارة فيهما، والصحيح أن الطهارة ا شرط في صلاة الجنازة لقوله عليه السلام: (صلوا خلف كل بار وفاجر، وصلوا على كل بار وفاجر .. ولا فرق بين الصلاتين إلا بدليل قاطع والله أعلم. واختلفوا: هل هذه الطهارة شرط في مس المصحف أم لا؟ قال قوم: إنها شرط في مس المصحف، وقال آخرون: ليست بشرط، وسبب الخلاف تردد المفهوم من قوله تعالى: «لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُون» بين أن يكون المطهرون بني آدم، وبين أن يكون الملائكة، وبين أن يكون هذا الخبر مفهومه النهي، وبين أن يكون خبراً لا نهياً. فمن فهم من المطهرين بني آدم وفهم من الخبر النهي قال: لا يمس المصحف إلا الطاهر. ويعضد هذا ما روي عن جابر بن زيد قال: قال رسول الله الا الله في الجنب والحائض، والذين لم يكونوا على طهارة: (لا يقرأون القرآن ولا يطأون مصحفاً بأيديهم حتى يكونوا متوضئين) (2). و من فهم من لفظ المطهرين الملائكة وفهم من الآية الخبر
(2)
(1) متفق عليه.
(2) متفق عليه (1/158)
صفحة 159
قال: (ليس في الآية دليل على اشتراط هذه الطهارة في مس المصحف)،
بقي
الأمر على البراءة
وإذا لم يكن دليل لا من كتاب ولا من سنة ثابتة الأصلية وهي الإباحة. وكذلك اختلفوا هل من شرط قراءة القرآن الطهارة؟ وسبب الخلاف معارضة الأحاديث ـ أحدها حديث جابر بن
-
زيد المتقدم، والثاني حديث علي ـ قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمتنع من قراءة القرآن إلا إذا كان جنباً) والله أعلم. ومن هذا الباب اختلافهم في الطواف هل من شرطه الطهارة أم لا؟ واحتج من أوجب الطهارة في الطواف أن رسول الله ل ل (منع الحائض الطواف كما منعها الصلاة) (2)، فأشبه الطواف الصلاة من هذه الجهة، وقال آخرون: ليس كل شيء منعه الحائض الطهارة شرط في فعله إذا ارتفع الحيض كالصوم، وقال آخرون: قد روي أن النبي الله قال: (الطواف صلاة لكن أحل الله فيه الكلام فلا تتكلموا إلا بما يحل) (3) فسماه
صلاة والله أعلم وبالله التوفيق.
الأم قوله: بقي والله أعلم.
على البراءة الأصلية فيه إشارة إلى قاعدة أصولية
(1) رواه الترمذي وقال حديث حسن صـ وروي مثله عن ابن عمر (أبو داود وابن ماجه).
(2) متفق عليه
(3) أخرجه الترمذي عن ابن عباس.
-107 - (1/159)
صفحة 160
باب في غسل الجنابة
وغسل الجنابة فرض، والدليل على فرضه قوله تبارك وتعالى: وإن كنتم جنباً فأطهروا، (1) وهو فرض الصلاة والصوم جميعاً.
باب في غسل الجنابة
قوله: باب في غسل الجنابة الخ. ذكر أحكام الغسل و. وجباته وما يتعلق به، وهو بفتح الفين وضمها، والأول أفصح، واختار ابن مالك الثاني قائلا: ويجوز ضم ثانيه تبعاً لأوله، وإن أريد به الماء ضم أوله أو ما يغسل به من
خطمي أو غيره كسره. قوله: وغسل الجنابة قيل لما كان الغسل من الجنابة بقية من دين إبراهيم وإسماعيل على نبينا وعليهم أفضل الصلاة والسلام كما بقي الحج والنكاح لم يحتاجوا إلى تفسيره بل خوطبوا بقوله: (وإن كنتم جنبا فاطهروا ولذلك نذر أبو سفيان أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو رسول الله، وأما الحدث الأصغر فلم يكن معلوماً عندهم فلذلك بين أعضاءه وكيفيته والسبب الموجب له. فائدة: قال الشيخ إسماعيل رحمه الله: ومسنون الغسل خمسة: الإغتسال للجمعة، والإحرام بحج أو عمرة، ولدخول مكة، وللعيدين، وللحجامة. ومستحباته ستة: للوقوف بعرفات، وللمزدلفة، وللطواف بالبيت، وللسعي بين
(1) المائدة: 6
- 153 - (1/160)
صفحة 161
وإنما يهلك بتركه عند خروج وقت الصلاة، وأما قبل وقت الصلاة ففرضه واسع والله أعلم.
الجسد
الصفا والمروة، ولمن غسل ميتاً، وللمستحاضة إذا انقطع دمها إذا اغتسلت قبل ذلك للخروج من الحيض اذا رأت الدم. ومفروضات الغسل الواجب ست: إحداها النية عند التلبس به واستصحاب حكمها في جميعه،، وعموم بالغسل، وإمرار اليد أو ما يقوم مقامها، وكون ذلك بالماء المطلق، والموالاة الذكر، واختلف في السادسة وهي المضمضة والإستنشاق، فقيل هما
فريضتان في الغسل الواجب وسنتان في الوضوء، وقيل غير ذلك. ومسنوناته ست: مسح الأذنين، وتخليل اللحية، وقيل فرض، وغسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء وإن كانتا طاهرتين، ثم غسل ما يهما من الأذى، والوضوء قبله، وغرف الماء على رأسه ثلاثاً، والبداءة بالميا من قبل المياسر. وفضائله أربع: التسمية في أوله، وذكر الله تعالى في أثنائه، والتعجيل به قبل كل شيء من نوم أو أكل أو شرب - وعد بعضهم غرف الماء ثلاثا، والبداءة بالميامن من الفضائل. ومكروهاته: التنكيس في عمله، والإكثار من صب الماء فيه،
وتكرار المغسول أكثر من ثلاث مرات، والكلام بغير ذكر الله، انتهى
6
قلت: زاد أبو إسحاق في السنن السواك، وذكر أن التسمية سنة قوله: ففرضه واسع كذا في الديوان، ووقع في موضع آخر منه ما نصه: والمجنب إنما يجب عليه غسل الجنابة في حين نزلت عليه الجنابة، وكذلك المتيمم إنما يجب عليه التيمم من الجنابة في الحين الذي نزلت عليه الجنابة كان في وقت الصلاة أو غيره، وقيل إنما يجب عليه الغسل من الجنابة حين يمكنه الغسل فيما دون وقت الصلاة، وكذلك المتيمم على هذا الحال والله أعلم.
قلت: ظاهره المخالفة للأول إلا أن يقال يجب وجوباً موسعاً فيرجع إلى
- 108 - (1/161)
صفحة 162
مسألة في كيفية الغسل:
:
اختلفوا هل من شرط غسل الجنابة إمرار اليد؟ قال بعضهم: لا بد للغاسل من إمرار اليد مع الماء، لأن الغسل لا يعقل إلا كذلك ـ
كقولهم: غسلت الثوب إنما يعقل باليد والماء جميعاً قياساً على الوضوء، وهذا القول عندي أصح لقوله عليه السلام من طريق ابن عباس رضي الله عنها (تحت كل شعرة جنابة، فبلّوا الشعر وأنقوا البشر) (1) فقوله: أنقوا البشر يدل على إمرار اليد مع الماء، وقال آخرون: يجزئ الغاسل إفاضة الماء بغير إمرار اليد لأن اللغة تطلق على ذلك كقول الشاعر: فجاءت سحابة فاغتسلنا بقطرها وما عملت كفي عراكاً لمغسل
الأول، وأما على الثاني فلا يجب عليه إلا حال الإمكان فيما دون وقت الصلاة، وفيه تأمل، وفائدة الخلاف تظهر فيمن قال لزوجته بعد طلوع الشمس مثلا وقد جاء معها: إن وجب عليك الغسل فأنت طالق، فإن قلنا بالأول لا تطلق إلا بعد الوقت، وإن قلنا بالثاني طلقت ابتداءً.
قوله: لا بد للغاسل الخ، أي لا بد له من هذين الأمرين حتى يتحقق مسمى الغسل لأن المراد المصاحبة، بحيث إذا تأخر إمرار اليد على صب الماء لا يحرئ فيكون مخالفاً لما في الديوان، ويحتمل غير ذلك، وقد ذهب سحنون المالكي إلى أنه لا يكفي إلا مصاحبة اليد لصب الماء
(1) رواه ابو داود والترمذي.
-100 (1/162)
صفحة 163
واحتجوا أيضاً بقول عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي علي إذا أراد الغسل من الجنابة بدأ بغسل يديه ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة،
قوله: بقول عائشة رضي الله عنها قولها: (ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة) فهذا يؤخذ منه أنه لا أكمل الوضوء بغسل الرجلين لكن تقدم في مسألة الموالاة أنه. (أنه كان يتوضأ في أول ظهره ويؤخر غسل رجليه) (1). روي وفي رواية من حديث ميمونة رواها البخاري من قومنا (توضأ وضوءه للصلاة غير قدميه ثم أفاض الماء عليه ثم نحتا قدميه فغسلها)، وهذا صريح بتأخير غسل القدمين، وأكثر روايات ميمونة توافق رواية عائشة في اقتضاء التقديم فعلى هذا تتناول رواية عائشة وأكثر روايات ميمونة على أن المراد بوضوء الصلاة أكثره وهو ما سوى الرجلين كما هو مبين في رواية ميمونة والله أعلم بالصواب، ولكن كلام المصنف فيما سيأتي كالنص في تقديم الكل وللشافعي في المسألة قولان والراجح عنده تقديم الكل والله أعلم.
قوله: ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، قلت: يحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سنة مستقلة بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد وعليه فليحافظ على مس عورته لئلا ينتقض وضوءه، خصوصاً أن الأصح عند المصنف أن من ترك الأقل من جسده لا يجزيه غسله، ويحتمل أن يكتفي بغسلها في الوضوء عن إعادته وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في أول عضو، وإنما قدم أعضاء الوضوء تشريفاً لها وليحصل لها صورة الطهارتين الصغرى والكبرى، إلا أن ظاهر الحديث الأول حيث قال: ثم يفيض الماء على جسده كله وإن أمكن حمله على الثاني بالتأويل. حرره، ويفوت معه الترتيب
(1) متفق عليه.
-109 - (1/163)
صفحة 164
ثم يدخل أصابعه في الماء ويخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيده، ثم يفيض الماء على جسده كله، وهذا بعد ما استنجى. و حديث أم سلمة (أنها سألت النبي و لا عن إمرأة جاءتها فقالت: إمرأة تشد شعر رأسها هل تنقضه لغسل الجنابة؟ قال: إنما يكفيها أن تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء، واغمزي قرونك عند كل حثية ثم تفيضين الماء
قوله: ثم يتوضأ كما الخ. قلت قول عائشة رضي الله عنها: ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة يؤخذ منه وجوب مسح الرأس في وضوء الغسل خلافا للمالكية حيث قالوا: يكفي عنه الغسل إذ المسح خفيف الغسل، حرره.
قوله: ويخلل في رواية المخالفين بالفاء.
قوله: أصول شعره الخ، إنما فعل ذلك ليلين الشعر ويرطبه فيسهل مرور
الماء عليه
قوله: بيده في رواية المخالفين بيديه بالتثنية، وكتب أيضاً على هذه القولة ما نصه: أنظر هل الواحدة أو اليدين جميعاً والظاهر الثاني - راجع نسخة
صحيحة؟
قوله: جسده في رواية المخالفين جلده بدل جسده.
قوله: تشد شعر رأسها الخ. أنظر هل يجوز للرجل ضفر شعر رأسه وإذا قلنا بالجواز هل يجب عليه نقض الضفائر؟ قلت يؤخذ من الديوان أن وجوب نقض ضفائره إن قلنا بالجواز لكن لم أر نصاً بالجواز.
قوله: ثلاث حثيات أي حفنات، والحفنة ملء الكفين من أي شيء كان،
(1) رواه مسلم.
-101 - (1/164)
صفحة 165
عليك و تطهرين). وقد روي عن بعض المسلمين يقول: من دخل البحر أو السيل أو ما له حركة فإن ضرب الموج وحركته يجزيه ويكفيه عن العرك، وإن اغتسل بعود أو حجر أجزأه ذلك لاستحقاقه إسم غاسل، وكذلك إن غسلته امرأته أو سريته أجزأه والله أعلم. وإنما يبدأ المغتسل بعد نزع النجس من بدنه بالوضوء لحديث عائشة رضي الله عنها المتقدم. وإن أخر الوضوء بعد الغسل لما يخاف أن يلاقي يده عورته في الغسل كان أحوط والله أعلم. ثم يبدأ بغسل أم رأسه، ثم يغسل جانب رأسه
ويقال حثيت وحثوت بالياء والو او لغتان مشهورتان.
قوله: بعد نزع النجس من جسده أي استحباباً كما قال المصنف فيما سيأتي أو وجوباً كما قال آخرون، فلو لم ينزعه لم يجزه غسله، حكاه في الديوان وهو
•
مذهب الشافعي قوله: وإن أخر الوضوء قلت انظر إذا قدم الوضوء هل يجب عليه حين الاستنجاء نية رفع الجنابة على القول بوجوبها لئلا يبقى المحل بلا غسل للجنابة إن لم يمر باليد وينقض الوضوء إن باشر باليد أو يحتاج إلى لف خرقة لئلا ينتقض الوضوء؟ والظاهر أنه يجب عليه ذلك
قوله: وإن أخر الوضوء بعد الغسل الخ، فيه رد على ابن بطال حيث نقل الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل وقد وافقنا على ذلك جماعة منهم أبو ثور وداود وغيرها. قلت: سيأتي في باب التيمم حكاية عن بعض أصحابنا أن الغسل كاف عن الوضوء لمن كان جنباً وظاهره ولو لم ينوه، حرره. قال في
طراز للمالكية: ظاهر المذهب أنه يؤمر بالوضوء بعد الغسل.
•
-101 - (1/165)
صفحة 166
الأيمن، ثم الشمال، ثم يجمع رأسه بالغسل، ثم يغسل جانب عنقه اليمين، ثم الشمال إلى المنكبين، ثم يغسل يده اليمنى وما يليها، ثم اليسرى وما يليها إلى حقوه، ثم يغسل بطنه وصدره، ثم يغسل ظهره من خلفه، إلى ما يقابل السرة، ثم يرجع فيغسل من حقوه اليمين إلى ركبته، ثم الشمال، كذلك يبدأ من جانب اليمين ثم الشمال، إلى آخر الغسل. والاستدلال على هذا هو الاستدلال على التقديم في باب الوضوء وقد شرحناه بما فيه الكفاية والله المستعان. وليقصد كل ما بطن من جسده فيغسله لما روي
من طريق أبي عبيدة رضي الله عنه قال: بلغني عن رسول الله قال: (أمرني حبيبي جبريل أن أغسل فينكتي وعنفقتي، وعنقفتي عند الجنابة () قال الربيع: قال أبو عبيدة رحمه الله: وعليه مع ذلك
,,
غسل رفقيه وما بضيه، ومَسْرَبَتهُ وسُرَّته، وكل ما بطن من جسده. قال الربيع رحمه الله: الفينكة هي المسربة التي في وسط الشارب، والعنفقة هي المسربة التي في الرقبة من خلف قفاء الرأس، والعنقفة هي
قوله: وما بضيه في القاموس في باب الضاد المعجمة في فصل الياء: والمابض كمجلس باطن الركبة.
قوله: العنفقة في القاموس في باب القاف العنفق خفة الشيء ومنه العنقفة للشعرات بين الشفة السفلى والذقن.
(1) رواه الدارقطني.
-109 - (1/166)
صفحة 167
الشعيرات المنحازات من اللحية تحت الشفة السفلى، والرفقان ما بين الذكر والفخذين، والمابضان ما تحت الركبتين، والمسربة هي التي فصلت الصدر إلى السرة. والمضمضة والاستنشاق واجبتان في غسل الجنابة وسنتان في الوضوء لاستحقاقهما في غسل الجنابة إسم البشرة لقوله عليه السلام: (بلّوا الشعر وأنقوا البشر)). وإن عم الماء بدون الْمُجْتَب مرة واحدة أجزأه، والمأمور به ثلاث مرات قياساً على الوضوء والله أعلم. وإن بدأ من أعلا جسده بالغسل إلى موضع استنجائه فاستنجى وغسل ما بقي من جسده فإنه يجزيه غسله، والمستحب له أن ينزع النجس من جسده قبل؛ ثم يبدأ بالغسل الحديث عائشة رضي الله عنها المتقدم. فإن
قوله: لاستحقاقها الخ. قلت البشرة كالبشر لغة ظاهر الجلد فليس في الحديث دلالة على ما ذكر فالأولى الاستدلال بما ثبت عند المخالف، قالت ميمونة: وضعت له الماء للغسل فغسل يديه مرتين أو ثلاثاً، ثم أفرغ على شماله فغسل مذاكيره ثم مسح يديه بالأرض، ثم مضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول من مكانه فغسل قدميه) (2) رواه البخاري، فنصت على المضمضة والاستنشاق، والأصل الوجوب إلا ما دل الدليل على خلافه والله أعلم.
(1) تقدم ذكره.
(2) رواه البخاري.
- 17. - (1/167)
صفحة 168
=
قال قائل: هلا كان الغسل لا يجزي إلا بعد الاستنجاء وزوال النجاسة كالوضوء، لأن الغسل طهارة، والطهارة تؤثر فيها الأنجاس؟ قيل له: الفرق بينهما في هذه الجهة أن الأنجاس تؤثر في الوضوء بعد كماله، ولا تؤثر في الغسل بعد كماله بإجماع، ولذلك جاز الغسل قبل الاستنجاء بخلاف الوضوء والله أعلم. وإن غسل جسده كله إلا أقل القليل فإنه لا يجزيه حتى يقصده بالغسل، وقال بعضهم: إن بقي أقل القليل يجزيه،: وسبب اختلافهم عندي هل الواجب الأخذ بأوائل الأسماء أو بأواخرها؟ والقول الأول أصح لقوله عليه السلام: (تحت كل شعرة قبلوا الشعر وأنقوا البشرة ((1). ولما روي (أن النبي عليه السلام اغتسل من جنابة فرأى في بدنه لمعة لم يصبها الماء، فعصر جمته، ثم مسحها بما قطر منها ((2). وفي هذا الحديث دليل على أنه لا يجزيه إلا
جنابة،
قوله: هلا كان الغسل الخ. ذهب الشافعي إلى أن شروط الغسل أن يكون البدن طاهراً من النجاسة ووافقنا على الاستحباب مالك
•
قوله: لمعة اللمعة بضم اللام ما لا يصيبه الماء عند الغسل، قاله في القاموس
فقوله: لم يصبها الماء صفة كاشفة
(1) تقدم ذكره
(2) رواه أحمد.
-171 -
دم 11 - الإيضاح (1/168)
صفحة 169
غسل جميع بدنه، وفيه دليل على أن المسح يسمى غسلاً، وفيه أيضاً دليل على أن الماء المستعمل ما لم يباين الجسد جاز استعماله فيما فات غسله من الجسد. والماء الذي يجزئ في غسل الجنابة هو الماء الذي يجزئ في الوضوء وقد شرحناه في بابه بما فيه كفاية. وأما أقل ما يجزئ منه فقد ذكر في بعض الكتب، قال بعض العلماء: لا يجزئ في الوضوء أقل من المد، ولا في الغسل أقل من الصاع، واحتجوا بما روي (أنه يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد)) واختلفوا في مقدار المد والصاع، قال بعضهم: الصاع ثمانية أرطال، والمدرطلان. ولعلهم ذهبوا إلى ما روي أنه يغتسل بالصاع. وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها أخذت عساً يحتزر قدر ثمانية أرطال فقالت: (كان رسول الله ع
(2)
يغتسل بمثل هذا)) فتوهموا أن الصاع ثمانية أرطال، وقال آخرون: إن الصاع خمسة أرطال وثلث، والمدرطل وثلث، وهو قول أهل الحجاز وهو الصحيح عندي والله أعلم. وقال آخرون: إن عم جسده بالغسل فقد عمل بما أمر به ولو بأقل من المد والصاع في الوضوء،،، ودليلهم
قوله: عساً، العسى: القدح الكبير.
(1) متفق عليه.
(2) رواه النسائي عن موسى الجهني.
-177 - (1/169)
صفحة 170
ما روي من طريق عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (اغتسلت أنا والنبي عليه السلام بصاع ونصف يقول أبقي لي، وأقول أبقي لي)). وهذا الحديث يدل أن الصاع والمد ليسا بحتم في الغسل والوضوء لأن المغتسلين من إناء واحد لا بد أن يفضل أحدهما الآخر بشيء، ولأن المسح يسمى
غسلاً لما روي) أنه اغتسل من جنابة فرأى في بدنه لمعة لم يصبها الماء
فعصر جمته، ثم مسحها بما قطر منها) فهذا يدل على أن الماسح يسمى غاسلاً، ولذلك قال بعضهم: إذا دهن جسده بالماء وقطر إلى الأرض ثلاث قطرات أجزأه، وقيل ولو قطرة واحدة أجزأه في الغسل والله أعلم.
مسألة:
إختلفوا هل من شرط هذه الطهارة النية أم لا؟ وسبب اختلافهم في هذه الطهارة هو بعينه سبب اختلافهم في الوضوء، وقد تقدم ذلك. ومن فروع هذا الباب اختلاف الفقهاء فيمن أجنب ولم يعلم ثم اغتسل
قوله: جمته، قال في النهاية في تفسير الحديث: وهو قوله كان لرسول الله جمة جعدة الجمة من شعر الرأس ما سقط على المنكبين قال ومنه حديث عائشة رضي الله عنها حين بنى بها النبي ما قالت: وجدت لي جميمة أي كثرت والجميمة
تصغير الجمة.
(1) رواه الدارقطني والبيهقي.
،
- 163 - (1/170)
صفحة 171
لا للجنابة فمنهم من قال: يجزيه، ومنهم من قال: لا يجزيه، لما ذكرناه من أصل الاختلاف. وكذلك من اغتسل للوسخ، أو اغتسل وأراد أن
يبرد نفسه على هذا الاختلاف والله أعلم.
مسألة:
إختلفوا هل من شرط هذه الطهارة الفور والترتيب أم لا؟ كاختلافهم في الوضوء، وأصل اختلافهم: هل فعله عليه السلام محمول على الوجوب أو على الندب؟ وذلك أنه لم ينقل إلينا قط توضأ ولا تطهر إلا مرتباً متوالياً، والترتيب في الغسل أبين منه في الوضوء، وذلك بين الرأس وسائر الجسد الحديث أم سلمة المتقدم لقوله عليه السلام: (إنما يكفيها أن تحيي عليه ثلاث حثيات من ماء، واغمزي قرونك عند كل حثية، ثم تفيضين الماء عليك وتطهرين)). وحرف «ثم» يقتضي الترتيب بلا خلاف والله أعلم. ولهذا المعنى قال بعض العلماء: من غسل بعض أعضائه من الجنابة في موقف، وبعضها في موقف آخر جاز ولو كان قد جف، وكذلك من اغتسل إلا موضعاً من جسده لم يغسله لجرح أو قرح ثم استراح بعد ذلك فإنه يعيد الغسل الجنابته. وقول آخر يقصد
(1) تقدم ذكره.
-17 {- (1/171)
صفحة 172
إلى ذلك الموضع فيغسله على هذا الاختلاف والله أعلم. وفرق قوم بين النسيان والعمد، وبين صاحب العذر وغيره مثل من أخذ في الغسل حتى فرغ الماء، فأخذ في طلبه حتى جف فإنه يبني على غسله إن لم يضيع وعلى قول من اشترط الموالاة يستأنف الغسل، وكذلك إن ضيع الطلب ولم يطلب حتى جف وأصاب الماء فإنه يستأنف الغسل، وعلى قول من لم
يشترط الموالاة يبني والله أعلم.
مسألة في معرفة نواقض هذه الطهارة:
إتفق العلماء على وجوب هذه الطهارة من حدثين: أحدهما دم الحيض لقوله تعالى: «ويسألونك عن المحيض قل هو أذى). ولقوله عليه السلام: (إذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلي)) و الحدث الثاني خروج المني في النوم أو في اليقظة من ذكر أو أنثى إلا ما روي عن
قوله: فإنه يعيد الغسل الجنابته هو معتمد الديوان.
قوله: وقول آخر هو رخصة في الديوان
•
قوله: خروج المني لو أبدل خروج المني بالوطء كما يأتي لكان أولى.
(1) البقرة: 222
(2) متفق عليه.
-190 - (1/172)
صفحة 173
بعض الصحابة إزالة الغسل على المرأة إذا احتلمت، والصحيح أنها تغتسل إذا احتلمت لما روي من طريق زيد بن ثابت قال: (بلغني أن أم سليم امرأة أبي طلحة الأنصاري سألت النبي الا فقالت: يا رسول الله - إن الله لا يستحي من الحق - هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال:
قوله: لما روي من طريق زيد قلت: وفي هذا الحديث دليل على أن المرأة تنزل المني خلافاً لابن فرحون المالكي، ويدل عليه علم التشريح في الطب وذكر أن للمرأة أنثيان مفرطحتان في أصل مجرى البول يدفق منها المني، ومجرى الوطء بمنزلة الذكر أنثيا كل واحد منهما في أصله، والطول كالطول، وقد يقع
الاختلاف بين الطولين، انتهى
قوله: لا يستحي من الحق معناه لا يمتنع من بيان الحق وضرب المثل بالبعوضة وشبهها كما قال سبحانه وتعالى: {إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها) (1) فكذا أنا لا أمتنع من سؤالي عما أنا محتاجة إليه، وقيل معناه إن الله لا يأمر بالحياء في الحق ولا يبيحه، وإنما قالت هذا اعتذاراً بين يدي سؤالها عما دعت الحاجة إليه مما يستحي النساء في العادة من السؤال عنه وذكره بحضرة الرجال فيه أنه ينبغي لمن عرضت له مسألة أن يسأل عنها ولا يمتنع من السؤال حياء من ذكرها فإن ذلك ليس بحياء حقيقي لأن الحياء خير كله والحياء لا يأتي إلا بالخير، والإمساك عن السؤال في هذا الحال ليس بخير بل هو شر فكيف يكون حياء؟ قال أهل العربية: يقال استحيا بياء قبل الألف يستحي بياء واحدة في المضارع والله أعلم.
(1) البقرة: 26
-177 - (1/173)
صفحة 174
نعم إذا رأت الماء () واختلفوا من هذا الباب في الوطء الذي تجب به الطهارة. قال بعضهم: إذا التقى الختانان وجب الغسل، والدليل على هذا ما روي عن جابر بن زيد قال: (سئلت عائشة رضي الله عنها هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل من جماع ولم ينزل؟ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع بنا ذلك، ويغتسل ويأمرنا بالغسل ويقول: (الغسل واجب إذا التقى الختانان ((2). والختانان هما الفرجان وهو ذكر الرجل وفرج المرأة، والختانان موضع القطع من الرجل والمرأة، والتقاء الختانين لا يصح إلا بعد غيوب الحشفة. وقال بعضهم:
قوله: ويأمرنا بالغسل الخ إعلم أن الأمة مجتمعة الآن على وجوب الغسل بالجماع وإن لم ينزل وعلى وجوبه بالإنزال وكانت جماعة من الصحابة على انه. لا يجب إلا بالإنزال ثم رجع بعضهم، وانعقد الإجماع بعد الآخرين. وفي الباب حديث (الماء من الماء) والعمل على حديث) إذا التقى الختانان وجب الغسل) وأما حديث (الماء من الماء (فالجمهور من الصحابة ومن بعدهم قالوا منسوخ، ويعنون بالنسخ ان الغسل بغير إنزال كان ساقطاً ثم صار واجباً وذهب ابن عباس رضي الله عنهما وغيره إلى انه ليس منسوخاً بل المراد نفي وجوب الغسل بالرؤية في النوم إذا لم ينزل، وهذا الحكم باق بلا شك.
قوله: الحشفة، انظر حشفة الخنثى المشكل وكذا قبله والظاهر انه لا يوجب
(1) متفق عليه
(2) رواه أحمد ومسلم والترمذي.
-177 - (1/174)
صفحة 175
إذا التقى البابان وجب الغسل ولعله من هذا المعنى، وقال آخرون: إذا التقى الرفغان وجب الغسل لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا التقى الرفغان وجب الغسل (1). وهو ما بين الأنثيين وأصول الفخذين، وقيل إذا قعد الرجل بين شعى امرأته وجب الغسل، والدليل على هذا حديث عائشة رضي الله عنها ـ قالت: يقول النبي صلى الله عليه
الغسل، ثم قوله غيوب الحشفة ليس المراد غيوب الحشفة فقط بل هو أو قدرها من مقطوعها فلو قطع ولم يبق مقدار الحشفة لم يجب الغسل بإدخاله فيما يظهر، وقوله الحشفة الظاهر منه انه لا بد من إدخالها كلها فلو ادخل ثلثها أو ثلثيها مثلا لم يجب الغسل خلافاً لبعض المالكية، وكذا قال بعضهم:: لا بد من إدخال الباقي جميعاً بعد قطع الحشفة، وظاهره وقد نص عليه في الديوان ولو لفه في خرقة سواء كانت خشنة" أو لا، والمراد بالنقاء الختانين تحاذيهما ومقابلتهما وذلك يحصل بغيوبة الحشفة كلها وأما لو التقيا على التحقيق ولم يكن شيء من الحشفة ولا غيرها في مجرى الوطء ثم رأيت بعضهم نقل عن القرافي في الذخيرة ما نصه: قال في الذخيرة فرجها يشبه عقد خمس وثلاثين وهو جمع الإبهام والسبابة فهذه الثلاثون وإلصاق الوسطى بالكف هو الخمسة، فإذا جمع بينهما فهو خمس وثلاثون، فإذا كان بطن الكف إلى فوق، فالثلاثون مجرى البول والخمسة مجرى الحيض والنفاس والوطء والولد، فإن قلبت اليد فالأمر بالعكس، فالتقاء الختانين مقابلتهما ولو التقيا على التخيير لم يكن شيء من الحشفة ولا غيرها في مجرى الوطء فلا يجب غسل، انتهى المقصود منه
(1) رواه ابن ماجه والدارقطني.
-174 - (1/175)
صفحة 176
وسلم: (إذا قعد الرجل من المرأة بين شعبيها فقد وجب الغسل)) وقال بعضهم: الماء من الماء لحديث أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله
:
عليه وسلم: (الماء من الماء)) يعني لا يكون على الرجل غسل حتى ينزل ولو التقى الختانان. والصحيح عندي هو القول الأول وهو التقاء الختانين، لأن مجاوزة الختانين توجب الحد بالإجماع فأحرى أن توجب الطهر، وهذا القياس مأخوذ من الخلفاء والله أعلم. وقوله عليه السلام: الماء من الماء) يحتمل أن يكون في الاحتلام، والله أعلم. والجماع كله يجب به الغسل حلالاً كان أو حراماً لا مع بني آدم ولا مع البهائم، لأن ما يوجب الحد أحرى أن يوجب الغسل على القياس الأول، وكذلك يجب الغسل بين الأطفال والبالغين على البالغين، ويجب على المجانين البالغين إذا أفاقوا لعموم الحديث الأول، ولأن غسل الجنابة إنما يجب
قوله: ولا مع البهائم خلافا لأبي حنيفة في البهيمة والميتة
قوله: على البالغين خلافاً لمشهور مذهب مالك فيما إذا كان مراهقاً، وأما إذا كان غير مراهق فلا يجب عندهم اتفاقاً. وظاهر كلام المصنف الإطلاق، ويمكن الفرق لعدم حرمة الصغير الذي لم يراهق، حرره. قلت يؤخذ من قوله بين الأطفال
التقييد بمن يتأتى منه الجماع.
(1) متفق عليه.
(2) رواه مسلم وأصله في البخاري.
-179 - (1/176)
صفحة 177
لأجل الصلاة والله أعلم.
وكذلك يجب عليه أن يغتسل إذا أفاق، كما يجب عليه أن يتوضاً
لحدث كان في حال جنونه والله أعلم.
مسألة في الصفة المعتبرة في كون خروج المني موجب للطهر:
فذهب بعضهم إلى اعتبار اللذة في ذلك، وقال قوم: نفس خروجه هو الموجب للطهر سواء خرج بلذة أو بغير لذة، وسبب اختلافهم شيئان: أحدهما هل إسم الجنب ينطلق على الذي أجنب على الجهة الغير المعتادة أو ليس ينطلق عليه؟ فمن رأى أنه إنما ينطلق على الذي أجنب على الجهة المعتادة لم يوجب الطهر في خروجه بغير لذة، ومن رأى أنه ينطلق على خروج المني كيف ما أخرج أوجب منه الطهر وإن لم تكن له لذة، والثاني تشبيه خروجه بغير لذة بدم الاستحاضة، ودم الاستحاضة مختلف ا
قوله: خروج المني والمراد مني الانسان نفسه فلو استدخلت نطفة أو خرجت
منها نطفة الرجل بعد الغسل لم يجب عليها الغسل كما سيأتي في كلام المصنف قوله: وقال قوم نفس خروجه ... الخ. وعلى القول بأنه لا غسل عليه فإنه يجب عليه الوضوء لأن لهذا الخارج تأثيراً في الكبرى، فإذا لم يؤثر فيها فلا أقل من الصغرى، وقد أشار الى ذلك الشيخ اسماعيل رحمه الله تعالى في أول باب
نواقض الوضوء فراجعه.
-14 - (1/177)
صفحة 178
في وجوب الغسل به والله أعلم. ومن فروع هذه المسألة إذا انتقل من أصل مجاريه بلذة ثم خرج في وقت آخر بغير لذة، مثل أن يخرج من المجامع بعد ما تطهر فقيل يعيد الطهارة، وقيل لا يعيد، وذلك أنه صحبته اللذة في بعض نقله ولم تصحبه في بعض، فمن غلب حال اللذة قال بوجوب الطهر، ومن غلب حال عدم اللذة قال لا يجب. ولهذا أوجب عليه بعض العلماء أن لا يغتسل حتى يستبرئ من البول، وإن اغتسل ولم يرق البول فليرق على ليفة سوداء، وإن خرج منه شيء من الجنابة أعاد الغسل ولا يجب عليه إعادة الصلاة لأن الغسل إنما لزمه بما خرج منه وقد
قوله: يعيد الطهارة هو مذهب الشافعي.
قوله: وقيل لا يعيد هو أحد الأقوال عند مالك.
قوله: وان اغتسل ولم يرق البول .. الخ. في الديوان: أنه لا يجزيه غسله وقيل فيه غير ذلك إذا لم يردفه شيء بعد ذلك. والله أعلم.
قوله: ولم يرق البول، وقال أبو حنيفة: يجب عليه الغسل إن لم يبل مطلقاً وهو المعتمد عليه في الديوان وحكي مقابله بقيل فيما إذا ضيع المراودة وهو واجد لها وأما إن لم يحدها ووجد التجفيف فإنه يغتسل ويحرب نفسه على الليفة السوداء فإن وجد شيئاً فليعد الغسل.
قوله: وإن خرج الأولى الفاء.
قوله: ولا يجب عليه ووافق مالك على ذلك في أرجح القولين.
بعد
ذلك
- 171 - (1/178)
صفحة 179
زال عنه الغسل بالتعبد الأول وهذا غسل ثان والله أعلم. وقال بعضهم: إن انقطع شيء من صلبه وخاف من خروجه فعصر ذكره حتى منعه من الخروج فإنه يغتسل حين انقطع ذلك من صلبه ولو رده بالعصر، ومن اعتبر الخروج نفسه لم يوجب عليه الغسل والله أعلم.
فصل:
المني غليظ له رائحة كرائحة الطلع وهو الجنابة، وبه توجد
قوله: فإنه يغتسل هذا مذهب أحمد وهو المعتمد في الديوان وحكي
مقابله بقيل.
قوله: غليظ .. الخ. هذا إذا كان معتدلاً وقد يفسد بفساد المزاج أو كثرة الجماع فيكون أصفراً ورقيقاً، أو أحمر كماء اللحم، وقد يكون دما غبيطاً قال في الديوان: (وإذا احتلم الرجل باحتلام فيه قيح أو دم أو صديد فإنه يلزمه الغسل في ذلك) وعلامة الإحتلام الإندفاق وانكسار الذكر، وإن كان ما جاء من ذلك دم صاف أو قيح أو صديد ليس فيه شيء من المني إلا أنه اندفق من ذكره وانكسر به الذكر فإنه يغتسل للجنابة، وسيأتي في كلام المصنف بعد لكن كتبته قبل الوصول إلى هناك
•
قوله: وهو الجنابة. والجنابة في اللغة: البعد. سمي بذلك لأنه نهى عن قرب مواضع القرب، ويقال رجل جنب ورجلان جنب ورجال جنب، قال تعالى: وإن كنتم جنبا فاطهروا) (1) ومنه الجنب وهو الأجنبي.
(1) المائدة: 6.
- 172 - (1/179)
صفحة 180
الشهوة ويضطرب القضيب ويقذف المني. والمذي هو الذي يخرج منه قبل الانتشار وبعده، ويخرج رقيقاً مثل البصاق لا رائحة له. وقد اختلف العلماء هل يجب منه الغسل وينهدم الصوم أم لا؟ ولا يكون إلا مع الشهوة، والدليل على أنه لا يجب منه الاغتسال ما روي من طريق
علي بن أبي طالب أنه أمر المقداد بن الأسود أن يسأل رسول الله عن رجل دنا من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه؟ فسأل المقداد رسول الله فقال: (إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح ذكره بماء ثم يتوضاً وضوء الصلاة)) والودي يكون قبل البول وبعده، وهو أبيض اللون ويلزم الرجل أن يعرف الفرق بين هذه المعاني فإن عليه فيه عبادات. وعلامة المني الإندفاق، وانكسار الذكر، والرائحة كرائحة الطلع، فإن اندفق من ذكره قيح، أو صديد، أو دم، وانكسر به الذكر فإنه يغتسل للجنابة لوجود اللذة ووجود علامة ذلك. والمرأة إذا فعلت بالمرأة حتى اندفقن بالماء فإنهن ليس عليهن غسل، وقول آخر: عليهن الغسل على أصل اختلافهم في المرأة إذا احتلمت وقد تقدم ذلك. والمرأة
قوله: إذا احتلمت لكن المعتمد فيما إذا احتلمت وأنزلت وجب الغسل
فكان قياسه تقديم القول بالغسل.
(1) متفق عليه.
- 173 - (1/180)
صفحة 181
إذا اغتسلت من جماع زوجها، ثم رجعت منها النطفة بعد ذلك فإنها ليس عليها إعادة الغسل، وكذلك إذا أدخلت النطفة في فرجها ليس عليها غسل الجنابة والله أعلم. وبلل الليل كله يجب به الغسل وهذا عندي على الاحتياط والاستبراء، كقوله عليه السلام: (إذا استيقظ أحدكم من نومه) الحديث. وقال آخرون إلا مريض البوارد، وقال آخرون: لا يجب الغسل من بلل الليل إلا إن قارنه ما يدل على أنه جنابة، مثل الرائحة إن وجدت فيه رائحة النطفة أو قارنته الرؤيا، لأن الرؤيا سبب للجنابة في الليل غالباً، ولذلك لزم منها الغسل، ولو لم يكن البلل كالنوم الذي يلزم منه الوضوء لأنه سبب للحدث غالباً وربما يكون نوم ولا حدث والله أعلم. وفي الأثر عن أبي محمد خصيب رحمه الله قال: (بلل الليل كله إذا وجده الرجل على ذكره فإن عليه الغسل للجنابة). وقيل ليس عليه غسل حتى يجتمع اثنان رائحة الجنابة، والبلل أو الرؤيا والبلل، وكذلك ما وجد من نطفة في حزره، أي في الطرف الذي يليه من ثوبه من
قوله: ليس عليها إعادة الغسل لكن عليها الاستنجاء كما قاله في الديوان، ولم يذكر ذلك في الثانية فيقال على قياسها إذا خرجت استنجت، وقد يقال مطلقاً تستنجي في هذه لنجاسة النطفة، حرره. قوله: وكذلك إذا أدخلت الخ ظاهره ولو التدت بذلك وقد يقال إذا
التذت يجب الغسل لمظنة الإنزال.
-1 Y{- (1/181)
صفحة 182
داخل، فإنه يغتسل، وكذلك ما وجده في فخذه أو على ذكره فإنه يغتسل بذلك كله، وأما ما وجد في رأسه أو في منكبه أو حيث لا يمكن أن يكون ذلك منه فإنه ليس عليه في ذلك عسل الجنابة. وهذا كله عندي مبني على أنَّ الظن الغالب يجب منه الغسل، لأن جل أحكام الشريعة مبنية على غلبان الظنون والله أعلم. ولذلك يجب من هذه الأشياء المذكورة
الغسل والله المستعان.
مسألة:
إختلف العلماء في دخول الجنب المسجد على ثلاثة أقوال: فقوم منعوا ذلك بإطلاق لنهي النبي علي الله عن ذلك، وقوم منعوا ذلك إلا لعابر
قوله: وكذلك ما وجد الخ وعليه فمن شك في شيء وجده في ثوبه مني أم مذي هل يغتسل وجوباً ويعيد الصلاة من آخر نومة نامها؟ حرره، وفي الشيخ إسماعيل رحمه الله ما يؤخذ منه وجوب الغسل.
قوله: في حزره، أي في فراشه الذي لا ينام فيه غيره.
قوله: أو حيث لا يمكن أن يكون ذلك منه بل يحتمل أن يكون ذلك من غيره، قيل ولأن لبن الخفاش يشبه مني الآدمي في لونه ورائحته.
فائدة: تمنع الجنابة موانع الحدث الأصغر من الصلاة والطواف وما أشبه ذلك وتزيد منعها مس المصحف إن قلنا يجواز مس المحدث له والقراءة على أرجح القولين واستثنى بعضهم الآية ونحوها للمتعوذ ودخول المسجد.
-170 - (1/182)
صفحة 183
فيه لا مقيم، وقوم أباحوا ذلك للجميع. وسبب اختلاف اصحاب هذين القولين الأخيرين تردد قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا
(1)
الصلاة وأنتم سكارى بين أن يكون في الآية مجاز حتى يكون هناك محذوف، وهو موضع الصلاة، وبين أن لا يكون. فمن قال: في الآية محذوف معناه لا تقربوا مواضع الصلاة استثنى عابر سبيل من النهي عن قرب موضع الصلاة، ومن قال: ليس في الآية محذوف وهي على حقيقتها ال جعل العابر السبيل هو المسافر الذي عدم الماء وهو جنب، فمن رأى أن في الآية محذوفاً أجاز المرور للجنب في المسجد، ومن لم ير ذلك لم يكن عنده في الآية دليل على منع الجنب الإقامة في المسجد والله أعلم. واختلفوا أيضاً في قراءة القرآن للجنب، فذهب الجمهور إلى منع ذلك لحديث علي قال: (كان رسول الله لا يمتنع من قراءة القرآن إلا إذا كان جنباً) (2). وذهب آخرون إلى إباحة ذلك قالوا: إن حديث علي لا يوجب شيئاً، لأنه ظن من الراوي ومن أين يعلم أحد أن ترك القراءة
قوله. وقوم أباحوا ذلك الخ مستدلين بأن المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً.
(1) النساء: 43.
(2) تقدم ذكره.
-187 - (1/183)
صفحة 184
:
كان لموضع الجنابة؟ إلا إن أخبره بذلك عليه السلام. والجمهور قالوا لم يكن علي قال هذا عن توهم وظن وإنما قاله عن تحقق، وقوم جعلوا الحائض مثل الجنب، وقوم فرقوا بينها وأجازوا للحائض القراءة استحباباً لطول مقامها، وهي عندي أعذر من الجنب المضيع للغسل، إذ هي لا تصل إلى الطهارة ولو اغتسلت فهي معذورة والله أعلم.
- 177 -
ه م 12 - الإيضاح، (1/184)
صفحة 185
(1)
باب في الحيض
والأصل في هذا الباب قوله تبارك وتعالى: «ويسألونك عن المحيض قل هو أذى،) و الحيض في اللغة الإنفجار، ولا يكون حيضاً إلا الدم الفائض من الفرج، ولذلك قالوا إنما تمسح بعلمها على العرض، ويكون المسح بيدها اليسرى وهي بين القيام والقعود،، لأنه ربما أن يكون الدم فائضاً وهو قليل فيمنعه القيام أو القعود أن يظهر على علمها والله أعلم. وفي الأثر: ولا يكون الدم حيضاً حتى يقطر، ومنهم من يقول: حتى يفيض قليلاً كان أو كثيراً. والعلقة لا تكون حيضاً
باب في الحيض
قوله: الحيض، هذا الباب ذكر فيه الحيض ومدته، والاستحاضة وما يتعلق بذلك، وقوله الإنفجار وقيل السيلان، يقال: حاض الوادي إذا سال، ويقال إنه مأخوذ من حاضت السمرة وهي شجرة يسيل منها شيء كالدم، وقيل من الإجتماع لاجتماع الدم، ومنه سمي الحوض لاجتماع الماء فيه، ورد بأن الحوض واوي وهذا ياني، ويقال: حاضت المرأة تحيض حيضاً ومحيضاً فهي حائض وحائضة، وقال بعض أئمة اللغة: إن أردت الحالة المستمرة قلت حائض وطاهر،
(1) البقرة: 222.
- 178 - (1/185)
صفحة 186
إلا إن كانت معها صفرة، كانت معها أو متتابعات، وتتابعهما إذا لم يقطع بينهما طلوع الشمس أو غروبها، ومنهم من يقول: تتابعهما إذا لم يقطع ما بينهما الصلاة، ومنهم من يقول: لا يكونان حيضاً إلا إن كانتا معاً. وأما العلقات إذا تتابعت فلا تكون حيضاً، وأما إذا قطر منها الدم والطهر معاً ولم يدر الأول منهما من الآخر فإنما تأخذ بمن كان في الوسط منهما، ومنهم من يقول: إنما تأخذ بالذي دار منهما بالآخر، ومنهم من يقول: لا تشتغل في ذلك بشيء، فإذا تبين لها الأول منهما من الآخر
فلتأخذ بالآخر.
مسألة في انواع الدماء:
وأنواع الدماء الخارجة من الرحم ثلاثة: دم حيض، وهو الخارج
وإن أردت الحالة الحاضرة قلت حائضة وطاهرة وطالقة، وهل سببه إعانة حواء لآدم على أكل الشجرة عقوبة لها لبعدها من طاعة ربها وقت ملابسته وأُقير في بناتها، أو لأنها كسرت شجرة الحنطة ورمتها، أو لأنها عاقبت الحية بسلب قوائمها كما قاله بعضهم، وقيل أول من امتحن به نساء بني إسرائيل للفجرة فجرتها امرأة منهن، وله أسماء نظمها بعضهم فقال:
الانحيض عشرة أسماء وخمستها تحيض " حيض حاض طمش إكبار طمس عراك فراك مع أذى ضحك ضرس ضراس بنفاس قرء إعصار قال الحافظ: والذي يحيض من الحيوان أربعة: الآدميات، والارنب،
والضبع
، والخفاش، زيد الفرس والكلبة
- 149 - (1/186)
صفحة 187
على جهة الصحة، ودم ا، ودم استحاضة وهو الخارج على جهة المرض، ودم نفاس وهو الخارج مع الولد. أما دم الحيض فكل دم ظهر من المرأة ممن يجوز أن تحيض مثلها فهو حيض حتى يعلم أنه إنما ظهر لعلة حدثت بها وإلا فهي أبداً محكوم لها بحكم السلامة، ما لم يعلم أن بها آفة أو تبلغ أقصى وقت الحيض ثم لم ينقطع الدم، فحينئذ يحكم عليها بحكم الاستحاضة لأن الله تعالى فطر النساء على أن يحضن ولم يطبعهنَّ أَن يَسْتَحِضْنَ، إلا أن تحدث بهن علة. ودم الحيض متميز من غيره لقوله عليه السلام: (دم الحيض أسود ثخين تتن يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فاغتسلي وصلّي)) وقال في دم الاستحاضة للتي سألته:
مسألة في أنواع الدماء:
قوله: أما دم الحيض الخ حده الشيخ إسماعيل رحمه الله - عن بعض العلماء بأنه الدم الخارج من المرأة اليافعة ومن فوقها في السن، إلى نهاية تقصر عن من الآيسة في مدة خمسة عشر يوماً فما دونها إلى ساعة من غير ولادة ولا مرض، فذكر اليافعة احترازاً عمن قصر منها عن ذلك كبنت خمس أو ست سنين، إذ ذلك مرض وليس بحيض، وكذلك بنت السبعين والثمانين، وباقي الحد احترازاً عن النفاس والإستحاضة
(1) متفق عليه.
14.- (1/187)
صفحة 188
(لأن ذلك دم عرق نجس ليس بالحيضة) والله أعلم. فالواجب على المرأة معرفة الفرق بين هذه الدماء، لأن عليها فيهن عبادات مختلفات، لأنها مأمورة في زمان الاستحاضة بأشياء نهيت عنها في زمان الحيض والفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة يكون بوجهين: إما ببلوغ أقصى أوقات الحيض مع دوام الدم، وإما حدوث علة توجب أن الدم دم استحاضة، ومعرفة حدوث العلة تدرك بوجوه: أحدها الزمان، والثاني زوال الحال، والثالث المعاينة. أما الزمان فهو كل دم رأته في حال زمان الطفولية لأن الحيض أحد علامات البلوغ للمرأة لقوله تعالى: واللائي لم يَحِضْنَ (2) والثاني: كل دم رأته بعد الإياس لقوله تعالى: واللائي يَئِسْنَ من الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُم إِن ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَهُ أَشْهر (3). وفي الأثر: وإياس المرأة ستون سنة. وقيل: خمسون سنة، ويجزي في ذلك خبر أهل الجملة أو نساء أهل الجملة، وأما إن ولدت بعد الستين فَلْتُغط للنفاس، والثالث: كل دم رأته وهي حامل لقول رسول الله: (ما كان الله ليجعل حيضاً مع حمل. وفي الأثر: وإذا رأت الطفلة الدم فدام بها إلى البلوغ فلتغط للحيض إذا زاد للكثرة
(3)
(1) رواه البخاري. (2) الطلاق:: (3) الطلاق:: (4) رواه أبو داود.
(2)
- 141 - (1/188)
صفحة 189
التي؟
أو الغلظة، وقيل: لو انتقص فلتعط للحيض، ولأنه تبارك وتعالى فرق بين أحكام الحائض والحامل، من ذلك أن الرجل إذا أراد أن يطلق امرأته الحامل للسنة طلقها مع الحمل، ولا يطلقها للسنة وهي حائض، فإجماعهم أن من طلق امرأته وهي حامل أو طاهر مطلق للسنة يقتضي أنها في حكم الطاهر، وقال بعض أصحابنا: إذا رأت الحامل الدم في الأيام تي كان يأتيها الحيض فيها تدع الصلاة وتكون حائضاً، وذكر في بعض الكتب أن الحامل مرة يكون الدم الذي تراه دم حيض، وذلك إذا كانت قوة المرأة وافرة والجنين صغيراً، وبذلك أمكن أن يكون حبل على حبل على ما حكاه (الفرا) و (جالينوس) وسائر الأطباء، ومرة يكون الدم الذي تراه الحامل لضعف الجنين ومرضه تابع لمرضها وضعفها في الأكثر، ويكون دم علة ومرض وهو في الأكثر علة والله أعلم. الرابع: كل دم تراه في زمان صلاتها، وهو كل دم تراه فيما دون عشرة أيام من أيام صلاتها لأن أيام صلاتها لا تكون أقل من عشرة أيام، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله. وأما زوال الحال وهو الدم الذي تراه في حال الخوف، أو مع الحمل الثقيل، أو بركوب دابة، أو بالقفزة أو الوثبة، أو بالجماع، غير الأول فإنما يعتبر في هذا الدماء زوال الحال لأنها علة ممكنة، فإن زال الدم مع زوال الحال دل ذلك أنه ليس بدم حيض وهو دم بسبب،
- 182 - (1/189)
صفحة 190
و إن دام بعد زوال الحال دل ذلك أنه دم حيض وأنه ليس بسبب؛ ذلك لدوامه بعد ارتفاع ما يمكن أن يكون سبباً لمجيئه، وكذلك الدم الذي تراه بأكل الدواء، أو الدم الذي تراه بالاقتضاض، أو الدم الذي تراه بحل العقدة، وفي الأثر: وثلاثة دماء أيضاً إذا داموا بها ثلاثة أيام فإنها تعطى للحيض: دم تراه بأكل الدواء ومسيس زوجها الأول وحل العقدة، ولا يحل لها ذلك، فإن فعلت فلتغرم دية ما أفسدت ولا تحتسب تلك الثلاثة الأيام من حيضها، وقيل تحسبها، ولكنهم راعوا في هذه الدماء الثلاثة ثلاثة أيام، فإن داموا بعد ثلاثة أيام اعتدت بها وكانت دم حيض، وإن زالوا قبل ثلاثة أيام كُن دم استحاضة لأن الحيض لا يكون أقل من ثلاثة أيام عندهم، وإنما لم يحكموا عليها بأحكام الحائض من أول الثلاثة الأيام من أجل الشبهة العارضة، ولا تترك ما تيقنت بوجوبه وهو الصلاة والصوم بدم لم تتيقن أنه دم حيض، لأنه يمكن أن يكون بسبب ذلك وهو الظاهر، وإن داموا عليها أكثر من ثلاثة أيام حكموا عليها بأحكام الحائض، ولعلهم استدلوا في هذا بالتجربة والعادة على أن تلك الدماء لا تدوم ثلاثة أيام، فإن قال قائل: أرأيت إن انقطع الدم عنها على ثلاثة أيام
أكثر من
قوله: بحل العقدة وذلك أن باب الحيض ينغلق فتفتح المرأة فمه بالمرود.
قوله: استدلوا ضمنه معني استند، فلذلك عداه بفي.
- 183 - (1/190)
صفحة 191
أتكون تلك الثلاثة أيام حيضها؟ قيل له: لا، لأنهم اختلفوا في الثلاثة الأيام هل تحسبهم من وقتها في الحيض إن دام عليها الدم أكثر من ثلاثة أيام؟ قال بعضهم: تحسبها، وقال آخرون: لا تحسب، وهو عندي أنظر لأنه مشكوك فيهم والله أعلم .. وفي الأثر: والدم الذي يكون لها شبهة تسعة دماء: دم وجدته على فخذها، أو على عقبها، أو على حجر قميصها، أو في مكان قامت منه، أو على حجر مسحها، أو دم رأ رأته بعد حملها، أو بعد إياسها، أو الصفرة التي آلت إلى الدم .. فإن تركت الصلاة أو أكلت في رمضان بهذه الوجوه جاهلة لذلك فقد رخصوا لها أن لا ينهدم صومها ولا يكفرونها لأن ذلك شبهة، ولكنها تعيد ما تركت من صلاتها في تلك الأيام وتعيد صوم ما أكلت في رمضان والله أعلم. وإنما تناظر المرأة وتجرب دم الحيض إذا أشكل عليها إلى الشيء البليغ في الحمرة مثل الأرجوان المصري، أو الخزفة الأولة، أو دم الحالمة،
قوله: تسعة هكذا في النسخة التي رأيتها فمددنا الدماء فوجدناها ثمانية ولعل صواب النسخة سبعة ويكون قوله أو الصفرة التي آلت عطفاً على قوله والدم الذي يكون لها شبهة. قوله: الأرجوان في القاموس، والأرجوان بالضم الأحمر وصبغ أحمر والحمرة. قوله: أو دم الحلمة في مختصر الصحاح: والحلمة رأس الثدي وهما حلمتان،
والحلمة أيضاً القراد العظيم وجمعها حلم.
- 1^ {- (1/191)
صفحة 192
أو الدم الأول من الذبيحة، فإذا رأت المرأة مثل هذه الدماء فإنها تترك الصلاة وتعطى للحيض وتغتسل لكل صلاتين إن رأت ذلك في داخل وقتها في الطهر، وقال بعضهم: إذا رأت ما يخالف لون الرمل فإنها تعطى للحيض وتدع الصلاة ولا تغتسل، وقال بعضهم: كل ما تعطى به للحيض تغتسل به. وأما الصفرة والكدرة فقد اختلف الفقهاء فيهما هل هما حيض أم لا؟ فقال قوم: هما حيض في أيام الحيض لا في غيرها، وقال آخرون: لا حكم للصفرة والكدرة، إنما الحكم لما سبقهما وتقدمهما، إن سبقهما حيض فحكمهما حكم الحيض، وإن سبقهما طهر فحكمهما حكم الطهر، وقال آخرون: إن الصفرة والكدرة حيض في أيام الحيض وفي غير أيام الحيض رأت ذلك مع الدم أو لم تره، وقال آخرون: إن
قوله: وأما الصفرة، أي الماء الذي تراه المرأة كالصديد يعلوه اصفرار.
قوله: والكدرة في القاموس، كدرة مثلث الدال كدارة وكدراً محركة و كدوراً و كدورة بضمهن و ن وأكدر اكداراً وتكدر نقيض صفا، وهو أكدر و کدر و كدر كفخذ وفخذ، وكدير وكدره تكديراً جعله كدراً، والكدرة في اللون والكدورة في الماء والعين وانكدر الكل وكدره محركة من
الحوض طينه أو ما علاه من طحلب ونحوه، والسحاب الرقيق إلخ.
قوله: وقال آخرون: إن الصفرة والكدرة يوافق ما ذهب إليه ابن قاسم صاحب مالك بن أنس.
1140 - (1/192)
صفحة 193
الصفرة والكدرة لا تكونان حيضاً لا في أيام الحيض ولا في غيرها ولا بأثر الدم ولا بعد انقطاعه. وأصل هذا الاختلاف مخالفة ظاهر حديث أم عطية لحديث عائشة، وذلك أنه روي عن أم عطية الأنصارية قالت: كنا لا نعد الصفرة ولا الكدرة حيضاً في زمان التي)) وروي عن عائشة أنها قالت: (لا تطهر المرأة من حيضتها حتى ترى القصة البيضاء (). فمن ذهب إلى حديث عائشة جعل الصفرة والكدرة حيضاً سواء ظهرت في أيام الحيض أو في غيرها، مع الدم أو بلا دم، لأن حكم الشيء الواحد في نفسه لا يختلف، ومن ذهب إلى ظاهر حديث أم عطية لم ير الصفرة والكدرة شيئاً لا في أيام حيض ولا في غيرها، ولا بأثر الدم ولا بعد انقطاعه لقول النبي عليه السلام: (دم الحيض أسود ثخين يعرف ((3) وجعل الصفرة والكدرة من سائر الرطوبات
قوله: وقال آخرون: إن الصفرة والكدرة لا تكونان حيضاً وقال به
بعض المالكية.
قوله: إلى ظاهر حديث أم عطية، زاد أبو داود بعد الطهر فحينئذ يظهر
الجمع الآتي.
(1) رواه البخاري.
(2) رواه أبو داود. (3) تقدم ذكره.
-147 - (1/193)
صفحة 194
التي يرخيها الرحم، ومن رأى الجمع بين الحديثين قال: إن حديث عائشة هو في أيام الحيض، وحديث أم عطية في غير أيام الحيض، أو حديث عائشة هو في أثر الدم، وحديث أم عطية بعد انقطاع الدم، وهذا القول عندي أصح أن تكون الصفرة والكدرة حكمها حكم ما سبق لهما، وكذلك الثرية والعَلَقَةُ والتَّيَمُّس لأنها أبداً طاهر بالإجماع ما لم تتيقن على أنها حائض أو ترى دماً خالصاً، فإذا حاضت واتصل بدم حيضها صفرة أو كدرة فهما من حيضها لأنها دخلت بيقين فلا تخرج إلا بيقين، أو ترى النقاء البين ما لم تجاوز ما تعلم أنه ليس بحيض والله أعلم.
مسألة:
وفي الأثر: وإذا سبقت إلى المرأة علقة ثم اتبعتها صفرة فلتترك
قوله: قال إن حديث إلخ هذا جمع صاحب القول الأول من الأقوال التي
ذكرها المصنف رحمه الله
•
قوله: أو حديث. عائشة هذا
جمع صاحب القول الثاني.
قوله: وكذلك الثرية، قيل: هي غسالة الدم عقب طهرها، وهو بتشديد الثاء وكسر الراء وتشديد المثناة التحتية، وحكى ابن التين في شرحه للبخاري عن الداودي الثرية الماء المتغير دون الصفرة، وقال ابن المعدل في المبسوط: الثرية الدم لا يتم بها من الحيض ما يكون حيضة كاملة، وقد أشعر كلامه بالفرق بين الحيض والحيضة، فالدفعة حيض وليست حيضة والحيضة ما يقع بها الاعتداد في العدة والإستبراء قاله الرجراجي.
الدفعة
من
- 187 - (1/194)
صفحة 195
الصلاة، وكذلك العلقة مع الصفرة فهو حيض، وكذلك إذا سبقت الصفرة العلقة فهو حيض إذا تبعتها العلقة، وأما علامة الطهر فهو الماء الأبيض لقول عائشة رضي الله عنها: «لا تطهر المرأة من حيضتها حتى ترى القصة البيضاء». والقصة البيضاء قطعة من الجص، وذهب بعض أصحابنا إلى أنه قطعة من الورق، وقال قوم: علامة الطهر نوعان: الماء الأبيض، والجفوف. فنزول الماء الأبيض هو الأقعد في الطهر عند أصحابنا رحمهم الله كان ذلك عادة للمرأة أو ليس ذلك بعادة، والتي عادتها الجفوف فهو طهرها، وفي الأثر: والذي تناظر إليه طهرها إذا تشابه
قوله: والتي عادتها الجفوف الخ. فلو كانت عادتها الجفوف ثم رأت القصة فإنها تغتسل وليس عليها انتظار، بخلاف العكس فإنها تنتظر، هكذا مقتضى القاعدة، لكن الشيخ رحمه الله لم يذكر الإنتظار إلا على قول بعض أصحابنا ولكن يؤخذ من قوله والتي من عادتها الجفوف هو طهرها أن التي عادتها القصة ثم رأت الجفوف لا يكون طهرها بل تنتظر، ولكن تأمل قوله فيما بعد فإن جفت التي عادتها الماء الأبيض فبعض أصحابنا حيث اقتصر على البعض ما الحكمة ذلك؟ ولعل الحكمة في ذلك أن المسألة الأولى وهي قوله التيبس حكمه حكم ما سبقه إذا رأته في داخل وقتها، وأما ما رأته بعد تمام وقتها فبعض أصحابنا قال: تطهر، وقال بعض: تنتظر من ساعة إلى ساعة، حرره بنقل
في
صحيح.
-144 - (1/195)
صفحة 196
عليها صوف نواصي الكباش البيض تأخذه وتنفشه سبع مرات، وتغسله في أمر مر، وريق الصائم، والجهة التي تلي ذراعها من سوارها من الفضة، وقيل البائن عن ذراعها، والدرهم الشهري، وحصى الطريق الذي أكلته الأقدام، وفي الأثر: ولا تصلي المرأة بطهر التفتيش، ولا تدع بدم التفتيش، وقيل إن التي تفعل ذلك لا تريح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام، ولا يريحها جاهل، ولا قاطع شفعة، ولا عبد آبق، ولا امرأة عاصية، والله أعلم. وإذا كان عادتها التفتيش ولا تجد الطهر ولا الحيض إلا به فقد رخصوا لها، فإن جفت التي عادتها الماء الأبيض فبعض أصحابنا يقول: تنتظر من ساعة إلى ساعة فإن أتاها الماء الأبيض وإلا اغتسلت وصَلَّتْ، وعند أهل المدينة الأقعد هو
قوله: وتنفشه في مختصر الصحاح: نفش الصوف والقطن من باب نصر، وعهن منفوش، ونفشه أيضاً تنفيشاً ونفشت الغنم والإبل أي رعت ليلا بلا راع من باب جلس، ونفشت تنفس بالضم نقشاً بفتحتين
قوله: من ساعة إلى ساعة، لعل المراد بقوله من ساعة إلى ساعة ما يأتي من أن معناها. تلك الساعة إلى مثلها مما يأتي، وحينئذ يظهر تخصيص من البعض بما ذكر، وحينئذ يندفع جميع ما ذكرته في الهامش في الصفحة التي قبل هذا والله أعلم بالصواب، حرره بنقل صحيح. قوله: وعند أهل المدينة ما رواه المصنف رحمه الله تعالي مذهب عبد الحكم
- 149 - (1/196)
صفحة 197
الجفوف لقول الله تعالى: «ولا تقربوهُنَّ حتى يطهرن. وهو انقطاع الدم عند بعض أهل التفسير، والماء الأبيض عندهم طهر التي عادتها ذلك، وفي الأثر: وعن امرأة أرادت أن تغتسل من حيضتها كيف تغتسل؟ قال: تغسل يديها ثم تستنجي، ثم تنزع النجس من جسدها، ثم تمشط رأسها بالطفل والماء جميعاً حتى تنقيه، ثم تصب الماء على سائر جسدها، وقال: إن أرادت أن تغتسل في ماء جار لا تفرش ثوبها للشعر الذي يقع من رأسها ولا بأس، وأما إن أرادت أن تغتسل في غير الماء الجاري تفرش ثوبها للشعر، ثم تجمعه، ثم تغسله، وترفعه حيث لا يراه أحد، وهذا عندهم استحباب في غسل رأسها بالطفل وخصوصاً إذا كان موسخاً.
من أصحاب مالك، قال ابن عرفة: وفي كونها إلى القصة البيضاء أبلغ أو الجفوف ثالثها سواء لابن القاسم وابن عبد الحكم والداودي مع القاضي، وثمرته انتظار الأقوى معتادة إن رأت الآخر ما لم يضق الوقت.
قوله: وعند أهل المدينة وعبارة خليل، والطهر يحفوف قال الشيخ: وهو خروج الكرسف جافاً من دم أو قصة قال الشارح: بياض يأتي آخر الحيض كماء القصة وهي الجير، وقيل: كالعجين، وقيل: كالخيط الأبيض، وقيل: كالمني. وقال ابن القاسم: كالبول وهي أبلغ من الجفوف اعتادتها أي معتادة القصة عند ابن القاسم فتنتظرها إذا سبقها الجفوف لآخر الوقت المختار.
(1) البقرة: 222
-19.- (1/197)
صفحة 198
باب في معرفة انتقال هذه الدماء
بعضها الى بعض، وانتقال الحيض الى الطهر أو الطهر الى الحيض
ومعرفة ذلك في الأكثر تبنى على معرفة أيام الدماء المعتادة، وأيام الأطهار. إعلم أن مسائل هذه الدماء وهو دم الحيض، ودم النفاس، ودم الاستحاضة، تدور على خمس مسائل: إحداها: مسألة الأوقات، والثاني: مسألة الأصول والبناء، والثالث: مسألة الإنتظار، والرابع: مسألة الإنتساب، والخامس: مسألة الطلوع والنزول، والنساء في هذه المسائل على وجهين: مبتدئة، ومعتادة، فمسألة الأوقات ومسألة الإنتظار تشتركان فيها جميعاً: المبتدئة و المعتادة، ومسألة البناء ومسألة الإنتساب
باب في معرفة انتقال هذه الدماء بعضها الى بعض
:
قوله: ومسألة الانتساب أي إلى القريبة كما سيأتي وكتب أيضاً عليها فإن قلت كيف جعل مسألة الإنتساب خاصة بالمبتدئة مع جعل الشيخ إسماعيل رحمه الله لها مشتركة: قلت لا منافاة إذ المصنف رحمه الله نظر إليها بالنسبة إلى الطهر والشيخ بالنسبة إلى الجفوف وسيأتي التصريح بهذه المسألة في مسألة الإنتظار، وكتب أيضاً على هذه القولة ما نصه: قلت لا منافاة إذ المصنف أطلق عليها مبتدئة بالنسبة إلى الطهر، والشيخ إسماعيل جعلها معتادة بالنسبة إلى
راجع
-191 - (1/198)
صفحة 199
تنفرد بهما المبتدئة، ومسألة الطلوع والنزول للمعتادة خاصة، أما مسألة الأوقات فإن أقل الحيض عند أكثر أصحابنا ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام، وما دون الثلاثة الأيام ليست بحيض عندهم ولا حكم له في ترك الصلاة والصوم ولا في العدة، وكذلك ما بعد العشرة لا حكم له عندهم، وحجتهم في ذلك قوله عليه السلام: (دعي الصلاة أيام أقرانك)). والأيام لا تتهيأ إلا من ثلاثة إلى عشرة لأنها من أوزان أقل الجمع، لأنك تقول ثلاثة أيام، وأربعة أيام، إلى العشرة ولا تقول أحد عشر أيام، ولا إثني عشر أيام، إلى ما فوق ذلك وعورضوا بقولهم: أيام الصيف، وأيام الخريف، وأيام بني أمية، وأيام حياتك، وهي تقع ها هنا على الأشهر والسنين، واستدلوا بحديث النبي عليه السلام: (أقل الحيض ثلاثة أيام،
الحيض، وسيأتي في مسألة الإنتساب، والظاهر ما فعله الشيخ إسماعيل رحمه الله لكن ما ذكره المصنف أضبط بالنسبة إلى الانتساب والله أعلم.
قوله: لا تتهيأ أي لا تطلق حقيقة إلا مع ما ذكر وقد تطلق مجازاً على أكثر من ذلك كما في الأقوال المعارض بها يعني والأصل في الإطلاق الحقيقة إلا إذا قامت قرينة على خلاف ذلك، وهاهنا كلام يراجع من كتب النحو وحينئذ لا ترد المعارضة المذكورة إذ هي مجاز والكلام في الحقيقة، حرره
(1) متفق عليه.
192 - (1/199)
صفحة 200
وأكثره عشرة ايام)). رواه جابر بن زيد رضي الله عنه عن أنس ابن مالك عن النبي عل الله، و عند جماعة من أصحابنا أكثر الحيض خمسة عشر يوماً لقوله عليه السلام: (إن الله جعل في كل شهر حيضة وطهراً) ".
وقال: (تقعد إحداكن شطر دهرها لا تصلي ولا تصوم). واختلفوا في أقله فقال بعضهم: ثلاثة أيام، وقال آخرون: يومان لأن أقل الجمع
عند بعضهم يومان لقوله عليه السلام: (الإثنان فما فوقهما جماعة) وقد
قوله: خمسة عشر يوماً أي بلياليها، وعليه الشافعي ومالك في المبتدئة. قوله: لقوله عليك الان: سيأتي وجه الاستدلال به.
•
فائدة: قال أبو إسحاق رحمه الله: والمستحاضة على ثلاثة أقسام أحدها امرأة مبتدئة، فحكمها أن تغتسل وتصلي خمسة عشر يوماً، وتكون حائضاً عشرة أيام، فذلك أكثر الحيض، وقال بعض أصحابنا اكثره خمسة عشر يوماً، وقال بعضهم، إذا كانت مبتدئة فحكمها ان تترك الصلاة أيام الدم الأسود الثخين، وتغتسل وتصلي إذا انقطع ذلك عنها حتى يأتيها. صفة ذلك الدم ثم تكون حائضاً وتسمى هذه المميزة وإن كانت غير مميزة فحكمها كالأولى، والثاني إمرأة لها أيام معلومة فهي على عادتها ثم تنتقل إلى عادة أخرى، والثالث امرأة كان لها وقت معلوم فنسبت أياما معلومة فنسيتها، فحكمها ان تجلس ثلاثة أيام وذلك أقل الحيض عندنا، ولا أحسب إلا قول الجميع، وتغتسل وتصلي اثنين
(1) رواه ابو داود.
(2) متفق عليه. (3) متفق عليه.
-197 -
ه م 13 - الإيضاح» (1/200)
صفحة 201
رد هذا في اللغة كثيراً، وقال آخرون: يوم وليلة مقدار خمس صلوات ورده وأظن أنهم قالوا هذا لأنها مأمورة بترك الصلاة والصوم في زمان الحيض، وأقل الصوم يوم، وكذلك الصلاة، وقال آخرون: أقل الحيض ساعة، وهو قول شاذ لقوله عليه السلام: (إذا أقبلت الحيضة فاتركي لها الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي))، وذكر في بعض الكتب قول شاذ عن أبي عبيدة أن أقصى أوقات النساء في الحيض سبعة عشر يوماً، وذكروا عن نساء الماجشون أنهن يحضن سبعة عشر يوماً وهي العادة فيهن، وفي الأثر، وذكر لنا عن أبي حسان قال: (كل امرأة خرجت بانتظار في أول حيضها لا يكون ذلك لها وقتاً، وأما إذا كان لها وقت عشرة أيام فرأت الحيض مرة أخرى، فلما انتهت إلى
وعشرين يوماً هذا على قول من جعل الحيض أكثره عشرة أيام، وأما من جمله خمسة عشر يوماً فتغتسل وتصلي سبعة وعشرين يوماً فإن كان هذا منها في رمضان أبدلت صيام أكثر الحيض على حسب الإختلاف والله أعلم، لكن المعتمد عليه ما ذكره الشيخ رحمه الله كما ذكره الشيخ إسماعيل رحمه الله قوله: فرأت الحيض مرة أخرى وانظر الفرق على كلام الشيخ أبي الحسن بين المرة الأولى وغيرها حيث كانت لا يتقرر لها الوقت في المرة الأولى بالانتظار ويتقرر لها في الثانية إلا أن يقال لما تقرر لها الوقت في المرة الأولى قويت القرينة
(1) متفق عليه.
•
- 198 - (1/201)
صفحة 202
عشرة أيام وقد دام بها الدم ولم تر الطهر فانتظرت يومين فرأت الطهر على إثني عشر يوماً، ثم بعد ذلك عاودها ذلك مرتين إلى ثلاثة فدام بها الطهر على إثني عشر يوماً، على هذا المعنى يكون لها ذلك وقتاً ووقتها إثني عشر يوماً. وفي الأثر: وإذا نفست المرأة وليس لها وقت في الحيض، فدام بها النفاس حتى أتمت أربعين يوماً ولم تر الطهر فتمادى بها الدم، فإنها تصلي عشرة أيام بعد الإنتظار ثم تعطى للحيض، وإن رأت الطهر بعد ذلك فيما ردت ثلاثة أيام إلى عشرة اغتسلت وصلت ويكون ذلك وقتها للحيض، وأما النفاس فإنما هو حيض زادت أيامه.
على أن تلك الزيادة حيض بخلافه في المبتدئة حرره.
قوله: ووقتها اثني عشر يوماً، قلت لعل المناسبة لما قبلها أن هذه يشملها قول أبي الحسن: كل إمرأة خرجت بانتظار في أول حيضها لا يكون لها ذلك وقتاً وليس حكمها كحكم ما سبق ذكره المصنف، فخرج لها عن حكم ما سبق فإنها تقرر لها الوقت في المرة الأولى بعد الإنتظار ولكن إن حملنا الإنتظار فيما تقدم على انتظار الطهر من الحيض لم يشمل كذا ظهر، ويحتمل غير ذلك، وهو
أن و ن يكون ذلك بالنسبة للنفاس لا تتخذ الأربعين المذكورة وقتاً حرره.
قوله: وأما النفاس في مختصر الصحاح، والنفاس ولادة المرأة إذا وضعت فهي نفساء ونسوة نفاس وليس في الكلام فعلاء يجمع على فعال غير نفساء وعشراء ويجمع أيضاً على نفساوات وعشراوات وإمرأتان نفساوان وقد نفست المرأة بالكسر نفاساً ونفست المرأة غلاماً على ما لم يسم فاعله والمولود منفوس وفي
-190 - (1/202)
صفحة 203
واختلفوا في أقصى حد النفاس - قال أكثر أهل العلم وهو الصحيح أربعون يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، والدليل حديث أم سلمة أنها قالت: (كنا نقعد في النفاس على عهد رسول الله أربعين يوما إلا أن نرى الطهر قبل ذلك) (1). وقال آخرون: ستون يوماً، وقال ناس من أهل العلم: من النساء من أهل السعة والترفه من يبلغ تسعين يوماً، وقالوا قد كان ذلك معروفاً في بيوتات من العرب، وذكر في جوابات أبي يعقوب يوسف بن خلفون قال أبو سفيان: (أخبرني رجل من المسلمين من خراسان أن عندهم في الأثر عن أبي عبيدة أنها تتربص ما بينها وبين التسعين فإن انقطع وإلا فلتطهر وتصل، قال أبو سفيان: وأظن أن أبا عبيدة إنما قال هذا من قبيل أن حمل المرأة تسعة أشهر، فجعل لكل شهر بعد ما يكون من الحيض عشرة أيام فذلك تسع
الحديث ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة والنار. قوله: في أقصى حد النفاس وأما أقله فعشرة أيام على الصحيح وبمعنى ما رواه أبو داود والترمذي من قومنا وصححه الحاكم قالت: كانت النفساء على عهد رسول الله ما تقعد بعد نفاسها أربعين يوماً (1).
قوله: ستون يوماً يوافقه مشهور مذهب مالك
(1) رواة أبو داود والترمذي وصححه الحاكم.
-197 - (1/203)
صفحة 204
حيضات، وإلى ما ذهب إليه أبو عبيدة ذهب إليه كثير من الفقهاء
6
فالذين قالوا بالستين جعلوها مقدار.
حيضات وذلك على قول من
ست
قال أقصى الحيض عشرة أيام، ومن جعل أقصى الحيض خمسة عشر يوماً قدره بأربع حيضات، وكذلك من قال بأربعين على قدر ما شغل به الرحم، ولا نعلم أحداً جاوز التسعين لأن تسعة أشهر هي الغاية فيما جعل الله عادة لمكث الحمل في النساء. والله أعلم. وذكر في بعض كتب أهل الخلاف أن التوقيت في أيام الحيض، وأيام الطهر، وأيام النفاس لا مستند له إلا التجربة والعادة، ولذلك كثر الاختلاف فيه لاختلاف أحوال النساء والله أعلم. وفي الأثر، ولا تتم المرأة الطهر حتى تتم الحيض، وقد تتم الحيض ولو لم تتم الطهر، وتأخذ عدة أوقات في الطهر ولا تأخذ في الحيض إلا وقتاً واحداً، وكذلك في النفاس،
قوله: وتأخذ عدة أوقات في الطهر.
فائدة: إذا قلنا أقل الطهر عشرة أيام وأكثره ستون يوماً وأن الطهر تثبت فيه العادة بمرة واحدة فيمكن أن يكون للمرأة إحدى وخمسون وقتاً للظهر وذلك بأن ترى الدم فيدوم بها مدة يصلح أن يكون حيضاً ثم ترى الطهر فيدوم بها عشرة أيام، ثم ترى الدم فيدوم بها مدة صالحة للحيض، ثم ترى الطهر فيدوم بها أحد عشر يوماً، ثم ترى الدم فيدوم بها المدة الصالحة، ثم ترى الطهر فيدوم بها اثني عشر يوماً، وهكذا على التدريج بزيادة الواحد إلى أن يكمل
-197 - (1/204)
صفحة 205
وتغتسل إلى أيتهن شاءت فإذا اغتسلت إلى واحدة فلا ترجع بعد ذلك
تأخذ
إلى الأخرى، وفي الأثر أيضاً: ولا تأخذ الوقت للصلاة حتى الوقت للحيض. وأما النفاس ففيه قولان منهم من يقول تأخذ الوقت
للصلاة بعد وقت النفاس ولو لم يكن لها وقت للحيض قبل ذلك، ومنهم من يقول: لا تأخذ الوقت للصلاة إلا بعد ما أخذت الوقت للحيض. واختلفوا في أقل النفاس، قال بعضهم: عشرة أيام وهو الصحيح عندي مقدار حيضة واحدة، وقال: من قال أقله أسبوعان، وقال من قال الدفعة الواحدة: تكون نفاساً وليس الحيض كذلك عند أكثرهم. وأقل الطهر عشرة أيام على مقدار أكثر الحيض عند أكثرهم وهو الأصح، وقال آخرون: أقل الطهر خمسة عشر يوماً على مقدار أكثر الحيض عند بعضهم، وحجتهم أن قالوا إنما هو حيض وطهر فلا يخلو أن يكون سواء، أو يكون الحيض أكثر من الطهر، أو يكون الطهر
الستون، فلو استحاضت بعد تمام الطهر الآخر إغتسلت لأي وقتها شاءت على ما سيأتي، وسيأتي التصريح بالمسألة في كلام المصنف و، رحمه الله، وإنما اثبتها هنا دفعاً للحيرة تأمل وحرره.
قوله: فلا ترجع بعد .. الخ. سيأتي كلام المصنف أن لها أن ترجع ما لم يخرج
وقت الصلاة التي استقبلتها على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.
قوله: وقال من قال الدفعة الواحدة .. الخ. حكى الشيخ إسماعيل رحمه
الله فيه الإتفاق لكن في كلامه شبه التناقض حرره.
-194 - (1/205)
صفحة 206
أكثر من الحيض فلا يصح أن يكون الحيض أكثر من الطهر لأن أيام الطهر هي الأصل في العبادات الواجبات عليها والحيض حدث طارئ لا يسقط به ما وجب في الأصل إلا ما قام الدليل على إسقاطه، وقد وجدنا الله تعالى يقول في عدة النساء:. والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ
ثلاثة قروو» (1). وقال في الآيسات: «واللائي يَئِسْنَ مِنَ الْمحيض
(2)
((
مِنْ نِسَائِكُم إِن ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أشهر ". وجعل ثلاثة أشهر بإزاء ثلاثة قروء، وجعل مقام كل شهر قرءاً، والحيض لا يجاوز خمسة عشر يوماً بالإجماع، فلم يبق إلا أن يكونوا سواء، أو يكون الطهر أكثر من الحيض، فعلم بذلك أن أقصى مدة الحيض خمسة عشر يوماً، و أن أقل الطهر خمسة عشر يوماً، ومما يدل على هذا من السنة قوله عليه السلام: (تقعد إحداكن شطر دهرها لا تصلي ولا تصوم). فلزم بهذا أن يكون أقل الطهر مقدار أكثر الحيض، وأما أكثره فقال
قوله: وإن أقل الطهر .. الخ. وعليه مالك والشافعي ولا حد لأكثره
عندهما بل حكى بعض الشافعية فيه الإجماع.
(1) البقرة: 228
(2) الطلاق: 4.
(3) تقدم ذكره.
-199 - (1/206)
صفحة 207
بعضهم: ستون يوماً، وقال آخرون: لأحد لأكثره، وفي الأثر: و أدنى أوقاتهن في الصلاة عشرة أيام، وأقصاها ستون يوماً (شهران)، وقيل ثلاثة أشهر، وقيل أربعة، ويتَّخِذَنَ الوقت فيما بين أدنى وأقصى ما ذكرنا. وذكر عن الربيع بن حبيب في كتاب محمد بن جعفر قال: (كل دم وجد بعد ظهر عشرة أيام فهو حيض)، وقال آخرون: كل
قوله: وأقصاها ستون يوماً) شهران (لعل فائدة الخلاف تظهر مثلاً فيما إذا رأت الدم أول ما رأته فدام بها خمسة أيام مثلاً، ثم رأت الطهر فصلت به أكثر من ستين يوماً، فرأت الدم فإنها تعطى للحيض، فإذا تمت حيضتها ولم تر الطهر فإنها تنتظر ثم تغتسل وتصلي عشرة أيام، فعلى قول من قال أكثره ستون يوماً تنتسب لأنها ليس لها وقت تنتسب إليه لأنها لا تأخذ أكثر من ستين يوما وقتاً لصلاتها، وعلى الثاني لا تنتسب إلى قريبتها لأن وقت الطهر لا غاية له، وسيأتي الإشارة إلى هذا عند أم ماطوس رحمها الله بل تعطى للحيض، وهذا مأخوذ من كلام الربيع رحمه الله، وسيأتي التصريح بهذا في باب الانتساب إن شاء الله تعالى وإنما ترجيته قبل المراجعة
قوله: وقال آخرون كل دم وجد بعد طهر الخ، أنظر على القول بتقرر العادة بمرة واحدة لو حاضت في شهر مثلا عشرة أيام وفي آخر ثمانية وفي آخر ستة مثلا ثم استحيضت كم تجعل عادتها هل تستنظر على الأكثر أو على الأقل؟: لكن مقتضى كلام المصنف رحمه الله أنها تعتد بالأخير إذ وقت الحيض لا يتعدد بخلاف وقت الطهر، حرره، أو يقال لا وقت لها وتتم عشرة
، قلت حرره
أيام ثم تنتظر يومين حرر جميع
ذلك
1991 - (1/207)
صفحة 208
دم وجد بعد طهر خمسة عشر يوماً فهو حيض لأن الحيض يرفعه المرض، والكبر، والرضاع، والريح، فلا حد لأكثر الطهر عند هؤلاء والقول الأول عندي أصح، ولا مستند لهذا عندي إلا التجربة والعادة، فمن كان لأقل الحيض عنده قدر معلوم وجب أن يكون ما دون ذلك إذا ورد في سن الحيض عنده استحاضة، ومن لم يكن لأقل الحيض عنده
قدر محدود وجب أن تكون الدفعة حيضاً عنده، وكذلك النفاس
6
وكذلك أيضاً من كان عنده أكثره محدوداً أوجب أن يكون ما زاد على ذلك استحاضة، وفي الأثر: وما بين الثلاثة إلى العشرة تتم فيها الحيض في الرؤية الأولى، وغيرها أحد عشر يوماً وإثني عشر تطلع إليها بالانتظار في غير الأولى ولا تتم فيها الأولى ثلاثة عشر وأربعة عشر لا تتم فيها في الرؤية الأولى فلا تطلع إليها في غير الأولى خمسة عشر تتم فيها في الأولى لا في غيرها لأنها لا تطلع إليها فيما سوى الأولى، والتي
قوله: خمسة عشر تتم فيها في الأولى الخ. أنظر هذا على تقدير وجوده هل هو مفرع على القول الغير الراجح؟ أو هو على القول الراجح؟ فيكون محل الخلاف فيما إذا لم تتم في الاولى خمسة عشر، ثم انظر إذا نظرت وصامت فلما وصلت خمسة عشر يوماً انقطع الدم هل تعيد ما صامت؟ وما الحكم؟ والظاهر أنها على القول بأن أكثره خمسة عشر تعيد، بخلافه على القول الأول لأن ما زاد على الانتظار طهر، لكن المصنف أولاً وآخراً وظاهر كلام الشيخ إسماعيل
-4·1 - (1/208)
صفحة 209
لها خمسة عشر فهبطت منها بعد ذلك فلا ترجع إليها بعد نزولها، وقيل ترجع إليها حين كانوا لها وقتاً أول والله أعلم. وروي أن أهل قنطرار يجعلون للمرأة أن تطالع إلى خمسة عشر وتأخذهم وقتاً ولو في غير الأولى، وفي الأثر أيضاً: ولا يكون خمسة عشر وقتاً إلا للأولى وذلك إذا كان دم أسود ثخين لم تخالطه صفرة، وإن خالطته صفرة فيما بعد العشرة فلا تتم وقتها، وإن خالطته فيما دون العشرة ففيه قولان، وفي الأثر: وإذا كان للمرأة وقت حيضها عشرة أيام، ووقت صلاتها عشرون، فأتاها حيضها، فمكث عليها عشرة أيام، فرأت طهراً فصلت عشرة أيام فردفها دم
رحمهما الله تعالى أنها على القول الراجح لا تزيد على الإثني عشر، لأن الحيض لا يكون أكثر من عشرة أيام، واليومان استظهار على أكثر عادتها حرره، قلت وسيأتي ذلك في مسألة الطلوع والنزول حيث نص هناك أنها تطلع إلى عشرة أقصى أوقات الحيض، لكن الظاهر أن فائدة الخلاف في المستحاضة
التي هي
حرره.
قوله: تطلع صوابه و تطلع بدليل ما سينقله عن أهل قنطرار وإلا يكون تكراراً محضاً، ورأيته ساقطاً في بعض النسخ من قوله خمسة عشر إلى قوله والتي لها خمسة عشر، بإخراج الغاية حرره، ويدل لما قلناه أن المصنف رحمه الله لم يذكر هذا في مسألة الطلوع حرره.
قوله: في غير الأولى؟ فعلى هذا إنما تظهر ثمرة الخلاف في المستحاضة.
- 202 - (1/209)
صفحة 210
فإنها تعطى للحيض، ومنهم من يقول تصلي ما كانت تصلي قبل ذلك،
6
وفي الأثر: وأما التي حاضت فرأت الطهر على تمام حيضها فاغتسلت وصلت عشرة أيام ولم تتم خمسين صلاة فردفت بالدم، أو صلت خمسين صلاة ولم تتم عشرة أيام فردفت بالدم فإنها تعطى للحيض حتى تتم عشرة أيام أو خمسين صلاة، ومن العلماء من يقول: إذا تمت خمسين صلاة فإنها تعطى للحيض ولو لم تتم عشرة أيام، وقيل أيضاً إن تمت عشرة أيام فردفت بالدم فإنها تعطى للحيض ولو لم تتم خمسين صلاة، ولا تأخذ المرأة الوقت للصلاة ما لم تأخذ الوقت للحيض لأن أيام الطهر
قوله: ومنهم من يقول تصلي، وهو الظاهر إذ قد تقرر لها وقت ولا تدعه
إلا عن يقين. قوله: وصلت عشرة أيام ولم تتم خمسين صلاة الخ، صورتها أن تظهر عند الصبح مثلا وتصلي إلى غروب شمس اليوم العاشر، وصورة التي تصلي خمسين صلاة ولم تتم عشرة أيام أن ترى الطهر بعد صلاة العصر، فتصلي. عصر اليوم العاشر ثم تردف بعد الفراغ من الصلاة وقبل الغروب والله أعلم.
قوله: ولا تأخذ الخ، أعاده ليربط ما بعده
•
قوله: ولا تأخذ المرأة الخ، فيه تأمل إذ الصورة الأولى لها وقت في الحيض: لكن لا يصلح أن يكون ما رأته من الطهر وقتاً لعدم استقامته كما نص عليه رحمه الله، بخلاف المسائل السابقة، فإنها لعدم أخذها وقتاً للحيض فيكون ما ذكرنا تغليباً تأمله
- 203 - (1/210)
صفحة 211
هي الأصل في العبادات الواجبات عليها. والحيض حدث طارى. لا يسقط به ما وجب في الأصل إلا ما قام الدليل على إسقاطه، فالواجب
عليها استصحاب حال الأصل المتقدم، وهو وجوب العبادات من غير توقيت، ما لم يصح ما تسقط به وهو الحيض، ولذلك أن لا تتخذ
لزم
وقتاً ما لم تتخذ وقتاً للحيض، وأما النفاس فإنه تأخذ له الوقت ولو لم
6
يكن لها وقت للحيض لأن حكم دم النفاس مثل حكم دم الحيض ويسقط به من العبادات ما يسقط بدم الحيض والله أعلم. ولا تأخذ المرأة الوقت للصلاة إلا ما وجدته بعد ما أخذت وقتاً للحيض والله أعلم. لأنه قيل خمسة أوقات للطهر لا تأخذها المرأة لصلاتها طالت تلك الأوقات أو قصرت، أحدها الطهر الذي خالطه الدم، مثال ذلك: أن يكون وقت حيضها عشرة أيام أو أقل، ووقت صلاتها عشرة أيام أو أكثر، ما بينها وبين الستين يوماً، ثم ردفت بالدم فدام عليها أيام وقتها، ثم رأت الطهر فصلت به ستة أيام فردفت بالدم يوماً وليلة، ثم رأت الطهر فصلت به عشرة أيام ثم ردفت بالدم، وإنما تفعل هذا إن
قوله: فصلت به ستة أيام أي مثلاً، والمقصود أنها صلت أياماً لا تصح أن تكون أقل الطهر، وكذا قوله يوماً وليلة، أي مثلاً
•
قوله: ستة أيام وأما لو صلت به عشرة فإنها تأخذها وقتاً. (1/211)
صفحة 212
كان وقتها في الطهر قبل ذلك عشرة أيام، أو ما دون ستة عشر يوما فإنها تعطى للحيض، وإن كان وقتها أكثر من ستة عشر يوماً فإنها تغتسل وتصلي إلى تمام وقتها ثم تعطى للحيض ولا تأخذ الستة عشر وقتاً لصلاتها، لأنها رأت الدم داخل العشرة، ومادون العشرة لا يكون طهراً، وهو ظهر غير مستقيم، ولذلك لا تأخذه، وإن كان لها أكثر من وقت واحد، مثل إن كان لها عشرون يوماً، وثلاثون يوماً، وأربعون يوماً، أوقاتاً فإنها تغتسل وتصلي إلى تمام عشرين يوماً، ثم تعطى للحيض، وإن شاءت إغتسلت وصلت إلى تمام ثلاثين يوماً و إن شاءت إلى تمام أربعين لأنها أوقاتها كلها، وإن اغتسلت إلى تمام عشرين يوماً فأرادت أن تعطي للحيض ثم بدا لها وأرادت أن تغتسل فإنها ترجع وتغتسل ما لم يخرج وقت الصلاة التي استقبلتها، وكذلك إن اغتسلت ثم أرادت أن ترجع وتعطى للحيض فإنها ترجع وتعطى للحيض ما لم تصل، فإذا صلت فلا ترجع لأن بالصلاة يتميز ما بين الأوقات، أعني وقت الطهر ووقت الحيض، وإن لم يكن لها وقت في الطهر فإنها تنتسب إلى قرابتها، وفي الأثر: وإذا رأت المرأة أول حيضها فدام بها ثلاثة أيام أو ما فوقها فيا دون
قوله: وإن اغتسلت إلى تمام عشرين الخ، هذا تقييد لما أسلفه في قوله: فإذا اغتسلت إلى واحدة فلا ترجع بعد ذلك إلى الأخرى
قوله: وإن لم يكن لها وقت هذا قسيم.
- 205 - (1/212)
صفحة 213
عشرة أيام فرأت طهراً فردفها الدم قبل أن تغتسل وقبل أن يخرج وقت الصلاة فإنها تعطى للحيض، وكذلك إن ردفها الدم بعد ما اغتسلت ولم تصل فإنها تعطى للحيض، ومنهم من يقول إن اغتسلت فذلك وقتها ولو ردفت قبل أن تصلي فلا تعطى للحيض، ومنهم من يقول إن قعدت مقدار ما تغتسل فيه وتصلي فذلك وقتها، وأما إن رأت طهراً على عشرة أيام فردفت قبل أن تغتسل فإنها تنتظر، ومنهم من يقول: لا تنتظر، ولكنها تغتسل وتصلي، ومنهم من يقول: إذا جاوزت ثلاثة أيام إلى فوق فرأت طهراً إن ذلك وقتها، ولو ردفت بدم قبل أن تغتسل، وأما إن كان لها وقت في الحيض فرأت طهراً عند تمام وقتها فإنها تغتسل وتصلي ولو ردفت قبل أن تغتسل؛ الثاني: الطهر الذي تصيبه على الإنتظار، والانتظار يكون في الحيضة الأولى وفي غير الحيضة الأولى، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله في بابه. مثال ذلك أن يكون وقت حيضها خمسة أيام ووقت طهرها عشرة أيام أو أكثر ما دون الستين، فردفت بالدم وتمادى عليها الدم بعد الخمسة الأيام التي لوقتها، فإنها تنتظر يومين، فإن رأت الطهر وصلت به خمسة عشر يوماً فإنها لا تأخذ الخمسة عشر وقتاً لصلاتها، ولكن تنظر إلى وقتها في الصلاة، فإن كانت دون الخمسة عشر يوماً فلتعط للحيض، وإن كانت أكثر من الخمسة عشر فلتغتسل
- 206 - (1/213)
صفحة 214
إليها، وإن كان لها أكثر من وقت واحد فلتفعل كما قدمنا في المسألة الأولى ولا تأخذ الخمسة عشر يوماً وقتاً لصلاتها، لأنها لا تأخذ وقتاً الصلاتها إلا الطهر الذي أصابته بعد ما أخذت وقتاً للحيض كما قدمنا، وهذه الحيضة التي زادت على وقتها إن كان لها وقت للحيض لم يكن لها وقت لأنها حيضة منتقلة، إلا إن توالى لها ذلك إلى ثلاث مرات، فحينئذ تطلع إلى ذلك الوقت من الحيض وتأخذ ما وجدته من الطهر بعدها، وإن لم يكن لها وقت للحيض وانتظرت بعد عشرة أيام فإنها تنتسب إن صلت عشرة أيام، وسيأتي بيانه إن شاء الله، الثالث: الطهر الذي تصيبه داخل وقتها في الحيض. مثال ذلك: أن يكون وقت
قوله: إن كان لها وقت، وصورة هذه المسألة على ما يظهر: أن ترى المرأة أول حيضها فيدوم بها الدم عشرة أيام ولم تر الطهر، فانتظرت يومين فرأت طهراً فصلت به خمسة عشر مثلاً، ثم جاءها الدم فدام بها عشرة أيام ولم ينقطع، فانتظرت يومين ولم ينقطع، فإنها تنتسب إلى قرابتها بعد ما تصلى عشرة أيام كما قال المصنف رحمه الله ولا تجعل الخمسة عشر يوماً وقتاً لها إذ ليس لها وقت في الحيض، والحيضة الأولى غير تامة، إذ الإثني عشر كالأحد عشر لا تتم فيها في الأولى، فحينئذ ظهر قول المصنف رحمه الله تعالى، والإنتظار يكون في الحيضة الأولى وغير الحيضة الأولى، وشمل قوله الطهر الذي تصيبه على الإنتظار
كذا يظهر والله أعلم.
قوله: تصيبه داخل وقتها هذا خاص بالتي لها وقت فتخرج المبتدئة.
•
- 207 - (1/214)
صفحة 215
حيضها عشرة أيام، ووقت طهرها عشرة أيام أو أكثر، فردفت بالدم إلى خمسة أيام، فرأت الطهر فصلت به خمسة عشر يوماً فلا تأخذهم وقتاً للظهر، إلا إن توالى لها ذلك مرتين، فحينئذ تأخذ خمسة أيام وقتاً لحيضها وتأخذ خمسة عشر وقتاً لطهرها، لأنها حيضة منتقلة كما قدمنا وإنما تفعل إن كان وقتها أقل من خمسة عشر يوماً فلتعط للحيض، وإن كان وقتها في الطهر أكثر من خمسة عشر يوماً فلتغتسل وتصل إلى تمام وقتها، إلا على قول من يقول كل دم وجد بعد طهر عشرة أيام فهو حيض، فإنها تعطى للحيض في هذا كله والله أعلم، الرابع الطهر الذي اتصل لها بالحمل، فلا تأخذه وقتاً لأن الحمل لا يكون معه حيض، ولذلك لا تأخذ هذا الطهر وقتاً، مثال ذلك: امرأة رأت اول حيضها دماً فدام بها عشرة ايام، فرأت الطهر فصلت به أربعة أشهر وعشراً، فتحرك الولد في بطنها فإنها تأخذ عشرة أيام وقتاً لحيضها، ولا تأخذ
قوله: أو أكثر إنما لم يقل إلى ستين يوماً إذ لو قال ذلك لشمل كلامه ما
إذا نزلت إلى خمسة أيام فيقتضي أن يكون وقتها خمسة وستين وهو فاسد قوله: إلا على قول من يقول الخ. والظاهر أنها إن كان لها أكثر من وقت واحد تفعل كما في المسألتين السابقتين لكن تركه المصنف للعلم به مما تقدم إذ قد
تقرر بتكرره حرره.
قوله: فدام بها عشرة أيام الظاهر أنه ليس بقدر بل صورة مسألة ومثله
الثلاثة والأربعة إلى العشرة.
- 208 - (1/215)
صفحة 216
وقتاً للطهر، لأنه متصل بالحمل، والحمل لا يتحرك فيا دون أربعة أشهر وعشراً والله أعلم، الخامس: الطهر الذي تصيبه بعد النفاس مثال ذلك، وهو مما ذكر في بعض الكتب: امرأة حملت قبل أن يكون لها وقت الصلاة ولا للحيض، فنفست فدام بها الدم إلى أربعين يوماً، فرأت الطهر فصلت به يوماً واحداً فردفها الدم فدام بها ثلاثة أيام أو عشرة أيام، فرأت الطهر فصلت به خمسين صلاة، هل يكون لها الأربعون الأولون وقتاً للنفاس، والثلاثة الذين بعد يوم الطهر وقتاً للحيض، والعشرة الذين صلتهم وقتاً للصلاة أم لا؟ قال: أما على قول من يجيز لها أن تعطى للحيض بعد اليوم الذي صلته بعد الأربعين يوماً بعد نفاسها، فنعم يكون لها أوقاتاً للنفاس والحيض والصلاة. وأما على قول من يقول تغتسل وتصلي فلا يكون لها أوقاتاً وإنما كان لها عندي أن تعطى للحيض بعد يوم واحد للطهر، لأنها لا تأخذ هذا الطهر وقتاً لصلاتها طال أو قصر، وإنما لا تأخذ هذا الطهر وقتاً لصلاتها لأنها لا تأخذ من الطهر إلا ما
قوله: أما على قول من يجيز لها أن تعطى للحيض الخ. الاختلاف المذكور إنما هو فيما إذا رأت الطهر كما في صورة المصنف رحمه الله، وأما إذا لم تر الطهر فلا خلاف في أنها تغتسل وتصلي وتصنع كالمستحاضة كما نص عليه الشيخ إسماعيل
رحمه الله.
14.9 -
ه م 14 - الإيضاح: (1/216)
صفحة 217
وجدته بعدما أخذت وقتاً للحيض، لأن الطهر مقرون بالحيض والنفاس لا يقوم مقام الحيض، إذ الحيض وقته أقل من وقت النفاس وأسرع دوراناً منه، والطهر لا يكون وقته أقل من وقت الحيض ولذلك لا تأخذ الطهر الذي تصيبه بعد وقت النفاس، وأما إن كان لها وقت في الحيض والصلاة فنفست أول نفاسها فدام بها الدم أربعين يوماً فرأت الطهر فصلت به عشرين يوماً فردفت بالدم، فإنها تأخذ تلك العشرين وقتا للصلاة طويلة أو قصيرة، وأما إن رأت الطهر على الحفرة على هذه المسألة فاغتسلت به وصلت أربعين يوماً فلا تأخذهم وقتاً والله أعلم. لأنها لو رأت الدم في هذا الطهر لكانت تعطى له والله أعلم، ولا تأخذ في الحيض والنفاس إلا وقتاً واحداً، وأما الطهر فإنها تأخذ فيه أوقاتاً مختلفة من عشرة إلى ستين وهو إحدى وخمسون وقتاً، لأن الطهر هو الأصل، والدم حدث طارئ عليه، وفي الأثر وعن امرأة كان لها وقت للحيض عشرة أيام ولها وقت للصلاة عشرون يوماً فحملت ووضعت حملها فدام بها ما كان من وقتها فرأت الطهر فاغتسلت وصلت عشرة أيام، فردفها الدم كيف تصنع؟
قوله: وأما إن رأت الطهر على الحفرة على هذه المسألة فاغتسلت الخ. ظاهره الوجوب خلافاً لمن قال: إنما يجب الغسل في الولادة إذا كان هناك.
قولي مالك، والثاني يجب، واستحسنه ابن عبد السلام.
دم وهو
أحد
- 210 - (1/217)
صفحة 218
قال: تترك الصلاة ويكون لها عشرة أيام وقتاً للصلاة، وفي الأثر وقال في امرأة لها وقت نفاسها أربعون يوماً فنفست مرة أخرى فدام بها الدم عشرة أيام، فرأت الطهر فصلت به عشرة أيام فردفها الدم، ماذا تصنع؟ قال: ذكر لنا عن أبي الربيع في ذلك قولان: منهم من يقول تترك الصلاة ولتعط للحيض، ومنهم من يقول لا تترك صلاة إلى وقتها والله أعلم. مسألة في البناء والأصول:
واختلفوا فيها يكون أصلاً للمرأة تبنى عليه في الحيضة الأولى والنفاس الأول. قال بعضهم: يكون لها أصل تبنى عليه، في الدم يومان، وفي النفاس ثلاثة أيام، وهو الصحيح، لأن أقل الحيض عند بعضهم يومان وأقل النفاس حيضة واحدة وهو عشرة أيام، لأن أكثر الحيض عشرة أيام وثلاثة أيام حيضة واحدة، وهو أقل الحيض عند أكثرهم، وقال آخرون: إنما تبنى في الحيض على ثلاثة أيام، لأن أقل الحيض ثلاثة أيام، وما دون الثلاثة الأيام ليس بحيض عند هؤلاء، وقال آخرون: تبنى على يوم واحد في الحيض والنفاس، لأن أقل الحيض عند بعضهم يوم وليلة، والأصل في هذا الاختلاف على قدر اختلافهم في أقل الحيض والله أعلم. وقيل: إن النفاس أصل بنفسه لا يحتاج إلى أصل معدود، وتفسير هذا البناء أن ترى الدم أول ما تراه،
- 211 - (1/218)
صفحة 219
فيتمادى عليها يومين أو يوماً واحداً عند بعضهم، ثم ترى الطهر وتصلي به سبعة أيام، وفي العاشر رأت دماً ثم انقطع، فإن هذه عند بعضهم وقتها ثلاثة أيام لأنها تلفق أيام الدماء وتترك أيام الطهر، وقال آخرون: وقتها عشرة أيام تلفق أيام الدماء وأيام الطهر لأن أيام الطهر لا يخلو أن تكون أيام حيض أو أيام طهر، فإن كانت أيام طهر فليس يجب أن تلفق أيام الدماء إذا تخللها طهر، وإن كانت أيام حيض فيجب أن تلفقها، والنظر عندي أنها ليست بأيام طهر لأن أقل الطهر عشرة أيام، ويجب على هذا أن تكون أيام حيض كلها لأن أيام الحيض والنفاس تجري ثم تنقطع يوماً أو يومين أو أكثر، كما تنقطع ساعة أو ساعتين أو أكثر في النهار والله أعلم. وعلى قول من قال: لا تبنى على أقل من ثلاثة أيام
قوله: لأنها تلفق أيام الدماء الخ. يوافقه مذهب مالك، فإنها تلفق أيام الدماء فقط، سواء تساويا أو زادت أيام الحيض أو نقصت على الخلاف في أكثر الحيض، فإذا رأت الدم ثم انقطع، نظرت بين انقطاعه وعوده فإن كان بمقدار طهر كامل فالدم الثاني حيض، وإن كان غير تام فحيضة تسقطه، فتضم الثاني للأول وتلغى ما بين ذلك من الأيام، فإذا تحصل من ذلك عادتها خاصة أو مع الاستظهار أو خمسة عشر يوماً فهي حيضة، ثم هي بعد ذلك مستحاضة، وتغتسل المستحاضة الملفقة كلما انقطع، ويوافقه مذهب الشافعي في أحد القولين،
ويسمى قول اللقط والتلفيق
- 212 - (1/219)
صفحة 220
ليس لهذه وقت، وقد ذكر في بعض كتب أصحابنا لا يكون هذا حيضاً حتى يكون الدماء جميعاً أكثر مما بينهما من الطهر أو مثله لأن الحكم على الأغلب عند هؤلاء، إلا إن رأت يوماً دماً ويومين طهراً، ثم رأت يوماً دماً ويومين طهراً، ثم رأت يوماً دماً ثم طهرا فتم لها الطهران هذا حيض كله، وإن كان الطهر أكثر من الحيض لأن كل دم
من هذا لم يكن بينه وبين صاحبه طهر ثلاثة أيام، فهذا كأنه دم كله وإنما ذهبوا إلى هذا عندي لأن بعضهم ذكر أن أقل الطهر ثلاثة أيام، وقد ذكر هذا في (الدعائم) ولذلك قالوا ما دون الثلاثة ليس له حكم، وأكثر من الثلاثة راعوا فيه الغلبة والكثرة والله أعلم. وإن رأت يومين دماً ويومين طهراً، ويومين دماً ويومين طهراً، ويومين دماً ورأت الطهر فتم لها فإن هذه وقتها أربعة أيام، تلفق اليومين الأولين من الدم، واليومين اللذين بعد اليومين الأولين من الطهر، واختلفوا في اليومين الأولين من الطهر هل تلفقهما أم لا؟ وقد تقدم معنى الاختلاف في ذلك في المسألة الأولى، ولا تجمع ما بعد الطهر القاطع، ومعنى ذلك إذا تقدم هذا
قوله: على الأغلب الأولى إسقاطه إذ لا يصدق بالمساوي، حرره. قوله: وأكثر من الثلاثة الأولى الثلاثة فأكثر كما يظهر تأمل.
- 213 - (1/220)
صفحة 221
الظهر ما تجمعه من أيام الدماء ما يكون لها وقتاً، فلا تجمع ما بعده وهو الصحيح، لأن أقل الحيض ثلاثة أيام وما بعد الطهر القاطع محتمل ولا تترك العبادات المتيقنة بالمحتمل، وقال آخرون في هذه: تجمع ما بعد الطهر القاطع ما دون عشرة أيام، ويكون وقتها عشرة أيام، لقوله عليه السلام للسائلة وهي فاطمة بنت حبيش من طريق عائشة رضي الله عنها قالت: (قالت فاطمة بنت حبيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال لها رسول الله الله: إنما ذلك دم عرق نجس ليس بالحيضة، إذا أقبلت الحيضة فاتركي لها الصلاة وإذا أدبرت وذهب قدرها
قوله: وقال آخرون: ووجه هذا القول بأنه لما دل الدم على الحيض وجب أن يدل النقاء على الطهر، لكن يعارضه أن دم الحيض ليس دائم السيلان كما
قاله المصنف رحمه الله
قوله: وقال آخرون الخ. يوافقه مذهب أبي حنيفة وهو الأظهر عند الشافعية ويسمونه قول السحب، ووجهه أن دم الحيض لا يسيل على الدوام بل في وقت دون وقت، وهو يوافقه تعليل المصنف رحمه الله. قوله: حبيش هو بحاء مهملة مضمومة ثم باء موحدة مفتوحة ثم ياء مثناة من تحت ساكنة ثم شين معجمة واسمه قيس بن المطلب
قوله: ليس بالحيضة، يجوز فيها وجهان الكسر، وهو مذهب الخطابي المالكي أي الحالة والفتح وهو الأظهر أي الحيض، وهذا الوجه قد نقله الخطابي عن أكثر المحدثين أو كلهم، وهو في هذا الموضع متعين أو قريب من التعيين،
- PIE- (1/221)
صفحة 222
فاغسلي الدم عنك وصلي () و المتجاوزة لأكثر أيام الحيض قد دهب قدرها ضرورة لأن أكثر أيام الحيض عشرة ايام، وما دون العشرة لم يذهب قدرها، وقال آخرون: ليس لهذه وقت لأن الأصل الذي تبنى عليه عند هؤلاء ثلاثة أيام والله أعلم. وفي الأثر وإن رأت المرأة اول حيضها فدام بها الدم يوماً وليلة، أو أقل من ذلك او أكثر مما دون ثلاثة ايام، فرأت طهراً فإنها تغتسل وتصلي، وتصوم وإن أردفها دم ايضاً فتعطى للحيض، ولا تبنى على ما تركت أول مرة مما دون ثلاثة ايام، وكذلك إن رأت دم حيضتها فرأت طهراً فيا دون ثلاثة أيام، فردفت بالدم قبل أن تغتسل، فإنها تعطى للحيض مرة أخرى ولا تبنى على
فإن المعنى يقتضيه لأنه ما أراد إثبات الاستحاضة وهي الحيض والله أعلم. وأما الحيضة في قوله الله: (إذا أقبلت الحيضة) فيجوز فيها الوجهان على حد
سواء.
قوله: وفي الأثر موافق لقول الآخرين.
قوله: أو أكثر هذا على غير مختاره، وأما على مختاره فإنها إذا رأت الدم فدام بها يومين فإنها تبني.
قوله: تعطى للحيض مرة أي تستأنف الإعطاء للحيض.
قوله: قبل أن تغتسل ظاهره إنها تبني إذا أردفت بالدم قبل أن تغتسل:
6
(1) تقدم ذكره.
1910 - (1/222)
صفحة 223
ما رأت أولاً وهذا في التي ليس لها وقت في الحيض، وإن تمادى عليها الدم حتى تمت ثلاثة أيام ثم رأت طهر أثم عاودها دم قبل أن تغتسل وتصلي، فإنها تعطى للحيض وتبنى على الثلاثة الأيام، وكذلك ما ردت ثلاثة أيام إلى عشرة فإنها تبنى عليه إذا ردفت قبل أن تغتسل، وكذلك إن اغتسلت ولم تصل على قول بعضهم كما ذكرنا، ولا تجمع ما بعد العاشر من اليوم الذي ترى فيه الدم، وإن رأت أول يوم تراه دماً، والثاني طهراً، والثالث دماً، والرابع طهراً، والخامس دماً إلى العشرة، فإن هذه على قدر اختلافهم هل تبنى على يوم واحد أو لا تبنى؟ وإن رأت أول ما رأت يوماً دماً ويوماً طهراً ويومين دماً ويوماً طهراً وثلاثة أيام دماً ويوماً طهراً ويوماً دماً ثم رأت الطهر فتم لها، فإن هذه على قدر اختلافهم في الأصل الذي
ولو خرج الوقت، مع أنه فيما تقدم قيدها بقيدين فقال: قبل أن تغتسل وقبل أن يخرج وقت الصلاة فيحمل ما هنا على ما تقدم لئلا تحصل شبهة منافاة قلت: لا منافاة لجواز أن يكون موافقاً للقول الثاني المتقدم في الأثر راجعه، وحرره. قوله: وكذلك إن اغتسلت ولم تصل أي وقبل أن يخرج الوقت، فإذا خرج وقت الصلاة فلا تبنى، يدل عليه كلامه فيما سبق حيث قال: فردفها الدم قبل أن تغتسل. وقبل أن يخرج وقت الصلاة، فإنها تعطى للحيض، وكذلك إذا ردفها الدم بعدما اغتسلت ولم تصل ولم يقل بعدما خرج وقت الصلاة، فلما اقتصر على البعدية بالنسبة للصلوات دلّ ذلك على إبقاء القبلية بالنسبة لوقت الصلاة والله أعلم.
- 216 - (1/223)
صفحة 224
تبنى عليه، فمن قال: تضم إلى اليومين كان وقتها خمسة أيام أو ستة أيام على قول من قال: تضم إلى العشرة، وعلى قول من قال: تلفق أيام الطهر مع أيام الدم يكون وقتها ستة أو ثمانية أيام على قول من قال: تضم إلى العشرة والله أعلم. فمن قال: تضم إلى الثلاثة كان وقتها أربعة أيام أو خمسة على قول من قال: تلفق يوم الطهر فمن قال: تضم إلى يوم واحد كان وقتها سبعة أيام أو عشرة أيام على قول من قال: تلفق أيام الحيض وأيام الطهر والله أعلم. وكذلك النفاس على هذا الاختلاف، والأصول نسقاً بنسق، مثال ذلك: امرأة نفست أول نفاسها فدام بها الدم إلى ثلاثة أيام فرأت الطهر فصلت به عشرة أيام، فردفت بالدم إلى ثلاثة أيام، فرأت الطهر فصلت به عشرة أيام، فرأت الدم، فإن هذه وقتها للنفاس ستة عشر يوماً بأيام الطهر التي بين الدمين، ولا تأخذ ما بعد الطهر القاطع كالحائض، وعلى قول من قال: تضم الحائض ما دون العشرة، تضم النفساء ما دون الأربعين، فتكون الأربعون يوماً التي هي أكثر النفاس بإزاء العشرة التي هي أكثر الحيض، وتكون العشرة الأيام التي هي أقل النفاس بإزاء الثلاثة التي هي أقل الحيض، فتأمل هذا وابن عليه فإن فيه كفاية إن شاء الله؛ فإن رأت النفساء الطهر على الحفرة فصلت به تسعة وثلاثين
قوله: فمن قال تضم الأولى الواو بدل الفاء.
- 217 - (1/224)
صفحة 225
يوماً، فرأت الدم فدام بها يوماً واحداً فرأت الطهر بعد ذلك قال بعضهم: لا تأخذ الأربعين يوماً وقتاً للنفاس إلا إن سبق لها الدم ثلاثة أيام وتأخر ثلاثة أيام، وقال آخرون: إذا سبق لها الدم يوماً واحداً وتأخر لها يوماً واحداً فإنها تأخذهم وقتاً للنفاس، وقال آخرون: إذا تأخر لها الدم يوماً واحداً فإنها تأخذهم وقتاً للنفاس لأن النفاس أصل بنفسه والله أعلم. وأما المرأة المعتادة التي لها وقت في الحيض فإنها يكون لها أصل تنقضي به العدة يوم واحد في أول وقتها، ويوم واحد في آخر وقتها. وقال آخرون: يكون لها أصل يوم واحد في أول وقتها ولو لم تر الدم في آخر وقتها. وقال آخرون: لا يكون الحيض أقل من ثلاثة أيام ولا يكون لها أصل أقل من ثلاثة أيام فلا تنقضي به العدة كالمبتدئة، مثال ذلك: امرأة وقت حيضها عشرة أيام، ووقت طهرها عشرة أيام، فطلقها زوجها فجاءت إلى الحيضة الثالثة فرأت الدم يوماً واحداً، ثم رأت الطهر وصلت به إلى تمام العشرة، قال بعضهم: تنقضي عدتها وتتزوج لأنها عندهم ليست كالمبتدئة وهو عندي أصح، وقال آخرون: إلا إن رأت في اليوم العاشر أيضاً دماً، وقال آخرون: حتى ترى ثلاثة أيام دماً
قوله: وقال آخرون: حق ترى الخ. فإن لم تأتها الحيضة الثالثة، فقال فقهاء الجبل: لا تنقضي عدتها حتى ترى الحيضة الثالثة. وقال أبو صالح
- MIA- (1/225)
صفحة 226
وهو أقل الحيض عندهم، وقال آخرون: حتى ترى حيضة تامة وهو عشرة أيام كما كانت عودت، والصفرة والكدرة والثرية والعلقة لا يكونون أصلاً لحيض ولا لنفاس ولا حكم لهذه المعاني، إنما الحكم لما سبقهم وتقدمهم إن سبقهم دم فحكمهم حكم الدم، وإن سبقهم طهر فحكمهم حكم الطهر، وإن رأت الحيض والطهر معاً فإنها إن كان ذلك في وسط وقتها فلتعط للأغلب لأن الحكم للأغلب، وإن كان ذلك في أطراف وقتها فلتعط لما تنتظر إليه، وقد ذكر في بعض الكتب مثل هذه المسألة: امرأة أول ما رأت الدم والطهر معاً عن أبي محمد وأرسفلاس عن أبي علي التمنكرتي إن دام بها ذلك عشرين يوماً فتأخذ العشرة الأولين منهم وقتاً للحيض، والعشرة الآخرين منهم وقتاً للطهر، فقيل له: أرأيت على هذا القول إن رأت في العشرة الأولين كلهم دماً ورأت في العشرة الآخرين الدم والطهر معاً هل تأخذ العشرة الأوائل وقتاً للحيض والعشرة الأواخر وقتاً
الدركلي: تتربص عاماً ثم تتزوج، وهو الظاهر والله أعلم. وقد أفتى بها أبو محمد عبد الله بن يحين على ما نقله الثقاة عن البغطوري: تمكث تسعة أشهر للحمل، وثلاثة للعدة ولو لم تقارب وقت الإياس
فائدة: تثبت العادة عندنا وعند الشافعي بمرة، وهو ظاهر قول ابن القاسم في الواضحة، واعتبر أبو حنيفة مرتين، لكن عندنا في غير مسألة الطلوع
والنزول وأما فيها فسيأتي الكلام عليه
- 219 - (1/226)
صفحة 227
للطهر؟ قال: أما على هذا الأصل فنعم، وكذلك إن رأت في الأولين الطهر والدم وفي الآخرين الطهر كلهم، الجواب فيها كالتي قبلها على الأصل والله أعلم. وفي الأثر وأما التي ترى الحيض والطهر معاً إن كان ذلك على آخر وقتها فلتعط للذي تنتظر منها غلب واحد منهما أو لم يغلب، وإن كان داخل وقتها فلتعط للغالب منها وإن كان ذلك في أول حيضها، فإن الأولين يقفون فيها، ويقولون: الله أعلم. وقيل: إن دام بها ذلك إلى عشرين يوماً فلتعط العشرة الأولى للحيض والعشرة الآخرة للطهر فيما روي عن أبي علي التمنكرتي والله أعلم. واليوم الذي ترى فيه المرأة الحيض والطهر اختلفوا فيه متى تحسبه من وقتها، قال بعضهم: لا تحسبه من وقتها إلا إن رأت الدم قبل طلوع الفجر، وقال آخرون: لا تحسبه إلا إن رأت الدم قبل طلوع الشمس، وقال آخرون: تحسبه إن رأت الدم ما بينهما وبين صلاة الظهر، والنظر عندي أن سبب الاختلاف هل اسم اليوم في كلام العرب يقع على البعض أو لا يقع والعرب تسمي
قوله: هل إسم اليوم في كلام العرب الخ؟ قلت: قال بعض المحققين في تفسير قوله تعالى: مالك يوم الدين ان اليوم في اللغة الوقت مطلقاً ليلا كان أو نهاراً، طويلا أو قصيراً، وفي العرف هو المدة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والمراد في الآية مطلق الوقت لعدم الشمس، وعلى هذا يظهر اختيار
- 220 - (1/227)
صفحة 228
البعض باسم الكل، والكل باسم البعض، وتطلق اليوم على النهار فقط كقوله عز وجل سَخَّرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام
حسوماً، وتطلق
(1)
على الليل والنهار كقوله تعالى: «تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، (2) ويدخل هذا الاختلاف في جميع العدد من الأيام من العدة والإيلاء والإيمان
والنذور والاعتكاف والله أعلم.
مسألة في الانتظار:
والإنتظار يكون على وجهين، أحدهما: انتظار الدم، والثاني: انتظار ما يتبع الدم من الكدرات فانتظار الدم في الحيض يومان وفي النفاس ثلاثة أيام، وانتظار الكدرات يوم وليلة في الحيض والنفاس، ويكون على المرأة الإنتظار في الحيض الأول وفي النفاس الأول عند تمام عشرة أيام في الحيض وعند تمام أربعين يوماً في النفاس، وفي غير
الشيخ إسماعيل رحمه الله القول الأول وتضعيف الثاني إذ الحمل على العرفي الشرعي عند التردد هو المتعين ما لم تضرفه قرينة كما تقرر في الأصول
مسألة في الانتظار
:
قوله: تمام عشرة أيام قلت: فهذا منهم يدل أن العشرة تقريب لا تحديد
(1) الحاقة: 7.
(2) هود: 65.
- 221 - (1/228)
صفحة 229
الحيض الأول والنفاس الأول عند تمام وقتها في الحيض والنفاس، فإن قال قائل: لم فرقت بين انتظار الدم وانتظار غير الدم وانتظار الحيض و انتظار النفاس؟ قيل له والله أعلم: أظن أن بعض أصحابنا قال: هذا استحساناً جمعاً بين الأقاويل، لأن العلماء اختلفوا في الانتظار، وفي الأثر انتظار الدم يومان و انتظار غير الدم يوم، وهو من ساعة إلى ساعة،،، وهو المأخوذ به ومنهم من يقول: انتظار الحيض ثلاثة أيام، وقيل يوم، و انتظار النفاس ثلاثة أيام إلا التي انتهت إلى ستين يوماً، فيكون انتظار وقتها خمسة أيام، والتي لها في الحيض وقت خمسة عشر يوماً فلا يكون لها انتظار، وكذلك التي انتهت إلى تسعين فليس لها انتظار، فإن هبطت من تسعين خمسة أيام فيكون لها خمسة أيام انتظار أو لا يكون لها أكثر من ذلك، وإذا نزلت من خمسة عشر يوماً للحيض إلى أربعة عشر فيكون لها انتظار يوم. وقال بعضهم: الانتظار ثلاثة أيام، الدليل ما روي من طريق جابر، قال: (بلغني أن امرأة تسمى الحارثة كانت مستحاضة فجاءت إلى رسول الله الله فسألته عن أمرها، فقال لها رسول الله
وإلا لم تنتظر ومثله أربعون في النفاس والله أعلم بالصواب.
قوله: ومنهم من يقول انتظار الحيض ثلاثة أيام، هو مذهب مالك في
المعتادة ما ما لم تتجاوز نصف شهر.
:
- 222 - (1/229)
صفحة 230
أقعدي أيامك التي كنت تحيضين فيها، فإن دام بك الدم فاستنظري بثلاثة أيام ثم اغتسلي وصلي) (1). وقال آخرون: الإنتظار يوم أو يومان وهو مروي عن ابن عباس، وقال آخرون: لا انتظار عليها لأنه لم يصح عند هؤلاء ما يوجب عليها الإنتظار والله أعلم، واختلفوا أيضاً في أيام الانتظار، قال بعضهم: حكمها حكم الحيض، وقال بعضهم: حكم الطهر لأنه روي عن ابن عباس أنه لم يوجب عليها إعادة اليوم واليومين اللذين تركت فيهم الصلاة والصوم، وبعض أصحابنا يوجب عليها إعادة اليوم واليومين اللذين تركت فيهم الصلاة إلا أن ينقطع الدم فيهما فلا يوجبون عليها إعادتهما، والقول الأول عندي أصح، وانتظار الدم يزيل انتظار غير الدم، وانتظار غير الدم لا يزيل انتظار الدم، لأن حكم الدم متفق عليه، وحكم غير الدم مختلف فيه، فالمتفق عليه أقوى ولذلك يزيله، و قال آخرون: كل واحد منهما يزيل صاحبه، وأظن هؤلاء راعوا ما يتم به الإنتظار كالحيضة، إنما يراعى ما يتم عليه، وقال آخرون: كل واحد منهما لا يزيل صاحبه وهؤلاء عولوا أن الحكم على ما دخلت عليه في الانتظار والله أعلم. مثال هذا امرأة تمادى عليها الدم بعد تمام وقتها في الحيض، فانتظرت فرأت الصفرة أو الكدرة في اليوم الأول من اليومين
(1) رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي.
- 223 - (1/230)
صفحة 231
ممن قال لا يزيل حكم الدم ما يتبع الدم انتظرت يومين، ومن قال: يزيل حكم الدم ما يتبع الدم أكملت اليوم الأول من ساعة إلى ساعة ليس عليها غيره، وكذلك إن دخلت في الإنتظار بغير الدم فردفت بالدم قبل تمام اليوم، فمن قال: يزيل حكمه أكملت يومين، ومن قال: لا يزيل حكمه استوفت الإنتظار الذي دخلت به فقط والله أعلم. وفي الأثر وإذا كان للمرأة وقت حيضها ثلاثة أيام أو أربعة أيام فأتاها حيضها فمكثت عليها إلى آخر وقتها فلم تر الطهر في اليوم الأخير من حيضتها إلى غروب الشمس فإن كان الذي بها غير الدم مثل الصفرة وغيرها، فلتنتظر يوماً وليلة من غروب شمس تلك الليلة إلى غروب شمس غد ومنهم من يقول: إنما تنتظر من الساعة التي كانت ترى فيها الطهر إلى تلك الساعة غداً، وتغتسل وتصلي،
قوله: قبل تمام اليوم، أما إذا أردفها بعد تمام اليوم فقد تم انتظارها فلا عبرة بذلك الدم على التفصيل السابق لتمام وقت الانتظار كما تقدم، فالدم الموجود بعد ذلك كالدم الموجود بعد اليومين في انتظار الدم.
قوله: ومنهم من يقول .. الخ. قلت. فائدة: الخلاف تظهر في إمرأة كانت ترى الطهر قبل الظهر مثلاً فلما جاء ذلك الوقت لم تر الطهر، فإن قلنا بالأول انتظرت من الغروب الى الغروب، ولا يجب عليها ظهر غد ولا عصره، إذ هي محكوم لها بحكم الحيض مدة الانتظار، وإن قلنا بالثاني انتظرت من قبل ظهر اليوم الذي كانت ترى فيه الطهر الى مثل ذلك الوقت من الغد وتطهر ويجب عليها الظهر من الغد والله أعلم بالصواب.
- TTE- (1/231)
صفحة 232
وكذلك انتظار اليومين على هذا المعنى، وفي الأثر: وسألته عن المرأة الحائض تم وقت حيضها فتيبست فلم تر الطهر قال: تنتظر من ساعة إلى ساعة. وقد اختلفوا في الساعة، فمنهم من يقول: من تلك الساعة التي تيبست فيها إلى وقت تلك الساعة غداً ثم تغتسل، ومنهم من يقول: إنما ثمة يقال من ساعة إلى ساعة أي من غروب الشمس التي تيبست فيها إلى غروب
الشمس غداً فتغتسل والله أعلم
مسألة في الانتساب:
وإنما يكون الإنتساب في الطهر، وأوقات الصلاة، وذلك يكون على وجهين، أحدهما: يكون على المرأة قبل أن تأخذ وقتاً للحيض. والثاني: يكون عليها بعد أخذ الوقت، مثال ذلك: إذا رأت المرأة
به
أول حيضها فدام بها الدم خمسة أيام أو ستة أيام فرأت الطهر فصلت سبعة أيام ثم ردفت بالدم، فإنها تغتسل وتصلي حتى تتم عشرة أيام ثم تنتسب إلى قريبتها، لأن وقت قريبتها شبيه بوقتها، ومعنى ذلك أن
مسألة في الانتساب:
قوله: وإنما يكون .. الخ. أتي بالحصر إشارة الى الرد على من قال بالانتساب
في الحيض كما سيأتي.
- 225 -
م 15 - الإيضاح» (1/232)
صفحة 233
تسأل قريبتها عن وقتها في الصلاة، فإن قالت لها وقتي عشرة أيام، فلتعط للحيض، وإن قالت لها: وقتي خمسة عشر يوماً أو عشرين يوماً فلتغتسل و تصلي حتى تتم ما قالت لها قريبتها، وهي أمها أو أختها أو عمتها أوخالتها، سواء كانت حرة أو أمة، مسلمة أو مشركة، حيَّةً أو ميتة، وإن لم تجد من تنتسب إليه عند هؤلاء فتنتسب إلى المسلمات، وكذلك إن رأت الدم أول ما رأته فدام عليها خمسة أيام فرأت الطهر فصلت به أكثر من ستين يوماً فرأت الدم فإنها تعطى للحيض، فإذا تمت حيضتها ولم تر الطهر فإنها تنتظر ثم تغتسل وتصلي عشرة أيام ثم تنتسب، لأنها ليس لها وقت تنتسب إليه، لأنها لا تأخذ أكثر من ستين يوماً وقتاً لصلاتها، والأصل في هذا الإنتساب إذا لم يكن لها وقت تنتسب إليه انتسبت إلى قريبتها، والوجه الذي تنتسب إليه قبل أن تأخذ الوقت للحيض، هو أن ترى الدم أول ما تراه فيدوم عليها، فإذا تمت عشرة أيام ولم تر الطهر، انتظرت فرأت الطهر بعد الإنتظار واغتسلت وصلت به حتى يأتيها الدم، فإن جاءها داخل
قوله: وإن قالت لها وقتي خمسة عشر يوماً انظر لو اختلفت عادة قرابتها والظاهر أنها تأخذ بالأكثر، حرره، والظاهر أيضاً البداية بالأرشد قرباً.
قوله: إلى المسلمات أي من محلها، وهل تقدم المسلمات من محلها؟ والظاهر نعم.
226 - (1/233)
صفحة 234
الستين انتسبت كما قدمنا، وإن جاءها خارج الستين أعطت للحيض، لأن أكثر الطهر عندهم ستون يوماً، وهي المسألة التي يذكرون عن أم ماطوس رحمها الله قالت: اعطاني أبو محمد التمصميصي أصل الحيض، إذا رأيت الحيض داخل ستين يوماً انتسبت، وإذا رأيته خارج الستين يوماً أعطيت للحيض، وإن لم تر الطهر وتمادى بها الدم بعد الإنتظار انتسبت إلى قريبتها سنة، فإذا تمت السنة انعقدت علتها، وتكون مبتلية تترك الصلاة إثني عشر يوماً وتصلي عشرة أيام حتى يفرج الله ما بها. وقال بعض أصحابنا: ليس عليها انتساب، وذلك على قول من قال: كل دم وجدته بعد ما صلت عشرة أيام فهو حيض والله أعلم. وفي الأثر: وكذلك إذا دام بها الدم بعد تمام وقتها فإنها تنتظر، وإن لم يرتفع عنها الدم تصلي عشرة
قوله: كما قدمنا أي من أن الطهر الذي تصيبه على الانتظار لا تأخذه وقتاً، وإن طال فهذه تنتسب إما إلى وقتها إن كان لها وقت، أو إلى قريبتها إن لم يكن لها ذلك
قوله: كما قدمنا، لعله إشارة إلى ما ذكره عند الكلام على الأطهار التي لا تأخذها وقتاً، حيث قال الثاني الذي تصيبه على الإنتظار إلى أن قال وإن لم يكن لها وقت وانتظرت بعد عشرة فإنها تنتسب بعد أن صلت عشرة أيام، وسيأتي بيانه في بابه إن شاء الله فراجعه
•
قوله: وقال بعض أصحابنا: ليس إلخ. يحتمل أن يكون هؤلاء ممن يقول لا إنتظار عليها بل تترك عشراً وتصلي عشراً وهذا الاحتمال متعين وغيره خطأ.
- 227 - (1/234)
صفحة 235
أيام وهي مستحاضة. وتغتسل لكل صلاة، وتجمع بين الصلاتين حتى يرتفع عنها الدم، أو يصنع الله بها ما هو صانع. والقول المأخوذ به عند أصحابنا تقيم عشرة أيام إن دام بها الدم وتنتظر يومين وتصلي العشرة والله أعلم. واعلم أن النساء كلهن لا يقدرن على أنسابهن فإن منهن من كان أنسابها في الروم خلف البحر، ومنهن من تباعد أنسابها ولا تصل إليه، والقول المأخوذ به عندنا ما قلت لك، وهو قول كان أبان رحمه الله يفتي به، وقال بعض أصحابنا في المبتدئة: إذا رأت الدم وتمادى عليها إنها
قوله: وتغتسل لكل صلاة الخ. كذا في أكثر النسخ، والظاهر إنما قال ذلك ليدخل في ذلك صلاة الفجر بخلاف ما لو قال لكل صلاتين فإنها لا تدخل ظاهراً والله أعلم.
قوله: والقول المأخوذ به من كلام الأثر فلا ينافي القول المأخوذ به المذكور
بعده.
قوله: واعلم الخ. الظاهر أنه من كلام الأثر فيكون فيه إشارة إلى أن الانتساب إلى القرابة لا يكون ضابطا، وحاصل ما في الأثر أن القول الأول يقول لا تنتسب ولكنها تترك وقتها ويومين للانتظار ثم تصلي عشرة أيام ثم تكون مستحاضة، ثم بعد الحكم باستحاضتها تصلي دائماً حتى يفرج الله ما بها، والقول الثاني الذي ذكر أنه مأخوذ به يخالف في ذلك ويقول تترك إثني عشر يوماً وتصلي عشرة أيام، ويوافقه في عدم الانتساب والله أعلم بالصواب، ويقوي الإحتمال الأول قوله فيما سيأتي، ولذلك قال بعض أصحابنا: تغتسل وتصلي
ولا تترك الصلاة بشبهة عرضت الخ. حرره.
228 - (1/235)
صفحة 236
تنتسب إلى قريبتها في الحيض والنفاس، ثم تنتظر بعد وقت قريبتها، ثم تكون مستحاضة لأن وقتها شبيه بوقت قريبتها في الحيض والنفاس، وقال آخرون: تترك الصلاة إلى أقصى أوقات الحيض ثم تنتظر ثم تغتسل بعد الإنتظار كما قدمنا وتكون مستحاضة، وهذا القول أصح. ثم إنهم اختلفوا فيها. قال بعضهم: تعيد ما تركت من الصلاة إلا صلاة يوم وليلة لأن أقل الحيض يوم وليلة، وهذا الدم دم استحاضة، وقال آخرون: لا تعيد شيئاً لأنها لم تتيقن باستحاضتها إلا عند بلوغها أقصى أوقات الحيض وهو الأصح، واختلف أصحابنا في المرأة إذا تمادى بها الدم وكانت
قوله: وقال آخرون: تترك الصلاة الخ. المظاهر والله أعلم أن هذا القول لم يخالف الأول في كيفية الإنتظار، فالأول يجعل ابتداءه من حين الفراغ مما قالت لها قريبتها، والثاني من بعد البلوغ إلى أقصى أوقات الحيض، وإن خالفت وقت قريبتها وهذا هو الأصح كما قال المصنف رحمه الله تعالى لما أسلفه أن الانتساب خاص بالطهر ويكون الحكم باستحاضتها بعد الفراغ مما قالت لها قريبتها
الإنتظار بخلاف الثاني، إنما يكون بعد بلوغ الأقصى والإنتظار. مع قوله: واختلف أصحابنا الخ. قلت ليس في تلك الأقوال التي حكاها ما يوافق ما هو الراجح في المذهب سواء أريد به المبتدئة أو المعتادة، وذلك أن الراجح في المبتدئة قبل صيرورتها مبتلية أنها إن كان لها وقت في الحيض انتظرت بعد تمام وقتها في الحيض يومين في الدم ويوماً وليلة في غيره فإذا تم الإنتظار وصلت عشرة أيام ثم انتسبت لقريبتها وصلت ما قالت لها قريبتها ثم تعطى للحيض على ما تقدم إلى تمام سنة فتصير مبتلية تترك الصلاة اثني عشر
اغتسلت
- 229 - (1/236)
صفحة 237
مستحاضة، قال بعضهم: تترك الصلاة وقت إقرائها ثم تغتسل وتصلي إلى: أن يعود إليها مثل أيامها لقول رسول الله الا التي سألته وكانت مستحاضة (أقعدي أيامك التي كنت تحيضين فيها، فإذا دام بك الدم فاستنظري بثلاثة أيام ثم اغتسلي وصلي) (1) وقال قوم: تترك الصلاة عشرة أيام و تغتسل وتصلي عشرة أيام لقول رسول الله الفاطمة بنت حبيش (إذا أقبلت الحيضة فاتركي لها الصلاة، وإذا أدبرت وذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي) (2) والمتجاوزة لأكثر أيام الحيض قد ذهب قدر
يوماً وتصلي عشرة أيام حتى يفرج الله ما بها، وإن لم يكن لها وقت في الحيض فحكمها حكم التي لها وقت فيه إلا يوماً في الإنتظار، فإنه يكون بعد البلوغ إلى أقصى أوقات الحيض، والراجح في المعتادة أنها تترك أيامها ويومين للانتظار وتصلي ما كانت تصلي إلى تمام سنة، فتصير مبتلية تفعل كالمبتدئة وشيء من الأقوال الستة لا يوافق شيئاً مما ذكر، فلعل المصنف رحمه الله أراد حكاية الأقوال التي قيلت في المذهب ولم أرجحه، تأمله جداً فإن هذا المكان من مزال الأقدام كما ظهر في بادئ الرأي، ثم ظهر بعد تأمل أن المسألة مفروضة في المعتادة كما هو نص القول الأول، وهو المأخوذ به، والحاصل أن المأخوذ به أن المبتدئة تنتسب إلى قريبتها إلى سنة فتصلي عشرة أيام وتترك الصلاة إثني عشر يوما أخذاً بالأقل في الطهر وبالأكثر في الحيض لأن هذا هو المتيقن بالنسبة إليها وإن احتمل خلاف ذلك، وأن المعتادة تترك وقتها المعتاد ويومين للإنتظار وتصلي ما كانت
(1) تقدم ذكره.
(2) تقدم ذكره.
- 230 - (1/237)
صفحة 238
حيضتها ضرورة. وقال قوم: تترك الصلاة خمسة عشر يوماً وتغتسل وتصلي خمسة عشر يوماً لأن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً عندهم وأقل الطهر خمسة عشر يوماً. وقال قوم: تترك الصلاة عشرة أيام وتغتسل و تصلي عشرين يوماً لأن عندهم في كل شهر حيضة وطراً والحيضة لا تتجاوز عشرة أيام عندهم. وقال قوم: تترك الصلاة يوماً وليلة وتغتسل و تصلي تسعة وعشرين يوماً لأن أقل الحيض عندهم يوم وليلة، والعادة جارية أن المرأة تحيض في كل شهر مرة إذا لم تكن بها آفة تمنع الحيضة فحكموا لها في كل شهر بأقل الحيض وهو عندهم يوم وليلة، وأكثر من اليوم محتمل عندهم فلا تترك العبادات الواجبات بالدم المحتمل، ويقال لهم وكذلك دمها في اليوم والليلة محتمل لأنها إنما تيقنت باستحاضتها لمجاوزتها أقصى أيام الحيض ولم تعلم برجوع دم الحيض في أيامه يقيناً، فالواجب عليها استصحاب حال الأصل المتيقن حتى يدل الدليل على
حرره.
تصلي قبل الحكم باستحاضتها كما هو القول الأول، لأن ذلك هو المتيقن بالنسبة إليها وإن احتمل تغير تلك العادة لكان الأخذ بالمتيقن وترك المحتمل أمر واجب والله أعلم بالصواب، وأما ما سيأتي من الأثر فهو خلاف المذهب، ويدل لما قلناه ما سيأتي في الكلام على التي اشتبه عليها أيام طهرها وأيام حيضها إذ كان القياس أنها تترك الصلاة إثني عشر يوماً وتصلي عشرة مع أن الأقوال التي حكاها المصنف ليس فيها واحد يقول بهذا وفيه تأمل.
- 231 - (1/238)
صفحة 239
ارتفاعه بوجود خلافه وهو دم الحيض، ولهذا قال بعض أصحابنا: تغتسل وتصلي ولا تترك الصلاة بشبهة عرضت حتى يفرج الله ما بها، وعضدوا قولهم بحديث ابن عباس رضي الله عنها (أن النبي ع قال للأنصارية التي سألته فقالت: يارسول الله إني أثج الدم تجاً قال: اغتسلي واستثفري وصلي)) ولم يأمرها أن تترك وقتاً وتصلي وقتاً والله أعلم. فعلى هذا الاختلاف تنقضي عدتها إن كانت مطلقة، وقال قوم: إن استمر بها الدم اعتدت ثلاثة أشهر لقوله تعالى: «إن ارْتَبْتُم فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أشهر (3) وهذا مما يرتاب فيه والله أعلم. وفي الأثر: والمبتلية ثلاثة سنين فتكون مبتلية وقيل سنتان، وقيل سنة، وقيل ثلاثة مرات، وقيل
قوله: واستثفري، رأيت في بعض كتب المخالفين صفته ونص عبارته أن تشد على وسطها خرقة أو خيطاً أو نحوه على صورة التشكة، وتأخذ خرقة أخرى مشقوقة الطرفين فتدخلها بين فخذيها والنيتيها وتشد الطرفين بالخرقة التي في وسطها، أحدهما قدامها على سرتها والآخر خلفها، وتحكيم ذلك الشد وتلصق هذه الخرقة المشدودة بين الفخذين التي على الفرج التصاقاً جيداً، والظاهر أن هذا محله ما إذا لم يرده الحشر كما تقدم: حرره. وفي الفائق، الإستثفار أن تفعل بالخرقة ما يفعله المستثفر بإزاره، وهو أن يرد طرفه من بين رجليه ويغرزه
في حجزته من ورائه، والحجز طرف الإزار.
(1) رواه الخمسة إلا الترمذي عن أم سلمة. (2) الطلاق: 4.
- 232 - (1/239)
صفحة 240
تكون المبتلية التي رأت أول حيضها والله أعلم. فإذا صارت مبتلية فتصلي عشراً وتدع الصلاة عشراً وتعطي للانتظار يومين. وكذلك التي لها وقت في الحيض والطهر إذا تمادى بها الدم فإنها تترك ما كانت تترك قبل ذلك وتنتظر يومين وتصلي ما كانت تصلي قبل ذلك إلى ثلاث مرات، فتكون مبتلية، ومنهم من يقول إلى سنة فتكون مبتلية فتصلي عشرة
أيام وتترك الصلاة اثني عشر يوماً.
مسألة في الطلوع والنزول:
والطلوع والنزول إنما هو زيادة الحيض ونقصانه و ذلك إذا كان للمرأة وقت معلوم في الحيض والنفاس، فإنها تطلع في الحيض من ثلاثة إلى عشرة وهو أكثر أيام الحيض، وفي النفاس من عشرة إلى أربعين لأنه أكثر أوقات النفاس، وتنزل في الحيض من عشرة إلى ثلاثة لأنها أقل الحيض، وفي النفاس من أربعين إلى عشرة لأنها أقل النفاس، ويكون الطلوع بالدرجات باليوم واليومين، والأكثر حتى تنتهي إلى أكثر
قوله: وكذلك التي لها وقت الخ. قلت هذا مما يخالف القاعدة وهو أن ما ثبت بيقين لا يزيله إلا اليقين، إذ هناك رجعة مما كان متيقنا من وقتها إلى ما هو محتمل، إذ كون وقتها في الحيض عشرة مثلا بعد الحكم باستحاضتها مع تيقنها بأنه خمسة مثلا أمر محتمل، وكذا في الطهر، تأمل.
- ITT- (1/240)
صفحة 241
أيام الحيض، ويكون الطلوع بمرة واحدة إلى أكثر الأوقات، مثال ذلك: إذا كان للمرأة وقت حيضها ثلاثة أيام، فتمادى عليها الدم بعد الثلاثة الأيام، وان، وانتظرت ورأت الطهر على يومين وتوالى لها ذلك ثلاث مرات، فإنها تنتقل إلى خمسة أيام لوقت حيضها، وكذلك إن زادت أيام حيضها على خمسة أيام بعد ما انتقلت إليها، فإنها إن توالى لها ذلك تنتقل إلى سبعة وما زادت أيامها، ثم هي كذلك تنتقل بالدرجات حتى تصل إلى عشرة أيام، وتنتقل بمرة واحدة إلى عشرة أيام إن تمادى بها الدم من ثلاثة أيام التي هي وقتها إلى عشرة أيام فطهرت، وتم لها الطهر، فإنها إن توالى لها ذلك ثلاث مرات فتنتقل من ثلاثة إلى عشرة، وكذلك النزول على هذا الحال يكون بالدرجات ويكون بمرة واحدة إن توالى لها ذلك مرتين، وفي الأثر: وإذا وجدت المرأة الطهر على الإنتظار فزال عنها ولم تغتسل ولم تصل، منهم من يقول: تنتظر ومنهم من يقول: لا تنتظر،
قوله: وتم لها الطهر الذي كانت تعتاده بخلاف ما إذا انقضت فإنها لا تطلع كما سيأتي إن شاء الله تعالى عند قوله: ولا تطلع المرأة من وقتها الأول حق ترى طهراً متصلا الخ.
قوله: منهم من يقول الخ. ويحتمل أن تصور المسألة بما إذا تم وقتها ولم تطهر، فانتظرت فرأت الطهر قبل تمام الإنتظار، ولم تغتسل ولم تصل، منهم من يقول: تتم الإنتظار إذ الدمان كشيء واحد حيث لم تغتسل ولم تصل، ومنهم
- 234 - (1/241)
صفحة 242
فإن قال قائل: لم فرقت بين الطلوع والنزول وجعلت الإنتقال في الطلوع بثلاث مرات وفي النزول بمرتين؟ قيل له: (والله أعلم) اختلف العلماء في انتقال الحيض والنفاس، قال بعضهم: إذا تحول إلى وقت أو عدد ثم دام على ذلك مرتين فقد صار لها وقتاً، وتدع الوقت الأول، وقال آخرون: حتى يدوم على ذلك ثلاث حيضات، وقال آخرون: تنتقل بمرة واحدة في الطلوع والنزول. وقال من قال: لا تتحول عن وقتها الأول ولو زاد من بعد أو نقص، وهذا القول عندي أضعفهم لأن دم الحيض يزيد وينقص موجود ذلك في النساء، ولذلك صارت أوقات النساء مختلفة، لو كان لا يزيد ولا ينقص لكان أوقات النساء كلها متفقة،
من يقول: تنتظر، والظاهر أن هذا التصوير يتعين والله أعلم. وتكون فائدته فيما إذا توالى لها ثلاث مرات، فعلى الغول بعدم الانتظار تطلع، وعلى القول بالإنتظار لا تطلع، والله أعلم بالصواب حرره، وإلا فهذه المسألة معلومة مما تقدم.
قوله: إلى وقت أو عدد يتأمل هذا العطف بأو فإنه يقتضي انفراد أحدهما على الآخر، والظاهر أنه لا يتصور، اللهم إلا أن يقال ينفرد الوقت عن العدد فيما إذا نزلت إلى الثلاثة، فإن الثلاثة لما كانت اول مراتب الحيض ولا يتحقق إلا به فليس التحول اليه تحولاً إلى عدد، إذ هي بمنزلة الواحد بالنسبة للعدد، والواحد ليس بعدد فكذا ما هو بمنزلته. ه، حرره. وكذا إذا انتقلت إلى العشرة في الطلوع، ف العشرة لما كانت غاية لا يقال لها عدد إذ لم يتقدم لها عدد. في الإبتداء والإنتهاء
والله أعلم.
- 235 - (1/242)
صفحة 243
وأهل التَّرَفْهِ والسعة من النساء في زيادة الحيض وكذلك أهل الجهد منهن في نقصان الحيض بخلاف غيرها والله أعلم. وأما من قال تطلع وتنزل بمرة واحدة فهو عندي أضعف من القولين الأولين لأنه جعلها كالمبتدئة في كل مرة فهو عندي ضعيف لأنه لا ترجع عند الاختلاط إلا إلى ما كان معتاداً، بخلاف المبتدئة والمعتاد لا يكون بمرة واحدة، وإنما يكون به معتاداً ثلاث مرات أو مرتان وهو أقل الجمع عند بعضهم. ولعل حجة من قال تطلع وتنزل بمرة واحدة ما روي أنه قال عليه السلام لفاطمة بنت حبيش: (إذا أقبلت الحيضة فاتركي لها الصلاة وإذا أدبرت وذهب قدرها فاغسلي الدم عنك وصلي) (1) فما بين أقل الحيض وأكثره قدرها عندهم والله أعلم. وإنما فرقت بين الطلوع والنزول لأن الطلوع زيادة الحيض فلا تترك بتلك الزيادة ما تيقنت بوجوبه من العبادات إلا بالعدد الذي اتفقوا أن تكون تلك الزيادة بها دم حيض وهو ثلاث مرات، والنزول بخلافه لأنها لا تترك عبادة متيقنة في النزول، ولذلك قلنا إنها تنزل بمرتين وهو أقل الجمع عند بعضهم، بل الواجب عليها أن تصلي وتصوم في الطهر إذا
قوله: اتفقوا أي القائلون بالطلوع والنزول فلا ينافي حكاية القول بعدم
الطلوع والنزول.
(1) تقدم ذكره.
- 236 - (1/243)
صفحة 244
رأته داخل وقتها لقول رسول الله: (إذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلي). واختلفوا إن راجعها الدم في داخل وقتها في الحيض هل تعيد لما صامت في أيام الطهر أم لا؟ قال بعضهم: تعيد لما صامت في تلك الأيام لرجوع الدم في وقتها لأن أيام وقتها كأنها حيض كلها. وقال آخرون: لا تعيد لما صامت في النقاء البين لظاهر الحديث المتقدم والله أعلم. وقال بعض مخالفينا: تترك الصلاة في الطهر الذي رأته في داخل وقتها انتظاراً لرجعة الدم حتى تبلغ غاية وقتها، وهو غير مأخوذ به والحجة عليه الحديث المتقدم والله أعلم. واختلف أصحابنا هل تطلع المرأة بالصفرة و تنزل بالصفرة؟ قال بعضهم: لا تطلع إلا إلى دم خالص يوالي وقتها في الحيض، ولا تنزل إلا إلى دم خالص يوالي وقتها في الطهر وهو الذي يوجبه النظر عندي لأن الطلوع زيادة الحيض، ولا تترك الوقت المتفق عليه وتترك العبادات المتيقنة إلا بالدم المتفق عليه أنه حيض، والصفرة
قوله: قال بعضهم: قد تقدم أنه مختاره في مسألة البناء، راجعه. قوله: قال بعضهم: تعيد لما صامت الخ. في الشيخ إسماعيل رحمه الله على ما في بعض النسخ ذكر الصلاة، والظاهر ما فعله المصنف رحمه الله من الإقتصار على الصوم لأنه هو الذي تظهر فيه فائدة الخلاف بخلاف الصلاة فإنه لا يظهر فيها ذلك لأننا إن قلنا إنها أيام حيض فلا قضاء عليها بلا كلام، وكذا إن قلنا أيام طهر لأنها أدت الواجب عليها بشرطه فلا معنى لطلب الإعادة منها، حرره
- 237 - (1/244)
صفحة 245
والكدرة قد وقع الإختلاف فيهما، هل هما حيض أم لا؟ وقد تقدم ذلك في باب أنواع الدماء، وكذلك النزول لا تنزل إلا بما اتفق عليه. وقال آخرون: تطلع بالصفرة وتنزل بالصفرة، لأن الصفرة والكدرة عند هؤلاء حيض، مثال هذا: امرأة أول وقت حيضها خمسة أيام، ووقت طهرها عشرة أيام، فدام بها الدم خمسة أيام، وفي اليوم السادس رأت صفرة فانتظرت فرأت الطهر في اليوم السابع، فصلت به عشرة أيام، فتوالى لها على هذا الحال ثلاث مرات، فمن قال: لا تطلع بالصفرة تثبت على وقتها الأول خمسة أيام وهو الصحيح، ومن قال: تطلع بالصفرة انتقلت إلى ستة أيام، وأما إن رأت في اليوم الخامس صفرة وفي السادس دماً وتوالى لها فإن هذه تطلع إلى الستة ولا تضرها الصفرة التي في داخل وقتها، وكذلك إن رأت في الرابع طهراً وفي الخامس والسادس دماً وتوالى. لها فإنها تطلع ولا يضرها الطهر الذي في داخل وقتها، وأما إن رأت في الخامس طهراً وفي السادس دماً فإنها لا تطلع لأنها كمل وقتها بالطهر:
وكذلك إن كان الرابع طهراً والخامس صفرة والسادس دماً فإنها لا تطلع، لأن الصفرة بعد الطهر كحكم الطهر، وكذلك النزول على هذا الحال مثل أن يكون وقتها في الحيض سبعة أيام، ووقت طهرها عشرة أيام، فدام بها الدم خمسة أيام وفي السادس صفرة فرأت الطهر وتم لها
6
- TTA - (1/245)
صفحة 246
وتوالى لها ذلك، فإن هذه لا تنزل بالصفرة إلى ستة أيام ولا تنزل إلا بالدم الخالص كما قدمنا في مسألة الطلوع، إلا على قول من قال: تنزل بالصفرة، ويكون وقتها ستة أيام، وإن كان الخامس طهراً والسادس دماً وتوالى لها فإنها تنزل ولا يضرها يوم الطهر في داخل وقتها والله أعلم. ولا تطلع المرأة من وقتها الأول حتى ترى طهراً متصلاً من داخل وقتها في الطهر إلى خارج وقتها عدد ما طلعته أو أكثر. مثال ذلك: امرأة وقتها في الحيض خمسة أيام وفي الطهر خمسة عشر يوماً، فرأت الدم فدام بها ثمانية أيام فرأت الطهر فصلت به عشرة أيام فردفت بالدم، فإن هذه تغتسل وتصلي حتى تتم خمسة عشر يوماً وتعطى للحيض، لأن هذا الدم في داخل وقتها في الطهر، ولذلك تغتسل وتصلي ولا تطلع إلى ثمانية أيام إن توالى لها ذلك، إلا إن رأت الطهر وصلت به خمسة عشر يوما أو
•
قوله: فإن هذه تغتسل الخ، لأن القاعدة أن الدم الذي تراه في داخل وقتها في الطهر لا تعتد به كما تقدم عن أم ماطوس رحمها الله. قوله: وصلت به خمسة عشر يوماً أي وتكرر لها ذلك ثلاث مرات كما هو القاعدة في الطلوع، وقد أشار إلى ذلك فيما تقدم عند قوله وقد تنتقل بمرة واحدة إلى عشرة إن تمادى بها الدم من الثلاثة الأيام التي هي وقتها إلى عشرة أيام فطهرت
وتم لها الطهر، فإنها إن توالى ذلك ثلاث مرات فتنتقل من ثلاثة إلى عشرة فيقيد عموم ما ههنا بخصوص ما هناك والله اعلم
- 239 - (1/246)
صفحة 247
أكثر إلا على قول من قال: كل دم وُجد بعد طهر عشرة أيام فهو حيض فإنها تعطى للحيض بعد طهر عشرة أيام وتطلع إن توالى لها ذلك، وكذلك النزول على هذا الحال مثل إن كان وقتها في الحيض عشرة أيام ووقتها في الطهر عشرة أيام، فردفت بالدم وتمادى بها خمسة أيام، فرأت الطهر فصلت به عشرة أيام، فردفت بالدم فإنها تغتسل وتصلي لأنها في داخل وقتها في الطهر، ولا تنزل إلى خمسة أيام إن توالى لها، وعلى قول من قال: كل دم وجد بعد طهر عشرة أيام فهو حيض تعطى للحيض
وتنزل إن توالى لها والله أعلم.
فصل:
وإن تشابه عليها وقتها ما بين سبعة أيام إلى عشرة أيام فإن هذه إذا ر دفت بالدم تترك الصلاة إلى سبعة أيام التي تيقنت عليها وتنتظر ثلاثة أيام إن تمادى بها الدم، فإن كان وقتها سبعة أيام أخذت بقول من قال: الانتظار ثلاثة أيام، وإن كان وقتها ثمانية أيام أخذت بقول من قال: الإنتظار يومان، وإن كان وقتها تسعة أيام أخذت بقول من قال: الانتظار يوم واحد، وإن كان وقتها عشرة أيام أخذت بقول من قال: ليس على المرأة انتظار والله أعلم. وإن رأت الطهر على ثمانية أيام أخذت تلك الثمانية الأيام وقتاً وإن كان وقتها الأول ثمانية أيام فقد ثبتت على
- 240 - (1/247)
صفحة 248
وقتها وإن كان وقتها سبعة أيام طلعت إلى ثمانية أيام، وكذلك إن كان وقتها الأول تسعة أيام أو عشرة أيام نزلت إلى ثمانية أيام وأخذت بقول من قال: يكون الطلوع والنزول بمرة واحدة، وإنما تأخذ بهذه الأقوال عند الضرورة لأنه قد اختلف أصحابنا في التي لا تدرى أيام طهرها ولا أيام حيضها، فمنهم من يقول: تنتظر إلى وقت أمهاتها وأخواتها، كم طهورهن وكم حيضهن. وقال آخرون: تترك الصلاة عشرة أيام وتصلي عشرة أيام. وقال آخرون: تعمل بالتمييز لأن دم الحيض له زيادة ولون يعرف به من دم الاستحاضة، فإن لم تكن من أهل التمييز فلتعمل كما قدمنا. وقال آخرون: تترك الصلاة مقدار ما تيقنت من أيام حيضها، ثم تنتظر بعد تيقنها يومين، ثم تغتسل وتصلي، وإن لم تتيقن على شيء فلتعمل كما تعمل المبتدئة في أول ما يأتيها الحيض، وهذا موافق لقول من
قوله: أيام طهرها أي مع علم الوقت وأما مع جهله انظر كيف تفعل، وهل يقال قياساً على القول الأول إنها تنتظر إلى خصوص زمن يجيء حيض قريبتها كما تنظر للعدد؟ أو يقال وتصلي دائما للاحتياط في العبادة وتكون كالحائض بالنسبة إلى الوطئ والظاهر الأول حرره بنقل صحيح.
قوله: وتصلي لم يبين كم تصلي ولا يؤخذ من قوله وهذا موافق الخ. أنها تصلي عشرة.
- PEI-
ه م 16 - الإيضاح: (1/248)
صفحة 249
قال: تطلع وتنزل بمرة واحدة والله أعلم. وفي الأثر: وأما إذا نفست المرأة فدام بها الدم عشرة أيام أو أكثر من عشرة أيام، ثم رأت الطهر فاغتسلت وصلت، ثم ردفها الدم فلا تشتغل بما ردفها من الدم حتى تصلي ما كانت تصلي إن كان لها وقت في الصلاة قبل ذلك، وإن لم يكن لها وقت في الصلاة فلتصل عشرة أيام ثم تعطى للحيض فيكون لها ما رأت أول وقتها للنفاس، وأما إذا رأت الطهر على عشرة أيام أو أكثر من ذلك ثم ردفها دم قبل أن تغتسل فإنها تعطى للنفاس وتبنى على الأيام الأولى التي دام بها الدم، ولا تبن على أقل من عشرة أيام، وأما إذا نفست فدام بها الدم يوماً والطهر يوماً فإنها تترك يوم الدم وتصلي يوم الطهر ما لم تبلغ أربعين يوماً، ولا يكون لها ذلك وقتاً، وكذلك إندام بها الدم يومين أو ثلاثة أيام وما دون عشرة أيام على هذا المعنى إذا كانت ترى يومين دماً ويومين طهراً، أو ثلاثة أيام دماً وثلاثة أيام طهراً. وقد
:
قوله: وفي الأثر فيتأمل ما المناسبة في إدخال هذا في البين إلا أن يقال كلام الأثر ثم عند قوله فلا تصل اليه.
قوله: ولا تبن على أقل من عشرة أيام يتأمل هذا فإن ظاهره يشكل على ما تقدم من البناء في النفاس يكون على ثلاثة إلا أن يقال هذا من الأثر وهو مخالف
ما تقدم
- 242 - (1/249)
صفحة 250
شدد بعض العلماء في التي جهلت أيام طهرها وأيام حيضها بالتضييع، وهي
التي يقولون: ذهب مفتاحها في البحر فلا تصل إليه، فإن عامت حيضها وأيام طهرها ولم تدر في أي وقت من الشهر كان وقت حيضها فلتأخذ بقول من قال: كل دم وجد بعد طهر عشرة أيام فهو حيض، و تعطى للحيض بعد أن صلت عشرة أيام والله أعلم. واختلفوا في النفساء متى تترك الصلاة، قال بعضهم: تترك الصلاة إذا ضربها المخاض ورأت الدم، وقال آخرون: حتى تركد للولادة، وقال آخرون: حتى يخرج بعض الولد، وقال آخرون: حتى تضع حملها. وقال آخرون: حتى تضع آخر ما في بطنها لأنه بذلك يرتفع عنها اسم الحامل إن كان في بطنها أكثر من واحد، وسبب الخلاف عندي أن يكون من باب الاختلاف، بين العلماء في الاسماء هل الواجب الأخذ بأوائلها أم بأواخرها؟ وأصح هذه الأقاويل قول من قال: حتى تضع آخر ما في بطنها، لأنه بذلك
قوله: حتى تضع آخر ما في بطنها ظاهره ولو تأخر الثاني حق تخلل بينه وبين الأول أربعون يوماً. قوله: في الاسماء والصحيح أن النفاس إسم لولادة المرأة لا للد للدم، ولذلك يقال دم النفاس، والشيء لا يضاف لنفسه، وسيأتي المصنف رحمه الله ما يخالفه. قوله: قول من قال: حتى تضع فعلى هذا لزوجها رجعتها ما لم تضع الآخر
- 243 - (1/250)
صفحة 251
يرتفع إسم الحامل عنها والله أعلم، واختلفوا أيضاً في المرأة إذا أسقطت، هل تستحق إسم نفساء وتفوت زوجها إذا طلقها وتحل للازواج؟ قال بعضهم: إن سقطت ما لا يذيبه الماء فهي نفساء وتفوت زوجها، وقال آخرون: حتى تستبين من السقط جارحة ثم تكون نفساء. وقال آخرون: حتى تضع ما يسمى ولداً، ولا يسمى ولداً حتى يكون تام الخلقة، لأن بذلك يصح لها إسم نفساء ولا يصح بما دون ذلك.
مسألة في احكام الحيض والاستحاضة:
والأصل في ممنوعات الحيض قوله تعالى: «ويسألونك عن المحيض قل هو أذىً فاعتزلوا النساء في المحيض، (1). والآثار الواردة في ذلك عن الرسول عليه السلام، وذلك أن كل شيء يجوز للمرأة أن تفعله قبل الحيض يجوز لها أن تفعله في الحيض، إلا خمس عشرة خصلة،
لأن الله تعالى يقول: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) (2) والله أعلم.
مسألة في احكام الحيض والاستحاضة:
قوله: يجوز لها ان تفعله في الحيض إلا خمس عشرة هذا يقتضي أنها لو
(1) البقرة: 222. 21) الطلاق: 4.
- PEE- (1/251)
صفحة 252
أحدها الوطئ في الفرج محرم والدليل قوله تبارك وتعالى: «ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقر بوهن حتى يطهر هن»، فمفهوم الآية أنه إنما نهى عن الوطئ في المحيض لأنه أذى، و ما دون فرجها مباح لأنه ليس بأذى، لحديث عائشة رضي الله عنها
قالت: (كنت أنام مع رسول الله و أنا حائض) (1)، وقالت:
(2)
كنت أُرَجُلُ رأس رسول الله وأنا حائض) (2)، ولقوله عليه
اغتسلت لم يحرم عليها. وكذلك ظاهر ما سيأتي من أمره عليك الان الحائض أن تفعل أفعال الحج كلها إلا الطواف بالبيت يقتضي جواز ذلك كما كتبته بهامش نسختي هناك. ثم رأيت عبارة الوضع بعد ذلك ظاهرة في عدم الجواز ونصها: لا يجوز للمرأة الإغتسال حتى ترى الطهر البين أو تخرج من الانتظار إن لم تو الطهر، إلا ما ذكروه من الرخصة للمرأة الحائض إذ أرادت أن تسافر وهي في الحيض أو النفاس، رخصوا لها أن تخفف النجس من جسدها إذا خافت عدم الماء في السفر والله أعلم بالصواب. وسيأتي في كلام المصنف رحمه الله قريباً
نحو هذا
•
قوله: قالت: كنت أنام الخ ..
فائدة: أخذ من الحديث جواز النوم مع الحائض، وقد نقل محمد بن جرير في كتابه في مذاهب العلماء الإجماع على أنها لا تكره مضاجعة الحائض ولا قبلتها
(1) متفق عليه (2) أخرجه الستة
1980 - (1/252)
صفحة 253
السلام: (ليست حيضتك بيدك) (1)، وذلك أنه قال لها (ناوليني الخمرة فقالت: إني حائض. فقال لها: ليست حيضتك بيدك فهذه الأحاديث تدل على أن بدن الحائض ليس بنجس، ولهذا التعليل قال بعض أصحابنا في المستحاضة: مكروه وطئها لأن ظهور دمها أذى فهي في معنى الحائض، وعارض من أبى من ذلك أن المستحاضة في حكم الطاهر لأنها مأمورة بالصلاة والصيام. وفرق عليه السلام بين دم الحيض ودم الاستحاضة بقوله: (دم الحيض أسود ثخين يعرف فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة وإذا كان الآخر فاغتسلي وصلي) (2)، لقوله عليه السلام في الاستحاضة: (إنه دم عرق) (3)، فالموجب أن ظهور الدم من فرجها
(2)
ولا الاستمتاع بها فيما فوق السرة وتحت الركبة، ولا يكره وضع يدها في شيء ولا غسل رأس زوجها أو غيره من محارمها وترجيله، ولا يكره طبخها وعجنها وغير ذلك من الصنائع، وسورها وعرقها طاهران.
قوله: ناوليني الخمرة بضم الخاء المعجمة وسكون الميم حصير من جريد صغير، فإن كانت كبيرة لم تسم" خمرة وإنما سميت خمرة لأنها تخمر وجه المصلي وتغطيه، وفي الصحاح الخمرة سجادة صغيرة من سعف النخل وترمل بالخيوط
انتهى، وفيها غير ذلك.
من
الأقوال
(1) أخرجه الخمسة إلا البخاري.
(2) تقدم ذكره.
(3) تقدم ذكره.
- 246 - (1/253)
صفحة 254
يمنع الوطئ يجب على قياد قوله أن ظهور الدم من فرجها بالقرح أو الجرح يمنع الوطئ، وهذا لم يقل به أحد أعلَمُه، وقد فرق بعض أصحابنا بين الدم الكثير والقليل، فأباح وطئ المستحاضة في الدم القليل، وكره وطئها في الدم الكثير، وقال بعضهم: وطئ المستحاضة مكروه، وأباح وطئها بعد الغسل لقوله تعالى: (قل هو أذى) وهذا كله استحسان منهم و استحاطة عندي والله أعلم. وكذلك النفساء مكروه وطئها عندهم. وروي أن طلحة تعرضت له امرأته في الأربعين فقال لها: نهينا أن نقرب النساء في الأربعين، والاحتياط في ذلك حسن ولم أعلم أحداً حرم
قوله: وكذلك النفساء مكروه وطئها الخ. الظاهر أن مراده بالكراهة الحرمة كما أريد بها ذلك فيما تقدم بدليل قوله: فالموجب أن ظهور الدم من فرجها يمنع الوطئ الخ. فلا ينافي ما سيأتي من أن النفساء مثل الحائض في السنة وما أشعر به فرقه فيا سيأتي، فإن سلم أن الكراهة على بابها فلعل الضمير يعود إلى من تقدم من القائلين بالكراهة كما هو مقتضى السياق، فلا ينافي ما سيأتي والله أعلم بالصواب. وكتب أيضاً ما نصه خلافا لمشهور مذهب مالك والشافعي، وذهب بعض المالكية والشافعية إلى موافقة أصحابنا، والدليل على صحة ما ذكر المصنف وإن لم يسلمه فقد روى مسلم في صحيحه أنه قال: إصنعوا كل شيء غير النكاح ((1) فهو حجة عليهم.
:
(1) رواه مسلم (1/254)
صفحة 255
بذلك والله أعلم. والنظر عندي أن المستحاضة في حكم الطاهر يجوز منها ما يجوز من الطاهر، وما دون فرج الحائض مباح بالسنة لقوله عليه السلام: (إنما أمرتم أن تعتزلوا الفروج) (1) وذلك أنه لما نزل
ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض، (2)
،
قوله: والنظر عندي .. الخ. ما قاله المصنف رحمه الله وهو مذهب الجمهور فيجوز لزوجها وطئها حال جريان الدم عند الجمهور من أصحابنا وجمهور العلماء، ونقله إبن المنذر في الاشراف عن إبن عباس وإبن المسيب والحسن البصري وعطاء وسعيد بن جبير وقتادة وحماد بن أبي سليمان وبكر بن عبد الله المزني والأوزاعي والثوري ومالك والشافعي وإسحاق وأبي ثور، قال إبن المنذر وبه أقول، وروينا عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لا يأتيها زوجها، وبه قال النخمي والحكم، وكرهه إبن سيرين، وقال أحمد: لا يأتيها إلا أن يطول ذلك بها، وفي رواية عنه: إلا أن يخاف زوجها العنة، وقال البخاري في. صحيحه: قال ابن عباس: يأتيها زوجها إذا صلت، والمختار مذهب الجمهور، والدليل عليه ما رواه بعض قومنا عن عكرمة عن حفصة بنت جحش أنها كانت مستحاضة وكان زوجها يجامعها، ولأن المستحاضة كالطاهر في الصلاة والصوم وغيرهما، فكذا في الجماع، ولأن التحريم إنما يثبت بالشرع ولم يرد الشرع بتحريمه. والله أعلم فرحمه الله ما أدق نظره وأعرفه بقواعد الشرع، اللهم فكما ألهمتنا النظر في كلامه فمن علينا بفهم مقاصده
(1) رواه الجماعة الا البخاري من طريق أنس بن مالك.
(2) البقرة: 222.
- YEA- (1/255)
صفحة 256
عمد المسلمون إلى النساء الحيض فأخرجوهن من البيوت واعتزلوهن حتى يطهرن ويغتسلن ثم يردوهن إلى البيوت، فجاء قوم من أعراب المدينة فشكوا إلى رسول الله له عن عزل الحيض فقالوا يا رسول الله: إن البرد شديد والثياب قليلة، فإن آثر ناهن بالثياب هلك سائر العيال برداً، وإن آثرنا العيال بالثياب هلكن الحيض برداً، وليس كل منا يجد سعة فيوسع عليهم جميعاً، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما أمرتم أن تعتزلوا الفروج ولم تؤمروا بإخراجهن من البيوت، فقرأ عليهم رسول الله له الآية، وقوله عليه السلام: (إنما أمرتم أن تعتزلوا الفروج) دليل على أن ما دون فرجها مباح والله أعلم. وفي الأثر: وإذا واقع الوجل امرأته في دم الحيض أو صفرة الحيض فقول أبي عبيدة: لا أحللها ولا أحرمها عليه فإنه متعمد لحدود الله وأحب إلى فراقها، ثم لا يعود إليها أبداً وإن نكحت زوجاً غيره ثم طلقها أو مات عنها لما أصاب منها، والنفساء مثلها في السنة، وقال أبو نوح: عصى ربه ولا تحرم عليه امرأته، فإن طاوعته يتصدق كل واحد منها بدينار، وإن أكرهها وغلبها بغير وفق منها ولا طاوعته فليتصدق هو بدينار وليس عليها شيء، وإن أصابها بغير علم منه وكتمت ذلك فليس عليه هو شيء وتتصدق هي بدينار. وقال بعضهم: يجزئ عنهما دينار واحد يتصدقان به بينهما. وقال بعضهم: (1/256)
صفحة 257
إذا كان ذلك في الدم فكل واحد منهما يتصدق بدينار، وإن كان في الصفرة فنصف دينار على كل واحد منهما، وإن كان في الطهر قبل أن تغتسل فليتقربا إلى الله بشيء من صدقة أو صيام. قال: وأبو عبيدة كل ذلك جعله سواء لا يرخص في شيء ولا يوجب الفراق فيه. واختلف الناس فيمن وطئ امرأته في الحيض فحرمها بعض، ووقف بعض، ولم يحرم آخرون، وأوجبوا عليه الكفارة وهم قوم من أهل الخلاف، والجمهور من أصحابنا على التحريم لركوبه نهي الله، وقالوا: إن الجماع يفسد الحج والصوم والاعتكاف لركوبه ما نهى الله عنه. وقال بعض أصحابنا: إن وطئ في الحيض تاب واستغفر، وإن عاد تاب، وإن عاد تاب، وإن عاد في الرابعة حرمت عليه لأن هذا معاند فأحرى أن
قوله: وأوجبوا أي أوجب الشافعي في القديم ونقل عن الجديد أن يتصدق بدينار إن كان وطئه في إقبال الدم، وبنصف دينار إن كان في إدباره، وإنما اختلف الحال في الإقبال والإبادر لأنه في أوله كان قريب عهد بالجماع فلا يعذر بخلاف آخره، فخفف عنه، ولا دليل عليه، ويوافق أحمد على الكفارة، وأما مالك فليس عليه عنده إلا التوبة والاستغفار والله أعلم.
قوله: وهم قوم من أهل الخلاف الظاهر أنه راجع إلى الذين لم يحرموا مع إيجاب الكفارة، ولكن ينظر مع ما أسلفه عن أبي نوح وأضرابه إلا أن يقال أراد بالكفارة المغلظة، ولم أعلم أحداً أوجب ذلك إلا الحسن وسعيد
كما سيأتي.
- 250 - (1/257)
صفحة 258
تحرم عليه، وسبب الخلاف عندي هل النهي يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ والله أعلم، قال بعضهم: يدل، وقال آخرون: لا يدل، وإن وطئها قبل أن تغتسل وقد طهرت فهي عندهم كمن وطئها في الحيض، وحكمها حكم الحائض ما لم تغتسل لقوله تعالى: «وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ، أي يرين الطهر فإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله (1) أي يغتسلن بالماء الطاهر، وفي الأثر: في إمرأة كانت في رمضان فحاضت
قوله: وفي الأثر .. الخ. المقصود منه الاستشهاد على أن حكم ما بعد الظهر وقبل الإغتسال حكم الحيض، إذ لو كان حكمه مختلفاً لصح صوم المرأة المذكورة لرؤيتها الطهر قبل الفجر، لكن لما حكموا عليه بالبطلان دل على أن حكمها متحد والله أعلم.
فائدة: إعلم أن مباشرة الحائض أقسام، أحدها: أن يباشرها بالجماع في الفرج وهذا حرام بالاجماع بنص القرآن العزيز والسنة الصحيحة، ولو فعله إنسان غير معتقد حله بأن كان ناسياً أو جاهلاً بوجود الحيض فلا إثم عليه ولا كفارة، وإن وطئها عامداً عالماً بالحيض فقد ارتكب معصية كبيرة وتحرم عليه إمرأته عند الجمهور من أصحابنا، وتجب عليه التوبة. وقال بعض أصحابنا: لا تحرم عليه، ووافقهم على ذلك الشافعي ومالك وأحمد وأبو حنيفة وغيرهم من المجتهدين، واختلفوا في وجوب الكفارة فقيل: لا تجب، ووافقهم على ذلك الشافعي في أصح قوليه وهو الجديد، وقول مالك وأبي حنيفه وأحمد في أحد
(1) البقرة: 222.
-901 - (1/258)
صفحة 259
فرأت الطهر بليل وتبين لها ذلك فأخذت في الغسل ولم تفرغ منه حتى
الروايتين وجماهير السلف كعطاء وابن أبي مليكة والشعبي والنخعي ومكحول والزهري وأبي الزناد وربيعة وحماد بن أبي سليمان وأيوب السختياني وسفيان الثوري والليث بن سعد، وقيل: تجب، ووافقهم على ذلك الشافعي في القديم، وهو مروي عن ابن عباس والحسن البصري وسعيد بن جبير وقتادة والأوزاعي وإسحاق وأحمد في الرواية الثانية عنه، واختلفوا في الكفارة فقال الحسن وسعيد: عتق رقبة، وقال الباقون: دينار أو نصف دينار على إختلاف منهم في الحال الذي يجب فيه الدينار ونصف الدينار، هل الدينار في أول الدم ونصفه في آخره؟. أو الدينار في زمن الدم ونصفه بعد إنقطاعه؟ وتعلقوا بحديث ابن عباس المرفوع: (من أتى امرأته وهي حائض فليتصدق بدينار أو نصف دينار) (1) وهو حديث ضعيف، فالصواب أن لا كفارة والله أعلم. القسم الثاني: المباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة بالذكر أو بالقبلة أو بالمعانقة أو اللمس أو غير ذلك حلال باتفاق العلماء، وقد نقل الإجماع على هذا فلا عبرة بالمخالف لأنه مسبوق بالاجماع ومعقب به. القسم الثالث: المباشرة فيما بين السرة والركبة في غير القبل، فذهب أصحابنا إلى جوازه، ووافقهم على ذلك بعض أصحاب الشافعي وعكرمة ومجاهد والشعبي والنخعي والحكم والثوري والازواعي وأحمد ابن حنبل ومحمد بن الحسن وإصبغ من أصحاب مالك وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وابن المنذر وداود وهو أقوى دليلا، واحتجوا بحديث أنس: (اصنعوا كل شيء إلا الجماع) (2) قالوا: وأما اقتصاره عليه الصلاة والسلام على مباشرة على
وهو
(1) رواه الخمسة
(2) تقدم ذكره.
- 252 - (1/259)
صفحة 260
أصبح، هل يتم لها صومها ذلك اليوم أم لا؟ قال: لا، فقلت له: هل لها أن تأكل في ذلك اليوم أم لا؟ قال: لا يستحب لها الأكل وإن أكلت فلا أرى عليها بأساً، وهي مثل التي رأت الطهر في يوم فاغتسلت لا يستحب لها الأكل، وإن أكلت فلا بأس، وفي الأثر: وإذا جاوزت الحائض ثلاثة أيام وأرادت أن تسافر أو تنتقل على الماء فإنها تغسل جسدها إلا الاستنجاء، فإنها لا تستنجي وتقعد على رجليها وتضم جسدها، كذلك تغتسل، والنظر يوجب عندي أن لا تحرم عليه إذا وطئها قبل أن تغتسل،
ما فوق الإزار الذي إستدل به القائلون بالتحريم فمحمول على الاستحباب، وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى التحريم وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وسعيد ابن المسيب وشريح وطاوس وعطاء وسليمان بن يسار وقتادة واعلم أن تحريم الوطى والمباشرة على قول من يحرمها يكون في مدة الحيض وبعد انقطاعه إلى أن تغتسل أو تتيمم بشرطه، وهذا مختار المصنف رحمه الله، وهو مذهب الشافعي وأحمد وجماهير السلف والخلف، والمشهور من مذهب مالك المنع بعد التيمم، وقال أبو حنيفة: إذا انقطع الدم لأكثر الحيض حل وطئها في الحال، واحتج الجمهور بالآية والله أعلم.
قوله: فإنها تغسل جسدها .. الخ. عبارته هذه موافقة لما استدل به فيما تقدم من أن جسدها طاهر، وأما عبارة الوضع ففيها التصريح بنجاسته حيث عير بقوله: إن تجفف النجس من جسدها، وما قاله المصنف فيما تقدم واقتضاه هذا الأثر هو الظاهر الموافق لما ورد في السنة، ويمكن أن ترد عبارة الوضع إلى هذه بالتأويل.
- Yor- (1/260)
صفحة 261
ولا يكون حكمها كحكم الحائض بعد ما طهرت، لأنها يطهرها صاع من الماء، والحائض لا تطهر ولو اغتسلت في البحر، والواطيء في الدم مرتكب لنهي الله تعالى بالإجماع، والواطيء في الطهر قبل أن تغتسل اختلف الناس فيه، وذلك أن قوله تبارك وتعالى: «ولا تقربو هن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله، (1) اختلف الناس في تأويله، فبعض حمل قوله: " فإذا تطهرن فأتوهن، على أنه النقاء، وحمله بعضهم على أنه الغسل، وهو قول الجمهور وذلك أن التطهر إنما ينطلق على ما يكون من فعل المكلفين لا على ما يكون من فعل غيرهم. وقال آخرون: ليس من عادة العرب أن يقولوا: لا تعط فلاناً درهماً حتى يدخل الدار فإذا دخل المسجد فأعطه درهماً، بل إنما يقولون: فإذا دخل الدار فأعطه در هماً لأن الجملة الثانية مؤكدة لمفهوم الجملة الاولى
الماء
قوله: فإنها تغسل جسدها، قيدها في الوضع بما إذا خافت عدم وجود الماء، وربما يؤخذ من قول المصنف حيث قيد ذلك بالانتقال عن ا قوله: وذلك أن التطهر قلت يؤيد قراءة حمزة والكسائي و عكرمة وعاصم في رواية أبي بكر بن عياش (يطهرن) بتشديد الطاء وأصله يتطهرن فأبدلت التاء طاء وأدغمت، والاصل في القراءة التوافق.
قوله: لأن الجملة الثانية مؤكدة .. الخ. هذا إنما يظهر على قراءة التشديد،
(1) تقدم ذكرها.
- 254 - (1/261)
صفحة 262
ومن تأول قوله تعالى: (حتى يطهرن، على أنه النقاء، وقوله: «فإذا تطهرن، على أنه الغسل بالماء، فهو بمنزلة من قال: لا تعط فلاناً درهماً حتى يدخل الدار، فإذا دخل المسجد فأعطه درهماً، وذلك غير مفهوم في كلام العرب إلا أن يقدر في الآية محذوف ويكون تقدير الكلام ولا تقربو هن حتى يطهرن، ويتطهرن، فإذا تطهرن فأتوهن، والحذف مجاز وحمل الكلام على ظاهره على الحقيقة أولى من حمله على المجاز، والآيه كما ترى محتملة، فإذا احتملت الآية هذا التأويل فليس ينبغي أن يكون الواطئ في الطهر قبل أن تغتسل بالماء بمنزلة الواطئ في الحيض
وأما على قراءة التخفيف فلا، بل هو تأسيس، إذا المعنى ولا تقربو هن حتى ينقطع حيضهن فإذا تطهرن) أي اغتسلن فيكون من باب تعارض مفهوم الغاية والشرط فأيهما يقدم؟ والظاهر تقديم مفهوم الشرط وحمل القرآن على تكثير الفوائد أولى من حمله على التأكيد حرره. وقال بعضهم: لا تأكيد ههنا ونص عبارته: وقلت: قرئت الآية بالتشديد فيها، فيكون المراد الاغتسال بالماء لان التفعيل إنما يكون من كسبهن، وانقطاع الدم ليس من كسبهن، فتعين الغسل بالماء، وعلى هذا يكون قوله تعالى: فإذا تطهرن أي فإذا وقع ذلك منهن أي اغتسلن فأتوهن كقوله: لا تكرم زيداً حق يأتيك فإذا أتاك فأكرمه فليس هنا غايتان، بل أعاد الغاية الاولى ليترتب عليها الحكم بطريق التنصيص فإن قوله: فلا تقربو هن نهي مفياً يحتمل أن يتعقبه الاباحة وأن يتعقبه عدم الحكم بالكلية، فإن عدم التحريم أعم فأعاد إليه الوصف ليرتب عليه الإذن الشرعي فيما هو تأكيد ولا غاية، انتهى
- 255 - (1/262)
صفحة 263
إنما حرمت عليه امرأته عقوبة لارتكابه لنهي الله عز وجل بالإجماع، ولا يستحق العقوبة بالإجماع إلا على كبيرة، والواطئ في الطهر قبل الغسل غير متفق على عصيانه، وهذا شيء يصوغ فيه الاختلاف، وأما لا يجوز فيه الاختلاف ففاعله غير معذور، وكذلك الواطئ في دم النفاس لا تحرم عليه امرأته لأنه لا يرد فيه تصريح النهي كما ورد في دم الحيض، وإن كان الدمان حكمها في ترك الصلاة والصوم واحد، ولكن اللغة تشتق ولا يقاس عليها، ولذلك لم يحرموها على من وطئ في دم النفاس، لأن اسم النفاس علم على الدم الخارج مع الولد والله أعلم. والواطئ في الحيض بالخطأ والنسيان أو وطئها وهي ناعسة ولم يعلم أنها حائض فإنها لا تحرم عليه في هذا كله لأنه لم يستحق العقوبة بعد، ولا يستحق العقوبة إلا مرتكب لنهي الله بالعمد والله أعلم. وإن طهرت المرأة في السفر ولم. تجد الماء وتيممت فإن لزوجها أن يطأها. وقال بعضهم: لا يجوز له وطنها حتى تغتسل بالماء الطاهر، وهذا القول يدل على أن صاحبه لا يقول بالقياس، والقول الأول عندي أصح قياساً على ما روي عن الني عليه السلام في
قوله: والقول الأول عندي أصح .. الخ. مقتضاه إباحة وطئها في الحضر بالتيمم إذا وجد شرطه كما أباح الصلاة، والظاهر أنها إن عدمت الماء والتراب لا يباح وطئها والله أعلم.
- 256 - (1/263)
صفحة 264
الجنب، وذلك أنه روي عن أبي ذر رحمه الله قال: سئل رسول الله عن الجنب أيتيمم؟ قال: (التيمم طهور المسلم ولو إلى عشر سنين) (1) والله أعلم، وإن ضيعت الطهر حتى فات وقت الصلاة التي استقبلتها،
6
قال بعض أصحابنا: إن وطئها لم تحرم عليه. الممنوع الثاني في الحيض فعل الصلاة ووجوبها أعني أنها لا يلزمها قضاؤها لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) (2) الثالث: فعل الصوم لا قضاؤه لقوله عليه السلام: (إنهن - يعني النساء -
قوله: لا يلزمها قضاؤها .. الخ. لم يبين المصنف رحمه الله حكم قضائها الصلاة هل هو حرام أو مكروه؟ وظاهر صدر عبارته الحرمة، وظاهر تفسيره بعد ذلك الجواز، وعبارة الشيخ إسماعيل رحمه الله تقتضي الجواز حرره بنقل
صحيح.
يصح
منها
قوله: فعل الصوم الخ. قال بعض المخالفين: كون الصوم لا لا يدرك معناه، فإن الطهارة ليست مشروطة فيه، وهو لا يضعفها، وصوم صحيح، قلت: هذا على أصلهم الفاسد من عدم اشتراط الطهارة في الصوم، وأما على أصلنا من اشتراط الطهارة فليس كما زعم.
الضعيف
قوله: لا قضائها هذا مبني على القول بوجوب الصوم على الحائض، وقيل: الصوم كالصلاة في منع الوجوب، وهذا بناء على أن القضاء بالأمر الأول لا بأمر
(1) رواه أحمد وأبو داود والأثرم (أبو عبيدة).
(2) رواه الجماعة
- YOY -
م 17 - الإيضاح (1/264)
صفحة 265
ناقصات العقول والدين، قيل: يا رسول الله ما نقصان عقولهن ودينهن؟ قال: تقعد الواحدة منهن أياماً لا تصلي ولا تصوم)) أخبر عن جملتهن،
الرابع: الطواف بالبيت الحديث عائشة قالت: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
(2)
الحائض أن تفعل أفعال الحج كلها إلا الطواف بالبيت)) ولقوله عليه السلام: (الطواف بالبيت صلاة لكن أحل الله فيه الكلام فلا تتكلموا إلا بما يحل) (3) الخامس: دخول المسجد لحديث أم عطية قالت: (أمرنا أن نخرج إلى العيدين، والعواتق من الخدور، وأمر الحائض أن تعتزل عن مصلى المسلمين () وفي الأثر: ولا تدخل الحائض ولا النفساء المسجد الحرام، فإذا دخلت فلا شيء عليها من الكفارة، غير أنها مسيئة فيما فعلت، ولا بأس عليها في دخول المساجد غير المسجد الحرام إن لم يخفن فساد المسجد. السادس: الإعتكاف، لأن الإعتكاف لا يكون إلا
جديد، وفائدة الخلاف تظهر في وجوب التعرض للأداء والقضاء في النية، فإن قلنا بوجوبه عليها نوت القضاء وإلا نوت الأداء، فإنه وقت توجه الخطاب
إليها والله أعلم بالصواب.
قوله: إن لم يخفن فساد المسجد هذا التقييد قد يقال لا حاجة إليه لأن الكلام
(1) متفق عليه
(2) متفق عليه
(3) تقدم ذكره
(4) رواه أبو داود وابن ماجه
- 258 - (1/265)
صفحة 266
(1)
بصوم ولا يكون إلا في المسجد، وقد نهيت عن الصوم ودخول المسجد. السابع: قراءة القرآن لحديث جابر رضي الله عنه قال: (قال رسول الله الا الله في الجنب و الحائض والذين لم يكونوا على طهارة لا يقرأون القرآن ولا يطئون مصحفاً بأيديهم حتى يكونوا متوضئين) (1) الثامن: مس المصحف لقوله تعالى: «لا يمسه إلا المطهرون، (2) وقد تقدم الكلام عليه بما فيه الكفاية ان شاء الله. التاسع: الفراق مع الزوج لقوله تعالى: «فطلقوهن لعدتهنَّ» أي لطهرهن، ويكون الاجتناب عن الحيض لما روي من طريق ابي سعيد الخدري قال: (إن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض في زمان رسول الله له فجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى رسول الله الله فسأله عما فعل ابنه، فقال له رسول الله: مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر إن
صل الله
في خاصية الحيض، وخوف الفساد لا يختص به بل يشاركه غيره في ذلك
والله أعلم. قوله: السابع يوافقه الجديد من قول الشافعي وأما مالك فلا، والقديم من
قولي الشافعي.
(1) رواه الدارقطني.
(2) الواقعة: 79.
- You - (1/266)
صفحة 267
شاء أمسك وإن شاء طلق (1) فتلك العدة التي أمر الله عز وجل أن تطلق لها النساء. العاشر و الأحد عشر: الاحتجام والقطع لما اتصل بها كتقليم الأظفار ونتف الإبطين وحلق العانة، نهيت عن هذا كله في الحيض، والنظر يوجب عندي، إنما نهيت عن هذا لأنها غير طاهرة ولا تصل إلى طهارتها، فكان حكم بعضها كحكمها، ولذلك نهيت عن القطع لما اتصل بها في أيام الحيض. الثاني عشر: الامتشاط، الثالث عشر: الإكتحال، الرابع عشر: الإختضاب، الخامس عشر: الإستياك، نهيت عن هذا كله، وإنما نهيت عن هذا عندي لأنه من دواعي الجماع المنهي عنه في الحيض، ألا ترى أن المعصية فعلها معصية والأمر بها معصية، وكذلك دواعيها كلها معصية؟ والدليل قوله عز وجل: «ولا تنكحوا المشركات حتى يُؤمِنَّ ولأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكَة ولو أعجبتكم، ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون، (2)، ويحرم نكاح المشركين والمشركات لأنهم يدعون إلى الكفر الذي هو سبب
(1) متفق عليه.
(2) البقرة: 221.
- 260 - (1/267)
صفحة 268
:
لدخول النار أعاذنا الله منها، وفي الأثر: وليس على الحائض في ذكر الله وقراءة القرآن واستقبال القبلة بأس، ولا يمتنع أحد من ذكر الله. وقال بعضهم: يكره لها قراءة القرآن، والأول أحب إلى العلماء لأنهم مجمعون على أنها تذكر الله والذي خلق القرآن أعظم من القرآن، ولا يدنس الذكر بدنس الأجساد، وعن الحائض هل لها أن تخضب يدها بالحناء قال: لا بأس، ولكن تغسل يدها لا بأس، وفي الأثر: والنفساء تمشط وتضفر والحائض تدهن، وكره بعضهم لها الضفر والمشط، فإن فعلت فلا شيء يلزمها، غير أنها تؤمر بترك المشط والضفر، وفي الأثر: وعن امرأة حائض أراد زوجها أن يجلبها من عند أهلها وهي حائض هل لها رخصة أن تدهن رأسها وتمشط أم لا؟ قال: ليس لها أن تمشط رأسها غير أن لها أن تفتح رأسها وتدهنه وتضفره ولا تمشطه.
قوله: أن تختضب كذا في النسخة التي رأيتها، والظاهر خضب إذ هو المتعدي وأما اختضب فهو لازم. قال في مختصر الصحاح: خضب، الخضاب ما يخضب به وقد خضبه من باب ضرب واختضب هو.
قوله: تمشط، مشط من باب نصر ضفر من باب ضرب، والضفر نسج الشعر
قوله: إن تدهن من باب نصر ومن باب قطع.
-391 - (1/268)
صفحة 269
مسالة:
اختلف أصحابنا في المستحاضة قال بعضهم: تغتسل لكل صلاة لأن النبي عليه السلام أمرها بالغسل عند كل صلاة، ولما روي من طريق ابن عباس (أن النبي الا الله و قال للأنصارية حين سألته فقالت: يا رسول الله إني أثج الدم ثجاً فقال: اغتسلي واستثفري وصلي)، وكان يجب تكرار الغسل لتكرار الصلاة. وقال آخرون: تغتسل لكل صلاتين لما روي (أن النبي عليه السلام أمر المستحاضة أن تغتسل لكل صلاة فلما تطاول ذلك عليها أمرها أن تجمع بين الصلاتين بغسل واحد وتغتسل لصلاة الفجر وتصلي تماماً) (2)، وحديث فاطمة بنت حبيش يدل على أنه ليس على المستحاضة إلا غسل واحد لما روي عن عائشة قالت: (قالت فاطمة بنت حبيش الرسول الله: إني لا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك دم عرق نجس ليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي لها الصلاة، وإذا أدبرت وذهب قدرها فاغسلي الدم عنك وصلي) (3)، ولم يأمرها بالغسل وإنما أمرها بغسل الدم فقط.
(1) تقدم ذكره.
(2) رواه النسائي عن القاسم عن زينب بنت جحش.
(3) تقدم ذكره.
- 262 - (1/269)
صفحة 270
ويدل على هذا القول ما روي عن جابر بن زيد رضي الله عنه قال:: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المستحاضة أنها تتوضأ لكل صلاة)). قال جابر: وقد ذكرت عائشة مسألة فاطمة بنت حبيش ولم تذكر أن النبي عليه السلام أوجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة والله أعلم؛ وفي الأثر: وعن المستحاضة اغتسلت لصلاة الصبح فلما كان في بعض النهار فرأت الطهر ولم يردفها الدم بعد الطهر هل عليها الغسل أم لا؟ قال: يستحب لها الغسل فإن ردفها الدم بعد ما اغتسلت لصلاة الصبح فعليها الغسل والله أعلم.
قوله: إنها تتوضأ لكل صلاة فرع قال أبو إسحاق رحمه الله: والطهارات كلها تجزي قبل الوقت إلا في ثمان خصال أحدها التيمم. الثاني: الاستحاضة. الثالثة: من به سلس البول. الرابعة: من به سلس النجو. الخامسة: من به. السادسة: من به رعاف. السابعة: من به جرح يسيل. الثامنة: من
باسور
به سلس الريح.
(1) تقدم ذكره.
- 263 - (1/270)
صفحة 271
مسألة
:
باب في التيمم
في معرفة الطهارة التي هذه الطهارة بدل منها، اتفق العلماء أن التيمم
باب في التيمم
قوله في التيمم: التيمم لغة، القصد، وشرعاً طهارة ترابية ضرورية بأفعال مخصوصة تستعمل عند عدم الماء أو عند العجز على استعماله، وهو من خصائص هذه الأمة كالوضوء والصلاة على الميت. وثلث الاموال في الوصايا والغنائم، وحكمته لطف الله تعالى بالأمة وإحسانه إليها وليجمع لها في عبادتها بين التراب الذي هو مبدأ إيجادها والماء الذي هو سبب حياتها، وحتى لا تصعب عليه الصلاة عند عدم وجود الماء لأن الترك يؤدي إلى الكسل عن العمل الذي فيه صلاحها، ونزلت آياته في سنة ست في غزوة (المريسيع) وهي غزوة بني المصطلق.
قوله في معرفة الطهارة: قال الشيخ إسماعيل رحمه الله: إن الطهارة بأسرها إنما تجب بسبعة شروط وهي البلوغ والعقل والإسلام ودخول وقت المفروضة وكون المكلف غير ساه ولا نائم وعدم الإكراه، وارتفاع موانع الحيض والنفاس، وهي شروط وجوب التيمم أيضاً. وفروض التيمم ثمان خصال: طلب الماء قبله، والنية أوله، وضربة للوجه، وضربة لليدين إلى الرسغين، والموالاة، وعموم الوجه والكفين بالمسح، وفعل ذلك بالصعيد الطاهر، ودخول الوقت. وسننه أربع: الترتيب بتقديم مسح الوجه، لكن
- 264 - (1/271)
صفحة 272
بدل من الطهارة الصغرى، واختلفوا في الكبرى، والقول الذي نأخذ به و نعتمد عليه وهو قول أصحابنا، أن هذه الطهارة بدل من الطهارتين، تكون بدلاً من الصغرى وتكون بدلاً من الكبرى، والدليل قوله تبارك وتعالى: «يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة (1) الآية. وذكر في ابتداء الآية أنواع الطهارة بالماء فلما قال: «وإن كنتم مرضى أو على
الذي في الديوان خلافه، وجعل الترتيب واجباً بين الوجه واليدين، وأما بين اليدين فقد جعله مستحباً، وما اعتمده الشيخ رحمه الله من الصحة جعله رخصة، راجعه. لكن في أبي إسحاق ما يوافق الشيخ رحمها الله، وتجديد مسح الأيدي إلى الرسغين، ونقل ما يتعلق بهما من الغبار والتسمية بذكر الله تعالى قوله: والموالاة في الديوان ما يخالفه أيضاً، ونص عبارته: فإن تيمم للوجه في مكان ثم انتقل منه إلى مكان آخر فتيمم فيه ليديه، إن ذلك يجزيه ما لم يقطع بين ذلك بحديث، وكذلك إن تيمم للوجه فمكث ساعة ثم تيمم ليديه فإن ذلك يجزيه ما لم يقطع بينهما. قوله: وذكر في ابتداء الآية واختلفوا هل هو عزيمة أو رخصة؟ وفائدة القضاء على من سافر سفر معصية أو تيمم بتراب مغصوب أو
الخلاف وجوب) مسروق، فإن قلنا عزيمة لم يقض، وإن قلنا رخصة قضاه، وفي الديوان ما يؤخذ منه أنه عزيمة، وفي المستصفى أنه لعدم الماء عزيمة، ومع وجوده لمانع كمرض ونحوه رخصة، وهذا هو ظاهر كلام الشيخ إسماعيل رحمه الله فليراجع.
(1) المائدة: 6
- 265 - (1/272)
صفحة 273
سفر، أراد أن تقوم طهارة التيمم مقام الطهارة بالماء فوجب قوله: ه أو لامستم النساء، كناية عن الجماع ليقوم ذلك مقام قوله: «وإن كنتم جنباً فاطهروا،، ويؤيد هذا ما روي عن عمار بن ياسر رضي الله عنه
فائدة: قال بعض: الإجماع منعقد على أن المحدث والجنب يتيمان، وكذلك ذات الحيض والنفاس، وكذلك الميت والمأمور بغسل مسنون، وأما المتنجس فإنه لا يتيمم عند العجز، وذهب أحمد إلى جواز تيممه، وعن الشافعي في القديم وأبي ثور والثوري والأوزاعي يمسح موضع النجس بالتراب ويصلي، وذلك مبني على قاعدة مذهبهم إن التطهير لا يكون إلا بالماء المطلق، وأما على قاعدة مذهبنا فلا يتقيد بذلك، نعم إن كانت في محل لا يزيلها المسح، فالظاهر أن مذهبنا يوافق مذهب الجمهور، حوره، ويوافقه ما قاله المصنف فيما تقدم حيث جعل التيمم بدلاً من الطهارتين الصغرى والكبرى فقط، ويدل له اقتصارهما في كيفية النية على رفع الأحداث ولم يذكر الأخباث، إلا أن كلام المصنف في توجيه تعدد التيمم ربما لا يوافقه، حرره بنقل صحيح، والذي يظهر أن البدن كالثوب، فكما لا يتيمم للثوب لا يتيمم للبدن فيكون مذهبنا موافقاً لمذهب مالك حيث أوجب طهارة البدن عند القدرة وأسقطها عند العجز، حرره. ثم ظهر من كلامه الآتي وكلام الديوان أنه يتيمم للعضو المنجوس، فعلى هذا مذهب أصحابنا كأحمد لكن خصوا ذلك بالعليل فلينظر حكم الصحيح.
فائدة: قال النووي في شرح مسلم: أجمع العلماء على جواز التيمم من الحدث الأصغر، وكذلك أجمع أهل هذه الأعصار ومن قبلهم على جوازه للجنب والحائض والنفساء، ولم يخالف فيه أحد من الخلف ولا أحد من السلف إلا ما جاء عن عمر ابن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنها، وحكي مثله عن ابراهيم النخعي
- 266 - (1/273)
صفحة 274
قال: (أجنبت فتمعكت في التراب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما يكفيك هكذا ومسح وجهه ويديه إلى الرسغين)) ومن طريق أبي هريرة قال: (سئل النبي عليه السلام عن الجنب أيتيمم؟ قال: التيمم طهور المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسسه بشرته) (2) وعن أبي ذر (أن رجلاً من ربيعة قال: يا رسول الله إنا لا نصيب الماء ومعنا الأهلون، فقال عليه السلام: التيمم كافيك ولو إلى عشر حجج) (3)، ومن ذهب من مخالفينا إلى أن التيمم لا يكون بدلاً من الطهارة الكبرى تأول قوله: «أو لامستم النساء، أنه اللمس باليد، فيكون عود الضمير في قوله: «ولم تجدوا ماء» على الأحداث
الإمام التابعي، وقيل عمر وعبد الله رجعا عن ذلك، وهذه الأحاديث الصحيحة
رادة عليهم. قوله: فليمسسه بشرته، هذا الحديث رد على أبي سلمة بن عبد الرحمن الإمام التابعي القائل بأن الجنب إذا صلى بالتيمم ثم وجد الماء لا يلزمه الإغتسال، وقد أجمع من قبله ومن بعده على أنه يجب عليه فهو مذهب متروك بالإجماع وبالأحاديث الصحيحة المشهورة في أمره الجنب يغسل بدنه إذا وجد الماء.
(1) رواه أحمد وأبو داود، وبلفظ آخر للترمذي، ورواه الطبراني في الأوسط والكبير.
ورواه الدارقطني. (2) رواه أحمد (3) رواه أحمد.
- 267 - (1/274)
صفحة 275
الصغار والله أعلم. فعند أصحابنا أن التيمم بدل من الطهارتين الصغرى والكبرى، ويكون عليه تيمان إن كانت عليه جنابة ولم يستطع الغسل، واحد للاستنجاء والجنابة، والثاني للوضوء. وقال آخرون: الأول ينويه للاستنجاء والوضوء، والثاني للجنابة، وهذا عندي على أصل اختلافهم في الوضوء، هل يجوز تأخيره على غسل الجنابة أم لا؟ والاستنجاء منوط بمن تقدم منهما، وقال بعضهم: عليه ثلاثة أحدها للاستنجاء، والثاني للوضوء، والثالث للجنابة، لأنه مخاطب بهم جميعاً، مخاطب بإزالة الأنجاس من بدنه وبالوضوء وبغسل الجنابة، والقول الأول أصح لأن زوال الأنجاس من شروط الوضوء ولا يصح الوضوء
قوله: واحد للاستنجاء والجنابة، قلت: ظاهر المذهب أنه إذا أحدث حدثاً أصغر ثم أراد أن يتيمم لزمه تيممان، كما إذا حصل هناك موجب الغسل أو نيتها، كما يؤخذ من الكلام الآتي.
قوله: لأن زوال الأنجاس الخ. أي والتيمم كالوضوء وفي الديوان والمتيمم إنما يصح له التيمم كما يصح له الوضوء، ولا يصح له التيمم إذا كان النجس في يده وهو مبلول، كان النجس منه أو من غيره، وأما إذا كان يابساً ففيه قولان الخ. وظاهر كلام المصنف الإطلاق وهو الظاهر والله أعلم بالصواب. قلت وعبارة بعض الشافعية بعد كلام ساقه: وأما إذا كان على بعض أعضاء المحدث نجاسة فأراد التيمم بدلاً منها فمذهبنا ومذهب جمهور العلماء أنه لا يجوز، وقال احمد ابن حنبل: يجوز ان يتيمم إذا كانت النجاسة على بدنه، ولم يجز إذا كانت على
- 268 - (1/275)
صفحة 276
إلا بعد الاستنجاء وزوال النجس، وذكر في كتاب أبي عبد الله محمد بن بركة في غسل الجنابة، فالواجب على المجنب أن يتطهر للصلاة قبل الاغتسال ثم يغتسل لأنه مخاطب عند قيامه للصلاة بالطهارتين جميعاً إذا كان جنباً بظاهر الآية. وقد قال بعض أصحابنا: إن عليه إحدى الطهارتين، غسل الأعضاء إذا كان محدثاً من غير جنابة، وغسل البدن إذا كان جنباً، وعلى هذا المذهب يجزيه تيمم واحد. وعلى القول الأول عليه تيممان، وإن تيمم تيمماً واحداً ونوى فيه الجمع فإنه يجزيه على الأقوال جميعاً، وإن نوى فيه الصلاة فإنه يجزيه للصلاة والجنابة لأن الصلاة لا تباح إلا بالطهارتين جميعاً الوضوء والغسل للجنابة، وإن نوى فيه
ثوبه، قال ابن المنذر: كان الثوري والأوزاعي وأبو ثور يقولون: يمسح موضع النجاسة بتراب ويصلي. قلت: الذي يظهر من كلام أصحابنا موافقة الجمهور، وأما ما سيأتي في كلام المصنف فذلك فيما إذا كانت النجاسة في عضو من
أعضاء
الوضوء، حرره قوله: قبل الإغتسال، ظاهره تقديم وجوب الوضوء، وهو موافق لقول المصنف فيما تقدم وهل يجوز تأخيره على غسل الجنابة؟ قلت: المعتمد الاستحباب. قوله: وإن نوى فيه الصلاة، ظاهره ولو كانت نفلاً. وهو قياس ما ذكره في الوضوء، وقد صرح بذلك في الديوان ظاهره ولو لم يستحضر أحد الحدثين، وعند المالكية لا بد من نية استباحة الصلاة منهما معاً، حرره.
- 269 - (1/276)
صفحة 277
الجنابة فإنه يجزيه للصوم ولا يجزيه للصلاة، لأن الصوم يباح بما لا تباح به الصلاة إلا على قول من أوجب عليه إحدى الطهارتين والله أعلم ويجوز له أن يطأ زوجته في السفر ويتيممان إن لم يجدا الماء، وكذلك إن طهرت من الحيض في السفر تقيمم ويطأها زوجها. ومن قال لا يكون التيمم بدلاً من الطهارة الكبرى منعه من هذا كله.
مسألة في معرفة من تجوز له هذه الطهارة،
إتفق العلماء على جواز التيمم للمريض والمسافر الذي عدم الماء، واختلفوا في الحاضر يعدم الماء والمريض الذي يجوز له التيمم عندهم من كان مظناً واهي الأعضاء لا يستطيع تناول الماء ويشق عليه أخذه ومن كان يخاف من استعمال الماء زيادة المرض أو تأخر البرء مريضاً أو جريحاً
قوله: لا يستطيع تناول الماء، قال في الديوان: أو كانت لحيته تنتف لأجل الماء. وكتب أيضاً على هذه القولة ما نصه: قلت جعل في الديوان الزكام مرضاً مبيحاً للتيمم، ثم قال بعد: وقيل إذا اغتسل الرجل بماء وتغيرت لونه من بياض كان إلى سواد أو إلى حمرة انه يتيمم الخ، أي إن كان من أجل الماء.
قوله: ومن كان يخاف من استعمال الماء الخ. ظاهره سواء كان ناشئاً عن معرفة الطب أو لا. وذهب الشافعي إلى أنه يكفي في الخوف ظن التيمم إذا كان عارفاً بالطب، وإلا رجع إلى طبيب حاذق بالغ مسلم عدل، وفي وجه يقبل فيه قول الفاسق و في وجه يقبل الكافر. وقيل: يشترط طبيبان عدلان، وعبارة
- 270 - (1/277)
صفحة 278
أو مجدوراً أو مجروباً أو صاحب الدماميل يضرهم الماء وما أشبه ذلك، وإن كان سالم بعض الأعضاء مريضاً بعضها فالخطاب متوجه إلى الأعضاء السالمة والفرض لازم لها، واختلفوا في العضو العليل ما الواجب عليه
الديوان: ولا يجوز للرجل أن يغتسل بالماء مع الخوف أن يذهب الماء بعضو من أعضائه أو خاف الموت من أجل الماء فلا يجوز له على الخوف أن يغتسل بالماء وإن كان الذي يخافه في الوصف لا يكون، وأما إذا لم يخف من الماء أن يضره في الوصف واغتسل على ذلك الحال فأصابته مضرة من أجل الماء أنه ليس عليه شيء، وإما أن يتيمم على أنه لا يضره الماء وفي الوصف يضره أنه لا يجزيه.
وفيه رخصة.
قوله: الأعضاء، واحده عضو قال في المحكم: هو كل عظم وافر بلحمه قوله: واختلفوا في العضو الخ. هذا عند المالكية مقيد بما إذا لم يكن هناك ساتر وتعذر مسها أي الجراح لتألمها ولعدم ثبوت الجبائر، وعبارة خليل: إن خيف غسل جرح كالتيمم مسح ثم جبيرته ثم عصابته يعني التي تربط على الجبيرة إن تعذر حلها، وقرطاس صدغ وعمامة خيف بنزعها، وأن يغسل أو بلا طهر أو انتشرت إن صح جل جسده أو أقله ولم يضر غسله وإلا ففرضه التيمم كان قل جد أكيد أو غسل أجزاء وإن تعذر مسها وهي بأعضاء تيممه تركها وتوضاً وإلا فثالثها يتيمم إن كثر، ورابعها يجمعها الخ. وعبارة بعض الشافعية: وإذا امتنع استعماله في عضو إن لم يكن عليه ساتر وجب التيمم وكذا غسل الصحيح على المذهب، انتهى. قوله: في العضو العليل، وعبارة بعض الشافعية: وإذا امتنع استعماله في عضو إن لم يكن عليه ساتر وجب التيمم، وكذا غسل الصحيح على المذهب
- 271 - (1/278)
صفحة 279
فيه؟ فبعضهم يرون عليه المسح بالماء لما روي عن جابر بن زيد قال: (بلغني عن علي بن أبي طالب أنه انكسر إحدى زنديه فسأل النبي عليه السلام أن يمسح على الجبائر فقال: نعم)). وقال بعضهم: يغسل ويتيمم لأن كل عضو عندهم قد انفرد بفرضه. وقال آخرون: يغسل وليس عليه في التيمم شيء، وهؤلاء أنزلوه بمنزلة المقطوع لأنه لم يخاطب
بالفرض لوجود العلة فيه لقوله عز وجل: «فاتقوا الله ما استطعتم»
(2)
«
ولقوله عليه السلام: (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم (3).
قوله: فبعضهم يرون المسح عليه هذا هو المعمول به عندنا قال الشيخ اسماعيل رحمه الله بعد كلام: وأما إن كان سالم الأعضاء إلا عضواً واحداً ففيه جرح أو قرح أو غير ذلك فليتوضأ ويمسح على العليل بالماء، وإن خاف أن يضره فليجر الماء حوله وإلا فليتيمم الخ. قوله: لأن كل عضو الخ. قد سبقت الإشارة منا في الهامش حكاية خلاف هل الحدث يرتفع من كل عضو بانفراده أو لا يرتفع إلا بتمام الاعضاء؟ وهو كلام المصنف رحمه الله هنا وصرح بعضهم: بأن فائدة الخلاف تظهر هنا، فإن قلنا بالأول غسل الصحيح وتيمم للعليل إذ ليس فيه عبادة مركبة من ماء وتراب، وإن قلنا بالثاني امتنع لما فيه من التركيب المذكور، حرره، كما سيذكره المصنف رحمه الله
مأخوذ من
(1) رواه أبو داود والدارقطني: (2) التغابن: 16
(3) رواه مسلم وأبو داود والترمذي.
- 272 - (1/279)
صفحة 280
والأمر بما لا يستطاع محال وروي (أنه صلى الله عليه وسلم أخرج سرية غازية فشج رجل منهم مأمومة فأجنب فسأل القوم هل يسعه التيمم؟ فقالوا: لا، إلا الغسل، فأغتسل فكرت عليه الشجة فمات فأخبر النبي عليه السلام فغضب غضباً شديداً فقال: أليس شفاء العي السؤال؟ ما لهم قتلوه قتلهم
الله، لو أمروه فاغتسل ومسح على موضع الجراحة)) وفي خبر آخر
قوله: سرية السرية بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد التحتانية هي التي تخرج بالليل، والسارية التي تخرج بالنهار، وهي قطعة من الجيش تخرج منه وتعود إليه، وهي من مائة إلى خمس مائة فما زاد على خمس مائة يقال له منسر بالنون ثم المهملة فإن زاد على ثمان مائة سمي جيشاً، وإن زاد على أربعة آلاف سمي جعفاً. والخميس: الجيش العظيم، وما افترق من السرية سمي بعثاً. والكتيبة: ما اجتمع ولم ينتشر، انتهى ملخصاً من فتح الباري.
فائدة: وانظر هل يلزم نية الأكبر ولو تكررت طهارة الترابية أعني أن المتيسم للجنابة إذا أحدث ثم أراد أن يتيمم فإنه ينوي الجنابة أيضاً، قلت: الذي يظهر ويؤخذ من كلام المصنف فيما تقدم في النية أنه يجب عليه تكرر ذلك، وذلك لأن التيمم للصلاة إنما يكون بعد دخول الوقت، فإذا نوى التيمم للصلاة فحيث أحدث وجب عليه نية الأكبر، وإلا صدق عليه أنه تيمم قبل الوقت بخلاف الصوم، فالظاهر أنه مق تيمم للصوم فأحدث حدثا أصغر لا يحتاج إلى تيمم آخر، لان تيمم الصوم لا يبطله الحدث الأصغر حرره بنقل صحيح صريح، وانظر هل الميل في البحر يعد مرضاً، والظاهر نعم، والله أعلم.
(1) رواه أبو داود والدارقطني.
- 273 -
ه م 18 - الإيضاح» (1/280)
صفحة 281
(فاغتسل وتيمم) وفي خبر آخر: (لو اغتسل وترك موضع الجراحة) و قال آخرون: يتيمم وليس عليه في الوضوء شيء، لأن الوضوء عندهم فريضة واحدة والله تعالى لا يتعبدنا إلا يإحدى الطهارتين بالماء أو بالتيمم، وهذا عندهم والله أعلم. وكذلك من كان في جسده جرح أو قرح لا يغسله وكانت عليه جنابة على هذا الاختلاف المتقدم في الوضوء وإن كان العضو العليل منجوساً فإنه يغسل العضو الصحيح ويتيمم للعليل
ومن
قوله: فإنه يغسل العضو الصحيح الخ. وكذلك في الغسل، وعبارة الديوان: كان في بدنه جرح أو قرح لا يغسله فإنه يجزيه أن يغسل جسده كله إلا ذلك العضو الذي يتقي عليه الماء ويقيمم له، وهذا إذا كان الموضع نجساً، وأما إذا كان نقيا فإنه يغسل إلا ذلك الموضع، وليس عليه تيمم، ومنهم من يقول: يتيمم له وفيها رخصة أيضاً، ولو كان ذلك الموضع نقياً أن يجزيه التيمم وليس عليه غسل ما قبل العضو أيضاً، إن كان نجساً يجزيه أن يتيمم له، وليس الغسل على الرخصة، وقيل في أقل العضو أيضاً إن كان نقياً أن يجزيه التيمم وليس عليه شيء، وقال في باب الوضوء وأما إن كان له عذر في عضو من أعضائه وهي منجوسة لا يمكنه غسلها فإنه يجزيه التيمم، وإن كان تلك العضو غير منحوسة وفيها عذر لا يمكنه غسلها بالماء فإن في هذا قولين، منهم من يقول: يتوضأ إلا ذلك العضو ويتيم له، ومنهم من يقول: يجزيه التيمم الخ. وهذ كله إذا كانت النجاسة في أعضاء الوضوء أو الغسل وأما إذا كان في غير أعضاء الوضوء وكان الشخص غير جنب فهل يتيمم لها؟ المأخوذ من كلام المصنف أنه لا لها،
بنيم
ولكن اختلفوا هل يتيمم أو يتوضأ؟. حرره
- TYE - (1/281)
صفحة 282
:
كما قدمنا، وقال بعضهم: يجزيه التيمم، وإنما يجزيه التيمم عندي لأن. الوضوء لا يصح إلا بعد زوال النجس، فإن لم يقدر على إزالته لما يخاف من سبب الغسل لو غسله كان عاجزاً ويجزيه التيمم، وكذلك إذا كان لا يقدر على الاستنجاء، أو كان به سلس البول، أو استرسال جوف، أو جرح لا يقر قطره، فإنه يجزيه التيمم، لأن طهارته لا تصح له، فإذا كان لا تصح له رجع إلى التيمم الذي هو بدل منها عند العجز، وقال آخرون: يحتشي ثم يتوضأ، وهذا القول يدل على أن الوضوء يصح مع النجاسة التي لا يقدر على إزالتها، وذلك أنه مأمور بالطهارتين جميعاً إزالة الأنجاس والوضوء، فعجزه عن أحد الفرضين لا يسقط عنه الفرض الآخر والله أعلم. والصحيح الذي يخاف من برودة الماء أو سخونته إن كان سخناً وخاف الهلاك أو المضرة، قال بعضهم: يجوز له التيمم قياساً على المريض، وقال آخرون: لا يجوز له التيمم، والصحيح أنه يجوز له التيمم لحديث جابر قال: (بلغني أن رجلاً أجنب في سفره في يوم بارد فامتنع من الغسل فأمر به فاغتسل فمات، فقيل ذلك للنبي عليه السلام فقال عليه السلام: قتلوه، قاتلهم الله) (1) إلا إن كان في موضع يقدر على تسخين الماء أو تبريده إن كان سخناً أو بارداً فعليه أن يسخن لأن
(1) تقدم ذكره.
- rvo- (1/282)
صفحة 283
ما لا يمتثل الأمر إلا به مأمور به.
مسألة:
وأما العادم للماء الذي يجوز له التيمم فهو كل مسافر يتعذر حصول الماء لديه بأن لا يجده أصلاً أو لا يجد ما يتناوله به فعلاً، مثل إن كان الماء في بئر وليس عنده دَلو أو كان لا يصل إلى الماء إلا بالشراء وليس عنده مال، فإن هذا عادم للماء يجزيه التيمم، وكذلك إن حال بينه وبين الماء سبع يخاف منه أو عدو يقتله فإنه غير واجد للماء ويجزيه التيمم، وليس له أن يحمل نفسه على حالة مخوفة، ولا يعرضها لخطة متلفة، وقد يسر الله على عباده تخفيفاً وكان بهم والله الحمد لطيفاً، والدليل على هذا ما روي من طريق ابن عباس قال: (خرج عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل وهو أمير على الجيش فأجنب فخاف من شدة الماء فتيمم، فلما قدم على
قوله: فهو كل مسافر الخ.
فرع: رأيت في بعض كتب الشافعية أنه لا يتوضأ مما سبل للشراب كما لا يكتحل منه بقطرة) ة لأنه لم يبح لذلك، ثم رأيت في الضياء من كتب أصحابنا من أهل عمان التصريح بالجواز عند الضرورة، ونص عبارته والماء المجعول للشراب المباح إذا مس الرجل الضرورة اليه من جنابة به أو ثوبه فله أن يغسل منه ويمسح إذا كان لا يجري على غيره ضرر، وإن كان يجري على غيره ضرر فلا يتعدى إلى مضارهم.
- 276 - (1/283)
صفحة 284
النبي الله أخبره أصحابه بما فعل فقال عليه السلام: يا عمر و لم فعلت ذلك ومن أين علمته؟ فقال له: يا رسول الله - صلى الله عليك وسلم ـ وجدت الله يقول: «ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً، فضحك النبي الله ولم يرد عليه شيئاً) (1) والله أعلم. وكذلك إن كان معه من الماء ما لا يستغني عنه الطعامه وشرابه فإنه يتيمم ويستعمل الماء لطعامه وشرابه وينجي نفسه من الهلاك لهذا الحديث.
مسألة
:
وأما الحاضر الذي لا يجد الماء وخاف فوت الصلاة فإنهم اختلفوا فيه، قال بعضهم: يتيمم ويصلي، وقال آخرون: يطلب الماء ولو فات الوقت، وسبب اختلافهم في الحاضر الذي لا يجد الماء احتمال الضمير
قوله: وكذلك إن كان معه من الماء الخ. وكذا غيره من الناس وكذا بهيمته أو بهيمة غيره من الناس لكن قد ينبغي النظر في قيمة الدابة مع ثمن الماء، وعبارة الشيخ إسماعيل رحمه الله: الثالث أن يحتاج إليه لعطشه في الحال أو لتوقعه في المآل بأن يغلب على ظنه أنه لا يجد الماء أو لعطش من معه فله أن يتيمم إن خاف العطش الذى يهلكه، وإن خاف عطشاً يمرضه كان بمنزلة من خاف استعمال الماء لمرض
(1) رواه أحمد وأبو داود والدارقطني.
- TVY - (1/284)
صفحة 285
الذي في قوله تعالى: «فلم تجدوا ماء» أن يعود على أصناف المحدثين أعني الحاضرين والمسافرين أو على المسافرين فقط، فمن رآه عائداً على جميع أصناف المحدثين أجاز التيمم للحاضر والمسافر، ومن رآه عائداً على المسافرين لم يجز التيمم للحاضر الذي عدم الماء والله أعلم، وبه العون
والتوفيق.
مسألة في معرفة شروط هذه الطهارة:
وشروطها ثلاثة: النية والطلب ودخول الوقت. أما النية فجمهور العلماء اشترطوا في هذه الطهارة النية، والدليل قوله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين، (1) ولأنها عبادة غير معقولة المعنى فلا تصح إلا بالنية فضيلة لا فريضة، ويتميز معرفة هذا الاختلاف إن تيمم على أن يعلم غيره أو تيمم ونوى به صلاة قد مضت أو تيمم ونوى به فعل معصية، فعلى مذهب الجمهور لا يجزيه، وعلى مذهب الآخرين يجزيه. وكذلك إن تيمم ولم ينو به شيئاً على هذا الإختلاف والله أعلم.
مسألة:
وأما الطلب المشترك فأصله (فلم تجدوا ماء فتيمموا) (2) واختلف
قوله: (فإن لم تجدوا ماء (صوابه فلم تجدوا ماء.
(1) البينة:. . (2) تقدم ذكرها
- TYA - (1/285)
صفحة 286
العلماء هل يسمى من لم يجد الماء دون طلب غير واجد للماء أم ليس يسمى غير واجد للماء إلا إذا طلب ولم يجد؟ فقال أصحابنا: لا يسمى غير واجد للماء إلا إذا طلب ولم يجد لأن الوجودها هنا وجود قدرة، وذلك إذا وجده إما ببدنه أو ماله وإما ببدن غيره أو مال غيره على الوجود لذلك، والدليل ما أجمعوا عليه أن المظاهر لا يعدل إلى الصيام إن لم تكن عنده رقبة إن كان قادراً على شرائها، وكذلك لا يعدل الإنسان إلى التراب إذا كان قادراً على الأسباب الموصلة إلى الماء، ألا ترى أنه يجد الماء ولا يجد ما يتوصل به إلى الماء شبه الدلو وغيره ويجزيه التيمم ويجد ويمنعه منه مانع شبه العدو أو السبع أو غيرهما، ويجزيه التيمم إذا خاف على نفسه وليس له أن يحمل نفسه على حالة مخوفة ولا يعرضها لخطة
الماء
(1)
متلفة لقوله تعالى: «ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً، وكذلك
إن لم يكن عنده من الماء إلا ما لا يستغني عنه لطعامه وشرابه فإنه يجزيه التيمم في كل هذا لأنه ممنوع بنهي الله عزوجل، وكذلك ماء الحرام على هذا الحال لأن الوضوء عبادة لله عز وجل يستحق على فعلها ثواب الله ولا يكلفه عز وجل لطاعة لا يتوصل إلى فعلها ليستحق ثوابه إلا بمعصية يستحق عليها عقابه تعالى الله عن هذا علواً كبيراً. وكذلك تنجية الأموال
(1) النساء: 29.
- 279 - (1/286)
صفحة 287
على هذا الحال، مثل قوم غارت عليهم غارة فأخذت أموالهم فاشتغلوا بطلبها وإن لم يردوا أموالهم فإنهم يجزيهم التيمم لأن تنجية الأموال عندهم والأنفس أوجب من طلب الماء للوضوء، ألا ترى إلى حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء انقطع عقد لي، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء ولا ماء معهم، فأتى الناس أبا بكر فقالوا له: ألا ترى ما صنعت ابنتك بالناس؟ أقامتهم على غير ماء. فجاء
حبست
: قد
أبو بكر إلى ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس على غير ماء ولا ماء معهم. قالت: فعاتبني أبو بكر وقال ماشاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي و منعت نفسي من الحركة لمكان رأس رسول الله له حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم. قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته ((ألا ترى إلى رسول الله لا إنما أقام على غير ماء لأجل العقد وهو مال الغير لئلا يذهب فجعل اشتغاله بحفظ المال أعظم من اشتغاله بطلب الماء؟ والله أعلم، فهذا كله يدل على أن الوجود في آية الوضوء وجود قدرة لا وجدان ضاله والله أعلم. وأما مقدار
(1) ,
(1) رواه الجماعة إلا الترمذي.
،
- YA- (1/287)
صفحة 288
الطلب المشترط فإنه ذكر أبو عبد الله محمد بن بركة في كتابه قال: أجمعوا أن الإنسان إذا كان في موضع يعلم أنه يصل إلى الماء قبل خروج الوقت أن عليه قصد الماء وليس له أن يتيمم لأنه داخل في قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم، الآية، وهذا يقدر أن يأتي بالطهارة التي أمر بها وهي الماء وليس له أن يعدل إلى التراب إذا علم أنه يصل إلى الماء قبل خروج الوقت، ولا تنازع بين أحد من أهل العلم في ذلك والله أعلم. ولعل قول أبي عبد الله: إذا كان في موضع، أي إذا كان في بلد مقيماً كان أو مسافراً، ولذلك قال: ولا تنازع بين أهل العلم في ذلك والله أعلم. وأما إذا خرج مسافراً في طلب معايشه فلا بأس عليه أن يطلب معايشه ويجزيه التيمم. وقال بعضهم: إن وجد الماء في أقل من مسيرة ميل فلا يتيمم وليس عليه أن يطلب في أكثر من ميل، وقيل نصف ميل وإن خاف فوات الأصحاب إن اشتغل بالغسل يتيمم ويجزيه التيمم لئلا تفوته الأصحاب. ولكن الحق في هذا أن يعتقد أن المتيقن لعدم الماء فيها دون ما ذكرناه إما بطلب متقدم، وإما بغير ذلك فهو غير واجد للماء، وأما الظان أو الجاهل فلا يسمى. عادماً للماء ولذلك
قال: لا يجوز له التيمم حتى يطلب ويستقصي عند جيرانه ويصح له العلم أنه غير واجد فيتيمم والله أعلم، واختلفوا إن نسي المسافر الماء في رحله
- 281 - (1/288)
صفحة 289
وحضرت الصلاة أو لم يعلم به وتيمم وصلى ثم وجد الماء أو علم به بعد فراغه من الصلاة. قال بعضهم: عليه إعادة الصلاة. وقال بعضهم: لا إعادة عليه والحجة لهم أن الله تعالى علق التيمم بعدم الوجدان لا بعدم كون الماء وقد لا يوجد الشيء وهو في موضعه ولم يقل الله تعالى: وإن لم يكن ماء فتيمموا وإنما قال: «وإن لم تجدوا ماء، فقد حصل الشرط الذي يجوز به التيمم وصلى كما أمر ولا إعادة عليه، والحجة لأصحاب الرأي الأول أن العبادات إذا لزمت الأبدان فليس جهل وجود الماء بمسقط فرض ما وجب من فرض طهارة الصلاة، وذلك مثل رجل يحتلم فينسى احتلامه، ويتوضأ ويصلي فإذا علم بجنابته وجبت عليه الإعادة وكانت غفلته ونسيانه لا يسقطان عنه ما وجب عليه من فرض الاغتسال، وكذلك الناسي للرقبة في ملكه لا يجزيه الصوم الذي هو بدل منها في كفارة الظهار، وكذلك من صلى بثوب نجس ولم يعلم؛ ثم علم أو نسي نجاسة أو صلى على غير طهور وهو ناس لحدثه، فعليه القضاء بالاتفاق، والأصا في التحديد الذي ذكرناه في المسافر بميل ونصف
قوله: فعليه القضاء بالإتفاق، قلت الأشهر من أقوال مالك: أن النامي لإزالة النجاسة عن بدنه أو ثوبه يعيد الظهر والعصر إلى الإصفرار، والمغرب والعشاء لليل كله، والفجر للإسفار، وقيل ما لم تطلع الشمس وكأن المصنف أراد
- 282 - (1/289)
صفحة 290
ميل إذا خرج في طلب معاشه فإنما هو عندي استحسان منهم، لأن السفر عذر ويدل أيضاً على ذلك ما في الأثر مما وجدته، وقال: ليس على المسافر أن يطلب الماء إذا لم يحضر وقد قرنه الله تعالى بالمرض الذي يجوز معه التيمم ولذلك أو جبوا على المسافر إذا نزلت عليه جنابة أن يتيمم، ثم يشتغل في طلب الماء ويهيء موضعاً يغتسل فيه كالمريض الذي لا يجد التجفف يتيمم ثم يشتغل بالتجفف، واختلفوا في الذي يشتغل بتسخين الماء أو بتبريده هل هو مريض عليه التيمم أم لا؟ وأما المقيم الذي يشتغل بطلب الماء أو باستعداد موضع يغتسل فيه فإنه ليس عليه تيمم ولكن يفعل ما أدرك، ولو طلع عليه الفجر، وهذا إذا استعد الماء ولم يضيع. وقال في المقيم إذا استعد الماء ونزلت عليه جنابة فاستيقظ فأصاب ماءه قد تلف وخاف طلوع الفجر فإنه يتيمم ثم يشتغل بطلب الماء كالمسافر وأما إن اشتغل باستعداد موضع يغتسل فيه
بعضهم
مطلق القضاء، وفرق بعضهم بين ناسي الماء في رحله وناسي الرقبة في الظهار مثلا فإن التيمم روعي فيه خوف قوات الوقت وليس الرقبة متعلقة بوقت يخاف فواته، وأيضاً فإن التيمم متوقف على وجود الماء في بعض الأوقات ولا كذلك الرقبة، وكـ و كان مراده اتفاق أصحابنا، ويدل له التعبير بالاتفاق دون الإجماع. قوله: هل هو مريض؟ قيل هو مريض وقيل ليس بمريض بناء على أن المريض الذي يندرج في مضمون الآية هو الذي لا يقدر على مس الماء مطلقاً والذي لا يقدر على استعماله ولو من وجه.
- 283 - (1/290)
صفحة 291
فليس عليه تيمم على كل حال والله أعلم. والأصل في هذا كله احتمال عود الضمير في قوله: (فلم تجدوا ماء) فإن كان يعود على المسافر والحاضر كان حكمهم إذا اشتغلوا بطلب الماء واحداً ويلزمهم التيمم، وإن كان يعود على المسافر فقط وجب التيمم على المسافر فقط ووجب على الحاضر استعداد الماء لأنه لا يجوز له التيمم عند هؤلاء، وإنما أوجبوا التيمم على المسافر في هذه الوجوه لئلا يكون مضيعاً بعدما وقع عليه إسم عادم الماء وجاز له التيمم والله أعلم، وإن استعد المقيم الماء لصلاته فأصابته آفة بأي جهة كانت وبأي سبب أو استعد الأداة التي يصل بها إلى الطهارة شبه الدلو وغيره فأصابته آفة فإنه يجتهد في طلب الماء ويستقصي عند جيرانه في الطلب ويكلمهم كلهم. وقيل: يجزي من ذلك أن يطلب سبعة بيوت وقيل ثلاثة بيوت، فإن لم يجد الماء عندهم فإنه يتيمم ويجزيه وا ه والله أعلم. ويجزيه في طلب جيرانه زوجته وخادمه ورسوله. وكذلك إن طلب هؤلاء ولم يأمرهم ولم يجدوا الماء فإنه يتيمم ويجزيه لأن المراد بهذا ما يقع له به العلم بعدم الماء والله أعلم. وذلك أن التيمم لا ينقضه إلا العلم بوجود الماء، فكذلك لا يوجبه إلا العلم بعدم الماء، وكذلك في استعداد الماء إن استعدت له امرأته أو خادمه أو أجيره إن أيقن بذلك أجزاء، وأما غيرهم من الناس إن قال له: قد استعددت لك الماء لصلاتك أو الأداة
- YA- (1/291)
صفحة 292
التي يصل بها الماء فإنه لا يجزيه إلا إن كان أميناً وقيل يجزيه كل من يصدقه في ذلك والأصل في هذا اختلافهم، هل يكون التصديق حجة أم لا؟ وإن خرج من منزله إلى الحرث أو إلى الحصاد أو إلى حاجة فيما دون ستة أميال ولم يستعد الماء لصلاته وقد كان عرف البئر هنالك أو العين فخرج
وأتاهما فوجد البئر قد انهدم أو العين قد غارت ويخاف خروج الوقت إن اشتغل بطلب الماء؟ فإنهم اختلفوا هل يجزيه التيمم أم لا؟ وسبب اختلافهم عندي هل هو مضيع أم لا؟ وكذلك إن خرج من منزله وقد تطهر لصلاته أو حمل معه الماء لصلاته فانتقضت عليه طهارته أو تلف ما حمل معه من الماء قبل أن يصلي فإنه لا يجزيه التيمم إن ضيع مقدار ما يصلي فيه ولو لم يجد الماء، وإن لم يضيع مقدار ما يصلي فيه فإنه يجزيه التيمم إن خاف فوات الوقت إن اشتغل بطلب الماء، وقال بعضهم: يجزيه إن لم يمكنه الرجوع إلى أهله ولو ضيع مقدار ما يصلي فيه، ولعل هؤلاء لم يكن مضيعاً عندهم، إلا إذا لم يبق في الوقت مقدار ما يصلى فيه والله أعلم. وكذلك إن خرج من منزله قبل وقت الصلاة فانتقضت طهارته أو تلف ما حمل معه من الماء بعد دخول الوقت على هذا الاختلاف إن ضيع مقدار ما يغتسل فيه ويصلي فلا يجزيه التيمم إن لم يمكنه الرجوع إلى أهله ولم يجد الماء وعلى قول الآخرين يجزيه التيمم ولم يكن
- YAO - (1/292)
صفحة 293
مضيعاً ما لم يخرج الوقت، وأما إن خرج من منزله قبل وقت الصلاة وحمل معه الماء الصلاته وتلف له قبل دخول الوقت ولم يمكنه الرجوع إلى أهله فإنه يتيمم ويجزيه لأنه غير ملوم، وأما إن تطهر قبل وقت الصلاة في منزله وخرج فانتقضت طهارته قبل دخول الوقت فإنه إن لم يمكنه الرجوع يتيمم ويصلي ويعيد صلاته إذا وجد الماء لأنه توضأ قبل أن يخاطب والله أعلم. وقال بعضهم: يعيد المقيم كل ما صلى بالتيمم والله أعلم. والمقيم يستعد الماء لوضوئه كما ذكرنا أولاً إلا ماء لا يمنعه منه العدو فليس عليه استعداده، وإن كان بينه وبين الماء مقدار ما يتجفف فيه في البعد فإنه يستعد الماء في قول بعضهم ولا يتكل عليه. وفي قول بعضهم: ليس عليه استعداده لأن التجفف من تمام الغسل.
مسألة
:
وأما متى يجوز له التيمم فإنهم اختلفوا هل من شرط التيمم الوقت أم لا؟ قال بعضهم:: لا يجوز إلا بعد دخول الوقت. وقال آخرون: ليس من شرطه الوقت، ومن حجة أصحاب القول الأول أن الله تعالى أوجب الوضوء والتيمم عند وجوب القيام إلى الصلاة لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) الآية، ومن شرط صحة الصلاة الوقت، فخصص الشرع الوضوء بجواز التقديم قبل
- 286 - (1/293)
صفحة 294
الوقت وبقي التيمم على حكمه لا يجوز إلا بعد دخول الوقت، والنظر يوجب عندي صحة هذا القول لأنهم اتفقوا على جوازه في الوقت واختلفوا هل يجوز قبل الوقت؟ فالذي اتفقوا عليه أولى والله أعلم. وحجة الآخرين أن التوقيت في العبادات لا يكون إلا بدليل سمعي، فإذا كان لا يجوز التيمم إلا بعد دخول الوقت كالصلاة فهو إذا مقيس على الصلاة وقياسه على الوضوء أشبه منه بقياسه على الصلاة، واختلفوا أيضاً هل يجوز التيمم في أول الوقت وفي وسطه أو لا يجوز إلا في آخر الوقت؟ قال بعضهم: يجوز في أول الوقت وفي وسطه وفي آخره
قوله: والنظر يوجب عندي الخ. والذي يظهر أن يقال إن المتيقن لعدم الماء يتيمم في أول الوقت والظان لوجود الماء يتيمم في آخره والشاك في وجوده يتيمم في وسطه والفائدة تظهر فيمن خالف فوجد الماء بعدما صلى والله أعلم بالصواب. وكذلك فائدة الخلاف الذي ذكره المصنف تظهر فيمن خالف، حرره. ثم رأيت في الشيخ إسماعيل رحمه الله تعالى قال: اختلفوا فيمن لم يحد الماء متى يتيمم فقيل: إن الآيس يتيمم أول الوقت والذي تساوى عنده الأمر أن يتيمم وسط الوقت وقيل المتيمم يتيمم آخر الوقت على الإطلاق، وقيل: آخر الوقت إلا الآيس كما قدمنا فإن صلى أحد هؤلاء ثم وجد الماء بعد الصلاة فلا إعادة على من أوقع الصلاة في الوقت المأمور بإيقاعها فيه إلا الشاك المتردد في إدراك الماء. علمه فيه بوجوده فإنه يعيد في الوقت لأنه كالمقصر في اجتهاده ومثله الخائف من اللصوص فقصر في الطلب وكذلك المريض الذي لم يجد من يناوله الماء لأنه قصر في الاستعداد فحكم هؤلاء التيمم في وسط الوقت انتهى.
مع
:
- YAY- (1/294)
صفحة 295
كالوضوء لقوله تعالى (إذا قمتم إلى الصلاة) ولم يخص وقتاً دون وقت، ومن ادعى التخصيص فعليه البيان. وقال آخرون: لا يجوز التيمم إلا في آخر الوقت رجاء لوجود الماء لأنه يمكن أن يطرأ عليه الماء في الوقت فلا يسمى غير واجد للماء إلا في آخر الوقت، ولذلك لم يجز التيمم قبل الوقت لإمكان وجود الماء، والنظر يوجب عندي أنه إذا كان في موضع يغلب عليه الظن أنه لا يطرأ عليه الماء جازله التيمم في أول الوقت وفي وسطه وفي آخره، وإن كان في موضع يطمع بوجود الماء فلينتظر إلى
آخر الوقت والله أعلم.
مسألة في صفة هذه الطهارة:
قال الله تبارك وتعالى: «فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه، (1) فقد أجمع أصحابنا أن حد اليد الذي أمر الله تعالى بمسحه في التيمم إلى الكف، والدليل على هذا أن إسم اليد يقع في كلام
مسألة في صفة هذه الطهارة:
قوله: أجمع أصحابنا ووافقهم على ذلك الشافعي في القديم وصححه بعض
أصحابنا ومالك في بعض أقواله.
(1) المائدة: 6.
- TAA- (1/295)
صفحة 296
العرب على الكف ويقع على الكف والذراع والعضد بالسواء، فلما كان إسم اليد يقع على هذه الثلاث كان لا يخلو أن يكون في الكف أظهر منه في سائر الأجزاء أو تكون دلالته على الكف والذراع والعضد بالسواء فإن كان اسم اليد في الكف أظهر فيجب المصير إليه على ما يجب من المصير إلى الأخذ بالظاهر وإن لم يكن أظهر فيجب المصير إلى الأخذ بالآثار الثابتة منها ما روي من طريق ابن عباس عن عمار بن ياسر رضي الله عنهم قال: أجنبت فتمعكت في التراب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما يكفيك هكذا، ومسح وجهه ويديه إلى الرسغين) وما روي عن ابن
(1)
عمر وعمار بن ياسر قالا: (تيممنا مع رسول الله ل وضربنا ضربة للوجه
قوله: فإن كان إسم اليد في الكف أظهر قلت وقد وافقنا المالكية في بعض أقوالهم وهو الذي اقتصر عليه خليل في مختصره حيث قال وكفيه لكوعيه وحديث عمار يدل على ما ذكر (إنا كنا في سفر أنا وأنت فأما أنت فلم تصل وأما أنا فتمعكت وصليت، فذكرت للنبي لا فقال لي الان:: أما يكفيك هكذا؟ وضرب النبي عليك الله بكفيه الأرض ونفخ فيها ثم مسح بهما وجهه وكفيه) رواه مسلم والبخاري من قومنا، وليس فيه دليل لمن قال بكفاية ضربة واحدة لجواز أن يكون قصر الضربة للتعليم دون جميع ما يكفي في التيمم فلذلك لم يكرر الحصول المعرفة بتلك الضربة والله أعلم.
(1) تقدم ذكره.
- YAR-
ه م 19 - الإيضاح» (1/296)
صفحة 297
وضربة للكفين) (1) والصواب أن يعتقد أن الكف هو الفرض مسح لإجماعهم بوقوع إسم اليد عليه وما سواه ليس بفرض حين لم يجتمعوا عليه، والدليل أيضاً على قول أصحابنا ما أجمعوا عليه مع مخالفيهم أن الإمام إذا قطع يد السارق من الكف فقد قطع اليد المأمور بقطعها،
وإن قطعها من الساعد كان عليه فيما عدا الكف حكومة والله أعلم و أما عدد الضربات فإنما هو عند أصحابنا ضربتان كما أن لكل عضو في الوضوء ماء جديد، والدليل عندهم ما روي من حديث عمار بن ياسر المتقدم والله أعلم. وإذا أراد أن يتيمم فليقل:: بسم الله كالوضوء ثم يجعل يديه على الأرض ويفرق أصابعه ولا بأس عليه أن يجمعهما ثم ينفضهما قليلاً ويمسح بهما وجهه لما روي أنه (ضرب بيديه على الصعيد و نفخ فيهما ومسح بهما وجهه) وقال قوم: لا يضر من فعل ذلك أو لم يفعل يضرب ضربة ثم يمسح بهما وجهه، ثم يضرب بهما ضربة أخرى فيضع اليسرى على ظاهر أصابع يده اليمنى ويمر بها على ظاهر الكف، ثم يفعل يكفه اليمنى على ظاهر كفه اليسرى مثل ذلك، فإذا فعل هذا فقد استحق اسم ماسح وامتثل ما أمر به، وقيل المتيمم يمسح الكفين إلى الرسفين ديهما ما ظهر وما بطن لأن في حديث عمار) وضربنا ضربة للوجه
(1) اخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي.
- 19. - (1/297)
صفحة 298
(1)
وضربة للكفين)) ولم يقل لظاهر الكفين وإن تيمم بغير يديه فلا يجزيه لأن هذه عبادة غير معقولة المعنى فلا تفعل إلا باليد كما ورد عن النبي عليه السلام) أنه ضرب يديه على الصعيد) الحديث، وكذلك إن تيمم له غيره لا يجزيه على هذا الحال، وإن رفع التراب بيده فمسح بين يديه ثم تيمم لوجهه فقد أجزاء، لأنه تعمد التراب بيديه فمسح بهما وجهه، وأما إن أمر رجلاً أن يصب على وجهه التراب قصبه ومسح بيديه وجهه فلا يجزيه، وكذلك إن كان الريح يجلب على وجهه التراب فلا يجزيه حتى يتعمد الصعيد بيديه ويوصله إلى وجهه بيديه كما ذكرنا عن النبي عليه السلام، واسم الصعيد أيضاً يدل على هذا والله أعلم. وكذلك إن لف يديه من غير عذر وتيمم بها فلا يجزيه، وكذلك وجهه إن لفه من غير عذر وتيمم عليه فلا يجزيه كالوضوء والله أعلم. وأما إن مسح على وجهه بيد واحدة فقد أجزاء إذا عم وجه بالمسح لأنه مسح بيده وسمي ماسحاً، وكذلك إذا مسح بأربع أصابع أو ثلاث لأنه قد مسح بالأكثر من يده
قوله: واسم الصعيد الخ. يتأمل هذا من أين يدل اسم الصعيد على التعمد إلى التراب ولعل النسخة ويدل عليه تيمم الصعيد أي المأخوذ من قوله: «فتيمموا
صعيداً، فحرفه الكاتب حرره.
(1) رواه الدارقطني.
-991 - (1/298)
صفحة 299
والحكم على الأغلب عند بعضهم، وأما إن مسح بإصبع واحدة فلا يجزيه وكذلك بإصبعين لأنه الأقل من اليد، ومنهم من يرخص وسواء في الإصبعين من يد واحدة أو من يديه جميعاً. وكذلك في الإصبع الواحد ولعل سبب الخلاف هل الواجب الأخذ بأوائل الأسماء أو بأواخرها أو بأكثر منها؟ والله أعلم. وعلى هذا الاختلاف إن مسح وجهه برؤوس أصابعه وإنما يراعى في هذا اللغة وما توجبه لعدم التحديد من الشارع والله أعلم، وكذلك إن غطى الأقل من يديه وتيمم بهما فلا بأس عليه، وكذلك الأقل من وجهه على هذا الحال لما ذكرنا أولاً والله أعلم. وأما إن كان مجروحاً في يديه أو في وجهه وعم الجرح يديه أو وجه ولم يمكنه أن يمسح على وجه إلا لفه فلا بأس عليه قياساً على الوضوء، وذلك أنه روي عن علي بن أبي طالب (أنه انكسر إحدى زنديه فسأل النبي أن يمسح على الجبائر فقال: نعم) (1) فكان التيمم كذلك قياساً عليه وكذلك يداه إن لم يمكنه التيمم بهما إلا لفهما فلا بأس عليه لأنه كما جاز أن يتيمم عليهما باللف جاز أن يمسح بهما كذلك.
قوله: إن مسح وجهه قال في الديوان: وإن مسح وجهه برؤوس أصابعه
لا يجزيه وقيل غير ذلك
(1) رواه ابن ماجه
- 292 - (1/299)
صفحة 300
وقد ذكر في بعض كتب أصحابنا أنه إذا لف إحدى يديه كلها ولم يلف الأخرى فإنه يتيمم لوجهه بيده الصحيحة التي لم يلفها ويمسح بها على ظاهر معصمه، ومنهم من يقول: يمسح على الكف، وكذلك إنلف إحدى يديه كلها ولف الأقل من يده الأخرى على هذا الحال، ومن ذهب إلى أنه يمسح بها على ظاهر معصمه فقد أنزلها عندي بمنزلة المقطوعة وأمره بالمسح على المعصم لاستحقاقه اسم اليد في اللغة، ويلزمه على هذا المذهب أن يسقط عنه فرض التيمم إذا كانت يداه ملفوفتين ولم يمكنه نزع اللف عنهما، وكذلك إن كان وجهه ملفوفاً يلزمه أن يسقط عنه فرض مسحه وهذا عندي يسوغ لأن الوجه المأمور بمسحه مغطى وكذلك اليد المأمور بمسحها مغطاة وكان لا يستطيع أن يمسح عليه فهو معذور لأن الأمر بما لا يستطاع محال والله أعلم. ولكن قد سبقنا إلى هذا فما عمل به سلفنا وعلماؤنا فاعملوا به ولا تلتفتوا إلى خلافه والسلام. وإنما جرنا إلى هذا ذكر العلل والدلائل والله أعلم. وقول من قال: يمسح عليها ولو كانت مغطاة أعني يده أصح عندي لأن التغطية بالعذر لا تمنع من استحقاق إسم المسح لحديث علي المتقدم
قوله: ويلزمه على هذا المذهب .. الخ. أقول لا يلزم ما ذكر بل قياس قول القائل: إن ما له بدل إنتقل إليه وما ليس له بدل مسح عليه كما أمكن حرره بنظر صحيح واعرف الرجال بالحق ولا تعرف الحق بالرجال.
- 293 - (1/300)
صفحة 301
ولما روي) أنه لا الله إذا ركع قال: الله أكبر ووضع يديه على ركبتيه) (1) ومعلوم أن ركبتيه مغطاتان ولا يجوز أن يكشفهما فهو معذور، ولم تمنعه التغطية من استحقاق الاسم والله أعلم. وكذلك إن قطعت إحدى يديه فإنه يتيمم لوجهه بيده الصحيحة يمسح بها على ظاهر ذراع يده المقطوعة وإن مسح بها على باطن ذراع يده المقطوعة
على
فإنه يجزيه وكذلك إن قطعت يده من المرفق فإنه يمسح عضده لاستحقاقه إسم اليد في اللغة، فإن قال قائل: فهذا ينكسر عليك لأن من قولك وقول جميع أصحابك إن اليد التي أمر الله بمسحها في التيمم هي الكف فكان يجب على هذا إذا قطع الكف
قوله: وكذلك إن قطعت .. الخ. أنظر اليد الصحيحة وظاهره أنه لا يمسها وكلام الشيخ اسماعيل صريح في مسحها الى الأرض ظهراً وبطنا وسكت عن مسح المقطوعة. قلت: إنما سكت عنها لفرض كلامه فيما إذا قطعت من المرفق لا. من الساعد وكلام المصنف فيما إذا قطعت من الساعد و الله أعلم. وكلام الديوان ككلام المصنف وكلام الشيخ اسماعيل هو الظاهر وإلا احتجنا إلى ضربة ثالثة إلا أن يقال يكتفى بالضربة الأولى للوجه واليد المقطوعة أعني ظاهر ذراعها كما هو ظاهر قوله، ثم يمسح بها على ظاهر .. الخ. ولم يقل ثم يضرب بها الخ.
حرره بنقل صحيح. قوله: فإنه يمسح على عضده .. الخ. قلت قياسه إن قطعت يداه من الرسفين يتيمم على المعصمين والذي صرح به في الديوان عدم المسح.
(1) متفق عليه
-998 - (1/301)
صفحة 302
:-
المأمور بمسحه لا يلزمه المسح على ظاهر المعصم كما لو قطعت اليد المأمور بغسلها في الوضوء من المرفق لم يجب عليه غسل العضد قيل له ـ والله أعلم -: الفرق بين التيمم والوضوء في هذا أن اليد المأمور بغسلها في الوضوء قد نص الله عليها بالغسل إلى المرفق ووقع الإتفاق على ذلك بين العلماء فإذا قطعت من المرفق لم نوجب عليه ما لم يوجبه الله تعالى، وأما اليد المأمور بمسحها في التيمم قد وردت مجملة ولم يقطع النص عليها كالوضوء وتنازع العلماء في تحديدها وكل منهم قد رجع إلى الرأي والقياس وأو جبنا عليه مسح الكف بالرأي والقياس وأخبار الآحاد وكان يجب عليه إن قطع كفه أن يمسح على المعصم والعضد إن قطع يده من المرفق بدلاً منها كما قالوا له: أن يتيمم على النورة والزرنيخ والثلج والحشيش عند عدم التراب المتفق عليه بدلاً منه حتى قال بعضهم: يتيمم على الهواء بدلاً من التراب ليكون على يقين ببراءة ذمته من الأمر والله أعلم. وإن قطعت أصابع يديه جميعاً ولم يبق إلا الكفان فإنه يتيمم بهما، وإن قطعت إحدى يديه ولم يبق منها إلا الأقل فإنه يتيمم بالصحيحة لأن الحكم على الأغلب عند هؤلاء، والأصل في هذا
قوله: قد وردت بجملة قلت مقتضى كلامه رحمه الله أنه ينبغي أن لا يقتصر على الكوع بل يبلغ بالمسح إلى المرفق مراعاة لمن قال بوجوب مسح المرفق لأن مراعاة الخلاف مستحبة ما لم يؤدي إلى مكروه في المذهب وقد يقال يقتضيه
-990 - (1/302)
صفحة 303
إن قطع الأكثر من الكف صارت يده بمنزلة المقطوعة، وإن قطع الأقل صارت بمنزلة الصحيحة والله أعلم. وإنما يأخذ مسح وجهه إذا أراد أن يمسحه المتيمم من الجبهة إلى أسفل الوجه قياساً على الطهارة الرطبة وإن ابتدأ بالمسح من أسفل الوجه إلى فوق فلا بأس عليه وكذلك إن أخذه من جانب الوجه وأخذ المسح من وسط وجهه حتى أتى بالمسح على وجهه كله، وكذلك إن مسح بإحدى يديه من فوق الوجه ومسح بالأخرى من أسفل حتى التقتا فإن هذا كله يسمى ماسحاً ويجزيه لأن التحديد بالشرع في هذا كله معدوم والله أعلم. وإن يتيمم لليدين قبل الوجه فإنه لا يجزيه، وقال بعضهم، يجزيه، وسبب الاختلاف هو سبب اختلافهم في حرف الو او هل توجب الجمع أو الترتيب؟ وقد تقدم معنى الاختلاف في هذا في باب الوضوء، فلا معنى لإعادته، وكذلك الموالاة عندهم في التيمم كاختلافهم في وجوب الموالاة في الوضوء مثل أن يتيمم لوجه فيمكث ساعة أو أكثر ثم تيمم ليديه فإن ذلك يجزيه عند من لم يوجب الموالاة ما لم يقطع ما بينهما بحدث والله أعلم، واختلفوا هل يجب على المتيمم إيصال التراب إلى اعضائه أم لا؟ قال بعضهم: يجب. وقال آخرون:
قوله: وسبب الإختلاف ومقتضاه أن القول الثاني هو المختار عنده على ما تقدم في الوضوء. وقد عبر عنه في الديوان بالرخصة حرره.
- 296 - (1/303)
صفحة 304
لا يجب. وسبب اختلافهم الاشتراك الذي في حرف (من) في قوله تعالى: د فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه، فإنها ترد في كلام العرب للتبعيض وتزد لتمييز الجنس فمن ذهب إلى أنها للتبعيض في قوله تعالى: «فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه، أوجب نقل التراب إلى الأعضاء، ويعضد هذا القول قياس التيمم على الوضوء، ومن ذهب إلى أنها لتمييز الجنس لم ير النقل واجباً وأجاز التيمم على الأرض والقاع والحائط ورجح مذهبه بحديث النبي عليه السلام أنه ضرب بيديه على الصعيد ونفخ فيهما ومسح بهما وجهه) (1) والله أعلم، وبالله التوفيق.
مسألة فيا تصنع به هذه الطهارة:
وذلك أنهم اتفقوا على جوازها بتراب الحرث الطيب واختلفوا في
مسألة فيما تمنع به هذه الطهارة:
قوله: اتفقوا على جوازها .. الخ. ذهب الشافعي وأحمد وابن المنذر وداود الظاهري وأكثر الفقهاء إلى أنه لا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر له غبار يتعلق باليد، وقال أبو حنيفة ومالك يجوز التيمم يجميع أنواع الأرض حتى بالصخرة المغسوله وزاد بعض أصحاب مالك فجوزه بكل ما اتصل بالأرض من الخشب وغيره، وعن مالك في الثلج روايتان فذهب الأوزاعي وسفيان الثوري إلى أنه
(1) تقدم ذكره.
- 297 - (1/304)
صفحة 305
جوازها بما عدا التراب من أجزاء الأرض المتولدة منها كالحجارة وغيرها، ذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز التيمم إلا بالتراب وحده، وذهب آخرون إلى أنه يجوز التيمم بكل ما صعد على وجه الأرض من أجزائها: كالحصى والرمل والتراب. وزاد آخرون: بكل ما يتولد على الأرض كالحجارة والنورة والزرنيخ والجص والطين والرخام، وسبب اختلافهم اشتراك اسم الصعيد في لسان العرب فإنه مرة تطلقه على التراب الخالص ومرة تطلقه على أجزاء الأرض الطاهرة. وقال أبو محمد: رأيت أصحابنا يقولون بجواز غير التراب ويقيمونه مقامه والنظر يوجب عندي أن التيمم لا يجوز إلا بالتراب دون غيره لأن الخطاب من الله تعالى يدل على ذلك. قال الله تعالى: «فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً، والصعيد هو التراب وحده لأن اللغة دلت على ذلك والأخبار من النبي عليه السلام،، أما اللغة
قال الشاعر:
قوم حنوطهم الصعيد وغسلهم نجع الترائب والرؤوس تقطف وأما الخبر فما روي من طريق ابن عباس رضي الله عنهما: (أن
يجوز بالثلج وكل ما على الأرض، وإختلف أصحابنا رحمهم الله كمخالفهم، وحكى ابن عطية عن أبي عالية وابن كيسان أنها أجازا التيمم بالمسك والزعفران والظاهر أنها استدلا بأنها تراب الجنة.
- 298 - (1/305)
صفحة 306
لنبي عليه السلام قـ قال حين سئل عن التيمم: جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً) (1) فهذه الرواية تمنع المتيمم من التيمم بغير التراب وأعم دلالة الصعيد أن يدل على ما تدل عليه الأرض لا أن يدل على النورة والزرنيخ ولا على الثلج والحشيش والله أعلم. والإشتراك الذي في اسم الطيب أيضاً من أحد دواعي الخلاف، ولذلك منع بعضهم التيمم على التراب الذي لا ينبت شبه السبخة والطفل وغيره، والطيب عندهم الذي ينبت لقوله تعالى: «والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً. (3) وقيل: لا يتيمم الرجل على التراب: الذي يسقط من ضربته الأولى، والذين أجازوا الصلاة عليه أخرجوه مخرج الماء المستعمل الذي يسقط من أعضائه ولا تجوز به الطهارة، وأما الموضع من التراب الذي يتيمم منه إن تيمم منه دفعة أخرى جاز له ذلك
قوله: وترابها طهوراً فإن قلت: هذا مفهوم لقب فلا يعول عليه كما نص عليه في الأصول قلت: لم يؤخذ ماذكر من مفهوم اللقب وإنما أخذه من الإقتصار في مقام البيان والله أعلم. للصعيد الواقع في الآية.
قوله: والذين أجازوا .. الخ. جواب عما يقال كان مقتضى جواز الصلاة عليه جواز التيمم به أجاب بأنه منزل منزلة الماء المستعمل فلا تجوز الطهارة به ومقابل قول هؤلاء يقول: لا تجوز الصلاة عليه فلا يتيمم عليه راجع.
(1) متفق عليه. (2) الأعراف: 59.
-999 - (1/306)
صفحة 307
كما يجوز أن يتوضأ مما بقي في إنائه بعد طهارته ويتطهر منه دفعة أخرى، وكذلك لا يتيمم بتراب نجس كما لا يتطهر بماء نجس وكذلك تراب بيوت أهل الذمة على هذا الحال، وكذلك تراب السرقة لا يتيمم به كما لا يتطهر بماء السرقة. وكذلك لا يتيمم على الطين ولا على التراب إذا إذا كان يجتمع إذا ضمه بيده ولا يفترق إذا أرسله إلى الأرض حتى يصل إلى الأرض، كما لا يجوز له أن يتطهر بالماء المضاف وكذلك لا يجزيه أن يتيمم على قبر، كما لا يجوز له أن يصلي عليه لقوله عليه السلام: (جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً) فالموضع الذي لا يصلى عليه لا يتيمم عليه لهذا الحديث، وكذلك إن وضع التراب على ثوب منجوس أو على موضع منجوس وتيمم عليه لا يجزيه كما لا يصلي عليه والله أعلم. ويجوز له التيمم بالماء وهو أن يغسل وجهه أولاً ثم يغسل يديه والأصل في هذا اختلافهم فيمن لم يجد الماء إلا قليلاً ولا يكني الجميع أعضائه قال بعضهم: يستعمل من الماء ما وجد حيث ما بلغ وما بقي ليس عليه منه شيء إذا أتى في ذلك على العضوين الوجه واليدين، ذكر هذا عن أبي عبيدة رحمه الله، وذكر الإمام رحمه الله في
قوله: والأصل في هذا اختلافهم قيل: الخلاف جار فيما إذا وجد ثمن بعض ما يكفيه ولم أره فيما بلغنا من كتب أصحابنا لكن القياس يقتضيه
-- (1/307)
صفحة 308
أجوبته مثل ذلك فقيل: أيتيمم؟ فقال: ليس عليه تيمم فإن فعل فحسن جميل. وروي أيضاً عن جابر بن زيد رحمه الله قال في الجنب الذي لم يجد من الماء إلا قدر ما يتوضأ به، قال: يتوضأ ويجزيه الوضوء. وعن ضمام بن السائب قال: خرجنا حجاجاً ومعنا امرأة حائضة فطهرت من حيضتها ولم يكن معنا من الماء إلا القليل فأمرناها فاستنقت وتوضأت، وقدمنا إلى أبي الشعثاء بمكة فأعلمناه بالذي أمرنا به المرأة فقال: أصبتم أو قال: أحسنتم، وروي أيضاً عن ابن عباس في الجنب الذي لم يجد من
(1)
قوله: فإن فعل فحسن جميل يوافقه الأظهر من مذهب الشافعية مستدلين بقوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا (وهذا واجد، وبقوله علي الام: (إذا أمرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) أيضا عن جابر بن زيد قيل: وعلى الجمع يجب أن يكون: وروي استعمال الماء قبل التيمم لئلا يكون متيمماً ومعه ماء ويؤخذ من كلام السائل للإمام مع جوابه لكنه مستحسن على مذهبه
قوله:
قوله: وروي أيضاً عن ابن عباس قلت: الظاهر أنه لا بد من التيمم للجنابة والحيض كما هو عند ابن عباس بدليل القول الثاني فيبقى الخلاف هل يستعمل ذلك الماء وإن لم يصل به تمام الطهارة؟ بدليل حديث (إذا أمرتكم) الحديث أو يعدل إلى التيمم ولا يستعمله؟ حرره بنقل صحيح. قلت: رأيت الشيخ رحمه الله قال: وإذا وجد من الماء ما لا يكفيه للوضوء والاغتسال فإنه
اسماعيل
(1) تقدم ذكره.
- 301 - (1/308)
صفحة 309
الماء إلا قدر ما يتوضأ به، قال: يتوضأ ويتيمم للجنابة والله أعلم.
عدم
الماء
والدليل معهم أن الله عز وجل لم ينقلنا إلى التيمم إلا بعد بالكلية فمتى كان شيء منه وجب استعماله قال الله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا، اسم شائع في كل الجنس يخرج على القليل والكثير ماء نكرة مستغرقة للجنس. وقال آخرون: متى لم يجد من الماء ما يكفيه لوضوئه فليتيمم لأن الله تعالى لم يتعبدنا إلا بإحدى الطهارتين: الطهارة بالماء أو الطهارة بالتراب عند عدم ما يكفيه لوضوئه من الماء وذلك معنى قوله عز وجل: «فلم تجدوا ماء» عندهم فإن لم تجدوا من الماء ما تتطهرون به، فتيمموا، وحَمْلُ الآية على ظاهرها عندي أولى وعلى مذهب الأولين لا يجوز له العدول إلى التراب إلا إن لم يجد الماء بالكلية وأما إذا وجد الماء ولو كان قليلاً فإن كان قادراً على استعماله تطهر به أو إلى حيث بلغ فإن لم يكن قادراً على استعماله تيمم وصلى، والله
يغسل مذاكره وينزع النجس من جسده ثم يتوضأ ويتيمم للجنابة إن كان جنباً، وإن لم يجد ما يتوضأ به وينزع النجس فلينزع النجس ويتيمم للوضوء، هكذا عند أصحابنا جابر بن زيد وغيره رحمهم الله.
قوله: وقال آخرون: يوافقه مذهب مالك وبعض الشافعية مستدلين بأنه يلزم الأول الجمع بين البدل والمبدل منه ولأن العجز عن بعض البدل كعجزه عن كله ونظيره الهدي وعتق رقبة في الظهار والقتل. (1/309)
صفحة 310
أعلم. وإن كان في موضع لا يقدر فيه على الماء ولا على التراب فقيل: إن له أن ينوي التيمم ويصلي. وقيل: من كان في البحر ولم يقدر على الوصول إلى الماء فإنه يتيمم من تراب المتاع فإن لم يجد فينوي الوضوء في
نفسه ويصلي وقيل: يتيمم على الهواء مع نيته وقصده لعدم التراب فإذا قدر على الماء توضاً وأعاد تلك الصلاة وإن مضى وقتها لأن الدين لا يسقط بمضي الأجل فالعبادات أولى أن لا تسقط بمضي الوقت؛ ولقول رسول الله: (أحق ما أو فيتم به دين الله تعالى) ألا ترى إلى النائم والناسي لا يسقط عنهما فرض الصلاة بمضي الوقت؟ وكذلك هذا لا يسقط عنه الفرض بمضي الوقت لأنه صلى على غير طهارة. وقال أبو محمد رحمه الله:
قوله: وقال أبو محمد ما قاله أبو محمد رحمه الله: هو مذهب المازني من أصحاب الشافعي وهو أقوى الأقوال دليلا كما يشير لذلك المصنف رحمه الله، ويؤيده ما رواه المخالفون في حديث عائشة رضي الله عنها أنهم صلوا بغير طهارة، ولم ينقل أنه أمرهم بإعادة تلك الصلاة والله أعلم. وقد نظم المخالفون ما قيل في ذلك فقال:
ومن لم يجد ماء ولا متيمما فأربعة الأقوال يحكين مذهباً يصلي ويقضي عكس ما قال مالك واصبغ يقضي والأداء لاشهبا
وذيلها بعضهم بقول خامس فقال: و للقابسي ذو الربط يوفى لأرضه بايد ووجه التيمم مطلقاً
(1) متفق عليه.
- per- (1/310)
صفحة 311
إذا صلى على ما أمكنه وقدر عليه فقد خرج من العبادة والأمر بإعادتها بعد وجود الماء فرض ثان ولا يلزمه إلا بخبر يجب التسليم له والله أعلم. وأما من أسقط عنه فرض الصلاة إن لم يجد الماء ولا التراب من المخالفين احتج بقوله عليه السلام: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور)). وقال: فالله لا يكلف بصلاة غير مقبولة فإن الحجة عليه قوله تعالى: (أقيموا الصلاة) عموماً ولا يسقط هذا الفرض الا بخبر يجب التسليم له، والخبر الذي احتج به يحتمل أن يكون لا يقبل الله صلاة بغير طهور يعني مع القدرة
(3)
قوله: والأمر بإعادتها الخ. قلت وبقوله علي الام (إذا أمرتكم بأمر) (2) الحديث وفي البخاري ومسلم) أن عقد عائشة رضي الله عنها لما فقدته صلوا وهم على غير وضوء فأنزل الله آية التيمم) فائدة: قال أبو اسحاق رحمه الله: وكل من لزمه التيمم أو أبيح له فتيمم وصلى فلا إعادة عليه إلا في خصلتين: إحداهما أن يكون حضرياً يعوزه الماء فيخاف فوات الصلاة قبل وصول الماء فإنه يلزمه التيمم وعليه الإعادة، وفي قول آخر: لا إعادة عليه. الثاني: أن يكون واجداً للماء فلا يمكنه استعماله إلا أن يتناوله فأعوز من يتناوله الماء وعنده تراب طاهر فقدر على استعماله
(1) رواه الجماعة ومتفق عليه، (2) متفق عليه.
(3) تقدم ذكره.
- 304 - (1/311)
صفحة 312
عليه فإن قال كذلك قوله تعالى: (أقيموا الصلاة) يحتمل أن يكون أقيموا الصلاة إن كنتم متطهرين. قيل له: فالصلاة فريضةو الطهور فرض أمر بهما جميعاً فعجزه عن أحد الفرضين لا يسقط عنه الآخر. ألا ترى أنه يصلي بالثوب النجس إذا لم يقدر على الثوب الطاهر فكان عجزه عن الثوب الطاهر لا يسقط عنه فرض الصلاة؟ وكذلك السترة والبقعة الطاهرة على
هذا الحال والله أعلم، وبالله التوفيق.
مسألة في نواقض هذه الطهارة وهي التيمم:
فإنهم اتفقوا على أنه ينقضها ما ينقض الأصل الذي هو الوضوء مثل أن يتيمم وفي جسده نجس أو تيمم ويداه منجوستان فإنه لا يجوز تيممه لأنه طهارة كما لا يجوز وضوؤه على النجس والله أعلم. وقال آخرون: يجوز تيممه وأظن أنهم إنما قالوا بجوازه لأن التيمم لا يفيد للمتيمم طهارة الوضوء وذلك أن الوضوء يجمع نظافة وعبادة ولذلك تؤثر فيه الأنجاس، والتيمم نقص عن رتبة الوضوء في هذه الجهة والله أعلم. ومن كان فيه جرح لا يرقأ دمه أو من ابتلي بالبرودة ولا ينقطع البلل منه، أو المرأة المستحاضة فإن هؤلاء يتيممون لكل صلاة؛ ومنهم من يقول في
ويخاف فوت الصلاة قبل أن يقدر على من يناوله الماء إذا كان الغالب وجوده فإنه يلزمه التيمم وعليه الإعادة إذا قدر والله أعلم وبالله التوفيق.
- 305 -
ه م 20 ـ الإيضاح» (1/312)
صفحة 313
هؤلاء: يجزيهم تيمم واحد ما لم يقطعه حدث غير الذي كان فيه والله أعلم. واختلف الناس هل ينقض التيمم إرادة الصلاة الثانية أم لا؟ فذهب بعضهم إلى أن إرادة الصلاة الثانية تنقض طهارة الأولى، وذهب آخرون إلى أنها لا تنقضها إرادة الصلاة الثانية. وأصل هذا الاختلاف يدور على شيئين أحدهما في قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة، محذوف مقدر، أعني إذا قمتم من النوم أو قمتم محدثين، أو ليس هنالك محذوف، فمن رأى أنه لا محذوف هنالك قال: ظاهر الآية يوجب الوضوء والتيمم عند القيام لكل صلاة لكن خصصت من ذلك السنة الوضوء وبقي التيمم على أصله. والسبب الثاني: هو تكرار الطلب
مسألة في نواقض هذه الطهارة:
قوله: وأصل هذا الاختلاف الخ. وأصل هذا الخلاف أيضاً مبني على أنه مبيح أو رافع للحدث فإن قلنا مبيح بطل لأن ما ثبت للضرورة يقدر بقدرها، وإن قلنا رافع للحدث لم يبطل وهو الذي صدر به للشيخ إسماعيل رحمه الله. وأما إيجاب تكرار الطلب فلا يدل على ما ذكر الجواز أن يكون تكراره شرطا لبقائه عند عوز الماء لا لابتدائه كالمرة الأولى قلت: وظاهر كلامهم أنه إذا انتقض تيممه الذي هو بدل من الوضوء يجب عليه أن يجدد تيممه الذي هو بدل من الحدث الأكبر حرره بنقل صحيح.
قوله: والسبب الثاني الخ. وتعقب بالمريض الذي لا يقدر على استعمال الماء.
14.71 (1/313)
صفحة 314
علمائنا
عند دخول وقت كل صلاة وهو الذي ينبغي أن يصار إليه على مذهب رحمهم الله ومن لم يتكرر عنده الطلب وقدر في الآية محذوفاً لم ير إرادة الصلاة مما ينقض التيمم. وعلى هذا الأصل اختلفوا هل يجزيه تيمم واحد إذا جمع بين الصلاتين أم لا؟ والله أعلم. وكذلك الأفعال التي التيمم شرط في صحتها عند عدم الماء على هذا الحال مثل: صلاة النفل وصلاة الجنازة وقراءة القرآن و مس المصحف، واختلفوا أيضاً
قوله: وعلى هذا الأصل اختلفوا الخ. ما اقتضاه كلامه رحمه الله من وجود الخلاف في صورة الجمع ينافي ما ذكره الشيخ اسماعيل رحمه الله حيث قال بعد ذكر أحد القولين: وذهب آخرون إلى أنه يجدد التيمم عند كل صلاة إلا إن جمعهما فإنه يجزيه تيمم واحد روي هذا عن الربيع وغيره من أ أصحابنا العمانيين رحمهم الله، والله أعلم. قوله: وكذلك الأفعال التي التيمم الخ. أنظر هل معناه أنه إن تيمم وصلى العرض مثلا ثم أراد فعل شيء مما ذكر يحتاج إلى تيمم آخر على قول كالصلاة المفروضة، أو معناه إن تيمم لنفل مثلاً ثم تنفل به ثم أراد تنفلا آخر هل يتيمم بناء على أن إرادة التنفل الثاني بطل التيمم الأول؟ حرره بنقل صحيح من المذهب. وعند المخالفين الإشارة إلى الأول وصححوا أنه يتنفل وعبارة بعضهم وجاز جنازة وسنة ومس مصحف وقراءه وطواف وركعتاه بتيمم فرض أو نقل، والظاهر أن المصنف إنما قصد المعنى الأول حرره.
قوله: واختلفوا أيضاً هل وجود الماء الخ، ظاهره سواء ضاق الوقت عن استعماله أم لم يضق. والثاني محل اتفاق والأول محل خلاف، ولم أر لأصحابنا (1/314)
صفحة 315
هل وجود الماء ينقض التيمم؟ فقال أصحابنا رحمهم الله: إن وجود الماء حدث ينقض التيمم، وذهب آخرون إلى أن الناقض له هو الحدث لا وجود الماء، وأصل هذا الخلاف هل ورود الماء يرفع استصحاب الطهارة التي كانت بالتراب أو يرفع ابتداء الطهارة بالتراب؟ فمن رأى أنه إنما يرفع ابتداء الطهارة بالتراب قال: لا ينقضها إلا الحدث، ومن رأى أنه يرفع استحصاب الطهارة بالتراب قال: إنه ينقضها، والحجة لعلمائنا رحمهم الله في نقض التيمم بوجود الماء ما ثبت عن النبي عليه السلام أنه قال لعمار: (إنما يكفيك هكذا ما لم تجد الماء) وقوله عليه السلام لأبي ذر رحمه الله: (فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك) (2) والأمر محمول على الفور فإن قال قائل: إن الحديث محتمل لأنه يمكن أن يقال قوله عليه السلام) ما لم تجد الماء) يفهم منه إذا وجد الماء لم يصح ابتداء هذه الطهارة، قيل له قوله عليه السلام: (فأمسسه جلدك) يدل على ما قلنا، فإن قال لما كانت هذه الطهارة بدلاً من الوضوء كان لا ينقضها إلا الحدث كالوضوء، قيل له: إن التيمم وجود الماء هو حدث خاص به ينقضه لما قدمناه والله أعلم. واتفق القائلون أن وجود الماء ينقضها على أنه ينقضها
(1) تقدم ذكره.
(2) رواه أحمد، والترمذي صححه
- TA- (1/315)
صفحة 316
قبل الشروع في الصلاة وبعد الصلاة، واختلفوا هل ينقضها طروؤه في الصلاة فذهب بعضهم إلى أنه لا ينقض التيمم وجود الماء في الصلاة، قالوا: وكذلك في الكفارات أنه لا ينقطع البدل ولا يخرج منه إلا بتمامه مع وجود المبدل منه، وكذلك من تزوج أمة بوجود الشرطين عدم الطول إلى تزويج الحرة، وخوف العنة ثم وجد الطول إلى تزويج الحرة لم يفسخ نكاح الأمة والله أعلم. ومن حجة الآخرين اجتمع الناس أن كل ما أبيح لأجل الضرر أنه يرتفع تحليله بارتفاع الضرر، وغير مناسب للشرع أيضاً أن يكون شيء واحد ينقض الطهارة قبل الصلاة ولا ينقضها
فيه نصاً إلا ما يؤخذ من إطلاق كلامهم رحمهم الله، وهل يؤخذ حكمها مما قالوه إذا وجد الماء وخاف من استعماله فوات الوقت، أيتيمم ثم يستعمل الماء، أو يستعمل الماء ولو خاف فوات الوقت؟ قوله: فذهب بعضهم إلى أنه الخ، هو مذهب مالك والشافعي وفيه خلاف عندهما وذهب أصحابنا إلى النقض والعدول إلى الماء، وإن فرغ من الصلاة ثم وجد الماء فإنه يستحب له الإعادة وإن خرج الوقت فلا، الشيخ إسماعيل رحمه الله. ولعل محل ذلك إذا لم يقترن بمانع كعطش ومرض، ثم رأيت في الشيخ إسماعيل ما يدل على ذلك تأمله،، ثم رأيت الشيخ صرح بالمسألة بعد ذلك، وفي القطع أقوال عند الشافعية الأصح منها أنه إن قطعها ليتوضأ أفضل خروجاً من الخلاف. والثاني: الأفضل الاستمرار ويحرم القطع. والثالث: أن يقلب فرضه نقلا ويسلم من ركعتين. والرابع: يجب الاستمرار ويحرم القطع. والخامس: إن ضاق الوقت حرم والإفلا والله أعلم.
- 09 - (1/316)
صفحة 317
في الصلاة، ومن حجتهم أيضاً أن جميع الأبدال المتفق عليها أنه يرتفع حكمها بوجود المبدل منه، ألا ترى إلى المعتدة الصغيرة بالأيام ترى الحيض أنها ترجع بعد أن دخلت في البدل إلى الحيض فتعتد به، وكذلك المتيمم إذا وجد الماء قبل أن يتم الفرض الذي دخل فيه أن يرجع إلى الماء والله أعلم. واختلف القائلون أيضاً بأن وجود الماء ينقض التيمم في حد الناقض، قال بعضهم: رؤية الماء حدث ينقض التيمم. وقال آخرون: إنما ينقض التيمم وجود الماء مع إمكان الغسل، وسبب اختلافهم عندي ما يدل عليه إسم الوجود من قوله عليه السلام: ما لم تجد الماء هل هو وجود رؤية كوجدان الضالة أو وجود قدرة وإمكان؟ والنظر يوجب عندي أن يكون الوجودها هنا وجود قدرة وإمكان لأنه لما كان وجود الماء من غير إمكان الغسل يبيح له التيمم كان وجوده أيضاً من غير إمكان الغسل لا ينقضه والله أعلم، واشترط بعضهم مع إمكان الغسل دخول الوقت، وعندي أنهم إنما راعوا في ذلك لما كان عدم
قوله: والنظر يوجب عندي الخ، في الديوان والرجلان إن تيمما لعدم الماء ثم أصاب ماء لا يكفي إلا أحدهما فإنه ينتقض تسممها، ومنهم من يقول: هما على تيممهها وظاهره سبق إليه أحدهما ام. وعند أبي القاسم من أصحاب مالك ينتقض تيمم السابق منها والله أعلم. (1/317)
صفحة 318
الماء قبل الوقت غير مبيح للتيمم ولا يسمى عادماً للماء كان وجود الماء أيضاً قبل الوقت غير ناقض التيمم والله أعلم. وكذلك المقيم إن تيمم بالعذر ثم استراح ولم يجد الماء، قال بعضهم: ينتقض عليه تيممه كما ينتقض تيممه برؤية الماء، لأن ما أبيح لعلة يرتفع تحليله بارتفاع العلة،
و قال آخرون: لا ينتقض تيممه، وذلك عندي لما كان عدم الماء يبيح التيمم مع وجود الصحة كان استراحه من المرض لا ينقض تيممه إلا بوجود الماء مع إمكان الغسل والله أعلم. وإن شك أنه تيمم أو لا فإنه يتيمم حتى يكون على اليقين، وأما إن أيقن بالتيمم فشك أنه انتقض عليه أم لا فإنه على اليقين من تيممه، ولا يرفع الشك ما ثبت باليقين لقوله عليه السلام: (إذا شك أحدكم في صلاته فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) (1) فكأن شكه في الصلاة لا يؤثر في طهارته وكذلك في غير الصلاة على هذا الحال والله أعلم.
(1) أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة، وأخرجه الخمسة إلا الترمذي عن
عبد الله بن زيد بلفظ آخر
-11 - (1/318)
صفحة 319
باب في احكام النجاسات
وما يتعلق بها
وغسل النجس واجب لأجل الصلاة لأنه مأمور أن لا يصلي إلا بثوب طاهر، وجسد طاهر، وعلى موضع طاهر، ويسعه جهل ذلك كله ما لم تحضر الصلاة، فإذا حضرت فلا يسعه أن يخرج الوقت إلا صلى كما أمر ببدن طاهر، وثوب طاهر، على بقعة طاهرة، والدليل على هذا
باب في أحكام النجاسات وما يتعلق بها
قوله: النجاسات: النجاسة تطلق بالإشتراك على معنيين أحدهما الصفة القائمة بالشيء المانعة من الصلاة به أو فيه، وعرفها ابن عرفة المالكي بقوله: صفة حكمية توجب الموصوفها منع الصلاة به أو فيه وإزالتها هو التطهير، قال: وهو إزالة النجس ورفع مانع الصلاة ويقابلها الطهارة، والثاني: الأعيان النجسة، وقد أشار المصنف رحمه الله إلى الأول بقوله: وغسل النجس واجب لأجل الصلاة، وإلى الثاني بقوله الآتي: مسألة في أنواع النجاسات، وعلى قياسها الطهارة والطاهر وفي تعريف الطهارة بما ذكر، أبحاث وتحقيقات أوردها الرصاع في شرح حدود
ابن عرفه فراجعه.
قوله: وثوب طاهر، الظاهر أن المراد بالثوب مالابس المصلي حال الصلاة، فيشمل النعل ونحوها والله أعلم.
- 312 - (1/319)
صفحة 320
(2)
من الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: (وثيابك فطهر (1) وقوله: «يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد، (2) يعني عند كل صلاة، والزينة لا تكون مستقذرة، ومن السنة ما روي عنه عليه السلام أنه قال: (إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتعركه ثم لتنضحه بالماء ثم لتصل (3)، وما روي أنه قال عليه السلام: (رجلان يعذبان في القبر، أما أحدهما فإنه لا يستنجي من البول، والثاني الذي يمشي بالنميمة بين الناس))، وما روي أنه ا) أمر أن يصب على بول الأعرابي ذنوب من ماء () فهذه الأحاديث تدل أنه لا تجوز الصلاة إلا على بقعة طاهرة، وبدن طاهر، وثوب طاهر، والله أعلم. وكذلك غسل جميع
قوله: (وثيابك فطهر (أي من النجاسات فإن التطهير واجب في الصلاة
محبوب في غيرها .. الخ. بيضاوي.
قوله: فلتعر كه من باب نصر.
قوله: ثم لتنضحه من باب ضرب.
(1) المدثر: 4.
(2) الأعراف: 31.
(3) متفق عليه.
(4) رواه أحمد والطبراني في الأوسط عن أبي بكرة،
(ه) متفق عليه من حديث أنس بن مالك.
- 313 - (1/320)
صفحة 321
المطعومات كلها فإنه واجب إذا كان يقدر على تطهيرها عند إرادة أكلها لأنه مأمور لا يأكل إلا حلالاً ولا يشرب إلا حلالاً، والنجس ليس بجلال لأن كل نجس خبيث، وذلك أنه يسمى البول خبثاً لقوله: (لا يصل أحدكم وهو يدافع الأخبثين)) وكل خبيث حرام لقوله تعالى: «الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف، (2) وهو جميع الطاعة لله عز وجل، فمن عمل بما أمر الله به وترك ما نهى عنه فقد عمل المعروف، وينهاهم عن المنكر وهو جميع معاصي الله فمن عصى الله عز وجل بتضييع ما أمر به أو بارتكاب ما نهى الله عنه فقد بدل وترك المعروف وعمل المنكر، ويحل لهم الطيبات، وهي جميع الحلالات، «ويحرم عليهم الخبائث، وهي جميع المحرمات والله أعلم. وكذلك غسل جميع الأواني واجب عند إرادة الانتفاع بها لما روي أنه (أمر أن تغسل آنية أهل الذمة من أهل الكتاب إن احتيج إليها) (3)، ولما روي أنه من طريق
(1) متفق عليه.
(2) الأعراف
104:
(3) رواه الترمذي وقال حسن صحيح من طريق أبي ثعلبة الخشني
-4 I{- (1/321)
صفحة 322
أبي هريرة قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً أولاهن وأخر اهن بالتراب)) والله أعلم. والذي يستحب في ذلك عند أهل المعرفة أن يحفظ نفسه وثيابه من النجاسة ما قدر عليه، وإن نجس له شيء عجل بغسله عند وجود الماء أو بالمسح في البدن عند عدم الماء، ولا ينام الرجل مع نجاسة كانت في ثوبه أو في فراشه أو في موضع رقاده أو في بدنه ما قدر لئلا يجده الموت على غير طهارة، وأعظم من هذا النائم بالجنابة لأن الأرواح إذا خرجت من الجسد عند النوم عرجت حتى تنتهي إلى العرش فتسجد لرب العالمين إلا روح صاحب الجنابة فترد من باب السماء والله أعلم. وإن وصل النجس إلى شيء من ماله من جميع المنتقل ما له روح وما ليس له روح وأراد أن يبيعه فإنه يبيعه حتى يخبر به المشتري بأنه نجس، وإن لم يخبره فهو عيب وغش يرد به لما قدمناه من تحريم الأنجاس لئلا يناله من هذه الأشياء نجس لم يعرف به فيصلي به، أو ينال طعامه أو شرابه أو ما أشبه ذلك إلا ما كان من مواضع النجس
قوله: إذا ولغ الكلب، ولغ الكلب في الاناء يلغ بفتح اللام فيها ولو غا. قوله: عند عدم الماء مفهومه أنه إذا وجد الماء لا يجزي المسج مع إطلاقه
فيما يأتي إلا أن يقال بتعطيله بدليل ما يأتي.
(1) رواه مسلم والترمذي عن أبي هريرة.
1510 - (1/322)
صفحة 323
في الإنسان والبهائم فإنه ليس بعيب. وليس عليه أن يخبره به لأنه معروف ورخص بعضهم إذا كان النجس في موضع ليس فيه ضرر من الأطراف مثل القرن وغيره أن لا يكون عيباً، وكذلك في الدور يكون النجس عيباً عند البيع في المواضع التي يحتاج فيها إلى نفعها واستعمالها لما قدمناه والله أعلم. وأما الكنيف في الدار فليس بعيب عند البيع وإنما هو من مصالح الدار، ولا بأس على من دخل الدار بإذن مثل الضيفان أن يخرجوا الحاجتهم فيه بغير إذن صاحب الدار لأنه لذلك عمل وهذا عندي والله أعلم. إنما يجري على عادة الناس وسيرتهم في الضيفان والكنيف والله أعلم. ولا يستحب له أن يعامل النجس بيده ما دام يجد غير ذلك، وكذلك ثيابه على هذا الحال إلا عند الضرورة ولا يحل له أن ينجس أشياء الناس لأن ذلك ضرر والضرر لا يحل، وإن نجسها فعليه الخلاص من تباعة ذلك بالحل أو بالغرم، إلا ما استخصوه من أربعة أشياء، ليس عليه تباعة إن نجسها مثل: الطنفسة، وشكل الحمار، والمغسل، وميلغة الكلب. وكذلك عند بعضهم: رأس الأشبر ورأس المهماز وقاع آنية بيت العيال وليقة الحجام ومحاجمه ومشرطته وقصرية الخراز وما أشبه هذا، وعندي والله أعلم أنهم إنما جعلوا النجس هو القاعدة في هذه الأشياء وحكموا عليها بالنجس لأنها لا تنفك من النجس غالباً، وربما تنفك ولكن الحكم
-417 - (1/323)
صفحة 324
على الأغلب. ألا ترى إلى علي حين سئل عن حد شارب الخمر فقال: إن شرب سكر وإن سكر هذى، وإن هذى افترى، وإن افترى وجب عليه الحد وجعل عليه ثمانين جلدة، وربما لا يفتري ولكن الحكم عندهم على الأغلب والله أعلم. وقال بعضهم: إنما القاعدة في جميع هذه الأشياء الطهارة حتى يتيقن نجاستها والله أعلم. فإن قال قائل: ولم جعلوا الطنفسة من هذه الأشياء ولم يخصوا سواها من الثياب؟ قيل له والله أعلم: إن العادة الجارية في الناس لا يغسلون الطنافس لصعب غسلها، وما لا يغسل وخصوصاً إن استعمل للرقاد الذي هو سبب للكثير من النجاسات فالغالب عليه أن يكون نجساً. ألا ترى إلى حديث أنس حين ذكر أنه صلى به هو والعجوز؟ قال أنس: فعمدت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبث فنضحته بالماء فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا فصلى بنا ركعتين ثم انصرف) (1) ألا تراه كيف غسل الحصير؟ ولم يذكر أنه تيقن نجاستها، ولكن ذكر أنه قد اسود من طول ما لبث والله أعلم. وإن نجس المسجد فقد شددوا في هلاكه والدليل على هذا قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد
(1) رواه أبو داود.
- 217 - (1/324)
صفحة 325
عامهم هذاء (1) وكذلك المساجد كلها لا تقرب بنجس تعظيماً لحرمتها. وكذلك من ينجس الطعام متعمداً فهو هالك سواء في هذا الطعام لنفسه أو لغيره لأن تنجيس الطعام إتلاف له وفساد و الله لا يحب الفساد، ونهي النبي عليه السلام عن تضييع المال والله أعلم.
مسألة في أنواع النجاسات وأعيان النجاسات
المتفق عليها أربعة ميتة الحيوان ذي الدم الذي ليس من الماء، ولحم
مسألة في أنواع النجاسات وأعيان النجاسات
قوله: في أنواع النجاسات .. الخ. قال بعض قومنا: النجاسة في اللغة كل مستقذر، وفي الشرع كل عين حرم تناولها على الإطلاق في حالة الإختيار مع إمكانه لا لحرمتها واستقذارها أو ضررها ببدن أو عمل فخرج بالإطلاق ما يباح قليله كنبات هو سم، وبالإختيار الميتة ونحوها فإنه يباح تناولها عند الإضطرار مع نجاستها في ذلك الوقت حيث يجب على آكلها غسل فيه، وبإمكان التناول الحجر ونحوه من الأشياء الصلبة ولا يحتاج إلى هذا القيد لأن ما لا يمكن تناوله لا يوصف بتحريم ولا تحليل، وبقوله لا لحرمتها الآدمي وبلا ضرر الحشيش المسكر والألم الضار الذي يضر قليله وكثيره، والتراب، وبغير المستقذر المني والمخاط، وانظر على قاعدة المذهب قلت المني عندنا نجس والميتة عند الاضطرار فيها قولان. فائدة: قال أبو طاهر في القناطر وأعيان النجاسات في الجملة ثلاثة: مائعات
:
- PIA-
•
(2) التوبة: 28 (1/325)
صفحة 326
الخنزير بأي سبب اتفق أن تذهب حياته، والدم نفسه من الحيوان الذي ليس من الماء انفصل من حي أو ميت إذا كان مسفوحاً وبول ابن آدم ورجيعه، وأكثرهم على نجاسة الخمر، أما ميتة الحيوان ذي الدم فالدليل
على نجاستها قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة: (1) فكل حرام لعينه
«
وحيوانات وأجزاء حيوانات، ثم شرع في بيانها فليراجع، فيؤخذ منه أن الجامدات كلها طاهرة سواء غيبت أم لا فليحرر.
قوله: (حرمت عليكم (الميتة) أي وتحريم ما ليس بمحترم ولا ضرر فيه يدل على نجاسته وإليه أشار المصنف بقوله فكل حرام لعينه .. الخ. ومراده بالميتة ما زالت حياته بغير ذكاة شرعية ليعم ما مات حتف أنفه وما لا يؤكل إذا ذبح و ما يؤكل إذا اختل فيه شرط من شروط التذكية.
قوله: فكل حرام لعينه نجس هذه كبرى لصغرى، القياس من الشكل الأول، فكأنه قال: الميتة حرام لعينها، وكل حرام لعينه نجس، والنتيجة الميتة نجسة، وحذف الصغرى لانسياق الذهن إليها من دليلها وهو قوله تعالى: (حرمت) .. الخ. والكبرى بديهية، وإنما قيد بقوله لعينه لتطرد الكلية إذ الحرمة العارضة تتعلق بالطاهر كمال الغير مثلا، والله دره ما اعلمه وما أمهره في صناعة المنطق وغيرها كما يظهر بالتأمل في كلامه خصوصاً الأصول فرحمه الله ومن علينا ببركاته وفهمنا مقاصده، وإنما نبهت على هذا. مع ظهوره لئلا يغتر جاهل فيظن بالشيخ عدم معرفة هذا الفن ويؤخذ من كلامه جواز تعامه والله أعلم
بالصواب.
(1) المائدة: 3.
- 319 - (1/326)
صفحة 327
نجس، وأما ميتة الحيوان الذي لا دم فيه فالدليل على طهارتها ما روي ادم عن رسول الله لهم من طريق أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فأمغلوه ثم أخرجوه) وفي بعض الروايات (فأمغلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء) (1) وأنه يقدم الداء ويؤخر الشفاء وفي الأثر: معلوم أن بعضها يموت من ذلك ولم يقل أنه أفسد طعاماً، وليست لذلك علة إلا أنه لا دم فيه وكذلك كل ما لا نفس له سائلة عندهم لا ينجس مثل العقرب، والزنبور، والخنفساء، والجعل، والذرة، والعنكبوت وما أشبه ذلك ومن تعلق بعموم قوله تعالى: حرمت عليكم الميتة، قال بنجاسة ميتة الحيوان الذي لا دم فيه،
قوله: الحيوان الذي لا دم فيه وافقنا على ذلك مالك، وأما الشافعي فالميتة عنده نجسة إلا ميتة الآدمي والسمك والجراد. قوله: والزنبور في القاموس الزنبور ذباب لساع، وفيه الزنابير الحصى الصغار، وذباب صغار.
قوله: الجعل في القاموس الجعل كصرد الرجل الأسود الذميم، أو اللجوج، والرقيب، ودويبة وهو المراد هنا.
قوله: الذرة: الذر صغار النمل ومائة منها زنة حبة شعير، الواحدة ذرة.
قاموس
) رواه أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجه.
- 320 - (1/327)
صفحة 328
وقال: إنما التخصيص في الذباب لقوله عليه السلام: (فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء وأنه يقدم الداء ويؤخر الشفاء) والله أعلم. وكذلك ميتة الحيوان البحري طاهرة عندهم، والدليل معهم هو الحديث المخصص لعموم قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) وهو ما روي عن جابر بن عبد الله قال: (بعث رسول الله بعثا وأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم في ثلاث مائة وأنا فيهم،
فخر جنا حتى إذا كنا ببعض الطريق قل الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجمع فجمعت وكان مزودي تمر وكان يقوتنا كل يوم قليلاً قليلاً ثم فني ولم يصبنا إلا تمرة تمرة، قال: ولقد وجدنا فقدها حين فنيت ثم انتهينا إلى البحر فإذا بحوت مثل الظرب فأكل منه ذلك الجمع ثمان عشرة
قوله: وكذلك ميتة الحيوان البحري ظاهره سواء كانت مما يطول حياته في البر أم لا، وهو ظاهر الحديث الآتي، وهو قوله لا هو الطهور ماؤه والحل ميتته) (1) ورأيت في بعض التقاييد لأصحابنا أن السلحفاة فيها قولان: الذكاة و عدمها والمشهور من مذهب مالك الظهارة مطلقاً، وكذلك الشافعي، ولكن في كلامه الآتي ما يخالف ذلك
قوله: مثل الظرب قال في القاموس في باب الباء في فصل الظاء المشالة الظرب ككتف ما نتأ من الحجارة وحد طرفه، والجبل المنبسط أو الصغير، فيضبط
بإشالة الظاء والله أعلم.
(1) تقدم ذكره.
•
- 321 -
د م 21 - الإيضاح» (1/328)
صفحة 329
(1)
ليلة، فأمر أبو عبيدة بضلعين من اضلاعه فنصبا ثم أمر براحلته فرحلت، ثم مر تحتهما ولم يصبهما. ومن تعلق بعموم الآية قال بنجاسة الميت ميتة الحيوان البحري إلا إن مات بسبب، لأن الميت ما مات من تلقاء نفسه من غير سبب. وقال: ليس في حديث جابر دليل على طهارتها لأنه يحتمل أن يكون إنما حل أكلها لهم لأجل الضرورة لنفاد زادهم والله أعلم. والدليل مع أصحابنا رحمهم الله ما روي أنه قال عليه السلام: (أحل لكم ميتتان ودمان، فالميتتان الجراد والسمك والدمان الطحال والكبد) (2) وما روي أنه قال عليه السلام من طريق ابن عباس رضي الله عنهما حين سئل عن الوضوء بماء البحر فقال: (هو الطهور ماؤه والحل ميتته). وكل ما
قوله: لأن يحتمل أن يكون ... الخ. قلت: لكن هذا الاحتمال برده ما ثبت في رواية قومنا في البخاري ومسلم في روايته (فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله الله فذكرنا ذلك له فقال: هو رزق أخرجه الله إليكم فهل معكم شيء من لمه فتطعمونا؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله منه فأكل)
قوله: والدليل مع أصحابنا .. الخ. إن قيل هذا موقف علي وابن عمر فلا يكون حجة، قلت: بل هو مرفوع رفعه ابن ماجه والدار قطني ليكون
مجة
(1) اخرجه الستة
(2) أخرجه أحمد وابن ماجه عن ابن عمر،
- 322 - (1/329)
صفحة 330
أحل لكم
كان في البحر مما لا يعيش في البر فحلال ميتة لهذا الحديث، وقوله تعالى: صيد البحر وطعامه» (1) أيضاً يدل على ذلك، وطعامه هو الطافي عند بعضهم: وعند الآخرين أن الضمير من طعامه يعود على الصيدلا عن البحر فعند هؤلاء أنه لا يحل من ميتة البحر إلا
بعضهم
ذكر التسمية عليه؛ و
ولعل
ما مات بسبب،، واشتراط حجتهم قوله تعالى: «ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، فكان صيده عندهم هو ذكاته والله أعلم، إلا ما كان مثل صورة الإنسان فإنه مکروه عندهم، وكذلك يلزم صاحب هذا القول أيضاً أن يكون خنزير الماء وكلبه حراماً ليصح له أصله ويجريه على عموم قوله تعالى: «ولحم الخنزير، وكذلك الإنسان والكلب وجميع الأسماء المشتركة بين الحيوانات البرية والحيوانات البحرية وورد الشرع بتحريمها عموماً، ولكن الصحيح أنه لا بد للخطاب من ظاهر تسبق النفوس إليه فيحتاج ما دونه إلى قرينة والله أعلم، ويكون ورود اسم الخنزير مطلقاً إنما يقع على الخنزير البري إلا إن وردت معه قرينة تدل على خنزير الماء والله
قوله: يلزم صاحب هذا القول .. الخ. إعلم أنهم اختلفوا في خنزير الماء فقال ابن أبي ليلى ومالك والشافعي والأوزاعي: لا بأس بأكل شيء يكون في البحر. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يؤكل.
(1) المائدة: 96
- 323 - (1/330)
صفحة 331
أعلم
، والذي يعيش في البر والبحر عندهم إن مات في الماء لم يفسده وإن مات في الطعام أفسده كالضفادع وغيرها والله أعلم. واختلفوا أيضاً في أجزاء ما اتفقوا عليه أنه ميتة وذلك أنهم اتفقوا أن اللحم والشحم والمخ والدم والقيح والصديد من أجزاء الميتة، واتفقوا أن الشعر والوبر والصوف ليسوا بميتة. واختلفوا في العظم والقرن والظفر هل هما ميتة أم لا؟ وسبب اختلافهم هل توجد فيهم الحياة أم لا: والدليل على عدم الحياة فيهم وأنهم ميتة قوله تعالى: «قال من يحيى العظام وهي رميم.
(1)
فعلى هذا القول: إن الدباغ لا يؤثر فيهم وهم من أعيان الميتة، وعلى قول الآخرين: إن الدباغ يؤثر فيها وليست من أعيان الأنجاس، والدليل على هذا القول ما روي من طريق ابن عباس (أن النبي عليه السلام مر بشاة ميتة كان أعطتها مولاة الميمونة فقال م الاول: هلا انتفعتم بجلدها؟ فقيل:
قوله واتفقوا ان الشعر الخ. قالت الشافعية فيما ذكر قولان أظهرهما النجاسة وعبارة بعضهم حيث حكمنا بنجاسة الميتة ففي شعرها وصوفها ووبرها وريشها قولان أظهرهما كذلك والثاني أنها طاهرة إلا في الكلب والخنزير وفي عظمها طريقان أظهر هما القطع بنجاسته والثاني على القولين في الشعر ولعل المراد اتفاق
أصحابنا وفيه تأمل.
(1) پس: 78.
324 - (1/331)
صفحة 332
إنها ميتة. فقال الله: إنما حرم أكلها) (1) فأوقع له التحريم على الذي يؤكل منها، والعظام والقرون ليسوا مما يؤكل، والحس الذي تعتبر به الحياة أيضاً غير موجود في العظام والقرون و الله أعلم. فإن قال قائل: فالشعر
والصوف والوبر ميتة لوجود النمو والتغذي فيها فإذا فقد النمو والتغذي صاروا ميتة وهو الذي تعتبر به الحياة عندهم، قيل له لما اجتمع الناس أن ماقطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة لما روي أنه قال عليه السلام: (ما قطع من البهيمة وهي حيه فهو ميتة) (2) وأجمعوا أن الصوف والشعر والوبر إذا
قوله: والحس الذي الخ. وأجاب بعضهم بأن الحياة ليست عبارة عما يقتضي الحس والحركة بل هي عبارة عن كون الحيوان والنبات صحيحاً في مزاجه معتدلا في حالة غير متعرض للفساد والتعفن والتفرق بدليل قوله تعالى: (كيف يحي الله الأرض بعد بعد موتها) (3). وبقوله صلى الله عليه وسلم (من أحيا أرضاً ميتة فهي له) (4). والأصل في الإطلاق الحقيقة
•
قوله: إن ما قطع من البهيمة الخ. يعني إذا كان حيا وأما إذا كان ميتاً فهو طاهر، وعبارة بعض أصحابنا من أهل عمان وأما ما يخرج منه أي الانسان فنجس وطاهر، فالنجس منه الغائط والبول والريح والمني والمذي والودي والدم
(1) رواه الجماعة إلا ابن ماجه
(2) اخرجه أبو داود، والترمذي حسنه
- 325 -
(3) الروم:
(4) متفق عليه (1/332)
صفحة 333
قطعوا من الحي أنهم طاهرون دل ذلك انهم ليسوا بميتة، ولا يقع عليهم إسم ميتة ولو كان كل من فقد النمو والتعذي ميتة لكان النبات والشجر إذا فقد النمو والتغذي ميتة والله أعلم. اختلفوا أيضاً في جلود الميتة هل يجوز الانتفاع بها أم لا؟ قال بعضهم: لا يجوز الانتفاع بها دبغت أم لم تدبغ الحديث ابن حكيم قال: (كتب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أنه كتب إلى أناس قبل موته بشهر ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب
والقيء. والطاهر منه الدموع والبصاق والنخام و المخاط والقيح والعلق الذي ليس بدم صريح والشعر والجلد الميت والظفر انتهى. ومنه يعلم اندفاع مايقال ان الجلد الميت إذا قلعه الإنسان كان القياس أن ينقض الوضوء لأنه ميتة والله
أعلم.
(1)
قوله: لا يجوز الانتفاع بها أي ولا يحكم بطهارتها وهذا هو مشهور مذهب مالك فلا يؤثر دبغه طهارة في ظاهره ولا باطنه لنجاسة ذاته، ويرده (ايما اهاب دبغ فقد طهر) واما حمل الطهارة على اللغوية فليس بصحيح) لأنه يرفع الثقة بحمل اللفظ على معناه الشرعي. إذا كان له معنى لغوياً، وحمل اللفظ على معناه الشرعي واجب مالم تصرفه قرينة وينتفع به نجاسته بعد الدبغ في يابس أو ماء فقول المصنف رحمه الله لا ينتفع بها أي انتفاعاً مطلقاً أي كلياً ورفع الموجبة الكلية لاينافي الموجبة الجزئية، ويحتمل أنه أشار إلى مذهب أحمد بن حنبل فلا حاجه إلى التأويل.
(1) رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والترمذي عن ابن عباس
عنده
- 326 - (1/333)
صفحة 334
ولا عصب)). وقال آخرون: يجوز الإنتفاع بها لحديث ميمونة المتقدم، وبما روي أنه قال عليه السلام: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) فعلى هذا الحديث يحمل حديث ابن حكيم على منع الانتفاع قبل الدباغ، وحديث ميمونة على إباحة الانتفاع بعد الدباغ، والجمع بين الحديثين عندي أصح
قوله: لحديث ميمونة المتقدم ظاهر الحديث أن الدباغ يطهره ولا يحتاج إلى غسل وجهه أن الجلد لا ينجس بالموت وانما الزهومة التي فيه تنجسه فيدبغ لإزالتها كالثوب المتنجس وخالف الشافعي فقال لابد من غسله لأنه متنجس بعد الدبغ وفي الحديث رد عليه إذ حمل اللفظ على حقيقته أولى من المجاز حرره، ثم رأيت بعد ذلك المصنف اختاره.
فائدة: للناس في أمر الدباغ مذاهب سبعة فأوسع الناس قول الزهري فانه يجوز استعمال الجلود بأسرها قبل الدباغ، ويليه قول داود فإنه قال: تطهر كلها بالدباغ ويليه قول مالك فإنه قال يطهر ظاهرها دون باطنها، ويليه قول أبي حنيفة فإنه قال تطهر كلها إلا جلد الخنزير، ويليه قول الشافعي فإنه قال يطهر الكل إلا جلد الكلب والخنزير، ويليه قول الأوزاعي وأبي ثور فإنهما يقولان: يطهر جلدما يؤكل لحمه فقط، ويليه قول أحمد بن حنبل فإنه قال لا يطهر شيء منها بالخبر، قلت المشهور من مذهب مالك أن الدباغ يبيح الانتفاع بالجلد ولا يرفع حكم النجاسة وذلك كالتيمم الذي يبيح الصلاة مع بقاء الحدث وحكى ابن عبد الحكم عن مالك في المختصر الكبير أنه يظهر بالدباغ ويصلى عليه وبه يستعمل في المائعات كلها، ويجوز بيعه بشرط أن يبين
(1) رواه الخمسة عن عبد الله بن عكيم.
- 327 - (1/334)
صفحة 335
والله أعلم. واختلف القائلون أيضاً بجواز الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ، في جلود ميتة السباع هل يطهرها الدباغ أم لا؟ وسبب اختلافهم هل تصح فيهم الذكاة أم لا؟ فمن كانت عنده محرمة لعينها كالخنزير كانت جلودها لا يطهرها الدباغ لعدم الذكاة فيهم، ولما روي أنه (حرم جلود السباع))، ومن كانت عنده مباحة الأكل كالأنعام قال بجواز الانتفاع بجلودها بعد الدباغ إذا كانت ميتة، ومن كانت عنده مكروهة كانت جلودها مكروهة وجلودها تابعة للحومها، فإن قال قائل: أليس قلتم أيما إهاب دبغ فقد طهر وهذا عموم؟ قيل له: هذا عموم يراد به الخصوص، وذلك أن جلد الخنزير خارج من هذا العموم باتفاق منهم
قوله: هل يطهرها الدباغ أم لا؟ قلت روى أشهب عن مالك في المستخرجة أن مالا يؤكل لحمه لا يطهر بالدباغ. قوله: وسبب اختلافهم الخ. هذا لا يظهر إذ مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم يقولون بحرمة السباع على تفصيل مذكور عندهم، ومع ذلك يقولون بأن الدباغ يؤثر في جلد الميته، كل منهم نظر الى عموم قوله عليه السلام: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) إلا أن يقال سبب الاختلاف عند أصحابنا والله أعلم.
قوله: حرم جلود السباع ليس فيها دليل إذ يحتمل أن يكون ذلك قبل
الدباغ.
(1) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي المليح بن أسامة عن أبيه.
- TTA - (1/335)
صفحة 336
رحمهم
الله كقوله تعالى: «إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب
(1)
والخنزير
خارج من عموما من عموم الذكاة باتفاق والله أعلم. الثاني من أنواع النجاسات المتفق عليها لحم الخنزير، وذلك أن لحمه وشحمه وجلده وشعره كله نجس محرم، الدليل قوله تعالى: «قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به فمن إضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور
(2)
"
رحيم) وعوده على أقرب المذكورين وهو الخنزير أولى من عوده على أبعد المذكورين وهو اللحم، والدليل أيضاً ما روي أنه قال عليه السلام:) بعثتُ بقتل الخنزير وإراقة الخمر) (3) ولو كانت الذكاة تعمل في شحمه وسائر أجزائه غير اللحم لبينه عليه السلام، ولكن لا تعمل الذكاة في سائر أجزائه كما لا تعمل في اللحم، والمتناول لسائر أجزائه غير اللحم،
قوله: لحم الخنزير أما الخنزير فمختلف فيه فمذهبنا، ومذهب الشافعي نجاسته،
وذهب مالك وأحمد إلى طهارته
•
قوله: وشعره خالف فيه مالك فزعم طهارته إن جز ولو من ميتة، وذهب داود إلى تحريم لحمه فقط وقوفاً مع ظاهر الآية.
(1) المائدة: 3. (2) الانعام 145. (3) رواه أحمد
- 329 - (1/336)
صفحة 337
لا يخلو أن يتناوله وهو حي أو يتناوله وهو ميت، فإن أخذه وهو حي فهو ميتة لقوله عليه السلام: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة)) وإن أخذه وهو ميتة فهو أيضاً ميتة لعدم الذكاة فيه وقتله وذكاته سواء والله أعلم. ومما يليق ذكره في هذا الباب أنواع الحيوان المختلف في تحريمه توطئة لما سيأتي ذكره من أنواع النجاسات والله أعلم، أحدها سباع الوحش وسباع الطير اختلف العلماء فيها، قال بعضهم: هي محـ
قوله: فهو ميتة فيه منع بالنسبة للشعر إن جزء عند القائل بطهارته حرره اللهم إلا أن يقال فلما أجمعوا على شعر غير الخنزير والكلب فنحن نتمسك بالمجمع
عليه ونترك المختلف فيه.
6
قوله: توطئة لما سيأتي الخ. قلت يتأمل هذا فإن الظاهر من كلام المصنف أن هنا تلازم بين الطهارة وحل الأكل، وبه صرح فيما تقدم، ولعل عند أصحابنا وأما غيرهم فليس بينهما تلازم ألا ترى أن الشافعي يقول بطهارة جميع الحيوان إلا الكلب والخنزير مع أنه يحرم عنده البغل والحمار الأهلى وكل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير على تفصيل يطول ذكره، ومالك يقول بطهارة كل حي حتى الكلب والخنزير على المشهور من مذهبه مع أنه يقول بتحريم البغل والفرس والحمار والخنزير، والمكروه سبع وضبع وثعلب وذئب وهروان وحشياً وفي وفي كراهة القرد ومنعه قولان على تفصيل مذكور، والظاهر البحري وإن ميتاً وطيراً ولو جلالة ولوذا مخلب، ونعم ووحش لم يفترس كيربوع وخلود ووبر وأرنب وقنفوذ وضربون وحية أمن سمها وخشاش الأرض.
(1) تقدم ذكره.
- 330 - (1/337)
صفحة 338
كالخنزير وحكمها كحكمه، وقال بعضهم: مكروهة، وقال آخرون: مباحة، وسبب اختلافهم معارضة ظاهر الكتاب والسنة، وذلك أن ظاهر قوله تعالى:: قل لا أجد فيما أوحي إلي، الآية يدل على أن ما عدا المذكورين مباح، وظاهر حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير حرام) " يدل على تحريمها، فمن ذهب مذهب النسخ أو مذهب الترجيح قال: إما بإباحتها بظاهر الكتاب وإما بتحريمها بظاهر حديث أبي هريرة، وأما من حملها على الكراهية فإنه ذهب إلى ما روي أنه عليه السلام (نهى عن أكل كل ذى ناب من السباع وذي مخلب من الطير) و حمل النهي على الكراهية ليجمع بينه وبين الآية، واختلفوا أيضاً في جنس السباع المحرمة، قال بعضهم: ما أكل اللحم فهو سبع، قال آخرون: السبع المحرم هو الذي يعدو ويساور، وأما الضبع فإن بعض الفقهاء لا يراها سبعاً ويقول: هي نعجة
قوله: إن ظاهر قوله تعالى الخ الآية ليس فيها دليل إذ هي مكية
قوله
: وذي مخلب من الطير في القاموس المخلب بالكسر الظفر، خليه بظفره يخلبه ويخلبه جرحه أو خدشه أو قطعه كإستخلبه وشقه والفريسة أخذها بمخلبه، والمخلب المنجل، وظفر كل سبع من الماشي والطائر أو هو لما يصيد من الطير والظفر لما لا يصيد
(1) اخرجه مسلم ومالك وأبو داود والنسائي عن ابي هريرة.
- 331 - (1/338)
صفحة 339
من الغنم وجعلها من بهيمة الأنعام، وهي تساور وتعدو من تعرض لها، و تأكل الجيف ولحوم الموتى، وتفرس الغنم كما يفرس الذئب، قال كثير
وذكر ناقة:
و ذفري ککاهل ذيخ الخليف اصاب فريقة ليل فعاثا و الذيخ ذكر الضباع، والفريقة من الغنم التي أضلها صاحبها فاصابها
قوله: يعدو الخ إعلم أن العدو إنما يكون على الآدمي والافتراس عليه وعلى غيره، كالهر يفترس الفأر فالأول أخص.
قوله: وذفرى الذفر بالذال المعجمة وهي النقرة التي خلف أذن الناقة والبعير وهو أول ما يعرق منهما، واشتقاقها من الذفر بفتحتين وهو الرائحة الظاهرة طيبة كانت أو غيرها ومن الأول قوله ومسكه إذ فر ومن الثاني رجل ذفر أي
له خبث ريح
، وأما الدفر بإهمال الدال واسكان الفاء فهو النتن خاصة قوله: ككاهل ذيخ كصاحب الحارك أو مقدم أعلى الظهر مما يلي العنق من الثلث الأعلى وفيه ست فقر، وما بين الكتفين أو موصل العنق في الصلب والذيخ بالكسر الذئب الجريء والفرس الحصان الكبير، وكوكب أحمر، والعنوو ذكر الضباع الكثير الشعر والأنثى بهاء قاموس
•
قوله: الخليف كذا رأيت في النسخة فراجعت القاموس فلم أرفيه مايناسب ثم نظرت في فصل الجيم فرأيته قال في أثناء كلام والستة تذهب بالأموال كالخليفه وهو المناسب لما في البيت، ثم رأيت بعد ذلك في الصحاح قال: والخليف الطريق بين الجبلين، ومنه قولهم ذيخ الخليف، كما يقال ذئب عضا قال الشاعر وذفرى الخ فصح ما في النسخة
- 342 - (1/339)
صفحة 340
الذيخ فعاث فيها، وعيثه أنه يأكل ويقتل ما لا يأكل، وقال آخر
يذكر ميتاً:
وغودر ثاوياً وتأوبته مذرعة أميم لها فليل
والمذرعة هي الضبع لأن لها خطوطاً في ذراعها، والفليل ما كبب
بعضهم.
حلال
من شعرها ولكن الدليل على أنها مباحة ما روي أنه قال عليه السلام: (الضبع من الصيد) (1) والله أعلم، وكذلك الثعلب عند لما روي أن بشيراً سأله سائل عن الثعلب فقال: (إصطد وأطعمنا) ولا أدري لم ذلك فإن كان قد يأكل الثمار والاعناب ولا يساور لصغر جثته
وضعفه، فالأغلب عليه أكل اللحم، وهو يصيد كما تصيد السباع
"
فإذا أقوى على الأرنب فرسها، وعلى صغار الشاء أكلها، والعرب تجعله سبعاً قال الشاعر:
إذا نسبوا لم يعرفوا غير ثعلب أبيهم ومن شر السباع الثعالب
قوله: ماروي أنه قال عليه السلام) الضبع (الخ روى الحاكم وأبوداود من قومنا أن النبي عليه السلام قال: (الضيع صيد فإذا أصابه المحرم ففيه كبش مسن
ويؤكل).
(1) اخرجه اصحاب السنن، وصححه الترمذي عن عبد الرحمن بن ابي عمار.
- 333 - (1/340)
صفحة 341
وأما الأرنب فإنها من بهائم الوحش لأنها تأكل العشب ولا تصطاد، وإنما كرهها من كرهها للحيض والله أعلم، وأما ذوات المخالب من الطير فهي سباع الطير شبهت بسباع الوحش لأنها تصطاد وتعقر وتأكل اللحم كالعقاب والصقر والبازي، وربما كان من سباع الطير ما ليس له مخلب كالنسر لا مخلب له و إنما له ظفر كظفر الدجاجة وكالغراب والرخمة، فإن قال قائل: إن هذه ليست داخلة في التحريم لأن رسول
قوله: وإنما كرهها من كرهها ذهب أبو حنيفة إلى تحريمها كالضبع لحيضها، قيل لما أجاز صلى الله عليه وسلم أكله علمنا أن كل ذي ناب من السباع ليس من جنس ما أباحه، وإنما هو من نوع آخر وهو مالا غلب عليه العدا على الإنسان والله أعلم، وكرهها من كرهها للحيض، قال الجاحظ والذي يحيض من الحيوان أربعة الآدميات والأرنب والضبع والخفاش ومن عجبها أنها تكون سنة ذكراً وسنة أنثى.
قوله: مخلب في مختصر الصحاح المخلب بكسر الميم للطائر والسباع، كالظفر
للانسان.
قوله: والرحمة في القاموس الرخم محركة اللين الغليظ والعطف والمحبة واللين يقال: ألقى عليه رحمته، ورحمه، وموضع بين الشام ونجد، وشعب مكة وطائر الواحدة بهاء يطلى بمرارته سم الحية وغيرها والتبخير يحفيف لحمه مطبوخا بخردل سبع مرات تحل المعقود على النساء، ووضع ريشة من ميامنه بين رجلي المرأة يسهل ولادتها، أو يبخر بزبله يطرد الهوام، ويذاب بخل خمر ويطلى به البرص والله أعلم بالصواب.
- 334 - (1/341)
صفحة 342
الله الله إنما حرم ذوات المخالب، قيل له: لم يكن القصد بالتحريم للمخلب ولا الناب وإنما المخلب علم لسباع الطير، كما كان الناب عاماً لسباع الوحش، لأن المخلب يكون لأكثرها وإنما القصد بالتحريم لما اصطاد وعقر وأكل اللحم وإن لم يكن ذا مخلب، والنسر أعظم سباع الطير جثة وأشدها قوة، والغراب سبع يأكل اللحم ويصيد حشرات الأرض والفار، ويسقط مع الذئب على الجيف، والعرب تدعوهما الأضرمين لاجتماعهما على المآكل، قال المراد يذكر:
و صنم
فلاة على صرماء فيها اصرماها و خريت الفلاة بها دليل وكانت العرب تعاير من يأكل لحمه وتعده من الخبائث، قال الشاعر: فما لحم الغراب لنا بزاد ولا سرطان أنهار البريص
قوله: النسر، النسر طائر لأنه ينسر الشيء ويقتلعه، الجمع أنسر ونسور، كان لذي الكلاع بأرض حمير، وكوكبان الواقع والطائر.
قوله: على صرماء سميت الأرض صرماء لانقطاعها عن الماء والكلأ قوله: إصرماها أي قطعاها، الذئب والغراب سميا بذلك لانقطاعها عن
الناس.
قوله: خريت أي دليل الفلاة
قوله: البريص اسم نهر بدمشق
•
- 335 - (1/342)
صفحة 343
وكذلك الرخمة هي أقذر الطير طعمة لأنها تأكل العذرة وتقع مع الغربان على الجيف والقتلى فإن احتج محتج بالدجاج وقذر طعمه وأكله اللحم قيل له ليس الدجاج سبعاً لأن الأغلب عليه لقط الحب وإنما يقضى بأغلب الأمور ألا ترى أنا قد نسمي الرجل أميا وإن كان يكتب الحرف والحرفين والحروف، وكذلك العصفور يشبه سباع الطير لأنه يلقم فراخه ولا يزق ويأكل اللحم ويصيد النمل والجراد إلا أنه يفارقها بأن الأغلب عليه لقط الحبوب وأنه مما يعاشر الناس ويصاحبهم ولا يحل إلا حيث حلوا فصار شبيهاً بالدواجن من الطير والدجاج والله أعلم.
قوله: طعمة الطعمة المأكلة.
قوله قذر القذر ضد النظافة والشيء القذر بين القذارة.
فائدة: أجاز مالك أكل الطير كله ما كان له مخلب وما لم يكن له، قال مالك لا بأس بأكل الصرد والهدهد ولا أعلم شيئاً من الطير يكره أكله، وروي مالك أنه كره أكل الخطاف، وقال أبو حنيفة والشافعي، لا يؤكل كل ذى
عن
مخلب من الطير.
•
قوله: يلقم أفراخه جمع كثرة لفرخ، وجمع القلة أفرخ وأفراخ. قوله: ولا يزق في مختصر الصحاح، وزق الطائر فرخه أطعمه بفيه، وبابه رد والزقزقة ترقيص الطفل، وفي القاموس الزق رمي الطائر بدرقة واطعامه فرخه كالزقزقة فيها، وبالضم الخرؤزرق الطائر خرؤه، وبابه ضرب ونصر.
قوله: بالدواجن في القاموس دجن المكان دجونا أقام، والحمام والشاة وغيرهما ألفت وهي داجن جمع دجون.
- 336 - (1/343)
صفحة 344
الثاني من الحيوان المختلف في تحريمها ذوات الحوافر وذلك أنهم اختلفوا في الحمر الأهلية، قال بعضهم: هي حرام، وقال آخرون: هي مكروهة، وقال آخرون: هي مباحة، وسبب اختلافهم معارضة ظاهر الكتاب، وهو قوله تعالى: «قل لا أجد فيها أوحي إلي محرماً، الآية، لظاهر الحديث المروي من طريق علي بن أبي طالب قال: (نهى رسول الله لين عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الأهلية) (1) فمن ذهب إلى ظاهر النهي في هذا الحديث قال: بتحريم الحمر الأهلية، ومن ذهب إلى ظاهر الآية المتقدمة قال: بإباحتها، ومن جمع بين الآية والحديث حمل ظاهر الآية على ترك التحريم، وأما الخيل والبغال فلم يرد فيها عن النبي عليه السلام خبر، ولكنهم سلكوا بهما مسلك الحمر قياساً عليها، ولأن البغال فيها أصل من الحمر، والزكاة غير واجبة فيهم، وهم جميعاً من ذوات الحوافر الخيل والبغال والحمير، والدليل على ذلك قوله تعالى:
فوله اختلفوا في الحمر الأهلية مذهب مالك والشافعي تحريم أكلها وكذلك البغال والخيل عند مالك وأما الشافعي فيجوز عنده أكل الخيل، ووافق أبو حنيفة مالكا:
(1) متفق عليه.
- TTY -
ه م 22 – الإيضاح (1/344)
صفحة 345
>
والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة، (1) وقال في الأنعام: وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون، (2) فدل بتخصيصه الخيل والبغال والحمير بالركوب أنه لا يحل أكلها لأنها لو كانت مباحة الأكل لذكر ذلك كما ذكره في الأنعام، وكذلك الفيل لأنه عندهم من جنس
المركوبات فقط والله أعلم.
•
الثالث من أنواع الحيوانات المختلف في تحريمها: الهوام.
قالوا: لم يرد فيها خبر فما شابه المحرمة فهو منها مثل الحيات والأماحي وما أشبها لأنها تأكل اللحم وتعدوا كالسباع، وما شابه الحلال فهو منه منه مثل الوبر والقنفوذ واليربوع وما أشبههم، وموضع الشبه إنما هو في
قوله: والفيل جمعة فيلة وأفيال وكنيته أبو الحجاج، والفيل المذكور في القرآن كنيته أبو العباس، وإسمه محمود والذكر ينزو إذا تم خمس سنين، وتحمل الأنثى سنتين، وهو صاحب حقد ولسانه مقلوب ولولا ذلك لتكلم، ويخاف من الهرة خوفا شديداً. قوله: الوبر هو بفتح الواو وسكون الموحدة قاله الجوهري دويبة أكبر من ابن عرس وأصغر من الهرة الوحشية ليس لها ذنب نجلاء العين انتهى (دميري)
قوله: القنفوذ ينظر هل لغة أو لحن؟ إذ المشهور فيه قنفذ
(1) النحل: 8.
(2) پس: 72
•
- TTA - (1/345)
صفحة 346
الأكثر في مأكلها، وذلك أن اليربوع دويبة ذات أربع قوائم تجر كالأنعام، وهي من ذوات الكروش، وكذلك ما كان مثلها والله أعلم. وقيل ما كانت العرب في الجاهلية من الهوام تستقذره وتعده من الخبائث فهو حرام، وهو الذي تستخبئه النفوس كالحشرات والضفادع
6
والسرطانات والسلحفاة والحرباء والوزغ وما أشبه ذلك والله أعلم والدليل على هذا القول قوله تعالى: «ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، (1) والله أعلم، وحديث خالد بن الوليد المخزومي يدل على أن استقذار النفوس ليس هو سبب التحريم، وإنما الحرام ما حرمه
قوله: والسرطانات في القاموس والسرطان محرك: دابه نهرية كثيرة النفع، ثلاث مثاقيل من رمادها محرقا في قدر نحاس أحمر بماء أو بشراب عظيم النفع من نهشة الكلب الكليب عينه إن علق على محموم شفي، ورجله إن علق على شجرة سقطت ثمرتها من غير علة، ومنه الفحرر. قوله: والسلحفاة في القاموس السلحفية كبهلنية والسلحفاة والسلحفاء السلحفا مقصورة ساكنة اللام مفتوحة الحاء والسلحفاة بكسر السين وفتح اللام ينفع دمها ومرارتها المصروع والتلطيخ بدمها المفاصل، ويقال إذا إشتد البرد في مكان وكتفت بحيث تكون يداها ورجلاها إلى الهواء وتترك
ويقصرو
كذلك لم ينزل البرد في ذلك الموضع.
(1) الاعراف 107.
- 339 - (1/346)
صفحة 347
الشرع وذلك أنه روى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال خالد بن الوليد المخزومي: (دخلت على رسول الله ع في بيت ميمونة فأوتي بضب محتوذ فأهوى إليه رسول الله الا الله بيده فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة: أخبرن رسول الله الله بما يريد أن يأكل منه فقيل: هو ضب يا رسول الله، فرفع يده، قال خالد: فقلت له يا رسول الله أحرام هو؟ قال: لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه، قال خالد: فاحتززته وأكلته ورسول الله لا ينظر) (1) ولو كان ما تستقذره النفوس حراما الحرمه رسول الله، فإن قال قائل: إنما لم يحرمه رسول الله لأن العرب تأكله ولا تستقذره وإنما عافه عليه السلام لأنه لم يكن بأرض قومه، قيل له قد روي أن بعض العرب تعافه
وتستقذره ويدل على ذلك قول الشاعر:
ولو كان سيفي باليمين تباشرت ضباب الفلا من جمعهم بقتيل يقول ذلك في قوم يأكلون الضباب، يقول لو كان سيفي بيميني لقتلت منهم قتيلاً واستبشرت الضباب بقتله لاستراحتها من صيده إياها، وهذا يدل على أن جميع العرب لم يكونوا يأكلون الضباب، وروي
(1) اخرجه الستة إلا الترمذي. (1/347)
صفحة 348
أيضاً أن فقراء الأعراب كانوا يأكلون كل شيء غير (أم حنين والظربان) وذلك لنتانتهما، وروي أن مدنياً قال لأعرابي: ما تأكلون وما تدعون؟ قال نأكل ما دب وما درج إلا أم حنين، قال له المدني: لتهنأ أم حنين العافية، فهذا عندي يؤيده قول من قال الحرام ما حرمه الشرع لا غير والله أعلم، وكذلك الحيوان المنهي عن قتلها عند بعضهم مكروهة
كالضفادع والصرد والخطاف والله أعلم.
الثالث من أنواع النجاسات المتفق عليها:
الدم المسفوح من الحيوان البري، واختلفوا في دم الحيوان البحري، وفي القليل من الحيوان البري؛ وأصل اختلافهم في دم السمك
قوله: أم حنين في القاموس في باب النون في فصل الحاء وأم حنين كزيد، دويبة معروفة وربما دخلها أل، وبحذفها لا يصير نكرة، شاذ
رب
قوله: الظربان في القاموس في باب الباء في فصل الظاء المشالة، الظـ ككتف ما نتأ من الحجارة وحد طرفه، والجبل المنبسط أو الصغير، جمع ظيراب ورجل وفرس للنبي علي بلاد وكالمتل القصير الغليظ، وكالقطران دويبة كالهرة منتنة، كالظربان جميع طرابين وظرابي.
بري
قوله: واصل اختلافهم في دم السمك الخ. يتأمل هذا فإن مالكاً طهارة ميتة الحيوان البحري ولو طالت حياته ببر مع أنه يرى نجاسة دمه المسفوح، وعبارة بعضهم من النجاسة دم مسفوح، وإن من السمك على المشهور.
-4 E 1 - (1/348)
صفحة 349
اختلافهم في ميتة الحيوان البحري، فمن كان عنده ميتة الحيوان البحري طاهرة كان دمه طاهراً أيضاً قياساً على ميتته، ومن كانت عنده ميتة الحيوان البحري محرمة كان دمه أيضاً محرماً والله أعلم، وأما القليل من الدم فسبب اختلافهم فيه هو سبب اختلافهم في المطلق والمقيد إذا تعارضا فمن قضى بالمقيد على المطلق قال: الدم المسفوح هو المحرم، ومن قضى بالمطلق حرم قليل الدم و وكثيره والله أعلم، واختلف أصحابنا في صفة الدم المسفوح، قال بعضهم: هو ما انتقل من مكانه وسفح إلى غيره، وأما ما كان ظهوره لا يتعدى الجرح الذي خرج منه فليس بمسفوح ولو امتلأ فم الجرح الذي جرح وكثر، وقال بعضهم: المسفوح كل دم خرج رطباً، وأما دم القروح فلا، وهو أن يفيض الدم من الجرح بالإندفاق من ذاته لا من مستخرج له، فإن استخرجه ذباب أو غيره ففي ذلك
وكذا عند الشافعي وأما عند القائل بطهارته فقال إنه دهن بدليل إذا جف ابيض، والدم يسود.
فائدة: قال أبو جعفر الترمذي: دم النبي ع الطاهر لأن بعض الصحابة
شربه مع
اطلاعه الله عليه ولم ينهه، بل قال بعضهم: سائر فضلاته طاهرة فإن قلت الحكم بأن ميتة السمك طاهرة ودمه نجس كالمتناقض أجيب بأنه لا تناقش إذ لا يلزم من طهارة ميتته طهارة دمه، لأن المذكي طاهر ودمه نجس، وميتة الآدمي طاهرة على قول ودمه نجس.
- 342 - (1/349)
صفحة 350
قولان، قال بعضهم: هو مسفوح، وقال آخرون: ليس بمسفوح، وكذلك. الجرح الذي يكون في المباطن من الجسد مثل شقاق الرجل والأنف سفحه هو خروجه من مكانه،
بعضهم:
والأذن وما أشبه ذلك، قال و قال آخرون: ما لم يخرج من المباطن من الجسد ولو خرج من جرحه داخلاً والله أعلم، وعلى هذا الأصل اختلف العلماء في دم البرغوث والبعوض والقمل والحلمة والقردان ودم القلب والعلق الجامد قال بعضهم بنجاسة كل ما وقع عليه إسم الدم إلا ما قام دليله لقوله تعالى: د حرمت عليكم الميتة والدم، (1) وذهب آخرون إلى طهارة هذه الأشياء وجعلوها من صفة الكبد والطحال والله أعلم، وذهب بعض العلماء إلى طهارة دم الشهداء وخصوه من الدم المسفوح، والدليل على هذا القول ما روي أنه قال عليه السلام في الشهداء: (زملوهم في ثيابهم ودمائهم فإن دماءهم تعود مسكاً يوم القيامة) (2) مع أمره بغسل الميت، فكان تر که لغسل الشهيد دليلاً على طهارة دمه،، وكذلك كل دم خرج ظاماً على هذا الحال والله أعلم، واختلفوا فيها يخرج من تحت الجلد من الماء وغيره مثل القيح والصديد، قال بعضهم: حكمه حكم الدم قياساً
(1) المائدة: 3.
(2) متفق عليه
•
- 343 - (1/350)
صفحة 351
عليه، وقال آخرون: لا ينجس من ذلك إلا ما نجسه الشرع وهو الدم الخالص لا غيره والله أعلم، وكذلك اختلفوا في المني والمذي والودي والطهر من النساء، قال بعضهم بطهارة هذه الأشياء قياساً على اللبن الخارج من تحت الجلد، وإنما نجسوا بمعنى غيرهم وهو خروجهم من مخارج النجس، فعلى هذا القول إن أمنى أحد أربع مرات ولم يعقب لذلك بول أن يكون منيه في الرابعة طاهراً، وقال آخرون: بنجاسة هذه الأشياء المذكورة قياساً على الدم والله أعلم، وذلك أن العلماء اتفقوا على نجاسة الدم الخارج من تحت الجلد، وعلى طهارة اللبن الخارج من تحت الجسد، واختلفوا فيما سوى ذلك من القيح والماء والصديد والمني والمذي والودي وما أشبههم، قال بعضهم: بنجاسته قياساً على الدم، وقال بعضهم: بطهارته قياساً على اللين والله أعلم، وبالله التوفيق.
:
الرابع من النجاسات المتفق عليها:
بول ابن آدم ورجيعه، وكذلك بول البهائم كلها عند أصحابنا
قوله: وكذلك اختلفوا في المني الخ. حكى الشيخ إسماعيل رحمه الله الاتفاق على نجاستها، وليس كذلك بالنسبة للمني فإنه طاهر عند الشافعي، وفيه قول عند مالك، وأما المذي والودي فقد حكى بعضهم الإجماع على نجاستها، لكن نقض إجماعه برواية عن أحمد بطهارة الودي
قوله: بول ابن آدم أي صغيراً كان أو كبيراً، ذكراً كان أو أنثى، أكل
- 344 - (1/351)
صفحة 352
نجسة، ما يؤكل منها وما لا يؤكل، قياساً على بول ابن آدم المتفق على نجاسته، والدليل على هذا القياس إتفاق الجميع على تساوى دمهما في النجاسة، وكذلك البول لا تفاقهما في الشراب الذي يكون بولاً وهو
1
الماء والله أعلم، وقال بعضهم: وهو الأقل بول ما يؤكل لحمه طاهر، و استدل بحديث أنس قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أباح للعرنيين (قوم من العرب (أن يشربوا من أبوال الإبل و ألبانها مع الضرورة ()
(1)
قالوا: ولو لم تكن طاهرة لما أباح لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتداووا بها،
(2)
وهو قد (نهى عليه السلام أن يتداوى بشيء مما حرم الله عز وجل () والصحيح عندي أن أهل الضرر تحل لهم أشياء محرمة على غيرهم ممن ليس
الطعام أو لا، زالت رائحته أو لا، سواء كان صحيحاً أو مريضاً لا يستقر الماء في معدته ويبوله بصفته خلافاً لبعض المالكية في بول الصغير وفيما زالت رائحته، وفي بول المريض الذي يبوله بصفته ولا يستقر الماء في معدته
فائدة: بول ما لا يؤكل لحمه نجس بالإجماع خلافا للأوزاعي.
قوله. وقال بعضهم: وهو الأقل هو مذهب مالك، واختاره ابن المنذر وابن خزيمة والروياني من الشافعية، وكذلك الأقل من أصحابنا
(1) متفق عليه من طريق أنس.
(1) رواه مسلم والترمذي وأبو داود. (1/352)
صفحة 353
رحمهم
في حالتهم رخصة من الله تعالى، والرخصة لا يقاس عليها والله أعلم وكذلك الأرواث عند بعض الناس أعني أرواث الحيوان كلها نجسة قياساً على روث بني آدم، وعند علمائنا الله أن أرواث الأنعام كلها طاهرة، والدليل معهم. ما روي (أن الجن شكوا إلى النبي عليه السلام قلة الزاد، فقال لهم عليه السلام: كلما مررتم بعظم قد ذكر اسم الله عليه فهو لكم لحم غريض، وكلما مررتم بروث فهو علف الدوابكم،
فقالوا: يا رسول الله: إن بني آدم ينجسونه علينا، فعند ذلك نهى أن يستنجى بالعظم والروث) (1) ولو كانت نجسة لما نهى عليه السلام عن تنجيسها، وكذلك جميع ما يؤكل لحمه عندهم رونه طاهر، فهذا يدل أن الأرواث تابعة للحوم، وقد اختلف العلماء في أرواث الحيوان، قال بعضهم: تابعة للحومها، فما كان من الحيوان لحومه مباحاً فأرواثه طاهرة،
قوله: والرخصة لا يقاس عليها، قلت: بل قال الشافعي إنه خبر منسوخ فلا دليل فيه على ما ذكر. قوله: أرواث الحيوان كلها نجسة وهو مذهب الشافعي والأصح عنده في روث السمك والجراد نجاسته، وتعبيره بالأرواث أحسن من تعبير غيره بالعذرة أو بالغائط لعموم الأول للآدمي وغيره وخصوصها بالآدمي.
(2) رواه أحمد ومسلم عن ابن مسعود ورواه أبو عبدالله الحاكم في (دلائل النبوة) بلفظ آخر
- 346 - (1/353)
صفحة 354
وما كان لحومه محرمة فأرواته نجسة محرمة، وما كان لحومه مكرم مكروهة فأروائه مكروهة، وقال بعضهم: أروائها تابعة لما كلها، فما كان من الحيوان يأكل اللحم والجيف والأنجاس فأروائه منجوسة، كالسباع والجلالة من البهائم والدجاج، وما كان الحيوان يأكل العشب ويلقط الحبوب فطرحه طاهر، فهذا القول عندي أصح، وكذلك عرقها ولعابها تابعة للحومها، وقد تقدم ذكر لحومها والاختلاف فيها، ولهذه العلة قدمنا ذكر لحومها، وإن كانت العادة جارية عند الفقهاء أن يذكروا اللحوم عند الذبائح والأطعمة، ولكن قدمنا ذلك توطئة لما ذكرناه من أرواث الحيوان وأعراقها والله أعلم، وكذلك القيء عندهم نجس لأن كل ما وصل الجوف نجس، والدليل على نجاسة القيء ما روي أنه قال عليه السلام: (الراجع في هبته كالكلب يقيء ثم يرجع في قينه) (1) فأخبر عنه عليه السلام أنه لا يجوز أن يرجع في هبته كما لا يجوز أن
قوله: والدليل على نجاسة القيء الخ. والدليل على نجاسته أيضاً ما رواه أحمد والدارقطني من قومنا من قوله عليك الان العمار: (إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني والدم والقييء) وقد وافقنا على نجاسته الشافعي.
(2)
(1) اخرجه أصحاب السنن.
(2) اخرجه البزار وأبو يعلى وابن عدي والدارقطني والبيهقي.
- 347 - (1/354)
صفحة 355
أعلم
يرجع في قيئه، وقول غيرنا: إن القئ طاهر وهو غير مأخوذ به عندنا والله، فإن قال قائل: ما العلة التي من أجلها صار بول بني آدم ورجيعهم عندك منجوسين؟ فإن كانت العلة عندك لأنهما خرجا من الجوف؛ ولذلك حكمت على القيء أنه نجس، فكانت العلة عندك هي الجوف فيلزمك على هذا أن تقول بنجاسة أبوال البهائم وأروائها وقيئها على ما قال به بعض الناس لتصح علتك، وإن كانت علتك التي هي الجوف قاصرة على بني آدم فقط، فيلزمك أن تقول بطهارة أبوال البهائم وأروائها وقينها، ولم تطرد علتك لأنك حكمت بطهارة أرواث بعض البهائم وبنجاسة أرواث بعضها، وبنجاسة أبوالها كلها، وإذا حكمت بنجاسة أبو الها فلم لم تحكم بنجاسة قيئها الذي هو مختلط ببولها الذي هو نجس عندك على ما قال به بعض أصحابك؟ وتكون أرواث الأنعام مستثناة من جميع ما يخرج من الجوف لحديث الجن، إذا كانت العلة في نجاسة أبوالها الخروج من الجوف كبول بني آدم قيل له والله أعلم: العلة عندي في نجاسة بول بني آدم ورجيعهم وقيئهم لأنها خارجة من الجوف مستقذرة بالطبع، ولهاتين العلتين حكمت بنجاسة أرواث البهائم التي تأكل الجيف و اللحم مثل السباع وغيرها، وبنجاسة جميع الأبوال وبطهارة أرواث البهائم التي تأكل العشب وتلقط الحبوب لأنها مفارقة لأرواث الأخر
- YEA - (1/355)
صفحة 356
لافتراق مطاعمها، ولأنها غير مستقذرة بالطبع، ولحديث الجن المتقدم، وكذلك قيئها وما في كروشها في معنى أرواثها، وأما علة من قال إنها مختلطة بأبوالها المحرمة فإن الماء الذي في كروشها لا يسمى بولاً، ولا تقع عليه المحرمة ما لم يخلص إلى المثانة والله أعلم، والخمر أيضاً من أعيان الأنجاس عندهم لأنها محرمة عندهم، فكل محرم لعينه نجس كالميتة والدم
ولحم الخنزير والله أعلم وبالله التوفيق.
مسألة
:
وأما ما يقوم من هذه الانجاس المذكور مثل الدخان يقوم من الخنزير المحرق أو من غيره من أعيان الأنجاس، أو من الحطب المنجوس، أو حدث الريح التي تخرج من جوف بني آدم ويلاقي البلل منه، مثل إن استنجى أو أغتسل بالماء أو الغبار القائم من الموضع المنجوس، فإن بعضهم قال: القائم من المنجوس منجوس، وذلك أن ما نجس عينه لا يكون بعضه طاهراً، وعند الآخرين أنه طاهر لأن النار أحرقت النجس، والقائم منه طاهر ولعلهم إنما راعوا في هذا ارتفاع أعلام النجاسات التي هي اللون والطعم والرائحة، وكذلك رماد النجس على هذا الحال والله أعلم وبالله التوفيق. (1/356)
صفحة 357
مسألة:
واختلفوا أيضاً في قليل النجاسة، قال بعضهم: قليل النجاسة وكثيرها سواء لأن ما نجس عينه لا يتبعض، وقال آخرون: قليل النجاسة معفو عنه قياساً على الدم مثل أن وصل رشاش البول أو غيره من الأنجاس ثوب أحد، وذلك الرشاش لو اجتمع لم يفض فإن بعضهم رخص فيه قياساً على الدم، وأما تحديد من حدد قليل النجاسة بمقدار الظفر أو الدرهم فإنه غير مأخوذ عند أصحابنا رحمهم الله لأنه قاسه على
مقدار المخرج والله أعلم وبالله التوفيق.
مسألة في كيفية تنجيس الأشياء الطاهرة إذا لاقتها الأشياء المنجوسة متى يحكم بنجاستها.
قال بعضهم: لا يحكم على الجسد الطاهر بالنجاسة إذا لاقى الجسد المنجوس، إلا إن ظهر عليه أثر النجس، ومثل ذلك إذا كانا جميعاً مبلولين، أو كان الجسد المنجوس هو المبلول، وأما إذا كان الجسد المنجوس يابساً والجسد الطاهر مبلولاً فإن بعضهم ذهب إلى نجاسة الجسد الطاهر حيث كان مبلولاً وقال آخرون: ما دام الجسد المنجوس اليابس يجبد إليه فلا ينجس المبلول الطاهر بملاقاته إياه، وهذا في الأنجاس البطيء الرطوبة، مثل الدم والنطفة والقيء وما أشبهم، وأما ما كان منها
- 350 - (1/357)
صفحة 358
سريع الرطوبة مثل البول والماء المنجوس وما كان في معناها فلا مثل ذلك إن جعل يده وهي منجوس بالأنجاس السريعة الرطوبة في خابية زيت ونزعه ورده في الثانية والثالثة والرابعة فإن الخوابي كلهن منجوسة إذا لم يمسح يده أو لم يلعق، وإن كان يمسح أو يلعق فإن الرابعة طاهرة وما بعدها، وتنجس الأولى والثانية والثالثة، وإنما صارت الرابعة طاهرة لأن مسح يده ثلاث مرات يطهرها إذا لم ير عليها أثر النجس قياساً على الماء والله أعلم، وإن كانت يده منجوسة بما هو بطيء الرطوبة فإن الأولى طاهرة على قول بعضهم، وما بعدها منجوس إذا لم يلعق ولم يمسح يده، و إن كان يمسح أو يلعق فالأولى طاهرة كما قدمنا، والثانية والثالثة والرابعة منجوسة وتطهر الخامسة وما بعدها والله أعلم، وقال آخرون: بنجاسة الجسد الطاهر إذا لاقى الجسد المنجوس ولو كانا يابسين، وهذا عندي و الله أعلم على الاستحاطة لئلا يكون الجسد الطاهر قد تعلق به شيء من الجسد المنجوس، وذلك أنه لما كانت الملاقاة تؤثر في الأنجاس وتزيلها من أماكنها بالشرع أعني بالملاقاة المسح وجب أن يكون الشيء الذي مسح به منجوساً كالدفعة الأولى من الماء الذي لم يرتفع به أثر النجس بعد والله أعلم، وقال بعض: لا بأس بملاقاة اليابسين ولو كان أحدهم منجوساً، وهذا القول عندي أصح لأنهم جعلوا النجس قاعداً في مكانه، وقعدوا
- rol - (1/358)
صفحة 359
له الطهارة وجعلوا له الحملان في موضع يمكن فيه، وذلك أن الجسد المنجوس تيقناً بنجاسته ولم نتيقن بانتقاله إلى الجسد الطاهر بملاقاته إياه، فنحن على ما تيقنا عليه، ولا يزيل اليقين إلا اليقين مثله، ومعنى ذلك أن القاعدة في الأشياء الطهارة فلا يحكم بنجاستها إلا بشهادة عدلين، لأن شهادة العدلين حجة، وعلى قول بعضهم: الأمين الواحد يكون حجة ويقع به العلم أو بالرؤية، وأما يقوم مقامها عند عدمها؛ وذلك إذا أحس
6
بوصول النجس إلى بدنه أو إلى ثيابه أو إلى الأشياء الطاهرة غيرها، فلينظر فإن رأى شيئاً غسله، وان لم ير شيئاً فلا شيء عليه، وإن كان
بعد رمي
النجس لا يتبين بالنظر مثل البول أو ما كان مثله إذا طار إلى ثيابه، فلينظر فإن رأى شيئاً غسله، وإن لم يره فليرم عليه التراب، فإن لم يتبين له شيء التراب فلا شيء عليه، وهذا في الثياب خاصة والله أعلم، وإن كان الحمى أو في موضع مظلم مثل الغار وغيره، أو في الليل ولم تصح الرؤية فليرجع إلى الحس بظاهر يده، فإن أحس شيئاً غسله، وإن لم يحس شيئاً فليس عليه شيء، وذلك أن الحس عندهم حجة والله أعلم، وإن ضيع رمى التراب في النهار أو ضيع الحس عند عدم الرؤية مقدار ما يبس فيه النجس فنظر أو أحس فلم يجد شيئاً فإنه يغسل ذلك الموضع الذي شك فيه أنه وصل إليه النجس ليكون على براءة ذمته حين ضيع
- 352 - (1/359)
صفحة 360
الحس، وقال آخرون: ليس عليه غسل حتى يتيقن بوصول النجس إليه لأنه ثم حملان أنه لم يصل إليه النجس، وإن كان موضع لا يمكن فيه الحس ولا الرؤية مثل الماء والزيت وما أشبه ذلك إن شك أنه طار إليه النجس، فإنه لا يحكم بنجاسته حتى يتيقن بوصول النجس إليه والله أعلم. وكذلك إن أحدث بالبلل فمسح ثوبه ذكره، فنظر إلى البلل فرآه ممسوحاً فرمى إلى ثوبه التراب فلم ير شيئاً فإنه ثم حملان، وكذلك الجرح على هذا
الحال والله أعلم وبالله التوفيق
- ror-
م 23 - الإيضاح» (1/360)
صفحة 361
باب في معرفة الاشياء
التي بها تجب إزالة هذه النجاسات وكيفية إزالتها
قد اتفق العلماء أن الماء الطاهر يزيل النجاسات، واختلفوا فيما سواه من المائعات و الجمادات، قال بعضهم: كل طاهر يزيل النجاسة مائعاً كان أو جامداً، وقال آخرون: لا تصح إزالة النجاسات بما سوى الماء، وسبب اختلافهم هل المراد بغسل النجاسات بالماء إتلاف عينها أو للماء معني زائد ليس لغيره؟ فمن ذهب إلى أن للماء معنى زائداً ليس لغيره في غسل النجاسة لم يجز إزالة النجاسة بما سوى الماء، والدليل على هذا
باب في معرفة الأشياء
التي بها تجب إزاله هذه النجاسات
قوله: قال بعضهم: كل طاهر الخ. قد وافقنا أبو حنيفة على أن الطهارة لا تتقيد بالماء المطلق خلافا لمالك والشافعي، وعبارة بعض الحنفية يطهر البدن والثوب بالماء ومانع مزيل كالخل وماء الورد لا الدهن والخف بالدلك بنجس ذي جرم جف والاغسل ومني يابس بالفرك، ونحو الكف بالمسح والأرض باليبس وذهاب الأثر لصلاة لا لتيمم.
- rot - (1/361)
صفحة 362
(1) فدليل
القول قوله تعالى: «وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به» الخطاب أنه لا يجوز التطهير بغير الماء، ومن حجة الآخرين أن المراد بإزالة النجاسات بالماء إتلاف عينها، ولذلك لم يحتج إلى نية ويؤيد هذا القول ما روي عن أم سلمة (أن امرأة سألتها فقالت: إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر فقال لها رسول الله لا يطهره ما بعده ((2) وما روي أنه قال عليه السلام: (إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه فطهرهما التراب) (3). وما روي أنه م (أمر بالاستجمار)) الاستجمار في أثرهم
•
قوله: في المكان القذر ظاهره سواء كان يابساً أو رطباً خلافاً لمشهور مذهب مالك، والمراد بالطهارة الشرعية لا اللغوية خلافاً له أيضاً قوله: وما روي أنه الله) أمر بالاستجمار) يتأمل هذا فإن الاستدلال به مشكل، إذ الظاهر أنه يطهر المحل حينئذ بمجرد الإستجمار ويشكل عليه ما قدمه في الاستجمار ما يأتي بعد هذا فحرره. إلا أن يقال الاستنجاء للسنة، أو يقال المراد إن المسح يطهر الأبدان طهارة مطلقة بخلاف الفروج، فإنه لا يطهرها طهارة مطلقة، ويتفرع على هذا مسألة وهي ما إذا استجمر وأنقى بحيث لم يبق للنجاسة عين أصلا فعرق فلاقى ثوبه مبلولاً هل ينجس أم لا؟ حرره. أو يقال إن الحكم المذكور كان في صدر الإسلام، حرره.
(1) الأنفال: 11
(2) رواه الأربعة والبيهقي عن أنس.
(3) رواه أبو داود.
(4) رواه أحمد والنسائي وابو داود، والدارقطني. صححه وحسنه من طريق عائشة
- 355 - (1/362)
صفحة 363
إزالة النجو بالحجارة الصغار، وما روي (أن وفدا من ثقيف أتوا رسول الله فنزلوا في المسجد، فقيل له يا رسول الله: أتترك الأنجاس في المسجد؟ فقال: إن الأرض لا تحمل خبث بني آدم (و ما روي من طريق ابن عباس أنه قال عليه السلام: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) (2) فهذه الأحاديث تدل على أن إزالة النجاسات تجوز بما سوى الماء من المسح والزمان والدباغ وما يكون زوال العين من الشمس والريح والنار وسائر المائعات والله أعلم، فعند علمائنا رحمهم الله أن إزالة النجاسات تجوز بالماء وماكان في معناه من جميع المائعات، وبالمسح وبالزمان وبالنار و بالدباغ، أما الماء وماكان في معناه فإنه يجزي في جميع الأشياء المنجوسات إلا ما لا يدرك غسله من المائعات إذا خالطتها النجاسة، مثل اللبن و الزيت وما كان في معناهما، أو ما اختلط مع النجس، ولا يزول مثل الوجوه الثلاثة المعروفة، ما طبخ فيه، وما عجن فيه، وما خمر فيه،
قوله: من المائعات الخ. ظاهره سواء كانت تلك المائعات من الأدهان أو غيرها، وقد وافقنا على ذلك الشافعي ومالك في أحد قوليه، وقيل الأدهان يجوز تطهيرها، وهو قول عندنا ومالك والشافعي.
(1) رواه ابن ابي شيبة من قول محمد بن علي الباقر، ورواه عبد الرزاق من قول أبي قلادة. (2) تقدم ذكره.
- 356 - (1/363)
صفحة 364
ويجزي الغسل في الثمار كلها والبقول بأصنافها، وقالوا من أين دخل النجس يدخل إليه الماء والله أعلم، وأما المسخ فإنه عندهم يطهر جميع الأبدان إلا الفروج والأقدام المشقوقة وكذلك جميع البهائم صغيرها وكبيرها يطهرها المسح وكذلك الحديد والرصاص والذهب والفضة وجميع آنية العود مثل القصاع وغيرها مثل الحديد والرصاص في قول
قوله: يطهر جميع الأبدان الخ. قف على كلام الشيخ إسماعيل رحمه الله فإنه قال بعد أن ذكر المسح ولم يجوزه في الثياب ومحل الشعر الخ، والمصنف أطلق فيمكن أن يقال إن كلام المصنف مقيد بذلك حرره.
قلت: لكن ربما يخالفه ما ذكره المصنف في البهائم فيكون الشيخ إسماعيل ماش على قول والشيخ إسماعيل ماش على قول فيما ذكر من المسائل، قلت:
أنظر ما تقدم
يج
قوله: وكذلك الحديد والرصاص الخ ظاهره سواء كانت باردة أو محماة خلافاً لما ذهب إليه بعض المالكية من أن الحديد والنحاس والرصاص ونحوها إذا احميت في النار وطرحت في النجس أو متنجس لا تطهر، ووجه طهارتها أنها إذا أحميت وطفئت في الماء، فإنها لا تقبل الماء ولا يدخل فيها، لأن الماء الحرارة التي حصلت بالنار في داخل الحديد فتدفع الماء، لأن طبعه مضاد لطبع الحرارة، لكنه يهيجها إلى خارج ذات الحديد، فإذا انفصلت لا يقبل الحديد بعد ذلك شيئاً يداخله لكونه جماداً متراص الأجزاء، فلا يكون حينئذ فيها ماء نجس وهذا على قول الطباعيين، ومن يقول بالكمون والظهور، وأما على مذهب غيرهم فليس هناك إلا أن الله تعالى أزال حرارة النار بالماء عادة أجراها الله، وقد أشار المصنف رحمه الله إلى ذلك بقوله لا ينشف النجس الخ، حرره.
- 257 - (1/364)
صفحة 365
بعضهم وبالجملة ان كل شيء لا ينشف النجس إذا وصله فإنه يجزى فيه المسح وذلك لأن المسح إنما يستعمل في الظواهر، والدليل على المسح ما روي أنه قال عليه السلام: (إذا وطئ الأذى أحدكم بخفيه فطهرهما التراب (1) وحديث الاستجمار أدل منه في المسح والله أعلم. وأما الزمان أو الشمس أو الريح فإنه يطهر جميع الأرض وما اتصل بها من الحيطان، وجميع ما أنبتت الأرض، وقال بعضهم: يطهره الزمان، و قال آخرون: لا يطهره، والدليل على هذا ما روي أنه قال عليه السلام:
قوله: وحديث الاستجمار تأمله مع قوله إلا الفروج والشقوق، راجع ما تقدم في الإستجمار، إلا أن يقال: إنما منع من الاكتفاء للسنة والافقد،، كان في صدر الإسلام كافياً ذلك، والله أعلم.
قوله: وأما الزمان الخ، في القديم من مذهب الشافعي قول إن الأرض
النجسة تطهر بزوال أثر النجاسة بالشمس والريح ومرور الزمان. قوله: والدليل على هذا ما روي أنه قال عنه لاله. (إن الأرض) الخ، بل الدليل ما رواه أبو داود من قومنا عن ابن عمر أنه قال: (كنت أبيت في المسجد على عهد رسول الله، وكنت شاباً عزباً، وكانت الكلاب تبول وتقيل وتدبر في المسجد، ولم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك) (2) قال الخطابي المالكي: الحديث صحيح ولكنه يحمل على أن الكلاب كانت تبول في مواضعها، وتقبل
(1) تقدم ذكره.
(2) رواه أبو داود والبخاري والترمذي.
- 358 - (1/365)
صفحة 366
(إن الارض لا تحمل خبث بني آدم) وكذلك جميع الحيوان عند بعضهم يطهرها الزمان، وبالجملة إن جميع ما يأكل النجس يطهر بالزمان ولذلك قالوا: إن النار تطهر جميع الأرض وجميع ما يحمل النار، لأنها تأكل النجس وتذهبه فهي أقوى من الشمس والريح والله أعلم، وأما الدباغ فإنه يطهر جميع جلود ميتة الحيوان إلا جلد الخنزير، وفي جلود السباع معهم اختلاف على ما تقدم ذكره، وكذلك القرن والعظم في قول بعضهم يطهرون بالدباغ، والدليل على هذا قوله عليه السلام: (دباغ
الأديم طهارته) (1) والله أعلم.
مسألة في كيفية إزالة النجاسات بهذه الأشياء.
أما صفة إزالتها بالماء فإنه قد ورد في الشرع النضح والغسل، والنضح
وتدبر في المسجد، وفي تأويله نظر لأن آخر الحديث يرده، فثبت المدعى
والحمد لله
مما
قوله: وفي جلود السباع الخ، مع قوله إلا جلد الخنزير يدل على أن جلد الحمار والبغل مثلاً ولو على القول بتحريمها يطهر بالدباغ، وهذا. يقدم، وهو في جعله. الخلاف فيما تقدم في السباع البناء على جواز أكل لحمها وعدم الجواز سبب
وتقدم ما فيه والله أعلم.
•
صحيح
قوله في كيفية ازالة النجاسات إعلم ان النجاسة تطلق على كل من الأعيان التي
(1) رواه البزار والطبراني والبيهقي عن ابن عباس من حديث (شاة ميمونة).
- 359 - (1/366)
صفحة 367
بعد العرك: أما الغسل فلا خلاف أنه عام في جميع أنواع النجاسات، وهو إفراغ الماء مع الحك باليد، وأما النضح فهو إفراغ الماء من غير حك، فقد ورد في بول الصبي، وذلك ما روي عن علي بن ابي طالب قال: (سئل النبي عليه السلام عن بول الرضيع، فقال: ينضح بول الصي ويغسل بول الجارية) (1) وما روي من طريق ابن عباس (أن أم
مر
ذكرها وتطلق أيضاً على معنى يوصف به المحل لذي لاقته عين منها مع رطوبة في أحد الجانبين كما تقدم تفصيله، وهي بهذا الاعتبار تنقسم إلى حكمية وهي التي لا تحس لما لاقى محلها عين ولا أثر كبول جف ولم يدرك له لون ولا طعم ولا رائحة، وإلى عينيه نقيض الحكمية، والحكمية يجزي في غسلها ثلاث مرات، وأما العينية فلا بد من إزالة العين مع محاولة إزالة أوصافها الثلاثة الطعم واللون والريح.
قوله: جميع أنواع النجاسات أى سوى ما تقدم من المسائل الثلاثة وماقبلها مما تقدم في كلامه رحمه الله
•
مع
ذلك
قوله: إفراغ الماء من غير حك أي بمجرد الرش باليد وعند مالك أنه الرش باليد، وقيل بالفم، ولا يغمر المحل بالماء خلافا للداودي وعند الشافعية هو الرش ولكن لا بد فيه من إمرار الماء على جميع المحل، ويشترط المغالبة والمكاثرة في أحكم الوجهين، ولا يشترط جريان الماء وتقاطره، لأن ذلك غسل على مذهبهم وهو لبول الصبي عند الشافعية كمذهبنا، وعند مالك النضح طهور لما يشك فيه فقط غير الأرض والماء والطعام.
(1) رواه أحمد والترمذي.
- 360 - (1/367)
صفحة 368
قيس بنت محصن أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى وسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسه عليه السلام في حجره فيال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه بالماء ولم يغسله ((1) وما روى من حديث أنس) حين ذكر صلاة رسول الله
أم به هو والعجوز وهي جدته مليكة قال أنس: فقمت إلى حصير
(2)
لنا قد أسود من طول ما لبث فنضحته بالماء) (2) واختلف علماؤنا رحمهم الله في النضح لأي نجاسة هو، قال بعضهم: مقصور على بول الطفل الذي لم يأكل الطعام لحديث أم قيس المتقدم، وفرق آخرون بين الذكر والأنثى لحديث علي المتقدم، وقال آخرون التضح يجري في غسل الأبوال كلها
قوله: لم يأكل الطعام، أنظر هل مراده لم يأكل الطعام قط؟ فلا يشمل الحنك بالتمر ونحوه أول ولادته، والظاهر لايضر، وكذا لو أطعم للتداوي والتبرك، فيكون المقصود من لم يأكل الطعام للتغذي، والظاهر أن الخنثى كالطفلة، وانظر ما إذا تم الحولين رضاعاً:
قوله: وفرق آخرون الخ. تمسكا بحديث علي وأقواماً، قيل في حكمة الفرق بينهما أن النفوس أعلق بالذكر منها بالإناث فيكثر حمل الذكر فناسب التخلف والإكتفاء بالنضح دفعاً للحرج والعسر، وقيل إن بول الصبي من الماء والطين، وبول الجارية من اللحم والدم، لأن حواء خلقت من ضلع آدم عليه
السلام
(1) رواه الجماعة (2) تقدم ذكره.
•
- 361 - - (1/368)
صفحة 369
وما كان في معناها، مثل الماء المنجوس مادامت رطبة الحديث الأعرابي الذي بال في المسجد فأمر رسول الله له أن يصب عليه ذنوب من ماء و الله
أعلم، غير أن علماءنا - رحمهم الله - قال بعضهم: إن المطر الغزير يطهر ـ الثوب والجسد من النجس جميعاً فلا أدري لأي علة قالوا
6
هذا، لا أدري أنهم راعوا شدة وقوع المطر على الثوب والبدن فأقاموه مقام العرك باليد، فيكون على هذا جميع ماله حركة قوية يجزي في غسل النجاسة من غير إمرار اليد، كموج البحر ووقوع الميزاب والله أعلم. وأما النضح بعد العرك فما روي أن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت:) جاءت امرأة إلى رسول الله لي فسألته عن امرأة وقع في ثوبها شيء من دم الحيضة كيف تصنع؟ فقال لها عليه السلام: إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتعركه ثم لتنضحه بالماء ثم لتصل) وكذلك كل نجس عندهم يضعف غسله وهو رطب، مثل النطفة والقيء والغائط فإنه لا يغسل من الثوب حتى يبس ويقشر، لأن ذلك أسهل لإزالة عينه، غير أن الدم غسله وهو رطب أسهل منه وهو يابس، وهذا في الثياب، وأما الأبدان فلا، وكذلك ما يصعب غله عندهم مثل الذي تقيأ وفي أضراسه اللحم، فإن
(1) متفق عليه.
- 362 - (1/369)
صفحة 370
طهارته تصعب قبل زوال ما في أضراسبه من اللحم، وكذلك الرأس الذي فيه الدهن إذا تنجس تتعذر طهارته من غير تتريب، وكذلك القديد الذي جعل له الملح المنجوس تصعب طهارته قبل زوال الملح وطعمه منه، وكذلك جميع المعمول مثل القصاع والفخارات إذا سبق النجس إليها قبل كل شيء من الأشياء المائعات، قال بعضهم: يطهر بثلاثة أمواه، كل ماء يبقى فيه يوماً وليلة، ثم يراق، وقال آخرون: ثلاثة أمواه يكون كل ماء في الليل ويصب منه في النهار ويقام في الشمس فيكون الليل فيه الماء والنهار في الشمس فارغاً من الماء ثلاث مرات، وقال آخرون: يطهر بماء واحد فيكون فيه يوماً وليلة، وقال آخرون: لا أجد في ذلك حداً ولكن أصب الماء فيه ثم أحكم له بحكم الطهارة بقدر ما يغلب على ظني أن الماء الطاهر قد بلغ حيث ما بلغت إليه النجاسة قياساً على بول الأعرابي الذي بال في المسجد فأمر رسول الله أن يصب عليه صلى الله عليه وسلم ذنوب من ماء وحكم بطهارته، وكذلك قال بعضهم في صوف الميتة:
قوله: من الاشياء المائعات أي اما إذا كانت النجاسة ليست مائعة فيكفي فيها الإحراق بالنار كما نص عليه الشيخ اسماعيل رحمه الله.
قوله: قال بعضهم يطهر بثلاثة أمواه لعله يعني إذا غسل ظاهره قبل كما نص عليه الشيخ اسماعيل أيضا
- 363 - (1/370)
صفحة 371
لا ينقيه الغسل وإنما ينقيه التتريب في التربة البيضاء والله أعلم. واختلفوا أيضاً في العدد هل هو مشروط في غسل النجاسات أم لا؟ قال بعضهم: لا حد في ذلك إلا زوال العين مع طمأنينة النفس، والدليل حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: (المذي والودي والمني ودم الحيضة ودم النفاس نجس لا يصلى بثوب وقع عليه شيء منها حتى يغسل ويزول أثره)) فعلق الطهارة بزوال الأثر لا غير، وقال آخرون؛ لا بد من ثلاث مرات مع زوال الأثر وهو أقل ما يطهر عليه لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً) (2) ولذلك قال بعضهم: لا بد من ثلاث مرات في جميع ما يغسل بالماء حتى قالوا: إن البقل إذا سقي بالنجس يطهره السقي بالماء ثلاث مرات، وكذلك قالوا في أواني الطين إذا سبق إليها النجس وتولجها يجعل فيها الماء ثلاث مرات كل مرة يوم وليلة، وإن بقي أثر النجس بعد الاجتهاد في الغسل فإن بعضهم قال: يغيره بما يخالف لونه، وهذا عندي منهم استحباب، وقال
قوله: فإن بعضهم قال يغيره الخ. أنظر ما إذا توقف زوالها على أشنان هل
يجب شراؤها وإستعمالها؟ قلت الظاهر عدم الوجوب.
(1) رواه أبو يعلى والبزار. (2) تقدم ذكره
•
- 364 - (1/371)
صفحة 372
آخرون: لا يكلف في ذلك غير الاجتهاد، ولكنه يغسل ما دام النجس ينتقص، وليس عليه أن يقطع ذلك المكان لأن قطعه فساد والله لا يحب الفساد، والدليل على هذا ما أجمعوا عليه أن من صبغ يده بالحناء المنجوس ليس عليه أن يسلخ جلده لأجل أثر الصباغ المنجوس حين لم يزل بالغسل،
فكان هذا قياساً عليه والله أعلم وبالله التوفيق.
مسألة:
وأما صفة المسح الذي يزول به النجس فإنهم اختلفوا في ذلك قال بعضهم: لا حد في ذلك إلا الإنقاء، لأن المراد بالمسح إزالة العين، فإذا زال العين ولو بمرة واحدة حكم بطهارته، والدليل على هذا ما روي أنه قال عليه السلام: (إذا وطئ الأذى أحدكم بخفيه فطهر هما التراب) (1) وقال آخرون: لا بد أن يمسح بثلاثة أشياء وهو أقل ما يطهر عليه مع زوال العين قياساً على ما في حديث الاستجمار الذي أمر فيه النبي عليه السلام بثلاثة أحجار، وقال آخرون: لا ينقى إلا بسبعة أشياء يمسح بها
قوله: ما أجمعوا عليه أن من صبغ الخ. قلت هل يؤخذ من هذا حكم الوشم الذي يفعله الناس؟ قلت عند الشافعية لا تصح الصلاة الإبعد إزالته، حرره على قواعد المذهب ويمكن أن يقال لابد من إزالته إن أمكنه ذلك والله أعلم
(1) تقدم ذكره.
- 365 - (1/372)
صفحة 373
وهو مذكور في الاستجمار قياساً على غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً والله أعلم، ولذلك قالوا في الطفل إذا تقيأ بعد ما جاوز سنة وضربه الريح تمسح له أمه خرقات أو غير ذلك مما تمسح به ويطهر فمه بسبع وإنما تبتديء بمسحه من ناحية واحدة ولا تصل إلى الناحية الأخرى بالمسح، ثم تبتديء من الناحية الأخرى إلى الموضع الذي بلغته بالمسح الأول، تفعل كذلك سبع مرات بسبع خرقات، وإنما تفعل هكذا لثلا تنقل النجس من موضعه إلى موضع آخر، وكذلك قالوا فيمن تقيأ ولم يجد ماء يغسل به فاه فإنه يبصق سبع مرات وينقيه ذلك إذا زال أثر النجس وطعمه من فيه، ومنهم من يقول: ثلاث مرات، وعلى قول بعضهم: تجزيه مرة واحدة إذا زال العين والله أعلم، وكذلك قالوا في صوف الميتة إنما يطهره أن يترب في التربة البيضاء أو غيرها من جميع ما يطهره، مثل الجبس والرمل، وأما الرماد والتراب الذي يلتصق به فلا يطهره عندهم، وإذا أراد أن يتربه فإنه يذري عليه التراب في الأرض ويضربه بالعصا ثم يفعل به مثل ذلك في مكان آخر إلى سبع مواضع بسبعة أعواد، ومنهم من يقول: يجزيه ثلاث مواضع بثلاثة أعواد، ومنهم من يقول: يجزيه أن يتربه في مكان واحد بعود واحد على أصل اختلافهم في المسح، ولذلك قالوا يذهب النجس من اليد بمناولة الزرع وحصاده والحرث
- 366 - (1/373)
صفحة 374
وغيره مما يذهب الأثر، وكذلك البيت إذا كنس ثلاث مرات أو مرة على قول بعضهم، وكذلك عندهم يذهب النجس من القفيز والأوعية بتفريغها لما فيها من الزيت واستقصائها بتقطير الذي فيها، ويذهب بمجاري البلل بعد النجس مثل المخاط والريق، ويذهب من المبلولات الراشحة من الآنية مثل البقال وشبهه والله أعلم، والاصل في هذا كله ما ذكرنا من اختلافهم في المسح والله أعلم وبالله التوفيق.
مسألة:
وأما مقدار الزمان الذي يزول فيه النجس فإن الأصل فيه ما روي أنه قال عليه السلام: (إن الأرض لا تحمل خبث بني آدم) (1) ولذلك لم يحد بعضهم في ذلك حداً، وقال الأرض ما لم ير عليها أثر النجس قائماً يحكم بطهارتها، وكذلك البدن عند بعضهم، وقال آخرون: لا يحكم بطهارة الأشياء حتى يمر عليها زمان، وهذا القول عندي أصح ألا ترى أنهم لم يحكموا بطهارتها بزوال الأثر في الغسل والمسح حتى تغسل أو تمسح ثلاث مرات، وكذلك هذا، واختلفوا في مقدار الزمان قال بعضهم: الزمان أربعون يوماً، وقال آخرون: خمسة عشر يوماً، وقال آخرون: سبعة أيام، وقال آخرون: ثلاثة أيام، واستعملوا خمسة عشر يوماً لما
(1) تقدم ذكره.
- 367 - (1/374)
صفحة 375
لا تصيبه الشمس والريح في الشتاء في داخل البيوت، وسبعة أيام لما تصيبه الشمس خارجاً في الشتاء، وفي الصيف سبعة أيام داخلاً، وثلاثة أيام خارجاً لأن الصيف أقوى في زوال الأنجاس من الشتاء إذهو أحر منه، واستعملوا الأربعين يوماً في طهارة الجلالة من الإبل، وفي طهارة شارب الخمر من بني آدم قالوا بذلك يتحول إلى الطهارة بعد تمام الأربعين يوماً لأن النطفة إذا وقعت في الرحم على الأربعين يوماً تتحول فتصير علقة ثم المضغة كذالك، ولذلك قلنا في الأربعين يوما في بني آدم وعندي أن الإبل مثله وأما البقرة الجلالة عندهم فعدتها عشرون يوماً، والشاة عشرة أيام،، والنعامة ستة أيام، والطاووس خمسة أيام، و الدجاجة ثلاثة أيام، و الحمامة يوم ونصف، والله أعلم. وحكموا على تطهير موضع دفن السقط، ومعاطن الإبل، وجلد المشرك بمرور سنة، وكذلك جلود غير المشرك عند بعضهم تطهر بمرور سنة، والحصير عند بعضهم كذلك تطهر بسنة إذا نجست، وهذه المدة عندهم تسمى دهراً، وهذه المقادير عندي
قوله: وفي طهارة شارب الخمر الخ. أنظره مع قول الشيخ إسماعيل وعند مشايخنا أن الجلال من الناس الذي يشرب الخمر يتقي منه البلل يوماً وليلة الخ حرر الجمع بينهما إلا أن يقال اختار المصنف خلاف ما اختاره هو فلا يلزم
الجمع.
- 368 - (1/375)
صفحة 376
استحسان منهم لأن الأصل في هذا زوال عين النجس.
مسألة
:
و أما صفة الدباغ الذي يحكم به على طهارة جلد الميتة عندهم فهو كل دباغ يدبغ به الناس وكل عود يصلح للدباغ، ويكون الدباغ أيضاً بالتمر والتين والزيتون والرمان والملح عند بعضهم، وبالجملة أن كل ما يمنع من فساد الجلد فهو دباغ، وأما متى يحكم بطهارته فإنه كل ما كان من الجلود مثل الزق والقربة، وما كان من الجلود التي تبسط على الأرض مثل جلود الجمال والبقر أو غيرها من الجلود، ويجعل فيها الدباغ داخلا مع الماء فإنه لا يحكم بطهارتها حتى ترشح الماء من خارج، وما كان من الجلود التي يجعل لها الماء مع الدباغ في القصرية أو غيرها ويجعلها في الدباغ فإنه لا يحكم بطهارتها حتى تدبغ لقوله عليه السلام: (دباغ الأديم طهارته) (1) ثم إنهم اختلفوا في الدباغ الذي دبغ فيه جلد الميتة ما حكمه بعد ما دبغ الجلد؟ قال بعضهم: حكمه الطهارة مع الجلد جميعاً، والدليل
قوله: دباغ الأديم طهارته فرع لو كان في الجلد صوف أو شعر يطهر بالدباغ إذ هو تابع للجلد وقيل يعمل فيها وإن كانا منفصلين.
(1) تقدم ذكره.
- 369 -
«م 24 - الإيضاح» (1/376)
صفحة 377
على هذا قوله عليه السلام: (دباغ الأديم طهارته) والمنجوس لا يصح التطهير به، وقال آخرون وحكمه حكم الشيء المنجوس ولا يطهر الجلد إلا بالغسل بعد الدباغ، ولعلهم راعوا في هذا أن المائعات إذا حكم بنجاستها فلا ترجع بعد إلى الطهارة والله أعلم، وهذا القول عندي أصح على أصل اختلافهم في المائعات إذا حلتها النجاسة ولهذا المعنى اختلفوا هل يجعل في هذا الدباغ جلد ميتة أخرى بعد نزع ما دبغ فيه أم لا؟
والله أعلم.
كتاب الصلاة ووظائفها:
إعلم أن الصلاة ركن من أركان الدين وقاعدة من قواعد الإسلام
قوله: ولعلهم راعوا في هذا الخ. هذا ظاهر في أنه يجب الماء فيه خارقا لما ذهب اليه بعض الشافعية والله أعلم وبالله التوفيق.
كتاب الصلاة ووظائفها
فائدة: في بعض كتب المخالفين: واتفق على فرض الخمس ليلة الإسراء في ليلة سبع وعشرين من (ربيع الآخر) (1) قبل الهجرة بسنة، وقال الزهري بعد البعث بخمس سنين وفي الذخيرة عن ابن رشد ما معناه كان المفروض قبل الخمس ركعتين غدوا أو عشياً ما كان عليه الصلاة والسلام بمكة تسع سنين ثم فرضت الخمس ليلة الإسراء، وإختلفوا في كيفية فرضها فروت عائشة (ركعتين ركعتين) ثم اكملت صلاة الحضر أربعا) وقال الحسن البصري وجماعة كانت الزيادة بالمدينة، وقال
(1) الصحيح: «السابع والعشرون من رجب.
- ry. - (1/377)
صفحة 378
بدليل قوله عليه السلام: (بني الإسلام على خمس، على أن يوحد الله تعالى وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام شهر رمضان وحج بيت الله
(1)
الحرام من استطاع إليه سبيلاً))، وبدليل ما روي من طريق ابن) عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: (الصلاة عماد الدين فمن ترك الصلاة فقد هدم الإيمان) الإيمان) (2) فهي واجبة على كل بالغ صحيح
رحمهم
إبن عباس وغيره: فرضت أربعاً إلا المغرب ثلاثاً والفجر ركعتين، وهي في اللغة الدعاء وفي الشرع قبل الركوع والسجود وما يفعل معها، وهو تعريف قاصر لعدم شموله لصلاة الجنازة، بل لو نظر إلى ظاهره لم يشمل شيئاً من أفرادها ولعدم شموله أيضا لسجود التلاوة، وقد إختلف فيه قيل هو صلاة وقيل ليس بصلاة، ويؤخذ الاختلاف عند عند أصحابنا الله من الشيخ اسماعيل رحمه الله ويؤخذ منه ثمرة الخلاف وعرفها بعض المخالفين بقوله قربة فعلية ذات إحرام وتسليم أو سجود فقط، فيشمل صلاة الجنازة وسجود التلاوة لكن ينبغي أن يراد بالاحرام والتسليم ولو بالقلب ليشمل صلاة المريض الجارية على قلبه، وكذا صلاة الاخرس حرره. وقد أطلق في العقيدة على السجود الصلاة وفيه تأمل.
قوله: على خمس الخ وقع في بعض روايات المخالفين خمسة بالهاء وكلتا الروايتين صحيحة، فالمراد برواية حذف الهاء خمس خصال أو دعائم أو قواعد أو نحو ذلك، والمراد برواية الهاء خمسة أركان أو أشياء أو نحو ذلك
(1) متفق عليه
(2) متفق عليه
- 371
- (1/378)
صفحة 379
العقل، ولا خلاف في ذلك أجده بين أحد من المسلمين، وهي با
تنقسم على ثلاثة أنواع: نوع منها واجبات فرائض، ونوع منها سنن، ونوع منها نوافل، أما الواجبات منها فإن العلماء أجمعوا على خمس صلوات واختلفوا في السادسة وهي الوتر، قال بعضهم بوجوبه وألزموا تاركه الكفارة، وتعلقوا بما روي أنه قال عليه السلام: (إن الله زاد لكم صلاة سادسة هي خير لكم من حمر النعم، ألا إنها صلاة الوتر بين صلاة العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر) (1) ويدل أيضاً على هذا القول ما روي عن جابر بن زيد رضي الله عنه قال: الرجم والختان والاستنجاء والوتر سنن واجبات، أما الوتر فلقوله عليه السلام: (إن الله زاد لكم صلاة سادسة وهي الوتر) وتخصيصه أيضاً عليه السلام بالوقت من بين سائر النوافل يدل على وجوبه إذ الأوقات ليست من شروط النوافل و الله أعلم، وقال آخرون: الوتر ليس بواجب، ودليلهم ما روي أنه قال عليه السلام لمعاذ بن جبل رضي الله عنه لما بعثه إلى اليمن: (أدعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله فإن هم أجابوك إذا فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة) ولم يذكر الوتر وما روي أنه قال عليه السلام في حجة الوداع: (أيها
(1) رواه الخمسة إلا النسائي من طريق خارجة بن حذافة
- rr- (1/379)
صفحة 380
الناس لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم فاعبدوا الله ربكم وصوموا شهركم وصلوا خمسكم وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم وأطيعوا ولاة أموركم تدخلوا جنة ربكم) (1) ففي الأثر أن قوله لمعاذ: (فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات) إلى قوله: (صلوا خمسكم) دليل على أن الوترليس بواجب، ويؤيد هذا ما روي أنه قال عليه السلام
:
(ثلاث من علي فريضة وهن لكم تطوع قيام الليل والوتر والسواك ((2) وهذا القول عندي أصح لقوله تعالى «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى (3) والصلاة الوسطى إنما تنسب إلى الخمس دون السبت والله أعلم.
(3)
مسألة:
إعلم أن الصلاة وجميع وظائف الدين لا تقوم ولا يصح له ثوابها إلا بأربعة أشياء وهي العلم والعمل والنية والورع، أما العلم فعلى ثلاثة أقسام أحدها أن يعلم بوجوب الصلاة وأنه مأمور بها وذلك أن يعلم الصلاة التي قام إليها أعنى أن يفرز كل واحدة من الصلوات الخمس في وقتها عند حضور فعلها والدليل على هذا قوله تعالى:: أقيموا الصلاة وآتوا
(1) رواه أحمد وأبو داود.
(2) رواه أحمد والطبراني والدارقطني والبيهقي من طريق ابن عباس.
- 373 -
TTA:
(3) البقرة: (1/380)
صفحة 381
(1)
الزكاة واركعوا مع الراكعين والله تعالى لا يتعبدنا بمجهول ولذلك وجب عليه أن يعلم، وأوجب عليه بعضهم مع معرفة الوقت معرفة اليوم الذي هو فيه والشهر والسنة في التاريخ، وإنما وجب عليه هذا لأنه من تمام العلم، وذلك لأن معرفته بالصلاة التي قام إليها من غير معرفة اليوم غير مفيد للعلم التام لتكرار الصلاة في كل يوم وليلة، وكذلك معرفته باليوم من غير معرفته بالشهر لتكرار الأيام، وكذلك معرفة الشهر من غير معرفة السنة في التاريخ، والصحيح وعندي والله أعلم أن معرفة السنة والشهر غير واجبة عليه لأن تكليف معرفة السنة والشهر يصعب على كثير من الناس ممن لا يعرف الحساب، ولأنه أيضاً إذا وجب عليه معرفة السنة في التاريخ وجب عليه معرفة التاريخ من غيره في التواريخ من سنين العالم والله تعالى لم يكلفنا دقائق الحساب والله أعلم، الثاني أن يعلم بوجوب الثواب على فعل الصلاة والدليل قوله تعالى: «ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم (2) الثالث أن يعلم كيف يمتثل الصلاة بوظائفها أعني فرائضها وسننها وجميع نواقضها، وهذا الفن هو الذي ينبغي أن نشرع فيه إن شاء الله ونذكر ما قدر الله أن نذكره، واما العمل فهو
(1) البقرة: 43 (2) النساء: 13.
- rv? - (1/381)
صفحة 382
ينقسم أيضاً ثلاثة أقسام: أحدها أن يعمل كما أمر وكما وجب عليه وعلى ما وجب عليه أن يعلم، الثاني أن يرجو في عملها ما عند الله وذلك أن ضد الرجاء الإياس فمن لم يرج ما عند الله أيس ولا ييئس من روح الله الا
D
القوم الكافرون) الثالث أن يخاف في تركها عقاب الله، وذلك أيضاً ضد الخوف والأمن فمن لم يخف أمن فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (2)
(2)
وأما النية فهي أن يتحرى مرضاة الأمر وطاعة الله، وذلك أن ينوي بفعله الصلاة أداء الفرض وطاعة الله عز وجل أنه واجب عليه مأمور به ويتقرب بفعله إلى الله عز وجل، والتقرب طلب المنزلة عند الله لأن الله وعد المؤمنين على فعلهم الطاعة الجنة والله أعلم، والدليل على وجوب النية قوله تعالى: «و ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين، والإخلاص هو النية الله وهو أن يخلص عمله من جميع الشوائب ويخلصه لله عز وجل والله أعلم، وأما الورع فهو أن يتورع عن جميع محارم الله وعن جميع ما نهى عن العمل في حال الصلاة، وهذه القوائم المذكورة التي هي العلم والعمل والنية والورع داخلة في جميع الفروض وفي جميع الدين فتأمل هذا فإنه بين إن شاء الله فلنرجع إلى تعريف كيفية الصلاة بوظائفها وهو الذي عليه المدار إن شاء الله والله أعلم وبالله التوفيق.
(1) يوسف: 87 (2) الأعراف: 99
خصال
- 375 - (1/382)
صفحة 383
باب في اوقات الصلاة
مو الأصل في هذا الباب قوله تعالى:. إن الصلاة كانت على المؤمنين
صلى الله عليه وسلم
کابل موقوتاً وهي معروفة عند المسلمين وقد بينها رسول الله جو لكل صلاة وقتاً وبلغنا (أن جبريل عليه السلام أتى النبي عليه
باب في أوقات الصلاة
قوله: في أوقات الخ. الأوقات جمع وقت وهو في اللغة مطلق الزمان، وفي
العرف الزمان المقدر للعبادة شرعاً،، وينقسم إلى وقت اختياري وضروري فالاختياري مالم ينه عن تأخير العبادة اليه فلا تنافي بين الأداء والعصيان، ويؤخذ بما ذكروه في الحائض إذا طهرت وقد بقي لغروب الشمس مقدار أربع ركعات وجبت العصر فقط وإن بقى مقدار خمس ركعات وجبتا أي الظهر والعصر معا. وكذا الصبي إذا بلغ والكافر إذا أسلم، وفي السير قال أبو سفيان أفتى الربيع لامرأة سألت والدتي وكانت والدتي تحت الربيع عمن اشتغل عن الظهر الى العصر، قال: يعتق رقبة، قالت: لا يجد، قال: يصوم شهرين، قا، قالت: فعلت غير مرة، قال: فلتصم لكل مرة شهرين، وقيل إن بقي الغروب ركمة فالصلاتان معاً عليها أى هي وما يجمع معها
(1) النساء: 113.
،
- 276 - (1/383)
صفحة 384
السلام في وقت فاء الفيء قدر الشراك فصلى به الظهر، ثم صلى به العصر في وقت كان ظل كل شيء مثله، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى به العتمة حين غاب الشفق، ثم صلى به الغداة حين طلع الفجر، ثم جاءه مرة أخرى فصلى به الظهر في وقت كان ظل كل شيء مثله، ثم صلى به العصر في وقت كان ظل كل شيء مثليه، ثم صلى به المغرب عند غياب الشفق، ثم صلى به العتمة عند ثلث الليل، ثم صلّى به الغداة عندما احمر الفجر ودنا وقت طلوع الشمس)) وروي (أن رجلاً أتى النبي عليه السلام فسأله عن الأوقات، فأمره أن يصلي معهم، فصلى به رسول الله الظهر حين زالت الشمس، ثم صلى به العصر حين ذهب وقت الظهر، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى به العتمة حين
قوله: فاء الفيء المشهور أن ما بعد الزوال فيي، وما قبله ظل. فائدة: الصحيح أن جميع وقته وقت الأداء ووافقنا على ذلك جمهور المخالفين وقال بعض الوجوب يختص بأول الوقت فإن أخره كان قضاء، وقال بعض مختص بأخره فإن قدم فنفل يسقط الفرض به، وقال الباقلاني: يجب عليه إيقاع الفعل في الوقت أو العزم على إيقاعه في كل جزء من أجزاء الوقت فاذا لم يبق إلا مقدار الفعل في الوقت تعين الفعل وقيل غير ذلك
(1) حديث جابر المشهور: رواه أحمد والنسائي والترمذي وقال البخاري: هو أصح شيء في المواقيت.
- 377 (1/384)
صفحة 385
غاب الشفق، ثم صلى به الفجر حين انفجر الصبح، وفي اليوم الثاني صلى به الظهر حين أبرد وكاد وقت الظهر يفوت، وصلى به العصر قبل غروب الشمس، وصلى به المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلى به العتمة قبل ثلث الليل أو نصفه، وصلى به الفجر قبل أن تطلع الشمس، ثم قال للسائل: الصلاة ما بين الوقتين () و الله أعلم. وفي هذا ما يدل على الأوقات أوقات الصلاة وأول وقت الظهر الذي لا يجوز قبله هو الزوال لما روي (أنه مال الله صلى الظهر حين زالت الشمس) (3) والحديث إمامة جبريل المتقدم الذي صلى به عليه السلام الظهر في اليوم الأول حين مالت الشمس قدر الشراك، والزوال هو انحطاط الشمس عن كبد السماء إلى
قوله: وأول وقت الظهر، الظهر مشتقة من الظهيرة وهي شدة الحركأنه وقت ظهور ميل الشمس أو غاية إرتفاعه فكان وقتها أظهر الأوقات بسبب الظل، وتسمى الأولى إذ هي أول صلاة صلاها جبريل عليك الان بالنبي عليك الدولذلك يبدأ العلماء بها. فائدة: الشمس في السماء الرابعة وهي أفضل من القمر، قال الإمام فخر الدين وهي تقطع في خطوة الفرس في شدة عدوها عشرة آلاف فرسخ. قوله الزوال هذا أوله وآخره صيرورة مثل طول الشخص بغير ظل الزوال
كما سيأتي.
(1) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي. (2) من حديث جابر المتقدم
- TVA - (1/385)
صفحة 386
جانب الغربي، وكبد السماء وسطها الذي تقوم فيه الشمس عند الزوال، ويقال عند انحطاطها زالت ومالت، وأما قوله حين مالت الشمس قدر الشراك يريد أنها زالت فصار للشخص فيء يسير قدر الشراك، وليس يكون هذا في كل بلد وإنما يكون في البلدان التي ينتقل فيها الظل عند زوال الشمس ولا يكون للشخص في أصلاً، وأحسب الحجاز وما يليها كذلك قال الشاعر:
إذا زفا الحادي المطي اللغبا وانتقل الظل فصار جوربا وقال الأعرابي: خرجنا حفاة والشمس في قلب السماء حين انتقل كل شيء ظله وما زادنا إلا التوكل وما مطايانا إلا الأرجل حتى لحقنا القوم)، وأما البلدان التي تزول فيها الشمس وللشخص ظل فإنه يعرف قدر الظل الذي زالت عليه الشمس، فإذا زاد عليه مثل ظل الشخص فذلك آخر وقت الظهر، فإن زاد عليه مثلاً طول الشخص فذلك آخر
قوله: وكبد السماء وسطحها ففي التعبير بكبد السماء مجاز إذ الكبد إنما هو للحيوان فقط.
•
قوله: وأحسب الحجاز الخ. قيل مكة وزبيد وفي عبارة بعضهم صنعاء اليمن لا يكون الشخص فيهما ظل الزوال مرتين في السنة وبالمدينة الشريفة وهو أطول يوم فيها.
- 379 - (1/386)
صفحة 387
وقت العصر، ويستدل على دخول وقت الظهر أيضاً في الشتاء أن تستقبل القبلة وتغمض عينك اليمنى فإن لم تر الشمس فصل الظهر، واستقبال القبلة هو أن تجعل بنات نعش الصغرى بين كتفيك، وتستقبل القبلة، ويستدل أيضاً على وقت الظهر في الشتاء بقطع الشمس من السماء الأكثر في مسيرها، وأما العصر فإنه يستدل عليه إذا استقبل القبلة فضربته الشمس في العظم الذي قدام الأذن في الشتاء، وفي الصيف في العظم الذي خلف الأذن لأن الشمس في الشتاء تكون هابطة في الجنوب وفي الصيف بخلافه، ويستدل أيضاً على العصر إن استقبل الشمس وضربته حرارتها بين الحاجبين سواء هذا في الشتاء والصيف والله أعلم، وهذا كله عندي على التقريب، وأقرب من هذا كله عندي أن تأخذ عوداً معتدلاً وتوقفه في مكان مستو وتنظر إلى ظله مادام ينتقص فإذا وقف ظله ولم ينتقص فخط على طرفه خطاً مستديراً به أعني بالعود، فإذا رأيت طرف الظل قد نزل في الخط خارجاً منه فصل الظهر، وإذا زاد الظل على هذا المقدار سبعة أقدام وهو طول القامة فصل العصر لحديث إمامة جبريل المتقدم، وعندي والله أعلم أنه يجوز أن يصلي الظهر على أربعة أقدام في النصف من (أيلول – سبتمبر) ثم تزيد قدماً واحداً في كل خمسة عشر يوماً حتى تصلي على عشرة أقدام في النصف من (كانون
- 380 - (1/387)
صفحة 388
الأول - ديسمبر (وذلك حين ترجع الشمس ويأخذ النهار في الزيادة والليل في النقصان، ثم بعد ذلك تنقص في كل خمسة عشر يوماً قدماً واحداً حتى تصلي على أربعة أقدام في النصف من (آذار - مارس) وذلك حين يستوي الليل والنهار، ثم بعد ذلك تنقص في كل شهر قدماً واحدا، حتى تصلي الظهر على قدم واحد في النصف من (حزيران ـ يونيه) وذلك عند رجوع الشمس، ويأخذ الليل من النهار، ثم تزيد في كل شهر قدماً واحداً حتى تصلي الظهر على أربعة أقدام في النصف من (أيلول ـ سبتمبر) كما قدمنا، وإن شئت أن تعرف ما يزيد وما ينقص في كل يوم فاقسم القدم على اثني عشر إصبعاً واقسم الإصبع على خمس حبات واعط لكل يوم في الشتاء أربع حبات ولكل يوم في الصيف حبتين، أعني من الخمسة عشر يوماً في الشتاء ومن الشهر في الصيف والله أعلم. وأما آخر وقت العصر فإنهم اختلفوا فيه، قال بعضهم: إذا صار ظل كل شيء مثليه بعد القدر الذي زالت عليه الشمس لحديث إمامة جبريل المتقدم، وقال آخرون: إن وقت العصر عند اصفرار الشمس لما روي أنه قال عليه السلام في العصر: (ما لم تصفر الشمس) ولما روي من طريق عائشة رضي الله عنها (أن النبي عليه السلام كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر) أي قبل أن تخرج، وظاهر هذا الحديث أنه كان عليه
(1) رواه أبو داود والنسائي.
- TAI- (1/388)
صفحة 389
السلام (يصلي العصر قبل أن تصفر الشمس))، وقال آخرون اصفرار الشمس غيوب قرن منها واستدلوا بحديث أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: (من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) (2) واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: «أقم الصلاة طرفي النهار
وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين
(3)
وقوله طرفي النهار يدل على بقاء وقتها إلى غيوب الشمس والله أعلم، وقال بعض أصحابنا: الظهر والعصر مشتركان في الوقت، وكذلك في المغرب
والعشاء، والدليل على هذا القول حديث ابن عباس قال: (صلى رسول الله لي الظهر والعصر والمغرب والعشاء جميعاً من غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر ((4) ويؤيد هذا الحديث ما روي أنه قال عليه السلام في قوله عز وجل «أقم الصلاة لدلوك الشمس، قال: (يعني بدلوك الشمس الظهر والعصر إلى غسق الليل يعني المغرب والعشاء وقرآن الفجر يعني صلاة الفجر) (5) هذا ما روي عنه عليه السلام دليل على اشتراك
(1) متفق عليه.
(2) متفق عليه.
(3) هود: 114
(4) رواه مسلم من طريق ابن عباس
(ه) رواه أبو داود.
- 382 - (1/389)
صفحة 390
وقت الظهر والعصر، فكذلك المغرب والعشاء، والدليل أيضاً قوله تبارك وتعالى: «فسبح بحمد ربك» معناه فصل بأمر ربك قبل (طلوع الشمس» يعني صلاة الصبح (وقبل غروبها) يعني صلاة العصر، والأولى ذكرهما جميعاً لأنهما مقرونتان في الوقت، (ومن آناء الليل) يعني ساعة الليل (فسبح) يقول: فصل له المغرب والعشاء، فذكرهما جميعاً و (أطراف النهار (يعني صلاة الصبح والعصر كرر عليهما والله أعلم، وأما وقت المغرب فمن حين تغرب الشمس إلى أن يغيب الشفق الأحمر، الدليل ما روي أنه قال عليه السلام: (المغرب من حين تغرب الشمس إلى أن يغيب الشفق) (1) وقال آخرون: المغرب من حين تغرب الشمس إلى أن يغيب الشفق الأبيض، وسبب اختلافهم إشتراك إسم الشفق في لسان العرب، وذلك أنه يقع على الأحمر ويقع على الأبيض، كما أن الفجر فجران الأبيض والأحمر كذلك الشفق شفقان، والصحيح أن وقت المغرب ما لم يغرب الشفق الأحمر، لأنه لو أراد الثاني وهو الأبيض لقال الشفقان، والدليل أيضاً أنه أراد الأحمر، ما روي أنه قال
قوله: الثاني وهو الأبيض الخ قلت فيه تأمل إذ المعروف في اللغة أنه أي لكن القول بالإشتراك أصح فليعتمد.
الشفق الحمرة كما ذكره الجوهري و وغيره
(1) متفق عليه
- 383 - (1/390)
صفحة 391
(1)
عليه السلام: المغرب ما لم تذهب حمرة الشفق) وقال آخرون: وقت المغرب غير موسع وله وقت واحد، ويدل على هذا ما روي (أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قعد بها حتى كانت ثلاثة أنجم فأعتق ثلاثة أعبد) ويدل أيضاً على هذا ما روي أنه قال عليه السلام: (لا تزال طائفة من
(2)
أمتي على الفطرة ما صلوا صلاة المغرب قبل أن يروا النجوم)) ويستدل
على وقت المغرب بطلوع الليل من المشرق وتعرضه إلى القبلة أو إذا لم يعرف موضع مغيب الشمس من غيره أو إذا نظرت إلى القمر وله شعاع أو إذا كان للنار في البيت ضوء والله أعلم، وأما وقت العشاء فمن حين يغيب الشفق إلى ثلث الليل لحديث إمامة جبريل المتقدم، وقال آخرون: آخر وقت العشاء نصف الليل، لما روي أنه قال عليه السلام: (صلاة العشاء من حين يغيب الشفق إلى ثلث الليل) (3) أو قال: (إلى نصف الليل) وقال آخرون: وقت العشاء طلوع الفجر، والدليل ما روي أنه قال عليه السلام: (ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة أن يؤخر إحدى الصلوات حتى يأتي وقت الاخرى () وأهل هذا الرأي قالوا
(1) رواه مسلم.
(2) رواه أحمد وأبو داود من طريق عقبة بن عامر.
(3) رواه النسائي من طريق عائشة
(4) رواه مسلم عن أبي قتادة
- TAL- (1/391)
صفحة 392
اتفق الجميع أن طلوع الفجر يخرج به وقت العشاء، واختلفوا هل يخرج قبله فتمسكنا بما أجمعوا عليه عند التعارض، ويقال لأهل هذا الرأي فنحن أولى بالإجماع منكم وذلك أنا قد أجمعنا نحن وأنتم أن من صلى قبل ثلث الليل أو نصفه فقد صلى في الوقت المأمور فيه، واختلفنا فيمن صلى بعد نصف الليل هل صلى في الوقت أم لا؟ فنحن على ما أجمعنا عليه والله المستعان، وقال آخرون: المغرب والعشاء مشتركان في الوقت كما قدمنا في الأول والعصر والله أعلم، وأما وقت صلاة الصبح فمن حين يطلع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس، لما روي أنه قال عليه السلام: (صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس) (1) إعلم أن الفجر فجران: الفجر الأول هو المستطيل الذي يشبه بذنب السرحان، وإنما يشبه بذنب
قوله: وقال آخرون المغرب والعشاء مشتركان في الوقت أي الوقت الإختياري بدليل قوله كما قدمنا في الأولى والعصر، والذي تحصل من كلام أبي طاهر أنهم إختلفوا في الزمان الذي اشتركت فيه الأولى والعصر، فقيل في آخر القامة الأولى بقدر ما توقع فيه إحدي الصلاتين وقيل في أول القامة الثانية وعلى قياسه في المغرب والعشاء أن يقال هو غيوب الشفق بقدر أربع ركعات، وقال الثاني بعد غيوبه بقدر أربع ركعات تأمل.
قوله: السرحان السرح بوزن السرج المال السائم وسرح الماشية من باب
(1) رواه الحاكم من حديث جابر.
- 385 -
ه م 25 - الإيضاح» (1/392)
صفحة 393
السرحان لأنه مستدق صاعد في غير اعتراض، وهو الفجر الكاذب الذي لا يحلل شيئاً ولا يحرمه، والفجر الثاني هو المستطير الصادق سمي مستطيراً لأنه مستعرض منتشر في الأفق، وكل شيء انتشر فقد استطار،، قال حسان الشاعر:
لهان على سراة بني لؤي حريق بالفويرة مستطير
ويقال للفجر الثاني الصادق والمصدق لأنه صدقك على الصبح وبينه
لك، قال أبو ذؤيب:
شغف الكلاب الضاريات فؤاده فإذا رأى الصبح المصدق يفزع إعلم أن الوقت المختار من هذه الأوقات أول الوقت بدليل قوله عليه السلام: (أول الوقت رضوان الله ووسطه رحمة الله وآخره عفو الله) (1) وهذا الحديث يدل على أن المستحب أول الوقت، وقال
قطع تقول سرحت الغداة وراحت بالعشي، وتسريح المرأة تطليقها، والإسم السراح بالفتح، وتسريح الشعر إرساله وحله قبل المشط، والسرح أيضاً شجن عظام طوال الواحدة. سرحة، والسرحان بالكسر الذئب، وجمعه سراحين والأنثى سرحانة مختصر صحاح.
(1) اخرجه الدارقطني عن ابي محذورة، وإسمه) أوس)، وكان مؤذن النبي (ص)
عام الفتح.
- 386 - (1/393)
صفحة 394
بعضهم: يستحب تأخير وقت الظهر في وقت الحر الشديد إلى الإبراد، ودليلهم ما روي من طريق أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: (إذا اشتد الحر فأبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم))، وما روي (أنه كان عليه السلام يعجل بالظهر في وقت الشتاء الشديد، ويؤخر في الحر الشديد ويبرد بها إلى وسط الوقت) (2) وكذلك العتمة عندهم يستحب تأخيرها لما روي أنه قال عليه السلام: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير صلاة العتمة) (3) لأنه روي عنه عليه السلام قال: (إنكم لفي صلاة من حين انتظرتموها ولولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخيرها إلى ثلث الليل أو نصف الليل) يعني العتمة فكان هذا تخصيص للحديث
الأول والله أعلم.
(1) رواه الجماعة.
(2) رواه النسائي وللبخاري نحوه. (3) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي. (4) رواه أحمد وأبو داود.
- 387 - (1/394)
صفحة 395
باب في معرفة الاوقات
المنهي عن الصلاة فيها
والأوقات المنهي عن الصلاة فيها خمسة وهي: عند طلوع الشمس
باب في معرفة الأوقات المنهي عن الصلاة فيها
قوله:: المنهي عن الصلاة فيها ظاهر كلام المصنف أن النهي للتحريم في هذه الأوقات وعند مالك منع النفل وقت طلوع الشمس ووقت غروبها وعند خطبة جمعة وكراهية بعد طلوع الفجر وبعد أداء فرض العصر إلى أن ترتفع الشمس قدر رمح ويصلي المغرب إلا ركعتي الفجر والورد الليلي فإنه يصليها قبل صلاة الصبح، فلو أخرهما عنها لصلى الفجر عند حل النافلة وفات الورد وقيد الورد بقوله لنائم عنه ليخرج به متعمداً تركه فلا يصليه قبل الصبح وقطع محرم بنافلة وقت نهي ولاقضاء عليه، وفي قوله وقطع أشعار بانعقادها انتهى، وظاهر كلام المصنف. انعقادها في تلك الاوقات حرره، وفي النهي عند الشافعية قولان: قيل للتحريم، وقيل للتنزيه، وفي الانعقاد قولان، صحح الرافعي والنووي عدم الإنعقاد وعند أبي حنيفة يمتنع عن ا الصلاة، التلاوة وصلاة الجنازة عند الطلوع والاستواء والغروب، إلا: التنقل بعد صلاة الفجر والعصر، لا عن قضاء فائتة وصلاة جنازة، وبعد طلوع الفجر بأكثر من سنة الفجر، وقبل المغرب ووقت الخطبة، وعبارة بعض الشافعية: وتكره الصلاة عند الاستواء إلا يوم الجمعة وبعد الصبح حتى ترتفع
عدم
وسجدة
عصر يومه
"
وعن
- YAA- (1/395)
صفحة 396
حتى يتكامل طلوعها وترتفع قليلاً، وعند قيامها حتى تزول، وعند غروبها حتى يتكامل غروبها، وبعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس،
الشمس كرمح والعصر حتى تغرب الشمس إلا لسبب، وهي على ثلاثة أقسام متقدم كالفوائت وما قارن كركمتي الطواف وما تأخر كسنة الإحرام والأصح أنها لا تفعل في وقت الكراهية ولا في حرم مكة.
قوله: خمسة، قلت قال أبو اسحاق باب ذكر الأوقات التي لا يجوز فيها فعل الصلاة قال أبو اسحاق: وثلاثة أوقات لا تجوز الصلاة فيها وإن قضى فيها فرضاً لم يجز، أ ز، أحدها: عند قيام الشمس، الثاني: عند غروبها، الثالث: عند طلوعها ثم قال باب بيان الأوقات المنهي فيها عن التطوع الخ. قال أبو أسحاق: وثمانية أوقات منهي عن التطوع فيها: بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد طلوع الفجر إلى ركعتي الفجر، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ووقت ما بين الأذان والإقامة للمغرب، وإذا كانت الجماعة فليبدأ بالمكتوبة وإذا أوتر فلا يتطوع حتى يستيقظ من نومه، وإذا كان حاضراً والإمام يخطب للجمعة أو للعيدين أو بعرفة، وكذا للخسوف والكسوف والاستسقاء في القياس، فينبغي له أن يكف عن التطوع حتى يفرغ الإمام، وكذلك إن دخل مسجداً وقد أقيمت الصلاة فلا يصل وحده فرضاً ولا تطوعاً حق يفرغ الامام، وإذا صلى مع الامام العيد الكبير فإنه يمسك عن التطوع إلى زوال الشمس، إلا أن يحدث كسوف أو استسقاء فإن دخل في الصلاة وقت الإباحة ثم دخل وهو فيها لزمه الإتمام، إلا في خصلة وهي أن تقام الصلاة في مسجد وهو فيه مصل فإنه يقطعها ويدخل في صلاة الجماعة، وقد قيل عند ما يحرم الإمام إلا أن يكون في زاوية منه كالمنقطعة فلا يقطعها، وفي هذا نظر وبعضه بالمعنى وما ذكره في الوتر أظن في الشيخ إسماعيل خلافه فراجعه.
- TAR- (1/396)
صفحة 397
وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، والدليل على هذا ما روي (أنه نهى عن الصلاة في ثلاثة أوقات عند قيام الشمس حتى تزول، وعند غروبها حتى يتكامل غروبها، وعند طلوعها حتى يتكامل طلوعها وترتفع قليلاً) نهى في هذه الثلاثة الأوقات عن صلاة التطوع والفريضة وأن تقضى فيها صلاة، غير أن بعضهم استثنى من ذلك عصر يومه وصلاة صبح يومه، ولعل حجتهم ما روي من طريق أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: (من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح)) فكان عندهم أن من ترك الصبح أو العصر حتى إذا لم يبق في الوقت مقدار ما يتمها فيه أنه يصلي ويتمها في غروب الشمس وفي طلوعها والله أعلم. وأما بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر فما روي أنه قال عليه السلام:) لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد صلاة الصبح
قوله: نهي في هذه الثلاثة الأوقات الخ قلت حكى النووي من قومنا الإتفاق على جواز الفريضة المؤداة في هذه الأوقاف وفيه نظر لما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، وما ذكره المؤلف هو مذهب أبي حنيفة لكن لم يستثن إلا عصر يومه والله أعلم.
(1) متفق عليه من حديث أبي هريرة.
-49.- (1/397)
صفحة 398
حتى تطلع الشمس)، واستثنى بعضهم الفريضة أن تقضى بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر إذا نسيها، بدليل قوله عليه السلام: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها فذلك وقتها (2) ولم يخص وقتاً دون وقت، فإن قال قائل: وكذلك يلزمك على هذا العموم أن تجيز الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، قيل له: الفرق بين طلوع الشمس وغروبها و بين ما بعد صلاة الصبح وصلاة العصر، أن وقت طلوع الشمس وغروبها وقت معين لا تجوز فيه أصلاً، وما بعد صلاة العصر وبعد صلاة الصبح وقت غير معين لأنه متعلق بالغير وهو الصلاة، فما نهي عنه لعينه أشد مما نهي عنه لغيره، ولذلك استثنى من عموم النهي عن الصلاة بعد صلاة العصر وبعد صلاة الصبح الصلاة المفروضة التي نام عنها أو نسيها ولم يستثنها عند طلوع الشمس وعند غروبها والله أعلم؛ وحمل بعضهم النهي عن الصلاة بعد صلاة العصر وبعد صلاة الصبح عن النوافل لا غير، ويعضد هذا الرأي ما روي أنه قال عليه السلام:
قوله: فذلك وقتها قال الربيع و رحمه الله تعالى: وذلك في حين تجوز فيه
الصلاة والله أعلم.
(1) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري. (2) متفق عليه.
-491 - (1/398)
صفحة 399
(بعد كل صلاة ركعتان إلا الفجر والعصر (1) فإنما أراد به النوافل والله، وأما الصلاة التي تفعل بسبب مثل صلاة الميت وصلاة الكسوف والزلزلة وما أشبه ذلك فلا، ويعضد هذا ما روي عن بعض الصحابة قال: (نهانا رسول الله الله أن نصلي في ثلاثة أوقات وأن نقبر فيها موتانا، عند قيام الشمس، وعند غروبها، وعند طلوعها) (2) فظاهر هذا الحديث يدل أن ما سوى هذه الأوقات يقبر فيها الموتى ويصلى عليهم و الله أعلم؛ وكذلك لا تصلى عندهم النوافل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر لما روي أنه قال عليه السلام: (لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر) (3) وكذلك فيما بين غروب الشمس وصلاة المغرب لما روي أنه قال عليه السلام: (بين كل أذانين صلاة إلا صلاة المغرب))
والله أعلم.
قوله: ماروي عن بعض الصحابة في بعض كتب المخالفين إسمه عقبة بن عامر في روايته في الشيخ إسماعيل رحمه الله تعالى.
(1) متفق عليه
(2) رواه مسلم عن عقبة بن عامر
(3) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري (4) رواه مسلم من طريق عقبة بن عامر.
- 392 - (1/399)
صفحة 400
باب في الاذان
والأذان سنة أمر بها النبي عليه السلام في المساجد وعند حضور الجماعات، وهو سنة على الكفاية إذا قام بها البعض أجزأ عن الباقين، وقال بعضهم: الأذان فرض واحتج بما روي (أنه عليه السلام أمر بالغارة
باب في الأذان
قوله: في الأذان، الأذان في اللغة الإعلام ومنه: (وأذان من الله ورسوله) وفي الشرع إعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة بألفاظ مخصوصة في أوقات مخصوصة.
قوله: والأذان سنة، قال أبو اسحاق رحمه الله: والأذان والإقامة سنة على
الكفاية إلا في خصلة واحدة وهو يوم الجمعة وهما واجبتان الخ.
قوله: وهو سنة على الكفاية وهذا مذهب الشافعي، وذهب مالك في قوله أنه سنة مؤكدة لكل جماعة طلبت غيرها.
قوله: الجماعات أي كأهل العمود والركب والرفقاء في السفر. قوله: وهو سنة على الكفاية هذا مخالف لما نقله الشيخ إسماعيل عن أصحابنا الله من أنه فرض على الكفاية وسنة لكل أحد في خاصة نفسه وماذكره المصنف رحمه الله موافق لما في الديوان وفي أبي إسحاق.
رحمهم
393 - (1/400)
صفحة 401
على كل حي لم يسمع فيه الأذان) (1) وبما روي أنه قال عليه السلام لرجلين: إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أفضلكما) (2) أو قال: (أستكما) فكان فرضاً لأمره بذلك عليه السلام، لأن الأصل في الأمر أن يحمل على الوجوب حتى يدل الدليل على غيره، ومن حجة الآخرين أنه لما جاز أن يصلي الرجل بمن هو أسن منه بعد أمره عليه السلام في حديث الأذان يؤم الأسن علمنا أن أمره بالأذان ندب وإلا فكيف يحمل بعض الحديث على الوجوب وبعضه على الندب والله أعلم. ويؤيد أيضاً هذا الرأي ما روي أنه عليه السلام أمر بلالاً بالأذان في السفر مرة وتركه مرة) (3) والله أعلم، وعند الأمة أنه ليس على النساء أذان ولا إقامة، ولا على المنفرد بصلاته، أما النساء فلما روي (أنه عليه السلام
قوله: ولا على المنفرد الخ. في الشيخ إسماعيل وكتاب الوضع أنه فرض على الكفاية وسنة لكل واحد في خاصة نفسه وظاهره سواء كان في بلد أو صحراء ويدل له الحديث الذي سيسوقه المصنف استشهاداً على رفع الصوت، وظاهره أيضاً سواء بلغ المفرد أذان غيره أو لم يبلغه، مالم يكن في مسجد، وأما على كلام المصنف رحمه الله فلا يسن في حقه لانتفاء المعنى المقصود منه وهو الإعلام، والظاهر الأول كما عليه الحديث الآتي فليتأمل.
(1) رواه البخاري عن أنس. (2) رواه البخاري.
(3) روي الأمر بالأذان عن ابن مسعود، وروي الأمر بالترك عن أبي سعيد الخدري.
-498 - (1/401)
صفحة 402
جعل للنساء التصفيق إذا عناهن أمر في صلاتهن لئلا تسمع أصواتهن) (1) ولذلك قالوا: لا أذان عليهن ولا إقامة، وفي أثر بعضهم: أنها تؤمر بالإقامة إلى قوله أشهد أن محمداً رسول الله والله أعلم. وأما المنفرد فلا أذان عليه لأن المفهوم عند العلماء في الأذان الإعلام والدعاء إلى الاجتماع للصلاة ولذلك كان لا أذان على المنفرد والله أعلم.
(1) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود من طريق سهل بن سعد.
- 395 - (1/402)
صفحة 403
باب في صفة الاذان وشروطه
أما صفة الأذان فالأصل فيه ما روي (أن النبي وأصحابه همهم الإعلام للصلاة، حتى أشار بعضهم بالناقوس، فرأى عبد الله بن زيد الأنصاري في المنام رجلاً عليه ثوبان أخضر ان على جدار المسجد
قوله: فالأصل فيه ماروي الخ. لفظ الحديث في رواية أبي داود قال: يعني عبد الله بن زيد (لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس يعمل ليضرب به الناس لجميع الصلاة طاف في وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً في يده فقلت يا عبد الله أتبيع الناقوس فقال: ما تصنع به؟ فقلت ندعو به إلى الصلاة، قال أو لا أدلك على ماهو خير من ذلك؟ قلت: بلى! قال تقول الله أكبر الله أكبر إلى آخر الأذان () ثم استأخر عني غير بعيد ثم قال: وتقول إذا أقمت الصلاة الله اكبر الله أكبر إلى آخر الفاظ الإقامة فلما أصبحت أتيت النبي عمال فأخبرته بما رأيت، فقال: إنها رؤيا حق إن شاء الله، قم مع بلال فألق عليه ما رأيت فيؤذن به فأنه أدنى منك صوتاً، قال: فلما أذن الأذان بذلك عمر وهو في بيته فخرج وهو يجر رداءه يقول: والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل مارآي، فقال رسول الله الله الحمد الله) وفي الوضع ما يقرب منه راجعه. قوله: فرأى عبد الله الخ. في كتب قومنا رؤياه الأذان في السنة الأولى من الهجرة وفي البزار منهم أن النبي علي الله) رأى الأذان ليلة الإسراء، أو سمعه مشاهدة).
سمع
-497 - (1/403)
صفحة 404
فقال: الله اكبر الله اكبر مرتين، أشهد ان لا إله إلا الله مرتين، اشهد ان محمداً رسول الله مرتين، حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين، الله اكبر الله اكبر مرتين، لا إله إلا الله مرتين، فقعد هنيهة فقام فزاد قد قامت الصلاة مرتين، فأخبر به النبي عليه السلام، فقال له: علمه بلالاً، فعلمه بلالاً (1) فعند علمائنا رحمهم الله ان الأذان والإقامة مثنى مثنى لما روي من طريق ابي سعيد الخدري ان النبي عليه السلام قال: إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن والأذان مثنى مثنى و الإقامة مثنى مثنى) (2) والله اعلم، وإنما ينبغي ان يكون مؤذناً رجل
قوله: فقال له علمه بلالا الخ. وشرعها إما بوحي وإما باجتهاد على مذهب من يرى ذلك، وليس هو عملاً بمجرد المنام، وهذا مما لاشك فيه بلا خلاف، وبلال بن رباح مؤذن رسول الله و أول من أذن في الإسلام، قال: مالك: ولم يؤذن لأحد حد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة لعمر حين دخل الشام، فبكى الناس بكاء شديداً وروى ابن أبي شيبة وابن عبد البر أنه أذن لأبي بكر إلى أن مات ولم يؤذن لعمر رضي الله عنهم، وأمه حمامة وذكر ابن حزم في المحلى أنه لم يكمل حسن الحور العين في الجنة إلا بسواد بلال فإنه يفرق سواده شامات في خدودهن وروى الحاكم أن النبي لا قال: (خير
(1) رواه الترمذي وقال حسن صحيح. (2) رواه الترمذي وأبو داود
- 397 - (1/404)
صفحة 405
امين فقيه ورع حافظ للأوقات عارف بها لما روي انه قال عليه السلام: (المؤذنون امناء والأئمة ضمناء لأنهم امناء في اوقات الصلاة وفي الصيام عند الافطار (1) والله اعلم. وليجتهد المؤذن في وقت اذانه وليسمع بأذانه وليمد صوته ابتغاء وجه الله ورجاء لما عنده لأنه قيل يشهد له يوم القيامة جميع من بلغه صوته لما روي ان النبي عليه السلام قال لرجل: (إني
السودان ثلاثة بلال ولقمان ومهجع) (2) وهو مولى عمر وهو أول قتيل من المسلمين يوم بدر ا هـ. (دميري).
قوله: ورع حافظ الخ. فإن وجد ورع غير عارف بالأوقات وفقيه عارف لكن غير ورع يقلد الورع ولو كان غير عارف ويسأل العالم بالاوقات كذا في ديوان الأشياخ. قوله: لما روي أن النبي الخ هكذا رواه أيضاً بعض المخالفين وهو وهم والصواب ما في المسند أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري أنه قال لرجل: (إني اراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذن وارفع صوتك فإنه لا يسمع صوت المؤذن إنس ولا جان ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة) هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومثله في البخاري من كتب قومنا، وفيه تسمية الرجل بعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، وفي الحديث دلالة على استحباب الأذان للمنفرد حرره.
(1) راه أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة.
(2) رواه الحاكم
- 398 - (1/405)
صفحة 406
اراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك وباديتك وأذنت بالصلاة فارفع صوتك فإنه لا يسمع صوت المؤذن إنس ولا جان ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة () والله أعلم. ومن شروط الأذان الوقت، والدليل ما روي أنه قال عليه السلام لرجلين: (إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيم) (2) فأمرهم بالأذان عند حضور وقت الصلاة، وأجمع الناس أنه لا يجوز الأذان قبل الوقت إلا لصلاة الصبح فإن بعضهم قال بجواز الأذان قبل الصبح لما روي أنه قال عليه السلام: (إن بلالاً يؤذن بليل يوقظ ناممكم ويرجع غائبكم فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) (3) قالت عائشة رضي الله عنها: (لم يكن بينهما إلا مقدار ما ينحدر هذا ويصعد هذا)
فائدة: يشترط لصحة الأذان الإسلام، والعقل، والذكورية، وعدم التكلم في حال أذانه وعدم أكل وشرب في حال عمله في قول وكونه على مكان مرتفع إن أمكنه، واستقبال القبلة إلا بنحو وجهه، وعدم تـ م تنكيس وإفراد وتثليث وبناء إن غلط، وكونه بالعربية، وقيام على أحد القولين، وإيقاع كله في الوقت،، وعدم انتقال مكانه لحاجة إلا حيث أن لا النداء الأول كذا يؤخذ من الديوان فراجع الشيخ إسماعيل، ورفع بالصوت به،
من
يسمع
(1) رواه أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجه عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة
من طريق أبي سعيد الخدري
(2) تقدم ذكره.
(3) متفق عليه من طريق عائشة وابن عمر.
- 399 - (1/406)
صفحة 407
فكان قوله عليه السلام) إن بلالاً يؤذن بليل) دليل على جواز الأذان قبل الصبح عندهم والله أعلم. وقال آخرون: لا يجوز الأذان إلا في الوقت، وإن أذن قبل الصبح أعاد بعد الصبح، لما روي أنه عليه السلام (سئل عن الأذان فسكت حتى طلع الفجر فأمر بلالا فأذن)) وكان بلال أذن بليل، فأمره أن يعيد، وعندي والله أعلم أن أذان ابن أم مكتوم بعد الصبح يدل أن أذان بلال قبل الصبح غير مجز والله أعلم؛ ولهذا الحديث اشترط بعض الناس في صلاة الصبح خاصة أن يؤذن لها قبل الصبح و بعد الصبح، وذلك أنهم قالوا: يؤذن لها في عهد رسول الله مؤذنان بلال و ابن أم مكتوم، وإن خرج وقت الصلاة فلا أذان ولا إقامة لما ذكرنا أن الأذان للوقت، وقال آخرون: فيمن نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فذلك وقتها، فعلى هذا يؤذن لها ويقيم ويدل أيضاً على هذا ما روي (أنه عليه السلام حين نام حتى طلعت الشمس أمر بلالاً أن يؤذن فأقام فصلى) (2) وقال آخرون: لما أجمع الناس أنه لا أذان قبل الوقت كان فيه دليل أنه لا أذان بعد الوقت، وفيما ذكرناه أيضاً من قوله عليه السلام لرجلين: (إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيا) (3) دليل أنه
(1) أخرجه ابو داود من حديث ابن عمر.
(2) رواه أبو داود والترمذي.
(3) تقدم ذكره. (1/407)
صفحة 408
(1)
لا أذان إلا في الوقت، وفي هذا ايضاً دليل ان الأذان لأول الوقت لأن آخر الوقت إنما هو للعاجز او لصاحب العذر، وأما غيرهم فلا، لما روي انه قال عليه السلام: (أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله)) والعفو لا يكون إلا على الذنب، ولذلك كانوا لا يؤذنون عند اصحابنا في الغيم إذا لم يتبين الوقت والله اعلم، وإنما ينبغي للمؤذن ان يؤذن ببدن طاهر، وثوب طاهر، على موضع طاهر كالصلاة، وإن أذن وهو جنب أو غير متوضئ أو محدث أو بثياب منجوسة أو على موضع منجوس أو على مزبلة أو ثياب الحرير أو باشر الذهب أو الحديد أو النحاس أو لبس الجلود فإنه لا يفعل هذا كله، فإن فعل فلا بأس، والنظر عندي والله أعلم أن الأذان يتردد بين أن يشبه الصلاة لأنه ذكر الله عز وجل مشروط فيه الوقت والقيام ومواضع الصلاة فكأنه جزء منها، وبين أن يشبه سائر التنزيهات الله عز وجل كالدعاء بعرفات وذكر الله تعالى عند المشعر الحرام الذين مشروط فيهم الوقت والموضع، فمن شبهه بالصلاة أو جب فيه الطهارة، ومن شبهه بغيرها لم يشترط في صحته الطهارة والله أعلم. وأما إن تكلم في أذانه أو أكل أو شرب فإنه يستأنف على قول بعضهم، وكذلك إن أحدث في أذانه ببول أو غائط أو قيء
(1) تقدم ذكره.
12.1 -
ه م 26 - الإيضاح» (1/408)
صفحة 409
أو رعاف فلا بأس عليه في أذانه على ما ذكرناه والله أعلم، وعلى قول الآخرين لا يستأنف، وسبب اختلافهم عندي والله أعلم: هل الأذان مقيس على الصلاة أم لا؟ غير أن النظر يوجب عندي أنه يستأنف لأن فعل الأذان في زمان النبي عليه السلام لم ينقل إلينا قط إلا متوالياً والله أعلم. وإن أفرد الأذان أو ثلث أو نكس به فأخذه من أسفل أو من وسطه، أو أذن بالبربرية أو بالعجمية فإنه يستأنف في كل هذا لأنه لم يفعل كما نقل إلينا وكما أمر، وذلك إنما نقل إلينا مرتباً متوالياً مثنى مثنى بالعربية، وإن أذن وهو مضطجع أو مستدبر للقبلة فإنه يستأنف لأنه فعل على الجهة الغير المنقولة إلينا، وقياساً أيضاً على الصلاة، ولهذا كانوا يكرهون الأذان قدام المسجد لئلا يستدير القبلة إذا فرغ من الأذان وهو قاصد إلى الإقامة والله أعلم، وإن أذن وهو قاعد ففيه قولان، وذلك عندي على حسب اختلافهم في صلاة النافلة قاعداً، وإن أذن وهو راكب أو ماش أو ساع فإن أذانه في هؤلاء الوجوه يجزئ عنه ما دام
مستقبلاً للقبلة، لأن صلاة النافلة تجوز على هذه الصفة لما روي أنه يصلي في السفر على راحلته النافلة (1) وكان المشي مثله والله أعلم، وإن
قوله: أو نكس الخ. الترتيب شرط فيه وكذا عند الشافعية.
(1) متفق عليه.
- 402 - (1/409)
صفحة 410
أذن وغلط في أذانه حرفاً أو حرفين فإنه يرجع ويستأنف من حيث غلط قياساً على الصلاة، وكذلك يصيب في أذانه ما يصيب في الصلاة من تنجية نفس أو مال كان له أو لغيره، أو انتقال من موضع إلى موضع من أجل عدو أو مطر أو ريح، ويبنى على أذانه في هؤلاء الوجوه قياساً على الصلاة، إلا إن انتقل من موضع إلى موضع لا يسمع فيه من كان في الموضع الذي انتقل منه، وذلك عندي لأن مقدار ما يجب الإتيان إلى الأذان مقدار السمع لقول رسول الله له: (من سمع النداء فليجب)) فهو مقدار ما يجزي فيه الأذان والله أعلم. وإن أذن الطفل لقوم أجزأهم، وكذلك العبد يجزي أذانه، وأما المجنون والمشرك والمرأة لا يجزئ أذانهم
للأذان
شرو
قوله: وإن أذن الطفل الخ. ذكر الشيخ إسماعيل رحمه الله أن بعضهم اشترط روطاً من جملتها البلوغ، ثم قال بعد ذلك: وهو الأليق بأصول أصحابنا رحمهم الله لكن في الديوان ما يوافق المصنف رحمه الله، وما ذكره الشيخ اسماعيل في البالغ هو مشهور مذهب مالك، وأما الشافعي فلم يشترط البلوغ
رحمه الله
بل التمييز فقط
قوله: والمشرك الخ. أنظر ما لو أذن بعض الأذان وهو مسلم ثم ارتد والعياذ بالله في أثناء الأذان ثم عاد إلى الإسلام وحصل الفصل، هل يبني أو يستأنف؟ وكلام الديوان يؤخذ منه أنه يبني، ونص عبارته: وأما المشرك والمجنون إن أذنا بعض الأذان على الشرك أو على الجنون فإنهما يبنيان، فليتأمل، وانظر هل
(1) متفق عليه.
-?.4 - (1/410)
صفحة 411
للجماعة، والفرق بينهم وبين الأولين أن كل من تصح منه الصلاة يصح منه الأذان، إلا المرأة فإنه لا يجزئ أذانها من أجل أنها مأمورة بخفض الصوت، فإن قال قائل: فالطفل إذاً لا تصح منه الصلاة، قيل له: وإن كان الطفل غير مأمور بالصلاة فإنه تصح منه صلاة النافلة، ألا ترى إلى ما روي (أن امرأة قد أمسكت بعضد صبي فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر (1) فأثبت له الحج عليه السلام، ولا يؤذن الرجل في مسجد غير بلده إلا بإذن أهل البلد لأن أهل البلد الذين وجب
يحكم بإسلامه إذا أذن كما ذهب إليه ابن عطاء الله المالكي وبعض الشافعية، وفي السؤالات يؤخذ منه أنه لا يحكم بإسلامه ولكنه يجبر على التوحيد (فليراجع). من المسائل التي يجبر المشرك على التوحيد قلت: وما أخذ من كلام الديوان ليس بصحيح على قواعد المذهب إذ الردة عندنا محبطة للعمل ولو لم يمت، خلافاً للشافعي حيث اشترط في الإحباط الموت على الردة مستدلاً على ذلك بظاهر قوله تعالى ومن يرتدد منكم عن دينه قيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (2) وأجيب بأنه سبحانه وتعالى رتب على الردة والموت على أكفر شيئين الإحباط والخلود في النار، فالأول مرتب على الردة والثاني على الموت عليها، فلا دليل في الآية، نعم ماذكره من الترجيج يصح على قول الشافعي فليراجع، ثم رأيت التصريح في المسألة بعد ذلك في أبي إسحاق رحمه الله فليراجع.
(1) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي من طريق ابن عباس.
- 404 -
•
(2) البقرة: 217 (1/411)
صفحة 412
عليهم الإتيان إلى الأذان أولى بفضل الأذان ممن لم يجب عليه، ويجزيه إذن كل من يجوز أذانه من أهل البلد، ولا يؤذن رجلان أو ثلاثة معاً في مسجد واحد، وكذلك واحد بعد واحد من أجل ما يؤول إلى الفرقة والاختلاف، ألا ترى إلى ما روي عن رسول الله أنه قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا صلاة الجماعة مع الإمام) وذلك لأجل
الاختلاف والله أعلم.
قوله: ممن لم يجب عليه، أي الإتيان إلى الأذان فلا يكفي أذان الطفل والعبد
مع صحة أذانهما والله أعلم.
(1) متفق عليه.
10.1 - (1/412)
صفحة 413
باب في التثوب
والتثوب إنما يكون بعد الأذان لصلاة الصبح، وأما غيرها من الصلوات فلا يكون بعد أذانها تثوب، والدليل ما روي أن بلالاً قال: (أمرني النبي عليه السلام أن أتثوب في الفجر ونهائي عن ذلك في العشاء) (1) وهو إذا أذن المؤذن لصلاة الصبح فليقعد هنيهة حتى يحمر الفجر فليقم ويستقبل القبلة ويثوب، وإنما يقول في تثوبه: حي على الصلاة حي على
الفلاح.
إعلم أن حكم التثوب كحكم الأذان وجميع شروطه من الطهارة و استقبال القبلة، وبالجملة ان كل ما ينقض الأذان ينقض التثوب والله. ولا يتثوب إلا من أذن الحديث بلال فإن كان له عذر أو منعه مانع فإن غيره لا ينثوب ولكن يقيم الصلاة والله اعلم.
اعلم
(1) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي.
-2.7 - (1/413)
صفحة 414
باب في الاقامة
والإقامة مثنى مثنى مثل الأذان، وهي سنة مرغب فيها، وهي سنة
باب في الاقامة
رحمهم
الله لصحة الإقامة
حاصل الشروط المأخوذة من الديوان المصنف إيقاع كلها في البلوغ والذكورية والإسلام والعقل وعدم الفصل بينها وبين الصلاة بمقدار ما تتم فيه تلك الصلاة على أحد القولين، وعدم قصد صلاة صلاها أو لم يصلها، فإذا هو قد صلاها، وإفراد كل صلاة بإقامة، فإن قصدهما معاً صحت الأولى، وكونها بثوب طاهر يصلى فيه على أحد القولين، وطهارة بدن وإن من حدث أصغر، فلو حدث بما يبني به في الصلاة بنى على أحد القولين، وموضع طاهر وإن غير مصلى فيه، وعدم مماسة حديد ونحاس ورصاص وما أشبهها لجسده، وكونها ممن لا يفرغ من صلاته، وقيام لها وتعين عند قوله (حي على الصلاة)، وعدم التكلم إلا لحاجة، وعدم أكل أو شرب، ورفع صوت بها كالأذان، وعدم انتقال من مكانه إلى حيث لا تسمع الإقامة الأولى، وعدم تنكيس وتفريد وتثليث وبناء إن ذهب إلى ما يخاف فساده ما لم يستدبر القبلة، أو يذهب الى مكان لا تسمع فيه إن كان في المكان الذي يصلح فيه ذلك ولم يرجع إلى مكانه الأول، وإتمامها في حال المشي في موضع يصلى فيه أو يسمع لمن كان فيه، وعدم شك فيها، وعدم نقض صلاة بما لا تصح معه، وكونه مستور
العورة.
قوله: مثنى مثنى، لو قال مثنى إلا التكبير فهو مربع لكان أولى لشمول عبارته تربيع غير التكبير أيضاً، واعلم ن الناس أيضاً
- 407 - (1/414)
صفحة 415
على الكفاية إذا قام بها البعض أجزأ عن الباقين كالأذان، ولكل في خاصة نفسه أن يقيم، وهي آكد من الأذان عندهم، وقال بعضهم: هي فريضة، وسبب اختلافهم هو سبب اختلافهم في الأذان بعينه، وقد تقدم ذلك، ويتبين ذلك فيمن صلى ولم يقم، فمن جعل الإقامة فريضة أوجب عليه الإعادة، ومن لم يجعلها فريضة لم يلزمه الإعادة، وهي للصلاة المفروضة كالأذان، ولا تكون إلا في وقت الصلاة كالأذان، فإذا خرج الوقت فلا أذان ولا إقامة، إلا ما روي عن بعضهم أن من نسي الصلاة أو نام عنها
عنده ويسن
اختلفوا في الأذان والإقامة، فقال أصحابنا: انه مربع التكبير الأول والآخر ومثنى باقيه، ووافقهم على ذلك أبو حنيفة، إلا في التكبير الآخر فإنه يقول بتثنيته، وذهب الشافعي إلى تربيع التكبير الأول وتثنية باقيه، الترجيع، وهو العودة إلى الشهادتين برفع الصوت، فعليه تكون ألفاظه بالترجيع تسع عشرة كلمة، وذهب مالك إلى أنه مثنى الكلمات إلا الجملة الآخرة فمفردة، ويقول بالترجيع كالشافعي، فعليه تكون كلماته سبع عشرة كلمة، وأما الإقامة فكلماته عندنا كالأذان بزيادة قد قامت الصلاة مرتين، وعند الشافعي إحدى عشرة كلمة من أقوال خمسة، وعند مالك عشرة كلمات لأنه يثني التكبير الأول والآخر كالشافعي، ويخالفه في تكرار لفظ الإقامة، وذهب أبو حنيفة إلى أنها سبع عشرة كلمة فيثنيها كلها
•
قوله: فإذا خرج الوقت. الخ .. خلافا لمالك فإنها تسن للقضاء عنده؛
ووافقنا في الأذان وخالفنا الشافعي في القديم ووافقنا في الجديد، وأما الإقامة فلابد منها عنده، وأما أبو حنيفة فقال: يؤذن للفائتة ويقيم وكذا أول الفائتة
-408 -
•
وخير فيه للباقي (1/415)
صفحة 416
حتى خرج وقتها انه يقيم لها ويصليها حين ذكرها او انتبـ من نوم وتعلقوا بما روي انه قال عليه السلام: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها فذلك وقتها (1) ولذلك أوجبوا عليه الإقامة عند الذكر أو اليقظة من النوم لقوله: (فذلك وقتها) وعند هؤلاء انه إن صلى في الوقت بثوب نجس أو غير متوضيء ثم علم بفساد صلاته بعد الوقت ان ليس عليه إقامة لأن الإقامة للوقت، وإن علم بفساد صلاته
بما ذكرناه في الوقت فعليه الإقامة عند الجميع لأنه كمن لم يصل البتة
،
وبهذا المعنى تمسك الآخرون وقالوا: لا أذان ولا إقامة إلا في الوقت والله أعلم. وأما إن أقام ودخل صلاته كما يجوز ثم انتقضت صلاته بعد ذلك فإنه يعيد صلاته ولا يعيد الإقامة، لأن الإقامة صحيحة لا يضرها ما حدث في الصلاة لإجماع الجميع أن من تكلم بعد الإقامة قبل تكبيرة الإحرام أنه لا يضر ذلك إقامته، ولا يقيم إلا على موضع طاهر ببدن
فائدة: الأذان والإقامة عندنا حق للوقت، وفي الأذان عند الشافعية ثلاثة أو قال: قيل حق للوقت، وقيل للفريضة، وقيل للجماعة
فائدة: قال الشيخ إسماعيل
رحمه الله: ويستحب الجزم في الإقامة، وهو قول
ابن الأعرابي المالكي.
(1) تقدم ذكره.
-2.9 - (1/416)
صفحة 417
طاهر بثوب طاهر، وحكمها في الطهارة حكم الصلاة، ويبنى فيها بما يبنى في الصلاة، مثل إن أحدث بقيء أو رعاف، وأما إن أحدث بول أو غائط أو تجنن في إقامته فإنه لا يبنى كما لا يبنى في الصلاة بهذه الأشياء والله أعلم. ويصيب فيها ما يصيب في الصلاة من تنجية الأنفس والأموال والغلط وما أشبه ذلك، وبالجملة إن جميع ما ينقض الأذان ينقض الاقامة، مثل إن أقام مستدبراً للقبلة أو أكل أو شرب أو تكلم في إقامته أو أسر بالاقامة أو أقام مضطجعاً أو أقام قاعداً حتى أتمها، ولم يقم حين بلغ: حي على الصلاة والله أعلم. وإن أقامها في موضع آخر فإنه إن كان لم يسمع من مكانه من كان في المكان الذي انتقل منه فإنه يعيد إقامته كالأذان، وقد تقدم ذلك، وإن أقام في موضع لا يصلى عليه مثل المعادن أو الماء فإنه لا يعيدها لأنها ليس من شرطها أن يصلى في موضع الإقامه والله أعلم. وليس على من اضطجع بعذر إقامة، وأما الذي يصلي قاعداً أو بالتومي فإنه
قوله: ويصيب فيها ما يصيب في الصلاة. الخ .. ونص الديوان: وإن أخذ في إقامته ثم رأى مايخاف فساده ويبني على إقامته إلا إن سار من ذلك الموضع إلى مكان لم يسمع لمن كان في الموضع الذي يصلح فيه ذلك فإنه إن لم يرجع حينئذ إلى مكانه الأول أعاد إقامته. والله أعلم.
فائدة: إذا أقام الرجل الصلاة فليحرك وجهه إلى ناحية اليمين إذا بلغ في على الصلاة، وكذلك إذا بلغ حي على الفلاح فليحرف وجهه إلى ناحية جه إلى نا- الشمال انتهى (ديوان)، خلافاً لأبي إسحاق رحمه الله.
إقامة
حي
- {1 - (1/417)
صفحة 418
يقيم، والفرق عندي بينهما وبين المضطجع أن الناس إذا رجعوا إلى الاضطجاع لا يجوز لهم أن يصلُّوا بالجماعة، وإقامة الطفل لا تجزئ وذلك لأن عندهم الاقامة أكد من الأذان، وكذلك إقامة المجنون والمشرك لا تجزئ، وإذا أقام الرجل الصلاة لنفسه ثم أتى ناس يريدون أن يصلوا تلك الصلاة فإن إقامته تجزيهم كما كانت إقامة الجماعة تجزئ من دخل عليهم في الصلاة أو قبل الصلاة بالإجماع، لأن معني الاقامة الدعاء إلى الصلاة، وتجزيهم إقامته ولو لم يصل معهم، لأنه ليس من شرط صحة الإقامة أن يصلي معهم، وكذلك إن جاء رجل إلى رجل يريد أن يصلي معه فقال له: قد أقيمت الصلاة قبلك فإنه يصدقه في ذلك ويصلي و تجزيه إقامته ولو لم يحضرها، كما تجزيه إقامة الجماعة ولو لم يحضر لها، وإذا أقام الرجل الصلاة لنفسه أو للجماعة ثم قعد بعد ذلك، أو قعد القوم مقدار ما يصلون فيه صلاتهم تلك، فإنهم يعيدون الإقامة، وقال بعضهم لا يعيدونها، وسبب اختلافهم عندي هل من شرط الإقامة أن تكون مقرونة بالصلاة أم لا؟ وإذا أقام الرجل الصلاة ولم ينو بها شيئاً فقد أجزته، وإن عنى بإقامته صلاة قد صلاها فإنه يعيد الاقامة، وكذلك إن أقام لصلاة الأولى على أنه لم يصلها فإذا هو قد صلاها بعد فإنه يعيد إقامة العصر، وهذا عندي لأنه لا يجوز له أن يعيد تلك الصلاة في ذلك الوقت، والله اعلم.
- {11 - (1/418)
صفحة 419
باب في الثياب في الصلاة
واللباس في الصلاة شرط من شروط صحة الصلاة، وأقل ما يجزي من ذلك ثوب طاهر ساتر عورة المصلي وظهره وصدره والدليل انه يجزي الثوب الواحد ما روي من طريق أبي هريرة قال: (سئل النبي عليه السلام عن الصلاة في ثوب واحد، فقال: او كلكم يجد ثوبين))) وما روي ايضاً عن جابر قال: كان النبي عليه السلام يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة واضعاً طرفيه على عاتقيه) (2) فيا بلغنا والله اعلم، وما
باب في الثياب في الصلاة
قوله: وأقل ما يجزي من ذلك ثوب. الخ .. وما ذكره من الشرطية محله عند القدرة، فإن عجز وجب عليه أن يصلي عرياناً كما يأتي إن شاء الله، وعند
مالك شرط عند الذكر والقدرة.
قوله: ساتر عورة المصلي. الخ .. هذا على أحد القولين، وقيل: الواجب
ستر العورة فقط، حكاه في القواعد
•
(1) رواه الجماعة إلا الترمذي.
(2) رواه الجماعة من طريق عمر بن أبي سلمة.
-? ir- (1/419)
صفحة 420
روي أنه قال عليه السلام: يجزي الثوب الواحد إلا إن لم يجد غيره) (1) والقول الأول عندي أصح لحديث أبي هريرة المتقدم وهو أولى من دليل الخطاب، والدليل على ستر العورة ما روي من طريق ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي عل الله قال: (ملعون من نظر إلى عورة أخيه ـ أو قال (فرج أخيه - ملعون من أبدى عورته للناس) (2) والعورة من السرة إلى الركبة، وأما الدليل على ستر الظهر والصدر في الصلاة فما روي عن جابر بن عبد الله قال: (صحبت النبي عليه السلام في بعض أسفاره وكانت علي بردة صغيرة فاجتهدت أن أخالف بين طرفيها ولم تصل عاتقي، فقال: (إذا كان واسعاً فخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقاً فاشدده على حقويك) (3) وما روي عن أبي بن كعب قال: (لا يصل أحدكم بالثوب
قوله: والعورة من السرة إلى الركبة، العورة خلل في الشعر وغيره وما يتوقع
منه ضرر، وعور المكان صار ذا عورة، ومنه قوله تعالى: فإن بيوتنا عورة أي خالية يتوقع الفساد فيها، ولذلك سميت السوءتان عورة لأن كشفهما يوجب خللا في حرمة مكشوفهما، والمرأة عورة لأنها يتوقع من رؤيتها وسماع كلامها خلل في الدين والعرض وفي الشرع ما يجب ستره
(1) رواه احمد وأبو داود
(2) رواه النسائي وابن ماجه.
(3) متفق عليه واللفظ لأحمد (1/420)
صفحة 421
الواسع ليس على كتفيه منه شيء)) و الدليل على طهارة الثياب ماروي من طريق ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله (المذي والودي والمني ودم الحيضة ودم النفاس نجس لا يصلى بثوب وقع عليه شيء منها حتى يغسل ويزول أثره) (2) و ما روي (أنه أمر بغسل دم الحيضة من الثوب) (3) وقوله تبارك وتعالى: وثيابك فطهر) دليل على
a
فرض طهارة الثياب، وكذلك قوله عز وجل: «يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد (5) والزينة لا تكون مستقدرة والله أعلم، وبالله التوفيق.
قوله: المذي فيه ثلاث لغات إسكان الذال، وثانيها كسرها الياء، وثالثها كسرها مع تخفيف الياء
تشديد
قوله: والودي بإسكان الدال المهملة وتخفيف الياء، وقيل بتشديد الياء، وقيل بالمعجمة، وهما شاذان إنتهى (دميري).
قوله: خذوا زينتكم قال ابن عباس: هي السترة في الصلاة، وقد أفاد التقييد بالصلاة شرطية فيها إذ هو واجب في غيرها
(1) رواه أبو داود
(2) تقدم ذكره.
(3) تقدم ذكره.
(4) المدثر: 3. (5) الأعراف: 31.
- {\ {- (1/421)
صفحة 422
مسألة في أنواع الثياب التي تجوز في الصلاة:
(1)
و تجوز الصلاة بجميع الثياب المعمولة من صوف أو قطن أو كتان أو وبر أو شعر لقوله عز وجل: (ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين) وما روي من طريق ابن عباس أنه قال عليه السلام: (عليكم بهذه الثياب البيض، ألبسوها أحياءكم وكفنوا فيها موتاكم فإنها من خير ثيابكم (3) فقوله (من خير ثيابكم) دليل على الندب إليها، والدليل أيضاً ما روي عن عبادة بن الصامت قال: (خرج علينا رسول الله لها هو عليه الجبهة من صوف شامية ضيقة الكمين فصلى بها وليس عليه غيرها (3) وكذلك تجوز الصلاة بجميع المعمول من نبات الأرض إذا ستره، كما تجوز الصلاة عليه ولباس الرجل كله مثل الخف والقرق وغيره فلا بأس بالصلاة به، إلا النعلين ففيهما قولان، والدليل إتفاق الجميع على إباحة لباسه، ولم يبلغنا ما يمنع من ذلك في الصلاة، فنحن على الإباحة حتى يصح الدليل على خلافها، غير أن المسلمين كانوا يخلعون أخفافهم ونعالهم عند دخول المساجد وعند الصلاة، وذلك عندي
(1) النحل: 80
(2) أخرجه ابن حبان والحاكم والبيهقي من طريق ابن عباس.
(3) رواه الطبراني.
- {10 - (1/422)
صفحة 423
احتياط أن يكون نالها شيء من الأذى ولم يعرفوا به، وتعظيماً لحرمة
المسجد وحرمة الصلاة، ويؤيد هذا قوله تعالى لموسى عليه السلام:
(1)
د فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى، والله أعلم
مسألة:
•
ولا تجوز الصلاة للرجل بالحرير والإبريسم لما روي أنه (أخذ قطعة من حرير وقطعة من ذهب فقال: هذان محرمان على رجال أمتي ومحللان لنساءها) (2) ولما روي أنه قال عليه السلام: (من لبسهما في الدنيا لم يلبسهما في الآخرة ((3) وأما حرير البحر وصوفه فلا بأس بالصلاة به، وذلك عندي أن النهي إنما ورد في حرير البر وهو الذي تسبق النفوس إليه عند الخطاب، إذ لا بد للخطاب من ظاهر تسبق النفوس إليه فيحتاج ما دونه إلى قرينة والله أعلم، وقال بعضهم: لا بأس بمقدار أوقية من الحرير في الثوب في الصلاة إذا لم يمس جسد المصلي، وقال آخرون: لا يجوز أكثر من أربعة دراهم، ولا أدري ما العلة في هذا
قوله: بالحرير احترز به عما إذا كان حاملا له في جيبه
(1) طه: 12
(2) رواه أحمد والترمذي والنسائي. (3) متفق عليه.
-217 - (1/423)
صفحة 424
،
التحديد، غير أنه ما روي عنه (أنه أجاز موضع الإصبعين من الحرير في الثوب في الصلاة) (1) ولعلهم أخذوه من هذا الحديث والله وكذلك الحديد والنحاس والرصاص والذهب لا تجوز به الصلاة عندهم إذا وصل جسد المصلى، والدليل ما روي عن أبي عبيدة رضي الله عنه قال: (بلغني عن رسول الله الا الله أنه نهى عن الصلاة بالأنك والشبه) (2) والأنك القصدير والشبه الصفر الأحمر، والحديد والرصاص في معناهما، وأما الذهب فما تقدم من نهي النبي عليه السلام الرجال عن لباسه، وأما النساء فلا بأس أن يصلين بالذهب والحرير لما قدمناه من حديث النبي عليه السلام، وأما الفضة فلا بأس بالصلاة بها على الرجال والنساء، فإن قال قائل: ما الفرق بينها وبين الحديد والرصاص؟ قيل له والله أعلم: الفرق بينهم عندي أن الفضة تجب فيها الزكاة كالذهب، مخالفة لسائر المعادن، والذهب والفضة من زينة النساء، ألا ترى وهي إلى حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (دخلت على رسول الله الله وفي يدى ثلاث فتحات من ورق) أو قالت: (من ذهب) (فقال رسول الله: ما هذا؟ قلت: أتزين لك بها يا رسول الله، فقال: أتؤدين
(1) متفق عليه.
(1) رواه أحمد.
- {14 -
ه م 27 - الإيضاح» (1/424)
صفحة 425
(1)
زكاتهن؟ قلت: لا، قال: حسبك من النار، إعلمى أن فيهن الزكاة) وكذلك الحرير من زينتهن، فورد النهي في الذهب والحرير وخصهما بالتحريم وبقي الباقي على إباحته، وإلا فلا فائدة بالتخصيص والتنصيص والله أعلم، وكذلك جميع الجلود لا تجوز الصلاة بها إلا عند عدم الثياب مدبوغة كانت او غير مدبوغة غير الفروة فإن الصلاة تجوز بها لأن الفرو شبيهة بالثياب التي تجوز بها الصلاة، وهي داخلة في عموم قوله تعالى:
(2)
يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد (2) و الجلود غير الفروة لم تكن من نبات الأرض فتجوز الصلاة بها كما تجوز بما أنبتت الأرض على ما قدمناه، ولم تكن من جنس الثياب المتفق عليها فتجوز الصلاة بها كما تجوز بالفروة، والدليل قوله تعالى: «وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها، (3) إلى قوله: (ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين، فذكر الجلود وخصها لما تصلح، وهي بخلاف الأصواف والأوبار والأشعار لأنها غير مستعملة للباس ولم تدخل في عموم قوله
الجلود
تعالى: «خذوا زينتكم» وقال آخرون: تجوز الصلاة بجميع المدبوغة، لعلهم راعوا في ذلك أن اللباس ما يستر العورة إلا ما قام الدليل على تحريمه والله أعلم، وكذلك لا يصلى بثوب فيه تصاوير الحديث
(1) متفق عليه (2) الأعراف: 31
(3) النحل: 80
- {1 A- (1/425)
صفحة 426
أبي سعيد الخدري قال: (إشترت عائشة نمرقة فيها تصاوير فلما رآها رسول الله ل و وقف بالباب ولم يدخل، فلما رأته عائشة عرفت في وجهه الكراهة، فقالت: يا رسول الله أتوب إلى الله ورسوله فإذا أذنبت؟ فقال: ما بال هذه النمرقة؟ قالت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتتوسدها، فقال: إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة
(1)
يعذبون، ويقال لهم أحيوا ما خلقتم) وقال: (إن البيت الذي فيه تصاوير لا تدخله الملائكة (" وقال بعضهم: إن صلى بالثوب الذي فيه التصاوير جازت صلاته، والدليل على هذا القول ما روي (أنه اشتكى أبو طلحة الأنصارى فدخل عليه ناس يعدونه فنزع نطعاً تحته فقيل له: لم نزعته يا أبا طلحة؟ فقال: لأن فيه تصاوير، وقد قال فيه رسول الله ما قد علمتم، فقال رجل من القوم: ألم يقل إلا ما كان رقماً في ثوب؟ فقال: بلى، ولكنه أطيب لنفسي وأحوط من الإثم) فعلى هذا الحديث إن صلى جازت الصلاة به والله أعلم، والقول الأول أصح لأنه أحوط من الإثم كما قال أبو طلحة، وكذلك لا يصلي بكل ثوب ينفذه البصر حتى يصل النظر إلى جسد المصلى ولو كان صفيقاً إذا استبانت منه عورة المصلي، وكذلك كل ما لا يستر عورة المصلي لا تجوز الصلاة به
(1) متفق عليه.
- {17 - (1/426)
صفحة 427
لنهي النبي الله عن ذلك والله أعلم، وكذلك ثياب أهل الذمة لا يصلى بها ولا بكل ثوب صنعه المشركون أو خيطوه حتى يغسل غسل النجاسة لقوله تعالى: «إنما المشركون نجس» (1)، وكذلك كل ثوب فيه شعر المشركين أو شعر الخنزير لا يصلى به لأنه منجوس، وكذلك شعر الأقلف البالغ، والقرد، والجنب، والحائض على هذا الحال، غير أن شعر الجنب والحائض إذا غسل جازت الصلاة به، فإن قال قائل: أليس قد روي أنه قال عليه السلام لعائشة: (ناولينى الخمرة، فقالت: إني حائض، فقال: ليست حيضتك بيدك) (2) والجنب أيضاً بدنه طاهر لحديث حذيفة حين امتنع من مصافحة النبي عليه السلام لأجل جنابة أصابته فقال له النبي عليه السلام: (المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً) (3) قيل له لما كان الجنب والحائض لا تجوز لهما الصلاة حتى يغتسلا باتفاق كان أيضاً الثوب الذي فيه شعر هما قبل أن يتطهر ألا تجوز الصلاة به قبل أن يغسل قياساً عليهما والله أعلم، وقال بعض: تجوز الصلاة بالثوب
قوله: وقال بعض تجوز الصلاة بالثوب. الخ .. ما حكاه عن بعض هو
المعتمد في الديوان بل لم يحك فيه خلافاً
(1) التوبة: 28.
(2) تقدم ذكره.
(3) تقدم ذكره. (1/427)
صفحة 428
الذي فيه شعر الحائض والنفساء والجنب على ما ذكرناه أولاً والله أعلم ولا يجوز للرجل أن يصلي بثوب المرأة إذا كان ذلك يشغله عن صلاته وإن صلى وكان ذلك لا يشغله فصلاته تامة لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: (صلى رسول الله الله وعليه طائفة من ثوبي وأنا حائض) (1) وكذلك المرأة على هذا الحال، والمرأة في اللباس مثل الرجل غير أن المرأة كلها عورة ما خلا الوجه والكفين لقوله تعالى: «ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، (2) فعند بعض أهل التفسير (ما ظهر منها (ما) جرت به العادة أن يظهر مثل الوجه والكفين وقد تقدم شرح هذا في كتابنا ولا معنى لإعادته، فعلى هذا القول لا تجوز صلاتها إذا خرج من بدنها شيء غير الوجه والكفين، ويعضد هذا الرأي ما روي (أنه عليه السلام لم يجز لمن بلغ المحيض من النساء أن تصلي بلا خمار) (3) وما روي
قوله: ولا يجوز للرجل أن يصلي بثوب المرأة. الخ .. أنظر هل إذا صلى كذلك تنعقد صلاته وتكون تامة؟ قلت صريح كلام ديوان الأشياخ أن صلاته كذلك صحيحة، ونصه: ولا يصلي بثوب المرأة إذا كان يشتغل قلبه من أجل ريحتها، وإن صلى كذلك فصلاته تامة
(1) رواه أبو داود والترمذي.
(2) النور:
031:
(3) رواه الخمسة إلا النسائي.
•
- {Y}- (1/428)
صفحة 429
(1)
عن أم سلمة زوج النبي عليه السلام قالت: تغطى المرأة ظهر قدميها) وقال بعضهم: تصلي المرأة بما تقعد به قدام النساء ولم تستح أو مع ذي محرم منها عند بعض، ولعلهم أخذوا هذا من قوله تعالى: «ولا
«
يبدين زينتهن إلا بعولتهن أو آبائهن) (2) الآية، عن ابن عباس قال: موضع القرطين والقلادة والسوارين والحجالين هي موضع الزينة الباطنة فعلى هذا إن صلت في بيتها ورأسها مكشوف فلا بأس بصلاتها، فهذا عند العلماء في الحرائر، وأما الإماء فلا، لما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى أمة عليها قناع فعلاها بالدرة فقال: إكشفي رأسك لا تتشبهي بالحرائر. ولا تجوز صلاة المرأة عند بعضهم حتى تجعل في عنقها شيئاً وإن لم تجد إلا الخيط فلتجعله، وكذلك أذناها، وهذا عندي
منهم لئلا تتشبه بالرجال والله اعلم.
مسألة في صفة اللباس الذي يجوز في الصلاة والذي لا يجوز من ذلك
:
ويستحب للرجل ان يتوشح بطرف ثوبه إذا اراد ان يصلي، والتوشيح من الإبط إلى الركبتين، وإن وشح من سرته إلى ركبتيه
قوله: والتوشيح في بعض كتب قومنا هو أي التوشيح أن يخرج طرفه
(1) رواه أبو داود وأخرجه الحاكم. (2) تقدم ذكره.
- 422 - (1/429)
صفحة 430
اجزأه لأن المراد بالتوشيح ما يوقي يديه لئلا تقع على عورته، وإن صلى بغير توشيح ولم تمس يده عورته فصلاته تامة، وكذلك إن لبس قميصاً أو جبة أو سراويل فليس عليه توشيح، وكذلك إن لف يديه إلى المرافق فليس عليه توشيح لما ذكرناه والله اعلم، أو اشتمال الصماء منهي عنه في الصلاة، وهو ما روي عن جابر بن عبد الله قال: (نهى رسول الله ان يأكل الرجل بشماله او يمشي في نعل واحد أو يشتمل الصماء أو يحتي في ثوب واحد) (1) و اشتمال الصماء هو أن يلبس الرجل ثوبه في
الأيسر من تحت إبطه الأيسر فيلقيه على منكبه الأيمن وليس بمراد هنا
قوله: الصماء. الخ .. الصماء هي الشملة المسماة بها وعرفها بعضهم بقوله: هي أن يشتمل بثوب يلقيه على منكبيه مخرجاً يده اليسرى من تحته، وفي الصحاح والقاموس: أن يرد الكساء من قبل يمينه على يده اليسرى وعاتقه الأيسر، ثم يرده ثانية من. خلفه على يده اليمنى وعاتقه الأيمن فيغطيها جميعاً، أو الاشتمال بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه يضعه على منكبه فيبدو منه فرجه انتهى. زاد في الصحاح ونسب أبو عبيدة الثاني للفقهاء.
فائدة: مقتضى كلام الشيخ إسماعيل رحمه الله أن النهي في هذه الهيئات كلها للكراهية وعبارته وذلك كله سد ذريعة لئلا تنكشف عورته، ولم أعلم أحداً أبطل صلاة من صلى ببعض هذه الهيئات ان لم تنكشف عورته والله أعلم انتهى. قلت أنظر كلامه مع كلام الديوان حيث قال: واللباس كله لا يفسد الصلاة
إلا لباس السدل. الخ ..
(1) رواه احمد
- 423 - (1/430)
صفحة 431
الصلاة ويشده على يديه وبدنه ولا يرفع منه جانباً، ويصير متجللاً له حتى
،.
لا يسهل عليه أن يصل بأعضائه كلها إلى الأرض، وقد ذكر عن الربيع
ابن حبيب رحمه الله قال: الصماء أن يرمي بطرف إزاره على عاتقه الأيسر ويبقى مكشوفاً، عورته، والاحتباء أن يرمي بطرف ثوبه على عاتقه الأيمن والآخر على هاتفه الأيسر وتبقى عورته مكشوفة إلى السماء، فعلى هذا لا يعيد الصلاة ما لم تنكشف عورته إذا كان يصل بأعضائه كلها إلى الأرض والله أعلم، وكذلك لباس السَّدل منهي عنه في الصلاة وهو أن يسدل الرجل ثوبه ويجوز به على رأسه وعلى المناكب إلى أسفل ويفرق بين أطرافه، أو يجوز به على المناكب إلى أسفل ويكون السدل من خلف ومن قدام ومن الجوانب جميعاً ما دامت أطرافه مفترقة ولم تتلاحق، وإن اجتمعت أطرافه فيما رد الركبتان إلى فوق فلا بأس به، وقال بعضهم: إذا اجتمعت أطرافه فيها دون الأرض فلا بأس بصلاته، ومنهم من يرخص ولو لم يجمع بين أطراف كسائه إلا في الأرض والله أعلم، وكذلك من يصلي قاعداً على هذا المعنى والله أعلم، وما لم يأخذ المنكبين فلا يكون لباس السدل مثل إن لبس قميصاً وجعل ثوباً آخر على عنقه ولم يأخذ منكبيه إلى أسفل، وكذلك ما رد منكباه إلى أسفل لا يكون ذلك لباس السدل ويكون السدل بجميع الثياب والله أعلم، وقال
- 424 - (1/431)
صفحة 432
آخرون السدل المنهي عنه في الصلاة هو أن يسدل بثوبه وتبقى عورته مكشوفة، وما لم تنكشف عورته فلا بأس بصلاته، وهذه المناهي إنما هي سد ذريعة لئلا تنكشف عورته والله أعلم، وكذلك من يجر ازاره خيلاء في الصلاة فلا تجوز صلاته لحديث ابن عباس رضي الله عنه (أن النبي رأى رجلين يصليان أحدهما ينقر الأرض في سجوده، والآخر مرخي إزاره، فقال النبي: أحدهما لا ينظر الله اليه والآخر لا يغفر الله له) (1) وقيل ان الآخر هو صاحب الإزار ولا تجوز الصلاة بهذا لما فيه من الوعيد والله أعلم، وجائز الصلاة بلباس الرأس كله مثل العمامة والكرزية والشاشيه إلا شاشية فيها ثقبات اذا كان ثقبها مقابلاً وسط الرأس، ولا يصلي اذا شد رأسه بالعمامة والكرزية وما أشبه ذلك الا ملتحياً مغطياً وسط رأسه بهؤلاء، ولا يرخي تلحيه الى أسفل من
قوله: إلا شاشتية في ثقبات. الخ .. فرع إن حلق وسط رأسه ولم يخرج إلى أسفل وصلى على ذلك احمال فإن فيه قولين كذا في الديوان، وانظر هل ذلك مقيد بما إذا كان عريان الرأس أو مطلقاً، وظاهره الإطلاق، والذي يؤخذ من كلام المصنف في الشاشية أن محل ذلك إذا كان عريان الرأس تأمل.
قوله: ولا يرخى تلحيه إلى أسفل. الخ .. فإن فعل وأرخاه فهو كمن لم
(1) متفق عليه
- 425 - (1/432)
صفحة 433
عظم القلب ولا يشمره فوق عظم القلب، وان جعل تلحيه تحت ذقنه فلا يفعل ذلك فإن فعل فقد أجزأه، وان صلى بغير تلح فلا اعادة عليه، وقال بعضهم: عليه الإعادة، وكذلك إن لم يغط وسط رأسه بالعمامة فإنه يعيد صلاته عند بعضهم، وقال آخرون: لا إعادة عليه، وكذلك إن لبس شاشية وجعل عليها عمامة فخرجت الشاشية من العمامة، أو لبس الكرزية والعمامة فخرجت الكرزية من العمامة مما يقابل وسط الرأس على هذا الحال، ولا أدري ما حجتهم في هذا غير أني قد رأيت في بعض كتب التفسير: ذكر عن مكحول عشر خصال في هذه الأمة من أخلاق قوم لوط: مضغ العلك، وحل إلا زار، وتطريف الأصابع بالحناء وتنقض الأصابع، والتشابك، والعمامة التي يشد بها جوانب الرأس، والحذف، والتصفير، واللوطية، والرمي بالجلاهق، وأظن أنهم لذلك أوجبوا تغطية وسط رأسه والتلحي لئلا يتشبه بقوم لوط، والتشبه بالمشركين منهي عنه والله أعلم، وإن شد رأسه بالعمامة من أجل المرض
يتلح، كذا في الديوان فيجري فيه الخلاف فيمن صلى بغير تلح، وانظر لما ترك هذا الشق المفهوم والله أعلم.
قوله: وقال بعضهم: عليه الإعادة يؤيده ما رواه بعض المخالفين من (أنه نهى عن الإقتماط).
- 426 - (1/433)
صفحة 434
فليس عليه تلح ولا تغطية وسط رأسه، لأنه إنما شده المرض، وكذلك المرأة ليس عليها تلح، وأما إن خرج وسط رأسها من الوقاية أو من المربع أو المربع من الوقاية فصلت على هذا الحال، فإن في صلاتها قولين كالرجل في العمامة والله أعلم، وإن تعمم وتلثم فإنه يعيد صلاته عند بعضهم إلا إذا كان ذلك بعذر والله أعلم، وقد رأيت في بعض الكتب (أن النبي عليه السلام نهى عن تغطية اللحية في الصلاة) (1)
مسألة:
:
وإن لم يجد إلا ثوباً منجوساً فإنه يصلي به ولا يترك الفرض الواجب عليه، لقوله تعالى: (أقيموا الصلاة، ولا يسقط هذا الأمر إلا دليل قاطع يجب المصير إليه وذلك لأن الصلاة مأمور بها، والثوب الطاهر مأمور به، وكان عجزه عن أحد الفرضين لا يسقط عند الفرض الآخر، وكذلك إن لم يجد إلا الحرير أو الحديد أو الرصاص فإنه يصلي بهؤلاء المعاني على الإضطرار، وقال بعضهم: إن صلى بالثوب المنجوس على الإضطرار
قوله: وإن تعمم وتلثم فإنه يعيد. الخ ... وقد رأيته في بعض الكتب (ان النبي ما نهى عن تغطية اللحية في الصلاة (والله أعلم. قوله. فإنه يصلي به ولا يترك الفرض. الخ .. فيه رد لأحد قولي الشافعية
(1) رواه ابو داود بلفظ) أن يغطي الرجل فاه) وابن ماجه (النهي عن تغطية الفم).
- 427 - (1/434)
صفحة 435
أعاد صلاته اذا وجد الثوب الطاهر، وهذا يوجب أن خروج الوقت مع العجز عما لا تتم الصلاة الا به مثل الثوب الطاهر أو الماء أو التراب اذا عدمهما لا يسقط عنه فرض الصلاة، كالناسي والنائم خروج الوقت مع العجز لا يسقط عنه فرض الصلاة، والصحيح عندي أن من صلى بالثوب المنجوس عند عدم الثوب الطاهر لا تلزمه الإعادة في الوقت ولا بعد الوقت، لأن العادم للثوب الطاهر لا يخلو أن يكون مأموراً بالصلاة او غير مأمور بها، فإن كان مأموراً بها وصلى في الوقت كما أمر فلا اعادة عليه الا بأمر ثان، وان كان غير مأمور بها فأحرى أن لا تلزمه الإعادة أيضاً، كما لا تلزم الإعادة المرأة الحائض بعد خروج الوقت لأنها غير مأمورة بها في زمان الحيض والله أعلم، والثياب المنجوسة للصلاة أولى من الحديد والنحاس والرصاص والذهب والحرير اذا لم يجد الا هؤلاء المعاني، وذلك لأن الحرير والذهب والحديد والنحاس نهي عن الصلاة بها لأعيانها، والثوب المنجوس نهي عن الصلاة به لمعنى غيره، فما نهى عنه لعينه أشد مما نهى
ولتخيير أبي حنيفة.
قوله: فأحرى ان لا تلزمه. الخ .. قد يقال هذا قياس مع وجود الفارق إذ السبب مختلف لندرة الأول دون الثاني فلم تكلف بالإعادة للمشقة بخلاف الأول
والله أعلم.
- ETA- (1/435)
صفحة 436
عنه لغيره إذ لغير يمكن زواله والله أعلم، وكذلك الحرير أولى من النحاس والحديد والرصاص لأن الحرير ورد عنه النهي مطلقاً عموماً لم يخص صلاة من غيرها، والنحاس والقصدير ورد النهي عنه مخصوصاً في الصلاة، والمخصوص أشد من المحتمل غير أن الشرع ورد بتصريح التحريم في الذهب والحرير لقوله عليه السلام وقد أخذ خرقة من حرير وقطعة من ذهب فقال: هذان محرمان على رجال أمتي ومحللان لنسائها)) وورد في النحاس والأنك بصيغة النهي، وصيغة النهي محتملة وهذا المعنى يؤيد قول من قال الرصاص والنحاس والحديد أولى من الحرير في الصلاة، وثوب الريبة في الصلاة أولى من هذه الأشياء إلا على قول من يجعل الريبة مثل الحرام فيكون هؤلاء أولى من ثوب الريبة والله أعلم، وثياب
قوله: أولى من الحرير. الخ .. وهذا خلاف ما اختاره الشيخ إسماعيل رحمه الله ونص عبارته: وان لم يجد إلا الثوب المنجوس فالحرير أولى به، ثم إن وجد غيره في الوقت أعاد، والذي قاله الشيخ إسماعيل رحمه الله متجه إذ الحرير من قال يجواز الصلاة فيه ولبسه ابتداءً والله أعلم. وقد يقال ما قاله المؤلف رحمه الله أولى لأن الحرير منهي عنه لذاته بخلاف الثوب المنجوس ومانهي عنه لذاته أشد
معنا
قلت: كتبته قبل انتقال نظري إلى كلام المؤلف رحمه الله.
(1) تقدم ذكره.
- {79 - (1/436)
صفحة 437
المشركين إذا لم يتبين أنها منجوسة أولى من الثوب المنجوس الذي عاين فيه النجس لأن ما لم يتيقن بنجاسته أولى مما تيقن، وكذلك الثوب الذي أخبره الأمناء بنجاسته أولى من الثوب الذي عاين فيه النجس لأن المعاينة تفيد العلم اليقيني ولا تفيده الشهادة، وقال بعضهم: الثوب المنجوس أولى من ثياب المشركين، وهذا القول عندي أحسن لأن ثياب المشركين لا تكاد النفوس تطمئن إليها فهي أولى بالترك لقوله عليه السلام: (ما حاك في الصدر فدعه و الله أعلم، وإن لم يجد ما يصلى به إلا ثوباً منجوساً بالنطفة وثوباً منجوساً بالقيء وثوباً منجوساً بالدم وثوباً منجوساً بالخمر وثوباً منجوساً بالغائط فالثوب المنجوس بالنطفة أولى من الثوب المنجوس بغيرها من هذه الأنجاس، لأن النطفة ليست من أعيان الأنجاس عند بعضهم فهي منجوسة والمنجوس أولى من النجس، وقال آخرون: القيء أولى من النطفة وذلك لأن القيء عند بعض الناس طاهر، والمختلف فيه
(1)
قوله: وقال آخرون القيء أولى. الخ .. لكن يبقى النظر فيما إذا تنجس بنطفة طاهرة عند هذا القائل، وذلك بأن تخرج النطفة أولاً وثانيا وثالثاً من غير تخلل بول كما تقر عند الشافعية، قلت كنت كذا أحفظ والذي قالته الشافعية: إن النطفة طاهرة ومحل جربها غير محل جري البول فعلى هذا هي طاهرة في أول مرة من خروجها
قوله: عند بعض الناس طاهر وينبغي أن يقيد بما إذا لم يتغير فإنه إذا تغير
(1) رواه الدارقطني والبيهقي.
{T. - (1/437)
صفحة 438
اولى من المتفق عليه،، تم بعد الفيء ء النطقه،، ثم بعد النطقه الدم، وهو أولى من الخمر والغائط لأن الشرع قد رخص في قليله وهو أهون من الخمر والغائط، ثم من بعد الدم الخمر والخمر أولى من الغائط لأن العلماء اختلفوا في علة تحريم الخمر ولم يختلفوا في الغائط، وأظن أن البول أقذر من الغائط والله أعلم، وكذلك النجس الذي فيه اختلاف العلماء أهون من النجس المتفق عليه، وكذلك الثوب الذي نجس منه الأقل أهون من الثوب الذي نجس منه الأكثر، وكذلك الثوب الذي لم يتعمده بالنجس أهون من الثوب الذي تعمده بالنجس، وعند بعض العلماء أنه يجوز له أن يصلى بما شاء من هذه الثياب ولم يفرز نجساً من نجس، وذلك عندي لأن هذه الأنجاس كلها تمنع صحة الصلاة فهي متساويه في جهة الصلاة التساويها في المنع والله أعلم، وإنما يجوز له أن يصلي بهذه الثياب إذا لم يجد ثوباً طاهراً يصلي به مثل أن يكون في السفر أو في موضع لا يجد فيه ثوياً طاهراً، هذا كله بشرط أن يكون غير مضيع مثل أن يخرج من منزله بثوب طاهر ثم ينجس له في موضع لا يقدر فيه على غسله قبل
بأن أشبه وصف العذرة يكون نجساً أو لم يشبه على المشهور خلافا للقيء قوله: من الخمر قد يقال الخمر أولى لأن من الناس من يقول بطهارته مطلقاً بخلاف الدم والله أعلم.
- {ri- (1/438)
صفحة 439
خروج وقت الصلاة، ولا يقدر على ثوب طاهر غيره، أو مريضاً يدخل فراشه وهو طاهر بثوب طاهر والموضع الذي فيه الفراش طاهر؛ ثم حدث في فراشه وثيابه ومكانه نجس، وثقل عليه المرض حتى لا يستطيع أن ينتقل عن فراشه أو عن موضعه أو لا يستطيع أن يتحول من ثيابه فإنه يصلي على هذا الحال، وليس عليه إعادة والله أعلم، وإن لم يجد ما يستتر به فإنه يستر نفسه بما أمكنه من نبات الأرض، وإن لم يجد فليستر نفسه قاعداً بما أمكنه من حجارة أو غيرها، أو يحفر حفرة لنفسه حتى يوارى عورته ثم يصلى، وإن لم يجد إلا الماء فليستر نفسه قاعداً إلا إن لم يمكنه القعود في الماء فليصل قائماً، والتراب والحجارة أولى من الماء والله أعلم، و، وإنما يصلي قاعداً إذا لم يجد ما يستر به نفسه قائماً لأن سترة العورة عندهم آكد وأوجب من الصلاة قائماً بالركوع والسجود، ولذلك يصلي قاعداً لأن صلاته قاعداً أستر له والله أعلم. وكذلك من كانت به علة في جسده مثل الدم يسيل أو البول يقطر منه، وكان مما لا يرده اللف فإنه يصلي قائماً بالركوع والسجود إذا كان يحفظ ثيابه من النجس، وإن كان لا يحفظ ثيابه من النجس إلا إذا صلى قاعداً فليصل قاعداً لأن الطهارة عندهم أوجب من الصلاة قائماً بالركوع والسجود، وليس للثياب الطاهرة وستر العورة بدل والله أعلم، وهذا من باب الفرائض التي تدخل على
الفرائض كالتنجية في الصلاة وإصلاح الفساد والله أعلم.
- 432 - (1/439)
صفحة 440
باب في الاماكن والصلاة فيها
ولا تجوز الصلاة إلا على الأرض بالسنة وهو ماروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن التي ع قال: (جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طوراً)) وكذلك تجوز الصلاة على ما أنبتت الأرض قياساً عليها وكان حكمه كحكمها، والأصل أن الصلاة تجوز في جميع الاماكن لعموم قوله عليه السلام: (حيثما أدركتك الصلاة فصل) (2) إلا ما قام الدليل على إخراجه من هذا العموم، وقد خص الشرع مواضع وأخرجها من هذا العموم وهو ما روي من طريق ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي الله
(2)
باب في الأماكن والصلاة فيها
قوله: وهو ما روي من طريق ابن عباس. الخ .. وروى الطبراني من قومنا في الكبير عن ابن عباس رضي الله عنهما (لا تصلوا إلى قبر ولا على قبر) (3).
(1) متفق عليه
(2) متفق عليه من حديث جابر.
(3) رواه الطبراني في الكبير (متفق عليه).
- Err-
هم 28 - الإيضاح (1/440)
صفحة 441
قال: (لا صلاة في المقبرة ولا في المجزرة ولا في معاطن الإبل وقارعة الطريق)) وكذلك ورد (النهي عن الصلاة في المزبلة والحمام والكنائس وموضع نجس وفراش نجس ووسادة ومسواك وظهر الكعبة) والله أعلم. فالمفهوم من النهي عن الصلاة في المجزرة والمزبلة ومعاطن الإبل و الحمام والكنائس من أجل نجاستها فإذا زال عنها النجس وحكم بطهارتها
قوله: المجزرة بكسر الميم موضع الجزر وهو الذبح والنحر وتفتح زاؤها وتكسر، والمقبرة مثلث الميم.
رحمه الله
قوله: معاطن الإبل جمع معطين بكسر الطاء وهو مباركها عند الماء لتشرب عليلا وهو الشرب الأول، عطنت الإبل بفتح الطاء تعطن بضمها وكسرها عطوناً إذا روت ثم بركت، فرعان الأول في الشيخ إسماعيل تعالى: فلو صلى على حصير أو نحوه مما ينتقل وطرفه متصل بنجاسة ففي انزالها منزلة المتصلة بها قولان، والإختيار في جوابات أبي سهل الألوتي. رحمه الله أن لا تفسد الصلاة به. الثاني قال في الديوان: وأما إذا كان يصلي بثوبه وطرفه يمس النجس وهو يابس لا بأس بصلاته، وأما إذا كان قذر على طرف ثوبه فإنه
يعيد صلاته
•
قوله: وقارعة الطريق في الصحاح قارعة الطريق أعلاه انتهى
قوله: المزبلة بفتح الموحدة وضمها موضع طرح الزبل.
(1) رواه عبد بن حميد في مسنده، وابن ماجه والترمذي من طريق زيد بن جبيرة.
- {TE - (1/441)
صفحة 442
جازت الصلاة عليها، وأما قارعة الطريق فإن بعضهم قال: إنما هو طريق الجرارات نهى عن الصلاة فيه لئلا تؤذيه، فإن صلى جازت صلاته لأن النهي إنما هو تحذير لما يؤذيه، وكذلك بطن الوادي عندهم مكروهة الصلاة فيه إذا كان يجلب الماء من موضع بعيد لئلا يأتيه الوادي وهو في الصلاة فإن صلى جازت صلاته والله أعلم. وقال بعض: إنما هو طريق الدواب الذي تجوز فيه، نهي عن الصلاة فيه من أجل النجاسات والله أعلم، وأما ظهر الكعبة إنما نهي عن الصلاة عليه من أجل أنه لا قبلة له كما روي أن جابر بن زيد رحمه الله رأى رجلاً يصلي على ظهر الكعبة فقال: من المصلي لا قبلة له؟ والله أعلم. وأما المقبرة فإنما نهي عن فيها الحرمة الموتى لقوله عليه السلام: (حرمة موتانا كحرمة أحيانا))
•
الصلاة
قوله: إنما هو طريق الجرارات هو معتمد الديوان قوله: وأما ظهر الكعبة، وقد وافق أصحابنا مالك لكن خص ذلك بالفرض وعبارة خليل وبطل فرض على ظهرها.
فرع: في الديوان وجائز الصلاة على السقوف كلها إلا ما كان منها منجوساً أو كان النجس في أساس الحائط الذي عليه ذلك السقف، أو في وسطه، وسواء كان منجوساً من أسفله أو من أعلاه أو من طرفه فإن صلى عليه كذلك أعاد،
(1) رواه الخمسة إلا النسائي.
- 435 - (1/442)
صفحة 443
فلا يصلى على المقبرة ولو قلعت من أصلها أو استأصلها السيل لأنها مقبرة لا يزال عنها إسم المقبرة لقوله عز وجل: «وإذا القبور بعثرت علمت نفس ما قدمت وأخرت (1) فسماها يوم القيامة قبوراً مع أنها درست ودرس ما فيها والله أعلم. وما دفن على الحجر والتعدية فليس له حرمة إذا زالت قبورهم حتى لا يبقى منه شيء جازت الصلاة على ذلك المكان، وكذلك كل من لا يلزمهم حقوقه مثل المشركين والبغاة والأقلف البالغ على هذا الحال، وكذلك أبعاض الإنسان شبه الجلود والعظام واللحوم وأسقاط النساء شبه العلقة والمضغة وتام الخلقة، ما لم تكن فيه حياة على هذا الحال والله أعلم. وأما الموضع المنجوس فلا تجوز الصلاة عليه سواء كان النجس ظاهراً أو باطناً إذا كان متصلاً به ويمسه المصلي أو يمس ما اتصل به، مثل أن يكون تحته أو فوقه سواء بعد أو قرب لأنه مكان منجوس، ومثال ذلك أن يصلي على موضع دفن فيه النجس وبينه قامات، وقال بعض: إذا كان بينه وبين النجس ثلاثة أذرع فلا بأس بصلاته، وذلك عندي مثل النجس إذا كان قدامه والله أعلم. والأرض المغصوبة لا تجوز الصلاة عليها لمن غصبها عند بعضهم، وعند الآخرين جائزة الصلاة عليها، وسبب اختلافهم هل النهي يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟
(1) الانفطار::.
- 436 - (1/443)
صفحة 444
وأما غير من غصبها من الناس فلا بأس عليه بالصلاة فيها لعموم قوله عليه السلام: (حيثما أدركتك الصلاة فصل)) وكذلك الاستظلال بفيء الدار المغصوبة والاستنفاع بما كان الناس فيه، سواء على هذا الحال، وإنما حرم على غاصبه فقط والله أعلم. ويحتاج فيه من البيوت إلى الإذن فإنه بمنزلة المغصوب، وكل بيت دخل باذن جازت الصلاة فيه بغير إذن، والثياب المغصوبة حكمها كحكم الدار المغصوبة والله أعلم. ويصلى على الأشجار كلها والأسرة وجميع نبات الأرض إذا كان ثابتاً تمكن الصلاة عليه قياساً على الأرض، إلا ما يكره من الصلاة على الطعام لحرمته، فإن فعل فلا بأس عليه والله أعلم. وإذا أراد أن يصلي على القمح أو
وقيل يصلى ما لم يصل على النجس أو يقابل المكان المنجوس من الحائط. انتهى. بالمعنى.
قوله: ويصلي على الاشجار. الخ .. ظاهره المساواة ونص عبارة الديوان بعد أن ذكر جواز الصلاة على الأسرة والصلاة على الاشجار والجذوع لا تستحب الله أراد بيان الجواز المقابل للمنع حرره.
فالمصنف.
رحمه
قوله: والأسرة قال في الديوان وأما إذا كانت غير ثابتة فلا يصلى وان صلى عليها جازت صلاته وكذلك الصخرة التي ليست بثابتة لا يصلى عليها إلا على
الاضطرار.
(1) تقدم ذكره.
- {PY - (1/444)
صفحة 445
الشعير وجميع الحبوب فليضع عليها ثوبا أو حصيرا فليصل عليها، ولا تجوز الصلاة على المعادن التي لا تنبت مثل معدن الحديد والنحاس والرصاص والشب والمغرة والملح والزرنيخ والنورة وأشباه ذلك إذا لم يباشره فلا بأس بالصلاة عليه، مثل أن يبسط عليه حصيراً فصلى عليه والله أعلم. . وكذلك السبخة التي لا تنبت والطين والثرى والآجر والجص على هذا الحال، والأصل في هذا عندي والله أعلم. قوله عليه السلام:
قوله: والمغرة. الخ ... قيده في الديوان بما إذا ما لم تختلط بالتراب. أما إذا اختلطت جازت الصلاة ولو من غير ضرورة، قلت: لكن الظاهر أنه لا بد من غلبة التراب، وحينئذ فالمصلى عليه التراب فلا يضر عدم التقييد، ثم رأيت الشيخ إسماعيل رحمه الله قيد بذلك فراجعه. قوله: والجص في الشيخ إسماعيل: واختلفوا في الجص ونحوه ولم يجوزوها على
الرماد والهك والحرير والإبريسم والماء والطين والوحل.
فروع: الأول: لا يصلى في المكان الذي لا يستوي فيه قيام الرجل وكان بحيث يبلغ ذقنه صدره، فإن صلى أعاد.
•
الثاني: لم يجد إلا مكاناً يصلي فيه إما راكماً أو قاعداً فإنه يصلي قاعداً. الثالث: إذا وجد مكانين طاهراً يصلى فيه قاعداً فقط، ومجوساً يصلي فيه راكعاً ساجداً فإنه يصلى قاعداً بالتومي.
الرابع: إذا صلى على هوام الأرض مما له أصل الدم مباشراً أعاد، وغير مباشر فلا يعيد، وقيل يعيد، وعلى ما ليس له أصل الدم مباشراً أعاد والافلا. ه ديوان بالمعنى.
- ETA- (1/445)
صفحة 446
(جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً)) فأخبر أن الأرض التي يصلى عليها هي التي ترابها طهوراً، غير أن قوله عليه السلام: (حيثما أدركتك الصلاة فصل (معارض لهذا إلا ما قام الدليل على تخصيصه من هذا العموم، ولا يصلى على الحرير والإبريسم لأنه لا يصلى به، وكذلك لا يصلى على الجلود والصوف والشعر لأنه ليس من نبات الأرض وإنما يصلى على ما كان أصله من الأرض إذا كان جائز الصلاة به، وقال بعضهم: جميع ما يصلى به يصلى عليه، ولعلهم قاسوه عليه والله أعلم، وسواء في هذا كله من يصلي قائماً يركع ويسجد، ومن يصلي قاعداً أو قائماً بالتومي، ومن يصلي مضطجعاً، ومن يصلي بالتكبير، والله أعلم. ولا يستحب الصلاة أمام المسجد في القرب منه لأنه متبوع، وكذلك لا يستحب الصلاة فوقه لأنه غير مستقبل، وإن صلى على هذا الحال فلا إعادة عليه، وإن صلى في داخله فلا يصلي بين الأعمدة، كما لا يصلي في الباب والطريق، وإن صلى فلا إعادة عليه، وكذلك لا يصلي داخل المحراب لأنه خارج من المسجد، فإن صلى في هذا كله فلا إعادة عليه، وكذلك لا يصلي الرجل إذا دخل المسجد وحده عن يسار المحراب لأنه بمنزلة الإمام، وإن
صلى فليعد صلاته، وقال بعض: لا إعادة عليه.
(2) تقدم ذكره.
- {ra- (1/446)
صفحة 447
مسألة في استقبال القبلة:
واستقبال القبلة شرط في صحة الصلاة التي لا تصح إلا به، لقوله
تعالى: (ومن حيث خرجت فَوَلٌ وجَهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام،
(1)
ووجوبه في وقت الصلاة، وإنما يهلك بترك الاستقبال في حين ما يهلك
مسألة في استقبال القبلة:
قوله: وإستقبال القبلة الخ. لو قال ويتمين الاستقبال في جميع الصلاة إلا في القتال وإلا في النوافل وفي السفينة فيكفي الاستقبال عند الاحرام لكان شاملا وكذا المرض أو الربط أو هدم أو خوف لصوص أو سباع.
قوله: لقوله تعالى (ومن حيث خرجت) الخ قيل نزلت بعد ماصلي رسول الله نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً بعد وقعة بدر بشهرين أو ثلاثة ثم نسخت للكعبة بالآية المذكورة. قلت: لو قال يجب الاستقبال إلا لعذر وعطف عليه النفل لكان أشمل، ومنه يعلم أن المسقط قسمان مسقط في الابتداء ومسقط في الانتهاء، بل هناك ثالث مسقط في غير الركوع والسجود والابتداء، قال أبو إسحاق رحمه الله: وسبع خصال يسقط بها فرض القبلة إحداها شدة الخوف على نفسه أو ماله الثانية أن يكون مربوطا على خشبة أو نحوها فإنه يصلي كيف أمكنه، الثالثة أن يكون مريضاً ولا يتهيأ له التوجه إلى الكعبة، الرابعة أن يتنفل على الراحلة فإنه يصلى حيث توجهت به راحلته ويبدأ يحرم إلى الكعبة، الخامسة أن يتنفل ماشياً فإنه يتوجه محرماً إلى القبلة ويمشي حيث شاء ويرجع ويسجد إلى القبلة السادسة الفريق يصلي كما أمكنه،
(1) البقرة: 149. (1/447)
صفحة 448
بترك الصلاة، وعليه المعرفة والعمل، فالمعرفة أن يعلم بوجوب الاستقبال إلى الكعبة البيت الحرام وأنه مأمور به، ويعلم أن القبلة هي الكعبة البيت الحرام، والبيت قبلة المسجد، والمسجد قبلة مكة، ومكة قبلة الحرم، والحرم قبلة أهل الآفاق كلها، والعمل أن يستقبل بوجهه وقلبه وجميع جوارحه خائفاً من عقاب الله راجياً لثوابه ويتقرب بفعله إلى الله عز وجل، والقبلة ما ردَّ مطلع الشمس في الشتاء إلى موضع سهيل، ويجزيه استقبال هذه الجهة لقوله تعالى: ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام) أي نحوه وتلقائه، والدليل أيضاً أن الفرض هو الجهة لاتفاق الجميع على جواز صلاة الصف الطويل وهو خارج عن الكعبة ضرورة، وهذا كله إذا لم تكن الكعبة مبصرة وإما إذا لم كانت مبصرة فالفرض هو العين، أعني عين الكعبة والله أعلم. ويستدل
السابعة أن يكون أعمى ولا يجد من يدله ويعرفه ثقة أو تكون ظلمة وهو بصير أو غابت عنه الدلالة، أو كان في موضع يجهل فيه الدلالة فيبقى مجتهداً يجتهد ويصلي ويقلد الأعمى البصير والجاهل العارف.
قوله: وأما إذا كانت مبصرة الخ يتأمل هل المراد الإبصار بالفعل؟ وعليه فيكفي استقبال الجهة لمن لم يبصرها وإن كان بمكة أو بالإمكان فلا يكفي من
(1) البقرة: 149.
- {{1 - (1/448)
صفحة 449
على القبلة بقبور المسلمين ومساجدهم، وقلب العقرب، فإنه يطلع على الكعبة وإن جعل بنات نعش الصغرى في كتفه الأيسر فقد استقبل القبلة، وإن تحير في القبلة فإنه يجتهد ويصلي، فإن تبين له أنه صلى إلى
بها إلا استقبال العين يقيناً إذ القدرة على اليقين تمنع التقليد والاجتهاد، وفي الشيخ اسماعيل ما يلوح إلى الثاني و وهو الظاهر وهو مذهب مالك والشافعي، وعليه ففرض الجهة إنما هو عند تعذر المعاينة كما نص عليه الشيخ إسماعيل رحمه الله، قلت لكن ما قاله الشيخ هو الصحيح إذ الغرض لأهل مكة المسجد لا الكعبة وسميت قبلة لأن المصلي يقابلها، وكعبة لارتفاعها، وقيل لاستدارتها وكتبت أيضاً على هذه القولة ما نصه: وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أن الواجب على البعيد العين أيضاً لكن بالظن، ويرده ما ذكره المصنف رحمه الله من الإتفاق. فرع: سيأتي في آخر المسألة عند الكلام على راكب السفينة ما يؤخذ منه أن العاجز مطلقاً على الاستقبال ينوي في نفسه، وإنما قلت مطلقاً لئلا يتوهم أنه خاص بصاحب السفينة كما. المسألة. هو نص وهذا حكمه، قولي (يؤخذ) ولم أجعله نصاً.
قوله: وإن تحير في القبلة الخ. أنظره هل يخالف ماذكره الشيخ إسماعيل رحمه الله حيث قال مسألة: والانسان القادر على معرفة القبلة يقيناً لا يجوز له الاجتهاد، والقادر على الإجتهاد لا يجوز له التقليد، لكن يجتهد ويتحرى القبله ويصلي، فإن تبين له أنه أخطأ القبلة بعد خروج الوقت لم تلزمه الإعادة وإن كان الوقت لم يخرج أعاد الصلاة استحباباً، وقيل إن استدبر القبلة خطأ أعاد ولو بعد الوقت، وإن شرق أو غرب لم يغد بعد الوقت، وقيل إن استدبر القبلة من تحير عن القبلة فليصلى الصلاة أربع مرات إلى أربع جهات مختلفات والله
- EET- (1/449)
صفحة 450
غير القبلة فإنه يعيد عند بعضهم، وقال آخرون: لا إعادة عليه، واستحسن بعضهم أن يعيد في الوقت، فإن خرج الوقت فلا إعادة عليه، وسبب اختلافهم معارضة القياس للأثر، أما الأثر فما روي أنه خرج ناس من أصحاب رسول الله الله في سفر وحضرتهم الصلاة في يوم غائم
إعلم، ثم قال واما الأعمى ففرضه التقليد، وانه يقلد شخصاً عالماً بأدلة القبلة مسلماً مكلفاً وإن عدم من يقلده فليجتهد ويصلي الصلاة اربع مرات إلى اربع جهات والله أعلم، قلت يمكن أن يقال لا مخالفة لإمكان حمل كلام الشيخ أبي طاهر على الغائب عن الكعبة الذي يمكنه الإجتهاد لوجود العلامات، وكلام أبي ساكن فيمن تحير لظلمة أو غيم أو تعارض أدلة أو نحو ذلك، أو يقال خبر الواحد امين حجة فيمتنع معه الاجتهاد، فيكون كلام الشيخين متوافقا، وهذا الثاني هو المتعين بدليل قول الشيخ رحمه الله لأن خبر الواحد الأمين حجة، فكذلك الإستدلال بالمساجد ونحوها إذ الإجتهاد إنما يكون عند التعارض أو عدمها والله أعلم. فرع: لو تبين لمصل خطأ القبلة وهو في الصلاة بأن استدبر أو غرب أو شرق هل يقطع ويستأنف؟ الظاهر نعم لانه تحقق إيقاع جزء من صلاته إلى غير قبلة محسوبة، والظاهر تنبيهه ولو بخبر الامين كما يشير إلى ذلك كلام المؤلف رحمه الله فيما يأتي، وقد نقلنا عن أبي اسحاق رحمه الله خلافه قوله: والقادر على الاجتهاد الخ. هل يؤخذ منه أن معرفة الأدلة فرض كفاية أو فرض عين؟ والأول هو الظاهر
•
قوله: فإنه يعيد عند بعضهم الخ. أنظر ما إذا تبين له الخطأ. وهو في الصلاة
انحرف إلى القبلة وبنى عليه
- {{r- (1/450)
صفحة 451
(1)
فتحيروا عن القبلة فمنهم من صلى قبل المشرق ومنهم من صلى قبل المغرب، ثم استبانت لهم القبلة فسألوا النبي مال الله فأنزل الله تعالى: «والله المشرق والمغرب فأينما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجه الله) وأما القياس فقياس القبلة على ميقات الزمان، مثل من صلى ثم تبين له أنه صلى قبل الوقت فإنه يعيد صلاته باتفاق الجميع. فمن غلب القياس قال عليه الإعادة، ومن غلب الأثر قال لا إعادة عليه، ومن جمع بين القياس والأثر وهو طريق الاستحسان قال بالإعادة في الوقت والله أعلم، وإن تحير في القبلة ومعه من لم يتحير فيها فإنه يقتدي به أميناً كان أو غير أمين، وإن خالف الأمين وصلى على اجتهاده فوافق القبلة فإنه يعيد صلاته عند بعضهم لأن الامين حجة، والدليل ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (بينما الناس في قباء في صلاة الصبح إذ أتاهم آت فقال لهم إن النبي عليه السلام نزل عليه قرآن فأمر أن يستقبل الكعبة وكانت وجوههم إلى الشام
(2)
فاستداروا إلى الكعبة وهم في الصلاة) (2) وقال آخرون: لا إعادة عليه حين وافق القبلة، وأما إن لم يوافق فعليه الإعادة على كل حال، وكذلك إن لم يكن معه غيره فتحير في القبلة وصلى وخالف اجتهاده على حال
(1) البقرة: 115.
(2) متفق عليه. (1/451)
صفحة 452
اختلافهم في مسألة الأمين والله أعلم، وإن كان القوم في جماعة فتحيروا في القبلة فلا يقتدي كل واحد منهم بصاحبه، ومن اجتمع منهم اجتهاده فليصلوا في جماعة، ولا يصلي كل واحد منهم مع من خالفه في اجتهاده
والله أعلم.
مسألة في السترة:
(1)
روي عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام قال: (إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه سيفاً وإن لم يجد فعصاً وإن لم يجد فليخط بين يديه خطاً ثم لا يضره ما مر بين يديه) (وروي عن طلحة ابن عبيد الله قال: قال رسول الله الله: (إذا كان بين يدي المصلى مثل مؤخرة الرحل لم يبال بما مر بين يديه (2) ومن ذلك قيل ان السترة كمؤخرة الرحل،
مسألة في السترة:
قوله: فليخط بين يديه خطأ الخ. اختلف في الخط فقيل يكون مقوساً كهيئة المحراب، وقيل قائماً بين يدي المصلي إلى القبلة وقيل من جهة يمينه إلى شماله، وأخذ أحمد بن حنبل بالخط و كذا أصحاب الشافعي.
قوله: كمؤخرة الرحل، المؤخرة بضم الميم وكسر الخاء وهمزة ساكنة، ويقال بفتح الخاء مع فتح الهمزة وتشديد الخاء، ويقال آخر الرحل بهمزة ممدودة
(1) رواه أحمد وابن ماجه وأبو داود. (2) رواه أحمد ومسلم وابن ماجه
- 445 - (1/452)
صفحة 453
وقد يقال انها ثلاثة أشبار في السماء لهذه الأخبار وروي (أنه عمل غرز عنزة فصلى اليها) (1) ولهذه الاخبار اختار بعضهم أن يجعل المصلي تلقاءه كالسيف والعصا ونحوه، وقالوا: قول النبي عليه السلام لا يخلو من فائدة فاستعمال ما أمر به أولى لأن بعض ما يمر بين يدي المصلى يقطع الصلاة، لما روي أنه قال عليه السلام: (من صلى الى سترة فليدن منها لئلا يمر الشيطان بينه وبينها) أو قال: (لا يضره ما مر أمامه) (2) فدل قوله هذا أنه لا بد من شيء يقطع الصلاة والله أعلم، وان لم يجد سترة فليخط بين يديه، وان يخط ولم تكن سترة فمر شيء مما يقطع الصلاة على المصلي في أقل من خمسة عشر ذراعاً قطع عليه الصلاة، وقال قوم سبعة
خطاً
وكسر الخاء فهي أربع لغات،، وهي العود الذي في آخر الرحل.
قوله: عنزه هي عصا في أسفلها حديدة.
قوله: فليدن في رواية مسلم من قومنا: (كان بين يدي مصلى رسول الله
وبين الجدار ممر الشاة) ويعني بالمصلى موضع السجود. قوله: لئلا يمر الخ يؤخذ من هذا الحديث أن السترة مشروعة مطلقاً، ولو كان المصلي يأمن مرور أحد بين يديه إذ هي تمنع الشيطان المرور والتعرض لإفساد الصلاة وعليه الشافعي، وعند المالكية قولان
(1) متفق عليه من طريق ابن عمر بلفظ (حربة).
(2) رواه أبو داود وابن ماجه
- 446 - (1/453)
صفحة 454
أذرع، وقال قوم: ثلاثة أذرع مثل الحائض والمشرك والجنب والأقلف
"
البالغ والميتة والدم ولحم الخنزير والكلب والقرد وجميع السباع النجاسات والمقابر والطرق على هذا الحال، وكذلك
وكذلك
جميع
الإستقبال لوجوه الحيوان يقطع الصلاة لما روي (أنه نهى أن يستقبل الرجل في صلاته شيئاً من الحيوان) (1) وكذلك جميع ما عبد من دون الله مثل النار الموقدة، والعجل على هذا الحال. وكذلك اللوح والمصحف والتصاوير في الحيطان والتماثيل على هذا الحال، وكذلك الاستقبال للأموات من بني آدم، والنائم مضطجعاً على هذا الحال، وسواء في هذا الاستقبال تعمد المصلي استقباله أو لم يتعمده، واذا
قوله: والكلب قيده الشيخ اسماعيل رحمه الله بذي النكتتين، وفي الحديث عند قومنا الكلب الاسود.
فائدة: اختلف العلماء هل تبطل الصلاة بمرور شيء فقال بعضهم: يقطع الصلاة الحمار والمرأة والكلب الاسود، وقال أحمد بن حنبل: يقطعها الكلب الاسود وفي قلبي من الحمار والمرأة شيء، وقال مالك والشافعي: لا تبطل الصلاة بمرور شيء، وقال أصحابنا ببطلانها بما ذكر
قوله: لوجوه الحيوان وأما لو استقبله عرضاً فالظاهر أنه لا يضر، ونقل القاضي عياض كراهة استقبال المصلي وجه غيره عن العلماء
(1) رواه مسلم وأبو داود والترمذي.
- 447 - (1/454)
صفحة 455
كانت السترة في هذا كله فلا بأس بصلاته قل ذلك أو أكثر ما لم يمر بينه وبين السترة والله اعلم، وقال بعضهم: لا يقطع الصلاة شيء من هذه الأشياء ما لم يسجد عليها، واستدلوا بقوله عليه السلام: (لا يقطع الصلاة شيء فادر و اما استطعتم) (1) والدليل ايضاً ما روي من طريق عائشة رضي الله عنها قالت: كنت انام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني واذا قام بسطتهما والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح) (3) والله أعلم، ويكره ايضاً لأحد ان يمر بين يدي المصلي
قوله: واستدلوا الخ، هذا الحديث ضعفه قومنا، وقولها: إذا سجد غمزني إستدل به على عدم نقض الوضوء من لمس المرأة، والجمهور على أنه ينقض، وحملوا الحديث على أنه غمزها فوق حائل كما هو الظاهر من حال النائم، فلا دلالة على عدم النقض، وقولها: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح، أرادت به الإعتذار تقول لو كان فيها مصابيح لقبضت رجلي عند إرادة السجود ولما أحوجته إلى
غمزي.
قوله: ويكره الخ، ذهب الشافعي إلى أنه إذا صلى إلى سترة منع غيره من المرور بينه وبينها، وكذا يمنعه من المرور بينه وبين الخط، ويحرم المرور بينه وبينها، فلو لم تكن سترة أو تباعد عنها فقيل له منعه، والاصح أنه ليس له منعه لتقصيره، ولا يحرم المرور حينئذ بين يديه ولكن يكره اهـ. وظاهر كلام الشيخ رحمه الله الكراهة لا التحريم.
(1) أخرجه الستة إلا الترمذي من طريق أبي سعيد الخدري. (2) رواه البخاري.
- {{A- (1/455)
صفحة 456
الحديث ابن عباس رضي الله عنه عن رسول الله قال: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لوقف إلى الحشر) (1) ويجوز للمصلي أن يدفعه إذا مر بين يديه لما روي عن رسول الله له من طريق أبي سعيد الخدري قال: (إن أحدكم إذا قام يصلي فلا يدع أحداً يمر بين يديه فليدرأه ما استطاع فإن أبى المار فليقاتله فإنما هو شيطان) (2) وما كان على يمين المصلي أو شماله من النجاسات أو المرأة الحائض أو الجنب أو غير ذلك ما يقطع عليه حتى يمسه، والإمام سترة لمن يصلي خلفه ولا يقطع ما مر بين يدي المأموم مما يقطع على المصلي حتى يجاوز قفا الامام، لأنه سترة، فيما لم يجاوز قفاه فهو غير جائز بينه وبين سترته، وإذا مر كلب قدام الإمام قطع عليه وعلى من خلفه، وإن مر خلف الإمام على الصف الأول قطع على من مر بين يديه إذا جاوز قفا الإمام، ولا يقطع على من لم يمر بين يديه، وإن مر خلف الصف الثاني قطع على من مر عليهم ولم يقطع على الإمام ولا على الصف الأول ولا على من كان خلف الصف الثاني،
قوله: والإمام سترة الخ، وقيل سترة الإمام سترة لمن خلفه، واتفقوا على
أنهم مصلون إلى سترة والله أعلم.
(1) متفق عليه واللفظ للبخاري.
(2) متفق عليه.
449
ه م 29 - الإيضاح» (1/456)
صفحة 457
وإن مر كلب قدام الإمام على شرف الجدار لم يضر حتى يستفرغ الجدار كله وإن بقي منه قدر إصبع لم يستفرغه لم يقطع، وهو مقدار العصا التي
تكون سترة فيما أظن والله أعلم.
مسألة في القيام في الصلاة:
والقيام في الصلاة واجب إذا قدر عليه، لقوله: عز وجل «وقوموا وجميع القيام كله على هذا لا يفسد الصلاة إلا ما قام
الله قانتين»
a
(1)
مسألة في القيام في الصلاة:
قوله: والقيام في الصلاة واجب الخ، ظاهر كلام المصنف رحمه الله تعالى إن القيام فرض باستقلاله، وقيل القيام فرض لقراءة الفاتحة، وفائدة الخلاف تظهر الفاتحة فيمن عجز عن وقدر على القيام حرره، ويؤخذ من كلام المصنف رحمه الله فيما يأتي فيمن كان مأفوه اللسان القولان راجعه
فائدة: قال أبو إسحاق رحمه الله باب في ذكر ما يسقط به فرض القيام مع القدرة على ذلك قال أبو إسحاق: وثلاث خصال يسقط بها فرض القيام في الفريضة مع القدرة، احدها: أن يكون عرياناً فإنه يصلي قاعداً،، الثاني: أن يكون قادراً على القيام ولا يستطيع السجود فإنه يصلي قاعداً، الثالث: أن يخرج الماء من عينيه فيستلقى أياماً حتى تصبح عيناه فإنه يصلى كذلك. ويومي برأسه، في كلام الشيخ زيادة على هذا كما سيأتي فيمن قطعت إحدى يديه الخ، راجعه.
(1) البقرة: 238
- 450 - (1/457)
صفحة 458
دليله أنه لا يجوز، مثل القيام الذي يخالف فيه عادة القيام، وهو أن يباعد ما بين رجليه حتى لا يستقيم له القيام، والدليل ما روي أنه عليه السلام (نهى عن التجافي في الصلاة) (1) وكذلك إن خالف بين رجليه وأوقف على رجل واحدة ورفع الأخرى أو قدم إحداهما وأخر الأخرى كثيراً حتى لا يستطيع له القيام على هذا المعنى والله أعلم،
وكذلك إن اعتمد في قيامه على خائط أو على شيء حتى أنه لو نزع
ذلك
الشيء لوقع لا تجوز صلاته على هذا الحال لأنه غير قائم كما أمر بل هو متكيء، والمستحب في القيام أن يسوي المصلي قامته ويرد بصره إلى
الله
موضع سجوده. الحديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي إذا دخل في الصلاة لم يجاوز بنظره غير سجوده تخشعاً الله عز وجل وإذا فرغ خر راكعاً) (2) ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً ولا أمامه لما روي أنه قال عليه السلام لعلي بن أبي طالب: (لا تنظرن قبل وجهك ولا عن
قوله: التجافي مصدر جفا والجفوة الفرجة المتسع بين الشيئين، وأصله جفوا تحرك حرف العلة وانفتح ما قبله فقلبت ألفاً وقلبت الألف ياء لأجل
الكسر.
(1) متفق عليه. (2) رواه مسلم،
-801 - (1/458)
صفحة 459
(1)
يمينك ولا عن شمالك)) وإن فعل فسدت صلاته لنهي النبي عليه السلام عن ذلك، وقال بعضهم: لا تفسد صلاته حتى يرى من خلفه، وذلك عندي أن رؤيته لمن خلفه استدبار منه للقبلة، فعليه الإعادة على كل حال، وكذلك لا يرفع بصره قبل السماء لما روي أنه قال عليه السلام: (ما بالكم ترفعون أبصاركم في صلاتكم قبل السماء) ثم اشتد عليهم قوله حتى قال: لتنتهن أو ليخطفن أبصاركم) (2) ومن فعل ذلك فسدت صلاته لهذا الوعيد والله أعلم. ويجعل الفرجة بين رجليه، كما روي عن ضمام بن السائب قال: بلغني عن ابن عمر أنه لا يفرشح بين رجليه في الصلاة ولا يلصقهما، واستحب بعضهم أن تجعل ما بينهما مقدار القصبة أو مقدار أربعة أصابع والله أعلم. والفرشحة أن يوسع ما بين رجليه، والفرشحة في اللغة السعة، قال أبو النجم الشاعر:
بدرء صلاب المرء والصفاح لكل واب للحصار ضاح
قوله: يدرأ من درأ أي دفع وبابه قطع.
قوله: الصفاح هو ما عرض وطال
(1) رواه ابو داود والنسائي.
(2) رواه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه من طريق انس بن مالك، ورواه مسلم
والنسائي عن ابي هريرة.
- 452 - (1/459)
صفحة 460
ليس بمضطر ولا فرشاح صافي الحوافي مكزب وقاح ينفض طس الماء كالمياح
يصف حوافر الفرس الرضاح الذي يكسر الحجارة، والمضطر الضيق، والفرشاح الواسع، والحوافي جوانب الحافر، والمكرب الشديد الموثق، والوقاح الصليب، وكذلك يستحب له أن يقدم الرجل الشمال على اليمين ببنانها، وذلك عندي تشبيه بوقوف الرجلين إذا جمعا الصلاة، وذلك أن المأمور إنما يقف عن يمين الإمام ويستحب للإمام أن يتقدمه بقليل، وعلى هذا وقوف الرجلين من الرجل الواحد والله أعلم. وإن ساوى ما بين رجليه وصلى فلا بأس بصلاته، والمرأة ليس عليها أن تقدم رجلها الشمال إذ ليس على المرأة إمامة، وإن قدم رجله اليمين قدام الشمال فإنه يؤخره إلى موضعه الذي ينبغي له أن يجعله فيه، وإن قدم الشمال أكثر من المعمول فإنه يقدم رجله اليمنى إلى موضعه ويترك الشمال في مكانها لأنها كالإمام الذي هو متبوع، والرجل اليمنى كالمأموم ولذلك يؤخرها إن تقدم ولا يؤخر الشمال إن تقدم، وهذا كله عندي تشبيه واستحسان والله أعلم. وإذا وقف الرجل في صلاته فليترك يديه أي يرسلهما كما كانتا ولا يضعهما على خاصرته، لما روي أنه قال عليه السلام:
قوله: ضافي، الضفو السبوغ وهي الكمال، وبابه عدا وسما.
- for- (1/460)
صفحة 461
(1)
(لا يضع أحدكم يديه على خاصرته () وكذلك لا يفتح فاه ولا يغلقه إذا فرغ من القراءة، لأن هذا عمل، ولكن يتركه كما جاء، وكذلك
لا يغمض عينيه ولا يحد بهما النظر، ولكن يفتحهما مقدار ما يفرز بين النور والظلمة، أو السواد والبياض، وإن فعل هذا كله أعاد صلاته لأنه عمل، والله أعلم. والمرأة إذا وقفت في صلاتها فلتلصق يديها إلى جسدها ولا تجعل الفرجة بين رجليها، وهذا عندي منهم استحباب حتى يوافق ما أمرت به من السترة والإنخفاض، في موضع لا تصادم فيه الأمر والنواهي، وكل ما يوافق السترة والانخفاض، في جانب النساء أرجح من غيره، بدليل قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن، (2) الآية، والله
أعلم.
مسألة:
ومن بطلت إحدى يديه أو إحدى رجليه ولم تصل الأرض أو قطعت، فإنه يصلي قاعداً بالتومي، والدليل على هذا ما روي أنه قال عليه السلام: (أمرت أن أسجد على سبعة أراب ولا أكف شعراً ولا
قوله: ولا أكف شعراً الخ،، الكف الجمع كالكفة، واتفق العلماء على النهي
(1) رواه النسائي، وروى نحوه البخاري ومسلم وابن خزيمة وابن حبان. (2) تقدم ذكرها.
-
- 454 - (1/461)
صفحة 462
ثوباً) (1) فدليل الخطاب أنه إذا لم يستطع أن يسجد على سبعة أراب كما أمر سقط عنه السجود ورجع إلى التومي قاعداً، لقوله عليه السلام:
:
(2)
(يصلي المريض قائماً بالركوع والسجود فإن لم يستطع فيصلي قاعداً () والله أعلم. وعند بعضهم أنه يصلي قائماً يركع ويسجد، ويؤيد هذا قوله عليه السلام: (إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم (فما استطاع عليه من أعضائه؟ السبعة سجد عليها والله أعلم. ومن لا يقدر على القيام في صلاته فيصلي قاعداً، فإن لم يستطع
عن الصلاة وثوبه مشمراً وكمه ونحوه أو رأسه معقوص أو مردود شعره تحت عمامته أو نحو ذلك وكل هذا منهي عنه باتفاق العلماء، وهو كراهة تنزيه، ولو صلى كذلك فقد أساء وصحت صلاته واستدل الطبري في ذلك بإجماع العلماء، وحكى ابن المنذر الإعادة فيه عن الحسن البصري ثم إن مذهب الجمهور أن النهي مطلقاً لمن صلى كذلك سواء تعمده للصلاة أم كان كذلك قبلها، لا لهابل لمعنى آخر، وقال الداودي: النهي يختص بمن فعل ذلك للصلاة، والمختار الصحيح الأول، وهو ظاهر المنقول عن الصحابة وغيرهم، قال العلماء: الحكمة في النهي عنه أن الشعر يسجد معه، قلت وفي الشيخ إسماعيل رحمه الله ما يوافق الداودي نظراً لمفهومه راجعه فيه.
هو
قوله. فإن لم يستطع الخ. ظاهره ولو كان يقدر على القراءة فإنه يكيفها
(1) متفق عليه من طريق ابن عباس.
(2) رواه الدارقطني من طريق علي بن ابي طالب.
(3) متفق عليه
- 455 - (1/462)
صفحة 463
أن يصلي قاعداً فيصلي مضطجعاً، يومي برأسه، ومن لم يستطع أن يومي برأسه مضطجع فليجز على صلاته في نفسه كما هي بركوعها وسجودها وقراءتها وجميع ما يعمل فيها، وإن لم يمكنه هذا كله فليكبر ست تكبيرات، وقيل خمس تكبيرات، وقيل أربع تكبيرات، وقيل سبع تكبيرات، وهذا عندي والله أعلم، قياساً على صلاة الميت، لأن صلاة الميت إنما هي بالتكبير كهذه، وعدد التكبير الذي يجزي في صلاة الميت مختلف فيه على حسب اختلافهم في عدد التكبير في صلاة المريض، غير أن (آخر ما كبر عليه السلام في صلاة الميت أربع تكبيرات) (1) فيا روي، وعليه الجمهور والله أعلم، وقال بعضهم: في المريض يكبر تكبيرات الصلاة كلها، وقال بعضهم: وإن لم يستطع المريض أن يومي برأسه للركوع والسجود في حال الاضطجاع، رجع إلى التكبير، وهذا
تكييفاً ولم يحك فيه غير هذا، ولكن مقتضى ما يأتى جريان القولين ها هنا أيضاً فيبقى المصنف رحمه الله ماش هنا، على أن من رجع إلى تكييف بعض صلاته فإنه يكيفها كلها والله أعلم.
قوله: وإن لم يمكنه هذا كله فليكبر الخ، قال أبو محمد: والذي يصلي بالتكبير لا يجمع بين صلاتين بالتكبير
(1) رواه الجماعة إلا البخاري من طريق ابي هريرة وابن عباس وجابر.
- 456 - (1/463)
صفحة 464
القول عندي أصح والله أعلم، لأن الأقوال لا تقوم مقام الأفعال في الصلاة والله أعلم، والأصل في هذا ما روي أنه قال: عليه السلام: (يصلي المريض قائماً، فإن لم يستطع فيصلى قاعداً، فإن لم يستطع فيصلي نائماً، فإن لم يستطع فيصلى مستلقياً، فإن لم يستطع فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها) (1) فقوله: نائماً يجعل جنبه الأيمن على الأرض ويومي، لقوله تعالى: «فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم، (2) فأفادنا في هذه الآية أحوال المصلي عند الصحة وعند المرض والله أعلم، وقوله: مستلقياً يكون على ظهره ورجلاه إلى القبلة، وهو يومي والله أعلم، وأما صفة قعود المريض الذي هو بدل من القيام عند العجز، إذا أراد أن يصلي قال بعضهم: يقعد كقعود التشهد، وقال آخرون: يقعد ويوقف رجليه ويوصلهما إلى الأرض إن أمكنه ذلك، ويجعل بينهما
قوله: لأن الأقوال الخ يتأمل هذا فإنه يقتضي أن الأصح القول الأول فلعل المطابق لقول المصنف أن الاقوال تقوم مقام الأفعال والله أعلم بالصواب. قوله: ماروي أنه قال عليه السلام يصلي المريض الخ هذه الرواية ثابتة أيضاً عند النسائي من قومنا.
(1) رواه النسائي من طريق عمران بن حصين.
(2) النساء: 3
- 457 - (1/464)
صفحة 465
فرجة، ويقدم بنان رجله الشمال على اليمني ويصلى كذلك، كصلاة القائم فعندي والله أعلم أن من قال يقعد المريض في الصلاة كقعود التشهد، قاسه على جلوس التشهد، لأنه من هيئات الصلاة، وقد قال يقعد ويوقف ركبتيه، قاسه على القيام لأنه بدل منه، والله أعلم، ثم إنهم اختلفوا في المريض الذي يصلى قاعداً، قال بعضهم: يومي إيماء على كل حال لأن صلاه القيام ركوع وسجود، وصلاة القعود إيماء، وقال آخرون: يسجد على كل حال إذا قدر على السجود، لأن عجزه عن الركوع لا يسقط عنه فرض السجود عند هؤلاء، وكذلك من استطاع أن يركع ولم يستطع السجود على هذا الإختلاف، قال بعضهم إذا كان يومي، في بعض صلاته فليوم لها كلها قاعداً، وقال بعضهم: يعمل من ذلك ما استطاعه ويومي لما لم يستطع منها، وعلى هذا من كان مأفوها في لسانه، وقال بعضهم: يعمل بجوارحه ما يمكنه من صلاته ويكيف في نفسه ما يعمله بلسانه، مثل القراءة في مكانها، والتعظيم في الركوع والسجود، واشباه ذلك مما يعمله بلسانه، وقال بعضهم: إذا رجع إلى التكييف في بعض صلاته فليكيفها كلها في نفسه قاعداً والله أعلم؛ والدليل على أن
قوله: ويكيف أي بأن يمثل نفسه قائماً راكعاً وساجداً إلى غير ذلك.
- 458 - (1/465)
صفحة 466
(1)
صلاة القعود إيماء ما روي أنه له) دخل على مريض يعوده فوجد بين يديه وسادة يسجد عليها، فعزلها النبي عليه السلام وقال: أوم إيماء) () غير أن بعضهم فرق في ذلك وقال: إن صلى في مسجد أو مصلى فليسجد، وإن صلى على فراشه أو على غير مسجد أو مصلى فليوم إيماء، ولعلهم حملوا الحديث المتقدم على هذا المعنى والله أعلم، وقال آخرون: إذا كان لا ينتظر الراحة فليسجد، وإن كان ينتظر الراحة فليسجد خلف الامام وليوم إذا صلى وحده، وأظن أنهم أوجبوا عليه السجود خلف الامام لقوله عليه السلام: (إنما جعل الامام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا) (2) واما الفرق بين من ينتظر الراحة وبين من لا ينتظرها فإنما هو عندي استحسان، ولذلك أوجبوا على من لا ينتظر الراحة السجود لطول مكثه على ذلك، والله أعلم، واختلفوا أيضاً في كيفية
(2)
قوله: ما روي أنه (دخل على مريض). الخ في كتب قومنا
روى البيهقي عنه أنه (قال لمريض عادة فرآه يصلي على وسادة فأخذها فرمي به، وقال: صل على الأرض إن استطعت والا فأوم إيماء، واجعل سجودك أخفض من ركوعك) (3) انتهى. فإن صحت هذه الزيادة سقط الاستدلال وبهذا الحديث أيضاً يظهر حكمة. المصنف رحمه فيما تقدم النهي عن
منع
الله
السجود عن المسواك، ولكن الحديث لا خصوصية فيه المسواك، حرره.
(1) رواه البيهقي والبزار عن جابر.
(2) متفق عليه
(3) تقدم ذكره
- {09 - (1/466)
صفحة 467
الايماء الذى هو بدل من الركوع والسجود في صلاة القاعد، قال بعضهم: يجعل السجود أخفض من الركوع، وقال آخرون: إذا ركع مد عنقه وإذا سجد رده إليه، وقال آخرون: بعكس هذا أعني إذا ركع ضمه إليه وإذا سجد مده أعني عنقه، والقول الأول عندي أصح تشبيهاً بصلاة القيام، غير أن من قال يمد رقبته قدامه في الركوع ويرده إلى صدره في السجود، يحتمل أن يكون إنما ذهب إلى هذا، لأن ضمه رقبته إلى صدره أخفض من مدها، ولذلك استعمله في السجود الذي هو أخفض في صلاة القيام، وأما من قال يمد رقبته في السجود ويردها إلى صدره في الركوع، فلعله إنما ذهب إلى هذا من قبل أن الركوع في صلاة القيام أقرب إلى القيام من السجود، ولذلك استعمل في السجود مد الرقبة الذي هو أبعد من ضمها إلى صدره والله أعلم، فهذا ما ظهر لي في هذا الإختلاف لأني لم آ أجد له أصلاً أحمله عليه غير القياس والله أعلم. والمريض يأخذ صلاته من القيام إلى الإضطجاع، ومن الاضطجاع إلى القيام، ومعنى ذلك إذا كان يصلى قائماً ثم حدث إليه المرض في صلاته، حتى لا يستطيع القيام فإنه يرجع إلى القعود، ومن القعود إلى الاضطجاع إن لم يستطع القعود، ويبني عليه وإن كان يصلي مضطجعاً ثم وجد راحة فإنه يرجع إلى القعود، و من القعود إلى القيام ويبني عليه، وقال بعضهم: إن وجد راحة وهو ا
- {7. - (1/467)
صفحة 468
يصلي مضطجعاً استأنف الصلاة ولا يبني صلاة القيام ولا صلاة القعود مع صلاة الاضطجاع، وكذلك إن رجع إلى الاضطجاع من القيام أو من القعود، استأنف على هذا الحال، وأما ما بين
مرة أو مرتين في صلاة واحدة، ما
سبب
لم يتمها:
القيام والقعود فإنه يرجع من القيام إلى القعود، ومن القعود إلى القيام، وسبب الخلاف عندي هو اختلافهم هل يرتفع البدل عند وجود المبدل منه بعد دخوله في البدل وقبل إتمامه أم لا؟ كالقادر على العتق بعد دخوله في الصيام في كفارة الظهار، ولم يختلفوا فيما بين القيام والقعود لأن القعود وإن كان بدلاً من القيام فهو من أفعال الصلاة في حال القدرة، ولذلك لم يستأنف الصلاة إذا قدر على القيام وهو يصلى قاعداً والله أعلم. ولكن لا يعمل فيما بين القيام والقعود شيئاً حتى ينتهي إلى ما يريده من القيام أو القعود، ولكن إن حدث إليه المرض بعد الصحة أو حدثت الصحة بعض المرض قبل أن يتم العمل الذي هو فيه مثل الركوع والسجود فإنه يتمه فيما استقبل إليه من العمل الذي يريده، إلا إن أخذ في أول الكلام ولم يتمه، فإنه يستأنف ذلك الكلام في العمل الذي يريده، فإن عمل شيئاً فيما بين القيام القعود مثل القراءة والتعظيم والتكبير أعاد صلاته ان تعمد، وان لم يتعمد فليعده في الموضع الذي استقبله، وقال بعضهم: ان زاد في صلاته ما
- {71 - (1/468)
صفحة 469
كان ذكره من القرآن مثل الحمد والتكبير وأشباه ذلك من الاستغفار والتسبيح مما كان تلاوته في القرآن وذكره على النص المذكور في كتاب الله تعالى، فلا بأس بصلاته ما لم يرد بذلك أمراً أو نهياً أو خطاباً لغيره، أو رد جواباً لمن سأل أو استفهاماً لغيره أو جر بذلك لنفسه نفعاً أو دفع عنها بذلك مضرة أو عن غيره، سواء كان ذلك في السورة التي يقرؤها أو في غيرها ما لم يكن ساهياً، والسهو في هذا كله لا يفسد الصلاة، والدليل على هذا القول ما روي عن حذيفة قال: (صليت مع النبي فابتدأ سورة البقرة فكان لا يمر بآية عذاب الا استعاذ، ولا بآية رحمة الا سأله، ولا بآية تنزيه الاسبح) (1)، والله أعلم. وكذلك الراكب في السفينة بعضهم حاله كحال المريض، ان قدر على القيام والركوع والسجود صلى بالقيام والركوع والسجود، وان لم يمكنه صلى كما أمكنه، ولا يضره استدبار القبلة بعد الإحرام وان لم يمكنه الاستقبال بالإحرام، فليحرم كما أمكنه وينوى في نفسه الاستقبال ويمضى على صلاته، وقال بعضهم: الصلاة في السفينة كالصلاة في المحمل على ظهر الجمل، فلما كانت الصلاة تصلى على المحمل قعوداً لا قياماً بإجماع، كانت صلاة السفينة قعوداً وهما سواء لاستواء علتها، وفرق قوم بين أن تكون واقفة أو سائرة أعني
عند
(1) رواه أبو داود.
- 462 - (1/469)
صفحة 470
السفينة، وقالوا: يصلي قاعداً اذا سارت، ويصلي قائماً اذا قدر على
القيام وقد وقفت في المرسى أو نحوه والله أعلم.
مسألة في التوجيه:
والتوجيه في الصلاة سنة مؤكدة وهو (سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا اله غيرك)، و الدليل على هذا ما روي عن عمر وعائشة و ابن مسعود رضي الله عنهم: (أن النبي لو كان اذا قام الى الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا اله غيرك () وقال قوم التوجيه فرض، والدليل على هذا قوله
(1)
(2)
تعالى: «وسبح بحمد ربك حين تقوم» و ما روي من حديث عمر وعائشة و ابن مسعود رضي الله عنهم يدل أيضاً على وجوبه، لقوله عليه السلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (3) والصحيح عندي أنه ليس بفرض، لقوله عليه السلام للذي يعلمه الصلاة: (اذا افتتحت الصلاة وقرأت فيها ما فتح الله لك فكبر واركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تطمئن قائماً، ثم اهو إلى السجود حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع
(1) رواه أبو داود والدارقطني عن عائشة، وللخمة مثله من حديث أبي سعيد، واخرج
مثاله مسلم عن عمر (2) الطور: 48.
(3) متفق عليه.
- 463 - (1/470)
صفحة 471
، ثم
رأسك حتى تطمئن قاعداً، ثم اهو إلى السجود حتى تطمئن ساجداً ارفع رأسك وقم إلى الركعة الثانية وافعل فيها ما فعلت في الركعة الأولى،
فإذا أنت قعدت وقلت فقد تمت صلاتك) (1) فقد حصر له فرائض
:
الصلاة ولم يذكر التوجيه، ويؤيد هذا ما روي أنه قال عليه السلام:
(2)
(تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم) (2) فقد حصرها ما بين التحريم والتسليم وما قبل التحريم ليس بفرض، كما أن ما بعد التسليم ليس بفرض باتفاق والله أعلم، بل هو نفل أو سنة مؤكدة والله أعلم، وأما من قال إنه فرض إذا تركه أعاد صلاته، ومن قال إنه نقل، ليس عليه إعادة الصلاة في ترك التوجيه والله أعلم. واستحب أصحابنا. واستحب أصحابنا رحمهم الله أن يضم إليه توجيه إبراهيم عليه السلام وهو «اني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين (3) وقال آخرون: ما يتوجه به إلا إبراهيم عليه السلام، وكان ابن مسعود يزيد فيه (رب إني ظلمت نفسي وأسأت فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا انت) ثم يقرأ (سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك و تعالى جدك ولا اله غيرك) ولا يقطع المصلي بين التوجيه والاحرام بكلام أو غيره من الأعمال،
(1) متفق عليه
(2) رواه الخمسة إلا النسائي. (3) الأنعام: 9
79:
- 464 - (1/471)
صفحة 472
من الأكل والشرب وأخذ الشيء وإعطائه، وتناول شيء بيده مالم يكن فيه اصلاح صلاة، وان قطع بينه وبين الإحرام بهذا كله أعاد صلاته في قول بعضهم، وقال آخرون: لا إعادة عليه وذلك عندي أن أن تكبيرة الإحرام انما صارت تكبيرة الإحرام لأنه يحرم بها ما كان حلالاً قبلها، من النظر والكلام وغيره قبل الصلاة والله أعلم، ولا يقرأ التوجيه ما لم يتقدم الإمام و ان قرأه قبل الامام أعاده لأنه مأمور أن يتبع الامام من أول صلاته، وان مات الامام أو تجنن أو ارتد قبل الاحرام وحدث امام آخر: فإنه يعيده ولا يبني عليه لأنه لم يدخل في الصلاة بعد ولا يقرأه في موضع منجوس وسبيله سبيل الاقامة في الأماكن واللباس والطهارة، وان أحدث فيه بحدث لا يبني به في الصلاة أعاده، وان كان حدثه بقيء أو رعاف فإنه يبني فيه كما يبني في الصلاة عند بعضهم، وان قرأه ثم انتقل من مكانه أعاده، ومنهم من يقول لا يعيده الا ان انتقل من مكانه حتى لا يسمع لمن كان فيه قياساً على الاقامة، وان قرأه لصلاة العصر فذكر أنه لم يصل الأولى فإنه يعيده لصلاة الأولى لأنه من توابع الصلاة فسبيله سبيل الصلاة، وكذلك ان انتقضت صلاته أو نسيها أو نام عنها أعاده مع الصلاة، وان نسي أن يقرأه فإنه يقرأه اذا ذكره ما لم يحرم، فإن أحرم فليس عليه منه شيء، والله أعلم.
D
-{70 -
ه م 30 ـ الإيضاح» (1/472)
صفحة 473
مسألة في الاستعاذة:
«
واختلفوا أيضاً في الاستعاذة كاختلافهم في التوجيه، قال قوم: هي فرض، وقال آخرون: لو كانت فرضاً لفسدت صلاة من تركيا ناسياً، ولكنها سنة من تركها متعمداً أعاد صلاته كسائر السنن، وان نسيها قالها حيث ذكرها في الصلاة، والمستحب أن يستعيذ قبل القراءة في الركعة الثانية اذا نسيها لقوله تعالى: (واذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) ويستعيذ المصلي كما أمره الله تعالى لا يزيد على ذلك شيئاً ولا ينقص، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ويعجم الذال لئلا يخرج من معنى الاستعاذة الى العود الذي هو الرجوع، ويستعيذ سراً وان جهر بها عامداً أعاد صلاته، وقال قوم هي نفل لا تفسد صلاة من تركها متعمداً، والله أعلم، وذلك عنـ والله أعلم. لأنها غير مذكورة في فرائض الصلاة في حديث الرجل الذي يعلمه النبي عليه السلام الصلاة وهو يأتي بعد إن شاء الله في موضعه، وأما موضعها، قال بعضهم: يستعيذ قبل الاحرام، وهو قول أبي عبيدة رحمه الله، وقال قوم: بعد الاحرام عند القراءة لقوله تعالى: «فإذا
عندي
قوله: وقال قوم بعد الإحرام عند القراءة في الشيخ إسماعيل رحمه الله نشبة
(1) النحل: 98.
•
- {77 - (1/473)
صفحة 474
قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وا
مسالة في الاحرام:
الله أعلم.
وإذا أقام المصلي الصلاة واستقبل القبلة ووجه ونوى الصلاة أحرم لها وقال: ألله أكبر وهي تكبيرة الإحرام، وتكبيرة الاستفتاح، لقوله عليه السلام: (مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم))
(2)
وهي فريضة لقوله تعالى: «يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر، (2) وإن قال: الله أعظم أو الله أجل أو ألله أعز أجزأه ذلك، لأنه في معنى الله
القول الثاني لأبي عبيدة رحمه الله تعالى، ومثله في الديوان أيضاً. قوله: أحرم لها وقال الله أكبر، وقوله وهي تكبيرة الإحرام، والظاهر أنه كذلك، فالإحرام نية الدخول في حرمات الصلاة، قال الجوهري: أحرم الرجل دخل في حرمة لا تهتك، وهذه الهمزة للدخول في الشيء المذكور معها كأمسى وأصبح، والتكبير قول: (الله أكبر)، واختلفوا في التكبير فمند أبي حنيفة التكبير شرط لا يدخل في الصلاة إلا بعد فراغه، وعند الشافعي أنه تبين بفراغه منه دخوله فيها بأوله، وفائدة الخلاف فيما لو افتتح التكبير بمانع إما من نجاسة أو غيرها أي وزال المانع في أثناء التكبير، فعند أبي حنيفة الصلاة صحيحة، وعند الشافعي باطلة كمن صلى بثوب نجس وأزاله في أثناء التكبير والله أعلم. قلت: وفي كلام المصنف فيما يأتي عند قوله لأنها من الصلاة، ما يدل على أن المذهب موافق لمذهب الشافعي حرره.
(1) رواه الخمسة الا النسائي. (2) المدثر.
- 467 - (1/474)
صفحة 475
أكبر، وقال بعضهم: لا يجوز من لفظ التكبير إلا ألله أكبر، واحتجوا بقوله عليه السلام: (مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم) (3) وقالوا: ألألف واللام منهما للحصر والحصر خاص بالمنطوق به، وعلى القول الأول جائز قياساً على لفظ التكبير لأنه من باب حمل المسكوت عنه على المنطوق به لأمر جامع بينهما والله أعلم. وإن قال: الله الكبير أو العظيم أو الجليل أو العزيز ففيه قولان، قال بعضهم: يجزيه على ما قدمنا، وقال آخرون لا يجزيه، وإنما لم يجوزوه عندي لأن قوله: الله الكبير أو الجليل يوهم النعت، وإنه لم يخبر عنه، فما لم تخبر عنه فكأنك لم تذكره، وإن قال: الله أعلم أو الله العليم أو الله أقدر أو الله القدير أو الله الرحمن أو الله الرحيم، فإنه لا يجزيه في هذا كله لأنه ليس بمطابق لمعنى الله أكبر، وإن قال: ألله أكبر فمد الألف فإنه لا يجزيه لأنه مستفهم، وكذلك إن قال إي الله أكبر فمد الألف بالكسر أو: أو الله أكبر فمد الألف بالضم لأنه أتى بما لا معنى له، والأصل في هذا إن أتى
قوله: وقال بعضهم: لا يجوز من لفظ التكبير. الخ .. وهو مذهب مالك. قوله: وإنما لم يحوزه عندي. الخ ... وقيل إنما لم يجز (الله الكبير) لفوات
مدلول أفعل التفصيل
(3) تقدم ذكره.
- 468 - (1/475)
صفحة 476
في إحرامه بما يبطل المعنى فإنه لا يجزيه إحرامه، مثل قوله: ألله أكبر بالمد لأنه مستفهم وكذلك إن أتى في إحرامه بما لا معنى له، مثل قوله إي الله أكبر فمد الألف بالكسر أو أو الله أكبر بالمد والضم أو أكبار بالألف بعد الباء أو الله وكبر بالواو وإن لحن في إحرامه متعمداً أعاد صلاته، مثل قوله الله أكبر بالفتح أو الله أكبر بالكسر، وإن لم يتعمد ففيه قولان وذلك عندي لأنه مأمور بالتكبير فإن كبر باللحن فقد أتى بغير ما أمر به لأنه لم يؤمر باللحن فيها، وقال بعضهم: لا إعادة عليه في هؤلاء الوجوه كلها، ولعلهم حملوها على اللحن واللحن محمول عنه ما لم يختم آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمة لقوله عليه السلام: (إقرأوا القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف) (1) ما لم يختم آية رحمة بآية عذاب أو آية عذاب بآية رحمة وذلك عندي لاحتمال هؤلاء الوجوه المعنى، فإن قال قائل: وأي معنى احتمل قوله الله أكبار بالألف؟ قبل له: إختلف النحويون في الحركات، قال بعضهم: الضمير في الحركة مأخوذ من الحرف، والحرف أسبق من الحركة ما كانت الفتحة حتى كان الألف، ولا الضمة حتى كانت الواو، ولا الكسرة حتى كانت الياء، فكانت
قوله: أكبار لأنه جمع أكبر وهو الطبل.
(1) رواه أبو داود والنسائي والبيهقي.
- {79 - (1/476)
صفحة 477
الحركات بنات الحروف، وقال آخرون: الحرف مأخوذ من الحركة لأن الألف متولدة من الفتحة، والواو متولدة من الضمة، والياء متولدة
من الكسرة، إذا أشبعت الحركات قال الشاعر:
واني حيث ما يثني الهوى بصري من حيث ما سلكوا أدنو فأنظور
وقال الآخر:
أعوذ بالله من العقراب الشايلات عقد الأذناب فاشبع ضمة الظاء في أنظر، وفتحت الراء في العقرب حتى تولدت منهما الحروف، وكذلك الله أكبار يحتمل هذا المعنى، وقوله أيضاً الله و كبر محتمل للمعنى وذلك أن بعض العرب كانوا يخففون الهمزات لثقلها ويبدلون منها حرفاً مديراً بحركة ما قبلها والله أعلم. وان نكس احرامه أو أحرم بلغة غير لغة العرب فإنه لا يجزيه لأن التكبير محصور على اللفظ المنطوق به لا غير والله أعلم. وكل حدث يبني به في الصلاة فإنه يبني به في احرامه لانه من الصلاة مثل أن يقول: الله وهو يريد الإحرام فقطعته العطسة قبل أن يقول أكبر، وقال بعضهم: لا يبني في تكبيرة
قوله: وكذلك الله أكبار يحتمل هذا المعنى، فيه أن الإشباع بأبه الشعر كما
هو منصوص عليه فلا يصح ما ذكره حرره.
- {Y. - (1/477)
صفحة 478
الاحرام، هذا القول عندي أصح لان تكبيرة الاحرام كلام واحد ولا يفيد الا أن يكون مرتباً والله أعلم. وكذلك ان انتقل من مكانه بعذر على هذا الحال، وتكبيرة الاحرام انما هي بالجهر سواء فيها الرجل والمرأة، غير أن المرأة انما تسمع أذنيها لا غير لانها مأمورة بخفض الصوت والرجل أيضاً يستحب له ذلك اذا كان يصلى وحده، واذا جهر أكثر من ذلك فليس عليه شيء، وأما إن كان إماما لقوم فإنه يؤمر بالجهر فيها ليسمعهم، وان أسر بها الإمام أو غيره في الناس متعمداً فإنه يعيد إحرامه، سواء في هذا صلاة الجهر وصلاة السر، وإن تشاكل عليه لا، فإنه يعيد الإحرام، وإن أخذ في القراءة فلا يشتغل بالشك كغيرها من فروض الصلاة، ومنهم من يقول: إذا شك في تكبيرة الإحرام أخذ في القراءة أو لم يأخذ فإنه يعيدها ولا يجاوزها حتى يحكمها لأنه ما لم يحرم فهو غير داخل في الصلاة، وإن نسيها حتى جاوز الى حد ثالث ابتدأ صلاته لأنها لا تتم إلا بها والله ا
أأحرم أم
•
قوله: وهذا القول عندي أصح. الخ .. قلت لكن ذلك لا يخرجه عن كونه كلاماً مرتباً ألا ترى أنهم قالوا شرط الاستثناء أن يكون متصلا بالمستثنى منه، ومع. ذلك جعلوا العطسة لا تخرجه عن الإتصال كما هو مقرر عندهم فالظاهر الأول وقد اعتمده المشايخ في الديوان، ومقابله عبروا عنه بقيل غير ذلك لكن كلام الديوان في مسألة أخرى بعد هذه يدل لما قاله الشيخ، ولكن عند التأمل
لا دليل لإمكان الفرق ولكن تلك المسألة المذكورة بعد أولى بالبناء فيما يظهر مع قولهم بعد البناء فيها راجع وحرره.
- {Y) - (1/478)
صفحة 479
باب في القراءة في الصلاة
وقراءة القرآن في الصلاة فرض، والدليل قوله تعالى: «فاقرء وا ما
تيسر من القرآن (1) والفرض في ذلك قراءة فاتحة الكتاب وسورة،
،.
علي
لما روي من طريق أبي سعيد الخدري أنه قال: (أمرنا رسول الله أن نقرأ في الصلاة فاتحة الكتاب وسورة) (2) ولما روي من طريق أبي هريرة قال: (أمرني رسول الله الله ان أنادي لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وسورة) (3) وأقل السورة ثلاث آيات، ولذلك قالوا لا تجزي
باب في القراءة في الصلاة
قوله: فاتحة الكتاب وسورة. الخ هذا مذهبنا ومذهب أبي حنيفة وأما مالك والشافعي فالفرض عندهما فاتحة الكتاب، وفيه رد على ابن زيادة في قوله: من صلى ولم يقرأ، ان لا إعادة عليه.
قوله: ثلاث آيات أي متفق عليها فلا ترد البسملة على القول بأنها آية كما هو
مذهب الأصحاب رحمهم الله.
(1) المزمل
(x)
صححه ابن ماجه
(3) رواه أبو داود.
- EYY - (1/479)
صفحة 480
من ذلك أقل من ثلاث آيات، وقال آخرون: تجزي آية منتظمة طويلة، وقال آخرون: تجزي آية قصيرة، والدليل على هذا ما روي عن عبادة ابن الصامت قال: (قال رسول الله لا لا لا لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فصاعداً) (1) وما روي أنه لا (أمر أعرابياً أن يقرأ في الصلاة فاتحة الكتاب وما تيسر من القرآن) وما روي أيضاً من طريق آخر قال عليه السلام: (وشيئاً من القرآن معها) (3) وإنما أعني في هذا كله في الركعتين الأولتين من المغرب والعشاء وفي صلاة الفجر، وكذلك قال بعضهم في الركعتين الأولتين من الأولى والعصر، غير أن الذي أخذ به علماؤنا رحمهم الله أن لا يقرأ في الركعتين الأولتين من الأولى والعصر بغير فاتحة الكتاب، والدليل معهم إجماع الناس أن صلاة
فائدة: قال أبو إسحاق رحمه الله: وست خصال لا يجوز فيها إلا قراءة فاتحة الكتاب: أحدها وهي صلاة الظهر وصلاة العصر والركعة الأخيرة من المغرب والآخرتان من العدمه وصلاة الجنازة والصلاة خلف الإمام، قلت وتعبيره بلا يجوز يقتضي الفساد فيا إذا قرأ بغيرها، كذا ترددت ثم رأيت بعد ذلك في كلام المؤلف رحمه الله في أثناء مسألة اتفق العلماء أن القراءة في صلاة الظهر إلى آخر حكاية القولين مقدماً للقول بالبطلان راجعه
(1) تقدم ذكره.
(2) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه
(3) رواه ابن حبان والدارقطني. (1/480)
صفحة 481
الظهر والعصر لا جهر فيهما، ورأينا كل ركعة لا يقرأ فيها إلا بفاتحة الكتاب يسر بها لا في ليل ولا في نهار، ألا ترى إلى صلاة الجمعة وصلاة العيدين يجهر فيهما بالقراءة لأجل السورة ولو كان ذلك نهاراً. ولذلك رجح أصحابنا قول من لم يقرأ في الركعتين الأولتين من الأولى والعصر إلا بفاتحة الكتاب والله أعلم. وأما الركعتان الآخرتان من الأولى والعصر والعشاء والركعة الأخيرة من صلاة المغرب، فإنما يقرأ فيها بفاتحة الكتاب سراً والدليل ما روي (أنه لم يقرأ في الركعتين
(1)
الأخيرتين من الصلوات كلها إلا بفاتحة الكتاب (1) و ما روي من طريق خباب سئل) هل يقرأ رسول الله الله الله في الأولى والعصر؟ قال: نعم، قيل: فبأي شيء تعرفون ذلك قال: بإضطراب لحيته) (2) وذهب آخرون إلى أنه لا قراءة في الركعتين الأخيرتين من الصلوات كلها، ولعلهم احتجوا في ذلك بحديث رووه عن رسول الله، و احتمال الضمير
قوله: ولذلك رجح أصحابنا قلت اعتمدوا فيها على القياس فيما يظهر من كلام المؤلف رحمه الله، وإن كان ظاهر الأحاديث السابقة يشملها، وقد اختلف الناس في القياس هل يكون مخصصاً للعموم.
(1) متفق عليه.
(2) رواه أبو داود، كما روي عن أبي قتادة مثله.
- 474 - (1/481)
صفحة 482
أيضا يدل على ذلك من قوله عليه السلام: (كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خُداج) (1) لأن الضمير من قوله: لم يقرأ فيها يحتمل أن يعود على اجزاء الصلاة كلها، ويحتمل أن يعود على بعضها، والقول الأول أصح عندي لما ذكرناه من الأدلة المتقدمة، وهذا كله إذا صلى وحده، وأما إذا كان خلف الإمام فإنهم اختلفوا فيه، قال بعضهم: لا يقرأ إلا بفاتحة الكتاب، والدليل ما روي عن عبادة بن الصامت قال: (صلى بنا رسول الله صلاة الغداة فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال لعلهم تقرمون خلف إمامكم قال: قلنا أجل، قال: لا تفعلوا
(2)
الإبأم القرآن فإنه لا صلاة إلا بها) (2) وما روي أيضاً من قوله عليه السلام: (كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج) (3) دليل لتعميمه كل صلاة والله أعلم، وقال آخرون لا يقرأ خلف الإمام في الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة شيئاً، والدليل معهم ما روي من طريق أبي هريرة أن التي انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: هل قرأ معى أحد
قوله: وقال آخرون. الخ .. ذهب إليه ابن العربي المالكي.
(1) رواه أحمد وابن ماجه من طريق عائشة.
(2) رواه أبو داود والترمذي.
(3) تقدم ذكره.
- {YD - (1/482)
صفحة 483
منكم آنفاً؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: مالي انازع في القرآن فانتهى الناس عن القراءة خلف رسول الله) (1) قال الربيع: قال أبو عبيدة: إلا بفاتحة الكتاب فإنها تقرأ مع كل إمام وغيره، وقال آخرون:
(2)
ليس عليه قراءة خلف الإمام أصلاً لقوله عليه السلام: (من كان له إمام فقراءة الامام له قراءة)) ولقوله تعالى: «وإذا قريء القرآن فاستمعوا له وانصتوا) (3) والصحيح أنه يقرأ خلف الامام فاتحة الكتاب لما قدمناه، وأما الآيه التي احتجوا بها فإنها أنزلت في قراءة السورة، وذلك أنه روي عنه عليه السلام: (قرأ في صلاة الغداة إذا وقعت الواقعة،
قوله: قال الربيع قال أبو عبيده. الخ أي أخذاً من حديث عبادة بن الصامت المتقدم - حيث قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن الحديث، فصار قوله ما لي أنازع في القرآن محمولاً على ما عدا الفاتحة جمعاً بين الحديثين، وكذا قوله قراءة الإمام له قراءة محمول على ما عدا الفاتحة أيضاً جمعاً بين الأدلة، وكذا قوله (وإذا قرئ القرآن (الآية، محمول على ما عدا الفاتحة أيضاً جمعاً بينها أي الآية
والحديث
قوله: وقال آخرون: ليس عليه. الخ ... هو المشهور من مذهب مالك
ومذهب الحنفية.
(1) رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طريق أبي هريرة.
(2) رواه الدارقطني من طريق عبدالله بن شداد
•
(3) الاعراف: 204.
- 476 - (1/483)
صفحة 484
فقر أها رجل من خلفه فنزلت «وإذا قريء القرآن فاستمعوا له وانصتوا». و أما متى يقرأ فاتحة الكتاب خلف الامام على قول من أوجبها عليه، فإنهم اختلقوا في ذلك، قال بعضهم: يتبع الامام في قراءتها، وقال آخرون: يصطحب معه، وقال آخرون: يسبق الامام في قراءتها، وقال آخرون: لا يقرأها حتى يفرغ الامام من قراءتها، وهذا الاختلاف يتصور عندي لمعارضة ظاهر الأحاديث وظاهر الكتاب وذلك أن ما
(1)
روي من قوله عليه السلام) إنما جعل الامام ليؤتم به) (1) يدل على أنه يتبع الامام في قراءتها كالركوع والسجود، غير أن قوله تعالى: «وإذا قريء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا، (2) يدل على أنه يصطحب مع الامام لئلا يسبقه إلى قراءة السورة لوجوب الانصات عليه عند قراءة السورة، أو يسبق الامام في قراءتها المعارضة قوله عليه السلام: (مالي أنازع في القرآن) (3) ويكون قوله عليه السلام: (إنما جعل الامام
قوله: وانصتوا ظاهره ولو كان أصم ولو لم يسمع وهو كذلك الإطلاق
في الآية.
(1) متفق عليه.
(2) تقدم ذكره.
(3) تقدم ذكره من حديث أبي هريرة الذي رواه أبو داود والنسائي والترمذي.
- {VY - (1/484)
صفحة 485
ليوتم به) مقصوراً على الركوع والسجود وسائر الأفعال، وأما من قال لا يقرأ فاتحة الكتاب حتى يفرغ من قراءتها الامام، فإنه يدل على قوله ما روي من حديث أبي هريرة من قوله، عليه السلام: (هل قرأ معي احد منكم آنفاً قالوا بلى يا رسول الله، قال: مالى أنازع في القرآن)
(1)
معه،
فدل هذا أن لا يقرأها حتى يفرغ من قراءتها الإمام لئلا ينازعها معه ويكون قوله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا، (2)
مقصوراً على قراءة السورة، أعني أن لا يقرأ خلف الإمام السورة
والله أعلم.
مسألة في البسملة:
وقراءة بسم ا
الله الرحمن الرحيم واجبة في الصلاة لوجوب فاتحة
مسألة في البسملة:
قوله: وقراءة بسم الله الرحمن الرحيم واجبة. الخ .. فعلى كلامه رحمه الله تعالى تكون واجبة مع الذكر والقدرة ساقطة العجز والنسيان، وسيأتي الكلام فيما إذا تذكرها قبل تمام القراءة والله أعلم.
قوله: واجبة في الصلاة ذكر الشيخ إسماعيل رحمه الله أن قراءة البسملة في الصلاة سنة، والظاهر ما قاله رحمه الله إذ ما ذكره المؤلف رحمه الله فيما يأتي
(1) تقدم ذكره،
(2) تقدم ذكره.
- {YA- (1/485)
صفحة 486
الكتاب لأنه من السبع المثاني، والدليل ما روي من طريق ابن عباس رضي الله عنهما قال: (فاتحة الكتاب هي أم القرآن فقرأها وقرأ فيها بسم الله الرحمن الرحيم وقال إنها آية من كتاب الله) (1) قال الربيع: قال أبو عبيدة: وقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس مثل هذا، وقال بعض أهل العلم: هي آية من القرآن على رأس كل سورة، ولذالك اختار أصحابنا رحمهم الله ان تجعل في أول فاتحة الكتاب وفي أول كل سورة في الصلاة، ويدل على هذا ما روي أنه (لم يزل يقرأ بسم
من التفريع خاص بالسنة، فالظاهر أن الخلاف بينهما لفظي لا تظهر فيه ثمرة كما يظهر بالتأمل، اللهم إلا أن يقال فائدته أنه يقرأها على القول بالفريضة مع ما بعدها وعلى القول بالتنسية يقرأها وحدها كما هو صريح کلامه رحمه الله، فحينئذ الظاهر ما يذهب إليه المؤلف رحمه الله وهو نص الديوان، قلت: يتعين أن تكون ثمرة الخلاف ما بعد اللهم كما هو صريح كلام الشيخ إسماعيل رحمه الله، فما أشعر التعبير باللتهم ليس على ما ينبغي.
قوله: وفي أول كل سورة. الخ .. مفهومه أنه لا يقرأها في أثناء السورة. قال شارح قصيدة أبي نصر رحمه الله: ومن قرأ آية الكرسي فليس عليه أن الله الرحمن الرحيم فإذا فعل متعمداً خفت عليه النقض، وإن نسي
يقرأ
بسم
فظن أنه جائز لم أقدم على فساد صلاته لظنه وجهله ولا شيء عليه في النسيان ولا يعود إلى فعل ذلك. انتهى. قلت: والفاء في قوله فظن للتفسير على ما اثبته
"
بعضهم.
(1) رواه الترمذي والدارقطني.
- {19 - (1/486)
صفحة 487
(1)
الله الرحمن الرحيم حتى مات () ثم أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما حتى ماتا وهي تقرأ عند أصحابنا رحمهم الله سراً مع قراءة السر وجهراً مع قراءة الجهر لاتفاق الجميع أنها آية من القرآن، وقال الله تعالى: فاقرءوا ما تيسر من القرآن (2) و من تركها متعمداً تركها أعاد صلاته،
«
وإن نسي قراءتها فلا إعادة عليه، كما أنه لو نسي آية أو آيتين من فاتحة الكتاب فلا إعادة عليه ما لم ينس منها النصف فما فوق، وذلك لأنه اتي بالأكثر منها وحكم الأكثر كحكم الكل عند بعضهم، وخصوصاً في النسيان، وكذلك إن لم يذكرها إلا في حد الركوع فإنه يمضي على صلاته وليس عليه الرجوع إليها لأنه جاوز حدها، واختلفوا إن ذكرها في القراءة قال بعضهم: يرجع إليها ما لم يختم قراءة فاتحة الكتاب، وقال آخرون: يرجع إليها ما لم يختم السورة، واختلفوا كيف يفعل إذا رجع إليها قال بعضهم: يقرأها ويعيد لقراءة ما قرأ بعدها، وذلك عندي لأن
قوله: وإن نسي. الخ .. الظاهر أن هذا مقيد إذا لم يتذكره بعد ما جاوزه بالقراءة فإنه يرجع ويقرأ مع ما بعده وإلا فسدت صلاته كما يأتي إن شاء
الله تعالى.
(1) رواه البيهقي.
(2) المزمل 20 (1/487)
صفحة 488
موضعها في أوائل السور، ولذلك وجب عليه أن يعيد ما بعدها، وعلى هذا سائر الفروض إن نسيها ثم ذكرها فإنه يرجع إلى موضعها ويبتدئ منه صلاة ما بقي والله اعلم، وقال آخرون: يرجع إلى التسمية ويقرأها وحدها وليس عليه إعادة لقراءة ما بعدها، وقال آخرون: إن لم يرجع في هذا كله ومضى على صلاته فليس عليه إعادة حين نسي ان يقرأها في موضعها، وهذان القولان عندي يدلان من قائلهها ان قراءة البسملة في الصلاة سنة، ولذلك ذهبوا بها مذهب سائر السنن في هذين القولين إن نسيها، وقال آخرون: ليس عليه إعادة ولو تركها متعمداً، ولعلهم ذهبوا إلى ان قامتها في الصلاة ليست بواجبة، وكذلك إن تركها متعمداً عند قراءة السورة بعدما بسمل وقرأ فاتحة الكتاب، او تركها ناسياً ثم ذكرها قبل ان تختم السورة على ما قدمنا من الإختلاف بينهم في الرجوع وغيره والله أعلم.
قوله: ولعلهم ذهبوا. الخ .. فيه تأمل إذ مقتضاه أنه على القول بالسنية
يجوز تركها.
قوله: وكذلك إن تركها متعمد. الخ .. القائل أن يقول فرق بينها وذلك أن قراءة الفاتحة مطلوبة بخصوصها بخلاف قراءة السورة فإن المطلوب قراءة ثلاث آيات فما زاد فليتأمل.
- {^\-
دم 31 - الإيضاح (1/488)
صفحة 489
مسألة
إتفق العلماء أن القراءة في صلاة الظهر والعصر، وفي الركعتين الأخيرتين من صلاة العشاء، وفي الركعة الأخيرة من صلاة المغرب سر، و ما سوى هذه المواضع فالقراءة فيها جهر، وذكر عن بعض العلماء أن صلاة الظهر والعصر كلها سر إلا التكبير، فعلى هذا القول يجوز أن يسر بالتحيات والتسبيح، واختلفوا في صفة قراءة السر وقراءة الجهر، قال بعضهم: قراءة الجهر أن يسمع أذنيه، وقراءة السر تقطيع الحروف من غير أن يسمع أذنيه، وذلك أن أقل الجهر أن يسمع أذنيه، وأكثره لا نهاية له، ويؤيد هذا أيضاً ما روي من طريق خباب بن الأرث حين سئل: (بأي شيء تعرفون قراءة رسول الله لا في الأولى والعصر؟ قال: باضطراب لحيته) (1) ولو كان عليه السلام يسمع أذنيه لسمعوا قراءته، و قال آخرون: قراءة السر أن تسمع أذنيك وقراءة الجهر أن تسمع غيرك، لأن القراءة عبارة عن تقطيع الحروف وتبيينها من مخارجها، ولا يكون ذلك من غير أن تسمعه أذنيك، لأن أقل من هذا تكييف عندهم، وإن جهر بفاتحة الكتاب حيث يسر بها فإن كان عامداً أعاد صلاته، كسائر السنن إذا تركها متعمداً، وإن كان ناسياً فلا إعادة عليه،
(1) تقدم ذكره.
- EAT- (1/489)
صفحة 490
:
وقال بعضهم: لا إعادة عليه إن جهر بالأقل منها ولو كان عامداً، لأن الحكم على الأغلب عندهم، وقال آخرون: إن جهر بها كلها أعاد قراءتها بالسر ولا شيء عليه، وكذلك إن جهر ببعضها على هذا الحال، وقال آخرون: في هذه الوجوه كلها أن يمضي على صلاته ولو لم يعدها بالسر، ولعلهم ذهبوا إلى أن قراءة السر في الصلاة ليس بفرض، ويؤيد هذا ما روي عن أبي قتادة قال: (كان النبي عليه السلام يسمعنا الآية أحياناً في الظهر) (1) وكذلك روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه (يسمع في الظهر) وكذلك إن أسر في موضع يجهر فيه على هذا الحال، وإن قرأ بالحمد والسورة في الركعتين الأخيرتين من الصلوات كلها وفي الأولتين
الآية
قوله: بالأقل منها ولو كان عامداً الظاهر أن الواو للحال وليست للغي لفساد ما يفهم على تقديرها عاطفة، قلت ما ذكره من تعيين الحالية ليس بصحيح، بل الصواب أنه العطف أي لو لم يكن عامداً ولو كان عامداً، والحالية يصح لا تصح إلا بتكليف نظير ما قيل في قول التلخيص ومطابقة للإعتقاد ولو خطأ فحينئذ جعلها للعطف أولى لعدم التكليف والله أعلم
•
قوله: ليس بفرض يتأمل هذا فإن الذي قدمه أنه سنة والذي يظهر في
المقابلة ليس بسنة
(1) متفق عليه ورواه أبو داود (1/490)
صفحة 491
من الأولى والعصر، اعاد صلاته، لما قدمناه من الأدلة، وقال آخرون: لا إعادة عليه، والدليل ما روي عن الصنابحي قالى: دنوت من أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الركعة الثالثة من المغرب فسمعته يقرأ بأم
(1)
(2)
القرآن وهذه الآية: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب و إن قرأ الحمد لله في الصلاة ووقف له فيها حرف فإنه يردده حتى يصيبه، وإن لم يصبه ووقف فإنه لا يجزيه إلا أن يأتي بأم القرآن كما هي لقوله عليه السلام: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب () ورخص له بعضهم إن وقف له حرف في أم الكتاب وردده ولم يصبه أن يمضي على قراءة ما بقي عليه من فاتحة الكتاب، ولا بأس عليه في الأقل من فاتحة الكتاب بالعذر كما قدمنا أول، قبل هذا، وإن ذكره
قوله: وقال آخرون: لا إعادة عليه هذا هو الظاهر لما ذكر من الأحاديث. قوله: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب الخ .. الظاهر ولو خاف قوات الوقت. قوله: من فاتحة الكتاب حال من فاتحة الكتاب أو صفة بتقدير المتعلق
رفة
قوله: كما قدمنا أول قبل هذا، أي عند قوله كما لو نسي آية أو آيتين من فاتحة الكتاب فلا إعادة عليه، ما لم ينس منها النصف. الخ .. وظاهر السياق
أنه المعتمد عنده.
(1) آل عمران: 08
(2) متفق عليه.
- 484 - (1/491)
صفحة 492
بعد ما جاوزه بالقراءة فإنه يرجع إليه ويقرأ من ذلك الحرف إلى أن يتم قراءتها وإن لم يرجع أعاد صلاته وهذا في أم الكتاب خاصة، وأما السورة إن وقف له فيها حرف في موضع يقرأ فيه بالحمد لله وسورة فإنه إن قرأ منها ثلاث آيات فهو بالخيار إن شاء ركع على ما قرأ، وإن شاء جاز إلى موضع آخر من السورة حتى يتمها، وإن شاء قرأ سورة غيرها، لأمره عليه السلام في حديث الأعرابي (أن يقرأ في الصلاة فاتحة الكتاب وما تيسر من القرآن) (1) وإن أحرم للصلاة على أن يقرأ سورة نواها في نفسه فقرأ غيرها فإنه يرجع إلى التي نواها ما لم يقرأ من هذه التي يقرؤها أكثرها، وقول آخر: يرجع للتي نواها ما لم يختمها، والدليل على هذا قوله عليه السلام: (إنما الأعمال بالنيات) (2) وإن لم يرجع في هذا
(2)
كله ومضى على صلاته، فلا بأس بصلاته لقوله تعالى: «فاقرأوا ما تيسر من القرآن (3) وما في كلام العرب مبهمة تصلح للعموم وإن قرأ فاتحة
،
قوله: ثلات آيات أي ولو من سور شق كما نص عليه في الديوان. قوله: والدليل الخ .. قلت يتأمل هذا فإنه لا يتم فيما يظهر إلا إذا أريد إنما وجوب الأعمال مثلا بالنيات، وأما إذا أريد إنما تمامها أو صحتها فلا، حرره.
(1) تقدم ذكره. (2) متفق عليه (3) تقدم ذكرها.
- 485 - (1/492)
صفحة 493
الكتاب في الصلاة وهجـ ا فإنه يعيد صلاته، لقوله تعالى: «ورتل القرآن ترتيلاً، (1) وإن نكس بقراءتها فأخذ قراءتها من آخرها فإنه يعيد صلاته، وكذلك إن قرأ نصفها الأخير قبل أن يقرأ الأول، ومضى كذلك، لأن قراءتها لا تعقل إلا كما رتبت، وإن رجع في هذا كله إلى الصواب فقرأها من أولها ثم عاد لما قرأ منها أول من آخرها فلا بأس
قوله: وإن قرأ فاتحة الكتاب في الصلاة وهجاها. الخ .. قال في الديوان وإن كان إنما يقرأ حرفاً ثم يهجيه بعد ذلك فإنه لا بأس بصلاته، ومنهم من يقول: يعيد صلاته قوله: وهجتاها أي قطع حروفها ليبين ما تركبت منه فإن ذلك ليس
بقراءة.
•
قوله: ورتل القرآن)) في بعض كتب قومنا، والترتيل في اللغة التبيين) وسئل النبي عن الترتيل فقال: الترتيل حفظ الوقت وبيان الحروف) فينبغي أن يبين كل حرف وكل كلمة من الكلمات التي بعدها، بحيث لا تقطعها بوقف أو سكتة ولا تصلها بما بعدها بحيث لا يعرف آخر الكلمة وأولها، بل تبين حرفاً حرفاً وكلمة كلمة بلا سكتة ولا قطع بينهن. قوله: فأخذ قراءتها الظاهر أن الفاء للتفسير على ما أثبته بعضهم إذا لأخذ المذكور هو التنكيس والله أعلم.
قوله: وإن رجع. الخ .. في الديوان ما يؤخذ منه أن هذا الحكم خاص بالمسألة الأخيرة، وكلام المصنف فيه إيماء إلى ذلك عند التأمل، تأمل.
(1) المزمل: 4.
- EAT- (1/493)
صفحة 494
بصلاته ما لم يتعمد، وكذلك إن قدم قراءة السورة على قراءة فاتحة الكتاب في صلاة الجهر فإنه يرجع إلى الصواب إن لم يتعمد كما قدمنا، لقوله عليه السلام: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وسورة) (1) وقدم فاتحة الكتاب على السورة والله أعلم، ولقوله تعالى: «ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم) (2) وهو فاتحة الكتاب لأنها تثنى في كل صلاة ويبتدأ بها قبل القراءة والله أعلم. وإن قرأ في الصلاة شيئاً من التوراة والإنجيل، أو قرأ القرآن في الصلاة بلغة غير لغة العرب، فإنه لا يجزيه لقوله تعالى: (فاقرأوا ما تيسر من القرآن، وهو المعروف بلغة القوم الذين نزل عليهم:، ومن لحن في قراءته في الصلاة فلا بأس بصلاته ما لم يبدل آية العذاب بآية الرحمة، أو آية الرحمة بآية العذاب، أو بدل المعنى مثل لو قرأ: لم نشرح لك صدرك، فأسقط منها الالف وأخرجه إلى معنى النفي كأنه لم يشرح له صدره تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وكذلك إن قرأ: ووجدك ضالاً فهدى، فأعجم الدال لأنه أخرجه
قوله: ومَن لحن في صلاته. الخ .. في الديوان ما يؤخذ منه أن ذلك خاص بمن كان لحنه من اللسان ولا يمكنه التعلم وأما من يمكنه التعلم فإنه لا يعذر
فيه راجعه
(1) تقدم ذكره. (2) تقدم ذكرها.
- {AY - (1/494)
صفحة 495
يركع
إلى معنى الهذيان وهو من الهدى الذي هو ضد الضلال، وكذلك ما يشبه هذا والله أعلم. وينبغي للمصلي أن يسكت في الصلاة سكتتين أحدهما بعد الإحرام، يسكت مقدار ما يتنفس فيه ثم يقرأ، والأخرى إذا ختم القراءة وأراد أن يركع، فإنه يسكت مقدار ما يتنفس فيه، ثم، وذلك في كل مرة ختم فيها القراءة وأراد أن يركع، والسكتة التي عند الركوع عندي آكد لئلا يركع بالقراءة وقد نهى عليه السلام عن القراءة في الركوع والسجود، وإن أخذ في القراءة فرأى فرجة في الصف وأراد أن يسدها فإنه يقرأ ولا يقطع القراءة، وكذلك كل شيء يشتغل به لإصلاح صلاته مثل ان انتقل من مكان إلى مكان آخر من مطر ريح أو شيء يخاف منه، لأنه في الصلاة وما يصلحها، وأما إصلاح ما يخاف فساده فإنه يقطع فيه القراءة حتى يعمله، لأنه ليس من الصلاة والله أعلم. ولا ينبغي له أن ينكس السور في الصلاة، مثل أن يقرأ في
أو
قوله: مقدار ما يتنفس فيه، قال في الديوان: وقول آخر مقدار ما يبلغ فيه ريقه، ثم يقرأ، وإن سكت أكثر. ذلك أعاد صلاته، والظاهر أن ذلك
من
جار في السكتة الثانية. قلت: صرح في الديوان بذلك فلا معنى لقولنا الظاهر، قلت: وسيأتي ما يتعلق بهذا في كلام المصنف في السجود.
قوله: ولا ينبغي أن ينكس السور. الخ .. قال في الديوان وإن ذكر وهو يقرأ في الركعة الثانية بالسورة فوق التي قرأها في الركعة الأولى فإنه يرجع
- {AA- (1/495)
صفحة 496
الركعة الأولى سورة، وفي الثانية بسورة هي فوق السورة التي قرأها، وإن فعل فلا بأس عليه في صلاته، وإن أحرم صلاته على أن يقرأ فيها ما لا يتمه إلا خروج الوقت فإنه يقرأ ما تيسر له، ولا يضره نواه لأنه ممكن أن يقرأ ذلك في صلاته، وكذلك إن أحرم على أن يقرأ فيها آية واحدة فإنه يقرأ ما يجزيه، ولا يضره نواه، وأما إن أحرم على ان لا يقرأ فيها فقرأ بعد ذلك فلا بأس بصلاته، وقول آخر: يعيد صلاته، وعلى هذا الإختلاف إن أحرم صلاته على ان يأكل فيها او يشرب او يعمل فيها عملاً غيرها، قال بعضهم: لا يضره نواه إذ النية لا تقوم بغير عمل، وقال آخرون: يعيد صلاته، وذلك عندي كأنه أحرم ان يصلي صلاة لا تجوز في الشرع، وكذلك إن احرم على ان يزيد فيها أو ينقص، مثل المسافر إذا أحرم على ان يصلي أربعة أو المقيم على ان يصلي ركعتين، فإن هذا كله يفسد الصلاة، ويكون بمنزلة من نوى ان يصلي نافلة في وقت الصلاة المفروضة، لأنه لا تجزيه باتفاق، ورخص بعضهم في هذا كله، ولعلهم ذهبوا إلى ان النية لا تقوم إلا مع الفعل والله اعلم. وصلاة الغداة
إلى التي أسفل فيقرأها إلا فيما بين المعوذتين فإنه يقرأ قل أعوذ برب الفلق في الركعة الثانية، أو ما شاء من السور حرر الفرق والفرق أنه اضطر إلى القراءة
من فوق.
- {A 9 - (1/496)
صفحة 497
يقرأ فيها بأم القرآن، وسورة في الركعة الأولى، وفي الركعة الثانية بأم القرآن وسورة وقل هو الله أحد، لحديث بلغنا عن الإمام افلح بن عبد الوهاب عن أبي غانم الخرساني عن حاتم بن منصور قال: حدثني من لا اتهمه من اصحابنا وأنا بمصر أو في طريقها عن ابي لطبيعة الحضر مي فقيه أهل سر عن ابن عمر انه كان في الزمان الذي كان فيه اقرب إسناد إلى النبي عل من غيره. قال حاتم بن منصور: (حدثني عن القنوت في صلاة الفجر بعد ما سألته هل بلغك ان رسول الله ما صنعه؟ فقال لي: لم يصنعه رسول الله، قال حاتم فقلت له: كيف كان يصنع فيم بلغك؟ قال: بلغني انه إذا فرغ من القراءة الآخرة قرأ بقل هو الله أحد ثم يركع ولا يقنت) (1) قال الإمام: وهذا شيء لم يكن رأيناه في كتب أصحابنا ولا سمعناه منهم حتى أتانا به، ثم سمعناه ورويناه عنه، وكذلك روي عن ابن عباس قال: (كنا نصلي مع رسول الله الله و ما رأيته قنت قط في صلاته) (2) وإن نسي أن يقرأ قل هو الله أحد في صلاة الغداة فإنه يرجع ويقرأه ما لم يعظم، فإذا عظم فليمض على صلاته وهذا إذا كان يصلي وحده وأما إذا كان
قوله: فإذا عظم الخ. ظاهرة إتمام التعظيم، فلو عظم اثنتين رجع، وقد
(1) رواه الطبراني.
(2) رواه الدارقطني والبيهقي.
- {9.- (1/497)
صفحة 498
إماماً وترك قراءة قل هو الله أحد في صلاة الغداة فلا يرجع إليه لثلا يخلط على الناس صلاتهم وإن ترك قراءته عامداً فلا بأس عليه في صلاته وكذلك إن ترك قراءة السورة لما بلغنا عن الإمام رضي الله عنه قال: (بلغني عن النبي له الا الله و وجه جيشاً أو سرية وأمر عليها رجلاً من أصحابه وكان ذلك الأمير يصلي بأصحابه الصلوات كلها من حين خرج عن النبي إلى أن انصرف إليه بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد في جميع صلواته كلها، الصبح وغيره، في كل ما يسمعهم إياه مما يجهر فيه بالقراءة، فلما انصرفوا إلى النبي عليه السلام أخبروه أن أميرهم كان يؤمهم في صلاته بقل هو الله أحد ولم يقرأ غيره، فقال له النبي عليه السلام:: أمعك من القرآن غير هذا؟ قال الرجل: نعم يا رسول الله، فقال له النبي عليه السلام: ما منعك أن تكون قرأت به في صلاتك؟ قال: يا نبي الله إني كنت أحب قل هو الله احد حباً شديداً، قال: فسكت النبي عليه السلام ملياً ثم التفت إلى الرجل فقال: إن الله يحبك لحبك قل هو الله أحد) (1)
شيء
قال في الديوان بعد مالم يعظم، وقول آخر: إن عظم مرة يرجع ويقرأها، وإن عظم مرتين فلا يرجع ويمضي على صلاته، وقيل: يرجع، وإن عظم ثلاثاً فليمض
على صلاته
(1) رواه الترمذي وأخرجه البخاري بلفظ آخر عن أنس.
- {91 - (1/498)
صفحة 499
ومن لم يعرف من القرآن إلا فاتحة الكتاب فإنه يتعلم غيرها من القرآن، وإن جاء وقت الصلاة قبل أن يتعلم غيرها فإنه يقرأها وتجزيه لصلواته كلها، ويقرأها في مكان يقرأ فيها بالحمد لله وسورة مرتين، وإن لم يعرف
من القرآن شيئاً فإنه يتعلم ويصلي، وإن لم يتعلم حتى جاء وقت الصلاة فإنه يصلي بالتكبير قاعدا، وقد تقدم صفة صلاة التكبير، ولا معنى لإعادتها والله أعلم.
قوله: وإن لم يعرف من القرآن الخ. قال أبو اسحاق رحمه الله: ولا يجوز ترك القراءة مع القدرة عليها إلا في خصلتين إحداهما: أن تكون به علة فتمنعه عن ذلك، الثانية: تحضره الصلاة وليس معه من القرآن شيء، فإنه يتعلم فإن لم يحسن وخاف فوات الصلاة فإنه يصلي كذلك. وفي قول الصلاة فإنه يصلي كذلك، وفي قول: عليه الإعادة قلت قياساً انتهى وظاهره يصلي قائماً راكعاً ساجداً لأن عجزه عن بعض الأركان لا يسقط عنه الباقي.
- {97 - (1/499)
صفحة 500
باب في الركوع وما يفعل فيه
والركوع في الصلاة فرض من التنزيل، والدليل قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون، وإذا ختم الرجل قراءته في الصلاة فليهو إلى الركوع بالتكبير ويركع بيديه ويستوي في ركوعه والدليل ما روي (أنه إذا ركع
(1)
باب في الركوع وما يفعل فيه
قوله: ويركع بيديه الخ. قال الشيخ إسماعيل رحمه الله وحد الركوع اللغوي الإنحناء وحده، وفي الشرع إمكان وضع اليدين على الركبتين في الصلاة وهو أقله، وأكمله ما روي الخ، وظاهره أن الركوع لا يشترط فيه وضع اليدين على الركبتين ويكفيه الإنحناء بحيث لو أراد لوضعها وهو مذهب الشافعي واختلف في ذلك مذهب مالك فعن المازني أن الشرط وضع يديه على آخر فخذيه بحيث يقرب راحتاه من ركبتيه، وأكمله تمكين راحتيه من ركبتيه، وعن المدونة وجوب وضع اليدين على الركبتين، وقيل ما ذكره في المدونة بيان لا أكمله فعليه المالكية قول واحد، وانظر كلامه مع الشيخ فيما سيأتي أو تدلى بها أو إحداهما ولم يجعلها على شيء الخ، لكن يحمل كلام الشيخ إسماعيل رحمه الله على تمكين وضع اليدين على الركبتين، لإمكان وضع اليدين
(1) الحج: 77.
- {ar - (1/500)
صفحة 501
قال: الله أكبر ووضع يديه على ركبتيه وسوى ظهره معتدلاً ولا يصوب برأسه في ركوعه، ولا يصوب بظهره من خلفه) (1) والدليل ما روي
(2)
انه عليه السلام نهى ان يذبح الرجل في صلاته كما يذبح الحمام) (2) وهو
أن يطأطئ برأسه حتى يكون أخفض من ظهره، وذكر جابر بن زيد رحمه الله (أن النبي الله إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه) (3) و بعضهم يقول: لم يرفع رأسه ولم يصو به فكله واحد، وليكن مستوياً في ركوعه كما روي عنه عليه السلام) إذا ركع لو وضع على ظهره قدح ماء ما تحرك من اعتداله) (4) وفي خبر آخر عنه عليه السلام (إذا ركع
عليها فحينئذ لا مخالفة بينه وبين كلام الشيخ رحمهم الله، أو يقال ذلك بناء منه على أحد القولين.
قوله: نهى أن يذبح الخ. في القاموس ذبح تذبيحاً، بسط ظهره وطأطأ برأسه بذال معجمة أو مهملة ثم جاء مهملة إنتهى، ورأيت في الفائق للزمخشري
ضبطه بالخاء المعجمة
قوله: ولم يصوبه هو بضم الياء وفتح الصاد المهملة وكسر الواو المشددة، أي لم يخفضه خفضاً بليغاً بل يعدل فيه بين الإشخاص والتصويب.
(1) متفق عليه
(2) رواه ابن ماجه والدارقطني.
•
(3) رواه البيهقي عن جابر بن زيد
(4) رواه ابو داود والنسائي.
- {98 - (1/501)
صفحة 502
لوصب على ظهره ماء لاستقر) (1) وإن فعل في هذا كله غير المعمول به وصوب رأسه قدامه أو ظهره من خلفه، فإنه لا يعيد صلاته إذا أتى بما يسمي به راكعاً، وإن لم ينحن في ركوعه إلا برأسه ورقبته فإنه يعيد صلاته، لأنه لا يسمى راكعاً إلا إن انحنى برأسه وظهره، وإن تدلى برأسه في الركوع حتى جاوز الركبتين إلى أسفل فإنه يعيد صلاته، لحديث (النهي عن التذبيح في الركوع) (2) وقال بعضهم: لا إعادة عليه ولعل هؤلاء ذهبوا إلى أنه إذا اتى بالركوع اللغوي لا إعادة عليه، لأن الركوع في اللغة الإنحناء، قال لبيد:
أليس ورائي إن تراخت منيتي لزوم العصا تحني عليها الأصابع أخبر أخبار القرون التي مضت أدب كأني كلما قمت راكع وتكون ناقصة على هذا، والدليل أيضاً ما روي (أنه قال عليه السلام لأعرابي: تركع - حتى تطمئن راكعاً، ثم ترفع حتى تعتدل فيكون
قوله: حتى تعدل الخ. يؤخذ منه وجوب الإعتدال في الفصل بين الاركان وإنما نص على الاعتدال لأنه قد يطمئن غير معتدل، وقد يعتدل غير مطمئن، وقد يجتمعان، فإن لم يعتدل وجبت الاعادة، وكذا الطمأنية. وهي أدنى لبث
(1) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه (2) تقدم ذكره.
- {90 - (1/502)
صفحة 503
ذلك تاماً من غير تقصير، وما نقصت من ذلك فإنما نقصته من صلاتك) (1) والنظر يوجب عندي أنه إذا ترك المعمول في ذلك يعيد صلاته، لما روي أنه قال عليه السلام: (شر الناس سرقة الذي يسرق من صلاته قالوا: وكيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها) (2) والله اعلم. والمرأة تصوب من خلفها في ركوعها، وذلك عندي لئلا تبدي عجزها وهي مأمورة بالانخفاض والسترة في كل حالاتها، إلا ما قام الدليل على غيره والله أعلم، وإن لم يجد الرجل إلا ان يصوب رأسه قدامه في الركوع او من خلفه، فليصوب من قدامه دون من خلفه، لأنه اشبه بالركوع من غيره، وإن هوى إلى الركوع فليركع بركبتيه، وليضع راحتيه على ركبتيه، وليفرق بين اصابعه، والدليل ماروي (انه عليه السلام إذا ركع قال
وكذا الترتيب، وحكى بعضهم الإجماع على وجوبه.
قوله: فلير كع بركبتيه أنظر ما معنى ركوعه بركبتيه هل هو إبراز هما قليلا مستويين ليمكن وضع كفيه عليهما؟ أم معناه نصبهما بأن يقيمهما معتدلتين؟ حرره بنقل صحيح، كذا ترددت ثم رأيته نص على نصبها في القناطر ونصه: ولينصب ركبتيه ولا يثنها.
قوله: وليفرق بين أصابعه أما الدليل على تفريق أصابعه مارواه مخالفونا
(1) رواه ابو داود. (2) رواه أحمد من طريق ابي قتادة.
- {97 - (1/503)
صفحة 504
الله اكبر ووضع يديه على ركبتيه وسوى ظهره معتدلاً) (1) وإن ضم أصابعه في ركوعه فلا يفعل ذلك فإن فعل فلا إعادة عليه. وإن أمسك
بيديه على فخذيه فإنه يعيد صلاته، وكذلك إن امسك بيديه تحت ركبتيه في الركوع، أو امسك بهما على حقونه او تدلى بهما او إحداهما ولم يجعلهما على شيء فإنه يعيد صلاته في هذا كله، لأنه فعل خلاف السنة، وهو ما روي عنه عليه السلام (إنه إذا ركع وضع يديه على ركبتيه ((2) وقال عليه السلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (3) غير ان وضعه يديه على فخذيه أهون من وضعهما على حقويه أو تحت ركبتيه، لأن الفخذ والركبة عضو واحد وقال بعضهم: لا إعادة عليه في هؤلاء الوجوه كلها، ولعل هؤلاء ذهبوا إلى أنه إذا أتى بمعنى الركوع لا إعادة عليه، ألا
عن وائل ابن حجر قال: (كان التي إذا ركع فرج بين أصابعه، وإذا سجد ضمها (رواه البيهقي وصححه ابن حبان قوله: والدليل ما روي) أنه عليه السلام الخ. فيه إشارة إلى نفي التطبيق كان ابن مسعود يطبق هما ويضعهما بين فخذيه، ثم نسخ بوضعهما على الركبتين، والتطبيق أن يجعل بطن إحدى كفيه على الأخرى ويجعلهما بين ركبتيه وفخذيه.
قوله: وإن أمسك، في الديوان خلافه
(1) تقدم ذكره.
(2) تقدم ذكره.
(3) تقدم ذكره) متفق عليه).
>
- 497 -
ه م 32 - الإيضاح» (1/504)
صفحة 505
(1)
ترى إلى قوله عليه السلام للذي يعامه الصلاة (تركع حتى تطمئن راكعاً ثم تعتدل)) ولم يذكر كيف يصنع بيديه، غير أن من لم يذكر شيئاً ليس بحجة على من ذكره، وأما إن مد يديه، قدامه أو جعلهما قدامه مع رأسه في ركوعه، فإنه يعيد صلاته، لأنه أتى بما لا يشبه في الصلاة وقد نهى عليه السلام عن رفع اليدين في الصلاة وقال: (اسكنوا في صلاتكم) (2) و الله أعلم. وإن ألصق بطنه على فخذيه في ركوعه فإنه لا يفعل ذلك فإن فعل فلا إعادة عليه، وكذلك ان وضع ذراعيه على فخذيه في الركوع فلا يستحب له ذلك لأنه منهي عن هذا كله في السجود، ولذلك كرهناه في الركوع، غير أن فعله في الركوع لا ينقض الصلاة عندي والله أعلم. والمرأة إنما يستحب لها أن تضم ركبتيها في ركوعها وكذلك أن تؤخر يديها عن ركبتيها ولتضم بين أصابعها والله أعلم.
مسألة:
وإذا ركع الرجل واستوى في ركوعه فليعظم وهو أن يقول:
قوله: أصلها من التنزيل الخ. قال في الديوان: والتعظيم في الركوع فرض وأصله من التنزيل، وأسقط المصنف قوله، فرض، لأنه خلاف المعمول من أنه سنة.
(1) تقدم ذكره من (حديث الاعرابي). (2) متفق عليه
- {94 - (1/505)
صفحة 506
(سبحان ربي العظيم) ثلاث مرات، والتعظيم في الركوع والتسبيح في السجود أصلهما من التنزيل، والدليل ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي لما نزل عليه فسبح باسم ربك العظيم قال: اجعلوهـ في ركوعكم، ولما نزل عليه «سبح اسم ربك الأعلى، قال: اجعلوها في سجودكم)) و أما عدد ما يجعل المصلي من التعظيم والتسبيح فإنهم اختلفوا فيه، قال بعضهم: المستحب ثلاث مرات وإن زاد فلا بأس وإن نقص فلا نقض عليه، ولعل هؤلاء ذهبوا إلى عموم قوله عليه السلام لما نزل فسبح باسم ربك العظيم قال: اجعلوها في ركوعكم، ولما نزل عليه سبح اسم ربك الأعلى قال: اجعلوها في سجودكم، وإنما استحبوا ثلاث مرات لئلا تكون صلاته نقراً، وقال بعض وهو مروي عن الربيع رحمه الله قال: المجزي من ذلك ثلاث مرات وإن زاد فحسن إلا أن يكون إماماً لئلا يطيل على القوم، وقد روي (أن عمر بن عبد العزيز كان يسبح عشراً ويصلي خلفه أنس بن
قوله: والدليل ما روي عن ابن عباس الخ. والدليل أيضاً ما رواه مسلم من قومنا عن حذيفة (أنه ما كان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى) الحديث
(1) رواه احمد وأبو داود وابن ماجه عن عقبة بن عامر
(2) رواه الخمسة وصححه الترمذي.
- {99 - (1/506)
صفحة 507
مالك صاحب رسول الله له وقال: ما رأيت أشبه صلاة برسول الله من صلاة هذا الغلام)، وقال بعضهم: السنة في ذلك ثلاث مرات؛ لا يزيد ولا ينقص، والدليل ما روي عن حذيفة بن اليماني (أن النبي قال: سبحان الله العظيم وبحمده ثلاث مرات) (1) وإن قال: سبحان الله العظيم أو الكبير أو الجليل أو العزيز ثلاث مرات فإنه تجزيه هذه الألفاظ كلها وما أشبهها مما هو في معنى التعظيم، لقوله عليه السلام: (أما الركوع فعظموا فيه الرب) (2) وكذلك السجود على هذا الحال، وقول آخر: إن ذكر الله في ركوعه أو في سجوده أجزأه التعظيم على هذا الحال المتقدم، وقال آخرون: إن لم يأت بالمعمول في ذلك أعاد صلاته لأنه عندهم مخالف للسنة، وقد روي عن ابن مسعود رحمه الله أنه
قوله: وقال بعضهم: السنة في ذلك ثلاث مرات الخ وهو المعمول عليه عند المشايخ في الديوان رحمهم الله، وعبارة الديوان وإنما يعظم الرجل في ركوعه وسجوده ثلاث مرات، وإن عظم مرة فإنه يعيد صلاته، وإن عظم مرتين ففيه قولان، وإن عظم أربعاً ففيه قولان، وإن عظم خمسا بطلت صلاته، وكذلك إن عظم ستأ ومنهم من يرخص في هذه الوجوه كلها.
(1) رواه الترمذي وابو داود وابن ماجه عن عون بن عبد الله وأيضاً عن ابن مسعود.
(2) متفق عليه.
1899 - (1/507)
صفحة 508
يقرأ ويفسر لأصحابه وهو في الصلاة والله أعلم، وإن عظم وهو قائم ثم رجع بعد ذلك فإنه يعيد صلاته لأنه زاد في صلاته ما ليس منها، لأنه في غير موضعه، وقال آخرون: يعظم في ركوعه ويمضي على صلاته ولا يضره ما زاد في صلاته مما كان ذكره في القرآن من التسبيح والتحميد والتكبير، لما روي من حديث حذيفة قال: (صليت مع رسول الله فابتدأ بسورة البقرة، وكان لا يمر بآية عذاب إلا إستعاذ، ولا بآية رحمة إلا سأله ولا بآية تنزيه إلا سبح) (1) وإن هوى الى ركوعه وعظم ثلاث مرات قبل أن يستوي في ركوعه ولكنه لم يعظم إلا بعد ما هوى الى الركوع ففيه قولان، قال بعضهم: يعيد، وقال آخرون: لا يعيد، وكذلك إن أتم الركوع بعد رفع رأسه من الركوع قبل أن يستوي قائماً على هذا الاختلاف، وأظن أن سبب اختلافهم والله أعلم معارضة دليل اللفظ للقياس، وذلك أن قوله عليه السلام حين نزل عليه: «فسبح باسم ربك العظيم، قال: اجعلوها في ركوعكم فيه دليل أن من عظم في موضع يسمى فيه راكعاً أجزاء لعموم اللفظ، وقياس الركوع على السجود يدل على أنه لا يجزيه التعظيم حتى يطمئن راكعاً، كما لا يجزيه
(1) تقدم ذكره.
18.11 (1/508)
صفحة 509
التسبيح في السجود حتى يطمئن ساجداً وكما لا تجزيه القراءه حتى يطمئن
قائماً، والله أعلم
:
وإذا رفع رأسه من الركوع فإنه يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائماً ويرجع كل عضو منه الى مفصله اذا كان يصلي وحده، وإذا كان يصلي خلف الإمام فإنه يقول: ربنا ولك الحمد، والدليل ما روي من طريق أبي هريرة قال: (اذا قال الإمام سمع الله لمن حمده قال من خلفه: ربنا ولك الحمد فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من
(1)
ذنبه، وقال: هكذا سمعت رسول الله يقول: () وإن قال:
سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد وجمعهما فلا بأس بصلاته، لما روي (أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده ربنا
قوله: ربنا ولك الحمد إثبات الواو هو المعتمد إذ فيه دلالة على معنى زائد لأنه يكون التقدير ربنا استجب أو ما قارب ذلك، ولك الحمد فيكون الكلام مشتملا على معنى الدعاء ومعنى الخبر، وإذا فعل باسقاط الواو دل على أحد هذين، وإسقاط الواو حكاه ابن قدامة عن الشافعي، وقال لأن الواو للعطف وليس هنا شيء يعطف عليه، وعن مالك وأحمد روايتان، وقال النووي المختار
الوجهان ولا ترجيح لأحدهما على الآخر، انتهى.
(1) متفق عليه من حديث أنس.
- 502 - (1/509)
صفحة 510
ولك الحمد) (1) وكذلك إن قال: زبنا ولك الحمد وهو يضلي وحده فلا بأس بصلاته، وكذلك إن قال: سمع الله لمن حمده وهو خلف الإمام على هذا الحال، وكذلك جميع ما كان في معناه يجزيه، لحديث ابن مسعود المتقدم الذي يصلي ويقرأ ويفسر لأصحابه، وإن قال: الله أكبر أو سبحان الله أو لا إله إلا الله أو استغفر الله أو ذكر الله بما يشبه هذه الألفاظ في موضع يقول فيه سمع الله لمن حمده فإنه لا يفعل ذلك، فإن فعل فلا إعادة عليه، وقد روي عن جابر بن زيد رضي الله عنه قال: (بلغني أن النبي صلى بأصحابه ذات يوم فلما فرغ قال: من المتكلم آنفاً وهو يقول ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه؟ قال رجل منهم: أنا يارسول الله، قال: لقد رأيت بضعاً وثلاثين ملكاً يبتدرون أيهم يكتبها أولاً) (2) وإن قال: سمع الله لمن حمده بعد ما استوى قائماً فإنه لا يفعل ذلك، فإن فعل فصلاته تامة، والدليل ما روي (أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده) (3) وإسم الرفع يقع عليه من حين يرفع حتى يستوى قائماً، وكذلك إن قاله قبل أن يرفع رأسه فلا
(2)
(1) تقدم ذكره.
(2) رواه الدارقطني والبيهقي
(3) تقدم ذكره.
• (1/510)
صفحة 511
يفعل ذلك فإن فعل فلا إعادة عليه لاتفاق الجميع أنه إذا قاله في حد الركوع قبل أن يرفع رأسه فلا إعادة عليه، والمعمول به أن يقول: سمع الله لمن حمده حين يبتديء أن يرفع رأسه، وكذلك التكبير عند الركوع والسجود وعند الرفع من السجود على هذا الحال وكذلك
التكبير الذي يقوم به من الجلسة الوسطى على هذا الحال والله أعلم (1/511)
صفحة 512
باب في السجود وما يفعل فيه
والسجود في الصلاة فرض من التنزيل على ما ذكرناه في الركوع، وإذا هبط الرجل إلى السجود بالتكبير وهو سنة كما في الركوع فليسجد بأعضائه الخمسة وإنما يسجد أولاً بركبتيه ثم بيديه ثم بأنفه وجبهته لأن ركبتيه أقرب إلى الأرض من يديه وكذا يداه أقرب من جبهته
باب في السجود وما يفعل فيه
السجود في اللغة لإنخفاض إلى الارض سجدت النخلة مالت وشرعاً أكمله وضع الجبهة والأنف على الارض وتمكينها مع الكفين والركبتين وأصابع القدمين.
قوله: وإذا هبط الخ يؤخذ من كلام المصنف رحمه الله أنه لا بد أن يهوي إلى السجود قصداً فلو رفع رأه من الركوع فسقط على جنبه وانكب على جبهته لم يجزه وهو مذهب الشافعي وذهب أبو حنيفة إلى الإجزاء.
قوله: بالتكبير أي ماداً له مداً يستغرق ما بينها أي القيام والسجود وكذا في حال القيام، وبالجملة يمد تكبيرات الإنتقالات إلى أن يحصل في الركن المنتقل اليه حتى لا يخلى جزء من صلاته. عن ذلك، كما يؤخذ من القناطر، راجعه.
أنه قوله: بأعضائه الخمسة لم يتعرض للقدمين مع يجب السجود عليها.
19.81 (1/512)
صفحة 513
ركبتيه
وقد رأيت في بعض الكتب (أن النبي عليه السلام إذا سجد وضع قبل يديه وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه) (1) والله أعلم. وإذا أراد أن يرفع رأسه من السجود فليرفع جبهته وأنفه أولاً لقوله عليه السلام للذي يعامه الصلاة (ثم ارفع رأسك وقم إلى الركعة الثانية) (2) ثم يديه لأنهما أقرب الى الأرض من ركبتيه ثم ركبتيه وإذا ترك المعمول في هذا وسجد كما امكنه فلا تفسد بذلك صلاته ولو قدم من أعضائه ايها شاء وإذا سجد فليجعل بين ركبتيه فرجة لما ذكرنا عن ابن عمر أنه لا يفرشح
لكن
قوله: وقد رأيت في بعض الكتب الخ قال وائل بن حجر: (رأيت النبي إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه فإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه) (3) رواه الأربعة وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، ولا يضره في سنده شريك القاضي، وليس بالقوي، لأن مسلما روى له فهو صحيح على شرطه، يعارضه ما في أبي داود عن أبي هريرة) أن النبي عليك الان قال: إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه) وهو جيد الإسناد وبه أخذ مالك، لكن يعارضه ما روى مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: (كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بالركبتين قبل اليدين) (5) خرجه ابن خزيمة وابن حبان، قال الخطابي المالكي: إن تقديم الركبتين أثبت من تقديم
(1) تقدم ذكره.
(2) تقدم ذكره.
(3) رواه الأربعة وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
(4) رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
(ه) رواه ابن خزيمة في. صحيحه.
(E)
- 506 - (1/513)
صفحة 514
رجليه في الصلاة ولا يلصقها، وليضع يديه قدام ركبتيه فيما بينهما وبين رأسه وهو موضعهما، وليضم بين اصابعه، وإن فرق بينهما فلا بأس عليه، وليجاف عضديه، وقد روي عن جابر بن زيد (ان النبي إذا سجد جافي عضديه حتى يرى من خلفه حفرة، إبطيه) () يعني بياض ابطيه، ولا يفترش ذراعيه، لأن النبي ينهى عن افتراش الكلب في الصلاة) (2) وليعتمد على راحتيه لأنه بذلك يجافي عضديه، ويدع الإفتراش والله أعلم. ولا يتورك في سجوده، وقد روي عن ابن مسعود أنه قال: يكره أن يسجد الرجل متوركاً أو مضطجعاً، والتورك أن يرفع وركه إذا سجد حتى يفحش في ذلك، والإضطجاع أن يتضام
اليدين، وبه قال أكثر العلماء، وهو أرفق بالمصلي وأحسن في الشكل ورأي
العين.
فائدة: إنما شرع تكرار السجود دون غيره لأنه أبلغ في التواضع وظاهر عبارة المصنف رحمه الله أن السجدتين ركن واحد وقيل هما ركنان، قيل وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا تجاوزت من حد إلى حد.
فائدة: أقوال الصلاة كلها ليست فرضاً إلا تكبيرة الإحرام والقراءة والتحيات وتكبيرة التشهد كما نص عليه في الديوان قبل باب التسليم على ما تقدم، وأفعالها كلها فرائض إلا أحد الجلستين للتشهد
(1) متفق عليه (2) رواه الجماعة.
18.41 (1/514)
صفحة 515
ويلصق صدره بالأرض، ويدع التجافي في السجود ولكن بين ذلك، وقال آخرون: التورك ان يلصق إليتيه بعقبيه في السجود، وكل منهي عنه وإن سجد على الأرض ولم يسجد بيديه فإنه يعيد صلاته لما روي (أن النبي عليه السلام قال: أمرت أن أسجد على سبعة أراب ولا أكف
فعلا
قوله: أمرت أن أسجد. الخ .. في الحديث دلالة لمذهب أصحابنا رحمهم الله تعالى من أن المصلي يجب عليه أن ي يسجد على سبعة الأعضاء فلو ترك منها واحداً بطلت صلاته، كما يؤخذ من كلام المصنف رحمه الله، فأما الجبهة فيجب وضعها على الأرض وأما الأنف فمستحب فلو تركه جاز، ولو اقتصر عليه وترك الجبهة لم يجز، وقد وافق أصحابنا على ذلك مالك والشافعي والأكثرون، وقال أبو حنيفه: له أن يقتصر على أيها شاء، وقال أحمد وابن حبيب من أصحاب مالك: يجب أن يسجد على الأنف والجبهة جميعاً بظاهر الحديث، وقال الأكثرون: بل ظاهر الحديث أنهما في حكم عضو واحد لأنه قال في الحديث بسبعة، فإن عضوين صارت ثمانية، وذكر الأنف استحباباً وأما البدان والركبتان والقدمان فهل يجب السجود عليها؟ فيه قولان للشافعي أحدهما لا يجب لكن يستحب استحباباً متأكداً، والثاني يجب وهو الأصح، وهو الذي رجحه الشافعي، فلو أخل بعضو منها لم تصح صلاته، ومثلها عند المالكية لكن الذي رجحه خليل في مختصره السنية، لكن قال ابن العربي المالكي: أجمعوا على وجوبه على السبعة الأعضاء، والحديث حجة لأصحابنا إذ لا دليل لحمل بعض الحديث على الوجوب وبعضه على الندب، وعلى القول بالوجوب عند الشافعية لا يجب كشف القدمين والركبتين، وفي الكفين قولان وأصحها لا يجب، ويوافقه ما سيختاره المصنف رحمه الله في آخر الباب، لكن خلاف الشافعي في الجبهة فأوجب كشفها، حرره.
14.71 (1/515)
صفحة 516
شعراً ولا ثوباً) (1) وفي خبر آخر من طريق ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا سجد العبد سجدت معه سبعة أراب وهي الجبهة والكفان والركبتان والقدمان) (2) وكذلك إن سجد ولم يبلغ الأرض إلا يد واحدة، أو الأقل من يديه أو من يد واحدة وأما إن بلغ الأكثر من يديه فلا بأس بصلاته، لأن حكم الأكثر كحكم الكل والله أعلم. وإن سجد على الأرض فأقلب يديه على ظهرهما في السجود فإنه يعيد صلاته لأنه مأمور أن يسجد على الكفين كما جاء في الحديث، أعني باطنهما، وكذلك إن وضعهما على جانبهما أو عقد يديه في سجوده أو وقفهما على الأصابع على هذا الحال، وإن سجد ووضع يديه مع ركبتيه على الأرض أو وضعهما مقابل رأسه فإنه يعيد صلاته لأنه جعلهما في غير موضعهما الذي هو بين الرأس والركبتين، وقال آخرون: لا إعادة عليه ما لم يقدمهما عن رأسه أو يؤخر هما عن ركبتيه فإن قدمهما أو أخر هما أعاد صلاته، لأنه خالف المعمول، كمن خالف بين رجليه في القيام والله أعلم. وإن رفع رأسه من السجود وترك يديه في الأرض ولم
قوله: إراب الإرب بالكسر العضو والجمع آراب بعد أوله كجرم وإجرام.
(1) تقدم ذكره.
(2) رواه الجماعة الا البخاري.
10.91 (1/516)
صفحة 517
يرفعهما حتى سجد مرة أخرى فإنه يعيد صلاته، لقوله عليه السلام للذي يعلمه الصلاة: (ثم ارفع حتى تطمئن قاعداً)) يعني من السجود، ولا يطمئن قاعداً من السجود ما لم يرفع يديه من الأرض، وكذلك ما روي
عن جابر (أن النبي عل الله قال: لا ينظر الله إلى رجل لا يقيم صلبه في
(2)
صلاته بين ركوعه وسجوده) (2) يدل على هذا، وإن رفع رأسه من السجود ورفع يديه وتركهما في الهواء حتى رجع الى السجود فإنه يعيد صلاته، لأن قوله عليه السلام للذي يعلمه الصلاة (ثم ارفع حتى تطمئن قاعداً) يفيد أن يقعد كما يقعد للتشهد، لقوله: (ثم ارفع رأسك وقم إلى الركعة الثانية وافعل فيها كما فعلت في الأولى فإذا أنت قعدت وقلت فقد تمت صلاتك (3)، وقال بعضهم: لا إعادة عليه إن لم يضعهما على
قوله: وقال بعضهم: لا إعادة عليه إن لم يضعها الخ. اختلف العلماء في السجود على السبعة الأعضاء هل هو واجب أو سنة؟ فالمذهب الوجوب، وكذا الخلاف ثابت في مذهب مالك فإذا لم يرفع يديه بين السجدتين ففي إجزاء صلاته قولان، وحكى ابن العربي المالكي الإجماع على وجوبه على السبعة الأعضاء، فلعل الخلاف المذكور له التفات إلى هذا الخلاف، لكن يتخرج على القول بالسنة عدم الإجزاء إذا تركه متعمداً والله أعلم.
(1) تقدم ذكره.
(2) رواه أحمد (3) تقدم ذكره.
01. (1/517)
صفحة 518
ركبتيه حتى رجع الى السجود، ولعلهم راعوا في ذلك صورة القعود فقط، والله أعلم. وإن سعد الرجل فليسجد على بطن بنان رجليه كما كان يسجد بباطن يديه، وقال آخرون: يوقف رجليه على رؤوس بنانه وذلك عندي، لأن في بعض الأحاديث ذكر السبعة للأعضاء، وقال: وأطراف القدمين، وان سجد ورفع رجليه من الأرض في حال السجود فإنه يعيد صلاته لأنه لم يسجد على السبعة الأعضاء كما جاء في الحديث، وكذلك ان لم تبلغ رجلاه الأرض إلا بأقل البنان، وأما ان بلغ الأرض
قوله: وأطراف القدمين هكذا في رواية مسلم والبخاري من قومنا من حديث ابن عباس.
فائدة: في الديوان وإذا سجد الرجل في موضع وشم فيه رائحة البول فإنه يحول وجهه عن يمينه، وإن كان فيه رائحة النجس تحول عن يساره، وإن كان فيه أيضاً فليؤخر وراءه قليلاً، وإن كان فيه أيضاً مضى على صلاته ولا يشتغل بذلك حتى يفرغ من صلاته، فلينظر فإن وجد النجس في المكان الذي صلى فيه أعاد صلاته، قلت: أرأيت الذي تحول بوجهه إن كان يبني على تعظيمه الأول؟ قال: نعم، ويستحب لمن أراد أن يسجد أن عد نفسه مقدار ما يبلغ كما لا يضره ذلك ثم يعيد السجود مرة أخرى في موضعه الأول أو دونه، وإن سجد مرة أخرى فجاوز موضع سجوده الأول فليعد صلاته، ومنهم من يرخصر ويقال: الفضل أن يجعل سجود كل سجدة على حدة، ومنهم من يقول: سجود كل ركعة، ومنهم من يقول: الفضل في السجود أن يسجد في موضعه الذي فيه أول مرة، ولا يجور سجوده إلى غيره من المواضع.
سجد
-011 - (1/518)
صفحة 519
الأكثر من البنان فلا إعادة عليه وكذلك الركبتان على هذا الحال في اليدين والقدمين، لأن المعنى فيها واحد، وإن سجد بجبهته دون أنفه فإنه لا يفعل ذلك فإن فعل فلا إعادة عليه لأن في حديث ابن عباس في السبعة الأعضاء وذكر الجبهة، وإن سجد بأنفه ولم يسجد بجبهته فإنه يعيد صلاته، لأنه لم يسجد على الجبهة المأمور بها والله أعلم. غير أن في بعض الأحاديث في السبعة الأعضاء وهي الوجه والكفان والركبتان والقدمان فهذا الحديث يدل عندي أن الواجب عليه أن يسجد على ما يستحق به إسم ساجد ولهذا قال بعضهم: لا بد أن يسجد على الجبهة والأنف جميعاً، ويؤيد هذا ما روي عن جابر رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ينظر الله إلى رجل لا يقيم صلبه في صلاته بين ركوعه وسجوده ولا تتم صلاة رجل لا تمس أنفه الأرض حين تمس جبهته) (1) وعلى هذا أيضاً يجوز لقائل أن يقول: إن من سجد على أنفه أو خده أجزاء لاستحقاقه إسم ساجد، والصحيح هو القول الأول والله أعلم. والتسبيح في السجود ثلاث؛ وهو
قوله: والتسبيح في السجود ثلاث الخ.
قلت: أنظر هل الثلاث سنة بالإستقلال؟
(1) تقدم ذكره.
- 512 - (1/519)
صفحة 520
أن يقول: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات كالتعظيم في الركوع وسبيله سبيل التعظيم في الركوع في الزيادة والنقصان، وغير ذلك من جميع أحكامه مثل إن قال: سبحان الله أو لا إله إلا الله في سجوده، وإن عظم في سجوده بالعجمية فإنه يعيد صلاته لأنه لا يستعمل بين الإحرامين إلا العربية الخالصة، وإن عظم ثلاثاً قبل أن يسجد ثم سجد، فإنه يعيد صلاته لأنه زيادة في غير موضعها وقال آخرون يعظم في سجوده ولا يضره ما زاد في صلاته مما هو مثل هذا كما قدمنا والله أعلم. وكذلك إن لم يعظم إلا حين رفع رأسه من السجود فإنه يعيد صلاته لقوله عليه السلام لما نزل عليه
(1)
قوله تعالى: (سبح اسم ربك الأعلى. (اجعلوها في سجودكم) ولا يسمى ساجداً حتى يضع جبهته على الأرض، وإنما يسجد بالتكبير ويرفع رأسه من السجود بالتكبير، وهو سنة، وإن كبر قبل أن يسجد ثم سجد أو كبر قبل أن يرفع رأسه من السجود ثم رفع رأسه بعد ذلك فإنه لا إعادة عليه في ذلك كما قدمنا في قول (سمع الله لمن حمده) إذا رفع رأسه من الركوع
قوله: سبحان ربي الأعلى وليحذر من تشديد الياء فإنه يبطل الصلاة، بل هو شرك كما نص عليه في السؤالات.
قوله: الإحرامين: أي الإحرام والتسليم عبر عنها تغليباً.
(1) تقدم ذكره.
- 513 -
م 33 - الإيضاح» (1/520)
صفحة 521
نسقاً
ينسق والله أعلم. وإذا رفع رأسه من السجود فإنه لا يرجع إلى السجود الثاني حتى يستوي قعوده، ويرجع كل مفصل إلى موضعه كما قدمنا عن النبي عليه السلام، فإذا استوى في قعوده فليرجع بالتكبير إلى السجدة الثانية ويفعل فيها كما فعل في الأولى، وإذا فرغ من تعظيم السجدة الثانية فإنه يرفع رأسه بالتكبير إلى القيام، وإنما ينهض الى القيام حين أراد أن يقوم نهوض المهر إلا إن كان له عذر يمنعه ذلك، ومعنى نهوض المهر أي يرفع رأسه من السجود الى القيام من غير أن يتورك للقعود، والدليل ما روي (أنه قال عليه السلام للذي يعلمه الصلاة ثم ارفع رأسك وقم الى الركعة الثانية)) ولم يقل إرفع رأسك واقعد ثم
قوله: وإنما ينهض إلى القيام الخ. قال في الديوان وإن اعتمد على راحتيه أو
على ظهر كعبيه فإنه يعيد صلاته إلا إن كان شيخاً كبيراً أو له عذر. قوله: والدليل ما روي الخ. فيه رد المذهب الشافعي حيث قالوا نستحب جلسة الإستراحة.
قوله: ثم ارفع رأسك وقم الخ. في الديوان وإن رفع رأسه من السجود وقعد على مقعدتيه محتبياً من غير عذر أعاد صلاته، وإن كان إنما قعد على عقبيه متعمداً فإنه يعيد صلاته،، ثم قال في إثر هذه المسألة: ولا يسجد الرجل على الأصواف معمولاً كان أو غير معمول، فإن فعل ذلك فلا.
جميع
يعيد صلاته،
(1) تقدم ذكره.
1018 - (1/521)
صفحة 522
قم، وإن سجد على الأرض وترك التعظيم من غير سهو ولا عذر فإنه يعيد صلاته، ولو كان ذلك أقل القليل، وقول آخر: إن ترك مقدار ما يعظم فيه أعاد صلاته، وكذلك إن أتم تعظيمه ولم يرفع رأسه من السجود من غير عذر فإنه يعيد صلاته، وقال آخرون: حتى يترك رفع رأسه من السجود مقدار ما يعظم فيه، وكذلك إن أحرم صلاته وترك القراءة أكثر من مقدار ما يتنفس فيه فإنه يعيد صلاته، وقال آخرون: حتى يترك مقدار ما يقرأ فيه ما يجزيه للصلاة، وهو عندي مقدار العمل والله أعلم. وإن سجد الرجل على عمامته ولم يمس الأرض شيء من جبهته فلا يفعل ذلك فإن فعل فلا يعيد صلاته لاستحقاقه اسم ساجد قياساً على الركبتين لأن سترهما لا يمنع من استحقاق اسم السجود لهما، وكذلك اليدان على هذا الحال والله أعلم.
وفيه أيضاً إنما الفضل للرجل أن يصلي على الحصير دون الأرض، وإن سجد على أطراف الحصير وهو مرتفع على الأرض لم يمس الأرض فلا بأس عليه، وإن اعتمد عليه برأسه حتى وصله إلى الأرض أعاد صلاته
قوله: قياساً على الركبتين فيه تأمل إذ هو قياس مع وجود الفارق، إذ ذلك في الركبتين ضروري ولا كذلك في الجبهة واليدين، نعم روى بعض المخالفين (أنه ما كان يسجد على كور عمامته) (1) حرر بنقل صحيح.
(1) أخرجه ابن أبي شيبة.
10101 (1/522)
صفحة 523
باب في القعود وما يفعل فيه من التشهد
والقعود في الصلاة فرض والدليل قوله تعالى: «فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم، وأما صفة القعود فإنه اذا قعد الرجل للتشهد فليقعد على رجليه وليكن اعتماده على رجله اليسرى، وليجعل بنان رجله
باب في القعود وما يفعل فيه من التشهد
قوله: التشهد التشهد التفعل من الشهادة، لما اشتمل هذا الذكر على الشهادة الله سبحانه وتعالى بالتوحيد، الشهادة للنبي ع بالرسالة، تسمى تشهداً من باب تسمية الشيء بأشرف ما اشتمل عليه
قوله: فرض والدليل الخ. الأولى الإستدلال بقول ابن مسعود رضي الله عنه: (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد السلام على الله قبل عباده، والسلام على جبريل، السلام على ميكائيل، فقال النبي: (لا تقولوا
(1)
السلام فإن الله هو السلام، ولكن قولوا التحيات الله) رواه الدارقطني والبيهقي من قومنا بإسناد صحيح. وبعضه في الشيخ إسماعيل رحمه الله، فدل على وجوب التشهد، وإذا ثبت وجوبه ثبت وجوب القعود لأن كل من أوجبه
أوجب به القعود والله أعلم.
قوله: والدليل أنظر مع ما أسفله.
(1) تقدم ذكرها.
1019 - (1/523)
صفحة 524
اليمنى في أخمص اليسرى وليوصلهما الى الأرض جميعاً، وإن جعل بنان اليسرى في أخمص اليمنى فلا بأس بصلاته، وقد روي (أنه لا اذا رفع رأسه من السجود استوى قائماً بالتكبير واستفتح القراءة ثم فعل ذلك في الثانية وظاهر قدمه اليمنى مما يلي الأرض) وإن وقف إحدى رجليه وفرش الأخرى فلا بأس بصلاته، وقد روي عن بعض العلماء قال في صفة القعود على التحيات: يوقف رجله اليمنى كما في السجود ويفرش اليسرى ويقعد عليها، وقد ذكر في بعض الكتب هذه الصفة عن الرسول عليه السلام، وإن رد رجليه إلى ناحية الشمال أو ردهما إلى ناحية اليمين فلا بأس بصلاته، إلا أنه لا يفعل ذلك إلا بعذر، وبالجملة
قوله: يوقف رجله اليمنى الخ. ففي صحيح مسلم أبو الجوزاء عائشة عن رضي الله عنها: (كان رسول الله لا يستفتح بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين وكان إذا ركع لم يشخص برأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائماً، وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حق يستوي جالساً، وكان يقعد في كل ركعتين للتحية، وكان يفرش جوله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وكان ينهي عن عقبي الشيطان، ونهى يفرش الرجل ذراعيه إفتراش السبع، وكان يختم الصلاة بالتسليم) (2) وفي رواية ينهى عن عقب الشيطان
(1) رواه مسلم من طريق أبي هريرة. (2) رواه احمد ومسلم وأبو داود.
أن
1014 - (1/524)
صفحة 525
إن جميع القعود لا يفسد الصلاة إلا ما قام عليه الدليل، مثل: قعود الحبشة وتربيع الملوك، وجلوس القرفصاء. أما قعود الحبشة فهو أن يضع اليتيه على عقبيه في الصلاة ويجلس على صدور قدميه، والدليل ما روي (أنه نهى عن عقبي الشيطان (وأما تربيع الملوك فالأصل فيه عندي أنه لال نهى عن الإقعاء في الصلاة)) واختلف العلماء في صفة الإقعاء
المنهي عنه في الصلاة، قال: أن بعضهم يضع اليتيه على عقبيه، وهو الذي يعرف بعقبي الشيطان على هذا القول، ويكون تربيع الملوك خارجاً من النهي على هذا التفسير، وقال آخرون: معنى الإقعاء المنهي عنه في ال ب الصلاة أن يلصق إليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه بالأرض كما تفعل الكلاب والسباع، ولذلك قال الشاعر:
يقصر يمشي ويطول باركاً
يريد أنه اذا مشى كان أقصر منه اذا أقعى، والنظر يوجب عندي هذا التفسير، ويكون تربيع الملوك داخلاً في النهي لما روي من طريق ابن عباس رضي الله عنه (أن النبي نهى المصلي أن يقعي في صلاته إقعاء الكلب، وأن ينقرها نقر الديك، وأن يلتفت التفات الثعلب،
(1) تقدم ذكره من حديث عائشة.
18171 (1/525)
صفحة 526
و أن يقعد فيها قعود القرد (1) فقد ذكر الإقعاء ونسبه إلى الكلاب وذكر قعود القرد وهو بخلاف الإقعاء، غير أن الربيع بن حبيب رحمه الله ذكر في تفسير الإقعاء قال: أن يفرش ذراعيه في الصلاة ولا ينصبهما، وأما جلوس القرفصاء فالأصل فيه ما روي عن ضمام بن السائب عن جابر (أن النبي نهي عن جلوس القرفصاء) (2) وهو أن يقعد الرجل قعدة المحتي ثم يحتي بيديه يضعهما على ساقيه والله أعلم. وإن لم يمكنه الركوع والسجود وأمكنه الصلاة قاعداً أو قائماً بالتومي فإنه يصلي قاعداً، والقعود أولى من القيام بالتومي، لأن صلاة القعود إيماء وكذلك صلاة الإيماء، إلا إن لم يمكنه، وأما القعود المنهي عنه في حال الصحة فالقيام أولى لأجل النهي إن لم يمكنه إلا هو، أو القيام والله أعلم. والقعود أولى من الاضطجاع لقوله عليه السلام) يصلي المريض قائماً فإن لم يستطع فليصل
قدميه
قوله: قعود القرد، وفسر قعود القرد بأن يقعد على عقبيه وينصب قوله: والقعود أولى من الإضطجاع، حرره مع ما سبق، فإن ما سبق يقتضي تعين القعود لا أوليته.
فائدة: مراعاة الخلاف أولى ما لم يؤد إلى مكروه في المذهب كالصلاة
(1) رواه أحمد عن أبي هريرة، دون زيادة (قعود القرد).
(2) رواه البيهقي والدارقطني
-019 - (1/526)
صفحة 527
قاعداً، فإن لم يستطع فليصل مضطجعا) وكذلك القيام أولى من الاضطجاع إن لم يمكنه إلا القيام أو الاضطجاع، لقوله تعالى: وقوموا الله قانتين) ولا يسقط هذا الفرض إلا دليل قائم، وقال
a
آخرون: الاضطجاع أولى من القيام، وذلك عندي لأن صلاة القيام إنما هي بالركوع والسجود، وإن لم يقدر رجع إلى غيره من القعود أو الاضطجاع، وتربيع الملوك أولى من الاضطجاع إن لم يمكنه إلا الاضطجاع أو التربيع، وكذلك القعود على رجليه أولى من الاضطجاع، والاضطجاع أولى من قعود الحبشة إن لم يمكنه غير هما لاتفاق الناس على قعود الحبشة أنه لا يجوز في الصلاة والله أعلم. والمصلي مضطجعاً يمد يديه مع جسده كمن يصلي قائماً، وإذا قعد الرجل على التحيات فليضع يديه على فخذيه وليوصل رؤوس أصابعه إلى أطراف ركبتيه، وإن لم يوصل رؤوس أصابعه إلى أطراف ركبتيه فإنه لا بأس بصلاته، وأما إن لم يضع يديه على فخذيه وتركهما في الهواء أو وضعهما على الأرض في حال
بالتومي قائماً فإن راعينا الخلاف ارتكبنا مكروهاً في المذهب، فالأولى الصلاة
قاعداً ولا يراعى الخلاف
(1) تقدم ذكره.
(2) البقرة: 238. (1/527)
صفحة 528
قعوده على التحيات فإنه يعيد صلاته إن كان ذلك منه بغير عذر ولا نسيان، والدليل على هذا ما روي أنه كان يضع كفه اليمنى على ركبته اليمنى، وكفه اليسرى على ركبته اليسرى) يعني إذا جلس التشهد، وهذا الحديث قد رأيته في بعض الكتب وهو موافق لما عليه أصحابنا رحمهم الله، ولذلك كتبته والله أعلم. ورخص بعض أن لا يعيد صلاته إن لم يضعهما على ركبتيه، ولعلهم راعوا صورة القعود فقط والله أعلم. وإذا ركع وسجد وقعد على التحيات فليقرأها وهي سنة مأثورة عن النبي، وذلك ما روي (أنه كان يعلم أصحابه التشهد كما يعلمهم القرآن) فهذا يدل على وجوبها وهي (التحيات المباركات لله
قوله: فهذا يدل على وجوبها الخ. فيه رد على مالك إذ هي عنده ده سنة أو فضيلة، وقد وافق الشافعي أصحابنا
قوله: التحيات جمع تحية وهي الملك وقيل البقاء الدائم، وقيل العظمة، وقيل السلامة من الآفات، وإنما جمعت لأن كل واحد من ملوكهم كان له تحية يحيي بها فقيل لنا قولوا: التحيات الله والبركات الثابتات الناميات، والصلوات قيل الخمس، وقيل كل صلاة، وقيل العبادات، وقيل الدعاء، وقيل الرحمة، والطيبات الأعمال الصالحة، وقيل الكلمات، الطيبات الله عز وجل وهي
(1) رواه أحمد والنسائي وأبو داود عن وائل بن حجر. ورواه أحمد ومسلم والنسائي
عن ابن عمر.
•
- 521 - (1/528)
صفحة 529
- (1)
والصلوات الطيبات، والسلام على النبي ورحمة الله وبركاته، وسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أن محمداً عبده ورسوله) (1) تمت التحيات ويدعو بما فتح الله به، واختلفوا في الدعاء الذي يدعو به في الصلاة قال أصحابنا الله: رحمهم إنما يدعو بما في القرآن، وما يشبه ما في القرآن، وقال أبو غانم بشير بن
غانم: سألت الربيع بن حبيب وأبا المورج وعبد الله بن عبد العزيز هل في الدعاء في الصلاة شيء مؤقت لا يعدوه الداعي إلى غيره؟ قالوا: ليس في ذلك شيء مؤقت، غير أن أفضل ذلك أن يدعو بما في القرآن فيما يجوز له أن يدعو به كل ذلك بعد التشهد، قال أبو المورج: ولو أتى بعد التشد بالصلاة على نبيه والإستغفار للمؤمنين، وقال أبو المورج: عن أبي عبيدة قال: يسأل في صلاته العافية وإصراف الضر"، وكف البلاء عنه، ويسأله الحج والجهاد في سبيل الله، ولا يستدم ذلك كفعل هؤلاء في ت، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تشهد أحدكم فليتعوذ
القنوت
التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد، والصالحين جمع صالح وهو القائم بحقوق الله وحقوق العباد، والله أعلم
(1) رواه مسلم وابو داود عن ابن عباس.
- 522 - (1/529)
صفحة 530
جهنم
من أربع ثم يدعو لنفسه بما بدا له، وهي: اللهم أني أعوذ بك من عذاب، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) (1) غير أن أصحابنا أهل الجبل يزيدون بعد التشهد: أشهد أن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الموت حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وهو حسن جداً لأنه من تمام التوحيد، وهو من العشر كلمات، ولا أدري هذه الزيادة منهم إستحساناً ولا أثراً عن بعض الأئمة أو عن الرسول عليه السلام؟ ومن ترك قراءة التحيات متعمداً أعاد صلاته، وكذلك إن نسيها أو نسي الأكثر منها والله أعلم. وقد قيل: من قرأ إلى والطيبات، فلا بدل عليه، ولعل هؤلاء حجتهم قوله عليه السلام للذي يعامه الصلاة (إذا أنت قعدت وقلت فقد تمت صلاتك) (2) وإن أخذ في التحيات وأحدث بحدث لا يبني فيه، فإنه إن بلغ إلى التشهد
قوله: المسيح الدجال إنما سمي مسيحاً لأنه. ممسوح أحد العينين قبحه الله تعالى، وهو مسيح الشر، وأما مسيح الخير فهو عيسى على نبينا وعليه السلام وعلى جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
(1) رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي عن ابي هريرة.
(2) تقدم ذكره.
- 523 - (1/530)
صفحة 531
فلا بأس بصلاته، والدليل ما روي أنه قال عليه السلام: (من وجد قياً أو رعافاً أو قدي وقد تشهد فليقم وقد تمت صلاته) (1) فهذا يدل أن ما دون التشهد لا يجزيه، وما بعد التشهد ليس بواجب، وقول آخر: إذا بلغ إلى: وعباد الله الصالحين، فأحدث أنه يجزيه، فهؤلاء ذهبوا إلى أن الصلاة على النبي عليه السلام في التحيات واجبة، والدليل قوله تعالى: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً، (2) وذلك أن الصلوات الطيبات عند بعضهم إنما هي الصلاة على النبي عليه السلام، ويكون والسلام على النبي ورحمة الله وبركاته معطوفاً عليها، وقال آخرون: إن قرأ إلى: والطيبات، ثم أحدث حدثاً فلا إعادة عليه، والدليل قوله عليه السلام: (إذا أنت قعدت وقلت فقد تمت صلاتك) وقال بعض: إذا قعد مقدار التشهد خلف الإمام ولم يقرأ شيئاً ثم أحدث فلا بأس بصلاته، والدليل ما روي (أنه قال عليه السلام: إذا قعد الرجل مقدار التشهد ثم أحدث فقد تمت صلاته) (3) غير أن في الحديث عموم لم يخص خلف الإمام ولا غيره، فهذا الحديث يدل أن قراءة التشهد ليس بواجب بل هو كسائر الأذكار في الصلاة لاتفاق
(1) أخرجه احمد وابو داود والترمذي والدارقطني.
(2) الأحزاب: 56
(3) رواه الدارقطني والبيهقي.
- 524 - (1/531)
صفحة 532
الجميع أن قراءة القرآن في الصلاة فرض واجب والتحيات ليست من القرآن باتفاق، وقد ذكر في (سبغ النعم): وقد قيل من قعد مقدار ما يقرأ التحيات فلا بدل عليه، وإن قرأ إلى: والطيبات، فلا بدل عليه، وإن ترك التحيات فلا كفارة عليه، وعليه البدل والكفارة، والبدل على من ترك تكبيرة الإحرام أو الركوع أو السجود أو القعود متعمداً والله أعلم. وإن قرأ التحيات ووقف له فيها حرف فإنه يردده حتى يصيبه، فإن لم يصبه فإنه يقرأ أسفل من ذلك الحرف ويمضي على قراءة التحيات، وقال بعضهم: لا يجزيه إلا أن يقرأ التحيات كما هي، وقد تقدم أصل هذا كله، ومن لم يعرف التحيات فإنه رخص له أن يقرأ فاتحة الكتاب في موضعها ويقرأ فاتحة الكتاب إلى النصف في موضع يقرأ فيه التحيات إلى التشهد، وأما إن عرف بعضاً من التحيات ولم يعرف بعضاً فإنه يجزيه ذلك البعض لصلاته ويتعلم ما بقي، وإن أتم التحيات في موضع يقرأها فيه إلى التشهد فإنه لا يفعل ذلك، وصلاته تامة، وإن نكس قراءة التحيات فإنه يعيد صلاته لأنه خالف السنة، وإن أخذ في التحيات ثم شق عليه البول أو الغائط فإنه يقوم ويقرأ ماشياً مستقبلاً للقبلة، وإن بلغ في التحيات موضعاً يجزيه لصلاته على ما قدمنا ثم أحدث أو مس النجس، فإنه لا يعيد صلاته، وإن أحدث في قراءة التحيات بحدث يبني فيه فإنه
- 525 - (1/532)
صفحة 533
يبني على ما قرأ من التحيات قل أو كثر لأنه في الصلاة، وإن كان ذلك خلف الإمام وخاف أن ينكسر عليه الوضوء فإنه يقوم إذا بلغ إلى ما يجزيه، وإن سمع الإمام قد سلّم قبل أن ينتقض عليه الوضوء فليسلم هو أيضاً، وإن زال عنه ذلك أيضاً فإنه يرجع إلى الإمام وإن سلم الإمام حين رجوعه فليسلم هو أيضاً مكانه، وإن انكسر عليه الوضوء حين بلغ ما يجزيه فليس عليه أن يسلم، وإن قرأ فاتحة الكتاب في موضع التحيات
قوله: وإن قرأ فاتحة الكتاب الخ. قال في الديوان، وإن قرأ الحمد في موضع يقرأ فيه التحيات فإنه يعيد صلاته إن مضى على ذلك الحال، فيقيد إطلاق المصنف هنا والله أعلم. قلت: التقييد مأخوذ من كلام المصنف رحمه الله حيث قال وإن ذكر فليرجع الخ مفهومه أنه إن لم يرجع فالحكم ليس كذلك، لكن لا يعلم منه الحكم، وقال في الفرع الثاني: وإن قرأ التحيات في موضع يقرأ فيه فاتحة الكتاب فإنه يعيد صلاته، وفيه أيضاً إن ذكر من ساعته فرجع فقرأ فاتحة الكتاب لا يعيد صلاته، وقال الشيخ إسماعيل رحمه الله: وإن قرأ التشهد في موضع الفاتحة فركع فليستأنف صلاته، وإن لم يركع فليقرأ الفاتحة ثم يركع في صلاة السر ويقرأ السورة في الجهر والله أعلم. وكلام المصنف رحمه الله محتمل لما قاله الشيخ إسماعيل ويحتمل كلام الديوان حرره، ولكن مخالفته لعبارة الديوان تشعر بالأول كما في الفرع الأول، قلت: عند التأمل لا مخالفة بين كلام الديوان وكلام الشيخ إسماعيل رحمهم الله لإمكان حمل كلام الديوان على كلام الشيخ إسماعيل بأن يحمل قوله في الديوان أن ذكر من ساعته على التذكر قبل الركوع، وتحمل عبارة المؤلف على ما يوافقها والله أعلم. إذ المصنف رحمه الله عبر بعدم الإجزاء لا بالبطلان والله أعلم بالصواب.
- 526 - (1/533)
صفحة 534
ساهياً فلا بأس بصلاته، وإن ذكر فليرجع ويقرأ التحيات، وأما التحيات فلا تجزيه في مكان السورة لا على العمد ولا على النسيان والله أعلم.
مسألة
:
والتسليم في الصلاة سنة وهو تحليل من الصلاة لقوله عليه السلام: (تحليلها التسليم) أي قد انصرفت وحل لك ما كان محرماً عليك في الصلاة، واختلفوا فيمن قام ولم يسلم، قال بعضهم: يعيد صلاته لقوله عليه السلام: (تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم)) وحصرها بين التكبير والتسليم لأن الألف واللام من حروف الحصر، وحروف الحصر تقتضي نفي الحكم على خلاف ما ذكر وكانت معلقة إلى التسليم كما علقت الى التكبير، ولا فرق؛ وقال آخرون: قد يكون الخروج من الصلاة بغير تسليم، واستدلوا بقوله عليه السلام: (الْعَمْدُ قود) (2) وليس الألف واللام في هذا الخبر بحاصرة للقود في كل العمد، وكذلك قوله عليه السلام: (الإمامة في قريش (3) بدليل قول عمر رضي الله عنه: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً ما خالجني فيه الشكوك، وقوله عليه
(1) تقدم ذكره.
(2) متفق عليه.
(3) متفق عليه.
- 527 - (1/534)
صفحة 535
السلام للذي يعامه الصلاة: إذا أنت قعدت وقلت فقد تمت صلاتك) (1) دليل على هذا، واختلفوا فيما يعني به في تسليمه، قال بعضهم: يعني الإنصراف من الصلاة لقوله عليه السلام: (تحليلها التسليم) فعلى هذا تجزيه تسليمة واحدة، وقال آخرون: يعني به الحفظة ويسلم على هذا تسليمتين، تسليمة عن يمينه وتسليمة عن شماله، وقال آخرون: يعني به من خلفه إذا كان إماماً والله أعلم. وإنما يسلّم الرجل على اليمين والشمال فهذا يدل من قولهم رحمهم الله ان التسليم للحفظة، وان سلم على اليمين دون الشمال، أو على الشمال دون اليمين، أو سلم قدامه دون يمينه وشماله، أو سلم ولم يحول وجهه، فإنه لا بأس بصلاته في كل هذا، لعموم قوله عليه السلام: (تحليلها التسليم) ولم يخص جهة من جهة، والمعمول أن يصفح بها يميناً وشمالاً، وإن شك أنه سلم أو لا فإنه يسلم إن لم يأخذ في عمل غير الصلاة، فان أخذ في عمل غير الصلاة أو بعد ما فرغ منها، فانه لا يشتغل بالشك، وكذلك كل عمل خرج منه في الصلاة فشك فيه بعد ما فرغ منه أنه يمضي على صلاته ما لم يتيقن أنه لم يعمله والله أعلم؛ والدليل ما روي: (أنه قال عليه السلام: إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصلاة، ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتي السهو)) والله أعلم. وبالله التوفيق.
(1) تقدم ذكره.
(2) متفق عليه.
- OTA- (1/535)
صفحة 536
باب في صلاة الجماعة
وصلاة الجماعة فرض على الكفاية إذا قام بها البعض أجزأ عن الباقين، والدليل ما روي من طريق أنس (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الصلاة في الجماعة خير من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) (1) فكأنه قال عليه السلام صلاة الجماعة أكمل من صلاة المنفرد، والكمال إنما هو شيء زاند
باب في صلاة الجماعة
قوله: فرض على الكفاية، وهذا هو الأصح عند الشافعية، وقال المالكية: سنة في المشهور، وقيل فرض كفاية.
قوله: ما روي من طريق الخ. وفي رواية صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة، والجمع بينها من ثلاثة أوجه احدها لا منافاة بينهما فذكر القليل لا ينافي الكثير، ومفهوم العدد فيه خلاف عند الأصوليين، والثاني: يكون أخبر أولاً بالقليل ثم أعلمه الله تعالى بزيادة الفضل فأخبر بها،: أنه يختلف باختلاف أحوال المصلين والصلاة فيكون لبعضهم خمس وعشرون، ولبعضهم سبع وعشرون بحسب كمال الصلاة، ومحافظته على هيأتها و خشوعها وكثرة جماعتها وشرف البقعة ونحو ذلك
الثالث
قوله: أكمل من صلاة المنفرد الخ. قلت: بل الحديث يقتضي فضيلة في
(1) متفق عليه
- 529 -
ه م 34 - الإيضاح» (1/536)
صفحة 537
على الإجزاء، ويدل أيضاً أن للمنفرد صلاة إذا صلى وحده ما روي (أن النبي عليه السلام إفتقد علياً في صلاة الصبح فدخل على فاطمة فقال: ما شغل ابن عمك؟ فقالت: بات يصلي فلما طلع الفجر صلى واضطجع، فقال: لو صلى في الجماعة لكان أفضل (1) فهذا يدل أن صلاة المنفرد تامة والله أعلم. غير أن ما روي من طريق أبي هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هممت أن آمر بحطب يحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً يوم بالناس، ثم أتخلف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدكم أنه يجد عظماً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء ((2) يدل أن صلاة الجماعة فرض على الأعيان، وكذلك ما روي
صلاة الفرد لمقتضى أفعل التفضيل الاشتراك في الأصل مع التفاضل في أحد الجانبين، ولو كانت الجماعة شرطاً أو ركناً لما صحت صلاة الفذ ولم يكن فيها فضيلة، وقد ثبت الفضل فثبتت الصحة وانتفت الشرطية والركنية
قوله: فيؤذن لها أي تقام كما جاء به عند غيرنا.
قوله: مرماتين قيل المرماة: الظلف، قيل ما بين ظلفي الشاة، قاله أبو عبيدة. قوله: فرض على الأعيان، وهو مذهب الأوزاعي وعطاء وأحمد وأبي ثور
(1) رواه الدارقطني والنسائي وابن ماجه.
(2) متفق عليه
- 530 - (1/537)
صفحة 538
أن ابن أم مكتوم قال: يا رسول الله إني ضرير شاسع الدار ولا قائد
لي فهل لي من رخصة أصلي في بيتي؟ فقال له النبي عليه السلام: هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب (1) وروي (أنه أمر أن يشد له حبل إلى المسجد) (3) فهذا يدل على وجوب صلاة الجماعة على من سمع
وابن المنذر وابن خزيمة وداود، وأجيب عن هذا الحديث بأن هؤلاء المتخلفين كانوا منافقين، وسياق حديثه يقتضيه لأنه لا يظن بالمؤمنين بأنهم يؤثرون العظم السمين على حضور الجماعة مع رسول الله وفي مسجده، ولأنه لم يحرق بل هم به ثم تركه، ولو كانت فرض عين لما ترك.
قوله: وكذلك ما روي أن ابن أم مكتوم الخ. وأجيب عنه بأنه سأل هل له رخصة يصلي في بيته وتحصل له فضيلة الجماعة بسبب عذره؟ فقيل: لا، ويؤيد هذا أن حضور الجماعة يسقط بالعذر بإجماع المسلمين.
•
فرع: شرط القدوة أربعة: النية في الاقتداء بالإمام، وأن لا ينزل المأموم جنس صلاة الإمام عن جنس صلاته كمتنفل يؤم مفترضاً، واتحاد الفرض المؤتم فيه فلا يصل الظهر خلف من يصلي الصبح أو غيره، والمتابعة، والمساوقة كذا في الشيخ إسماعيل رحمه الله تعالى، وظاهره جواز الانتمام إن اتحد الفرض وإن اختلف بالأداء والقضاء، أو اتحد أو اختلف اليوم كظهرين من يومين، وشرط مالك المساواة في عين الصلاة، وإن بأداء وقضاء، أو بظهرين فائتين من يومين، ولم يشترط الشافعي شيئاً من ذلك، فيصح نية المؤدي بالقضاء والمفترض بالمتنفل، و في الظهر بالعصر وبالعكس، ولا يضر ذلك اختلاف النيات، وذكر ابن جعفر
(1) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. (2) تقدم ذكره
- 531 - (1/538)
صفحة 539
النداء، ويؤيد هذا القول ما روي أنه قال من سمع النداء فليجب و من لم يجب فلا صلاة له إلا من عذر، قيل: وما العذر يا رسول الله؟ قال: خوف أو (مرض) (1) فهذا عندي في زمان الناس فيه كلهم صالحون والمسلمون هم الغالبون للناس، والحاكمون عليهم يأمرون بالمعروف علانية، وينهون عن المنكر علانية، لا يخافون في الله لومة لائم، فعند ذلك ينبغي للمسلم أن لا يعتزل المسلمين ولا يغيب عن جماعتهم، لأن
عن أبي محمد رحمهما الله أن من كان قد صلى وجد جماعة تصلي فإنه يصلي معهم ويجعلها نافلة ويقطع بين كل ركعتين بالتسليم بعد التحيات، وإن شاء لم يقطع ومضى مع الإمام إذا نوى قبل دخوله أن يصليها مكان صلاة ضيعها، أو انتقضت عليه فإن تذكر بعد ذلك صلاة كانت عليه مثل هذه، فقد أجزته هذه لتلك، ولعل هذا على أحد القولين الآتيين في آخر باب النوافل حرره. ويحتمل أن يكون قول الشيخ رحمه الله: واتحاد الفرض مراد به المساواة العينية، وإن بالأداء والقضاء، لكن يشكل عليه تفريقه بعد ذلك حرره. قلت: لا إشكال بل قوله فلا يصل الظهر خلف من يصلي الصبح إشارة إلى الاتحاد في الأداء وهذا هو الذي يتمشى على القول بارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، وقد نص في الديوان على من صلى فرضاً وحده ثم وجد جماعة يصلون فإنه يصلي معهم نافلة ولا يجعلها للاحتياط، ثم ذكر رخصة بعد ذلك فلعل تلك الرخصة وما حكاه ابن جعفر عن أبي محمد مبني على القول بعدم الارتباط، حرره. قلت: وسيأتي في كلام المصنف. رحمه الله في آخر فصل أجمع العلماء أنه يجب على المأموم أن يتبع الإمام يعلم منه الحكم، راجعه.
(1) متفق عليه.
ويجعلها
- 532 - (1/539)
صفحة 540
المسلمين يومئذ كلمتهم مجتمعة ودينهم واحد وإن كان فيهم من لا يخاف الله فهو مقهور ذليل، وأما زمان افترق فيه الناس في أديانهم وظهر المنكر وولي على الناس الأشرار ودخل في الأمور من لا يصلح نفسه، وولي ا على الناس من يأخذ الهدايا والسُّخت ويقدم الأشرار ويؤخر الأخيار، فليس حال أحسن للمسلم في ذلك الزمان من الكتمان؛ وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا أدركت ذلك الزمان فكف يديك ولسانك عن المعونة، قال: وكن كابن كبون لا ظهر فيركب، ولا ضرع فيحلب، قال: وكن كَحِلْس من أحلاس بيتك واعتزل الناس وما هم فيه، وقال أيضاً ابن مسعود رضي الله عنه: ألا ففروا من الفتنة كما تفر الوحوش بأولادها، ألا فالحذر ثم الحذر فإنه لن ينجو من الفتنة إلا من ضاجع الذل ولئن يقال لك ذليل خير من أن يقال لك إنك من أصحاب السعير؛ والله أعلم. وإن صلى في بيته أو في المسجد منفرداً ثم أصاب الناس
قوله: وإن صلى في بيته الخ. أي الصلاة المفروضة في وقتها فلو قضى صلاة في بيته ثم وجد جماعة في محل يريدون قضاء تلك الصلاة بعينها فالظاهر أنه لا يعيدها. إذ صلاتهم القضاء بالجماعة مكروهة والله أعلم. وقد استثنى معهم أصحابنا الصبح والعصر للنهي الثابت عن الصلاة بعدهما وروى الدارقطني عن ابن عمر) أن النبي الله قال: من صلى وحده ثم أدرك جماعة فليصل إلا الصبح والعصر) (1) ففيه حجة لأصحابنا رحمهم الله وإنما أثبته لموافقته
(1) تقدم ذكره.
- orr- (1/540)
صفحة 541
يصلون تلك الصلاة بالجماعة فليصل معهم ويجعلها نافلة، والدليل على هذا ما روي) أن النبي مال الله لمجلس وفي مجلسه رجل يسمى محجناً فأقيمت
قوله: ويجعلها نافلة في ابن جعفر وعن أبي الله أن من كان قد صلى وأقيمت الصلاة جماعة صلى معهم وتكون صلاته تلك نافلة، ويقطع بين كل ركعتين بالتسليم بعد قراءة التحيات إلى آخر ما تقدم في الفرع الذي قبل
هذا بقوله.
قوله: ويجعلها نافلة، قال الربيع: قال أبو عبيدة رضي الله عنهما: معنى ذلك يجعلها سبحة ا هـ. مسند وهو أيضاً مذهب الشافعي في الجديد، والقديم الفرض إحداهما، وقيل الفرض كلاهما والأولى مسقطة للحرج لا مانعة من وقوع الثانية، وقيل الفرض أكملها، وأما عند مالك ففيها أربعة أقوال نظمها بعضهم في بيت فقال: في نية العود للمفروض أربعة فرض وتفضيل ونفل وإكمال والصحيح مذهب أصحابنا رحمهم الله، والدليل لهم ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر (أن النبي ع الا الله قال له: كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخرون عن وقتها؟ قلت: فماذا تأمرني؟ قال: صل الصلاة في وقتها وإن أدركتها فصل فإنها لك نافلة) (1) ولما روى يزيد بن الأسود (أن النبي صلى صلاة الصبح في. مسجد الخيف فرأى في آخر المسجد رجلين لم يصليا معه، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: يا رسول الله قد صلينا في رحالنا، قال: إذا صليتها في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصلياها معهم فإنها لكما نافلة ((2) قال
الصلاة
(1) رواه مسلم. (2) تقدم ذكره.
- 534 - (1/541)
صفحة 542
"
الصلاة فقام فصلاها فلما فرغ من صلاته نظر إلى محجن وهو في مجلسه: فقال النبي عليه السلام ما منعك أن تصلي معنا ألست برجل مسلم؟ فقال: بلي يا رسول الله، ولكن قد صليت في أهلي فقال له: إذا جئت والناس يصلون فصل معهم وإن كنت قد صليت) فهذا يدل أنه يجعلها نافلة، وبعض كره هذا واحتج بما روي أنه قال: (لا يصل أحدكم صلاة واحدة في يوم مرتين ((2) غير أن بعض الناس ممن ذهب مذهب الجمع بين الحديثين حمل هذا الحديث على أنه لا يصل صلاة واحدة في يوم مرتين: يعتقد في كل مرة أنها فريضة، وبعض حمل النهي على المنفرد فقط والله أعلم.
الترمذي من قومنا: حسن صحيح. وإنما أثبتها هنا لموافقتها لما عليه أصحابنا رحمهم الله تعالى، وسيأتي هذا الحديث بمعناه في كلام المصنف
رحمه
الله
في النوافل.
(1) رواه أحمد عن محجن بن الأدرع.
(2) رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن سليمان مولى ميمونة ومن حديد
- 535 - (1/542)
صفحة 543
باب في ترتيب الائمة
و من ينبغي أن يكون إماما
وإنما ينبغي أن يكون إماماً للقوم في صلاتهم أقرأهم لكتاب الله وأعلمهم بسنة نبيه عليه السلام وأورعهم عن محارم الله وأكبرهم سناً وأقدمهم هجرة وإسلاماً فإن استووا كلهم في هؤلاء الوجوه فليختاروا
من أرادوا، وكذلك المقيم أولى من المسافر، والمغتسل أولى من المتيمم والمتأهل أولى من العازب، والبصير أولى من الأعمى، والمرتدي أولى من المشتمل؛ والدليل على هذا ما روي من طريق ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي مال الله قال: يوم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم في
باب في ترتيب الأئمة ومن ينبغي أن يكون إماماً
قوله: أقرأهم لكتاب الله مذهب مالك والشافعي تقديم الأفقه على الأقرأ وهو ظاهر لأن الفقهاء ورثة الأنبياء، وتظهر ثمرة إمامته في إكمال الصلاة على ما ينبغي، ولأن الحاجة إلى الفقه أهم إذ الحوادث في الصلاة لا تنحصر والواجب فيها من القراءة محصور ولأن النبي ما قدم أبا بكر رضي الله عنه وغيره أحفظ منه، وقيل الأقرأ أولى وهو مذهب أبي حنيفة واختاره ابن المنذر الشافعي
،
- ory - (1/543)
صفحة 544
الهجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأكبرهم سناً)) وكذلك ما روي (أنه قال عليه السلام للرجلين: إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أفضلكما (2) فالمفهوم من هذا كله أن تقديم المفضول بمن هو أفضل منه لا يجوز، غير أنه قد قامت الأدلة لبعضهم أن هذا كله على الاستحباب لا على الوجوب، وذلك ما روي (أنه قدم ابن أم مكتوم وكان أعمى) (3) فهذا يدل على جواز صلاة الأعمى بالبصير، وكذلك ما روي أنه لال هو صلى بأصحابه وعليه شملة صوف) يدل على جواز صلاة المشتمل بالمرتدي، وكذلك ما روي) أنه مقعد بمكة نحواً من سبعة عشر يوماً وهو يصلي بالناس صلاة المسافر (5) وكذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه يصلي بمن حضر ويقول: أتموا إنا مسافرون، فمن هذا أجازوا إمامة المسافر بالمقيم، وكذلك ما روي (أنه سبقوه في الصلاة فأدركهم وهم يصلون ودخل في صلاتهم وصلى خلف أبي عبيدة أو عبد الرحمن) (6) فلهذه الأخبار قالوا جائز أن يصلي الأفضل خلف
(1) رواه أحمد ومسلم. (2) رواه الجماعة. (3) رواه احمد وابو داود
(4) رواه الدارقطني.
(ه) متفق عليه.
(1) متفق عليه
- 537 - (1/544)
صفحة 545
من هو دونه والله أعلم، وعلى هذا اختلفوا في إمامة العبد، قال بعضهم: جائزة. وقال آخرون: لا تجوز، وسبب اختلافهم معارضة الأشباه في العبيد، ولذلك اختلفت الأجوبة فيهم، فمن غلب عليهم حكم المال لم يجوز إمامتهم، ومن غلب عليهم حكم التكليف أجاز إمامتهم وكذلك جميع أحكامهم على هذا النظام والله أعلم، وكذلك اختلفوا في إمامة القاعد الذي لا يقدر على القيام بالقائمين، قال بعضهم: لا تجوز إمامة القاعد إلا بمن كان في منزلته لقوله عليه السلام: (صلاة أحدكم قاعداً مثل نصف صلاته وهو قائم) (1) وقال بعض بجواز إمامة القاعد، واختلف هؤلاء كيف يصلي من خلفه، قال بعض: يصلون قعوداً ولو
قوله: قال بعض بجواز إمامة القاعد الخ. هذا مذهب مالك وذلك في النفل خاصة لغير العاجز، وفي الفرض والنفل للعاجز، ونظم ذلك بعض من. نحضره من مخالفينا فقال: أجر صلاة جلوس خلف نافلة و عكس هذا ولو في النفل ممتنع إلا إذا جلس المأموم معه بلا عجز فيجوز نقلا والسواء منع وإن يكن منها عجز فسوى ذا فرضاً ونقلا ففيه الأمر متسع
قوله: بعض يصلون قعوداً هو المذكور في الديوان.
(1) متفق عليه.
538 - (1/545)
صفحة 546
كانوا صحيحين، والدليل على هذا ما روي من طريق أنس بن مالك (أن النبي ركب فرساً فصرع فجحش شقه الأيمن فصلى وهو جالس فصلينا وراءه قعوداً فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا
صلى قائماً فصلوا قياماً وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً وإذا قال:: سمع
الله
لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد) (1) قال جابر بن زيد رحمه الله: وإنما يجوز هذا خلف أئمة العدل وأما غيرهم فلا، وقال آخرون: إنما يصلون خلفه قياماً والدليل ما روي) أنه رأى إفاقة في مرضه الذي مات فيه فأتى إلى المسجد وأبو بكر رضي الله عنه يصلي بهم فصف عن يمين أبي
بكر قاعداً فأتم بهم الصلاة) (2) فالمفهوم من هذا الحديث أن النبي يوم الناس قاعداً وهم قيام ويكون فعله هذا ناسخاً لقوله وفعله المتقدم
الحديث
قوله: جحش هو يجيم مضمومة ثم حاء مهملة مكسورة أي خدش وفي وجوب متابعة المأموم لإمامه في التكبير والقيام والقعود والركوع والسجود وأنه يفعلها بعد الإمام فيكبر تكبيرة الإحرام بعد فراغ الإمام ويركع بعد شروع الإمام في الركوع وهكذا سائر الأفعال والأقوال.
قوله: وقال آخرون: إنما يصلون خلفه قياماً هو مذهب الشافعي خلافاً لابن المنذر من أصحابه فإنه أوجب القعود والله أعلم.
(1) متفق عليه.
(2) متفق عليه.
-859 - (1/546)
صفحة 547
أنه
لأنه في مرضه الذي مات فيه وهو آخر فعله والنظر يوجب عندي لا تجوز إمامة القاعد إلا إذا كان إمام العدل كما قال جابر بن زيد رحمه
الله أو كان إماماً يصلي فحدث إليه المرض وهو في الصلاة فإنه يتم بهم وهو قاعد والله أعلم. وكذلك صلاة العليل بالأصحاء على هذا الاختلاف المتقدم لأن العلة واحدة والعليل الذي ذكرناه هو الذي لا يفارقه النجس أو من لبس ثوباً لا تجوز به الصلاة ولم يجد غيره أو من كان في يده حديد أو نحاس أو رصاص أو ذهب ولم يمكنه نزعه فإنه لا يجوز له أن يصلي بغيره على هذا الحال لنقصان رتبته عن رتبة أهل الإمامة كما لا تجوز إمامة المرأة بجماعة النساء، ومنهم من يرخص أن يصلي بمن كان في منزلته من أهل الضرر لتساوي علتهم، وكذلك المرأة تصلي بالنساء النوافل لحديث عائشة وأم سلمة (أن النبي الله قال لأم سلمة: هلا صليت بهن؟ قالت: أيصح
قوله: وكذلك صلاة العليل بالأصحاء الخ. عبارة الديوان والصحيح أولى من العليل بالتقديم وإن صلى العليل بالأصحاء فإنهم يعيدون صلاتهم ومنهم من يرخص ولا يصل العليل إلا بمن كان في منزلته ومنهم من يقول: لا يصل العليل بالعليلين وافقهم في العلة أو خالفهم حرره، مع كلام المصنف
قوله: ومنهم من يرخص أي من المانعين لصلاته بالأصحاء فلا تنافي بين
کلامه، حرره.
- 540 - (1/547)
صفحة 548
ذلك؟ قال: نعم، يكن عن يمينك وشمالك فعلى هذا تصلي بهن النوافل) لا غير و الله أعلم، وتكون في وسطهن وأما أن تصلي بالرجال فلا لقوله عليه السلام: (أخروهن من حيث أخر هنَّ الله) (2) وأما المخالف فإنه تجوز الصلاة خلفه ما لم يدخل فيها ما يفسدها وذلك عندي إذا كان تجوز عنده أشياء لا تجوز بها الصلاة عند المسلمين والله أعلم. والدليل ا روي (أن النبي عليه السلام قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: يا معاذ أطع كل أمير وصل خلف كل إمام) (3) يعني والله أعلم. أطع كل أمير في)) طاعة الله، وذكر أنه كان على المدينة أمير فاسد فقيل لابن عمر: تصلي خلفه؟ قال: الصلاة حسنة لا أبالي من شاركت فيها، وقيل حج نجدة فوادع ابن الزبير فصلى هذا بالناس يوماً وليلة، وصلى هذا بالناس يوماً وليلة فصلى ابن عمر خلفهما فأعترضه رجال من القوم، فقالوا: يا عبد الرحمن
قوله: فعلى هذا تصلى بهن النوافل الخ. وإن صلت بهن الفريضة فعليهن الإعادة (ديوان) وانظر حكم صلاتها والظاهر الإعادة وظاهر كلام المؤلف النوافل مطلقاً وعبارة (الديوان): وكذلك النوافل فلا تصليها يهن إلا قيام رمضان وصلاة الجنازة، ومنهم من يقول: لا تصلى بهن فريضة ولا نافلة. قوله: ما لم يدخل فيها ما يفسدها الظاهر أنه مدرج، راجع متن الحديث.
(1) رواه أبو داود والنسائي. (2) متفق عليه (3) رواه أبو داود والدارقطني.
•
-021 - (1/548)
صفحة 549
تصلي خلف نجدة الحروري وتصلي خلف ابن الزبير؟ فقال ابن عمر: إذا نادوا حي على الصلاة حي على خير العمل جتنا، وإذا نادوا حي على قتل النفس قلنا: لا، لا، ورفع صوته، وقد كان بعض الصحابة يصلون خلف مروان بن الحكم وكان ابن عباس وجابر بن زيد وأبو عبيدة مسلم، والربيع بن حبيب رضي الله عنهم يصلون معهم الجمعة وغيرها، ما صلوها لوقتها، يرون ذلك عليهم حقاً واجباً وفرضاً لازماً لما جاء في ذلك من الأحاديث عن رسول الله، والله أعلم. وأما المنافق من أهل الدعوة فلا تجوز الصلاة خلفه كما لا تجوز شهادته لأنه متهم أن يصلي بما لا يجوز أو ينقص شيئاً من شروطها كما أنه متهم في الشهادة أن يشهد كما لا يجوز فكانت شهادته غير مقبولة، وكذلك صلاته على هذا الحال، والعبد إذا كان لا يقلده في دنياه إلا أهل العدالة فأولى به أن لا يقلد في صلاته إلا الثقات، وكذلك لا يصلي خلف مدمن خمر وقاتل نفس التي حرم الله، وقاعد على فراش حرام، وقال بعضهم بجواز الصلاة خلف المنافق إن قدمه غيره، والدليل على هذا ما روي من طريق ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي الله قال: الصلاة جائزة خلف كل بار وفاجر
قوله: وكذلك لا يصلي خلف مدمن الخمر الخ، لعل التنصيص عليهم
الشدة
قباحتهم فهؤلاء داخلون في المنافق.
- 542 - (1/549)
صفحة 550
ما لم يدخل فيها ما يفسدها (1) وذلك أنه من سيرة المسلمين إذا أقيمت الصلاة أن يصلي بالناس أقر أهم لكتاب الله وأعلمهم بسنة نبيه وأفضلهم صلاحاً عند أنفسهم ومن يرجون أن يقضي الله حاجتهم على يديه، وقد بلغنا (أن الني مال الله قال: ألمتكم وفدكم إلى ربكم فانظروا ما تو فدون إلى ربكم) وأعجب لأهل هذا الزمان كيف عملوا بخلاف هذا الحديث إلا ما شاء الله، وإذا كان المسلم في زمان يتقدم فيه الأشرار يصلون بالناس وإنما دعاهم إلى ذلك حب الرياسة وأن يشار إليهم وتراهم الناس أنهم يتقدمون بالناس ويصلون بهم، وليسوا ممن يستوجب ذلك فينبغي لكل مسلم أن يلزم الكتمان ولا يقول لأحد من الناس تقدم يا فلان صل بالناس، لأنه إذا لم يجد من كان في صفة من وصفناه في صدر الكتاب فلا يقولن لغيره تقدم يا فلان لأنه من قال لمن ليس من هذه الصفة التي ذكرناها تقدم يا فلان فقد خالف سنة من مضى من المسلمين، لأنهم كانوا لا يقدمون في الصلاة إلا خيارهم وأقرأهم لكتاب الله، وأعلمهم بسنة نبيه عليه السلام وأثر الصالحين، فلا يخالف ما مضى عليه المسلمون لأنها سنة اجتمع عليها من مضى من الفقهاء فليس لأحد الرغبة عنها، ومع ذلك إن أخطأ في صلاته أو بدل فيها فأخاف لمن قال له تقدم
(1) رواه الدارقطني.
- 543 - (1/550)
صفحة 551
يا فلان أن يحمل أوزار الناس، فمن أدرك زماناً هكذا حال أهله فينبغي للمسلم أن يسعه الصمت فإن صلى الناس صلاة حسنة فقد صلى معهم، وإن لم يصلوا صلاة حسنة أعاد صلاته والله أعلم. وقد أجاز بعض المرخصين وهو عندي قول ضعيف أن يقدم المنافق من أهل الدعوة في الصلاة والله أعلم. . ولا تجوز الصلاة خلف الخنثى لنقصانه عن مرتبة الرجال والله أعلم. وإنما ينبغي أن يقدم الإمام في الصلاة المؤذن أو الذي أقام الصلاة، وإن قدمه غير هؤلاء فلا بأس، ولا ينبغي له أن يتقدم هو بنفسه إلا إن كان ممن يستحق ذلك إن لم يكن معه من يقدمه، أو من كان إمام المنزل الذي اتفقوا عليه، لما روي (أن سلمان الفارسي رحمه الله أقام الصلاة بقوم معه ثم قال: ليتقدم أحدكم فقالوا: سبحان الله يا أبا عبد الله ما كنا لنتقدمن بك، فقال: أكلكم راض؟ قالوا: نعم، فلما صلى اقبل عليهم بوجهه ثم قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة يقومون إلى الصلاة ولا تقبل صلاتهم: امرأة قامت وزوجها عليها غضبان، والعبد
قوله: ولا تجوز الصلاة خلف الخنثى، قال في (الديوان) قبل مسألة الخنثى ولا يصل خلف من يأخذ الأجرة على الصلاة فإن صلى خلفه فلا يعيد
صلاته
قوله: وإنما ينبغي أن يقدم الإمام في الصلاة المؤذن أو الذي أقام أو من أمره أن يقدم.
- 544 - (1/551)
صفحة 552
الآبق، ورجل صلى بقوم وهم له كارهون) وكذلك لا ينبغي أن يتباطأ في ركوعه وسجوده أن يصلي بالناس، وذلك أنه إنما ينبغي للإمام أن يرفق بمن يصلي خلفه من الناس لأن فيهم الضعيف والمريض ومن له عذر، لما روي من طريق أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن فيهم السقيم والضعيف والكبير وذا الحاجة، وإذا صلى لنفسه فليطل ما شاء (1) وكما روي (أنه ما إذا جلس الجلسة الأولى للتشهد كأنه على الوصف وقد كان صلاته قصد، ودعاؤه قصد، وإن صلى وحده إن شاء طول وإن شاء قصر (2) والله أعلم؛ وكذلك لا ينبغي للإمام أن يسر بتكبيره لئلا يخبل على الناس صلاتهم،
قوله:: وكذلك لا ينبغي لمن يتباطأ الخ. قال في الديوان: وذلك إذا خالف عادة الناس في ركوعهم وسجودهم
قوله: الرضف هي الحجارة المحماة وإنما ينبغي للإمام أن يجعل بينه وبين الصف مقدار ما يبلغ يده من خلفه إذا أراد الاستخلاف، وإن جاوز ذلك المقدار فلا بأس، وكذلك الصفوف فيما بينها ويجعلون بينهم مقدار ما يسجدون من غير أن يضر أحد منهم صاحبه، ويطولوا الصف مقدار ما يسمعهم إمامهم
(ديوان).
(1) رواه الجماعة إلا ابن ماجه (2) متفق عليه
1010 -
ه م 35 - الإيضاح، (1/552)
صفحة 553
ولكن يسمعهم صوته ويحتسب في ذلك رجاء ثواب ربه وخوفاً من عقابه
والله أعلم. وبالله التوفيق.
فصل في معرفة مقام المأموم من الامام:
أجمعوا أن من سنة الواحد أن يقوم عن يمين الإمام، والدليل ماروي من طريق ابن عباس رضي الله عنه (أنه أقام عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم فأقامه عن يمينه)) وكذلك حديثه حين بات عند ميمونة زوج النبي خالته قال: (فقام إلى شن معلقة فتوضأ منها وأحسن وضوءه، ثم قام يصلي، قال: فقمت فصنعت مثل ما صنع ثم ذهبت فقمت إلى جنبه فوضع يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني يفتلها ((2) يدل على هذا. وإن قام على يساره أو خلفه أعاد صلاته لهذه الأحاديث، وإن كان إنما يصلي برجلين فإنهما يصطفان خلف الإمام، وكذلك إن كان يصلي برجل ثم دخل عليهما ثالث فإنه إن كان في المسجد فليدفع هذا الداخل الإمام إلى المحراب، وإن كان خارجاً من المسجد فليجر إليه صاحبه ولكن يؤمر الداخل أن لا يجر إليه المصلي في المكان الذي ينبغي أن يجره إليه، ثم يحرم فيصطف معه وقد دخل في الصلاة، أحسن من أن يتأخر قبل
(1) رواه أحمد والنسائي.
(2) رواه الدارقطني والبيهقي.
- 546 - (1/553)
صفحة 554
أن يكون هذا الرجل داخلاً في الصلاة، وإن جره إليه أو دفع الإمام بعد ما أحرم، فانه يعيد صلاته، وإن تأخر أيضاً الرجل إلى صاحبه من غير أن يجره فلا بأس، والدليل ما روي (أنه صلى وعن يمينه رجل
يصلي بصلاته، ثم دخل عليهما جابر بن عبد الله فقام عن يسار النبي فأدارهما إلى خلفه وهو في الصلاة (1) وكذلك على هذا الحال إن تقدم الإمام من غير أن يدفعه فلا بأس بصلاتهم، وإن اصطف الرجلان عن يمين الإمام فلا بأس أن يسبقها بقليل، لأنه من سنة الإمام أن يتقدم عن المأموم، وإن تقدم عليه ولو بقليل فلا بأس، وإنما يراعى في ذلك تقديم الرجلين من الإمام والله أعلم. وإن صلى هذان الرجلان عن يساره أعادا صلاتهما لأنهما تركا الجانب الأيمن الذي هو أفضل من الجانب الأيسر لحديث ابن عباس المتقدم الذي قام عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم فأقامه عن يمينه، وقال بعض: لا إعادة عليهما إن صليا على جانب الإمام الأيسر، ولعلهم ذهبوا إلى أن الواجب أن يصلوا خلفه فقط والله أعلم. وأما إن كانوا ثلاثة أو أربعة فحاذوه عن يمينه فأحرم عليهم على هذا الحال، فإنهم يعيدون صلاتهم، وإن لم يحرم عليهم أعاد الرابع منهم خاصة، وقال بعض: لا إعادة على الاربعة إن صلى بهم على هذا الحال،
(1) رواه مسلم وابو داود
- 547 - (1/554)
صفحة 555
أحرم عليهم أو لم يحرم، وأما ان كانوا خمسة فحاذوه كذلك فأحرم عليهم أعادوا صلاتهم، وان لم يحرم عليهم أعاد الخامس فقط والله أعلم. وقال بعض: ولو كانوا عشرة أو أكثر اذا حاذوه عن يمينه، وأما عن يساره فإنهم يعيدون صلاتهم على كل حال، والأصل في هذا عندي والله أعلم أن الصف الأول لما كان أفضل من غيره من الصفوف بدليل قوله عليه السلام: (ان الله وملائكته يصلون على الصف الأول) (1). و بدليل قوله عليه السلام: (لو يعلم الناس ما في الصف الأول ثم لم يجدوا الا أن يتساهموا عليه لتساهموا) (2) كان في هذا دليل أن ما سوى الصف الأول من المواضع سواء وقوف المصلي فيه ما لم يتقدم امامه، مثل أن جعلوا أقطاراً خلف الصف أو خلف الإمام بينه و بين الصف فلا يعيدون صلاتهم على هذا الحال، غير أن قوله عليه السلام: (ليليني في الصف الأول أولوا
قوله: إلا أن يتساهموا. الإستهام: الإقتراع.
قوله: ليليني في الصف الأول الخ. الرواية المشهورة ليليني بكسر اللامين وتخفيف النون من غير ياء قبل النون، ويجوز إثبات الياء مع تشديد النون على التوكيد. والنهي بضم النون: العقول، قال أهل اللغة واحدة النهى نهية بضم النون وهي العقل، وسمي العقل نهية لأنه ينهى إلى ما أمر الله به ولا
(1) رواه أحمد والطبراني عن أبي امامة. (2) رواه البخاري ومسلم عن ابي هريرة.
- 548 - (1/555)
صفحة 556
النهي منكم، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)) يدل أن كل صف أفضل من الصف الذي خلفه الى آخر هم، فعلى هذا لا ينفعهم الصف إن جعلوا أقطاراً خلفه أو قدامه والله أعلم. ثم ان الفضل في الصف الأول لمن كان خلف الإمام ثم الذي يليه ثم الذي يليه عن يمينه الى ثلاثة وقال بعض: الى سبعة ثم يرجع الفضل الى يسار الصف، وهذا اذا استوى من كان عن يمين الإمام ومن كان عن يساره، وأما اذا كان الذين عن يمين الإمام أكثر رجع الفضل إلى يسار الإمام حتى يستووا، وذلك عندي أن أقل الصف ثلاثة وهو أقل الجمع الذين يلزمهم الخطاب من قوله عليه السلام: (وسطوا الإمام) (3) وما دون الثلاثة لم يلزمهم الخطاب فلا
هو
يتجاوز، وقيل لأنه ينهى عن القبائح. ففي الحديث تقديم الأفضل، فالفضل إلى الإمام لأنه أولى بالإكرام، ولأنه ربما يحتاج الإمام إلى الاستخلاف فيكون أولى، ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام على السهو لما لا يتفطن له غيره، قيل ولا يختص هذا التقديم بالصلاة، بل السنة أن يقدم أهل الفضل في كل مجمع إلى الإمام وكبير المجلس، كمجالس العلم، والذكر والمشاورة، وموقف القتال، وإمامة الصلاة والتدريس والإفتاء، واستماع الحديث ونحوها، ويكون الناس على مراتبهم في العلم والدين من العقل والشرف والسن والكفاية في ذلك الباب كما كان السلف يفعلون والله أعلم.
(1) رواه احمد ومسلم وابو داود والترمذي عن ابن مسعود.
(2) رواه ابو داود عن ابي هريرة.
1089 - (1/556)
صفحة 557
إعادة عليهم إن وقفوا عن يمينه أو عن يساره في قول بعضهم، والثلاثة فما فوقهم يلزمهم توسيط الصف والله أعلم. وأما من قال إلى سبعة عن يمين الإمام فلعلهم ذهبوا إلى قوله عليه السلام: (وسطوا الإمام) إنما ذلك كي تكون جماعة عن يمينه وجماعة عن يساره، والدليل اتفاق الجميع على جواز صلاتهم إذا كان أحد جانبي الإمام أكثر من الجانب الآخر والله أعلم، وأقل الجمع ثلاثة في قول بعضهم، والسابع في مقابلة الإمام على قول من قال يعيد السابع إن رجعوا في جانب الإمام، وعلى قول من يقول يعيد الخامس إن رجعوا إلى يمين الإمام، لأن أقل الجمع إثنان والخامس في مقابلة الإمام، وعلى هذا إذا كانوا أقل من سبعة أو خمسة في قول بعض أو أربعة أو ثلاثة في قول بعض على قدر اختلافهم
6
کمالا
لم يلزمهم الصف، فإن وقفوا عن يمين الإمام فلا إعادة عليهم تلزم الاعادة الواحد الذي لا صف عليه إذا وقف عن يمين الإمام بل الواجب عليه أن يقف عن يمين الإمام، ولهذا كان الفضل في جانب الامام الأيمن إلى ثلاثة أو إلى سبعة في قول بعض إذا تساوت الصفوف، لأن السابع أو الخامس أو الثالث هو الذي يلزمه أن يرجع إلى الجانب الآخر إن دخل عليهم في الصف والله أعلم. وأما من قال لا إعادة عليهم ولو كانوا عشرة أو أكثر اذا حاذوه عن يمينه، فلعل هؤلاء ذهبوا الى
1801 (1/557)
صفحة 558
أن الأمر بتوسيط الإمام ليس بواجب بل هو ندب، لما قدمنا من اجازة الصلاة ولو كان أحد الجانبين أكثر والله أعلم، وقال بعض: يصيب من عن يساره مثل ما يصيب من عن يمينه، وكذلك من خلفه على هذا الحال، وهذا القول عندي يدل من قائله أن الأمر بالصفوف في صلاة الجماعة ليس بواجب وانما هو ندب والله أعلم، وقد أمر بتسوية الصفوف وترصيفها والدليل ما روي أنه قال (وقد أقبل عليهم بوجهه: سووا صفوفكم ثلاثاً، ثم قال: لتقومن صفوفكم او يخالف الله بين قلوبكم) (1) وعن ابن مسعود رضي الله عنه (انه كان يساوي بين مناكبنا ويقول: استووا ولا تختلفوا) (2) فهذه الأحاديث تدل عندي على وجوب الصفوف وتسويتها لمكان الوعيد والله اعلم، وان دخل رجل على الامام يصلي بقوم ولم يجد موضعاً في الصف يقف فيه فإنه يجر رجلاً آخر من الصف فيصطف معه ويساعده ذلك ايضاً، لأن
قوله: لتقومن صفوفكم الخ. وذلك لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في
ظواهرهم، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن.
قوله: يجر رجلا الخ، أنظر ما إذا ضاق المكان بحيث لا يسع إلا هو، أيقف وحده هناك ويصلي؟ وتكون هذه المسألة مستثناة من الخلاف الآتي فيمن
(1) رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
-801 -
•
(2) رواه مسلم (1/558)
صفحة 559
هذا كله إصلاح صلاته، وقد أجازوا مثل هذا؛ ألا ترى إلى حديث جابر ابن عبد الله) الذي دخل على رسول الله ما في الصلاة وهو يصلي وعن يمينه رجل يصلي بصلاته فقام عن يساره فأدارهما إلى خلفه وهو في الصلاة) (1)؟ والله أعلم. وإن صلى خلف الصف وحده فعليه الإعادة والدليل ما روي (أنه رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره
وقف وحده خلف الصف، والظاهر نعم إذ المحل محل ضرورة والله أعلم. كذا ترددت ثم رأيت أبا إسحاق العماني و رحمه الله قال في مبطلات الصلاة: السابع والعشرون: أن يصلي وحده خلف الصف، وهو يجد مدخلا فيه أو لا يجد مدخلاً فيصلي خلف الصف وحده عن يمين الإمام أو شماله، فإن صلى بإزاء الإمام أجزأته صلاته، لكن بقي الكلام فيما إذا لم يجد إلا اليمين أو الشمال، وهل يقاس على من ذهب يسد فرجة في الصف فوجدها مسدودة على ما سيأتي في كلام المؤلف رحمه الله يجامع الضرورة، وانظر هل يجر رجليه في حال تأخيره كما إذا أراد سد فرجة؟ وهل يقرأ؟ والظاهر: نعم، لأنه في الصلاة
قوله: فإنه يجر رجلا الخ. خلافاً لمشهور مذهب مالك، وعبارة خليل) ومنفرد خلف صف) أي وجاز صلاة منفرد خلف صف، ولا يجبد إليه
أحداً و وهو
خطأ منها إن طاوع المجبود.
قوله: فأدارهما أي دفعها.
(1) تقدم ذكره.
552 - (1/559)
صفحة 560
بالإعادة)) وقال بعض: لا إعادة عليه، ولعل حجتهم ما روي أنه لي رأى أبا بكر يصلي خلف الصف وحده فقال: زادك الله حرصاً ولا تعد) (2) ولم يأمره بالإعادة والله أعلم. وإذا كانت فرجة في الصف فليسدها من يليها وإن لم يسدها أعاد صلاته، والدليل ما روي (أنه ل و قال: رصوا بين صفوفكم لا يتخللكم الشيطان) (3) وعنه من قال:) وسطوا الإمام وسدوا الخلل ((4) وإن كانت فرجة خلف الإمام
صل الله
قوله: وقال بعض لا إعادة عليه. المعتمد في الديوان هو هذا، وقال في الأول ومنهم من يقول إن صلى وحده خلف الصف فعليه الإعادة، وحمل اصحاب الشافعي الإعادة على الاستحباب جمعاً بين الأدلة وروى أبو داود من قومنا عن واصفة بن معبد) ان رسول الله ما رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة (وفي ابن ماجه من قومنا بإسناد حسن (لا صلاة خلف الصف) وإلى هذا ذهب ابن المنذر وابن خزيمة والحميد من أصحاب
الشافعي. قوله: أبا بكر الخ. في كتب المخالفين أبا بكرة بالإعادة وذلك لأن خبر أبا بكرة هو موافق لمعهود الأصل في إباحة الصلاة حيث شاء، وانه حينئذ ثبت الأمر بالمنع من الصلاة خلف الصف فجازت صلاته الكائنة قبل ورود
(1) رواه احمد وابن ماجه عن علي بن شيبان ورواه الخمسة إلا النسائي عن وابصة
ابن سعيد.
(2) رواه احمد والبخاري وابو داود والنسائي.
(3) رواه احمد عن أبي أمامة
(4) تقدم ذكره.
- 553 - (1/560)
صفحة 561
فليسدها اللذان يليانها، وإن كانت عن يمين الإمام أو عن يساره فإنما يسدها من بعد عن الإمام وهو الذي بعيد أيضاً من الذين يلونها، وإن كانت الفرجة قدام رجل في الصف فليس عليه أن يسدها وإنما يسدها من يليها وإن شاء أن يسدها فلا بأس عليه لعموم الأمر في ذلك، وإن ذهب أن يسدها فوجدها مسدودة فليرجع خلفه إلى مكانه، وإن وجد مكانه قد سده غيره فليقف مكانه إن أمكنه، وإن لم يمكنه فليخرج إلى حيث يتيسر له فيه الصلاة، وإن لم يجد الخروج حتى سبقه الامام بعمل في صلاته أعاد صلاته، لأنه قد خالف إمامه، ورخص بعضهم أن يومي برأسه هنالك: وذلك لأنه معذور، وإذا أراد الرجل أن يسد الفرجة في الصف فإنه يجر رجليه، وإن رفعهما فلا بأس عليه، ويقرأ في الوقت الذي يسد فيه الفرجة لأنه إنما اشتغل بإصلاح صلاته والله أعلم. وأما المرأة فإنما تقف خلف الامام
الأمر ولزم النهي عنه في المستأنف، لأن النهي عن الصلاة خلف الصف أمر وارد وشرع حادث فلا شك فهو ناسخ للإباحة المتقدمة بيقين، بخلاف الرجل فإنه يحتمل أن يكون فعله بعد تقرير الشرع الناسخ فلا منافاة والله أعلم
بالصواب.
قوله: وسدوا الخلل في مختصر الصحاح: ال: الفرجة بين الشيئين،
وقال بعد ذلك الخلل، والخلل فرج في السحاب من زل المطر. قوله: وأما المرأة فإنها تقف الخ. والدليل ما تقدم في حديث جدة أنس
- 001 - (1/561)
صفحة 562
مما يقابل كتفه الأيسر ويكون بينها وبين الامام مقدار ما يصلى فيه الصف وذلك عندي إذا كانت ذات محرم، وأما إن كانت أجنبية فلا يصل بها وحدها لقوله عليه السلام (لا يخلون أحدكم بامرأة ليست منه بذات محرم فإن الشيطان ثالثهما) (1) وذلك منهما معصية، وقد روي (أن أم سليم صلت خلف النبي وحدها) (2) وإن كانت ذات وصلت إلى جانبه الأيسر فلا يجاوز سجودها منكبيه. وقال بعض: لا نقض عليه ولو ساوى سجودها سجوده والله أعلم. وإنما قلنا انها تقوم خلف الإمام لأنه لا صف على النساء ولا عليهن جماعة، والدليل ما روي
محرم
منه
في النساء وحديث وابصة أخذوا بحديث جدة أنس في النساء وبحديث وابصة في الرجال لأنه جاء منصوصاً في رجل صلى خلف الصف قوله: مما يقابل كتفه الأيسر الخ، وإن صلت عن يمين الإمام وأحرم عليها
كذلك أعاد صلاتها أي إذا علم، وإلا أعادت صلاتها دونه كما سيأتي.
قوله: والدليل ما روي من حديث أنس الخ. في الحديث جواز الصلاة على الحصير وعلى جميع ما أنبتت الأرض، وهذا مجمع عليه، وفيه جواز النافلة جماعة، وفيه أن الأفضل في نوافل النهار أن تكون ركعتين كنوافل الليل، وقد سبق بيانه، وفيه صحة صلاة الصبي المميز لقوله: (صففت أنا واليتيم) وفيه أن للمصلي موقفاً من الصف، وفيه أن الإثنين يكونان صفاً وراء الامام
(1) متفق عليه.
(2) رواه البخاري
18001 (1/562)
صفحة 563
من طريق أنس حين وصف صلاة رسول الله به هو والعجوز قال: (فصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا)) وكذلك لا يصل الرجل بالنساء إذا لم يكن غيرهن إلا إن كان فيهن ذات المحارم أو كان معهن رجل، وإن صلى بهن على هذا الحال فلا بأس لحديث أم سليم، ويجعل بينه وبينهن مقدار ما يصطف فيه الصف، وذلك عندي لئلا يدخل أحد من الرجال عليهم في صلاتهم فيصيب أين يقف قدام النساء لأنه لا تجوز صلاة من صلى من الرجال خلف النساء كما لا تجوز صلاة من صلى من النساء قدام الرجال، والدليل ما روي أنه قال عليه السلام: (خير صفوف الرجال المقدم وخير صفوف النساء المؤخر ((2) فمن فعل
وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا أبا مسعود وصاحباه فقالوا: هما والإمام صفاً واحداً فيقف بينها، وفيه أن المرأة تقف خلف الرجل، وأنها إذا لم تكن معها امرأة تقف وحدها متأخرة.
قوله: واليتيم هو ضميرة ابن سعد الحمري، والعجوز هي مليكة السابقة قوله: كما لا تجوز صلاة من صلى من النساء الخ. لو استدل بقوله عليه السلام: (أخر وهن من حيث أخر من الله (لكان أظهر إذ لو لم يؤخرهن لقام مقاماً منهياً عنه فتفسد صلاته والله أعلم.
قوله: وخير صفوف النساء المؤخر، لعل هذا إذا صلين مع رجال، وأما إذا
(1) رواه أحمد ومسلم وأبو داود (1) تقدم ذكره.
19071 (1/563)
صفحة 564
ذلك من الرجال أو النساء أعاد صلاته ولو كانت بينهم سترة إذا أحرموا على ذلك، وإن لم يحرموا على ذلك فلا بأس بصلاتهم إذا كان بينهم ستر أو حائط، وقال بعضهم: عليهم الاعادة على كل حال لعموم الخبر والله أعلم. وإن كان رجل وامرأتان صلى الرجل عن يمين الامام والمرأتان خلف ذلك، وكذلك إن كان رجل وامرأة فإنه يصلي الرجل عن يمين الامام والمرأة حيث شاءت إذ لا صف عليها بما قدمنا والله أعلم. وإذا تكاثرت الصفوف فإنه يقتدي بعضهم ببعض، وينبغي لهم أن يسووه ويجعلوا أوسطه مثل صدر الطير، وهذا في الصف الأول دون غيره من الصفوف، وإنما يكون ذلك أن يتقادموا بالمناكب، وتقادمهم أن يجعل الرجل الذي يقابل الامام منكبه الأيمن قدام منكب الأيسر الذي عن يمينه، ويجعل منكبه الأيسر أمام منكب الأيمن الذي عن يساره، ثم اللذان يليانه كذلك إلى آخر الصف والله أعلم. وهذا عندي على ترتيبهم في الفضل تشبيهاً بالامام الذي له الفضل، وصارت له التقدمة في المكان وإن لم يفعلوا هذا فلا بأس بصلاتهم والله أعلم. وان أحرم الامام على
صلين وحدهن على القول بالجواز فلعل صفوفهن حينئذ الأول حرره. لانتفاء علة التأخير، إذ العلة في تأخير من بعدهن عن مخالطة الرجال ورؤيتهم وتعلق القلب عند رؤية حركاتهن ونحو ذلك، وذم أول صفوفهن لعكس ذلك والله أعلم بالصواب. قلت: الحديث شامل للصورتين معاً والله أعلم.
- 557 - (1/564)
صفحة 565
من لا تجوز له الصلاة لم يجز إحرامه مثل المرأة الحائض والنفساء وان لم يتعمد فليس عليه بأس لأنه انما يعتقد أن يصلي تلك الصلاة بكل من تجوز له ممن يصليها خلفه ولا يعتقد أن يصليها بقوم معروفين لأجل من يدخل عليهم في صلاتهم، وإن أحرمها على قوم معروفين فلا يصليها خلفه غيرهم، وان أحرم على الفرجة في الصف أعاد الاحرام، ويعيده من خلفه أيضاً لأنه أحرم أن يصلي بمن لا تجوز له تلك الصلاة، وكذلك المرأة ان كانت في الصف وأحرم عليها أو حاذا صف النساء صف الرجال فأحرم عليهم كذلك أعاد إحرامه، ويعيده من. أيضاً، وأما إن لم يحرم عليهم الامام على ذلك الحال فإنه يعيد الرجل الذي يلي النساء والمرأة التي تلي الرجال ولا يعيد غيرهم من الرجال ولا من النساء لقوله عليه السلام: (خير صفوف الرجال المقدم وخير صفوف
قوله: وكذلك المرأة ان كانت في الصف الخ. خلافا لمالك، وعبارة خليل: وکره صلاة رجل بين نساء وبالعكس وقال تفسد ووافق على فسادها على الامام ان نوى دخولها في إمامته، وكذلك ان كان صف النساء بين صفوف الرجال أعادوا جميعاً إن أحرم عليهم الامام على ذلك الحال وإن لم يحرم عليهم على ذلك الحال أعاد النساء صلاتهن وأعاد الذين خلف النساء من الرجال ولو كان الحائط بين الرجال والنساء ومنهم من يرخص إن كانت السترة بين الرجال والنساء والله أعلم وقد تقدم في كلام المصنف
•
(1) تقدم ذكره.
10011 (1/565)
صفحة 566
النساء المؤخر) (1) وإن كان الرجل الذي يلي المرأة ذا محرم منها فلا يعيدان صلاتهما، وكذلك ان كانت بينهما فرجة على هذا الحال، وقال بعض: يعيدون صلاتهم ان أحرم الامام على ذلك والله أعلم. وأما إن كانت المرأة تصلي وحدها وهي تحاذي الرجل في صلاتها أو الرجل يحاذي المرأة في صلاته فلا يفعلا ذلك، فإن فعلا فلا بأس بصلاتهما ما لم يتماسا بأبدانهما لأنهما لم يجتمعا في صلاة واحدة كما جاء في الحديث والله أعلم. وإذا ارتفع الإمام عن المأمومين في مقامه بمقدار دراع أعادوا صلاتهم إلا إن كان هنالك معه منهم صف، وإن كان تمت صلاة الجميع، والدليل على هذا ما روي (أن حذيفة صلى بقوم على دكان فجذبه سلمان وقال: أوما علمت أن رسول الله نهى عن
معه
قوله: وكذلك إن كانت بينها فرجة على هذا الحال قال في الديوان: وكذلك بينهم امة أو حائض ومنهم من يشدد أن. اللذان يليان الحائض والأمة ولو
يعيد
لم يحرم عليهم الامام تأمل وكان المصنف اسقطه لعدم مجيء القولين فيه قوله: بمقدار ذراع، لعل هذا تحديد لأقل الإرتفاع المختلف فيه فلا ينافي ما
قاله في الديوان من تصويرها على السطح، ويحتمل غير ذلك، وقوله صف في الديوان: بدل قوله صف وكان معه أحد من الناس وهو الظاهر كما يشعر به كلام المؤلف رحمه الله، لكن ما ذكروه فيما إذا تقدم الإمام وجاء قوم أرادوا أن يصلوا معه يقوي كلام الديوان، وكذلك ما تقدم من كلام المصنف من الوجوب إنما هو على الصف الأول دون غيره يقويه أيضاً والله أعلم
-009 - (1/566)
صفحة 567
ذلك) (1) وإن ارتفع بأقل من ذراع فلا إعادة عليهم، وأظن أن تحديد الإرتفاع بالذراع إستحسان، وأما إن كان القوم فوق وكان هو أسفل أعني الامام فلا بأس بصلاتهم ولو لم يكن معه أحد، وقال بعض: يحتاج إلى من يكون معه على كل حال فوق كان أو أسفل أو خارجاً أو داخلاً لكي يصيب من يستخلف والله أعلم. ولا يصل الرجل إلى الامام من داخل المسجد، وذلك عندي، لأن المسجد متبوع وليس يتابع كالامام لأنهم يستقبلونها كما يستقبلون الامام وقد أمروا بالصلاة فيها كما أمروا بالصلاة خلف الامام، وكان من صلى في المسجد والامام خارج كمن اقتدى بغير إمامه، والنظر يوجب عندي جواز صلاته،
قوله: وأما إن كان الخ. الفرق بين الصورتين أن الاولى تؤذن بالتكبر بخلاف الثانية.
•
معه
قوله: وقال بعض يحتاج إلى من يكون الخ. قال في الديوان: وأما إن كان داخلا وكانوا هم خارجاً فإنهم يحتاجون من يكون معه داخلا، وأما إن كان خارجاً فلا يحتاج من يكون معه، ومنهم من يقول: يحتاج إلى من يكون. على كل حال، فوق كان أو أسفل، أو خارجاً أو داخلا لكي يصيب من يستخلف إذا أحدث. قوله: أو خارجاً أي والمأموم داخلاً ولعل هذا في غير المسجد فلا ينافي ما بعده على كلام غير المؤلف، وأما على كلامه فلا يحتاج إلى التقييد المذكور.
(1) رواه أبو داود.
107.1 (1/567)
صفحة 568
و تشبيه من شبه المسجد بالامام عندي ضعيف لاتفاق الجميع على جواز صلاته بالناس في داخل المسجد، ولا تجوز صلاة واحدة بإمامين باتفاق والله أعلم، وأما إذا كان الامام داخلاً فلا بأس على من يصلي إليه من خارج المسجد والله أعلم، وإن حال بين القوم وبين إمامهم طريق شارع أو نهر جار أو مقبرة أو مذبلة أو مجزرة أو معاطن الابل أو كان بينه وبينهم نجس فلا يفعلوا ذلك لأن هذه الأشياء تقطع على المصلي صلاته إذا كانت بينه وبين سترته، وإن فعلوا فلا يعيدون صلاتهم، وهذا على مذهب الذين لم يعتبروا ما يقطع على المصلي صلاته ما لم يسجد عليه، ولا تصلي جماعتان صلاة واحدة في المسجد، وذلك عندي لأجل ما يدخل عليهم من الاختلاف في ذلك، ألا ترى إلى قوله عليه السلام: (اذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة الا المكتوبة) (1) أو قال (صلاة الجماعة مع الامام) وإن فعلوا فلا يعيدون صلاتهم، وكذلك إن أحرم الامام داخلاً في المسجد ثم خرج بعذر فأتم الصلاة خارجاً فلا تصل بالجماعة تلك الصلاة في ذلك المسجد وأما إن أحرم الامام بالناس خارجاً فأتم الصلاة داخلاً في المسجد بعذر فلا بأس بتلك الصلاة بالجماعة في ذلك المسجد وإنما ينظر في ذلك إلى موضع أحرم فيه الامام، وكذلك لا يستحب أن
(1) متفق عليه
1091 -
م 36 - الإيضاح (1/568)
صفحة 569
يصلي بجماعة في موضع صلت فيه أخرى تلك الصلاة بجماعة، وهذا كله استحباب وسد ذريعة الاختلاف، ولا بأس أن يصلى بجماعات متفرقات واحدة بعد واحدة في المسجد الذي هو غير معمور، مثل المساجد التي تكون على سواحل البحر أو في موضع غير معمور، لأن ذلك لا يؤول إلى الاختلاف، وكذلك مسجد السوق على هذا الحال، ولا يجمع المسافرون الصلاة في مسجد المقيمين بغير إذنهم، لأن صلاة الجماعة إنما هي على المقيمين وهم أولى بفضلها في منزلهم من غيرهم، ألا ترى إلى قوله عليه السلام: (الرجل أولى بالصلاة في بيته إلا أن يأذن لمن يتقدم فجائز، وكذلك هم أولى بالصلاة في منزلهم، أعني صلاة الجماعة، وإن صلوا بغير إنهم فلا إعادة عليهم والله أعلم. وإن أذن لهم رجل واحد من المقيمين فلا بأس ولو لم يكن له في المسجد شيء، وإن كان مقيماً داخل في منزله ولم يدخل وطنه فلا يصلي بإذنه، لأنه لا جماعة عليه ما لم يدخل وطنه، ولذلك لا يجوز إذنه، وكذلك إذن المرأة والعبد والطفل والمجنون لأنهم لا جماعة عليهم، وليس لهم حكم في الإمامة والله أعلم. ويجوز إذن المقيم الذي نزع وطنه من ذلك المنزل ما دام يصلي الاقامة لأن حكمه حكم المقيم والله أعلم. وكذلك ان كانت مدينة كبيرة
(1) رواه أحمد ومسلم.
- 562 - (1/569)
صفحة 570
فيها حارات كثيرة واتخذت كل حارة مسجداً فلا يصل المسافر في مسجد هذا الحارة بإذن أهل الحارة الأخرى، وكذلك أهل كل حارة لا يصلون في غير مسجدهم بغير إذن أهلها والله أعلم. وإن حال بين القوم وبين إمامهم مانع يمنعهم من الركوع والسجود فإنهم إن أمكنهم أن يتحولوا عن أيمانهم أو عن شمالهم أو حيث أمكنهم فليفعلوا، وإن لم يجدوا حتى سبقهم الامام بعمل أعادوا صلاتهم، وان كان ذلك بعذر مثل الماء والطين فإنهم يؤمون خلف إمامهم وهم قيام، وكذلك ان حدث اليهم عذر مثل المرض فإنهم يقعدون خلفه ويؤمون برؤوسهم، وان رجعوا الى
الاضطجاع افترقوا مع إمامهم والله أعلم.
مسألة:
واذا رأى الرجل ما يخاف فساده من جميع الأموال والأنفس فإنه يشتغل به ويصلحه اذ إصلاحه أوجب من الصلاة ويبني على صلاته، وإن
قوله: يخاف، أي وإن لم يصل إلى حد الظن.
قوله: من جميع الأموال الخ. ظاهره سواء كان المال له أو لغيره وسواء خاف الطمان أو لا، مخالف لكلام الشيخ أبي نصر رحمه الله وعبارة الديوان وهو تشهد للمصنف رحمه الله، ونصها: وإذا كان الرجل في الصلاة فإنه يصلح الفساد إذا رأى ما يضر بالأنفس والأموال أو رأى غنماً تفسد أموال الناس فليطردها
- 563 - (1/570)
صفحة 571
كان الامام هو الذي يصلح الفساد فإن القوم يرتقبونه حتى يفرغ من ذلك ما لم يغب عنهم، فإذا غاب عنهم مضوا على صلاتهم لأنه يجوز له أن يتم صلاته في موضعه ذلك، ولا تجوز صلاتهم معه وهو غائب عنهم، وأما إن أحدث بحدث يبنى فيه فخرج ولم يستخلف عليهم فإنهم يمضون على
عن أموال الناس ويبني على صلاته، وإن رأى ماشية غيره تفسد ماله أو رأى ماله يفسد ماله فإنه يعمل ما شاء، ومنهم من يقول إن أصلح ماله في الصلاة أعاد، ومنهم من يقول: يصلح الفساد ويبني، وأما إن كان في يده مال غيره فرآى ما يفسده فإنه يصلحه على كل حال، فإن لم يصلح ضمن وفي صلاته قولان البناء والاستئناف، ويمكن حمل المال في كلام المصنف على مال الغير ليوافق كلام الديوان، حرره، قلت وسيأتي في آخر صلاة الخوف الكلام مفصلا فراجعه تسلم من الحيرة، وإنما كتبته قبل المراجعة
لما هناك
فائدة: قال في الديوان: وأما إن كان ميتاً فخاف فساده وهو في الصلاة فإنه يشتغل به ويبني على صلاته، وإن لم يخف فساده فليمض على صلاته حق يفرغ منها ثم يرجع إلى الميت، وإن خاف فوات الصلاة ولم يأخذ فيها فليختصر في صلاته مقدار ما يبلغ فيه الميت قبل أن يفسد فإن لم يمكن ذلك إلا بالتومي فليفعل، فإن لم يمكنه إلا بالتكبير فليفعل بالتكبير، ثم يرجع إلى الميت، وإن أمكنه أن يشتغل بأمر الميت مع اشتغاله بأمر الصلاة فليفعل فإن فسد الميت بعد ذلك فلا شيء عليه، وكذلك إن خاف الفوت للوقت والفساد في جميع الأنفس فإنه يختصر في صلاته كما ذكرنا أولاً في الميت، وظاهره أنه خاص بالأموات والأنفس، لكن ذكر بعد هذا ما يؤخذ منه أن الحكم عام في كل فساد والله أعلم. ونص عبارته: وهؤلاء الذين يصلحون الفساد كلهم لا يقرأون
- 098 - (1/571)
صفحة 572
صلاتهم ولا يرتقبونه، والفرق بينه وبين الإمام الذي يصلح الفساد لأنه لا يجوز أن يصلي بهم ما لم يغتسل، والذي يصلح الفساد لو صلى بهم جازت صلاتهم والله أعلم، وإن كان الفساد مما لا يصلحه إلا عامة الناس فإنهم يمضون جميعاً مع إمامهم ويبنون على صلاتهم في موضعهم ذلك، وإن أرادوا الرجوع إلى موضعهم الأول. ولا يدخل الرجل إلى الإمام في حال ما يصلح فيه الفساد لأنه مشتغل بغير الصلاة فلا يدخل إليه في غير الصلاة من غير ضرورة، وقال بعض: يدخل إليه وتكون منزلته منزلة من كان خلف الإمام، لأن من كان يصلح الفساد وهو في الصلاة حكمه حكم من كان في الصلاة باتفاق، ولو اشتغل بغير الصلاة ألا تراه أنه لو أحدث عملاً غير الذي خرج إليه ليصلحه انتقضت صلاته، وكذلك إن مس في ذلك ما يفسد عليه صلاته مثل النجس وجميع ما ينقض الصلاة انتقضت صلاته، وإن كان الذي يصلح الفساد هو الإمام
في حين ما يصلحون فيه الفساد إلا إن خافوا فوات الوقت فليقصروا صلاتهم حتى لا تفوتهم، فإن لم يجدوا إلا بالتومي فليوموا، فإن لم يمكنهم إلا بالتكبير فليفعلوا، انتهى.
قوله: وكذلك إن مس في ذلك الحال الخ. قال في الديوان: وكذلك ان استدبر القبلة حال ما يصلح فيه الفساد انتقضت صلاته إلا إن لم يمكنه
غير ذلك. (1/572)
صفحة 573
فإنه يصلح ويرجع إلى القوم ويتم بهم صلاتهم، وإن صلى في موضعه الذي أصلح فيه الفساد وهم يسمعونه من موضعهم فاتبعوه فلا بأس بصلاتهم، وإن لم يسمعوه وصلى في موضعه فلا بأس عليه، وفيمن خلفه قولان، قال بعضهم: انتقضت صلاتهم لأنهم خالفوا إمامهم، وقال بعض: يبنون على صلاتهم وذلك عندي أنهم يمضون عليها كما يمضون عليها في الحدث، لأنهم لا يجوز لهم أن يصلوا بصلاته وهم لا يسمعونه، كما أنه لا يجوز لهم أن يصلوا الصلاته في الحدث قبل أن يتوضأ، وأيضاً فإنهم لم يخالفوا وإنما أتى الخلاف من قبل الإمام والله أعلم. وأما إن كان المأموم هو الذي يصلح الفساد فإنه يرجع إلى الإمام ويأخذ من حيث وجد الإمام، ثم يستدرك ما فاته به الإمام، وإن صلى في موضعه الذي كان فيه ولم يرجع إلى الإمام، والإمام لم يفرغ من صلاته بعد، انتقضت صلاته لأنه خالف إمامه، وإن فرغ الإمام من صلاته فلا بأس عليه، وفي قوم يصلي بهم إمامهم حتى مات لهم، فإنهم كلهم يمضون على صلاتهم، إلا الذين قابلوا الميت، فإنهم يمسكون عن صلاتهم حتى يفرغ الناس من صلاتهم، ثم يرفعون الميت، ثم يمضي الذين كانوا مقابل الإمام الميت، وذلك عندي
قوله: وصلى في موضعه فلا بأس أي مع كونه مكروها كما في الديوان.
قوله: وقال بعض: يبنون الخ. به صدر في الديوان.
1999 - (1/573)
صفحة 574
أن إمساكهم عن الصلاة حتى يُرفع الإمام الميت أولى من تحولهم من ذلك المكان حتى لا يستقبل الميت، لأن إمساكهم عن الصلاة عمل من أعمال الصلاة، والتحويل عمل يشبه أعمال الصلاة، وكان الإمساك عن الصلاة أولى منه، إذا كان من يتوجه إليه الفرض أن يرفع الميت ممن لم يستقبلوه والله أعلم. وإنما يمسكون عن صلاتهم لئلا يستقبلوا الميت في صلاتهم، ومن استقبل الميت في صلاته انتقضت صلاته، وقال بعض: لا إعادة عليهم إن مضوا على صلاتهم، ولو استقبلوا الميت، والدليل على هذا القول ما روي أنه قال عليه السلام: (لا يقطع الصلاة شيء فادرءوا ما استطعتم) وإن لم يكن من الناس إلا من يستقبل الإمام الميت، فإنهم يتحولون حتى لا يستقبلونه فيتمون صلاتهم، ثم يشتغلون بميتهم،
والله أعلم وبالله التوفيق.
فصل:
وإن أحدث الإمام في جميع صلاته ما يفسدها مثل الكلام، أو أحدث بحدث لا يبني به في الصلاة انتقضت صلاة الذين خلفه لانتقاض صلاة إمامهم، وقال بعض: لا تنتقض صلاة المأمومين بانتقاض صلاة
قوله: فإنهم يتحولون حتى لا يستقبلونه الخ، وإن لم يتحولوا وصلوا كذلك
أعادوا صلاتهم كذا في الديوان.
- 567 - (1/574)
صفحة 575
إمامهم:، وسبب اختلافهم عندي هل صلاة القوم مرتبطة بصلاة الامام أم لا؟ فمن جعلها مرتبطة انتقضت صلاة المأموم بانتقاض صلاة الامام، ومن جعلها غير مرتبطة ذهب إلى أنها لا تنتقض، كما لا تنتقض صلاة الامام بانتقاض صلاة المأموم والله أعلم. ولكنهم يمضون على صلاتهم فرادي، ولا يجوز للإمام أن يستخلف عليهم بعد ما انتقضت صلاته، لأنه لم يكن معهم في الصلاة والله أعلم. وأما إن صلى بهم غير متوضئ أو بثوب نجس أو جنب ثم علم بعد ما صلى بهم، فإن أصحابنا أجمعوا أن المحدث من الجنابة إذا صلى بقوم وهو غير عالم بجنابته أن صلاته وصلاتهم فاسدة وعلى الجميع الإعادة، وإن خرج الوقت وإن غابوا فقد قيل يكتب اليهم ويظهر ذلك ليبلغهم، ثم تركوا القياس على ما أجمعوا عليه
قوله: فإن أصحابنا أجمعوا الخ، مقتضاه أنه لاخلاف في هذا الفرع أصلا، لكن قال في الديوان: ومنهم من يقول الجنابة كغيرها فليس عليهم شيء إذا افترق الصف والله أعلم، إلا أن يقال مراده بقوله ومنهم من يقول أي من غير
الأصحاب حرره. قوله: فقد قيل في الديوان الجزم بالكتابة أولاً ثم ذكر بعد ذلك قولاً آخر يقتضي عدم الكتابة فقيل ليست صيغة تمريض.
قوله: ثم تركوا القياس، الظاهر أن المراد بقوله تركوا أي المجمعون، وذلك يصدق بترك البعض فلا ينافي ما بعده وقوله تركوا القياس أي لم يعتبروه
- 568 - (1/575)
صفحة 576
من هذا الحدث ليقيسوا عليه غيره من الأحداث، أعني أنه اذا صلى وهو غير متوضئ أو بثوب نجس وهو غير عالم ثم علم بعد ما صلى بهم أن صلاتهم تامة ما لم يتعمد أن يصلي بهم وهو غير جائز الصلاة، ومن ذهب منهم مذهب القياس قاس سائر الأحداث على الحدث الذي هو الجنابة، ويكتب إليهم سائر الأحداث كما يكتب في الجنابة إن غابوا ويخبرهم ويشتغلون به، وقال بعضهم: لا يشتغلون به فيما سوى الجنابة إلا إن قال لهم ذلك في الوقت، وقال بعض: لا يشتغلون به إلا إن أخبرهم قبل أن يفترق الصف، وهذان القولان عندي استحسان من قائلهما، وأما إن تعمد أن يصلي بهم بهذه الأحداث فإن صلاتهم فاسدة، كما أنه لو أحرم على من أحدث بهذه الأحداث من المأمومين متعمداً انتقضت
صلاته وصلاتهم والله أعلم.
فصل:
أجمع العلماء أنه يجب على المأموم أن يتبع الإمام في جميع أقواله
أي ما أجمعوا عليه أصلا ليقيسوا عليه غيره، ففي العبارة تجوز وذلك بإطلاق المصدر على إسم المفعول أو إطلاق الكل على الجزء حرره.
قوله: ثم علم بعد ما صلى الخ، مفهومه أنه إذا علم وهو في أثناء الصلاة بطلت صلاة الجميع راجع شرح الدعائم عند قوله كذلك إن أبصره واحد الخ.
- 099 - (1/576)
صفحة 577
وأفعاله لقوله عليه السلام: (إنما جعل الامام ليؤتم به إلا في قول سمع الله لمن حمده وفي جلوسه إذا صلى جالساً عند من أجاز صلاة الجالس، وقد تقدم معنى هذا كله، وأما صفة الاتباع فإنه يكون فعله مقارناً لفعل الإمام أعني في التكبير والركوع والسجود والرفع منهما، والدليل على هذا ما روي أنه قال عليه السلام (إنما جعل الامام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا وإذا قرأ فانصتوا) وما روي أيضاً من قوله عليه السلام: (الامام يركع قبلكم ويسجد قبلكم)) وقيل إنه كان يكون في السجود الى الأرض وهم قيام، وقيل لا يسجدون حتى ينقطع الصوت، ومن سبق الامام متعمداً في التكبير والركوع والسجود
قوله: ومن سبق الإمام متعمداً الخ. هذا هو الظاهر وأما ما ذكره أصحاب مالك من الفرق بين تكبيرة الإحرام والسلام وغيرهما وأنه إذا سبق بالإحرام أو السلام بطلت وإن سبق بغيرهما فلا تبطل غير ظاهر والله أعلم.
فرع: قال في الديوان: وأما إن سبقه إلى الركوع ولم يتعمد وعظم ثلاثاً في قول من يقول:: يرجع إلى الإمام فإنه يعيد التعظيم مرة اخرى، واما من يقول: يمسك مكانه فلا يعيد التعظيم، ومنهم من يقول: يعيد التعظيم على هذا الوجه ما خلا القراءة اي قراءة السورة والفاتحة في الركعة الأولى، كما
(1) تقدم ذكره، رواه أحمد وابو داود والبخاري. (2) متفق عليه
- 570 - (1/577)
صفحة 578
والرفع منهما بطلت صلاته ومن نسي رجع الى الحد الذي خرج منه ليكون متبعاً للإمام، وقال بعض: يمسك مكانه حتى يدركه الإمام وذلك عندي لأنه معذور لم يتعمد فيمسك مكانه لئلا يزيد في صلاته، وإن اصطحب معه في صلاته وكان يركع معه ويسجد معه فإنه يعيد صلاته على قول بعضهم، والدليل قوله عليه السلام: (الإمام يركع قبلكم ويسجد قبلكم) وقال بعض: لا إعادة عليه ما لم يسبقه وإنما فاته فضل صلاة الجماعة، وإنما يراعى في التكبير على هذا القول آخره لأنه بآخره يقع عليه الإسم، ومثل ذلك إن بدأ في التكبير ولم يفرغ منه حتى سبقه الإمام فلا إعادة عليه على هذا القول والله أعلم. وأما الركوع والسجود والرفع منهما فإنه يراعى في ذلك أوله أعني من سبق منهم إلى أول الفعل لوقوع الإسم عليه إن ركع الرجل مع إمامه أو سجد وتباطاً في ركوعه أو في سجوده حتى رجع إليه الامام مرة أخرى أعاد صلاته، وقال بعضهم: لا إعادة عليه ما لم يفته بعملين، وسبب اختلافهم عندي هل من شرط فعل المأموم أن يكون مقارناً لفعل الامام أوليس من شرطه ذلك؟ وإنما شرطه أن يكون بعده فقط، وإذا كان بعده فمتى
يؤخذ من كلامه فيما سيأتي على بعض الأقوال على ما سيأتي تفصيله في باب
الوصلان
- 571 - (1/578)
صفحة 579
يكون فعله، إختلافاً عليه قال بعضهم: إذا فاته بعمل فقد خالفه، ثم إنهم اختلفوا في مقدار العمل في الصلاة، وقال بعضهم: القراءة وحدها عمل، وقال بعض: القراءة والركوع، وقال بعض: الركعة وجميع ما يعمل فيها عمل والله أعلم. وكذلك إن اختلفت نية المأموم ونية إمامه أعاد صلاته على هذا الحال، مثل أن تكون نية الامام لصلاة العصر ونية المأموم لصلاة الظهر، الا على مذهب من قال صلاة المأموم غير
مرتبطة بصلاة إمامه والله أعلم.
مسألة
:
اتفقوا على أنه لا يحمل الامام على المأموم شيئاً من صلاته ما خلا القراءة، لقوله عليه السلام: (من كان له إمام فقراءة الامام له قراءة)) واختلفوا في التعظيم في الركوع والسجود هل يحمله أم لا؟ والأصل أنه لا يحمل عنه شيئاً لقوله عليه السلام: (إنما جعل الامام ليؤتم به) إلا ما قام الدليل على إخراجه من هذه العموم، وقد ورد الشرع في القراءة ولم يسمع في التعظيم شيئاً إلا أن يكون التعظيم عند من قال يحمله الامام عن المأموم مقيساً على القراءة إذ هو من القرآن فنعم، وكذلك بلغنا عن قوله: وكذلك بلغنا الخ، أنظره مع قوله إتفقوا على أنه لا يحمل الخ. إلا
أن يقال مراده أن القراءه متفق على أنه يحملها عنه بخلاف غيرها.
(1) متفق عليه.
- 572 - (1/579)
صفحة 580
الامام عبد الوهاب ووزيره مزور بن عمران رضي الله عنهما اختلفا في التحيات هل يحملها الامام أم لا؟ فقال الامام يحملها، وقال الوزير
(1)
لا يحملها، والدليل على قول الامام ما روي أنه قال عليه السلام: (إذا قعد الرجل مقدار التشهد ثم أحدث فقد تمت صلاته)) والله أعلم. وفي الأثر: ورخص ان لم يكبر خلف الامام إلا تكبيرة الاحرام ثم أتبعه
كذلك ولم يلفظ بشيء أنه لا بأس أن يحمل عليه الامام جميع ذلك.
قوله: والدليل على قول الإمام الخ. أنظر هذا الإستدلال فإن فيه بحث لاقتضاء الحديث صحة صلاة من مكث مقدار التشهد ولم يقرأ التحيات ولو كان إماماً أو فداً فكيف يستدل على ما ذكر، وقد تقدم هذا البحث في كلام رحمه الله، وسكت عن الإستدلال للوزير، مع أن دليله أقوى وهو قوله عليه السلام للذي يعلمه الصلاة) إذا أنت قعدت وقلت فقد تمت صلاتك) أو كما قال، وقد يقال لا دليل في الحديث للوزير بل يدعي أنه دليل الإمام والله أعلم، فليحرر.
المصنف
(1) تقدم ذكره.
- 573 - (1/580)
صفحة 581
باب في تنبيه الامام في الصلاة
والأصل فيه ما روي أنه قال عليه السلام: (اذا عنى الرجل أمر في صلاته سبح)) وما روي أنه قال عليه السلام: (التسبيح للرجال والتصفيق للنساء) (3) وذلك اذا غلط الامام في القراءة في إجهاره بالقراءة أو إسراره بها أو في قيامه أو في قعوده، فإن من كان خلفه في الصف الذي يليه ينبهه، وإن نبه رجل آخر من الصف الآخر فلا بأس لعموم الخبر، فإن لم يتنبه فإنه ينبهه إلى ثلاث مرات وهو أقل الجمع، وقال بعض: ينبهه ما لم يتنبه، وإن لم يتنبه تركوه حتى تنتقض صلاته، فيمضون على صلاتهم، وأما صفة التنبيه فإنه ينبهه من أراد تنبيهه في القراءة بالحرف الذي وقف له والدليل ما روي أن نافعاً مولى بن عمر قال: (صلى بنا
عبد الله بن عمر صلاة المغرب فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم حرز
بسم
عليه القرآن فقلت اذا زلزت الأرض فقرأ واستمر ولم يعب علي شيئاً) وأما في الإجهار حيث يسير فإنه يقول له: (ولا تجهر بصلاتك) وأما
(1) تقدم ذكره.
(2) تقدم ذكره.
- 574 - (1/581)
صفحة 582
إن أسر حيث يجهر فإنه يقول: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) وإن قام حيث يقعد، فإنه يقول له (واقعدوا مع القاعدين) وإن قعد حيث يقوم فإنه يقول له: (وقوموا الله قانتين) وإن سلم لهم في موضع لا يسلم فيه فلينبهوه بالتكبير وهم قعود، وقال بعض: ينبهوه ثم يقومون وهذا كله عندي لكي ينتبه، وإن تنبه بعد ما سلم فقام فإنهم يتبعونه في ذلك إن كان ذلك منه بالسهو، ما لم يحدث بعد التسليم عملاً آخر، مثل الكلام أو مشى أو أكل أو شرب أو قام إلى صلاة أخرى فقرأ سبحانك اللهم، وقال بعض: إنما ينبهوه في جميع صلاته بسبحان
باب في تنبيه الامام في الصلاة
قوله: إن كان ذلك منه بالسهو الخ. وأما إن كان بالعمد فإن تبعوه بطلت صلاة الجميع، وإن لم يتبعوه بطلت صلاته وصلاتهم أيضاً لأنه لما تعمد إبطال البطلان اليهم، إلا على قول من قال: صلاة المأموم غير مرتبطة
صلاته
سري
بصلاة الإمام وقد تقدم ذلك في أول الفصل السابق
قوله: ما لم يحدث بعد التسليم عملا الخ. يعني وانتقضت صلاته، ويمضون على صلاته كما نص عليه في الديوان
فرع: في الديوان: قلت أرأيت من نبه الإمام بموضع كان فيه في الصلاة هل يعيد الذي نبه به الإمام؟ قال فيه قولان، منهم من يقول: يعيده، ومنهم من يقول: لا يعيده.:لا
- 575 - (1/582)
صفحة 583
(
الله وهو الذي ورد به الشرع، لقوله عليه السلام (التسبيح للرجال) وعلى مذهب القول الأول لأن المراد بهذا ما ينتبه به الامام وكان تنبيهه
بما في القرآن ما ينتبه به أولى والله أعلم، وأما النساء إن غلط لهن إمامهن فإن كان معهن رجل فليس عليهن شيء وإن لم يكن معهن رجل فلينبهه ذوات المحارم وإن نبهه غير ذوات المحارم فلا بأس، وتنبيه النساء بالصفق لئلا تسمع أصواتهن كما قال عليه السلام: (التسبيح والتصفيق للنساء) وهي أن تضرب بيدها على فخذها والله أعلم، وإن نام لهم الامام في الصلاة فليحركوا على منكبه الأيمن، أو على رأسه أعني الرجال يحركه الرجل بيده اليسرى من منكبه الأيمن، والمرأة تحركه بيدها اليمنى على منكبه الأيسر، والفرق بين الرجل والمرأة عندي لأن وقوف الرجل عن يمين الامام ووقوف المرأة عن يساره، ولذلك
قوله: وتنبيه النساء بالصفق الخ. أنظر ما إذا صلى بالنساء وليس معهن محرم على القول بالجواز وحرز عليه شيء من الفاتحة هل ينبهه ويغتفر ذلك للضرورة حرره بنقل صحيح والظاهر الجواز كما يظهر.
ذات
فرع: قال في الديوان: قلت إن غشي على إمامهم أو أغمي عليه، قال انتقضت صلاته ويمضون على صلاتهم، فهذه الصورة أيضاً مما تبطل فيه صلاة الإمام ولا تبطل صلاة المأموم فتضم لنظائرها.
- 576 - (1/583)
صفحة 584
يحركونه بما يليه من أيديهم والله أعلم. والنساء إنما يحركنه بعود كما لا يباشرنه إلا إن كن ذوات المحارم فإن لم يجدون غير أيديهن فليحركنه بأيديهن ولا يباشرنه، وإن تركوه ولم يوقظوه من نومه حتى انتقضت صلاته فليمضوا على صلاتهم، ولا يجوز لهم أن يمضوا على صلاتهم ما لم تنتقض صلاته لئلا يخالفوه، وإن قعد لهم حيث يقعد ثم تباطأ في قعوده حتى خافوا فوات الوقت، فليستأنفوا صلاتهم، وإن لم يخافوا فوات الوقت فلير قبوه ما لم تنتقض صلاته، ويقتدي الامام بمن يصلي خلفه لحديث ابن عمر المتقدم حين حرز عليه القرآن فنبهه مولاه نافع، وهذا إذا شك في صلاته والله أعلم. ويقتدي به أيضاً من كان خلفه لقوله عليه السلام: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) وكذلك من كان خلفه فيما بينهم يقتدي كل واحد منهم بصاحبه، لأن الصفوف بعضها أئمة لبعض، وأما من لم يكن معهم في الصلاة فلا يقتدوا به ولا يأخذوا عنه، فإن اقتدوا به أعادوا صلاتهم لما قدمناه والله أعلم. ورخصوا للمريض الذي اختلط عليه حفظه وتشابه عليه أمره، أو الجاهل المبتدئ في تعليم صلاته أن يقتدي بغيره ويتبعه في جميع صلاته، حتى يحفظ صلاته ويعرف معانيها ما لم يكن من قبله التضييع، سواء في ذلك اقتدى بغيره في صلاته يعمل مثل عمله أو يعمل بأمره ونهيه، سواء في هذا الأمين وغيره ممن
- 577 -
ه م 37 ـ الإيضاح» (1/584)
صفحة 585
كانت له الصلاة أو لم تكن له إذا أحسن ذلك والله أعلم. وقد روي عن جبريل عليه السلام يصلي بالنبي عليه السلام والنبي يصلي بأصحابه والله أعلم. ويجوز له أن يقتدي بغيره إذا قال له تمت صلاتك فسلم أو لم تتمها وقد بقي لك منها ركعة أو ركعتان أو أشباه ذلك، فإنه يأخذ به إذا كان أميناً، وقال بعض: يجزيه كل من صدقه في ذلك، وكذلك إن تشاكل عليه غسله أو تيممه، أو تشاكل عليه هل صلى بهذا الثوب أم لا؟ فإنه إذا قال له غيره: توضأت أو تيممت أو صليت بهذا الثوب أو صليت هذه الصلاة فإنه يصدقه في جميع ذلك لقوله تعالى: د يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (1) إلا إن تبين له خلاف ذلك والله أعلم. وكذلك جميع وظائف الصلاة على هذا الحال، وقد روي عن محمد بن محبوب رحمه الله في الذي يشك في صلاته أنه يجوز له أن يجهر في جميع صلاته وما فيها من قراءة وتسبيح وتحيات حتى يسمع ذلك الذي يحفظ عليه ويعلمه أنه قد أتم صلاته لحال حاجته إلى ذلك والله أعلم وبالله التوفيق.
قوله: وكذلك جميع وظائف الصلاة الخ. الوظائف جمع وظيفة، في القاموس: الوظيفة كسفينة ما يقدر لك في اليوم من طعام أو رزق أو نحوه والعهد والشرط، والجمع وظائف ووظف بضمتين.
(1) التوبة: 119.
- OYA- (1/585)
صفحة 586
باب الاستخلاف في الصلاة
ويجوز الاستخلاف في الصلاة كلها ما خلا صلاة الميت، لمخالفتها سائر الصلوات، إذ ليس فيها ركوع ولا سجود، وقال بعضهم بجواز الاستخلاف فيها كما يجوز في غيرها، والدليل على جواز الاستخلاف في الصلاة ما روي (أن أبا بكر رضي الله عنه أم بالناس فلما أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكعكع وأشار له رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتم بالناس الصلاة)) فهذا بدل على جواز الصلاة بإمامين، وإنما يجوز الاستخلاف في ثلاثة أوجه:
باب الاستخلاف في الصلاة
قوله: وإنما يجوز الإستخلاف الخ أي إنما يجوز الإستخلاف حال تلبسه بالأنجاس إذا تلبس بهذه الثلاثة دون غيره من الأنجاس كما صرح به بعد فلا ينافي ما تقدم له في إصلاح الفساد عند بعضهم من جواز البناء للإمام الخارج لإصلاح الفساد واقتضاء التعليل الذي ذكره، أو يقال ذكر الأوجه المتفق على الاستخلاف فيها الخ. والله أعلم حرره، وكتب أيضاً على هذه القولة ما نصه قوله: وإنما يجوز له الإستخلاف فيها الخ. فيه رد على المالكية القائلين يجواز الاستخلاف فيما إذا عجز الإمام عن ركن وذكر حدث وغلبته وتنجية مال ونفس.
(1) متفق عليه.
-049 - (1/586)
صفحة 587
(1)
القيء والرعاف والخدش لأنه يبنى بها في الصلاة لما روي من طريق ابن عباس رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال: القيء والرعاف والخدش لا ينقض الصلاة)) فإذا انفلت المصلي بهم توضأ وبنى على صلاته، وأما غير هذه الوجوه من الأنجاس لا يبنى بها في الصلاة ولا يستخلف لأنه خرج من الصلاة والله أعلم. وإن وصل ثوبه أو جسده شيء من هذه الوجوه الثلاثة التي يبنى بها في الصلاة فإنه يستخلف ويغسل جسده وثوبه إن لم يجد ثوباً غيره ويبنى على صلاته، وقال بعض: لا يبنى ولا يستخلف إن وصل ثوبه أو جسده شيء مما ذكرنا من الأحداث الثلاثة والله أعلم.
قوله: قال القيء والرعاف الخ. وفي نسخة القيء والرعاف والخدش لا ينقضن الصلاة فإذا انفلت بهن الخ. وهي أظهر. قوله: انفلت الخ يؤخذ منه أنه إن مسه شيء من هذه الثلاثة من قبل غيره فلا يبني به ولا يستخلف، وقد صرح بذلك في الديوان.
فرع: قال في الديوان: وإنما يستخلف في هذه الأحداث إذا أيقن بها، وأما إذا شك في ذلك كله فليمض على صلاته حتى يتمها فإن وجد بعد ذلك شيئاً أعاد صلاته إن أحدث فيها بعد ذلك ما ينقض صلاته وإن أخبره أمينان بالرعاف أو الخدش استخلف. والواحد فيه قولان، وإخبار من كان من أهل الجملة كالشك، وينبغي على أحد القولين في الأمين الواحد أن يكون كالشك.
(1) رواه الدارقطني وابن حبان
حرره.
- 580 - (1/587)
صفحة 588
وإذا أراد أن يستخلف فإنه يمد يده الى الصف الذي يليه إلا إن لم يجد في ذلك الصف من يقوم بذلك فإنه يستخلف من أي موضع أصاب، ويمد يده ويجبده الى الموضع الذي وقف فيه لأنه من تمام الاستخلاف، ويمضي هو، وقال بعض: يجبده بيده ويتركه ويمضي ذلك الرجل إلى المحراب ويمضي الامام وإن أبى ذلك الرجل أن يطاوعه فإنه يستخلف غيره الى ثلاثة رجال لأنه أقل الجمع، وقال بعض: لا حد في ذلك، وإن استخلف عليهم
قوله: إلا إن لم يجد الخ. أنظر ما إذا وجد في الصف الذي يليه واستخلف من غيره هل تبطل صلاته؟ والظاهر نعم لمجاوزته المطلوب منه والله أعلم، حرره. قوله: وقال بعض يجبده بيده الخ. في الديوان: وإنما يجبده من ثوبه ولعل ذلك ليس بواجب فلذلك أسقطه المصنف رحمه الله حرره بنقل صحيح. وقد
نص الشيخ إسماعيل رحمه الله
على
أنه يجيده من يده
قوله: إلى ثلاثة رجال الخ. مفهومه أنه لا يتجاوز الثلاثة على هذا القول وإذا تجاوز يعيد، وعبارة الديوان تقتضي عدم الإعادة لأنه جعل القول بالاعادة مقابلا لهذا ونص عبارته: وإذا أبى ذلك الرجل الذي أراد الامام أن يستخلفه أن يطاوعه، فإن الامام يمضي ويتركه، ومنهم من يقول يستخلف غيره إلى ثلاثة رجال ويمضي، ومنهم من يقول ليس عليه حد في ذلك من العدد الثلاثة أو أكثر أو أقل، ومنهم من يقول لا يجاوز الثلاثة، فإن جاوزهم أعاد صلاته، ويمكن ردها إلى عبارة المصنف.
18411 (1/588)
صفحة 589
وصادف من لا يجوز له الاستخلاف مثل المرأة أو الطفل أو من لم يكن معه في صلاته فإنه تنتقض صلاته بهذا كله، لاستخلافه من لا يجوز، وإن اقتدوا به أيضاً انتقضت صلاتهم، والامام إذا أحدث واستخلف إماماً غيره فإنه يقدم على الهيئة التي كان عليها الأول من قيام أو قعود أو ركوع أو سجود، فإن كان في قراءة فأخذ من حيث بلغ الأول فحسن لأن قراءة الامام قراءة لمن خلفه، وإن ابتدأ فلا بأس، ومثل هذا إن استخلف الامام رجلاً وهو راكع أو ساجد فإن المستخلف يرفع رأسه إن كان راكعاً قال سمع الله لمن حمده وهو في مقامه، ثم يتقدم الى مقام الامام فيسجد بهم، وإن استخلفه وهو ساجد رفع رأسه بتكبيرة يجهر
قوله: وصادف من لا يجوز له الاستخلاف الخ. أي واستخلفه كما يؤخذ من التعليل الآتي وهو صريح الديوان.
فرع: في الديوان: وإن جبد الامام اثنين أو ثلاثة في الوقت الذي أراد فيه أن يستخلف، فإنه يأخذ الذي عنى بالاستخلاف ويترك غيره، وإن مضوا جميعاً واقتدوا بهم الناس أعادوا صلاتهم، فإن تقدم واحد منهم فاقتدوا به الناس فصلاتهم جائزة إذا لم ينو واحداً منهما، وإن نوى واحداً منها فلا
•
إلا الذي نوى يجزيهم قوله: يرفع رأسه الخ. قيل ينافي قوله فإنه يقدم على الهيئة التي كان عليها الخ. أجيب بأنه عدل إلى ما ذكر إشارة إلى عدم وجوبه وفي الديوان: وإن استخلفه في الركوع فإنه لا يرفع رأسه وإن شاء رفع رأسه
- GAY- (1/589)
صفحة 590
بها لأنه إمام، فإن كان في السجدة الأولى تقدم قليلاً قدر ما لا ينقطع عن الصف ثم يسجد بهم الثانية، فإذا قام تقدم الى مقام الامام وإن كان استخلفه في السجدة الثانية رفع رأسه بتكبيرة يجهر بها كما قدمنا، ويتقدم الى مقام الامام ويتم بهم الصلاة، وإن كان استخلفه في القعود للتحيات تقدم وهو قاعد حتى يبرز من الصف، ثم يقرأ التحيات ثم يقوم بتكبيرة ويتقدم الى مقام الامام، وهذا كله عندي مبني على الإمكان والاستحسان والله أعلم. وإن أحدث وخرج ولم يستخلف عليهم فإنهم يمضون على صلاتهم، وإن استخلفوا على ذلك الحال فاقتدوا بالذي استخلفوه أعادوا صلاتهم لأن أمر الاستخلاف إلى الإمام، وقال بعض: لا إعادة عليهم إن اقتدوا به وذلك عندي لأن هذا إصلاح لصلاتهم على هذا القول، والقول الأول
قوله: وإن استخلفوا على ذلك الحال الخ. وكذا إن تقدم هو من ذات نفسه نص عليه في الديوان وهل يصير المستخلف إماماً بمجرد الإستخلاف أو بالشروع، والظاهر من كلام الأصحاب الأول وهو عند أصحاب مالك خلاف، ومن فروعه وجوب اتباع المأمومين له أم لا؟ المذهب نعم كما نص عليه في الديوان، وعبارته: وإن مضوا على صلاتهم ولم يتبعوا الذي استخلفه الإمام أعادوا صلاتهم، ومن فروعه أيضاً إن استخلف شخصاً وتقدم غيره فعندنا إن اقتدوا بذلك الغير فبطلت صلاتهم، وكذا صلاته، وعند بعض المالكية لا. قوله: وقال بعض: لا إعادة عليهم هو مذهب مالك ونسبه في الديوان
للدفتر
•
- 583 - (1/590)
صفحة 591
عندي أصح وكذلك على هذا الاختلاف إن مضى رجل منهم وصلى بهم و اقتدوا به ولم يستخلفوه؛ وإن أحدث الإمام في المسجد فخرج ولم يستخلف عليهم فلا يمضوا على صلاتهم حتى يخرج من المسجد، وإن كانوا في الفحص فحتى يجاوز الصف أو يمشي أمام الصفوف مقدار ما يجاوز فيه الصف والله أعلم. وذلك عندي لأنه ما لم يخرج من المسجد أو يجاوز الصف فإنه يمكن أن يستخلف عليهم والله أعلم. ولا يستخلف الخليفة خليفة آخر لأنه لم يبلغنا ذلك والله أعلم. وإنما بلغنا أنه صلى هو وأبو بكر بالناس صلاة واحدة حين أدرك أبا بكر يصلي بالناس وتكعكع أبو بكر وأتم بهم الصلاة عليه السلام، والله أعلم. وإن تيمم الإمام المحدث في موضعه بعذر ومضى على صلاته واتبعوه فلا بأس بصلاتهم،
قوله: أو يمشي أمام الصفوف الخ. زيادة على ما في الديوان وهي ظاهرة على التعليل الذي ذكره رحمه الله كذا رأيته في نسخة، ثم رأيت في نسخة أخرى فيها هذه الزيادة ونصها: وأما في الفحص إن مضوا على صلاتهم قبل أن يجاوز الصف أعادوا صلاتهم، إلى أن قال: وكذلك إن مضى أمام الصفوف
مقدار ما يجاوز الصف.
الله رحمه
قوله: ولا يستخلف الخ. هذا نص الديوان، وحكى الشيخ إسماعيل جواز ذلك بقيل، وعبارة الديوان ولا يستخلف الخليفة خليفة وإن استخلف رجلا فطاوعه واقتدى به الذين يصلون خلفه أعادوا صلاتهم، وقيل
فيها غير ذلك
584 - (1/591)
صفحة 592
وإن أحدث رجل خلف الإمام ومضى ليتوضأ فإنه يرجع إلى الإمام ويتم صلاته إذا توضأ، وإن مضى على صلاته في موضعه ولم يرجع الى الإمام وهو لم يفرغ من صلاته أعاد صلاته لأنه خالف إمامه والله أعلم. وإن أحدث الامام واستخلف رجلاً ومضى وتوضأ وصلى في موضعه ولم يرجع اليهم فإنه لا يفعل ذلك الا إن فرغ الخليفة من الصلاة وان مضى على ذلك الحال ولم يفرغ الخليفة من الصلاة فلا إعادة عليه لأنه ليس بمأموم، ولا يدخل اليه رجل آخر في ذلك الموضع لأنه ليس بإمام بعد ما استخلف وأما إن مضى ولم يستخلف لهم فإنه يمضي على صلاته وحده ويدخل إليه في هذا الوجه من أراد أن يصلي خلفه، لأنه إمام متبوع ولا يدخل هو إلى غيره وإن أحدثوا جميعاً هم وإمامهم وذهبوا وتوضأوا فانهم يقتدون بإمامهم في موضعهم، وإن توضأ امامهم قبلهم فلا ينتظرهم لأنه امام متبوع ولكن، يمضي على صلاته، ومن توضأ منهم فليدخل اليه، وإن سبقوا الإمام بالوضوء وانتظروه بقدر ما يصلون فيه أعادوا صلاتهم، وإن مضوا على صلاتهم
قوله: ولا يدخل الخ في الديوان: وإن دخل إليه وصلى به على ذلك الحال عادا صلاتها الامام والمأموم به إن تعمد ذلك. قوله: ولا يدخل هو إلى غيره قال في الديوان: وإن دخل اليه أعاد صلاته.
قوله: بقدر ما يصلون، الظاهر أن المراد ما يتمون فيه الصلاة
،
1040 - (1/592)
صفحة 593
قبل الإمام أعادوا صلاتهم، وذلك عندي اذا توضأ وأدركهم لم يفرغوا من صلاتهم لأنهم خالفوا امامهم، ويجوز أن يستخلف المقيم المسافر والمسافر المقيم، ويصلي الخليفة بمن استخلف عنهم صلاة امامه لأنه في موضعه، وإن بقي له شيء من صلاته استدركه بعد ما صلى بهم صلاة إمامهم، سواء بقي عليه في أول صلاته أو في آخرها، ومثال ذلك: إن أحدث إمام مسافر خلفه مسافرون ومقيمون، فاستخلف أحداً للمقيمين فإنه يثم بهم صلاة المسافر لأنه في مقامه، ثم يقوم هو والمقيمون فيتمون صلاتهم فرادى بلا إمام، ثم يسلم الإمام ويسلم المقيمون والمسافرون
قوله: ويجوز أن يستخلف المقيم المسافر، ظاهره سواء جاوز حد صلاته، أم لا، وقيل لا يستخلف المقيم المسافر إذا جاوز حد صلاته، فإذا استخلفه صلى بمن. خلفه صلاة المقيم، وإن صلى بهم. صلاة ة المسافر انتقضت صلاتهم وصلاته جميعاً ان اقتدوا به على ذلك الحال، وأما إن لم يقتدوا به بطلت صلاته دونهم المخالفة نيته فعله، وهذه أيضاً من المسائل التي تبطل فيها صلاة الامام
دون المأموم.
قوله: فإنه يتم بهم صلاة المسافر الخ. وكذا إن كانوا مسافرين فقط فإنه صلاة المسافر قعدوا ينتظرونه حتى يتم صلاته ثم يسلم ويسلموا معه.
إذا تم بهم. قوله: ثم يقوم هو والمقيمون الخ. فإن اقتدوا به المقيمون على هذا الحال أعادوا صلاتهم لاقتدائهم بغير إمام، لأن إمامته زالت بانقضاء صلاة المستخلف إذ هو مسافر.
- 586 - (1/593)
صفحة 594
بركعة،
جميعاً، وأما إن كان الإمام المسافر قد دخل إليه المقيم فيها وقد فاته بر ثم أحدث الامام في الركعة التي دخل إليه المقيم فيها واستخلفه، فإن
حتى
بعضهم قال: يقعد من خلفه ثم يقوم هو إلى الركعة التي فاته بها الامام ح يستدركها، ثم يأخذ بهم من حيث استخلفه الامام حتى يتم بهم صلاة الامام المسافر، ويقعد المسافرون هنالك، ويقعد المسافرون هنالك ويمضي المقيمون والامام ويتمون صلاتهم فرادى، فمن أتم منهم صلاته قعد حتى يتموا جميعاً، ثم يسلم الامام ويسلموا جميعاً، وإنما يقوم إلى الركعة التي فاته بها الامام ويستدركها قبل لأنه إنما أوجب عليه تأخير تلك الركعة، وهي أول صلاته، ما وجب عليه من اتباع الامام، فإذا زال الامام ارتفعت العلة التي أوجبت تأخير أول صلاته، ووجب عليه أن يأتي بصلاته من أولها،
استخلفه
وقال بعض: حيث استخلفه المسافر يمضي على صلاته من حيث ا الامام لأنه في مقامه حتى يتم بالمسافرين صلاة الامام، ثم يستدرك هو ما فاته كما ذكرنا، ثم يمضي المقيمون فرادى كما ذكرنا في أول المسألة.
قوله: ثم يمضي المقيمون فرادى الخ. أي ولا يرتقبونه حتى يقتضي الركعة التي فاته بها الامام، ولكن يمضي هو ويستدرك الركعة ثم يرجع إلى آخر صلاته، ولكن لا يسلموا جميعاً حتى يسلم الامام فيسلموا جميعاً.
- DAY- (1/594)
صفحة 595
باب في وصلان الصلاة
وذلك فيمن فاته بعض صلاة الامام إما بسبق الامام له، وإما بنوم أو سهو أو حدث أو إصلاح فساد أو ما أشبه ذلك مما لم تنتقض صلاته بسببه، وهو معذور فيه، أعني أن ينام أو يسهو أو يحدث بحدث يبني فيه أو يشتغل بإصلاح فساد وهو وراء الامام حتى يفوته ببعض صلاته، فإنه يرقع صلاته في هذه الأشياء كلها والله أعلم. والأصل في هذا ما روي (أن معاذ بن جبل رضي الله عنه، دخل مع النبي عليه السلام في صلاته وقد سبقه بشيء فأتم معه ما أدركه، فلما سلم النبي قام فأتم ـا بقي عليه، فقال عليه السلام: سَنَّ لكم معاذ سنة حسنة فاصنعوا مثل ما صنع)) وقد كانوا قبل ذلك يحرمون ويستفتحون بالقراءة ويطردونه حتى يلحقوه، وما روي من طريق أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ثوب إلى الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون فأتوها و عليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا) (3) وكان يجوز لهذه الأحاديث أن يدخل الرجل إلى
ما
(1) متفق عليه.
(2) رواه النسائي وأحمد كما أنه متفق عليه من طريق أبي قتادة، كما رواه الجماعة إلا الترمذي عن ابي هريرة.
- 588 - (1/595)
صفحة 596
الامام إذا فاته بشيء من صلاته في جميع الصلوات ما لم يتشهد، وإذا تشهد فلا يدخل عليه لقوله عليه السلام: (فإذا أنت قعدت وقلت فقد
تمت صلاتك)) وقال بعضهم: يدخل إليه ما لم يسلم، وذلك لقوله عليه
:
السلام) تحليل الصلاة التسليم) ما خلا صلاة الميت فإنه لا يدخل إلى الامام فيها لمفارقتها سائر الصلوات، وقال بعضهم: يدخل إلى الامام في صلاة الميت كما يدخل في غيرها من الصلوات إذا فاته شيء منها، ولكن إذا سلم الامام سلم معه ولا يستدرك ما فاته به الامام، وذلك لأن
باب في وصلان الصلاة
قوله: وقلت فقد تمت الخ. قلت لا دليل في الحديث على ما ذكره لجواز أن يكون المراد بالقول السلام لا التشهد، كما يرشد الى ذلك قوله عليه السلام (تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم) أو كما قال حرره، كتبته قبل انتقال
النظر الى ما بعده.
قوله: ولا يستدرك ما فاته به الامام الخ. قد حكى في الديوان القول بالاستدراك. قلت وهو الظاهر اذ اختلف فيما يأتي به الداخل هل هو فرض أو سنة وعلى كل فيظهر الاستدراك، اما على القول بالفرضية فظاهر، واما على القول بالسنية، فلأن السنة عندنا يجب إتمامها بالدخول فيها كما سيأتي إن شاء
الله في باب الصوم.
(1) تقدم ذكره.
-019 - (1/596)
صفحة 597
صلاة الميت إذا قام بها البعض أجزأ عن الباقين والله أعلم. ولا يدخل الرجل إلى الامام إلا في القيام أو القعود ولا يدخل إليه في الركوع ولا في السجود ولا في مابين السجدتين، ولا في حين ما هوى برأسه إلى الركوع أو السجود، والدليل ما روي أنه قال عليه السلام (من أدرك الركوع فقد أدرك الصلاة) (1) فمن فاته الامام بالقيام فهو غير مدرك للركوع، إذ الركعة الشرعية إنما هي قيام وركوع وسجود، ودليل الخطاب أن من لم يدرك هذه الثلاثة فغير مدرك لتلك الركعة والله أعلم. وقال بعض: يدخل إليه في كل موضع من صلاته لا في ركوع ولا في سجود ولا في غيرهما، والدليل ما روي أنه قال عليه السلام: (فما أدركتم
قوله: ولا يدخل الرجل إلى الامام إلا في القيام الخ. ظاهر كلام المصنف أنه على هذا القول إن دخل بطلت صلاته حتى يكون مقابلا للقول الثاني، وكلام الديوان صريح في أنه على هذا القول إن دخل فلا بأس عليه ولم يحك القول الثاني ونصه وإنما يدخل الرجل على الإمام في القيام أو القعود، ولا يدخل إليه في الصلاة في الركوع، ولا في السجود، ولا فيما بين السجدتين، ولا في حين أهوى برأسه الى الركوع أو السجود، إن دخل إليه في هذه المواضع كلها فلا بأس، ويحتمل أن يكون كلام المصنف رحمه الله موافقاً له ويكون قوله، وقال بعض الخ. أي من غير كراهة بخلافه على القول الأول والله أعلم.
(1) متفق عليه.
-09.- (1/597)
صفحة 598
فصلوا وما فاتكم فاقضوا) (1) ولم يخص موضعاً من موضع، وإن دخل اليه في القيام وقد فاته بقراءة فاتحة الكتاب، فإنه لا يقرأ هو بعد شيئاً، ولكن عليه أن يستمع لقراءة الإمام، وقال بعض: يقرأها، والدليل
(2)
قوله عليه السلام: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) (2) وإن فاته بالقراءة كلها ولم يدرك مع الامام إلا بعضاً من القيام فإنه يستدرك القراءة إذا فرغ الإمام من صلاته لقوله عليه السلام: (وما فاتكم فاقضوا) وعند بعض أنه إذا أدرك مع الإمام قراءة آية كاملة في صلاة يجهر فيها بالقراءة فليس عليه شرع، بدل فاتحة الكتاب. إذا سلم الإمام فهؤلاء ذهبوا إلى
قوله: وإن دخل إليه في القيام وقد فاته بقراءة فاتحة الكتاب الخ. قال في الديوان: وإن قرأ الامام بعض فاتحة الكتاب ولم يقرأ بعضها أخذ هو من أولها، ومنهم من يقول يأخذ من حيث أدرك الإمام في قراءة فاتحة الكتاب، وإن دخل إليه ولم يقرأ حتى فرغ الامام من فاتحة الكتاب فلا بأس أن يقرأها هو أيضاً، وإن لم يقرأها فليس عليه شيء. قوله: فليس عليه شيء، مفهومه كالديوان استحباب الاستدراك، وكتب أيضاً في هذا المحل ما نصه: قف هل المسبوق بالقراءة يستعيذ أم لا؟ قلت: الظاهر أنه لا يقرأها إذ هي مشروعة للقراءة وقد فاتته، ولكن يستعيذ عند القراءة بعد فراغ الامام، ويؤخذ ذلك من كلام الشيخ إسماعيل رحمه الله حيث
(1) متفق عليه. (2) تقدم ذكره
- 591 - (1/598)
صفحة 599
ما روي من قوله عليه السلام: من كان له إمام فقراءة الإمام (له (قراءة وقال بعضهم: في هذا كله إذا فاته بالقراءة كلها وأدرك بعض القيام، فليس عليه أن يستدرك القراءة إذا سلم الإمام لقوله عليه السلام (من أدرك الركوع فقد أدرك الصلاة) وإنما هي في الركعة الأولى خاصة وأما إن كان دخل عليه في الثانية وقد فاته فيها بالقراءة فإنه يستدرك القراءة في هذا الوجه كما يستدرك الركعة الأولى، لقوله عليه السلام: (وما فاتكم فاقضوا) (3) والله أعلم. وإنما يسلم الداخل على الإمام حيث دخل عليه، إن دخل عليه في القيام سلم قائماً، وإن دخل عليه في القعود سلم قاعداً، وذلك لأن السلام إنما هو خروج من الصلاة عند فراغه منها: ولذلك يسلم في موضع تتم فيه صلاته، وقال بعضهم: يسلم قاعداً على أي حال دخل عليه، وذلك عندي والله أعلم، أنه لما كان تكبيرة الإحرام من شرطها الموضع الذي تفعل فيه وهو القيام، ولو دخل على الإمام قاعداً كان أيضاً من شرط السلام أن يكون قاعداً، ولو دخل
أجاز تكبيرة واحدة للإحرام والركوع، لكن عندنا خلاف في محل الاستعاذة، فلعل المصنف بني قوله على أنها قبل القراءة، حرره.
(1) تقدم ذكره.
(2) تقدم ذكره.
- 592 - (1/599)
صفحة 600
عليه في القيام قياساً على التكبير لأن التكبير إنما هو الدخول في الصلاة، والتسليم هو الخروج من الصلاة والله أعلم. ولا يدخل الرجل إلى الإمام إذا لم يعرف أين كان في صلاته لأنه إذا لم يعرف أين كان الإمام لم يعرف ما يعقد عليه نيته في الصلاة، وإن دخل عليه على هذا الحال أعاد صلاته، وأما إن عرف أين كان الامام في صلاته ولكن لم يعرف الامام فإنه إن كان مسافراً فإنما عليه أن ينوي صلاته صلاة الامام، إلا إن كان في الصلاة التي يستوي فيها المقيم والمسافر، وإن كان مقيماً فلا يحتاج إلى ذلك وإن لم ينو المسافر الداخل على الإمام الذي لا يعرفه صلاته صلاة الإمام أعاد صلاته، وقال بعض: لا إعادة عليه إن وافق والله أعلم. ويدخل المقيم على المسافر والمسافر على المقيم، ما لم يجاوز صلاته وهما الركعتان اللتان فرضنا عليه، وإن جاوزهما فلا يدخل عليه والله أعلم، إذ الفرع والزيادة لا تبنى إلا على أصل وأساس فلا ينبغي لها أن تتقدم على الأصل والله أعلم. غير أن عموم قوله عليه السلام: (إذا
قوله: (فلا يحتاج)، ظاهره أنه لو أتى به وخالف صحت صلاته مع أن الظاهر أنه لو قاله بطلت صلاته إذ نيته مخالفة فيما اذا كان الامام مسافراً وفيما اذا وافق يجري فيه الخلاف الذي ذكره المؤلف في المسألة للمسابقة، والظاهر ما قاله الشيخ اسماعيل رحمه الله من أن المأموم المقيم ينوي أداء فرضه مع الجماعة، و كان المصنف مراده ينفي الاحتياج نفي الجواز من باب نفي الأخص بنفي الأعم. دم 38 - الإيضاح»
- 593 - (1/600)
صفحة 601
ثوب إلى الصلاة فأتوها وأنتم تسعون، فأتوها وعليكم السكينة
(1)
والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا)) يدل على جواز دخول المسافر على الإمام الحاضر في كل موضع لجواز صلاته خلف المقيم با تفاق والله أعلم. وأما صفة استدراكه لما فاته فإنه يكون ذلك على وجهين: أحدهما: أن يفوته أول صلاته فقط أو وسطها فقط أو آخرها فقط، والثاني: أن يفوته أول صلاته وآخرها أو أولها ووسطها أو وسطها وآخرها، أما الوجه الذي يفوته أول صلاته أو وسطها وآخرها فإنه يقصد إلى الذي فاته فيستدركه ثم يسلم، مثال ذلك: أن يدخل على الإمام وقد فاته بركعة أو ركعتين ويصلي معه ما أدرك فإنه إذا سلم الإمام قام بغير تكبير إلى أول صلاته فيستدركه إلى الموضع الذي دخل عليه فيه ثم يسلم، وكذلك إن صلى مع الإمام ركعتين من أول صلاته وأخذ معه التشهد ثم قام، أو أحدث قبل أن يقوم بتكبيرة التشهد، ولم ينتبه من نومه أو لم يتوضأ من حدثه حتى فاته الإمام بركعة فأدرك معه الركعة الرابعة، فإنه إذا سلم الإمام يقوم هو بتكبيرة التشهد إلى ما فاته فيستدركه، وكذلك إن قام أو أحدث بعد ما صلى معه ثلاث ركعات، ولم ينتبه ولم يتوضأ إلا وقد سلم الامام فإنه يتم صلاته كما كانت عليه
:
(1) تقدم ذكره.
-098 - (1/601)
صفحة 602
والله أعلم. وأما الوجه الثاني فمثال أن يفوته الامام بركعة من أول صلاته وأخذ معه ركعتين، ثم أحدث أو نام ولم ينتبه ولم يتوضأ حتى سلم الامام، فإنه يبدأ من أول صلاته ويصلي الركعة الأولى حتى يتمها، ثم يصلي الركعة الرابعة، ثم يقعد على التحيات، ثم يسلم؛ و وكذلك مقيم دخل على الامام المسافر وقد فاته بركعة، فإنه إذا سلم الامام المسافر يقوم هو بغير تكبير إلى أول صلاته فيصلي الركعة الأولى التي فاته بها الإمام ثم يقوم بتكبيرة التشهد بعد ما يرفع رأسه من السجدة الثانية، ويتم ما بقي عليه من صلاته ثم يسلم، وقال بعضهم في هذا: إذا سلم الامام المسافر يقوم بتكبيرة التشهد حتى يتم صلاته، ثم يستدرك الركعة الأولى التي فاته بها الامام، ثم يسلم؛ وذلك عندي لتكون صلاته فيما دون الركعة التي فاته بها الامام مرتبة، ويكون الترقيع في صلاته في موضع واحد والله أعلم. وكذلك إن فاتته الركعة الأولى مع الامام وأخذ معه الركعة الثانية مع التشهد، ثم أحدث أو نام فانتبه من نومه، أو رجع وقد توضأ فأصابه في الركعة الرابعة وأخذها معه، فإنه إذا سلم الامام يقوم بغير تكبير إلى الركعة الأولى فيصليها، وإذا رفع رأسه من
قوله: بعد ما يرفع رأسه من السجدة الثانية أي مع التكبير للسجدة والله أعلم.
-090 - (1/602)
صفحة 603
السجدة الثانية قام بتكبيرة التشهد ثم يصلى الركعة الثالثة حتى يتمها إلى موضع دخل فيه على الامام ثم يسلم، وكذلك إن صلى مع الامام الركعتين الأولتين مع التشهد، ثم نام حتى فاته بركعة ثم انتبه وأخذ معه الركعة الرابعة، فلما قعد الامام على التحيات نام هو أو أحدث حتى سلم الامام فإنه يقوم بتكبيرة التشهد ويصلي الركعة الثالثة، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية قام حتى ينتهي إلى موضع دخل فيه على الإمام، ثم يرجع فيقعد على التحيات الأخيرة فيقرأها ثم يسلم فهذا كله في الظهر أو العصر أو العتمة، وكذلك غير هن على هذا الحال، والأصل في هذا كله إذا سلم الامام يقوم إلى أول صلاته فيرقعها من هناك، لأن العلة التي أوجبت تأخير أول صلاته قد زالت، وهي اتباع الإمام والله أعلم. وإن فاته الامام بجميع التكبير في الصلاة فإنه يقضي كل تكبيرة في موضعها كما كانت عليه، لأن التكبير يدخل جميع أجزاء الصلاة، وقال بعضهم: يجمع تكبيرات القيام كلها وتكبيرات الركوع في قيام واحد إذ الركوع أقرب إلى القيام من غيره، ثم يجمع تكبيرات السجود كلها ويجعلها في قعود واحد وهو الأشبه، وقال بعضهم: يجمع التكبيرا كلها ويجعلها قعوداً واحداً وهو الأشبه، وقال بعضهم: يجمع التكبيرات كلها ويجعلها في القيام أو في القعود في موضع واحد، وكذلك التعظيم
-097 - (1/603)
صفحة 604
كله إن فاته به على ما ذكرنا في التكبير نسقاً بنسق، وأما إن فاته بالركوع كله أو بالسجود كله، فإنه يسجد جميع السجود الذي فاته به الإمام في موضع واحد مرة بعد مرة حتى يقضيه كله، وكذلك الركوع على هذا الحال، وكذلك إن فاته بالقراءة كلها فإنه يجمعها في قيام واحد سرها
وجهرها لأن القراءة موضعها القيام، والله أعلم وبالله التوفيق. (1/604)
صفحة 605
باب في صلاة الجمعة
وصلاة الجمعة فريضة على من أقامها من أئمة العدل وأئمة الجور، والدليل على فرضها قوله عز وجل: «يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، (1) وهي فرض على الأعيان لما روي أنه قال عليه السلام: (لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن صلاة الجمعة) (3) ولما روي أنه قال عليه السلام: (من ترك الجمعة ثلاثاً من غير ضرورة طبع على قلبه) (3) وعن ابن عباس رضي الله عنهما (من ترك الجمعة أربعاً متواليات لا يكون لمن تركها عذر إلا نبذ الاسلام من وراء ظهره () والعذر عن صلاة الجمعة الخوف من عدو أو مرض أو حر أو برد أو مطر يخاف منه المضرة، أو جنازة يوالي
(4)
(1) الجمعة: 9
(2) رواه احمد ومسلم عن ابن مسعود.
(3) رواه الخمسة عن أبي جعد الضمري ولأحمد وابن ماجه من حديث جابر نحوه وكذا
النسائي وابن خزيمة والحاكم والدارقطني.
(4) رواه البيهقي.
1991 - (1/605)
صفحة 606
(1)
الصلاة عليها، أو اشتغال بالقوت وطلبه، وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أمر مناديه في يوم مطير بالصلاة في الرحال وهذا فيه اتفاق والدليل ما روي من طريق أبي سعيد الخدري (أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول للمؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر وريح يقول: ألا صلوا في الرحال))) ولما روي أنه قال عليه السلام (إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال) (2) وأما على من تجب، فإنه يجب فرضها على من صح فيه خمسة أوصاف: العقل، والحرية، والمقام، والبلوغ، والذكورية. وبالجملة إن صلاة الجمعة واجبة على الناس كافة، إلا من قام الدليل بعذره من مسافر أو عبد أو مريض أو امرأة أو صي، والدليل ما روي أنه قال عليه السلام: (الجمعة واجبة إلا على امرأة أو مريض أو مسافر أو صي) (3) و ما روي (أنه مال الله صلى الظهر والعصر بعرفة صلاة وهو يوم الجمعة) (4) وقيل إن علياً صلى بأهل مكة يوم الجمعة ركعتين فقال: أتموا صلاتكم، فلهذا إذا وافق الامام صلاة الجمعة وهو مسافر صلى صلاة السفر، لأنه
(1) رواه الترمذي والنسائي.
(2) رواه الدارقطني وابن ماجه.
(3) أخرجه الدارقطني والبيهقي من طريق جابر. (4) رواه أبو داود والنسائي من طريق ابن عباس.
-079 - (1/606)
صفحة 607
لا جمعة عليه، والعبيد أيضاً لا جمعة عليهم لقوله تعالى: «إذا نودي
(1)
والعبيد
(2)
للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع، ليسوا من أهل البيع لقوله تعالى: «عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء» وقال أبو الموثر رحمه الله: ومن حضر الجمعة من امرأة أو مسافر أو عبد أو صي أو مريض يطيق الصلاة فإنهم يصلون بصلاة الامام ركعتين، والإجماع على هذا من أصحابنا رحمهم الله، إذا حضروها صلوا مع الامام وسقط الفرض عنهم، والنظر يوجب غير هذا لأنهم أتوا بما
في باب صلاة الجمعة
قوله: إذا حضروها صلوا مع الإمام وسقط الفرض، قلت: نظيره المسافر فإن الفرض الواجب عليه ركعتان، مع أنه إذا صلى مع الإمام صحت صلاته، وأدى الفرض الواجب عليه، وحاصله أن الحكم هنا تغير بعذر وهو تحصيل لفضيلة الجماعة مع قيام السبب للحكم الأصلي، فهو رخصة والرخص خارجة عن القياس فلا يعترض عليها فكأن المسافر مأمور بركعتين إلا خلف الإمام، وكذا العبد والمرأة والمريض، مأمورون بأربع إلا خلف الإمام فحينئذ لا. نظر المؤلف رحمه الله، حرره. وقد قال فيما يأتي في باب القضاء إن صلى مسافر مع مقيم، ثم تبين له فساد صلاته بعد خروج الوقت فإنه يقضيها صلاة الإمام كما
وجبت عليه الخ، حرره.
(1) تقدم ذكرها.
(2) سورة النحل: 75.
يرد (1/607)
صفحة 608
لم يؤمروا به، وتركوا الفرض الذي أمروا به، فأرى الفرض باقياً عليهم، ولكن لاحظ النظر مع الاتفاق وإن لم يبق عند الامام إلا النساء والعبيد والمسافرون صلى أربعاً لأن هؤلاء لا جمعة عليهم، وإن أحرم ودخل فيها صلاها جمعة والله أعلم.
قوله: وإن أحرم ودخل فيها الخ. أي والصورة بحالها وإلا تكررت مع
ما سيأتي قبيل باب صفة صلاة الجمعة
•
-901 - (1/608)
صفحة 609
باب في شروط صلاة الجمعة
إعلم أن شروط الجمعة إنما هي شروط الصلوات المفروضات بعينها ما عدا الشروط المختصة بها التي لا تجب إلا بوجودها، وهي الامام والمضر و الجماعة، أما الإمام فإنما هو شرط في وجوب صلاة الجمعة،
باب في شروط صلاة الجمعة
قوله: الإمام أو نائبه. إعلم أن هذه المسألة إجتهادية وكل قال فيها برأيه لعدم نص من الشارع على بعض تلك الأمور، أما الإمام فهو شرط عندنا وعند أبي حنيفة خلافا للشافعية ومالك لنا، (قوله عليه السلام: من تركها استخفافاً بها وله إمام عادل أو جائر فلا جمع الله شمله (الحديث شرط فيه أن يكون له إمام، وقال الحسن البصري أربع إلى السلطان فذكر منها الجمعة، ومثله لا يعرف إلا سماعاً فيحمل عليه، ولأنها تؤدي يجمع عظيم فتقع المنازعة في التقديم والتقدم وفي أدائها في أول الوقت أو آخره فليلها السلطان قطعاً للمنازعة وتسكينا للفتنة، وأما ما روي أن علياً صلى بالناس الجمعة حين كان عثمان محصوراً فيحتمل أنه فعله بإذن عثمان فلا يلزم حجة مع الاحتمال، وأما المصر فهو شرط عندنا وعند أبي حنيفة خلافاً لمالك والشافعي لقول علي: لا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع، فقد ثبت في صحتها المصر بعبارته، وبإشارة القطع في قوله تعالى: وذروا البيع) وقوله تعالى فاسعوا ليس إطلاقه اتفاقاً بين العلماء، إذ لا يجوز إقامتها في البراري إجماعاً ولا في قرية
- 602 - (1/609)
صفحة 610
والدليل ما روي عن جابر بن عبد الله قال (1): (خطبنا رسول الله فقال: يا أيها الناس توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحات قبل أن تشتغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له تسعدوا، وأكثروا الصدقة في السر والعلانية ترزقوا وتنصروا)
عند الشافعي ومالك، فكان خصوص المكان مراداً فيها إجماعاً فقدر القرية الخاصة بإقامة أربعين مثلاً وقدر بالمصر وهو أولى بحديث لا جمعة الخ كما تقدم، ولقول حذيفة: ليس على أهل القرى جمعة وإنما الجمعة على أهل الأمصار مثل المدائن، ولأن المدينة قرى كثيرة ولم ينقل إلينا أنه ما أمرهم بإقامة الجمعة، ولو كانت واجبة عليهم لأمرهم بها، ولنقل نقلا مستفيضاً، وليس للمخالف دليل في حديث ابن عباس رضي الله عنه (ان أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله له في مسجد عبد قيس يجوانا) (2) قرية من قرى البحرين ولا في حديث عبد الرحمن بن كعب عن أبيه كعب بن مالك أنه قال: (أول من بنا في حرة بني بياضة أسعد بن زرارة، قال: قلت: كم جمع أنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلا) (3) أما حديث ابن عباس فلأن جوانا إسم لحصن بالبحرين، قاله الجوهري وابن الأثير، قال صاحب المبسوط هي مدينة والمدينة تسمى قرية، قال الله تعالى: لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم (4) وهي مكة والطائف، وأما حديث عبد الرحمن فلأنه كان
(1) رواه ابن ماجه والطبراني.
(2) رواه البخاري وابو داود.
(3) رواه أبو داود وابن ماجه وقالوا عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك
(4) سورة الزخرف: 31
- 603 - (1/610)
صفحة 611
واعلموا أن الله فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا في منبري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة، فمن تركها في حياتي وبعد وفاتي وله إمام عادل أو جائر استخفافاً بها فلا جمع الله شمله ولا بارك الله له في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا حج له، ألا ولا صوم له، ألا ولا بركة حتى يتوب، فمن تاب تاب الله عليه) وأيضاً فإن الأحوال المقترنة بفعلها في زمان النبي عليه السلام مشروطة في وجوبها، لقوله تعالى: «لقد كان لكم في رسول الله أسْوَةٌ حَسَنَةٌ، وهي لم
(1)
تصل في زمان النبي الله إلا في مصر وجماعة ومسجد وإمام والله أعلم.
قبل مقدم النبي المدينة، ذكره البيهقي وغيره من أهل العلم فلا يلزم حجة، لأنه كان قبل أن تفرض الجمعة وكانت بغير النبي عليه السلام، أيضاً على ما روي في القصة أنهم قالوا: لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام، والنصارى يوم، فنجعل يوما نجتمع فيه نذكر الله ونصلي فقالوا: يوم السبت لليهود ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوا يوم العروبة فاجتمعوا إلى سعد فصلى وذكرهم بهم وستموه يوم الجمعة) (2) ثم أنزل الله فيه بعد قدوم النبي علي الام المدينة، وقيل أول من سماه جمعة كعب بن لؤي والله أعلم بالصواب، وللمصنف رحمه الله في هذا المعنى رسالة مستقلة مستحسنة غاية الاستحسان ولم تحضرني الكتب فأثبتها
(1) الأحزاب: 21.
(2) أخرجه عبد بن حميد عن ابن سيرين بسند. حيح. (1/611)
صفحة 612
وأما وجوبها خلف الجبابرة قالى أبو محمد رحمه الله: إختلف أصحابنا
بعضهم
:
لا تجوز معهم
رحمهم الله في صلاة الجمعة خلف الجبابرة، قال وهم الأقل، وحجتهم في ذلك أن الجمعة وجبت في الأصل مع الإمام العادل باتفاق الأمة، وهي واجبة مع الإمام العادل للإجماع على ذلك، واختلفوا في لزومها مع غير العادل، وقالوا: لا نوجبها إلا حيث أوجبها الإجماع، ولا دليل لنا على وجوبها مع غير العادل، وقال الباقون: الجمعة تجب مع العادل ومع غير العادل، لأن فرضها واجب لأمر الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله، وهذا أمر عام فلا يزول فرضها إلا بإجماع، ولم يكن في الأمر عادل ولا غير عادل، وهذا القول الأخير عندي أشبه القولين وأقربهما في الحجة، وقال أبو الحواري رحمه الله: تجوز صلاة الجمعة خلف الجبابرة في الأمصار التي مَصَّرَها أبو حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولا تجوز في غيرها، والذي عليه نحن ومضى عليه أسلافنا أنه لا بأس بالصلاة خلف أئمة قومنا إذا أقاموا الصلاة لوقتها، وقد كان جابر بن زيد رحمه الله يصلي الجمعة خلف الحجاج. وقيل إن جابر صلى بالإيماء يوم الجمعة والحجاج يخطب إلى أن فات الناس الوقت، وقال جابر: اليوم ينفع كل ذي علم عامه، وقيل إن الحجاج لما رأى جابراً
17.0 - (1/612)
صفحة 613
يومي قال: اليوم عرفنا من يصلي معنا ومن لا يصلي، وقد بلغنا أن صحاراً قال لما رجع الأمراء يقيمون الجمعة: الحمد لله الذي رد علينا جمعتنا، وقد بلغنا عن أبي عبيدة رحمه الله أنه يقاد إلى صلاة الجمعة بعد ذهاب بصره ميلين، فإن قال قائل انه لا يرى الجمعة خلف أئمة قومنا لم يصح له إلا اتباع أئمة المسلمين، فإن رجع إلى رأي المسلمين فذلك الواجب عليه، فإن ثبت على قوله كان في الصدور منه حرج، ولا تسقط
بأساً
ولايته حتى يزعم أن جابراً وغيره ممن لا يرى بالصلاة خلفهم ليسوا على صواب، وأنهم كانوا في ذلك على غير الحق، فإذا صار إلى هذه المنزلة إستتابه المسلمون من ذلك فإن أصر وأدبر كان على المسلمين البراءة منه والله أعلم، وجائز للإمام أن يأمر عماله في الأمصار بإقامة صلاة الجمعة لأن خليفته في مقامه، فإن لم يأمرهم فليصلوا أربع ركعات، وقد روي أن علياً صلى بأهل مكة يوم الجمعة ركعتين فقال: أتموا صلاتكم، ولا يجوز للعامل أن يأمر غيره بإقامة الجمعة إلا بإذن الإمام، وإذا سافر لم يصل الجمعة في مسيره لأنه لا جمعة عليه وهو مسافر، ويقيم الحدود في مسيره إذا عارض له حد والله أعلم. وإذا سافر الامام صلى خليفته بالناس أربع ركعات، وقيل: يصلي ركعتين إذا كان خليفته على المصر، وكذلك إذا كان الامام مريضاً أو متخلفاً عن الصلاة بعذر من
-967 - (1/613)
صفحة 614
الأسباب، أو حدث به حدث الموت وحضرته الجمعة قبل أن يقيم المسلمون إماماً فإنهم يصلون أربع ركعات، وقال آخرون غير ذلك، وقد رأيت في بعض الكتب المروي عن أصحابنا من أهل المشرق رحمهم الله، فالجمعة ثابتة بصحاراً ما كان أمر المسلمين قائماً. ولو مات الامام، وأما بالجوف فالجمعة مع الامام فان مات أو سافر صلى الناس بعده أربع ركعات، وعلى هذا إن خلف الامام خليفة على مثل الأمصار المعصرة صلى الخليفة الجمعة ركعتين بخطبة، وإن سافر الخليفة والامام وحضرت الجمعة وهو في غير قرية جامعة فليس له أن يجمع، ولو كان معه من الناس ما يكون مثل أهل القرية أو مثل أهل المصر، لأنه في موضع لا جماعة فيه، والخليفة وغيره في هذا سواء والله أعلم. وأما المصر فانه لا تجب الجمعة إلا في مصر والدليل قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وَذَرُوا الْبَيْع، وذلك أن البيع إنما يكون في الأمصار، وقال أبو عبيدة رحمه الله في حديث علي بن أبي طالب: (لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع)) وقال أبو عبيدة: يعني أنها لا صلاة يوم الجمعة والعيد إلا في الأمصار، وقد كان أبو عبيدة لا يرى في شيء من أرض الأعاجم جمعة، وذلك إنما تصح في الأمصار
(1) رواه أحمد وابن حزم.
-7.4 - (1/614)
صفحة 615
فيها
السبعة التي مصرها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهي مكة والمدينة والكوفة والبصرة والشام واليمن والبحرين وعمان مصر واحد، لأنه لم توجد الجمعة إلا في تلك المواضع في ذلك الوقت، وكان ضمام يقول: كل أرض من أرض أهل الذمة والعرب أقيمت فيها الحدود جمع والله أعلم. وأما الجماعة فأقل ما تنعقد عليه صلاة الجمعة إثنان لقوله عليه السلام: (الاثنان فما فوقهما جماعة)) وروي (أنه رأى رجلين يصليان فقال هذان جماعة) (3) وقال بعض: أقل ذلك ثلاثة، الامام واثنان غيره، لأنه قال تعالى: (فاسعوا إلى ذكر الله، فقوله: (اسعوا» يعني اثنين ثم «قال: «إلى ذكر الله، يعني غيرهما وهو المنادي، وقال بعض: أقل ما تصح به الجمعة أربعة: مؤذن وإمام ورجلان، والله أعلم. وإن ذهب الناس عن الإمام قبل أن يحرم وهو وحده صلى أربع ركعات وإن ذهبوا عنه بعد ما أحرم ودخل في الصلاة - صلى ركعتين صلاة الجمعة، وكذلك القوم أيضاً إن دخل بهم إمامهم صلاة الجمعة وتركهم قبل أن يتمها بهم، صلوا إثنين لقوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا
(3)
أعمالكم (3).
(1) رواه الدارقطني.
(2) رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان.
(3) سورة محمد: 33.
«
- 608 - (1/615)
صفحة 616
باب في صفة صلاة الجمعة
وشروطها التي لا تتم إلا بها
و من شروطها الوقت والأذان والخطبة، أما الوقت فوقتها هو الزوال، وذلك أنه لما كانت بدلاً من الظهر كان وقتها وقت الظهر الذي هي بدل منه، فكل عيد فهو صدر النهار إلا الجمعة فإنها لا تقوم خطبتها وصلاتها إلا بعد الزوال، فإن كانت الخطبة قبل الزوال والصلاة بعد الزوال، قال الشيخ أبو بكر: لا تجوز الخطبة والصلاة إلا بعد الزوال، وذلك إن لم تؤخذ الخطبة شيئاً بعد الزوال جازت، وهو أقل ما يقع عليه
باب في صفة صلاة الجمعة وشروطها
قوله: وشروطها التي لا تتم إلا بها أي الشروط الأعم مما يختص بها فإن قلت فالخطبة مختصة بها فلم لم يذكرها في الشروط المختصة بها قلت لأنها شرط في أدائها وصحتها لا في وجوبها فلذا ذكرها مع شروط الأداء،، وإن لم تكن مختصة بها والله أعلم، وبقي عليه من الشروط المسجد حرره لم تركه. قوله: وهو أقل الخ. الظاهر أنه راجع إلى شيء فلا بد من وقوع ما يقع عليه إسم خطبة، والله أعلم. وعبارة الديوان وإن أخذ في الخطبة قبل الوقت ولم يتمها إلا في الوقت فلا بأس وظاهرها العموم، ويمكن أن يكون ه م 39 - الإيضاح»
-7.9 - (1/616)
صفحة 617
إسم خطبة في كلام العرب، وأما الأذان فالدليل عليه قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع، (1) قال هاشم: من اشترى شيئاً بعد الأذان فالبيع فاسد، وإن اشترى قبل الأذان فالبيع تام، وقال غيره: إذا أذن بعد زوال الشمس، وأما قبل الزوال فلا - لأن قوله: «إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، إذ أوجبت الجمعة، وكذلك لا يجوز البيع والشراء بعد أن تزول الشمس حتى يصلى وإن لم يؤذن إذا كانت قد زالت، لأن الأصل في تحريم البيع بعد النداء إنما هو أن يجيب إلى الجمعة، والأصل أن جميع ما يشغل عن إجابة النداء حرام إلا إن وقع فرض على فرض قياساً على البيع وتبعاً له والله أعلم، وقال بعضهم: في هذا كله البيع تام مع حصول الذنب، وكذلك النكاح قياساً على البيع، والمسافر لا بأس عليه أن يبيع ويشتري يوم الجمعة إذا نودي للصلاة، وكذلك من لم تجب عليه الجمعة والله أعلم. وأما الخطبة فإنه لا تكون جمعة إلا بخطبة
الضمير عائد إلى الخطبة فحينئذ يكون كلام المصنف عاما حرره بنقل صحيح، قلت: الظاهر أن يقيد كلام الديوان بأن يكون ما وقع بعد الزوال أقل ما يقع
عليه إسم الخطبة فيرجع إلى كلام المصنف حرره.
(1) تقدم ذكرها.
-71 - (1/617)
صفحة 618
ويكون الأذان متصلاً بالخطبة، والخطبة متصلة بالإقامة، والاقامة متصلة بالصلاة، والخطبة من شروط صحة الصلاة للجمعة، وإذا لم تكن خطبة لم تكن جمعة وصلوا أربعاً ولم تكن بدلاً من الركعتين كما قال بعض مخالفينا، لأن المصلي يستقبل القبلة ـ بالإجماع و الخطيب يستدبرها، وكذلك من فاتته الخطبة كان مدركاً للجمعة ولم يبدل شيئاً، ويدل أيضاً على وجوب الخطبة كونها راتبة من بين سائر الخطب، وقد احتج قوم لوجوبها بقوله تعالى: «فاسعوا إلى ذكر الله، وقالوا هو الخطبة، وقال قوم المقصود بالخطبة الموعظة المقصودة من سائر الخطب وأنها ليست من شروط الصلاة على هذا القول، فإن صلى الإمام ركعتين من غير خطبة فلا إعادة عليه على هذا القول، والقول الأول أصح وعليه العمل، وإذا دخل الإمام المسجد بعد ما صلى في بيته ما شاء الله، فليأت إلى المنبر
قوله: والخطبة من شروط الخ. يتأمل هذا مع قول الديوان وإن نسي الإمام الخطبة أو تركها عمداً فصلى فإنه لا يعيد صلاته ولكن لا يجوز له ما فعل، فان قلت يحتمل ان مقصوده إذا صلى أربعاً، قلت هذه الصورة ذكرها قبل بقوله: وإن صلى الإمام أربعاً فلا يجوز له ذلك وصلاته تامة لا يعيدها حرره إلا أن يقال كلام الديوان مبني على الثاني كما يأتي قلت: السؤال والجواب لا يحتاج اليها إلا على هذه النسخة. وقد رأيت في نسخة أخرى فصلى اثنين وعليه فلا حاجة لما ذكر من السؤال بل ولا يصح قوله فسدت صلاته أي على القول الصحيح.
-711 - (1/618)
صفحة 619
ويقدم في طلوعه رجله اليمنى، فإذا استوى على المنبر قعد منتظراً المؤذن، ومن يأتي من الناس، فإذا أذن المؤذن الآخر وفرغ من أذانه قام الإمام واقفاً على المنبر وأخذ في خطبته قائماً، ويبدأ في خطبته بذكر الله والثناء عليه والصلاة على نبيه، ويذكر الناس ويعظهم ويخوفهم معادهم وينبغي له أن يعتمد في حال خطبته على قوس أو على عود المنبر، لما روي (أنه كان ع الا الله إذا صعد على المنبر توكأ على قوس أو سيف أو عصا) (1) فينبغي الاقتداء به، ويستقبل الناس بوجهه ولا يستفتح الخطبة حتى يقول المؤذن: لا إله إلا الله، فيأخذ في الخطبة، ثم لا ينزل حتى يقول المؤذن قد قامت الصلاة، ويستحب للخطيب أن لا يأمر ولا ينهى، ولا يعارض في خطبته الا كنحو ما يكون في المخالفة في القرآن بالموعظة، فإن فعل فلا نقض عليه حتى يلغوا، وقد أجازوا أن يعظ في كلامه ببيت من شعر وغير ذلك، وترك الرواية أحب إليهم، وقد ذكر في بعض كتب أصحابنا، قال الفضل رحمه الله إذا روى الخطيب رواية فلا أعرف على الناس إعادة، إلا أن سعيد بن أبي بكر كان يخطب بصحار، فروى قول أبي بكر رضي الله عنه: (إني قد وليتكم واست بخير منكم إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني) فأعاد محمد بن
(1) رواه احمد وأبو داود.
612 - (1/619)
صفحة 620
محبوب رحمه الله الصلاة والخطيب يوم الجمعة إذا تكلم بما لا ينبغي له أن يتكلم به فسدت صلاته لنفسه وصلاة من صلى خلفه إن كان هو الإمام بالقوم، وإلا فسدت صلاته لنفسه دون غيره والله أعلم، وأقل ما قيل في الخطبة التي تصح بها الجمعة ويعقد بها صلاة العيدين ويتم بها التزويج: الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وصل اللهم على محمد خاتم النبيين، واغفر اللهم لنا ولجميع المسلمين. وقد اختلف أصحابنا في الجلوس بين الخطبتين، وقال بعضهم يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة، وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه خطب خطبتين وجلس جلستين ولعله ذكر الجلسة قبل أن يخطب منتظراً لفراغ الأذان ولذلك ذكر الجلستين والله أعلم. وفي جامع الشيخ أبو محمد رحمه الله يقول: لا يجوز الجلوس، وقال لم يرفع إلينا أن أبا بكر ولا عمر ولا علي كانوا يجلسون، وإنما فعل ذلك عثمان في آخر سنه الكبر، وقال بعض: معاوية هو الذي أحدث الجلوس، ولم يشاهد مشايخنا بحضر موت يجلسون فنحن على فعلهم والله أعلم. وأما الإنصات في حال الخطبة فهي سنة واجبة، وذلك إذا أخذ الإمام في الخطبة فلا
قوله: وأقل الخ، قلت يؤخذ منه أن الثناء على الله والصلاة على نبيه ركنان
من الخطبة، وكذا الدعاء، زاد الشافعية الوصية بالتقوى وقراءة آية. (1/620)
صفحة 621
يأخذوا في عمل غير الإنصات إلى الخطبة، ومن دخل إلى الإمام وهو يخطب وقد فاته الركوع فإنه يقعد وينصت إلى الخطبة ويدع الركوع لأنه منهي أن يفعل كل شيء يشغله عن الإنصات، والدليل ما روي أنه قال عليه السلام: (إنا قال الرجل لصاحبه أنصت والإمام يخطب فقد لغا) (1) وقيل (من قال صه فقد لغا) (2) وعن أبي هريرة قال: (من لغا فلا جمعة له) (3) وروي (انه كان ملال يخطب فقرأ بسورة فأقبل أبو ذر على رجل بجانبه، فقال: متى نزلت هذه السورة؟ فأعرض عنه الرجل، فلما قضى الرجل للصلاة قال له: ليس لك إلا ما لغوت، فسأل النبي ا عن ذلك، فقال: صدق) (4) واختلف أصحابنا رحمهم الله في
:
:
حكم الكلام لمن يحضر الجمعة والإمام يخطب، قال بعضهم: تفسد صلاته ويأمرونه بالخروج من المسجد ثم يدخل من باب آخر فيكون حكمه كحكم من دخل معهم في ذلك الوقت وفاته ماكان يستحقه من الثواب بالسبق الذي أفسده بالكلام كما فات من دخل مع توالي السابقين إليها
قوله: قال بعضهم: تفسد صلاته لعل معناه يفسدها إذا استمر على المكث ولم يخرج كما هو ظاهر السياق، ويدل له قوله بعد وعلى هذا إن لم يخرج الخ.
(1) رواه الجماعة إلا ابن ماجه من طريق أبي هريرة.
(2) و (3) رواه أحمد وأبو داود من حديث لعلي بن أبي طالب.
(4) أخرجه ابو ليلى والطبراني عن جابر.
-718 - (1/621)
صفحة 622
بالغدو وكما جاءت الرواية من البدنة ثم نزلت إلى البيضة، والإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب واجب بالإجماع على من بعد وقرب، سمع أو لم يسمع، لأنهم أمروا بالإنصات في حال الخطبة كما أمروا بالإنصات م في حال الصلاة لأنا قد نهينا عن الأمر بالمعروف في ذلك الوقت، وقال بعضهم: من تكلم بما يقرب إلى الله كالتسبيح فليس بلغو، إنما اللغو في القول المكروه، وقال آخرون: اللغو لا يفسد الفرض، وإنما ورد النهي لكمال الثواب، وعلى هذا إن لم يخرج من المسجد فلا نقض عليه والله أعلم. وليس عليهم في النظر إلى سقف المسجد في حال الخطبة نقض، وكذلك الاحتباء والله أعلم. وأما صفة صلاة الجمعة إنما هي خطبة وركعتان في صلاة الظهر، ويجهر فيهما بالقراءة والخطبة قبل الصلاة، ولا خطبة بعدها، وإن فات وقت صلاة الظهر يوم الجمعة فلْيُصَلُّوا أربع ركعات لأنه لم يوجب فيها رسول الله القضاء بجماعة وأن عليه أن يقضيها أربع ركعات والله أعلم. وإذا خطب الامام على غير طهارة أعاد
مستحب
قوله: واجب بالإجماع لعله أراد به إجماع أصحابنا، أو تجوز في التعبير بالإجماع، ويتعين الثاني بدليل كلام الديوان وكلامه فيما بعد والله أعلم. وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد، وقول عند الشافعي، وقول أنه قوله: وإن فات وقت صلاة الظهر أي بأن لم يسلم حق دخل وقت العصر، وقيل إن لم يتم التشهد الأخير حكاهما أبو إسحاق في مختصره
19101 (1/622)
صفحة 623
خطبتها لأن حكمها في الطهارة كحكم الصلاة لأنها من شروطها، وكذلك إن أحدث في خطبته بحدث يبنى عليه في الصلاة، فإنه يذهب ويتوضأ ويبني على خطبته كما يبني في الصلاة، وإن مات الامام في خطبته فإنهم يصلون أربع ركعات، وإن عقدوا الامامة لآخر حين مات الأول في الخطبة فإن الآخر يستأنف الخطبة، وإن أحدث الامام بعد ما فرغ من خطبته فإنه يستخلف عليهم من يصلي بهم ركعتين، ولا يستخلف للناس من لم تجب عليه صلاة الجمعة مثل المسافرين والعبيد. وصلاة الجمعة ليست كغيرها من صلاها في بيته وظن أن الامام قد صلى ثم أدرك الجمعة مع الامام فالنافلة هي الأولى، وصلاة الجمعة التي صلى مع الامام هي صلاته، لأن صلاة الجمعة فرض على الأعيان، وقال بعض بل الفريضة هي الأولى والثانية نافلة كغيرها من الصلوات والله أعلم. ومن سنن الجمعة الغسل والغدو إلى الجمعة والبكور. أما الغسل فقد روي من طريق عائشة رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الغسل يوم
الجمعة
قوله: مثل المسافرين أو العبيد الخ. وإن استخلف لهم فاقتدوا به أعادوا صلاتهم، (ديوان).
قوله: والغدو يتأمل كونه سنة إلا أن يقال أراد بالسنة أعم من المندوب والواجب. ولكن ينافيه قوله فاسعوا إلى ذكر الله أو يقال الواجب أصل السعي، والسعي على الأقدام سنة
-616 - (1/623)
صفحة 624
واجب على كل محتلم () وذكروا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا)) أراد أن يشتم رجلاً قال: جعلك الله أشر ممن لم يستحم يوم الجمعة، وعند أصحابنا رحمهم الله أن الغسل يوم الجمعة ليس بواجب لاتفاق الجميع أنه ليس بشرط في صحة الصلاة، وقد روي أنه قال عليه السلام: (من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) (2) وإنما أراد - والله أعلم - فيها أي فبالسنة، أخذ أضمر ذلك ونعمت الخلة، وقيل إن عثمان قال لعمر: ما زدت على الوضوء يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: الوضوء نقي والله أعلم. وذكر عن كعب قال: من سنة الجمعة أن تتعاهد الفطرة التي في جسدك لأن إبراهيم عليه السلام كان يتعاهد ذلك، وأما الغدو إلى الجمعة فأصله قوله تعالى: «فاسعوا إلى ذكر الله. إنما هو الحث عليها والوصول إليها، ومن فعله ماشياً أو راكباً فقد سعى، وقول من قال: السعي لا يكون إلا على القدمين خاصة فغلط، والدليل
عن ذلك قول طرفة:
سعَيْتُ إِلَيْها والرِّمَاحُ تَنُوشُني
وطرفي يَخُوضُ الْمَوْتَ وَالْقَلْبُ ثابت
فأخبر عن نفسه أنه سعى إليها وهو راكب فرسه، وعن الحسن في
(1) رواه مسلم وأبو داود والنسائي.
(2) رواه البيهقي والدارقطني. (1/624)
صفحة 625
قوله تعالى: «فاسعوا إلى ذكر الله، قال: أما والله ما هو سعي على الأقدام، ولكن سعي بالقلوب وسعي بالنية، وسعي بالرغبة، وأما البكور إليها فمرغب فيه والدليل ما روي من طريق أبي سعيد الخدري قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من اغتسل يوم الجمعة كغسل الجنابة فراح، فكأنما قرب بَدَنَةٌ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الرابعة فكأنما قدم دجاجة، ومن راح في الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر)) قال الربيع رحمه الله: ليس يريد عدد الساعات وإنما أراد ما بين أول الوقت إلى آخره والله أعلم. وإذا أذن المؤذن في أول وقت الظهر فليسارعوا إلى إجابتها لأداء فرضها والله أعلم. وإذا تطهروا لصلاتهم فليقدموا المسجد ويركعوا ما أحبوا، والإمام إنما يستحب له أن يركع في بيته والله أعلم.
قوله: وإنما أراد ما بين أول الوقت الخ. في المسألة خلاف مشهور، مذهب مالك وكثير من أصحابه والقاضي حسين وإمام الحرمين من الشافعية أن المراد بالساعات هنا لحظات لطيفة بعد زوال الشمس، والرواح عندهم بعد الزوال، ويوافقه قول الربيع رحمه الله، والشافعي وجماهير أصحابه وابن حبيب
المالكي استحباب التكبير إليها أول النهار، والساعات عندهم من أول النهار
(1) رواه الجماعة إلا ابن ماجه من طريق أبي هريرة.
-714 - (1/625)
صفحة 626
باب في صلاة السفر
اختلف أصحابنا في صلاة السفر فسماها بعضهم قصراً وسماها آخرون تماماً، ودليلهم ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: أول ما فرضت الصلاة ركعتان ركعتان فى السفر والحضر، وأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر، وما روي عن عمر رضي الله عنه قال: (صلاة السفر ركعتان تماماً غير قصر على لسان نبيكم عليه السلام) وما روي عن جابر ابن عبد الله (أنه سأل النبي عليه السلام عن صلاة السفر أقصر هي؟ قال: ركعتان في السفر ليستا قصراً إنما القصر واحدة عند الخوف)) ومن حجة الآخرين ما روي (أن عمر رضي الله عنه سأله رجل فقال: يا أمير المؤمنين لم كان قصر الصلاة في الأمن والله يقول: «إن خفتم، فقال له عمر رضي الله عنه: لقد عجبت مما عجبت منه فسألت النبي عليه السلام
باب في صلاة السفر
قوله: سأله رجل في كتب قومنا تسمية هذا الرجل بيعلى بن أمية.
، وروى مثله: أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس. (1) رواه النسائي:
- 19 - (1/626)
صفحة 627
فقال: صدقة من الله تصدق بها عليكم فاقبلوا صدقته) فالمفهوم من هذا الحديث أن القصر في السفر رخصة من الله وتخفيف، لأن السفر له تأثير في التخفيف كالفطر في رمضان وغيره من التخفيف للمسافر، ولكن يلزم صاحب هذا القول أن يميز للمسافر أن يصلي أربع ركعات لأن إتيان الرخص ليس بواجب كالفطر في رمضان، وعلى مذهب الأولين لا يجوز
قوله: لأن إتيان الرخص الخ. ظاهر كلامه أن الرخصة لا تعتريها الأحكام الخمسة بل لا تكون مباحة، مع أن الأصوليين قالوا: إنها تكون واجبة ومندوبة ومباحة ومكروهة، وعبارة كتب قومنا والحكم الشرعي أن تغير إلى سهولة لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي فرخصه كأكل الميتة والقصر والسلم وفطر مسافر لا يجهده الصوم واجباً ومندوباً ومباحاً وخلاف الأولى، وقوله واجباً لف ونشر مرتب وجعله القصر مندوباً على أصل مذهبه، وعلى هذا لا يرد على هؤلاء. قاله المؤلف رحمه الله، فجواز كونها واجبة عندهم غاية الأمر: الأمر يحتاجون إلى بيان مدرك الوجوب والله أعلم. على أن في وصفها بالوجوب تخفيفاً ليس هذا
محل ذكره، وظاهر كلام الأصوليين أنها لا تجامع التحريم وهو ظاهر قوله (إن الله يحب أن يؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه) (2) ولهذا قال الفقهاء: الرخصة لا تناط بالمعاصي وكتب أيضاً على هذا القولة فأنصه، قلت: بعد ما كتبت ما في الهامش: رأيت في كتب الحنفية انقسام الرخصة أي رخصة تخيير ورخصة إسقاط، وإن من أحكام رخصة الإسقاط أن يأتم العامل بالغريمة كما في المسافر
(1) رواه الجماعة
(2) رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان.
- 620 - (1/627)
صفحة 628
للمسافر أن يصلي غير الركعتين التي فرضتا عليه، وقال بعض: النبي عليه السلام هو المبين عن الله تعالى لأمته وقد عرفهم صلاة السفر من صلاة الحضر، ولولا ذلك ما عقلوه، وقد روي عن جابر بن زيد رضي الله عنه قال: (سأل رجل عبد الله بن عمر قال: فقال يا أبا عبد الرحمن إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن ولا نجد صلاة السفر، فقال: يا هذا إن الله قد بعث إلينا محمداً ولا نعلم شيئاً وإنما نفعل كما رأيناه يفعل) فالمفهوم من أن القصر في السفر عنده سنة لا يجوز تركها ولا يجوز للمسافر أن يصلي أربع ركعات إلا إذا صلى خلف إمام مقيم لما روي عن الربيع بن حبيب عن أبي محمد قال لابن عمران أن محمداً قال: إني أقيم بالمدينة تسعة أشهر وثمانية كيف أصلي؟ قال: صل ركعتين إلا إن صليت مع الجماعة المقيمين، وهذا القول عليه العمل عند أصحابنا رحمهم الله تعالى.
المتم لأربع انتهى. فلعل هذا القائل يوافق على هذا فلا يرد ما أورده المصنف
رحمه الله
(1) رواه أبو داود والنسائي.
-731 - (1/628)
صفحة 629
باب في حد السفر
وحد السفر يجوز فيه القصر فرسخان، والدليل ما روي (أنه كان
الخليفة وبينهما
إذا خرج حاجاً أو غازياً صلى صلاة القصر بذي فرسخان)) وما روي (أنه خرج ذات يوم ومعه أصحابه حتى إذا
باب في حد السفر
قوله: والدليل ما روي أنه الخ. قلت: الحديث الأول ليس فيه دليل كما يظهر بالتأمل، وجه التأمل أن الحديث الأول إنما يكون كما ذكر لو كان المقصود به الإستدلال على المسافة التي يقصر فيها وليس كذلك، وإنما المراد الإستدلال على أنه لا يجوز القصر قبل بلوغ تلك المسافة كما نص المصنف فيما بعد قوله: كل ميل أربعة آلاف الخ. نظم ذلك بعضهم فقال: والميل ألف أي من الباعات قل والباع أربع أذرع لا يمنع ثم الذراع من الإصبع أربع من بعدها العشرون ثم الإصبع ست شعيرات لبطن شعيرة منها إلى ظهر الأخرى تتبع ثم الشعيرة ست شعرات عد من شعر بغل ليس فيها مدفع فائدة: قال في الديوان: ولا تتبين الأميال إلا بشهادة أو بقول الأمناء، وأما
المشهور ففيه قولان.
(1) رواه الدارقطني.
622 - (1/629)
صفحة 630
صار في ذي الحليفة فصلى بهم ثم رجع، فسئل عن ذلك فقال: أردت أن أعلمكم صلاة السفر أو حد السفر)) وعلى هذا اتفق علماؤنا رحمهم الله، ولم يأخذوا بقول من قال ثلاثة أيام. والفرسخ عندهم إثني عشر ألف ذراع وهو ثلاثة أميال، كل ميل أربعة آلاف ذراع، فعلى هذا الحديث لا يجوز لأحد أن يقصر حتى يجاوز الفرسخين، وقال بعضهم: من خرج على نية السفر صلى قصراً ولو لم يجاوز الفرسخين، ولعل دليلهم قوله تعالى: (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تَقْصُرُوا من الصلاة، وإذا رجع المسافر من سفره فإنه يقصر، ولو دخل الأميال، ما لم يدخل وطنه، لوقوع إسم السفر عليه، ولأنه مسافر ما لم يدخل وطنه، وقد روي) أنه كان الليل إذا سافر قصر حتى يرجع) (3) وقال بعضهم: إذا دخل عمران بلده أتم الصلاة، وقال بعضهم: لا ينكسر
(2)
:
عليه التقصير حتى يصل السور في المنزل، وفي القصر إلى بابه، وفي الخص إلى أوتاده، وفي البئر إلى ماكان يصل إليه الحرث، وهذا كله عندي استحسان، وأما إن خرج من أميال وطنه ولم يقصر الصلاة فرجع إلى الأميال فإنه يصلي الإقامة، لأنه لم يقصر خارجاً من الأميال، ألا ترى
(1) رواه الدارقطني والبيهقي والنسائي.
(2) النساء: 101.
(3) متفق عليه.
- 623 - (1/630)
صفحة 631
إلى حديث النبي عليه السلام (حين خرج بأصحابه حتى صار بذي الحليفة فصلى بهم صلاة القصر ركعتين ثم رجع فسئل عن ذلك فقال: أردت أن أعلمكم حد السفر) (1) ففي هذا دليل أن حد السفر مجاوزة الفرسخين، وقصر الصلاة وما دون الشرطين لا يقصر به الصلاة إن رجع إلى أميال وطنه، وكذلك إن صلى خارجاً خلف المقيم الصلاة التي يقصر فيها، أو صلاها بثوب منجوس أو انتقضت عليه، أو صلاها خارجاً من اً من الأميال، الصلاة التي لا يدخلها التقصير مثل المغرب والفجر فإنه يصلي الإقامة في هؤلاء الوجوه كلها إذا دخل أمياله، لأنه لم يقصر خارجاً من الأميال كما جاء في الحديث والله أعلم، وأما إن خرج عليه وقت الصلاة التي يقصر فيها خارجاً من الأميال ولم يصلها، ثم بعد ذلك دخل أميال وطنه فحل عليه وقت الصلاة فإنه يقصر في هذه الوجوه حتى يدخل وطنه، لأنها
خرج وقتها خارجاً من الأميال.
قوله: وقصر الصلاة أي خارج الأميال كما نص عليه في الديوان. قوله: فإنه يصلي الاقامة يعني والوقت باق كما نص عليه في الديوان،
ويؤخذ من تعليله الآتي.
(1) تقدم ذكره.
-77 E- (1/631)
صفحة 632
باب في الاوطان
واتخاذ الوطن فرض لازم، ولا يجوز لأحد أن يمر عليه وقت الصلاة إلا وقد اتخذ لنفسه وطناً، ولا صلاة لمن لا وطن له، وذلك أنه لما كان لا يصح للمسافر إتمام الصلاة حتى ينوي المقام، كان واجباً عليه أن يتخذ لنفسه وطناً يتم فيه الصلاة لئلا يهدم قواعد الشرع، وذلك لو جاز أن لا يتخذ لنفسه وطناً لجاز له أن يقصر الصلاة أبداً لأنه مسافر،
ولا يصوم رمضان ما دام حياً مع أشياء غير هذا التي سقطت عن المسافر، فيهدم قواعد الشرع، ولكن على كل حال وجبت عليه الصلاة أن يتخذ لنفسه وطناً إلا من قام الدليل على إخراجه من هذه المعاني مثل العبيد والنساء ذوات البعول، ومن لم يتزوج من النساء إذا كن تحت آبائهن فإن هؤلاء وطنهم وطن من رجع أمرهم بيده وذلك أن العبيد تبع الساداتهم في الأوطان، والنساء لأزواجهن، والبنات لآبائهن، لأنه لما
باب في الاوطان
قوله: مع أشياء غير هذا أي كالتنفل لغير القيلة وترك الجمعة والجمع تأخيراً أبداً وترك الجماعة أبداً.
،
-990 -
ه م 40 - الإيضاح) (1/632)
صفحة 633
كان اتخاذ الوطن في موضع من شرط جواز الإقامة فيه، وكان جواز إقامة هؤلاء معلقة إلى غيرهم كان وطنهم وطن من رجع كحكمهم بيده والله أعلم، وكذلك عبيد هؤلاء وأزواجهم وأزواج عبيدهم وطنهم وطن من رجع أمر ساداتهم وأزواجهم بيده، وهو وطن لساداتهم والله أعلم. وإن لم يتخذ الرجل الوطن لنفسه فإن عبيده وبناته وأزواجه يصلون الإقامة والتقصير حتى يؤخذوا، قال بعضهم: إن أبى أن يأخذ وطناً لنفسه فإن عبيده وأزواجه وبناته يأخذون لأنفسهم وطناً يتمون فيه والله أعلم. ويوطن أهل السفن سفنهم، وأهل الشراة سيوفهم،
قوله: فإن عبيده الخ. في الديوان خلافه، ونصه بعد أن ذكر أنهم يصلون الإقامة والتقصير، وقيل إن الأزواج والبنات يتخذون لأنفسهم أوطاناً، وأما العبد فلا يجوز له ذلك، ولا يخالف سيده على كل حال.
قوله: ويوطن أهل السفن الخ. قلت كنت ترددت في المراد بأهل السفينة ثم رأيت في كتاب نسب إلى أبي داود سليمان رحمه الله بخط ابن ثابت ما نصه: قلت فهل يوطن الرجل السفينة؟ قال إن كان هو دائم على سفر البحر فلا تزال عادته كذلك، فلا بأس أن يوطنها أو كان عادة آبائه على ذلك، فإن أرسى مركبه صلى الاقامة حتى يرفعها من ذلك المرسى وسار عنه فرسخين فيقصر
صلاته اهـ.
قوله: وأهل الشراة سيوفهم في الديوان: وأما عبيد الشراة فالله أعلم، ويمكن أن يقال يوطنون لأنفسهم موضعاً يتمون فيه قياساً على ما إذا لم يتخذ
لنفسه وطنا.
-937 - (1/633)
صفحة 634
وأهل العمود عمودهم، والسياحون عصيهم، ويرجع هؤلاء كلهم إلى القرار، ولا يرجع إليهم أهل القرار لما روي أنه قال عليه السلام (ثلاثة من الكبائر: خروجك من أمتك وقتالك أهل صفقتك وتبديلك سنتك) (1) و الذي يذهب إليه العلماء أن خروجك من أمتك إتخاذك دار الشرك وطناً، ونهى رسول الله له عن ذلك لما يجري عليك من والسي والغنيمة والرق وتغيير النسل والإكراه على مفارقة دينك، وأما قتالك أهل صفقتك فهو أن يكون الرجل في عسكر المسلمين حتى إذا قاتلهم العدو فيضعف المسلمون ويرجع إلى العدو، أما تبديلك سنتك فهو التقرب بعد الهجرة، وهو أن ينزع الرجل وطنه من القرار ويرده
الأحكام
قوله: ويرجع هؤلاء كلهم الخ. يؤخذ منه أن هؤلاء ليس لهم وطن في القرار، وأما لو كان لهم وطن في القرار وخرجوا على أن يرجعوا إليه فهم مسافرون كغيرهم.
قوله: وهو أن ينزع الرجل الخ. ظاهر هذه العبارة فإن لم تكن صريحة أن الممنوع إنما هو نزع الوطن من القرار ورده إلى البادية، وأما إذا بقي وطنه وخرج إلى البادية فإنه يكون مسافراً، وعليه فالممتنع بالنسبة إلى المرأة المذكورة بعد إنما هو إذا لم تشترط عليه إتخاذ الوطن، وأما إذا اشترطت عليه فليس بممتنع، لكن بقي النظر هل تصلي في البادية تماماً تبعاً
(1) رواه أبو داود والترمذي.
- 627 - (1/634)
صفحة 635
إلى البادية والله أعلم. ما خلا الشرات فإنهم يرجعون من القرار إلى سيوفهم، ولا يرجعون من سيوفهم إلى القرار إلا إن خرجوا على ذلك، وإن تزوجت امرأة من أهل القرار رجلاً من أهل البادية فهي هالكة لأجل انها تتبعه في صلاته، ولا يجوز لها ذلك لما ذكرناه عن النبي عليه السلام (إن تبديلك سنتك من الكبائر) و إنما تكون هالكة لأن أمر النكاح اليها، وكذلك الطفلة إن بلغت وأجازت النكاح وهي تحت البدوي أو الأمة إن أعتقت ولم تختر نفسها وهي تحت عبد على هذا الحال، وأما العبد إن اشتراه رجل من أهل البادية فصلاته صلاة سيده وليس عليه هلاك لأن أمر البيع ليس بيده وإن حصلت المرأة وتزوجت رجل من أهل البادية فإنها تطلبه أن يتخذلها وطناً في القرار، فإن أبى فلتصل الإقامة والتقصير جميعاً لأنها لا يجوز لها أن تخالف زوجها ولا يجوز لها أن ترجع من القرار
لزوجها أو قصراً وتستثنى هذه الصورة؟ وكلام الديوان في مسألة المرأة التي خرجت من منزلها إلى منزل زوجها على أن لا ترجع إلى منزلها أنها تصلي صلاة زوجها، وأما إن خرجت على ان ترجع إلى منزلها فلتصل صلاتها الأولى يدل على الثاني حـ حرره. قوله: لأنها لا يجوز لها الخ. لف ونشر مرتب فإذا جلبها إلى البادية تصلي الاقامة مراعاة لزوجها وتصلي التقصير لأنها لا يجوز لها أن ترجع من القرار
(1) تقدم ذكره.
- 628 - (1/635)
صفحة 636
إلى البادية، ولذلك تصلي الإقامة والتقصير جميعاً إن لم يتخذ لها وطناً والله أعلم. ومن العلماء من يقول: وطن الرجل والمرأة وطن آبائهما أحياء كانوا أو أمواتاً ما لم يتخذوا لأنفسهم أوطاناً، ويحدث للمرأة معنى يزول بها وطنها عن وطن أبيها وكذلك العبيد إذا أُعتقوا فهم على أوطان ساداتهم ما لم يتخذوا لأنفسهم أوطاناً، وكذلك النساء ذوات الأزواج هن على أوطانهم إن ماتوا أو طلقوهن ما لم يتخذن لأنفسهن أوطاناً، وقالوا أيضاً: وطن الرجل منزله أو منزل أبيه، ولو أنه لم يتخذه وطناً، وكذلك أهل العمود وغيرهم ممن ذكرناه على هذا الحال، والمرأة إذا لم يجلبها زوجها وكانت تحت أبيها فصلاتها صلاة أبيها، ما لم يجلبها زوجها أو يقول له أبوها إجلب زوجتك، فحينئذ يكون وطنها وطن زوجها، وإن لم يجلبها لأنه حين قال له أبوها إجلبها وجب عليه أن يجلبها وصار وطنها وطن زوجها، وينبغي للرجل أن يبين وطنه لامرأته وعبيده وبناته اللاتي كن تحته ويبين لهم أميال وطنه والله أعلم.
إلى البادية وانظر ما إذا اتخذوا وطناً في القرار هل ينفسح وطنه في البادية
والظاهر نعم، حرره بنقل صحيح.
قوله: وكذلك العبيد الخ. ليس معطوفاً على مقول قول بعض العلماء إذ
هذا لا خلاف فيه كما يدل عليه كلام الديوان والله أعلم.
-739 - (1/636)
صفحة 637
وإذا أراد الرجل أن يتخذ لنفسه وطناً فإنما ينبغي له أن يوطن البلدة التي لا يخرجه منها إلا الجوع والقحط أو العدو، أو وجه من وجوه الأضرار كلها، ويقصد إلى موضع طاهر تمكنه الصلاة عليه، وينبغي أن يكون مقدار ما يصلي فيه إلى ما هو أكثر لأنه من شروط الصلاة، إلا إن وطن الدنيا كلها فإنه لا يجوز له لأنه كمن لا وطن له، ويجعل الرجل وطنه في موضع ينزله في كل وقت إن قدم من سفره، ولا يستغني عنه مثل داره أو بستانه أو مصلاه الذي يصلي فيه، ولا يجعله على السقوف والجذوع، والمواطن التي لا يصلى عليها مثل المزبلة والمجزرة وما أشبه ذلك من جميع ما لا تجوز الصلاة عليه، لأنه من شروط الصلاة، ويوطن الرجل أربع مواطن في حوزة واحدة لأنه يجوز له أن يتخذ أربع زوجات كل زوجة في وطن، ولكن لا يجعل كل وطن في أميال الآخر لأن أميال كل وطن حكمها حكم ذلك الوطن فيكون كوطن واحد والله أعلم. وإن وطن أكثر من أربعة مواطن بمرة فلا يجوز، فإن تتابعت فقد صحت له الأربعة الأولى، ولا تتخذ المرأة لنفسها إلا وطناً واحداً
قوله: إلا أن وطن الدنيا كلها الخ. وأما إن وطن الحوزة كلها أو اكثر
من الحوزة فذلك جائز، ديوان.
- 630 - (1/637)
صفحة 638
بخلاف الزوج الذي يجوز له أربع زوجات والله أعلم. وأما متى تلزم الإقامة فمن يجوز له التقصير ممن ذكرنا إذ قعد في موضع فإن ذلك متعلق إلى ما ينطلق عليه إسم الإقامة من عموم قوله عليه السلام: (على المقيم سبع عشر ركعة، وعلى المسافر إحدى عشر ركعة)) فالمسافر من أهل القرار لا ينطلق عليه إسم الإقامة حتى ينو بها بالإطلاق، والدليل ما روي (أنه كان له إذا سافر قصر حتى يرجع)) وكان علماؤنا رحمهم الله
قوله: وأما متى تلزم الاقامة الخ. هذا يشعر بأن اتخاذ الوطن ليس هو نية الاقامة والظاهر انه كذلك إذ اتخاذ الوطن القصد إلى محل يوطنه أي يصلي فيه الاقامة، ويدل له قول (الديوان) ولا يدخل الرجل وطنه إذا كان في دار غيره أو بيت غيره إلا إذا كان في موضع لا يحتاج إلى الإذن كبيوت غير مسكونة، وأما متى يتحقق وصف الإقامة ففيه خلاف مذهب أبي حنيفة إلى أن أقل ذلك خمسة عشر يوماً، وذهب مالك والشافعي إلى أن أقل ذلك أربعة أيام صحاح، وذهب أصحابنا رحمهم الله إلى أنه لا يكون مقيماً حتى ينوي الإقامة على الإطلاق أي من غير تعرض لمدة معينة والله أعلم. وسيأتي التصريح في كلامه رحمه الله بالفرق بينهما.
فرع: إختلف الناس في المدة إذا نوى الإنسان الإقامة فيما وجب عليه التمام فعند مالك والشافعي: إذا نوى الإقامة أربعة أيام صحاح وجب عليه الإتمام حتى يقطع نية السفر مطلقاً، وأما لو أقام ببلد بنية أن يرحل إذا حصلت حاجة
(1) متفق عليه. (2) تقدم ذكره.
- 631 - (1/638)
صفحة 639
يقولون: ما دام المسافر على نية السفر فيقصر، وإذا نوى الإقامة لزمه
أقام
التمام، والدليل ما روي أنه لهم من طريق ابن عباس رضي الله عنه بمكة عام الفتح خمسة عشر يوماً وهو يقصر الصلاة وهو لا ينوي
الإقامة) (1) قال الربيع رحمه الله: هذه حجة لمن لا يرى الإقامة على المسافر إذا كان ينوي إقامة أربعة أيام في موضعه الذي نزل فيه؛ وروي عن الإمام أفلح بن عبد الوهاب رضي الله عنه عن أبي ثور (أن النبي عليه السلام أقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة)) قال الإمام: بلغني عن الحسن البصري قال: مضت السنة أن يقصر المسافرون وإن أقاموا عشر سنين ما لم يتخذوها وطناً، وروي عن عبد الله بن عمر بن عمر أقام بأذربيجان سبعة عشر شهراً يصلي قصراً والله أعلم. وأما أهل العمود فإن من بنى منهم بيتاً إنطلق عليه اسم مقيم ووجب عليه الإقامة دخل بيته أو لم يدخلها،
يتوقعها كل يوم، فعندنا وعند أبي حنيفة ومالك وفي بعض أقوال الشافعي
يقصر، ولو طالت المدة، والمشهور عند الشافعي يقصر ثمانية عشر يوماً. قوله: قال الربيع رحمه الله: هذه حجة الح. قلت لا حجة فيه لقوله وهو لا ينوي الإقامة، حرره.
قوله: فإن من بنى منهم بيت الخ. اختلفوا في بنيان البيوت قال بعضهم:
(1) رواه أبو داود
(2) رواه أبو داود عن جابر.
- 632 - (1/639)
صفحة 640
وكذلك أصحاب السفن إذا رست مراكبهم صلوا الإقامة حتى يسيروا من ذلك الموضع مقدار ستة أميال فيقصروا، وكذلك الذين يسيحون في البلدان وليس لهم قرار ولا بيوت فإنهم إذا نزلوا برحلهم صلوا الاقامة، وكذلك الرعاة إذا لم تكن لهم الأوطان إلا عصيهم فإنهم إذا وضعوا متاعهم على النزول للمبيت والمقيل فليتموا صلاتهم، وكذلك الشراة إذا وطنوا أنفسهم على الشراء في سبيل الله فإنهم يوطنون سيوفهم ويقصرون في منازلهم ويتمون الصلاة إذا خرجوا من أميال منازلهم، وهذا إذا خرجوا على أن لا يرجعوا لمنازلهم، وأما إن خرجوا على أن
إذا رفع العريش أتم الصلاة، ومنهم من يقول حتى يدور الحصير الفوقاني، ومنهم من يقول يقصر حتى يدخل بيته الخ. قوله: مقدار ستة أميال وكذلك أهل العمود إذا هدموا بيتهم، وسيأتي المصنف رحمه الله، وكذا الباقي كما يظهر بالتأمل. قوله: وكذا الذين يسيحون. الخ. أنظر هل يجري في هذه الصور ما جرى في أصحاب السفن من التمام إلى مجاوزة ستة أميال أو لا يجري، وعليه فما الفرق؟ وقوة كلام الديوان يقتضي ألا فرق وما اقتضاه كلام الديوان صحيح، وسيصرح
في
المصنف ببعض تلك الصور، وإنما ترددت قبل الوصول إليه، والتأمل.
قوله: فإنهم يوطنون سيوفهم ويقصرون ويفطرون في منازلهم الخ. لغز إنسان خرج من منزله فوجب عليه الفطر إلى أن يخرج من أميال منزله فتجب
الإقامة، فيجاب بأنه الشاري إذا خرج على نية عدم الرجوع.
- 633 - (1/640)
صفحة 641
يرجعوا فهم مسافرون حتى يرجعوا إلى منازلهم والله أعلم. ومن كان من أهل البادية واستودع بيته أو حرقته النار أو ذهب به السيل فإنه يصلي الاقامة حتى يخرج من الأميال، كما يصليها من نزع وطنه من موضع، وإذا قصر الصلاة ورجع بعد ذلك في أمياله فإنه يقصر ما لم بستأنف بيتاً آخر، وإذا دخل البيت ملكه بوجه من الوجوه فإنه يجدد له النوى ويتخذ له وطناً، وقال بعضهم: هو وطنه ولا يحتاج إلى تجديد النوى، وكذلك إن استعاد بيتاً أو أكراه على هذا المعنى، وأما إن أحرق بعضه وبقي بعضه، أو حمل السيل بعضاً منه فما بقي منه فهو وطنه، وكذلك إن فرق خصه وجعل منه اثنين أو ثلاثة أو أربعة ولا يجاوزها كما ذكرنا أولاً فإنه يصلى الإقامة إذا بنى كل واحد منها، ويجوز أن يتخذ رجل واحد أو اثنين أو أكثر وطناً واحداً وكذلك أهل العمود إذا اشتركوا بيتاً واحداً على هذا الحال والله أعلم وبالله التوفيق.
قوله: وكذلك إذا استعار بيتاً أو أكراه الخ. وأما من أكرى بيته لغيره أو أعاره أو غضب منه أو رهنه، فمنهم من يقول زال منها وطنه، ومنهم من يقول لا يزول حتى ينزعه، وأما الغاصب فلا يجزيه للتوطين. (ديوان).
- 634 - (1/641)
صفحة 642
باب في كيفية اتخاذ الوطن
واتخاذ الوطن يكون بالنوى ويكون باللفظ، ونزعه لا يكون إلا بالنوى واللفظ جميعاً، والفرق بين أخذ الوطن ونزعه عندي والله أعلم أن نية أخذ الوطن إنما هي نية فعل، ونية نزعه نية ترك، ونية ترك أضعف من نية فعل، لأن الترك عند بعضهم ليس بفعل، ولذلك كانوا يعضدونها بالقول حتى تقاوم نية أخذ الوطن التي هي نية فعل، وقيل إنه ينزعه بالنوى كما كان يأخذه بالنوى والله أعلم. ومن اتخذ لنفسه وطناً في بلد ليس له فيها وطن ولم يكن بينه وبين وطنه ستة أميال فإنه يصلي التقصير ما لم يدخل وطنه ذلك، وأصله مسافر دخل أميال وطنه فإنه يصلي التقصير
باب في كيفية اتخاذ الوطن
قوله: ومن اتخذ لنفسه وطناً في بلد الخ. لعل صورة هذه المسألة أن الشخص كان مسافراً، فلما تجاوز أميال وطنه الأول إتخذ لنفسه وطناً في بلدة قد استقبلها وبينه وبين وطنه الذي اتخذه في تلك البلدة التي استقبلها أقل من ستة أميال، فإنه يقصر لأنه مسافر دخل أميال وطنه.
قوله: ولم يكن بينه وبين وطنه أي الذي اتخذه لنفسه
قوله: وطنه ذلك أي الذي اتخذه في البلدة قبل الوصول إليها.
-950 - (1/642)
صفحة 643
ما لم يدخل وطنه، وأما الطفل إذا بلغ واتخذ لنفسه وطناً ولم يكن بينه وبين وطنه ستة أميال فإنه يصلي الإقامة دخل وطنه أو لم يدخل، لأنه لم يقصر خارجاً من الأميال، وكذلك من خرج من أميال وطنه ودخل في أميال وطنه فحضرته الصلاة، ولم يقصر فيما بينهما أنه يصلي الإقامة، وكذلك العبد إذا خرج من أميال سيده الأول ولم يقصر ودخل في أميال وطن سيده الآخر على هذا الحال وكذلك المرأة إذا خرجت من أميال أبيها ودخلت في أميال زوجها ولم تقصر على هذا الحال، وأما إن قصر هؤلاء كلهم فيما بين الأميال فإنهم يقصرون حتى يدخلوا أوطانهم الآخرين والله أعلم. ولا ينزع الرجل وطنه حتى يتخذ لنفسه وطناً آخر، إلا إن كان له أوطاناً متفرقة، فإذا نزع وطنه فإنه يصلي صلاة المقيم في الموضع الذي نزع منه وطنه ما لم يقصر منه خارجاً من الأميال، وقول آخر: مالم يخرج من الأميال، والعلة في هذا يجوز أن تكون عندي والله أعلم أنه لما كانت نية أخذ الوطن لا توجب التمام بمفردها حتى يكون معها المقام، كانت أيضاً نية نزعة لا توجب القصر حتى يكون معها ما يوجب القصر وهو مجاوزة الفرسخين، وقصر الصلاة كما ذكرنا عن النبي صلى الله عليه وسلم (حين صلى يهم بذي الحليفة فقال: أردت أن أعلمكم حد السفر) وأما من اقتصر على خروج الأميال فقط، فلعله ذهب إلى أنه لما كانت نية أخذ الوطن
- 636 - (1/643)
صفحة 644
و المقام بغير صلاة يوجبان التمام كان أيضاً مجاوزة الفرسخين مع النية بغير صلاة توجبان التقصير والله أعلم. وقول آخر أنه إذا نزع وطنه يقصر الصلاة ولو لم يجاوز الفرسخين، وكذلك العبد إذا باعه سيده أو أخرجه من ملكه بمعنى من المعاني على هذا المعنى، وكذلك المرأة إذا رجعت إلى وطن زوجها على هذا الحال والله أعلم. إذ العلة واحدة لأن ذلك كله مثل نزع الوطن، وأما الأطفال من العبيد والنساء إذا بلغوا في ملك من انتقل اليه ملكهم فإنهم يصلون التقصير ولو كانوا في أميال صاحبهم الأول لأنهم لا وطن لهم قبل أن يبلغوا، إذ الوطن على من وجبت عليه الصلاة، فلما بلغوا أوجب عليهم أن يتبعوا من رجع أمرهم إليه والله أعلم. والعبد المشترك صلاته صلاة ساداته، فإذا كان في أميال وطن أحدهم صلى الإقامة،
فصاعداً
قوله: إذا بلغوا في ملك من انتقل الخ. أي وكان المشتري مسافراً، وكذا الزوج كما يظهر بالتأمل، قلت لا حاجة إلى هذا القيد بل ولو لم يكن مسافراً لكن البلدة التي فيها الأطفال ليست وطناً له وبينه وبين وطنه ستة أميال وهو قاطن في بلدته فإنهم يقصرون لأنهم لما بلغوا صاروا تابعين لساداتهم في الوطن، وليس لهم قبل ذلك وطن لا بالإستقلال ولا بالتبعية، فلم يشبهوا من نزع وطنه ولم يدخل كما أشار إلى ذلك المؤلف رحمه الله، وكذا البنات إذا بلغن وأجزن النكاح والله أعلم. وكذلك إذا طلب الزوج الطفلة في أميال أبيها فجوزت النكاح - وأما إذا لم تجوزه فصلاتها صلاة أبيها، ولو أخرجها من أميال أبيها فرجعت وبلغت في أميال أبيها. ا هـ (ديوان).
- 637 - (1/644)
صفحة 645
فإن خرج من أميال أوطانهم قصر صلاته، ولعل هؤلاء ذهبوا مذهب الرجوع إلى الأصل عند التعارض والله أعلم. وقال بعضهم: حيث كان في دولة صلى صلاته، سواء في هذا اشترك فيه الرجال والنساء، أو اشترك فيه الحضري والبدوي والطفل والبالغ والمجنون، والله أعلم. ومن اشترى عبداً فصلى صلاته زماناً ثم خرج في بيعه انفساخ فإنه يعيد جميع ما صلى عند المشتري فيا خالف صلاة البائع، وكذلك إن استحق أو خرج حراً أو لم يكن في أصله عبودية على هذا الحال، وكذلك المرأة ـ إذا خرج في نكاحها انفساخ - على هذا الحال والله أعلم.
قوله: أو خرج حراً، زاد في الديوان: ولكن الحر يستأنف لنفسه وطناً وأما إن قصد بنواه الوطن الذي هو في يده فوطنه فلا يعيد. صلاته
قوله: ولم يكن في أصله عبودية أنها قيد بذلك احتراز عن من كان مرقوقاً فعتق، فبيع ثم جلبه البائع إلى محله، ثم باعه لشخص من بلدته الأولى أو لسيده فصلى الإقامة، فلا إعادة عليه، لأن العبد إذا عتق فوطنه وطن سيده، ما لم يستأنف وطناً لنفسه، وكذا يقال في الحر إذا وافق وطن أبيه والله أعلم. قوله: وكذلك المرأة الخ. قال في (الديوان): إلا إن كانت تولت أمر وطنها بنفسها فقصدت إلى وطن الرجل الذي هي في يده بالنوى فاتخذته وطناً فإنها لا تعيد الصلاة على هذا الحال.
قوله: تولت، أي بأن اشترطت في عقد نكاحها والله أعلم.
- 638 - (1/645)
صفحة 646
باب في القرآن في الصلاة
ويجوز قران الصلاة لمعان معلومة أحدهما السفر لعلة التخفيف، وقد
E
كان علماؤنا رحمهم الله يقولون: الجمع في السفر إحياء السنة، فمن جمع الصلاة ويريد بذلك إحياء السنة فله فضله، ومن جمع الصلاة بعجز أو راحة فالمفرد أفضل، والدليل على جواز الجمع في السفر ما روي عن معاذ ابن جبل قال: (خرجنا مع رسول الله ل عام تبوك، فكان رسول الله هو يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال معاذ: فأخر الصلاة يوماً ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً ثم دخل فخرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً) والثاني: السحاب إذا غطت السماء وحال الغمام دون المواضع التي يصل فيها إلى معرفة أوقات الصلاة قياساً على السفر، لأن علة الجمع في السفر التخفيف من المشقة التي تلحق المسافر، وهي موجودة فيمن خفيت عليه أوقات الصلاة وكلف الإجتهاد في معرفتها، وكذلك المريض إذا ثقل عليه المرض على هذا الحال، إذ المريض أعذر من المسافر، وكذلك من له عذر بين يخاف منه الفوت في الأنفس والأموال
(1) أخرجه البيهقي.
- 639 - (1/646)
صفحة 647
وأشباه ذلك، لأن الخوف له تأثير في التخفيف قال الله تعالى: (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا، (1) وكان الجمع بين الصلاتين جائزاً تخفيفاً مثل القصر والله أعلم. وسواء في هذا الرجل الواحد والجماعة، والجمع الذي ذكرنا إنما هو بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء لا غير، وإذا أراد أن يجمع بين الصلاتين
أخر الأولى وعجّل الآخرة كما في حديث معاذ بن جبل، وإن ج
ن جمع في
أول وقت الأولى أو في آخر وقت الآخرة فلا بأس به، (لأن النبي جمع بين الظهر والعصر في عرفة في وقت الظهر وجمع المغرب والعشاء بالمزدلفة في وقت العشاء) (2) ويجوز الجمع من وقت الزوال إلى أن يغيب من الشمس قرن ومذ تغيب الشمس إلى ثلث الليل أو نصف الليل للصلاتين جميعاً بعد أن ينوي الجمع والله أعلم. وإن أحرم الرجل على القران
باب في القران في الصلاة
قوله: وإن أحرم الرجل على القرآن الخ. فرع في كتاب أبي عبد الله محمد ابن جعفر وعن ابي عبد الله قال: لو أن رجلا مسافراً كان نيته أن يفرد الصلاة فتوانى حق زال وقتها ودخل وقت الآخرة، ثم أراد أن يجمع فله ذلك، وللمسافر إذا أراد أن يدخل بلده أن يجمع الصلاتين من قبل ذلك في وقت
(1) النساء: 101.
(2) تقدم ذكره.
- 7 {- (1/647)
صفحة 648
فإنه يفرق إن شاء، ولا يفرق من أحرم على الإفراد ولا يبطل القرآن غير الكلام في جميع عمل الجوارح، فإن تكلم انتقض قرانه، لأن الكلام عندهم أشد من غيره في الصلاة لقوله عليه السلام: (صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين) (1) ورخص بعضهم في الكلام اليسير الذي لا يستغنى عنه، وإن اشتغل في شيء غير صلاته مقدار ما يتم فيه صلاته إنتقض قرانه والله أعلم. والدليل على هذا ما روي عن أسامة بن زيد حين ذكر (أن رسول الله له دفع من عرفة قال: فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل. بينها شيئاً) (2) قال الربيع قال أبو عبيدة رحمها الله: يستحب بعد المغرب ركعتان خفيفتان والله أعلم. وإن أخر الرجل صلاته إلى آخر الوقت فإنه لا يفرق إلا إن أحرم على الإفراد فإنه حينئذ يقطع بينها بشيء ولو بكلام يتكلم به أو ما أشبه ذلك مما يفصل بينهما والله أعلم.
الأولى منها وقد اكتفى بذلك للأولى والآخرة، وقد فعل ذلك موسى بن علي
رحمه الله تعالى، قلت: إن لم ينو الجمع كان عاصياً في تأخيره والله أعلم. قوله: في جميع عمل الجوارح، أي كان يعمل شيئاً بيديه أو رجليه بخلاف ما لو أكل أو شرب فإنه ينتقض إقرانه كما نص عليه في الديوان والله أعلم.
(1) رواه الدارقطني والبيهقي. (2) رواه أبو داود والنسائي وابن حبان
•
-1 -
م 41 - الإيضاح (1/648)
صفحة 649
باب في صلاة الخوف
والأصل فيها قوله تعالى (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يُصلُّوا، فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، ود الذين كفروالو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة، ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناء (1) وما روى ابو عبيدة عن جابر بن زيد
باب في صلاة الخوف
قوله: في صلاة الخوف أي باب في ذكر صلاة الفرض في الخوف وصفتها وما يتعلق بها، ولم يذكر المصنف رحمه الله تعالى حكمها، وعبر عنه في الديوان بالجواز لكن انظر هل مراده به إستواء الطرفين؟ فلو صلى تماماً صحت صلاته،
أو المراد به ما قابل الامتناع فيصدق بالواجب فلو صلاها تماماً بطلت؟ حرره
والصواب الأول كما يظهر بالتأمل.
(1) النساء 102.
-642 - (1/649)
صفحة 650
رضي الله عنهما قال: حدثني جملة من أصحاب رسول الله (أنهم صلوا معه صلاة الخوف يوم ذات الرقاع، فقالت طائفة منهم: صفت طائفة خلف النبي عليه السلام وطائفة واجهت العدو، فصلى بالذين وقفوا خلفه ركعة، ثم ثبت قائماً وأتموا الركعة الثانية لأنفسهم فانصرفوا وواجهوا العدو، وجاءت طائفة أخرى فصلى بهم ركعة ثم ثبت جالساً وأتموا الركعة الثانية لأنفسهم، ثم سلم بهم أجمعين) (1) وقالت طائفة أخرى منهم (صلى بالطائفة الأولى ركعة، فانصرفت وواجهت العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعة ثانية فسلم فساموا جميعاً من غير أن يثبت لكل طائفة منهم حتى يتم) مثل ما قال أصحاب القول الأول، قال الربيع
قوله: صفة طائفة الخ. ظاهره سواء كان العدو في تجاه القبلة بأن يكون على شماله أو يمينه أو خلفه، أو كان في تجاه القبلة خلافاً لأحمد حيث قال: إذا كان في جهتها لا يقسم، وانظر هل يتعين قسمتهم نصفين سواء كان مقابله أقل من النصف أو لا يتعين، حرره. وكتب أيضاً على هذه القولة ما نصه: صفة طائفة الخ. إختلف العلماء هل تصلى بأقل من ثلاثة وأن تحرس أقل منها، قال بعضهم: يجواز ذلك كثلاثة يصلي اثنان ويحرس الثالث، والقائل بالأول بنص القرآن على الطائفتين وأقل الطائفة ثلاثة، وأجاب القائل بالمنع بأنه خارج
تخرج الغالب فلا مفهوم له.
(1) رواه مسلم.
643 - (1/650)
صفحة 651
قال أبو عبيدة: على هذا القول العمل عندنا وهو قول ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة، وهذا القول أيضاً موافق لما عليه الأصول أعني لا ينتظر الإمام الطائفتين حتى يفرغا من صلاتهما لأن الإمام متبوع لا تابع، وقد روي عن بعضهم أنه يحرم الإمام ويحرمون معه، فيصلي الإمام بالطائفة الأولى منهم ركعة ثم يأخذون أسلحتهم ويقابلون العدو كما ذكرنا، ثم ترجع الطائفة الأخرى فيصلون الركعة الثانية مع الإمام ثم يأخذون أسلحتهم ويقابلون عدوهم، ثم ترجع الطائفة الأولى فتصلي ركعة أخرى إفراداً فإذا فرغوا منها رجعوا إلى عدوهم فيقابلونه، ثم
قوله: وهو قول ابن عباس الخ. وحكي أيضاً عن طاووس وعطاء والحسن و مجاهد وجابر وجماعة. .
ذلك والظاهر
قوله: فتصلي ركعة أخرى فرادى الخ. وانظر ماذا صلى بعضهم أفذاذاً وبعضهم بإمام أو صلوها كلهم أفذاذاً ـ أو صلوها بإمامين بأن ينتظر أحد طائفة صلاة الإمام الأول مع الإمامين مع. طائفته، حرره جميع عدم الجواز في هذه الفروع، وانظر ما إذا أمنوا في صلاتهم هل يقطعونها أو يتمونها صلاة أمن أو يشفعونها ثم يسلمون ثم يعيدونها صلاة أمن؟ وكذا إذا أمنوا بعدما صلوها وكان الوقت باق هل يعيدونها؟ والظاهر في الثانية إن فعلوها بوجه جائز، قال في شرح قصيدة أبي نصر رحمه الله: فمن صلى بالتكبير وهو خائف على دمه فلا يدل عليه بعد ذلك، فإن قدر أن يصلي في وقت الصلاة وأمن ذلك الخوف قال أبو الحسن: فأحب أن يبدل الصلاة ولا بدل عليه بعد الوقت
عدم
الاعادة
- 644 - (1/651)
صفحة 652
ترجع طائفة أخرى فتصلي ركعة أخرى فيرقبهم الإمام كلهم حتى تصلي طائفة منهم ركعة على حدة، ثم يسلم الإمام فيسلمون جميعاً، والصحيح أنها ركعتان للإمام ولكل طائفة ركعة وليس على الذين هم في وجه العدو تحيات ولا تشهد، ولكن إذا سلَّم الإمام سلم الجميع منهم وهي في المغرب وغيرهما والحضر والسفر سواء، وعلى قول من قال: تصلي كل طائفة ركعتين إذا أرادوا أن يصلوا صلاة المغرب مع إمامهم، فإنه تقف طائفة منهم خلف الإمام فيصلي بهم ركعة وأصحابهم قابلوا العدو، ثم يرجع الآخرون فيصلي بهم ركعة أخرى، ثم يقعدون على التشهد، وإذا قام من التشهد فلتأت الطائفة الأولى فلتصل مع الإمام الركعة الأخيرة مع التحيات، ثم يسلم الإمام فتستدرك كل طائفة ما فاتها، وإذا اشتد الخوف ولم يمكنهم هذا فليصلوا كما أمكنهم كما قال الله تعالى: «فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً، وحيث ما توجهت به راحلته، والخائف على دمه وماله يجوز له أن يقصر من صلاته على قدر ما وجد، ويقصر من وظائفها ما لم يمكنه أن يأتي به، ويقصر من نفس صلاته ما لم يمكنه منها من الركوع والسجود، إلى التومي قائماً، ومن القيام إلى التومي قاعداً أو راكباً على دابته متوجهاً إلى سبيله، ويقصرها أيضاً من القعود إلى الاضطجاع بالتومي، ويقصرها
(1) البقرة: 239. (1/652)
صفحة 653
من التومي إلى الجواز عليها بلسانه، ويقصرها من الجواز إلى التكبير ويسلم في هذا كله وكذلك يجوز له أن يقصر من صلاته على ما ذكرنا عند دفع المضار كلها عن نفسه أو عن غيره حياً كان أو ميتاً إذا خاف من فساده أو تلفه من جميع ما يخاف منه تلف نفسه أو ماله، أو تلف غيره في نفسه وماله في جميع ما يعصي فيه ربه إذا تركه ولم يدفع عنه الضرر، أو
ما يلزمه غرمه إذا تلف من جميع الأموال والأنفس والله أعلم.
??
-727 - (1/653)
صفحة 654
باب في سجود السهو في الصلاة
وسجدتا السهو في الصلاة سنة سنهما رسول الله وهما من تمام الصلاة وهما سجدتان يعظم فيهما كتعظيم الصلاة في كل سجدة ثلاث تعظيمات قياساً على سجدتي الصلاة ثم يسلم كما يسلم من الصلاة لأنه روي عن رسول الله الله أنه قال: (لكل سهو سجدتان بعد التسليم)) ولم يذكر فيهما سلاماً ولا غيره وقال بعض: يستغفر فيهما، وإذا رفع رأسه صلى على النبي عليه السلام، يقول: صلى الله على نبينا محمد وآله وسلم،
باب في سجود السهو في الصلاة
قوله: السهو الخ. وفي النهاية لابن الأثير: السهو في الشيء تركه من غير علم، والسهو عنه تركه مع العلم، إنتهى. قال بعض: وهذا الفرق دقيق به يظهر السهو في الصلاة الواقع للنبي عال والسهو عن الصلاة الذي ذمه الله تعالى فاعلمه
انتهى
•
قوله: لأنه روي الخ. هذا إستدلال على قوله وسجدنا السهو سنة منها رسول الله، وأما التعظيم والسلام فثبتا بالقياس في رواية أحمد وأبي داود وابن ماجه من قومنا عن ثوبان: (لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم).
(1) رواه البيهقي عن ذي اليدين، والبزار والطبراني عن ابن عباس.
- 647 - (1/654)
صفحة 655
فهؤلاء ذهبوا إلى أنهما استغفار من سهوه في الصلاة والله أعلم. وهما يجبان على كل من وجبت عليه الصلاة، ويجبان على الإمام والمأموم، فإذا وهم الامام، سجدهما وحده، إلا إن وهم المأموم معه يسجدها معه وإن وهم المأموم دون الإمام سجدهما أيضاً وحده، لأن الوهم إنما يجب على من وهم، وقال بعض: بأن الامام يرفع السهو عن المأموم لأنه ضامن لما نقض من صلاته، لقوله عليه السلام: (الإمام ضامن)) والقول الأصح عندي والله أعلم. ولا يسجدهما في الوقت الذي لا يصلي فيه لأنهما من تمام الصلاة، وكل ما ينقض الصلاة ينقض الوهم، وكل ما يبني به في الصلاة يبني به في الوهم، وأما موضعهما في الصلاة فإنه بعد التسليم، والدليل ما روي عن ابن مسعود (أنه سجدهما بعد التسليم) وما روي من
ومع قوله
قوله: وهما يجبان الخ. أنظر هذا مع قوله فيما تقدم أنها سنتان في الديوان وإن تركه أي سجود السهو أصلا فلا يفسد ذلك صلاته ولكن لا يستحب ذلك لأنه من تمام الصلاة فكأنه. رحمه الله أراد بالواجب ما طلب فعله ولو على سبيل الاستحباب، وبالجملة ان في العبارة صعوبة حرره أو يقال اشارة في الموضعين إلى القولين لكن الصواب ان يقال أراد بقوله سنة أي واجبة بدليل التعليل وبدليل قوله: وهما يجبان الخ. وكلام الديوان ماش على القول
الآخر والله أعلم.
(1) تقدم ذكره.
- 648 - (1/655)
صفحة 656
طريق أبي هريرة (أن النبي عليه السلام سلم من اثنتين، فقيل له: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال: كل ذلك لم يقع، فقال له ذو اليدين: بل ذلك قد وقع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أحقاً ما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم، فقام فأتم ما بقي من الصلاة فسجد سجدتين بعد الصلاة)) وقال بعض: موضعهما قبل السلام لأنهما من تمام الصلاة، وقد روي (أنه عليه السلام سجدهما قبل التسليم (3)، والقول الأول أصح عندي والله أعلم. وقال بعض: كل وهم وجب عليه بالنقصان من صلاته فإنه يفعله قبل التسليم لأنه بدل مما نقص من صلاته وهو من تمامها فأحرى أن يكون قبل التسليم عندهم، وكل وهم وجب عليه من الزيادة فإنه يفعله بعد التسليم لأنه استغفار مما سهى في صلاته، وهذان القولان عندي ذهب بهما مذهب الجمع بين الأحاديث المتقدمة والله أعلم. وإن قرن الرجل الصلاتين فوهم في الصلاة الأولى، فإن بعضهم قال: يسجدهما بعد ما يسلم من
قوله: وهذان القولان، يتأمل هذا، فإن الجمع لا يظهر إلا على القول
الأخير تامة
قوله: وإن قرن هو من باب ضرب ونصر كما نص عليه في مختصر الصحاح.
قوله: في الصلاة الأولى، أي ولم يوهم بينها.
(1) متفق عليه.
(2) تقدم ذكره
-989 - (1/656)
صفحة 657
صلاته تلك، والدليل على هذا ما روي أنه قال عليه السلام: (لكل سهو سجدتان بعد التسليم) فعم ولم يخص، وقال بعض: لا يسجدهما حتى يفرغا منهما جميعاً، فهؤلاء ذهبوا إلى أنهما بمنزلة صلاة واحدة إذا جمعهما والله أعلم. وإن وجب عليه الوهم في الصلاة الأولى والثانية فإنه يسجد لوهم الصلاة الأولى ثم يسجد لوهم الصلاة الثانية بعد ذلك، وكذلك إن وجب عليه الوهم من صلوات كثيرة فإنه يسجدهما الأولى فالأولى حتى عند آخرها فإن لم يفعل هذا ولم يرتب فلا بأس والله أعلم. وإن سلم ولم يسجدهما ساهياً ثم بعد ذلك ذكر فإنه يركع ركعتين ثم يسجدهما وإن سجدهما ولم يركع قبلهما فلا بأس والله أعلم، وأما ما يجب فيه الوهم في الصلاة فإنه يجب في كل سهو في صلاته لا في زيادة ولا في نقصان لعموم قوله عليه السلام (لكل سهو سجدتان بعد التسليم) أعني بالزيادة والنقصان في كل زيادة ونقصان لا يجب عليه نقص صلاته من سببه والله أعلم. وذلك إن زاد عملاً واحداً في صلاته أو عملين في قول بعضهم، مثل القيام أو القعود أو الركوع أو السجود أو القراءة أو ما أشبه ذلك، وأما النقصان إن نقص شيئاً من سنن الصلاة بالسهو فإنه يجيره بالسجدتين،
قوله: حتى عند آخرها، فيه أن (عند (من الظروف الغير المتصرفة.
(1) تقدم ذكره.
- 650 - (1/657)
صفحة 658
وأما الفرض فلا يجزيه إلا أن يأتي به كما فرضت عليه والله أعلم. وكذلك قال بعضهم: لا يجب عليه الوهم إلا في القيام أو القعود إن قام حيث يقعد، أو قعد حيث يقوم، وذلك القيام حتى تقله الأقدام وتفترق الأوراك، وقال بعضهم: إن استوى على قدميه ولو لم تفترق أوراكه، والقعود حتى يستوي قعوده ويرجع كل عضو إلى مفصله، وهؤلاء ذهبوا إلى أن السجود إنما يجب في الزيادة دون النقصان، وتلك الزيادة إنما تكون في أفعال الصلاة دون أقوالها لأن زيادة أقوال الصلاة لا تنقصها عند بعضهم والله أعلم. ومن سها سهوات في الصلاة فإنه يسجد لهن مرة واحدة كما كان يستغفر لأفعال كثيرة بمرة واحدة إذا كانت سجدتا السهو استغفار لما سها في صلاته على مذهب بعضهم، وإن كانتا بدلاً مما سها فإنه يسجد لكل سهو كان في صلاته على حدة، ويعضد هذا القول ما
قوله: ومن سها الخ. أي سواء كان من نوع واحد أو من أنواع. قوله: كما كان يستغفر الخ. الأولى أن يقال إنما لم يزد على السجدتين لأن ترتيب الحكم على الوصف يوجب عليه ذلك الوصف لذلك الحكم، وإذا كان وصف السهو هو العلة اندرجت سائر أوصافه تحت سجدتين فلا يردان، يقال إن المذهب أنها متممتان وهذا هو الموافق لكلام الشيخ أبي طاهر رحمه الله. قوله: ويعضد هذا القول الخ. قيل لا دليل فيه لاحتمال أن يكون التعدد
•
- 651 -
باعتبار الصلاة والله أعلم (1/658)
صفحة 659
روي: أنه قال عليه السلام: (لكل سهو سجدتان بعد التسليم) والله أعلم. ومن شك في سجدتي السهو سجدهما أم لا؟ فإنه لا سهو لهما في قول بعضهم وذلك أن السهو إنما يكون في الصلاة على ما بلغنا عن الرسول عليه السلام، وقال بعضهم: يسجد لهما كما يسجد للصلاة، والقول الأول عندي أصح، وأما من شك في صلاته هل صلى واحدة أو اثنين أو ثلاثاً أو أربعاً أو سجد مرتين أو واحدة أو ركع أم لا، فإنه يبني على اليقين في هذا كله لأن الله عز وجل لا يعبد بالشك، وقال بعضهم: يعيد صلاته وذلك لأنه لا يدري لعله زاد في صلاته، وقد روي أنه قال عليه السلام:
قوله: والقول الأول عندي أصح أي قياساً على من شك هل صلى أم لا بعد خروج الوقت؟
قوله: يبني على اليقين الخ. وظاهره انه لا يعيد ويدل له قوله، وقال بعضهم: يعيد ومذهب مالك والشافعي عدم الاعادة، واستدلوا بحديث رووه وهو في الموطأ (إن شك أحدكم في صلاته فلم يدر ثلاثاً أم أربعاً فليصل ركعة ثم يسجد سجدتين قبل السلام فإن كانت خامسة شفعها بهاتين السجدتين فان كانت رابعة فالسجدتان ترغيماً للشيطان) (1) انتهى، وكان المذهب الإعادة كما نص عليه الشيخ أبو نصر رحمه الله، وقول المصنف رحمه الله يبني على اليقين يحتمل أن
يكون مراده يتمها ويعيد
النظر
•
قوله: وقال بعضهم الخ. أي يعيدها إبتداء والله أعلم. لكن الذي يقتضيه الاعادة لعدم ورود إعادته في الصلاة التي سهى فيها.
عدم
(1) متفق
- 652 - (1/659)
صفحة 660
(دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) (1) وقال بعضهم: لا يشتغل بالشك إذا كان عنده أنه قد صلاها، والدليل ما روي (أنه صلى بأصحابه ركعتين ثم قام لينصرف فقال له ذو اليدين: أقصُرَتِ الصلاة أم نسيت يا
رسول الله؟ فقال: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم .. قال كل ذلك لم يكن
(2)
عندي إني نسيت ولا أنها قصرت) (2) ألا ترى أن النبي لم يكن متيقناً لأنه لو انصرف عن يقين لم يصدقهم والله أعلم. وأما إن شك هل صلى الصلاة أم لا وهو في وقتها فإنه يصليها حتى يكون على يقين من براءة ذمته والله أعلم. وإن سها في صلاته حتى لا يدري أين كان فيها فإنه يعيد
قوله: لأنه لو انصرف عن يقين الخ. فقولهم يرجع إلى من كان معه في صلاته يخص بغير المتيقن، وأما المتيقن فلا كما دل عليه كلام المؤلف رحمه الله تعالى. قوله: وإن سها في صلاته حتى لا يدري الخ. يتأمل الفرق بين هذه الصورة والصورة السابقة عند قوله وأما من شك في صلاته هل صلى واحدة الخ؟ ويمكن أن تصور هذه الصورة بمن اختلط عليه أمره بحيث لا يدري ما هو فيه من ركوع أو سجود رد أو قراءة أو نحوها ولم يتبين له شيء من ذلك بخلاف ما تقدم وكلامه رحمه الله صريح في ذلك فلا توقف أصلا والله أعلم. هكذا كتبت ثم رأيت شارح قصيدة الشيخ أبي نصر رحمها الله قال: ومن غيره الشك شكان: شك التباس، وشك معارضة، فإذا كان الرجل حافظاً لصلاته مقبلا عليها بقليه
(1) رواه الجماعة.
(2) تقدم ذكره.
- 653
- (1/660)
صفحة 661
الله صلاته إلا إن كان خلف الإمام، والدليل ما روي عن أبي عبيدة رضي عنه قال: بلغني عن رسول الله أنه قال: (إن أحدكم إذا قام يصلي له جاءه الشيطان فلبس عليه صلاته حتى لا يدري كم صلى فإذا وجد أحدكم ذلك فعليه أن يسجد سجدتين وهو جالس (1) قال الربيع قال أبو عبيدة رحمه الله: ذلك إذا كان الرجل خلف الإمام وأما إذا كان وحده فليعد صلاته والله أعلم. وإن سها في صلاته حتى أتمها فإنه يعيدها وقد
ثم عارضه الشك في شيء من صلاته في القراءة أو الركوع أو المسجود أو كم ركمة فلم يلتفت إلى ذلك وليمض على ما أوثق في نفسه ذلك، وهو شك المعارضة من وشك التباس أن يكون الرجل ملتبساً بذكر الدنيا وهمومها فذلك إذا شك فلم يعد ما صلى فذلك تنتقض عليه صلاته ويعيد الصلاة، انتهى. فصرح بأن الثاني من قبل الإلتباس وهو مراد المصنف رحمه الله، بدليل سياق الحديث قوله: جاءه الشيطان فلبس هو بتخفيف الباء أي خلط عليه صلاته
•
وشك فيها. قوله: وإن سها في صلاته حتى أتمها الخ. أي بأن عزبت نيته في الدنيا والتعلق بعلائقها والتشبث بفضولها، ولم يرد نظره حتى فرغ من صلاته، فالأقوى عندي ترك الإعتداد بها لأن ذلك واقع باختياره، وقد روي الخ. ثم قال: وإن شك في صلاته فرد نظره فيها فلا بأس عليه إن شاء الله قاله الشيخ إسماعيل رحمه الله، فمراد الشيخ رحمه الله بالسهو هنا ترك التفكر فيما هو فيه من أمر الصلاة أو الانهماك في أمور الدنيا، تأمل كلامه أولاً وآخراً.
(1) رواه أبو داود وابن ماجه.
- 654 - (1/661)
صفحة 662
روي عن جابر بن زيد رحمه الله قال: إجتمع علم العلماء أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها، ورخص بعضهم ما حفظ منها بعضاً ولو مقدار ربعها أو خمسها أو سدسها أو عشرها، والدليل على هذا ما روي عن عمار بن ياسر أن النبي عليه السلام قال: (إن الرجل ليصلي الصلاة ولا يكتب له منها نصفها ولا ثلثها ولا ربعها إلى عشرها) (1) والله أعلم.
000000
- 655 -
(1) رواه أحمد. (1/662)
صفحة 663
باب في معرفة نواقض الصلاة
إعلم أن الذي يوجب إعادة الصلاة ينقسم قسمين: زيادة ونقصان، أما الزيادة فتنقسم أيضاً قسمين: أقوال وأفعال، والأفعال تنقسم قسمين: ظاهر وباطن، أما الظاهر فكالحركات والسكنات، والباطن فكالاعتقادات والإرادات، أما زيادة الأقوال فإنها لا تخلو أن تكون من الأقوال التي هي أقوال الصلاة، أو من الأقوال التي هي كلام، فإن كانت من الأقوال التي هي أقوال الصلاة مثل الحمد لله والتكبير له وأشباه ذلك من الإستغفار والتسبيح مما كان تلاوته من القرآن، فإن بعضهم قال: من أدخل في صلاته عملاً لم يكن فيه أعاد صلاته، إلا إن أراد بذلك إصلاح صلاته، مثل تنبيه الإمام، والدليل على هذا القول ما روي
باب في معرفة نواقض الصلاة
قوله: نواقض الصلاة: النواقض جمع ناقض، لأن فاعلا إذا لم يكن وصفاً لمذكر عاقل جاز جمعه على فواعل قياساً كجارح وجوارح، وطالق وطوالق، سيبويه قال ابن مالك في شرح كافية: غلط فيه كثير من المتأخرين فعدوه مسموعاً وليس كذلك، وناقض الشيء ونقيضه ما لا يمكن اجتماعه معه
قاله
- 656 - (1/663)
صفحة 664
أنه قال عليه السلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (1) والله أعلم. وقال بعض: لا إعادة عليه في هذا القول كله إذا ذكر على النص المذكور في کتابه تعالى ما لم يرد بذلك أمراً أو نهياً أو خطاباً لغيره، أو رد جواب لمن سأله، أو استفهاماً لغيره، أو جر بذلك لنفسه منفعة، أو دفع عنها بذلك مضرة، أو عن غيره سواء كان ذلك في السورة التي يقرأ فيها أو غيرها ما لم يكن ساهياً فيما ذكرنا، والسهو في هذا كله لا يفسد الصلاة لأنه لم يبلغ منزلة الكلام، إذ ليس هو من كلام الآدميين، والدليل على ما قلناه ما روي عن حذيفة قال: (صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدأ بسورة البقرة وكان لا يمر بآية العذاب إلا استعاذ، ولا بآية الرحمة إلا سأله، ولا بآية التنزيه إلا سبح) (2) وقد روي عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة رحمه الله أنه لم ير بأساً بالتحميد والتسبيح والتعظيم بعد تكبيرة الإحرام، والله أعلم. وأما الأقوال التي هي كلام فإنه اتفق العلماء ان الكلام في
قوله: إتفق العلماء الخ. إن أراد اتفاق أصحابنا فلا إشكال إلا أنه خالف الظاهر بل لا يصح مع ما يأتي وإن أراد مطلق العلماء فمشكل، لأن مالكا لا برى بطلانها بالعمد إلا إن كان لغير إصلاحها أو كان لإصلاحها لكنه كثير،
(1) متفق عليه.
(2) تقدم ذكره.
-707 -
ه م 42 - الإيضاح، (1/664)
صفحة 665
الصلاة عمداً ينقضها، والدليل قوله تعالى: «وقوموا الله قانتين، أي: ساكتين، وما روي من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث ألا تتكلموا في الصلاة) (1) وما روي أنه قال عليه السلام: (صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين) (2) واختلفوا في الكلام في الصلاة بالسهو والنسيان، قال بعضهم: يفسدها لعموم الأحاديث المتقدمة وهو قول أصحابنا، وقال بعضهم:
فلعل مراد المؤلف رحمه الله: فقد اتفق العلماء على أن عمد الكلام مبطل في الجملة.
قوله: إن الكلام عمداً يبطلها، ظاهره ولو يكره وضاق الوقت، وظاهره أيضاً ولو كان واجباً كإنقاذ أعمى ونحوه خاف وقوعه في مهواة إذ لا منافاة بين وجوب الشيء وكونه مبطلا والله أعلم، وانظر هل يدخل في قوله كلام إشارة الأخرس لأنهم جعلوه كالكلام أو لا، لأنها ليست بكلام حقيقة وصلاته
باطلة لزيادته فعلا
•
قوله: وقوموا الله قانتين أي ساكتين روى مسلم عن زيد بن أرقم قال: (كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله تعالى: وقوموا الله قانتين) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام) (3).
قوله: وقال بعضهم: لا يفسدها الخ. لكن هذا القائل إشترط أن يكون
(1) رواه الدارقطني والبيهقي وأبو داود والنسائي.
(2) تقدم ذكره.
(3) رواه مسلم.
- 658 - (1/665)
صفحة 666
لا يفسدها، واستدلوا ما روي من قوله عليه السلام لأصحابه حين سلم من اثنتين فقالوا له: (أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم، فقام فأتم مابقي من الصلاة))، فظاهر هذا الحديث يدل عندهم أن الناس تكلموا وهم يظنون أن الصلاة قد قصرت، وتكلم رسول الله الا الله وهو يظن أن الصلاة قد تمت، وكان المفهوم من هذا عندهم إجازة الكلام لغير العامد، والله أعلم. والقول الأول أصح وهو قول أصحابنا رحمهم الله، لأن الكلام في الصلاة منسوخ بما قدمناه من الأحاديث والله أعلم. ومن فروع هذا الباب إن عارض الرجل في صلاته العطسة أو السعلة. أو الفواق أو ما أشبه ذلك فإنه لا بأس عليه في صلاته، لأنه مغلوب وجائز له أن يستعمل إليه ويعين عليه حتى يزول، لأن هذا إصلاح لصلاته ما خلا التثاؤب، فإنه يرده ويقطعه بيده، ويجعل يده على فيه ويغلق فاه حتى يزول، لأن التثاؤب يكون زواله برده و الله أعلم. وإن أتم حروفه في قراءته مع ذلك فليمض على صلاته
المتكلم ظانا أنه ليس في الصلاة، وأما لو تكلم مع أنه ظان أنه في الصلاة بطلت: فقول الشيخ رحمه الله لغير العامد أي في الكلام في الصلاة وإن تعمد الكلام
ظنه أنه خارج.
(1) تقدم ذكره.
659 - (1/666)
صفحة 667
كذلك، وإن شغله ذلك عن صلاته وتمام حروفه فليقطع القراءة والعمل الذي كان فيه حتى يزول عنه ذلك ما لم يقعد مقدار ما يتم فيه العمل الذي استقبله، وقال بعضهم: له أن يؤخر ما لم يزل عنه ذلك، ولم يخف فوات الصلاة، فإن خاف فوات وقت الصلاة فليقصرها كما امكنه، والله أعلم. وإن تثاءب حتى تقعقت لحياهُ فَسَدَت صلاته كما تنتقض بالكلام، وكذلك إن قال في صلاته: أخ أو قال آه أو تنحنح أو نفخ في الصلاة، وقال بعضهم: كل كلام لم يُتَبَيَّن لا يفسد الصلاة إلا إذا تعمد ذلك، وسبب اختلافهم عندي هل هو كلام أم لا؟ ولذلك قال بعضهم: لا تفسد الصلاة هذه الأشياء المذكورة إلا على العمد لقوله عليه السلام: (إن في الصلاة لشغلاً) (1) ففي هذا دليل أن جميع الأفعال التي ليست من أفعال الصلاة لا يجوز فعلها في الصلاة والله أعلم. وأما إن ضحك الرجل في صلاته حتى تقهقه فقد فسدت صلاته، لما روي أنه قال عليه السلام:
قوله: الحياه أي بخلاف أسنانه وأضراسه.
قوله: وسبب إختلافهم عندي الخ. قلت: لكن نقل المحققون كالرضي أن الكلام في اللغة يطلق على الحرف الواحد سواء كان من حروف المعاني أم لا راجعه.
(1) رواه الدارقطني.
-77.- (1/667)
صفحة 668
(من قهقه في الصلاة انتقضت صلاته ووضوءه جميعاً) (1) فإن تبسم فلا إعادة عليه لأنه لم يمتنع من ذلك والله أعلم. وأما البكاء في الصلاة و التنفس صاعداً فإنه إن كان ذلك لأمر آخرته فلا تنتقض صلاته، لأنه من اللائق الخوف المشروط به في الصلاة، ولقوله تعالى: ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً (2)
وهو من هيئة الخشوع، وإن كان الأمر دنياه انتقضت
صلاته لقوله عليه السلام: (إن في الصلاة لشغلاً) (3) وقال بعضهم: عليه الإعادة في هذا كله ولو لأمر آخرته، وذلك عندي والله أعلم. لأنه ليس من أفعال الصلاة، وأما الظاهر من الأفعال التي تنقض الصلاة كالحركات والسكنات، والأفعال التي هي الحركات لا تخلو أن تكون من الأفعال التي هي غير أفعال الصلاة أو من الأفعال التي هي غير أفعال
قوله: فإن تبسم في بعض كتب الشافعية، والتبسم لا يبطل الصلاة) لأن النبي عليك الان تبسم فيها. فلما سلم قال: مربي ميكائيل فضحك لي فتبسمت له) (4) وإنما كتبته لموافقته.
(1) رواه أحمد.
(2) الاسراء: 109.
(3) تقدم ذكره.
(4) رواه البيهقي وأبو داود والنسائي.
-771 - (1/668)
صفحة 669
جميع
الصلاة، فإن كانت غير أفعال الصلاة، فإنه قد اتفق العلماء أن الأفعال المباحات التي ليست من أفعال الصلاة إذا فعلها الرجل في صلاته
انتقضت صلاته، إلا قتل الحية والعقرب، لقوله عليه السلام: (اقتلوا
(1)
الحية والعقرب وإن كنتم في صلاتكم) وقال بعضهم: يقتلهما إذا: خافهما، وقال بعضهم: لم يرد ذكر الخوف، فإذا قتلهما بنى على صلاته لهذا الحديث المتقدم، وقال بعض: يقتلهما ويبتدئ صلاته قياساً على غيرهما من الأفعال، وإنما أجازوا القياس في هذا الموضع لموافقته الأصول والله أعلم. واتفقوا على جواز الفعل الخفيف في الصلاة فلعلهم قاسوه على حديث قتل الحية والعقرب، ففي الأثر ان قد أجازوا العمل القليل في الصلاة إذا كان ذلك في أمر الصلاة، مثل الخطوة والخطوتين ما لم يرفع قدمه، وشد العمامة ما لم تنحل كلها، وشد الإزار وتسوية
قوله: فإنه قد اتفق العلماء الخ. وعبارة الديوان: وقال في رجل يصلي فعارضه في صلاته عارض مثل الحية أو العقرب أو شيء من الدواب المؤذية أنه يدافعه ويقاتله ويقتله ويبني على صلاته، وهذا إنما يفعله لنفسه أو من كان معه في الصلاة، وأما من لم يكن معه في الصلاة فإنه يدفع عنه ويستأنف الصلاة ويدفع جميع المضرات عن نفسه في الصلاة ولا يفسد ذلك صلاته، إلا إن استدبر القبلة، وإن لم يضره ذلك فقتله أعاد صلاته
(1) متفق عليه.
-975 - (1/669)
صفحة 670
الرداء وإماطة الأذى ومسح الحصى للسجود، وتسوية الارض لذلك.
والتحول إلى المكان القريب من الوعوثة إلى حيث يتمكن من السجود والله أعلم. وعند علمائنا رحمهم الله أن الفعل الخفيف لا ينقض الصلاة
إلا إن فعله المصلى على العمد في ذلك، ولذلك قالوا: العمل الواحد لا ينقض الصلاة والإثنان فيهما خلاف والثلاثة تنقض الصلاة وإنما
،
يعنون بذلك إذا زادهم الرجل في صلاته على السهو والله أعلم. ومثال هذه الأفعال التي تنقض الصلاة إن كسر حبة تين في فيه وهو يصلي من غير عمد
فلا إعادة عليه، وإن كسرها وبلعها فسدت صلاته على العمد والسهو
6
لأنه عملان والله أعلم. وإن حرك لسانه في فيه وهو يصلي أو أخرج لسانه من فيه أو عض شفتيه أو عض على النواجذ فإنه فسدت صلاته في هذه الوجوه كلها على العمد، وفيها قولان على السهو، وسبب اختلافهم عندي هل العمل الخفيف مقيس على غيره في ذلك أم لا كما قدمنا؟ والله أعلم. وكذلك إن غض بصره في الصلاة أو حد به النظر فسدت صلاته على العمد وكذلك إن جعل يده في أنفه أو في عينه أو غير ذلك من باطن جسده أو مس به فرجه من وراء الثياب، أو أمسك به عضواً من أعضائه
تقدم
قوله: عند علمائنا الخ. أي الفعل الخفيف الذي ليس في أمر الصلاة كما
فلا منافاة بين كلامه والله أعلم.
- 663 - (1/670)
صفحة 671
أو رده خلفه، أو رفعه فوق رأسه أو رفعه كذلك في الهوى فإنه تنتقض صلاته في هذه الوجوه كلها إلا إن فعلها بالسهو ففيها خلاف على ما قدمنا والله أعلم. وإن غلق إصبعاً واحداً في صلاته بالسهو فلا إعادة عليه حتى يغلق ثلاثة أصابع أو أكثر، وقد شددوا في إغلاق اليد كله في الصلاة ولو بالسهو ولعلهم جعلوا لكل إصبع عملاً وقال بعضهم: لا تنتقض صلاته إن غلق يده كلها ما لم يتم صلاته كذلك، وكذلك عندي جميع الأفعال التي لا تنقض الصلاة على السهو تنقضها إذا تم صلاته كذلك وهو ساه والمراعاة في هذا كله العمل القليل والكثير، غير أنه قد ذكر في بعض كتب أصحابنا رحمهم الله الترخيص عن بعضهم إذا سلم الإمام ساهياً فقام أو مشى أنه يرجع فيتم صلاته ويتبعه من خلفه ما لم يستدبر القبلة في مشيه، وهذا القول عندي يدل على أن السهو لا يفسد الصلاة والله أعلم. إلا أن يكون نقص في بعض فرائضها والله أعلم. وكذلك زيادة الأفعال التي هي أفعال الصلاة كلها على هذا الحال والله أعلم. ومثال ذلك إن رفع رأسه من الركوع وأراد أن يسجد فسها فأعاد الركوع فالركوع عمل والتعظيم عمل، فإذا أتم التعظيم فسدت صلاته، وإن ذكر قبل أن يتم التعظيم فإنه يرفع رأسه ثم ينزل إلى السجود، وكذلك إن ترك الركوع فإنه يرجع ما لم يتم التسبيح، فإن كان نواه أول الركوع فليرجع إلى
-77 {- (1/671)
صفحة 672
الركوع من غير أن يستوي قائماً فإن كان نواه السجود فليقم قائماً ثم ينزل وينزل إلى الركوع، وكذلك جميع الفروض كلها في الصلاة إذا تركها بسهو فإنه يرجع إليها ويأخذ صلاته من هناك، ما لم يعمل عملين في صلاته، لكنهم اختلفوا في مقدار العمل في الصلاة، قال بعضهم: القراءة عمل، والركوع عمل، والتعظيم عمل، وكذلك السجود على هذا الحال: وقال بعضهم: الركعة كلها من القيام، والركوع والسجود وتحياتها عمل، وقال بعضهم: العمل جميع ما استقبله من صلاته من حيث سها إلى انقضائها، وسبب اختلافهم عندي الإشتراك الموجود فيما يقع عليه إسم العمل، وأما السنن فإنه إن نسي شيئاً من ذلك حتى دخل في عمل آخر
فلا يرجع إليه، وسيأتي بيان هذا إن شاء الله
فصل:
•
وكل ما يفعله الرجل بالسهو مما لا ينقضها من جميع ما ذكرناه فإنه إذا فعله بالعمد أعاد صلاته، وكل ما يفعله بالعمد مما ينقضها إذا فعله في صلاته فإنه إذا فعله لإصلاح صلاته فلا نقض عليه، والدليل ماروي من طريق أبي سعيد الخدري أن النبي عليه السلام قال: (إن أحدكم إذا قام يصلي فلا يدع أحداً يمر بين يديه فليدرأه ما استطاع فإن أبي فليقاتله فإنما هو شيطان) وما روي
قوله: فليدرأه ما استطاع، الخ. معنى يدرأ يدفع، وهذا الأمر بالدفع
- 665 - (1/672)
صفحة 673
من طريق عائشة رضي الله عنها قالت: (كنت أنام بين يدي رسول الله و رجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني، وإذا قام بسطتهما والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح) (1) فعلى هذا المعنى إذا دخل الرجل صلاته ثم
أمر ندب متأكد، ولا أعلم أحداً. من العلماء أوجبه، بل صرح أصحابنا وغيرهم بأنه مندوب غير واجب، قال القاضي عياض: وأجمعوا على أنه لا يلزمه مقاتلته بالسلاح ولا بما يؤدي إلى هلاكه، فإن دفعه بما يجوز فهلك بذلك فلا قود عليه باتفاق العلماء، وهل يجب ديته أم تكون هدراً؟ فيه مذهبان للعلماء، وهما قولان في مذهب مالك، واتفقوا أن هذا كله لمن لم يفرط في صلاته بل احتاط وصلى إلى سترة أو في مكان يأمن فيه من المرور بين يديه، ويدل عليه قوله في حديث أبي سعيد في الرواية التي بعد هذه (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره، فأراد أحد أن يتجاوز بين يديه فليدفع في نحره، فإن أبى فليقاتله) (2) وكذلك اتفقوا على أنه لا يجوز له المشي من موضعه ليرده وإنما يدافعه، وليرده بيده من موقفه، ولهذا أمر بالقرب من السترة وإنما يرده إذا كان بعيداً منه بالإشارة والتسبيح. واتفقوا إلى أنه إذا مر ألا يرده لئلا يصير مروراً ثانياً الأشياء. روي عن بعض السلف، وتأوله بعضهم، هذا آخر كلام القاضي، وهو كلام نفيس، والذي قاله أصحابنا الله، أنه يرده إذا أراد المرور رحمهم بينه وبين سترته بأسهل الوجوه، فإن أبى فبأشد وإن أدى إلى قتله فلا شيء عليه، كالمائل عليه لأخذ ماله أو نفسه، وقد أباح له الشرع مقاتلته، والمقاتلة المباحة لاضمان فيها من شرح مسلم للنووي
(1) تقدم ذكره.
(2) رواه الجماعة الا الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر.
-
666 - (1/673)
صفحة 674
حدث إليه ما يخاف عليه أن يفسدها مثل الريح إذا قامت عليه، أو مطر نزل به أو دخان، أو خاف من البيت أن ينهدم عليه أو ما أشبه ذلك فإنه يشتغل في إصلاح صلاته بالتحول من مكان إلى مكان ويمضي على صلاته مع تحوله، فإذا تم قراءته ركع وسجد، وإن لم يمكنه الركوع والسجود في ذلك الموضع زاد في قراءته حتى يبلغ موضعاً يمكنه فيه الركوع والسجود، ما لم يخف فوات وقت الصلاة، فإن خاف فوات الوقت استأنف صلاته وقصرها كما أمكنه والله أعلم. وسواء في هذا الدخول في البيت أو الخروج منه، والطلوع عليه والنزول منه، وغض البصر وفتحه ما لم يكن داخلاً على الدخان والريح، والله أعلم. وكذلك
قوله: وغض البصر الخ. قال في الديوان: وإن غض بصره في الصلاة عامداً فإنه يعيد صلاته، إلا إن كان ذلك بعذر مثل الدخان إن دخل عليه أو الريح، وإن وجد موضعاً يدخل فيه أو يخرج من الدخان فلا يغمض بصره على ذلك الحال، وإن غمض بصره على ذلك الحال فإنه يعيد صلاته،، وإن لم يجد أن يخرج من الدخان فإنه يغمض بصره ثم يفتحه كما أمكنه، وإن أمكنه القعود ويفتح بصره فليفعل ولا يغمض بصره ويصلي قائماً، ومنهم من يقول: يصلي قائماً ويغمض بصره ولا يقعد وهذا إذا دخل عليه الريح أو الدخان، وأما إن دخل هو على الريح أو الدخان فلا يغمض بصره، وإن غمض على ذلك الحال أعاد صلاته، وسواء غمضه في بعض صلاته أو حتى أتم صلاته، ومنهم من يرخص في
هذا كله دخل عليه الدخان أو الريح أو دخل هو على الدخان أو الريح.
- 667 - (1/674)
صفحة 675
مس
لا يمس المغابن من جسده متعمداً إلا لإصلاح صلاته، ولكن لا يباشرها بيده إلا بعذر لا بد له منه لأنها من المباطن من جسده، وكذلك عورته على هذا الحال، لأن مس العورة ينقض الوضوء والله أعلم. وإن كان هذا كله مما يصلحه بالنظر إليه دون المباشرة فالنظر أولى من المباشرة لأن النظر أخف من المباشرة، وكذلك لا يغلق يده في هذا كله ما وجد سبيلاً إلى غيره لأنه مأمور بدفع المضرة عن نفسه في الصلاة لا بقبض اليد عليها أو إمساكها لأنه عمل زائد على ما يجزي، وليصلح بيده مارد الركبتان فوقهما لأنه أقرب منه، وما تحت الركبتين فليصلحه برجله إذا كان قائماً، إذ رجله أقرب من يده فيما رد الركبتان أسفل وإصلاحه أيضاً بيده مارد الركبتان أسفل لا يصل إليه حتى ينحني وهو عمل آخر والله أعلم. وأما في وقت قعوده فليصلحه بيده لأن ما يستوي فيه رجله ويده في القرب يده أولى لأن إصلاحه بيده أخف وهو المعتاد أيضاً في دفع المضرات والله أعلم. وما أغلق عليه فَمَه فإنه يُصلحه بلسانه لأنه لا يستعمل يده في المباطن ما وجد إلى ذلك سبيلاً، واليد اليمنى أولى في هذا كله من اليسرى، لأن ذلك أسهل وأخف ما خلامس العورة لنهي النبي عليه السلام) أن يمس أحدكم ذكره بيمينه) (1) وإن استعمل
(1) رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
- 668 - (1/675)
صفحة 676
يده فيما ينبغي له أن يستعمل فيه رجله، أو رجله فيما ينبغي أن يستعمل فيه يده فإنه يعيد صلاته، لأن ذلك زيادة على ما يجزيه في دفع المضوة، وقال بعضهم: لا إعادة عليه، ولعل هؤلاء ذهبوا إلى عموم قوله عليه السلام: (فليدرأه ما استطاع) ولم يلتفتوا إلى القياس في هذا، وكذلك إن دفع المضرة التي في رأسه بغير يديه من هذا الإختلاف، مثل إن دفع المضرة برأسه في الصلاة، أو ضره شيء في شفتيه فحكه بأسنانه، أو نفخ بأنفه أو بفيه في الصلاة والله أعلم. ومثل هذا كله إن ضره شيء في أضراسه مثل الطعام فإنه ينزعه بلسانه إن أمكنه، وإن لم يمكنه فلينزعه بعود ولا ينزعه بيده، وكذلك إن كان الطعام في فيه وخاف أن يشغله عن صلاته، فإنه يخرجه من فيه بلسانه وليحذر أن يجاوز لسانه حمرة شفتيه لئلا يزيد في عمله، وإن جاوزهما أعاد صلاته، وإذا أخرجه بلسانه من فيه فلينزعه بيده بعد ذلك، وكذلك من شغله البزاق في صلاته فإنه يدفعه على شماله مما يقابل رجله الشمال (لنهي النبي عليه السلام عن البزاق عن يمين الرجل) (1) و إن أمكن أن يبلع ريقه في الصلاة فلا بأس، لأنه من مواد الفم، ولا يمتنع منه، فكما يجوز له أن يدفعه خارجاً يجوز له أن يدفعه داخلاً، وأما ما يطلع من الصدر أو ما ينزل من الرأس فإنه
(1) رواه أبو داود والبخاري ومسلم.
-779 - (1/676)
صفحة 677
إذا شغله ذلك في صلاته فليدفعه خارجاً، وإن بلعه أعاد صلاته لأنه من غير مواد الفم، وهو شيء مجلوب إلى الفم من غيره بمنزلة الطعام إن بلعه وهو في الصلاة إذا شغله عنها، وقال بعضهم: لا إعادة عليه، ومنزلته عندهم منزلة الريق إذ لا يمتنع منه كما لا يمتنع من الريق والله اعلم. وكذلك إن كان في فيه جرح يسيل منه الدم وحضرت الصلاة فإنه إن كان الوقت واسعاً فلينتظر حتى يزول الدم، فإن خاف فوات الوقت فليصل كما أمكنه ويبزق الدم من فيه قدامه ويطأطئ برأسه إلى الأرض، ويصلي كذلك لئلا يلحق الدم ثوبه، وإن لم يمكنه أن يطأطئ برأسه ولا أن يبزق قدامه فإنه يصلي قاعداً، أو يضع المنديل على ركبتيه ويبزق فيه الدم على التراب لئلا ينجس ثوبه، فعلى هذا طهارة الثوب آكد من الصلاة بالقيام، وإن لم يمكنه إلا أن ينجس ثوبه، أو يصلي قاعداً من غير أن يلحق النجس ثوبه، فإنه يصلي قاعداً لأن صلاة القيام لها بدل في الشرع ولا بدل لطهارة الثوب والله أعلم. وإن بلع هذا ما لا يقدر عليه من الدم فليس عليه شيء ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها وكذلك يجوز له أن ينظر في الصلاة إلى الشمس إذا خاف طلوعها أو غروبها في
قوله: ينظر، قال بعضهم: (ثلاث مرات) ديوان.
قوله: (إذا خاف طلوعها (الخ. فأما إن لم يخف طلوعها ثم نظر إليها فإنه
-77. - (1/677)
صفحة 678
موضع يتبين فيه ولو كان خلفه، لأن هذا إصلاح صلاته، ولا ينظر إليها إلا مرة واحدة، وقال بعضهم: ينظر إليها ما لم يتم طلوعها أو غروبها، وإن نظر إليها فإذا هي تطلع، فإنه يمسك عن صلاته في موضعه الذي كان فيه، وهذا كله إذا كان غير متعمد لترك الصلاة إلى ذلك الوقت، وقد تقدم معنى هذا في كتابنا هذا، وكذلك إن خاف في الصلاة، فإنه ينظر إن حس شيئاً، وإن لم يحس فلا ينظر، وكذلك إن ضره شيء في جسده فإنه يحكه بإصبعه، وإن حك جسده حتى قلع منه شعرة أو جلدة فإنه يعيد صلاته، لأنه زيادة على ما يجزيه، وقال بعضهم: لا إعادة عليه حتى يدمى بدم فائض، وهؤلاء في ذلك عندهم دون زواله، وكذلك وقع عليه شيء مما يخاف أن يشغله عن صلاته فإنه يصرفه عن نفسه، مثل ذبابة او
يعيد صلاته، ديوان.
قوله: (فإنه يمسك (الخ. وإن مضى على صلاته على ذلك الحال أعاد
صلاته، ديوان.
قوله: وهذا كله إذا كان غير متعمد الخ. وأما إذا كان متعمداً لتركها فإنه يمضي على صلاته ولو كانت تغرب أو تطلع عسى أن يتمها مع طلوعها أو قبل غروبها.
قوله: فلا ينظر الخ. فإن نظر أعاد، وفيه رخصة، ديوان.
قوله: فإنه يصرفه عن نفسه الخ. وعبارة الديوان: والذباب
-741 - (1/678)
صفحة 679
بعوضة أو غيرهما مما يضر الرجلى في صلاته ولا يتعمد قتلهما، وإن قتلهما على ذلك فلا بأس عليه، ولا يطرد البعوضة بالمذية لأن يده أولى، ولا يتروح بالمروحة في الصلاة إلا إن فعل ذلك لثوبه مخافة يعرق موضع النجس من جسده فيلحق ثيابه، لأن نجاسة ثوبه في الصلاة أشد من الأفعال فيها، وكذلك يحذر ثوبه إذا كان مبلولاً أن يمس موضع النجس من جسده والله أعلم. وكذلك إن كان يصلي مقابله رجل أعمى أو ما أشبه ذلك فنحى له عن موضعه حذراً على نفسه أن يضره فلا بأس عليه لأنه لا يدفعه عن نفسه كغيره من الأصحاء لأنه أعمى لا حرج عليه وكذلك ما يعارضه من تحريك ذكره في الصلاة أو التنمل إذا خالط اعضاءه في
والبعوض، ومثل ذلك مما يضر الرجل في صلاته إن قتله على جسد أعاد صلاته ومنهم من يرخص إن لم يتعمد قتله، وقول المؤلف فإن قتلها على ذلك لعل معناه أي على عدم العمد فقد رجع إلى كلام الديوان ويحتمل أن يقال كلام المصنف فيما إذا قتله لا على جسده، وكلام الديوان فيما إذا قتله زيادة على الجسد، لكن يحرر هل الجسد في كلام الديوان قيد؟ والظاهر أنه ليس بقيد إذا قتله عمل في الصلاة فمقتضاه البطلان مطلقاً والله أعلم، حرره جميع ذلك
•
قوله: المذية بكسر الميم وإعجام الذال ما يذوب به الذباب. قوله: المروحة بكسر الميم ما يتروح به والجمع المراوح (مختصر صحاح). قوله: مخافة أن يعرق، هو من باب ضَرَبَ.
قوله: حذراً على نفسه، فلو قصد بذلك دفعه أعاد صلاته، ديوان قوله: وكذلك ما يعارضه من تحريك ذكره الخ. وعبارة الديوان: وقال في
- 672 - (1/679)
صفحة 680
يرد
الصلاة فإنه يشتغل بما يزيل هذا عنه لأنه يشغله عن صلاته، مثل أن فكره إلى أمر آخرته وما تصير إليه عاقبته حتى يسكن ذلك، إلا إن خاف فوات الوقت، فإن خاف فوات الوقت فإنه يمضي على صلابه، وقال بعضهم: إنما يحذر في ذلك أن يدخل صلاته كذلك، وأما إن عارضه ذلك في صلاته فلا يشتغل به ويمضي على صلاته، وبالجملة إن جميع ما كان فيه إصلاح، لصلاته يشتغل به إذا شغله عن صلاته ذلك والله أعلم. وأما السكون الذي ينقض الصلاة من جنس الأفعال فإنه إذا قعد أو قام فارغاً، كذلك فإنه إذا سكت كذلك مقدار العمل الذي استقبله أعاد صلاته، لأن السكون فعل، وهو أيضاً من جنس أفعال الصلاة لأنه من
رجل يصلي وأشغل نفسه حتى تحرك ذكره قال: إن استعمل إلى ذلك أعاد صلاته، وإن كان ذلك قبل أن يدخل الصلاة فلا يدخلها على ذلك الحال، وأما إن كان بعد ما دخل في الصلاة إن لم يستعمل فليرد فكره لأمر آخرته وما تصير اليه عاقبته، ويقف حتى يسكن عنه ذلك، وأما إن كان قبل أن يدخل الصلاة فلا يدخلها كذلك إلا إن خاف فوات الوقت، وإن فاته فليصل ويرد فكرته إلى عاقبة أموره وما يخاف من أمر دنياه وآخرته، ومنهم من يرخص ما لم ينته قيامه وهي أفيد من عبارة المصنف، ولو قيل بأنه إذا عرض له قبل الدخول يشتغل بإزالته ولا يدخل ما لم يزل أو يخاف فوات الوقت.
فرع
: قال في الديوان وكذلك لا يدخل في صلاته وثوبه مبلول يقطر منه
الماء إلا إن خاف فوات الوقت.
- 673 -
ه م 43 - الإيضاح، (1/680)
صفحة 681
سہو
على
هيئات الخشوع، لكنهم اختلفوا في مقدار العمل في الصلاة على ما قدمنا، وإن فعل هذا كله متعمداً أعاد صلاته، ولو كان ذلك أقل القليل، وقال بعضهم: غير هذا في العمد، وذلك مما رأيته في بعض الكتب إذا أحرم للصلاة وترك القراءة أكثر من مقدار ما يتنفس فيه أنه يعيد صلاته على القول الأول، وعلى القول الآخر حتى يتركها مقدار ما يقرأ فيه ما يجزيه للصلاة، وكذلك إن سجد على الأرض وترك التعظيم من غير هذا الإختلاف، قال بعضهم: حتى يتركه مقدار ما يعظم فيه والله أعلم. وأما الباطن من الأفعال الذي ينقض الصلاة فهو جميع أفعال القلب إذا كيفهم الرجل بقلبه في صلاته متعمداً أعاد صلاته كما يعيد في سائر الأفعال، وقال بعضهم: في عمل القلب من جميع ما يعارضه من الخواطر والوساوس لا يكون عليه بأس ما لم يخاطب أو يرد الجواب في نفسه، وقال بعضهم: لا بأس في ذلك كله ما حفظ موضعاً كان فيه من صلاته، والدليل ما روي أنه قال عليه السلام: (عفي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم)) إلا أن يكون عقد في قلبه أو كيف ما يعصي فيه الله تعالى، مثل أن عقد بغض المسلمين أو محبة الكافرين، أو اليأس من رحمة الله، أو عقد الشرك فإن هذه الوجوه كلها تنتقض معهم الصلاة لأنها معاصي، والمعصية
(1) رواه الدارقطني وابن حبان.
- BYE - (1/681)
صفحة 682
لا تجتمع مع الطاعة، لأنها أضداد والله أعلم. وأما إن عارضه في صلاته جميع الخواطر من ذكر الإيمان والوسوسة وصفات الباري سبحانه وتعالى و تشبيهه بخلقه فإنه يشتغل بهذا كله ويصلحه فإن الاشتغال بهذا وإصلاحه و نفي ما ينفي وإثبات ما يثبت آكد وأوجب من الصلاة ولا يضر اشتغاله بالأوكد الأهم، وكذلك جميع أعمال الديانات كلها التي لا يسعه الوقوف فيها، مثل تجويز الجائز، وتحقيق الحق، وإبطال الباطل، وإثبات النبوة للأنبياء، والرسالة للرسل، وولاية المسلمين، وبراءة الكافرين، فانه يضمر ذلك في قلبه كما يجب عليه أن يفعله ولا يضر ذلك صلاته لأنه أوجب من الصلاة عندهم، وقال بعضهم: في هذا كله أن يعمله وتنتقض صلاته ما خلا إثبات التوحيد الله عز وجل، ففي الأشباه والأمثال عنه
جميع
فانه يثبت ما يثبت وينفي ما ينفي ولا يضر ذلك صلاته، وكذلك ما يشرك به إذا شك فيه والله أعلم. وأما النقصان الموجب لإعادة الصلاة فانه لا يخلو أن يكون نقصان فرائض، أو نقصان سنن، أو نقصان رغائب، فان كان نقصان فرائض فانه يوجب انتقاض الصلاة، سواء كان عمداً أو سهواً، وإن كان نقصان سنن فانه يوجب الإعادة بالعمد دون السهو،
قوله: فإنه لا يخلو الظاهر، عائد إلى الموصوف بدون الصفة
حق يصح
-940 -
•
تقسيمه فيما بعد (1/682)
صفحة 683
إلا أن ينسى أكثر ذلك الفعل في صلاته، وإن كان نقصان رغائب فانه ينقص الأجر من غير إعادة الصلاة عمداً كان أو سهواً، وقال بعضهم: في السنن غير ما ذكرناه، وقد ذكر الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني رحمه الله تعالى في كتابه المعروف بالعدل والإنصاف، وأقول: إن الله أوجب علينا الصلاة وجعل لها أصولاً وأركاناً لا تتم إلا بها، فمن أخل بشيء منها عامداً انتقضت صلاته، وساهياً استدرك وسجد للسهو، وجعل فيها شيئاً واجبات أكيدات فمن تعمد ترك شيء منها أعاد صلاته وإن سها سجد للسهو، وجعل فيها فضائل مندوبات إليها فمن أحرزها ومن تركها لم يؤزر، ولم يذكر في ترك السنن بالسهو إلا سجدتي السهو والله أعلم. وإن ذكر هذا كله وهو في الصلاة فإن كان فرضاً رجع إليه واستدركه ما لم يجاوز إلى حد ثالث في الصلاة، وقد ذكرنا هذا قبل هذا الموضع، وإن كان سُنّة قاله حيث ذكره، ولا يرجع إليه إذا خرج من حده ودخل في عمل آخر مثل من نسي قول (سمع الله لمن حمده) ولم يذكره حتى سجد فإنه يقوله حيث ذكره، وكذلك سبيل سائر السنن على هذا الطريق، والفرائض التي ذكرناها مثل طهارة الثوب، وطهارة البدن، وطهارة المكان، والنية، واستقبال القبلة، والوقت، والإنتصاب قائماً، فإن النسيان في هذا كله لا يسقط عنه أداء الفرض، مثل من نسي
- 676 - (1/683)
صفحة 684
فصلَّى بثوب نجس أو غير متوضئ أو غير مستقبل القبلة، أو صلى قبل الوقت، وكذلك سائر الأركان على هذا الحال، مثل تكبيرة الإحرام وقراءة فاتحة الكتاب، والسورة في موضع الجهر، وقراءة فاتحة الكتاب في موضع السر والركوع، ورفع الرأس منه، والسجود ورفع الرأس منه، والقعود، فإن من نسي فرضاً من هذه الفروض إنتقضت صلاته إذ لا يسقط عنه النسيان الفرائض والله أعلم. والسنن مثل التوجيه وهو (سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك) والإستعاذة، والبسملة، والجهر في القراءة، والسر فيها، والتكبير في الصلاة، غير تكبيرة الإحرام، والتعظيم في الركوع، وقول سمع الله لمن حمده، والتسبيح في السجود، والتحيات، والتسليم، فهذه الوجوه كلها إن نسيها فليس عليه إعادة الصلاة إلا أن ينسى ذلك في أكثر صلاته والله أعلم. وقال بعض: التوجيه فرض، وكذلك الإستعاذة والبسملة
303
والتحيات، غير أن من نسيها لم يُلزموه إعادة الصلاة، إلا أن ينسى
قوله: والبسملة، يتأمل هذا مع ما أسلفه من جعلها فرضاً وما ذكره هنا عول عليه الشيخ إسماعيل و رحمه الله في قواعده ثم رأيت قوله بعد، وقال بعض الخ. قوله: غير تكبيرة الإحرام، أي وتكبيرة القيام من التشهد كما نص عليه في الديوان.
- VY - (1/684)
صفحة 685
التوجيه كله، والتحيات كلها، على هذا القول والله أعلم. وقال بعض: الإستعاذة والتوجيه والتسليم والتقرب نوافل لا إعادة على من تركهم، والقول الأول أصح والله أعلم. والرغائب في الصلاة مثل توجيه إبراهيم عليه السلام، وإطالة القيام في الركوع والسجود والخشوع، والقدر الزائد على الكافي في القراءة، والثياب والسر والجهر والتحميد والتسبيح
والتكبير، وغير ذلك مما كان مندوباً إليه في الصلاة والله أعلم.
فصل:
وروي عن النبي عل الله أنه قال: (صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في صحن بيتها وصلاتها في دارها أفضل من صلاتها في المسجد) (1) فخص
قوله: والقول الأول أصح، هذا يخالف ما قدمه رحمه الله
قوله: وإطالة القيام الخ. يتأمل هذا الكلام فإنه لم يظهر إلا أن يكون بناء على غير معتمد، وكتب أيضاً على هذه القولة، قلت المراد بإطالة الركوع والسجود إتمامها كما قال أبو إسحاق رحمه الله، والعاشر إذا رفع رأسه من الركوع فلا يسجد حتى يستقيم قائماً، وذكر مثل ذلك في السجود، ولعله مبني على قول، كما أن عنده الخشوع من الفضائل
قوله: في مخدعها المخدع هو بكسر الميم وضمها، الخزانة، مختصر صحاح.
(1) أخرجه أبو داود من حديث ابن مسعود.
- YA- (1/685)
صفحة 686
ل صلاة النساء في بيوتهن أو في المسجد بالفضل، لأن هذه المواضع أستر لهن، ولا يجوز للمرأة على هذا أن تصلي خارجاً من هذه المواضع، إلا إن استترت، وسترتها من خلفها لقوله عليه السلام (خير صفوف الرجال المقدم وخير صفوف النساء المؤخر) ولذلك لا يجوز للمرأة أن تصلي و خلفها رجل غير ذي محرم منها إلا إن استترت منه، وكلما استترت به من خلفها من ثوب أو عود أو حائط أو خص أو بهيمة أو نساء أو ذي محرم منها أجزأها، وإن صلت بغير سترة أعادت صلاتها، إلا أن تكون سافرت سفراً يجوز لها، فإنها إذاً لا تحتاج إلى سترة، وكذلك لا تحتاج إلى سترة في الليل، وقال بعضهم: إن صلت إلى غير سترة خارجاً فلا إعادة عليها إلا أن يكون مر عليها من خلفها غير ذي محرم منها وهي راكعة أو ساجدة، بشرط أن يكون بالغاً عاقلاً صحيح النظر والله أعلم. وروي أنه قال عليه السلام: (لا يصلي أحدكم وهو زناء) (1) وهو الحاقن الذي يجمع البول في مثانته، وكما روي من طريق ابن عباس رضي
قوله: وسترتها من خلفها أي الستر الذي إذا تركته بطلت صلاتها فلا ينافي
أنها مطلوبة بالسترة المطلوبة من الرجال، حرره.
(1) رواه الدارقطني.
-789 - (1/686)
صفحة 687
الله عنها أنه قال عليه السلام: (لا يصلي أحدكم وهو يدافع الأخبثين)) يعني البول والغائط، والبول أهون في ذلك من الغائط لأن البول لم ينتقل من موضعه بعد كالريح إذا قصده في الصلاة فإنه يستعمل على رده ما لم يخرج، وأما الغائط إذا قصده في صلاته فهو كمن صره في طرف كساه والله أعلم. وقال بعضهم: في هذا كله إذا أتى في صلاته كما أمر فلا فساد عليه والله أعلم. وروي من طريق ابن عباس أنه قال عليه السلام: (لا يصلي أحدكم وهو عاقص شعره خلف قفاه) (2) وإن عقص شعره في الصلاة أعاد صلاته لهذا الحديث، وكذلك إن عقده أمامه، وسواء في هذا الرجل والمرأة، لأن السنة في ذلك أن يفرقا شعر رؤوسهما وهو
من سنن إبراهيم عليه السلام، وكما روي عن أبي عبيدة مسلم رحمه الله قال: بلغني عن أبي هريرة قال: (سن رسول الله عشر سنن في
الإنسان: خمساً في الرأس، وخمساً في الجسد، فاللواتي في الرأس قص الشارب، وفرق الشعر، والسواك، والمضمضة، والاستنشاق، واللواتي في الجسد نتف الإبطين، وتقليم الأظافر، والاستحداد، والختان، والاستنجاء ((3)، أما قص الشارب فحده إن دخل في فيه أعاد صلاته
(1) تقدم ذكره.
(2) رواه الدارقطني والبيهقي. (3) رواه مسلم.
، (1/687)
صفحة 688
إن صلاها كذلك، وأما فرق الشعر فإنه يحذر في ذلك اختلاط شعر الناصيتين وإن جاوز ثلاث شعرات من ناحية إلى ناحية أعاد صلاته، وكذلك إذا كان الشعر مقدار أربعة أصابع إلى ما فوق ذلك، وهو عندي أقل ما يمكن أن يفرق، وروي من طريق ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي الا الله سأل عن امرأة ماتت فأمر بتفريق شعر رأسها عند الغسل (1)، وأما السواك فإنه روي عن ابن عباس أن النبي عليه السلام قال: (مالي أراكم تدخلون علي قلحاً) (2) قال ضمام: القلح صفرة تكون في الأسنان، ووسخ يركبها من طول ترك السواك، قال: (وكان الني الله يحث على السواك (قال جابر: (وقد بلغني أن الناس قد استبطأوا الوحي فقال رسول الله: وكيف لا يبطئ وأنتم لا تستاكون أفواهكم، ولا تقامون أظفاركم، ولا تتقون براحمكم) (3)؟ وأما المضمضة والاستنشاق، فقد ذكر ناهما في موضعهما في باب الوضوء، وأما نتف الإبطين فحذه إذا ألصق ذراعيه وخرج شعره من إبطيه فلا
قوله: والقلح هو بفتحتين صفرة في الأسنان، وبابه ضرب فهو أقلح،
مختصر صحاح، فعلى هذا جمع قلح كحمر جمع أحمر.
(1) رواه ابن ماجه
(2) رواه أبو يعلى.
(3) رواه الدارقطني.
•
-741 - (1/688)
صفحة 689
تجوز به الصلاة على هذا الحال، لأنه خرج من موضعه مى صار خارجاً
حي
ظاهراً، وأما شعر العانة فحده إن كان يحوط بالإصبع فلا تجوز به الصلاة والله أعلم. وأما الأظفار إذا جاوزت رؤوس الأصابع لم تجز بهم الصلاة، والاستنجاء والختان قد ذكر ناهما قبل هذا في كتابنا هذا والله أعلم. وقال بعضهم: في هذه الوجوه كلها إن تركها كذلك وصلى فلا إعادة عليه لأن المراد بها النظافة وهي من محاسن الأخلاق فهي إلى المندوب إليه أقرب، ما خلا المضمضة والاستنشاق والاستنجاء والختان فإن تركهم
لا تصح معه الصلاة والله أعلم
000000
- GAY- (1/689)
صفحة 690
باب القضاء في الصلاة
إتفق العلماء على وجوب القضاء على الناسي والنائم بعد خروج الوقت لقوله عليه السلام: (من) نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فذلك وقتها)). واختلفوا في العامد، قال بعضهم: لا قضاء عليه لأنه لا يجب عليه القضاء إلا بأمر ثان وهو معدوم في العامد، وذلك عندهم أن تعليق الفعل بوقت معين كتعليقه بشخص معين، فكما لا يجب القضاء في شخص معين كذلك لا يجب في وقت معين، واستدل الآخرون إن الدين لا يسقط بمضي الأجل فالعبادة أولى أن لا تسقط بمضي الوقت، ولقول رسول الله
باب القضاء في الصلاة
قوله: وذلك عندهم الخ. يعني أن الأوقات عندهم بمنزلة الأشخاص فما تعلق بوقت معين بمنزلة فعل تعلق بشخص معين فصار الوقت الذي لم يتعلق به الفعل بمنزلة الشخص الذي لم يتعلق به الفعل، فكما لا يجب القضاء في هذه الصورة على الشخص الذي لم يتعلق به الفعل فكذلك في تلك الصورة والله أعلم. إذ الأمر الوارد بالفعل في الوقت المعين لا يتناول ما عداه، كما أن الامر الوارد يتعلق الفعل بشخص معين لا يتناول غيره.
(1) تقدم ذكره.
- 683 - (1/690)
صفحة 691
(أحق ما وفيتم به دين الله تعالى)) واستدلوا أيضاً أنه لما كان الناسي وهو معذور يجب عليه القضاء بعد خروج الوقت كان العامد أولى أن يجب عليه، وشدّد بعضهم في الذي يصلي زماناً ويترك زماناً، ورخص فيمن لم يصل حتى تاب ألا يعيد، وذلك أنه شبهوه بالكافر الأصلي وهو المشرك، إلا ما يتعلق بالمظالم والله أعلم. وكذلك اختلفوا في المغمى عليه هل عليه قضاء الصلاة بعد خروج الوقت أم لا؟ وسبب اختلافهم هل هو مشبه بالنائم أو بالمجنون؟ وأما إن أغمي عليه في وقت الصلاة ولم يفق إلا بعد خروج الوقت فإنه يعيد الصلاة لأنه قد وجبت عليه وهو صحيح، و، وكذلك المجنون على هذا الحال والله أعلم. وأما صفة القضاء فهو بنفسه صفة الأداء إذا كانت الصفتان متفقتين في الوجوب وإن كانت الصفتان مختلفتين فالنائم والناسي ومثلهما بخلاف غيرهم، وذلك مثل من نسي صلاة سفرية أو نام عنها أو لم ينتبه أو لم يتذكر إلا في الحضر فإنه يصليها حضرية على كل حال خرج الوقت أو لم يخرج، لقوله عليه السلام: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فذلك وقتها) (2) لأنه لم
قوله: وكذلك اختلفوا في المغمى الخ. المعتمد عليه في الديوان لا قضاء عليه.
(1) متفق عليه (2) تقدم ذكره.
- 684 - (1/691)
صفحة 692
توجب عليه إلا في وقت الذكر أو الانتباه، وكذلك إن نام عنها أو نسيها وهو في الحضر، ولم يتذكر ولم ينتبه إلا في السفر فإنه يصليها سفرية على كل حال أيضاً لأنه وقت الوجوب، وأما إن تركها عامداً في السفر حتى دخل وطنه، فإنه إن كان الوقت قائماً فليصلها حضرية، وإن خرج الوقت وهو مسافر فليصلها سفرية لأنها دين عليه فعليه قضاء ما وجب عليه، وكذلك إن تركها عامداً في الحضر حتى صار في حد السفر فأراد أن يصليها على هذا الحال، وكذلك إن صلاها في الحضر فيما عنده ثم تبين له في السفر أنها فاسدة بإخلال بعض شروطها أو بحدوث بعض نواقضها قبل تمامها فإنه يعيدها كما وجبت عليه أول مرة في الحضر، وكذلك السفر على هذا الحال، وكذلك إن صلى مسافر مع الإمام المقيم ثم تبين له فساد صلاته بعد خروج الوقت فإنه يقضيها صلاة الإمام كما وجبت عليه، وأما إن تبين له ذلك في الوقت فإنه يعيدها صلاة نفسه قصراً، لأن الصلاة التي صلى مع الإمام لم تتم له كمن لم يصلها وهذا إن دخلها بما لا تتم به، وأما إن دخلها بالتمام فحدث عليه ما ينقضها فإنه يصليها صلاة الإمام على كل حال، وهي الصلاة المنتقضة، وكذلك مقيم صلى صلاة الجمعة مع الإمام ركعتين ثم تبين له فسادها بعد خروج الوقت، فإنه يقضيها ركعتين كما وجبت عليه مع الإمام كما ذكرنا في صلاة المسافر مع
- 685 - (1/692)
صفحة 693
الإمام، وإن ذكر وهو في الوقت أبدلها صلاة الظهر أربعاً، لأن هذه صلاة لم تصح له والله أعلم. واختلفوا أيضاً في ترتيب المقضيات فيما بينها وفيما بينها وبين الصلاة الحاضرة، أما فيما بينها فإن بعضهم قال: بوجوبه في الخمس فما دون قياساً على المؤدات، وقال بعضهم: ليس الترتيب بواجب لأن المؤدات إنما وجب ترتيبها من أجل أن أوقاتها مرتبة مختلفة وهؤلاء وقتها واحد، وقد روي (أنه ما فاته يوم الخندق أربع صلوات فصلاهن على الترتيب) (1) فينبغي الإقتداء به ففي الأثر (ان من فاته أو نسي خمس صلوات فأقل صلاهن على الترتيب وما عدا
قوله: وإن ذكر وهو في الوقت أبدلها الخ. لم يفرق بين ما إذا دخلها بما لا تتم به وما إذا دخلها بما تتم به، حرره. والظاهر أن لا فرق، ويصلح لدليله. قوله: أو نسي خمس فأقل الخ.
فرع: لو جهل عين منسية من الخمس فلم يدر أصبحا أو غيرها صلى خمساً على ترتيبها إذ المطلوب يتيقن ببراءة الذمة وينوي بكل صلاة أنها المنسية، ولو شك فيها أحضرية أم سفرية؟ صلى عشراً، خمساً حضرية وخمساً سفرية كذا عند قومنا، فليحرر على المذهب، قلت مقتضى المذهب أنه يصلي في الصورة الأولى خمساً حضرية إن تذكر في الحضر، وسفرية إن تذكر في السفر،
(1) تقدم ذكره.
- 686 - (1/693)
صفحة 694
ذلك فليصل كما أراد) والله أعلم. وأما فيما بينها وبين الصلاة الحاضرة فإن ذلك يتعلق إلى الأوقات أي هل لها أوقات كالمؤدات أم ليس لها أوقات؟ فإذا كان لها أوقات فهل هي مضيقة أم موسعة؟ فأقول والله أعلم: إن الأصل في ذلك ما روي أنه قال عليه السلام: (من نام عن صلاة)) الحديث، ثم إنهم اختلفوا في معنى قوله عليه السلام فذلك وقتها، قال بعضهم: وقت إعادتها، وقال آخرون: وقت فرضها، فمن ذهب إلى أن ذلك وقت وجوبها جعلها ديناً عليه يقضيها وقت ما تيسر له ما لم يمت، ومن ذهب إلى أنه وقت إعادتها جعله وقتاً لها، وإن تركها بعد ما ذكرها
وكذا في الثانية، حرره، نعم إن تعمد ترك الصلاة فلم يعلم عينها أو لم يعلم أسفرية أم حضرية فإنه يصلي خمساً حضرية وخمساً سفرية ليكون على براءة من ذمته والله أعلم. حوره، كذا كتبته ثم ظهر أن لا يصلي إلا ثمان صلوات إذ المغرب والصبح لا يتفاوت حضراً وسفراً، كذا حرره.
قوله: وأما فيما بينها وبين الصلاة الحاضرة الخ. وعند مالك يجب ترتيب بيسير الفوائت الحاضرة، وإن خرج وقتها، وهل اليسير أربع أو خمس خلاف، ووجب مع ذكر ترتيب الفوائت في أنفسها، ولو كثرت، لكن لا على سبيل الشرطية، فلذلك لا يعيدها ذاكراً أو ناسياً
قوله: وإن تركها بعد ما ذكرها الخ. فلو نسي صلاة الظهر إلى وقت العصر حتى لا يدرك إلا واحدة منها صلى الأولى، ثم العصر، ومنهم من يعكس
(1) تقدم ذكره.
- 687 - (1/694)
صفحة 695
أو بعدما انتبه من نومه مقدار ما يصليها فيه هلك، وقال بعضهم: وقتها مع وقت صلاة ذكرها فيه، أو وقت انتبه فيه من منامه إن كان ذلك في وقت الصلاة، وإن كان في غير وقت الصلاة فعلى ما ذكرنا حتى يخرج وقت الصلاة المستقبلة، فعلى هذا إن ذكرها أو انتبه في وقت الصلاة الحاضرة صار وقت المنسية وقت الحاضرة مشتركتان فيه وعليه أن يصلي المنسية ثم الحاضرة قياساً على المؤدات المشتركات الأوقات إذا أراد أن يجمع بينهن في السفر أو في حال يجوز فيه الجمع، وإن ذكر المنسية على هذا القول وهو في الصلاة الحاضرة جعلها نافلة حتى يصلي المنسية ثم يصلي الحاضرة، إلا أن يخاف فوات الحاضرة، فإذا خاف فواتها فليصلها، ثم يصلي المنسية بعد ذلك والله أعلم. وأما إن تركها عامداً حتى خرج وقتها ثم أراد أن يصلي الصلاة الحاضرة فإن بعضهم قال: لا يجوز له حتى يصلي التي ترك متعمداً ثم يصلي الحاضرة، إلا إن خاف فوات وقت الحاضرة فإنه يصليها ثم يصلي التي ترك متعمداً، وقال بعضهم: هي دين عليه يصليها متى ما شاء ما لم يمت لأنه لم يكفر بتركها مرتين، وسبب اختلافهم عندي هو سبب اختلافهم في الأمر المطلق هل هو على التراخي أم على الفور؟ فمن ذهب
هذا إذا ذكرها قبل الدخول في صلاة العصر، وأما لو ذكرها بعد الدخول فيها فإنه يمضي على صلاة العصر حتى يتمها ثم يصلي الظهر، كذا في الديوان.
-7 AA- (1/695)
صفحة 696
إلى أنه على الفور أوجب قضاءها قبل الحاضرة، ومن ذهب إلى أنه على التراخي جعلها ديناً عليه يقضيها متى ما شاء ما لم يمت، وأما إن صلى في موضع منجوس أو بثوب منجوس أو بدن منجوس أولم يعلم ذلك حتى خرج الوقت فإنها دين عليه وليس لها حد معلوم، لأنها انتقضت بسبب، ويحتمل أن يتطرق إليها الإختلاف المتقدم والله أعلم. وإن علم في الوقت ولم يصلها حتى خرج الوقت فقد كفر وصار بمنزلة من تركها عامداً، وكذلك من نام متعمداً في أول وقت الصلاة ولم ينتبه إلا بعد خروج الوقت فإنه هالك في قول بعضهم، ومنزلته منزلة العامد لأنه مضيع، وأما إن دخل عليه النسيان في الوقت ولم يذكر إلا بعد خروج الوقت فلا يهلك هذا وليس كالنائم المتعمد، وكذلك من تركها متعمداً حتى لا يتمها بجميع وظائفها فقد هلك وهو بمنزلة من تركها كلها، وإن كان الذي تركها متعمداً ممن يغتسل فتركها حتى لا يتمها بالغسل ثم حدث إليه عذر يتيمم به، فتيمم فصلى فهو غير معذور في قول بعضهم، لأنه تركها حتى لا يتمها كما فرضت عليه، وأما إن كان متيمماً وتركها حتى لا يتمها إلا بالتيمم ثم أصاب راحة من عذره فإنه لا يكفر ولا يكون كالمغتسل في هذا الوجه لأنه لم يتركها حتى لا يتمها بما فرض عليه، لأن الوقت كله من أوله إلى آخره هو وقت الوجوب عند أصحابنا رحمهم الله، وهو
-949 -
دم 44 - الإيضاح (1/696)
صفحة 697
وقت الأداء والله أعلم. ولكن لا ينبغي له أن يتركها حتى لا يتمها بغسلها وجميع وظائفها ولو كان متيمماً لأنه يمكن أن يزول عنه عذره ذلك فيصليها في غير وقتها، وكذلك من يصلي بالتكبير ومن يصلي بالتومي من هذا الحال في مسألة التيمم نسقاً بنسق، وأما الطفل إذا بلغ والمجنون إذا أفاق والحائض والنفساء إذا طهرتا فإنهم غير مدركين للصلاة ما لم يدركوها بجميع وظائفها قبل خروج وقتها، ولا يقصروها كغيرهم لأنهم غير مخاطبين بها إلا في ذلك الوقت والله أعلم. وقال بعضهم: من أدرك ركعة والوقت قائم اذا كان متطهراً فهو مدرك للوقت، لقول رسول الله: (من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك
العصر) والله أعلم.
000000
-79. - (1/697)
صفحة 698
باب في صلاة الوتر
وصلاة الوتر فريضة في قول بعضهم على ما تقدم من ذكرنا له، وأما صفتها فإن الوتر في اللغة الفرد، واحداً كان أو ثلاثة أو خمسة وما فوق، و من أوتر بثلاث لا يفصل بينهما بتسليم أو بخمس أو بسبع فهو مصيب على طريقة اللغة، ومن فصل بينها بتسليم وأوتر بواحدة فهو مصيب أيضاً، غير أن الذي أخذ به علماؤنا رحمهم الله، أن يوتر بواحدة بشرط أن يتقدمها شفع وأقل ذلك ركعتين والدليل ما روي (أنه لا يصلي صلاة الليل مثنى مثنى حتى إذا خاف الصبح أوتر بواحدة) (1) وروي أن جابر بن زيد رحمه الله كان يفصل بين الركعتين والركعة بالتسليم، غير أنه لم يبلغنا أن النبي أوتر بأكثر من ثلاث عشرة ركعة لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله له يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة ثم
(2)
يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين) (2) وقد روي (أنه كان عليه السلام يوتر بسبع و بثلاث)) ولذلك استحب علماؤنا رحمهم الله
(1) رواه الجماعة.
(2) رواه الجماعة إلا الترمذي. (3) رواه أحمد والنسائي.
-991 - (1/698)
صفحة 699
الوتر على سبع، وقال بعض: الوتر ثلاث ركعات لا يفصل بينهن بتسليم، ودليلهم ما روي أنه قال عليه السلام: (صلاة المغرب وتر النهار فأوتروا صلاة الليل)) وقالوا لما كانت المغرب وتر النهار واختلف الناس في وتر الليل كان أحسن الأشياء أن يشبه به، وقد روي أيضاً أنه يوتر بثلاثة لا يسلم إلا في أخراهن) (2) أما وقت الوتر فما بين صلاة العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر، هكذا روي عنه عليه السلام، وإن نسي الوتر فليوتر إذا ذكر لما روي عن أبي سعيد الخدري قال: (من نسي الوتر فليوتر إذا ذكر) (3) فهذا يعضد قول من قال بوجوب
الوتر والله أعلم.
(1) متفق عليه (2) رواه النسائي واحمد
(3) رواه أبو داود
-997 - (1/699)
صفحة 700
باب في ركعتي الفجر
وركعتا الفجر سنة لما روي أنه قال عليه السلام: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) (1) والدليل على تأكيدها ما روي (أنه لم يتركها في حضر ولا سفر (2) ويستحب التخفيف فيهما لما روي عن عائشة رضي الله عنها (أنه لا إذا سمع النداء بالصبح صلى ركعتين خفيفتين) (3) وروي (أنه كان إذا انفجر الفجر صلى ركعتين، الأولى:
باب في ركعتي الفجر
قوله: وركعتا الفجر سنة: هذا مذهب الجمهور، وحكي عن الحسن أنه قال بوجوبها، والصواب عدم الوجوب.
قوله: إذا سمع النداء الخ. إستدل بعض الحنفية بهذا الحديث على أنه لا يؤذن للصبح قبل طلوع الفجر، والجمهور على خلافه كما تقدم للأحاديث الصحيحة (إن بلالاً ليؤذن بالليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) وأما الذي في هذا
الحديث فالمراد به للأذان الثاني.
(1) رواه البيهقي
(2) رواه احمد وأبو داود. (3) رواه الجماعة إلا الترمذي
:
-797 - (1/700)
صفحة 701
بفاتحة الكتاب وقل يا أيها الكافرون، والثانية: بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد) (1) والمستحب صلاتهما في البيت لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما حين ذكر صلاة رسول الله الله حين بات عند ميمونة زوج النبي عليه السلام) وهي خالته فذكر صلاته ثم قال: (ثم اضطجع حتى جاء المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج فصلى الصبح) والله أعلم. وإن صلى ركعتين قبل الصبح فيما يظن ثم تبين له ما صلاهما إلا بعد الصبح فإنه يجزيه تلك الركعات لركعتي الفجر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر والله أعلم. وإن دخل المسجد فأقيمت الصلاة قبل أن يصلي ركعتي الفجر فإنه يصليها خارجاً من المسجد إن لم
قوله: بفاتحة الكتاب، فيه رد على من قال: لا قراءة في ركعتي الفجر وثبت
في الأحاديث الصحيحة) أنه لا صلاة إلا بفاتحة) فلا عبرة بهذا القول. قوله: وقل يا أيها الكافرون الخ. فيه رد على من قال: لا يقرأ إلا بفاتحة الكتاب كمالك وجمهور أصحابه، وهذا الحديث ثابت عندهم أيضاً.
قوله: فإنه يجزيه تلك الركعات الخ. المعتمد في الديوان أنها لا يجزيانه، وما قاله المؤلف رحمه الله حكاه عن الدفتر و ما استدل به من الحديث لا بدل له، تأمل، ولم يذكر في الديوان في عكس هذا خلافاً بل قال: لا يجزيانه.
(1) رواه النسائي. (2) تقدم ذكره.
-998 - (1/701)
صفحة 702
يخف أن يفوته الإمام بشيء من صلاته، وإن خاف أن يدخل عليه الوصلان مع الإمام فليشتغل بصلاة الإمام لأن صلاة الإمام أولى من ركعتي الفجر عندهم، لأن ركعتي الفجر يقضيها إذا طلعت الشمس لقول رسول الله الله: (من فاته ركعتا الفجر فليصلها إذا طلعت الشمس) (1) ولا قضاء لصلاة الإمام، ولذلك كان صلاة الإمام أولى من ركعتي الفجر وإن دخل عليه الوصلان في صلاة الإمام فإنه يصليهما ما لم يخف فوات صلاة الإمام وإنما يصليها خارجاً من المسجد لقوله عليه السلام: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) (2) وقال: (صلاة الجماعة مع الإمام) وإنما نهى عن ذلك لأجل الإختلاف على الإمام ولذلك يخرج إلى موضع لا تكون فيه صلاة الإمام والله أعلم. وإن صلاهما في المسجد فلا بأس عليه في قول بعضهم، وكذلك إن صلاهما بعد الصبح، وقد
قوله: يقضيها إذا طلعت الشمس، قال في الديوان: وكل ما فاته من النوافل فلا يعيده، وذكر عن الشيخ أبي نوح رحمه الله أنه قال: يعيد الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح والركعتين بعد صلاة المغرب، وسيأتي في القيام أن ما فاته بالليل قضاه بالنهار، وتقدم أن من نسي الوتر أوتر إذا ذكر.
(1) تقدم ذكره.
(2) تقدم ذكره. (1/702)
صفحة 703
تقدم معنى هذا والله أعلم. وكذلك الركعتان بعد صلاة المغرب سنة. مؤكدة، وقد روي عن علي بن أبي طالب قال: (سألت النبي عليه السلام عن قول الله تعالى: (ومن الليل فسبحه وإدبار السجود، قال: الركعتان بعد صلاة المغرب وعلى قوله: وإدبار النجوم قال: الركعتان
(1)
بعد صلاة الفجر)). وقد روي عن أبي عبيدة رحمه الله قال: يستحب بعد
بعد
قوله: ما لم يصل إلى بلده، فلو وصل إلى بلده لزمه دم، وعبارته فيا سيأتي: ومن ترك ركعتي الطواف حتى يخرج من المسجد فير كمها ما دام في الحرم، وإن خرج من الحرم فلير كمها حيث كان، وإن أتى منزله فليهد شاتاً لتأخيره ركعتي الطواف، فعلى هذا القول يركعهما ولو خرج من الحرم ما لم يصل إلى أهله، وذلك لأنه لا وقت لهما إلا أنه بعد الطواف فقط الخ. وعبارة الشيخ اسماعيل رحمه الله ومن ترك ركوعها أي ركعتي الطواف فلير كعها ما دام في الحرم، وإن خرج من الحرم فلير كعهما حيث شاء وعليه دم، وقيد ذلك الطواف الواجب من الحج والعمرة، وأطلق في محل الركوع فشمل منزله وغيره، وأوجب الدم مطلقاً، والظاهر ما فعله ويدل له تعليل الشيخ رحمه الله حرره بنقل صحيح، وما في الأثر يحتمل أن يكون ماش على كلام الشيخ اسماعيل رحمه الله، وقوله في الأثر: وإن أتى منزله فليهد شاتاً قيد في الهدي، أي إذا وصل إلى أهله أهدى شاة كالصوم، وعليه فالركوع مطلقاً فيشمل الركوع في المنزل كما هو مقتضى كلام الشيخ إسماعيل رحمه الله، حرره بنقل صحيح، ويدل
(1) رواه أحمد وابن ماجه. (1/703)
صفحة 704
المغرب ركعتان خفيفتان والله أعلم. وكذلك صلاة مقام إبراهيم عليه السلام سنة مؤكدة ولا يجوز تركها وإنما تصلى بعد الطواف بالبيت، وهي ركعتان يصليهما في المسجد عند مقام إبراهيم عليه السلام، وإن خرج من المسجد ولم يركعهما فليركعها ما دام في الحرم، وإن خرج من الحرم ولم يركعهما فلير كعهما حيث ذكر ما لم يصل إلى بلده والله أعلم
وأحكم.
على كلام الشيخ إسماعيل رحمه الله تعليل الأثر بقوله: فليهد شاة لتأخيره ركعتي الطواف، ولو كان كما قاله الشيخ رحمه الله لكان الظاهر أن يقول لتركه وكعتي الطواف، لكن ما ذكره المؤلف رحمه الله هو نص الديوان وعبارته: فإن خرج من المسجد ولم يركعهما فإنه يصليها حيث ذكر ما لم يصل إلى بلده، فإن وصل إلى بلده ولم يركعها فعليه شاة، ويمكن أن يقال كلام المؤلف مفروض فيما إذا نسي كما هو فرض مسألة، وكلام الشيخ اسماعيل فيما إذا تركها عمداً، حرر النقل.
-794 - (1/704)
صفحة 705
باب في سجود التلاوة
وسجود التلاوة سنة مأثورة عن النبي وهي إحدى عشرة سجدة أولها خاتمة الأعراف «إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون، (1). وثانيها في الرعد، عند قوله: والله يسجد مَن فِي السَّموات والأرض طوعاً وكرها وظلالهم بالغدو والآصال (2) وثالثها في النحل عند قوله: «يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يُؤمرون، (3) ورابعة في بني إسرائيل عند قوله: «ويخرون للأذقان
(2)
باب في سجود التلاوة
قوله: سنة، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وذهب أبو حنيفة إلى أنه واجب ليس بفرض على قاعدة مذهبه في الفرض بينهما.
قوله: وهي إحدى عشرة سجدة الخ. وقد وافق أصحابنا في العدد المذكور أبو حنيفة ومالك، وخالفهم الشافعي.
(1) الأعراف: 206.
(2) الرعد: 15.
(3) النحل: 50.
- 698 - (1/705)
صفحة 706
يبكون ويزيدهم خشوعاً، (1) وخامسة في مريم عند قوله: «إذا تثلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكيا (2) وسادسة في الحج عند قوله: ومن يُهِنِ الله فما له من مُكْرِم، إن الله يفعل ما يشاء، (3) وسابعة في
(3)
(4)
الفرقان عند قوله: «قالوا وما الرحمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادهم نفورا (1)
(0)
وثامنة في النمل عند قوله: «الله لا إله إلا هُوَ رَبُّ العَرْش العظيم، وتاسعة في «ألم تنزيل» عند قوله: «خروا سُجَّداً وسبحوا بحمد ربهم
وهم لا يستكبرون) وعاشرة في (ص) عند قوله: «وظن داود أنما فَتَنَّاه فاستغفر ربه وخرّ راكعاً وأناب والحادية عشرة «حم
(
(7)
السجدة، عند قوله: «يسبحون لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وهم لا يَسْثَمون.
(A)
:
وقد ذكر أنه سئل ابن عباس رضي الله عنه عن السجدة في حم فقال أسجدوا بالآخرة من الآيتين يعني قوله «وهم لا يستمون، وقد ذكر أن الحسن أنه يسجد بالآية الأولى يعني قوله: «واسجدوا الله الذي خَلَقَهُنَّ
(1) الاسراء: 0109 (2) مريم: 58
(3) الحج: 18.
1.:
(4) الفرقان: 60
(5) النمل: 26.
(6) السجدة: 15.
(7) ص: 24. (8) فصلت: 38.
-999 - (1/706)
صفحة 707
إن كنتم إياه تعبدون (1) وقد روي عن ابن عباس أنه قال: ليس من المفصل سجود، وكذلك ذكر عن مجاهد عن ابن عباس أنه كان يسجد في (ص) ولا يسجد في شيء من المفصل، وبلغنا والله أعلم (إذا نزلت آية السجدة في القرآن سجدت الأشجار والحيطان، وغير ذلك فأمر النبي الله أصحابه بالسجود عند قراءة تلك الآية) وروى أبو عبيدة رحمه الله قال: بلغني عن أبي سعيد الخدري قال: (رأيت كأني تحت شجرة أقرأ. ص والقرآن ذي الذكر، فلما بلغت السجدة
D
»
سَجَدَتِ الشجرة، ثم قالت: رب أعطني بها أجراً وضع عني بها وزراً وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته، قال أبو سعيد: فأخبرت بذلك النبي عليه السلام فقال: إني كنت أحق بالسجود من الشجرة ثم قرأ رسول الله (ص) وسجد وقال هذا القول (3) والله أعلم. وإذا أراد القارئ أن يسجد فإنه يكبر حين يهوي إلى السجود، فإذا سجد قال: «سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاء، ثلاث مرات، ثم يرفع
قوله: يكبر حين، أي من غير إحرام ولا سلام خلافا للشافعي، ووافق أصحابنا مالكا، وعبارة خليل: يسجد بشرط الصلاة بلا إحرام ولا سلام قارئ
ومستمع
فقط إن جلس لعلم.
(1) فصلت: 37. (2) أخرجه الحاكم والبيهقي.
- 700 - (1/707)
صفحة 708
رأسه بالتكبير، ويقول: ربنا لك سجدنا وإليك أنبنا وإليك المصير، ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا، واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم، ويقول: رب أعطني بها أجراً، وضع بها عني وزراً، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته. وشروطها في الطهارة وطهارة الثوب والموضع شروط الصلاة المكتوبة، ورخص بعضهم أن يتيمم ويسجد، ولو كان ممن يغتسل والله أعلم. وكذلك الأوقات التي لا يصلى فيها المكتوبة لا يسجد فيها، واستقبال القبلة أفضل، ويسجدونها بالجماعة وإمام كغيرها من السنن، ويسجدونها فرادى ويومي بها من يصلي قاعداً أو مضطجعاً أو قائماً بالتومي كالمكتوبة، وإن قرأها وهو ماش أو راكب فإنه ينزل الراكب ويقعد الماشي ويسجدانها، وقال بعضهم: يجوز أن يومي تلقاء وجهه وهو راكب أو ماش كما روي (أنه يصلي في السفر أينما توجهت به راحلته النوافل) (1) وكذلك هذا يسجدها على الهيئة التي كان عليها من قيام وقعود وركوب، كما كان الله يصلي النوافل على الهيئة التي كان عليها، ولعلهم لهذا المعنى رخصوا في غير استقبال القبلة في غير سجود
قوله: رخصوا في غير القبلة الخ. وقع في النسخة: رخصوا في استقبال القبلة
(1) متفق عليه.
-4.1 - (1/708)
صفحة 709
القرآن والله أعلم. والسجود المذكور إنما هو على من قرأ آية السجدة أو قرنت عليه كما كانت الأشجار والحيطان تسجد عند نزول تلك الآية، وقراءته عليه السلام إياها بشرط أن يكون القارئ ممن تصح له الصلاة، وإن قرأها الطفل أو المجنون أو المشرك أو الحائض أو النفساء فليس على من سمعها منهم سجود، وذلك لأن القارئ إمام المستمع والله أعلم. وإن كتبها أو هجاها فليس عليه شيء لأنه ليس بقارئ، وإن قرأها المجنب أو قرئت عليه فإنه يسجد إذا اغتسل من جنابته، وكذلك المصلي إن قرأها أو قرئت عليه فإنه يسجد إذا فرغ من صلاته، وقال بعضهم: يسجدها
في سجود القرآن، والظاهر أنها الصحيحة كما يظهر بالتأمل، وكذلك نسخة ورخصوا في غير استقبال القبلة أي رخصوا في استقبال غير القبلة. قوله: أو قرأت عليه الخ. أي سواء كان سامعاً أو مستمعاً بدليل ما يأتي وقال مالك: إنما السجود على المستمع دون السامع. قوله: ممن تصح له الصلاة أي صلاة الفريضة، بدليل ما بعده فخرج المجنون والصبي، وزاد بعض أصحاب مالك: وأن يسجد حينئذ وأن يقرأ جهراً ليسمع، وخالف الشافعي فلم يشترط شيئا من ذلك فلا فرق عنده بين أن يكون القارئ رجلا أو امرأة ولا بين أن يكون صبياً أو محدثاً أو كافراً لكن لا سجود لقراءة الجنب والسكران
قوله: فإنه يسجد إذا فرغ الخ. خلافاً لمالك والشافعي، ومذهب أصحابنا هو الحق، إذ لو سجدها لزاد في صلاته، ولو تركها رأساً لترك السنة، فاحتاطوا لكل فقالوا: لا يسجد في حال الصلاة احتياطاً، ويسجد بعد، ولا يضر ذلك الفصل لأنه للضرورة.
- 702 - (1/709)
صفحة 710
إذا قرأها في صلاة النافلة، وذلك عندي لأنهما بمنزلة واحدة، أعني أن ذلك نقل كله، وقال بعض: ليس على المستمع سجود حتى يجلس لها يستمع. وقال آخرون: إنما السجود على القارئ دون المستمع، وذلك عندي - والله أعلم - أن علة السجود التلاوة، والله أعلم. وإن قرأ آية السجدة وسجد لها ثم أعادها فإن بعضهم قال: يسجد كل مرة قرأها، وقال بعضهم: يجزيه سجود واحد ولو أعادها مراراً فيا دون اليوم، ولعلهم ذهبوا إلى عموم
(1)
قوله عليه السلام: (لا يصلي أحدكم صلاة واحدة في يوم مرتين) والله أعلم. وقال آخرون: ما أعاد في موضع واحد يجزيه سجود واحد
وإن أعادها في غير موضعه ذلك سجد لها والله أعلم.
قوله: وقال بعضهم: يسجدها في النافلة الخ. قلت: قال صاحب المحيط من الحنفية: لم أر في شيء من الطرق يعني طرق الحديث الذي أورده عنه عليه السلام انه كان عليه السلام يقرأ في صبح يوم الجمعة (ألمر) السجدة (وهل أتى على الإنسان) التصريح بأنه سجد لما قرأ: (ألم تنزيل) في هذا المحل إلا في كتاب الشريعة لأبي داود، ومن طريق آخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (غدوت على النبي الله يوم الجمعة في صلاة الفجر فقرأ سورة فيها سجدة فسجد) الحديث، وفي إسناده من ينظر في حاله، انتهى. قلت: يحمل الحديث الذي ليس فيه سجود على انه لم يسجد في الصلاة، والذي فيه سجود على أنه سجد خارج الصلاة، فلا منافاة بينها ولا مخالفة لما قاله أصحابنا
رحمهم الله
(1) تقدم ذكره.
- 703 - (1/710)
صفحة 711
باب في قيام رمضان
وقيام رمضان سنة مرغب فيها، وقد بلغنا (أن النبي صلى من قيام رمضان ثمان ركعات وهن أربع تسليمات) (1) ثم زاد أبو بكر الصديق رضي الله عنه ثمانية أخرى، ثم زاد عمر رضي الله عنه ثمانية. أخرى، وذلك كله أربع وعشرون ركعة، فكان ذلك سنة لمن بعدهم وهي نافلة مرغب فيها لما روي عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (صلى رسول الله ما في المسجد فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من الثانية فكثر الناس، ثم تجمعوا من الليلة الثالثة والرابعة، ولم يخرج إليهم فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن يفرض عليكم) (3) وذلك في رمضان، والترويحات في القيام مستحبة وقد رأيت في بعض الكتب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو الذي جمع عليها، والمستحب أن يروح بهم الإمام على تسليمتين ويقعد مقدار ما يقرأ
باب في قيام رمضان
قوله: والمستحب الخ. مقتضى الديوان على أربع تسليمات.
(1) رواه مسلم وأبو داود. (2) رواه البيهقي (1/711)
صفحة 712
فيه هذه الكلمات، وهي: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقيام رمضان إثني عشر تسليمة يسلم على ركعتين، لقوله عليه السلام: (صلاة الليل مثنى مثنى)) وقال بعض: ست تسليمات يسلم على أربع ركعات، ويدل على هذا ما
روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله يصلي في
(2)
رمضان عشرين ركعة أربعاً أربعاً ويوتر بثلاث) (2) والله أعلم والمستحب أن يصليه ثلاثة رجال كما سنها ثلاثة رجال: رسول الله، وأبو بكر، وعمر رضي الله عنهما، وإن لم يكن إلا رجلان فليصليانها أثلاثاً ولا يصليانها أنصافاً لما ذكرناه، وكذلك من ضعف عن صلاة القيام ولم يقدر إلا على بعضه فالمستحب أن يصلي منه ثلثاً أو ثلثين، ولا يصلي منه نصفاً فقط والله أعلم. وأفضل صلاة القيام بعد صلاة العتمة وقبل الوتر، لحديث عائشة رضي الله عنها المتقدم (أنه يوتر بثلاث بعد صلاة القيام) ولقوله عليه السلام لبعض أصحابه: (وآمرك بصيام
قوله: ويقعد الخ. حكاه في الديوان قولاً، وفيه أقوال متعددة، راجعه.
(1) رواه الجماعة من حديث ابن عمر.
(2) رواه أحمد.
- 705 -
ه م 45 ـ الإيضاح» (1/712)
صفحة 713
ثلاثة أيام في كل شهر ولا تتم إلا عن وتر وركعتي الضحى) وإن صلى قبل العتمة أو بعد الوتر فلا بأس عليه والله أعلم. ووقته ما لم يطلع الفجر، و من فاته بالليل فليقضه بالنهار، ويصليه الناس بالجماعة ما لم يخرج وقته، وكذلك الوتر يصلى بالجماعة في رمضان ما لم يخرج وقته، والمستحب أن يصلي بهم الوتر من صلى بهم العتمة، لأن الوتر تابع للعتمة، كأنه بعض منها، إلا إن كان له عذر فليصل بهم غيره من الناس من صلى معهم العتمة، لأن من صلى معهم العتمة لو استخلفه الإمام الجازت صلاتهم تلك خلفه، فهو أولى من غيره، ورخص بعضهم فيمن صلى معهم القيام، ولو لم يصل العتمة أن يصلي بهم الوتر، وذلك عندي ـ والله أعلم - أن الوتر ولو كان تابعاً للعتمة فهو من جنس القيام في رمضان وتابع له الحديث عائشة المتقدم، قالت: (كان رسول الله يصلي في رمضان عشرين ركعة أربعاً أربعاً، ويوتر بثلاث) (1) والله أعلم. فعلى هذا إن صلوا العتمة
معهم
قوله: وإن صلى الخ. . خلاف ظاهر الديوان، حرره.
قوله: وإن صلى بعد العتمة الخ وعند الشافعي خلاف الأصح عدم جواز ذلك، بل الأصح عند بعضهم أن الأفضل تأخيرها إلى ربع الليل، وأما تقديمه فمن فعل الكسالى.
قوله: لا بأس أن يصلي معهم الوتر، الخ. لعله هو المرخص السابق.
(1) تقدم ذكره. (1/713)
صفحة 714
بالجماعة والقيام بالجماعة فليوتروا بالجماعة، وإن لم يصلوا العتمة بالجماعة فلا يوتروا بالجماعة، ولو صلوا القيام بالجماعة - والله أعلم - لأنه تابع للعتمة، وكذلك من لم يصل مع الإمام صلاة العتمة وصلى معهم القيام، فإنه لا يصلي معهم الوتر، ولو لم يصل معهم العتمة، وذلك عندي كما يجوز أن يصلي معهم بعض العتمة ولو لم يدرك إلا بعضها، وكذلك لا يصلوا الوتر بالجماعة إن لم يصلوا القيام بالجماعة، لأن الوتر إنما يصلى بالجماعة في رمضان لأجل القيام إن صلوا العتمة بالجماعة، وكذلك إن قدموا القيام على العتمة لا يصلوا الوتر بالجماعة إلا على قول من أجاز أن يصلى الوتر بالجماعة ولو في غير رمضان، والدليل على ذلك ما رواه جابر بن زيد عن
ابن عباس رضي الله عنهم أخبر له حين بات عند ميمونة زوج التي قال: (فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، فتوضأ فأحسن وضوءه ثم قام يصلي، قال: فقمت فصنعت مثل ما صنع ثم ذهبت فقمت إلى جانبه فوضع رسول الله يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني يفتلها، فصلى إثني عشر ركعة ثم أوتر ثم اضطجع حتى جاء المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح، ثم قال لي ابن عباس: كذلك فافعل يا جابر، وأوتر في رمضان فقد صلى عليه
(1)
السلام في غير رمضان صلاة الليل والوتر بجماعة)) والله أعلم. هذا
(1) تقدم ذكره.
- Y?Y- (1/714)
صفحة 715
D
يدل على أن صلاة السنن تصلى بالجماعة وإن صلوا العتمة مع الوتر فإنهم يخطبون بعد الوتر وإن صلوا القيام بعد الوتر فلا يخطبون، وإنما تكون الخطبة بعد الوتر، وكذلك أن الوتر إنما يكون بعد الفراغ من الصلاة ولا يكون بعد نفل، ولذلك تكون الخطبة بعد الوتر لقوله تعالى:
فإذا فرغت فانصب» يعني فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء إلى
الله تعالى.
مسألة:
ولذلك كانوا يخطبون بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر إذ لا صلاة بعدهما، وكذلك كانوا يخطبون بعد الظهر يوم الجمعة (لأن النبي عليه السلام كان لا يصلي بعد ظهر يوم الجمعة حتى ينصرف ويصلي ركعتين) (1) والله أعلم. وكل ما يبنى به في الصلاة يبنى به في القيام وكل ما ينقض الصلاة ينقض القيام، وشروطه شروط الصلاة المكتوبة، وإن أخذ في الركعتين قبل الوتر ثم تبين له أنه بقي عليه شيء من القيام، فإنه
قوله: ولا يكون بعد نفل، راجع الشيخ اسماعيل
رحمه الله
(1) متفق عليه
- Y-A- (1/715)
صفحة 716
يردهما بالنوى إلى القيام، وقال بعض: لا يردهما، وذلك لأنهم اتفقوا أنه يرد الصلاة الفريضة إلى النافلة كما يرد الحج إلى العمرة، وقد روي أنه أمر أصحابه وقد أحرموا بالحج في ذي القعدة في حجة الوداع أن يجعلوها عمرة) (1) واختلفوا هل ترد النافلة إلى النافلة؟ قال بعضهم: ترد، وقال آخرون: لا ترد، والله أعلم. وإذا أراد أن يرد المغرب إلى النافلة فإنه يردها ما لم يقعد على التحيات الأخيرة ويضيف إليها ركعة
قوله: وذلك لأنهم اتفقوا الخ. يتأمل هذا مع قول الديوان: وسئل هل يرد الفريضة إلى النافلة قال: نعم، ولا يرد النافلة إلى الفريضة، وقول آخر لا يرد بعضها إلى بعض الخ. حرره إلا أنه لم يعتد بالمخالف فحكى الإتفاق. فرع: في الديوان: وإن رد النافلة إلى الفريضة لم تجز عنه للفريضة ولا للنافلة، وعليه الإعادة، ثم قال: وقيل في رجل رد النافلة إلى الفريضة أنه تجزيه للنافلة. قوله:: المغرب الخ، الظاهر أنه لا بد في ردها من عرض صحيح، وانظره
مع قول الشيخ إسماعيل رحمه الله: لا يصلى بعد إلا صلاة المغرب.
بعد
قوله: ويضيف إليها ركعة الخ. عطف على قوله فإنه يردها، والقيد معتبر العطف، وعبارة الديوان أوضح، وكذلك المغرب يرده ما لم يتجاوز التشهد، وقول آخر: يرد إلى النافلة ولو جاوز التشهد، ما دام في الركعة الاخيرة، ويضيف إليها ركعة أخرى، انتهى.
(1) رواه أحمد ومسلم وأبو داود. (1/716)
صفحة 717
أخرى، وإذا قعد على التحيات الأخيرة خرجت من جنس النوافل وامتنع من ردها لأن صلاة النوافل عند بعضهم لا تثلث والله أعلم. وكذلك الوتر يرده إلى النافلة ما لم يقعد على التحيات، لأن النوافل عندهم إنما هي ركعتان مثنى مثنى لقوله عليه السلام (صلاة الليل مثنى مثنى) (1) والله
أعلم، وبالله العون والتوفيق.
(1) تقدم ذكره.
-11 - (1/717)
صفحة 718
باب في صلاة العيدين
وصلاة العيدين سنة مأثورة على أهل الأمصار والقرى، وتاركها منزلته خسيسة عند المسلمين، والتأكيد فيها من كتاب الله عز وجل حيث يقول: «قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى (1) قيل إنه نزل
باب في صلاة العيدين
قوله: باب في صلاة العيدين الخ. هذا الباب ذكر فيه حكم صلاة العيد ومن يؤمر بها، ووقتها ومندوباتها، وموضع إيقاعها وتكبيرها وخطبتها، وما يتعلق بذلك كله، وهو مشتق من العود وهو الرجوع، وسمي بذلك لتكراره بتكرار السنين، ورد المشاركة غيره فيه كأيام الأسبوع والشهور وعرفة وعاشوراء، ولم يسم وإن كان قد سمي بها يوم الجمعة فمن باب التشبيه لأنه لا يتبادر إليه عند الاطلاق وفي الرد بحث إذ المناسبة اعتبرت مرجحة لا مصلحة، فلا يجب إطرادها وقيل للعودة بالفرح والسرور على الناس، وقيل تفاؤلاً لأنه يعود على من أدركه من الناس، كتسمية القافلة في ابتداء خروجها، والظاهر أن هذه ليست أقوالاً متباينة الجواز أن يقال يجميعها، وهو من ذوات الواو قلبت واوه كالميزان من الوزن، وإنما جمع بالياء، وأصله الواو للزومها في المفرد والفرق بينه وبين أعواد الخشب.
(1) سورة الأعلى: 14.
- Y 11 - (1/718)
صفحة 719
وروت
في صلاة العيد، وروي (أن النبي عل الله صلى العيد وحض عليها (1) أم عطية، قالت: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج إلى العيدين والعوائق من الخدور وأمر الحائض أن تعتزل من مصلى المسلمين) (2) ولو لا الإجماع أنها ليست بفرض لدلّ هذا التأكيد على فرضها، ويستحب تعجيل الأضحى وتأخير الفطر لما يرجع الناس من ضحاياهم، وقد روي (أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى عمرو بن حزم أن عجل الأضحى وأخر الفطر) (3) لما يشتغل الناس من الصدقة من زكاة الأنفس المأمور بتعجيلها قبل الصلاة لما روي أن النبي عليه السلام) أمر بزكاة الفطر أن تخرج قبل أن يخرج
قوله: قالت: أمرنا أن نخرج الخ وقد وافقنا الشافعي وخالف مالك وقال: إنما تسن لمأمور الجمعة.
فرع: صلاة العيدين تشرع جماعة بالإجتماع وفي المفرد خلاف، قال في الديوان: وإن لم يصب الرجل من يصلي معه فإنه يصلي وحده ركعتين، ثم يخطب، ثم يدعو لنفسه، وقيل يصليها يجميع معانيها، ففي المفرد خلاف
•
قوله: ويستحب تعجيل الأضحى الخ: قال في الديوان: ويركعون قبلها ولا يركعون بعدها وأما الفطر فإنهم يركعون قبلها وبعدها، وسيأتي إن شاء الله في آخر كلام المصنف رحمه الله تعالى.
(1) رواه مسلم وأبو داود وأحمد (2) رواه الجماعة.
(3) رواه ابن ماجه والترمذي وأحمد.
- 712 - (1/719)
صفحة 720
الناس إلى المصلى ويستحب الأكل يوم الفطر قبل الصلاة، ويوم)) الأضحى بعد الصلاة اقتداء برسول الله لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله يأكل قبل أن يغدو إلى المصلى رطبات فإن لم تكن فتمرات، فإن لم تكن يحسو من الماء حسوات) (2) والله أعلم. واتفقوا أهل الإسلام أنه لا أذان ولا إقامة في شيء من سنن النفل ولا التطوع ولا الجنائز ولا العيدين وإنما الأذان والإقامة لصلاة الفرض، ووقت صلاة العيدين مذ ترتفع الشمس إلى الزوال، وإن صح خبر العيد بعد الزوال أخروا البروز إلى الضحى من غدهم لما روي (أنه عليه السلام أمر أناساً من الأنصار أن يخرجوا من الغد لأنه لم يصح عندهم العيد إلا بعد الزوال (ومن سننها: السواك والطيب والغسل واللباس
قوله: لا أذان ولا إقامة الخ. قال في الديوان: ولا يقولون الصلاة يرحمكم الله كما يفعله بعض من ناداهم إلى الصلاة بدعوة مكروهة. قوله: والغسل الخ. في الديوان: المستحب الغسل حين الغدو اليها وإن اغتسل بعد ما طلع الفجر أجزأه، وأما إن اغتسل الرجل والمرأة من الجنابة، أو المرأة من النفاس أو الحيض فإنهما إن فرغا من غسل الجنابة مثلا فليصبا على
(1) رواه الدارقطني. (2) رواه ابن حبان والحاكم
- 713 - (1/720)
صفحة 721
الحسن، والمستحب إذا أراد أن يصلوا العيد أن يخرجوا من المنزل خارجاً وأقل ما تنعقد به صلاة العيد ثلاثة: إثنان والإمام، وقيل خمسة وقيل سبعة وقيل عشرة، وتتم العدة بالعبيد والنساء، ولو لم يحضر الإمام إلا العبيد والنساء صلى بهم صلاة العيد لما ذكرناه من حديث أم عطية، و أما صفة صلاة العيدين فإنه يوجه لها كما يوجه للفريضة، ويحرم ثم يكبر ثم يقرأ فاتحة الكتاب وسورة، ويستحب سورة والشمس، ثم يركع ويسجد ثم يقوم إلى الركعة الثانية، فيقرأ فاتحة الكتاب وسورة،
جسدها الماء مرة أخرى ويقصدا به غسل يوم العيد، فإن لم يفعلا أجزأهما الأول وإن لم يمكنه الغسل غسل يديه إلى المرافق ورجليه إلى الكعبين ووجهه
ويكون له الفضل، كمن اغتسل وإن لم يمكنه تيمم وله فضل المغتسل. قوله: أن يخرجوا من المنزل الخ. قال في الديوان: فليخرجوا بأسلحتهم وجميع ما يمكنهم من الزينة قوله: ثلاثة الخ. في الديوان عكس الترتيب وقدم العشرة وأخر الثلاثة وحكى في الإتمام بالنساء والعبيد قولين.
•
قوله: وتتم العدة بالنساء الخ. وافقنا الشافعي وخالف في القديم وجعلها كالجمعة في الشروط.
•
قوله: ويحرم ثم يكبر الخ. ظاهر كلام المصنف رحمه الله أن التكبير يفصل إلا بالتكبير المتم خلافاً للشافعية في أنه يهلل ويحمد ويكبر بين كل تكبيرتين كآية معتدلة
- VIE - (1/721)
صفحة 722
و المستحب سورة والضحى، ثم يكبر ثم يركع ويسجد ويقعد على التحيات ويسلم، ثم يخطب. والخطبة ومعانيها قد ذكرناها في صلاة
الجمعة. وأما صفة التكبير الذي ذكرناه في صلاة العيدين فإن بعضهم
قال: يكبر سبعاً، وبعضهم
يقول: تسعاً
،
وبعضهم يقول: إحدى
عشرة، وبعضهم يقول: ثلاث عشرة، فمن قال بالسبع فإنه يكبر بعد تكبيرة الإحرام في الركعة الأولى أربعاً، وبعد القراءة في الركعة الثانية ثلاثاً، ومن قال بالتسع فليكبر في الركعة الأولى أربعاً وفي الثانية خمساً، ومن قال بإحدى عشرة فليكبر في الركعة الأولى ستاً وفي الثانية خمساً، ومن قال بالثلاث عشرة فليكبر في الركعة الأولى ستاً وفي الثانية سبعاً وان زاد على المعمول به من هذه الأقوال أو تنقص عمداً فإنه يعيد صلاته، وإن لم يتعمد فلا إعادة عليه حتى ينقص أو يزيد ثلاث تكبيرات، وجميع التكبير لصلاة العيد تكبير الركعة الآخرة وتر، والتكبير في الركعة الأولى قبل القراءة بالإجماع، والتكبير في الركعة الثانية مختلف
قوله: وإن زاد على المعمول الخ. وأما إن أحرم على أحد الأقوال فعمل
غيره فإنه لا يعيد
•
قوله: والتكبير في الركعة الثانية الخ. ذهب مالك والشافعي إلى أنه إنما يكبر قبل القراءة، وذهب أبو حنيفة إلى أنه بعد القراءة، وعن أحمد روايتان.
-710 - (1/722)
صفحة 723
فيه بين الناس، وجميع ما ينقض الصلاة المكتوبة ينقض صلاة العيد، وكذلك جميع ما يبنى فيه في الصلاة يبنى به في صلاة العيد، وكذلك
جميع شروطها هي بنفسها شروط الصلاة المكتوبة، ومن لم يحسن التكبير وكيفيته في صلاة العيدين صلى ركعتين كما يصلي النافلة وينوي لصلاة العيد والله أعلم. وإن فاته الإمام بشيء من صلاة العيد فإنه يدخل إليه ويستدرك ما فاته به إن علم ما كبر الإمام في صلاته وإن لم يعلم فإنه يستدل بالركعة الثانية أعني ما كبر فيه الإمام وإن فاته بركعتين جميعاً فإنه لا يدخل إليه إلا إن تبين له ما فعله الإمام من التكبير بقول الأمناء و من يثق به، وإن دخل إليه بغير علم فإنه يعيد صلاته، إلا إن وافق والله أعلم. واختلفوا أيضاً في الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها، فروى قوم: (أن النبي عليه السلام لم يصل قبلها ولا بعدها) (1) وروي أيضاً (أن النبي عليه السلام صلى بعدها) (2) وأصحابنا رحمهم الله يصلّون ما شاءوا قبل العيد، ولا يصلون بعدها والله أعلم.
قوله: ومن لم يحسن الخ. مفهومه أن من يحسن التكبير يكبر، وعبارة الديوان: وأما إن لم يصب الرجل الرجل معه فإنه يصلي وحده ركعتين، ثم يدعو لنفسه، وقيل: يصليها يجميع معانيها ثم يخطب.
(1) رواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي. (2) رواه النسائي وابن ماجه.
-417 - (1/723)
صفحة 724
باب في صلاة الكسوفين
وروي) أنه الله صلى صلاة الكسوف) وعمل بها المسلمون بعده، وهي سنة مرغب فيها، والأصل فيها ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما
فقام
قال: (كسفت الشمس فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه، قياماً طويلاً فقرأ من نحو سورة البقرة، ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم قام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم سجد ثم انصرف وقد تجلت الشمس، فقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت بشر ولا لحياته فإذا
باب في صلاة الكسوفين
قوله: باب في صلاة الكسوفين، يقال: كسف الشمس والقمر بفتح الكاف و كسفا بضمها، وانكسفا وخسفا وانخسفا بمعنى، وقيل كسفت الشمس وخسف القمر بالخاء، وحكى القاضي عياض عكسه عن بعض أهل اللغة والمتقدمين، وهو باطل مردود بقول الله تعالى وخسف القمر وجمهور أهل اللغة وغيرهم على أن الخسوف والكسوف يكون بذهاب ضوئها كله، ويكون لذهاب بعضه،
وقال جماعة منهم الليث بن سعد: الخسوف في الجميع والكسوف في البعض، وقيل: الخسوف ذهاب لونها والكسوف تغيره.
- 717 - (1/724)
صفحة 725
رأيتم ذلك فاذكروا الله) (1) وهذا الحديث يدل أن صلاة الكسوف ركعتان في ركعة، وأن القراءة فيها سر لتقديره قراءته عليه السلام بنحو من سورة البقرة، وأن من شروطها الخطبة كما ذكر عن ابن عباس أنه خطب عليه السلام بعد الصلاة، وقال بعضهم وهو الأصح: صلاة الكسوف ركعتان لما روي) أنه صلى ركعتين وقال: الشمس لا تكسف لموت أحد ولا لحياته وإذا رأيتم شيئاً من ذلك فصلوا)) ويجهروا فيهما بالقراءة لأنهما تطوع بجماعة في وقت حاضر، وجعل وقتها حالاً كصلاة العيدين،
قوله: وقال بعضهم: وهو الأصح الخ. هو قول الكوفيين، فيما عدا القراءة فإنها سر عند أبي حنيفة عملا بظاهر حديث جابر بن سمرة وأبي بكرة (أن النبي الله صلى ركعتين (والأول قول مالك والليث وأحمد وأبي ثور وجمهور علماء الحجاز، وحجتهم حديث عائشة وابن عباس وغيرهما أنها ركعتان في كل ركعة ركوعان وسجودان، وانظر لم حكم المصنف بأن القول الثاني أصح مع كون المذكور في المسألة رواية ابن عباس وعائشة، وأما الحديث المذكور فيحتمل أنه مطلق، وهذين الحديثين يبينان المراد منه والله أعلم بالصواب. قوله: لما روي أنه الخ. وأظهر من هذا في الإستدلال ما رواه في القواعد من قوله له: (إذا انكسفت الشمس وانخسف القمر فصلوا كإحدى
صلاة صليتموها) اهـ.
(1) متفق عليه.
(2) متفق عليه.
- YIA - (1/725)
صفحة 726
وأما الخطبة فليس هي من شروطها لأن النبي عليه السلام إنما خطب لأن الناس زعموا أن الشمس إنما تنكسف لموت ولده إبراهيم والله أعلم. وكذلك خسوف القمر على هذا الحال لقوله عليه السلام: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت بشر ولا لحياته ((1) الحديث. وصلاة الخسوف أيضاً تصلى جماعة كصلاة الكسوف، وقال قوم: لم يبلغنا أن النبي عليه السلام صلى عند خسوف القمر بجماعة، ولو كان ذلك لنقل إلينا لكثرة دورانه، ولكن تصلى فرادى. وفي أثر أهل عمان أن القمر إذا أصيب يصلى بجماعة، والشمس يصلى فرادى، والصحيح أنهما آيتان من آيات الله كما قال في الحديث. وصلاة الجماعة عند كسوفهما جائزة وسنة وفضيلة، وصلاة الزلزلة على هذا الحال ككسوف الشمس والقمر، ألا ترى إلى نصه عليه السلام على العلة في ذلك وهي كونهما آيتان
من آيات الله، والله أعلم.
(1) تقدم ذكره.
-419 - (1/726)
صفحة 727
النوع الثاني من النوافل
وصلاة النوافل مرغب فيها لقوله عليه السلام: (الصلاة خير
(1)
موضوع فمن شاء فليقلل ومن شاء فليكثر)) وقال عليه السلام: (ما جعل لذكر الله والصلاة فقليله كثير) (2) وصلاة النوافل إنما تصلى ركعتين ركعتين، ويفصل بينهما بالتسليم، والدليل ما روي أنه قال عليه السلام: (صلاة الليل مثنى مثنى) (3) وما روي من طريق أبي سعيد
النوع الثاني من النوافل
قوله: النوع الثاني من النوافل.
فرع: قال في الديوان: ولا تصلى المرأة من النوافل بغير إذن زوجها إلا العشرة التي للسنة، وهو الركعتان اللتان بعد صلاة المغرب، والركعتان قبل صلاة الفجر، وصلاة الميت، والسجدة، والكسوف، والزلزلة، وقيام رمضان، وصلاة مقام ابراهيم علي الت بلاد، والعيدين، وكذلك الأجير والمقارض، وكذلك البكر التي كانت تحت أبيها، ومنهم من يرخص لهم أن يصلوا ما شاءوا من النوافل إلا إن ضر ذلك بالمقارض والمستأجر، وأما العبد فلا يصلي بغير إذن سيده إلا خمساً ركعتين قبل صلاة الفجر، وركعتين بعد صلاة المغرب، وصلاة
العيدين، وصلاة الميت، والسجدة، والله أعلم.
(1) متفق عليه.
(2) رواه البيهقي والنسائي والدارقطني وابو داود.
(3) تقدم ذكره
- 720 - (1/727)
صفحة 728
الخدري: (أن النبي ع يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين و بعد المغرب ركعتين وبعد صلاة العشاء ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، ويصلي ركعتين لكن له حظ من الليل يصلي فيه ما شاء الله) (1) ففي هذا دليل أن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، وقال بعضهم: يصليها كما يصلي الفريضة ركعة واحدة أو ركعتين أو ثلاثاً أو أربعاً ولا يجاوزها، والدليل على هذا ما روي أنه قال عليه السلام للذين لم يصلّيا معه: (ما منعكما أن تصلّيا معنا؟ قالا له: صلينا في رحالنا، فقال: إذا صلى أحدكم في رحله فأدرك الإمام فليصل معه فإنها له نافلة) (2) ففي هذا دليل أن يصلي النافلة كما يصلي الفريضة والله أعلم. وقد روى الربيع عن أبي أيوب الأنصاري رحمهم الله (أنه كان يصلي قبل الظهر أربعاً فقيل له ما هذه الصلاة؟ قال: رأيت رسول الله لا يصليها فسألته فقال: إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء فأحب أن يرفع لي فيها عمل صالح) وروي أيضاً (أنه لا يصلي قبل الظهر أربع ركعات وبعدها ركعتين ويقرأ في جميع النوافل بالحمد لله وسورة) (3) وشروط النوافل هي بنفسها شروط الصلاة المكتوبة من الطهارة واستقبال القبلة والثياب الطاهرة
(1) متفق عليه.
(2) تقدم ذكره.
(3) رواه أبو داود والنسائي
ه م 46 - الإيضاح) (1/728)
صفحة 729
و القيام فيها وغير ذلك من جميع شروطها، وقال بعضهم: يجوز أن تصلى النوافل بالتيمم، وإن كنت ممن يغتسل بالماء وتصليها قاعداً بالتومي، وإن كنت قادراً على القيام، وتصلي على ظهور الدواب راكباً، وإن كنت تجد غير ذلك، والدليل على هذا (أنه يصلي عليه السلام على راحلته النوافل أينما توجهت به، وإذا أراد أن يصلي الفريضة نزل) وما روي أنه قال عليه السلام: (صلاة أحدكم قاعداً مثل نصف صلاته وهو قائم) (2) يحتمل هذا الرأي، والنوافل أيضاً غير واجبة في الأصل والله أعلم. وأما من يصلي وهو عريان لم يجد ثوباً يستر به أو من يصلي في الطين يومي إيماء، ومن يصلي مضطجعاً أو من له علة لا يحذر منها ثوبه أو من ربطه العدو في ثياب منجوسة أو مكان منجوس، أو من غُلَّتْ ذراعاه من
خلفه، فإن هؤلاء لا يصلون النوافل غير الركعتين قبل صلاة الفجر والركعتين بعد صلاة المغرب، فلعل هؤلاء ذهبوا إلى أن التقصير من الوظائف، إنما هو في صلاة الفريضة لئلا تخرج أوقاتها، وكأن عجزه عن بعض الوظائف لا يسقط عنه ما لم يعجز عنه لقوله عليه السلام: (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم)) وأما النوافل فلا يصليها إلا بجميع
(1) تقدم ذكره.
(2) تقدم ذكره.
(3) تقدم ذكره
- 722 - (1/729)
صفحة 730
وظائفها إلا ما خصه الدليل منها، مثل صلاة النوافل قاعداً أو على ظهور الدواب، وقد ورد الشرع بها، وقال بعضهم: كل ما يصلى به الفريضة يصلى به النافلة ما خلا صلاة التكبير وصلاة التكييف، وهذا القول هو الذي يوجبه القياس عندي والله أعلم. وكل ما فاته من النوافل فلا يعيده، ويجوز أن يجعل النوافل كلها لاحتياط ما عليه من الصلاة، إلا الصلاة اللواتي للسنة فإنه ينوي بها أداءً للسنة، وقال بعضهم: يجعل النوافل كلها لاحتياط ما عليه من الصلاة إلا الركعتين اللتين قبل صلاة الفجر، والركعتين بعد صلاة المغرب، لأنهما مثل الفريضة، ورخص بعضهم فيهما أيضاً أن يجعلهما لاحتياط ما عليه، وكذلك من وجد الإمام يصلي وقد صلى تلك الصلاة قبل ذلك فإنه يصليها معه ويجعلها نافلة كما روي عن النبي قال الذين لم يصليا معه: (إذا صلى أحدكم في رحله وأدرك الإمام فليصل معه فإنها له نافلة () ورخص بعضهم أن يجعلها لاحتياط ما عليه من الصلاة كغيرها من النوافل، والله أعلم وأحكم.
(1) تقدم ذكره.
- 723 - (1/730)
صفحة 731
كتاب الجنائز
وهي حقوق الأموات على الأحياء، فأول ذلك يستحب أن يلقن الميت عند الموت بشهادة أن لا إله إلا الله، وقد ذكر في بعض الكتب حديث عن النبي الله فقال: (لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله)) وروي (أنه لما مرض أبو الشعثاء جابر بن زيد رضي الله عنه عاده الحسن
كتاب الجنائز
قوله: الجنائز، مفردها جنازة وهي مشتقة من جنز إذا ستر ذكره ابن فارس وغيره، والمضارع يجنز بكسر النون، والجنازة بكسر الجيم وفتحها والكسر أفصح، ويقال بالفتح للميت وبالكسر للنعش عليه ميت، ويقال عكسه، حكاه صاحب المطالع، والجمع جنائز بالفتح لا غير ا هـ. شرح مسلم.
قوله: (لقنوا موتاكم) أي من حضره الموت، والمراد ذكروه لا إله إلا الله لتكون آخر كلامه
قوله: عاده الحسن البصري الخ. ويستحب عيادة المرضى، وفي بعض كتب أهل الخلاف: ويستحب العيادة من وجع العينين: (لأن النبي ما عاد زيد بن أرقم من رمد) رواه أبو داود والحاكم والبيهقي بإسن
(1) رواه الجماعة إلا البخاري.
صحيح، وروي
- 724 - (1/731)
صفحة 732
البصري فوجده ينازع فقال له: يا أبا الشعثاء: قل لا إله إلا الله، فسكت ثم عاد عليه الكلام مراراً فقال له جابر: إنا من أهلها ولكن أعوذ بالله من غدُو ورواح إلى النار، ثم قال له: يا أبا سعيد أخبرني عن آية خروج نفس المؤمن، فقال له الحسن: إن آية خروج نفس المؤمن برد يجده على قلبه، و نفس طامعة، فقال له جابر: اللهم إني أجد برداً على قلبي ونفسي طامعة في ثوابك لكرمك، اللهم حقق رجاءها وآمن محذورها، وما أفاض بعدها بكلام، فقال الحسن: ما أفقهه ولو عند الموت) ويقال: إن الميت يرتقب عند خروج روحه، فإن انطلق وجهه وعرق جبينه عرقاً خفيفاً أو تبسم أو ذرفت عيناه فإن ذلك علامات حسنة، وأما التعبس واللحظ السوء، وانقباض الحاجبين وتزبيد الشفتين، فذلك من علامات السوء. ولا ينبغي أن يحد النظر في وجه الميت، فإن ذلك يزيل نور الوجه، ولا يحد النظر في جسده كله، ولذلك كانوا يسترونه إذا مات، ولا بأس أن يقبل الميت في وجهه إذا كان متولياً لأنهم رووا عن رسول
الطبراني في معجمه الكبير (أن النبي عليك الان قال: ثلاثة ليس لهم عيادة: العين والدمل والضرس) وقال البيهقي في الشعب: صحيح رفعه على يحيى بن كثير، قال: وأما ما رواه جابر أن النبي علق احد قال ولا هم إلا تم الدين، ولا وجع إلا وجع العين، فحديث منكر
- 725 - (1/732)
صفحة 733
الله) أنه قبل عثمان بن مظعون حين مات) و الله أعلم. ولا ينبغي أن يلي المريض في حال خروج روحه إلا ذوو العقول، ومن يستر عورته، ومن يحسن غمض عينيه، وأموره كلها، ولا يغمض عينيه ولا يغلق فاه ما لم تخرج روحه، لأن ذلك يعين على موته، وأما تسوية يديه فلا بأس بها إذا ضعف لأن ذلك لا يعين على موته، وحقيقة موته يعتبر بجس العرق الذي بين الكعب والعرقوب، وبجس عرق في الدبر. ومن علامات الموت أيضاً سكون الحركة من بدنه كله، وبرودة جسده، و تغير لونه، وانقطاع نفسيه، ولذلك تعتبر الحامل موتها بوضع كفة الميزان أو ما أشبهه على سرتها، فما دامت الكفة تتحرك فهي حية، وهذا إذا تبين حملها، إما بقولها أو بقول غيرها ممن لا يتهم على ذلك، وإذا تحقق موت أحد فليسرعوا في دفنه لما روي من طريق أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ينبغي أن تحبس جيفة مسلم بين ظهراني أهلها إلا
(2)
ما استخصوه من الملدوغ ومن قتله الماء أو الدخان) فإنهم لا يسرعون بدفنهم وينتظرون بهم من تلك الساعة إلى مثلها من الغد، وقد رأيت في
قوله: وينتظرون بهم، أنظر هل هو على الوجوب، والظاهر نعم كما يظهر من قوله، ولا يترك الخ. إلا أن يحمل على الكراهة،
(1) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي. (2) رواه البيهقي.
حرره.
- 726 - (1/733)
صفحة 734
بعض الكتب ذكروا أن الأطباء قالوا: لا ينبغي أن يدفن المسكوتون إلا بعد ثلاث وهذا إذا لم يتبين لهم موتهم ولم يفيقوا من ذلك أولاً، وأما إن أفاقوا منه ثم ماتوا من سببه فهم كغيرهم لا ينتظروا بهم، ولا يترك من أراد أن يدفن من أصيب بهذه المعاني قبل أن ينتظر به ولو كان وليه، وسواء في هذا الأموات كلهم ممن يجب حقوقه ومن لا يجب، وهذا إذا باشروه بأنفسهم أو قال لهم الأمناء ذلك، وأما غير الأمناء فلا، والله أعلم.
- 727 - (1/734)
صفحة 735
باب في غسل الميت
وغسل الميت واجب قبل دفنه على من حضره لقوله عليه السلام: اغسلوا موتاكم () وغسل الميت فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، والواجب من ذلك غسلة واحدة لقوله عليه السلام: (اغسلوا موتاكم) والمستحب ثلاث غسلات لما روي أنه عليه السلام (غسل وعليه قميصه ثلاثاً)) ولما روي أنه قال عليه السلام أيضاً: (لما قبض آدم عليه السلام أتته الملائكة عليهم السلام فغسلوه ثلاث غسلات أولهن بماء قراح والثانية بماء وسدر والثالثة بماء وكافور فكفنوه في وثر من الثياب فقالوا هذه سنتك وسنة نبيك من بعدك) (3) وحمل بعضهم هذه الأحاديث على الوجوب فأوجبوا غسل الميت ثلاث مرات، والقول الأول هو الأصح عندي لأن القياس يعضده، أعني قياس الميت على الحي والله أعلم. وأما المحرم فإنه يغسل بماء وسدر ولا يمس طيباً، لما روي من طريق ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات المحرم
(1) متفق عليه
(2) رواه الجماعة
•
(3) رواه عبد الله بن أحمد في المسند
- 728 - (1/735)
صفحة 736
غسل ولا يكفن إلا في ثوبيه اللذين أحرم فيهما فلا يمس طيباً ولا يخمر رأسه) (1) وهذا الحديث يدل أيضاً أن الواجب غسلة واحدة والله أعلم. فالواجب غسل كل ميت من أهل الإسلام بأمر النبي عليه السلام إلا الشهيد فإن النبي عليه السلام خصه من جملة موتى المسلمين، وأخرجه بالنهي منهم لقوله: (زملوهم في ثيابهم ودمائهم) (2) وروي: (أن أعرابياً آمن بالنبي عليه السلام فأتبعه فأصابه سهم فقتله فكفنوه في جبته) (3) والشهداء هم الذين يقتلون في الحرب، وليس كل مقتول ظلماً شهيداً، وإن كان قد خالفنا في ذلك كثير من مخالفينا ممن زعم أن كل مقتول ظلماً شهيد حتى ذكروا أن الساقط من النخلة ومن سقط عليه شني فقتله، والشهيد عندنا من قتل في الحرب لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المقول في المعركة
باب في غسل الميت
قوله: والشهداء الخ. قيل سمي شهيداً لأنه حي، وقيل: لأنه يشهد الجنة حال موته، وغيره يشهدها يوم القيامة، وقيل: لأنه يشهد على الأمم المتقدمة، وقيل: لأن الله وملائكته يشهدون له بالجنة، وقيل: لأنه يشهد ما أُعد له من الكرامة بالقتل، وقيل: لأن دمه شاهد له، وقيل: لأنه شهيد له بالإيمان
الخاتمة وحسن
•
(1) رواه الجماعة.
(2) رواه احمد وأبو داود وابن ماجه (3) رواه الدارقطني وابن ماجه والبيهقي
- 729 - (1/736)
صفحة 737
لا يغسل فإن دمه يعود مسكاً يوم القيامة) (1) وإن كان الشهيد جنباً فإنه يُغسل لماروي أن النبي عليه السلام: (رأى شهيداً على أيدي الملائكة يغسلونه بالماء فسأل أهل بيته فأخبروه أنه سمع هيعة القتال في حال مجامعته، فحمل سلاحه فخرج مبادراً إلى القتال فقتل) (2) وقيل إنه حنظلة بن عامر الأنصاري، والله أعلم. والذي ينزع من الشهيد إذا مات البرنوس، ما لم تكن عليه العمامة، والقرق، والنعلان، والخفان، والخاتم، فهذا مذكور في أثر أصحابنا من أهل المشرق رحمهم الله، وروي عن بعض الصحابة أنه قال: لا تغسلوا علي دماً ولا تنزعوا عني ثوباً إلا الخفين، وزملوني في ثيابي وأرمسوني رمساً فإني رجل محاج أحاج يوم القيامة، وروي أن عمر رضي الله عنه أنه غسل وكفن، وموته كان بعدما طعن ثلاثة أيام، وكذلك يوجد عن الشعبي أنه قال في رجل قتله اللصوص: لا تغسلوه، وقال سفيان: إذا قتل الرجل مظلوماً لم يغسل، وفي أثر أصحابنا من أهل المشرق أن الشهيد الذي لا يغسل هو المقتول في المعركة، وإن حمل من المعركة وفيه رمق حياة حتى مات من بعد فإنه يغسل، وسبب الخلاف
قوله: حنظلة بن عامر، وفي كتب المخالفين ابن الراهب قتل بأحد.
(1) رواه أحمد وأبو داود.
(2) رواه الدارقطني وابن حبان.
- 730 - (1/737)
صفحة 738
هل العلة في ترك غسله الشهادة مطلقة، أم الشهادة على يد المشركين، ومن اعتبر الشهادة مطلقة قال لا يغسل كل ما نص عليه الرسول عليه السلام أنه شهيد ممن قتل، ومن رأى أن سبب ذلك هي الشهادة من الكفار قصر ذلك عليهم، وفي أثر أصحابنا النفوسيين ـ رحمهم الله ـ أن المجروح إذا مات في يومه ذلك لا يغسل ولا يتيمم له، وكذلك النفساء، وأظن أنهم ألحقوا النفساء بالمجروح لأنها مذكورة من أصناف الشهداء في حديث النبي عليه السلام، وفي هذا من الإختلاف ما في المسألة الأولى والله
(1)
،
(2)
قوله: لأنها مذكورة في أصناف الشهداء، الخ. الربيع قال ابن عباس رضي الله عنهم قال النبي عليك اله: (الشهيد يغفر الله له عند أول قطرة تقطر من دمه ويجار من عذاب القبر) وقال عال الان: (إن لم يكن الشهداء من أمتي إلا من قتل منهم بالسيف فهم إذا قليل) ثم قال: (القتيل شهيد، وصاحب الهدم شهيد، والمبطون، شهيد و الفريق شهيد، ومن أكله السبع شهيد، والسليم شهيد، يعني اللديغ، ومن ذكر الله إذا أخذ مضجعه ثم مات فهو شهيد، والنفساء ومن مات على فراشه يريد أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى شهيد) (3)، وذكر في حديث آخر (المقتول دون ماله) وفي حديث آخر (المطعون) قلت: يمكن ألا مخالفة، لأن هؤلاء شهداء في حكم الآخرة، والمقتول على يد الكفرة شهيد في حكم الدنيا والآخرة.
(1) رواه البيهقي وأبو داود
(2) رواه البيهقي وأبو داود والنسائي. (3) رواه ابن حبان والحاكم.
- 731 - (1/738)
صفحة 739
أعلم. واختلاف الناس في غسل الميت يُغسل ثم يُحدِث قبل أن يدخل في كفنه، قال بعضهم: يعاد عليه الغسل ما أمكن، وقال أصحابنا: يعاد عليه الغُسل خمس مراراً ثم يدرج في أكفانه، والدليل ما روي أنه قال عليه السلام لما غسلت ابنته قال: (إن خرج منها شيء فأعيدوه إلى خمس غسلات)) وقال غيرهم: إذا غسل ثم أحدث لم يعد عليه الغسل ثانية، ووضئ وضوء الصلاة، وقال آخرون: يغسل الحدث وحده، والنظر يوجب عندي أن يفعل به كما يفعل المحدث الحي إذا أحدث بعد سقوط الغسل عنه،، أعني أن يغسل الحدث ويتوضأ وضوء الصلاة لأن فرض غسله قد سقط بالغسل الأول، ولأن النبي عليه السلام لم يفرق بين الحي والميت في الحرمة والله أعلم
قوله: قبل أن يدخل في أكفانه الخ. مفهومه أنه إذا أدخل في أكفانه لا يعاد له الغسل، وأما الوضوء فسيأتي قبيل باب دفن الأموات ما يؤخذ منه حكمه، راجعه، وعبارته فيما سيأتي قبيل مسألة: وإن أرادوا أن يتيمموا له وجميع ما ينقض وضوء الأحياء ينقض وضوء الميت ما لم يصل عليه
•
قوله: والدليل الخ. قلت: لما صح هذا الحديث سقط النظر التي في كلامه إذ
لا حظ للنظر مع وجود هذا النص، حرره.
(1) متفق عليه.
- 732 - (1/739)
صفحة 740
مسألة:
:
وأما من يجوز له أن يغسل الميت فإنهم اتفقوا على أن الرجال يغسلون الرجال، والنساء النساء، واختلفوا في المرأة تموت مع الرجال والرجل يموت مع النساء، ما لم يكونوا زوجين، قال بعضهم: يغل كل واحد منهم صاحبه فوق الثياب أعني الرجال المرأة، والنساء الرجل، وقال قوم: يتيمم كل واحد منهم لصاحبه لأن الغسل فيه وعوثة من مخافة الإنجاس، وسبب اختلافهم معارضة النهي لأمره في ذلك، وذلك أن الرجال نهوا عن النظر إلى أبدان النساء، والنساء إلى أبدان الرجال، وأمروا بغسل الموتى عموماً فمن غَلَّب النهي قال: يتيمم كل صنف منهم لصاحبه، لأن النظر إلى موضع التيمم من الرجال والنساء مباح وليس بعورة من المرأة كما تقدم ذكر نا لَهُ في بابه، ومن غَلَّب الأمر على النهي أوجب أن يغسل كل صنف منهم صاحبه من فوق الثياب، إذ الغسل يصح
كذلك، كما روي: (أنه عليه السلام غسل وعليه قميصه ثلاثاً)
6
(1)
قوله: والنساء الخ. الظاهر أنه مرفوع لئلا يلزم العطف على معمولي عاملين مختلفين في غير صورة الجواز قلت: وعليه يلزم أن يوضئ الميت إذا وقعت يده على ذكره، وقد يلزم ويمكن أن يقال لا يلزم لانتفاء العلة في الميت، حرره.
قوله: ما لم يكونوا، الظاهر الواو بدل ما.
(1) تقدم ذكره.
- 733 - (1/740)
صفحة 741
والقول الأول عندي أصح لأن الغسل من فوق الثياب فيه وعوثة من مخافة الإنجاس، فإذا ارتفع الغسل لما ذكرناه من النهي عن النظر إلى أبدان النساء ومخافة الإنجاس، رجع في موضعه التيمم الذي هو بدل منه عند العذر والضرورة، وقد ذكر عن بعضهم أن المرأة تغسل ذا محرم منها إلا موضع الفرج، ولا يغسل الرجل ذا محرم منه، والفرق في ذلك أن نظر الرجال إلى النساء أغلظ من نظر النساء إلى الرجال، بدليل أن النساء يحجبن عن الرجال، ولم يحجب الرجال عن النساء، والقول الأول عندي أصح، وأما الطفل إن مات ولم يحضر إلا النساء فإنه يغسلته ما لم يجاوز سبع سنين، فإذا جاوزهما فالتيمم كاف، والدليل على هذا ماروي أنه قال عليه السلام: (زايلوا بين أولادكم في المضاجع لسبع سنين) (1) وأما الطفلة إذا ماتت ولم يحضر سوى الرجال فإنهم يتيممون لها على كل حال، لأن الطفلة عندهم أشد من الطفل، ورخص بعضهم في غسلها للرجال ما لم يجاوز أربعة سنين، وأما الزوجان فإن بعضهم أولى ببعض في المحيا
قوله: وأما الزوجان الخ. مفهومه أن السيد لا يغسل أمته، وهي لا تغسله، فربما يقال الحكم كذلك وقوفاً على ما ورد، ويحتمل أن يفرق ويقال أن السيد يغسل أمته، وأمته لا تغسل سيدها، لأن القنة تنتقل للورثة، والمديرة تعتق
(1) متفق عليه.
734 - (1/741)
صفحة 742
والممات، وقد جاءت بذلك الأخبار عن العلماء وأهل الفضل ووجدنا في الأثر عن جابر بن زيد رضى الله عنه أنه غسل امرأة ماتت معه وغسلته امرأته التي مات عنها، وقيل ان اسمها أمينة، وبلغنا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أمر امرأته أسماء بنت عميس أن تغسله، ومن فرق من المخالفين وجوز غسل المرأة لزوجها بعد الموت، ولم يجوز غسل الرجل لامرأته، وشبه الموت بزعمه بالطلاق، وموضع الشبهة عنده أن حرمة الجمع بين الأختين ترتفع بالموت كما ترتفع بالطلاق، ولذلك كان
بالموت، بخلاف ملك النكاح فإن حقوقه لا تنقطع بدليل التوارث كما قاله المصنف رحمه الله، تأمل، وكتب أيضاً على هذه القولة ما نصه: وأما الزوجان إلى آخره، ظاهره ولو كانت رجعية لبقاء العصمة، ويحتمل أن يستثني لأنها لما كانت محرمة في الحياة استصحب ذلك بعد الموت، حرره، وانظر ما إذا كان له أكثر من زوجة وتنازعن في غسله والظاهر أنه إن كن يحسن الغسل إقترعن بينهن، والأقدم من يحسن منهن، حرره.
فرع: لو كان الميت خنثى مشكلاً ما الحكم فيه، فإنه لم يحضرني الآن فيه فيحتمل أن يقال لا يغسل للتردد فيه، ويحتمل أن يقال يشترى له من تركته أمة تغسله، فإن لم تكن له تركة فمن بيت المال، فإن لم يكن فعلى
المسلمين، ويحتمل غير ذلك راجع أحكام الخنثى المشكل تظفر بالمطلوب. قوله: ومن فرق الخ. نسبه الشيخ إسماعيل رحمه الله إلى أبي حنيفة وبعض أصحابه، راجعه
- 735 - (1/742)
صفحة 743
عنده أن الرجل لا يغسل زوجته الميتة كما لا يغسل المطلقة إن ماتت فإن الحجة عليه، قوله عز وجل: «ولكم نصف ما ترك أزواجكم، (1) وسماها زوجة مع أنها قد ماتت، فمن ادعى إنقطاع العصمة بينهما فعليه الدليل، وأيضاً فإن زوجته الميتة التي شبهها بالمطلقة يرئها، ولذلك كانت العصمة باقية بينهما، وأما الشبهة التي عارض بها من الجمع بين الأختين، فإن الجمع بين الأختين مرتفعة بين الحي والميت، ولذلك حلت، وأيضاً فإن الطلاق عند بعضهم لا يرفع الحرمة ما لم تعتد والله أعلم.
000000
- 736 -
(1) سورة النساء: 12. (1/743)
صفحة 744
باب في صفة غسل الميت
و الميت إنما يغسله من الرجال خمسة وإن لم يكونوا فأربعة، وإن لم يكونوا فثلاثة، وأقل من الثلاثة يتممون له لأن غسله لا يمكن بأقل من ثلاثة، وإن أمكنهم غسلوه قلوا أو كثروا، وقد روي: (أن النبي عليه السلام غسله الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب وأسامة بن زيد كان يصب الماء عليه) (1) والمستحب لمن أراد أن يُغسل الميت أن يكون على طهارة بالماء، وبالتيمم إن لم يمكنه ويمسك الستر اثنان من الخمسة أعني ستراً رقيقاً يخرج منه الماء ويستر عورة الميت، والثالث من الخمسة يسكب عليه الماء، و الرابع يمسك الميت من خلفه، ويوقف ركبتي الميت، والخامس يغسله على حصير أو غيره مما يخرج منه الماء، ويكون الحصير على حفرة أو يغسله كما أمكنه والله أعلم. وإنما يحتاج السترة لما ردت السرة إلى الركبة لأنه عورة. وإذا أراد غسله غسل يده أول مرة، ويد الميت اليمنى ثم اليسرى ثم يلف يده التي يريد أن يغسله بها، فإن كان الميت مدنفاً في مرضه فليأخذ في غسله من سرته إلى أسفل حتى ينتهي إلى عورته
(1) رواه ابن ماجه والحاكم والبيهقي.
- vry-
م 47 - الإيضاح (1/744)
صفحة 745
فيغسلها كما يغسل لنفسه ويطهرها كما أمكن من غير تفتيش ولا استدخال يده في شيء من أبوابه، فإن كان الميت غير مدنف في مرضه فليقصد في غسله إلى أبوابه فيغسلهما وينظفهما، ثم ما ردت سرته إلى ركبتيه، وهذا كله ويده ملفوفة كما ذكرنا أولاً، وإنما يبدأ في المريض المدنف من السرة إحتياطاً أن يكون بلغه النجس في ذلك الموضع وهو لا يعرف أو لا يقدر على الإمتناع منه، فإذا استنجى له فليضع الخرقة التي لف بها يده على عورة الميت إن كانت للذي غسله، وإن كانت للميت فليدفعها إلى الورثة، ولا ينزع اللف عن يده حتى يغسل ما ردت سرة الميت إلى ركبتيه، ثم يبدأ فيتوضأ له كما يتوضأ للصلاة وهو سنة في غسل الميت، وقال قوم: لا وضوء في غسل الميت لأنه شرط من شروط الصلاة وهي موضوعة عن الميت، والقول الأول أصح عندي وهو أنه عليهم أن يتوضأوا له كما عليهم أن يغسلوه، ولو كان الوضوء لم يجب عليهم لأنه غير مكلف لكان الغسل أيضاً لم يجب عليهم لأنه غير مكلف، والوضوء والغسل حكمهما على الأحياء حكم واحد والله أعلم. ثم يبدأ بعد الوضوء فيغسله بسدر أو نحوه إن حضر أو خمطى، فإن لم يكن ذلك فلا بأس
قوله: بسدر الخ. إنما قدم السدر لأنه أولى من الخطى لأنه أمسك بالبدن. قوله: أو خمطى لعله منسوب إلى الخط قال أبو عبيدة: الخمط كل شجرة مرة
- 738 - (1/745)
صفحة 746
ويبدأ بشيق رأسه الأيمن ثم الأيسر ثم عنقه ثم يده اليمنى وما يليها، ثم اليسرى وما يليها، وجانبه الأيمن وما يليه، ثم الأيسر وما يليه. ويغسل بطنه وظهره كما يغسل لنفسه من الجنابة، ثم ما ردت ركبته اليمنى إلى رجله، ثم اليسرى كذلك، ويعمه بالغسل ويرفق بغسله جهده، ويحذر ما يذهب به في حال غسله من شعره وجلده، ولا يكلوا الميت إن كان متولياً إلى أهل الجملة، وأما غير المتولي فإنهم يكلونه، ورخص بعضهم فيمن يحسن غسله أن يكلوه إليه، وإن غسلوه وفي بعض جسده نجس فغسلوه بعد ذلك فلا يجزئهم غسله حتى ينزعوا جميع ما كان في جسده من النجس، لأن الحدث ينقض هذه الطهارة، بخلاف غسل الجنابة، لقوله عليه السلام في ابنته (إن خرج منها شيء فأعيدوه إلى خمس غسلات) (1) وقال آخرون: يغسلون ذلك النجس ولا يعيدون غسله
ذات شوك، والسدر قال الأزهري: السيدر سدران، سدر لا ينتفع به ولا يصلح ورقه للغسل وله ثمرة عفصة لا تؤكل، وهذا الذي يسمى الضال، وسدر ينبت على الماء وثمره النبق وورقه الغسول يشبه العناب، ثم رأيت في بعض الكتب
بتقديم
الطاء على الميم.
قوله: وقال آخرون: يغسلون ذلك الخ. القول الثاني هو المختار عنده كما
تقدم، وتقدم ما فيه تأمل.
(1) تقدم ذكره.
- 739 - (1/746)
صفحة 747
كغسل الجنابة، وجميع ما ينقض وضوء الأحياء ينقض وضوء الميت ما لم يصل عليه، واختلفوا إن خرج لعابه أو مخاطه أو دموعه بعد الوضوء، قال بعضهم: ينقض ذلك وضوءه، وقال آخرون: إنما ينقضه ما ينقضه وهو حي، وإن وضأه رجال شتى فقد أجزأهم لأن ذلك فرض على الجميع، وجميع ما يجوز به التيمم للحي يجوز به التيمم للميت من عدم الماء أو كان في جسده معنى لا يمكنهم معه غسله، مثل إن ظهر لهم الفساد في جسد الميت، أو اتصل من أبوابه نجس لا يمكنهم معه غسله، أو ليس معهم من الماء إلا ما لاغنى لهم عنه لأنفسهم أو حيوانهم، أو ينجون به غيرهم من الناس، أو ما كان في أيديهم من حيوان غيرهم، وجميع ما يجب عليهم من طلب الماء عند الجيران وشراءه في غسل الجنابه يجب عليهم
عند غسل الميت والله أعلم.
مسألة
:
وإن أرادوا أن يتيمموا له عند العذر فإنهم يتيممون بالتراب الطاهر
فرع: إذا تيمم للميت لعدم الماء ثم وجد قبل الدفن هل يجب غسله وإعادة الصلاة عليه، يحتمل ذلك، حرره بنقل صريح.
قوله: يجب عليهم، يؤخذ منه ان ثمن الماء عليهم كالقبر إن لم يجدوه الا بالشراء كما سيأتي إن شاء الله. (1/747)
صفحة 748
الذي يجوز به التيمم للحي، وما لا يجوز للحي من هذا فلا يجوز للميت، شبه المعدن وما نجس من التراب، وبالجملة إن جميع شروطه هي بنفسها شروط التيمم للحي، ولا معنى لإعادتها، وإن أراد أن يتيمم للميت فليضع يده في التراب وليقل كما يقول إذا أراد أن يتيمم هو لنفسه، ثم يرفع يديه وينفضهما نفضاً خفيفاً رفيقاً، ويتيمم لوجه الميت ويضع يده اليمنى على خد الميت اليمين واليسرى على خده الأيسر كما يتيمم لنفسه، وإن لم يفعل هذا وتيمم له كما أمكنه فلا بأس عليه، ثم يضعهما على التراب مرة أخرى ويرفعهما، ويجعل يد الميت اليمنى على ظاهر يده اليسرى ويمسحها بيده اليمنى ثم يأخذ اليسرى فيضعها على ظاهر يده اليمنى ويمسحها بيده اليسرى، وإن لم يفعل هذا وتيمم له كما أمكنه أجزأه ذلك، وما لا يجزئ الحي في هذا لا يجزئه والله أعلم بغيبه،
000000
- YES-
وأحكم. (1/748)
صفحة 749
باب في أكفان الموتى
وتكفين الميت فرض واجب على من حضره، وتكفينه في ثياب الكتان الطاهرة الجديدة أولى، لما روي من طريق ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي معه الا الله قال: (عليكم بهذه الثياب البيض، ألبسوها أحياءكم وكفنوا فيها موتاكم فإنها من خير ثيابكم، ولا تكفنوهم في حرير ولا
مع شيء من الذهب لأنهما محرمان على رجال أمتي ومحللان لنسائها)
(1)
ولذلك كان البيض في الكفن أحب إلى الفقهاء، وعنه الله قال: (إذا
(2)
كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه فإنهم يتزاورون) (2) والكفن من
رأس مال الميت قبل الدين والوصية والميراث، وقد غلط من زعم أنه
من ثلث المال، والدليل ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال
الكفن من رأس المال لقول النبي عليه السلام في ميت مات بحضرته: (كفنوه في ثوبيه) (3) فأضافهما إليه، وإن لم يكن للميت مال فليؤخذ ورثته بكفنه كما يرثونه، لأن ذلك عليهم حق واجب في حياته وبعد
(1) الشافعي وابن حبان والحاكم والبيهقي والترمذي والنسائي.
(2) رواه الديلمي.
(3) رواه البيهقي وابو داود
:
- 742 - (1/749)
صفحة 750
مماته، إلا الأزواج والكلالة إذا لم يكونوا من العصبة وإن لم يكن من أوليائه أحد فعلى من حضره أن يكفنه، ولو لم يجدوا كفنه إلا بجميع أموالهم، وإن شهدوا على أنفسهم أنهم يأخذون قيمة كفنهم من مال الهالك فإنهم يدركونها، وإن لم يشهدوا على ذلك فليس لهم أن يأخذوها من مال الهالك بغير رأي الورثة، وأما فيما بينهم وبين الله فجائز لهم أن يأخذوا، ويستحب أن يكفن الميت في وتر من الثياب واحداً أو ثلاثة أو خمسة أو سبعة كما روي عن النبي عليه السلام (أن الملائكة كفنوا آدم عليه السلام في وتر من الثياب، فقالوا له: هذه سنتك وسنة بنيك من بعدك) (1) وروي من طريق عائشة رضي الله عنها قالت: (كفن النبي في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة) (2)
باب في أكفان الموتى
قوله: سحولية، سحول بلد باليمن ويجوز في سينها الفتح والضم. فرع: لو كفن من بيت المال، الظاهر أنه يكفن في ثوب واحد، كذا إذا كفن من الموقوف على التكفين، وانظر ما لو لم يوص، وقال بعض الورثة: نكفنه بثوب، وقال بعضهم بثلاثة أو اتفقوا على ثوب، وكان فيهم من يشملهم الحجر
(1) تقدم ذكره.
(2) رواه الجماعة
- 743 - (1/750)
صفحة 751
وروي أيضاً من طريق ابن عباس) أن النبي عليه السلام دفع في كفن ابنته أم كلثوم خمسة أثواب) ولهذا الحديث فرق قوم من أهل الخلاف، وقالوا: أقل ما يكفن فيه الرجل ثوبان والسنة ثلاثة، وأقل ما تكفن فيه المرأة ثلاثة والسنة خمسة، والقول الأول عندي أصح. وروي أيضاً (أنه عليه السلام كفن في ثوبين صحارين من ثياب عمان (1) وفي أثر أصحابنا رحمهم الله: ويستحب للرجل أن يكفن في ثوبيه اللذين كان يصلى بهما، وروي) أن النبي عليه السلام كفن في ثوبيه اللذين كان يصلي بهما) (2) وقيل كفن أبو بكر رضي الله عنه في ثوبين وكانا لابسين فغسلا وكفن فيهما، وقيل كفن في مصرتين كان يلبسهما خليقتين، فقال لهم: إغسلوهما ثم كفنوني فيهما، فإن الأحياء أحق بالجديد. ولا يكفنوه في
هل في الواحد أو الثلاثة، حرره، الظاهر أنه لا يقضي أكثر من واحد، كما يدل عليه كلامه السابق والله أعلم. قوله: خمسة أثواب، في كتب المخالفين) لما غسلت أم عطية كلثوم بنت رسول الله لو كان جالساً على الباب فناولها إزاراً ورداء وخماراً وملحفة ثم
أدرجت في الثوب الآخر).
(1) رواه البيهقي. (2) رواه البخاري.
- 744 - (1/751)
صفحة 752
جميع
مو
ما لا يصلى به من الثياب وغيرها من الجلود وأشباه ذلك مما لا تجوز
الصلاة به لقوله عليه السلام: (إغسلوا موتاكم وصلوا على موتاكم) (1) وقال: (عليكم بهذه الثياب البيض ألبسوها أحياءكم وكفنوا فيها وتاكم) (3) وأراه عليه السلام لم يفرق بين الأحياء والأموات في ذلك ألا تراه قد حرم تكفينهم مع الحرير والذهب كما حرم ذلك على الأحياء وقال: (حرمة موتانا كحرمة أحيائنا) (3) والله أعلم. وكذلك يحذر أيضاً أن يمسه جميع ما لا يجوز للمصلي أن يمسه مثل الحديد والنحاس والرصاص، وكذلك جميع ما لا تجوز به الصلاة للأحياء لا يجوز أن يكفن به، ولا أن يوضع عليه إلا على الضرورة كالأحياء، وكذلك أيضاً لا يدفنوه في المعادن التي لا يصلى عليها إلا على الضرورة، وإن لم يجدوا من الكفن إلا ما لا يستره كله فليقصدوا به عورة الميت فيستروها، وإن كان الكفن يعم الميت من رأسه إلى ركبتيه ومن رجليه إلى سرته فليكفنوه من رأسه إلى ركبتيه، وكذلك الحي إذا أراد أن يصلي فلم يجد ما يكفيه على هذا الحال والله أعلم. وإن وجه رجل كفناً لميت
(1) متفق عليه.
(2) تقدم ذكره
(3) رواه احمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان
- 745 - (1/752)
صفحة 753
فوجده قد كفن فإنهم يكفنوه فيه أيضاً، ولا بأس لأن ذلك كله كفن له كما ذكرنا، وقال بعض: يرد إلى صاحبه الأول، وهذا القول عندي أشبه لأنه أعرف بنيته من غيره، وقال بعض: يجعل في أكفان فقراء المسلمين، فلعل هذا لأنه خرج من ملكه، ولا يصح له الرجوع فيه، كمن جعل شيئاً لوجه المعروف مثل من جعل شيئاً لمسجد بلد معروف فهدمت ذلك المسجد واندرس فإنه يجعله فيا سواه من المساجد والله أعلم. وكذلك إن وجده دفن على هذا الإختلاف قال بعض: يرد، وقال آخرون: يجعل في أكفان فقراء المسلمين، وأما إن أرسل له كفناً على أنه ميت فأتاه وهو حي فمات بعد ذلك فإنهم يردونه إلى صاحبه الأول، كما أنه لو أرسل له شيئاً على أنه حي فوجده ميتاً فإنه يرده إليه، كهدية النبي عليه السلام للنجاشي رجعت إليه لموت النجاشي، ورخص بعضهم أن يكفنوه فيه والله أعلم. وأما من نزع كفناً لميت فإنه يرده فيه إن أمكنه ذلك وإن لم يمكنه فليجعله في أكفان الفقراء لأن كل مال لا رب له سبيله سبيل ما يتصدق به، وقال بعضهم: يرده على ورثته. ولعلهم ذهبوا إلى هذا لأن ورثته لما كانوا يجب عليهم كفنه كانوا هم أولى به إن فات ذلك، كما كانت كسوته في حياته ترجع إليهم إن مات والله أعلم. وإذا غسل الميت وأرادوا أن يجعلوه في كفنه فإنهم يدخلون الكفن تحت
- 746 - (1/753)
صفحة 754
الميت من جانبه الأيمن، فإن لم يمكنهم ذلك فليفعلوا كما وجدوا، وإن كان كفناً واحداً فليجعلوا له ما يو شحونه به، وإن لم يكن فيه فليجعلوه من غير ذلك الكفن ويوصلوه له ويو شحونه من قبل شماله أولاً كما يوشح الحي، وتوشيح الميت من إبطيه إلى ركبتيه كما يوشح الحي لئلا تلحق يداه عورته في الصلاة، والتوشيح للميت استحباب، ويجعلونه لكل ميت طفلاً كان أو بالغاً، ذكراً كان أو أنثى، حراً كان أو عبداً، ومن لا يجب حقوقه من الأموات ليس عليهم من توشيحه شيء ولا يضيق عليهم أيضاً إلا ستر عورته، وقال بعضهم: لا يجزيهم إلا أن يلفوه كله، وإن أرادوا أن يكفنوه في ثوبين أو ثلاثة فليوشحوه من الذي يليه، ثم يلفوه فيهم، ولا يكفنوا اثنين أو ثلاثة في كفن واحد، لأن كل واحد منهم يجب عليهم تكفينه إلا إن خرج الولد من بطن أمه وهو ميت، فماتت أمه قبل أن يفرقوه، فإنهم لا يفرقوه بعد ذلك، ولكن يجعلون للمرأة ما أمكنهم من سنتها، ويضمونهم في كفن واحد بعد ما يلفون الولد وحده، وإن كان الولد ذكراً فليجعلوه أمام أمه لأن الأفضل عندهم إنما يكون قدام، وإن كان أنثى فليجعلوها خلفها، وإنما لم يفرقوه لأن الولد إذا خرج ميتاً لم تجب حقوقه على الأحياء والله أعلم. ويستحب
-747 - (1/754)
صفحة 755
الطيب للميت ويتبع به مواضع السجود، وكل ما ضيعوه من حقوق الميت أو نسوه فإنهم يعملونه ما لم يدفن، فإذا دفن فقد مضى سبيله فلا يشتغلوا بعد ذلك بما ضيعوا من حقوقه ولا ينبشوه من قبره، ولكنهم يتوبون إلى الله تعالى مما ضيعوا، فإذا كفنوه فليخللوا عليه كفنه بالخلالات، ولا يخيطوه، وليعقدوا على رأسه ورجليه والله أعلم وبالله التوفيق.
000000
- YEA- (1/755)
صفحة 756
باب في حمل الميت الى موضع يصلى عليه فإذا غسلوه وكفنوه ووضعوه على النعش، فليجعلوا عليه ثوباً يستره، وإن كان ذلك في بيث فليخرجوا رأسه أولاً وكذلك يقدمون رأسه في حال سيرهم به إلى قبره أو إلى موضع يصلى عليه، إلا إن لم يمكنهم ذلك، فإذا حملوه فليكن سيرهم رفيقاً لا يخبوا خبيب اليهود، ولا يدبوا دبيب النصارى، وفي أثر أصحابنا رحمهم الله: وقيل يستحب أن يقال خلف الجنازة: (لا إله إلا الله الحى الذي لا يموت)، وكل ذكر الله حسن، قال معبد بن عبد الله: كان ابن عبد الملك يعلم الناس يقولون خلف الجنازة (هذا ما وعدنا الله ورسوله) والله أعلم. والفضل لمن حمل الميت
لمن تقدم للنعش، ومن كان على يمين السرير أفضل من غيره، وأما من أفضل من المتقدم، لأن الجنازة متبوعة، وقد
يشيعه فالمتأخر
منهم
باب في حمل الميت
قوله: لمن تقدم خلافاً للشافعي.
قوله: فالمتأخر منهم أفضل وفاقاً لأبي حنيفة، خلافاً للشافعي
- Y?9 - (1/756)
صفحة 757
رأيت في بعض الكتب أن النبي عليه السلام قال: (الجنازة متبوعة وليست بتابعة وليس معها من يتقدمها) (1) وروي عن الحسن بن أبي الحسن البصري: صحب جنازة وخلفها نوح فقال له رجل من أصحابه يا أبا سعيد ألا تسمع إلى هذا؟ وهم الرجل بالإنصراف، فقال الحسن: يا هذا ان كان كلما سمعت منكراً تركت من أجله معروفاً أسرع ذلك في دينك، وإن مرت الجنازة على رجل فليكن على حاله إن كان قاعداً فقاعداً وإن كان قائماً فكذلك، وليقل) هذا ما وعدنا الله ورسوله و صدق اي ورسوله) وذلك أن القيام في الجنازة منسوخ فيما ذكر في بعض الكتب عن علي بن أبي طالب (أن النبي عليه السلام كان يقوم في الجنازة ثم جلس) (3) ولا يركب المشيع للجنازة دابة وله يربط قرقاً، وقد جاء الأثر في ذلك عن الرسول عليه السلام (أنه شيع جنازة فعرض عليه رجل فرسه ليركبه فأعرض عنه حتى رجعوا، فعرض عليه رجل آخر حماراً فركبه فسأله الأول: لم أعرض عنه؟ فقال: إنما الملائكة معنا مشيعون للجنازة فاستحييت أن أركب وهم معنا فلما رجعنا إنصرفوا ((3) وفي الأثر أن بعض الفقهاء رأى راكباً خلف الجنازة فقال: أتركب
(1) رواه البيهقي
(2) متفق عليه. (3) رواه أبو داود.
- Yo• - (1/757)
صفحة 758
وملائكة الله مشاة؟ وروي أيضاً عن رسول الله (رأى امرأة تتبع جنازة فأمر بردها (وروي عن أم عطية قالت: (نهينا أن تتبع الجنازة) فلهذا كرهوا للنساء أن يتبعن الجنازة إلا إن لم يوجد من يحمل الميت غيرهن، ويكون النساء وراء الرجال في النعش، ومن سننها أعني الجنازة أن لا يتكلم أحد ممن حضرها بشيء في أمر دنياه بعد تشييعها حتى يفرغ منها، وأن لا يقعد حتى توضع عن عواتق الرجال، وأما إن رد السلام فقيل لا إثم عليه، وفي أثر أصحابنا رحمهم الله: يكره الكلام عند خروج الناس للجنازة إلا بتسبيح وتكبير، وعن محمد بن محبوب رحمه: الله يكره الكلام عند خروج الناس عند الجنازة حتى يرجع من القبر، وقال من قال حتى يقع رش الماء، وقيل كلم الحسن رجل خلف الجنازة فقال: أنا في شغل، وقيل تمام الجنازة الأخذ بأكنافها الأربع والصمت فيها، وروي أن جابر بن زيد رحمه الله كان لا يتكلم خلف
الجنازة، والله أعلم وأحكم.
(1) متفق عليه.
-401 - (1/758)
صفحة 759
باب في صلاة الميت
و من سنن الإسلام الصلاة على الميت من بعد غسله وتكفينه لما روي أنه قال عليه السلام: (صلوا على موتاكم)) وفي خبر آخر (صلوا على إخوانكم) (3) وروي أيضاً في خبر آخر (الصلاة على موتى أهل القبلة المقرين بالله ورسوله واجبة) وروي أيضاً أنه عليه السلام قال: (صلوا خلف كل بار وفاجر وصلوا على كل بار وفاجر) (3) وكانت الصلاة على الأموات بهذه الأحاديث واجبة، وإن تركوها من غير عذر هلكوا، ومن العلماء من رخص ألا يهلكوا بترك الصلاة على الميت وجعلها نافلة، والصحيح هو القول الأول إلا ما خصته السنة من الأموات، وقد جاء الأثر عن الفقهاء من المسلمين أنه من كان من أهل الصلاة وهو أقلف ولم يختن أنه لا تجوز الصلاة خلفه، ولا تقبل شهادته، ولا تحل مناكحته، ولا تؤكل ذبيحته وإن مات لم يصل عليه، ومن قتل نفسه عمداً كان كافراً ولم يصل عليه، وكذلك من ألقى نفسه في الحريق متعمداً لتأكله النار،
(1) متفق عليه.
(2) تقدم ذكره (3) متفق عليه.
- Yor- (1/759)
صفحة 760
يعني
النائحة
وكذلك المرجوم بلا توبة، والطاعن في دين المسلمين، وقطاع الطرق على هذا الحال والله أعلم. وفي أثر أصحابنا النفوسيين رحمهم الله خمسة أجناس من الناس لا يسلَّم عليهم ولا يُطعمون ولا يسقون ولا يصلى عليهم إذا ماتوا: قاتل النفس التي حرم الله، ومانع حق المسلمين، ومن قعد على فراش حرام، وعبد آبق لمولاه، والمرأة العاصية لزوجها، وفي كتاب عن قتادة عن أبي هريرة قال: لا تصلي الملائكة على نائحة ولا مرنة، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لا حرمة لها والمرنة، والأصل في هذا قوله تعالى: «ولا تصل على أحد منهم مات أبداً، ولا تقم على قبره، (1) نزلت في المنافقين (نهى النبي عليه السلام أن يصلى عليهم لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقين) (2) وأما الطفل فإنه أجمع أهل العلم على أن الطفل إذا عرفت حياته واستهل صلي عليه لقوله عليه السلام: (إذا استهل الصي صلى عليه) (3) واختلفوا فيه إذا لم تعرف حياته، قال قوم: إذا لم يستهل لم يصل عليه وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي، وقال قوم: يصلى عليه ولو لم يستهل، وروي ذلك عن ان عمر، وأما إن اختلط من يصلى عليه مع من لا يصلى عليه فإنه
(1) سورة التوبة: 84
(2) متفق عليه.
(3) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي.
- Yor-
ه م 48 - الإيضاح: (1/760)
صفحة 761
يقصدون بصلاتهم من يصلى عليه، وكذلك الموحدون والمشركون.
مسألة:
وفي الأثر: إن أولى الناس بالصلاة على الميت الأب، ثم الزوج، ثم الإبن، ثم الأخ، ثم العم، ثم الأقرب، فالأقرب، والدليل على هذا ما روي أنه قال عليه السلام) يصلى عليه بإذن أوليائه) (1) ولهذا أصحابنا لا يصلون على الجنازة حتى يستأذنوا أولياءها، وإن كن نساء استأذنوهن، وكذلك دفنه إلى الأولياء ولاسيما الحرمة إنما يدفنها الأولياء، وقال بعضهم: إن القوم يقدمون من رضوا به يصلي بهم في الجنازة وغيرها لقوله
باب في صلاة الميت
قوله: إن أولى الناس بالصلاة الخ. وعند مالك الأولى بالصلاة على الميت وصى بذلك رجاء خيره، ثم الخليفة لا فرعه إلا مع الخطبة، ثم أقرب العصبة إلى الميت، الإبن فابنه، فالأب فابنه، وهو الأخ فابنه فالجد فابنه، وهو العم فابنه وإن سفل فالمولى الأعلى، وعند الشافعي في الجديد أن المولى أولى، فيقدم الأب ثم الجد وإن علا بخلاف الميراث، نظر إلى الشفقة، والمراد بالجد أب الأب ثم الإبن ثم ابنه وإن سفل، ثم الأخ والأظهر تقديم الأخ للأبوين لزيادة القرب والشفقة، ثم ابن الأخ للأبوين ثم الأب ثم ذووا الارحام.
(1) رواه ابن ماجه والبيهقي والدارقطني.
754 - (1/761)
صفحة 762
عليه السلام) يؤم القوم أفضلهم) (1) وهذا الخبر عموماً ولم يخص عليه السلام صلاة من صلاة، وقد روي أيضاً من طريق ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي عليه السلام قال: (أولى بالصلاة على الميت أفضل القوم ورعاً وأسنهم في ذكر الله) (2) وإن اعتل معتل بقوله تعالى «وأولوا الأرحام بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض، (3) قيل له قد يكون الأولى بالميت من طريق الرجم عبداً أو ذمياً، ولا يكون به أولى في الصلاة، وقيل الأولى بالصلاة على الميت الإمام أو أمير الجيش كالحال في صلاة الجمعة، وإن لم يحضر فالأولياء كما ذكرنا والله أعلم، وجائز أن يصلوا عليه بجماعة وإن صلى عليه واحد منهم أجزأهم، لأن صلاة الميت على الكفاية، ومن أراد أن يصلي على الميت فإنه يستقبل من الذكر رأسه، ومن المرأة صدرها، وقال بعضهم بعكس هذا، وعلى هذا إن صلت المرأة على
قوله: فإنه يستقبل من الذكر رأسه الخ. يندب عند مالك وقوف الإمام بالوسط، وعند منكبي المرأة على المشهور لا وسطها لئلا يتذكر بوقوفه هناك ما يشغله أو يفسدها، وما ثبت من وقوفها عند وسطها فلعصمته
عليه السلام.
(1) تقدم ذكره.
(2) رواه ابو داود والبيهقي. (3) سورة الانفال: 75
- YOO - (1/762)
صفحة 763
الميت فإنها تستقبل خلاف ما يستقبل الرجل أعني تستقبل الرأس في موضع يستقبل فيه الرجل الصدر، والصدر في موضع يستقبل فيه الرأس،
وقال قوم: يقوم حيال الصدر رجلاً كان أو امرأة، وهذا القول دليله ما
(1)
روي أنه بال (صلى على امرأة فقام نحو وسطها)) والرجل والمرأة في ذلك سواء، لأن حكمهما واحد، إلا إن ثبت في ذلك فرق شرعي. و قد روي أن الحسن البصري لا يبالي أين قام من الرجل والمرأة، والله أعلم. وإن كانوا جماعة الأموات فإنه يجوز أن يصلي عليهم جميعاً، وقد روي أنه (صلى على شهداء أحد وكبر أربع تكبيرات) (2) وإن كان فيهم الرجال والنساء، والأحرار والعبيد، والبالغون والأطفال، والمسلمون وغيرهم، فإنهم يقدم الأفضل منهم مما يلي القبلة أمام الأموات كما يتقدم في الصلاة ثم الذي يليه إلى آخر هم مما يلي الإمام، وقال بعضهم: إنما يكون الأفضل مما يلي الإمام، ثم يرتبون إلى ما يلي القبلة، وهؤلاء شبهوا ترتيبهم أمام الإمام بترتيبهم خلفه، وعولوا إنما التقديم إنما هو بالقرب من الإمام والله أعلم، والذكر ان كلهم أفضل من النساء لقوله عليه السلام في النساء (أخر وهن من حيث أخر هن الله) (3) ثم بعد ذلك
(1) رواه البيهقي وابو داود والدارقطني. (2) رواه البيهقي عن أبي هريرة وابن عباس وجابر.
(3) تقدم ذكره.
- 756 - (1/763)
صفحة 764
من جمع مع الذكورية الحرية والبلوغ أفضل ممن جمع واحداً منهما، أعني الحرية أو البلوغ، وأما من كان معه واحد منهما وكان الآخر مع آخر مثل أن يجتمع الأطفال الأحرار والبلغ العبيد، فإنه يقدم الأطفال الأحرار على العبيد البلغ لأن الحرية في هذا أفضل، ألا ترى أن العبيد لا يجوز تقديمهم في الصلاة لأنهم ناقصون عن رتبة الرجال لقوله تعالى عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء (1) فإن قال قائل: وكذلك الأطفال لا يجوز تقديمهم في الصلاة، قيل له: وإنما لم يجز تقديمهم في الصلاة لأنهم غير مكلفين لا لأنهم ناقصون، فهذا الفرق بينهم، وقد رأيت في بعض الكتب أن البلغ ولو كانوا عبيداً أفضل من الأطفال الأحرار، فلعل هؤلاء ذهبوا إلى أن الفضل إنما هو للمكلف دون غيره والله أعلم: وكذلك النساء فيما بينهن على ما ذكرنا في الذكران فيما بينهم وا والله أعلم. مسألة في صفة الصلاة على الميت:
وإذا أرادوا أن يصلوا على الميت فليضعوه ويردوا رأسه قبل المغرب مستلقياً على ظهره أو مضطجعاً على جنبه الأيمن، مستقبلاً للقبلة كما يوضع في القبر، وإن صلوا عليه أيضاً مستلقياً على ظهره ورجلاه إلى القبلة فجائز لأنه مستقبل للقبلة، وإن صلوا عليه أيضاً ورأسه إلى المشرق
(1) تقدم ذكرها.
- 757 - (1/764)
صفحة 765
مستلقياً على ظهره أو مضطجعاً على جنبه الأيسر فلا يفعلوا ذلك، فإن فعلوا فلا إعادة عليهم، وقال بعضهم: كلما خالفوا السنة في هذا أعادوا، وأما إن صلوا عليه مكباً على وجهه أو مستدبراً للقبلة أو مستلقياً على ظهره ورأسه إلى القبلة فلا يجزيهم ذلك، وعليهم الإعادة والله أعلم. وبعد ذلك يوجه من قام إلى صلاة الميت توجيه الصلاة، وقيل: كان الربيع رحمه الله يعلم أصحابه توجيه الجنازة وهو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله وتعالى الله، ثم يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يستعيذ ثم يقرأ فاتحة الكتاب سراً ثم يكبر الثانية، ثم يقرأ فاتحة الكتاب، ثم يكبر الثالثة، ويحمد الله ويصلي على رسوله ويستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات ويدعو بما فتح الله له، وكان بعض يقول: لا أحب أن يكون للدعاء حد معروف فيتخذ سنة إلا ما فتح الله، وفي بعض الأثر يقول: اللهم إن فلانا عبدك ابن عبدك ابن أمتك توفيته وأبقيتنا بعده، اللهم أبدل له داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، و قراراً خيراً من قراره، وأصعد روحه في أرواح الصالحين، واجمع
،
بيننا وبينه في دار تبقى فيه الصحبة ويذهب فيه النصب واللغوب، وما فتح الله من هذا ثم يدعو لنفسه بما أراد، ثم يكبر الرابعة ويسلم على رسول الله وعلى من يسلّم الله عليه، ثم يسلم على من خلفه تسليمة خفيفة
- 758 - (1/765)
صفحة 766
يصفح بها وجهه يميناً وشمالاً ولا يسمعها إلا من كان قريباً منه، وإن كان الميت لا يتولى فالصلاة واحدة إلا الدعاء والاستغفار، فإذا استغفرت لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات دعوت لنفسك ثم تكبر الرابعة وتسلّم وإن كان الميت طفلاً من أطفال المسلمين الذين تتولاهم فترحم عليه وتقول: اللهم اجعله لنا سلفاً وفرطاً وأجراً ولا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده، ثم تكبر الرابعة ثم تسلم، وإن كان الميت طفلاً لمن لا تتولاه فاستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات، ثم تكبر وتسلم، وبعض قال: يقول بعد التكبيرة الثالثة إذا صلى على الطفل من أهل الولاية ربي الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، اللهم اغفر
مسألة في صفة الصلاة على الميت:
قوله: فرطاً، الفرط بفتحتين الذي يتقدم الواردة فيهيء لهم الإرشاء والدلاء، ويمدد الحياض، ويستقي لهم، وهو فعل بمعنى فاعل مثل تبع بمعنى تابع، يقال رجل فرط أيضاً، وفي الحديث) فرطكم على الحوض) ومنه قيل للطفل الميت اللهم اجعله لنا فرطاً أي أجراً يتقدمنا حق نرد عليه ا هـ (مختصر
صحاح):
قوله: ولا تحرمنا في (مختصر الصحاح: وحرمه الشيء يحرمه حرماً بكسر الراء فيها مثل سرقه يسرقه سرقاً وحرمه وحريمه وحرمانا وأحرمه أيضاً إذا منعه إياه، وأحرم الرجل دخل في الشهر الحرام.
- Y 09 - (1/766)
صفحة 767
جمع
لأحيائنا وأمواتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وإناثنا الصالحين، اللهم اجعله لأبويه سلفاً وذخراً، وأضيء به وجههما، وثقل به موازينهها ولا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده، ثم تكبر الرابعة وتسلم، وعن ابن عباس قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنهما يقول على الميت: هذا عبدك ابن عبدك إن تغفر له تغفر لفقير، وإن تؤاخذه تؤاخذه بكبير، أصبح مفتقر إليك أنت أرحم الراحمين، وقيل: كانوا يكبرون ستاً وأربعاً وخمساً فلما ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصحابه وقال إن اجتمعتم اجتمع من بعدكم، وإن اختلفتم اختلف من بعد كم فاجتمع رأيهم على أربع تكبيرات، وقال معبد بن عبد الله إجتمع رأيهم على أن يصلوا كآخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاذا هي ربع تكبيرات فحملهم عمر على ذلك) وروي أنه اكبر على ولده إبراهيم أربعاً، وكبر على النجاشي أربعاً) (2)، وكبر أبو بكر على الني علي أربعاً، وكبر عمر على أبي بكر أربعاً وكبر صهيب على عمر أربعاً، وقد روي أن جابر بن زيد أجاز ثلاث تكبيرات إذا ضاق الوقت، والله
قوله: ثلاث تكبيرات الخ. في الإستدراك للدارقطني وغيره عن ابن عباس
وأنس وجابر بن زيد وابن سيرين أن التكبيرات ثلاث لا غير
(1) و (2) رواه ابن عبد البر في الاستذكار.
- 760 - (1/767)
صفحة 768
أعلم. فإن قال قائل: فهذا يدل أنه لا قراءة في صلاة الجنازة ولو كانت القراءة فيها واجبة لذكرها رسول الله ما قيل له: هكذا جاء الأثر عن المسلمين أن يقرأ فيها بفاتحة الكتاب سراً كما وصفنا، ويعضد هذا ما روي أنه قال عليه السلام) لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) (1) فهم كل صلاة، ولذلك جاء به بلفظ النكرة، ولو أراد الصلاة المعهودة لقال: لا تجوز الصلاة بغير فاتحة الكتاب بالألف واللام والله أعلم. وأما من لم يحسن قراءة فاتحة الكتاب فإنه يجزيه أن يكبر أربع تكبيرات فإنه يجزيه ذلك والله أعلم وبه العون والتوفيق.
مسألة في شروط صلاة الميت:
إعلم أن شروط صلاة الميت هي بنفسها شروط الصلاة المكتوبة
قوله: أن يقرأ فيها الخ. لنا ما روي البخاري (أن ابن عباس صلى على جنازة فقرأ فيها بفاتحة الكتاب (الخ. وقال (فعلته لتعلموا أنها سنة) وقول الصحابي من السنة في حكم الفروع، وقد وافقنا الشافعية في قراءة الفاتحة بعد الأولى.
قوله: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) الخ. وفي معناه قوله (لا تجوز صلاة لم يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب) رواه الدارقطني وقال إسناده صحيح.
(1) تقدم ذكره.
- 761 - (1/768)
صفحة 769
فأول ذلك لا يجوز أن يصلي على الميت من لم تصح منه الصلاة المكتوبة كالطفل، والمجنون، والمشرك، والحائض، والنفساء، وكذلك النساء لا تجوز صلاتهن على الميت إلا إن لم يكن الرجال، وكذلك لا تجزيهم الصلاة عليه بالثياب المنجوسة، أو بغير غسل، ولا بقيمم، أو في مكان
على
منجوس، كما لا تجزيهم الصلاة المكتوبة على هذا الحال، إلا الضرورة، وكذلك إن صلوا عليه بما لا يصلوا به فريضتهم، مثل الحرير وما أشبه ذلك من المعاني التي لا تجوز الصلاة بها من الثياب وأشباهها والله
:
أعلم. وقال بعضهم: كلما حضروا به صلاة الميت مما ذكرنا فليصلوها فهؤلاء ظنوا أن الصلاة لا يتناولها صلاة الجنازة، وإنما يتناولها إسم الدعاء إذ ليس فيها ركوع ولا سجود، والصحيح هو القول الأول لا تفاقهم أن من شروطها استقبال القبلة والله أعلم، وإن صلوا عليه عراة فلا تجزيهم صلاتهم لأن التعري معصية، فلا تجتمع طاعة ومعصية معاً، و الله أعلم. واختلفوا في جواز التيمم لها إذا خيف فواتها، قال قوم: يتيمم ويصلي إذا خاف فواتها، وقال قوم: لا يصلي عليه بقيمم، وسبب اختلافهم قياسها في ذلك على الصلاة المفروضة، فمن شبهها بها أجاز التيمم، أعني من شبه فوات الصلاة على الجنازة بأدائها في الوقت، ومن لم يشبهها لم يجوز التيمم لأنها أيضاً من فروض الكفاية، ولا شيء على من فاتته،
- 762 - (1/769)
صفحة 770
-
لأنه صلى على الميت غيره، وقال قوم: إن انتقض وضوءه تيمم وصلى، و أما أن يجيء إليها بلا طهارة ويتيمم ويصلي فلا، وكذلك اختلفوا فيمن سبقه الإمام بشيء من صلاة الميت هل يستدرك ما فاته به الإمام بعد ما يسلم الإمام أم لا؟ قال بعضهم: يستدرك كما يستدرك في المكتوبة لعموم قوله عليه السلام: (فليصل ما أدرك وليبدل ما فاته)) وقال قوم: إذا سلم الإمام سلم معه، فهؤلاء ذهبوا بها إلى غير معنى الصلاة المكتوبة، ولأنها أيضاً من فروض الكفاية والله أعلم. وأما إن صلوا على الميت قبل أن يتيمموا له أو قبل أن يغسلوه أو هو عريان فإنهم يعيدون صلاتهم لأنهم خالفوا السنة في ذلك، وكذلك إن صلوا على الميت وعليه ثوب منجوس، أو وضع على ثوب منجوس، أو مكان منجوس، فإنهم لا تجزيهم صلاتهم،، لأنهم أمروا بتطهيره قبل الصلاة، كما أمر الحي بالطهارة قبل الصلاة، وكذلك إن أحرموا عليه فأحدث قبل أن يتموا صلاتهم فإنهم يستأنفوا صلاتهم بعد ما يتوضأون له أو يتيممون له إن كان ممن يجوز له
قوله: ولأنها أيضاً من فروض الكفاية الخ. فيه تأمل الخ. لمجرد الدخول في فرض الكفاية تصير واجبة الإتمام، ولعل الوجه أن مبنى القول الثاني على
انها دعاء كما تقدم، حرره.
(1) تقدم ذكره.
- 763 - (1/770)
صفحة 771
التيمم، وكذلك لا يصلوا على الميت في مسجد لأنه ميتة ولا في مقبرة ولا في كل موضع لا يصلى فيه، وإن صلوا عليه فلا يعيدون صلاتهم إلا
في موضع نجس إن صلوا عليه أعادوا الصلاة والله أعلم.
رحمه الله
قوله: لا يصلوا على الميت في المسجد الخ. صحح الشيخ اسماعيل جواز الصلاة عليه فيه بما روي) أن النبي كذالك الا صلى على سهيل بن بيضا
في المسجد) (1). قوله: ميتة الخ. هذا إنما يظهر على القول بعدم طهارته، والظاهر في التعليل أن يقال إنما كرهوا ذلك مخافة خروج شيء منه ينجس المسجد ليشمل كلام القولين.
(1) رواه ابن حبان والحاكم والبيهقي.
- 764 - (1/771)
صفحة 772
باب في دفن الاموات
و من سنن الميت غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، والأصل في دفنه قوله تعالى «ألم نجعل الأرض كفاتاً أحياء وأمواتاً، (1) وقوله تعالى فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه، (2) فعلى هذا فواجب عليهم حفر قبور موتاهم ودفنهم فيها ما وجدوا لذلك سبيلاً، وإن تركوا ذلك من غير عذر ولا مانع فقد هلكوا، وإذا أرادوا أن يحفروا قبر الميت فإنهم يأخذون قياس طول الميت فيحفرون مقداره، ولا ينقصون من طول الميت شيئاً ولا يزيدون ما لا يحتاجون لميتهم، ومقداره في العمق إلى الركبة إن كان يمنعه ذلك مما يفسده، أو إلى الحقو أو إلى المنكب، والدليل ما روي (أنه نهى أن يحفر القبر فوق ثلاثة أذرع) (3) وهو مقدار ما ذكرنا فإن جاوزوا في حفره مقدار الركبة فلا يتركوه حتى يوصل إلى الحقو، وكذلك إن جاوزوا الحقو فإنهم يحفرونه إلى المنكب، وإذا حفروا القبر فليلحدوه، واللحد أولى
(1) سورة المرسلات: 25.
(2) سورة المائدة: 31 (3) رواه الدارقطني.
- 765 - (1/772)
صفحة 773
من الضريح، والضريح شق في وسط القبر والله أعلم. ويردوا تراب القبر في وقت حفرهم خلف القبر، ولا يجعلوه قدامه ما وجدوا لذلك سبيلاً، والمقبرة ما رد ثلاثة إلى فوق، وهو أقل ما يقع عليه إسم الجمع، والقاعدة في أرضها إلإباحة إلا ما عرف من ذلك لقوم مخصوصين، فلا يحفروا إلا بإذنهم، وكذلك من وجد قبراً محفوراً في المقبرة فإنه يدفن فيه إن لم يعلم أنه نزع منه الميت الآخر، وإن كان حفره قوم لميتهم فدفنوا فيه فإنهم يعطون أجرة من حفره أعني عناه والله أعلم. وإن مات ميت لقوم ولم تكن لهم مقبرة فإنهم يقصدون موضعاً لا يضرون فيه أحداً فيدفنون فيه ميتهم ولا يدفنوه على عمارة الناس وزروعهم وطرقهم، وإن لم يمكن لهم أن يحملوه من موضعه الذي مات فيه، فليدفنوه في موضعه ذلك، لأنهم مأمورون بدفنه عموماً فإن وجدوا أن يدفنوه في ملكهم أو في موضع مباح فلا يدفنوه في غيره، وإن لم يمكنهم ذلك فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وإن لم يجدوا قبراً إلا بالشراء فعليهم شراؤه
قوله: فعليهم شراؤه الخ. قلت لكن ينتقض بالكفن فإنهم أيضاً مأمورون بتكفينه، وما لا يمتثل الأمر إلا به فهو مأمور به، فإن الوجوب إنما أخذ من هذه المقدمة فهي موجودة في التكفين والغسل اللهم إلا أن يقال ما ذكر هو الأصل، إلا أن الكفن ورد النص فيه فإنه من رأس المال، وما عداه باق على الأصل، حرره والله أعلم.
- 766 - (1/773)
صفحة 774
من أموالهم دون مال الميت لأنهم مأمورون بدفنه، وما لا يمتثل الأمر إلا به فهو مأمور به، وكذلك إن مات لهم في موضع لم يمكنهم أن يحفروا له فيه فليردوا عليه التراب، كذلك وإن لم يجدوا تراباً فليجعلوا عليه الحجارة أو ما أمكنهم أن يستروه به، وهذا إن لم يمكنهم حمله إلى غير ذلك الموضع، وكذلك إن مات لهم في البحر فإنهم يؤخرونه حى يخرجوا من البحر إن لم يخافوا فساده، وإن خافوا فساده فليجعلوه في گفته ويربطوا إليه ما ينزله في الماء ثم ينزلوه، ويكون الماء بمنزلة الأرض عند الضرورة والله أعلم. وإن حفروا قبراً فوجدوا فيه الماء أو الطين فإنهم يستأنفون قبراً آخر إلى ثلاثة، وكذلك إن وجدوا فيه حية أو ما أشبه ذلك من الدواب المؤذية فإنهم يستأنفون، وإن لم يمكنهم الإستئناف فإنهم يقولون له دعنا نفعل ما أمرنا به وتعمل أنت أيضاً ما
أمرت به فيدفنوه كذلك والله أعلم.
مسألة:
وإذا أتوا بالميت إلى قبره ليدفنوه فإنهم إن أتوا به من قبل ناحية المشرق فليضعوه أمام قبره، وإن أتوا به من خلف القبر فليدوروا به من قبل موضع رجليه ثم يضعوه في قبلة القبر، وإن أتوا به من ناحية المغرب فليدوروا به خلف القبر ثم من موضع رجليه فيضعوه قدام
- 767 - (1/774)
صفحة 775
القبر، وإن أتوا به من ناحية القبلة فليضعوه كما هو، وإنما يفعلون هذا كله لئلا ينكسوه فتسبق رجلاه والله أعلم. وإن لم يمكنهم هذا كله فليضعوه كما وجدوا في حريم قبر آخر سوى قبره إن لم يجدوا غير ذلك، وانما يضعوه في حريم القبر لئلا يحدث فيه ما لا يمكنهم أن ينقلوه به من موضعه ذلك، فليدفنوه في ذلك الموضع والله أعلم. وإن أرادوا إنزاله في القبر فإنهم ينزلون في القبر من استطاع إنزاله رجلين أو ثلاثة من أولياء الميت، ثم يعطونه لهم من كان فوق القبر، وينزلون أولاً رجليه ثم جنبه ثم رأسه، وذكر أن لكل بيت باباً، وباب القبر من ناحية الرجلين، والله أعلم. وإذا وضعوه في قبره حلواً ما عقدوا به على رأسه ورجليه وتركوا الخيط في موضعه، وقد ذكر في شرح الدعائم وفي الجامع: بلغنا أن موسى رحمه الله كان يأمر بالميت إذا وضع في لحده أن يكشف الثوب عن عينه اليمنى وحدها حتى تنظر إلى الأرض،
:
قال الشيخ العلة في فتح اللفاف، وإظهار عينه اليمنى لأنه يفتح له بابان باب إلى الجنة وباب إلى النار، حتى يرى بعينه ذينك البابين والله أعلم. والأولياء أولى بإنزاله في القبر وأشد من ذلك الأنثى فذووا محارمها أولى بإنزالها وإن لم يكن منهم إلا واحد فليل عجزها وإن لم يكن ذلك، فليل الأمين من القوم وهو أولى، وليمسكوا السترة على القبر
- 768 - (1/775)
صفحة 776
ذكراً كان الميت أو أنثى حتى يستروه بالتراب، ويقول من يضع الميت في قبره: بسم الله وبالله، وإن كان متولياً فليقل بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، ثم يرد التراب من كان فوق القبر رداً رفيقاً، ويقولون في وقتهم ذلك «منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى، (1) فإذا ستروه بالتراب فليطلع من كان في القبر ولا يفرشون له في القبر، ولا يوسدونه، ولا يجعلون له ما يمنعه من التراب، وأما ما أرادوا به حرزه من السباع فلا بأس مثل الشوك و الجريد، فإذا امتلأ قبره بالتراب فليجعلوا له علامة من قبل رأسه، ومن قبل رجليه، فإن امتلأ القبر بالتراب وبقي فإنهم يردونه عليه كله، وإن انتقص تراب القبر ولم يمتل يزيدون له التراب، ونقصان التراب للقبر من علامات السوء لصاحبه، ويقال إنه سارق الأرض، كما أن زيادة التراب في القبر علامة حسنة، فإذا ردوا عليه التراب فليجعلوا عليه الحجارة، ويحذر منها مما مسته
النار والله أعلم.
مسألة:
وإنما يلزم هذا كله أولياء الميت إن حضروا دون غيرهم، إلا إن
قوله: وإنما يلزم هذا كله الخ. أنظر ما إذا تنازع الأولياء على غسله ودفنه
(1) سورة طه: 0 ه.
- Y 99 -
ه م 49 - الإيضاح) (1/776)
صفحة 777
دعوا أحداً لمعونتهم فعليه إجابتهم، ولا ينصرف عنهم إلا إن أذنوا له لأنه وجب عليه ذلك حين دعوه، وكذلك سادات العبيد على هذا الحال، فإن لم يكن أولياء الميت فعلى من اصطحب معه إن كان ذلك في سفر أو من حضره من الناس حيث مات، أو على أهل المنزل إن مات فيه وإنما تلزمهم هذه الحقوق ما دام جلده مغطياً لعظامه ولم ينسلخ ولم تفترق أجزاءه، إن افترقت اعضاؤه فليس عليهم شيء من غسله والصلاة عليه وكفنه، ولكن يوارونه لئلا يفسده شيء فيضمنوا، وإن وجدوا جثته ولم يجدوا رأسه، فإن بعضهم قال تلزمهم جميع قال تلزمهم جميع حقوقه لأنه إنما ينظر في ذلك إلى كثرة الجسد، وقال بعضهم: ليس عليهم شيء من حقوقه إلا التواري واللف ما خلا الرأس فإنهم يجعلون له حقوق الميت كلها، وقيل فيه غير ذلك والله أعلم. وبالجملة إن جميع ما لا يلزمهم حقوقه فليس عليهم إلا أن يلفوه ويواروه، وليس عليهم تقبيره ولا أن يجعلوا لهم المقابر، وهذا شبه إسقاط النساء، والأقلف البالغ، والمشرك
ما الحكم قلت: يحتمل أن يخرج على الصلاة فأولاهم بالصلاة عليه أولاهم بهذه الأمور على التفصيل السابق، حرره وأما المرأة فالزوج أولى في الغسل من ذوات المحارم ثم ذوات المحارم على الترتيب وذوات المحارم كل امرأة لو كانت رجلا لم يحل له نكاحها بسبب القرابة ثم القرابة ثم الأجنبية، حرر جميع ذلك
قد انتهت حاشية الجزء الأول من الإيضاح والله أعلم.
770 - (1/777)
صفحة 778
وكل من يحل قتله ممن قتلوه أو قتله غيرهم من البغاة وقطاع الطرق ومن كان بمنزلتهم، وكذلك أبعاض الإنسان مثل العظام واللحوم والجلود على هذا الحال، وقيل في العظام واللحوم والجلود والشعر ألا يكون عليه من لفهم شيء، وهذا القول عندي أصح لأنه إنما يلزمهم لف من لا يلزمهم حقوقه من الأموات لئلا تنكشف عورتهم، ولذلك قال بعضهم: لا يلزمهم غير لف عوراتهم، وأما الجلود والعظام واللحوم فلا يلزمهم غير التواري لئلا يفسدهم شيء فيضمنوا، وقال بعضهم: إن لم يواروا جميع ما ذكرنا ممن لا يلزمهم حقوقه وتركوهم حتى فسدوا فلا ضمان عليهم، وكذلك جميع من جعلوا له حقوقه من الأموات ثم نزع من قبره على هذا الإختلاف إن لم يواروه، قال بعضهم ضمنوا إن تركوه حتى فسد، وقال آخرون لاضمان عليهم والله أعلم. وإن مات ميت في الفحص وليس معه أحد فعلى أوليائه أن يأتوه ويعملوا له سنن الأموات إن لم يمنعهم خوف سواء في ذلك قرب أو بعد إن كانوا يقدرون على الوصول إليه قبل فساده، وأما إن مات خارجاً من أميال منزل قوم وليس معه أحد، فلا يكون على أهل المنزل شيء إلا إن كانوا أولياءه، إلا إن مات داخل الأميال فعليهم حينئذ حقوقه والله أعلم. وإذا أراد الإنصراف من القبر فلأهل دعوتنا في ذلك سنن منها من يدور مع القبر خطة ويأمرون
- 771 - (1/778)
صفحة 779
أفضلهم أن يدور مع تلك الخطة برجله اليمنى أو برجليه كلهما ويبتدئ من عند رأس الميت ويدور معه عن يمينه ويقرأ في حينه ذلك من أول
(1)
سورة (يس) إلى قوله: «فأغشيناهم فهم لا يبصرون، وينحل عن القبر،
ومنهم من لا يشتغل بهذا فليعزوا أولياء الميت ولا ينفضون أيديهم على القبر ولا ينزعون الفأس عن يده ولا يقلبون النعش ولا يفعلون شيئاً من ذلك من جهة الشيطان والله أعلم. ويعزى المسلم في جميع من مات له ولو مات بأي وجه من الوجوه، ولا يعزى أهل الفتنة والبغاة وقطاع
"
الطرق بعضهم على بعض، ويعزى قريبهم مسلما كان أو غير مسلم ويعزى المسلم ولو مضى عليه زمان كثير، وتعزية المسلم أن يدعو له بالصبر وحسن العزاء والخلف والثواب في الآخرة، وغير المسلم يدعو له بالخلف في الدنيا وغير ذلك مما يمكنه لأمر دنياه، ويرد المعزى الجواب لمن عزاه بما يستحق والله الموفق للرشاد وحسبي الله ونعم الوكيل
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
(1) سورة يس: 9.
- 772 - (1/779)
صفحة 780
الموضوع
ترجمة المؤلف
محتويات الجزء الاول
الصفحة
باب في ايضاح الصلاة بدلائلها وجميع وظائفها المتعلقة بأصولها ومسائلها 1
باب في أدب حاجة الإنسان
باب في الاستنجاء بالماء:
مسألة في صفة الاستنجاء
باب في الوضوء:
مسألة في النية
مسألة في التسمية وغسل اليدين مسألة في المضمضة والاستنشاق مسألة في غسل الوجه
مسألة في غسل اليدين مع الذراعين مسألة في مسح الرأس
مسألة في الأذنين
مسألة في الرجلين
مسألة في ترتيب
الأعضاء
مسألة في الموالاة في الوضوء (1/780)
صفحة 781
الصفحة
الموضوع
باب في أحكام المياه:
مسألة في نواقض الوضوء
مسألة في النوم الذي ينقض الوضوء
مسألة في الفعل الذي ينقض الوضوء
مسألة في
معرفة الأشياء التي تفعل لها هذه الطهارة
باب في غسل الجنابة:
مسألة في كيفية الغسل
مسألة في
معر
رفة نواقض هذه الطهارة
مسألة في الصفة المعتبرة في كون خروج المني موجب للظهر
باب في الحيض:
مسألة في أنواع الدماء
باب في معرفة انتقال هذه الدماء بعضها إلى بعض وانتقال الحيض إلى الطهر أو الطهر إلى الحيض:
مسألة في البناء والأصول
مسألة في الانتظار
مسألة في الانتساب
مسألة في الطلوع والنزول
مسألة في أحكام الحيض والاستحاضة
باب في التيمم:
مسألة في معرفة من تجوز له هذه الطهارة مسألة في معرفة شروط هذه الطهارة
- YYE- (1/781)
صفحة 782
الصفحة
الموضوع
مسألة في صفة هذه الطهارة مسألة فيا تصنع به هذه الطهارة
مسألة في نواقض هذه الطهارة وهي التيمم
باب في أمكام النجاسات وما يتعلق بها:
مسألة في أنواع النجاسات وأعيان النجاسات الثالث من أنواع الحيوانات المختلف في تحريمها الهوام الثالث من أنواع النجاسات المتفق عليها مسألة في كيفية تنجيس الأشياء الطاهرة إذا لاقتها الأشياء
المنجوسة حتى يحكم بنجاستها
باب في معرفة الأشياء التي بها تجب ازالة هذه النجاسات وكيفية
إزالتها:
مسألة في كيفية إزالة النجاسات بهذه الأشياء
باب في أوقات الصلاة
کتاب الصلاة ووظائفها
باب في معرفة الأوقات المنهي عن الصلاة فيها
باب في الأذان
باب في صفة الأذان وشروطه
باب في التثوب
باب في الإقامة
باب في الثياب في الصلاة
- 775 - (1/782)
صفحة 783
الموضوع مسألة في أنواع الثياب التي تجوز في الصلاة
الصفحة
مسألة في صفة اللباس الذي يجوز في الصلاة والذي لا يجوز من ذلك 422
باب في الأماكن والصلاة فيها
مسألة في استقبال القبلة
مسألة في السترة
مسألة في القيام في الصلاة
مسألة في التوجيه
مسألة في الاستعاذة
مسألة في الإحرام
باب في القراءة في الصلاة: مسألة في البسملة
باب في الركوع وما يفعل فيه
باب في السجود وما يفعل فيه
باب في القعود وما يفعل فيه من التشهد
باب في صلاة الجماعة
باب في ترتيب الأئمة ومن ينبغي أن يكون إماماً
فصل في معرفة مقام المأموم من الإمام
باب في تنبيه الإمام في الصلاة
باب الاستخلاف في الصلاة
باب في وصلان الصلاة
- 776 - (1/783)
صفحة 784
الصفحة
الموضوع
باب في صلاة الجمعة
باب في شروط صلاة الجمعة
باب في صفة صلاة الجمعة وشروطها التي لا تتم إلا بها
باب في صلاة السفر
باب في حد السفر
باب في
الأوطان
باب في كيفية اتخاذ الوطن
باب في القرآن في الصلاة
باب في صلاة الخوف
باب في سجود السهو في الصلاة
باب في. رفة نواقض الصلاة معر
باب القضاء في الصلاة
باب في صلاة الوتر
باب في ركعتي الفجر
باب في سجود التلاوة
باب في قيام رمضان
باب في صلاة العيدين
باب في صلاة الكسوفين
النوع الثاني من النوافل
- 777 - (1/784)
صفحة 785
الموضوع
باب في غسل الميت
باب في صفة غسل الميت باب في أكفان الموتى
كتاب الجنائز
باب في حمل الميت إلى موضع يصلى عليه
باب في صلاة الميت
مسألة في صفة الصلاة على الميت مسألة. في شروط صلاة الميت باب في دفن الأموات
الفهرس
الصفحة (1/785)
صفحة 786
حقوق الطبع محفوظة
لدى وزارة التراث القومي والثقافة ص. ب: 668 - الرمز البريدي: 113 - مسقط - سلطنة عُمان
رقم الإيداع 99/ 158
طبع في الطابع الذهبية صرب 3896 روي 112 ملف 199972 (1/786)
صفحة 787
كتاب الإيضاح
تأليف العالم العلامة
الشيخ عامر بن علي الشماخي
رحمه الله
الجزء الثاني
الطبعة الرابعة
1420 ه/ 1999 م (2/1)
صفحة 788
[صفحة فارغة] (2/2)
صفحة 789
كتاب الاضاح
تأليف العالم العلامة
الشيخ عامر بن على الشماخي
رحمه الله
الجزء الثاني
الطبعه الرابعه
1420 هـ ـ 1999 م (2/3)
صفحة 790
باشيد الرحمن الرحيم
مقدمة
إننا نحمد الله تبارك وتعالى أن يسر لنا إنجاز طبع الجزء الأول من (كتاب الإيضاح) ونستمد منه العون والتوفيق لإنجاز بقية الأجزاء.
هذا وقد كنا أعلنا في مقدمة الجزء الأول أن الكتاب بكامله سوف يخرج في ثلاثة أجزاء. ولكن قد اتضح لنا خطأ تقديرنا ذلك مما يضطرنا إلى إخراج الكتاب كله في أربعة أجزاء متقاربة. ولقد رأى القارئ الكريم أن الجزء الأول قد أخرج في حوالي 800 صفحة ولو أخرج بقية الكتاب في جزأين فقط
لبلغت صفحات كل منهما نحو 1000 صفحة، وهذا الحجم لا يناسب كتاباً يحتاجه القارئ الكريم للمراجعة الدائمة، ولذلك فقد استقر رأينا على أن يكون الباقي منه في ثلاثة أجزاء على الترتيب التالي:
الجزء الثاني: الزكاة والصوم والحج، و الأيمان والكفارات والذبائح والحقوق.
>
الثالث: البيوع، الايجارات. الرابع
: الشركة، القسمة، الرهن، الشفعة، الهبة. الوصايا. (2/4)
صفحة 791
بسم الله الرحمن الرحيم
باب في الزكاة
والزكاة فريضة واجبة من التنزيل، مقرونة بالصلاة، ثم بين رسول الله الله قسمتها وما تجب فيه من الأموال، وكم تجب، ومن كم تجب، ومتى لا تجب. والدليل على وجوبها من الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقول الله تعالى: (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) (1) وقوله: و فويل للمصلين الذين هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهون: الذين هُمْ يُرَاوُن ويمنعون الماعون) (2). قيل إنها الزكاة. ومن السُّنَّة ما روي من طريق ابن عباس رضي الله عنه أن النبي قال: (مانع الزكاة يُقتل) (3). ورى أبو عبيدة عن جابر بن زيد
(1) النور
TE:
(2) الماعون: 7.
(3)
(2)
(3) رواه البخاري ومسلم والنسائي من حديث أبي هريرة.
101 (2/5)
صفحة 792
(1)
رضي الله تعالى عنها قال: (بلغني أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: لو منعوا عني عقالاً مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه حتى ألحق بالله) (1). وما كان يستحل أبو بكر رضي الله عنه سفك دمائهم على غير واجب. وأما الإجماع فإنه لم يُنقل إلينا في ذلك من أحد خلاف عالمناه. وأما من تجب عليه فإن الناس قد أجمعوا على أنها تجب على كل حر مسلم بالغ عاقل مالك النصاب ملكاً تاماً. واختلفوا في وجوبها على اليتيم والمجنون والعبد وأهل الذمة والناقص الملك مثل الذي عليه الدين أو له الدين. وسبب اختلافهم في الزكاة على اليتيم والمجنون هو اختلافهم في مفهوم ا الزكاة الشرعية، هل هي عبادة كالصلاة والصوم، أم هي حق واجب للفقراء على الأغنياء؟ فمن قال: إنها عبادة اشترط فيها البلوغ، ومن قال: إنها واجب للفقراء والمساكين في أموال الأغنياء لم يعتبر في ذلك بلوغاً من غيره، والصحيح أنها واجبة على الصغير والكبير واليتيم والمجنون لعموم الخبر في قوله عليه السلام. (أُمرت أن آخذها من أغنيائكم). ثم قال: (وأردّها في فقرائكم) (2). فنفاها
(1) رواه الجماعة إلا ابن ماجه واللفظ لمسلم والترمذي وأبي داود.
(2)
-7 -
(2) رواه البخاري عن ابن عباس (2/6)
صفحة 793
عن غير فقراء المسلمين وأوجبها للمستحقين من كبار المسلمين و صغارهم ومعتوهم، لعموم الخبر. وأما العبيد؛ فالصحيح أن زكاة مال العبد على سيده لأنه المالك له ولماله إذ له انتزاعه منه والدليل عليه قوله تعالى: (عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء). وقوله عليه السلام: (من باع عبداً فماله للبائع إلا إن اشترطه المبتاع). ففي هذا دليل على أن العبد لا يملك شيئاً. وأما أهل الذمة فإنه لا زكاة عليهم إلا على نصارى العرب فإنه يؤخذ منهم الضعف مما يؤخذ من المسلمين من الصدقة وهو الخمس ولا جزية عليهم، كذلك بلغنا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أسقط عن نصارى بني تغلب اسم الجزية وجعلها صدقة وأرباها عليهم. وأما المال الذي هو في الذمة أعني ذمة الغير وليس هو بيد المالك وهو الدين، فإنهم
اختلفوا فيه، فقال بعضهم: زكاة الدين على صاحبه الذي هو
له
وقال بعضهم: زكاته على الذي هو بيده، ويشبه أن يكون سبب
6
اختلافهم هل المراعاة في ذلك الملك والتصرف أم الملك فقط؟ فإذا كانت المراعاة الملك مع التصرف لم تجب على صاحبه زكاته حتى يقبضه وهو الملك التام، والقول الأول أصح، وهو قول أبي عبيدة
(1) النحل: 75.
- Y- (2/7)
صفحة 794
والعامة من فقهائنا رحمهم الله، ما لم يكن على مفلس؛ ولهذه المراعاة اختلفوا: هل يسقط المدين ما وجب عليه من الدين إذا أراد أن يخرج الزكاة؟ فعلى القول الأول يسقطه ثم يزكي الباقي إن وجبت فيه الزكاة، لأنه إذا وجب أن يؤدي عليه مالكه سقط عن المدين إذ لا يزكّى مال مرتين جميعاً، ولا يسقط هذا الدين عن المدين إلا من الذهب والفضة لأنه كما لا يؤدى إلا على دين الذهب والفضة، كذلك لا يسقط إلا من ديون الذهب والفضة، وقال أهل الخلاف: لا زكاة في مال دين حتى يخرج منه الديون فإن بقي منه ما تجب فيه الزكاة زكى وإلا فلا، والعلة عندهم في الحقيقة أن حق صاحب الدين متقدم بالزمان على حق المساكين، وهو عندهم في الحقيقة مال صاحب الدين لا الذي المال بيده، ويقال لهذا: فإذاً لا يجوز للذي عليه الدين التصرف فيما بيده من
بعض
غير إذن صاحب الدين الذي زعمت أنه صاحب المال بالحقيقة
وهذا غير مستقيم، والقول ما قاله أصحابنا لأن الدين متعلق بذمة
المدين لا بعين المال الذي بيده والله أعلم.
6
1 A- (2/8)
صفحة 795
وهي:
باب في معرفة
ما تجب فيه الزكاة من الأموال
أجمع العلماء على أن الزكاة تجب في أربعة أنواع من الحبوب
: الحنطة والشعير والتمر والزبيب، واختلفوا فيما سوى ذلك من الحبوب ونوعين من المعدن وهما الذهب والفضة، واختلفوا فيما سوى ذلك من المعمول، وثلاثة من الحيوان: الإبل والبقر والغنم. وأما ما اختلفوا فيه من النبات بعد اتفاقهم على الأصناف الأربعة التي ذكرناها فمنهم من لا يرى الزكاة إلا في تلك الأربعة المذكورة، وبه قال سفيان الثوري. ومنهم من قال: إن الزكاة في جميع المدخر المُقْتات من النبات، وهو قول مالك، ومنهم من قال: إن الزكاة في جميع ما تخرجه الأرض ما عدا الحشيش والحطب. الله: الزكاة في ستة أشياء من الحبوب: التمر
فقط
وقال أصحابنا
رحمهم
والزبيب، والحنطة، والشعير، والسلت، والذرة. وسبب اختلافهم
-9 - (2/9)
صفحة 796
لعلة
هو اختلافهم في تعلق الزكاة بهذه الأصناف الأربعة هل هي لعينها أو لعلة غيرها؟ فمن قال: لعينها، قصر الوجوب عليها، ومن قال: غيرها، عدى الوجوب لغيرها. فمن عداه إلى المقتات قال: الزكاة في جميع المفتات وعضد قياسه بأن الزكاة المقصود منها سد الخلة وذلك لا يكون غالباً إلا فيما هو قوت، ومن عداه إلى جميع ما تخرجه الأرض إلا ما وقع عليه الإجماع مثل: الحشيش والحطب
استدل على قوله بعموم قوله عليه السلام: (فيها سقت السماء والعيون
(1)
العشر، وما سقي بالدوالي والغرب نصف العشر)). ولعموم قوله
تعالى: (وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات)
(2)
الآية. والدليل على ما قاله أصحابنا: أنَّ الصدقة في ستة أشياء من الحبوب، ما روته جماعة من العلماء عن النبي أنه قال: (ليس
(3)
في شيء من القطاني زكاة إلا في ستة أشياء: التمر والزبيب والبر والشعير والذرة والسلت) (3). والصحيح ما قاله أصحابنا لأن الزكاة إنما ورد بها القرآن مجملاً وتولى الرسول عليه السلام بيانها كما قال
عز وجل: (وأنزَلْنَا إليك الذكر لتُبَيِّنَ للنَّاس ما نُزِّل إِلَيْهِم ()
(1) رواه أبو داود.
(3) أخرجه ابن ماجه والدار قطني
(2) الأنعام: 141.
(4) النحل: 44.
(4) (2/10)
صفحة 797
وبين في أي نوع تجب وكم تجب ومن كم تجب، ولولا ذلك ما عرفناه. فإذا صح هذا فبيان الرسول عليه السلام أولى بنا من القياس لأن هذه فريضة موجودة في كل زمان، ولم ينقل إلينا أن الرسول عليه السلام قال: إن الزكاة في المقتات ولا فيما أنبتت الأرض على قول من قال، ولو كان ذلك ما خفي على أصحابنا رحمهم الله، فإذا كان هذا هكذا فالمرجوع بنا إلى ما نقل عنه من فعله عليه السلام. وأما صدقة الذهب والفضة فإنهم أجمعوا على صنفين من المعدن كما قدمنا وهما: الذهب والفضة، وذهب مالك بعد هذا الإجماع إلى أنه: لا زكاة في الحلي إذا أريد به الزينة واللباس، وشبهه فيما
زعم بالعروض التي المقصود بها المنافع لا المعاملة، وعند أصحابنا أن الزكاة واجبة في الذهب والفضة معمولين كانا أو غير معمولين، والدليل على قولهم في زكاة الحلي، ما روي عن النبي: (انه دخلت عليه امرأتان عليها سواران فقال لهما: أتحبان أن يسوركما
(1)
الله بسوارين من نار؟ فقالتا: لا، قال: فأديا زكاتها) (1). وما روي
عن
عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (دخلت على رسول الله وفي
(1) الترمذي والدارقطني.
-11 - (2/11)
صفحة 798
-
يدي ثلاث فتحات من ورق - أو قالت من ذهب. فقال ما هذا؟ فقلت: أتزين لك به يا رسول الله، فقال اتودين زكاتهن؟ فقلت: لا، فقال: حسبك من النار، إعلمي أن فيهن
(1)
الزكاة (). فهذا دليل قاطع في زكاة الحلي والله أعلم.
وأما الحيوان فإنهم اتفقوا كما قدَّمنا على زكاة الإبل والبقر بعضهم: الزكاة السائمة منها، واختلفوا في غير السائمة، قال والغنم في هذه الأصناف سائمة كانت أو غير سائمة، وقال بعضهم:
لا زكاة في غير السائمة، وسبب اختلافهم معارضة دليل الخطاب للعموم، وذلك أن دليل الخطاب في قوله عليه السلام: (ليس في
(2)
سائمة الرجل صدقة حتى تتم الأربعون) (2). يقتضي أن لا زكاة في غير السائمة، وعموم قوله عليه السلام: (في الأربعين شاة شاة) (3). يقتضي أن غير السائمة في هذه بمنزلة السائمة، والعموم أقوى من دليل الخطاب، وكذلك في الإبل قوله عليه السلام: (ليس فيها دون خمس ذود صدقة). غير أنه قد ورد في الإبل إسقاط الزكاة عن غير السائمة تصريحاً، وذلك أنه روي في الحديث عن
(4)
(1) رواه ابو داود والدارقطني. (3) الدارقطني.
(2) الدارقطني (4) الدارقطني.
-17 - (2/12)
صفحة 799
•
الرسول عليه السلام أنه قال: (لا صدقة في الإبل الجارة) (1) والجارة التي تجر بالزمام، وسميت جارة بمعنى مجرورة كما يقال
سر
"
(2)
كاتم أي مكتوم قال الله تعالى: (فلينظر الإنسان تما خُلق خلق من ماء دافق} (3). أي مدفوق، وروى أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنهم عن الرسول عليه السلام أنه قال: (ليس في الجارة ولا في الكسعة ولا في النخة ولا في الجبهة صدقة) (3). والجارة هي التي تجر بالزمام تذهب وترجع بقوت أهل البيت، والكسعة الحمير والنخة الرقيق، والجبهة الخيل، فهذا خلاف لأبي حنيفة الموجب الزكاة في الخيل إذا كانت سائمة، وقصد بها النسل أعني إذا كانت ذكراناً وإناثاً قياساً على الإبل والبقر، والحجة عليه ما روي من طريق أبي هريرة أنَّ النبي عليه السلام قال: (ليس على الرجل في عبده ولا في فرسه صدقة) (1).
"
(1) الدارقطني والحاكم والبيهقي. (3) أبو داود والدارقطني والبيهقي.
-17 -
(2) الطارق: 5 - 6 (4) رواه الجماعة. (2/13)
صفحة 800
باب في زكاة الحبوب
من كم تجب، وكم تجب، ومتى تجب؟
أما من كم تجب الزكاة في الحبوب فإنها لا تجب فيا دون خمسة أوساق. والدليل على ذلك ما روي من طريق ابن عباس أن النبي قال: (ليس فيها دون خمسة أوساق صدقة) (1). والوسق معروف عندهم ستون صاعاً، والصاع أربعة أمداد بمد النبي، والمد رطل وثلث، هكذا نقل أصحابنا الحديث النبي علل أو عن بعض الصحابة، ففي هذا دليل إذا نقص الكيل عن خمسة أوساق قليلاً أو كثيراً ليس فيه صدقة، وقال بعض أهل العلم: النقصان في ذلك نصف صاع أو على قول بعض، وهذا يشبه أن يكون منهم استحساناً وقال أبو حنيفة: ليس في الحبوب ولا في الثمار نصاب، وكذلك
ربع
رحمهم
صاع
الله،
(1) أحمد ومسلم والنسائي.
-18 - (2/14)
صفحة 801
قال عبد الله بن عبد العزيز من الإباضية، وحجة أبي حنيفة عموم قوله عليه السلام: (فيها سقت السماء والعيون العشر وما سقي بالدوالي والغروب نصف العشر) (1). والقول ما قاله أصحابنا لأن قوله عليه السلام: (فيما سقت السماء والعيون العشر) عام. وقوله عليه السلام: (ليس فيها دون خمسة أوساق صدقة) (2) خاص. والعام يبنى على الخاص، وَرَدَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ كما قال عليه السلام: (في الرقة ربع العشر (2)). ثم قال: (ليس فيها دون خمس أواق صدقة). والنصاب في الذهب والفضة متفق عليه، فوجب أن يكون كذلك في الحبوب، غير أن أبا حنيفة يرى أن العام والخاص يتعارضان، وينسخ العام بالخاص والخاص بالعام عنده، والقول الأول أصح كما قدمنا، وما زاد على خمسة أوساق ففي كل قليل وكثير الزكاة لعموم قوله عليه السلام: (فيها سقت السماء والعيون العشر). فخص منه عليه السلام خمسة أوساق وبقي الباقي على عمومه، وقال بعض أصحابنا: فيها زاد على خمسة أوساق ففي كل عشرة أصوع صاع، ولا أعلم لهم
(1) أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود (2) أحمد وأبو داود والترمذي.
-10 - (2/15)
صفحة 802
في هذا الوقت مستنداً في ذلك، غير أنهم اختلفوا فيها زاد على خمسة أوساق، قال بعضهم: الزكاة على القليل والكثير فيها زاد على خمسة أوساق كما قدمنا. وقال آخرون: لا زكاة في الزيادة على خمسة أوساق إلى عشرة، وقال: لأنه جاء في الأثر، ما في الأوقاص والأشناق شيء، واتفقوا أيضاً على الصنف الواحد
6
من الثمار والحبوب يجمع جيده الى رديئه ويكمل به النصاب وتؤخذ الزكاة من جميعه بحسب قدر كل واحد منهما، أعني الجيد والرديء، وإن كان التمر أصنافاً أخذ من وسطه. واختلفوا هل يضم البر إلى الشعير والشعير إلى البر؟ فقولنا الذي نأخذ به ونعتمد عليه أنه يضم البر إلى الشعير والشعير إلى البر، وهو آخر كلام أبي عبيدة، وقد كان أول قوله: إنه لا زكاة في البر ولا في الشعير إلا ما بلغ ثلاثمائة صاع ولا يضم بعضه إلى بعض، ثم رجع عن ذلك فقاسه بالذهب والفضة. قال يضم الذهب إلى الفضة ويضم البر إلى الشعير، وقد ذكر في بعض كتب أهل الخلاف عن مالك قال: القطاني كلها صنف واحد، والحنطة والشعير صنف واحد، وقال أبو حنيفة: القطاني كلها أصناف كثيرة بحسب أسمائها، ولا يضم منها شيء غيره في حساب النصاب، وكذلك الشعير والسلت والحنطة عنده أصناف ثلاثة، وسبب الخلاف هل المراعاة في الصنف الواحد
-17 - (2/16)
صفحة 803
هو اتفاق المنافع أو اتفاق الأسماء؟ فمن قال اتفاق الأسماء قال: كل ما اختلفت أسماؤه فهو أصناف كثيرة، ومن قال اتفاق المنافع قال: كل ما اتفقت منافعه فهو صنف واحد وإن اختلفت أسماؤه،
ومن كانت له زراعتان فأدركت إحداهما قبل الأخرى بشهر بأقل أو بأكثر إلا أنه في سنة واحدة فبلغت إحداهما ثلاثمائة صاع وعجزت الأخرى عن ذلك، فإنَّ بعض أصحابنا قال: إن الصدقة في ذلك، وتحمل على الزراعة الأخرى إذا كان بينها أقل من ثلاثة أشهر، وإذا كان بينهما أكثر من ثلاثة أشهر فلا تحمل على الأخرى لأنها ثمرة أخرى، وقال بعض: كل ما جمعته السنة الواحدة من ذلك يضم يضم بعضه إلى بعض، وما لم تجمعه السنة الواحدة فلا يضم بعضه إلى بعض، وكذلك النخل عند هؤلاء إذا أنت بغلة أخرى بعد غلتها الأولى، فما جمعته السنة فإنه يضم بعضه إلى بعض، وما لم تجمعه السنة فهو مثل غلات مفترقات. والذي يدل عليه اختلافهم متى تكون تمرة أخرى؟ وقد أجمعوا أن تمرة كل سنة غير تمرة سنة أخرى، فإذا صح هذا فما جمعته
=
السنة فهو بمنزلة تمرة واحدة، لأن العادة في التمرة لا تكون في
،
السنة مرتين، فما خرج عن العادة فحكمه حكم الأصل الذي
(2)
- 17 - (2/17)
صفحة 804
تجري به العادة؛ وأيضاً فاشتراط النصاب يدل على الرفق بأرباب الأموال لئلا يشاركهم الفقراء فيها دون النصاب، فقد صح اتفاقهم بما دون النصاب في سنتهم مما يمنعهم من الزكاة، وهذا النصاب المذكور سواء كان لمالك واحد أو لملاك شتى، تفاضلوا في شركتهم أو تساووا، سواء كان الشريك ممن تجب عليه الزكاة أو ممن لا تجب عليه الزكاة، ويعطي من وجبت عليه الزكاة بقدر حصته، وقال بعض: لا يستتم إلا مع شريك تجب عليه الزكاة، وأما من لا تجب عليه فلا يستتم به مثل المشرك ومال المسجد والفقراء، ويدل على هذا المذهب أن كل مالين اختلفت أحكامهما فلا يكونان في الزكاة مالاً واحداً لاختلاف أحكامها والله أعلم. والدليل على أن الشركاء يستتم بعضهم ببعض المفهوم من قوله عليه السلام: (ليس فيها دون خمسة أوساق صدقة) (1). لأنه يمكن أن يفهم منه هذا الحكم كان لمالك واحد أو لأكثر، ولأنه أيضاً لا يخلو أن يكون مالاً واحداً وزرعاً واحداً أو لا يكون ذلك، فإذا صح أنه مال واحد وزرع واحد وجب أن
(1) تقدم ذكره
-14 - (2/18)
صفحة 805
يستتم الشريك مع شريكه، وقياساً أيضاً على نصاب الحيوان غير أنه لما كان اشتراط النصاب إنما هو الرفق بأرباب الأموال
على ما قدمنا وجب أن يعتبر في النصاب المالك الواحد، ولهذا يستتم الشريك بشريكه في هذا كله والله أعلم.
قال
بعضهم
:
لا
وإن اشترك الزرع أو الغلة مع رجال شتى ولم يبلغ مع كل واحد
يضم
ما له
مع كل واحد منهم،
منهم مقدار ما تجب فيه الزكاة فإنه فان بلغ ما تجب فيه الزكاة أدى عليه لأنه مَلَكَ النّصاب كما قال عليه السلام. وإن لم يبلغ مقدار ما تجب فيه الزكاة فليس عليه شيء، وإن استتم مع بعض شركائه ولم يستتم مع بعض فإنه يؤدي مع من أتم منهم كما قدَّمنا، وليس عليه فيما لم يتم فيه شيء إلا إن كان في نصيبه من جميعهم ما تجب فيه الزكاة، فإنه يؤدي على الكل أعني نصيبه من الكل
•
ويستتم الرجل النصاب بمال أولاده الأطفال وكذلك يستتم بمال أولاده الأطفال الآخرين منهم في جميع ما تجب فيه الزكاة، لأنه بمنزلة مال واحد في لقوله عليه السلام: (أنت ومالك
-19 - (2/19)
صفحة 806
لأبيك
(1)
فقد توجه الخطاب في وجوب الزكاة على هذا إلى الأب لرفع القلم على الأطفال. وقال بعض: لا يستتم والد بمال ولده سواء كان طفلاً أو بالغاً، وكذلك أولاده الأطفال فيما بينهم على هذا الحال، وذلك فيما يوجبه النظر لأن مال كل واحد منهم غير مال صاحبه، والله أعلم
(1) متفق عليه.
- 20 - (2/20)
صفحة 807
باب في معرفة
كم تجب من الزكاة في الحبوب
والأصل فيه ما روي من طريق ابن عباس أن النبي قال: (فيما سَقَتِ السماء والعيون العشر وما سقي بالدوالي والغرب فنصف العشر) (1). وذلك أنه ما سقي من هذه الحبوب والثمار بالعيون والانهار والامطار ففيه العشر، من عشرة واحد، وما سقي بالدوالي والنواضح والرشا والعلاج، ففيه نصف العشر من كل عشرين واحد بعد استكمال النصاب كما قدمنا، وما سقي من هذه الحبوب والثمار بالزجر وسقاه الغيث، فقد اختلف أهل الفقه في زكاته فقال بعضهم: صدقة تلك الثمرة على ما أسست عليه، وقال بعضهم: على ما أدركت عليه، وقد ذكر في كتاب الحضرمي قال أبو الحسن: وأحب إلي أن يكون على ما أدركت، لأن بذلك تصح به الثمرة، وقال بعضهم: بل صدقتها بالمقاسمة، فلينظر
(1) رواه الجماعة.
-21 - (2/21)
صفحة 808
كم شربت من شربة، ثم ينظر ما كان من ذلك بالزجر وما كان بغير الزجر من سقي الغيث والانهار، فيعلم أنه نصف أو ثلث أو ربع أو أقل من ذلك أو أكثر، فتؤخذ الزكاة على قدر ذلك
من الجزء الذي شرب بالغيث العشر ومن الجزء الذي شرب بالزجر نصف العشر، وهذا القول أحسن عندي لما فيه من الإحتياط، وكذلك إن كانت هذه الانواع للشركاء بعضهم يسقيها بالمعالجة، وبعضهم يسقيها بالعيون على ما قدمنا والله أعلم.
فصل
وإذا أراد أن يخرج الزكاة فإنه يستحب أن يقول: (بسم الله) وليكتل لنفسه تسعاً ويعزل العاشر بالعيار الذي يكتال به، ويفعل هكذا حتى يفرغ من طعامه، لأنه قيل: إذا عزل العاشر منه حزن له الشيطان، وإذا لم يعزله فرح له، وإنما ينبغي له أن يُعطي عشر زرعه منه، وبذلك يبارك الله فيه، وإن أعطى زكاته من غير زرعه، فقد أجمعوا على جواز البدل ما لم يكن
معيوباً، واختلفوا في القيمة.
- 22 - (2/22)
صفحة 809
(1)
مثال ذلك: جائز أن يعطي القمح على الشعير على كيل الشعير ولا يعطى الشعير على القمح كيلاً بكيل، وكذلك الشعير الذي أصابه الضر (1) أو الريح فلا يعطيه إلا على جنسه، وبالجملة أنه لا يعطي الرديء على الجيد، وجائز أن يعطي الجيد على الرديء، وكذلك الفريك على اليابس، والرطب على التمر اليابس على
هذا الحال
•
وأما القيمة فإن بعضهم قال: لا يجوز أن يعطي القيمة في الزكاة بدل المنصوص عليه، وإنما يعطي ما عليه من جنس ما وجبت فيه الزكاة، وقال بعضهم: جائز أن يعطي القيمة في الزكاة سواء قدر على المنصوص عليه أو لم يقدر عليه، وذكر في بعض الكتب: وسبب الخلاف هل الزكاة عبادة أم حق واجب للمساكين؟ فمن قال: إنها عبادة قال: إن أخرج من غير تلك الاعيان لم تجزئ لأنه أتى بالعبادة على غير الجهة المأمور بها فهي فاسدة، ومن قال: هي حق للمساكين، فلا فرق عنده بين القيمة والعين عنده، وبهذا القول قال أبو حنيفة على ما قال به بعض أصحابنا، وقالت الحنفية: إنما خصت بالزكاة أعيان الأموال
(1) قال في الحاشية: البرد. مصححه
- 23 - (2/23)
صفحة 810
تسهيلاً على أرباب الاموال لأن كل ذي مال إنما يسهل عليه الإخراج من نوع الأموال التي بين يديه، والقول الأول عندي أصح لأن الإجماع يعضده، وكذلك أيضاً اختلف من أجاز القيمة هل يعطي في القيمة غير الصامة؟ قال بعضهم: لا يعطي في القيمة غير الصامة، ولا يعطي التمر على الزبيب، ولا الزبيب على التمر، ولا الذرة على السلت، ولا السلت على الذرة، وقال بعضهم: لا بأس إن لم يبق عليه شيء من قيمة ما عليه، وكذلك جميع أنواع الزكاة على هذا الحال والله أعلم
- 24 - (2/24)
صفحة 811
باب في معرفة
متى تجب زكاة الحبوب ومتى لا تجب
فإنهم اختلفوا في ذلك، قال بعضهم: إذا دخلها الإدراك ولو أقل القليل، وقال بعضهم: لا تجب فيها الزكاة حتى يدرك منها مقدار خمسة أوساق، وقال بعضهم: لا تجب الزكاة إلا فيما أدرك دون ما لم يدرك، وقد أجمعوا أنه لا تجب فيها الزكاة قبل بدء الإدراك، فإجماعهم على هذا يقضي على اختلافهم أنَّ علة أن علة وجوب الزكاة الإدراك، فمتى لم تدرك فهي علف لا تسمى حباً ولا تمراً. والزكاة إنما وجبت في الحبوب والتمر لا في العلف، بدليل قوله عليه السلام: (ليس) في حب ولا تمر صدقة حتى تبلغ خمسة أوساق) (1). ويمكن أن يكون سبب الاختلاف بينهم هو: هل هذا الحكم معلق بأوائل الأسماء أم بأواخرها؟ فمن علقه بأوائل
(1) أحمد ومسلم والنسائي. وفي بعض روايات مسلم: ثمر بالثاء المثلثة. مصححه.
- YO- (2/25)
صفحة 812
الأسماء أوجب فيه الزكاة بإدراك البعض، ويتبين هذا الاختلاف
فيمن أخرج هذه الثمرة من
من
ملکه
بوجه من الوجوه، مثل: البيع
أو الهبة، أو قضاه في دين عليه، أو أكله أبوه بالحاجة، فإنه في هذا كله إن أخرجه من ملكه بعدما وجبت فيه الزكاة كانت الزكاة في ذمته وثبت للمشتري ما اشتراه، لأن البائع في ذلك قد أتلف حق الفقراء بإخراجه من ملكه، فإن خرجت هذه الثمرة ملكه قبل وجوب الزكاة فيها، فلا زكاة عليه إلا أن يكون فاراً من الزكاة، لأنه قالت العلماء: لا فرار من الصدقة، والفار يؤدي، ومعنى الفار من الصدقة: إذا كان عند رجل مال يجب أن يؤدي عليه الزكاة، حتى إذا مضى بعض من السنة أخرج ذلك من ملكه بوجه من الوجوه فإنه يؤدي على ما مضى من السنة قل ذلك أو كثر إن لم يطلب بذلك إلا الفرار من الصدقة، وكذلك يعطي على جميع المستغلات إن لم يطلب بذلك إلا الفرار من الصدقة ولو انها لم تدرك، وإن طلب في ذلك الفرار من الصدقة وقضاء حاجته جميعاً، فإنه يؤدي في قول بعضهم، وقال بعض: لا يؤدي حين طلب فيه قضاء حاجته وإن عني به الفرار من
الصدقة والله أعلم.
-39 - (2/26)
صفحة 813
وأما من دخلت هذه المستغلات في ملكه قبل إدراكها فإن بعضهم قال: عليه الزكاة، وهو الأشبه فيها يوجبه النظر، لأنها إذا كانت لم تجب على من أخرجها من ملكه وجبت على من
6
انتقلت إليه، وقال بعضهم: لا زكاة في ذلك على من انتقلت إليه وكذلك إن مات أيضاً قبل إدراك زرعه فعلى الورثة إخراج عشره ويضمونه إلى زرعهم ويتمون به على ما قدمنا، وإِن حَضَرَهُ الموت بعدما أدرك زرعه ووجبت فيه الزكاة فإنهم اختلفوا هل
عليه أن
يوصي بعشره
؟ قال
بعضهم
:
لا
وصية عليه في ذلك،
وعلى الورثة إخراجه عن الميت ولا يضمونه إلى ما لهم من الزرع
لأنه إنما
وجبت على الميت، وقال بعضهم: ليس على الورثة شيء
به،
والقول الأول أصح عندي
لأنه غير مضيع
إلا إن أوصى ولا مفرط في ذلك والعين المتعلق بها الزكاة قائمة والله أعلم.
واتفقوا أنه إن وجبت عليه الزكاة في حياته وترك أداءها حتى مات ولم يوص بها أنه لا شيء على الورثة، وكذلك أيضاً سائر الحقوق من فرض الصيام والحج والعتق والصدقة، ومن يمين حنث بها أو نذر وجب عليه الوفاء به، وما كان من سائر الحقوق التي أمر الله بفعلها، ولا خصم للمأمور من المخلوقين فيها مما هو
- 27 - (2/27)
صفحة 814
أمين في أدائها ولم يؤدها، ولا أوصى بها أنه لا شيء على الورثة،
سواء كان المالك تاركاً لذلك من طريق النسيان أو العمد.
واختلفوا إذا أوصى بهذا كله وأمر بإنفاذه، قال بعضهم: يجب إخراج ذلك من جملة المال، واحتجوا بأن ما كان واجباً إخراجه من جملة المال قبل الممات، فسبيله سبيل سائر الحقوق المأمور بإخراجها من جملة المال، واحتجوا بقول النبي عليه السلام لما سألته الختعمية فقالت: (يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير ولا يستمسك على راحلته وقد أدركته فريضة الحج أفأحج عنه؟ فقال الله: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه
أكنت قاضية له؟ فقالت: نعم. قال: فدين الله أحق)) قالوا: فقد شبه الحج بالدين. فلما كان الدين من رأس المال كذلك الحج منه، وعمن أوصى بزكاة ماله وعَمَّنْ أوصى بزكاة ماله ثم مات وقد أحاطت به الديون فإنه قال بعضهم: تنزل الزكاة في مال الميت مع الغرماء، ضيع تلك الزكاة في حياته أو لم يضيّع، وقال آخرون: ما كان من هذه الحقوق التي ذكرناها من الحج وغيره ترجع إلى الثلث إن أوصى بها
(1) رواه الجماعة.
- YA- (2/28)
صفحة 815
الميت. والفرق بينها وبين الدين أن الدين يجب قضاؤه وإن لم يوص به، وهذه الحقوق لا يجب قضاؤها إلا بعد الوصية، وسبيل ما لا يلزم إلا بالوصية الثلث، ودليل آخر قوله تعالى: (وأنفقوا مما رزقناكم) (1). الآية، والإنسان لا يتحسر على ما يقدر على فعله، وإنما يتحسر على ما لا يقدر على فعله، هكذا قال أبو محمد في كتابه
وإن حضره الموت وأوصى بزكاة ماله ثم مات، وقد أحاطت الديون بماله فإنه يبدأ بالديون، فإن بقي شيء بعد الديون زكى وإلا فلا.
فإن قال قائل: أليس قد قلت إن الديون لا تسقط الزكاة إلا في الذهب والفضة؟ قيل له: الميت في هذا خلاف الحي، لأن ديون الحي متعلقة بالذمة وديون الميت متعلقة بالتركة، فهذا هو الفرق بينهم، والله أعلم.
وإن تلفت غلته بعدما وجبت فيها الزكاة وقبل تمكن الإخراج مثل ما إذا كان يحصدها أو يصرمها على قدر عادة الناس
(1) المنافقون: 10.
-39 - (2/29)
صفحة 816
فأتت عليها ريح أو نار أو مطر أو سلطان أو لصوص وما أشبه ذلك من جميع الجوائح، لا من البهائم ولا من بني آدم فاجتاحها ألا زكاة عليه وقد زال فرضها بزوال عينها، فإن تلف بعض وبقي بعض فإنهم اختلفوا في ذلك قال بعضهم: يؤدي الزكاة على ما بقي إذا كان فيه مقدار ما تجب فيه الزكاة، وإن لم يبق فيه مقدار ما تجب فيه الزكاة فلا شيء عليه، فإنه يشبه أن يكون هؤلاء شبهوه بمن ذهب ماله قبل وجوب الزكاة فيه، فإنه يزكي ما بقي إن كان فيه مقدار ما تجب فيه الزكاة، وكذلك الذي ذهب بعض ماله بعد وجوب الزكاة فيه وقبل التمكن من الإخراج وقد روي عن رسول الله له أنه قال: (الحبة حتى تشتد، والعنبة حتى تسود، فإن نقصت عن الثلثمائة صاع فليس فيها شيء) (1)
(1)
فلهذه الرواية لا تجب فيه الزكاة حتى يصير التمر يابساً، وقال بعضهم: يؤدي على ما بقي، ولو أنه لم يكن فيه مقدار ما تجب فيه الزكاة حيث وجبت في الكل، فحال رب المال وحال المساكين على هذا القول حال الشريكين يضيع بعض المال الذي في أيديها، فإنهما يكونان شريكين في الباقي، وهذا كله إذا تلف قبل أن
(1) الدارقطني والبيهقي. (2/30)
صفحة 817
يأخذ في الكيل وقبل تمكن الإخراج ولم يقع منه تفريط .. وأما إن تلف بعد تمكن الإخراج فإنَّ ذلك يكون على وجهين: وجه يكون غير مفرط. ووجه يكون فيه مفرطاً. أما الوجه الأول الذي يكون فيه غير مفرط فإنهم اختلفوا في تضمينه زكاة ما تلف، وذلك كل ما تلف بعد ما وقع الكيل، قال بعضهم: إذا نقلها من موضع إلى موضع فإنه يضمن، فهؤلاء أوجبوا عليه الضمان ولو لم يفرط فيه إذا وقع الكيل أو نقلها من موضع إلى موضع آخر ولم يؤدها، والدليل على هذا قوله تعالى: (وهو أنشأ جنّات معروشات). إلى قوله: {وآتوا حقه يوم
الذي
حصاده
(1)
يعني يوم كيله، ويدل عليه قوله عليه السلام:
(ليس في حب ولا في تمر صدقة حتى تبلغ خمسة أوساق) (
:
(2)
فعلى هذا القول؛ فصاحب المال مشبه بالمدين الذي لا يسقط عنه
الدين إن تلف ماله والله أعلم.
وأما من أسقط
عنه الضمان ولو وقع الكيل، أو نقلها من
موضع إلى موضع آخر، فهي على مذهبه بمنزلة الذي تلف ما في
(1) تقدم ذكرها (الأنعام). (2) تقدم ذكره.
-- (2/31)
صفحة 818
يده قبل وجوب الزكاة أو بمنزلة الشريك الذي يذهب ماله قبل وجوب الزكاة أو بمنزلة الذي يذهب ما في يده، فمن قال: يزكي الموجود إن بلغ ما تجب فيه الزكاة، كان على مذهبه بمنزلة الذي يذهب ماله قبل وجوب الزكاة، لأن الوصول واجب وما لا الأمر إلا به فهو مأمور به مثله، فإذا تلف قبل الوصول ولم
يتم
يكن منه تفريط، فقد تلف قبل تمام الوجوب، ومن كان عنده يزكي ما بقي؛ سواء بلغ ما تجب فيه الزكاة أو لم يبلغ، كان على مذهبه بمنزلة الشريك الذي يذهب بعض ما في يده فيشتركان في الباقي، وقد قال في كتاب (الدعائم): فمن علم مقدار الزكاة بكيل التمرة ثم أتت عليها جائحة فأهلكتها، فعلى أكثر قول أصحابنا تجب الزكاة على أربابها وإن لم يكن منهم تفريط في تأخير الزكاة، والنظر والحجة يوجبان أن لا زكاة عليهم لأنهم أمناء لشركاتهم الفقراء، ولا ضمان عليهم إلا بالتعدي فيها بخيانة تكون منهم بمنع أو تأخير، وأن يكون الضمان عليهم
الوجهين جميعاً والله أعلم.
ساقطاً
في
وأما الوجه الذي يكون فيه ضامناً على كل حال هو إذا وقع منه التفريط بمنع أو تأخير في هذه الوجوه كلها، وكذلك إن
1441 (2/32)
صفحة 819
عزلها وتلفت من غير تفريط على ما قدَّمنا من الإختلاف، فمن أسقط عنه الضمان كان على قوله بمنزلة الأمين الذي يضمن ما تلف
إلا بالتعدي والله أعلم.
مسألة
15
،
واختلفوا أيضاً هل يحسب على الرجل ما أكل من زرعه وتمره قبل الحصاد وبعد وجوب الزكاة؟ قال بعضهم: يحسب عليه والدليل على هذا لأنه مال وجبت فيه الزكاة أصله سائر الأموال، وقال بعضهم: يأكل هو وعياله على قدر حاجتهم من غير إسراف، ويفعل منه المعروف، ويداري به ويعطي للجار ويطعم ضيفه ويعلف دابته بغير حساب ما لم يبد في الحصاد، ولو أكله كله إلا ما أذهب منه في وقت واحد خمسة أوساق فصاعداً فعليه زكاته، فهذا يدلُّ من قولهم أنه لا تجب فيه الزكاة ما لم يقع فيه الحصاد، ويدلُّ على هذا قوله تعالى: {وهو الذي أنشأ جنات معروشات إلى قوله: وكلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حصاده يک فقد أباح لهم في هذه الآية الأكل
حقه يوم
•
(1)
وأوجب عليهم إخراج الحق يوم حصاده. ولعل هذا المعنى الذي ذهب إليه من أجاز له جميع ما ذكرنا من الانتفاع بغير حساب،
(1) تقدم ذكر الآية (الأنعام).
(3)
- 33 - (2/33)
صفحة 820
الزكاة
ولو أوقع الحصاد ما لم يفرغ منه إلا ما وصل إلى الأندر أو اجتمع عنده من ذلك في مكان ما تجب فيه الزكاة من الحب. فإذا اجتمع ما تجب فيه الزكاة عنده من ذلك فلا يأكل بعد وجوب عليه من الزرع، والدليل أيضاً على جواز الأكل بغير حساب ما روي أنه عليه السلام أجاز لرب المال أكل البشر والرطب بلا زكاة منه حتى يبدأ في القطع، ما دام تحت النخل قبل أن يصل إلى الأندر أو إلى العريش، يأكل هو وخدامه، فإذا وصل إلى الأندر فلا يأكل إلا بحسابه، يأخذ تسعة ويعزل واحداً الله تعالى بكيل كبير أو صغير، ولو كان يحفن حفناً بيده، فإذا فرغ من الحصاد فإنه يحسب كل شيء موجود ولم يؤكل بعد، ولو كان دقيقاً أو طعاماً أو عجيناً والله أعلم.
وقال بعض: لا يأكل ما ذكرناه إلا بحسابه، ما خلا
جميع
العمال عمال الزرع أو التمر فإنهم يأكلون ما داموا في حصادها من عياله كانوا أو من غيرهم من الناس، سواء وصل إلى الأندر أو لم يصل، ما لم يفرغوا من عملهم، ولا يأكلون في اليوم الذي لا يعملون شيئاً، ويجعل لهم جميع ما لا يستغنون عنه مما يقويهم ويعينهم على عملهم من ذلك الزرع، وكذلك ما لا
جميع (2/34)
صفحة 821
يصل إلى زرعه وثمره إلا به يدركه من ذلك الزرع والثمر ما لم تقف العرمة أو يجتمع عنده من الحب في مكان واحد ما تجب فيه الزكاة، فهؤلاء جعلوا صاحب المال بمنزلة الشريك يدرك ما يدركه الشريك على شريكه ما لم يجتمع عنده من ذلك
ما تجب فيه الزكاة، فإذا اجتمع عنده فهو بمنزلة الغريم على
قولهم، ولعل هذا
منهم
استحسان.
والأصل في هذا كله قوله عليه السلام: (الحبة حتى تشتد
والعنبة حتى تسود) (1) والله أعلم
وكذلك أيضاً اختلفوا هل يحسب عليه ما أعطاه للفقراء
والمساكين، قال
ذلك بعضهم: يحسب جميع ويعطي عشره إلا ما أعطاه للمسلم، وقال بعضهم: كل ما أعطاه لوجه الله فليس عليه منه شيء ولو أعطى زرعه كله
والأصل في هذا الإختلاف يأتي بعد إن شاء الله في باب [من تجوز له الزكاة ومن لا تجوز له]. وكذلك أيضاً إن رأى أنَّ عناء زرعه أكثر من قيمته فتركه من أجل ذلك على ما قدمنا من
(1) تقدم ذكره.
1401 (2/35)
صفحة 822
الإختلاف لأن الأصل في هذا كله واحد، قال بعض: عليه عشره. وقال بعض: ليس عليه شيء. وكذلك إن ترك زرعه أو غلة أشجاره بالريبة وتركها خوفاً من التباعة على ما ذكرناه من
الإختلاف
، هل يلزمه العشر أم لا؟.
ويحتمل أيضاً أن يكون سبب الاختلاف شيء آخر وذلك أنه هل الزكاة حق متعلق بالذمة، أي ذمة المالك، كالصوم والصلاة؟ أو حق للفقراء متعلق بالمال؟ فإذا كانت حقاً الله متعلقة بذمة المالك فعليه الزكاة، سواء أكله أو تركه، وإن كانت متعلقة بعين المال، زال فرضها بزوال المال، ما لم يكن التعدي من صاحب المال، وليس التعدي هاهنا من صاحب المال لأنه إنما ترك ماله من أجل الريبة خوف الله، والضرر الذي يلحقه في ماله إذا حصده، ولم يأمر الله بالضرر ولا بالريبة، وكذلك أيضاً إن كان عنده زرع قد أدرك وزرع لم يدرك فأكل الذي أدرك قبل أن يحصد الآخر ولم تجب الزكاة في الأول وحده ولا في الآخر وحده إلى أن ضم أحدهما إلى الآخر فإنه على ما ذكرناه
من الإختلاف
•
وما إن كان في الأول ما تجب فيه الزكاة فإنه يضم إليه
- 36 - (2/36)
صفحة 823
الآخر ولو لم تجب فيه الزكاة. والأصل في هذا كله فيما يوجبه النظر أنه متى اجتمع عنده من الحب ما تجب فيه الزكاة فلا
يأكل
بعد ذلك
من جميع
يضم إليه، سواء حصده. أو
لم
يحصده، لأنه مال واحد وجبت عليه فيه الزكاة، وما لم يجتمع عنده من الحب ما تجب فيه الزكاة فإنه يأكل على قول بعضهم، إلا ما وصل إلى الأندر إلا ما ذكرناه من مسألة عمال الزرع فيما قدمنا.
فصل
والعامل تابع لصاحب المال على قول من أجاز ذلك، وعلى قول من لم يجوزه يكون العُشْرُ على صاحب المال وللأجير عناه، ومثال ذلك إن استأجره أن يحرث له أرضه بسهم معروف، والبذر من صاحب الأرض، أو إستأجره لنخيله ليسقيها ويقوم بها بسهم معلوم من ثمارها فعلى قول من أجاز هذا من العلماء تكون كما اشتركوه، ويؤيد هذا القول ما روي عن
الزكاة بينهم
الرسول عليه السلام قال: (الناس على شروطهم الأشرطاً
(1)
أحلَّ حَراماً أوحرَّم حلالاً) (1).
(1) رواه الجماعة.
- ry - (2/37)
صفحة 824
وعلى قول من لم يجوز هذا من العلماء يكون للأجير عناه، وعلى صاحب الزرع والتمر الزكاة، وكذلك إن أعطى لرجل دابته أن يحرث بها بسهم مما، حرثت أو أعطاه أرضه أن يحرثها بسهم معلوم من الزرع، أو أعطاه الماء أن يحرث عليه بسهم معلوم من الزرع، فعلى قول من لم يجوز هذا من العلماء لما ورد فيه من النهي عن المخابرة أو لما فيه من الجهالة، يكون على صاحب الزرع أو الغلة العُشر ويكون لصاحب الأرض أو الدابة أو الماء نقصان أرضه أو عناء دابته أو قيمة مائه.
وعلى قول من أجاز ذلك يعطى كل واحد منها العشر على منابه كما قدمنا، وكذلك إن اتفقوا على شركة الحرث أن يكون الزرع بينهم أنصافاً وهم قد جعلوا البذر أثلاثاً سواء اشتركوا الأرض أنصافاً أو أثلاثاً أو لم يشتركوها، فإن في هذا كله قولين كما قدمنا، قال بعضهم: يقسمون كما اتفقوا أولاً، وتكون الزكاة أيضاً عليهم كذلك، لقوله عليه السلام: (الناس على شروطهم) الحديث، وقال بعضهم: يقسمون على أموالهم وتكون الزكاة بينهم كما جعلوا البذر، فهذا كله يدل من قولهم: إن الزكاة عندهم حق الزرع وهو الشيء الذي تكون فيه الزكاة لا حق الأرض
-38 - (2/38)
صفحة 825
كما روي عن أبي حنيفة أنه قال: الزكاة حق الأرض، فهذا مذكور عنه في بعض كتب أهل الخلاف، وكذلك على قولهم: من غصب شعيراً فحرثه أن تكون الزكاة على من له الزرع على حسب اختلافهم، قال بعضهم: الزرع لصاحب الشعير وعليه الزكاة، وقال بعضهم: على الغاصب عشر ذلك الزرع ويكون له الزرع وعليه مثل ما غصب من البذر وعلى هذا القول لأن صاحب الحب لا يقدر أن يصل إلى حبه لهلاكه وذهاب عينه، فلما زالت عينه وتلفت بالتعدي كان مضموناً بالبدل أو القيمة، ويؤيد هذا ما روي عنه عليه السلام أنه قال: (من اغتصب شيئاً مما يكال أو يوزن مثل الذهب أو الورق أو الطعام ثم استهلك في يده أن عليه مثل ما اغتصب من جنسه ووزنه وكيله) (1). وهذا الحديث مما وجدته الأثر وكذلك أيضاً من: (من اغتصب أرضاً وحرثها ببذره) قال بعضهم: لصاحب الأرض ما أنبتت أرضه وعليه العشر، وفي البذر هل يعطيه للغاصب أم لا؟ خلاف
في
(1)
بينهم.
والدليل على أنه لا يعطي للغاصب البذر قوله عليه السلام:
(2)
(لا عرف ولا عرف لظالم) (2). وقال بعض: على الغاصب العشر
(1) متفق عليه (2) متفق عليه.
149 - (2/39)
صفحة 826
وله الزرع وعليه نقصان الأرض، والدليل على هذا القول ما روي أنه قال عليه السلام: (من اغتصب أرضاً وزرع فيها زرعاً ثم استحقها ربها: أن يأخذها والزرع ونماه للغاصب وعليه نقصان الأرض)). والأكثر من علمائنا رحمهم الله على ما تقدم أنه لا عرف ولا
عرف لظالم والله أعلم.
•
وأما إن حرث أرض رجل بإذنه فإن الزرع له وعليه الزكاة، وإن لم ينبت بذره في تلك السنة ونبت في السنة الثانية، فحيث ما نبت بذره فهو له وعليه عشره ما لم يحرثها غيره بعده، أو يمكث في الأرض مقدار ما يفسد فيها من طول المكث، فحينئذ يكون ما في الأرض لصاحب الأرض وعليه العشر، وكذلك ما نبت من الزرع في أندره أو في موضع دمنة دوابه أو حول مطاميره، فإن الزرع في هذا كله له والعشر عليه، وكذلك من حرث أرض رجل بإذنه فحصد زرعه فما نبت بعد ذلك في الأرض فهو لصاحب الأرض وعليه العشر، وقال بعض: الزرع لصاحب البذر الأول ما لم يحرثها غيره بعده، ويكون عليه العشر: والأصل في هذا كله واحد وهو أن العشر حق الزرع لا حق
(1) أبو داود ومسلم والنسائي والبيهقي والدارقطني.
-- (2/40)
صفحة 827
الأرض، فمن له الزرع كان عليه العشر، وعلى هذا المعنى من حرث لغيره بغير إذنه فجوز له ذلك أن الزرع له حين جوز له ذلك وعليه العشر،، وروي عن أبي هارون الجلالمي: أن أبا الربيع اللالوتي حرث له قمحاً من نفسه من غير أن يأمره، فأخبره بعد ذلك،
فقال له: علي عشره، وذلك لأن الزرع له صدقة ممن حرث له
وكذلك إن طلبه أن يحرث له شيئاً لله، وحرث له من عند نفسه على هذا الحال.
أخذ
عوض بذره
،
وأما إن حرث له على أن يرد له البذر سواء أمره أو لم يأمره، وسواء ذكر له السلف حين أمره أو لم يذكره إلا أنه على أن يرد عليه البذر، فإنه في هذا كله ما لم يأخذ عوض بذره قبل أن يدرك الزرع، فالحرث له وجميع ما يطرأ عليه من الجوائح فمن ماله، لأنه ماله لم يخرج بعد من ملكه، وإن قبل أن يدرك الزرع خرج من ملكه حينئذ لمن أخذ منه العوض بالعوض الذي أخذ منه على أصل اتفاقهم، وإن لم يأخذ شيئاً حتى أدرك الزرع لزمته الزكاة، ونظير هذه من وهب لرجل زرعه بعد أن يدرك كانت زكاته على الواهب، وإن وهبه قبل أن يدرك كانت زكاته على الموهوب له، وقد تقدمت هذه المسألة
- {1 - (2/41)
صفحة 828
وأما إن حضر الشعير فقال له: أسلفت لك هذا الشعير أو
نصف هذا الشعير، وأراد أن يشتركاه، ثم حرثه بعدما دخل يده فإنه يكون الزرع بينها نصفين، وتكون الزكاة بينهما نصفين، سواء أعطى له ما استلف من عنده أو لم يعط له، لأن نصف الشعير له بالسلف والله أعلم.
وكذلك إن حرث من شعيره للمسجد أو للفقراء أو للمساكين أو للأجر، فإنه في هذا كله يكون الزرع للفقراء أو للأجر أو للمسجد كما حرثه، وليس عليه من العشر شيء لأنه لم يكن له في الزرع شيء، وهذا كله سبيل ما كان الله، فهذا كله يدلُّ من قولهم إن الزكاة حق المحب، غير انه ذكر في بعض كتب أصحابنا عن الربيع بن حبيب وعبد الله بن عبد العزيز إذا كانت الأرض خراج فقولها إنه ليس فيها عشر لأنه لا يجتمع الخراج والعشر، وقال ابن عباد: فيها الخراج مع العشر، فان صح هذا عن الربيع فقد دل هذا منه أن الزكاة حق الأرض إن كان مذهبه في هذه المسألة ما ذكرناه، والله أعلم ما مذهبه في هذه المسألة إن صحت عنه؛ ولعل بعض أصحابنا ممن يذهبون إلى هذا القول لأني استدللت على ذلك مما رأيته في الاثر عنهم. (2/42)
صفحة 829
وما ابشترى الذمي من النخل والأرض والغنم والإبل والبقر من
أرض المسلمين ولو تداولها ذمي بعد ذمي إذا كان أصلها من أموال المسلمين ففيها الزكاة، وليس لهم أن يخرجوا بالماشية من أرض المسلمين إلى أرض المشركين أذا كانت تجري فيها الصدقة.
وما اشتراه المسلمون من نصارى العرب من الأموال التي يجري فيها الخمس عندهم، فإنما على المسلمين فيها العشر، فهذا يدل منهم أن الزكاة حق الأرض كما كانت حق الإبل والبقر والغنم والله أعلم. (2/43)
صفحة 830
باب في زكاة الذهب والفضة
والذي يجب عليه في زكاة الذهب والفضة ربع العشر
(1)
6
والدليل قوله عليه السلام: (في الرقة ربع العشر)). والرقة إسم
يتناول الذهب والفضة، وشروطها ثلاثة خصال: استكمال النصاب واستقرار الملك، واستكمال الحول.
"
أما استكمال النصاب: فالحجة فيه ما روي من طريق ابن عباس، أن النبي عليه السلام قال: (ليس فيما دون خمس أواق صدقة) (2). والأوقية أربعون درهماً، (وليس فيما دون
(2)
(3)
عشرين مثقالاً صدقة) (3). والمثقال عندهم وزن ثلاثة قراريط من. الفضة، والقيراط وزن ثلاثين حبة من الشعير، وهذا في غير المسكك من التبر، وأما المسكك فإن وزن الدينار عندهم أربعة
(1) أحمد وأبو داود والترمذي. (2) أحمد ومسلم.
(3) ابن ماجه والدارقطني والبيهقي.
- {{- (2/44)
صفحة 831
وثمانون حبة، ونقصت منه ست، حبات بالنار
،
واختلفوا فيما زاد
على المايتين درهماً والعشرين مثقالاً، فعند أصحابنا ما زاد على المايتين درهماً، ففي كل أربعين درهماً درهم، وما زاد على العشرين مثقالاً، ففي كل أربعة مثاقيل عشر المثقال، ولو بلغت القناطير، وما دون الأربعين درهماً، فليس فيه شيء، وكذلك ما دون أربعة مثاقيل.
والدليل عندهم ما روي عن النبي عل الله قال المعاذ: (إذا زاد على المايتين ففي الأربعين درهماً درهم) (1). وأما ما زاد على العشرين مثقالاً فلم أحفظ فيه خبراً عن الرسول عليه السلام في أثر أصحابنا، ولعلهم حملوا ذلك على ما جاء في حديث معاذ، ولذلك جعلوا أربعة مثاقيل بإزاء أربعين درهماً على ما كانت قيمته قديماً، ولأن الذهب والفضة عندهم جنس واحد على ما يأتي تبيانه إن شاء الله. وفي الأثر: وقال ابن عباد: وما زاد على المايتين درهماً أو العشرين مثقالاً فبحسابه قليلاً كان او كثيراً، وعلى قول ابن عباد قال بعض أهل الخلاف، واحتجوا بدليل الخطاب من قوله عليه السلام: (ليس فيما
(1) متفق عليه. (2/45)
صفحة 832
دون خمس أواق صدقة (). ومفهومه أنَّ ما زاد على ذلك فيه الصدقة قل أو كثر، ويقال لهم حديث معاذ المتقدم أقوى من دليل الخطاب، ولسنا نأخذ في هذا بقول ابن عباد والقول في ذلك عندنا قول الربيع، وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا رحمهم الله فيما ذكر في بعض الأثر
ولا تجب الزكاة على الشريكين حتى يكون لكل واحد منها نصاب، ولا يستتم الشريك فيه أيضاً النصاب بنصيب شريكه كما يستتم في الثمار والحيوان.
والأصل في هذا فيما يوجبه النظر أن الشرع ورد في الحيوان ان الخلطة لها تأثير في استكمال النصاب على ما يأتي بيانه إن قدر الله سلامة، فألحقوا الثمار بالحيوان لأنهما جميعاً مال ظاهر تجب فيه الزكاة، فوجب تساويهما في ذلك، بخلاف الذهب والفضة، وقال بعض أهل الخلاف: إن الشريك في ذلك بستتم بنصيب شريكه والله أعلم.
واختلفوا أيضاً، هل يضم الذهب إلى الفضة، والفضة إلى
(1) تقدم ذكره.
-27 - (2/46)
صفحة 833
الذهب ويستكمل بهما النصاب إذا عجز كل واحد منهما عن النصاب؟ قال أصحابنا: يضم كل واحد منهما إلى صاحبه ويستكمل
به النصاب عند عجز كل واحد منهما عن النصاب، وذلك أنهما
،
عندهم بمنزلة شيء واحد لاتفاقهم في المنفعة، كما تقول الفقهاء: انهما رؤوس الأموال، وقيمة المتلفات، وعليهما قاس أبو عبيدة
رحمه الله، ضم الحنطة إلى الشعير في استكمال النصاب.
وفي الأثر: وإذا كان لرجل عشرة مثاقيل من ذهب وماية درهم فحال عليه الحول، فقولهما أن فيه الزكاة، وبه نأخذ يعني الربيع بن حبيب وابن عبد العزيز. وقال ابن عباد: لا زكاة في شيء من ذلك حتى يكمل الذهب عشرين مثقالاً والفضة مايتي درهم ولا يضاف بعضه إلى بعض، ويقول هذا مال مختلف، وهو بمنزلة رجل له ثلاثون شاة وعشرون بقرة وأربعة أبعرة قال: فلا يضاف بعض هذه الأموال إلى بعض، وكذلك ذكر عن الشافعي قال: يضم ذهب إلى فضة ولا فضة إلى ذهب، والقول الأول أصح،
لا
وهو قول أصحابنا رحمهم الله.
وأما صفة الضم في هذا فإنه ينظر مقدار كل جنس منهما في
- {Y- (2/47)
صفحة 834
صاحبه فإن تمَّت الفريضة في أحدهما بالتصريف أخذ الوقت، وأدى عنه بقدر ما يصلح للزكاة، وذلك على وجهين: أحدهما يكون
الأداء
عند أخذ الوقت والأداء جميعاً، والثاني يكون عند وقت فقط. فأما الوجه الذي يكون عند أخذ الوقت والأداء فهو أن يكون كل واحد منهما قاصراً عن النصاب وحده فإنه يصرف أحدهما إلى الآخر لأخذ الوقت ويصرفهما أيضاً لوقت العطية.
وأما الوجه الثاني الذي يكون عند وقت الأداء فقط، فهو أن تتم الفريضة في أحدهما فلا يحتاج إلى تصريف الزيادة منهما
لأخذ الوقت لأن كل واحد منهما أصل لصاحبه والله أعلم.
وبالجملة إن معنى هذا كله ينحصر في ثلاث مسائل إحداهن: أن يكون كل واحد منهما غير قاصر عن النصاب، مثل: أن يكون عنده عشرون مثقالاً ومايتا، درهم، فإن هذا يعطي على كل فريضة ما نابها ولا يكسر أحدهما إلى الآخر باتفاق، الثانية مقابلة للمسألة الأولى: وهو أن يكون كل واحد منهما قاصراً عن النصاب بانفراده فإن هذا يصرف أحدهما إلى صاحبه لأخذ الوقت ولوقت العطاء، مثال ذلك: أن يكون عنده عشر مثاقيل ذهباً
- 48 - (2/48)
صفحة 835
ومايتا درهم فضة أو خمسة عشر مثقالاً ذهباً وخمسون درهما فضة وما أشبه هذا المعنى، فإن في هذا كله يأخذ الوقت ويصرف إلى
أيها يصلح للزكاة عند حلول الوقت، وكذلك إن كان عنده تسعة مثاقيل تساوي مائة درهم ومائة درهم أو مائة درهم تساوي أحد عشر مثقالاً وتسعة مثاقيل، فإنه يصرف أحدهما إلى صاحبه لأخذ الوقت ولوقت العطاء، وأقل ما يصرف إليه من الفضة ثلاثة دراهم كما لا يكون له أصلاً للزكاة إلا ثلاثة دراهم فصاعداً على ما سيأتي
بيانه إن شاء الله
له
وقال بعضهم
أقل ذلك درهم، وأما أقل من الدرهم فلا حكم عندهم، وهذا يمكن أن يكون منهم استحساناً لأن هذه مسألة إجتهادية اختلف الناس فيها، ومثال ذلك: أن يكون عنده تسعة عشر مثقالاً وثلاثة دراهم، وثلاثة دراهم، أو درهم في قول بعضهم، فإنه إن كان في الكل صرف مايتي درهم أخذ الوقت وأدى وقت الأداء والله أعلم.
وأما الذهب فإنه يصرف إلى القليل منه والكثير، وقال بعضهم: أيضاً لا يصرف إلا إلى ثلاثة دنانير كما لا يكون له أصلاً إلا ثلاثة
(3)
-?9 - (2/49)
صفحة 836
دنانير فصاعداً كما قدمنا في الفضة، ومثال ذلك أن يكون عنده مائة درهم وثلاثة دنانير من الذهب أو أقل من ذلك في قول بعضهم وفي صرفها ما تتم فيه مايتا، درهم، فإنه يأخذ الوقت كما قدمنا والله أعلم.
الثالثة من المسائل: أن يكون أحدهما مستكملاً النصاب والثاني قاصراً، فإنه في هذا يأخذ الوقت عندهم، واختلفوا في القاصر عن النصاب، هل يضم إلى المستكمل النصاب أم لا؟ مثل أن يكون عنده عشرون ديناراً وثلاثون درهماً، فإنه قال بعضهم: ليس عليه في الثلاثين درهماً شيء حتى تبلغ أربعين درهما، ثم يؤدي عليها درهماً، ويشبه أن تكون العلة في هذا المذهب لما كان استكمال النصاب قد تعلقت به فريضة الزكاة باتفاق وجب ألا يكسر إلى فريضة غير متفق عليها، وإذا لم يكسر المستكمل النصاب لم يكسر أيضاً القاصر عن النصاب، ولكنه يعتبر اعتبار لأن الذهب والفضة جنس واحد،
الزائد على المايتين من الفضة
(
وقال بعض: يصرف الثلاثين درهماً إلى العشرين ديناراً ويعطي عليها إن كان فيها صرف أربعة دنانير، وذلك لأن المتفق عليه
أصل للمختلف فيه.
191 (2/50)
صفحة 837
وأما من قال ينظر في ذلك إلى وجه يصلح للزكاة فيفعله فهو
أحوط والله أعلم.
وكذلك أيضاً من له مايتا دوهم وثلاثة دنانير على هذا الحال، غير أن الفضة أصل للذهب لأن الذهب يجري مجري السلع لأنه يزيد في القيمة وينقص، فإذا كانت الفضة أصلاً للذهب كان صرف الذهب إلى الفضة أقوى من صرف الفضة إلى الذهب، وهذا كله مسائل اجتهاد رأي والله أعلم.
وأما زكاة الحلي فإنهم اختلفوا على ما يعطى عليه، قال بعضهم: يعطى على ما جعل فيه، وقال بعضهم: يعطى على وزنه، يزنه كل سنة، وقال بعضهم: يعطى على قيمته، وهذه الأقوال كلها قريبة بعضها من بعض فيما يوجبه النظر، لأنهم اتفقوا على وجوب زكاة الحلتي، ولكنهم اختلفوا من جهة أخرى، وذلك أنَّ من قال يعطى على ما جعل فيه من الذهب والفضة فزكاة الحلي عنده هي في الحقيقة زكاة الذهب والفضة، فأوجب أن يعطى على ما جعل فيه، غير أنه تتعذر معرفة ما جعل فيه لغير مالكه الأول عند الانتقال الأملاك ولا نتقاصه أيضاً، ولعل لهذا المعنى راعى من قال يزنه كل سنة، غير أنه لم يراع معنى آخر، وهو ما يكون في
بوجوه
1911 (2/51)
صفحة 838
الحلي من الخلط من غير الذهب والفضة، وهذه المراعاة أليق بمذهب من قال يعطى على قيمته، على أن حديث المرأة التي دخلت على النبي عليه السلام وفي يدها سوار من ذهب فيه سبعون مثقالاً فقالت له: أخرج الفريضة، فأخرج منه مثقالاً وثلاثة أرباع مثقال، يدل على أن زكاة الحلي على وزنه أو على ما جعل فيه والله أعلم. وكذلك أيضاً اختلفوا فيمن له مابتا درهم سوداء وعشرون ديناراً رديئة، قال بعضهم: يغطي منها زكاتها، وقال بعض: ليس عليه شيء حتى تكون في الدراهم مايتا درهم نقرة، وفي الدنانير من الذهب وزن عشرين مثقالاً، وذلك عند هؤلاء لأن الزكاة إنما هي في الحقيقة على الذهب والفضة لا على غيرهما ولذلك اعتبروا المعنى.
وأما الأولون فلعلهم اعتبروا ما يقع عليه الإسم ويكون بمنزلة التمر الرديء، والشعير الرديء، فإن الزكاة في هذا واجبة بلا خلاف أعلمه والله أعلم. (2/52)
صفحة 839
باب في استقر
الملك
وأما استقرار الملك فإنه شرط في الزكاة، لأن الزكاة إنما هي على
(1)
(2)
أرباب الأموال لقوله عليه السلام لمعاذ: (انتظر بأرباب الأموال حولاً ثم خذ ما أمرتك به) (1). ولقوله عز وجل: وخذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها). فمتى استقر في يد المالك نصاب من المال وجب عليه أن يأخذ له الوقت، وهذا في غير الذهب والفضة، وأما هما فإنما يراعى فيها الملك فقط سواء كانت في يده أو في ذمة غيره سلفاً أو ديناً حل أداؤه على ما قدمنا من الاختلاف بينهم في زكاة الدين.
وأما من كان له دين على رجل مفلس أو دين لم يحل أجله فإنه ليس عليه في هذا زكاة، لأنه ممنوع منه، وما هو ممنوع منه
(1) متفق عليه.
(2) التوبة: 103. (2/53)
صفحة 840
بمنزلة
المعدوم، وعلى هذا إن جحده المدين فحلفه فليس عليه شيء، وأما إن لم يحلفه فإنه يؤدي زكاته لأنه قادر على أخذ ماله، إلا أن يكون المدين ممن لا يقدر على أخذ حقه منه، أو كان غائباً،
قد أيس منه، وإن كان المدين لا يعرفه وأيس منه فإنه في هذا
منه
فالعلة في هذا كله ممنوع
6
كله ليس عليه شيء لأنه واحدة. وكذلك كل ما تلف له من مال مدفون على هذا الحال
والله أعلم
•
وإن ملك مالاً لا يعرفه مثل ما إذا ورثه فإن وقته من حين ورثه، لأن العلة في هذا كله الملك وإن كان هذا المالك طفلاً أو
من
مجنوناً، ثم بلغ الطفل أو أفاق المجنون، فعلى ما قدمنا الاختلاف، فمن جعل عليها الزكاة قال: وقتها من حين دخل المال ملكها، ومن أسقط عليهما الزكاة جعل وقتهما من حين
التكليف والله أعلم
•
فصل
والمرأة إذا تزوجت بفريضة الدنانير أو الدراهم وقد تم ما تجب فيه الزكاة ولم تيس الزوج فإن في هذا اختلافاً، قال بعضهم:: و تأخذ
-30 - (2/54)
صفحة 841
الوقت وتزكي، وقال آخرون: تأخذ الوقت ويكون ذلك موقوفاً حتى يمس الزوج أو يطلق، وأصل اختلافهم هل الصداق يجب لها بالعقد أو بالمسيس؟ فمن قال: إنما يجب لها الصداق بالعقد أوجب عليها أن تأخذ الوقت وتزكي، فإذا وقع الطلاق قبل المسيس نصف الصداق إلى الزوج بالطلاق، ومن قال: إنما يجب لها الصداق بالمسيس، وإنما يجب لها بالعقد النصف فقط لم يوجب عليها زكاة النصف الباقي، وتكون موقوفة حتى يمس الزوج أو يطلق قبل أن يمس، والله أعلم.
رجع
وأما إن تزوجها بعشرين ديناراً نكاحاً فاسداً أو كانت ذات محرم منه ثم عرف بعد ذلك، فإن هذه لا تستحق الصداق إلا بالمسيس، فإذا وقع المسيس وجب الصداق، وأخذت الوقت لقوله عليه السلام: (لكل موطوءة صداق) (1). وكذلك أيضاً اختلفوا في الأجير متى يأخذ الوقت إن استأجره بعشرين ديناراً،
قال
بعضهم
: لا يأخذ الوقت حتى يكمل العمل ويستحق الدنانير:
6
وقال بعضهم: إذا دخل العمل استحق الدنانير، وعليه أخذ الوقت
(1) رواه الجماعة
1801 (2/55)
صفحة 842
للزكاة ووجب عليه أن يوفي العمل. وكذلك إن أخذ وصية الحج بالأجرة على هذا الحال
وأصل اختلافهم في هذه المسائل في هذا الفصل من جهة
اختلافهم متى يستحق هذا المال ومتى لا يستحقه والله أعلم.
وأما جميع ما يرجع إلى قيمة العدول من عناء الاجارات، وأرش الجراحات، ومتعة النساء المطلقات، وغير ذلك من فساد الأموال والتباعات، فإنه في هذا كله لا يؤدى عليه الزكاة، ولا يسقطه الذي وجب عليه حتى يقو، فإذا قوم عند الحاكم أو تراضيا على القيمة عند أنفسهما أخذ له الوقت صاحبه وأسقطه الذي هو عليه، لأنه ما لم يثبت له ولم يعرف ما يصح له بعد والله أعلم.
وجميع هذه الديون التي يؤدى عليها ويسقطها من وجبت عليه إنما هي في الذهب والفضة خاصة كما قدَّمنا، ويحط ما عليه من الدنانير من الدراهم، وما عليه من الدراهم من الدنانير التي عنده، لأن الدنانير والدراهم جنس واحد كما قدمنا، وكذلك المسكك
وغير المسكك
على
هذا الحال
"
وجميع
ما عليه من الديون المعلومة
يسقطها عرف أصحاب الديون أو لم يعرفهم، وسواء كان
1971 (2/56)
صفحة 843
الدين من قبل المعاملات أو من قبل التعديات، إلا ما لم يحل من الديون، فإنه لا يسقطه ويؤدي على ما في يده حتى يحل الأجل،
لأنه لم يجب عليه بعد
•
وأما ما عليه من الديون فيما بينه وبين الله ما لا خصم فيه لأحد من المخلوقين مثل دين مال المسجد أو ما عليه من الزكاة أو الخمس أو ما جعله للمساكين أو ما عليه من وصية وارثه، أو من الانتصال، فإن في هذا كله اختلافاً، قال بعضهم: يحط، وقال بعض: لا يحط، فمن قال: يجب، فهي عنده بمنزلة سائر الديون التي لمخصوص من الناس، وقد تقدم لهذا القياس قياس المصطفى عليه السلام، حين قال للخثعمية حين سألته أن تحج عن أبيها فقال لها: (أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكنت قاضية عنه؟ قالت: نعم. قال: هذا كذلك) (1)
(1)
و من قال: لا يحط، فرق بين ما يلزمه فيما بينه وبين الله، وما يلزمه فيما بينه وبين العباد، والفرق بينهما: أن ما لزمه لمخصوص من الناس يعطي عليه صاحبه، ولذلك يسقطه من وجب عليه،
(1) تقدم ذكره.
- 57 - (2/57)
صفحة 844
وما لزمه فيما بينه وبين الله بخلاف ذلك، وقد تقدم الاحتجاج على هذا فيما تقدم والله أعلم.
وأما من كأنه له على رجل دين فأخذ عليه حميلاً، فإن الحميل لا يسقط ما وجب عليه ما دام الذي عليه الدين موسراً، وإن
(2)
كان الحميل بمنزلة المدين، لقوله عليه السلام: (الزعيم ضامن) (1) ولكنه لا يسقط ما وجب عليه، لأن له الرجوع على الذي عليه أصل الحق، وإن كان الذي عليه أصل الحق مفلساً أسقط ما وجب عليه من حيث أنه لا يرجع على المعسر بشيء، والمعسر كالمعدوم، لأن الله أعذره بقوله: هو وإن كان ذو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى ميسرة) (2). وكذلك أيضاً إن أخذ حميلاً على حميل، فإنه ما دام المحمول عليه موسراً لا يحط عليه أحد، فإن أفلس أسقط الحميل الأول، ولا يحط الحميل الآخر شيئاً، لأنه يرجع على الجميل الأول، وإنما لم يحط الجميل الآخر ما دام المدين موسراً وإن لم يكن له تحميل لأنه عليه إذا أدى عليه لأنه أعطى يرجع الحق عليه، وإن أعسر الجميل الأول والمحمول عليه أسقط
الحميل الآخر
(1) أحمد ومسلم وأبو داود. (2) البقرة: 280
1011 (2/58)
صفحة 845
وأما إن أخذ على المدين حميلين أو ثلاثة في مكان واحد أو
في أمكنة شتى، فإنه لا يحط أحد ما دام المحمول عليه موسراً
لأن لهم الرجوع عليه كما قدمنا، فإذا أفلس أسقط كل واحد منهم
ما نابه على الرؤوس والله أعلم.
وكذلك أيضاً إن تحملا عليه جميعاً، واشترط عليها صاحب
الدين حيهما عن ميتها وشاهدهما عن غائبهما، وموسرهما عن
،
6
معدومها فإنها لا يسقطان ما دام المحمول عليه موسراً، فإذا أعسر أسقط كل واحد منها ما، نابه وكذلك إن مات بعد ذلك أحدهما أو غاب، فإنه لا يسقط الباقي إلا ما نابه لأنه يرجع على الغائب بسهمه وعلى ورثة الميت بما نابه. وأما إن أعسر أحدهما مع إعسار المحمول عليه فإن الآخر يحط جميع الدين، والأصل في هذه المسائل كلها واحد، وهو أن كل موضع يرجع فيه الحميل على غيره فإنه لا يحط ولو لزمه إعطاء الدين والله أعلم.
109 - (2/59)
صفحة 846
باب في استكمال الحول
واستكمال الحول شرط في الزكاة، زكاة الذهب والفضة
والحيوان، بدليل قوله عليه السلام لمعاذ حين بعثه إلى اليمن عاملاً:
(إنتطر بأرباب الأموال حولاً ثم خذ
حولا ثم خذ منهم
ما أمرتك به) (1)
وقوله عليه السلام: (ليس في مال صدقة حتى يحول عليه الحول) (2) ففي هذا دليل أنه لا تجب الزكاة في مال حتى يحول عليه الحول
عند مالكه، فبهذا يحتج من قال: لا زكاة في الفائدة مع حتى يحول عليها الحول.
الأصل
وأما من أوجب الزكاة في الفائدة مع الأصل قبل الحول احتج بقوله عليه السلام لمعاذ: (إذا زاد على المايتين درهماً تفي الأربعين درهماً درهم) (3). وتفصيل هذا أن الفائدة لا تخلو من وجهين: إما
(1) تقدم ذكره. (2) أبو داود. (3) تقدم ذكره. (2/60)
صفحة 847
من
أن ترد على نصاب من المال فصاعداً، وإما أن ترد على أقل النصاب، فإذا وردت على نصاب من المال، فمن جعل حكمها حكم المال الواردة عليه اعتبر حولها بحول الأصل لأنها مال واحد، ومن لم يجعل حكم الفائدة حكم المال الواردة عليه اعتبر حولها من يوم استفادها، والقول الأول أصح، لأنه لا ينضبط على القول الآخر لأرباب الأموال وقت لتعذر ذلك والله أعلم.
وأما إن وردت على أقل من النصاب، فإن ذلك على وجهين أيضاً، أحدهما: ان ترد على مال لم تؤد عنه الزكاة قط، وهو أقل من النصاب. والثاني: أن ترد على مال قد أعطيت عنه الزكاة فانتقص عن النصاب، فإنهم اتفقوا على أن الفائدة إذا وردت على مال أقل من النصاب ولم تجب فيه الزكاة قط أنه يستقبل الحول إن كمل من مجموعهما النصاب من يوم کمل، لأن الفائدة إنما وردت على مال لم يجب فيه حكم قبل ذلك يصير به أصلاً تحمل
عليه الفائدة
وأما إن وردت على مال أعطيت عليه الزكاة ثم انتقص عن النصاب فإنها تحمل على ما وردت عليه من المال في قول من قال:
-41 - (2/61)
صفحة 848
تحمل الفائدة على الأصل، ولو كان أقل من النصاب حين وجبت فيه الزكاة قبل ذلك، لأنه مال وجبت فيه الزكاة فحملت عليه أصله النصاب، لأن النصاب إنما حملت عليه لأنه مال تجب فيه الزكاة، وكذلك ما دون النصاب إن وجبت فيه قبل، لأنها إذا كانت تحمل على ما تجب فيه فكذلك تحمل على ما وجبت فيه،
والله أعلم.
والذي يدل عليه قول علمائنا رحمهم الله: أن اشتراط الحول إنما هو لأجل النماء، إذ الزكاة إنما هي في الأموال النامية، ولذلك لم يعتبروا في الفائدة الحول، ولكن حكمها عندهم حكم المال الواردة عليه إن وردت على مال وجبت فيه الزكاة أو تجب فيه، حملت على حوله لأنه الأصل، وإن وردت على مال لم تجب فيه
الزكاة ولا تجب فيه استقبل لهما الحول إن كمل فيهما النصاب كما قدمنا.
ومثال ورودها على مال لم تجب فيه الزكاة: أن يكون عند رجل ماية درهم، ثم استفاد بعد ذلك بزمان ماية أخرى، فإنه يستقبل الحول من يوم استفاد الماية الأخيرة لأنها وردت على ما لم
-97 - (2/62)
صفحة 849
تجب فيه الزكاة ولا تجب فيه، لأنها لا تجب على ما دون النصاب، والله أعلم.
وكذلك من له عشرون ديناراً أو مايتا درهم فأخذ لهم الوقت ثم أعطى منهم ديناراً أو تسمية منه نصفاً أو ثلثاً أو ربعاً، أو ما أشبه ذلك قبل استكمال الحول، فإن وقته منتقض .. فإن استفاد بعد ذلك ديناراً آخر استأنف الوقت من حين استفاده، لأنها فائدة وردت على ما لم تجب فيه الزكاة، ولا تجب فيه حين ورود الفائدة فاستقبل لهما الحول كما قدمنا. وكذلك إن تلف منها شيء بمعنى من المعاني أو غصبه له غاصب أو أخرج منها شيئاً من ملكه بأي وجه خرج من وجوه الأملاك، فإن وقته في كل
هذا منتقض لما قدمنا
وكذلك إن أبدلها بعشرين ديناراً يداً بيد، فإن وقته منتقض عند بعضهم، وذلك أنهم اختلفوا في البدل، قال بعضهم: بدل الشيء هو الشيء، وقال آخرون: بدل الشيء غير الشيء.
وأما إن أسلفها لرجل أو أسلف بعضها، فإنه في هذا الوجه لا ينتقض وقته لأن عليه أن يعطى على ما له على الناس من
-45 - (2/63)
صفحة 850
السلف، فإذا كان عليه أن يعطي، كان بمنزلة المال الحاضر:
"
والله أعلم.
وكذلك أيضاً إن رجعت إليه بعدما تلفت وأيس منها أو رَدَّ له الغاصب الذي غصبه له فإنه في هذا كله كان وقته الأول، ويؤدي على ما مضى من السنين.
وقال آخرون: إن أيس منها فقد زال وقته الأول ويستأنف الوقت، فحكمها عند هؤلاء حكم المال الحادث، وكذلك من له عشرون ديناراً على رجل فأخذ لها الوقت ثم أفلس المدين، إن وقته ينتقض، وإن أيس بعد ذلك، فعلى ما قدمنا من الاختلاف، والله أعلم.
وأما مثال ورودها على مال تجب فيه الزكاة أن يكون عنده مايتا درهم، فأخذ لها الوقت ثم استفاد بعد ذلك ماية أخرى، فإنه يحملها على النصاب الأول، لأنه مال تجب فيه الزكاة، فعلى هذا إن أخذ الوقت لعشرين ديناراً، فاستفاد عشرين أخرى فتلفت العشرون الأولى، إن وقته ثابت لأن حكم الفائدة في هذا حكم المال
الواردة عليه، والله أعلم.
- 64 - (2/64)
صفحة 851
وأما مثال ورودها على مال وجبت فيه الزكاة أن يكون عنده
والدنانير
عشرون ديناراً أو مائتا درهم، فأعطى عنها الزكاة ثم تلف له بعضها بعد ذلك واستفاد دنانير أخرى، فإنه يضمها على الأصل الباقي ويؤدي على وقته الأول، ووقته ثابت ما بقي من الدنانير التي اعطى عنها الزكاة ثلاثة دنانير أو ثلاثة دراهم من الدراهم التي أعطى عنها الزكاة، وهو أقل ما يكون له أصلاً في الزكاة عندهم، لا من الدراهم ولا من الدنانير ولا من الإبل ولا من البقر ولا من الغنم، لأنه أقل الجمع وما دون ذلك لا حكم له عندهم، وقال آخرون: أقل ذلك اثنان وهو أقل الجمع عـ عند بعض، تكون أصلاً للدراهم، وكذلك الدراهم تكون أصلا للدنانير، لأنهما جنس واحد، والمسكك والتبر على هذا الحال، وإن حال الحول على عشرين ديناراً في يده فذهبت قبل أن يؤدي عنها وبقيت منها ثلاثة، فإنها تكون أصلاً حين وجبت فيها الزكاة سواء أدى عنها أو لم يؤد لأنه مال وجبت فيه الزكاة، وحكم هذه الثلاثة كحكم النصاب قبل أن تجب فيه الزكاة، فكل شيء ينقض وقته في النصاب ينقضه في هذه الثلاثة التي هي أصل من خروج الأملاك وغير ذلك من جميع ما قدمناه نسقاً بنسق.
(0) (2/65)
صفحة 852
وكذلك إن أبدلها بمثلها أو صرفها على ما قدمناه من الاختلاف
فلا معنى لإعادته، والله أعلم.
ومن له عشرون ديناراً فحال عليها الحول فضيع زكاتها فاستفاد عشرين ديناراً في السنة الثانية، فحال عليها الحول، فضيع أيضاً ولم يؤد زكاتها، فاستفاد في العام الثالث عشرين،، ثم كذلك إلى ثمان سنين، ولم يؤد عنها شيئاً، فإنه يؤدي على السنين الماضية كلها أربعة دنانير لكل سنة، لأنه قد أصلنا أن حكم الفائدة (1) حكم المال الواردة عليه، فمتى لم يخرج زكاة ماله بعد وجوبها، فكل فائدة دخلت عليه قلت أو كثرت يؤدي عليها مع زكاته الأولى ما بقيت، طالت المدة أو قصرت، لأن كل فائدة دخلت عليه صار حكمها حكم الأصل الأول، وقال بعضهم: يعطي على السنة الأولى نصف دينار، ويعطي على الثانية ديناراً، ويعطي على الأواخر لكل سنة ما يجب فيها، حتى تتم ثمان سنين، فهؤلاء لم يسلكوا سبيل الأولين لأن بعضهم قال: ليس عليه في الفائدة بعد الوقت شيء. وقد ذكر في الأثر عن الإمام أفلح بن عبد الوهاب رحمه الله ما يشبه هذا قال: كل ما استفاد الرجل من الغنم مما تجب فيه الزكاة أنه يستأنف له الوقت كانت له كلها أو
السنين
(1) الفائدة هنا يعني بها المصنف المال المستفاد لا بمعنى الربا كما أصبح معناها اليوم، أهـ.
-77 - (2/66)
صفحة 853
كان له فيها شريك، وأما إن استفاد مالاً تجب فيه الزكاة، فإنه يضيفه إلى ما عنده من الغنم ويؤدي على الكل، وهذه مثل تلك، والله أعلم.
وإن أعطى بعض الزكاة ولم يعط بعضاً، فعلى ما قدمناه من الاختلاف، قال بعض: يعطي، وقال بعض: لا يعطي، وقال بعض: يعطي بالمحاصصة بقدر ما لم يعط عليه الزكاة من المال، والله أعلم.
فقد صح أنَّ الحول شرط في وجوب الزكاة، غير أن بعض الفقهاء استحب له أن يقصد بها وقتاً معلوماً بالتقرب والقصد والنية، ليعلم بذلك وقتاً ينتهي إليه بالأداء لما يجب عليه، والمستحب عندهم أن يأخذ شهراً من ثلاثة أشهر: المحرم أو رجب أو رمضان، فإذا دخلت ملكه في غير هذه الأشهر فليخرجها من
لذلك
ملكه إلى غيره ثم يردها عند آخر يوم من أحد هذه الشهور،
فيكون له ذلك الشهر كله وقتاً ولا يأخذ الوقت من غرة الشهر
فإذا استهل الشهر الذي أخذه للوقت، فيجب عليه أن يؤدي حينئذ
،
زكاته ولا يكون مضيعاً حتى ينسلخ الشهر ولم يعط، وكذلك إن
-78 - (2/67)
صفحة 854
لأنه
تلف في الشهر الذي أخذه وقتاً لزكاته فليس عليه شيء مضيع، وكذلك إن استفاد في ذلك الشهر فائدة بعدما أعطى
فليس عليه فيها شيء لأنه أعطى في وقته.
غير
6
وأما إن أخذ الوقت من أول الشهر، فإنه إن مضى منه يوم واحد ولم يؤد زكاته فإنه مضيع، وفي الأثر: فهذا كله في قول المتفقهة، وأما أهل الحجة فلا يصيب عندهم في الوقت شهراً ولا يوماً، ولكن الحال التي دخل فيها المال ملك صاحبه فهي الوقت عندهم إذا دارت السنة إلى ذلك الوقت، ويجب عليه أن يؤدي فيكون الجواب عندهم في الحال كجواب أهل الفقه في الشهر كله وإنما دعا المتفقهة إلى هذا فيما يوجبه النظر، لأن العلماء اختلفوا
بعضهم
:
لا
يجوز ذلك، كما
في تعجيل الصدقة قبل وقتها، قال لا يجوز تعجيل الصلاة قبل الوقت، وقال آخرون: بجواز ذلك إن لم يبق في السنة إلا شهر أو شهران لعلة الحاجة إن رآها في الفقراء وفي الأثر أن النبي لا بعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه لقبض الزكاة، فأتى العباس عم النبي يطلب الزكاة فمنعها فأتى عمر إلى النبي وقال: إن عمك منع زكاة ماله، فقال: يا أبا حفص إن عمي لم يمنع زكاة ماله، إنما احتجنا فعجلنا (2/68)
صفحة 855
زكاة عامين لعام (1)، فهذا الحديث يدل على جواز أكثر من الشهر والشهرين، والله أعلم
وفي الأثر في قولهم رحمهم الله: إن تعجيل الصدقة جائز لهذا الخبر. على أنه إن تلف المال فلا رجوع فيها، والله أعلم. واختلفوا إن استفاد مالاً آخر قبل الوقت هل يزكيه للوقت أم لا؟ والله أعلم.
أكثر
ومن له عشرون ديناراً فتركهم ولم يؤد زكاتهم أربعين سنة أو ذلك ففيه اختلاف، قال بعضهم: يعطي تلك العشرين
من
وليس عليه غير ذلك إن مكنت أربعين سنة، وإن مكنت ثمانين
وإن مكنت من
سنة فإنه يعطيها ويعطي عشرين أخرى
نفسه،
عشرين سنة فعليه عشرة دنانير
6
وقال بعضهم: يعطي نصف دينار
وأن
على السنة الأولى وليس عليه غير ذلك، فهذا الاختلاف منهم، يدل أن منهم من قال: إن الزكاة حق الله في الذمة كالصلاة والصوم، قال: حق للمساكين متعلق بالمال، فمن كانت عنده حق في الذمة أوجب عليه أن يؤدي عن كل سنة على العشرين نصف دينار قلت أو كثرت، ومن كانت عنده حقاً متعلقاً بالمال
منهم من
(1) رواه أحمد ومسلم.
-99 - (2/69)
صفحة 856
للمساكين لم يلزمه غير نصف الدينار الذي وجب عليه في السنة الأولى، لأنه شريك مع الفقراء في الدينار، فلما صار شريكاً نقصت الفريضة ولم تلزمه الزكاة في السنين الباقية، وكذلك أيضاً على هذا الحال من له أربعون ديناراً فتركها أربعين سنة، فمن كانت عنده حقاً في الذمة أوجب أن يعطيهم كلهم في الزكاة، ومن كانت عنده حقاً متعلقاً بالمال للمساكين قال: يحط عليه كل سنة ما عليه من الزكاة قلت السنون أو كثرت، وقلت الدنانير أو كثرت، ومثال ذلك: أن يعطي على السنة الأولى ديناراً، ثم يعطي بعد ذلك على أربع سنين ديناراً إلا عشراً أو يسقط عنه حصة الدينار الذي استحقه الفقراء، ويسقط عنه أيضاً ما زاد على الفريضة وهو ما دون أربعة دنانير، لأن ما زاد على العشرين ديناراً ففي كل أربعة دنانير عشر دينار، وما دون فليس فيه شيء، وبعد أربع سنين تنكسر الفريضة من ستة وثلاثين، فليعط على كل سنة ديناراً إلا خمساً، ويسقط حصة الدينار الذي استحقه الفقراء أيضاً من فريضة ست وثلاثين الزائد على الفريضة كما قدمنا حتى تنكسر الفريضة من اثنين وثلاثين، فليؤد على كل سنة ديناراً إلا ثلاثة
1 Y+1 (2/70)
صفحة 857
أعشار الدينار كما قدمنا حتى تنكسر الفريضة من ثمانية وعشرين فيؤدي بعد ذلك ديناراً إلا خمسي الدينار على كل سنة حتى تنكسر الفريضة من أربعة وعشرين ديناراً فيؤدي على كل سنة بعد ذلك نصف دينار، حتى تنكسر الفريضة من عشرين ديناراً بنقصان نصف قيراط، فليس عليه شيء بعد ذلك، والله أعلم. (2/71)
صفحة 858
باب في زكاة العروض
التي يقصد بها التجارة
وزكاة العروض التي يقصد بها التجارة ثابتة عند علمائنا رحمهم الله، لأنه مال مقصود به النماء والزيادة، فأشبه الحرث والماشية والذهب والفضة، لكنهم اختلفوا كيف يزكي؟ قال بعضهم: يزكي على ما جعل فيها من الذهب والفضة، وقال بعض: يزكي على قيمتها ما لم تنقص عما جعل فيها، فإذا انتقصت زكاها على ما جعل فيها، وقال بعض: يزكي على قيمتها زادت على ما جعل فيها أو نقصت، وتفصيل ذلك أن من قال على ما جعل فيها من الذهب والفضة، فهو على هذا المذهب يؤدي على الذهب والفضة، سواء جعلها في متاع التجارة أو أسلفها لأحد أو أسلمها في متاع التجارة أو غير ذلك، فإنه يؤدي على الأصل ما لم يبع متاعه بالذهب أو الفضة، ومن قال: يؤدي على قيمتها كان عنده يؤدي على قيمتها
- 72 - (2/72)
صفحة 859
سواء جعل فيها نصاباً أو أقل من نصاب من الذهب والفضة
و مثال ما ذكرنا، من جعل عشرين ديناراً أو مايتي درهم في مت للتجارة، ولم يكن أدى عنها الزكاة قبل ذلك، فتلف من ذلك شيء قبل أن يحول عليه الحول، ان وقته منتقض، وكذلك إن انقطع منها شيء أو أحرقت النار من ذلك شيئاً، أو تغير بالقطران على هذا الحال، وأما تغيير الزيت فلا يكون نقصاناً في العين لأنه يزول، وكذلك لو جعل هذه الدنانير في الحبوب فنقص منها ما يكون نقصاناً لفريضة الزكاة أن وقته منتقض على هذا الحال، لأن هذا المتاع بمنزلة الدنانير التي جعل فيها، وإن باع ذلك المتاع الذي جعل فيه عشرين ديناراً بعشرين أيضاً ثم اشترى منه متاعاً آخر أن وقته ثابت، ويؤدي على العشرين كما يؤدي أول مرة، لأن الزكاة إنما هي على العشرين التي جعل فيها، فما دامت بيده يؤدي عليها. وأما إن باعه بأكثر من عشرين ثم جعلها في المتاع ثانياً فإنه يؤدي على ما جعل في المتاع الثاني على وقته الأول وهو ثابت، إلا إن باع بأقل من العشرين التي جعل في ذلك المتاع، فإن وقته ينتقض والله أعلم. ومن قال يزكي على قيمتها، فإنه يراعي قيمتها عند تمام الحول، فإن كان فيها ما يؤدي عليه أدى
73 - (2/73)
صفحة 860
عليه، وإن لم يكن فيها ما يؤدي عليه لم يلزمه شيء ووقته أيضاً غير ثابت، ومن قالى: يؤدي على ما جعل فيها وعلى قيمتها، فإنه يؤدي على ما جعل فيها، فإن كانت الزيادة فليؤد عليها، وإن كان نقصاناً فليؤد على ما جعل فيها ولا يشتغل بنقصان السعر والله أعلم. وهذا القول جامع للمذهبين، وكذلك أيضاً من جعل أقل من عشرين ديناراً في المتاع للتجارة فقوموه بعد ذلك فوجدوا فيه عشرين ديناراً، فإنه يأخذ لها الوقت من حين قوموها، وإن وجد قيمته بعد ذلك ناقصة دون الوقت انتقض وقته إن كان من الدراهم التي لم تؤدى عنها الزكاة قبل ذلك، وإن انتقصت قيمته. بعد الوقت. فوقته ثابت ما بقي من قيمته ثلاثة دنانير، وكذلك الدراهم على هذا الحال، فوقته ثابت ما بقي من قيمتها ثلاثة دراهم، فالقيمة على هذا المذهب بمنزلة الدنانير أو الدراهم، وكذلك إن تلف من هذا المعنى، إنما ينظر في ذلك إلى القيمة، والله
السلعة
شيء
على
أعلم. وفي الأثر: وأما من جعل عشرين ديناراً أو مائتي درهم من الدنانير أو الدراهم التي تؤدى عنهم الزكاة قبل ذلك في التجارة
فحال عليها الحول فإنه إن كانت فيها الزيادة على ما جعل فيها
فليعط على الزيادة، وإن كان النقصان وهو من نقصان الأسعار
6
- Y{- (2/74)
صفحة 861
فليعط على ما جعل فيها، وإن كان نقصان العين فإنه يؤدي إن كان في قيمتها عشرون ديناراً فصاعداً، أو كان عنده ما يضم إليه إذا لم يكن قيمتها عشرون ديناراً.
وأما وقته فثابت ما بقيت منها ثلاثة دنانير، وهذا فيما يوجبه النظر إنما يخرج على مذهب من جمع بين القولين لأنه لم يفرق بين ما أدى عنه الزكاة وما لم يؤد عنه، ويدل على ذلك أني وجدت في آثارهم من جعل ثلاثة دنانير أو ثلاثة دراهم من الدنانير أو الدراهم التي تؤدى عنها الزكاة قبل ذلك في المتاع للتجارة فتلف منها شيء فوقته منتقض، وإن لم يتلف منها شيء فقومها فوجد في قيمتها عشرين ديناراً فإنه يؤدي عند حلول وقته على القيمة، ومنهم من يقول: ليس عليه شيء حتى يبيع المتاع، فهذا الاختلاف يدل على تساوي الأمرين عندهم، أي المال الذي أدى عنه الزكاة والذي لم يؤد عنه
وبالجملة إن من قال: يؤدي على ما جعل فيها، كان المتاع
عنده بمنزلة الدنانير التي يؤدي عنها في جميع
أحكامه،
ومن قال
يزكي على قيمتها، كانت القيمة عنده بمنزلة الدنانير التي يؤدي عنها،
:
- Yo- (2/75)
صفحة 862
ومن قال بالقول الثالث جمع القولين جميعاً والله أعلم. واختلفوا أيضاً في زكاة المقارض، قال بعضهم: ليس عليه من الزكاة شيء، وإن كان الربح في المال حتى يعلم ما يصح له، وهذا فيما يوجبه النظر على قول من قال: لا يعطى إلا ما جعل في التجارة، والمقارض لم يجعل فيها شيئاً، وعلى مذهب القيمة أينما كان في المال الربح قومه، فإن كان في سهمه من الربح عشرون ديناراً فليأخذ الوقت، فإن حال الحول فليؤد من نفسه ولا يؤد من مال القراض، وقال بعض: يحسب ما مضى من السنين، فإذا اقتسم مع صاحب المال أدى على ما مضى من السنين، وأما صاحب المال فإنه يؤدي على ما دفع له ما لم يتبين له الربح، فإذا تبين له الربح فليؤد عنه، وكذلك إن أخبره تاجره بما ربح في كل سنة، فإنه يؤدي على ما قال له لأنه أمينه، وإن مات أو قدم ولم يعلم ما ربح في كل سنة، فإنه ينظر ما صح له في هذه السنة فليؤد مثله على السنين الماضية، وهذا عندي حتى يكون على براء من ذمته، والله أعلم. وكذلك أيضاً اختلفوا فيمن اشترى شيئاً بالدين للتجارة بعشرين ديناراً وقيمته أربعون ديناراً، فمن قال لا يؤدي إلا على ما جعل في متاع التجارة، قال: ليس عليه شيء حتى يبيع ذلك
- 76 - (2/76)
صفحة 863
الشيء، فإن باعه بأربعين ديناراً قبل أن يحل أجل الدين أخذ الوقت لأربعين ديناراً لأنه لا يسقط دين لأجل، فإذا حل الأجل
فليحط ما يقابل ما عليه من الدين ويؤدي على ما بقي، وقال آخرون: يأخذ الوقت للعشرين ديناراً التي اشترى بها المتاع للتجارة، وذلك لأن هذا المتاع عندهم بمنزلة العشرين التي اشترى بها، ودين لأجل لا يسقطه المدين، ولا يؤدي عنه صاحبه ما لم يحل أجله، والله أعلم. ويرد مال التجارة إلى الكسب بالنوى، ولا يرد مال الكسب إلى التجارة بالنوى، لأن التجارة في اللغة المكاسبة ولا تعقل المكاسبة بالنوى، غير أن قوله عليه السلام:) إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) (1)، يدل على جواز ذلك، ومن كان يشتري متاعاً للتجارة من غلة نخلة، أو جز صوفاً من غنمه، فعمل منها ثياباً للتجارة، فجعل يبدل ذلك المتاع بمتاع آخر أو بحبوب أخرى فكان ذلك حاله فعلى قول من قال: لا يؤدي إلا على ما جعل في المتاع للتجارة ليس عليه شيء حتى بالذهب أو الفضة ويحول عليه الحول، لأنه لم يجعل في تجارته
يبيع
ما تجب عليه فيه الزكاة، وعلى قول من قال: يؤدي على القيمة في
(1) رواه الجماعة.
- YY- (2/77)
صفحة 864
في متاعه أم لا،
التجارة يؤدي لأن هذه معاوضة، وكل معاوضة فهي من طريق المكاسبة، وكذلك أيضاً إن كان يبدلهم بالقيمة على هذا الاختلاف إن كان يأخذ الوقت بقيمة المتاع الذي أخذ والله أعلم. ويشبه أن يكون شراء المتاع للتجارة نسيئة المعنى، والله أعلم. وكذلك أيضاً إن دخلت الدراهم في بعض
:
على هذا
المتاع دون بعض، قال بعضهم: يقوم جميعاً ويؤدي عليه حين دخلت الدراهم في بعضه، وقال آخرون: لا يقوم إلا ما جعلت فيه الدراهم دون غيره، ومثل ذلك: إن عمل ثياباً من صوف غنمه فاشترى أرجواناً بالدراهم فجعله لعلم الثياب، فإن بعضهم قال: يؤدي على ما جعل من الدراهم في الأرجوان أو على قيمته في قول بعضهم، وقال بعضهم: يقوم المتاع والأرجوان جميعاً ويؤدي عليه إن بلغ ما يؤدي عليه، وسبب اختلافهم فيما يوجبه النظر هل هي تجارة أم لا؟ والله أعلم. وإن اشترى شعيراً بعشرين ديناراً للتجارة، فحرثه فحصد منه مقدار ما تجب فيه الزكاة، فإنه يؤدي
على ما جعل فيها من الدنانير ويعطي عشرها أيضاً في قول بعضهم:
،
وقال آخرون: لا يؤدي إلا على ما جعل فيها من الدنانير، وكذلك ما تجب فيه الزكاة إن جعله للتجارة على هذا الاختلاف،
جميع
- YA- (2/78)
صفحة 865
فعند
قال: يؤدي زكاة التجارة لا غير لأنه لا يجب عليه حقان من في مال واحد، غير أن زكاة ما تجب فيه الزكاة بعينه أصل لزكاة ما تجب فيه الزكاة لعلّة غيره وهو التجارة، وإنما أوجبوا فيها الزكاة بالقياس، والقياس فرع، والله أعلم. وهذه المسألة قد اعتورها الأمران جميعاً، والله أعلم. ومن له مائة دينار فاشترى بها سلعة نقداً ثم باعها لرجل آخر بمائتي دينار نسيئة وفي يده مائة أخرى، فإن الأول يؤدي على المائة التي جعلها في السلعة التي باعها بالمائتين نسيئة، ويؤدي الثاني على المائة التي في يده، ولا يؤدي على السلعة لأنها يؤدي عليها الأول، ولا يسقط ما لزمه من الدين وهو لم يحل بعد، وإن باعها الثاني لثالث بثلاثمائة دينار نسيئة وفي يده مائة أخرى، فإن الثالث يؤدي على ما في
"
يده من السلعة والمائة، ولا يحط ما لزمه من الدين قبل حلوله واختلفوا في الثاني بعدما باع السلعة التي اشتراها من الأول، هل يسقط المائة التي يؤدي عليها الأول أم لا؟ فمن قال: يسقط ما يؤدي عليه الأول لم يلزمه زكاته، لأن كل مال يؤدي عليه صاحبه فإن المدين يسقطه، وإن لم يكن عند الثاني إلا خمسون فليسقطها وليسقط الثالث الخمسين التي لا يسقطها الثاني، وعلى هذا
-49 - (2/79)
صفحة 866
إن لم يكن عند الثاني شيء فليسقط الثالث المائة التي يؤدي عليها الأول، والله أعلم. وهذا فيا يوجبه النظر إنما يسهل ويتصور في الوصف، وأما في الحكم فلا، لأن من وجبت عليه الزكاة في سلعة قد اشتراها للتجارة يصعب عليه معرفة إن كان بائعها يؤدي عليها أم لا؟ ولا يكون له حجة أيضاً قول بائعها أنه يؤدي عليها في إسقاط الفرض وأن له ما يسقط أم لا إن كان قد اشتراها من بائع آخر على ما قدمناه. وفي الأثر: ومن اشترى شيئاً بمائة دينار فباعه بمائة وخمسين إلى أجل فباعه ذلك الآخر بمائتي دينار إلى أجل، وعند كل واحد منها ما اشترى به، فإن الأول منهما يؤدي على المائة التي اشترى بها، والثاني يؤدي على الخمسين ويحط عنه المائة التي يؤدي عنها الأول، والثالث يؤدي على المائتين دينار أو يقوم السلعة إن كانت بيده ويؤدي على الجميع، ومنهم من يقول: يؤدي كل واحد منهم على ما في يده إذا لم يحل الأجل، فإذا حل أجل الدين فيحط كل واحد منهما ما عليه من الدين، والله أعلم.
- 80 - (2/80)
صفحة 867
باب في زكاة الفنهم
وشروطها أيضاً ثلاثة كما قدمنا في زكاة الذهب والورق: إستكمال النصاب، واستقرار الملك، واستكمال الحول. والحجة في استكمال النصاب ما روي من طريق ابن عباس أن النبي
قال: (ليس فيها دون أربعين شاة صدقة) (1). وفي الأثر عن ابن
مائة
:
عمر قال: إعهد إلى عمر رضي الله تعالى عنه كتاب النبي علي (ليس فيها دون أربعين شاة شيء، فإذا بلغت أربعين ففيها شاة إلى وعشرين، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث، فإذا زادت على الثلاثمائة ففي كل مائة شاة) (2). فهذا ما جاء به الخير، وصدق به الأثر، والله أعلم.
(2)
ويستتم هذا النصاب بجميع ما يقع عليه الإسم، سواء كان صحيحاً أو عليلاً أو مهزولاً أو سميناً أو معيوباً، فإن هذا
(1) البخاري. (2) أبو داود.
-41 - (2/81)
صفحة 868
كله يحسبونه في عدد النصاب لوقوع الإسم عليه، واختلفوا في
تعد
مع
الأمهات، قال
بعضهم
صغار الغنم متى الراعي، والدليل على هذا القول ما روي
:
?
تعد تعد ولو حملها
أنه قال عليه السلام:
(1)
(يعد صغارها وكبارها، وتعد السخال أو العجاجيل) و العجاجيل أولاد البقر، وقال بعضهم: لا نرى الشاة إلا شاة استغنت عن غيرها. وقال بعضهم: ما يقع عليه إسم الشاة، وقال بعضهم: لا تكون شاة حتى تتم سنة وتكون مسنة، وقال بعضهم: ما جاوز الوادي فهو شاة، واختلفوا في معنى ذلك، قال بعضهم: إذا كان الوادي يجري، وقال آخرون: ولو لم يكن فيه الماء سواء كان صغيراً أو كبيراً، فهذا الاختلاف منهم يدل على أن
(2)
بعضهم
الحديث المتقدم غير متفق عليه، ولذلك رجع كل إلى ما دل عليه اسم الشاة عنده، أن مع قال في قوله عليه السلام: (ليس في الكعة صدقة) (2). إن الكعة صغار الغنم، والله أعلم. ويضم الضأن إلى المعز ويستكمل بها النصاب جميعاً لأنها جنس واحد كما قدمنا في الذهب والفضة، ويستتم الشريك بسهم شريکه ويؤدي كل واحد منهما على قدر حصته قل أو كثر،
(1) ابو داود والترمذي والنسائي
(2) الدارقطني عن أنس بإسناد صحيح.
- AY- (2/82)
صفحة 869
وبالجملة إن المال المشترك حكمه حكم مال واحد وهو المفهوم من
(1)
قوله عليه السلام: ليس فيها دون أربعين شاة شيء)). فالمفهوم
منه سواء كان لمالك واحد أو لملاك شتى.
وأما من قال: يخلطها الراعي والمحلب والمربض والفحل، فليس بمأخوذ به عند أصحابنا، وحجة من قال بذلك قوله عليه
السلام: (وما كان من خليطين فإنما يتراددان الفضل بينها بالسوية) (2). يدل على أن الخليطين ليس شريكين، لأن الشريكين
(2)
ليس يتصور بينها تراجع، والقول الأول أصح عند أصحابنا وهو أن الخلطة إنما الشركة، وقد ذكر في الأثر ذكر أبو الوليد
هي
"
عن أبي بكر الموصلي قال: لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق حذار الصدقة، قال: المجتمع هو المشاع، والمفترق: هو المقسوم، وليس يجتمع غير المشاع، وإن جمعه المربض والمحلب، وذلك يتوجه إلى الساعي وإلى صاحب الغنم، ومثل توجهه إلى الساعي أن يجمع بين غنم رجال شتى ليأخذ الصدقة، وكذلك أيضاً لا يفرق بين المجتمع حيث توجب الفرقة كثرة الصدقة،
(1 - 2) الدارقطني عن أنس بإسناد صحيح.
- AT- (2/83)
صفحة 870
مثل أن يكون عند رجل مائة وعشرون شاة، فإن عليه شاة واحدة، فإذا فرقها على ثلاث استوجب لكل أربعين شاة، وكذلك
صاحب الغنم لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع حيث توجب الفرقة والاجتماع قلة الصدقة، مثل أن يكون عند رجلين لكل واحد منهما أربعون شاة، فإن على كل واحد منها شاة، فيجمعانها لتكون عليها شاة واحدة، وكذلك إن كان عند رجل أربعون شاة فيفرقها على نصفين على هذا الحال، والله أعلم. والأصل في هذا الباب كله قوله عليه السلام: (ليس فيها دون أربعين شاة صدقة) (1). ففهم منه التسوية بين أن يكون لمالك واحد أو لملاك شتي، فعلى هذا فمتى اجتمع لمالك واحد أو لملاك شتى؛ فعلى هذا فمتى اجتمع لمالك واحد نصاب كانت عليه الزكاة، سواء اجتمع بالأجزاء أو بغير الأجزاء أو بعضها بالأجزاء وبعضها بغير الأجزاء، ومتى اجتمع له مع شركائه نصاب كانت عليه الزكاة بشرط أن تكون الشركة واحدة، ومتى اجتمع له من كلا الوجهين فإنه ينظر؛ فإن كانت الزكاة تجب من جهة على بعض النصاب ومن جهة على كله فإنه يضم بعضه إلى بعض ويزكيه زكاة مال واحد، وإن
(1) تقدم ذكره. (2/84)
صفحة 871
كانت الزكاة من كلا الوجهين تجب عليه كله، إلا أن زكاة أحد الوجهين أكثر من زكاة الآخر فإنه يزكيه زكاة المال المضاف إليه، سواء قلت الزكاة أو كثرت، والله أعلم
ومثال الوجه الأول: أن يكون لرجل واحد أربعون شاة فإن عليه الزكاة لأنه قد اجتمع له النصاب، وكذلك إن اشترك مع ثمانين رجلاً كل واحد منهم شاة، فإن عليه الزكاة لأنه اجتمع له النصاب بالأجزاء، وكذلك إن اشترك مع رجل عشرين شاة وله
على حدة ثلاثون، فإنه يأخذ الوقت لأنه قد اجتمع له النصاب بعضه بالأجزاء وبعضه بغير الأجزاء.
رجل
وأما الوجه الثاني: فهو أن يشترك أربعون شاة مع أو رجلين أو أكثر من ذلك، فإنه يؤدي الزكاة لأنه اجتمع له مع شركائه نصاب، وكانت عليهم الزكاة، وإن اشتركوا: عشرين منهن أثلاثاً وعشرين منهن أنصافاً، فإن بعضهم قال: ليس عليهم الزكاة
وبعضهم
قال: عليهم أن يأخذوا الوقت.
وأصل ذلك عندي هل هذه شركة واحدة أم شركتان؟ ولذلك اشترطنا قبل هذا أن تكون الشركة واحدة، وكذلك إن
اشترك مع رجال شتى وفيهم من أتم
من معه،
، وفيهم من لم يتم معه،
1401 (2/85)
صفحة 872
فإنه يؤدي مع من أتم معه وليس عليه فيمن لم يتم معه شيء إلا
مع
إن جمع جميع ماله فوجده نصاباً، ومثال ذلك لو اشترك رجل أربعين شاة، وله فيهن ربعهن واشترك مع آخر أربعين وله
معه،
فيهن ربعهن، واشترك مع آخر عشرة فإنه يؤدي مع من أتم وليس عليه مع صاحب العشرة على العشرة شيء لأنه لو جمع ما له كله لم يتم أربعين، ويكون له في هذا وقت واثنان وأكثر من ذلك، فإن استفاد من الغنم ما يتم به أربعين فإنه يرجع إلى وقته الأول فيؤدي فيه صدقة غنمه كلها، وقال بعضهم: إنما يعطي صدقتها عند الوقت الذي استقبله، ويعطي على ما مضى من السنة على الغنم التي يعطي عليها في الأوقات التي تركها.
وأما الوجه الثالث: فهو أن يشترك مع رجل ثمانية وسبعين شاة، فأخذ لهن الوقت ثم استفاد لنفسه شاة واحدة على حدة، فإنه يضم إليها ما له مع الشريك فيؤدي عليهن شاة، لأنه قد اجتمع له نصاب، ولو لم يضم لكان يؤدي على بعض ويترك بعضاً، وكذلك أيضاً لو اشترك مع رجل ثمانين شاة بينهما نصفين، فإن
عليها شاة واحدة بينهما
،
وإن استفاد لنفسه ثلاث شياة فليجمع
ما له من الغنم وليؤد عليهن شاة كاملة لئلا يؤدي على بعض ويترك
1471 (2/86)
صفحة 873
(2)
بعضاً. واختلفوا هل يضع إلى الشاتين والله أعلم. وأما إن اشترك مع رجل ثمانين شاة، فليس عليه أن يؤدي غير نصف الشاة ولو كان في نصيبه أربعون، لأن حكم المال المشترك حكم المال الواحد غير المشترك والله أعلم، وكذلك أيضاً يستتم النصاب بغنم ابنه الطفل في قول بعضهم، وكذلك بنوه الأطفال فيما بينهم، والعلة في ذلك هل مال ابنه الطفل بمنزلة ماله؟ لقوله عليه السلام: (أنت ومالك لأبيك) (1). وكما ذكر: (إن أفضل ما أكل الرجل من كسبه) (2). وإن ولده من كسبه أم ليس هو بمنزلة ماله؟ وفرق بعض بين أن يكون أصل المال من قبل الأب أو من غير الأب فجعلوا حكمه إذا كان من قبل الأب حكم ماله والله أعلم. وإن اشترك رجلان أربعين شاة أحدهما سهمه للتجارة والآخر سهمه للكسب، فإنه يستتم صاحب الكسب مع صاحب التجارة ولا يستتم صاحب التجارة مع صاحب الكسب، لأن صاحب التجارة زكاته زكاة الصامت الذي جعله في التجارة، ولا يستتم في الذهب والفضة الشريك مع نصيب شريكه كما قدمنا إلا على قول من قال:
(1) تقدم ذكره.
(2) متفق عليه.
- AY- (2/87)
صفحة 874
يؤدي صاحب التجارة على ما له من الغنم، ويؤدي على ما جعل فيها من الذهب والورق، فإنه يستتم مع صاحب الكسب على هذا القول، وقد قدمنا هذا فيما مضى والله أعلم ..
وأما استقرار الملك فإنه كما قدمنا في الذهب والفضة شرط في
وجوب الزكاة، غير أن الفرق بينهما لا يعطى فيما سوى الذهب والفضة على ما له في ذمة الغير، والله أعلم.
حكم
وأما استكمال الحول، فهو شرط أيضاً كما قدمنا في الذهب والفضة، والدليل في هذا واحد، وكذلك أيضاً الفائدة في زكاة الغنم حكم الأصل الواردة عليه وهو النصاب من المال أدَّى عليه الزكاة أو لم يؤد لأنه مال تجب فيه الزكاة، وأقل من النصاب من المال الذي وجبت فيه الزكاة أداها أو لم يؤدها كما قدمنا قبل في الذهب والفضة، وأقل ذلك ثلاثة أشياه أو اثنين في قول، وقد قدمنا ذلك في زكاة الذهب والفضة ما فيه كفاية، ولا معنى للإعادة غير أنا ننبه بعده على بعض من ذلك والله أعلم. أخذ الوقت لأربعين شاة فتلفن له كلهن أو بعضهن وبقي
هذا
بعضهم
وإن
نسلهن، وهذا قبل تمام الوقت، فإن وقته انتقض في قول بعضهم
-^^- (2/88)
صفحة 875
وفي قول الآخرين وقته ثابت، وأصل هذا أهل حكم النسل حكم الأمهات أم لا؟ وكذلك الفائدة على هذا الاختلاف إن أخذ الوقت استفاد عشرة أُخرى، فتلفت من الأولى عدد
لأربعين شاة
ثم
ما استفاد على هذا الاختلاف، وإن أخذ الوقت لأربعين شاة فأعطى سهماً منها لرجل، فإن وقته ثابت لأن الشريك يستتم بنصيب شريكه وهو يعطي عند حلول الوقت على مال ملكه حولاً. وأما إن قصد إلى بعض منها دون بعض، فأعطي أسهماً منه لغيره، فقد انتقض وقته لأنه لم يملك أربعين شاة لا وحده ولا مع شريكه وهو مال مختلف، وأما إن أعطى له عشرة منهن أو أكثر هكذا، أو سهماً من عشرة هكذا، ولم يقصد معيناً فوقته ثابت على قول من يجوز العطية كذلك، وليس على المعطى له أن يأخذ الوقت لأنها تحتاج إلى القيمة ولم يفرز له بعد، ولذلك
يعطي عليها المعطي ولا يعطى عليها هو، والله أعلم.
وإن اشترك أيضاً رجلان أربعين شاة فأعطى واحد منهما سهمه
كله لشريكه قبل الوقت، فإن المعطي يستأنف الوقت لأنه لو أعطى
على وقتهما الأول لكان أعطى على مال ملكه أو أقل من الحول
والحول مشروط في هذا، وكذلك إن مات أحدهما فورثه شريكه
6
-19 - (2/89)
صفحة 876
انتقض وقته كما قدمنا، وأما إن ورثها مع غيره فوقته ثابت لأن منزلة ما ورثه منزلة الفائدة مع النصاب، وكذلك إن اشتركاها فأعطى واحد منهما تسمية من سهمه من الغنم جميعاً لشريكه فوقتهما ثابت على هذا القول، لأنه يؤدي لأنه يؤدي عند تمام
مع
الحول على مال ملكه حولاً، وما أعطي له بمنزلة الفائدة الأصل، وأما إن أعطي له تسمية من شاة واحدة بعينها، فقد انتقض وقتهما جميعاً، لأنهما لم يشتركا ما تتم فيه الزكاة، ولم يملك وحده ما تتم فيه الزكاة، وإن أعطى واحد منهما سهمه كله لغير شريكه فوقت صاحبه ثابت، لأن المعطى له بمنزلة المعطي،
والله أعلم.
وإذا أخذ الوقت لأربعين شاة فتلفت له واحدة منهن فوقته منتقض، وإن وجدها قبل الوقت أو بعده لم ينتقض، لأن ملكه لم ينتقل عنها، وإن لم يجدها إلا بعدما تلفت الغنم كلها بعد تمام الوقت، فإن عليه أن يؤدي شاة، لأنه ملك النصاب حولاً كاملاً
وكذلك إن غصبت منه ثم رجعت له بعد ذلك بعينها إلا على (2/90)
صفحة 877
قول من قال: إن أيس منها استأنف الوقت إذا رجعت وجعلها بمنزلة المال المعدوم، وأما إن أخذ الوقت لأربعين شاة فتفلت واحدة منين أو أكثر في غنم غيره أن وقته ثابت، وإن تلف من تلك الغنم التي تلفت فيهن الشاة فليحتط لنفسه صاحب الشاة ويعطي عند تمام وقته ولو لم يبق منها إلا واحدة حتى يكون على براءة لأنه مشغول الذمة، وكذلك أيضاً إن أخرجها من
من ذمته
ملكه قبل تمام الوقت. أو أخرج بعضها بوجه من وجوه ه الإملاك أن وقته ينتقض ولو رجعت إليه أيضاً بوجوه من وجوه الإملاك، وكذلك حكم الثلاثة التي هي الأصل إن بقيت من المال الذي وجبت فيه الزكاة كحكم النصاب الذي لم يؤد عنه بعد في جميع الوجوه التي ذكرنا، والله أعلم
فصل
ومن أخذ الوقت لأربعين شاة فمكثت حتى مضى عن الأكثر من السنة فرأى الحاجة في الفقراء قبل أن يحول عليه الحول فأعطى عليهن شاة فتلفت كلها قبل أن يتم عليها الحول إلا ثلاثة، هل تكون هذه الثلاثة أصلاً للفائدة؟ فإن فيها قولين، قال
-91 - (2/91)
صفحة 878
بعضهم: تكون أصلاً للفائدة، وقال بعض: لا تكون أصلاً للفائدة إلا ما أَدَّى عليه في الوقت، فعلى هذا القول إنما هو كالمتطوع في إعطائه الزكاة قبل أن تجب عليه وتلفت بعد ذلك غنمه قبل أن تجب فيها الزكاة، ولذلك لم تكن الثلاثة الباقية أصلاً للفائدة، وعلى القول الأول: تكون أصلاً لأنه قد أدى عنها وهو بمنزلة المزكي في الوقت، لأن الشرع جوز له ذلك، وكذلك أيضاً أخذ الوقت لأربعين شاة فمكثت حتى مضى من السنة ستة أشهر أو أكثر من ذلك ما لم تكمل السنة فرأى الحاجة في فقراء المسلمين فأعطاهم شاة، ثم جاء إلى وقته بمائة وعشرين شاة ليس عليه شيء وقد أجزته التي أعطاها أول مرة، وليعتد بها بعد
إن
تجويز الشرع،
لأن الشرع الشرع جوز إعطاءها
وأما إن بلغ وقته بمائة وإحدى وعشرين شاة فعليه أن يؤدي شاة أخرى على ما زاد لأن التي أعطى إنما أعطاها على الأربعين أول مرة، والله أعلم.
وإن أعطى أول مرة على مائة وإحدى وعشرين، فجاء إلى وقته بمائة وعشرين فعليه أن يؤدي عليه شاة أخرى لأنه إنما
-97 - (2/92)
صفحة 879
عليه شاتان على مائة وإحدى وعشرين فأعطى واحدة وبقيت عليه شاة أخرى، وإن نقصت من المائة والعشرين كان ما تلف مما يقابل التي ما أعطى ما لم تنقص عن الأربعين، فإذا نقصت عن الأربعين فليس عليه شيء، وقول آخر: ليس عليه غير التي أعطى أولاً إذا لم يجيء إلى وقته بمائة وإحدى وعشرين شاة، ولو أعطى اولاً على مائة وإحدى وعشرين فيما ذكر في الكتاب. ويمكن لمن يحتج بهذا القول أن يقول: وإنما لم يلزمه شاتان لأنه لم يملك مائة وإحدى وعشرين عند تمام الوقت وإنما ملك عند تمام الوقت ما تلزمه عليه شاة واحدة، وقد جوز له الشرع فأداها قبل الوقت، والله أعلم.
ومن استفاد أربعين شاة فمكثت عنده أربعين سنة ولم يؤد زكاتها، فإنه يؤديها كلها في الزكاة، لأن عليه في كل سنة شاة في ذمته، وذكر في الكتاب أنه لا تجب عليه إلا شلة واحدة، وهذا يدل
أن الزكاة حق للفقراء متعلق بالمال وهو من قول بعض الفقهاء. وعلى هذا أيضاً إن استفاد أكثر من أربعين شاة مما لم تحرزه الشاة الواحدة فمكنت عنده سنين، فعلى القول الأول يؤدي على كل سنة مضت ما وجب عليه فيها، وتكون الزكاة في ذمته،
-94 - (2/93)
صفحة 880
وعلى القول الثاني: يحط من ذلك ما وجب عليه من الصدقة سنة، والله أعلم.
ومن له أربعون شاة وتركها سنة ولم يؤد عنها الزكاة حتى بلغت في السنة الثانية: مائة وإحدى وعشرين، وفي الثالثة: ثلاث مائة، وفي الرابعة: أربع مائة، وفي الخامسة: خمس مائة، ولم يؤد عنهن الزكاة في السنين الماضية كلها، ثم تاب بعد ذلك، فإن بعضهم قال: يعطي على كل سنة خمسة أشياء، فهؤلاء جعلوا حكم الفائدة حكم المال الواردة عليه ولو مضى الوقت ما لم يؤد عنه، وقال بعض: يعطي على السنة الخامسة خمسة أشياء، وعلى الرابعة أربعاً وعلى الثالثة ثلاثاً، وعلى الثانية إثنين، وعلى الأولى واحدة؛ وهذا قول من قال: لا تحمل الفائدة على المال الواردة عليه بعد ما مضى الوقت، بل تعتبر لحولها، والله أعلم.
وإن جاء إلى وقته بأربعين شاة ولم يعط عنها شيئاً حتى استفاد إحدى وثمانين شاة فعليه أن يؤدي شاتين؛ لأن حكم الفائدة حكم المال الواردة عليه كما قدمنا، وإن أعطى عليها نصف شاة ثم استفاد الفائدة قبل ان يعطي النصف الآخر، فإنه
1921 (2/94)
صفحة 881
يعطي على الفائدة كلها، ويعطي النصف الباقي عليه لأنه مال لم
يؤد عنه زكاته كلها
6
وقال بعضهم: تقسم الفائدة على ما أعطى
وعلى ما بقي، فليحط من الفائدة بقدر ما ناب ما أعطى، إن كان نصفاً فنصف، أو ثلثاً أو ربعاً على قدر ما أعطى من الزكاة، ثم يعطي الباقي عليه وما نابه من الفائدة، وقال بعضهم: ليس عليه في الفائدة شيء بعد ما أعطى بعضاً، وقد قمنا في هذا
ما يكفي والله المستعان وبالله التوفيق.
1901 (2/95)
صفحة 882
باب ما يعطي الرجل
في زكاة غنمه
وإنما يعطي في زكاة غنمه ذوات الأسنان الثنية من الضأن
إلى ما فوق ذلك، والرباعية من المعز إلى ما فوق ذلك، وإن أعطى الجذعة من الضأن والثنية من المعز على المعز فلا بأس، وهو أقل ما يجزي في الضحايا على ما روي، والأصل في هذا ما روي عن أبي عبيدة قال: بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تأخذوا من أرباب الماشية سخلة، ولا ربا، ولا ألولة، ولا
فحلاً، ولا شارفاً، ولا ذات هزال، ولا ذات عوار) (1) وكذلك بلغنا أن عمر رضي الله عنه قال لسعاته: «لا تأخذوا حزرات الناس، ولا الحامل من أغنامهم، (2). قال الربيع: السخلة التي تتبع أمها وهي ترضع عليها، ولذلك قالوا: لا يعطي إلا
(1 - 2) مالك
-97 - (2/96)
صفحة 883
المسنة، وإن كان غنمه كلها خرفاناً فإنه يعطي عنها شاة مسنة ولا يجزيه غيرها كما قال عليه السلام، وقال بعضهم: جائز أن يعطي على الخرفان خروفاً إن لم يكن له غيرها، وهذا القول أقوى في باب القياس، لأن زكاة المال منه، وكذلك أيضاً لا يعطي على صدقة غنمه خروفين ولو كانت قيمتهما أكثر من الشاة الواحدة،
وقال بعضهم: جائز إن كانت قيمتهما مثل قيمة الشاة، وهذا على مذهب من جوز القيمة في الزكاة فيما أظن، قال الربيع: الربا التي تربي ولدها، ولعله إنما نهى عن ذلك عليه السلام كي لا يفرق بينها وبين ولدها، كما روي: (أن رجلاً قال له: أبعث إليك ببدنة هدية، فقال: نعم، ولا تجعلها ولهى) (1). والولهى هي الربا، والله أعلم. وقال الربيع: الأكولة شاة اللحم وهي السمينة، إنما نهاهم عن ذلك إلا أن يشاء رب الغنم فحسن جميل، كما روي من طريق آخر أنه: (نهى أن تؤخذ كرائم الأموال) (2). (ونهى ل السعاة أن يأخذوا خيار الأموال) (3). و (نهى أرباب
الأموال أن يعطوا الدون من أموالهم) (4). وفي الأثر قال أبو عبيدة:
(1) رواه أبو داود.) 2 - 3) مسلم.
(4) أبو داود
(8)
-34 - (2/97)
صفحة 884
(نهى النبي أن يعمد الرجل إلى أدنى ماله فيزكيه منه
(1)
وقال: خيركم عند الله من يخرج من ماله أحسنه) (1). فعلى هذه
الأحاديث إنها يأخذ المصدّق الوسط، ولذلك قال بعضهم: يقسم المصدق الغنم أثلاثاً، فيأخذ صاحب الغنم الثلث الجيد والثلث الرديء، ويختار المصدق من الثلث الأوسط ما وجب عليه، وإن كان عنده غنم بين ضأن ومعز فإنه يعطي من الأكثر؛ أعني من الضأن أو المعز، وإن تساويا، مثل أن يكون عنده عشرون نعجة
و عشرون معزة، فإنما يفعل أن يعطي من الضأن في السنة الأولى
ويعطي من المعز في السنة الثانية. وإن أعطى النعجة على المعز فحسن جميل، وكذلك أيضاً إن أعطى المعز على النعجة إذا كانت قيمتها وقيمة النعجة سواء، والله أعلم.
وكذلك لا يعطي الذكور على الإناث إلا إن كانت قيمة الذكور مثل قيمة الإناث أو أفضل منه، وكذلك الخصى والخنثى على هذا الحال، وكذلك أيضاً إن أعطى شاة واستثنى جزتها، أو حملها على هذا الحال، وهذا كله لئلا بعطي أقل مما يلزمه، وكذلك
(1) أبو داود.
،
-94 - (2/98)
صفحة 885
أيضاً لا يعطي شارفاً كما جاء النهي عن ذلك، وكذلك المهزول وذات العوارى، ذات العيب، وكذلك كل شاة زال عضو من أعضائها مثل رجلها أو قرنها إن زال من أصله، أو أذنها أو زال منها الأكثر، أو عينها، أو سن من أسنانها أو ضرس من ضروسها فإنه لا يجزيه شيء من هؤلاء المعيوبات، وعلى مذهب من جوز القيمة إن أوصل إليها قيمة عيبها جاز، والله أعلم.
وكذلك أيضاً اختلفوا إن كانت غنمه التي وجبت فيها الزكاة كلها مهزولة أو مجروبة أو معيوبة أو مريضة، فإن بعضهم قال: لا يجزيه في ذلك إلا شاة ليس فيها عيب، وقال آخرون: جائز أن يعطي على غنمه منها، وهذا القول كما قدمنا أقوى في باب
القياس، والله أعلم وبه العون والتوفيق.
-99 - (2/99)
صفحة 886
باب في صدقة الابل
والأصل فيها ما روي أن النبي ما كتب كتاباً في زكاة الإبل: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله على المسلمين، فمن سألها على وجهها يعطلها، ومن سألها على غير وجهها لا يعطاها، في الأربع والعشرين من الإبل فما دونها، في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض، وقد أجاز أن يوحد ابن لبون ذكراً إذا لم تكن بنت مخاض، فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون، فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الفحل، فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى مائة وعشرين ففيها حقتان طروقتا الفحل، فإذا زادت على مائة وعشرين ففي كل أربعين بنت لبون، وفي الخمسين
11411 (2/100)
صفحة 887
حقة) (1). وهذه رواية عن نافع انها نسخة عمر رضي الله عنه. ويستتم الشريك بنصيب شريكه كما قدمنا في الغنم، وحكم الفائدة في الإبل كحكم فائدة الغنم، وكذلك ما يكون أصلاً للإبل، وقد تقدم هذا كله في باب صدقة الغنم، والإبل في ذلك كالغنم:، ولا معنى لإعادته، وكذلك لا يعطي في صدقة الإبل المجدورة ولا العمياء، ولا من زال عضو من أعضائها، فسبيلها
سبيل الغنم في ذلك، فإن وجبت عليه في موضع بنت لبون، ولم يجدها في إبله فجائز أن يعطي حقاً ذكراً كما أجاز له أن يعطي ابن لبون ذكراً على بنت مخاض إن لم توجد، وكذلك على هذا النسق يفعل في صدقة إبله، ففي هذا دليل على أنه لا يعطي الذكور على الإناث إلا إذا كانت قيمة الذكور أفضل من قيمة الإناث، والله أعلم، وبه العون والتوفيق.
(1) أبو داود.
1111 (2/101)
صفحة 888
باب في زكاة البقر
وصدقة البقر مثل صدقة الإبل على عددها، يؤخذ عنها ما يؤخذ عن الإبل من الغنم ما لم تبلغ خمساً وعشرين، فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها حولية نظيرة بنت مخاض، ويؤخذ من البقر ما يؤخذ من الإبل، غير أن أسنان الإبل كثيرة، وأسنان البقر قاصرة عاجلة، ولكن يعدله من السنين ما يعدل الإبل، ويؤخذ مكان بنت لبون من الإبل نظيرتها في السنين، ويؤخذ مكان حقة نظيرتها، وكذلك مكان كل سن من الإبل نظيرتها من البقر في السنين وإن اختلفت أسماؤها، فإذا لم يجد المصدق في الإبل سن فريضة الصدقة ووجد فوقها أخذها وردَّ فضل ما بينهما بقيمة عدل ذهباً أو فضة، والصدقة من الحول إلى الحول بسنين القمر
هكذا في أثر علمائنا الله رحمهم
،
أئمة وعند
قومنا أن صدقة
البقر في كل ثلاثين تبيعاً، وفي كل أربعين مسنة، ووجدت شبه
11.71 (2/102)
صفحة 889
هذا في بعض الأثر قال: وإذا كان لرجل إحدى وأربعين بقرة فقولهما يعني الربيع وابن عبد العزيز؛ أنه لا شيء في الزيادة على الأربعين حتى تبلغ ستين، وكان ابن عباد يقول: إذا حال عليها الحول ففيها مسنة وربع عشر مسنة، وما زاد فبحسابه يحاسب ذلك إلى أن تبلغ ستين بقرة، وقال: والقول الأول في هذا عندنا قول ابن عبد العزيز والربيع، وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا، وبلغنا عن النبي عليه السلام أنه قال: (ليس في الأوقاص شيء) (1). والأوقاص ما بين الفريضتين، وهذا عنده أن الاختلاف إنما هو في الأوقاص لا في النصاب، والمعمول به
(1)
ما ذكرناه، والله أعلم.
(1) رواه أحمد
11·4 - (2/103)
صفحة 890
باب في مصرفة
من تجب له الزكاة؟
وإنما تجب لمن قال الله تعالى في كتابه وهم الأصناف الثمانية قال الله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والْمُؤلَّفَةِ قُلُوبُهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) (1). أما الفقراء والمساكين جميعاً فهم أهل الحاجة الفقراء: المتعففون الذين لا يسألون الناس وبهم حاجة، والمساكين: الذين يسألون الناس.
والفقر في اللغة الحاجة. يقال: إفتقر فلان إذا احتاج، وأفقره الله وأغنى مفاقره، أي وجوه فقره، وقيل: الفقير من به زمانة، لأن الفقير في اللغة عند بعضهم: هو المكسور الفقار،
والله أعلم.
(1) التوبة (60).
-1 - 8 - (2/104)
صفحة 891
وأما المسكين فاشتقاقه من السكون وعدم الحركة عند بعض أهل اللغة، أرادوا أنه قد حل محل الميت الذي لا حركة له، والله أعلم. ووجدت في بعض الكتب، قال: اختلفوا في صفة الفقير والمسكين والفصل بينهما، قال قوم: الفقير أحسن حالاً من المسكين، وقال قوم: المسكين أحسن حالاً من الفقير، وقال قوم: هما إسمان دالان على معنى واحد، والحجة لمن قال: الفقير أحسن حالاً، قول الراعي:
أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال ولم يترك له سبد فجعل له حلوبة، وقال تعالى في المسكين: (أو مسكيناً ذا متربة) (1). أي قد لصق بالتراب من شدة حاله، وأما الحجة لمن قال: المسكين هو الذي له بلغة من العيش، وأن الفقير هو الذي لا شيء له قوله تعالى: (أما السَّفينة فكانت المساكين) (2). فجعل لهم سفينة، واحتجوا أيضاً بأبيات أنشدها ابن الأعرابي وهي: هل لك في أجر عظيم تؤجره تغيث مسكيناً كثيراً عسكره عشر شياه سمعه وبصره
(1) البلد. (16) (2) الكهف (79).
11901 (2/105)
صفحة 892
قالوا: فجعل له عشر شياه، والله أعلم. فهذا على طريقة اللغة وأما الشرع فقد أجمعوا على أنه لا تحل الصدقة لغني، لما روي
من طريق عائشة رضي الله عنها قالت: (قال رسول الله لا تحل للصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ولا لمتأثل مال) (1)، قال الربيع: ذي مرة سوي؛ القوي المحترف، والمتأثل الجامع المال، فعلى هذا لا تجوز الصدقة للمحتاج إلا إذا كانت به زمانة
تمنعه من الكسب
وإذا اتفقوا على أنه لا تجوز الصدقة لغني فقد اختلفوا في حده، قال بعضهم: صاحب الخمسين درهماً إذا كانت تامة في يده ولم يكن عليه دين ولا معه عيال غني لا يأخذ الصدقة، والحجة لأصحاب هذا القول ما روي أنه قال عليه السلام: (من سأل عن ظهر غنى جاءت مسألته القيامة في وجهه خدوشاً أو خموشاً أو كدوحاً) (2). قيل: وما الغنى؟ قال: خمسون درهماً أو عدلها ذهباً، وقيل أيضاً: صاحب الثلاثين درهماً إذا كانت على هذه
(2)
يوم
الصفة لا يعطي الزكاة
(1) رواه الدارقطني؛ وروى الخمسة إلا ابن ماجة مثله عن عبدالله بن عمرو.
(2) رواه الخمسة.
11.7 - (2/106)
صفحة 893
وفي الأثر: وأحسب أن الذي قال بالثلاثين الربيع بن حبيب، وقيل أيضاً صاحب الخمسة عشر درهماً، والحجة لهؤلاء ما روي أنه قال عليه السلام: (من سأل ومعه أوقية فقد سأل الناس إلحافاً) (1). وعن بعضهم: أن من لم يكن له مال يكفيه ويكفي عياله نفقتهم وكسوتهم ومؤنتهم إلى الحول فهو فقير يُعطى الصدقة، وقال قوم: الغني هو مالك النصاب، وهم الذين سماهم الرسول عليه السلام أغنياء لقوله: أمرت أن آخذها من أغنيائكم وأردها في فقرائكم) (2). وهذا القول عندي أقواهم حجة، غير أنه ربما يكون للرجل نصاب من المال وتجب عليه الزكاة، ولا يكون في ذلك النصاب ما يكفيه ويكفي عياله إلى الثمرة الأخرى، ولذلك قال بعضهم: إذا كان من أهل القرار وله بيت يسكنه، وخادم تخدمه، وجنان يأكل منه الثمار أيام الغلة، وله دابة يركبها، وله قوت سنة، ولم يكن عليه دين، فإذا كانت عنده هذه المعاني فلا يأخذ الزكاة، وإن كان من أهل البادية
(2)
وكان له بيت يسكنه، وحمولة يحمل عليها ثقله، ودابة يركبها
(1) رواه أحمد وأبو داود والنسائي. (2) تقدم ذكره.
6
11941 (2/107)
صفحة 894
وخادم تخدمه، وغنم يحلبها وعنده قوت سنة، ولم يكن عليه دين، فإذا اجتمعت عنده هذه المعاني فلا يأخذ الزكاة
واختلفوا في قيمة هذه المعاني: هل تقوم مقام هذه المعاني أم لا؟ وأصل اختلافهم هو اختلافهم فيما يقع عليه إسم الغنى، وكل راجع إلى اجتهاده فيما يقع عليه الإسم، والله أعلم.
لأنه
وعلى هذا المعنى أيضاً: لا يجوز له أن يعطي زكاة ماله لأبيه، ولا لأمه، لأنهما يدركان عليه نفقتهما إذا احتاجا، وماله لهما إذا احتاجا، وإن كانت أمه تحت زوج فلا بأس عليه أن يعطيها من زكاته على قول بعضهم، نه لم ترجع إليه نفقتها، وكذلك لا يعطيها لزوجته لما ذكرنا من النفقة، وكذلك أولاده الأطفال لا يعطيهم، وأما أولاده البلغ فلا بأس عليه أن يعطيهم، وقال بعضهم حتى يجوزهم عن نفسه، وكذلك بناته البالغات فلا يعطيهن حتى يجوزهن عن نفسه في قول بعضهم، وحيازتهن إذا زوجهن وجلبهن أزواجهن، طفلات كن أو بالغات، وتعطي المرأة الزكاة لزوجها إذا كان فقيراً كما) بلغنا عن امرأة عبدالله بن مسعود
حين سألت رسول الله له عن ذلك، فأجاز لها ذلك، فقال لها:
11941 (2/108)
صفحة 895
ضعيه فيه وفي بنيه ()، فهم لها موضع، فعلى هذا أيضاً تعطي المرأة لأولادها وإن كان أبوهم حيَّاً، وإن كانوا أطفالاً أعطتهم بالخليفة، ويعطي لبني بنيه الأطفال والجده وجدته، ويعطيها لمواليه الأطفال بالخليفة إذا أعتقهم لوجه الله، ولا يعطيهم إذا أعتقهم للكفارة، لأن عليه نفقتهم حتى يبلغوا إن أعتقهم عن الذين")، وبالجملة أنه جائز أن يعطيها الجميع أرحامه إلا من يدرك عليه نفقته مثل الوالدين والولد، كما روي عن الربيع بن حبيب، قيل له: ان أصحاب أبي حنيفة يقولون: جميع من كان ذا محرم
لا يحل له نكاحه، فلا يجوز لك أن تعطيه زكاة مالك قال
،
كذبوا، وكل ذلك جائز إلا الوالدين والولد، وكذلك أيضاً على هذا
الحال لا يعطيها لمن يمونه؛ عنى مثل زوجته وأولاده الأطفال وأبيه،
لأن العلة واحدة، والله أعلم
واختلفوا في هذا الباب في صفة الفقير الذي لا يجوز له أخذ الزكاة، ذكر في بعض كتب أصحابنا: ولا تدفع الزكاة إلا لمن
يعلم
أنه لا يتقوى بها على معصية الله، وأكثر قول المسلمين أنها
(1) متفق عليه (*) كذا في الأصل.
:
-1991 (2/109)
صفحة 896
تدفع للمستحق لها من أهل دعوة المسلمين، ومنهم من يقول: إنها تدفع إلى الفقراء ما لم يعلم منهم خلاف للمسلمين في دينهم، وقال قوم: إذا كانت دعوة المسلمين ظاهرة دفع ثلث الزكاة إلى الفقراء من أهل البلد، وأخذ الإمام الثلثين وهو الناظر في ذلك، وأما إذا كانت دعوة المسلمين مقهورة فعلى صاحب الصدقة دفعها إلى المسلمين من أهل الموافقة، وهذا القول عندي أحسن لأن الصدقة إنما جعلها الله لأصناف مخصوصة، وجعل تولية ذلك للإمام على لسان رسوله عليه السلام، ويجعلها الإمام في مواضعها، وفي وضع ذلك في مواضعه عزّ لدولة الإسلام، وإذا عدم الإمام ومرجت عهود الناس وأمانتهم، فعلى كل ذي مال تلزمه الزكاة أن يضعها في مواضعها التي تكون عزاً للإسلام وعوناً لأهله ولا يكون ذلك إلا إن وضعها في الولي، والله أعلم
وقال آخرون: إن الصدقة لجميع الفقراء، ومن دفع شيئاً لغير الولي فقد برأ، والله أعلم.
وكذلك اختلفوا هل يأخذها الفقراء من غير الولي أم لا؟
قال بعضهم: لا تعطى إلا لولي ولا تؤخذ إلا من ولي، أو مَنْ
1111 - (2/110)
صفحة 897
لا تعلم خلافه لك، وفي أثر أصحابنا: سألت الربيع عن فقراء المسلمين إذا لم يجدوا في زكاة المسلمين ما يكفيهم أيحل لهم أن يأخذوا من زكاة قومنا؟ قال: إن علموا بخلافهم فلا بأس بذلك، قلت: وإن لم يعلموا بخلافهم؟ قال: كان أبو عبيدة يكرهه إكراهاً شديداً، قلت: أرأيت الرجل يمر برجل من قومنا فيدعوه فيعطيه دراهم أو طعاماً لا يخبره بشيء منه أنه صدقة من صدقة ماله وهو محتاج، هل يحل له أن يأخذها؟ قال: أرجو ألاً يكون عليه بأس، وأما عبدالله وشعيب فيقولان: الصدقة كلها للمسلمين، مسلمين من وجبت عليهم كانوا أو من قومنا. لأن الصدقة فإن ذلك ليس له ولكنه جميع من وجبت عليهم يعني لفقراء المسلمين، والله أعلم.
وأما العاملون عليها، فالعاملون هم الذين يحبونها ولهم فيها حق، ورأيت في بعض الكتب: وروي عن القاسم أنه لا يجوز أخذ الصدقة لغني أصلاً مجاهداً كان أو عاملاً، والذين أجازوها للعامل وإن كان غنياً أجازوها للقضاة ومن في معناهم ممن المنفعة المسلمين، قال: وسبب اختلافهم: هل أصل العلة في إيجاب الصدقة للأصناف المذكورين الحاجة فقط، أم الحاجة والمنفعة العامة؟
مبهم
العامة
-111 - (2/111)
صفحة 898
وفي أثر أصحابنا: والعاملون يعطيهم على قدر عنائهم من
قضاة وولاة وشار، كل واحد من هؤلاء على قدر عنائه وشغله وما تأول منه في الأمر من صلاح، وقدر ولايته، فهذا يدل منهم رحمهم الله أنهم أنزلوا العامل منزلة الأجير يعطى من الصدقة على قدر عناه ولو كان غنياً، ويدل أيضاً على هذا ما ذكر عن جابر بن زيد رحمه الله قال: ينبغي أن يجعل للعامل ما يقوته سنة، ولا يجد ذلك للفقراء إلا أن يكون عاملاً فقيراً فيجد من هذين الطريقين، والله أعلم.
وأما المؤلفة قلوبهم فذكر في أثر أصحابنا عن الإمام أفلح الله عنه: فهم قوم كانوا يتألفهم كانوا يتألفهم رسول الله للإسلام، منهم من لم يكن أسلم فتألفه بذلك حتى يسلم، ومنهم من كان
رضي
=
أسلم ولم تكن له نيَّة في الجهاد والذب عن الإسلام فيتألفهم لتصح نياتهم وليعينوا الإسلام ولهم عناء وجزاء وقوة، وليست لهم خشية ولا رغبة في الإسلام، وقد أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطاهم أبو بكر، ومنعهم عمر بن الخطاب، وقد جاءوا يسألونه حقهم فقال لهم: لا حق لكم ذلك إذ كان الإسلام حقياً وأما فقد بزل فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط؛
اليوم
- 112 - (2/112)
صفحة 899
وفي أثر أصحابنا: فهو اليوم سهم ساقط ما دام الإسلام عنهم وعنهم، إلا أن ينزل قوم في الإسلام بمنزلة خافوا
قوياً
غنياً
عليه الضعف فيتألفوا من نزل بمنزلة ما ذكرنا ليحرزوا الإسلام من شرة، ويجروا إلى الإسلام نفعه والله أعلم.
وأما قوله: (وفي الرقاب) وهم المكاتبون، وفي قولنا الذي
أخذنا به واعتمدنا عليه هم أحرار ولهم فرض الصدقة مع أصحابهم الأحرار، لأن الله تعالى لم يفرض الصدقة للعبد، ولو أنا دفعنا
صدقاتنا لعبيدنا لم نجتزيها ولا يحل لنا ذلك، ومن قال: من
خالفنا
هم
عبيد حتى يؤدوا ما كوتبوا عليه، وليس لهذا القول صحة
مذهب، بل هو فاسد متغير
وأما قوله: {والغارمين) فهم الذين لحقهم الدين من غير فساد، فعلى هذا يأخذ الرجل الصدقة ليقضي بها ما كان عليه من الدين، سواء حلَّ أجله أو لم يحل، وكذلك ما كان عليه من تباعة تلزمه فيما بينه وبين الله، وكذلك إذا أراد أن يحتاط لهذه الوجوه التي ذكرنا، ويدل على هذا ما روي عن سلمة بن صخر قال: (ظاهرت من امرأتي إلى أن قال له النبي عليه السلام: إذهب
(8)
- 113 - (2/113)
صفحة 900
إلى عامل بني زريق فمره أن يدفع إليك صدقاتهم، فأطعم منها ستين مسكيناً واستعن بسائرها على نفسك وعلى أهلك) (1).
(1)
فأعطى سلمة بن صخر صدقة بني زريق كلها ليقضي بها ما عليه من الكفارة وليمسك زوجته لئلا تفوته، وكذلك أيضاً جائز له أن يتزوج بها أو يتسرى بها إن احتاج إلى ذلك ولم يكن له مال يستغني به، والله أعلم. ولا يأخذ الزكاة ليبني بها مسجداً، ولا لأكفان الموتى، ولا لمصالح الطرق، ولا ليطعم بها الأضياف، ولا ليحج بها نافلة، ولا ليزوج بها أولاده ذكوراً كانوا أو إناثاً ولا ليصل بها قرابته، والأصل في هذا أن الله إنما أباح الزكاة لمن احتاج إليها، إما لمعيشة لا بد له منها، وإما لقضاء دين وجب عليه قضاؤه، وكذلك كل شيء لا بد له من فعله لو تركه هلك، يأخذ الزكاة لفعله إذا كان فقيراً، والله أعلم.
وأما قوله: وفي سبيل الله ففي أثر أصحابنا عن الإمام أفلح بن عبد الوهاب رضي الله عنه: يعني به الغزاة في سبيل الله إذا
لم يكن في الفيء كفاف.
(1) رواه البيهقي وأبو داود.
-118 - (2/114)
صفحة 901
صدقات
وابن السبيل هو المنقطع به عن أهله، يعطى من المسلمين قدر ما يبلغه، وإن كان غنياً في بلاده. وإذا وصل إلى
بلده وأهله وبقي في يده شيء أنفقه على فقراء المسلمين، وقال بعض: يمسكه، فعند أصحاب هذا القول أخذها كما تحل له فلا نباعة عليه بعد ذلك، وفي بعض الآثار: وابن السبيل يعني المسافر المحتاج إذا كانت به حاجة شديدة، فعلى هذا القول إذا احتاج إليها أخذها وهو غني في بلده، فإذا وصل إلى بلده أغرمها،
والله أعلم، وبه العون والتوفيق.
-110 - (2/115)
صفحة 902
باب في دفع الزكاة
وكم يعطى لكل صنف من هؤلاء الأصناف
J
وأما في زمان الإمام إذا كان الإمام العدل فأمر الصدقة إليه، ولا يجوز لأحد في أيامه أن يقسم زكاته بنفسه إلا أن يأمره الإمام بذلك، وإن قسمها برأي نفسه لم تنجزه، ألا ترى إلى قول أبي بكر: (والله لو منعوا مني عقالاً ما كانوا يؤدونه إلى رسول الله لال و القاتلتهم عليه حتى ألحق بالله). أترى أن أبا بكر قاتل أهل الردة على شيء لم يجب عليهم فعله، كلا، لم يقاتلهم رضي الله عنه إلا على الواجب، وقيل يأخذ الإمام الثلثين ويفرق على الفقراء الثلث، وقيل النصف، يفرق على كل بلد نصف زكاته على فقراء أهله ولو كانوا من أهل الكبائر أو من أهل الخلاف، وفي سيرة الإمام أفلح بن عبد الوهاب رضي الله عنه قال بعد كلام في أمر الصدقة لمن يستحقها: فكانوا يأتون بها إلى نبي الله حيث كانوا من
-117 - (2/116)
صفحة 903
هاجر ومن لم يهاجر وكان الحق مفترضاً عليهم في أموالهم، وكان رسول الله الا الله يأمر عماله أن يأخذوا منهم النصف ويفرقوا النصف في فقرائهم، وذلك لأن السهام ثمانية، فأربعة منهم يحضرون قسمها لا محالة، وهم الفقراء والمساكين والرقاب والغارمون، فهم
يفرق فيهم النصف، وأما الأربعة السهام فهو يلي أخذها وأداءها إلى أهلها، فأولها العاملين، ثم سهم المؤلفة، ثم سهم سبيل الله،
سهم
ثم سهم ابن السبيل، وذلك أن ابن السبيل إذا أتى لم يجد ملجاً إلا إلى الإمام وإليه يأتي وعنده يجد حقه، وبذلك كان رسول الله يأمر عماله فلما قبض صلوات الله وسلامه عليه قام الإمام بذلك بعده فكان يسلك على منهاجه، وذلك إذا لم يكن الإمام محتاجاً إلى جميعها لعز الدولة لأن في قولهم إنه جائز للإمام أن يستعين بجميع الصدقات كلها إذا احتاج إلى ذلك وعز الدولة أولى من إعطائها للفقراء، لأن ذلك يعود عليهم بالصلاح لأن الصدقة ليست كقسمة المواريث بالحصص، ولكن الله تعالى إنما بين من يأخذها ومن تحلّ له، فذكر ثمانية أصناف، وإن لم يحضر من هؤلاء إلا صنف واحد أخذ جميعها إلا العمال، وكذلك أيضاً لا يتركوه ولا يعطوه شيئاً إلا إن تركها من قبل نفسه، وإذا
-118 - (2/117)
صفحة 904
دفعوا زكاتهم إلى عامل الإمام فقد بروا وإن كان غير أمين إذا كان الإمام عادلاً لأنهم إنما ينظرون في ذلك إلى حال الإمام وإنما العامل بمنزلة الوكيل؛ فإذا كان الإمام مسلماً فليدفعوا زكاة أموالهم لمن أرسله إليهم، وإن كان غير متولّ فلا يدفعوا إلى العامل ولو كان متولياً إلا إن خاف على نفسه، وإن أعطاها للعامل بالتقية فعليه أن يعيدها في المسلمين، وفي الأثر: قال محمد بن محبوب في جواب منه لأهل المغرب: وإذا كان المسلمون في أرض الحرب أدوا زكاتهم في فقرائهم، وإن لم يكن عندهم فقراء فليبعثوا بها إلى أحد من أئمة العدل كان ذلك صواباً ومؤدياً لما أوجب الله عليه من أدائها، وللإمام أن يقبلها ويجعلها في أهلها، ولم يجز رضي الله عنه أن تعطى للإمام الجائر، والله أعلم.
وإن تلفت قبل أن تصل إلى الإمام فقد قيل: إنه ضامن لها ما لم تصل، وقد قيل: لا ضمان عليه، وإن وصلوا زكاتهم إلى بيت مال المسلمين فجعلوها فيه قيل: إن أخبروا بذلك الإمام فقد بروا وإن لم يخبروا الإمام فلا يجزيهم ذلك إلا إن صرفها الإمام في حوائج المسلمين، لأن المكان لا يكون قبضاً، وأما الإمام فإنما يفعل في زكاة ماله أن يدفعها إلى جماعة المسلمين ويجعلونها
-114 - (2/118)
صفحة 905
في بيت مال المسلمين او يردونها له ويجعلها في بيت المال، وإن جعلها الإمام في بيت المال من غير محضر من المسلمين فقد أجزأ ذلك لأنه أمين لأهل الحقوق، والله أعلم. وأما كم يعطي لكل صنف؟ فإنه ليس في ذلك حد ينتهي إليه دون حسن النظر والإجتهاد من أهل الصلاح، وقسمتها بالنظر والإجتهاد، ولا تبعث هدية ولا تخبأ لغائب، ولكن يفضّل الشيخ الكبير والعجوز وذو الفضل في الإسلام وذو العيال، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خير الصدقة ما أبقت غنى) (1). فلهذا قال بعض: جائز أن يعطي للفقير ما يكفيه من الثمرة إلى الثمرة الاخرى، والمراد حتى لا تجوز له الزكاة ويستغني، وكذلك المؤلفة قلوبهم يعطيهم الإمام ما يرى عليه النصيحة لله وللمسلمين، وقد روي (أن علياً بعث الى النبي الله ذهباً من اليمن فقسمه على أربعة رجال: الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، وعلقمة وزيد بن الخير و غضبت قريش قالوا: يعطي صناديد نجد!! فقال: إنما أريد أن أنا لفهم) (2). فصرفها بحالها إلى المؤلفة. وكذلك بلغنا (أن النبي
(2)
(3)
دفع زكاة حضرموت إلى أربعة رجال) (3). فليس في هذا
(1) متفق عليه. (2) رواه مسلم. (3) رواه البيهقي.
-119 - (2/119)
صفحة 906
حد محدود دون النظر والاجتهاد من أهل الصلاح، وكذلك العاملون عليها يعطيهم على قدر عنائهم وشغلهم عن أمورهم كما قدمنا وقال بعض: إنما يعطي الإمام للعامل الثمن أو أقل من ذلك، وأما أكثر من ذلك فلا يعطيه، وفي آثارهم رحمهم الله قالوا: لم يكن القسم إلا في الغنيمة، وكذلك أيضاً الغارم والمكاتب وابن السبيل على قدر ما يرى، والله أعلم وبالله التوفيق.
فصل
وللإمام أن يشتري من بيت المال الدواب والعبيد الذين يقومون به، ويأخذ الأجر أو يشتري البيوت التي يجعل فيها الطعام لأنه الناظر في ذلك، وكذلك جائز له أن يشتري من الصدقة العدة والسلاح والخيل للجهاد لأنه قد قال الله تعالى: {وفي سبيل الله. ورزق الإمام ورزق عياله من بيت مال المسلمين إذا كان فقيراً ينظر من المسلمين من أهل العلم والمشورة منهم، وليس في ذلك حد معلوم إلا ما يكفيه، والله أعلم، وكذلك العامل هو الناظر فيما استعمل عليه، وفي جميع ما يصلح له البيع، وفي
- 120 - (2/120)
صفحة 907
شراء ما يصلح له الشراء، وجائز له أن يأكل من الصدقة في حال سعيه فيها، ويعلف دوابه ودواب أصحابه الذين يقيمون معه، والدواب التي ينقلها عليها، والله أعلم.
وإن عزل الإمام العامل قبل أن يأخذ من الصدقة التي أجبى فإن الإمام يعطي له سهمه، وكذلك إن مات قبل أن يأخذ منها شيئاً فإن ورثته يأخذون من الإمام ما وجب لهم لأن هذه بمنزلة الإجارة، والله أعلم.
وجائز للإمام إن احتاج أن يستلف من بيت مال المسلمين بمشورة من أهل النظر، فإن استغنى رد ما استلف في بيت المال، وإن حضره الموت قبل أن يرد فليوص به، وبلغنا أن عثمان ابن عفان استلف من بيت مال المسلمين وكان يقول للخازن: أنا أرده إليك، فلما تقاضاه وأكثر التقاضي قال له: يا هذا إنما أنا أمين الله وأنا خازن الله فإن أعطيناك ما أسلفنا فذلك لنا، مسكنا فذلك لنا، قال الخازن: يا هذا إن أبا بكر وعمر كانا
وإن
قبل ذلك يستلفان مني انتظار أعطيتهما فإذا خرج عطاؤهما أديا ما استلفاه، فاردد كما يردان، وإلأ لم أكن لك عاملاً أبداً
- 121 - (2/121)
صفحة 908
قال: أمسك عن هذا واكفف عن طلبه، وإلا فليسعك بيتك، قال: فانصرف الخازن إلى بيته، فلما كان من العشي راح إلى المسجد وعثمان جالس وأصحابه حلقاً حلقاً فنادى بأعلى صوته: يا معشر المهاجرين والأنصار، ويا معشر المسلمين، إن أبا بكر وعمر كانا يستلفان مني المال العظيم لا يطلع عليه أحد من الناس غيري، فإذا خرج عطاؤهما رداه في ستر، وعثمان استلف مني كذا وكذا ألفاً، فسمّى مالاً عظيماً جسيماً، وإني حاولته في أدائه إلي ورده علي فقال: كذا وكذا، وإن هذه مفتاحكم وقد برئت منها إليكم، فألقى بالمفاتيح، فهذا يدل على أن يؤدي إذا استلف، وفي الحديث أن النبي الله قال: (كم من متخوض في مال الله له النار
(1)
غداً))، والله أعلم.
وإن أخذ الإمام شيئاً لرزقه من بيت مال المسلمين فمات قبل أن يتلفه فإن ورثته ينبغي لهم ان يردوا ذلك في بيت مال المسلمين؛ وقد بلغنا أن أبا بكر وعمر حين حضرهما الموت قد ما أنفقا من بيت مال المسلمين أن يرد من أموالهما
وصيا بجميع
مثل ذلك في بيت مال المسلمين، والله أعلم.
(1) رواه الدارقطني.
122 - (2/122)
صفحة 909
وإذا كان الناس في زمان الكتمان إنما يفعلون لصدقاتهم أن يدفعوها لمن أسندوا إليه أمورهم واختاروه لأنفسهم مثل ما كان يفعله المسلمون في حال كتمانهم كانوا يدفعون حقوقهم لأبي عبيدة
المسلمين
رحمهم
وحاجب والربيع من بعدهما، وإلى من كان من بعدهم من قادة الله، فإذا جمعوها عنده فقد برؤا منها لأنه بمنزلة الإمام في ذلك، غير أنه لا يدفعها إلا لمتول عنده كما قدمنا في زكاة أهل الكتمان، وقال بعض: إذا جمعوا زكاتهم عند من أسندوا إليه أمورهم لم يبرأوا منها حتى يدفعها وهو بمنزلة الوكيل على هذا القول، ولا يدفعها على هذا القول إلا لمن يتولونه؛ أعني أصحاب الأموال، لأنه بمنزلة الوكيل، وعلى القول الأول بمنزلة أصحاب الأموال، وإن لم يفعلوا ما ذكرناه في هذا ودفعوا زكاة أموالهم بأنفسهم لمن يتولونه فقد أجزأهم، والله أعلم.
فصل
وهي
وإذا أراد الرجل أن يدفع زكاة ماله فلا يدفعها إلا حاضرة، وإن دفعها وهي غائبة فلا يجزيه ذلك إلا إن وصلت إليه، وكذلك إن قال له: اجعلها في مكان كذا وكذا أو في وعائه
- 123 - (2/123)
صفحة 910
أو أعطاه الوعاء فلا يجزيه إلا إن وصلت إليه لأنها متعلقة بذمته لا يبرنه إلا وصولها في موضعها كالدين، وكذلك إن قال: اقضها في دينك عليَّ أو قال له: اعطها لفلان في دين كان له على أو قال له: اشتر لي بها كذا وكذا، فهذا كله لا يجزئه لأنها لم تصل إليه، فليس له فيها تصرف وهي في الحقيقة مال صاحب المال ما لم يوصلها إلى أهلها، والله أعلم.
وأما إن قال له صاحب المال: قضيت لك ما كان لي عليك أو ما كان لي على فلان في زكاة مالي فهذا أيضاً لا يجزئه في قول بعضهم، وذلك على قول من لم يجوزه بمنزلة البيع كما لا يجوز الدين بالدين، وكذلك لا يجوز قضاء الدين بالدين، وأما من أجاز ذلك فعلى قوله ذلك بمنزلة الهبة لأنه جائز أن يعطي الرجل للرجل ديناً كان عليه في الذمة، وهذا قد أعطى ديناً كان له في الذمة في زكاة ماله، والله أعلم
بيع
وكذلك إن قال له: إدفع عني من مالك كذا وكذا في زكاة مالي لفلان فلا يجزئه ذلك، ولو قال له: على أن أرد عليك، فرد عليه لأنه قد أعطى بوكالة من وجب عليه الحق وهو ليس بوكيل
-17 {- (2/124)
صفحة 911
في الحقيقة لأن الوكالة عقد ضمان بين الموكل والوكيل في شيء يجوز للموكل انتزاع الوكيل منه، لأن تصرفه بيده، وهو في هذا الموضع إنما تصرف في شيء تصرفه بيده وهو مالك له، فصار كالمتطوع، فإن قال قائل: أرأيت من قال لرجل: أعط عني مالك كذا وكذا لفلان في دين له على فأعطى ذلك، أليس يجزئه ذلك وهذا مثله؟ قيل له، ولا سواء، والفرق بين الدين والزكاة أنَّ الدين تعين صاحبه ولو أبرأه من غير أن يأخذ شيئاً لبراءته، والزكاة بخلاف ذلك، والله أعلم.
وإن أخذ أيضاً مال رجل بالتعدية فأعطاه في زكاة ماله فلا يجزئه لأن إعطاءه لذلك معصية وإخراج الزكاة طاعة، فلا يجتمع شيئاً ضدان في فعل واحد يكون صاحبه إذا مطيعاً عاصياً، فلا
=
يستقيم هذا إلا إن لم يدفع ذلك إلا بعد ما غرم لصاحبه، أو دخل في ملكه بمعنى من المعاني؛ وقال آخرون: يجزئه ذلك وعليه أن يغرم لصاحبه، وهذا على مذهب من قال: إن النهي
لا يدل على فساد المنهي
عنه
كالصلاة في الدار المغصوبة، والثوب
المغصوب، والماء للوضوء بالغصب، والله أعلم
1190 - (2/125)
صفحة 912
وأما إن غلط على مال غيره فدفعه في زكاة ماله فقد أجزأه ذلك وعليه الغرم لصاحبه لأنه لم يكن فعله في ذلك معصية، وإن أعطى زكاة ماله من مال ابنه الطفل فقد أجزأه ذلك لقوله عليه السلام: (أنت ومالك لأبيك) (1).
وإن أخذ رجل من مال رجل ما وجب عليه من الزكاة بغير أمر صاحب المال فجوز له ذلك صاحب المال، فإنه إن كان العين موجودة فجائز لأن ملك صاحبه لم ينتقل عنه، وأما إن تلف وتعلق ضمانه بذمة أخذه فجوز له ذلك فلا يجزئه لأن الضمان لم يتعلق بعين موجودة، وأما إن أعطاها رجل من مال من وجبت عليه الزكاة لمتولاه ثم جوز له فهو جائز، لأن فعله متعلق بإجازة صاحب المال، والله أعلم.
وإن دفع زكاة ماله لمتول وهي حاضرة فتلفت قبل أن تصل المدفوع له فإنه قد برأ الدافع في هذا لأنها حاضرة، والله أعلم. ولا تعطى لأطفال المتولي إذا احتاجوا وكان أبوهم ميتاً إلا بالخليفة لأنه لا يصلح منهم القبض، وقال آخرون: إن أطعمها لهم
(1) تقدم ذكره.
-179 - (2/126)
صفحة 913
وكساهم منها واشترى لهم منها حوائج أنه يجزئه ذلك، ويكون بمنزلة الخليفة لقوله تعالى: و ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح
(1)
لهم خير، والله أعلم.
وإنما يدفع الرجل زكاة ماله لمتول عنده ولا يوافي بها ماله ولا يجزئها منفعة ولا يدفع بها مضرة وهي مال الله، ومن وجبت عليه الزكاة ولم يعطها حتى حضره الموت فإنه يوصي بها ويعطيها الورثة للمتولي عندهم، ولا يعطوها لمن تولاه الميت إذا لم يتولوه، وهذا بخلاف الوكيل لأن الوصي يقوم مقام الموصي بعد وفاته، والوكيل ليس يقوم مقام الموكل في حياته إلا في عين ما وكله فيه ورسمه له، وإن تعدى أمراً سواه خرج من الوكالة، وهذا الفرق بينهما، فعلى هذا إن أوصى الميت بزكاة ماله لرجل مخالف أو لرجل من أهل الدعوة وهو من أهل الكبائر فلا يعطونها لفقراء المسلمين
والله أعلم
من
"
وإن أخذ الرجل الزكاة وقد كانت معه كبيرة فإنه يردها على وإن أبى أن يأخذها فليضعها قدامه لأنه أخذها كما
أخذها
(1) البقرة (220).
- ITY- (2/127)
صفحة 914
لا تحل له وهي في الحقيقة مال صاحب المال، واختلفوا في صاحبها إن ردها له، قال بعضهم: يأخذها ويضعها في سبيل الزكاة، وقال
أخذها منه،
بعضهم: لا يأخذها حين دفعها كما يجوز دفعها له، ولهذا قال بعضهم: ينفقها على فقراء المسلمين ولو أنه عرف من وأما إن لم يعلمه أو أبى أن يأخذها منه فإنه ينفقها على فقراء المسلمين ويكون بمنزلة صاحب المال، وقال آخرون: إن لم يعرفه فلينفقها في انتصال أموال الناس لأنه أخذها كما لا تحل له، وقال آخرون: إن تاب من ذلك فليس عليه أن يردها، والله أعلم. و من أعطاها لمن لا تحل له أن يعطيها له ثم تاب بعد ذلك فلا يدرك ردها في الحكم إلا في العبد والمشرك، فإنه يدرك ردها عنهما في الحكم لأن العبد والمشرك لم يختلف فيهما أحد أنه تحل لهما الزكاة، وإن ردَّها فليجعلها في الزكاة، والله أعلم،
وبالله التوفيق.
- IYA- (2/128)
صفحة 915
باب في الوكالة والخلافة
في دفع الزكاة
وجائز للرجل أن يدفع زكاة ماله بنفسه، وجائز أن يوكل من يدفعها أو يستخلف، ولكنه لا ينبغي له أن يوكل في ذلك إلا أميناً، وإن لم يجد فليختر خير من وجد ويكون وكيله بمنزلته لا يبرنه إلا وصولها إلى مستحقيها، سواء كان الوكيل حراً أو عبداً أو رجلاً أو امرأة، مسلماً أو مشركاً أو طفلاً أو بالغاً لا يبرئه إلا وصولها، وكذلك جائز له أن يوكل من يوكل على دفع زكاته، وكذلك جائز له أن يوكل رجلين أو أكثر على دفع زكاة ماله، وإن وكلها جميعاً بمرة واحدة فلا يدفع أحدهما شيئاً دون صاحبه إلا إن جوز له الموكل لأنه إنما سلطهما على فعل ذلك جميعاً، فإن فعل واحد دون صاحبه لم يجز إلا بأمر من وكله لأنه خالف فيها أمر به، وكذلك لا يدفع كل واحد منها لصاحبه
(9)
-139 - (2/129)
صفحة 916
شيئاً، وكذلك إن جنَّ أحدهما أو مات فلا يدفع الباقي منهما على هذا الحال، وكذلك إن قبل أحدهما الوكالة وأبى الآخر فالمعنى في هذا كله واحد، وأما إن استخلف كل واحد منهما على حدة فلا بأس أن يدفع كل واحد منهما لصاحبه، وكذلك إن مات أحدهما أو جنَّ فإنه جائز للآخر أن يدفع لأن كل واحد منهما خليفة على حدة، والله أعلم.
وإن مات صاحب المال قبل أن يدفع الخليفة ما استخلف عليه فإنه لا يدفع بعد ذلك، إلا بأمر الورثة لانتقال ذلك الشيء إلى الورثة بعد موت مورثهم، لأن الورثة هم المالكون لذلك الشيء، ولا يفعل الخليفة إلا بأمر صاحب المال، وكذلك أيضاً إن جن صاحب المال أو ارتد فلا يدفع الخليفة بعد ذلك شيئاً لبطلان تصرف صاحب المال في ذلك الشيء، فإن بطل تصرفه بطل تصرف من يتصرف عن أمره، وأما إن ارتد الوكيل ولحق بدار الحرب أو جنَّ ثم أفاق من جنونه أو أسلم من ارتداده فلا يزال من الوكالة، لأن الوكالة إباحة للوكيل فيما يفعل، وذهاب عقله لا يمنعه من استعمال ما أبيح له، ولا تبطل عنه تلك الإباحة،
-14 - (2/130)
صفحة 917
والدليل على ذلك أن رجلاً لو أباح لرجل أكل طعامه فأغمي عليه ثم أفاق لكان له أن يأكل بعد ذلك، والله أعلم.
وأما إن استخلفه أن يدفع زكاة ماله لرجل سماه فجنَّ الذي
سمى له، أو تغير بفعل كبيرة، أو استغنى أو ارتد أو خرج
عبداً
فلا يدفع له شيئاً في هذه الوجوه كلها، وإن أفاق المجنون فليدفعها
له لأنه ليس في ذلك ما يبطل وكالته، لأن الزكاة للمجنون جائزة
وأما إن أسلم المرتد أو افتقر الغني بعدما استغنى، أو أعتق العبد له شيئاً يدفع بعد ذلك لبطلان الوكالة، كما أنه لو وكله في
فلا
بيع شيء من ماله ثم إن الموكل باعه، فإن الوكالة تبطل في هذا وإن دخل ملك الموكل ثانية، والله أعلم
•
،
وكذلك أيضاً إن استخلفه أن يدفع زكاة ماله ثم نزعه من الخلافة ولم يعلم ثم دفع ما استخلف عليه فإنه ضامن، لأنه فعل بعدما نزع من الخلافة، فصار فعله في مال الغير بغير أمر صاحبه باطلا، أصله: من فعل في مال الغير بعير أمر مالكه إن فعله باطل، وقال بعضهم: لا يضمن إلا إن علم بزعه، فهذا من قولهم إنه لا يصح نزعه إلا بمحضر من الوكيل. كما إنه لا تصح وكالته وتصرفه إلا
بعمله بالوكالة، وهما سواء.
131 - (2/131)
صفحة 918
وإن قال له: استخلفتك أن تدفع زكاة مالي لمن تدفع إليه
زكاة مالك أو لمن شئت من الناس، فلا بأس في قول بعضهم، وإن قال: إدفع هذا لفلان في زكاة مالي، فإن لم تجده فادفعه لفلان، فليفعل كما أمره ووجوده في ذلك أن يجده في منزله أو أن يجده فيه، وإن وجده قد ارتد أو جنّ أو حيث يرجو
استغنى أو أبى أن يأخذها فإنه لا يعطى للآخر شيئاً لأنه قد وجده، وإن وجده ميتاً فليدفعها للآخر، وكذلك إن سمع خبره مسافر، إلا أنه لم يجده وإن أراد أن يدفعها للآخر ثم وجد الأول فإنه يدفعها للأول، وكذلك إن دفع للآخر بعضاً فإنه يدفع البقية إلى الأول لأنه قد وجده، وقال بعض: بل يدفعها للآخر لأنه لم يؤمر بالقسمة بينهما، وكذلك إن قال: أعطها لفلان أو لفلان فإنه لا يعطيها لهما جميعاً لأنه خيره، كما لو أنه أمره أن يدفع زكاة ماله لرجلين فإنه يدفعها لهما جميعاً ولا يقسمها لهما، لأنه لم يؤمر بالقسمة، إلا إن جوز له صاحب المال، وكذلك إن قال له: أعط لفلان كذا، ولفلان كذا، فليفعل كما أمره، وإن وجد
فيه
أكثر ما سمّى له فليعط لهما ما سمى ويرد الباقي إلى الأمر
وإن أعطى لأحدهما ما سمّى له ولم يجد في البقية ما سمّى للآخر
6
- 132 - (2/132)
صفحة 919
فليعط له ما بقي، وكذلك إن وجد فيه أول مرة أقل مما سمّى فإنه يقسم لها ما وجد كما أمره، وهذا بمنزلة ما لو قال له: إدفع هذا لفلان وفيه كذا وكذا، فإنه إن وجد فيه أكثر ما سمى ردَّ الأكثر على صاحبه، وأن وجد أقل مما سمى فليعط له، وكذلك على هذا الحال إن تلف منه بعض فإنه يدفع له الباقي: وهذا كله فما يكال أو يوزن، لأن ما يكال أو يوزن بخلاف غيره، ألا ترى أنهم قد جوزوا التجزئة فيما يكال ويوزن في
الشهادات بخلاف غيره، والله أعلم.
وإن
ق منه ذلك الشيء فرده بعينه فإنه يفعل فيه ما أمره به، وإن ردَّ بدله أو قيمته فلا يفعل فيه إلا بأمر ثان لأن البدل غيره، وإن أمره رجلان أن يدفع زكاتها لفلان، فبين له كل واحد منهما ما يدفع له فتشاكل عليه ما لكل واحد منها، فإنه يردّ لهما ذلك على قول بعضهم، فهذا يدل منهم: أن الوكيل بمنزلة الموكل، كما أن الموكل لا يدفع شيئاً لا يعلمه كذلك الوكيل، وكذلك إن أمره رجل أن يدفع هذا في الزكاة وهذا في الانتصال فتشاكل عليه على هذا الحال، والله أعلم.
- 133 - (2/133)
صفحة 920
وإذا أرسل زكاته لرجل مسلم مع أمين أو غير أمين، فإنه يسأله إن كان وصلها أم لا؟ حتى يعلم ببراءة ذمته، كما علم بشغل ذمته بذلك، فعلى هذا إن لم يجد رسوله بعد ذلك فليحتط لنفسه، وقال بعض: إذا أرسلها مع الأمين فلا سؤال عليه. والله أعلم، وبالله التوفيق. (2/134)
صفحة 921
باب فيمن يستخلف
من يأخذ له الزكاة
وكذلك جائز أيضاً أن يستخلف من يأخذ له الزكاة من الناس حراً كان أو عبداً، ذكراً كان أم أنثى موحداً، كان أم مشركاً، إلا ما كان من اختلاف العلماء في استخلاف الموحد والمشرك في الوجوه كلها، وكذلك يستخلف من يستخلف على هذا الحال، ولا يقبل الرجل خلافة رجل على أن يأخذ له الزكاة من الناس إذا كان لا يعطيه هو زكاة ماله، وقال بعض: يقبل خلافته إذا كان الذي يأخذ له منه يعرفه، لأن هذه مسألة فيها اختلاف كثير، وجائز للرجل أن يأخذ الزكاة لنفسه ولمن استخلفه معاً، وكذلك إذا كان خليفة رجلين يأخذها لهما معاً أو مفترقين سواء استخلفاه معاً أو مفترقين، لأنه في هذا لم يتعده ولم يخالف ما رسم له، وأما من عرف له كبيرة فلا يأخذ شيئاً، وإن استخلفه أن
معه
- 135 - (2/135)
صفحة 922
يأخذ له الزكاة من هذا الوقت إلى وقت كذا وكذا، فإنه يأخذها كما أمره، فإذا مضى ذلك الوقت فلا يأخذ له شيئاً، وكذلك كل
شيء رسمه له فلا يتعداه، وإن استخلفه على أن يأخذ له الزكاة
(
فإنه يأخذ له ما لم ينزعه من الخلافة، وقال بعض: لا يأخذ له إلا زكاة تلك السنة، وسبب اختلافهم عندي هو سبب اختلافهم في الأمر المجرد العارض عن القرائن، هل يقتضي التكرار أم لا؟ والله أعلم. وإن استخلفه أن يأخذ له الزكاة فإنه يأخذها له من ما جميع تجب فيه الزكاة، وكذلك إن استخلفه أن يأخذ له الصدقة، فالصدقة والزكاة سواء، وإن استخلفه أن يأخذ المسكنة فإنه يأخذ له جميع ما يأخذه المسكين من الحقوق والزكاة وغيرها، وقيل: لا يأخذ له إلا الكفارات، وذلك فيا يوجبه النظر لأن الكفارات لم يذكر الله الإطعام فيها إلا للمساكين، والزكاة قد ذكرها للمساكين وغير المساكين، وإن استخلفه أن يأخذ له الحقوق فإنه يأخذ له الحقوق كلها من الزكاة وغيرها، وإن استخلفه أن يأخذ له العشر فإنه يأخذ له العشر ونصف العشر، لأن العشر ونصف العشر يكونان في جنس واحد ونصاب واحد، ولا يأخذ له صدقة الغنم ولا صدقة الذهب والفضة، والدليل قوله عليه
-177 - (2/136)
صفحة 923
السلام: (فيما سقت السماء والعيون العُشر وما سقي بالدوالي والغرب
(1)
نصف العشر)، وهو معروف في صدقة الحب لا غير، وإن استخلفه أن يأخذ له نصف العشر فلا يأخذ له العشر ولا ربع
ربع
العشر إلا ما سماه له، وكذلك إن استخلفه على أن يأخذ له العشر على هذا الحال، وإن استخلفه أن يأخذله الزكاة ثم أحدث كبيرة أو أحدث إليه معنى لا تحل له به الزكاة فإنه لا يأخذها له، ولو رجع إلى حالته الأولى، لأنه إذا بطل فعل الموكل في الشيء الموكل فيه فقد بطل فعل من يفعل بأمره، وهذا الموكل حين أحدث كبيرة بطل فعله في هذا المعنى لأنه لا تحل له الزكاة الكبيرة، وكذلك إن جنَّ الذي استخلفه فلا يأخذ له شيئاً على
هذا الحال
مع
وإن استخلفه على أخذ الزكاة فأخذها فقال له: نزعتك من الخلافة قبل أن تأخذها أو استغنيت قبل أن تأخذها لي، أو هذا الذي أخذت لي حرام عندي أو استربته فلا يشتغل بقوله في هذا كله، وليضعها قدامه لأنه مدع في ذلك زوال شيء تعلق به، إلا إن كان له البيان على ما قال، وأما المستخلف فلا يأخذ ما استرابه،
(1) تقدم ذكره.
- 137 - (2/137)
صفحة 924
وإن أخذه فلينفقه على الفقراء، فإن أمره أن يأخذ له الزكاة
من
فلان، فوجده الوكيل قد جنّ، أو غاب، فإنه لا يأخذها من خليفته، لأنه لم يؤمر على ذلك أخذ الزكاة، ومن كبيرة فلا ومعه يعامله فيها من عرف ذلك منه من الناس، لأنه أخذ ما لا يحل له أخذه، فصار كالغاصب، وقيل في بعض الكتب: إنه يعامل فيها ولو عرف منه ذلك، وذلك فيا يوجبه النظر، لأن هذه المسألة فيها اختلاف بين العلماء كثير، والله أعلم، وبه العون والتوفيق
- 138 - (2/138)
صفحة 925
في
باب في زكاة الفطر
واخلتفوا في زكاة الفطر، قال بعضهم: إنها فريضة، وحجتهم ذلك ما روي من طريق ابن عمر (أن رسول الله فرض زكاة الفطر من رمضان صاعاً من أو صاعا من شعير، على كل أو عبد، ذكر كان أو أنثى، صغيراً كان أو كبيراً)). وقال بعض: كل صدقة في القرآن منسوخة نسختها آية الزكاة في سورة براءة، وفي الأثر) روي أن النبي أمر بزكاة الفطر من شهر رمضان قبل أن تفرض الزكاة) (2)، وقال آخرون: ليست بمفروضة حتى تنسخ، ولكنها عند هؤلاء نافلة مرغب فيها، الأخذ بها فضيلة وتركها ليس بخطيئة، ويدل لهذا حديث الأعرابي المشهور الذي حاء إلى النبي الله يسأله عن الإسلام حتى قال له: والزكاة، قال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تَطَوَّع.
(1) رواه الجماعة (2) رواه النسائي.
•
-179 - (2/139)
صفحة 926
(1)
وأما عمَّن يخرجها الرجل فإنه يخرجها عن نفسه وعمَّن يعول مما تلزمه نفقته مثل: أولاده الأطفال وعبيده، موحدين كانوا أو مشركين، وبناته البالغات ولو زوجهن ما لم يجلبهن أزواجهن، ونساءه سواء منهنَّ طفلات أو بالغات، أو موحدات أو مشركات، والدليل على هذا ما رُوي أنه قال عليه السلام في زكاة الفطر: (يعطيها الرجل عن نفسه وعمَّن يعوله (). هذه زيادة على ما في حديث ابن عمر، والزيادة مقبولة في الحديث، وقال آخرون: لا تلزمه فطرة الزوجة كما لا تجب عليه شيء من ديونها، وصدقة الفطر هي من ديونها، ومن حجة أصحاب هذا الرأي أيضاً: أنَّ فرض الصدقة كان عليها، فالفرض لا ينتقل عنها بتزويجها، ومن حجتهم أيضاً: أن المرضع ممن تجب على الزوج مؤنتها في وقت
رضاعها، ولا تجب عليه صدقة الفطر عنها، والحجة لأصحاب القول الأول: أن المطلقة الحامل والمرضع كالأجيرين، والزوجة ليست كذلك، والله أعلم.
واختلفوا في عبيده الذين اشتراهم للتجارة، قال بعضهم: عليه
(1) رواه البيهقي والدارقطني
-18 - (2/140)
صفحة 927
زكاة الفطر عليهم للعموم المتقدم، وقال آخرون: لا زكاة عليهم
لأنه لا يجتمع في مال واحد زكاتان، والله أعلم
•
وأما المشرك من العبيد فإنه يعطى على سهمه منه، وروي (أنه فرض زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين،
6
حداً كان أو عبداً، ذكراً أو أنثى، كبيراً أو صغيراً صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير) (1). فهذا الحديث يدل على أنه
لا تلزمه زكاة عبيده المشركين، ولا نساءه المشركات، وكذلك
قال بعضهم.
وأما من تجب عليه؟ فإنه تجب على الغني على قدر اختلافهم في
:
في حد الغنى كما قدمنا، والدليل ما روي أنه قال عليه السلام: (لا صدقة إلا عن ظهر غنى) (2)، وما روي أيضاً أنه قال عليه السلام في صدقة الفطر: (صاعاً مما تأكلون يعطيها الغني ويأخذها
الفقير) (3)
و أما كم يعطي؟ فإنه يعطي صاعاً مما فيه أجل قوته، كما قال عليه السلام،
(1) تقدم ذكره. (2) تقدم ذكره.
(3) رواه الترمذي وأبو داود.
-181 - (2/141)
صفحة 928
(صاعاً مما تأكلون، فعلى هذا يعطيها مما فيه جل قوته وكثرة عيشه أو شعير أو تمر أو لحم أو لبن أو بقل، ويعطي من
من بر
عظامه:
اللين صاحبه حين يحلبه بكيل، ويعطي صاحب البقل من البقل منقطعاً بكيل، وكذلك صاحب اللحم يعطيه منقطعاً وينزع وهذا الصاع المذكور صاع النبي المعروف. وهو عندهم خمسة أرطال وثلث وزيادة يسيرة بالرطل البغدادي، وبه قال أهل الحجاز، وذهب أبو حنيفة ومن تابعه إلى أن الصاع ثمانية أرطال، والمد رطلان، فإن عاش بحشيش البراري مثل الكماة والكراكر والصيود فليس عليه من الفطر شيء، وهذا عندي تخصيص العموم بالقياس، لأن الله لم يعرض الزكاة على الأغنياء مما هم والفقراء فيه سواء في الإباحة، لأن العصر. والأغنياء في ذلك سواء، والله أعلم.
وفي بعض أثر أصحابنا: وسمعت أنه لا يجوز للإنسان أن يخرج زكاة نفس واحدة من جنسين، والدليل على هذا الفول التخيير الذي في الحديث المتقدم؛ وقال بعض: يجزئه نصف صاع من قمح مثل الكفارات، ويجوز له أن يعطي نصف صاع من شعير ونصف صاع من تمر، وكذلك غيرهما من الحبوب الستة، فهؤلاء
- 142 - (2/142)
صفحة 929
قاسوها على الكفارات، وبعض أجاز له أن يعطي قيمة الصاع من الذهب والفضة كما قدمنا قبل هذا في الزكاة، ولا تعطى إلا
لمتول عند أصحابنا لأنه زكاة، ولا يأخذها الغني مثل الزكاة
والله أعلم.
وأما متى تجب؟ فإن صدقة الفطر مأخوذة من الإسم؛ تجب يوم الفطر ولا تجب قبل ذلك، وقد أجاز أصحابنا تعجيلها في شهر رمضان قياساً على تعجيل زكاة الأموال، والناس مختلفون في تقديمها وفي تقديم زكاة الأموال قبل وقتها؛ واختلفوا في أول وقت وجوبها، قال بعضهم: تجب بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان، وقال آخرون: إنما تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر، وذلك لأنها عند هؤلاء مأخوذة من الإسم وهو يوم الفطر، وأما القول الأول فإنه يدل أن قائله ذهب إلى أنها متعلقة
بخروج رمضان، وليلة العيد ليست من رمضان.
بيوم
العيد
وفائدة الخلاف فيها حدث إليه من الأولاد والعبيد والزوجات فإن كل ما حدث إليه قبل وقت الوجوب فإنه يعطي عليه، وكل ما حدث إليه بعد وقت الوجوب فليس عليه منه شيء على قدر
"
-1 {7 - (2/143)
صفحة 930
اختلافهم في أول وقت الوجوب، وكذلك ما تلف على عكس هذا، أعني ما تلف أو خرج من ملكه قبل وقت الوجوب فليس عليه شيء، وما تلف أو خرج من ملكه بعد وقت الوجوب لزمه الإخراج عليه على قدر اختلافهم، وأفضل إخراجها يوم الفطر قبل الصلاة لما روي أن النبي ا ل (أمر بزكاة الفطر أن تخرج قبل أن يخرج الناس إلى المصلى (1). وإن أخرجها بعد الصلاة أجزأ عنه ذلك، وقيل: هي فطرة حتى يموت الشهر وهو شوال، فإذا انسلخ فهي صدقة، فهؤلاء جعلوا شهر الفطر كيوم الفطر، وقال قوم: هي فطرة من يوم الفطر إلى يوم الأضحى فهؤلاء جعلوا أشهر الحج ميقاتاً لها، والله أعلم، وبالله التوفيق.
(1)
قد كمل جزء الزكاة وما يتعلق به بحمد الله وحسن عونه،
6
ويليه كتاب الصوم.
(1) رواه الجماعة إلا ابن ماجه
-18?- (2/144)
صفحة 931
كتاب الصوم وما يتعلق به
باب في الصوم
إعلم أن الصوم ينقسم قسمين: واجب ومندوب،
فالواجب
ينقسم ثلاثة أقسام: واجب للزمان بعينه، وهو صوم رمضان
وواجب لعلة، وهو صوم الكفارات، وواجب بايجاب الإنسان
ذلك على نفسه، وهو صوم
النذر.
6
وأول ما نبتدئ به إن شاء الله الصوم الواجب للزمان، وهو صوم رمضان، وما يتعلق به من المفطرات والمفطرين وأحكامهم، ثم بعد ذلك المندوب، وأما صوم الكفارات وصوم النذر؛ فإنه ينبغي أن يذكر في موضعه إن شاء الله، أما صوم رمضان، فإنه واجب على كل بالغ عاقل حاضر صحيح، إذا لم تكن فيه الصفة المانعة من الصوم، وهي: دم الحيض والنفاس للنساء خاصة، والدليل على وجوبه الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فلقوله
(10)
- 1 {0 - (2/145)
صفحة 932
(1)
عز وجل: عَلَيْكُم الصيام، كَمَا كُتِبَ على الذين من قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَياماً مَعْدُودات)). فإن قال قائل: فليس في هذه الآية ما يدل على تخصيص الصوم بشهر رمضان، قيل له: خَصَّتُهُ آية أخرى، وهو قوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنزِلَ فيه القُرآنُ) (2) أي الأيام المعدودات التي كتب
،
عليكم الصيام فيهن هي شهر رمضان، ثم قال تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ منكم الشهر فَلْيَصُمْهُ) (3)، فَعَرَّفه بالألف واللام تعريف العهد ليدل أن الشهر المذكور هو المتقدم ذكره، وليس في هذا ما يحتاج إلى الإكثار، لأن الأمة لم تختلف فيه، فيه، وأما وجوبه بالسنة فقوله: (بني الإسلام على خمس) الحديث، وأما الإجماع، فإنه لم ينقل إلينا عن أحدٍ خلاف علمناه، والله أعلم.
فصل
ولا يصح الصوم إلا بعلم وعمل ونية، وكذلك جميع العبادات لا تصح إلا بهذه الأركان.
(1) البقرة (183). (2) البقرة (180): (3) البقرة (185).
(4) تقدم ذكره.
-187 - (2/146)
صفحة 933
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: الفقه
------------------------------------------
العنوان: كتاب الإيضاح
المؤلف: عامر بن علي الشماخي
مع حاشية عليه: محمد بن عمر أبو ستة القصبي النفوسي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة
مكان النشر: مسقط - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1420ه/ 1999م
الطبعة: 4
عدد الأجزاء: 4
الإيداع القانوني: 158/99
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/11
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، ماعدا الجزء الأول فإنه عند تهميش صفحاته يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) أما
:
العلم، فواجب على كل مكلف إذا دخل شهر رمضان، أن يعلم بفرضه عليه، وإن لم يعلم ذلك فقد هلك في قول المسلمين، وكذلك أيضاً يجب عليه أن يعلم كيفية العمل وكيف يمتثل ويعلم
بوجوب الثواب على العمل، وهذا العلم إنما يضيق عليه حين يضيق عليه الترك، وأما العلم بدخول شهر رمضان فإنه يحصل بثلاثة أشياء: أحدها الرؤية، والثاني الخبر، والثالث استكمال ثلاثين يوماً، فأما الرؤية، فإن شاهَدَ الهلال بنفسه
،
فإذا شهده
وجب عليه الصوم، ولو لم يشاهده غيره، لقوله عليه السلام: (صوموا لرؤية الهلال وأفطروا لرؤيته) (1). وكذلك إن شاهد هلال شوال فإنه يفطر، ولكنه يفطر سراً، لئلا يبيح البراءة من نفسه لأنه غير مصدق في ذلك، لأنا لا نصدق كل من ادعى إباحة شيء حرمه الله عز وجل في حقنا بغير بيان، وأما وقت اعتبار الرؤية فإنهم اتفقوا على أن الهلال إذا رني بالعشي بعد غروب الشمس أن الشهر من الغد، واختلفوا إذا ربي في سائر أوقات النهار، قال بعضهم: إذا رئي قبل الزوال خلف الشمس، فهو من الليلة الماضية، وإن رئي بعد الزوال فهو من الليلة المقبلة، والدليل
(1) رواه مسلم.
-1 {4 - (2/147)
صفحة 934
على هذا القول: القياس والتجربة، لأن القمر لا يرى والشمس بعد لم تغب إلا وهو بعيد عنها، لأنه حينئذ يكون أكثر من قوس الرؤية، وقال بعض المخالفين: إن القمر في أي وقت رئي من النهار إنه من اليوم المستقبل، كحكم رؤيته بالعشي، واحتجوا في ذلك بأثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال: (إن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال فلا تفطروا حتى يشهد رجلان أنهما رأيا بالأمس). وقد ذكر في كتاب (الدعائم) قول يشبه هذا القول من كتاب، وعن قوم أبصروا هلال شوال ثلاثين يوماً من شهر رمضان في النهار فقالوا: لولا أن الهلال كان من هذه الليلة الماضية لما أبصرناه هذا الوقت فأفطروا، فعليهم كفارة لذلك اليوم صيام شهر، ومن غيره قال: وقد قيل عليهم بدل يومهم، وهو قول أبي عبدالله رحمه الله، وعن أبي عبدالله قال: ليس ذلك بمنزلة من أفطر متعمداً، والله أعلم.
يوم
والقول الأول أصح، وهو قول أصحابنا رحمهم الله، والله أعلم.
وأما الخبر فإنهم اتفقوا إذا شهد عدلان أنهما رأيا الهلال أنه يصام بها ويفطر بهما لأنها حجة، واختلفوا في الواحد العدل هل يصام به أم لا؟ قال بعضهم: لا يصام به، وذلك أنه عند هؤلاء
-1 {A- (2/148)
صفحة 935
لا
يصام به كما لا يفطر به، وقال أبو عبدالله محمد بن بركة في كتابه: والذي عندي أن الواجب أن يقتدوا للصيام بأحد ثلاث جهات: إما رؤية هلال رمضان، أو استكمال عدة أيام شعبان، أو خبر يوجب البيان، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن صوم يوم الشك) (1)، فخبر الواحد لا يزيل الشك من قلوبنا، فإذا وجدنا ما يزيل الشك وجب فرض الصوم، وقال بعض: يصام بالواحد العدل ولا يفطر به، والدليل عندهم أن خبر الواحد
يوجب
حكماً ولا
يوجب
صح
علماً.
وإن صام الناس بشهادة الواحد الثقة صاموا ثلاثين يوماً غير اليوم الذي كان من شعبان، وشهد الثقة أنه من رمضان إلا إن هلال شوال، لأن الثقة مقبول قوله تقليداً له، فإذا صح في العبادة العلم بوجوبها لم يزل إلا بعلم مثله يزيل حكم ما وجب من فرضها من رؤية الهلال واستكمال العدة التي لا ريب في الخروج من العبادة بها، أو شهادة العدلين برؤية الهلال، فإن قال قائل إن شهادة الشاهدين لا توجب علماً بالحقيقة على ما أصلته لنفسك
(1) رواه أحمد والنسائي وأبو داود والدارقطني.
-189 - (2/149)
صفحة 936
من العلم الحقيقي الذي يفيد الخروج من العيادة الثابتة باليقين، قيل له: إنما جواز شهادة الشاهدين من طريق الشريعة لا من طريق
صح
لنا
العلم، والإجماع على ذلك، لأنا لو تركنا وصحة اليقين ما علم بشهادة، والدليل عليه من طريق الشرع حديث الأعرابي الذي جاء إلى رسول الله الا الله فقال له: (أبصرت الهلال الليلة، فقال النبي: أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ قال الأعرابي: نعم، فقال النبي: قم يا بلال فأذن في الناس فليصوموا غداً) (1). فإن قال قائل: فإذا أثبتت الرؤية بالخبر في حق لم يره هل يتعدى ذلك من بلد إلى بلد، أعني هل يجب على أهل بلد إذا لم يروه أن يأخذوا في ذلك برؤية بلد أخرى أم لكل بلد رؤية؟ قيل له في ذلك، والله أعلم: إختلف مخالفونا في ذلك، قال بعضهم: كل بلد ورؤيته قرب أو بعد، وقال بعضهم بخلاف ذلك في البلاد القريبة والبعيدة، وذلك أن البلاد إذا لم تختلف مطالعها كل الاختلاف، فيجب أن يحمل بعضها على بعض وبخاصة إذا كان بائناً في الطول والعرض كثيراً،
(1) رواه الخمسة إلا أحمد عن عكرمة عن ابن عباس.
11011 (2/150)
صفحة 937
وأما البلاد النائية كالحجاز والأندلس فلا، والله أعلم. وإذا بلغ الخبر مبلغ التواتر لم يحتج فيه إلى شهادة، لأنه يوجب العلم والعمل معاً، والله أعلم.
وصفته ما نقلته جماعة عن جماعة متصلة فيما بين المخبر والمخبر عنه، مما لا يصح عليه التواطؤ، ولا التساعي على الكذب، ولا اتفاق الهمم، ولا دعاهم إلى ذلك اعتقاد مذهب، ولا الحاد يكون أصل عملهم بذلك عن مشاهدة، ولا يعتبر في ذلك صفات المخبرين من عدالة وغيرها، واتفقوا على اعتبار وجود العقل فيهم، والله أعلم. وقد روي عن أبي يحيى الفرسطائي أنه نزل هو وأبو هارون الجلالمن من جبل شروس في يوم عيد فرأيا في دورهم دخاناً والناس قد أخذوا بزينة العيد، وبرزوا إلى مصلاهم، فقال أبو هارون لأبي يحيى: هذا مشهور عندي، والله أعلم فيما يوجبه النظر، أنه لهذا المعنى أجاز أصحابنا مشهور أهل الجملة في رؤية الهلال، لأن هذا من باب العمل بالأحاديث، ومن باب الدين ليس من باب الشهادة التي يشترط فيها العدة والعدالة جميعاً لموضع التنازع الذي في الحقوق، فإن قال قائل: لم اشترط أصحابنا في مشهور أهل الجملة ثلاثة فصاعداً؟ قيل له (والله أعلم): أقل الجمع ثلاثة
-101 - (2/151)
صفحة 938
وهو أدنى ما يلزم به التواتر في الأخبار، والمرأتان من أهل الجملة بمنزلة رجل واحد من أهل الجملة، ولا يجوز قول النساء وحده إلا في المواضع المعروفة، والله أعلم؛ وكذلك يجوز مشهور أهل الجملة في الأميال والإياس والإمامة في المواضع التي هي فيها، وكذلك يجوز قولهم في الموت والنسب والنكاح ما لم يكن الإنكار، فإذا وقع الإنكار كان من باب الشهادة التي يشترط فيها العدد والعدالة جميعاً لموضع التنازع، وأما إذا شهدوا في الأميال فقد أخبروا بوجوب أشياء على من لم يجب عليه، مثل قصر الصلاة وغيرها من الفرائض التي مختلف فيها أحكام المسافر وغيره، وكذلك الإياس إذا أخبروا عنه. وحد الإياس ستون سنة أو تسعون سنة على ما قال بعضهم، فقد أخبروا بوجوب أشياء على من لم يجب عليه قبل أن تبلغ حد الإياس، مثل الصلاة والصوم في زمن الدم وغير ذلك من الفرائض التي يختلف فيها أحكام المؤيسة وغيرها، وكذلك الإمامة إذا أخبروا بها، فقد أخبروا بوجوب حقها أعني حق الإمام على رعيته، وكذلك في الموت إذا أخبروا بموت أحد فقد أخبروا بوجوب أشياء لم تجب قبل مثل العدة على المرأة، وقسم المواريث وغير ذلك من الفرائض، وكذلك النسب إذا
-107 - (2/152)
صفحة 939
شهدوا أن هذا ولد فلان بن فلان، فقد أخبروا بوجوب إلحاقه بأبيه في النسب وتحريم نسبه إلى غير أبيه، وغير ذلك من المواريث والحقوق على ما كان بينه وبين قرابته، وكذلك النكاح إذا شهدوا به فقد شهدوا بوجوب أحكام الزوجية من الإحصان والتحريم والحقوق والمواريث وغير ذلك من أحكامها، والله أعلم؛ وإذا وقع الإنكار فيما ذكرناه فلا يجوز قولهم كما قدمنا، وكذلك إذا استريبوا في ذلك لم يجز قولهم، لأنهم في تلك الحال متهمون، وقد ثبت عنه عليه السلام أنه قال: (لا تجوز شهادة ذي الظنة) (1) أي المتهم في دينه، ومن الريبة في قولهم إذا قالوا أنهم رأوه وهم بين الناس في ليلة شديدة الغمام، أو كانوا في موضع مستتر عن مواضع الأهلة، أو كانوا في حبس أو من جر إلى نفسه منفعة، مثل من له دين متعلّق لرؤية الهلال، وكذلك المرأة التي تعتد بالشهور، وبالجملة إن جميع من جر إلى نفسه منفعة أو دفع عنها مضرة لم تجز شهادته أميناً كان أو غير أمين، وقد ثبت عن جابر بن زيد عن النبي الله قال: (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه، ولا ظنين في ولاء وقرابة،
(1) رواه أحمد.
-107 - (2/153)
صفحة 940
6
والقانع مع أهل البيت لهم)). أما قوله: ولا غمر على أخيه فإن الغمر الشحنة والعداوة، وأما الظنين في ولاء وقرابة، فهو
الذي يتهم في الدعوة إلى غير أبيه أو متولي غير مواليه، وأما القانع مع أهل البيت لهم، فإنه مثل الخادم لأهل البيت أو الأجير فلا تجوز شهادته، لأنه يطلب معاشه، والله أعلم؛ وإن قال ثلاثة نفر من أهل الجملة: إنا قد رأينا هلال رمضان الليلة أو البارحة أو ليلة كذا وكذا، فقولهم في ذلك جائز، وكذلك إن قال ذلك ثلاثة عن ثلاثة، أو ثلاثة عن ثلاثة عن ثلاثة، أو ثلاثة عن أمينين، أو أمينان عن ثلاثة، فذلك كله جائز، وهو من باب العمل بالأحاديث، ومن باب الدين، ومع هذا أيضاً لم يبعد أن يشبه قال: إن فلان بن فلان قد رأى الهلال فلا يجوز
الشهادة؛ ومن
قوله، لأن دعوة هذا على الغير، إلا إن قال فيما قال، والله أعلم،
وأيضاً جوزوا قول أهل الجملة في رؤية الهلال ما لم ينسلخ الشهر
فإذا انسلخ فلا يجوز قولهم، ولعل هذا للتهمة التي تلحق العامة في غلطهم في الأيام، أو لأن حكم الشهر الذي شهدوا عليه قد
(1) رواه النسائي والترمذي وابن حبان.
"
-108 - (2/154)
صفحة 941
انقضى
، فلا يجوز قولهم في شيء قد انقضى وبرئت منه الذمة إلا
الأمناء، والله أعلم.
والحاكم العدل الثقة إذا قال: ثم عندي المشهور بأن الشهر يوم كذا وكذا، فذلك جائز في الصوم والإفطار، وكذلك الأمين المقتدى به على هذا الحال، وإن قال الحاكم أو الأمين: قد رأيت الهلال، فلا يقبل قوله وحده، لأن هذا شهادة منه، والأول إخبار منه لما صح عنده فقوله مقبول، كما يقبل إذا أخبر بما صح عنده في سائر الأحكام، والله أعلم. وإن روى ذلك أهل الجملة عن الحاكم فلا يقبل قولهم، وذلك فيما يوجبه النظر، لأنهم إنما شهدوا على قوله ولم ينسبوا الفعل إلى من شاهد ورأى، وذلك شرط في الشهرة، ومنهم من يجوز قول أهل الجملة في ذلك إذا رووه عن الحاكم، ولعل هذا من أجل أنهم رووا هذا عن مقبول القول،
كما
رووه عن أمينين أو ثلاثة من أهل الجملة، والله أعلم
•
أجمع
وأما استكمال ثلاثين يوماً الذي يحصل به العلم، فقد العلماء على أن الشهر العربي يكون تسعة وعشرين يوماً، ويكون ثلاثين يوماً، وإن غم الشهر ولم تمكن الرؤية في وقت الرؤية، فإن الحكم في ذلك كما قال عليه السلام: (فإن غم عليكم
11001 (2/155)
صفحة 942
بيوم
فأكملوا العدة ثلاثين يوماً) (1)، وهو قول الجمهور، وذلك اليوم، هو الذي يعرف أيضاً الشك، وهو ذلك اليوم الذي يشك فيه أنه من رمضان، وهو آخر يوم من شعبان، فاختلف أصحابنا في صيامه، فبعض أجرى عليه التحريم، وحكم على صائمه بالعصيان لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن صوم يوم الشك) (2) وهو آخر يوم من شعبان، وبعض لم يروا صومه محرماً ورآه مكروهاً، وبعض خير بين صومه وإفطاره، وقال بعض: صومه أحوط من إفطاره، وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (لَصَوْمُ يوم الشك أحب إلي من إفطاره) (3)، واتفقوا على الإمساك و انتظار الخبر إلى وقت رجوع الرعاة، وذكروا أن ذلك سنة، وهذا منهم استحباب لا إيجاب، وإن صح الخبر أن يوم الشك من فإن العلماء اختلفوا فيمن صامه، قال
"
يجز
رمضان بعضهم: لا عن من صامه ولو جاءه الخبر بصحة دخول رمضان في صدر النهار أو في آخره، إذ كان إنما انعقد صومه على غير يقين في الابتداء، وفرق بعضهم بين مجيء الخبر في ذلك اليوم أو بعد ذلك اليوم،
(1) رواه البخاري.
(2) تقدم ذكره.
(3) رواه أحمد وأبو داود والدارقطني (2/156)
صفحة 943
وقالوا: إن جاء الخبر في ذلك اليوم اعتد به، وإن جاء بعد الغد أو في الشهر أو بعد انقضاء الشهر لم يعتد به وعليه بدله، وأكثر قول الفقهاء: أنه لا بدل عليه إذا صح الخبر بعد انقضاء الشهر، لأنه إنما صح الخبر بعد انقضاء الفريضة، وأما أبو حنيفة و صاحباه فإنهم قالوا: من صام يوماً ينوي به تطوعاً ثم علم أنه من رمضان فإنه يجزيه عن فرض يومه من رمضان، وينقلب عندهم إلى الفريضة، لأن وقته عندهم يختص بفعله، والله أعلم. واختلفوا أيضاً: هل يكون يوم الشك في النوافل؟ قال بعضهم: لا يصام يوم الشك في فريضة ولا نافلة، وقال آخرون: لا يكون يوم الشك إلا في رمضان، وذلك مثل من أراد أن شهراً معروفاً مثل رجب وغيره، والنظر يوجب عندي القول الأول لأن علة النهي عن صوم يوم الشك من أجل أن صيامه على الشك بغير انعقاد نيَّة على يوم معروف، والله أعلم، وبالله
يصوم
التوفيق.
-101 - (2/157)
صفحة 944
باب الركن الثاني
الذي هو العمل وهو الصوم
والصوم في عينه الإمساك من طريق اللغة، ومن طريق الشرع الإمساك عن المطعوم والمشروب، ويجب على الصائم أن عن جميع المفطرات زمان الصوم، وزمان الصوم اتفقوا أن آخره
يصوم
(1)
غيوبة الشمس، لقوله تعالى: (ثم أتموا الصيام إلى اللَّيْلِ) واختلفوا في أوله، فالذي عليه أصحابنا وهو قول الجمهور: أنه طلوع الفجر الثاني المستطير الأبيض، لثبوت ذلك عن رسول الله أنه قال: (إذا رأيتم الفجر المستطيل، فكلوا واشربوا ولا تصلوا الفجر، وإذا رأيتم الفجر المستطير فلا تأكلوا ولا تشربوا وصلوا الفجر) (3) يعني بالمستطير المتعرض في الأفق، وبظاهر قوله تعالى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ
(1) البقرة (178).
(2) رواه الخمسة.
-101 - (2/158)
صفحة 945
مِنَ الْفَجْرِ) (1)، يعني - والله أعلم - بياض النهار من سواد الليل. واختلفوا في الحد المحرم للأكل، قال بعضهم - أعني بعض العلماء ـ: طلوع الفجر نفسه، وقال بعض: هو تبينه عند الناظر إليه، ومن لم يتبين له فالأكل مباح له، وفائدة الفرق أن من انكشف له أنه أكل بعدما أصبح، قال بعضهم: عليه قضاء يومه، الله وقال آخرون: ليس عليه القضاء، فهذا يدل من قولهم رحمهم أن من أوجب عليه القضاء جعل الحد في ذلك طلوع الفجر نفسه، كما قدمنا عن بعض الفقهاء، ومن لم يوجب عليه القضاء جعل الحد في ذلك العلم الحاصل، لقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى
(2)
يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) فعلَّق الإمساك بالتبين نفسه، والقول الأول أصح عندي، وهو قول الجمهور، لأن الفجر إذا تبين في نفسه فقد تبين لنا، أرأيت من كان في مكان مستتر مطمئن، مثل الغار وغيره ولا يتبين له أيحل له الأكل على هذا القول؟ ولم يقله أحد فيما أعلم، وقول الجمهور أصح إذ القياس يعضده، وهو قياس الطلوع على الغروب
(1) البقرة (187). (2) البقرة (187). (2/159)
صفحة 946
وعلى سائر حدود الأوقات الشرعية كالزوال وغيره، فإن الاعتبار في جميعها هو الشيء نفسه لا العلم المتعلق به، ولذلك أوجبوا على من ظن أن الشمس غربت، فأكل ثم تبين له أنه أكل قبل غروب الشمس، القضاء، ثم إنهم اختلفوا في القضاء، قال بعضهم: ما مضى من صومه كله لأن رمضان فريضة واحدة عند هؤلاء، وقال آخرون: قضاء يومه، وهذا القول أصح فيما يوجبه النظر، لأنه لم يتعمد الأكل، وإنما أكل بشبهة، والله أعلم.
ثم تبين له أنه
وأما من قام من النوم في ليلة غائمة فلا يأكل بعدما انتبه من نومه من أجل أنه لم يدر ما نام، وإن أكل أكل بعدما أصبح انهدم صومه لتقدمه على الأكل على هذا الحال، وقد رخص أيضاً أبان بن وسيم (رحمه الله) لرجل سأله عن هذه
المسألة أنه لا يلزمه إلا إعادة ذلك اليوم، فهذا يدل من قولهم
:
إنه ما لم يتعمد لهتك حرمة الصوم فلا ينهدم صومه، بل إنما أكل هذا بشبهة، وعلى هذا الاختلاف أيضاً يلزم من كان يسمح لجيرانه إذا تحركوا للسحور، وكان يأكل إليهم ولا يسألهم، ثم إنه ذات مرة تحركوا للوضوء بعد صلاة الفجر فظن أنهم تحركوا للسحور فأكل لذلك، والله أعلم، وللصائم الأكل في ليله؛
سمعهم
-18 - (2/160)
صفحة 947
الخيط
كله إلى الوقت الذي ذكره الله في كتابه: حتى يتبين لكم من الخيط الأسود (1)، وقد سئل النبي عن الخيط علا
الأبيض الأبيض والخيط الأسود والوقت الذي بينها والأكل فيه فقال: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا إلى أن تسمعوا أذان ابن أم مكتوم)).
وأما من أوجب الإمساك قبل طلوع الفجر فلعله جرى على الاحتياط، وقد اختلفت الروايات في ذلك عن ابن عباس قال للسائل له عن الوقت المحرم فيه الأكل على الصائم فقال له: (كُل حتى تشك). أنه قال لآخر: (كل حتى لا تشك)، والله وروي أعلم؛ وأما الجماع فليكف عنه قبل ذلك بقدر ما يدرك فيه الغسل، لأن الغسل من الجنابة من شروط الصوم على ما يأتي بيانه بعد إن شاء الله، وجائز للمرأة أن تمتنع عن زوجها إن أراد وطأها ولم يبق من الوقت بقدر ما يغتسل فيه من الجنابة في آخر الليل في رمضان، والله أعلم.
وأما المفطرات التي يجب على الصائم الإمساك عنها زمان
(1) تقدم ذكرها. (2) رواه الدارقطني.
(11)
-171 - (2/161)
صفحة 948
الصوم، فمنها الطعام والشراب، بدليل قوله عز وجل: و واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُم الْخَيْطُ الأبيض من الخيط الأسود
من
الفجر کي
(V)
واختلفوا في غير المطعوم والمشروب مثل الحصى والحديد وغير ذلك مما لا يؤكل، قال بعضهم: حكم هذا حكم المطعوم والمشروب قياساً عليه، وقال آخرون: بخلاف ذلك، وأن هذا لا يفطر، والقول الأول أصح، لأن المقصود من الصوم الإمساك عما يؤدي إلى الجوف، سواء كان مغذياً أو غير مغذ، وكذلك الدموع والمخاط والريق بعدما بان من فيه على هذا الحال، وكذلك جميع ما ذكرناه إن وصل إلى جوفه من غير مجرى الطعام والشراب، فإنه يفطر بذلك ولا يجعل شيئاً من الدهن والماء والدواء في المجاري التي تؤدي إلى الحلق، لأن ذلك مما يؤدي إلى الجوف ويجري مجرى الطعام، وإن كان أجاز ذلك أحد فلا نأخذ به، وفي الأثر: وقال أبو الحسن: ولا يستحب للصائم أن يقطر في أنفه ولا في أذنه ولا في حلقه دواء، لأن ذلك يؤدي
إلى الجوف
(1) تقدم ذكرها
- 162 - (2/162)
صفحة 949
وبالجملة إنه يجب الإمساك عن جميع ما يصل إلى الجوف من أي المنافذ، وصل معتاداً كان أو غير معتاد قياساً على المعتاد، أعني بالمعتاد مجرى الطعام والشراب، وبعض أهل الخلاف لم يلحق في ذلك غير المعتاد بالمعتاد، وكذلك أيضاً اختلفوا فيا ينزل من الرأس، وما يطلع من الصدر، قال بعضهم: يفطران، وقال بعضهم: لا يفطران، والنظر يوجب عندي أن من لم يلزم فيهما الإفطار أنهما عنده بمنزلة الريق، ومن لزم الإفطار فيهما جعلهما كسائر الأجسام المفطرات، وفرق بعضهم بين ما نزل من الرأس وما طلع من الصدر، فأوجب الإفطار فيما يطلع من الصدر دون ما ينزل من الرأس، وهذا القول فيما يوجبه النظر عندي أصح،
لأن ما ينزل من الرأس لا يمتنع.
منه
6
كما لا يمتنع من الريق
بخلاف ما يطلع من الصدر، إذا قدر أن يرميه خارجاً،
والله أعلم.
:
ومن المفطرات أيضاً: الجماع، بدليل قوله تعالى: (فالآن باشر و هنَّ) (1)، وكذلك أيضاً: المتعمد لإنزال النطفة، حكمه حكم الجماع، مثل من عبث بذكره متعمداً لإنزال النطفة، فعليه
(1) البقرة (187).
-19 - (2/163)
صفحة 950
:
البدل والكفَّارة، وفي خفض أبي صفرة (من أنعظ ذكره حتى أنزل المني من غير أن يمسه نهاراً في شهر رمضان، فعليه بدل ذلك اليوم)، وقال أبو عبدالله: لا بدل عليه إذا لم يعالج ذكره ولم يرده، كذا ذكره ابن جعفر رحمه الله، أو أدام النظر إلى فرج حتى أمنى أو مَسَهُ فأمنى، وكذلك من ترك الغسل من الجنابة حتى أصبح فهو مفطر، لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أصبح جنباً أصبح مفطراً)، واختلفوا فيمن قبل امرأته وهو صائم، قال بعضهم: أفطر، وقال آخرون: لم يفطر، وحجتهم ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله الله يقبل وهو صائم)، ولعل حجة الباقين قول عائشة: (ولكنه لا أملككم لإربه) (1)، وقد روى بعض مخالفينا في ذلك حديثاً) سئل النبي عن القبلة للصائم، فقال: أفطرا جميعاً) (2) والنظر يوجب عندي أنها مكروهة لأنها من دواعي الجماع. واختلف أصحابنا في الكذب المتعمد عليه، قال بعض: لا ينقض الصوم، وقال بعض: ينقض، وللدليل على أنه ينقض
(1) رواه الجماعة إلا النسائي
(2) رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر.
،
- ITE- (2/164)
صفحة 951
ما روي من طريق أنس أنه قال: قال رسول الله: (النميمة والكذب ينقضان الوضوء وينقضان الصوم) (1)، وعنه عليه السلام قال: (رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر، ورب داع حظه من دعائه لا لبيك
(2)
هذا
ولا سعديك) (2)، وكذلك جميع الكبائر؛ كبائر النفاق على. الحال قياساً على الكذب والنميمة. وأما من لا يرى النقض بالكذب المتعمد عليه، فلعله لم يبلغه هذا الحديث، والله أعلم. واختلفوا أيضاً في القيء هل يفطر أم لا؟ قال بعضهم: من تقياً متعمداً أفطر، ومن ذرعه القيء فلا نقض عليه، والدليل على هذا القول ما روي أنه قال عليه السلام: (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء) (3)، وأوجب بعض على تقياً من بالشبع إعادة ذلك اليوم، والقول الأول أصح عندي لقيام الدليل عليه، ويكره للصائم الحجامة بالنهار في رمضان، وبعض فرق في ذلك بين آخر النهار وأوله، فبعضهم كرهها في أول النهار، وبعضهم كرهها في آخر النهار، وقد روى بعض
•
(1) رواه الدارقطني (2) رواه الترمذي والنسائي. (3) رواه الخمسة إلا النسائي من طريق أبي هريرة.
- 165 - (2/165)
صفحة 952
(1)
مخالفينا في كتبهم عن رسول الله له: (أنها تفطر) (1)، والقول الأول أصح، وهو قول أصحابنا، وإنما كرهوا الحجامة للصائم في النهار خشية الضعف على ما ذكر في الأثر، ولم يروا بها بأساً في أول النهار ولا في آخره، والله أعلم.
وكره للصائم السواك في آخر النهار، وذلك أنه يستحب للصائم أن يفطر على أثر رائحة الصوم لقوله عليه السلام: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من رائحة المسك) (2)، وكره بعض الفقهاء أيضاً الكحل للصائم، وأجازه أكثرهم، قال أبو محمد في كتابه: والنظر يوجب إجازته لما روي أن ابن عباس كان يجوز للصائم أن يذوق طعم القدور والخل ما لم يدخل حلقه، وأجاز أصحابنا للطباخات ومن يعالج الأطعمة في شهر رمضان وهو صائم ذوق الطعام بلسانه. والحسن البصري وإبراهيم النخعي يجيزان للصائم أن يمضغ الطعام للصبي، والله أعلم، والنظر يوجب عندي انما كرهوا الكحل للصائم في النهار لئلا يصل شيء من ذلك إلى
(1) رواه الدارقطني من طريق أنس. (2) متفق عليه من طريق أبي هريرة.
-177 - (2/166)
صفحة 953
جوفه، ولذلك فرق بعضهم بين ما فيه الأدوية المأكولة وما ليس فيه الأدوية المأكولة، وجوز له الكحل بما ليس فيه الأدوية المأكولة، مثل الإثمد وغيره، والله أعلم، ولا بأس بذلك كله في الليل، إذ الليل مباح له الأكل فيه، والله أعلم؛
وبالله التوفيق.
•
-198 - (2/167)
صفحة 954
الركن الثالث
الذي هو
النية
واختلفوا في النية: هل هي شرط في صحة هذه العبادة أم لا؟ أعني عبادة الصوم،، قال بعضهم وهو الأصح: لا يجوز صوم نقل ولا فرض ولا كفارة إلا بتبييت النية من الليل، لما روي أنه
:
>
(1)
قال عليه السلام: (لا صوم لمن لم يبيت الصيام من الليل) وهذا عموم يشتمل على كل صوم، وقد ذكر في كتاب الدعائم، قال أبو محمد: من أهمل النية في الصوم والصلاة وسائر الفرائض ففعله باطل، وإن أهمل في صوم رمضان فعليه القضاء والكفارة؛ قال أبو الحسن: ومن لم يعقد نية الصوم حتى أصبح، ثم عقد النية أو صام الشهر كله على غير نية فلا يجزئه ذلك، الفرائض إلا بالنية، وإلا لزمه الإعادة للعمل الذي لا يصح
، ولا يصح
عمل
(1) رواه الخمسة.
-1911 (2/168)
صفحة 955
إلا بالنية من الليل؛ وقال بعضهم: إن أمر النبي بتبييت الصوم من الليل فضيلة لا فريضة، وهذا عدول عن الظاهر
بغير دليل
(1)
•
وأما وقت النيَّة فعند أصحابنا أن الوقت في ذلك قبل طلوع الفجر، لقوله عليه السلام: (لا صوم لمن لم يبيت الصيام من الليل)). وقال بعض مخالفينا: تجزئ النية بعد الفجر في النافلة ولا تجزئ في الفرض، وهذا القول مذكور عن الشافعي، واحتج في ذلك بحديث معاوية أنه قال على المنبر: (يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله الله يقول: هذا اليوم يوم عاشوراء ولم يكتب الله علينا صيامه، وأنا صائم، فمن شاء منكم فليصم، ومن شاء فليفطر ((2). فهذا الحديث يدل أنه أمرهم بالصوم بغير تبييت النية من الليل؛ وقال أبو حنيفة: تجزئ النية بعد الفجر في الصيام المتعلق وجوبه بوقت معين مثل رمضان ونذر أيام معدودات، وكذلك النافلة، ولا تجزئ في الواجب في الذمة، وذلك عنده أن الواجب في الذمة لم يكن لوقت مخصوص فوجب يتعين بالنية، والقول الأول عندي أصح، وهو قول أصحابنا
أن
(1) تقدم ذكره. (2) رواه الشيخان عن سلمة بن الأكوع.
-179 - (2/169)
صفحة 956
رحمهم الله لعموم قوله عليه السلام: (لا صوم لمن لم يبيت الصيام من الميل)، ولم يخص فريضة ولا نافلة
هكذا
رمضان
وأما كيفية النية؛ فإنه يقول في ذلك قبل الفجر: غداً إن شاء الله أصبح صائماً الفريضة من شهر رمضان طاعة الله من طلوع الفجر إلى الليل؛ وقال أبو حنيفة: يجزئه أن ينوي الصوم مطلقاً، وإن نوى فيه غير رمضان أجزأ وانقلب إلى صيام رمضان إلا أن يكون مسافراً، لأن المسافر لم يجب عليه صوم وجوباً معيناً، ولم يفرق صاحباه بين المسافر والحاضر في ذلك، وقالوا: كل صوم نوي في رمضان انقلب إلى رمضان قياساً على الحج، وقالوا: إذا ابتدأ الحج تطوعاً تمن وجب عليه الحج انقلب التطوع إلى الفرض، والقول الأول أصح وهو قول أصحابنا، إلا أن أبا حنيفة لم يقل: أن النية تجزئ في الصلاة مطلقاً من غير
تقييد، ولكن عنده لا بد من تعيين الصلاة إن عصراً فعصر
وإن ظهراً فظهر، وكذلك يجب عليه مثل ذلك في الصوم. فإن قال قائل: إن هذا موجود في الشرع أعني تعيين جنس العبادة في النية، وتعيين شخصها، فتعيين الجنس مثل النية في الوضوء يكفى منها اعتقاد رفع الحدث بغير تعيين شيء من العبادة التي الوضوء
(
-18.- (2/170)
صفحة 957
شرط في صحتها ومثل تعيين الشخص النية في الصلاة، فلا بد من تعيينها أعني ظهراً أو عصراً أو مغرباً أو أي صلاة أراد، فشبه أبو حنيفة الصوم بالوضوء؛ قيل له الوضوء شيء يراد لغيره، وإنما فُرض على المتعبد ألا يصلي إلا وهو متوضئ وليس كذلك الصوم، والله أعلم، وقد ذكر في كتب أصحابنا مسأله تشبه ما قدمنا ذكره، أعني قول من قال: كل صوم نوي في رمضان انقلب إلى رمضان.
وأما المسافر إذا صام شهر رمضان عن ظهاره في سفره، فلا يجزئه عن ظهاره ولا لفريضة شهر رمضان، ومنهم من يقول: يجزئه لرمضان ولا يجزئه لكفارة الظهار، ومنهم من يقول: يجزئه للظهار ولا يجزئه لرمضان، والله أعلم؛ وذكروا أيضاً في الأثر أن من صلى ركعتين ينوي بهما النافلة قبل طلوع الفجر فيما يظن، تبين له أنه صلاهما بعد الفجر أنهما تكونان في موضع ركعتي ولا يعيدهما، وهذا كله عندي يحتمل هذا المعنى، لأن
ثم
الفجر
6
ما بعد الفجر منهي عن صلاة النافلة فيه غير ركعتي الفجر، وصار مختصاً لهما لقوله عليه السلام: (لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا
-141 - (2/171)
صفحة 958
ركعتي الفجر) (1)، والقول الأول أصح، وهو ما قدمناه لقوله عليه السلام: (إنما الأعمال بالنيات ولكل امريه ما نوى) (2) واختلفوا هل يجزئ رمضان كله نية واحدة أم لكل يوم نية؟ فمن قال: رمضان كله فريضة واحدة، قال: تجزئة نية واحدة من أول الشهر، ومن قال: كل يوم فريضة، قال: لكل يوم نية جديدة، والقول الأول أصح، ودليل من قال: إن كل يوم منه فريضة أن أكل الليل يوجب تجديد النية للصوم الثاني، وإن أمر التي لا بالسحور يدل على تجديد النية لفرض آخر؛ وعند أصحاب هذا الرأي أن على المفطر يوماً واحداً يبدله، ويقال لهم: لو كان أكل الليل يوجب تجديد النية لكانت كل نية يعقبها الأكل أو ما أشبه الأكل مما يفسد الصوم لا تجزئ، ولكانت نية أول الليل غير مجزئة لصوم غد إلا إن لم يعقبها الإفطار، ولكانت أيضاً غير مجزئة ولو لم يعقبها الإفطار، لقوله عليه السلام: (إذا أقبل الليل من هاهنا أفطر الصائم أكل أو لم يأكل) (3).
(1) تقدم ذكره (في الجزء الأول). (2) تقدم ذكره) في الجزء الأول).
(3) رواه الترمذي. وصححه ابن عبد البر
-
172 - (2/172)
صفحة 959
ويحرم على الناس النوم عند طلوع الفجر، حتى يعقدوا النية لصومهم على هذا القول، والصواب: لما كانت نية أول الليل تجزئ الجميع لصوم غد كانت أيضاً نية أول الشهر تجزئ لصوم
عند
الشهر كله، وإلا فما الفرق؟ وأما ما احتجوا به من أمر النبي بالسحور ترغيباً لهم يدل على تجديد النية لفرض غد، فإن أمر النيل عليه بالسلاح اور ترغيباً لهم يؤول إليه نفعهم به من القوة على تأدية الفرض لإجماع الناس أن الأمر بالسحور ليس فرضاً، ولو كان على ما قالوا لكان فرضاً، وفي السحور أيضاً معنى آخر، وذلك أن أهل الكتاب كان السحور عليهم محرماً، فجاءت الإباحة من الله عز وجل
لأمة محمد سال، والله أعلم، وبالله التوفيق.
- 173 - (2/173)
صفحة 960
باب في المفطر
أعني المفطرين وأحكامهم
والمفطرون على ثلاثة أصناف: صنف يجوز له الفطر، وصنف لا يجوز له الفطر، وصنف يجب عليه الفطر. فالذي يجوز له الفطر على أربعة أصناف: صنف يلزمه القضاء دون
الكفارة
، وصنف تلزمه الكفارة دون القضاء، وصنف يلزمه القضاء والكفارة جميعاً، وصنف لا يلزمه قضاء ولا كفارة
والله أعلم
أما الصنف الذي يلزمه القضاء دون الكفارة فهو المريض والمسافر، والصنف الذي تلزمه الكفارة دون القضاء فهو الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة اللذان لا يقدران على الصيام، ومن به
مرض دائم لا يرجى برؤه.
- 17 {- (2/174)
صفحة 961
والصنف الذي يلزمه القضاء والكفارة جميعاً، فهو الحامل
والمرضع إذا خافتا من الصوم على أولادهما
•
والصنف الذي لا يلزمه قضاء ولا كفارة، فهو المجنون والمريض المتمادي في مرضه حتى مات في قول بعضهم، والمسافر
المتمادي في سفره حتى مات فيه، فلنشرع الآن في شرح ذلك
صنفاً صنفاً إن شاء الله.
11801 (2/175)
صفحة 962
باب في احكام الصنف الاول
وهو المريض والمسافر
أما المريض والمسافر فجائز لهما الإفطار، بدليل قوله عز وجل:
(1)
فمن كان منكم مريضاً أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّة من أيام أخر) يعني إن أكل وهو الذي يعرف بلحن الخطاب عند أرباب هذا الشأن.
ثم إنهم اختلفوا في صفة المريض الذي يجوز له الإفطار، قال بعضهم: الذي يضعفه المرض عن الصوم ويحتاج إلى الإفطار ولا يقدر أن يأكل ما يبلغه إلى الليل، وقال آخرون: إذا لم يشته المريض الطعام جاز له أن يفطر ويأكل ويشرب، وقال من قال حتى لا يقدر أن. يصوم.
وسبب اختلافهم معارضة ظاهر اللفظ والمعنى، وذلك أن
(1) البقرة (184).
-187 - (2/176)
صفحة 963
اللفظ
(1)
الأكل
ظاهر قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضاً كم)، يبيح لكل من وقع عليه إسم المرض، ومن اعتبر المعقول من ظاهر لم يبح الإفطار لكل مريض، بل للمريض الذي تلحقه المشقة من أجل الصوم، وهذا القول عندي أصح، وكذلك اختلافهم أيضاً في حد السفر الذي يجوز معه الإفطار، وفي كتاب (الدعائم): والفطر في السفر رخصة لمن فعله، والصوم فيه أفضل؛ وقال الله
(1)
تعالى: (وأن تصوموا خير لكم))، والمسافر الذي يخرج في السفر يتعدى فيه الفرسخين في حاجة عرضت له في قول أصحابنا، وقال بعضهم: السفر الذي يجوز فيه الإفطار، هو السفر النائي. واختلفوا في حد السفر النائي، قال بعضهم: من ثلاثة أيام فصاعداً، وأما ما دون ثلاثة أيام فلا يأكل المسافر فيها، وقال بعض: السفر النائي الخروج من الحوزة، وسبب اختلافهم عندي والله أعلم هو سبب اختلافهم في المريض، والقول الثاني عندي أصح، وذلك لأن الله تعالى أباح الإفطار للمسافر من أجل ما يلحقه من المشقة في السفر، والمشقة غير موجودة في كل سفر، ولذلك خصوا ثلاثة أيام فصاعداً، فإن قال قائل: يلزمكم على هذا
-
(1) تقدم ذكرها. (2) البقرة (184).
(12)
- 177 - (2/177)
صفحة 964
ألا تقصر الصلاة دون مجاوزة ثلاثة أيام فصاعداً، إذ الصوم والصلاة بمثابة واحدة، لأن المسافر الذي أباح الله له الإفطار في الصوم هو المسافر الذي يجوز له قصر الصلاة، قيل له: لا يلزمنا هذا، لأنه غير ممتنع أن يقصر الصلاة كل من وقع عليه إسم مسافر، ولا يفطر في رمضان كل مسافر، لأن المسافر لو صام في السفر جاز صومه بإجماع الأمة، إلا قولاً ليس عليه العمل، بدليل ما روي عن أنس بن مالك قال: (سافرنا مع رسول الله في رمضان فأكلت طائفة وصامت طائفة، فلم يعب الصائم
على المفطر ولا المفطر على الصائم) (1).
ولو صلى المسافر في سفره أربعاً ولم يقصر الصلاة لكانت الصلاة غير مجزئة إلا قولاً ليس عليه العمل عندنا، فهذا فرق بين الصوم والصلاة، ولأن الصوم أيضاً يلزم فيه البدل ولا يلزم في الصلاة، وشدَّد الله تعالى فيه ما لم يشدد في الصلاة، ألا ترى أن الحائض والنفساء يقضيان الصوم ولا يقضيان الصلاة بإجماع، فإذا كان الصوم بهذه الصفة، فأحرى ألا يجوز الإفطار إلا في
موضع وقع عليه الإتفاق، والله أعلم.
(1) رواه البخاري.
- 178 - (2/178)
صفحة 965
واختلفوا أيضاً متى يفطر المسافر إذا سافر سفراً نائياً، قال
بعضهم: حتى ينتهي إلى الحد الذي يجوز له فيه الإفطار، وهو
مجاوزة ثلاثة أيام، أو خروجه من الحوزة إذا جاوز ستة أميال
،
وقال آخرون: إذا برز من منزله للسفر النائي وتعدى الفرسخين قصر الصلاة وجاز له الإفطار، وهذا الاختلاف منهم يمكن أن يكون سببه هل أباح الله تعالى الإفطار للمسافر لئلا تلحقه مضرة في سفره من أجل الصوم؟ كما روي (أنه عليه السلام أمر أصحابه في بعض أسفاره بالإفطار، فقال: تقووا لعدوكم والفطر
(1)
أقوى لكم ()، أو يكون إنما أباح الله تعالى لأجل المشقة التي تلحقه في السفر النائي، ولا يفطر حتى يكون في الحد الذي تلحقه فيه، والله أعلم،، وقد بن وسيم رحمه الله برز أن ابان روي من منزله للسفر النائي دون ستة أميال في رمضان فأكل وقصر الصلاة، وعلى هذا فلا يفطر في اليوم الذي يخرج فيه مسافراً إذا أصبح في بلده لأنه صوم بنى في الحضر فلا يعقبه الإفطار، وإن أفطر في يومه ذلك بعدما أصبح في بلده وخرج مسافراً فعليه بدل ما أمضى من صومه، وقال من قال غير ذلك، والله أعلم.
(1) رواه أحمد ومسلم وأبو داود.
- 149 - (2/179)
صفحة 966
ولا يفطر المريض والمسافر إلا بنية الإفطار من الليل، وإنما
تصح منه النية في الليل إذا صار في حد السفر قبل طلوع الفجر، وإن أفطر المريض أو المسافر من غير نية الإفطار من الليل بعدما أصبحا صائمين بلا أمر يخافان على أنفسهما منه، فقد انهدم ما مضى من صومهما لأنهما أصبحا على الصوم، فلا يبطلان صومها
(1)
لقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعْمَالَكُم)، وقال بعض الفقهاء: لا بدل على المسافر لما مضى من صومه ولو أفطر في وقت من اليوم الذي هو صائم فيه، لأن ذلك في السفر، وإنما عليه بدل يومه واجب أن يكون ذلك للمريض أيضاً، والدليل على هذا القول حديث ابن عباس قال: (خرج رسول الله إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر فأفطر الناس معه) (2)، فظاهر هذا أنه أفطر بعد أن بيت الصيام، وأما الناس فلا شك أنهم أفطروا بعد تبييتهم الصوم، والقول الأول أصح، وأما اليوم الذي يقدم فيه المسافر من سفره فلا يستحب له أن يأكل بقية ذلك اليوم في منزله، وإن أكل بقية ذلك اليوم فلا بأس عليه بشرط أن يأكل وهو في السفر قبل أن يدخل منزله
(2)
(1) محمد: 33. (2) رواه مسلم.
- 180 - (2/180)
صفحة 967
وذلك أن يأكل قبل أن يدخل أميال منزله، وقال آخرون: ولو أكل داخل الأميال قبل أن يدخل منزله فلا بأس عليه في أكل بقية يومه ذلك في منزله، وذلك لأنه مسافر ما لم يدخل منزله، وإن أكل في منزله ولم يكن أكل خارجاً في يومه ذلك فقد انهدم صومه وعليه مغلظة، وقال بعض أهل الخلاف: إذا قدم المسافر إلى منزله فلا يأكل بقيَّة يومه ذلك، وشبهوه بمن يطرأ عليه شيء قد أفطر به ثم تبين له أنه من رمضان، قيل لهم: ولا سواء، لأن هذا أكل لموضع الجهل، والأول أكل بسبب مبيح له الأكل أو موجب عليه الأكل مثل الحائض، وذلك أيضاً أن الحائض إذا طهرت من حيضها جاز لها أن تأكل ما بقي من يومها كما قلنا في المسافر؛ وعلى هذا أجازوا للمسافر إذا قدم من سفره ووجد امرأته قد طهرت من حيضها أن يطأها نهاراً في رمضان لأن الجماع والأكل سواء، وإن خرج من منزله ثم أكل قبل أن يجاوز ستة أميال على قول من أجاز له ذلك ثم بدا له فرجع قبل أن يجاوز الأميال، ثم أكل في منزله بعدما دخله، فقد انهدم صومه، وعليه مغلظة، لأنه إنما أكل أول مدة قبل أن يقصر
الصلاة على هذا الحال.
-141 - (2/181)
صفحة 968
واختلفوا في صوم المسافر إذا أعقبه الإفطار، قال بعضهم: صيامه تام له كان في الحضر أو في السفر، كان متتابعاً أو غير متتابع،
على أي
لأن الآية التي فيها رخصة الإفطار لا تدل على فساد صومه وجه كان، وقال آخرون: كل صوم في السفر متتابعاً أو غير متتابع
أعقبه إفطار في السفر فهو فاسد، وحجتهم أن للحاضر حكماً، وللمسافر حكماً، فحكم الحاضر الصوم إلا من عذر مزيل لحكم وجوب الفرض، وحكم المسافر يقال له: عليك أن تصوم، ولك أن تفطر برخصة الله، فأي الحكمين التزم حكم عليه بحكمه، وكان عليه تمام ما عقد على نفسه، وهذا القول هو الصحيح وعليه العمل، وقال آخرون: كل صوم صامه في السفر فهو تام، إلا صوماً بين فطرين، والله أعلم. واختلف أصحاب القول الأوسط أيضاً إذا أكل بضرورة من جوع أو عطش أو استكراه، قال
بعضهم: إنهدم صومه الذي صامه في السفر، وقال آخرون: لا ينهدم، وذلك أنه لا
ينهدم
كما لا
ينهدم صوم
الحاضر بأكل
الضرورة، والذي يوجبه النظر عندي أن الأكل في السفر بضرورة وغيرها سواء، لأن الضرورة والسفر شيئان مبيحان للأكل، فهما من جهة القياس سواء، واختلفوا أيضاً إذا جعل المسافر نيته
- 182 - (2/182)
صفحة 969
مفطراً
على الإفطار في الليل، ثم ردها إلى الصوم قبل أن، قال يصبح بعضهم: إنهدم صومه، وقال آخرون: لا بأس عليه إذا ردَّها في الليل، وهذا الاختلاف فيما يوجبه النظر عندي أنه لما كان المسافر مخير بين الصوم والإفطار، وكان الصوم والإفطار غير مباحين بغير نية من الليل، فأي الحكمين ألزم نفسه حكم عليه بحكمه، وكان عليه تمام ما عقد على نفسه، هذا على قول من هدم صومه، وأما إذا لم يرد نواه حتى أصبح فقد انهدم صومه، لأنه أصبح، وهو مباح له الإفطار، وأما إن نزعه بالنهار ثم رده بالنهار من قبل أن يأكل، قال بعضهم: إنهدم صومه، وقال آخرون: لا بأس عليه ما لم يأكل، وذلك فيما يوجبه النظر على حسب اختلافهم: هل يجوز له الإفطار في النهار بعدما أصبح صائماً؟ فعلى قول من أجاز له الإفطار ينهدم صومه، وعلى قول من لم يجوز له الإفطار لا ينهدم صومه ما لم يأكل، لأن الإفطار غير النية، والله أعلم. وأما الحضري إن نزع نواه بالليل ثم رده بالليل أو نزعه بالنهار ثم رده بالنهار فإنه لا بأس بصومه، ما لم يأكل، لأن الإفطار غير النية، والنية غير الإفطار، وإن نزع نواه
- 183 - (2/183)
صفحة 970
بالليل ولم يرده حتى أصبح فإن صومه قد انهدم في قول بعضهم، لأنه صام بغير نية، وإن أفطر في سفره أو مرضه ثم مات في ذلك السفر أو بقي مريضاً لم يصح حتى مات من ذلك المرض الذي فيه أفطر من شهر رمضان، فلا بدل على هذين فيما كانا أفطرا ولا قضاء في ذلك عليهما، لأنهما أفطرا برخصة من الله، ولا تباعة عليها، وهما غير منفكين مما أبيح لهما في سبب الإفطار
،
وقد قيل: على المريض الصيام ولو مات في مرضه، ويوصي بذلك، ولعل عند هؤلاء لأن المريض لا يخلو أن يكون قادراً على الصيام أو غير قادر، فإن كان قادراً وجب عليه أن يصوم، وإذا كان غير قادر افتدى كما قال الله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين). قال بعضهم: الذين كانوا يطيقونه: الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة فعجزا عن الصوم، وكذلك المريض عند بعضهم إن لم يصم فحضرته الوفاة أوصى بذلك، والقول
الأول أصح
وإن صح من مرضه أو قدم من سفره ولم يصم حتى دخل
(1) البقرة (184).
-1^ {- (2/184)
صفحة 971
عليه رمضان الثاني، فإنه يصوم الحاضر ويطعم على الماضي لكل مسكيناً غداء وعشاء، إن ضيّع مقدار ما يصومه فيه، أو مقدار
يوم
ما يطعم فيه عن الماضي حتى يمضي هذا الحاضر، ثم يصوم الماضي بعد ذلك ولو أطعم عنه، فإن قال قائل: لم أوجبت عنه، عليه الإطعام والقضاء جميعاً؟ قيل له في ذلك - والله أعلم - قـ
ذكر عن بعض مخالفينا في ذلك: أن الإطعام كفارة قياساً على من أفطر متعمداً، لأن كليهما مهتكان لحرمة الصوم أما ذلك فترك
6
القضاء زمان القضاء، وأما الآخر فلأكل يوم لا يجوز له فيه الأكل، وهذا القياس إنما يصح لو كان للقضاء زمان معلوم محدود بنص الشرع. وأما الأشبه عندي فيما يوجبه النظر فإنهم إنما ألزموه الإطعام والقضاء جميعاً إحتياطاً أن يدركه الموت قبل أن، لأنه مأمور بالصيام، صيام القضاء في كل وقت، فلما يصوم دخل عليه رمضان الحاضر تعيَّن عليه وجوبه وعجز عن صوم القضاء بالنهي، ألزموه الإطعام والإفتداء كل يوم مسكيناً لثلا يدركه الموت قبل أن يصوم، والدليل على هذا أنهم قالوا: لا يطعم في ليلة واحدة ثلاثين مسكيناً، ولكنه كل يوم مسكيناً
11401 (2/185)
صفحة 972
ولو كان الإطعام عندهم كفارة كما قال بذلك لجاز له الإطعام في ليلة واحدة، كما جاز له ذلك في الكفارة، وقالوا أيضاً: إن لم يطعم حتى انقضى رمضان الحاضر جاهلاً أو ناسياً، فليقض ما عليه من الصوم، وليس عليه الإطعام بعد ذلك ولو كان الإطعام عندهم كفارة لكانت في الذمة كغيرها من الكفارات، ويؤيد أيضاً ما قلنا أن الإطعام لأجل الموت، قالوا: وإن حضره الموت بعد ذلك قبل أن يصوم فليس عليه أن يوصي به بعدما أطعم عليه، والله أعلم.
وأما إن دام في مرضه أو سفره حتى حال عليه شهر رمضان الثاني فقدر على الصوم فإنه يصوم الحاضر، وليس عليه الإطعام على الماضي، وإن حضره الموت فلا وصية عليه لأنه غير مضيع وهو معذور، وقال بعض: يصوم الحاضر، ويطعم على الماضي كالأول، ولعل هؤلاء ممن أوجب عليه الوصية به إن
حضره الموت ولو مات في مرضه ذلك
6
وقد قدمنا في هذا
ما فيه كفاية، والمسافر عندهم في هذا مثل المريض لاستوائهما في
-147 -
•
الإفطار، والله أعلم (2/186)
صفحة 973
وفي الأثر عن أبي عبيدة رحمه الله: مرض فأفطر وبقي حتى حال عليه شهر رمضان، ثم قدر فصام الشهر الثاني وأطعم رجلا يقال له صدقة المعلم، كأن يبعث إليه كل يوم بعشائه و سحوره، فلما أفطر وقدر صام شهر رمضان الماضي، والله أعلم،
وبالله التوفيق.
- 187 - (2/187)
صفحة 974
باب في قضاء المريض والمسافر
ما أفطر في رمضان
وشرط القضاء أن يكون متتابعاً على صفة الأداء، سواء
أفطر متتابعاً أو غير متتابع إذا كان الشهر واحداً. وأصل ذلك
صوم
القضاء فأكل أو شرب بجوع
الصلاة والحج، وإن اضطر في أو عطش أو إكراه، فسد ما مضى من صومه، والفرق بينه وبين رمضان فيا يوجبه النظر عندي أن رمضان متعلق بوقت لا يجوز في غيره، القضاء متعلق بالذمة، فأي وقت صامه برئ،
وصوم
ولذلك لا يعذر فيه بما يعذر فيه في رمضان، وقال آخرون: القضاء مثل رمضان الذي يعذر فيه في رمضان، يعذر فيه القضاء إلا السفر فلا يجد فيه مثل الذي يجد في رمضان، لأن رخصة الأكل في السفر مخصوصة برمضان دون غيره كما قدمنا، وأما إن الأضحى أو رمضان آخر، أو عارض المرأة
عارضه في القضاء
يوم
- 188 - (2/188)
صفحة 975
القضاء في
الحيض أو النفاس، فإنه يأكل يوم الأضحى ويصوم رمضان الحاضر، وتأكل المرأة أيام حيضها أو نفاسها ويبنيان على ما مضى من صومهما في القضاء في قول بعضهم، والفرق بين هذه المسألة والمسألة الأولى، أن هؤلاء منهيون عن الصوم، صوم هذه الأوقات، ولو صاموا ما أجزأهم، وإن حضره الموت وعليه قضاء رمضان وضيّع مقدار ما يصومه فيه فإن أصحابنا اختلفوا في ذلك، قال بعضهم: يصوم عنه الورثة بأمره، والحجة معهم ما روي عنه عليه السلام: (أنه أمر امرأة أن تصوم عن أختها قد ماتت وعليها الصيام) (1). وما روي في خبر آخر عنه عليه السلام قال: (أدوا عنهم الصوم والنذر) (2)، يعني الموتى، وقال آخرون: لا أحد عن أحد، كما لا يصلي أحد عن أحد يصوم ولا يتوضأ أحد عن أحد، ولكن يطعمون عنه إذا أوصى بالصيام عن كل يوم مسكيناً، ولا يطعمهم في يوم واحد، وإن أوصى الميت بالإطعام فليطعموه أو لا يصوموا جميعاً، وإن أوصى بالصوم وأراد بعض الورثة الصوم وأراد بعض الإطعام، فإنهم يصومون جميعاً أو يطعمون جميعاً، ولا يصوم بعض ويطعم بعض، وإن أرادوا الصوم
(1) رواه البيهقي. (2) رواه البيهقي.
(2)
أنه
- 149 - (2/189)
صفحة 976
فإنهم يصومون جميعاً، ولا يصوم بعض ويطعم بعض،
أرادوا الصوم فإنهم يصومون كما ورثوا ماله، ولا يصوم واحد
منهم:
شطراً
من ولكن يوم
يصومه الأول أو الآخر، لأن هذا
6
صوم واحد لا يتخلله الإفطار، وكذلك أيضاً لا يصومون جميعاً،
ولكن يصومون واحداً بعد واحد، وكما لزم وارثهم، وإن صام
واحد منهم دون سائرهم فقد أجزى ذلك وعن الميت
عنهم
،
ويستحب في ذلك تقديم النساء قبل الرجال إذا كان الورثة نساء ورجالاً من أجل ما يعارضهن من الحيض والنفاس، وأما من لم يعارضه ذلك من النساء فهن والرجال سواء، والله أعلم.
-19.- (2/190)
صفحة 977
(1)
باب الصنف الثاني
الذي تلزمه الكفارة دون القضاء
والأصل فيه قوله تعالى: (وعلى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مساكين) (1)، اختلف الناس في تفسير هذه الآية، قال بعضهم: الآية منسوخة نسختها آية الصوم، وقال آخرون: ليست بمنسوخة وحكمها باق، وبهذا القول يقول أصحابنا، وفسر بعض المفسرين وعلى الذين يطيقونه) أي على الذين لا يطيقونه، وهذا معروف في لغة العرب، قال عمر بن كلثوم:
نَزَلْتُمْ مَنْزِلَ الأضياف مِنَّا فَعَجَّلْنَا الْقِرى أن تشتمونا
أراد لا تشتمونا، وقال بعضهم: معنى الآية، وعلى الذين كانوا يطيقونه، ثم عجزوا عنه وهو الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة
(1) البقرة (184).
-191 - (2/191)
صفحة 978
فعجزا عن الصوم، فعليهما أن يطعما على ما مضى، وكذلك المريض الذي لا يرجى برؤه ملحق بالشيخ الكبير في قول بعضهم، وفي الأثر: قال أبو سفيان رحمه الله إن عجواً أكبرت على عهد جابر بن زيد، فقال له ولداها: إنها عجزت عن شهر رمضان، فقال لهما جابر: صوما عنها، فتنافسا في ذلك، فرغب كل واحد منهما أن يصوم عن والدته، فصام عنها الأكبر منهما، ثم بقيت إلى حول سنة، فأتيا جابراً فقال لهما: أو حيَّة بعد؟ فقالا: هي نعم، فقال لهما: أطعما عنها، فقال أبو سفيان: لا أدري أيهما أمر به أولا غير أنه أمرهما بالإطعام والصوم، وقال بعض: لم تر على الكبير الذي لا يقدر على الصوم ولا المريض المتمادي الذي لا يقدر قضاء ولا كفارة، والله أعلم، وبالله التوفيق.
-197 - (2/192)
صفحة 979
باب الصنف الذي يلزم
القضاء والكفارة جميعا وهو الحامل والمرضع
واتفقوا أن الحامل والمرضع إذا خافتا على أولادهما أن لهما أن يأكلا، واختلفوا فيها عليها إذا أفطرتا، قال بعضهم: بيأكلان ويطعمان عن كل يوم أكلتاه مسكيناً، ثم يقضيان ما
عليهما بعد ذلك
فإن قال قائل: لم ألزمتم الحامل والمرضع القضاء والكفارة مع جواز الإفطار لهما بإجماع، أفليس هما والمريض سواء في
باب الحكم؟
قيل له ـ والله أعلم - هما أشد من المريض، إذ المريض جاز
له الإفطار من أجل خوفه على نفسه، وهما جائز لهما الإفطار من
أجل خوفهما على غيرهما، والله أعلم.
(13)
-197 - (2/193)
صفحة 980
وفي الأثر: إن الحامل إذا خافت أن تطرح ولدها، وكذلك المرضع؛ لهما أن يفطرا ويبدلا قبل، ولو جاء رمضان آخر وخفن ذلك أفطرن، وقضين بعد ذلك كل ما كان عليهما، ولا
كفارة عليهما، والله أعلم
-198 - (2/194)
صفحة 981
باب الصنف الذي لا يلزمه
قضاء ولا كفارة، وهو المجنون
(1)
إذا جن قبل شهر رمضان ولم يفق حتى أهل شوال لأن الله تعالى قال: {فمن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرِ فَلْيَصُمْهُ) (1)، وهو لم يشاهد من الشهر شيئاً، ولقوله عليه السلام: (رفع القلم عن ثلاثة من أمتي: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق
(21
وعن النائم حتى يستيقظ) (2)
•
وأما إن أفاق في بعض الشهر، فإنه يصوم ما أدرك، واختلفوا هل يقضي ما مضى؟ قال بعضهم: يقضي، لقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) فمن شهد بعضاً فقد شهده،
(3)
لأن الشهر كله فريضة واحدة، ومن قال: كل
(1) تقدم ذكرها. (2) تقدم ذكره (الجزء الأول). (3) تقدم ذكرها.
يوم
منه فريضة لم
-190 - (2/195)
صفحة 982
يوجب عليه إلأ صوم ما أدرك. واختلفوا في المغمى عليه إذا أغمي عليه قبل شهر رمضان ولم يفق حتى أهل شوال؛ قال بعضهم: حكمه حكم المجنون لا يقضي، وقال بعض: يقضي لأنه داخل في عموم تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر
والمغمى عليه العقل كالنائم، وآفته في جسمه صحيح
(2)
"
قال قوم
قوله
(1)
:
واختلفوا أيضاً في كون الإغماء مفسداً للصوم مفسد للصوم، وقال قوم: ليس بمفسد، وقوم فرقوا بين أن يغمى عليه قبل الفجر أو بعد الفجر أو بعدما مضى أكثر النهار أو أقله، ومن جعل الإغماء مفسداً للصوم أوجب عليه قضاء كل يوم أغمي في فيه عليه لأنه غير موصوف بالصوم، وهو داخل في عموم قوله تعالى: {فَمَن كان منكم مريضاً) (2). ومن قال: ليس بمفسد، لم يوجب القضاء إلا من الإفطار، ومن فرق أن يغمى عليه قبل طلوع الفجر أو بعد طلوع الفجر أو بعدما مضى أكثر النهار، أوجب قضاء كل يوم طلع عليه الفجر وهو لا يعقل الصيام، وهذا القول عندي أحوط، لأنه دخل الصوم وهو لا يعقل ولا ينوي، وأما من فرق بين أكثر النهار
ببين
(1) تقدم ذكرها. (2) تقدم ذكرها.
-197 - (2/196)
صفحة 983
وأقله فالأكثر والكل عنده سواء، وكذلك المجنون على هذا الحال إن طلع عليه الفجر وهو لا يعقل أبدل، والله أعلم. والصبي إذا بلغ في بعض الشهر، والمشرك إذا أسلم في بعضه، فمن جعل الشهر كله فريضة واحدة أوجب عليهما بدل ما مضى، ومن جعل كل يوم منه فريضة لم يوجب عليهما إلا ما أدركا، والله أعلم؛ وأما اليوم الذي بلغ فيه الطفل أو أسلم فيه المشرك أو أفاق فيه المجنون؛ فليس لهم أن يأكلوا بقية يومهم، والله أعلم.
،
وأما الصنف الذي يجب عليه الإفطار فهو: الحائض والنفساء،
يجب عليهما الإفطار لما جاء فيهما من الأثر عن الرسول عليه السلام: (بتفسيقهما إذا صامتا (، ويجب عليهما القضاء فقط
(1)
(
لما ثبت عن رسول الله عليه السلام: (أنه أمرهما أن يقضيا الصوم
ولا يقضيا الصلاة) (2)، والله أعلم، وبالله التوفيق.
(1) متفق عليه. (2) متفق عليه.
-198 - (2/197)
صفحة 984
باب الصنف الذي لا يجوز له الافطار الا
وهو كل بالغ عاقل حاضر غير حائض ولا نفساء.
وأما أحكامه إذا أفطر فإنها مختلفة؛ إما لاختلاف أحكام
المفطرات، وإما لاختلاف جهات الإفطار، مثل الإفطار بالعمد
والنسيان والإكراه، والله أعلم
•
أول ذلك، من أفطر بالجماع عامداً كان عليه القضاء والكفارة، والكفَّارة عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، كذلك الخبر عن رسول الله عليه السلام: (أن رجلاً جاءه فقال: يا رسول الله هلكت وأهلكت، فقال: ما شأنك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم في رمضان، فقال: هل تجد عتق رقبة؟ قال: لا، قال: هل تستطيع صيام شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: هل تستطيع أن
-194 - (2/198)
صفحة 985
تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا، فأتى النبي عليه السلام بتمر من عنده فقال: خذها وتصدق بها عن نفسك، فقال: يا رسول الله ما بين لابتيها أفقر مني، فضحك النبي عليه السلام، فقال: خذها وأطعم أهلك ولا تجزي أحداً غيرك)).
وقال أصحابنا: مخير في الكفارة بين العتق والصيام والإطعام، والدليل على قولهم رحمهم الله ما روي من طريق أبي هريرة: (أن رجلاً أفطر على عهد رسول الله الله بنهار في رمضان، فأمره النبي بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً على قدر ما استطاع من ذلك) (2) فهذا يدل على جواز التخيير في هذه
الكفارة، والله أعلم.
واختلفوا في القضاء ما هو؛ قال بعضهم: يقضي شهراً، وقال بعض: يقضي ما مضى، ويوجد لهم قول غير هذا: أن واحد، ويشبه أن يكون قول من أوجب عليه في
القضاء
يوم
القضاء شهراً قياساً على الحج إذا أفسده، فإنه يتمه ويقضيه في عام مقبل. وأما من أوجب عليه قضاء ما مضى فإنه إنما أفسد عليه
(1) رواه الدارقطني والجماعة مثله. (2) رواه الدارقطني
- 199 - (2/199)
صفحة 986
ما ثبت وكان، وما لم يفسد عليه لم يأت بعد، كالمصلي إذا دخل في صلاته ما يفسدها، والله أعلم، وكذلك المرأة إذا طاوعت زوجها وهما صائمان كان عليهما القضاء والكفارة جميعاً، كما ذكرنا قياساً على الرجل.
فإن قال قائل: لم أوجبت على المجامع في رمضان عمداً القضاء والحديث الذي استدللت به على الكفارة لم يذكر فيه القضاء، قيل له: لما ثبت القضاء على من يجوز له الإفطار بالكتاب مثل المريض والمسافر وشبههما، كان الذي لا يجوز له الإفطار أولى أن يج يجب عليه القضاء وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى. واختلفوا، هل تتكرر الكفارة بتكرير الإفطار؟ فإنهم أجمعوا: أن من وطئ في رمضان ثم كفر، ثم وطئ في يوم آخر أن عليه كفارة أخرى.
بعضهم:
واختلفوا إذا كرر الوطء قبل أن يكفّر، قال عليه كفارة واحدة ما لم يكفر على الجماع الأول، وقال بعض
مخالفينا: عليه كل يوم كفارة
والسبب في اختلافهم تشبيه الكفارات بالحدود، فمن شبهها
- 200 - (2/200)
صفحة 987
بالحدود قال: كفارة واحدة تجزئ في ذلك عن أفعال كثيرة كما يلزم الزاني جلد واحد، وإن زنى ألف مرة إذا لم يجلد لواحد
منها، ومن لم يشبهها بالحدود جعل لكل واحد من الأيام حكماً منفرداً بنفسه في هتك الصوم فيه أوجب في كل يوم كفارة، والفرق بينهما أن الكفارة فيها نوع من القربة، والحدود زجر محض،
وأما إن لم يكفر حتى جامع في رمضان آخر فإن عليه كفارة أخرى، لأن السنة الأولى غير السنة الأخرى، فصار الفعل فيها كالفعل في الجنسين، والله أعلم.
وكذلك أيضاً حكم المتعمد لإنزال النطفة مثل المجامع قياساً عليه، مثل من عبث بذكره أو أدام النظر إلى فرج أو منه حتى
أمنى، والله أعلم.
وإن ترك الغسل من الجنابة حتى أصبح فهو مفطر وعليه القضاء، لحديث أبي هريرة عن الرسول عليه السلام: (من أصبح جنباً أصبح مفطراً)، وبعض لم يبره من الكفارة، والقول الأول أصح لأنه قد روي هذا عن جملة من الصحابة أنهم يقولون: من أصبح جنباً أصبح مفطراً، ويدرأون عنه الكفارة.
14.1 - (2/201)
صفحة 988
وكذلك إن احتلم بنهار في رمضان فضيع الغسل مقدار ما يغتسل فيه أو مقدار ما كان يتيمم فيه إن كان مسافراً ولم يجد الماء فقد انهدم صومه، وقال بعضهم: لا ينهدم صومه، فهذا القول يدل أن قابله اقتفى ظاهر الحديث وهو قوله عليه السلام: (من أصبح
جنباً أصبح مفطراً) (1)
•
وإن نام بعدما أصابته الجنابة بليل على أنه يقوم ولم ينتبه حتى طلع الفجر واغتسل من حينه فعليه بدل ما مضى من صومه لأنه مضيع حين نام بعد الجنابة، وقال بعض: يبدل يومه، وعلى هذا لأنه غير متعمد لهتك حرمة الشهر وقد نام على أنه يقوم، والله أعلم؛، وكذلك القبلة للصائم من حرمها أوجب بها القضاء، ومن لم يحرمها لم ير بها بأساً، كما روي عن عائشة: (أنه عليه السلام يقبل وهو صائم) (3)، وأجمع أصحابنا فيمن أكل عامداً أو شرب نهاراً في رمضان من غير عذر أنه هالك وعليه القضاء والكفارة قياساً على المجامع، لاستوائهما في هتك حرمة الصوم، وقد روي عن هاشم بن غيلان: أنه لم ير عليه غير القضاء، ولعله ممن لا يرى
(1) تقدم ذكره.
(2) تقدم ذكره.
- 202 - (2/202)
صفحة 989
القياس واجباً في باب الأحكام، والقول الأول أصح، وقال بعضهم: على الأكل نهاراً في رمضان كفارتان، وكذلك المجامع عندهم، فعلى هذا القول كفارة لهتك حرمة الشهر، وكفارة لهتك حرمه الصوم، وإن أكل على هذا القول ما هو عليه حرام في غير الصيام، مثل الميتة والدم وشرب الخمر كانت عليه ثلاث مغلظات؛ مغلظة لهتك حرمة الشهر، ومغلظة لهتك حرمة الصوم لأن السنات تضاعف فيه كما تضاعف الحسنات، ومغلظة لأكله ما هو حرام لأن عند بعضهم: من عمل كبيرة لزمته مغلظة قياساً على نقض الميثاق، وإن أكل هذا كله في الليل في رمضان لزمته مغلظتان، مغلظة لهتك ومغلظة لهتك حرمة النهي، وقد روي عن عبيدة ما يشبه هذا في أثر أصحابنا، قال أبو عبيدة: من شرب الخمر في شهر رمضان جلد ثمانين جلدة، ثم عزر لإفطاره في شهر رمضان، والله أعلم.
حرمة الشهر
،
أبي
واختلفوا في تكرار الكفارات بتكرار الأكل في رمضان كما قدمنا في الجماع، قال بعضهم: عليه بكل جرعة مغلظة، وقال
بعضهم: لكل مقعد مغلظة، وقال آخرون: لكل يوم مغلظة
وقال آخرون: كفارة واحدة. والعلة في هذا كله كالعلة في تكرار
6
- 203 - (2/203)
صفحة 990
الجماع كما قدمنا. وإن أكل الميتة أو الدم أو لحم الخنزير في النهار في رمضان ثم أعاد أكله في الليل، فمن قال: عليه مغلظة واحدة ما لم يكفر، فقوله في ذلك معروف، وكذلك من قال: عليه لكل جرعة أو مقعد مغلظة، وأما من قال: عليه لكل يوم مغلظة، فعلى قوله في هذا إن أكل الميتة بالنهار ثم عاد لأكلها
بالليل فعليه خمس مغلظات، وقيل: ثلاث مغلظات على حسب اختلافهم كم يلزم الأكل في رمضان كما قدمنا، وإن أكل هذا
كله بالليل ثم عاد لأكله بالنهار فعليه ثلاث مغلظات، وقيل: مغلظتان، والفرق بين هذه المسألة والمسألة الأولى أن لكل وليلة عندهم حكماً واحداً، فكان من فَعَلَ هذا بالنهار ثم عاد بالليل كمن
يوم
فعله في يومين، لأن ليلة كل يوم من نهاره، والليل أسبق من النهار، ألا ترى إلى ابتداء الشهور والسنين من الليالي. ومن فعله بالليل ثم عاده بالنهار كمن فعله في اليوم مرتين، والله أعلم، وهذا كله في جنس واحد، وأما إن اختلف الجنس مثل إن أكل الميتة ثم عاد إلى شرب الخمر، ثم عاد إلى الزني فإن عليه لكل واحد منها ثلاث مغلظات لأن كل جنس غير الآخر، كما أن
من زنى وسرق فإن عليه لكل واحد حد ما لزمه، وقال
1 Y+E- (2/204)
صفحة 991
بعضهم: في الأول منهم ثلاث مغلظات، وما سوى ذلك مغلظتان، وذلك فيما يوجبه النظر لأن كفارة حرمة الصوم لا تكرر لانهدامه، وكذلك على هذا المعنى إن أكل الحلال أولاً ثم أكل بعده الحرام، فإن عليه مغلظتين للحلال ومغلظتين للحرام، وإن قدم الحرام كان عليه ثلاث مغلظات للحرام ومغلظة واحدة للحلال لحرمة الشهر فقط، إذ الصوم بعد قد انهدم كما قدمنا، فهذا بين لمن تدير فيه إن شاء الله.
ما
ومن بلع في صومه حديداً أو حجراً أو تراباً أو مالا جميع يؤكل أو بلع ريقه بعدما بان عن فيه، أو دموعه أو مخاطه أو يطلع من صدره، فمن جعله في درجة المطعوم والمشروب أوجب عليه ما يجب عليه في المطعوم والمشروب، ومن لم يلحقه بدرجة المطعوم والمشروب قال بغير ذلك، قال بعضهم - وهو الصحيح - عليه القضاء في هذا فقط، وذلك فيا يوجبه النظر أن رمضان على ثلاثة أوجه، عمد، وتضييع، وشبهة. فأوجبوا في العمد؛ القضاء والكفارة وفي التضييع؛ القضاء دون الكفارة، مثل تضييع الغسل من الجنابة حتى يصبح، ومثل تضييع النظر إلى وجه الصبح، ومثل أن يقوم من نومه ثم يتبين له أنه أكل بعد ما أصبح، وفي الشبهة؛
- 205 - (2/205)
صفحة 992
إعادة ذلك اليوم، مثل من أكل وهو يظن أنه ليل ثم تبين له أنه أكل بعدما أصبح، وكذا كل ما اختلف العلماء فيه هل هو من المفطرات أم لا؟ يجب أن يلحق بهذا الجنس لأنه لم يختلفوا فيه إلا وفيه من كلا الجانبين شبهة، والله أعلم.
وكذلك أيضاً اختلفوا فيمن تقياً عامداً، قال بعضهم: عليه القضاء فقط لقوله عليه السلام: (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء) (1)، وبعض لم يبره من الكفارة لأنه فعل ما هو محرم: عليه أصله الأكل، وإن فعل هذا كله بالنسيان فإنه بلغنا في ذلك عن الرسول الله أنه قال: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) (2)، وكذلك في الأثر: (أن رجلاً صعد نخلة لجابر بن زيد ليخرفها له، فلما نزل من النخلة قال: يا جابر ما نزلت من النخلة حتى شبعت من الرطب، قال له جابر: لا بأس وهذا رزق قد رزقته، وقال بعض: عليه بدل يومه، وهؤلاء لم يسقطوا عنه البدل بالنسيان وإنما أسقطوا عنه الإثم فقط كالناسي للصلاة فإن عليه البدل باتفاق، والله أعلم.
(1) تقدم ذكره.
(2) رواه الجماعة الا النسائي.
19.7 - (2/206)
صفحة 993
وأما من نسي الغسل من الجنابة حتى أصبح فصام كذلك فإنه
يعيد كل ما صام لعموم قوله عليه السلام: (من أصبح جنباً أصبح مفطراً)، وكذلك من نسي وجامع في رمضان فإنه يعيد ذلك اليوم كما قدمنا قياساً على ناسي الصلاة، وقال بعض: لا بدل عليه في النسيان إلا في الجماع، ولا في الغسل قياساً على الحديث المتقدم، والقول الأول أصح، ومن هذا الباب؛ من أكل في رمضان بالغلط، مثل من جعل في فيه ماء الحاجته ثم سبقه إلى حلقه فنزل فإن عليه بدل يومه كما قدمنا، وفرق بعض بين أن يكون لأمر آخرته أو لأمر دنياه، فأوجبوا عليه البدل إذا كان لأمر الدنيا، ولم يوجبوا عليه إذا كان لأمر الآخرة، مثل من جعل الماء في فيه لغسل الجنابة أو لأمر الوضوء، والله أعلم؛ وبعض فرق بين الفريضة والنافلة فأوجبوا عليه البدل في النافلة مثل من توضاً الصلاة النافلة فسبقه الماء إلى حلقه، وهذا الفرق فيما يوجبه النظر استحسان منهم، والله أعلم.
وإن فعل هذا كله باستكراه مثل أن يستكرهه ظالم على الأكل بنهار في رمضان فإنه يأكل ويعيد ما أكل إن خاف على
-207 - (2/207)
صفحة 994
نفسه القتل أو المثلة أو خاف على ماله إذا كان إتلاف ماله يؤدي إلى إتلاف نفسه لأن الله تعالى أباح الشرك عند الخوف وهو أعظم من هذا، وأما إن أكره على الجماع في رمضان فلا يفعل، فإن فعل انتقض صومه، والفرق بين الأكل والجماع اللذة الموجودة في الجماع، والله أعلم.
وأما إن دخل في حلقه ذباب أو دخان أو تراب من غير عمد مثل من يعالج شيئاً له غبار من كيل الطعام أو عمل التراب فإنه يستحب أن يلوي ثوباً على فيه ومنخره إذا أراد فعل ذلك، وإن دخل في حلقه شيء بعد ذلك فلا بأس بصومه، ولو وجد طعم ذلك في حلقه أو تنخم فخرج التراب من حلقه لأنه مغلوب وهو أعذر من الناسي الذي قال عنه عليه السلام: (الله أطعمه وسقاه). ومن هذا الباب أيضاً من شرب علقة وكان لا يقدر على حبس الدم من فيه أو منخره وينزل إلى جوفه فلا بأس بصومه بعد جهد، والله أعلم؛ وكذلك أيضاً من وكذلك أيضاً من أكره حتى أدخل في
(1) تقدم ذكره.
- Y-A- (2/208)
صفحة 995
حلقه شيئاً من ماء أو طعام ووصل إلى جوفه لا شيء عليه، لأنه في هذا كله مغلوب، وكذلك المرأة إن استكرهها زوجها على
الجماع في رمضان أو غير زوجها لا بدل عليها على هذا القياس
وقال بعض: عليها بدل يومها، وهذا الفرق عندي أحسن للذة الموجودة في الجماع مع الإكراه، وعلى من أكرهها مثل ما على من أفطر في شهر رمضان من الوزر.
،
واختلفوا في الكفارة هل تلزمه أم لا؟ والله أعلم، ومن تعمد فأفطر آخر يوم من شهر رمضان ثم صح أنه يوم الفطر فقد أساء في فعله وعليه التوبة، ولا بدل عليه ولا كفارة، وقد أراد شيئاً ودفع عنه، وقال بعض الفقهاء: إنه كمن أفطر يوماً من شهر رمضان، والقول الأول فيما يوجبه النظر أصح، لأنه أفطر في يوم جاز الإفطار فيه، فإن قال قائل: فكذلك على هذا التعليل إن أفطرت المرأة عمداً بنهار في رمضان ثم حاضت في بقية يومها ألا تلزمها كفارة؟ والصحيح إذا أفطر ثم مرض على هذا الحال؛ لأن هؤلاء أفطروا في يوم جاز لهم فيه الإفطار كما قلت في المسألة الأولى، لأن الكفارة إنما تجب عليه لاستهانته ما عظم
(14)
-449 - (2/209)
صفحة 996
رمضان، وهؤلاء قد استهانوا الشهر ضرورة، صوم
الشرع من صوم بخلاف الذي أفطر آخر
يوم
من شهر رمضان عنده فوافق يوم
الفطر لأنه لم يهتك حرمة الشهر، وإنما أساء بعقد نيته على الإفطار فقط كمن ناول مال غيره حراماً فيما عنده فوافق ماله، والله
أعلم،، وبه العون والتوفيق.
1911 (2/210)
صفحة 997
باب في الصوم المندوب اليه
إعلم أن الصوم المندوب، شروطه كشروط الصوم الواجب في النية والإمساك عن المفطرات، وجميع ما ينقض الصوم الواجب
ينقض الصوم المندوب، والاختلاف الذي هناك لاحق هنا. وأما حكم الإفطار في التطوع، فإنه ليس على من دخل التطوع فقطعه بعذر قضاء، وأما إن قطعه بغير عذر فعليه القضاء، والدليل على هذا ما روي: (أن عائشة وحفصة كانتا صائمتين فأفطرتا فقال لهما النبي: أبدلا يوماً مكانه) (1)
(1)
وفي الأثر: من أوجب على نفسه تطوعاً ثم فسد عليه؛ لزمه بدله، وروي: (أن عائشة كانت صائمة فرأتها حفصة رضي الله عنها في آخر النهار مصفرة الوجه، فقالت لها: ألست بصائمة؟ فقالت: يلى
(1) رواه البيهقي.
-31 - (2/211)
صفحة 998
ولكن أصابني جهد فأفطرت، فأخبرت النبي بذلك فقال: تقضي (1) يوماً مكانه) (1)، فهذا الحديث يدل على أن من دخل في
صوم التطوع فأفطر فيه أنَّ عليه بدله، سواء أفطر فيه بعذر أو بغير عذر، وعن بعض قال: فالله أعدل من أن يؤاخذ أحداً بما لم يفترض عليه، والدليل على هذا ما روي أن أم هاني، قالت:) دخل النبي عليه السلام بإناء من لبن فشرب منه ثم ناولني فشربت فقلت: يا رسول الله: كنت صائمة ولكن كرهت أن أرد سؤرك، فقال عليه السلام: إن كان من قضاء رمضان فاقض يوماً مكانه، وإن كان من غير قضاء رمضان، فإن شئت فاقضيه، وإن شئت فلا تقضيه) (2). وإن كان له نية في هذا كله فإنه يصيب
(2)
ما لم يبلغ نصف النهار عندهم، والله أعلم.
فصل
في الايام التي يستحب صيامها في السنة
استثناءه
ويستحب صيام يوم عاشوراء لما ثبت عنه عليه السلام من
(1) رواه أبو داود. (2) رواه أحمد وأبو دواد
- 212 - (2/212)
صفحة 999
طريق ابن عباس قال: (من صام يوم عاشوراء كان كفارته ستين شهراً وعتق عشر رقاب مؤمنات من ولد إسماعيل عليه السلام))
أيضاً ويستحب سبعة وعشرين من رجب، وقد رأيت صوم يوم في كتاب - وأظنه لقومنا - عن رسول الله قال: (سبعة أيام في السنة ما صامها أحد من أمتي إلا حرم الله جسده عن النار، منها السابع والعشرون من رجب، فيه بعث الله محمداً
فأول يوم
سبع حجج وعتق
، فمن صام ذلك اليوم فكأنما حج البيت أربعين رقبة) (2)، ويستحب أيضاً صيام يوم خمسة وعشرين من (2)
ذي القعدة، واليوم الأول والسابع والتاسع من ذي الحجة، ودو
يوم عرفة
عند
وقد ثبت من طريق أبي سعيد الخدري: (أن ناساً اختلفوا
أم الفضل بنت الحارث يوم عرفة في صيام رسول الله قال بعضهم: إنه صائم، وقال آخرون: ليس بصائم، قال أبو سعيد: فأرسلت إليه أم الفضل بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه) (3)، وقد ذكر في الكتاب الذي ذكرناه: (في اليوم السابع
(1) رواه الدارقطني. (2) رواه البيهقي.
(3) متفق عليه.
- 213 - (2/213)
صفحة 1000
من ذي الحجة أنزل الله رحمته على داود، وغفر له ذنبه، وفي يوم عرفة جمع بين آدم وحواء، وفي يوم عاشوراء تاب الله على آدم:
"
وفيه استوت السفينة على الجودي، وصامه نوح عليه السلام شكراً الله عز وجل) (1)، وذكر في الأثر: بلغنا عن عبدالله بن عباس أنه كان يقول: (إن الله بعث محمداً عليه السلام يوم سبع وعشرين من رجب، فمن صام ذلك اليوم تولاه الله بما تولى به نبيه محمداً، وكانت كفارته ستين شهراً أو ستين سنة، وإن الله تعالى أنزل البيت الحرام في خمسة وعشرين من ذي القعدة وهي أول رحمة أنزلها الله من السماء، فمن صام ذلك اليوم كانت حرمته عند الله كحرمة البيت، وكانت كفارته ستين شهراً أو ستين سنة، وإن إبراهيم خليل الله عليه السلام ولِدَ أول ليلة من ذي الحجة، فمن صام ذلك اليوم تولاه الله بالذي تولى به إبراهيم عليه السلام وكانت كفارته ستين شهراً أو ستين سنة، وإن الله تاب على داود عليه السلام يوم سبعة من ذي الحجة، فمن صام ذلك اليوم تاب الله عليه كما تاب على داود عليه السلام، وكانت كفارته ستين
(1) رواه الدارقطني ..
- Pie- (2/214)
صفحة 1001
شهراً أو ستين سنة، وفي يوم عرفة رفع الله عن أيوب البلاء، فمن صام ذلك اليوم رفع الله عنه البلاء وكانت كفارته ستين شهراً، وفي اليوم الثالث من المحرم دعا زكريا ربه أن يهب له غلاماً، فاستجاب له ربه ووهب له يحيى، فمن صام ذلك اليوم استجاب الله له كما استجاب لزكريا عليه السلام ولم يرزقه إلا غلاماً ذكراً وكانت كفارته ستين شهراً، وفي يوم عاشوراء تاب الله على أبينا آدم عليه السلام، وفيه استوت سفينة نوح على الجودي، وفيه فلق الله لموسى بن عمران البحر، وفيه نجى الله يونس، وفيه أخرج الله يوسف من الجب، وفيه تاب الله على قوم يونس، وفيه أجلا الله البياض عن بصر يعقوب، وفيه تاب الله على إخوة يوسف، فمن صام ذلك اليوم صنع الله به ما صنع بهؤلاء الأنبياء وكانت كفارته ستين شهراً أو ستين سنة) (1)
ويستحب أيضاً صيام شهر رجب، لما روي: (أن رسول الله سئل: أي صيام أفضل غير رمضان؟ قال: شهر الله الأصم الذي يدعى رجب) (2)، وبلغنا عنه عليه السلام أنه قال: (شهر
(1) رواه الدارقطني. (2) أخرجه الطبراني.
1310 - (2/215)
صفحة 1002
(1)
رجب عظيم الحرمة وتضاعف فيه الحسنات.
ويستحب أيضاً صيام ستة أيام من شوال لما ثبت عن رسول الله أنه قال: (من صام رمضان ثم أتبعه بستة أيام من شوال فقد صام الدهر كله) (2)
ويستحب أيضاً صيام التسع الأوائل من ذي الحجة، وهن الأيام المعلومات، آخرهن يوم النحر، وهو أيضاً من العشر التي قال الله
تعالى فيها: (وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة) (3)
وقيل: إن موسى عليه السلام صام ثلاثين يوماً الذي قال الله فيه: وواعدنا موسى ثلاثين ليلة فأتممناها بعشر) (4)، فلما صام ثلاثين يوماً استاك موسى، فأوحى الله إليه: يا موسى أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك الإذفر، فزاد موسى عشراً لكي يلقي ربه بخلوف فمه؛ ويستحب أيضاً صيام الأيام البيض من كل شهر، وهن الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وقد بلغنا عن رسول الله لا أنه قال: (صوم شهر
(1) أخرجه الطبراني عن سعيد بن أبي راشد.
(2) رواه الجماعة الا البخاري والنسائي (3) الأعراف: 142. (4) تقدم ذكرها
،
-717 - (2/216)
صفحة 1003
(1)
الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن بوغر الصدر) (1)، وقد
بلغنا أنه قال عليه السلام: (من صام في كل شهر ثلاثة أيام فكأنما
(2)
::
صام الدهر كله) (2) والله أعلم.
فصل
ولا يصام ستة أيام من السنة
يوم
الفطر
"
الأضحى
ويوم
وأيام التشريق، وهن الثلاثة التي بعد يوم الأضحى، واليوم الذي تشك فيه أنه من رمضان وهو آخر يوم من شعبان، وشددوا في
يوم
الفطر
ويوم
الأضحى لما ثبت (أن عمر بن الخطاب رضي
=
الله عنه صلى بالناس صلاة العيد وخطب الناس ورغبهم ثم قال: إن
:
هذين اليومين نهى رسول الله الله عن صيامهما: يوم فطركم من
صيامكم، ويوم الخطاب أنَّ ما عداهما لا بأس بصومه، ولذلك لم يشددوا في يوم الشك وأيام التشريق كما شددوا في يوم الفطر ويوم الأضحى، وقد ثبت أيضاً من طريق ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه نهى عن صوم
تأكلون فيه من نسككم) (3)، ففي هذا دليل
(1) رواه أحمد ومسلم وأبو داود (2) رواه ابن ماجة والترمذي. (3) رواه البخاري ومسلم.
- 217 - (2/217)
صفحة 1004
الأضحى
يوم الشك وهو آخر يوم من شعبان، ويوم الفطر، ويوم ا فقال: من صامها فقد قارف إثماً) (1)، وكذلك بلغنا أنه قال عليه
السلام في أيام التشريق: (إنها أيام أكل وشرب وبعال)
ولهذا نهى عن صومها، والله أعلم.
وأما
صوم
(2)
"
الدهر فقد بلغنا عنه عليه السلام قال: (لا صوم
لمن صام الدهر) (3)، ولعل هذا من باب خشية الضعف والمرض
والله أعلم، وبالله التوفيق.
(1) تقدم ذكره. (2) رواه أحمد ومسلم. (2) متفق عليه.
- MIA- (2/218)
صفحة 1005
باب في الاعتكاف
والاعتكاف مندوب إليه بالشرع، وهو سنة فضيلة، والاعتكاف
في لغة العرب: لزوم الشيء والإقامة عليه، قال الله تعالى: {وجاوزنا
ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم) فأخبر الله تبارك وتعالى عن إقامتهم عليها.
أكثرهم
(1)
واختلف أصحابنا في وجوب الصوم في الاعتكاف، قال: لا يجوز إلا بالصوم، وقال الباقون: يجوز بغير الصوم؛ وحجة من أجاز الاعتكاف بغير صوم أن الاعتكاف إسم وجب لملازمة المكان وحده، ولم يخبر الله تعالى أنه لا يقبل إلا بغيره، ومن أدعى وجوب شيء يضم إليه كان محتاجاً إلى إقامة الدليل، وحجة الآخرين: (أن النبي لا ما اعتكف إلا
(1) الأعراف: 38
-319 - (2/219)
صفحة 1006
(1)
وهو صائم وإن كان لم يعتكف إلا في شهر رمضان) (1)، والاعتكاف المتفق عليه هو إذا كان بصوم، وروي أيضاً من طريق عائشة وابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا اعتكاف إلا بصوم) (2)، ولهذا لو نذر أحد أن يعتكف الليل لم يلزمه لأنه لا يصام في الليل، ولا يجوز إلا في المسجد الذي تصلى فيه الجماعة لقوله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) (3)، فأضاف الاعتكاف إلى المساجد لأنها
(4)
من شروطه، وروي أنه قال عليه السلام: (لا تمنعوا إماء الله من مساجد الله) (4)، وهذا دليل أن اعتكاف النساء في المساجد جائز إذا جعل لهن خباء، وفي بيوتهن أفضل لقياس الاعتكاف على الصلاة، وذلك لما كانت صلاة المرأة في بيتها أفضل منها في المسجد للخبر؛ وجب أن يكون الاعتكاف في بيتها أفضل،
وإنما يجوز لها أن تعتكف في المسجد مع زوجها كما تسافر ولا تسافر مفردة، وذهب بعض أهل الخلاف إلى أنه يصح الاعتكاف في غير المسجد، وأن مباشرة النساء إنما حرمت على
(1) رواه البيهقي وأبو داود والنسائي. (2) رواه أبو داود (من حديث لعائشة). (3) البقرة: 188 (4) رواه الدارقطني والبيهقي
- 220 - (2/220)
صفحة 1007
المعتكف في المسجد، والقول الأول أصح كما قدمنا؛ وفي أثر أصحابنا: ولا يجوز الاعتكاف إلا في المسجد الذي تصلى فيه الجماعة، وجائز إذا اشترط المعتكف، وإنما اشترطوا أن يكون في مسجد تصلى فيه الجماعة لئلا ينقطع عمل المعتكف بالخروج إلى صلاة الجماعة.
واختلفوا أيضاً في الأعمال المختصة بالاعتكاف، قال بعضهم: الصلاة وقراءة القرآن وذكر الله تعالى، لأن المفهوم من الاعتكاف هو حبس النفس على الأعمال المختصة بالمساجد، وفي أثر أصحابنا: ينبغي للمعتكف أن يكون مصلياً أو قارناً أو نائماً، وقيل: كانت عائشة إذا اعتكفت لا تدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، ولا تعود مريضاً إلا مريضاً على طريقها، وهذا أيضاً لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة، فإن فعل انتقض اعتكافه، وبعض أجاز له أن يشهد جنازة، ويعود مريضاً، وقد ذكر بعض أهل أعمال البر المختصة بالآخرة، وأجاز له
الخلاف: يجوز
له
جميع
أن يشهد الجنائز ويعود المريض ويدرس العلم، لأن المفهوم عنده من الاعتكاف حبس النفس على القُرب الأخروية، والصحيح ما ذكرناه أو نذكره، وذلك أنه كل خروج للمعتكف إلى
221 - (2/221)
صفحة 1008
ما لا بد له منه لا يفسد اعتكافه، مثل خروجه إلى حاجة الإنسان أو إلى طعام لا غنى له ولا لعياله عنه، أو يأتي بيته يأكل ويشرب ويتوضأ، وله أن يحضر صلاة الجمعة لأنها فريضة على كل نفس من أهلها، ويحضر الصلاة على الميت ويتولى الصلاة عليه، ويلزمه حضوره من أب أو أم أو أخ أو زوجة، ولا يقف في التعزية لأنه متعين عليه بهذه الفروض، ولا يقف في طريق إذا خرج لهذه الأشياء يكلم أحداً ولكنه يكلمه ويصافحه وهو يمشي، وكل خروج هو مخير فيه يفسد اعتكافه، وليس للمعتكف يبيع ويشتري ولا يعمل للدنيا ويكون عمله وهمته للآخرة، ويكره له البيع والشراء إلا الدرهم الواحد لا غنى له ولا لعياله عنه، والله أعلم، وللمعتكف أن يغسل رأسه ويدهن ويكتحل، كما بلغنا عن رسول الله: (أنه كان يدني رأسه إلى عائشة فترجله وهو معتكف) (1)، ولا بأس بمن يدخل على المعتكف ويتحدث معه بما لا إثم فيه، لأن الرواية عن حفصة زوج النبي: (أنها جاءت إليه تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان فتحدثت معه ساعة ثم قامت، فقام النبي عليه السلام
أن
(1) متفق عليه.
- 222 - (2/222)
صفحة 1009
فتبعها حتى بلغت باب المسجد) (1)، لأن الحديث لا يمنع من العبادة كالصوم والحج، وكذلك الاعتكاف، والله أعلم؛ وقد أجاز له «مالك، البيع والشراء وأن يلي عقد النكاح، وفي أثر أصحابنا: والمعتكف إذا كان غنياً فعمل وهو معتكف فإنه يكره له ذلك ولا يفسد اعتكافه، والفقير الذي يأكل من عمل يديه فلا بأس أن يعمل، والله أعلم؛ وإن اشترط في بدء اعتكافه أن يعتكف النهار ويرجع الليل ينام في منزله ويعمل صنعة يده فله شرطه إذا نوى ذلك.
ومن شروط الاعتكاف أيضاً، ترك المباشرة لقوله تعالى:
(2)
ولا تُباشروهنَّ وأنتم عاكفون في المساجد) (2)، والمباشرة في هذا الموضع كناية عن الجماع، وقد ذكر بعض مخالفينا: أنه الجماع وغيره، والصحيح أن المباشرة الجماع؛ لإجماعهم أن القبلة لا تفسد الاعتكاف، ولو كانت المباشرة في الفرج وغيره من سائر البدن لم يجمعوا على أن القبلة من المعتكف لا تفسد اعتكافه، وإن جامَعَ فَسَدَ اعتكافه لا في الليل ولا في النهار كالحج والعمرة يفسدهما الجماع في الليل والنهار، سواء جامع عمداً أو ناسياً،
(1) متفق عليه. (2) تقدم ذكرها.
-223 - (2/223)
صفحة 1010
(1)
لعموم قوله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) غير أنه يلزمه في العمد البدل والكفارة، وفي النسيان البدل فقط،
لأنه لم يتعمد لهتك حرمة النهي، واختلفوا في كفاره المجامع في الاعتكاف، وقد ذكر عن محمد بن محبوب رحمه الله في كفارة المعتكف إذا وطئ في اعتكافه مثل كفارة المظاهر؛ العتق، ثم الصيام، ثم الإطعام، يعني أنه ليس بمخير، وبعض جعل له الخيار ككفارة المجامع في رمضان، ومن لم ير القياس في هذا يوجب عليه الكفارة، وأما من أكل أو شرب نهاراً وهو معتكف عامداً فسد اعتكافه، إذ الاعتكاف من شروطه الصوم وليس عليه الكفارة سوى البدل بدل أيام الاعتكاف، لأنه لم يجئ النهي عن الأكل والشرب كما جاء في الجماع، فتلزمه الكفارة. وإن أكل ناسياً أبدل يومه كذلك، قال بعضهم في الجماع ناسياً: وهذا
القول عندي أليق بالنسيان، وذلك أيضاً ليس بأشد من رمضان
والله أعلم.
واختلفوا في أقل ما يصح به الاعتكاف، قال بعضهم: عشرة أيام فصاعداً، وقال آخرون: ثلاثة أيام فصاعداً، ويدل على
،
- YTE-
•
(1) البقرة: 187 (2/224)
صفحة 1011
(1)
مذهب القائلين بعشرة أيام ما ثبت من فعله عليه السلام: (أنه يعتكف في رمضان كل سنة عشرة، فلما كان في العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً))، فدل فعله هذا عليه السلام أن أقل الاعتكاف عشرة أيام، إذ علينا الاقتداء به في أفعاله، كما يجب الاقتداء به في أقواله، والله أعلم، وأما من قال: ثلاثة أيام؛ فإنه يدل على قوله ما روي أنه قال عليه السلام: (إني لأعتكف العشرة الأوائل ألتمس بها هذه الليلة)، - يعني ليلة القدر ـ ثم قال: (ومن أراد أن يطلبها فلا يطلبها إلا في العشر الأواخر)، وقال: (رأيتها
•
فاختلست منى، فالتمسوها في العشر الأواخر من تسع بقين أو سبع بقين أو ثلاث بقين) (3)، وقال بعض أهل الخلاف: أقل ذلك وليلة، واعتبر ذلك أن من شروط الاعتكاف، الصوم، وأقل ذلك
صوم
يوم
يوم وليلة، إذ انعقاد النهار لا يكون إلا من الليل، والله أعلم، وأما وقت دخوله وخروجه فإنه إذا نذر أن يعتكف شهراً فإنه يدخل المسجد ويكون فيه منذ تغرب الشمس من أول ليلة من الشهر لأن أول الشهر ليله، وكذلك أيضاً إن عد بالأيام ـ وقد كان نذر أن يعتكف شهراً ـ فإنه يدخل قبل غروب الشمس
(1) رواه أحمد والترمذي. (2) متفق عليه
(10)
- 225 - (2/225)
صفحة 1012
ويخرج بعد غروبها، وأما إن نذر أن يعتكف أياماً معدودة مثل عشرة أيام وما أشبه ذلك، فإنه يدخل في المسجد قبل طلوع الفجر كي يبيت الصيام من الليل، ويخرج بعد غروب الشمس بعدما يستتم الأيام التي نذرها، ومن شروطه التتابع إلا من ضرورة، مثل المرض الذي لا يحتمل معه القعود في المسجد واحتاج إلى معالجة نفسه وخاف من ضرورة المسجد، فإنه يخرج إلى بيته ويعالج نفسه ويأكل إن اضطر إلى ذلك، ويبني على ما مضى من اعتكافه إذا رفع الله عنه ما به حين يبرأ، وليس ذلك بأشد من رمضان، وكذلك الحيض للنساء وغير ذلك من جميع ما يعذر به في رمضان فإنه يعذر به في الاعتكاف ويبني على ما مضى، والله أعلم.
قد تم كتاب الصوم بحمد الله وحسن عونه ويليه كتاب الحج
إن شاء الله.
- 226 - (2/226)
صفحة 1013
كتاب الحج وما يتعلق به
والحج واجب بشروطه بإجماع الأمة والكتاب والسنة
أما الكتاب، فقوله عز وجل: (والله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)، وقوله: (وأتموا الحج وَالْعُمْرَة
(2)
(1)
الله) (2)، ففي هذه الآية دليل على وجوب الحج والعمرة جميعاً وقال بعض: العمرة نافلة، واحتجوا بقراءة ابن مسعود وأتموا لحج والعمرة) بنصب الحج ورفع العمرة، يقول: أتموا الحج وقع عليه الفعل فنصب، والعمرة مبتدأ فارتفع، يقول: والعمرة الله تطوع، والعامة من العلماء أن الحج والعمرة فريضتان وهو المأخوذ به عند أصحابنا، وقال جابر بن زيد رحمه الله: ليس الحج
في السنة إلا مرة واحدة، ولا العمرة إلا مرة واحدة
(1) آل عمران. (2) البقرة (196).
- 227 - (2/227)
صفحة 1014
وأما الدليل من السنة على وجوب الحج، فما روي أنه قال عليه السلام في الحديث المشهور: (بني الإسلام على خمس، على أن يوحد الله تعالى وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام شهر رمضان وحج بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلا) (1)، وما روي أنه قال:)) (من وجد سبيلاً إلى الحج ثم لم يحج فليمت يهودياً أو نصرانياً وإن شاء فليمت ميتة جاهلية فقد وجبت له النار كما وجبت لليهود والنصارى والكفّار) (2) فهذا دليل على وجوبه.
وأما شروطه، فمنها شروط وجوب، ومنها شروط صحة، أما شروط الوجوب، فمنها الإستطاعة لقوله تعالى: {من استطاع إليه
سبيلا)، واختلف المسلمون في الاستطاعة ما هي؟ قال قوم
من وجد زاداً وراحلة فقد وجب عليه الحج، والدليل على هذا القول
ما روي أنه قال عليه السلام: (الاستطاعة زاد وراحلة)
"
(3)
:
وقال آخرون: الاستطاعة مال واحتمال، وقال آخرون: الاستطاعة صحة البدن، وذلك مع الوجود لذلك، وسبب اختلافهم هو سبب اختلافهم فيما يدل عليه اسم الاستطاعة، ولذلك اختلفوا، وأصل
(1) تقدم ذكره. (2) رواه الترمذي واسناده ضعيف. (3) رواه الدارقطني.
- YYA- (2/228)
صفحة 1015
اختلافهم هل هي استطاعة مالية أم استطاعة بدنية أم استطاعة مالية أو بدنية؟ فمن أوجب عليه الحج إذا كان عنده مال فهي عنده استطاعة مالية؟ فإن لم يقدر أن يحج بنفسه إستأجر من يحج
عنه، والدليل على هذا القول ما روي من طريق ابن عباس قال: (كان الفضل بن عباس وهو أخي رديف رسول الله، فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل رسول الله الله يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله: إن فريضة الله على العباد في الحج وقد أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ فقال: أفرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أفكنت قاضية عنه؟ قالت: نعم، فقال: فذا كذلك) (1)، ففي هذا دليل أن وجود الاستطاعة، ومثل هذا بلغنا أن الإمام رحمه الله بعث
المال
هو
(1)
إلى الحج بأمر الربيع بن حبيب البصري وذلك أنه خاف من المسودة. وأما من قال: استطاعة بدنية فجرى على أصله كما قال، والصحيح هو القول الثالث، وهو استطاعة السبيل الزاد والراحلة كما قال عليه السلام، وليس الناس إلى ملك الزاد والراحلة بأحوج
(1) رواه الخمسة.
- 229 - (2/229)
صفحة 1016
أمان
إليهم من أمان الطريق، وإن وجد الزاد والراحلة ووجد الطريق مع كشف الآفات التي تحل بالجسم يكون منها الموانع، فإذا اجتمع لهم ذلك وجب عليهم الحج، وأما الحج فلا يستطيعونه إلا بفعله في أيامه ومشاهده، واستطاعة السبيل غير استطاعة الحج، واستطاعة السبيل إنما هي المال وكشف الموانع، واستطاعة الحج إنما هي فعل الحج حركة وسكون من الفاعل في أيامه ومشاهده، وألحقوا بهذا مرافقة الأصحاب لقوله عليه السلام: (لو يعلم الناس ما في الوحدة ما سار أحد ليلاً وحده) (1)، وكما روي في بعض الأخبار: (أنه رأى رجلاً متوحداً في سفر ليس صاحب، فقال: أين يذهب هذا الغاوي؟ ثم مر به إثنان مسافران فقال: أين يذهب هذان الغويان؟ ثم مر به ثلاثة فقال: أين يذهب هذه الرشد؟) (2)، واختلفوا أيضاً في استطاعة السبيل التي هي الزاد والراحلة، هل هى من فضلة المال أو من الأصل؟ قال بعضهم: من فضلة المال، وقال آخرون: يبيع من الأصل إذا كان يحج ما يبقى منه يكفي عياله غلة إلى أن يحج، وقال آخرون: يبيع من المال ويحج إذا بقي منه ما يبيعون ويأكلون
معه
(1) رواه الدارقطني. (2) رواه الترمذي.
- 230 - (2/230)
صفحة 1017
إلى أن يحج، والذي يدل عليه اختلافهم هذا أنهم كلهم متفقون
أنه
لأن نفقة
حتى يكون له ما يكفيه ويكفي عياله إلى أن يحج عياله واجبة عليه فلا يكلفه الله تعالى لعمل طاعة لا يصل إليها إلا بفعل معصية، ولكن اختلافهم هل يكون ذلك من فضلة المال أم الفضلة؟ والأصل في ذلك سواء، وأصل اختلافهم هل هو مستطيع أم لا؟ والله أعلم؛ وكذلك أيضاً المدين على هذا الحال إنما يجب عليه الحج في الفضلة بعد الدين، وفي أثر أصحابنا: سألت الربيع عن رجل له زاد وراحلة وعنده ما يستطيع الحج وهو يخاف على نفسه العنت من قبل النساء أيتزوج أم يحج؟ قال: حدثني أبو عبيدة قال: إنه إذا كان في أيام الحج أو أشهر الحج فليحج، وإن كان في غير أيام الحج وهو يرجو إن هو تزوج بهذه الدراهم التي عنده أن الله سيرزقه فيما بينه وبين أيام الحج فليتزوج إذا خاف على نفسه العنت؛ وهذا القول من أبي عبيدة يدل أن الحج أوجب من التزويج إذا خاف العنت إلا إن كان في غير أيام الحج، لعله أراد في أيام الخروج إلى الحج من بلده، والأصل في هذا أن الحج فريضة والتزويج غير فريضة، وقد ذكر عن أبي حنيفة (2/231)
صفحة 1018
أنه قال: من شروط وجوب الحج عن المرأة أن يكون معها زوج أو ذو محرم منها فيطاوعها على الخروج إلى السفر معها إلى الحج، واحتج في ذلك بما روي من طريق أبي هريرة أنه قال عليه السلام:) لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسير مسيرة يوم وليلة وفي أثر أصحابنا ذكر في هذه المسألة منها) إلا مع ذي محرم. عن أبي عبيدة عن جابر أنه قال: إذا كانت المرأة صريرة والصريرة
6
(1)
معه
التي لم تحج والحج عليها واجب، فإن كانت أصابت ذا محرم فلتحج. وإن لم تصب ذا محرم فلتحج مع ثقاة المسلمين، وعليهم أن يمنعوها ما يمنعون منه أنفسهم، وإن كانت ممن كان قد حج فلا تحج إلا مع ذي محرم منها، ومن شروطه أيضاً: البلوغ، وقد اختلفوا في ذلك، قال بعضهم: حج الصبي جائز، وحجتهم ما روي من طريق ابن عباس: (أن النبي الا الله امر بامرأة في محفة فقيل لها: هذا رسول الله
رسول الله ألهذا
فرفعت بعضد صبي معها فقالت: يا حج؟ قال:، وقال آخرون: ليس للصبي حج ولا للعبد
نعم ولك أجر) (2)
إلا أن يبلغ هذا ويعتق هذا قبل الوقوف بعرفة، وهذا القول عندي أصح، لأن الصبي لا تصح منه عبادة وهو غير مكلف لقوله
(1) متفق عليه (2) متفق عليه.
232 - (2/232)
صفحة 1019
عليه السلام: (رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يحتلم،
(1)
أعتق
وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ))، فهذا يدل على أنه لا حج على الصبي ولا على المجنون، وكذلك العبد إذا عتق يلزمه أن يحج حجة الفريضة، ولو حج في العبودية، وفي الحديث عن رسول الله أنه قال: (أيما عبد حج ثم فعليه حجة أخرى، وأيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه حجة أخرى) (2) والله أعلم، وأما شروط الصحة، أعني صحة الحج فهو: الإسلام، لأن حج المشرك غير صحيح بشركه، ولو كان مأموراً به في حال شركه، كما لا تصح عبادته ما دام في شركه، وليس في أن لا تصح منه عبادة ما دام في شركه ما يمنعه من خطابه كما قال بعض الناس ألا ترى أن المصلي قد خوطب بالصلاة ولو كان محدثاً ولا تصح منه صلاة مع حدث. ومن شروط الصحة أيضاً ترك الجماع في الحج، فإن جامع فسد حجه وعليه حجة أخرى من قابل لقوله تعالى: فمَن فرَضَ فيهن الحج فلا رفت ولا فسوق ولا جدال في الحج (3)، واختلفوا إذا وجب عليه هل هو على الفور أو
(1) تقدم ذكره. (2) رواه أحمد وأبو داود والنسائي .. (3) البقرة: 197.
- 233 - (2/233)
صفحة 1020
لعموم قوله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد)
غير أنه يلزمه في العمد البدل والكفَّارة، وفي النسيان البدل فقط
(1)
كفارة
،
لأنه لم يتعمد لهتك حرمة النهي، واختلفوا في كفاره المجامع في الاعتكاف، وقد ذكر عن محمد بن محبوب رحمه الله في المعتكف إذا وطئ في اعتكافه مثل كفارة المظاهر؛ العتق، ثم الصيام، ثم الإطعام، يعني أنه ليس بمخير، وبعض جعل له الخيار ككفارة المجامع في رمضان، ومن لم ير القياس في هذا يوجب عليه الكفارة، وأما من أكل أو شرب نهاراً وهو معتكف عامداً فسد اعتكافه، إذ الاعتكاف من شروطه الصوم وليس عليه الكفارة سوى البدل بدل أيام الاعتكاف، لأنه لم يجئ النهي عن الأكل والشرب كما جاء في الجماع، فتلزمه الكفارة. وإن أكل ناسياً أبدل يومه كذلك، قال بعضهم في الجماع ناسياً: وهذا القول عندي أليق بالنسيان، وذلك أيضاً ليس بأشد من رمضان،
والله أعلم
واختلفوا في أقل ما يصح به الاعتكاف، قال بعضهم: عشرة أيام فصاعداً، وقال آخرون: ثلاثة أيام فصاعداً، ويدل على
(1) البقرة: 187
- 224 - (2/234)
صفحة 1021
هذا ما روي أنه قال عليه السلام: (من كانت له سعة مال ولم يحبسه مرض حابس ولا سلطان قاهر فمات ولم يحج فإن شاء
(1)
فليمت يهودياً أو نصرانياً وإن شاء فليمت ميتة جاهلية) (1).
أنه
واختلف الفقهاء أيضاً: هل يحج أحد عن أحد؟ قال بعضهم: لا يحج أحد عن أحد كما لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد، والمعمول به عند أصحابنا أن الوصية بالصوم والحج جائزة دون الصلاة كما قدمناه من الأحاديث المتقدمة، وفي الأثر: ه يجوز أن يحج على من لا يستطيع الحج من الكبر والمرض الذي لا يصح منه، ويدل على هذا ما روي من طريق أنس بن مالك قال: (أتى رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول إن أمي عجوز كبيرة لا تستطيع الركوب على البعير وإن ربطتها خفت عليها أن تموت أفأحج عنها؟ قال: نعم) (2). كذلك أيضاً جائز الحج على الميت، لما روي (أن المسلمين قالوا يا رسول الله: أنحج عن آبائنا؟ قال: نعم حجوا عنهم) (3)، فمضت السنة بذلك أن
(1) تقدم ذكره. (2) رواه أحمد والترمذي
(3) متفق عليه.
- 235 - (2/235)
صفحة 1022
أحد
يحج عن الأموات، ولكن اختلف أصحاب هذا القول هل يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه أم لا؟ قال بعضهم: لا يحج عن غيره حتى يحج عن نفسه، والحجة لهم ما روي: (أن النبي ل سمع ملبياً يلبي عن الغير، فقال له النبي عليه السلام: إن كنت حجيت عن نفسك، وإلا فحج عن نفسك ثم حج عن غيرك) (1) وقال آخرون: جائز مع الضرورة على وجه الإجارة، وقالوا: قول النبي عليه السلام: حج عن نفسك ثم حج عن غيرك، لعله قد عرف استطاعة الرجل لأنه لا يأمره إلا بالواجب، والدليل على هذا ما روي من طريق ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال عليه
السلام: (يدخل الجنة ثلاثة بالحجة الواحدة إذا كانوا مسلمين
(2)
الموصي بها، والذي ينفذها عن الميت، والخارج بها) (2)، وإذا كان
الخارج أميناً ثم رجع فقال: قد أديت فإن قوله في هذا مقبول
عندهم
لأنه أمين
واختلفوا في غير الأمين قال بعضهم: لا يجوز أن تعطي
(1) رواه أبو داود وابن ماجه (2) رواه البيهقي
،
- 236 - (2/236)
صفحة 1023
الحجة لغير الثقة الأمين، وبعض أجاز غير الأمين، وقالوا: يشهد عند الإحرام والوقوف والزيارة انه قد أحرم بحجة فلان وأنه قد وقف عن حجة فلان، وكذلك يشهد أنه قد طاف، وقد قضى حجة فلان. وكذلك أيضاً اختلفوا: فيمن يحج عن من لا يتولاه، قال قوم: لا يجوز، وأجاز ذلك آخرون وقالوا: لا يدعوا له، ويشترط على الأولياء أنه لا يدعوا لميتهم، والولي
ليس فيه اختلاف، والله أعلم
وجائز أن تحج
المرأة عن الرجل، والرجل عن المرأة، كما
6
قال عليه السلام للخثعمية التي سألته أن تحج عن أبيها، والله أعلم ولا يكون الخارج بها إلا من بلد الميت أو من قبره في قول بعضهم، والأصل في ذلك أن يكون الخارج من موضع يجب على الميت أن يحج منه وإن خرج من أقرب منه إلى مكة أخذ منه قدر مؤونة ما بين البلد الذي خرج منه وبلد الميت وأنفق ذلك إن دماً أو فرقه في مكة، وإن عجزت نفقته عن بلوع الحج من بلده، فإنه ينظر في ذلك إلى بلد أقرب منه إلى مكة، من حيث تبلغ نفقته فليحج عنه، وإن عجزت فإنه يعين بها من أعجزت
بلغ
- 237 - (2/237)
صفحة 1024
نفقته في الحج، وإن مات الخارج بها قبل إتمامها، فإنهم اختلفوا في ذلك، قال بعضهم: لا أجرة له حتى يتم الحج، وإن أخذها بضمان فقد لزمه في نفسه وماله، وإن أدركه الموت أوصى بها، وقال آخرون: إن مات بعد الإحرام بها فله الأجرة إلى مات، وقال آخرون: له الأجرة وإن لم يحرم بها إذا
حيث
خرج بها من بلد الميت، والله أعلم
•
واختلفوا لمن يكون أجرها، قال قوم: أجرها للحاج بها وللموصي أجر المعونة بالدراهم، وقال آخرون: الحجة كلها للمحجوج عنه، وإنما للأجير عوض عنائه بالدراهم التي يأخذها، وحديث ابن عباس الذي يروى عن رسول الله: (يدخل الجنة ثلاثة بالحجة الواحدة إذا كانوا مسلمين، الموصي بها، والذي ينفذها عن الميت، والخارج بها ()، يدل لكل واحد منهم أجر، وقد ذكر أيضاً عن ابن عباس أنه قال: إذا حج الأجير بالكراء فقد ثم تلا هذه الآية: (أولئك لهم نصيب مما كسبوا
تم حجه،
والله سريع
الحساب) (2)
وذكر في التفسير قال: جاء رجل
6
(1) تقدم ذكره. (2) البقرة: 202.
- 238 - (2/238)
صفحة 1025
أن
إلى ابن عباس فقال: أني أكريت دابتي واشترطت عليهم، فهل يجزئني ذلك؟ قال: أنت من الذين قال الله فيهم: أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب)، وقد قال الله تعالى: (ليس عَلَيْكُمْ جناح أن تبتغوا فضلاً من
(1)
وبكم كم (1)، والله أعلم، وبالله التوفيق.
(1) البقرة: 198.
- 239 - (2/239)
صفحة 1026
باب فيما يفعل الانسان عند خروجه
(1)
وإذا أردت الخروج فاقض ديونك وتخلص من تبائعك، وكفر أيمانك وأوف بنذرك وصل أرحامك، واعتب على من وجد عليك من جيرانك وإخوانك ووسع من زادك ليتسع خلقك، وقد أمر الله تعالى بالتزود في قوله: {وَتَزَوَّدوا فإن خير الزاد التقوى) (1)، وقد بلغنا أنها نزلت في أناس من اليمن يحجون بغير زاد فيصيبون من أهل الطريق ظلماً فنزلت وتزودوا) يعني من الطعام، فإن خير الزاد التقوى)، يعني التقوى خير زاد من غيره. ولا تماكس في الكراء، ولكن ساوم فإن غلى عليك فاتركه، وقد قال الله تعالى: {ولا جدال في الحج)، يعني
ولا مراء في الحج، والله أعلم.
(1) البقرة: 197 (2/240)
صفحة 1027
وإذا أوقفت راحلتك وأردت الخروج فصل في منزلك
ركعتين وقل: اللهم إنك افترضت الحج وأمرت به، فاجعلني ممن استجاب، واجعلني من وفدك الذين رضيت وكتبت وسميت، وأخلص النية، واقصد الاحتساب الله تعالى، ثم سلّم على أهلك وودعهم، وأظهر لهم الشفقة.
وإذا ركبت راحلتك فقل كما بلغنا عن الرسول عليه السلام يقول، وذلك أنه بلغنا عن الرسول (عليه السلام) من طريق ابن عمر: (أنه كان إذا ركب راحلته وأراد السفر كبر ثلاثاً، وقال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون)، اللهم إني أسألك في سفرنا هذا، البر والتقوى والعمل بما ترضى، اللهم هون علينا السفر واطو لنا الأرض، اللهم أنت الصاحب في السفر، وأنت الخليفة في الأهل والمال جميعاً، اللهم اصحبنا في سفرنا، واخلفنا في أهلنا ()، فينبغي الاقتداء به. وإذا سرت فقل: الحمد لله الذي حملنا في البر والبحر ورزقنا من الطيبات وفَضَّلنا على كثير من خَلقه تفضيلا، سبحان الذي
سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون)
(1) رواه أحمد.
،
(16)
- YEI- (2/241)
صفحة 1028
والحمد لله رب العالمين، فإذا صعدت شرفاً فكبر، وإذا هبطت (")، وقد بلغنا من طريق أبي هريرة: (أن رجلاً جاء إلى النبي عليه السلام فقال: يا رسول الله إني أحب سفراً، فقال له
فسح
النبي
عليه السلام: أوصيك بتقوى الله العظيم، والتكبير عند كل
)
،
شرف، فلما ولى قال النبي عليه السلام: اللهم أطو له البعد وهون عليه السفر ()، وقد بلغنا أن النبي عليه السلام قال في وصيته لمعاذ: (يا معاذ أذكر الله عند كل شجرة، وعند كل مدرة وعند كل رطب ويابس يشهدون لك بذلك، وإذا نزلت منزلاً فقل: الحمد لله الذي بلغنا سالمين، اللهم ربنا أنزلنا منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين، اللهم ارزقنا بركة منزلنا هذا، واصرف عنا شره وبأسه، فإذا قدمتنا من منزل إلى منزل فابدل لنا ما هو خير منه) (2)، وينبغي أن يكون اشتغال الحاج في سفره بذكر الحج كما بلغنا عن عائشة رضي الله عنها قالت: (خرجنا مع رسول الله ليس يذكر غير الحج) (3)، والله أعلم.
(2)
(1) رواه الدارقطني (2) رواه البيهقي وابن ماجة. (3) رواه مسلم. (*) أي: وادياً.
-242 - (2/242)
صفحة 1029
الخطاب
باب في الاهرام وشروطه
ومن شروط الإحرام الزمان والمكان، أما المكان فهو الذي يسمى مواقيت الحج، فالأصل في هذا ما روي من طريق أبي سعيد الخدري قال: وقت رسول الله لأهل المدينة أن يُهلوا من ذي الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل العراق ذات عرق))، وقيل إن عمر بن رضي الله عنه وقت لأهل العراق ذات عرق لأن البصرة إنما فتحت في خلافته، ولا خلاف أنه يلزم الإحرام من هذه المواقيت على من مر بها يريد الحج والعمرة، وإن مر بها ولم يرد الحج والعمرة، فقال قوم: كل من مر بها يلزمه الإحرام، إلا من يكثر تردده مثل الحطابين، وفي بعض الكتب عن عطاء قال: ليس لأحد يريد مكة يجاوز هذه المواقيت، إلا وهو محرم
E
(1) رواه البخاري (2/243)
صفحة 1030
بحجة أو عمرة، ويدل على هذا ما روي أن النبي عليه السلام قال: (لا يجاوز الميقات إلا محرم) (1)، وقال قوم: لا يلزمه الإحرام منها إلا لمريد الحج والعمرة، وهذا كله لمن ليس من أهل مكة،، وأما أهل مكة فإنهم يحرمون بالحج من مكة، وأما العمرة فإنهم يخرجون إلى الحل، وإذا جاء من الميقات أحد يريد الحج ولم يحرم، فعليه أن يرجع ويحرم منها ولا شيء عليه، وإذا خاف فوات الحج أحرم من حيث ذكر في الحرم أو قبل الحرم وعليه دم، وذلك أن المواقيت سنة، وذلك أن النبي لا وقت لكل ناحية ومن سلك طريقهم يريد مكة علماً، فإن قال قائل: فهل يجوز لأهل ناحية الإحرام من ناحية أخرى، قيل له: والله أعلم، لم أر بذلك بأساً فإن المراد بذلك بيان مواقيت الإحرام لمن أراد مكة من كل ناحية، والله أعلم؛ وفي الأثر: سئل عن رجل جاز على ذي الحليفة ولم يأخذ منها الإحرام، ثم جاز على الجحفة فأخذ منها الإحرام، قال: أجزأه ذلك لأنها موضع الإحرام، فمن كان منزله دون الميقات، فميقاته من منزله، والله أعلم.
(1) متفق عليه.
- 244 - (2/244)
صفحة 1031
ومن أحرم من منزله وهو خلوج من الميقات، أو من موضع من المواضع قبل الحد الذي وقته وسول الله لزمه إحرامه
وليق كل ما نهي عنه المحرم.
الحج
وأما الزمان الذي هو شرط في الإحرام بالحج، فالأصل فيه
(1)
قوله تعالى: (الحج أشهر معلومات (1)، ومجاز الآية وقت معلومات، وقد اختلف الناس في أشهر الحج فقال قوم: ثلاثة أشهر شوال وذو القعدة وذو الحجة، ودليلهم قوله تعالى: (الحج أشهرُ مَعْلُومَات)، فوجب أن يطلق على جميع أيام الحج، أصله إطلاقه على جميع أيام شوال وذي القعدة، وعشرة أيام من ذي الحجة، واحتجوا أيضاً: أنه تبقى على الحج أمور بعد عرفة يجب عليه فعلها مثل: الرمي والنحر والحلق والبيات بمنى، وكلها في خاتم الحج، وقال آخرون: شهران وعشرة أيام، وهو شوال وذو القعدة وعشرة أيام من ذي الحجة،، وبهذا يقول أصحابنا، وقد ذكر عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى: (الحج أشهر معلومات، قال: يعني شوال وذو القعدة وعشرة أيام من ذي الحجة، والدليل على هذا القول: انقضاء الإحرام قبل تمام الثلاثة بانقضاء أفعاله
(1) البقرة: 197
- 245 - (2/245)
صفحة 1032
الواجبة، وإنما ذكر العشرة، والإحرام يكون في بعض العشرة فيما ذكر في التفسير، قال من قال: عشرة عبر به عن الليالي، فمن لم يدركه إلى طلوع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج، فقد دل هذا أن بعض الناس قال في أشهر الحج: شوال وذو القعدة وتسعة أيام من ذي الحجة، وهذا الوقت جعله الله وقتاً للحج يصح يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، وأما العمرة فإنه يحرم بها في كل شهر، وإن أحرم بالحج قبل أشهر الحج لم يجزه ذلك عن حجة، ويكون ذلك عمرة كمن دخل في صلاة
ولا
لأحد أن
قبل وقتها فتكون نافلة
- 246 - (2/246)
صفحة 1033
النسك
باب في كيفية الاحرام
و موضعه بعد هذا الفصل الذي بعده، وهو فصل أنواع
وإذا أراد أن يحرم فليغتسل في بدء إحرامه، وهو وقيل: يجزئه الوضوء، وفي الأثر قال الشيخ في غسل بدء الإحرام: إنه واجب، وما سواه من الاغتسال في الحج فليس بواجب، وهو مستحب، وليلبس ثوبين، ويستحب أن يكونا جديدين، أو غسيلين لم يلبسا منذ غسلا، وإن أحرم في ثيابه الدنسة التي عليه فلا بأس، وكذلك إن أحرم وهو جنب أجزأه، لأن الإحرام يلزم على كل حال، والمستحب والسنة أن يحرم كما ذكرنا ويصلي للإحرام ركعتين إن لم تحضر الصلاة المكتوبة، وقد بلغنا
) أن النبي عليه السلام أحرم إثر صلاة مكتوبة))، وروي:
(1) رواه الخمسة.
- YEY- (2/247)
صفحة 1034
(أنه كان لربما أهل إذا استوت به راحلته) (1)، وكذلك تفعل إذا أردت، تقول بعد أن تعقد نيتك: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك، فإن كنت متمتعاً فقل: لبيك بعمرة تمامها وبلاغها عليك يا الله، وإن كنت قارناً فقل: لبيك بحجة وعمرة تماما وبلاغها عليك يا الله، وإن كنت مفرداً قلت: لبيك بحجة تمامها وبلاغها عليك يا الله، تقول ذلك ثلاث مرات في مجلسك ثم تقوم، وعن ابن عباس: أن هذه تلبية النبي مال اللي فايما فعلت من هذا فهو يجزئ، غير أن المسلمين يستحبون أن يدأ بالعمرة قبل الحج، وفي أثرهم الله: أن الداخل بالعمرة إلى الحج أفضل من المنفرد، ومن لم يلب بالحج لم يدخل فيه ولم يحرم، لأن التلبية إفتتاح الإحرام بالحج، كما أن تكبيرة الإحرام افتتاح الصلاة، فمن كبر أحرم كذلك من لبى للحج أحرم، ومن لم يلب لم يحرم حتى يلبي بالحج أو بالعمرة أو بهما معاً، وقد ذكر في أثر بعض أصحابنا: أن التلبية مع النية تكفي عن التسمية، وذلك لو اعتقد الحج ولم يذكره في تلبيته كان محرماً بحج، وإن اعتقد عمرة كان محرماً
رحمهم
(1) رواه أحمد وأبو دواد.
- YEA - (2/248)
صفحة 1035
بعمرة، وكذلك إن اعتقد القران، والقول الأول هو الأصح، وقد ذكر عن نافع قال: وكان عبدالله بن عمر يزيد فيها: لبيك
وهي
وسعديك، والخير بيديك، والرغبة إليك والعمل. ومعنى لبيك: أنا أقيم على طاعتك وعند أمرك، وإنما ثناه لأنه إقامة بعد إقامة وطاعة بعد طاعة، كما تقول: حنانيك ربنا، أي هب لنا رحمة بعد رحمة، مأخوذة من ألب فلان بالمكان إذا لزمه، والتلبية جواب الله تعالى في نداء إبراهيم خليل الرحمن، وذلك أنه لما بنى البيت أمره الله تعالى أن يؤذن في الناس بالحج، فعمد إبراهيم إلى أبي قبيس فأذن بالناس: أيها الناس أجيبوا ربكم، إن الله يأمركم أن تحجوا بيته، فسمع إبراهيم كل مؤمن على وجه الأرض، وقد قيل: ومن في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وقيل: إنه من أجاب بالتلبية مرة حج مرة، ومن أجاب أكثر حج على قدر ما أجاب، والتلبية جواب الله تعالى في نداء إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليه، وقيل: إنه قام على الحجر الذي هو في مقام
إبراهيم عليه السلام، فارتفع به الحجر حتى ساوى أبا قبيس
فنادى كما قدمناه، فصارت رجلاه في الحجر وعاد الحجر إلى
6
-329 - (2/249)
صفحة 1036
ما كان عليه، فكانت التلبية جواب الله تعالى في نداء إبراهيم
صلوات الله عليه
ويستحب أن يلبي كلما سارت به راحلته أو علا شرفاً أو هبط وادياً أو سمع ملبياً، وكلما أكثر كان أفضل، ويلبي وهو جنب وفي كل وقت، ويستحب ستحب أن يرفع بذلك صوته، وقد بلغنا عن رسول الله أنه قال: (إذا أحرم الرجل أجابه الأفق الذي يليه، ثم الذي يليه حتى ينتهي إلى آخر الأفق) (1)، وكذلك يستحب له إذا استقبل راكباً أو ماشياً أن يرفع صوته بالتلبية لأن التلبية من شعائر الحج، وليعلموا أنه حاج، والحاج يدعى له، وليعلموا أنه محرم، ويكثر ذلك حتى يقدم مكة، والمرأة تخفض التلبية، لأنها مأمورة بخفض الصوت.
فصل
في معرفة أنواع هذا النسك
وموضعه قبل باب كيفية الإحرام، فينبغي لنا أن نشرع أولاً في معرفة أنواع هذه النسك، ثم نشرع في الإحرام وكيفيته
(1) رواه أبو داود والبيهقي.
19911 (2/250)
صفحة 1037
إعلم أن المحرمين صنفان: إما مفرد وإما جامع، فالمفرد أن
يفرد بالحج، والجامع أن يجمع بين الحج والعمرة، وهذا النوع ضربان: إما متمتع وإما قارن، أما المفرد فهو ما عدا هذين النوعين أعني المتمتع والقارن، فينبغي لنا أن نشرع في معرفة المتمتع وشروطه، ونتبه على القارن بعد ذلك، والمفرد، أما
التمتع فهو النسك الذي هو المعني بقوله عز وجل: {فمن تمتع
(1)
بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي))، وهو نوعان: أحدهما أن يهل الرجل بالعمرة في أشهر الحج من الميقات، ثم يأتي حتى يصل البيت ويطوف بعمرة ويسعى ويحلق في تلك الأشهر بعينها، ثم يحل بمكة، ثم ينشئ الحج في ذلك العام بعينه، وفي تلك الأشهر من غير أن ينصرف إلى بلده إلا ما روي عن
الحسن أنه كان يقول: هو متمتع، وإن عاد إلى بلده ولم يحج أن عليه هذي المتمتع المنصوص في قوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي)، لأنه كان يقول: عمرة في أشهر الحج متعة، وإن اعتمر في غير أشهر الحج ثم أقام حتى حج فلا
(1) البقرة: 196
1901 - (2/251)
صفحة 1038
دم عليه، ولو أتمها في أشهر الحج
لأنه
لم يحرم
في
أشهره، كما
اشترطنا قبل، وكذلك إن اعتمر في أشهر الحج ثم خرج إلى أهله، ثم رجع في سنته للحج فحج فلا دم عليه، وإنما الدم على من اعتمر في أشهر الحج ثم أقام حتى حج في سنته، إلا على قول من قال: عمرة في أشهر الحج متعة، وفي الأثر عن أنس بن مالك: أنه كان يأمر أن لا يحرم من الميقات إلا بعمرة، وقال: فعل ذلك أصحاب رسول الله الا الله وأمروا به، قال: ومن دخل مكة محرماً بعمرة في أشهر الحج فالهدي لازم له، وإن دخل محرماً بحجة في أشهر الحج أو غيرها، فلا هدي عليه، ويكون على إحرامه إلى أن يرمي جمرة العقبة من
يوم
النحر.
النوع الثاني: من أحرم بحجة ثم نقلها إلى عمرة يلزمه الهدي ويكون متمتعاً، وذلك أنه بلغنا عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: خرجنا مع رسول الله الخمس ليال بقين من ذي القعدة ولا نرى إلا أنه الحج. فلما دنونا من مكة أمر رسول الله من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة أن يحل) (1)، وكذلك بلغنا عن جابر بن عبدالله
(1) رواه أحمد ومسلم.
- 252 - (2/252)
صفحة 1039
بالحج.
فأهلنا
قال: (قدمنا مع رسول الله الله مكة ونحن محرمون بالحج، فطفنا بالبيت وسعينا بين الصفا والمروة، فأمرنا النبي عليه السلام من لم يكن معه هدي أن يحل، قلنا: يا نبي الله أتأمرنا بالإحلال وأنت محرم؟ فقال: نعم، فإني لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما قلدت الهدي ولأحللت - قال جابر - فأحللنا فجعلناها عمرة، ثم قال النبي عليه السلام: إذا رجعتم إلى منى فأهلوا بالحج من بطحاء مكة ((1)، وكان النبي القرن الحج والعمرة وأهدى مائة من البدن وقلدهنَّ، فلذلك لم يحل، لأن من قلّد الهدي فحله من محل هديه وطاف بالبيت أسبوعاً واحداً للحج والعمرة جميعاً، وسعى بين الصفا والمروة سعياً واحد للحج والعمرة جميعاً، ولم يحلق رأسه ولم يقصر وأقام على إحرامه حتى جاء يوم النحر ونحر الهدي، وهكذا يفعل القارن، قال: وحدث ابن الزبير عن جابر بن عبدالله قال: (لما أمر النبي عليه السلام أصحابه أن يحلوا من إحرامهم بالحج ويجعلوها عمرة، قال سراقة ابن مالك: يا نبي الله أخبرنا عن عمرتنا هذه ألنا خاصة، أم هي للأبد؟ فقال النبي: بل هي للأبد) (2)، وقال بعض ع
(1) رواه مسلم. (2) رواه أحمد ومسلم.
(2)
- 253 - (2/253)
صفحة 1040
الناس: إن الفسخ أعني - فسخ الحج إلى العمرة ـ مخصوص" بأصحاب النبي، والقول الأول أصح، وقد بلغنا عن جابر بن زيد أيضاً قال: (بلغني عن سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس اختلفا في التمتع بالعمرة إلى الحج، قال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله، فقال سعد: بئس ما قلت، فقال الضحاك: إن عمر بن الخطاب نهى عن ذلك، قال سعد: قد صنعها رسول الله له وصنعناها معه) (1)، قال الربيع: قال أبو عبيدة: من أراد التمتع فعل، ومن أراد تركه فكل واسع، وبه عن عائشة أنها قالت: (أفرد رسول الله الا الله الحج) (2)، وهذا في غير المكي، لأن المكي لا متعة له لقوله تعالى: وذلك لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أهله حاضري المسجد الحرام) (3)، يعني لمن يكن منزله في كله فمن كان منزله في الحرم فهو من حاضري المسجد الحرام ولا متعة عليه، فلو تمتع فلا يلزمه الهدي، وفي أثر أصحابنا: المكي ليس عليه متعة، وكذلك من أقام بمكة سنة، وإن خرج الذي أقام بمكة سنة لحاجة في أشهر الحج، ثم دخل محرماً بعمرة
الحرم
(1) رواه أحمد مسلم. (2) رواه أبو داود.
،
(3) البقرة: 196.
(2)
- 254 - (2/254)
صفحة 1041
فينبغي أن لا تكون عليه المتعة إذا كان مسافراً يقصر الصلاة، وفي الأثر: ويجوز التمتع للمكي وغيره لعموم الظاهر، ولكن إن تمتع أو قرن المكي ليس عليه هدي
جميعاً
وأما صفة القران فهو أن يحرم في أشهر الحج بالحج مع العمرة
6
ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً النحر، كما بلغنا
يوم
(1)
عن الرسول عليه السلام من طريق أبي سعيد الخدري قال: (قالت حفصة زوج النبي عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بال الناس حلوا بعمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ قال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر) (1)، وكذلك المتمتع الذي يسوق الهدي إذا طاف بالبيت وسعى فلا يحل، وليقم على إحرامه، ولا يحل حتى يبلغ الهدي محله لقوله عليه السلام:) إني لبدت رأسي وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر)، فإذا
كان عشية
يوم
عند
التروية اغتسل وطاف وصلى ركعتين، وأحرم ذلك للحج، وإن دخل بعمرة في أشهر الحج، هل يردفها بالحجة
قبل أن يحل منها، وفي أثر أصحابنا وروي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر
(1) رواه الجماعة إلا الترمذي.
- Yoo- (2/255)
صفحة 1042
(1)
من دخل بالحجة أن ينقلها إلى عمرة)، والناس متفقون في إدخال الحج على العمرة، ومختلفون في إدخال العمرة على الحج. وقد بلغنا أيضاً عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (خرجنا مع رسول الله في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله: من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً، قالت: فقدمت مكة وأنا حائض ولم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله فقال: انقضي رأسك وامشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة، فقالت: ففعلت، فلما قضيت الحج أرسلني مع عبد الرحمن ابن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت، فقال: هذا مكان عمرتك، قالت: فطاف الذين أهلوا بعمرة بالبيت، وبين الصفا والمروة ثم أحلوا ثم طافوا طوافاً آخر بعدما رجعوا من منى لحجهم) (2)، وأما الذين أهلوا بالحج أو جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافاً واحداً، وبهذا احتج من قال: يجزئ القارن طواف واحد وسعي واحد، واحتج أيضاً بما روي عن النبي
(1) رواه البيهقي والدارقطني.
(2) متفق عليه.
256 - (2/256)
صفحة 1043
أنه قال لعائشة: (طوافك بالبيت يجزئك لحجك وعمرتك)، وقال آخرون: بطوافين وسعيين، وحجتهم! أن عائشة لم تكن قارنة، وإنما رفضت العمرة لعذر نزل بها وهو الحيض، ويدل على هذا القول ما روي عنها أنها قالت: (أيرجع نساؤك بحج وعمرة وأرجع أنا بحج مفرد؟ فأمر النبيل أخاها عبد الرحمن أن
يعتمر بها من التنعيم)، وفي بعض الآثار: والقارن إذا طاف لعمرته وسعى فليجدد إحراماً آخر بحجة بالمروة عند فراغه من سعيه، وقيل: ليس عليه الإحرام لأنه أحرم من قبل، ويدل القول الأول ما روي عن ابن عباس: ما طاف بالبيت طائف إلا وأحلَّ بعمرة، روي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من دخل بحجة أن ينقلها إلى عمرة).
وأما صفة المفرد فهو ما تعدى من هذه الصفة، وهو الإهلال بالحج فقط، ويكون على إحرامه حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر، وإذا قدم مكة ملبياً بالحج فلا يطوف بالبيت، ويقم على إحرامه في المسجد الحرام حيث شاء، وليستلم البيت ولا يطوف به وهو على إحرامه وتلبيته، وفي الأثر: في وجل أفرد ليحج تم قدم مكة، فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة في قومه،
(12)
- 257 - (2/257)
صفحة 1044
قال: عليه الهدي، قال: وإن طاف بالبيت ولم يسع بين الصفا والمروة؟ قال: ليس عليه هدي ولكنه يحدث التلبية، وفي الأثر عن عبدالله بن عباس: سمع رجلاً يلبي حول البيت، فقال: أي هذا الناقض لحجه، قال فقيل له: قد فعل ذلك كثير من الناس قال: فمن فعل ذلك فليحدث بين كل ركعتين تلبية بالحج، وترك الطواف بالبيت والتلبية للمفرد أفضل، والله أعلم
- YOU- (2/258)
صفحة 1045
باب فيما لا يجوز للمحرم أن يفعله
إعلم أن ممنوعات الإحرام خمس: أحدها المخيط من الثياب
مع تغطية الوجه، الثانية استعمال الطيب، الثالثة إلقاء التفث،
الرابعة الجماع، الخامسة الإصطياد.
أما
الممنوع الأول، فالأصل فيه ما روي من طريق أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يلبس المحرم القميص ولا للعمامة ولا السراويل، ولا البرانس ولا الأخفاف، وإن لم يجد نعلين فليلبس خفَّين وليقطعهما من أسفل الكعبين، قال: ولا
(1)
يلبس المحرم شيئاً من الثياب منه الزعفران ولا الورس) (1)
"
وقد ذكر رسول الله في هذا الحديث ما ذكر، وقاس الفقهاء
ما لم يذكر في هذا الحديث على ما ذكر مما هو في معناه، وذلك
(1) متفق عليه.
- 259 - (2/259)
صفحة 1046
أنه ذكر القميص فكذلك الأطواق لا يلسبه المحرم قياساً
مظلة
،
جميع
على القميص، وذكر العمائم فكذلك لا يغطي المحرم رأسه ووجهه بشيء ويخرج رأسه في إحرامه، إلا أن يكون فوقه ظل لا يمسه مثل العريش والخيمة والقبة إذا كان يريد الكن والاستظلال، فإذا لم يمس رأسه فلا بأس عليه، وإن مس رأسه فعليه دم، وفي الأثر: وعن الرجل لا يستطيع أن يضع جبهته على الأرض في الصلاة من شدة حر الرمضاء، محرم بحجة أو عمرة أو غير محرم، قال: يسجد على ثوب مما أنبتت الأرض، وسألت: هل ينصب وهو محرم أو يجعل ثوباً على عصاه فيرفعه فوق رأسه، أو على محمله إذا اشتد الحر؟ قال: لا بأس به ما لم يمس رأسه؛ وكذلك لا يضع على رأسه شيئاً يحمله ولا يستره، وقد رخصوا له أن يغطي أنفه من النتن إن مر النتن إن مر به، ويغطي لحيته وأكثر من من ذلك، والعلة في ذلك هل الوجه من الرأس أم لا؟ والصحيح أنه من الرأس، لما جاء في الأثر: أن إحرام الرجل في رأسه، والوجه من الرأس، وإحرام المرأة في وجهها، والوجه دون الرأس وذكر رسول الله: السراويل، فكذلك لا يربط المحرم صلى الله عليه وسلم ولا يشد على رأسه ولا على جسده، ولا يحتزم ولا يزر عليه ثوباً
- 260 - (2/260)
صفحة 1047
ولا يعقد على نفسه عقد الخيط ولا الثوب، وكذلك لا يتقلد سيفاً ولا قوساً، إلا إن كان خائفاً فيمسكه ولا يتمنطق به، وكذلك لا يتقلد بالتعاويذ والحروز، وقد بلغنا عن على بن أبي طالب أنه قال: (نهانا رسول الله له عن لبس القسي، أي ثوب به حرير،، وعن المعصفر وعن التختم بالذهب، وعن قراءة القرآن في الركوع والسجود) (1)، وذكر الأخفاف ورخص فيها إن لم يجد المحرم النعلين بعد أن يقطعها من أسفل الكعبين، وقد روي من طريق ابن عباس أن النبي عليه السلام قال: (إن لم يجد المحرم النعلين لبس الخفين) (2) فهذا الحديث يدل أنه: إن لم يجد النعلين لبس الخفين، وإن لم يقطعها لأن
،
بعضهم قال:
إن في قطعهما فساداً، والله لا الفساد،، وعن ابن عمر عنه
يحب
أنه قال: (قطعهما من أسفل الكعبين)، هذا هو الصحيح والله اعلم، وأما النعلين فلا بأس أن يلبسها بالإتفاق، وكذلك على هذا المعنى ما لا بد منه فلا بأس عليه فيه، ولو ربط على نفسه مثل نفقته يشدها على حقويه من داخل، فإن ذلك رخصت فيه الله عنها، وفي الأثر أيضاً عن عمرو بن دينار رضي
عائشة
(1) تقدم ذكره. (2) رواه أحمد.
-371 - (2/261)
صفحة 1048
قال: قلت الجابر بن زيد: إن إزاري هذا ينحل يوم عرفة، قال: إعقده، أو قال: أوثقه، وأما العقد فإنه يكره، سئل عن المحرم يتخذ خرقة فيجعلها لفرجه ويجعله فيها عند نومه، قال: ليس به بأس، وإن عصب على ذكره عصابة وهو محرم فعليه الفدية سواء عصب على ذلك للبول أو المذي إذا كان يقطر منه، وسئل عن المحرم يحتبي بثوبه قال: لا بأس بذلك، قال: ولا أراه من ناحية العقد، والعلة الجامعة لهذا اللباس المنهي عنه فيما أراه أن لا يعقد على نفسه عقداً لا بخيط ولا بثوب، وهذه العلة موجودة في القميص والعمامة والسراويل والبرنوس والخفين، فإن قال قائل: فعلى هذه العلة إن جعل قميصه على ظهره ألا بأس عليه؟ قيل له: لعل ذلك كذلك على هذا، والله أعلم، وإن لبس ذلك كله عامداً؛ فعليه دم، وإن كان ناسياً نزعه من حينه فلا عليه إلا أن ينسى ذلك إلى الليل، وقد بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه نسي فلبس قميصه فشقه وأخرجه من أسفل) (1)، وفي أثر أصحابنا: أنه من نسي ولبس قميصاً أنه يفعل كذلك ويخرجه من أسفل، ومن لبس مخيطاً فعليه دم إن تركه إلى الليل ناسياً، وإن أخرجه
(1) رواه النسائي وابن ماجه.
-262 - (2/262)
صفحة 1049
من أسفل من حينه ولبى، فلا دم عليه، ومن غطّى رأسه ناسياً
نزعه من حينه، ولا شيء عليه إلا أن ينسى ذلك إلى الليل ومعنى ذلك إن مر عليه يوم أو ليلة كفر، وفي الأثر: عن محمد
ابن محبوب عن أبي صفرة رحمهم الله أنه قال: إن لبس قميصاً أو سراويل أو خفين في وقت واحد فعليه كفارة واحدة، وإن لبس
(1)
6
6
في أوقات مختلفة، فعليه ثلاث كفارات، يعني بهذا عامداً والله أعلم، وإن احتاج إلى قميص أو عامة من برد أو مرض كفر - لا بد من الكفّارة - أصلها قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه فقدية) (1)، ولحن الخطاب يعني إن حلق، والله أعلم؛ والمرأة في هذا كله تخالف الرجل في اللباس في الإحرام، لأن المرأة تلبس في الإحرام ما كانت تلبس قبل الإحرام إلا ما كان فيه طيب، وإلا البراقيع وتغطية الوجه، وكذلك أيضاً لا تلبس القفازين، وعن عمر: (أنه سمع رسول الله ينهي امرأة عن لبس القفازين والنقاب وما مسه من الثياب الله عنها قالت: (كنا
الورس والزعفران) (2) عائشة، وعن
رضي
(3) البقرة: 196.
(2) متفق عليه.
- 263 - (2/263)
صفحة 1050
6
(1)
محرمات ويمر بنا الراكب فَتُدلُ إحدانا الثوب على وجها) (1)،
وفي الأثر: إن المرأة تفعل كذلك من غير أن يمس الثوب وجهها،
والله أعلم.
الممنوع الثاني: الذي هو الطيب، والأصل فيه الحديث المتقدم، وهو قوله عليه السلام: (لا يلبس المحرم شيئاً من الثياب منه الزعفران ولا الورس)، فعلى هذا، يلبس من الثياب أيها شاء وأي لون شاء، ما لم يكن منها زعفران أو ورس أو مالم عصفر، وما كان من الطيب، وقد بلغنا: (أن النبي لا نهى عن لبس القسي)، وهو ثوب به حرير و (المعصفر)، وإن غسل
ولم ينقص منه ولم يكن فيه ريح الطيب، فلا بأس بلبسه وكذلك لا يمس بدنه طيباً ولا يدهن بدهن فيه طيب لما بلغنا
عن النبي عل: (أنه نهي عن ذلك) وقد روي عن النبي (أنه رأى رجلاً محرماً عليه قميص ملطخ بالزعفران فألقاه وأمره أن يخرجه من عليه)، ففي الأثر: أنه كذلك من وقع على ثوبه طيب طرحه ومن وقع على بدنه غسله، كذلك أيضاً لا
يشم
الطيب ولا
،
(1) رواه أحمد.
- 264 - (2/264)
صفحة 1051
يتلذذ به " وإن استنشقه متعمداً فعليه دم، وأما إن أكل طعاماً فيه طيب، فقد قالوا: لا بأس عليه، ولعل هذا لأنه لم يكن في أكله ما في استعماله من اللذة والزينة، وعن ابن عباس رضي الله عنه: أنه كره للرجل أن يمس طيباً قبل أن يحرم بيومين، وكذلك ينبغي له أن يتقي الطيب قبل أن يحرم، ولا يطيب ثيابه عند إحرامه ولا قبله ولا بعده، ولا يأخذ بقول من قال بخلاف هذا، لأن ما نهى عن استعماله في الإحرام منهي عن استصحابه
ولو عمله قبل الإحرام أصله لبس القميص والصيد، والله أعلم.
•
والطيب ضربان: طيب هو للنساء وهو الذي يغلب لونه على رائحته، مثل الخلوق والزعفران وما أشبه ذلك، والطيب الآخر لا يغلب عليه اللون، مثل المسك والغالية وما أشبه ذلك وكذلك أيضاً لا يلبس الحرير (لقوله عليه السلام في الحديد والذهب: هذان محرمان على رجال أمتي ومحللان لنسائها) (1)، وإن لبسه فعليه لما قدمنا، وكذلك أيضاً لا تلبسه المرأة في
دم
الإحرام، لأنه زينة والزينة منهي عنها في الإحرام للحج، لما قدمنا
(1) تقدم ذكره.
- 265 - (2/265)
صفحة 1052
من المناهي، وكذلك أيضاً في لبس الحلى دم إلا الخاتم، وقد بلغنا عن النبي عليه السلام: (أنه نهى عن تختم الذهب)، ففي هذا کره
دليل على أن ما سوى الذهب لم يدخل في هذا، وبعضهم الخاتم في الإحرام، وكذلك لا تلبس المرأة خزاً ولا حريراً،
ولا تتزين ولا تكتحل، وتنزع عنها حليها إلا ما خافت أن ينكس بنزعه فلتتركه لعلة الضرورة، لأن هذا كله زينة كما قدمنا، ولأنه أيضاً من دواعي الجماع فنهى عنه، كما نهى عن
الرفث الذي يدعو إلى المباشرة لقوله تعالى: (فلا رفت ولا فسوق
(1)
،
على ما يأتي بيانه إن شاء الله، ولا
ولا جدال في الحج) (1) بأس أن يكتحل المحرم بما لا طيب فيه ولا زينة مثل الخضض والأنزروت وحبة السودان، وفي الأثر: ومن اكتحل بالإثمد لا طيب فيه من وجع فلا ترى عليه بأساً في ذلك.
(2)
الممنوع الثالث، الذي هو إلقاء التفث: وهو المعني بقوله تعالى: وثم ليقضوا تفثهم)، وهو أخذ الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبطين، وحلق العانة، والأخذ من الشعر كأنه
(1) تقدم ذكرها.
(2) الحج: 29.
- 266 - (2/266)
صفحة 1053
خروج من الإحرام إلى الإحلال، والتفث في اللغة: تنظيف من وسخ، وهذا كله ممنوع في حال الإحرام، ولا يغسل رأسه من غير جنابة في حال الإحرام، لأنه ممنوع في حال الإحرام من من قتل القمل ونتف الشعر والقاء التفث، والغاسل رأسه إما أن
يفعل هذه كلها أو بعضها، وفي حديث ابن عباس إجازة ذلك وذلك أنه بلغنا عن ابن عباس أنه قال: (اختلفت أنا والمسور
"
ابن مخرمة بالأبواء فقلت: يغسل المحرم رأسه، وقال هو: لا يغسله، قال ابن عباس: فأرسلت رجلاً إلى أبي أيوب الأنصاري فوجده الرجل يغتسل بين القرنين وهو مستتر بثوب فسلم عليه فقال: من هذا؟ فقال له الرجل: أنا رسول ابن عباس إليك يسألك كيف يغسل رسول الله عل الله رأسه وهو محرم؟ قال الرجل: فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه حتى بدا إلى رأسه، ثم قال لإنسان يصب: أصبب، فصب ثم حرك رأسه بيديه وأقبل بهما
(1)
وأدبر بها، ثم قال: هكذا رأيتة يفعل صلوات الله عليه) (1)، فعلى هذا الحديث أنه جائز، لأن الماء لا يزيد إلا شعثاً، والقول الأول أحوط لئلا ينزع شيئاً من شعره، والله أعلم.
(1) رواه أبو داود وأحمد.
-267 - (2/267)
صفحة 1054
وكذلك لا يرجل شعره لئلا ينزعه كما ذكرنا، وإن نتف
شعرة فمسكين، وفي اثنتين مسكينان، وفي الثلاث شعرات إلى أكثر دم، وكذلك إن حلق فدم، وكذلك إن قطع ظفراً لزمه إطعام مسكين، وفي ظفرين مسكينان، وفي الثلاثة أظفار دم، وإن نتف ثلاث شعرات أو أكثر، ثم لم يكفر حتى نتف ثلاث شعرات أخر، فعليه كفارة واحدة ما لم يفصل بينها بكفارة، وقال بعضهم: ما فرقه الأيام فكل يوم كفارة، والأول أحب إلينا، لأن هذا جنس واحد تجب في أكثره كفارة واحدة، والله أعلم، وفي أثر أصحابنا: والمحرم يحطب ويشد محمله ويقوم في ضيعته ويخبز ويطبخ إن أراد، ويتقي النار أن تلهب شعره، فإن لهبت شعره افتدى، وكذلك إن اضطر إلى ذلك فعله وافتدى كما بلغنا عن ابن عباس قال: (خرج كعب بن عجرة يريد الحج
مع رسول الله فاذاه العمل، فأمره الله أن يحلق رأسه وقال له: صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين مدان، أو أنسك بشاة أي ذلك فعلت أجزاك) (1)، وقيل
(1) رواه الجماعة الا الترمذي.
،
- 268 - (2/268)
صفحة 1055
فيه نزلت: فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه
(1)
فقدية لله (1)
(2)
، يعني إن حلق وهو المعروف بلحن الخطاب، وهو كثير في لغة العرب، وهو مثل قوله تعالى: {وأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق)، يعني فضرب فانفلق، فاختصر في ذلك، وهذا مثله وهو مخير في الفدية بين الصوم والصدقة والنسك، وهو شاة يذبحها بمكة، غير أن الآية مبهمة، لم تخص موضعاً من موضع، لا في الصوم ولا في الإطعام ولا في النسك، والله أعلم؛ وبالله التوفيق.
الممنوع الرابع الجماع: والأصل فيه قوله تعالى: {فلا رفت ولا فسوق ولا جدال في الحج) (3).
واختلف المفسرون في الرفث، قال بعضهم: الرفث الجماع،
وقال آخرون: التعريض للنساء بالجماع وذكره بين أيديهن وذكر في التفسير معنى الرفث، قال حصين بن قيس: أصعدت مع ابن عباس في الحج وكنت خليلاً له، فلما أحرمنا أخذ ابن عباس
(1) تقدم ذكرها. (2) الشعراء: 63. (2) تقدم ذكرها.
6
- 269 - (2/269)
صفحة 1056
بذنب بعيره فجعل يلويه ويحدو ويقول شعراً:
وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمياً إن تصدقِ الطَّيرُ نَنكَ لَمِيساً
فقلت له: أترفث وأنت محرم؟ فقال: الرفث ما قيل عند النساء، وقال بعضهم: الرفث غشيان النساء والقبل والغمز أن تعرض لها بالفحش من الكلام، وفي أثر أصحابنا: ونهى الله تعالى في التنزيل عن الرفث للمحرم وهو غشيان النساء، ومن فعل أبطل إحرامه، بحجة كان إحرامه أو عمرة أو بها جميعاً، سواء كان الآية، وعليه بدل من عامه، وإن لم
عمداً أو خطاً العموم يستطع من عامه فمن قابل، وعليه الهدي كفارة مع البدل، وقال بعض:: إذا أفد حجه مضى عليه حتى يتمه ولم يخرج منه بالفساد وعليه القضاء أو الهدي في الفاسد من عام قابل، وقال جابر بن زيد رحمه الله: (سمعت أن رجلاً أصاب امرأته في الحج
على عهد عمر بن الخطاب، فسئل عن ذلك فقال: يقضيان حجها من قابل ويهديان ولا تحرم عليه امرأته بذلك، وقد سمعتها من نبيكم هكذا) (1)، وفي الأثر: ولا يعبث بشيء ما نهي عنه
(1) رواه البيهقي.
- 270 - (2/270)
صفحة 1057
يعني المحرم، ولا يلتذ بنظر امرأته ولا يقبلها ولا يمس ما تحت ثيابها، فإن قبل أو مس لزمه دم يذبحه بمكة، وذكر أن كل ما حرك الذكر ففيه الدم أظنه عن عطاء، وفي الأثر: كل إنزال
من نوع الاستمتاع يفسد الحج والعمرة، كالإنزال في الوطء دون
:
القبلة والمس وما أشبه ذلك.
الفرج ومع واختلفوا في نكاح المحرم قال بعضهم: لا ينكح المحرم ولا ينكح، والدليل ما روي من طريق عثمان بن عفان أن النبي عليه السلام قال: (لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب))، وقال بعضهم لا بأس بنكاح المحرم ولا يدخل بها حتى يحل، قال الربيع: قال ضمام بن السائب عن جابر بن زيد عن ابن عباس: (أن النبي عليه السلام تزوج خالته (أي خالة ابن عباس) ميمونة بنت الحارث وهو محرم) (2) والله أعلم؛ وأما الفسوق الذي نهى عنه فهو المعاصي فمن ركب شيئاً مما نهى الله ورسوله فعليه الجزاء، وقيل: {ولا فسوق)، يعني ولا سباب، والمعنى كله واحد لقوله عليه السلام: سباب المؤمن فسوق) (3)، وأما قوله: (ولا جدال)، يعني
(1) رواه الجماعة الا البخاري (2) رواه الجماعة الا البخاري.
(2) متفق عليه.
271 - (2/271)
صفحة 1058
المراء، فمن فعل ومارى بالباطل يغضب أو يغضب صاحبه فعليه كفَّارة، فمن جادل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا كفارة
عليه، وفي كتاب تفسير خمس مائة آية ولا جدال أي: ولا مراء في الحج حتى يغضب وهو محرم أو يغضب صاحبه وهو محرم، ومن فعل ذلك فليطعم مسكيناً، وذلك (لما أمر النبي عليه السلام في حجة الوداع من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت وسعى بين
الصفا والمروة فليحل من إحرامه وليجعلها عمرة، فقالوا للنبي: قد أهللنا بالحج) (1) فذلك جدالهم.
الممنوع الخامس، الذي هو الإصطياد: والأصل فيه قوله تعالى: (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً) (2)، ولا
(2)
يأكل صيد بر، وإن صاده غيره وهو قول ابن عباس وبه أخذ
أصحابنا وعليه اعتمدوا، ويقول: الآية مبهمة في الأكل والقتل
وأن غيره يفسر الآية على القتل لا الأكل، مثل الآية الأخرى،
وهي قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم، والدليل على قول أصحابنا: أن صيد البر حرام على
حرم
(3)
(1) تقدم ذكره. (2) المائدة: 96.
(3) المائدة: 95.
،
- 272 - (2/272)
صفحة 1059
المحرم
(1)
صاده هو أو صاده غيره من محل أو محرم ما روي من طريق ابن عباس قال: (أهدى رجل إلى رسول الله الحماراً وحشياً وهو بالأبواء فرده عليه، فلما رأى رسول الله الكراهة في وجهه قال له: إنا لم نرده عليك، إلا أنا حرم) (1)، فهذا يدل أن لحم الصيد على المحرم حرام، سواه قتله هو أو غيره، وإن أكل شيئاً من ذلك فعليه قيمة ما أكل إذا صاده غيره، وإن صابة هو وأكله فعليه الجزاء لقتله، وقيمة ما أكل لأنه منهي عن قتله، ومنهي عن أكله، والجزاء ما قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم)، يعني صيد البر لقوله تعالى: لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم والسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً) (2)، وصيد البحر هو السمك المالح، وأما الأفاكر والضفادع وطيور الماء فهو صيد البر، يعيش في البر فهو من صيد البر، ثم قال: ومن قتله متعمداً)
يعني متعمداً لقتله
والخطأ
(
ومع
لأنه
هذا التخصيص أوجبوا الجزاء في العمد
، ولم يمتثلوا دليل الخطاب في هذه الآية وهو الأشبه في
(1) متفق عليه
(2) تقدم ذكرها.
(18)
- YET - (2/273)
صفحة 1060
هذا الوجه، لأن الخطأ لا يزيل الضمان بل يزيل الإثم فقط، وكذلك أيضاً إن أشار إلى الصيد فأصيب فعليه الجزاء، وإن قتل إثنان صيداً فعليهما جزاه واحد، إلا إن افترقا فعلى كل واحد منهما جزاء، ونظير هذا إذا قتل رجلان رجلاً فإنما تكون عليهما دية واحدة لقوله تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من النعم، فأوجب المثل من الإبل والبقر والغنم و يحكم به ه، يعني بجزاء الصيد وذوا عدل منكم)، يعني رجلين عدلين فقيهين من المسلمين، فما حكما عليه لزمه، وليس فيه شيء مؤقت إلا اجتهاد الحكمين، والعدلان حكمهما عبادة"، ألا ترى أنهما لو حكما ببدنة في غزال أن حكمهما، مردود ومن لزمه جزاء من الصيد وفيه سنة عن النبي وهو عالم بالسنة، فليس له أن يعطي ما لزمه من ذلك حتى يحكم به ذوا عدل، وإن كان العدلان غير عالمين بالسنة والجزاء وحكمه، فله أن يعرفهما كيف السنة في ذلك على سبيل الفتيا، وإن لم يجد من يحكم عليه فإنه يرجع إلى بلده، فإذا وجد من يحكم عليه من العدول بعثه إلى مكة ينحر عنه، ولا يجزئ فيه إلا حكم عدلين كما قال الله، ولا يجزئ
فيه عدل واحد
(+) كذا في الأصل.
- 274 - (2/274)
صفحة 1061
وأما غير الصيد والشجر فما كانت فيه سنة ذلك، مثل الظفر
وحلق الشعر وتغطية الرأس ونحو ذلك، مثل ما أمر النبي كعبا فقال له: (إحلق وصم، أو أطعم أو أنسك) ()، والله أعلم؟
(1)
ثم قال: {هَدْيا بالغ الكعبة}، يعني مكة والحرم كله مكة، لأن الكعبة لا يحل لأحد أن ينحر فيها باتفاق الأمة
6
ثم قال:
أو كفَّارة طعام مساكين)، يعني مساكين أرض الحرم يشتري بقيمة الصيد طعاماً مكة، ويتصدق به على المساكين، بسعر لكل مسكين نصف صاع حنطة أو عدل ذلك أراد أو عدل ذلك الطعام صياماً، يقول: (أو عدل ذلك صياماً) يصوم لكل نصف صاع يوماً على عدة المساكين، وهو مخير بين الهدي والإطعام والصيام، لأن أو للتخيير في كلام العرب، والذبح والإطعام بمكة والصيام حيث
شاء أجزأه، وقال آخرون: حيث ما أطعم أو صام أجزأه
اعتمدوا على ظاهر الإطلاق، والأولون ذهبوا إلى أن المراد بهذا
الرفق بفقراء الحرم، والله أعلم. وقوله: ليذوق وبال أمره
6
يعني جزاء ذنبه يقول: الكفارة عقوبة له لقتل الصيد عفا الله عما
سلف، يعني كفَّارة على من قتل الصيد قبل التحريم، ومن عاد
"
(1) متفق عليه
- YYO- (2/275)
صفحة 1062
بعد النهي إلى قتل الصيد فينتقم الله منه بالعقوبة مع الكفارة، ولا. نأخذ بقول من يقول: لا يحكم عليه بالإعادة والجزاء ويترك فينتقم الله منه لأن الله يقول: {ومن عاد فينتقم الله منه كم
بالعقوبة مع الكفارة عزيز)، أي منيع في ملكه ذو انتقام في مملكته من أهل معصيته، والهدي إذا بلغ مكة وفرق على الفقراء أجزأ إلا هدي المتعة، فلا يجزئ إلا بمنى، واختلف الناس في معنى هذا المثل المذكور في قوله: (فجزاء مثل ما قتل من النعم، فقال أبو حنيفة: مثل في القيمة، وقال غيره: مثل في التشبيه، وقال أبو حنيفة: إن من الصيد ما لا يوجد له شبيه ولا يوجد للحيوان المصيد في الحقيقة شبيه إلا من جنسه، فقد نص: أن المثل الواجب فيه هو من جنسه، فوجب أن يكون مثلاً في التعديل والقيمة، والأحسن فيا يوجبه النظر عندي أن ينظر الحكمان إلى أشبه الأشياء بالصيد من النعم؛ فيحكمان به، ويهديه إلى الكعبة، وإن أصاب شيئاً لا يبلغ الهدي، فعليه قيمته طعاماً،
، وعلماؤنا وأئمتنا يحكمون بالجزاء والله
والله أعلم.
- 276 - (2/276)
صفحة 1063
وفي أثر أصحابنا: فكل ما كان من جميع كان من جميع الصيد والطير،
فقيه الحكومة، فما حكم الحكمان من شيء فهو الجزاء، وليس عليه فيه شيء مؤقت إلا اجتهاد الحكمين، وفي الأثر أيضاً: وإن قتل شيئاً من الصيد حكم به ذوا عدل جزاء مثل ما قتل من النعم، يحكم عليه بقيمته مثله، قل أو كثر ما يراه الحكمان، أكثره بدنة، وأقله إطعام مسكين، وهذا في الشجر والصيد، وقد بلغنا عن ابن عباس أنه قال: من قتل حماراً وحشياً أو نعامة ففيهما بعير ينحر بمكة للمساكين، وكذلك، من قتل ذوات القرون مثل: الوعل والأروى فعليه بدنة أو بقرة، وفي أولادهن أولاد بدنة مثلهن،
وفي الظبي وما كان في معناه شاة، وفي ولده ولد شاة مثله، وهذا أشبه في المثل، وروي: (أن النبي الحكم في الضب جدياً) (1)
(1)
وكذلك حكي عن عمر رضي الله عنه وقد قيل: بصاع من طعام، وقال ضمام بن السائب روي جابر عن ابن عباس أنه قال: (خرجنا حجّاجاً فأوطاً رجل منا ضباً ففزر ظهره، فسألنا
=
عمر
فقال: يا زيد أحكم فيه، فقال: أمير المؤمنين خير منا
وأعلم؛ فقال: إنما أمرتك أن تحكم ولم آمرك أن تزكي
(1) رواه مالك
6
- YYY- (2/277)
صفحة 1064
فقال: إن فيه جدياً قد
جمع
الماء والشجر، قال: فذلك) (1) فيه
(2)
عن جابر بن عبدالله: (أن عمر بن الخطاب حكم في اليربوع جفرة وفي الضب جدياً جمع الماء والشجر) (2)، والجفرة الصغيرة من ولد الضأن والمعز، وفي الأثر: وفي الأرنب سلخة، وذكر عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: في الحمامة ونحوها شاة؛ وروي عن ابن عباس عن النبي الله: (في بيضة الحمامة إذا كان فيها فرخ درهم، وإن لم يكن فيها نصف درهم يقسم على المسلمين) (3)، وقد ذكر عن علي بن أبي طالب: (في الطير شاة)؛ وفي الأثر: وقد بلغنا عن مسلم وحاجب رحمها الله (في زوج حمام وفي بيضتين لكل حمامة صاع من طعام، وفي البيضتين في كل واحدة نصف صاع)، والله أعلم؛ وروي: (أن النبي لجعل في الضبع كبشاً))، وقد يرفع عن النبي الله أنه قال: (الضبع من الصيد) ولهذا هو عندهم حلال؛ وعن ابن عباس عن النبي لا أنه قال: (في بيضة النعامة صوم يوم أو إطعام مسكين) (5)، وقد قيل: في الرحمة بدانقين، والله أعلم؛ وإن قتل قملة فديتها حبة
(4)
(1) رواه الدارقطني. (2) رواه مالك.
(3) رواه البيهقي. (4) رواه أبو داود وابن ماجة
(ه) رواه أبو داود والدارقطني.
- 278 - (2/278)
صفحة 1065
أو تمرة وما أطعم عنها فهو خير منها، وفي الأثر: عن ابن عباس أنه سئل عن المحرم يقتل القملة قال: يقال أهون هالك، قال بعضهم: هذا إذا لم يتعمدها، والله أعلم؛ وفي الجرادة حكومة: وقد قيل تمرة، وفي الذرة لقمة أو قبضة من طعام، وفي الذبابة قبضة من طعام؛ وفي الأثر: ويطرح المحرم البرغوث والقرادة والحالمان، وكل ما ليس منه ولا يقتل من ذلك شيئاً، وكذلك أيضاً الشجر، أعني شجر الحرم فيه حكومة، أعني الحرم الذي يقال له الأمن، ولا يزول تحريمه أبداً، وفي أثر أصحابنا: أن ذرع طول الحرم بين الكعبة إلى الحل في كل ناحية حول مكة،
فمن الكعبة إلى الحل من طريق المدينة أربعة أميال ونصف
6
ومنها من طريق جدة إثنا عشر ميلاً، ومنها من طريق تهامة ستة أميال، ومنها من طريق عرفات أحد عشر ميلاً، ومنها من طريق العراق تسعة أميال، ومن لجأ إلى هذا الحرم وعليه الحد فإنه لا يبايع ولا يجالس ولا يُطعم ولا يُؤوى حتى يخرج من الحرم ويقام عليه الحد حد ما اجترم، لقوله تعالى: (وإذ جَعَلْنا البيت مثابة
للناس وأمناً)
(1)
(1) البقرة: 125.
- 279 - (2/279)
صفحة 1066
وأما من أحدث حدثاً في الحرم فعليه الجزاء، والأصل
ما روي من طريق أنس بن مالك: (أن النبي صلى الله عليه وسلم طلع جبل أحد فقال: هذا جبل يحبنا ونحبه اللهم إن إبراهيم حرم مكة،
(1)
وأنا أحرم المدينة ما بين لابتيها) (1)، قال الربيع: يعني ما بين حرتيها
واختلف الناس فيمن قتل الصيد بالمدينة وهو محل، قال بعضهم: بالجزاء، وبعضهم قال: لا جزاء عليه، والله أعلم، ولا يحل لمحل ولا المحرم شجر الحرم ولا صيده، والأصل في ذلك ما بلغنا من طريق أنس قال: (قال رسول الله: مكة حرام لحرمة الله، لا تحل لُقَطَتُها ولا يُغضد شجرها ولا يحل صيدها ولا يختلى خلاؤها، فقال عمه العباس رضي الله عنه: إلا الإذخر يا رسول الله؟ قال: إلا الإذخر) (2)؛ قال الربيع: الاذخر نبت يصنع منه الحصر، وفي شجر الحرم حكومة، كما في الصيد لتساويها في النهي جميعاً، أما الصيد فقد ذكرناه أعني صيد الحل والحرم على المحرم، وصيد الحرم على المحل والمحرم، فالجزاء فيهما
(1) متفق عليه.
(2) تقدم ذكره
- 280 - (2/280)
صفحة 1067
ما ذكرناه أولاً، وأما الشجر فقد بلغنا عن ابن عباس أنه قال: في الدوحة وهي الشجرة الكبيرة بقرة، وفي الجزلة وهي الشجرة الوسطى شاة، وفي القضيب درهم؛ وفي الأثر: وفي الجزلة من الشجر شاة، وفي الدوحة جزور، وفي العود درهم، وفي القضيب الصغير نصف درهم، وفي الورقة إطعام مسكين، هذا في غير ما يزرعه الناس، وأما ما زرعت فلك أن تنزعه، ويدل على ذلك قوله عليه السلام: (لا يختلى خلاؤها ولا يعضد شجرها) فأضافهما إليها، وفي الأثر: روي عن عمر بن الخطاب رضي الله رأى رجلاً يقطع من شجر الحرم ويعلف بعيراً له فقال: على به، فقال: يا عبدالله أما علمت أن مكة حرام
كله
عنه
بالرجل فأتى لا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمعرف؟ قال له: أمير المؤمنين ما حملني على ذلك إلا أن معي نضواً لي فخشيت أن لا يبلغني أهلي ولا معي من زاد ولا نفقة، قال: فرق له بعد ما هم به، قال: وأمر له ببعير من إبل الصدقة وقال له: لا تعودن أن تقطع من شجر الحرم شيئاً)؛ وفي الأثر: من رمى طائراً على أغصان شجرة وأصلها في الحرم: أنه لا جزاء عليه إلا إذا كانت الأغصان في الحرم، فإذا رماه على أغصانها وأصلها
281 - (2/281)
صفحة 1068
في الحل أن عليه الجزاء إذا كانت الأغصان في الحرم، والعلة في هذا الحرم لا أصل الشجر، وهذا في المحل لأن المحرم حرام عليه الصيد سواء في الحل والحرم، وفي الأثر: وقيل من دخل في الحرم بالصيد فليطلقه ومن دخل بلحم الصيد فقيل: يدفنه، وقيل: إنه إذا أطعمه أحداً فأكله أن على آكله الجزاء، فإن قال قائل: فإذا على هذا المعنى من دخل الحرم بالكلأ والشجر ينتفع ه كما قلت إذا دخل الحرم بالصيد يطلقه، لأن النهي عنهما واحد، لقوله عليه السلام: (لا يختلى خلاؤها ولا يحل صيدها)، فأضافهما إلى مكة جميعاً، قيل له: ولا سواء. والفرق بينهما ان الشجر أعني شجر مكة لا ينتفع به في مكة ولا في غيرها ولو أخرجته إلى الحل والصيد بخلافه، لأنه لو خرج الصيد من الحرم لكان حلالاً، فإذا أدخله صار حراماً، فإذا كان هذا هكذا، فعلة التحريم في الشجر لعينه، وعلة التحريم في الصيد لمعنى
فلا
غيره وهو الحرم.
- 282 - (2/282)
صفحة 1069
المحرم
باب فيما لا بأس به
للمحرم أن يفعله في الحل والحرم
ويجوز للمحرم أن يحتجم لما روي: (أن النبي احتجم
(2)
دم
على
وهو محرم))، ولم يَرو أنه أوجب جزاء، فعلى هذا فلا إذا احتجم إلا إن قطع شعراً، وقال آخرون: لا يجوز، وقال النبي: (في الدم دم) (2)، وعلى هذا الاختلاف أيضاً فيمن حك جسده فأدمى، قال، قال بعضهم: لا شيء عليه ما لم يقطع الشعر أو ينزع الجلد، وقال آخرون: إذا خرج الدم فعليه دم كما قدمنا، وكذلك أيضاً إن تسوك فأدمى فاه من غير عمد على هذا الحال؛ وفي الأثر: وإن كان به دمل فليخرج مدته وإن أدمى فلا شيء عليه، وكذلك الشوكة إذا أخرجها أو عالجها
(1) رواه أبو داود.
(2) متفق عليه.
- YAY- (2/283)
صفحة 1070
فأدمى فلا شيء عليه، ولعل هذا على أحد القولين، وإلا فالضرورة لا تزيل الجزاء، أصله فدية الاداء، والله أعلم.
ويجوز له أيضاً أن يقتل من قاتله من السباع، والأصل في ذلك ما روي من طريق عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله: (خمس ليس على المحرم في قتلهنَّ من جناح الغراب والحدأة والفأر والعقرب والكلب العقور) (1)، وقال بعضهم: يقتلهن إذا خافن، وقال آخرون: لم يرد ذكر الخوف، وقال الشافعي: الم رجل مخالف (2) كل محرم الأكل فهو في معنى الخمسة، وذلك عنده أن المحرم الأكل ليس من الصيد الذي نهى الله عنه المحرم عن قتله، وقال بعضهم: لا يقتل إلا الغراب الأبقع يعني من الغربان وخصصوا عموم الإسم، وقد جاء في بعض الروايات ألا يقتل في الحرم شيء إلا الحية والعقرب أو حدأة أو غراب أبقع أو كلب عقور أو فأر، وفي الأثر: وأما الغراب فلا يرميه إلا أن يريد؛
خرق وعاء أو يجرح ظهر راحلته فإنه يرميه فإن قتله فلا شيء
عليه،
وأما
من غير
علة
يقتله، فقد قال بعضهم: إن عليه الفداء
(1) رواه أحمد (2) كذا في الأصل ولعله: ونقل عن الشافعي رجل مخالف:
- YA- (2/284)
صفحة 1071
والذي يوجبه النظر عندي أن الضواري كلها يقتلها لقوله عليه السلام: (أقتلوا كل مؤذ في الحل والحرم) (1)؛ وفي الأثر: وجاءت الرخصة في السنة أن تقتل من قاتلك من السباع والعوادي من الطير، وذكر عن مالك رجل مخالفته قال: الكلب العقور إشارة لكل سبع عاد، وفي الأثر: قال جابر: وبلغني أن رجالاً محرمين أصابوا حيات فسألوا عمر فقال: هنَّ عدو فاقتلوهنَّ، وكذلك قال نبينا عليه السلام؛ وفي الأثر: ولا بأس أن يقتل الذباب إذا آذاه، فإن ابتدأ قتله من غير أن يعرضه فأحب أن يتصدق بتمرة، فهذا يدل من قولهم: أن العلة في قتل الخمس المأمور بقتلها لأنها ضوار وكذلك كل مؤذ، كما قال عليه السلام؛ وفي الأثر: قال غيره وليس في البعوض والنملة وأشباه ذلك جزاء، وليس ذلك من الصيد، فعلى هذا
تكون العلة كل ما ليس بصيد فليس فيه جزاء كما قال الشافعي
،
والقول الأول أصح وهو قوله عليه السلام: (اقتلوا كل مؤذ) ويجوز له أن يدهن بعيره ويطليه ويحكه ويقرده، وبلغنا أن
(1) رواه أبو داود.
- 285 - (2/285)
صفحة 1072
عمر رضي الله عنه كان يقرد بعيره وهو محرم، وما نبت في الحرم مما يأكل الناس من الشجر، فبعضهم رخص فيه وبعض كرهه، غير أن قوله عليه السلام: (إلا الاذخر) يدل أنه لو كانت رخصة في غيره لاستثناها عليه السلام، والأذخر نبت يصنع منه الحصر فيا ذكر عن الربيع بن حبيب رحمه الله، وذكر في بعض الروايات (فقال عمه العباس: إلا الإذخر يا رسول الله فإنه لا بد منه للقبور ولظهور البيوت، فسكت النبي عليه السلام ثم قال: إلا الإذخر) (1)، وفي كتاب الدعائم في تفسير الإذخر. قال: هو السخير بلغة أهل عمان، ويسمونه الأشنان يغسلون به أيديهم، فهذا كله يدل أن فيه المنفعة للناس، ولعل لهذا المعنى اعتبر من أجاز كل ما نبت في الحرم مما يأكل الناس، وفي الأثر: وأجاز من أجاز أيضاً السنا المكي أن ينزعه أحد أن يشربه لمشي البطن أو لضرسه ولا يقتل له أصلاً ولا يقلعه، وكذلك أيضاً في الأثر: وقيل لا بأس فيها أخرج من حطب الحرم اليابس الميت وفيما يسقط من الورق من الشجر والتمر، وفي الأثر سئل عن من رعى شجر الحرم قال: ذلك يكره له وليس فيه شيء مؤقت،
(1) تقدم ذكره.
- 286 - (2/286)
صفحة 1073
وليصنع معروفاً ويتقرب إلى الله عز وجل، وفي الأثر عن أبي عبيدة: أن امرأة من أهل عمان سألته عن إنسان حفر حفرة بمنى فقطع شجرة صغيرة من أصلها قال: ليس عليه شيء، سألته أم عثمان العمانية عن ذلك فيا قيل، والله أعلم، وبالله
- YAY-
•
التوفيق (2/287)
صفحة 1074
فصل فيما يفعل الانسان
عند دخوله مكة
وفي الأثر: المحرم إذا قدم مكة فإنه يدخل مكة من الثنية: السفلى حتى يأتي المسجد الحرام، ولا يقطع التلبية حتى يقف على باب المسجد، لأن التلبية جواب الله عن إبراهيم عليه السلام،
فإذا انتهى إلى المسجد قطعها، وقال ابن عمر: يمسك عن التلبية إذا رأى البيت، وكان ابن عباس يقول: لا يمسك عن التلبية حتى يستلم الحجر، فإذا وقف على الباب وقابل الكعبة فإنه يستحب له أن يستقبل البيت ويقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر اللهم أنت ربي وأنا عبدك والبلد بلدك والبيت بيتك والحرم حرمك، جنت أطلب رضاك وإتمام طاعتك، ويدعو بما أحب، ويروى: (أنه عليه السلام دخل من باب بني شيبة) (1)، ويستحب له أن يدخل منه فإذا دخل قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك يرجع
(1) متفق عليه.
- YAA- (2/288)
صفحة 1075
السلام فأحينا يا ربنا بالسلام وأدخلنا دار السلام. وإذا دنا من البيت قال: اللهم زد بيتك هذا شرفاً وتعظيماً وبراً وتكريماً، ويكثر من الدعاء والاستغفار لذنوبه، ويمد يده إلى الحجر الأسود ويمسحه بيده ويكبر ثلاثاً ويقوم حيال الحجر ويدعو لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات ويصلي على النيل. وذكر عن الحسن (أن النبي عليه السلام إذا دخل المسجد الحرام نظر إلى البيت فقال: اللهم زد بيتك هذا شرفاً وتعظيماً وتكريماً وإيماناً، ثم يمشي حتى يستلم الحجر الأسود) والله أعلم.
مسألة في الطواف:
وفي الأثر: وإذا أراد الطواف لاذ بالبيت بقدر ما لا يقابل الباب ثم يأخذ في الطواف على يمينه ويقول عند ركن الحجر: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، اللهم إني أسألك إيماناً بك وتصديقاً بكتابك ووفاء بعهدك واتباعاً لسنتك وسنة نبيك محمد ال، ثم تمشي في الطواف وأنت تقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على محمد النبي
وآله وسلم و
(1) رواه الشافعي.
(19)
- YAR- (2/289)
صفحة 1076
وإذا قصدت الباب فقل: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، اللهم اغفر لنا ذنوبنا واقنعنا بما رزقتنا وقنا شحَّ أنفسنا واجعلنا من المفلحين، ثم تمشي وأنت تقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم، فإذا قصدت الميزاب فكبر ثلاثاً وقل: اللهم إني أسألك الراحة عند الموت، والعفو عند الحساب، والنجاة من العذاب، ثم تمشي وتقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه وسلم.
وإذا أتيت الركن اليماني فكبر ثلاث مرات وقل: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنه وقنا عذاب النار، واستلم الركن إن قدرت على ذلك أو امسحه ولا تؤذ أحداً، ثم تمشي وأنت تقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه وسلم، فإذا وصلت إلى ركن الحجر فاستلم وإلا فكبر حياله ولا تؤذ أحداً ثم تقول عند ركن الحجر: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، اللهم إني أسألك إيماناً بك وتصديقاً بكتابك ووفاء بعهدك واتباعاً لسنتك
- ra. - (2/290)
صفحة 1077
وسنة نبيك محمد، ثم تأخذ في الطواف حتى تتم سبعة أشواط وتدعو على ما وصفنا لك وتقول في طوافك من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير على ما وصفنا، وتستكمل بالشوط السابع جملة الركن حتى لا يبقى عليك منه شيء، وإن أمكنك أن تمسح الركن في كل شوط، وإلا كبر عند حياله، ولا يدخل الحجر الحطيم في شيء من طوافه، وإذا تمت سبعة أشواط صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم عليه السلام أو حيث ما أمكنه، ثم تأتي زمزم وتشرب من مائه وتصب على رأسك ثم تقول: اللهم إني أسألك إيماناً تاماً ويقيناً ثابتاً ودِيناً قيماً وعملاً صالحاً وعلماً نافعاً ورزقاً حلالاً طيباً واسعاً وشفاء من كل داء، ثم تأتي الركن ـ أعني ركن الحجر - فتدعو حياله بما فتح الله لك ولا تطل، ثم
تبدأ من باب الصفا.
مسألة في أصل ما ذكرنا من الطواف ومعانيه:
=
(1)
وقيل بده الطواف أن الله تعالى قال للملائكة في قصة آدم إني أعلم ما لا تعلمون) ظنت الملائكة عليهم السلام أن الله تعالى غضب عليهم في قوله فلاذوا بالعرش وأشاروا بالأصابع يتضرعون، فنظر إليهم
(1) البقرة (30)
1991 - (2/291)
صفحة 1078
ورحمهم فوضع الله تعالى تحت العرش بيتاً على أربعة أساطين من زبرجد وغشاه بياقوتة حمراء وسماه الصراج، وقال للملائكة: طوفوا به ودعوا العرش وهو البيت المعمور الذي ذكره الله، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعود كل واحد منهم أبداً، ثم إن الله تعالى بعث ملائكته فقال لهم: ابنوا بيتاً في الأرض مثله وقدره، وأمر من في الارض من خلقه أن يطوفوا به كما يطوف من في السماء بالبيت المعمور، وجعل الله
طوافه ركناً من أركان الحج والعمرة، ولا حج لمن تركه لقوله تعالى
ثم ليقضوا تفثهم وليُوفُوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق)
:
(1)
يعني به طواف الزيارة، وأما ابتداء الطواف من الحجر فإنه بلغنا عن جابر عن ابن عباس قال: لما بنى ابراهيم عليه السلام البيت قال لإسماعيل: إذهب فأتني بحجر صغير أضعه يبتديء الناس منه أجعله علماً، قال: فذهب فأتاه بحجر فرماه وقال: إنتني بحجر غير هذا، قال: فذهب فأتاه بحجر فرمي به قال:- فاذهب فأتني بحجر غير هذا، قال: فذهب فأتاه بحجر فرمى به، فقال: إنتني بحجر غير هذا، قال: فذهب فأتاه بحجر فرمى به فقال: إئتني بحجر غير هذا، فذهب فأتاه
(1) (الحج 29).
-292
- (2/292)
صفحة 1079
جبريل عليه السلام بحجر، ولما جاء به إسماعيل عليه السلام قال له إبراهيم: أتاني بهذا من لم يكلني إلى حجرك، وكان ابتداء الطواف
من الحجر.
وأما استلام الحجر فقد بلغنا عن ابن عباس (أن النبي عليه السلام قال لعائشة وهي تطوف معه بالكعبة حتى استلم الحجر: يا عائشة لولا ما طبع الله هذا الحجر من أنجاس الجاهلية وأرجاسها إذا لاستشفي به من كل عاهة وإذا بقي على هيئته يوم أنزله الله وليعدنه الله على ما خلقه أول مرة، إنه لياقوتة بيضاء من ياقوت الجنة ولكن الله غير حسنه بمعصية العاصين وستر زينته على الأئمة الظالمة لأنه لا ينبغي لهؤلاء أن ينظروا إلى
(1)
شيء كان بدؤه من الجنة) ().
و أما التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير الذي يقال في الطواف فهو سنة يقوله عليه السلام في طوافه فيهما بلغنا، والرواية في ذلك عنه عليه السلام) أن الملائكة عليهم السلام قالت لآدم عليه السلام: حججنا هذا البيت قبلك بألف عام، فقال: ما كنتم تقولون؟ فقالوا: كنا نقول سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر، قال آدم: ولا حول
(1) رواه البيهقي.
- 293 - (2/293)
صفحة 1080
ولا قوة إلا بالله، فلمها طاف إبراهيم عليه السلام أخبرته الملائكة عليهم السلام، بقول آدم عليه السلام: فزاد العلي العظيم، فلما بعث النبي عليه السلام زاد وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليماً) (1) فصلى الله عليهم أجمعين، فالواجب الإقتداء بهم عليهم السلام، فهذه سنة الطواف، وأما الدعاء والوقوف عند الباب والميزاب والأركان فمستحب، وكذلك أيضاً مس الركنين اليمانيين مستحب لما بلغنا أن رجلاً جاء إلى عبد الله بن عمر فقال له: يا أبا عبد الرحمن لقد رأيتك تصنع أربعاً لم أر أحداً يفعلها من أصحابك، قال: وما هن؟ قال: رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين، ورأيتك تلبس النعال السبتية، ورأيتك تصبغ بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تهل أنت إلا في يوم التروية، قال عبد الله بن عمر: أما الأركان فإني لم أر رسول الله مس إلا اليمانيين، وأما النعال السبتية فإني رأيت رسول الله يلبسهما، وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله يصبغ بها، وأما الإهلال فإني لم أر رسول الله يهل حتى تبعث به راحلته) (2) وقد بلغنا عن جابر قال: (حدثني ابن عباس أن رجلاً أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
(1) رواه ابن ماجه.
(2) رواه الدارقطني والبخاري ومسلم.
- 294 - (2/294)
صفحة 1081
قبلت أهلي قبل أن نزور، قال: عليك شاة، ثم قال: يارسول الله أزاحم على الركن، فقال: زاحم)) قال جابر: وكان ابن عمر يراحم عليه حتى يدمى، وأما الحجر الحطيم فإنه من البيت من طاف بالبيت لزمه إدخاله
فيه، وإنه شرط في صحته، والدليل ما روي عن عائشة أنها قالت (قال رسول الله الله: ألم ترين إلى قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا
:
عن قواعد إبراهيم عليه السلام، فقلت: يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم عليه السلام؟ فقال: لولا حدثان قومك بالكفر لهدمت الكعبة وصيَّرتها على قواعد إبراهيم عليه السلام فإنهم تركوا منها سبعة أذرع من الحجر ضاقت بهم النفقة والخشب))، وهو قول ابن عباس
(3)
وكان يحتح بقوله تعالى: وليطوفوا بالبيت العتيق (3) ثم يقول: طاف رسول الله من وراء الحجر.
وفي الأثر: أن الكعبة هدمت لتبنى في زمن عبد الله بن الزبير وتحير الناس والفقهاء لما أخر حجارها عن الأساس لتبنى، ولم يدروا كيف يطوفون من خلف الحجارة حيث وضعت أو من حول الأساس
(1) رواه أبو داود والدارقطني. (2) متفق عليه.
(2) الحج: 29.
1990 - (2/295)
صفحة 1082
و هم حيارى حتى دخل أبو الشعثاء، فلما رآهم لا يطوفون وقوفاً عرف الذي بهم، فمضى أبو الشعثاء حتى أتى الأساس، فقال: (إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء، وأمرت أن أكون من المسلمين) ثم طافوا كما طاف.
فصل
وقد بلغنا (أن النبي عليه السلام أمر الحائض أن تفعل أفعال الحج كلها إلا الطواف بالبيت فحتى تطهر (1) فهذا دليل أنه لا يجوز لأحد أن يطوف إلا بطهارة، وروي أيضاً من طريق ابن عباس أن النبي مال قال: (الطواف بالبيت صلاة لكن أحل الله فيه الكلام فلا تتكلموا إلا بما يجوز) (2)، فهذا دليل أن الكلام لا ينقضه ولا الأكل ولا الشرب، وروي (أن النبي مال اللي طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة راكباً) (3). وفي الأثر: أن ذلك لشكية كانت به، وقال مالك: من شرط صحة الطواف المشي فيه والقدرة عليه كالقيام في الصلاة، وإن عجز كان
(1) متفق عليه.
(2) تقدم ذكره
(3) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.
-997 - (2/296)
صفحة 1083
كصلاة القاعد، وقد بلغنا) أن النبي عليه السلام طاف على بغلته))، ولذلك كان جائز، والله أعلم. وقد بلغنا (أن النبي عليه السلام رمل إلى الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاث أطواف) (2)، وبهذا الحديث قال من خالفنا: الرمل في الطواف سنة، والأصل فيه ما بلغنا عن ابن عباس أنه لا يرى الرمل شيئاً ويقول: إنما فعل ذلك النبي عليه السلام وأصحابه لما بلغ المشركين عنهم أنهم في جهد وشدة وجوع، فأمرهم النبي أن يرملوا لكي يروا المشركين أن بهم قوة وأنهم غير مجهودين كما بلغهم عنهم، فقد صدقوا في قولهم وكذبوا حين جعلوا الرمل سنة لا يجوز تركها والله أعلم. وأما الركعتان خلف مقام إبراهيم عليه السلام فهما سنة، وقد روي عن النبي عليه السلام قال: (من طاف بالبيت وركع فله من الأجر كثير) (3).
وفي الأثر: وقد بلغنا أن المقام والحجر الأسود خرج بهما آدم عليه السلام من الجنة حتى كان زمان الطوفان فاستودع في جبل أبي قبيس وارتفع البيت إلى السياء، فلما كان زمان إبراهيم عليه السلام حين بني
(1) تقدم ذكره.
(2) رواه مسلم وأحمد والنسائي. (3) أخرجه البخاري.
- 297 - (2/297)
صفحة 1084
الكعبة استخرجهما من جبل أبي قبيس فجعل الحجر الأسود في ركن الكعبة، وكان مقام إبراهيم ملزوقاً بالكعبة، فلما كان في زمن النبي عليه السلام قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله لو اتخذنا مقام إبراهيم مصلى وإنما قاله من تلقاء نفسه فأنزل الله تبارك وتعالى و واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) فحولوه من مكانه وجعلوا بينه وبين الكعبة فسحة فكانوا يستقبلونه كما يستقبلون غيره من المساجد ويجعلونه بينهم وبين الكعبة، وإنما أمروا باستقبال القبلة، وأما الدعاء عند زمزم فمستحب،
وكذلك عند الركن بعد زمزم والله أعلم.
- 298 - (2/298)
صفحة 1085
باب في السعى بين الصفا والمروة
وفي الأثر: من أراد السعي بين الصفا والمروة خرج من باب الأسطوانتين المذهبتين ثم من باب الصفا وهو يقول: اهم أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق وأجعل لي من لدنك سلطانا نصيراً)، ويصعد على الصفاولا يعلو عليه ولكن بقدر ما استقبل البيت وقد قيل إلى خمس درجات، ومن لم يستطع قام بأصله، والمرأة تقوم في أصله، وإذا صعدت عليه فكبر سبع تكبيرات، ويستحب بأن يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرا لا إله إلا الله والله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً، لا إله إلا الله والله أكبر على ما هدانا وأولانا والحمد لله على ما أعطانا، لا إله إلا الله وحده لا شريك
-399 - (2/299)
صفحة 1086
له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير كله وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، لا إله إلا الله إلها واحداً ونحن له مسلمون، لا إله إلا الله إلها واحداً ونحن له عابدون، لا إله إلا الله إلها واحداً ونحن له مخلصون، لا إله إلا الله إلها واحداً فرداً صمداً مبدئاً معيداً لم يتخذ صاحبة ولا ولداً لا إله إلا هو أهل التحميد والتهليل والثناء الحسن الجميل، لا إله إلا الله لا نعبد إلا إياه ونحن له مخلصون له الدين ولو كره المشركون، لا إله إلا الله. وحده، صدق وعده و نصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ثم تصلي على محمد النبي وتستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ثم تقول: اللهم استعملنا لسنة نبينا محمد عليه السلام وأعذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، تقول ذلك ثلاث مرات، ثم تنحدر من الصفا قاصداً إلى المروة تمشي وأنت تقول: اللهم اجعل هذا المشي كفارة لكل مشي كرهته مني ولم ترض، وإذا أتيت العلم هرولت بين العامين وأنت تقول: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم واهدنا إلى الصراط الأقوم إنك الأعز وأنت الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم، اللهم نجنا من النار سراعاً سالمين ولا تخزنا يوم الدين. فإذا أتيت العلم الذي يلي المروة أمسك عن الهرولة وامش إلى المروة فاصعد عليها بقدر ما تقابل البيت ثم تدعو بدعائك على الصفا، تقول ذلك ثلاث مرات (2/300)
صفحة 1087
في كل شوط على الصفا وعلى المروة، فإذا أتممت سبعة أشواط من الصفا إلى المروة تبدأ بالصفا وتختم بالمروة، انحدر من المروة واحلق رأسك فقد أحللت من عمرتك وقد حل لك كل شيء من
إلا الصيد من الحرم فإنه حرام على المحلين و المحرمين والله أعلم.
الحلال (2/301)
صفحة 1088
فصل في تفسير أصول السمى ومعانيه
وقيل إن السبب في السعي بين الصفا والمروة أن إسماعيل عليه السلام لما حمل هنالك طفلاً مع أمه «هاجر، عَطِشَ فقامت هاجر تَطْلُبُ
الله عين
له الماء من ناحية الصفا والمروة مترددة هناك إلى أن نبع) زمزم) من تحت قدمه وجعل الله الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله أي من المناسك، والسعي بين الصفا والمروة سنة واجبة معمول بها، وقال بعض: فريضة، وقد بلغنا عن عروة بن الزبير قال: (قلت لعائشة زوجة النبي ع الا الله وأنا يومئذ حديث السن: أرأيت قول الله تعالى و إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما) فما أرى على أحد لا يطوف بها شيئاً قالت عائشة: كلا لو كان الأمر كما تقول كان فلا جناح عليه ألا يطوف
- 302 - (2/302)
صفحة 1089
بهما، وإنما نزلت هذه الآية في الأنصار وكانوا يهلون من مناة، وكانت مناة حد وقديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله الله عن ذلك، فأنزل الله تعالى و إن الصفا والمروة من شعائر الله).
والإبتدا بالصفا سنّة، والدليل ما روي أنه قال عليه السلام ـ حين خرج من المسجد وهو يريد الصفا - (نبدأ بما بدأ الله به، قال الله تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله) (1) فبدأ بالصفا).
و أما الدعاء على الصفا والمروة فمستحب عندهم وليس شيء محدود، وقد ثبت من حديث جابر) أن النبي عليه السلام إذا وقف على الصفا كبير ثلاثاً ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ويصنع على المروة مثل ذلك ثلاثاً، فإذا نزل من الصفا مشى حتى إذا انتصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى يخرج منه ونحر بعض هديه بيده ونحر بعضه غيره) (2) وكذلك الصعود عليه بقدر ما يرى البيت عندهم، وإن أقام في أصله أجزأه، وأما الرمل
(1) رواه الدارقطني.
(2) رواه مسلم وأحمد والنسائي.
(2)
- 303 - (2/303)
صفحة 1090
عندهم في مسيل الوادي سنة يلزم من تركها الدم، وليس على المرأة أن ترمل بين الصفا والمروة ولكن تسرع المشي، وفي أثر أصحابنا: وعلى من نسي الرمل بين الصفا والمروة فلادم عليه ولا شيء وقد ترك الفضل عندنا، وقد أمر الله به الرجال وهو من السنة، فهذا يدل من قولهم أن بعض أصحابنا لا يرون الرمل واجباً والله أعلم
وفي الأثر: وكان أبو سفيان يقول: من خرج إلى الصفا من غير باب الصفا فقد أخطأ السنة ولا شيء عليه، وكذلك إن لم يخرج من بين الأسطوانتين على هذا الحال.
ويستحب للرجل أن لا يسعى إلا على طهارة وليس بواجب ذلك عليه لأن النبي عليه السلام) أمر الحائض أن تعمل أعمال الحج كلها
إلا الطواف بالبيت)) والحائض ليست بطاهرة.
ولا
وفي الأثر: وللرجل أن يشرب بين الصفا والمروة، ولا يبيع يشتري وهو يسعى، وإن لم يجد الماء إلا بالشراء إشترى وشرب، وإذا أجهده العياء فله أن يستريح ويبني على سعيه، وإن خرج لحاجة لا بد له منها وترك نية السعي ابتدأ وإن لم يقطع نيته من السعي بنى على ما سعى،
(1) تقدم ذكره.
- 304 - (2/304)
صفحة 1091
وهذا كله لأنه لم يأت ما يدل على خلاف هذا، وليس السعي كالصلاة. و من سعى بين الصفا والمروة قبل أن يطوف فهو بمنزلة من لم يسع، لأن موضعه بعد الطواف لقوله عليه السلام: (من طاف بالبيت فليسع بين الصفا والمروة) (1) ويكره أن يسعى بين الصفا والمروة راكباً إلا من ضرورة، وإن فعل فلا إعادة عليه، والدليل ما روي (أنه عليه السلام طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة راكباً))، وأيضاً، السعي: الإسراع في المشي، والسعي الركوب، قال الله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر الله) (3)، وأجمعت الأمة أنهم لو سعوا إلى الصلاة ركباناً لكانوا قد امتثلوا ما أمروا به، قال الشاعر:
سَعَيْتُ إليها والرِّماحُ تَنُوشُني وطرفي يخوض الموت والقلب ثابت وأما الحلق فهو سنة، وهو مخير بين الخلق والتقصير، والحلق أفضل لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم ارحم المحلقين، فقالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ فقال ثلاثاً: اللهم ارحم المحلقين، ثم قال: والمقصرين))
(1) متفق عليه.
(2) تقدم ذكره. (3) الجمعة: 9.
(4) رواه أبو داود والدارقطني.
(20) (2/305)
صفحة 1092
وروي (أنه كان عليه السلام إذا حلق رأسه استقبل القبلة وأعطى للحالق شق رأسه الأيمن ثم الأيسر، وأعطى أبا طلحة شعره يقسمه على الناس) (1) وفي الأثر: عر محمد بن محبوب أنه حفظ عن موسى بن علي: من أحل من إحرامه ثم قصر لنفسه أنه لا شيء عليه، وإن قصر له من قد أحل كان أحب إلينا، وأما المحرم فلا، والمتمتع يحل كما وصفنا، فإذا جاء يوم التروية أحرم للحج، وأما القارن فلا يزال محرماً حتى يرمي جمرة
العقبة يوم النحر.
مسألة في الخروج إلى مني والاحرام بالحج:
وإذا كان عشية التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة وأراد أن يحرم بالحج إغتسل بالماء، وهو مستحب كما قدمنا، ولبس ثوبي إحرامه ثم طاف سبعاً وصلى ركعتين وإن شاء صلى ركعتين للإحرام، وليس بواجب الطواف يوم التروية عند الإحرام ثم يجهر بالتلبية ويقول: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك بحجة تمامها وبلاغها عليك يا الله، يقول ذلك ثلاثاً ثم يقوم؛ وإن أحرم من المسجد الذي يقال له مسجد الجن فذلك جايز،
(1) رواه أبو داود والنسائي.
14.7 - (2/306)
صفحة 1093
والمسلمون يستحبون الإحرام بالحج من البطحاء من المسجد الذي يقال له مسجد الجن فحيث ما أحرم من البطحاء أجزأه أو أحرم في الحرم، وروي أن النبي عليه السلام ربما أهل إذا استوت به راحلته ولا يقف عند البيت بعد التلبية، وقد قيل: إنه إن طاف بالبيت بعد أن طاف به للحج فقد أخطأ، وكذلك إن طاف به بعد طواف الزيارة تطوعاً أخطأ ولا شيء عليه، وإذا ركب راحلته وتوجه إلى منى ابتهل إلى الله تعالى في الدعاء، فإذا أتى منى قال: اللهم إن هذه منى وهي مما دللت عليه من المناسك، أسألك أن تمن علي فيها وفي غيرها بما مننت به على أوليائك وأصفيائك فها أنا ذا عبدك وبين يديك وفي قبضتك، وينزل بها ويصلي بها خمس صلوات يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والفجر، ويبيت بها مع الناس، ويكثر من ذكر الله تعالى، ويستحب أن يكون مشيه في ذلك كله من حين خرج من مكة إلى منى ومن منى إلى عرفات، ومن عرفات إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى، ومن منى إلى مكة يوم النحر الطريق الأعظم، إلا إن منعه منه عدو غالت أو أمر لا يستطيع معه السير في الطريق من سيل الماء ونحو ذلك. (2/307)
صفحة 1094
فصل
في تفسير ما ذكرناه
وإنما سمي يوم التروية على ما وجدنا في بعض التفاسير عن ابن عباس قال: إنما سميت تروية وعرفة، لأن إبراهيم عليه السلام رأى ليلة التروية في منامه أنه يؤمر بذبح ابنه، فلما أصبح روى يومه أجمع فكراً، أمِنَ الله هذا الحلم أم من الشيطان؟ فسمي اليوم من فكرته تروية، ثم رأى ليلة عرفة ذلك ثانياً، فلما أصبح (عرف) ذلك من الله سبحانه فسمي اليوم يوم عرفة.
وأما الإحرام يوم التروية للحج فمستحب، وإن أحرم قبل ذلك فجائز لما قدمناه عن الرجل الذي سأل ابن عمر حين قال له: رأيتك تصنع أربعاً لم أو أحداً يفعلها، قال: وما هن؟ فأخبره بهن وذكر فيهن؛ ورأيتك ان كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تهل أنت إلا في يوم التروية، قال له ابن عمر: أما الإهلال فإني لم أر رسول الله علي يهل إلا في يوم التروية، وأما المبيت بمنى ليلة عرفة فالأصل فيه ما بلغنا عن رسول الله الله) أنه خرج إلى منى يوم التروية وصلى بها الخمس (2/308)
صفحة 1095
صلوات ثم غدا إلى عرفات)).
وفي الأثر: ومن ترك المبيت بمنى ليلة عرفة فعليه دم إلا أن يكون مرهقاً فليس عليه شيء، وهو الذي يأتي من البلاد البعيدة وقد فاته المبيت بمنى، ولا يخرج من حد منى حتى تطلع الشمس.
وحد (منى) مما يلي المشعر الحرام فيما ذكر في الأثر عند الحياض، حياض الماء الذي عند مجمع الجبلين، الجبل الكبير الذي يكون على يمين الذاهب إلى عرفات و الجبل الصغير الذي عنده يجتمع ماء منى كله؛ وقد بلغنا عن جابر قال: (سمعت أن رجلاً من الصحابة أتى النبي عمال بالمزدلفة فقال: أتيتك يا نبي الله من جبل طيء قد أكللت راحلتي ولم أدع جبلاً إلا وقفت عليه، فقال له: من شهد الصلاة معنا ووقف بعرفة ساعة من الليل أو النهار فقد قضى تفئه وتم حجه) (2)، فهذا الحديث يدل على أن المبيت بمنى ليلة عرفة ليس بواجب الدم بفواته على الذي يأتي من بلاد بعيدة، ومما يشبه هذا ما بلغنا عن أبي سفيان عن عيسى بن عمر وكيف خلصوا أبا الحر من المسودة وقد أسروه، قال: وقد احتملنا
(1) رواه احمد
(2) رواه الخمسة وصححه الترمذي.
-509 - (2/309)
صفحة 1096
صاحبنا وفككنا عنه ثم أقبلنا حتى دخلنا مكة ونحن مستخفون، قال: وكان ذلك في أيام الحج، فقال: فخرجنا مع أبي الحر إلى منى ولم نحرم ثم سار بنا إلى عرفة ونحن غير محرمين، قال: وكنا إذ ذاك ننتظر أبا حمزة يقدم علينا، فلما كان وقت الرواح للموقف إذ نحن بنواصي خيل أبي حمزة قد طلعت قال: فلما رآهم أبو الحر أمرنا أن نغتسل ونحرم، قال: ففعلنا ثم خرجنا حتى دخلنا عليهم في عسكرهم، والله أعلم
وبالله التوفيق.
مسألة في الغدو إلى عرفات:
ولا حج لمن لم يقف فيها، وإذا مضيت إلى عرفات فإذا بلغت محسراً فقف حتى تطلع الشمس، ولا تجاوز منى إلا بعد طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس فامض إلى عرفات، وأنت في ذلك تلبي ولا تقطع
التلسة.
وفي الأثر: أن من غدا إلى عرفات يقول: اللهم إليك صمدت وإليك قصدت، وما عندك أردت، أسألك أن تبارك لي في رزقي وأن تلقني في عرفات حاجتي وأن تباهي بي من هو
أفضل مني، فإذا
أتيت عرفات فانزل بها وقل: اللهم هذه عرفات فاجمع لي فيها جوامع
- 10 - (2/310)
صفحة 1097
الخير كله، واصرف عني فيها جوامع الشر كله، وعرفني فيها ما عرفت أولياءك وأصفياءك وأهل طاعتك، واجعلني متبعاً لسنتك وسنة نبيك محمد الله، وتقعد فيها، فإذا زالت الشمس فاغتسل إن أمكنك ذلك، فإنه مستحب وإلا أجزاك الوضوء، ثم تصلي صلاة الظهر والعصر مع الإمام إن أمكنك ذلك، تقف خلف الإمام أو عن يمينه، فإذا قضيت الصلاة قف مع الناس، وادع بما فتح الله واجتهد في الدعاء واسأله، وادع مثل دعائك على الصفا والمروة، وأكثر من قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، وصلى الله على نبينا محمد، واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات، واسأله حوائجك كلها، وأكثر في المسألة والدعاء حتى تغرب الشمس ويجب الإفطار، ثم امض من عرفات إلى المشعر الحرام وأنت تقول: اللهم إليك أفضت، وإليك قصدت، وما عندك أردت، ومن عذابك أشفقت.
فصل
في تفصيل ما ذكرناه ومعانيه
وإنما سميت عرفات عرفات لأن جبريل عليه السلام، كان يُري
-11 - (2/311)
صفحة 1098
لإبراهيم عليه السلام المناسك فيقول: عرفت، فسمي بذلك عرفات، والله أعلم، والوقوف بها فرض متفق عليه، وكذلك الإحرام والزيارة بعد الذبح يوم النحر، فهذه فرائض الحج متفق عليها، من فاته خصلة منها فلا حج له، ومن أفسدها بما يفسد به الحج أفسد حجه، وما سوى هذه الفرائض يجبره إذا فاته بالدم، وسيأتي بيان هذا إن شاء الله. وأما مجاوزة منى بعد طلوع الشمس فمستحب، وقد بلغنا (أن النبي عليه السلام غدا إلى عرفات بعد طلوع الفجر يوم عرفة، و نزل بعرفة، فلما زالت الشمس قام وخطب الناس ورغبهم ثم أتى مصلى فصلى بهم الظهر والعصر ووقف، وقد كان النبي عليه السلام أمر من لم يكن معه هدي أن يصوم ومن كان معه هدي أن يحمله على بعيره) (1)
وكذلك في الأثر: ومن كان معه هدي فليعرف به.
وفي الأثر: وأما من تعجل إلى عرفات ليلة مني، فقد أخطأ السنة، وقال من قال: ومن غدا إلى عرفات من منى قبل طلوع الشمس فلا كفَّارة عليه، وأما من تعجل ليلة عرفة من مني فعليه الدم والله أعلم، وأما الدعاء في عرفات والذكر الله سنة بإجماع، وهو شيء غير محدود،
(1) رواه ابو داود والترمذي.
- 312 - (2/312)
صفحة 1099
وقد بلغنا (أن النبي عليه السلام وقف بعرفات، ثم خطب الناس ورغبهم ثم قال: هذا مقام قد قمته وقامته الأنبياء من قبلي، فأفضل ما قلته وقالته
(1)
الأنبياء من قبلي. لا إله إلا الله، فأكثروا منها فإنه يغفر لقائلها) (1)
6
»
فالواجب الاقتداء به عل الله، وقال عليه السلام: (الجنة لمن تاب، والمغفرة لمن وقف بعرفة) (2) وأما الغسل في عرفات فمستحب، وإن وقف على
غير طهارة فوقوفه تام بإجماع، والدليل على ذلك (قول النبي عليه السلام للحائض أن تعمل أعمال الحج كله إلا الطواف بالبيت، وقد أمرها بالوقوف بعرفات على غير طهارة) (3) وكذلك الغسل الذي يدخل به الحرم والغسل الذي يدخل به المسجد الحرام، وغسل المزدلفة، وغسل الزيارة، وغسل الوداع، والوضوء في كل ذلك يجزئ، والغسل أفضل
وإنما يتأكد الغسل في بدء الإحرامين والله أعلم. وروي أنه قال له (عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة) (4) وهما المأزمان الى جبل الرحمة، وأما الوقوف بعرفات حتى تغرب الشمس فواجب، ومن أفاض قبل الغروب لم يتم حجه، والدليل ما روي (أنه لما أتم حجه خطب
(1) رواه احمد والترمذي.
(2) رواه ابو داود.
(3) تقدم ذكره (4) رواه الدارقطني.
- 313 - (2/313)
صفحة 1100
الناس بعرفات فقال: إن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من عرفات إذا صارت الشمس على رؤوس الجبال، وكأنها عمائم الرجال في وجوههم، ويدفعون من المزدلفة إذا طلعت الشمس على رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم، وإنا لا ندفع من عرفات حتى تغرب الشمس ويحل فطر الصائم، وندفع من المزدلفة غداً إن شاء الله قبل طلوع الشمس، وهدينا مخالف لهدي أهل الشرك والأوثان)
(1)
وروي أنه لم قال: (الحج عرفة، فمن أدرك من الشمس بقدر ما يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فقد أدرك الحج) (3) وإن غربت الشمس ولم يقف بعرفات فقد فاته الحج، وقال بعضهم: من وقف بعد ذلك ساعة من الليل ولحق مع الناس صلاة الفجر يجمع، فقد أدرك الحج، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من وقف بعرفات ساعة من الليل ولحق معنا صلاتنا هذه صلاة الفجر يجمع
فقد أدرك الحج) (3).
ومن نظر الشهر وحده ولم يقبل قوله فليقف يوم عرفة
(1) رواه البيهقي وأبو داود.
- TIE-
•
(2) متفق عليه
(3) رواه الخمسة (2/314)
صفحة 1101
وفي الأثر: أن قوما حجوا في زمن المشايخ، فلما قضوا مناسكهم
وأقبلوا إلى بلادهم، ذكر هم أهل بلادهم أن شهر ذي الحجة سبقهم بيوم فخير وا لذلك، ثم إنهم سألوا أبا ذر مهدي عن مسألتهم فقال لهم: لو شهد أهل الحجاز كلها، وهذا الحطب وأن الرؤية لكم خاصة معشر الحجاج. وذكروا في جوابات الإمام أفلح رضي الله عنه، قال: إذا ثبتت رؤية أهل بلادهم قبل رؤية أهل الموقف وصح ذلك بشهادة العدول أنَّ عليهم الإعادة لحجهم.
وأما الإفاضة من عرفات بعد غروب الشمس فهي
سنة، والدليل
(
(1)
ما روي (أن التي دفع من عرفات حين سقطت الشمس) وروي (أنه لما دفع من عرفات دهم الناس بعيره من ورائه، فسبق النبي عليه السلام، وقال: يا أيها الناس على رسلكم) (2) وبلغنا عن جابر بن زيد قال: (سئل أسامة بن زيد كيف كان يسير في حجة
الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العنق فإذا وجد فرجة نص)
والنص فوق العنق وهو السرعة في السير.
(1) رواه احمد
(2) رواه البيهقي.
(3) متفق عليه.
(3)
14101 (2/315)
صفحة 1102
مسألة في القدوم إلى جمع:
وإذا أتيت جمعاً فقل: اللهم هذه جمع فاجمع لي فيها جوامع الخير كله، واصرف عني فيها جوامع الشر كلها، واجتهد في تلك الليلة في الدعاء بما قدرت عليه، فإنه قد قيل: إن أبواب السماء لا تغلق تلك الليلة، قال الله تعالى: (واذكروا الله عِندَ المَشعر الحرام) (1) ثم تصلي
المغرب والعشاء جمعاً وبت مع الناس، وهيء منها سبعين حصاة مثل حصاة الخذف واغسلها، وإذا طلع الفجر فصل ثم قف عند المشعر الحرام وادع مثل دعائك على الصفا والمروة، واحمد الله واثن عليه وصل على النبي محمد، واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ثم أفض من جمع قبل طلوع الشمس، وأنت في ذلك تلبي، ولا تقطع التلبية حتى تأتي جمرة العقبة.
وفي بعض الأثر: ثم تصلي المغرب والعشاء وتبيت بها إلى أن تصبح وتكثر الاستغفار ثم تفيض قبل طلوع الشمس، ومن لم يبت يجمع
فعليه دم.
(1) البقرة: 198
- P 17 - (2/316)
صفحة 1103
فصل
في تفسير ما ذكرناه
(1)
والأصل في هذا قول الله تعالى: (فإذا أفضتُم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام)) و إنما سمي المشعر الحرام، فماذكر في التفسير لأنه أشعر المؤمنين أنه حرام كالبيت ومكة. أي اعلموا، ويقال لها: المشعر الحرام وجمع، وإنما سمي جمعاً لأنه اجتمع فيه آدم وحواء حين هبطا من الجنة، وقيل: سمي جمعاً لأنه يجمع فيه المغرب والعشاء
في وقت واحد، وقد بلغنا عن أبي أيوب الأنصاري صاحب النبي أنه قال: (صليت مع رسول الله في حجة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة لأن المؤمنين يزدلفون إليه، إذا وسمي
بالمزدلفة جمعاً)
(2)
أفاضوا من عرفات.
والوقوف عند المشعر الحرام والذكر فيه سنة في أكثر القول، والأصل فيه قوله تعالى: (فاذكروا الله عند المشعر الحرام) ولذلك قال قوم: الوقوف والذكر عند المشعر الحرام فرض، والقول الأول
(1) تقدم ذكرها.
(2) رواه مسلم.
-317 - (2/317)
صفحة 1104
أصح وعليه الأكثر.
وفي الأثر: قال عطاء: من لم يقف مع الناس بجمع بعد ما وقف بعرفات فعليه شاة، وقد تم حجه، ومن أدرك الناس بجمع فوقف ساعة معه فلا كفارة عليه، فإذا أصبح الامام بجمع والناس معه صلى صلاة الفجر، ووقفوا ساعة يذكرون الله ثم يسألون حاجتهم وهم يلبون، ثم يفيض الإمام والناس معه من جمع قبل طلوع الشمس ويسيرون رويداً ويلبون ويذكرون الله حتى يأتوا منى.
والجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة سنة، كما أن الجمع بين الظهر والعصر بعرفات سنة، وإن ترك الجمع بينهما وصلّى كل صلاة في وقتها فقد أخطأ ولا شيء عليه، وإن صلى المغرب قبل أن يأتي المزدلفة وهو لا يخاف طلوع الفجر، قال بعضهم: لم تجزه صلاته لقوله عليه السلام الأسامة بن زيد حين سأله عن الصلاة لما دفع من عرفات: (الصلاة أمامك)، وقال بعضهم: إن صلاها أجزأته ويكره له ذلك.
وجمع كلها موقف إلا بطن محسّر.
وحد المزدلفة؛ من لدن يخرج من مأزمي عرفات إلى قريب من
الحياض التي عند محسر.
- PIA - (2/318)
صفحة 1105
وأما الحصى ففى آثارهم: أن القادم إلى جمع يهيء سبعين حصاة مثل
حصاة الخذف ويغسلها، ووجدت أن المسلمين مجمعون أن الحصى مثل الجوز والبندقة، والدليل على هذا ما روي عن جابر بن زيد أن رجلاً من أصحاب رسول الله حدثه أنه سمع رسول الله عليه السلام في
رميتم
بطن الوادي وهو يقول: (أيها الناس لا يقتل بعضكم بعضاً، فإذا الجمرة فارموها بمثل حصاة الخذف)) ولا يكن إلا بحصى الحرم، ومن رمى بحصى الحل أعاد، وأما الغسل ففي الأثر: عن النبي عليه السلام (أنه غسل الحصى) فلعل هذا مستحب، وأما الدفع من المزدلفة قبل طلوع الشمس سنة خالف بها المشركين كما قدمنا.
(1) رواه أبو داود
-519 - (2/319)
صفحة 1106
باب فيما يفعله الحاج عند جمرة العقبة
وإذا أتى جمرة العقبة قطع التلبية وقال: اللهم اهدنا للهدى، ووفقنا للتقوى، وعافنا في الآخرة والأولى، ثم يرميها من بطن الوادي بسبع حصيات يكبر فيها مع كل حصاة تكبيرة، ويقول في إثر كل تكبيرة: ولله الحمد، وإذا رماها قال: اللهم هذه حصياتي فأنت أحصى لهن مني فتقبلهن مني، واجعلهن في الآخرة ذخراً لي وأثبني عليهن غفرانك، وقيل: إن جمرة العقبة لا ترمى إلا من بطن الوادي، فإذا رماها انصرف ولا يقف عندها ويقول: اللهم اجعله حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وارزقنا نضرة وسروراً، ثم يذبح ويحلق. (2/320)
صفحة 1107
فصل
في تفسير ما ذكرناه
وبلغنا أنه سئل ابن عباس عن رمي الجمار فقال: إنه ما تقبل ما منه
رفع، ولولا ذلك لكان مثل ثبير، وثبير جبل.
رمي
واختلف الناس في سبب رمي الجمار، فقيل: إنه تفاؤل الذنوب وإلقاء المعاصي وطرحها، وقيل: إن جبريل عليه السلام انطلق بالنبي عليه السلام إلى عرفات فعرفه بعرفة، ثم رده إلى جمع فعرفه بالمشعر الحرام، ثم انطلق به قبل طلوع الشمس إلى (منى) فقعد إبليس إلى موضع الجمار فأمره جبريل عليه السلام أن يرميه بسبع حصيات مع كل حصاة تكبيرة، وكان بده رمي الجمار من ذلك سنة، والدليل على ذلك ما روي أن ابن مسعود رمي جمرة العقبة حصيات وقال: هكذا بسبع رأيت من نزلت عليه سورة البقرة يفعل. وروي أيضا عنه أنه قال يوم النحر وهو يرمي جمرة العقبة على راحلته: (خذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي أن لا أحج بعد حجتي هذه) أو قال (بعد حجي هذا)) وكذلك التكبير مع كل حصاة سنة، وكذلك بلغنا عن النبي عليه السلام
(1) رواه مسلم وأحمد والنسائي.
(21)
- 321 - (2/321)
صفحة 1108
) أنه يكبر مع كل حصاة تكبيرة) و المختار أن ترمى من بطن الوادي لما بلغنا عنه عليه السلام، ولا يرميبا من العقبة والله أعلم.
وأما التلبية لا يقطعها حتى ينتهى إلى جمرة العقبة، لأن التلبية جواب
فإذا انتهى إلى جمرة العقبة فقد فعل ما وجب عليه والله أعلم. و الدعاء عند جمرة العقبة وعند الجمار كلها مستحب والله أعلم
مسألة:
وإذا ذبحت ذبيحتك فاحلق رأسك وخذ من شاربك واعف عن لحيتك وقلم أظفارك واحلق عانتك، وإن شئت صليت ركعتين ثم ذبحت فذلك مستحب، وليس بواجب صلاة العيدين على من كان بمنى، وإذا ذبحت وحلقت فقد حل لك الحلال إلا النساء والصيد حتى تزور
البيت والله أعلم.
فصل
في تفسير ما ذكرناه
إعلم أن الضحية سنة، وليست بواجبة إلا على المتمتع والقارن
(1) رواه مسلم.
- TTT- (2/322)
صفحة 1109
والمخصر عن الحج، وأما المفرد الذي لا يسوق هدياً فلا هدي عليه، وكذلك ليست بواجبة على أهل الأمصار، والدليل ما روي أنه قال عليه السلام: (فرضت علي الضحية ولم تفرض عليكم)، ولما عن أم سلمة أن النبي ل الله قال: (إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن
أيضاً روي
يضحي فلا يمس من شعره ولا بشره (2)، وأقل ما في النهي الكراهية، فقد دلّ هذا أن الضحية غير واجبة لأنه رد ذلك إلى اختيار المضحي، ولو كان واجباً لما رد ذلك إلى اختيار من وجب عليه، وبلغنا أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لا يضحيان كراهة أن يرى أنها واجبة، ولا تجوز ضحية ولا متعة إلا من الأنعام التي نص الله عليها في قوله: (أحل لكم بهيمة الأنعام).
والحلال للمحرم الإبل والبقر والغنم، فأجمل البهائم وجمعها باسم البهيمة، وأفرد الأصناف الثلاثة باسم «الأنعام، فكان خاصاً بها دون غيرها، وكذلك لما أوجب الله الجزاء على قاتل الصيد قال: فجزاء مثل ما قتل من النعم) (3) والجزاء إنما هو في الإبل والبقر والضأن
(1) رواه الدارقطني.
(2) رواه أبو داود.
(3) المائدة: 95.
- 223 - (2/323)
صفحة 1110
والمعز بإجماع، فقد صح أن. صح أن هذا الإسم خاص بهذه الأجناس الأربعة
وما سواها صيد وسباع والله أعلم.
والبدنة أفضل من البقرة، والبقرة أفضل من الشاة، والدليل ما روي أنه قال عليه السلام) من اغتسل يوم الجمعة فراح في الساعة الأولى فكأنه قرب بدنة، وإن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، وإن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن (1) الحديث. فقد دل هذا أن البدنة أفضل من البقرة، والبقرة أفضل من الشاة، وهو أقل ما يجزي في الضحية والمتعة.
،
وفي الأثر قال: وفحل الضأن في الضحايا أفضل من خصيانها؛ و الخصيان أفضل من الإناث، قال: وإناث الضأن أفضل من ذكور المعز ومن إناثها، وإناث المعز أفضل من الإبل والبقر في الضحايا.
وأما في الهدايا فالإبل أفضل ثم البقر ثم الضأن ثم المعز، وروي (أنه
أجاز أن يشترك جماعة في البدنة ولا يجاوز عددهم السبعة)
(2)
وروي أيضاً (أنه هو أمر أن يشترك سبعة نفر حجاج أو متمتعين في
(1) تقدم ذكره (رواه احمد). (2) متفق عليه
- 324 - (2/324)
صفحة 1111
بغير
مسن أو بقرة مسنة) (1) فهذا هو الدليل على جواز الشركة في النسك، وروي أيضاً: (أن علي بن أبي طالب لما قدم من اليمن أحرم على ما أحرم عليه النبي عليه السلام فأجاز له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وأشركه في
هديه) (2).
،
وفي الأثر: أنه يجوز لمن قال: احرمت على ما أحرم عليه صاحبي، ويجوز أن يشركه في هديه، فإذا اشترك ناس في الهدي جازَ، إلا أن يكون منهم من اشترك لغير نسك فلا يجزيهم جميعاً.
وفي الأثر أيضاً: أن بنت مخاض وابن مخاض وبنت لبونو ابن لبون وحقة عن واحد، وما دون ابن مخاض لا يجزيء عن واحد، والجذعة عن خمسة، والثنية فما فوقها عن سبعة، والجذعة من البقر عن ثلاثة، والثنية عن خمسة، والمسنة وما فوقها عن سبعة، فإن قال قائل: إنما هذا في الهدي في الحج لا غير؟ قيل له: إذا كان في الواجب يجزيء في الحج فغير الواجب من الضحايا أجدر والله أعلم.
وأما الغنم فلا يجزي منها في الضحايا والهدايا ما دون الثنية، وأجاز
(1) رواه مسلم.
(2) رواه مسلم.
- 325 - (2/325)
صفحة 1112
بعض الجذع من الضأن والله أعلم.
وفي الأثر: ولا يجزيء إلا الجذع من الضأن والثني من المعز، وتكون سليمة من العوار، بريئة من الهزال، وكذلك بلغنا عن رسول الله (أنه نهى إن يُضَحى بالشرماء من المعز) وهي المشقوقة الأذن على اثنين، وروي أيضاً أنه نهى أن يضحى بالخرقاء) وقيل: هي التي في أفتها ثقبة مستديرة، وروي أيضاً) أنه نهى أن يضحى بالجدعاء) وقيل إنها مقطوعة الأذن، وروي أيضاً (أنه نهى أن يضحى بالأعضب والعضباء) وقيل إنها مقطوعة الأذن، وكل هذا في الآذان.
وفي الأثر عن جابر قال: نهى النبي عليه السلام: (أن يضحى بأعضب القرن و الأذن) يعني المكسورة القرن والمقطوعة طرف الأذن، قال جابر: بلغنا عن سعيد بن المسيب أنه قال: النصف وما فوقه وأما أقل فلا بأس، وروي أيضاً أنه: (نهى ان يضحى بالمقابلة) وقيل هي التي يقطع من أذنها شيء ويترك معلقاً، (ونهى أن يضحى بالمدابرة) وهي التي يفعل بها مثل ذلك من وراء أذنها، وروي أيضاً عن علي أنه قال: لا تصح مقابلة ولا مدابرة، وكل هذا في الأذن.
وفي الأثر أيضاً: من تمام الضحية استشراف أعينها وأذنها
"
- 326 - (2/326)
صفحة 1113
وروي عن علي أنه قال: (أمرنا أن نستشرف العين والاذن) (1) فهي في الأضاحي أن يتفقدهما لئلا يكون فيهما نقص، وكل نقص بعد سلامة العين فلا يضر، وجاء أيضاً في الحديث النهي أن يضحى بالعجفاء التي
لا تنقي.
وفي الأثر أيضاً: لا تجوز العرجاء والعوراء ولا مكسورة القرن إذا كان يدمى، و لا مقطوعة الذنب ما لم يبق منه ما تذب به عن نفسها، ولا تجوز المجنونة، ولا العجفاء، ثم بينوا فقالوا: المتبين عرجها، إلا أن تكون تحمل عرجها وتمشي إلى المرعى ونحوه فلا بأس.
وكذلك أيضاً في الأثر: إذا كان في عين الشاة رمد كانت تبصر به العلف والمرعى جاز أن يضحى بها، وإن كان لا تبصر بها فلا تجوز، وكذلك عندهم في الأسنان إذا بقي من الضروس ما تعلف به وتجتر فجائز للضحية، وكذلك المكسورة القرن عندهم إذا بقي ما يلوى به الأصبع فجائز، وقيل: إذا خرج من الشعر فهذا يدل منهم أن كل شيء لا تأثير له في منع المنفعة لا يمنع الإجزاء، وقد روي (أنه ضحى بكبشين أملحين موجوأين) (2) وبعضهم كره ما خصي بالنار.
(1) رواه احمد وأبو داود والبخاري. (2) رواه أحمد
- rry- (2/327)
صفحة 1114
وفي الأثر: وماكان في الضحية من خلق الرب فليس ذلك ينقصها
إلا ما عناها من فعل الخلق.
وأما وقت الضحية فالأصل فيه قوله تعالى و ليذكروا اسم الله في
(1)
أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، واختلفوا في الأيام المعلومات، قال بعضهم: عشرة أيام من ذي الحجة وآخرها يوم النحر، و قال آخرون: الأيام المعلومات يوم النحر ويومان بعده، فعلى القول الأول لا تجوز الضحية بعد يوم النحر لأحد، غير أن أهل (منى) الأضحى عندهم ثلاثة أيام بعد يوم النحر لمن لم يجد البدن، وعلى القول الثاني تجوز في يوم النحر ويومين بعده كما قال وهي الأيام المعلومات التي أمر الله أن يضحى فيها.
وفي الأثر: والضحية مجزئة من يوم النحر إلى وقت الزوال من اليوم الرابع، وأما قبل يوم النحر فلا تجوز والله أعلم.
ولا يجوز أن تذبح الضحية في الأمصار إلا بعد الصلاة؛ لما روي أنه قال عليه السلام: (أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي فترجع وننحر، ومن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل الصلاة فَلْيُعد فإنما هو
(1) الحج: 28.
- 328 - (2/328)
صفحة 1115
لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء)).
ففي أمره للذابح قبل الصلاة أن يعيد ذبحاً دليل على صحة ذلك: وأما أهل البادية وغيرهم ممن لم يصل مع أهل تلك البلاد يوم النحر فإذا طلعت الشمس وارتفعت قليلاً وكان نحو ما يصلي الناس في القرى صلوا وذبحوا، وأهل منى ليس عليهم صلاة العيد والله أعلم. وأما موضع الذبح بمكة فهدي المتعة والقارن يذبح بمنى، والأصل فيه ما روي (أن النبي لما رمى جمرة العقبة انصرف إلى بدنه ونحرها، وقال: هذا المنحر ومنى كلها منحر ((2).
وفي الأثر: من ذبح هدي المتعة بمكة أجزأه، ويدل على هذا ما روي (أن النبي عليه السلام نحر الهدي في الحرم يوم صده المشركون في زمن الحديبية) (3)، فهذا يدل أن الحرم كله منحر، وإن لم يجد المتمتع ما يذبح صام ثلاثة أيام في الحج كما قال الله، وهو يوم السابع
والثامن ويوم عرفة، لأن أيام الحج آخر من يوم عرفة، وقال من قال: يصومهن في العشر من أول العشر إلى يوم عرفة، وهذا لأن العشر كله
(1) رواه البخاري (و متفق على المعنى من لفظ جنوب بن سفيان البجلي).
(2) متفق عليه.
(3) رواه مسلم.
•
329 - (2/329)
صفحة 1116
،
من الحج، وهذا على قول من قال: أشهر الحج شهران وعشرة أيام وسبعة إذا رجعتم، قال قوم: يصومهن في الطريق، وقال من قال: حتى يرجع إلى أهله، وسبب اختلافهم أن اسم الرجوع يطلق على من فرغ من الرجوع وعلى من هو في الرجوع، وقال قوم: معناه إذا رجعتم من عمل الحج وإن كان بمكة، لأنه قال: إذا رجعتم ولم يقل إلى أهليكم، وإن تلف مال المتمتع يوم النحر قبل أن يضحي فلا يجزئه الصوم بعد ذلك، لأنه لم يصم ثلاثة أيام في الحج كما قال الله تعالى، ولكن على هذا يكون الهدي في ذمته يبعثه إلى مكة في السنة المستقبلة إذا وجده، وإن صام تلك الثلاثة الأيام ثم استفاد مالاً يوم النحر فعليه أن يضحي إذا استفاد مالاً يوم النحر ما لم تغب الشمس، وهذه المسألة شبيهة بمن طرأ عليه الماء وهو في الصلاة وقد دخلها بالتيمم والله أعلم. وأما من اشترى أضحية من أهل الأمصار ثم نواها ثم أصابتها عاهة وماتت لم يلزمه بدلها، والفرق بينها وبين النسك بمكة أن النسك الذي يجب بمكة إنما هو كفارة وجبت في الذمة فعليه أن يأتي بالبدل لما لزمه في ذمته، والذي في غير مكة إنما هو تطوع، فإذا تلف لم يلزمه البدل لأن العين الذي جعله الله قد تلف ولا يجوز أن يكلفه الله ما لم يفرض عليه، وأما أن يبيعها أو يتلفها أو يذبحها قبل يوم النحر فلا يجوز له ذلك إلا إن أراد أن يبدلها بمثلها أو خير منها
- PT. - (2/330)
صفحة 1117
فلا بأس، ولا تلزمه أيضاً الضحية أعني غير الواجبة إلا إذا سماها ضحية، وقال قوم: إنما تلزمه إذا سماها في العشر، فإذا سماها لزمته إلا أن يستبدل بها خيراً منها أو مثلها فجائز ويمسكها والله أعلم.
وإذا أراد أن يذبح ضحيته فإنه يستحب أن يمسح على ظهرها. وفي الأثر: قال أبو سفيان: قال بعض من أدركته: يستحب ألا تذبح عنه ضحيته حتى يؤتى بها فيمسح على ظهرها ويقول: اللهم هذا قرباني وهذه ضحيتي فاقبلها مني، قال: وأما أبو أيوب وائل فقد كان يأمر بذبح ضحيته ولا يمسح على ظهرها وعسى أنه لا يراها إلا ما كان يأمر بشرائها، فإذا رمى الجمرة أمر بها فذبحت ثم حلق رأسه، وروي (أنه نحر بيده الهدي)).
وكذلك في الأثر: يستحب أن يذبح ضحيته بيده، وروي أنه قال: (ولوها أهل ملتكم ولا تولوها أهل ذمتكم)).
وكذلك في الأثر: ويكره للمسلم أن يذبح له ضحيته رجل من أهل الكتاب، قال الله تعالى: (فَكُلُوا مِنها وأَطْعِمُوا البائس
(1) رواه الجماعة.
(2) رواه مسلم وأبو داود.
-- (2/331)
صفحة 1118
الفقير
(1)
و هذا خطاب على جميع الضحايا، وقيل: إنه يطعم الفقراء منها الثلث، وأرحامه الثلث ذكروا في بعض الكتب عن عبد الله بن مسعود أنه بعث بهديه مع علقمة فأمر أن يأكل هو وأصحابه الثلث وأن يبعث إلى عقبة بن مسعود ثلثاً وأن يطعم المساكين ثلثاً، ذكروا عن سعيد بن المسيب أنه قال: ليس لصاحب البدنة منها إلا ربعها، لعله ذهب أن للقانع ربعاً وللبائس الفقير ربعاً ولصاحبها ربعاً وللمعتر ربعاً، وفي التفسير ذكروا عن الحسن قال: هذه مقدمة ومؤخرة فكلوا منها وأطعموا أي فأطعموا منها فكلوا، ولا بأس أن يطعم منها قبل أن يأكل منها والله أعلم. وقال قوم من المسلمين: هذا الخطاب إنما هو واقع على أهل المتعة و من لزمه الذبح بمنى على متعته وأما غيرهم فليس ذلك عليهم، وقال قوم: إن هذا الأمر بالإطعام ليس بفرض إنما هو ندب للفضل، لأن الأمر قد جاء بالأكل وبالإطعام ولو لم يأكل لم يكن تاركاً للفرض كذلك لو لم يطعم. وفي الأثر: والقربة في الضحية إراقة الدماء يوم النحر، ولو كان شيء مؤقت لبينه الله في كتابه أو في سنة نبيه، لأن الحكيم لا يتعبد عباده بأمر ولا يجعل فيه توقيتاً، وقال: لما أجمعوا أن من ذبح ضحيته
(1) الحج: 28.
- 332 - (2/332)
صفحة 1119
ثم سرقت فقد أجزأت عنه دلنا ذلك على أن القربة إراقة الدم، والدليل على ذلك ما روي أنه قال عليه السلام: (ملة أبيكم إبراهيم، فقالوا: ما لنا منها؟ قال: فبكل شعرة من الصوف حسنة فيه) (1) وعن ابن عمر قال: ما أنفق الناس نفقة أعظم من السفوح في هذا اليوم، وقد أجازوا الإنتفاع بإهاب الضحية وكرهوا بيعه، والدليل على هذا ما روي أنه قال عليه السلام: (كلوا وتصدقوا وأدخروا (2).
وفي الأثر: وقيل إن أبا الشعثاء كان يشترك مع أصحابه في البقرة فيأمرهم ببيع جلدها ويتصدق به، قلت: أفينتفع به؟ قال: نعم، ولا يصلح للرجل أن يشارط القصاب على سلخ شاة وله إهابها ولكن إذا ذبح فليعطه جلدها والله أعلم.
مسألة في البدن والهدي:
وهي
قائمة،
قال الله تعالى: والبُدْنَ جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير كم (3)، والبدن هي الإبل، وقيل أيضاً هي البقر، وإنما سميت بدناً لأنها تقلد وتشعر وتساق إلى مكة، والهدي هو الذي يساق إلى
(1) متفق عليه
(2) متفق عليه (3) الحج: 36.
- 333 - (2/333)
صفحة 1120
مكة وينحر بها ولو لم يقلد ولم يشعر.
وفي الأثر: وكان عبد الله بن عبد العزيز يقول: لا تشعر البدن لأن الإشعار مثلة، وكان الربيع يقول: الإشعار في السنام من الجانب الأيسر، وفي التفسير ذكروا عن ابن عباس (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اشعر بدنته من السنام الأيمن ثم سلت عنها الدم ثم قلدها نعلين))، ومن ساق هدياً ولم يشعرها فله أن يعود فيها أو يبدلها ما لم يتكلم بلسانه أنها هدي، وله أيضاً أن يركب عليها وينتفع بألبانها ما لم تقلد وتشعر، فإذا قلدت وأشعرت فلا ينتفع بها إلا مضطراً وهو المعني بقوله تعالى: لكم فيها منافع إلى أجل مسمى) (2)، وذكر في التفسير عن عطاء عن ابن عباس قال: الأجل المسمى أن تقلد وتشعر، وهي البدن ينتفع بظهرها ويستعان بها ثم محلها أي إذا قلدت أو أشعرت إلى البيت العتيق، وروي أيضاً من طريق أبي هريرة) أن النبي لا رأى رجلاً يسوق بدنة قال: اركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها، وضحك في الثانية أو في الثالثة) (3)، وهذا الخبر مطلق لم يشترط فيه شيئاً والله أعلم.
(1) رواه البيهقي والدارقطني.
(2) الحج: 33. (3) متفق عليه.
- rri - (2/334)
صفحة 1121
وفي الأثر: عن أبي سفيان قال: كانت امرأة من المسلمين يقال لها أم عمر بن كعب بن الحارث خرجت إلى مكة فلما كانت على مرحلة من البصرة أمرت مولى لها يقال له مسلم السقط وكان فاضلاً، يا مسلم إشتر لي بدنة قال: فاشترى لها بدنة، فقالت له: أشعرها قال: ففعل، قال: فقالت: ما صنعنا أن نخاف أن يدخل علينا شيء من ذلك؟ قال: فأقامت مكانها، فوجهت مسلماً إلى الربيع تسأله: فقال لها: قد وجب عليك الإحرام فامسكي عما يمسك عنه المحرم حتى تنحري بدنتك.
مسألة:
والهدي المسوق في هذه العبادة منه واجب ومنه تطوع، فالواجب منه ما هو واجب بالنذر ومنه ما هو واجب في بعض أنواع هذه العبادة مثل هدي المتمتع والقارن والمحصر عن الحج في قول بعضهم، ومنه ما هو واجب لأنه كفارة مثل كفارة هدي الصيد وهدي إلقاء التفث والإيذاء وما أشبه ذلك من الهدي الذي يلزم المحرم من إخلال بعض المناسك والله أعلم. وإن عطب من هذا شيء في الطريق فإنه ذكر في بعض الأثر عطاء قال: ماكان من هدي كفارة أو جزاء الصيد عن أو فدية أو صدقة أو نذر للمساكين، فما مات منها أو ضل فعلى صاحبه
- 335 - (2/335)
صفحة 1122
بدله، فإن عطب في الطريق قبل أن يدخل الحرم فليأكل منه وليطعم لأن عليه بدله للمساكين، وإن نحره في الحرم قبل أن يبلغ البيت فقد أجزأه لأن الحرم كله مكة، فإن قدم مكة في شوال أو ذي القعدة فلينحره بمكة قبل يوم النحر إن شاء ثم يتصدق به على المساكين ولا يأكل منه، ومن قدم بالهدي في عشر من ذي الحجة فلا ينحره حتى يكون يوم النحر فلينحره بمنى ويتصدق به على المساكين، قال: وما كان من هدي يهدي الله ولم يسم المساكين وهدي التطوع وهدي المحصر بالحج وهدي الحج والعمرة فلينحره يوم النحر فليأكل منه وليطعم أكثره المساكين، وكل هدي تطوع ضل أو عطب في الطريق قبل أن يدخل الحرم فلينحره ثم يغمس نعله في دمه ثم يضرب به صفحته اليمنى ليعرف أنه هدي ولا يأكل منه هو ولا رفيقه، ولا يأمر بأكله وليس عليه بدله، فإن أكل منه شيئاً فعليه بدل ما أكل، ومثل هذا بلغنا عن رسول الله (أنه بعث مع علي هدياً فأمره إن عطب منها شيء في الطريق نحره وغمس نعله أو قال خفه في دمه وضرب صفحته ليعلم أنه هدي وقال: لا تأكل منه شيئاً ولا أحد من رفقتك (1)، وهذا في التطوع ذكر في التفسير عن مجاهد عن عمر بن الخطاب أنه قال: إذا أكلت من التطوع
(1) رواه أحمد ومسلم وابن ماجه.
- 336 - (2/336)
صفحة 1123
،
فأبدل، وروي أيضاً في التفسير عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إذا عطب الهدي فكلوه ولا تدعوه للكلاب والسباع، فإن كان واجباً فاهدوا مكانه وإن لم يكن واجباً، فإن شئتم فاهدوا، وإن شئتم فلا تهدوا))، وذكر أيضاً عن عطاء فيه قال: كل هدي بلغ الحرم تم عطب قد بلغ محله إلا هدي المتعة فإنه لا بد له أن يهرق دماً يوم النحر، وروى بعضهم عن عطاء قال: إلاهدي المتمتع وهدي المحصر بالحج والله أعلم. وروي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا ينحرون البدن معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها، وكذلك قالوا: تنحر كما قال الله تعالى: صواف)، وقال بعضهم: تنحر باركة لئلا توذي الناس بدمها، فهذا تعليم من الله، فمن شاء نحرها على جنبها والله أعلم. ولا بأس أن يأكل الرجل من كفارة غيره إذا كان فقيراً ما لم يكن رفيقه،
ويدل على هذا ما روي في الحديث المتقدم من قوله عليه السلام: (ولا تأكل منها شيئاً ولا أحداً من رفقتك)، وقال بعضهم: يأكل من جزاء غيره وكفارته ما لم تلزمه نفقته والله أعلم.
:
(1) رواه مالك
(22)
- rry- (2/337)
صفحة 1124
مسألة في الحلق:
روي: (أن النبي لما نحر حلق رأسه) (1) وكذلك الحلق لا يكون إلا بعد النحر، وإن حلق بنورة أو غيرها أجزأه لأنه يسمى حالقاً، وإن لم يكن له شعر أجرى الموسى عليه والله أعلم.
ويستحب له إذا حلق أن يقول: اللهم بارك لي في تفني، واغفر لي ذنبي، واشكر لي حلقي، ويكثر من قول: الحمد لله رب العالمين رب السموات السبع ورب العرش العظيم، وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم، في كل موقف، ثم تمضي للزيارة، فإذا حلقت فقد حل لك الحلال كله إلا النساء والصيد فحتى تزور البيت، وفي التفسير ذكروا عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان يقول: (من رمى الجمرة يوم النحر فقد حل له كل شيء إلا النساء والصيد) (2).
وذكروا أيضاً في الأثر أن أبا سفيان قال: كان أصحابنا لا يرون بأساً بأن يحلق الرجل رأس صاحبه بعدما يرمي جمرة العقبة، وذكر أيضاً
(1) متفق عليه.
(2) متفق عليه.
- 338 - (2/338)
صفحة 1125
أبو سفيان: كان أبو المهاجر يُضَيِّق على أن يحلق الرجل رأس صاحبه إذا رمي الجمرة، فهذا يدل أن في ذلك اختلاف بين أصحابنا كما كان ذلك عند من خالفنا والله أعلم. والتحلل تحللان تحلل أصغر، وهو الحلق بعد الذبح فإنه يحل له كل شيء إلا النساء والصيد، والتحلل الأكبر هو طواف الزيارة لأنه يحل له كل شيء إلا صيد الحرم فحرام على المحلين
والمحرمين والله أعلم.
مسألة في الزيارة:
(1)
ولا حج لمن تركها، والزيارة ركن من أركان الحج الذي لا يتم إلا بهاء وتعجيلها أفضل، وقد قيل: من آخرها فلا شيء عليه، والأصل فيها قوله تعالى: (ثم ليقضوا تفثهم) (1) يعني حلق الرأس والذبح ورمي الجمار (وليوفوا نذورهم) يعني في حج وعمرة مما أوجبوا على أنفسهم من هدي أو غيره، فإذا نحروا يوم النحر وفوا نذورهم {وليطَّوَّفوا بالبيت العتيق) يعني الطواف الواجب بعد النحر، وسمي البيت العتيق لأنه أعتق في الجاهلية من أن يخرب أو يقتل أهله أو يسبى، والزائر يفعل
في زيارته كما يفعل في عمرته من الدخول من الباب والطواف والسعي
(1) تقدم ذكرها.
- pra- (2/339)
صفحة 1126
والدعاء والتسبيح والتهليل والتكبير، ثم ينصرف إلى منى ولا يطوف تطوعاً بعد طواف الزيارة، وقيل: من فعل ذلك فقد أخطأ والله أعلم.
مسألة في الرجوع إلى منى:
بسبع
وإذا أردت الخروج إلى منى بعد الزيارة فلتخرج إلى منى ولا تبت بمكة واقعد بمنى أيام التشريق وترمي الجمار بعدما تزول الشمس، ويستحب أن ترمي على طهارة، فأبدأ بالجمرة التي تلي المشرق وارمها بسبع حصيات وكبر مع كل حصاة تكبيرة، فإذا فرغت من رميها فتقدمها واستقبل القبلة وادع مثل دعائك على الصفا والمروة، وتفعل ذلك ثلاث مرات، ثم امض إلى الجمرة الوسطى فاجعلها على يمينك وارمها حصيات وتكبر مع كل حصاة تكبيرة، فإذا فرغت من رميها فتقدمها إلى يسارها عند المسيل وادع كما وصفت لك عند الأولى ثم انت جمرة العقبة وارمها من بطن الوادي وكبر مع كل حصاة تكبيرة، فإذا فرغت من رميها فانصرف من حيث جئت، ولا تقف عندها إذا رميتها، تفعل ذلك أيام التشريق، فإذا فرغت من رميها اليوم الثالث أو الثاني إن أردت أن تعجل في يومين روح مع الناس إلى مكة فأقم بها ما بدا لك وأكثر من الطواف والله أعلم وبالله التوفيق.
- 340 - (2/340)
صفحة 1127
فصل
في تفصيل ما ذكرناه
أما المبيت بمنى ليالي منى سنة فإنه بلغنا عن رسول الله (لم
يرخص لأحد يبيت بغير منى ليالي منى إلا للرعاة ويصبحون يرمون مع
(1)
الناس) (1).
وأما رمي الجمار بعد زوال الشمس فهو أيضاً سنة لما روي أن النبي عليه السلام رجع إلى منى بعد الزيارة، أقام بها أيام التشريق يرمي الجمار كل يوم حين تزول الشمس كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة تكبيرة، فعلى هذا لا يرمي قبل زوال الشمس في أول النهار إلا من فاته رمي أمس قضاه أول النهار إن شاء لأن هذا قضاء، وإن أخره إلى زوال الشمس فلا بأس، لأن رمي الجمار لا يفوت حتى تنقضي أيام التشريق إلا جمرة العقبة، ولا يرمي أيضاً بالليل إلا إن كان خائفاً على نفسه وكذلك أيضاً يرمي كل جمرة بسبع حصيات ويكبر مع كل حصاة تكبيرة سنة كما ذكرنا عن النبي، والدعاء عند الجمرة مستحب، والأصل فيه ما بلغنا (أنه عليه السلام رمى كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل
(1) رواه أبو داود والترمذي.
-521 - (2/341)
صفحة 1128
حصاة تكبيرة يقف عند الأولى والوسطى من بطن الوادي ويطيل القيام) (وأما جمرة العقبة فلا يقف عندها إذا رماها والله أعلم.
(1)
وأما الإبتداء بالجمرة الأولى ثم الوسطى ثم أيضاً جمرة العقبة فهو
كما بلغنا عنه عليه السلام فيجب الإقتداء به
وفي الأثر: ومن رمى جمرة العقبة ثم الوسطى ثم الأولى فقد أخطأ وليس عليه شيء، وإن أعاد الرمي فذلك أوثق.
(2)
وأما التعجيل في اليومين فالأصل فيه قوله تعالى: (واذكروا الله في أيام معدودات) (يعني ثلاثة أيام بعد يوم النحر بمنى أيام التشريق إذا رميتم الجمار في دبر الصلاة وغيرها، وذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكبر في مبيته بمنى فيرفع صوته فيسمع أهل مسجد منى فيكبر أهل المسجد فيسمع أهل منى فيكبرون كلهم حتى ترتج منى تكبيراً، قال: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه) (3) يعني من نفر من منى بعد يوم النحر بيومين قبل غروب الشمس بعدما رمى
(1) تقدم ذكره.
(2) و (3) البقرة: 203.
- 342 - (2/342)
صفحة 1129
الجمار الثلاثة فلا إثم عليه، وذكر عن ابن مسعود: فلا ذنب عليه، يقول: ذنبه مغفور إذا كان مؤمناً، ومن تأخر يعني إلى اليوم الثالث من أيام
التشريق، يعني حتى يرمي الجمار ثم ينفر مع الناس فلا إثم عليه.
وفي الأثر: ومن خرج من منى في النفر الأول بالعشي في اليوم الثاني فجائز، ويدفن ما بقي من الحصى في أصل جمرة العقبة، قال الله تعالى: (فمن تعجل في يومين) الآيقومن لم يخرج حتى أدركه الليل لزمه القعود إلى اليوم الثالث حتى يرمي الجمار بعد الزوال، ثم يمضي
للوداع والله أعلم، وبالله التوفيق.
- 343 - (2/343)
صفحة 1130
باب في الاحكام
أحكام الحج
قد ذكرنا ما يلزم المحرم من الترك، وما يلزمه لو فعله، فينبغي لنا أن نشرع في أحكام مناسك الحج والعمرة، فمن لم يلب فلا حج له ولا عمرة لأن من لم يلب لم يحرم، ومن لم يحرم لم يدخل في الحج، وهو بمنزلة تكبيرة الإحرام في الصلاة، ومن لم يقف بعرفات فلا حج له، ومن لم يطف بالبيت فلا حج له ولا عمرة، أعني في الحج طواف الزيارة يوم التحر، فهذه فرائض الحج والعمرة متفق عليها، فمن فاته خصلة منها فلاحج له ولا عمرة، ومن ترك من المناسك سوى ما ذكرناه كفر به، ومثل ذلك من ترك الإحرام من الميقات فإنه يرجع إلى الميقات ويحرم، وإن لم يمكنه ذلك أحرم من حيث ذكر وعليه دم يهرقه، وفي بعض الآثار أن الإحرام من الميقات فرض من فرائض الحج، ومن لم يحرم من الميقات
-344 - (2/344)
صفحة 1131
على هذا القول فلا حج له ولا عمرة، والغسل عند الإحرام ليس بواجب، ومن لم يغتسل فليس عليه شيء، والمبيت بمنى ليلة عرفة سنة. وفي الأثر: ومن تعجل إلى عرفة ليلة مني فقد أخطأ السنة، وقال من قال: وإن غدا إلى عرفات من منى قبل طلوع الشمس فلا كفارة عليه، وأما من تعجل ليلة عرفة من منى فعليه دم، ومن دفع من عرفات قبل أن تغرب الشمس فلا حج له كما ذكرنا، ومن غربت عليه الشمس ولم يقف بعرفات فقد فاته الحج، وقال بعض: من وقف بعد ذلك ساعة من الليل ولحق مع الناس صلاة الفجر بجمع، فقد أدرك الحج كما ذكرنا قبل هذا عن رسول الله الله، ومن فاته الوقوف بعرفات فعل بمنى ما يفعل الحاج ويرحل إلى بلده ولا يصيب النساء ولا الصيد حتى يحج من قابل، وذكر عن نافع عن ابن عمر قال: من وقف بعرفات ليلة جمع قبل طلوع الفجر، فقد أدرك الحج، وإلا فليحرم بعمرة من مكانه ويعتمر وعليه الهدي والحج من قابل، وعلى هذا القول أنه يلزمه الهدي كما يلزم المحصر، ويحل من إحرامه كما يحل المحصر، وذلك أيضاً لأن الإحرام بالحج لا ينعقد في غير أشهر الحج فوجب أن يحل ويلزمه الهدي
كما يلزم المحصر، مع أن المحصر اختلفوا في حاله.
وفي الأثر: عن أبي سفيان عن الربيع في المحصر قال: يبعث
- 034 - (2/345)
صفحة 1132
بالهدي، فإذا نحر عنه حل من إحرامه من كل شيء إلا النساء والصيد، قال: وكان يقول: لا يكون عندي إلا بمنزلة أهل منى مع أن أهل منى قد شهدوا عرفة وجمعاً ورموا الجمرة ثم لم يحل لهم مع هذا كله النساء والصيد، وذكر أن رجلاً جاء وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يخطب الناس بمنى فقال: يا أمير المؤمنين فاتني الحج وقدمت الساعة، قال فما صنعت؟ قال: كرهت أن أصنع شيئاً حتى ألقاك، فقال: قد أحسنت، قال: طف واسع وقصر من رأسك وحل وحج من قابل.
وفي الأثر: عن الربيع وأبي نوح وأبي عبيدة أنهم قالوا فيمن فاته الوقوف بعرفة قالوا: لا حج له، وليصنع ما يصنع الناس وليجعلها عمرة ثم يحل من إحرامه، وإن كان ذلك في الحج الواجب فعليه الإعادة، وإن كان في التطوع ثم حل بعمرة فلا إعادة عليه، وذكر أيضاً عن عطاء فيمن أحرم بالحج ثم قال: إن لم تكن حجة فعمرة وإلا فمحله حيث يحبس، قال: إن حبس فلا كفارة عليه ويخل من إحرامه إلا أن يكون معه الهدي فلا يحل حتى يبلغ الهدي محله، قال: وقد أمرت عائشة رضي الله عنها الزبير بن العوام أن يحرم بالحج إن تيسر، وإن حبس فهو عمرة، والله أعلم. وإن وقف بعرفات ثم أغمي عليه أو وقع عليه أو حبسه حتى مضت أيام مني فحجه تام ولا يخرج حتى يزور البيت، هذا يدل من
- 346 - (2/346)
صفحة 1133
قولهم أن زيارة البيت ليس له وقت معلوم محدود لا يتعداء كالوقوف بعرفات، وسيأتي بيان هذا إن شاء الله في موضعه، ومن وقف بعرفة فقد أدرك الحج، ومن فاته الوقوف بعرفات فاته الحج لقوله عليه السلام: (الحج عرفة)).
وفي الأثر: من مات بعد أن وقف بعرفات وكان معه أحد من أوليائه ورفقائه، وأراد أن يتم عنه ما بقي عنه من حجه فله ذلك، ولا يرم له جمرة العقبة ولا يزور له حتى يرمي لنفسه ويزور، لأنه ما لم يزر لنفسه لم يتم له حجه، وإن لم يتم حجه فلا يحج لغيره، نقوله عليه السلام: (يحج عن نفسه ثم يحج عن غيره)، وإذا رجع إلى مني فإذا رمى جمرة العقبة وزار بعد ما رمى لنفسه وزار، فإنه بعد ذلك يرمي له كما يرمي لنفسه. والدعاء في عرفات والذكر الله سنة بإجماع، وهو شيء غير محدود، ومن لم يقف بالمزدلفة هرق دماً، وقيل: من لم يدع بها فعليه دم لقوله تعالى: واذكروا الله عند المشعر الحرام) (2)، وفي بعض الآثار: ومن لم يبت بالمزدلفة فعليه دم، وذلك لأن المبيت بالمزدلفة سنة، والإفاضة قبل طلوع الشمس من المشعر الحرام، ومن تخلف حتى تطلع عليه
(2)
(1) تقدم ذكره.
(2) تقدم ذكرها.
- 347 - (2/347)
صفحة 1134
الشمس لزمه الجزاء دم، ورمي الجمار سنة، ومن لم يرم جمرة العقبة يوم النحر لزمه دم، لأن النبي مال الله إنما رماها يوم النحر، ومن رماها في غير يوم النحر فقد خالف سنة نبيه محمد الا الله، والدليل على ذلك ما روي أنه قال عليه السلام يوم النحر وهو يرمي جمرة العقبة على راحلته: (خذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)) أو قال: (بعد حجي هذا)، وقيل: إن جمرة العقبة لا ترمى إلا من بطن الوادي، فإذا رماها انصرف والله أعلم. والضحية واجبة على المتمتع
(2)
فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) (2) وقيل:
إنه من ذبح قبل أن يرمي فلا بأس، ولا يؤمر بذلك لما روي أن رجلاً أتى رسول الله الله فقال: (يا رسول الله إني نحرت قبل أن أرمي، فقال له النبي عليه السلام: إرم ولا حرج عليك)، والحلق والتقصير سنة.
وفي الأثر: من خرج من مكة ولم يحلق ولم يقصر فإن عليه دماً، وإن حلق قبل أن يذبح فعليه دم، لقوله تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم
(1) تقدم ذكره. (2) البقرة: 196.
(3) متفق عليه.
- TEA- (2/348)
صفحة 1135
حتى يبلغ الهدي محله)، وقال بعضهم: ليس عليه شيء، والدليل لهم ما روي من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص قال في حجة الوداع: (جاء رجل إلى النبي الله فقال: يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح قال: إذبح ولا حرج عليك، قال: فجاء رجل آخر فقال: يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي الجمار، فقال: إرم ولا حرج عليك، فما سئل في ذلك اليوم عن شيء إلا قال: افعل ولا حرج)) قال الرب لربيع: قال أبو عبيدة: تلك رخصة من النبي عليه السلام في ذلك اليوم، وأما من حلق قبل أن يرمي جمرة العقبة لزمه دم، لأن كل من حلق قبل أن يحل من إحرامه يلزمه دم فيه حتى يرمي ثم يذبح ثم يحلق ثم يزور، ويؤمر بتعجيل الزيارة يوم النحر فهي الفريضة وإن أخر ذلك لم يلزمه شيء إذا زار.
وفي الأثر: إذا خرج الحاج ولم يزر فعليه أن يرجع حيث كان من سنته أو بعدها ولو كان بلغ مصره حتى يزور البيت، فإذا رجع وزار وسعى ولم يكن أصاب أهله وإلا فسد حجه فعليه دم وقد تم حجه، وإن أصاب أهله فعليه الحج من قابل ودم، ولا يرجع يطأ أهله حتى يزور البيت،
(1) متفق عليه.
-519 - (2/349)
صفحة 1136
قلت لابن أبي ميسرة: إنما لهذا الرجل من سنته هذه التي حج فيها أن يزور البيت أو متى ما زار كفى، قال: بل متى ما زار أجزأه ما لم يصب النساء والصيد، وإن أصاب النساء والصيد فعليه أن يهدي بدنة، وأحسب هذا من قول عطاء، والصحيح عند أصحابنا، إذا جامع قبل أن يزور البيت فسد حجه والله أعلم. وقال بعضهم: إذا ترك طواف الزيارة حتى يمضي ذو الحجة فسد حجه، وأحسب هذا القول على قول من قال: أشهر الحج ثلاثة: شوال وذو القعدة وذو الحجة إلى آخره، وأما على قول من قال: شوال وذو القعدة وعشرة أيام من ذي الحجة، فعلى قوله يشبه أن يكون طواف الزيارة لا وقت له، لأنه إنما يفعل بعد انقضاء أيام الحج والله أعلم. ومن زار قبل أن يرمي جمرة العقبة فإنه يعود ثم يرمي جمرة العقبة ويذبح ويحلق ثم يعود فيزور أول فأول لقوله تعالى: (ثم ليقضوا تفتَهُمْ وليُوفُوا نُذُورَهُمْ ولَيَطوفوا بالبيت العتيق)، وقضاء التفث
(1)
والطواف إنما هو بعد جمرة العقبة، وإن رمى وزار قبل الذبح والحلق فيعود فيذبح ويحلق ثم يزور، وإن لم يفعل فعليه دم، وقال بعض: لا شيء عليه.
وذكر أيضاً في الأثر: عن الشيخ أبي الحسن قال: ما قدموه
(1) تقدم ذكرها.
ro. - (2/350)
صفحة 1137
وأخروه خطأ ثم رجعوا فيه فلا شيء على من فعل ذلك ما لم يحلق أو يقصر، ووجدت عن غيره أنه قال: من قدم سكاً قبل نسك فعليه دم، ولم يشترط حلقاً ولا تقصيراً، والطواف بالبيت سبعة أشواط فريضة.
ومن الأثر: وفي جامع الشيخ أبي الحسن: أن من طاف للزيارة ستة أشواط ثم خرج إلى بلده فأصاب النساء والصيد أنه فسد حجه، وتركنا قول من أثبت له الحج، وأحسب أنه قول أبي حنيفة، لأنه ذكر عنه مثل ذلك، وعند أصحابنا أن منزلة سبعة أشواط في الطواف كمنزلة أربع ركعات في صلاة الظهر، فإذا لم تجز صلاة من صلى ثلاثة ركعات كذلك لا يجوز طواف من طاف ستة أشواط ولا فرق والله أعلم. وإن طاف للزيارة ثمانية أشواط ثم نفر فعليه دم، لأنها زيارة بعد تمام الطواف خالف بها السنة فقط، لأنه عليه السلام إنما انصرف إلى ركعتي الطواف عن سبعة أشواط، فإن قال قائل: يلزم على قولك أن يكون بمنزلة من لم يطف حين قرنت الطواف بالصلاة ويكون كمن صلى خمس ركعات فلا طواف له، كما أنه لا صلاة له، قيل له: الفرق بين الطواف والصلاة في هذا الوجه أن زيادة الشوط الثامن إنما هو بعد تمام الطواف، وزيادة الركعة الخامسة في داخل الصلاة، إذ الصلاة تحتاج إلى التسليم بخلاف الطواف والله أعلم. ومن طاف وكان طوافه من وراء زمزم بينه وبين
- 351 - (2/351)
صفحة 1138
البيت، أو كان طوافه قريباً من ظلة المسجد من زحام أصابه أو من غيره فإنه يجزئه ذلك، وإن طاف من وراء المسجد وكانت حيطانه بينه وبين الكعبة فإنه لا يجزئه ذلك، لأنه طاف بالمسجد لا بالبيت المأمور بطوافه والله أعلم.
وفي الأثر: وسئل أبو عبيدة عمن طاف للحج أو للعمرة فاستيقن على أربعة أشواط ولم يدر لعلها خمسة، أو استيقن على ثلاثة ولم يدر لعلها أربعة، فإنه يبني على ما استيقن عليه حتى يتم سبعة أشواط ثم يصلي ركعتين ولا يعتد بطوافه ذلك، ويجعله تطوعاً ثم يعيد سبعة أشواط
يتيقنها.
وفي الأثر: قلت: أرأيت من طاف منكساً هل يجزئه طوافه؟ قال: وذلك فيما يوجبه النظر كمن نكس صلاته سواء والله أعلم. قلت: أرأيت الرجل يطوف أسبوعاً ويطوف شوطاً أو شوطين من أسبوع آخر، ثم ذكر أنه لا ينبغي له أن يجمع بين أسبوعين كيف يصنع؟ قال: يخرج من الطواف حين يذكر ثم يركع ركعتين ثم يعيد فيتم
تأخذ
ما بقي من الشوط الآخر ثم يصلي ركعتين، وقد قال بعض من عنه: إن طاف ثمانية زاد التاسع ثم خرج فصلى ركعتين ثم عاد فأتم خمسة
- ror- (2/352)
صفحة 1139
أشواط ثم يصلي ركعتين، وكذلك يفعل إذا كان أسبوع الزائد غيرو تر يجعله وتراً ثم يخرج فيصلي ركعتين، ثم يبني على ذلك الوتر حتى يتم
أسبوعاً، ثم يصلي ركعتين، أي ذلك فعل. قاله من نأخذ عنه.
وفي الأثر أيضاً قال فيمن طاف ثمانية أشواط: أنه يركع ويزيد ست مرات، ثم يركع ويزيد سبع مرات طوافاً، ثم يركع فيا قال عن أبي سهل، وأما إن طاف ست مرات فركع، فإنه يزيد واحدة ثم يركع ويستأنف أيضاً سبعاً، ثم يركع أيضاً، والسنة في الطواف التسبيح والتكبير، وكذلك استلام الحجر.
وفي الأثر: ومن طاف ولم يستلم الحجر الأسود في شيء من ذلك فإنه قد أساء إن لم يمنعه منه الزحام، وقيل: إن عليه دماً، والوقوف عند ركن الحجر وعند الميزاب، وما يقال في ذلك من الدعاء مستحب، وليس بواجب إلا ما فتح الله، وركعتان خلف مقام إبراهيم عليه السلام بعد ما الطواف سنة، ومن تركهما فعليه دم، وموضعهما الحرم، لأنه إنما أمر أن يركعهما بعد الطواف فقط، وليس المقام شرطاً في صحتهما، لأنه لم يؤمر أن يستقبل في الصلاة شيئاً غير الكعبة، وإذا ركعهما في الحرم امتثل ما أمر به، وفي بعض الآثار: ومن ترك ركعتي الطواف حتى
فقد
(23)
- ror - (2/353)
صفحة 1140
يخرج من المسجد فليركعهما ما دام في الحرم، وإن خرج من الحرم فلير كهما حيث كان، وإن أتى إلى منزله فليهد شاة لتأخير ركعتي الطواف، فعلى هذا القول يركعهما، ولو خرج من الحرم، وما لم يصل إلى
أهله وذلك لا وقت لهما إلا أنه بعد الطواف فقط، لقوله عليه السلام:
(1)
من طاف بالبيت وركع فله من الأجر كثير))، والسعي بين الصفا والمروة سنة واجبة معمول بن لة واجبة معمول بها، وقيل فريضة أيضاً، ومن تركه فعليه دم،
=
:
وكذلك من ختم سعيه بالصفا وانصرف على ستة أشواط و أحل فعليه دم، لأن السنة في السعي سبعة أشواط يبدأ بالصفا ويختم بالمروة، وإن ابتدأ بالمروة فليلغ ذلك الشوط حتى يتم سبعة، يبتديء بالصفا ويختم بالمروة، كما بلغنا عنه عليه السلام أنه قال حين خرج من المسجد وهو يريد الصفا: (نبدأ بما بدأ الله به) (2) والرمل بين العلمين سنة، ومن تركه فعليه دم، وكذلك من ترك الأكثر منه وأحل فعليه دم، وإن ترك القليل من ذلك فلكل واحد إطعام مسكين، والمرأة ليس عليها أن ترمل ولكن تسرع مشيها، والدعاء على الصفا والمروة مستحب، ومن سعى بين الصفا والمروة قبل أن يطوف فهو بمنزلة من لم يسع، لأن موضع السعي بعد
(1) رواه مسلم. (2) تقدم ذكره.
- 354 - (2/354)
صفحة 1141
الطواف، وأما إن سعى قبل أن يركع ركعتي الطواف فقد وجدت في الأثر: من تذكر وهو يسعى أنه لم يركع للطواف قطع سعيه وصلى ثم أتم ما بقي عليه، وإن كان قد أتم السعي صلى، وإن ذكر بعد فراغه من سعيه صلى ولا شيء عليه، ولو ذكر وهو بمنى صلاهما بمنى، فهذا يدل أن الإختيار أن يركع ثم يسعى، وإن سعى قبل ركعتي الطواف فلا شيء عليه، وإن جامع قبل السعي فعليه دم وقد تم حجه، والمبيت بمنى ليالي منى سنة، ومن بات بمكة ليالي منى بعد الزيارة فعليه لكل ليلة دم؛ لأن النبي لا لا لا لو لم يرخص لأحد أن يبيت بغير منى ليالي منى، إلا الرعاة فيصبحون يرمون مع الناس، ومن لم يوم الجمار يكفر إن فاته رمي الجمرة يوم النحر - الجمرة الكبرى بشاة يهريق دمها، ومن فاته الرمي في اليومين الأوسطين، فليبدل الرمي في اليوم الثالث بحصى الأيام كلها، ولا شيء عليه، وذلك غير يوم النحر.
وفي الأثر: ثم يرمي الأولى سبعاً والوسطى سبعاً وجمرة العقبة سبعاً ثم يعود ولا يرمي بالأربع عشرة جميعاً في دفعة، فلعله يعني في موقف، وفي موضع آخر: وإن شاء يعيد جميعاً في موقف واحد وليس عليه أن يرجع، فعلى هذا القول ليس عليه من الترتيب شيء، وإنما عليه أن يرمي فقط، ويدل أيضاً على هذا أن في الأثر: ومن رمى جمرة العقبة
- 255 - (2/355)
صفحة 1142
الرمي
ثم الوسطى ثم الأولى فقد أخطأ وليس عليه شيء، وإن أعاد فذلك أوثق، وإن فاته الرمي كله فعليه لكل جمرة كل يوم شاة فذلك تسعة أشياء، والشاة العاشرة لجمرة العقبة يوم النحر، وأعظم الرمي أوله وآخره.
وفي الأثر: وإن علم أنه رمى جمرة العقبة بأقل من سبعة، وترك ذلك عامداً حتى انقضت أيام الرمي فعليه دم، وإن ترك حصاة من رمي سائر الجمرات فعليه إطعام مسكين واحد، والحصانين مسكينان والثلاثة ثلاثة مساكين، وإذا ترك من الحصى الأكثر من الجمرة حتى تنقضي أيام الرمي فعليه بالأكثر دم وبالأقل إطعام، ولكل حصاة من الجمار التي لم يرمها إطعام مسكين، وفي السبع حصيات من الجمرة في كل يوم دم وليس عليه في زيادة الرمي شيء، ومن زاد في الرمي شيئاً فلا يضره ولا يفسد عليه، ومن رمى خصاتين معاً فهي رمية يعدها حصاة واحدة ويرمي بعدها ستة، وإن فاتته أهرق دماً لأن السنة أن يرمي بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة تكبيرة، والتكبير عند الرمي سنة.
وفي الأثر: من نسي التكبير كله عند الرمي فليعد، وإن فاته فقيل: يهدي شاة إذا ترك التكبير كله، وأما التكبيرة والتكبيرتان فيعيد مثل
- 256 - (2/356)
صفحة 1143
ذلك، وفي موضع آخر: ومن ترك التكبير يوم النحر عند الزمي فليعد رمي الحصاة و الحصانين، يكبر فيها إن كان من ساعته وإلا فليصنع معروفاً لترك التكبيرة والتكبيرتين، ومن رمى بغير حصاة الحرم، فعليه الإعادة، وإن فاته فعليه دم لكل جمرة كل يوم، لأن السنة أن يرمي بحصاة الحرم كما ذكرناه، ولا يرمي الجمار مما رمى الناس به من الحصى، و من رمى من ذلك الحصى فلا فساد عليه لأنه رمى من حصى الحرم والله أعلم. ومن رمى الجمرة فطرح رميته أبعد منها فإن أعادها وإلا فإطعام مسكين يتصدق به، لأنه مأمور أن يرمي الجمرة، وقيل: سميت الجمرة جمرة لإرتفاعها، وكل مرتفع جمرة، وإن وقع شيء من الحصى الذي رمى به على إنسان أو دابة أو محمل أبدله لأنه كمن رمى غيرها.
وذكر في الأثر: وقال من قال: إن أصابت المحمل ثم رجعت حتى وقعت على الجمرة، ولم تقع في المحمل أجزأت عنه، وذلك فيما يوجبه النظر لأنه رمي ووقعت على الجمرة، ويجوز أن يبيع ويشتري في مواسم الحج كلها لقوله تعالى: (لَيْسَ عليكم جناح أن تبتغوا فَضْلاً من ربكم) () يعني الرزق من التجارة في مواسم الحج كلها والله أعلم. وإن
(1) البقرة: 198.
- roy- (2/357)
صفحة 1144
أردت أن تنصرف إلى أهلك فلا تخرج حتى يكون آخر عهدك بالبيت الحرام، والوداع سنة عند علمائنا رحمهم الله، ومن خرج ولم يودع فعليه دم، والدليل على هذا ما روي من طريق ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ينفر أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت () ().
(1)
وكذلك أيضاً في الأثر: عن الحارث بن عبدالله بن أوس عن النبي) أنه نهى الحائض ألا تنفر حتى يكون آخر عهدها بالبيت) (2) وإلى هذا ذهب علماؤنا رحمهم الله تعالى: أن من ترك الوداع لزمه دم، ويلزم المرأة ما يلزم الرجل من الدم والجزاء وغير ذلك، وكذلك أيضاً من ترك الركعتين للطواف بعد الوداع فعليه دم.
وفي الأثر: وإذا طافت المرأة طواف الوداع ولم تركع ثم حاضت وخرجت نافرة فإن باشرها زوجها فعليها دم، وإن ركعت قبل أن يطأها فلا بأس إذا كان ركوعها في الحرم.
وفي الأثر: إذا أردت الخروج فأت البيت وطف به سبعة أشواط ثم صل ركعتين، ثم انت زمزم واشرب من مائها وصب على رأسك
(1) رواه الدارقطني
(2) رواه أبو داود والدارقطني والبيهقي.
- 358 - (2/358)
صفحة 1145
وقل كما وصفت لك عند العمرة، وكذلك تفعل عند الزيارة من الدعاء، ثم ارجع فقم بين الباب والحجر الأسود، واعتمد بيدك اليمنى على أسكفة الباب حيث تبلغ يدك، ويدك اليسرى قابضة بأستار الكعبة، ثم الزق بطنك بجدار الكعبة وادع بما فتح الله لك من الدعاء، وقل عند ذلك: اللهم لك حججنا وبك آمنا ولك أسلمنا وعليك توكلنا وبك وثقنا وإياك دعونا فتقبل نسكنا واغفر ذنوبنا واستعملنا لطاعتك، اللهم إنا نستودعك ديننا وإيماننا وسرائرنا وخواتم أعمالنا وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم، اللهم اقلبنا منقلب المدركين رجاء هم، المحطوط خطاياهم، الممحاة إساءتهم، المطهرة قلوبهم، منقلب من لا يعصي لك بعدها أمراً ولا يحمل وزراً، منقلب من عمرت بذكرك لسانه، وزكيت بزكاتك نفسه، ودمعت من مخافتك عيناه عبدك ابن عبدك ابن أمتك، حملتني على دابتك، وسيرتني في بلدك حتى أقدمتني حرمك وأمنك فقد رجوت بحسن ظني أن تكون قد غفرت لي فازدد عني رضاً وقربني إليك زلفاً، وإن كنت لم تغفر لي فمن الآن علي قبل أن تباعدني عن بيتك، وهذا أوان انصرافي غير راغب عنك ولا عن بَيْتِك ولا مُسْتَبْدِلا بك ولا يبيتك، اللهم لا تجعل هذا آخر الصد مني عن بيتك الحرام، فاغفر لي وارحمني إنك أرحم الراحمين، ولا
6
اللهم إني
- 359 - (2/359)
صفحة 1146
تنزع رحمتك مني، اللهم إذا أقدمتني إلى أهلي فاكفني مؤونتي ومؤونة عيالي ومؤونة خلقك فإنك أولى بخلقك مني، اللهم إني أعوذ بك من وعناء السفر وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال والولد، تائبون عابدون لربنا حامدون وإلى ربنا راغبون، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، واخرج إذا ودعت ولا تبع ولا تشتر بعد الوداع، وتمر وأنت محزون على فراق
البيت والله أعلم، وبالله التوفيق.
-3. - (2/360)
صفحة 1147
كتاب الايمان والكفارات
(1)
والأصل في هذا قوله تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتُم الأيمان) والأيمان تنقسم قسمين: لغوية ومنعقدة، والمنعقدة تنقسم قسمين: مباحة وغير مباحة، فاللغوية لا إثم فيها ولا كفارة لقوله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) وأصل اللغو في كلام العرب: هو ما أسقط ولم يعتد به، واختلف العلماء في لغو اليمين الذي ليس فيه كفارة، قال بعضهم:: هو ما سبق إليه لسان الإنسان من الأيمان على سرعة وعجلة ليصل به كلامه من غير عقد ولا قصد، مثل قول القائل: لا والله ويلى والله
مرسلاً من غير تعمد ولا عقد نية وبهذا يقول أبو الشعثاء وعائشة رضي
(1) البقرة: 225.
-11 - (2/361)
صفحة 1148
الله عنهما، وقال بعضهم: اللغو في اليمين هو أن يحلف الرجل يميناً على شيء قطعاً عند نفسه، ثم يتبين له بعد ذلك أنه بخلاف ما حلف عليه، وقال آخرون: إنما معنى اللغو الذي ليس فيه كفارة هو أن تعقد اليمين بقلبك على شيء ويخالف لسانك عقد قلبك، فذلك اللغو الذي ليس فيه كفارة ولا إثم، وأما غير المباحة فهو أن يحلف الرجل بغير الله، مثل أن يقول: وحق المسجد وحق الكعبة وما أشبه ذلك، والدليل على هذا ما روي أنه قال عليه السلام: (لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت ولا بالكعبة) وهذا القسم أيضاً ليس فيه كفارة، وروي أيضاً من طريق أبي سعيد الخدري) أن النبي لعل الله أدرك عمر بن الخطاب في ركب وهو يحلف بأبيه، فقال رسول الله: إن الله نهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان منكم حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت))، ففي هذا دليل أن الحلف بغير الله لا يجوز، وأما الأيمان المباحة التي فيها الكفارة
:
على أربعة أقسام: أحدها: أن يحلف الرجل بالله، ومثل ذلك: والله، وبالله
الكعبة ورب
ولا والله، وبلى والله، وربي وربك ورب الكعبة
السموات
والأرض ورب القرآن في كل ما ذكر الله حالفاً به فهو يمين، فإذا حنث
(1) رواه احمد والنسائي.
(2) رواه أحمد ومسلم والنسائي.
- 362 - (2/362)
صفحة 1149
لزمته كفارة، وكذلك أيضاً إن حلف بصفة من صفات الله على هذا المعنى، مثل أن يقول: وعزة الله، وعظمة الله، وقدرة الله.
الثاني: أن يحلف بالأيمان التي ليست أقساماً لشي مو إنما تخرج مخرج الزام الواقع بشروط، مثل: من حلف بالحج أو بالمشي إلى بيت الله الحرام، أو حلف بالصدقة أو العتق أو الصلاة أو الصيام أو الاعتكاف أو العهد، فإذا حلف بهذا كله وحنث، لزمه ما جعل من ذلك على نفسه، وقد روي أن جابر بن زيد رضي الله عنه كان يقول: من ألزم لنفسه شيئاً ألزمناه له، ولكن يكره اليمين بالطلاق والعتاق لما روي في الخبر عن النبي عليه السلام أنه قال: (الطلاق والعتاق من أيمان الفساق))، وقد ذكر عن عطاء قال: من حلف بالمشي أو الهدي أو هو محرم بحجة أو عليه بدنة ثم حنث فلكل واحدة من هذه كفارة يمين، وقال غيره: من حلف بشيء من هذه الوجوه فعليه الوفاء به لأنها نذر، وهذا يدل أن سبب اختلافهم هل هي نذر أو يمين؟ وصاحب القول الأول أخذ بعموم قوله تعالى: ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) (2) فعم ولم يخص، وقد سمى الله تعالى القول الذي مخرجه مخرج الشرط أو مخرج الإلزام دون الشرط
(1) رواه أحمد والدارقطني والبيهقي.
(2) المائدة: 89.
- 363 - (2/363)
صفحة 1150
(1)
يميناً في قوله تعالى: (يا أيها النبي لم تُحرم ما أحلَّ الله) إلى قوله (تَحِلَّةَ أيمانكم)) وقد سمى الله تعالى العهد يميناً في قوله تعالى: (وأوفوا بِعَهْدِ الله إذا عاهدتم ولا تَنْقُضُوا الأثمان بعد توكيدها) (3) وكفارة
العهد بالله عندهم كفارة مغلظة
•
وفي الأثر: قال أبو سفيان: وكان الربيع يقول فيمن قال: علي عبد الله أن عليه يميناً مغلظة رقبة يعتقها، وإن لم يجد فصيام شهرين
متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، فقيل له: يا أبا عمر فمن قال: علي عهد الله وميثاقه وذمته وكفالته؟ قال: إنما هذا تأكيد في اليمين والكفارة واحدة.
"
وفي الأثر: ومن حلف بثلاثين عهداً فلا شيء عليه حتى يحلف بعهد الله، والدليل على هذا القول قوله تعالى: (وأوفوا بعهد الله)
فنسبه إلى الله وهو الذي سماه يميناً.
وفي الأثر: من حلف بثلاثين عهداً لله ثم حنث فعليه كفارة ثلاثين عهداً الله، وقيل: كفارة واحدة، وأصل هذا الاختلاف فيما يوجبه
(1) التحريم: 1.
(2) النحل: 91.
- 364 - (2/364)
صفحة 1151
النظر محمول على الاختلاف المتقدم: هل هذه الأشياء أيمان أو نذر؟ فإذا كانت نذراً لزمه ما جعل على نفسه.
الثالث: أن يحلف بما يخرجه من الإسلام، مثل أن يقول: إنه مشرك بالله أو يهودي أو نصراني أو من ملل المشركين أو من المنافقين أو الكافرين بالله أو الظالمين أو يعبد الشمس أو الجمجمة أو يعبد النار أو الشيطان، إن فعل ثم حنث لزمته الكفارة، وهي عندهم كفارة مغلظة، وقد ذكر عن الربيع قال: من قال هو كافر أو يهودي أو نصراني فهو يمين مغلظة، وقد ذكر أبو عبد الله محمد بن بركة في كتابه فقال: وقد فرق أكثر أصحابنا بين كفارة اليمين فيما يحلف به غير الله تعالى، والذي يختاره ما دلت عليه الآية أن كفارة الأيمان كلها سواء، سوى كفارة الظهار فإنه لاحظ للنظر مع وجود النص.
وفي الأثر أيضاً: ومن قال: لعنه الله أو أخزاه الله، أو قبح الله وجهه أو مقته الله أو أدخله الله النار في الآخرة، أو نار جهنم، فحنث، إذا حلف به لزمه به كفارة، وهي يمين مرسلة، وقيل: مغلظة، وقد يحتمل هذا فيا يوجبه النظر أن يخرج مخرج الدعاء والله أعلم.
الرابع: أن يحلف بمكنيات الأيمان، ويرجع ذلك إلى يمينه، مثل أن يقول في يمينه: أقسمت عليك أو حلفت، أو معاذ الله، أو أعوذ
- 365 - (2/365)
صفحة 1152
بالله، أو حاش لله، أو أشهد بالله أو الله علي شهيد أو لعمر الله، فكل هذا إن أراد به اليمين، فعليه الكفارة إن حنث، وقال بعض: لا يمين ولا كفارة في هذا، وأما أقسمت عليك، فروي أن جابر بن زيد دعا رجلاً إلى طعام فقال: أقسمت عليك لتأتين، فقعد وأكل، فقال له: كدت أن تحنثني، وقال آخرون: حتى يقول: أقسمت بالله عليك، لأن الله تعالى قال: وأقسَموا بالله جَهْد أيمانهم) (1) ولعل حجة الأولين قول الله تعالى: إذ أقْسَموا ليضر منها مصبحين ولا يستثنون (2) وهذا قول محتمل، ولعلهم أقسموا بالله وكنى عن ذلك، ولهذا قال بعضهم: يرجع هذا إلى نية الحالف، وأما حاش الله فقد جاء في القرآن في قوله تعالى: قُلْنَ حاش لله ما علمنا عليه من سوء) (3) وقال المفسرون: حاش الله معناه: معاذ الله، وبالجملة إن هذه الأشياء كلها محتملة، ولذلك اختلفوا فيها لأنها لم تأت بصيغة القسم والله أعلم، وقال بعضهم: من قال: وحق القرآن، أنه عليه الحنث لأنه ذكر الله في القرآن والله أعلم، وكذلك أيضاً من حرم حلالاً، ثم أعاد إلى ما حرم على نفسه تلزمه
(1) الأنعام: 109، النمل:: 381، النور: 53، فاطر: 42.
(2) القلم: 17.
(3) يوسف: 01.
-266 - (2/366)
صفحة 1153
الكفارة كفارة يمين، والأصل في هذا قوله تعالى: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) (1) ثم قال: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لكُم تَحِلَّة أَيمانكم) والحلال الذي حرمه النبي عليه السلام العسل، وقيل سريته مارية، ولذلك أوجب أصحابنا كفارة الأيمان على من حرم زوجته على نفسه، وأما إن حلل حراماً مثل أن يقول: الحرام عليه حلال لا يفعل كذا، ثم فعله فقد اختلفوا في كفارته، قال بعضهم: عليه كفارة اليمين، فهؤلاء يمكن أن يلزمه اليمين قياساً على من قال: الحلال عليه حرام، وقال آخرون: عليه كفارة مغلظة، فهؤلاء عندهم من حلل الحرام أشد من حرم الحلال، وقال آخرون: ليس عليه شيء، فلعل هؤلاء ممن لا يرى
القياس والله أعلم وبالله التوفيق.
فصل
في معرفة الاستثناء والأيمان الذي يؤثر فيها من الذي لا يؤثر فيها
والإستثناء معناه إخراج بعض من كل بالا، أو بكلمة في معنى إلا من جميع تخصيصات العموم، مثل أن يقول في أثر يمينه: إلا أن
(1) و (2) تقدم ذكرهما.
- 367 - (2/367)
صفحة 1154
يشاء الله، أو إن أراد الله، أو إن قضى الله، أو إن أذن الله، وذكر عن بعضهم: أنه أجاز الإستثناء بكل شيء ذكر الله فيه، وأراد به هدم اليمين، مثل أن يحلف ويقول: أستغفر الله، أو سبحان الله، والدليل على هذا القول قوله تعالى: (ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِل ذلك غداً إلا أن يشاء الله، واذكر ربك إذا نسيت)) قال أهل التفسير: يعني إذا قلت لشيء .. إني فاعل ذلك غداً يعني: فاستثن وقل: إن شاء الله واذكر ربك إذا نسيت، يقول إذا نسيت: أن تستثني من ساعتك، فقل بعد ذلك إذا ذكرت قبل أن تحنث فاستأن وقل: إن شاء الله، ففي هذا دليل إذا ذكر الله وأراد به هدم اليمين أنه ينفعه لقوله تعالى: (واذكر ربك إذا نسيت) والله أعلم. ومن شروط الاستثناء الاتصال بالمستثنى منه، وقد أجمع أنه إذا اجتمع في الاستثناء ثلاثة شروط: أن يكون متناسقاً. مع اليمين وملفوظاً به ومقصوداً من أول اليمين أنه لا ينعقد معه اليمين، واختلفوا في غير هذه الثلاثة مواضع: أعني إذا لم يكن متناسقاً مع اليمين، أو نواه ولم ينطق به، أو حدثت له نية الاستثناء بعد اليمين، ويدل عليه أصل اختلافهم، هل هو حال لليمين أو مانع؟ فإذا كان ما نعاً لم يكن إلا متناسقاً مقصوداً من أول اليمين، وإذا كان حالاً جاز
(1) الكهف: 23.
- 368 - (2/368)
صفحة 1155
فيه الوجهان، وهذا التعليل موجود عن بعض فقهاء قومنا والله أعلم. وقد روي أن النبي عليه السلام قال: (والله لأغْرُون قريشاً، ثم سكت ساعة فقال: إن شاء الله (1) ففعل رسول الله لا دال على انفصاله، وأما إن كان يجزئ بالنية دون اللفظ، فأقول: إنه كما لا يلزم اليمين بالنية دون اللفظ، كذلك لا ينفع الاستثناء بالنية دون اللفظ، لأن ماكان عقده بالقول، ففسخه لا يكون إلا بالقول، غير أن قوله عليه السلام:) إنما الأعمال بالنيات) (2) شاهد لصاحب القول الأول.
وفي الأثر: الاستثناء يهدم الأيمان، سواء كان قبلها أو بعدها إذا كان متصلاً بها، وذلك فيما يوجبه النظر لما كان الاستثناء مؤثراً في هدم اليمين بعدها فأحرى أن يؤثر قبلها، وأما الأيمان التي يؤثر فيها الاستثناء من التي لا يؤثر فيها.
وفي الأثر: الاستثناء يهدم الأيمان كلها إلا الطلاق والعتاق والظهار والنكاح فهذا لا ينفع فيه، فقد ثبت ولا ينهدم به، كقوله لزوجته: طالق إن شاء الله، وعبده: حر إن شاء الله، وهي عليه كظهر أمه إن شاء الله،
(1) اخرجه أبو داود،
(2) تقدم ذكره
•
(24)
- 369 - (2/369)
صفحة 1156
وأما إن قال: زوجته طالق إن دخلت بيت فلان إن شاء الله، فهذا ينفعه الاستثناء فيه، لأنه إذا علّق الطلاق والعتاق على فعل شيء كان يميناً وينفعه الاستثناء فيه، وإن لم يعلقه إلى شيء لم يكن يميناً وثبت عليه ما فعله، وكيف يهدمه الاستثناء بعد ما ثبت و استقر، وقد أوجب النظر عندي أن يكون، إنما شدّدوا في الطلاق والعتاق والنكاح ما لم يشددوا في غيرها لقوله السلام: (ثلاث جدهُنَّ جَدُّ وهَرْ لَهُنَّ جِدُّ: النكاح والعتاق والطلاق)).
وقد ذكر في الأثر: بلى قد قالوا: من قال امرأته طالق أو عبده حر إلا أن يشاء الله أن الاستثناء ينفعه والله أعلم. وكذلك لا ينفع الاستثناء في الماضي من الأيمان وهو الذي يعرف باليمين الغموس أي يغمس صاحبه في الإثم، مثل أن يحلف: والله لقد فعلت كذا وكذا وهو لم يفعله، أو والله ما فعلت كذا وكذا وما كان كذا وكذا وهو قد فعله، أو كان ما حلف عليه، فهذان الوجهان يجب فيهما الحنث والكفارة من حينه ولا ينفع فيهما الاستثناء، لأنه قد حنث ولا ينفع الاستثناء بعدما حنث، وقد صح بهذا أن الاستثناء إنما ينفع في المستقبل من الأيمان فقط دون ما مضى والله أعلم وبالله التوفيق.
(1) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه
- 370 - (2/370)
صفحة 1157
باب في معرفة موجب الحنت
في الأيمان المستقبلة
إعلم أن الموجب للحنث هو المخالفة لما عقدت عليه اليمين، وذلك إما فعل ما حلف عليه ألا يفعله، و إما ترك ما حلف على فعله، وذلك إذا
تراخي عن فعل ما حلف على فعله إلى وقت ليس يمكنه فيه فعله، مثل:
إن حلف ليأكلن هذا الرغيف فيأكله غيره، أو ليذبحن هذه الشاة فيذبحها غيره، أو ليغلقن هذا الباب فسبقه غيره فغلقه، فإنه في هذا كله حانث، ولو فتح الباب وغلقه ثانية لم ينفعه ذلك، لأنه في هذا كله قد فاته ما حلف عليه، وكذلك إن حلف أن يفعل شيئاً ولم يفعله حتى فات فإنه حانث لمخالفة ما حلف عليه، وكذلك إن حلف أن يفعل كذا وكذا في وقت محدود و انقضى الوقت ولم يفعله فإنه حانث ضرورة، وأما إن مات قبل
- rv- (2/371)
صفحة 1158
الوقت مثل؛ إن حلف أن يفعل كذا وكذا في شهر رمضان المقبل أو ليو فين غريمه دينه يوماً معلوماً فمات قبل دخول شهر رمضان وقبل اليوم الذى حلف عليه فإنه حانث في قول بعضهم على ما قدمناه، لأنه لم يفعل ما أوجبه على نفسه من ذلك، وقال آخرون: ليس بحانث وهذا القول عندي أحسن، لأنه لم يحلف إلا على ما قدر عليه وإن لم يظهر ذلك في لفظه، والأحسن أن يشترط، وكذلك على هذا الاختلاف من حلف على المعدوم، مثل من حلف ليأكل هذا الطعام الذي في هذا الوعاء وقد كان سبقه إليه غيره فأكله قبل أن يحلف، ثم حلف وهو يظن أن الطعام في الوعاء، وكذلك أيضاً إن حلف ألا يفعل كذا وكذا، فإنما يحنث إذا كان ذلك الشيء الذي حلف عليه يحنث بفعله، وأما بغير فعله فلا يحنث، مثل إن حلف لا يشارك فلاناً في مال أو لا يعتق رقبة أو لا يفارق غريمه فمات أبوه فأصبح المال مشتركا بينه وبين الذي حلف عليه، أو ورث أمة فعتقت أو غيرها فعتق أو فر غريمه بلا رأيه فإنه
لا يحنث في شيء من هذا لأنه لم يكن من فعله، وإن وجده معسراً ففي الأثر: قال أصحابنا يحنث، وفي نفسي من التفرقة بينهما شيء، لأن الأول امتنع بالهروب فمعذور، والمعسر منعه الله بالإعسار، وكان
يجب تسوية المسألتين لاتفاق العلة للعذر والله أعلم.
- 272 - (2/372)
صفحة 1159
وفي الأثر: وفي المسألة الأولى: وأخاف إن رضي بمشاركة فلان
من بعد أن علم بها أن يحنث إلا أن يزيل الذي اشترك معه من حينه ذلك أو يقاسمه والله أعلم. وكذلك أيضاً على هذا؛ من حلف لا يدخل بيتاً فسقط من أعلى نخلة في ذلك البيت فلا حنث عليه إذا غلب على ذلك، لأن هذا كله ليس من فعله والله أعلم.
واختلفوا من هذا الباب، هل يتعلق موجب الحنث بأقل ما يطلق عليه الاسم أو بجميعه؟ مثل: من حلف لا يفعل شيئاً محدوداً ففعل بعضه فإنه حانث في قول بعضهم، وقال آخرون: غير حانث حتى يفعل جميع ما حلف عليه، وأما إن حلف على أن يفعل شيئاً ففعل بعضه فلا يبرئه ذلك عندهم، ففرقوا بين الفعل والترك في هذا، وذلك عندي لما توجبه لفظة لا أفعل، لأنه توجب الترك، فإذا فعل البعض لم يكن تاركاً بالكلية ولا فاعلاً بالكلية فساغ الاختلاف، وأما لفظة: لأفعلن فإنها توجب الفعل، فإذا فعل البعض لم يكن فاعلاً لما حلف عليه حتى يفعله جميعاً والله أعلم. وهذا كله في المحدود، والمحدود هو المعين، مثل: إن حلف لا يأكل هذا الطعام أو لا يحرث هذا الجسر أو لا يحصد هذا الزرع ففعل البعض من هذا كله، فإنه لا يحنث في قول بعضهم على ما قدمناه والله أعلم. (2/373)
صفحة 1160
وكذلك أيضاً اختلفوا: هل تقع الأيمان على الألفاظ والمسميات أو على المقاصد والعرف بين الناس؟ وقد ذكر في هذا أبو محمد في كتابه وقال: إنما الأيمان على المقاصد والعادات وتعلق الأسماء بمسمياتها، والذي يوجبه النظر عندي، أن هذا كله موجود في الشرع والله أعلم. ومثل هذا: من حلف لا يدخل بيتاً، فإنه كل بيت دخله من حجر أو مدر حنث، وكذلك أو دخل المسجد، لأن المساجد بيوت، وإن دخل بيتاً من شَعرٍ أو نحو ذلك، فإن في بعض الأثر: أنه حانث، وفي بعض: ليس بحانث، لأن البيوت المقصود إليها المعروفة هو ما كان من حجر أو مدر، والحجة لأصحاب القول الأول قوله تعالى: (وجعل لكُمْ من جُلُودِ الأنعام بيوتاً تَسْتَخِفُونها) (1) فسماها بيوتاً والله أعلم.
وكذلك لو حلف لا يأكل اللحم فأكل السمك على هذا الاختلاف، فمن ذهب إلى العرف والعادة لم يوجب عليه حنثاً، ومن ذهب إلى ظاهر اللفظ أوجب عليه الحنث، لأن الله سبحانه وتعالى سمى السمك لحما في قوله تعالى: {وهو الذي سخر لكم البحر لتأكلُوا مِنْهُ لحما طرياً) (2) و على هذا أيضاً من حلف أن يضرب غلامه ولم يضربه إلا بعد ما مات، فمن
(1) النحل: 80.
(2) النحل: 14.
- TVE - (2/374)
صفحة 1161
ذهب إلى ظاهر اللفظ فليس بحانث لأنه ضربه، ومن ذهب إلى المفهوم من الضرب وهو الألم قال: هو حانث، لأن الألم من الميت مستحيل.
وكذلك أيضاً: من حلف ليأكلن لحم هذه الشاة، ولم يأكل منها إلا
بعدما ماتت حتف أنفها على هذا الاختلاف.
وكذلك أيضاً: من حلف لقد صلى الهاجرة أو تزوج امرأة أو قد وفى فلاناً دراهم كانت له عليه، وقد كان صلى الهاجرة صلاة منتقضة أو تزوج أخته أو وفى غريمه دراهم زيوفاً، فكل هذا يلزمه فيه الحنث، لأن ذلك ليس بجائز إلا أن يكون قد علم بنقضه عند يمينه فحلف عليه بعينه، لقد صلّى تلك الصلاة التي صلاها أو تزوج تلك المرأة التي تزوجها أو وفى غريمه تلك الدراهم فلا حنث عليه، فهذا عندي على مذهب من ذهب إلى أن اليمين على ظاهر اللفظ، وأما من اعتبر غير ذلك من المفهوم لم يوجب عليه الحنث، لأن المفهوم من قوله إنما حلف على فعله ذلك
والله أعلم.
و الحجة لمن ذهب أن الأيمان متعلقة إلى المفهوم من القول أنه لو كانت الأيمان تقع على ما تقع عليه الأسماء لكان من حلف لا يبيت تحت سقف
- 375 - (2/375)
صفحة 1162
(1)
إذا بات تحت السماء حنث لقوله تعالى: (وجعلنا السَّماء سقفاً محفوظاً) وكذلك من حلف لا يبيت على فراش فبات على الأرض لحنث إذا
(2)
لقوله تعالى: (الذي جعل لكم الأرض فراشاً) (2) والله أعلم.
و في كتاب عبد الله محمد بن بركة: ولو حلف لا يشرب من هذا الكوز ماء فصب الماء الذي فيه إلى كوز آخر فشرب منه، فعندي أنه يحنث من قبل أن الأيمان لا تقع على الكوز وإنما تقع على ما يشرب منه، والذي شربه من ذلك الكوز، قال أبو حنيفة لا يحنث، وكذلك لو أن رجلاً حلف لا يشرب من الفرات، فشرب بإناء أنه يحنث، وقال أبو حنيفة: لا يحنث، زعم حتى يكرع فيه، وعندي أن هذا غلط منه، لأن الناس يقولون: شربنا من الفرات ومن النهر والنيل إذا شربوا بإناء، وقد يسأل الإنسان خادمه وغيره، فيقول: شربت من النهر والوادي لإناء يشرب منه.
وقد ساوى أبو عبد الله فيمن حلف لا يشرب من الكوز، وفيمن حلف لا يشرب من النهر والفرات، وفي نفسي من التسوية بينهما شيء،
(1) الأنبياء: 32.
(2) البقرة: 22.
- 376 - (2/376)
صفحة 1163
لأن الناس يقولون: شربنا من النهر إذا شربوا منه، سواء شربوا منه بإناء أو غير إناء، ولا يقولون شربنا من الكوز إلا إذا شربوا منه بنفسه،
إلا أن يكون إنما يعني كوزاً لا يمكن الشراب منه فنعم، والله أعلم.
ومن حلف لا يأكل البشر أكل الرطب، ومن حلف لا يأكل الرطب أكل التمر، ومن حلف لا يأكل التمر أكل الدبس والخل، لأن هذا غير هذا والله أعلم. وأما إن حده مثل أن يقول: تمرة هذه النخلة، فلا يأكل دبسها ولا خلها، لأنه إذا كان لا يأكل تمرها فكذلك كل ما يخرج من تمرها بمنزلة ما يخرج منه، وأما بشرها فلا بأس أن يأكله ولا حنث عليه، لأنه لم يحلف عليه وإنما حلف على ما كان تمراً، وكذلك الثمار كلها على هذا الحال.
و من حلف لا يأكل اللحم أكل الشحم الخالص في قول بعضهم، و قال آخرون: لا يأكل الشحم الذي يكون على اللحم لأنه لا يخلو من اللحم، والنظر يوجب عندي أنه إذا حلف لا يأكل اللحم أنه يأكل الشحم الخالص، لأن اللحم غير الشحم منزلته منزلة من حلف لا يأكل البشر فأكل الرطب وهذا غير هذا، وإن أكل الرأس فإنه حانث لأن
الرأس من اللحم.
- TYY - (2/377)
صفحة 1164
وأما إن حلف لا يأكل الرأس فأكل اللحم فليس بحانث، والفرق بينهما أن الرأس من اللحم واللحم دون الرأس، لأنه تخصيص من اللحم، والعموم لا يدخل تحت الخصوص والله أعلم. وإن أكل الفؤاد فقولان، وهذا هل يسمى الحماً أم لا؟ وكذلك الحلق والحلقوم والمخ والكلى والغضروف في هؤلاء الوجوه قولان على ما قدمناه، وأما إن أكل الدماغ فلا حنث عليه، لأنه ليس من اللحم إلا إن أكل القشرة التي تكون عليه.
وأما إن حلف لا يأكل الشحم فإنه يأكل اللحم الخالص ولا بأس عليه، لأن اللحم غير الشحم كما قدمنا، وقد حرم الله تعالى على بني ا إسرائيل الشحوم وأحل لهم اللحوم والله أعلم.
:
وأما إن حلف لا يأكل لحم هذه الشاة، قال بعضهم: لا يأكل شحمها، لأن الشحم من اللحم يخرج بمنزلة من حلف لا يأكل هذه النخلة، فإنه لا يأكل دبسها ولا خلها لأنه من ثمرها، وأما إن حلف لا يأكل هذه الشاة فإنه ليس له أن يأكل من لحمها ولا لبنها ولا سمنها ولا زبدها، لأن هذا كله من الشاة يكون ومنزلته منزلة الشاة التي حلف عليها، إلا أن اللبن قال بعضهم: إنه يكون من الحشيش، فعلى هذا القول لا بأس به والله أعلم.
- TYA - (2/378)
صفحة 1165
وكذلك أيضاً من حلف لا يشرب اللبن فلا بأس عليه بأكل السمن، وكذلك إن حلف على أكل السمن فلا بأس عليه بشرب اللبن، لأن هذا غير هذا، وكذلك إن حلف لا يأكل السمن فأكل الزبد أو حلف لا يأكل الزبد فأكل السمن فلا بأس عليه لأن هذا غير هذا، وأما إن حلف لا يأكل الزبد فشرب لبناً فإنه يحنث، لأنه لا يخلو من الزبد إلا أن يشر به حليباً فلا بأس، وإن حلف لا يشرب لبناً فأكل زبداً فليس عليه حنث، إذ الزيد غير اللبن، وإن عين اللبن فلا يأكل ما خرج منه لا من السمن ولا من غيره كما قدمنا في التمر والله أعلم.
وإن حلف لا يأكل من مال فلان، فزال المال عنه إلى غيره فلا. حنث عليه إن أكل، لأنه إنما أكل مال غير فلان الذي حلف عليه، وكذلك إن أهدى إليه فلان المحلوف على ماله من ماله هدية وصارت إليه وقبضها فأكلها لم يحنث، لأنه إنما أكل من ماله لا من مال فلان الذي
حلف عليه.
وذكر في الأثر: أنه لو قرب فلان الذي حلف لا يأكل من ماله طعاماً ليأكله فكل شيء أكله فأرى أنه قد قبضه الآكل وصار له إذا أكله فهو له ولا حنث عليه، وأما إن حلف لا يأكل من مال فلان في موضع
- 379 - (2/379)
صفحة 1166
حدة فزال ذلك من فلان فإنه لا يأكله بعد ذلك، لأنه محدود قد حده في الحلف، وعلى هذا أيضاً من حلف لا يدخل هذا البيت لفلان ثم انتقل من فلان أو انهدم فصار مزرعة فلا يدخله، وإن دخله حنث لأنه عينها، وأما إن لم يعين وحلف لا يدخل بيتاً ودخل مزرعة كانت قبل ذلك بيتاً فلا حنث عليه، لأنه إنما حلف على البيت، والمزرعة غير البيت. وجميع المحدود إذا حلف عليه وعينه ثم بدله وأكل بدله فإنه يحنث في قول من قال: بدل الشيء هو الشيء، وأما إن باعه وأكل ثمنه فلا حنث عليه، لأن الثمن غير المثمن والله أعلم.
و من حلف على حب لا يأكل منه فبذر ذلك الحب فنبت وأثمر وأكل من ثمره فإنه حانث على ما أصلناه من المحدود أنه لا يأكله ولا يأكل ما يخرج منه، وقال بعضهم: ليس بحانث، لأن هذا غير هذا الذي حلف عليه، وإنما ساغ هذا في هذا الوجه فيما يوجبه النظر، لأن انتقاله انتقال بعيد كانتقال الخبز إلى اللحم والشحم والله أعلم.
وإن حلف لا يأكل الإدام فأكل خلا حنث لقوله عليه السلام: (نعم الإدام الخل (1)، وإن حلفت المرأة لا تلبس حلياً فلبست لؤلؤاً
(1) رواه أحمد ومسلم وأبو داود.
- TA- (2/380)
صفحة 1167
حنثت لقوله تعالى: وتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةٌ تَلْبَسُونَها) (2)، وإن حلف لا تزوجت نساء ولا كلمت رجالاً ولا لبست ثياباً، فإنه لا يحنث حتى يكلم ثلاثة رجال أو يتزوج ثلاث نسوة أو يلبس ثلاثة أثواب، لأن هذا اسم نكرة لا يقع عليه الحنث إلا إذا فعل من ذلك ما يقع عليه اسم الجمع، وكذلك جميع ما كان على هذا المثال والله أعلم. وأما إن حلف لا يكلم الرجال، أو لا يتزوج النساء، أو لا يلبس الثياب، أو لا يقعد في هذا البيت الشعير، أو لا يأكل الشعير، فإنه في هذا يحنث إذا كلم رجلاً واحداً أو تزوج امرأة واحدة أو بقيت في البيت حبة واحدة أو أكل حبة واحدة من قبل أن الألف واللام يدخلان على اسم
الجنس، واسم الجنس يستفرغ الجنس ويستغرقه والله أعلم.
وأما إن حلف لا يشتري شعيراً فاشترى براً فيه شعير فلا حنث عليه إذا كان ذلك من الزراعة، لأن قصده إلى البر كما أنه لو حلف لا يشتري حديداً فاشترى باباً فيه حديد، أو حلف لا يشتري خشباً فاشترى داراً فيه خشب، أو حلف لا يشتري نوى فاشترى تمراً فيه نوى أو حلف لا يدخل داره صوف فدخل غنم عليها صوف، أو حلف
(1) النحل: 14.
- 381 - (2/381)
صفحة 1168
لا يأكل خبز شعير فأكل خبز بر فيه شعير، فإنه لا يحنث في هذا كله وكل ما كان على مثل هذا فهو مثله، لأن الأيمان إنما هي على الأسماء والمقاصد والله أعلم. وكذلك إن حلف لا يلبس ثوباً من غزل امرأة
فلبس ثوباً فيه من غزلها لم يحنث حتى يلبس ثوباً من غزلها كما حلف.
وأما إن حلف لا يلبس من غزل امرأته، فإنه إن لبس من غزلها شيئاً حنث، وإن حلف لا يأكل خبز امرأته فعجنت وقرصت وطرحه في التنور غيرها فأكل فإنه حانث، لأن الخبز ما خبز باليد، وإن عجنت
وخبز غيرها فلا حنث عليه.
وإن حلف لا يأكل ما طبخته امرأته فإنه لا يأكل من ذلك ما جعلته على النار، لأن الطبخ إنما هو بالنار والله أعلم.
وإن حلف لا يأكل طعاماً صنعته امرأته فعجنت العجين وعمله في النار غيرها فأكله فهو حانث لأن العجين عمل.
وإن حلف لا يذهب إلى دار فلان، فانقلب ذاهباً إلى دار فلان حنث وإن لم يخرج من باب الدار، لأن الإنقلاب ذهاب، وكذلك إن حلف لا يمضي إلى فلان فخطا ثلاث خطوات ماضياً إليه حنث على هذا
- 382 - (2/382)
صفحة 1169
الحال وإن لم يصل إليه، إلا إن كانت نيته الوصول إليه فحتى يصل إليه، لأن الذهاب والمضي يقعان على الذاهب، والمضي في أول الذهاب والمعنى و في آخره، وفي كل ما كان على هذا المعنى مثل المرور والرجوع وما أشبه ذلك والله أعلم.
وإن حلف لا يخرج إلى فلان فإنه إن خرج من باب الدار قاصداً إلى فلان حنث لأنه خرج والله أعلم. وإن حلف لا آتي إلى دار فلان فإنه لا يحنث حتى يأتيها، لأن الإتيان هو الوصول إلى الشيء والدخول فيه على هذا المعنى.
وإن حلف لا يأتي السوق فمر إلى جنازة فدخل السوق إنه حانث لأنه أتاه، وأما إن حلف لا يذهب إلى السوق فخرج إلى جنازة فمر في رق لم يحنث، لأنه لم يذهب إليه وإنما ذهب إلى جنازة، والحلف إنما وقع على الذهاب إليه لا على الدخول فيه والله أعلم.
ال
وكذلك ما كان على هذا المعنى عكس هذه المسائل إن حلف ليذهبن إلى السوق أو ليمضين إلى السوق فإنه اذا ذهب ومضى ومر فقد برئ ولو لم يصل إليه والله أعلم. إلا أن تكون له نية فهو على ما نوى كما
قدمنا قبل.
- 384 - (2/383)
صفحة 1170
توام
وفي الأثر: ومن حلف ليخرجن إلى صحار ونوى أن يصل الى، قال أبو عبد الله: لم تضره نيته في هذا، ويخرج الى هجر ثم يرجع إلى صحار ولا يحنث ولا تضره النية والله أعلم. وإن حلف لا يمسي في هذا البيت فإنه اذا أمسى حنث والمساء الليل، والدليل قوله تعالى: {فسبحان الله حين تُمْسُونَ وحين تُصْبِحُون) (1) فذكر أهل التفسير (حين تمسون (يعني صلاة المغرب والعشاء، فعلى هذا القول يكون المساء من غروب الشمس الى نصف الليل، وذكر في الأثر عن الخليل: الى نصف الليل، وقال بعض المفسرين عن ابن عباس: (حين تمسون) أنه المغرب خاصة، فعلى هذا يكون المساء من غروب الشمس الى غروب الشفق وهو وقت المغرب والله أعلم. وإن حلف لا يبيت في هذا المنزل فإنه ذكر في الأثر: وأما إن قال: ان بت في هذا البيت فأنت طالق ولم يقل هذه الليلة، قال من قال: إن باتت فيه أكثر من نصف الليل بشيء فهو مبيت ويقع الطلاق والله أعلم.
وأما إن حلف لا يبيت في هذا المنزل الليلة، فإنه لا يحنث حتى يبيت فيه من غروب الشمس الى طلوع الفجر والله أعلم. وإن حلف لا يأكل شيئاً أو لا يذوق شيئاً، فكل شيء وقع عليه اسم أكل
(1) الروم: 17.
- TA- (2/384)
صفحة 1171
أو ذوق يحنث به، وان حلف لا يأكل العيش، فكل شيء أكله مما يعاش به حنث، لأن العيش كل شيء يعاش به، وإن حلف لا يأكل الطعام فأكل ما يكون طعاماً يطعم حنث، ألا ترى إلى قوله تعالى: وقالوا لن نصبر على طعام واحد) (1) الآية. فقد قصدوا في كل هذا إلى ما يؤكل ويطعم وما وقع عليه اسم طعم طعام.
وقد ذكر في الأثر: قال بعض الفقهاء: والملح ليس من الطعام
والله أعلم.
وفي الأثر: من حلف لا يأكل من مال أخيه شيئاً فأكل نبقة من سدرة بينهما، فعن مسعدة أنه لا يحنث إلا أن يكون أكل من نبقها أكثر من حصته، وقال أبو عبد الله: إنه حانث، لأن ذلك النبق بينهما
والله أعلم.
وفي الأثر: من حلف لا يشرب سويقاً فوضع سويقاً في ماء ثم أ كله أكلاً ولم يشرب حنث، لأن السويق أيضاً يشرب ويؤكل، وكذلك من حلف لا يشرب ماء فشرب سويقاً في ماء، فهذا فيما يوجبه
(1) البقرة: 61.
(25)
- TAO - (2/385)
صفحة 1172
النظر يعتبر بالعرف والعادة الجارية بين الناس، لأن الماء لما كان عند الناس يشرب مع السويق ويشرب وحده، كان حانثاً إذا حلف لا يشربه وشربه مع السويق فحكمه حكم من حلف لا يأكل زيتاً فأكله مع الدقيق حنث، لأنه كذلك يؤكل الزيت، وهذا القول عندي يدل أن ما خرج
عن العادة لا حنث عليه فيه، وإن كانت له نية فإلى نيته والله أعلم.
ومن حلف لا يكلم فلاناً فكتب إليه كتاباً فوصل إليه الكتاب فقرأه أو قرئ عليه حنث، لأن الكتاب إذا قرئ كان كلاماً، والدليل قوله تعالى: (وإن أحد من المشركين اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حتى يَسْمَعَ كلام الله) (1) وهو كتاب الله أي حتى يسمع القرآن، وكذلك إن حلف لا يكلمه فأرسل إليه رسولاً فبلغه الرسول ذلك حنث، لأن الرسول أشد من قراءة الكتاب عليه، قال الله تعالى: (وما كان لِبَشَرِ أن يُكَلِّمَهُ الله إِلا وَحْياً أَوْ مِن وراء حجاب أو يرسل رسولاً) (2)، وكذلك إن كان معاماً فسأله المحلوف عنه عن كلمة فلقنه إياها فإنه حانث، وإن قال للرسول: قل له كذا وكذا أو كتب إليه كتاباً معه، ثم قال للرسول: لا تدفع إليه كتابي هذا أو لا تقل له شيئاً مما قلته لك، فذهب
(1) التوبة: 6. (2) الشورى: 51.
6
- 386 - (2/386)
صفحة 1173
الرسول فدفع إليه كتابه فقرأه أو بلغ إليه كلامه فإنه حانث فيما ذكر في الأثر، وذلك فيما يوجبه النظر، لأن الرسول والكتاب كلام إذا بلغه، وليس في نهيه عن ذلك ما يوجب أنه ليس بكلام، ومتى صح الكلام وجب الحنث والله أعلم.
وفي الأثر: قال أبو الحواري: لا تطلق إذا كتب طلاق امرأته هكذا، قال أبو المؤثر: واحتجوا بقول الله تعالى: وقال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا) (1) فقالوا: كتب إليهم كتاباً ولهذا لم يروه كلاماً، ولا تطلق امرأته حتى يتكلم بلسانه، فعلى هذا القول أن الكتاب لا يكون كلاماً، وكذلك الإيماء لا يكون كلاماً فهمه الآخر أو لم يفهمه.
وإن حلف لا يكلم فلاناً فخطب قوماً أو سلم عليهم، والرجل فيهم فلا يحنث حتى يقصده ويجعله في باله، وقال بعض: إنه يحنث حتى ينوي بالتسليم عليهم غيره ويميزه في نيته والله أعلم.
وإن حلف لا يكلم فلاناً وفلاناً وفلانا، فإنه لا يحنث حتى يكلمهم جميعاً، فإذا كلمهم جميعاً حنث، وإن حلف لا يكلم فلاناً ثم فلاناً ثم
(1) مريم: 10.
- PAY - (2/387)
صفحة 1174
فلاناً، فإنه لا يحنث حتى يكلم الأول ثم الثاني ثم الثالث، لأن (ثم) توجب التعقيب بخلاف الواو والله أعلم.
وإن حلف لا يكلم فلاناً ولا فلاناً وفلاناً، فإنه إذا كلم أحدهم حنث، الأول والآخر سواء، ويجب عليه من الكفارة على عددهم، وكذلك إن حلف لا يكلم فلاناً أو فلاناً، فإنه مثل ذلك والله أعلم. و من حلف لا يلبس نعلين فقام عليهما ليقياه من الشمس ولم يدخل رجليه في الشراك، فإنه ليس بحانث، لأن لبس النعلين معروف والله أعلم. وأما إن حلف لا يلبس هذه النعل، فحذ منها بالشفرة قليلاً ثم لبسها لم يحنث، لأنه قد لبس ما لا يسمى نعلاً والله أعلم.
وفي الأثر: وإن حلف لا يأكل فاكهة ولا نية له فأكل رماناً أو رطباً فإنه لا يحنث، ألا ترى إلى قوله تعالى: (فيها فاكهة ونخل ورمان) (1) فأخرجهما من الفاكهة، وإن أكل من صنف الفاكهة حنث، وإن كان هو حين حلف عنى الرطب والرمان يحنث بأكله، ولا يدخل في الفاكهة البطيخ ولا القثاء ولا الخيار وأشباه ذلك، وأما المشمش والخوخ والنبق وأشباه ذلك، فإن هذا كله من الفاكهة؛ وقال آخرون:
(1) الرحمن: 68.
- TAA - (2/388)
صفحة 1175
الرمان والنخل من الفاكهة، لأن الله تعالى قال: هو من كان عدواً الله وملائكته ورسله و جبريل وميكائيل) (1) فقد نعلم أنهما من الملائكة، ولكن قد يردد الله ذكر الشيء في كتابه والله أعلم. ومن حلف لا يأوي إلى فلان أو لا يساكنه، وفي كتاب أبي عبد الله قال: الإيواء أضيق وقتاً من السكنى، والإيواء في اللغة الرجوع إلى الشيء، فأقل القليل يقع عليه إسم الإيواء، والسكنة في اللغة هي الإقامة وهي ضد الحركة، وأقل القليل يقع عليه اسم السكنى ويقع الحنث، فهذا عندي إنما يرجع إلى قول من اعتبر الألفاظ والأسماء، وأما العرف والعادة فالسكنى عند الناس معروفة.
وقد ذكر في الأثر: أن من حلف لا يساكن زوجته أنه إن وطئها أو نام عندها أو أكل فقد حنث، وكذلك غير زوجته إذا أكل أو نام فنعس، وأما إن لم ينعس فلا حنث، وكذلك إن كان في سفر أو طريق وضع غير بيت فلا يحنث ولو جامع إلا في بيت أو خباء أو قبة أو خيمة، قال أبو الحواري: حيث ما جامعها أو آكلها فقد حنث، وأما النوم فحتى يكون في بيت أو قبة أو خيمة أو خباء وينعس معها،
(1) البقرة: 98
- 389 - (2/389)
صفحة 1176
وعن أبي علي انه لا يحنث في مثل هذا حتى يساكنها السكنة المعروفة، وأما إن وصل إلى الذي حلف لا يساكنه على جهة الزيارة فنام عنده
أو قال او بات ثم رجع إلى موضعه لم يحنث.
وأصل اختلافهم فيا يوجبه النظر لاختلافهم فيما يدل عليه اسم السكنى هل المراعاة في ذلك دليل اللفظ أم المفهوم منه والله أعلم. والسكنى كما قدمناضد الحركة، والنوم من السكني لقوله تعالى: وهو الذي جَعَل لَكُم اليل لتسكنوا فيه) (1) والجماع أيضاً من
6
(2)
السكني لقوله تعالى: وجعل منها زوجها ليسكن إليها) وكذلك الأكل على هذا الحال والله أعلم. وكذلك من حلف لا ينتقل
من هذا البيت فحتى ينتقل النقلة المعروفة وينقل أهله ومتاعه
وفي الأثر: في رجل قال لإمرأته: أنت طالق إن لم أنقلك من هذا البيت، أو إن لم أنتقل من هذا البيت، إنه ينتقل وينقل أهله ومتاعه حتى متحول من ذلك المنزل ويبيت في غيره وقد برئت يمينه والله أعلم. ومن حلف على فعل شيء من أفعال اللسان مثل البيع والشراء والهبة والرهن و النكاح فأمر من يفعله فهو حانث، وأصل هذا فيما يوجبه النظر ما
(1) يونس: 67 (2) الأعراف: 189
- 19. - (2/390)
صفحة 1177
(1)
ذكرناه أولاً لأن الكلام يكون بالكتاب والرسول لقوله تعالى: فأجره حتى يسمع كلام الله كم)، وإن حلف على فعل ما ذكرناه فأمر من يفعله فقد برأ والله أعلم. وإن حلف على شيء مما تفعله الجوارح غير اللسان كالحرث والحصاد والبناء والحفر وما أشبه ذلك، فأمر من يفعله فلا يحنث بذلك ولا يبرئه من يمينه إذا حلف على فعله والله أعلم. وأصل اختلافهم في أكثر هذه المسائل هو اختلافهم، هل المراعاة في ذلك العرف أو المراعاة دلالة اللغة؟ والله أعلم.
ومن حلف لا يدخل بيت فلان فعلا سطحه ومشى عليه فإنه حانث، و فوق البيت وتحته كله سواء لوقوع إسم البيت عليه، وإن حلف لا يجاور فلانا.
قفي الأثر: قال أبو عبيدة: حد الجوار أربعون ذراعاً يكون من منزله إلى تمامها متصلة، وقال أبو عبد الله: أربعون بيتاً وإن كان فيها بين البيوت أرض براح وكانوا في مثلها أربعون بيتاً، وإن كان في فلاة قال: سمعنا أن الجوار بينهما إذا قبس بعضهم من بعض النار، وقال بعضهم: حد الجوار ما تدرك فيه رائحة القدر، وقال بعض: حد الجوار ما يحميه
(1) تقدم ذكره.
- rai- (2/391)
صفحة 1178
الكلب، وهذا كله عندي مسائل اجتهاد رأي والله أعلم.
وإن فعل جميع ما ذكرناه إذا حلف عليه ناسياً فإنه حانث ولا يسقط النسيان إلا الإثم والله أعلم. وان عمله مكرها بالتقية فإنه حانث لأن
التقية إنما تسع في القول لا في الفعل.
وقد ذكر في الأثر: قال محمد بن جعفر رحمه الله: ونظرنا في قول من قال: إن هذا الذي يجعله الجبار قهراً أنه يعذر فيه ولا يحنث في القول وأنه لا يعذر في الفعل، ونظرنا في هذا الفعل فإذا هو متصرف على وجوه، فمن كان يحلف بالطلاق أنه لا يشرب الخمر ولا يأكل لحم الخنزير، ولا يزني وما يشبه هذا مما حرمه الله عليه ولا يقتل فلاناً ظلماً، فحلف بهذه الأيمان جميعاً ثم جبره الجبار على شرب الخمر أو أكل لحم الخنزير أو قتل فلان ظالماً فهو آثم في القتل والزنا، وعليه مثل ما على من أكره على القتل والزنا، ولا أرى عليه حنثاً إذا أخبر الجبار بيمينه فأكرهه الجبار على الحنث، وإن لم يخبر الجبار بيمينه فعليه الحنث، قلت لأبي المؤثر: أرأيت إن قال له إني حلفت ولم يسم له اليمين، أو سمى له بغيرها يميناً أغلظ منها أو دونها فأكرهه على فعل ذلك؟ قال: هو حانث، قال أبو المؤثر: وإنما يسقط عنه الحنث إن أخبر الجبار بيمينه
- 392 - (2/392)
صفحة 1179
،
التي حلف بها وأكرهه بعد أن أخبره بيمينه، وإن لم يخبره بيمينه ناسياً أو متعمداً أو أكرهه ففعل ذلك فهو حانث، وكل ذلك سواء كانت يمينه التي حلف بها عن معصية أو عن طاعة أو عن حلال أو عن حرام، وهذا القول عندي يدل أن كل فعل يجوز له أن يحلف عليه، مثل أن يحلف على جميع المباحات ألا يفعلها، أو جميع المعاصي ألا يفعلها، أو الطاعات أن يفعلها ثم أكرهه الجبار على الحنث بعد أن أخبره بيمينه
جميع
لا حنث عليه، وأما إن حلف ألا يفعل طاعة وهو جميع الفرائض، أو حلف أن يفعل معصية من المعاصي في وقت ما، ثم أكرهه الجبار على الحنث أنه حانث، لأن الجبار في هذا الوجه غير ظالم له، وإنما أكرهه على ما له أن يكرهه عليه وليس بظالم له والله أعلم.
وكذلك إن أكرهه على الحلف على هذا المعنى وهو كل شيء فيه معصية الله ثم أكرهه الجبار على فعله ولم يستطع النجاة منه إلا بالحلف فحلف لا يلزمه ذلك لقول رسول الله له: (ليس على مقهور عقد
ولا عهد) (1).
وكذلك كل شيء يجوز له فعله على هذا الحال إن طلبه الجبار منه
(1) متفق عليه.
- 393 - (2/393)
صفحة 1180
أن يفعله، مثل أن يطلب منه أن يعطيه من ماله، أو طلب إليه أن يفعل كل شيء لا يجب عليه فأكرهه عليه ولم يستطع النجاة منه إلا بالحلف ألا يلزمه ذلك لأن الجبار ظالم له في هذا كله، لأنه لم يجعل الله له أن يأخذ من ماله شيئاً ولا أن يعينه، وقد صار إن أقر له به أخذه، وإن أنكره حلفه، وإن لم يحلف ضربه أو قتله، ولم يؤمر هذا الرجل أن يعطي الكافر ماله إلا برأيه، وقد جعل الله له أن ينكره إياه وأن يجاهده عليه، فلما لم يقر له لأنه لم يقل له اني أقتلك وتعطيني اياه، ولكنه رجع إلى اليمين ظلماً بعد ظلم، فجير بظلم آخر أن يحلف ولا يقتله، فمن ها هنا وقع الجبر الثاني، إما أن يحلف أو يقتله.
وذكر في الأثر: فأخذنا برأي من رأى أنه لا حنث عليه، وأما كل شيء يجب عليه فعله مما هو حق للجبار أو لغيره أو الله عليه فحلفه مثل إن حلفه أن يصلي أو يصوم شهر رمضان أو يؤدي حقاً للناس عليه، أو لا يشرب الخمر، أو لا يأكل لحم الخنزير، أولا يجحده ولا غيره حقاً لهم عليه فحلف بهذه الأيمان جميعاً ثم حنث فيها فهذه الإيمان تلزمه، لأنه وإن كان ظالماً لم يظلمه في ذلك، وكذلك كل شيء حلفه مما هو عليه الله أو للعباد فلم يظلمه، فإذا حنث فيه لزمه الحنث إلا إن أكرمه أن يحلف بالطلاق والعتاق لأن ذلك مما لا يجيزه متأول والله أعلم.
- ras - (2/394)
صفحة 1181
وكذلك كل شيء فعله ومضى ثم حلف عليه قبل أن يقول له بلغني عنك كذا وكذا، أو فعلت كذا وكذا، وهو له في الحق أن يفعله أو يقوله، غير أنه مما يغضب الجبار، وإن أقر له ضربه وإن أنكره حلقه أنه ما كان كذا وكذا ولا فعله، وقد قال ذلك أو فعله فحلف عليه فليس عليه حنث، لأنه لا يقدر أن يرد ما قد كان، وليس له أن يقر فيعاقبه وإنما فعل ما هو له وقد ظلمه في يمينه فلا حنث عليه، وأما إن فعل كل شيء لا يجوز له فعله فإنه ذكر في الأثر: قال أبو المؤثر: لو أن رجلاً شتم الجبار أو غيره مما ليس أن يشتمه به، أو قذفه فاستحلفه الجبار ما فعل وهو إن لم يحلف ناله من العقوبة بالشر أكثر مما يلزمه على ذلك الذنب الذي فعله فلا حنث عليه، وإن كان إنما يعاقبه بقدر ذلك الذنب، أو بما يتحمله من العقوبة فحلف فهو حانث والله أعلم.
و أما صفة هذا الإكراه الذي يجوز منه التقية، ففي الأثر: قال محمد بن جعفر: و نظرنا في قول من قال إنه لا يعذر الذي حلفه الجبار حتى يخاف أن يقتله أو يضربه ضرباً عنيفاً أو يخلده في السجن، وقال من قال: حتى يشار عليه بالسيف أو بالسياط فنظرنا في ذلك، فإذا أشار عليه بالسيف لم يمسك يد الجبار ووقع الفوت، وقد قيل عن محمد ابن محبوب رحمه الله أنه قال: ليس بعد القول إلا الفعل، وأما أمر البيعة
- 395 - (2/395)
صفحة 1182
فقد بلغنا في الأثر: أن قول الفقهاء كانوا يقولون: المستكره عندنا إذا أخذ إنسان في سوق، أو طريق، أو منزل، أو خارجه من غير أن يأتي بنفسه إليهم، فما لم يشرع في الضرب لا يسعه أن يحلف بما أكره عليه ولا يحنث إن حلف بعد شروعه، وأما إذا نودي في الناس: تعالوا للبيعة فذهب فحلفه فإذا حنث وجب عليه ما حلف عليه، وإن أخذ في الطريق أو خارج من المنزل ما لم يضرب فإنه لا يسعه أن يحلف فإذا أخذ في الضرب، فإنه يعطيهم ما يكرهونه عليه ولا شيء عليه، وهذا قولهم في أمر البيعة والله أعلم.
و شدد بعضهم في العتاق والطلاق، وقد ذكر في الأثر: وقد زعموا أن جميلاً الفارسي قال: سألت أبا الشعثاء ايام كان قطر بن مكحول على البصرة، وكان يستحلف الناس بالطلاق والعتاق قال: فأعرض عني أبو الشعثاء وقال: قلت ليس هذا الزمان تدعنا قال: الطلاق والعتاق واجب ما سمي لكم منهم، وإذا حلف " الرجل بجميع هذه الأيمان من ذاته ولم يحلفه الحاكم ولا إمام عادل فله نيته، وإن حلفه الحاكم أو إمام عادل أو سلطان عادل كانت النية للحاكم والإمام والسلطان إذا كانوا عدولاً، ولا تنفعه نيته لقوله عليه السلام: (اليمين على نية المستحلف))
(1) رواه أحمد ومسلم وأبو داود.
-797 - (2/396)
صفحة 1183
وهذا إذ لم يكن المستحلف ظالماً للحالف، ولا يمين لطفل ولا مجنون،
لأن التكليف عليهم ساقط فلا عقد عليهم.
واختلفوا إذا حلف الصي في حال طفوليته وحنث بعد أن بلغ، قال بعضهم: يلزمه إذا حنث بعد بلوغه، وقال من قال: لا تلزمه الكفارة ولا حنث عليه بعد بلوغه، وهذا الإختلاف منهم يدل أن سبب اختلافهم هل تجب الكفارة بالحنث أو بالحنث والعقد جميعاً؟ ولا شك أن الكفارة تجب بالعقد والحنث جميعاً، والصحيح فيما يوجبه النظر قول من قال: لا كفارة على الصبي ولو حنث بعد بلوغه، وذلك أنه كما لا تجب الكفارة بالعقد فقط فكذلك في باب القياس لا تجب بالحنث فقط، لأن عقد الصي ليس بشيء والله أعلم. وكذلك العبد والمشرك على هذا الاختلاف فيما ذكر في الأثر، وقد قال بعضهم: لا يمين على العبد إلا بإذن مولاه، وإن حلف كان حانثاً وليس له أن يكفر بغير إذن مولاه، لأنه لا ملك له فيعتق أو يطعم وإن صام أقعده الضعف بالصيام عن خدمةسيده ولحق السيد الضرر في ذلك، ومنع أن يكفر عن يمينه إلا بإذن سيده، وإن كفر السيد عن يمين عبده أجزأه، وإن لم يكفر فلا شيء في حال العبودية وتكون الكفارة معلقة بذمة العبد إلى عتقه، وهذا القول عندي أنظر لأنه مكلف مخاطب، وإن منع من الكفارة لأنه
يلزمه
- 397 - (2/397)
صفحة 1184
لا ملك له، وكذلك إن أمره سيده أن يحلف فحلف فليس له أن يكفر إلا ياذن سيده، وقال بعض أصحابنا: إن للعبد أن يكفر عن يمينه بالصوم بغير إذن سيده، وتسقط الكفارة عنه ويكون عاصياً.
فصل
في كفارة هذه الأيمان
والكفارة على وجهين، منها كفارة مغلظة، ومنها كفارة مخففة
فالمغلظة على ثلاثة أوجه: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً، فهو بخير في الثلاثة الأوجه إلا في الظهار وقتل النفس فإنه غير مخير، وإنما يلزمه في ذلك ما ذكر الله الأول فالأول: العتق، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، وهذا في الظهار، وأما قتل النفس فلم يذكر الإطعام في كفارة القتل والله أعلم. والمخففة هي كفارة الإيمان المرسلة وقد ذكرنا فيما مضى ما تلزمه فيه كفارة مغلظة وما تلزمه فيه كفارة مرسلة ولا معنى لإعادته، والكفارة ما ذكر الله في سورة المائدة، وهو قوله تعالى: (فَكَفَّارتُه، إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تُطْعِمُون أهليكم أو كسوتهم أو
- 398 - (2/398)
صفحة 1185
(1)
(1)
تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام))، أما الإطعام فهو كما قال الله تعالى: (إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم))، يطعمهم حتى يشبعوا أكلتين مأدومتين غداء وعشاء، وكيف ما أطعم الأكلتين في يوم أو يومين أو أكثر من ذلك، والغداء عندهم أول أوقاته طلوع الفجر الآخر إلى نصف النهار، ثم العشاء أول أوقاته إذا زالت الشمس، وآخر وقته إلى ثلث الليل، والفائدة في هذا التحديد ألا يطعمهم أكلتين في وقت أحدهما أعني الغداء أو العشاء، ولا ينبغي لمن أراد الإطعام أن يقرب بين الأكلتين قصداً منه النفع المعجل، ولتكن رغبته وقصده فيما يوفر له ثوابه عند الله تعالى، وإن أراد أن يكيل لهم كال لكل مسكين مدين، ولا يكال لهم إلا من الحبوب الستة التي تجب فيها الزكاة، وكذلك الكفارات كلها على هذا المعنى.
والدليل على أنه إنما يطعمهم أكلتين الكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله تعالى (من أوسَط ما تُطْعمون أهليكم) (2)، و المعتاد إطعام أهليكم أكلتين كل يوم، لأن النادر من فعلهم إطعام أكلة
(1) المائدة: 89.
1) تقدم ذكرها. (2) تقدم ذكرها.
6
- rag- (2/399)
صفحة 1186
أو ثلاث أكلات.
وأما السنة (فقوله عليه السلام لكعب بن عجرة: أيؤذيك هوام رأسك يا كعب؟ قال: نعم يا رسول الله وهو محرم، فقال: إحلق رأسك وانسك بشاة، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين مدين لكل مسكين) (3)، فمعروف أن نصف الصاع للواحد أكلتان فكانت كفارة الأيمان أيضاً، كذلك قياساً على كفارة الأذى وهذا إذا كال لهم، وأما إن إطعمهم فليطعم حتى يقولوا شبعنا، وأما من اعتبر في هذا أقل ما يطلق عليه اسم الأكل فليس بمأخوذ به عند أصحابنا، وإنما لا يجوز له أن يطعمهم إلا من الحبوب الستة قياساً على الزكاة، أي زكاة الأموال، لأن هذه طهارة وهذه الحبوب جل قوت الناس.
وذكر في الأثر: أنه إن أعطاهم الحب فليعط لكل مسكين نصف صاع من بر، ومن الذرة أربعة أسداس و نصف، والشعير مثل الذرة، وعند هؤلاء أنه إنما الواجب عليه نصف صاع حنطة لكل مسكين، أو مقدار نصف صاع من الحنطة من الحبوب الستة، لأن في بعض الروايات أنه الله قال لكعب بن عجرة: أو أطعم ستة مساكين لكل
(3) رواه أبو داود. (2/400)
صفحة 1187
(1)
مسكين نصف صاع بر)، وقد ذكر في الأثر عن محمد بن محبوب أنه قال:
الشعير مثل البر لكل مسكين نصف صاع منه.
وأما الإدام فذكروا أنه إن أطعم المساكين البر أو التمر أو الزبيب، فليس عليه إدام، وإن أطعم الشعير أو السلت أو الذرة أو التمر الرديء فعليه الإدام، والأصل في هذا كله قوله تعالى: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) أي من أعدل ما تطعمون أهليكم، والأعدل في ذلك أكلتان مأدومتان، والإدام كل شيء كان عند الناس إداماً من خل أو زيت أو سمن أو غير ذلك.
وأما المساكين الذين يطعمهم، فإنما يطعم عشرة مساكين كباراً كانوا أو صغاراً، إذا كانوا يعيشون بالطعام وخرجوا من الرضاع ذكورا كانوا أو إناثاً، ولا يطعم في ذلك العبيد لأنهم مال ليس بمساكين، وكذلك لا يطعم المشركين كما لا يجوز له أن يعطي زكاة ماله للمشركين لأن هذه كفارة وهذه كفارة، وقد روي عن أبي عبيدة مسلم رحمه الله أنه قال: تجوز كفارة الأيمان لمساكين أهل الذمة لوقوع اسم المسكنة عليهم في قوله تعالى: ضربت عليهم الذلة والمسكنة
(1) تقدم ذكره.
(2) البقرة: 61.
(2)
(26)
- {-1 - (2/401)
صفحة 1188
ولا يعطيها للأغنياء، ولا لمن تجب عليه نفقته مثل والديه وأولاده الأطفال وزوجته كالزكاة سواء.
وأما المرأة فلها أن تطعم زوجها وولدها، كما قدمنا في باب الزكاة من حديث امرأة عبد الله بن مسعود، ولا تطعم المرأة أبويها والله أعلم.
و إن أطعم خمسة مساكين واكتال الخمسة فلا بأس، وكذلك إن أطعمهم الغداء من القمح، والعشاء من الشعير، فلا بأس لأنه قد أطعم، وأما إن كال لكل مسكين نصف صاع من بر وشعير جميعاً فلا، لقوله عليه السلام: (مدين لكل مسكين)، فإنه يقتضي أن يكون المدان من جنس واحد، وقال بعض: لا بأس بذلك والله أعلم. وإن أطعم عشرة مساكين فقد امتثل ما أمر به باتفاق، وإن أطعم مسكيناً واحداً عشرة أيام، فقد ذكر عن العلماء جواز ذلك، وكان تأويل الآية عندهم فإطعام طعام عشرة مساكين، والواجب عندهم مقدار طعام العدد المذكور، وقد ذكر في الأثر: ما يشبه هذا القول وهو يجزيء في كفارة اليمين إطعام ثلاثة مساكين، وما فوق ذلك ثلاثة أيام، ويزيد تكملة العشرة أيام والله أعلم. وإن أطعم عشرة مساكين غداءين، فلا يجزيء ذلك لما عليه من الغداء والعشاء.
- 402 -
- (2/402)
صفحة 1189
وفي الأثر: إذا أطعم المظاهر عن ظهاره ستين مسكيناً، ثم أطعمهم مرة أخرى في ذلك اليوم أو في تلك الليلة لكفارة أخرى، أو أطعمهم رجل آخر عن ظهاره فلا يجزئه إطعامهم إلا على الكفارة الأولى، فهذا يدل من قولهم أنه لا يجوز لأنه كمن أطعم من استغنى عن الطعام.
وفي الأثر: أنه لا يطعم من الصبيان في كفارة الأيمان إلا من أخذ حوزته من الأكل، وهو الذي لم يبق في أكله زيادة وقد كمل أكله، وأما من كال لهم عن كفارة أخرى، أو كال رجل آخر عن كفارته فلا بأس، لأن الكيل في هذا بخلاف الإطعام، لأنه إذا كال لهم إن شاؤوا أكلوا ذلك أو أحرزوه والله أعلم.
وأما أن يكيل لهم عن كفارة واحدة أكثر من الغداء والعشاء لكل مسكين فلا، لأنه إنما الواجب عليه أن يطعم كما يطعم أهله، وما زاد على الغداء والعشاء كان غير واجب، والغير الواجب لا يجزيء عن
الواجب والله أعلم.
وأما الكسوة فهو أيضاً أن يكسو عشرة مساكين إن أراد، واختلفوا فيا يجزيء من ذلك في الكسوة، قال بعضهم: يجزيء من ذلك أقل ما يقع عليه اسم الكسوة، من إزار أو قميص أو سراويل أو
- 403 - (2/403)
صفحة 1190
، وقال عمامة، وق بعضهم: أقل ما يجزيء من ذلك ما تجوز به الصلاة، وقيل ما يستر العورة، والعورة عندهم من السرة إلى الركية، وأصل اختلافهم،
هل المراعاة في ذلك ما يدل عليه الاسم اللغوي أو المعنى الشرعي؟
والله أعلم.
ولا يجوز أن يطعم خمسة مساكين ويكسو خمسة، لأنه مخير بين الإطعام والكسوة والرقبة فأيهم أراد فعله، ولا يجوز أن يطعمهم لأن الواجب واحد وهو غير معين والله أعلم.
(1)
وأما الرقبة فهو ما قال الله تعالى: {فَتَحرير رقبة) (1) يعنى بالرقبة ما يقع عليه اسم الرقبة، صغيرة أو كبيرة، مسلمة أو من أهل الكتاب سليم الجوارح والله أعلم. وقال بعضهم في صغير الرقيق: إن أعتقه كان عليه نفقته حتى يستغني، وإن مات ذلك الطفل أطعم مسكيناً مكانه حتى يبلغ أترابه والله أعلم.
وكذلك قال بعضهم: لا يجزيء إلا رقبة مؤمنة من أهل الإقرار بالجملة، وأصل اختلافهم في هذا أن كفارة قتل الخطأ لا تكون إلا مؤمنة
بالنص الوارد عليها.
(1) النساء: 92، المائدة: 89، المجادلة: 3.
12·21 (2/404)
صفحة 1191
واختلفوا في كفارة اليمين وكفارة الظهار، إذ لم ينص الله عليهما
بالإيمان، فمن اشترط الإيمان في ذلك حمل المجمل على المفسر الذي في كفارة القتل، ومن لم يشترط الإيمان في ذلك لم يشترطه إذ لم يشترطه الله تعالى في ذلك، والصحيح هو القول الأول، والدليل عليه ما روي: (أن رجلاً أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن جارية لي ترعى غنما، فجئنها وفقدت شاة من الغنم، فسألتها فقالت: أكلها الذئب فأسفت عليها فضجرت حتى لطمت وجهها وعلى رقبة أفأعتقها؟ فقال رسول الله ل: إن هي جاءت فائت بها، فأتى بها إلى رسول الله فقال لها: من ربك؟ فقالت: الله ربي، ومن نبيك: فقالت له: أنت محمد رسول الله، فقال رسول الله: أعتقها فإنها مؤمنة) (1)، فهذا يدل أنه لا يجوز أن يعتق على الدين إلا مؤمنة والله أعلم.
وأما السالم من العيوب، فالعيب عيبان: عيب يمنعه من العمل فلا يجوز معه، مثل الأعمى والأشل والمقعد والمجنون والأخرس، وكذلك العيوب التي ترد في النكاح مثل المجذوم والأبرص والعنين والمفتول والمستأصل والمجبوب وما أشبه هذا، وأما إن كان عيباً خفيفاً
(1) رواه أحمد. (2/405)
صفحة 1192
لا يمنعه من الكسب، مثل الأجدع والمقطوع الخنصرة، والسن الواحدة والضرس الواحدة، مما لا يمنعه ذلك من الكسب فإنهم اختلفوا فيه، وهذا الإختلاف منهم يدل أن بعضهم لا يجوز من ذلك إلا السالم من جميع العيوب، وبعض أجاز إذا كان النقصان لا يمنعه من الكسب، وقد ذكر عن محمد بن محبوب بإجازة الأعور العين في
كفارة الظهار، فيما لا يمنعه النقصان من الكسب والله أعلم.
وفي الأثر أيضاً: وإن كان له سن زائد أو إصبع زائد، فإنه تجزئه في كفارة الظهار، إذا لم يمنعه ذلك من الانتفاع بجوارحه والله أعلم. وهو مخير بين الإطعام والكسوة والعتق فمن لم يجد، يعني من هذه الخصال الثلاثة: (فصيام ثلاثة أيام وفي قراءة ابن مسعود متتابعة، وكذلك عند أصحابنا لا تجزيء إلا متتابعة والله أعلم
وأما صفة من لم يجد فإنهم اختلفوا فيه، قال بعض العلماء: من لم، كانت له عشرون درهماً فعليه أن يطعم أو يكسو، وقال بعضهم: إذا
:
كانت عنده ثلاثة دراهم فقد وجب عليه، وهذا من غير مسكن أو ثياب لا بد له منها أو خادم، وقال بعضهم: من وجد الإطعام فلا يصم، وإنما الإطعام على المستغني الذي قيل يصيب من غلة ماله ما يكفيه ويكفي
- 406 - (2/406)
صفحة 1193
عياله إلى الحول، وقال من قال: ويفضل عنده خمسة عشر درهماً، فهذا عندهم في حد الغنى، ومن لم يكن كذلك فهو في حد الفقر والله أعلم. ومن صام يوماً أو يومين ثم وجد ما يطعم، فليطعم ويجعل صومه تطوعاً، لأنه قد وجد قبل أن يقضي ما عليه والله أعلم
•
واتفقوا أيضاً أن كفارة الأيمان بعد الحنث، واختلفوا في سقوطها إذا قدمها قبل الحنث، قال بعضهم: إذا قدمها قبل الحنث ثم حنث لم يكن عليه إعادتها، وقال بعضهم: لا يجزئه قبل الحنث، وسبب اختلافهم ما روى أنه قال عليه السلام: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير))، وفي بعض
الروايات: (فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه).
(1)
والسبب الثاني أيضاً اختلافهم هل يجوز تقديم الحق الواجب قبل وقت و جو به كالزكاة قبل الحول؟ وقياساً أيضاً على كفارة الظهار فإنها قبل
الحنث بالنص والله أعلم.
(1) رواه مسلم. (2/407)
صفحة 1194
فصل
وإذا حلف الرجل بأيمان شتّى على شيء واحد أنه يجب عليه من الكفارات بعدد الأيمان التي حلف بها إذا حنث، وكذلك أيضاً إذا حلف بيمين واحد على أشياء شتى مثل أن يقول: والله لا فعلت كذا وكذا ولا كذا وكذا، فإنه تجب عليه من الكفارة بعدد الأشياء المحلوف عليها اذا حنث والله أعلم. وأما إن حلف بيمين واحد مراراً على شيء واحد فإنهم اختلفوا في ذلك، قال بعضهم: عليه الكفارة بعدد الأيمان إلا أن يريد التأكيد، وقال آخرون: عليه كفارة واحدة لأن هذا كله تأكيد، وكذلك إن اختلف اللفظ واتفق المعنى على هذا الحال، أن يقول والله رب كل شيء، وخالق كل شيء، لا أفعل كذا وكذا
والله أعلم.
مثل
فصل
وأما الأيمان التي تخرج مخرج الشرط والإلزام، فكفارتها أن يفعل ما ألزم نفسه، ومثل ذلك أن يقول: علي صوم سنة أو سنتين ان فعلت
- 408 - (2/408)
صفحة 1195
كذا وكذا، فحنث فعليه أن يصوم ما ألزم نفسه حين. يصوم ما ألزم نفسه حين حنث، ويصومه
متتابعاً، وكذلك إن قال: علي مغلظة، أو علي كفارة يمين أو علي الظهار لا أفعل كذا وكذا، ثم فعله فعليه ما ألزم نفسه، وروي عن جابر بن زيد رحمه الله يقول: من ألزم نفسه شيئاً فقد ألزمناه له، وكذلك إن حلف بالمشي الى بيت الله الحرام ثم حنث فعليه المشي الى بيت الله الحرام، وأما إن حلف بالمشي الى غيرها، الى بلد من البلدان لم يلزمه شيء لأنه ليس في ذلك طاعة، والمشي الى بيت الله الحرام انما.
هو للحج
"
ولذلك لزمه، وهذا الجنس من الأيمان يجري مجري النذور ولذلك لا يلزمه إلا ما فيه طاعة، الا أن يحلف بالطلاق فإنه يلزمه اذا حنث باتفاق منهم، وكذلك الظهار على هذا الحال والله أعلم.
وفي الأثر: ومن حلف بثلاثين حجة فعليه ثلاثون حجة كما قال، فإن كان فقيراً لا يستطيع الحج فليصم لكل حجة شهرين، فإن قدر بعد بعد ذلك فليحج، وإن لم يقدر على الصوم فليحسب ما يلزمه من الصيام ثم يطعم عن كل يوم مسكينا غداء وعشاء، وقيل عن أبي الحسن أنه قال: ليس عليه في الحج صوم، لأنه إنما أوجب على نفسه الحج فعليه الحج، وقال غيره في رجل قال: علي ثلاثون حجة فحنث، قال: عندي
-2.9 - (2/409)
صفحة 1196
أنه لا يلزمه كفارة إلا أن يقدر على الحج فليحج وإن لم يقدر فلا شيء عليه لقوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ الله نفسا إلا وسعها) (1)، وهذا وُسْعَهَا القول فيما يوجبه النظر جرى على أصله، لأنه ألزم على نفسه شيئاً لا يقدر عليه ولا يكلفه الله ما لم يقدر عليه، وأما القول الأول فلعله إنما ألزمه الكفارة إذا لم يقدر على الحج احتياطاً، لأن هذا الجنس فيه شبهة من النذور وشبهة من الأيمان.
وفي الأثر أيضاً: وان كان قال في يمينه يعني حين حلف بالحج كلما عطش رجع فشرب من عمان فعليه أن يُهدي بدنة، فإن مات ولم يكفر عن يمينه هذه وكانت له ولاية فلا أرى أن تسقط ولايته؛ قال أبو موسى: هذا شيء لا يطاق، يعني - والله أعلم - حين قال: كلما عطش رجع فشرب من عمان لا يطيق ذلك، فلعل عنده لا يلزمه شيء لقول رسول الله: (لا نذر فيها لا يستطاع) (3)، وأما من أوجب عليه بدنة فلعله أوجب عليه كما تلزم من نقص من مناسكه في الحج شيئاً، لأن هذا نقصان مما أوجب على نفسه.
وفي الأثر: ومن حلف بالمشي، فكذا أيضاً ان لم يقدر على المشي
(1) البقرة: 286 (2) متفق عليه.
121 - (2/410)
صفحة 1197
يحج راكباً لكل حجة مرتين، أو يحجج راكبين اذا لم يمش، والأصل في هذا ما روي عن عُقبة بن عامر) أن أختاً له نذرت أن تمشي الى البيت حاسرة حافية، فقال له رسول الله: إن الله لا يحب شقاءها من أختك أن تركب وتخمر وتصوم ثلاثة أيام وتسير ما طاقت، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) (1)، فهذا الحديث يدل أنه ليس عليه شيء اذا عجز عن المشي، وروي أيضاً من طريق آخر أنه قال عليه السلام: (تركب ان عجزت وتحجج آخر معها ((2)، فلهذا أوجبوا عليه الحج مرتين أو يحجج راكبين والله أعلم.
ومن حلف بماله للمساكين ثم حنث فعليه العشر، وكذلك ان قال: ماله صدقة فحنث، وانما ألزموه العشر استحساناً، لأن صدقة ماله كله منهي عنها لقوله تعالى لنبيه عليه السلام: {ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عنقك ولا تَبْسُطُها كلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً تخسوراً) (3)، فلما كان هذا هكذا أو جبوا عليه العشر تشبيهاً بالزكاة، وفرق بعضهم بين قوله: مالي صدقة أو ما أملك صدقة، أن يكون في الأموال المزكاة لقوله تعالى:
(1) رواه الخمسة.
(2) رواه أحمد وأبو داود.
(3) الاسراء: 29 (2/411)
صفحة 1198
خُذ من أموالهم صدقة) (0) إذ ليس كل الأموال تزكى، وأما قوله:
وما أملك، فعام والله أعلم.
وإن حلف بثلث ماله للمساكين أو بالسدس أو بالربع أو بما دون الثلث ثم حنث فإنه يخرج ذلك كله للفقراء، لأن إخراج الثلث ليس منهياً عنه، ألا ترى أن رسول الله عليه السلام جوز للرجل أن يوصي بثلث ماله بعد موته، وإن حلف بأكثر من الثلث ثم حنث رجع إلى العشر كما قدمنا والله أعلم
وفي الأثر: ومن تصدق بثلث ماله أو أقل أخرج ذلك، وإن تصدق بأكثر من الثلث رجع إلى العشر عند أصحابنا، لأن الصدقة عندهم العشر، قال الشيخ: من تصدق بنصف ماله، فقد قال من قال: نصف العشر، وإن قال بثلثي ماله كان ثلثي العشر من ماله، وهذا القول يعضده القياس فيما يوجبه النظر، لأنه لما كان إذا تصدق بماله يرجع إلى العشر، كان أيضاً إذا تصدق بالنصف يرجع الى نصف العشر، وكذلك الثلثان والله أعلم. غير أن القياس لا يكون إلا على أصل متفق عليه، والعشر ليس متفقاً عليه، ولذلك قالوا فيه بالعشر فيا زاد على الثلث كما
(1) تقدم ذكرها. (2/412)
صفحة 1199
قدمنا والله أعلم. وهذا العشر هو عشر ماله يوم يحنث، ولو حلف وله مال وحنث وليس له مال فليس عليه شيء، وإن حلف وليس له مال
وحنث وله مال أخرج عشره، وإنما يراعي يوم يحنث والله أعلم.
•
وأما إن حلف بما له للمسجد أو الكعبة أو لأمور المسلمين فحنث، فإنه يعطي ماله كله هكذا في الأثر، والفرق بين هذه المسألة والمسألة الأولى أن المسجد والكعبة ليستا من أهل الصدقة فيلزمه العشر كالفقراء والمساكين والله أعلم.
وفي الأثر: من جعل مالاً في السبيل أو في سبيل الله فعليه أن يخرج العشر من ماله إذا حنث للفقراء، وذلك لما قدمنا أن الله تعالى جعل في سبيل الله سهماً من الزكاة.
وفي الأثر: قال الشيخ أبو بكر: من جعل ماله في سبيل الله كان في المجاهدين، ومن قال: ماله للسبيل، قال من قال: لا شيء عليه، ولعل هذا لأن قوله السبيل محتمل والله أعلم.
ومن قال: ماله صدقة لليهود أو النصارى أو المجوس أو للمشركين
- {ir- (2/413)
صفحة 1200
أو الأغنياء أو المنافقين أو العاصي أو الزاني أو للجبارين ثم حنث، يلزمه العشر يتصدق به على فقراء المسلمين، لأن الصدقة إنما جعلها الله للمساكين فمن جعلها لغيرهم رجعت إليهم، وأما من قال: مالي صدقة على الملائكة أو الجن أو الشياطين أو الوحوش أو للبهائم أو الحكل كالنحل ثم حنث ففيه قولان، قال بعضهم: يتصدق بعشر ماله على المساكين كالمسألة الأولى، وقال بعضهم: لا شيء عليه في مثل هذا، فقد دل اختلافهم هذا أنه إذا جعل ماله لمن لم تصح له الصدقة مثل الشيطان أو الجن أو الملائكة أنه لا شيء عليه في قول بعضهم: لأنهم ليسوا من أهل الصدقة، وعلى القول الآخر أنه يتصدق بعشر ماله على المساكين من المسلمين، لأنهم أشبه بهم من الأجناس، وإن لم تتساو أجناسهم وصفاتهم في جميع الأجناس والصفات، وكذلك إن قال: مالي صدقة على الأغنياء على هذا الحال، لأنهم ليسوا من أهل الصدقة، وأما العصاة والمنافقون والمشركون فإنه يرجع ذلك إلى المساكين من المسلمين لأنهم وإن كانوا ليسوا بمسلمين، فقد يقع عليهم اسم المسكنة، ولذلك قلنا فيهم إنه يرجع ذلك إلى المساكين والله أعلم.
و من قال: ابنه عليه هدي ثم حنث، فإنه يهدي بدنة أو يعتق رقبة.
- 414 - (2/414)
صفحة 1201
لأن
وقي الأثر: ومن قال: ابنه عليه هدي، أو قال فلان عليه هدي، أو قال هدي فلان لبيت الله فعليه أن يهدي بدنة أو يعتق رقبة، وإن قال حراً وحرة هو عليه هدي، أو قال: أنا لهديك فعليه أن يهدي بدنة ويعتق رقبة، وإنما أوجبوا عليه هدياً فيها أحسب قياساً على فعل إبراهيم عليه السلام، وهو الذي يسمونه بقياس الإستدلال، حين أراد إبراهيم عليه السلام أن يتقرب بذبح ابنه فقداه الله بذبح عظيم، غير أنهم غلظوا عليه وأوجبوا عليه عتق رقبة مع البدنة، وهو أشبه بالأمور الإسلامية شرع إبراهيم عليه السلام ليس بشرع لنا، وإنما وقع التشبيه في التقرب لا في الواجب، والواجب أن يفديه بنسمة مثله يتقرب بها إلى الله تعالى عتقاً أو بدنة يتقرب بذبحها ليكون قد امتنل ما جعل على نفسه من الذبح والله أعلم. وقال بعض المخالفين: أنه يهدي ديته، وقال آخرون منهم: إنه يهدي مائة من الإبل لقصة عبد المطلب والله أعلم. وإن قال هذه الدراهم هدي إلى بيت الله الحرام أو هذه البيوت فإنه يهدي ذلك بعينه أو قيمته، وإن قال: غلامه هدي أهداه أو أهدى قيمته ولا: شيء عليه.
وفي الأثر: قال ابن محبوب: ما كان من هدي بلغ ثمنه بدنة تجزئة
- {10 - (2/415)
صفحة 1202
بدنة أو بقرة أو شاة، وما كان لا يبلغ ثمن شاة فإن طيب به الكعبه فجائز، وقال غيره: من قال غلامه عليه هدي فليهده وليخدم البيت، وكذلك الدار على هذا الحال يبعث ثمنها إلى مكة يشترى بها بدنة تنحر عنه إن
جعلها هدياً والله أعلم، وبالله التوفيق.
- {17 - (2/416)
صفحة 1203
باب في النذور الواجبة
وفي كتاب تفسير الخمس مائة آية: والنذر الواجب أن يقول الرجل أو المرأة: الله علي إن رزقني مالاً أن أحج العام أو إن ولد لي غلام لأصَلِّينَ أو لأصومن كذا وكذا، أو لئن قدم فلان من سفره أو برئ فلان من مرضه لأطعمن كذا وكذا، أو لأفعلن كذا وكذا، في شيء يطيقه وهو طاعة، ثم رزقه الله ما سأل فذلك النذر الواجب إذا قال: الله علي كذا وكذا، أو لأفعلن كذا وكذا، وأما إن قال: علي نذر أن أحج أو أحرم أو أفعل أو نحو هذا، ولم يقل أولاً: إن كان كذا وكذا فليس بنذر، إنما هو يمين يكفره، ومعنى هذا فيما يوجبه النظر مما رأيته واستدللت عليه أن لفظ النذر على وجهين: مطلق ومقيد، فالمطلق ان يقول القائل: الله علي نذر أن أحج أو أصوم أو ما سمى من طاعة ولله، أ علي أن
(27)
- {14 - (2/417)
صفحة 1204
أصوم أو أحج أو ما سمى منه، فهذا واجب عليه ان يفعل ما سمّى فإذا حذث لزمته كفارة النذر، والمقيد ان يقول: الله علي كذا وكذا إن رزقني مالاً، أو إن ولد لي غلام او ما أشبه هذا، فهذا ايضاً يلزمه ما أوجب على نفسه، وإن حنث لزمته كفارة النذر، واما إن قال: علي نذر أو علي ان أحج أو أصوم أو ما سمى من طاعة، إن فعلت كذا وكذا أو إن فعل الله كذا وكذا فهذا النذر بعض يسميه نذراً و بعض يسميه يميناً، فمن جعله نذراً أوجب عليه أن يفعل ما سمى: كما روي عن جابر بن زيد رضي الله عنه قال: من ألزم نفسه شيئاً ألزمناه له، وقد ذكر في الأثر: من قال عليه نذر ولم يقل الله ثم حنث، فعليه صيام يوم أو يومين أو إطعام مسكين أو مسكينين
وفي الأثر: قال أبو محمد رحمه الله: وقال اللهم افعل لي كذا وكذا، أو أنا أفعل كذا وكذا ثم لم يفعل فعليه صوم عشرة أيام أو إطعام عشرة مساكين، فهذا من قولهم يدل ان هذا الجنس نذر لأنهم اختلفوا في كفارة النذر، وقال ابو عبد الله محمد بن بركة: واختلف اصحابنا في كفارة النذر قال بعضهم: صوم ثلاثة أيام أو إطعام عشرة مساكين، وقال بعضهم: كفارة يمين مرسلة، وهذا القول يدل على
- {1^- (2/418)
صفحة 1205
صحة الفعل لأنه عقد بالله كاليمين، وقال آخرون: صوم عشرة ايام او إطعام عشرة مساكين، وإطعام المساكين في النذر والأيمان أكلتان كل يوم عن اليمين الواحد، وروي عن ابن سيرين قال: يكفي أكلة مأدومة، وعن البصري مثل ذلك، وذكر أيضاً في بعض كتب أصحابنا أن كفارة نقض النذر كفارة يمين، ومنهم من يرى عليه مغلظة في النذر فليكفرها، وأما الشيء المنذور به فإنه لا يخلو من ثلاثة أقسام، إما أن يكون طاعة الله، وإما أن يكون معصية الله، وإما أن يكون مباحاً فنذر الطاعة واجب الوفاء به، مثل أن يقول: إن عافي الله ولدي صليت الله صلوات، أو أطعمت المساكين أو تقربت الله بصوم أو بحج أو باعتكاف أو ما كان الله مطيعاً في فعله، فإذا فعل الله ذلك له فعليه الوفاء بتلك الطاعة و الإتمام بها.
وفي الأثر: وإن نذر أن يعتكف في مسجد بعينه في أيام معلومات فحيل بينه وبينه بهدم أو بغير ذلك، قال بعض اصحابنا: تلزمه كفارة نذره لعجزه عن الوفاء بما عقد على نفسه من فعل الطاعة، وأن الكفارة بدل من الفعل الذي لا يقدر على فعله، واختلف أصحاب هذا الرأي في الكفارة، قال بعضهم: كفارة يمين مرسلة، وقال بعضهم: يتصدق على الفقراء بقدر المؤونة والمشقة التي كان يتحملها في حال اعتكافه، وقال
- {19 - (2/419)
صفحة 1206
بعضهم: النظر إلى الفقراء في الفضل ما بين الكفارة والمؤونة، فألزموه الزائد من ذلك للفقراء، وقالت الفرقة الأخرى: إن العذر قد وجب لعدم القدرة على الفعل الذي نذر أن يفعله لا يوجب عليه شيء لأنه لم يكن ما يوجب منه عليه لو ماً فلا كفارة، إذ الكفارة عقوبة من ذنب او ساترة له، وهذا الرأي أسبق إلى النفس وأقوى في باب الحجة، و الذي يوجبه النظر عندي أن أصحاب القول الأول، جعلوا النذر بمنزلة اليمين، فكما تجب عليه الكفارة عند عجزه عن الفعل الذي حلف عليه، فكذلك تجب عليه كفارة النذر عند العجز، وعلى القول الثاني لا كفارة عليه كما قال، غير أن الذي يوجبه النظر أنه إذا عجز عن فعل ما نذر به من غير تضييع منه قبل العجز، فهو كما قال: لا كفارة عليه لأنه معذور، وإن تقدمه تضييع فأحق أن تلزمه الكفارة لأجل التضييع.
وكذلك من نذر إن سلم له غائب، او مال ان يعطي فلاناً الفقير كذا وكذا وسلم ذلك، وفلان الفقير قد مات فإنه يتم ذلك للفقراء، و إن أتم ذلك للفقراء من ورثته فهو احسن، لأنه قد مات ولم يجب له بعد ولا كفارة عليه، حيث لم يعطه هو كما نذر لأنه لم يكن منه ما
يوجب الكفارة، اذهو معذور وأما على مذهب الأولين والله أعلم لأنه لم يفعل ما نذر به على مذهبهم.
، (2/420)
صفحة 1207
ومن نذر أن يصلي في مائة مسجد، فإنه يصلي في مسجد واحد
عدد ما نذر ان يصلي في مائة مسجد، وقد قيل يخط عدد ما سمى من المساجد ويصلي فيه كما لو نذر في مسجد واحد، والأصل في هذا ما روي عن النبي علم أن امراة نذرت ان تصلي في مائة مسجد، فقال عليه السلام: (يجزئها ان تصلي في مسجد واحد مائة ركعة) (1)، وإن كانت المساجد مسميات ففي الأثر: وإن نذرت ان تصلي في مائة مسجد معروفة، ولم تصل فيها فأحب ان تطعم مسكيناً او مسكينين كفارة نذرها و تصلي حيث شاءت، والأصل في هذا فيها يوجبه النظر الحديث المتقدم، وإن قال في نذره: يوم يقدم فلان الله علي أن أفعل كذا وكذا، فقدم فلان في الليل قال اصحابنا: قد لزمه النذر لقوله تعالى: (ومن يولهم يومئذ دبره) (2)، الآية فالوعيد يتوجه إلى من ولى دبره ليلاً او
(2)
نهاراً، وهذا إذا أرسل القول في حال نذره.
وأما إن قيد نيته وعلق النذر لوقت معلوم وأراد اليوم بعينه لم
يلزمه.
(1) رواه الدارقطني وأبو داود.
(2) الأنفال: 16. (2/421)
صفحة 1208
وفي الأثر: وإن قال: إذا قدم فلان، فلله علي أن أصوم ذلك اليوم فقدم بالنهار لم يلزمه صوم ذلك اليوم، لأن الصوم لا ينعقد إلا بالنية ببيتها من الليل، وصوم بعض اليوم لا يكون قربة إلى الله، ولا يلزمه بدله كما قال بعض أصحابنا بوجوب يوم بدله، لأنه علق النذر بصوم يوم قدوم الغائب، والذي يوجبه النظر عندي القول الثاني، لأن القول الأول يؤول إلى إسقاط النذر في هذا الموضع، لأنه إذا قدم ليلاً لم يلزمه شيء، وإذا قدم بالنهار لم يلزمه شيء فهو إذا غير منعقد عليه في هذا الموضع على مذهبه والله أعلم.
وأما إن نذر المعصية فالأصل فيه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(لا نذر على العبد في معصية الله، ولا فيما لا يملك، ولا فيما
(1)
-
لا يستطيع، ولا فيما فيه قطيعة رحم) (1)، واختلف أصحابنا في وجوب كفارة نذر المعصية، قال بعضهم: لا يجوز الوفاء بنذر المعصية، ولا كفارة على من نذر به والدليل على هذا القول ما روي من طريق عائشة رضي الله عنها، أن النبي عل الله قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) (2)، وقال بعضهم: عليه بدل نذر
(1) متفق عليه (2) متفق عليه.
- ETT- (2/422)
صفحة 1209
المعصية كفارة، لأن النذر عقد كما أن اليمين عقد. إذا حلف على فعل معصية الله كانت عليه كفارة اليمين، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (نذرت في الجاهلية أن أعتكف في المسجد الحرام،
(1)
وأخبرت النبي الا الله، قال: أوف بنذرك))، فكل من أوجب نذراً على نفسه في حال كفره، أو في إيمانه كان عليه الوفاء به، كما أوجبه النبي عل الله على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذكر عن أبي محمد في كتابه:: وعندي أنه كان أمر النبي على وجه الندب والترغيب له في الفعل، ثم قال بعد ذلك بشيء لأن الإسلام فسخ كل عقد كان قبل الإسلام، إلا أشياء وقف النبي الله و أثبتها فصار كالفعل المبتدأ، ومن نذر أن يصوم أياماً ولياليها فإن بعضهم قال: يصوم الأيام ويبدل الليالي أياما، قياساً على أمر النبي لا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لأن صوم الجاهلية غير شيء يقربه إلى الله، وقال آخرون: عليه صوم الأيام ولا شيء عليه من صوم الليالي لأنه ليس بطاعة، وقال آخرون: عليه صوم الأيام ويبدل الليالي كفارة لأن هذا عقد كاليمين، وأما من نذر ما ليس بطاعة ولا معصية فالأصل فيه ما روي: (أن النبي مر برجل قائم في الشمس فسأل عنه، فقيل له: إنه نذر أن يصوم
(1) رواه أبو دارد.
- Err- (2/423)
صفحة 1210
ولا يجلس ولا يستظل ولا يتكلم، فقال: ليهم ويجلس علي
(1)
ويتكلم، فإن عليه ما كان طاعة من الصيام) (1)، فأمره بالقعود وبالاستظلال وبالتكلم لأن ذلك ليس بطاعة، فعلى هذا الحديث من نذر ما ليس بطاعة فليس عليه الوفاء به.
وفي الأثر: من نذر أن يصوم شهراً ولا يتكلم فلا شيء عليه وإن تكلم، لأن الصمت ليس بطاعةو ليس له أن يصمت شهر أو لا يتكلم وهو معصية، وبعض أوجب عليه إطعام مسكين أو مسكينين إذا تكلم، و بعض لم يوجب عليه كفارة والله أعلم وبالله التوفيق.
قد تم كتاب الأيمان والكفارات بحمد الله وتوفيقه وحسن عونه.
(1) رواه البخاري وأبو داود وابن ماجه.
- 424 - (2/424)
صفحة 1211
كتاب الذبائع
إعلم أن البهائم المحللات الأكل لا تحل إلا بالتذكية الشرعية لقوله تعالى: (حرمت عَلَيْكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهِلَّ لِغَيْرِ الله به والْمُنخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتُم) (1) قوله: حرمت عليكم يعني على المسلمين، الميتة؛ يعني لحم كل شيء ميتة، والدم يعني الدم المسفوح، ولحم الخنزير وما أهل لغير الله يعني ما ذبح لغير الله يعني للآلهة وإن ذبحه مسلم فلا يحل أكله، والمنخنقة يعني من الأنعام كلها وغير ذلك إذا وثقت فقتلها خنقاً أو خنقت بغير ذلك فهو حرام، والموقوذة يعني التي تضرب بالخشب أو بغيره حتى تموت، والمتردية التي تتردّى في البئر أو تقع من الجبل فتموت، والنطيحة يعني الشاة
(1) المائدة: 3.
- 425 - (2/425)
صفحة 1212
تنطح شاة أخرى وغير ذلك فتموت، وما أكل السبع يعني ما فرسه السبع من الأنعام وغيرها، ثم استثنى من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع فقال: إلا ما ذكيتم يعني إلا ما ذبحتم وذكر
إسم الله عليه فهو حلال، وهو قول أصحابنا الله خلافا لمالك رحمهم
الذي حرم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة و ما أكل السبع، ولو أدرك حياتها، وجعلها ميتة وتأول في الاستثناء الإنقطاع، وذلك أن عنده معنى قوله: إلا ما ذكيتم، أدركتم ذكاته من غير هؤلاء، والحجة عليه إجتماع الجميع وهو معهم أن الموجودة (1) من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع داخلة في الذكاة، ولو كان الأمر على ما قال لكانت الموجوءة من المنخنقة وأحق بها لا تخصها الآية إذا كان الاستثناء منقطعاً كما قال، والله أعلم. والحجة أيضاً إجماع الأمة وهو معهم المشقوق بطنه حي، وأنه يرث من أوليائه من مات قبل موته وأنه في حكم الأحياء ما لم يستحق اسم الأموات، خلافاً لقوله في المنفوذة المقاتل الميؤوس منها لا تحلها الذكاة، ولا يعتبر بقية حياتها والله أعلم.
أن
والحيوانات المشروطة فيها الذكاة على ضربين: مقدور عليها أو غير مقدور عليها، فالمقدور عليها لا تحل إلا بالتذكية في المنحر أو
(1) الأصل غير واضح ولعل الصواب ما اثبتناه،
- 426 - (2/426)
صفحة 1213
اللبة، والغير المقدور عليها ذكاتها العقر على ما سيأتي بيانه إن شاء الله
وقدر السلامة.
فصل
وأما الحيوانات المقدور عليها فقد اتفقوا أن الذكاة في بهيمة الأنعام نحر أو ذبح، وأن من سنة الطير والغنم الذبح، والإبل النحر، والبقر يجوز فيه الذبح والنحر، وإن تحر ما سبيله الذبح أو ذبح ما سبيله النحر فإنه يؤكل، وقال بعض لا يؤكل، والحجة لهم ما ثبت من فعله عليه السلام: (أنه نحر الإبل والبقر وذبح الغنم) ().
،
(1)
وقد روي عن جابر بن عبد الله قال: (نحرنا مع رسول الله عام الحديبية البدنة عن سبع، والبقرة عن سبع) (2)،، والبقرة عن سبع) (2)، وعند الأولين أن تخصيص الجمل بالنحر لأنه أسرع لموته، فإن ذبح فإنه يؤكل، وكذلك إن نحر غير الجمل مما سبيله الذبح فإنه يؤكل أيضاً، وهذا القول عند أصحابنا، وقد اتفق الجميع على جواز ذلك مع الضرورة، أعني ذبح
(1) رواه أبو داود ومسلم والنسائي.
(2) رواه مسلم.
-427 - (2/427)
صفحة 1214
الأبل ونحر الغنم، ففي هذا تقوية لقول من أجاز لك، وإنما اتفق الجميع على جواز ذبح البقر، لقوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) (1)، وأما صفة الذكاة: فالذكاة في اللغة الشق، وفي الشرع قطع الحلقوم والمريء والوَدَجين، وتسمي وتدعها حتى تبرد كما أمر رسول الله، ولا يجوز أكل الحيوانات إلا بالتذكية الشرعية، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا أتيت على المريء والودجين والحلقوم فدعها حتى تبرد) (2)، وفي رواية أخرى: (أفر الأوداج والمريء وأرح البهيمة) (3)، وقيل: الحلقوم موضع النفس، والمريء الذي يدخل منه الطعام من كل حي من بشر أو بهيمة، فإذا بانا فلا حياة بعد إبانتهما، والودجان ممدودان في صفحة الحلق، وإذا قطع الحلقوم والمريء ولم يقطع الودجين كان تعذيباً للبهيمة، لأن الراحة للبهيمة في قطع ذلك، وقد أمر رسول الله الله بفري الأوداج والمريء، ومن لم يفعل ذلك لم يمتثل ما أمر به من الذكاة الشرعية، وإذا لم يمتثل ما أمر به لم يصح أكله لقوله عليه السلام: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) (4)، وقد
(1) البقرة: 67
(2) رواه ابو داود
(3) رواه البيهقي وابو داود والنسائي
(4) متفق عليه.
- {TA- (2/428)
صفحة 1215
،
(0)
بلغنا أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه نهى عن شريطة الشيطان () والشريطة هاهنا الذبيحة، فعليه بمعنى معقولة، وهي كل بهيمة لم تقطع أوداجها ولم ينهر دمها، وكان أهل الجاهلية يقطعون شيئاً من حلقها، لتكون بذلك الشرط تذكية، ففى هذا دليل على مخالفينا في ذلك ممن اشترط قطع الحلقوم والمريء فقط، ورخص بعضهم إن بقيت القشرة السفلى من المريء أن تؤكل، فهذا يدل أن الأقل لا حكم له عندهم
والله أعلم.
وفي الأثر: ومن ذبح شاة فقطع المريء ثم تركها حتى تموت، فلا تؤكل إلا إن قطع مع المريء أحد الودجين، فإن قطع أحدهما أكلت، وأما الجمل إن نحر ولم يقطع حلقه ولا حلقومه، فإنه لا يؤكل أيضاً لأن النحر والذبح حكمهما في ذلك سواء، وقد روي عن الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه أنه قال: لا بأس بذلك، لأن سبيل النحر غير سبيل الذبح فهؤلاء قصروا قطع الحلق والحلقوم على ما ورد فيه، أعني الذبح
لا في النحر.
وكذلك أيضاً في الأثر: من نحر ولم يبلغ السكين القلب، ولم
(ه) رواه ابو داود. (2/429)
صفحة 1216
يقطع الحلق والحلقوم فإن فيه القولين، وهذا القول المروي عن الإمام فيما يوجبه النظر عندي، إنما يشبه أن يكون على مذهب من جعل النحر غير الذبح والذبح غير النحر، وأما من جعل حكمهما حكماً واحداً، فأحرى أن يساوي بينهما في جميع ذلك و الله أعلم.
وإن ذبحتها ورجعت فنحرتها إلى ما يلي المنحر فإنها مكروهة، ولو قال قائل: إن هذه المسألة أشبه بمذهب من اشترط قطع الودجين فقط منها بمذهب من اشترط قطع الحلق و الحلقوم والودجين، لأنه إذا قطع فوق الجوزة خرج الحلقوم سالماً، قيل له والله أعلم: يجوز لمن احتج بمذهبه أن يقول: إنما أمرنا بقطع الحلق والحلقوم والودجين، فإذا قطعنا الحلق والحلقوم من أصلها، فقد قطعنا ما أمرنا بقطعه، وإذا قطعنا من وسطهما فقد امتثلنا ما أمرنا بفعله، ألا ترى أن من قطع يد رجل من المنكب أن عليه نصف الدية، وإن قطعها من المرفق أو دون ذلك، أن عليه نصف الدية لأنه قطعها، سواء كان من أصلها أو من وسطها والله أعلم.
والذكاة في المنحر واللبة لقوله عليه السلام: (الذكاة في المنحر واللبة))، ومن ذبح في غير المذبح لم تصح الذكاة، لأن السنة جاءت
(1)
(1) رواه الدارقطني. (2/430)
صفحة 1217
بخلاف ما فعل، وهذا يدل على أنه لا يجوز له قطع أعضاء الذكاة من جهة القفا، وإن قطعها من جهة القفا لم تكن ذكاة شرعية، إنما هو قتل
والله أعلم.
وفي الأثر: والذبح من القفا، لا يجوز على العمد والخطأ، إلا أن يكون الذبح بالخطأ أن يذبح من موضع المذبح، فاجتاز السكين فنزل إلى الرقبة على الخطأ فلا تحرم، وإن غلط وأراد المذبح فوضع على القفا، فرجع السكين إلى المذبح باختناس الشاة فذبح من المذبح فلا تحـ والله أعلم.
وإن أدخل الحديدة من تحت الحلق، وقطع أعضاء الذكاة إلى فوق فإنه منهي عن ذلك، غير أنهم لم يحرموا ذبيحة ذبحت كذلك، وهو أيضاً قطع أعضاء الذكاة من جهة اللبة لا من جهة القفا، وإن بقي شيء من اللحم فوق الحلقوم بينه وبين الجلد، فإنها لا تؤكل لأنه لم يمتثل ما أمر الله به، وقد بلغنا عن رسول الله: (أنه نهى في الذبح عن أربعة أوجه: عن الخزل والوخز والنخع والترداد) (1)، قال الربيع رحمه الله: الخزل إدخال الحديدة تحت الجلد واللحم فيذبح قبالته، والترداد الذبح
(1) رواه الترمذي وأبو داود
- {P?- (2/431)
صفحة 1218
بالحديدة الكليلة التي تردد في اللحم، والوخز الطعن برأس الحديدة في رقبة الشاة بعد الذبح، والنخع كسر الرقبة، فالوجهان الأولان لم يحرموا بهما الذبيحة، والوجهان الآخران قد حرموا بها الذبيحة، لأن في ذلك تشريكاً في الذكاة، ومتى كان في الذكاة تشريك لم تجر على ماسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، ومن ذبح شاة فأبان رأسها، فإنه إن لم يتعمد لذلك فإن بعضهم قال: تؤكل، وبعضهم قال: لا تؤكل، فعلى مذهب من قال: لا تؤكل لأنه حدث فيها ما يقتلها بعد الذبح وكان ذلك تشريكاً في الذكاة بغيرها لم تجز والله أعلم. وأما من أجازها فيشبه على قوله أن ذلك لا يحرمها، كما لا يحرمها اضطرابها بنفسها بعد أن ذبحها ولا بد من ذلك، وأما إن تعمد قطع رأسها فلا تؤكل لأن ذلك قتل وليس بتذكية.
وفي الأثر: قلت والشاة إن استوعب لها الذئب موضع الذبح هل تنحر؟ قال: نعم، وأما إن استوعب لها نحرها فلا تؤكل، ولو أنها ذبحت بعد ذلك، إلا إن بقي من المنحر شيء. ولم يستوعبه الذئب فإنه يذبحها ويأكلها، وكذلك إن بقي من المذبح شيء و المنحر صحيح، فإنه يفعل ما شاء من الذبح والنحر، وهذا المعنى من قولهم يدل أنه ما دام منحرها فهي تصلح للذكاة، والذكاة في المنحر واللبة والنحر في اللبة، وإذا
- 432 - (2/432)
صفحة 1219
استوعب منحرها لم تصح الذكاة لأنه لم يبق فيها ما تصح فيه الذكاة. وفي الأثر: عن موسى بن أبي جابر في سنور أكل رأس ديك، فأجاز ذبحه من عنقه من دون الرأس إذا أدركه حياً
وفي الأثر: وإذا كان للشاة رأسان فذبحت من أحدهما فأظنها تموت بذلك، وأرجوا أن يجزيء والله أعلم.
وفي الأثر: قال بشير: من ذبح ذبيحة وأمسكها بيده حتى ماتت، فإذا لم تتحرك بعد أن أطلقها فلا يجوز أكلها، قال أبو الحواري: إن كانت مريضة ولم تتحرك بعد الذبح لم تؤكل، وإن كانت صحيحة أكلها ولو لم تتحرك بعد أن أطلقها، وقول أبي الحواري فيا يوجبه النظر عندي أصح، لأن المرض سبب من أسباب الموت، والذكاة كذلك، فإن لم تتحرك بعد الذبح، لم يؤمن أن تكون بالمرض لا بالذبح، وكذلك اشترطوا تحريكها بعد الذبح، وأما إن كانت صحيحة فلا، وفرق بعضهم بين الليل والنهار فقالوا: إذا وضع عليها السكين وهي حية فذبحها، ولم يرها تحركت بعد الذبح: فإنها تؤكل مريضة كانت أو غير مريضة، وهذا في الليل، وأما في النهار فلا تؤكل المريضة حتى تتحرك بعد الذبح، وذلك فيا يوجبه النظر أن الليل لباس يمنع من النظر إلى معرفة حركتها،
(28)
- {rr- (2/433)
صفحة 1220
فلما كان لا تدرك معرفة حركتها بالليل، إستصحب فيها حال الأصل وهو أن الأصل فيها الحياة حتى يتبين أنها ماتت قبل الذكاة، ولعل لهذا أجاز بعضهم أكلها على كل حال، ليلاً أو نهاراً إذا وضع السكين عليها وهي حية، والوجوه التى تؤكل بها الشاة إذا ذبحت تحريك رجلها، أو تحريك أذنها أو تحريك ذنبها، وكذلك إن فتحت عينها أو أغمضتها بعد الذبح، وأما تحريكها في ذاتها من غير غمضها فلا تؤكل بها، وقال بعضهم: في التثاؤب في الجمل والثور مثل ذلك، وكذلك ذوات الجناح على هذا الحال، والجناح للطير في مقام الأذن من الأنعام، وهذه الوجوه تدل على حياة الذبيحة، ومرادهم بتخصيص هذه الوجوه أن يتحرك منها عضو، وقد روي عن علي أنه قال: آخر الذكاة إذا رمقت بعينها أو عطفت بذنبها أي حركته، وإن لم يرها تحركت بعد الذبح فقال له غيره ممن حضر معه: تحركت من موضع كذا وكذا، فإنه إن كان ذلك الموضع الذي قال له تحركت منه، لم ينظر إليه، فإنها تؤكل إذا كان الذي قال له ممن تؤكل ذبيحته إذا ذبح، وإن كان ممن لا تؤكل ذبيحته فلا تؤكل بقوله، لأنها لا تؤكل بذبحه، فكيف تؤكل بقوله؟ وأما إن حفظ الذابح ذلك المكان الذي قال له تحركت منه ورعاه، فلا يشتغل بقوله ولا ينقض يقينه بقول مظنون فيه، ولو كان الذي قال له ذلك
- {TE- (2/434)
صفحة 1221
رجل أعمى، إذا كان يمكن أن يعرف ذلك إذا مسه بيده أو بغير يده، إذا كان الذابح لم يحفظ ذلك المكان، فإنه يصدقه ويأكلها والله أعلم.
وفي الأثر: ومن شرد بعيره ولم يقدر عليه، فرماه بالنبل فمات فلا يأكله، وإن تردى في بئر ولم يقدر على حلقه أو لبته، وطعن فيه فلا يحل أكله، لأنه لم يدركه في موضع الذكاة، وهو المنحر واللبة، لقوله عليه السلام: (الذكاة في اللبة والمنحر ()، وقد روي في بعض الأخبار، أنه قال عليه السلام: (ما بدا لكم فاصنعوا به هكذا) (2)، وهذا الخبر
(1)
(2)
يدل على جواز ذلك إن لم يقدر على موضع الذبح والنحر عند الضرورة.
وفي الأثر: لعله يريد أن يضرب الصيد بالسيف، أو يطعن الدابة أو يضرب بشيء من الحديد حيث ما أمكن، إذا لم يصل مذبحهابار تفاع أو خفض وما أشبه ذلك والله أعلم.
(1) تقدم ذكره.
(2) رواه أبو داود والدارقطني.
- {ro- (2/435)
صفحة 1222
فصل
وإذا حدث في الذبيحة بعد ذكاتها ما يقتلها، لو كانت حية فإنها لا تؤكل، لأنه اشتراك في موتها، وإذا كان في موتها اشتراك من التذكية وغيرها لم تصح التذكية منها، فمن هاهنا لم يجز أكلها، ألا ترى أن رجلين او ذكيا بهيمة، أحدهما ممن تجوز ذكاته، والآخر ممن لا تجوز ذكاته، لكانت ذكاة من تجوز ذكاته لا تصح باشتراكها مع من لا تجوز ذكاته، وكذلك ها هنا، فإن قال قائل: ولا سواء فالأول حدث فيها ما حدث بعد ما صحت ذكاتها، وهذه حدث فيها ما يبطل ذكاتها، قيل له: قد أعلمناك أنه متى كان في موتها اشتراك من التذكية وغيرها لا تؤكل، سواء كان مع الذكاة أو بعد الذكاة، لأنها في حكم الحياة ما لم تخرج روحها، فإن قال قائل: فإذاً يلزمك على هذا المعنى، لا تحل بهيمة تحركت بعد الذبح، إذا كانت حياتها بعد الذكاة وحياتها قبل الذكاة سواء، لأنها إنما ماتت بعد حياة حكمها حية قبل الذكاة، فصارت كالميتة من تلقاء نفسها على هذا المعنى، قيل له: لا يلزمنا هذا لأن هذه لم يكن لموتها سبب غير الذكاة، فإذا لم يكن لها سبب غير الذكاة، في حلال بالذكاة الشرعية التي أمر الله بها، وحركتها بعد ذلك لا تضرها
- 436 - (2/436)
صفحة 1223
إذ لا بد من ذلك، وهي أيضاً شوط في صحة الذكاة، وكذلك اضطرابها لا يؤثر في ذكاتها شيئاً، ولو انحرفت بطنها بذلك الاضطراب، أو ضربت
برأسها الأرض ثم ماتت، فلا بأس لأن ذلك جاء منها والله أعلم. وفي الأثر: ومن ذبح ذبيحة ثم رمى بها حتى وقعت وقعة شديدة، فإنها لا تؤكل إذا كانت الرمية مما تعين الموت عليها، وإذا تردت الذبيحة في ماء، أو من على شرف بعد الذبح الذي لا يحيا مثلها منه، فلا يجوز أكلها لأن ترديها يعين على قتلها، وإذا كان في موتها اشتراك من التذكية، وغيرها لم تصح الذكاة منها، فمن هاهنا لم يجز أكلها، ومن رمى طائراً على شجرة وسمى على سهمه فسقط الطائر ميتاً فلا يجوز أكله، لأن سقوطه معين على موته وإن بعض الفقهاء فرق بين سقوطه، قابض الجناحين وناشراً لهما، فإذا كان ناشر الجناحين جاز أكله، لأنه يكون مالكاً لنفسه حاملاً لها مع ذلك، وإذا كان قابض الجناحين كان مطلقاً لنفسه غير مالك لها، فكان متردياً والله أعلم. وإذا كان الطير من طيور الماء فوقوعه في الماء لا يقتله، وجاز أكله، والأصل في هذا كله ما ذكرناه وهو الإشتراك في الذكاة والله أعلم. وكذلك الطائر إذا طار بعد ذبحه ثم سقط، فإنه يراعى فيه إن كان فارشاً جناحيه أكل، وإن وقع قابضاً لهما فلا يؤكل على هذا الحال. (2/437)
صفحة 1224
وفي الأثر: ومن أضجع شاة ليذبحها فذبحها وتركها فقامت قائمة:
ولم يبين منها حبل الوريد فذبحها ثانية، فإن كان قد ذبحها الذبح الذي ما تحيا منه، ثم ذبحها ثانية لم يجز أكلها لأنه أعان على قتلها، وإن كان ذبحه لها مما تموت به ولا تموت، جاز الذبح لها والله أعلم. فهذا من قولهم يدل أن بعضهم يذهب إلى أن المراد بالذبح ما به تموت لا بد والله أعلم.
وفي الأثر أيضاً: ومن ذبح شاة ثم عض ذنبها لينظر أماتت أو لم تمت، فتحركت ثم نظرها بعد الحركة فإذا هي قد ماتت، فإن عضها عضاً شديداً مما يكون ذلك العض معيناً على قتلها لم تؤكل، وإن كان مما لا يعين على قتلها فلا بأس، ولا تحرم عليه الذبيحة إلا بما يكون من الأحداث المعينة على قتلها، وفي بعض الآثار: ومن ذبح شاة أو بقرة وهي مربوطة، أو أمسك فانها بعد ما ذبحها هل تؤكل؟ قال: إن أحدث
إليها بعد الذبح ما يقتلها، لو كانت حية فإنها لا تؤكل والله أعلم.
وفي الأثر أيضاً: والجمل إذا وقع في بئر ضيق أو حفرة ضيقة، فضاق عليه ذلك فنحره رجل على ذلك الحال، فبقي في ذلك حتى مات هل يؤكل أم لا؟ قال: إن كان ذلك المكان مما يتوهم فيه موته لو أنه لم ينحر فإنه لا يؤكل، وإن كان مما لا يتوهم فيه موته فلا بأس.
- ETA - (2/438)
صفحة 1225
وفي الأثر: وكذلك إن نحره فمسك المقبض في يده وبقي حديد السكين في منحره فإنه لا يؤكل، ومنهم من يرخص، والأصل في هذا كله واحد وهو ما ذكرناه من الإشتراك والله أعلم. ومن نحر بعيراً ثم نحره ثانية فإنه لا يؤكل لأنه أعان على قتله، وكذلك إن ذبحه في اللبة ثم ذبحه ثانية في المنحر فلا يجوز أكله، وكذلك لو ذبح ما يذبح ثم ذبحه ثانية فلا يؤكل، لأنه أعان على قتله، وأما إن ذبح الجمل ثم نحره فإنه يؤكل لأن السبيل فيه النحر، وكذلك إن نحر غير الجمل ثم ذبحه فلا بأس، والأصل في هذا إذا أخر المعمول فإنه يؤكل به، ويكون ما قبل المعمول بمنزلة العقر، وإن قدم المعمول فلا يؤكل إذا حدث فيه بعد بعد ذبحه والله أعلم.
وفي الأثر: لا يجوز قطع شيء من الذبيحة حتى تبرد (لنهي رسول
(1)
عليه السلام عن ذلك وأمره بتركها حتى تبرد))، فيه نهي عن قطع شيء منها في حال اضطرابها، فإذا خالف المتعبد ما أمر به وقطع عضواً من أعضائها، كان بفعله عاصياً ولم يجز أ كل ما منع من تناوله، وأجمعوا
أن له أكل ما بقي منها بعد قطع العضو
•
(1) تقدم ذكره.
- {59 - (2/439)
صفحة 1226
وفي الأثر: ومن ذبح شاة وأخذ في سلخها وهي تضطرب فذلك
يکره حتى تبرد، وإن فعل قبل ما تبرد فلا أحب أكلها، والأصل في هذا ما روي أنه قال عليه السلام: (ودعها حتى تبرد) (1)، وجاء في الحديث: لا تبخعوا ولا تفرسوا ودعوا الذبيحة حتى تجب فإذا
(2)
وجبت فكلوا) (2)، يقول: لا تكسروا عنق الدابة حتى تبرد، والفرس دق العنق، والبخع أن يبلغ القطع إلى النخاع، قال الشاعر: ألا ذَهَبَ الخداع فلا خداعا وأبدى السيفُ عَنْ طبق بخاعا والبَخَعُ بفتح الباء والخاء مفصل العنفقة بين الرأس والعنق
والله أعلم.
واختلف العلماء في ذكاة الجنين، قال بعضهم: ذكاته ذكاة أمه وعليه العمل عند أصحابنا، لقول النبي عليه السلام: (ذكاة الجنين ذكاة أمه) (3)، وخالفهم أبو حنيفة ولم يجز ذلك إلا بعد ذبحه إن كان حياً، واحتج بأن الخبر ذكاة الجنين ذكاة أمه بنصب التاء، أي كذكاة أمه فلما سقطت الكاف انتصبت التاء، واحتج أيضاً بأن ذكاة نفس لا تكون
(1) تقدم ذكره.
(2) رواه البيهقي وأبو داود (3) رواه أحمد والترمذي وابن ماجـ (2/440)
صفحة 1227
ذكاة نفسين، وهو يقول: لو اعتقت أمة حاملاً إن عتق أمه عتقه، وهذا كذلك يلزمه أن ذكاة أمه ذكاته، لأنه إذا جاز أن يكون عتق واحد عتق اثنين، جاز أن تكون ذكاة واحد ذكاة اثنين، ومن أجاز أن تكون ذكاته ذكاة أمه، اشترط فيه الحياة لقوله عليه السلام: (ذكاة الجنين ذكاة أمه) (1)، فقد جعله محلاً للذكاة، والذكاة لا تعمل إلا في الحي، ولذلك اشترطوا فيه أن يكون فيه الشعر، لأن الشعر من تمام خلقته، ولا يكون إلا بعد الحياة، وبعضهم اعتبر حياته بالحركة
والله أعلم.
وفي الأثر: ومن ذبح شاة وفيها ولد يتحرك بعد الذبح أكل، وإن لم يتحرك لم يؤكل، وقيل أيضاً هو بضعة لحم منها وذكاته ذكاتها، وقال بعضهم: إذا وجده صحيحاً وقد نبت فيه شيء من الشعر فإنه يأكله ولو لم يتحرك بعد الذبح في بطنها، وهذا كما ذكرنا لأن الشعر لا يكون إلا بعد الحياة، ومن ذبح شاة فظن أنها قد ماتت، فشقها فنزع منها الولد فوجده حياً فإنه لا تؤكل الشاة، وأما الولد فإنه يذبحه ويأكله، وكذلك جميع ما يذبح من البهائم إذا شقه ووجد في بطنه ولده حياً فلا يؤكل،
(1) تقدم ذكره.
- {{1 - (2/441)
صفحة 1228
ويؤكل الولد بعد الذبح لأنه لما وجد الجنين حياً، علم أنه إنما شق بطنها قبل أن تموت، ويكون ذلك تشريكاً في الذكاة، ما خلا الأرنب فإنها تموت ويبقى ولدها في بطنها حياً على ما ذكر والله أعلم. ومن شق بطن شاة أو بقرة قبل أن يذبحها، فنزع منها الولد حياً ثم ذبحها بعد ذلك، فإنه عصى ربه وتؤكل الشاة، وكذلك الولد الذي نزعه منها إذا ذبحه أكل، وإن خرج رأس الولد من الشاة فذبح أمه على ذلك الحال، وذبح الولد على ذلك الحال فإن الولد لا يؤكل، لأن المجال الذي هو فيه مما يعين على قتله وهو أشبه بالمنخنقه، وأما إن خرج صدر الولد فذبحه فإنه يؤكل، لأنه خرج من حد الضيق، وأما الأم فإنها تؤكل على الوجهين
إذا ذبحت والله أعلم. وبالله التوفيق.
فصل
في شروط الذكاة
ومن شروط الذكاة التسمية والنية واستقبال القبلة، أما القسمية فالأصل فيها قوله تعالى: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم
- 442 - (2/442)
صفحة 1229
(1)
بآياته مؤمنين))، وذلك أن مشركي العرب قالوا للمسلمين من أصحاب النبي عليه السلام: أتزعمون أنكم تعبدون الله وأنكم على دينه، وما قتل الله لكم فلا تأكلوه ـ يعنون الميتة ـ وتزعمون أنه حرام، وما قتلتم أنتم بأيديكم فتأكلونه وتزعمون أنه حلال، فجادلوهم في أكل الميتة فأنزل الله: (ولكل أمة جعلنا منسكا) (2)، يعني ذبائح و هم ناسكوه)
(2)
يعني ذابحوه فلا ينازعنك يا محمد في الأمر يعني في الذبائح، فنزل قوله: (فكلوا مما ذكر إسم الله عليه) يعني الذبائح، يقول: إذا ذبحتم ذبيحة فاذكروا اسم الله عليها وكلوها فإنها حلال إن كنتم بآياته مؤمنين، ثم قال ولا تأكُلُوا مِما لَمْ يُذكر اسم الله عليه) (3)، يعني الميتة، وإنه لفسق) يعني أكل الميتة لمعصية.
ثم إن الناس اختلفوا في التسمية، على ثلاثة أقوال، قال قوم: لا يؤكل ما ذكاه المشركون لآلهتهم دون غيرها، وقال قوم: لا يؤكل ما ترك المسلمون عليه التسمية عمداً دون النسيان، وقال قوم: كلما تركت
التسمية عليه عمداً أو سياناً لا تؤكل.
(1) الأنعام: 118.
(2) الحج: 34 - 67.
(3) الأنعام: 121.
- eer- (2/443)
صفحة 1230
الآية
وفي الأثر: وقد ذكر عن عطاء عن ابن عباس فيمن نسي من المسلمين أن يذكر اسم الله على ذبيحته قال: هو حلال، وقال ابن عباس: لا يضر نسيان الاسم في الملة كما لا ينفع ذكر الله في غير الملة، وقال فيمن لم يذكر اسم الله متعمداً فهو حرام، والدليل على هذا القول قوله تعالى: {ولا تَأْكُلُوا يَّما لَمْ يُذكر اسم الله عليه وإنه لفسق) (1) والفسق لا يكون ممن ترك التسمية ناسياً، لأن الفسق هو الخروج عن الطاعة، ومن لم يقصد المعصية فلا يعصي في فعله، يعني به على هذا القول، وإنه لفسق، يعني أكلها فسق والله أعلم. ومن ذهب إلى تعميم حرمها في ترك التسمية عمداً أو نسياناً، وصرف الكناية في قوله: وإنه لفسق؛ إلى أقرب المذكورات وهو المذبوح والله أعلم. والتسمية لا تكون إلا باللسان، لأن الإنسان لا يسمى مُسَمِّياً إلا باللسان، وذكر اسم الله في هذا الموضع يوجب ذكر التسمية باللسان لقوله تعالى: (واذكروا الله في أيام معدودات) (2) وقوله: (فإذا أقضم من عرفات فاذكروا الله عِنْدَ المُشعَرِ الحرام) (3)، وكل هذه المواضع متفق عليها أن المراد فيها الذكر باللسان لا بالنيات، والذكر إذا علق بسبب من الأسباب غير
(1) تقدم ذكرها.
(2) البقرة: 203
(3) البقرة: 198
- {{{- (2/444)
صفحة 1231
الذاكر والمذكور لم يعقل إلا باللسان، ألا ترى أنك تقول: ذكرت فلاناً احتمل أن يكون بالقلب دون اللسان، قال الله جل ذكره في قصة يوسف و أذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) (1) ولا تنازع بين أهل العلم أن الذكر في هذا الموضع باللسان، لأنه متعلق بالغير والله أعلم. ومن ذبح وسمى بالفارسية أكلت ذبيحته إن كان ثقة إذا لم يعلم ذلك إلا من قوله، ومن قال: ما شاء الله أجزأه، ومن قال: بسم الله ولا إله إلا الله أو بسم الله الرحمن الرحيم، أو يقول: الله، فيسكت، أو يقول: صلى الله على محمد، أو يقول: اللهم تقبل من فلان، أبو قال: اللهم بارك فيها، أو قال: أستغفر الله، فكل هذا يجزئه لأنه ذكر الله.
وفي الأثر: ومن أضجع شاة وقال: لا بارك الله فيها، أو قال: لعنها الله ولم يقل بسم الله فهو آثم في قوله ذلك، وخالف ما يقال في التسمية، وقد ذكر اسم الله فجائز أكلها وهو عاص في لعنه لها، ولعل بعضاً لا يجيز في مثل هذا ذكاة، لأن الذكاة طاعة، والطاعة والمعصية
متنافيتان لا تجتمعان في شيء واحد.
وفي الأثر أيضاً: ومن قيل له قل بسم الله فقال: لا أقول بسم الله
(1) يوسف: 42.
1 {{0 - (2/445)
صفحة 1232
ثم ذبح، فقد قالوا: إنه ذكر. وذلك فيا يوجبه النظر إذا أراد بذلك التسمية على الذبيحة، فقد ذكر الله، وإن كان قال ذلك على وجه النفى أنه لا يذكر الله في تسمينه على الذبيحة فالله أعلم، وإن ذبح ذابح ممن
بسم
"
يدين بالتسمية ثم شك بعد أن ذبح في التسمية لم تفسد ذبيحته بالشك:، لأنه ممن يدين بالتسمية، ومن ذبح شاة فقال عند شاة فقال عند الذبح: سبحان ربي العظيم أو سبحان ربي الأعلى أو سبحان ربي الكريم أو سبحان ربي العظيم أو الرحيم ولم يقل بسم الله، ففي الأثر: فإن أحضر النية عند قوله هذا وأراد به الله فله أن يأكلها وحدوه، وإن أرسل القول إرسالاً فلا يأكلها هو ولا غيره، ولعل هذا أنه لما قال قولاً محتملاً كان قوله في ذلك جائزاً على نفسه دون من سمعه و الله أعلم. ولا ينفع اسم الله على الذبيحة إلا من الذابح لها، وإن اجتمع رجلان على الذبيحة أمسكاها جميعاً وأمسكا المدية، وذكرا اسم الله عليها، وذبحا جميعاً فذلك جائز، ومن سمى على الذبيحة و أمر السكين فقطع اللحم وخرج الدم، ثم كلم إنساناً وهو في ذلك الكلام يمر السكين على الحلق حتى فرغ من ذبحها، فلا بأس بأكلها إذا سمى وأحسن الذبح، ومن ذبح شاتين فسمى على الأولى وترك التسمية على الثانية لم تؤكل، لأنه لم يسم عليها، وإن اضجع شاة ليذبحها وذكر اسم الله ثم ألقى السكين، فأخذ الأخرى فذبح بها على التسمية الأولى
- {{7 - (2/446)
صفحة 1233
فلا بأس، لأنه قد سمى وذبح، وإن أخذ في حد السكين الثاني بعد التسمية فأطال الحد ففي الأثر: وإذا سمى وكلمه إنسان وأخذ السكين فذبح على تلك التسمية لم أر بأساً، وأكره له تطويل الحديث بين التسمية والذبح، والأصل في هذا فيما أرى عموم قوله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)، يعني في الذبائح عند ذبحها.
(1)
وفي الأثر: لو أن رجلاً ذكر الله على شاة فقطع ولم يستقص الذبح فذهب يلتمس سكيناً آخر، فمر به غيره فأجاز واستقصى الذبح ولم يذكر اسم الله لم أر بأساً إذا كانت تضطرب، فعلى هذا قد ذكر اسم الله على الذبيحة غير الذابح لها والله أعلم. وأما النية فإن الذكاة عبادة تصلح فيها النية، ومثل ذلك من طعن جملاً برمح في موضع النحر، فإنه إن ذكر اسم الله وعنى النحر فإنه يؤكل، وإن لم يعن النحر فلا يؤكل والله أعلم، وأما استقبال القبلة فإنه مستحب، وإن تعمد وذبح لغير القبلة فإنه ليس في ذلك تحريم ما لم يعتقد في ذلك مخالفة المسلمين، فإذا اعتقد مخالفة المسلمين لم تؤكل، وكذلك من ذبح بشماله فإنه قد خالف ما جاءت به الشريعة من المسلمين، فإن كان سمى الله ولم يرد بذلك مخالفة السنة
لم
(1) تقدم ذكرها.
- 447 - (2/447)
صفحة 1234
تكن بذلك خبيئة، والمأمور أن تضجع الذبيحة إلى القبلة على شقها
6
(1)
الأيسر، ويذبح باليمين لقوله عليه السلام: (الشمال الأسفل))
ويسمي الله تعالى، وإن ذبحها قائمة لم تحرم إذا سمى عليها عند الذبح. وفي الأثر: ومن ذبح على غير طهارة كانت الذبيحة ماضية، إذام يشترط الله تعالى الطهارة في الذكاة ولا رسوله ولا المسلمون جميعاً، وكذلك الذبح لغير القبلة جائز لأن استقبال القبلة من شروط الصلاة، لا من شروط الذكاة والله أعلم. وبالله التوفيق.
فصل
i
فيما تجوز به الذكاة
(2)
والأصل في هذا ما روي أنه قال عليه السلام: (إن الله يحب الرفق ومن ذبح فليذبح بشفرة حادة. (2)، وما روي من طريق أبي سعيد الخدري، أن جارية لكعب بن مالك ترعى غنماً له فأصيبت شاة منهن
(1) رواه أبو داود.
(2) رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه.
- {{A- (2/448)
صفحة 1235
فذكتها
(1)
بحجر، فسأل رسول الله عنها، فقال: (لا بأس بها فكلوها))، فهذا دليل على جواز الذبح بالحديد والحجارة مما له حد منها. وقد ذكر في الأثر، قال أبو عبدالله: إنما يذبح بالحجارة المرو، وهي البيضاء والحمراء ولا يذبح بما سواها من الحجارة.
وفي الأثر أيضاً: قال أبو محمد: والحديد كله جائز به الذبح إذا كان له حد مثل المنحرف والمدية العوجاء والسيف والموسى والمقراض وما أشبه ذلك، و بين أصحابنا اختلاف في مثل هذا، ونحن نرى جواز ذلك. وفي الأثر أيضاً: ولا يذبح بالزجاج ولا بالرخام ولا بالذهب ولا بالفضة ولا الضرس ولا الظفر ولا العظام ولا الخزف ولا المحارة، وتجوز بالمعز من الحجارة، وغير المعز أيضاً جائز، وفيه أن الحجر غير المعز لا يجوز، والإجازة أحب إلي، والله أعلم.
وفي الأثر أيضاً: ونهى الربيع عن الذبح بالحجر والقصبة والخشبة والحديد، كله يحز به حزاً ولا يضرب به ضرباً إلا الصيد الذي يخاف فوته، فإذا أمكن الذبح فاذبحه، ويكره من الحديد ما يخاف أن يكون قد ضرب به إنسان أو ميتة، ولا تذبح بالسيف حتى تمسحه برماد أو
(1) رواه احمد والبخاري.
- {{9 - (2/449)
صفحة 1236
تراب وما أشبه ذلك مسحاً شديداً، وإن ذبحت به ولم تمسحه لم تحرم
ذبيحتك، وقد روي: (أن النبي حين سأله عدي بن حاتم فقال
يا رسول الله: أنا بأرض صيد، ولا يحضرنا ما نذكي به من الحديد وعندنا الظفر أفنذكي به؟ فقال: انهر الدم بما شئت وسم، ونهاه عن الظفر والسن) (1)، وفي رواية أخرى أنه قال: (إلا السن والظفر)، وفي حديث أنه قال له: (أما السن فعظم، وأما الظفر فمدي الحبشة) (2)، ولهذا الحديث قالوا: لا يحل أن يذبح بالعظم، والسن والظفر منزوعين كانوا أو غير منزوعين، لقوله عليه السلام: (أما السن فعظم)، فعله عليه السلام وأصل هذا الاختلاف الذي ذكرناه فيما تجوز به الذكاة، هو ما ذكرناه من الأحاديث المتقدمة، وذلك أن بعض الناس فهم من، نهي النبي عليه السلام عن السن والظفر، دلالة على إباحة الذبح بما عداهما مما لم يرد النهي فيه، وبعضهم اقتفى الحديث ما وردت السنة بإجازته كالحديد والمرو جازت الذكاة به، وما ورد النهي عنه كالسن والظفر لم تجز به الذكاة، وما سوى ما ذكرنا الذبح به مكروه، وبعضهم ذهب إلى أن جواز الذبح بالمرو إنما هو للمضطر الذي لا يجد سكيناً، وفيه ورد
(1) رواه أحمد
(2) رواه الجماعة
:
450 - (2/450)
صفحة 1237
الحديث وقد ذكر في الأثر: إنما أجازوا ذبح الليطة وهي القصبة والمرو في الصيد للمضطر ولا يجد سكيناً، وأما المنجل فلم تجز به على كل حال، لأنه يشرح العروق ولا يقطع الأوداج والمريء.
وفي الأثر أيضاً: قلت ومن ذبح بالمنجل أو السكين الذي في شفرته فلول، فصار السكين و المتجل كلما ذبح به جيد اللحم فأبانه من الذبيحة، هل تؤكل تلك الذبيحة؟ قال: لا، وأما إن ذبح بها ولم يجبد شيئاً من اللحم فلا بأس، وذلك أنه إذا جيد اللحم لم تكن ذكاة مأمور بها، وذلك أن الذكاة إنما تكون حزاً لا ضرباً ولا جبداً والله أعلم. ولم يختلفوا في جواز الذكاة بالحديد الذي له حد لقوله عليه السلام: (إن الله يحب الرفق ومن ذبح فليذبح بشفرة حادة ()، وإن حماه بالنار فذبح به وهو محمى فلا تؤكل تلك الذبيحة، لأن هذا أشبه بالبكي منه بالذكاة والله أعلم. وقد ذكر أن طائفة من الفقهاء تبيح أكل ما ذبح بالسن والظفر، وتبيح الذبح بها، وحملوا النهي عن ذلك على الكراهية والله أعلم، وبالله التوفيق.
(1) تقدم ذكره. (2/451)
صفحة 1238
فصل
في معرفة من تجوز ذكاته
إعلم أنه تجوز ذكاة الموحدين من البلغ العقلاء، رجالاً كانوا أو نساء، أحراراً كانوا أو عبيداً، ما لم يكونوا غاصبين ولا سارقين، أما تفصيل ما ذكرناه فتؤكل ذبيحة المرأة إذا أحسنت الذبح والعبد لعموم الآية، ولا خلاف في ذلك، وفي بعض الأخبار عن عبد الله عن النبي: (أنه أكل ذبيحة امرأة) (1)، ومنها حديث جارية كعب بن مالك التي ترعى غنمه فخافت عن شاة منها فذبحتها بمرو، فأجاز لهم النبي عليه السلام أكلها، وفي هذا الخبر أربع فوائد: أحدها أنها امرأة، والثانية
(1)
أنها مملوكة، والثالثة احتسابها لمولاها، والرابعة ذبحها بالمروة.
وفي الأثر: وذبيحة الحائض والنفساء والجنب والعريان، جائزة إذا اضطروا إلى ذلك، وهذا فيا أرى لأن هذا من شروط الصلاة لا من شروط الذكاة، ولا يجوز أكل ما ذكاه المجنون والسكران الذي قد زال عقله والصبي، لأن التذكية ضرب من العبادة، فلا تجوز إلا من مخاطب
مأمور منهي، وفي الصبي عندهم اختلاف
(1) رواه ابو داود والنسائي.
- {or- (2/452)
صفحة 1239
وفي الأثر: قال قتادة: إذا عقل الغلام ولم يحتلم أكلت ذبيحته إذا:: أحسن الذبح، وقال الربيع: نعم إذا ذكر إسم الله، وعن جابر بن عبدالله الأنصاري، أن غلاماً من قومه صاد أرنباً فذبحها بمروة فلم ير بذبحها بأساً، قال: (وأمر رسول الله بأكلها) (1)
•
وفي الأثر أيضاً: والصي إذا كان مختناً وعود بالذبح أكلت ذبيحته، وإن لم يعود فلا تؤكل إلا أن يسمعه يسمي، وذبيحة ابن ثمان سنين لا بأس بها إذا أحسن الذبح، وقد قيل يأكلها هو وأترابه، وقال أبو الحسن: قد أجاز بعض ذبيحة الصبي إذا أختتن وأحسن الذبح وكره ذلك آخرون، وهو أحب إلي إذ لا تصح منه الذكاة، وذكر أيضاً في بعض الآثار، وقال: إن الغلام إذا كان أقل من ثمان سنين لا بأس بذبحه، وإن لم يختتن لأنه ليس بأقلف، وأصل اختلافهم يؤول إلى شيئين: بعضهم لم يجز ذبيحة الصي، لأن الذكاة ضرب من العبادة والعبادة لا تصح إلا من مأمور منهي، وبعض أجازها إذ عند بعض العلماء أن العبادة تصح من الأطفال كما قال عليه السلام: للتي سألته عن صي، فقالت: ألهذا) حج؟ قال: نعم ولك أجر) (3)، ولهذا الإختلاف
(1) رواه مسلم وأبو داود والبيهقي. (2) تقدم ذكره.
- for- (2/453)
صفحة 1240
اشترط بعض أن يكون ابن ثمان سنين، واشترط بعض أن يسمعه يسمي، واشترط بعض الإختتان والله أعلم. وأما الأقلف البالغ فلا تجوز ذكاته، كما لا تصح صلاته ولا صيامه وغير ذلك من الفرائض قبل الإختتان إلا إن كان له عذر يمنعه من الإختتان فهو وغيره سواء والله أعلم. وأما القلفاء من النساء لم أعلم بذكاتها بأساً لأن حكمها غير حكم الأقلف من الرجال، وأما الخصي والمستأصل والمحبوب فلا بأس بذبيحة هؤلاء، لأنه لم يكن منهم ما يمنع ذكاتهم.
وفي الأثر: وتؤكل ذبيحة الخصي من الرجال، وقال بعض: إلا أن يكون مدقوق الذكر، فلا تؤكل ذبيحته، قال أبو عبدالله: هذه مسألة جيدة ما كنت أحسب أن من الخصيان من يدق ذكره والله أعلم لم منعوا ذكاة المدقوق الذكر من الخصيان إلا أن يكون أرادوا، إذا فعل به ذلك بإرادته ومنعوا من ذكاته عقوبة له والله أعلم ما أرادوا بذلك. واختلفوا أيضاً في ذبيحة الغاصب والسارق، وقال بعضهم: لا تجوز، وذلك لأن الذكاة طاعة، وذكاة الغاصب معصية، ولا يكون فعل واحد من فاعل واحد في وقت واحد طاعة ومعصية، وقال بعضهم: بجوازها، ولعل عندهم أن النهي لا يدل على فساد المنهي عنه، كالصلاة
في الدار المغصوبة والثوب المغصوب، وقد اختلفوا في جواز الصلاة بها،
- {· {- (2/454)
صفحة 1241
وكذلك اختلافهم فيمن ذبح بالسكين المغصوبة أو المنجوسة، وذلك أن عند من لم يجوزها أن يذكي بنجاسة، ولا تؤكل ذبيحة ذكيت بنجاسة لأن الذكاة إنما هي بما أحله الله من الحلال الطاهر، والنجس ليس بحلال ولا طاهر، وكذلك مدية المجوسي على هذا الحال لأنها نجسة.
وفي الأثر: وإذا كانت غنم موقوفة تذبح لعرس أو مأتم أو عيد، فذبح رجل ولم يؤمر فجائز، والعادة في مثل هذا أنه يعين إذا لم يؤمر أحد بعينه بالذبح وإذا أمر غيره لم يجز ذلك، وإذا اشترى جماعة شاة فطلبت إليهم امرأة أن يسموها منها والشاة واقفة بينهم، فقام إليها واحد منهم فذبحها فإن كان متعدياً لم يجز أكلها وإن ذبح لهم جاز، وقال بعض أصحابنا: إذا لم يأمروه جميعاً لم تؤكل، فهذه الأشياء تكون لها دلائل ولا يخفى المتعدي من غيره، والتحريم لا يقع إلا بالتعدي، وكذلك إن غاب منهم واحد، وإن اختلفوا فقال بعضهم: نذبح اليوم، وقال آخرون: نذبح غداً لم يجز لأحد أن يذبحها إذا أمتنع أحدهم، وعلى هذه الصفة لا يجوز أكلها، والإستحسان عندي غير هذا والله أعلم. وأما ذبائح المشركين فإنه لا تجوز ذبيحة أحد من ملل أهل الشرك غير أهل الكتاب، والأصل في ذلك قوله تعالى: (اليوم أحِلَّ لَكُمُ
18001 (2/455)
صفحة 1242
الطيبات كم (1)، يعني الحلائل من الذبائح، ثم قال: وطعام الذين أوتوا الكتاب) يعني اليهود النصارى، و حل لكم) يعني للمسلمين، وطعامكم حل لهم) يقول: وذبائح المسلمين حل لهم، وذلك أن المسلمين كانوا يتقون ذبائح أهل الكتاب ونسائهم فأحلها الله لهم، فذبائح نساء أهل الكتاب وذبائح أولادهم وذبائح من دخل في دينهم من غيرهم حلال للمسلمين، وفي الصي منهم إختلاف كما في الصي من المسلمين اختلاف، وفي نصارى العرب اختلاف، وقد قيل من قرأ الإنجيل منهم أكلت ذبيحته فالناس مختلفون في ذلك، قال قوم: إنها جائزة قولاً مرسلاً، وقال قوم: حتى تسمعه يذكر إسم الله على الذبيحة، وقال آخرون: إن لعب باللحم لم تؤكل، وسبب اختلافهم فيما يوجبه النظر هل يشملهم إسم أهل الكتاب أم لا؟ وكذلك اختلفوا في ذبيحة الصابئين.
وفي الأثر: قيل يوجد عن جابر بن زيد أنه أحل تزويج نسائهم، فإذا حل تزويج نسائهم حل أكل ذبائحهم، ولا بأس عندنا بذبائحهم لأنهم من أهل الكتاب.
وفي الأثر: وبلغنا عن علي بن أبي طالب وابن عباس أنه قيل لهما
(1) المائده:. .
-207 - (2/456)
صفحة 1243
إن أهل الكتاب يذكرون على ذبائحهم غير إسم الله، فقال علي وابن عباس: إن الله حين أحل لنا ذبائحهم قد علم ما يقولون على ذبائحهم، ولا بأس بذبائح أهل الحرب من أهل الكتاب وصيد كلابهم، وقال غيره: لا نرى أكل ذبائح أهل الحرب من أهل الكتاب ولا نكاح نسائهم ولا صيد كلابهم، وهذا القول أصح لأنه حين حاربو الم تكن لهم حرمة تحل بها ذبائحهم ولا نساؤهم، ألا ترى أنه لا يحل في امرأة واحدة أن تحل لرجلين مسلمين هذا بنكاح وهذا بسي وملك، أعني لو كانت حلالاً لرجل مسلم فتزوجها أليس لغيره من المسلمين أن يسبيها حين حاربوا ولا يجوز أن تحل لهذا بنكاح ولهذا بسي وملك، وكذلك لا تحل ذبائحهم كما لا تحل نساؤهم وليست لهم حرمة والله أعلم. ومن دخل من المجوس والعرب في ملة أهل الكتاب فهو منهم، وذبائحهم ونساؤهم حلال للمسلمين، وكذلك قيل عن ابن عباس و تلا هذه الآية {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ منكُمْ فإنه منهم) (1) وأما من ارتد من المسلمين إلى أهل الكتاب فإنه لا تحل ذبيحته ولا يقبل منه غير الإسلام وإلا فالسيف، وليست له حرمة أهل الكتاب، وكذلك من ارتد من أهل الكتاب إلى المجوس فلا تؤكل ذبيحته لأنه براء من أهل الكتاب الذي به حلت ذبائحهم والله
أعلم، وبالله التوفيق.
(1) المائدة: 51.
- {OY - (2/457)
صفحة 1244
باب في معرفة ذكاة الصيد
إعلم أن الصيد على وجهين بري وبحري لقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُم صَيدُ البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة وحرمَ عَلَيْكُم صيد البر ما دمتم حرماً) (1)، ولقوله تعالى: (فإذا حَلَلْتُم فاصطادوا) (2) وأجمعوا على أن الأمر في هذا مباح وليس بواجب، قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم و رماحكم) (3) الآية، قصيد البحر هو الحيتان ومصيد البحر السمك، وقيل كل ما كان من صيد البحر فكلوه، سواء ما كان في صورة السمك أو على صورة الكلاب
(1) المائدة: 96. (2) المائدة: 2. (3) المائدة: 94.
- 458 - (2/458)
صفحة 1245
(1)
وغيرها بظاهر قول النبي عليه السلام: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) ولم يخص شيئاً من شيء، وطعامه متاعاً لكم) قيل هو السمك اللابث في البحر، وكان ابن عمر قد نهى عنه ثم أكله بهذه الآية، وكان أبو عبيدة يقول: إن لم تقذره فلا بأس بأكله، ويدل أيضاً على هذا القول قوله عليه السلام: (هو الطهور ماؤه والحل ميتته) ولم يخص ميتة من ميتة، قيل وطعامه متاعاً لكم هو ما حَسَرَ عنه الماء، وقد روي عن النبي أنه
(2)
قال: (ما ألقاه البحر وجرز عنه فكلوه وأما ما مات فيه فلا تأكلوه) (2)،
وأما صيد البحر فهو الحلال الأكل المتوحش، وأما ما به يكون صيده
فالأصل فيه قوله تعالى: يا أيها الذين آمنو اليبلونكم الله بشيء من الصيد)
،
يعني ببعض الصيد صيد البر خاصة تناله أيديكم) يعني صغار الصيد والفراخ تأخذونها أخذاً بغير سلاح، ورماحكم) يعني سلاحكم يقول تصيدون كبار الصيد بالنبل والرماح، وقوله أيضاً: {يسألونك ماذا أحل لهم)، وذلك أن عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين سألا النبي صلى الله عليه وسلم فقالا: (يا نبي الله إن كلاب آل بني ادريح وآل بني حداثة يأخذان الضي والبقر ففيه ما تدرك ذكاته وفيه ما يقتل ولا تدرك ذكاته وقد حرم الله
(1) تقدم ذكره. (2) رواه ابو داود.
- 459 - (2/459)
صفحة 1246
الميتة ماذا يحل لنا منها؟ فنزلت: هو يسألونك ماذا أحل لهم قل كم يا محمد: أحل لكم الطيبات) يعني الذبائح الحلال طيبة لكم ثم قال: {وما علمتم من الجوارح) يعني وما أحل لكم من الجوارح. و مكلبين) يعني معلمين للصيد (تعلمونهن) أي تؤدبوهن لطلب الصيد وكما علمكم الله) يعني كما أدبكم الله و فكلوا مما أمسكن عليكم) يعني مما حبسن عليكم وإن قتل فهو حلال لكم ما لم يأكل منه وإن أكل منه فلا يصح أكله واذكروا اسم الله عليه) يعني حين ترسلونها على الصيد، وما روي أيضاً عن عدي قال: قلت يا رسول الله إن لنا كلاباً نصطاد بها قال: انظروا هذه الكلاب الجوارح فعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم، وما قتل ولم يأكل فكلوه، وما قتل وأكل فلا تأكلوه، قال: قلت يا رسول الله أرأيت إن خالطها كلاب أخر؟ قال: فنهى عن ذلك، قال: قلت يا رسول الله أرسل كلبي فيقتل ويأكل؟ قال: إذا أرسلت كلبك وسميت فأخذ وقتل فكل، فإن أكل فلا تأكل وإن ما أمسك لنفسه، قلت: يا رسول الله أرسل كلي فأجد كلباً آخر معه فلا أدري أيهما قتل؟ قال: لا تأكل وإنما سميت على كلبك) (1) وروي أيضاً أنه قال عليه السلام لعدي بن حاتم: (إذا أصاب المعراض بحده
(1) متفق عليه. (2/460)
صفحة 1247
(1)
وقتل فكل، وإن أصاب بعرضه وقتل فلا تأكل فأته وقيده) (1)،
والمعراض السهم الذي لا ريش له، يسمى معراضاً، وروي أيضاً عن عدي بن حاتم قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إن أرضنا أرض صيد فنرمي الصيد فيغيب عنا الليلة والليلتين فتجد فيه سهمنا، فقال عليه السلام: إذا وجدت فيه سهمك ولم تجد فيه أثراً غيره وعلمت أن سهمك قتله فكل) (2)، وما روي أيضاً عن عدي بن حاتم قال: (قلت يا رسول الله إنا قوم نصيد بهذا الكلاب والبزاة فيما يحل لنا منها؟ فقال عليه السلام يحل لكم ما علمتم من الجوارح مكلبين، الآية. ثم قال: ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته فذكرت اسم الله عليه فكله) (3)، فما ذكرنا من الكتاب والسنة هو أصل لأكثر ما في هذا الباب وهو مما وجدته في الأثر: فهذا يدل أن الذي يجوز به الصيد حيوان جارح وغير حيوان، وغير الحيوان على وجهين: محدد وغير محدد، فالمحدد يجوز به الصيد باتفاق، وهو مثل السهم والرمح والسيف
وما أشبه ذلك.
(1) متفق عليه.
(2) رواه البخاري.
(3) رواه احمد وأبو داود.
- {71 - (2/461)
صفحة 1248
وفي الأثر: ومن رمى صيداً بنبل ليس له جناحان فلا بأس به
كل الحديد سواء، وغير محدد مثل الحجر والخشب وما أشبه ذلك، فلا يجوز الصيد به إلا أن تدرك حياته أو يكون له حد فيصيب بحده ويخرق كما قال عليه السلام: (إذا أصابه المعراض بحده وقتل فكل وإن أصاب بعرضه فلا تأكل، فأته قيده)، وقد ذكر في الأثر: قال أبو الحسن: من رمى صيداً بحجر فسمى فوجده الصائد ميتاً، فلا يأكله، إذ الحجر ليس أصلا من الجوارح فهذا يدل من قوله: لا يجوز الصيد بالحجر سواء خرق أو لم يخرق، وأما الحيوان الجوارح فإن العلماء اتفقوا على جواز الإصطياد بالكلاب المعلمة ما عدا الكلب الأسود البهيم الشديد السواد، فإن بعض العلماء قال: لا يجوز الإصطياد به لأن النبي أمر بقتله فكيف يجوز الإصطياد بمانهى عليه السلام عن اقتنائه، إذ النهي يدل على فساد المنهي عنه والله أعلم. واختلفوا فيما عدا الكلب، قال. بعضهم: لا يجوز الإصطياد بغير الكلب إلا ما أدركت ذكاته، ولعل هؤلاء كانوا لا يجيزون القياس أو لا يرون الإمساك المشترط على صاحبه غير الكلب موجوداً، وذكر أيضاً أن أصحاب الصيد تزعم أنه ليس من الجوارح بشيء أجدر أن يمسك على صاحبه ولا يمسك على نفسه من الكلب: وقال بعض بإجازة الإصطياد بالكلب والباز ولا يجوز بغيرهما إلا ما أدركت
- 462 - (2/462)
صفحة 1249
ذكاته، و الحجة لهؤلاء حديث عدي المتقدم لأن في بعض الروايات أنه قال لرسول الله: (إنا قوم نصيد بهذا الكلاب والبزاة فما يحل لنا منها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يحل لكم ما علمتم من الجوارح، الآية). وقال آخرون: يجوز بما سوى الكلب والباز، وإنما ذكرهما النبي لأنه سئل عنهما أعني بكل جارح مكلب معلم.
وفي الأثر: قلت فالصقر والباز والعقاب وغيرهم من الطيور إن
كان يكون فيهم التكليب أم لا؟ قال: نعم.
وفي الأثر أيضاً: وإذا أرسل الفهد على الصيد فقتل بعد التسمية وإن من عادته أن يصطاد به فسبيله سبيل الصقر، فهذا يدل من قولهم أن كل جارح يقبل التكليب حكمه حكم الكلاب قياساً عليها أو دلت لفظة مكلبين لا معناه معلمين، وفي التفسير مكلبين حال للمعلمين أي في حال مصيرهم أصحاب الكلاب، والتكليب إغراء السبع وإيساده أي إرساله على الصيد. قال الشاعر:
:
فباكر عند الصبوح مكل أزل كسرحان الصريمة أعفر
(1) تقدم ذكرها.
- 463 - (2/463)
صفحة 1250
و أما صفة التعليم فهو عندهم يصح من الجارحة أن تدعى فتجيب و تشلى فتستشلى، وتمسك على صاحبها فلا تأكل منه شيئاً، وإذا كانت كذلك فهي معلمة.
وفي الأثر قلت: وللكلب كيف يكون معلماً؟ قال: يأخذه كما ولد قبل أن يرضع أمه فيغسله ويحفظه من النجس ويطعمه الطعام الطاهر ويكون ذلك الجرو مع الصبي، ويعلمون للصبي قراءة: (قل هو الله أحد)، فإذا حفظ الصبي قل هو الله احد صار ذلك الجرو مكلباً، ومنهم من يقول: لا يكون ذلك مكلباً وإنما يكون مكلباً ما ولد من! هذا الجرو ويؤدبه ألا يأكل الأنجاس، فإذا كان على هذه الصفة فهو مكلب، وهذا الإختلاف منهم يشبه أن يكون أصله قوله تعالى: تعلمونهن مما علمكم الله) أي كما علمكم الله، ولهذا المعنى اشترط بعضهم في غاية التعليم حفظ الصبي سورة «قل هو الله أحد. لقوله: (مما علمكم الله) والله أعلم. وأما تأديبه عن أكل الأنجاس والميتة فهو شرط في التعليم وذلك أن من يأكل الأنجاس والميتة فلا يؤكل ما قتل إلا أن تدرك ذكاته لأن هذه ذكاة شرعية لا تحل بما حرم
الله كذكاة الغاصب والسارق.
- 464 (2/464)
صفحة 1251
وفي الأثر: لا بأس بما قتل الكلب المعلم ما لم يأكل، ولو اختضب بدمه، إلا أن يكون ولغ الكلب فيه، ومكلب أهل الكتاب يجوز أكل ما قتل كما يجوز أكل ذبائحهم، وأما مكلب المجوس فلا، إلا أن تدرك ذكاته، كما لا يجوز أكل ذبائحهم، والله أعلم، وبالله التوفيق.
فصل
في شروط هذه الذكاة وما يتعلق بها من المسائل
ومن شروط هذه الذكاة التسمية لقوله تعالى: واذكروا الله عليه). والتسمية باللسان كما ذكرنا في الذبائح .. وهو أن يذكر الله على الصيد حين يرسل السهم أو الكلب
وفي الأثر: أن الرجل يسمي إذا أطلق سهمه، وإن لم يكن، فليسم إذا وضعه على كبد القوس سمى واجتزأ، وأما أن يسمي وهو في كنانته فلا يجوز، وإن لم يسم إلا بعد ما أرسل السهم أو الكلب. وفي الأثر: ومن أرسل سهمه أو كلبه على الصيد ثم سمى بعد ما أرسل إليه فإن لم ينته إليه فلا بأس بأكله، وإن انتهى إليه ثم سمى فلا يأ كله، إلا أن
يقدر على ذكاته
(30)
- {70 - (2/465)
صفحة 1252
وفي الأثر أيضاً: ومن أرسل كلبه وهو ناس لذكر اسم الله عليه، فذكر اسم الله عليه بعد ما أرسله إياه فإن كان في طاعته وزجره فانزجر و وقف، فذكر اسم الله وهو واقف ثم بعثه جاز له أكل ما رد عليه وهو واقف، وإن زجره ولم ينزجر وذكر اسم الله وهو غير واقف، فلا يجوز أكل ما قتله والله أعلم، فهذا فيما يوجبه النظر حين زجره ولم ينزجر لم يكن له فيه فعل لم تنفعه تسميته، لأن التسمية إنما هي على الكلب
بخلاف السهم.
وفي الأثر: ومن رمى سهماً وذكر اسم الله عليه فأصاب غير الذي أراد، أو أصاب اثنين أحدهما الذي أراد، فإن كان قد سمى على السهم أكلها، وإن سمي على الصيد، فلا يأكل إلا الذي سمي عليه، فهذا يدل من قولهم أنه تجوز التسمية على السهم وعلى الصيد.
وفي الأثر أيضاً: والتسمية على الصيد وعلى السهم وعلى الرمح، كل ذلك جائز، وذكر أيضاً في الأثر: والصقر والكلب التسمية عليهما و الله أعلم، وإنما كانت التسمية على الكلب فيما يوجبه النظر، لأن الجارحة لها فعل في الطلب والقتل بخلاف السهم، وإن أرسل الكلب أو الطائر على الصيد وسمى فمضى على وجهه في جهة غير جهة الصيد، رآه أو
-277 - (2/466)
صفحة 1253
لم يره ثم رجع عن جهته وأخذ طريقاً إلى الصيد أكل ما قتله لأن هذا طالب، وإن رجع إلى صاحبه بعد أن رأى الصيد أو لم يره، ثم عاد بعد رجوعه من غير إرسال فقتله لم يؤكل، لأن الإرسال الأول قد انقضى، والكلب إذا رجع الى صاحبه صار بمنزلة من لم يرسل، وصار حكمه بعد رجوعه كحكمه قبل إرساله، وإن نسي ولم يسم، فلا يأكل ما قتله كلبه
أو سهمه.
وفي الأثر: والمسلم إذا عاره المجوسي كلباً صائداً أو صقراً أو سهماً ليصطاد به، أما السهم فجائز كلما رد عليه حياً أو ميتاً، وأما الكلب والصقر فلا يجوز أكله، والفرق في ذلك لأن السهم اصطياده به فعل له دون المجوسي، وليس المجوسي فيه فعل ولا اشتراك في الصيد، والصقر والكلب فهما تعليم المجوسي وليس من تعليمنا، وكان المجوسي هو القاتل للصيد والذابح له، وذبائح المجوسي لا يجوز أكلها، وإنما يجوز لنا أن نأكل ما ردت كلابنا إذا كنا معلمين لها لقوله تعالى: وما علمتم من الجوارح) الآية، والله أعلم. وإن باع المجوسي كلبه للمسلم أو وهبه له فإنه يكون مبتدئاً في تعليمه، ولا يأكل ما رد عليه إذا لم يدرك ذكاته في أول أمره حتى يكون اصطياده بتعليم المسلم والله أعلم؛ ومن شروط هذه الذكاة أيضاً أن لا يكون مقدوراً عليه
- {Y- (2/467)
صفحة 1254
أعني الصيد، فمتى كان مقدوراً عليه لم تجز ذكاته إلا في اللبة، وهذا باتفاق منهم، ومن هذه العلة ألحق بعضهم البهيمة الإنسية إذا توحشت أنها تر مى كما يرمى الصيد لأنها غير مقدور عليها، وقد ذكر عن ابن مسعود في البهيمة الأهلية تتوحش قال: هي بمنزلة الصيد يرمى والله أعلم. وإن وجده حياً ولم يكن معه سكين، فليلتمس شيئاً يكون في طلبه حتى يموت فيأكله لأنه غير قادر على دكاته، وكذلك إن وجده حياً وقد حال دونه مانع مثل أن دخل في السدرة أو في الجحر أو في الغار وأشباه ذلك حتى مات ولم يذبحه، فإنه يأكله لأنه غير قادر على ذكاته، وقال بعض: لا يأكله، فعلى هذا أنه حين وجده حياً صار مقدوراً عليه، فما كان مقدوراً عليه لا تكون ذكاته إلا في اللبة.
وفي الأثر: ومن أرسل البازي و اصطاد وأنشب في مخالبه فإنه يذبح في حوصلته، فإن لم يستطع نزعه من رجله، أو خشي أن يكر رجله، أو خشي أن يموت الصيد ذبحه في حوصلته، ومن شروط هذه الذكاة أيضاً
أن لا يأكل الكلب منه لقوله تعالى: (فكلوا مما أمسكن عليكم ولا يكون ممسكاً علينا إلا بتركه أكله لنا مع حاجته إليه، ولو سمى ممسكاً علينا مع أكله منه لكان لم يكن بينه وبين غير المعلم فرق، ومن
(1) تقدم ذكرها.
468
- (2/468)
صفحة 1255
أرسل البازي فلما أتاه وجده قد قتله فله أكله، وكذلك إن كان ينتف ريشه ولم يأكل منه فيؤكل. ومن شروطهم أيضاً أن لا يكون في هذه الذكاة اشتراك مع من لا يجوز أكل ما قتل، مثل أن يجد مع كلبه كلباً آخر ولا يدري أيهما قتل، فلا يأكله لقوله عليه السلام (وإنما سميت على كلبك) ().
وفي الأثر: قلت: أرأيت الرجل يرسل كلبه على الصيد فيذهب معه کلب آخر غير معلم فيرد عليه الصيد ويطلبه ويأخذ معه هل يؤكل؟ قال: إن كان كلب الصيد هو الذي أخذ وقتل فكله، وإن كان الذي لم يعلم هو الذي قتله فلا تأكله إلا أن تذكيه، قلت: فإن لم يأخذه ولكنه رده عليه وأعانه عليه وكان الكلب المعلم هو الذي أخذه وقتله؟ قال: كله؛ قلت: إنه ينبغي في القياس ألا يكون به بأس، قال: أجل، وكذلك على هذا الحال إن رده عليه إنسان أو مجوسي وولى قتله الكلب المعلم فلا بأس به لأنه هو الذي قتله، وإن واراه عنه ليل أو حائل ووجده ميتاً والكلب معه ولم يأكل منه فلا بأس بأكله والله أعلم. وإن رمى صيداً،
ففي الأثر عن محبوب في الصيد قال كل ما أصميت ودع ما أنميت. الاصمي أن يرميه فيموت بين يديه لم يغب عنه. والانمى أن يغيب عنه فيجده ميتاً.
(1) تقدم ذكره.
- {79 - (2/469)
صفحة 1256
وفي الأثر أيضاً: ومن رمى رمية من آخر الليل فلم ير أثرها حتى
أصبح فوجدها ماتت، قال: أكره أكلها لأن العقرب ربما لدغته فقتلته وكذلك فرق بعضهم بين الشتاء والصيف وقال: إن كان ذلك في الشتاء فإنه يأكله، وإن كان في الصيف فلا يأكله، وقال بعض: يأكله ولو في الصيف إلا أن يجده وقد حدث فيه شيء غير ضربته، وكذلك إن ذبح شاة فهربت منه على هذا الحال، ويؤيد هذا حديث عدي المتقدم وذلك أنه قال: (يا رسول الله إن أرضنا أرض صيد فنرمي الصيد فيغيب عنا الليلة أو الليلتين فنجده وفيه سهمه، فقال عليه السلام: إذا وجدت
(1)
سهمك فيه ولم تجد فيه أثراً غيره وعلمت أن سهمك قد قتله فكل) (1)،
وإن رمى طائراً في الجو وسقط على الأرض ولم يعلم مات من الرمي أو من وقوعه على الأرض، جاز أكله إذا لم يوجد فيه أثر غير أثر السهم لأنه لا ينفك من الوقوع، وإن رماه ووقع في الماء فلا يجوز أكله لأن
النبي ل نهى عن ذلك فقال: (لا تدري سهمك قتله أم الماء)
(2)
والله أعلم. وإن ضرب الصيد فقطع عضواً من أعضائه يداً أو رجلاً أو جناحاً فكل ما بان منه ووقع، فلا يأكله ويأكل الباقي إن وجده ميتاً،
،
(1) تقدم ذكره.
(2) متفق عليه.
- {Y- (2/470)
صفحة 1257
وإن وجده حياً ذكاه وأكله أيضاً، وأما العضو فلا يأكله على كل حال
(1)
لقول رسول الله له: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة)) فالمفهوم من هذا الحديث أن الأقل إذا قطع منها فهو ميتة، غير أنهم قالوا: إن قطع رأسها أكلت كلها فهي حلال إذا أدركها ميتة، فلعلهم ذهبوا لهذا لأنه لا يقطع رأسها وهي حية بعد كما جاء في الحديث وجعلوها بمنزلة من ذبح شاة فسبقته السكين وقطعت رأسها، وإن وجدها حية فلا يأكلها، لأن الرأس لا يأكله لأنه قطع من البهيمة الحية، والحية لا تؤكل إلا بالذكاة في اللبة وهذا معدوم، وكذلك إن قطع ما دون رأسها، ما دون النصف على هذا المعنى، وقد ذكر في كتاب أنه إذا ضرب نعامة فقطع رأسها فوجدها حية فإنه ينحرها، وهذا لأن الذكاة موجود والله أعلم، وأما إن قطعها نصفين فإنه يأكلها كلها إن وجدها ميتة كما ذكرنا لو قطع رأسها، وإن وجدها حية ذبح النصف الذي يلي الرأس وأكله لأنه لم يدخل تحت قوله عليه السلام. (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة) (2) ويرمي النصف المؤخر إذ لا تصح فيه ذكاة المقدور عليه وان لم يتصل هذا المقطوع كله إلا بالجلد فهو بمنزلة
(2)
موضع
(1) تقدم ذكره.
(2) تقدم ذكره.
- {V) - (2/471)
صفحة 1258
البائي، وإن كان معه شيء من اللحم فهو بمنزلة المتصل، وكذلك إن لم يتصل في الصيد إلا بالمصران والله أعلم، وإن وقع حمار في شبكة رجل ولم يستطع أن يذبحه فطعنه حتى مات وسمى عليه قال: اكرهه ولو انه حين غلبه الحمار ان يطعنه حتى اذا صرع ذكاه.، وأكله، والأصل في هذا انه إذا كان قادراً على ذكاته في اللبة فلا يحل له غيرها، وإن كان غير قادر عليه فلا بأس والله أعلم، وإن رمى صيداً بسهم فأوثقه وأوهنه ثم رماه آخر بسهم فقتله فإن الصيد للأول وعلى الآخر الضمان لتعديته على صاحب الصيد، ويلزمه قيمته لأن الأول لما رماه فأثبته صار مالاً من ماله وضرب الثاني له وإتلافه عليه يوجب الغرم له، وأما إن رمى صيداً لم يثبته فرماه آخر فأثبته فإن الصيد للذي اثبته دون الأول، وكذلك أيضاً على هذا المعنى من طرد صيداً فإن كان قد وهن ولحقه العياء والعجز من طرد المثير أو من سهمه أو وقع في شبكته أو في حبالته فلا يجوز لغيره أن يصطاده، وإن كان قادراً على نجاة نفسه جاز لغيره أن يصطاده، ولو كان المثير خلف الصيد ما لم تلحقه الصفة التي ذكرنا، وكذلك أيضاً من وجد صيداً به جرح فإن علم أن ذلك الجرح وقع فيه من بعض الصيادين له وقد حبسه الجرح عن ربه لم يجز له أخذه وإن لم يعلم من اين أصابه ذلك الجرح فله أخذه والله أعلم، وإن وجد في الصيد حبلا فلا يجوز أخذه
لأن ذلك من علامة الآدميين.
-
472 - (2/472)
صفحة 1259
فصل
وأما شروط القانص فهي بنفسها شروط الذابح قد تقدم ذلك في كتاب الذبائح، فكل من تجوز ذكاته يجوز اصطياده، وكل من لا تجوز ذكاته لا يجوز اصطياده، غير أنه يخص في الاصطياد في البر شرط زائد وهو أن لا يكون محرماً، ولا خلاف في ذلك لقوله تعالى: (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً) (1) وذلك أن صيد البركله حرام على المحرم في الحل والحرم، ولا يجوز له اصطياده ولا يؤكل لحم صيده لأنه منهي عن ذلك.
وفي الأثر: قال أبو محمد: المحرم إذا ذبح الصيد لنفسه أو لغيره لم يكن ذكاة وعليه الجزاء، ولا تصح الذكاة لأنه منهي عن الذبح في حال إحرامه، فلما كان منهياً ممنوعاً من ذلك لا تصح ذكاته، ومن رمى صيداً في الحل وسمى على السهم فتحامل الصيد حتى وقع في الحرم ميتاً فلا يأكله لأنه دخل في الحرم، وصيد الحرم حرام الأبد والله أعلم. وقد كره بعض الفقهاء صيد الطير في الليل من أوكارها، وكذلك الصيد على
(1) تقدم ذكرها.
- {vr- (2/473)
صفحة 1260
الموارد، وقد روي عن النبي أنه قال: (لا تطرقوا الطير من وكناتها فإن الليل أمان (). وعن أبي الحواري أن أخذ الصيد من الموارد قبل أن يرد مكروه، وأما بعد أن يرد فجائز
وفي الأثر أيضا: قيل فما يصنع ان يصاد الطير في نومه في الليل أو عن موارده؟ قال: يحرم الماء والله تعالى قد أباحه لخلقه، ويحرم النوم و الله تعالى جعل الليل سكناً لكل عين، والله أعلم. ومن تعدى على فرس غيره أو رمح غيره فطرد به الصيد فقتله فإنه قال بعض الفقهاء: كل ماجر الحرام حرام، وقال بعض: يعطي الكراء لصاحبه ويمسك وكذلك من تعدى على شبكة غيره أو منداف غيره فنصبها
6
الصيد، و و أمسك بهما الصيد فإنه يمسك الصيد وعليه عناء الشبكة والمنداف. وأما إن وجدها منصوبة ورد إليها الصيد، فإنه لصاحب الشبكة والمنداف، لأنه لم يدخل في ملكه حتى أخذته شبكة غيره ومندافه، وكذلك إن نصب شبكته أو مندافه على طعام غيره فإنه يمسك الصيد، لأنه هو الذي أخذه، ويضمن ما أفسد من طعام غيره، وأما إن أخذ كلب غيره فاصطاد به، فإن الصيد في هذا الوجه لصاحب الكلب، لأن
(1) رواه احمد وأبو داود.
- {VE - (2/474)
صفحة 1261
كلبه هو الذي صاده، وكذلك أيضاً على هذا المعنى من نصب حديداً لحمار الوحشن فأخذ حديده حماراً فضرب ذلك الحمار بذلك الحديد حماراً آخر فإنه يكون لصاحب الحديد لأن حديده وحماره هو الذي أوهنه، فما رد عليه ماله فهو له مثل إن دخل الصيد في بيت رجل فجعل يحك الباب حتى أغلقه على نفسه، فوجده فيه غير صاحب البيت، فإنه لصاحب البيت لأنه رده إليه ماله، وأما إن لم يغلق عليه الباب فإنه من وجده أخذه لأنه غير محكوم عليه بعد والله أعلم، وبالله التوفيق.
فصل
في السمك وغيره
ويقال ذكاة السمك صيده، وكذلك الجراد لقوله عليه السلام: (أحل لكم ميتتان ودمان: فالميتان الجراد والسمك، والدمان الكبد
والطحال) (1).
وفي الأثر: وسألت عن الجراد يطرح في الماء الساخن وهو حي،
(1) متفق عليه.
- 475 - (2/475)
صفحة 1262
وتنتف أجنحتها وهي أحياء وتجعل في غرائر فوجد بعضها قد ماتت، أياً كلها وقد اصطادها حيَّة؟ قال: نعم، ويدل على هذا الحديث المتقدم لأنه حلال لنا ميتتها، وكذلك أيضاً لو صاد السمك أو الجراد الوثني أو المجوسي أو من لا تحل ذكاته فإنه لا بأس به حلال لأنه لا يحتاج إلى
ذكاة.
وفي الأثر: قلت أرأيت إن قطع من السمك شيئاً فأخذ ذلك الشيء فذهب بما بقي منها أيؤكل؟ قال: لا بأس، والمعنى في هذا كله ما قدمنا والله أعلم.
وفي الأثر: ومن أرسل ولده وعبده الى صيد فخرجا فجاءا بسمك وهذا البلد إذا جاء الصيد لقط منه الصبيان والعبيد ما وقع من شباك الصيادين بعد أن خرجوا الى الساحل فلا يجوز أكل ما سقط من سمكهم من الشباك والأوعية، وذلك أنه لا يحل منها شيء بعد ما حكموا عليها وصارت مالاً لهم إلا بإذن أربابها.
وفي الأثر أيضاً من هذا المعنى: وإذا أرخى الصيادون شباكهم على السمك وجروه، وجاء آخر فأرخى شبكته خلفهم ليأخذ ما يخرج من شباكهم، فلما دنوا أن يخرجوا شباكهم الى الساحل انخرقت فخرج
- 476 - (2/476)
صفحة 1263
سمكهم كله فوجد في شبكة الآخر فما وقع في شبكة الذي خلف من قبل أن يدخل في شبكة المتقدم فهو له، وإن تخرقت شبكة المتقدم، فخرج السمك الذي فيها فدخل في شبكة الآخر وحاكموه، حكم لصاحب الشبكة التي انخرقت وخرج منها السمك إلى شبكة الآخر، وذلك كما قدمنا بعد ما حكموا عليها فهي ملك لهم.
وفي الأثر أيضاً من هذا المعنى: ومن جاء بسمك في آجامه فضربته موجة فكبته فذهب سمكه فساح على بلد آخر، فمن علم أنه سمك هؤلاء القوم لم يجز لهم أخذ شيء منه، ومن لم يعلم فواسع له أخذه إن شاء الله
حتى يعلم.
وفي الأثر: وإذا انفجر النهر في أرض قوم فدخلها السمك لا يصاد منه إلا بإذن رب الأرض، إلا أن يكون نهراً جارياً فلا بأس له والله أعلم. والنظر يوجب عندي أن هذا لأنه محكوم عليه رده إليه ماله، ولعل في هذا كله اختلافاً بين العلماء، أعني ما رد إليه ماله مثل ما قتل جمله
أو ثوره من الصيد، وقد ذكر مثل هذا في الأثر.
وفي الأثر، ما يدل على ذلك: سئل الحسن عن سمكة وقعت في
سفينة، قال: هي لمن أخذها والله أعلم.
- {YY- (2/477)
صفحة 1264
وفي الأثر: لا يجوز للصيادين أن يحملوا السمك الى بلد أخرى وأهل البلد الذي عليه اصطادوا محتاجون إليه حتى يبيعوا لهم ما يصلحهم بما يساوي من الثمن. وفي الأثر أيضاً: وإذا منع الصيادون أهل القرية أن يبيعوا لهم الصيد وكانوا محتاجين إليه حكم عليهم أن يبايعوهم، فإن قال أهل الصيد: لا نبيع صيدنا إلا بالدراهم أو بحب أو بتمر، وفي القرية من لا يمكنه إلا حباً ومنهم من لا يمكنه إلا دراهم، ومنهم من لا يمكنه إلا تمراً، فالبيع لا يكون إلا بالدراهم، إلا أن يشاء البائع أن يبيع بتمر أو حب أو بغير ذلك من العروق فجائز إذا اتفق البائع والمشتري على ذلك، وإذا اشترط أهل الصيد في الثمن حكم عليهم أن يبيعوا بثمن وسط، فهذا
يدل من قولهم على جواز جبر أهل الأموال على بيع أموالهم
الحاجة إليها
عنـ
وفي الأثر: وليس للإمام أن يسعر على الناس أموالهم ولا يجبر على بيعها لما روي (أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عام سنة وإنما سمي عام سنة لشدة غلاء لحق الناس في تلك السنة فسئل أن يسعر لهم الأسواق، فامتنع، فقال صلى الله عليه وسلم: القابض الباسط هو المسعر ولكن اسألوا الله () ولا يجوز - لهذا الخبر ـ أن يسعر أحد على
(1) رواه البيهقي والدارقطني.
- EVA- (2/478)
صفحة 1265
الناس أموالهم وأن يجبرهم على بيعها بغير طيبة أنفسهم من إمام وغيره، ولكن إذا بلغ الناس حال الضرورة من الحاجة إلى الطعام وعزم أصحاب الطعام على منع ما في أيديهم واستغنائهم عنه مع سوء حال الناس في الشدة جاز للإمام أخذ صاحب الطعام ببيع ما في يده بالثمن الذي يكون عدلاً في قيمته ويجبرهم على ذلك، وقد جوزوا التسعير وجبر أصحاب الطعام على بيع طعامهم عند الضرورة بشرط أن يكونوا مستغنين عنه، وهذا يصعب معرفة حقيقته والله أعلم.
مسألة:
(1)
وروي عن النبي الله: (سئل عن العقيقة فقال: لا أحب العقوق، ثم قال: من ولد له ولد فأحب أن ينسك بشاة على ولده فليفعل)) قال الربيع: قال أبو عبيدة: فعلى الذكر شاتان وعلى الأنثى شاة، فهذا يدل أن العقيقة مندوب إليها، وحكم لحمها كحكم لحم الضحايا في الأكل والصدقة لأنها نسك، وكذلك أيضاً يجزئ فيها ما يجزئ في الضحايا من الأزواج الثمانية والله أعلم، وبالله التوفيق.
قد انتهى كتاب الذبائح بحمد الله وحسن عونه.
(1) رواه ابو داود والترمذي وأحمد والنسائي.
- {19 - (2/479)
صفحة 1266
كتاب الحقوق
باب في حققوق الوالدين على اولادهما
وحقوق الوالدين فريضة على أولادهما لقوله تعالى: {واعبدوا
(1)
الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً) الآية (1). وقال أيضاً:
(2)
ووصينا الإنسان بوالديه حسنا (2). وقال أيضاً: (وقضى به ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً كم (3). وكان ابن مسعود يقرأها: «وأوصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه. . ثم قال: وبالوالدين إحساناً يعني أحسنوا برهما إما يبلغن عندك الكبر أرذل العمر هو أحدهما. أحد الوالدين أو كلاهما كما يقول فيرهما. طهو فلا تقل لهما أفٍّ) يعني الكلام الرديء أي تقول أرحني منهما عند معالجتك إياهما عند الكبر ولا تنهرهما) ولا تُغلظ لهما في القول،
(1) النساء: 36. (2) العنكبوت: 8. (3) الاسراء: 23.
يعني
!
- {A· - (2/480)
صفحة 1267
فلا ينهران ولا يقهران ويقال لهما ألين الكلام، ويبذل لهما المعروف من المال هو وقُلْ رَبِّ ارحمها) عندما تعالج منهما كما ربياني صغيرا) يعني كما عالجا ذلك مني صغيراً، وإن كانا مشركين او منافقين فلا تقل رب ارحمها ولكن برهما كما قال الله تعالى في سورة لقمان أن اشكر لي ولوالديك إليَّ المصير. وإن جاهداك على أن تشرك
(1)
بي ما ليس لك بِهِ عِلْمٌ فلا تُطِعْهُما وصاحبهما في الدنيا معروفاً) يعني
بالبر والصلة، وروي عن رسول الله الله انه قال: (من أسخطهما فقد اسخط الرحمان. ومن أغضبهما فقد أغضب الرحمان) (2) وإن أمرك أن تخرج لهما من أهلك و مالك فاخرج بهما، وروي أن جبريل قال للنبي عليه السلام (من أدرك والديه فدخل النار أبعده الله قل يا محمد آمين. فقال النبي عليه السلام: آمين)) و روي أنه قال عليه السلام (لا يجزي ولد عن والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه ثم يعتقه) (1) فهذه الآيات والاحاديث كلها تدل على وجوب الإحسان اليهما بنفسه وماله إن استطاع ذلك، وتحريم الإساءة لهما، فمن لم يحسن لهما فقد أساء اليهما، ومن لم يبرهما فقد قطعها،
(1) لقمان: 14
(2) رواه الترمذي
(4)
(3) رواه مسلم.
(4) رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه
(31) (2/481)
صفحة 1268
وأما تفصيل ما ذكرناه، فأول ذلك إن أراد الخروج عنهما فلا يجوز له ذلك إلا بأمر هما لقوله تعالى (وصاحبهما في الدنيا معروفا) وقد أمر الله بصحبتهما بالمعروف من الفعل الا أن يكون يخرج لفريضة متعين بها لا بد له منها فإنه يخرج، ولو منعاه من ذلك لأن تنجيته لنفسه من المهالك أولى من تنجيته لغيره.
و في الاثر: وقال الربيع: من أراد الجهاد وكان له أبوان فقيران كانا كارهان لخروجه فأرى إن لم يكن لهما غناء أن يقيم معهما فهو أفضل، فهذا يدل من قوله أنه إن كان لهما غناء فلا بأس عليه أن يخرج الجهاد ولو كرها ذلك، لأنهما لا يحضران عليه ما لم يحضره الله، إلا إن احتاجا اليه فالاشتغال بهما أوجب من الخروج إلى الجهاد في سبيل الله، إذ الجهاد في سبيل الله فرض على الكفاية إذا قام به البعض اجزأ عن الباقين، والاشتغال بهما اذا احتاجا إلى ولدهما فرض على الأعيان فلهذا صار الإشتغال بهما أوجب من الخروج الى الجهاد في سبيل الله، الا أن يتعين عليه أمر الخروج واحتاج الناس اليه فإنه يخرج ولو بغير أمرهما.
وفي الاثر: ومن كان له والدان وأراد الخروج إلى الرباط والجهاد
- {AY- (2/482)
صفحة 1269
فليس له ذلك إلا بإذنهما، وإن كرها خروجه فلا يخرج الا في حجة الفريضة أو طلب معيشة رزق من الحلال لعياله فذلك أمر لازم له، وأما السلام عليهما فليس لذلك وقت إلا ما فتح الله من ذلك، وأما طلب الدنيا من غير قوت المعيشة فلا، فهذا يدل من قولهم: إنه لا يخرج إلا لأمر واجب عليه، وأما غير ذلك فلا إلا بإذنهما، والدليل على هذا ماروي من طريق ابي سعيد الخدري (ان النبي صلى الله عليه وسلم قدم اليه رجل فقال: إني هاجرت، فقال له النبي عليه السلام: هاجرت من الشرك هل لك أحد في اليمن؟ قال: نعم أبو اي، قال: فاذهب فاستأذنهما) (1) فأمر النبي لا باستئذانهما.
وفي الأثر أيضاً: ومن أحرم بحجة نفل وقد قضى حجة الاسلام قال أبو محمد: ليس لأبويه أن يمنعاه من ذلك ولهما منعه قبل الإحرام وليس له أن يفعل ذلك إلا بإذنهما، وكذلك الجهاد إذا قام غيره به كان لهما أن يمنعاه عن الخروج مع الناس ولو كان دخل فيه كان عليه أن يخرج منه بأمرهما، وليس سبيل الحج سبيل الجهاد لأن الحج إذا دخل فيه لزمه إتمامه وكان كالفرض عليه، ولو كان داخلا في حجة نقل أفسدها
(1) رواه أبو داود.
- LAT- (2/483)
صفحة 1270
كان عليه أن يأتي ببدلها. وليس لهما منعه من ذلك ولو كان لهما ان
يمنعاه قبل الدخول.
و في الاثر أيضا: وكذلك لها منعه من الأسفار التجارة في البعد والغيبة عنهما إلا في حال يكون طلبه السفر لشدة فاقة وقوت له ولمن يلزمه عوله، و أما التكاثر في الدنيا و طلب الإزدياد منها فلا الدليل أن الله تبارك وتعالى فرض عليه برهما و أمره بشكر هما، في غيبته عنهما قد يلحقهما بفقده من التألم بما ضد ما أمر الله تعالى به من برهما يصير ومواصلته إياهما فيكون تاركاً من لزمه لعمل يختاره بدلاً منه و الله أعلم؟ قال المؤلف: فإذا كان ما يوجب تألم ما عقوقاً فكيف الخلاص منهما إلا من وفقه الله وعصمه والله ولي التوفيق. وقد روى بعض العلماء قال: التوبة بعد الأبوين. وقال ايضاً: لا يصح كيس من له أبوان وأما
(1)
مصاحبتهما كما قال الله تعالى الله وصاحبهما في الدنيا معروفا) وقد امر الله تعالى بصحبتهما على المعروف من الفعل والله أعلم؛ ومثل ذلك ما ذكروا أن امرأة برت أباها في كبره حتى كانت تحمله على ظهرها فمرت بعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال لها: من هذا؟ فقالت:
(1) تقدم ذكرها.
- 484 - (2/484)
صفحة 1271
أبي، فقال لها: لو مهدت له كان اوصى عليه، قالت: فالصبي إذا جاع أنطقا وإني لأكره أن أدعه في المنزل فيجوع ولا اعلم به، وإني لأصغر اولاده وإن له مائة سنة، وإني لبكر وقد ادر الله ثديي لبناً، فاذا جاع أرضعته من قريب، فقال عمر لأصحابه: اتدرون ما بلغت هذه في بر أبيها؟ قالوا: نعم. قالت: يا عمر ما بلغت بره؟ قال: وكيف؟ قالت: لأني كنت في مثل حاله صغيرة يتمنى بقائي، وأتمنى موته، فقال عمر: أنت أفقه من عمر. وقد روي أيضاً أنه قال عليه السلام: (من أصبح مرضياً لوالديه أصبح له باب مفتوح إلى الجنة، ومن اصبح لو الديه أصبح له باب مفتوح الى النار، قيل: يا رسول الله وإن ظلما؟ قال: نعم وإن ظلما) (1) قال: (ومن أحزن والديه فقد عقهما) وروي أيضاً أنه قال عليه السلام: (اياكم ودعوة الوالد فأنها أحد من
:
مسخطاً
السيف) (2) وفي بعض الكلام: دعواك على والديك إصطلام لهما.
وفي الاثر: وقد ذكر في الكتاب أن من دعاه ولم يجب او دعاه باسمه أو كناه بكنيته فقد عقه إلا أن يقول يا أبت، ومن انتمنه فخانه فقد عقه، و من مشى بين يديه فقد عقه إلا أن يميط الأذى، ومن سأله
(1) رواه مسلم وأبو داود والنسائي (2) رواه ابو داود
- 485 - (2/485)
صفحة 1272
ومنعه وهو يقدر أن يعطيه فقد عقه، ومن تعرض لشتمهما بعد موتهما فقد عقها، فهذا كما روي أنه قال عليه السلام لأبي هريرة (يا أبا هريرة لا تشتم و الديك حيين ولا ميتين، قلت: يا رسول الله، كيف أشتمهما ميتين ولا أراهما؟ قال: إذا شتمت أمهات الرجال شتموهما، فاذا انت شتمتهما أو أعرضت شتمهما، ومن تعرض لشتم والديه فهو من العاقين، ومن كتب من العاقين رجع إلى الله عاقاً وإلى الزبانية، يا أبا هريرة حق الوالدين على الولد ضعفين في الدنيا والآخرة، يا أبا هريرة دعوة الوالد لولده تخرق السماوات والأرض، يا أبا هريرة دعوة الوالدة لولدها أسرع الإجابة من غيرها، قلت: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: لأنها أرحم من الأب ودعوة الرحيم لا تسقط)
(1)
وفي الاثر: سئل الشيخ ماذا يفعل الرجل إذا دعاه والده إن كان يجيبه ثم يجري، أم يجري ثم يجيبه؟ قال: يجري ثم يجيبه، ولا يحل له أن يلحظهما لحظة سوء وإن فعل ذلك فقد عقهما ولا ينهرهما ولا يَعْلُهما بالكلام ولا يغلظ عليهما بالقول ولا يكذبهما في وجههما ولا يكلمهما كلاماً ينقصهما أو يغضبها ولكن يتذلل ويتخضع لهما في القول، ولا يهاجر من أبى
(1) رواه احمد وأبو داود والترمذي (2/486)
صفحة 1273
صلته إلا إن كان ممن هاجره المسلمون أو كان عنده مستحق لذلك، وبالجملة أن كل شيء أمره به هو مباح له فعله فليطعهما في ذلك ولا يعصهما لأن في عصيانه لهما إدخال الحزن والألم عليهما وهو من العقوق لقوله تعالى أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير) (1) ألا إن أمره بمعصية الله فلا طاعة للمخلوق في معصية الخالق كما قال عز وجل للقمان:
وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما)
(2)
و في الاثر: واما إن نهياء عن فعل المعروف وطلبه العلم والنكاح والبيع والشراء وما أشبه ذلك، أو أمراه أن يهاجر من لا يستحق ذلك فلا يضيق عليه شيء من ذلك، وليتلطف بها ويتضرع لهما حتى يردهما إلى ما أراد من ذلك، ولا يكابرهما في اختلاف الرأي لأمر الدنيا، وليتلطف بهما حتى يردهما الى رأيه والله اعلم. وأما عمل الطاعة فلا يمنعاه من فعله،
و في الاثر قال ابو ابراهيم: جائز للولد عمل الطاعة مثل الصلاة والصيام ولا يمنعه والداه وليس لهما منعه من البر، وأما الخروج فلا
يخرج إلا بأمرهما والله أعلم.
(1) تقدم ذكرها. (2) تقدم ذكرها.
- {AY- (2/487)
صفحة 1274
وفي الأثر قال: بلغني أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: (أربعة ليس
(2)
الوالدين فيهن طاعة: التواضع لله، وكسب الحلال، وترك معونة الظالم، والغير اذا فأجا المسلمين) (1) و أما الولاية والبراءة، ففي الاثر، من معنى هذا: فإن الولاية والبراءة منهما تجب على من لزمه فرض حكم الله فيهما من ولد وغيره، وحكم الله عز وجل لا يختلف فيهما وفي غيرهما لقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء الله ولو على انفسكم او الوالدين والأقربين) (2) والقيام بالقسط بين الناس وحقوق الله عز وجل والتسوية في حقوق الله في المعاداة له والموالاة في الأقربين والا بعدين فإن قال قائل: أليس قد جعل الله لهما على الاولاد حقوقاً منها الاستغفار لهما ولم يذكر إن كانا مطيعين أو عاصيين، وليس لكم أن تخصصوا هذا العموم الا بدليل؟ قيل له: خصصنا هذا العموم بالأدلة عليه، وذلك ان الاستغفار الذي أمر الله به عباده للوالدين لا يخلو أن يكون أراد الكل أو البعض، فإن كان أراد الكل فقد أمر بالاستغفار للوالدين كانوا مؤمنين أو مشركين فلما اتفقوا الكل واجتمع أهل القبلة أن الاستغفار
(1) رواه النسائي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي.
(2) النا.
- {AA- (2/488)
صفحة 1275
للمشركين من كبائر الذنوب والدين كانوا أو غير والدين علمنا أن المراد بذلك مخصوص للوالدين المؤمنين دون غيرهم، وهو إن هنا العموم المراد به الخصوص، قيل له: ونحن أيضاً نخص كما تخص أنت لأنك قلت المراد به الموحدين دون المشتركين، ونحن نقول المراد به المطيعين دون العاصين فقد تساوينا في باب التخصيص، ولم كنت أنت بتخصيصك أهدى منا سبيلا بتخصيصنا فقد سقطت معارضتك عنا فإن قال ظاهر
(1)
قول الله تعالى: (وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا) " على العموم
لكل والدين لأن الكفار خرجوا بدليل قوله و ما كان للنبي والذين
(2)
آمنوا ان يستغفروا للمشركين} (2) الآية، وبقي الباقي على العموم، قيل له: ما أنكرت أن يكون قول الله تعالى: لا ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء) وقوله (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين الله بالقسط) الآية (3) والقيام بين الناس وحقوق الله عز وجل ومن التسوية في حقوق الله في المعاداة أي البراءة له والموالاة في الأقربين والأبعدين والأبوين من الأقربين إذا كانوا عدوين الله بقولهما وفعلهما فقد خرجا من جملة من يستحق الاستغفار بالدليل، وقد سقط
(1) تقدم ذكرها.
(2) التوبة 113
(3) تقدم ذكرها.
- {A 9 - (2/489)
صفحة 1276
اعتراض الخصم وبالله التوفيق. وفي الأثر وفي موضع آخر عنه: من لم يعرف حال والديه أمن أهل الولاية هما أم من أهل البراءة كان معه من أهل الولاية إلا أن يصح أنهما من أهل البراءة معه، والدليل على ذلك قوله تعالى: (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو الله
(1)
تبرأ منه كم (1).
مسألة
قال أبو قحطان إن كان الوالدين من أهل الولاية تولاهما وبذل محبته لهما واستغفر لهما في حياتها وبعد مماتهما، وذلك لما أوجب الله لهما، وإن كان من أهل العداوة تبرأ منهما وحرمت عليه محبتهما ولم يحل له أن يستغفر لهما في حياتهما ولا بعد موتهما، وإن لم يتبين له أمرهما أمسك عنهما وعن ولايتهما وعداوتهما ووكل إلى الله أمرهما، والله أعلم. وفي الأثر: إن هاجر أباه المسلمون أو طعن في دين المسلمين أو منع الحق فإنه يشاور المسلمين في صلته إذا احتاج إليه، فإن منعوه من ذلك فليكف عنه، وكذلك إن كان أبوه قتل النفس التي حرم الله ولم يتب من ذلك على هذا الحال، وكذلك إن كانت امرأة عاصية لزوجها
(1) التوبة: 114
- {9. (2/490)
صفحة 1277
وقيل: ليس عليه شيء من صلتهما حتى يتوبا ويرجعا، لأنه قد استحق الهجران بمعصية الله، فما كان من حق الله فالوالد وغيره فيه سواء، وإن
كان أبواه عبدين فليصلهما بماله ونفسه وليعتقهما كما قال عليه السلام:
(1)
(لا يجزي والد عن ولده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه ثم يعتقه). وإن كان الولد عبداً فليصل أبويه بما لا يضر بعمل مولاه، وإن كان أبواه
معلولين بالجذام أو غيره فليصله بماله ونفسه إلا ما يخاف به هلاك نفسه
فلا يفعل ذلك، لأن تنجية نفسه أولى من غيره، ومن عق والديه وجفاهما إلى أن ماتا فتوبته أن يستغفر ربه فيما تقدم من ذلك، ويندم على ما فرط من برهما، وترك الواجب عليه وأمره إلى الله وهو الغفور الرحيم. وروي أن رجلاً أتى إلى عبد الله بن عباس أو غيره من الصحابة فسأله عن مثل هذا فقال: أنظر إن كان لأمك أخت فيرها أو أمها يعني جدته أم أمه فيرها، ويقال إذا أدى عنهما ديناً أو شيئاً لزمهما فهو من البر بعد الموت ويتوب إلى الله ويندم عليه والله أعلم. وحق الوالدة أعظم من حق الأب لما روي عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله: من أحق الناس مني بحسن الصحبة؟ قال: أمك، قلت: ثم من؟ ... فقال: أمك، فقلت: ثم من؟ فقال: أمك، فقلت: ثم من؟ قال: أبوك) (2). وفي خبر آخر
(1) تقدم ذكره. (2) متفق عليه.
-891 - (2/491)
صفحة 1278
(ثم الأقرب فالأقرب)، وعليه صلة أجداده كما تقاربوا إليه مثل الأبوين، وقيل إن الأخ الكبير إذا لم يكن الأب ينبغي لإخوته أن يجعلوه بمنزلة الأب.
وفي الأثر: ويروى أن الأخ الكبير بمنزلة الأب، وكذلك العم لأبن أخيه إذا لم يكن الأب فهو بمنزلة الأب لما روي أنه قال عليه
السلام في غزوة غزاها: (ردوا علي أبي). يعني عمه العباس)
وفي الأثر أيضاً: وروي عن النبي أنه قال: (الخال أحد الوالدين) (2). وقال محمد بن كعب: الخال والد، ثم قال: نسب الله
(2)
(3)
عيسى إلى أخواله في قوله: (ومن آبائهم) (3). فكان لكل نبي أب،
(4)
وأبو عيسى خاله، والخالة أم، وقد قال الله تعالى: {ورفع أبويه على العرش) (1). يعني أباه يعقوب وخالته، وكانت أم يوسف عليه السلام قد ماتت قبل ذلك والله أعلم، وبالله التوفيق.
(1) رواه ابو داود
(2) رواه ابو داود.
AY:
(3) الانعام (4) يوسف: 100
•
-? ar- (2/492)
صفحة 1279
باب في هى الولد على الوالدين
وفي الأثر: عن النبي الله) يلزم الوالدين من الحقوق ما يلزم ولدهما من حقوقهما) (1). وعن النبي عل الله قال: (لا تدعوا على ولدك بالموت لأنه يورث الفقر) (2). وقال: (ورحم الله والدين أعانا ولدهما
(3)
(2)
(4)
على برهما) (3). وعنه عليه السلام أنه قال: (من ابتلي بشيء من هذه البنات فأحسن إليهن كن له ستراً من النار) (). ففي الأثر: وحق الولد على والده أن يحسن أدبه وتربيته وتعليمه القرآن والحساب والصلاة والفرائض وكل ما يحتاج إليه العبد، وينفق عليه ويكسيه حتى يبلغ يطلب المعاش والكسب ويجد إلى ذلك سبيلا، ومن حقه أيضاً أن يختار له أخواله، فإذا ولد فليختر له خير الأسماء، وخير الأسماء أسماء الأنبياء وأسماء الصالحين بعدهم، وبالجملة كل شيء فيه صلاح الولد لدينه ودنياه
(1) متفق عليه
(2) رواه ابن ماجه واحمد (3) رواه أحمد
(4) رواه الترمذي وأبو داود والنسائي
- {ar- (2/493)
صفحة 1280
يعلمه لقوله عليه السلام: (يلزم الوالدين من الحقوق ما يلزم ولدهما من حقوقهما (1)
(3)
وفي الأثر قال النبي عليه السلام: (ان للجنة باباً يسمى باب الفرح لا يدخله إلا من يفرح الصبيان) (2) وقال: (اكثروا قبل صبيانكم فإن لكل قبلة أجراً) (3) وقال: (من حمل طرفة من السوق إلى ولده حتى بلغها عنهم كان كحامل صدقة وليبدأ بالاناث قبل الذكور فإن الله عز وجل يرق للبنات والإناث، ومن رق للاناث كان كمن بكى من خشية الله، ومن بكى من خشية الله غفر الله له، ومن فرح أنثى فرحه الله يوم الحزن)) وقال: (من كان له ثلاث بنات او مثلهن من الأخوات فكفلهن وعالهن وسترهن وجبت له (5) الجنة، قالوا: يا رسول واثنتان؟ قال: واثنتان. ولو قلنا واحدة لقال نعم. وقال اذا نظر الوالد الى ولده فسره كان له بكل نظرة ثلاثمائة حسنة، قال: فان نظر اليه في اليوم ثلاثمائة نظرة قال ذلك اكثر وأطيب لك) (6)
(1) رواه البيهقي (2) رواه الدارقطني.
(3) رواه البيهقي.
(4) رواه الدار قطني والترمذي. (ه) رواه الترمذي والنسائي وابن حبان
(6) رواه ابو داود.
- {98 - (2/494)
صفحة 1281
باب في حي القرابة
(1)
قال الله تعالى وآت ذا القربى حقه و المسكين و ابن السبيل) وقال أيضاً: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) (2). يعني
(3)
(2)
يسأل بالله بعضهم بعضاً الحوائج و الحقوق، ثم قال: والأرحام. يقول:) واتقوا الأرحام ولا تقطعوها وصلوها) (3). وروي عن ابن عباس أنه قال: وجد في مقام إبراهيم عليه السلام كتاب مكتوب فيه بالعبرانية انني أنا الله ذو بكة خلقت الرحم وشققت له إسماً من أسمائي فمن وصله وصلته ومن قطعه قطعته، وأعظم ذوي الأرحام حق الوالدين خاصة، وصلة الرحم فرض واجب لما ذكرناه، وعلى المرء صلتهم ولو قطعوه.
وفي الأثر: وذكر أن رجلاً سأل النبي عليه السلام فقال: (يارسول الله
(1) الاسراء: 26 (2) النساء: 1. (3) متفق عليه. (2/495)
صفحة 1282
إن في أرحاماً أحسن إليهم فيسيئون، وأصل فيقطعون، وأعطيهم فيمنعون، أفأ كافتهم؟ قال له رسول الله: إذا تريد أن يرفضكم الله جميعاً، ولكن أحسن إليهم وإن أساءوا، وصلهم وإن قطعوك، وأعطهم وإن منعوك، ولا يزال لك من الله عليهم ظهير) (1). وذكر في
(1)
الكتاب إن لله ملائكة في السماء استعبدهم الله بالدعاء، فيدعون بالله من وصل الرحم فصلة، ومن قطعه فاقطعه، وقد روي أنه قال عليه السلام: (أسرع الخير ثواباً صلة الرحم وأسرع الشر عقوبة البغي) (2). وفي
(2)
بعض الروايات أن النبي عل الله قال: (من كان قاطعاً لرحمه فلا يصحبنا،
فخرج رجل من عنده ثم رجع، فقال: ما لك؟ قال: كنت مصارماً لرحم لي فوصلته فعتبته فسر بذلك النبي عليه السلام)). فلا يحل
(3)
لأحد أن يدين بقطيعة الرحم وهي من الدين الذي تعبد الله به عباده، ومن قطع رحمه فقد كفر، وقد ذم الله تبارك وتعالى من قطع رحمه، وقال: والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله
(5)
به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار)).
(1) رواه الطبراني. (2) رواه ابن ماجه (2) رواه ابو داود.
(4) الرعد: 25
- {97 - (2/496)
صفحة 1283
(1)
وقال في آية أخرى (أولئك هم الخاسرون)). وفي الأثر: وذكر في الكتاب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كره رفع الأنساب إلا بقدر ما يصل به قرابته. وقال: إن حق
القرابة واجب، ولم يجدوا في ذلك حد، قال بعضهم: القرابة ما دون الشرك، وقال بعضهم: ما دون سبعة آباء، وقال بعضهم: ما دون خمسة
(2)
آباء، وهم الذين قال الله لنبيه: هو وأنذر عشيرتك الأقربين كم (2). وهم ما دون خمسة آباء، وقد ذكروا عن ابن محبوب: صلة الرحم إلى أربعة آباء أصلها قوله عز وجل في وأنذر عشيرتك الأقربين به وقد روي (أنه عليه السلام اتخذ طعاماً ثم دعا من بطون قريش من دعا إلى
أربع درجات) (3)، وهو يقدر أن يدعو من يناسبه أكثر من ذلك. وفي الأثر: قالوا إن الوالدين والأولاد والإخوة والأعمام والأخوات من الرضاعة لهم حقوق وليست كحقوق من كان بينه وبينه نسب، ولبن أمه لأمه عليه حق مثل الأب، والذي يوجبه النظر عندي أن يكون أقربهم إليه أعظمهم حقاً عليه، وقد ذكر في بعض الآثار في صلة الرحم: لا يضيق ذلك عليكم إلا فيمن ترثه ويرتك، ولعل لهذا
(1) البقرة: 27.
(2) الشعراء: 214. (3) رواه ابن ماجه وابن حبان
(32)
- {9 v- (2/497)
صفحة 1284
المعنى ذهبوا إلى ذلك والله أعلم، وأما صفة صلة الرحم فقد ذكر في الأثر: قال أبو محمد: ليس لصلة الرحم حد يعرف ولكن يكون على النية والوصول إذا قدر متى كان، والصلة على من قدر بماله ونفسه إذا استطاع إلى ذلك، وإنما يجب عليه في ماله إذا خاف أن يهلكوا جوعاً، ومن كان له أرحام فعجز عن الوصول إليهم وهو يريد الوصول إليهم إلا أنه يمنعه الشغل عن ذلك، فإذا كان على نية الوصول وهو مشتغل فجائز ما لم يقطع النية على الوصول إليهم، قيل: فهل يكون في هذا حد لمن عجز عن الوصول؟ قال: لا حد في هذا ولكنه حق الله عز وجل، والأصل في هذا قوله عليه السلام: (صلوا أرحامكم ولو بالسلام).
(1)
وفي الأثر: وأفضل الصلة صلة الهدايا، وأضعف الصلة أن يرسل إليهم بالسلام، فإذا وصلت بقدمك ونويت بذلك زيارتهم الله، فإذا
وصلتهم وسلمت عليهم فقد وصلت
وفي الأثر أيضاً: ومن وصل إلى امرأة من أرحامه ولم يجدها في البيت فأوصى إليها بالسلام فذلك يجزئه إن شاء الله، وإن رجع إليها فحسن، وإن كان ممن يظهر منه وهو يستحي أن يدخل إليهم فوصل إلى
(1) رواه احمد وأبو داود
- {9^- (2/498)
صفحة 1285
الباب فأرسل إليهم بالسلام فذلك يجزئه إن شاء الله، وإن وصل ولم يجد على الباب أحداً يدخله ولا يرسله إليهم بالسلام، فليرسل إليهم بعد ذلك
(1)
من يعلمهم، وإن رجع فحسن. وعن النبي أنه قال: (إن الرحم إذا تناست تقاطعت) (1). وبذلك حفظت العرب أنسابها، فهذا كله يدل منهم أن السلام يجزئه وصله كما قال لا، إلا إن احتاجوا إلى ماله فعليه في ماله إذا خاف عليهم أن يهلكوا جوعاً
وفي الأثر: ومن حلف بثلاثين حجة أو عشرين حجة لا يصل رحمه ولا يكلمه فكيف ما وصل حنث إلا أن يكون إنما حلف لا يصله بقدمه فليصله بمعروفه وهديته وسلامه وبره ولا حنث عليه، وإن لم يقصد في الصلة إلى شيء فكيف ما وصلهم حنث لأن هذا كله منه صلة، وإن وصل رحمه بسلامه وكلامه وماله فرد ذلك، فإذا لم يعتقد قطيعته واجتهد في صلته برئ من حقه ولو رد ذلك عليه، وإن كان رحمه في بلد غير بلده فإنه إن أمكنه أن يصله بقدمه فهو أفضل، وإن لم يمكنه وصله بسلامه ومعروفه، وليس في ذلك حد من الزمان محدود يوقف عليه، إلا أنهم قالوا: يصله إذا مرض وإذا فرح، وإذا مات وصله بما قدر عليه. وفي الأثر: ومن أبغضه أرحامه وحقروه وقدحوا في ديمه
(1) رواه الدار قطني.
- {99 - (2/499)
صفحة 1286
و عزموا على إجلائه من بلده فتوغر قلبه عليهم وهجرهم وهم منافقون، فقد أمر الله بصلة الأرحام ونهى عن قطيعتهم بوصف يطول تعديده، وفي الرواية قال: (صل من قطعك واعف عمن ظلمك) (1). وأرى لهذا الرجل إن أمن على دمه أن يصل أرحامه ويعينهم ويعفو عنهم، فإن لم يأمن على دمه فليلاطفهم برسالته ويصلهم بسلامه مع رسول أو كتاب أو هدية يسكن بها أنفسهم، وهي أفضل الصلة، وقد روي عن النبي
(2)
لله قال: (صلوا أرحامكم ولو بالسلام) ". وليتق الله هذا الرجل
ويصل رحمه.
وفي الأثر: من جاز على امرأة من قرابته في المنزل ولم يرها فقد قطعها، وقيل أيضاً: ان من كانت له حاجة عند قرابته فأراد أن يطلبها إليهم فمشى إليهم حتى ببعض الطريق فأيس منها في نفسه فرجع ولم يطمع أن يقضيها له فقد قطعهم، وقيل أيضاً: ومن مسك لقرابته كلباً لمنعهم عنه فقد قطعهم، ومن زار قرابته فله بكل خطوة عشر حسنات. حتى يرجع لما روي عن الربيع عن أبي عبيدة قال: (رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة القرابة وزيارة المرضى، وقال: لو علمتم ما فيها من الأجر ما تخلفتم
(1) رواه الطبراني
(2) تقدم ذكره. (2/500)
صفحة 1287
عنهما والله يكتب بكل خطوة من ذلك عشر حسنات) (1). وقد ذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: مروا الأقارب أن يتزاوروا ولا يتجاورو، وقيل أيضاً: من أراد أن يكثر عمله فليجالس غير عشيرته، وقيل: من أراد أن يكثر مودة قرابته فلا يجاورهم والله أعلم. وصلة الرحم واجبة على كل أحد رجالاً ونساء، فعلى هذا فليس للرجل أن يمنع زوجته وبنته من وصل رحمهما في كل وقت، غير أن الصلة مختلفة كما ذكرنا، وإن منعها جميع الصلة لأرحامها لم يجز له ذلك، وإن منعها زيارتها لهم وأباح صلتها لهم بالهدية لهم وتواصلهم بالسلام، فذلك له إذا كان المنع هو ستر المرأة في بيتها، فهو أفضل لها، وعليها هي أيضاً أن تعتقد صلتهم وتواصلهم بالسلام وترسل إليهم شيئاً من الهدايا فقد أجزأها ذلك والله أعلم.
وفي الأثر: وعلى النساء المخدرات صلة الأرحام في المصائب والقدوم من السفر، وإن كان لا يظهرن الذي يجب عليهن من صلته وصلن إلى منزله، وإن أرسلن من يبلغ له التعزية والسلام ولا يظهرن له، وأما التعزية والترحيب بالقادمين من السفر من المسلمين فليس ذلك
(1) رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
19.11 (2/501)
صفحة 1288
عليهن، وإنما عليهن صلة الأرحام كن شابات أو غير شابات أو ذوات عيال، إلا من عذر مثل مرض أو ذهاب بصر وأشباه ذلك، والأصل في هذا كله ما ذكرناه وهو وجوب صلة الأرحام، ومن صلة الأرحام أن يحضر لفرح قرابته وحزنهم والله أعلم، وبالله التوفيق. (2/502)
صفحة 1289
باب في حقوق اليتامى
وقد أمر الله بالإحسان إلى اليتيم لقوله تعالى: (وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى) (1). وقال: (وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليماً) (2). وقال الله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً) (3) الآية. وروي عن النبي ما أنه قال: (من ربي يتيماً له أو لغيره كنت أنا وهو كهاتين في الجنة، وأشار يا صبعيه)). وروي أيضاً من طريق ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:) من آوى يتيماً أو قام به احتساباً وقع أجره على الله ولا يضيع الله أجر من عمل له)). والواجب على أولياء اليتامى وعشائرهم أن يقوموا بهم وبما يصلح لهم، وهو عليهم حق واجب، وذلك من صلة الرحم، وإن
(1) النساء: 036
(2) النساء: 0127
(3) الناء: 010
(4) رواه البخاري وأبو داود والترمذي.
(ه) رواه الطبراني.
18.41 (2/503)
صفحة 1290
لم يكن لهم ولي، أو لم يحضر أولياؤهم فعلى من حضر من المسلمين القيام بهم وبأمورهم، قال تعالى: {وأن تقوموا لليتامى بالقسط) (1). وقد أمر
الله تعالى بالإحسان إلى اليتامى وقال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى
(2)
ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) (2). وإذا مات الرجل وترك يتامى ولم يستخلف لهم، فعلى عشيرتهم أن يستخلفوا لهم خليفة أميناً يقوم بهم وبأموالهم، وإن لم تحضر عشيرة اليتامى فعلى الحاكم وجماعة المسلمين أن يستخلفوا لهم ولو لم يكن لهم مال، وإن أقام له سلطان من الجبابرة وكيلاً ثقة يقوم بأمره وماله، ففي الأثر في هذا قال محمد بن جعفر: في يتيم لا أب له ولا وصي له من قبل أبيه ولا وكيل من قبل المسلمين، و لهذا اليتيم أموال كثيرة فأقام له سلطان من الجبابرة وكيلاً ثقة أميناً من المسلمين في قبض ماله وحفظه له وأن ينفق عليه منه، فباع الوكيل ما كان لهذا اليتيم مما يجوز له بيعه لو كان له وصي من قبل أبيه من الرقيق والدواب والطعام، وسلمه إلى من اشتراه وقبض منه ثمنه لليتيم، وأنفق عليه من ماله، فهل يضمن هذا الوكيل شيئاً ما فعل في مال اليتيم كما وصفنا؟ إن ضاع فلا نرى أنه يضمن شيئاً من ذلك، إذا لم يصح أنه جارٍ
(1) تقدم ذكرها.
(2) تقدم ذكرها. (2/504)
صفحة 1291
عليه في شيء منه. وقال أبو المؤثر مثل ما قال محمد بن جعفر، إلا أنه قال: إذا أقامه الجبار فأحب أن يستتم ذلك من جماعة المسلمين، وإن لم يفعل ذلك ولم يدخل في ذلك أهل البلد، وقام هو بالعدل في مال اليتيم فلا ضمان عليه إن شاء الله، قلت لأبي المؤثر: أرأيت إن استتم ذلك من جماعة المسلمين، فقالوا: لا نتم ذلك ولا ننهاك عنه، أو قالوا: له لا تدخل في هذا الأمر فدخل في أمر اليتيم بعد نهيهم له، هل يلزمه ضمان ما قد أقامه الجبار لهذا اليتيم؟ قال: إذا كان ثقة وقام بالعدل في مال اليتيم فاجتهد له، فلا ضمان عليه إن شاء الله، قال: ولا أرى للمسلمين أن ينهوه إذا كان ثقة أميناً قوياً على ذلك. قال أبو المؤثر: إذا أقام الجبار ثقة من المسلمين لليتيم فقام بمال اليتيم ودخل في شيء من أمره، ثم أراد المسلمون نزعه فليس لهم ذلك، وهو أولى بمال اليتيم، إلا أن يتهمه المسلمون، فينزعوه ويقيموا غيره ممن هو أوثق منه عند المسلمين، فهذا كله من قول أبي المؤثر يدل أنه لما كان القيام باليتامى وبأموالهم من القسط الذي أمر الله به في قوله: (وأن تقوموا لليتامى بالقسط) (1)، كان ذلك واجباً على الناس كافة، فمن قام به أجزأ عن الباقين لتساوي الناس كلهم في حق الله، فإذا قام به العادل أو الجائر جاز، فعلى هذا فالمسألة على
(1) تقدم ذكرها.
(1)
1881 (2/505)
صفحة 1292
حالها، وإن أقام المسلمون وكيلاً غيره من المسلمين، فأمر المسلمين أجوز من أمر الجبابرة ووكيلهم هو الوكيل وليس لهذا الذي أقامه الجبار وكالة على ما وصفنا، ولا يجوز فعله بعدما أقام المسلمون وكيلاً غيره، وأمر المسلمين أجوز وأحق من أمر الجبابرة.
وفي الأثر: قلت له: وإن أقامه الجبار ولم يعلم بوكيل المسلمين نصنع في مال اليتيم مثل ما يجوز لوكيله ثم علم بوكيله فرد إليه المال، هل يجوز
بوکيل
له الذي كان صنع قبل أن يعلم؟ قال: نعم فعله جائز، ما لم يعلم بو المسلمين ما لم يكن غلطاً أو جوراً، فإذا علم لم يجز له، قال أبو المؤثر:
وكذلك إن كان المسلمون متفرقين، فأقامت كل طائفة منهم وكيلاً ثقة من غير علم ما صنع الآخرون، فالأول هو الوكيل وليس على الآخر ضمان فيما صنع، ولا يرد فعله ما لم يكن غلطاً حتى يعلم، فإذا علم بالأول كان الأمر أمر الأول وردّ أمر الآخر، فهذا القول من أبي المؤثر يدل أنه لما كان مكلفاً في ظاهر الأمر عنده كان فعله في ذلك جائز أو لا يكلفه الله، علم ما غاب عنه، وقد عمل بما جوز له العلم، مع أن هذا كله فرض على الكفاية، وإن دخل أحد في هذا متطوعاً من غير أن يقيمه أحد، ففي الأثر: قال محمد بن جعفر: وقلت: إن لم يقم هذا الوكيل سلطان، ولم يكن في البلد سلطان عادل ولا جائر، فقام رجل من الصالحين من أولياء هذا اليقيم، أو متطوع عليه إن لم يكن له ولي،
10.7 - (2/506)
صفحة 1293
فقام ذلك الوكيل وباع ما يجوز له بيعه وصي هذا اليقيم من ماله وقبض ثمنه فضاع أو سلم، ثم نازعه اليقيم، أو من تطوع إليه إلى إمام عادل في ذلك، هل هو ضامن لما باع وقبض من مال هذا اليتيم؟ فلا نرى أنه يلزمه ضمان في ذلك إذا خاف ضياع المال وفساده، والله يعلم المفسد من المصلح، وقد أشرف مال هذا اليتيم على التلف، ففعل فيه هذا المتطوع عليه الذي هو أحسن، وقد قال الله تعالى: ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير. فقد قام هذا المتطوع بإصلاح نفس هذا اليتيم وماله إذا لم يكن أحد يقوم بأمره وخاف عليه أن يهلك، فترجو أن يكون له أجر مع الله، ولا يضمن ما لم يعن على تلفه، ولا نحب أن يبيع من مال اليتيم ولا من ورثه شيئاً لا يخاف ضياعه ولا فساده، والأصل في هذا كله ما ذكرناه أولاً، وهو أن القيام بأمر اليتيم فرض على الكفاية لقوله تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى))
(1)
(2)
وفي الأثر أيضاً: قال محمد بن جعفر رحمه الله: وإن كان هذا الوكيل الذي أقامه السلطان الجائر لهذا اليتيم، أو قام بنفسه متطوعاً غير ثقة أو قد عرف بالخيانة، قلت: فهل يكون ضامناً لما قبض أو تلف من يده من مال اليقيم فما يبعد أن يكون ضامناً لجميع ذلك حتى يسلمه
(1) البقرة: 220.
(2) تقدم ذكرها.
- 507 - (2/507)
صفحة 1294
لليتيم، لأنه لو كان وصياً لهذا اليتيم خائناً لعزله المسلمون، فإن كان غير أمين جعل غيره وكيلاً ثقة فلا نرى أنه يجوز له من فعل نفسه ما لم يجزل مع المسلمين، فهذا القول من محمد بن جعفر يدل على أنه لما كان المسلمون لو حضروا لم يقيموه وكيلاً، كان فعله أيضاً غير جائز لعدم جوازه مع المسلمين، ولعل هذا في الحكم، وأما فيما بينه وبين الله فالناس كلهم في الحق سواء ما لم يتعدوا والله أعلم.
وفي الأثر أيضاً معنى ما ذكرناه وهو: أن رجلاً مات ها هنا بجبل (نفوسة) وقد استخلف على ابنه خليفة، وباع الخليفة غلة زيتون ذلك اليتيم بثلاثة دنانير، فعلم بذلك أبو مهاصر فرأى في بيعه محاباة فطرد منه المشتري وأخذ الأجراء لذلك الزيتون، فخر طوه وجمعوه وأمر به فطحن وأعطى منه أجرة الأجراء ورفع منه نفقة اليتيم سنة، ثم باع منه بعد ذلك باثنتي عشر ديناراً واشتكى به خليفة ذلك اليتيم، فقال أبو مهاصر: يا معشر المسلمين من يسأل الله عن هذا أنا أو فلان؟ يعني خليفة اليتيم، فصار فعل أبي مهاصر ميزاناً لمن بعده من المسلمين في مثل هذا، ألا ترى أنه رحمه الله أبطل فعل الخليفة إذا لم يوافق الحق، لأن هذا كله على العموم، لقوله تعالى: (وأن تقوموا لليتامى بالقسط)
(1) تقدم ذكرها.
(1) (2/508)
صفحة 1295
فصل
وهل يجوز لمن لم يكن خليفة مثل الأم أو ولي اليتيم أو متطوع من الناس، أن يبيع الأصل في حوائج اليتيم؟ ففي الأثر: قال محمد بن جعفر: وسألت عن يتيم مع أمه أو مع من يقوم بأمره احتاج الى نفقته وليس له إلا نخل وأرض، وليس في البلاد سلطان عدل، فنقول: إن الذي يضمن هذا اليتيم يبيع من مال اليتيم على قدر ما يكون ثمن المال وبقدر ما يحتاج اليتيم إليه من النفقة إلى وقت من الأوقات، وهو أقرب ما يقدر عنده من الأوقات، وعنده شيء من الطعام، ويكون بعلم من ولي اليتيم أو من غيره من الصالحين، ويشهدهم أنه قد أخذ هذا اليتيم، و قد باع من ماله ما قد باعه بعلمهم، وأنه ينفق منه وعليه، وإن لم يحضر له وليه، ولا أحد من الصالحين قام بذلك الذي يكون اليقيم في يده، وأنفق على اليقيم بما باع له، وإن قام اليتيم إليه فنازعه فيما باع من ماله، وصح أنه قد كان معه بقدر ما يمكن أن يكون قد ذهب في مؤونته مثل ما باع من ماله، فلا نرى أنه يدركه بما باع ولا بثمنه، وإن أراد يمينه حلف له ما خانه، وهكذا قال أبو المؤثر، إلا أنه قال: إنما يباع مال اليتيم
10.91 (2/509)
صفحة 1296
في نفقته ومؤونته وكسوته، إذا لم يكن حاكم برأي جماعة المسلمين من أهل البلد، وإن باع الذي كفل اليتيم أصل اليقيم بغير رأي جماعة المسلمين من أهل البلد، فإنه بمنزلة من باع بحضرة الحاكم، وبيعه مردود له في مال اليقيم مثل ما أنفق عليه، إلا أن يكون حاكماً، ولا يجد أحداً من المسلمين يقوم بذلك فباع، فبيعه جائز إن شاء الله، ولا ضمان عليه إذا صح أن اليتيم قد كان في عياله يقدر ما يستفرغ ثمن ما باع، قال أبو الحواري: إذا بلغ اليتيم فطلب ماله الذي باعه المحتسب، كان لليتيم ماله، ولا يجوز بيع مال اليتيم إلا بوكيل أو بوصي، ويلحق المشتري البائع ويلحق البائع اليتيم إن كان أخذه بفريضة، وإن لم يكن يأخذه بفريضة ولا شهد على كفالة اليتيم، لم يلحق اليتيم بشيء، ولعل قولهم هذا يدل على الاختلاف في بيع الأصل، والذي يوجبه النظر قول أبي الحواري، وهو أنه لا يجوز بيع مال اليتيم إلا بوكيله أو وصي، فإن قال قائل: ما الفرق بين الأصل وغيره في ذلك؟ قيل له: الفرق بينهم أن ما سوى الأصل، فمن كان في يده شيء فهو القاعد فيه، والأصل بخلاف ذلك لأنه معروف لليتيم فلا يحكم به لغيره إلا بوجه معروف يوجب انتقاله، كما أنه معروف لأحد فلا يحكم بانتقاله بغير معرفة، ألا ترى أن الله قد أمرنا بالإشهاد عند دفع أموال اليتامى إليهم بعد بلوغهم في قوله:
18111 (2/510)
صفحة 1297
فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم) (1). وكذلك كل من كان في يده شيء ببيان فلا يخرجه من يده سوى البيان والله أعلم.
وفي الأثر: وسئل عن رجل أوصى بوصية واستخلف عليها رجلاً
وجعلها في ماله، فمات وقد استخلف للولادة خليفة آخر، فقام خليفة الوصية إلى فدان من مال الميت بمناداة واستقصاء وباع، وذلك قبل أن يثبت خلافته، وقبل أن يخاصم على الوصية عند الحاكم ــ هل يجوز
6
الخليفة اليتامى أن يعارضه؟ قال: لا، ولكن لا يتركه إلى ذلك أولاً وليأمره أن يفعل كما يجوز حتى تثبت خلافته عند الحاكم. وقال أيضاً: إن وجد من يشتري منه كذلك، فإن وجد ولم يستوثق لنفسه المشتري لأن اليتامى إذا بلغوا، فدخلوا له ذلك الفدان فلا يدفعهم له منه الحاكم ولا غيره والله أعلم. والمعنى في هذا كله واحد، وأما ما يجوز لهذا الوكيل أن يفعله، فإنه يفعل كل شيء فيه صلاح، لقوله تعالى: ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير كم (2). فإذا صار وكيلاً فله قبض ماله، والنظر والتصرف له في مصالحه، وإجراء النفقة، وقبض الثمرة، وحصاد الزراعة،، وبيع العروض والثمرة، وما احتاج إليه من بيع
(2)
(1) النساء: 1 (2) تقدم ذكرها.
10111 (2/511)
صفحة 1298
الأصل في نفقة اليتيم، وإجراء النفقة عليه من ماله، والكسوة على قدر ماله، وكذلك إذا كان ماله واسعاً ضحى له، واتخذ له المنيحة للبن، وإن كان ممن يخدم واستخدم له، وإن كان من أهل التعليم علمه، و أعطى للمعلم أجرته عنه من ماله، ويتخذ له الثياب للعيدين إذا كان ماله واسعاً، ويصلح له أرضه بالسماد ويطنى له الماء ويزرع له، وينظر ما هو أوفر بين الزراعة والأجرة فليفعله، وليس له أن يهب شيئاً من مال اليتيم، ولا يطعم الفقراء شيئاً غير الواجب من الصدقة، ولا يذهب من مال اليتيم شيئاً في غير نفع في العاجلة ولا في الآجلة، ويبيع من العروض والثمار، ولا يبيع من الأصل إلا إن خاف عليه، قال الله تعالى: {ويسألونك عن اليتامى قل اصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم) (1) الآية. وجائز على هذا أن يخالطه مخالطة تصلح لليتيم مما يفضل عليه، ولا يرزآه، إذا احتاج أخذ، وإذا أيسر رد، قال الله تعالى: (فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم - الى قوله ـ ومن كان غنياً فليستغفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف). قيل فيه بالقرض ويرد إذا أيسر ويُحالله إذا بلغ، وجائز له أن يأكل فضل طعام اليتيم إذا كان يفعل له
(2)
أكثر من ذلك، لقوله تعالى ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف) (2).
(1) تقدم ذكرها.
(2) النساء: 6.
- 512 - (2/512)
صفحة 1299
وجائز الخليفة اليتيم أن يعطي للطبيب عليه الأجرة، وإن أعطاها له من ماله فإنه يحسبه عليه، وكذلك إن أفداه من العدو، ويجوز له أن يؤا كله مع عياله إذا كان ذلك أصلح لليتيم، ويعطي الأجرة من ماله لمن يحرز ماله، أعني مال اليتيم، وكذلك من يخاصم له على حقه، وفي الأثر: ويبيع خليفة اليتيم الأصل ويشتري له ثوراً أو عبداً يخدم الأصل، لا بأس بذلك إن رأى ذلك أصلح له، ويبيع له أصله في طرف الخط ويشتري له في مكان قريب، ورخص أن يطعم الناس من مال اليتيم، ويخلف له من ماله خيراً من ذلك، وقال أيضاً في خليفة اليتامى: يبيع الأصل بالمعروف ويشتري لليتيمة منه ما يصلح لها إذا تزوجت مثل ماعون البيت كالطنفسة والقطيفة والقصعة.
وفي الأثر: قال أبو الحواري: إذا بلغ اليتيم وطلب ما أدل عنه الوصي إلى الجبار كان على الوصي أداء ذلك لليتيم، وكذلك إن طلب ورثة اليتيم من بعد موت اليتيم قبل بلوغه، كان لهم ذلك، ومن كان عليه لليتيم حق فأطعمه أو كساه ما عليه له فقد بريء من ذلك، وقال بعض: لا يبرئه ذلك حتى يبلى اليتيم تلك الكسوة، وهو الأعدل فيما يوجبه النظر، لأن اليتيم ليس قبضه بقبض، ألا ترى أنه لا يسلّم إليه ماله حتى يؤنس رشده لقوله تعالى: {فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أمو الهم.
(33)
18171 (2/513)
صفحة 1300
وإيناس رشده أن يكون حافظاً لماله مع بلوغه، ومن سلم إليه قبل أن يؤنس رشده، أو قبل بلوغه، لم يبرأ، وأما إن أبلى تلك الكسوة وأكل ذلك الطعام فقد برئ لأنه قد حصل له نفعه بعد، وأما من أبرأه من ذلك ولو لم يبل تلك الكسوة فلعله أنزله في ذلك منزلة الخليفة، لقوله
(1)
تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى)). وإن لم يجعلوا لهذا اليتيم
خليفة حتى ضاع ماله فإنهم ضامنون لذلك.
,
وفي الأثر: ومما يوجد عن أبي عبد الله محمد بن بركة رحمه الله فيما أحسب وقال: من رأى مال مسلم قد أشرف على التلف وهو يقدر على حفظه فواجب عليه أن يحفظه، وكذلك إذا سمع قوماً يتواعدون في قتل رجل فلم يعلمه حتى قتلوه أنَّ عليه ديته خاصة في ماله ولا شيء على العاقلة، وعليه أن يعلمه وينذره، وكذلك إن استر شده الطريق فلم يعلمه حتى هلك، أو استسقاه فلم يسقه حتى هلك كان ضامناً لديته، لأن في الأصل كان عليه فرضاً أن يرشده وأن يسقيه، وقال محمد بن سعيد رحمه الله: يعني أن عليه حفظه إذا صار منه وعنده بمنزلة الأمانة أعني المال، وأما ما لم يصر بحد الأمانة في معنى النظر بوجه من الوجوه فليس عليه في معنى اللزوم عندي حفظ، وذلك الحفظ اللازم الذي إذا تركه
(1) تقدم ذكرها.
1018 - (2/514)
صفحة 1301
10101
حتى ضاع لزمه ضمانه، وإن كان عليه صدق الاجتهاد في أصل المناصحة لله وللمسلمين والحفظ لهم ولأموالهم، ولو كان هذا يلزم لكان ذلك لا يتسع، وكان يضيق ترك مال اليتامى والأغياب وأمثالهم، ومن ذلك أنه قد قيل إن الحاكم بخير في مال الأغياب فإن شاءَ دَخلَ فيه، وإن شاء لم يدخل إذا له الحجة وعليه، وأضيق من ذلك أموال اليتامى إذا خيف ضياعها عند المشاهدة لها. لأنه لا حجة لهم ولا عليهم، لأنه يخرج من معنى المخاطبة به لجميع المسلمين. وقيام البعض به يجزئ عن البعض، وألزم ذلك في الحاكم والقوام بالأمر القادرين عليه، وهذا يخرج عندي إذا كان ضياعه لا يجري في يد من يضمنه ويتعلق عليه ضمانه بالاحتمال، وإنما يذهب ضياعاً على غير ضمان يتعلق على أحد، فضياعه من هذا الوجه أشد وأضيق على المشاهدين القادرين على حفظه إن ضيعوه، وقد يخرج هذا الفصل في أموال البالغين إذا خيف عليها التلف من حرق أو غرق، أو يتلف بالعطش أو بشيء من الآفات التي من قبل الله سبحانه، وقصر القادر على حفظها واستنقاذها من ذلك حتى تلف انه يتعلق عليه معنى الضمان، وفي بعض القول أنه ليس في مثل هذا ضمان، وإنما فيه
الإثم وا ما يقدر عليه من حفظه كان هذا بمنزلة المنكر، وإنكاره واجب
و التقصير إذا كان لا مخرج للمال من الضرر، فقصر المشاهد له على (2/515)
صفحة 1302
القيام به، به، والمضيع له آثم إذا ترك ما يقدر عليه، ولا يتعلق عليه ضمان في الأموال في مثل هذا، ويخرج في معنى الإتفاق في الأنفس تعلق الضمان في تضييعها من القادرين على استنقاذها من مثل هذا، وأن على تارك ذلك الضمان والإثم لأن الأنفس لا احتمال فيها ولا إباحة ولا عوض بوجه من الوجوه، والأموال قد تدخل فيها معاني العلل و الاستغناء بغيرها عنها. وليس كذلك الأنفس، وقد يخرج هذا إذا كان في الأنفس من الفاعلين المتعلق عليهم الضمان بالظلم فأشرفت الأنفس على الفتل من الظالم لها، والمشاهد لها يقدر على دفع ذلك بنفسه أو احتيال أو مال فترك ذلك حتى تلف أنه قد قال من قال عليه الضمان ولا يسعه ذلك، ومعنى أنه قد قيل إنما عليه الإثم لأن الدم متعلق بالغير ليس بباطل، وهو جناية على من جناها مأخوذ به ليس كغريق البحر وحريق النار وأشباه ذلك الذي تتلف فيه الأنفس بلا عوض ولا حق يلزم، ويعجبني هذا المعنى في هذا الوجه، وكذلك قد يتعلق ما يشبه هذا في الأموال إذا صارت إلى حال الضرر من الظالمين المحدثين، والمشاهد لها يقدر على الدفع عنها واستنقاذها فلم يفعل ذلك حتى تلفت، ولو كانت ليست مضمونة أنه يلزمه الضمان لأن في الأصل أن عليه القيام بالعدل في كل موطن قدر عليه، وليس عليه تقصير في مقدور يقدر عليه، ولأنه
19171 (2/516)
صفحة 1303
إذا خلص إلى هذا المعنى مع هذه المشاهدة نزل هذا المال عنده بمنزلة الأمانة إذا صار من أهله إلى حد العجز منهم عنه عن دفعه، أو غيبتهم عنه ولم يكن بحضرته من يدفع ذلك مثله ممن يقدر كقدرته، وأصل الظلم كله، فأشبه هذا الفصل معنى الإعانة لحصولها على هذا الوجه، وفي معنى الإتفاق إذا ضيع أمانته وهو يقدر على حفظها أن عليه الضمان، فأشبه هذا بحصول ذلك إليه ونزول بليته منه وعليه، فهذا كله مما ذكر في الأثر كما قدمنا و الله أعلم.
محجور ممنوع
10141 (2/517)
صفحة 1304
باب في حي المساكين
و حق المساكين واجب، وقد أمر الله تعالى بالإحسان إليهم وقال: وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين) (1). وقال
(1)
سبحانه و تعالى في آية أخرى وآت ذي القربى حقه والمسكين وابن السبيل)). ثم قال: (وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربِّكَ ترجوها فقل لهم قولاً ميسوراً به (3) الآية. وذلك (أنه كان أصحاب رسول الله الله يسألون النبي عليه السلام فلا يجد ما يعطيهم فيعرض
(3)
عنهم ويسكت لهم حياة فعلمه الله كيف يصنع وقال: وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها) (4). يعني تعرض عنهم وجهك يعني عمن يسأل حياة ورحمة إذا لم تجد ما تعطيهم: ألا تراه يقول ابتغاء رحمة من ربك ترجوها يعني انتظار رزق من ربك ترجوها، يعني أن
(1) تقدم ذكرها (2) الاسراء: 26 (3) الاسراء: 28. (4) رواه ابو داود.
- 518 - (2/518)
صفحة 1305
،
يأتيك بها فقل لهم، يعني لمن يسأل قولاً ميسوراً، يعني أردد عليهم معروفاً، يعني العدة الحسنة أنه سيكون فأعطيكم، وقال أيضاً سبحانه وتعالى في سورة (والضحى: فأما اليتيم فلا تقهر كه (1). يعني فلا تجهر في وجهه فرو أما السائل فلا تنهر كم
فهذا كله يدل على وجوب حق المساكين والله أعلم. وقيل إنك
تخط
لن تدخل في عمل من أعمال الله إلا أعانك بسبعمائة عون، ولم خطوة إلا بسبعمائة خطوة، وقد أمر الله بالنفقة في سبيل الله ورغب فيها فقال عز من قائل: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء به). وقال أيضاً: هو الَّذِينَ يُنفقون أموالهم باللَّيلِ وَالنَّهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عِنْدَ أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم وَلَا هُمْ يحزنون به (3).
(1)
وفي الأثر: ذكروا (لما نزلت هذه الآية عَمَدَ رَجل من المسلمين إلى أربعة دراهم لا يملك غيرها فقال: الله يقول الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار يسراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا
(1) الضحى: 9 - 10
(2) البقرة: 261.
(3) البقرة: 274 0
-019 - (2/519)
صفحة 1306
هم يحزنون، فتصدق بدرهم في السر ودرهم في العلانية ودرهم في الليل ودرهم في النهار، فدعاه النبي الله فقال له: أنت الذي أنفقت درهماً في الليل ودرهماً في النهار ودر هماً في السر ودر هماً في العلانية؟ فقال الرجل: الله ورسوله أعلم إن كان الله أطلع رسوله على شيء فهو ما أطلعه عليه، فقال له النبي ع لاله لال له: نعم أطلعني الله على فعلك، والذي نفسي بيده ما تركت للخير مطلباً إلا وقد طلبته، ولا تركت للشر مهرباً إلا وقد
هربت منه، إذهب فقد أعطاك الله ما طلبت و آمنك ما خفت)
(1)
والله أعلم).
(1) رواه الدار قطني وابن ماجه.
- 520 - (2/520)
صفحة 1307
باب في حقوق الجيران
وحق الجيران فرض واجب، والدليل على فرضه قوله تبارك
وتعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ـ إلى
(1)
قوله ـ والجار ذي القربى والجار الجنب) (1). وقد روي عن جابر ابن عبد الله الأنصاري قال: (كان نبي الله عليه السلام يقول: ما زال جبريل عليه السلام يوصيني بالجار حتى ظننت أنه يورثه كالولد من والديه) (2). وفي خبر آخر) حتى خفت أن يرثه)، وفي خبر آخر (ما زال جبريل عليه السلام يوصيني بالجار حتى ظننت أنه يورث الجار من جاره) ". وقال عليه السلام: (الجار قبل الدار والرفيق قبل الطريق). وبلغنا أنه قال عليه السلام: (ما من امرئ بات شبعاناً و جاره طاو و علم به ولم يطعمه إلا كان الله بريئاً منه وأنا بريء منه) (4)
(3)
(1) نقدم ذكرها.
(2) رواه البخاري و مام و القرمنني وابو داود وابن ماجه
(3) رواه ابو داود.
(4) رواه الدار قطني وابن حبان.
- 521 - (2/521)
صفحة 1308
(1)
وفي خبر آخر (ليس المؤمن من بات شبعاناً وجاره جائعاً) (1). وروي أنه قال: (حرمة الجار على جاره كحرمة أمه) (2)، والله أعلم. والجار
ثلاثة: جار له عليك ثلاثة حقوق وهو جار بينك وبينه قرابة، حق القرابة، وحق الإسلام وحق الجوار، وجار له عليك حقان، وهو جارك من قوم آخرين له عليك حق الإسلام وحق الجوار، وجار له عليك حق واحد، وهو جارك من غير دينك. وفي الأثر: ان من الإسلام كف الأذى عن الجار وإن كان مجوسياً، قال الله تعالى: والجار ذي القربي والجار الجنب والصاحب بالجنب، والجار يكون بالدور والبيوت والغرف والخصوص والغيران وجميع المساكن، وكذلك رحالات المسافرين يكون بها الجوار، وكذلك أهل السفن فيما بينهم على هذا الحال والله أعلم. وأما حد الجوار فإنهم اختلفوا فيه، وفي الأثر: قال أبو عبيدة: حد الجار أربعون ذراعاً من منزله إلى تمامها متصلة، وقال أبو عبدالله: حد الجوار أربعون بيتاً وإن كان فيها بين البيوت أرض براح، وكان في مثلها أربعون بيتاً، وإن كانوا في فلاة، قال: سمعنا أن الجوار ينتهي إلى قبس بعضهم من بعض النار، وفي الأثر: والجار الذي قلناه عشرة بيوت عن يمينه وعشرة عن يساره، وعشرة قدامه، وعشرة خلفه،
(1) رواه الطبراني (2) رواه السيرة في
- 522 - (2/522)
صفحة 1309
ومنهم من يقول: سبعة سبعة، ومنهم من يقول: ثلاثة ثلاثة، والله أعلم. وقد قال بعضهم: في الجوار مقدار ما يبلغ صوت المغرف، وقيل: مقدار ما يحميه الكلب، وقيل: مقدار ما تبلغ رائحة القدر، وهذا الاختلاف كله فيا يوجبه النظر بدل أن أصل اختلافهم هو اختلافهم فيما يقع عليه إسم الجوار، إما من طريق اللغة أو من طريق الشرع، وذلك أن قول من قال: مقدار ما تبلغ رائحة القدر يدل أن قائله اعتبر في ذلك أن من يؤذيه تقتار قدره فهو جاره وعليه أن يعطيه منه، ومن لم يبلغه فليس بجاره ولا يجب عليه حقه إذا لم يؤذه به، وكذلك على هذا
اللغة
المعنى من اعتبر مقدار صوت المغرف والله أعلم. والجار في مأخوذ من تدانى مساكنهم بعضهم من بعض، وهو المجاورة، والجيران الناس المتجاورون، قال الشاعر:
أعف الناس كلهم جميعاً وأكرمُهُمْ وأَفضَلُهُم جوارا
ولعل لما ذكرناه اختلفوا في مقدار ذلك، أعني مقدار القرب والبعد، وكل قال على ما تهيأ له مما يكون جواراً والله أعلم. فبعض اعتبر في ذلك ثلاثة بيوت فقط، ولم يعتبر ذلك من كل جهة، ويدل على هذا ما وجد في الاثر: والجار في البيوت إذا كانت مسطرة إثنان عن
- orr- (2/523)
صفحة 1310
اليمين وواحدة عن الشمال، وإذا كانت البيوت كلها مسطرة عن يمين البيت فإنما يكون له جار اثنان عن اليمين، وإذا كانت مسطرة كلها عن الشمال،
فإنما يكون لها جار الذي عن شماله والله أعلم. وكذلك إن كانت مسطرة
أمامه، فإنما يكون له جار اثنان قدامه، وإذا كانت مسطرة خلفه، فإنما يكون له جار الذي كان خلفه، والخصوص والأخبية مثل البيوت
والدور واحد عن الشمال واثنان عن اليمين، ومنهم من يقول واحد عن
اليمين.
وقال أيضاً في الأثر: وإذا كانت البيوت والخصوص غير مسطرة ولا متتابعة، وكانت مختلطة، فإنما يكون الجار فيها إثنان عن اليمين وواحد عن الشمال، وأما الذي خلفه والذي قدامه فليسا بجار، إلا إن كانت بينهما كوة يتناولون منها حوائجهم، أو انهدم الحائط الذي بينهم، فإنهم يكون بعضهم جار البعض، فعلى هذا المعنى أن الجار ثلاثة بيوت، والإبتداء، باليمين ثم الشمال، ولذلك يكون إثنان عن اليمين وواحد عن الشمال. وقد روي عن النبي: (أنه شرب اللبن فناول من عن يمينه وقال: الأيمن فالأيمن) (1). فهذا الحديث يدل
(1)
أن الإبتداء باليمين في كل شيء أفضل، فعلى هذا إن كان بيت آخراً فوق
(1) رواه النسائي وابن ماجه وأبو داود.
- 524 - (2/524)
صفحة 1311
بيته فإنه يعطي من عن يمينه، ثم من شماله، ثم من فوقه. فعلى هذا، ثم من تحته إن لم يكن وفي ثلاثة بيوت.
وفي الأثر ما يشبه هذا المعنى، وذلك في العطية: إذا أراد أن يعطي إنما يعطي عن يمينه إلى أربعة، ثم يرجع إلى ناحية الشمال إلى ثلاثة، ثم قدامه إلى اثنين، ثم وراءه واحد: فقد جعل الذي خلفه في الرابع درجة، والذي قدامه في الثالث درجة، والذي عن شماله في الثاني درجة، أعني من صاحب اليمين والله أعلم.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (قلت يا رسول الله إن لي جارين فأيهما أهدي إليه؟ فقال عليه السلام: إلى أقربها منك باباً)، و يعد في هذا الجوار الذي ذكرناه، عبيده إذا تزوجوا غير إمانه، حرائر كن أو إماء، وكذلك أولاده الأطفال والمجانين على هذا الحال، وأما إذا تزوجوا إماءه فلا يقطعون عنه حق الجوار، وكذلك أولاده الأطفال والمجانين
=
إذا زوج لهم إماءه على هذا الحال، وكذلك بناته البالغات إذا كن تحته ولم يكن لهن أزواج وسكن في قربه، فإنهن لا يقطعن عنه حق الجوار لأنهن من عياله لكن يعطي لهن مما حدث عنده والذي بقطع عنه حق الجوار من لم يكن من عياله مثل أولاده البالغين إذا حاز هم عن نفسه، وكذلك أبواه
(1) رواه مسلم وأبو داود والطبراني.
- 525 - (2/525)
صفحة 1312
منه،
يقطعان عنه حق الجوار، وزوجته أيضاً تقطع عنه حق الجوار إذا بانت و أما أطفال المرأة إذا كانوا في جوارها فإنهم يقطعون عنها حق الجوار، كانوا مع الأزواج أو لم يكونوا، لأنهم يجوز لها أن تعطي لهم ما وجب عليها من الصدقة، فكيف بما دون ذلك، وكذلك زوجها يقطع عنها حق الجوار إذا سكن في بيت غير البيت الذي سكنت فيه، وكذلك ضرتها على هذا الحال، وبالجملة أن كل من لم يكن من عياله، فإنه يعده من الجيران ويقطع عنه حق الجوار والله أعلم.
والعبد الآبق والمرأة العاصية لزوجها، ومانع الحق، وقاطع الطريق، والطاعن في دين المسلمين، والمرتد، فإن هؤلاء كلهم يعطيهم ويقطعون عنه حق الجوار، وقال بعضهم: ليس عليه من حق جوارهم شيء، ولا يقطعون عنه حق الجوار، وهذا منهم يدل على تخصيص عموم حق الجار إذ لم يخص جاراً من جار، غير أن هؤلاء أمر المسلمون بهجرانهم، فلا حقوق لهم علينا ولا حرمة، لأن في مواصلتهم استخفافاً بحق الدين والله أعلم.
وفي الأثر: ويقطع ذواقة الجار ثلاثة: السوق والوادي والطريق، يعني إذا كان أحد هؤلاء بين الدور، فلا يكون بعضها جار البعض والله أعلم.
- 526 - (2/526)
صفحة 1313
وإذا كان بين الدور بيوت وخصوص أو غيران، أو قد سكن الناس
فيها بعيالهم، فإن بعضهم جاراً لبعض كاهم، ولا يقطع بعضهم لبعض جوار الدور التي كانت بجوار دورهم، قال بعضهم: يعطي بعضهم لبعض و يقطع عنهم ذلك جوار الدور التي بجانبهم، وهذا يدل منهم أنهم اختلفوا هل المراعاة في هذا عدد الدور أو الذين يعطيهم؟ وكذلك أيضاً على هذا المعنى، إذا كانت الدار جار رجل وفيها بيوت كثيرة فحدث إليه شيء من الطعام فإنه يعطي لمن سكن في تلك الدار كلهم، ومنهم من يقول: إنما يكون له جار منهم من يكون عن يمينه إذا دخل عليهم دارهم، وقال بعضهم جاره منهم من يليه في تلك الدار والله أعلم
وإما إن سكن عائلات كثيرة في بيت واحد، فكان بينهم حجاب، فإن بعضها جار لبعض، ولا يقطع عنه حق الجوار، وقال بعض: يقطع عنه الجوار ذلك، فهذا كما ذكرناه يدل، هل المراعاة عدد من يعطيهم أو عدد الدور والبيوت؟ والله أعلم.
وأهل الحوانيت ليس بينهم جوار، إلا إن سكنوا في حوانيتهم،
لأن المراد في هذا المجاورة في المساكن كما ذكرنا والله أعلم.
وحقوق الجار فيما ذكر في الأثر: إن استقرضك جارك فاقرضه، و إن دعاك فأجبه، وإن مرض فعده، وإن استعان بك فأعنه، وإن
- 527 - (2/527)
صفحة 1314
(1)
أصابته شدَّةً عزيته، وإن أصابه خير هناته، وإن مات شهدته، وإن غاب حفظته، ولا تؤذيه بقتار قدرك، إلا أن تهدي إليه منها، وروي أنه قال عليه السلام: (يا نساء المؤمنات لا تحقرن إحداكن لجارتها ولو کراع شاة محرق)). وقد ذكر لنا أن نبي الله يعقوب عليه السلام قال: (يا إلهي أذهبت ولدي وبصري فهلا ترحمني؟ فأوحى الله إليه: وعزتي وجلالي إني لأرحمك وأرد عليك ولدك وبصرك، ولكن بلوتك بهذه البلوى لأنك شويت جملاً فوجد جارك رائحة ذلك ولم تطعمه منه) وكان يعقوب النبي عليه السلام ينادي: (ألا من كان مفطراً فليتغد عند آل يعقوب، وعند المساء ينادي: ألا مَن كان صائماً فليفطر عند آل يعقوب).
وكل ما حدث الى الرجل من الطعام مما لم يكن عند جيرانه فإنه يعطي منه لجيرانه، وإن كان ذلك مما يحدث إليه كل يوم، مثل اللبن أو الرطب أو غير ذلك من الغلات، فإنه يعطى لهم كل يوم، إلا إن أعطاهم ما يشتغلون به عنه، مثل إن أعطاهم نخلة يجتنوا منها الرطب، أو غنماً يحلبون منها اللبن، وإن أعطاهم من الغنم ما لا يمخض كل يوم، فإنه يعطي الزبد في اليوم الذي لم يمخضوا فيه، وإن كان عند جيرانه لبن المعز
(1) رواه ابن حبان والدارقطني.
- OYA - (2/528)
صفحة 1315
وعنده لبن الضأن فإن كل واحد منهم يعطي لجاره مما لم يكن عنده، وكذلك لبن النوق ولبن الغنم والبقر على هذا الحال، ومنهم من يرخص ويرى أن هذا كله لبن وهو جنس واحد، وكذلك ما اختلف من ثمار النخيل والأعناب وغير ذلك من الغلات، وأما إن كان عند. أحدهم لبن وعند الآخر ما يقوم من اللبن مثل الجبن وأشباه ذلك فإن كل واحد منهم يعطي الجاره ما لم يكن عنده، لأن هذا غير هذا، وكذلك إن كان عند أحدهم اللحم وعند الآخر القديد، أو كان عند أحدهم الجديد من الغلات وعند الآخر القديم، فإنه يعطي كل واحد منهم لصاحبه لئلا يؤذيه في ذلك، لأن شهوة الجديد غير شهوة القديم والله أعلم. وكذلك جميع البقول للأجنة أو للبراري والله أعلم.
وفي الأثر: وقال الوضاح بن عقبة: إذا اشتريت فاكهة فاسترها عن جارك وإلا فناوله منها، فهذا يدل من قوله أن كل شيء لم يعلم عليه ليس عليه أن يعطيه منه لأنه لم يؤذه في ذلك، ألا ترى ما روي في خبر يعقوب عليه السلام حين قال الله له: (إنما نبلو نك بهذه البلوى لأنك شويت جملاً فأكلته ولم تطعم منه جارك) وهذا يؤيد قول من قال في حد الجوار مقدار قتار اللحم والله أعلم.
وفي الأثر أيضاً: وقيل كل ما ليست له رائحة ألا يكون عليه فيه
(34)
- 529 - (2/529)
صفحة 1316
حق الجار، ولعل هذا كما ذكرنا إذا لم يعلموا، وقال بعضهم في كل ما اشتراه ألا يكون عليه فيه حق الجار، فهذا القول يدل من قائله أن كل شيء يدركه جاره كما أدركه هو، ألا يكون عليه فيه حق الجار، إذ هو مباح له لو أراد هو أن يناله لناله هو أيضاً، وإنما جاء التقصير من قبله والله أعلم. ولعل لهذا المعنى قال بعضهم في منزل السوق ليس على أصحابه حق الجار فيما اشتروه من سوقهم.
و في الأثر: حق الجار والصاحب كف الأذى عنهما والإحسان إليها ما استطاع، وإن سألوا حاجة وأنت تقدر عليها ولم تقضها لهم وهم محتاجون إليها، فما لم تخف عليهم الهلاك من تلك الحاجة التي سألوها ويلحقهم التلف إن منعتهم إياها، فلا بأس بذلك إن شاء الله، وحق الجار والصاحب والرحم في هذا المعنى واحد سواء، وقيل إن الجار والرحم والصاحب حكمهم في الإنكار عليهم كحكم سائر الناس، فعلى هذا القول، فما لم يخف عليهم التلف فليس عليه شيء إن شاء الله.
أن
وفي الأثر: والصيادون إذا اصطادوا شيئاً للبيع، فليس عليهم يعطوا منه شيئاً لجيرانهم، وكذلك الجزارون وكل من اشترى شيئاً للتجارة، إلا إن أخذوا منه شيئاً للأكل، وإن أخذ منه أطفاله أو
- 530 - (2/530)
صفحة 1317
عبيده أو زوجته بغير إذنه، فليس عليه شيء من جيرانه، وأما إن كان
إنما أخذوا منه بإذنه فإنهم يعطون للجيران.
والضيف إذا نزل على قوم وهو عابر سبيل ومعه اللحم، أو غير ذلك من الطعام، ولم يكن عند من أضاف إليهم شيء من ذلك، فإنه إن فتح الوعاء الذي كان فيه ذلك ليأكل منه فليعط لأصحاب البيت ولجيرانه، ويعطوا له مما حدث إليهم، فهذا كله كما ذكرنا، إنما عليهم أن يعطوا مما يأكلون، أما ما لا يأكلون منه فليس عليهم منه شيء، فإن قال قائل: أليس حين أخذ عبده وزوجته وأطفاله بغير إذنه، إنما أخذوا ليأكلوا، وقلت ليس عليهم من الجوار شيء ما لم يأخذوا بإذنه؟ قيل له: ليس على أحد حق إلا فيما يملك، وكذلك أيضاً من يأخذ بالدلالة من غيره ليس عليه فيه حق، لأنه ليس له إلا ما أكل، وأما أن يعطي بالدلالة
من مال غيره فلا.
مال
وكذلك أيضاً إذا طبخ أهل البيت في بيت وأكلوا في غيره، إنما عليهم أن يعطوا لجيران البيت الذي يأكلون فيه، كما قدمنا والله أعلم. وإن تحالل الجيران فيما بينهم فلا يجزئهم ذلك، لأن ذلك حق الله، فلا تجزيء فيه المحاللة والله أعلم. وكذلك إن حجر بعضهم على بعض، ألا
- 531 - (2/531)
صفحة 1318
يعطوا لهم شيئاً، فإنه لا يشتغل بذلك لأنه حق الله، وإن رد له جاره ما أعطاه له، أمسكه وليس عليه شيء، وإن زاد له على ما أعطاه أولاً فلا يقبل الزيادة لأنها ليست بطيبة نفس، وإن استراب جاره ما له فإنه يعطي له، ولو استراب ما له لأن ذلك حق الله عليه والله أعلم.
وفي الأثر: وصاحب الخابية أو المطمورة أو التليس، إذا فتح أحدهم ليأكل، فإنه يعطي لجيرانه مرة واحدة، وليس عليه بعد ذلك شيء إلا إن أغلق المطمورة أو الخابية أو خيط التليس ثم فتحه، فإنه يعطي لجيرانه، ما دام كذلك يأخذ ويغلق ويخيط، وصاحب هذا القول جعل فتحه بعد إغلاقه وتخييطه بمنزلة الشيء الحادث، وهذا فيما يوجبه النظر، إنما يخرج أن يكون حق الجار لازماً، ولو لم يعلم بما حدث عند چاره، وأما على القول الآخر فلا.
وفي الأثر: قال محمد بن محبوب: ليس من حق الجار أن تكف عنه أذاك، ولكن من حق الجار ان تحمل أذاه، وقال أبو المؤثر: وذلك فيما يمكن فيه الاحتمال، وفي الأثر: ومن كان له جيران سوء فيشربون نبيذ الخمر مع اللهو، ولا يستطيع الإنكار عليهم بيده ولا بلسانه، قال: مالك بن غسان: قالوا: لا بد له أن ينكر، ومن قدر أن ينكر بيده
- 532 - (2/532)
صفحة 1319
(1)
أنكر، ومن لم يقدر أنكر بلسانه، ومن لم يقدر أنكر بقلبه، وليس عليه التحول من منزله إذا كان منكراً على ما وصفنا، وأن أنكر بلسانه وهو يقدر أن ينكر، ولم يقبلوا منه واستهزأوا به فقد أعذر الى الله، فإن قبلوا وإلا فهو سالم إن شاء الله، وقد قال الله تعالى: (معذرة الى ربكم)). وحكمهم عندي في الإنكار كحكم سائر الناس، وكذلك الصاحب و الرحم، وإذا كان جار سوء في هجره صلاح لجاره ديناً ودنيا فجائز هجره بغير نية لترك الفرض، ولا يريد إيذاء جاره فيكفر، وفي الأثر: ومن كان له جار سوء يؤديه، فإن كان منافقاً جاز أن يدعو عليه بالفقر والموت، ولا يجوز أن يدعو على المؤمن؛ وروي أنه لي (نهى أن يبول الرجل في ظل جدار جاره). ويقال: (غزا رسول الله غزوة، فلما بلغ موضع المنزل نادى: ألا كل من كان مؤذياً لجاره فلا يصحبنا، فقال رجل: ما آذيت جاراً قط، غير أني كنت أبول في أصل جداره، فرده نبي الله فقال له: لا تصحبنا)). (ونهى أن يصدق الرجل ابنه على جاره أو امرأته على جاره، وأن يصدق الرجل ابنه السفيه على جاره) (3). وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استأذن
(1) الاعراف: 164.
(2) رواه الطبراني. (3) رواه أحمد وابو داود.
- orr-
- (2/533)
صفحة 1320
(1)
أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره، فلا يمنعه، فنكسوا، فقال: مالي أراكم قد أعرضتم؟ الألقينها بين أكتافكم)). وأجمعوا أن الغرز إذا كان مضراً لجدار جاره لم يجب عليه ذلك، وروي أنه قال عليه السلام: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليصمت ولا يؤذي جاره أبداً) (2)
فصل
وإنما يلزم حق الجوار في الذواقة من أهل البيت صاحب المال منهما أعني من الزوج والمرأة، وإذا كان المال للزوج وفوض ذلك الى المرأة، ولا يحاسبها فيما وصل إليها، فقد لزمها حق الجار، لأنها فوضها، ومن أراد أن يعطي لجيرانه فإنه يحمله بنفسه، أو يرسله مع من يثق به أن يوصله من عياله بالغاً كان أو طفلاً، حراً كان أو عبداً، وإن وجدهم في البيت كلهم فليقصد بما معه الرجل دون غيره، لأن على الرجل أن يعطيهم كلهم وهم عياله، فإن وجه إلى جيرانه فأتوا بيته واجتمعوا إليه بأنفسهم
(1) رواه أبو داود والترمذي (2) رواه مسلم.
- org - (2/534)
صفحة 1321
فأعطاهم بما حدث إليه، فإنه إن أخبرهم وقال لهم: هذا سهمكم فقد أجزأه، وإن لم يخبرهم بذلك فلا يجزئه ذلك لحق جاره لئلا يحسبوا أن ذلك تفضل عليهم فيجازوه عليه، ولأن العادة في حق الجار أن يعطيهم في، وكذلك من لقي منهم خارجاً، فأعطاه ثم أخبره أن الذي أعطاه هو حق الجار فقد أجزأه، ولو كان طفلاً، إذا قال له: خذ هذا واحمله الى بيتكم فقد أجزأه والله أعلم.
بيوتهم
- 535 - (2/535)
صفحة 1322
باب في هى الصاحب بالجنب
وقد أمر الله بالإحسان الى الصاحب بالجنب. قال الله تعالى:
(1)
والصاحب بالجنب كم). قال بعض المفسرين: هو الصاحب في السفر، وقال بعضهم: هو الزوجة، والصحبة التي لها الحقوق إذا خرجوا من المنزل وعقدوا الصحبة على الخروج من الأميال، فإذا عقدوا الصحبة لزم كل واحد منهم حق من عقد معه صاحبه، قال بعضهم: يلزمه، وعند هؤلاء كما لزمه حقه لزمه حق من لزمه حقه بالصحبة، أعني صاحب صاحبه، و قال آخرون: لا يلزمه إلا حق من عقد معه الصحبة سواء في ذلك عقد الصحبة مع البالغ أو الطفل أو العاقل أو المجنون أو الحر أو العبد أو الموحد أو المشرك، فهؤلاء كلهم إذا عقد معهم الصحبة لزمته حقوقهم، غير أنهم قالوا: لا يعقد الصحبة مع المشركين إلا بالأجرة، وليس في تلك الأجرة حد معلوم، وإذا طلب الصحبة إلى أحد، فأبى أن يعقد معه
(1) تقدم ذكرها.
- 536 - (2/536)
صفحة 1323
الصحبة فإنه لا يلزم كل واحد منهما حق صاحبه، وإن طلبه الى الصحبة وسكت فاصطحبا كذلك ولم يرض بقلبه، فإنه ليس عليه من حقوقه شيء حين لم يعقد معه، وقال بعضهم: إن سكت لزمه حقوقه وجعلوا سكوته يوجب حق الصحبة، وذلك أن السكوت مما يطمئن إليه أنه راض بصحبته والله أعلم.
و من العلماء من يقول: لا يلزمه إلا حقوق من أخلط معه الزاد، ويأكل معه، وإذا عقد الصحبة مع أحد لزم كل واحد منهما حق صاحبه حتى يصلا إلى المنزل الذي سافرا إليه وعقدا عليه الصحبة، فإذا بلغا فليس عليهما بعد ذلك شيء، فإذا أرادا الرجوع منه فليعقدا الصحبة على الرجوع، وإنما يرجع هذا إلى ما اتفقا عليه أول مرة، وإن افترقا بالضرورة قبل أن يصلا إلى المنزل الذي سافرا إليه فليس عليهما شيء إلا إذا اجتمعا بعد ذلك قبل أن يصلا المنزل، فحقوق الصحبة لازمة لهم حتى يصلا إلى الموضع الذي يريدانه، ولا يعقد الصحبة مع أهل الفتنة ولا مع من هجره المسلمون.
والطاعن في دين المسلمين، ومانع الحق، والمرأة العاصية لزوجها، والعبد الآبق لسيده، والجاني، فليس لهؤلاء حق، وإن اصطحب مع أحد من الناس حتى فعل ما ذكرناه فإنه لا يصطحب معه ويهجره وليس
،
- ory - (2/537)
صفحة 1324
عليه من حقوقه شيء بعد ذلك
و إن اصطحب مع قاتل النفس التي حرم الله ولم يعلم بذلك، فجاء من يطلبه بدم وليه، فإنه قد بلغنا في ذلك مما ذكر في الأثر: أن أبا مرداس رحمه الله سار في الطريق مع أصحاب له فأتاهم رجل يسعى، فقال لهم: نصطحب معكم؟ فقال له أبو مرداس: لا، فبينما هم كذلك إذ جاء قوم يطلبونه بدم وليهم، فقال لهم أبو مرداس: لمثل هذا قلت له: لا تصحبنا، لو أنعمنا له الصحبة لوجب علينا منعه حتى يثبتوا ما يدعون عليه بقتل وليهم، فهذا من ابي مرداس رحمه الله لأن من عقد الصحبة مع الآخر لزمه من حقوقه ما يلزمه في نفسه، قد روي أنه قال عليه السلام:) لا خير في صحبة من لا يرى لك ما يرى لنفسه) (1)
و من حقوق الصاحب على صاحبه كف الأذى عنه والإحسان إليه ما استطاع، وأما من حيث الوجوب فقد ذكرنا فيما تقدم أنه ما لم يخف
عليهم الهلاك، والله أعلم.
و من حقوق الصاحب على صاحبه أن يبدأ بزاده فيأ كلاه قبل زاد صاحبه، ثم يأكلان بعد ذلك زاد صاحبه، وإذا أرادا أن يأكلا فليأ كل
(1) رواه مسلم وأبو داود والدارقطني.
- OTA- (2/538)
صفحة 1325
مثل ما يأكل صاحبه أو دونه، وإن غبن صاحبه في الأكل فذلك تباعة.
غير أنه قد ذكر في تفسير قوله تعالى: وليس على الأعمى حرج ولا على
الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من
(1)
"
بيوتكم) الآية (1). وذلك أنه لما نزلت و يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل کي (2)، قالت الانصار: ما بالمدينة مال أعز من الطعام:، فكانوا يتحرجون من الأكل مع المريض، وقالوا: إنه لا يستطيع أن يأكل مع الصحيح، وكانوا يتحرجون أن يأكلوا مع الأعمى، وقالوا: إنه لا يبصر موضع الطعام، وكانوا يتحرجون أن يأكلوا في بيوت أقاربهم وأصدقائهم فنزلت ليس على الأعمى حرج)، يعني ليس على من أكل مع الأعمى حرج، ولا على الأعرج حرج ولا على و المريض حرج)، يعني وليس على من أكل مع المريض حرج، {ولا على أنفسكم)، يعني .. ولا حرج عليكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم إلى قوله: (أو صديقكم ليس عليكم جناح)، يعني في بيوت أصدقائكم ثم قال: وليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً) (3) وذلك أنهم إذا سافروا جعلوا طعامهم في مكان
(1) النور: 61.
(2) النساء: 29
(3) النور: 61.
- 539 - (2/539)
صفحة 1326
واحد، فإذا غاب أحدهم انتظروه، ولا يأكلون حتى يرجع مخافة الإثم، وكان أناس لا يأكلون وحدهم حتى يأتيهم من يأكل معهم، فقال سبحانه و تعالى: ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً)، يعنى إذا كنتم متفرقين، فإذا غاب أحدكم فليأ كل إذا جاء، ولا بأس عليكم. ومن حقوق الصحبة ألا يناجي عن صاحبه لأن ذلك مما يحزنه، ولا يأكل ولا يشرب دونه إلا إن أذن له إلى ذلك وطابت نفسه، إلا بالضرورة، ويواسيه بما قدر عليه من المعروف مما لم يكن عند صاحبه من الزاد والحمولة والمواساة، ولا يمض بحمولته عن حمولة صاحبه، وإن كان لصاحبه حاجة يشتغل فيها بنفسه وماله فلينتظره حتى يفرغ منها، وإذا أراد أن يرتحل فليرفع على حمولة صاحبه أولاً، وكذلك النزول إن أراده فليحط عن دابة صاحبه أولاً، ويقف له عند البيع والشراء، ويحفظه من جميع ما يضره ولا يضيع ما يقدر عليه من جميع منافعه، وإن مرض فليقف عليه ويقوم بحوائجه في نفسه وماله حتى يبرأ، وإن مات فليحفظ تركته ووصيته حتى يوصلها إلى ورثته، وبالجملة أن يحسن إليه في جميع الأشياء ما استطاع ويكف عنه أذاه، وروي (أنه لا اللي في مهاجرته إلى المدينة إذا أتاه رجل مهاجر آخى بينه وبين رجل من الأنصار فيقوم الأنصاري بشأن المهاجري،. قد قيل ربما (2/540)
صفحة 1327
كان لرجل من الأنصار زوجتان فيخرج من إحداهما إليه فيتزوجها
أخوه المهاجر) (1)
وروي أنه قال عليه السلام: (خير أصحابك من
(2)
إذا ذكرت أعانك، وإذا نسيت ذكرك) (2).
وكذلك الصاحب في طلب العلم من حقوقه أن ينصحه في أمر دنياه و آخرته، ويفهمه ما لم يفهم ما لم يكن عنده من الأدب والعلم والسيرة، فإذا رأى له زلة فليز جره عنها ويسترها عليه، ويذكره إذا غفل ويرغبه أن يجتهد فيما يطلب ولا يفعل ما يمرض به قلبه من التناجي عنه وصحبة من
لاء
لا يريد صحبته والله أعلم.
(1) متفق عليه.
(2) رواه مسلم واحمد وأبو داود.
10211 (2/541)
صفحة 1328
باب في حقوق المسلم على المسلم
و من حقوق المسلم على المسلم أن يسلم عليه إذا لقيه، ويشمته إذا عطس، ويجيبه إذا دعاه، ويزحزح له في المجلس، ويحفظه في أولاده بعده، ويصله بما قدر عليه، وروي أنه قال عليه السلام: (للمسلم على أخيه المسلم ستر بالمعروف، يسلم عليه إذا لقيه، ويعوده إذا مرض، ويستجيب له إذا دعاه ويشهده إذا توفي، ويشمته إذا عطس، ويحب له ما يحب لنفسه) (1). وروي أن أبي بن كعب الأنصاري قال: (سمعت رسول الله الله يقول: من أكرم أخاه المؤمن كان حقاً على الله أن يحمله أعلى درج الجنة) (3). وقال له: (المشي لأخ مسلم في حاجة أحب إليَّ من اعتكاف شهرين) (3).
(2)
ومن حقوق المسلم على أخيه إذا رأى له زلة أن يستقيبه منها،
(1) متفق عليه
(2) رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
(3) رواه الطبراني والحاكم.
- 542 - (2/542)
صفحة 1329
بعضا،
ويسترها عليه، وفي الأثر: قال أبو محمد: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه أوصى المسلمين بعضهم ببعض، وأمرهم بالرعاية في ذلك والستر على بعضهم، ولا يهتكواستر إخوانهم عند هفواتهم وزلاتهم وندبهم إلى الستر عليهم)، وفي الرواية عنه عليه السلام من طريق أبي هريرة أنه قال: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة، ومن ستر على مؤمن في الدنيا، ستر الله عليه في الآخرة، والله تعالى في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)). فالواجب على المسلمين مراعاة هذه السنة واتباعها في إخوانهم المسلمين عند هفواتهم وزلاتهم، وإذا سقط أحدهم أخذوا بيده وستروا عليه.
ومن حقوق المسلم على أخيه ألا يهجره، وقد نهى عن الهجر، عن أبي أيوب الأنصاري أن النبي عل الا الله قال: (لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، يلتقيان فيصد هذا عن هذا، وهذا عن هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) (2). وفي الأثر قال: من هجر أخاه المسلم فوق ثلاثة أيام إن كلمه بعد ثلاثة أيام، وإلا فلا ولاية له ويبرأ منه حتى يكلمه ويتوب، وإن مات على ذلك الحال لم يتول، وروي أيضاً أنه
(2)
(1) رواه مسلم وأبو دارد والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم (2) رواه مسلم وأحمد وأبو داود.
- oir - (2/543)
صفحة 1330
قال عليه السلام: (تعرض أعمال بني آدم على الله سبحانه وتعالى عشية
(1)
الاثنين فلا يرفع أعمال المتقاطعين فوق ثلاثة أيام)). وقال: (من أخاه سنة كان كسافك دمه) (2)، وقال: (لا يحل للمسلم أن يهجر هجر أخاه فوق ثلاثة أيام وإن مات على ذلك لم يجتمعا في الجنة) (3). قال: البادئ صاحبه بالكلام أفضل والله أعلم.
وذكر في الكتاب أن من حقوقه عليه ألا يكتسى هذا ويعرى هذا، ولا يشبع هذا ويجوع هذا، ولا يتزوج هذا وليس لهذا ما يتزوج به، وإن احتاج إليه أن يقرضه أو يبيع له من ماله فلا يمنعه ذلك إذا وجد، وروي أنه قال عليه السلام: (المؤمن مرآة أخيه المؤمن ينصحه إذا غاب، ويميط عنه ما يكره إذا شهد، ويوسع له في المجلس)). وروي أنه قال عليه السلام: (والذي نفسي بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا) والله أعلم، وبالله التوفيق.
(4)
(1) رواه الدارقطني والبيهقي وابن ماجه والنسائي. (2) رواه ابن ماجه والترمذي وأبو داود.
(3) رواه ابو داود ..
(4) متفق عليه.
- 544 - (2/544)
صفحة 1331
باب في هى ابن السبيل
وقد أمر الله بالإحسان إلى ابن السبيل، قال تعالى: {والجار ذي القربى
(1)
والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل))، وهو المنقطع به عن أهله وخرج من الأميال وليس عنده مال ولا يجد من يسلف له ولا من يبيع له بدين إلى ماله فاحتاج، فقد وجب حقه على من جاز عليه. ويجب حق ابن السبيل كائناً ما كان من الناس إلا من يسعى في معصية الله، مثل قطاع الطريق وأهل الفتنة ومن هجره المسلمون، والمرأة العاصية لزوجها، والعبد الآبق، وأشباههم، فلا يجب حق هؤلاء ولا يطعمون ولا يسقون. وقد ذكر في تفسير قوله تعالى: {والصاحب بالجنب وابن السبيل) (2): والصاحب بالجنب يعني: الرفيق في الحضر والسفر، وابن السبيل يعني الضيف ينزل عليك أن تحسن إليه، ويقال:
(1) تقدم ذكرها.
(2) تقدم ذكرها.
:
(01)
10201 (2/545)
صفحة 1332
إن حقه عليك ثلاثة أيام، فما فوق ذلك فهو صدقة، وروي أنه قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، جائز ته يوماً وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما فوق ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه) (1)
وحق الضيف واجب على من نزل عليه لهذا الحديث، وينبغي لمن نزل عليه الضيف أن يكرمه ويلي أمر ضيافته بنفسه، ولا يكله لغيره، وذكر عن النبي (أنه إذا أتاه الأضياف تولى أمرهم بنفسه، ولا يكله إلى غيره))، و من كرم الرجل أيضاً أن يكرم ضيفه ويخدمه، وذكر في الكتاب عن إبراهيم عليه السلام أنه يكنى أبا الأضياف:
قال الله تعالى: و هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين)
(3)
"
و من حقوق الضيف على أهل البيت أن يقدموا له خير ما في بيتهم، ويسرعوا له بعيشه، ويحفظوا له أوقات الصلاة، ويحفظوا له دابته بالعلف والسقي، ولا يغيبوا عن وجهه لأن هذا كله من إكرامه، والله أعلم.
(1) رواه مالك والبخاري ومسلم و ابو داود والترمذي وابن ماجه
(2) رواه مسلم وأبو داود وابن حبان
(3) الذاريات: 24.
•
- 546 - (2/546)
صفحة 1333
فصل
و في كتاب الضياء: لا يسأل الرجل أقدم إليك شيئاً أم لا؟ فإنه من اللؤم، ولا تقدم طعاماً إلا ومعه الماء، ولا تعرض على الرجل الماء، ومن الجفاء أكل رب البيت مع الضيف إلا أن يكون الضيف من الملوك والرؤساء، ولا تناول بعض أضيافك دون بعض، ولا تتاج بعضهم دون بعض، ولا تناول أحداً شيئاً على مائدة غيرك، ولا تكثر السكوت عن أضيافك فتدخلهم وحشة، ولا تستخدم الضيف، فليس ذلك من المرؤة، ولا تجلس مع ضيفك من يثقل عليه، فإن الثقيل ينغص الطعام، ولا تغضب على الخادم وغيرها عند أضيافك، وقيل: إن عالماً دعاه رجل إلى طعامه فغضب على الخادم فقال العالم: والله لا أطعم في بيتك أبدا، وقيل: إن فقيهاً دعي إلى طعام فقال: أجبتك بثلاثة شروط: إن لم تتكلف، ولم تخن، ولم تجر، قال: وما الخيانة؟ وما التكليف؟ وما الجور؟ فقال: أن تكلف ما ليس عندك، وأن تضن بما عندك، وأن
تحرم عيالك و تقري ضيفك.
18111 (2/547)
صفحة 1334
فصل
وإنما تجب الضيافة على أهل المنزل والحي، وليس على النساء ولا على المسافرين ضيافة، لأنها إنما تجب للسيارة على المقيم، وهو المفهوم من قوله عليه السلام: (ولا يحل له أن يثوي عند، حتى يخرجه))، وتجب على عامة أهل المنزل أو الحي، وإن قام بها البعض أجزاً عن الباقين، إلا إن قصد الأضياف إلى أحد دون غيره فعليه الضيافة خاصة. وليس على غيره شيء، ولا تجزئ ضيافة أهل منزل على أهل منزل، ولو كانوا متقاربين فيما دون الأميال، لأن كل واحد منهم لم يدخل في خطاب غيره، وكذلك أهل الأخبية والخياطين على هذا الحال، وإن أبرأ الأضياف أهل المنزل من ضيافتهم أو من قصدوا فقد أبرأوا، وكذلك إن أبرأوا بعضاً ولم يبرأوا بعضاً فمن أبرأوه فقد برئ لأن ذلك حقهم. فإن قال قائل: فعلى هذا أيضاً من أبرأوه جيرانه من حقوقهم فقد برئ، قيل له: ولا يبرئه ذلك لأن حق الجار والرحم، من حقوق الله تعالى ولا تجزئ فيه المحالة، وحق الضيف متعلق بالمال فأشبه صاحب الدين إذا أبرأ المدين
(1) تقدم ذكره.
- 548 - (2/548)
صفحة 1335
منه فقد برى، وإن أقاموا ثلاثة أيام في المنزل أو في الحي ولم يضيفوا عند أحد فليس في ذلك ما يزيل حق ضيافتهم، وكذلك إن تلاقي الأضياف
في المنزل فأضاف
بعضهم
بعضاً فلا يجزئ ذلك عن أهل المنزل لأنهم
غير مخاطبين بحق الضيافة، ولذلك لا تجزئ ضيافتهم، وكذلك أيضاً إن لم يضيفوا ا أحداً. حتى مضت ثلاثة أيام فليس في ذلك ما يزيل حقهم لأنه
حق متعلق بالذمة لا إلى ثلاثة أيام.
ومن أقام في منزل أو سكن فيه ولم يوطن فعليه الضيافة مثل أهل المنزل، وكذلك أيضاً أهل الرفقة إذا نزلوا في موضع يبيتون فيه أو يقيلون فيه فقصدهم الأضياف فعليهم ضيافتهم لعموم الأمر بها، وذلك أن كل من كان في موضع فكل من نزل عليه فهو ضيفه، ومن جاز على أهل المنزل فطلب منهم ما يضيفونه به لزاده فليس عليهم من ذلك شيء إن لم يقم عندهم والله أعلم.
فصل
وأما من تجب له هذه الضيافة فإنها تجب لجميع الناس ممن كان خارجاً من الأميال. ومن كان دون الأميال و به حاجة ولم يجد الوصول إلى
- 549 - (2/549)
صفحة 1336
منزله، إلا أهل معصية الله، مثل قطاع الطريق، وأهل الفتنة، ومن هجره المسلمون وأهل حرب المسلمين، ومانع الحق، والعبد الآبق، والمرأة العاصية لزوجها وأشباههم، ولا يضاف عندهم أيضاً ولو كانت الضيافة واجبة عليهم.
ويجب حق الضيف على أهل المنزل ولو كان عنده الطعام لعموم الخبر في ذلك.
وفي الأثر: وقيل: الأضياف ثلاثة: ضيف الله، وضيف السنة، وضيف الشيطان، فضيف الله من يمشي في طلب العلم. وفي الزيارة، وفي الحج، وفي الحق، وما أشبه ذلك، وضيف السنة من يمشي لطلب الحلال. وضيف الشيطان من يمشي في معصية الله. وفي الأثر أيضاً: ولا تجب الضيافة على أهل السوق ولا على المفتي، ولا على القاضي، ولا على الطبيب لمن أتاهم لتلك المعاني، وأما من قصدهم للمبيت أو للمقيل ليضيفوه فعليهم ضيافته، وتجب لهم الضيافة على من أجازوا عليه مثل غيرهم، ومن طلب التجارة إلى منزل ليبع فيه ويشتري فلا تجب ضيافته على أهل ذلك المنزل، فهذا يدل من قولهم: إن كل من أتى موضعاً لحاجته
فلا ضيافة له على أهل ذلك الموضع والله أعلم.
1·001 (2/550)
صفحة 1337
وفي الأثر عن النبي عليه السلام أنه قال: (حرام أن يقدم الرجل
ما يحقره في منزله إلى قوم، وحرام على الرجل أن يحقر ما قدم إليه)، وعن النبي عل الله أنه قال: (نفقة الرجل على ضيفه بالواحد عشرة أضعاف، وعلى ولده وأهله سبعين ضعفاً، وعلى قومه بسبعمائة ضعف، وعلى ذي الرحم من قبل أبيه وأمه ألف ضعف، لأنه إنما وصل بذلك والديه، ونفقته في سبيل الله على نفسه بسبعين ضعفاً) (2)، وعن النبي قال: (لا يزال أهل الأرض مرحومين ما تحابوا وأدوا الأمانة وقروا الضيف وعملوا بالحق، وأنه قد، برى من البخل من أدى زكاة ماله وقرى ضيفه وأعان في النائبة قومه) (3)، وروي أنه قال عليه السلام: (لا تتكلفوا للضيف فتبغضوه، فإن من أبغض الضيف فقد أبغض الله، ومن أبغض الله فقد أبغضه الله) (4)، وقال: (الضيف يأتي برزقه ويرتحل
بذنوب أهل المنزل) (ه).
(1) رواه احمد والطبراني وابو يعلى (2) رواه الدارقطني والبيهقي وابو داود. (3) رواه مسلم وأبو داود والترمذي. (4) رواه أحمد وابن ماجه وابن حبان
(ه) رواه البيهقي وابو داود.
-100 - (2/551)
صفحة 1338
فصل
وحق صاحب البيت على الضيف ألا يحقر ما قدم إليه، وقد ذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه بات عنده الأضياف فقال لهم: إنكم بتم عند ثلاثة: عندي، وعند رزقكم، وعند الله، فإن لمتموني فقد لمتم رزقكم، وإن لمتم رزقكم فقد لمتم الله، وإن لمتم الله فقد
كفرتم.
و من حقوق صاحب البيت أيضاً على الضيف أن لا يرمي ببصره في نواحي البيت، ولا يدخل إلا بإذن، ولا يخرج إلا بإذن، ولا يخبر بسر أهل البيت، وإن دعاه صاحب البيت إلى طعام فلا يجلب إليه أحداً بغير إذنه والله أعلم.
وفي كتاب الضياء: ولم يفرقوا بين الغني والفقير وذوي القلة في الضيافة، وإذا لم يجد المضيف كان معذوراً لأني وجدت في بعض الأثر رواية عن النبي الا الله أنه قال: (لا يحل لأحد أن يؤثم أخاه، يقيم معه ولا شيء عنده يطعمه فيأثم) (1)، والله أعلم، وبالله التوفيق.
(1) رواه مسلم وابو داود والترمذي والنسائي
- 552 - (2/552)
صفحة 1339
باب في حقوق العبيد على ساداتهم
وقد أمر الله تعالى بالإحسان إلى المماليك في كتابه فقال: والصاحب
(1)
بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم ه)، وقد روي أنه قال عليه السلام: (أوصاني حبيبي جبريل عليه السلام: برفق المملوك حتى ظننت أن ابن آدم لا يستخدم ". وقد قيل في آخر خطبة كل نبي: (إتقوا الله في النساء. وما ملكت اليمين)، وحق العبد على سيده أن يشبع بطنه ويكسو جثته ولا يستعمله إلا بما يقدر عليه، ولا يكلفه فوق الطاقة، ويحفظه فإنه أمانة في يده، ونعمة من الله كف بها عناءه، وجعله وقاية، ولا يحمله على ما لا يحل له، وروي أنه قال عليه السلام في المماليك: (أشبعوا بطونهم وأدفوا ظهورهم ولينوا لهم في القول ولا تسمعوهم ما لا يطيقون) (3)، وروي أنه قال عليه السلام: (للمملوك على مولاه ثلاث، خصال: ألا يعجل عن صلاته، ولا يقيمه عن طعامه، وليبعه إذا استباعه))، ويقال: (المملوك أخوك لأبيك وأمك، ابتليت به وابتلي
(4)
(1) تقدم ذكرها.
(2) رواه الدارقطني وابو داود وابن ماجه والترمذي.
(3) رواه أبو داود والنسائي.
- oor-
•
(4) رواه ابن حبان والدارقطني (2/553)
صفحة 1340
بك، فله أجران، وعليك الحساب، وروي أنه قال: (أطعموهم مما تطعمون، واكسوهم مما تكسون، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون فبالحري تنجون) (2).
وفي الأثر: وإن كان السيد يأكل أجود الطعام ويطعم عبيده مما دون ذلك مما يقوتهم فلا بأس بذلك، وإن كان السيد يلبس أجود الثياب فجائز له أن يكسو عبيد، مما دون ذلك مما يدرأ عنهم الحر والبرد، مثل العباءة وأشباه ذلك، فهذا يدل منهم أن الواجب عليه من الطعام ما يقوتهم، و من اللباس ما يسترهم، وهو الواجب في كل حق مثل هذا والله أعلم. وإن قام عبيده بأنفسهم بسعاياهم وأذن لهم إلى ذلك فليس عليه منهم شيء، وجائز للرجل أن يستعمل عبيده من صلاة الصبح إلى صلاة العشاء، ولا يستعملهم بعد ذلك الى الصبح، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه نهى عن استعمال العبيد بعد صلاة العشاء)). غير أنهم قالوا: إن لم يستقص خدمته بالنهار فله أن يستخدمه بالليل، ورخص بعضهم أن يستخدمه بالليل
ولو استقصى خدمته بالنهار، إذا أعطاه شيئاً يرضيه به والله أعلم. ويزوجهم إذا أرادوا ذلك، ولا يتركهم إلى العنت، ولا يجوز له أن يضربه بالظلم، وقد روي عن أبي مسعود الأنصاري قال: (فبينما أنا
(1) تقدم ذكره.
(2) متفق عليه (2) رواه البيهقي.
- 001 - (2/554)
صفحة 1341
ضارب غلاماً لي بسوط، إذ سمعت صوتاً خلفي يقول: إعلم يا أبا مسعود، فجعلت لا أعقل من الغضب، حتى أتاني رسول الله لا، فلما رأيته وقع السوط من يدي، فقال: إعلم يا أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك
،
على هذا الغلام، فقلت: يا رسول الله: والذي بعثك بالحق لا ضربت عبداً أبداً) (1) أو قال: (مملوكاً أبداً)، وروي أنه قال عليه السلام: (لا تضربوا إماءكم على كسر إنا بكم فإن لها أجلاً كاجالكم)). وروي
(2)
أنه قال عليه السلام: (إذا دعا الرجل مملوكه فقال: لبيك، فقال له: لا لبيك ولا سعديك، تقول له الملائكة: بل أنت لا لبيك ولا
(3)
سعديك) (3).
وفي الأثر: (عن جابر بن زيد رحمه الله، أنه بلغه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: فعل الله بقوم يرغبون عما ملكت أيمانهم أن يأكلوا معهم، وقد أمر رسول الله لا بترك التجبر عليهم وأمر بالإحسان إليهم وإزاحة الظلم عنهم، وإن السادات مسؤولون عنهم يوم
القيامة)) والله أعلم، وبالله التوفيق.
(1) رواه ومسلم وأبو داود والنسائي واحمد وابن ماجه.
(2) رواه الدار قطني.
(3) رواه ابو داود والترمذي.
(ع) رواه مسلم والنسائي وأحمد وابن حبان.
18001 (2/555)
صفحة 1342
باب في حي السيد على عبده
وحق السيد على عبده أن يناصحه في ضيعته، ويحفظ له ما انتمنه
عليه، ويحسن خدمته ولا يعصيه في جميع الأحوال، إلا أن يأمره بمعصية الله فلا يطيعه على ذلك، وقيل: ليس للعبد أن يصلي نافلة ولا يصوم
نافلة
إلا بإذن سيده، إلا ما جوز له من النوافل التي للسنة، وجائز أن يصلي ويصوم لاحتياط ما عليه والله أعلم.
و إن اضطر العبد إلى القيام بنفسه ولا ينفعه مولاه فليقم بنفسه ولا يموت، وكل ما سعى من المال فلا يعطيه ولا يبيعه إلا بإذن سيده، لقوله تعالى: (عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء)). ولقوله عليه السلام: (من باع عبداً فماله للبائع إلا إن اشترطه المبتاع) (2). ففي هذا دليل على أن العبد لا يملك، ورخص بعضهم أن يصنع منه المعروف، ويؤخذ منه
(1) تقدم ذكره.
(2) متفق عليه.
-009 - (2/556)
صفحة 1343
أيضاً، ورخص بعضهم في عمله لغير سيده فيما لا يضر بعمل سيده ولم يمنعه السيد على ذلك، وإنما يخرج هذا عندي على مذهب من جعله بحكم المكلفين ولم يجعله بحكم المال و الله أعلم.
ويقاتل العبد على مال مولاه بغير إذنه إذا كان مثل قيمته أو أكثر، واختلفوا في أقل من قيمته لأن في ذلك ضرراً للسيد بإتلاف الكثير من ماله على القليل، وكذلك أيضاً لا يقاتل على مال غير سيده إلا بإذنه، وقد روي في الأثر: ومنهم من يرخص أن يقاتل في كل ما يقاتل فيه الحر، وأما على نفسه أو لباسه أو سلاحه فإنه يقاتل ولو نهاه السيد على ذلك لأن ذلك عليه، فرض، ولا يحل له أن يسلم نفسه للموت، ولا أن يرمي سلاحه ولباسه، وقد جاء في الحديث: (إن الراعي مسؤول عن رعيته يوم القيامة، فالإمام يسأل عن رعيته والرعية تسأل عن إمامها، والزوجة تسأل عن القيام بحق زوجها، وعما ضيعت، والرجل يُسأل عن جق زوجته، والعبد يسأل عن القيام بحق مولاه، وما ضيع من حقه، والمولى يسأل عما ضيع من حق عبده، والجار يسأل عن جاره، والولد يسأل عن حق والده، والوالد عن حق ولده، وكذلك قال الحاكم العدل:
10: متفق عليه.
- 557 - (2/557)
صفحة 1344
(2)
فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) (1) وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً) (2)، وذلك فيها أدبهم الله وأمرهم أن يعلموا أهلهم وأولادهم وأزواجهم وخدمهم وعبيدهم ومن هو من أهليهم بحيث يبلغ طولهم، ويحذرهم الحرام وارتكاب الآثام، ويأمرهم بطاعة ذي الجلال والإكرام.
(1) الحجر: 92. (2) التحرير: 6.
- 558 - (2/558)
صفحة 1345
باب في بنيان المساجد وحقوقها
وما يتعلق بذلك من المسائل
وينبغي المقوم إذا كانوا في منزل واستطاعوا بنيان المسجد أن يبنوه و لهم الفضل في ذلك، ولينظروا أرضاً طيبة حلالاً حيث يصلح لهم أن يبنوه فيه فليبنوه، وإن أرادوا أن يبنوه فليبنوه من أطيب أموالهم ابتغاء وجه الله تعالى، ليجمعوا فيه الصلاة وليذكروا الله فيه، قال الله تعالى: في بيوت أذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ ويُذكر فيها اسمه). وفي التفسير وفي الآية تقديم يقول: أمر الله بالمساجد أن تبنى ويذكر فيها
اسمه، يعني توحيد الله فيها، يسبح له فيها بالغدو والآصال) يعني و يصلى الله فيها بالغدو والعشاء، فأمر برفعها وعمارتها، ثم نعت من يفعل ذلك فقال: هو رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله به، يعني بذلك: شراء ولا بيعاً عن ذكر الله، يعني عن الصلاة المفروضة،
وإقام الصلاة)، يعني لا تلهيهم عن تمام الصلاة في وقتها تجارة.
-009 - (2/559)
صفحة 1346
وإيتاء الزكاة به يعنى وإعطاء الزكاة. هم يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار). وبلغنا أنه من بني الله مسجداً لا يبنيه رياء أو
(1)
سمعة، ولو مثل مفحص قطاة، بنى الله له أوسع بيت في الجنة.
وإذا أرادوا أن يبنوه فايشاوروا في ذلك أهل دعوتهم بعد اتفاق من أهل المنزل على ذلك، وإن لم يتفق خيار أهل المنزل على بنيائه فلا يبنوه حتى يتفقوا، وإذا جمعوا مالاً لبنيانه فليبنوه، فإن بقي منه بعض، فإنه يجعلونه لمصالح ذلك المسجد، ويجوز لهم أن يستأجروا من ذلك المال من يبنيه، ومن يعمل له الطوب، أو يقطع الحجارة أو يأتي بالطين أو بالماء، أو بما يحتاج إليه البنيان، لأن ما لا يمتثل الشيء إلا به فهو من كتناول الماء للوضوء والله أعلم.
حكمه،
وإذا أرادوا أن يضعوا أساسه وضعوه على نية المسجد، وإن لم يحضر لهم ذلك فلا بأس إذا كان نواياهم أولاً على المسجد، وإن وضعوا الأساس على المسجد فلا يجعلوه مصلى، وكذلك إن وضعوه على المصلى فلا يجعلوه مسجداً، وإن أرادوا أن يجعلوه مسجداً فلينزعوا ذلك الأساس ثم يردوه ويضعوه على نية المسجد، وكذلك إن بنوا بعض الأساس على
(1) النور: 36. (2/560)
صفحة 1347
على المسجد وبعضه على غير المسجد، فليحولوا الأساس الذي على غير المسجد ويردوه الى المسجد، والأصل في هذا أن بنيان المسجد قربة من القُرب يحتاج الى نية وقصد، فلا يكون مسجداً إلا بالنية عند بنائه، لأن النية هي المفرقة بين البناء والبناء، أعني بنيان المسجد وبنيان غير المسجد، لقوله عليه السلام: (إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ
(1)
ما نوي) (1).
ا
وفي الأثر: وإن بنوا مسجداً الى حائط الدار أو البيت فذلك مسجد، لا حائط الدار أو البيت، ومنهم من يقول: ليس ذلك بمسجد، فهذا يدل من قولهم أن المسجد لا يكون بعضه مسجداً وبعضه ليس بمسجد، وذلك أن اسم المسجد يقع على جميع حيطانه وخشبه وطينه وسقفه، وعلى هذا أيضاً، إن بنوا مسجداً على سقف أو دكان فليس بمسجد، لأن السقف والدكان ليسا بمسجد، فما بني على غير مسجد فلا يكون مسجداً، وأما إن بنوه على الغار فذلك مسجد، وكذلك أيضاً إن حفروا في الأرض حفرة فبنوها مسجداً، فذلك مسجد، لأنهم بنوه على موضع يجوز أن يكون
فيه مسجداً وهي الأرض والله أعلم.
(1) تقدم ذكره.
(36)
11501 (2/561)
صفحة 1348
وفي الأثر: وإن حفروا غاراً وعنوا به مسجداً أو عملوا عريشاً
أو خصاً أو خباء على أن يكون مسجداً فلا يكون مسجداً ولا يحذرون فيه جميع ما يحذرون في المسجد، ومنهم من يقول: إن ذلك مسجد، وأصل اختلافهم فيما يوجبه النظر، هل يقع على هذه المعاني اسم المسجد أم لا؟ إذ الظاهر من المسجد أن يكون بالبنيان، غير أن اسم البيوت يقع على هذه المعاني وعلى المساجد لقوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع م " يعني المساجد، وقال: (وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها) (2) والله أعلم.
(1)
وإن وضعوا أساس المسجد ثم أرادوا أن يزيدوا فيه أو كان المسجد صغيراً، فأرادوا أن يهدموه ويزيدوا فيه فلهم ذلك، وأما أن ينقصوا من أساسه أو أرادوا أن يهدموا مسجداً فينقصوا منه فلا، فإن قال قائل: ما الفرق بين الزيادة والنقصان في ذلك؟ قيل له: الفرق بينهما فيما يوجبه النظر
أن
غير
موضع المسجد فلا ينتقل أن يكون لغير المسجد، وموضع المسجد يجوز أن يكون للمسجد، وكذلك أيضاً إن رأوا حيطانه ضعيفة
وخافوا من انهدامها، فإنهم يهدمونه ويبنونه، لأن هذا كله صلاح، وإن
(1) تقدم ذكرها.
(2) تقدم ذكرها.
- 562 - (2/562)
صفحة 1349
هدمه على الصلاح ثم بناه غيره فليس عليه شيء، وأما من هدمه لغير صلاح فعليه تباعة ذلك، ولو بناه غيره والله أعلم، وإن بنوه يعني المسجد - فلهم أن يجعلوا فيه الكوات نافذات وغير نافذات، ويجعلوا فيه الأعواد
والأوتاد فيما بين الأعمدة، فهذا كله معروف في مساجد المسلمين، وفيه صلاح لأهل المسجد
و في الأثر: ولهم أن يغلقوا الكوة النافذة، ويفتحوا التي لم تنفذ، ولا يحدثوا فيه كوة لم تنفذ والله أعلم. وجائز لهم أن يجعلوا فيه ستراً حين يبنونه ويحدثونه أيضاً إن لم يكن أول، أعني في الصف الآخر لأنه صلاح لأهل المسجد فيه من الستر بين الرجال والنساء، ولكنهم لا يبنون من مال المسجد لأنه ليس من المسجد، وجائز لهم أن يزيدوا من المصلى إلى المسجد ولا يزيدوا من المسجد إلى المصلى كما ذكرنا في المسجد في الزيادة والنقصان منه والله أعلم.
وفي الأثر: ولا يلزمهم حقوقه أعني المسجد حتى يجعلوه العتبة لبابه، وكذلك إن هدم حتى زالت العتبة فليس عليهم من حقوقه شيء، ومنهم من يقول: إذا وضعوا أساسه ودوروه كله أن يلزمهم حقوقه، وكذلك إن انهدم تلزمهم حقوقه ما لم يزل أساسه، وأصل اختلافهم فيهما النظر هو أصل اختلافهم متى يقع عليه اسم مسجد ومتى لا يقع، وهو
- 563 - (2/563)
صفحة 1350
دليل اللغة والله أعلم.
وفي الأثر أيضاً: ولا يزينوا المسجد ولا يجعلوا له الشرفات وذكروا عن النبي لا أنه قال: (أمرت أن أبني المساجد جماً والقصور
6
شرفاً) (1)، ورخصوا في الشرفات على أركان المسجد، ومنهم من يقول: إن خافوا الظالمة أن يجعلوا له الشرفات، وكذلك أيضاً لا يحفروا فيه غاراً من أجل الخوف من الظالمة، ومنهم من يرخص، والأصل فيه ما يوجبه النظر ما ذكرناه أول، وهو أن المسجد لا ينتقل لغير ما فعل له، وأما من أجاز ذلك عند الضرورة فَلَعَلَّ كل ما لا بد له مما فيه صلاح لأهل المسجد فلا بأس به والله أعلم.
و من غصب أرضاً وبنى فيها مسجداً فليس ذلك بمسجد لأن فعل المسجد طاعة الله عز وجل، وفعله في أرض الغصب معصية، فلا تجتمع الطاعة والمعصية في فعل واحد من فاعل واحد والله أعلم.
ومن بناه في أرض ابته الطفل أو البالغ فهو مسجد لأن فعله ذلك ليس بمعصية لقوله عليه السلام: (أنت ومالك لأبيك) (2)، ولكن بضمن له العوض لئلا يضره في ذلك، والضرر لا يحل.
(1) رواه مسلم والترمذي والنسائي وابو داود.
(2) تقدم ذكره.
- 098 - (2/564)
صفحة 1351
وفي الأثر: ومن بنى مسجداً في أرضه ليصلي فيه الناس إلى مدة
معلومة فذلك مسجد، فهذا يدل منهم أنه لا ينفعه استثناء لأن ما هو مسجد فلا ينتقل أن يكون غير مسجد، ولا يجوز لمن يبيع الأرض للمخالفين أو يهبها لهم أن يبنوا فيها مسجداً لأنهم إنما يسعون في بنيانهم ذلك في خراب مساجد المسلمين، وكذلك لا يجوز أن يبيع لأهل الكتاب
أرضاً ليبنوا فيها كنيسة لأن ذلك إظهار لدعوة الكفر، وفي الأثر
:
وإن بنوا مسجداً فلهم أن يبنوا المصلى من جميع نواحيه ولا يبنوه من
مال المسجد والله أعلم.
مسال
:
و من أفسد شيئاً من حيطان المسجد فعليه أن يصلح ذلك تعمد في ذلك أو لم يتعمد لأن الخطأ في الأموال لا يزيل الضمان، وإن أمر غيره فأصلح ذلك فقد أجزأه إذا كان أميناً ورخص بعضهم أن يجزئه في ذلك كل من صدقه، وكذلك كل ما لزمه على هذا المعنى، وإن وجد ذلك المكان قد أصلح فإنه يصلح مثله في ذلك المسجد، وكذلك إن تشاكل عليه موضع أفسده وإن لم يجد في ذلك المسجد موضعاً يصلحه فليغرم قيمة ما أفسد لقائم المسجد حتى يجعله في مصالح المسجد، وهذا إذا كان
- 565 - (2/565)
صفحة 1352
أميناً وإن جعله أهل المسجد في حلّ من ذلك فلا يجزئه وإن كانوا هم الذين بنوه لأن هذا تباعة فيما بينه وبين الله لا يجزئ فيها حل المخلوق، و إن أفسد في المسجد شيئاً فانهدم أو حال بينه وبينه حائل فليصلح مثل ذلك في مسجد غيره لأن البدل يزيل الضمان والله أعلم.
وإن تشاكل عليه المسجد الذي أفسد فيه مع غيره فليحتط وليصلح فيهما جميعاً، ولعل إن صلح ذلك في أحدهما أن يجزئه ذلك لقوله تعالى: وأنَّ المساجد الله) (1)، وكذلك ذكر عن بعض أهل العلم أن من أفسد في مساجد كثيرة فأصلح في مسجد واحد فلا بأس بذلك لأن المساجد الله، وإن أفسد بهائمه أو عبيده أو أطفاله في المسجد فعليه إصلاح ذلك إن علم به، أما عبيده و بهائمه فمن ماله، وأما أطفاله فمن مال الطفل، فإن بلغ الطفل قبل أن يصلح ذلك فعليه تباعة، وأما العبد إن عتق قبل أن يصلح السيد ذلك فإن على السيد ما دون رقبة عبده، وما فوق رقبته فعلى المعتوق، وليس على السيد أكثر من رقبته، وكذلك إن مات العبد أو أخرجه من ملكه على هذا الحال، وإن أفسد فيه اليتيم أو عبيده أو بهائمه فليصلح الخليفة ذلك من مال اليتيم، وإن لم يكن لليتيم شيء فليس على الخليفة شيء، وإن أفسد في مسجد ولم يدر لمن هو لأهل الدعوة
(1) الجن: 18.
-079 - (2/566)
صفحة 1353
أو للمخالفين، فليصلح ذلك لأن القاعدة في المساجد مساجد المسلمين
وإن أفسد في مسجد المخالفين فليس عليه شيء، ولكن لا يفعل والله أعلم.
وفي الأثر: ومن هدم شيئاً في المسجد وتعمد الفساد فقد كفر، وكذلك من أحرقه أو أفسد مالاً بالتعدية فهو هالك، والدليل على هذا قوله تعالى: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) الآية، ومن نجسه متعمداً فقد أثم، وذكر فيمن نجس المسجد الحرام متعمداً فقد كفر والله أعلم
مسألة:
و من جعل مالاً للمسجد فإنهم يجعلونه الحيطانه وأعمدته وسقوفه، وأما الباب ففيه قولان، والأصل في هذا فيما يوجبه النظر هل يدخل ما
هو من مصالحه في ذلك أم لا يدخل إلا أن يدخله فيه؟ والله أعلم. وأما ما فيه منفعة لأهل المسجد مثل المصباح والحصير وما أشبه ذلك فلا يجعله من مال المسجد لأن هذا غير هذا، وفي الأثر: وما جعل للمسجد فلا يجعلوه للمصلى، وما جعل للمصلى فلا يجعلوه للمسجد، ومنهم من يرخص، فهذا يدل من قولهم هل هما معنى واحد أو معنيان
مختلفان؟ والله أعلم.
"
- 567 - (2/567)
صفحة 1354
وجائز لهم أن يدوروا الركائز للمسجد من مال المسجد من خارجه و من داخله، وكذلك أيضاً تقوية حيطانه بالبنيان من ماله إن رأوا ذلك إصلاحاً، لأن هذا كله من مصالح المسجد، وكذلك أيضا يبنون به الصومعة إذا كانت في المسجد، ما لم تجاوز المسجد، ولا يبنوها به إذا خرجت من المسجد لأن ما خرج من المسجد فليس هو من المسجد، ومن قال: أعطيت كذا وكذا من مالي أو من هذا الشيء للمسجد فلا يجوز لأن هذا يحتاج إلى القبول، والقبول من المسجد لا يصح، وأما إن قال: جعلت كذا وكذا للمسجد أو أوصيت بكذا وكذا فجائز، ويجعل ذلك لمصالح المسجد، وإن جعل الأرض وما اتصل بها للمسجد أو غير ذلك من الأموال سوى الدنانير والدراهم، فإنهم يبيعون ذلك كله بالدنانير والدراهم ويجعلونه لمصالح المسجد، وإن رأوا أن يتركوا الدور والبيوت والأشجار فيستغلونها للمسجد فلهم ذلك ويفعلون ما هو أصلح، وإن
خرب ذلك المسجد فلا يجعل ذلك المسجد غيره، وأجاز ذلك بعضهم
ولعل عند هؤلاء لأن هذا كله سبيل الله، وأن المساجد كلها الله
والله أعلم.
"
وإن أوصى بمال المسجد ولم يقصد مسجداً معلوماً فإنه يجعل ذلك المال
لمسجده، وإن لم يكن له مسجد، فليجعلوا ذلك في أقرب المساجد إليه،
- 568 - (2/568)
صفحة 1355
وإن استوت إليه المساجد فليجعلوه في أي مسجد شاءوا، والله أعلم.
وإن جعل المال للحصير أو لكل معنى مما يستنفع به أهل المسجد مثل القلل والأزفاق والمصابيح وما أشبه ذلك فلا يشتروا بذلك المال غير المعنى الذي جعل له، ورخص بعضهم أن يجعل ذلك لغير المعنى الذي جعل له من هذه المعاني، فلعل هذا القول أن هذه المعاني كلها جنس واحد، وهو منافع أهل المسجد، وفي الأثر: وما جعل من المال للمسجد فلا يشتروا به هذه المعاني، وما جعل لهذه المعاني فلا يجعوه للمسجد، ومنهم من يرخص، ولعل هذا القول ان ما هو مصالح لأهل المسجد فهو مصالح للمسجد، والله أعلم.
وبلغنا أن من جعل حصيراً للمسجد أن الأجر يكتب له ما دام من ذلك الحصير قطعة، وإن انقطع ذلك الحصير وليس فيها ما ينتفع به، فلهم أن يخرجوها من المسجد. وفي الأثر: ولا ينتفع بالأعواد الصغار التي تكون فيه، ومن رفع منه عوداً فليخرج عوضه فيه، لأنه ضامن لما أفسد، ومنهم من يرحص أن يستنفع به ويرميه خارجاً، فهذا يدل من قولهم أن ما لا نفع فيه للمسجد فإنه يجوز أن يرموه خارجا، وإن استنفعوا به وأفسدوه فعليهم قيمة ذلك لاستنفاعهم به، وعلى القول الآخر
- 569 - (2/569)
صفحة 1356
فلا بأس، لأنه كما جاز لهم أن يرموه خارجاً جاز لهم أن يستنفعوا به،
والله أعلم.
وإذا كان مسجد وله حصير فإنه جائز أن يستنفع بها، يصلى عليها ويقعد ويرقد عليها لأنها إنما جعلت لذلك، ولا يخرجها من المسجد ليستنفع بها لنفسه ولا لغيره لأنها مال محبوس لا يتعدى ما حبس فيه، وكذلك الأزقاق والقلل على هذا الحال، ومن نجس من ذلك الحصير شيئاً فليغسله، وإن أفسد فيه شيئاً فعليه قيمة ذلك، وإن جعل حصيره أو قلة لما أفسد من ذلك فجائز، وجائز لهم أن يرفعوها حين يصلح لها ذلك مثل الصيف، لأن ذلك صلاح، وكذلك إن خافوا من يسرقها، فلهم أن يخرجوها الى موضع الحرز، وبالجملة إن كان صلاح جائز لهم أن يعملوه في مثل هذا مثل مال اليتيم والغائب والزكاة والله أعلم.
ولا يجعلوا حصير مسجد لآخر ولو خرب، وكذلك الأزقاق والقلل على هذا الحال، ورخص بعضهم في ذلك، وهذا كله كما قدمنا أولاً في مال المسجد، هل يجعلوه في مسجد آخر إذا منعوا أن يجعلوه في مسجده؟ والله أعلم. وإن جعل الرجل حصيراً للمسجد مدة من الزمان ثم يرفعه بعد ذلك فلا بأس عليه، لأنه على نيته في ماله ولكل امرئ ما
- 570 - (2/570)
صفحة 1357
نوى، وكذلك القلة والزيت والزق على هذا الحال، إذا نوى في نفسه أن يردها بعد ذلك والله أعلم، ولا بأس لعمار المسجد أن يجعلوا على حصير المسنجد طعاما ليأ كلوه إذا كان ذلك لا يفسد الحصير، وكذلك فيما يوجبه النظر يجوز لهم أن ينتفعوا بها لكل شيء يجوز لهم أن يفعلوه لأنها إنما جعلت لينتفع بها في المسجد، وكل ما جاز لهم فعله في المسجد فلا بأس أن يفعلوه بالانتفاع بها لذلك الفعل والله أعلم. وفي الأثر: فلا بأس أن يخرجوها من المسجد، يعني الحصير لينشروا عليها حبوب المسجد إن احتاجوا الى ذلك، وذلك فيما يوجبه النظر لأن حبوب المسجد بمنزلة المسجد والله أعلم. وكذلك أيضاً إن جعلت القلال والأسقية المسجد، فلا يخرجوها ليستنفعوا بها كما ذكرناه في الحصير والله أعلم. وإن جعل ذلك للأجر فجائز لمن ينتفع به إذا كان من عمار المسجد لأنها لهم جعلت، وكذلك أيضاً من جعل فيه جمراً للاصطلاء فإنهم يستنفعون به ما دام في المسجد ولا يخرجوه خارجاً من المسجد ليستنفعوا به، والأصل في هذا كله أن ذلك مقصور على ما جعل له لا يتعداه، ومن جعل مالاً لمصباح المسجد أو جمعوا له المال فإنهم يجعلون ذلك في يد أمين يحفظه ويقوم به ويقعد فيه في وقت يصلح لذلك، وجائز لهم أن يشتروا من هذا المال وعاء يجعل فيه الزيت ويشتروا منه المصباح والقناديل
- 571 - (2/571)
صفحة 1358
والفتائل، لأن هذا كله لا بد للمصباح منه، وما لا يمتثل الشيء إلا به فهو مثله، وصار كأنه منطوق به إذ لا بد منه، وقال بعض: لا يشترى منه
إلا المصباح، فهؤلاء قصروا الحكم على اللفظ المنطوق به والله أعلم.
ومن أفسد زيتاً في المصباح فليرده في المصباح، ومن أفسد زيتاً كان في الوعاء فليرده في ذلك الوعاء، وقال بعضهم: من أفسد الزيت الذي في البطة يجعله في المصباح، فعلى هذا القول أن الوعاء لا يكون قبضاً، وكذلك المصباح لا يكون قبضاً، غير أنهم قالوا: يقعد حتى يوقد، وإن لم يقعد إليه فقد أجزأه إن أوقد فيه، وإن لم يوقد فلا يجزئه والله أعلم. ولعل في هذا الاختلاف أن يجزئه، وإذا أراد أن يوقد مصباح المسجد فلا يخرج المصباح من المسجد، ولا يدخل النار فيه لئلا يضر بأهل المسجد وبالمسجد، ولكن يوقده على عتبة الباب، وإن أخرجه من باب المسجد فأوقده خارجاً فعليه تباعة ما أكلت منه النار قبل أن يصل الى المسجد، إلا إن كان المصباح والزيت والفتيلة له ولم يجعل لذلك. فليس عليه شيء لأنه ماله. وفي الأثر: لا يوقد مصباحه من مصباح المسجد، وكذلك شعلة النار لا يأخذها منه لحاجته، ومنهم من يرخص، ولا أدري لأي علة منع ذلك من منعه، غير أني سمعت أن ذلك ينقص ضوءه، فليل لذلك منعه من منعه والله أعلم إن كان يكون ذلك.
- 572 - (2/572)
صفحة 1359
وأما إن أخذ منه النار فيوقدها في المسجد فلا بأس، لأن هذا كله سبيل واحد، وجائز لقائم المسجد أن يتسلف كل ما يصلح للمسجد الى مال المسجد حتى يرده من مال المسجد، ولا يسلف مال المسجد لغيره، وكذلك زيت المصباح، لا يسلفه لغيره لما يدخل في ذلك من التضييع، و جائز لهم أن يوقدوا في المسجد مصباحين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك إن رأوا ذلك أصلح له، ويضعون المصباح في موضع يصلح فيه لأهل المسجد. و في الأثر: وجائز لهم أن يوقدوا المصباح الليل كله، ولو لم يعمروه يعني المسجد، وجائز لهم أن يوقدوه للمجلس وليقرأوا عنده كتبهم أو ليفروا) ألواحهم، لأنه إنما جعل لينتفع به عمار المسجد لأعمال الطاعات كلها في المسجد. وفي الأثر: لا يرفع الرجل المصباح لحاجته فيه، ومنهم من يرخص، ولعل كل ما يجوز له أن يفعله في المسجد، فإنه ينتفع بمصباحه لذلك الفعل إن احتاج إليه، كما قدمنا أولاً في الحصير، ولا يوقدوا مصباح المسجد بزيت منجوس، ولا بودك الميتة، ولا يوقدوا فيه مصباحاً منجوساً ولا فتيلة منجوسة، وإن أرادوا أن يطفئوه فلا يطفئوه بالنفخ لأن ذلك تكون منه علة سواء في ذلك مصباح المسجد أو غيره، ولكن يرد الفتيلة حتى ينطفيء، وإن نبتت شجرة في المسجد أو في حريمه فلهم أن يقلعوها، وكذلك الزرع إن نبت فيه، أو على سقفه، فإن أدرك ذلك الزرع فهو
(1) كذا في الأصل
- 573 - (2/573)
صفحة 1360
للمسجد، وكذلك ثمار الشجرة التي نبتت في المسجد، يجعلونها المنافع المسجد لأن ما نبت في المسجد حكمه حكم المسجد الذي نبت فيه، وإن خرج العين في المسجد، فلا ينتفع بمائها للزرع ولا للأشجار ولا لسقي الحيوان لأن حكمه حكم مال المسجد، وإن ضر ذلك العين المسجد فإنه إن أمكن أن يدفنوها فليدفنوها، وإن لم يكن فيها مضرة فليتركوها، وإن خرج ماء ذلك العين من المسجد وجرى على وجه الأرض، ففي الأثر: فلا ينتفع به كما ذكرنا، وقيل: ينتفع به الناس كما تقاربوا إليه، فهذا يدل من قولهم أنه ما دام في المسجد حكمه حكم المسجد، وإن خرج من المسجد حكمه حكم المباح، وكذلك ماء المطر على هذا
الحال.
وفي الأثر: لا ينتفع بماء المطر الذي على سقفه، وأما الذي يصب من ميزا به فلا بأس أن ينتفع به، وأما إن سبقت العين المسجد فلينتفع بها من كانت له، وكذلك لا يبنى المسجد على العين من أجل ما يضر المسجد، وجائز لهم أن يبنوه على الساقية، ولكن لا يغسلوا فيها نجساً، ولا يستنجوا فيها، ولا يدخل الجنب المسجد ليغتسل في تلك الساقية
والله أعلم.
- 574 - (2/574)
صفحة 1361
مسألة في حقوق المسجد
وما يجوز من الأفعال وما لا يجوز
وحقوق المسجد على أهله أن يتخذوا مؤذناً أميناً ورعاً، حافظاً لأوقات الصلاة، ويصلُّوا فيه الجماعة ولا يصلوا فيه فرادى، ولا يصلوا
فيه صلاة واحدة جماعة بعد جماعة، ويحفظوه بالمصباح، ويحفظوا ضيفه، ويعمروه بذكر الله سبحانه وتعالى، قال الله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) الآية. وذكر في الكتاب أن من مشى الى المسجد ليصلي فيه الفريضة، فهو كمن مشى الى مكة ليحج الفريضة، ومن مشى ليصلى فيه النافلة فصلى، فهو كمن حج نافلة، وذكر أيضاً في الكتاب عن حذيفة بن اليمان رحمه الله قال: إنَّ فضلَ من بعدت داره عن المسجد، إذا كان يحضر فيه الصلاة، عن الذي قربت داره الى المسجد ويحضر فيه الصلاة، كفضل الغازي عن القاعد، وذكر في
(1) تقدم ذكرها
10001 (2/575)
صفحة 1362
(1)
الكتاب أيضاً عن النبي الا الله أنه قال: (من أراد أن يمشي الى المسجد فليقارب الخطى، فإن الأجر يكتب له بعدد خطاه) (1)، وقال أيضاً: له في كل خطوة عشر حسنات، ومن أتى المسجد فصلى فيه فقعد يذكر الله ينتظر الصلاة الأخرى، فذلك هو الرباط) قالها ثلاثاً (2). وروي أنه قال عليه السلام: (ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى الى المسجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، قالها ثلاثاً) (3)، وينبغي لهم أن يتفقدوه بالكنس من وقت الى وقت وفي الأثر: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه «من كنس مسجداً كمن صام يوماً،، وقيل: إن كنس المسجد مهر الحور العين، ولا ينتفع بالرمل الذي منه، ولا يتعمده بالكنس، وإن أراد قوم أن يدخلوا مسجداً، فليدخل أكبرهم، وإن أرادوا الخروج، فليخرج أصغرهم، لأن الأفضل في دخوله الأول، وفي الخروج الآخر، و من أراد أن يدخل فليقدم رجله اليمين، وإن أراد الخروج فليقدم رجله الشمال، كما قدمنا في الأفضل في ذلك.
وفي الأثر: وإن أراد أن يدخل المسجد فليقل: باسم الله، اللهم
(1) متفق عليه.
(2) رواه البخاري ومسلم واحمد وأبو داود والنسائي.
(3) رواه ابو داود واحمد والنسائي
- 576 - (2/576)
صفحة 1363
افتح لنا أبواب رحمتك، وأدخلنا فيها، وأعذنا من النار ومن الشيطان الرجيم، إنك أنت السميع العليم، ومن أراد أن يخرج منه فليقل: رب أدخلني مدخل صدق، وأخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً، وإذا دخل المسجد فليقصد المحراب، ويدع الله سبحانه وتعالى، ويتضرع إليه، ثم يرجع الى يمين المحراب يركع فيه، فإن جاء رجل آخر فليركع على يسار المحراب، وإذا جاء ثالث فليركع مقابل المحراب، فإن دخل غيرهم فليركع حيث شاء، وهذا تشبيه المحراب بالإمام والله أعلم، ومن لم يمكنه الركوع فليذكر الله.
(1)
وفي الأثر: (وذكر أن رسول الله لا دخل عليه رجل في المسجد فجلس ولم يركع، فقال له رسول الله لا: إن للمسجد تحية، وتحيته ركعتان قم فاركعهما)). وذكر أيضاً (أن رجلاً من أصحاب النبي كان في المسجد حتى دخل عليه شخص فركع ركعتين ودعا بهذا الدعاء: اللهم لك الحمد كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أوله وآخره، سره وعلانيته، ظاهره وباطنه، أسألك أن تغفر لي ذنوبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت يا أرحم الراحمين، فأخبر الرجل
(1) متفق عليه.
(37)
- OYY-. (2/577)
صفحة 1364
بذلك رسول الله الله فقال له عليه السلام: ذلك ملك من الملائكة
أرسله الله يعلمك هذا الدعاء).
مسألة:
وروي عن النبي أنه قال: (طهرت المساجد من خمس: تقام فيها الحدود، أو يتخذ فيها الطرق، أو ينشد فيها بالضالة، أو يبيعوا فيها أو يشتروا، ومن فعل ذلك فلينهوه ويخرجوه، وإن لم ينته عن ذلك فليضربوه) (1).
أما الحدود فإنها لا تقام فيها، أعني في المساجد من أجل ما يحدث من الحدود، وكذلك أيضاً في الأثر: ولا يحكم ولا يضرب ولا يحلف إلا خارجاً منه، يعني الحاكم، ولا تقام فيها الحدود، وقد نهى رسول الله عن ذلك، وإنما يعني في هذا كله المسجد، وكذلك أيضاً لا يقتلوا ما له الدم في المسجد إلا على وجه الإضطرار، مثل الحية والعقرب إذا أصابوا أن يقتلوه خارجاً منه فعلوا، وإلا فليقتلوه فيه، لقوله عليه السلام: (اقتلوا الحية والعقرب ولو كنتم في صلاتكم) (2). وإن دخلت
(1) رواه الخمسة.
(2) متفق عليه
(2)
- OYA- (2/578)
صفحة 1365
الحية أو العقرب في حائط المسجد فليحتالوا على خروجها من غير فساد الحائط، وإن لم يجدوا خروجها إلا بفساد فليطينوا عليها، وكذلك إن كان مسكن النمل أو جحر الفيران في المسجد على هذا الحال، وإن قتلوا ما ذكرنا وبلغ الدم المسجد فليصلحوا ذلك، ولا يدفنوا شيئاً من المال في حيطان المسجد، وإن جعل فيه المال وطين عليه، أو طين عليه غيره. فلا يهدم المسجد لذلك المال، كان له ذلك أو لغيره. وإن كان لغيره فهو ضامن وليس على من طين عليه شيء، لأنه جائز له ما فعل، وإن هدم الى ماله و أصلح ما أفسد فليس عليه شيء والله أعلم. وكذلك أيضاً لا يتخذوا في المسجد طريقاً ولا سوقاً، ولا يدخل من أحد أبوابه ويخرج من الآخر إذا كان ماراً، لنهي التي لا عن ذلك، ومن أراد ذلك فليركع ماراً
فيه أو يدعو الله ثم يخرج. وكذلك الضالة أيضاً لا ينشدها في المسجد
لنهي النبي عن ذلك. وجواب من ينشد عن الضالة في المسجد أن يقول له: لا جمع الله عليك.
و قد ذكر عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لا بأس بإنشاد الضالة على أبواب المساجد لأنه تجمع الناس. وضالة المسجد كفالة غيره في حفظها و حرزها، وكذلك مترو كه مثل غيره والله أعلم. ولا يتكلموا في المسجد بكلام الدنيا كله، ففي الأثر: قيل عن رسول الله لا قال:
،
- 579 - (2/579)
صفحة 1366
(1)
(كل الكلام في المسجد لغو الا ثلاثة: مصل، أو ذاكر الله أو سائل حقه فأعطوه حقه) (1). وذكر في الكتاب أيضاً في قوم يتكلمون في المسجد بكلام الدنيا ويخوضون فيه، فتناديهم الملائكة: اسكتوا يا مقتاء الله، اسكتوا يا بغاض الله، وقد قيل عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (سألت رسول الله أحد عشر سنة أن يرخص لي في الكلام في
(2)
(3)
المسجد فما زاد فيه إلا تشديداً) (2). وفي الحديث: (يأتي على الناس زمان يجلسون في المسجد حلقاً حلقاً ليس لهم ذكر إلا في الدنيا، والتناظر في أمورها فلا تجالسوهم فإنهم ليس الله فيهم حاجة) (3). وفي الأثر: ولا يتحدثون فيه، يعني المسجد، بكلام الدنيا قاعدين أو مضطجعين، وجائز لهم أن يتصافحوا فيه، ويأخذوا فيه السلاح من الأضياف، ويتفقوا فيه على فعل المعروف من أموالهم، ويسألون فيه عن أخبار المطر وسلامة المسافرين وموت المفقودين، ويعزوا فيه من مات وليه، ويهنئوا من ولد له و، ولد، أو اشترى شيئاً، أو لبس ثوباً جديداً أو ما أشبه ذلك، وجائز لهم أن يخطبوا فيه وينكحوا فيه، ويطلق فيه طلاق السنة ويراجع فيه؛
(1) رواه مسلم والدارقطني والبيهقي وأبو داود (2) رواه البيهقي وابن ماجه
(3) رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي.
1041 (2/580)
صفحة 1367
فهذه الوجوه كلها هي إلى جنس المندوب أقرب منها الى غيره، فلذلك
أجازوها والله أعلم.
و في الأثر: ولا يتخاصموا فيه عند الحاكم، ومنهم من يقول: يتخاصمون فيه ولا يحكم ولا يضرب إلا خارجاً منه، فهذا فيما يوجبه النظر، لئلا يحدث من المضروب ما يضر المسجد، وأما التخاصم عند الحاكم فقوله عليه السلام فيما ذكر: (كل كلام في المسجد لغو إلا ثلاثة: مصل أو ذاكر الله أو سائل حقه فأعطوه حقه) (1)، يدل على جواز ذلك والله أعلم. ولا يدفنوا فيه ميتاً، وإن مات فيه فليخرجوه، وإن خافوا أن يفسدوا فيه إن رفعوه فليردوا عليه التراب في ذلك المكان.
ولا يبزق الرجل في المسجد ولا يتنخم فيه، وقيل أن المسجد ينزوي من النخامة كما ينزوي الجلد في النار، وروي من طريق أبي سعيد الخدري: (أن النبي ع رأى بزاقاً في جدار المسجد فحكه، ثم أقبل على الناس فقال: إن أحدكم إذا كان يصلي فلا يبزق قبل وجهه، فإن الله قبل وجهه
إذا صلى) (2).
(1) تقدم ذكره.
(2) تقدم ذكره.
- (2/581)
صفحة 1368
ولا يغلقوا المسجد لئلا يمنعوه ممن أراد أن يدخل فيه، إلا إن
خافوا ممن يضر المسجد فإنهم يغلقونه إن خافوا من ذلك، ولا يتركوا من يحدث شيئاً في حريم المسجد مثل البناء والغرس وما أشبه ذلك، أو من يربط فيه دوابه، أو من ينجسه، لأن هذا كله مضرة لا يتركونها. وحريم المسجد ثمانية عشر ذراعاً، ومنهم من يقول أربعون ذراعاً، ومنهم من يقول ثمانون ذراعاً، ويحجرون على جميع من يحدث فيه ما يضر بالمسجد، فمن كسر الحجر أخرجوا منه الحق، وكذلك حجار المصلى لا يستنفعوا بها ولا يتركوها لمن ينجسها، فمن ينجسها فليغسلها ثم يردها الى مكانها، ولا يجعلوا المسجد محضرة الصبيان لئلا ينجسوه - ويحجرون على الأطفال أن يدخلوه، ولا يضع ثوباً منجوساً في المسجد، وقيل من وضع ثوباً منجوساً في المسجد فقد ضرَّ بأهل المسجد، وأهل المسجد الذين يصلون فيه ويعمرونه - ولا يدخل الجنب ولا الحائض ولا النفساء المسجد، لنهي النبي عن ذلك، وقد روي عنه عليه السلام: (أنه أمر الحائض أن تعتزل عن مصلى المسلمين وكره دخول المساجد بالجنابة) (1) وكذلك أيضاً المقطر لا يدخل المسجد لئلا ينجسه
(1) تقدم ذكره.
- DAY- (2/582)
صفحة 1369
وفي الأثر: ومن نزلت عليه الجنابة، فلا يدخل المسجد حتى يغتسل إن كان ممن يغتسل أو يتيمم، ومنهم من يرخص إذا خرج وجفف أن
يتيمم، ثم يدخل فيه ولو انه ممن يغتسل.
ورخص أيضاً لمن نزلت عليه الجنابة في المسجد أن يرقد كذلك إذا حفظ نفسه مما يصل الى المسجد من النجاسة، ولعل هؤلاء كانوا ممن لا يرون القياس أو حملوا هذا على الندب والله أعلم.
وفي الأثر: ولا يطلعه، يعني المسجد، إلا من يصلحه أو من اضطره العدو إليه، فلهم أن يقاتلوا عليه العدو، ولكن يحذرون ما يفسدون فيه، و لا يرموا العدو بالحجارة التي كانت عليه، إلا إن جعلوها لذلك، لأنه لم يكلفهم الله لعمل طاعة بترك أخرى و الله أعلم.
و جائز لهم أن يوقدوا فيه النار في الكانون إن رأوا أن في ذلك
صلاحاً.
وفي الأثر: ولا يرمى القمل في النار التي تكون في المسجد، ولا
كل ما له رائحة منتنة، ولا يجعلوا فيه البخور أيضاً، ولعل هذا
منهم
الثلا
يشغلهم ذلك مما هم فيه من طاعة الله، كما روي من طريق عائشة رضي الله
- 583 - (2/583)
صفحة 1370
عنها قالت: لو أدرك رسول الله ما أحدثت النساء لمنعهن من المسجد كما منعه نساء بني إسرائيل، تريد لما يعملن من العطر والطيب، فيدخلن
به المساجد ويشغلن الناس عن الصلاة، ولا يجوز الرقود في المسجد، لأنه إنما جعل لذكر الله والصلاة، ولئلا يضر برقوده أهل المسجد، إلا المسافرين جائز لهم الرقود في المسجد، لأنهم مضطرون إلى ذلك، ولا
بد منه
ورخص بعضهم للمقيمين إذا أرادوا أن يحضروا الصلاة أن يرقدوا فيه، وإنما يمكن هذا في القائلة، غير أنه قد روي عن أبي عبيدة عن جعفر بن السماك عن عباد بن تميم عن عمر: (أنه رأى رسول الله مستلقياً في المسجد، واضعاً إحدى رجليه على الأخرى)) والله أعلم.
وفي الأثر: وإن جعلوا المجلس في المسجد. فضر هم من يرقد، فلهم أن يقيموه، ويقيموهم إذا جاء وقت الصلاة. فهذا يدل على أن الرقاد في المسجد. لا يجوز، وإلا فلم يقيمونهم لما لم يخاطبوا فيه
والله أعلم.
•
(1) رواه مسلم واحمد والنسائي وأبو داود
- 584 - (2/584)
صفحة 1371
ولا يطبخ المسافرون طعامهم في المسجد ولا يخزنون فيه،
وقال بعضهم: إن اضطروا الى ذلك فلهم أن يضعوا فيه متاعهم ويطبخوا فيه، ويطحنوا فيه، ويضعوا فيه سلاحهم، وكل ما خافوا أن يتلف من أموالهم، غير الحيوان، هذا كله للضرورة، فهذا يدل منهم أن حفظ أموالهم أعظم من ذلك والله أعلم.
-440 - (2/585)
صفحة 1372
باب في المصافحه
وقد روي أنه قال عليه السلام: (إذا تصافح الأخوان في الله لا
(1)
تفترق الكفَّان حتى يتناثر ذنوبها كما يتناثر ورق الشجر) (1)، وروي
عنه عليه السلام أنه قال: (من صافح العلماء فكأنما صافحني ()
الحديث.
(2)
وتجوز مصافحة جميع أهل التوحيد، الذكور منهم والإناث، الحر والعبد، الصغير والكبير، إلا أهل الفتنة ومن هجره المسلمون، والطاعن في دين المسلمين، ومانع الحق، والمرأة العاصية لزوجها، والعبد الآبق، وجميع المشركين، فإن هؤلاء كلهم لا مصافحة لهم ولا كرامة. وأما صفة المصافحة لمن تجوز له مصافحته، فمصافحة الرجل لأبويه أن
(1) رواه الطبراني.
(2) رواه مسلم والبيهقي والدارقطني وابو داود.
- 586 - (2/586)
صفحة 1373
يعانقهما ويقبل رؤوسها، وكذلك أجداده وأعمامه وأخوه الكبير على هذا الحال لأنه بمنزلة أبيه، وكذلك العبد لسيده على هذا الحال، ومصافحته مع أخيه في الله أن يعانقه ويقبل جوانب عنقه، وقال بعضهم: يتصافحان باليدين ويقبل يده، وإن صافح غير الأمين فلا يقبل يده ولا عنقه إن صافحه بالعنق لأن القبلة تعظيم، وفي كتاب الضياء: وقال علي: قبلة الولد رحمة، وقبلة المرأة شهوة، وقبلة الوالدين عبادة، وقبلة الأخ أخاه زين، وتقبيل يد الإمام العادل عبادة، وفي الأثر: ومصافحة الرجل لولده يقبله في الخد، وأما غير ولده فليقبله في الرأس إن كان ذكراً وإن كان أنثى فلا يباشرها ولكن يجعل يده على رأسها ويقبله لما يخاف مما يقع في قلبه من الشهوة، وإن لم يكن في قلبه شيء فلا بأس أن يقبلها على الرأس وإنما يعني بهذا في الأطفال، وفي الأثر: قال النبي: (إن للجنة باباً يسمى باب الفرح لا يدخله إلا من فرح الصبيان)). وقال عليه السلام: (أكثروا قبل صبيانكم فإن لكل قبلة أجراً) (2)، وفي الأثر: ومصافحة
(1)
نوات المحارم منه بالنسب وبالرضاع منه وبالصهر بالمعانقة. وينبغي له
(1) تقدم ذكره.
(2) تقدم ذكره.
- GAY- (2/587)
صفحة 1374
أن يحسن مصافحتهن إن لم يخف على نفسه مما يقع في قلبه، وأما غير ذوات المحارم فإنه يصافحهن بالكلام ومن وراء حجاب أحسن، وإن كانت عجوزاً كبيرة لا يسمحها التزين فجائز للرجل مصافحتها، وكذلك الأمة أيضاً يصافحها بالعنق إن شاء و الله أعلم، وبالله التوفيق.
- OAA
- (2/588)
صفحة 1375
باب في هو الزيارة وهي الزائر
(2)
وقد روي عن النبي عل الله أنه قال: (من زار أخاه أو عاد مريضاً ناداه مناد من السماء: طبت وطاب ممشاك، وتبوأت في الجنة منزلاً) (1)، وروي أيضاً: (أنه عليه السلام رغب في زيارة القرابة وعيادة المريض، و قال: لو علمتم ما فيهما من الأجر ما تخلفتم عنهما والله يكتب لكل خطوة من ذلك عشر حسنات) (2)، وروي عن النبي عل من طريق ابن عباس رضي الله عنهما قال: (من زار العلماء فكأنما زارني، ومن صافح العلماء فكأنما صافحني، ومن جالس العلماء فكأنما جالسني، ومن جالسني في الدنيا أجلسه الله معي في الجنة يوم القيامة) (3)، فقد أمر رسول الله اللي في هذه الأحاديث بزيارة أخيه المسلم وبزيارة القرابة وبزيارة المريض، وفي الأثر والزيارة على ثلاثة أوجه: زيارة المريض، وزيارة
(1) رواه ابن ماجه والترمذي وابن حبان.
(2) متفق عليه.
(3) رواه البيهقي وابن حبان.
1019 - (2/589)
صفحة 1376
أخيه المسلم، وزيارة أرحامه وذوي القرابة. فأما زيارة المريض ففيها ثلاثه أقوال، قال بعضهم: مسيرة يوم، وقال بعضهم: إلى القائلة، وفال بعضهم: إلى ضحوة النهار، وزيارة المسلم إلى ثلاثة أيام، وزيارة أرحامه إلى سبعة أيام، وفي الأثر: وذكر عن الشيخ أبي مسور رحمه الله عمن حدث عنه أنه قال: التزاور بين يوم، أظنه قال: إذا كان التزوار بين قوم فقد تم لهم العزم والإجتهاد فيما بينهم وبين خالقهم، وإذا لم يكن بينهم التزاور فقد تم عليهم الكسل فيما بينهم وبين خالقهم، فنعوذ بالله من الكسل ومن الترك لطاعته، وذكر عن الشيخ أبي صالح رحمه الله أنه قال: ثلاثة يزهد فيها أهل آخر الزمان: الزيارة في الله، وقراءة القرآن لما عند الله، وكثرة الدعاء إلى الله والتضرع إليه.
وروي من طريق معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (وجبت محبتي للمتحابين في، و المتجالسين في، والمتزاورين في، و المتباذلين في) (1). وفي الأثر: من مشى إلى الزيارة ابتغاء ما عند الله يزن له كل خطوة يخطوها سبعة أميال عن يمينه وسبعة أميال عن شماله وسبعة قدامه وسبعة خلفه وسبعة فوقه إلى السماء السابعة وسبعة تحته إلى الأرض السفلى، ومن زار أخاه في الله وفرش له فراشا فرش الله له
(1) رواه مالك
-09.- (2/590)
صفحة 1377
سبعين فراشاً في الجنة، وكذلك إذا وضع له وسادة يضع الله له سبعين وسادة في الجنة، وإذا أطعمه الطعام أطعمه الله سبعين طعاماً في الجنة، وإذا علف دابته فله بكل حبة أجر، وإذا أراد أن يركب فأمسك له الركاب أركبه الله سبعين مهراً في الجنة ويغفر له أربعين كبيرة، فإذا قعد إليه غمرتهم
الرحمة، فإذا شيعه حتى تواروا، تواروا الى الجنة، فإذا افترقوا افترقوا مع ذنوبهم.
وذكر أنَّ من مشى إلى الزيارة، له ما للمهاجرين. والمزورون إذا أنزلوهم وقاموا بواجب حقهم عليهم فلهم مثل ما للأنصار، وفي الأثر: وذكر الشيخ أبو محمد ويسلان عمن حدث عنه أن الله على قوم أتاهم إخوانهم في الله يزورونهم أن يتركوا إليهم أشغالهم وأمورهم حتى يجوزونهم وليضيفوهم وليصنعوا لهم ما قدروا عليه، ولا يحقر الرجل ما يقدمه لأخيه ما قدر عليه، وكذلك الزائر لا يحقر ما قدم إليه أخوه، وللزائر من الفضل مثل ما لمن سار إلى مجلس الذكر، والله (2/591)
صفحة 1378
باب في المجلس وحقه
وإذا كان القوم في موضع فليجتمعوا الأمر دنياهم وآخرتهم، وليكن أكثر اجتماعهم على ذكر الله في الليل والنهار، ومن سيرة المسلمين يجتمعون بعد صلاة العشاء عند أفضلهم في الإسلام، ويجعلون بينهم مجلساً يذكرون الله تعالى حتى يختموا بالقرآن ثم يدعون الله، وإن كانوا في الفضل سواء فليجتمعوا عند أكبرهم سناً، وإن كان لهم مسجد فليجتمعوا إليه بالليل كما ذكرنا إن أمكنهم ذلك، ويجعلوا فيه المجلس ويختموه بالقرآن، وذكر
عن الشيخ أبي مسور أن خير المجالس مجلس يختمون فيه بالقرآن. وفي بعض الكتب: وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (سووا حلقكم فإن الملائكة إذا جاءت المجالس فوجدت فيها عوجاً انصرفت) (1). و في الأثر: وحق مجلس الذكر أن يدوروا الحلقة في ابتداء قعودهم ويذكرون الله ولا يتركوا بينهم الخلل، وقيل: إن الشيطان
(1) رواه ابن ماجه والدارقطني وابن حبان.
- 592 - (2/592)
صفحة 1379
يفرح للخلل إذا كانت في مجلس الذكر، وقد قيل: يقعد فيها إذا لم يسدوها، وقد قيل: من سد ثلمة في الصف أو في مجلس الذكر كمن سدها في سبيل الله. وفي الأثر: وإنما يفعلون إذا قعدوا للمجلس أن يرد الصغير الكلام للكبير فيتكلم، ولا يتكلمون فيه بكلام الدنيا، ولا يتناجون فيه ويصغي بعضهم إلى بعض ولتكن فيهم السكينة، وأصل هذا كله عن النبي عليه السلام وفي الحديث: (يأتي على الناس زمان يجلسون فيه في المجلس حلقاً حلقا ليس لهم ذكر إلا في الدنيا والتناظر في أمورها فلا تجالسوهم فإنه ليس الله فيهم حاجة)).
(1)
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إقرأوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا، ولا تضحكوا في المجلس فإن الضحك يميت القلب وليس من أخلاق الصالحين) (2).
وقد روي عن النبي لا أنه قال لأبي ذر: (إياك والضحك فإنه
(31
يميت القلب ويذهب بنور الوجه) ". ويقال: إذا ضحك العالم ضحكة مج من العلم مجة، وقيل في الحكم: ضحكة المؤمن غفلة، ومن ضحك
(1) رواه مسلم والترمذي وابو داود. (2) رواه مسلم والطيراني وان حيان (3) رواه ابو داود واحمد والنسائي.
(38) (2/593)
صفحة 1380
13601
في المجلس فليس له أجر قعوده في ذلك المكان، وإنما يفعل أن يقوم منه ثم يرجع كالذي يلغوا حين يخطب الإمام، ومنهم من يرخص: إذا تاب في ذلك الموضع أن يكون له أجر قعوده، وأما التبسم فلا بأس به ما لم
يقهقه.
وفي الأثر: قال عمر رضي الله عنه: التبسم دعابة (وقد تبسم
(1)
رسول الله حتى بدت نواجذه))، ولا يتخطى بعضهم
المجلس.
بعضاً في
وقد ذكر في بعض الكتب عنه عليه السلام أنه قال: (لا يُقيمن أحدكم الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن يقول: أفسحوا بارك الله فيكم) (2)، ولا يتخطى رقاب الناس، وينبغي لهم أن يتزجزحوا في المجلس لمن كان أهلاً لذلك ويقربوه إلى وجه الحلقة، قال الله تعالى:
(2)
يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح اد
(3)
الله
لكم (3)، ومن تزحزح لأخيه المسلم في مجلس الذكر فهو كمن)
أعتق رقبة.
(1) متفق عليه
(2) رواه ابن حبان والحاكم.
(3) المجادلة: 11. (2/594)
صفحة 1381
وفي الأثر: ولا يتأطا برأسه إذا أراد القعود في المجلس، وليسو
قامته حتى يقعد، فإذا قعد في المجلس فليدع لأمر آخرته ودنياه، وذكر عن الشيخ رضي الله عنه فليقل: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وأن ما جاء به حق من عند ربه، أشهد أن الدين كما شرع، وأن الإسلام كما وصف، وأن الكتاب كما أنزل، وأن القول كما حدث، وأن الله هو الحق المبين، ذكر الله محمداً بخير وصلى عليه و حياه بالسلام، ثم يدعو بعد ذلك.
وإذا أراد أن يقوم منه أيضاً فليدع الله، وذكر في الكتاب أن من أراد أن يكتال بالمكيال الوافي فليقل كلما قام من المجلس: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين و الحمد لله رب العالمين، وفي الأثر: إذا قعدوا في المجلس حتى أرادوا أن يقرأوا فيه دفتراً أو مصحفاً أو يقرأوا فيه القرآن فإنه يتكلم أحدهم ويحمد الله ثم يمضون على مجلسهم، وكذلك إن ابتدأوا بقراءة الدفتر فأرادوا أن يقرأوا القرآن على هذا الحال، وإن كانوا في المجلس فأرادوا أن يقرأوا بطاقة أو يسألون عن الأخبار أو يأخذوا في حديث غيره فإنهم يقطعون المجلس حتى إذا أرادوا أن يرجعوا إلى المجلس فيتكلم أحدهم، ولا يأكلوا في المجلس إلا ما كان خفيفاً مثل التمرة والكسرة ويشربون فيه الماء، وأما
10901 (2/595)
صفحة 1382
غير الماء مثل اللين وأشباه ذلك إذا أرادوا أن يشربوه أو أرادوا أن يأكلوا فليقطع المجلس بالكلام ثم يشربوا أو يأكلوا ويخبروا في المجلس عن المطر، وقدوم المسافرين، وولادة الصبي، ورخص الأسعار، ولا ينزع فيه القمل، ولا يقصُّوا فيه الشارب، ولا يقدّم فيه الأظافر، ومن أراد أن يتحول فيه إلى ناحية أخرى ليقلم أظافره فليقم وليباعد قليلاً ثم يرجع فيقعد حيث شاء، ولا يمد فيه رجله إلا إن كان له عذر، وهذا كله من سيرة المسلمين، وليصغ بأذنيه ويرد ذهنه إلى ما يجوز في المجلس، ولا يشغل قلبه بأمور الدنيا فإنه لا يدرك منها إلا ما قدر له، وجائز لهم أن يوقدوا في المجلس النار، وفي الأثر: ولا بأس أن يقف الرجل في المجلس يشتمل ثوبه، ولكن لا ينبغي له أن يقف على المجلس، ولا بأس أن ينزع الرجل الطوق إذا لبسه في المجلس، مثل الجبة والقميص وما أشبه ذلك، وينزع أيضاً لباس الرأس والرجل، وأما أن يلبس هذه المعاني في المجلس فلا يفعل ذلك، ومنهم من يقول: لا ينزعهم في المجلس، وإذا كان مجلس العلم في مسجد قوم فمن حقه عليهم أن يحضروه ويستمعوا منه ما يصلح لآخرتهم ودنياهم، وقيل: ثلاثة يأكلون أيديهم إلى المرافق بالندامة يوم القيامة، أحدهم من تعلم علماً فعلمه غيره .. فعمل به ولم يعمل به هو، و من كان في منزله مجلس علم فلم يحضره، والثالث من
- 596 - (2/596)
صفحة 1383
اكتسب مالاً ولم ويؤدِ حق الله منه فورثه من أدى حق الله منه، فإذا جاء يوم القيامة نظر العالم إلى ثواب من يعمل بعمله، ونظر من لا يحضر مجلس العلم إلى ثواب من يحضره، و نظر صاحب المال إلى ثواب وارثه الذي أدى حق الله من ماله، فصاروا يأكلون أيديهم بالندامة إلى المرافق، فنعوذ بالله من النار، ومن سوء الحساب، وفي الأثر: وقال نعة: (إذا حضرت الجنازة وحضر مجلس العلم فإذا كان في الجنازة من يتبعها ويدفنها .. فإنَّ حضور مجلس العلم أفضل من ألف جنازة، وعيادة ألف مريض، ومن قيام الليل، وصيام ألف يوم، وصدقة ألف درهم، وألف حجة سوى حجة الفريضة، وألف غزوة سوى الغزوة الواجبة تغزوها في سبيل الله بمالك ونفسك)، وأنفع هذه المشاهد من شهد مجلس العلم، أما علمت بأن الله يطاع بالعلم، و يعبد بالعلم، وخير الدنيا والآخرة مع العلم، وشر الدنيا والآخرة مع الجهل، فقال رجل: فقراءة القرآن يا رسول الله؟ فقال النبي عليه السلام: ويحك وما قراءة القرآن بغير علم، وما الحج بغير علم، وما الجهاد بغير علم، أما بلغك أن السنة تقضي على القرآن، والقرآن لا يقضي على السنة. ومن حق العالم على أهل المنزل أن يعينوه، ومن يتعلم عنده بأموالهم وأنفسهم ويقيموا بحوائجهم، ومن
(1) رواه ابن ماجه والدارقطني والبيهقي وأبو داود
-094 - (2/597)
صفحة 1384
حقهم على العالم أن يقرنهم ويعلمهم وينصحهم ويصبر لهم ولا يكتم ما عنده من العلم، وقد أنفذ الله الوعيد فيمن يكتم ما عنده من العلم، فقال سبحانه و تعالى: فإن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله و يلعنهم اللاعنون) (1). وروي أنه قال عليه السلام: (قد يعبد الله العالم، بكتمان عامه ما لم يحتج إليه، فإن احتيج إليه، نفع، وإن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة و الناس أجمعين) (2)، وقال عليه السلام: (إذا ظهرت البدع في أمتي فعلى العالم
(2)
أن ينشر عامه فإن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) (3).
وفي الأثر: وإذا سئل الرجل المسلم، فقيل: لا يسعه أن يكتم عامه منه، وفي الأثر: ومن أفتى سائله لما عند الله، فهو كمن أنفق كدية ذهب أو فضة ملأت ما بين السماء والأرض، وقيل: كمن أنفق كدية ذهب وكدية فضة، وكذلك من وقف فيها حيث ينبغي له ذلك، كان عنده جوابها أو لم يكن، فله من الفضل كأجر من أفتاها. ومن تعلم مسألة فهو كمن عبد الله ستين سنة قائم الليل صائم النهار، وروي أنه قال عليه السلام:
(1) البقرة: 195
(2) رواه أحمد والدار قطني والبيهقي وابو داود
(3) رواه ابن حبان والطبراني ومسلم.
- 598 (2/598)
صفحة 1385
(ليوم واحد من العالم الذي يعلم الناس الخير، أفضل عند الله وأعظم أجراً من عبادة العابد مائة سنة، وإن العالم الذي يعلم الناس يستغفر له أربعة أشياء: الملائكة في السماء، والدواب في الأرض، والطير في الهواء والحيتان في البحر، وان العالم الواحد أشد على إبليس من ألف مؤمن عابد) (1). وروي أنه قال عليه السلام: (تعلموا العلم، فإن تعلمه قربة الى الله عز وجل، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وإن العلم ينزل بصاحبه في موضع الشرف والرفعة، والعلم زينة لأهله في الدنيا والآخرة) ". وفي الحديث: (ما أهدى الرجل الى أخيه صدقة أفضل من كلمة يزيده الله بها هدى، ويرده بها عن الردى) (3). و من سأل بالمسألة الأولى في المجلس فله أجر كل مسألة جرت في ذلك المجلس، وكذلك من أفتاها والله أعلم
وبالله التوفيق.
(1) رواه ابو داود.
(2) متفق عليه
•
(3) رواه مسلم وأبو داود.
- 099 - (2/599)
صفحة 1386
معه،
باب في حقوق الجمعة
وحقوق الأيام كلها أن يطاع الله فيها ولا يعصى، وروي من طريق أبي هريرة قال: (خرجت الى الطور فلقيت كعب الأحبار، فجلست، فحدثني عن التوراة، وحدثته عن رسول الله أنه قال: خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة. فيه خلق آدم، وفيه أهبط من السماء الى الأرض، وفيه تاب الله عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة ليلة الجمعة حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة، إلا الجن والإنس. وفيها ساعة لا يصادفها عبد مسلم، وهو قائم يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه، قال كعب: ذلك في كل سنة يوم؟ قلت له: بل في كل جمعة، فقرأ كعب التوراة، فقال: صدق رسول الله)). قال جابر: هي آخر ساعة يوم الجمعة، وكذلك بلغني عن عبد الله بن سلام. وذكر أن حقوق الجمعة سبعة أحدها أن تقرأ: قل هو الله أحد
(1) رواه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي. (2/600)
صفحة 1387
عند طلوع الشمس مائة مرة، وقبل: تقرأها مائة مرة فيما بين صلاة العصر الى غروب الشمس، والثاني: أن تحضر لمجلس الذكر، والثالث أن تغتسل، والرابع أن تنقي جسدك على جميع الوجوه، والخامس أن تتصدق الله، والسادس أن تزور الله، والسابع أن تصلي قبل الصلاة سبع تحيات، تقرأ في كل ركعة بأم القرآن مرة، وقل هو الله أحد ثلاث مرات، أما قراءة قل هو الله مائة مرة فقد قيل: من قرأها مائة مرة فقد جعل للجمعة حقاً لا يجعله إلا الملائكة، وأما حضور مجلس الذكر فقد ذكرنا ذلك في بابه، وأما الاغتسال؛ فقد روي من طريق عائشة رضي الله عنها قالت: (قال
رسول الله: الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)).
وفي الأثر: ومن كان متيمماً أو كان ممن يغتسل ولم يمكنه دخول الماء، فليغسل وجهه وذراعيه ورجليه الى الكعبين، فيكون كمن اغتسل، وقيل: ان عثمان قال لعمر رضي الله عنهما: ما زدت على الوضوء يا أمير المؤمنين شيئاً؟ فقال له عمر: الوضوء نقي، وأما تنقية جسده فهو قص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبطين وحلق العانة والسواك وما أشبه ذلك، وهن من سنن إبراهيم عليه السلام، وروي أنه قال عليه السلام:
(1) تقدم ذكره.
17.11 (2/601)
صفحة 1388
(لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة وكل وضوء) (1) وقيل: إن الصلاه التي يتسوك لها تضاعف على التي لم يتسوك لها بخمسة وعشرين ضعفاً، وإنما يتسوك بعود الأراك، وإن لم يكن فليتسوك بكل عود صالح له إلا عود الريحان والرمان، فإنه قد روي عن رسول الله قال: (لا تتخللوا بقضب الرمان ولا بعود الريحان، فإنها يثيران
(2)
عرق الجذام) (2). وفي كتاب الضياء: وقيل إنه كان يتخلل بكل ما أصاب ما خلا القصب والخوص، وعن مجاهد قال: من تخلل بالخوص لم تقض له حاجة أربعين يوماً إلا بكد، وعن مجاهد: من تخلل بالقصب أورثه الله الهم يوماً وليلة، وفيه أيضاً قال النبي عليه السلام: (لا يقلم أحدكم ظفراً ولا يقص شعراً إلا وهو طاهر، لأنه ينبغي أن لا يقلم إلا وهو طاهر، فإنه يأتي يوم القيامة كالنعل الموثوق، فيقول: يا رب وضعني ولم يطهرني) (3) وقال: (ادفنوا دماءكم وأظفاركم وأشعاركم للا تلعب بها السحرة)). وقال: (خذوا من هذا، يعني الشارب، ودعوا هذا، يعني العنفقة) (5) والله أعلم.
(:)
وإن لم يجد أن يتسوك به عند الصلاة إلا طرف ثوبه فليفعل،
(1) متفق عليه.
(2) رواه ابن حبان والطبراني (3) رواه أحمد والبيهقي والدارقطني. (4) رواه أبو داود والنسائي
(0) متفق عليه.
17.7 - (2/602)
صفحة 1389
ويكون له فضل من تسوك، وأما الصدقة في يوم الجمعة، فإنه يتصدق ا على من احتاج، وأفضل ذلك، الصدقة على أرحامه إن احتاجوا الى ذلك، وقيل: إن كل عمل من أعمال الخير في غير يوم الجمعة فإنه يضاعف في يوم الجمعة بعشر حسنات.
وأما الزيارة فقد ذكرنا في بابها ثواب من يزور، وإن لم يجد من يزور إلا المسجد فليزره، وليدع الله فيه ويصل، وأما الصلاة فيها، ففي الأثر: وذكر الشيخ أبو محمد ويسلان عن أبيه صالح فيمن ركع ثمان ركعات، قبل أن يصلي الأولى يوم الجمعة، فقد جعل للجمعة حقاً ما يجعله له إلا الملائكة، وقيل: إن الدعاء يستجاب عند زوال الشمس يوم الجمعة وتفتح فيها أبواب السموات السبع، وذكر عن ابن عباس رضي
الله عنه قال: في يوم الجمعة ساعة يستجاب فيها الدعاء، لا يوافقها مسلم إلا استجيب له.
ومن طريق أبي هريرة: (ذكر النبي م يوم الجمعة وقال: فيها سويعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه) (1). فأشار رسول الله الله الى تقليلها، وذكر عن جابر قال:
(1) متفق عليه (2/603)
صفحة 1390
هي آخر ساعة يوم الجمعة، وكذلك بلغني عن عبدالله بن سلام، وقال بعضهم: هي عند زوال الشمس والله أعلم.
وفي الأثر أيضاً: أن من حقوق يوم الجمعة، أن يبيت على الصيام من الليل والركوع في وقت الضحى. وذكر أن من صام يوم الجمعة، جعل الله بينه وبين النار مقدار طيران فرخ الغراب من حين يطير حتى يموت بالهرم، ومنهم من يقول: يجعل الله بينه وبين النار خندقاً مثل ما بين مطلع الشمس الى مغربها، ومنهم من يقول: من صام يوم الجمعة كمن صام صام خمسين ألف سنة ومن صام أربعين جمعة متتابعين غفرت ذنوبه، وقيل: لا يوافق ذلك إلا المسلم عند الله، جعلنا الله من المسلمين. آمين،
آمين يا رب العالمين.
-7· {- (2/604)
صفحة 1391
ياب في السلام
وابتداء السلام مرغب فيه، وهو من أخلاق الصالحين، قال الله
(1)
تعالى: (فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله) يعني يسلم بعضكم على بعض، يعني على أهل دينكم تحية من عند الله)، يعني السلام تحية من عند الله، يعني من سلم على آخر فهي بركة طيبة، وذكر في الكتاب: (أن صفوان بن أمية جعل العمير بن وهب جعلاً قبل أن يسلما، على أن يقتل رسول الله الله، فلما أن جاء عمير من مكة الى رسول الله الله فقال له عمير: أنعم صباحاً، فقال له رسول الله: قد أغنانا الله بتحية خير من تحيتكم وهو السلام، وهي تحية أهل الجنة)، قال الله تعالى: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو رثوها به "، يعني إذا قال لك أخوك المسلم: السلام عليكم، فرد: وعليكم السلام
(3)
(1) النور: 61.
(2) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
(2) النساء: 68.
19.00 (2/605)
صفحة 1392
•
ورحمة الله وبركاته ثم قال: أو ردُّوها يعني كما قال لكم: يعني وعليكم السلام، وروي عن جابر بن زيد يذكر أن النبي عنه قال: (من قال السلام عليكم يكتب له عشر حسنات، ومن قال: السلام عليكم ورحمة الله كتبت له عشرون حسنة، ومن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتبت له ثلاثون حسنة) (1)، وروي أنه قال عليه السلام: (أنهوا السلام إلى حيث أنهته الملائكة عليهم السلام (2)، يقول: إلى رحمة الله وبركاته، ولا يقال: ورحمة الله وبركاته إلا للمتولي لأن غير المتولي ليس لذلك أهلاً ولا كرامة له، وكذلك أيضاً: من رد لأخيه المسلم: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته له ثلاثون حسنة كما ذكرنا في ابتدائه، وروي أنه قال عليه السلام: (أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام .. تدخلوا الجنة بالسلام) (3).
وفي الأثر: وقيل من سلَّم على مسلم فهو كمن أعتق رقبة، والسلام أمان بين الناس يطمئنون به فيما بينهم، وهو من أخلاق الصالحين، وذكر في معنى السلام عليك: أي الله عليك شهيداً فائقه، وكذلك أيضاً:
(1) رواه ابو داود والترمذي. (2) رواه البيهقي وابن ماحه. (3) متفق عليه.
-7.7 - (2/606)
صفحة 1393
معنى قول الآخر إذا ردّ عليه، أي عليك بالله فاتقه، وقالوا: إن السلام هو الله، وقال النبي عليه السلام: (إن السلام إسم من أسماء الله فأفشوه بينكم). و ابتداء السلام مرغب فيه وليس بفرض كما ذكرنا، ورده واجب لقوله تعالى: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردُّوها) (1)، ويسلم على جميع أهل التوحيد من البالغين الأصحاء العقول لعموم الأمر في ذلك، إلا من استخصوه من أهل المعاصي والملاهي ومانع الحق والطاعن في دين المسلمين ومن هجره المسلمون والمرأة العاصية لزوجها والعبد الآبق لسيده وأهل الفتنة كلهم والمبتدع في دين الله، ومن سلم عليه أحد من هؤلاء فليس عليه أن يرد عليهم السلام، وكذلك أيضاً: لا يسلّم على المشرك، ومن سلَّم عليه اليهودي فليقل له: عليك ما قلت، وإنما يعنون بسلامهم الشتم كما روي أنه قال عليه السلام: (فإذا سلّم عليكم أحد من اليهود فإنه يقول السام عليكم .. والسام هو الموت ولكن قولوا: وعليك ما قلت) (2).
(2)
وفي الأثر: ولا يسلّم على المجانين ولا على الأطفال، وليس على من
(1) متفق عليه «تقدم ذكر الآية». (2) رواه البخاري ومسلم وأبو داود.
-7.4 - (2/607)
صفحة 1394
سلموا عليه رد السلام، فهذا يدل من قولهم، كما أنهم غير مكلفين بذلك لا يسلم عليهم، وليس عليه أن يرد عليهم إذا ساموا عليه إذا كان معنى وعليك السلام: عليك بالله فائقه، وليس عليهم ذلك، وقال بعضهم: يسلم على الأطفال ويرد أيضاً عليهم السلام، وذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سلم على الأطفال.
وجائز السلام بين الرجال والنساء في المنزل وفي الفحص الإما يكرهونه من سلام الرجل على المرأة في الفحص لما يخاف من الرية وشغل القلب، وذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سلم على امرأة فنهرته فقالت له: إن كلام الرجال إلى النساء كصهيل الخيل إلى
الرماك.
وجائز له أن يسلم على ذوات المحارم ويسلمن عليه، وروي أنه قال عليه السلام: لا يسلم على من كان يصلي أو من كان في بول أو غائط،
ولا على من يشتغل عن رد الجواب.
وفي الأثر: ولا يسلم على من يأكل أو يشرب، ولا على من كان في الخلاء، أو يغتسل للصلاة، ولا يسلم على من يأخذ في الأذان وفي إقامة الصلاة، أو من كان في الصلاة أو في مجلس الذكر أو من يقرأ
-1 - 4 - (2/608)
صفحة 1395
القرآن، أو من يقرأ الكتاب، أو من كان في المسجد، أو كل من اشتغل بذكر الله تعالى: فهذا يدل منهم أن من اشتغل عن رد السلام فليس له أن يسلم عليهم، كما قال عليه السلام في الحديث المتقدم، ومن سلم على هؤلاء فليس عليهم أن يردوا له السلام، وروي (أن النبي عليه السلام سلم عليه
(1)
رجل وهو في حال حاجة الإنسان فلم يرد عليه) " وقال بعضهم: من أمكن له رد السلام من هؤلاء في ذلك الوقت، فليرده مثل من كان في مجلس الذكر أو في المسجد أو أشباه ذلك، ومن لم يمكنه الرد مثل من كان في الصلاة فليرد عليه السلام إذا سلَّم.
وفي الأثر، وقال: أحق بالسلام من كان في المسجد أو في ذكر الله، ويرد لهم أيضاً.
وفي الأثر: ولا يسلم على من كان في جنازة أو يحفر القبر أو كل من اشتغل بأمور الميت. وأما من قعد خارجاً من البيت أو الدار التي كان فيها الميت ينتظر الجنازة فإنه يسلم عليه، وإذا فرغوا من دفن الميت ورجعوا فإنه يسلم عليهم، وهذا كله لاشتغالهم عن رد السلام بما هم فيه كما ذكرنا أولاً. وذكر عن جابر بن زيد رحمه الله أنه لا يرد السلام على
(1) رواه مسلم والدارقطني وابن حبان وابن ماجه.
(ra)
-1.9 - (2/609)
صفحة 1396
هؤلاء ولا يسلم على الجبابرة. فقيل له في ذلك، فقال: لئلا يكون مني سبب
تضييع الفرض.
و في الأثر: عن جابر عنه عليه السلام أنه قال: (يسلم القليل على الكثير. والصغير على الكبير، والراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والماشيان أيهما ابتدأ بالسلام كان أفضل، وإذا سلم رجل من
(1)
جماعة أجزأ عنهم (" ".
وفي الأثر أيضاً: ويقال: إذا سلم القاعد على القائم فقد جاز السلام، وإذا تلاقوا في الطريق فليبدأ بالسلام الصغير على الكبير والمفضول على الفاضل. وعلى هذا المعنى أيضاً دل الحديث المتقدم.
و في الأثر أيضاً: وينبغي للفاضل أن يسلم على المفضول، ويسلم الآمن على الخائف، والغني على الفقير، و من كان في سعة على من كان في ضيق، والقلة على الكثرة، وينبغي المكثرة أن يسلموا على القلة، والراكب على الماشي، وإذا تلاقى الراكبان فيسلم الفاضل في الركوب على المفضول ويسلم الهابط على الطالع، ومن يمشي بالنعال على الحافي، وهذا يدل من قولهم: أن المستحب للفاضل أن يسلم على المفضول، وفي ذلك للفاضل
(1) متفق عليه.
-71.- (2/610)
صفحة 1397
براءة من الكبر. كما قال عليه السلام: (من التواضع
على كل مسلم).
أن تبدأ بالسلام
وفي الأثر أيضا: وإذا تلاقى الإمام مع الرعية فليبدؤوه بالسلام وينبغي للإمام أن يبدأهم بالسلام. وكذلك الإمام مع العامل والقاضي على هذا الحال. وينبغي للرجل إذا تلاقى مع من له عليه دين أن يبدأه بالسلام وينشرح في وجهه ويتبسم، والمعنى في هذا كله ما ذكرناه، وكذلك من لقي عبده أو الضعفاء من النساء ينبغي له أن يبدأهم بالسلام. ويلين لهم الكلام.
وفي الأثر: وإنما ينبغي للناس إذا تلاقوا أن يتسابقوا في ابتداء الكلام ويطلبوا بذلك ما عند الله، لأنه قيل: إذا تلاقى رجلان فيدعو ملائكة كل واحدة منهما أن يكون ابتداء السلام من صاحبه لما في ذلك من الفضل، وإن تلاقى رجلان وسلّم كل واحد منهما على صاحبه، فعلى كل واحد منهما أن يرد السلام للآخر، وإذا مر رجل بجماعة أو على رجل واحد فسلم عليهم فردوا عليه السلام وإن أعاد عليهم السلام فليردوا له لعموم الأمر في
(1) رواه أبو داود وأحمد والترمذي والنسائي.
-711 - (2/611)
صفحة 1398
ذلك لقوله تعالى: (وإذا حييتم بتحية) الآية، إلا إن أراد أن يعيبهم بذلك فليس عليهم شيء، وإن أراد الإنصراف فإنه يقول لهم: السلام عليكم، ويردون عليه السلام: وعليك السلام، وإن لم يسلم عليهم
=
إلا بعد ما قعد، فعليهم الرد، وكذلك إن لم يرد عليهم هو وسلموا عليه هم فعليه الرد، وإن سلم رجل على آخر ولم يسمعه فليس عليه شيء، لأنه لم يكلف ما لم يسمعه في ذلك، لأنه لا يدري سلم عليه أو لم يسلم وكذلك إن رد السلام ولم يسمعه الآخر فليس عليه شيء لأنه فعل ما أمر به، سمع أو لم يسمع، وإن قال في سلامه عليه: السلام على من أتبع الهدى، فليس عليه رد السلام لأنه لم يسلم كما جاءت السنة، وإن رد عليه فلا بأس، وإن سلم رجل على جماعة فرد عليه واحد منهم بأس، وقد أجزأ عنهم كما ذكرنا قبل هذا، وإن كان الذي رد عليه طفل أو مجنون فلا يجزئهم ذلك، لأن الطفل والمجنون ليس بواجب عليهما الرد، و إن سلم عليهما، وأما إن رد عليه من لا يسلم عليه مثل المشرك أو مانع الحق أو غيرهم من البالغين فقد أجزأ. لأنه وإن كان لا يسلم عليه فإنه مأمور يرد السلام لمن سلم عليه، ولا يقال:: سلام الله
عنهم
فلا
عليك إلا للمتولي، وكذلك في رد السلام، لأنه يخرج في معنى الدعاء
(1) تقدم ذكرها. (2/612)
صفحة 1399
والمدح
(1)
كما قال الله تعالى: (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) (1)،
ولا يقال: الله عليك للمتولي ولا لغيره لما في ذلك من إيهام ما لا يجوز على الله، ولا يجزئ ذلك في رد السلام لأنه لا يجوز ذلك كما ذكرنا.
وإن قال في ابتدائه: عليك السلام، فليقل له الآخر مثل ذلك كما
ابتدأ الموافقة المعنى في ذلك، أعني السلام عليكم وعليكم السلام.
وفي الأثر: وإن قال: السلام عليك، فرد الآخر الرحمة، أو قال له: رزقك الله العافية، أو أحياك الله، فقيل: إنه لا يجزيه ذلك في رد السلام، وذلك فيما يوجبه النظر أن الله تعالى قال: (فحيوا بأحسن منها أو ردُّوها)، وهذا لم يفعل ذلك وإنما دعا له فقط. وإن ابتدأ بالدعاء بالعافية، فقال له الآخر: عليك السلام، فإن على الأول أن يزد عليه السلام إن أراد به الآخر ابتداء السلام، وإن أراد به الرد لقبوله فليس عليه شيء، وإن سلم عليه بأي لغة وقد فهم ذلك، فإن عليه أن يرد عليه السلام، وإن رد عليه بأي لغة أجزأه ذلك، فهمه الأول أو لم يفهمه، لأنه قَدْرَدَّ ما وجب عليه، وإذا سلم رجل على رجل فأشار عليه الآخر بالإصبع، فإنه ليس في ذلك رد، إلا إن رده ولم يسمعه
(1) هود: 73. (2/613)
صفحة 1400
فأشار إليه ليعلمه أنه قد رد عليه السلام بنفسه فلا بأس، وكذلك في
الإبتداء على هذا الحال.
و إن سلم عليه رجل بنفسه فنسي ولم يرد عليه السلام فإنه إذا ذكر فليرد عليه سلامه ولو أنه لم يحضر، وإن ترك رد سلامه عليه متعمدا فقد عصى ربه لقوله تعالى: فحيوا بأحسن منها أو ردوها). وإن بدا له ذلك وأراد أن يرد عليه سلامه، فإنه يرد عليه سلامه ما لم يقطعه بعمل فهذا فيما ذكر في الأثر. والله أعلم. وبالله التوفيق.
-718 - (2/614)
صفحة 1401
باب الاستئذان في البيوت
وعلى من يجب، وصفته، وفيما فيه يجب
أما حكم الإستئذان فواجب لقوله تعالى: و يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها به " ومن أنكره فقد أشرك لورده المنصوص مواجهة، وإذا دخل بغير إذن فقد عصى ربه، و على من دخل عليه أن ينهاه عن الدخول بغير إذن، ويأمره أن يخرج ثم يستأذن، فإن نسي ودخل بغير إذن فإنه يخرج ثم يستأذن، وكذلك أهل البيت إن نسوا ولم ينهوه فإنهم يأمرونه أن يخرج ثم يستأذن حين ذكروا، وكذلك أيضاً على هذا النظر في البيوت بغير إذن لا يجوز، وفي الحديث (إنما جعل الاستئذان لأجل النظر) (2).
(2)
وفي الأثر: وقيل إن النظر في البيوت بغير إذن من الذنوب التي
تحجب الدعاء، والله أعلم
(1) النور: 27. 21) تقدم ذكره.
-910 - (2/615)
صفحة 1402
وأما على من يجب الاستئذان فإنه يجب على كل من لزمه التكليف
من كل بالغ صحيح العقل لقوله عليه السلام: (رفع القلم عن ثلاثة من أمتي) الحديث. وأما أطفال الرجل وعبيده فإنه يتركهم يدخلون عليه بغير إذن إلا في الثلاثة الأوقات التي ذكر الله في كتابه قال سبحانه وتعالى: يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة وهو عند القائلة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن) وهو الإثم و طوافون عليكم بعضكم على بعض) وهذه الساعات هي التي يخلوا فيهن الرجل بامرأته للحاجة منها، وقوله الذين ملكت أيمانكم) المملوكون من الرجال والنساء، و من كان من الأطفال من المملوكين الذين لم يبلغوا الحلم، والذين لم يبلغوا الحلم منكم) الأطفال الذين يحسنون الوصف فلا ينبغي أن يدخلوا في هذه الثلاث ساعات إلا بإذن. وفي التفسير ذكر عن عبدالله بن أبي يزيد قال: دخلت على ابن عباس أراني وصيفة له خماسية فقال: لا تدخل على هذه في هذه الثلاث ساعات إلا بإذن، وإن اضطره العدو أو السباع أو البرد أو الريح أو معنى يخاف فيه تلف نفسه، فوجد بيتاً
(1) النور: 58.
20) النحل: 106
-111 - (2/616)
صفحة 1403
لغيره فإنه يستأدن على أهلها ثم يدخل إن أذنوا له أو لم يأذنوا له لأن الله تعالى قد أباح للمضطر الذي خاف على نفسه ما هو أعظم من ذلك وهو الشرك دون عقده بالقلب كقوله تعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) (1) وهو من باب الفرائض التي تدخل على الفرائض، وكذلك تنجية الأموال والأنفس سواء ماله أو مال غيره على هذا المعنى لأن التنجية عندهم أكد من دخول البيت بغير إذن.
وفي الأثر: وجائز لمن يدخل بيت غيره بغير إذن لتنجية الأنفس والأموال، وجائز لمن يدخل على المريض المدقف بغير إذن إلى ما ينفعه به إذا لم يكن من يأذن له، وكذلك الأصم الذي لا يسمع، أو النائم، أو من كان في الصلاة إذا أراد أن يدخل لمنافهم، والله أعلم وبالله
التوفيق. (2/617)
صفحة 1404
باب في صفة الاستئذان
قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها) (1) وفي التفسير ذكر عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: حتى تستأنسوا: أي تنحنحوا أو تنخموا، قال بعضهم: وتسلموا على أهلها هى مقدمة من تأخير أي حتى تسلموا وتستأنسوا، ويدل على هذا ما روي أنه كان عليه السلام (إذا أراد أن يدخل داراً من ديار المسلمين سلم ثلاثاً من خارج، فإن ردُّوا له استأذن، فإن أذن له دخل، وإلا رجع) (2) وروي أنه قال عليه السلام: (من لم يسلم فلا يؤذن له)) وفي التفسير ذكروا عن زيد بن أسلم قال: جئت إلى ابن عمر فقلت أألج عليكم، فقال: ما اللج؟ فقال: قل السلام عليكم، أأدخل، وروي أنه قال عليه السلام: (الإستئذان ثلاثاً، فإن أذنوا لك
(1) تقدم ذكرها.
(2) متفق عليه.
(3) رواه مسلم وأبو داود وأحمد الترمذي والنسائي
-714 - (2/618)
صفحة 1405
وإلا فارجع) و في التفسير ذكر بعضهم قال: كنا ونحن طلاب الحديث إذا أتينا إلى باب الفقيه استأذن منا رجل مرتين، فإن لم يؤذن له تقدم آخر فاستأذن مرتين مخافة أن يستأذن الرجل منا ثلاثاً فلا يؤذن له ثم يؤذن بعد ذلك فلا يستطيع أن يدخل لأنه لم يؤذن له وقد أذن
لغيره والله أعلم.
(1) متفق عليه.
-719 - (2/619)
صفحة 1406
باب في الاذن
و من يجوز له الدخول بإذنه
أما صفة الاذن فإنه ينتهي ذلك إلى تقييد من له الإذن، مثال ذلك: إن أذن له في الدخول إلى الدار فلا يدخل إلى البيت ولا يطلع إلى الغرفة ولا إلى سقف البيت إلا بإذن، وأما إن أذن له في الدخول إلى الخزانة في البيت فإنه يدخل في الدار ثم البيت ثم في الخزانة لأنه لا يصل إلى الخوانة إلا هكذا، وكذلك ما كان على هذا المعنى مما لم نذكره والله أعلم.
وإن كان يختلف إلى بيت غيره لحاجته يدخل ويخرج، فإنه يستأذن في كل مرة إذا أراد الدخول، ومنهم من يقول: إذا دخل بالإذن أول مرة فله أن يدخل بغير إذن ما دام يختلف إلى تلك الحاجة، وذلك فيما يوجبه
النظر لأن إذنه أول مرة معلق بتلك الحاجة فما لم تنقض لم ينقض.
وكذلك أيضاً من يعمل عملاً لرجل في بيته بأجر أو بغير أجر فخرج من البيت فإنه إذا رجع يحتاج للإذن في قول بعضهم، وقال
-17.- (2/620)
صفحة 1407
بعضهم: إن لم يشتغل إلا بذلك العمل يدخل بغير إذن، وهذا كله على معنى المسألة المتقدمة، وفي الكتاب ذكروا عن الحسن أن عمر استأذن على قوم فأذن له، فقال: ومن معي؟ فقيل له: ومن معك، فدخلوا.
(1)
وأما من يجوز الدخول بإذنه فإنه يجوز الدخول بإذن صاحب البيت والدار كان فيها أو لم يكن لقوله تعالى: (حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها) (1)، وإن قال صاحب البيت من داخل بيته لرجل: تعال فإنه يدخل إليه بغير إذن لأنه أمره بالدخول بعد، وكذلك إن أرسله إلى بيته أو أرسل إليه أن يأتيه أو أعطاه مفتاح بيته فله أن يدخل في هذا كله
بغير إذن ..
وفي الأثر: لأنه قيل: المفتاح والرسول إذن، وذكر في التفسير عن الحسن أنه قال رسول الله له: (إذا جاءك الرسول فهو إذنك) (2)، وكذلك كل من وجده في بيت غيره فله أن يدخل بإذنه حراً كان أو عبداً، ذكرا كان أو أنثى، طفلاً كان أو بالغا، ولو كان الطفل لغير صاحب البيت، لأن كل من وجده في بيت غيره فهو أهله إلا إن علم أنهم
(1) تقدم ذكرها.
(2) رواه أحمد وأبو داود والبيهلي.
- 151 - (2/621)
صفحة 1408
دخلوا، كما لا يجوز مثل إن دخلوا بالغصب أو بغير إذن فإنه لا يدخل يافتهم لأنه لا يجوز دخولهم هم فكيف دخول من يدخل بإنتهم، ولا يستنفع ببيوت الحرام وكذلك أهل الريبة كلهم لا يدخل بإنتهم فإن فعل فإنه يؤذي ما استنفع به والله أعلم.
وإن وجد طفلاً لصاحب البيت خارجاً من البيت فلا يدخل بإذنه، وكذلك عبد صاحب البيت، ولكن إن أمر الطفل أو العبد أن يدخل ثم يأذن له فلا بأس أن يدخل بإذنه لأن كل من ليس عليه الإستئذان إذا دخل لا بأس على من دخل بإذنه، وكذلك طفل غير صاحب البيت على هذا الحال في قول بعضهم. وأما من لا يجوز له أن يدخل إلا بإذن فدخل بغير إذن فلا يجوز أن يدخل بإذنه كما ذكرنا أولاً.
وإن استأذن صاحب البيت فقال له: أدخل إن شئت، فإنه يدخل
إن شاء.
وفي الأثر: وإن استأذن رجل في بيت غيره فقالت له امرأة منه: إصبر حتى أغطي رأسي ثم ادخل، فإنه يدخل إن غطت رأسها، وأما إن قالت له: إصبر قليلاً فلا يدخل حتى تأذن له، فهذا يدل من قولهم أن
- 622 - (2/622)
صفحة 1409
قولها: قليلاً مجهول. فلذلك لا يدخل بذلك والله أعلم
وفي الأثر: وإن قال صاحب البيت: أدخل بيتي وقت ما شئت فلا
يدخل حتى يستأذن. ومنهم من يقول: إن لم يكن فيها أحد فليدخل فهذا يدل من قولهم أنه إن كان في البيت أحد وأذن له صاحب البيت فلا يدخل حتى يستأذن لئلا يجده عرياناً، وكذلك الأضياف على هذا المعنى إذا خلى لهم بيته فلكل واحد منهم أن يدخل على صاحبه بغير إذن إلا إن لم يبق في البيت إلا واحد منهم فليعلمه من أراد الدخول عليهم منهم ثم يدخل، وكذلك أيضاً صاحب البيت له أن يدخل عليهم بغير إذن، وإن كان في البيت ضيف واحد فليعلمه ثم يدخل، وذكر في الكتاب ذكروا عن عطاء بن يسار قال: (إن رجلاً قال: يا رسول الله أأستأذن على أمي؟ فسكت رسول الله الله ثم أعادها عليه، أأستأذن على أمي؟ فسكت ثم أعادها عليه، فقال له رسول الله: أتحب أن تراها
عريانة؟ قال له الرجل: لا، فقال: استأذن (1).
وفي الأثر: وإن لم يحضر صاحب البيت فجائز لمن دل عليه أن
(1) رواه مسلم والدارقطني وأبو داود والنسائي.
- 623 - (2/623)
صفحة 1410
يدخل بيته، وأما إن حضر فلا يدخل فيها إلا بإذن، وجائز للرجل أن يأذن لمن يدخل بيت غيره إذا دل عليه، ولا يجوز لمن يدخل بإذنه، وقد قيل يدخل يإذنه إذا كان أميناً، وهذا الإختلاف منهم يدل أن
أصل اختلافهم هو اختلافهم في الدلالة على مال الغير والله أعلم.
6
وكل من كان بيت غيره في يده بالكراء أو بالعارية أو بالإمساك فجائز لمن يدخلها بإذنه داخلا كان أو خارجاً لأنه بمنزلة صاحب البيت، وأما صاحب البيت فلا يدخلها بإذنه إلا إن كان داخلاً، فأذن لمن يدخل فلا بأس لمن يدخل ياذنه كما قدمنا في غيره، لأنه حين أعارها أو أكراها صار من هي في يده هو الذي يجوز منه الإذن لأنه الذي سكن
فيها، وصار مالكها لا يدخلها إلا بإذن من سكن فيها والله أعلم.
وإذا كان صاحب البيت خارجاً من بيته فأذن لمن يدخل فيها، فنهاه رجل آخر كان في البيت، فإنه يدخل ولا يشتغل بنهيه لأنه أذن له صاحب البيت، والذي في البيت لا يشتغل به لأنه ليس ساكنا فيه، كما أنه لو أذن له من كان في البيت فنهاه صاحب البيت من خارج، فإنه لا يدخل وإنما ينظر في ذلك إلى من كانت البيت له، وكذلك الزوج والمرأة إن أذن أحدهما لمن يدخل ونهاه الآخر فإنما ينظر في ذلك إلى من
-998 - (2/624)
صفحة 1411
له البيت منهما والله أعلم.
و أما الشركاء إن أذن أحدهما لمن يدخل بيتهم ونهاه الآخر فلا يدخل، إلا بإذنهما جميعاً تساووا في الشركة أو تفاضلوا والله أعلم. كما أنه لا يأكل من مال الشركاء إذا حجر على أحدهم، ولو أذن له غيره والله أعلم.
وبيت العبد يجوز الدخول فيه بإذن مولاه، ولو نهاه العبد لأن المولى هو المالك له ولبيته، وكذلك لو أمره العبد ونهاه المولى فإنه لا يدخل، وأما إن كان البيت لغير مولى العبد فإنه ينظر في ذلك إلى إذن العبد ونهيه دون مولاه لأنه الساكن في البيت والله أعلم.
(40) (2/625)
صفحة 1412
باب فيما يجب فيه الاستئذان
وما لا يجب
فإنه يجب في بيوت الغير إذا كانت مسكونة كما قال الله تعالى: و يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على اهلها ذلكم خير لكم "، وسواء كانت البيوت من شعر او جلود او وبر أو مدر فلا يدخلها إلا بإذن، وكذلك الخصوص لأهلها بمنزلة البيوت، ومقيل المسافرين ومبيتهم ما داموا كذلك على هذا المعنى، فلا يدخله إلا بإذن، وكذلك السفن لأهلها، والأجنة المزربة على هذا المعنى لا يدخلها إلا بإذن، ولا يجب الإستئذان في هذا كله حتى يواري اهله ومن كان فيه، والله اعلم.
وأما البيوت الغير مسكونة فلا يستأذن فيها لقوله تعالى: ليس
(2)
عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لكم) (2) ففي
التفسير يعني الخانات أي الفنادق فيها متاع لكم أي ينزلها الرجل في
(1) تقدم ذكرها.
(2) تقدم ذكرها.
626 - (2/626)
صفحة 1413
سفره فيجعل فيها متاعه فليس عليه أن يستأذن في ذلك البيت والله أعلم؛ لأنه ليس له أهل يسكنونه.
وفي الأثر: وأما بيوت غير مسكونة فلا جناح عليهم أن يدخلوها بغير إذن أربابها ويستنفعوا بها، قال الله تعالى: ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لكم) يعني منافع لكم من الحر والبرد والله أعلم. وأما بيوت غير مسكونة فيها شيء من المتاع مثل التبن والحطب وما أشبه ذلك، فإنه لا يدخل إلا بإذن لأنها مسكونة بعد، وكذلك أيضاً إن كانت مغلقة فلا يدخلها إلا بإذن لأن إغلاقها تحجير لها، وكذلك كل بيت عمل من الصوف أو الشعر أو الكتان أو ما أشبه ذلك، فلا يدخلها أحد إلا بإذن مسكونة كانت أو غير مسكونة، لأن العادة فيها إذا كانت غير مسكونة أن تغلق والله أعلم.
وفي بعض الكتب: وليس في الحانوت إذن، وقال بعضهم: إذنها إذا وضعوا فيها أمتعتهم وفتحوا أبوابها، وقالوا للناس: هلموا، ذكروا عن ابن عمر أنه كان إذا استأذن أن يدخل في بيوت التجار فقالوا له: أدخل بسلام، لم يدخل بقولهم أدخل بسلام.
وفي الأثر أيضاً: وجائز لمن يدخل المسجد والمحضرة بغير إذن،
- Try- (2/627)
صفحة 1414
وكذلك قصر العامة والفنادق والحمام والمقصورة ومجلس القاضي الذي يجلس فيه القضاء، ومجلس الإمام، وبيت جعلت للذكر أو الصلاة لأن هذه المواضع كلها مباحة لمن يدخلها لأنها جعلت لذلك، ولذلك ليس فيها استئذان، وكذلك بيت الصانع الذي نصب فيه صنعته يبيع ويشتري ولم يسكن فيه بعياله، فلا يحتاج إلى الإذن من أراد أن يدخله لأن فعله ذلك إذن منه يعني أقامه مقام الإذن، وكذلك أيضاً البيت الذي كان فيه الميت جائز لمن يدخلها بغير إذن لتجهيز الميت أو لدفع المضرات عنه إذا احتيج إليه في ذلك، أو أرسل إليه كما قدمنا، وكذلك أيضاً على هذا المعنى بيت خلا ًها صاحبها ليطعم فيه الناس للعرس فلا بأس على من يدخلها بغير إذن، وكذلك الأضياف أيضاً إذا أخلى لهم بيته، فلكل واحد منهم أن يدخل على أصحابه بغير إذن، إلا إن لم يبق في البيت إلا واحد منهم فليعلمه من أراد الدخول عليه منهم لئلا يجده عرياناً كما ذكر قبل هذا، وأما إن خرج عياله ولم يخرج متاعه فلا يدخلوا، يعني الأضياف إلا بإذن، وقال بعضهم: يدخلون بغير إذن إن لم يكن فيه
العيال، والأصل في هذا فيما يوجبه النظر: هل هي مسكونة أو لا؟
وفي الأثر: ومن به حاجة إلى الخروج من الأضياف بليل ثم رجع: وَقَدْ رَقَدَ أهل البيت وخاف إن استأذن أن يوقظ أهل البيت، أو
- TTA - (2/628)
صفحة 1415
خاف من الكلاب فلا يدخل إلا بالإذن، ومنهم من يقول: يستأذن ثم يدخل، ومنهم من يقول: إذا خاف مما ذكرنا فليدخل، ولعل هذا من الضرورة، ولذلك جاز له أن يدخل
وكذلك أيضاً على ما قدمنا في المعنى؛ جائز للرجل أن يدخل بيت امرأته التي سكنت فيها بغير إذن، وكذلك المرأة أن تدخل على زوجها بغير إذن في بيته، وإن كان احدهما في بيت غيره من الناس فلا يدخل إليه الآخر إلا باذن إلا إن لم يكن في ذلك البيت غيره فليدخل إليه الآخر بغير إذن لأنه لا استئذان بينهما.
وكذلك إن سكنوا في بيت الغير وأراد احدهما ان يدخل على الآخر فمنعه صاحب البيت من الدخول فإنه يدخل ولا يشتغل بنهيه إذ لا استئذان بينهما.
وكذلك إن طلقها طلاقاً يملك فيه الرجعة او ظاهر منها او آلى منها، فلكل واحد منهما ان يدخل على صاحبه بغير إذن، لأن العصمة بينهما، باقية، وذكر في الكتاب: انه إذا اراد ان يدخل على امرأته المطلقة التي يملك رجعتها انه يضرب بين نعليه او يتنحنح ويسلم، واما إن طلقها طلاقاً بائناً أو فاداها فإنه لا يدخل عليها ولا تدخل عليه إلا بإذن لأنها
-739 - (2/629)
صفحة 1416
بائن كغيرها من الناس والله أعلم
وأما الضرائر فلا تدخل كل واحدة منهما على الأخرى فيما بينهن إلا بإذن، كان الزوج في البيت أو لم يكن، إلا إن لم يكن في البيت إلا الزوج فإنها تدخل ولا استئذان عليها، وأما إن كان البيت للزوج فلها أن تدخل بغير إذن إذا كان الزوج في البيت، إلا إن منعتها ضرتها من الدخول فلا تدخل، والذي يعجبني أن لا تدخل في بيت سكنت فيه ضرتها إلا بإذن، سواء كان البيت لضرتها أو لزوجها، إلا إن لم يكن فيه إلا زوجها فلا بأس، وكذلك لا يدخل بيوت، وكذلك لا يدخل بيوت أهل الكتاب أو غيرهم من المشركين إلا بإذن من كان فيها، وذكر في الكتاب أنه من أراد أن يدخل عليهم فليقل: من ها هنا أندخل؟ فليدخل إلا إن منعوه فلا يدخل والله أعلم.
أما بيت كان فيه الخمر أو غيره من الأنبذة المحرمة أو مانع الحق أو بيت كان فيه الظلم أو المنكر، فجائز لمن أراد أن يغير ذلك أن يدخلها بغير إذن، وهذا إذا علموا بذلك أو حققت تهمتهم في ذلك لأن كسر المنكر أوجب من ذلك وألزم، وإن غلقوا الباب دونهم فليكسروه ويدخلوا، وإن منعوهم من الدخول فليدخلوها على كره
-?. - (2/630)
صفحة 1417
منهم،
لأنه لا يؤويهم شيء، ولا يمنعهم من الحق لقوله عليه السلام:
(1)
(لعن الله من أحدث في الإسلام حدثاً أو آوى محدثاً) "، وكذلك على هذا المعنى من كان له مال في بيت غيره فمنعه من الدخول إليه. فله أن يدخل إلى ماله بغير إذن، وأما إن لم يجد صاحب البيت ولم يجد من يأذن له فلا يدخل إلا بإذن لأنه غير ممنوع.
وأما إن غصب له شيء فأدخله الغاصب في بيته فجائز له أن يدخل إليه بغير إذن، منعه أو لم يمنعه. كالمسألة المتقدمة. وأما من تولى عن دفع مال لزمه من دين استدانه برأي صاحبه فإنه لا يهجم عليه بغير إذن كما يهجم على الغاصب والسارق وغيرهما من أهل المنكرات بغير إذن. والفرق بينهم أن الغريم الذي يحمل الدين برأي صاحبه ليس بمتعد عليه ولا جار على ماله. بل هو مالك له دون من صار إليه منه. فلذلك جاز ألا يهجم عليه ولا يؤذى. ولا يروع كما يروع المعتدي بالهجوم عليه في أمنه، وقد ذكر أبو عبد الله في كتابه: ويدل على ما قلنا: (أن رسول الله الا الله بعث بلالا فاستدان له دينا. فلما حل وطولب بالدين أخبر النبي الا الله أني طلبت بالدين الذي تحملته وقد ضيق علي
(1) رواه مسلم وأبو داود وأحمد والنسائي
-751 - (2/631)
صفحة 1418
في المطالبة، وشدد علي فيه، فأمره عليه السلام أن يتوارى عن أهل الحقوق، إلى أن يتيسر ما يقضون به (1) فلو كان التواري لا يستر بلالاً
من الغرماء لم يأمره النبي لا بذلك، والله أعلم.
وذكر في الكتاب أن استئذان الرجل في بيته من الجفاء، وكذلك أيضاً الاستئذان على الرجل في بيوت بنيه الأطفال أو عبيده إذ لم يجعل الله بيهنم استئذان إلا في الأوقات الثلاثة التي ذكرنا قبل هذا أن يستأذن فيهن الأطفال والعبيد، وكذلك ليس عليه هو أن يستأذن في بيوتهم إلا إن كان معهم غير هم فلا يدخل إلا بإذن، وأما الأم والجد والجدة فلا يدخل أحدهم في بيوت بنيه الأطفال إلا بإذن كغيرهم من الناس لأن التخصيص في الآية دون غيرهم، وكذلك خليفة اليتامى والمجانين فلا يدخل بيوتهم إلا بإذن، لقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم) الآية. ""
وجائز للشركاء في البيت أن يدخلوا بعضهم على بعض في البيت الذي سكنوا فيه كلهم بغير إذن، وأما من يسكن فيه فلا يدخل إلا
بإذن الساكن والله أعلم
(1) رواه ابن حبان وابن ماجه وأبو داود والترمذي
(2) تقدم ذكرها
- 632 - (2/632)
صفحة 1419
الصفحة
محتويات الجزء الثاني
كتاب الزكاة
الموضوع
باب في الزكاة وحكمها.
باب في معرفة ما تجب فيه الزكاة من الأموال ... باب في زكاة الحبوب من كم تجب، وكم تجب، ومق تجب. باب في معرفة كم تجب من الزكاة في الحبوب.
باب في معرفة مق تجب زكاة الحبوب ومق لا تجب. مسألة: واختلفوا أيضاً هل يحسب على الرجل ما أكل من زرعه فصل: والعامل تابع لصاحب المال على قول من أجاز ذلك
باب في زكاة الذهب والفضة وشرطها ثلاثة خصال. باب في استقرار الملك
فصل: والمرأة إذا تزوجت بفريضة الدنانير.
باب في استكمال الحول.
باب في زكاة العروض التي يقصد بها التجارة
باب في زكاة الغنم وشروطها ثلاثة
فصل: ومن أخذ الوقت لأربعين شاة
- 632 - (2/633)
صفحة 1420
الموضوع
باب ما يعطي الرجل في زكاة غنمه
باب في صدقة الإبل وشروطها.
باب في زكاة البقر
باب في معرفة من تجب له الزكاة.
باب في دفع الزكاة وكم يعطى لكل صنف من هؤلاء الأصناف.
فصل: وللإمام أن يشتري من بيت المال الدواب والعبيد. فصل: وإذا أراد الرجل أن يدفع زكاة ماله.
باب في الوكالة والخلافة في دفع الزكاة.
الصفحة
باب فيمن يستخلف من يأخذ له الزكاة
باب في زكاة الفطر
باب في الصوم وحكمه.
كتاب الصوم وما يتعلق به
فصل: ولا يصح الصوم إلا بعلم وعمل ونية.
باب الركن الثاني الذي هو العمل وهو الصوم. باب الركن الثالث الذي هو النية
باب في المفطرين وأحكامهم وهم ثلاثة أصناف باب في أحكام الصنف الأول وهو المريض والمسافر. باب في قضاء المريض والمسافر ما أفطر في رمضان. باب الصنف الثاني الذي تلزمه الكفارة دون القضاء باب الصنف الذي يلزمه القضاء والكفارة جميعاً. باب الصنف الذي لا يلزمه القضاء والكفارة وهو المجنون. باب الصنف الذي لا يجوز له الإفطار.
- 634 - (2/634)
صفحة 1421
الصفحة
الموضوع باب في الصوم المندوب إليه.
فصل: في الأيام التي يستحب صيامها في السنة.
فصل: ولا يصام ستة أيام من السنة.
باب في الإعتكاف.
كتاب الحج وما يتعلق به
باب فيما يفعله الإنسان عند خروجه للحج. باب في الإحرام وشروطه
باب في كيفية الإحرام وموضعه
فصل: في معرفة أنواع هذا النسك.
باب فيما لا يجوز للمحرم أن يفعله
باب فيما لا بأس للمحرم أن يفعله في الحل والحرم.
فصل: فيما يفعله الإنسان عند دخوله مكة.
مسألة: في الطواف وما يتعلق به مسألة: في أصل ما ذكرنا من الطواف ومعانيه فصل: وقد بلغنا أن النبي الأمر الحائض
باب في السعي بين الصفا والمروة.
فصل: في تفسير السعي ومعانيه. مسألة: في الخروج إلى منى والإحرام بالحج. فصل: في تفسير ما ذكرناه ومعانيه.
مسألة: في الغدو إلى عرفات. فصل: في تفسير ما ذكرناه ومعانيه
-635 - (2/635)
صفحة 1422
الصفحة
الموضوع
مسألة: في القدوم إلى جمع.
فصل: في تفسير ما ذكرناه ومعانيه.
باب فيما يفعله الحاج عند جمرة العقبة. فصل: في تفسير ما ذكرناه ومعانيه فصل: في تفسير ما ذكرناه. مسألة: وإذا ذبحت ذبيحتك فصل: في تفسير ما ذكرناه ومعانيه. مسألة: في البدن والهدي.
مسألة: والهدي المسوق في هذه العبارة.
مسألة: في الحلق مسألة: في الزيارة.
مسألة: في الرجوع إلى منى.
فصل: في تفسير ما ذكرناه ومعانيه. باب في الأحكام: أحكام الحج.
كتاب الأيمان والكفارات
فصل: في معرفة الاستثناء والأيمان الذي يؤثر فيها من الذي لا
يؤثر فيها.
باب في معرفة موجب الحنث: في الأيمان المستقبلة.
فصل: في كفارة هذه الأيمان
فصل: وإذا حلف الرجل بأيمان شق
فصل: وأما الأيمان التي تخرج مخرج الشرط والإلزام.
-937 - (2/636)
صفحة 1423
الصفيحة
الموضوع
باب في النذور الواجبة.
كتاب الذبائح
فصل: وأما الحيوانات المقدور عليها
فصل: وإذا حدث في الذبيحة بعد ذكاتها ما يقتلها لو كانت حية
فصل: في شروط الذكاة
فصل: فيما تجوز به الذكاة
فصل: في معرفة من تجوز ذكاته
باب في. فة ذكاة الصيد معر
فصل: في شروط هذه الذكاة وما يتعلق بها من المسائل
فصل: وأما شروط القانص.
فصل: في السمك وغيره.
كتاب الحقوق
مسألة في العقيقة
باب في حقوق الوالدين على أولادهما باب في حقوق الولد على الوالدين
باب في حق القرابة
باب في حقوق اليتامى
فصل: وهل يجوز لمن لم يكن خليفة مثل الأم أو غيرها التصرف
في مال اليتيم فصل: في حق المساكين (2/637)
صفحة 1424
الصفحة
الموضوع
باب في حقوق الجيران
فصل: وإنما يلزم حق الجوار في الدواقة من أهل البيت
باب في حق الصاحب بالجنب
باب في حقوق المسلم على المسلم باب في حق ابن السبيل
فصل: وفي كتاب الضياء: لا يسأل الرجل الخ فصل: وإنما تجب الضيافة على أهل المنزل والحي الخ فصل: وأما من تجب له هذه الضيافة الخ فصل: في حق صاحب البيت على الضيف
باب في حقوق العبيد على ساداتهم
باب في حق السيد على عبده باب في بنيان المساجد وحقوقها
مسألة في حكم من أفسد شيئا
مسألة في حقوق المسجد
باب في المصافحة
باب في الزيارة وحقوق الزائر.
باب في المجلس وحقه
باب في حقوق الجمعة
من
حيطان المـ
- 638 - (2/638)
صفحة 1425
الصفحة
الموضوع
باب في السلام وحكمه باب الاستئذان في البيوت
باب في صفة الاستئذان
باب في الإذن ومن يجوز له الدخول بإذنه باب فيما يجب فيه الاستئذان
محتويات الجزء الثاني (2/639)
صفحة 1426
[صفحة فارغة] (2/640)
صفحة 1427
حقوق الطبع محفوظة
لدى وزارة التراث القومي
والثقافة
ص. ب: 668 - الرمز البريدي: 113 - مسقط - سلطنة عُمان
رقم الإيداع 99/ 158
لطبع في الطابع الذهبية - مرب 2811 روي، الرمز البريدي 112. سلطنة عمان - ملتف 199972 (2/641)
صفحة 1428
كتاب الإيضاح
تأليف العالم العلامة
الشيخ عامر بن علي الشماخي
رحمه الله
الجزء الثالث
الطبعة الرابعة
1420 ه/ 1999 م (3/1)
صفحة 1429
كتاب الاضاح
نامج
تأليف العالم العلامة
الشيخ عامر بن على الشماخي
رحمه الله
مع حاشية عليه
تأليف الإمام العلامة الشيخ
محمد بن عمر أبو ستة القصبي النفوسي
رحمه الله
الجزء الثالث
الطبعه الرابعه
1420 هـ - 1999 م (3/2)
صفحة 1430
بما نبدا الرحمن الرحيم
الجزء الثالث من كتاب إيضاح أدلة أبواب من الفقه مما ألَّفه الشيخ الإمام العالم الماهر عامر بن علي الشماخي رحمه الله آمين.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين يجميع محامده، على ما أسبغ من جميل عوائده، حمداً يوافي ما أجزل من نعمه وفوائده، ويكافيء ما تفضل به من زوائده، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي القرآن من أعظم شواهده، ودين الإسلام من تأسيسه وقواعده، وعلى آله وأصحابه (وبعد) فهذه حواشي شيخنا أبي عبد الله محمد بن عمر بن أبي ستة رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه، وجعل الجنة منزله ومأواه، على كتاب البيوع للشيخ عامر بن علي الشماخي رحمه الله تعالى.
قوله: الجزء الثالث من كتاب الإيضاح، أراد رحمه الله تعالى بالجزء الثالث السفر الثالث، فإنه رحمه الله تعالى جعل ديوانه المسمى بالإيضاح عدة أسفار، قال عمنا أحمد بن سعيد الشماخي في كتاب السير عند التعريف بالمصنف رحمه الله: جعل ديوانه في عشرة الثلاثين بعد موت عمنا عيسى وقبل موت عمنا أبي عزيز ولم يكمله لأمر عرض اليه، فالكتاب الأول في الصلاة سفر مستقل، والثاني في الزكاة والصوم والحج والنذور والأيمان والحقوق وهو سفر ضخم؛ (3/3)
صفحة 1431
كتاب البيوع
ما يجوز منها وما لا يجوز
أعني معرفة أنواعهما ومعرفة أسباب الفساد وأسباب الصحة فيها
،
والثالث في البيوع والقسمة والرهن، والرابع في الوصايا والهبات، ثم امتنع من تكميل الفقه، وهذا التأليف ما أظن ألف في المذهب مثله جمعاً وتعليلا واختصاراً غير مخل، وتطويلا غير ممل ولا مكرر، وهو اعتماد اهل المغرب في وقتنا خصوصاً (نفوسة)، وبعده ديوان أبي زكريا يحيى بن الخير، وبعدهما الديوان ديوان الأشياخ إلى أن قال: وإذا أطلق الشيخ في عرف أهل زماننا فهو المعني الخ. وقال قبل ذلك: وكل وهي بالمغرب إنما يرجع ما معهم من العلم إليه، أعني علم المذهب فهو واسطة بين من بعده ومن قبله الخ. لكن المناسب لصاحب السير رحمه الله أن يزيد في السفر الثاني قبل الحقوق الذبائح وفي السفر الرابع قبل الوصايا الشفعة والله أعلم
قوله: كتاب البيوع، أطلق على الجزء الثالث من كتاب الإيضاح إسم الكتاب لأن الكتاب مأخوذ من الكتب بمعنى الجمع، وهو مما يصدق على بعض المصنف، والبيوع جمع بيع وهو لغة مقابلة شيء بشيء ويطلق شرعاً المعنيين: أحدهما مقابلة معنى الشراء وهو بهذا المعنى عرفه المصنف فيما سيأتي عنه نقلا عن أبي عبد الله محمد بن بركة بأنه: «إخراج الشيء من الملك على بدل له قيمة يتعوض عليه أي المبيع، وهو عين ملك، فصل أول مخرج للنكاح فإنه إخراج الشيء من الولاية لا من الملك، وقوله: «على بدل فصل ثان، نخرج للتبرعات كالصدقة وغيرها وقوله: وله قيمة فصل ثالث مخرج للبيع المحرم الثمن فإن هذا البدل لا قيمة له
-- (3/4)
صفحة 1432
وقة أحكام الصحيح منها والفاسد
ومعرفة
وقوله: «يتعوض عليه»، الظاهر أنه فصل رابع مخرج للمبيع المحرم الذي يكون ثمنه حلالاً فإن هذا البدل وإن كان له قيمة لكن لا يصير عوضاً عن هذا المبيع شرعاً وقوله: هو عين ملك الظاهر أنه فصل خامس مخرج للإجارة فإن المستأجر إذا دفع الإجارة للأجير يصدق عليه أنه أخرج الشيء من الملك على بدل له قيمة يتعوض عليه وهو الخدمة مثلا، وليست عين ملك لأن الحر لا يباع ولا يحري. عليه معنى البيع، ولأن هذا أفعال الخلق لا يتعداهم وإنما يتعدى أثرها
والله أعلم. والثاني العقد
•
000000 (3/5)
صفحة 1433
باب في معرفة أنواعها
إعلم أن كل معاملة وجدت بين اثنين فإنها لا تخلو من أن تكون عيناً بعين، أعني حاضراً بحاضر، أو عيناً بشيء في الذمة، أو ذمة بذمة، وكل واحد من هذه الثلاثة إما عاجلاً وإما آجلاً. والعاجل إما أن يكون عاجلاً نقداً وإما عاجلاً غير نقد، والآجل لا يكون إلا معلوم الأجل غير مجهول، أما العين بالعين فإنه لا يدخله الأجل ولا يجوز فيه لأنه من
قوله: أو عينا بشيء في الذمة الخ. القسمة العقلية تقتضي قسماً رابعاً وهو ذمة بحاضر، وقد صرح بعد أنه لا يجوز عندنا بيع الدين ولو بحاضر وذلك لما يؤدي إليه من الربا إذا كان الدين ذهباً أو فضة والبيع بذهب أو فضة وإن كان الدين غيره فإنه يؤدي إلى بيع ما لم تقبض إن كان غير طعام، وإليه وإلى بيم الطعام قبل أن يستوفي إن كان طعاماً والله أعلم.
قوله: وكل واحد من هذه الثلاثة إما عاجلاً وإما آجلاً، هذا غير ظاهر بالنظر إلى قوله عيناً بعين، فكأنه أراد القسمة العقلية
قوله: إما عاجلا وإما آجلاً بالنصب على حد وإما شاكراً وإما كفورا
قوله: لا يدخله الأجل ولا يجوز فيه، وذلك لأن المعينات لا تقبلها الذمم،
فالمراد بالأجل التأخير مطلقاً كما يرشد إلى ذلك التعليل.
•
-- (3/6)
صفحة 1434
بيع الغرر لوجود الجهل في تسليمه إلى البائع، لأنه غير مأمون السلامة من الآفات حتى يسلم إلى البائع وهو المطلوب من العين المبيعة، ولذلك لا يجوز فيه الأجل، وأما الحاضر بشيء في الذمة فإنه يكون عاجلاً ويكون آجلاً إلى أجل معلوم، وأما الذمة بالذمة فلا يجوز لأنه من بيع الدين بالدين، وقد (نهى الله عن بيع الكالي بالكالي)) سواء كان عاجلاً أو آجلاً إلا في الحوالة خاصة، على قول من جعلها بيعاً فإنها تجوز
قوله: لوجود الجهل في تسليمه إلى البائع، لعله المشتري أو سماء بائعا لأنه قد سلم له شيئاً بالبيع في نظير ذلك المعين، فكل واحد منهما في الحقيقة بائع ومشتر، ويمكن إبقاء البائع على ظاهره ويفرض المعين دراهم مثلا والله أعلم.
قوله: وهو المطلوب، الضمير راجع إلى التسليم المفهوم من يسلم. قوله: وأما الحاضر بشيء في الذمة، فإنه يكون عاجلا الخ. أي المبيع الحاضر، هذا التركيب غير ظاهر من جهة العربية فإن الضمير في قوله فإنه عائد إلى الشيء لا إلى الحاضر فإنه لا يكون آجلا كما هو. معلوم فتخلو الجملة من الرابط، فالمناسب أن يقول مثلاً: وأما الحاضر بشيء في الذمة ففيه تفصيل فإن الذي في الذمة يكون آجلا الخ. والمراد بالعاجل هنا غير النقد بأن كان على الحلول.
قوله: عن بيع الكالي بالكالي سيأتي الكلام عليه
قوله: سواء كان عاجلا، أي غير نقد ليكون داخلا في مفهوم الكالي بائه لي.
(1) رواه الدارقطني. (3/7)
صفحة 1435
في الدين العاجل والآجل الذي حل أجله على ما سيأتي بيانه إن شاء الله في بابها. وأسماء هذه البيوع منها ما يكون من قبل صفة العقد، ومنها ما يكون من قبل صفة العين المبيعة، وذلك أن العين المبيعة لا تخلو أن تكون ثمناً بثمن أو مُثَمَناً بثمن أو ثمناً بمثمن أو مثموناً بثمن، والثمن هو الدنانير والدراهم لأن كل ما يجوز بيعه وشراؤه يكون ثمناً ومثمناً إلا الدنانير والدراهم فهي أثمان الأشياء والأشياء مثمنة لها، وقال بعضهم: تكون الدنانير والدراهم مثمنة كما تكون أثماناً وإن كانت العين المبيعة ثمناً بثمن سمي صرفاً، ولا يجوز إلا أن يكون يداً بيد وإن كانت العين المبيعة مثمنة بثمن سمي بيعاً مطلقاً إن كان عاجلاً، وإن كان آجلاً. سَلَماً أو ديناً، وإن كانت العين المبيعة ثمناً بمثمن فإنه إن كان الثمن إلى
سمي
أجل فهو السلم، وإن كان لغير أجل فهو النقد وإن كان المثمون حاضراً
قوله: وذلك أن العين الخ. هذا راجع إلى ما كان من قبل صفة العين المبيعة، وأما ما كان من قبل صفة العقد فسيأتي قريباً. قوله: بثمن، هذا هو الصواب ولا يقال مثمون كما نص عليه المغراوي في
غريب الرسالة
•
قوله: سمي سلماً أي على قول من يجيزه بغير الدنانير والدراهم، والصحيح أنه
لا يجوز، وقيل سمي هذا سلما لتسليم رأس المال في المجلس. قوله: أو دينا، أي على قول من لا يجيز ذلك سلماً والله أعلم. قوله: وإن كان لغير أجل، أي مع كونه غير حاضر ليخالف ما بعده، لكن
- Y- (3/8)
صفحة 1436
فهو بيع على قول من قال: الدنانير والدراهم تكون أثمان الأشياء ومثمنة لها، أعني أن يقول له: بعت لك هذه الدنانير بهذه السلعة، وعلى قول الآخر يقول له: بعت لك هذه السلعة بهذه الدنانير إن كانت حاضرة والله أعلم. وإن كانت العين المبيعة مثموناً بثمن فإنه إن كان إلى أجل فهو بيع الدين، وإن كان عاجلاً نقداً فهو نقد والله أعلم. وإن كان على الخيار سمي بيع الخيار، وإن كان بيع مرابحة سمي بيع المرابحة، وسيأتي شرح هذه الأنواع بما يخصها بابا باباً بعد ما نذكر الأسباب العامة لها مما يفسدها
ويصلحها وأحكام الصحيح منها والفاسد إن شاء الله تعالى.
ذهب بعضهم إلى عدم جوازه لنهيه لا عن بيع ما ليس معك والله أعلم. وسيأتي النقد بيانه في باب بيع قوله: فهو النقد، أي فهو بيع النقد الذي. هو بيع الدنانير والدراهم. قوله: وعلى قول الآخر يعني على قول من يقول إن الدنانير والدراهم تكون أثمانا فقط
قوله: وإن كان عاجلا نقداً الخ. بقي عليه قسم آخر وهو عاجل غير نقد، والظاهر أنه يسمى بيعاً على الحلول.
قوله: ان كان على الخيار للخ. هذه التسمية من قبل صفة العقد وما قبله من قبل صفة العين المبيعة ففيه لف ونشر غير مرتب.
قوله: بابا بابا، هو حال من هذه الأنواع أي سيأتي شرح هذه الأنواع مفصلا، فالمضاف هنا اقتضى العمل في المضاف إليه لكونه مصدراً فلذلك جاز اتيان الحال من المضاف إليه والله أعلم. (3/9)
صفحة 1437
باب في معرفة الاسباب المفسدة للبيع إعلم أن من تأمل النهي الوارد من الشارع في البيوع وجده على أربعة أوجه ويتفرع إلى ما أكثر من ذلك، أحدها: نهي تحريم، والثاني: نهي تعبد وهو الربا، والثالث: نهي غرر، والرابع: الشروط في البيع. وهذه الأربع إنما يعلق النهي فيها بالبيع من جهة ما هو بيع وأما الأسباب التي ترد من خارج فمنها الغش ومنها الضرر ومنها المكان والوقت والله أعلم. أما نهي التحريم فإنه لا يجوز بيع جميع ما حرمه الله تعالى ورسوله
قوله: باب في معرفة الأسباب المفسدة للبيع، أي المانعة انعقاده من قوله: إلى ما أكثر، يحتمل أن تكون ما زائدة وأن تكون موصوفة، وأكثر مجروراً بالفتحة، ويجوز أن تكون موصولة، صدر الصلة محذوف على قلة وأكثر بالرفع خبره على حد تماماً على الذي أحسن في قراءة الرفع.
تحريم
قوله: نهي تحريم، كأنه أراد به ما هو نجس وإلا فهذه المناهي كلها فيها لكن يشكل عليه قوله بعد: وبيع الأحرار، وقد يقال المراد
به النهي المتعلق ببيع المحرمات مطلقاً. قوله: نهي تعبد، أي تعبد الله بالكف عنه فهو غير معقول المعنى لأنه لا يدرى لأي علة نهى عنه والله أعلم.
11 - (3/10)
صفحة 1438
ولا شراؤه، مثل الميتة والدم ولحم الخنزير، وأقذار بني آدم ولحومهم وجميع أجزائهم، وبيع الأحرار، وأشباه هذه الأشياء مما هو محرم العين ليس فيها اختلاف، والدليل على هذا ما روي من طريق ابن عباس أن الني الله قال: (لعنت الخمر، وبائعها، ومشتريها، وعاصرها، وحاملها و المحمولة إليه، وشاربها)) وكذلك جميع الأشياء المحرمة العين لا يجوز بيعها ولا شراؤها قياساً على الخمر، والدليل أيضاً ما روي أنه قال عليه السلام: (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها أي فأذابوها
قوله: الميتة، يستثنى منها السمك والجراد ومن الدم الكبد والطحال الطهارتهما
كما هو معلوم، وأما صوف الميتة وشعرها فلا يحتاج إلى استثنائهما لأنها لا تحلها الحياة، وأما القرن والعظم ففيها خلاف والراجح في العظم أنه تحله الحياة فلا يجوز بيعه، وأما الجلد فالظاهر أنه يجوز بيعه وإن كان ميتة لأنه يقبل الطهارة بالدباغ فإنه بمنزلة الثوب المنجوس فيجب عليه أن يبين ذلك عند البيع
والله أعلم.
قوله: لعنت الخمر، اللعن بالنظر إلى الخمر بمعنى التحريم كما ذكر في السؤالات
لكن يلزم فيه الجمع بين الحقيقة والمجاز والله أعلم فليحرر.
قوله: فجملوها، هو يفتح الجيم والميم يقال: جمله إذا أذابه، والجميل الشحم المذاب، فعلى هذا كل ما حرم تناوله حرم بيعه، وأما قول بعضهم مورداً على هذه القاعدة: الإبن إذا ورث جارية أبيه حرم عليه وطؤها وجاز له بيعها وأكل ثمنها
(1) رواه أحمد وابن ماجه وأبو داود.
-11 - (3/11)
صفحة 1439
وباعوها وأكلوا أثمانها (وقاس الثمن إلى المثمن، فمن باع ما ذكرنا أو اشتراه أو أكله أو شربه فهو هالك، وكذلك من حضر بيع هذه المحرمات أو حكم بإتمام البيع فيها فهو هالك، وكذلك لا يجوز الانتفاع بهذه كلها لا لنفسه ولا لغيره، وكذلك بائع الحر عليه أن يسترده بما عز أو هان، ومعنى ذلك أن يفديه ولو بجملة ما له، وإن لم يصبه فإنه يبحث وراءه ولا غاية لذلك إلا الموت أو يصيبه ويوصي بخدمته لورثته أو
فأجيب عنه أنه تمويه، أي اختلاط، لأنه لم يحرم عليه الانتفاع بها مطلقاً وإنما حرم عليه الاستمتاع بها لأمر خارجي والانتفاع بها لغيره من الناس في الاستمتاع وغيره حلال إذا ملكها بخلاف الشحوم فإن المقصود منها الأكل وهو محرم على اليهود في كل حال وعلى كل شخص فافترقا، انتهى من خط شيخنا عبد الله
رحمه الله
•
قوله: لنفسه، أي المنتفع المفهوم من الانتفاع.
قوله: الا الموت، الظاهر أنه أراد به موت المطلوب، ويدل له قوله بعد: ويوصي بخدمته فلو قال: إلا ان يصيبه أو يحده ميتاً لكان أظهر، وأما موت الطالب: فالظاهر أنه لا يقطع الطلب ويجب عليه أن يقيد له من يطلبه إلى الوجود أو الموت والله أعلم. قوله: بخدمته، أي بقيمتها وهذا ظاهر لأنه لا يلزمه غير ذلك إن وجده، وفي بعض التقاييد لأصحابنا من أهل الجبل ما نصه: فمن باع حراً أنه يؤخذ
(1) رواه أحمد وأبو داود
-17 - (3/12)
صفحة 1440
للفقراء إن لم يعلم له وارثاً في قول المرخصين، وهذا بعد ما يرد ثمنه والله أعلم. وأما ما كان فيه اختلاف العلماء فإن بيعه على قدر اختلافهم، فمن حرم حرم ومن حَلَلَ حَلَل و من گره كره ولا يقطعون عذر من يفعل شيئاً من ذلك مثل: ثمن الكلاب وغيرها من ذوات المخالب والأنياب، وقد روي من طريق ابن عباس أن النبي (نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن) ومن هذا الفصل بيع الماء، وقد روي
برده بما عز أو هان، وإن وجده ميتاً على الرق فإنه يعطي ديته وخدمته وعقرها إن كانت حرة لورثتها، وإن لم يعلم لها وارثاً فليعط الدية والعقر لفقراء المسلمين المتوليين والخدمة لفقراء المسلمين جملة ولو غير متوليين انتهى قوله: في قول المرخصين الخ. قال عمنا أحمد بن سعيد رحمه الله في الطبقات في مناقب عمروس بن فتح ما نصه: وفي السير سأله رجل بمحضر أبي مهاصر عمن أخذ من مال ابن طولون خرجاً فتاب ولم يعلم له صاحباً قال: فاسأل عن مولاه فإن أعياك أمره فتصدق به، فغضب أبو مهاصر فقال: لا أقعد في مجلس يفتى فيه بمثل هذا، قال عمروس: إن أردت أن تقعد فاقعد فإن من شأن المسلمين ألا يؤيسوا أحداً من رحمه الله، انتهى
قوله: عن ثمن الكلب الخ. العلة في النهي عن بيع الكلب عندنا وعند من وافقنا على نجاسته كالشافعي النجاسة، وهذه العلة تقتضي منع بيع الكلب على القول بنجاسته، وأما من لا يقول بنجاسة الكلب كالمالكية: فعلة النهي عن بيعها
هو النهي عن اتخاذها والأمر بقتلها، فلذلك خص منها ما أذن في اتخاذها
قوله: ومهر البغي، هو ما تأخذه الزانية على الزنا، سمي مهراً وسيأتي الكلام أنها لا توبة لها حتى ترد ما أخذت، والبغي بفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد
(1) رواه الجماعة.
- (3/13)
صفحة 1441
لعله
عنه أنه (نهى عن بيع فضل الماء () وفي الأثر عن بعضهم: ماء الآبار ممن أراد أن يستق ولا يدع أحداً أن يستقي غيره، وقال
بعضهم
شيخنا
: لا بل ذلك أن الرجل كان يحفر في الفلاة والمواضع المنقطعة عن
التحتية وهو فعيل بمعنى فاعلة، وجمع البغي بغايا، والبغاء بكسر أوله الزنا والفجور، وأصل البغي الطلب، غير أنه أكثر ما يستعمل في الفساد، إنتهى من خط رحمه الله. لكن من قوله: وهو فعيل بمعنى فاعلة تأمل إلا أن يريد بحسب الظاهر وإلا فهو في الأصل فعل بمعنى فاعلة ولذلك لم تلحقه التاء كصبور بمعنى صابرة، وأصله بغوي اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء فأدغمت الياء في الياء فقلبت الضمة كسرة المناسبة الياء، فلو كان البغي بمعنى فعيلا بمعنى فاعل اصالة للحقته التاء كظريفة وشريفة، ففعيل التي لا تلحقه التاء هو فعيل بمعنى مفعول كقتيل وجريح إن جرى على موصوفه كما تقرر في محله، قال ابن هشام: ومنه أي من فعيل بمعنى فاعل (وما كانت أُمك بغيا) أصله يغوياً الخ. قوله: وحلوان الكاهن هو حرام بالإجماع لما فيه من اخذ العوض على أمر باطل وفي معناه التنجيم والضرب بالحصى وغير ذلك مما يتعاطاه العرافون من استطلاع الغيب، والحلوان مصدر حلوته حلوانا إذا اعطيته، وأصله من الحلاوة شبه بالشيء الحلو من حيث انه يأخذه بسهولة بلا كلفة ولا مشقة، يقال: حلوته إذا اطعمته الحلو، والحلوان ايضاً الرشوة، والحلوان ايضا اخذ
الرجل مهر ابنته لنفسه، انتهى من خط شيخنا ايضاً.
(1) رواه الخمسة إلا ابن ماجه وصححه الترمذي.
-18 - (3/14)
صفحة 1442
الناس فيجتمع الناس من الفيافي بالدواب، وكذلك الموارد في الطريق يبيع ما يفضل من ذلك وما حفر في تلك المواضع المنقطعة ويتحكم عليهم فيه، فعلى التفسير الأول أن الحديث محمول على ماء الآبار والعيون وأن ما فضل عن حاجة صاحبه فلا يحل منعه عن غيره، وعلى القول الآخر إن الحديث محمول على آبار الصحراء التي تتخذ في الأراضي الغير الممتلكة وذلك أن صاحبها الذي حفرها أولى بها، فإذا وردت ماشيته ترك الفضل للناس، ولعل بعضهم حمل الحديث على العموم في كل ماء، وفي قولهم رحمهم الله ما يدل على ذلك، وذلك أنهم أجازوا أن يستقي الرجل من جب
قوله: فيجتمع الناس من الفيافي بالدواب، في بعض النسخ فتنتجع الناس من الفيافي الخ. في الصحاح والنجعة بالضم طلب الكلأ في موضعه، يقال منه انتجعت وانتجعت فلاناً إذا اتيته تطلب معروفه، والمنتجع المنزل في طلب الكلاً، وهؤلاء قوم ناجعة ومنتجعون الخ.
قوله: فعلى هذا، الأولى فعلى ذلك، وفي بعض النسخ فعلى التفسير الأول وهو الصواب والله اعلم. قوله: فلا يحل له منعه عن غيره فإن قلت: الحديث إنما ورد في النهي عن البيع فقط لا. عن المنع مطلقاً، قلت: ظاهر كلامهم يدل على ان المراد بالنهي على البيع النهي عن المن مطلقاً حيث كان فاضلا، ثم رأيت في المسند ما هو صريح في ذلك.
قوله: من جب غيره، لعله أراد به ما هو اصطلاح بعض أهل المغرب وهو
1101 (3/15)
صفحة 1443
غيره بغير إذن، فهذا يدل على ما قلناه والله أعلم
وأما ماء الإناء فلا لأنه ماء العنا، وكذلك أيضاً اختلفوا في الأدهان المنجوسة: هل يجوز استعمالها للسراج؟ قال بعضهم: لا يجوز، ويعضد هذا الرأي ما روي أنه عليه السلام سئل عن سمن ماتت فيه فأرة فقال: (إن كان مائعاً فأريقوه وإن كان جامداً فألقوها وما حولها) ولو جاز الانتفاع به لوجه من الوجوه لأمرهم به لنهيه و عن إضاعة المال وقال بعضهم: يجوز الاستصباح به، وقالوا: قد روي عن علي بن أبي طالب أن النبي علي (أمر بالاستصباح به وقالوا لم يحرم عين السمن ولكن منع من استعماله
الماجل وإلا فالحب في اللغة هو البئر، فيساوي القول الأول ويدل على أنه اراد بالجب ما ذكر لا ما في القاموس قوله في كتاب الإجارات: وكذلك إن استأجره أن. يسقي له ماء فيملأ له جباً معروفاً بكراء معلوم الخ. فأطلق الجب على المعد لحبس ماء المطر مثلا
قوله: هل يجوز استعمالها للسراج الخ. ظاهر كلامه هنا يدل على أن الخلاف إنما هو في الاستعمال فقط دون البيع لذلك، ويدل على منع البيع قوله: (لعن الله اليهود) الخ. وظاهر كلامه في قوله بعد والسابق إلى نفسي الخ. يدل على وجود الخلاف في البيع أيضاً، أي كما وجد في الاستعمال وأن الأصلح جواز البيع لذلك المنفعة
قوله: وما حوله، لعله فألقوها وما حولها.
(1) رواه الدارقطني والبيهقي وابو داود
-17 - (3/16)
صفحة 1444
للأكل لاختلاط النجاسة والله أعلم. والسابق إلى نفسي أن كل محرم فيه أكثر من منفعة واحدة فأباح الله لنا منه منفعة أنه لا يجوز بيعه لتلك المنفعة المحللة منه، كالكلب لمن أراد أن يقتنيه لضرع أو لزرع أو لصيد، وكذلك السنور لمن أراد أن يقتنيه على هذا الحال، وكذلك أيضاً يدخل في هذا الاختلاف الزبول لأنها مختلطة بالنجس وفيها منفعة تستعمل في البساتين للبقول وغيرها، وفي الحديث (لعن الله بائع العرة ومشتريها) (1) والعرة هي العذرة، وهذا إذا كانت خالصة لم يخالطها شيء، وأما إن خالطها
قوله: كالكلب لمن أراد الخ. فإن قلت هذا مناف لما تقدم في الحديث من أن النهي عن ثمن الكلب، قلت: ذلك أي النهي محمول على الكلب الذي لم يؤذن في اتخاذه، وذكر عمنا أحمد بن سعيد رحمه الله في الطبقات أنه أفتى أبو العباس بن الشيخ يوسف بن يعقوب بن تيمال في قاتل الكلب المعلم أن عليه أربعين درهما وما ربي للضرع والزرع فعليه كبش ولا شيء على قاتل غيرهما من الكلاب انتهى.
قوله: وفي الحديث الخ. لعله أراد به الاستئناف وإلا فالدليل لا يطابق المدعى لأن الحديث ورد في بيع المذرة وهي من أعيان النجاسات بخلاف الزبول فإنها طاهرة وتنجست وتقبل الطهارة بمرور الزمان ولكن انما ذكر الحديث ليجيب عنه بما ذكره لا الإستدلال والله أعلم.
(1) رواه ابو داود والترمذي والنسائي.
-18 -
ه م 2 - الإيضاح: (3/17)
صفحة 1445
وكان البيع واقعاً فيها خالطها فلا بأس. وفي الأثر: وإن اختلط مع السماد وكان البيع في السماد فلا بأس. وأما نهي التعبد وهو الربا فقد حرمه الله ورسوله قال الله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا، (2) وقال تعالى: د يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة (3) وقال: «وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، (4) فهو حرام حرمه الله ورسوله على كل بالغ صحيح العقل من ذكر أو أنثى، فمن استحله
C
قوله: مع السماد، في القاموس: وسمد الأرض تسميداً جعل فيها السماد أي السرقين برماد، وضبط السماد بالفتح، وفي موضع آخر: والسرجين والسرقين بكسر هما: الزبل، معرب من سركين بالفتح الخ.
قوله: وهو الربا، والربا مقصور وحكي مده وهو شان وهو من ربا يربو فيكتب بالألف لأنها منقلبة عن واو ولكن وقع في خط المصحف بالواو وقال شيخنا رحمه الله: ورأيت في كلام الدميري جواز كتابتها بالألف والواو والياء وعليه لا تكون كتابته بالواو من خصوصيات المصحف، وأصل الربا الزيادة إما في نفس الشيء كقوله تعالى (اهتزت (أي الأرض (وربت) وإما في مقابله کدرهم بدر همين، فقيل: هو حقيقة فيها، وقيل: حقيقة في الأول، مجاز في الثاني، زاد ابن سريج أنه في الثاني حقيقة شرعية، يطلق الربا على حقيقة شرعية يطلق الربا على كل بيع محرم انتهى.
قوله: على كل بالغ الخ. أنظر حكم الصبي إذا فعله هل يلزمه الرد إذا بلغ
(1) البقرة: 275
(2) آل عمران
130:
(3) البقرة: 279.
-14 - (3/18)
صفحة 1446
فقد أشرك لرده المنصوص، ومن فعله من غير استحلال كَفَرَ كفراً دون الشرك، وقالوا: أعظم الربادينار بدينارين نسيئة، وأدناه طعام يأكله الرجل عند غريمه. وفاعل الربا وشاهده وكاتبه وحاكمه علم به أو لم يعلم فهو كافر لأنه قارف، إلا أن يكون الشاهد والكاتب لم يحضر الفعل ولم يعلما على الربا وإنما شهد الشهود وكتب الكاتب على ما سمع من إقرارهما من غير أن يبينوا لهما كيف دار الفعل فلا إثم عليهما لأنهما لم يحضرا للصفقة وذلك أن يقر المشتري أن لفلان علي كذا وكذا درهماً إلى أجل
الحلم
، والظاهر نعم لأنه بمنزلة الجناية والله أعلم فليحرر. قوله: وشاهده وكاتبه وحاكمه الخ. فإن قلت ظاهر القرآن يدل على تخصيص الذم والوعيد فاعل الربا وأكله فقط قلت: ذكروا أنه إنما خص الأكل لان الذين نزلت فيهم الآيات المذكورات كانت أطعمتهم من الربا وإلا فالوعيد حاصل لكل من عمل به أو رضيه سواء أكل منه أم لا
بالذكر
والله أعلم. قوله: علم الخ. المناسب أن يقول علموا او لم يعلموا فهم كفار لأنهم قارفوا،
ولعله إنما افرد الضمير للتأوليل بمن ذكروا والله اعلم
•
قوله: او لم يعلم الخ. لعله أراد لم يعلم حكم الله فيه بعد إطلاعه على حقيقة الفعل، وأما إن علم حكم الله فيه ولم يطلع على الحقيقة بينها فالظاهر انه يعذر لأنه لا يكلف الغيب والله اعلم.
عند
قوله: إلا ان يكون الشاهد والكاتب الخ. لو ضم اليهما في الاستثناء الحاكم عدم الإطلاع على الحقيقة لكان أظهر لأنه يحكم بالظاهر والله أعلم.
-19 - (3/19)
صفحة 1447
سماه من غير أن يبين لهما من قبل كذا وكذا والله أعلم، أو يقول: من قبل كذا وكذا إذا عملا ذريعة ولم يعلم بها الشهود، وروي أنه قال: (لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهده))، وفي الأثر يعني
قوله: من غير أن يبين لهما من قبل كذا وكذا، يؤخذ منه أنه يجوز للشاهدين ان يشهدا على من أقر أن عليه لفلان كذا وكذا من غير بيان جهة ذلك وسببه يقبل الحاكم شهادتها وإلا لم يكن لها فائدة وفيه تأمل كما يؤخذ من كلام الشيخ أبي زكريا رحمه الله في كتاب الأحكام من ان مثل هذه الدعوة ألا يستردد فيه الحاكم المدعى عليه الجواب فضلا عن قبول الشهادة حيث قال: وإن ادعى رجل إلى رجل بأن له عليه كذا وكذا ديناراً من قبل بيع الأصل او الثياب فإنه يستردد له الحاكم الجواب ولو أنه لم يذكر اختلاف أنواع الأصل وأجناس الثياب، وأما إن ادعى عليه بأن له عليه كذا وكذا ديناراً من قبل بيعه الحيوان والطعام فلا يستردد له الحاكم الجواب خصمه حتى يذكر بأي جنس من الحيوان أو بأي نوع من الطعام، وليس عليه أن يذكر أسنان الحيوان وألوانها إلا في السلم الخ. قوله: لعن الله آكل الربا الخ. قال شيخنا: زاد الطبراني من قومنا في روايته عن ابن مسعود بعد قوله: (وشاهده وهم يعلمون والواصلة والمتوصلة والواشمة والمتوشمة والنامصة والمتنمصة).
قوله: و. ؤكله، ضبطه شيخنا بضم الميم وسكون الهمزة وكسر الكاف قال: أي معطيه، والمتنمصة هي التي تطلب النماص، والنامصة هي التي تفعله، والنماص إزالة شعر الوجه بالمنقاش، ومعنى بقية الحديث معلوم، وإنما خص
(1) رواه الدارقطني والبيهقي وأبو داود والترمذي والنسائي.
141 (3/20)
صفحة 1448
إذا علموا بذلك، وكذلك من رضي بفعل الربا فهو كافر حضر أو لم يحضر لأن من رضي بفعل المعصية فهو كفاعلها لقوله تعالى في بني إسرائيل: ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق (1)
(1)
و شما هم قاتلين وهم إنما قتلهم آباؤهم لأنهم راضون بذلك والله أعلم. وبلغنا عن ابن عمر أنه قال: (درهم واحد من الربا أعظم عند الله خطيئة من اثنين أو ثلاث وثلاثين زنية) (2) و إن اتفقا على فعل الربا ولم يفعلاه فقد أثما باتفاقهما، وأما من طلبه أن يأخذه من غيره فهو هالك، أعطاه ذلك الذي طلبه أو لم يعطه، لأنه حين طلبه قد رضي بفعله وأمر به وكذلك إن أعطاه لغيره على هذا الحال فهو هالك أخذه أو لم يأخذه. ومن فعل الربا
الأكلين بالذكر لأن الذين نزلت فيهم الآيات المذكورات كانت أطعمتهم من الربا وإلا فالوعيد حاصل لكل من عمل له سواء أكل منه أو لا.
قوله: إذا علما بذلك، لعله إنما جعل التقييد راجعاً للكاتب والشاهد فقط لأن الظاهر أن المراد بآكل الربا فاعله وموكله دافع الزيادة وهما ملعونان مطلقاً، ثم رأيت في غالب النسخ علموا فأرجع التقييد إلى الأربعة فيكون المراد من الأكل والموكل أعم من الفاعل والدافع والله أعلم.
قوله: فقد أثما باتفاقها، ينظر ما يبلغ بها إثمهما، والظاهر أنها لا يكفران بدليل ظاهر كلامه بعد، لكن آخر الكلام يدل على أن من رضي هو هالك
(1) البقرة: 61.
(2) رواه أحمد وأبو داود والدارقطني والبيهقي.
- 21 - (3/21)
صفحة 1449
ثم تاب فليرد كل واحد منهما ما أخذ وما ربح فيه ولا يجزيهما فيه الحل ولا التبرية ولا التقاضي لقوله تعالى: (وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم)
(1)
وورثتهما في هذا بمقامهما، والأصل فيه ما روي أنه قال عليه السلام:) الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر و الملح بالملح سواء بسواء فمن زاد أو استزاد فقد أربى)) وروي عن عبادة بن الصامت قال: (خرجنا في غزوة وعلينا معاوية فأصبنا ذهباً وفضة فأمر معاوية رجلاً يبيعها للناس في أعطياتهم فسارع الناس فيها فقام عبادة بن الصامت فنهاهم فردوها فأتى الرجل معاوية فشكا إليه فقام معاوية خطيباً فقال: ما بال رجال يحدثون عن رسول الله أحاديث يكذبون فيها لم نسمعها من رسول الله الله، فقام عبادة فقال: والله لأحدثن بما
قوله: الذهب بالذهب والفضة بالفضة، مفهومه أن الذهب بالفضة لا بأس به على أي وجه كان، وليس كذلك كما سيأتي في باب الصرف من قوله عليه السلام (الذهب بالورق ربا الاهاء وهاء (الحديث، فظهر من هذا أن الذهب والفضة جنس واحد والله أعلم.
قوله: فمن زاد أو استزاد الخ. يعني مع التأخير لقوله عليه السلام: (انما
الربا في النسيئة).
(1) البقرة: 279
(2) رواه احمد والبخاري ..
-22 - (3/22)
صفحة 1450
سمعته من رسول الله الا الله وإن كره معاوية فقال: قال رسول الله: (لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة ولا البر بالبر ولا الشعير بالشعير ولا الملح بالملح إلا مثلاً بمثل سواء بسواء عيناً بعين)) فقيده عليه السلام بالتساوي واليد باليد، فهذه الأحاديث تتضمن منع التفاضل في الصنف الواحد سواء كان يداً بيد أو نسيئة، وحجتهم في ذلك حديث
(2)
ابن عباس رضي الله عنه (إنما الربا في النسيئة) (2)، وروي أن سامة بن زيد و زيد بن أرقم أنهما كانا يأتيان وادي القرى فعاب عليهما ناس من أصحاب رسول الله الله فأتى أسامة بن زيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له النبي: يداً بيد؟ فقال: نعم ولم ير به عليه السلام بأساً، وروي عن ابن عباس وعن أبي بكر الصديق وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهم عن النبي الله لو أنه قال: (لا ربا إلا في النسيئة) وفي الأثر: لا ربا إلا في نسيئة، وبهذا يقول علماؤنا رحمهم الله، والكتاب يؤيد قولهم، قال الله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج (3) وقيل إن أصل الربا الذي حرمه الله تعالى أن الرجل كان في الجاهلية يكون عليه دين أو قرض فإذا حل دينه قال للديان: أخر لي وأزيدك، أو يقول له الطالب: أرب لي
(1) رواه احمد ومسلم والنسائي.
(2) رواه الدارقطني واحمد وأبو داود والشيخان
(3) الحج: 78
- 23 - (3/23)
صفحة 1451
وأوخرك فيربي له بزيادة من ماله ويؤخره، وهذا فيما قالوا معنى الربا الذي حرمه الله، ويؤيد ذلك ما روي (أنه ما ابتاع بعيراً ببعيرين وأجاز أيضاً بيع عبد بعبدين) وذلك أنه يد بيد. وعلى مذهبهم رحمهم الله أن الربا إنما يكون إذا اجتمعت شروط ثلاثة: الزيادة والأجل والجنس، لأن الزيادة والجنس بلا أجل جائز لما قدمنا من الأحاديث المتقدمة، والأجل والجنس من غير زيادة سلف، والزيادة والأجل من غير جنس بيع لقوله عليه السلام: (إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شتم) (3) فكل ما اتفق مما كان من جنس واحد فلا يجوز بيع بعضه ببعض نسيئة ويجوز بالنقد وكل ما اختلف فهو جائز نقداً أو نسيئة، غير أن
قوله: وهذا فيما قالوا معنى الربا الذي حرمه الله الخ. يعني بالنظر إلى
أصل النزول.
قوله: والأجل، أراد بالأجل مطلق التأخير، ويدل على هذا ظاهر الحديث إنما الربا في النسيئة
قوله: والزيادة، أي بالنظر إلى القيمة وإلا لم يصح مع اختلاف الجنس
إطلاق الزيادة.
قوله: نسيئة، أي مع التفاضل.
(1) رواه ابو داود (2) متفق عليه.
- 24 - (3/24)
صفحة 1452
العلماء اختلفوا من المتفق والمختلف في ذلك، قال بعضهم: كل ما يقتات
:
ويدخر لا يجوز فيه النسيئة لأنه عندهم جنس، وهو قول مالك وأصحابه، وحجتهم في ذلك لما ذكر النبي الا الله في حديث الربا الأصناف الأربعة أعني البر والشعير والتمر والملح علم أنه قصد بكل واحد منها التنبيه على معناه، فهي كلها يجمعها الإقتيات والإدخار، وأيضاً لما كان معقول معنى الربا إنما هو معناه ألا يغين الناس بعضهم بعضاً وأن تحفظ أموالهم فوجب
قوله: من المتفق، الأولى الإتيان بما ويمكن أن تكون جادة، بيان للعلماء
وفيه بعد.
قوله: وهو قول مالك وأصحابه الخ. قال شيخنا: قلت تصوير قول مالك على ما هو المذهب عندهم أن الربا على قسمين: ربا الفضل أي الزيادة، وربا النسيء أي التأخير، فعلى الأول الاقتيات أي قيام بالبنية بحيث تفسد عند عدمه، وادخار لا يفسد المقتات بادخاره اليه، وقال ابن ناجي: ولا حد له أي للإدخار على ظاهر المذهب وإنما يرجع فيه إلى العرف، وحكى الشافعي أنه أسمع في بعض المجالس حده بستة أشهر فأكثر، فالعلة مجموع هذين الأمرين الاقتيات والإدخار، وأما الربا النسيء فالمعتبر في علته مجرد الطعم على غير وجه التداوي كان مقتاتاً أو مدخراً أو لا كرطب الفواكه وكالخضر من بطيخ وقثاء وكالبقول من هندباء إذا علم ما ذكرنا لم يرد ما في الأثر الآتي عن مالك،، وفي الاثر إشارة إلى ما يؤيد الحجة الآتية تأمله انتهى.
قوله: معقول معنى الربا، فيه أن النهي عن الربا غيره معقول المعنى، وإلا لم يجز سلعة تساوي عشرة بخمسة عشر مثلاً إلى أجل والله أعلم. ولعل المراد عنه أنه معقول المعنى وهو ما ذكر والله اعلم.
- YO- (3/25)
صفحة 1453
أن يكون ذلك في أصول المعايش وهي الأقوات، وقال بعضهم: علة الربا ما أنبتت الأرض، وبهذا القول قال الشافعي، وقد قال به بعض
بن
(1) فعلق
اصناف مختلفة
قوله: ما أنبتت الأرض الظاهر أن المراد به ما كان مطعوما لبني آدم بدليل الاستدلال بالحديث وما ذكروه في كتب الشافعية، قال بعضهم: (: وأظنه صاحب المنهاج ما نصه: باب الربا إذا بيع الطعام بالطعام قال شارحه الدميري: وعبر في المحرر بالمطعوم، وعبارة المصنف موافقة له، روى مسلم عن: عبادة الصامت ان النبي علا) نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل) المنع على الطعام وهو إسم مشتق، وتعليق الحكم على الاسم المشتق يدل على التعليل بما فيه من الاشتقاق لقوله تعالى: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منها مائة جلدة) (2) و والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله م (3) ولأنه ما نهى عن بيع المقاصد، اي العلة عندهم الطعم مع الإشتراك في انها مطعومة، فدل على التعليل بالقدر المشترك الخ. قال الماتن عقب ما تقدم إن كان جنسا اشترط الحلول و المماثلة والتقابض قبل التفرق، أو جنسين كحنطة وشعير جاز التفاضل واشترط الحلول والتقابض وقال شارحه: ومثل المصنف قوله: المصنف اي المنهاج بالحنطة والشعير لأنه نقل عن مالك أنها جنس واحد، قال الماتن عقب ما تقدم والطعام ما قصد للطعم اقتياتاً أو تفكها أو تداوياً قال شارحه: لأن حديث عبادة ذكر فيه أربعة: البر والشعير والتمر والملح، وهي. مختلفة المقاصد فمقصود البر والشعير القوت وألحق بها ما في معناهما كالأرز والذرة. ومقصود التمر التأدم، فألحق به ما في معناه كالزبيب والفواكه ونحوها، ومقصود الملح
(1) تقدم ذكره. (2) سورة النور: 2. (3) سورة المائدة: 38
- 26 - (3/26)
صفحة 1454
أصحابنا، وهؤلاء استدلوا على قولهم بما روي أنه (نهى عن بيع الطعام بالطعام)) وقالوا إن الحكم إذا علق باسم مشتق دل على أن ذلك المعنى الذي اشتق منه الإسم هو علة الحكم مثل قوله تعالى: «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، المعنى في ذلك لأجل سرقتهما، وكذلك حديث بيع الطعام بالطعام دليل على ما في حديث الربا على قولهم، وقال
الإصلاح، وألحق به ما في معناه من الأدوية، ولا فرق بين ما يؤكل نادراً كالبلوط شيء يرميه البحر أو غالباً كالحبوب، ومن الربويات الفواكه والحلوى والأهليلج والبقول والتوابل والمسطكة والزنجبيل والصمغ والقرطم وبزر البصل والجزر والفجل واللفت لأنها تصير مأكولة بعد نباتها، إلى أن قال: ولا ربا في الرياحين إلا أن تربت منها شيء بالسكر والعسل، ولا في الصندل والكافور والمسك والنوى والجلود والعظام وإن كان يجوز أكلها لأنه لا يعتاد، إلى أن قال: ولا ربا في الحيوان، ومنع أبو حنيفة بيع الحيوان بالحيوان نسيئة لنا أن. عبد الله بن عمرو بن العاص ابتاع للنبي لا بأمره البعير بالبعيرين وبالأربعة إلى خروج المصدق وباع علي جملاً بعشرين بعيراً إلى أجل ولم يعرف له مخالف إلى أن قال: والمراد طعم الآدميين غالباً وهو بضم الطاء فمطعوم الجن كالعظم وما اختصت به البهائم كالحشيش غير ربوي الخ. قوله: نهى عن بيع الطعام بالطعام أي إلا مثلا بمثل كما هو بقية الحديث عندهم، وإلا فظاهر الحديث على ما ذكره المصنف لا يجوز مطلقاً وليس
كذلك.
•
(1) تقدم ذكره.
- TY- (3/27)
صفحة 1455
بعضهم: علة الربا الكيل والوزن، أي ما يكال بما يكال وما يوزن بما يوزن لا يجوز نسيئة، وحجتهم أن النبي عل الله لم يذكر في حديث الربا إلا أشياء مكيلة وموزونة، فدل ذلك على أن العلة هي الكيل والوزن، وبهذا القول قال أبو حنيفة وقد قاله بعض أصحابنا، وقد نقض أبو حنيفة قوله بإجازة التمرة بالتمرتين وفلساً بفلسين وحبة بحبتين، وهذه الأشياء من باب الكيل والوزن، وفي الأثر: والحجة على مالك وأبي حنيفة أنهما اجتمعا مع أصحابنا أنه لا بأس بشراء الحديد والرصاص والصفر بالذهب والفضة نقداً و نسيئة بأضعاف، و نقض مالك قوله لأن علة الربا عنده الإدخار، وكل شيء يدخر ويقتات فلا يباع بعضه ببعض بأضعاف عنده، ونقض أبو حنيفة قوله في هذه المسألة لأنه أجاز بيع بعضها ببعض بأضعاف، فأما الشافعي فسلم من حجتهما في هذه المسألة لأن علة الربا عنده المأكول، وهذه الأشياء ليست بمأكولة والله أعلم.
الموزونات
قوله: لا يجوز نسيئة، أنظر لم قيد به، فإن الظاهر أنه لا يجوز أيضاً متفاضلا ولو كان يداً بيد عندهم على هذا قوله: وهذه الأشياء الخ. لأبي حنيفة أن يقول من شأن فرد التمرة والتمرتين والحبة والحبتين الكيل والوزن.
قوله: لأن علة الربا عنده الإدخار فيه، إن علة الربا عندهم مركبة من الاقتيات والإدخار معاً فالأولى إسقاط هذا الأثر لما فيه من الخلل.
- YA- (3/28)
صفحة 1456
وذهب بعضهم إلى أن البر والشعير دليل الأقوات من القطاني وغيرها، والتمر دليل الفواكه والحلاوات كلها من المعسولات مثل العنب والتفاح والأنجاص والفستق والموز والجوز واللوز وجميع ثمار الأشجار الخريفية، والملح دليل الأبزار التي يصلح بها الطعام. ولا يجوز كل جنس من هذه الأجناس بمثله إلا يداً بيد والله أعلم. وذهب بعضهم أن المعسولات كلها جنس لا يجوز بيع بعضها ببعض نسيئة مثل التمر والزبيب والتين وما أشبه ذلك. والأدهان كلها جنس مثل الزيت والسمن والودك وما أشبه ذلك، واللحمان كلها جنس، والتوابل كلها جنس مثل الفلفل والكراوية والكمون وما أشبه ذلك، والشراب كلها جنس مثل
قوله: وذهب بعض الخ. هو ما ذهب إليه الشافعي كما تقدم حكاية
عن الدميري.
قوله: القطاني، جمع قطنية بضم القاف وكسرها وتسهيل الياء وهي كل ما له غلاف والأولى إسقاط قوله غيرها وإلا لشمل التمر لأنه من أعظم الأقوات ولكن المراد بغيرها يعني مما ليس من المعسلات فلو لم يزد (وغيرها) لخرجت
الذرة مثلا.
قوله: إلا يداً بيد أي غير متفاضل عندهم.
قوله: واللحمان، بالضم جمع لحم ويجمع أيضاً على لحوم ولحام.
قوله: والشراب، لعله والأشربة.
-99 - (3/29)
صفحة 1457
اللبن والماء والنبيذ وما أشبه ذلك، والحوار كلها جنس مثل البصل والثوم والكراث وما أشبه ذلك، والرياحين كلها جنس مثل الحناء والريحان والسعدان وما أشبه ذلك، والعطور كلها جنس مثل الكافور والمسك والعنبر وما أشبه ذلك، والصباغات كلها جنس كالعصفر والزعفران والنيل وما أشبه ذلك، والمعادن كلها جنس مثل الإثمد والشب وما أشبه ذلك، والأنعام كلها جنس مثل البقر والجمال ومثل الضأن والمعز، وذوات الحوافر كلها جنس، وذوات الاجنحة كلها جنس فلا يجوز في جميع ما ذكرناه بيع بعضه ببعض نسيئة على مذهبهم وقال بعضهم في جميع ما ذكرناه مما تبين خلافه أنه يجوز بيعه نسيئة، وهذا القول الأخير عليه العمل وهو عندي أصح لقوله عليه السلام: (البر بالبر
قوله: والحوار جمع حار بالتشديد.
قوله: والسعدان لعله والسعد، قال في الصحاح والسعد بالضم من الطيب وأما السعدان فقال فيه: نبت، وهو من أفضل مراعي الإبل، وفي المثل: مرعى
ولا كالسعدان الخ.
قوله: ومثل الضأن الخ. إعادة مثل يوهم خلاف قوله، والأنعام كلها جنس،
وفي بعض النسخ إسقاط مثل وهي الأولى.
قوله: نسيئة أي ولو كان متفاضلا.
14. - (3/30)
صفحة 1458
والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح) لأن ذكره عليه السلام هذه الاصناف دليل على أن كل واحد غير الآخر وأنها مختلفة فيكون ذكره هذه الاصناف تنبيهاً على غيرها من الاصناف أنه لا يجوز كل صنف بصنفه نسيئة، وهو أقرب هذه الأقيسة إلى الافهام كقول القائل تعلم (أ ب ت ث) فقط إنما المقصود أن يتعلم سائر الحروف، ولكن لما طال ذكره للحروف جميعاً إجتزأ بعضها وكذلك ذكره عليه السلام هذه الأصناف اجتزاء منه عن غيرها من الزبيب بالزبيب والتين بالتين والفول بالفول واللحم باللحم والذرة بالذرة والزيت بالزيت واللبن باللبن والودك
قوله: لأن ذكره عليه السلام هذه الأصناف دليل الخ. قال بذلك من أصحاب مالك: السيوري وتلميذه عبد الحميد الصايغ، قال ابن عبد السلام: وهو الصحيح لخبر البر بالبر ربا الحديث
المصنف
العدد
قوله: اجتزاء منه عن غيرها الخ. قال شيخنا: قلت ومما يقوي ما قاله رحمه الله ما قاله الأصوليون القائلون بمفهوم العدد أن من مفہوم لا يعمل به إلا إذا صرح به كقوله خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم) (2) وإن لم يصرح به فلا يدل على أن ما عداه بخلافه لأنه لم يقل إن الربا في ستة كما قبل خمس يقتلهن المحرم تأمل انتهى أقول: وجه التأمل أنه لم يذهب احد إلى انه يقتصر على ما ورد في هذا الحديث وأنه لا تحرم الزيادة في غيره حق
(1) رواه مسلم.
(2) رواه الدارقطني والبيهقي.
-- (3/31)
صفحة 1459
بالودك والزعفران بالزعفران والفوة بالفوة وما أشبه ذلك من سائر الاشياء، ويعضد هذا القول إجماع الجميع أن كل صنف من هذه الاصناف لا يجوز بصنفه نسيئة، وفي الاثر: أنه لا بأس بشاة بجمل، وأجمعوا أنه لا يصح درهم كبير بدرهم صغير، ففي هذا الخبر دليل أن كل ما اختلف أجناسه لا بأس ببيع بعضه ببعض سواء أو أضعافاً، نقداً أو نسيئة لقوله عليه السلام: (إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم) والله أعلم. وأيضاً لو كان ذكره عليه السلام بهذه الأصناف يقتضي معنى لا يجوز بيع بعضه ببعض لبينه عليه السلام كما بينه في الذهب والفضة، وهذه الحجة
يستدل بما ذكر، وإنما المقصود من الحديث التنبيه على ان كل صنف لا يباع بمثله نسيئة متفاضلا كما قال المصنف رحمه الله. قوله. إجماع الجميع ان كل صنف الخ. يعني فمن ادعى الزيادة على ذلك ومنع في غير صنفه فعليه البيان قوله: درهم صغير بدرهم كبير لعله إذا كان نسيئة وإلا فأصحابنا يجيزون مثل هذا يداً بيد.
قوله: كما بينه في الذهب والفضة، وذلك أنه روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لطلحة بن عبد الله حين طلب الصرف من رجل فأخذ الذهب يقلبه بيده وقال حتى يأتي خازني من الغابة والله لا تفترقا حتى يتم الأمر بينكما فإني سمعت رسول الله الله يقول: (الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء،
(1) تقدم ذكره.
-32 - (3/32)
صفحة 1460
فيما يوجبه النظر أقوى الحجج والله أعلم. وأما ما قام من هذه الأصناف
وتغير بالصنعة حتى سمي بخلافها فلا يجوز وليس ذلك بالخلاف مثل الشعير بالدقيق أو الخبز أو اللبن باللقط والجبن أو الزيت بالزيتون أو التمر بالرب أو الزبيب بالخل لأنه ولو اختلفت أسماؤه متفق المنافع، وأما بيع القصيل بالقمح أو الشعير فجائز لأنه غير متفق المنافع وكذلك البقول على اختلافها بزراريعها على هذا الحال والله أعلم. وكذلك إن باع له هذا الباب بكذا وكذا رطلاً من حديد وفيه مسامير من حديد فجائز لأن
والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء (الحديث، فلو كان البر مع الشعير كالذهب مع الفضة لبينه فيهما عليه السلام كما بينه في الذهب والفضة لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة والله أعلم
•
قوله: اللقط، في القاموس: الأقط مثلثة ويحرك ككتف وعجز وإبل، شيء
يتخذ من المخيض الغنمي.
قوله: أو الزبيب بالخل، فيه إشارة إلى جواز اتخاذ الخل من الزبيب وقد ذكر في الديوان أنه على رخصة
قوله: بزراريعها، كأنه أراد جمع زريعة على اصطلاح أهل المغرب وليس للفظ زريعة وجود في الصحاح ولا في القاموس، نعم ذكر في القاموس لفظ زريع بمعنى غير مناسبة للمراد حيث قال كسكيت ما ينبت في الأرض المستحيلة مما يتناثر فيها أيام الحصاد الخ. فلو قال ببزورها لكان أظهر
- 33 -
ه م 3 ـ الإيضاح، (3/33)
صفحة 1461
المقصود في هذا البيع هو الباب لا المسامير، وكذلك ما أشبه هذا على هذا المعنى والله أعلم. ومنع بعضهم الربا في غير الأصناف الأربعة المذكورة، ويسمى ما ذكرنا بيع الانفساخ، ومن أجاز الربا هلك، بيع وكذلك من باعه، ومن أجاز بيع الإنفساخ المتفق عليه أو فعله هلك، والمتفق عليه مثل قنطار حديد بقنطارين نسيئة والحيوان كلها واحد بائنين إلى أجل، هذا هو المجمع عليه وما أشبهه بعضهم يسمونه ربا وبعضهم
لم يجز
قوله: لا المسامير، أي فيجوز نسيئة، وأما لو كان المقصود المسامير
قوله: ومنع بعضهم الربا أي إطلاق هذا اللفظ وإلا فمنع الزيادة متفق
عليه في جميع الأصناف مع الأجل كما قال المصنف، فالخلاف لفظي.
قوله: مثل قنطار الخ. لو قال بدله بيع شيء يجنسه متفاضلا نسيئة لكان أخصر وأظهر، اللهم إلا أن يقال: مقصوده رحمه الله بيان ما لا يسمى رباً عند بعضهم ويسمى منفسخاً، فلو عمم لشمل ما يسمى ربا عندهم وليس هو المقصود والله أعلم. والمراد المتفق عليه من جهة كونه لا يجوز أعم من أن يكون ربا أو انفساخاً والله أعلم.
•
قوله: واحد باثنين، أي من جنسه كجمل يجملين نسيئة، وفي حكاية الإجماع نظر فقد تقدم بالهامش عن الشافعي أنه لا ربا في الحيوان قوله: وما أشبهه، الظاهر أنه معطوف على قوله هذا وقوله هو المجمع عليه خبر عنهما لأنه لا يختلف لفظ الخبر تقديماً وتأخيراً فهو بمنزلة زيد في الدار وعمرو لا بمنزلة زيد قائم وعمرو ليس. قوله: وما أشبهه، مستأنفاً لأنه من المجمع عليه قطعاً ثم قوله بعض
- 34 - (3/34)
صفحة 1462
يسمونه
، وروي أنه (نهى عن المزابنة والمحاقلة ((1) انفساخاً فالمزابنة هو بيع التمر على رؤوس النخل بتمر معلوم م كيله إلى أجل معلوم، وكذلك إن كان عنباً بزبيب معلوم كيله إلى أجل معلوم. والمحاقلة هو أن
يبيع الرجل سنبل زرعه بحب معلوم كيله إلى أجل والله أعلم.
مسألة:
وروي أنه مال الله قال: (من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه) (2) وفي بعض الروايات (نهى عن بيع ما لم تقبض وربح ما لم تضمن) (3) فهذا الحديث أعم من الأول لأن الحديث الأول مقصور على الطعام، والحديث الثاني شائع في جميع الأشياء، والعلماء مختلفون، منهم من منع بيع ما لم
يسمونه الخ. مستأنف والخلاف بينهما لفظي.
قوله: إلى أجل، ظاهره أنه إذا لم يكن إلى أجل جائز وإن لم يكن نقداً وفيه تأمل، ولعله أراد بالأجل مطلق التأخير والله أعلم.
قوله: مسألة الخ. كأنه ذكرها عقب الربا لأن ما ذكر فيها شبيه ببيع الربا من جهة أن النهي فيه تعبدي والله أعلم.
قوله: منهم من منع بيع ما لم تقبض جميع الأشياء يعني عملا بالعام.
(1) رواه البخاري.
(2) متفق عليه
(3) رواه احمد ومسلم و ابو داود.
- To- (3/35)
صفحة 1463
تقبض في جميع الأشياء، ومنهم من منعه في الطعام دون غيره أو في المكـ والموزون على قول بعض، وفي الأثر: وأجمعوا أنه لا يباع شيء مما يكال ويوزن إذا اشترى حتى يقبض، وفي جامع ابن جعفر: وعن رجل اشترى من رجل متاعاً إلى أجل واستوجب البيع ولم يقبضه منه حتى بلغ الأجل الذي جعل له فقال: من قال ليس له أن يأخذه بالثمن ثم يقبضه، فإذا
قبضه أنظره من يوم قبضه إلى الأجل الذي جعله له فله إلى ذلك الأجل، فأما حاجب فبلغنا عنه أنه قال: يأخذه بثمنه، قبضه أو لم يقبضه، لأنه لم يحبسه عنه، وهذا الرأي أحب إلي إذ كان قد قبض ما عرف ببيع ثابت ثم تركه برأيه. ومن غيره قال: إذا قبضه هم تركه برأيه فلا اختلاف في ذلك أنه يلزمه لأن القبض قد وقع وإنما وقع الاختلاف فيما لم يقبض
قوله: ومنهم من منعه في الطعام، يعني عملا بالخاص وحملا للعام عليه
•
قوله: أن يأخذه، أي أن يلزمه هذا القول، يدل من قائله أن البيع ليس لازماً حيث جعله متوقفاً على القبض واستأنف له الأجل، فعلى هذا يجوز لكل منها الرجوع وهو المختار فيما سيأتي في المكيل والموزون والله أعلم. قوله: إذ كان قد قبض ما عرف ببيع ثابت الخ. حاصله أن صاحب هذا القول جعل البيع الثابت من غير حبس قبضاً، وأما إن حبسه فسيأتي في باب الرهن أن حبس المتاع بعد البيع لأجل الثمن بمنزلة الرهن فيذهب بما فيه. قوله: يبيع ثابت الخ. حاصل هذا في غير المكيل والموزون لأنها يتوقفان على الكيل والوزن على الصحيح كما سيأتي.
- 36 - (3/36)
صفحة 1464
فقال من قال: إن الواجب هو البيع ولو لم يقبض، وقال من قال: القبض في العروض والمتاع لأنه لا يحكم عليه بقبض ولا تسليم على البائع حتى
قوله: في العروض، متعلق بمحذوف خبر قوله القبض، أي القبض واجب أو مطلوب مثلاً في العروض والمتاع خاصة، ويجوز أن يكون ظرفاً، فالقول متعلق
من
بالقبض والخبر محذوف أي لشرط أو نحو ذلك، فليراجع نسخة صحيحة قوله: على البائع، الظاهر أنه بدل من قوله عليه، وقوله بقبض المراد به التقبيض، وقوله: تسليم، عطف تفسير عليه، والمعنى لا يحكم على البائع بتقبيض السلعة للمشتري وتسليمها له إن أبى من ذلك حتى يسلم اليه الثمن، وانظر هل يجوز أن يكون الضمير في قوله راجعاً إلى المشتري والقبض باقياً على حقيقته وهو الحوز، والمعنى أنه لا يحكم على المشتري بقبض السلعة وتحويزها إذا أبي ذلك ولا على البائع بالتسليم إذا أبى من ذلك ويكون تسليم الثمن إلى البائع غاية للحكم على كل منهما، وإذا كان الحكم والالزام مغياً بما ذكر فالظاهر ان البيع بينهما محل على هذا القول فمن شاء منها رجع، والحاصل: ان القبض في المبيعات مختلف، فأما الأصول والعقارات فالقبض فيها التخلية بين المشتري والمبيع فتلزم بمجرد العقد، واما المكيلات والموزونات فالقبض فيها استيفاؤها بالكميل والوزن مما لم يحصى فلمن شاء منها الرجوع، على المختار فيما سيأتي في بيع الحبوب. وأما غير ذلك من العروض فمن لم يجعل القبض شرطاً فيها فإن الظاهر أنها تدخل في ضمان المشتري بمجرد العقد وليس لأحدهما الرجوع وأما من جعله شرطاً فهي من ضمان البائع، وانظر هل لكل منهما الرجوع عملا بمقتضى الشرط فإنه يلزم من عدمه العدم او ليس لأحدهما الرجوع، وان القبض شرط في انتقال الضمان من البائع إلى المشتري فقط دون لزوم العقد بينهما والله اعلم، فليحرر هذا المقام فإنه في غاية الصعوبة، ثم رأيت في كلام ابن وصاف في شرح قول الدعائم:
- rv - (3/37)
صفحة 1465
يسلم إليه الثمن إذا كان حالاً والله أعلم. وكل من باع قبل القبض فهو داخل في النهي، وإن باعه بأكثر من الثمن الذي اشتراه به فهو «ربح ما لم تضمن،، وروي عن حكيم بن حزام أنه قال: (اشتريت طعاماً من،، الصدقة وأربحت فيه قبل أن أقبضه فقال النبي: لا تأخذ ربح ما لم تضمن) وكذلك عندي كل ما كان في ذمة الغير من دين وسلم وقرض
ويجبر المشتري في قبض سلعته والوزن للثمن الوافي إذا شعبا، رأيت ما يدل على هذا الأخير حيث قال: (مسألة (وكل من اشترى بيعاً فعلى البائع ان يسلم وعلى المشتري ان يقبض وينقد الثمن، قال ابو الحسن: ومن اشترى سلعة فعلى البائع التسليم وإن كان يكال أو يوزن فعلى البائع دفع ذلك إلى المشتري وعلى المشتري القبض فإن لم يقيض أمر بقبض ذلك ودفع ثمنه إلا أن يتفقا على الاقالة، وإن امتنع حبس حق يقبض، وإنما يلزم الثمن بالقبض ومن غيره، وقال من قال: يحكم بتسليم الشراء وتسليم الثمن معا لا قبل ولا بعد، يؤمر البائع أن يسلم ويؤمر المشتري أن يتسلم انتهى، فكلامه صريح في أنه ليس لأحدهما الفسخ ولو كان مكيلا أو موزونا
قوله: لا تأخذ ربح ما لم تضمن، أنظر هل ذلك الربح يكون البائع الأول أولاً يثبت منه شيء لأنه وقع في بيع فاسد لنهيه لا عن بيع ما لم تقبض فإن النهي يدل على فساد المنهي عنه واستعمال المفسوخات لا يجوز كما سيأتي، وانظر إذا فاتت السلعة بهذا البيع لمن يكون ذلك الربح هل يكون للبائع الأول أو لا يدفعه المشتري أو يكون للفقراء والمساكين فليحرر. ثم رأيت في كلامه في باب الإجارات ما يدل على أنه لصاحبه الأول حيث قال: من اكرى دابة أو داراً بشيء معلوم وأكراها للغير بأكثر من ذلك أن يزيد من عنده شيئاً ما نصه
- 38 - (3/38)
صفحة 1466
وإجارة وصداق، وجميع ما كان مضموناً في ذمة الغير فلا يجوز بيعه حتى يقبض، لأنه من باب بيع ما لم تقبض وربح ما لم تضمن، وفسر بعضهم في معنى نهيه عليه السلام عن ربح ما لم تضمن، وفي الاثر: ونهى عن بيع ما لم تقبض وربح ما لم تضمن، وذلك أن يتفق رجل مع رجل على شراء شيء ثم يأتي آخر فيبيعه له قبل أن يقبضه من الاول فذلك غير جائز، وأما إن اشتراه من الاول فباعه قبل أن يقبضه فذلك جائز، ومنهم من يقول غير جائز، هذا على مذهب من لم يشترط القبض والله أعلم. وفي الأثر: وقيل لا بأس أن تولى ما اشتريته قبل أن تقبضه، وعن الربيع
:
فلا تحل له تلك الزيادة وهذا بمنزلة ربح ما لم تضمن في البيوع، وقال أيضاً فمن استأجر ثوباً أن يخيطه بأجرة معلومة، ثم أجره لغيره بأنقص من ذلك ما نصه: فليس له أن يحبس تلك الزيادة وهي لرب الثوب الخ. وهذا ظاهر إذا قلنا أن البيع صحيح وأن النهي لا يدل على فساد المنهي عنه في نهيه عن بيع ما لم يقبض، وأما إذا كان فاسداً فحكمه أن يرد كل واحد منهما ما في يده وما ترتب عليه إذا كانت السلعة قائمة، وأما إذا فاتت يضمنه المشتري بالمثل وبالقيمة ويرجع إليه ثمنه كاملا ولا يضمن بالثمن لئلا يلزم الاعتداد بالفاسد كما سيأتي والله أعلم فليحرر. قوله: ان يقبضه، المناسب للتفريع أن يقول قبل ان يشتريه.
قوله: هذا، الإشارة إلى القول بالجواز.
قوله: وقيل لا بأس أن تولي ما اشتريت الخ. ما لم يكن سلماً على ما سيأتي فإن فيه خلافا
- ra- (3/39)
صفحة 1467
رحمه الله قال: أما ما يكال ويوزن فلا تبعه حتى تقبضه، وفي كتاب ابن جعفر، ومن كتاب أبي علي موسى بن على رحمه الله: وعن رجل أسلف رجلاً مائة درهم ثم احتاج إلى دراهمه وأحب أن يولي ذلك السلف غيره ويأخذ رأس ماله قال: لا يوليه حتى يقبضه، وفي موضع آخر قال: السلف ما لم تبلغ مدته فليس فيه تولية، فإذا حلت المدة ولاه من يشاء، وهذا من قولهم في جواز التولية فيما لم يقبض وفيما كان في الذمة دليل على أنها بخلاف البيوع عندهم، وكذلك الاقالة فيما يوجبه النظر عندي على هذا الحال على قول من قال: إنها فسخ البيع وليست ببيع مستأنف
قوله: وعن الربيع الخ. الظاهر أن هذا تقييد لما في الأثر الأول والثاني من الإطلاق.
•
قوله: أسلف رجلا الخ. المراد بالسلف السلم.
قوله: دليل على انها بخلاف البيوع، يعني بأنها لو كانت بيعاً أي التولية لم يجز لنهيه عليه السلام عن بيع الطعام قبل ان يستوفى، ولنهيه عن بيع ما لم تقبض، وهذا ظاهر بالنظر إلى ما في الذمة لأنها لو كانت بيعاً لصادمت الحديث، وأما بالنظر إلى المعينات غير المقبوضة فإنه يجوز ان يكون بيعاً ويكون ماشياً على قول من لم يشترط القبض ويفسر الحديث بما تقدم في الأثر. قوله: وكذلك الاقالة الخ. قياس الاقالة على التولية يقتضي انه لا يجوز فسخ البيع فيما كان في الذمة إذا كان مؤجلا حق يحل الأجل وفيه تأمل وأما إذا كانت من البيوع فمعلوم أنه حتى يقبض ما في المذمة والله اعلم. (3/40)
صفحة 1468
والله أعلم. وروي أنه (نهى عن بيع الكاليء بالكاليء، وعن بيع وسلف () والكالي بالكالي مأخوذ من قولهم تكلات كلاة إذا أخذت
نسيئة، وكلا الشيء إذا بلغ منتهاه وغايته.
قال الشاعر:
تعففت عنها في العصور التي خَلَتْ
فكيف التصابي بعد ما كَلا العُمْرُ
وبيع الكالي بالكالي بيع الدين بالدين كالرجل يسلم لرجل في طعام فإذا حل وقت تقاضي الطعام قال له المسلّم إليه: ليس عندي طعام أعطيكه وليس عندي مال ولكن بعه مني وأجلني بالثمن شهراً فهذا وما أشبهه من بيع الدين بالدين، وعند أصحابنا لا يجوز بيع الدين لا بنقد ولا
قوله: من قولهم تكلات الخ. هكذا فيما رأيناه من النسخ وهو غير ظاهر، قال في الصحاح: وقولهم بلغ الله بك اكلا العمر اي آخره وأبعده وكلا الدين اي تأخر، والكالي النسيئة، وقال الشاعر: (وعينه كالكاليء الضمار) اي نقده كالنسيئة التي لا ترجى وفي الحديث انه عليه السلام (نهى عن الكالي بالكالي) وهو بيع النسيئة بالنسيئة وكان الأصمعي لا يهمز الخ
قوله: ليس عندي مال، يعني اشتري به الطعام لأوفيك
•
•
قوله: عند اصحابنا الخ. هكذا فيما رأيناه من النسخ وكمله بإسقاط هو او
(1) تقدم ذكره.
- {1 - (3/41)
صفحة 1469
بدين، وعند مخالفيهم أن بيع الدين الذي بطعام أو مكيل أو موزون جائز بنقد، وكذلك عند هؤلاء جميع ما كان في الذمة من جميع العقود التي ليست بمعاوضة، بيعه جائز بالنقد، وأما بيع وسلف فهو أن يقول الرجل لصاحبه: أبيعك هذه السلعة بكذا وكذا درهماً على أن تسلفني كذا وكذا لأنه لا يؤمن أن يكون باعه السلعة بأقل من ثمنها لأجل القرض، وكذلك إن قال له: أسلفك كذا وكذا على أن تشتري به مني
بزيادة ولا يجوز بعد قوله لا يجوز كما هو ظاهر فليراجع، وفي بعض النسخ وهو عند اصحابنا لا يجوز لا نقداً ولا نسيئة وهو أولى.
سلفا
قوله: لا بنقد ولا بدين، يعني والله أعلم إذا كان بأنقص من الدين الذي له في ذمة الغير لأنه هو الذي تحقق فيه الربا بخلاف ما إذا كان بمساو فإنه يصير من غير منفعة وحوالة بعده والله أعلم. ويحتمل انه ممنوع مطلقاً إذا أتيا بلفظ البيع لما فيه من بيع ما ليس معك وبيع ما لم تقبض وبيع الطعام قبل أن يستوفى إذا كان الدين طعاماً، وصرفا مؤخر إذا كان الدين ذهباً أو فضة، وأما إذا لم يأتيا بلفظ البيع فالظاهر أنه لا ضرر فيه والله أعلم. قوله: مكيل، في بعض النسخ مكيول وكل منها صحيحة، قال في الصحاح:
والطعام مكيل ومكيول مثل مخيط ومخيوط.
قوله: التي ليست بمعاوضة، لعله كالصداق والنذر إذا لم يكونا طعاماً. قوله: مني به الخ. التقييد بقوله: به غير ظاهر فإن عدم الأمن موجود وإن لم يكن به اللهم إلا ان يكون الضمير راجعاً إلى السلف المفهوم من أسلف والباء للسببية، أي على ان تشتري مني بسبب السلف ثم قوله مني ظاهر التقييد ايضاً
- 42 - (3/42)
صفحة 1470
هذه السلعة فكلها سواء لا يجوز لأنه لا يؤمن في هذه الوجوه أن يكون
باعه السلعة بأكثر من ثمنها لأجل القرض والله أعلم.
فصل في بيوع الذرائع
:
وهو شيء يعرض للمتبايعين إذا اشترى أحدهما من صاحبه الشيء الذي باعه بزيادة أو نقصان مثل أن يبيع إنسان سلعة بعشرة دنانير نقداً ثم يشتريها منه بعشرين إلى أجل، فإذا أضيفت البيعة الأولى إلى الثانية استقر الأمر على أن أحدهما دفع عشرة دنانير بعشرين إلى أجل فهذا هو الذي يعرف بالقلابات وهو يتذرع إلى: أنظرني وأزيدك، أو إلى بيع
بقوله مني يقتضي أنه: إذا أسلفه على أن يشتري من صاحبه مثلا لا ضرر فيه، وفيه تأمل، فإنه سلف جر منفعة وإن كانت للغير، وربما ترجع إليه من جهة صاحبه والله أعلم.
قوله: لأنه لا يؤمن في هذا الوجه الخ. ظاهره أنه لو أمن ذلك جاز لأن العلة وجوداً وعدماً، وظاهر الحديث يقتضي المنع مطلقاً ولعله
الحكم يدور مع طرداً للباب والله أعلم.
فصل:
قوله: فصل في بيوع الذرائع، هذا الفصل من فروع هيا التعبد
بصير
قوله: يعرف بالقلابات في الصحاح: وقولهم هو حولى قلب أي محتال: بتقليب الامور الخ. قوله: أو إلى بيع ما لا يجوز نسيئة، وذلك كان يبيع بزيادة إلى أجل
-? r- (3/43)
صفحة 1471
ما لا يجوز نسيئة، أو إلى وضع وتعجيل، أو بيع طعام قبل أن يستوفي، وقد اختلف العلماء في هذه البيوع. قال بعضهم بجوازها، وهي عندهم بيوع مستأنفة، وحمل الناس على التهم لا يجوز، لأن من أبطلها أبطلها بالتهمة،
ويردها بأنقص نقداً لأنه آل الآمر بينهما إلى أنه باع ذهباً أو فضة إلى أجل قوله: أنظرني وأزيدك، تصويرها بين من كلام المصنف، فإن الذي باع نقداً ورد نسيئة بزيادة قد تذرع إلى أنظرني وأزيدك
•
قوله: إلى وضع وتعجيل، لعل صورتها أن يبيع الرجل سلعة بعشرة إلى أجل ثم يردها منه قبل الأجل بثمانية ولا يطالبه بالزائد عند الأجل فانك إذا أضفت البيعة الأولى إلى الثانية وجدته قد ردت اليه سلمته وتذرعا إلى وضع وتعجيل، فإن طالبه بالزائد فقد تذرعا إلى انظرني وأزيدك وإلى بيع ما لا يجوز نسيئة، فالوضع والتعجيل، وأنظرني وأزيدك، لا يجتمعان
قوله: أو بيع الطعام قبل أن يستوفى، لعل تصويرها أن يبيع الرجل شيئاً في المكيلات والموزونات بثمن معلوم إلى أجل ويشتريه من الذي اشتراه منه قبل أن يستلمه منه بالكيل والوزن فإن في هذه المسألة لا يجوز أن يشتريه منه مطلقاً لا نقداً ولا نسيئة ولا قبل الأجل ولا بعده، لأنه إن كان نقداً و إلى أجل قبل الأجل الأول ففيه أيضاً أنظرني وأزيدك، وبيع ما لا يجوز نسيئة، وإن كان غير ذلك ففيه بيع الطعام قبل أن يستوفي، فإن كان نقداً قبل الأجل أو إلى أجل قبل الأجل الأول فإنه لا يجوز لما ذكر، وإن كان غير ذلك جاز كما
يؤخذ من كلامه رحمه الله
قوله: بجوازها، وإلى هذا ذهب الشافعي.
- {{- (3/44)
صفحة 1472
وحجة من أبطلها ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لسرية زيد
ابن أرقم (أبلغي زيداً: فإنه قد أبطل غزوه وجهاده مع رسول الله وأبطل حجه وصلاته وصيامه إن لم يتب) وذلك أن زيداً ابتاع جارية من سريته بثمانمائة درهم إلى خروج العطايا فاشترتها منه السرية نقداً بستمائة در هم والله أعلم. وفي الأثر: وسئل عن رجل باع نسيئة بيعاً ثم اشتراه بنقد قال: لا بأس بذلك، ومنهم من يقول لا يفعل ذلك، ومنهم من يرخص إذا وجده يباع في السوق، ومثال هذه البيوع هو أن يبيع الرجل سلعة إلى أجل بعشرين درهماً ثم يشتريها من المشتري بعشرة دراهم نقداً أو إلى أجل هو قبل الأجل الأول فإنه لا يجوز لأنه إذا أضيفت البيعة الأولى إلى الثانية وجدته قد ردت إليه سلعته وأعطى عشرة دراهم بعشرين إلى أجل ولكنه اشتراها بعشرة دراهم إلى أجل هو بعد الأجل الأول أو معه فلا بأس وكذلك أيضاً أن يدفع ما باعها به أو بخلافه فلا بأس على
قوله: لسرية زيد، لعله سماها سرية باعتبار ما كان على حد (وآتوا اليتامى). قوله: ابتاع، اي اشتري.
قوله: بعشرة دراهم نقداً، لو قال بأنقص نقداً لكان أعم وأخصر قوله: بمثل ما باعها به الخ. حاصله أن المماثلة في الثمن لا تفصيل فيها فإنها جائزة مطلقاً، واما إن كان بأنقص او بأزيد ففيه تفصيل، وذلك انه إن كان بأنقص نقداً أو إلى اجل قبل الأجل الأول فانه غير جائز، وإن كان إلى اجل
- {0 - (3/45)
صفحة 1473
كل الوجوه لأنه لم يتهم في هذا والله أعلم. وكذلك أيضاً إن باع سلعة نقداً بعشرة دراهم ثم اشتراها بعشرين إلى أجل فلا يجوز ذلك لأنك لو تأملت ذلك لوجدته قد ردت إليه سلعته وأخذ عشرة دراهم بعشرين إلى
مسمى
لأنه
رد الله
أو إلى أجل بعده فلا بأس، وإن كان بأزيد فإن كان نقداً او إلى اجل قبل الأجل الأول فلا بأس، وإن كان إلى اجل بعد الأجل الأول فلا يجوز سلعته ويقبض عند الأجل عشرين مثلاً ويدفع بعدها خمسة وعشرين عند الأجل الثاني وإن كان إلى اجل مساو فالظاهر انه جائز لأنه بمنزلة الصرف عندنا، يحضر هذا عشرين ويحضر هذا خمسة وعشرين فيصير هذا بهذا لأن السلعة قد بطل حكمها أو يتقدم في الدفع صاحب الخمسة والعشرين لأنه انتفت التهمة، والأولى التقابض في المجلس أو يتقاصًا فيدفع الآخر الخمسة الباقية، وهذا التفصيل في الزائد إذا لم يكن على جهة الاقالة كما سيأتي قريباً والله أعلم لأن الاقالة تبطل الأجل الأول فلا يأخذ البائع من عنده شيئاً فيكون قد ردت اليه سلمته وتبرع بالزائد نقداً أو إلى اجل والله اعلم.
قوله: او بخلافه، كأن يشتريها بعروض اخرى لأنك إذا اضفت البيعة الأولى الى الثانية وجدته قد ردت اليه سلمته ودفع سلعة اخرى ثمنها عند الأجل فكان البيع لم يقع إلا عليها.
قوله: وكذلك إن باع سلمة الخ. هذه هي عين المسألة التي صدر بها أول
الفصل، وإنما اعادها ليرتب عليها التفصيل المذكور.
قوله: سلعته، يعني وأما لو باع سلمة الغير بطريق الوكالة مثلا فإنه يجوز له ان يشتريها لنفسه من غير تفصيل، وكذلك لو باع سلعته وردّها لغيره لا تفصيل فيه والله أعلم.
-27 - (3/46)
صفحة 1474
أجل، وأما إن اشتراها بمثل ما باعها له أو بأقل منه أو اشتراها نقداً كما باعها نقداً سواء كان بأقل مما باعها به أو بمثله أو بأكثر منه فلا بأس بهذا كله لأنه لم يتذرع إلى حرام في هذا وهو بين لمن تدبره إن شاء الله، وإن حدث في المبيع نقص على الشراء الأول فإنه يمكن أن تكون تلك الزيادة في مقابلة ذلك النقص ولا يتهم في ذلك إن اشتراه نقداً بأقل من
قوله: بمثل ما باعها به او بأقل، اي نسيئة ولا يكون شاملا للنقد فلا يتكرر مع ما بعده لكن يشترط في الأقل إذا كان نسيئة ان يكون إلى الأجل الأول او بعده كما هو ظاهر
قوله: في المبيع نقص أي نقص عيني لا نقص قيمة وظاهره ولو اتفقا على أن ينقص منها شيئاً متعمداً يأخذه فلا يجزى وذلك لأنك اذا اضفت البيعة الأولى إلى الثانية وجدته لم ترد اليه سلمته الاولى فأرجع اليه بعضها والبعض الآخر بالزائد الذي في ذمة المشتري فآل انه باع بعض تلك السلعة إلى اجل لكن فيه تأمل إذا وقع الإتفاق على ذلك ولعله لذلك قال حدث
والله أعلم.
قوله: نقص على الشراء وكذلك لو حصل في البيع زيادة فإن الظاهر أنه جائز من غير تفصيل لأن تلك الزيادة تجعلها بمنزلة سلعة اخرى والله اعلم، فليحرر. قوله: إن اشتراه، الأولى وإن اشتراه لتكون إن وصلية فيكون غير هذه الصورة أولى بالجواز، والحاصل أنه لما وقع فيها نقص صارت سلعة اخرى فلها حكم مستأنف والله أعلم.
- {Y- (3/47)
صفحة 1475
ذلك بعد ما باعه إلى أجل والله أعلم، ومن هذا المعنى فيما يوجبه النظر من باع سلعة بعشرة دراهم نقداً ثم قال للمشتري: أقلني وأزيدك عشرة أخرى في أجل سماه، فإنه متهم في هذا أن يكون أخذ عشرة بعشرين إلى أجل، وإنما أدخلا السلعة والإقالة بينهما توصلا إلى ذلك، وأما إن زاده تلك العشرة نقداً فلا بأس، وكذلك إن باعه أول مرة بعشرة إلى أجل ثم ندم وقال للمشتري: أقلني في سلعتي وأزيدك عشرة نقداً أو إلى أجل فإنه لا بأس في ذلك لأنه في هذه المسألة اشترى منه السلعة التي باعها له بعشرة دراهم التي وجبت له، والعشرة التي زادها نقداً أو إلى أجل، ولم يدخل يده شيء وإن ندم المشتري وهو قد اشترى منه تلك السلعة
قوله: وأزيدك عشرة أخرى الخ. يعني والحال أنه رد له أولاً العشرة التي قبضها منه نقداً، وأما لو تأخرت مع العشرة التي يزيدها إلى الأجل الذي سميا فإنه ربا ظاهر لأنه ردت إليه سلعته وأخذ عشرة بعشرين إلى أجل، هذا هو المتبادر من كلامه أو لأواخر كلامه يدل على أنه ما أراد إلا الصورة الثانية والله أعلم فليحرر، والظاهر أنه يمتنع كل منها بدليل.
قوله: وأما إن زاد تلك العشرة نقداً فلا بأس والله أعلم.
قوله: بعشرة، متعلق بأشتري.
قوله: والعشرة، معطوف على عشرة.
قوله: ولم يدخل يده شيء بل تبرع بعشرة، والإقالة فسخت الأجل
الأول بينها.
- {^- (3/48)
صفحة 1476
بعشرة دراهم إلى أجل فقال: أقلني وأعطيك خمسة دراهم، فإنه إن كان نقداً فجائز وإن كان إلى أجل فلا يجوز لأنه باعه تلك السلعة وخمسة
قوله: بعشرة دراهم، هكذا فيما رأيناه من النسخ والأولى بعشيرة الدراهم لأجل وصفه بالمعرفة وهو قوله التي، والقاعدة أنه إذا أريد تعريف العدد عرف العدد المضاف اليه فقط عند البصريين، وعند الكوفيين يجوز تعريفهما معاً فتقول: العشرة الدراهم تشبيها بالحسن الوجه، اللهم إلا ان يقال انه بدل معرفة من نكرة على حد قوله تعالى ويل لكل همزة لمزة، الذي جمع. مالاً وعدده (1) والأمر سهل.
قوله: باعه تلك السلعة وخمسة دراهم إلى اجل، يعني لأن هذا البيع اشتمل على ما لا يجوز بيعه نسيئة وهو الدراهم الخمسة وإنما حكم على العشرة بأنها وجبت مع انها كانت مؤجلة لأن الإقالة وإن قلنا بأنها بيع فسخت بالأجل الذي بينها وظاهر التقييد بالدراهم أنه لو قال له: وأعطيك شيء من العروض معيناً عند أجل سمياه يقتضي انه جائز، وفيه نظر، لأنه يؤدي إلى سلم بغير نقد حاضر لأنه في هذه الصورة اشترى منه تلك السامة والعروض التي عين له إلى اجل بالعشرة التي وجبت له فصارت تلك العروض المؤجلة في مقابلة بعض العشرة التي كانت في ذمة المشتري، والمثمن إذا كان مؤجلاً في مقابلة ثمن يكون سلماً وله شروط ستة ستأتي، ومن جملتها النقد الحاضر وهو مفقود هنا، وإن أمكن تحصيل بقية الشروط والله أعلم. والتقييد بالدراهم إنما هو لأجل التصوير فقط وفيه أيضاً بيع ما ليس معك، أو بيع الطعام قبل أن يستوفي إذا كان طعاماً والله أعلم.
(1) سورة الهمزة: 1.
- {9 -
ه م 4 - الإيضاح» (3/49)
صفحة 1477
دراهم إلى أجل بالعشرة التي وجبت له فهذا لا يجوز، وإن اشترى أول مرة السلعة بعشرة نقداً فقال: أقلني والزم خمسة من العشرة فلا بأس، و هذا كله على قول من أجاز التولية والقيلولة بالزيادة والنقصان والله أعلم. وكذلك أيضاً من اشترى طعاماً بثمن إلى أجل معلوم فلما حل الأجل لم
يكن عند البائع طعام يدفعه إليه فاشترى من المشتري طعاماً يدفعه إليه مكان طعامه الذي وجب له فهذا لا يجوز لأنه دراهم بدراهم نسيئة والطعام مردود إلى صاحبه، وهو أيضاً ذريعة إلى بيع الطعام قبل أن يستوفى، وأجاز آخرون ذلك إن لم يكن بينهما شرط على ذلك، ولا فرق عندهم
قوله: إلى أجل، هو ظرف لغو متعلق باشترى وليس صفة لثمن لأن المعنى ليس عليه لأنه حاضر لكونه سلماً، ولا يجوز أيضاً أن يكون صفة لو طعاماً، للفصل بالاجنبي، وذيل هذه القولة شيخنا سليمان بن احمد فقال: أقول الظاهر أنه حال من النكرة وهو طعام، والمسوغ هو امتناع الوصفية كما ذكره في الحاشية ويقدر عامله خاصاً كما ذهب إلى جوازه السيد عند قيام القرينة، والتقدير لا يدفع الى أجل. تأمل والله اعلم.
قوله: ذريعة الى بيع الطعام قبل ان يستوفي، وذلك لأنه في الحقيقة لما أخذ منه الدراهم عند حلول أجل الطعام كأنه باعه العروض التي استحقها في ذمته بتلك الدراهم التي أخذها منه عند الاجل والله أعلم. والحاصل أنه إن
قبض منه أزيد ففيه مانمان، وإن كان مساوياً أو انقص ففيه المانع الثاني ولذلك قال: وهو أيضاً. والله اعلم. وذيل أيضاً هذه القولة فقال: أقول إن قبض أزيد ففيه ثلاث موانع وإلا فمانمان كما يظهر بالتأمل.
6
191 (3/50)
صفحة 1478
1101
أن يشترى الطعام من غير المشتري الذي وجب له أو من المشتري نفسه، وكذلك أيضاً إن وفاه حقه ثم باعه منه نسيئة فهذا لا يجوز، ولا يبعد من معنى الربا إذا كان بينهما شرط على ذلك، وأما إن كال له حقه وأخذه ولا شرط ثم سأله من بعد أن يبايعه حبا إلى أجل فجائز لهم ذلك فيما بينهم وبين الله، وأما وضع وتعجيل فأجازه بعض وأبطله بعض، وحجة من لم يجوزه أنه شبهه بالزيادة مع النظرة المجمع على تحريمها، ووجه شبهه بها أنه جعل الزمان مقداراً من الثمن وبدلاً منه في الموضعين جميعاً، وذلك هنالك لما زاد في الزمان زاد له عوضه ثمناً وهنا لما حط عنه من الزمان حط عنه في مقابلته ثمناً، وحجة من جوزه قصة بني النضير، وفي الأثر:
قوله: ولا يبعد من معنى الربا وذلك انك إذا اضفت البيعة الأولى إلى الثانية وجدت المديان قد ردت اليه سلمته وتذرعا الى (أنظرني وأزيدك) إن كان هناك زيادة.
قوله: فجائز لهم ذلك الخ. يعني بشرط إعادة الكيل والوزن لنهيه عليه السلام عن بيعتين بكيل واحد ووزن واحد، يعني ما لم يزد فيه شيئاً أو ينقص منه شيئاً فيبيعه جزافاً كما سيأتي.
قوله: فيما بينهم وبين الله، يعني: وأما في ظاهر الاحكام فالظاهر أنه إذا طلع عليه فإنه يفسخ ولا يصدقان في انها لم يقع بينها شرط، لأن الحاكم انما يحكم بالظاهر، وقد وجد الطعام رجع إلى صاحبه وآل الأمر إلى الربا والله أعلم. (3/51)
صفحة 1479
وقال ابن عمر في الذي له دين إلى أجل فقال: عجل لي وأحط عنك قال يريد أن يطعمه الربا ومن غيره، وقال من قال من أهل العلم: إن ذلك جائز إذا حط عنه من الثمن أن يأخذ قبل الأجل في جميع ذلك إلا السلف فإنه لا يجوز قبل الأجل، ومن غيره، وقال من قال: إن ذلك جائز إذا رضي الذي عليه الدين أن يقضيه قبل الأجل ولو لم يحط عنه، وكذلك
قوله: وقال ابن عمر الخ. المناسب تقديم هذا على قوله: وحجة من أجازه وإنما اختره وان كان شاهداً للأول لأجل حكاية الاثر مرتباً ويدل للأول ايضاً نهيه لا عن وضع وتعجيل. قوله: وأحط عنك، مفهومه أنه لو قال له: عجل لي من غير حط لا ضرر فيه اذا رصي بذلك، الا أن المصدر به فيما سيأتي في باب الدين أنه لا ينفسخ لأن الأجل له قسط من الثمن فيكون قد أخذ أكثر. من حقه والله أعلم. قوله: اذا حط الخ. مفهومه انه اذا لم يحط على هذا القول لم يجز لأنه يكون اخذ الأكثر من حقه لأن الأجل له قسط من الثمن
والله أعلم. قوله: أن يأخذ فيه شيء من جهة الصناعة لأن الوصف وهو جائز قد رفع ضمير الموصوف اللهم إلا أن يجعل بدلاً من الضمير المستتر في الوصف على حد إلا ما أمرتني به ان اعبدوا الله كم لأنه لا يلزم من كون المبدل منا في نية الطرح ان يطرح بالفعل والله أعلم
قوله: إن يقضيه، فيه من جهة الصناعة ما تقدم.
قوله: ولو لم يحط، مفهوم، أنه اذا حط كان من باب أولى ويحمل ذلك على الهبة بينها فيكون من حسن القضاء وحسن الاقتضاء، وهذا القول بالنظر إلى عدم الحط
- 87 - - (3/52)
صفحة 1480
السلم عند بعضهم على هذا الحال، ويروى في ذلك الحط والأخذ قبل الأجل للحقوق وهو عن النبي أو هو ساقط من أصله عن النبي في بني النضير أنه لما أراد إخراجهم قالوا: إن لنا على الناس حقوقاً إلى أجل فقال: (ضعوا منها وتعجلوا) والله أعلم بالصواب. وكذلك أيضاً من أعطى لرجل دنانيراً ودراهم على المضاربة فإنه لا يجوز له أن يعامله فيهم ما لم يتحولوا لئلا يتذرعوا إلى عمل المضاربة بالعروض، وفي الأثر: جواز ذلك أيضاً، وقال: لا بأس أن يشتري المضارب المتاع من صاحب
لا مساس أي لا دخل له بما نحن فيه، وإنما ذكر تتميماً للأثر والله أعلم فليحرر. قوله: وكذلك السلم عند بعضهم الخ. لم يحك هذا القول في باب السلم فدل على عدم اعتباره، والله اعلم. قوله: هو، لعله حديث أو ساقط من أصله أو قوله ويروى بالياء فيكون مبنياً للفاعل راجعاً لبعضهم ويكون هو ضمير فصل للتأكيد والمراد التبري منه، ولذلك قال بعد والله اعلم بالصواب، فان هذه الرواية تقتضي الجواز ولو انه ليس كذلك، لأنه باب ضيق لخروجه عن الاصول كما سيأتي
في السلم مع فيه ما يغتفر في غيره، فلذلك لم يذكر هذا القول هناك والله اعلم.
فلا
يغتفر
قوله: إن يعامله فيهم ما لم يتحولوا، الأولى فيها ما لم تتحول، ثم ظاهره شامل لما إذا صرفها من غيره بدراهم اخرى والظاهر في البدل انه ينبني على الخلاف: هل يقوم مقام المبدل منه؟ والله اعلم.
قوله: وقال لا بأس الخ. صاحب الاثر لا يرى الذريعة في مثل هذا مؤثرة
- 53 - (3/53)
صفحة 1481
المال بالدنانير التي أخذها منه على المضاربة فيتجر بها، وفروع هذا الباب كثيرة، ولكن الصحيح النظر يستدل بما ذكر على ما لم يذكر، والأصل فيه أن تضيف الفعل الأول إلى الثاني وتنظر ما صح في يد المشترى ويحكم عليه والله أعلم. وأما نهي غرر، فالغرر يوجد في المبيعات من جهة الجهل إما بصفة الثمن أو المثمن أو بقدره أو بأجله إن كان هناك أجل، وإما من جهة الجهل بوجوده أو تعذر القدرة عليه، وإما من جهة الجهل بسلامته أعني بقاءه ومثل ذلك (كنه الله عن بيع الملامسة والمنابذة وعن بيع الحصاة وعن بيع حبل الحبلة وعن بيع الملاقيح والمضامين وعن بيع الثمار حتى تزهو وعن بيع المعلومة وعن بيع الزروع حتى يبس والعنب حتى يسود وعن بيع الغيبة وعن بيعتين في بيعة واحدة وعن بيع وشرط وعن بيع وسلف (أما بيع الملامسة فكانت صورته في الجاهلية أن
لأنه لا يتهم أو يقال انه مبني على جواز المضاربة بالعروض، والأول اظهر والله أعلم.
قوله: او المثمن، معطوف على الثمن فتكون الصفة مسلطة عليه فيفوته جهل العين كما في بيع الحصاة، والله اعلم، اللهم الا ان يقال: الإمتناع عند جهل العين من باب أولى، والله اعلم قوله: او بقدره الخ. الضمير لأحدهما لأن العطف بأو وليست للتنويع.
(2) متفق عليه. (3/54)
صفحة 1482
يلبس الرجل الثوب ولا ينشره أو يشتريه ليلاً ولا يعلم ما فيه وهذا مجمع على تحريمه، وسبب تحريمه الجهل في الصفة، وأما المنابذة أن يقول له أنبذ لي وأنبذ إليك فينفذ كل واحد من المتبايعين إلى صاحبه الثوب من غير أن يعينا هذا بذا، ولم ينظر كل واحد منهما إلى ثوب صاحبه بل كانوا يجعلون ذلك راجعاً إلى الاتفاق، وأما بيع الحصاة وهو المعروف بالقاء الحجر هو أن يقول المشترى أي ثوب وقعت عليه الحصاة التي أرمى بها فهو لي أو إذا وقعت الحصاة من يدي وقع البيع وهذا كله فاسد، وأما بيع حبل الحبلة ففيها تأويلان: أحدها أنها بيوع كانوا يؤجلونها إلى أن
قوله: مجمع على تحريمه، لعله ما لم يكن مما يفسده النشر كما سيأتي والله اعلم. قوله: ولم ينظر الخ. هذا فيه الجهل ايضاً بصفة المبيع فهو قريب من
الملامسة
•
قوله: وهو المعروف الخ. فيه الفصل بين إما بجملة قامة، وهو غير جائز، اللهم إلا ان يقال الواو للصرف وهو ضمير فصل والضمير صفة لبيع الحصاة إن جاز دخول الواو في مثل هذا، أو يقال الفصل بمثل هذه الجملة جائز لكونها معترضة التفسير فهي بمنزلة المفسر والله اعلم.
قوله: أي ثوب الخ. لما فيه من الجهل بعين المبيع قوله: إذا وقعت، يعني من غير صفقة يجعلون ذلك هو
الجهل أيضاً بعين المبيع.
العقد بينها وفيه
قوله: وأما بيع حبل الحبلة، قال ابن وصاف هو بيع الولد في بطن أمه، وفي (3/55)
صفحة 1483
هو
تجمل ما تنتج به هذه الناقة والغرر في هذا من جهة الأجل وقيل: إنما بيع جنين الناقة، وهذا من بيع الملاقيح والمضامين، فالملاقيح بيع ما في
کتاب غريب الحديث: حبل الحملة ولد الجنين في بطن الناقة، وكذلك قال ابن عيلة: هو نتاج النتاج، وإنما لم يجز بيعه لأنه غرر وذلك انه لا يدري في الحقيقة أولد هو أو ريح؟ وأيضا لا يدري لعله ذكر فلا يحبل، وفي القاموس ونهى عن بيع حبل الحملة بتحريك اي ما في بطن الناقة، أو حمل الكرمة قبل ان تبلغ أو ولد الولد الذي في البطن ويعني بالكرمة شجرة العنب، ولم يذكر ابن وصاف ولا صاحب القاموس التأويل الاول في كلام المصنف، وانما ذكر الخلاف: هل المراد بيع ما في البطن نفسه أو ولده؟ لأن ظاهر الحديث ان البيع واقع على نفس الحبل لانه بيع مؤجل اليه والله اعلم
قوله: انها انت باعتبار الخبر.
قوله: الى ان يحمل، يحتمل ان المراد الى ان يحصل، او الى ان يحمل، على ظاهره وكلاهما لا يجوز، والظاهر الأول، وإنما عبر بالحمل لأنه لا يقال في غير الآدميات حبلة إلا ما ورد في هذا الحديث على ما ذكره أبو عبيدة وأثبته صاحب المحكم، والراجح التخصيص والله اعلم.
قوله: وهذا من بيع الملاقيح والمضامين، فيه انه ان كان الجنين موجوداً فهو من المضامين فقط، وإن كان غير موجود فهو من الملاقيح فقط،، اللهم إلا أن يقال: مراده ان البيع وقع على الجنين قبل الحبل لأن الجنين لا يخلق الا من ماء الجمال، كما هو معلوم، ولم يذكر المصنف رحمه الله المعنى الثاني في ابن وصاف وغيره وهو بيع جنين الجنين وعليه يتأتى أن يكون من الملاقيح والمضامين والله أعلم. وفي نسخة: حنين الجنين.
-07 - (3/56)
صفحة 1484
ظهور الجمال والمضامين بيع ما في بطون الأمهات الإناث من الإبل، هذا كله بيوع جاهلية متفق على تحريمها محرمة من تلك الوجوه التي ذكرناها. وأما بيع الثمار فإنه ثبت من طريق أنس بن مالك قال: (نهى رسول الله
عن بيع الثمار حتى تزهو، قيل: يا رسول الله وما زهوها؟ قال:
حتى تحمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن منع الله الثمرة فيم يأخذ أحدكم مال أخيه؟)) وثبت من طريق أبي سعيد الخدري أنه (نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها)) والنهي واقع على البائع والمشتري ومن طريق أبي سعيد الخدري أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من باع نخلاً
قوله: وأما بيع الثمار، يعني حق تزهو ليوافق ما تقدم ويناسب الاستدلال
بالحديث
قوله: الخدري، في الصحاح وخدره بالضم قبيلة من الانصار منهم أبي سعيد الخدري يعني بالدال المهملة.
قوله: من باع نخلا الخ. يتأمل ما وجه الاستدلال بهذا الحديث لما نحن فيه، من عدم. جواز بيع الثمرة حق يبدو صلاحها، بل ربما يؤخذ منه جواز بيعها بعد التأبير مطلقاً، كما سيأدي فلا معنى لذكره هنا، اللهم إلا ان يقال ذكره
للمقابلة لا للاستدلال والله أعلم.
(1) أخرجه البخاري ومسلم.
(2) رواه الجماعة إلا الترمذي
• Y - (3/57)
صفحة 1485
قد أبرت فثمرتها للبائع إلا إن اشترطها المشتري) ويتعلق بهذا مسائل، وذلك أن بيع الثمار لا يخلو أن يكون قبل أن تخلق وبعد أن تخلق، ثم إذا خلقت لا يخلو أن تكون قبل الصرام أو بعده، ثم إن كان قبل الصرام لا يخلو أن يكون قبل أن تزهو أو بعد أن تزهو، وكل واحد من هذين لا يخلو من أن يكون بيعاً مطلقاً أو بشرط القطع أو بشرط التبقية، أما القسم الأول وهو بيع الثمار قبل أن تخلق فجميع العلماء متفق على تحريمه لانه من باب بيع المعلومة وبيع السنين وهو بيع الشيء أعواماً، وأما بعد الصرام فلا خلاف في جوازه، وأما بيعها بعد ما خلقت فلا تخلو أن
قوله: أثرت بضم الهمزة وكسر الباء الموحدة المشددة، في الصحاح: أبر فلان نخله اي لحقه وأصلحه، وتأبير النخل تلقيحه، يقال: نخلة مؤبرة مثل مأبورة الخ. قوله: قبل الصرام، في الصحاح: صرمت الشيء صر ما قطعته، إلى ان قال
والصرام والصرام جذاد النخل، والصرام بالضم آخر اللين. قوله: وهو بيع الثمار الخ. لعل الفصل بين اما والفاء بمثل هذه الجمل جائز لكونها مفسرة فهي بمنزلة المفسر فليراجع.
قوله: وأما بيعها بعدما خلقت الخ. حاصل ما فيه ستة أقسام لأنها قبل الزهو فيها ثلاثة اقسام وبعد الزهو ثلاثة اقسام ايضاً، وقد بين المصنف رحمه
الله الصحيح من
ذلك والفاسد والمختلف فيه.
(2) رواه ابن ماجه.
- 58 - (3/58)
صفحة 1486
تكون قبل أن تزهو أو بعد ما أزهت، أو يكون بيعاً مطلقاً أو بيعاً بشرط القطع أو التبقية، أما بيعها قبل الزهو بشرط التبقية فلا يجوز بلا خلاف لأنه لم يؤمن من فسادها بعد، ولقوله عليه السلام: (أرأيت إن منع الله الثمرة فيم يأخذ أحدكم مال أخيه؟)) وأما بيعها قبل أن تزهو
قوله: قبل ان تزهو، من ازها إزهاء، واللغة المشهورة زها يزهو زهواً، في الصحاح: الزهو البسر الملون، يقال اذا ظهرت الحمرة والصفرة في النخل فقد ظهر فيه الزهو، وأهل الحجاز يقولون: الزهو بالضم وقد زها النخل زهواً وإزهاء ايضاً لغة حكاها ابو زيد ولم يعرفها الأصمعي، والزهو المنظر الحسن الخ. وقد ذكروا للنخيل سبعة اطوار يجمعها قولك: طاب زبرت فالطاء طلع والهمزة: أعريض، وهو الحب الذي في الأكمام، والباء بلح، والزاي ـ هو، والباء بسر والراء رطب والتاء تمر، وذلك لشبهها بابن آدم فإن له سبعة أطوار مبينة في
قوله تعالى: ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين كم (2) الآية. قوله: أو يكون المناسب ان يقول: وكل واحد منهما ان يكون الخ. قوله: فلا يجوز الخ. لم يعتد بالخلاف الآتي وظاهره: انه لا يجوز ولو كان الشجر للمشتري كان يشتري أولاً نخلا مؤبراً ولم يشترط ثمرتها ثم أراد شراءها ذلك من البائع بشرط التبقية وذلك لأنه وإن جاز شرائها أولاً لا يجوز ثانياً لأنه انما جاز أولاً تبعاً الشجر واما ثانياً فلا يجوز لأن الثمرة لها حكم الاستقلال وقد نهى عن بيعها مستقلة حتى تزهو والله اعلم.
بعد
قوله: ولقوله: المناسب اسقاط الواو.
(1) تقدم ذكره.
(2) سورة المؤمنون: 12.
1891 (3/59)
صفحة 1487
بشرط القطع فإنه جائز لأن النهي إنما ورد في التبقية، وإن باعها مطلقاً ولم يشترط شيئاً ففيها بين العلماء اختلاف: فمن حمل الإطلاق على القطع قال بجوازه، ويكون على المشترى أن يقطعها، ومن حمله على التبقية أبطله وهذا القول هو الصحيح، وعليه العمل لأن الإطلاق في بيع الثمار قبل أن تزهو يدل على التبقية ولولا ذلك ما قال عليه السلام: أرأيت إن منع الله الثمرة فيم يأخذ أحدكم مال أخيه، وأيضاً فحديث أبي سعيد الخدري أنه (نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها) (2) يدل على ذلك، لأن ما بعد الغاية بخلاف ما قبلها، وفي الأثر: وإذا باع الرجل ثمراً قبل أن تبلغ
يحب
?
قوله: فإنه جائز الخ. الظاهر انه يقدر بما إذا كان منتفعاً.، لأن الله لا الفساد، ولنهيه لا عن تضييع المال، ويحجر ولي الأمر على من يفعل
مثل ذلك
قوله: لأن ما بعد الغاية بخلاف ما قبلها، ظاهر هذا الحديث يقتضي منع إيقاع البيع على الثمرة مطلقاً ما لم يبد، صلاحها، لكن وقع الإتفاق على التخصيص بقيد شرط القطع، لأن المفهوم من قوله عليه السلام: (أرأيت إن منع الله الثمرة) على ان هناك ثمرة ترجى في المستقبل فلو قصد الحاضر فقط جاز
والله اعلم. قوله: فقصله، أي ليقصله والله اعلم قوله: قبل ان يبلغ متعلق باشترى، أي قبل ان يستحق الفصل، ويحتمل
(1) تقدم ذكره. (3/60)
صفحة 1488
من أصناف الغلة كلها فإن ابن عبد العزيز كان يقول: إذا لم يشترط ترك تلك الثمرة إلى أن تبلغ فإن البيع جائز، ألا ترى أنه لو اشترى قصيلاً فقصله لدوا به قبل أن يبلغ لكان ذلك جائزاً، وإذا اشترى شيئاً من الطلع حين يخرج فقطعه كان ذلك جائزاً، وإذا اشتراه ولم يشترط تركه فعليه أن يقطعه، فإذا استأذن صاحبه فأذن له في تركه فلا بأس بذلك، وقال
الربيع: لا خير في بيع شيء من ذلك حتى يبلغ، وأما بيعها بعد أن تزهو فالجمهور على جوازه لما قدمناه من الأحاديث المتقدمة، غير أن العلماء اختلفوا في تفصيل ذلك، قال بعضهم: حتى تحمر وتبيض وتعرف بألوانها، والدليل على هذا القول قوله عليه السلام: وقد نهى عن بيع الثمار
التعلق بقصله، ويحتمل ان يكون صفة لقصيل.
قوله: قيل له، لعله حين قيل له عن بيع الثمار هكذا فيما رأيناه مع النسخ بالثاء المثلثة وفيه ان الزهو في اللغة خاص بالنخل كما هو معلوم، ولعله بالتاء المثناة لكن لم يذكر هذا الجمع للتمر في الصحاح ولا في القاموس، ولفظ الحديث في الجامع (نهى عن بيع النخل حتى ترهو، وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة) (1) الخ. فليحرر. والظاهر انه من اطلاق العام وارادة الخاص، قال ابن حبيب المالكي: لثمرة النخلة سبع درجات الطلع، ثم ينفتح الزهو عنه فيكون اغريضاًئم يذهب عنه بياض الاغريض ويعظم حبه وتعلوه خضرة فيكون بلحاً ثم تعلو الخضرة خمرة فيكون زهواً ثم يصفر فيكون بسراً ثم يعلو الصفرة كدرة وتنضج
(1) رواه الجماعة الا البخاري وابن ماجه.
-11 - (3/61)
صفحة 1489
حتى تزهو قيل له: وما زهوها؟ قال: حتى تحمر، وقال آخرون: حتى يؤمن عليها من العامة، وذلك إذا أدركت وطابت كلها، والدليل على هذا القول ما روي أنه قال عليه السلام: (من باع ثمرة نخل قبل أن
الثمرة فيكون رطباً ثم ييبس فيكون تمراً.
(
قوله: حق تحمر، هذا هو مقول قوله أولاً قوله عليه السلام: وانظر لم أعاد قوله، قال: وجعل قوله حق تحمر مقولاً له، والظاهر إنما اعاده لطول الفصل بين القول ومقوله والأمر سهل والله أعلم. ويحتمل ان يكون من الحذف من الاوائل لدلالة الاواخر، والاصل قوله عليه السلام (حتى تحمر) حين قبل
له وقد الخ. قوله: اذا ادركت الخ. هذا القول والذي يليه أشد من الأول والله اعلم، لأن الأول اشترط الزهو فقط وهذان يشرطان الطيب لكن هذا في الكل والذي بعده في بعض كل شجرة، ومعلوم أن الطيب إنما يكون بعد أن تحمر وتبيض وتعرف بألوانها والله أعلم.
قوله: من باع ثمرة نخل قبل أن تزهو الخ. ظاهر هذا الحديث يدل على جواز بيع الثمرة قبل الزهو إلا أنها تكون من ضمان البائع مع أنه تقدم أنه نهى عن بيع الثمرة حتى تزهو اللهم إلا أن يقال لما كان هذا البيع يستلزم كون البائع ضامناً في بعض الأحوال بطل، لأن صحة البيع تنقل الملك وتسقط الضمان فيعلم أنها لا تباع حتى يؤمن فسادها فصح الاستدلال به على المراد، والظاهر أن المراد بالزهو عند صاحب هذا القول طيبها بحيث تؤمن العامة، بدليل آخر الحديث، وإلا فظاهر الحديث يدل على أنها إذا بيعت بعد الزهو المعروف في اللغة فلا ضمان على البائع والله أعلم.
-97 - (3/62)
صفحة 1490
تزهو فأصابتها جائحة فهي من ماله، ولم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟) ومنهم من يقول: إذا طاب بعض ثمر كل شجرة ولو لم يطب الكل فالبيع جائز، ومنهم من يقول: ولو لم يطب إذا أدركت وطابت ثمرة بعض الأشجار دون بعض فالبيع جائز، ومنهم من يقول: ولو لم يطب إلا ثمرة شجرة واحدة فالبيع جائز، وهذا في جنان واحد من جنس واحد من الأشجار، ومنهم من يقول: بيع الغلة جائز إذا طاب بعضها وإن اختلف الأشجار، ودليل هذه الأقوال حديث أبي سعيد الخدري أنه (نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها) وبدو صلاحها يحتمل
هذه الأقوال كلها، وقال بعضهم: إذا ذكرت وتبين الحب جاز بيعها،
قوله: ولو لم يطب إلا تمرة شجرة واحدة، الظاهر أن هذا أشد من الأول لأنه لا تقلب ثمرة شجرة في الغالب إلا وقد أزها غيرها وعرف بألوانها إلا أن يكون أراد بالطيب هنا الزهو فيكون أرخص من الأول، ويدل على هذا قوله بعد في الاستدلال حتى يبدأ صلاحها وبما سيأتي في بيع الزرع حيث استعمل الادراك في دخول الطعام وقال قياساً على بيع الثمرة قوله وإن اختلفت الأشجار، أي فيما بينها كالعنب فيما بينه، والتين فيما بينه، والنخل فيما بينه، ونحو ذلك فلا يباع النخل لأجل طيب العنب والتين مثلا. قوله: جاز بيعها الخ. لعله إذا لم يكن بشرط التبقية بل أطلق، وإلا فقد تقدم أنه إذا كان بشرط التبقية لا يجوز بلا خلاف أو يقال لم يعتد بهذا الخلاف فيما تقدم والله أعلم. قوله: جاز بيعها مفردة، لقائل ان يقول: لا يلزم من جواز اشتراطها جواز
-94 - (3/63)
صفحة 1491
ودليل هذا القول قوله عليه السلام: (من باع نخلة قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع) قالوا لما أجاز أن يشترطها المبتاع جاز بيعها مفردة، ومن العلماء من لا يجوز بيع الغلة على الأشجار كلهما طابت أو لم تطب، والصحيح أن بيعها جائز إذا أدركت، وأمن من فسادها، وإذا اشترى غلة الأشجار وقد أدركت واشترط على البائع أن يتركها إلى وقت معلوم فهو جائز، ويكون على المشتري سقيها، وليس على البائع أن يمنعه الماء الذي يسقي به أول مرة، وإن لم يشترط وقتاً معلوماً فليس للبائع أن يأخذه أن يقطعها دون عادة الناس، ويقطعها المشتري على قدر عادة أهل البلد، ولا يترك أن يضر بصاحب النخل، ولا يترك صاحب النخل أن يضر بصاحب الغلة، والضرر محرم وإن نزع الثمار وترك العراجين فإنه يأخذه بقطعها لأن العادة في ذلك أن يقطعوا مع الثمار، وليس للمشتري في الحطب والليف
بيعها لأنها عند الاشتراط تكون تابعة للأصل، ولا يلزم من الحكم لها بالتبع الحكم لها بالاستقلال ألا ترى الأول جائز بالاتفاق والثاني ممتنع على الأصح والله أعلم.
قوله: ومن العلماء الخ، فيه أن صاحب هذا القول مصادم لظاهر الحديث
قوله: وقد ادركت الظاهر أنه أراد بالادراك هنا الزهو بدليل احتياجها الى السقي وبدليل ما سيأتي في الزرع حيث استعمل الادراك في دخول الطعام وبدليل قوله: وإن لم يشترط وقتاً معلوماً ويحتمل بقاؤه على ظاهره والله أعلم.
•
-98 - (3/64)
صفحة 1492
والسعف شيء، وكذلك أيضاً بيع الزرع إذا أدرك وطاب جائز، وإدراكه أن يدخله الطعام قياساً على بيع الثمرة، وفيه من الاختلاف ما في بيع الثمرة من إدراك البعض أو الكل وغير ذلك نسقاً بنسق، وقال بعضهم:
لا يجوز بيع زرع حتى ييبس، ودليل هذا القول (نهيه عن بيع الزرع حتى يبيض والزبيب حتى يسود) (1) ويكون أيضاً على المشتري أن يقطعه على قدر عادة أهل البلد، كما ذكرناه في الثمار نسقاً بنسق، وإن
قوله: ادرك وطاب، كأنه استعملها في غير الانتهاء فلذلك جاء الاختلاف فيه فهو كالزهر في النخل.
(2)
قوله: والزبيب حتى يسود، الظاهر أنه من تسمية الشيء بما يؤول إليه على حد قوله تعالى: إني اراني أعصر خمراً) ويسمى مجاز الأول، والمراد النهي عن بيع العنب حتى يسود، يعني القابل لذلك وغيره يقاس عليه، فهو كقوله: (الحبة حتى تشتد والعنب حتى يسود) (3) وليس المراد الزبيب الحقيقي والله أعلم لأن الكلام في بيع الثمار على الأشجار ولقول المصنف رحمه الله: ويكون أيضاً على المشتري أن يقطعه على قدر عادة أهل البلد، وأيضاً لا معنى للنهي عن بيع الزبيب حتى يسود لأنه يجوز بيع الثمار بعد القطع بالإجماع على أي وجه كان والله أعلم.
(1) تقدم ذكره. (2) سورة يوسف: 36
(3) تقدم ذكره.
-70 -
ه م ه – الإيضاح» (3/65)
صفحة 1493
اشتراه قصيلاً على أن يقطعه فهو جائز، وإن تركه ولم ينزعه حتى مضى ثلاثة أيام فقد انفسخ البيع، ومنهم من يقول سبعة أيام، ومنهم من يقول إن تركه حتى طاب فالبيع منفسخ، ومنهم من يقول: لا ينفسخ ولو طاب ولكن ليس للمشتري فيما زاد شيء، وهؤلاء أوجبوا بينهم الشركة وإنما انفسخ البيع على الأقوال الأولى، لأنه قد خالف ما عليه الاتفاق بينهما و تحديد الثلاثة الأيام والسبعة فيما يوجبه النظر مقدار ما تزيد فيه الغلة ويتبين زيادتها، وتلك الزيادة لم تدخل في البيع ولذلك فسخوه، وكذلك جميع الغلات إذا اشتراها قبل أن تدرك على أن يقطعها، وغلة الحيوان من الصوف والشعر على هذا المعنى، وجميع نبات الأرض يجوز بيعه إذا بدا صلاحه، وهو استحقاقه للأكل وهذا كله إذا كان ظاهراً، وأما إن كان غير ظاهر فلا يجوز بيعه الاستشارة وهو بيع الغيب المنهي عنه وذلك مثل:
قوله: إن اشتراه قصيلاً، أي اشترى الزرع حالة كونه قصيلا لا أنه اشترى القصيل وحده بدليل ولم ينزعه»، وحينئذ تظهر الشركة بينهما عند من يقول بها إذا بلغ الزرع كأن ينظر القدر الذي اشترى والقدر الذي زاد بعد ذلك فيشتركان بحسب ذلك، والظاهر أن الحب يكون للبائع حيث لم يكن للمشتري شيء فيما زاد والله أعلم.
قوله: الثلاثة الأيام الأولى، ثلاثة أيام، نعم يجوز عند الكوفيين تشبيهاً بالحسن الوجه والله أعلم.
-77 - (3/66)
صفحة 1494
اللفت والجزر والبصل والثوم وما أشبه ذلك من جميع ما تواريه الأرض وبيع الزرع بعد ما درس كذلك لا يجوز، لاستتار الحب في التبن.
مسألة
والغلة على وجهين: منها ما يثمر بطناً واحداً، ومنها ما يثمر بطوناً مختلفة، فالذي يثمر بطناً واحداً جائز بيعه على ما تقدم وهو الذي ذكرناه، والذي يثمر بطوناً مختلفة اختلفوا في بيعه، وذلك مثل غلة شجرة التين قال بعضهم: لا يجوز بيعها، ومنهم من يقول: يجوز بيع ما كان في ذلك الوقت وما زاد فهو للبائع، ومنهم من يقول: له غلة تلك السنة كلها ما كان في ذلك الوقت وما زاد، ويمكن أن تكون العلة في هذا الاختلاف. أما من أبطل بيعها فلأنه عنده بيع ما لم يختلق منها لم يكن
قوله: منها ما يثمر، هو بالبناء للمفعول، ويحتمل البناء للفاعل على الإسناد المجازي على حد في عيشة راضية).
قوله: مثل غلة شجرة التين، لعله في بعض البلدان وفي بعض الشجر لكن إن وقع فهو متمايز فيما شهدناه، نعم: شجرة الليمون تثمر بطوناً لا تتميز وكذلك
الجميز.
قوله: وما زاد فهو للبائع، هذا ظاهر إذا كان متمايزاً ولا ترد عليه حينئذ
علة من أبطل البيع قوله. أما من أبطل بيعها الخ. هذا تفصيل في علة الاختلاف فهو مع ما بعده إلى آخر التعاليل، خبر وتكون والله أعلم.
-74 - (3/67)
صفحة 1495
داخلاً في بيع ما خلق، ولا يجوز بيع بطن منها بشرط آخر، وأما من أجاز بيعها جاز عنده أن يباع ما لم يخلق منها مع ما خلق وبدا صلاحه كما جاز بيع ما لم يطب من الثمرة مع ما طاب، وأما من جعل ما زاد للبائع فالداخل في البيع عنده الموجود دون المعدوم، ولكن لا يتوصل إلى معرفة ما زاد من ذلك. وكذلك على هذا الاختلاف فيما يوجبه النظر غلة البطيخ والباذنجان والقرع وما أشبه ذلك، وغلة هذه الأشياء متصلة البطون بخلاف غلة شجرة التين، وكذلك على هذا المعنى بيع الكراث
قوله: بيع بطن منها بشرط آخر، يعني: ضمناً حيث أوقع البيع مطلقاً على ثمرة الشجرة، ومنها ما لم يخلق، والقاعدة، أن العقدة إذا اشتملت على ما يجوز وما لا يجوز كانت غير جائزة والله أعلم.
قوله: وأما من أجاز بيعها، فيه لف ونشر غير مرتب.
قوله: ولكن لا يتوصل الخ. لعل هذا بالنظر إلى ما شاهده رحمه الله وإلى بعض الأشجار وكلامه بعد في الفرق بين غلة البطيخ وشجرة التين يقتضي أن يكون شجرة التين متميزة، حيث كانت غير متصلة واذا لم تتصل جاز بيع بطن دون بطن فيتراءى أنها أقرب الى الجواز، لكن بالنظر إلى بطن واحد وإلا كان البطيخ أقرب كما قال رحمه الله
قوله: والباذنجان، قال في التذكرة لداوود: معرب عن كاف فارسية الخ.
يعني فأصل جيمها كاف
قوله: بيع الكراث، ومنه بيع البرسيم في مصر
-74 - (3/68)
صفحة 1496
من أجاز بيعه أجازه جزة أو جزتين أو أكثر من ذلك، ومن أبطله أبطله كما ذكرنا، فالعلة في هذا كله واحدة ويمكن أن يكون السبب في هذا الاختلاف هل هو من الغرر المؤثر في البيوع أم ليس بمؤثر؟ وذلك أن اختلافهم يدل أن الغرر ينقسم بهذين القسمين وغير المؤثر هو اليسير أو الذي تدعو إليه الضرورة أو باجتماع الأمرين، ومن هذا الباب بيع السمك في البركة، ففي الأثر: وإذا كانت الآجام محصورة قد حصر فيه السمك فاشتراه رجل فقولهما جميعاً أنه لا يجوز، يعني الربيع وعبد الله بن عبد العزيز، وكذلك بلغنا عن عبد الله بن مسعود وعن عمر بن الخطاب
قوله: الكراث، هو بالثاء المثلثة
قوله: وذلك أن اختلافهم، الظاهر أن هذا جواب عن سؤال مقدر كأنه قيل لم فصلت في الغرر.
قوله: وغير المؤثر الخ. هذا أيضاً جواب عن سؤال مقدر كأنه قيل له: غير
•
المؤثر مع كونه وما غررا قوله: في البركة في الصحاح: والبركة أيضاً يعني بالكسر كالحوض، والجمع البرك، يقال سميت بذلك لإقامه الماء فيها.
قوله: الآجام، في الصحاح الأجمة من القصب والجمع أجمات وآجم وإجماء وأجم الخ. وفي القاموس: الأجم كل بيت مربع مسطح الخ. ولم يبن منها مراد رحمه الله، و كأنه أراد مثل الزرائب التي يصطاد بها من البحر وهو ظاهر
المصنف
والله أعلم. (3/69)
صفحة 1497
رضي الله عنهما أنهما قالا: لا يشترى السمك في الماء وهو غرر، وقال ابن عباد: لا بأس بشراء ذلك، ورواه عن عمر بن عبد العزيز، ومن الغرر أيضاً بيع العبد الآبق لا يجوز بيعه من جهة الجهل بوجوده، ولأنه غير مقدور عليه، ومن طريق أبي سعيد الخدري أنه لا (نهى عن بيع ما في بطون الأنعام حتى تضع، والغنائم حتى تقسم، وشراء الصدقة حتى
تقبض، والعبد الآبق حتى يرجع).
فصل:
وأما نهيه لا عن بيعتين في بيعة واحدة، فهو أن يبيع الرجل سلعته هذه بدينار نقداً أو إلى شهرين بدينار و نصف أو إلى أشهر بدراهم معلومة، فيتراضيان ولا يقطعان ثمناً معلوماً ولا يتفقان على أجل معلوم ولا نقداً ولا نسيئة، فهذا لا يجوز من جهة الجهل بالثمن والأجل، وفي
قوله: والغنائم حتى تقسم، لعله إذا لم يجتمع الجميع على بيعها.
فصل:
قوله: وهو أن يبيع الخ. ظاهره أنه إذا باعها مثلا بدينارين نقداً ودينار
إلى أجل مسمى لا يكون من بيعتين في بيعة
قوله: ولا نقداً، معطوفاً على قوله ثمناً.
(1) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي.
- Y. - (3/70)
صفحة 1498
الأثر: قال أبو الحسن: ومن باع سلعة وقال بكذا وكذا نقداً، أو كذا وكذا نسيئة وأخذ السلعة ومر ولم يقطعا لذلك ثمناً وأشهدا عليه بأحد البيعتين أو أحد الأجلين فإن ذلك عندنا لا يثبت، لأنهما لم يقطعا له بيعاً معلوماً وفيه شرطان، وقد نهى عن شرطين في بيع أو بيعتين في
قوله: وأشهدا عليه، الضمير في عليه عائد على ذلك وهو الشيء المبيع ولم يحمل الإشهاد بيعتين إحدى البيعتين معيناً حيث لم يحصل الإتفاق على ذلك حال العقد والله أعلم، وفي غالب النسخ: وأشهد بالإفراد فيكون الضمير في عليه راجعاً إلى المشترى المعلوم من المقام والله أعلم.
قوله: بأحد البيعتين، أراد به أحد الثمنين وانظر ما إذا عينا أحد الثمنين وأحد الأجلين للشهود بأن يقولا: بدينارين إلى شهرين مثلا، والظاهر أنه باطل عند من لا يجيزه لأن الإشهاد على البيع ليس ببيع والله أعلم. وفي بعض النسخ: وأحد الأجلين، فيكون عين هذه الصورة.
قوله: أو أحد الأجلين فيه أن المذكور أولاً التردد بين النقد والأجل الواحد اللهم إلا أن يقال غلب الأجل على النقد بإرادة مطلق التأخير حيث لم يدفع الثمن والله أعلم فليحرر.
قوله: فيه شرطان المراد بها على ظاهر كلامه الآتي: الزيادة في الثمن والأجل فالظاهر أن هذا من بيعتين في بيعة كما صدر به أولاً، وبطل البيع من جهة الجهل كما تقدم، وأما الزيادة في الثمن على القيمة إذا اشترطها إلى أجل معين فلا بأس بالإجماع، ولا يقال إنه بيع وشرطان كما هو معلوم، وهذا كله من كلام الأثر كما يعلم بالوقوف عليه في ابن وصاف
-11 - (3/71)
صفحة 1499
بيعة، وهذا بيع فيه شرطان، وقد روي عن أصحابنا إجازة ذلك،. واختلفوا في الشهادة فيه، وذلك أن بعض أصحابنا يقول: في هذا أدنى الأجلين وأغلى الثمنين وهو مروي عن أبي عبيدة، ومنهم من يقول: جائز بأقل الثمنين وأبعد الأجلين، ومنهم من يقول: بأقل الثمنين وأقرب الأجلين، ومنهم من يقول: بأكثر الثمنين وأبعد الأجلين، والقول الأول عندي أصح في باب الحجة، وأما من قال بأبعد الأجلين وأكثر الثمنين فإنه أجاز البيع والشرطين، ومن قال بأقل الثمنين فإنه أجاز البيع وأبطل الشرط، ومن قال بأقل الثمنين وأبعد الأجلين فإنه أجاز
قوله: عن أصحابنا، لعله أراد به بعضهم بدليل قوله: لا يثبت عندنا والله أعلم.
قوله: فيه، هذا آخر كلام الأثر وزاد فيه وثبتوه.
قوله: والقول الأول عندي أصح الخ. الظاهر أنه أراد بالقول الأول القول ببطلان البيع، وهو قول أبي الحسين بدليل آخر الكلام حيث قال: وأما من قال بأقرب الأجلين وأكثر الثمنين الخ. وكلامه في التعليل فيه لف ونشر
معكوس.
قوله: أصح في باب الحجة، لأن فيه جهلا بالثمن والأجل كما تقدم، فإن استهلكت على هذا القول دفع قيمتها يوم استهلكها إن كان مقوماً، أو مثلها إن كان مثلياً، واختار هذا القول عن قول ابي عبيدة رحمه الله للحجة التي ذكرت والله أعلم. قوله: وأبطل الشرط، أراد به الجنس فيشتمل الشرطين.
- VY - (3/72)
صفحة 1500
البيع والشرط الواحد وأبطل الشرط الثاني في زيادة الثمن، ومن قال بأقرب الأجلين وأكثر الثمنين فإنه أجاز البيع وأبطل الشرط في الأجل دون الثمن، وهؤلاء كلهم اتفقوا على إجازة البيع. ومما يشبه هذه المسألة:
وإذا باع الرجل بيعاً إلى العطاء فقولهما جميعاً أن البيع في ذلك فاسد ثم رجع ابن عبد العزيز عن ذلك فقال: البيع جائز، والمال حال
وكذلك قولهما في كل بيع إلى أجل لا يعرف، وفي الأثر: وقيل معني شرطين في بيع أن يبيع الرجل شيئاً من ماله لآخر على أن يبيع له الآخر مثل ذلك، وذلك لا يجوز، ومنهم من يقول: ذلك جائز على المتاعمة ومنهم من يجوزه ويبطل الشرط، ومما يلحق بهذا المعنى فيما يوجبه النظر لما فيه من الجهل بالثمن أو المثمن: من باع لآخر هذه السلعة بدينار أو هذه بدينارين، وكذلك أيضاً: إن باع له هذه السلعة بدينار على أن
قوله: وإذا باع الرجل بيعاً الخ. هذا الكلام وقع مبتدأ لأنه أريد به لفظه وتقدم خبره في الجار والمجرور، وفي نسخة: وفي الأثر. وإذا باع، الخ. قوله: فقولهما، أي الربيع وعبد الله بن عبد العزيز.
6
قوله: جائز، هذا مشابه لقول أبي عبيدة لكن تقدم أن الأولى خلافه قوله: أن يبيع الرجل الخ. كون هذا فيه شرطان محل تأمل، اللهم إلا أن يقال لما كان كل واحد منهما طالباً لسلعة الآخر جعل شرطاً والله أعلم.
قوله: على المتاممة، يعني وإن لم يتم له ذلك فسد البيع.
- vr- (3/73)
صفحة 1501
يعطي له الدينار سلعة كذا وكذا والله أعلم.
الباب الرابع في بيوع الشرط والثنيا:
والأصل في هذا الباب ما روي من طريق ابن عباس عن الني ما) أنه اشترى من جابر بن عبد الله بعيراً واشترط جابر ظهره من مكة إلى المدينة فأجاز النبي البيع والشرط)) قال ابن عباس: وإنما أجاز النبي الي هذا لأن الشرط لم يكن في عقدة البيع، قال ابن عباس: (وكان تميم الداري باع داراً واشترط سكناها فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم البيع والشرط (2) لأن الشرط كان في عقدة البيع، ويحتمل أيضاً أن يكون
قوله: الباب الرابع الخ. أنظر لم يذكر غيره من المناهي المتقدمة بلفظ الباب، والحاصل أن المناهي على ما ذكر أولاً أربعة: نهي تحريم، ونهي تعبد، ونهي الغرر، والرابع الشروط في البيع
أن
•
قوله: الثنيا، بالضم إسم من الاستثناء وكذلك الثنوي بالفتح وسيأتي: ما يؤخذ منه أن الثنيا أخص من الشرط، حيث قال في النهي عن بيع الثنيا: هو ن يبيع الرجل الشيء جزافاً ويستثني منه كيلا أو وزناً معلوماً الخ. فجعله خاصاً بما ذكر، وسيأتي ما فيه والله أعلم. قوله: والأصل في هذا الباب، وهو البيع والشرط أعم من أن يكون جائزاً أو ممتنعاً وإن كان ظاهر الحديث يدل على الجواز بدليل ما بعده والله أعلم. قوله: ويحتمل أيضاً الخ. كأنه يشير إلى ما يختاره رحمه الله من أن الشرط
(1) رواه مسلم
(2) رواه الدارقطني وأبو داود والنسائي.
- 74 - (3/74)
صفحة 1502
إنما أبطل ذلك الجهل مدة السكنى، وروي أن عائشة رضي الله عنها (اشترت بريرة لتعتقها فاشترط البائع ولاءها فأجاز النبي من البيع وأبطل الشرط () وقال: (الولاء لمن أعتق) فلاختلاف هذه الأخبار إختلف العلماء في تأويلها، وفي كتاب أبي عبد الله محمد بن بركة: يحتمل أن تكون هذه الأخبار بعضها ناسخ وبعضها منسوخ، ويحتمل أن يكون النبي تركهم وهذه الأخبار ليجتهدوا فيها رأيهم، والذي عندي والله أعلم: أن خبر بريرة كان شرطه غير جائز لأنه اشترط ما لا يجوز تملكه وهو الولاء الذي جعله النبي كالنسب بقوله: (الولاء لحمة كلحمة
النسب ((2) والولاء لا يجوز تملكه بهذا الخبر، ولذلك أبطله النبي
إذا كان فيه منفعة للبائع وتعلق بالعين المبيعة وكان معلوماً جاز كما سيأتي، وأما ابن عباس رضي الله عنه فيرى، أن الشرط إذا وقع في عقدة البيع كان البيع فاسداً كما يؤخذ من تعليله، وفي هذا الكلام أيضاً إشارة إلى أن الصحابي يجب
قبول روايته دون اجتهاده والله أعلم.
قوله: ولاءها، هو بالمد
•
قوله: بعضها ناسخ إلى آخره، فيه أن النسخ يتوقف على العلم بالتاريخ كما تقرر في محله ولا يذهب إلى النسخ إلا بعد تعذر إمكان الجمع، وقد أمكن. قوله: لحمة، اللحمة بالضم: القرابة، صحاح.
(1) متفق عليه.
(2) رواه أبو داود والبيهقي وابن ماجه.
- Yo- (3/75)
صفحة 1503
ويدل أيضاً على ما قال به أبو عبد الله ما روي عن عائشة رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا معشر المسلمين، ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، ألا إن من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله وإن اشترطه مائة مرة ليس له شرطه، فشرط الله أولى وأحق))، وكذلك أيضاً على ما يوجبه النظر: كل شرط لا يحل تملكه فالبيع جائز والشرط باطل، قال أبو محمد: وأما خبر جابر بن عبد الله في بيع البعير إذ شرط
عبد
الله
رحمه الله
قوله: ويدل أيضاً على ما قال به أبو عبد الله الخ. هذا يدل على أن قوله: والذي عندي والله أعلم إلى هنا من كلام أبي عبد الله، والحاصل أن أبا تكلم على الأحاديث الثلاثة واجتهد فيها برأيه بدليل قوله بعد: قال أبو محمد: وأما خبر جابر، الخ. إلا أن كلام المصنف تخلله في بعض المواضع، ثم لما فرغ من كلامه رحمه الله قال: والذي يوجبه النظر عندي الخ. فاجتهد هو أيضا رحمه الله والله أعلم، فليراجع كتاب أبي
رحمه الله.
عبد الله
قوله: ليس في كتاب الله تعالى لعل المراد: ليس في كتاب الله تحليله. قوله: قال أبو محمد، أراد به أبا عبد الله محمد بن بركة، وإذا تتبعت كلام المصنف رحمه الله وجدته تارة يكنيه بأبي عبد الله وتارة يكنيه بأبي محمد والشيخ إسماعيل رحمه الله لا يكنيه إلا بأبي عبد الله، ولعله له کنيتان والله أعلم. وقد يقال: أبي: محمد غير أبي عبد الله وهو الظاهر لأن المفهوم من كلام أبي عبد الله أن الشرط الذي يحل تملكه لا يضر البيع إذا اقترن به، والمفهوم
(1) رواه البخاري ومسلم.
- 76 - (3/76)
صفحة 1504
ركوبه من مكة إلى المدينة لم يكن في عقدة البيع، وإنما كان على وجه العين العارية، وقد روي هذا أيضاً، فهذا دليل منهم على هذا المذهب، أن كل شرط في عقدة البيع يفسده، وما لم يكن في عقدة البيع فلا يفسده، وهو مذهب ابن عباس فيما روي عنه، وذهب آخرون إلى جواز البيع والشرط عموماً بهذا الخبر، وأما خبر تميم الداري فقال قوم: أبطل ذلك لجهالة المدة في السكنى لأنه إذا لم
من كلام أبي محمد أن الذي يحل تملكه يضر البيع إذا اقترن به والله أعلم
فليحرر
قوله: وقد روي هذا أيضاً عن ابن عباس كما تقدم ويأتي أنه مذهبه قوله: أن كل شرط في عقدة البيع يفسده، يعني إذا كان يحل تملكه، وأما إذا كان لا يحل تملكه فالبيع صحيح والشرط باطل، لأن وجوده كلا وجود
لحديث بريرة. قوله: بهذا الخبر، أي خبر جابر بن عبد الله قوله: فقال قوم، أي من المجيزين مجيباً عن هذا الحديث حيث ورد عليهم، و غيرهم أجاب بما سيأتي. قوله: لجهل مدة السكني الخ. وعند ابن عباس رضي الله عنه: إنما بطل لوقوعه في عقدة البيع كما تقدم، وإن كان معلوماً، وتعليل البطلان يجهل المدة هو المناسب لما يختاره المصنف رحمه الله، وأما التعليل بمنع المشتري من التصرف في ملكه فغير ظاهر، لأنه لم يمنعه من التصرف مطلقاً وإنما منعه من الانتفاع بالسكنى سنة فقط، لأن فرض المسألة عنده أن مدة السكني معلومة فهو كمنع الانتفاع بالركوب من مكة إلى المدينة، بل وربما يقال إن هذه المدة أضبط من مدة الركوب لاختلافها باختلاف الطرق، وبالاسراع وبالبطء، فالأولى التعليل بما يناسب كلام
- YY - (3/77)
صفحة 1505
يكن الشرط معلوماً بقسط من الثمن يضبط فسد البيع، وقال آخرون: كان السكني مدة سنة وإنما نقض البيع منع المشتري من التصرف في ملكه، والذي يوجبه النظر عندي أن الشرط في ذلك لا يخلو من وجهين: إما شرط يكون في نفس المبيع، وإما شرط يكون في غير نفس المبيع، فالذي يكون في نفس المبيع هو أيضاً على وجهين: أحدهما أن يكون فيه منفعة للبائع فهذا الشرط جائز إذا كان، والبيع أيضاً جائز قياساً على حديث جابر بن عبد الله، وإن كان الشرط غير معلوم فهو والبيع باطلان قياساً على ما في حديث تميم الداري. الثاني: فيما لا يحل تملكه للبائع فإنه باطل، والبيع
معلوماً
المصنف
رحمه
الله من أنها غير معلومة، أو بما ذهب إليه ابن عباس رضي الله عنه من أن الشرط إذا كان في عقدة البيع بطلا معاً وهذا من عنده والله أعلم. قوله: وقال آخرون الخ. حاصل هذا. مع ما تقدم أن المجيزين للبيع والشرط الذي يحل تملكه وتنوعوا في الجواب عن خبر تميم الداري كما هو ظاهر
والله أعلم. قوله: والذي يوجبه النظر عندي الظاهر أن هذا استئناف خالص من كلام رحمه الله ليجتهد رأيه في الأحاديث والله أعلم. قوله: فيه منفعة، أي ويحل تملكه فالحاصل ان الشرط الذي يجوز هو والبيع
المصنف
هو الذي يكون في نفس الشيء المبيع ويحل تملكه ويكون معلوماً. قوله: الثاني فيما لا يحل تملكه الخ. الأليق بالمقابلة أن يقول مثلاً الثاني ما لا منفعة فيه للبائع ككونه لا يحل تملكه الخ. ويشمل ما أدخله في التشبيه في
- YA- (3/78)
صفحة 1506
جائز قياسا على ما في حديث بريرة، وكذلك أيضاً قالوا: لو اشترط البائع على المشتري ألا يخرجه من ملكه أو يبيعه لفلان أو أن يهبه له أو لا يستعمله إلا في كذا وكذا فهذا كله باطل، لأنه لا يحل له منعه مما يجوز له لقوله عليه السلام (المؤمنون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً)) وأما الشرط الذي يكون في غير نفس المبيع مثل:: أن يبيع أحد بيعاً بقفيز شعير واشترط على المشتري أن يطحنه له أو أن يحمله إلى موضع سماه، أو أن يبيعه له أو اشترط على المشتري أن يعمل له عملاً سماه من وجوه العمل فهذا كله لا يجوز به البيع من جهة الجهل بالثمن
قوله بعد وكذلك الخ. وقد يقال إنما عدل عن ذلك لأن ما ذكر قد توجد فيه منفعة للبائع. قوله: أحل حراماً الخ. أي بالشرع وكذلك في التحريم وإلا فجميع الشروط فيها تحليل وتحريم.
قوله: في غير نفس المبيع، يعني بأن وقع في الثمن.
قوله: واشترط على المشتري الخ. قد دخل الجهل ها هنا في الثمن. قوله: من جهة الجهل في الثمن هذا التعليل يقتضي أنه إذا كان ذلك معروفاً بعرف أو نحوه جاز والله أعلم، فليحرر.
قوله: من جهة الجهل بالثمن، ظاهره أنه لو عين للقفيز مثلا قدراً معلوماً أو لطحنه أو حمله مثلاً قدراً معلوماً لجاز، وفيه تأمل لأنه شبيه ببيعتين في بيعة،
(1) متفق عليه.
- 79 - (3/79)
صفحة 1507
لأن هذا كله من الثمن، وإن اشترطه المشتري على البائع كان أيضاً غير جائز من جهة الجهل بالمثمون لأنه من المبيع في هذا الوجه، وأما إن اشترط المشتري بعض الثمن فهو جائز كما جاز شرط البائع في المبيع، على ما في حديث جابر بن عبد الله، ومثل ذلك إن اتفق المشتري مع البائع أن أن يشتري منه شيئاً بدينار على أن يحط عنه نصف الدينار، وأما إن أبى البائع أن يحط عنه نصف الدينار الذي اتفقا عليه فإنه يقول له المشتري: إن لم تحط عني النصف الذي اتفقت به معك فأنا رددت عليك شيئك والله أعلم. . وأما نهيها عن بيع العربان هو أن الرجل كان يبيع بيعاً ويدفع إليه المشتري من ثمنه شيئاً عربونا ولعله يكون بيده إلى وقت فإن رجع لذلك الوقت وإلا لم يكن له أن يرتجعه من البائع فهذا لا يجوز، وأما
نهيه لع عن بيع الثنيا هو أن يبيع الرجل الشيء جزافاً ويستثني من
منه
لأن الإجارة بمنزلة البيع، ويحتمل أن يكون بمنزلة بيع لأشاء مختلفة بأثمان متعددة فإنه جائز اتفاقا، وعلى هذا فلعل المصنف إنما حكم بعدم الجواز بناءً على أنه لا يجوز بيع أشياء مختلفة بثمن واحد والله أعلم. وله: العربان، فيه لغات أفصحهن فتح العين والراء وضم العين وإسكان
قوله: فهذا لا يجوز، أي ولو أتى له بالثمن لأنه عقد لا يحل. قوله: هو أن يبيع الرجل الخ. لعله فهو، ثم ظاهره أن الثنيا خاص بهذا
- A·- (3/80)
صفحة 1508
كيلاً معلوماً وإنما لم يجز هذا البيع من جهة الجهل بالمبيع، ولأن الإستثناء لعله يأتي على المبيع كله، ويتعلق بهذا في الاستثناء مسائل: واعلم أن المستثنى لا يخلو إما أن يكون شائعاً أو معيناً فالشائع هو أن بيع الرجل هذا الغلام أو هذه الدابة أو الأرض وما أشبه ذلك من جميع ما يجوز فيه التسمية إلا ثلثه أو ربعه أو خمسه أو ماهو أقل من النصف فهذا جائز واختلفوا في استثناء النصف قال بعضهم: يجوز استثناؤه وقال بعضهم: لا يجوز، وذلك أن الاستثناء المعقول منه استثناء القلة من الكثرة كقوله تعالى: «فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) ولذلك
بيع
(1)
ولعله بالنظر إلى النهي وإلا فالثنيا كما تقدم إسم من الاستثناء ولا شك أنه لا يقصر على هذا ويدل له سياق كلامه والله أعلم.
قوله: جزافاً، ضبطه في الصحاح بكسر الجيم حيث قال: الجزاف أخذ الشيء مجازفة، وجزافاً فارسي معرب أنهى المراد أخذه من غير كيل ولا وزن، وسيأتي ما يجوز فيه وما لا يجوز، وذكر أن الجزاف هو المسمى بالحزر، وأظن أن فيه لغة أخرى وهي ضم الجيم فليراجع. قوله: من جهة الجهل بالمبيع، أي جهل المبيع من غيره، وهو المستثنى، وإلا فالجزاف من لازمه أن يكون غير معلوم الكيل والوزن.
قوله: بيع
التسمية الخ. لكن
بيع
التسمية أعم من استثنائها لأنه يجوز
الثلثين مثلا اتفاقاً دون استثنائها
(1) سورة ص: 82.
•
14 -
ه م 6 - الإيضاح) (3/81)
صفحة 1509
اختلفوا في استثناء النصف، والمعين ينقسم قسمين: ظاهر أو غير ظاهر، والظاهر ينقسم قسمين: معلوماً أو مجهولاً، فالمجهول لا يجوز مثل ان يبيع له هذه الغنم أو هذه الجمال إلا عدداً منها، ولا يجوز ذلك من جهة الجهل بالمبيع لأنه لا يدري المبيع من المستثنى، وكذلك إن باع له هذا النخل إلا نخلة واحدة منها وهذه الزياتين إلا زيتونة منها وهي غير معلومة فلا يجوز البيع أيضاً كما ذكرنا، والمعلوم أيضاً ينقسم قسمين: قسماً يجوز استثناؤه، مثل أن له هذا الحائط
يبيع
إلا هذه الشجرة، أو هذه الشجرة إلا الثمرة التي فيها، أو هذه الأرض إلا الزرع الذي فيها وما يشبه ما ذكرناه، وقسماً اتفقوا أنه لا
قوله: هذه الغنم، يعني والحال أنها معلومة العدد فيكون الفساد من جهة الاستثناء، وأما إذا لم تكن معلومة العدد فإنه لا يجوز لأن الجزاف في مثل هذا لا يجوز كما سيأتي والله أعلم.
قوله: إلا عدداً منها، ظاهره أنه إذا استثنى جزءاً شائعاً في الجميع جاز وهو كذلك، ويشمله كلامه السابق، ثم ظهر أن هذا إنما يجوز على القول بأن بيع التسمية جائز ولو كان فيما تمكن فيه القسمة من غير الأرض، والراجح خلافه كما سيأتي.
قوله: إلا نخلة منها، أجاز مالك مثل هذا وجعله شريكا فيما استثنى. قوله: هذا الحائط المراد به البستان مثلاً لأنه في الغالب يحيط به البناء وهو مجاز لغوي حقيقة عرفية والله أعلم. قوله إلا الثمرة الخ. لعله أراد به في النخل مثلا ما قبل التأبير وأما بعده فلا تحتاج إلى الاستثناء كما ورد في الحديث وقد تقدم، ثم ظهر أن الأولى
- AY- (3/82)
صفحة 1510
يجوز وهو أن يبيع له هذا العبد إلا رأسه أو رجله أو يده او هذه الشجرة إلا غصناً من أغصانها، فهذا الاستثناء باطل لا يجوز، كما لا يجوز بيعه
بيع
باتفاق. وكذلك استثناء الصوف على الغنم فعلى مذهب من جوز الصوف على الغنم جاز استثناؤه وعلى قول من لم يجوز بيع الصوف على الغنم لا يجوز استثناؤه، وبعض جوز استثناء الرأس أو الجلد من الشاة، وهذا إذا أريدت للذبح فهؤلاء جوزوا هذا الاستثناء وهو عندهم معين
التعميم في الثمرة لأنه ذهب بعضهم إلى أنها تابعة للشجرة مطلقاً ما لم تقطع وسيأتي الكلام على ذلك فيما يتبع الشيء المبيع والله أعلم. قوله: إلا الزرع الخ. يعني إذا أدرك وأما قبله فإنه لا يجوز إستثناؤه كما لا يجوز بيعه إلا بشرط القطع والله أعلم.
قوله: لا يجوز كما لا يجوز بيعه، قياس استثناء الغصن على بيعه يقتضي الجواز إذا كان بشرط القطع وهو ظاهر لكن يشكل عليه ظاهر قوله الآتي: والنظر عندي الخ. اللهم إلا أن يقال المراد بقوله لأنه بيع وشرط ان استثناءه الرأس فيما ذكر يستلزم شرط الذبح وإلا لو حمل على ظاهره كانت جميع أنه ليس بظاهر، وفيه أيضاً أن البيع والشرط غير مبطل للبيع
الاستثناءات مبطلة
للبيع مع مطلقاً كما تقدم ولعل هذا بحث مع صاحب هذا القول، ولعله ممن لا يجوز البيع والشرط والله أعلم.
قوله: وكذلك أيضاً الخ المقصود التشبيه في قياس الاستثناء
•
على البيع. قوله: وهو عندهم معين معلوم، يعني وكل معين معلوم يجوز استثناؤه ولا
- AY- (3/83)
صفحة 1511
:لا
معلوم، والنظر عندي يوجب أنه لا يجوز لأنه بيع وشرط، وأما غير الظاهر فإنهم اختلفوا في استثنائه، قال بعضهم: يجوز، وقال بعضهم: لا يجوز، وذلك أن يبيع له هذه الشاة ويستثني حملها، فمن أبطله فهو عنده
لا يجوز كما لا يجوز بيعه دون أمه، وهو عند هؤلاء كل ما لا يجوز بيعه مفرداً لا يجوز استثناؤه، فمن أجازه فهو عنده باق على ملك البائع لم يدخل في ملك المشتري، وكذلك إن باع له هذه الثمرة إلا نواها أو هذه البيض إلا محها والله أعلم. وفي الأثر: ويكره أن يباع الشحم في بطن الشاة، وإن استثناه البائع فلا بأس، والمستثنى أيضاً ينقسم قسمين:
يقيسون الاستثناء على البيع حق يمتنع.
قوله: قال بعضهم يجوز، جزم في باب الرهن بهذا القول ولم يحك فيه خلافاً فيدل ذلك على اختياره والله أعلم.
قوله: إلا محها، قال في الصحاح في باب الحاء: والمح بالضم صفرة البيض. قوله: فلا بأس، مفهومه أن البيع فيه بأس يحمل الكراهة على التحريم وهو ظاهر، فرب شيء يحرم بيعه ويجوز استثناؤه، و على هذا فبين البيع والاستثناء عموم وخصوص من وجه يجتمعان مثلاً في التسمية الشائعة إذا كانت أقل من النصف وينفرد البيع في التسمية إذا كانت أكثر من النصف وينفرد الاستثناء مثلا في الشحم في بطن الشاة على هذا القول والله أعلم.
أظهر
قوله: أيضاً ينقسم، لو قال: والمستثنى ينقسم أيضاً قسمين آخرين لكان (3/84)
صفحة 1512
موجوداً ومعدوماً، فالموجود ما ذكرناه، والمعدوم هو أن يستثنى ما لم يحضر من الغلة والسكنى والخدمة قال بعضهم في هذا البيع: أنه لا يجوز و قال آخرون: يجوز البيع والاستثناء باطل، وإنما لم يجز استثناء المعدوم لأن الاستثناء معناه إخراج بعض ما شمله اللفظ، وأما ما يكال أو يوزن إذا استثنى منه كيلاً معلوماً أو وزناً معلوماً فلا يجوز ذلك البيع،
قوله: والسكنى فيه أن المأخوذ مما تقدم على ما اختاره أنه إنما بطل البيع والشرط في حديث تميم الداري لأن مدة السكني مجهولة فلعل المراد بفساد البيع والاستثناء إذا كانت السكنى غير مجدودة على قياس ما تقدم لكن ظاهر التعليل بعد يقتضي عدم الجواز مطلقاً، واهله على خلاف ما يختاره والله أعلم فليحرر. وقد يقال: إنه يفرق بين لفظ الاستثناء ولفظ الشرط. التعليل بقوله: لأن الاستثناء الخ.
ظاهر
قوله: إخراج بعض ما شمله اللفظ الخ. يعني فيبطل الاستثناء فلو كان بلفظ الشرط جاز إذا كانت السكنى محدودة لأن هذا شرط فيه منفعة للبائع وهو
معلوم غير خارج عن الشيء المبيع على قياس قوله فيما تقدم، نعم عند ابن عباس لا يجوز مطلقاً لأنه
بيع وشرط.
قوله: ما شمله اللفظ حقيقة أو حكماً فيشمل الاستثناء المنقطع.
قوله: ما يكال أو يوزن أي وكان معلوم الكيل والوزن لئلا يتكرر مع قوله: وإن كان الشيء الذي الخ. وكذلك مع ما تقدم عند قوله: وأما
نهيه الخ.
قوله: فلا يجوز ذلك البيع، أي حق يحوزه بالكيل والوزن.
- 85 - (3/85)
صفحة 1513
وكذلك إن باع له منه كيلاً معلوماً أو وزناً معلوماً فلا يجوز ذلك البيع لأنه مجهول، وقال بعضهم بجوازه، ولعل من جوزه جوز الإستثناء منه، وإن كان الشيء الذي استثنى منه الكيل المعلوم والوزن المعلوم مجهولاً فلا يجوز لأنه من بيع الثنيا المنهي عنه، وإن باع له شيئاً و استثناه كله فلا يجوز، أو استثنى أكثر منه فلا يجوز، ومنهم من يقول الإستثناء باطل والبيع جائز، وكذلك أيضاً إن وقع الاستثناء على الغير مثل إن باع له هذه الشاة إلا هذه وأشار إلى غيرها فلا يجوز استثناؤه لأن الاستثناء من غير الجنس لا يجوز، ومنهم من يقول في
قولة: وقال بعضهم يجوازه، وهو مذهب المشارقة ومذهب قومنا والمختار خلافه كما ذكره رحمه الله.
•
قوله: وإن كان الشيء الذي استثنى منه الخ. هذا يقتضي أن المسألة الأولى التي وقع فيها الخلاف المكيل أو الموزن والمستثنى منه فيها معلوم الكيل والوزن وأنه إنما يجز البيع عند صاحب القول الأول لأنه لم يتميز المبيع من غيره
•
والله أعلم قوله: أو استثنى أكثر منه، كأن يقول مثلاً: عشرة إلا أحد عشر. قوله: ومنهم من يقول الاستثناء باطل والبيع جائز، أقول هذا مقتضى قوله السابق لأن الاستثناء إخراج بعض ما شمله اللفظ
قوله: من غير الجنس، يعني من المباين فان هذا جزى لا عموم فيه وإلا فغير الجنس قد يجوز الاستثناء منه إذا وجدت المناسبة كقولك: قام القوم إلا حماراً، كما هو معلوم.
- 86 - (3/86)
صفحة 1514
هذا البيع جائز والاستثناء ليس له معنى فيما لم يكن له معنى على هذا القول فهو بمنزلة ما لم يكن والله أعلم. والاستثناء في الثمن بمنزلة الاستثناء في الشيء المباع فيما يجوز من ذلك، وما لا يجوز كما ذكرناه.
الباب الخامس في البيوع المنهي عنها من أجل الضرر والغبن: وهو ما ثبت عنه عليه السلام من نهيه عن أن يساوم الرجل على
قوله: المباع، هكذا فيما رأيناه من النسخ، ولعله المبتاع، من ابتعت الشيء، أو المبيع على اللغة الفصحى أو المبيوع بالتصحيح على اللغة التميمية من بعت الشيء لأن إسم المفعول من الثلاثي على وزن مفعول، فأصل مبيع مبيوع فاستثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى الساكن قبلها فالتقى ساكنان الواو والياء فحذفت الواو عند سيبويه وقلبت الضمة المنقولة كسرة لتسلم الياء، وذهب الأخفش إلى أن المحذوف هو الياء وكسرت الباء وقلبت الواو ياء فرقاً بين ذوات الواو نحو مصون وذوات الباء نحو مبيع.
الباب الخامس في البيوع المنهي عنها:
قوله: الباب الخامس الخ. جعله بابا خامساً بالنظر إلى المناهي المتقدمة لأنها أربعة، وإلا هو في الحقيقة قسم ثان من مطلق المناهي قسم المناهي المتعلقة بذات البيع لأن هذه أسباب خارجة عن ذات المبيع فلذلك كانت غير مفسدة للبيع، وإنما يعصى مرتكبها إلا في الغش والخديعة، بل البيع ثابت في الجميع عند أصحابنا، واختار المصنف ثبوت الخيار في بعض الصور كما سيأتي. فالاستثناء منه غير صحيح والله أعلم. قوله: أن يساوم على سوم أخيه، المساومة على الغير تتصور بأن يزيد على المشتري في الثمن وأن يأتي للمشتري سلعة أخرى عند البائع، فإن في الأول
- AY- (3/87)
صفحة 1515
سوم أخيه، وعن أن يبيع على بيع أخيه، ونهيه عن تلقي الركبان وعن أن يبيع حاضر لباد، وعن الاحتكار وعن النجش وعن الغش والخديعة: أما نهيه عليه السلام عن أن يساوم الرجل على سوم أخيه، فالبيع في هذا عند أصحابنا جائز، والمرتكب عاص وذلك لأن هذا فيما يوجبه النظر إنما هو عن البيع وإنما تضمن ضرر الغير، ولذالك نهى عنه، وهذا النهي إنما هو في أهل التوحيد كلهم، وأما المشركون فلا بأس بالسوم عليهم لقوله عليه السلام) على سوم أخيه) والمشركون ليس بإخوان (لنا، وكذلك كل من لا يصح بيعه لا يصح سومه فلا بأس بالسوم عليه، وجوز بعـ. بعضهم أن يساوم الرجل على سوم غيره إلا إن كان متولياً فليس بأخ لك، وحمل بعضهم هذا النهي في غير الأسواق ومواضع البيع، وأما السوق ومواضع البيع فجائز أن يزيد الرجل على سوم غيره لما روي أنه الله و وصل إليه إنسان وشكا إليه الحاجة ومعه حلس وقدح فقال
الضرر على المشتري وفي الثاني على البائع. قوله: في غير الأسواق ومواضع البيع، الظاهر أن المراد بها محل المناداة، وأما لو كان في دكان أو محل بيع من غير مناداة فالظاهر المنع كما يفهم من قوله: من يزيد؟ والله أعلم. قوله: حلس هو بكسر الحاء وسكون اللام، وروي فتحها قال في الصحاح: الحلس للبعير وهو كساء رقيق يكون تحت البردعة، وحكى أبو عبيدة حلس
- AA- (3/88)
صفحة 1516
عليه السلام: من يشتريها منه؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهم، فقال النبي عليه السلام: من يزيد؟ فقال له رجل آخر: أنا أخذهما بدرهمين، فقال عليه السلام: هما لك بدر همين) (1) فأجاز البيع لمن يزيد، وهو المناداة لقوله عليه السلام من يزيد، وقد نهى عن المزايدة في السوم ولذلك حملوا هذا النهي في غير الأسواق، وليس الخبران متعارضين عندهم، وهذا السوم المنهي عنه سواء فيه النقد والنسيئة والثمن الذي ساو. به الأول أو خلافه، وكذلك القيلولة والتولية لا يدخل عليه فيساوم ما يطلبه لأنهما بيع من البيوع، وأما غير البيع فلا بأس أن يدخل عليه فيطلبه، وهذا السوم المنهي عنه سواء طلبه لنفسه أو لغيره والله أعلم. وأما نهيه
وحلس مثل شبه و شبه ومثل ومثل، وأحلاس البيوت ما يبسط تحت حر الثياب، وفي الحديث) كن حلس بيتك أي لا تبرح، وأم حلس كنية الأتان، والحلس أيضاً الرابع من سهام الميسر الخ. قوله: وهو المناداة، لعله على حذف مضاف أي وهو أي البيع المذكور
بيع
المناداة
قوله: وليس الخبران متعارضين، ويجوز أن يقال تعارضا وأمكن الجمع
بينهما، والمراد بعدم معارضتها عدم استمرار ذلك والله أعلم قوله: وأما غير البيع فلا بأس الخ. يستثنى منه الخطبة في النكاح لنهيه عليه السلام أن يخطب الرجل على خطبة أخيه حقى يزوجوه أو يردوه.
(1) رواه البيهقي
-49 - (3/89)
صفحة 1517
عن أن يبيع أحدكم على بيع أخيه، فمعناه ومعنى أن يساوم أحدكم على سوم أخيه واحد لأن البيع في كلام العرب من حروف الأضداد يقع على
البيع والشراء قال الله ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله)
(1)
ومن حمله على العموم فليس ببعيد فيا يوجبه النظر، وأما نهيه لا عن تلقي الركبان، فإنهم اختلفوا في مفهوم النهي عنه، فرأى بعضهم.
أن
المقصود بذلك أهل البلد لئلا ينفرد المتلقي برخص السلعة دون أهل
قوله: لأن البيع الخ. هذا جواب عن سؤال مقدر كأنه قيل له إن الحديث ورد بلفظ البيع فكيف يراد منه ذلك؟ قوله: قال الله تعالى: ومن الناس من يشري نفسه) فيه أن هذه الآية إنما تدل على أن الشراء من أسماء الأضداد لا على أن البيع كذلك، قال في الصحاح: بعت الشيء: شريته، إلى أن قال: وبعته أيضاً اشتريته، وهو من الأضداد إلى أن قال: وفي الحديث) لا يخطب الرجل على خطبة أخيه ولا يبيع على بيع أخيه (يعني لا يشتري على شراء أخيه فإنما وقع النهي على المشتري لا على البائع الخ، والمصنف رحمه الله أجاز حمله على العموم يعني في البيع والشراء فيكون من قبيل المشترك، وفي الصحاح أيضاً فيما يتعلق بالشراء: الشراء يعمد ويقصر يقال منه: شريت الشيء أشريه، شرى إذا بعته وإذا اشتريته أيضاً، وهو من الأضداد الخ.
قوله: إن المقصود بذلك أهل البلد، أي المنفعة لهم، وقيل المنفعة
للجالب
(1) سورة البقرة: 207 (3/90)
صفحة 1518
البلد فيضر بهم، وهذا إذا أراد بها التجارة، وذلك إذا سمعوا خبر المسافرين فيخرجون إليهم قبل أن يدخلوا المنزل فيشترون منهم للتجارة وأما غير التجارة مثل ما ينتفعون به من الكسوة وما يستخدمونه فلا بأس بجميع ذلك إلا ما يطلبون فيه الربح، وكذلك أيضاً لا يردون المسافرين إلى منازلهم إذا توجهوا إلى منازل غيرهم لئلا يضروا بهم وهذا كله إذا كان الإلتقاء قريباً، وأما إن كان بعيداً فلا بأس به. وحد القرب والبعد في ذلك ستة أميال، وهو حد السفر عند أصحابنا والسفر لطلب التجارة مباح لقوله تعالى: (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله، (1) وفي الأثر، وأما من لقي المسافرين في الطريق ولم يخرج إليهم أو وردا إليه في بعض المنازل في طرف المنزل فلا بأس أن يشتري منهم
(1)
قوله: قبل أن يدخل المنزل، يعني وأما اذا دخلوا المنزل فيجوز، وهذا إذا لم يكن طعاماً، وأما الطعام ففيه تفصيل سيأتي، ثم الظاهر أن المراد بالمنزل محل بيعها، ويدل له قوله بعد فيمن نزلوا عليه في طرف المنزل حيث جعل ذلك رخصة فقط لمن لم يقصد على ما فيه أيضاً والله علم.
قوله: لا يردوا المسافرين إلى منازلهم: أي سواء توجهوا للبيع أو للشراء. قوله: في طرف المنزل، في بعض النسخ طريق وهو أنسب لقوله بعد: ولو فيا
دون ستة أميال.
(1) سورة المزمل: 20.
-91 - (3/91)
صفحة 1519
للتجاره وغيرها، ولو فيها دون ستة أميال، وفي نفسي من هذا شيء إذا علم بحاجة أهل البلد إلى ذلك والله أعلم. وإن أذن له أصحاب المنزل إلى الخروج فلا يخرج يتلقى السوالع لنهي النبي عن ذلك، وسواء في هذا المسافرون والمقيمون والرجال والنساء لعموم النهي، ويحجر على من يفعل ذلك، وإن خرج وكسر الحجر فإنه يخرج منه الحق والله أعلم
وفي الأثر أيضاً ما يدل على أن المقصود بهذا البائع لئلا يغبنه الملاقي، وذلك مروي عن عمر عن النبي عليه السلام) أنه نهى أن تتلقى الأجلاب و أن يبيع حاضر لباد) (2) معناه هو ما نهى عنه من الغرر والخديعة،
قوله: فلا بأس أن يشتري الخ. صاحب هذا القول اعتبر مفهوم القيد في نهيه عليه السلام عن تلقي الركبان فإنه يقتضي القصد إلى ذلك، ومن اعتبر العلة النهي لم يجز ذلك وهو الظاهر، وإنما خص النهي عن التلقي لأنه الغالب، والقيد إذا جرى مجرى الغالب لا مفهوم له والله أعلم
قوله: لنهي النبي لا عن ذلك، هذا يدل على أن النهي للتعبد، وما تقدم يدل على أنه معقول المعنى وهو الظاهر، اللهم إلا أن يقال فيه الشيئان معاً والحاصل من الخارج أن الحديث فيه قولان، قيل إنه تعبد، وقيل إنه معقول
المعنى، والمقصود أهل البلد، وقيل البائع، وقيل هما معاً.
قوله: معناه الخ. نهيه أن تتلقى الأجلاب دون قوله وأن
يبيع حاضر
لباد لأن معناه سيأتي وهو أن مقصود منه أهل البلد لكن ينظر من أين يؤخذ
•
(2) رواه الجماعة إلا الترمذي.
-97 - (3/92)
صفحة 1520
وإن خديعة المسلم محرمة، وذلك أن الرجل والقوم يبلغهم أن الركب قد أقبلوا فيتلقاهم فيخبرهم بكساد الأسواق فيشتري منهم ما لا يعرفون بسعره في البلد فيكون هذا غرر منه، وعند أصحابنا فيما وجد في الأثر أن الذي يتلقى الأجلاب والحاضر الذي يبيع البادي أنهم آثمون والبيع ثابت، وفي كتاب أبي عبد الله محمد بن بركة: وكان الشافعي يرى للبائع إذا تلقى جلبه فاشترى عنه بنقص من ثمنه فالخيار إليه إن شاء أجاز وإن شاء نقض، وهذا قول يسوغ تأويله في النفس، ويعجبني أن كل غرر يذهب به مال هذا طريقه لأن النبي نهي عن الغرر وقال: (خديعة المسلم محرمة) (1) وأما نهيه عن بيع الحضري للبدوي وأن
حاضر
من هذا أن المقصود منه البائع لئلا يغبن بل اقترانه بقوله وأن يبيع حاضر لباد يدل على أن المقصود أهل البلد، كما أن المقصود من قوله وأن يبيع اهل البلد أيضاً والله أعلم فليحرر، اللهم إلا أن يقال هذا التفسير مروي عن عمر وحينئذ لاحظ للنظر مع وجود الأثر، والله أعلم فليحرر. قوله: يسوغ تأويله في النفس الخ. سيأتي أن المذهب في الغبن أنه لا يؤثر في البيع وهو مذهب مالك أيضاً اللهم إلا أن يفرق بين الفين من غير تلق والغبن بالتلقي فإن الثاني ورد فيه النهي وكذلك كل غبن حصل بالخديعة والغدر لورود ذلك النهي عن وهو الظاهر والله أعلم.
(1) رواه الجماعة الا البخاري.
-97 - (3/93)
صفحة 1521
يعان بدوي على حضري هو: أن يتلقى الرجل أو الجماعة من أهل القرى فيتولون البيع ويتحكمون على أهل البلد بالأثمان التي يريدونها، قال عليه السلام: (ذروا الناس ينتفع بعضهم من بعض)) لأن الحضري يتحكم على الناس بمال غيره ويتربص به، والبداة يبيعون بما يرزقون من السعر، فالمقصود بهذا النهي على هذا التأويل هو الإرفاق بأهل الحضر، وأما أن يعان بدوي على بدوي أو حضري على حضري فلا بأس، وفي الأثر: وقيل إن بدوياً قدم ببضاعة فقال لطلحة: بعها لي فإني لست أعرف سوقها، فقال: نهانا رسول الله له أن يبيع حاضر لباد، ولكن ساوم فأشير عليك، وكأن طلحة في هذا ذهب إلى أن النهي مقصور على البيع لا غير، وقال بعض: إنما كان هذا في زمان الجاهلية حيث كان أهل
قوله: هو أن يتلقى الخ. مفهومه أنه لو أرسل له البدوي الشيء من غير تلق جاز وفيه تأمل، ولعل التقييد بالنظر إلى الغالب والله أعلم فليحرر. قوله: من أهل القرى، لعل بعده: البداءة مثلا.
قوله: وأما أن يمان بدوي على بدوي الخ. نفي قسم ثالث وهو أن يعان
حضري على بدوي والظاهر الجواز والله أعلم.
قوله: لباد، كأنه أراد بالبادي البادي، المقابل للمقيم فإنه قد يكون حضرياً
والله أعلم.
(1) رواه الجماعة الا البخاري.
-98 - (3/94)
صفحة 1522
البادية مشركين، وأما في هذا الزمان فلا بأس، والله أعلم. وأما نهيه عن الاحتكار وهو أشد هذه المناهي لقوله عليه السلام: (المحتكر ينتظر اللعنة))، ومعنى الاحتكار أن يشتري الرجل الطعام للتجارة وقت رخصه فيرفعه إلى وقت غلائه في البلد التي اشتراها فيها، والنهي واقع على المقيمين دون المسافرين لأن المسافر إنما ذلك منه تجارة ونفع يرفعه من بلدة إلى بلدة، وقال بعضهم: الإحتكار المنهي عنه إنما يكون في الحبوب الستة التي تخرج منها الزكاة، وليس في القطاني ولا في الأدهان ولا في جميع ما يشترى وسوى الحبوب الستة احتكار، والذي يؤل إليه مذهب هؤلاء والأولين أن الاحتكار إنما يكون في القوت، ولذلك شدد فيه النبي عليه السلام، وذهب بعضهم إلى أن الاحتكار لا يكون
قوله: وهو أشد هذه المناهي الخ. لم يذكر رحمه الله جواب أما، ولعل
النسخة فهو.
قوله: الطعام الخ. ذكر رحمه الله في الايمان أن الطعام إسم لما يطعم
مطلقاً.
قوله: دون المسافرين، أي الذين يريدون الإنتقال.
قوله: وليس في القطاني، في الصحاح: والقطينة بالكسر واحدة القطاني کالعدس وشبهه الخ. يعني من جميع ماله غلاف والله أعلم
(1) رواه أحمد ومسلم وأبو داود.
-90 - (3/95)
صفحة 1523
"
إلا في البر والشعير، وهؤلاء ذهبوا إلى أن ما فيه جل قوت الناس
وذكر أيضاً عن بعضهم أن الناس إذا أخذوا حاجتهم من الطعام وبقي بعد حاجتهم ا أنه لا بأس على من يشتريه ويرفعه إلى الغلاء ولا يكون محتكراً، وهؤلاء جوزوا شراء الغلة في أوانها للربح وليس فيه احتكار عندهم، والذي يشبه هذا القول، وفي الأثر: وروي عنه ما نهى عن الاحتكار في البيع وهو الذي يتلقى الجلوبة من الطعام فيأخذ ذلك كله ثم يحتكر فيه ويحبسه ولا يبيعه ويتربص فيه الغلاء، وكلهم متفقون على أنه ليس في غير الطعام احتكار وإن اشتراه على أن يبيعه في الوقت الذي اشتراه فيه فلا بأس عليه لأنه ليس ينتظر به الغلاء، وكذلك إن اشتراه وأخرجه من الأميال إلى بلدة أخرى فلا بأس عليه لأنه مسافر، وكذلك إن اشتراه لنفقته ونفقة عياله سواء ذلك لسنة أو لسنين كثيرة، وإن ذهنل
قوله: والذي يشبه هذا القول مبتدأ وخبر والمعنى: والأشبه هو هذا فهو يختاره رحمه الله، ويحتمل وجها آخر من الإعراب وهو أن يكون هذا القول مفعول يشبه، وقوله: وفي الأثر، خبر المبتدأ، ووجه الشبه مراعاة حاجة أهل البلد فيكون التلقي على قسمين: قسم منه يسمى احتكاراً أو تلقياً وهو ما إذا كان المتلقي طعاماً، تلقياً فقط وقسم يسمى: وهو ما عدا ذلك والله أعلم. قوله: وهو الذي يتلقى، أنظر لم خصه بهذا وجعله قسماً من التلقي وكأنه جعله استشهاد المال إختاره من جواز شراء الغلة في أوانها والطعام بعد
الاستخار
-97 - (3/96)
صفحة 1524
شيء من النفقة فلا بأس عليه أن يبيعه لأنه ليس بمحتكر، والمحتكر هو
ما دخل ملكه
بوجه من
الذي يشتري للربح أول مرة، وكذلك جميع وجوه الأملاك غير الشراء فلا بأس أن يرفعه إلى وقت الغلاء وليس بمحتكر في ذلك، والله أعلم. ومن اشترى طعاماً لاحتكار فإنه يؤخذ ويجبر على بيعه كما اشتراه، إلا إن كان السعر أرخص مما اشتراه فإنه لا يجبر، وكذلك إن تغير عن حاله أو خرج من ملكه بوجه من وجوه الأملاك أو رده إلى نفقته فإنه لا يجبر في هذه الوجوه كلها لأنه قد زال عن الصفة التي اشتراه عليها، وإنما يجبر على بيعه لتشديد النبي عليه السلام فيه لقوله: (المحتكر ينتظر اللعنة)) والله أعلم. وأما نهيه له عن النجش
قوله: للربح أول مرة، أي من البلد نفسه أو داخل الأميال. قوله: كما اشتراه الخ. أنظر هل معناه أنه يجبر على بيعه بمثل ما اشتراه به ولا يزيد على سعر ما اشترى به ولو كان السعر أزيد عند غيره، أو معناه أنه يجبر على تعاطي البيع كما أنه تعاطى الشراء ويبيع بالسعر الحاضر إذا لم يكن أرخص وهذا هو الظاهر، ويدل عليه أنه لم يذكر أن المحتكر يرد الزائد كما ذكر ذلك في الناجش، لأنه لو أراد المعنى السابق لقال بمثل، ولأن الاستثناء على المعنى الثاني أظهر والله أعلم
قوله: النجش، هو بفتح النون وسكون الجيم، وهو في اللغة تنفير الصيد وإثارته من مكانه الصياد، من نجشت الصيد أنجشه بالضم نجشاً، وفي الشرع:
:
(1) تقدم ذكره.
-94 -
ه م 7 - الإيضاح: (3/97)
صفحة 1525
فهو أن يزيد الرجل في الشيء الذي يباع ولم يكن عن الشراء، سواء كان الشيء المباع لنفسه أو لغيره، فلا يحل له ذلك، وإن فعل ذلك وزاد فيه. وبيع الشيء على هذا الحال كان ذلك عليه تباعة وعليه أن يدرك المشتري ويخبره بذلك، وإن كان صاحب الشيء هو الناجش فالمشتري بالخيار، وإن كان غيره فلا يكون عليه حجة وعليه التوبة من ذلك والانتصال، وفي الأثر: قال أصحابنا البيع ثابت والناجش عاص، وأحب أن يكون للمشتري الخيار في البيع إذا لم يعلم بذلك إذا كان الفعل عن مواطأة بين الناجش ورب السلعة، وإن كان من غير مواطأة
الزيادة في ثمن السلعة ممن لا يريد شراءها ليقع غيره فيها، سمي بذلك لأن الناجش يثير الرغبة في السلعة فحصلت المناسبة
قوله: فهو أن يزيد الرجل، مفهومه أنه لو دفع ابتداء أكثر من قيمته أو مثلها مثلاً ليقع غيره أنه لا بأس به، والظاهر أنه حرام، ولعل المراد بالزيادة مطلق الدفع والله أعلم.
•
قوله: والناجش عاص، يعني وعليه التوبة والإنتصال حيث لزم البيع، فيدفع للمشتري ما زاد في السلعة من الثمن وما بنى على زيادته قوله: إذا لم يعلم، في غالب النسخ إذا علم، والمراد أنه يثبت له الخيار عند علمه بالنجش بعد البيع، وعلى نسختنا: له الخيار إذا لم يعلم بالنجش حيث قبل البيع والله أعلم.
كأنه
قوله: مواطأة، أي موافقة، وإنما كان له الخيار في هذه الصورة لأن رب السلعة
هو
الناجش حيث رضي بذلك.
-94 - (3/98)
صفحة 1526
كانت بينهما فالبيع لازم للمشتري والناجش عاص ربه، والقول الأول هو الذي يوجبه النظر عندي والله أعلم. وأما نهيه عن الغش فإنه روي عنه أنه قال: (من غشنا فليس منا) (1) ففي الأثر: يعني ليس بولي
لنا
، وروي عنه (أنه مر بطعام فقال: ما أطيب هذا الطعام، فقال له جبريل: ادخل يدك في جوفه، فأدخل يده فوجده متغيراً فقال له عليه السلام: أما انك قد حملت خصلتين، خيانة في دينك وغشاً للمسلمين) وروي أنه نهى عن بيع الغش، وهو تغير الصورة عن حالها. ومثل ذلك في الحيوان إذا أراد أن يبيعها فيعطشها ثم يسقيها الماء ويمشط الكسا لبرهانها جديدة أو يرش ثياب الكتان بالجير والملح أو من يعرف الجزات، ومثل من ينفخ في الشاة إذا أراد أن يسلخها أو يمسح لحمها بالدم أو يجعل الملح في الشحم ليشتغل به، وبالجملة إن الغش ما يظهره بائع السلعة
قوله: والقول الأول، كأنه أراد به قول الأصحاب، وهو ان البيع لازم مطلقاً والناجش عاص، وليس المراد بالقول الأول ما قبل الأثر لأنه هو القول الثاني في الأثر في الحقيقة، لأنه إذا كان عن مواطأة فكأنه هو الناجش فيتحدان، والله أعلم. قوله: من غشنا فليس منا، هذا الحديث مروي عن ابن مسعود، وتمامه: (والمكر والخداع في النار)، وفي رواية من طريق أبي هريرة: (من غش فليس
منا) (2) وهذه أعم.
(1) متفق عليه. (2) تقدم ذكره.
-99 - (3/99)
صفحة 1527
من أحسن ما فيها ويكتم قبيح ما فيها ولا يظهره في وقت البيع، وربما يظهر بعد ذلك فهذا شؤم وغش لا يجوز، وأما ما يكون في الشيء تزيين في عينه فليس بغش، مثل مسحه من الغبار وما يدنسه أو تزينه بأداته مثل الفرس، والجمل، والأمة، وغيرها ومثل الكمامين للحم فلا بأس بهذا كله وليس بغش والله أعلم. ومن هذا المعنى روي أنه قال: (لا تصروا الإبل والغنم) (1) وفي الأثر: روي عن النبي عليه
قوله: بالكمامين، جمع كمون وهو جميع الأبزار.
علي
قوله: (لا تصروا الإبل والغنم (ضبطه بعضهم بفتح التاء وبعضهم بضمها، والحاصل أن الفعل إذا أخذ مما يتعلق بالإبل فهو من صر" يصر، وقياس إسم مفعول منه مصرورة، في الصحاح: وصررت الناقة شددت عليها الصرار، وهو خيط يشد فوق الخلف والتودية لئلا يرضعها ولدها الخ. وإن أخذ مما يتعلق بالغنم وهو من صرا يصري كزكى يزكي، واسم المفعول منه مصراة كمزكاة، و به ورد الحديث كما سيأتي بعد في الصحاح، وصريت الشاة تصرية إذا لم تحلبها أياماً حتى يجتمع اللبن في ضرعها أو الشاة مصراة الخ. فعلى هذا غلب ما يتعلق بالغنم على ما يتعلق بالإبل، ولأنه ذكر في القاموس أيضاً فيما يتعلق بالإبل ما يدل على أنه سمع فيها صرى أيضاً قال: والمصراة المحفلة وهو من صرى يصري الخ. قوله في الصحاح: فوق الخلف، ذكر في محل آخر أن الخلف بالكسر حلمة ضرع الناقة القادمان والآخران، وقوله أيضاً: التودية، هي واحدة القوادي
(1) متفق عليه.
1111 (3/100)
صفحة 1528
السلام من طريق ابن عمر قال: (بيع المحفلات خلابة، وخلابة المسلم لا تحل) (1) وهو أن يحبس الرجل اللبن في أخلاف ناقته وضرع شاته و بقرته يومين أو ثلاثة ليغر به المشتري ويوهم المشتري أن لبنها كل يوم هكذا، وقد نهى عليه السلام عن اتهام المسلم وغرره، قال أصحابنا إن البيع في هذا ثابت والبائع عاص. ويعجبني أن الخيار للمشتري إن شاء قبل البيع وإن شاء نقض. والدليل على هذا القول ما روي أنه علي قال: (لا تبيعوا الإبل والغنم مصرأة فإنه من اشتراها مصراة وكرهها
وهي
الخشبات التي يشد على خلف الناقة المصراة كما يؤخذ منه قوله: الحفلات، المحفلة بتشديد الفاء هي المصراة، قال في الصحاح: والتحفيل مثل التصرية، وهي أن لا تحلب الشاة أياماً ليجتمع اللبن في ضرعها للبيع، وشاة حفلة ومصراة، ونهى رسول الله لا عن التصرية والتحفيل.
قوله: خلابة، أي خديمة.
عن
قوله: وهو، لعل الضمير عائد إلى التحفيل المأخوذ من المحفلات. قوله: عن اتهام المسلم، المناسب لقوله: ويوهم المشترى أن تكون النسخة إيهام فليراجع، ثم ظهر أن الاستشهاد بالنظر إلى قوله وغرره. قوله: والدليل على هذا القول، أي الذي اختاره صاحب الأثر بقوله:
ويعجبني.
(1) رواه البخاري.
-1·1 - (3/101)
صفحة 1529
(1)
ردها وردّ على صاحبها صاعاً من تمر (1) وتفسير صاع من تمر فيما قالوا لعله يعني ثمن اللبن والله أعلم. ومن هذا أيضاً بيع الغبن، وروي.
(2)
(أنه نهى عن قيل وقال وعن تضييع المال وكثرة السؤال) و معنى قوله قيل وقال كثرة الكلام فيما لا يعني، ومعنى كثرة السؤال هو طلب الحوائج إلى الناس والإلحاح عليهم، واختلفوا في معنى
:
قوله عليه السلام عن تضييع المال: قال بعضهم: أن يبيعه ولا يحوطه ولا يحفظه، وقال بعض: معناه ألا يغين في الشراء، وينبغي للرجل أن يقدم على نفسه في البيع والشراء لئلا يغبن، إلا أن ابتغى في ذلك الفضل لما جاء فيه من الأثر عليه السلام (المؤمن سمح إذا باع، سمح إذا اشترى) (3) فتكون المسامحة بين المتبايعين بمنزلة الهبة والصدقة، وقيل معنى الرواية في هذا أن يسامحه بعد البيع ويتصدق عليه ببعض الثمن. وكل ما يتغابن فيه الناس فإنه جائز للمشتري، وعلى البائع سواء كان ذلك الشيء له أو لم يكن له إذا كان في يده للبيع، وأما ما يتغابن فيه
قوله: ورد على صاحبها، لعله إنما عبر في جانب الصاع بالرد للمشاكلة. قوله: أو لم يكن له الخ. ظاهره أن ما يتغابن فيه الناس جائز مطلقاً،
(1) تقدم ذكره.
(2) متفق عليه
(3) رواه مسلم وأبو داود والنسائي.
- 102 - (3/102)
صفحة 1530
الناس فإنهم اختلفوا في ذلك، قال بعضهم: لا يجوز بيع الغبن في ماله ولا في مال غيره، وقال بعض: جائز على نفسه في بيعه وشرائه في ماله وفي مال غيره إذا لم يحاب ومنهم من يقول: جائز، ولو حابي أو علم بالغين ويضمن ما غبن لصاحبه. واعتماد هذا القول على قوله عليه السلام: (المؤمن سمح إذا باع، سمح إذا اشترى)، وأما القول الأول، فحجة النهي الوارد عن إضاعة المال، وأما القول الثاني فكأنه متوسط بين القولين، وقد ذكر عن أبي عبيدة، وفي الأثر: «قال أبو سفيان: خرج أبو عبيدة ذات يوم إلى مكة ومعه سابق العطار، وكان سابق من خيار من أدركت، قال: فبينما هما نزول في بعض المنازل إذ
ولو كان لغيره وحابي كما يشعر به التفصيل بعد، وليس بظاهر إذا حابي في مال الغير فإن الظاهر أنه يضمن مطلقاً، اللهم إلا أن يقال: ليس في كلامه ما ينفي الضمان وإنما مراده جواز البيع فقط، وذلك لا ينافي الضمان للغير عند المحاباة والله أعلم.
قوله: وقال بعضهم جائز الخ. هذا هو مذهب أصحابنا كما سيأتي في باب القسمة من أن الغبن لا يؤثر في البيع، وأما القسمة فيؤثر فيها إذا كانت قسمة فرعية أو تخاير لأنها غير بيع، وكذلك عند مالك على الصحيح أن الغبن لا يؤثر في البيع، والذي عليه العمل عند مشايخنا الآن بالجزيرة أنه يؤثر إن كان ثلثاً والله أعلم. قوله: فبينما هما نزول، أي ذوا نزول، أو على تأويل المصدر باسم الفاعل،
-1·7 - (3/103)
صفحة 1531
وقفت عليهم أعرابية ومعها لبن وسمن وجدي، قال: فاشترى منها سابق اللبن والسمن الجدي بقارورة خلوق وقلادة، ثم جاء باللبن إلى أبي عبيدة فقال: أخر عنا لبنك يا سابق، قال: ولم يا أبا عبيدة؟ قال: ويحك كم ثمن القلادة؟ قال: دانق ونحوه، قال: كم ثمن القارورة؟ قال: دائق أو نحوه، قال: ويحك وإنما الغبن للعشرة اثنان أو خمسة للعشرة أو للدرهم درهم، وأما مثل هذا فلا، قال: فأرسل سابق إلى الاعرابية فجاءت فقال لها أبو عبيدة: كم ثمن اللبن؟ قالت: لا ثمن له عندنا، قال: فكم ثمن السمن؟ قالت: در همان، قال: فكم ثمن الجدي؟ فقالت: در همان، فقال: فأخرج سابق أربعة دراهم فدفعها إليها، فقال أبو عبيدة: هلم الآن لبنك يا سابق، فهذا من أبي عبيدة يدل على أن بيع الغبن لا يجوز، والحد في ذلك الخمس والله أعلم. وأما أو على المبالغة على حد زيد عدل، أو جمع بناء، على أن أقل الجمع إثنان.
قوله: خلوق، كصبور، ضرب من الطيب
قوله: دانق، الدائق سدس الدرهم. قوله: وإنما الغين، في كتاب السير لعمنا أحمد بن سعيد: ويحك إنما بإسقاط الواو، وقال في آخر كلامه: أراد ما ثمنه در هم تبيعه بدرهمين يعني الثلث أو السدس أو النصف، قال له: وأما مثل هذا فلا، انتهى. وفي التفسير لف
ونشر مشوش.
قوله: يدل على أن بيع الغبن لا يجوز، أي الغين الذي لا يتغابن فيه الناس
11·21 (3/104)
صفحة 1532
D
النهي الوارد من قبل وقت العبادة فهو ما ورد في ذلك. إذا نودي للصلاة
(1)
من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم، (1) وهذا أمر مجمع عليه عند الأذان الذي يكون عند الزوال، واختلفوا في حكمه إذا وقع: هل ينفسخ أم لا ينفسخ؟ وهل يلحق سائر العقود في هذا البيع أم لا يلحق؟ وقد ذكر هذا فيما تقدم، يعني في الجزء الأول والله
بأن زاد على النصف، بدليل قول أبي عبيدة رحمه الله: وأما مثل هذا فلا يجوز فالمراد بقوله: والحد في ذلك، أي في ابتداء ما يسمى غبناً لكن يجوز إلى أن يصل إلى النصف والله أعلم.
قوله: الخمس، يعني فيما يسمى غبناً، وأما أقل من ذلك فليس بغين، والغين الذي يجوز بين الناس عند أبي عبيدة ينتهي إلى النصف، لكن بين كلام المصنف وصاحب السير خلاف في نسبة الإثنين، فالمصنف جعل نسبتهما إلى العشرة على جهة كونها مأخوذين منها، وصاحب السير على جهة كونهما مضافين إليها
لتكون النسبة إلى العشرة على وتيرة واحدة كما هو ظاهر، والله أعلم. قوله: من قبل وقت العبادة الخ. لم يتعرض رحمه الله للنهي الوارد من قبل المكان، مع أنه ذكره فيما تقدم، ولعله كالبيع في المسجد والمكان المغصوب بالنسبة لمن غصبه والله أعلم. قوله: واختلفوا في حكمه الخ. الظاهر أن سبب الخلاف هل النهي يدل
على فساد المنهي عنه أو لا.
•
قوله: فيما تقدم، يعني في صلاة الجمعة حيث قال: وكذلك النكاح قياساً على
(1) تقدم ذكره) سورة الجمعة).
11901 (3/105)
صفحة 1533
أعلم. وقد روي أيضاً عن النبي لا اله الا أنه (نهى عن البيع قبل طلوع الشمس) (1) ففي قولهم أن هذا نهي تأديب يحتمل أن يكون ترغيباً لهم بالاشتغال بذكر الله في ذلك الوقت لما فيه من جزيل الثواب، ويحتمل أن يكون نهيه لهم في ذلك الوقت من اغترار المشتري، وقلة معرفته
لما يشتريه للبس الظلامة الباقية من الليل والله أعلم.
البيع، وذكر هناك أن محل فساد البيع بالنسبة لمن وجبت عليه بخلاف من كان مسافراً أو من لم يجب عليه لفقد شرط من شروطها.
ooooo
-1.7 -
(2) رواه الدارقطني والبيهقي. (3/106)
صفحة 1534
وهي
باب في معرفة الاسباب المصححة للبيع بالجملة ضد الأسباب المفسدة له، وهي على ثلاثة أجناس: الباب الأول في العاقدين، فإنه يشترط فيها أن يكونا بالغين مالكين أو وكيلين تام التوكيل، وأن يكونا مع هذا غير محجور عليها أو على أحدهما إما لحق أنفسهما كالسفيه والمريض و إما لحق غيرهما كالعبد، إلا أن يكون
باب في معرفة الاسباب المصححة للبيع
هي
ضد الأسباب
ضد
قوله: وهي على ثلاثة أجناس الخ. في كون هذه الثلاثة المفسدة، له نظر، فإن ضدها في الحقيقة سلامته مثلا من نهي التحريم التعبد، ونهي الضرر، وعن الشروط والثنيا والغش والخديعة وغير ذلك من ما تقدم. وهذه الثلاثة في الحقيقة إن كان في البيع الصحيح زائدة على الأسباب المصححة له لكن المصنف رحمه الله جعل هذه الثلاثة ضد الأسباب المفسدة باعتبار ما اشتملت عليه من الشروط، وإلا فهي في حد ذاتها موجودة في البيوع الفاسدة أيضاً قوله: بالغين، لو زاد عاقلين لإخراج المجنون لكان أظهر وأولى من إخراجه بالمحجور عليه، لأن المجنون في الحقيقة ليس ممن يقبل الحجر والله أعلم. قوله: كالسفيه أدخلت الكاف المجنون والسكران.
قوله: والمريض، في كون المريض محجوراً عليه الحق" نفسه مطلقاً تأمل، لأنه
- 107 - (3/107)
صفحة 1535
(2)
مأذوناً له في التجارة. أما اشتراط كونهما مالكين فإنه لا يجوز التصرف في الأموال لغير ملاكها لقوله عليه السلام: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفسه) (1) وقد (نهى أيضاً له عن بيع ما ليس معك). وهو أن يبيع الرجل السلعة وليست في ملكه، وأما اشتراط كونهما بالغين فلأن الأطفال لا قبض لهم في أموالهم ولا دفع فلا يجوز تصرفهم، لقوله تعالى: «وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً
•
قد يمنع لتعلق حق الوارث بالتركة والله أعلم، ويدل على هذا كلامه بعد قوله: كالعبد، لعل الكاف استقصائية، وأما المرأة فإنها لا يحجر عليها عندنا
خلافا لقومنا فيما زاد على الثلث والله أعلم.
قوله: أما اشتراط الخ. فيه نشر غير مرتب.
قوله: السلعة، أراد به الشيء المبيع مطلقاً
قوله: وليست في ملكه، في تخصيص الحديث بهذا تأمل، لأنه يقتضي أن ما كان في ملكه يبيعه مطلقاً. مع أنه ليس كذلك فإن العروض لا تباع وهي غائبة على الراجح، اللهم إلا أن يقال: المفهوم إذا كان فيه تفصيل لا يعترض به
والله أعلم.
قوله: لقوله تعالى الخ. هذا الدليل أخص من المدعى لكن غير اليتيم من
الصبيان يقاس عليه الإستواء العلة
(1) متفق عليه (2) تقدم ذكره.
1111 (3/108)
صفحة 1536
(1)
(2)
فادفعوا إليهم أموالهم) والعبد أيضاً لا يجوز تصرفه في مال مولاه إلا بإذنه لقوله تعالى: «ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء)) وفي الأثر: وأما على التعارف فقد أجاز بعضهم مبايعة الصبي والعبد من
طريق الرسالة، يرسل العبد مولاه ويرسل الصبي أهله فيشتريان لهم من هذا التاجر حاجتهم، فقد أجازوا ذلك من وجه الرسالة في غالب الظن والتعارف في ذلك بين الناس. والذين أجازوا هذا أيضاً استحبوا أن يكون هذا البيع من الصبيان والمماليك ليس له كثير ثمن مما يؤكل، وأشباه ذلك. وأما غير ذلك من الثياب والدواب والأشياء التي لها خطر فلا، حتى يكون ذلك برأي سيد العبد، والله أعلم. وأما جواز تصرف الوكيل فإنه روي عن النبي ع) دفع إلى عروة البارقي ديناراً فأمره أن يشتري له به أضحية فاشترى له شاتين فباع إحداهما بالدينار، وجاء إلى النبي بدينار وشاة فأجاز له النبي و الله البيع) (3) وأما اشتراط كونه
قوله: من
مسألة.
هذا التاجر، أنظر هل لهذا التقييد فائدة أو تصوير قوله: برأي سيد العبد، أي بشرط أن يكون العبد بالغاً، ولذلك تعرض له
دون الصي.
قوله: فأجاز له الخ. يؤخذ من هذا جواز تصرف الوكيل الخاص في غير
(1) النساء: 6.
(2) تقدم ذكرها
(3) رواه احمد وأبو داود والبيهقي.
-1.9 - (3/109)
صفحة 1537
غير محجور عليه ماله فلأن المحجور عليه ماله لا يجوز تصرفه فيه ولا دفع له ولا قبض، كالمجنون والمعتوه الناقص العقل، والذي فلسه الحاكم في قول بعضهم، وسيأتي بيان هذا في بابه ان شاء الله. واختلفوا أيضاً في المريض قال بعضهم: المريض وإن كان مالكاً لماله فهو كالمحجور عليه ماله، وإن كان بيع المحجور عليه ماله لا يجوز فبيع المريض أيضاً لا يجوز وإن كان مالكاً لماله، وقال بعضهم: إن باع بوفاء من الثمن فالبيع تام، فليس له ولا لورثته نقض، وإن كان البيع فيه غبن يتعدى حد ما يتغابن الناس في مثله كان البيع غير جائز عن الورثة، لتعلق حقوقهم
ما وكل عليه لكن بشرط الإجازة.
قوله: والذي فلسه الحاكم الخ. في شمول المحجور عليه ماله المفلس نظر فإنه ليس له مال حتى يحجر عليه في التصرف فيه، ولعل ذلك بالنظر إلى ما يتجدد لأنه لغرمائه، وقد يقال مراده بالمفلس من أحاط الدين بماله وحجر الحاكم عليه لأجل الغرماء، ويؤخذ منه جواز التصرف قبل التحجير ولو أحاط الدين بماله وهو كذلك كما هو المنصوص عليه عندنا والله أعلم.
قوله: وقال بعض إن باع الخ. ظاهر جزمه أولاً حيث جعله كالسفيه يقتضي أن القول الأول هو المأخوذ به والله أعلم. ثم رأيت كلامه في باب الوصايا صريح في خلافه حيث قال: وأما بيع المريض إذا باع بالقيمة أو اشترى
فجائز الخ.
قوله: غير جائز على الورثة الخ. التقييد بالورثة يقتضي أن الغبن لا يؤثر في البيع إن كان الحق للبائع وكان صحيحاً والله أعلم. ثم قوله: غير جائز على
-11 - (3/110)
صفحة 1538
في البيع في حال المرض، واختلف أيضاً هؤلاء إذا عوفي من مرضه،: إذا صح من مرضه ثبت عليه بيعه وشراؤه، وما كان ضعيفاً
قال بعضهم.
بالمرض قوي بالصحة. وقال بعض: إذا برئ من مرضه كان له نقض ما باع في مرضه لأن بيع المريض ضعيف والله أعلم. واختلفوا أيضاً من الرجل مال غيره واشترط رضاء صاحبه هل ينعقد أم لا؟ وكذلك في شراء الرجل للرجل بغير إذنه، على أنه إن رضي المشتري صح الشراء، وإلا لم يصح، قال بعض: بجوازه في الوجهين جميعاً والحجة لهم
هذا في
بيع
الورثة، ليس على إطلاقه بل إذا كان للوارث، وأما إذا كان لغيره ففيه تفصيل ذكره في كتاب الوصايا، حيث قال: وكل ما باع بالاسترخاص أو اشترى بالاستغلاء ثم مات فإن كان للوارث فلا يجوز، وإن كان لغير الوارث فجائز له ذلك ما دون الثلث، لأن ذلك وصية من الميت، ويرد للورثة من ذلك ما فوق الثلث الخ. فليراجع فإنه ذكر في كيفية الرد تفصيلا. قوله: هؤلاء، أي وهم القائلون لا يمضي على الورثة إذا تعدى حد ما يتغابن فيه الناس، يعني وأما عليه بأن عوفي ففيه خلاف
من
قوله: لأن بيع المريض ضعيف، يعني مع ما فيه من الغين الذي لا يتغابن فيه
الناس كما يدل عليه كلامه أولاً فإن ذلك هو موضوع المسألة والله أعلم. قوله: واشترط رضاء صاحبه الخ. ظاهره إن لم يشترط الرضى لا ينعقد قولاً واحداً، وظاهر حديث عروة جوازه إن رضي ولو من غير شرط والله أعلم.
قوله: يجوازه، أي بانعقاده، بدليل ما سيأتي.
-111 - (3/111)
صفحة 1539
حديث عروة البارقي الذي دفع له النبي عليه السلام ديناراً فأمره أن يشتري له به أضحية فاشترى شاتين فباع إحداهما بدينار فجاء إلى النبي بشاة ودينار فأجاز له النبي عل الفعل. ووجه الاستدلال بهذا
أن
الحديث أن النبي عليه السلام لم يأمره بالشاة الثانية في الشراء ولا في البيع، وذكر أن الشافعي منع ذلك في الوجهين جميعاً، وعمدته في ذلك النهي الوارد عن بيع الرجل ما ليس عنده، ولعل بعض أصحابنا منعوا يبيع الرجل مال غيره بغير إذنه، ولو اشترط رضاءه، ويدل على ذلك منهم أنهم ذكروا في الأثر، وكذلك لو أن رجلاً باع لرجل مال رجل آخر بغير أمره فلا بأس عليها أن يكتما ذلك ولا يعلما به لرب المال، وعلى القول الأول فلا يكتمان ذلك حتى يعلما به رب المال فيجيز
قوله: ووجه الاستدلال الخ. إنما احتاج إلى بيانه وجه الاستدلال لأنه ربما يقال: فرق بين المسألتين لأن عروة رضي الله عنه كان وكيلا فبين رضي الله عنه الحجة في ذلك قوله: وكذلك الخ. هذا هو المذكور في الأثر ومنه استنبط المصنف رحمه الله عدم الجواز عند بعض أصحابنا.
•
قوله: فلا بأس عليها أن يكتما ذلك، أي امدم انعقاده بخلافه على القول الأول فإنه منعقد حتى يحله صاحبه إن شاء فليس لهما السكوت ولا رجوع لأحدهما أيضاً. قوله: حتى يعلما، لعله بل يعلمان الخ. ويحتمل أن يكون (حق) بمعنى إلا.
- 112 - (3/112)
صفحة 1540
ذلك أو ينكره، فهذا منهم يدل على الاختلاف في المسألة، ولولا ذلك
ما جاز لهما أن يكتما ذلك والله أعلم.
الباب الثاني في المعقود عليه:
والمعقود عليه يشترط فيه سلامته من الغرر والربا والشروط المفسدة له على ما تقدم، والغرر ينفي عنه أن يكون معلوم الموجود،
رحمه
قوله: فهذا منهم يدل على الاختلاف الخ. هذا الكلام من المصنف الله يدل على أن الاختلاف في المسألة غير مصرح به عند أصحابنا وإنما يؤخذ من مفهوم كلامهم في الأثر، ويدل على ذلك قوله قبل: ولعل بعض أصحابنا الخ، مع أنه صرح في أول المسألة بالاختلاف حيث قال: واختلفوا أيضاً من هذا في بيع الرجل مال غيره اللهم إلا أن يقال: مراده بالإختلاف هناك الإختلاف بين أصحابنا وغيرهم، ويكون مقابل قول أصحابنا في المسألة أولاً بالجواز. قوله: وذكر أن الشافعي منع ذلك أو يقال: الاختلاف المصرح به بين أصحابنا إنما هو فيما إذا باع واشترط رضاء صاحبه، وأما من غير شرط رضاه فاستنبطه المصنف رحمه الله من كلامهم والله أعلم.
الباب الثاني في المعقود عليه:
قوله: والغرر ينفي الخ. الأولى الإتيان بفاء التفريع، وقوله ينفي، يحتمل أن يكون مبنياً للمفعول وحذفت باء السببية من قوله أن يكون والغرر ينفى عنه بسبب ما ذكر، ويحتمل أن يكون مبنياً للفاعل والضمير للغرر، وقوله أن يكون مفعولاً ينفى، والمعنى: والغرر أي وجوده ينفى عن المعقود عليه كونه معلوم الوجود الخ. فلذلك يشترط السلامة عنه والله أعلم.
- 113 -
(م 8 - الإيضاح» (3/113)
صفحة 1541
معلوم
الصفة، معلوم القدر، ومقدوراً على تسليمه،، ومقدوراً على تسليمه، معلوم الأجل إن كان مؤجلاً، وذلك في الثمن والمثمن جميعاً والله أعلم. وذلك أن المبيعات على قسمين مبيع حاضر مرئي فهذا لا خلاف في بيعه، ومبيع غائب أو متعدد الرؤية فهنا اختلاف العلماء، وذلك أنه لا يخلو أن يكون علمه البائع والمشتري قبل ذلك أو لم يعلاماه، فإن كان لم يعلماه قبل ذلك فإن بيعه لا يجوز عند بعض العلماء بحال من الأحوال لواصف أو لغير واصف، وقال به قوم إذا جاء على الصفة فهو لازم، وقال قوم الخيار إلى المشتري إذا رآه، فإن شاء أنفذ البيع وإن شاء رده ولو جاء على الصفة، وهذا القول هو الذي يوجبه النظر عندي على شرط أن يكون البائع عارفاً بالمبيع، وإن كان غير عارف فلا يجوز، وعلى
قوله: وذلك، أي وذلك الذي تقدم جميعاً وليس خاصا بالأجل
•
عن
قوله: فإن كان لم يعلماه الخ. صادق بأن ينفي العلم عنها معاً، أو. أحدهما، والمصنف اختار قولاً رابعاً، وهو الخيار للمشتري إذا كان وصف البائع عن علم، وسكت عن وصف المشتري عن علم، ولعله لا يقول به ولذلك لم يتعرض له والله أعلم. قوله: لواصف، أي بأن يتلقى الوصف من غيره مثلا، وإلا فكيف يكون واصفاً مع كونه غير عالم، واللام متعلق بقوله لا يجوز لا ببيعه. قوله: على شرط أن يكون البائع الخ. لم يتعرض رحمه الله لكون العالم بالمبيع هو المشتري فقط فوصفه للبائع فباعه إياه هل تجري فيه الأقوال الثلاثة من كونه باطلا أو لازماً إذا جاء على الصفة، أو للبائع الخيار إذا رآه أو
•
-118 - (3/114)
صفحة 1542
مذهب الأولين جائز، وسبب الخلاف فيما يوجبه النظر: هل نقصان العلم المتعلق بالصفة عن العلم المتعلق بالرؤية مؤثرة، ويكون من الغرر الكثير أو ليس بمؤثر، وأنه من الغرر اليسير؟ وأما من جعل له خيار الرؤية فإنه لا غرر هناك عنده والله أعلم. ويدخل أيضاً على بيع الصفة وبيع خيار الرؤية غرر آخر: هل هو موجود في وقت البيع أم ليس بموجود؟ ولذلك لم يجوزه الآخرون، وكذلك اختلفوا إن علماه قبل ذلك قال بعضهم: لا يجوز، ولو علماه إلا الأرض وما اتصل بها من
يكون لازماً على كل حال؟ لكن ظاهر كلامه أنه لا بد من علم البائع مطلقاً
والله أعلم. قوله: وعلى مذهب الأولين، المراد بهم أصحاب القول الثاني فأوليتهم بالنسبة إلى القول الثالث لأن أصحاب القول الأول يقولون بالبطلان مطلقاً أو تكون النسخة غير جائز، فتكون الأولية حقيقة ويؤيد هذه النسخة ذكر
سبب
الخلاف فليراجع قوله: جائز، أي إذا جاء على الصفة، ولو كان الواصف غير البائع، والظاهر
أن النسخة غير جائز قوله: سبب الخلاف، أي بين من يقول بالمنع مطلقاً واللزوم إذا جاء
على الصفة
قوله: العلم المتعلق بالصفة، أراد بالعلم هنا مطلق الإدراك لأن الشهادة إنما تفيد الظن فقط، كما بينه في أول كتاب الصوم.
قوله: فإنه لا غرر هناك، أي لأن خيريته تنفي غرره.
11101 (3/115)
صفحة 1543
الأشجار والحيطان والمياه، وما أشبه ذلك فإنه جائز، وعلى قول هؤلاء ان ما سوى الأصول بيعه وهو غائب غرر، لأنه لا يؤمن أن يكون غير موجود في وقت البيع، وقال بعض العلماء في المعلوم كله مما لا يتغير عن حاله جائز بيعه حاضراً كان أو غائباً طالت المدة أو قصرت، وأما كل ما يتغير عن حاله إذا غاب على البائع والمشتري مقدار ما يتغير فيه انفسخ البيع، ويجوز بيعه إلى المقدار الذي لا يتغير فيه، وكذلك ما يزيد أو ينقص مثل الحيوان على هذا الحال، وقيل في مدة الحيوان الصغار كلها ثلاثة أيام، وقيل: سبعة، والكبار سبعة أيام، وقيل ثلاثة،
قوله: والمياه، يعني إذا كانت مع الأرض لا وحدها كما سيأتي، وتقدم أيضاً. قوله: وعلى قول هؤلاء الخ. التصدير بهذا القول يدل على اختياره، وهو
الظاهر الذي يشهد له قوله السابق: معلوم الوجود والله أعلم فليحرر. قوله: لأنه لا يؤمن، الظاهر أنه علة لقوله هؤلاء ان ما سوى الأصول الخ. وآخر مقولهم، قوله غرر، وحكاية ما ذكر عنهم يحتمل أن يكون قالوه حقيقة، ويحتمل أنه لما كانت عبارتهم كالتصريح في ذلك حيث قالوا: إلا الأرض وما اتصل بها، نسب القول بذلك إليهم ويحتمل أنه تفريع من المصنف على قولهم، والمناسب حينئذ الإتيان بالفاء بدل ان، والمعنى وإذا بنينا على قول هؤلاء فما سوى الخ.
قوله: إلى المقدار، لو قال في المقدار الذي الخ. لكان أظهر، وعلى ظاهر
كلام المصنف تكون الغاية داخلة.
•
-117 - (3/116)
صفحة 1544
وسبب الخلاف في هذا كله اختلافهم في الغرر المؤثر في البيع من غير المؤثر، ومن هذا أيضاً اختلافهم في بيع الأعمى، قال بعضهم: لا يجوز
بيعه، ولو عرف الشيء الذي باع قبل ذهاب بصره، وقال بعضهم كل ما عرفه قبل ذهاب بصره مما لا يتغير في لونه وعينه ومما لا ينقص ولا يزيد فييعه فيه جائز، ومن ذلك أيضاً اختلفوا في معرفة الطفولية أعني إذا علمه البائع والمشتري في طفوليتهما قال بعضهم: هو علم ولا خيار لواحد منهما، وقال بعضهم: علم الطفولية ليس بشيء كعلم المجنون فإنه ليس بشيء، وأما علم الوكيل فإنه يجزئ على الموكل في البيع والشراء جميعاً لأنه في مقامه، وكذلك أيضاً علم الموكل يجزئ على علم الوكيل
قوله: ولو عرف الشيء الخ. ظاهره أنه لا يجوز على هذا القول ولو كان أرضاً، وما اتصل بها مما لا يتغير، ويدل له قوله: وقال بعضهم: وظاهر القياس على غيبة المتبايعين عن الشيء المبيع أنه يجوز في مثل هذا أيضاً، وينبغي أيضاً أن يقيد الخلاف بما يتوقف على النظر بخلاف ما يتوقف على ذلك كالسلم والكتابة، والماء كما يؤخذ من أبي اسحاق
قوله: في طفوليتها، متعلق بقوله: علمه، يعني علماه في زمن الطفولية التي لا يحصل بها تمام التمييز وتبايعا بعد البلوغ، وهما غائبان، والظاهر أن هذا الخلاف عند من أجاز بيع البالغين إذا علماء قبل ذلك وغابا عنه، وأما من منع بيعها فالمنع في الطفل من باب أولى والله أعلم.
قوله: كعلم المجنون، كأنه أراد به مطلق الإدراك، وإلا فالمجنون لا علم عنده
والله أعلم.
-117 - (3/117)
صفحة 1545
لأن أصل الصفقة له والله أعلم. ومعرفة الليل ليست بمعرفة، ولو عند ضوء القمر لقوله تعالى وجعلنا الليل لباساً، إلا إن كان رآه عند ضوء المصباح فإنها معرفة والله أعلم. والوكيل إن اشترى ما لا يعرفه هو ولا من وكله فالخيار إلى من وكله لأنه يوكله على شراء الخيار، وأما الخليفة خليفة المجنون أو الغائب أو الطفل - إن اشترى ما لا يعرفه فالخيار إليه فإن مات أو زال الخليفة، أو قدم الغائب أو أفاق المجنون أو بلغ الطفل فلهؤلاء الخيار أيضاً كما للخليفة، وكذلك إن مات من له الخيار فورثته بمقامه يورثون ما له من الخيار كما يورثون ما له من المال، والفرق بين الوكيل والخليفة في المسألة الأولى أن الوكالة مقيدة والخلافة مطلقة،
قوله: فالخيار إليه، إنما كان الخيار إليه لأن المستخلف عنه ليس عنده شيء من التصرف، والظاهر أن خليفة السفيه، والمسجد كذلك والله أعلم.
•
قوله: فإن مات أو زال الخ. ينظر لمن ينتقل الخيار إن حصل ذلك قبل بلوغ الطفل أو إفاقة المجنون أو قدوم الغائب، والظاهر أنه لخليفة آخر
والله أعلم. قوله: كما للخليفة، الظاهر أنه حذفت كان مع إسمها على قلة، والأصل كما كان الخيار للخليفة، أي قبل ذلك فلا يرد أن الخليفة لا وجود له فكيف يثبت
له الخيار؟
قوله: إن مات من له الخيار، أي فيما اشتراه لنفسه قوله: إن الوكالة مقيدة والخلافة مطلقة، ظاهر هذا التعليل يقتضي أن
- MA- (3/118)
صفحة 1546
وكذلك أيضاً على هذا الحال العبد المأذون له في التجارة إن اشترى ما لا يعرفه فله الخيار والمولاه إن كان يتجر بماله لأن إذن مولاه له مطلقاً غير مقيد، وأما المقارض إذا اشترى ما لا يعرفه فله الخيار دون صاحب المال لأنه أجير ولا رأي لصاحب المال في ذلك والله أعلم. ورضاء من له الخيار وإنكاره قبل الرؤية ليس بشيء والله أعلم. وفي الأثر: والبيع
الوكالة إذا كانت مفوضة ثبت للوكيل الخيار، وإذا ثبت له هل يثبت لموكله أيضاً أو كيف الحال؟ والظاهر من مسألة العبد المأذون له في التجارة أن يكون لكل منها الخيار حيث لم يقصره على شيء بعينه والله أعلم.
قوله: على هذا، أي الذي ذكرناه من أن الإطلاق يقتضي التصرف
دون التقيد.
قوله: إن كان يتجر بمال مولاه، وأما إن كان يتجر بمال غير مولاه بعد
إذن مولاه فإن الظاهر أن الخيار للعبد فقط لأنه مقارض والله أعلم. قوله: لأنه أجير، الأولى أن يقول مثلا: لأنه الناظر في مصلحة ذلك المال ولا رأي الخ. لأنه في الحقيقة شريك لكن في جزء من الربح فلو كان أجيراً حقيقة لاستحق أجرته مطلقاً، ولأن الأصل في الأجير أن لا رأي له في المال المستأجر عليه والله أعلم.
قوله: وفي الأثر: الخ. إنما ذكره ليجعله مقابلا لما تقدم من جواز بيع المعينات بالوصف، وهو المختار بشرط أن يكون البائع عارفاً ويكون للمشتري الخيار إذا رآه كما تقدم، فإن المتبادر من قوله: إلا بعد المشاهدة وإحاطة العلم بهيئة المبيع أن يكون ذلك من البائع والمشتري معا ابتداء قبل وقوع البيع،
-119 - (3/119)
صفحة 1547
بيعان بيع بصفة مضمونة في الذمة، وبيع عين مرئية، فبيع الأعيان لا يجوز إلا بعد المشاهدة وإحاطة العلم بهيئة المبيع من الصحة وغير ذلك، وبيع الصفة بيع السلم، فعلى هذا إن بيع الصفة لا يجوز إلا في السلم خاصة والله أعلم. وأما بيع الأعيان فإنه لا يجوز إلا بعد إحاطة العلم بهيئة المبيع، وذلك أنه لا يجوز أن يباع شيء من المكيل أو الموزون أو
وإن معنى قوله لا يجوز أنه باطل وهو الذي فهمه المصنف رحمه الله ويحتمل أن يكون معنى قول الأثر: لا يجوز إلا بعد المشاهدة أنه لا يمضى إلا بعدها فيصدق بما إذا علمه البائع ووصفه للمشتري واطلع عليه بعد ذلك على ما تقدم فلا يلزم البيع بالصفة إلا في السلم خاصة، فلا يكون مخالفاً لما. هو المختار فيما تقدم، لكن المصنف. رحمه الله حمله على غير هذا فيكون مقابلاً.
قوله: مرئية، أي من شأنها أن ترى.
قوله
: فعلى هذا، أي المذكور في الأثر.
قوله: بيع الصفة لا يجوز إلا في السلم خاصة، وكذلك لا يجوز إلا بالصفة خاصة ولا يجوز في المعين لأن المعينات لا تقبلها الذمم والله أعلم. قوله: وذلك أنه لا يجوز أن يباع شيء من المكيل الخ. فيه تأمل بحسب الظاهر فإن المتبادر أنه ساقه للإستدلال أن الأعيان لا يجوز بيعها إلا بعد إحاطة العلم بها فيلزم أن يكون الدليل أخص من المدعى فإن الأعيان المبيعة أكثر مما ذكر فإنه لا يشمل الأرض وما اتصل بها من الحيطان والأشجار وغير ذلك مما كان الأصل فيه الجزاف، فليست معرفة المبيع متوقفة على ما ذكر
والله أعلم.
- 120 - (3/120)
صفحة 1548
المعدود أو الممسوح حتى يكون معلوم القدر عند البائع والمشتري، وأما العلم بهذه الأشياء الذي يكون من قبل الحزر، وهو الذي يسمونه الجزاف فيجوز في أشياء ويمنع في أشياء، فالذي يجوز فيه الأشياء المكيلة والموزونة لأن المقصود بها الكثرة لا آحادها، وعند بعض: أن بيع الجزاف فيها لا يجوز، وهذا القول منهم يدل أن بيع الجزاف لا يجوز إلا في الأشياء التي ليست بمكيلة ولا موزونة، ولا معدودة، ولا ممسوحة، وذلك أن الأشياء على أصناف: منها ما أصله الكيل والوزن ويجوز جزافاً، كما قدمنا، وهي المكيلة والموزونة لأن المقصود بها الكثرة، وكل ما يجري عليه الكيل جائز بيعه إذا كان بوزن معلوم من الأرطال والأواقي والقناطير، وأما ما كان أصله الوزن مثل الحديد والنحاس والرصاص والتبر والفضة الغير المسككين وما أشبهها فلا
قوله: أو الممسوح، أي المذروع.
قوله: حتى يكون معلوم القدر، أي إذا أريد بيعه بذلك فلا ينافي ما سيأتي
من جواز البيع جزافاً في الصحيح.
قوله: الجزاف، هو بتثليث الجيم، وهو فارسي معرب.
المصنف قوله: فيها، أي في الأشياء المتقدمة من غير تفصيل، وفهم منهم رحمه الله جواز الجزاف في غيرها من الأرض والدور والطين ونحوها كما سيأتي.
-171 - (3/121)
صفحة 1549
يجوز بيعها بالكيل، لأن الكيل دون الوزن، ويجوز بيعها بالأرطال والأواقي والقناطير وما أشبه ذلك، ومنها ما لا يجوز فيه التقدير أصلاً بالكيل والوزن، بل إنما يجوز فيه العدد فقط، ولا يجوز بيعها جزافاً وهي كما قلنا الذي المقصود منه آحاد أعيانها وهو الدنانير والدراهم والفلوس والدوائق وما أشبهها، وأما التبر والفضة الغير المسككين فالأصل فيهما الوزن كما قدمنا، وكذلك فيما يوجبه النظر جميع الحيوان، الأصل فيها العدد ولا يجوز بيعها جزافاً، والمقصود منها آحاد أعيانها، والدليل على ذلك قوله عليه السلام: (ليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون أربعين شاة صدقة)، فذكرها عدداً، فأوجب الزكاة على الصغير منها والكبير والجيد والرديء والله أعلم. ومنها ما أصله المسح ويجوز جزافاً في قول بعضهم: وهو فيما يوجبه النظر كل ما المقصود منه الطول والعرض كالثياب والعمائم والأكسية وما أشبه ذلك، ومنها ما أصله الجزاف، وهو كل ما لا تدرك حقيقته بالكيل ولا بالوزن،
قوله: كما قلنا، أي كما يفهم من قولنا فيما تقدم في بيع الجزاف أنه يجوز في الأشياء المكيلة والموزونة لأن المقصود بها الكثرة لا أحدها فإنه يفهم منه أن الذي المقصود منه آحاد أعيانه لا يباع جزافاً ولا بالكيل والوزن والله أعلم.
قوله: فالأصل فيهما الوزن، يعني ويجوز فيها الجزاف.
- 122 - (3/122)
صفحة 1550
وتتعذر معرفته بالمسح وليس المقصود منه آحاد أعيانه فيجري عليه العدد مثل القطف والطنافس والحصر وكل ما يفرش ويمهد على الأرض، وكذلك الأدم والجلود وما يعمل منها مثل الخف والقرق والنعال على هذا الحال، وكذلك جميع الحبال وجميع الآنية مما يعمل من الحديد والنحاس والأعواد والطين، وجميع الأصول والدور على هذا الحال.
قوله: فيجري، بالنصب في جواب النفي وهو ليس. قوله: القطف، هو بضم القاف والطاء، جمع قطيفة، ويجمع أيضا على
قطايف
قوله: الطنافس، جمع طنفة بفتح الطاء وكسرها وبفتح السين. قوله: الأدم، هو بفتح الهمزة والدال جمع أديم مثل أفيق وأفق ويجمع أيضاً على آدمة مثل رغيف وأرغفة، وكأن عطف الجلود على الأدم من عطف العام على الخاص على أحد القولين في القاموس في معنى الأديم حيث قال: أو الجلد أو أحمره
أو مدبوغه أو من عطف أحد المترادفين على القول الأول.
000000
- 124 - (3/123)
صفحة 1551
باب في بيع الحيوان
وإذا باع رجل لرجل هذا الغنم ولم يعرف عددها ولا أسنانها فبيعه غير جائز كما قدمنا من أجل الغرر في ذلك، وبعض: جوز بيعها ولو لم يعرف أسنانها إذا عرف عددها، وبعض: جوز ذلك ولو لم يعرف عددها ولا أسنانها، ولعل هؤلاء جوزوا فيها بيع الجزاف كما هو جائز في المكيل، والموزون، وإن باع له كذا وكذا من هذه الغنم فلا يجوز لأنه مجهول، وكذلك إن باع له ذكورها وإناثها أو ضأنها أو معزها فلا يجوز، وبعض جوز ذلك إن كان معروف الصفة والأسنان، هذا على مذهب من جوز
بيع الصفه.
قوله: باب في بيع الحيوان الخ. لما فرغ رحمه الله من الكلام على المعقود
عليه إجمالاً شرع في الكلام عليه تفصيلا.
-17 {- (3/124)
صفحة 1552
باب في بيع الرقيق
وبيع الرقيق وشراؤهم واستخدامهم جائز، قد أباحه الله عز وجل وجوزته السنة، وقد أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم استخدامهم على الرفق والدعة، وروي أنه قال له: (وصاني حبيبي جبريل برفق المملوك حتى ظننت أن ابن آدم لا يسترق))، وقال صلى الله عليه وسلم: (أطعموهم مما تطعمون، واكسوهم مما تكسون، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون فبالحرى تنجون (والله أعلم. ولا يشتري الرجل العبد حتى يعلم أنه عبد، أو يخبره بذلك الأمناء ويقر هو أنه عبد لفلان وهو الذي أراد أن يبيعه لأن الأصل في بني آدم الحرية، وقال بعضهم: إذا قال أمين واحد: إنه عبد فلا بأس أن يشتريه، لأن الأمين الواحد عند بعضهم حجة، وقال
قوله: والدعة، أي الراحة.
قوله: فبالحرى، أي الحقيق من قولهم فلان حري" بكذا أي حقيق، والمعنى فبالحقيق تنجون إذا وفيتم بغير هذا من دين الله كما هو معلوم. قوله: الأمناء،، أراد ما فوق الواحد. بهم
(1) رواه مسلم والدارقطني وابن ماجه.
(2) رواه أبو داود ومسلم والبيهقي والدارقطني وابن ماجه
-190 - (3/125)
صفحة 1553
بعضهم: إذا أصابه في سوق المسلمين ينادي به من هو في يده ولم يقل أنه حر، فلا بأس أن يشتريه على سكون القلب والله أعلم. وإن أقر العبد
أنه
للمشتري حين أراد أن يشتريه أنه عبد فاشتراه، ثم بعد ذلك ادعى حر، فلا يشتغل به إلا إن كان إقراره في موضع يخاف فيه على نفسه فحيث ما ادعى الحرية فهو حر، ويرجع المشتري على البائع بالثمن إن وجده، وإن لم يجده فليرجع على الذي ادعى الحرية بعد ما أقر بالعبودية فيغرمه لأنه هو الذي أتلف عليه ماله، ويرجع هو على الذي باعه إن كان حراً كما قال فيما بينه وبين الله، وأما الطفل إن اشتراه فادعى أنه حر فلا يستعمله لأن القاعدة هي الحرية، ويكون في يده أو في يد الأمين إن خافوا عليه وينفق عليه حتى يبلغ، فإن مضى على إقراره خرج حراً ويرجع على البائع بالثمن والله أعلم. وإن اشترى عبداً، ثم ادعى بعد قوله: فيما بينه وبين الله، التقييد به يقتضي أنه لا يرجع بذلك في الحكم حيث أقر بالعبودية حال البيع، ولو كان في محل يخاف فيه، وفيه تأمل
والله أعلم. قوله: ويرجع على البائع بالثمن، لم يتعرض رحمه الله للنفقة كيف الحكم فيما بعد البلوغ هل يرجع بها على البائع لأنه هو السبب في ذلك أو على الحر وتذهب عليه مجاناً؟ والظاهر الأول والله أعلم.
قوله: وإن اشترى عبداً، أي في الظاهر ولم يقر بالعبودية، ولم يشهد بها
الامناء كما تقدم.
-177 - (3/126)
صفحة 1554
ذلك انه حر فإنه قد خرج حراً كما قدمنا، إلا إن تبين له أنه جلب من السودان فإنه لا يشتغل به في هذه الوجوه، وكذلك إن ادعى أنه معتق أو ادعى أنه عتقه البائع أو غيره فلا يشتغل به في هذه الوجوه لأنه مدع بعدما أقعد لنفسه العبودية والله أعلم. ومن هربت أمته ثم جاءت ومعها أولادها، فقالت: هم أولادي فإنهم لا يستخدمون بقولها، فإذا بلغوا وأقروا أن تلك الأمة هي أمهم فإنهم يستخدمون بقولهم ولا يباعون ولا يشترون إن كانوا إماء، وإنما أجازوا إقرارهم في الخدمة فقط، لأنهم لو أجازوا لأحد خدمتهم لكان جائزاً ولو كانوا أحراراً، وأما البيع والتسري فلا يجوز إباحتهم لهما، وكذلك على هذا الحال إذا أتت أمة إلى رجل فقالت له: أنا أمة أبيك فإنه يستخدمها بقولها ولا يبيعها ولا يتسراها، وكذلك على هذا الحال لا يجزئه أن يعتقها في دين عليه لأنه متيقن بالدين ولم يتيقن بعبودية الأمة، والأصل في ذلك أن اليقين
قوله: إن كانوا إماء، قيد في الأخير فقط، وإنما قيد به لأنهن من اللواتي يتأثر فيهن ذلك.
قوله: إباحتهم، أي الأولاد، لهما: أي البيع والتسري. قوله: إذا أتت أمة، هذا فرض مسألة، وإلا فالعبد كذلك قوله: ولم يتيقن بعبودية الأمة، ومثل هذه الأمة الأولاد الذين جاءت.
أمنه كما تقدم.
??
- 127 - (3/127)
صفحة 1555
لا يزيله إلا اليقين والله أعلم. وشراء العبيد على اختلاف مللهم جائز موحدين كانوا أو مشركين، وفي الأثر: وينبغي أن لا يمسك العبد الوثني إلا أن يبيعه أو ينتقل مما كان عليه من الشرك وذلك فيما يوجبه النظر لأن العبد الوثني ليس من أهل العهد فيحل له إمساكه ولا يأكل ما مسه بيده مما كان مبلولاً عبده الوثني والمجوسي، وكذلك الأقلف البالغ من عبيده لا يأكل ما مسه بيده، وليس عليه إن مات إلا السترة،
قوله: إلا أن يبيعه أو ينتقل الخ. كأن الاستثناء منقطع، ولو قال: لكن بيعه الخ. لكان أظهر.
قوله: او ينتقل الخ. ظاهره ولو رجع مجوسياً او كتابياً قوله: لأن العبد الوثني ليس من أهل العهد الخ. في هذا التعليل تأمل من أوجه، أما أولاً، فإنه يقتضي ان كونه من اهل العهد هو الذي احل سبيه وإمساكه مع ان الذي أحل ذلك فيه هو شركه ومحاربته، وذلك في الوثني اولى، وأما إذا كان من أهل العهد فإنه يحرم فيه ذلك، فالعهد في الحقيقة محرم للإمساك لا محلل له، واما ثانياً: فإن ظاهره يقتضي التحريم فينا في صدر الكلام من قوله وينبغي له ان لا يمسك الوثني الخ. واما ثالثاً: فإنه يقتضي التحريم على المسلمين في إمساكه فإنه كما لا يمسكه الأول لا يمسكه الثاني، وهكذا، فالظاهر ان المناسب في التعليل كونه نجساً فيعسر التحرز منه فيبيعه مثلا لمن يرى ان كل حي طاهر حقى الكلب والخنزير، وأما اهل الكتاب فظاهر القرآن يدل على عدم نجاستهم لعينهم والله اعلم فليحرر.
قوله: إلا السترة، قال بعضهم: سترة العورة فقط، وقال بعضهم: جميع
- ITA - (3/128)
صفحة 1556
وكذلك جميع عبيده المشركين والله أعلم. ويبيع الرجل عبده للموحدين من الرجال والنساء والموافقين والمخالفين وأهل البادية والقرار، ولا يبيعه لأهل الشرك ولو كان من أهل تلك الملة وقد مضت السنة بذلك،
البدن إحتياطاً لها، لسترة الصورة، كما يؤخذ مما تقدم في كتاب الجنائز والله اعلم. قوله: وكذلك جميع عبيده المشركين، يحتمل أن يكون التشبيه راجعاً للمسألة الأخيرة فقط، وهي السترة عند الموت، ويدل له تخصيص نجاسة بلل الوثني والمجوسي بالذكر، ولو أراد التعميم لقال: عبده المشرك لكونه أخص، ولكن الظاهر ان التخصيص مقصود له فيكون ماشياً على غير الأحوط تعلقاً بظاهر قوله تعالى وطعام الذي أوتوا الكتاب حل لكم كم (1) ولما في الأخذ بالأحوط من التحريم، ويحتمل أن يكون التشبيه راجعاً المسألة الأولى ايضاً فيكون ماشياً على الأحوط وهو نجاسة الكتابي ايضاً، والمتبادر من كلامه هو الاحتمال الأول كما هو ظاهر والله اعلم.
قوله: ولا يبيعه لأهل الشرك الخ. ينظر هل حكم الفداء كحكم البيع أو لا؟ وعند غيرنا فيه خلاف، والمشهور عند ابي حنيفة المنع خيفة ان يعودوا حرباً للمسلمين، وعند الشافعي يخير الإمام بين اربعة: القتل، والإسترقاق والمن، والفداء، فليحرر المذهب في هذه المسألة، وظاهر كلام المصنف رحمه الله المنع، ثم رأيت في الضياء ما هو صريح في المنع في بيان الناسخ والمنسوخ حيث قال: ومن سورة محمد إذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حق إذا أثخنتموهم بالسيوف فظهرتم عليهم وأسرتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعدك
(1) سورة المائدة:. .
-179 -
ه م 9 - الإيضاح، (3/129)
صفحة 1557
ولا ينبغي للرجل أن يبيع أمته إذا كان لها ولد حتى يستغني عنها، أو يـ ولدها فيمسكها فيفرق بينهما للرواية التي جاءت عن رسول الله والدة بولدها) (1) وقيل أيضاً: من فرق بين الأحباب في
(لا)
وَلَّه
الدنيا فرق الله بينه وبين أحبابه في الآخرة. ويكره له أن يفرق بينهما فيما دون سبع سنين، وكره بعضهم بيع الولد من العبيد ولو كان بالغاً، وقيل إنه لا تكون البركة في أثمانهم والله أعلم. وفي الأثر: ولا يشتري ما سبي من الروم بغير إمام العدل أو بغير إذنه، وقيل أيضاً: لا بأس بشرائهم إذا كان سبيهم على يدي السلطان، وأما السودان فما سي منهم بإمام العدل أو بغير إمام العدل أو ماسبى بعضهم من بعض إذا كانوا محاربين فيما بينهم فجائز شراء ذلك كله، والفرق فيما يوجبه النظر بين
عتق
بعد الأسر وإما فداء) (2) فيفدي نفسه بماله، فصارت آية المن والفداء منسوخة بآية السيف في براءة اهـ. ثم رأيت في الديوان ذكر في الفداء قولين
فليراجع.
قوله: (لا) توله والدة بولدها). في الصحاح الوله ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد، إلى أن قال: والتولهة ان يفرق بين المرأة وولدها، وفي الحديث (لا توله والدة (اي لا تجعل والها، وذلك في السبايا الخ. ا
(1) متفق عليه. (2) سورة محمد: 4.
- 130 - (3/130)
صفحة 1558
السودان والروم أن الروم أهل كتاب فلا يشتري إلا ما سباه أهل العدل منهم لأنهم لا يؤمن أن يعطيهم أهل الجور العهد ولا يوفون لهم بعهدهم، ولذلك كانوا يكرهون شراء ما سباه منهم غير أهل العدل، وأما السودان فليسوا بأهل كتاب ولا عهد، فجائز شراء ما سبي منهم على كل حال، وفي الأثر: وأما ما باعه ملك السودان ممن غضب عليه من رعيته فلا يشترى منه، وكذلك ما باعه واحد منهم من أولاده أو زوجته أو غيرهم من قرابته فلا يشترى منه أيضاً وقيل في الأولاد غير ذلك، وذلك فيما يوجبه النظر لعل هذا لا يحل في دينهم أو لأنهم ليسوا بمماليك
قوله: ممن غضب عليه من رعيته، يعني رعيته المشركين لأنه من المعلوم أن الموحد لا يباح بيعه بوجه من الوجوه لكن يتأمل كيف يصح ان تكون رعية ملك السودان من المشركين الذميين مع قوله: فليسوا بأهل كتاب ولا عهد، فرعيته على هذا، إما موحدون او عبيد والله اعلم. إلا ان يقال تجوز مصالحة غير اهل الكتاب ايضاً، أو يقال اراد بملك السودان الملك المشرك منهم إذا باع من رعيته المشركين وهو الظاهر بل المتعين والله اعلم. قوله: وذلك فيما يوجبه النظر الخ. هذا راجع إلى القول الأول وهو القول بالمنع.
قوله: لعل هذا لا يحل في دينهم، فيه إشارة إلى ان العبرة في المعاملة بعقيدة المعامل بفتح الميم يعني فيها ليس حراماً لعينه فلا يرد الخمر والخنزير ونحو ذلك، ويدل على ذلك قول الشيخ إسماعيل رحمه الله في القواعد عند الكلام على ما يتعلق بالجزية: وكذلك في حال الكتمان تؤخذ منهم، ولا يعامل فيها من
- 131 - (3/131)
صفحة 1559
والله أعلم. وفي الأثر: وقال من قال: يجوز لأهل الحرب بيع أولادهم في المجاعة الشديدة، وأما أهل الذمة فإنه ذكر عن أبي عبيدة رحمه الله تعالى في الأثر أبو سفيان قال: كان رجل من المسلمين يقال له مغلس أبو روح اشترى من رجل من أهل الذمة بنتآ له في مجاعة أصابتهم قال: فولدت منه أولاداً، قال: فبينما هو جالس عند أبي عبيدة إذ جاء رجل:
أخذها إلا من قادته ديانته لذلك، انتهى. ويدل على ذلك أيضاً كلام الشيخ أبي يعقوب يوسف بن ابراهيم رحمه الله في الدليل والبرهان عند الكلام على مسائل الأئمة العشرة رضي الله عنهم ونفعنا ببركاتهم حيث قال الإمام الرابع الربيع بن حبيب رضي الله عنه: إعلم أن الربيع بن حبيب قد أثبت الجميع المشركين ما غنموه وحازوه من اموال المسلمين في الرقيق والمكاتب، والمدبر و جميع الأموال وأثبت الأنساب بين المشركين ونساء الموحدين من حائل لا حامل، ومن حامل واضع، وقاس المتدينة من جميع أمة محمد عليه السلام من الصفرية وغيرهم على المشركين إذا حازوه فاشتراه مشتر من اسواقهم أو وهبوه ه بعد ما اقتسموه، إلى أن قال: وليس على احد بأس أن يعاملهم في ذلك الخ. ثم الظاهر والله أعلم ان المسألة مفروضة فيمن دخل إليهم بأمان فيكون المنع ظاهراً أو يكون الأولى في التعليل ان يقول، وذلك فيما يوجبه النظر انهم قد دخلوا جميعاً في امنه والله اعلم. قوله: وقال من قال: يجوز لأهل الحرب الخ. لو قال مثلا يجوز شراء أولاد اهل الحرب الخ. فيتعرض للجواز بالنسبه للمسلمين لكان اظهر ولا حاجة إلى التعرض لكونه جائزاً أو غير جائز بالنسبة إلى المحاربين في دينهم، واهل هذا الخلاف فيمن دخل إليهم بأمان فيكون الراجح المنع لأنه دخل الجميع في
له
امنه والله اعلم.
- 132 – (3/132)
صفحة 1560
فسأله عن مثل ما ابتلي به قال: فقال أبو عبيدة: لا تحل. قال: فرجع، فقال أبو عبيدة: مالك؟ فقال: أم روح وروح
أبو
روح،
6
ولدي قصتهم كذا وكذا، قال: فقال أبو عبيدة فاجمع أصحابك قال: فجمع من كان يومئذ من مشايخ المسلمين، فلما اجتمعوا ذكر لهم أبو عبيدة أمره قال فقال: ما ترون؟ قال بعضهم: أعتقها يا أبا روح الآن وتزوجها، قال وأبو عبيدة ساكت لا يتكلم، فلما رأى أنهم اتفقوا على ذلك، قال: يا أبا روح إن كان الذي أصبت منها حلالاً فقد كفاك ما أصبت، وإن كان حراماً فلا تزد، فارقها وخل سبيلها، وفي الأثر: ولا يجوز شراء العبيد من عند أهل الحرب لمن دخل إليهم بأمان إلا ما سبى بعضهم من بعض في حين حربهم بعد قدومه إليهم، فإن قالوا: إنهم إنما سبوا ذلك بعد قدومه ورأى من ذلك أثراً فقيل: إنه يجوز الأخذ منهم ويقبل في ذلك قولهم، فعلى هذا المذهب إن كان ما سبوه بعد قدومه
إليهم فليس هو داخل في أمنه وإنما ادخلوه كرها في بلادهم، ولعل بعضاً لم يجوزوا له أن يشتري منهم كل ما ادخلوه في ذلك البلد الذي له فيه
قوله: فرجع، إذا قال: إنا لله وإنا إليه راجعون.
قوله: لمن دخل الخ. متعلق بقوله لا يجوز، وقوله إليهم، راجع إلى أهل الحرب.
- 133 - (3/133)
صفحة 1561
الأمان لأن من دخل ذلك البلد صار في أمنه، ويدل على ذلك ما وجد في الأثر: وما اشتراه الرجل مما سي من السودان بعد ما أدخلوه في أرض الأمان فهم أحرار، وكذلك الذي سباهم إن دخل بهم أرض الأمان قبل أن يخرجهم من ملكه فهم أحرار، وأما من اشتراهم قبل أن يدخل بهم الذي سباهم أرض الأمان أو أخذهم في دينه أو ما أشبه ذلك فلا يخرجون عليه، وهذا فيما سبى بعضهم من بعض إذا كانوا محاربين. وأما ما سباه المسلمون بإمام العدل فلا يخرجون عليهم أحراراً، ولو دخلوا أرض الأمان، ومنهم من يقول في الوجه الأول: لا يخرجون ولو دخل بهم الذي سباهم أرض الأمان قبل أن يخرجهم من ملكه والله أعلم. وفي الأثر:
قوله: وما اشتراه، هذا هو الذي وجد في الأثر.
قوله
: بعد ما دخلوا، ظرف لقوله اشتراه لا يسبى لأنه لا معنى للسبي
بعد دخولهم.
قوله: فهم أحرار، أي بالنسبة إليه حين دخل بالأمان
قوله: وكذلك الذي سباهم، أي المحارب الذي سباهم فإن المسبي حينئذ يكون حراً بالنسبة إلى من له الأمن في تلك البلدة، وهذا على القول الثاني، ويدل على أن المراد بالسابي هنا المحارب، قوله (بعد) وهذا فيما سبى بعضهم من بعض، ويحتمل أن يراد بالسابي الداخل إليهم بالأمان، ويدل له قوله (بعد) وأما ما سباه المسلمون بإمام العدل الخ. فليحرر.
قوله: ومنهم من يقول، هذا هو القول الأول.
- 17 {- (3/134)
صفحة 1562
وبلغنا أن الجلندا رحمه الله صالح أهل سقطرا على رؤوس فأخذها منهم أول سنة وكذلك من صالح على رقيق في كل سنة كذا وكذا رأساً فإنما يجوز للمسلمين أن يأخذوا لسنة واحدة، وأما الثانية فقيمة الرؤوس لأنهم صاروا كلهم أهل صلح وذمة، وأما أهل الأوثان من العرب فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل، وكذلك أهل القبلة والله أعلم. وفي الأثر: ويستحب للرجل أن لا يستخدم من اتقى الله من عبيده ولكن يعتقه ويعطيه شيئاً من ماله أو يكاتبه، والأصل في هذا قوله تعالى: «وكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً، (1) ويستخدم الرجل عبيده النهار كله من طلوع
قوله: من العرب الخ. قال في متن العقيدة: ما خلا قريشاً خاصة الخ. ولعل هذا بعد موته لا هو إلا فقد أسر عليه السلام يوم بدر قريشاً وأسر غيرهم يوم حنين وهوازن كما ذكر في السير، وإنما عاتبه الله في أسارى بدر لأن الإسلام حينئذ ضعيف، وهؤلاء أئمة الكفر كما قال عمر رضي الله عنه لا لأجل حرمتهم
والله أعلم.
قوله: وكذلك اهل القبلة التشبيه في انهم لا يسبون بل يقتلون او يدخلون تحت طاعة الإمام، وهو المراد بالإسلام في حقهم. قوله: ويعطيه شيئاً من ماله، لو أخره عن قوله او يكاتبه لكان اظهر
وأنسب للآية.
(1) سورة النور: 33.
- 125 - (3/135)
صفحة 1563
الفجر إلى غروب الشمس ولا يستخدمهم بالليل إن استقصى خدمتهم بالنهار، والأصل في هذا ما روي أنه لا (نهى عن استعمال العبيد بعد صلاة العتمة) (1) وقال بعضهم: لا بأس أن يستخدمهم ولو استقصى خدمتهم بالنهار إذا أرضاهم بشيء فوق قوتهم، والأصل في هذا أنه ماله، ولكن أمر أن يستخدمهم بالرفق والله أعلم. ويجبره على عمله كله ولا
يجبره على عمل غيره، وبعض رخص له أن يجبره على عمل غيره كما يجبره
على عمله.
000000
(1) رواه مسلم وأبو داود وأحمد والدارقطني والبيهقي.
- 136 - (3/136)
صفحة 1564
باب في بيع المتاع و الثياب
وبيع الثياب كما قدمنا لا يجوز حتى تنشر وتذرع، وبعض جوز بيعها ولو لم تذرع؛ فهؤلاء جوزوا بيعها ولو لم تذرع كما يجور بيع الجزاف في المكيل والموزون أو أن الأصل في الثياب عندهم الجزاف، وأما من غير أن تنشر فلا يجوز إلا ما يفسده النشر فبيعه جائز لأنه متعذر الرؤية ضرورة، وذلك أن كل ما يفسده النشر من الثياب إذا أراد أن يبيعه وهو من جنس واحد فليره واحداً منها ويبيعه على هذا الحال، ويكون هذا بمنزلة الحبوب والثمار في الظروف، وهو مبيع موصوف يرى بعضه لأنه متعذر الرؤية كله، وإن خرجت الزيادة على ما اتفقا عليه أو النقصان فإن بعضهم قال: جائز في الوجهين جميعاً، ويرد عليه المشتري في الزيادة قيمة ما جاز إليه، ويرجع المشتري على البائع بما جاز إليه من الثمن في النقصان، وهؤلاء عولوا على أن البيع إنما وقع على الموجود من الثياب وذكره العدد خطأ منه، ومنهم من يقول: يرد المشتري
قوله: ويرد عليه، بمعنى يدفع اليه.
- 137 - (3/137)
صفحة 1565
ما جاز إليه ولا يرد القيمة، وهؤلاء أو قعوا البيع على العدد دون غيره، غير أن هذا يلزمهم في النقصان أيضاً والله أعلم. وبعضهم قال: البيع فاسد وهو الذي يوجبه النظر عندي، وفي كتاب أبي عبد الله محمد بن بركة: وإن اشترى رزمة ثياب على أنها مائة فخرجت زائدة أو ناقصة فسد البيع، لأن بيع الموصوف يسلم بخروج الموصوف على الصفة، وإن خرج أجود ما اتفقا عليه من ذلك الجنس فالبائع بالخيار، وإن خرج أدنى مما اتفقا عليه من ذلك الجنس فالمشتري بالخيار، وإن خرج
قوله: ولا يرد القيمة، أي ولا يدفع القيمة أي ثمن الزائد
قوله: غير ان هذا الخ. يعني انه يلزمهم في النقصان أن لا يرجع المشتري على البائع بقيمة الناقص بل يكمل له العدد المذكور حيث أوقعوا البيع عليه يعني مع أنهم لم يقولوا به والله أعلم.
•
قوله: لأن بيع الموصوف يسلم بخروج الموصوف على الصفة، كأنه أراد بسلامته لزومه بدليل ما بعده، وهو أحد الأقوال الثلاثة في البيع على الصفة، فيكون ابو عبد الله رحمه الله ذاهباً إلى القول بلزوم البيع إذا جاء على الصفة،
والمختار عند المصنف رحمه الله ثبوت الخيار للمشتري بعد الرؤية على ما تقدم، وانظر هل يثبت للمشتري الخيار هنا ولو جاء على الصفة حيث لم يرها كلها، على ما ذهب إليه المصنف عملا بقاعدة بيع الصفة، أو لا يثبت له الخيار حيث رأى البعض ووافقه الباقي مع تعسر الرؤية فيفارق الصفة بيع المتقدم لأنه لم ير منه شيئاً، وهو الظاهر؟ ولذلك لم يحك فيه خلافاً إذا جاء الباقي على الصفة
"
والله أعلم.
- 138 - (3/138)
صفحة 1566
خلاف ما اتفقا عليه فالبيع فاسد، فإن خرج بعض ما اتفقا عليه خلافاً والبعض وفاقاً فليمسك الوفاق من ذلك بحسابه قل ذلك أو كثر، ومنهم من يقول: البيع فاسد وهو الذي يوجبه النظر، والبيع إذا اعتوره أمران أحدهما يفسده والآخر يصلحه فإنه عقد فاسد لا يجوز الحكم بإجازته مع تناكر الخصمين، وهذا مثله كمثل رجل وجد رجلين أحدهما مسلم والآخر كافر بالله فدفع عليهما حائطاً فقتلهما والله أعلم. وإذا ساوم رجل عند رجل ثوباً فحمله ليريه لغيره فتلف من يده فهوله ضامن لأنه أخذه على الشراء وليس بأمين فيه، وسواء في ذلك طلبه ليريه أو قال له صاحب الثوب: أره لمن شئت من غير أن يطلب إليه، ومنهم من يقول: لا ضمان عليه لأنه أمين فيه عند هؤلاء، وفرق بعض بين أن يطلب إلى صاحب الثوب أن يريه وبين أن لا يطلب فأوجبوا عليه الضمان إذا طلب وليس عليه الضمان إذا قال له صاحب الثوب: أره لمن شئت من غير أن
قوله: مع تناكر الخصمين، ظاهره انه يجوز لهما التراضي عليه مع ان فيه ان استعمال المفسوخات لا يجوز والله اعلم، اللهم إلا ان يقال: إن ذلك فيما اتفق على انه منفسخ.
قوله: وهذا مثله الخ. فيه انه لو كان مثله كذلك لم يقل أحد يجوازه
والله أعلم.
قوله: كافر، أي محارب.
- 139 - (3/139)
صفحة 1567
يطلب إليه وهو الذي يعجبني والله أعلم.
وإن ساوم إليه ثوباً واحداً وأعطاه اثنين أو ثلاثة فتلفوا من يده فإنه ضامن لقيمة واحد منهم بالحصص ولا ضمان عليه في الباقي لأنه أمين فيه، وكذلك جميع ما يشترى من غير الثياب على هذا الحال والله أعلم.
قوله: وكذلك جميع ما يشترى الخ هذا فيه إشارة إلى حكمة ذكر المتاع مع الثياب في الباب فيكون جميع المتاع مشبها بالثياب في جميع الأحكام
المتقدمة.
-18 - (3/140)
صفحة 1568
باب في بيع الحبوب
وبيع الحبوب كلها جائز بالكيل أو الوزن كما قدمنا، وأما الجزاف فقيه اختلاف، ولا يجوز للبائع أن يبيع إلا بعيار معلوم أنه معير أو بعيار
الأمين أو من صدقه من الناس أنه معير لأن التصديق عند بعض حجة، وكذلك أيضاً إذا حمل إليه المشتري العيار وقال له: بع لي بهذا ولم يعلم أنه ناقص فلا بأس عليه أن يبيع له به والله أعلم. وإنما يكيل البائع أو وكيله أو المشتري بإذن البائع لأنه ماله ما لم يقبضه المشتري بالبيع، وفي الأثر: وإذا أراد أن يكيل فليوقف العيار ولا يحنه ولا يحركه ولا يضر به بيده ولا إلى الأرض ولا يرزم فهذا لئلا يأخذ أكثر من حقه، أو تدخل الجهالة في المبيع فيكون فاسداً، وإن أذن له البائع في هذا كله فلا يجوز له لأنه من بيع الغرر، وقد نهى عنه الرسول عليه السلام، وفي الأثر أيضاً: وقد قيل إن كل شيء بالرزم ما خلا الملح والدقيق فلعل عند هؤلاء أن الرزم فيما خلا الملح والدقيق من الغرر اليسير ولا يضر البيع عندهم، وفي الأثر: وإن امتلأ العيار فلا يجعل فيه حبة ولا حبتين إلا ثلاثاً أو أكثر من ذلك، ويكتال بيديه جميعاً ولا يمسك بإحدى
-181 - (3/141)
صفحة 1569
يديه على فم العيار ويجعل بالأخرى الطعام والله أعلم. وكذلك من يمسك الثمار بذراعيه على فم العيار فهذا جزاف وليس بكيل، ورخص بعضهم في ذلك إذا كان بإذن البائع، فلعل هؤلاء جوزوه كما جاز بيع الجزاف فيه والله أعلم.
وفي الأثر: وإن اشترى عرمة شعير أو قمح أو غيرهما مما يكال جزافاً فخرج فيها ما يكال من غير جنس ما اشتري فإنه يعطى له كيل ذلك الذي خرج، فهذا يدل منهم أن بيع ما ليس معك داخل في بيع ما معك كما دخل بيع ما لم يطلب من الثمار في بيع ما طاب منها، ولعل بعضاً لم يجوز هذا البيع كما قدمنا في بيع الثياب والله أعلم. وأما إن خرج فيها ما لا يكال فالبيع منفسخ على كل حال لأنه مجهول مقدار ذلك الذي خرج والله أعلم. وأما إن باع له من هذه العرمة وهو لا يعرف كيلها كذا وكذا صاعاً أو ويبة فذلك ثابت عند بعضهم لأنه معروف، و بعض لم يجوز ذلك لأنه لا يعرف ذلك الكيل من الحب وتدخله الجهالة، وكذلك إن قال له: قد اشتريتها منك كل ويبة منها بكذا وكذا، وفي الأثر: وعن الذي نظر طعاماً لا يعرف جملته فاشترى كل جريب بكذا وكذا أو كل كر بكذا وكذا ثم بدا للبائع أن لا يبيع
قوله: جريب، قال في الصحاح والجريب من الطعام والأرض مقدار معلوم
-127 - (3/142)
صفحة 1570
أو للمشتري أن لا يشتري فقيل: إذا رجع أحدهما يثبت من ذلك جريب واحد وكر واحد على ما كان بينهما، ومن غيره قال: وقد قيل: إنه لا يثبت من ذلك شيء لأنه لا يعرف كم من جريب زائد، فهذا القول عندي أصح، والأولون إنما جوزوا جريباً واحداً وهو الذي سمياه عندهم والله أعلم. وأما إن باع له هذا الحب على أنه كذا وكذا فخرج زائداً أو ناقصاً فالذي يوجبه النظر أنه يحتمل من الاختلاف ما في مسألة الثياب
والله أعلم. وفي الأثر: وأما إن اشترى أولاً بكيل فخرج فيها ما يكال أو ما لا يكال فإنه يتم له كيله في الوجهين جميعاً، وكذلك إن اشترى ما يوزن على هذا الحال فهذا يوجب أن يكون بيع ما ليس معك داخلاً في بيع ما
والجمع أجربة وجربان الخ.
قوله: كر، هو بالضم كما ضبطه في الصحاح حيث قال: والكر واحد أكرار الطعام الخ. قوله: يحتمل من الاختلاف الخ. المختار في مسألة الثياب أن البيع فاسد
قوله: فخرج فيها ما يكال اي من غير جنسه قوله: على هذا الحال، يعني انه يتم له وزنه في الوجهين، وفي خروج ما لا يوزن تأمل، لأن كل ما يوجد هناك فهو قابل للوزن والله أعلم.
قوله: فهذا يوجب ان يكون الخ. كأن مراده رحمه الله التنظير في هذا
- ver- (3/143)
صفحة 1571
جميع
معك والله أعلم. وإذا اكتال البائع أو وكيله المشتري ما اتفقا عليه من الأدهان أو غيرها فانهرق له شيء من ذلك فهو من مال البائع ما لم يصل إلى وعاء المشتري لأنه ماله فتلفه عليه فإذا وصل إلى وعاء المشتري فهو من ماله لأنه قبضه على البائع، وسواء كان الوعاء في يد المشتري أو وكيله أو وضعه في الأرض ولم يمسكه أحد، وأما إن كان الوعاء في يد البائع أو وكيله فهو من ماله ما لم يصل إلى المشتري لأنه لم يأمره أن يجعله في الوعاء دون تسليمه إليه وهو الفرق بين أن يضعه في الأرض ويأمره أن يجعل له فيه أو يعطيه له ويأمره أن يجعل له فيه، لأنه في هذا الوجه في حكم البائع وفي الأول في حكم المشتري، وإن كان البائع وكل المشتري على الكيل فكل ما انهرق فهو من ماله لأنه أخذه على البيع فهو له ضامن ووكيل كل واحد منها بمقامه ووكيلهما جميعاً بمقامهما وما تلف فهو من
القول النهيه لا عن بيع ما ليس معك، وهذا يقتضي ان البيع فاسد وهو المناسب كما اختاره فيما تقدم والله أعلم.
قوله: اکتال: صوابه كال.
قوله: وإن كان وكل المشتري الخ. لم يتعرض رحمه الله لعكسه وهو ما إذا وكل المشتري البائع على القبض هل يصح أو لا؟ والله أعلم فليحرر. قوله: وكل المشتري على الكيل، ومثل الكيل الوزن، والظاهر انه ولو
كان غائباً
-1 {{- (3/144)
صفحة 1572
مالهما، فكل ما انهرق من القمع بامتلاء الوعاء أو غيره فهو من مال البائع لأنه لم يصل بعد إلى وعاء المشتري، وإن كان وعاء المشتري من قبل البائع بالشراء أو بالعارية أو بالكراء وكان مقطوعاً أو منجوساً ولم يعلم به المشتري وقد علم به البائع فهو من ماله لأنه غره، و بعض لم يوجبوا عليه الضمان غير الإثم والله أعلم. وإن اكتال الوكيل للمشتري أكثر مما اتفقا عليه فإنه يضمن للبائع ما جاز إلى المشتري لأنه هو الذي أتلفه وإن اكتال له أقل مما اتفقا عليه فإنه يخبره وليس عليه غير ذلك، وكذلك إن أمر رجلاً أن يحسب لهما فغلط على واحد منهما متعمداً فإنه ضامن لأنه غره، و بعض لم ير عليه الضمان لأنه لم يباشر شيئاً ولكن يخبرهم
والله أعلم.
قوله: فكل ما انهرق، اي بعد تمام كل وعاء مثلا
قوله: ووكيلها جميعاً بمقامها يعني لأن اختلاف الجهة بمنزلة اختلاف الذات نفسه لنفسه، وكذلك في المسألة التي وكل فيها البائع المشتري
فيسلم من
والله أعلم.
قوله: وما تلف فهو من مالهنا، يعني ولا يضمن الوكيل شيئاً بل كل ما انهرق مثلاً قبل الوصول إلى وعاء المشتري فهو على البائع وما انهرق بعد ذلك فهو من مال المشتري ولو مسك الوعاء في يده.، والله أعلم.
قوله: وإن اكتال، صوابه كال.
قوله: فغلط، أي ظاهراً متعمداً في الحقيقة
-1 {0 -
ه م 10 - الإيضاح، (3/145)
صفحة 1573
وبيع
باب في بيع الارض
وما اتصل بها من الحيطان والأشجار
الأرض جائز بالحدود الأربعة، وبها تصح معرفتها، لأن
الحدود تعرفك الشيء معرفة تحصره بها حتى لا يدخل فيه ما ليس منه ولا يخرج منه ما هو فيه، ولا تصح معرفتها بأقل من أربعة حدود يذكرها على حسب ما تقابلت، يذكر الحد الشرقي ثم الغربي، ويذكر الحد القبلي ثم البحري وهو المعروف عند الناس، وقال بعض: إذا أتى على ذكرها جميعاً لا يبالي بأيها بدأ، وعند بعض أنه يجزي من ذلك ثلاثة واثنان، والأصل في هذا ما يقع به البيان عن الشيء المبيع وما زاد في البيان كان أحسن، وأما الدور والبيوت والأجنة والبساتين والغيران والمواجل
باب في بيع الارض وما اتصل بها
قوله: وأما الدور والبيوت الخ. المناسب أن يذكر الأشجار لأن الظاهر أنها إذا كانت في أرض غيره حكمها كذلك، بل ظاهر كلام المصنف الآتي أن
الشجر لا يحتاج إلى التحديد مطلقاً وفيه تأمل، والله أعلم.
-187 - (3/146)
صفحة 1574
والمطامير والآبار والعيون إذا كانت في أرض غيره فلا يحتاج فيها إلى ذكر الحدود لأنها محدودة في عينها، ولا يقع الإسم على بعضها دون كلها، وإنما يدل عليها دلالة المطابقة، وأما إن كانت في أرضه فلا بد من ذكر الحدود لأن هذا كله في أرضه يقول في الذي أحاط به البنيان: ما رد البنيان داخلاً أو ما رد با به داخلاً مثل الدور والبيوت والبساتين والأجباب والآبار إذا كانت مبنية، ويخط على الذي لم يحط به البنيان ويقول: ما ردت الخطة داخلاً مثل المطامير والغيران والفدادين والأجباب الغير مبنية، و بعض جوز بيع الأجنة والبساتين والعيون والدور والبيوت بغير حدود، ولو كانوا في أرضه، لأنها عند هؤلاء محدودة عينها بالبنيان فلا تحتاج إلى ذكر الحدود والله أعلم. وسواء في هذه الأشياء التي ذكرنا بيع الكل أو التسمية منها. وأما بيع الحيطان والأشجار والسواري فلا يحتاج إلى الحدود لأن الإسم واقع عليها دون الارض، وإن أراد
•
قوله: والمطامير، في القاموس في باب الراء في فصل الطاء المهملة: المطمورة الحفيرة تحت الأرض، وطمرتها ملأتها الخ قوله: مارد البنيان داخلا الخ. هذا يقتضي أن لا يكون لها حريم، مع أن هذا من مصالح الدار، والله أعلم.
قوله: وبعض جوز الخ. هذا القول هو الذي يقتضيه التعليل الذي ذكره
فيما إذا كانت في أرض غيره، والله أعلم.
- \ {Y- (3/147)
صفحة 1575
أن يبيع الارض دون ما فيها من الغيران والمواجل والمطامير والآبار وما أشبه ذلك فإنه لا يجوز حتى يحد لذلك حدوداً، إلا أن المخصوص من الشيء لا بد أن يكون معلوماً، وكذلك أيضاً الدور والبيوت والبساتين فيما يوجبه النظر على ما قدمنا فيها والله أعلم. وإن كانت هذه المطامير والغيران والبيوت والدور والمواجل لغيره وكانت في أرضه
لأنه
فأراد أن يبيعها فإنه يبيعها وليس عليه من ذكر هذه الاشياء شيء إنما باع أرضه وتلك الاشياء وأراضيها غير داخلة في بيعه أرضه، غير أنه إن لم يخبر المشتري بكونها في أرضه فهو عيب، وأما إن كانت هذه الاشياء أعني المطامير والمواجل والغيران والبيوت في داره وكانت لغيره فأراد أن يبيع داره فإنه لا بد له أن يستثني هذه الاشياء لأنها من مصالح الدار، وهي داخلة في بيع داره بكلها ومصالحها، وأما إن كانت شجرة لغيره في داره فإنها تكون عيباً إن لم يخبر بها المشتري وليس عليه من استثنائها شيء لأنها ليست من مصالح الدار، وأما إن
قوله: حتى يحد لذلك الخ. أي لذلك المستثنى من الغيران وغيرها.
قوله: فإنها تكون عيبا إن لم يخبر بها المشتري، ظاهره ولو كان المشتري عالماً بأنها للغير، وهذا هو المختار من أن العيب لا بد من الإخبار به، ولو كان ظاهراً كما سيأتي.
-\ {A- (3/148)
صفحة 1576
كانت في أرضه لغيره فإنه إن لم يستثنها فسد البيع لأنها داخلة في بيعه
أرضه بكلها وكل ما فيها والله أعلم.
مسألة في صفة الحدود التي ذكرناها:
والحدود في الأصل جميع ما تبين به الشيء من غيره، ويصل الواصف
له إلى صحة الشيء على ما هو فيه وذلك يكون بالمنازل والأودية وقرون الجبال والطرق الجائزة والآبار والأجباب إذا بنيت والقبور المبنية والمساجد أو المصلاة تكون حدوداً في البيع والهبة والوصية والرهن وجميع العقود كلها أو تسمية منه، وكذلك أيضا الخطوط والسواقي
قوله: والحد في الأصل الخ. كأنه أراد بالأصل اللغة، ولعل المعنى الذي ذكره رحمه الله لازم للمعنى اللغوي لأن في اللغة الحاجز بين الشيئين ويلزم الحجز بين الشيئين، بين الشيء من غيره
قوله: صحة الشيء، لعله صفة الشيء.
قوله: والمصلاة، هكذا فيما رأيناه من النسخ، وصوابه والمصليات لأن ألف المقصور تقلب ياء في التشبيه والجمع مطلقاً إذا كانت زائدة على ثلاثة أحرف، وهو في الحقيقة على الحذف والإيصال، والأصل مصليات فيها على حد قولهم ظرف مستقر أي مستقر فيه.
قوله: تكون حدوداً، استئناف على تقدير المبتدأ
قوله: أو تسمية منه، لعل هنا سقطاً، أو الاصل مثلا في الشيء كله أو تسمية منه ويجوز أن يكون من باب الاستخدام بأن أراد أولاً بالعقد المعنى القريب، وبضميره المعقود عليه والله أعلم فليحرر.
-189 - (3/149)
صفحة 1577
المبنية وجميع ما نبت في الأرض من الأشجار والسواري تكون حدوداً، وفي الأثر: وأما الزرع والقصب والسمار والحلفة وما أشبه ذلك من نبات الأرض فلا تكون حدوداً، ومنهم من يرخص، وكذلك أيضاً جميع ما ينتقل إما بنفسه مثل الحيوان و إما بغيره مثل الامتعة الثياب والملح والطفل والتربة البيضاء، مختلف فيها، هل تجزي في الحدود أو لا تجزي؟ غير أن ما ينتقل بفعل غيره أقرب إلى الجواز مما ينتقل بفعله، وكذلك أيضاً اختلفوا في الطرق والسواقي والانهار هل تكون حدوداً أم لا؟ والاصل في هذا الاختلاف فيما يوجبه النظر اختلافهم هل تصح معرفة
قوله: وكذلك أيضاً الخطوط، لعل المراد به إذا كان شقا نازلاً في الأرض كالخندق أو كان عالياً صلباً لا يذهب بمرور الأزمان، وإلا فكيف يكون مطلق الخط كافياً مع قوله وأما الزرع الخ. لكن يشكل عليه ما تقدم حيث أجاز للتحديد مطلق الخط حيث قال: ويخط على الذي لم يحط به البنيان اللهم إلا أن يخص ذلك بما كان في أرضه وأراد بيعه وحده كماهو فرض المسألة فيما تقدم، ولعل قوله المبنية صفة لكل من السواقي والخطوط فلا بد من بقاء الخط بأن لا يذهب بمرور الزمان
قوله: السواري، معطوف على الخطوط، ويحتمل العطف على ما تنبت الأرض.
قوله: والملح، وما عطف عليه، مبتدأ خبره قوله: مختلف فيها.
قوله: في الطرق، أي غير الجائزة، والسواقي اي غير المبنية لئلا يخالف ما تقدم أو يقال الجواز فيما تقدم مبني على احد القولين هنا. قوله: والأصل في هذا الاختلاف الخ. الظاهر ان سبب الاختلاف هل
11011 (3/150)
صفحة 1578
الشيء المبيع بتحديده بهذه الاشياء أم لا تصح؟ وإن كان لا تصح فهل هذا من الغرر اليسير الغير المؤثر في البيوع أو من الغرر الكثير المؤثر فيها والله أعلم. وإذا أراد أن يبيع أرضه بهذه الحدود المذكورة فإن ذلك على ثلاثة أوجه، أحدها: أن يبيع أصله كله، والثاني: أن يبيع موضعاً أ مخصوصاً بعينه، والثالث: أن يبيع التسمية، إما من المخصوص وإما من، أما بيع أصله كله فإنه يبيعه له بكله وكل ما فيه من الناس إلى
العموم الناس، ويحده بأربعة حدود مثل: من لا فوت إلى تغرمين ومن المورج إلى الاحواض، وإن لم يذكر من الناس إلى الناس فلا بأس عليه في قول بعضهم، وقد أجزأه تحديده بالاربعة الحدود والله أعلم. وإنما
يشترط في التعريف بالحد أن تكون المعرفة الناشئة عنه مستمرة؟ أو يكفي وجودها حال العقد؟ والله أعلم، فليحرر.
قوله: فلا بأس عليه في قول بعضهم، ظاهره أنه عند البعض الآخر لا بد من ذكر: من الناس إلى الناس، ومعنى ذلك أن يتبع المواضع التي اشتمل عليها اصله، فيحد كل واحد منها من فلان إلى فلان أو من أرض فلان إلى أرض فلان مثلا، ولا يكتفي بالتحديد العام كتحديد (نفوسة) في بيع الأصل كله بلالوت وتغرمين وبالمورج والأحواض، وفي جربة بالبحر المالح من جميع الجهات مثلا والله أعلم، ثم ظاهره ان التحديد بالحدود الأربعة عند بعضهم تجزئ عن ذكر من الناس إلى الناس، وان من الناس إلى الناس لا يجزى على الحدود الأربعة عند الجميع وفيه تأمل لأن من الناس إلى الناس أظهر في التعيين من الحد العام والله أعلم فليحرر.
-101 - (3/151)
صفحة 1579
يقول بكله وكل ما فيه ليدخل في بيعه الارض بما فيها من الاشجار والزرع وغير ذلك من الحيطان والله أعلم. وإن لم يذكر بكلها وكل ما فيها فإنه لا يجوز البيع لأن البيع واقع على غير ما اتفقا عليه، لأن اتفاقهم أن يبيع له الارض بما فيها، وعلى هذا عادة الناس، وقد يكون أيضاً فيها ما لا يجوز أن يستثنى منها كالزرع إذا كان غير مدرك، والاشجار الغير المثمرة، فذلك لا يجوز والله أعلم. وفي الاثر أيضاً ما يدل على جواز بيعها دون ما فيها من الاشجار. وإذا باع رجل أرضاً له لرجل وقال: قد بعت له هذه الارض أو أوصى بها وهلك، وفي الارض نخل أو شيء من الشجر مثل سدر أو غيرها فإنما تقع الوصية
قوله: إذا كان غير مدرك، أي فإنه لا يجوز أن يشرط التبقية
قوله: والأشجار الغير المثمرة يحتمل أنه أراد بها التي لم تثمر لصغرها كفسيل النخل فتكون بمنزلة الحشيش، ويحتمل انه اراد بها التي ليس من شأنها الإثمار كالأثل ونحوه، والظاهر الأول ويدل له اقترانه بالزرع الغير المدرك والله أعلم. قوله: من الأشجار، أي غير المثمرة ليكون مقابلا، وأما المثمرة فيجوز استثناؤها بالاتفاق، وإنما أخذ الجواز من كلام الأثر. حيث قال: نخل أو شيء من الشجر فعم في المثمرة وغيرها من كل منها، ولقائل أن يقول: ليس في كلام الأثر ما يدل على ما ذكر الجواز ان يريد بالنخل والشجر الذين لا يتبعان الأرض
المثمر منهما فلا يخالف ما جزم به المصنف رحمه الله أولاً من تبعية غير المثمر والله أعلم فليحرر.
قوله: وإذا باع الرجل الخ. هذا هو نص الأثر.
-103 - (3/152)
صفحة 1580
أو البيع على الارض وحدها حتى يقول بما فيها، وإن قال: بعت له هذه القطعة أو أوصى بقطعة فإنها تثبت بما فيها من نخل وشجر ولو لم يقل وما فيها، وكذلك إن كان بستاناً فإنه يثبت بما فيه من نخل وشجر وأثبت من ذلك أن يقول بما فيه، فهذا يدل على ما ذكرناه من الاختلاف، والفرق بين الارض والبستان والقطعة مشتمل على ما فيهما من الأشجار، وكذلك الفدان فما ذكر في الأثر، وذكر الأرض لا يشمل ما فيها من الأشجار والله أعلم. وأما إن باع له أرضه بكلها ولم يقل بما فيها - والله أعلم - فإنهم اختلفوا هل يدخل في البيع ما فيها من الأشجار؟ قال بعضهم: يدخل لقوله بكلها، وقال بعض: لم يدخل حتى يقول: وكل ما فيها والله أعلم. وفي الأثر: وإن باع ما كان له من الأصل في بلدة كذا وكذا فذلك جائز ذكر الحدود أو لم يذكرها، فعلى هذا إن ذكره للبلدة تحديد للمبيع لأن البلدة محدودة والله أعلم. وليس عليه في هذا البيع أعني بيع الدمنة أو التسمية منها أن يذكر ما فيها من الآبار والأجباب والأنهار والقبور والمساجد والمصلاة والغيران، وليس عليه أن يذكر أشجار غيره إذا كن في ذلك الأصل ولا أشجاره إذا كن في أصل
قوله: فإنهم اختلفوا الخ. لعل سبب الخلاف هل النظر في ذلك إلى العرف فيدخل أو إلى اللغة فلا يدخل والله أعلم. قوله: الدمنة، أي جميع ما يملك من الأرض في بلدة مثلا، وهذا اصطلاح لأهل الجبل، وذكر في اللغة أن الدمنة آثار الناس وما سودوا.
- 107 - (3/153)
صفحة 1581
غيره، وقد مضى البيع بذلك كله الأرض وما اتصل بها، لأن هذا عموم، والعموم يصلح فيه الخصوص، ولا يخرجه من معناه والله أعلم. وإن خرج له في هذا البيع شيء قد اشتركه مع غيره ففيه أقاويل: قد انفسخ المشترك خاصة دون غيره، وقيل قد انفسخ البيع كله، وقيل ذهب به البيع كله، والذي يوجبه النظر عندي أن البيع منفسخ لأن بيع المشترك بغير تسمية ماله فيه مجهول لا يجوز، ومتى اجتمع في عقدة واحدة ما يجوز وما لا يجوز فهي فاسدة والله أعلم. وأما بيع المخصوص فإنه يقول: الفدان الذي لي أو الأرض التي لي في مكان يسمى بكذا وكذا
•
بيمه ماله
قوله: يصلح فيه الخصوص، لعل المراد إذا شاء ذلك، وإلا فهذا ليس تخصيص والله أعلم قوله: في هذا البيع الخ. ظاهره أن الإشارة إلى بيع العموم لأن الكلام فيه، واذا كان كذلك يتأمل كيف لا يمضي البيع في حصته خاصة لأن. في بلدة كذا لا يصدق على ما كان لغيره، مع أنه لم ينقل رحمه الله هذا القول يجواز البيع في حصته خاصة عن أحد، وسيأتي في بيع التسمية القول بذلك والله أعلم، ثم ظهر أن المراد أنه باع له ذلك العام كله وأراه إياه ثم خرج فيه شريك لم يعلم به قبل ذلك إما باقامة بينة أو شريك لا يعذر فيه جهله كالأب والأم.
قوله: ذهب به البيع كله، المناسب من جهة الصناعة أن يقول ذهب البيع به كله لأن كله توكيد للضمير في به، وإنما مضى به البيع عند هؤلاء لأن بعضهم يقول إن فعل الشريك جائز كما سيأتي قريباً.
-108 - (3/154)
صفحة 1582
بكله وكل ما فيه من أرض فلان إلى أرض فلان ومن أرض فلان إلى أرض فلان، فيذكر الأراضي التي على نواحي أرضه، وإن قصد إلى أصحاب الأراضي التي على نواحي أرضه فسماهم ولم يسم أراضيهم فإنه جائز لأن هذا مفهوم عند الناس، وكذلك إن قال من الناس إلى الناس، و بعض لم يجوز هذا حتى يذكر أرضهم والله أعلم. وإن كانت هذه النواحي لرجل واحد فإنه يسميهن به سواء كان للمشتري أو غيره، وإن كلهم
كان على ناحية من النواحي رجلان أو أكثر مشتركون فإنه يسميهم وإن سمى بعضاً دون بعض ففيه اختلاف هل يجزي أم لا؟ لأنه إذا
قوله: من أرض فلان إلى أرض فلان ظاهره أنه لا يحتاج حينئذ إلى تسمية الجهات لأن المقصود ما يحصل به التحديد والله أعلم.
قوله: وكذلك إن قال من الناس إلى الناس، يعني بأن قال من فلان إلى فلان والحاصل أن التحديد بالأرض، طريقتان، فتارة يقول مثلا: يحده شرقاً أرض فلان إلى آخر الحدود وتارة يقول مثلاً: من أرض فلان إلى أرض فلان ومن أرض فلان إلى أرض فلان وكذلك التحديد بأصحاب الأراضي له طريقتان، تارة يقول مثلا: يحده
شرقاً فلان إلى آخر الحدود، وتارة يقول من فلان إلى فلان ومن فلان إلى فلان وهو الذي أشار اليه آخراً والله أعلم.
قوله: وبعض لم يجوز هذا الخ. الظاهر أن سبب الخلاف هل المعتبر العرف فيجوز أو اللغة فيمتنع، ولكن اعتبار العرف أولى كما بين في الأول من أن الحمل على العرف مقدم.
-100 - (3/155)
صفحة 1583
نسبها لبعض دون بعض كاذب في قوله، فصار كمن لم يذكرها، وإن ترك الذين يلون أرضه وذكر الذين خلفهم فهو جائز لأنه إنما أوقع البيع على ماله مما ردت هذه الحدود داخلاً، وقال بعض: لا يجوز، فهذا منهم يذهب إلى أنه حين ذكر من أرض فلان إلى أرض فلان فقد أدخل في البيع ما بين هذه الحدود فباع ماله وما ليس له، فلذلك لا يجوز، والله أعلم. ويستثنى في بيع المخصوص ما فيه من القبور والمساجد والمصلاة إذا كانت أرض المقبرة أو المسجد أو المصلى واستثناه البائع فأراد أن أرضه فإنه ليس عليه من استثنائها شيء لأنها لم تكن من أرضه، وإن كانت هذه المقبرة أو المسجد أو المصلى له فإنه لا بد له أن يستثنيهم عند البيع لأنه وإن كان لا يحل له أن يستنفع بهذه الاشياء فهي من أرضه والله أعلم. وكذلك أيضاً يستثنى في بيعه المقصود ما فيه من الماء إن كان فيه في وقت البيع لأنه إن باعه مع ما فيه من الماء فقد باع معلوماً ومجهولاً
يبيع
قوله: كاذب، خبر لأنه، والجملة الشرطية معترضة وجوابها محذوف، ويحتمل أن في النسخة سقط كان و كاذباً بالنصب.
قوله: وإن كانت هذه المقبرة الخ. إنما ذكر هذه المسألة وإن كان حكمها معلوماً مما تقدم ليبين الحكمة في استثنائها مع عدم جواز الاستنفاع بها
والله أعلم.
قوله: المقصود، أي المخصوص.
-109 - (3/156)
صفحة 1584
في عقدة واحدة، وذلك لا يجوز لأن ما فيه من الماء مجهول، والله أعلم. وكذلك أيضاً إن كانت فيه ثمار مدركة فإنه يستثنيها على هذا الحال،
وإلا لم يجز ذلك البيع، وقال بعض بخلاف هذا، وفي الاثر: وإذا
قوله: وذلك لا يجوز لأن ما فيه من الماء فيه مجهول، ظاهر هذا مخالف لما تقدم من نهيه عام عن بيع فضل الماء، فإنه يقتضي أنه غير مملوك له خاصة لأنه لا يحل له بيعه، وهذا التعليل يقتضي أنه مملوك له، وأنه إنما امتنع بيعه لأجل الجهل، ومخالف أيضاً لما سيأتي من قوله: فصل وبيع الماء جائز مع الأرض الخ. لكن كلامه فيما سيأتي يقتضي أن النهي محمول على بيعه استقلالاً وأنه يملك فلذلك جاز بيعه مع الأرض، والأولى ما سلكه المصنف رحمه الله. أنه بعد من عبه له بعد البيع للخروج من النهي ولما يلزم عليه من الجهل في المبيع والله أعلم. وقد يقال هذا التعليل إنما هو في الجب وأنه إذا كان معلوماً قدره جاز بيعه كما سيأتي لأن الجب بمنزلة الإناء، وماء الإناء ماء العناء فيجوز بيعه لكن كلامه بعد صريح في العموم والله أعلم.
قوله: فإنه يستثنيها الخ. هذا إنما يتأتى على مذهب من يرى أن الثمرة تابعة للشجرة مطلقاً، وأما على ظاهر قوله عليه السلام فثمرتها للبائع الخ. فإنه لا يحتاج إلى الاستثناء حينئذ لأنها ماله والله أعلم فليحرر.
ر.
قوله: وإلا لم يجز ذلك البيع، يعني لأجل الجهل فيما يخص تلك الثمرة فإنها لما أدركت صارت سلعة مستقلة فلا يجوز جمعها مع غيرها بثمن واحد لما سيأتي أنه: لا: لا يجوز بيع أشاء مختلفة بثمن واحد إلا إن سمى لكل واحد ما يخصه من الثمن، وبعض جوز ذلك الخ. لعله يشير بذلك إلى ما ذكر هنا من الخلاف والله أعلم. فعلى هذا يكون معنى قوله عليه السلام من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا إن اشترطها المبتاع أن تكون تابعة للنخل إن اشترطها المشتري ما لم
6
-100 - (3/157)
صفحة 1585
اشترى الرجل أرضاً فيها نخل وفيها عمر ولم يشترط شيئاً فإن ابن عبدالعزيز كان يقول: الثمر للبائع إلا إن اشترط ذلك المشتري، وكذلك بلغنا عن النبي عليه السلام. وكان الربيع يقول: الثمر للمشتري لأن ثمرة النخل من النخل فقد اتفقا على جواز البيع جميعاً والله أعلم. وإن أراد بيع الدار والجب أو البئر أو المطمورة أو الغار أو الأندر أو الأشجار دون الأرض فإنه يقول في هذا كله: بكله ومصالحه، وإن لم يقل ذلك فالبيع فاسد لانها عقدا البيع على خلاف ما اتفقا عليه، لأن عادة الناس
تدرك. فإذا ادركت فلا بد أن يعين لها ما يخصها من الثمن إذا اشترطها على ما جزم به أولاً، وأما ابن عبد عبد العزيز فأخذ بظاهر الحديث والله أعلم. قوله: وفي الأثر الخ. ساقه الاستدلال على قوله: وقال بعض بخلاف هذا، وللمقابلة للقول الأول غالب عادته. وهو
قوله: وفيها تمر بالثاء المثلثة وفتح الميم يشمل جميع أنواعها، فإن الثمر بالثاء ظاهر مما أدرك منها. قوله: كان يقول الثمر للبائع الخ. لعل هذا إذا أبرت كما يدل على ذلك الحديث والله اعلم. قوله: لأن ثمرة النخل من النخل، لقائل ان يقول: هذا ظاهر إذا كانت غير مدركة لأنها غير مستقلة، وأما إذا أدركت فقد استقلت كما يرشد إليه التعليل، وكلام الربيع رحمه الله مصادم لظاهر الحديث على كل حال فلو قال رحمه الله بهذا في غير النخل أولى، والذي يظهر لي الحكم بقول ابن العزيز في النخل لأجل
الحديث وبقول الربيع في غيرها لأجل التعليل والله أعلم.
-101 - (3/158)
صفحة 1586
أن تباع هذه الأشياء بمصالحها، وبذلك يتوصل المشتري إلى منافعها فكأنه باع له هذه الأشياء بشرط ألا ينتفع بها. ومصالحها، طرقها وحرمها ومرسى البيت أو الغار ومزبلتهما ومساقي الأشجار والأجنة وما أشبه ذلك من جميع مصالحها، وكذلك أيضاً إذا كانت هذه الأشياء في أرضه فأراد أن يبيعها مع أرضه فإنه يذكرها ويقول: والغار الذي فيها بكله ومصالحه، وكذلك البيت والجب والبئر إلا أنه يستثني الماء الذي في الجب والبئر، كما قدمنا، ويهبه له بعد البيع، وما خرج من المدفونات بعد البيع من الغيران والأجباب والآبار والمطامير ولم يعلموا بها أول مرة فهي للمشتري ويمضي بها بيع الأرض كما يمضي الجنين مع أمه، والله أعلم. وأما إن كانت هذه الأشياء في الدار أعني الجب أو البئر أو الغار
قوله: بشرط ان لا ينتفع بها، ظاهر هذا الكلام يقتضي أن شرط عدم الانتفاع يفسد البيع مع أنه تقدم أن مثل هذا الشرط يبطل ويصح البيع. اللهم إلا ان يقال ذلك فيما إذا باع له المنافع فيبطل الشرط وينتفع، واما إذا لم يبع له المنافع فيبطل البيع لأنه ليس له ما ينتفع به والله أعلم.
قوله: ومرسى البيت، المراد به فسحتها التي ينزلها بمتاعه مثلا. قوله: والمطامير، لو زاد بعده وغير ذلك لكان اشمل وأظهر والله اعلم. قوله: واما إن كانت هذه الأشياء، لو قال: وكذلك إن كانت لكان أظهر لأن المراد التشبيه في الحكم السابق والله اعلم. ثم ظهر أن الأولى صنيع
-109 - (3/159)
صفحة 1587
بالحياء
فإنه يمضي بها بيع الدار بكلها ومصالحها، لأن هذه الأشياء من مصالح وأما إن كان في الدار فدان أو جنان أو أشجار فإنه يجمعها في بيعه الدار لأن هذه الأشياء ليست من مصالح الدار، وإن كان فيها بيت بابه خارج فإنه يجمعه في بيعه إن كان بابه على الأرض لأنهما داران، وإن ارتفع الباب على الأرض مثل الغرفة فهي دار واحدة فلا يذكره في بيعه، وكذلك إن كان على سقفها دار أخرى فإنها دار واحدة، إلا إن أخذت الفوقاتية من غير سقف السفلانية فإنهما داران، ويقول في بيعه دارين، وكذلك إن باع أرضاً في صب تلك الأرض فدادين تسمى باسم غير تلك الأرض فإنه يذكرها في بيعه باسمها، وإن لم يذكرها فإنه يضر ذلك البيع والله أعلم. وإن أراد أن يبيع فداناً له، وفيه أشجار اشتركها مع غيره فإنه يستثنيها ويبيع له أسهمه على حدة، أو يبيع له سهمه من الأشجار، المصنف، وأن هذا قسيماً لقوله: إذا كانت هذه الأشياء في أرضه فأراد أن يبيعها مع أرضه الخ. قوله: وإن ارتفع الباب الخ. يعني والحال أنه من خارج. قوله: في صب تلك الأرض، هكذا فيما رأيناه من النسخ، ولعل المراد به المواضع التي تسقى منه تلك الأرض ويجري الماء منها اليها، ثم رأيت في الصحاح
ما يدل على أن المناسب ان يقول. صلب، قال فيه: والصبب ما انحدر من الارض وجمعه اصباب الخ. وأما الصب فهو الماء المسكوب، قال فيه: والمباء ينصب من جبل أي ينحدر ويقال ماء صب وهو كقولك ماء مسكوب.
-17.- (3/160)
صفحة 1588
ثم يبيع له الفدان ويستثنيها وذلك فيما يوجبه النظر إن باع له الفدان بكله وكل ما فيه واستثنى نصيب شركائه من الأشجار، فهذا استثناء من غير الجنس، وكذلك إن كان في أرضه قد اشتركها مع غيره أو جب أو غار وما أشبه ذلك فإنه يستثني ذلك كله ثم يبيع له سهمه على حدة والله أعلم. فإن أراد أن يبيع أرضه ويمسك بعضاً فإنه يخط عليه خطة بين الذي يبيع والذي يمسك، ويقول: ما ردت الخطة إلى القبلة أو إلى البحر أو إلى مطلع الشمس أو إلى مغربها أو ما أشبه ذلك، وإن أراد أن يبيع بقعة في وسط أرضه فإنه يخط عليها من كل جانب ويقول في بيعه: ما ردت الخطة داخلاً وإن اتصلت أرضه مع أرض المشاع أو بالمقبرة أو بالمسجد فليس عليه خطة لأن هذه الأشياء وأرض الناس سواء، وأما إن اتصلت أرضه مع أرض اشتركها مع غيره فإنه يخط بينهما عند البيع وإلا لم يجز والله أعلم. وإن باع له من أرضه مئة ذراع مكسورة من عشرة أذرع فإن هذا لا يجوز لأنه مجهول، وفي الأثر: وإذا اشترى
قوله: استثناء من غير الجنس يعني والله أعلم. لأنه يصير في معنى قولك بعت لك ما ملكت الا ما يملك فلان والله أعلم.
له قوله: ثم يبيع له سهمه على حدة يعني أو سهمه من العين أولاً ثم يبيع يبيع له الأرض ويستثني العين التي فيها كما يشعر بذلك التشبيه والله أعلم.
-171 -
د م 11 - الإيضاح» (3/161)
صفحة 1589
الرجل مئة ذراع مكسورة من ذراعين مقسومة أو عشرة أجربة من أرض غير مقسومة فإن ابن عبد العزيز يقول في ذلك البيع: لا يجوز لأنه لا يعلم ما اشترى ولا كم هو من الدار، ولاكم هو من الأرض، ولا أين موضعه، وكان الربيع يقول: هو جائز، قلت: فإن كانت الدار لا تكون مئة ذراع قال: فالمشتري بالخيار إن شاء ردّها وإن شاء رجع بما نقصت الدار على البائع في قول الربيع، فقول ابن عبد العزيز
قوله: مكسورة مقسومة، الظاهر أنهما صفتا مئة وان مقسومة كالبيان لمكسورة فإن الظاهر والله أعلم أنه أراد بالكسر الانقسام، وأن معنى قوله في المسألة الأولى مكسورة من عشرة أن المئة لا تمد بل تنقسم من عشرة فيكون طول الأرض حينئذ عشرة أذرع وعرضها كذلك، وفي المسألة الثانية يكون طولها خمسين ذراعاً وعرضها ذراعين والله أعلم بالمراد فليحرر، ولكن لا فائدة فيه فإن هذا أمر لا يجوز على الصحيح للجهل كما ذكروه الله وتفسير الكسر بما ذكر قريب من معناه عند أهل الحساب فإنه يشعر بالتجزئة والانقسام لأنه إسم للجزء وهو على قسمين: منطق وهو ما يمكن التعبير عن حقيقته بغير لفظ الجزئية كالنصف والثلث والعشر وما بينها، وأصم وهو ما لا يمكن التعبير حقيقته بغير لفظ الجزئية كواحد من أحد عشر جزءاً فإنه لا يقال فيه سوى جزء من أحد عشر جزءاً من الواحد والله أعلم.
عن
رحمهم
قوله: أجربة، جمع جريب قال في الصحاح والجريب من الطعام والأرض مقدار معلوم، وفي القاموس الجريب مكيال مقدار أربعة أقفزة.
قوله: غير مقسومة صفة عشرة.
- 162 - (3/162)
صفحة 1590
في هذه المسألة أصح لأنه مجهول كما قال، والله أعلم. وأما إن باع له كذا وكذا ذراعاً من الحائط فلا يجوز لأن الحائط مختلف الأعلى والأسفل. وإن أراد أن له بعضاً من الحائط فليخط له داخلاً وخارجاً والله يبيع أعلم. وإن أراد أن يبيع له كذا وكذا ذراعاً من الهواء فإنه لا يجوز لأن البيع إنما يصح إذا وقع على الأراضي دون المنافع، لأن المنافع في ذلك مجهولة، وبعض جوز هذا، وكذلك أيضاً على هذا الإختلاف إن باع له مجرى الماء أو ممر الطريق دون بقعة الأرض والله أعلم. ولكنه إنما يفعل إذا أراد أن يبيع له هواء بيته أن يخط على شقفه خطة ويبيع له ما ردت الخطة داخلاً، وإن أراد أن يبيع له ممر الطريق أو مجرى الماء فإنه يخط عليه ويبيعه له مع الأرض ثم يبيعه له المشتري هو أيضاً بنقصان
ثمن الطريق من الثمن الأول ويشترط طريقه أو مجرى مائه.
قوله: وأما إن باع الخ. إنما فصله بإما، لأن الظاهر أن هذه المسألة متفق على منعها والله أعلم.
قوله: لأن الحائط مختلفا الأعلى والأسفل، هذه المسألة في الحقيقة يستفاد حكمها من المسألة الأولى، والأولى التعليل بالجهل كما تقدم، فإن هذه العلة تقتضي أنه إذا كان الحائط غير مختلف جائز وهو غير ظاهر
قوله: من الهواء، وذلك يزيد مثلا بيتاً فوق سقف بيته حائط سقفه قوله: على سقفه، أي على آخر جزء من
-177 - (3/163)
صفحة 1591
باب في بيع
التسمية
إعلم أن حكمها حكم الشيء الذي منه سميت التسمية من المخصوص
يبيع ميراثه
يلزمه فيها ما يلزمه في المخصوص من استثناء الثمار والماء والمقابر والمساجد وما أشبه ذلك من الدمنة لا يلزمه ذلك كما لا يلزمه في بيع الدمنة لأن حكم البعض من الشيء كحكم الشيء كله والله أعلم. ومن أراد أن من أبيه ومعه وارث سواه فإنه يسمي سهمه، ومثل ذلك أن يقول: الثلث الذي ورثت من فلان أي في الأصل بكله وكامل ما فيه بحدوده الأربعة، بعته لفلان بكذا، وإن باع من ميراثه من أبيه فداناً واحداً
قوله: من استثناء الثمار، يعني إذا كانت مدركة، والمراد أنه لا يبيعها مع الشجر لأنه حينئذ صارت سلعة مستقلة فيحتاج إلى تعيين ما يخصها من الثمن، وهذا على قول غير الربيع وابن عبد العزيز كما تقدم والله أعلم.
قوله: والمقابر والمساجد يعني إذا كانت له، وأما إذا كانت لغيره فلا حاجة إلى الاستثناء مطلقاً كما تقدم.
قوله: في الأصل، متعلق بورث وكأن المراد به مخلفاته من غير المنتقل. قوله: وإن باع من ميراثه الخ. أي مع الورثة أو ارضاهم في ذلك وأخذوا نظيره او نحو ذلك بدليل أن أصل ابيهم إلى الآن لم يقسم ليكون تسمية من العموم، ويحتمل أنه قسم، وسماه تسمية بالنظر إلى انه مأخوذ من العموم، والأول
- 17 {- (3/164)
صفحة 1592
قبل ذلك أو وهبه أو أصدق أو أخرجه من ملكه بوجه من الوجوه فلا يذكر ميراثه من أبيه بعد ذلك، ولكنه يقول: الثلث الذي لي في الأصل إن كان له الثلث أو ما له من التسميات، وإن قال: الثلث الذي ورثت من فلان ابن فلان أي في الأصل فلا يجوز ذلك البيع لأنه أدخل في بيعه ما باعه أول مرة فصار كمن باع ما له وما ليس له، وإن رجع إليه ما باعه أول مرة بوجه من وجوه الأملاك فلا يذكر ميراثه أيضاً إن أراد أن يبيع لأن الذي رجع إليه إنما هو له من قبل غير أبيه، وكذلك أيضاً إن اتفق الورثة مع واحد منهم فاستخرجوه بنصيبه من المال ثم أراد بعد ذلك واحد منهم أن يبيع ميراثه فإنه لا يذكر ميراثه ولا التسمية التي ورث من أبيه، ولكنه يسمي سهمه مما بقي من المال. ومثل ذلك رجل مات وترك ابنين وبنتاً وزوجة ثم إن الابنين اتفقا مع أمهما فاستخرجوا أختهما بنصيبها من المال ثم أرادت بعد ذلك الأم أن تبيع نصيبها من المال فإنها لا تذكر الثمن ولا ميراثها من زوجها بعد ما خرجت ابنتها بسهمها من المال، ولكنها تقول: خمسة أجزاء من ثلاثة وثلاثين
أظهر، لكن بقية كلام المصنف يدل على الثاني والله أعلم فليحرر. قوله: خمسة اجزاء الخ. إنما كان لها ذلك لأن اصل مسألتهم من ثمانية، والرؤوس التي لم يقسم عليها خمسة. وتسمى عند الفرضيين يجزء السهم، فضربت في
-170 - (3/165)
صفحة 1593
جزءاً التي لي في الأصل بحدودها بعتها لفلان ابن فلان، والله أعلم. وكذلك أيضاً أحد البنين على هذا الحال إنما يقول: أربعة عشر جزءاً من ثلاثة وثلاثين جزءاً بحدودها التي لي في الأصل بعتها لفلان بن فلان والله أعلم. وكذلك أيضاً في مسألة العول لا تذكر ميراثها إلا إن بينت ذلك، ومثل ذلك رجل مات وترك أختين له من أبيه وأمه، وأختين له من الكلالة ثم أرادت الأم أن تبيع سدسها من ابنها فإنها تقول: السبع الذي لي في الأصل ولا تذكر ميراثها من ابنها وإن أرادت أن تذكر ميراثها فلتقل السدس الذي لي في الأصل ورثت من فلان ابن فلان ابني فارتفعت فريضتنا بسهم فارتفعت من ستة أسهم إلى سبعة فصار سدسي سبعاً بكله وكل ما فيه بحدوده الأربعة بعته لفلان ابن فلان، وكذلك أيضاً مسألة الرد تبين
أصل المسألة فبلغت اربعين، فأصلها ثمانية، وجزء سهمها خمسة، ومصححها أربعون، فتقول من له من أصل الفريضة شيء اخذه مضروباً في جزء السهم يحصل نصيبه من المصحح، فللزوج واحد في خمسة بخمسة، وللأولاد سبعة في خمسة بخمسة وثلاثين لكل ذكر اربعة عشر وللأنثى سبعة فسقطت حصتها لأنهم أخرجوها فضمت الخمسة التي للزوجة إلى الثمانية والعشرين التي للإبنين فقسمها المال عليها
كما هو ظاهر.
قوله: وكذلك مسألة الرد الخ. الحاصل ان مسألة الرد كمسألة مصالحة بعض الورثة ينظر ما لكل واحد من السهام في اصل المسالة فيضم بعضها إلى بعض فيقسم المال عليها، كما لو خلف بنتا وبنت ابن فإن الفريضة من ستة: للبنت
-177 - (3/166)
صفحة 1594
ذلك إن أرادت أن تذكر ميراثها، والله أعلم. وكذلك أيضاً لو أوصى رجل لآخر بثلث ماله في الأصل كما يجوز ثم مات وترك ثلاثة بنين فأراد أحدهم أن يبيع ما ورث من أبيه فإنه يبيع الثلث الذي ورث من ابيه في الأصل ويخبر أن أباهم قد أوصى بثلث ماله في الأصل لرجل وأنه قد صار ثلثه تُسعي الأصل ثم يبيعه، وإن أراد أن يبيع التسعين اللذين له في الأصل ولا يذكر ما ورث من أبيه فلا بأس، وهذا كله لئلا يبيع وما ليس له، وكذلك أيضاً ما يدخل في ذلك من الوجوه إذا أوصى بأكثر من الثلث فأجاز له الورثة كلهم أو أجاز بعضهم، فمن أراد أن يبيع نصيبه منه فإنما يبيع ما كان له ويخبر بما فعل وارثه وما فعلوا هم أيضاً أو يخبر بالتسمية التي له في ذلك الأصل ويبيعها، وكذلك أيضاً إذا رهن
ما له
النصف ثلاثة، ولبنت الإبن السدس واحده تكملة الثلثين، فيكون المجموع أربعة، فيقسم المال عليها فيصير كل سدس ربعه فلا تذكر ميراثها إلا ان بينت والله أعلم. قوله: تسعي، هو بالتثنية لا بياء النسب.
قوله: وهذا كله لئلا يبيع ماله وما ليس له، هذا التعليل مقصور على مسألة العول والوصية دون مسألة الرد والمصالحة كما لا يخفى، والظاهر ان علة المنع فيها لئلا يتخلف شيء عن البيع عند ذكر التسمية من غير بيان فيخالف اتفاقها لأن اتفاقها ان يبيع له جميع ما آل إليه من قبل فلان مثلا والله اعلم.
قوله: وإرثه، اراد به الموروث.
--177 - (3/167)
صفحة 1595
رجل لرجل أرضاً ثم مات الراهن وباع المرتهن ذلك الفدان فأراد أحد من الورثة بعد أن يبيع سهمه في ذلك الأصل فإنه يخبر بالفدان الذي باع المرتهن ويستثنيه، وهذا إذا أراد أن يذكر ما ورث من أبيه كما ذكرنا والله أعلم.
وقد اختلف العلماء في بيع التسمية وفي الشيء الذي يجوز فيه، قال بعض: يجوز فيها لا تمكن فيه القسمة، وأما ما تمكن فيه القسمة فلا يجوز بيع التسمية منه إلا الأصل والأرض والحيطان وما أشبه ذلك، وفي الأثر: وقيل إن بيع التسمية جائز في جميع الأشياء، ومنهم من يقول: لا يجوز لشريك ولا لغير شريك، والقول الأول هو الذي يوجبه النظر عندي لأن ما لا تمكن فيه القسمة أحرى أن يجوز بيع
قوله: وقد اختلف الخ. الأولى ذكر هذا الاختلاف عند أول باب بيع التسمية ثم يفرع الأحكام المتقدمة على القول بالجواز، والحاصل من كلامه مع كلام الأثر أن بيع التسمية فيه ثلاثة أقوال: الجواز مطلقاً، والمنع مطلقاً، والتفصيل بين ما تمكن فيه القسمة وما لا تمكن فيه والله أعلم.
قوله: ومنهم من يقول لا يجوز لشريك الخ. الظاهر ان في الكلام إسقاط قول يكون هذا مقابلا له، والأصل مثلا: ومنهم من يجوز للشريك دون غيره والله أعلم. فليراجع. قوله: لأن ما لا تمكن فيه القسمة الخ. هذا التعليل يقتضي أن هناك من
-174 - (3/168)
صفحة 1596
التسمية منه لئلا يكون ذلك ضرراً عليه والله أعلم. وأما الأصل فجائز أمكنت فيه القسمة أو لم تمكن، لقوله عليه السلام: (أيما رجل له شريك في دار أو ربع فأراد أن يبيعها فلا يبعها حتى يعرض على شريكه، فإن أراد فهو أولى بها ()، وأما ما تمكن فيه القسمة فلا يجوز بيع التسمية منه من جهة الغرر بالشيء المبيع، والتسمية أيضاً في الشيء غير
(1) ,
يتمول: بيع التسمية جائز فيما تمكن فيه القسمة دون ما لا تمكن فيه، ليكون هذا رداً عليه مع انه غير موجود، والظاهر ان مقصود المصنف الرد على القول الثاني في الأثر وان القول الأول فيه أرجح لما في الثاني من الحرج كما بينه. وان بيع التسمية فيما لا تمكن فيه القسمة احق بالجواز من بيع الشيء الذي ليس بمشترك مثلا لما في المنع من بيعه من الضرر، لكن بقي الكلام بين القول بالجواز مطلقاً والقول بالتفصيل أيهما ارجح؟ وظاهر كلام المصنف يدل على اختيار القول بالتفصيل والله أعلم. قوله: يكون ذلك ضرراً عليه، أي على البائع عند الاحتياج إلى بيع ما لا يمكن فيه القسمة لو قلنا بعدم الجواز والله يقول: وما جعل عليكم في الدين من حرج) (2).
قوله: ما تمكن فيه، أي من غير الأصل وما ذكر معه.
قوله: من جهة الغرر، أي من حيث لم يتميز المبيع من غيره، وهذه العلة وإن كانت موجودة في كل مشترك لكنه اغتفر فيما لا تملك فيه القسمة لأجل الضرر
وأما الاصل فللحديث.
(1) رواه مسلم والنسائي وأبو داود. (2) سورة الحج: 78.
-179 - (3/169)
صفحة 1597
معروفة عند عامة الناس وخصوصاً إذا كانت من السهام الكثيرة إلا إن كان ذلك مثل النصف أو الثلث فلا، ومن جوزها فهي عنده معروفة، وكذلك كل ما يكون منه زوجان ولا ينتفع بأحدهما دون الآخر مثل
المصرعين و الخفين والنعلين والمطحنة ونحو ذلك فلا يجوز بيع منه، وقال بعض: إنه جائز لأنه لا تمكن فيه القسمة
فصل:
التسمية
وإن أراد أن يبيع أحد الشريكين سهمه من الشيء الذي بينهما فلا يجوز حتى يسمي سهمه نصفاً أو ثلثاً أو ما أشبه ذلك، وإن باع له سهمه هكذا ولم يسم فلا يجوز من جهة الجهل بالشيء المبيع، وقال بعض:
قوله: زوجان، إنما ثنا رحمه الله لأن كل واحد منهما زوج، تقول: إشتريت زوجين من النعال إذا اشتريت نعلين مثلاً ولا تقول: اشتريت زوجاً لأن الزوج إنما يقال لواحد منها كما بينه في أدب الكتاب، وذكره في قوله تعالى ثمانية أزواج من الضأن اثنين)) وقال تعالى: {من كل زوجين اثنين) وأما قولهم في باب المثنى: اسم دال على اثنين ميزانه شامل للزوج وأنه لا يخرج إلا بقولهم بزيادة في آخره، فلعلهم أرادوا ما يشمل الدلالة ولو بالالتزام لأنهم أرادوا بالزوج ما قابل الفرد فيشمل الإثنين والله أعلم
قوله: أحد الشركين، تنازعه، وأراد، ويبيع.
قوله: من جهة الجهل، أي في بعض الصور وطرد في الباقي أو بالنظر إلى ظاهر العبارة فلا يتحد مع القول الثاني وإن كان التعليل يقتضي الجواز عند
- 170 - (3/170)
صفحة 1598
جائز إذا علم المشتري، فعند هؤلاء أنه إذا عامه المشتري فليس هناك غرر يمنع البيع، وقد ذكر أيضاً في الأثر مثل هذا عن الربيع بن حبيب رحمه الله يقول: إذا كانت الدار بين اثنين أو ثلاثة أجيز البيع - بيع النصيب - وإن لم يسم، وإن كانت سهاماً كثيرة فلا يجوز حتى يسمي ذلك عندي قوله إذا كان المشتري يعلم أن الشيء بينهم أنصافاً أو أثلاثاً
العلم فيتحد القولان والله أعلم فليحرر.
قوله: فليس هناك غرر، أي بخلافه على القول الأول فإن فيه غرراً بالنظر إلى ظاهر العبارة بالقول الأول نظر إلى الظاهر، والثاني إلى الحقيقة، والنظر إلى الظاهر هو مطمع نظر الشارع، والظاهر القول الأول والله أعلم.
قوله: إذا كان المشتري يعلم الخ. التقييد بالعلم على مقتضى القول الثاني يقتضي الجواز مطلقاً الخ. اللهم إلا ان يقال: الغالب في السهام الكثيرة الجهل خصوصاً عند عامة الناس كما تقدم فطرد في الباقي فلا بد حينئذ من التعيين والله أعلم. قوله: أنصافا الخ. هكذا فيما رأيناه من النسخ، وفيه تأمل من وجهين: من جهة المعنى ومن جهة الصناعة، أما من جهة المعنى فلأن الشيء الواحد له نصفان لا أنصاف، وأما من جهة الصناعة فحيث نصبه مع انه خبر بحسب الظاهر، لكن هذا يحتمل الجواب عنه بأن يكون نصب الجزءين على حد قوله: إذا اسود جنح الليل فلتات ولتكن خطاك خفافاً إن حراسنا أسدا والله أعلم فليحرر، ويحتمل أن يكون مفعولاً مطلقاً، صفة لمصدر محذوف والتقدير مثلا يقسم بينهما أقساماً أنصافاً، ويحتمل أيضاً النصب على الحال من
- 171 - (3/171)
صفحة 1599
كما قدمنا، وأما إذا لم يعلم فلا يجوز على كل حال لأنه لا يعلم، ولا
هو ولا كم ثمنه والله أعلم. وإن أراد أن يبيع تسمية من فدانه أو من داره فإنه يخاطب عند البيع بالفدان كله ويقول: نصف الفدان الذي لي أو ثلث الفدان الذي لي في مكان يسمى بكذا وكذا، وإن قال: النصف أو الثلث الذي لي في الفدان فلا يجوز لأنه إنما أوقع البيع على النصف الذي له في هذا الفدان والفدان له كله، فكأنه أوقع البيع على خلاف ماله، وإن كان له في الفدان شريك فأراد أن يبيع سهمه فإنه يقول: النصف أو الثلث الذي لي في الفدان، وكذلك إن أراد أن يبيع تسمية من سهمه فإنه يخاطب في البيع بسهمه ويقول: نصف النصف الذي لي أو ربع النصف الذي لي أو ثلث النصف الذي لي، وكذلك إن كان له ميراثان أو ثلاثة
الضمير المستتر في بينهم على أنه الخبر والتقدير كائن بينهم حال كونه ذا انصاف او متصفا والأمر في ذلك سهل وقد يجاب أيضاً على الجميع بأنه لأجل مناسبة ما بعده اعني أثلاثاً او بأن اقل الجمع اثنان عند بعضهم والله أعلم.
قوله: ولا كم ثمنه، اي في نفس الأمر وإلا فهو معين فيما بينهما.
قوله: الذي لي، صفة للفدان لا لنصفه ولا لثلثه فقد خاطب بالفدان كله. قوله: على خلاف ماله، يعني فإن النصف الذي اقر أنه له وباعه للمشتري باق حيث الفدان كان له كله فكأنه باع للمشتري النصف الذي لا يملك فعومل بذلك الإيهام فبطل البيع والله أعلم.
- 172 - (3/172)
صفحة 1600
في أصل واحد فأراد ان يبيع واحداً من ذلك الميراث فإنه يسمي ذلك الميراث الذي اراد بيعه من جميع نصيبه من ذلك الأصل أعني المواريث الثلاثة، وإن أراد أن يبيعهن كلهن فإنه يضمهن ثم يسميهن من ذلك الأصل ويبيعهن والله أعلم. وإن قال: بعت لك نصف هذا الشيء هكذا ولم يذكر النصف الذي له فلا يجوز ذلك البيع لأنه باع ما له وما ليس له حين أوقع البيع على نصف الشيء هكذا، ونصف الشيء بينه وبين شريكه، ومنهم من يقول: جائز نصف سهمه وبطل غير ذلك، فعند بيع هؤلاء: إن من باع ما له وما ليس له أن يجوز ما له ويبطل ما ليس له، ومنهم من يقول: يجعل ذلك كله من سهمه إن كان له النصف فهو للمشتري، وإن كان له أكثر من النصف فالنصف للمشتري وما فوقه للبائع، وإن
قوله: من جميع نصيبه، كأنه اراد أنه لا بد من ذكر جميع الأسهم التي له في ذلك الفدان و يخرج منها ميراثاً معيناً، فلو فرض ان شخصاً له في الأصل ثلث وربع وسدس فإنه يقول إذا اراد بيع السدس مثلا للسدس الذي ورثته من فلان ابن فلان فهو أربعة اسهم من ثمانية عشر سهماً التي لي في الأصل من اربعة وعشرين سهماً والله أعلم. قوله: فإنه يضمهن ثم يسميهن، كأن يقول الثلث والربع والسدس وهي ثمانية عشر سهما التي لي في الأصل من أربعة وعشرين سهما بعتها لفلان ابن فلان مثلا او يقول ثمانية عشر سهماً وهي الثلث والربع والسدس التي لي في الأصل الخ. وهذا هو المتبادر من الضم ثم التسمية والله أعلم.
- 173 - (3/173)
صفحة 1601
كان له أقل من النصف فهو للمشتري، وبعض يقول: يكون تمام النصف من سهم الشريك معلقاً، إن أجازه جاز وإن أبطله بطل، وبعض يقول: فعل الشريك جائز في المشترك، وكذلك أحد الشريكين إن باع الشيء الذي بينهما على هذا المعنى فيه قول بإبطال البيع كله، وقول باجازته كله، وقول بإجازته سهمه وإبطال سهم شريكه، والله أعلم. وإن أراد الرجل أن يبيع لتسعة نفر شيئاً واحداً ويمسك سهماً بينهم فإنه يبيع لهم تسعة أعشار هذا الشيء ويبقى له عشراً، وإن أراد أن يبيع لكل واحد منهم سهماً على حدة فانه يبيع للاول عشر هذا الشيء وللثاني تسع تسعة أعشار الذي له في هذا الشيء والثالث ثمن ثمانية أعشار الذي له والرابع
قوله: فهو للمشتري، يعني ويرجع على البائع بقيمة الناقص
قوله: فعل الشريك جائز في المشترك، هذا إنما يتأتى في المتفاوضين مطلقاً
وفيمن قعدت لهم الشركة في بيع غير الأصل كما يعلم مما سيأتي والله اعلم
قوله: فيه قول بإبطال البيع، وذلك لأن العقدة الواحدة إن اشتملت على ما يجوز وما لا يجوز كانت غير جائزة وهو المختار كما يعلم من كلامه رحمه الله في مواضع، والله أعلم. فوله: وقول بإجازته كله أي بناء على أن فعل الشريك على الشريك جائز مطلقاً، والمختار أن ذلك مقيد بما إذا كانت شركتها شركة مفاوضة أو عنان أو نقود بالنظر إلى غير الأصل والله أعلم.
-18 E- (3/174)
صفحة 1602
سبع سبعة أعشار الذي له في هذا الشيء حتى يأتي آخر هم. ومنهم من يقول: يبيع لكل واحد منهم عشر هذا الشيء، فهذا إنما يجوز عندي على مذهب الذين يقولون: إن باع نصف هذا الشيء هكذا ولم يقل النصف الذي لي
في هذا الشيء إنه جائز ويجعل ذلك من سهمه والله أعلم.
فصل:
وبيع
الماء جائز مع الأرض، ولا يجوز دون الأرض لما جاء من النهي في ذلك عن بيع فضل الماء، وفي الأثر: وإذا كان له غب معلوم فأراد بيعه فإنه ينظر إلى ما بلغ ذلك الغب من العين فيبيعه له، ومنهم من
قوله: الذي له، بدل من تسعة اعشار والمناسب جعله صفة والإتيان بصيغة التي كان يقول تسع تسعة الأعشار التي له لأن القاعدة انه إذا اريد تعريف العدد المضاف يعرف المضاف إليه، وكذا يقال فيما بعده.
قوله: على آخر هم، المناسب على آخر هن أو على آخرها، لأن المعدود ليس من العقلاء.
قوله: جائز مع الأرض، الأولى ما سلكه فيما تقدم من هبة الماء بعد البيع وهذا ظاهر إذا لم يرد بذلك قطع الشفعة والله أعلم.
الماء
قوله: غب معلوم، لعله من قولهم: غبت الأبل تغب غبا إذا كانت ترد يوماً وتدعه يوماً، وكذلك الغب في الحمى، والغب في الزيادة، قال الحسن: في كل أسبوع الخ. والمراد به شرب يوم معلوم.
قوله: ما بلغ ذلك الخ. اي كجزء من مئة جزء من العين أو نصفه أو ثلثه أو عشره مثلا
-100 - (3/175)
صفحة 1603
يقول: يبيع له ذلك الغب مع الخط في العين والمجرى في الساقية، ومنهم من يقول: يجوز بيعه مع الأرض هكذا. ولو كانت لا تسقى بذلك الماء فهذا يدل منهم أن بعضهم لم يجوز بيع الماء إلا مع الأرض التي تسقى به دون غيرها، وإن باع له الأرض ولم يذكر الماء تبعها ما تسقى به من الماء مع مساقيها، وفي الأثر أيضاً: وسألت الربيع وأبا المورج عن شراء الماء مع الأرض من الأصل فقال: لا بأس لهم إذا كان الماء مع الأرض، قلت لأبي المورج: من أين أجزت شراء الماء مع الأرض ولم تجزي بغير الأرض إلا في حال الضرورة؟ قال: لأنه إذا اشترى الأرض فله أن يشتري شربها ومجراه، وإذا اشترى مجرى الماء فكل ما يجري على مجراه فهو له، ولأن لكل أرض شرباً، فمن اشترى الأرض وشربها من
قوله: مع الحظ، أي النصيب
قوله: تبعها ما تسقى به الخ. اي لأنه حيث قال بكلها ومصالحها دخل ذلك لأنه من مصالحها، ولعل المراد ما لم ينص عليه بالاستثناء والله أعلم. قوله: فكل ما يجري على مجراه فهو له، هذا في الحقيقة بمنزلة النتيجة فكأنه قال: فمن اشترى المجرى فقد اشترى الماء، أي فصار اشتراء الماء بالتبع جائز
والله أعلم
قوله: وشربها، أي إذا كان معيناً كما هو معلوم.
-187 - (3/176)
صفحة 1604
الماء ومجراه وكل حق هو لها فما أراه الا جائزاً، وفي الأثر أيضاً: وكذلك إذا كان له فيه شرب يوم معلوم فلا يجوز بيعه، ومنهم من رخص، وكذلك القواديس لا يجوز بيعها هكذا عدداً معلوماً، ومنهم من يرخص، فلعل هذا على مذهب من حمل النهي عن بيع الماء على ماء الآبار التي تكون في الفيافي والصحارى والله أعلم. وكذلك على هذا الاختلاف إن باع له نوبة واحدة من شهر أو شهرين ليلة، مرة في النهار ومرة في الليل والله أعلم. وإذا كان لرجل ماء من العين في مساق شتى فأراد أن يرده إلى ساقية واحدة فلا يجد ذلك إلا بإذن أصحاب تلك السواقي، ومنهم من يقول: إذا كان له مجرى في الساقية فله أن يرد الماء فيها إن لم يضر بأصحاب تلك الساقية لأنه ماؤه يرده إن شاء إن لم يضر أحداً، ومنهم من يقول: لا يجوز ذلك إلا بإذن أصحاب الساقية التي صرف منها الماء وبإذن أصحاب الساقية التي رد إليها الماء، وهذا القول عندي أصح لأن أصحاب الساقية التي صرف منها لهم في ذلك الماء منفعة
قوله: فما أراه، الضمير عائد إلى الشراء المفهوم من اشترى أي فما أرى شراء. إلا جائزاً.
قوله: فلا يجوز بيعه، أي و وحده واما مع الارض فجائز كما تقدم. قوله: تلك السواقي، اي التي يصرف عنهم الماء لانتفاعهم بذلك الماء، وكذلك الذين يصرف إليهم لا بد من رضاهم كما ذكره والله اعلم.
- 177 -
ه م 12 - الإيضاح، (3/177)
صفحة 1605
حين يمر على أشجارهم فلا يصرفه إلا بإذنهم وأصحاب الساقية التي رد إليها الماء لا يرده إلا بإذنهم والله أعلم. وبيع الماء في الجب لا يجوز لأنه مجهول إلا إن علم المشتري قدر ذلك، وأما بيع الذراع منه ففيه قولان.
"
قوله: إلا إن علم المشتري الخ. لعله إنما جاز بيع ماء الجب وهو الماجل في اصطلاح أهل المغرب لانه بمنزلة الإناء، وماء الإناء ماء العناء فيجوز بيعه ولعل هذا على مذهب بعضهم وإلا فقد تقدم أنهم أجازوا أن يسقى الرجل من جب غيره بغير إذنه فلو كان مملوكاً لم يجز ذلك إلا بإذنه، وإذا كان غير مملوك فكيف يجوز له بيعه، اللهم إلا أن يقال: المراد بالجب فيما تقدم الجب بالمعنى لا بالمعنى الذي أراده هنا أو يكون ما تقدم محمولاً على ما إذا لم يقع المنع
اللغوي
والله أعلم فليحرر.
- 178 - (3/178)
صفحة 1606
باب فيما يتبع الشيء المبيع
مما لم يذكره المتبايعان
إعلم أن كل ما يتبع الشيء المبيع فإنه يكون على وجهين: أحدهما يشمله إسم المبيع ولا ينزع عنه إلا بفساده، والثاني أن يشمله الإسم وإن نزع عنه انتزع بغير فساد، أما الأول فداخل في الشيء المبيع، وذلك مثل الباب بمساميره والبيت بسقفه وخشبه ببقعته والدار بحيطانها والشجرة بركائزها والتمرة بنواها والبهائم بأحمالها أو ما أشبه هذا، وأما الثاني الذي يشمله الإسم وينزع عنه من غير فساد فهو أيضاً على وجهين: متصل ومنفصل، فالمتصل الذي داخل في البيع وذلك مثل الأرض بما نبت فيها من الأشجار من حبها مثل نوى التمر وحب التين والزيتون وغيره فإن
باب فيما يتبع الشيء المبيع
قوله: والبهائم بأحمالها، أي الجنين الذي في بطنها. قوله: من غير فساد، أي للمنزوع منه قوله: نوى التمر النوى بالقصر جمع نواة التمر يذكر ويونث، تقول مثلا: كسرته وكسرتها، بخلاف النوى بمعنى الوجه الذي ينويه المسافر من قرب أو بعد مفرد مؤنث فقط من الصحاح.
-179 - (3/179)
صفحة 1607
لمشتري الارض هكذا من النوى ما كان له سعفة واحدة، وقيل هي له ما لم يدر عليها الليف، ومنهم من يقول: للمشتري من ذلك ما لم يثمر، و أما التين والزيتون والخوخ وغيرها فإن لمشتري الارض من حبها ما كان له ورقة واحدة، ومنهم من يقول: ورقتان، ومنهم من يقول: ما لم يثمر، وأصل اختلافهم فيما يوجبه النظر متى تسمى شجرة، ومتى لم تسم شجرة فهي بمنزلة الحشيش الذي يكون في الارض، وإذا سميت شجرة لم يشملها إسم الارض حتى يوقع عليها البيع ويقول: بكلها وكل ما فيها والله أعلم. وكذلك على هذا المعنى ما نبت من أصل النخل من وديها
قوله:: هكذا، أي من غير أن يقول: وكل ما فيها.
قوله: من حبها، أي من حب هذه الأشياء وكأن فيه سقطا والاصل مثلا
مما نبت من حبها
قوله: فهي بمنزلة الحشيش، لعل الفاء جواب لإذا سقط من قلم الناسخ ـ هي وشرطها ـ أو محذوفان على حد قوله تعالى فالله هو الولي اي إن ارادوا أولياء بحق فالله هو الولي، فالأصل فإذا لم تسم شجرة، ويحتمل أنه جواب ومتى لم تسم شجرة، وأن الوقف عند قوله متى تسمى شجرة، وقوله ومتى إلى آخره مستأنف والامر سهل.
قوله: فإذا سميت، الاولى وإذا بالواو
قوله: من وديها، بيان لما، وهو بالتشديد، قال في الصحاح: والودي على
فعيل صغار الفسيل الواحدة ودية الخ
•
- 14° - (3/180)
صفحة 1608
فالمشتري النخل من ذلك ما
يحط بها الليف، ومنهم
يقول:
ما لم تثمر، وكذلك ما خرج من عروق الأشجار على هذا المعنى، وأما الفرع إذا خرج من أصل الشجرة ودفن في الأرض ونبت فمتى لم يستغن عن الشجرة إذا قطع فهو تابع للشجرة، فإذا استغنى عن أمه فهو شجرة أخرى، ويكون للبائع إلا أن يدخله في البيع، وكذلك أيضاً غلة الأشجار على هذا المعنى، منهم من يقول: الغلة للمشتري ما لم تذكر لقوله عليه السلام: (من باع نخلاً قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المشتري))، ومنهم من بقول: ما لم تطب فهي للمشتري، وقال بعض:
قوله: فلمشتري النخل من ذلك الخ. لم يبين رحمه الله حكم ما حدث في
الشجر بعد البيع، وكان الشجر في أرض غيره لمن يكون ذلك الفسيل؟ هل هو لصاحب الأرض أو لصاحب الشجر وهو الظاهر؟ لكن هل يدرك صاحب الأرض على صاحب الشجر قلعها قبل أن تثمر فليراجع، ثم أخبرت بأنها تكون لصاحب الشجر ويدرك صاحب الأرض عليه قلعها ما لم تثمر فتحققت أن
الأمر كذلك. قوله: وأما الفرع الخ. إنما فصله عما قبله، لأن النظر فيما تقدم إلى الأثمار وفي هذا إلى الاستغناء، وإن كان يثمر قوله: لقوله عليه السلام الخ. فيه أن الدليل أخص من المدعى إلا أن يقاس
غير النخل عليها. قوله: وقال بعض الخ. هذا هو مذهب الربيع فيما تقدم والذي جزم به
(1) تقدم ذكره.
-141 - (3/181)
صفحة 1609
هي له ولو طابت لأن ثمرة الشجرة من الشجرة فهي عندهم بمنزلة الجنين في بطن أمه ما لم تقطع والله أعلم. وكذلك الجنان والبستان والفدان يمضي عند البيع بما فيه من الأشجار، والحيطان والزروب والبقول لأن اسم الجنان والبستان يقع على ذلك كله، وكذلك المساكن يذهب البيع بالمساكن والدار التي فيها والحب والغار إذا كان في تلك الدار، وكذلك أيضاً البيت يذهب البيع بما ذكرنا، ويذهب بما اتصل من حيطانها من الأوتاد و الخشب والمنارة التي يعمل عليها المصباح والرحى التي فيها أعني
أولاً، فيما تقدم في هذه الصورة فساد البيع، يعني ما لم يعين الثمرة حينئذ قدر من الثمن والله أعلم. والذي نسبه في اختلاف الفقى للربيع غير ما ذكر، وروي الحديث بغير هذا اللفظ وعبارته: «من باع نخلا مثمراً فثمرتها للبائع إلا أن يستثنيها المشتري، وبه نأخذ، وهو قول ابن عبد العزيز والربيع، وقال ابن عباد الثمرة للمشتري انتهى، وهذا النقل عن ابن عبد العزيز والربيع هو الذي يشهد به الحديث الذي رواه المصنف أيضاً وسمعت به عن بعض مشايخنا أن المعمول به فيما أدركناه إنما هو القول الأوسط وهو أن الثمرة للمشتري ما لم تطب. وانظر ما حجتهم في ذلك فإنه منابذ لظاهر الحديث والله أعلم فليحرر. قوله: يمضي، أي ما ذكر.
قوله: والرحى، هي بالقصر على الراجح، قال في الصحاح: الرحى معروفة مؤنثة والألف منقلبة عن الياء تقول هما رحيان إلى أن قال: وكل من
قال رحاء ورحاء آن وأرحية مثل عطاء وعطاء ان وأعطية، جعلها منقلبة من الوار، وما أدري ما حجته وما صحته الخ.
- 182 - (3/182)
صفحة 1610
الشق السفلي المتصل بها والبنيان الذي على سقفها ما لم يكن مسقفاً،، فإذا كان مسقفاً فهو بيت آخر وهو للبائع، ومنهم من يقول: إذا جعل له العتبة فهو للبائع لأنه بيت آخر عند هؤلاء، وكذلك أيضاً جميع بالأرض من أداة المعصرة والحمامات للمشتري، وكذلك الخصوص
ما اتصل
بركائزها وحصرها إذا باعها وهي مبنية، وكذلك الأخبية والفساطيط وما اتصل بها، وكذلك الحيوان بألبانها وأصوافها وأوبارها يمضي البيع بذلك كله والله أعلم. وأما المنفصل مما ينزع من الشيء من غير فساد فقيه اختلاف، قال بعضهم: هو للبائع ما لم يشترطه المبتاع، وقال
قوله: فإذا كان مسقفاً الخ. يتأمل هذا. ما أسلفه. من قوله وكذلك إن كان على سقفها داراً أخرى فإنها دار واحدة، اللهم إلا أن يحمل ما هنا على ما أخذت الفوقانية من غير سقف السفلانية فلا بد من التعرض له في البيع كما علم مما تقدم أيضاً، أو يقال ما تقدم محمول على الدار، وما هنا محمول على البيت وهو الظاهر والله أعلم فليحرر.
قوله: والفساطيط، جمع فسطاط، في الصحاح: الفسطاط بيت من شعر وفيه لغات فسطاط وفستاط وفستاط وكسر الفاء لغة فيهن والفسطاط
مدينة مصر.
قوله: وأما المنفصل مما ينزع الخ. لو قال مثلا: وأما المنفصل الذي يتصل وينزع عنه من غير فساد لكان أظهر، لأن المنفصل عن الشيء معلوم أنه منزع عنه، اللهم إلا أن يقال: سماه منفصلا باعتبار ما كان وإن اتصل بعد ذلك والله أعلم.
- LAY- (3/183)
صفحة 1611
بعض: هو للمشتري ما لم يشترطه البائع، ومنهم من يقول: إنما ينظر في ذلك إلى عادة الناس في بيعهم وشرائهم مما يجره البيع عندهم، وذلك مثل الجنان والبستان والفدان بمائه ومساقيه والدار وطرقها وأفنيتها، والبيت و بابه ومفتاحه والرحى الذي فيه والمعصرة والحمامات وأداتها، وإن نزع هذا كله على أن يرده فهو بمنزلة ما هو عليها، وإن رفعه ليركبه ولم يركبه بعد فإنه لا يذهب به البيع، وكذلك إن كانت عارية ولم يستئنها فقد فسد البيع لأنه باع ما له وما ليس له والله أعلم. وكذلك الجمل وأداته
قوله: والدار وطرقها، ينبغي أن يكون طريق الدار مما وقع الإجماع على أنه للمشتري وإلا فسد ا البيع، لأن شرط المبيع أن يكون منتفعا به، وذلك لا يمكن من غير طريق والله أعلم.
قوله: وأفنيتها، في الصحاح وفناء الدار ما أخذ. من جوا جوانبها والجمع أفنية. قوله: والرحى الخ. لعل المراد بها الشق الفوقاني، وأما السفلاني فقد تقدم الكلام عليه في المتصل، وكذا أداة المعصرة والحمام، لعل المراد بها المتصل بالأرض لأن المتصل معلوم مما تقدم والله أعلم.
قوله: الذي، صوابه التي، لأن الرحى مؤنثة اللهم إلا أن يقال: وذكر باعتبار أن المراد الشق والله أعلم.
قوله: فقد فسد البيع، لعل هذا مختاره رحمه الله وإلا فقد تقدم أن بعضهم يقول: من باع ما له وما ليس له صح البيع فيها له وبطل فيما ليس له والله أعلم. وفي هذا الكلام أيضاً إشارة إلى أن المختار أن هذه الأشياء للمشتري وأن البيع
- 18 - (3/184)
صفحة 1612
مثل القتب و الجهاز والرسن والفرس والبغل والحمار وأداتها على هذا الحال، وكذلك الأخبية والفساطيط بحبالها وأوتادها، والسيف والسكين بغمدهما، والرمح والدرقة بغلافهما، وذلك بعد أن ينزع عنهن ثم يردون فيها لئلا يبيعها في الغلاف فيكون من بيع الغرر، وكذلك الشاة والبقرة والناقة مع أولادها على هذا الحال، وأما الأمة إن لم يذكر ولدها عند عقد البيع فليس للمشتري فيه شيء، والفرق بينه وبين ولد البقرة والناقة والشاة فيما يوجبه النظر أن أولاد هذه الأنعام لها تأثير في لبنها فصارت مما لا بد لها منها، والأمة بخلاف ذلك، والأحسن في هذا أن يدخله في البيع إذا أراد بيعه، وكذلك أيضاً حلي الأمة وقلايدها
شامل لها، وأما على القول الآخر: فالظاهر أنه لا يفسد البيع لعدم شموله ما ذكر والله أعلم. قوله: والجهاز: في الصحاح ما يدل على أن الجهاز بالفتح إسم للقتب وأداته قال: ومن أمثالهم في الشيء إذا نفر فلم يعد: ضرب في جهازه بالفتح. قال الأصمعي: وأصله في البعير يسقط عن ظهره القتب بأداته فيقع بين قوائمه فينفر عنه حتى يقع يذهب في الأرض ويجمع على أجهزة الخ. وعلى هذا فعطف الجهاز على القتب لعله جرده عن بعض معناه والله اعلم.
قوله: لها تأثير في لبنها الخ. هذه العلة ترشد إلى أن الفرس والحمارة لا يتبعها أولادهما لأنها ليس المقصود منها اللبن فها بمنزلة الأمة وإن كان يحصل لهما الوله لأنه دخل على ذلك والله اعلم.
1140 - (3/185)
صفحة 1613
وخرزها وسلاح العبد، فليس للمشتري في هذه الأشياء شيء لأنهما مستغنيان عن هذه الأشياء، وأما الكساة والكرزية والنعال فهي للمشتري مع العبد لأنه غير مستغن عنها، وما ظهر من مال العبد ففيه اختلاف، وأصل اختلافهم هل يملك العبد أو لا يملك؟ فمن كان عنده لا يملك فماله لسيده عنده، ومن كان عنده يملك صار ماله تبعاً له،
والأصح عندي أنه لسيده لقوله عليه السلام: (من باع عبداً فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) و من باع ما في الظروف فليس للمشتري في الظروف شيء، وأما إن قال له: بعت لك تليس هذا الطعام، أو زق هذا الزيت، أو خابية الزيت، فإن الظروف للبائع، ومنهم من يقول: للمشتري، ومنهم من يقول: لا يجوز ذلك البيع، والذي يوجبه النظر عندي أن من جعل الظروف للبائع أوقع البيع على ما فيها، وعليه عادة الناس، والمعنى في ذلك بعت لك طعام تليس هذا الطعام، أو زيت زق هذا الزيت، كقول القائل: لي عليك رطل لحم، معناه مقدار رطل لحم، لأنه إنما يطلب اللحم لا الحجر، وأما من جعل الظروف للمشتري فعلى ظاهر اللفظ، وأما من أبطل هذا البيع فلعله قد تساوى عنده دخول ذلك في البيع وغير دخوله فصار مجهولاً، ولذلك أبطله حتى يبين ذلك والله أعلم.
-147 - (3/186)
صفحة 1614
باب ما يجوز به البيع من الثمن
والثمن أيضاً لا بد أن يكون معلوماً كما ذكرنا في المثمن، وهو أن يكون معلوماً إما بوزن مما يوزن أو بكيل مما يكال أو بصفة معلومة تبين الشيء من غيره، وهذا إذا لم يكن حاضراً، فكل ما جاز بيعه جاز به البيع معلوماً كان أو مجهولاً، متفقاً أو مختلفاً، ويجوز البيع بالدنانير
باب ما يجوز به البيع من الثمن
هذا الباب من جملة المعقود عليه لأن ما جاز بيعه جاز به البيع، ولذلك أدخله فيه وإلا لكانت الاسباب المصححة للبيع أربعة وهي: العاقدان والمعقود
عليه، وثمنه وصيغة العقد
قوله: وهذا إذا لم يكن حاضراً، سيأتي في باب بيع الدين ما يدل على أن هذا على قول بعضهم حيث قال: وبيع الدين جائز بما يجوز به البيع إذا لم يكن من ذلك الجنس الذي باعه، وهذا فيما يوجبه النظر على قول من قال: إن الأشاء تكون أثماناً بعضها لبعض الخ.
قوله: أو مجهولاً، لعله أراد أو مجهولاً قدره بأن يباع به أو يشترى جزافاً وإلا فقد أنه لا. . تقدم ا بد من معرفة الشيء المبيع.
قوله: متفقاً أو مختلفاً، يعني وأما إذا كان الثمن غائباً فيشترط فيه أن يكون مخالفاً الجنس المبيع كما يؤخذ من قوله المنقول في الحاشية إذا لم يكن من
- 187 - (3/187)
صفحة 1615
والدراهم والفلوس والدوائق والمثاقيل والصقالى بعدد معلوم، سمى السكة أو لم يسمها، وأما كذا وكذا ربعاً أو قيراطاً فلا يجوز، لأن البيع بالتسمية لا يجوز إلا فيما لا تمكن فيه القسمة، ولأن المقصود بالعدد
ذلك الجنس، والظاهر أن محل المنع إذا حصلت الزيادة لوجود أركان الربا وهي:
التأخير والجنس والزيادة والله أعلم
•
قوله: والصقالي، جمع صقلى، وهو نصف الدانق، والدائق سدس الدرهم والمثقال وزن ثلاثة قراريط من الفضة، والقيراط منها ثلاثون حبة من الشعير و الدرهم قيراطان، والدينار أربعة وثمانون حبة لأنه نقصت منه بالنار ست حبات عن المثقال، وقيراط الذهب أربع حبات من القمح
قوله: سمتى السكة أو لم يسمها، لعله إذا كانت غير متفاوتة في القيمة قوله: وأما كذا وكذا ربعاً الخ. لعله إذا لم يضف الربع إلى الدينار أو الدرهم مثلا ولا القيراط إلى الذهب كما يشعر بذلك ما سيأتي في كل منها، ولعل ذلك أيضا إذا لم يكن الربع معلوم السكة والله أعلم.
قوله: لا يجوز إلا فيما لا تمكن فيه القسمة، يعني فلا بد من إضافته إلى شيء لا تمكن فيه القسمة كالدينار والدرهم بدليل ما سيأتي، وأما على الإطلاق فلا يجوز والله أعلم. ويحتمل أن مراده رحمه الله أن البيع بالأرباع لا يجوز إلا فيما لا تمكن فيه القسمة، أي كدينار واحد ودرهم واحد فتقول مثلا: ربع دينار أو ربعا دينار أو ثلاثة أرباع دينار، وأما إذا الأرباع بحيث تستغرق الدرهم أو الدينار أو المتعدد. ذلك من لم يجز للعلتين في الثاني، والثانية فقط في الأول، وعلى هذا الاحتمال لا يجوز ذكر الأرباع في غير الواحد ولا بالإضافة على
هذا القول والله أعلم فليحرر.
تعدد
- 188 - (3/188)
صفحة 1616
أيضاً الدراهم نفسها لا الأرباع ولا القراريط، وقيل البيع بهذا جائز، وأما كذا وكذا قيراطاً ذهباً فجائز عندهم لأن قيراط الذهب معروف الوزن عندهم والله أعلم. ولا يجوز البيع بكذا وكذا حبة من ذهب أو فضة لأن الحبة مجهولة، ويجوز البيع بكذا وكذا قنطاراً أو رطلاً أو أوقية من حديد أو نحاس أو رصاص أو ذهب أو فضة، وهذا في غير المُسَكَّك، وأما الدنانير والدراهم فلا، لأن المقصود بها آحاد أعيانها كما ذكرنا قبل هذا. ويجوز البيع بالحبوب كلها بكيل معلوم من الأقفزة والأثمان والأصواع والأمداد وكل كيل معلوم، وكذلك كل ما يكال من الأدهان على هذا الحال، وكل ما يجرى عليه الكيل جائز به البيع إذا كان بوزن معلوم، وأما ما يوزن فلا يجوز البيع به إذا كان بكيل مثل الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص وما أشبه ذلك، لأن الكيل دون الوزن والله أعلم. ويجوز البيع أيضاً عند بعض بكذا وكذا ثوراً أو جملاً أو شاة بصفة معلومة وأسنان معلومة، وكذلك جميع
قوله: الدراهم أي نفسها، أي فلا تعد فيما لا عدد فيه للدراهم كأربعة
أرباع الدراهم. قوله: قبل هذا، أي في باب المعقود عليه.
قوله: ما يوزن، أي ما أصله الوزن فلا يرد ان ما يكال يوزن.
قوله: عند بعض هذا هو الذي صدر به أولاً، والمختار عنده في باب السلم أنه
-149= (3/189)
صفحة 1617
ما يبين بالصفة من غيره حيواناً كان أو غير حيوان لأن هذا كله يصح في الذمة كما يصح في القرض الحديث أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: (استلف رسول الله له من رجل بكراً فلما جاءته إبل الصدقة أمرني أن نقضي الرجل بكره، فقلت: يا رسول الله لم أجد في الإبل إلا جملاً رباعياً خياراً؟ فقال له النبي عليه السلام: اقضه إياه فإن خير الناس أحسنهم قضاء) (وقال بعضهم: لا يجوز البيع بالحيوان ولا العبيد
لا يجوز في الحيوان حيث قال: والنظر يوجب عندي أن السلم لا يجوز في الحيوان لأنها وإن كانت تضبط في صفات الخلق فإنها غير مضبوطة في صفات النفس انتهى. اللهم إلا أن يفرق بين بيع الدين والسلم لقوة الغرر في السلم أو يقال هذا على غير المختار عنده والله أعلم.
قوله: استلف، أي اقترض وليس هو السلم.
قوله: بكراً، في الصحاح: والبكر بالفتح الفتي" من الأبل والأنثى بكرة والجمع بكار مثل فرخ وفراخ، وبكارة أيضاً مثل فحل وفحالة، وقال أبو عبيدة:
البكر من الإبل بمنزلة الفتى من الناس، والبكرة بمنزلة الفتاة الخ
قوله: رباعياً هو بفتح الراء وتخفيف الياء، في الصحاح: ويقال للذي يلقى رباعيته رباع مثل ثمان فاذا نصبت أتممت قلت: ركبت برذونا رباعياً إلى أن قال وتقول منه للغنم في السنة الرابعة وللبقر والحافر في السنة الخامسة وللخف في السنه السابعة الخ.
قوله: أحسنهم قضاء، هذا إذا لم يكن الإتفاق بينها على ذلك لأنه يكون
(1) متفق عليه.
-19.- (3/190)
صفحة 1618
ولا الإماء إلا إن حضروا لأنها غير مضبوطة والله أعلم. ولا يجوز البيع بالأراضي والحيطان والأصول إذا لم تكن معينة لأن هذا مجهول لاختلافه في الجودة والرداءة والقرب والبعد والأمن والخوف وغير ذلك، وكذلك بالأمتعة والأواني إذا لم تكن حاضرة لا يجوز لأن هذا كله مجهول، وكذلك أيضاً لا يجوز البيع بعدد معلوم من البيض والرمان واللوز والموز والفستق والجواهر والخرز وما أشبه ذلك لأنه مختلف في الصغر والكبر والجودة وغير ذلك والله أعلم. وكذلك لا يجوز البيع بكذا وكذا حبة من قمح أو شعير أو تمر أو جميع الحبوب لأن المقصود بهذا كله الكثرة لا آحاد أعيانها والله أعلم. ويجوز البيع بالتسمية من الدينار والمثقال والدرهم لأنه لا تمكن فيه القسمة، وقد ذكرنا ما يجوز
سلفا
جر
منفعة والله أعلم
قوله: لأنها غير مضبوطة، هذا هو المختار عنده في باب السلم. قوله: إذا لم تكن حاضرة، يعنى ما لم تكن مضبوطة بصفة كما يدل عليه
كلامه السابق ولم تتعين في الخارج لأن المعين لا تقبله الذمة والله أعلم. قوله: لأن هذا كله مجهول، ولأنه لم يكن حاضراً وهو موجود في الخارج كان في الذمة والمعينات لا تقبلها الذمم والله أعلم.
قوله: من الدينار والمثقال والدرهم، أي لا من الدنانير والمثاقيل والدراهم لما تقدم أي على القول الأول.
-191 - (3/191)
صفحة 1619
من هذا فيما تقدم والله أعلم. وفي الأثر: أبو سفيان في رجل يشتري السلعة بدينار وسدس أنه لا يفارقه حتى يدفع إليه ثمن السدس فضة فإنه صرف لأن أصل ما عليه بينهما أن يأخذ منه دراهم، ولو أتاه بقطعة ذهب ما أخذها منه، ولا يجوز تأخير ثمن السدس وإن باع له بعدد معلوم بهذا العيار أو بعيار فلان أو بعيار قرية كذا وكذا فهو جائز إذا كان معبراً، وإن لم يكن معبراً فلا يجوز لأنه مجهول، وإن باع له بكيل معلوم أو بوزن معلوم أو بعدد معلوم من الرطب أو العنب أو من التين الأخضر أو من التفاح أو من جميع ما يكون في بعض الأوقات دون بعض فلا يجوز، وهو غرر لأنه غير مقدور عليه، وقيل فيه إنه جائز
قوله: بهذا العيار أو بعيار فلان، لعله إذا كان الثمن وهو الحب مثلا حاضراً وأما إذا كان إلى أجل فسيأتي في باب السلم ما يدل على المنع حيث قال: وذلك إنما يجوز أن يشترط عيار بلدة مسمى ولا يشترط عياراً معروفاً ولا عيار فلان لئلا ينكسر أو يتلف الخ. اللهم إلا أن يفرق بين الدين والسلم بقوة الغرر في السلم بخلاف هذا فيجوز مطلقا. والظاهر المنع لأن العلة تقتضي ذلك والله أعلم. قوله: لأنه غير مقدور عليه هذا التعليل يقتضي أنه إذا كان مقدوراً عليه جاز وهذا عين القول الثاني فلا تحسن المقابلة اللهم إلا إن يقال: المراد أنه غير مقدور عليه دائماً فطرد المنع ولو في أوانه. ثم الظاهر على القول بالجواز أنه يمتنع بعدد معلوم. مطلقاً فيما ذكر ما لم يكن حاضراً متميزاً للعلة التي ذكرها فيماتقدم في البيض والرمان وغيرهما مما تقدم والله أعلم
-197 - (3/192)
صفحة 1620
إذا كان ذلك في أوانه، وكذلك أيضاً ما يكون في البراري بكيل معلوم جائز به البيع إذا كان موجوداً في أيدي الناس وما لم يكن موجوداً فلا لأنها غرر، ولعله لا يقدر عليه والله أعلم. ولا يجوز البيع بكذا وكذا جزة من الصوف لأنه مجهول، وأما بوزن معلوم من الصوف فجائز إذا سمى اللون، وأما ما قام من الصوف والقطن والكتان من الثياب وجميع المعمول فلا يجوز البيع به وزناً ولا عدداً ولا غير ذلك ما لم يكن حاضراً، ولا يجوز البيع باللحم كيلاً ولا وزناً لأنه يختلف في السمن وغير ذلك، وأما الشحم بالوزن إذا سمى الجنس فجائز، وكذلك البيع بالوزف والسمك المالح فجائز بالوزن المعلوم، وأما السمك والوزف الطري فلا يجوز لأنه غرر لعله لا يقدر عليه، وكذلك أيضاً يجوز البيع بجميع ما يخرج من المعادن بكيل ووزن معلوم، وكذلك
قوله: فجائز الخ. لعله وكان مغسولاً أيضاً لوجود الغرر في غيره
قوله: ما لم يكن حاضراً، أنظر لم يجز هنا كما جاز في السلم على ما سيأتي ويشهد له قوله سابقاً: وكذلك. ما يتبين بالصفة من غيره حيواناً كان أو غير
حيوان الخ.
جميع
قوله: ولا يجوز البيع الخ. سيأتي في باب السلم عن ابن عباد أنه يجوز في اللحم الطري إذا سمى نوع الدواب وعلى قياسه يجوز في غير السلم من باب أولى.
قوله: بكيل أو وزن معلوم، أما الوزن فظاهر، وأما الكيل فإنه ينظر
- 193 -
ه م 13 - الإيضاح، (3/193)
صفحة 1621
الطيب والتوابل كلها والرياحين إذا كانوا بوزن أو كيل معلوم، وأما البيع بالجواهر واليواقيت واللؤلؤ والمرجان بكيل أو وزن فلا يجوز لأن المقصود فيها العدد، وكذلك لا يجوز الكيل والوزن فيها ولم يجز البيع بها عدداً لاختلافها في الصغر والكبر والله أعلم. ويجوز بيع الشيء الواحد بأثمان مختلفات حضرت الأثمان أو لم تحضر بعضها ولم يحضر بعض من جميع ما يجوز به البيع، وأما أشياء مختلفات بثمن واحد فلا
أي معدن يجوز فيه الكيل فإن الفضة والنحاس والرصاص والحديد والقصدير والزئبق من المعادن وهي لا تجوز بالكيل حاضرة كانت أو غائبة فلعل المراد به نحو الملح والكبريت والزرنيخ وغير ذلك مما لا يحتاج إلى صنعة تخرجه من أصل خلقته والله أعلم.
قوله: والتوابل، في الصحاح والتابل والتابل يعنى بالكسر والفتح واحد
توابل القدر يقال منه: توبلت القدر حكاها أبو عبيدة في المصنف الخ. قوله: فلا يجوز لأن المقصود الخ. ظاهره ولو كانت هذه الأشياء حاضرة
وهذا ظاهر في غير اللؤلؤ والمرجان إذا كانا حاضرين بالوزن. قوله: والوزن يعني ما لم تكن حاضرة معلومة الوزن فإنها كما جاز بيعها كذلك جاز البيع بها والله أعلم.
قوله: ولم يحضر بعض، صادق بما إذا كان ذلك البعض مؤجلاً وسيأتي في بيع الدين ما يدل على امتناع مثل هذه الصورة على المصدر به وأنه من بيعتين في بيعة واحدة وعبارته: وإن باع له بكذا و كذا نقداً وكذا. وكذا نسيئة فلا يجوز بيعتين في بيعة واحدة ومنهم من يقول: جائز فلعل ما هنا على أحد القولين أو يكون
لأنه
من
-198 - (3/194)
صفحة 1622
يجوز إلا إن سمى لكل واحد منها ما ينوبها من الثمن لأنه إن لم يسم صار ثمن كل واحد منها مجهولاً، وبعض جوز ذلك لأنه صفقة واحدة، وعلى هذا القول يجوز وإن اختلفت الأثمان و الله أعلم. ولا يجوز البيع بدينار أعلى الدنانير أو أفضل الدنانير أو خير الدنانير أو أجود الدنانير أو أدنى الدنانير أو أوسط الدنانير أو بدينار بالغ أو بدينار وزن كذا وكذا ديناراً، لأن هذه الصفة مجهولة، ولعلها لا توجد، وكذلك أيضاً لا يجوز بدينار رديء أو باخس أو ناقص من جهة الجهل في ذلك، وكذلك أيضاً لا يجوز بدينار جواز بلدة كذا وكذا، أو بدينار صرفه كذا وكذا درهماً، أو بكذا وكذا در هما صرفها كذا وكذا ديناراً، لأن هذا كله بيع وشرط،
أو يكون معنى قوله هذا، ولم يحضر بعض بأن يكون على الحلول لا مؤجلا فلا يكون بعضها نقداً أو بعضها نسيئة، وهذا إذا كانت النسخة فيما سيأتي: وكذا و كذا نسيئة بالواو لا بأو، والمناسب لظاهر ما هنا ولما تقدم في تفسير بيعتين
في بيعة واحدة أن تكون النسخة بأو لا بالواو وهي بمعنى أو والله أعلم. قوله: وبعض جوز ذلك الخ. لكن إذا ظهر العيب في واحد من تلك الأشياء، ولم يرض به انفسخ البيع في الجميع على الراجح لعدم معرفة ما يخص كل واحد والله أعلم قوله: وإن اختلفت الأثمان، يعني مع اختلاف المثمنات فهو إشارة إلى
مسألة ثالثة
قوله: لأن هذا كله بيع وشرط فيه أن البيع والشرط غير ممنوع مطلقاً على
-190 - (3/195)
صفحة 1623
ولا يجوز أيضاً بدينار نقصه كذا وكذا لأجل الغرر، ولعل هذه الصفات المذكورات كلها لا توجد ولا يجوز بدينار يشترى القمح والشعير لأن الدينار لا ينسب إليه البيع والشراء، وإن باع له بدينار تام الصرف أو أغلى الصرف ففيه قولان، لأن الدينار التام الصرف هو الدينار الجائز، وكذلك أيضاً بدينار جيد جائز البيع به والجيد هو الجائز، ولا يجوز البيع بدينار صوفاً ولا بدينار زيتاً ولا بدينار تمراً لأن مقدار الصوف والتمر والزيت في ذلك مجهول وهو أيضاً من بيع وشرط ولا يجوز أيضاً بدينار ضرب فلان إلا إن كان موجوداً في أيدي
ما يختاره رحمه الله بل إذا كان معلوماً ويحل تملكه وفيه منفعة للبائع جاز كل منها كما تقدم، على أن لقائل أن يقول ليس هذا شرطاً، وإنما هو بيان الحقيقة الدينار أو الدرهم فهو بمنزلة قوله بدينار جيد والله أعلم
قوله: لأجل الغرر ولعل هذه الصفات كلها لا توجد، لعل هذا بالنظر إلى البلدان وإلا فبعضها معلوم فيها ذلك كمصر ولمله منع مطلقاً طرداً للباب والله أعلم. قوله: لا ينسب اليه البيع والشراء، أنظر ما المانع من حمل الكلام على المجاز
العقلي، والقرينة الاستحالة على حد وفي عيشة راضية والله أعلم.
قوله: لأن الدينار التام الصرف الخ. الظاهر أن هذا علة لأحد القول فقط، وهو القول بالجواز فلو أفرده بالذكر وعلله لكان أظهر والله أعلم قوله: من بيع وشرط، وهو أيضاً من بيعتين في بيعة.
قوله: ضرب فلان، الظاهر أنه إنما صح وصف دينار به مع أن إضافة
-197 - (3/196)
صفحة 1624
الناس، ولا يجوز بدينار دراهم ولا بمثقال فضة لأن الدينار والمثقال غير معروفين في الفضة ولا في الوزن، وكذلك أيضاً لا يجوز بدرهم ذهباً ولا بخروبة ذهباً ولا بدائق ذهباً ولا بصقلى ذهباً كما ذكرنا في الدينار والمثقال، ويجوز البيع بدينار ودينار فذلك جائز، وكذلك بعشرة دنانير وعشرة دنانير فذلك عشرون ديناراً، وكذلك بعشرة دنانير ونصف دينار، وأما إن باع له بعشرة دنانير ونصف أو بعشرة دنانير وخمسة أو بخمسة دنانير وعشرة ولم يبين الزيادة فلا يجوز، ومنهم من يقول جائز، وعند هؤلاء إن قال بدينار و نصف مفهوم أنه أراد ونصف دينار، وكذلك بالعشرة دنانير وخمسة مفهوم أنه أراد وخمسة دنانير، وكذلك ما يشبه
المصدر حقيقية لأنه ها هنا في تأويل الوصف فكأنه قال: مضروب فلان فلا يكتسب التعريف من المضاف إليه ولتأويله بالمشتق صح الوصف به والله أعلم.
قوله: ولا في الوزن أي من الفضة وأما من الذهب فمعلوم وزنها.
قوله: ولا بخروبة ذهبا، فيه إن الخروبة في العرف إنما هي في الذهب والظاهر أنها القيراط وقد تقدم يجوز البيع بالقيراط من الذهب ثم سمعت أن الخروبة ضرب معلوم من الفضة أصغر من الدرهم والله أعلم.
قوله: مفهوم، لعله فمفهوم أو الفاء محذوفة من الجملة الإسمية الواقعة جواباً من حد (من يفعل الحسنات الله يشكرها فإن الظاهر أن قوله مفهوم خبر مقدم والمصدر المنسبك من أن وصلتها مبتدأ والجملة جواب إذا والله أعلم.
-194 - (3/197)
صفحة 1625
هذا والله أعلم. وإن باع له رجلان شيئاً واحداً بكذا وكذا درهماً وكذا وكذا ديناراً على أن يكون لواحد منهما الدينار في سهمه وللآخر
الدراهم في سهمه فلا يجوز هذا البيع
لأن ثمن سهم
كل واحد منهما
مجهول والله أعلم.
الباب الثالث
في العقد:
والعقد لا يصح إلا بالألفاظ التي تعقلها العرب في لسانها فإذا أتى البائع والمشتري بتلك الألفاظ كان بيعاً، وإن أتيا بألفاظ غير موضوعة
الباب الثالث في العقد:
قوله: تعقلها العرب الخ. لعله إذا كان بين العرب وأما بين غيرهم فيجوز ما يؤدي معناها كما سيأتي قريباً فلو قال مثلاً: بالألفاظ التي وضعت له بالنظر إلى
ما يفهمه المتعاقدان لكان أظهر وأخصر لاغنائه عما سيأتي والله أعلم. قوله: وإن أتيا بألفاظ غير موضوعة للبيع لم يكن بيعاً، فعلى هذا القول إذا لم يأتيا بلفظ أصلا يكون بطلانه من باب أولى خلافا لمالك في قوله يصح وإن بمعاطاة وهو مذهب بعض أصحابنا كما سيأتي والله أعلم. ثم اشتراط التصريح باللفظ على الراجح بالنظر إلى البائع ظاهر وأما بالنظر للمشتري فغير ظاهر على ما سيأتي في كلامه رحمه الله حيث قال: وأما الشراء فإنه يجب على المشتري الخ. فإن ظاهره أن المختار في جانب الشراء عدم اشتراط التصريح باللفظ وأنه يفرق بين البيع والشراء فيما يدل عليها فليحرر الفرق، وقد يقال إن الفرق بينها أن البيع أصل والشراء فرع عنه فيجوز أن يختص البيع بذلك
-194 - (3/198)
صفحة 1626
للبيع لم يكن بيعاً، وإذا قال البائع بعت لك وقال المشتري قد اشتريت منك أو اشتريته كان بيعاً صحيحاً، والدليل على هذا قوله عليه السلام: (البائعان بالخيار ما لم يفترقا، والبائع لا يسمى بائعاً حتى يقول: بعت لك، وكذلك المشتري يتم البيع بما جرى بين قوم في لغتهم ويكون
بد أن
لأصالته ولأن هذا العقد موضوع لنقل الملك فلا صريح من اخراج الشيء من ملكه والله أعلم، فليحرر.
قوله: بعت لك، أي بكذا
يصدر من المالك ما هو
قوله: البائعان بالخيار، الرواية عند قومنا البيعان يفتح الباء وكسر الياء المشددة، قال في الصحاح: ويقال للبائع والمشتري بيمان الخ. وظاهره أنه لا
صدور
يحتاج إلى التغليب وأن كل واحد منهما يسمى في اللغة بائعاً والله أعلم. قوله: ما لم يفترقا، أي بالقول كما سيأتي فيكون فيه الاستدلال على وجوب لفظ البيع والشراء بينهما. قوله: والبائع لا يسمى بائعا الخ. هذا لا يناسب ما هو المذهب من أن التفرق بالقول بل إنما يناسب مذهب الغير وهو أن المراد التفرق من المجلس فالمناسب لما هو المذهب ترك هذا أو التعرض لسبب تسميته بائعا وهو أنه من باب مجاز الأول على حد وإني أراني أعصر خمراً وان اشتراط القول مأخوذ من قوله ما لم يفترقا والله أعلم، فليحرر.
قوله: وكذلك المشتري، لعله إنمالم يقل ولا يسمى مشتريا حق يقول إشتريت لأن الشراء يلزم بما يدل على الرضا من قول أو فعل على المصدر به فيما سيأتي والله أعلم.
-199 - (3/199)
صفحة 1627
بينهم بيعاً، وإن قال البائع وهبته لك بكذا وكذا أو أعطيته لك بكذا وكذا فهو جائز قياساً على البيع، لأن هبة الثواب تقوم مقام البيع لاتفاق المعنى في ذلك وإن اختلف اللفظ، وفي كتاب أبي عبد الله محمد بن بركة: وإذا قال الرجل: خذ هذا الشيء واعطني هذا يعني البائع لم يكن بيعاً، وكذلك إن قال وهبت لك هذه السلعة بكذا وكذا لم يكن بيعاً ولا هبة فعلى قوله هذا إن هبة الثواب لا تقوم مقام البيع والله أعلم، وإن قال هاء وهاء أو هذا بهذا فهو جائز لقوله عليه السلام في حديث الربي لما ذكر الأصناف الأربعة فقال: (إلا هاء وهاء يداً بيد ()، وأما إن قال له: وهبت لك هذا الشيء بكذا وكذا عوضته لك بكذا وكذا أو بارك الله لك فلا يجوز،
أو
قوله: جائز الخ. لكن لم يتعرض لكيفية قول المشتري ولا لفعله لما سيبينه بعد والله أعلم.
قوله: لم يكن بيعاً ولاهبة، لعله، إنما لم يكن وإن كان هو المقصود لعدم لفظه ولم يكن هية وإن وجد لفظها لأنها غير مقصودة ومذهب أبي عبد الله هو
المناسب لقوله أولاً: وإن أتيا بألفاظ غير موضوعة للبيع لم يكن بيعاً. قوله: وإن قال هاء وهاء فيه، أظن هذا لا. يصدر من البائع وحده، وأيضاً المراد منها في الحديث التقابض لا هذين اللفظين بدليل قوله بعد يداً بيد فإنه
بيان له.
(1) تقدم ذكره. (3/200)
صفحة 1628
لأن هذه الأشياء ليست هي من معنى البيع، وكذلك إن قال أسلفته لك أو تصدقت به عليك بكذا وكذا فهو غير جائز، لأن الصدقة ليست من شرطها العوض والسلف المقصود به الرفق لا الماكسة بشرط أن يأخذ من جنس ما أسلفه والله أعلم. وهذا كله بخلاف البيع والله أعلم. وقيل في الصدقة جائز، وعلى هذا إن الصدقة تقوم مقام الهبة
(2)
والعطية، كما تقوم الهبة والعطية مقام الصدقة لقوله عليه السلام: (العائد في هبته كالعائد في قينه)) ولا يتم هذا كله بقلب دون لفظ، ولا الجوارح كلها غير اللسان كما ذكرنا إلا ما ذكروا من الكتابة في ممنوع الكلام والإشارة من الأخرس التي يعرف بها رضاه من سخطه وأمره ونهيه والله أعلم. وأما الشراء فإنه يجب على المشتري إذا رضيه بقلبه فيا بينه وبين الله، وأما في الحكم فحتى يلفظ بلسانه كلاماً يدل على الرضا من
قوله: لأن الصدقة الخ. يؤخذ منه الفرق بين الصدقة والهبة، وأن الهبة
أعم لأنها تكون للثواب وغيره، والتي تكون للثواب تشفع كالبيع. قوله: بشرط أن يأخذ من جنس ما أسلفه، أي إذا لم يكن ما أسلفه له ذهباً
أو فضة لأنه سيأتي أنه من كان له عند رجل دراهم يتعوض بها ما شاء قوله: وأما في الحكم فحق يلفظ الخ. ظاهره أنه لا يدرك عليه اليمين أنه
(1) متفق عليه.
14.1 - (3/201)
صفحة 1629
قلبه مثل أن يقول: قبلت أو اشتريت أو فعل في الشيء فعلاً يدل على الرضا بالبيع مثل تصرفه في حوائجه و الاستمساك ممن أفسد فيه، أو طلب إلى صاحبه أن يدفعه إليه أو طلب إلى صاحبه القيلولة أو الرد بالعيب، وما أشبه هذا مما يدل على الرضا بالبيع وهذا كله دليل على ما في قلبه من الرضا بالبيع وبعض لم يلزموه البيع بهذه الأفعال كلها ولا تقوم عندهم مقام القول والله أعلم. وإن قال نعم أو أخذت أو أخار الله أو أتركه فليس في هذا كله ما يدل على الرضا بالبيع لأن معنى نعم في هذا تصديق وكأنه قال له نعم: بعت لي هذا الشيء فيما مضى والبائع ينوي الحال وليس بجواب له، وكذلك
ما رضي به في قلبه ويمكن جريان الخلاف فيه قياساً على مسألة الرضا بالعيب كما سيأتي حيث قال بعد ما ذكر أنه يلزمه إذا رضي به في قلبه فيما بينه وبين الله ما نصه: ويدرك أيضاً البائع اليمين على المشترى أنه لم يرض به في قلبه، وعند بعض أنه لا يدرك عليه اليمين على ذلك إلا إن ادعى أنه أقر برضاه بذلك والذي يوجبه النظر عندي هذا القول الخ. ولعل الحكم هنا كذلك إلا أنه تركه لأنه مرجوحا عنده والله أعلم فليحرر.
قوله: قبلت أو رضيت الخ. القياس على قوله فيما سيأتي قريباً: أخذت أوخار الله أنه لا يلزمه البيع حتى يبين بأن يقول مثلاً: قبلت الآن وإلا احتمل الإخبار
و احتمل أن المقبول غيره والله أعلم
قوله: والبائع ينوي الحال وليس يجواب له، ظاهره أنه لو جعل قوله نعم جواباً لقوله بعت لي هذا الشيء الآن لصح البيع لأن الظاهر أنه لا فرق بين
- 202 - (3/202)
صفحة 1630
قوله أخذت أو أخار الله إخباراً أنه أخذ ولم يبين ذلك، وقوله: أتركه أمر له بذلك وليس هذا كله بجواب قوله: بعت لك هذا الشيء والله أعلم. وأما إن قال له: أقبلت؟ فقال له: نعم، فهذا جائز، لأنه جواب لقوله أقبلت، وإن قال له بع لي هذا الشيء بكذا وكذا، فقال له بعت لك هذا الشيء بكذا وكذا، فقد لزم المشتري البيع ولا يحتاج إلى قبول بعد ما طلبه في قول بعضهم، لأن طلبه إياه إلى بيعه رضا منه بذلك، و بعض لم يجوز ذلك حتى يرضى بعد البيع لأن رضاءه وإنكاره قبل البيع ليس بشيء، وكذلك إن قال المشتري بعت لي بكذا وكذا أو اشتريته منك بكذا وكذا، فقال البائع: بعت لك ولم يذكر الثمن فذلك غير جائز عند بعض حتى يذكر الثمن، وبعض جوز ذلك وحمل الكناية
كون المعنى: نعم بعت لي فيما مضى أو في الحال فإنه لم يصدر منه ما يدل على الرضا في الصورتين، وقد يقال: مراد المصنف أنه لا يصح الجواب بـ نعم عند إرادة الانشاء لأن نعم إنما تكون للتصديق في الخبر ومراد البائع الانشاء فقط قوله: ولم يبين ذلك، ظاهره أنه لو قال أخذته الآن أو خار الله فيه الآن مثلا وبين ذلك لصح لدلاله على الرضا والله أعلم. قوله: لأن رضاه وإنكاره قبل البيع ليس بشيء، يؤخذ منه أن من أسقط حقاً قبل له المطالبة به بعد ذلك كالتارك للشفعة قبل الشراء وكالإجازة وجوبه في الوصية بأكثر من الثلث أو للوارث أو نحو ذلك والمذكور في ذلك قولان كما
سيأتي في بابه والله أعلم.
•
- 203 - (3/203)
صفحة 1631
في ذلك على التصريح، وكذلك إن قال البانع اشتريته مني بكذا وكذا، فقال المشتري: اشتريت منك فهو غير جائز، لأن هذا الكلام خرج مخرج الاستفهام، ومنهم من يقول جائز، والله أعلم. وفي الأثر: وإذا اتفقا على كيل معلوم فوزن له الثمن واكتال له الآخر الطعام فليس ذلك بيع، ومنهم من يرخص وإن اكتال له أول ثم وزن له الثمن بعد ذلك
فحمل على ذلك الحال ولم يقل له بعت لك، فإنه لا يجوز حتى يتبايعا
6
ومنهم من يقول: جائز، وإن حمل الذي اتفقا عليه ولم يزن له الثمن ثم جاءه بعد ذلك بالثمن فلا يجوز ذلك حتى يتقاضيا ومنهم من يقول جائز، فهذا يدل على هذا القول أنه متى دفع البدل برئت ذمته لأن حقيقة البيع
قوله: ومنهم من يرخص، وعلى هذه الرخصة مذهب مالك، وأما الشافعي فلا بد من اللفظ عنده كالراجح عندنا
قوله: ومنهم من يقول جائز، كأن تأخير الثمن عن تسلم المبيع أقرب إلى تقدمه ولذلك عبر في المسألة الأولى بالرخصة وفي هذه بالجواز
الجواز من
والله أعلم.
من
قوله: ثم جاءه بعد ذلك بالثمن، يعني ويترتب في ذمته بعد ذلك، ولا بد هذا التقييد ليصح قوله حتى يتقاضيا لأن التقاضي إنما يكون إذا كانت ذمة كل واحد منها مشغولة والتقاضي في مثل هذا على قول بعضهم حيث اختلف ما في ذمة كل واحد منهما على ما سيأتي والله أعلم.
قوله: فهذا يدل على هذا القول الخ. الظاهر أنه على القول الأول تكون (3/204)
صفحة 1632
المعاوضة، وفي الأثر: وقال بعض أصحابنا دفع البدل يزيل الضمان والله أعلم. وروي من طريق ابن عمر أنه قال عليه السلام: (البائعان
(1)
بالخيار ما لم يفترقا)، وعند أصحابنا أن الافتراق افتراق الصفقة بالقول لا بالأبدان كما قال بعض مخالفينا والحجة لهم قوله تعالى: «وان يتفرقا يُغن الله كلا من سعته،، وإنما ذلك بالقول لا بالبدن، أرأيت إن لم يتفرقا أياماً أو شهراً فلا يصح إذاً لأحد على هذا بيع ولا شراء، وقد احتج أيضاً بعض المخالفين ممن وافق أصحابنا في ذلك على بعضهم بحديث ابن مسعود) إذا اختلف البائعان وليست بينهما بينة، والبيع قائم فالقول قول البائع أو يترادان البيع)) فكأنه حمل هذا على عمومه
ذمة كل واحد منها مشغولة للآخر ما لم يترادا أو يتقاضيا والله أعلم
•
قوله: لا بالأبدان، حمله البيضاوي على ظاهره حيث قال أي: وإن يفارق كل واحد منهما صاحبه يعن الله كلا منهما عن الآخر يبدل أو سلف الخ. لكن معلوم ا م أن ذلك بعد صدور القول من الزوج.
قوله: والبيع قائم أي والبيع موجود والله أعلم فليراجع.
قوله: فالقول قول البائع، أراد والله أعلم مع يمينه وهذا ظاهر إذا أفكر البيع وأما إذا ادعاء البائع وأنكره المشتري ولم توجد البينة، فالظاهر أن القول
(1) تقدم ذكره.
(2) متفق عليه.
14.01 (3/205)
صفحة 1633
وذلك يقتضي أن يكون في المجلس و بعد المجلس، ولو كان المجلس شرطاً في انعقاد البيع لم يحتج إلى حكم الاختلاف في المجلس، لأن البيع بعد لم ينعقد، ويعضد أيضاً قول أصحابنا قياس البيع في ذلك على سائر العقود مثل النكاح والكتابة والخلع والرهن والصلح وغير ذلك من العقود والله أعلم. وحجة مخالفينا في ذلك أنه إذا حمل الحديث على التفرق بالقول فلا فائدة فيه إذا لأنه معلوم عند الأمة أنهما بالخيار ما لم يقع بينهما عقد والله أعلم. قيل لهم أخبر أنهما بالخيار ولو اتفقا على البيع ما لم يقع العقد بينهما، وفي الأثر: وإذا اتفق رجل مع رجل على أن
حينئذ قول المشتري، ولعل قوله أو يترادان أن البيع ناظر إلى هذا، وأن كل واحد منهما يرد ما أخذ من صاحبه والله أعلم بحقيقة المراد فليراجع وليحرر. والقواعد الشرعية تقتضي إن وجدت البيئة عمل بها وإلا حلف المنكر منها. قوله: فكأنه حمل هذا على عمومه، كأنه يشير رحمه الله أن للخصم أن يقول، هذا خاص بما إذا اختلفا بعد التفرق من المجلس لقوله البيعان بالخيار ما لم يفترقا، ليصح العمل عنده بالحديثين معأولو حمل التفرق على التفرق بالابدان والله أعلم. قوله: ولو كان المجلس، أي التفرق منه
قوله: ما لم يقع العقد بينهما، غايته أنه يحتاج في تسميتها بائعين إلى مجاز الأول نحو أني أراني أعصر خمراً أو انه استعمل الفعل في الإرادة أو في الاتفاق عليه وهو ظاهر كلامه رحمه الله فيكون من إطلاق المسبب على السبب
والله أعلم.
- 206 - (3/206)
صفحة 1634
يبيع له شيئاً من الحبوب فأراه له وأراه الآخر الثمن فإن كل واحد منهما يصيب الرجوع ما لم تقع الصفقة، ومنهم من يقول: لا يصيب الرجوع، وكذلك جميع ما اتفقا عليه فأراه صاحب الشيء شيئه، وأراه
ما لم تقع الصفقة الخ. ظاهره أنه إذا أرى كل واحد منهما شيئه لصاحبه ووقعت الصفقة بينها فليس لأحدهما الرجوع قولاً واحداً، وإن كان المبيع من المكيلات أو الموزونات مع أن المختار فيما تقدم في بيع الحبوب أن لكل منهما الرجوع يعني ما لم يقع الكيل والوزن حيث قال وفي الأثر: وعن الذي نظر طعاماً لا يعرف جملته فاشترى كل جريب بكذا وكذا أو كل كر بكذا وكذا ثم بدا له أن لا. يبيع أو للمشتري أن لا يأخذ الخ. فاختار أنه لا يثبت من ذلك شيء يعني لأن القبض في المكيلات والموزونات شرط على الراجح، فلعل ما هنا على غير الراجح، وهو ظاهر كلام أصحابنا المشارقة كما مر سابقاً أو فرض المسألة هنا في بيع الحبوب جزافاً فيلزم بمجرد العقد فلا ينافي المختار فيما تقدم والله أعلم فليحرر.
قوله: ومنها من يقول لا يصيب الرجوع هذا القول مصادم لظاهر الحديث المتقدم والأصل عدم التأويل إذا لم تقم عليه قرينة، والظاهر أنه ليس من قول أصحابنا بدليل قول المصنف فيها تقدم، وعند أصحابنا أن الافتراق افتراق الصفقة بالقول الخ. وأما استدلال المصنف رحمه الله لهم بالآيتين فغير متعين، أما الآية الأولى فلأن الاتفاق ليس بعقد، وأما الثانية فإنها وردت على سبب، روى أن المسلمين قالوا لو علمنا أحب الأعمال الى الله لبذلنا فيه اموالنا وانفسنا فانزل و إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا) (3) فولوا يوم احد
وذلك أنه
•
اللهم إلا أن يقال: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب
(1) سورة الصف::.
- 207 - (3/207)
صفحة 1635
الآخر الثمن فإن ذلك ليس ببيع، ومنهم من يقول: لزمهم البيع وهؤلاء جعلوا الاتفاق يجب به البيع، وما أدري ما حجتهم في ذلك، غير أن قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)، وقوله: «يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3) يعضد قولهم، فعلى هذا القول أن الافتراق بينهما يكون بالاتفاق بينهما ولا يصح اتفاقهم إلا بعد رؤية الثمن والمثمن
والله أعلم.
وإن قال البائع: بعت لك هذا الشيء بكذا وكذا إن شاء الله أو إن أصبت المعونة فهو غير جائز لأنه بيع وشرط، وقد نهى عن ذلك، وإن باع له بشيء معلوم من الثمن فقبل المشتري بأقل من ذلك أو أكثر أو بخلاف ما سمى، فالبيع في هذا كله غير جائز المخالفة
قوله: رؤية الثمن أي إذا كان غير دنانير ودراهم ويحتمل ان مراده التعميم
لأنه قد يتعلق الغرض بخصوص الدنانير والدراهم والله أعلم. قوله: لأنه بيع وشرط أي غير معلوم فلذلك بطلا والله أعلم.
(1) سورة المائدة: 1 (2) سورة الصف: 3.
- 208 - (3/208)
صفحة 1636
ذلك ما عليه اتفاقهما، والدليل على ذلك قوله تعالى:. إلا أن تكون
»
(1)
تجارة عن تراض منكم)، ولا يصح التراضي إلا على ما اتفقا عليه، وكذلك على هذا الحال إن باع له هذا الشيء بكذا وكذا فقبل المشتري بعضاً منه فلا يجوز ذلك البيع، و بعض يقول: جائز إذا قبل المشتري بعضاً منه، فهؤلاء جعلوا المشتري مفوضاً في هذا الشيء إن شاء قبل البعض وإن شاء قبل الكل، وكذلك إن باع رجلان لرجل فقبل نصيب أحدهما ولم يقبل نصيب الآخر على هذا الاختلاف، وأما إن باع رجل لرجلين فقبل أحدهما ولم يقبل الآخر، فالذي قبل شريك البائع، لأنه ليس قبول كل واحد منهما شرطاً في صحة قبول الآخر، ومنهم من
،
قوله: على هذا الاختلاف، الظاهر الفرق بين الجواز في هذه المسألة والمسألة الأولى لأن الجواز في تلك يستلزم الضرر إدخال الشريك بخلاف هذه وهو فإن الشريك موجود وانظر هل يدرك الشريك الشفعة في هذه المسألة إذا كان المبيع غير عروض أو أبطل حقه حيث باع له ولم يقبل؟ والظاهر الأول
والله أعلم.
قوله: وأما إن باع الخ. فصله بإما يقتضي أن من قبل منهما يكون شريك البائع قولاً واحداً مع أن الخلاف موجود اللهم إلا أن يقال: إنما فصله لكون الراجح فيما سبق عدم جواز البيع الراجح هنا الجواز والله أعلم فليحرر.
(1) النساء: 29.
- 209 -
ه م 14 – الإيضاح» (3/209)
صفحة 1637
يقول: لا يجوز قبوله وحده على ما ذكرنا والله أعلم. وإذا باع رجل لرجل شيئاً فقام المشتري من ذلك المكان قبل أن يقبل، فعند بعضهم، أن له أن يقبل ما لم ينكر، ولا يجوز لصاحب السلعة فيها بيع ولا هبة ولا تصرف ما لم ينكر أو يقبل، لأن هذا معلق إليه وغلاته ونتاجه وجنايته موقوفة إلى قبول المشتري، ومنهم من يقول: الغلة للبائع و الجناية عليه والبيع من حيث قبل المشتري والله أعلم. ولا يجبر المشتري على القبول لأنه ليس بواجب عليه، وبعض يقول: يجبر على القبول أو الانكار، لأن ذلك عندي ضرر على البائع، والضرر لا يحل، ومنهم
قوله: فعند بعضهم الخ. فمعنى الحديث على هذا القول والذي تفرع عليه البيعان بالخيار ما لم يفترقا، أن البائع بالخيار ما لم يصدر منه البيع، وكذلك المشتري ما لم يصدر منه ما يدل على الشراء وأن ذلك راجع إلى اختياره، وعلى القول الثاني معناه كذلك إلا أن ذلك لا يرجع إلى اختياره وعلى القول الثالث معناه ما لم يفترقا بالأقوال في مجلسها ذلك والله أعلم. والظاهر القول بأنه يجبر على القبول أو الرد، وكذلك في مسألة النكاح إن قام ولم يقبل ما يؤخذ من تعليله الآتي والله أعلم.
قوله: ولا يجوز لصاحب السلعة فيها بيع الخ. لعل هذا في غير المكيل والموزون والمعدود وأما فيها فالظاهر ان لصاحب السلعة التصرف فيها بما ذكر ما لم تقبض بالكيل أو الوزن أو العد لأن لكل واحد منهما الرجوع على المختار ما لم تقبض بما ذكر كما تقدم والله أعلم.
قوله: وجنايته، الظاهر أن النفقة بمنزلة الجناية.
- 210 - (3/210)
صفحة 1638
من يقول: إن قام ولم يقبل فلا يجوز قبوله بعد ذلك، وكذا إن باع لغائب أو لطفل أو المجنون فالبيع غير جائز على هذا القول، وعلى القول الأول موقوف إلى وقت بلوغ الطفل وقدوم الغائب وإفاقة المجنون، وإن قبل على الطفل أبوه أو خليفته وعلى الغائب والمجنون خليفتهما، ففيه قولان: منهم من يقول جائز قبولهم ما بيع لهؤلاء، وذلك عندي لأنهم في مقامهم، وعند الآخرين أنه لا يجوز لأنه بيع معلق إلى الطفل أو المجنون أو الغائب فهو موقوف إليهم والله أعلم. وكذلك إن زال عقل المشتري قبل أن يقبل فهو معلق إليه وخليفته بمنزلته، وإن مات فورثته بمقامه، وإن ارتد فجائز قبوله إذا لم يكن الشيء المبيع عبداً أو أمة لأنه يجوز
قوله: موقوف إلى بلوغ الطفل، قياس البيع على الصدقة يقتضي أن الراجح القول بأن البيع موقوف والله أعلم.
قوله: لأنه
بيع معلق، يعني بحيث دخل على ذلك.
قوله: وخليفته بمنزلته، إنما جعله بمنزلته قولاً واحداً لأنه لم يدخل على أنه معلق بخلاف الأول، وانظر هل يجبر البائع أولياءه على الاستخلاف أو لا؟ والظاهر الأول لما في ذلك من الضرر عليه والله أعلم.
قوله: فجائز قبوله، يعني في الأيام الثلاثة التي يستتاب فيها وأما بعدها فمقتول أو مسلم حكمه حكم غيره، وانظر هل يجوز قبوله بعد الرجوع إلى الإسلام إذا كان المبيع عبداً أو أمة لأنه ليس بمشرك حينئذ أو انقطع قبوله فيما ذكر
بالإرتداد وهو الظاهر والله أعلم قوله: عبداً أو أمة، ومثلها المصحف
- r 11 - (3/211)
صفحة 1639
بيع العبد للمشركين، وكذلك إن باع له البائع فمات أو زال عقله أو ارتد عن الإسلام فبدا له فالبيع معلق إلى المشتري وإليه الخيار والله أعلم. وإن باع له شيئاً واحداً في صفقات مختلفات فجمعها في القبول، فلا يجوز، لأن كل صفقة على حدة، ومنهم من يقول: جائز ولو جمعها بالقبول وهو الذي يوجب النظر عندي، لأن القبول دليل على ما في الضمير والله أعلم.
قوله: فبدا له، أي ظهر له الرجوع إلى الإسلام ويحتمل أن يكون المراد أنه قدم في البيع وفي بعض النسخ أو بدا له فتكون مسألة رابعة والله أعلم.
000000
- 212 - (3/212)
صفحة 1640
باب في احكام البيوع الصحيحة
أعني أحكام وجود العيب في المبيعات ومتى ينتقل الضمان في المبيعات
من ملك البائع إلى ملك المشتري.
باب في احكام البيوع الصحيحة
الظاهر أنه إنما لم يقل ابتداء: باب في احكام العيوب مثلاً للاشارة إلى أن النظر في العيوب إنما يكون في البيوع الصحيحة، لأن الفاسدة لا يجوز إتمامها فضلاً
عن النظر في عيوبها والله أعلم
قوله: ومتى ينتقل الضمان الخ. يشير إلى الاختلاف في انتقال الضمان بعد
وقد تعرض لهذا فيما بعد وقد تقدم الكلام على مثل هذا عند قوله:
العقد
يمه
مسألة: وروي عن رسول الله أنه قال: (من اشترى طعاماً فلا. حتى يقبضه) (1) وقد تقدم هناك تفصيل بالحاشية فليراجع. وأما الضمان في المبيعات إذا حازها بعد العقد فهو من المشتري وإن قلنا أن بيع المعيب عند عدم إطلاع المشتري على العيب فاسد لأنه لم يأخذه على الامانة والله أعلم.
(1) تقدم ذكره.
- 213 - (3/213)
صفحة 1641
باب في معرفة العقود
التي يوجب فيها بالعيب حكم
والأصل في وجوب الرد بالعيب قوله تعالى: «إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم، وحديث المصراة المشهور، وأما العقود التي يوجب فيها بالعيب حكم بلا خلاف فهي العقود التي المقصود منها المعاوضة كالبيع والتولية والقيلولة والمبادلة، وما أخذ في السلم وما أخذ في النقد والدين والعطية للثواب والشفعة، فإن هذا كله يرد بالعيب والهبة لغير الثواب والصدقة، لا خلاف فيها أنها لا ترد بالعيب لأن المقصود بها
باب في معرفة العقد
قوله: وجوب الرد بالعيب، أي إذا أراد المشتري ذلك على القول المختار ومقابله قولان: احدهما وجوب الرد وهو القول بالانفساخ، والثاني: وجوب أخذ الأرش وهو القول باللزوم والله أعلم.
قوله: والمبادلة، في القاموس وبادله مبادلة وبدالاً اعطاه مثل ما أخذ منه والأبدال قوم بهم تقوم الأرض وهم سبعون لا يموت أحدهم إلا قام مكانه آخر
من الناس.
قوله: لغير الثواب، أي لا يطلب فيها عوض.
قوله: لا خلاف فيها أنها لا ترد الخ. الظاهر أنه إنما أفرد الضمير للإشارة
-418 - (3/214)
صفحة 1642
مكارم الأخلاق، وأما ما بين هذين الصنفين من العقود، أعني ما جمع قصد المكرمات والمعاوضة ففيها اختلاف مثل الصداق والإجارات، وكذلك أيضاً العوض والرهن على هذا الاختلاف والذي يوجبه النظر عندي أن الرهن لا يرد بالعيب لأنه عقد متبوع بالرجوع، وأما العوض فالنظر عندي أن يرد بالعيب كما يرد الشيء الذي هو عوضه لأنه في مقامه والله أعلم.
إلى أن الهبة لغير الثواب والصدقة في الحقيقة شيء واحد والله أعلم. قوله: ما جمع ... إلى قوله ففيها الخ. راعى اللفظ أولاً فذكر الضمير في قوله جمع وراعى المعنى ثانياً فأنت في قوله ففيها لأن ما واقعة على العقود في الموضعين. قوله: العوض، في القاموس: والعوض كالعنب الخلف عاضني الله منه عوضاً وعوضا وعياضا وأصله عواض، وعوضني، والاسم العوض والمعوضة، وتعوض أخذ العوض، واستعاضه سأله العوض، فعاوضه أعطاه، واعتاضه جاء طالباً للعوض الخ. لكن ينظر ما الفرق بين العوض والبدل؟ والظاهر أنه لا فرق بينها من جهة الرد بالعيب كما قال المصنف رحمه الله، وأما من جهة اللغة فالظاهر ان البدل اخص من العوض وأنه لا يكون إلا مماثلاً بخلاف العوض ويدل على هذا
كلام المصنف حيث جعل المعاوضة في الجميع.
1910 - (3/215)
صفحة 1643
باب في معرفة العيوب التي توجب الحكم إعلم أن العيوب التي توجب الحكم منها عيوب في النفس، ومنها عيوب في الجسم كالكي، وهذه منها ما هي عيوب إن اشترط أضدادها في المبيع فهي عيوب من قبل الشرط، ومنها ما هي عيوب توجب الحكم، وإن لم يشترط وجود أضدادها في المبيع وهي التي وجودها نقصان في قيمة الشيء المبيع، وبالجملة إن العيوب التي لها تأثير في العقد هي عند الجميع ما نقص عن الخلقة الطبيعة والخلق الشرعي نقصاناً له تأثير في ثمن المبيع، وذلك يختلف بحسب اختلاف العوائد والأزمان، ولذلك قال بعض
باب في معرفة العيوب
قوله: عيوب في النفس، كأنه أراد بالنفس الطبيعة والخلق الشرعية.
قوله: وبالجملة، معناه وإن عبرنا بعبارة مجملة وتركنا التفصيل. قوله: لها تأثير في العقد، أي تجوز الفسخ أو توجبه عند بعضهم أو تلزم
الأرش عند البعض الآخر
قوله: عن
الخلقة الطبيعة والخلق الشرعي، كأنه أراد بالأول العيوب في
الجسم والثاني العيوب في النفس والله أعلم.
-517 - (3/216)
صفحة 1644
العلماء: لا يرد الحاكم الشيء المبيع على البائع بالعيب حتى يقول العدول: هو عيب عندنا، ولو علم الحاكم أنه عيب الآن لم يجد غير ذلك، لأنه ربما يكون الشيء معيباً عند قوم ولم يكن معيباً عند آخرين على قدر عادتهم كالدابة التي لا تحرث إلا وحدها معيبة في البلدان التي يحرث فيها الناس بالأزواج، وليس معيبة في غير أولئك البلدان، وكذلك الأزمان على هذا الحال ربما يكون عيباً في زمان، ولا يكون عيباً في زمان، وقد ذكر البطليوسي في كتاب «الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، في دائرة الخيل وذكر دائرة الهقعة، وهي التي تكون في عرض زوره يعني الفرس ذكر عن أبي عبيدة قال: يعني معمراً كانوا يستحبون الهقعة لأن
قوله: دايرة الهقعة الخ. في الصحاح: الهقعة الدائرة التي تكون في عرض زور الفرس وتكره، يقال: إن المهقوع لا يسبق أبداً الخ. وزاد في القاموس أو بحيث تصيب رجل الفرس يتشاءم بها، أو لمعة بياض في جنبه الأيسر الخ. وذكر في القاموس أيضاً أن الزور وسط الظهر أو ما ارتفع منه إلى الكتفين أو ملتقى أطراف عظام الصدر الخ.
قوله: يعني الفرس، هذا تفسير للضمير في قوله زوره والأولى زورها لأن الفرس مؤنث سماعي قال الشاعر:
لها منها عليها شواهد سبوح
قوله: يعني معمراً، كأن هذا التفسير من المصنف رحمه الله وأن المراد بأبي عبيدة الذي روى عنه البطليوسي أبو عبيدة معمر بن المثنى لأنه من أهل اللغة لا
217 - (3/217)
صفحة 1645
أبقى الخيل المهقوع، حتى أراد رجل شراء فرس مهقوع، فامتنع صاحبه
من بيعه منه، فقال شعراً:
إذا عرق الميقوع بالمرء أنعظت حليلته وازداد حراً متاعها
وكان
فصار مكروهاً بعد أن كان مستحباً فقال غير أبي عبيدة: الرجل إذا ركب الفرس المهقوع نزل عنه قبل أن يعرق تحته، ويروى أن رجلاً اشترى فرساً فوجده مهقوعاً فخاصم بائعه منه إلى شريح قاضي عمر رضي الله عنه فأوجب شريح على البائع أخذ فرسه ورد الثمن، فقال البائع: أيمنع هذا العيب من مطعم أو مشرب أو ينقص من قوة أو جري؟ فقال: لا، فقال البائع: أفمن أجل قول شاعر زعم ما زعم و تقول ما تشاء ترده علي؟ فقال شريح: قد صار عيباً عند الناس، فخذ فرسك ودعني من هذا، والله أعلم. وبالجملة أن كل ما نقص في قيمة الشيء فهو عيب، وإني إن شاء الله أذكر لمعاً من العيوب في الأشياء فيكون
ذلك تنبيهاً للمتعلم على غيره والله المستعان.
أبو عبيدة مسلم رحمه الله لأنه من الفقهاء والله أعلم. قوله: أبقى، أي أكثر بقاء أي حياة. قوله: انعظت حليلته، في القاموس: نعظ ذكره نعظاً ويحرك نعوظاً قام والناعوظ الذي يهيج ا النعظ وانعظ الرجل والمرأة علاهما الشبق، وقال في محل
آخر: شبق كفرح اشتدت غلامته، وفي الصحاح: الغلمة بالضم شدة شهوة الضراب.
قوله: شريح هو قاضي عمر رضي الله عنه
•
- 218 - (3/218)
صفحة 1646
باب في عيوب الارض
وما اتصل بها من الحيطان والمواجل من الغيران والأشجار
ومن عيوب الأرض إذا اشترى رجل أرضاً فخرج فيها غيراناً ومطامير أو مواجيل أو آبار أو عيون فهو عيب، لأن هذا تغير في عين الشيء، وكذلك إن خرج فيها ما يضر بالحرث أو النبات أو الأشجار مثل الصفا الصم والحجارة، وجميع المعادن مثل الشب والملح والمغرة والطفل والجبس وما أشبه ذلك، وكذلك جحر الفيران والنمل لأنها تضر بالنبات، وكذلك جحر جميع السباع والهوام المؤذية مثل الحيات والعقارب عيب، لأنها مضرة على أصحاب الأراضي والبيوت والآبار
باب في عيوب الأرض
قوله: لأن هذا تغير في عين الشيء، فيه أن بعض ما ذكر وإن كان فيه تغير في عين الشيء لكنه لا يصادق عليه تعريف العيب لأنه لا ينقص من ثمن المبيع بل يزيده رواجا، اللهم إلا أن يحمل على ما كان من ذلك خرباً ونحو ذلك والله
أعلم فليحرر.
قوله: وجميع
المعادن الخ. هذه من العيوب وفيه أيضاً عيب آخر وهو أنه ليس لصاحبه منفعة، لأن الناس في هذه المعادن سواء كما سيأتي في كتاب الرهن.
- 219 - (3/219)
صفحة 1647
والمطامير والمواجل، وعلى هذا أيضاً إن كان للجار في مائها نصيب أو كان جاراً لها والله أعلم. وكذلك إن خرج فيها مقبرة أو مسجد أو مصلى، أو جاز فيها طريق الناس أو سوق أو مجمع الناس، أو ساقية فهذا كله عيب لها، وكذلك إن كان في صبوبها ما يمنع الماء مثل المزبلة أو المجزرة أو ما أشبه ذلك، وكذلك إن كانت يضر بها الماء أو كانت لا تنشف أو ليس لها مسقى أو لا تشرب إلا ما فضل عن غيرها أو ليس لها مخرج الماء أو يموت بذرها أو لا ينبت كله أو لا ينبت فيها إلا جنس معلوم، فهذا كله عيب لها، وفي الأثر: قال أبو الربيع إذا كان يمكث ماء المطر في الجنان شهرين، وقيل أربعين يوماً أن ذلك عيب، وكذلك إن كانت الأرض كثيرة الأشجار البرية مثل الشيح والمثنان والسبط والحلفة والرتم والبطوم وما أشبه ذلك، وأما القلة من هذه الأشياء فلا تكون لها عيباً، وإنما كانت الكثرة عيباً لأنها عائقة عن الانتفاع بها، وذلك أن العيب
قوله: والسبط، قال في الصحاح والسبط بالتحريك نبت الواحدة سبطة
قال أبو عبيدة: السبط النمير ما دام رطباً فإذا يبس فهو الحلمي الخ. قوله: والرتم أي بالتاء المثناة الفوقية، قال في الصحاح: والرتمة بالتحريك ضرب من الشجر الجمع رتم.
قوله: والمثنان، لم يوجد في الصحاح هذا اللفظ بالتاء ولا بالثاء ولعله من اصطلاح العامة والله أعلم.
- 220 - (3/220)
صفحة 1648
بالجملة ما عاق فعل النفس أو فعل الجسم، وهذا العائق قد يكون في الشيء وقد يكون من خارج، وكذلك إن خرج فيها النجم فهو عيب، لأنه عائق يضر بالنبات والأشجار والله أعلم. والنداوة أيضاً في الأرض والبيوت والغيران عيب، وكذلك إن كانت تغير ما فيها من الطعام، وكذلك الشقوق والسقوط في الغيران والمواجل والحيطان والبيوت عيب، وكذلك الغار الذي يلتجيء إليه الناس إذا لم يكن له مغلق يرد الداخل فهو عيب، والمطمورة أيضاً إذا كانت طويلة العنق أو قصيرة العنق أو ليس لها موضع يثبت فيه مغلاقها أو كانت بقربها مطمورة أخرى أو غار أو ما أشبه ذلك مما يخاف أن ينفذ إليها فهذا كله عيب ترد به، ومن عيوب الجب إذا عمل من غير الجير أو كان ينشف ماؤه أو نفدته
قوله: النجم، لعله النجمة، في الصحاح والنجمة ضرب من النبت الخ. وأما النجم من النبات فذكر أنه ما لم يكن على ساق قال تعالى: والنجم والشجر يسجدان) ولعله من اصطلاح العامة أو من تسمية الخاص باسم ام والله أعلم. فليحرر. قوله: والنداوة، في الصحاح ونداء الارض نداوتها وبالها وأرض ندية على فعلة ولا تقل ندية وشجر نديان الخ.
قوله: ايضا، إذا كانت هنا وفي بعض ما سيأتي لم يظهر له معنى لانه لم يتقدم الكلام على عيوب ما ذكر حتى يكون من عيوبه أيضاً كذا والله أعلم. والأمر سهل.
- 221 - (3/221)
صفحة 1649
عروق الأشجار أو يخاف أن تنفده، أو كان في مساقيه قذر أو ما يمنع الماء أو كانت أرض المسقى رقيقة يحمل منه الماء التراب إلى الجب، أو كان الجب ليس له ثقبة يخرج منه الماء إذا امتلأ مثلاً فهذا كله عيب، ومن عيوب العين إذا كان يغور ماؤها في بعض الأوقات أو كانت على شفير الوادي ويخاف أن تنكسر إلى الوادي أو كان يفيض إليها الوادي أو كان في قربها ما يخاف منه الدفن مثل الرمل أو غيره أو لم يكن لها موضع يجعل فيه ما يكنس منها أو كانت تنهدم، فهذا كله عيب، لأنها نقصان في قيمتها والله أعلم. ومن عيوب البئر أيضاً إذا كانت ضيقة حتى لا يدخل الدلو فيها أو كانت واسعة كثيراً أو تندم أو كانت يدفنها التراب أو كانت كثيرة العمق أو تقطع الدلاء، فهذا كله عيب لأنه مانع من الانتفاع، وكذلك إذا كانت مسقى للناس وقد اشتراها للحرث أو للغرس أو لم يكن لها طريق أو كان ماؤها مالحا، فهذا كله عيب والله أعلم. ومن عيوب الحائط أيضاً إذا كان فيه اختلاف أو اعوجاج أو ميل أو كان طويلاً أو رقيقاً حتى خيف عليه الانهدام، فهذا كله عيب يحط في القيمة. ومن عيوب البيت إذا كان واسعاً من أسفله ضيقاً من
قوله: حق لا يدخل الدلو فيها، يعني إلا بعسر.
- 222 - (3/222)
صفحة 1650
أعلاه أو بالعكس، أو كانت خشبة مسوسة أو معوجة أو منكسرة أو مختلفة من أعواد شتى، أو متباعداً ما بينهما أو كان يدخل فيه الفيران و لم يكن له ميزاب أو كان له ميزاب وليس له موضع يهرق عليه الماء، فهذا كله عيب ونقصان، وكذلك أيضاً البيت إذا كان يسكنه المجذوم أو كان على طريقه أو كان جاراً له، وكذلك إن كان جاره حداداً أو نجاساً أو ندافاً أو جميع ما يضر بالبيت أو بمن فيه، فهذا كله عيب، وكذلك إن كان على بابه مجمع الناس أو كان في طرف الوادي يخاف من هدمه أو بقربه حائطاً مائلاً أو شجرة مائلة يخاف أن يقع عليه، فهذا كله عيوب ونقصان والله أعلم. ومن عيوب الشجر أيضاً إذا كانت مسوسة أو كان فيها انكسار أو تيبس أو ظهر عروقها على وجه الأرض أو كانت على الصفا ولا يمكن حرثها، أو كانت مقيلاً للناس أو للبهائم أو كانت مأوى للطيور أو كانت على وادٍ أو ساقية أو جدار إذا كانت تسقط ثمرتها في ذلك ولا يصل إليها صاحبها، وكذلك التي لا تلد أو كانت ثمرتها معفونة أو كانت لا تدرك أو كانت لا يصل إلى ثمرتها إلا بفسادها أو التي تنكسر غصونها أو جرائدها إذا طلع عليها من أراد أن يذكرها أو يقطع ثمرتها، وكذلك التي تكون فيها الأفاعي والعقارب أو ما يضر بثمرتها أو التي تكون ثمرتها متغيرة الطعم أو التي لا تصل إليها الشمس
- 223 – (3/223)
صفحة 1651
أو التي استندت إلى غيرها يخاف وقوعها أو التي تسبق الذكار أو تتأخر عنه أو كانت عراجينها طويلة أو كبيرة تكسر الجرائد أو كانت صغيرة الثمرة أو كبيرة النوى أو التي تكون في ثمرتها نواتان، فهذا كله عيوب تحط من قيمتها والتلقم في الأشجار عيب، إذا لم يكن ذلك عادة لأهل البلد والجرب أيضاً في الأشجار عيب والتي تسقط ورقها من التين أو العنب معيب، لأن ذلك مضرة له، والتين والرطب والعنب و الحبوب وجميع القطاني إذا كان فريكاً فبات وتغير عن حاله الأول فهو عيب، وكذلك جميع البقول والفواكه واللحم إذا بات وتغير عن حاله الأول فهو عيب، لأن هذا كله نقصان، وجميع ما لم يدرك من الحبوب وما يقوم عنها من الأطعمة عيب يرد به، والسوس في جميع ما يكون فيه والتغير عيب والتخلط في الأشياء حتى لا تفرز مثل الحبوب
بعضها من بعض عيب
قوله: فبات وتغير أي عند صاحبه الذي هو البائع، يعني فاشتراه المشتري
جاهلا بحاله فإنه يرده إن شاء.
- 224 - (3/224)
صفحة 1652
باب في عيوب العبيد
و نقصان الجوارح وزيادتها كلها في العبيد عيب، وكذلك جميع الأمراض عيب سواء في الجسد كله أو في بعضه مثل: الجنون والبرص والجذام و المفتول والرتقاء والعفلاء والقرن والإستحاضة والبواسر أو يسيل لعابه أو دموعه أو مخاطه وما أشبه ذلك من جميع الأمراض عيب،
قوله: والمفتول الخ. لم يتعرض له في الصحاح ولا في القاموس صريحاً، وهذا الوصف إن كان في الذكر فلعله من الفتيلة وهي الذبالة وكأنه لا حركة له، ولعل هذا هو المراد بقوله في القاموس: يقتله لواه كفتله فهو فتيل ومفتول
•
قوله: والرتقاء الخ. هذه الأوصاف خاصة بالأنثى، والرتقاء في الدعائم هي الملتحمة الفرج، وفي الصحاح الرتق ضد الفتق إلى أن قال: والرتق بالتحريك مصدر قولك امرأة رتقاء بينة الرتق لا يستطاع جماعها لارتياق ذلك الموضع منها الخ. وقال في موضع آخر: والعقل والعفلة بالتحريك فيها شيء يخرج من قبل النساء وحياء الناقة شبيه بالادرة التي للرجال والمرأة عفلاء. وقال في موضع آخر: والقرن أيضاً يعني بسكون الراء المفلة الصغيرة عن الأصممي، واختصم إلى شريح في جارية بها قرن فقال: أقعدوها فإن أصاب الأرض فهو عيب وان لم رض فليس بعيب الخ. لكن المناسب لما قبله أن يقول والقرناء، ولعل يصب الأرض. هذه الصيغة غير موجودة على أن المناسب لصدر الكلام ولقوله القرن أن يقول: والفتل والرتق والعقل والله أعلم. والأمر في ذلك سهل
- 225 -
•
ه م 15 - الإيضاح، (3/225)
صفحة 1653
والنقصان والزيادة مثل: إذا كان مستأصلاً أو خصياً أو مجبوباً وفي: جوارحه إعوجاج أو انكسار أو تفاضل أو نبت له الشعر في موضع لم يكن فيه لغيره من بني آدم، أو لم ينبت في موضع ينبت فيه للناس مثل الحاجبين أو اشفار العينين أو الرأس، وكذلك إذا كان صغير الخلقة أو كبيرها حتى خالف عادة الناس أو كان أبيض الشعر أو متصلا ما بين حاجبيه بالشعر أو كان أشفاره تنبت في غير موضعها أو تنكسر في عينه أو مثقوب الأنف أو كان أنفه ضيقاً حتى لا يدخله الأصابع أو كان في أحد شفتيه انشقاق أو ثقبة أو لا تنغلق شفتاه على أسنانه، أو كان صغير الأسنان أو معوجها أو حفت أو اسودت أو انكسرت فهذا كله عيوب، وكذلك إن كان رقيقاً أو غليظاً حتى خالف عادة الناس أو كان بنان رجليه متصلة أو كان بعضها على بعض أو ليس له أخمص الرجل، و الحمل في الجارية عيب لأنه مانع من الاستمتاع بها وانقطاع الحيض
قوله: مستأصلا، في الصحاح: إستأصله قلعه أصله.
من
قوله: أو خصياً، هو بفتح الخاء وتشديد الياء وكسر الصاد على وزن فعيل واحد الخصيان بكسر الخاء، في الصحاح: وخصاه خصاءٌ سَل خصينه الخ. والخصية بالضم البيضة
قوله: أو محبوباً، في الصحاح: الجب القطع وخصي محبوب بين الجباب الح. قوله: مانع من الاستمتاع، يعني الوطء لقوله عليه السلام: (لا تطؤا الحوامل
- 226 - (3/226)
صفحة 1654
ايضاً عيب، أعني التي لا تحيض لأن هذا نقصان في الخلقة، وكذلك جميع الجروح والقروح والكي عيب، وكذلك جميع أثرها بعد ما برأت عيب، وذهاب الشيء من الحواس الخمس عيب، لأن هذا نقصان من الأفعال، أفعال النفس، وكذلك أيضاً كثير النوم أو الذي لا ينام أو الذي لا يستوفي الطعام أو لا يشبع منه، أو يبول في فراشه، والأبقة والشرك والسرقة والزنا، فهذا كله عيب، وكذلك من وجب عليه الحق من ضرب أو قطع أو حد أو نكال أو أدب أو تعزير فهو عيب، والمغني والكتاف والكاهن والساحر، معيب، لأن هذا نقصان في الخلق الشرعي
حتى يضعن ولا الحوابل حق يحضن).
قوله: برنت، هو براء مكسورة فهمزة من قولهم: برئت من المرض برءاً. قوله: أو ادب أو تعزير في الصحاح ما يدل على ان الأدب والتعزير مترادفان حيث قال: والتعزير أيضاً التأديب، ومنه سمى الضرب دون الحد تعزيراً الخ. فعلى هذا لا يصل أربعين لأنها أقل الحد وهو الواجب على العبد إذا قذف أو شرب خمراً مثلا، وصرح في شرح النونية بالفرق بين هذه المعاني حيث قال: وحد التعزير ما دون أربعين والأدب ما دون عشرين، والنكال فوق الحد أو دونه ولا يوقف على الحد وقيل: لا يبلغ بالنكال حد التعزير ولا يبلغ بالتعزير حد الأدب، والتعزير لا يجب إلا على كبيرة انتهى. ومعنى قوله: لا يبلغ جد
كذا أي نازلا عنه كما هو ظاهر.
قوله: والكاهن، في القاموس: كهن له كمجل ونصر وكرم كهانة بالفتح
- TTY- (3/227)
صفحة 1655
والتزويج للعبد والأمة عيب، لأنه عائق عن الاستمتاع، ومنهم من يقول: لا يكون التزويج للعبد عيباً، لأن طلاقه بيد سيده.
وتكهن تكهنا وتكهينا: قضى له بالغيب فهو كاهن والجمع كهنة وكمان وحرفته الكهانة بالكسر الخ. وفي بعض الكتب الفرق بين الكاهن والعراف أن الكاهن الذي يطالع علم الغيب ويخبر الناس على الكوائن المستقبلة، والعراف من يدعي معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوهما، وأما الكتاب فلم أر من تعرض له فالله أعلم ما المراد به، ثم رأيت في كثير من النسخ: والكتاف الظاهر وكأن المراد منه الذي ينظر في كتف الأضحية فيقول إنه
بالفاء وهي
دل على كذا والله أعلم. قوله: عائق عن الاستمتاع، هذا ظاهر في الأمة اللهم إلا أن يقال: الاستمتاع في العبد بالخدمة فإن التزويج عائق منه في الجملة والله أعلم. وفي غالب النسخ
الاستنفاع وهو ظاهر فيها
قوله: لأن طلاقه
بيد سيده، يعني: وأما الأمة فمتفق على أنه عيب لأن طلاقها
ليس بيد سيدها.
- YYA- (3/228)
صفحة 1656
باب في عيوب الحيوان
ومن عيوب الحيوان الزيادة في الجوارح والنقصان فيها والكسر والاعوجاج والاختلاف في جوارحها كلها عيب، وكذلك الأمراض في جميع الحيوان عيب، قليلاً أو كثيراً في بعضها أو في جميعها، وكذلك العلل كلها، وكذلك ماكان له أثر من جروح أو قروح أو كية أو دبرة فهو عيب، إلا ما يجعلونه لعلامتها فليس بعيب إلا علامة الجبار، فهو عيب، لئلا يأخذها إذا رآها، والزناد والأبتر الذي يقطع ذراعه في مشيه والذي تضطرب عراقبه أو تنعقد إذا أراد القيام، فهذا كله عيوب، والذي يمنع الرسن و اللجام ولا ينقاد في القطار عيب، وكذلك الذعار
قوله: إلا علامة الجبار، لعل المراد بعلامة الجبار ما كان لغيره على هيئة علامته، وإلا فالجبار لا يقدم على الشراء منه مطلقاً والله أعلم.
قوله: والأبتر، هو المقطوع الذنب.
قوله: والذعار في الصحاح: ذعرته أذعره ذعراً أفزعته، والاسم الذعر بالضم وقد ذعر فهو مذعور الخ. لكن قوله ذعار يقتضي على ما في الصحاح جعله متعديا مع أن المراد أنه كثير الفزع في نفسه وكل منهما عيب والله أعلم
•
- 229 - (3/229)
صفحة 1657
والوكاض والنفور عيب، لأن هذه عوائق عن الاستنفاع، وكذلك الذي يطرح حمله من قدامه أو من خلفه أو من الجوانب أو كان يبرك بحمله فهو عيب، إلا أن يكون الجمل، قال بعض: لا يكون البروك بالحمل للجمل عيب، فإنه وإن برك فإنه يقوم بحمله إلا أن يكون شيئاً مجاوزاً العادة فهو عيب، والعقيم من الحيوان معيب، وكذلك الذي ترضع نفسها أو ترضع غير ولدها أو تتفاضل ثدياها أو تنجر على الأرض والأعواد حتى تنجرح أو كانت يقطر لبنها أو لا يحلب إلا بالمعالجة أو كانت تختنق أو تنسل من الحبل فيما بين الغنم حين تحلب أو كانت صغيرة الثديين أو كانت لا تقوت ولدها فهذا كله عيب ونقصان، ومن له ثلاثة قرون أو أكثر من الحيوان فهو عيب، لأن هذا قبح لها، وكذلك إن رجع إلى عينها قرنها وكان يضر بها فهو عيب، وكذلك إن كان مقطوعاً فهو عيب، والثور إذا كان كبير القرنين تمنعه عن حرث الأشجار فهو
قوله. والركاض، لعله من الركض وهو الضرب بالرجل ومنه قوله عز وجل: واركض برجلك) أي: إضرب برجلك الأرض أو من قولهم: ركضه البعير إذا ضربه برجله، لا من قولهم ركض الفرس إذا عدا فإن هذا ممدوح والله أعلم. قوله: والعقيم، أي الذي لا يلد مما من شأنه ذلك فلا يرد جنس البغال.
قوله: لا تقوت، من باب قال وكتب
•
قوله: تمنعه، لعله يمنعانه
- 230 - (3/230)
صفحة 1658
عيب، وكذلك الذي ليس في رقبته إلا عرق واحد معيب، وعلى هذا جميع ما يحرث به، لأن هذا كله نقصان في الخلقة وعائق عن الاستنفاع، وكذلك الدابة التي تبرك في الحرث أو تخرج منه أو تدخل فيه أو تعيد لما حرثت، فهذا عيب لها، وكذلك المشقوق الأذن والمثقوبة والمقطوع الأذن كلها عيب، وهو نقصان في الخلقة، وبعضهم يقول: لا يكون ذلك عيباً إلا إن جاوز أكثر من الثلث، والمثقوب أنفه معيب والنطح والنفح والعقر في الحيوان كلها عيوب، لأن هذا كله جنايات على صاحبها وكل ما لا يأكل من الحيوان طعام البلد معيب، وكذلك الذي يأكل جهازه والذي لا يشرب في الحوض أو من لا يشرب إلا في الإناء أو من لا يستوفي من الأكل والشرب فهو معيب، والذي يمسك اللجام في الخيل أو يمتنع من أخذه أو يمنع من الركوب أو يفتح فاه حين
قوله: نقصان، وهو أيضاً عائق على الضحية والهدي في الأنعام.
قوله: والنفح، هو بالحاء المهملة قال في الصحاح: ونفحت الناقة ضربت برجلها الخ. وفي بعض النسخ والنفخ بالخاء المعجمة وهي الظاهر لإغناء الركض عن النفح بالحاء المهملة إلا أن قوله لأن هذا كله جنايات على صاحبها، يدل على أنه بالحاء المهملة. قوله: والعقر، في الصحاح: عقره أي جرحه فهو عقير الخ.
قوله: لان هذا كله جنايات على صاحبها، ظاهره ان جناية الدابة على صاحبها
- 231 - (3/231)
صفحة 1659
الجري أو يبلغ الشعر فهو بهذه المعاني معيب، وكذلك الجموح والحرون وصغير الذنب في الدواب كلها معيب، لأنها تذب بها واسترخاء الأذنين وكبر الرأس في الحمير عيب عندهم، وكذلك صغر الرأس في الجمل عيب فهذا معروف عند أهل المعرفة بذلك، وكذلك عظم الحافر في البغال والحمير عيب، وأما في الخيل فقد ذكر أهل اللغة في كتبهم من عيوب الخيل والحافر المضطر وهو الضيق وذلك معيب. والأرح الواسع وهو محمود، وقد ذكروا أيضاً أن الرحح نوعان: محمود ومذموم، فالممدوح معاء مقعب، والمذموم ما لا تقعب فيه لأنه إذا لم يكن معه تقعب صار
مطلقاً ولو قيدها بما يقيد به مثلها عادة وليس على إطلاقه لقوله عليه السلام: (الدابة جبار) (1) أي هدر.
قوله: الجموح هو الذي يسرع إسراعاً لا يرده شيء ومنه قوله عز وجل: لولوا اليه وهم يجمعون) (2) أي لأقبلوا وهم يسرعون، وفي الصحاح: جمع
الناس جموحاً وجماحاً إذا اعتز فرسه وغلبه وهو فرس جموح الخ.
قوله: تقعب، في الصحاح: القعب قدح من خشب مقعب وحافر مقعب مشبه به وفي القاموس أيضاً بعد أن ذكر ان القعب هو القدم المضخم الجافي والتقعب ان يكون الحافر مقيباً كالقعب
(1) رواه ابو داود. (2) سورة التوبة: 57.
- 232 - (3/232)
صفحة 1660
فرشحة وهي مذمومة، قال الشاعر:
ليس بمضطر ولا فرشاح
وهذا شيء عرض حقباً، والذي ينخفض بظهره عند الركوب أو الحمل معيب، والأبلق في الضأن والتي تغير لونها والتي كان صوفها مثل شعر الكلب معيبة، وكذلك التي تنتف شعرها أو كانت ترعى وحدها أو تتقدم الغنم أو تتأخر عنها فهي معيبة، لأنها مخالفة لجنسها، فهي متعرضة للمتالف، والحمل في الدواب ليس بعيب إلا إن اشتراها للذبح
لأن لحم الحامل ناقص عن غيره والله أعلم.
قوله: شعرها لعله صوفها.
- 233 - (3/233)
صفحة 1661
باب في عيوب الثياب
و من عيوب الثياب التفاضل في طرف الثوب إذا كان أربعة أصابع إلى أكثر، لأن هذا اختلاف فيها، وكذلك أيضاً اختلاف النسج والغزل والقيام عيب، وكذلك إن كان في أحد طرفيه خط ولم يكن في الآخر أو كانت خطوطها مختلفة، فهذا كله عيوب، وكذلك إن كان فيها تصاوير أو كان رقعة من الحرير لأن هذا منهي عنه في الشرع، وكذلك التغيير كله بالزيت والقطران والنجس عيب، أما النجس فإنه يمنع الصلاة بها، والزيت والقطران نقصان منها لأنه اختلاف فيها، والذي يوجبه
باب في عيوب الثياب
قوله: أو كان رقمه من الحرير الخ. هذا إذا كان للرجال وكان زائداً على القدر المعفو عنه كما هو معلوم والله أعلم.
قوله: نقصان منها الخ. أي من الثياب أي من قيمتها، وفي هذا دليل على أن القطران ليس بنجس وأنه تجوز به الصلاة ولعل هذا إذا لم يكن من شغل النصارى على الأحوط في نجاسة بللهم والله أعلم.
قوله: لأنه، أي لأن ما ذكر.
- 234 - (3/234)
صفحة 1662
النظر عندي يكون عيباً إذا كان فاحشاً، وكذلك الشعر الأسود والأحمر إذا كان في الثوب على هذا الحال، والعقد والوصل في القيام وخروجه من الثوب عيب، وفي الأثر: وسئل عن الثوب إذا كان فيه العقد هل يكون له ذلك عيباً، قال: إذا اجتمع ثلاثة في موضع واحد فذلك عيب، وأما الطعم إذا انقطع منه أربعة في مكان واحد، فذلك عيب، وكذلك أيضاً الطعم إذا خرج عن القيام منه خمسة في مكان واحد فذلك عيب والله أعلم. واختلاف ما يخاط به الثوب أو رجع بعض من خياطته داخلاً أو أكثر فيه الرقاع، فذلك كله عيوب لأنه اختلاف، وكذلك إن لم يكن للثوب جيب أو كان له جيب في غير موضعه، فهو عيب لأنه مخالف لعادة الثياب، وبالجملة إن كل ما خالف العادة فهو عيب لأنه نقصان لما عليه العادة، ومن عيوب السيف والرمح والسكين الطول والقصر والكسر والاعوجاج والتلقيم والفلل والرقة والغلظة والوصل، وكذلك مقبض السيف والسكين إذا كان طويلاً أو قصيراً معيب، وكذلك الموصول إذا لم يكن له إلا مسمار واحد مثل مقبض السيف فهو معيب، والرمح إذا كان رقيق الجعبة أو ضيقها أو قصيرها أو ليس
قوله: الطول والقصر، أي الخارجان عن ا
العادة
قوله: والرمح الخ. استعمله رحمه الله في الحديدة المجعولة على القناة، وفي
- 235 - (3/235)
صفحة 1663
لها مسمار يمسكها على العود فهو معيب، ومن عيوب لباس الرجل إذ كان جلد الفرق والنعال والخف من جلد الجمل وبقر الوحش أو الحمار أو البغل أو الفرس؛ لأن جلود هؤلاء غير قوية ولا جيدة لهذه المعاني، وكذلك أيضاً جلد المجروب والمجدور والهرم ولحمهم معيب، وكذلك الرقاع في الجلد أو كان غير مدبوغ فهو معيب.
القاموس: الرمح معروف، وفي الصحاح في باب الواو والياء وفصل القاف: والقنا مقصور مثل القنو والجمع اقناء والقنا أيضاً. قناة وهي الرمح الخ. فعلى جمع هذا فالرمح في اللغة إسم للعود نفسه والحديد اسمه سنان الرمح كما هو في العرف والله أعلم. اللهم إلا أن يقال قد يطلق الرمح على ما يشمل العود والسنان معاً فسمى رحمه الله السنان ريحاً تسمية للجزء باسم الكل ويشهد له قولهم مثلاً: طعنه برمحه ويحتمل أن يكون سماه للمجاورة أو للحالية والمحل والله أعلم. قوله: الحمار أو البغل أو الفرس الخ. فيه إشارة إلى أن هذه الثلاثه تعمل فيه الذكاة فإذا كانت ميتة فدباغ جلودها بمنزلة لحمها والله أعلم.
- 236 - (3/236)
صفحة 1664
باب في عيوب الاواني
والكسر والشقوق والمسامير والرشح في الأواني كلها عيب، وكذلك النجس في جميع الأمتعة والأواني والحيوان عيب إلا ما وصل الحيوان من نجس نفسها، فليس ذلك بعيب لها، لأن النجس عائق عن الاستنفاع والرشح في الزقاق والرقاع والثقب عيب أو لم يبالغ في دباغه أو كان محروقاً بالدباغ أو كان شعره ينتف أو كان يغير طعمه ما حمل فيه مما اشتري له، فهذا كله عيوب ونقصان والدفتر إذا كان فيه امتراش أو القطع أو تلف شيء من ورقة فهو معيب لأنه نقصان، وكذلك إذا كان فيه الغلط والإعادة أو كان موصولاً أو مختلف الخط والحبر فهو
باب في عيوب الاواني
قوله: في الزقاق، بالكسر جمع زق.
قوله: والدفتر، في الصحاح: الدفتر واحد الدفاتر وهي الكراريس وفي القاموس الدفتر ـ وقد يكسر الدال جماعة - الصحف المضمومة والجمع دفاتر. قوله: امتراش، في القاموس: الامتراش الانتزاع والاختلاس والاكتساب
الخ. وكأن المراد هنا القشط.
- 237 - (3/237)
صفحة 1665
معيب لأنه مختلف، والمختلف منقوص لأنه لا بد من أحد المختلفين أن يكون أجود من الآخر، ويكون الآخر أنقص منه، وكذلك أيضاً إن كان وضعا للمخالفين أو كان فيه الطعن أو الرد في أطرافه فهو منقوص معيب، وإن اشترى فرقاً على أن يربطها فخرجت ضيقة على رجله أو واسعة عليه فهي معيبة، وكذلك غمد السيف على هذا الحال، وبالجملة أن كل ما ينقص الشيء من قيمته عند أهل المعرفة، فذلك عيب يرد به والله أعلم.
وفي الأثر: وإذا أخذ الرجل داراً بالشفعة من المشتري ونقده الثمن فإن ابن عبد العزيز يقول: العهدة على المشتري الذي أخذ المال، وكذلك قول الربيع، وكان ابن عباد يقول: العهدة على البائع، لأن الصفقة وقعت يوم اشتراء المشتري للشفيع فقد اتفقوا جميعاً على جواز الصدة، أعني الربيع وابن عبد العزيز وابن عباد، ورأيت في بعض
قوله: فخرجت ضيقة الخ. فعلى هذا كل من اشترى شيئاً ليلبسه فخرج ضيقاً عليه أو واسماً فهو مخير في رده لذلك، ولعل هذا محله إذا ذكر للبائع أنه يريده للبسه أو للبس فلان مثلا وإلا فكيف يرده بعد الإطلاع عليه لأن البائع يلزمه لابس معين ويدل على هذا التقييد قوله: على أن يربطها والله أعلم.
- TTA- (3/238)
صفحة 1666
الكتب: ومعنى العهدة أن كل عيب حدث فيها عند المشتري فهو من البائع وهي عند القائلين بها عهدتان: عهدة الثلاثة الأيام، وذلك من جميع العيوب الحادثة عند المشتري، وعهدة السنة وهي من العيوب الثالثة الجنون والجذام والبرص، فما حدث في السنة من هذه الثلاثة بالمبيع فهو من البائع، وما حدث غيرها من العيوب كان من ضمان المشتري على الأصل، وعهدة الثلاثة عند القائلين بها بالجملة منزلة الخيار وأيام الاستبراء فالنفقة فيها والضمان من البائع، وأما عهدة السنة فالنفقة فيها والضمان عن المشتري إلا من أولاء الثلاثة، وهذا مذكور في بعض كتب أهل الخلاف وأن مالكاً انفرد بالقول بالعهدة دون فقهاء الأمصار، وأما سائر فقهاء الأمصار فلم يصح عندهم في العهدة أثر ورأوا أنها مخالفة للأصول،
قوله: إن كل عيب حدث الخ. قال ابن عرفة في تعريف العهدة: هي تعلق المبيع بضمان البائع، وعبارة خليل ورد قال: التتاء أي الرقيق خاصة في عهدة الثلاث بكل حادث فيها إلا أن يبيع ببراءة إلى آخره فتراهم لم يعمموا العهدة في كل مبيع ففي كلام المصنف المنقول عنهم إجمال والله أعلم.
قوله: فالنفقة فيها والضمان من البائع، يعني ويرجع على المشتري إن اختار أو حصلت البراءة ويحتمل أن يكون المراد بكونها من البائع أن المشتري يرجع بهما على البائع بعد ظهور العيب أو الحمل أو اختار الرد لأن الظاهر أن المأمور
بالنفقة ابتداء إنما هو المشتري والله أعلم.
- 239 - (3/239)
صفحة 1667
وذلك لأن المسلمين مجتمعون على أن كل مصيبة تنزل بالمبيع بعد قبضه فهي من المشتري، والتخصيص لمثل هذا الأصل إنما يكون بسماع ثابت وهذا القول فيما يوجبه النظر عندي أصح والله أعلم.
قوله: وذلك لأن المسلمين مجتمعون الخ. فإن قلت كيف حكى اجتماع المسلمين على ما ذكر مع أن من أعظمهم الربيع و ابن عباد رحمهم الله وقد قالا بالعهدة ووافقها ابن عبد العزيز على ذلك، وقوله في ذلك كآحاد المسلمين. قلت: لقائل يقول لم يخالفوا ما أجمع عليه المسلمون لأنه ليس في كلامهم ما يدل على أن المراد بالعهدة انفرد به مالك بل الظاهر أن المراد بالعهدة ما يلزم المشتري من رد المبيع
ما
بالعيب الموجود فيه قبل البيع وما يلزمه من رد ثمنه عند الاستحقاق مثلا وهو المعبر عنه عند الموثقين بالدرك والتباعة مثلا ولا يتقيد ذلك بثلاثة أيام لكنهم اختلفوا هل يرجع الشفيع على البائع؟ لأن المشتري لم يحصل بيده شيء فكأن البيع وقع للشفيع ابتداء أو يرجع على المشتري لأنه هو الذي أخذ منه الثمن يعني ويرجع المشتري على البائع أيضاً لأجل العيب أو الاستحقاق فلا يتعين حمل العهدة عندهم على ما رآه المصنف رحمه الله في بعض الكتب فإن الظاهر أن المراد به كتب المالكية لأنهم انفردوا بذلك كما قال المصنف وحينئذ فالأولى حمل كلام المشايخ على ما يوافق إجماع المسلمين. نعم الرد بالثلاثة المذكورة في عهدة السنة ظاهر ولو لم تظهر إلا عند المشتري لتقدم أسبابها فهي في الحقيقة من العيوب القديمة والله أعلم فليحرر (3/240)
صفحة 1668
باب في معرفة حكم العيب
الموجود في المبيع
إعلم أن المبيع لا يخلو أن يكون متغيراً أو غير متغير، فإن كان غير متغير بشيء من العيوب عند المشتري فقد اختلف العلماء فيه، فالجمهور على أن المشتري بخير بين أن يرد المبيع أو يأخذ ثمنه أو يمسك ولا شيء
له، والدليل على هذا حديث المصراة المشهور الذي قال فيه رسول (من اشترى شاة محفلة فهو فيها بالخيار، والنظر إلى ثلاثة أيام، فإن شاء ردها ورد على صاحبها صاعاً من تمر))، فقد جعل له الخيار رسول الله إن شاء ردها وإن شاء أمسكها ورضي بعيبها ولا شيء له، وكذلك أيضاً إن عمل في المبيع المعيب ما يدل على رضاه به فإنه يلزمه بذلك، ولا
باب في معرفة حكم العيب الموجود في المبيع
قوله: والنظر إلى ثلاثة أيام، ظاهر هذا الحديث يدل على من اشترى شيئاً وظهر فيه عيب لا يضيق عليه في الرد أو القبول، بل يؤجل ثلاثة أيام لكن بشرط أن لا يستنفع به على ظاهر كلام المصنف قوله: وكذلك أيضاً إن عمل الخ. لعل التشبيه في قوله: ولا شيء له وإلا
(1) متفق عليه
-521 -
ه م 16 - الإيضاح، (3/241)
صفحة 1669
شيء له مثل إن استعمله أو استنفع به، وكذلك إن أمر أن يستعمل أو يستنفع به، سواء فعل المأمور بذلك أم لم يفعل فقد لزمه، وكذلك إن ساومه أو سأل البائع فيه الإقالة أو المصالحة، هذا كله بعد عامه بالعيب دليل على رضاه ولا شيء له، وأما إن استعمل ذلك الشيء لمنافعه دونه
مثل علفه أو سقيه أو ختن العبد المعيب فإنه لا يلزمه بهذا كله
فالمسألة السابقة في ثبوت الخيار المشتري وهذه في ثبوت لزوم البيع.
رحمه الله
قوله: مثل إن استعمله أو استنفع به الخ. ظاهره أن الاستعمال والاستنفاع مطلقاً الآن على الرضا مع أن الشاة المحفلة المذكورة في الحديث لا تلزم المشتري مع انه يجلبها ويختبرها إلى ثلاثة أيام ويأكل لبنها إلا أنه إن ردها رد على صاحبها قيمة لبنها وهو صاع من تمر على ما ذكر في الحديث فهذا يدل على جواز الاستنفاع والاستعمال للاختبار. اللهم إلا أن يقال: مراد المصنف بالاستنفاع، الاستنفاع الذي لا يريد به الاختبار، وربما يرشد إلى ذلك قوله ما يدل على رضاه به أو يقال: كلام المصنف رحمه الله فيما تحقق عيبه والحديث فيما يحتمل أن يكون معيباً أو غير معيب، وحينئذ متى استنفع به لزمه حين تحقق عيبه ولا يؤجل أيضاً كما أجل في الحديث للفرق بين المقامين، وهذا هو الظاهر، ولأنه سيأتي أن حديث المصراة قد فارق الأصول من وجوه والله أعلم.
قوله: أو أختن العبد، هكذا فيما رأيناه من النسخ، والصواب أو ختن العبد قال في الصحاح: وختنت الصبي ختنا، والاسم الختان إلى آخره ثم رأيت في بعض النسخ ختن وهو الصواب.
(
- 242 - (3/242)
صفحة 1670
وعند بعض: أنه لا يلزمه بهذا، وذلك عندي لأنه تصرف فيه، وأما إن اجتمع في استعماله لذلك الشيء نفعه ونفع ذلك الشيء، مثل إن ركب الدابة ليسقيها أو ليرعاها أو ليهرب بها من العدو فإنه يلزمه بهذا كله،
وإن اشترى دابة فحمل عليها حملاً فرأى فيها عيباً في مكان وعر لا يمكنه أن ينزع عن الدابة ما حمل عليه فتركه حتى خرج من ذلك الوعر فإنه لازم له بذلك، وعند بعض: أنه لا يلزمه أن يردها ويعطي عناء ما حملت بعد رؤية العيب لأن هذا ضرورة، وأما إن استنفع بذلك الشيء الذي
قوله: وعند بعض الخ. الظاهر أن هذا راجع لمسألة العبد فقط والله أعلم. قوله: أو ليهرب بها الخ. هذا ظاهر إذا كان هو المطلوب، أو هو والدابة، وأما إذا كان المطلوب الدابة وحدها ولا يمكن تنجيتها من العدو إلا بركوبها، فالظاهر أنه لا تلزمه بذلك والله أعلم. ويدل له قوله: نفعه ونفع ذلك الشيء وقوله ليهرب بها من العدو والله أعلم.
•
قوله: فإنه، أي العيب قوله: يردها، لعله بل يردها ثم الظاهر أن الضمير المذكور راجع للعيب أو للمبيع والضمير المؤنث راجع إلى الدابة والله أعلم. قوله: ما حملت بعد رؤية العيب، يعني وأما ما حملت قبل رؤيته فإنه لا يدفعه لقوله عليه السلام: (الخراج بالضمان) (1) وسيأتي.
(1) متفق عليه
-243 (3/243)
صفحة 1671
خرج فيه العيب بشيء مما كان الناس فيه سواء مثل الحطب والماء والظل فإنه لا يلزمه بذلك، لأن هذا مباح بين الناس والله أعلم. وإن قال رضيت بالشيء ودفعت العيب على أن يدرك أرشه فقد لزمه ولا شيء له، وقال بعض: إنما يدركه فيما بينه وبين الله، وأما في الحكم فلا، ومنهم من يقول في المسافر: إن اشترى جملاً فحمل عليه حتى كان ببعض الطريق فظهر فيه عيب فأراد أن يرضاه على أن يأخذ الأرش وأشهد على ذلك أن له ذلك، وهذا فيا يوجبه النظر يؤيد قول من قال: الأشياء كلها لا ترد بالعيوب، وإنما يدرك فيه المشتري الأرش فقط، فهؤلاء
قوله: فما كان الناس فيه سواء، وليس لصاحبه منفعة، والمراد من الحطب حطب الفحص حيث لا يحصل الضرر، ومن الماء ماء الآبار والأنهار والسواقي والأودية والمراد من الطل الذي لم يحصل به ضرر، ومثل هذه الثلاثة نزع الكلا وسيأتي بيان ذلك في باب ما يجوز للمرتهن أن يفعله في الرهن.
قوله: وهذا فيما يوجبه النظر الخ. كأن القائل بهذه المسألة من غير الجمهور، فلذلك جعله المصنف مؤيداً لقول من قال: إن الاشياء ترد بالعيب مطلقاً وهم المقابلون للجمهور والله أعلم، ثم لقائل أن يقول: لا تأييد فيما ذكر، لأن المسافر يترخص له ما لا يترخص لغيره، والرخصة لا يتعدى بها محلها والله أعلم فليحرر. قوله: الأرش، هو بفتح الهمزة قال في الصحاح: الأرش دية الجراحات، وأما في العرف فظاهر كلامه رحمه الله يدل على أن المراد به قيمة العيب مطلقاً جرحاً كان أو غيره.
- TEE- (3/244)
صفحة 1672
عندهم أن بيع الشيء المعيب بيع تام، وعلى البائع للمشتري أرش العيب إن لم يخبره به وعلى قول الجمهور أنه بيع موقوف على رؤية المشتري إن شاء رده وإن شاء أمسكه ورضي به، وعند بعض:: أن بيع المعيب فاسد إن لم يعلم به المشتري قبل البيع، ويمكن أن يكون مذهب هؤلاء لأنه بيع غرر لم يقف المشتري على حقيقته، وعلى البائع أن يخبر المشتري
بالعيب إذا عامه، وإن لم يخبره وهو عالم به فقد عصى ربه وحرام عليه قوله: تام، أي لازم.
قوله: إن لم يخبره به ظاهره أن غير الجمهور يمشون على أنه لا بد من الإخبار بالعيب، وأن للمشتري المطالبة بأرش العيب، وإن رآه حال البيع، وأن الجمهور يمشون على أن الرؤية في العيب كافية حيث علق كونه موقوفاً عندهم على الرؤية، فإن ظاهره أن رؤية العيب تنفي كونه موقوفاً سواء كانت الرؤية حال العقد أو بعده، وإن كان المتبادر الثاني، وعلى التعميم فليس للمشتري كلام بعد رؤية العيب حال العقد عند بعض الجمهور، وعند البعض الآخر يدرك الرد إذا لم يخبره به، ولو رآه و علم به حال العقد كما سيأتي قريباً، والظاهر الأول إذا كان يلزمه إذا رآه، وقدم عليه خصوصاً إذا علم أنه عيب فإنه ينبغي ان يكون محل اتفاق والله أعلم. قوله: وعند بعض أن بيع المعيب فاسد الخ. وعلى هذا يجوز إتمامه لأن استعمال المفسوخات لا يجوز بل لا بد من تجديد العقد، إن أرادوا ذلك والله أعلم. قوله: ويمكن أن يكون مذهب هؤلاء لأنه الخ. كأنه فيه سقط فليراجع. قوله: فقد عصى ربه الخ. أنظر ما يبلغ به عصيانه، وظاهر الاستدلال
- 245 - (3/245)
صفحة 1673
أن يدلس المشتري لقوله عليه السلام: (من غشنا فليس منا))، وكل عيب تراه العين ويقصده ويضع عليه يده ويخبر المشتري بأنه عيب، وإن أخبره ولم يضع عليه يده فإنه لا يجزي لأن الرؤية أظهر من الخبر، وكذلك إن وضع عليه يده ولم يخبره بأنه. عيب فإنه لا يجزيه ذلك إلا على قول من قال: معرفة المشتري بالعيب تجزي على البائع، ولو لم يخبره به، وكل عيب لا تمكن فيه الرؤية فإنه يجزي فيه الوصف ويخبر وعند بعض: أن كل عيب ظاهر تراه العين ليس على البائع أن يخبر به، ولا يدرك المشتري أن يرده بالعيب بعد علمه به، وكذلك إن أخبره به غير البائع أو أراد المشتري أن يقيل البائع في ذلك الشيء المعيب أو كان شريكه في ذلك الشيء المبيع إذا أراد أن يبيع له ما اشتركاه، وكذلك
بالحديث يدل على أنه يبلغ به الكفر والله أعلم.
قوله: أن يدلس، في الصحاح: التدليس في العيب كتمان
المشتري.
بأنه
عيب،
السلعة
عن
قوله: أو أراد المشتري أن يقيل البائع، وقوله أو كان شريكه الخ. هذا ظاهر إذا كانا عالمين بالعيب، وإلا فقد يكون شريكاً ولا يعلم بالعيب، ويكون مقيلا ولا يعلم به، لكن في هذا تأمل لأن أصله منه، وهذا أيضاً إنما يتمشى على القول بأن الإقالة بيع لا فسخ بيع والله أعلم.
(1) تقدم ذكره.
-246 - (3/246)
صفحة 1674
كل من علم بذلك العيب إذا لم يمكث. عنده ذلك الشيء مقدار ما ينساه فليس عليه أن يخبره به، ومنهم من يقول: ولو رآه المشتري وعلم به فإنه يدرك رده ما لم يخبره به البائع ويخبر أنه عيب، فعند هؤلاء أن المشتري ما لم يخبر أنه عيب يدرك رد الشيء المعيب ولو علم بعيبه، لأنه ربما أن يكون غير عارف بأن ذلك عيب ولو علم به، وعلى القول الأول أنه يلزمه رمه بعد علمه به ويدرك عليه البائع اليمين بأنه ما علم به، وعلى قول الآخرين: لا يدرك عليه اليمين، وكذلك أيضاً إن رضي المشتري بالعيب
قوله: ما لم يخبره به الخ. المفهوم من كلامه فيما تقدم ان هذا ايضاً قول من قال إن بيع المعيب لازم، وإنما يدرك أرش العيب فقط حيث قال: وعلى البائع للمشتري أرش العيب إن لم يخبره به فعلى هذا القائلون بأنه لا بد من الإخبار ولا تكفي الرؤية في العيب طائفة من الجمهور، وجميع من يقول لا يرد الشيء بالعيب والله أعلم. قوله: ولو علم بعيبه، أي بذات العيب ولا يلزم من معرفة ذاته معرفة اتصافه بأنه. فلا منافاة بين قوله علم بعيبه، وقوله غير عارف بأن ذلك عيب
عيب
والله أعلم. قوله: وعلى القول الأول، المراد به الأول بالنسبة لقوله: ومنهم من يقول الخ. وهو ان كل عيب ظاهر الخ. وأما الأول الحقيقي فهو غير قوله: ومنهم من يقول، والله أعلم.
قوله: لا يدرك عليه اليمين، أي على العلم به بل يدركه على الإعلام به
إذا ادعاه
- YEY - (3/247)
صفحة 1675
في نفسه حين ظهر له فإنه يلزمه فيما بينه وبين الله، وإن لم يرض به في نفسه فإنه يرده ولو لبث عنده أياماً بعد عامه به ما لم يستعمله كما ذكرنا، ويدرك أيضاً البائع اليمين على المشتري أنه لم يرض به في قلبه، وعند بعض: أنه لا يدرك عليه اليمين على ذلك إلا إن ادعى أنه أقر برضاه بذلك، والذي يوجبه النظر عندي هذا القول لقوله عليه السلام: (على المدعي البيئة، وعلى المنكر اليمين ()، فإن لم تمكن البينة على ما في الضمير
قوله: فيما بينه وبين الله، يعني وأما في الحكم فلا، لأنه أمر غيبي. قوله: ولو لبث عنده أياماً بعد علمه به الخ. ظاهره أنه له ذلك، ولو علم البائع أن المشتري قد اطلع على العيب، وأنه ليس للبائع مضايقته في الرد أو القبول طالت المدة أو قصرت، وفيه نظر لمافيه من الضرر على البائع في بعض الأحيان كفوات السوق مثلاً، وظاهر حديث المصراة يدل على أنه يؤجل ثلاثة أيام والله أعلم، فليحرر. ولقائل أن يقول: لا يؤجل، لأن البائع ظالم، والظالم أحق أن يحمل عليه والله أعلم. قوله: لقوله عليه السلام على المدعي البينة الخ ظاهر استدلاله الله بهذا الحديث يدل على أن الدعوى لا تصح إلا فيما يمكن إثباته، وما في القلب لا يصح فيه ذلك فلا تصح فيه الدعوى، وما لا تصح فيه الدعوى لا يدرك فيه اليمين، وهو المناسب لقوله فيما تقدم: فإنه يلزمه فيما بينه وبين الله
والله أعلم.
رحمه
قوله: (على المدعي البينة، وعلى المفكر اليمين) هذا الحديث، ذكروا
(1) متفق عليه.
- YEA- (3/248)
صفحة 1676
فلا يصح فيه اليمين والله أعلم. وإذا رد المشتري الشيء بالعيب فإنه لا يرد ما نما ذلك الشيء ولا ما أكل من غلته ولا جميع ما استخدمه إلا ما حضر من ذلك النماء والغلة للصفقة فإنه يرده لأن له قسطاً من الثمن، والدليل على هذا ما روي من طريق عائشة رضي الله عنها أنه قال عليه
أنه تواتر معنى لا لفظاً، فلذلك رووه بغير اللفظ المشهور وهو: البينة على من ادعى واليمين على من أنكر والله أعلم.
قوله: ما نما، في الصحاح: نمى المال وغيره ينمى نماء، وربما قالوا ينمو نمواً الخ. ثم الظاهر أن المراد بالنماء الذي لا يرده النماء الذي ينفصل عن الشيء
من غير فساد
قوله: النماء، هو بالمد كما ضبطه في الصحاح.
قوله: لأن له قسطاً من الثمن، فيه إشارة إلى جواز بيع الغلة مع الشجرة مطلقاً، والمختار عنده فيما تقدم انها إذا أدركت لا بد أن يعين لها ما يخصها من الثمن أخذاً من قوله في بيع المخصوص، وكذلك إن كانت فيه ثمار مدركة فإنه يستثنيها وإلا لم يجز ذلك البيع، وقد تقدم تعليله أخذاً من كلامه بعد، وفيه أيضاً إشارة إلى أن الثمرة إذا لم تؤبر لا يردها المشتري لأنها ليس لها قسط من الثمن فكأنها حدثت عنده والله أعلم.
قوله: والدليل على هذا الخ. في بعض كتب قومنا روى أبو داود والترمذي، والحاكم، وابن حبان، بإسناد حسن عن عائشة (أن رجلا ابتاع غلاماً فأقام عنده ما شاء الله ثم وجد به عيباً فخاصمه إلى النبي الفرده
1949 - (3/249)
صفحة 1677
السلام: (الخراج بالضمان)، وهو في قولهم ما خرج من غلة الأموال والعبيد، ولا يدرك هو أيضاً ما أنفق ولا ما تعنى، لأن البيع صحيح والغلة بالضمان لهذا الخبر، ومنهم من يقول: يرد النماء في الغلة والاستنفاع كله ويدرك هو أيضاً جميع ما أنفق عليه وعناء خدمته، وما أشبه ذلك لأنه عندهم بمنزلة الانفساخ إلا الدنانير والدراهم فلا يدرك ما جرت من
عليه فقال الرجل: يا رسول الله قد استعمل غلامي، فقال النبي ع: الخراج بالضمان) (2) قال الترمذي والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، فمعنى الحديث أن ما يخرج من المبيع من فائدة وغلة يكون للمشتري في مقابلة أنه لو تلف لكان في ضمانه الخ. قوله: بمنزلة الانفساخ، لعل هذا هو المعبر عنه بقوله فيما تقدم: وعند بعض المعيب فاسد، لكن لا يناسبه الاستدلال بحديث المصراة فإنه جعل له المشيئة في الرد، وإذا كان فاسداً لا يجوز إتمامه بل لا بد من تجديد العقد
أن بيع
والله أعلم. قوله: فلا يدرك ما جرت من الأرباح، العلة في ذلك والله أعلم ما يؤدي إليه من الربا لأنه دفع عشرة وأخذ مثلاً خمسة عشر، والبائع ليس بمتعد
والله أعلم.
(1) تقدم ذكره.
(2) تقدم ذكره.
- 250 - (3/250)
صفحة 1678
الأرباح، والدليل على هذا القول حديث المصراة المشهور، والصحيح عندي فيما يوجبه النظر القول الأول، لأن حديث المصراة قد فارق الأصول من وجوه، وذلك أن الأصل في المتلفات إما القيمة وإما المثل، وإعطاء صاع من تمر في لبن ليس قيمة ولا مثلاً، وأيضاً فتحديد الصاع في لبن يقل ويكثر فرق آخر والله أعلم.
1901 - (3/251)
صفحة 1679
باب منه آخر
وإذا اشترى المشتري أنواعاً من المبيعات في صفقة واحدة، فوجد في أحدها عيباً، فإن بعضهم قال: ليس له إلا أن يرد الجميع أو يمسك الجميع إلا إن سمى لكل واحد لتلك الأنواع ثمناً، فإذا سمى فإنه يرد المعيب بعينه فقط، وإن لم يسم فلا يرد المعيب دون غيره لأنه بيع
قوله: باب منه آخر
الظاهر انه إنما فصله عما قبله لأن ما تقدم إنما هو فيما إذا كان المبيع شيئاً واحداً وهذا فيما هو متعدد والله أعلم.
قوله: أنواعاً من المبيعات، الظاهر أنه أراد بالأنواع ما يشمل الأفراد، وإن كانت من جنس واحد كما يرشد إليه التعليل في قوله فيما تقدم، لأنه إن لم يسمى صار ثمن كل واحد منها مجهولاً، وكذلك قوله هنا لأنه بيع بثمن لم يتفقا عليه والله أعلم.
قوله: في صفقة واحدة الخ. صادق بما إذا كان ثمن الجميع واحداً والذي جزم به أولاً فيما تقدم ا أنه لا يصح البيع إلا إن عين لكل واحد ما يخصه من الثمن، قال لأنه إن لم يسم. صار ثمن كل واحد منها مجهولاً، وعند بعض جواز ذلك لأنه صفقة واحدة فعلى ما هنا ماش على هذا القول والله أعلم.
- 252 - (3/252)
صفحة 1680
جميع
بثمن لم يتفقا عليه، وقال قوم: يرد المعيب بحصته من الثمن، وذلك بالتقدير، وإن لم يسم، فهؤلاء أقاموا التقدير مقام الرضاء كما في الفائت من الأشياء والله أعلم. وإن خرج العيب في الثمن وهو دنانير أو دراهم فإنه يردها ويأخذ دنانير ودراهم أخرى، وكذلك ما في الذمة إذا أخذه فخرج فيه العيب، فإنه يرده ويبدله له، لأنه إنما له عليه ما لم يكن فيه العيب، وأما إن باع له بهذه الدنانير أو بهذه الدراهم يداً بيد، فخرج العيب بالدنانير أو بالدراهم فالبيع منفسخ على ما ذكر في الأثر، وذلك فيما يوجبه النظر، لأن الأصل في الدنانير والدراهم العدد، فإذا خرج في
قوله: لم يتفقا عليه، أي بالنظر إلى كل واحد كما هو ظاهر.
من
قوله: فالبيع منفسخ، ظاهره أنه لا يجوز إتمامه، ولو رضي بالجيد فقط. غير تبديل الرديء مع أن الظاهر أنها حين تعينت صارت بمنزلة المثمن فله أن يرضى به معيباً ولا شيء له، ولعله أراد منفسخ إن شاء، والمراد بالانفساخ جواز الرد بخلاف المسألة الأولى، ويكون كلام الأثر ماشياً على القول: بأن المعيب منفسخ، ولذلك نسبه المصنف رحمه الله إلى الأثر كالمتبري منه
بيع
والله أعلم. قوله: على ما ذكر في الأثر، كأنه يشير إلى وجود الخلاف في المسألة، ويدل له كلامه في باب الصرف، فإنه ذكر أنه إذا خرج الزيف في الدراهم ففيه خلاف، قيل ينفسخ الصرف وقيل يبدله له، وبعضهم فرق بين القليل والكثير
وإذا وجد الخلاف في الصرف مع ضيقه ففي غيره من باب أولى والله أعلم. قوله: لأن الأصل في الدنانير والدراهم العدد الخ. يعني، وها هنا وإن
- 253 - (3/253)
صفحة 1681
بعضها رداءة انفسخ البيع كله، لأن قسط ما لتلك الدراهم التي فيها رداءة من السلعة مجهول، وكذلك أيضاً على هذا المعنى في السلم إن خرج بعض الدنانير والدراهم التي أسلمها له رديئة فالسلم كله منفسخ، وأما ما سوى الدنانير والدراهم إذا وقع به البيع يداً بيد فأيهما خرج فيه العيب فليتر ادا جميعاً، وإن أتلف الشيء الذي لم يكن فيه العيب فليدرك
كانت معدودة لكنها حين جعلت في مقابلة السلعة وبيعت يداً بيد صار كل درهم معين له جزء من السلعة مجهول كما قال رحمه الله أي: فلا يمكن رده، ولأنها حين تعينت صارت بمنزلة المثمن، والمثمن إذا ظهر فيه العيب لا يمكن رد بعضه، وإمساك بعضه، وهذا أظهر في التعليل والله أعلم.
قوله: العدد، أي بأن يقول مثلا: بعتك هذه السلعة بعشرة دراهم، ولا يقول: بعتك هذه السلعة بهذه الدرا فإذا فعل ذلك فعينها فظهر فيها عيب انفسخ لما ذكر جهل القسط والله أعلم.
قوله: وأما ما سوى الدنانير الخ. ظاهر فصله عما تقدم يقتضي أن البيع في هذه الصورة ينفسخ، فيجوز لها إتمامه، وظاهر قوله فليتر ادا جميعاً ان ذلك واجب عليها، وأنه لا يجوز لهما إتمامه. اللهم إلا أن يقال: معنى قوله فليتر ادا أي إن شاء من ظهر عنده العيب منهما، ولا يقصر الرد على جهة معينة،، ويدل، لأن بيع المعيب بيع موقوف الخ. فالأمر محمول على الإباحة عملا بقاعدة الأمر بعد الحظر نحو وإذا حللتم فاصطادوا وها هنا كان ممنوعاً من الرد، فلما وجد العيب أبيح له ذلك، وعبر عنه المصنف بالأمر والله أعلم. قوله: فليدرك، أي فإنه يدرك فهو من التعبير بالإنشاء عن الخبر على حد فليمدد له الرحمن مدام
له قوله بعد
- 254 - (3/254)
صفحة 1682
صاحبه القيمة ويأخذ الآخر ما له لأن بيع المعيب بيع موقوف على رضاء المشتري، فإذا ردَّه رد عليه البائع ما أخذ منه إذا كان قائماً بعينه أو قيمته إن تلف، أو مثله إذا كان يمكن فيه المثل والله أعلم. وفي الأثر: وإذا باع الرجل جارية بجارية وقبض كل واحد منهما جاريته، ثم وجد أحدهما بالجارية التي قبض عيباً، فإن ابن عبد العزيز كان يقول: يردها ويأخذ جاريته فإن البيع قد انتقض و به نأخذ، وكذلك قول الربيع، وقال ابن عباد: يردها ويأخذ قيمتها صحيحة، وكذلك قوله في الرقيق
قوله: أو قيمته، أنظر هل يعطى قيمته يوم البيع أو يوم الرد؟ والظاهر الثاني ويدل له دفع المثل يوم الرد والله أعلم. فإن المثل تارة تكون قيمته مساوية لقيمة يوم البيع وتارة أزيد وتارة أنقص، ولأن بيع المعيب صحيح، وإنما له الفسخ عند ظهور العيب فقط
قوله: يردها، أي إن شاء ليوافق قوله قبل الآن بيع المعيب بيع موقوف. قوله: قد انتقض، أي نقضه من أراد منها الرد لظهور العيب فيما في يده، وهو المختار فليس بفاسد، ولا لازم، وأما قول ابن عباد رحمه الله فيشبه أن
يكون قولاً رابعاً في المسألة والله أعلم.
قوله: قيمتها، يعني وقت الرد.
قوله: في الرقيق والحيوان والعروض، ظاهر التقييد بهذه الثلاثة يقتضي أن العقارات والأصول قوله فيها كقولهما من أنه يرد الشيء ويأخذ
ما عداها،
وهو
ثمنه لكن قوله فمذهب ابن عباد في هذا يدل على الخ. يرشد إلى التعميم في كل
معيب والله أعلم فليحرر.
- 255 - (3/255)
صفحة 1683
والحيوان والعروض، فمذهب ابن عباد في هذا يدل على أن رد الشيء بالعيب بيع ثان، وقد ذكر أيضاً في الأثر عن الربيع قريباً من هذا، وإذا اشترى الرجل جارية بعبد وزاد مائة درهم معها ثم وجد بالعبد عيباً وقد ماتت الجارية عند المشتري فإن ابن عبد العزيز يقول: يرد العبد ويأخذ مائة درهم ويأخذ قيمة الجارية صحيحة، وإن كانت الجارية هي التي وجد فيها العيب وقد مات العبد، ردت الجارية وقسم قيمة العبد على المائة درهم وعلى قيمة الجارية فيكون ما أصاب المائة درهم، ويرد
قوله: بيع ثان، في كونه بيعاً تأمل، لأنه لو كان بيعاً لتوقف على رضاهما،
وليس كذلك، نعم شبيه به حيث كان يأخذ قيمته والله أعلم.
قوله: جارية بعبد الخ. الظاهر أن في العبارة قلباً، والمناسب أن يقول: عبداً يجارية ومائة درهم ثم وجد بالعبد عيباً، وقد ماتت الجارية عند البائع الخ. كما هو ظاهر لأن الأخذ للدراهم هو الذي يجعل بائماً والله أعلم. ويجوز أن يكون اشترى بمعنى باع فلا حاجة إلى القلب
قوله: فيكون له الخ. الضمير راجع إلى من مات عنده العبد، والمعنى أن من مات عنده العبد يمسك من قيمة العبد ما يخص المائة درهم، ويرد أي ويدفع من قيمته لصاحبه ما يخص قيمة الجارية، وبيان ذلك أن نفرض ان العبد الميت قيمته ثلاث مائة درهم، وأن الجارية قيمتها مائة درهم فتقسم ثلاث مائة على مائتين فيكون لكل مائة، مائة وخمسون فيمسك مائة وخمسين ويدفع مائة وخمسين، فلو فرضنا أن الجارية قيمتها ثلاث مائة فإنا نقسم قيمة العبد، وهو ثلاث مائة مثلا على أربع مائة فيخص المائة خمسة وسبعون فيمسكها ويدفع الباقي
- 256 - (3/256)
صفحة 1684
ما أصاب العبد من قيمة الجارية، وكان الربيع يقول في هذا: إن وجد بالعبد عيباً رده ويأخذ قيمته صحيحاً وكانت التي هي في يده له، و الله أعلم.
لصاحب العبد، ثم الظاهر أن الجارية المعيبة تقوم عند إرادة القسمة صحيحة
كما أخذها صحيحة لئلا يظلم فيما يخصها من قيمة العبد والله أعلم. قوله: إن وجد بالعبد عيباً ردد الخ. لم يتعرض صاحب الأثر رحمه الله لقول الربيع فيما إذا وجد العيب بالجارية وقد مات العبد، الظاهر على قياس قوله حيث كان كقول ابن عباد أنه يرد الجارية ويأخذ قيمتها صحيحة، ولا ينظر إلى قيمة العبد، وكذلك أيضاً إذا ظهر العيب بها، وكان العبد صحيحاً فإنه على قياس قوله المحكي عنه في هذا الأثر: يأخذ قيمة معيوبة صحيحة، ويمسك المائة التي في يده، ولا يدفع ذلك لصاحبه ويأخذ. عبده منه، وعلى قياس قوله في الأثر الأول انها في هذه الصورة يترادان إن شاء من اطلع منهما على العيب، وهو المناسب للمختار والله أعلم، فليحرر قول الربيع في هذه المسألة. قوله: وكانت الدراهم التي هي في يده له، أي في يد من يدفع قيمة العبد صحيحاً فليس مرجع الضمير المشتري في قوله رد ويأخذ، وقوله في يده له واحد كما قد يتبادر من ظاهر العبارة فإنه فاسد، لأن الدراهم ليست في يد من رد العبد، وأخذ قيمته صحيحاً كما هو ظاهر، والمناسب أن يتعرض للجارية أيضا لأنها مع الدراهم فيقول مثلا: وكانت الدراهم والجارية لمن هما في يده وهو دافع القيمة فيكون مماثلا لقول ابن عباد رحمه الله، ويحتمل أنه إنما لم يتعرض للجارية لأنه فرض المسألة فيما إذا ظهر بالعبد عيب وقد ماتت الجارية فإن ابن عبد العزيز يقول: يرد العبد ويأخذ المائة وقيمة الجارية صحيحة والربيع يقول: حيث ماتت الجارية رد العبد وأخذ قيمته صحيحاً، وتكون المائة لمن هي في يده، وعدمت عليه الجارية.
- TOY-
ه م 17 - الإيضاح، (3/257)
صفحة 1685
وقد ذكر أيضاً أن الرد بالعيب بغير قضاء قاض، والإقالة بمنزلة البيع المستقبل، وأما إذا كان الرد بالعيب بقضاء القاضي فقد رجع الشيء إلى البائع على الأصل الأول، وفي الأثر: وإذا اشترى المشتري بالدنانير أو بالدراهم وقضى له في ذلك دابة أو غير ذلك فخرج العيب في الذي اشتراه فإنه يرده ويدرك عليه ما قضى له، فهذا يدل منهم أن الرد بالعيب فسخ البيع والله أعلم.
قوله: وقد ذكر أيضاً أن الرد الخ. المقصود بحكاية هذا تقوية ما ذهب اليه ابن عباد من أن الرد بالعيب بيع ثان في الجملة حيث كان له التوقف حق يحكم عليه الحاكم، فكأنها إذا تراضيا من غير حكم حاكم تبايعا والله أعلم.
000000
- 258 - (3/258)
صفحة 1686
باب في بيع البراءة
وبيع البراءة اختلف العلماء فيه، وصورته: أن يشترط البائع على المشتري إلتزام كل عيب يجده في المبيع عن العموم، فبعض جوز البراءة من العيوب في ذلك، وأبى بعض، وحجة من جوز البراءة في ذلك أن القيام بالعيب حق من حقوق المشتري على البائع، فإذا سقطه سقط، أصله سائر الحقوق الواجبة، وحجة الآخرين الذين لم يجوزوا على الإطلاق أن ذلك من باب الغرر فيما لم يعلمه البائع ومن باب الغش فيما علمه، وفي الأثر: وإذا باع الرجل لرجل بيعاً فتبرأ من كل عيب، فإن ابن عبد العزيز
باب في بيع البراءة
قوله: اختلف العلماء فيه الخ. بيع البراءة عند مالك خاص بالرقيق قوله: أصله، هو مبتدأ خبره قوله سائر الحقوق، وليس فاعلا بسقط، والمعنى أن القيام بالعيب من سائر الحقوق، وسائر الحقوق إذا أسقطها صاحبها سقطت لكن ما نحن فيه إنما يتأتى فيه ما ذكر على بعض الأقوال لأن فيه إسقاط الحق قبل وجوبه، وذلك مختلف فيه كما هو معلوم والله أعلم.
قوله: الواجبة، أي لآدمي معين لا الله ولا لعام كالقطع و الجلد والرجم والزكاة
-909 -
•
مثلاً، فلا يجوز العفو عنها (3/259)
صفحة 1687
يقول: إن البراءة من ذلك جائزة ولا يستطيع المشتري أن يرده بعيب بعد بيع البراءة، وكان الربيع يقول: لا يبريه ذلك حتى يسمي العيوب ويريه إياها، وعند بعض: أن البراءة إنما يصلح للسلطان أو الحاكم والله أعلم. ومشتري الذي فيه العيب يرده على من باعه له، كان ذلك الشيء الذي باعه له أو لغيره من الناس، وكذلك ما باع السلطان والحاكم وجماعة من المسلمين يرد عليهم إن خرج فيه العيب ولم يتبرءوا من العيوب، ومنهم من يقول: إن بيع السلطان والحاكم بيع براءة.
فصل:
ومن اشترى شيئاً من وكيل رجل فخرج فيه عيب فإنه يرده على
قوله: حتى يسمي العيوب ويريه إياها، صادق بما إذا وجد ولم يعلم به، ثم الظاهر أن الربيع رحمه الله يقول بصحة العقد وإبطال شروط البراءة فيتحصل في المسألة على هذا أربعة أقوال: صحه العقد والشرط معاً، وبطلانها معاً، وصحة العقد وبطلان الشرط، والتفصيل بين السلطان والحاكم وبين غيرهما، ولم يبين المصنف المأخوذ به من هذه الأقوال، والظاهر قول الربيع لأن قاعدة الشرط الذي لا يجوز أن يبطل ويصح العقد كحديث بريرة، وهذا الشرط لا يجوز لأنه متضمن الغرر والله أعلم فليحرر
قوله: على من باعه له الخ. أي فقط ما لم يعلم أن البائع وكيل بدليل ما
بعد الفصل
- 260 - (3/260)
صفحة 1688
أيهما شاء من البائع ووكيله، فإن رده على الوكيل فإنه يرده الوكيل على البائع إن لم يخبره بالعيب أولاً، وأما إن أخبره بالعيب فباع هو ولم يخبره بالعيب متعمداً فإنه لا يرجع عليه ويعطي للمشتري ما أخذ منه من ماله ويبيع هو ذلك الشيء ويقضي منه رأس ماله، فإن باع بأكثر من رأس ماله فليعط الزيادة لصاحب الشيء، وإن باع بأقل فعليه نقصانه، ومنهم من يقول: يمسك الشيء لنفسه ويعطي للمشتري من ماله ما أخذ منه، فهؤلاء عندهم حيث لا يرجع على البائع بالشيء صار في ضمانه وجاز له أن يأخذه فيما أعطى من ماله، ومنهم من يقول: ان الوكيل يرجع بالشيء على صاحبه إذا رجع إليه بذلك، ولو تعمد فباعه كذلك ولم يخبر المشتري، وسبب اختلافهم فيما يوجبه النظر عندي: هل إخبار الموكل للوكيل بالعيب براءة له من وجوب الإخبار بالعيب أم ليس ببراءة؟ وإن نسي الوكيل العيب ولم يخبر به فإنه يرجع على البائع ويخبره أنه نسي لأنه معذور، وإن رجع على الوكيل ذلك الشيء بعيب قبل أن يعطي
قوله: من البائع، جعل الموكل هو البائع لأن أصل الشيء له، وإلا فالمباشر للبيع هنا هو الوكيل. قوله: فعليه نقصانه، وذلك لأنه ظالم، والظالم أحق أن يحمل عليه والله أعلم.
قوله: وإن رجع على الوكيل ذلك الشيء الخ. الظاهر أن هذه المسائل
-971 - (3/261)
صفحة 1689
الثمن لصاحب الشيء فإنه يرد الثمن للمشتري، والفرق بين أن يرجع عليه ذلك الشيء قبل أن يعطى الثمن لصاحب الشيء وبعد أن يعطيه أن أعطاءه إقرار منه بإتمام الفعل، فإذا رجع عليه بعد ذلك كان مدعياً، وكذلك أيضاً إن لم يعلم الوكيل المشتري وقد أخذ منه الثمن، فإنه يأخذ من الثمن مقدار الأرش فينفقه للفقراء لأنه ضامن لذلك، ويعطي لصاحب الشيء البقية، وكذلك إن رجع إليه ذلك الشيء بعينه وقد تلف الثمن من يده فإنه يدرك عليه المشتري ما أخذ منه الشيء ويقضي منه ما له، وإن تلف له أيضاً ذلك الشيء قبل
ويبيع
هو
أن
ذلك
يبيعه
كلها إلى مسألة التلف متعلقة بمسألة النسيان، فإن الظاهر أن المتعمد لا يود الثمن، ولا يمسك منه الأرش بل يغلظ عليه عند من يقول: إن إخبار الموكل
للمشتري براءة فإن قلت قوله فإنه ضامن يدل على أن المسألة في المتعمد قلت: ممنوع لأن الخطأ لا يزيل الضمان، فنسيانه لا يزيل عنه الضمان في الحكم، وقد يقال: مقصود المصنف التعميم في كل منهما، وهو الظاهر والله أعلم فليحرر.
قوله: فينفقه، لاحاجة إليه إلا أن يكون معناه فينفقه على الفقراء إن أيس من صاحبه، لأن كل مال مجهول صاحبه سبيله سبيل الفقراء والله أعلم.
يرجع
قوله: ويقضي منه ماله الخ. فإن باع بأنقص فإنه إن كان متعمداً لا. على الموكل بشيء على القولين الأولين، وإن كان ناسياً فإنه يرجع. عليه بما نقص
لأنه معذور والله أعلم.
قوله: أيضاً، أي ما تلف الثمن أولاً.
قوله: قبل أن يبيعه، أي ليقضي ما دفع للمشتري من ماله
- 262 - (3/262)
صفحة 1690
فإنه لا يرجع على البائع فيها أعطى للمشتري حين دلس المشتري بالعيب و قول آخر: أنه يرجع عليه فيها أعطى للمشتري على قول من قال: يرجع عليه بالشيء الذي رجع عليه بالعيب ولو دلس والله أعلم. ويشتري الرجل الشيء الذي فيه العيب لنفسه ولغيره ممن ولي أمره من اليتامى والغياب والمجانين إن رأى أن ذلك أصلح، وكذلك المقارض والعبد. والمأذون أيضاً له في التجارة وأحد العقيدين، وكذلك كل من اشترى
يرجع
وهو
كذلك
قوله: حين دلس، مفهومه أن غير المداس كالناسي مثلاً. لكن ينظر في صورة التدليس إذا رجع اليه الشيء بعد ما تلف الثمن وغرم مثله من عنده وضاع الشيء قبل أن يبيعه وهو يساوي أكثر مما غرم أو باعه بأكثر فضاع ثمنه هل يضمن في الصورتين لصاحب الشيء الزائد على قدر الثمن بناء على القول بأنه لا يمسك لنفسه، أو هو أمين فيه فلا يضمن شيئاً كما لا يضمن الثمن إذا تلف من غير تضييع؟ وهو الظاهر والله أعلم فليحرر
قوله: ولغيره ممن ولي أمره من اليتامى الخ. ظاهر هذا البيان يقتضي أن الوكيل لا يشتري الشيء المعيب لمن وكله بعد رؤية العيب، لأنه ربما لا يرضاه الموكل لأنه لا يلزمه قبول المعيب فيكون لازماً له لأنه ليس له الرد بعد الاطلاع على العيب والله أعلم فليحرر.
قوله: وأحد العقيدين، الظاهر أن أحد الشريكين كذلك.
قوله: وكذلك أيضاً كل من اشترى شيئاً الخ. إنما ذكر هذه المسألة مع أن حكمها معلوم مما تقدم، ليرتب عليه ما بعده من أن الرد ليس مقصوراً على من اشترى الشيء لنفسه، ولا على المشتري كما بينه رحمه الله.
- 263 - (3/263)
صفحة 1691
شيئاً فخرج فيه عيب لم يخبر به البائع فإنه يرده إن شاء، وكذلك أيضاً إن اشتراه لمن ولي أمره من اليتامى والمجانين، فإنه يرده إن شاء لأنه في مقامهم وإن لم يرد ذلك الشيء حتى مات، فجعلوا لليتامى والمجانين خليفة آخر فإنه يرد ذلك إن رأى أن ذلك أصلح، وإن بلغ الطفل أو أفاق المجنون فإنهما يردان ذلك الشيء إن شاءا لأن الصفقة قد وقعت لهما، والعبد المأذون له في التجارة إن كان يتجر بمال مولاه فإنه يرد الشيء بالعيب لأنه مأذون له على الإطلاق ويرده مولاه لأنه ماله، وكذلك العقيدان إن اشترى أحدهما شيئاً فخرج فيه عيب فإن كل واحد منهما يرده إن شاء، لأنهما جميعاً بمنزلة رجل واحد، وإن اقتسما وأخذ واحد
قوله: فإنه يرد ذلك الخ. أي إن لم يستعمل فيه الخليفة الأول ما يدل على الرضى بعد رؤية العيب، وهذا التقييد لا بد منه أيضاً في مسألة الطفل والمجنون وينبغي أن يكون الغائب مثلها، وإن لم يتعرض له وا له والله أعلم.
قوله: إن كان يتجر بمال مولاه، إنما قيد ليكون لكل منهما الرد كما ذكره رحمه الله، وإما إن كان يتجر بمال غير مولاه فإن الظاهر أن الرد للعبد فقط لأنه مقارض، وقد بين حكمه بعد
قوله: فإن كل واحد منهما يرده إن شاء الخ. انظر ما إذا رضي أحدهما بالعيب، وأبي الآخر هل يرجح الراضي أو المنكر أو ينظر إلى من باشر الصفقة منها؟ وأما إن باشراها معا فيؤخذ حكمها مما سيأتي عند قوله: وكذلك إن اشترى رجلان جارية الخ. ويمكن أن يكون حكم العقيدين على الخلاف
- 264 - (3/264)
صفحة 1692
،
ويرد
ذلك
منهما ذلك الشيء ثم خرج فيه عيب، فإن قسمتهما منفسخة الشيء إن شاء، وإنما انفسخت قسمتهما، لأن كل واحد منهما جائز له
أن يرد ذلك الشيء والله أعلم. وأما المقارض إن اشترى شيئاً فخرج فيه عيب فإنه يرده إن شاء، وأما صاحب المال فلا، لأن المقارض في هذا كالأجير فلا رأي لصاحب المال معه، وقد ذكر في الأثر غير هذا عن
المذكور في هذه المسألة مطلقاً، وإن لم يباشرا معا لأنها بمنزلة شخص واحد، وهو الظاهر، وهذا التردد إنما هو فيما إذا تلفظا معاً في وقت واحد أحدهما بالرد والآخر بالرضى، وأما إذا تأخر أحدهما عن الآخر فإن الحكم للسابق منها، لأن فعل أحدهما لازم الآخر في جميع ما تصح فيه الشركة إلا في بيع الأصل والله أعلم.
6
قوله: ولا رأي لصاحب المال، فيه تأمل من وجهين أحدهما: كيف يكون الأجير الذي لا يملك شيئاً من أمر ما استؤجر عليه أقوى من صاحب الشيء والثاني: أنه لا يناسبه تعليل الرد فيما تقدم في مسألة العبد بقوله: ويرده مولا لأنه ماله، اللهم إلا أن يفرق بينهما في هذا الوجه لأنه فيما تقدم تمحض له بخلافه هنا بالنظر إلى ما يحصل من الربح والله أعلم، ثم ظهر الجواب عن الوجه الأول أيضاً بأن معنى كونه كالأجير أن له جزءاً في نظير عمله فقوي بذلك، خصوصاً وذلك مما يترتب على المال فصار هو الناظر دون صاحب المال على هذا القول
والله أعلم.
قوله: وقد ذكر في الأثر غير هذا عن الربيع الخ. ما ذكر عن الربيع رحمه الله يناسبه التعليل السابق قوله: ويرده مولاه لأنه ماله، ويناسبه التعليل أيضاً بكونه كالأجير، وأيضاً كيف يعدل عن قول الربيع و رحمه الله مع ظهوره
- 265 - (3/265)
صفحة 1693
الربيع يقول: لا يستطيع المشتري المقارض أن يرد شيئاً من ذلك حتى يحضر رب المال فيحلف ما رضي بالعيب وإن لم ير المتاع، وإن كان غائباً فمذهب الربيع في هذا يدل على أنه عنده بمنزلة الوكيل، لأن الوكيل لا يرد الشيء بالعيب حتى يوصل الشيء الذي بيده إلى الموكل فإن لم يرض به رده، وبعضهم جوز للوكيل أن يرد الشيء بالعيب، وإن لم يحضر الموكل وجعله خصيماً في ذلك، وفي الأثر: وأجمعوا أن من وكل وكيلاً يشتري له مما وصفنا من البيوع الجائزة فاشتراه فلم يرفعه إلى
إلا أن قوله حتى يحضر، الظاهر أنه ليس محمولاً على إطلاقه حتى يسافر لأجل ذلك أو يحضر من السفر لأجله، فإن في ذلك حرجاً بل الظاهر أنه أراد حتى يحضر بأن كان غائباً في البلد أو قريباً منه بحيث لا يحصل هناك ضرر للبائع أو للمقارض والله أعلم.
قوله: فيحلف ما رضي بالعيب، هذا على غير ما اختاره رحمه الله فيما تقدم إلا أن يحلف على الإقرار بالرضى والله أعلم. قوله: وإن كان غائباً، الظاهر أنه أراد بالغيبة هنا عدم الحضور للصفقة لا ما يشمل السفر أيضاً لما فيه من الحرج والله أعلم فليحرر.
قوله. أن
والله أعلم.
يرد الشيء، يعني: وأما الرضى على أن يلزم الموكل فلا
قوله: وفي الأثر: وأجمعوا أن من وكل وكيلا الخ. فإن قلت ظاهر هذا الإجماع يقتضي بطلان القول الأول من أن الوكيل لا يرد الشيء بالعيب حق يوصله إلى الموكل، فإنه يقتضي أنه يرده إذا كان في يده بالإجماع، قلت: لا يقتضي
- 266 - (3/266)
صفحة 1694
الموكل حتى وجد فيه عيباً أن الخصيم في ذلك الوكيل دون الموكل فإن أسامه الوكيل بعد الشراء إلى الموكل وقبضه، وقد كانت وكالة الوكيل بأن يشتري للموكل تلك السلعة فالخصيم حينئذ الموكل إذا كانت له على ذلك بينة، فإن لم تكن له بينة على الوكالة غير أن الوكيل أقر أنه إنما اشترى له ذلك بأمره وماله، فهم في ذلك مختلفون؛ فمنهم من جعل الخصيم في ذلك الوكيل دون الموكل ولا يجعل الموكل خصيماً في ذلك الا أن يوكله الوكيل المقر بأنه اشتراه له بالخصومة في ذلك فإن وكله بها فهو خصيم البائع وإلا فلا، وقال آخرون: الخصيم في ذلك، الموكل دون الوكيل إذا قامت بينة الموكل بأنه وكل الوكيل يشتري له هذه السلعة أو قامت له بينة بأن الوكيل أقر له بذلك على نفسه فهو الخصيم في شيئه
بطلانه ولا منافاته، لأن هذا الإجماع في الحقيقة إنما هو على أن الوكيل هو الخصم في ذلك إذا لم يدفعه قبل ظهور العيب لكن هل يخاصم ابتداء، ولو لم يوصله إلى الموكل كما يقول صاحب القول الثاني أو لا يخاصم حتى يوصله اليه؟ وإن رضي به انقطعت المخاصمة، وإلا خاصم بعد ذلك كما يقول صاحب القول الأول؟ وهو الظاهر والله أعلم.
قوله: إذا قامت بينة الموكل الخ. هذه الصورة محل الاتفاق، فلا حاجة إلى التعرض لها كما هو ظاهر بل المنظور اليه قوله: أو قامت له بينة الخ. فلو اقتصر عليه لكان أخصر وأظهر
- 267 - (3/267)
صفحة 1695
وحده دون وكيله ولا يحتاج إلى توكيل وكيله حقاً هو له دونه، وهذا هو الحق والله أعلم. وأما إن كان الشيء المعيب متغيراً فإنه لا يخلو أن يكون التغيير إخراج ملك أو إتلاف عين أو زيادة أو نقصاناً، فإن كان إخراج ملك ولم يعلم المشتري بالعيب حتى أخرجه من ملكه ببيع أو بهبة أو بعتق أو تدبير في العبد، فإنه في هذا كله يرجع المشتري على البائع بقيمة العيب، وعند بعض: أنه لا يرجع في شيء من ذلك إذا فات ولم يمكنه الود، لأن إجماعهم أنه إذا كان في يده لم يجب إلا الرد
قوله: حقاً، لعله منصوب بنزع الخافض أي: في حق، فليراجع. قوله: يبيع، ظاهره أنه لا يبطل على هذا حق المشتري الأول برضا المشتري الثاني، وظاهره أنه يدرك الأرش، ولو باعه بالمساوي أو بأكثر والله أعلم
فليحرر.
قوله: وعند بعض أنه لا يرجع الخ. وإليه ذهب ابن القاسم المالكي سواء باعه بمثل الثمن الذي اشتراه به أو أكثر أو أقل، أما المساوي فلعود ثمنه اليه، وأحرى في الأكثر، وأما الأقل فعلله بأنه إن باعه عالماً فقد رضيه فلا كلام له، وإن كان غير عالم فمن حيث أن النقص كان لأجل العيب، ولم لا يجوز أن يكون النقص من حوالة السوق أو غيرها لكن تعليل المصنف رحمه الله أظهر والله اعلم.
قوله: لأن إجماعهم الخ. في حكاية الإجماع نظر لما تقدم من الخلاف، اللهم إلا ان يقال: نزل المعتمد منزلة المجمع عليه أو أراد إجماع من يجوز له الرد بعد ظهور العيب لأن هذا مبني على كلامهم، واما من يوجب له الأرش، فقوله في
- 268 - (3/268)
صفحة 1696
أو الإمساك دليل على أنه ليس للعيب تأثير في إسقاط شيء من الثمن، وإنما له تأثير في فسخ البيع فقط، وفي الأثر: إذا اشترى رجل جارية فباع بعضها وبقي عنده بعض، ثم وجد بها عيباً قد كان البائع دلّسه فإن ابن عبد العزيز كان يقول: لا يستطيع أن يرد ما بقي منها ولا يرجع بما نقصها العيب، ويقال له: رد الجارية كما أخذتها وإلا فلا شيء لك، وكذلك قول الربيع و به نأخذ، وقال ابن عباد: يرد ما في يده منها على
ذلك ظاهر، وإن لم يخرج من يده لكن بقي الكلام مع من يوجب الفسخ كيف الحكم عنده؟ قلت: يؤخذ حكمه مما سيأتي في بيع الانفساخ والله اعلم. قوله: فسخ البيع، يعني إن شاء
قوله: قد كان البائع دلسه، الظاهر ان التقييد به نظر إلى الغالب، والقيد إذا جرى مجرى الغالب لا مفهوم له كقوله تعالى: وربائبكم اللاتي في حجوركم كم (1) وإلا فالحكم كذلك وإن لم يدلس بأن لم يطلع عليه، وقد يقال: إنما قيد به لتكون صورة عدم التدليس اولى بعدم الرد وعدم الأرش
كما هو ظاهر والله اعلم
•
قوله: فلا شيء لك، أي من الأرش.
قوله: وقال ابن عباد الخ. فإن قلت قول ابن عباد هو الماشي على المختار فهلا كان المعتمد قلت: لأن في هذه الصورة إدخال شريك وهو ضرر، هر اللهم إلا أن يقال: يغتفر ذلك لأجل تدليسه والله أعلم.
(1) سورة النساء: 23.
-799 - (3/269)
صفحة 1697
البائع بقدر ثمنها، وكذلك قولهم في الثياب وفي كل بيع، وكذلك أيضاً إن رد عليه المشتري ذلك الشيء المعيب ببيع أو بهبة أو ما أشبه ذلك من وجوه الإملاك فإنه لا يرده على البائع الأول لأنه إنما ملكه من البائع
قوله: وكذلك قولهم في الثياب وفي كل بيع، أي أخرج بعضه من يده وأبقى بعضاً ثم ظهر فيه عيب، وانظر ما قول ابن عباد فيما إذا أخرج الشيء كله من يده ثم ظهر فيه عيب هل له المطالبة بالأرش عوضاً عن فوات الرد أو ليس له ذلك لفوات المحل؟ فيوافق الربيع و ابن عبد العزيز، وهو الظاهر من كلام ابن عباد حيث قال: يرد ما في يده منها على البائع بقدر ثمنها، فإنه لم يذكر انه يأخذ أرش ما فات، لكن قوله يرد ما في يده منها على البائع بقدر ثمنها مخالف لقوله فيما تقدم فيمن باع جارية يجارية فوجد في احدهما بالجارية التي أخذ عيباً، فإن ابن عباد يقول: يرد المعيبة ويأخذ قيمتها صحيحة، يعني ولا ينظر إلى الثمن، وذكر أن قوله كذلك في سائر الحيوان والعروض، فكيف خالف قوله هنا؟ ونظر إلى الثمن فرد بقدره، اللهم إلا أن يفرق بين رد الكل فيأخذ قيمته، ورد البعض فيأخذ قدر ثمنه رفقاً به لأجل إدخال الشريك، أو يقال: أراد هنا بالثمن القيمة، ويناسبه جعله الرد بالعيب فيما تقدم عند ابن عباد بيعاً ثانياً والله أعلم فليحرر. قوله: وكذلك أيضاً إن رد عليه، أي على من كان الشيء المعيب في يده بالشراء فباعه لشخص آخر فرده ببيع أو هبة الخ. قوله: فإنه لا يرده على البائع الأول الخ. مفهومه أنه له رده على البائع الثاني، وهو كذلك إن كانت الهبة لثواب، وعند أشهب من المالكية: بخير بين رده على أيها شاء ثم الظاهر أن البائع الأخير يرده على البائع الثاني إن شاء ثم
- 270 - (3/270)
صفحة 1698
الآخر
الثاني بالوجه الذي ملكه به، إلا إن رده عليه المشتري على الأصل الأول الذي ملكه به من البائع والله أعلم. وكذلك أيضاً إن اشتري رجلان جارية فوجد فيها عيباً فرضي أحدهما بعيبها ولم يرض به الآخر، فإن ابن عبد العزيز والربيع يقولان: ليس لواحد منهما أن يرد حتى يجتمعا على الرد، وقال ابن عباد: لأحدهما أن يرد حصته وإن رضي بالعيب، ولعل ابن عباد شبه هذا بالصفقتين حين اجتمع فيه عاقدان، وعند الآخرين أنهما كالصفقة الواحدة إذا أراد المشتري تبعيض رد المبيع بالعيب أو لم يكن عند ابن عباد إدخال الشريك في المبيع عيباً، وعند الآخرين أن الشريك عيب، وكذلك أيضاً ان اشتري رجل من رجلين شيئاً واحداً فخرج فيه عيب فلا يجد أن يرد سهم أحدهما دون صاحبه لأن هذا كالصفقة الواحدة، ومنهم من يقول: يرده إن أراد،
الثاني أيضاً بخير كما هو ظاهر قوله حتى يجتمعا على الرد، لعله ما لم يرض صاحب الشيء بالتبعيض. قوله: إذا أراد المشتري تبعيض الخ. يعني فإنه ليس له ذلك ما لم يرض صاحب الشيء والله أعلم. قوله: لأن هذا كالصفقة الخ. تعيين التعليل بهذا هنا يعـ ايمين أد ن أن الأولى الإقتصار عليه في المسألة الأولى، وأن التعليل بإدخال الشريك لو كان صحيحاً لوقع الإجماع ها هنا على جواز الرد لوجود الشريك على كل حال، اللهم
- 271 - (3/271)
صفحة 1699
فلعل هؤلاء امتناع الرد عندهم في هذا من أجل ادخال الشريك، والشريك في هذا كائن، ولذلك جوزوا له أن يرده إن أراد والله أعلم. وأما إن اشترى من رجلين شيئاً واحداً فخرج فيه عيب فأراد أن يرد سهماً منه ويمسك البقية، فإنه لا يجد ذلك إلا أن يرد الشيء كله أو يمسكه كله، لأن في جواز الرد في هذا إدخال لشريك ثالث والله أعلم. وأما إن تلف عين الشيء مثل ان كان عبداً أو دابة فماتت فإنه لا يرجع المشتري على البائع إلا بقيمة العيب، الا ان كان هلاكه من قبل ذلك العيب الذي كان فيه فإنه يرجع على البائع بالثمن كله لأنه دلسه بالعيب، فكل ما جر ذلك العيب فهو في ضمان البائع، وفي الأثر: ومن اشترى من
إلا ان يقال: قد يفرق بين الشركاء فيصح التعليل ها هنا أيضاً بإدخال الشريك لكن اقتصر على الأول لظهوره والله أعلم قوله: فإنه لا يجد ذلك الخ. لعل هذا عند غير ابن عباد، وأما ابن عباد فالظاهر أنه ذلك عنده بناء على التعليل الثاني والله أعلم.
يجد
قوله: من قبل ذلك العيب الخ. كان يدلس بإباقة العبد أو حرابته فهلك في إباقته او حرابته، فإنه يرجع على البائع بالثمن كله، ولو كان بأمر سماوي على ما يظهر من تأمل كلام المصنف والله أعلم فليحرر.
قوله: لأنه دلس بالعيب، ظاهره انه إذا لم يدلس لا يرجع عليه بالثمن مطلقاً وليس بظاهر إذا أقر أنه نسيه أو قامت البينة أنه كان عنده، وإن لم يطلع عليه والله اعلم
- 272 - (3/272)
صفحة 1700
الجوز أو اللوز أو الرمان أو ما أشبه ذلك فكسرها أو كسر بعضها فلم يجد فيها شيئاً من الحب فإنه يرد ذلك القشور على البائع ويأخذ منه الثمن، وأما ان اشترى منه بيضاً فوجدهن قد تفرخن، أو فقوصاً فوجده مراً بعد ما كسره أنه لا يجد الرد بعد ذلك، لأنه أحدث فيه عيباً اذا كسره وفيه غير ذلك، والفرق عندي في هذا كل ما لا ينتفع به وهو سالم معيب يرده ولا شيء عليه وان كسره، وكل ما ينتفع به فهو سالم معيب فإنه لا يجد الرد بعد ما كسره لأنه أحدث فيه العيب، وعند بعض:: أنه يرده و عليه غرم ما نقص من قيمته وهو مكسور عن قيمته قبل أن يكسر يقوم سالماً معيباً والله أعلم. وكذلك إن حول الشيء في نفسه
قوله: لا يجد الرد الخ. يعني بل يتعين له الأرش.
قوله: وكل ما ينتفع به وهو سالم معيب الخ. والله اعلم. لأن كلا من البيض والفقوص ينتفع به وهو سالم من الكسر في نفسه بأن يترك البيض مثلا حق يخرج فرخها ويترك الفقوص حق يصير بطيخاً أصفر، واما القثاء فالظاهر أنها من القسم الأول لأنها لا ينتفع بها، وهي سالمة أبداً والله اعلم.
قوله: فإنه لا يجد الرد الخ. يعني بل يتعين له الأرش على هذا القول
قوله: سالماً، أي من الكسر، معيباً أي في نفسه
قوله: وكذلك إن حول الخ. التشبيه راجع إلى أول المسألة في أنه يدرك
الأرش ولا يحد الرد.
- 273 -
ه م 18 - الإيضاح، (3/273)
صفحة 1701
مثل من اشترى صوفاً أو كتاناً فعملهما ثياباً أو اشترى قمحاً أو شعيراً فطحنهما دقيقاً، أو اشترى دقيقاً فخبزه أو اشترى حائطاً فنقضه أو نقضاً فبناه أو اشترى غروساً فقلعها أو كانت مقلوعة فغرسها، فإنه في هذا كله لا يرده بعيب ظهر فيه بعد هذا التحويل قياساً على إتلاف عينه ويدرك الأرش في هذا كله على البائع، وأما الزيادة التي تمنع رد الشيء مثل أن يشتري الرجل أرضاً فيغرسها أو يبني فيها أو يشتري ثياباً فيصبغها أو زيتاً فيخلطه في الدقيق، وكذلك ما يشبه هذا فإنه يقال له:
قوله: ويدرك الأرش الخ. جزم رحمه الله في هذه المسألة، وفي التي قبلها، والتي بعدها بأنه يدرك الأرش، وظاهره قولاً واحداً مع أنه تقدم في مسألة الإخراج من الملك قولان، وذكر في الأثر: أن المأخوذ به قول الربيع وابن عبد العزيز وهو أنه لا يدرك الأرش، وأن حجة البائع أن يقول رد الشيء كما أخذته، وإلا فلا شيء لك. اللهم إلا أن يخص كلام الربيع وابن عبد العزيز بما إذا حصل التبعيض في المبيع كما ورد في ذلك الأثر أو يقال الراجح عند المصنف أنه يدرك الأرش ولا يلزمه من كون المأخوذ به عند صاحب الأثر أنه لا يدرك الأرش، وأن يكون مختاراً، والله أعلم، فليحرر.
قوله: وأما الزيادة التي تمنع، لم يتقدم له تقسيم الزيادة إلى قسمين حتى يكون هذا تفصيلا فالمناسب أن يقول مثلاً: وأما الزيادة فهي على قسمين: زيادة تمنع رد الشيء الخ. قوله: وكذلك ما يشبه هذا، الظاهر أن مما يشبه هذا مسألة البذر، وهي ما إذا اشترى رجل بذراً فزرعه، فلم ينبت، فإن الظاهر أنه يقوم.
سالماً
من
- YVE - (3/274)
صفحة 1702
رد الشيء كما أخذته وإلا فلا حجة لك، ويدرك الأرش في هذا كله على البائع، و أما زيادة الشيء في نفسه فليس فيها ما يمنع من الرد والله أعلم. و أما النقصان الحادث في المبيع فلا يخلو أن يكون نقصاناً في القيمة أو نقصاناً في البدن أو النفس. أما نقصان القيمة لاختلاف الأسواق فغير مؤثر في الرد بإجماع، وأما النقصان الحادث في البدن أو النفس فإن كان يسيراً غير مؤثر في القيمة فلا تأثير له في الرد بالعيب وحكمه حكم الذي لم يحدث، وإن كان النقصان الحادث مؤثراً في القيمة فهو عيب فيكون من ضمان المشتري وله تأثير في الرد، وقد اختلف العلماء فيه، قال بعض:
العيب مما ينبت، ويقوم معيباً أعني ما لا ينبت فيأخذ من البائع ما بين القيمتين، وهذا إذا لم يدلس، وأما إن دلس فإنه يرجع عليه بالثمن كله، بل ربما يدفع قيمة الحرث، لأن الظالم أحق أن يحمل عليه والله أعلم. وسيأتي في كلامه في فصل، من بيده مال حرام في الزيت المنجوس، ما يدل على هذا القول
الله
رحمه
نا، ولكن كلام
الأول فليراجع. قوله: وإلا فلا حجة لك، هذه العلة تقتضي أنه لا يدرك شيئا، المصنف رحمه الله صريح في أنه لا يمتنع إلا من الرد والله أعلم. قوله: فإن كان يسيراً الخ. أي كالرمد وذهاب الظفر مثلا. قوله: وله تأثير في الرد، الأولى تركه حيث كانت المسألة خلافية بأن يقول: ويكون من ضمان المشتري، وقد اختلف العلماء الخ. أو يترك قوله، واختلف العلماء الخ. بأن يقول مثلا، وله تأثير في الرد عند بعض العلماء، ولكن يرجع الخ. اللهم إلا أن يقال المصنف رحمه الله إنما جزم بالنظر إلى ما هو المختار
- YYO- (3/275)
صفحة 1703
لا يرد المشتري الذي حدث فيه عيب عنده بالعيب الذي كان عند البائع ولكن يرجع عليه بقيمة العيب إلا إن برئ من العيب الحادث عنده فإنه يرده إن شاء، فعند هؤلاء أن نقصان البعض كإتلافه الكل والله أعلم. وقال آخرون: له أن يرد ويرد مقدار العيب الذي حدث عنده،
لا
عنده، أو أنه أراد بالتأثير في الرد المنع منه عند البعض، ودفع أرش الحادث عند البعض الآخر والله أعلم فليحرر.
فوله: برئت من العيب الخ. كتبت الهمزة فيه بصورة الألف فيكون مفتوح العين والصواب برء بالكسر فيكتب بصورة الياء قال في الصحاح: تقول برئت منك ومن الديون والعيوب براء وبرئت من المرض برءاً بالضم، وأهل الحجاز يقولون برئت من المرض برءاً بالفتح الخ. ويحتمل أن يكون المصنف رحمه الله استعمله من برئت من المرض على لغة أهل الحجاز لأن هذا العيب في الحقيقة مرض برأ منه والله أعلم.
قوله: ان يرد الخ. يعنى، وله أن يمسك، لكن لم يبين رحمه الله صريحاً ما الحكم إذا أمسك على هذا القول، وظاهر كلامه في بيان علته يدل على أنه شيء له، لأنه بخير بين أن يمسك، ولا شيء له، أو يرد ويدفع قيمة ما حدث عنده، فخيرته تنفي ضرره، فظهر من هذا أن كلام أبي الحسن رحمه الله القول الأول منه يوافق القول الأول في كلام المصنف، والثاني منه لا يوافق الثاني حيث جوز له في الثيب الإمساك وأخذ الأرش، مع أن ظاهر كلام المصنف رحمه الله إنما ساقه للإستدلال على القولين والله أعلم فليحرر.
قوله: ويرد الخ. الفعل المضارع مرفوع، وليس منصوباً بالعطف على يرد لفساد المعنى لأن الرد الأول بخير فيه، والثاني واجب عليه إذا اختار الرد كما
هو ظاهر، ومعنى يرد يدفع،
- 276 - (3/276)
صفحة 1704
فهؤلاء استصحبوا حال حكم الشيء الذي لم يحدث فيه عند المشتري عيب لأنهم أجمعوا أنه ليس للمشتري إلا الرد أو الإمساك وكان إعطاؤه قيمة العيب الحادث عنده بمنزلة ما لم يكن والله أعلم. وفي الأثر: وقال أبو الحسن رحمه الله: ومن اشترى جارية فوطئها ثم ظهر بها عيب، فقال قوم: لزمه حيث وطيء وله أرش العيب، وقال آخرون: بل له أن يردها و يعطى أرش الوطء وما نقصها الافتضاض إن كانت بكراً و أما الثيب فعلى قول إن الوطء لا ينقصها فإن شاء أمسكها وأخذ أرش
"
قوله: أجمعوا، في حكاية الإجماع تأمل مع ما تقدم والله أعلم. قوله: فقال قوم لزمه الخ. حاصل هذا الكلام أن صاحب القول الأول يقول: إنه لا يحد الرد بالعيب حيث وطيء سواء كانت بكراً أو ثيبا، وصاحب القول الثاني: يفرق بين البكر والثيب في دفع الأرش، فيقول: إن كانت بكراً فإن شاء رد ودفع أرش الوطء وما نقصها الإفتضاض، يعني، وإن أمسك وأخذ أرش العيب وهذا لم يتعرض له صاحب هذا القول لكن يدل عليه قوله في الثيب، فإن شاء أمسكها وأخذ أرش العيب فإنه إذا كان يدرك الأرش في الثيب مع أنها لا ينقصها الوطء عند بعضهم فأحرى أن يدركه في البكر إذا افتضها، و لهذا لم يتعرض له، وإن كانت ثيباً فمفهومه أن هناك من يقول: إن الوطء لا ينقصها يعني فيردها إن شاء ولا شيء عليه، وهناك من يقول ينقصها يعني فيردها إن شاء أيضاً، ولكنه يعطي ما نقصها الوطء أو يمسكها ويأخذ أرش العيب، وهذا لم يتعرض له صاحب هذا القول، ولعله لظهوره مما قبله والله أعلم فليحرر.
-277 - (3/277)
صفحة 1705
العيب وإن شاء ردها بالعيب، ففي هذا دليل منهم أن وطء الثيب فيه اختلاف، هل مؤثر في الرد أم لا؟ والله أعلم. وفي الأثر: وعن رجل اشتري خادماً فمكثت ما شاء الله يوماً أو يومين، فنظر إلى ثدييها فوجدها بغير إصبعين فرجع إلى صاحبها، فقال: لا أعلم هذا في خادمي فكيف يجرى عليه اليمين على علمه أو بالبتات؟ وكيف أيضاً في الدابة إذا وجد فيها كية لا يجرى عليها الحدث في يوم أو يومين أو ثلاثة
قوله: ففي هذا، أي في كلام الأثر من قوله فقال قوم الخ. ثم قوله هل هو مؤثر في الرد أي مانع منه كما يقول صاحب القول الأول وقوله أم لا للأول أن يقول أولاً أي كما يقول صاحب القول الثاني، لكن فيه تفصيل هل ينقصها فيعطي الأرش؟ وهذا لم يتعرض له أو لا ينقصها يعني فلا يعطي شيئ و الله أعلم فليحرر. قوله: إن وطء الثيب فيه اختلاف الخ. في تخصيص ذلك بوطء النيب تأمل فإن وطء البكر كذلك كما هو ظاهر فالذي اختصت به الثيب في الحقيقة عن البكر الاختلاف في وطئها هل ينقصها فيعطي أرش الوطء إذا ردها أو لا ينقصها فلا يعطي شيئاً، فكلامه رحمه الله يحتاج إلى نوع تأويل والمعنى هل هو مؤثر في الرد، فيعطي أرش الوطء إذا اختار الرد أو لا يؤثر فلا يعطي شيئاً؟ يعني بخلاف البكر فإن وطئها يؤثر في الرد قولاً واحداً فيدفع له الأرش إذا اختار الرد، وهذا التأويل إنما ينفع إذا جعلت الإشارة في قوله ففي هذا دليل إلى أقرب مذكور، وهو قوله: وأما الثيب إلى آخره، وجعل التأثير في الرد بمعنى دفع الأرش ولم يجعل بمعنى المنع منه كما يفهم من
كلامه السابق والله أعلم فليحرر
قوله: بالبتات، أي القطع.
"
- TYA - (3/278)
صفحة 1706
كيف يجري اليمين على البائع على عامه أو بالبتات؟ وقد قال: لا أعلم هذا في هذا الشيء قال: يحلف على عامه وهو قول الربيع، وقال إخوة يوسف وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين)، وأما ما يمكن
D
«
إحداثه فكان شريح قاضي عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعامة العلماء يقولون: ما يحدث وما لا يحدث الحكم فيه واحد، لأن الحديث إلى أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر ولا يعجز الله أن يكون في
هي
الرواية
قوله: (إن البينة على من ادعى واليمين على من انكر هذه. المشهورة، ورواه فيما تقدم رحمه الله بغير هذا اللفظ فقال: على من ادعى البينة، وعلى من أنكر اليمين، وذلك لأنه متواتر المعنى دون اللفظ كما تقدم، وهذا آخر الكلام في العيوب، وحاصله على المختار المصدر به أن المعيب إن لم يتغير عند المشتري بعيب فليس له إلا إمساكه من غير شيء أو رده، وإن تغير بإخراجه من ملكه أو تلف عينه أو تحوله في نفسه أو زيادته لا في نفسه أو نقصانه لا بحوالة سوق نقصاناً له تأثير في القيمة فقد فات وله الأرش، إلا إن مات بعيب التفليس، فله الثمن كله، وما عند مالك فالعيوب الحادثة عند المشتري ثلاثة أقسام: قليل ومتوسط وكثير، فالقليل كالعدم إن تمسك لا شيء له ولا عليه إن رد، کرمد وصداع وذهاب ظفر وخفيف حمى ووطء ثيب وقطع معتاد، والمتوسط كعجف الدابة وسمنها وعمى وشلل موجب لتخييره بين أخذ أرش القديم والتمسك، وله الرد ودفع أرش الحادث،، والقسم الثالث هو للرد على البائع بالقديم ككبر صغير، وافتضاض بكر وقطع غير معتاد بل له
المفوت
(1) سورة يوسف: 81.
- 279 - (3/279)
صفحة 1707
أسرع من اللمحة فإنما أحب للمدعي عليه من جهة الاستحسان إذا رأى في سلعته ما يقول إن هذا يمكن أن يكون فيه قبل البيع رأيت له أن يقبل سلعته، وإن كان يجد في الحكم غير ذلك لما قد لزم الحاكم من نطق الحديث عليه أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، وأما ضمان المشتري الشيء المبيع فإنهم اتفقوا على أن الشيء المبيع إذا قبضه المشتري فهو من ضمانه، واختلفوا إن هلك بعد العقد وقبل القبض، والذي يوجبه النظر أن اختلافهم في شرط القبض إنما هو فيا فيه على بائعه حق تسليمه للمشتري مثل المكيل والموزون والمعدود والعروض والأمتعة،
أرش القديم فقط إلا أن يملك بعيب التدليس أو سماوي زمن التدليس فيرجع بالثمن كله والله أعلم. قوله: وأما ضمان المشتري الخ. إنما أتى بإما التفصيلية بعد الفراغ من ذكر حكم العيوب لأنه رحمه الله جعل باب احكام البيوع الصحيحة مشتملا على ذكر العيوب وأحكامها، وعلى متى ينتقل الضمان فلما فرغ من بيان الأول شرع في
بيان الثاني. قوله: والعروض والأمتعة، من عطف العام على الخاص فالعروض بالنسبة إلى المعدود، وفي الأمتعة بالنسبة إلى الجميع قال في الصحاح، والعرض المتاع، وكل شيء فهو عرض سوى الدنانير والدراهم فإنها عين. قال أبو زيد: العروض الأمتعة التي لا يدخلها كيل ولا وزون ولا يكون حيواناً ولا عقارا، تقول اشتريت المتاع بعرض أي بمتاع، وعرضت له من حقه ثوباً إذا أعطيته ثوباً
مكان حقه إنتهى وضبط العروض بالضم.
- 280 - (3/280)
صفحة 1708
وأما الأصول وما أشبهها من الثمار وجميع الغلات إذا اشتراها على الأشجار، والزرع وما أشبه ذلك من جميع الغلات فلا، والله أعلم. ويدل على صحة من لم يشترط القبض في المبيعات ما روي أنه قال عليل: الخراج بالضمان يعني ما يخرج من غلّة الأشياء فكما يكون للمشتري غلّة المبيع ونماؤه فعليه ضمانه، ودليل الآخرين الذين اشترطوا القبض (نهيه عن بيع ما لم تقبض وربح ما لم تضمن))، فهذا يدل على أنه غير داخل في ضمانه عندهم ما لم يقبض، والله أعلم. ما لم يقبض، والله أعلم. وفي الأثر: البيع كله
قوله: وما أشبهها أي في كونه ليس فيه للبائع حق تسليمه. قوله: إذا اشتراها على الأشجار، يعني، وأما إذا لم تكن على الاشجار فهي من القسم الأول ما لم تكن جزافاً.
قوله: من لم يشترط القبض الخ. ممن لم يشترط القبض في الضمان مالك وأبو ثور وابن المنذر واستدلوا بالحديث الذي رواه المصنف رحمه الله: وأجيب بأن الألف واللام في الخراج للعهد، وهو خراج المردود بعيب يعني، وهو لا شك أنه مقبوض للمشتري، ولذلك دخل في ضمانه والله أعلم فليحرر.
•
قوله: يعنى ما خرج من غلة الأشياء الخ. إن قلت المكيل والموزون، ونحوه لا غلة له ما دام ك لك قلت المراد بالغلة ما يترتب على الشيء مطلقاً فيشمل الفائدة التي تظهر في الشيء بعد العقد وقبل الكيل والوزن مثلا فانه عندهم يحد الرجوع ويقضي عليه بالتسليم.
لا
قوله: الذين اشترطوا القبض الخ. هم أصحابنا ووافقهم على ذلك الشافعي.
(1) تقدم ذكره.
- 281 - (3/281)
صفحة 1709
بالأفواه، فإذا عقدوا البيع بأفواههم فقد تم البيع بينهما إلا ما يكال أو يوزن فهو في ضمان البائع حتى يكتاله المشتري أو يزنه، وكل ما لا يكال ولا يوزن فهو ضمان المشتري حين وجب البيع بينهما إذا كانت السلعة حاضرة يراها المشتري، وفي الأثر أيضاً: وكل ما اشتراه جزافاً وهو ينظر إليه فهو بمنزلة ما لا يكال ولا يوزن وقبضه له نظره إليه وإحاطة علمه به فهو في ضمان المشتري إلا أن يمنعه البائع منها حتى يستوفى الثمن فهو كالرهن على ما وصفت لك في صدر الكتاب، وكل ما يتبايعه الناس وهو في الظروف فاشتراه المشتري بغير ظرفه في جرة أو قارورة
قوله: إلا ما يكال أو يوزن مقتضاه أن البيع في المكيل والموزون لا يتم إلا بعد الكيل والوزن، وهو كذلك فيما تقدم في باب المعقود عليه حيث قال في أثناء كلام: وذلك أنه لا يجوز أن يباع من المكيل أو الموزون أو المعدود أو الممسوح حتى يكون معلوم القدر عند البائع والمشتري الخ. وذكر أيضاً في باب الحبوب ما يدل على أن المختار أن لكل واحد من المتبايعين الرجوع ما لم يحصل الكيل، يعني أو الوزن ولو نظر المشتري المبيع، وهو كذلك وقد تقدم الكلام عليه هناك مستوفى فليراجع.
قوله: وكل ما لا يكال ولا يوزن، أي ولا بعد ولا يمسح كما يدل عليه كلامه
فيما تقدم. قوله: حاضرة يراها المشتري، يعني، ولو حال بينه وبينها كما يدل
- 282 -
عليه كلامه بعد. (3/282)
صفحة 1710
أو في زق أو في جراب أو في غرارة أو تليس أو بر في عكامة، فعلى المشتري أن يأتي بوعائه وإن نقد الثمن وقال البائع ظرفي لا يبرح فله ذلك، فإن هلكت السلعة عند ذلك فهي في ضمان المشتري وليس على البائع من ذلك شيء، وفي الأثر أيضاً: وإن دفع إليه الثمن يعني المشتري
قوله: أو بر، في بعض النسخ أو بز بالزاي، وهو الثياب، وهي التي
تناسب الحكم قوله: في عكامه، لعله من اصطلاح العامة أو محرف، قال في الصحاح: والحكم أيضاً خمط تجعل فيه المرأة ذخيرتها إلى أن قال: وعكمت المتاع: شددته، والعكام الخيط الذي يعكم به، وفي بعض النسخ عكامه بالهاء، وهي أنسب قليلا. قوله: إلا أنه لم يزنه، لعل هذا في محل تعورف فيه ذلك قوله: فالسلعة بمنزلة الرهن والثمن أمانة، فعلى هذا إن هلكت السلعة في يد صاحبها في هذه الصورة قبل أن يستوفي الثمن بالوزن فللمشتري الرجوع عليه بالثمن لأنه أمانة عنده حتى يوزن، وضاعت عليه سلعته، وليس له مطالبة المشتري بالثمن لأن الرهن بما فيه، فعلى هذا لو ذهب الثمن قبل الوزن، وكانت السلعة حاضرة كان له مطالبة المشتري بثمن آخر لأن الذي ذهب أمانة عنده فلو ذهبا معاً قبل الوزن لم يكن لأحدهما مطالبة الآخر بشيء، أما عدم مطالبة المشتري بالثمن فلأنه أمانة عند البائع قبل الوزن، وأما عدم مطالبة البائع بثمن السلعة، فلأن السلعة لا كالرهن، والرهن بما فيه، وكذلك لو ذهبا معاً بعد الوزن إن لم يمنعه من أخذ السلعة، فقد ذهبت السلعة بعد استيفاء الثمن بالوزن، فالظاهر أنها ضاعت على المشتري إن لم يحصل من البائع منع
والله أعلم.
- 283 - (3/283)
صفحة 1711
إلا أنه لم يزنه فالسلعة بمنزلة الرهن والثمن أمانة حتى يزن، وهذا إذا منع
البائع المشتري من السلعة حتى يوافيه الثمن والله أعلم.
قوله: وهذا إذا منع البائع الخ. رجوع الإشارة إلى كون السلعة بمنزلة الرهن عند المنع منه ظاهر، فإنه إذا لم يمنعه تكون أمانة فضياعها على المشتري، وأما الثمن فظاهر كلامه أنه لا يكون أمانة إذا لم يمنعه، ولو تعورف الوزن وفيه تأمل، فإن الظاهر أنه أمانة.
حتى ينقد مطلقاً
000000
- YA? - (3/284)
صفحة 1712
باب في احكام البيوع الفاسدة
والبيوع الفاسدة الحكم فيها الرد، ولا تجوز فيها المحاللة ولا التبرئة ولا التقاضي، أعني بيع التحريم وبيع الربا مثل بيع الميتة والدم ولحم الخنزير وبيع الأحرار وما أشبه ذلك، ولا يجوز في هذا كله الا الرد كما ذكرنا، ولا تجزيهم التوبة حتى يترادًا إلا إن أنكره الآخذ لذلك، فإنه
قوله: باب في احكام البيوع الفاسدة
لما فرغ رحمه الله من بيان احكام البيوع الصحيحة، شرع في أحكام البيوع الفاسدة والمنفسخة فالبيع حينئذ على ثلاثة أقسام: صحيح، وفاسد، و منفسخ، كما علم من كلامه رحمه الله، فالمناسب هنا أن يقول مثلا: الفاسدة والمنفسخة، فيفصل: بأما حكم كل منهما كما يشعر بذلك قوله: وأما بيع
الغرر الخ. قوله: ولا تجوز فيها المحاللة الخ. لأن هذا حق الله. قوله: بيع التحريم، أي المحرمات، ومثل له ولم يمثل للثاني لظهوره والله أعلم. قوله: حتى يترادا، هذا ظاهر في الربا، وأما في بيع التحريم فليس بظاهر فإن الرد إنما يظهر من جانب البائع فقط، وقد يقال الأولى أن يبقى على ظاهره فيأخذه ليدفنه مثلا والله أعلم. ولم يذكر رحمه الله في بيع التحريم إلا التراد ولم يذكر هل ينفق ذلك إن رجع إليه أو مثله إن لم يرجع إليه كما ذكر في
- 285 - (3/285)
صفحة 1713
يخاصمه ويحلفه ثم يتوب إلى الله وينحل، وكذلك في بيع الأحرار إن علم المشتري أنه حر ليس على البائع من رده شيء في قول بعضهم والله أعلم. وأما بيع الغرر فهو بيع الانفساخ، فإنه قد ذكر عن بعضهم لا يجزيهم الحل ولا التبري ولا التقاص حتى يترادًا فهؤلاء حكمه عندهم كحكم الربا لأنه منهي عنه كالربا، وعند بعض: أنهما يتضاضيان فيما بينهما
إذا لم يعاما بالانفساخ في وقت البيع وأتلف كل واحد منهما ما في يده
الإجارات حيث قال بعد كلام طويل في الإجارات الغير الجائزة: والذي يوجبه النظر عندي أنه يجب على الآخذ أن يرد ذلك إن علم صاحبه، وإن لم يعلمه فلينفق ذلك على الفقراء، ويجب على المعطي أن ينفق ذلك إذا أخذه،، وإن لم يأخذه فلينفق مثله على التوبة عوضاً مما جعل في معصية الله الخ. فظاهر قوله
عوضاً مما فعل الخ. يقتضي أن الحكم كذلك هنا والله أعلم فليحرر. قوله: من رده شيء، أي من رد الحر، يعني وأما الثمن فلا بد من رده إن لم يعلم إلا بعد الشراء، وأما إن علم قبل ذلك فالظاهر أنه لا يرد له الثمن لأنه متبرع حيث علم أنه حر فدفع فيه شيئاً، وقد سمعت من بعض مشايخنا أن كل ما علم المشتري أنه لا حق فيه للبائع أنه لا رجوع فيه للمشتري على البائع، وأنه يعد متبرعاً، ولعل هذا قول لبعضهم فليراجع، وإلا فظاهر كلام المصنف أنه لا بد من الرد، وإن علم بأنه حرام حيث حكم بالرد في الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير والله أعلم فليحرر.
قوله: حتى يترادا، أي عيناً أو مثلا أو قيمة، حيث كان كالربا. قوله: وأتلف كل واحد منها ما في يده، يعني وأما في الربا فلا بد من الرد
"
- 286 - (3/286)
صفحة 1714
ورخص بعض: أن يجزيهما ذلك ولو علما به في وقت البيع فهؤلاء لا تجوز عندهم المحاللة إلا في الماضي دون الحاضر والله أعلم. وقد ذكر في الأثر: أن بيع الغرر يجوز فيه الحل بعد البيع لا قبل والله أعلم. وبائع الانفساخ و مشتريه قد استحق اسم بائع في اللغة ومشتر، وإن كان ذلك في الأصل لا يجوز، وإنما استجازوا إسم بيع الإنفساخ فيما يحل بيعه إلا أنهم زادوا فيه أو نقصوا منه فانفسخ به البيع مثل الجهل في الثمن
إن كانا موجودين، وإلا رد مثلها او قيمتها إن كانا معدومين، ثم ظاهره أنه لا يجزيهما إلا إذا تلفا معاً، فلو تلف احدهما وبقي الآخر لم يجزهما ذلك على هذا القول ايضاً والله أعلم. قوله: ولو علما به، يعني، والحال انه اتلف كل واحد منها ما في يده.
والله أعلم. قوله: لا قبل، وذلك لأنه لم يترتب في الذمة قبل البيع شيء، وكذلك لا بد من القبض والله أعلم.
قوله: في الأصل، اي بالنظر إلى حكم الشرع والله أعلم.
صحة
قوله: استجازوا، أي أطلقوا فالضمير فيه راجع إلى العلماء، وفي قوله إلا انهم زادوا راجع إلى الذين يبيعون ويشترون، والاستثناء منقطع أي لكن الذين يبيعون ويشترون زادوا الخ. وما اقتضاه كلامه رحمه الله من عدم. اطلاق إسم بائع لغة على من باع محرماً مشكل، إذ البيع لغة مقابلة شيء بشيء فيدخل فيه ما لا يكون مالاً شرعاً كالحمر مثلا، فلو قال إن المعقود عليه تارة يكون مما يعلم أن يكون معقوداً عليه شرعاً وتارة لا يصلح الحصل الفرق والله اعلم.
- YAY - (3/287)
صفحة 1715
أو المثمن والأجل وما أشبه ذلك، وأما بيع ما كان محرماً فلا يستحق فيه إسم بائع ومشتر والله أعلم. وأما الحكم في بيع الانفساخ أن يرد كل واحد منهما ما في يده لصاحبه وجميع ما استغل منه لا من الثمار ولا من النتاج ولا من الانتفاع والخدمة أو غيرها، ويدرك عناه في جميع
ما ذكرنا لأنه ليس بغاصب لقوله عليه السلام: ليس لعرق ظالم (حق)). دليل على أن لعرق من لم يكن ظالماً حقاً وإن تلف ذلك الشيء بعد ما اشتراه شراء الانفساخ فإنه لا يخلو أن يكون مما ينتقل من المكيل والموزون والحيوان والعروض أو مما لا ينتقل من الأرض وما اتصل بها من الحيطان والغيران والأشجار والآبار وجميع الغلات من البقول
قوله: أن يرد كل واحد منهما الخ. وافق الشافعي اصحابنا إلا انه قال لاعنا لكل واحد منها بل كل واحد منهما بمنزله الغاصب، بل أو لم يستعمل الدابة مثلا لزمه غرم الأجرة، وأما عند مالك فلا غلة للبائع بل هي للمشتري إذ الخراج بالضمان، وهو القول الآتي عند المصنف، وعند بعض انه لا يرد المشتري
الغلة الخ قوله: أن يرد، لعله فهو أن يرد لا ان الغاء لا تحذف مطرداً في مثل هذا، وإنما عادة، وإن كان حكمه معلوماً مما سبق ليرتب عليه بيان حكم الغلة والعناء والله اعلم.
قوله: دليل، لعله ففيه دليل أو فهو دليل أو نحو ذلك
•
6
(1) رواه أبو داود والدارقطني.
- YAA- (3/288)
صفحة 1716
والثمار، فإذا كان مما ينتقل وتقبضه الأيدي وتلف في يد مشتريه شراء الإنفساخ فهو له ضامن المثل، أو القيمة فيما لا يمكن فيه المثل، لأنه إنما أخذه بالشراء عنده وليس بأمين فيه والله أعلم. وأما إن كان مما لا ينتقل
قوله: فهو له ضامن، انظر لم يجعلوا له الغلة في هذه الصورة حيث كان ضامناً لقوله عليه السلام الخراج) بالضمان كما ذهب إليه بعضهم فيما سيأتي. اللهم
إلا ان يقال: إن ذلك خاص بما رد بالعيب كما تقدم عن بعضهم والله أعلم. قوله: المثل او القيمة، يعني، ولا يمضي بالثمن لأنه لو مضى به لكنا قد اعتددنا بالمنفسخ، وظاهره أنه لا يمضي بالثمن مطلقاً، وذهب مالك إلى أن المختلف فيه يمضي بالثمن والله أعلم.
قوله: المثل أو القيمة، الظاهر انها بدلان من قوله: له، لكن المناسب إعادة الجار للفصل، والإتيان بالضمير الرابط لهما بالمبدل منه، إلا ان تجعل الـ بدلاً من الضمير.
قوله: لأنه إنما اخذه بالشراء الخ. قال شيخنا: يؤخذ منه أن ضمانه ضمان تهمة فلذلك فرق ما بين ما يعاب عليه، وما لا يعاب عليه، ولو قلنا: ضمانه اصالة لا فرق، فإذا علمت هذا فلا حاجة إلى ما ذكره المصنف فيما يأتي من الفرق
أنه تقدم
انها
لاشكاله انتهى يعني قوله: لأنه لم يقبضه، فإنه يقتضي أن الأصول والعقارات تحتاج إلى القبض بعد العقد حتى تدخل في ضمان المشتري، تدخل في ضمان المشتري بمجرد العقد فيشكل الفرق بقوله: لأنه لم يقبضه لما علمت. اللهم إلا أن يفرق بين القبض في البيع الصحيح والقبض في الفاسد، بأنه في الفاسد لا. بد من دخوله في اليد بالفعل فهو أخص، ولذلك قال: لأنه لم يقبضه، ولم يدخل في يده عطف تفسير لقوله لم يقبضه، و كذا قوله: وهو باق على ملك صاحبه إلا أنه يوهم أنه في الأول يعني ما ينتقل، لم يبق على ملك صاحبه مع
- PAG-
ه م 19 - الإيضاح» (3/289)
صفحة 1717
مثل الأرض وما اتصل بها، وجميع الغلات على الأشجار أو على الأرض مثل البقول أو غيرها فلا ضمان عليه في شيء من هذا إن تلف؛ لأنه لم يقبضه ولم يدخل يده وهو باق على ملك صاحبه والله أعلم. وإن تلف ما تقبضه الأيدي قبل أن يقبضه المشتري فلا ضمان عليه لأنه تلف في يد مالكه، وإن تلف ولم يكن في يد بائعه ولا في يد مشتريه مثل أن يكون على الأرض فيبيعه له بيع الإنفساخ، ففيه قولان: منهم من يقول: هو من مال بائعه ما لم يقبضه المشتري، ومنهم من يقول: هو من مال المشتري حين تركه البائع بذلك الشراء، وهذا الاختلاف فيما يوجبه النظر مقيس على اختلافهم في البيع الصحيح، هل القبض شرط
أنه باق، ولذلك ضمن قيمته أو مثله، ولم يمض بالثمن، فالأولى التعليل بأنه ضمنه في الأول للتهمة، ولم يضمن في الثاني لعدمها والله أعلم فليحرر.
قوله: بالشراء، أي وإن كان منفسخاً.
قوله: ففيه قولان الخ. قال شيخنا: فيه إشارة إلى قول من قال: يضمن للتهمة، ومن قال يضمن اصالة، فمن قال لا يضمن، لانتفاء التهمة، ومن قال يضمن لوجود العقد والله أعلم.
قوله: مقيس على اختلافهم الخ. فعلى هذا فالصحيح أنه من ضمان البائع، لأن المذهب ان ما في ه على البائع حق التسليم لا يدخل في ضمان المشتري إلا بعد القبض، وخصوصاً إذا قلنا أن ضمانه للتهمة فإنها منتفية، والشيء باق على ملك صاحبه، لأن هذا الشراء لا ينقل الملك فينبغي أن يكون من ضمان البائع
- 290 - (3/290)
صفحة 1718
في صحته أم ليس بشرط؟ والله أعلم. وكذلك جميع ما كان في يد رجل بالكراء أو بالعارية أو بالوديعة فباعه له صاحبه بيع الإنفساخ فتلف من يده فلا ضمان عليه عند بعض، لأن بيع الإنفساخ ليس بشيء، والشيء في يده على ما كان عليه في أول مرة. وعند بعض أنه ضامن؛ لأنه وإن كان في يده بهذه الوجوه عندهم فقد زال حكمه حين باعه له، وكذلك أيضاً على هذا الاختلاف؛ إن كرى له جملاً ثم باعه له بيع الانفساخ فحمل عليه على وجه الشراء، قال بعض: يعطي لصاحب الجمل عناء ما حمل عليه من حيث وقع البيع لأن الكراء قد زال حكمه من حيث وقع البيع، وعند
ضمان
قولاً واحداً والله أعلم. ثم المراد من قوله: ولم يكن في يد بائعه ولا في يد مشتريه، أنه غير مشاهد لهما، وأما إذا هلك، وهما مشاهدان له فإنه من البائع قولاً واحداً بدليل ما سيأتي. حيث قال: وكذلك ايضاً لو تلف ذلك الشيء من يد البائع والمشتري جميعاً فهو من مال البائع لأنه ماله حتى تلف انتهى. وذلك لأن المشتري إنما يضمن للتهمة، ولا تهمة هنا والله أعلم.
ويده لم تزل عليه
قوله: وكذلك جميع ما كان في يد رجل الخ. يعني فمن قال إن الضمان للتهمة وهو الظاهر قال: لا يضمن لأنه امين فيما في يده، والشيء باق على ملك صاحبه، ومن قال بوجود العقد قال يضمن، وإن كان غير ناقل للملك
والله اعلم.
قوله: حين باعه له، اي فالضمان لأجل وجود العقد، وإن كان منفسخاً لكن للتهمة لا لنفس العقد، وإلا لورد الأصول.
- 291 - (3/291)
صفحة 1719
الآخرين: إنما يكون عليه الكراء لأن بيع الإنفساخ ليس بشيء، وعلى هذا المعنى أيضاً إن كان الجمل في يده أولاً بالعارية ثم باعه له بيع الإنفاخ فحمل عليه، فعلى القول الأول عليه عناء ما حمل عليه من حيث وقع البيع، وعلى قول الآخرين ليس عليه شيء والله أعلم. ووكيل المشتري على القبض في مقامه، سواء كان طفلاً أو بالغاً أو حراً أو عبداً، إلا إن كان وكله البائع على القبض فإنه لا يضمن، لأن البائع إنما قبض
قوله: ووكيل المشتري على القبض الخ. إنما لم يتعرض لو كيل البائع على التسليم لأنه قد تقدم، وأما وكيل المشتري على القبض فإنه وإن كان قد تقدم لكنه لم يستثن منه فأعاده هنا ليستثني منه البائع، بخلاف وكيل البائع فإنه لم يستثن منه، فتجزية وكالة المشتري كما يؤخذ من كلامه في بيع الحبوب حيث قال: وإن وكل البائع المشتري على الكيل فكل ما انهرق فهو من ماله لأنه أخذه على البيع فهو له ضامن، ووكيل كل واحد منهما بمقامه ووكيلها جميعاً بمقامهما الخ. قوله: سواء كان طفلا الخ. فيه أنه ذكر أبو اسحاق أنه لا تصلح وكالة الطفل ولا العبد إلا بإذن سيده. اللهم إلا أن يقال: أراد بالتوكيل في جانب الطفل والعبد الغير المأذون له مطلق الإذن والله اعلم.
قوله: وكله البائع، امل النسخة وكيله البائع، وإن كانت النسخة صحيحة، والبائع بدل من الضمير المفعول فليراجع. قوله: لأن البائع إنما قبض ماله، ينظر هل الحكم كذلك في كل يصح توكيل المشتري البائع على القبض مطلقاً او هذا خاص ببيع الإنفساخ؟
بيع
فلا
- 292 - (3/292)
صفحة 1720
ماله، وكذلك عبد البائع وطفله مثله والله أعلم. وإن علم الوكيل بالإنفساخ ثم قبضه فتلف من يده فهو له ضامن، لأنه قبض ما ليس له أن يقبضه حين علم بالإنفساخ ووكالته ليست بشيء، وإن اشترى رجلان شراء فاسداً أو تلف في أيديهما جميعاً فإنهما ضامنان على قدر ما لكل واحد منهما في ذلك الشيء، وكذلك إن وكلا غير هذا على القبض أو وكل واحد منهما
ويدل له قياس جواز توكيل البائع المشتري على التسليم في البيع صحيح فليراجع والله أعلم.
قوله: مثله، يعني، فإذا وكلها المشتري على القبض فقبضا فضاع فهو من
مال البائع. قوله: بالإنفساخ، اي الذي عمله موكله
قوله: ليست بشيء، أي لأن الشيء باق على ملك صاحبه، والوكالة كما قال المصنف في كتاب الزكاة: عقد ضمان بين الموكل والوكيل في شيء يجوز للموكل انتزاع الوكيل منه لأن تصرفه بيده، وهو في هذا الموضع ليس كذلك قوله: فاسداً، أراد به ما ليس بصحيح فيشمل المنفسخ، وهو المراد هنا.
•
قوله: فإنها ضامنان الخ. إنما تعرض لهذا مع أنه من المعلوم أن من تلف الشيء في يده ولم يكن أمينا فيه يكون ضامناً له، ليبين ان الضمان في بيع الإنفساخ كالضمان في البيع الصحيح يكون على قدر الأنصباء إذا كان مشتركا، لأنه ربما يتوهم انه لما كان البيع منفسخاً وكان لا يمضي بالثمن إذا تلف، بل بالقيمة او المثل يكون مضموناً بينهما بالسوية، فدفع ذلك بقوله: على قدر ما لكل واحد الخ. والله اعلم.
- 293 - (3/293)
صفحة 1721
صاحبه على هذا الحال، وأما إن قبضه أحدهما بغير أمر صاحبه فتلف في يده فهو له ضامن كله إلا أن يدفع إليه البائع ذلك الشيء فلا يضمن إلا سهمه خاصة والله أعلم. وما اشتراه الوكيل لمن وكله شراء فاسداً فتلف في يده قبل أن يوصله إلى الموكل فهو من ماله، لأن الموكل لم يوكله على الشراء الفاسد، وإنما وكله على الشراء الصحيح، وقبض الوكيل. وهذا ليس بقبض للموكل لأنه مخالف له في الشراء، وإن أوصله الوكيل إلى الموكل فتلف في يده فهو من مال الموكل لأنه ليس بأمين عليه، والضامن الوكيل
قوله: على هذا الحال، يعني انها يضمنان أيضاً على قدر ما لكل واحد منها، ومحل هذا إذا لم يكن الوكيل عالماً بالإنفساخ، فإذا كان عالما به فهو الضامن في الصورتين كما علم من كلامه السابق والله أعلم.
قوله: إلا سهمه خاصة، يعني، والسهم الآخر هو امين فيه، ويكون من ضمان البائع والله أعلم.
قوله: وإنما وكله على الشراء الصحيح الخ. ظاهره انه لو وكله على الشراء الفاسد ابتداءاً كان من ضمان الموكل، وفيه تأمل، فإن الظاهر أن هذه الوكالة باطلة لأنها على معصية فإن استعمال المفسوخات لا يجوز، فيكون من ضمانه إذا تلف في يده مطلقاً. فلو وكله على شراء الإنفساخ فاشترى شراء صحيحاً فتلف في يده، فهل يكون من ضمانه لأن تلك الوكالة لا عبرة بها او من ضمان الموكل؟ وان الوكالة لا تبطل من أصلها لا تحمل على ما يوافق الشرع؟ والظاهر الأول
والله أعلم. قوله: والضامن الوكيل والموكل جميعاً، ظاهره ان البائع له مطالبة كل منها.
-998 - (3/294)
صفحة 1722
والموكل جميعاً، غير أن الوكيل يرجع على الموكل إذا غرم، وإن غرم الموكل لم يرجع على الوكيل والله أعلم. وكذلك أيضاً خليفة اليتيم والمجنون والغائب إن اشترى لهم شيئاً شراء منفسخاً ثم تلف في يده فهو له ضامن، وإن قدم الغائب أو بلغ الطفل أو أفاق المجنون فقبض ما اشترى له خليفته شراءاً منفسخاً ثم تلف في يده فو له ضامن، وخليفته أيضاً ضامن كما ذكرنا في الوكيل، وإن غرم واحد من هؤلاء فلا يرجع على خليفته، وإن غرم خليفته رجع عليه حيث لم يتلف في يده ذلك الشيء، وهذا إذا علم واحد من هؤلاء بالشراء ولم يعلم بالإنفساخ، وأما إن لم يعلم بالشراء وظن أن له ذلك من قبل الميراث
قوله: ثم تلف في يده، ينظر هل تلفه في يده شامل لما إذا صرفه في مصلحتهم أيضاً فيكونوا في ضمانه، حق يقدم الغائب او يبلغ الطفل أو يفيق المجنون فيقبض منه ذلك، فإن ضيعه قبل ذلك كان من ضمانه مطلقاً؟ وهو ظاهر كلامه بعد، وخصوصاً إذا علم أن شراءه منفسخ فإنه يكون متعديا، ويضمن لصاحبه قيمته أو مثله، او غير شامل لذلك؟ وهو المتبادر من قوله تلف، والظاهر الأول، لأن المراد بالتلف الانعدام مطلقاً فليحرر.
قوله: ثم: قوله: ولم يعلم بالإنفساخ، ليس التقييد به للإحتراز، لأنه إذا علم بالشراء والإنفساخ كان أولى في الضمان، فمفهومه مفهوم موافقة، بدليل أنه لم يأت له بمفهوم، لكن الأولى تركه لإيهامه خلاف المقصود وبعده والله أعلم.
تلف، أراد رحمه الله بالتلف هنا وفيما قبله الإنعدام ولو في المصلحة.
- 295 - (3/295)
صفحة 1723
فقبضه ثم تلف في يده، ففيه قولان والله أعلم. وإن أمر الموكل وكيله بإنفاذ ما اشتراه له شراء الانفساخ فأنفذه الوكيل في جميع ما أمره به من وجوه المتالف، فالوكيل الذي أنفذه ضامن له دون الموكل، لأن أمر الموكل ووكالته في هذا الوجه ليس بشيء حين خالفه الوكيل بالشراء، وكذلك خليفة المجنون والغائب والطفل إذا أنفذ كل واحد منهم ما أمره به من ولي أمره فهو ضامن له من ماله دون من أمره حين اشتراه له أولاً شراءاً فاسداً والله أعلم. وكذلك أيضاً إن أمر المشتري البائع فاستهلك ذلك الشيء بهبة أو غير ذلك فهو من مال البائع قبضه المشتري منه، منه أو لم
قوله: ففيه قولان، يعني فمن نظر إلى ظاهر الحال وأن الشيء قد تلف في يده قال: يضمن، ومن نظر إلى أنه معذور حيث لم يعلم قال: لا يضمن، ولعله إنما لم يرجح أحدهما الاستوائها عنده، والله أعلم.
قوله: فالوكيل الذي أنفذه ضامن له، ظاهره أنه يضمنه مطلقاً سواء أمره الموكل بذلك قبل القبض أم بعده، وسواء في ذلك علم بالإنفساخ أم لا، كما يرشد إلى ذلك التعليل هنا والتعميم فيما إذا أمر المشتري البائع باستهلاكه
والله أعلم.
قوله: إذا أنفذ كل واحد منهم، الضمير في (منهم) راجع إلى الخلائف، لأن العطف بمنزلة تكرار العامل، والمراد بـ من الطفل إذا بلغ، والمجنون إذا أفاق والغائب إذا قدم، فالمراد ولي أمرهم قبل ذلك، فالتشبيه بين المسألة الأولى والثانية تام، وذلك لأن المشتري المأمور بالإنفاذ هو الضامن في المسألتين فلا عبرة بما كتباه من القولتين أولا
-597 - (3/296)
صفحة 1724
يقبضه لأنه ماله أتلفه بنفسه، وأمر المشتري ليس بشيء في هذا، وكذلك أيضاً لو تلف ذلك الشيء من يد البائع والمشتري جميعاً فهو من مال البائع لأنه ماله ويده لم تزل عليه حتى تلف، وكل ما حدث في ذلك الشيء من العيوب فهو من مال المشتري إذا كان في يده، وكذلك جناياته عليه، ويدرك المشتري على البائع هو أيضاً جميع ما تعنى في ذلك الشيء الذي اشتراه شراء الإنفساخ، وجميع ما أنفق عليه أو كساه إذا كان ممن يكتسي مثل العبيد، وجميع مداواته يدركها على البائع لأنهم قالوا في الإنفساخ: يدرك المشتري العناء ويرد الغلة، وعند بعض: أنه لا يرد المشتري الغلة
قوله: من يد البائع والمشتري جميعاً، الظاهر أنه أراد بكونه بيدهما جميعاً كونه مشاهداً لهما لانتفاء التهمة عن المشتري حينئذ، ويحتمل أن يكون المراد بذلك كونه مشتركا بينهما والله أعلم، فليحرر.
قوله: لأنه ماله الخ. صريح كلامه رحمه الله أولاً وآخراً يدل على أن شراء الإنفساخ لا ينقل الملك، ونقل ابن رشد أن المشهور من مذهب مالك أنه ينقل الملك، وتوزع في الشهير. قوله: هو أيضاً جميع ما تعنى، أي كما يدرك البائع العيوب، والأولى ترك قوله أيضاً لأن الأصل في العناء أن يجعل في مقابلة الغلة، وقد ذكرها
بعد بقليل.
قوله: يدرك المشتري العناء الخ. إنما ذكره هنا مع أنه معلوم مما تقدم ليرتب عليه مقابله لأنه لم يتقدم له ذكر، والله أعلم.
قوله: وعند بعض الخ. هذا هو مذهب مالك
- 297 - (3/297)
صفحة 1725
ولا يدرك العناء في الإنفساخ، فلعل هؤلاء تعلقوا بظاهر قوله عليه السلام: (الخراج بالضمان () والله أعلم. وكذلك يدرك المشتري قيمة ما زاده في الشيء مثل صباغ الثياب ودباغ الجلود والرقاع في القميص وتخصيص الحيطان وما أشبه ذلك مما له زيادة في العين، وأما إن لم تكن الزيادة في العين مثل تقصير الثياب ورعاية الحيوان وما أشبه ذلك فإنه يدرك العناء في هذا والله أعلم. وإن حوله المشتري عن حاله
العناء
ويرد
قوله: وكذلك يدرك المشتري قيمة ما زاده الخ. ينظر هل إدراك قيمة الزيادة والعناء في هذه الصورة خاص بالقول الأول الذي هو الصحيح من أنه يدرك الغلة، دون القول الثاني؟ فإن القاعدة عنده في أنه لا يدرك العناء ويرد الغلة، أو غير خاص به بل يدركها على الثاني، لأن هذه الأشياء المذكورة ليست لها غلة تكون في مقابلة عنائه وزيادته وهو الظاهر، بل الظاهر أن قيمة
الزيادة إذا كانت من خارج يدركها قولاً واحداً والله أعلم، فليحرر. قوله: يدرك قيمة ما زاده، ينظر هل يدركها يوم الزيادة أو يوم الرد؟
والظاهر الثاني كما يدل عليه كلامه بعد في الزيادة والله أعلم.
قوله: وإن حوله المشتري الخ. قال شيخنا: قلت: أنظر ما إذا اشترى جارية شراء فاسداً فوطئها، هل يفرق بين ما إذا كانت بكراً فيخير البائع للنقص الحاصل بالوطء أو ثيباً فيجري فيها الخلاف بناء على أن وطه الثيب ينقصها أم لا؟ والظاهر أن الحكم كذلك وإن لم يتعرض له المصنف رحمه الله للعلم به مما ذكره في العيوب نقلا عن أبي الحسن والله اعلم.
(1) تقدم ذكره.
- 298 - (3/298)
صفحة 1726
الأول فخرج في بيعه الإنفساخ فإنه لا يخلو أن يكون التحويل تحويل نقصان أو زيادة، فإن كان نقصاناً فإنه يكون البائع بالخيار، إنشاء أخذ ذلك مع تغييره ويأخذ ما أنقصه ذلك، وإن شاء أخذ مثل شيئه الأول أو قيمته إن كان لا يمكن فيه المثل ويكون للمشتري، وكذلك إن كان التغيير زيادة في الشيء فالبائع بالخيار إن شاء أخذ ذلك مع تغييره ويعطي عناه، وإن شاء أخذ مثل شيئه ويكون ذلك للمشتري، ومثل
للمشتري: هذا إن اشترى منه شعيراً فطحنه دقيقاً، أو دقيقاً فخبزه أو اشترى منه
قوله: مثل شيئه الخ. هذا إذا كان مثلياً، ولعله إنما لم يتعرض للمقومات لأنه لا يتأتى فيها التحويل بالزيادة، وفيه تأمل لقوله: أو أعواد فعمل منها آنية الخ. فالظاهر أن القيمة بمنزلة المثل والله أعلم، فليحرر.
قوله: ومثل هذا إن اشترى منه شعيراً الخ. قال شيخنا: الظاهر أنه تمثيل لما كان نقصاناً وزيادة ولا ينافيه قوله: وكذلك في الزيادة، لأن المراد بها زيادة مخصوصة وهي ما إذا حصلت الزيادة يجزء آخر من مال المشتري مثلا ويدل له قول المصنف: لأن مال كل واحد منهما قد استهلك في مال الآخر، فإن قلت: هلا جعلته مثالاً للنقص فقط؟ قلت ينافيه قول المصنف: ويأخذ ما أنقصه ذلك إذ المشتري في الصورة المذكورة يأخذ العناء فيما إذا اختار البائع أخذ ذلك مع تغييره، وهذا كله فيما إذا زادت القيمة بالتحويل، وأما لو نقصت واختار أخذها، أخذها مع قيمة ما نقصت والله أعلم. قلت: وسيأتي في بيع المرابحة ما يقتضي أنه مثال للزيادة، ونص عبارته: وإن كان ذلك الشيء صوفاً فعمله أكسية أو قمحاً أو شعيراً فطحنه دقيقاً، وما أشبه هذا من التغيير فإنه يجوز
- 299 - (3/299)
صفحة 1727
صوفاً فعمل منه أكسية، أو تبراً فعمل منه حلياً، أو حديداً فعمل منه سيوفاً، أو أعواداً فعمل منه آنية، أو اشترى منه غروساً على أن يقلعها فقلعها، فهذا كله على ما ذكرناه، وكذلك في الزيادة على هذا المعنى مثل أن يشتري منه زيتاً فيسس به دقيقاً فإنه بالخيار إن شاء أخذ مثل زيته ويكون البسيس للمشتري، وإن شاء أن يكون بينهما ويتفقا على ما أحبا فعلا، لأن مال كل واحد منهما قد استهلك في مال الآخر، وإن اشترى منه أرضاً شراءاً فاسداً فغرس فيها غروساً أو بنى فيها بناء، ففي الأثر: فإن البائع يأخذ أرضه وجميع ما فيها من بناء أو غروس، ويعطي قيمة ذلك النقص مبنياً أو قيمة الغروس في حين ذلك، وإن أراد أن يعطي قيمة النقص غير مبني، وقيمة الغروس مقلوعة فليعط له العناء
أن يبيعه مرابحة إن لم يحدث فيه حدثاً ينقصه عن حالته التي كان عليها
والله أعلم. قوله: إن شاء أخذ مثل زيته الخ. إنما جعل للبائع الخيار هنا بخلافه فيما تقدم، فمن اشترى زيتاً فخلطه بالدقيق فظهر فيه عيب فإنه يجب عليه أن يدفع للمشتري أرش العيب ولا خيار له لأن هناك البيع صحيح، فإذا بطل حكم الرد دفع البائع أرش العيب بخلافه هنا، فإن الشيء باق على ملك صاحبه فيكون له الخيار، والله أعلم.
قوله: في حين ذلك، أي حين كونها مغروسة وحين الرد. (3/300)
صفحة 1728
مع القيمة، وأما إن اشترى فسيلاً فغرسها في أرضه أو نقضاً فبناه في أرضه ثم خرج في بيعهما انفساخ، فإنه يرد على البائع قيمة الفسيل يوم اشتراها، أو قيمة النقص غير مبنى ويمسك ذلك هو لنفسه، فهذا دليل منهم أن بناء النقض وغرس الغروس استهلاك لها، ولذلك أوجبوا فيها القيمة أو هي تابعة للأرض لأن الأرض هي الأصل والفرع تابع للأصل، وعند بعضهم فيما يوجد في الأثر: إذا لم يكن فساد في قلع الغروس في الأرض أخذ كل واحد منهما ماله، وأما إن كان الفساد في قلع الغروس والأرض فلا ينزع كل واحد منهما ماله، ولكن يتراد ان القيمة فيا
قوله: قيمة الفسيل، يعني ولا يمضي بالثمن لئلا يكون معتداً به، بل يأخذ من البائع الثمن ويدفع له القيمة. قوله: أخذ كل واحد منهما ماله، فيه أنه حينئذ يذهب عناء المشتري وتعبه في الغروس فلا شيء له مع أنه ليس بغاصب، فالأولى ما قاله المصنف أولاً، أو المراد أنه يقلع الغروس إذا أعطى للمشتري عناءه والله أعلم، فليحرر. قوله: ولكن يترادان القيمة الخ. قال شيخنا: تخصيصه التراد بما إذا زادت القيمة يفهم أنها إذا تساوت ثبت الخيار لصاحب الأرض، ويدل له ما سيأتي حيث قال: فإذا كان الفساد فصاحب الأرض بالخيار إذ ظاهره، وقد استثنى هذه الصورة، يعني وهي. ما إذا كانت قيمة الغروس أكثر فبقي ما عداها على الأصل، وهو ثبوت الخيار لصاحب الأرض، حرره. أقول: ويدل له أيضاً قوله قبل أو هي تابعة للأرض، لأن الأرض هي الأصل والفرع تابع للأصل.
العموم: (3/301)
صفحة 1729
بينهما ويأخذ صاحب الأقل منهما قيمة ماله ويمسك صاحب الأكثر الغروس والأرض جميعاً، وإن كان الفساد في قلع الغروس فلا يدرك على صاحبها قلعها إلا إن أدرك، ويكون صاحب الأرض بالخيار في هذا الوجه إن شاء أعطى قيمة الغروس ويمسكها في أرضه، وإن شاء أخذ عوض أرضه أو قيمتها، وأما إن كان الفساد في الأرض دون الغروس في قلعها
فإن صاحب الأرض يمنع صاحب الغروس من قلعها ويختار ما بين قيمة أرضه أن يأخذها أو يعطي قيمة الغروس لصاحبها ويمسكها في أرضه
والبنيان مثل الغروس، فهذا القول يدل من قائله أن البناء والغروس لمن بناه وغرسه دون صاحب الأرض، فإذا كان هذا هكذا فكل واحد منهما يأخذ ما له في الإنفساخ إذا لم يكن في ذلك فساد، فإذا كان الفساد فصاحب الأرض بالخيار كما ذكرنا في تحويل الشيء في نفسه، ويعضد
قوله: عوض أرضه أو قيمتها، يعني مع نماء الفرس، لأن صاحب الفسيل ليس له إلا قيمتها يوم باعها والله أعلم. قوله: دون صاحب الأرض، أي إذا كان الانفساخ في الأرض، وأما إذا كان الانفساخ في الغروس والنقض فإنها لصاحبها لا لمن بنى أو غرس على هذا القول، واما على القول الأول فإن المبني، والمغروس لصاحب الارض مطلقا لأن البناء والفرس استهلاك لذلك كما تقدم والله أعلم.
، وهي ما إذا
قوله: فصاحب الأرض بالخيار، يستثنى منه الصورة المتقدمة، و كانت قيمة الغروس يعني او البناء اكثر من قيمة الأرض، فإن الخيار حينئذ
،
- 302 - (3/302)
صفحة 1730
هذا القول فيما يوجبه النظر قوله: (من اغتصب أرضاً وغرس فيها نخلاً أو شجراً ثم استحقها ربها أنه يقال للغاصب: اقلع ما لك فيها) فإذا كان الغروس في الغصب لمن غرسه فأحرى أن يكون كذلك في
لصاحب الغروس عند صاحب هذا القول
قوله: فإذا كان الفرس في الغصب لمن غرسه الخ. هذا القول مرجوح في المذهب كما يدل عليه كلامه في كتاب الزكاة حيث قال: وكذلك أيضاً من اغتصب أرضاً وحرثها ببذره، قال بعضهم: لصاحب الأرض ما أنبتت أرضه، وعليه العشر. وفي البذر هل يعطيه للغاصب أو لا؟ خلاف بينهم، والدليل على أنه لا يعطي الغاصب شيئاً قوله عليه السلام: (لا عرف ولا عرف لظالم) (1)، وقال بعض: على الغاصب العشر وله الزرع، وعليه نقصان الأرض، والدليل على هذا القول ما روي أنه قال عليه السلام: (من اغتصب ارضا وزرع فيها زرعاً ثم استحقها ربها أنه يأخذها والزرع ونماه للغاصب، وعليه ما نقصت الأرض) (2) والأكثر من علمائنا على ما تقدم لأنه لاعرف ولا عرف لظالم والله أعلم انتهى. لكن لا يلزم من كون الراجح من الغصب أنه ليس له في الفرس والزرع مثلا شيء أن يكون كذلك في الانفساخ لأنه فرق بين المقامين لأن المشتري ليس بغاصب، وإن كان شراؤه منفسخاً، فماذكره رحمه الله من الاستدلال يقوي كون الغروس في الإنفساخ لصاحبها قولاً واحداً، وإن كان في الغصب قولاً مرجوحاً على أنه في الحديث لم يذكر إلا أنه له قلعها، وأما انه يتركها ويأخذ قيمتها كما في الانفساخ فلم يذكر فيه. نعم ذكر في الزرع في الحديث الذي رواه في الزكاة
(1) تقدم ذكره.
(2) رواه ابو داود والدارقطني. (3/303)
صفحة 1731
الإنفساخ والله أعلم. وأما إن اشترى أرضاً شراءاً فاسداً فحرثها ببذره أو زرع فيها جميع ما يزرع فإن صاحب الأرض يأخذ أرضه والزرع للمشتري وعليه ما نقصت الأرض لربها، وإنما كان الزرع للمشتري في هذه المسألة لأن كل واحد منهما يصل إلى ما له من غير فساد والله أعلم.
أنه له ويعطي نقصان الأرض، وذلك لأن الزرع مآله إلى القلع لكن الظاهر انه له ان يأخذ قيمة الغرس إن رضي صاحب الأرض حيث كان له قلعه على هذا القول والله أعلم.
قوله: والزرع للمشتري، وعليه ما نقصت الأرض لربها، ينظر هل يعطي قيمة النقص، ولو لم يعلما بالانفساخ الا بعد حصاد الزرع، وهو المناسب لما هو المذهب من انه يدرك العناء. د الغلة لأن استنفاعه بالارض هو. قيمة غلتها فيدفع ذلك للبائع، أو لا يعطي قيمة النقص الا اذا علم بالانفساخ والزرع قائم، وأما بعد ذلك فلا، واليه ذهب مالك وهو المتبادر من سياق كلامه، والظاهر الاول
والله أعلم فليحرر.
000000 (3/304)
صفحة 1732
باب في الاستحقاق
وذلك إذا اشترى أحد شيئاً من رجل على أنه له فخرج ذلك الشيء لغيره بالبيئة العادلة، فالحكم فيه أن يأخذ صاحب الشيء شيئه ويرجع المشتري على البائع بالثمن، وهذا إذا خرج من يد صاحبه بالتلف أو بالغصب أو بالسرقة، وعند بعض أنه يدرك عليه المشتري الثمن الذي
باب في الاستحقاق
قوله: اذا اشترى الخ. ومثل الشراء الهبة والصداق وغير ذلك كما هو معلوم والله أعلم.
قوله: وهذا اذا خرج من يد صاحبه الخ. الظاهر أن المأخوذ به هو المصدر به في الصورتين، وأن الفرق بينها أن صاحب الشيء في الصورة الاولى ليس له دخل في ذلك بوجه من الوجوه بخلافه في الثانية، فإنه هو الذي جعل ذلك في يد البائع، وان كان على وجه الامانة فكأنه هو الذي. سلطه عليه فلا يأخذه من يد مشتريه حق يدفع له ثمنه فإن قلت: هذا ظاهر في غير اللقطة، وأما اللقطة فإنه ليس لصاحبها سبب في دخولها في يد بائعها فينبغي ان تجعل بمنزلة التلف فتكون من الصورة الاولى، قلت: لما لم يتصرف فيها الا بوجه شرعي كانت أولى أن لا تؤخذ من يد مشتريها حتى يدفع له ما اشتراها به بخلاف التلف فإنه لما لم يراع فيه شروط اللقطة كان بمنزلة السارق أو الغاصب والله أعلم. قوله: أو بالسرقة، هذا ظاهر في المنتقلات مطلقاً، وفي الأصول إذا كان
- 305 -
ه م 20 - الإيضاح» (3/305)
صفحة 1733
اشتري به، ويرجع هو على البائع بما أعطى للمشتري، وأما إن كان ذلك الشيء في يد بائعه بالوديعة أو بالعارية أو بالكراء أو باللقطة أو بجميع الأمانات فإنه لا يدرك ماله حتى يعطي للمشتري ما اشتراه به، ويرجع هو على البائع بما أعطى، وعند بعض: أنه يأخذ ماله ولا شيء عليه، ويرجع المشتري على البائع بما أعطاه له فيأخذه، وفي الأثر: ولهم فيها أيضاً يعني العارية إذا باعها مستعيرها ثلاثة أقوال، قال بعض: يأخذها
غائباً أو حاضراً ولم يعلم، أو حاضراً عالماً ولم تمض عليه مدة الحيازة، أو مضت مع الأحياء وإلا فلا قيام له في الحكم. قوله: أو بالعارية: فائدة: قال أبو اسحاق رحمه الله: والعارية عندنا غير مضمونة إلا في ثلاث خصال: إحداها أن يستعير ما يكال أو يوزن أو يعد. الثانية: أن يتعدى فيها الثالثة: أن يقول: عارية مردودة. والوديعة غير مضمونة إلا في خصلتين: إحداهما أن يستلف منها شيئاً ثم يرده فيها مما لا يتميز منها فإنه يضمنها كلها إلا أن يكون شيئاً مما يتميز منها. الثانية: أن يتعدى فيها.
قوله: حق يعطي للمشتري الخ. هذا ظاهر إذا كان المشتري غير عالم بأنه حرام، وأما إذا علم فإنه يأخذه صاحبه من غير شيء قولاً واحداً كما يدل عليه كلامه فيما سيأتي.
قوله: ولهم أيضاً فيها الخ. لعل وجه تخصيص العارية بكونها فيها ثلاثة أقوال: قوة تسليط المعير للمستعير حيث جعله متصرفاً من غير مقابل بخلاف الأمانة والمكري فإنه في الأول لا تصرف له أصلا، وفي الثاني بمقابل فضعف
- 306 - (3/306)
صفحة 1734
من يد المشتري ويرجع المشتري على البائع قياساً على السرقة، وقال بعض: يأخذها من يده بالثمن، وقال بعض: ليس له أن يطالب المشتري لكن يطالب المستعير حتى يمكنه من المشتري. والدليل على القول الأول ما روي عن النبي الا الله أنه قال: (من سرق منه شيء أو ضاع منه فوجده
التسليط والله أعلم.
قوله: قياساً على السرقة، لقائل أن يقول: هذا قياس مع وجود الفارق، فالأولى هو القول الثاني والله أعلم.
قوله: حق يمكنه الخ. لم يذكر کر رحمه الله الحكم بعد ذلك عند هؤلاء، هل يأخذها بالثمن أو من غير شيء؟ ولعله فيه الخلاف
•
قوله: والدليل على القول الأول الخ. قال شيخنا: فإن قلت ليس في هذا الحديث دلالة على الغيب فكيف قرنه بالتلف والسرقة فيما تقدم؟ قلت: هو من قياس التمثيل أو العلة متحدة وهي خروج الشيء من يد صاحبه من غير اختياره،
تأمله ا هـ.
قوله: على القول الأول، أي في المسألة الأولى كما هو ظاهر، وربما يستدل به على القول الأول في المسألة الثانية أيضاً من جهة أخرى وهي ما يفهم من الحكم، برجوع المشتري على البائع فيما ليس لصاحبه تسليط البائع، أو لم يراع فيه الوجه الشرعي مثل المسروق والضائع في غير اللقطة، بخلاف ما إذا كان لصاحبه فيه تسليط كالوديعة، وما ذكر معها أو روعي فيه الوجه الشرعي وهو اللقطة، فعلى هذا يكون الحديث دليلا على القول الأول في المسألتين، لكن على أحدهما بالمنطوق وعلى الآخر بالمفهوم والله أعلم، فليحرر.
•
قوله: أو ضاع منه، قد يقال إنه شامل للقطة، اللهم إلا أن يقال: اقترانه
- 307 - (3/307)
صفحة 1735
في يد رجل قد اشتراه، إن صاحبه أحق به ويرجع المشتري على البائع بالثمن)) والله أعلم. وأما غلة الشيء المستحق فهي لصاحبه فيما بينه وبين الله، وأما في الحكم فيمسكها المشتري، وذلك لأن الشيء المستحق لم
بالمسروق يدل على أن المراد به الضائع الذي لم تراع فيه الشروط المعتبرة شرعاً، فيكون بمنزلة المسروق بخلاف اللقطة والله أعلم.
قول: وأما في الحكم فيمسكها الخ. أي لعموم قوله عليه السلام: (الخراج بالضمان) (1) ثم الظاهر أن المراد بالغلة التي يمسكها الغلة التي لم تحضر الصفقة، وأما التي حضرت فالظاهر أنه يردها لأنها لها قسط من الثمن، فلو أمسكها وأخذ الثمن كاملاً كان قد أخذ أكثر من حقه، وخصوصاً إذا كانت تلك الغلة موجودة حين خرج الشيء من يد مالكه، ويدل له قوله: لأن الشيء لا يخرج من يد المشتري إلا كما دخل، يعني فإن دخل بغلة فإن كانت موجودة ردها مع الشيء وإن كانت قد استهلكت دفع قيمتها، وإن دخل بغير غلة وحدثت عنده كانت له لعموم الحديث والله أعلم. لكن قوله بعد: ويدل أن الاستحقاق بمنزلة البيع المستقبل، ظاهره يدل أن صاحب الشيء لا يدرك الغلة التي فاتت مطلقاً ولا الغلة الموبرة، كان من استحق الشيء من يده بمنزلة البائع على ما في الأثر، اللهم إلا أن يقال ما في الأثر قول مرجوح، فإن ظاهره مشكل فإنه يقتضي أن المشتري حين استحقت منه الأرض يمسك الغروس في الأرض ويستغلها من غير أن يعطي قيمة الأرض ولا مثلها، ولا يأخذ من صاحب الأرض قيمتها في حين أوقات الاستحقاق، وهذا غاية الضرر لصاحب الأرض، فإنه قد بطلت منفعة أرضه، فأقل المراتب أن يكون مخيراً بين أن يدفع قيمة الأرض أو مثلها أو يأخذ
(1) متفق عليه.
14.11 (3/308)
صفحة 1736
يستحقه صاحبه إلا في الوقت الذي استحقه فيه من يد المشتري، لأنه لا يخرج من يد المشتري إلا كما دخل والله أعلم. وإن زاد فيه المشتري شيئاً فهو له لأن المستحق لا يستحق إلا ماله، ومثل ذلك إن اشترى أرضاً فغرس فيها غروساً ثم استحقها صاحبها فإنه يمسك تلك الغروس التي غرس في تلك الأرض ويأخذ صاحب الأرض أرضه، وكذلك إن اشتري فسيلاً فغرسها في أرضه فاستحقت تلك الغروس في أرضه فليمسكها الذي استحقها في تلك الأرض ويرجع هو على البائع بالثمن. فهذا مما وجد في الأثر، ويدل أن الاستحقاق بمنزلة البيع المستقبل والله أعلم. وأما إن اشترى أرضا فغرس فيها ثم خرجت تلك الأرض التي اشتراها مشاعاً لقوم فإنه يأخذ أهل المشاع أرضهم وما غرس فيها
قيمة الغروس أو يكون فيها قول آخر فإنها ليست أعظم من غروس المشاع إذا استحقت في أرض رجل فإنه سيأتي أن منهم من يقول: يعطي القيمة لصاحبها ويمسكها لنفسه، اللهم إلا أن يقال هذا القول يشير به إلى قول ثان في المسألة من أولها إلى آخرها، أو يقال معنى قوله فإنه يمسك تلك الغروس في تلك الأرض أنه لا يؤمر بقلعها لما فيه من الفساد، بل يأخذ قيمتها أو يدفع قيمة الأرض أو مثلها فيكون جارياً على القاعدة، وهذا هو الظاهر، فإن بيع ليس أعظم من بيع المعيب والإنفساخ والله أعلم. قوله: بمنزلة البيع المستقبل، أي المستأنف، يعني وهو مشكل فإن الشيء باق على ملك صاحبه والله أعلم
الاستحقاق
14.91 (3/309)
صفحة 1737
فيكون ذلك كله مشاعاً، ولا تشبه هذه المسألة مسألة الاستحقاق في غير المشاع لأن أرض المشاع لا يجوز بيعها على كل حال بخلاف أرض المستحق وهي أشبه ببيع الإنفساخ الذي لا يجوز أيضاً على كل حال، ولا يدرك قيمة غروسه على أهل المشاع، كما لا يدرك على الفقراء من تصدق بماله عليهم على الخطأ شيئاً لأن أرض المشاع للفقراء، وكذلك إن خرجت تلك الأرض للأجر أو للمسجد أو للمساكين على هذا الحال، ومنهم من يقول: يقلع المشتري غروسه ويضمن ما نقصت الأرض لصاحبها، وكذلك أيضاً على هذا المعنى إن اشترى غروساً فغرسها في
قوله: ولا يدرك أيضاً قيمة غروسه، أي كما يدرك ذلك في الانفساخ، وفي الأرض التي ليست بمشاع، فيدل على التأويل المتقدم والله أعلم. قوله: على الخطأ، من جملة ذلك أن يكون مديناً فيدفع زكاته للفقراء ظانا لوجوبها عليه، فإنه لا يرجع على الفقراء بشيء، أو قدمها قبل الوقت
فضاع المال. قوله: للفقراء، هذا أحد أقوال ثلاثة سيأتي في باب القسمة، ولعل هذا هو المعتمد، فلذلك جزم به وا والله أعلم. قوله: للأجر، الظاهر أن الفرق بين الأجر والمساكين أن الأجر لا يختص بالفقراء والله أعلم.
قوله: لصاحبها، المراد به أصحابها، لأن هذا مفرد مضاف فيعم لأن الإضافة تأتي لما تأتي له اللام.
- 310 - (3/310)
صفحة 1738
أرضه ثم خرجت تلك الغروس من أرض المشاع، فإن أهل المشاع يمسكونها في أرض المشتري على قول من قال: تكون الغروس لصاحبها،
ومنهم من يقول: يعطي القيمة لصاحبها ويمسكها لنفسه والله أعلم وكذلك إن خرجت الغروس للأجر أو للمساكين أو للمسجد على هذا الحال والله أعلم. وأما استحقاق البعض على وجهين: معلوم ومجهول، فالمعلوم إذا استحق من المقصود أو من الدمنة التسمية منها فإنه ينعم بالباقي إن أراد، ويدرك من الثمن الذي اشترى به ما ناب تلك التسمية، وإن أراد أن يرجع على البائع بالثمن كله رجع، وإنما جعلوا له الخيار لأن
قوله: على قول من يقول تكون الفروس لصاحبها، تقدم تأويله بأن المراد والله أعلم، أنه لا يؤمر بقلعها بل يعطي لصاحب الأرض قيمتها أو مثلها أو يخير بين ذلك وبين أخذ قيمة غروسه بخلافه على القول الثاني فإنه يأخذ قيمة غروسه فقط، ولولا هذا التأويل لكان الأخذ بظاهره في غاية الضرر على صاحب الأرض مع كونه معذوراً، والضرر لا يحل ولو قيل في غروس المشاع أن من غره بها يدفع له قيمة أرضه أو مثلها إن أحب ذلك لكان وجهاً والله أعلم. قوله: من المقصود، أي المعين كفدان خاص يستحق منه النصف مثلا. قوله: أو من الدمنة، كجميع ما يملك في البلد مثلا استحق من
تسمية معينة
قوله: فإنه ينعم بالباقي، أي يمسكه بحسابه من الثمن ولا يرده لبائعه وكأنه إنما سمى الإمساك إنماماً، لأنه فيه معنى نعم أمسكت ذلك والله أعلم. قال في
الصحاح: وأنعم له أي قال له نعم.
-511 - (3/311)
صفحة 1739
الشريك عندهم عيب، وإن أراد المشتري أن ينعم بالباقي فإنه يقول: الفدان الذي لفلان ابن فلان في مكان يسمى بكذا وكذا بكاه وكل مافيه من الناس إلى الناس لي هو عنه بالشراء بكذا أو كذا دينار أو قد استحق نصفه أو ثلثه لفلان ابن فلان، وقد أنعمت بالباقي بالنصف أو بالثلث أو ما أشبه ذلك من التسميات التي لفلان ابن فلان فيه، وإنما يجوز أن ينعم فيما يجوز فيه بيع التسمية من الحيوان وغيرها، وأما
قوله: يقول، أي للشهود ولا و للحاكم كما سيأتي.
قوله: لي، خبر الفدان الذي.
•
قوله: الذي لفلان، يعني وهو البائع وجمله له باعتبار ما كان قوله: وإنما يجوز أن ينعم الخ. قال شيخنا: هذا بظاهره يدل على أن الانعام يصح بمنزلة بيع مستأنف، وإلا لم يحتج إلى هذا الشرط، إذا عرفت هذا ظهر لك أن الإنعام المذكور يصح ولو على قول من يقول: العقدة إذا اشتملت على ما يجوز وما لا يجوز أن يصلح الجائز ويفسد غير الجائز، تأمل وجه التأمل البناء المذكور لا يصح إذ الشرط لا بد منه، وإلا لم يصح تجزي المبيع إلى جائز وغير جائز والله أعلم بالصواب، حرره. قلت: لكن الذي صححه المؤلف فيها سبق أن بيع التسمية جائز فيما تمكن فيه القسمة، انتهى. لكن قوله يصح ولو على قول من يقول: العقدة إذا اشتملت على ما يجوز وما لا يجوز أن يصح الجائز ويفسد غير الجائز، صوابه ولو على قول من يقول: العقدة إذا اشتملت على ما يجوز وما لا يجوز، كانت غير جائزة على قياس ما فهمه من أنه بيع مستأنف فليتأمل كلامه فإنه في غاية الخفاء
- 312 - (3/312)
صفحة 1740
ما يكال ويوزن فلا، وأما استحقاق التسمية من التسمية فقد ذكر في الأثر فيها والله أعلم. وفي الأثر: ومن اشترى فداناً أو وهب له فخرج له فيه شريك ولم يعرفه فأراد أن ينعم فإن ما يفعل أن يأتي إلى الشهود الذين حضروا البيع أو الهبة فينعم عندهم فإن ما يقول: الفدان الذي لفلان ابن فلان فيما يقول في مكان يسمى بكذا وكذا بكله وكل ما فيه من الناس إلى الناس لي هو عندي بالشراء بكذا وكذا، وقد استوفاهم عني فخرج لي فيه شريك لم أعرف عنه وهو فلان ابن فلان وهذا عند الشهود، فإذا
قوله: من
التسمية، أي سواء كانت من مخصوص أو من دمنة
قوله: فقد ذكر في الأثر فيها والله أعلم الخ. فيه إشارة إلى أنه يمكن أن يفهم من كلام الأثر حكم استحقاق التسمية من التسمية، ولعله بالقياس على حكم استحقاق التسمية من الكامل وإلا فكلام الأثر إذا تأملته وجدته نصاً في حكم استحقاق التسمية من الكامل كما هو ظاهر، لكن لا فرق بين استحقاق التسمية من الكامل واستحقاقها من التسمية، ولذلك قال: ذكر فيها والله أعلم.
قوله: ولم يعرفه. رفه هذا، الواو تسمى واو اللصوق.
قوله: أن يأتي إلى الشهود الذين حضروا الخ. ظاهره أنه لا يصح الإنعام إلا عندهم وفيه تأمل والله أعلم. ولعل التخصيص بهم لأجل التبليغ عند الحاكم إذا لم يعلم بنفسه، أو لئلا يستمروا على الشهادة بالكامل والله أعلم، فليحرر. قوله: بالشراء، يعني أو بالهبة، لكن لا يقال بكذا وكذا إن كانت لغير ثواب والله اعلم.
- 313 - (3/313)
صفحة 1741
أنعم
عند الشهود الذين حضروا للعقدة الأولى فليأت إلى الحاكم فلينعم عنده كما أنعم عند الشهود الأولين، فإذا أرادوا أن يبلغوا له فإنما يقولون الفدان الذي لفلان ابن فلان فيما يقول في مكان يسمى بكذا وكذا بكله وكل ما فيه من الناس إلى الناس لفلان ابن فلان هو عنه بالشراء بكذا وكذا، وقد استوفاهم عنه فخرج له فيه شريك لم يعرفه فيما يقول: وهو فلان ابن فلان له فيه النصف، وقد أنعم فلان ابن فلان بالنصف الذي فيه لفلان ابن فلان فيما يقول. والمجهول مثل: إن اشترى فدانين أو ثلاثة فاستحق واحد منهم فقد انفسخ البيع لأن قسط الفدان من الثمن مجهول،
•
قوله: الذي فيه لفلان ابن فلان، يعني وهو البائع، ويؤخذ من هذا أن المخاصمة في الاستحقاق على من كان الشيء في يده دون البائع مثلاً والله أعلم. قوله: فإذا أرادوا أي الشهود أن يبلغوا، أي نيابة عن المشتري إذا لم يبلغ بنفسه أو انكر ذلك والله أعلم. ويدل للتأويل الأول أنه في بعض النسخ: فإذا
أراد أن يبلغوا الخ.
قوله: له، أي للحاكم
قوله: الذي لفلان بن فلان، المراد به البائع بدليل قوله فيما يقول، والمراد بفلان ابن فلان الثاني هو المشتري بدليل تعين الشهود لفلان
قوله: أنعم فلان، أي وهو المشتري.
قوله: فيه لفلان، أي وهو البائع.
قوله: فقد انفسخ البيع، مراده أنه انفسخ الآن حين ظهر الاستحقاق، ولا
-718 - (3/314)
صفحة 1742
ولذلك انفسخ البيع والله أعلم. وإنما يجوز له أن ينعم في استحقاق التسمية فيما يوجبه النظر على قول من يقول: العقدة الواحدة إذا اجتمع فيها ما يجوز وما لا يجوز أن يصح الجائز فيفسد غير الجائز، وهذا عندهم إنما يكون في الشريك الذي لم يعلم إن لم يعلمه المشتري، وأما الشريك المعلوم فالمبيع فاسد عندهم، فالشريك المعلوم هو من لا يمكن أن يكون البائع إلا منه وهم الآباء والأمهات، فإنه لا يعذر المشتري في
أشاء متعددة
يجوز الإنعام حينئذ لأنه لا يدري بما يرجع على البائع، وظاهره أنه لولا الاستحقاق لمكان البيع صحيحاً، وهذا إنما يتمشى على قول من يجيز جمع بثمن واحد كما تقدم، ويمكن أن يكون قوله فقد انفسخ البيع يعني من أصله بناء على أنه لا يجوز جمع أشياء بثمن واحد، وربما يرشد إلى ذلك التعليل والله أعلم. قوله: وهذا عندهم إنما يكون في الشريك الذي لم يعلم، أي الإنعام، وهو الإمساك بما بقي بعد الإستحقاق، وإنما يصح في الشريك الذي ليس من شأنه أن يعلم، وهو من ليس من الآباء والأمهات إذا كان غير معلوم، والحاصل ان الانعام يبطل في مسألتين احدها: ان يكون الشريك من الآباء والأمهات لأنه من شأنه أن يكون معلوماً، فإن لم يكن معلوماً بالفعل نزل منزلة المعلوم لأن البائع لا يوجد بدونه، والثانية: أن يكور، من غيرهم، ويكون معلوماً لأنه دخل على أن البيع فاسد، ويصح في مسألة واحدة، وهي ما إذا كان الشريك من غير الآباء والأمهات، وكان مجهولاً بناء على ان العقدة الواحدة إذا اشتملت من غير قصد على ما يجوز وما لا يجوز صح الجائز وبطل غير الجائز، وإن قلنا انها مق كانت كذلك بطلت بطل الانعام من أصله كما يؤخذ من كلامه والله أعلم.
- 310 - (3/315)
صفحة 1743
جهله، وأما ما سوى هؤلاء من الشركاء فلا، لأنه يمكن أن يكون ويمكن أن لا يكون، فالقاعدة فيه أنه غير كائن حتى يصح أنه كائن والله أعلم.
فصل:
و من كان بيده مال حرام ولا يدري صاحبه فإنه يبيعه في مكان لا يعرف فيه وينفق عنه، وإن باعه في موضع يعرف فيه على التوبة أيضاً فبيعه جائز، غير أن الأحسن أن يبيعه في موضع لا يعرف فيه إلا من عرف ذلك الشيء أنه حرام لا يعامله فيه إلا إن عرف منه التوبة الصادقة والله أعلم. ولا ينفق ذلك الشيء بعينه إلا إن كان دنانير أو دراهم ولكن يبيعه بالدنانير والدراهم لأنهما أثمان الأشياء. ومنهم من يقول: في الحبوب
قوله: لا يعرف فيه، أي ذلك الشيء.
قوله: وينفق ثمنه، أي في سبيل الله، وهذا إنما يتمشى على قول عمروس رحمه الله القائل بأنه ليس من شأن المسلمين أن يوئيسوا أحداً من رحمة الله كما ذكروا ذلك فيمن أخذ من مال ابن طولون كما ذكره في سير عمنا احمد الشماخي رحمه الله. وظاهر كلام المصنف ان هذا امر متفق عليه، ولعله كذلك، وإنما الخلاف هل يجزيه ذلك أو لا؟ والله أعلم.
•
قوله: إلا إن عرف منه التوبة، يعني وأما من لا يعرف بذلك فإنه لا يشترط له الإطلاع على التوبة بل يحمل على الاصل، وهو ان من كان الشيء في يده فهو
القاعد فيه حتى يتبين خلافه
-717 - (3/316)
صفحة 1744
وما أشبه ذلك مما يكال أو يوزن أن ينفقه ولا يحتاج إلى بيعه وجائز لمن يعامل مشتريه فيه، ولو كان يعلم ذلك الشيء أنه حرام قبل ذلك إذا باعه بالتوبة والانتصال ولا يكون ذلك عيباً، وأما إن باع ذلك بغير توبة ثم غرم لصاحبه قيمته فإن المشتري لا يخلو أن يكون عالماً بأنه حرام في وقت البيع أو غير عالم بأنه حرام، فإن كان عالماً بأنه حرام فلا يجوز بيعه ولا يجوز للمشتري أن يمسكه لأنه أخذه من غير مالكه فهو بمنزلة الغاصب، ولكن يرده على صاحبه الأول ويرد صاحب المال ما أخذه على الغاصب، ويدرك المشتري على البائع الثمن الذي أعطاه، وأما إن كان
•
قوله: لمن يعامل، لعله ان يعامل، أو في الكلام محذوف كما هو ظاهر ليصح الكلام من جهة الصناعة،، فليراجع. قوله: فلا يجوز بيعه، أي فبيعه باطل، فلا يجوز إتمامه وإن غرم
الغاصب قيمته
قوله: من غير مالكه، أي على غير وجه شرعي، فلا يرد ما إذا باعه
على التوبة.
قوله: فهو، أي المشتري.
قوله: صاحب المال، المراد به صاحبه الأول، وهو المغصوب منه
قوله: ما أخذه، أي وهو القيمة
قوله: ويدرك المشتري على البائع الثمن الخ. يؤخذ منه أن من اشترى
- 317 - (3/317)
صفحة 1745
المشتري غير عالم بأنه حرام في وقت البيع ثم علم بأنه حرام بعد ما
أعطى البائع قيمته لصاحبه ففيه اختلاف، قال بعض: البيع جائز:
ما لا يجوز له شراؤه يرجع في الثمن ولا يعد متبرعا وإن كان عاصياً
بشرائه لذلك
قوله: ثم علم بأنه حرام بعد ما أعطى البائع، لم يبين رحمه الله إذا علم انه حرام بعد البيع، وقبل الغرم لصاحبه والاطلاع عليه، والظاهر أنه إن علم البائع، وقدر عليه عليه بالثمن، وأما الشيء فلا يمكن من البائع لأنه ليس
رجع.
بأمين عليه، ولكن الظاهر انه إن لم يرجى صاحبه بيع بالدنانير والدراهم، وتصدق بها على الفقراء والمساكين، وبما يشمله قوله فيما تقدم: ومن كان بيده مال حرام الخ:، وان فرضه في الغاصب، ومثله إذا تاب، وأما إن لم يعلم البائع، أو علمه ولم يقدر عليه، فالظاهر ان تلك مصيبة قد نزلت به وضاع عليه ثمنه ولا يستوفيه مما يتيقن انه حرام، ويبيعه ويفعل فيه ما تقدم، وربما يشمله أيضاً قوله: ومن كان بيده مال حرام الخ. وأما من اشترى شيئاً فاسترابه بعد ما اشتراه فقد ذكر في كتاب العدل: فيه ثلاثة أقوال حيث قال بعد كلام في أحكام الاموال: وللمشايخ رضي الله عنهم ثلاثة أجوبة في الربيات إذا لم يدخل عليها صاحبها أن يمسك ولا يبالي، والثاني أن يمسك مقدار الثمن وينفق الباقي، والثالث ان يستنفع بالثمن كله، وذكر الشارح رحمه الله أن هذا القول المعتمد
عند مشايخنا، وان القول الثاني هو الأقيس وأقوى في باب النظر فليراجع. قوله: بعدما اعطى البائع قيمته لصاحبه، ينظر هل يعطى له قيمته يوم الغصب أو يوم الدفع، أو يعطى أعلى القيمتين، وهو الظاهر لأنه جائز، والجائز يعطى أعلى القيمتين لأنه ليس لعرقه حق ان زاد وإن نقص فهو عليه والله أعلم.
"
- 318 - (3/318)
صفحة 1746
وذلك فيما يوجبه النظر أن المشتري اشتراه على جهة الحلال ولم يعلم
:
حتى أخذ صاحبه قيمة شيئه وصار حكمه في يد بائعه له، ومنهم من يقول: لا يجوز بيعه ويدرك على البائع الثمن الذي أعطاه، ويرد ذلك الشيء للبائع ويمسكه حين غرم لصاحبه قيمته، فعلى هذا القول حين وقع البيع غير صحيح فلا يصح إلا بعقدة ثانية من مالكه، ومنهم من يقول: يكون صاحبه بالخيار إن شاء أن يأخذ ما له ويرد على الذي أخذ منه تلك القيمة
قوله: على جهة الحلال، أي ظاهراً فلا ينافيه قوله بعد في علة القول الثاني حيث وقع البيع غير صحيح فان المراد في نفس الأمر فظهر أن الخلاف بين القولين هل المعتبر العلم أو ما في نفس الأمر والله أعلم.
قوله: ويمسكه، أي البائع.
قوله: إلا بعقدة ثانية من مالكه في بعض النسخ ثابتة بالباء بدل النون، وهو الظاهر لأنه في هذه الصورة لا يأتي من مالكه قبل ذلك البيع منه الآن حين اخذ قيمته بل المراد على هذا القول أن البيع إذا لم يكن بعقدة ثابتة مالکه من ابتداء كان فاسداً على كل حال والله أعلم. ويحتمل تصحيحها بأن يراد بمالكه مالكه الآن، وهو الغاصب بعد الغرم فيجددان البيع والله أعلم.
قوله: ان شاء ان يأخذ ماله الخ. أي وإن شاء رضي بالقيمة، وإنما لم يتعرض له للعلم به لكن بقي الكلام في الشيء حينئذ هل يكون بيد المشتري بذلك البيع، وهو المتبادر لأنه حين رضي بالقيمة ابقى كل شيء على حاله أو يرده للغاصب، ويأخذ ثمنه والله أعلم.
قوله: ويرد على الذي أخذ منه تلك القيمة، يعني ويرجع المشتري على البائع بالثمن.
-519 - (3/319)
صفحة 1747
فله ذلك، فهؤلاء جعلوا لصاحبه الخيار لعلة إنما أخذ قيمته حيث لم يجد شيئه بعينه والله أعلم. وأما إن لم يعلم المشتري بأنه حرام إلا بعد ما تاب الغاصب، ولم يعلم صاحبه وأنفق قيمته فإن بيعه لا يجوز، لأنه إنما اشتراه على غير رضا صاحبه والله أعلم. وفي الأثر: وسئل عن رجل سرق منه جمل فأدرك السارق، وقد خرج الجمل من يده فغرمه بعض ثمنه ثم وجد جمله بعد ذلك، قال فيه قولان: منهم من يقول يأخذه ويرد على السارق ما أخذ منه ما لم يستوف ثمنه كله، ومنهم من يقول:
إذا أخذ
قوله: تلك القيمة، تنازعه قوله يرد، وقوله أخذ فأعمل الثاني واحذف الضمير من الأول لأنه لا يضمر قبل الذكر الا العمدة فهو على حد قوله تعالى:
(1)
آتوني أفرغ عليه قطراً) (1).
قوله: على غير رضا، يعني ولم يبح له الشرع ذلك البيع فلا يرد بيع. بعد التوبة وبيع اللقطة والله أعلم.
الغاصب
قوله: وسئل عن رجل، قال شيخنا: لو قال فيما سبق بعد ما أعطى البائع قيمته أو ثمنه لصاحبه لاستغنى عن هذه الزيادة، قلت: لو قال ذلك لأوهم جريان الأقوال الثلاثة مع ان القول بالخيار لم يحكه هنا، ولعله لا يجري ها هنا أخذ الثمن كأنه أتم البيع والله أعلم بالصواب. وأقول فيه تأمل فإن الظاهر أنه ساقه مقابلاً لما حكاه أولاً من جريان الأقوال الثلاثة، وأنه أراد بالثمن ما يشمل القيمة، وإلا للزم أن يكون كلام الأثر خالياً عن بيان حكم ما
لأنه
حين
إذا غرمه القيمة والله أعلم
(1) سورة الكهف: 96.
• (3/320)
صفحة 1748
بعض الثمن فليس له إلى الجمل سبيل؛ وسئل عن رجل اشترى من السارق جملاً ولم يعلم أن ذلك الجمل سرقه ثم بعد ذلك علم أنه سرقه وقد
غرم السارق ثمنه لصاحبه، هل يحل له أن يمسكه؟ قال: فيه قولان
منهم من يقول: حين غرم السارق حل له إمساكه، ومنهم من يقول: برده على السارق ويأخذ منه ما أعطاه من الثمن، وهذا بيع فاسد، وإن باعه الغاصب بالتوبة حيث لم يعلم صاحبه ثم جاء صاحبه بعد ذلك، فإنه لا يدرك ذلك الشيء عند المشتري حيث جوز له الشرع ذلك، ولكنه
6
قوله: حيث لم يعلم صاحبه، هذه الحيثية للتعليل أي لأنه لا يعلم صاحبه. قوله: فإنه لا يدرك ذلك الشيء عند المشتري الخ. هذا بحسب الظاهر مناف للحديث المتقدم وهو قوله: (من سرق منه شيء أو ضاع فوجده في يد رجل اشتراه إن صاحبه أحق به ((1). اللهم إلا أن يقال: هذا مخصص لعموم الحديث، ثم الظاهر أنه حيث جوز له الشرع بيمه يكون بمنزلة اللقطة، وعلى هذا فمعنى قوله رحمه الله: فإنه لا يدرك ذلك الشيء عند المشتري انه لا يدركه حتى يدفع ثمنه، ويرجع على البائع بعد ذلك إن وجده، ولا يدركه ابتداء من غير شيء، وهذا وإن كان بحسب الظاهر بعيد من ظاهر العبارة، فالحمل عليه أولى وإلا لزم ان يكون حال الغصب أسهل من حال اللقطة، فإنه لم يذكر فيها الا ان صاحبها على القول المصدر به لا يدركها حتى يدفع له ثمنها، يعني لأنه لم يشترها الا بوجه شرعي، فليكن المقصود بعد التوبة كاللقطة، أو يحمل
(1) تقدم ذكره.
- 321 -
ه م 21 - الإيضاح، (3/321)
صفحة 1749
يدرك على البائع الثمن الذي باعه به إن لم ينفقه، وإن تصدق به خيره بين الأجر وذلك الثمن والله أعلم. وإن باعه الغاصب على الحرام ثم إنه تاب واشتراه من المشتري بدون ما باعه به أولاً أو وهبه له فإنه يرد تلك البقية للمشتري لأنه ماله، وكذلك الثمن إن وهبه له والله أعلم. وإن
كلامه على ظاهره من أن صاحب الشيء لا يأخذه من المشتري مطلقاً، فيجعل حكم اللقطة كذلك، فيخير صاحبها بين الثمن والاجر، وإن كان مخالفاً لظاهر كلامه السابق فيها بل اللقطة أولى بهذا الحكم فإنها دخلت يده بوجه شرعي بخلاف الغصب والله اعلم فليحرر.
قوله: ثم إنه تاب واشتراه الخ. الظاهر ان الحكم كذلك وإن لم يتب، فيجب عليه الرد مطلقاً لأن البيع الواقع على المغصوب والهبة الواقعة فيه لاعبرة فيهما، والظاهر أنه إنما خصه بالتائب لأنه الذي يظهر فيه الرد والامتثال هو والله أعلم. قوله: بدون ما باعه به أولاً الخ. فلو اشتراه بأزيد فإنه ينظر هل يرد له البائع وهو المشتري الأول تلك الزيادة كما يدرك عليه البقية فيما إذا وقع الشراء بأنقص فلا يأخذ منه أنقص من ثمنه، ولا أزيد منه، وهو الظاهر، وإن لم يتعرض له لأنه لا عبرة بالبيع الأول ولا بالبيع الثاني أولا يردها له؟ بل تصير بمنزلة الغلة، فيستحقها في ظاهر الحكم حيث كان ضامناً له، والظاهر أن الأول متعين إذا علم بالغصب، وهذا كله إذا باعه لغاصبه، وأما لو باعه للغير فإنه لا فرق بين أن يبيعه بأقل أو بأكثر أو بمساو لأن كل مشتر يرجع على بائعه بالثمن الذي قبضه منه إلا أن يصل إلى الأول والله أعلم. قوله: لأنه، أي ما ذكر من البقية، وذكره مراعاة للخبر والاولى لأنها. قوله: وكذلك الثمن الخ .. اي وكذلك الثمن يرده لصاحبه إن وهب له
- 322 - (3/322)
صفحة 1750
باعه أيضاً الغاصب فأفداه صاحبه، فإنه يدرك على الغاصب ما أفداه به، لأنه هو الذي استهلكه إلا إن أفداه بأكثر من قيمته فإنه لا يدرك عليه إلا ما يقابل قيمته والله أعلم. ومن اشترى من رجل شيئاً، فقال له البائع: هذا الذي بعته لك هو حرام، أو باع له زيتاً فقال له: هو منجوس، فإنه لا يشتغل به بعد البيع، وإن علم البائع أنه كما قال، فليرد عليه الثمن الذي أخذه منه، وإن أبى أن يأخذه فليضعه قدامه من حيث يراه، ومنهم من يقول: إن لم يأخذ البائع الثمن من المشتري فإنه يشتغل به،
صاحبه ذلك الشيء فإن هذا البيع وهذه الهبة لا عبرة بهما والله أعلم. قوله: فأفداه، لعله فقداه
تنقص
قوله: إلا ما يقابل قيمته، الظاهر أن المراد قيمته يوم فدائه إن لم تـ قيمته يوم غصبه فإنه يضمن أعلى القيمتين لأنه جان والله أعلم. قوله: لا يشتغل به بعد البيع، أي سواء قبض منه الثمن أو لا، وسواء كان أميناً أو لا.
قوله: وإن علم البائع أنه كما قال، أي علم أن الشيء في نفس الأمر كما أخبر وأنه إنما باع حراماً فإنه يرد الثمن للمشتري، وإن لم يصدقه لأنه لا يحل له إمساكه ورد جميع الثمن في الحرام ظاهر، وأما في الزيت المنجوس، فالظاهر أنه يمسك من ثمنه قيمته منجوساً، كما يؤخذ من كلامه بعد حيث جعل له قيمته، والله أعلم فليحرر.
قوله: إن لم يأخذ البائع الثمن الخ. أي أميناً كان أو غير أمين لعدم تمام
- 324 - (3/323)
صفحة 1751
ومنهم من يقول: يشتغل به إذا كان أميناً أو صدقه على قول بعضهم والله أعلم. وإن تلف ذلك الزيت المنجوس فإنه يدرك عليه البائع قيمته منجوساً، وإن خلطه المشتري بزيته فلا يضمن له البائع شيئاً من ذلك إلا إن قال له أولاً: بع لي زيتاً طاهراً أملاً به خابية زيت، فباعه له على ذلك ولم يعلم، ثم خلطه بزيته، فالبائع ضامن لزيت المشتري حين غره، ومنهم من يقول: لا ضمان عليه، وذلك فيا يوجبه النظر، لأن البائع لم يباشر الفعل بيده والله أعلم. ومن اشترى بدنانير حرام يداً بيد فالبيع
الفعل بينهما لضعف التهمة في إرادة الفسخ مثلا بخلاف ما إذا قبض الثمن، فإنه لا يشتغل به على هذا الحال، ولو كان أميناً لتمام الفعل بينهما فتقوى التهمة في إرادة الفسخ والله أعلم.
قوله: يشتغل به إذا كان أميناً، يعني مطلقاً
قوله: على قول بعضهم، أي وهم القائلون بأن الأمين أو التصديق حجة
والله أعلم. قوله: قيمته منجوساً، هذا يقتضي أن الأدهان المنجوسة لها قيمة، وهو
كذلك على ما اختاره رحمه الله في صدر الكتاب والله أعلم.
قوله: وإن خلطه المشتري الخ. يؤخذ منه أيضاً حكم مسألة البذر، إذا زرع ولم ينبت، وأنه يفرق بين المدلس وغيره كما تقدم الكلام عليه بالهامش في الزيادة التي تمنع رد الشيء بالعيب.
قوله: ومن اشترى بدنانير حرام الخ. قال في السؤالات: والرجل المعروف
- 324 - (3/324)
صفحة 1752
فاسد، وكذلك إن اشترى إلى دنانير حرام، لأن ما جر إلى الحرام حرام، ومنهم من يقول: البيع جائز ولو اشترى بدنانير حرام يداً بيد، ويضمن لصاحب الدنانير دنانيره، ومنهم من يقول: صاحب الدنانير بالخيار، إن شاء أخذ ذلك وإن شاء أخذ دنانيره، وذلك لأن ذلك الشيء عوض لدراهمه والله أعلم.
بأكل الحرام إذا اشترى شيئاً حلالاً لوجهه، ولم يكن عنده الدنانير أنه يعامل في تلك السلعة بكسر السين، إلى أن قال: وإن كانت الدنانير في داره، ولم يدفعه في حينه ذلك ففيه قولان، وإن كان دفع الدنانير هذا بذا فلا تجوز معاملته، فيما روى أبو عمر. وعن الشيخ محمد بن الشيخ يعقوب اليراسني قال: وحدثني ابو يعقوب يوسف بن محمد عن ابي عمرو رحمه الله أن رجلا يقال له دوناس بن جبر من مزاتة، سأل الشيوخ عن ثلاث مسائل نزلت عليه فرخصوا له فيهن، وذلك أنه اشترى بستاناً بدنانير حرام، فأجابوا: له أن يتصدق بتلك الدنانير إن لم يعرف صاحبها، فإن علمه فليدفعها له أي يدفع له قدرها، وأما هي فقد استهلكت كما هو معلوم، ثم قال: وانه اشترى امرأة على أنها خادم فتسراها ثم تبين له أنها حرة، فأجابوا: له أن يجدد لها النكاح، وأنه حلف في مصحف وهو كاذب، فأجابوا: له ان يكفر كفارة يمين انتهى.
قوله: ومنهم من يقول البيع جائز الخ. وعلى هذا يتمشى على قول من قال الدنانير والدراهم لا ريبة فيها، ولو كانت من الجائزين كما ذكره في السير عن بعض المشايخ، وهو أبو نوح عن الشيخ أبي العباس بن أبي يعقوب يوسف بن يعقوب ابن تيمال ذكر ذلك في التعريف بأبي العباس، وذكر له مسائل رخص فيها رحمه
الله فليراجع
- 325 - (3/325)
صفحة 1753
اختلف العلماء يم يرجع المشتري على البائع إن اشترى منه شيئاً فاستحق من يده، قال بعض: يرجع عليه بالثمن الذي أعطاه إياه، وقال بعض: يرجع بالعوض، وقال بعض: يرجع عليه بالقيمة، والذي عليه مذهب من قال يرجع عليه بالثمن أن البيع بعد الاستحقاق منفسخ، فإذا انفسخ البيع رجع عليه بما أعطاه له، ومذهب الآخرين لأن اتفاقهم إنما هو على أن يبيع له ما هو له وعليه وقع البيع، فإذا غره بما ليس له فعليه مثله أو قيمته على قول الآخرين، لأن المثل في ذلك من كل الوجوه
و صدر
قوله: بم يرجع المشتري الخ. يعني إن لم يشترط العوض على الراجح في الأرض وفي جميع الأصول قوله: قال بعض يرجع عليه بالثمن، الظاهر أن هذا المعتمد، هو به ولم يحك غيره فيما تقدم والله أعلم. قوله: رجع عليه بما أعطى، يعني وأما إن زاد فيه شيئاً فقد تقدم الكلام عليه، وكذلك النقص
قوله: لأن اتفاقهم، علة المحذوف تقديره مثلا إنما يرجع بالعوض أو بالقيمة.
قوله: فعليه مثله أو قيمته، يعني يوم استحق فإن زاد عنه شيئاً دخل في المثل أو القيمة، ويبقى الكلام فيه بين البائع والمستحق، ويحتمل أن المراد مثله أو قيمته من غير ما زاد فيه المشتري فيبقى الكلام فيه بينه وبين المستحق على ما تقدم، ثم الظاهر على هذا الاحتمال أن على القول بالقيمة أنه ينظر إلى أعلى
- 326 - (3/326)
صفحة 1754
إنما يصح
يتعذر، ولذلك ذهب بعض إلى أنه لا يدرك العوض، إلا إن اشترطه فإن لم يشترطه عند البيع لم يدركه، لأن من قال يدركه وإن لم يشترطه ذلك عنده إذا استحقت من يده أرض في أرض مثلها في الجودة والقرب والأمان والله أعلم. ويدخل هذه المسألة أيضاً الاختلاف. وإن اشترط العوض من قبل البيع والشرط، فمن جوز البيع والشرط جاز عنده اشتراط العوض، ومن أجاز البيع وأبطل الشرط، أبطل
القيمتين: بين يوم البيع ويوم الاستحقاق، لأن البائع ظالم، والظالم احق أن
يحمل عليه والله أعلم.
قوله: إلا إن اشترطه، أي معيناً.
قوله: في أرض مثلها، متعلق بقوله يصح لا بقوله استحقت، ولا هو صفة للأرض، والمعنى إنما يصح ذلك وهو العوض إذا لم يشترطه في أرض مماثلة للأرض المستحقة، وإنما أخر قوله في أرض مثلها على قوله في يده أرض لئلا يعود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة في غير الأبواب السبعة
قوله: وإن اشترط، إن وصلية، والواو للحال
وهو
قوله: ومن أجاز البيع وأبطل الشرط الخ. بقي عليه قول ثالث، إبطالهما معاً، وانظر ما الحكمة في عدم حكايته، ولعله لكون بطلانها معاً على الإطلاق لا معول عليه عنده لقوله عليه السلام: (المؤمنون على شروطهم)
الحديث
(1)
(1) رواه الخمسة.
- rry- (3/327)
صفحة 1755
العوض إن اشترطه المشتري والله أعلم. والذي يجوز فيه العوض الأرض وجميع الأصول، ولا يجوز في غير ذلك من جميع ما يباع ويشترى لتعذر المثل في ذلك، ولا يجوز أيضاً في الأصول إلا في الوفاق من جنس واحد كله، ومنهم من يقول: إنما يجوز فيما بين الأشجار كلها لأنها كلها جنس، وفيما بين الأرض والحيطان، وفيما بين العيون والآبار، لأنها جنس، وفيما بين المطامير والغيران لأنها جنس، ومنهم من يقول: يجوز العوض في هذا كله بعضه ببعض، اختلف أو اتفق، لأنها كلها جنس واحد، واسم الأرض يجمعها كلها، وأما الحيوان والثياب والآنية وجميع العروض، فلا يجوز فيهم العوض لتعذر المثل فيها،
قوله: والذي يجوز فيه العوض الخ. يحتمل أن يكون تقييداً لقوله أولاً وقال بعض: يرجع عليه بالعوض وهو الظاهر، ويحتمل أن يكون قولاً رابعاً في المسألة، وعلى كل تقدير بقي الكلام عند هؤلاء فيما يجوز فيه العوض: هل
يرجع فيه بالثمن أو بالقيمة؟ فكان على المصنف رحمه الله بيانه والله أعلم. قوله: ولا يجوز في غير ذلك الخ. لعل المراد به ما لم يكن من الحبوب والأدهان، ويرشد إلى ذلك قوله: لتعذر المثل في ذلك، فإن المثل فيه أولى من المثل في الأرض وما اتصل بها والله أعلم. ويشهد له أيضاً قوله بعد: وأما الحيوان الخ. . لأن المكيل والموزون ليسا من العروض على ما تقدم عن أبي زيد، وإن كان قوله بعد: ومنهم من يقول يجوز العوض الخ لا يساعد على هذا لظهور علته والله أعلم.
- TTA- (3/328)
صفحة 1756
ومنهم من يجوز الشروى في الحيوان والمثل في الحبوب، ودليل هذا القول فيما يوجبه النظر حديث أبي رافع الذي جوز العوض في الحيوان، والذي يوجبه النظر عندي: أنه لا يجوز اشتراط العوض فيما سوى الأصول، لأن الحيوان وإن تشابهت في الصفة فإنها قليلة الشبه في الأفعال و الله أعلم. ولا يعوضه أيضاً المشترك في غير المشترك، ولا غير المشترك في المشترك، لأن ذلك ليس بمماثل، أما المشترك في المشترك
قوله: الشروى، في الصحاح: وشروى الشيء مثله، فعلى هذا قوله بعده والمثل في الحبوب من التفنن في العبارة.
قوله: ودليل هذا القول الخ. فإن قلت حديث أبي رافع إنما يثبت العوض في الحيوان، فالمثل في الحبوب من باب أولى فهو من فحوى الخطاب
والله اعلم.
قوله: لأن الحيوان الخ. فيه تأمل لأن الدليل فيه أخص من المدعى، لأن المدعى أنه لا يجوز اشتراط العوض فيما سوى الاصول ولا شك أنه شامل لجميع المتنقل حيواناً كان أو غيره، فلا يلزم من امتناع العوض في الحيوان امتناعه في غيره، اللهم إلا ان يقال أراد بما سوى الاصول الحيوان فيكون قولاً ثالثاً في المسألة والله اعلم. ويحتمل ان يكون قوله: والذي يوجبه النظر عندي اختياراً منه للقول الأول، وأن معنى قوله فيما تقدم والذي يجوز فيه العوض الخ أي اشتراطه، وربما يؤخذ منه الميل إلى انه لا يجوز العوض منه بالشرط في شيء خاص لكن في التعليل قصور أيضاً والله اعلم فليحرر.
- 329 - (3/329)
صفحة 1757
فجائز. والعقود التي يجوز فيها اشتراط العوض هي العقود التي يرجع فيها من استحق منه ذلك الشيء على صاحبه الأول مثل البيع والإقالة والتولية والمبادلة والهبة للثواب، وما أخذ في الديوان والإجارة والصداق وما أشبه ذلك والله أعلم. ويجوز العوض من غير أن يكون مقصوداً إليه هكذا، ويجوز أن تشترطه في أصله هكذا أو في جنان معروف من أصله، أو يقصد إلى شيء واحد فيجعله عوضاً له، ويجوز أن يشترطه فيها اشتراه لنفسه، أو الجميع من ولي أمره من اليتامى والمجانين والغياب إذا اشترى لهم، وأما إن باع مال هؤلاء، فلا يجوز أن يشترط عليهم العوض في أموالهم، لأن ذلك ليس بصلاح لهم، وإن جعل ذلك
قوله: التي يرجع فيها من استحق منه الخ. حاصله أن المراد بها العقود التي قصد فيها العوضية فتخرج الهبة لغير ثواب، والوقف ونحو ذلك والوصية ويدخل الصداق لأنه قصد فيه العوض، وإن قصد معه مكارم الاخلاق، ويستثنى من ذلك السلم كما سيأتي لخروجه عن الأصول فصار بابا ضيقاً قوله. وما أشبه ذلك، أنظر ما حكم الوصية إن استحق الموصى به،
والظاهر انه لا يلزم الورثة عوض ذلك او مثله او قيمته وهو كذلك. قوله: من اليتامى الخ. ظاهر هذا التقييد يخرج الوكيل عن شيء خاص، وهو ظاهر لأن الوكيل لا يتعدى ما وكل عليه والله اعلم
•
قوله: أن يشترط عليهم، يجوز ان يقرأ بالبناء للمفعول وهو الظاهر، ويجوز أن يقرأ بالبناء للفاعل وهو المتبادر، ووجهه أنه لما كان ذلك متوقفاً على إجازته
- 330 - (3/330)
صفحة 1758
الشيء للمشتري من ماله فجائز له، ولا يرجع عليهم بالشيء، لأن ذلك تطوع منه، ويجوز للبائع أن يجعل العوض للمشتري من ماله أو من مال غيره بإذن صاحبه، وإن جعله فيما علقه من ماله إلى غيره مثل بيع الخيار أو العطية للغياب أو ما كان موقوفاً إلى غيره، فذلك العوض أيضاً موقوف، فإن صار إليه ذلك الشيء صح العوض، فإن صار لمن علق إليه بطل العوض، ويرجع المشتري على البائع بالثمن إن استحق منه
نسب إليه والله أعلم.
وهو
قوله: أو من مال غيره بإذن صاح ينظر هل إذا استحق الشيء من يد مشتريه وأخذ العوض الذي جعل له من مال الغير بإذنه يدفع البائع قيمة ذلك العوض لصاحبه أو لا يدفع له شيئاً ويجعل متبرعاً إلا أن يشترط ذلك الظاهر؟ والله أعلم. قوله: أو من كان موقوفاً الى غيره، كالعبد والطفل فإن العطية لها متوقفة على إجازة السيد والبلوغ، فإن بلغ الطفل ولم يجز بطلت، وفي بعض النسخ أو
ما كان
برجوع
قوله: ويرجع المشتري على البائع بالثمن الخ. ينظر هل جزمه هنا المشتري على البائع بالثمن من خصوصيات العوض إذا بطل فلا يرجع: عليه حينئذ بالقيمة ولا بعوض آخر، بل يرجع بالثمن قولاً واحداً؟ أو هو مبني على المختار أنه لا يدرك العوض إلا إذا اشترطه، فإذا بطل فليس له إلا الثمن إلا إذا غر والظاهر الثاني لأنه لا مانع من رجوعه عليه بالقيمة أو بعوض آخر عند من يجيزه وإن لم يشترطه والله أعلم فليحرر.
من
- 331 - (3/331)
صفحة 1759
الذي اشتراه إلا إن غره ولم يعلم بذلك فإنه يدرك عليه عوضاً مثله والله أعلم. ولا يجوز عوض في عوض، كما لا يجوز رهن في رهن، ولا يجوز أيضاً عوض في رهن ولا رهن في عوض، لأن الرهن ثقة بالمال والله أعلم. وفي الأثر: وإن اشترط المشتري على البائع عوضاً معلوماً ثم اشترط عليه في ذلك العوض عوضاً آخر عوضه لذلك العوض عوضاً آخر إلى ثلاثة أو أكثر، فذلك جائز والله أعلم. وإنما يجوز العوض في
قوله: ولم يعلم بذلك الخ. المتبادر أنه مبني للفاعل، وأن فاعله المشتري، وأن المعنى أنه لم يحصل له العلم، فعلى هذا إذا غره ولكنه علم بذلك من خارج بطل العوض أيضاً، ويحتمل أن يكون مبنياً للمفعول وأن المعنى لم يعلمه البائع، ويمكن ان يتمشى على الخلاف في العيب إذا كان في الشيء المبيع هل العلم بذلك كاف أو لا بد من الإخبار؟ والله اعلم.
قوله: لأن الرهن ثقة بالمال، يعني، فمآ له الرجوع إلى صاحبه أو البيع، بخلاف العوض، فإنه على تقدير الاستحقاق للمشتري فافترقا، وبينها أيضاً فرق من جهة أخرى وهو ان التصرف في الرهن للمرتهن، وفي العوض للمعوض فلا يجوز أخذ أحدهما في الآخر، وأما امتناع الرهن في الرهن فإن الرهن كما قال المصنف رحمه الله ثقة بالمال، وليس بملك للمرتهن حتى يأخذ فيه الرهن، وإن كان عليه التسليط في الجملة، ولهذه العلة أيضاً لم يجز عوض في عوض، وهو أن المشتري غير مالك للعوض حق يعوض فيه، وليس له قبل الاستحقاق تسليط عليه أصلا، وأما من أجازه فكأنه جعل الملك المرتقب بمنزلة الملك الحاصل بالفعل والله اعلم.
- 332 - (3/332)
صفحة 1760
الاستحقاق والدعوة دون غيرهما من المتالف، مثل إن اشترط عليه العوض إن ذهب به السيل أو أصابته صاعقة من السماء أو ما أشبه ذلك من المتألف، فهذا كله لا يجوز فيه العوض لأنه من ضمان المشتري والله أعلم. وإن استخص المشتري في الاستحقاق والدعوة فهذا جائز لأنه ليس بواجب في الأصل بل هو حقه، ولو شاء لتركه كله، وكذلك بعضه، مثل إن قال: إن استحقه على فلان، فهذا عوض لي، وأما غيره من الناس فلا، أو قال إن استحقه علي أحد من قبيلة كذا وكذا أو استحق علي في وقت كذا وكذا، أو في مكان كذا وكذا، أو بشهادة
قوله: والدعوة، أي كان يقول له: متى ادعي علي في هذا الشيء كنت مستحقاً للعوض، يعني ولا أخاصم.
قوله: وان استخص المشتري، أي طلب الخصوص في المستحق أو المدعى
أو الزمان او المكان او الشاهد او الحاكم إلى غير ذلك
•
قوله: والدعوة، المناسب والدعوى بفتح العين والقصر.
قوله: لأنه، أي العوض.
قوله: وكذلك بعضه، يعني يجوز أن يتركه بأن يطالب به في شيء دون شيء أو يبرئه في بعض العوض أو نحو ذلك قياساً على جواز ترك الكل، ولذلك جاز له التخصيص مثل إن قال الخ ويحتمل ان يكون المعنى: وكذلك بعض المبيع يجوز ان يشترط له العوض دون بعض فإنه من التخصيص ايضاً لكن هذا
سيأتي التصريح به في كلامه قريباً والله أعلم.
- 333 - (3/333)
صفحة 1761
فلان وفلان، أو ما حكمه فلان دون غيره من الحكام، فهذا كله جائز على هذا الشرط، ولا يجوز العوض على شريك معروف ولا على خصم معروف، لأن البيع في هذا لم يقع على مال البائع وإنما وقع على مال غيره. وإن اشترط المشتري على البائع إن استحق ما اشتري منه أن يأخذ في بعضه العوض وفي بعضه مقداره من الثمن، فذلك جائز قياساً على اشتراط العوض في الكل، وفي الأثر: واشتراط العوض في الصفقة كلها وفي بعضها جائز، وكذلك من اشترى من رجلين واشترط العوض في سهم أحدهما دون الآخر، أو اشترى رجلان من رجل واشترى
قوله: ولا يجوز العوض على شريك معروف الخ. اي كأن يقول: إن خرج شريكي في هذا الشيء فلان او كان خصمي في هذا فلاناً كنت مستحقاً للعوض، لكن ينظر ما الفرق بين تعليق العوض على شخص معين في استحقاق الكل فيجوز وبين تعليقه عليه في استحقاق البعض فلا يجوز، اللهم إلا أن يقال معنى قوله على شريك معروف او خصم معروف أنه يعلم أن فلاناً شريك في ذلك او خصم فيه فاشتراه على ذلك واشترط له العوض وهو الظاهر، ويدل له قوله: لأن هذا البيع في لم يقع على مال البائع اي فيكون باطلاً ويبطل العوض تبعاً له، وإنما بطل البيع لأنه في مسألة الشريك باع ما له وما ليس له، وفي مسألة الخصم باع ما لم يثبت انه ملكه ولو بحسب الظاهر حيث كانت فيه الخصومة والله اعلم بالمراد فليحرر. قوله: على شريك معروف، الظاهر أن الحكم كذلك ولو كان غير معروف كما ترشد إليه العلة لأنها ترشد إلى أنه عالم بالشركة
- 334 - (3/334)
صفحة 1762
أحد المشتريين العوض على البائع دون صاحبه، أو اشترى رجلان من رجلين و اشترى أحد المشتريين على البائعين، فهذا كله جائز والله أعلم. وحكم العوض أن يكون في يد البائع، وجميع غلاته ومنافعه له ولا يمنعه المشتري منها، ولا يمنعه أيضاً من جميع مصالحه إلا ما كان فيه تلفاً للعين وذها به فإنه يمنعه أن يخرجه من ملكه بوجه من الوجوه مثل البيع والهبة أو الرهن أو الوصية أو الصداق أو العوض أو القسمة أو ما أشبه ذلك المتالف، وأما أن يكريه أو يستعيره أو يصلحه فلا بأس،
من جميع
إذ ليس في هذا خروج من الملك، ويمنعه المشتري أيضاً من جميع
قوله: وحكم العوض الخ. يعني فأحكامه لأحكام الرهن.
قوله: فإنه يمنعه أن يخرجه من ملكه الخ. فإن قلت هذا لا يشمل الرهن والعوض فإنها باقيان على ملك صاحبها كما هو معلوم إلا ان الرهن لا يتصرف فيه مالكه لئلا يبطل، قلت: أراد بالإخراج من الملك ما يشمل الإخراج حالاً او مآلاً، فإن الرهن والعوض، وإن لم يخرجا من ملكه ابتداء لكن يخشى عليهما ذلك بأن يباع الرهن في الدين ويستحق العوض من جعل له فيبطل حق الأول فيه، فإن فعل شيئاً من ذلك من غير علم المشتري فالظاهر أن فعله باطل مطلقاً لتوقفه على الغير والله اعلم.
قوله: ويستعيره، لعله ان يعيره، لأن المراد إعطاؤه للغير على جهة العارية، وهذا فعله أعار، فمضارعه يعير. اللهم إلا ان يقال: السين ليست للطلب إن كان يصح ان يقال استعرته لك بمعنى أعرته والله أعلم.
•
قوله: إذ ليس في هذا إخراج من الملك، يعني ولو أدى إلى تلفه في يد من
- 335 - (3/335)
صفحة 1763
ما يحدث فيه من بناء أو غرس أو حفر المطامير والغيران والمواجيل والآبار وما أشبه ذلك من جميع ما يغيره عن حاله الأول، وهذا إذا اشترط عوضاً معلوماً بعينه، وأما إن اشترط العوض في أصله هكذا فلا يمنعه المشتري من تلف أصله بوجه من الوجوه التي ذكرناها كلها ما بقي له مقدار عوضه والله أعلم. وللبائع أيضاً أن يدرك الشفعة إذا بيع ما يدرك فيه الشفعة دون المشتري ولو أخذه بعد ذلك، لأنه لا يستحقه إلا بعد ما استحق ما في يده. وإن أصدق البائع نصف ماله في الأصل
كري له أو أعير له من غير عوض، وفيه تأمل والله أعلم.
قوله: ويمنعه المشتري الخ. فعلى هذا يلغز ويقال: هل لنا ملك باق على ملك صاحبه ولم يخرج من يده وليس له أن يتصرف فيه تصرفاً تاماً؟ فيجاب:
بإنه العوض المعين. قوله: من تلف أصله، يعني ولا من جميع ما يحدث فيه لأنه من باب أولى. قوله: ما بقي له مقدار الخ. لعله ما بقي له اكثر من مقدار عوضه، يعني انه ليس له المنع ما دام الباقي اكثر، وأما إذا كان الباقي مساوياً فله المنـ وظاهر العبارة لا يعطي هذا وإن كان هو المراد والأمر سهل
•
قوله: ما يدرك فيه الشفعة، أي: بسبب ذلك العوض كأن يشترك مع المبيع في المنافع مثلا، فإذا ردها البائع الآن فليس للمشتري المطالبة بها ولو كان يؤول
اليه العوض بعد الاستحقاق. قوله: نصف ماله، أي النصف الذي له، ويحتمل انه مضاف ومضاف اليه
- 336 - (3/336)
صفحة 1764
لامرأته بعدما عوض للمشترى فداناً معلوماً، فإنها إن دخل المشتري في فدان العوض تدرك على البائع عوضاً مثله إن لم تعلم أنه في العوض عند عقد النكاح لأنه غرها، وإن علمت عند النكاح أنه في العوض فلا تدرك على البائع شيئاً إلا إن لم يصدق لها غير تلك الأرض فإنها تدرك عليه عوضاً مثلها، وقيل: ترجع إلى صداق أنسابها، وأما امرأة المشتري إن أصدق لها نصف ماله من الأصل فإنها تدخل أين دخل والله أعلم. والتبرئة من العوض كله أو بعضه جائزة بعد وجوبه، لأن هذا حقه إن
قوله: بعدما عوض للمشتري فدانا معلوماً الخ. بقي صورتان أخريان إحداهما ان يصدقها ذلك قبل أن يعوض للمشتري فداناً معلوماً،، والثانية أن يصدقها ذلك بعدما اشترط عليه المشتري عوضاً أيضاً لكنه غير معلوم، والظاهر أنه في الأولى تدرك عليه نصف الاصل مطلقاً علمت أو لم تعلم، لتقدم حقها على حق المشتري، وأما الثانية فيحتمل أنه على التفصيل المذكور في العوض المبين، و يحتمل ان يكون من ماله خاصة، وهو الظاهر كما يفهم من التقييد في قوله فداناً معلوماً والله أعلم.
قوله: بعد وجوبه، يحتمل أن يكون المراد بعد الاستحقاق وصيرورته حقاً واجباً له يتصرف فيه، إن شاء فلا يرجع على البائع بشيء لأن حقه قد تعين في هذا الشيء وتركه، ويحتمل أن يكون المراد بوجوبه كونه محكوما عليه بالعوضية متعيناً لذلك لا يباع ولا يوهب مثلا، فإذا أبرأه المشتري من العوض بطل حقه فيه فلا يمنعه من التصرف فيه كيف شاء، وأما الثمن فله الرجوع به إذا استحق الشيء بعد ذلك، وهو الظاهر والله أعلم.
- 337 -
ه م 22 - الإيضاح، (3/337)
صفحة 1765
شاء أخذه وإن شاء تركه، وكذلك سائر الحقوق، وكذلك إن باع المشتري ما اشترى أو استأجر به أجيراً أو وهبه أو أصدقه أو جعله للمسجد أو للمساكين أو ما أشبه ذلك من وجوه المتألف كلها، فإن
منه
العوض يرجع إلى صاحبه، لأن هذا كله مثل التبرئة، وإن باع تسمية، ففي الأثر: ويعجبني أن يبقى للمشتري من فدان العوض مثل
الذي بقي له من فدان الشراء، ويزول منه مثل الذي زال من فدان الشراء بالقيمة والله أعلم. وأما إن باعه فخرج في بيعه انفساخ فإن العوض
من يد
قوله: فإن العوض يرجع إلى صاحبه الخ. ينظر هل للمشتري الرجوع على البائع يعد بطلان العوض بالثمن او بالقيمة إذا استحق ذلك. المشتري الثاني مثلا أولا يرجع بشيء، وهو المتبادر من ظاهر العبارة؟ والظاهر الأول لأنه لا يلزم من بطلان حقه في العوض بطلان حقه من اصله لأن الشيء قد رجع إلى صاحبه فيم يمسك حقه كما قال: (ارأيت إن منع الله الثمرة فيم يأخذ أحدكم مال اخيه) (1) وعلى هذا فمعنى كلام المصنف رحمه الله مثل التبرئة أي
من العوض، وأما الثمن فلا يسقط إلا بإسقاطه والله أعلم.
قوله: ويزول منه إلى قوله بالقيمة، يعني ولا يزول منه قدر التسمية التي بيعت من الفدان ولا ثمنها لأنه ربما كان أنقص من القيمة أو أزيد بل يقوم العدول ما باعه وما بقي له.
قوله: فخرج في بيعه انفساخ أي علمه مع المشتري كالجهل في الثمن أو المثمن
(1) تقدم ذكره.
338 - (3/338)
صفحة 1766
ثابت على حاله، لأن بيع الإنفساخ ليس بشيء، وإن خرج فيه العيب فقد انفسخ العوض لأن بيع العيب بيع تام، وإن اشترى المقارض شيئاً للتجارة فاشترط فيه العوض، فأخذ صاحب المال ذلك الشيء الذي اشترى في ماله فإن العوض ثابت على حاله، لأن المقارض وكيل صاحب المال وهو بمنزلة وكيله، وكذلك الشفيع إن أخذ من المشتري الأرض
أو الاجل او نحو ذلك مما يوجب رده على البائع فإنه يرجع إليه الشيء ولا يبطل عوضه كما قال رحمه الله، وأما الاستحقاق إن ظهر عند المشتري الثاني، فإنه يبطل العوض حين باعه بيعاً صحيحاً بحسب الظاهر كما يدل عليه قوله السابق، وكذلك إن باع المشتري ما اشترى، فإن قلت: ظهور الاستحقاق يدل على أن البيع منفسخ، فإن الشيء في الحقيقة باق على ملك صاحبه فيلزم أن يكون العوض ثابتاً ايضاً في هذه الصورة، قلت: إنما بطل العوض هنا لأن البيع بحسب الظاهر وقع موافقاً للشرع فبطل حقه في العوض حين باع، وأما الاستحقاق فأمر غيبي بخلافه في الصورة الأولى فانه غير موافق للشرع ابتداء، فكأنه
يحصل هناك. بيع فثبت العوض والله اعلم
قوله: بيع تام، أي فلذلك جاز له إمساكه
قوله
: لأن المقارض وكيل صاحب المال وهو بمنزلة وكيله، الظاهر أنه إنما
لم
اتي بالجملة الثانية ليبين أن الحكم عليه أولاً بأنه وكيل فيه مسامحة، لأنه لم يقل له: انت وكيلي، وانظر ما حكم العوض على القول بأنه بمنزلة الأجير، والظاهر مطلقاً لأن المقارض حينئذ أقوى من الوكيل لأنه له جزء في ذلك
أنه لا ينفسخ فصار شريكاً، فمعنى كونه انه بمنزلة الأجير أنه له جزء في مقابلة عمله، وفي غالب النسخ، وهو بمنزلته والله أعلم.
- 339 - (3/339)
صفحة 1767
التي اشتراها بالشفعة فإنه تكون له المعوضة عوضاً مثل المشتري، لأنه بمنزلته ويكون له فيها مثل ما للمشتري، وكذلك الشركاء إن اشتروا شيئاً فاشترطوا فيه عوضاً معلوماً فاقتسموا ما اشتركوا، فأخذ أحدهم في سهمه ما اشتروا، فسهمه من العوض ثابت على حاله، فإذا استحق عليه ذلك الذي أخذ، فإنه لا يرجع في العوض إلا بمقدار سهمه الأول، لأن سهم شركائه من العوض منفسخ حيث خرجوا من الشيء الذي اشتروا، لأن القسمة بيع من البيوع والله أعلم. وإن مات البائع بعدما عوض للمشتري فورثته في مقامه في الذي له والذي عليه، وكذلك إن
قوله: ويكون له فيها مثل ما للمشتري، لأن أصل العقدة في الحقيقة له
با مقدار سهم
شركائه
قوله: فإنه لا يرجع في العوض إلا بمقدار سهمه، يعني، وأما مقد فإنهم يرجعون به على البائع فيأخذون ثمنه أو قيمته حيث بطل العوض، وقد انفسخت قسمتهم كما صرح به فيما سيأتي في باب احكام القسمة، قال: لأنهم اقتسموا ما لهم وما ليس لهم، وإنما لم يصرح بذلك هنا اتكالاً على ما سيأتي، فالاستحقاق بعد القسمة يفسخها كظهور العيب في المشترى، فإنهم لو اقتسموا فظهر العيب عند أحدهم في شيء كان مشتركا بينهم بالشراء فإن قسمتهم منفسخة كما تقدم، يعني ولو رضي بالعيب من جاء في حصته ذلك كما يؤخذ من كلامه حيث قال: وإنما انفسخت قسمتهم لأن كل واحد منهم جائز له أن يرد ذلك الشيء الخ.
قوله: لأن القسمة بيع الخ. يعني إذا وقعت صحيحة مستوفية للشروط ظاهراً، وأما إذا أخلوا ببعض شروطها ظاهراً، فإن العوض يكون ثابتاً على حاله لأن هذه القيمة بمنزلة بيع الإنفساخ كما هو ظاهر والله أعلم.
- 340 - (3/340)
صفحة 1768
•
مات المشتري فورثته في مقامه ويثبت العوض له على حاله، وإن ماتا جميعاً البائع والمشتري فقد زال العوض عن حاله وعن معناه الأول، و جائز لورثة البائع التصرف فيه، وهذا مما ذكر في الأثر والله أعلم وان اشترط المشتري على البائع عوضاً معلوماً ثم استحق ذلك العوض فإنه لا يدرك عليه عوضاً آخر، لأن ذهاب العين المشترطة بطلان للشرط ولكنه يدرك عليه ما أعطاه إذا استحق ما اشتراه منه إلا أن يكون اشترط عوضاً غير معين ثم عينه له بعد ذلك فاستحق ذلك الذي عينه له فإنه يدرك عليه عوضاً آخر إذا استحق ما بيده لأن اشتراط العوض ها هنا غير معين، وكذلك أيضاً على هذا المعنى لمن تلف فدان العوض بما جاء من قبل الله أو غصبه سلطان جائر قبل أن يدخل فيه المشتري
قوله: وهذا مما ذكر في الأثر، يعني وهو غير مناسب لما قبله من موت البائع وحده أو موت المشتري وحده حيث كان من مات منها كانت ورثته بمقامه فإن المناسب هنا ان يكون الأمر كذلك أيضاً، وإلا فما الفرق بين موت أحدهما وموتهما معاً، فكلامه رحمه الله يشعر بأنه كالمتبرئ منه والله أعلم.
قوله: ولكنه يدرك عليه ما أعطاه، لعل هذا بناء على الراجح من أن العوض لا يدرك إلا بالشرط، وأما على غير الراجح من أنه يرجع بالعوض، وإن
•
لم يشترطا وبالقيمة فما المانع والله اعلم قوله: لأن اشتراط العوض ها هنا غير معين، يعني فالتعيين الطارئ لا
عبرة به.
- T{\- (3/341)
صفحة 1769
فإنه لا يدرك عليه عوضاً آخر إلا أن يكون عوضاً غير معين كما ذكرنا. واختلفوا كيف يدخل المشتري في فدان العوض بعدما استحق ما اشتراه، قال بعضهم: يأخذ المشتري ما عوض له البائع فقط إذا كان معيناً مقصوداً، سواء في ذلك وافق العوض ما استحق عليه في القيمة أو أكثر منه أو أقل ولا يدرك غير ذلك، وقال بعض: إنما يأخذ قيمة ما استحق عليه وإن فضل شيء من العوض إذا أخذه صاحبه وإن بقي من قيمة المستحق غرمه البائع للمشتري، وهذا القول عندي أصح لأن بالقيمة يصح المثل بين العوض والمعوض فيه ولا يدخل أيضاً المشتري في فدان العوض إلا بعد الخصومة والاستحقاق بشهادة العدول وحكم الحاكم العادل، لأن الإستحقاق لا يكون إلا هكذا. وإن استحق من فدان الشراء نصفه أو ثلثه أو تسمية منه فليرجع في العوض بقدر الذي استحق
قوله: وقال بعض: إنما يأخذ، أي من القيمة ما استحق الخ. قوله: لأن بالقيمة الخ. الظاهر ان اسم إن الضمير الشأن محذوف على حد إن بك زيد مأخوذ قوله: إلا بعد الخصومة والاستحقاق، يعني إذا كان العوض. الاستحقاق، وأما إذا كان معلقاً على الدعوى فقط فيدخل بدون ذلك، مما تقدم والله أعلم. ويؤخذ من هذا ان الخصومة في دعوى الاستحقاق على المشتري. قوله: في الباقي، أي بالقيمة أيضاً على ما هو الأصح عنده رحمه الله بخلاف
معلقاً
على
كما علم
- 342 - (3/342)
صفحة 1770
من فدان الشراء بالقيمة، وإن استحق الباقي منه بعد ذلك فليدخل في الباقي، وإن كان النصف الذي استحق من فدان الشراء مثل فدان العوض في القيمة فهو له كله بقيمته والله أعلم. وكل من استحق ما اشتراه المشتري بشهادة عدلين فالمشتري داخل في العوض ولو استحقه هو واستحقه البائع لكل من ولي أمره من اليتامى والمجانين والغياب، وإن أراد المشتري الدخول في فدان العوض فعارضه غرماء البائع فأرادوا أن يخاصموه بديونهم فالمشتري أولى منهم لأن هذا مثل الرهن، وإن أراد المشتري الدخول في فدان العوض بالقيمة وفيه الثمار فإنها للبائع إن أدركت ولا تدخل في القيمة، وهي داخلة في القيمة إذا لم تدرك ويأخذها المشتري لأنها تابعة للأرض ما لم تدرك، وإن أدركت فغير تابعة لها بدليل جواز بيعها
ظاهر العبارة والله أعلم.
قوله: هو، أي المشتري لنفسه أو لمن ولي امره.
قوله: مثل الرهن، اي حيث كان ثقة بالمال، ويمنع البائع من إخراجه من ملكه، وأن يحدث فيه ما يغيره، وإن كان حكمه في يده بالنظر إلى الاستنفاع كما تقدم بخلاف الرهن فالتشبيه غير تام، والظاهر ان هذا من العوض المعين
والله اعلم.
قوله: فإن ادركت فغير تابعة لها، يعني فلذلك لم تدخل في القيمة، وإنما لم تدخل ايضاً في القيمة لأنه يشبه ايضاً بيع أشياء مختلفة بثمن واحد كما تقدم.
- 343 - (3/343)
صفحة 1771
دون الأرض، وأما الزرع فكل ما. رثه البائع بعد العوض فهو له أدرك
حر
أو لم يدرك لأنه أدخله من خارج، وكذلك أيضاً إن بني فيه البائع بعد أن عوضه أو غرس فيه فإنه يدرك على المشتري قيمة ذلك، إن دخل فيه بعد الإستحقاق والله أعلم. وإن اشترط المشتري على البائع في بدء أمره إن استحق عليه بعض ما اشترى فهو رجوعه في العوض كله فذلك جائز وله شرطه، ومنهم من يقول: لا يجوز إلا بالقيمة، وكذلك على هذا المعنى إن اشترط عليه الدخول فيه بغير قيمة والله أعلم. وأما إن اشترط
قوله: بعد العوض، يعني وما قبله فمن باب أولى، لكن ينظر هل يعطي قيمة ما نقصت الأرض في الصورتين إذا لم يدرك الزرع أو يستصحب الأصل حيث جاز له ذلك شرعاً فلا يعطي شيئاً؟ وهو المتبادر من كلامه حيث أطلق وإن كان الأول أظهر في القياس والله أعلم، فليحرر.
قوله: فإنه يدرك على المشتري قيمة ذلك، هذا ظاهر إذا اذن له المشتري في ذلك أو عرف به فسكت، وأما إذا منعه ففعل، فالظاهر أن يكون حكمه كحكم الغاصب، وقد تقدم بيان ذلك والله اعلم.
قوله: لا يجوز بالقيمة، هذا هو الظاهر كما اختاره المصنف فيما تقدم من ان الدخول في العوض لا يكون إلا بالقيمة لأن هذا الشرط ربما احل حراماً أخذ وهو اکثر المشتري من حقه، وربما دخله أيضاً الجهل فإنه لا يدري هل العوض زائد على حقه أو ناقص او مساو، و كذلك في الصورة التي بعده، فالظاهر انه لا يدخل إلا بالقيمة، وإن اشترط عدمها لما يؤدي إليه هذا الشرط والله أعلم. قوله: وأما إن اشترط عليه إن ادعى الخ. إنما ذكره وإن كان معلوماً مما
- rit- (3/344)
صفحة 1772
عليه إن ادعى عليه في فدان الشراء فهو دخوله في فدان العوض فهو جائز وليس عليه في الخصومة شيء، ويرجع في فدان العوض إن ادعى عليه فيما اشتراه كما اشترطه ولا يرجع فيما اشترى بعد الدعوة ولو رده صاحبه بالخصومة لأنه قد علّق دخوله فيه إلى الدعوة فقط والدعوة إنما ينظر فيها إلى كل من له دعوة وفعل، وأما دعوة الأطفال والمجانين وكل من ليس له فعل فليس ذلك بدعوة والله أعلم. وأما الوجه الذي علق فيه الدخول في العوض إلى الإستحقاق فإن الخصومة عليه في ذلك وإن استحق
تقدم ليرتب عليه الحكم الذي بعده من انه لا رجوع له فيه بعد ذلك وليبين من تصح منه الدعوى.
قوله: فهو جائز الخ. يعني ويدخل في فدان العوض بالقيمة على الراجح كما تقدم، وإن كان ظاهره الإطلاق والله اعلم قوله: والدعوة، صوابه والدعوى لأن الدعوة هي ا المرة الواحدة الدعاء، واما الإسم من قولك الداعية على فلان فهو الدعوى كما ذكره في الصحاح.
قوله: وكل من ليس له فعل، كالعبد والمحجور عليه
من
قوله: فان الخصومة عليه في ذلك، وأما اليمين اذا توجهت فالظاهر انها على البائع، فلو ادعى على المشتري انه عالم بحقه في ذلك، وطلب منه اليمين، فالظاهر أنها تتوجه عليه أيضاً، وفائدة توجه اليمين على البائع مع انه لا يصدق إذا أقر انه له انه تلزمه قيمة ما باع والله اعلم، فليراجع وليحرر، فإني لم أر فيه نصاً ولكن القواعد تقتضيه
- 345 - (3/345)
صفحة 1773
بالخصومة والشهود ثم دخل في العوض ثم بعد ذلك رده البائع بالخصومة فإنه يرجع إليه في هذا الوجه لأن تعليق دخوله في العوض إنما هو إلى الإستحقاق وليس بمستحق منه بعد أن رده البائع بالخصومة، وأما إن رجع إلى البائع بوجه من الوجوه غير الخصومة فلا يرجع فيه المشتري والله أعلم. وإذا انقضت أسباب العامة للبيوع مما يفسدها ويصلحها وأحكام الصحيح والفاسد منها فلنرجع إلى شرح أنواعها مما يخصها باباً باباً إن شاء الله تعالى.
قوله: بعد ذلك رده البائع بالخصومة، يؤخذمنه ان كلا من البائع والمشتري له مخاصمة مدعي الاستحقاق والله اعلم.
قوله: فلا يرجع فيه المشتري، اي لتحقق الاستحقاق حينئذ بخلافه في الصورة الأولى.
000000
- 346 - (3/346)
صفحة 1774
باب في بيع الصرف
والصرف جائز بين الناس، وهو بيع من البيوع، وإنما يكون في الذهب والفضة على ما تراضوا عليه من قليل أو كثير، ولا يجوز إلا يداً بيد، والأصل فيه ما روي عن زيد بن أرقم والبراء بن عازب عن النبي
وما
أنه قال لهما (لا بأس بالصرف يداً بيد وأما بالنسيئة فلا) (1) روي أيضاً عن أبي سعيد الخدري عن النبي ع: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا يداً بيد) (3) والله أعلم. ويجوز الصرف بالوزن وبغير الوزن بخلاف السلم وإن اتفقا على الصرف فوزن أحدهما ديناره ووزن الآخر دراهمه فحمل صاحب الدراهم الدينار وحمل صاحب الدينار الدراهم من غير أن يقولا: هذا بذا، فذلك جائز لأن من شرط الصرف التقابض
باب في بيع الصرف
قوله: في الذهب والفضة، أي مسككين أو غير مسككين. قوله: من غير أن يقولا هذا بذا فذلك جائز الخ. ظاهره أنه جائز من
•
(1) متفق عليه
(2) متفق عليه. (3/347)
صفحة 1775
في المجلس فقد فعلاه، وكذلك أيضاً، اتفقا على الصرف فوزن كل واحد منهما ما في يده ثم صره ثم قال: هذا بذا فذلك جائز لأنهما قد تقابضا في المجلس، وأما إن تواروا على الدنانير والدراهم بعدما وزنوهم فقال صاحب الدنانير لصاحب الدراهم الدنانير التي وزنتها لك في دراهمك فذلك لا يجوز لأنهما لم يتقابضا في المجلس الذي هو شرط في صحة الصرف، والدليل ما روي عن جابر بن زيد رحمه الله قال: (بلغنى عن طلحة بن عبد الله
أنه لا
لفظ
غير خلاف مع كونه بيعاً من البيوع، يقتضي بد من البيع، أو ما يقوم مقامه كما تقدم، ويحتمل أنه ماش على القول بأن دفع البدل يزيل الضمان، و أنه متى دفع البدل برئت ذمته لأن حقيقة البيع المعاوضة، يعني ويشترط في الصرف أن يكون في المجلس وقد حصل ذلك والله أعلم.
-
قوله: ثم قال هذا بهذا الخ. إنما أتى بهذا اللفظ على قياس قوله السابق من أنه لا يحتاج إلى الصيغة تصويراً للمسألة فقط، لأن شرطه التقابض في المجلس، وقد حصل، وإلى فرق بعد الاطلاع على حقيقة ما في يد كل واحد منها بين كونه مصروراً أو غير مصرور، فلو قال مثلاً: حمل كل واحد منها ما في يد صاحبه الخ. لصح على قياس قوله والله أعلم. قوله: لك في دراهمك، الظاهر أنه متعلق بمحذوف وقع خبراً للمبتدأ أعني قوله: الدنانير، وليس ظرفاً لغواً لقوله وزنتها، لأنه لو وزنها له لكانت في يده، والتقدير الدنانير التي وزنتها جعلتها لك في دراهمك مثلا، ويحتمل أنه ظرف لغو والخبر هو قوله: في دراهمك، والمعنى وزنتها لأجلك والأمر في
ذلك سهل
- TEA- (3/348)
صفحة 1776
أنه التمس صرفاً من رجل فأخذ طلحة الذهب يقلبه بيده وقال: حتى يأتي خازني من الغابة - وعمر بن الخطاب رضى الله عنه حاضر ـ فقال: والله لا تفترقا حتى يتم الأمر بينكما، فإني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الذهب بالورقربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر رباً إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر رباً إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير رباً إلا هاء وهاء) (1) ولهذه الأحاديث لم يجوزوا الخيار في الصرف وإن اشترطاه انفسخ الصرف، ومنهم من يقول الشرط باطل والصرف جائز، وكذلك أيضاً لا يجوز في الصرف الحمالة ولا الحوالة. وأما التولية والقيلولة فجائزتان في الصرف لأنه بيع من
قوله: أنه التمس صرفاً من رجل فأخذ طلحة الذهب الخ. في هذا الكلام تأمل بحسب الظاهر فإن صدره يقتضي أن الطالب لصرف الذهب هو ظلحة، وأن الرجل هو المطلوب منه وآخره يقتضي أن الطالب لصرف الذهب هو الرجل وأن طلحة هو المطلوب منه، وانه القابل حتى يأتي خازني فيلزم أن يكون الكلام متدافعا، والظاهر أنه سقطت لفظة (من) من قلم الناسخ، والأصل
فأخذ، أي الرجل من طلحة الذهب الخ. فيتم الكلام والله أعلم فليراجع. قوله: إلا هاء وهاء، هو بالمد فيها قال في الصحاح: وإذا قلت هاء يا رجل يفتح الهمزة كان معناه هاك وللإثنين هاؤما، وللجميع هاؤم، مثل ها كما وهاكم الخ، والمعنى أن كل واحد منها يقول لصاحبه خذ، والله أعلم.
قوله: لأنه بيع، لعله لأنها بيع لأن المحدث عنه التولية والقيلولة، ويحتمل
(1) متفق عليه. (3/349)
صفحة 1777
البيوع، وصرف التسمية في الدنيار جائز، وأما من جملة الدنانير والدراهم فلا يجوز لأن بيع التسمية فيها غير جائز. وإن كان لرجل على آخر دراهم واتفقا أن يعطيه صرف در اهمه ديناراً أو له عليه دينار فأراد أن يعطيه
أنه أفرد الضمير باعتبار ما ذكر، ويحتمل أنه راجع إلى الصرف، والمعنى لأن الصرف بيع من البيوع وهما كذلك، يعني بخلاف الحمالة والحوالة فإنها ليستا من البيوع، لأن الحمالة شغل ذمة أخرى بالحق، والحوالة نقل الدين من ذمة إلى ذمة تبرأ منها الأولى، وقيل طرح الدين من ذمة بمثله في أخرى والله أعلم. هكذا ذكره في بعض كتب قومنا، ولكن سيأتي للمصنف رحمه الله في باب التولية التصريح في الحديث بأن الحوالة بيع، وعلى هذا إنما لم تجز الحوالة، وإن كانت
بيعاً لعدم التقابض في المجلس غالباً وطرد في الباقي والله أعلم.
قوله: وصرف التسمية في الدنانير جائز، أي الدينار المعين.
قوله: وأما من جملة الدنانير الخ. يحتمل أن يكون المراد:: وأما صرف التسمية من جملة الدنانير، فلا يجوز كأن تكون الدنانير مثلا عشرة فيقول له: إدفع صرف نصفها مثلاً ويدل له قوله: لأن بيع التسمية فيها غير جائز، يعني وإن كانت معينة لأن بيع التسمية على المختار لا يجوز إلا في الأرض وما اتصل بها وما لا تمكن فيه القسمة من غيرها، وهذه تمكن فيها، ويحتمل أن يكون المراد: وأما صرف التسمية في الدينار من جملة الدنانير فلا يجوز، يعني لأنه غير معين بدليل المقابلة، فقوله: وصرف التسمية في الدينار جائز، يعني الدينار المعين، والأول أنسب لما بعده، وإن كان كل منهما لا يجوز، لكن التعليل بقوله: لأن بيع التسمية الخ. يقتضي أن من يقول يجواز بيع التسمية
فيما تمكن فيه القسمة يقول يجواز ذلك هنا والله أعلم.
- 350 - (3/350)
صفحة 1778
صرف ديناره دراهم فإنهم اختلفوا في ذلك، قال بعضهم: لا يجوز حتى يكونا حاضرين، لنهيه له عن بيع الذهب بالورق إلا هاء وهاء، وقال بعض: البيع جائز والقضاء ثابت وإن غاب أحدهما إذا ثبت ضمانه في الذمة، وحجة أهل هذا الرأي ما روي عن ابن عمر أنه (سأل النبي فقال: إنا نبيع المواشي بالدنانير والدراهم فيتعذر علينا أحدهما فنعطيهم بالدنانير دراهم أو بالدراهم دنانير بدلاً منها؟ فقال: لا بأس أن تأخذوها وتعطيهم بالدراهم دنانير بدلاً منها) (1) فقال: لا بأس في صرفهما بسعر يومكما ما لم تفترقا والله أعلم. وكذلك أيضاً إن أعطى رجل دنانير لصاحب حانوت فجعل صاحب الحانوت حاجته من الدراهم وغير ذلك حتى تم صرف الدينار فإنه إن شاء صاحب الدينار أن يقضيه في دراهمه فلا بأس على ما ذكرناه في حديث ابن عمر. وإن كسر صاحب
قوله: نبيع، بمعنى نشتري.
قوله: أن تأخذوها، يحتمل أن يكون الضمير راجعاً إلى المواشي، ويحتمل
أن يكون راجعاً إلى الدنانير والدراهم وهو أولى والله أعلم.
قوله: فلا بأس الخ. إنما جاز ذلك لعدم قصدهما تأخير الصرف، بخلاف ما إذا اتفقا على ذلك ولم يتماه كأن يقول له: عليه دنانير فيقول له: أعطيك بدلها
(1) متفق عليه.
- rol- (3/351)
صفحة 1779
الحانوت الدينار في حوائجه فإن كل واحد منهما يرد ما أخذ على صاحبه لأنها غائبان جميعاً والله أعلم. وإن أعطى رجل لرجل دنانير فقال له: زنهم واجعلهم بدراهمك هذا بذا، فلا يجوز؛ لأن البيع لا يكون إلا من بائعين كما قال، وإن صرف الدينار بدراهم رديئة أو فلوس فهو جائز إن علم بذلك صاحب الدينار، وكذلك الدينار إن كان رديئاً بالدراهم الصحاح على هذا الحال تجوز المعاملة بهذا كله. وأما ان لم يعلم بذلك في حال صرفهما فقيه اختلاف بين الفقهاء، قال بعضهم: الصرف منفسخ لا يجوز، وقال بعضهم: يبدلهم له ولا ينفسخ الصرف ولو خرجت الدراهم كلها نحاساً، وفرق بعضهم بين القليل والكثير أعني إن خرج الأقل من الدراهم نحاساً أو فلوساً أبدلهم له، وإن خرج الأكثر انفسخ الصرف، وسبب الخلاف فيما يوجبه النظر
دراهم، أو بالعكس، ولم يدفع له ذلك في المجلس فإنه يؤدي إلى تأخير الصرف قصداً، والحاصل أنه على حديث ابن عمر ينزل مجلس التعاوض منزلة مجلس التبايع
والله أعلم. قوله: أو فلوس، سمى بيع الدنانير بالفلوس صرفاً مجازاً، لأن حقيقة الصرف إنما هي: بالذهب والفضة، لكن لما كانت مسككة صارت شبيهة بهما. قوله: تجوز المعاملة بهذا كله، يعني إن علم بذلك من دفعت له، وكان ممن
يؤمن منه الغش، وأما غيره فحتى يكسرها بين يديه لئلا يغش بها. قوله: لا يجوز، أي لا يجوز إتمامه لأن استعمال المفسوخات غير جائز. قوله: وسبب الخلاف الخ. يحتمل أن يكون سبب الخلاف أيضاً اختلافهم
- 3520 - (3/352)
صفحة 1780
هل التأخير الغير المقصود اليه في الصرف له تأثير فيه أم ليس له تأثير؟ و اذا كان له تأثير فهل هو في القليل والكثير فقط؟ وذلك أن الدراهم التي أبدلهم له على قول من قال يبدلهم له تكون قضاء له في قسط الزيوف من الدنانير على ما في حديث ابن عمر المتقدم، وفيه قول غير هذا أنهما يكونان شريكين في الدنانير، وفي الأثر: وقيل من اشترى عشرة دراهم بدينار فوجد فيها در هماً زائفاً قال: يرده على صاحبه ويأخذ درهما غيره، قلت: وهكذا القياس في هذا، قال: لا. القياس أن يرده ويكون شريكاً في الدينار، قلت: فإن وجد فيها خمسة دراهم؟ قال: يردها ويكون له نصف الدينار، وقال: إذا كان الدرهم أو نحوه
في العقدة الواحدة إذا اشتملت على ما يجوز، هل تكون فاسدة كلها أو يفسد
منها ما لا يجوز ويصح ما لا يجوز؟
قوله: من الدنانير، متعلق بقسط.
قوله: زائفاً، في الصحاح: والدرهم زيف وزائف بمعنى.
قوله: وقال إذا كان الدرهم أو نحوه استحسنته الخ. أي قال مجيباً لمن عن مقتضى القياس بالفرق بين القليل فيبدله، والكثير فيكون شريكا ساله وإن هذا قاله على جهة الاستحسان، يعني وإن كان القياس يقتضي أن يكون شريكاً على كل حال، ثم قوله: الدرهم أو نحوه، وقوله: النصف أو الثلث الظاهر
- 353 -
ه م 23 - الإيضاح، (3/353)
صفحة 1781
استحسنته، وإن كان النصف أو الثلث فإنما يكون شريكاً في الدينار، قال الربيع: يرد عليه ماكان لا ينفق ولا يكون شريكا في الدينار، وكذلك أيضاً إن خرج النقصان في الدينار أو في الدراهم اختلفوا هل ينفسخ الصرف أو يبدل له ذلك؟ والله أعلم. وإنما يكون النقصان عندهم للدينار أكثر من حبة، وأما حبة فإنها تكون بين الموازين، وفي الأثر: وصرف الدينار من الدراهم إنما يكون لهم نقصان أكثر من خروبة، وأما خروبة أو دونها تكون بين الموازين، وكذلك إذا
أنها بالنصب خبر لكان، وأن اسمها ضمير يعود إلى الزائف، وقوله استحسنته،
أي استحسنت رده وأخذ بدله بدليل ما بعده.
قوله: يرد عليه ما كان لا ينفق، يعني ويأخذ بدله وإلا فالود لازم على كل حال، ثم قوله لا ينفق، يحتمل أن يكون مبنياً للفاعل من، نفقت السلعة إذا راجت. فمعنى لا ينفق لا يروج رواج الجيد، ويحتمل أنه أيضاً مبنياً للفاعل من انفق، والإسناد مجازي لكونه سبباً وآلة، والمعنى لا يقضي الحوائج مثلا، ويحتمل أنه مبني للمفعول من انفق أيضاً، والمعنى لا يقضي الحوائج والله أعلم. والأمر في ذلك سهل، وحاصله أن الربيع لا يقول بالفسخ ولا بالاشتراك ولا بالفرق بين القليل والكثير والله أعلم.
قوله: وإنما يكون النقصان الخ. كلام الأثر حاصله: أنه يغتفر في الذهب حبة، وفي الفضة خروبة في الزيادة والنقصان
- rot- (3/354)
صفحة 1782
كانت الزيادة في الدراهم التي أخذت في الدينار أكثر من خروبة فإنه يرد ذلك، وأما خروبة وما دونها فلا بأس لأنها تكون بين الموازين والله أعلم. وإن صرف منه ديناراً فخرج دينار ان فلا يجوز ذلك الصرف إلا إن عين له واحداً منهما دون الآخر لأنه اذا لم يعينه صار مجهولاً، وكذلك الدراهم على هذا الحال والله أعلم.
- 355 - (3/355)
صفحة 1783
باب في بيع السلم
والسلم هو أن يسلم له كذا وكذا درهماً أو ديناراً معلومة الوزن الى نوع معلوم بعيار معلوم إلى أجل معلوم في مكان معلوم مع حضرة الشهود، فهذه الستة شروط السلم إن بقي واحد منها بطل السلم،
باب في بيع السلم
قوله: السلم، هو بالفتح السلف وزناً، ومعنى، وذكر الماوردي أن السلف لغة أهل العراق، والسلم لغة أهل الحجاز، وقيل: السلف تقديم رأس المال، والسلم تسليمه في المجلس، فالسلف أعم. والسلم شرعاً: بيع موصوف في الذمة إلى أجل معلوم، وأجمعوا على مشروعيته إلا ما يحكى عن ابن المسيب، واختلفوا في بعض شروطه كما يؤخذ من كلام المصنف بعد والله أعلم.
قوله: في مكان معلوم، أي القبض المسلم فيه. قوله: فهذه الستة شروط السلم، ظاهره يقتضي أنه لا. لفظ يحتاج إلى البيع والشراء، ولا إلى لفظ السلم، وفيه تأمل، لأن كونه بيعاً من البيوع يقتضي أنه لا بد من لفظ البيع والشراء أو ما يقوم منها على الراجح. اللهم إلا أن يقال: ترك ذلك للعلم به مما تقدم حيث كان من جملة البيوع، ثم الظاهر أنه أراد بالشروط ما يشمل الأركان والله أعلم. والمأخوذ من كلامه أن الشروط سبعة، وهي: النقد، والوزن، والنوع، والعيار، والأجل، والمكان، والشهود،
ويدل على ذلك تفصيلها بعد والله أعلم.
- 356 - (3/356)
صفحة 1784
واختلفوا هل يجوز السلم بغير الدنانير والدراهم؟ قال بعضهم: لا يجوز الا بالدنانير والدراهم، وفي الأثر ومن جامع أبي الحسن: وسأل عن السلف أهو من التجارة؟ قيل له: نعم؛ هو من التجارة وهو بالدراهم و بالدنانير، والدليل على هذا ما روي من طريق ابن عباس (ان النبي عيل الليل قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال عليه السلام: من أسلم فليسلم في كيل معلوم وضرب معلوم الى أجل معلوم) (1)، وفي خبر آخر) و نقد حاضر الى أجل معلوم)، هذا هو الدليل على أنه لا يجوز الا بالدراهم والدنانير، ويدل أيضاً هذا الخبر أن من شرطه التقابض في المجلس كالصرف، ولا يجوز فيه التأخير لقوله
قوله: بطل السلم، أي على الراجح بدليل ما بعده، فلو قال مثلاً: فهذه الستة هي شروط السلم فإذا اجتمعت كان صحيحاً بالإتفاق، وإذا تخلف شيء منها ففيه اختلاف، وذلك أن بعضهم أجاز السلم بغير الخ. لكان أنسب والله أعلم. قوله: ويدل أيضاً هذا الخبر على أن من شروطه التقابض، قال شيخنا: ويدل له أيضاً أن السلم مشتق من إسلام المال، أي تعجيله، وأسماء العقود المشتق من المعاني لا بد من تحقق تلك المعاني فيها، فلو تفرق من غير قبض لم يصح لأنه من بيع الدين بالدين، وقد نهى الشارع عنه، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد، وقال مالك: يجوز تأخيره مدة يسيرة كاليوم واليومين انتهى
قوله: كالصرف، قال شيخنا رحمه الله: منه يؤخذ أنه لو أحال برأس المال
- roy-
(1) رواه الجماعة (3/357)
صفحة 1785
لا
عليه السلام (ونقد حاضر)، وبعض جوز السلم بغير الدنانير والدراهم، ولعلهم دهبوا الى ظاهر قوله: من أسلم فليسلم في كيل
رحمه الله:
وقبضه المحتال في المجلس لا يجوز، إذ المراد بالتسليم حقيقته لأن الحوالة ليست نفسه لا. عن المسلم، وطريق صحة العقد، والمحال عليه يؤدي عن بقبض حقيقي أن يقبضه المسلم ثم يسلمه إلى المسلم إليه، ومثله إحالة المسلم اليه أجنبياً برأس المال على المسلم، وإن أحضر المسلم رأس المال فقال المسلم: سلمه، صح، وانظر ما لو قبضه وأودعه المسلم، والظاهر الجواز قياساً على سائر أمواله، وانظر ما لو قبضه ثم رده اليه في دين، حرره انتهى، وأقول والله أعلم في قوله وإن أحضر المسلم رأس المال فقال المسلم اليه سلامه صح، تفصيل: فإنه إن كان هذا الاجنبي وكيلا عن المسلم اليه صح كما قال، وإن كان له على المسلم إليه دين فأمره أن يسلم له رأس المال في الدين الذي له عليه فإن الظاهر أنه لا يصح، وانظر هل يعد متبرعاً إذا دفع له بأمر المسلم إليه لأنه تصرف في ماله بأمر من يملك فيه شيئاً لأن المسلم إليه ليس بمالك لذلك المال ما لم يقبضه، وما ليس بمالك له فأمره فيه باطل فلا يرجع عليه بشيء أو لا يعد متبرعاً ويجعل كالمدين إذا أمره صاحب الدين أن يدفع الدين الذي عليه لرجل له عليه دين فإنه يبرئ بذلك كما سيأتي، ولا يعد متبرعاً. والظاهر الأول لأن المسلم إليه لم يستحق عند المسلم شيئاً بخلاف صاحب الدين والله أعلم، ثم قوله أيضاً رحمه الله في آخر القولة: وانظر ما لو قبضه ثم رده إليه في دين، أقول: الظاهر والله أعلم أنه لا يجوز لأنك إذا أضفت الفعل الثاني إلى الأول وجدت المسلم قد ردت إليه دراهمه وتذرع إلى أن صارت الدراهم عند المسلم إليه سلماً في نوع من العروض يأخذه عند الأجل فلم يكن ينقد حاضر حيث رجعت اليه دراهمه ولأنه يؤدي إلى بيع الدين بالدين، ولذلك أجمعوا على أنه لا يجوز لرجل إذا كان له على آخر دين أن يجعله له سلماً لما يؤدي اليه من بيع الدين بالدين والله أعلم.
- 358 - (3/358)
صفحة 1786
معلوم وضرب معلوم الى أجل معلوم، ولم يذكر في هذا الحديث الذي يسلمه ما هو، وفي الأثر: ولا تجوز المضاربة بشيء من العروض، وأما السلف فيجوز أن يسلف ثوباً بشاة بسن معروف وأجل معروف ويسلف بالذهب والفضة بوزن معلوم في شيء من الأنواع معلوم الى أجل معلوم والله أعلم. وأما الوزن المشروط في السلم فإنه لما كان السلم مخصوصاً من جملة ما نهى عنه عليه السلام عن بيع ما ليس معك والمخصوص لا يكون إلا معلوماً فكأنه نهى عليه السلام عن بيع ما ليس معك إلا السلم فخصه بصفة معلومة، كأن الثمن أيضاً لا يجوز إلا أن يكون معلوماً لأنه إذا كان غير معلوم الوزن كان جزافاً غير جائز، كما لا تجوز الجهالة في المثمن، والمخصوص لا يكون إلا معلوم الثمن والمثمن جميعاً، وفي الأثر: قال أبو الحسن رحمه الله: فإذا اسلف دراهم عدداً
،
قوله: وأما الوزن المشروط الخ. هذا في الحقيقة جزء من الشرط أو الشرط في الشرط، فإن الشرط على ما تقدم هو الدراهم المعلومة الوزن، لكن شرط
الشرط شرط.
قوله: كان الثمن، هذا جواب لما
قوله: كان جزافاً، هذا غير جائز، ذهب مالك إلى جواز السلم بالجزاف
كصبرة طعام معينة في عبد موصوف في الذمة مثلاً، ويجوز بالمنافع عنده أيضاً
إذا كانت معينة كسكني دار معينة مدة معينة بشيء موصوف في الذمة
•
- 259 - (3/359)
صفحة 1787
فذلك لا يجوز، وإن أسلف دراهم ولم يزنها بين يده، وقال وزنها كذا وكذا فصدقه، وذلك عندهم ضعيف ولا ينتقض، وإن اسلفه مثقالاً حاضراً بكذا وكذا من الطعام جائز، وإن قال له: صرف هذا المثقال كذا وكذا من الدراهم كل در هم من ذلك بكذا وكذا فلا يجوز، لأنه بيع وشرط لا يجوز في السلم باتفاق والله أعلم. وأما الجنس المشروط في السلم فقد اتفقوا على جواز السلم فيما يكال ويوزن مما لا ينقطع من أيدي الناس لظاهر الحديث المتقدم، مثل الشعير والبر والتمر والزبيب وما أشبه ذلك من الحبوب، والزيت والسمن والعسل وما أشبه ذلك مما يكال ويوزن، والصوف والقطن والكتان والحرير بوزن معلوم، ويبينون الجنس في الزيتون والقطاني والتمر في قول بعضهم، لأن هذه الأشياء تكون أجناساً، وأما الشعير والقمح والزيت فله الأوسط من ذلك لأنه جنس
قوله: باتفاق، إنما وقع الإتفاق على بطلان هذا الشرط لأن السلم باب ضيق مستثنى من بيع ما ليس معك فلا يغتفر فيه ما يغتفر في غيره والله أعلم. قوله: والصوف، يعني إذا سمي اللون كما تقدم في باب ما يجوز به البيع
ويوجد في بعض النسخ ولون بعد قوله بوزن وهو الظاهر
قوله: على قول بعضهم، يعني وعلى قول الآخرين لا يحتاج إلى بيان الجنس
وله الأوسط من ذلك
•
- 360 - (3/360)
صفحة 1788
واحد، ولا يجوز إلى الأشياء التي تزول من أيدي الناس مثل العنب والتين الطري لأنه غرر، ولا يؤمن أن يكون موجوداً، وقيل بجواز ذلك، ويجعلون أجل السلم إلى وقته، وكذلك أيضاً لا يجوز إلى السمك الطري ولا إلى لحم الصيد، لأن هذا غير مقدور عليه ولا يؤمن أن يوجد والله أعلم. واتفقوا أيضاً في امتناعه فيما لا يثبت في الذمة مثل الدور والعقار وما أشبه ذلك، ومثل القثاء والخيار والرمان والأترنج والموز والبيض والجوز واللوز وما يشبهه لأنه مختلف عند العدد مستتر غائب في اللون أيضاً والله أعلم. واختلفوا فيما سوى هذا من العروض والحيوان، وأصل اختلافهم: هل هذه الأشياء تضبط في الذمة بصفة معلومة أم لا تضبط؟ فمن كانت عنده تضبط جوزها، ومن كانت عنده
قوله: ولا يؤمن أن يكون موجوداً، أي غير مأمون الوجود.
قوله: غير مقدور عليه، أي في كل وقت.
قوله: مثل الدور الخ. إنما امتنع السلم في معين، لأن المعينات لا تقبلها الذمم وإنما تقبل ما كان موصوفاً
قوله: لأنه مختلف عند المدد، قال شيخنا: وقد أجاز الشافعي السلم في البطيخ والباذنجان والقثاء والسفرجل والرمان بالوزن، ويصح في الجوز واللوز بالوزن في نوع يقل اختلافه، فإن اختلفت قشوره لم يجز السلم فيه، كذا قاله بعض أصحابه، لكن الذي نص عليه الشافعي جوازه مطلقاً
-371 - (3/361)
صفحة 1789
لا تضبط، أبطلها، وذلك مثل إن أسامه في اللحم فإنه ذكر في الأثر عن الربيع و ابن عبد العزيز أنهما قالا: لا خير فيه لأنه غير معروف، وقال ابن عباد: لا بأس به، وذلك على قول ابن عباد إذا كان اللحم من جنس من الدواب معلوم يسمى له من ضأن أو معز أو غير ذلك وزناً معلوماً إلى أجل معلوم ولا عظام فيه، وكذلك السمك إذا كان شيئاً معلوماً ولا عظام فيه، وكذلك الثياب أيضاً على قول من جوزها إذا كانت على صفة
قوله: وكذلك السمك إذا كان شيئاً معلوماً الخ. يحتمل ان المراد إذا كان طرياً، وأن المسألة خلافية فيمتنع عند الربيع وابن عبد العزيز، ويجوز عند ابن عباد بشرطه، وهو مقتضى التشبيه ومقتضى مفهوم قوله قبل، وكذلك أيضاً لا يجوز إلى السمك الطري فإنه يقتضي أن السمك المالح جائز بالإتفاق، وهو مقتضى كلامه في باب ما يحوز به البيع من الثمن حيث قال: ولا يجوز البيع باللحم كيلا ولا وزناً لأنه يختلف في السمن وغير ذلك، وأما الشحم بالوزن إذا سمي الجنس فجائز، وكذلك البيع بالوزف والسمك المالح فجائز بالوزن المعلوم، ويحتمل أن المراد إذا كان مالحاً فقط وأنه ليس المراد تشبيه مسألة السمك بمسألة اللحم الطري حتى يكون ماشياً على قول ابن عباد فقط، بل المراد التشبيه في كونه معلوماً ولا عظام فيه، وإن كان جائزاً بالإتفاق، وأما السمك الطري فالظاهر أنه لا يجوز بالإتفاق، وكما يرشد إلى ذلك التعليل الذي ذكره في باب الثمن حيث قال: وأما السمك والوزف الطري فلا يجوز لأنه غرر لعله
لا يقدر عليه، فإذا امتنع الطري هناك ففي السلم من باب أولى والله أعلم. قوله: وكذلك الثياب أيضاً الخ. الذي جزم به في باب ما يجوز به البيع أنه لا يجوز حيث قال: وأما ما قام من الصوف والقطن والكتان من الثياب
- 362 - (3/362)
صفحة 1790
و ذرع وجنس معلوم، وكم يكون له من الأرجوان لما يكون له الأرجوان، وكذلك أيضاً الخشب يسمون فيها الطول والعرض والجنس من الشجر، وكذلك الحجارة يبينون فيه العرض والطول والغلظ، وكذلك إن أسلم له إلى القصاع فإنه يبين وزنها وكم يسع عودها، هذا كله على قول من جوز السلم في هذا كله، وكذلك أيضاً الحيوان يبينون أسنانها وجنسها وطولها ويكلون من الرسغين إلى الأوراك إلى العظم الذي خلف الأذن، ويبينون لون الضأن وليس عليهم ذلك في المعز، والدليل على أن الحيوان تثبت في الذمة حديث أبي رافع المشهور، وكذلك أيضاً الرقيق على هذا المعنى يبينون جنسه ولونه وطوله، وليس عليه في
وجميع المعمول فلا يجوز البيع به وزن ولا عدداً ولا غير ذلك ما لم يكن حاضراً اللهم إلا أن يفرق بين كون الشيء ثمناً وكونه مثمناً، والظاهر عدم الفرق والله أعلم. أو يقال ذاك على قول وهذا على قول آخر
قوله: ويبينون لون الضأن وقوله في الرقيق جنسه ولونه، ظاهره أنه لا يحتاج إلى بيان اللون في غيرهما، فلو احتاج غيرهما إلى ذلك لذكره لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وقال سند المالكي: لا يعتبر اللون في غير الرقيق والله أعلم.
قوله: حديث أبي رافع المشهور، قد تقدم في باب ما يجوز به البيع
من الثمن.
- 363 - (3/363)
صفحة 1791
العرض شيء، ويكيلون من العظم الذي خلف الأذن إلى الكعب، والنظر يوجب عندي أن السلم لا يجوز في الحيوان، لأنها وإن كانت تضبط في صفات الخلق فإنها غير مضبوطة في صفات النفس، وأما العيار المشروط في السلم فقد اتفقوا أنه لا يجوز إلا بعيار معلوم فيما يكال ويوزن لقوله عليه السلام: (من أسلم فليسلم في كيل معلوم) الحديث، فذلك إنما يجوز أن يشترط عيار بلدة مسمى، ولا يشترط عياراً معروفاً ولا عيار فلان لئلا ينكسر ويتلف والله أعلم. وأما الأجل المشروط في السلم فقد اتفقوا على أنه لا يكون السلم بغير أجل لقوله عليه السلام: (إلى
قوله: والنظر يوجب عندي الخ. هو مذهب أبي حنيفة، أنه منع السلم في الحيوان.
قوله: بعيار معلوم، المراد بالعيار ما يشمل الوزن.
قوله: لئلا ينكسر الخ. الظاهر أن السلم حينئذ فاسد لما فيه من الغرر وهذا ظاهر إذا كان غير مسار لعيار البلد، وإلا فالظاهر أن التعيين بمنزلة العدم والله أعلم، فليحرر. قوله: وأما الأجل المشروط الخ. قال شيخنا: وعلة الأجل حصول المصلحتين، إحداهما للبائع وهو دفع قليل ليأخذ أكثر منه، والثانية للمشتري
وهي الإنتفاع بالثمن في أجله.
(1) تقدم ذكره.
- 364 - (3/364)
صفحة 1792
أجل معلوم) وإن كان بغير أجل فهو من بيع ما ليس معك لا يجوز، و بعض جوزه وهو الذي يسمونه بيع النقد وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وفي الأثر، ومن جامع أبي الحسن: وقد أجازوا ثوباً بشيء معلوم إلى أجل معلوم سلفاً يتفقان عليه، وأما بيع الثوب بشيء معلوم من العروض أو الحب أو الحيوان، فبعض لم يجز ذلك لأنه بيع ما ليس معك، وقد أجاز ذلك بعضهم في البيع، ويدل على هذا ما روي عنه أنه (اشترى من أعرابي جزوراً بتمر، ويرى أن التمر عنده ولم
قوله: من بيع ما ليس معك، أي الذي لم يستثن، وإلا فالسلم فيه. ما بيع. ليس معك أيضاً، لكن استثني فاحتاج إلى شروط منها الأجل، ولعل النسخة من بيع ما ليس معك الذي لا يجوز.
قوله: بشيء معلوم، أي مغاير لما أسلم فلا يسلم شيء في مثله بزيادة لتحقق
الربا حينئذ
قوله: سلفاً، أي سلماً.
•
قوله: بشيء معلوم، أي في الذمة لكن لغير أجل فيكون مناسباً للمسألة الأولى في كونها فيها خلاف، لكن الأولى نقد بعروض والثانية عروض بعروض.
قوله: في البيع، يعني لا في السلم.
قوله: ويدل على هذا الخ. وجه الدليل منه أنه وقع البيع بثمن معلوم من العروض وهو التمر لا إلى أجل كما بينه رحمه الله آخراً.
- 365 - (3/365)
صفحة 1793
يكن عنده فطلب الأعرابي أن يؤخره إلى الجذاذ فأبى عليه، فاستقرض التمر فأوفاه إياه) (1) فهذا بيع بغير أجل دليل على أن الأشياء يجوز أن تكون ثمناً كما تكون مثمناً والله أعلم. وأقل ما يجزئ في هذا من الأجل ثلاثه أيام لأنه أقل الجمع، غير أن عموم قوله عليه السلام: (لأجل معلوم) يقع على القليل والكثير، وأكثر الأجل في هذا إلى ما يتوهم في غالب الظن أنه يعيش ذلك الشيء والله أعلم. وإن جعلوا الأجل إلى
قوله: فطلب الأعرابي، أي سأل رسول عمال من الأعرابي التأخير فأبى عليه الأعرابي، ويدل على هذا التعبير ما ذكره في مختصر أبي على البيساتي
رحمه الله حيث قال: وقد روي خبر يثبت هذا العمل (أن رسول الله اشترى جزوراً بتمر من عند أعرابي ويرى أن التمر عنده فنظر فلم ير شيئاً فقال للأعرابي: هل لك أن تؤخرنا إلى الجذاذ يعني إلى أن تدرك الثمرة الجديدة؟ فقال الأعرابي: واغدراء، فزجره أصحاب رسول الله وقيل: إن امرأة أسلفته ذلك التمر وأوفى الأعرابي أي اقترضته والله أعلم انتهى. قوله: لأنه أقل الجمع، فيه أن هذا ليس يجمع كما هو ظاهر،، فالأولى له الاستدلال على أنه لا يجوز أقل من ثلاثة أيام.
قوله: وإن جعلوا الأجل إلى الأشهر الحرم الخ. يعني فيحل الأجل بحلول أول هذه الأشهر أو هذه الأيام وإنما تعرض لها لأنه ربما يتوهم أنها غير جائزة لكونها جمعاً، ثم الظاهر أنه أراد بالأشهر الحرم الثلاثة السرد والله أعلم.
(1) رواه ابن ماجه.
- 366 - (3/366)
صفحة 1794
الشهر الفلاني أو إلى السنة الفلانية أو اليوم الفلاني فهو جائز، وإن جعلوا الأجل إلى الأشهر الحرم أو أشهر الحج أو أيام العيد أو أيام التشريق المستقبل فذلك جائز، وإن لم يسم المستقبل فلا يجوز، لأنها تتكرر في كل سنة فلا يجوز حتى يسمي المستقبل، وكذلك إلى يوم الجمعة أو يوم السبت أو غيرهما من الأيام على هذا الحال، وإن جعلوا الأجل إلى شهر شعبان ورمضان فذلك جائز، وإن جعلوه إلى شهر رجب ورمضان فلا يجوز
قوله: في كل سنة، الظاهر أنه ليس ظرفا لغواً لقوله تتكرر، لفساد المعنى بل هو خبر بعد خبر كأنه قال: تتكرر توجد في كل سنة، أو يقال: أراد بالتكرار مطلق الوجود وسماه تكراراً نظراً إلى تعدده في السنين.
قوله: على هذا الحال، يعني إن عين المستقبل صح وإلا فلا، وإذا بطل الأجل
بطل البيع. قوله: فذلك جائز، ظاهره أنه لا يحتاج إلى ذكر المستقبل في هذا، ولعل الفرق بينهما التبادر لأنه من إمارات الحقيقة، أو يقال لا بد من ذكر الاستقبال أيضاً، وإنما سكت عنه للعلم به مما تقدم والله أعلم.
قوله: إلى شهر رجب ورمضان المناسب أن يقول: رجب وشهر رمضان، لأن لفظ شهر لا يضاف على الراجح إلا لربيع الأول وربيع الثاني للفرق بين الأشهر ربيع شهر وربيع الأزمنة، ولرمضان لقوله تعالى شهر رمضان ثم قوله إلى شهر رجب ورمضان الخ. ظاهره أنه لو جعل له الاجل شهر رجب ورمضان بأن يكونا نفس الاجل لا أنها غاية له صح، مع أن الظاهر أنه لا يجوز كما ترشد إليه العلة التي ذكرها رحمه الله، والله أعلم. وأما لو جعل له الأجل
- 367 - (3/367)
صفحة 1795
لأنها مفترقة وغير متوالية فكأنهم جعلوا في ذلك أجلين،، وإن جعلوا الأشهر العجمية أو السنة العجمية أو عبد النصارى أجلالها فلا يجوز ذلك، لأنه غير معروف عند عامة الناس، ومنهم من يقول جائز، وكذلك إن جعلوا الأجل بينهما إلى الشتاء أو إلى الصيف أو الربيع أو إلى الخريف على هذا الاختلاف، وذلك أن هذه الفصول مختلف فيها، فقد ذكر في شرح أدب الكتاب: ومن ذلك الربيع يذهب الناس إلى أنه الفصل الذي يتبع الشتاء إلى آخر الفصل، قال المفسر: مذهب العامة في الربيع هو مذهب المتقدمين لكنهم كانوا يجعلون حلول الشمس لرأس الحمل أول الزمان وصبابه، وأما العرب فإنهم جعلوا حلول الشمس برأس الميزان أول فصول السنة الأربعة وسموه الربيع، وأما حلول الشمس برأس الحمل، فكان منهم من يجعله ربيعاً ثانياً. رجع، وكذلك أيضاً إن جعلوا
مثلا شعبان ورمضان فإنها يكونان معا أجلا واحداً، فلا يستحق شيئاً حق يخرجا معاً، ويحتمل أن ذلك هو المراد بقوله إلى شهر شعبان ورمضان والله أعلم.
قوله: ومنهم من يقول جائز، يعني ويستفسر ذلك ممن عرفه
قوله: مختلف فيها، أي وغير معروف وقت دخولها عند عامة الناس. قوله: رجع، ضبطه شيخنا بفتح الراء وسكون الجيم، ولعله يرى خبر لمبتدأ محذوف أي هذا رجع أي رجوع إلى ما الكلام فيه أولاً بمعنى، عدنا.
- 368 - (3/368)
صفحة 1796
الأجل إلى الحصاد بينهما أو إلى الجذاذ فلا يجوز؛ لأنه مجهول يقع فيه الإختلاف أكثر من الخلاف الذي يكون من قبل الزيادة والنقصان في الشهور، لأن هذا يسير، واليسير معفو عنه في الشرع والله أعلم. وأما المكان المشروط في السلم فقد اختلف العلماء فيه، فقال بعضهم: إن لم يشترط مكاناً يقبض فيه فسد السلم، فهؤلاء عندهم المكان شرط في صحة السلم كالزمان وهو الأجل، وقال آخرون: ليس المكان شرطاً في صحة السلم، وظاهر الحديث يدل على مذهب هؤلاء فيما يوجبه النظر، ولا يدرك عليه أن يأخذ منه الا في المكان الذي أسلم له فيه، وفي الأثر:
قوله: إلى الحصاد وإلى الجذاذ، قال شيخنا: أو إلى الميسرة أو قدوم الحاج خلافاً لمالك، ويعتبر في ذلك ميقات معظمه لنا قوله تعالى: إلى أجل مسمى) وقوله ا) إلى أجل معلوم (وقال ابن خزيمة: يجوز التوقيت بالميسرة لأن النبي اشترى شيئاً من يهودي إلى الميسرة والحديث صححه الحاكم ورواه النسائي عن عائشة ولفظه) أن النبي الا بعث إلى يهودي أن ابعث لي ثوبين إلى الميسرة (والجواب ضعف الحديث، أو لعل الوقت كان معلوماً أو أن هذا لم يكن عقداً بل استدعاء، ولهذا لم يصف الثوبين، انتهى. أقول: ويحتمل أيضاً أنه منسوخ بالآية والحديث المتقدمين، لأن الأجل مجمع عليه وكونه غير محدود بزمن معين لا عبرة به والله أعلم.
قوله: وظاهر الحديث، أي المتقدم الذي ذكر فيه شروط السلم، يعني فلو كان المكان شرطاً لذكره كما ذكر غيره لأنه مشرع. قوله: ولا يدرك عليه أن يأخذ منه الخ. يعني عند من يقول إن السلم صحيح
-579 -
ه م 24 - الإيضاح» (3/369)
صفحة 1797
وأما في حفظ أبي صفرة في رجل أسلم الى رجل طعاماً بكيل معلوم وأجل معلوم وضرب معلوم، ولم يشترط المكان الذي يوفيه فيه، قال: يفسد السلم؛ لأن الأصل وقع على غير مكان معلوم، فقلت له: فلم لم تجعله في المكان الذي أسامه اليه فيه؟ قال: ان كان أسامه اليه في سفينة في البحر أو في جزيرة ينبغي له أن يوفيه فيها، فإذا لم يشترط مكاناً فسد، ولهذا المعنى اشترط بعض أن يكون القبض من بلد المستلف ان لم يشترط مكان القبض والله أعلم. وأما الشهود المشروطة في السلم فالأصل فيها قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه، إلى قوله «وأشهدوا اذا تبايعتم، والأمر على
(1)
ولو لم يشترط المكان، وأما على القول الأول فهو باطل من أصله فلا يدرك إلا رأس ماله، وظاهره أنه على القول بصحته لا يدركه في غير محله ما لم يرض صاحبه سواء كان له مؤنة أو لم تكن، وسواء كان أغلى أو أرخص أو مساوياً بالنظر إلى قيمته في محل السلم والله أعلم.
قوله: طعاماً، لعله في الطعام.
قوله: ولهذا المعنى، أي وهو تعذر محل دفع السلم في بعض الأحيان، كأن يكون في سفينة مثلا اشترط بعض الخ. والحاصل أنه إذا لم يسم مكان القبض ففيه ثلاثة أقوال، منهم من يقول بالحل، ومنهم من يقول صحيح ويأخذه في محل الدفع، ومنهم من يقول: صحيح ويأخذه في بلد المستلف والله أعلم.
(1) البقرة: 282
- 270 - (3/370)
صفحة 1798
الوجوب إلا أن يأتي دليل ينقله إلى خلاف الوجوب، وفي رواية بعض الفقهاء عن ابن عباس أنه قال: (أمر الله بالكتاب والإشهاد لكي لا يدخل في ذلك جحود ولا نسيان، فمن لم يفعل ذلك فقد عصى) فهذا يدل من ابن عباس أن الإشهاد على الدين واجب، وفي الأثر: وإن باع بغير شهود يعني الدين فلا يجوز، وكذلك إن أشهد من لا تجوز شهادته مثل الأطفال والعبيد والمجانين، وتجوز فيه شهادة غير الأمناء من أهل التوحيد وشهادة الأب لابنه، ومنهم من يقول: البيع جائز بغير شهود، وهذا القول عندي أصح لما روي عن النبي له أنه باع من أعرابي بعيراً فجحده الثمن بمشورة بعض المنافقين فلم يجد النبي عليه السلام بينة عليه
فجاء بخزيمة بن ثابت الأنصاري فقال: أنا أشهد لك عليه يا رسول الله
فقال: من أين علمت ذلك؟ فقال: لأنك صادق ولأنا نصدقك في خبر
قوله: وتجوز فيه شهادة غير الأمناء الخ. الظاهر أن المراد أن شهادة هؤلاء ترفع الإثم عند ابن عباس وتصحح العقد عند صاحب الأثر، يـ، يعني ما لم يقع الإنكار، وأما إذا وقع الإنكار فإنه لا تجوز شهادة غير الأمناء ولا الأب لإبنه
والله أعلم. قوله: ومنهم من يقول البيع جائز الخ. ظاهره أن غيرهم يقول البيع فاسد وهو صريح كلام الأثر، فلعله لا يجوز إتمامه، وظاهر كلام ابن عباس أنه صحيح إلا أنه فتحصل في المسألة ثلاثة أقوال والله أعلم. يعصي
قوله: فقال من أين علمت ذلك؟ الخ. يؤخذ من هذا أنه لا تجوز شهادة
،
-741 - (3/371)
صفحة 1799
السماء، فسمي ذا الشهادتين (1) فلو كان النبي عليه السلام أشهد عليه لم يفزع إلى طلب من لم يعلم ذلك الحق، ولو كان أيضاً الإشهاد واجباً لم يتركه النيل الا الله، والإشهاد على الدين ليس بواجب عند جمهور العلماء من أصحابنا، غير أنهم أو جبوه في السلم لأن السلم مخصوص، والمخصوص لا يصح إلا بجميع شروطه والله أعلم. وأما اشتراطهم أن يكون السلم فيما لا ينقطع من أيدي الناس لأنه إذا كان فيما ينقطع كان من بيع المعدوم لأنه غرر غير مأمون الوجود. وكذلك أيضاً إن أسلمه إلى تمرة هذه السنة أو تمرة فلان لرجل مخصوص فلا يجوز لأنه غرر، وكذلك إن أسلمه إلى تمرة قرية كذا وكذا لا يجوز لأن السلم إنما يكون في الذمة. ولا يجوز في معين لأن المعين غير مأمون الوجود كما ذكرنا، وفي الأثر: قلت
من لم يعلم المدعى به إلا من قبل المدعي ولو كان صادقاً عنده إلا إن كان معصوماً، وهذا ما يؤمن منه من حين موته. قوله: ولو كان أيضاً الإشهاد واجبا لم يتركه، هذا إنما يتم إذا أثبت أن هذه القضية إنما كانت بعد نزول قوله تعالى: وأشهدوا إذا تبايعتم فيستدل بها حينئذ على أن الأمر محمول على الندب، ولعله ثبت عند المصنف رحمه الله ذلك، ولكن ترك الإشهاد قد يوقع في النهي عن تضييع المال. قوله: ولا يجوز في معين لأن المعين غير مأمون الوجود، وأيضاً لأن
(1) متفق عليه
- 372 - (3/372)
صفحة 1800
فالسلم في الزعفران ويشترط همدانياً أو يمانياً قال: لا خير فيه إن اشترط من أرض واحد مثل الطعام والزعفران لأنه لا يبقى في أيدي الناس، قال أبو عبدالله رحمه الله: يجوز إذا كان موجوداً ولا خير في السلم فيما ينقطع ولا يوجد والله أعلم. وإن أسلم له دراهم أو دنانير
المعينات لا تقبلها الذمم، لكن هذا السلم في الحقيقة ليس معيناً كما يشعر بذلك قوله إلى تمرة قرية كذا وكذا فإنها من المعلوم أنها غير حاضرة، لأنها غير موجودة الآن فهي في الذمة قطعاً، لكن لما اشترط الوفاء من قرية معينة جعلها كأنها ليست في الذمة، وظاهره أنه لا يجوز، ولو كانت ثمرة القرية مأمونة السلامة عادة، وظاهره أيضاً بالنظر إلى التعليل أنه متى عين بطل السلم ولو كان إقليماً بخلاف مفهوم قوله قرية فإنه يقتضي أنه إذا كان إقليماً مثلاً جاز، والظاهر - والله أعلم - أنه إذا جرت العادة تكون تلك الثمرة مأمونة السلامة جاز ولو عين، لأن غالب أمور الشريعة تجري على ما جرت به العادة، واحتمال غيرها أمر يجوزه العقل فقط وربما يرشد إلى ذلك قوله: غير مأمون الوجود فإن ماجرت العادة سلامته مأمون الوجود والله أعلم فليحرر.
قوله: قلت فالسلم في الزعفران همدانياً الخ. اللفظ في ابن وصاف هكذا قلت: وإن أسلم في الزعفران وشرط همدانياً أو يمانيا الخ. ثم رأيته كذلك في بعض النسخ.
قوله: مثل الطعام والزعفران الخ. لعله والطعام مثل الزعفران، يعني في أنه لا خير فيه إن اشترط في أرض واحدة فليراجع نسخة صحيحة فإنها إذا بقيت على ظاهرها أدت إلى تشبيه الشيء بنفسه بالنظر إلى الزعفران والله أعلم فليحرر. (3/373)
صفحة 1801
فخرج فيها رداءة أو زيوف فالسلم فاسد؛ لأن الصفقة وقعت على غير ما اتفقا عليه، لأن اتفاقهم على ما يجوز، ولأن التأخير أيضاً في السلم لا يجوز لقوله عليه السلام: (ونقد حاضر) وقال بعض: يبدلها ما لم يحل الأجل، فإذا حل الأجل أخذ من ذلك ما صح له ولا يدرك النقصان، وعند بعض: أنه لا يفسد من ذلك إلا ما قابل الدراهم الرديئة، وأصل المسألة فيما يوجبه النظر اختلافهم في العقدة الواحدة إذا اشتملت على ما يجوز وما لا يجوز؛ هل هي فاسدة كلها أو يفسد غير الجائز منها فقط؟
قوله: رداءة، هو بهمزة بعد الألف، قال في الصحاح: ردأ الشيء يردأ رداءة فهو رديء أي فاسد. قوله: ولأن التأخير أيضاً في السلم لا يجوز، يعني لأن الزيف يسر بنقد. قوله: ولا يدرك النقصان، أي وهو ما بقي له في السلم فيه مقابلا الدراهم الزائفة بأن يدفع له بدلها فإنه ليس له ذلك حين حل الأجل، والفرق بين هذا القول والذي بعده. أن كل واحد منهما يقول: لا يأخذ في هذه الصورة إلا ما قابل مع الدراهم الجيدة أن صاحب هذا القول يرى أن السلم صحيح و وأنه له أن يدفع له بدلها ما لم يحل الأجل، بخلاف صاحب القول الثاني فإنه يرى أن مقابل الزيف فاسد لا يجوز فيه التبديل مطلقاً والله أعلم.
قوله: وأصل المسألة الخ. أي بين أصحاب القول الأول والثالث فلو أراد التعميم لقال مثلاً: اختلافهم في العقدة الواحدة الخ. وفي التأخير الغير مقصود إليه الخ. والأمر في ذلك سهل فلعله لم يعتبر التأخير المقصود إليه يؤخذ منه او كان عارفاً بالزيف ابتداء ودفعه لكان السلم باطلاً عند صاحب هذا القول
- rve- (3/374)
صفحة 1802
وأما من أوجب البدل فلعله لم يعتبر التأخير الغير المقصود إليه في هذا والله أعلم. والذي يوجبه النظر عندي أن السلم في هذا فاسد إلا إن ستمي لکل درهم كذا وكذا من الحب فإنه يفسد من ذلك ما فيه الرداءة دون غيره والله أعلم. وإن أسلفه عشرة دراهم في ثوبين كل ثوب من صنف غير صنف الآخر ولم يجعل لكل ثوب رأس مال معروف فذلك فاسد لأن ثمن كل ثوب مجهول في هذا، وكذلك كل شيئين مختلفين على هذا الحال مثل: إن المسلم له في ثمر وبر ولم يسم رأس مال كل صنف من ذلك، وكذلك أيضاً في البيع على هذا المعنى، وفيه قول أنه جائز وقد ذكرناه في البيع قبل هذا، وفي الأثر: وكذلك إن أسلف ثلاثين درهماً بتمر وبر وذرة، ولم يبين ما لكل نوع فذلك فاسد، وإن قال: عشرة دراهم منها ببر وعشرة دراهم منها بتمر وعشرة دراهم منها بذرة فذلك جائز، ولو لم يميزها إذا سمى لكل عشرة من ذلك النوع، فإن كان فيها در هم
أيضاً لأن التأخير صار مقصوداً إليه والله أعلم.
قوله: في ثوبين، أي عند من أجاز السلم في الثياب.
قوله: وفيه قول أنه جائز، الظاهر أنه أراد جريانه في السلم أيضاً والله أعلم، وكتب أيضاً رحمه الله على هذه القولة ما نصه: قوله: وفيه قول أنه جائز لكن إذا ظهر العيب في واحد بطل البيع كله ما لم يسم ما لكل واحد كما تقدم. قوله: ولو لم يميزها، أي بأن دفعها له دفعة واحدة.
- 375 - (3/375)
صفحة 1803
رديء وكان السلف لكل در هم شيء معروف فسد من كل نوع درهم، وإن لم يكن لكل در هم شيء معروف فسد السلف كله، وأما إن أسلف عشرة دراهم في ثوبين من نوع واحد فذلك جائز، لأنه قد علم أن رأس مال كل واحد منهما مثل صاحبه والله أعلم. ولا يجوز في السلم التولية ولا الشركة، لأن التولية والشركة بيع من البيوع، وبيع السلف
قوله: فسد من كل نوع درهم، أي لئلا يلزم الترجيح من غير مرجح، لاحتماله أن يكون. ون من عشرة كل نوع على حد سواء، فعلى هذا إذا تميزت عشرة كل نوع بعلامة مثلاً فعلم هذا الدرهم الزائف على عشرة معينة لم يفسد إلا ما يقابله من تلك العشرة فقط حين عين لكل درهم ما يخصه والله أعلم. فإن لم تتميز كل عشرة بعلامة مثلا، وخرج من تلك الدراهم عشرة زيوفاً فسد الجميع، ولو عين ما لكل درهم لاحتمال كل عشرة أن تكون هي الزيوف.
قوله: وأما إن أسلف عشرة دراهم الخ. هذا مقابل قوله السابق: وإن أسلف عشرة دراهم في ثوبين كل ثوب عن صنف غير صنف الآخر الخ. فإن ذلك فاسد، وهذا صحيح، لكن لم يبين رحمه الله حكم ما إذا خرج درهم زيف من هذه العشرة التي اسلفت في الثوبين المتساويين على القول بأنه يفسد السلم بذلك، والظاهر أنه يفسد في الثوبين معا لأن الدرهم الواحد ليس له شيء يخصه حق يفسد ما يقابله وحده من كلا الثوبين ولا يخص الفساد بأحد الثوبين دون الآخر لأن ذلك ترجيح من غير مرجح، وهو لا يجوز والله أعلم فليحرر قوله: ولا يجوز في السلم، أي المسلم فيه، وأما الشيء المسلم وهو الدنانير والدراهم فيجوز التولية فيها إذا كانت حاضرة كما يؤخذ من كلام الأثر وكذلك الشركة والله أعلم.
بعد،
- 276 - (3/376)
صفحة 1804
لا يجوز حتى يحل ويقبض، لنهيه عن بيع ما لم تقبض، وكذلك أيضاً الحوالة في السلم لا تجوز لأن الحوالة مخصوصة من بيع الدين بالدين، والمخصوص لا يتعدى ما خص فيه وهو الدين والله أعلم. وفي الأثر: وعن رجل تسلف دراهم فقال له أحد: و ليني تلك الدراهم أو شيئاً منها، فقال: أوليتك هذه الدراهم ولم يقل أسلفتك فعلى ما وصفنا، فإذا
قوله: لا يتعدى ما خص فيه وهو الدين، ظاهر هذا الكلام يقتضي أن السلم ليس بدين وليس بظاهر، فإن المراد بالدين في نهيه عليه السلام عن بيع الدين بالدين ما في الذمة مطلقا، ولا شك أنه شامل للسلم، ولعل المراد بعدم جواز الحوالة فيه إذا لم يحل أجله لأنه يشترط في الحوالة أن يكون الدين عاجلا أو آجلا، فدخل أجله كما تقدم في صدر الكتاب على القول بأنها بيع، وإنما كان القياس عدم جوازها لما يستلزمه من بيع ما ليس معك، وبيع ما لم تقبض وبيع الطعام قبل أن يستوفى إذا كان الدين طعاماً، وبعض يرى أنها ليست ببيع، وإنما هي نقل الدين من ذمته إلى ذمة تبري بها الأولى، وقيل: طرح الدين عن ذمة بمثله في أخرى، وعليه فلا حاجة إلى القول: لأنها مخصوصة حيث لم تكن بيعاً ويحتمل أنه إنما امتنعت الحوالة في السلم مطلقاً لأنه باب ضيق خارج عن القواعد لأجل الضرورة فلا يغتفر فيه ما يغتفر في غيره والله أعلم فليحرر. قوله: فقال: أوليتك هذه الدراهم الخ. قال شيخنا: والظاهر والله أعلم أنه ينعقد بينهما سلما وتكون ذمة المستلف الأول مشغولة لصاحب الدراهم وهو المسلف الأول. وذمة المستلف الثاني مشغولة للمسلف الأول، وإلا لكان حوالة كما
يظهر بالتأمل والله أعلم بالصواب انتهى.
قوله: ولم يقل قد أسلفتك، يعني غيرها.
- 377 - (3/377)
صفحة 1805
كان هذا المتسلف أعلم الآخر بكم تسلف هذه الدراهم فولاه الدراهم على معرفة ما صح للدراهم من الطعام ومعرفة من الأجل فهذا ثابت على المتولي، وإنما جاز هذا لأنه ولاه بيعاً حاضراً وهي هذه الدراهم الحاضرة، ولا يفسد الحاضر المعروف والله أعلم. وإن أسلف رجل لرجلين ثم عمل الإنفساخ مع أحدهما فهو منفسخ عليهما جميعاً لأنه لا يجوز له أن يأخذ بعض رأس ماله وبعض ما أسلم فيه، وأما إن أسلف رجلان لرجل ثم عمل مع أحدهما الإنفساخ فإنه لا يفسد إلا سهمه، لأن كل واحد منهما لا يفسد سهمه إلا عمله، والمسلم إليه ليس له في الإنفساخ حكم دون السلم والله أعلم. ولا يجوز أن يأخذ إلا ما أسلم إليه أو رأس ماله لئلا يدخل
معه
قوله: معرفة الدراهم، لعله معرفة ما للدراهم.
قوله: ثم
عمل مع أحدهما الخ. المناسب لما بعده أن يقول: ثم عمل أحدهما، الخ. اللهم إلا أن يقال لما توقف عليهما معاً، وأما إذا قال ذلك فهو سلف لا شك فيه، وسواء كان بدراهم السلف أو نسبة ذلك إلى كل منهما قوله: لئلا يدخل في النهي الخ. وفيه أيضاً أنه يتذرع إلى الربا إذا أخذ بدل المسلم فيه دنانير أو دراهم أزيد مما أسلم كما هو ظاهر والله أعلم، وكتب أيضا رحمه الله على هذه القولة ما بخصه قوله لئلا يدخل في النهي الخ. وذلك أنه إذا أخذ عوضه قبل قبضه فقد لزمه المبيع بما لم يقبض لأن حقيقة البيع المعاوضة، وهذا هو مذهبنا ومذهب الشافعي، وذهب مالك إلى جواز أخذ غير المسلم فيه بشروط، منها أن يكون غير طعام لأنه هو الذي يمتنع عنده بيعه
قبل قبضه، ومنها ان يجوز بيعه بالمسلم فيه مناجزة لا كلحم بحيوان.
- TYA- (3/378)
صفحة 1806
في النهي عن بيع ما لم تقبض، وقد ذكر في بعض الكتب عن النبي: (من أسلم في شيء فلا يصرفه في غيره)، وفي الأثر: وكذلك عندنا أن المسلف لا يتعوض به ولا يأخذ إلا من النوع الذي أسلفه له ولا يأخذ غير ذلك، وقد أجاز بعض أن يأخذ في البر شعيراً، وذلك
قوله: من أسلم في شيء فلا يصرفه في غيره، قال شيخنا: قيل من هذا الحديث يؤخذ عدم صحة أخذ الرهن في السلم دون الكفيل، ووجهه أنه لو أخذ الرهن في السلم دون الكفيل لربما ضاع الجنايته فيذهب بما فيه، وذلك صرف للمسلم فيه في غيره، إذ قد استوفى حقه من غير المسلم فيه والله أعلم بالصواب انتهى. وأقول: سيأتي للمصنف رحمه الله تعليل منع الرهن دون الكفيل بغير هذا لكن النكت لا تتزاحم والله أعلم.
قوله: يتعوض، في نسخة يتعوض لكن قياسها يعتاض.
قوله: لا يأخذ غير ذلك، قال شيخنا: فإن قلت لو كان الأمر كذلك لما جاز أخذ الرهن بعد حلول الأجل قلت: فرق بينهما إذ بعد الحلول كأنه أخذه في القرض وهو جائز والله أعلم. انتهى
قوله: وقد أجاز بعض الخ. قال شيخنا: حاصله أنه على الأول لا يصح أن يستبدل عن المسلم فيه غير جنسه ونوعه لأنه بيع للمبيع قبل قبضه، وبعض يقول: إذا كان من جنس حقه جاز، وبعض يقول: يجوز إذا كان من نوعه وشرط ذلك وإن كان على، وبعض يقول: يجوز في النوع إذا كان أدنى، كذا ظهر والله أعلم. وأما التفاوت في النوع الواحد جودة ورداءة"، فالظاهر أنه لا يمتنع كما اقتضاه إطلاق المصنف، ويدل له الحديث أنه تسلف بكراً فرد رباعياً حرر جميع ذلك والله أعلم، وفيه أنه ليستبدل قبل القبض انتهى، وأقول والله أعلم
- rva- (3/379)
صفحة 1807
عندي لأن الشعير يجري مجرى البر وهما جنس واحد، وبعض لا يجوز ذلك إلا من الجنس الذي أسلم إليه، وكذلك أنواع التمر على هذا الإختلاف إن أسلم إليه في نوع، وأخذ من نوع آخر، بعض جوز ذلك إذا كان في شرطه ورأى أن التمر كله جنس واحد، وبعض لم يجوز ذلك إلا إن أخذ دون شرطه من النوع الذي أسلم إليه والله أعلم. وكذلك أيضاً الإجارات عند بعضهم استأجره بحب أو تمر فليس له أن يأخذ إلا ذلك ولا يأخذ أيضاً دراهم، وإن كان الأجر بذهب أو فضة فله أن يأخذ بذلك ما أراد لأن الدراهم والدنانير أثمان الأشياء
القضاء،
إن مثل هذا لا يعد من الاستبدال لأنه جنس واحد، وإنما هو من حسن! فهذا الحديث يدل على أن دفع أعلى النوع من. القضاء حسن والله أعلم، وفي بعض هذا الحاصل تأمل أيضاً فليحرر.
قوله: دون شرطه، في بعض النسخ في شرطه فليراجع. وهو الظاهر لئلا يتحد أو يقرب من الإتحاد مع القول الذي بعده
قوله: فليس له أن يأخذ إلا ذلك، أي لنهيه لا عن بيع ما لم تقبض،
وعن بيع ما ليس معك وعن بيع الطعام قبل أن يستوفى سواء كان نقداً أم بعروض كما هو ظاهر
قوله: لأن الدنانير والدراهم أثمان الأشياء، أي ولأن القاعدة ان من كان له عند أحد دنانير أو دراهم يتعوض بها ما شاء إلا النوع الذي باعه له أولاً على الراجح.
- TA- (3/380)
صفحة 1808
فهؤلاء جعلوا الإجارات في هذا بمنزلة البيوع، وفي الأثر ومن غيره وقد قال من قال من أهل العلم: أنه يجوز أن يأخذ بأجرته من العروض وغيرها من العروض والدنانير والدراهم وذلك جائز. ولولا ذلك جائز ما جاز للمرأة أن تأخذ بصداقها من النخل وغير ذلك من العروض دراهم رغير ذلك من العروض، وإنما صداق المرأة أجرة وليس ذلك من وجوه البيوع وإنما هو من وجه الأجرة، والقول الأول هو الأكثر والله أعلم. وبعض ذهب إلى أنه إذا كانت الأجرة إلى أجل وكانت المقاطعة صحيحة فلا يجوز أن يأخذ منه إلا ما استأجره بعينه، وإن كانت الأجرة إلى غير أجل جاز أن يأخذ منه عوض ما استأجره به من
قوله: من العروض وغيرها، متعلق بأجرته أو حال منها، وقوله من العروض والدنانير متعلق بيأخذ. قوله: من النخل وغير ذلك من العروض، أما النخل فإنه لا يصح الإستدلال به فإنه بمجرد جعله صداقاً دخل في ضمان المرأة، لأن القبض في مثل هذا التخلية بينه وبينه فيلزم ذلك ويدخل في الضمان بمجرد العقد، وأما العروض فيصح به الاستدلال إذا كان غير مقبوض وهو مراده، وإن كان يحتمل غير ذلك والله أعلم.
قوله: وكانت المقاطعة صحيحة، أي بأن لا يدخل جهل في العناء أو في الأجل، ونحو ذلك كما سيأتي في الإجارات.
- 381 - (3/381)
صفحة 1809
الحب وغيره، فهؤلاء ذهبوا بالأجرة مذهب السلم والله أعلم. لأن الإيجارات عند بعض العلماء بيع، وكذلك أيضاً اختلفوا في القرض هل يأخذه من غير النوع الذي أقرضه؟ قال بعض: يجوز، وقال بعض: لا يجوز، وفي الأثر: ولا بأس عندنا في الذي يقرض براً فيقبل منه صاحب البر شعيراً وذرة أو دراهم أو غير ذلك، وكذلك ما كان من نحو هذا، وبعض شدّد فيه والله أعلم. ولا يجوز أن يأخذ بعض رأس ماله وبعض ما أسلم إليه لئلا يكون ذلك ذريعة إلى بيع وسلف، وفي الأثر: وإذا كان لرجل على رجل طعام أسلم إليه فيه فأخذ بعض وبعض رأس ماله فإن ابن عبد العزيز كان يقول: ذلك جائز، وبلغنا
طعامه
قوله: فهؤلاء، أي وهم الذين فصلوا.
قوله: ذهبوا بالأجرة مذهب السلم، يعني في بعض الاحيان، جعل لها أجل.
هو ما إذا
قوله: وبعض شدد فيه، هذا هو الذي يشهد له الحديث المتقدم وغيره من وبيع الطعام قبل أن يستوفى، ولعل محل هذا في غير
ما ليس معك بيع
الدراهم والدنانير كما هو معلوم.
من حسن
قوله: فإن ابن عبد العزيز الخ. قال شيخنا: ويكون ذلك الاقتضاء، ولعل ابن عبد العزيز لا يقول بالذرائع كما يقول الشافعي أو يقول بها فيما يكثر فيه القصد لقوة التهمة حينئذ، بخلافه فيما لا يكثر فيه القصد كما
- 382 - (3/382)
صفحة 1810
عن ابن عباس أنه كان يقول: دلك المعروف الحسن الجميل وبه نأخذ وعليه نعتمد، وكان الربيع يقول: إذا أخذ بعض رأس ماله فقد فسد السلم ويأخذ رأس ماله كله، وكذلك على هذا المعنى إن أسلم له بثوب بذرع معلوم وحد معروف فأتاه بثوب أطول من ثوبه أو أجود رقعة وأفضل من شرطه أو ينقص ذراعاً فله أن يأخذ الذي هو أفضل والذي هو أطول ويرد عليه بفضله قيمة ذلك، ولا يجوز أن يأخذ الناقص ويزداد عوضاً ولا دراهم على ما ذكرناه، وفي الأثر: ومن أسلف رجلاً سلفاً فظن أن السلف منتقض فأخذ رأس ماله ثم علم أن السلف ثابت فقال من قال: إذا أخذ رأس ماله فقد انتقض السلف وذلك فيما يوجبه النظر عندي قد فسخاه بفعلهما ولا يعدلان بالجهل، وكذلك أيضاً لا يجوز للمسلم إذا رجع إلى رأس ماله أن يأخذ من عند المتسلف عروضاً
هنا، ولكن ظاهر المذهب الإطلاق كما تقدم في صدر الكتاب والله أعلم بالصواب انتهى.
قوله: بثوب، الباء بمعنى في، أي في ثوب.
قوله: ولا يجوز أن يأخذ الناقص الخ. وذلك لأنه يؤدي إلى أنه أخذ بعض رأس ماله، وبعض المسلم فيه، وهذا ظاهر فيما إذا أخذ للنقص دراهم مثلا، وأما إذا أخذ عوض الناقص فإنه يؤدي إلى بيع مالم يقبض فتصير العقدة بآخرة الامر مشتملة على ما يجوز وما لا يجوز فتكون فاسدة على الراجح والله أعلم.
- 383 - (3/383)
صفحة 1811
لئلا يكون ذلك ذريعة إلى مالا يجوز لأنه إن باع بأكثر من رأس ماله أخذ زيادة على حقه، وأجاز بعض أن يأخذ العروض برأس ماله إذا رجع إليه لأنه إذا ملك رأس ماله فجائز أن يشتري به ما أحب عندهم. وكذلك أيضاً اختلفوا إذا رجع إلى رأس ماله وهو دنانير هل يأخذ فيه دراهم
قوله: لأنه إن باع بأكثر الخ. يعني فكأنه أعطى دراهم بزيادة، والعروض ذريعة ومنع من المساوي، وإلا نقص طرداً للباب وسداً للذريعة، ولعل هذا في رأس ماله للسلم خاصة لخروجه عن الاصل، وإلا فقد ذكروا أن من له دنانير أو دراهم يتعرض بها ما شاء ولم يلتفتوا إلى هذه الذريعة التي تلزمه في بعض الاحيان لكونها غير مقصودة ولأن هذا تعويض لا ينظر فيه إلى أصل الدراهم المعوض عنها فكأنها تمن دفع في عروض وبيع بأزيد والله أعلم.
قوله: إذا رجع إليه، أي إذا حكم الإنفساخ، وأمر بالرجوع إلى رأس ماله
ربح
فيه
قوله: لأنه إذا ملك رأس ماله الخ. يعني فيقاس أحد العروض في رأس ماله قبل القبض على الأخذ له بعد القبض فإن هذا متفق عليه، وإن وأي فرق بينها، والظاهر أنه يجوز ايضاً بالإتفاق ان يشتري برأس المال بعد قبضه عروضاً ممن كان مسلما اليه لانتفاء التهمة لأن هذا فعل مستقبل والله أعلم.
قوله: هل يأخذ فيها دراهم؟ الخ. لعل سبب الخلاف هو اختلافهم في الصرف إذا حضر أحد النقدين وتقدم ضمان الآخر في الذمة: هل يجوز أو لا يجوز كما تقدم والله أعلم؟ ثم قوله على الصرف يشعر بأنه عند من أجازه، لا يجوز أن يفترقا حتى يتما ما توافقا عليه من أخذ أحدهما بدلاً من الآخر.
- TAL- (3/384)
صفحة 1812
أو يأخذ في الدراهم دنانير على الصرف؟ قال بعضهم: جائز لأن الدنانير والدراهم عين واحدة وهما أثمان الأشياء، وبعض لم يجوز ذلك إلا أن يأخذ ما أعطاه والله أعلم. ولا يجوز الرهن في السلم قبل محله، ويجوز فيه الكفيل، ويجوز أيضاً الرهن بيد الكفيل، وفي الأثر: فإن قلت رأيت في الأثر أن الرهن في السلف ربا قال: نعم فذلك يوجد عن الفقهاء، قلت: من أين صار ربا؟ قال: لأن الوبا أن يأخذ الرجل ماله وزيادة، وهذا يكون بما يدفع إليه المسلف عنه مثله وزيادة عند المسلف لأن الرهن عوض ماله فكان في يده ماله وزيادة، قال: ولما كان في معنى
قوله: عين واحدة، يعني فيكون أخذاً لرأس ماله لا لغيره بخلافه على
القول الثاني. قوله: وهذا، أي السلف، وقوله:: ما، أي الرهن.
قوله: المسلف عنه، أي له.
قوله: لأن الرهن عوض عن ماله فكان في يده ماله وزيادة، وذلك لأن الرهن جعل في مقابلة ما يستحقه ذمته في بعد الأجل، ولا شك أنه يستحق رأس ماله وزيادة، فإذا أخذ الرهن في ذلك فكأنه أخذ الآن رأس ماله وزيادة، فهو كمن دفع مثلا عشرة دراهم وأخذ فيها خمسة عشر يأخذ عوضها بعد ذلك، وهذا بخلاف الدين فإن المدفوع فيه أولاً عروض لا دنانير ودراهم فلا يلزم فيه ذلك، ولذلك جاز فيه الرهن ابتداء، وكذلك إذا حل أجله لا يلزم فيه ذلك لأن تلك الزيادة قد استحقها فيجوز له أخذ الرهن حينئذ، كما يجوز له أخذ ماله وزيادة، كذا ظهر والله أعلم بالصواب.
- 385 -
ه م 25 - الإيضاح) (3/385)
صفحة 1813
الرباعلة تجمع الربا أجري عليه اسمه فقالوا هذا، قلت: أرأيت إن لم يكن رهناً وكان كفيل هل يجوز؟ قال: نعم ذلك جائز، قلت: فما الفرق بين الرهن والكفيل؟ قال: إذا كان كفيل لم يكن في يده وهو بمنزلة الذي عليه الحق، وإن كان رهن في يده مثل ماله والله أعلم. وإن ارتهن في السلم فسد الرهن والسلم جميعاً، وفي الأثر ومن غيره وقال من قال: انه لا يفسد السلف بالرهن حتى يكون السلف والرهن معاً في عقدة واحدة أو يكون السلف على أساس الرهن على ذلك عقد السلف فهنالك يفسد السلم وينتقض الرهن والسلم جميعاً، وأما إذا كان الرهن بعد عقده السلف إنتقض الوهن وثبت السلف، وإن كان الرهن بعد عقده السلف وبعد حلول أجله ثبت الرهن والسلف والله أعلم. وإنما جاز الرهن بعد حلول أجل السلف فيا يوجبه النظر لأن المسلف فيه لا يجب على المسلف حتى يحل أجله، ولذلك جاز فيه الرهن، وأما قبل حلول
قوله: في معنى الربا، لعله في معنى الرهن، أي في هذه الصورة. قوله: على ذلك عقد السلف، هذه الجملة بمنزلة المفسرة لقوله: أو يكون السلف على أساس الرهن. قوله: لا يجب على المتسلف حتى يحل أجله الخ. هذه الملة تقتضي منع الرهن في الدين قبل حلول أجله مع أنه جائز باتفاق، ولعل الفرق ما تقدم من أن المدفوع في السلم دنانير ودراهم فلا يأخذ الرهن فيه لئلا يكون كمن أخذ رأس
- 386 - (3/386)
صفحة 1814
الأجل فلم يجب على المتسلف إلا رأس مال المسلف فيه، ولا يجوز فيه الرهن كما لا يجوز في الصرف لأن من شرطه التقابض في المجلس كالصرف لقوله عليه السلام) و نقد حاضر) فكأنه إذا ارتهن فيه لم يكن نقداً حاضراً لأن الرهن عوض منه والله أعلم. وفي الأثر أيضاً: وجائز أن يأخذ صاحب السلم الحميل في السلم، وأما الرهن فلا يجوز، ومنهم من يرخص، فهؤلاء جعلوا السلم بمنزلة الدين، ويجوز فيه الرهن كالدين والله أعلم. ويجوز السلم بالكتاب إذا أرسل إليه كتاباً أن يسلفه دراهم فأرسل إليه الدراهم وكتب إليه كتاباً إني قد اسلفتك كذا وكذا در هما بكذا وكذا إلى وقت كذا وكذا فهو جائز على قول
ماله وزيادة ما لم يحل الأجل، ويستحق تلك الزيادة بخلاف الدين، فإن المبيع فيه عروض فلا يلزم فيه ذلك والله أعلم.
قوله: ولا يجوز فيه الرهن كما لا يجوز في الصرف الخ. حاصله أن الرهن في السلم يمتنع قبل حلول الأجل لعلتين، أحدهما: أنه يصير بمنزلة من أخذ رأس ماله وزيادة، والثانية أنه يصير بمنزلة من لم ينقد.
قوله: كذا وكذا در هما بكذا وكذا الخ. لم يتعرض رحمه الله للشهود في هذه الصورة، ولا في التي بعدها أعني مسألة الرسول، مع أنه لابد من الشهود في السلم، والظاهر أنه يحضر الشهود عند قبضه للدراهم، وأما المكان بالظاهر أنه إنما لم يتعرض له بناء على عدم اشتراطه والله أعلم. ويحتمل أنه في مسألة الرسول يشهد عند الدفع للرسول لأنه في مقام المرسل والله أعلم.
- 387 - (3/387)
صفحة 1815
بعض الفقهاء ممن يرى الكتاب كلاماً لأنه قد كلمه وأسلفه من الكتاب وقد قبض، وكذلك أيضاً إن أرسل إليه رسولاً أن يسلفه فدفع إلى الرسول الدراهم فقال له: قل له قد أسلفته هذه الدراهم بكذا وكذا إلى أجل كذا فهو جائز، وإن تلفت الدراهم من يد الرسول قبل أن يصيرها إلى الذي أمره فلا ضمان على الرسول لأنه أمين إلا أن يكون ضيعها وهي على الأمر، وكذلك أيضاً إن قبض الرسول المسلم فيه من الأمر فضاع
قوله: لأنه قد كلمه وأسلفه في الكتاب وقد قبض، قال شيخنا: أنظر ما
إذا أوصل إليه الكتاب وقرأه وفهم ما فيه، ولم يقبض الدراهم في مجلس القراءة بل تأخر، هل يصح السلم؟ وهل إعادة قراءته ينزل منزلة تجديد السلم؟ وهل إذا قال: كلما كلمته يلزمني كذا فتكرر عليه اليمين كلما قرأه؟ لم أر فيها نصاً، قلت: الظاهر في المسائل كلها الصحة انتهى، وفي كلامه رحمه الله بالنسبة إلى مسألة اليمين نظر، لأن هذا إنما يتأتى لو قال مثلا: كلما كلمني فلان يلزمني والأمر سهل. قوله: وهي على الأمر، أي مطلقاً، إلا أنه في صورة التضييع يرجع على الرسول، وأما في صورة الكتاب فلم يتعرض للدراهم إذا ضاعت، والظاهر أنها في هذه الصورة تكون من مال المسلف لأن الطلب للسلف لم يتعين له مع من يرسلها له والله أعلم، ثم إنه ينظر فيها إذا تلفت الدراهم من يد الرسول هل تم السلف بينها، ويطالبه بالمسلم إليه عند حلول الأجل أو لا يتم إلا إذا وصلت إليه الدراهم فليحرر. والظاهر أنه إن قلنا ان السلم قد تم عند الدفع للرسول فلد المطالبة بالمسلم فيه، وإلا فلا يطالب إلا برأس ماله، والظاهر الأول بدليل
قوله بعد: والرسول في مقام المتسلف والله أعلم.
- PAA- (3/388)
صفحة 1816
قبل أن يبلغ المسلف فلا ضمان عليه وعلى المتسلف أن يوفيه حقه ثانية، إلا أن يكون الرسول قد قضى ذلك من ماله ثم قبض من هذا لنفسه فتلف من عنده فقد برأ المتسلف لأنه قضى ما وجب عليه لمن وجب له والله أعلم. وإذا أسلفه الرسول من عند نفسه لم يجز لأنه لا يكون متسلفاً إلا من مسلف، والرسول في مقام المتسلف، وكذلك أيضاً إن سلف له الرسول من عند شريك له في الدراهم فإنه لا يجوز إلا إن أعلمه فأتم له ذلك، وكذلك أيضاً إن أعطاه دراهم وأمره أن يسلمهم للناس فأخذ من ذلك لنفسه كما يعطي للناس فإنه لا يجوز كما ذكرنا، إلا إن أعلمه فأتم له ذلك، وعند بعض أنه جائز إن أخذ من ذلك كما يعطي والله أعلم.
لا
قوله: فإنه لا يجوز، أي لأن العقدة الواحدة إذا اشتملت على ما يجوز وما يجوز كانت غير جائزة على الصحيح، ولعله إنما جاز بعد الأخبار و إتمام الفعل لأنه بمنزلة التجديد، والظاهر أنه لا بد أن يكون النقد حاضراً والله أعلم. قوله: إلا إن أعلمه الخ. الاستثناء راجع إلى كلتا المسألتين كما هو ظاهر. قوله: كما ذكرنا، أي من أنه لا يكون متسلفاً إلا من مسلف
قوله: فأتم له ذلك، يعني والنقد حاضر والله أعلم. قوله: وعند بعض أنه جائز الخ. لعل هؤلاء نظروا إلى الظاهر حيث وجدوا ذلك بين شخصين، وانظر لم لم يحك الخلاف في المسألة الأولى مع أنها بحسب الظاهر أقرب الى الجواز من هذه، ولم يتعرض لما إذا أرسل رجلا ليأخذ
-5 A 9 - (3/389)
صفحة 1817
وإن لم يجد المسلف عند المتسلف خقه فأعطاه دراهم وأمره أن يشتري له بهم مثل حقه ويقضيه في حقه فإنه لا يجوز لأنه لا بد له ممن يقضيه حقه والله أعلم. وإن قال له: بعني حبًّا أقضيك في حقك أو أقرضنيه أو ما أشبه هذا فإن الفقهاء نهوا أن يبيع له بيعاً يعينه به على حقه أو يقرضه ليشتري به حقه أو يدله على موضع يكون فيه مثل حقه ليشتري له منه، وقول آخر: لا بأس في هذا كله إذا لم يكن ثم شرط بينهما أن يبيعه ليوفيه وأعطاه بكيل وأخذ بكيل فلا بأس، وقد (نهى عن بيغتين بكيل واحد) (1) وإن أخذ السلف بذلك الكيل الأول من غير أن يكيله له ثانياً فقد ذكر في الأثر: فإن حيان الأعرج كتب إلى أبي
له.
صح
لنفسه إن أخبره وإلا فلا فلان مثلاً فأخذ لنفسه، والظاهر أنه قد. من لأن العقد لم يقع معه والله أعلم فليحرر. قوله: فهو أن. له بيعاً الخ. أي لما يلزم عليه من التذرع إلى الربا، لأنك يبيع إذا أضفت البيعة الأولى إلى الثانية وجدته قد. رد سلعته، وأعطى عشرة بعشرين مثلاً إلى اجل، وهذا ظاهر، ولكن ينظر إذا وقع ذلك هل ينفسخ السلم من أصله ويرجع إلى رأس ماله فقط أو لا ينفسخ؟ إلا أنهما يترادان الفعل الثاني لما
يؤدي إليه من الربا على الراجح من النظر إلى الذرائع، وإن كانت غير مقصودة و هذا هو الظاهر والله أعلم فليحرر
(1) رواه أحمد والنسائي والترمذي.
ر. (3/390)
صفحة 1818
جابر
: ما قد سبق وذهب فاتركوه، وأصلحوا فيها استقبلتم والله أعلم. وكذلك أيضاً صاحب السلم إن أخذه بكيل فلا يبعه بذلك الكيل لنهي النبي عليه السلام، إلا إن زاد فيه شيئاً أو نقص منه فيبيعه جزافاً فلا بأس، وكذلك ما أخذ في الدين على هذا الحال لأنه بيع، وأما ما أخذ في القرض أو الهبة والإجارة أو الصداق أو ما أشبه ذلك من وجوه غير البيع فلا بأس أن يبيعه بذلك الكيل، وكذلك، ما أخذه بالبيع فأراد أن يجعله في وجوه غير البيع بذلك الكيل فلا بأس والله أعلم. وأما إن قال له الكفيل: أنا أسلفك أو أقرضك أو أبيعك الحق الذي كفلت عليك به وأرفعه إلى صاحبه وخلصني مما كفلت به عليك فلا بأس لأن الكفيل ليس الحق له فإنما يطالبه به لغيره فهذا هو الفرق بين صاحب الحق والكفيل، وكذلك أيضاً جائز للكفيل إذا أعطى لصاحب الحق من
قوله: ما قد سبق وذهب فاتركوه الخ. الظاهر أن هذا إنما يتمشى على قول من قال: إنه يجوز الحل في بيع الإنفساخ بعد الوقوع، وإلا فالراجح في المفسوخات القراد كما تقدم والله أعلم.
قوله: أو الهبة، يعني لغير ثواب، وقوله: أو الإجارات، لعله بناء على انها ليست من البيوع والله أعلم.
قوله: فلا بأس، حاصل كلامه أولاً وآخراً أنه حمل النهي على التعبد وإلا لا متنع مطلقاً.
-591 - (3/391)
صفحة 1819
عنده أن يأخذ من المتسلف خلاف ما أعطي عليه لأنه ليس هذا يسلف، والأحسن أن يأخذ مثل ما أعطى والله أعلم. وينفسخ السلم ان يأخذه صاحبه قبل الأجل، وكذلك الدين، وأما اللزوم ففيه اختلاف قال بعض: ينفسخ السلم باللزوم، وقال بعض: لا يفسخه اللزوم، وكذلك الدين على هذا الحال والله أعلم. وفي الأثر: وعن أبي علي رحمه الله في رجل قال لرجل يطلبه بتمر: كل لي واكزلي* ففعل فإن تتامما وإلا انتقض، قوله: والاحسن، هذا هو الظاهر لما يلزم على غير الاحسن من بيع الطعام قبل أن يستوفى إن كان المسلم فيه طعاماً وبيع ما ليس معك، وبيع ما لم تقبض، وانظر لم أجازه هنا قولاً واحداً إلا على جهة الاستحسان. قوله: إن أخذه صاحبه قبل الأجل، ظاهره ولو ظن أن الاجل قد حل، فإذا هو لم يحل وظاهر تسويته في هذا الحكم بين السلم والدين أنه إذا أخذه كذلك لا ينفسخ ولكن يرده لصاحبه حق يحل الاجل كما سيأتي في باب الدين والله أعلم فليحرر، اللهم إلا أن يقال إنه لا يغتفر فيه ما يغتفر في غيره لكونه
باباً ضيقاً والله أعلم.
قوله: فإن تنامما والا انتقض، أي فكان له صح وإلا، اي بأن لم يكل له بأن أخذ جزافاً إنتقض السلم، فالمقصود من سوق كلام الأثر أنه لا يصح أخذ المسلم فيه إلا بالكيل، إلا أنه لا يشترط حضور المسلم إن كيل لأجله، وفيه مناسبة لما قبله بقوله: وإلا انتقض والله أعلم. ويحتمل أن المراد بقوله فإن تتامما بأن صدقه على أنه كال له لأجل قوله ففعل وإلا، أي وإن لم يصدقه على الكيل له، وأخذه كذلك انتقض لأنه بمنزلة الجزاف، وهذا هو الظاهر. والحاصل
كذا في الأصل.
- 292 - (3/392)
صفحة 1820
فهذا يدل على أنه إن صدقه أنه كال له فجائز، وإذا قال المطلوب للطالب: قد كلت لك هذا التمر والحب فقيل إن كان إنما كاله له فجائز وإن كان لا يريد به له فليكله له لأن الكيل واجب في السلم لقوله عليه السلام (وكيل معلوم) ولا يجزي فيه الجزاف، وإن اختلف صاحب السلم مع المسلم له في أجل السلم بعد اتفاقها أنه شهر أو شهران أو ما أشبه ذلك فقال صاحب السلم: قد حل الأجل، وقال صاحبه: لم يحل، فالقول قول من قال منهما لم يحل، وعلى المدعي على أنه قد حل البينة، وإن لم تكن بيئة فعلى الآخر اليمين و الله أعلم.
أن المراد بالمتاعمة الكيل من أحدهما، والتصديق من الآخر بدليل كلام المصنف رحمه الله بعد والله أعلم فليحرر.
قوله: بعد اتفاقها أنه شهر أو شهرين إلى آخره، يعني أنها اتفقا في مقداره واختلفا في حلوله، وأما لو اختلفا في مقداره كأن يقول احدهما شهران، ويقول الآخر ثلاثة مثلا فإن القول قول من قال بالأقل، ومن ادعى الزيادة فعليه
البيان، فإن لم يوجد فعلى الآخر لليمين.
- 39 - (3/393)
صفحة 1821
باب في بيع النقد
وبيع النقد أن يبيع له هذه الدراهم بكذا وكذا من صنف كذا وكذا ولا يحتاج إلى الشهود ولا إلى الأجل، ويجوز بالوزن وبغير الوزن، ولا يحتاج فيه إلا إلى الجنس والعيار فقط، ويجوز فيه الرهن والحميل ويلزمه متى ما شاء، ويأخذه وقت ما شاء لأنه بغير أجل، وتجوز فيه الحوالة أيضاً لأنه ليس بسلم، ويجوز في كل ما يتبين مما يكال ويوزن، و إلى الحيوان بصفه معلومة على قول بعضهم، ولا يجوز النقد بغير الذهب
باب في بيع النقد
قوله: هذه الدراهم، ومثل الدراهم الدنانير
قوله: فيه الرهن الخ. إنما جاز فيه لأنه على الحلول، والظاهر أنه لو كان أجلا لم يجز لأنه حينئذ بمنزلة السلم لأن المدفوع فيه الدنانير والدراهم فكان في يده رأس ماله وزيادة والله أعلم فليحرر.
قوله: على قول بعضهم، يعني وأما على قول البعض الآخر فيجوز عروض حاضرة بعروض في الذمة، واستدل له فيما تقدم بحديث النبي ا) أنه اشترى ويري أن التمر عنده) (1) الخ.
من اعرابي جزوراً بتمر
(1) تقدم ذكره.
- ra? - (3/394)
صفحة 1822
والفضة على قول بعضهم، وهذا فيما يوجبه النظر على قول من قال الدنانير والدراهم تكون أثمان الأشياء ومثمنات لها، وعلى قول بعض: ان هذا
لا يجوز لأنه من بيع ما ليس معك والله أعلم.
وسبب
قوله: ان هذا لا يجوز، أي بيع النقد، ذلك عندهم أن الدنانير والدراهم لا تكون إلا أثماناً فيلزم حينئذ أن المبيع هو ما في الذمة، وهذا النقد ثمن له فيؤدي إلى بيع ما ليس معك، أي بغير شروطه والله أعلم.
- 395 - (3/395)
صفحة 1823
باب في بيع
الدين
وبيع الدين جائز لقوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه،) الآية ولا يجوز بيع الدين إلا إلى أجل معلوم بشاهدين أو رجل وامرأتين، ومنهم من يقول: البيع جائز بغير شهود
باب في بيع الدين
قوله: بيع الدين، الإضافة فيه لأدنى ملابسة لأنه لما وقع البيع به أضيف إليه. قوله: بشاهدين أو رجل وامرأتين، أطلق رحمه الله في الشهود، ولم يشترط فيهم العدالة كما تقدم، ولعل ذلك يرجع الحرج في الأمر بالشهادة عند من يقول بوجوبها وفيه تأمل، فإن شهادة من ليس بعدل في الحقيقة إذا احتيج إليها لا تجدي نفعاً، وظاهر القرآن أنه لا بد من العدالة في الشهود لقوله تعالى: (ممن ترضون من الشهداء) (2) وقوله وأشهدوا ذوى عدل منكم (3) ويمكن أن يقال: إنما ترك وصف العدالة للعلم به وهو الظاهر والله أعلم.
قوله: جائز بغير شهود، هذا هو الذي اختاره فيما تقدم، وذكر أن أكثر
علمائنا
رحمهم الله على ذلك في غير السلم
(1) تقدم وذكرها.
(2) تقدم ذكرها.
(3) تقدم ذكرها.
-197 - (3/396)
صفحة 1824
وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. وينبغي له أن يستوثق على ماله إذا باعه بالدين ولا يتركه بغير شهود قليلاً كان أو كثيراً في السفر والحضر، وإن باعه ولم يشهد عليه فجحده المشتري فلا يكون له الأجر في ذلك المال، روي من طريق الشعبي عن أبي بردة عن أبيه عن النبي عليه السلام أنه قال: (ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم؛ رجل أعطى يتيماً مالاً وقد قال الله تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم، ورجل كانت له امرأة سيئة الخلق ولم يطلقها، ورجل كان له على رجل دين ولم يشهد عليه فأنكره)). وبيع
قوله: فلا يكون له الأجر في ذلك المال، هذا في الحقيقة يدل على وجوب الإشهاد، وأي مصيبة أعظم من قوات الأجر. قوله: فلا يستجاب لهم، لعل المراد لا يستجاب لهم فيهم لا مطلقاً، والله أعلم.
قوله: ولم يطلقها، لعله إذا لم يكن له عذر كعدم القدرة على الصداق، وكأن تكون له أولاد لا يتحملهم غيرها مثلا، ولعله مقيد أيضاً بما إذا لم يرد الصبر عليها احتساباً الله، وذكر في السير عن بعض المشايخ أنه كانت عنده امرأة سيئة الخلق فقيل لم لم تطلقها؟ فقال: أخاف أن يبتلى بها بعض المسلمين والله أعلم. قوله: ولم يشهد عليه فأنكره، هذا أيضاً يدل على وجوب الإشهاد حين
كان تركه قد يؤدي إلى هذا والله أعلم
(1) رواه الدارقطني.
- 397 - (3/397)
صفحة 1825
الدين جائز بجميع ما يجوز به البيع إذا لم يكن من ذلك الجنس الذي، وهذا فيما يوجب النظر على قول من قال: إن الأشياء تكون أثماناً باعه بعضها البعض والله أعلم. ويجوز فيه أخذ الرهن والحميل، ولو أنهم قالوا الرهن في الدين والحمل في السلم. ويجوز فيه أيضاً الحوالة بعد حلول الأجل، وأما قبل حلول الأجل، فلا، لئلا يكون ذلك من بيع الدين بالدين لأن الحوالة بيع والله أعلم. وإن باع له بكذا وكذا نقداً وكذا وكذا نسيئة فلا يجوز لأنه من بيعتين في بيعة واحدة، ومنهم من يقول جائز. وخليفة اليتيم والمجنون والغائب والوكيل على البيع لا يبيع أموال هؤلاء بالدين ولا يبيع في هذا كله أيضاً إلا بالدنانير والدراهم. وفي كتاب أبي
•
قوله: إذا لم يكن من ذلك الجنس وأما منه فلا يجوز، يعني إذا كان متفاوتاً في القدر لتحقق شروط الربا فيه، وهي الجنس والأجل والزيادة قوله: ولو انهم قالوا الرهن في الدين الخ. يعني لأنه ليس مقصودهم بهذا ان الحميل لا يجوز في الدين، بل المقصود أن الدين اختص عن السلم بجواز الرهن،
وإن جاز فيه الجميل بخلاف السلم فإنه لا يجوز فيه إلا الجميل والله أعلم. قوله: ويجوز فيه أيضاً الحوالة بعد حلول الأجل، لعله إذا كان الدين دنانير أو دراهم لا عروضا لما يلزم عليه من بيع الطعام قبل أن يستوفى، ومن بيع ما لم تقبض لأن الحوالة بيع كما قال رحمه الله.
قوله: نقداً، الظاهر أنه أراد به حاضراً، وقوله: نسيئة، أراد به مطلق التأخير
وإن كان بغير أجل والله أعلم.
- 398 - (3/398)
صفحة 1826
عبدالله محمد بن بركة: وإذا وكله ودفع إليه ثوباً يبيعه له ولم يشترط عليه أن يبيعه نقداً ولا نسيئة ولا بعروض فباعه بدنانير ودراهم بنقد فذلك جائز باتفاق، فإن باعه له نسيئة بدنانير أو دراهم ففي ذلك اختلاف بين أصحابنا، فبعضهم ضمنه الثمن، و بعضهم أجاز له الفعل لأن الناس بيعهم النقد و النسيئة، ومن ذهب من أصحابنا إلى تضمين المأمور والوكيل ما باع بالنسيئة إنما يضمنه الثمن الذي باعه به، وهذا قول عندي فيه نظر لأن علتهم في ذلك أن البيع بالنسيئة إتلاف مال الموكل، وإذا كان متلفاً كان متعديا والبيع غير جائز عندهم، ولو كانت هذه علة تصح في النظر كان المضمون قيمة المتعدى فيه والمتلف على صاحبه لأن البيع عندهم غير جائز، فإن كان البيع مستحقاً والبيع جائز به فلا ضمان على الوكيل
قوله: والوكيل، كأنه عطف تفسير.
قوله: لو كانت هذه علة تصح، وهي كون البيع بالنسيئة إتلاف مال الموكل. قوله: فإن كان البيع، اي المبيع به وهو الثمن مستحقاً، أي لصاحب الثوب مثلاً حيث قالوا يستحق عند الوكيل الثمن لا القيمة، يعني فقولهم باستحقاق الثمن دال على صحة ذلك البيع وعدم ضمان الوكيل والله أعلم. ولقائل ان يقول: من جانب الأصحاب القائلين يتضمن الثمن، إنما قالوا بذلك لأن البيع صحيح بما باع به من الثمن، وإنما ضمنوه لتعديه فيه حيث لم يقبضه فلا يضمن إلا الثمن دون القيمة، ولأنه لو ضمنها لربما كانت انقص من الثمن فلا يحل له أخذ تلك الزيادة لأنها ترتبت على مال الموكل وتؤدي أيضاً إلى الربا في بعض الصور،
399 - (3/399)
صفحة 1827
والمأمور والله أعلم، وإذا باع بعروض مثل الحب والتمر أو غير ذلك من سائر العروض فضد أصحابنا أنه ضامن والبيع بذلك غير جائز، لأنه باع بغير ثمن لأن الدراهم والدنانير أثمان الأشياء والعروض مثمنات غير أثمان، والنظر يوجب عندي إسقاط الضمان وجواز البيع لأن حقيقة البيع هو إخراج الشيء من الملك على بدل له قيمة يتعوض عليه وهو عين ملك، فلما كان هذا الوكيل قد اعتاض ثمناً من الثوب المأمور ببيعه بدلاً له قيمة وهو عين مال واجب جواز الفعل منه والله أعلم. وينفسخ
لما
أعني إذا كان الثمن أزيد من القيمة والله اعلم بالصواب.
هو
قوله: فعند أصحابنا أنه ضامن والبيع بذلك غير جائز، لم يتعرض رحمه الله المضمون هل هو قيمة المبيع أو قيمة البيع به وهو العروض، والظاهر أن المضمون هنا عندهم قيمة المبيع حيث كان المبيع فاسداً بخلافه في الأولى فإن الظاهر أن البيع عندهم صحيح فلذلك ضمنوه الثمن، وظاهره أن أصحابنا متفقون على الضمان في هذه الصورة، وأنه لا فرق في العروض بين ان يكون حاضراً أو غائباً حيث جعلوا البيع بالعروض في حق الوكيل بيعاً بغير ثمن والله أعلم.
قوله: إسقاط الضمان، هذا ظاهر إذا كانت العروض مقبوضة وإلا فهو ضعيف من وجهين: العروض والتأخير والله أعلم.
قوله: وهو عين مال واجب جواز الفعل منه، والظاهر ان هذا من كلام ابن بركة رحمه الله. (3/400)
صفحة 1828
بيع الدين إذا أخذه صاحبه قبل الأجل لأن تلك الزيادة إنما هي في مقابلة الأجل، وبعض جوز ذلك إذا ارضى الذي عليه الدين، وبعض ذهب إلى أن الدين لا ينفسخ وإن أخذه صاحبه قبل الأجل ولكنه يرده وإن لم يرده حتى حل الأجل فإنه يرده ويأخذ ماله، وإن نما الذي أخذ قبل الأجل فإن نماءه لصاحبه، وإن تلف فعلى من أخذه ضمانه، فهذا القول منهم يدل أن الدين لا ينفسخ إلا إن اتفقا على إفساخه لأن كل ما كان عقده بالقول لا ينفسخ إلا بالقول، وإن أخذ صاحب الدين خلاف ما باع له فيه قبل الأجل فإنه لا ينفسخ لأنه إنما قضاه ذلك في شيء لم يلزمه
قوله: لأن تلك الزيادة في مقابلة الأجل، يعني، فلا يستحقها إلا بعد حلوله، فإذا اخذها قبل الاجل فقد أخذ أكثر من حقه، فيصير الفعل حينئذ مشتملا على ما يجوز وما لا يجوز، ولعل بهذا وقع الخلاف، هل ينفسخ أو لا؟ والظاهر الإنفساخ، ولذلك صدر به، لأن القاعدة من استعجل بالشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، ولأن المختار عنده في العقدة إذا اشتملت على ما يجوز وما لا يجوز كانت غير جائزة والله أعلم بالصواب فليحرر.
قوله: ويأخذ ماله، اي الذي استحقه في ذمته، لأن رد ذلك لا بد منه
قوله: لأن كل ما كان عقدة بالقول لا ينفسخ إلا بالقول، وهذه كلية غير مسلمة لأنه لو كان كذلك لم ينفسخ السلم بكثير مما تقدم غير القول، والله أعلم.
قوله: لأنه إنما قضاه ذلك في شيء لم يلزمه، يعني فالقضاء حينئذ باطل والشيء مردود إلى صاحبه والدين على حاله، ولم يتعرض رحمه الله لنماء ذلك ه م 26 ـ الإيضاح» (3/401)
صفحة 1829
بعد، والله أعلم. وبعض ذهب إلى أن لزوم صاحب الدين في دينه قبل الأجل بفسخه، فهذا يدل منهم أن حكم الفسخ والإمضاء بيد صاحب الدين، وكذلك أيضاً دين ابنه الطفل يفسخه لزومه؛ لأن مال ابنه بمنزلة ماله، وأما خليفة اليتيم والمجنون والغائب لا تنفسخ ديونهم للزوم خلائفهم لأنهم لم يستخلفوا على الفسخ، وفي الأثر: ومن لزم الدين المؤجل انفسخ، وكذلك أيضاً إن طلب إليه الرهن، وأما إن طلب الضمين فلا ينفسخ ولا يدركه بل يدركه عليه ضمين الوجه إذا أراد
الشيء. ولا لضمانه، ولعله للعلم به مما تقدم وإنما لم يجعل الخراج بالضمان ها هنا لأن هذا القضاء منفسخ فهو بمنزلة بيع الإنفساخ، فعلى هذا يدرك العناء حيث يرد الغلة والله أعلم.
عدم
المفارقة لتعذرها
قوله: لزوم صاحب الدين، كأنه أراد باللزوم المطالبة لا والله أعلم. والفسخ إنما يظهر إذا لم يكن الفسخ ضرراً عليه وإلا حصل للمشتري ضرر فيها إذا أراد الإتمام والله أعلم فليحرر. وإن كان ظاهره الإطلاق. قوله: لا تنفسخ ديونهم إلى آخره. لم يتعرض رحمه الله لأخذ الديون بالفعل، وظاهر التعليل يدل على عدم الإنفساخ، ولو تعرض له لعلم حكم اللزوم بالاولى
والله أعلم. قوله: فلا ينفسخ، الفرق بينها أن طلب الرهن كطلب المال لأنه يكون في يده بخلاف الضمين، ومحل المنع إذا لم يكن مشروطاً من أول الامر كما يعلم مما تقدم والله اعلم قوله: ولا يدركه عليه، يعني حيث لم يشترطه عند البيع، وأما لو اشترطه
- 402 - (3/402)
صفحة 1830
أن يسافر، وينفسخ دين اليتيم والغائب والمجنون إذا لزمه خلائفهم، وكذلك الوالد في مال ولده الطفل، وأما البالغ فلا، وكذلك الجد في قول، وكذلك الوكيل على بيع الدين على هذا الحال، وأما المقارض والعبد المأذون له في التجارة فإنه ينفسخ الدين بلزومه على قول من
لأدركه والله اعلم.
قوله: وينفسخ دين اليتيم الخ. الظاهر أن هذا من كلام الأثر ساقه مقابلا ما جزم به أولا، ويدل على ذلك قوله: وكذلك الوالد الخ لأن مراده حكاية كلام الاثر إلى آخر المسألة، وإلا كان تكراراً محضاً، ولا يقال المراد بالدين الذي لا ينفسخ الدين الذي كان قبل الاستخلاف، والدين الذي ينفسخ هو الذي يكون بعد الاستخلاف لأنه قد تقدم أن الخليفة يبيع بالدين، وأنه إن باع به ضمن فلا
يتأتى حينئذ أن يكون لهؤلاء دين بعد الاستخلاف والله أعلم فليحرر. قوله: وكذلك الوكيل الخ. يعني لا ينفسخ الدين بلزومه لأنه ليس له ذلك، وإنما هو وكيل على البيع فقط والله أعلم
•
قوله: وأما المقارض والعبد المأذون له الخ. ظاهره أنه لا رأي لرب المال ولا لسيد العبد، وأن الفسخ إنما هو بيد المقارض والعبد، وظاهره أيضاً أن المقارض له الفسخ قولاً واحداً، وظاهر القياس على ما تقدم في الرد بالعيب أنه في مسألة العبد ينفسخ بلزوم كل منها، لان العبد مأذون له على الإطلاق، والسيد المال له، ولعله إنما لم يتعرض له لظهوره، وأما في مسألة المقارض فلعله ماش على القول بأنه بمنزلة الاجير، وأنه لا يرى لصاحب المال معه كما ذكر هنا، لكن تقدم أن في جعله بمنزلة الاجير تأملا فقد تقدم تأويلها بأن المراد بكونه بمنزلته انه له جزء في مقابلة عمله، لا كالوكيل المتبرع بعمله غالباً، لكن لما كان
- 403 - (3/403)
صفحة 1831
يفسخه باللزوم لأن صاحب المال ليس له في هذا الحكم، والله أعلم. وفي الأثر: وإن كانا شريكين في الدين فلزم أحدهما فقد انفسخ نصيبه، وكذلك ان باع رجل واحد لرجلين فلزم أحدهما فقد انفسخ ما ينوب الذي لزمه منها، فهذا يدل منهم ان صاحب الدين يجوز له أن يأخذ بعض
ذلك الجزء فيما يترتب على ذلك المال جعل هو الناظر فيه دون رب المال بخلاف الاجير الحقيقي، فإنما يستحقه إنما هو قدر معلوم مرتب في ذمة صاحب المال، وأما على القول بأنه بمنزلة الوكيل، وهو مذهب الربيع) رحمه الله، فالظاهر أنه لا ينفسخ إلا بلزوم رد المال كما لا يرد الشيء بالعيب حتى يحضر رب المال فيحلف انه ما رضي بالعيب كما تقدم، ولعله إنما تركه للعلم به مما تقدم أو لأن المختار أن المقارض ليس بمنزلة الوكيل والله أعلم.
عنده
قوله: وإن كانا شريكين في الدين فلزم أحدهما الخ. اي فلزم احدهما للديان لكن في انفساخ نصيبه دون نصيب شريكه تأمل، لأن فيه ادخال الشريك على المدين، وهو ضرر كما تقدم في الرد بالعيب على مذهب الربيع وابن عبدالعزيز ولعله ماش على قول ابن عباد القائل بأن إدخال الشريك ليس بعيب، او يقال الحكم هنا مخالف لحكم الرد بالعيب لمدرك آخر، وإن كانت العلة تقتضي المساواة والله اعلم. قوله: في الدين، أي فقط احترازاً عن المتفاوضين فإنه لا شك أنه
•
ينفسخ
الجميع بلزوم احدهما كما هو معلوم والله اعلم قوله: يجوز له أن يأخذ الخ. لكن ينظر هل ذلك خاص بما إذا باع لشخصين مثلا وهو ظاهر كلام الأثر أو يجوز ولو باع لشخص واحد، وهو ظاهر كلام النتيجة فيكون حكم الدين مفارقاً الحكم السلف على المختار من انه لا يقبض بخلاف الدين والله اعلم فليحرر.
- 404 - (3/404)
صفحة 1832
ما باع به و بعض رأس ماله. وإن ظن انه قد حل الأحل فأخذ دينه ثم تبين انه لم يحل فإنه يرده ولو لم يتبين لهما ذلك إلا بعد حلول الأجل، وكذلك إن جاءه موت غريمه فأخذ دينه ثم أتى غريمه فإنه يرد له ذلك في الحكم ونماء ذلك كله لصاحبه، لأن هذا قضاء منفسخ، وإن تلف فهو له ضامن. واختلفوا هل يحل الدين بموت المدين أم لا؟ قال بعض: لا يحل الدين بموت المدين ولا يدركه صاحبه حتى يبلغ أجله وهو الذي يوجبه النظر وعند بعض: أن الدين يحل بموت الغريم لأنه متعلق بذمته قبل الموت، فلما مات رجع إلى التركة، وحل لصاحبه أخذه، إلا السلف فإنه إلى أجله، و على قول من قال لا يحل الدين بموت الغريم فإنه يأخذ من حل دينه حصته ويتوقف لصاحب الدين الذي لم يحل أجله إلى حلول دينه فيأخذه،
قوله: فإنه يرده الخ. أي ويرد ما اشتغل منه إن كانت غلة ويدرك العناء، وإنما كان الحكم كذلك لأن هذا القضاء منفسخ فيجري عليه حكم الإنفساخ والله أعلم.
قوله: فأخذ الخ. يعني بناء على ان الأجل يحل بموت المدين.
"
قوله: وإنما ذلك، هو مبتدأ خبره لصاحبه، وهو مصدر أنماه فهو من إضافة المصدر إلى المفعول وحذف الفاعل، في بعض النسخ: ونماء ذلك وهو الظاهر قوله: وعند بعض أن الدين يحل الخ. هذا هو الذي جزم به صاحب (الدعائم) رحمه الله، وذهب مالك إلى أنه يحل بموت المدين كل دين مؤجل من غير استثناء.
11.01 (3/405)
صفحة 1833
وإن نما ذلك في يد الورثة فإنه يكون في النماء أصحاب الديون شرعاً سواء، وإن تلف ذلك في يد الورثة من غير تضييع منهم فإن صاحب الدين يرجع على أصحاب الديون الذي قد حلت ديونهم فيحاصصهم فيما أخذوا لأن ما ترك الميت قد تعلق به جميع الديون وإنما تأخر من لم يحل
دينه في المطالبة والله أعلم
قوله: وإن نما، أي وإن زاد ذلك الذي وقف.
قوله: فإنه يكون في النماء أصحاب الديون شرعاً سواء لأن صورة المسألة أن هذا الميت إحاطت الديون بتركته، فإنه إن لم تحط كان ذلك النماء للورثة كما
هو معلوم. (3/406)
صفحة 1834
باب في قضاء الدين
وقضاء الدين واجب، وليس عليه إثم ما لم يطالب، وفي كتاب أبي عبدالله محمد بن بركة: واختلف أصحابنا في تأخير قضاء الواجب من الديون وما يتعلق بالنذر من الفرائض من الأعمال ومن الكفارات فوسع بعضهم تأخير ذلك وضيق آخرون، والنظر يوجب عندي تعجيل ذلك مع الإمكان والقدرة لقوله عز وجل «وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) وقوله النبي عليه السلام) مطل الموسر ظلم) (2) فهذا يدل على هذا القول أن عليه التعجيل في ذلك، وإن غاب صاحب الدين فعليه أن يطلبه حتى يقضي ما عليه من الدين، ومنهم من يقول: إن غاب عنه صاحب الدين بعد أن عامله في بلده لا يضيق عليه أن يطلبه، ولكن يوصي بما
(1)
باب في قضاء الدين
قوله: ما لم يطالب، أي أو تحضره الوفاة ولم يوص كما هو معلوم. قوله: من الاعمال ومن الكفارات، بيان للفرائض فإنها على قسمين: بدنية
ومالية.
(1) آل عمران 133.
(2) متفق عليه.
- {• Y- (3/407)
صفحة 1835
عليه من الدين، وإن لم يوص بما عليه فلا يسعه ذلك، والإثم على من طولب بما عليه من الدين وهو قادر على أدائه لقوله عليه السلام (مطل الغني ظلم) (1) وفي الأثر: وقد كان ابو المؤثر يقول: من عرض عليه حقه فلم يقبله فإن عليه أن يقبل حقه أو يبرئ غريمه، فإن لم يفعل كان على الغريم أن يوصي به إذا حضره الموت ويقول: إنه لا يسعه أن يوصي إلا إلى ثقة إلا إن لم يجد، فإذا لم يجد إلا ذلك الذي هو غير ثقة أوصى إليه،، وقد احتج على المرأة بقبض حقها فلم تقبله، ونقول إنه قد برئ إن شاء الله، وهذا الذي ذكرنا ما لزمه من الديون من قبل المعاملات، وأما ما كان عليه من الديون من قبل التعديات فلا يحل له فيما بينه وبين
قوله: مطل الغني ظلم، الظاهر أن المراد بالفني هنا من كانت له قدرة على قضاء ما عليه، وإن كان فقيراً بأن كان ذلك أقل من النصاب أو كان ذلك قدر النصاب فأكثر، ولكنه ليس له غير قدر الدين فإنه فقير أيضاً ويحرم عليه التأخير بدليل قوله: وهو قادر على أدائه.
قوله: فإن عليه أن يقبل حقه الخ. سيأتي أنه إن أبى من قبوله يضعه في أو بين يديه عند بعضهم، والمصدر به هناك أنه لا يبرأ
يده أو في حجره بذلك والله أعلم.
قوله: ويقول له، ولعل انه
(1) متفق عليه.
•
-408 - (3/408)
صفحة 1836
خالقه إذا كان يملكه بقدر ما عليه أن يتصرف فيه ويحبسه عن قضاء تلك المظالم إلا قدر ما يكفيه بقوته الذي يبلغه إلى قوت مثله، لأن أصحاب تلك المظالم مضيقون عليه، وليس له أن يحبس عليهم مالهم هذا وهو قادر على تسليم حقوقهم لقوله عليه السلام) مطل الغني ظلم). فالمغصوب منه ماله بمنزلة الطالب المضيق عليه لأنه غير مبيح لمن ظلمه ولا موسع عليه في تأخير ذلك، وإن غاب أيضاً المتعدى عليه والمغصوب منه ماله فعليه أن يطالبه الغاصب والسارق حيثما كان فيقضي ماله عليه، وإن وجده في غير الموضع الذي تعدى عليه فيه و المغصوب شيء له مؤنة فعلى الغاصب أيضاً إيصاله إلى الموضع الذي غصبه منه إن أراد صاحبه ذلك، وأما إن لم تكن لذلك الشيء مؤنة فلا يدرك على الغاصب إيصاله إلى الموضع الذي غصبه منه، ويدركه على صاحبه أيضاً في كل موضع قدر عليه ولو
قوله: ان يتصرف فيه، فاعل قوله فلا يحل
قوله: فعليه ان يطالبه، لعله فإنه يطالبه الخ.
قوله: فيقتضي ماله، امله فيعطيه.
قوله: فعلى الغاصب أيضاً له الخ. فعلى هذا إن تلف ذلك في الطريق كان على الغاصب، وإن أراد أن يأخذ القيمة فإنه يأخذ أعلى القيمتين والله أعلم
قوله: ويدركه، هذه المسألة طالب فيها هو صاحب الشيء، وفي الأولى هو الغاصب والسارق فيما إذا تاب مثلا. (3/409)
صفحة 1837
في شيء له مؤنة، وكذلك الديون التي لها مؤنة إذا وقع منها المنع بعد حكومة الحاكم فإنه يستده حيثما قدر عليه، وأما إن لم يقع منه المنع فقد ذكر في بعض الآثار أنه لا يحكم عليه إلا في الموضع الذي وقعت فيه المعاملة، وليس للغريم أن يضعه في غير الموضع، وفي بعض الآثار أنه يدركه عليه في كل بلد وذلك فيما يوجبه النظر لأن هذا الشيء متعلق بالذمة وهذا الذي ذكرنا في كل ما له مؤنة، وأما ما ليس فيه مؤنة فإنه يدرك عليه في كل موضع والله أعلم. وأما العرض إذا أسلف رجل قوله: فإنه يستده الخ. وذلك لانه حين امتنع من أداء الحق صار بمنزلة
الغاصب
لام
يجد ذلك كما لا.
قوله: وليس للغريم ان يضعه في غير الموضع، كأنه اراد ان الفريم وهو من عليه الدين إذا أراد دفع ما عليه من الدين مما له مؤنة في غير موضع المعاملة يجده صاحبه، يعني ما لم يقع الرضا في الصورتين والله اعلم، وفي بعض النسخ: وليس للغريم ان يقبضه وهي المناسب لما قبله وما بعده فعليها يكون المراد بالغريم صاحب الدين. قوله:: وفي بعض الآثار انه يدركه الخ. لم يبين رحمه الله ما هو المأخوذ به من القولين، ولعله لتكافئها وربما يشعر التعليل باختيار الثاني والله اعلم. قوله: وأما ما ليس فيه مؤنة الخ. أي كا الدنانير والدراهم، وظاهره انه يدرك ذلك سواء اتفقت القيمة او اختلفت، وفيه نظر إذا اختلفت القيمة قال شيخنا: وذهب إمام الحرمين من الشافعية إلى ان هذا فيما إذا كانت النقود مما لا عسر في نقلها، ولا يتفاوت قيمتها بتفاوت البقاع، فإن كانت مما. يعسر نقلها وتختلف قيمتها فلا يطالبه بغير بلد الإقراض، ومذهب مالك ايضا الإطلاق.
- {1 - (3/410)
صفحة 1838
لرجل شعيراً أو قمحاً أو شيئاً من الحبوب فإنه لا يدركه عليه في غير ذلك البلد إلا أن يكون مالا يأخذه الجميل فإنه يدركه عليه في كل بلد إلا الحجاز، ومنهم من يقول: يدركه عليه إن استوت الأسعار في كل بلد، وهذا الإختلاف يدل أن نهيه علي الله عن كل قرض جر منفعة والله أعلم. وإن نسي ما عليه من الديون من قبل التعديات فلا يسعه ذلك، وكذلك إن ضيع ما عليه من قبل المعاملات حتى نسيه فلا يسعه من هذا
قوله: ما لا يأخذه الجميل، قال عمنا ابو عزيز شيخ المصنف رحمها الله: و مقدار ما لا يأخذه الحميل ستة عشر ويبة بويبة ابتاين انتهى. وسمعنا ان مقدار ذلك بكيل (جربة) نحو ستة أسبوع فلعل المراد هنا بالحميل الحامل الذي يحمل على ظهره وينظر ما حكمة التخصيص في أن ذلك فما دونه لا يدركه إلا في البلد الذي اقرضه إياه فيه، وأكثر. من ذلك إذا أقرضه إياه يدركه في كل بلد إلا الحجاز، والمناسب بحسب ما يظهر إنما هو عكس هذا والله أعلم، لكن لا حظ للنظر مع وجود الأثر.
قوله: نهيه عليه السلام عن كل قرض جر منفعة، هذا الحديث يدل على انه إن أقرضه دنانير او دراهم في بلد لا يأخذها في بلد آخر إذا كانت قيمتها فيه أزيد من قيمتها في البلد الذي فيه، لئلا يكون سلفاً. منفعة، ويدل له أيضاً ظاهر قوله: إن استوت الأسعار وإن كان سلفه في الطعام، ولم يتعرض رحمه الله للقرض هل يؤجل عندنا أو يأخذه صاحبه متى ما شاء أو لا يجوز فيه الاجل، وعبارة بعضهم: انفرد مالك يجواز اشتراط الاجل في القرض دون سائر العلماء، وذكر أبو مسلة رحمه الله ما يوافق سائر العلماء حيث قال: ولا يصح فيه الأجل
ولو اتفقا عليه، وهو دين حال إلا إن اصطلحا على تأخيره بعد وجوبه.
- {11 - (3/411)
صفحة 1839
كله جاء من قبله وقد ذكر عن بعض العلماء في النسيان كله رخصة إذا
تاب لا من قبل التعدي ولا من قبل المعلومات والله أعلم
*
قوله: وقد ذكر عن بعض ا العلماء الخ. اعتمد الشيخ اسماعيل رحمه الله هذا القول ولم يذكر غيره حيث قال: وأما إن تاب توبة نصوحا وأدى ما عليه من التباعات ونسي بعضها فلم يؤده ولم يذكر حتى مات، فإن هذه التباعات تخرج من حسناته يوم القيامة إن كانت له وإلا فالعهدة على مولاه ويدخل الجنة بفضل رحمته في رواية ضمام بن السائب عن رسول الله وهو قول أصحاب الحديث، وقد زعموا انه إذا لم تكن له حسنات، فإنه يتحمل مقدار تلك التبلعات من سيئات صاحبها، ولم يصح عندنا هذا. والله أعلم انتهى.
كذا في الأصل.
-217 - (3/412)
صفحة 1840
باب في لزوم الدين
ولزوم الدين جائز بعد محله إلا أن يكون المدين معسراً لقوله تعالى هو إن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة» ولزوم الفقير حرام لقوله عليه السلام (لزوم الفقير حرام ومسألته، والمدعي ما ليس له والمنكر لما عليه کافران)، (وقيل من أقرض معسراً وأحسن طلبه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) وقيل لو علم صاحب الدين ما له من الأجر فلا يأخذه ولو علم من كان عليه الدين ما عليه إن كان موسراً فلا يمسكه. وقيل في لزوم الدين الأول لزوم، والثاني مطول، والثالث فجور، ومن لزم إلى دين كان عليه فما طل من غير عذر فقد إثم، وسواء في ذلك لزمه صاحب الدين
باب في لزوم الدين
قوله: ولزوم الدين، المراد باللزوم مطلق المطالبة، ويدل له قوله الآتي: الأول لزوم، أي الطلب الأول.
قوله: ومسألته، كأنه اراد ومطالبته كذلك، أي حرام، وهذا بعد العلم
بأنه معسر.
قوله: فلا يأخذ، الصواب ترك الفاء. (3/413)
صفحة 1841
أو وكيله، وكذلك أيضاً من لزم الفقير فقد عصى ربه، وسواء في ذلك ماله أو مال من ولي أمره من قبل الوكالة أو من قبل الخلافة والله أعلم.
فصل:
وإن قضى له في دينه خلاف ما عليه فإنه جائز لأن صاحب الدين جائز له أن يعترض بحقه ما أراد إلا النوع الذي باعه له أولاً فإنه لا يأخذه في حقه لئلا يكون ذلك ذريعة إلى الربا، وفي جامع ابن جعفر: وقال بعض الفقهاء: إن من باع بيعاً من طعام أو حيوان إلى أجل بدراهم فإذا حل الأجل إعترض له بحقه ما أراد سوى ذلك النوع، قال بعض الفقهاء: وله أن يتعرض بذلك من در اهمه من ذلك النوع الذي كان اشتراه، يعني أنه الذي كان باعه، وهذا أحب إلي، والذي يوجبه النظر عندي
قوله: فقد عصى ربه، ينظر ما بلغ به عصيانه، ويمكن أن يجعل على ثلاث مراتب كما هي في جانب المطلوب الموسر قوله: لئلا يكون ذريعة إلى الربا، انظر هل يمتنع مطلقاً سداً للذريعة أو لا يمتنع إلا إذا أدى الى أخذ أكثر مما باع، فلو أخذ مثل ما باع أو أنقص لغلو سعره مثلا جاز لأنه لم يتذرع إلى الربا حينئذ، وهو الظاهر، لأن الحكم يدور معا وجوداً وعدماً والله أعلم، فليحرر.
العملة
قوله: يعني أنه الذي كان باعه، أراد أنه استعمل الشراء بمعنى البيع فصاحب أن الذريعة بعيدة وأن الفعل الأول صار كالشريعة المنسوخة
هذا القول يرى
-218 - (3/414)
صفحة 1842
أن السلم المتفق عليه لا يجوز لصاحبه أن يأخذ سوى النوع الذي أسلم فيه، والمتفق عليه أن يسلم له دراهم في كذا وكذا من الحبوب إلى أجل معلوم على ما ذكرنا من شروطه، والذين المتفق عليه يجوز له أن يتعرض بحقه ما أراد سوى النوع الذي باعه، والدين المتفق عليه أن يبيع له شيئاً بكذا وكذا من الدراهم أو من الدنانير إلى أجل معلوم وما سوى النقد هذين النوعين مثل بيع وبيع المثمن بالمثمن ففيه اختلاف،، فمن جوز أن يأخذ غير النوع الذي باع به كان بمنزلة الدين، فمن لم يجوز ذلك
قوله: سوى النوع الذي أسلم فيه، وذلك لما يؤدي إليه من بيع ما لم تقبض ومن بيع الطعام قبل ان يستوفى، وهذا أمر متفق عليه معلوم مما تقدم، وإنما ذكره ليرتب عليه ما هو المختار في الدين لأنه وقع فيه الخلاف، وإنما جاز في الدين المتفق عليه الخلاف لأنه لا يلزم فيه شيء مما ذكر، لأن الذي في ذمة المدين
الدنانير أو الدراهم كما هو معلوم.
قوله: بالمثمن، الظاهر أنه تنازعه قوله بيع النقد وقوله بيع المثمن، فإنه من المعلوم أن بيع النقد بالمثمن، وقد يقال: لا حاجة إلى هذا بل هو متعين النقد صار حقيقة عرفية في بيع الثمن فلا يصدق
التعلق بيع
المثمن، لأن بيع
إلا عليهما معاً والله أعلم. قوله: كان بمنزلة الدين، هذا قياس مع وجود الفارق، فإن الدين لا يلزم فيه محذور لأن المترتب في ذمة الغير ليس بعروض فلا يدخل في النهي عن بيع ما لم تقبض، وعن بيع ما ليس معك وعن بيع الطعام قبل أن يستوفي، بخلاف هذا فكيف يقاس عليه، فالراجح جعلها بمنزلة المسلم خصوصاً بيع النقد فإنه
- {10 (3/415)
صفحة 1843
كان بمنزلة السلم والله أعلم، وأما إن أعطاه من جنس ما عليه فأعطاه في ذلك بالزيادة أو بالنقصان مثل إن كان له عليه عشرة دراهم فأعطاه عشرين درهماً أو خمسة دراهم أو كان له عليه ديناران فأعطاه ثلاثة دنانير أو ديناراً واحداً فإنه في هذا كله يرد الزيادة على دينه ويدرك هو أيضاً ما بقي من دينه له، وكذلك ما يكال ويوزن على هذا الحال لأن الزيادة على الدين لا تحل، وربما أن تكون من أجل الدين، وقد قالوا: من الربا طعام يأكله الرجل عند غريمه، وكذلك أيضاً النقصان لا يحل لأنه ربما أن
دراهم بعروض فهو عكس الدين والله أعلم.
قوله: بالزيادة أو النقصان،، أي زائداً او ناقصاً.
حقه من
قوله: يرد الزيادة، يعني ولا ينفسخ القضاء، والفرق بينها وبين المسألة الآتية إذا أخذ أكثر حيث ينفسخ القضاء إن هذا عالم بقدر الدين بخلافه فيما سيأتي، فإنه يعتقد ان الجميع قضاء والله أعلم.
قوله: له، متعلق ببقي
قوله: على هذا الحال، يعني إن أخذ أزيد يرد الزائد، وإن أخذ أنقص أدرك الناقص
قوله: طعام يأكله الرجل عند غريمه، يمني إذا أطعمه لأجل ذلك، فلو جرت المودة بينهما قبل ذلك مثلاً، فالظاهر أنه لا يمتنع خصوصاً إذا كافأه بمثل ذلك، وأما إذا علم أنه أطعمه لأجل دينه، ولم يكافئه بمثل ذلك وأراد ان يسقط له شيئاً من ماله في نظير ذلك هل يجوز أو لا؟ والظاهر أنه إن كان غير
- {17 - (3/416)
صفحة 1844
يكون ذلك من أجل أن تخلص ماله، ومنهم من يقول: كل ما قضى له في دينه خلافا كان أو وفاقاً أقل من دينه أو أكثر منه فرضيه فذلك جائز، فهؤلاء لم يعتبروا ما ذكرناه وجعلوا الزيادة والنقصان في ذلك على الهبة بينهما، وقد روي عن أبي رافع مولى رسول الله أنه أعطى الأعرابي الذي اقترض منه البكر جملاً رباعياً خياراً وقال عليه السلام: (إن خيركم أحسنكم قضاء) (1) وقد روي أيضاً عن ابن عمر اقترض الف درهم فرد إلى المقترض عنه الف درهم ومنتي درهم فقال: الالف قضاؤك عن دينك والزيادة من عندي لك والله أعلم. وأما الحيوان فجائز أن يقضي فيها عليه خلافاً كان أو وفاقاً، لأن الحيوان وإن كانت
سلم جاز لأنه يجوز أن يقضي ما شاء، وإن كان سلماً فالظاهر أنه لا يجوز، لأنه لا يجوز فيه الجزاف، ولا غير النوع المسلم فيه والله أعلم فليحرر. وربما يقال: لا يجوز في الدين أيضاً قبل حلول الأجل لاستلزامه الفسخ حيث يحاسب ذلك من حقه والله أعلم. قوله: وقد روي عن ابي رافع الخ. يعني فإذا أجاز القرض ففي الدين من باب أولى، لأنه ربما يتوهم في القرض انه سلف منفعة فالقرض أشد تهمة
جر
والله اعلم. قوله: أو وفاقاً، يعني ما لم يكن عين ما باع لا يشمله قوله: فهي مختلفة في
(1) رواه أحمد، وصححه الترمذي.
- {14 -
دم 27 - الإيضاح، (3/417)
صفحة 1845
بعضها متفقة في الجنس فهي مختلفة في أفعال النفس والله أعلم. وإن قضى له شيئاً في دينه على أنه عشرة دنانير فإذا هو خمسة عشر دينار فذلك جائز، ويدرك عليه ما بقي من دينه، وأما إن قضى له على أن له عشرة فإذا هو أقل من ذلك فلا يجوز ذلك القضاء، ومنهم من يقول: جائز ويرد الزيادة، والأصل في هذا عندي العقدة التي أخذت إذا اشتملت على ما يجوز وما لا يجوز هل هي فاسدة كلها؟ أو يصح الجائز منها ويفسد الغير
لأنه
جائز؟ وأما إن خرج الدين خلاف ما عليه القضاء فإنه لا يجوز قضى له في شيء ليس بواجب عليه والله أعلم. وإن خرج العيب في
أفعال النفس لأنه عينه، والظاهر انه بمنزلة من باع شيئاً من المثليات، وأخذ من نوعه، ولعل محله ما لم يتغير عن حاله التي باعه عليها كما يشعر بذلك قوله في فصل الذرائع، وإن في المنيع نقص عن الشراء الأول، فإنه يمكن أن تكون تلك الزيادة في مقابلة ما نقص ولا يتهم في ذلك إن اشتراه نقداً بأقل من ذلك بعد ما باعه إلى أجل والله أعلم، فليحرر
قوله: فإذا هو، أي الدين.
قوله: فلا يجوز ذلك القضاء، يعني بل يرده لأنه قضاء منفسخ لكون العقدة
اشتملت على ما يجوز وما لا يجوز.
قوله: فاسدة كلها، هذا.
هو المختار عنده
قوله: قضى له في شيء الخ. يعني فهو قضاء فاسد لا يجوز متاممته لأنه بمنزلة بيع الإنفساخ، فلا بد من رده إن كان موجوداً وإلا
- {1^- (3/418)
صفحة 1846
بيع من
الذي قضى له فإنه يرده إن شاء، أو يأخذ أرش العيب لأن القضاء البيوع، وإن استحق أيضاً ذلك الشيء الذي قضى بشهادة العدول فإنه يرجع عليه بدينه الأول، وخليفة اليتيم والمجنون والغائب لا يقضون في دينهم خلاف ما عليهم، ولا يأخذون في ديونهم خلاف مالهم، وبعض جوز لهم ذلك إذا رأوه صلاحاً وإن قضى له شيئاً في دين على أنه له فخرج الدين لغيره ممن ولي أمره من اليتامى والمجانين، أو قضاه له على أنه لهؤلاء فخرج الدين له فالقضاء في هذا كله منفسخ لأنه مخالف لما عقدوا عليه القضاء إلا إن قصدوا إلى قضاء الدين فقط من غير نسبة فجائز
المخالفة لما هو
رد مثله أو قيمته، ويرد غلته أيضاً إن كان له غلة، ويدرك العناء كما تقدم. قوله: ويأخذ، لعله وإن شاء أمسكه ويأخذ، أو الواو بمعنى أو لكن فيه المختار في المبيع إذا خرج فيه عيب من أنه إما أن يمسك ولا شيء له أو يرد ويأخذ ثمنه، فالقياس هنا أن يمسك ولا شيء له، أو يرد ويأخذ غيره كان القضاء بيعاً من البيوع والله أعلم فليراجع صحة النسخة بالأول. قوله: فإنه يرجع عليه بدينه الأول، يعني لا بقيمة المستحق ولا بعوضه، ولعل هذا على المختار فيما تقدم، ومحل ذلك أيضاً إذا لم يشترط له العوض
حيث
والله أعلم. قوله: إذا رأوا صلاحاً، هذا هو الظاهر لقوله تعالى: {ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خيركم (1) ولقولهم ثلاثة علمهم فيما يصلح لهم اليتيم: والغائب
(1) سورة البقرة: 220.
-819 - (3/419)
صفحة 1847
والله أعلم. وإن لزمه في دينه فأعطاه شيئاً يبيعه ويأخذ من ثمنه دينه فتلف ذلك الشيء قبل أن يبيعه فليس عليه شيء لأنه أمين، فإن باعه
صح
امتنع هناك لأنه
والمسجد، وقيل: والزكاة، وقيل أيضاً والمجنون، فهي خمسة والله أعلم. قوله: ويأخذ من ثمنه الخ. صريح كلامه يدل على أنه إذا باع وقضى لنفسه القضاء، وهذا مخالف لما تقدم له رحمه الله في السلم حيث قال: وإن لم يجد المسلم عند المسلف حقه فأعطاه دراهم، وأمره أن يشتري له بها مثل حقه ويقضيه في حقه فإنه لا يجوز لأنه لا بد له ممن يقضيه حقه الخ، فإن قلت: إنما سلم، والسلم ضيق فتمنع فيه أشياء تجوز في غيره قلت: لم يعلق المنع إلا على أنه لا يجوز للإنسان أن يقضي لنفسه بل لا بد من شخص يقع منه القضاء، ولا شك أنه صادق على ما هنا، خصوصاً وقد جعل القضاء بيعاً من البيوع، وقد تقدم في باب الصرف أنه لا يكون إلا من بائعين، وحاصل كلامه أنه: إن وكله على الشراء لم يصح القضاء، وإن وكله على البيع صح القضاء والله أعلم فليحرر ما الفرق. ولقائل أن يقول ما الفرق بين ما إذا كان له في ذمته عروض فلا يصح أن يدفع له دراهم ليشتري بها تلك العروض، فإنه لا بد أن يقضيها له غيره وإلا صار بمنزلة من باع الطعام قبل أن يستوفى وباع ما لم يقبض، حيث تصرف بنفسه فكأنه ما أخذ منه ابتداء إلا ثمن ما في ذمته وذلك لا يجوز، وبين ما إذا كان له في ذمته دراهم أو دنانير فدفع له عروضاً ليبيعها، ويقضي منها حقه فإنه جائز، لأنه يجوز له أن يأخذ منه تلك العروض في حقه ابتداء والله أعلم، فليحرر. ثم رأيت بعد ذلك في باب بيع الرهن ما هو صريح في أنه إنما يقضي بنفسه إذا وقع الإتفاق على التقاضي وإلا فلا يقضي، ولكن يبيع ويمسك الثمن الخ. لكن على كل حال أجاز له القضاء بنفسه والله أعلم.
- 420 - (3/420)
صفحة 1848
و تلف ثمنه قبل أن يقضيه في ماله فليس عليه أيضاً شيء إلا إن ضيع القضاء فإنه يضمن ما يقابل دينه ولا ضمان عليه فيا زاد على الدين، وكذلك أيضاً إن كان عليه دينار فلزمه إليه فأعطاه ديناراً وأمره أن يزنه
:
ثم يقضيه في ديناره ثم تلف قبل أن يزنه فليس عليه شيء، وإن تلف له بعد الوزن وقبل القضاء فهو من ماله لأنه للقضاء، وأما إن لزمه فقال له: لا أفارقك حتى تقضي لي ديني فأعطاه شيئاً يبيعه ويقضي من ثمنه
مضيع
دينه فتلف ذلك الشيء من يده أو تلف ثمنه فقد ضمن منه ما يقابل دينه، وهو بمنزلة الرهن لأنه لو لا تكليفه إياه ما أعطاه ذلك لبيعه، والشريكان إذا داينا رجلاً فلا يدرك كل واحد منهما إلا ما نابه من الدين، وإن أخذ سهمه فلا يدخل إليه صاحبه فيا أخذ إن مات المدين ولم يترك شيئاً أو جحده أو أفلس، ومنهم من يقول: كل ما أخذ واحد منهما فهو بينهما إذا كان أصل الدين مشتركاً بينهما والله أعلم.
قوله: لأنه مضيع، يعني إن كان وازنا.
قوله: إن لزمه، المراد من اللزوم هنا وفيها قبله مطلق الطلب
قوله: هو بمنزلة الرهن، يعني والرهن بما فيه فإن زاد شيء كان أمينا فيه، وأما إن نقص عن حقه فالمختار عند أصحابنا، أنه يرجع عليه بالناقص كما سيأتي. قوله: إن مات المدين الخ. إنما نص على هذا لأنه المتوهم، فعدم الدخول فيما إذا كان حيا موسراً من باب أولى والله أعلم
- Eri- (3/421)
صفحة 1849
باب فيما يأمر صاحب الدين غريمه
أن يجعله لدينه
وإن أمر صاحب الدين غريمه أن يقضي دينه لابنه الطفل أو لعبده أو لعبد غيره أو طفل غيره أو غيرهم من الناس فأعطاه لهم الغريم كما أمره فقد برأ لفعله ما أمر به، وأما عبد الغريم أو طفله إن أعطاهما بأمر صاحب الدين فلا يبرئه ذلك حتى يصل المال إلى صاحبه لأن عبده وطفله بمنزلة نفسه، وعند بعض: أنه يجزيه ذلك فلم يعتبروا شيئاً مما ذكرناه، وإن أمره أن يرسله له مع من جاء من قبله من الناس فأرسله له فلا يبرئه ذلك حتى يصل الدين إلى صاحبه لأن هذا مجهول، والمجهول لا يصح الأمر فيه، وعند بعض: أنه قد برأ حيث لم يخالف ما أمر به وإن كان مجهولاً، وأما إن سمى له من يرسله معه فأرسله معه فقد برئ من الدين، وكذلك أيضاً إن أمره أن يعطيه لفلان في دين كان له عليه فأعطاه له فهو
باب فيما يأمر صاحب الدين غريمه أن يجعله لدينه
قوله: وكذلك أيضاً إن أمره الخ. وأما لو فعل ذلك تلقاء نفسه،
من
- 422 - (3/422)
صفحة 1850
جائز، وكذلك أيضاً إن قضاه له في دينه فهو جائز مثل غيره من الناس، وأما إن قال له: أعطه عنى لفلان في زكاة مالي أو في انتصال أموال الناس أو غير ذلك من الحقوق فلا يبرئه ذلك، لأن الدين غير معين وهو شيء
فالظاهر أنه لا يلزم صاحب الدين ذلك، حيث لم يأمره في ظاهر الحكم والله أعلم. فإن قلت ما الفرق بين هذه المسألة، والمسألة الآتية في باب إرسال الدين على الراجح حيث قال هناك: وكذلك إن قال له أعطه لفلان في دينه علي، إلى أن قال: وإن فعل الرسول ما أمره به صاحب الدين قبل أن يقبضه منه فإنه ضامن المال لأنه تصرف فيه بغير إذن مالكه، والدين ثابت على المدين على حاله، قلت: الفرق بينهما أن الرسول تصرف فيما لا يملكه هو، ولا من أمره بخلافه هنا، فإن المدين تصرف فيما يملكه بالدفع لمن وجب له الحق، فإن المدفوع له حينئذ صار بمنزلة وكيل صاحب الحق، حيث أمره بالدفع له وأقامه مقام نفسه والله أعلم. قوله: لأن الدين غير معين الخ. يعني غير متشخص في الخارج بل في ذمة المدين، لأن المعينات لا تقبلها الذمم وما ليس بمعين أمره فيه باطل فلا يجزي عنه في الحقوق التي لم يتعين صاحبها كما ذكره رحمه الله، وذكر في باب الزكاة: إن دفع الغير ممن ليس له عليه دين، لا يجزي عنه أيضاً في الزكاة ولا في غيرها من الحقوق التي لم يتعين صاحبها، كما يرشد إلى ذلك التعليل حيث قال: ولو قال له: على أن أرد عليك فرد عليه لأنه أعطى بوكالة من وجب عليه الحق، وهو ليس بوكيل في الحقيقة لأن الوكالة عقد ضمان بين الموكل والوكيل في شيء يجوز للموكل انتزاع الوكيل منه لأن تصرفه بيده، وهو في هذا الموضع إنما تصرف في شيء تصرفه بيده، وهو مالك له فصار كالمتطوع الخ
• (3/423)
صفحة 1851
معلق بالذمة، وصاحبه غير مالك لذلك الشيء المعين الذي أخذه في دينه ما لم يقبضه أو وكيله، وما لم يملكه لم يجز عنه فيما عليه من حقوق الله تعالى، والفرق بين هذه والمسألة الأولى إذا أمره أن يعطيه لفلان فيما له عليه من الدين لأن صاحب الدين لو أبرأه من دينه من غير أن يأخذ شيئاً لجاز ذلك، وكذلك أيضاً لو قضاه عنه غيره من ماله بلا أمره الجاز ذلك، والفقير الذي يأخذ حقوق الله تعالى غير معين، والدليل على ذلك لأنه لو أبرأه من ذلك لا يجزيه و الله أعلم. وكذلك أيضاً لو قال له: قضيت لك ما كان لي وعليك في زكاة مالي أو في انتصال أموال الناس أو غير ذلك من الحقوق لا يجزيه ذلك حتى يؤديه إلى صاحبه ثم يعطيه إياه
قوله: الشيء المعين، أي بعد إبراز المدين له. قوله: أخذه، أي الشيء المعين في دينه، وإنما جعل صاحب الدين آخذاً هنا لأن الدين دفع لمن أمر بالدفع له فعده أخذاً. بحسب الظاهر والله أعلم.
قوله: من
قوله: إن، لعله أن صاحب الدين أي الذي أمر المدين بالدفع له. ماله بلا أمره الجاز، وأما الزكاة فإنها لا يجوز فيها الدفع من مال الغير بأمره ولا بغير أمره كما تقدم بالهامش. قوله: لا يجزيه ذلك، قال في باب الزكاة: وذلك على قول من لم يحوزه بمنزلة البيع، كما لا يجوز بيع الدين بالدين، كذلك لا يجوز قضاء الدين بالدين، وأما من يجوز ذلك فعلى قوله ذلك بمنزلة الهبة لأنه جائز أن يعطي الرجل للرجل ديناً
- 424 - (3/424)
صفحة 1852
إن أراد، لأن فرض الأداء عليه واجب، وجوز بعض هذا في الوجهين جميعاً أعني هذه المسألة والمسألة الأولى، ويعضد هذا القول قوله عليه السلام: (إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) (1) وإن أمره أن يشتري له بدينه شيئاً معلوماً فاشترى له من ماله يداً بيد فالشراء باطل لأنه إنما اشتراه على أنه له بماله، والمال ما لم يقبضه لم يملكه بعد، وعند بعض أن الشراء جائز والشيء لازم للمشتري المأمور دون الآمر، ومنهم من يقول: الشراء لازم للآمر دون المأمور، وعليه الثمن والدين على المدين ويكون ذلك تقاضياً فيما بينهما والله أعلم. وإن أعطاه الوعاء فقال له: إجعل لي ديني الذي لي عليك في هذا الوعاء، أو قال له: ضعه في
كان له في الذمة، وهذا قد أعطى دينا كان له في الذمة في زكاة ماله والله أعلم انتهى. قوله: لأن فرض الأداء عليه واجب، في الإخبار عن الفرض بكونه واجباً مسامحة.
قوله: يدا بيد، وأما نسيئة فالظاهر أن البيع صحيح قولاً واحداً لأن
الوكالة على الشراء صحيحة ويطالب الموكل بالثمن والله أعلم.
قوله: وعليه الثمن، أي يدفعه للمدين لأنه قد دفع من
ماله
حيث
اشترى يداً بيد.
(1) تقدم ذكره.
- {TO- (3/425)
صفحة 1853
بيتي فوضعه في بيته كما أمره فلا يبرئه ذلك لأن المكان لا يكون قبضاً، وكذلك جميع الأمكنة على هذا الحال، وعند بعض: أنه إذا فعل ما أمر به فقد أجزأه ذلك، وكذلك إن أمر صاحب الدين خليفة المدين بما ذكرنا فهو على ما ذكرناه، وأما خليفة المجنون والغائب واليتيم إذا أمر المدين أن يعطى دين هؤلاء لرجل سماه له أو يجعله في هذا الإناء أو يضعه في مكان معلوم ففعل ذلك فلا يبرئه ما فعل حتى يصل المال إلى الخليفة؛ لأن الخليفة لم يجز له ما فعل والله أعلم. وإن قال أمينان لرجل: قد أمرك صاحب الدين أن تعطي دينه لهذا الرجل فأعطاه له فقد برئ، وكذلك إن قال له
قوله: فلا يبرئه ما فعل، يعني قولاً واحداً في مسألة الإناء والمكان، وإلا فقد
تقدم على المصدر به أن الوعاء والمكان لا يكونان قبضاً ولو في مال غير اليتيم وظاهر كلامه بل صريحه أولاً يقتضي أن الخليفة إذا أمر المدين بما ذكر ففعله أنه لا يبرأ من دين هؤلاء، وفيه نظر فإنه يقتضي ذهاب ذلك عليه، وهذا في غاية الضرر، وظاهر قوله حق يصل المال إلى الخليفة لأن الخليفة لم يجز له ما فعل إن عدم براءة المدين إنما هو في الجعل في الإناء والوضع في المكان لأن هذا هو الذي لا يجوز للخليفة لأنه ليس فيه مصلحة، وأما قضاء دينهم فهو جائز بل هو المطلوب به إلا أنه إذا تم هذا فالظاهر حينئذ براءة ذمة المدين إذا قضى ما عليه من دين هؤلاء بأمر خليفتهم، لأنه في مقامهم وهذا من الصلاح فله فعله، اللهم إلا أن يقال: معنى قوله دين هؤلاء لرجل سماه أن هذا الرجل المسمى ليس له على هؤلاء دين، وإنما الدين للخليفة مثلاً أو لغيره أو ليس له دين أصلا فحينئذ يصدق أن الخليفة لم يجز له ما فعل في هذه الصورة أيضاً، وهذا هو الظاهر بل المتعين والله أعلم.
- 426 - (3/426)
صفحة 1854
قد تركه لك أو أبرأك منه أو وهبه لك أو وهبه لفلان فقولهما حجة في هذا كله، فإن جاء بعد ذلك صاحب الدين فجحد فإنه لا يشتغل به ويخلف ما له عليه شيء، و أما إن قال له الأمينان: قد أعطاه لنا فإنه لا يشتغل بهما ولو كان أكثر من إثنين، لأنهما جرا إلى انفسهما منفعة، ولا تجوز شهادة من جر إلى نفسه منفعة، وعند بعض أنه جائز أن يعطيه لهما وليس عليه شيء فيما بينه و بين الله، وهذا على قول من لم يعتبر في الشهادة سوى العدالة والله أعلم. وأما إن قالا له: قد أمرك أن تعطيه لنا فنرد ذلك في زكاة ماله أو غيرها من الحقوق فإنه يفعل ما قالا له من ذلك ويبرأ من الدين لأنهما لم يجراً إلى أنفسهما منفعة في هذا، وأما الأمين الواحد فإنه لا يكون قوله فيما ذكرناه كله حجة، وعند بعض أنه يكون قوله حجة ويبرأ من الدين فيما بينه وبين الله، وعند بعض أن كل من صدقه الرجل فإنه يكون له حجة وعليه حجة، فيما بينه وبين الله، والدليل على هذا القول قوله
(1)
عز وجل: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين، والله أعلم.
قوله: أو وهبه لفلان، يؤخذ منه جواز هبة ما في الذمة، ويحكم بصحة ذلك حيث برئ من صاحب الدين، ويستثنى من ذلك هبة المرأة لزوجها ما في ذمته من صداقها فإنها لها الرجوع فيه، كما نص عليه الشيخ إسماعيل رحمه الله في
القواعد كما يعلم بالوقوف عليه
قوله: ويحلف ما له عليه شيء يؤخذ منه أنه لا يدرك عليه اليمين على أصل
البيع أو القرض مثلا.
(1) سورة التوبة: 119.
- try- (3/427)
صفحة 1855
باب الوكالة في قبض الدين
والوكالة في قبض الدين جائزة، وكل ما أعطاه المدين للوكيل مما خالف ما له عليه من الدين فلا يبرئه ذلك، و إن أخذه فالموكل بالخيار لأن الوكيل قد خالف موكله فيما أمره به، وإن تلف قبل أن يصل إلى الموكل فليس على الوكيل شيء وهو من مال المدين ما لم يصل إلى صاحب المال ويرضاه، لأن المدين لم يعط للوكيل على الوكالة حين خالف ما وكل عليه، أن المدين قد برئ ويضمن الوكيل إن لم يرض بذلك الموكل، فهذا المذهب يدل على أن الوكيل حين أقام نفسه مقام الموكل في هذا ضامن، ومنهم من يقول: قد لزم الموكل ما أخذ وكيله. فهؤلاء أقاموا الوكيل مقام الموكل والله أعلم. وهذا إذا وكله على أخذ ماله هكذا
وعند بعضهم
باب الوكالة في قبض الدين
قوله: الوكالة، عرفها في باب الزكاة بأنها عقد ضمان الموكل والوكيل في شيء يجوز للموكل انتزاع الوكيل منه لأن تصرفه بيده.
قوله: من مال المدين، يعني وليس على الوكيل شيء، لأن المدين دفع له ما لم يجب عليه برضاه كما هو ظاهر قوله: فهؤلاء أقاموا الوكيل مقام الموكل، الفرق بين القول الثاني والقول
- YA- (3/428)
صفحة 1856
وأخذ رأس ماله، وأما إن وكله أن يقضي له دينه من غريمه فكل ما قضى له المدين فقد لزم الموكل، وإن أخذ ماله عليه فهو جائز، والمدين لا يجوز له أن يعطي للوكيل شيئاً حتى يتبين له أنه وكيل صاحب الدين بإقرار صاحب الدين، أو بشهادة العدول، وأما قول الوكيل وحده فلا يشتغل به أميناً كان أو غير أمين، ولو كانا أمينين أو أكثر لأنهم قد نسبوا ذلك لأنفسهم، وأما فيما بينه وبين الله فجائز له أن يدفع إليه إذا صدقه كائناً ما كان على قول من قال: التصديق حجة، وإن قال له بعد ذلك صاحب المال: لم آمره بذلك، فإنه يحلفه أنه لم يأمره ثم يغرم له دينه ولا يرجع به على الوكيل حين صدقه أولاً، ومنهم من يقول: يرجع عليه ولو صدقه، وهذا على قول من قال: إنه يرجع من التصديق إلى التكذيب والله أعلم. وإن وكل رجل رجلاً أن يأخذ دينه من فلان فمات الذي وكله قبل أن يأخذ شيئاً فلا يأخذه بعد ذلك، لأن الدين قد انتقل إلى الورثة وبطلت
الثالث، أن الوكيل في الثاني هو الذي أقام نفسه مقام الموكل فلذلك ضمن، وأما في الثالث فإن الشرع عند هؤلاء هو الذي أقام مقام الموكل، فلذلك لم يضمن والله أعلم.
قوله: وإن أخذ ماله عليه فهو جائز، إنما أتى بهذه المسألة لأن المتبادر من القضاء، إنما هو خلاف ما عليه
قوله: فلا يأخذه بعد ذلك، هذا ظاهر إذا علم بالموت، وأما إن لم يعلم وأخذ
-279 - (3/429)
صفحة 1857
الوكالة، وكذلك إن مات الذي عليه الدين فلا يأخذ من ورثته لأن الوكالة على غيرهم، وأما إن لم يمت صاحب الدين إلا بعد ما أخذ الوكيل دينه فإنه يدفعه إلى الورثة لأنه مالهم، والوكالة قد تمت في حياة مورثهم والله أعلم. وإن نزعه الموكل من الوكالة قبل أن يأخذ دينه ولم يعلم بذلك
فأظن أن في ذلك خلافاً، فمن قال: إن العبرة في ذلك بما في نفس الأمر. الأمر يكون ضامناً، لأنه كشف الغيب أنه أخذ بعد ما انفسخت وكالته، ومن قال العبرة: قال لا يضمن شيئاً فليراجع، ويدل للخلاف في هذه، الخلاف في مسألة النزع والله أعلم، والظاهر أن العبرة بالعلم في المسألتين
بالعلم
•
قوله: فإنه يدفعه إلى الورثة، ينظر هل إذا كان في بلد بعيد مثلا ينقل ذلك إليهم، وهو ظاهر قوله يدفعه، أو لا ينقله إلا بإذنهم، لئلا يضمن، وهو الظاهر والله أعلم، فليحرر.
قوله: وإن نزعه الموكل الخ. قال شيخنا: اختلف العلماء في الوكيل هل ينعزل بغير علم منه؟ ذهب الشافعية إلى انعزاله ولو لم يعلم، قالوا: لأنه رفع لم يحتج فيه إلى الرضى فلم يحتج فيه إلى العلم كالطلاق، وكما لو جن الموكل بأنه ينعزل الوكيل وإن لم يعلم، وكما لو وكلا في بيع عبد أو إعتاقه ثم باعه أو أعتقه الموكل فإنه ينعزل ضمناً فهذا أولى، وقد روى البيهقي (أن أمة أمر مولاها رجلا ببيعها ثم أعتقها سيدها قبل أن يبيعها، فقضى عمر بعتقها ورد ثمنها وأخذ صداقها من لأنه وطئها) وينبغي للموكل أن يشهد على العزل لأنه إن ادعى بعد
المشتري التصرف أنه كان قد عزله لم يقبل إلا ببينة، وهذا هو الصحيح عندهم، ويوافقه الأول من قول المصنف رحمه الله، وقيل: لا ينعزل حتى يبلغه الخبر كالقاضي وكالنسخ لا يلزم المكلف قبل بلوغ الخبر، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة (3/430)
صفحة 1858
الوكيل ثم أخذه فإنه لا يلزم الموكل من ذلك شيء لأن الوكيل في الحقيقة فعل بغير وكالة، ومنهم من يقول يلزم الموكل ذلك حيث لم يعلم نزوعه من الوكالة، وذلك فيما يوجبه النظر لما كانت الوكالة لا تصح إلا بالعلم كان أيضاً نزوع الوكالة لا يصح إلا بعلم الوكيل، وكذلك أيضاً على هذا المعنى: إن أعطاه صاحب المال لغيره من الناس فإنه يدفعه الوكيل للمعطى له، وعلى قول الآخرين: يدفعه للموكل، وإن وكله أن يأخذ رأس ماله من فلان فإنه يأخذ الكل أو يأخذ البعض لأن التجزئة فيما يكال أو يوزن جائزة عندهم، وإن أمر المدين الوكيل أن يأخذ من ماله فأخذ فقد أبرأ
ومالك وأحمد، والجواب عن القاضي أنه تتعلق بأحكامه مصالح كلية، وعن النسخ ا أن الاعتداد بالعبادة حق الله تعالى، والله تعالى قد شرط العلم في الأحكام بدليل أنه لم يكلف بالمستحيل، والعقود حق الموكل ولم يشترط العلم، والظاهر أنه لو تلف المال من يده بعد عزله لم يضمن على القول الأول أيضاً، حرره انتهى. وأقول: ظاهر كلام المصنف رحمه الله في قوله فإنه لا يلزم الموكل من ذلك شيء من ضمان الوكيل، ويحتمل أنه من ضمان المدين لأنه دفع في الحقيقة بغير وكالة والله أعلم، فليحرر. والظاهر هو القول الثاني لما يلزم على هذا من الضرر.
أنه
قوله: إن أعطاه صاحب المال لغيره من الناس، أي كان يهبه لأحد من الناس بعد أن وكل وكيلا على قبضه ولم يبلغ الخبر بذلك إلى الوكيل حتى قدم بالمال مثلا، فمن قال: ينزع من غير علم قال: يدفعه للمعطى له، ومن قال: لا ينزع إلا بالعلم قال يدفعه للموكل والله أعلم.
- {r) - (3/431)
صفحة 1859
من الدين، وكذلك إن أمر المدين غيره من الناس أن يدفع الدين إلى الوكيل من ماله فجائز، أعني مال المدين، وأما إن قال له: أعط من مالك للوكيل على أن أرد عليك فأخذه منه الوكيل فالموكل بالخيار لأن الوكالة إنما هي في مال المدين لا في غيره، وكذلك إن أمر المدين غريمه أن يعطي الدين الذي له عليه للوكيل على هذا الحال، وكذلك إن حول المدين الوكيل على غريمه أو أخذ منه الوكيل الحميل أو الرهن فلا يلزم الموكل هذا كله لأنه قد خالفه فيما وكل عليه، وإن قال الوكيل للذي وكله: قد أخذت الدين ودفعته لك، وقال الموكل: لم تدفع إلي شيئاً فالبينة على الوكيل
قوله: فالموكل بالخيار، ينظر فيما إذا ضاع المال حينئذ ممن يكون ضمانه، والظاهر أنه على الوكيل لأنه قد خالف، ويحتمل الأقوال الثلاثة السابقة فيما إذا أخذ الخلاف والله أعلم فليحرر.
قوله: وكذلك إن أمر المدين غريمه الخ. الظاهر أنه لا يبرأ المدين بذلك حيث كان الموكل بالخيار، وهذا بخلاف المسألة السابقة فيمن له على رجل دين فأمره أن يعطيه لفلان في دين له عليه فأعطاه له فهو جائز كما تقدم، يعني ويبرأ المدين بذلك، وحاصل الفرق بين المسألتين إنه إن كان الدفع لصاحب الحق برئ، وإن كان الدفع لوكيله لم يبرأ، لأن الوكيل لم يؤذن له في ذلك
نفسه
والله أعلم.
قوله: على هذا الحال، يعني أن الموكل بالخيار وفي الضمان إن ضاع المال
النظر السابق
- 432 - (3/432)
صفحة 1860
فإن لم تكن له بينة حلف الموكل وغرم الوكيل، وأما إن قال الوكيل: قد أخذته وتلف في يده؛ فالقول قوله، وإن ادعى المدين أنه دفع الدين إلى الوكيل فهو مدع إلا إن صدقه الوكيل فيكون عليه، وإن قال الغريم لصاحب الدين: أمرتني أن أدفع دينك إلى وكيلك فدفعته له، فقال صاحب المال: نعم أمرتك أن تعطيه له ولم تفعل، فالقول قول صاحب المال، ومنهم من يقول: القول قول الغريم، حيث أقر صاحب المال أنه أمره، وأما إن قال صاحب المال: لم آمرك، فالقول قول صاحب
المال، والله أعلم.
لما فيه قوله: فالقول قوله، لم يقل مع يمينه من الخلاف، والراجح أنه إن
اتهم حلف
قوله: فالقول قول صاحب المال، يعني قولاً واحداً.
- art-
ه م 28 - الإيضاح، (3/433)
صفحة 1861
باب في ارسال الدين الى صاحبه بغير اذنه وإذا أرسل المدين إلى صاحب الدين دينه مع أمين أو غير أمين فلا يبرأ حتى يصل إلى صاحبه، وعليه أن يبحث حتى يعلم وصوله كما علم بلزومه، وإن قال له الذي أرسله معه: قد وصلته لصاحبه، فإن كان أميناً فقد برئ، وإن كان غير أمين فلا يبرئه قوله حتى يعلم بوصوله، إلا على قول من قال: التصديق حجة فيما بينه وبين الله، ومنهم من يقول: قد برأ من الدين إن أرسله مع الأمين ولو لم يسأله بعد ذلك، والقول الأول عندي أصح لأنه إن تلف للرسول لم يلزمه أن يعلمه بتلفه من حيث
باب في إرسال الدين إلى صاحبه
قوله: فإن كان أميناً فقد برئ، يعني فيما بينه وبين الله، وأما في الحكم فإنه لا يبرأ إذا أنكر صاحب الدين الوصول من الرسول، يعني ولو كان أكثر من واحد كما ذكره بعيد هذا، وظاهره أنه يبرأ من الدين فيما بينه وبين الله، بقول الأمين قولاً واحداً وفيه تأمل، بل الظاهر أنه ماش على قول من يقول: الأمين الواحد يكون حجة، ولعله هو المختار عند المصنف، ولذلك اقتصر عليه خصوصاً في العبادات كما هو معلوم، ولذلك جزم أيضاً في باب الزكاة بأنه يبرأ بقول الأمين أنه وصلها ولم يعتبر كونه مخبراً عن شيء يحتاج إلى إثباته والله أعلم، فليحرر. قوله: والقول الأول عندي أصح، وهو أنه لا يبرأ حتى يسأل الأمين ويخبره (3/434)
صفحة 1862
الوجوب، وإنما البحث على المدين حتى يعلم ببراءة ذمته كما علم بشغل ذمته، والله أعلم. وإن قال صاحب الدين: لم يصل إلي شيء والرسول يدعي وصوله إليه فعلى المدين أن يغرم لصاحب الدين دينه، وسواء كان رسوله أميناً أو غير أمين حتى يتيقن ببراءة ذمته، والله أعلم. وإن قال صاحب الدين للرسول قبل أن يأخذ منه الدين أمسكه لنفسك، أو وهبته لك، أو أعطيته لك في زكاة مالي أو في انتصال أموال الناس أو ما أشبه ذلك
بأنه وصله، فإذا فعل ذلك فقد برأ لكن قوله: وإنما البحث على المدين حتى يعلم ببراءة ذمته كما علم يشغل ذمته يقتضي أنه لا يبرأ بقول المرسل معه مطلقا، أمينا كان أم غير أمين، واحداً كان أو متعدداً، لأن المرسل معه مدع وتخبر عن فعل نفسه فكيف يفيده العلم ببراءة ذمته؟ اللهم إلا أن يقال أفاد ذلك بقرينة عدم مطالبة صاحب الدين لدينه والله أعلم، فليحرر.
قوله: أمينا كان أو غير أمين، يعني واحداً كان أو متعدداً، وذلك لأنهم يخبرون عن فعلهم ويدعون على صاحب الدين فلا بد من إثبات ذلك بشهادة غيرهم، وانظر هل يرجع المدين على الرسول إذا لم يثبت ذلك عنه صاحب الدين؟ والظاهر أن المدين لا يرجع على الرسول إلا أنه إن اتهمه حلفه ولا يرجع عليه إلا إن قال له أشهد عليه ولم يشهد فإنه قد ضيع فيلزمه قولاً واحداً
والله أعلم.
قوله: للرسول، أي رسول المدين، وأما لو قال ذلك لرسوله هو لأجاز فعله لأنه قد تصرف بأمر من يملك لأن قبض وكيله بمنزلة قبضه، وكذلك إن قال له: أعطه لفلان الخ. قد تقدم الفرق بين هذا وبين ما إذا قال ذلك للمدين فليراجع.
- {ro- (3/435)
صفحة 1863
من الحقوق فلا يجوز هذا كله لأنه ليس بمالك لذلك المال ما لم يقبضه وما ليس بمالك له فلا يجوز فعله فيه، وكذلك إن قال له: أعطه لفلان في
دينه علي أو ادفعه له في الحقوق على هذا الحال، وإن فعل الرسول ما أمره صاحب الدين قبل أن يقبضه منه فإنه ضامن للمال، لأنه تصرف فيه بغير أمر مالكه، والدين ثابت على المدين على حاله، ورخص بعضهم في هذا كله إذا فعله الرسول بأمر صاحب المال، ويعضد هذا قوله عليه السلام: (إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) (1) والله أعلم وإن دفع الرسول ذلك الدين لمن يوصله لصاحبه بغير أمر المدين فإنه ضامن لذلك حيث خالف ما أمر به والمدين برئ من الدين إن وصل ذلك إلى صاحب الدين، ويكون الرسول بمنزلة من قضى عنه دينه من ماله حيث
قوله: فإنه ضامن، يعني فيرجع عليه المدين به ويعد مبيعاً والله أعلم. قوله: والدين ثابت على المدين، إنما ثبت عليه لأنه الرسول من جانبه، فليس لصاحب الدين إلا ما وصل إليه، فلو كان الرسول من جانب صاحب الدين لبرأ المدين وصح فعل الرسول لأنه وكيله والمال له، يأمر فيه من شاء ويفعل ما شاء قوله: إن وصل ذلك، وأما إن لم يصل فذمته مشغولة.
قوله: من ماله، يعني يعد متبرعاً ويغرم مثل ذلك من مال المدين.
(1) تقدم ذكره.
،
- 136 - (3/436)
صفحة 1864
خالفه فيما أمر به، وعند بعضهم أنه لا يضمن الرسول إذا وصل المال إلى صاحبه فلعل هؤلاء أقاموا الرسول مقام المرسل في هذا والله أعلم. وإن تلف المال للرسول قبل أن يوصله إلى صاحبه فالدين ثابت على المدين والرسول لا ضمان عليه لأنه أمين إلا إن ضيع، وإن رد الرسول ما تلف له بيعته فإنه يوصله إلى صاحبه. أعني صاحب الدين لأن وكالته ثابتة ما دام عين الشيء الذي وكل فيه، وإن أخذ خلاف ما تلف له فإنه يرده إلى صاحبه الأول لأن وكالته غير ثابتة إلا على قول من أقام الرسول مقام المرسل، فإنه يوصله إلى من أرسل إليه ويبرأ المدين والله أعلم. وإن تلف بعض ما أرسل به فإنه يوصل ما بقي لصاحب الدين لجواز التجزية فيما يكال أو يوزن. وإن حدث له في ذلك عيب أو اختلط له مع غيره فإنه يرده إلى صاحبه الأول لأن تغيير عين ما وكل فيه بطلان الوكالة كما قدمنا، وكذلك إن أرسل رجل إلى رجل ديوناً مفترقة أو أرسل رجلان لرجل دينه عليهما أو أرسل رجل لرجلين دينهما عليه أو أرسل رجلان لرجلين ديونهما فاختلط هذا للرسول قبل أن يوصله فإنه يرد جميع ذلك على صاحبه الأول، وكذلك إن تشاكل عليه من يدفع له أو تشاكل عليه من
قوله: الجواز التجزية الخ. فيه أن الدليل أخص من المدعى لجواز أن يكون المرسل جملين مثلاً
- {ry - (3/437)
صفحة 1865
أرسل المال فإنه لا يدفع في ذلك كله حتى يتبين له، والأصل في هذا لا يعمل إلا على العلم واليقين بما أمر كما أمر، ورخص بعضهم فيما كان متفقاً إذا كان إنما أرسل إلى رجل واحد أن يدفعه له، ورخص بعضهم ولو كان مختلفاً إذا كان إنما أرسل إلى رجل واحد لأنه المقصود بذلك والله أعلم. وإن مات الذي أرسل إليه الدين أو مات الذي أرسله فإنه يرده في هذين الوجهين إلى الأول أو لورثته إن مات فيخبر لهم ما قال وارثهم
لأن
ذلك الشيء مال المرسل ما لم يقبضه صاحب الدين، وإذا مات رجع إلى ورثته، وإن مات صاحب الدين قبل أن يقبضه بطلت الوكالة لأنها في معين والله أعلم، ومنهم من يقول في الدين أنه يدفعه في الوجهين جميعاً،
قوله: ومنهم من يقول في الدين أنه يدفعه الخ. مفهومه أنه إذا كان الشيء المرسل مع الرسول غير دين لا يدفعه للمرسل إليه إذا مات المرسل مع أن كلام الأثر يدل على جواز هذه الصورة فالأولى حينئذ عدم التقييد بالدين اللهم إلا أن يقال صاحب هذا القول مخالف لما في الأثر فيحتمل في المسألة ثلاثة أقوال، أحدها: أنه إذا مات أحدهما أعني المرسل والمرسل إليه قبل دفع الشيء للمرسل إليه بطلت الوكالة دينا كان أو غيره وإن كان فرض المسألة ها هنا في الدين، والثاني: أنه إن كان المرسل مع الرسول ديناً لم تبطل الوكالة بموت أحدهما كما ذكره عنهم ولا بموت أحدهما كما ذكره عنهم ولا بموتهما معاً على ما يظهر، وإن كان المرسل مع الرسول غير دين فلينظر ما الحكم فيه عندهم: هل هو كالدين أو لا وهو ظاهر التقييد بقوله في الدين، والثالث: ما يفهم من الأثر من التفرقة بين المرسل
- ETA- (3/438)
صفحة 1866
وفي الأثر: قيل له: أرأيت من أعطى لرجل شيئاً فقال له: أعطه لفلان، فمات المرسل إليه قبل أن يصل إليه ذلك؟ قال: فليرد إلى الذي أعطاه، وإن وجده هو أيضاً قد مات فليعط أورثته ويخبرهم بما قال مورثهم، وأما إن أعطى رجل لرجل شيئاً فقال له: أعطه لفلان، فمات الذي أرسله فإنه يبلغ ذلك إلى الذي أرسل إليه، قيل له: أرأيت رجلاً أعطى لرجل شيئاً فقال له: أنفقه علي فلم ينفقه عليه حتى مات هل ينفقه عليه؟ قال: نعم يفعل ما أمر به، فهؤلاء أقاموا الرسول مقام المرسل ولم يفرزوا ديناً من
إليه فتنفسخ الوكالة وبين موت المرسل فلا تنفسخ من غير تفرقة بين الدين وغيره والله أعلم، فليحرر.
قوله: في الوجهين جميعاً، يعني فإذا مات المرسل دفعه للمرسل إليه، وإذا مات المرسل إليه دفعه لورثته وهذا هو المراد وإن لم يتقدم له الكلام عليه أعني أنه لم يقل أولاً ولا يدفعه لورثة المرسل إليه حتى يكون هذا مقابله لأن معنى قوله بطلت الوكالة أنه لا يدفعه لورثته فيكون هذا مقابلاً لهم. بقي في المسألة احتمال آخر على هذا القول، وهو ما إذا ماتا معاً والظاهر - والله أعلم - أنه يدفعه أيضاً
لورثة المرسل إليه عندهم
•
قوله: فإنه يبلغ ذلك إلى الذي أرسل إليه، لم يتعرض رحمه الله لما إذا وجده ميتا أيضاً بعد موت الذي أرسله، والظاهر أنه يرده لورثة المرسل كما يؤخذ
من قوله فمات المرسل إليه الخ.
قوله. أنفقه على، أي عني في سبيل الله.
- {39 - (3/439)
صفحة 1867
غيره والله أعلم. وإن جن المرسل قبل أن يبلغه الرسول إلى. ب الدين فإنه يرده إلى خليفته لأنه حين بطل فعل المرسل بطل فعل من يفعل بأمره، وكذلك إن جن المرسل إليه فإنه يرده ولا يدفعه لغير من أرسل إليه، وأما الردة فإنها لا تمنع الفعل في هذا إلا إن كان الذي أرسل معه رقيقاً فارتد صاحب الدين فإنه لا يدفع الرقيق للمشترك ولكنه يرده إلى صاحبه والله أعلم. وإن صرف الرسول ذلك في حوائجه فغرم للذي أرسل إليه من ماله فإنه ضامن لذلك المدين لأنه صرفه في غير ما وكل فيه والمدين بريء
قوله: وإن جن المرسل الخ. ينظر هل الجنون كالموت فيجري فيه الخلاف والسابق، وإنما اقتصر عليه لكونه الراجح فقط، أو لا يجري فيه لأنه لو جرى فيه لذكره والله أعلم.
قوله: وأما الردة، أي بأن ارتد المرسل أو المرسل إليه.
•
قوله: رقيقاً الخ. ومثل الرقيق المصحف، فإنه لا يمكن المشترك منه قوله: فإنه ضامن، يؤخذ من هذا أنه إذا أعطى رجل لرجل مثلا دراهم ليشتري له بها شيئاً فصرف تلك الدراهم. في حوائجه أو أمسكها لنفسه فاشترى له ودفع الثمن من عنده، فإنه يعد تبرعاً في تلك الحاجة إذا دفعها لمن أعطاك الدراهم، ويضمن تلك الدراهم حيث تصرف فيها بغير وجه شرعي، وانظر هل يضمن ذلك في الحكم فقط، لأنه في الحقيقة لم يقصد التبرع، وإنما قصد دفع عوض ما تصرف فيه، والتبرع إنما لزمه في ظاهر الحكم فقط، ويحرم على صاحب الدراهم إذا أخذ تلك الحاجة أن يأخد منه الدراهم أيضاً لقوله: (لا
- {{-- (3/440)
صفحة 1868
من الدين، ولا يرجع عليه الرسول بشيء لأن وكالته قد زالت بزوال عين الموكل فيه وصار كالمتطوع على رجل وقضى عنه دينه، و المتطوع لا يرجع على من تطوع إليه والله أعلم.
يحل مال امرئ مسلم إلا بأحد من ثلاثة: بيع عن تراض، أم ميراث من كتاب الله، أم هبة عن تراض) (1) وهذا لم يهب عن تراض، أو يضمن فيما بينه وبين الله أيضاً ولا يعذر في الجهل والله أعلم فليحرر غالب ما في هذا الباب من
الضمان والله أعلم.
قوله: لذلك المدين، لعله ذلك للمدين.
يرجع
قوله: والمتطوع لا يرجع على من تطوع عليه، ظاهر هذا التقييد أنه على من تطوع له، وهو صاحب الدين مع أن الظاهر أنه لا رجوع له عليه أيضاً بدليل قوله المدين قد برئ من الدين فإنه لو رجع لم يبرأ المدين فالأحسن أن
يقتصر على قوله: والمتطوع لا يرجع وا والله أعلم.
(1) متفق عليه.
- {{s- (3/441)
صفحة 1869
باب في وضع الدين لصاحبه
إن أبى أن يأخذه
وإن أبي صاحب الدين أن يأخذ دينه فلا يبرئه المدين إن وضعه قدامه حتى يأخذه لأن الدين متعلق بالذمة، فيما لم يأخذ صاحب الدين ذلك الشيء فليس هو بداخل في ملكه، وقال بعض: إن أبي صاحب الدين أن يأخذ دينه فإنه يضعه له في يده أو في حجره إن لم يجد في يده وإن لم يجد فليضعه قدامه حيث يراه ويبرأ منه ما لم يكن مانعاً يمنع صاحبه من أخذه مثل السلطان أو السلابة وما أشبه ذلك من الموانع فإنه لا يضعه له على هذا الحال، وهذا كله بشرط أن يكون الدين مما يكال أو يوزن وصاحبه عالم بكيل ذلك الشيء أو وزنه أو عدده وهو من جنس ماله. وأما إن لم يعلم بذلك أو ليس من جنس ماله فلا يبرأ منه المدين حتى
باب في وضع الدين لصاحبه إن أبى أن يأخذه
قوله: مثل السلطان، أي مثل الخوف من السلطان الخ.
-
{{r- (3/442)
صفحة 1870
يأخذه منه، وإن لم يجد المدين إلا بعض الدين فإنه يضعه له على هذا الحال ويبرأ لأنه برنت بعض الذمة، وفي كتاب ابن جعفر: وكذلك من كان عليه حق لرجل فدعاه إلى أخذ حقه فأبى فقد وجدنا عن محمد بن محبوب يرفع ذلك إلى بعض المسلمين أنه من كان له حق لعله أراد من كان عليه حق لأحد. فدعاه إلى أخذ حقه فأبى فلا حق له ويبرأ الذي عليه الحق إذا دعاه صاحب الحق فأبى فقد بريء من حقه على قول محمد بن محبوب، وأما ما كان عنده بوجه من وجوه الأمانات كلها فأبى صاحبها أن يأخذها منه فإنه يضعها له قدامه حيث يصل إليها لأنها عين ماله ما لم يكن مانع يمنعه من أخذ ذلك مثل السلطان والسلابة وما أشبه ذلك من الموانع فإنه لا يضعها له على هذا
قوله: وإن لم يجد المدين إلا بعض الدين، كأن يكون فقيراً أو في محل لا يقدر إلا على البعض فأبى صاحبه من أخذ ذلك البعض مثلاً، فإنه يضعه له، يعني على قول من يقول: إن الوضع يبرئه عند الامتناع والله أعلم.
قوله: وفي كتاب ابن جعفر الخ. حاصل ما في الباب ثلاثة أقوال عند امتناع صاحب الدين من أخذ حقه، أحدها: أن الوضع لا يبرئه مطلقاً، والثاني أنه يبرئه إن لم يمنعه من أخذه مانع، والثالث أنه يبرأ من غير وضع، حيث
امتنع صاحبه من الأخذ والله أعلم. |
قوله: لعله، الظاهر أن هذا ترج من المصنف لتحريف في النسخة، أو اللام بمعنى على والله أعلم.
- {ir- (3/443)
صفحة 1871
الحال، وإن وضعها فلا يبرأ منها والله أعلم. وكذلك خليفة اليتيم والمجنون فإنه يضع ما على اليتيم والمجنون من الديون لأصحابها، أما وكيل المدين على دفع الدين فلا يضعه لصاحب الدين إن أبى أن يأخذه منه لأنه غير موكل على ذلك، وكذلك خليفة الغائب لا يضعه لغرمائه إذا أبوا أن يأخذوه منه كالوكيل، ولا يضع الرجل ما عليه من الديون، إلا لصاحبه بنفسه أو لأبيه إذا كان طفلاً، وأما دين اليتيم و المجنون والغائب فلا يضعه لخلائفهم إن أبوا أن يأخذوه لأن الدين لغيرهم والله أعلم. ويضع المدين ما عليه من الدين للعبد المأذون له في التجارة أو لمولاه لأنهما بمنزلة
قوله: وكذلك خليفة الغائب لا يضعه الخ. أنظر لم جعلوا خليفة الغائب هنا أضعف من خليفة المجنون واليتيم مع أن الظاهر أنه في جميع ما تقدم من أحكامهم متساوية، اللهم إلا أن يقال إنما جعلوه هنا بمنزلة الوكيل، لأنهم نظروا إلى أن الغائب له تصرف في الجملة، وله نزعه مثلا، فلم ينزل منزلته من جميع الوجوه بخلاف اليتيم والمجنون، وربما امتنع صاحب الدين من الأخذ. ليأخذ من المدين نفسه والله أعلم فليحرر.
من الخليفة
قوله: إلا لصاحبه، يعني فلا يضعه لوكيله، فالوكيل لا يضع ولا يوضع له، وكذلك خليفة الغائب، وأما خليفة اليتيم والمجنون فإنه يضع ولا يوضع له. قوله: إن أبوا أن يأخذوه الخ. لكن الظاهر أنه لا يحل لهم الامتناع من الأخذ لأنه من الصلاح، فيجب عليهم فعله والله أعلم.
قوله: العبد المأذون متعلق بيضع، والظاهر أنه إنما يضع للعبد إذا كان
- {{{- (3/444)
صفحة 1872
رجل واحد، وكذلك العقيدان بمنزلة رجل واحد يضع لمن شاء منهما ما لم تنفسخ عقدتهما، فإذا انفسخت فلا يضع لكل واحد منهما إلا ما تابه، وكذلك أيضاً يضع للمقارض ولو رد المال لصاحبه ولا يضعه
لصاحب المال لأنه لا حكم له في ذلك و الله أعلم.
أصل الدين منه، وظاهر التعليل العموم والله أعلم، فليحرر.
أنه
قوله: ولا يضعه لصاحب المال، لعل هذا على المختار من أنه بمنزلة الأجير على التأويل السابق، وأما على قول الربيع رحمه الله من أنه بمنزلة الوكيل، فالظاهر يضع لصاحب المال والله أعلم. وهذا ظاهر إذا امتنع كل واحد منهما واحتاج إلى الوضع، فإن امتنع المقارض، رضي صاحب المال مثلا على قول غير الربيع، فالظاهر مثلاً أن دفعه لرب المال أولى من وضعه للمقارض، لأنه ربما
أدى الوضع إلى التلف والله أعلم، فليحرر.
000000
1 {{0 - (3/445)
صفحة 1873
باب في تقاضي الديون
واختلفوا إذا كان لرجل على رجل دين وله وعليه مثله هل يكون ذلك تقاضياً بينهما أم حتى يتقاضيا؟ ففي الأثر ومن غيره وقال من قال: إنه لا تجوز المقاصصة في السلف بالسلف، فعلى قول من يقول ذلك فعله يجوز المقاصصة في السلف بالإجارات، وأنا لا أحب المقاصصة
6
باب في تقاضي الديون
قوله: هل يكون ذلك بينهما تقاضيا الخ. ظاهره على القول الأول أنه إذا تماثل الدين كان ذلك تقاضياً ولا يحتاج إلى لفظ ولا نية، وإلى هذا ذهب الشافعي وعلى القول الثاني لا بد على لفظ التقاضي، يعني أو ما يؤدي مراده، و إلى هذا ذهب مالك، وظاهر كلامه بعد حيث قال: وأما إن اتفقت فذلك بينهما تقاض كما ذكرنا يدل على اختيار القول الأول، وظاهره سواء كان من سلم أو إجارة أو غير ذلك فيكون كلام الأثر مقابلاً على غالب عادته في سوق كلام الأثر والله أعلم فليحرر. قوله: في السلف بالسلف، يعني - والله أعلم - لما يؤدي إليه من بيع الطعام قبل أن يستوفى، وبيع ما لم تقبض والله أعلم، فليحرر
قوله: فعلى قول من يقول ذلك، يعني أنه لا تجوز المقاصصة في السلف بالسلف، وإنما جاز ذلك في غيره لأن مفهوم التقييد بالسلف يدل على الجواز بالإجارات.
- 446 - (3/446)
صفحة 1874
بالسلف و إنما أحب فيه القبض، يسلم هذا إلى هذا أو يسلم هذا إلى هذا، وكذلك في الإجارات، والسلف، وكذلك في الإجارات والإجارات لا أحب المقاصصة بذلك ولا أحب إلا قبض كل واحد حقه والله أعلم. وإن كان
الذي لأحدهما على الآخر أكثر فلا يكون تقاضياً حتى يكون مثلاً بمثل
6
ومنهم من يقول يكون الأقل تقاضياً لما يقابله من الأكثر ويرجع صاحب الأكثر على صاحبه لما بقي له عليه و أما إن كان دين كل واحد منهما مخالف لدين صاحبه فلا يكون ذلك تقاضياً فيما بينهما، ومنهم من يرخص في الدنانير والدراهم اذا كانت مثلها في الصرف ان يكون ذلك تقاضياً، وإن كان لأحدهما على الآخر دنانير والآخر عليه خلاف ذلك قمح او شعير
قوله: أحب فيه القبض، يعني لأنه باب ضيق خارج عن القواعد، يشترط فيه ما لا يشترط في غيره كما تقدم والله أعلم. قوله: وكذلك في الإجارات والإجارات الخ. لعله إذا كانت الإجارات بغير الدنانير والدراهم والله أعلم.
قوله: إذا كانت مثلها في الصرف، ظاهره أنه إذا احتاج إلى دفع شيء زائد لا تجوز المقاصصة قولاً واحداً، وفيه تأمل والله أعلم.
قوله: وإن كان لأحدهما على الآخر دنانير الخ. هذه المسألة من مشمولات قوله: وأما إن كان دين كل واحد منهما مخالف الخ. ولعله إنما أفردها لكونها فرداً خاصاً له حكم خاص، وهو وقوع الخلاف فيه، وذلك لأن الدنانير والدراهم قيمة الأشياء، فمن نظر إلى هذا أجاز المقاصصة، ومن نظر إلى ذلك يستلزم
- 447 - (3/447)
صفحة 1875
او ما اشبه ذلك فلا يكون ذلك تقاضياً فيما بينهما، وقد ذكر عن بعض ان يكون ذلك تقاضياً على قدر القيمة، وسواء في هذا الغرباء البالغون والأطفال، والأصل في هذا فيما يوجبه النظر حديث هند بنت عتبة حين (شكت الى رسول الله له من زوجها ابي سفيان بن حرب انه قطع عنها وعن ولدها النفقة ان تأخذ من ماله بغير اذن) (1) ففي هذا دليل انه حين يجوز لها ان تأخذ مقدار حقها بلا اذن الذي عليه الحق من ماله المعين جاز له ان يقضي بقدر دينه مما قد سبق في الذمة لأنه
بيع الطعام قبل أن يستوفى وبيع ما لم تقبض منها والله أعلم، فليحرر. قوله: والأطفال، يعني بأن ينوب عنهم في المقاصصة آباؤهم أو خلائفهم والله أعلم. قوله: أن تأخذ، ظاهر كلامه الآتي يدل على أن في الكلام لفظ إذن محذوف يتعلق به أن تأخذوا، وكان الأصل مثلا فأذن لها أن تأخذ، والله أعلم فليراجع. قوله: جاز له أن يقضي بقدر دينه الخ. لقائل أن يقول: ظاهر الحديث
إنما يدل على جواز أخذ قدر الحق عند الامتناع لأجل الضرورة، ولا ضرورة تلجيء إلى أخذ القدر عند عدم الإمتناع من أداء الحق، اللهم إلا أن يقال إذا جاز أخذ القدر بلا إذن فمن باب أولى مع الإذن والتراضي على ذلك، والظاهر أن هذا هو مراد المصنف رحمه الله، لكن يلزم عليه بيع الطعام قبل أن يستوفى
مثلا والله أعلم، فليحرر.
(1) رواه البيهقي وابن ماجة. (3/448)
صفحة 1876
ماله كله.، وهذا اذا اختلفت الديون كما ذكرنا، وأما اذا اتفقت فذلك تقاض بينهما كما ذكرنا والله أعلم. وقد اختلف العلماء في الشيء الذي يجوز له ان يأخذ منه مقدار حقه ومتى يجوز له ذلك، قال بعض: لا يجوز التقاضي في الديون الا بعد الجحود واليمين، وقال بعض: جائز له التقاضي بعد الجحود ما لم يحلفه، فإذا حلفه فلا يقضي من شيئاً، فعند هؤلاء إذا حلفه فقد انقطعت الخصومة بينهما لأن اليمين جعلت لقطع الخصومة وهي أيضاً بمعنى الإبراء من
ماله
قوله: وأما إذا اتفقت الخ. يعني فإنه يصير بمنزلة القرض، ولم يلتفت إلى ما يلزم من بيع الطعام قبل أن يستوفى مثلا، مع أنه تقدم أن القضاء بيع من البيوع، ولا شك هنا أن كل واحد قضى عند من يشترط اللفظ أو لزمه عند من لا يشترط والله أعلم قوله: وقد اختلف العلماء في الشيء الذي يجوز له أن يأخذ منه الخ. يعني إذا وقع الإنكار، وكان الحق لأحدهما فقط، كما يدل عليه كلامه بعد، وحينئذ فتسميته تقاضياً مجاز لأن التقاضي يدل على التفاعل، وهو لا يكون إلا بين اثنين كالتخاصم والتضارب ونحو ذلك، وهذا إنما وقع من أ أحدهما فقط، لكن المأخوذ من ماله وإن كان غير عالم ينزل منزلة الفاعل لذلك والله أعلم، فيصح والله أعلم.
أن يكون قضاء واستعمل فيه التقاضي فجاز، والعلاقة اللزوم و قوله: قال بعض: لا يجوز التقاضي الخ. فيه نشر غير مرتب، لأن المقدم في اللفظ سيأتي عند قوله: وأما ما يجوز به التقاضي الخ. قوله: التقاضي، أي القضاء.
قوله: فقد انقطعت الخصومة الخ. هذا هو مذهب مالك
- {{9 -
ه م 29 - الإيضاح، (3/449)
صفحة 1877
الدعوى، ويدل على هذا ما روي (أنه أتاه آت فقال: يا رسول الله إن فلاناً أخذ مالي ومنعني حتى، أو قال: جحدني أو كلاماً هذا معناه، فقال له النبي عليه السلام: أعندك بينة؟ فقال: لا، قال: فيمينه فقال: يا رسول الله إذاً يحلف ويذهب مالي؟ فقال له النبي عليه السلام: ليس لك إلا ذلك) (1)، فهذا يدل على أنه ليس له بعد اليمين شيء، وعند الآخرين أن اليمين الفاجرة لا تقطع حق المسلم، ومنهم من يقول: إن لم يصل إلى ماله بوجه من الوجوه جاز له التقاضي ولو لم يجحده، وأما
قوله: الإبراء من الدعوى، يعني لا من الحق، فإنه ثابت فيما بينه وبين الله إلا أنه لا يجوز له الأخذ من ماله خفية مثلا على ما يفهم من كلامه أولاً وفيه تأمل والله أعلم، اللهم إلا أن يقال: معنى قوله فلا يقض من ماله شيئاً، أنه لا يأخذ منه بدعوى أخرى وشهادة مثلاً، وأما خفية، فالظاهر أنه يأخذ منه حيث لم ينقطع حقه فيما بينه وبين الله والله أعلم، فليحرر.
قوله: قيمينه، الظاهر أنه مبتدأ حذف خبره للعلم به والتقدير مثلا: فلك يمينه والله أعلم.
قوله: ليس لك إلا ذلك، يعني في الدنيا، فلا تسمع له دعوى ولا تقبل منه
بينة بعد ذلك
قوله: وعند الآخرين الخ. ووافقهم على ذلك الشافعي، فعلى هذا إذا أقام بينة بعد اليمين قضي له بها، وإن وجد ماله أخذ منه مقدار حقه والله أعلم.
(1) رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
-.03 - (3/450)
صفحة 1878
ما يجوز به التقاضي ففي الأثر: وأجمعوا أنه إذا وجد من مال الهالك مثل عين ماله من الجنس الذي له من الذهب والفضة، أو ما يضبط بالكيل والوزن ويساوي ولا يختلف أن له أخذ ذلك إذا قدر سراً ولا يأخذه جهاراً، ويؤاخذ بأخذه ظاهراً لأنه يكون متعدياً في الظاهر، وقوله ليس بحجة في دعواه، وعند هؤلاء أنه لا يجوز له أن يقضي مقدار دينه من الخلاف لأنه لا يجوز له عندهم أن يتصرف بالبيع في مال لا يملكه
قوله: من مال الهالك، هكذا فيما رأيناه من النسخ، ولعله إنما سماه بذلك لجحده ما عليه، وقد قال: (المدعي ما ليس له، والمنكر لما عليه كافران) (1) والله أعلم. ويحتمل أن النسخة ماله الهالك من قوله: ويؤاخذ بأخذه ظاهراً، يعني أنه تقطع يده إذا كان مقدار ربع
دينار فصاعداً وقامت عليه البينة، وكان زمن ظهور كما هو معلوم. قوله: وعند هؤلاء أنه لا يجوز الخ. هذا الكلام بحسب الظاهر مشكل مع ما بعده، فإن الإشارة بحسب الظاهر راجعة إلى من تقدم ذكرهم وهم المجمعون على جواز أخذ المماثل، فإذا كان لا يجوز عندهم أخذ المخالف، فكيف يصح بعد ذلك؟ فإنه لا شك أنهم من المجمعين، والمناسب بعد الفراغ من الجمع عليه مثلا أن يقول: واختلفوا هل يقضي مقدار دينه من الخلاف الخ،
والله أعلم. قوله: أن يتصرف بالبيع، يعني فإنه عند من قال يحواز القضاء من الخلاف لا بد من البيع لكنهم اختلفوا هل هي قبل القضاء أو بعده كما ذكره؟
(1) رواه الدارقطني.
- {01 - (3/451)
صفحة 1879
إلا بوكالة أو وصاية أو بملك تقدم له فيه، وقال بعض: يجوز له أن يقضي مقدار دينه ولو من الخلاف، واختلفوا في صفة ذلك، قال بعض: يبيع ثم يقضي، وقال بعض: يقضي ثم يبيع ولا يقضي أكثر من ماله، وإن باع وبقي منه فضل فإنه يرده ولو قضى أولاً، وإن باع بالأقل بعد ما قضى فلا يدرك البقية، والحجة لهؤلاء الذين جوزوا أن يقضي مقدار دينه ولو من خلافه إذنه لالالالالالالي للهند بنت عتبة حين شكت إليه من زوجها أبي سفيان بن حرب أنه قطع عنها وعن ولدها النفقة والكسوة أن
قوله: لا يملكه، أي في الظاهر، لأجل قوله أو بملك تقدم له فيه
•
قوله: إلا بوكالة الخ. الظاهر أنه أراد بالوكالة ما يشمل الخلافة، وأراد بالوصاية ما كان من قبل الميت، وهو السبب الذي يتصرف له الوصي، وأراد بالملك المتقدم ما كان مغصوباً أو مسروقاً مثلا و أخذه صاحبه خفية كأنه بحسب الظاهر ملك للغير، وفي الحقيقة له والله أعلم.
قوله: ثم يقضي، أي بعد شراء مثل ماله عليه والله أعلم.
قوله: وقال بعض يقضي ثم يبيع الخ. فإذا كان البيع لا بد منه، فالحظ الأوفر لصاحب الحق حينئذ تأخير القضاء عن البيع، حيث كان إذا نقص بعد القضاء لا يدرك البقية، وإذا زاد رد، وهذا هو ثمرة الخلاف بين القولين
والله أعلم. قوله: فلا يدرك البقية، إنما لم يدركها لأنه رضي بذلك في حقه حين قضى فكأنه حكم الحاكم بذلك لأنه منزل منزلته وإذا فضل شيء رده لأنه لا يجوز
له أن يأخذ أكثر
من حقه والله أعلم.
- 452 - (3/452)
صفحة 1880
تأخذ من ماله بغير إذن، فقد أذن لها ولم يخص أن تأخذ من جنس مالها أو غيره، وعند الآخرين أنها أخذت بحكم حاكم، ومن حكم له حاكم في مال غريمه جاز له أخذه، والأولون أقاموا صاحب الدين في هذا مقام الحاكم عند عدم ما يوصله إلى حقه، كما أقامه الآخرون في
قوله: أن تأخذ، متعلق بقوله إذنه، فدل على أنه في الكلام السابق حذف مثله والله أعلم. قوله: من جنس مالها أو غيره، فيه تأمل لأن هنداً لم تستحق شيئاً معيناً في ذمة أبي سفيان أعني مكيلا أو موزوناً أو معدوداً من جنس معين حتى يقول من جنس مالها، وإنما استحقت شيئاً منها في ذمته وهو النفقة من اي نوع كان، ولذلك أذن لها أن تأخذ نفقتها ونفقة ولدها من ماله مطلقاً، فحينئذ يفرق بين ما في الحديث وبين ما نحن فيه بأن ما في الحديث ما في ذمة الغير مبهم فجاز من أي نوع كان، بخلاف ما نحن فيه، فإن ما في ذمة الغير متعين فيشكل الاستدلال حينئذ، اللهم إلا أن يقال: إنما جاز أخذ غير المتعين في الذمة عند هؤلاء لئلا يضيع مال صاحب الحق عند عدم وجود عين ما في الذمة والله أعلم فليحرر. قوله: أنها أخذت بحكم حاكم الخ. لقائل أن يقول من جانب المجيز مطلقاً: أن هذا الحاكم هو الشرع ما فلما حكم في هذه القضية بذلك علم منها أن كل من له عند شخص حق وامتنع من أدائه جاز له أن يأخذ من ماله مقدار حقه والله أعلم، إلا أنه يرد عليه الفرق السابق، فلو أجاب المانع به لكان أظهر والله أعلم فليحرر.
قوله: والأولون، أي وهم المجيزون لأخذ الخلاف، وإنما سماهم الأولين الأجل قوله إلا عند الآخرين. (3/453)
صفحة 1881
جنس ماله والله أعلم. وإن غصب له غاصب من ماله شيئاً فإنه لا يقضي من مال الغاصب ما دام ذلك الشيء قائماً بعينه في يد الغاصب، لأن ملكه لم يزل عليه ولكن يقضي ما أكل الغاصب من غلة ذلك الشيء وما استنفع به من عناه والله أعلم. وإنما يقضي الرجل دينه ودين ابنه الطفل كما قضت هند في حقها وحق ولدها، وأما خليفة اليتيم والمجنون والغائب ومن كان في يده شيء بالأمانات فسرق منه، اختلفوا فيه؛ هل يقضون من مال المدين في حقوق هؤلاء أم لا؟ والذي يوجبه النظر عندي أن من لم يجوز ذلك حمل الحديث على ظاهره لا غير، ومن جوز لهؤلاء أن يقضوا من مال الغريم في حقوق هؤلاء جاز لهم ذلك كما جاز لهند بنت
قوله: في يد الغاصب، يعني فإذا هلك أو خرج من ملكه بوجه من الوجوه جاز له القضاء، وانظر هل يجوز له أن يأخذ من غلة شيئه إذا أخرجه الغاصب من يده إلى غيره فيما بينه وبين الله ما لم يقض من مال الغاصب لأن ملكه في الحقيقة لم يزل عنه أو لا يجوز؟ لأن الثاني ليس بغاصب ولا عالم بالغصب وهو الظاهر والله أعلم.
قوله: يقضي ما أكل الغاصب، يعني لأن الخراج بالضمان إنما هو لغير الغاصب على الراجح لقوله عليه السلام: (ليس لعرف ظالم حق) (1) والله أعلم. قوله: على ظاهره لا غير، يعني لأن ولدها عندهم تبع لها والله أعلم.
(1) رواه مسلم وابو داود
- {01 - (3/454)
صفحة 1882
عتبة أن تقضي من مال أبي سفيان في حقها وحق ولدها وهي ليست بخليفة، وكيف لا يجوز للخليفة ومن بيده الأمانة، والله أعلم؟ وكذلك الوكيل إذا وكله أن يقضي من مال غريمه إذا جحده على هذا الاختلاف، والله أعلم. وإن كان مال غريمه في يده بالأمانة فلا يقضي منه حقه لقوله عليه السلام: (فلا تخن من خانك ورد الأمانة إلى من ائتمنك)) وجوز
قوله: وكيف لا يجوز للخليفة؟ قال شيخنا: قد يفرق بأن قضية هند اقتضت الضرورة القضاء إذ لو لم يأذن لها لتضررت هي وولدها جوعاً وعرياً بخلاف ما نحن فيه، نعم إن خاف خليفة ما ذكر على اليتيم جاز القياس، وهكذا
يقال فيما تقدم حرره انتهى
•
قوله: ومن بيده الأمانة، يعني فسرقت مثلا.
قوله: وكذلك الوكيل الخ. ينظر كيف يتأتى أن يكون الشخص وكيلا على الأخذ من مال الغير إذا جحده لأنه لا يعلم ذلك إلا من قبل الموكل لكونه لا بينة له وقوله في ذلك ليس بحجة، ولذلك يؤاخذ به إذا أخذه ظاهراً كما، اللهم إلا أن يقال: الوكيل علم بذلك لا من قبل الموكل بأن حضر للصفقة وحده أو مع غيره، ولكن لا تجوز شهادته، أو سمع من شاهدين وحده ومانا مثلا ونحو ذلك والله أعلم، فليحرر.
تقدم
قوله: إلى من ائتمنك، ينظر هل يقيد بغير الحربي وهو الظاهر والله أعلم؟
(1) رواه مسلم وأبو دارد.
- 200 - (3/455)
صفحة 1883
بعض أن يقضي حقه ولو من أمانته إذا جحده حقه، وكذلك أيضاً مال الغريم إذا كان في يد رجل على هذا الاختلاف والله أعلم. وإذا أخذ مقدار حقه فليخبر لغريمه أو يشهد على ذلك، أو يخبر لورثته بما فعل من ذلك والله أعلم. ومن جحد ديناً عليه أو ادعى ما ليس له فقد أثم وكفر لقوله عليه السلام (المدعي لما ليس له، والمنكر لما عليه كافران (1)، ومن العلماء من يقول في المدعي ما ليس له ألا يكفر حتى يأخذ
قوله: وكذلك أيضاً مال الغريم، يعني به ها هنا الغريم الذي ليس بحاحد لئلا يتكرر مع قوله: ومن كان مال غريمه في يده بالأمانة الخ، ويدل على ذلك قوله بعد: وإذا أخذ مقدار حقه، يعني عند من يجيز له ذلك فليخبر الغريمه أو يشهد الخ، فإنه من المعلوم أن الفريم الجاحد إنما يأخذ من ماله خفية فكيف يتأتى الإخبار أو الإشهاد والله أعلم. ويحتمل أن قوله: وإذا أخذ مقدار حقه فليخبر الخ. عام في جميع ما تقدم وليس راجعاً للمسألة الأخيرة فقط، مخافة أن يموت فيتوب الجاحد فيعطى لورثته مثلاً أو يجوز ذلك وهو الظاهر، ولعله ما لم يخف من الإقرار والإشهاد ثم ظهر أيضاً أن قوله: في يد رجل، يعني آخر، فإنهم اختلفوا هل يأخذ من ذلك الرجل الذي بيده مال الغريم أو لا؟ والظاهر أن محل هذا ما لم يخف ضمان المؤتمن، فإذا خاف ضمانه امتنع قولاً واحداً والله أعلم، فليحرر.
قوله: ومن العلماء من يقول الخ. وجه الفرق بين الجاحد والمدعي، أن
،
(1) تقدم ذكره.
1207 - (3/456)
صفحة 1884
ما ادعى، والله أعلم.
الجاحد بمنزلة الغاصب بخلاف المدعي قبل الأخذ وفيه تأمل من وجهين، أحدهما: أنه تعمد الكذب وهو من الكبائر، والثاني: أنه مصادم لظاهر الحديث، فإنه حكم عليهما معاً بالكفر، اللهم إلا أن يقال تأويل الحديث عندهم في المدعي إذا أخذ ما ادعى، وأن هذه الكذبة حيث لم يأخذ تعد كذبة خفيفة لا يبلغ بها إلى الكفر والله أعلم، فليحرر.
00000
- 457 - (3/457)
صفحة 1885
باب في التولية والقيلولة
والتولية والقيلولة بيع من البيوع، وروي (أن النبي عليه السلام دخل السوق وقال: يا أهل البقيع لا يفترق البائعان إلا عن تراض، البيع والحوالة بيع، والتولية بيع، والقياض بيع، والإقالة بيع)) وتجوز التولية والإقالة في كل ما يجوز فيه البيع، ولا يكونان إلا بعد البيع، والتولية تجوز من المشتري للبائع وغيره من الناس، وأما القيلولة
باب في التولية والقيلولة
قوله: التولية والقيلولة، قال شيخنا: هي تصيير مشتر ما اشتراه لغيره من بائع أو غيره بمثل ثمنه على القول بأنها ليست بيعاً أو بأكثر أو أقل أو الخلاف على القول بأنها بيع، وظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه لا يشترط فيها كون الثمن عينا، وزعم أصحاب مالك أنها لا تكون إلا لغير البائع، وشرطها كون الثمن عيناً، والإقالة هي ترك البيع لبائعه بثمنه على القول بأنها فسخ أو أكثر أو أقل أو بخلاف على القول بأنها بيع أو لغيره على قول أبي عمران انتهى.
(1) متفق عليه.
- 458 - (3/458)
صفحة 1886
فإنها مخصوصة للبائع لاغير، ولا ينبغي لمن يمنعها له إن سألها لما فيها من الفضل وتكفير السيئات واليمن والبركة في مال من أقال صاحبه، ونزوع
،
البركة من مال من منعها، ومنهم من يقول: تجوز القيلولة لغير البائع، وفي الأثر: وروي في ذلك عن الشيخ أبي عمران في المشتري إذا قال للبائع: أقلني في هذا الشيء، فقال له رجل آخر: أقلتك فيه قال: القيلولة لازمة للذي أقاله، والأصل في ذلك فيما يوجبه النظر، هل الأصل في اختلافهم في القيلولة هل هي بيع من البيوع أم هي فسخ بيع؟ فإذا كانت
قوله: فإنها مخصوصة للبائع، أي بالنظر إلى طلب السلعة وإلا فقد تكون من البائع للمشتري أيضاً لكن مراده رحمه الله أن غير البائع لا يقبل المشتري إلا على قول أبي عمران، لكن هذا المراد لا تحسن به المقابلة بين التولية والإقالة فإن الإقالة على القول الأول لا تحسن مقابلتها للتولية، إلا إذا قلنا: معنى كلامه لا تترك السلعة إلا لبائعها، وعلى القول الثاني تترك لبائعها ولغيره من الناس فتساوي التولية، إلا أنه لا يناسبه الاستدلال بكلام أبي عمران، حيث جعل غير البائع يقيل المشتري، والحاصل أن المقابلة تقتضي شيئاً والاستدلال يقتضي شيئاً آخر والله أعلم، فليحرر. قوله: لمن يمنعها له، لعلي أن يمنعها ليكون فاعلا ينبغي، وقوله له الظاهر، أنه متعلق ينبغي فيصير التقدير ولا ينبغي له منعها الخ. قوله: وهي فسخ بيع الأولى أو بدل أم. قال شيخنا: وعند الشافعي فسخ بيع والتحقيق عند أصحابه أنه لا يطلق القول بأنها فسخ بيع ولا بيع، تارة يرتبون عليها أحكام الفسخ، وتارة يرتبون عليها أحكام البيع، وعند مالك
، لأنهم
- {09 - (3/459)
صفحة 1887
بيعاً من البيوع فالبائع وغيره فيها سواء، وإذا كانت فسخ بيع فهي مخصوصة بالبائع لا غير، واختلفوا أيضاً في التولية والقيلولة، قال بعض: لا تجوز التولية والقيلولة إلا بمثل الثمن الذي اشتري به أولاً، ولا تجوز بأقل من ذلك ولا بأكثر ولا بخلافه، ولا يحتاجان أيضاً إلى ذكر الثمن إذ عرفاه قبل ذلك، فهذا فيما يوجبه النظر يدل من قائله أن التولية والإقالة ليستا بيعاً من البيوع عنده، وقال بعض: تجوز التولية والإقالة بجميع ما يجوز به البيع بالثمن الأول وأقل منه أو أكثر بالوفاق وبالخلاف، ولا يجوز أيضاً حتى يذكر الثمن ولو عرفاه قبل ذلك، فعند
الإقالة بيع من البيوع إلا في السلم والشفعة والمرابحة، وقيل: حل بيع لا بيع انتهى.
قوله: فإذا كانت بيعاً فالبائع وغيره في هذا سواء، لعل التسوية بين البائع وغيره عند من يقول من أصحابنا بأنها بيع، وأما غيرهم فإن منهم من ذهب إلى أنها بيع، وهي خاصة بالبائع وهو مذهب مالك، ولا تجوز عنده أيضاً إلا بمثل الثمن وهو غير ظاهر، فإن الأصل في البيع أن لا يتقيد، فالأولى ما ذهب إليه بعض أصحابنا من التعميم إذا كانت بيعاً والله أعلم.
قوله: يدل من قائله أن التولية والإقالة ليستا بيعاً، لعل هذا عند القائل بذلك من أصحابنا، وإلا فعند مالك أنها بيع من البيوع يشترط فيها ما ذكر بل يشترط عنده في التولية ما هو أضيق من ذلك، كون الثمن عيناً وهو والله أعلم. (3/460)
صفحة 1888
بيع
هؤلاء أن الإقالة والتولية بيع من البيوع، وكل ما يجوز التسمية منه فإقالة التسمية منه وتوليته جائزة، وأما ما لا يجوز بيع التسمية منه فلا، وكذلك إن اشترى منه شيئين فأراد أن يقبله في واحد منهما أو يولي واحداً منهما فجائز إذا سمى الثمن، والله أعلم. ويجوز أن يرد ما باع بالقيلولة لمن ولي أمره من اليتامى والمجانين والغياب، كما يجوز أن يشتريه له لأن الإقالة بيع من البيوع، وكذلك من وكله على الشراء يرده له بالقيلولة، وكذلك من باع ما في يده من مال غيره فإنه يجوز أن يرده لنفسه ولغيره بالقيلولة، وكذلك التولية على هذا الحال. وإن بلغ الطفل
قوله: فجائز إذا سمى الثمن، يحتمل أن المراد عن البيع بمعنى أنه عين عند البيع ما يخص كل واحد فتجوز الإقالة في أحدهما حينئذ بأن ثمنه معلوم، ومفهومه أنه إذا لم يسم لكل واحد ما يخصه لم تجز الإقالة، وهذا إنما يتأتى على القول بأنها فسخ بيع، فإذا لم يسم فالكل واحد كان ثمنه مجهولاً فلا. يصح الفسخ فيه وحده، وأما إذا قلنا انها بيع، فالظاهر انه لا يشترط فيها ذلك بل تصح ولو لم يعين ما لكل واحد بناء على أنه يجوز بيع أشياء مختلفة بثمن واحد، فإن الإقالة حينئذ إنما تتوقف على تعيين ثمن الشيء المقال فيه من تلك الأشياء المتعددة وقت الإقالة فقط، ويحتمل أن المراد بقوله إذا سمى الثمن عند الإقالة فيكون ماشياً على القول بأنها بيع ويحتمل الفسخ أيضاً، لكن المتبادر من كلامه هو الاحتمال الأول والله أعلم، فليحرر قوله: يرده له بالقيلولة، يعني لأن التوكيل على الشراء شامل للأخذ بالقيلولة. قوله: يجوز أن يرده لنفسه، لعله بناء على أنها بيع من البيوع، وأما إذا قلنا إنها
-271 - (3/461)
صفحة 1889
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: الفقه
------------------------------------------
العنوان: كتاب الإيضاح
المؤلف: عامر بن علي الشماخي
مع حاشية عليه: محمد بن عمر أبو ستة القصبي النفوسي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة
مكان النشر: مسقط - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1420ه/ 1999م
الطبعة: 4
عدد الأجزاء: 4
الإيداع القانوني: 158/99
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/11
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، ماعدا الجزء الأول فإنه عند تهميش صفحاته يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) أو أفاق المجنون أو قدم الغائب فجائز لهم أن يردوا ما اشترت لهم خلائفهم بالقيلولة وبالتولية، لأن الشراء لهم أولى، وإن مات البائع فجائز للمشتري أن يولي ذلك الشيء لورثته تولية، كما يجوز أن يوليه لغيرهم، وكذلك الإقالة، وإن مات المشتري فلا يجوز لورثته تولية ولا إقالة لأن ذلك الشيء إنما صار لهم من قبل الميراث لا من قبل البيع. والتولية والإقالة والمبادلة بيع من البيوع، وتجوز فيهما التولية والإقالة، وفي الأثر: وأما السلم والنقد وما أخذ في الدين والعطية للثواب والإجارة
فسخ بيع، فالظاهر أن الشيء راجع إلى ما كان عليه قبل البيع من كونه ملكا للغير. وانظر هل يجوز له ذلك من غير إذن صاحب الشيء لأن العقد منه؟ فله حله، أو لا يجوز لأنه تصرف غير مأذون فيه؟ وهو الظاهر، والله أعلم فليحرر. قوله: لأن الشراء لهم، إنما تعرض لهذا لأنه ربما يتوهم أنه لا تصح من هؤلاء الإقالة والتولية لأنهما لا يصحان إلا بعد البيع والشراء، وهؤلاء لم يباشروا الشراء فأجاب بأن شراء خليفتهم كشرائهم والله أعلم.
قوله: لأن ذلك الشيء إنما صار لهم من قبل الميراث، يعني وقد تقدم أنها لا يكونان إلا بعد البيع فيكون الشيء في يد المقيل أو المولي بالبيع، وهذا
ليس كذلك
•
قوله: وتجوز فيها، الأولى فتجوز، بالفاء لأن المقصود التفريع، يعني أنه تجوز التولية بعد التولية والإقالة والمبادلة، وتجوز الإقالة أيضاً بعد الثلاثة.
- 462 - (3/462)
صفحة 1890
والصداق وما أشبه ذلك من وجوه غير البيع فلا تجوز التولية فيهم، وكذلك القيلولة على هذا الحال عند هؤلاء، والذي يوجبه النظر عندي أن السلم والنقد لا تجوز التولية والإقالة فيهما حتى يقبضا، انهيه و عن
وكذلك النقد عند
قوله: وما أشبه ذلك من وجوه غير البيع، ظاهره أن هذه الأشياء المتقدمة من السلم وما بعده كلها ليست من البيوع مع أن السلم بيع بالإتفاق، أجازه وكذلك ما أخذ في الدين لأنه قضاء، وقد بيع من تقدم أن القضاء بيع من البيوع وكذلك العطية للثواب، المختار أنها بيع، نعم الإجارة والصداق ليسنا من البيوع فإن حقيقة البيع، معاوضة مال بمال وهما ليسا كذلك فلعل الإشارة في قوله: وما أشبه ذلك. من وجوه غير البيع إلى هذين القسمين فقط فحينئذ المانع من التولية والإقالة فيما ذكر مع أنها من البيوع فيه تفصيل، أما السلم والنقد فلأنهما يؤديان إلى بيع ما لم تقبض وإلى بيع الطعام قبل أن يستوفي، فلذلك جاز فيها بعد القبض كما قال المصنف رحمه الله، وأما ما أخذ في الدين فلأنه قد يكون المأخوذ عروضا في عروض عند من أجاز ذلك وذلك غير مضبوط، وربما كانت أيضاً غير حاضرة وقت التولية عند المولى له لجواز التولية بالتأخير، والراجح أن العروض لا يشترى بها إلا إذا كانت حاضرة، وأما إذا كان المأخوذ في الدين عروضاً في دراهم وبين ذلك للمولى له أو للقال، والظاهر الجواز كما جاز في السلم والنقد بعد القبض، وأما العطية للثواب فلأن مقابلها غير مضبوط فيحتاج إلى التقويم عند المشاحة مثلا والله أعلم، فليحرر.
قوله: وكذلك القيلولة، أي بناء على أنها بيع وأما إذا كانت فسخاً الظاهر جوازها فما كان بيعاً والله أعلم. (3/463)
صفحة 1891
بيع ما لم تقبض، وأما بعد القبض فجائز، والله أعلم. والتولية جائزة في النقد والنسيئة إذا اشترى المشتري بالنسيئة وولى بالنقد، وأما الإقالة فلا تجوز في بيع النسيئة بالنقد ولا بالنسيئة لئلا يتذرعوا إلى الربا، فقد ذكرنا هذا فيما تقدم. وكل ما استنفع به المشتري من الشيء الذي اشتراه
قوله: جائزة في النقد والنسيئة، لعله بالنقد و النسيئة بدليل ما بعده، وقوله بالنسيئة ولا بالنقد لعله في النسخة تحريفاً فليراجع، والمعنى أن التولية تجوز بالنقد وتجوز بالنسيئة سواء اشترى المشتري بالنقد أو بالنسيئة، وهذا إذا كانت التولية لغير البائع كما هو الشرط عند غيرنا فإنه لا يتأتى فيه التذرع إلى الربا على أي وجه كان كما هو ظاهر، وأما إذا كانت التولية للبائع على ما هو المذهب من
جواز ذلك كما تقدم فيفصل فيها ما يفصل في الإقالة والله أعلم، فليحرر.
قوله: فلا تجوز في بيع النسيئة الخ. هذا مبني على أن الإقالة خاصة بالبائع، وأما إذا قلنا بأنها جائزة لغير البائع فوقعت له فيجوز فيها ما يجوز في التولية لأنه لا يتأتى التذرع حينئذ كما هو ظاهر، ثم ظاهر كلامه أولاً يقتضي أنه لا تجوز الإقالة للبائع في بيع النسيئة مطلقاً، مع أن فيه تفصيلا يعلم مما تقدم، كما يفهم من قوله، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم وذلك فيما إذا اشترى منه مثلاً باثني عشر إلى أجل وأقاله بعشرة نقداً، وأما لو أقاله باثني عشر في هذه الصورة فإنه جائز سوا راء كان نقداً أو نسيئة لعدم التذرع كما هو ظاهر، ثم قوله في بيع النسيئة ظاهره يقتضي أنها في بيع النقد جائزة سواء كان بالنقد أو بالنسيئة مع أن فيها تفصيلاً أيضاً فتمتنع فيما إذا اشترى منه مثلا بعشرة نقداً أو أقاله باثني عشر إلى أجل، وتجوز فيما إذا كان مساوياً أو انقص، لكن المفهوم إذا كان فيه تفصيل لا يعترض به والله أعلم.
- 464 - (3/464)
صفحة 1892
أو ما أكل من الغلات والثمار والخدمة والسكنى أو اللباس والنتاج فأراد أن يوليه بعد ذلك أو يقيل فيه البائع فذلك جائز، ولو لم يخبره بما استنفع إلا ما كان من الغلة في حين البيع مثل الصوف إذا جزها أو الثمار إذا صرمها، فهذا كله يرده مع ذلك الشيء لأنه من المبيع وله قسط من الثمن، وإن تلف فعليه غرم مثله إلا إن استثنى المشتري فلا بأس، وما حدث من النماء والغلة فإنه لا تجر التولية والقيلولة من ذلك إلا ما يجره البيع والله أعلم. وإن غير المشتري مشتراه عن حاله الأول مثل إن اشترى قمحاً أو شعيراً وطحنهما دقيقاً أو صوفاً أو قطناً فعمل منها ثياباً أو حديداً أو أعواداً فعمل منها آنية فإنه لا يجوز ان يولى حتى يخبره بما أحدث فيه. والقيلولة فيها قولان: هل تجوز فيه البائع أم لا؟ لأنه غيره عن حاله الأول والله أعلم. وأما كل ما حدث في الشيء من العيوب والنقصان فلا يبرئه حتى يخبر بذلك عند التولية والإقالة، وأما نقصان
قوله: لأنه من المبيع وله قسط من الثمن، أي بناء على جواز بيع أشياء. مختلفة بثمن واحد، وإلا فقد تقدم أن الثمرة إذا أدركت لا تباع مع الأصل إلا إذا عين لها ما يخصها، والله أعلم فليراجع.
قوله: إلا إذا استثناه المشتري، يعني عند التولية والإقالة فيكون مقيلاً ومولياً بزيادة في الحقيقة والله أعلم. قوله: هل تجوز فيه للبائع، يعني: إن لم يخبره لأنه عالم بما أحدث والله أعلم.
- {70 -
0 م 30 - الإيضاح. (3/465)
صفحة 1893
الشيء في ذاته وزيادته في عينه مثل أن يشتري دابة سمينة فهزلت أو مهزولة فسمنت، فأراد أن يوليها أو يقيل فيها بائعها فلا بأس عليه ولو لم يخبر بذلك، وأما إن كانت الزيادة من غير عين الشيء مثل إن اشترى ثياباً فصبغها أو اشترى أرضاً فغرسها فأراد أن يولي ذلك الثياب أو تلك الأرض مع ما غرس فيها فلا تجوز تلك التولية ولا القيلولة، لأن التولية والقيلولة لا تجوز إلا في المبيع، وتلك الزيادة ليست بمبيعة، فاجتمع في عقدة واحدة ما يجوز وما لا يجوز فبطلت كلها والله أعلم
قوله: فلا بأس عليه الخ. يعني خلافاً للمالكية بأن المعتمد
عندهم
أن
مطلق التغيير يمنع الإقالة
1277 - (3/466)
صفحة 1894
باب في بيع الخيار
اختلف العلماء في بيع الخيار قال بعضهم جائز: والدليل لهم قوله عليه السلام: (من اشترى شاة محفلة فهو بالخيار) (1) والنظر إلى ثلاثة
باب في بيع الخيار
حجر
قوله: اختلف العلماء في بيع الخيار الخ. قال شيخنا: قيل هو بيع وقف بتثه أولاً على إمضاء يتوقع. وهل هو رخصة لاستثنائه الغرر أو. من بيع المبيع خلاف. وخيار المجلس غير معمول به عندنا وعند مالك وأبي حنيفة، وقال ابن حبيب المالكي والشافعي معمول به، لنا أن الأصل في العقود اللزوم لأنها أسباب لتحصيل المقاصد من الأعيان، والأصل ترتيب المسببات على أسبابها وأصل الخلاف اختلافهم في فهم الحديث هل التفرق بالأقوال أو بالمجلس؟ فعلى الأول حمله أصحابنا ومالك، وعلى الثاني الشافعي، وأورد أن العاقد البيع حقيقة، وحمل الأصحاب يقتضي ان المزاد المتساومان وهو مجاز، وأجيب بأن تسميته بعد صدور البيع مجاز أيضاً، فليس أحدهما أولى من الآخر، لكن عضد مجازه بالقياس والقواعد والله أعلم بالصواب انتهى
من صدر منه
قوله: والدليل لهم قوله عليك الا الخ. . وجه الدليل من هذين الحديثين ثبوت الخيار في الجملة بالنظر إلى المبيع وإن لم يدل على الخيار الذي نحن بصدده، لأنه
(1) متفق عليه (3/467)
صفحة 1895
أيام؛ إن شاء ردّها ورد معها صاعاً من تمر، وقوله عليه السلام: (البائعان بالخيار ما لم يفترقا) (1) وقال بعض: لا يجوز بيع الخيار لأنه بيع و شرط، وقال آخرون: البيع جائز والشرط باطل، والأصل في إختلافهم الأصل في اختلافهم في بيع الشرط. واختلف الذين أجازوا بيع الخيار في مدته، قال بعضهم: ثلاثة أيام ولا تجوز أقل من ثلاثة أيام ولا أكثر، فهؤلاء قد اقتفوا ظاهر الحديث في المصراة لا غير، لأن الرسول عليه السلام جعل غايته ثلاثة أيام، ومنهم من يقول: أدناه ثلاثة أيام وأكثره إلى ما يفسد فيه ذلك الشيء، فلعل هؤلاء قد انفهم لهم من تحديد الثلاثة في حديث المصراة أقل مدة يختار فيها الإنسان الشيء المبيع،
او دل عليه بخصوصه ما صح الإختلاف فيه. والحاصل أن الخيار بالنظر إلى من يجيزه هنا قسمان: خيار ترو"، وهو الذي يكون وقت العقد بالرضاء منها ويثبت لكل واحد منهما، وخيار نقيصة،، وهو الذي يكون بعد العقد بظهور العيب وهو خاص بالمشتري كما هو معلوم.
قوله: وقال بعضهم: لا يجوز بيع الخيار الخ. وجهه عندهم أن الحديثين المذكورين لم يدلا على جواز الخيار الذي الكلام فيه والله أعلم.
قوله: قال بعضهم: ثلاثة أيام الخ. هو مذهب الشافعي وأبي حنيفة.
(1) متفق عليه.
(2) كذا في الأصل.
- 468 - (3/468)
صفحة 1896
ومنهم من يقول: جائز على ما اتفقا عليه من المدة طالت أو قصرت، إلا أن تكون المدة أكثر مما لا يعيش فيه البائع والمشتري، أو مدة لا يدركها الشيء المبيع إلا فسد، مثل إن باع له شاة إلى خيار مائة سنة، أو باع له شيئاً من الفواكه والبقول إلى خيار سنة أو ما أشبه ذلك، مما لا يدركه الشيء المبيع إلا فسد، فإن المبيع في هذا كله فاسد لأنه غرر والله أعلم. وإن باع له واشترط خيار ثلاثة أيام فله الأيام ولياليها، وكذلك إن باع له إلى خيار ثلاث ليال فله الليالي والأيام. واختلفوا في اليوم الآخر هل
قوله. ومنهم من يقول جائز الخ. الظاهر أن الفرق بين هذا القول والذي قبله بالنظر إلى المبدأ فقط والله أعلم.
قوله: فله الأيام ولياليها، يه في فهو على حد قوله وتمتعوا في دياركم ثلاثة أيام لا على حد فصيام ثلاثة أيام
قوله: فله الليالي والأيام، يعني والله أعلم على حد وليال عشر. قوله: واختلفوا في اليوم الآخر الخ. لعل سبب الخلاف هو اختلافهم في الغاية هل هي داخلة أو خارجة؟ لكن الأولى هنا دخولها لأنها من جنس المنيا لأن الخيار أضيف إلى الثلاثة فكما دخل الأول والثاني يدخل الثالث والله أعلم. ويحتمل ان سبب الخلاف هل هو محمول على المجيء فيكون خارجاً أو على الإنقضاء فيكون داخلا؟ والله أعلم. ثم ظهر أن سبب الخلاف غير ما تقدم وهو أنه هل يدخل اليوم الأخير لدخول ليلته؟ لأن الأيام تابعة لليالي؟ أو لا يدخل لإنقضاء مدة الخيار نظراً إلى ظاهر شرطه حيث جمل غايته الليالي. وأما ما
- {79 - (3/469)
صفحة 1897
يدخل في المدة أم لا؟ وإن اشترط الليالي دون الأيام أو الأيام دون الليالي أو اشترط ثلاثة أيام معلومات في المستقبل فهذا كله جائز، وإن دفع قبل الأجل أو رضي أو فعل فعلاً يلزمه به لو كان في الوقت فإن هذا كله لا يلزمه به، ويكونان على شروطهما، والدليل على هذا دليل جواز الخيار. وإن باع له إلى مجيء ثلاثة أيام أو إتيان ثلاثه أيام في الخيار فإنه لا يحسب اليوم الذي باع له فيه، فإذا طلع الفجر في اليوم الأخير منه فقد انقضت ذكرته أولاً فغير ظاهر لأنه يقتضي أن الخلاف في الليلة الأخيرة وليس كذلك لأنه لم يتعرض له وإن كان متجها، والله أعلم.
قوله: وإن اشترط الليالي دون الأيام الخ. الظاهر أن فائدة ذلك أن قبوله ورده في الليل في الصورة الأولى لا عبرة بهما كذلك قبوله ورده في النهار في الصورة الثانية لا عبرة بها والله أعلم. وهذا هو الفرق بين هذه المسألة والمسألة الأولى والله أعلم. قوله: وإن دفع قبل الأجل أو رضي الخ. الأولى الإتيان بالفاء بدل الواو، وإن هذه المسألة مفرعة على ما إذا اشترط ثلاثة أيام معلومات في المستقبل، يعني فدفع أو رضي قبل مجيئها بدليل قوله: أو فعل فعلا يلزمه به لو كان في الوقت الخ. يعني في وقت الخيار فلا ينافي ما سيأتي على المصدر به حيث قال: وإن أحدث صاحب الخيار، حدثا الخ. ولا يلزم التكرار على القول الثاني فيما سيأتي. ثم الظاهر أن تلك المدة التي قبل مجيء الخيار حكمها في الضمان والنفقة
حكم أيام الخيار، والله أعلم فليحرر.
قوله: في الخيار، متعلق بقوله: وإن باع.
قوله: منه الظاهر أن الضمير عائد إلى الأجل المفهوم من الكلام
- {Y- (3/470)
صفحة 1898
مدة الخيار لأنه قد جاء ذلك اليوم، وأما إن جعل مدة خياره إلى انسلاخ ثلاثة أيام أو مضيها أو ذهابها أو انقضائها أو تمامها فله اليوم الآخر في هذه الوجوه حتى تغيب الشمس، وإن اشترط الخيار مطلقاً من غير تعيين المدة فلا يجوز لأنه غرر مجهول فلا يصح إذا بيع ما باع هذا، ويجوز الخيار عند من أجازه للبائع والمشتري، ويجوز أن يشترطاه جميعاً، ويجوز أن يشترطه كل واحد منهما لنفسه ولغيره من الناس ممن تجوز أفعاله ويكون الأمر معلقاً على ما اشترطا كما اشترطا، وأما كل من ليس له فعل مثل الطفل والمجنون أو كل من لا يتوهم منه المشيئة أو كل من
قوله: حتى تغيب الشمس، يعني لأنه لا يستحق الإنفاخ وما ذكر
إلا بذلك. قوله: لأنه غرر مجهول، خبر ثان، واهل هذا على مذهب من كانت مدة الخيار عنده غير معلومة، وأما من خصها بالثلاثة فالظاهر الجواز.
قوله: هذا، يحتمل أنه فاعل باع، والإشارة راجعة إلى مشترط الخيار مطلقاً، ويحتمل أنه من باب الإقتضاب لأن فاعل باع معلوم المرجع، لكن لما أراد الإنتقال من حكم إلى حكم أتى باسم الإشارة للاقتضاب لأنه من بديع الكلام،
والمعنى: خذ هذا أو مضى هذا والله أعلم.
•
قوله: ممن تجوز افعاله، هذا شامل للعبد
قوله: لا يتوهم منه المشيئة، وهو من لا عقل له.
- {YI - (3/471)
صفحة 1899
لا يتوصل إليه ولو كانت له المشيئة إن اشترطت أن يكون له الخيار، فإن الشرط في هذا كله باطل والبيع جائز. وقال آخرون: البيع فاسد، وقيل في الطفل أن ذلك جائز والقول ما قال ويجوز أن يشترط الرجل الخيار لنفسه في ماله ومال غيره ممن ولي أمره من اليتامى والمجانين والغياب إذا باع لهم لأنه في مقامهم، وكذلك إن اشترى لهم على هذا الحال، وإن بلغ الطفل أو أفاق المجنون أو قدم الغائب أو زال الخليفة من الخلافة بوجه من الوجوه فحدثت خليفة أخرى فإنه إن علق الخيار لنفسه أولاً فلا ينتقل إلى هؤلاء، ويكون إلى ما اشترطه، وإن اشترط الخيار هكذا ولم يعلقه إلى نفسه فإنه ينتقل إلى هؤلاء في هذا الوجه، كما انتقل
قوله: كل من لا يتوصل إليه، يعني لبعده مثلا
قوله: البيع فاسد، هذا هو الظاهر لأن العقدة حينئذ اشتملت على ما يجوز وما لا يجوز فتكون غير جائزة على الراجح، لأن هذا الشرط الذي اشتملت عليه العقدة باطل والله أعلم.
قوله: من اليتامى، ومثلهم ابنها الطفل كما هو معلوم.
قوله: إلى ما اشترطه، لعله إلى من شرطه فإن صحة النسخة إلى ما، فيحتمل
أنها مصدرية ويحتمل أنها موصول اسمي نابت فيه ما عن من، وظاهر كلامه أنه له الدفع والرضا ولو نزع من الخلافة والله أعلم قوله: ولم يعلقه، بيان لقوله هكذا، وليس المراد بهكذا أنه لم يعين المدة لأن ذلك باطل كما تقدم والله أعلم. (3/472)
صفحة 1900
إليهم أحكام المال والله أعلم. وإن خرج وقت الخيار ولم يفعل شيئاً لم يدفع ولم يرض فإن البيع له لازم لأن الصفقة على ذلك وقعت، وإن زال عقله فإنهم يجعلون له خليفة يكون في مقامه في الدفع والقبول، وإن لم يجعلوا له خليفة حتى خرج الوقت أو جعلواله الخليفة ولم يدفع ولم يقبل حتى خرج الوقت فإن البيع في هذا كله لازم. وإن مات الذي اشترط الخيار بائعاً كان أو مشترياً فورثته بمقامه فيرثون ما له من الحقوق في الخيار كما يرثون ماله، لأن الخيار في هذا من صفة البيع. ومنهم من يقول في المشتري إذا مات وقد اشترط لنفسه الخيار أن البيع لازم لورثته، وذلك فيما يوجبه النظر إنما لم يكن لورثة المشتري الخيار لأن
قوله: فورثته بمقامه الخ. ينظر حكم ما إذا اختلفت الورثة في الرد والقبول، والظاهر أنه لا يلزم بالرد إلا إذا اجتمعت الورثة عليه، كما أن مورثهم ليس له أن يقبل البعض ويرد البعض إذا وقع شرط الخيار في الجميع، لأن إدخال الشريك عيب كما يؤخذ مما تقدم في الرد بالعيب والله أعلم فليحرر .. وقد يؤخذ من كلامه في العقيدين إذا انفسخت عقدتهما أن كل واحد من الورثة له النظر في حصته وهو الطاهر لئلا يلزم الترجيح من غير مرجح وهو باطل غايته، أن هذه مصيبة نزلت بمن اشترط عليه رفيقه الخيار، لكنه في الحقيقة دخل على ذلك، لأن رفيقه يجوز عليه الموت فتقوم هورثته بمقامه والله أعلم:
فليحرر.
قوله: وذلك فيما يوجبه النظر الخ. أقول: ويحتمل أنه إنما لم يكن لورثته (3/473)
صفحة 1901
الميراث لا خيار فيها وذلك الشيء إنما صار لهم من قبل الميراث لا من قبل البيع والله أعلم. وإن مات الذي لم يشترط الخيار منهما فالذي اشترط الخيار على خياره إن شاء دفع وإن شاء قبل، وإن اشترطاه اغيرهما من الناس فيمات الذي ردوا إليه الخيار ولم ينقض شيئاً فالبيع لازم للمشتري لأنهم قد أوجبوا البيع، إلا إن نقضه فلان ومات فلان قبل أن ينقضه فصح، وأما الردة فإنها لا تبطل الخيار لأن البيع جائز بين الموحدين والمشركين، إلا إن كان الذي اشترطا فيه الخيار عبداً أو مما لا يجوز تمليكه للكافرين فهو لمن لم يرتد منهما إن لم يسلم المرتد حتى مضى الأجل والله أعلم. والوكيل على البيع والشراء لا يشترط الخيار، وإن اشترطه فالخيار للموكل لأن الوكيل قد خالفه في ذلك حين زاد الخيار، لأنه يستدعي وجود الأجل بعد الموت، والقاعدة عند بعضهم أنه إذا مات الإنسان انقطع بموته جميع ما كان مؤجلاً بالنسبة إليه إلا السلم كما تقدم والله أعلم. قوله: فالذي اشترط الخيار على خياره، أي لأن الحق له كما لا يحل الأجل بموت صاحب الحق، بل يكون المدين على أجله لأن الحق في الأجل له والله أعلم. قوله: أوجبوا البيع الخ. هذا يدل على أن بيع الخيار منعقد ابتداء حتى يحله مشترط الخيار، وقيل: منحل حتى يعقده المذكور
قوله: أو مما لا يجوز تمليكه للكافرين، كالمصحف وآلة الحرب. قوله: فالخيار للموكل، هذا ظاهر إذا كان مشترط الخيار هو الوكيل،
- {Y{- (3/474)
صفحة 1902
الخيار، وأما المقارض إن اشترى شيئاً بالخيار فإليه الخيار دون صاحب المال، لأن صاحب المال لا حكم له في ذلك، وكذلك العبد المأذون له
في التجارة إن اشترط الخيار فهو إليه دون مولاه، ولو حجر عليه حين علقه أولاً إلى نفسه فلا ينتقل بعد ذلك إلى غيره، وأما أحد العقيدين إن
وأما لو اشترط عليه فإنه لم يبين حكمه، وانظر هل يضمن لأنه خالف موكله، كما لو باع بالنسيئة أو بالعروض على ما تقدم؟ أو يتوقف امضاؤه على الموكل أيضاً، حيث خالفه الوكيل لأنه صار بمنزلة المتعدي والله أعلم فليحرر، ثم ظهر أن المراد بقوله: فالخيار للموكل، أي في إمضاء البيع بذلك وإبطاله من أصله بدليل قوله: لأن الوكيل قد خالفه الخ.
قوله: لأن صاحب المال لا حكم له في ذلك، لعل هذا مبني على أن المقارض بمنزلة الأجير على التأويل السابق، وأما على قول الربيع رحمه الله بأنه بمنزلة الوكيل، فالظاهر أن الخيار له كما تقدم في الرد بالعيب، لأن كلا منهما له خيار
إلا أن هذا خيار ترور، وذلك خيار نقيصة والله أعلم، فليحرر.
قوله: فهو إليه دون مولاه الخ. يتأمل هذا مع ما تقدم في رد الشيء بالعيب من أن لكل منهما الرد، حيث قال في العبد: لأنه مأذون له على الإطلاق ويرده مولاه لأنه ماله، إلا أن يقال: إن الاصل في الخيار أنه إذا علق على شخص معين لا ينتقل عنه إلى غيره كما تقدم في الخليفة إذا ارتفع حكمه وإن خرج عن هذا الاصل أفراد، لعلة أخرى كأحد العقيدين والله أعلم، فليحرر. قوله: ولو حجر عليه، يعني بعد ذلك، قال شيخنا: يؤخذ منه أن خيار المفلس لا ينتقل إلى غرمائه إذا اقاموا عليه قبل انقضاء زمن الخيار خلافاً لمالك، فإنه يجعل الحجر سبباً للنقل والله أعلم بالصواب انتهى
- 1 Y 0 - (3/475)
صفحة 1903
اشترى شيئاً فاشترط فيه الخيار فله الخيار ولصاحبه، لأن أصل عقدتهما على ذلك وقعت وهما بمنزلة رجل واحد، وإن انفسخت عقدتهما فلكل واحد منهما الخيار في سهمه خاصة، وإنما يجوز الخيار عند عقدة البيع وأما قبلها أو بعدها فلا يلزم والله أعلم. وإن إشترى شيئاً فاشترط الخيار في بعضه أو اشترى رجلان من رجل شيئاً فاشترط واحد منهما الخيار أو اشترى رجل من رجلين فاشترط الخيار المشتري في سهم
الشيء
قوله: فلكل واحد منهما الخيار في سهمه خاصة، ينظر كيف يتأتى ذلك إذا اختلفا في الرد والقبول، وأبي صاحب الشيء التبعيض فإن إدخال الشريك عليه ضرر والضرر لا يحل، ثم ظاهره أن قسمتهما صحيحة، حيث اقتسما ذلك، وأما لو جاء في حصة أحدهما فقط، فالظاهر قياساً على ما تقدم في الرد بالعيب، أن قسمتهما منفسخة، قال فيما تقدم: وإنما انفسخت قسمتهما، لأن كل واحد منهما جائز له أن د ذلك الشيء، انتهى. يعني بالنظر إلى أصل عقدتهما وها هنا كذلك، وإلا فما الفرق، ثم الظاهر أيضاً أن كل واحد منهما له الرد في سهمه بعد القسمة لما فيه الخيار مبني على أن إخراجه من الملك لا يبطل الخيار، وأما على القول بأنه يبطله، وهو المصدر به فيما سيأتي، فالظاهر أنه بطل الخيار ها هنا خصوصاً إذا كانت قسمتهم قسمة مبايعة أو مواهبة أو مبادلة، لأنها بيع من البيوع كما سيأتي. نعم: قسمة القرعة ليست بيعاً، لكن على كل حال فيها الإخراج من الملك في الجملة كما هو ظاهر والله أعلم. ويحتمل أن هذين العقيدين لم تقع بينهما قسمة فلذلك يدركان الرد، وأما لو اقتسما فإنهما لا يدركان ذلك على الراجح، فعلى هذا يكون معنى قوله فلكل واحد منهما الخيار في سهمه
خاصة، أي في سهمه على الشيوع والله أعلم، فليحرر
- 476 - (3/476)
صفحة 1904
أحدهما دون صاحبه فإن هذا كله، جائز، كما يجوز شراء التسمية من الشيء. وأما إن اشترى شيئين في صفقة واحدة من رجل أو من رجلين ولم يسم لكل واحد منهما ثمناً معلوماً فاشترط في واحد منهما الخيار فإن هذا لا يجوز الجهالة الثمن، وإن سمى لكل واحد منهما ثمناً معلوماً فجائز والله أعلم. ونفقة الشيء الذي بيع بيع الخيار وكسوته ومداواته على البائع، وكذلك غرم جميع ما أفسد، وإدراك ما فسد فيه على هذا الحال، فإذا صار إلى المشتري رجع عليه بجميع ذلك لأن الشيء باق على ملك البائع ما لم يتم فيه البيع، ومنهم من يقول: يكون جميع ما ذكرناه على الذي
بناء على أنه لا و
أن به يسم لكل
قوله: فإن هذا لا يجوز الخ. يحتمل أن المراد فإن اشتراط الخيار في هذه الصورة في أحد الشيئين وحده لا يجوز، لجهالة ما يخصه من الثمن، وإن كان البيع فيها صحيحا فيكون ماشياً على القول بأنه يجوز بيع أشياء مختلفة بثمن واحد، ويحتمل أن المراد، فإن هذا البيع لا يجوز لجهالة ثمن كل واحد، أشاء مختلفة بثمن واحد، بل لا واحد ما يخصه من الثمن، وأظن أن هذا هو المختار فيما تقدم فليراجع. قوله: عليه، أي رجع البائع على المشتري لأنه قد انكشف أن الشيء رجع، فلذلك تكون غلته ونماه له بعد الرضا بالبيع، وحيث كان ذلك له تكون عليه النفقة وغيرها والله أعلم.
للمشتري
يجوز بيع
قوله: لأن الشيء باق على ملك البائع الخ. هذا علة لقوله: ونفقة الشيء
الذي بيع بيع الخيار وكسوته ومداواته على البائع الخ، لا علة لقوله: رجع عليه لعدم صحة ذلك كما هو ظاهر والله أعلم.
جميع
ذلك
- {YY- (3/477)
صفحة 1905
اشترط، الخيار لأن مشترط الخيار على هذا القول هو الذي صيّر الشيء معلقاً إن كان اشترطه البائع فالشيء باق على ملكه، وإن كان اشترطه المشتري فالشيء معلق إليه والبائع قد طابت نفسه على البيع، وغلة ذلك الشيء ونماه إنما تكون في يد من كان ذلك الشيء في يده، وإن رضي صاحب الخيار منهما فللمشتري الغلة والنماء، وإن دفع صارت الغلة والنماء لصاحبه، وإن تلف ذلك الشيء فهو من مال الذي تلف في يده، إن تلف في يد المشتري فهو ضامن لثمنه إن كان هو الذي اشترط الخيار، لأن البائع قد أخرجه من ملكه، وإن كان البائع هو الذي اشترط الخيار وتلف في يد المشتري فالمشتري ضامن لقيمته، لأن الشيء لم يخرج من ملك البائع بعد، وإن تلف في يد البائع فهو من ماله على كل حال، ومنهم من يقول: هو من مال المشتري ما لم يمنعه إياه البائع، فلعل هؤلاء قد شبهوه
قوله: فهو من مال الذي تلف في يده الخ. هذا ظاهر فيما يغلب عليه كالمنتقلات بخلاف ما لا يغلب عليه كالاصول، والظاهر والله أعلم - أنه يكون بمنزلة المجعول في يد الغير فليحرر.
قوله: فالمشتري ضامن لقيمته الخ. يعني إن كان مقوماً ولمثله إن كان مثلياً لا لثمنه كما ذكر، وإنما ضمنه لأنه أخذه على الشراء لا على أنه يكون أمينا فيه
والله أعلم. قوله: هو من مال المشتري الخ. يعني بعد القبض بالكيل أو الوزن أو
- {YA - (3/478)
صفحة 1906
بالبيع اللازم؛ والله أعلم. وبعض العلماء جعلوه من مال البائع على كل حال، والمشتري فيه أمين لأنه عندهم باق على ملك البائع ما لم يتم البيع بينهما، وإن جعلا ذلك الشيء في يد غيرهما ثم هلك فهو من مال البائع لأنه لم يجعله في يد المشتري، وهذا فيا يوجبه النظر على قول من قال: الشيء باق على ملك البائع ما لم يتم البيع، ومنهم من يقول: إن جعلاه في يد غيرهما ثم هلك فهو بينهما، وهذا على قول من قال: هو من مال الذي تلف في يده منهما، والله أعلم. وإن أحدث فيه صاحب الخيار حدثاً من بيع أو هبة أو صداق أو إجارة أو ما أشبه ذلك من الوجوه التي توجب إخراج الملك فهو له لازم، لأن هذا كله دليل على رضاء المشتري بالبيع إن كان مشترط الخيار، ودليل على انكار البائع ان كان
العد أو المسح فيما شرطه ذلك كما هو معلوم، وإلا فالظاهر أنه على البائع قولاً واحداً والله أعلم. قوله: ما لم يمنعه إياه، يعني وأما إذا منعه إياه كان بمنزلة الرهن فيذهب بما فيه فلا يطالب البائع المشتري في شيء والله أعلم.
قوله: وهذا على قول من قال: هو من مال الذي الخ. ظاهره أنه لم يقل أحد في هذه الصورة أنه من مال المشتري، وإذا كان كذلك فالظاهر ان كونه من مال البائع شامل للقول الاخير كما استنبطه المصنف رحمه الله، وللقول الثاني أيضاً لأن جعله في يد غير المشتري منع له منه فيكون على البائع والله أعلم،
فليحرر.
- {19 - (3/479)
صفحة 1907
هو مشترط الخيار، ومنهم من يقول: انما ينظر في هذا الى تمام المدة، وكذلك أيضاً انتفاع المشتري بذلك يدل على رضاه به ويلزمه به البيع مثل الخدمة والسكنى واللباس وأكل الغلة، وللمسيس والنكاح إن كان الشيء أمة، ومنهم من يقول: لا يلزمه البيع بالاستنفاع به، فإن رده رد كراء ما استنفع، وان أمر من يستنفع بذلك فإنه يلزمه البيع اذا استنفع المأمور على قول من يلزمه البيع بالاستنفاع، وان استنفع بغير أمره فلا يلزمه بذلك سواء رآه أو لم يره، وسواء في هذا عبده أو طفله أو أجيره والله أعلم، وان استنفع به المشتري بالخيار ناسياً أو مجنوناً أو مكرهاً أو حيث لا يعلم فالبيع لازم له في الحكم، لأنه غير مصدق في ذلك والله أعلم. وان اشترى ذلك الشيء لمن ولي أمره من اليتامى والمجانين والغياب فاشترط الخيار، فإنه ان استنفع بذلك الشيء لمن ولي أمره فالبيع لازم له، وان استنفع لنفسه فلا يلزمه البيع، وكذلك ان استنفع
قوله: ومنهم من يقول: لا يلزمه الخ. الظاهر أن هذا مبني على القول بأنه
إنما ينظر إلى تمام المدة قوله: لأنه غير مصدق في ذلك، ظاهره أنه لو صدقه في ذلك أو قامت له بينة على الجنون والاكراه لم يلزمه، ولكن يدفع قيمة ما استنفع لأن الخطأ ونحوه كفعل المجنون لا يزيل الضمان والله أعلم.
قوله: فلا يلزمه البيع، يعني وأما قيمة ما استنفع فهي لازمة له، وكذلك
- {A·- (3/480)
صفحة 1908
به الطفل والمجنون لأنهما لا فعل لهما، وقد رفع القلم عنهما، وأما استنفاع الطفل والمجنون بذلك الشيء بعد البلوغ والإفاقة فإنه يلزمهما البيع اذا كانا عالمين، وأما الغائب فإنه يلزمه البيع باستنفاعه على كل
حال والله أعلم.
الطفل والمجنون يجب لصاحب الشيء قيمة ما استنفع به لأن المرفوع عنهما الإثم دون الضمان والله أعلم.
دم 31 - الإيضاح،
000000
- {A\- (3/481)
صفحة 1909
باب في المشاركة في الربح
وعند بعض العلماء: الشركة بيع من البيوع، وفي الأثر: وقال بعض العلماء: بيع ويجري مجرى البيع في المعرفة والتسليم، فإن هلكت البضاعة قبل أن يسلم المشتري إلى الشريك حصته فهي من مال المشتري، وإن أشركه قبل البيع فالشركة فاسدة، إلا أن يكون أمره أن يشتري
باب في المشاركة في الربح
قوله: المشاركة الخ. قال شيخنا هي هنا كما يؤخذ من كلامه: جعل مشتر قدر الغير بائعه باختياره مما اشتراد لنفسه بما تابه من ثمنه انتهى. أقول: وهذا التعريف إنما هو على القول الأول بأنها بيسع من البيوع، وأما على القول الثاني بأنها في الربح فقط، فيقال في تعريفها جعل مشتر لغيره باختياره جزءاً من ربح ما اشتراه لنفسه من غير ثمن ولا ضمان ولا عمل كما يؤخذ من كلامه بعد والله أعلم. و في قول شيخنا: لغير بائعه، تأمل، فإن هذا التقييد لا يؤخذ من كلام المصنف رحمه الله، فإن الظاهر أنه تجوز مشاركة البائع أيضاً بعد تمام البيع، وما المانع من ذلك فإن المصنف رحمه الله - وإن فرض المسألة في غير البائع - ليس مراده التخصيص بل التصوير والتمثيل، فالشركة حينئذ على القول الأول بمنزلة التولية والإقالة، وإلا أنها خاصة يجزء من الشيء والله أعلم فليحرر.
قوله: فالشركة فاسدة، يعني لنهيه لا عن بيع ما لم تقبض.
- EAT- (3/482)
صفحة 1910
ذلك بينه وبينه فاشتراه له، وقال من قال في رجل اشترى طعاماً وعرف كيله ثم اشتركه فيه رجل فأشركه وقبض منه الثمن ولم يقسما فقسما ثمنه فإنه لا يثبت حتى يقسماه بكيل أو وزن، وقال أبو عبد الله رحمه الله: إذا رأياه وعرفا كيله ثبتت الشركة فيه، وهذا كله يدل منه أن الشركة بيع من البيوع، يبطلها ما يبطل البيع، ويصلحها ما يصلحه، وأحكامها أحكام البيع في كل شيء؛ من الرد بالعيوب والقبض والتسليم وغير ذلك، ولكنها لا تجوز إلا بعد البيع كالتولية والإقالة والمبادلة والنقد والسلم
قوله: فاشتراه له لو قال: فاشتراه كذلك، لكن أظهر في المراد. قوله: فقسما ثمنه، هذا معطوف على فعل مقدر يدل عليه السياق على حد قوله تعالى: أن اضرب بعصاك الحجر فانفجرت)) أي فباع فقسما الخ. قوله: حق يقاسمه، لعل المانع من ذلك نهيه الا من بيع ما لم تقبض بالنظر
إلى الشريك الثاني، وعن بيعتين بكيل واحد بالنظر إلى الأول والله أعلم. قوله: وقال أبو عبد الله الخ. ظاهر كلامه رحمه الله يدل على أنه يجوز بيعتان بكيل واحد إذا عرفه البائع والمشتري حيث كانت الشركة بيعا من البيوع وجاز فيها ذلك، فلعله يحمل نهيها عن بيعتين بكيل واحد على ما إذا لم يعرفاء معا والله أعلم.
قوله: من الرد بالعيوب، يعني على من أشركه.
قوله: كالتولية الخ. الظاهر أن المراد بالكاف التمثيل لما هو بيع فتجوز المشاركة بدليل قوله: وما أشبه ذلك من وجوه البيوع كلها، وأما الإجارات
- {AT- (3/483)
صفحة 1911
و ما أشبه ذلك من وجوه البيع كلها، وأما الإجارة والصداق والدية والعطية للثواب فلا تجوز فيها الشركة ولو عنى بها التجارة والله أعلم. وعن بعض العلماء أن الشركة لا تكون إلا فيما اشتري للتجارة دون ما اشتري للكسب، ولا تكون إلا في الربح خاصة دون الوضيعة، وليس عليه من الوضيعة شيء، وهو بمنزلة المضارب عندهم، غير أن المضارب يعمل بيده والمشارك قد سامحه رب المال في العمل، ومثل ذلك: إن
الخ. والمعنى لا تجوز إلا بعد البيع، وذلك البيع كالتولية والإقالة الخ. وليس المراد تشبيه الشركة بالتولية والإقالة في كونها لا تقع إلا بعد البيع كما أنهما كذلك، لأنه وإن تم في هذين لا يتم فيها بعدهما والله أعلم، فليحرر.
قوله: والسلم، يعني بعد قبضه كما هو معلوم.
قوله: دون الوضيعة، أراد الخسارة، قال في الصحاح: يقال وضع الرجل في تجارته وأوضع على ما لم يسم فاعله فيهما إن خسر الخ. إلا أنه لم يذكر الوضيعة بمعنى الخسارة والله أعلم.
قوله: ولا تكون إلا في الربح، الظاهر أنه يشترط على هذا القول شيئاً من الشروط السابقة من الكيل والوزن وغير ذلك من شروط البيع، لأنها حينئذ ليست ببيع والله أعلم.
قوله: والمشارك قد سامحه رب المال الخ. إنما سامحة لئلا يصير مضاربة
بالعوض.
قوله: ومثل ذلك، لعله ومثال ذلك، لأنه لم يتقدم شيء يجعل هذا مثله بل المراد تمثيل المسألة وتصويرها ثم قوله: إن اشترى، يحتمل أن تكون
- {A{- (3/484)
صفحة 1912
اشترى سلعة للتجارة فقال له آخر: أشركني فيها، فقال له: شاركتك فيها، فإن له النصف من الربح إن لم يقسم له شيئاً، وإن شارك فيها اثنين فلهما النصف جميعاً ولصاحب السلعة النصف، ومنهم من يقول: الربح بينهم أثلاثاً. وكذلك على هذا المعنى إن شارك اثنان واحداً فله النصف ولهما النصف، وقيل: يكون ذلك بينهم أثلاثاً. وإن شارك آخر بعد هذا فله نصف ما في يده وهو ربع الكل، وإن شارك آخر بعد ذلك فله نصف ما في يده وهو ثمن الكل، فعلى هذا القياس كل من شارك فله نصف ما في يده من الربح، ولا يجوز له أن يشارك إلا في ما له خاصة لأنها
شرطية وأن تكون مصدرية.
قوله:: إن لم يسم له له شيئاً، يعني لئلا يلزم الترجيح من غير مرجح. قوله: فعلى هذا القياس، الظاهر أنه بالرفع تقدم خبره في الجار والمجرور والتقدير، فالقياس من على هذا، ثم استأنف مبتدأ وخبر بعد ذلك والله أعلم.
ويحتمل غير ذلك والله أعلم
•
قوله: ولا يجوز له أن يشارك إلا في ما له خاصة، شارك في ما له وما لشريكه، فالظاهر أن هذه المشاركة باطلة على الراجح لأنها عقدة اشتملت على ما يجوز وما لا يجوز، ويجوز على المرجوح أن تصح فيما له وتبطل فيما لغيره والله أعلم فليحرر، ويحتمل أن المراد فيما له، أي فيما اشترى لنفسه دون ما اشترى لغيره من موكل ويتيم ومجنون وغائب، والظاهر هذا الاحتمال وامتناع صورة الشريك من باب أولى، والتعليل بأنها بمنزلة الهبة إنما يتمشى على الاحتمال الثاني، وأما على
- 485 - (3/485)
صفحة 1913
بمنزلة الهبة والله أعلم. ومنهم من يقول: لا تجوز الشركة، ولعل هؤلاء إنما أبطلوها من جهة الغرر لأن الربح فيها مجهول معدوم، ومن جوزها فلا تحتاج عنده إلى القبول كالمضاربة. وما كان من الغلات بعد الشركة ونتاج
هي
الاحتمال الأول فبالنظر إلى غير الموكل، فإن رأى المصلحة في ذلك جاز وإلا فلا والله أعلم. قوله: ومنهم من يقول: لا تجوز الشركة الخ. ظاهر إطلاقه في النقل يقتضي أن الشركة المذكورة في هذا الباب لا تجوز عند بعض العلماء مطلقاً، فيحتمل في هذا ثلاثة أقوال، وظاهر التعليل يقتضي أن الشركة التي لا تجوز عند هؤلاء الشركة التي في الربح خاصة وهو الظاهر، إلا أن قوله من جهة الغرر فيه تأمل، لأن هذا المشارك في الربح لم يدفع شيئاً ير ايرجو فيه ربحاً حق يقال انه غرر، ولولا قوله بعد ذلك: ومن جوزها فلا تحتاج عنده. إلى القبول كالمضاربة، فإنه كالصريح في أن الخلاف في الشركة في الربح الحمل على منع الشركة عند هؤلاء مطلقاً هنا لأنه لما كان في بعض المواضع يشارك ويدفع الثمن مثلا لأجل الربح وهو مجهول معدوم بطلت مطلقاً طرد للباب بناء على العلة التي ذكرها، لكن سياق كلامه يأبى من الحمل عليه، ولأن هذه العلة لا تتأتى إلا إذا كانت الشركة في غير الربح وكانت بيعاً من البيوع، لأنه كثيراً ما يشتري الإنسان للربح ولا يحصل، مع أن ذلك ثابت بالإجماع والله أعلم. والحاصل أن هذه العلة
غير ظاهرة في المنع، ولعله لذلك ترجى ولم يحزم والله أعلم، فليحرر.
قوله: ومن جوزها، أي الشركة في الربح. قوله: فلا يحتاج إلى القبول، بخلاف الشركة في المبيع فإنها بيع من البيوع كما تقدم فلا بد فيها من القبول، لكن إذا تقدم ما يشعر بذلك فإنه يكفي عند
- 486 - (3/486)
صفحة 1914
الحيوان فهو داخل فيما اشتركا فيه لأنه من الربح. وأما ما كان منه قبل الشركة فهو للمشتري خاصة دون الذي شارك. ونفقة ذلك الشيء وكسوته وجميع مصالحه وغرم ما أفسد وإدراك ما أفسد فيه وزكانه فهذا كله على صاحبه الأول، وليس على الداخل منه شيء حتى يبيعه فإذا باعه وكان الربح؛ خرج، وإن بقي شيء تقاسما على ما اتفقا عليه، فهذا كله يدل على أن الشركة عند هؤلاء كالمضاربة وكل ما فعل في ذلك الشيء صاحبه الأول من إخراج الملك مثل البيع والهبة أو الصدقة أو العتق أو التدبير فهو جائز، ويكون ذلك من رأس ماله، فإن كان فيه الربح ضمن للمشارك ما ينوبه فيه. وأما أفعال الداخل من البيع أو الهبة أو الصدقة أو العتق أو التدبير فغير جائز لأنه ليس له في غير الربح شيء، والربح لا يدري
بعضهم قياساً على الشراء فيما إذا قال له: هذا الشيء بكذا وكذا، فقال له: بعتك، فإنه لا يحتاج بعد ذلك لقوله: اشتريت عند بعضهم كما تقدم والله أعلم. قوله: فهو للمشتري خاصة، لعله بالنظر إلى الثمار إذا أبرت أو جرت مجرى المؤبرة، وأما قبل ذلك فهو بينها قياساً على المبيع، وأما بالنظر إلى النتاج، فما كان لولده تأثير في اللين فهو بينهما كالبقرة، وما ليس له ذلك فهو من. كولد الأمة والحمارة قياساً على ما ذكروه فيما يتبع الشيء والله أعلم فليحرر.
خاصة
قوله: فهذا كله على صاحبه الاول، فيه دخول الفاء في خبر المبتدأ على مذهب الأخفش، وإن لم يكن من ألفاظ العموم، والظاهر أن الرابط بين المبتدأ والخير إسم الإشارة.
- {AY- (3/487)
صفحة 1915
هل يصح بعد أم لا، وقد ذكر في الأثر: إن كان ذلك الشيء عبداً وخرج ذا محرم من الذي شاركه فيه أنه قال: يخرج به حراً إذا كان فيه الربح ويضمن قيمته الذي خرج به، وقد قيل فيها أيضاً بأن لا يخرج حراً سواء كان فيه الربح أو لم يكن لأنه ليس له إلا الربح والله أعلم. وكذلك أيضاً على هذا الإختلاف إن كان ذلك الشيء جارية وقد تسر أها المشتري ثم شاركه فيها هل يمضي على مسيسها أم لا؟ فمن جعل الداخل فيها حكماً حرم وطؤها على المشتري بعد الشركة، ومن لم يجعل الداخل فيها حكماً لأنه ليس له إلا الربح أجاز للمشتري مسيسها كان الربح أو لم يكن، وكذلك إن كانت زوجة للداخل على هذا الحال والله أعلم.
قوله: شاركه فيه، المراد بالمشارك هنا الداخل.
قوله: الذي، فاعل يضمن، والباقي به السببية، والمعنى: ويضمن قيمة العبد الداخل الذي خرج العبد بسببه حراً.
قوله: لأنه ليس له إلا الربح، يدل لهذا ظاهر قوله عليه السلام: (من ملك ذا محرم عتق عليه) (1) وهذا في الحقيقة لم يملكه لأنه ليس له فيه التصرف بوجه من الوجوه، ولم يدخل في يده والله أعلم.
قوله: على هذا الحال، يعني فمن جعل للداخل حكماً أبطل ذلك التزويج لأنه لا يطأه بملك اليمين والتزويج، ومن لم يحمل للداخل حكماً أجاز ذلك التزويج، يعني إذا وجد شرطاه والله أعلم. والحاصل أن الأمة المشتركة لا
يطأها أحدهما.
(1) رواه الترمذي وأبو داود والبيهقي.
- {AA- (3/488)
صفحة 1916
باب في بيع المرابحة
والبيع بيعان: بيع مرابحة، وبيع مساومة، فبيع مساومة يجوز في كل شيء، وبيع مرابحة لا يجوز إلا بعد البيع كالتولية والقيلولة و المبادلة والنقد والسلم وما رد بالشفعة، وأما الإجارة والصداق والهبة للثواب فلا يجوز فيها بيع المرابحة، وبيع المرابحة جائز في ماله وغير
باب في بيع المرابحة
قوله: وبيع المرابحة لا يجوز إلا بعد البيع الخ. الظاهر أن شروطه شروط بيع المساومة،. من العلم بحقيقة المبيع والقبض وغير ذلك، وانظر هل له الرد فيه بالعيب، ولو دخل عليه المشتري الأول؟ والظاهر نعم، والأولى للمصنف التنبيه على ذلك كله والله أعلم.
قوله: كالتولية الخ. في الكاف ما تقدم من كونها للتمثيل لا للتشبيه والله أعلم. قوله: والنقد، المراد به ما ليس مؤجلاً سواء كان حاضراً محاضر أم حاضر بشيء في الذمة أو عروضاً بعروض، وليس المراد به خصوص النقد المبوب له ويحتمل أن المراد به المبوب له، وإنما نص على هذه البيوع لئلا يتوهم خروجها، وأما غيرها من البيوع فجواز المرابحة فيها ظاهر، والمراد في النقد والسلم بعد قبضها والله أعلم.
- {A 9 - (3/489)
صفحة 1917
ماله ممن ولي أمره من اليتامى، ويشتري أيضاً لنفسه ولغيره ممن ولي أمره مرابحة. وبيع المرابحة أن يذكر البائع للمشتري الثمن الذي اشترى به السلعة ويشترط عليه ربحاً ما للدنانير والدراهم من خلاف ما اشترى به أو وفاقه، وقد اختلف العلماء فيما يعد من رأس المال الذي يجوز أن يبنى عليه الربح مما لا يعد، قال بعض: لا يعد إلا الثمن الذي اشترى به السلعة فقط، وأما ما انفق على ذلك الشيء من نفقة أو كسوة أو مداواة أو كان ثوباً فخاطه أو صبغه أو قصره أو ما أعطى عليه من الأجرة للطواف أو كرى وصوله أو ما أعطى عليه من الغبانة والغفارة
قوله: للدنانير والدراهم، الظاهر أنه متعلق بقوله: ويشترط، ولعل التقييد بها نظراً إلى الغالب كما هو ظاهر والله أعلم
قوله: من خلاف ما اشترى به أو وفاق كأنه بيان للربح فيؤخذ أن الربح يجوز بالوفاق والخلاف، وأما رأس المال في الظاهر أنه لا يكون إلا موافقاً وإلا كان مساومة لا مرابحة والله أعلم. وكان المناسب التنبيه على هذا فليحرر.
قوله: والغفارة، هكذا فيما رأيناه من النسخ بالغين، وصوابه الخفارة بالخاء المعجمة كما يدل عليه كلام الصحاح حيث قال في باب الراء في فصل الخاء: الخفير، المجير، خفرت الرجل أخفر بالكسر خفراً إذا أجرته فكنت له خفيراً تمنعه إلى أن قال: والإسم الحفرة بالضم، وهي الذمة، يقال: وقت خفرتك، وكذلك
الحفاره بالضم والحفرة بالكسر الخ.
- {9.- (3/490)
صفحة 1918
فلا يحمل ذلك على الثمن إلا ما اشترى به ولكنه يخبر إن شاء بالثمن
أنفقه
وما أنفق عليه فيشتري منه الآخر بما أراد، وقال بعض: كل شيء عن البيع من كراء أو غيره فهو محسوب من ثمنه ويقول: قام علي بكذا
وكذا، وفي الأثر: وقد ذكر في نفقة الرقيق وكسوته وعلف الدواب وما يصلح مداواته وصبغ الثياب وتقصيرها أن يقول: قد قام علي بكذا وكذا، وأما غير ذلك فلا يحمله على متاعه، وقد قيل في الكراء أن يحمله عليه والله أعلم. ومما يجب عليه من يخبر به في بيع المرابحة إن اشترى ذلك الشيء في وقت الغلاء وفي بلد غال فيه ذلك الشيء فأراد أن يبيعه في وقت كساده أو في بلد رخيص فيه ذلك الشيء مرابحة فإنه لا يبيعه حتى يخبر بالوقت الذي اشتراه فيه والبلد، وأما إن اشتراه في وقت كساده أو في بلد رخيص فيه فأراد أن يبيعه في وقت إنفاقه أو في بلد غال فيه ذلك الشيء مرابحة فإنه يخبر بالثمن وليس عليه غير ذلك
قوله: إلا ما اشترى به، الاستثناء منقطع
قوله: وما يجب عليه، الظاهر أنه خبر مقدم لمبتدأ مؤخر محذوف دل عليه السياق، والتقدير مثلا ومن الذي يجب عليه الإخبار به الوقت والبلدان اشترى ذلك الخ. فإنه ليس في سياق كلامه ما يصح الإبتداء به والله أعلم، فليحرر. قوله: فإنه لا يبيعه حتى يخبره الخ. يعني فإن لم يخبره بذلك كان غشاً فيثبت للمشتري الخيار إذا اطلع على ذلك كما هو ظاهر والله أعلم.
-891 - (3/491)
صفحة 1919
لأنه ليس في هذا غش للمشتري والله أعلم. وكذلك أيضاً إن اشترى ذلك الشيء إلى أجل فلا يبعه مرابحة حتى يخبر للمشتري بالأجل، وكذلك إن اشترى ذلك الشيء بالذهب أو بما يكال ويوزن في وقت كساده فأراد أن يبيعه مرابحة وقت إنفاقه فإنه لا يبعه حتى يخبر بذلك والله أعلم. ويجوز له أن يبيع الشيء كله أو بعضه مرابحة مثل التسمية منه فيما لا تمكن فيه القسمة أو البعض بالكيل والوزن فيما يكال ويوزن على قدر ما تابه من الثمن، والأصل في ذلك لا يبيع مرابحة إلا ما تبين ثمنه سواء كله أو بعضه والله أعلم. وما أكل من غلة الشيء الذي أراد أن يبيعه
قوله: في وقت كساده، أي وقت كساد أحد هذه الأشياء.
قوله: " أو البعض، معطوف على قوله الشيء.
قوله: وما أكل من غلة الخ. ينظر هل المراد بأكل الغلة ما جاز مطلقاً وإن كان باقياً عنده وهو المناسب لقوله: ما لم يذهب من عينه شيء، أو المراد به ما أتلف بالفعل، وأما ما كان باقياً فلا بد من الإخبار به وهو المتبادر من ظاهر العبارة والمناسب لما في الأثر والله أعلم. وقد يقال: الإحتمال الأول هو الظاهر وكلام الأثر مقابل كما هو الغالب في عادته والله أعلم فليحرر. وكتب أيضاً رحمه الله على هذه القولة ما نصه: قوله وما أكل من غلة الخ. المراد به ما حدث عنده لا ما حضر وقت البيع كما يدل عليه ظاهر كلام الأثر الآتي ويدل له كلامه السابق في التولية وربما يؤخذ ذلك من قوله ما لم يذهب من عينه شيء فإن الغلة الحاضرة من عين المبيع والله أعلم. (3/492)
صفحة 1920
مرابحة وكراءه وما استخدمه وما أكل من غلة الحيوان مثل زبدها وصوفها ولبنها فإنه يخبر بذلك كله، وإن لم يخبر فلا يكون المشتري بالخيار ما لم يذهب من عينه شيء، وفي الأثر: وكذلك الحيوان إذا نتج عنده فتلف نتاجه من قبل الله أو أتلفه بنفسه فإنه يخبره، وإن لم يخبره بذلك فلا بأس، وعند بعض فيا ذكر في الأثر: إذا كان الشيء جارية فولدت ومات ولدها ولم تنقص هي فله أن يبيعها مرابحة إن كان يريد
قوله: وما أكل من غلة الحيوان، فيه عطف الخاص على.
قوله: إذا انتج عنده الخ. قال شيخنا: مفهومه أنه إذا اشتراه مع نتاجه لا بد من ذكره وهو كذلك إذ هو من المبيع. فله قسط من الثمن ومثله جميع
ما حضر للعقد مما يكون له قسط من الثمن والله أعلم بالصواب انتهى.
قوله: فتلف نتاجه الخ. يعني وأما إذا كان باقياً فلابد من الإخبار على كل حال نقصت قيمة الحيوان أو لم تنقص، وعلى هذا فالفرق بين هذا والذي أنه إن أتلفه بوجه من الوجوه على هذا القول الأول لا يجب عليه الإخبار، و على الثاني لا بد من ذلك حيث أتلفه بنفسه والله أعلم.
بعده
قوله: ولم تنقص هي الخ. قال شيخنا رحمه الله: مفهومه أنها لو نقصت قيمتها وجب البيان، وعند المالكية أنه لا بد من البيان ولو باع ولدها معها قالوا لأن ولادتها عنده عيب والله أعلم. وكذلك عندهم إذا زوجها وإن لم تلد وإن طلقها الزوج وكذا إذا وطئها وكانت بكراً فأزال بكارتها قلت: وقد يتخرج مما ذكروه في العيوب أنه إذا كانت بكراً وأزال بكارتها لا بد من
البيان والله أعلم بالصواب انتهى (3/493)
صفحة 1921
أن يحبس هو ولده أو باعه أو وهبه فلا يبعها مرابحة حتى يبين ذلك للمشتري لأن ذلك منها. وكذلك الشاة في نتاجها، وأما في شرب لبنها وبيع شعرها فإن كان قد أنفق عليها مثل ما أصاب منها، باعها مرابحة وإلا فحتى
،
يخبر المشتري والله أعلم. وإن كان ذلك الشيء صوفاً فعمله أكسية: أو قمحاً أو شعيراً فطحنه دقيقاً أو ما أشبه ذلك من التغيير فإنه يجوز أن يبيعه مرابحة إذا لم يحدث فيه حدثاً ينقصه عن حالته التي كان عليها والله أعلم. ومن باع شيئاً مرابحة فزاد فيه على ما اشترى به من الثمن متعمداً أو غير متعمد فإنه يخبر المشتري بذلك ويكون فيه بالخيار كالمعيب إن شاء رده وإن شاء أمسكه بالثمن الذي باعه له به، وإن لم يعرف
قوله: حتى يبين ذلك الخ. مفهومه أنه لا بد من البيان وإن لم تنقص قيمتها، وظاهره أيضاً أنه إن لم يبين كان مدلاً.
قوله: وكذلك الشاة في نتاجها، يعني فإن مات ولم تنقص جاز من غير إخبار، وإن أمسكه أو أخرجه بوجه من الوجوه، فلا بد من الإخبار على
هذا القول.
قوله: فإن كان قد أنفق عليها مثل ما أصاب منها الخ. هذا التقييد مخالف للكلام السابق، حيث قال: وما أكل من غلة الحيوان الخ. ثم قوله: وإلا فتى يخبره المشتري، ينظر هل للمشتري الخيار إذا لم يخبره بذلك؟ وهو فإن الظاهر أنه جعله مقابلا، أو ليس له ذلك، وهو المناسب لما تقدم والله أعلم،
فليحرر.
المتبادر
- {98 - (3/494)
صفحة 1922
المشتري فلينفق ما زاد على ما اشترى به و ما ناب تلك الزيادة من الربح، وإن خرج ذلك الشيء من يد المشتري فقد ذكر في الأثر: وإذا باع الرجل لرجل ثوباً مرابحة على شيء قد سماه، فباع المشتري الثوب ثم وجد البائع قد حاباه في المرابحة وزاد عليه دراهم، فإن ابن عبد العزيز كان يقول: البيع جائز، لأنه قد باع الثوب، ولو كان الثوب عنده كان له أن يرده و به نأخذ، وكان الربيع يحط عنه تلك المحاباة وحصتها من
قوله: وإن خرج ذلك الشيء الخ. هذا في الحقيقة قسيم لقوله: ويكون
فيه بالخيار الخ. قوله: وقد حاباه، في استعمال المحاباة هنا تأمل، لأن معنى المحاباة في البيع أن يساهل معه حتى كأنه ترك له شيئاً من الثمن، ولولا كلام الربيع بعد المحاباة في الربح على ظاهرها والله أعلم.
لحملت
قوله: كان يقول: البيع جائز، يعني من غير حط، بدليل المقابلة فإن الظاهر أن الربيع رحمه الله يقول أيضاً بجواز البيع، إلا أنه يحط على المشتري تلك المحاباة وحصتها، ثم الظاهر أن الخلاف بينهما إنما هو في الظاهر الحكم فقط، وأما فيما بينه وبين الله، فالظاهر أنه يؤاخذ بذلك قولاً واحداً والله أعلم
فليحرر
قوله: وكان الربيع يحط عنه الخ. الذي يظهر بالتأمل قول الربيع رحمه الله لأن عدم الحط يؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل، إذ فواته لا يبيح له ذلك، وكان ابن عبد العزيز بنى هذا على قاعدته في العيب من أنه لا تأثير له في إسقاط شيء من الثمن، بل إن كان الشيء قائماً خير بين الرد والإمساك، وإن
1890 - (3/495)
صفحة 1923
الربح والله أعلم. وكذلك أيضاً إن قال له: اشتريت بكذا وكذا، وقد زاد على ما اشترى به فباع له بذلك من غير مرابحة، فالمشتري بالخيار وإن لم يعرفه فلينفق ما زاد على ما اشترى به والله أعلم. وأما إن غلط البائع على نفسه فباع مرابحة بأقل مما اشترى به ثم أتى ببينة على ذلك فإنه لا يدرك على المشتري شيئاً لأنه قد كذب بينته، ومنهم من يقول: إذا تبين ذلك فهو بالخيار كالمشتري إن شاء رد شيئه، وإن شاء جوز
فات بوجه من الوجوه غير الموت لم يدرك شيئاً، ولو دلئس البائع ويقال له عبد ابن عبد العزيز رد الشيء كما أخذته، وإلا فلا شيء لك، ووافقه على ذلك الربيع رحمه الله، وإنما خالفه ههنا، لأنه قد فرق بينهما كما هو ظاهر، وإن كانت هذه الزيادة كالعيب على أن المصدر به، فيما تقدم، إدراك الأرش عند فوات الشيء بوجه من الوجوه، فليكن هذا مثله والله أعلم قوله: فالمشتري بالخيار، هذا ظاهر إذا كان الشيء قائماً، فلو خرج من يده
بوجه من الوجوه، فالظاهر جريان الخلاف السابق والله أعلم. قوله: ثم أتى ببينة فإنه لا يدرك الخ. قال شيخنا: يؤخذ منه لو ادعى إنسان على إنسان فكلفه الحاكم البينة، فقال: لا بينة لي، ثم حلف الخصم ثم أقام بينة بعد ذلك لا يلتفت اليها، لأنه كذبها والله أعلم انتهى. لكن الأولى، لأن اليمين عند بعضهم تقطع الحق ولا تقبل له بينة،
ترك قوله ثم. حلف
الخصم
وإن لم يقبل لا بينة لي والله أعلم.
قوله: لأنه قد كذب بينته، قال شيخنا: هذا ليس بظاهر، إذ تكذيب الشيء يقتضي القصد إليه، والصورة أنه يدعي غلطاً، فكيف يقال إنه كذب بينته،
- {97 - (3/496)
صفحة 1924
البيع للمشتري، وإن فات ذلك الشيء من يد المشتري فإنه يدرك عليه البائع ما غلط به على نفسه وما نابه من الربح، وكذلك إن باع بأقل مما اشترى بغير مرابحة غالطاً، الجواب فيها كالجواب في المسألة الأولى، والله أعلم. وإذا اشترى رجل نصف جمل بعشرة دنانير، واشترى رجل آخر النصف الآخر بخمسة دنانير، فأرادا أن يبيعاه فإنه إن باعاه مساومة فالثمن بينهما نصفان، وإن باعاه مرابحة ففيها اختلاف، قال بعضهم: يقسمان الثمن على رؤوس أموالهما، ومنهم من يقول: يقسمان الثمن كما اشتركا في الجمل نصفين، ومنهم من يقول: يقسمان رأس مالهما الأول نصفين، ويقسمان الربح بينهما أثلاثاً، وسبب اختلافهم فيما يوجبه النظر، هل الربح أو الثمن الآخر معتبر ان بالثمن الأول أو بالمثمن؟ والله أعلم.
والظاهر القول الثاني، والله أعلم انتهى
قوله: فإنه يدرك عليه البائع، يعني على القول الثاني، وانظر ما إذا فوته ببيع مرابحة، هل بينة الأول تنفعه بالنسبة إلى من باع هو له أو كيف الحال؟ والظاهر نعم والله أعلم، فليحرر.
قوله: هل الربح أو الثمن الح. اهله والثمن الآخر معتبران، والحاصل أن من يقول: الربح والثمن الآخر يقسمان على رؤوس أموالهما نظر إلى الثمن فقط، و من قال: يقسمان نصفين نظر إلى المثمن فقط، ومن قال: يقسمان نصفين والربح أثلاثاً نظر في الثمن إلى المثمن، وفي الربح إلى الثمن، وهذا التفصيل الأخير لا يستفاد من كلام المصنف رحمه الله صريحاً فليراجع.
- {94 -
ه م 32 – الإيضاح، (3/497)
صفحة 1925
باب في الطوافة
والطواف لا ينادي إلا بما أعطي له، ولا ينادي بما أعطي له قبل ذلك اليوم أو في غير ذلك السوق إلا إن أخبر بذلك، لأن السعر في ذلك
يختلف، ولا ينادي إلا بعطية من يجوز شراؤه، وينادي بعطية الورثة في الشيء الذي جعله الميت للوصية إذا أرادوا شراءه، وهذا إذا كان الشيء في يد الخليفة، وأما إن كان في يد الورثة وأمروا بالمناداة فلا ينادي بعطيتهم لأنهم هم الذين وكلوه على البيع، وفي الأثر: وينادي بعطية الراهن في الرهن حين أراد أن يبيعه المرتهن أو المسلط، وفي نفسي من عطية الراهن شيء لأنه متهم أن يزيد في شيئه لكي يباع على ذلك البيوع فيتخلص في دينه ولأنه بمنزلة الموكل، والمرتهن بمنزلة الوكيل والله أعلم.
باب في الطوافة
قوله: باب في الطوافة، لعله إنما جعله من كتاب البيوع لا من الإجارات، مع أن فيه بذل عناء بمال، من جهة أن الطواف كثيراً ما يكون هو البائع لتلك السلعة التي ينادي عليها، فصار له تصرف فيهما في يده بخلاف الأجير والله أعلم، فليحرر.
- {9^- (3/498)
صفحة 1926
وللطواف أن ينادي بما زاده من استراب ماله أو كان في يده مال حرام، وكذلك صاحب الشيء إن أراد أن يشتريه لمن ولي أمره فإنه ينادي بزيادته لجواز شرائه له ذلك الشيء والله أعلم. فإن أراد الطواف ان يشتري ذلك الشيء فزاد لنفسه فيه فإنه يخبر بذلك، لأنه إن لم يخبر بذلك صار قوله كذباً، لأن المفهوم في المناداة عطية الغير، وكذلك أيضاً إن أراد أن يشتريه لمن
قوله: بما زاده من استراب ماله أو كان يده مال حرام، يتأمل قبول زيادة هذين عند المسلمين، ولعله مبني على القول يجواز البيع، ولو كان الشراء بدنانير حرام، ويضمن لصاحب الدنانير دنانيره كما تقدم، أو محمول على ما إذا بين ذلك، لأن المستراب مثلاً، قد يدفع في الشيء أكثر من قيمته ليرغب الناس في معاملته فهو متهم، فلا بد من البيان والله أعلم، فليحرر
قوله: الجواز شرائه له الخ. يعني فليس بمتهم لأمانته، وهذا مما تولى فيه الشخص الطرفين، وذلك لأن اختلاف الجهة بمنزلة اختلاف الذات، فعلى هذا إذا كان الإنسان وكيلاً على شخص في شراء شيء، وذلك الشيء موجود عنده، وأراد بيعه فأعطاه للطواف، فله أن يزيد فيه حتى يقف فيشتريه من نفسه لموكله كما يشعر بذلك قوله: لمن ولي أمره والله أعلم، وفيه تأمل مع ظاهر قوله عليه السلام: (لا يكون البيع إلا من بائعين (كما تقدم في باب الصرف فليحرر، لكن الظاهر أنه أراد بمن ولي أمره اليتيم والمجنون والغائب، أو يقال إنما جاز ها هنا لأن الطواف هو البائع الآن، فيجوز أن يشتري منه لمن ولي أمره مطلقاً، وهذا مبني على أنه لا تجب الصيغة، وأن دفع البدل يزيل الضمان والله أعلم،
فليحرر
- {99 - (3/499)
صفحة 1927
ولي أمره فإنه يزيد فيه ويخبر بذلك، ولا بأس. ولا ينادي بزيادة الناجش الذي لا يريد الشراء، وكذلك من اتهمه أنه لا يريد الشراء والله أعلم. وإن أعطي للطواف شيء معلوم في الشيء الذي ينادى عليه ثم انكسر فإنه يخبر للذي أراد الشراء بذلك، ويقول له: قد أعطى فيه كذا وكذا ولم تصح تلك العطية، وكذلك صاحب الشيء على هذا الحال. وإن قال رجل لرجل: اشتريت هذا الشيء من السوق أو من فلان أو ناديت به في السوق أو لم يدخل السوق فباعه له على هذا الحال فخرج خلاف ذلك فالمشتري بالخيار لأن هذا كذب وغش بمنزلة العيب، ومنهم من يقول:
لزم المشتري الشراء، والبائع عاص حين كذب على هذا القول، وإن
قوله: ثم انكسر، قال شيخنا: الظاهر أنه استعارة تصريحية تبعية شبه نقصان الثمن وعوده بكسر العود الذي لم يبن عن أصله، لكنه نقص بسبب الكسر في النمو، فأطلق المصدر على المصدر، ثم جرت في الفعل بطريق التبع
والله أعلم. قوله: وكذلك صاحب الشيء على هذا الحال، يعني إن كان هو الذي تولى
مساومة شيئه بنفسه، فإنه يخبر بانكسار ما أعطى فيه وعدم ثبوته. قوله: ومنهم من يقول: لزم المشتري الشراء الخ. قياس كلامه فيما تقدم في المناهي أن هذا هو المذهب، والأول هو المستحب، وحيث قال: وفي الأثر، قال أصحابنا: البيع ثابت والناجش عاص، وواجب أن يكون للمشتري الخيار في البيع إذا لم يعلم بذلك إذا كان الفعل عن مواطأة بين الناجش ورب السلعة الخ.
1801 (3/500)
صفحة 1928
أوقف الطواف السلعة إلى رجل فزاد فيها رجل آخر قبل أن يخبر لصاحبها فإنه يخبر بذلك، فإن أراد أن يجوز البيع للأول فله ذلك لأنه موقوف إليه، وإن أراد أن يجدد البيع للآخر فعل، وإن لم يخبر له بالزيادة حتى جوز البيع للأول فلا يفعل ذلك، فإن فعل فليس عليه شيء لأنه قد باعه أولاً والله أعلم. ولا يعطي الطواف ثمن سلعة رجل لآخر ويعطيه هو ثمن سلعة الآخر، فإن فعل فهو ضامن لكل واحد منهم ثمن سلعته ويردون له ما أعطى لهم، ورخص بعض إذا أخذ كل واحد منهم رأس ماله، ولا يأخذ الطواف من صاحب السلعة التي نادى عليها إلا
قوله: فله ذلك، قد يفهم من هذا أنه إذا زاد فيها الأجر قبل أن يوقف على الأول ليس له بيع الأول، لكن الأصل أن الإنسان يتصرف في ماله كيف يشاء، وربما يدل له قوله: لأنه موقوف إليه، أي أمر البيع موقوف إلى صاحبه فيبيع لمن شاء مطلقاً والله أعلم، فليحرر.
قوله: وإن أراد أن يحدد البيع للآخر، كأنه أراد بتجديد البيع قبول زيادته، لأن البيع لم يقع أصلا، فلو وقع للأول لم يجز تجديده للثاني كما هو معلوم، وقد يقال: أراد بالبيع الأول بيع الطواف من تلقاء نفسه وجعله موقوفاً إلى صاحب الشيء والله أعلم.
قوله: فلا يفعل ذلك، وهو عدم الإخبار لرب المال بالزيادة.
•
قوله: رأس ماله، كأنه أراد من جنس ما بيعت به سلعته، كأن يتحد الثمنان في الذهب أو في الورق أو في المكيل أو في الموزون، فلو اختلفا في
18.11 (3/501)
صفحة 1929
قدر عناه سواء باعبا أو لم يبعها، إلا إن اتفق معه على شيء معلوم فله أخذه قل أو كثر على ما اتفقا عليه، وإن اشترط عليه صاحب السلعة إن لم يبما ألا يعطيه شيئاً فإنه لا يدرك عليه شيئاً إن لم يبعها كما اشترط عليه، ومنهم من يقول عليه قدر عناه ولو اشترط عليه، وهو الذي يوجبه النظر عندي، لأن الطواف لو علم أنها لا تباع لم يناد عليها والله أعلم. وإن نادى عليها الطواف قاعداً ولم ينتقل من مكانه ولم يتعن شيئاً فليس له شيء، ومنهم من يقول: يأخذ أجرته، وذلك فيما يوجبه النظر لأنه قد نادى أو باع والله أعلم، وإن أخذ الطواف سلعة لينادي عليها فأعطاها لغيره أن ينادي عليها بأقل ما أخذها به من الأول أو يقاسمه فإنه يرد ذلك كله الصاحب السلعة لأنه مثل ربح ما لم تضمن في البيوع، ويدرك الطواف
شيء من ذلك لكان ضامناً بالإتفاق والله أعلم، فليحرر
قوله: لأن الطواف لو علم الخ. وأيضاً هذا الشرط، الظاهر أنه باطل، لأنه حرم الحلال وهو العناء، وقد قال: (المؤمنون على شروطهم إلا شرطا أحل حراماً أو حرم حلالاً) (1) اللهم إلا أن يقال، إنه يعد متبرعاً هنا به فليس فيه شرط حرم حلالاً، فيدل ظاهر الحديث على الجواز والله أعلم. قوله: لأنه مثل ربح ما لم تضمن، قال شيخنا ما نصه: وبعبارة أخرى لم يعمل ما يستحق به الأجرة، والثاني هو الذي استعمله، فعليه عناؤه، وهذه
لأنه
(1) تقدم ذكره
16.91 (3/502)
صفحة 1930
الآخر عناءه على الطواف الأول والله أعلم. ومن يجلب المسافرين إلى الطواف أن يبيع لهم ويشتري، فأعطاه الطواف شيئاً فلا بأس أن يأخذه
أوضح من عبارته رحمه الله انتهى. وكتب أيضاً على هذه القولة ما نصه: قوله: لأنه مثل ربح ما لم تضمن في البيوع، ظاهره يقتضي أنه برد لصاحب السلعة ما بقي في يده فقط، وهو المناسب لما سيأتي في الإجارة من أن من استأجر شخصاً الخياطة ثوب بأربعة دراهم، ثم استأجر هو شخصاً آخر بدرهمين فإنه يرد الزيادة فقط، وظاهر قوله: فإنه يرد ذلك كله، وقوله: ويدرك الطواف الآخر عناءه على الطواف الأول يقتضي أنه لا يمسك شيئاً ويعد متبرعاً حيث خالف، فعلى هذا فالفرق بين ما هنا وما سيأتي في الإجارة، أنه ها هنا استئجاره على فعل نفسه، و ما سيأتي استئجاره على خياطة الثوب مطلقاً، وقد حصلت، فإن بقي شيء ردّه إلى صاحب الثوب، لأنه لم يفعل شيئاً يستحق في مقابلته أجراً، فعلى هذا لو استأجره على أن يخيط له هذا الثوب بنفسه فأعطاه لغيره، ألزم يجميع الأجرة لم يفعل بنفسه ويدفع العناء لمن استأجره كما هنا، وعلى المفهوم من كلامه في الإجارات، انه لو استأجره هنا على المناداة مطلقاً، لم يرد لصاحب الشيء إلا الفاضل، لأنه قد دفع له الاجرة على المناداة، وقد حصلت، إلا أن الفاضل يرده لأنه ليس في مقابله عمل والله أعلم، فليحرر. وعند الشافعي أنه الاجرة كلها في خياطة الثوب مثلاً، قال: لأن ما أشغل به ذمته قد حصل، وأما لو زاد من عنده في الأجرة شيئاً فإنه يعد متبرعاً بالإتفاق، وكذا ذكره شيخنا والله أعلم بالصواب.
لأنه
يستحق
قوله: إلى الطواف أن يبيع لهم الخ. الظاهر أن التقييد بالطواف ليس للإحتراز بل للتصوير فقط، فإن الظاهر أن يجوز ذلك أيضا إذا جلب لصاحب
السلعة دائماً أو مشتريا، كما ترشد اليه العلة. و الله اعلم.
18.41 (3/503)
صفحة 1931
(1)
على
منه ولو اشترطه عليه فلا بأس لأنه قد تعنى، وأما إن اتفق مع الطواف فقال له: كل ما أخذت من هؤلاء فإنك تقاسمه معى فلا يجوز ذلك، لأنه قد اشترط عليه أجرة عمله فلا يجوز وأجرة عمله له والله أعلم. ومن يقصد إليه الرفاق فأطعمهم من ماله حتى يقضوا حوائجهم ليبيع لهم ويشتري، فأخذ منهم شيئاً معلوماً، فإنه إن اتفق مع أصحاب السلع ذلك فجائز وإن لم يتفق معهم فلا يجوز، ولكن يدرك عليهم كراء داره وعناءه وما أطعم لهم من ماله، لأنه إنما فعل لهم ذلك لأجل ما يأخذ من أموالهم، ومن كان مع المسافرين وليس معه شيء فلا يأكل مما أطعمهم الطواف إلا بإذن أصحابه لأنه إنما جر ذلك أموالهم، وإن أكل بغير إذنهم فليطلبهم إلى حل ذلك، وإن علم بذلك الطواف فليس عليه شيء إلا إن طلبه إلى ذلك فإنه يغرمه، لأنه لم يطعم ذلك إلا لأجل ما يأخذ،
=
قوله: الرفاق، وهو بكسر الراء، جمع رفيق، لأنه فعيل بمعنى مفعول فيجمع هذا الجمع، وتجمع أيضاً على رفقاء قوله: وإن لم يتفق معهم فلا يجوز، هل المراد إن لم يتفق معهم على قدر ما يمكنون عنده، وعلى عدد ا الأيام التي يطعمهم فيها، وعلى قدر ما يدفعون له في نظير ذلك، لئلا تحصل الجهالة من الجانبين، وإن كان ظاهر كلامه إنما هو الإتفاق معهم على قدر ما يدفعون له فقط، وليس بظاهر لكثرة الجهل، وأما جهل ما يطعمهم في تلك المدة، فلعله يغتفر ذلك بناء على قول من أجاز ذلك فيمن استأجر أجيراً بأجرة معينة، ونفقته وكسوته والله أعلم، فليحرر.
(1) وفي الأصل: السوالع.
18.11 (3/504)
صفحة 1932
فأعطاه
وكذلك أيضاً من حمل سلع غيره إلى السوق ليبيعها فقصد إلى السمسار فأعطاه شيئاً فإنما يطلب صاحب السلع إلى حل ذلك لأنه إنما جر ذلك ماله، وكذلك إذا كان يشتري لغيره من صاحب حانوت شيئاً لكي يشتري منه فإنه يطلب حل ذلك إلى صاحب المال، لأنه إنما جر ذلك ماله والله أعلم. ومن أراد أن يشتري شيئاً مثل الزيت أو الطعام أو ما أشبه ذلك فأراد أن يذوقه فإنه إن عزم على الشراء فلا بأس أن يذوقه إن أذن له صاحبه وإن لم يعزم على الشراء فلا يفعل ذلك، وإن فعل فهو عليه تباعة وإن عزم على الشراء فأذن له أن يأكل ليذوقه فبدا له وترك الشراء أو لم يتفقا فليس عليه تباعة إلا أن يمسك به صاحب المال فيغرم له لأنه لم يأذن له إلا طمعاً أن يشتريه منه والله أعلم. و من كان في يده طعام غيره فأراد أن يبيعه مثل خليفة اليتيم أو المجنون أو غيره فطلب من أراد الشراء منه أن يذوقه فلا يأذن له في مال غيره إلا إن كان من يدل عليه وكان خليفة اليتيم أو المجنون يجعل لهما أكثر من ذلك من ماله أو رأى أن ذلك أصلح لهما فلا بأس، وكذلك أيضاً من أراد أن يشتري ذلك لغيره فلا يذق منه شيئاً ولو أذن له البائع
قوله: يدل عليه، بضم الياء وكسر الدال من أدل في الصحاح أدل، والإسم
الدالة الخ.
18.81 (3/505)
صفحة 1933
إلا إن كان يدل على الذي وكله على الشراء لأنه إنما أذن له البائع لأجل أن يشتري منه ذلك الشيء بمال الموكل وهو الذي جر إليه ذلك، إلا إن طلب في ذلك منفعة لمن يشتري له والله أعلم. ومن قال له صاحب الحانوت: أدخل وكل فأعطاه الطعام فأكله فإنه يغرم له قيمة ما أكل لأنه ربما أطعمه ذلك ليأتيه بمن ينتفع منه ويشتري وهو المعروف في صاحب الحانوت والله أعلم. ومن وكل رجلاً أن يبيع له شيئاً فباعه فأعطاه الثمن فقال له: هكذا بعت فوجد في بيعه انفساخاً فإنه إن كان وكيله أميناً فإنه يصدقه في ذلك ويرد له ذلك الثمن ويدرك عليه قيمة شيئه إن لم يقدر الوكيل على ردّه، وإن كان غير أمين فلا يشتغل به، وإن أخبره
قوله: إلا أن كان يدل على الذي وكله، يعني فإنه يذوق ولا يحتاج إلى طلب الحل من صاحب المال لقوله تعالى: و أو صديقكم كم فلا ينافي ما تقدم فيمن كان يشتري شيئاً لغيره، فأعطاه صاحب الحانوت شيئاً من أنه يطلب الحل من صاحب المال، فإن الظاهر أنه محمول على غير المدل والله أعلم. قوله: فإنه يغرم له قيمة ما أكل، يعني - والله أعلم - إذا لم يبع ويشتر منه،
كما يشعر بذلك كلامه بعد وا والله أعلم.
قوله: هكذا بعت الخ. أي على الصفة الفلانية بعت، فوجد الموكل في في بيع وكيله الذي وصفه له انفساخاً.
قوله: إن لم يقدر الوكيل على رده، يعني على استخلاصه ممن اشتراه منه،
18.71 (3/506)
صفحة 1934
الوكيل بالإنفساخ قبل أن يأخذ منه الثمن فلا يأخذه بعد ذلك أميناً كان الوكيل أو غير أمين، ومنهم من يرخص أن يأخذ منه الثمن ولا يشتغل بقوله، وكذلك إن وكله على الشراء على هذا الحال والله أعلم. ومن باع شيئاً فأراد أن يمنعه المشتري حتى يأخذ منه الثمن ففي الأثر: وقال في رجل اشترى من رجل شيئاً من العروض أو الحيوان وسلم الثمن إلا شيئاً يسيراً من الثمن بقي من قبل أن يقبص ما اشترى من البائع وكان ذلك من قبل البائع أو من قبل المشتري ثم تلف ذلك الشيء في
وإنما لم يضمن بالثمن في هذه الصورة لأن ذلك يقتضي الإعتداد بالبيع المنفسخ
وهو لا يجوز والله أعلم.
قوله: فلا يشتغل به، لأن دفعه الثمن دليل على إتمام الفعل، وصار مدعياً بعد ذلك بخلاف ما إذا لم يدفع له الثمن، فإن الفعل لم يتم بعد والله أعلم
قوله: أن يأخذ منه الثمن، يعني إن كان غير أمين والله أعلم
قوله: إن وكله على الشراء، يعني وهو أنه إن كان أمينا، وأخبره بالصفة التي اشترى بها فوجد في شرائه انفساخا يصدقه، ويأخذ منه دراهمه مثلا، ويترك له الشيء ويتعاطى مع من باعه له الاحكام الشرعية، فإن لم يحده فقد تقدم حكم ذلك، وإن كان غير أمين فإنه لا يشتغل به ويأخذ الشيء والله أعلم. قوله: المشتري، مفعول ثان المنع.
قوله: من قبل، متعلق بسلم، ولعل المراد بعدم القبض عدم نقله بعد أن قبضه بالكيل والوزن أو العد مثلاً، وإن لم يحمل على هذا أشكل والله أعلم.
قوله: وكان ذلك، أي عدم القبض المفهوم من قوله من قبل القبض.
18. Y- (3/507)
صفحة 1935
يد البائع أنه لا يلزم البائع شيء ما سلم إليه من الثمن ولا يلحق البائع المشتري بما بقي من الثمن، وكان ذلك الذي تلف من مال اشتري لأنه قد سلم الثمن وكان ما يبقى من الثمن على المشتري بمنزلة الرهن لما تلف المبيع بطل ما بقي من الثمن. ولو كان الثمن بحاله على المشتري وتلف في يد البائع لكان من مال البائع وبطل الثمن على المشتري والله أعلم.
قوله: بمنزلة الرهن، لعله المرهون فيه، ويحتمل أنه أطلق المصدر وأراد
اسم المفعول.
قوله: وبطل الثمن، وذلك لأن البيع بمنزلة الرهن، والرهن بما فيه والله أعلم.
000000
14.41 (3/508)
صفحة 1936
كتاب الاجارات
والاجارات جائزة بين الناس للخبر الوارد عن النبي أنه قال: (أعطوا الأجير أجرته قبل أن يجف عرقه) (1) وقوله عليه السلام: (ليس لعرق ظالم حق) (2) دليل على أن لعرق من ليس بظالم حق، وما روي) أنه اشترى من جابر بن عبد الله بعيراً واشترط جابر ظهره من مكة إلى المدينة) (3) وما جاز استثناؤه بالشرط جاز استثناؤه بالأجرة، وفي كتاب الله دليل على ما ذكرناه من قوله تعالى: «إني أريد
كتاب الاجارات
قوله: جاز إستثناؤه المراد جاز إستئجاره، ولعله عبر بالاستثناء للمشاكلة أو يقال: الاستثناء معناه الإخراج، ومعنى ذلك هنا أن يقال كأن المؤجر قال: الشيء كله ومنافعه كلها لي إلى كذا مدة، كما يقول البائع مثلاً: الشيء كله ومنافعه كلها لك إلى كذا مدة، أعني أنها كالقائلين لذلك والله أعلم.
(1) متفق عليه.
(2) تقدم ذكره.
(3) تقدم ذكره.
-0.9 - (3/509)
صفحة 1937
(1)
الآية
أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإذا استدللنا على جواز الإجارات بالشرع فلنبدأ بذكر أنواعها، وشروط الصحة والفساد فيها، ثم أحكامها كترتب البيوع، لأن الإجارات شبيهة بالبيوع من جهة ما كانت كلها معاوضة، غير أن البيوع بدل مال بمال، والإجارات بدل عناء بمال و الله أعلم.
و الإجارات على ثلاثة أوجه: جائز، وغير جائز، ومختلف فيه، وأما الإجارات الغير جائزة فهي أجرة كل منفعة كانت في شيء محرم العين،
قوله: جائز وغير جائز الخ. فيه لف ونشر غير مرتب، وسبب ذلك أن الجائز مفهومه وجودي، وغير الجائز مفهومه عدمي، والأعدام إنما تعرف بملكاتها، فلذلك قدم الجائز في اللف، وأما في النشر فإنما قدم غير الجائز لقلة الكلام فيه بالنسبة إلى الجائز، ومن عادة المصنفين أنهم يقدمون الأقل ليتفرغوا للأكثر والله أعلم. قوله: الغير جائزة، فيه اجتماع الـ والإضافة على غير الوجه الجائز، ولذلك قيل: لا خير في تعريف غير، فلو قال: أو غير جائزة، والغير الجائزة على تشبيهها بالوصف لأنه في معنى المغاير لكان أظهر والأمر في ذلك سهل.
(1) القصص: 27.
10111 (3/510)
صفحة 1938
وكذلك كل منفعة كانت محرمة بالشرع مثل أجرة النائحة واللعابة والمغنية والزمارة والكهان والعراف والساحر والكتاف، وكل شيء من الملاهي من دف أو طار أو شطرنج أو ما أشبه ذلك من وجوه الملاهي والمنكرات، وكذلك مهر البغي، وقد روي (أنه نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي
قوله: كانت من شيء محرم العين، يحتمل أن الضمير في كانت عائد إلى الأجرة وهو الأصل لأن المضاف هو المقصود بالحكم، والمضاف إليه إنما يؤتى به للتقييد فيكون المعنى أن الأجرة إذا كانت من شيء محرم العين لا تجوز، كأن يدفع له في نظير خدمة مباحة أجرة من خمر، وأما الأجرة على شيء محرم فقد تجوز بل تجب كأجرة نقل نجاسة مثلا على أن الأجرة على النقل، وهو ليس بمحرم بل قد يجب، ويحتمل أن الضمير في كانت عائد إلى منفعة، والمعنى أن المنفعة إذا كانت من شيء محرم العين لا تجوز الأجرة عليها ولو كانت من حلال، وهذا هو المتبادر بالنظر إلى السياق وكلاهما صحيح والله أعلم بالمراد.
قوله: والكهان والعراف، قد تقدم الكلام على ذلك في صدر الكتاب فليراجع.
قوله: والكتاف، لعل المراد الذي ينظر في الكتف.
قوله: البغي، أصله بغوي على وزن فعول فلذلك لم تلحقه التاء لكن اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء وقلبت الضمة كسرة لتسلم الياء، وقد تقدم الكلام عليه، قال الربيع: البغي، ما تأخذه المرأة على أن يزني بها، والحلوان، الأجرة، والكاهن
مهر
الذي ينظر في الكتف انتهى
1011 - (3/511)
صفحة 1939
و حلو ان الكاهن وكراء الفحل) (1) و (نهى النبي علا عن شبر الجمل) (2) وقال أبو عبيدة: شبر الجمل أخذ الأجرة على ضرابه، وبالجملة كل أجرة عن جميع ما حرم الله لا تجوز، فمن أخذها على ذلك فقد ذكر في الأثر: فليرد ما أخذ وينفق مثله، وكذلك من أعطاها ينفق مثل ما أعطى، وإن رجع إليه ما أعطى بنفسه فلينفقه أيضاً، والله أعلم. وقد ذكر أيضاً في الأثر: والذي أحفظ في الفاجرة والنائحة والمعلم المشترط أنه
قوله: شبر الجمل أخذ الأجرة على ضرابه، في الصحاح: وأعطيت المرأة شيرها، أي حق النكاح، وجاء النهي عن شبر الفحل، وهو كراء الضراب الخ. . . وهو يفتح الشين كما ضبطه. وفي المسند أنه نهى عن عسب الفحل قال: ذكر العسب وأراد به ما يأخذ عليه من الأجرة، والعسب ضراب الفحل، وتفسيره في المسند العسب بضراب العجل هو أحد المعاني الثلاثة وهو يخرج إلى مجاز الحذف أو مجاز المرسل في الحديث كما بينه رحمه الله، وفيه معنيان آخران وهما كراء الفحل وماؤه، قال في الصحاح: والعب يعني بفتح العين وسكون السين، الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل، ونهى عن عسب، أي أكراه، وعسب الفحل أيضاً اضرابه
الفحل يقول: عسب فحله
ويقال الخ.
يحسبه
قوله: والمعلم المشترط، أي معلم العلم، وأما معلم القرآن فسيأتي أن بعضهم
أجاز له ذلك، ويحتمل أن صاحب هذا الأثر يعمم.
(1) تقدم ذكره.
(2) رواه أحمد والنسائي وأبو داود.
10111 (3/512)
صفحة 1940
لا توبة لهم حتى يردوا أجر ما أخذوا ولم يذكر غير هذا، والذي يوجبه النظر عندي: أنه يجب على الآخذ أن يرد ذلك إن علم صاحبه، وإن لم يعلمه فلينفق ذلك على الفقراء، ويجب على المعطى أن ينفق ذلك إذا أخذه و إن لم يأخذه فلينفق مثله على التوبة عوضاً مما فعل في معصية الله، ولا تجوز المحالة بينهما على ذلك لأن ذلك منهما إباحة لما حرم الله، والله أعلم.
قوله: ولم يذكر غير هذا، فظاهر هذا الأثر يقتضي أنه لا يجب الرد إلا على هؤلاء الثلاثة وأنه لا يجب عليهم إنفاق مثل ذلك إذا ردوه لأصحابه، وأنه لا يجب على أصحابه انفاقه إذا رد اليهم ذلك، ولا إنفاق مثله، والحاصل أن الذي يستفاد من كلامه رحمه الله في هذه الاجرة ثلاثة اقوال: أحدها ما يستفاد من الأثر: الأول، وهو أن الآخذ يكلف بالرد وانفاق مثله، وأن المعطي يكلف بإنفاق مثل ذلك وإنفاق شيئه إذا رجع اليه، لكن ينظر على هذا القول هل إذا رجع اليه شيئه أولاً وأنفقه يكلف بإنفاق مثله أيضاً أو لا؟ وظاهر هذا الأثر تعميم هذا الحكم في كل اجرة لا يحل أخذها شرعاً، والثاني ما يستفاد من الأثر الثاني، وهو تخصيص الرد بالثلاثة المذكورة فيه، وظاهره أنه لا يجب عليهم غير الرد ولا يجب عليهم الإنفاق لما تقدم، والثالث ما يستفاد من نظره وهو أن الآخذ لا يجب عليه إلا الرد، وأن المعطي يجب عليه اتفاق ذلك إن رجع إليه وإلا انفق مثله، وظاهره التعميم في كل أجرة لا يحل دفعها شرعاً، ولو دفعها في طاعة الله كأن يدفعها لمن يعلمه العلم، فإن ظاهره يقتضي أنه ينفق مثل ذلك، إن لم يرده له من يعلمه وفيه تأمل، لأنه لم ينفق ذلك في المعصية، ويدل على عدم نفقة مثله قوله آخراً: عوضاً مما فعل في معصية الله، وهذا هو الظاهر والله أعلم.
رحمه الله،
18171
ه م 33 - الإيضاح، (3/513)
صفحة 1941
وكذلك لا تجوز أجرة كل منفعة كانت على الإنسان بالشرع؛ مثل الصلاة والصوم والأذان وتعليم العلم كله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بالحق كله من وصول الشهادات وأخذها، وجميع القضيات وغسل الموتى وتكفينهم ومواراتهم، وبالجملة كل ما يجب على الإنسان لا يجوز له أخذ الأجرة عليه، وفي الأثر: ولا تجوز الأجرة على عمل جميع طاعة
الله فريضة كانت أو نافلة، والدليل على هذا القول ما روي (أنه
قوله: لا تجوز أجرة كل منفعة كانت على الإنسان بالشرع، قال صاحب الذخيرة من المالكية قاعدة: لا يجتمع في الشرع العوضان في باب المعاوضة للشخص الواحد، ولذلك منعنا الأجرة على الصلاة ونحوها، لخصوصها مع عوضها لفاعلها انتهى، وذكر في الديوان: أنه لا يصلى خلف من يأخذ الاجرة فإن صلى فلا إعادة عليه، ولعل هذا مبني على أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإمام، وإلا فالظاهر على هذا أن صلاة الإمام باطلة، ويحتمل أنها غير باطلة ولكنه عاص، ومن صلى خلف من لا ولاية له كمن صلى وحده، وصلاته أيضاً في نفسه صحيحة والله أعلم فليحرر، وفي القناطر ما يدل على جواز الأجرة على وجه صحيح حيث قال: وفي كتاب الغزالي قال: فإن أخذ رزقاً المسجد، وقد وقف على من يقوم بإمامته أو من السلطان أو من آحاد الناس، فلا يحكم بتحريمه ولكنها مكروهة، والكراهة في الفرائض أشد منها في التراويح، وتكون له أجرة على مداومته على حضور المواضيع، ومراقبة مصالح المسجد في إفادة الجماعة لا على نفس الصلاة انتهى
من
قوله: كانت على الإنسان بالشرع الخ. ولذلك يقولون الاكل بالدين حرام.
-018 - (3/514)
صفحة 1942
أمر بعض أصحابه أو بعض عماله أن يتخذوا مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجرا)، ومع ذلك فإن الأذان اختلف العلماء فيه، هل هو فريضة أو نافلة؟ وقد ذكر أبو عبد الله محمد بن بركة في كتابه تجويز أخذ الأجرة للشاهد إذا دعي لأداء الشهادة وهو يخاف على نفسه ضرراً يؤديه إلى تلف
نفسه أو تلف عياله لاشتغاله بأداء الشهادة عن طلب قوته وقوت.
عياله
كان الاشتغال بفرض نفسه أولى، وإن دفع إليه المشهود له عوضاً يقيم به رمقه جاز له ما صار إليه من العوض ووجب عليه أداء الشهادة بعد العوض، ويدل على ما قلنا ما أجمع الناس عليه من وصي اليتيم على حفظ
قوله: إذا دعي لأداء الشهادة، مفهومه أنه إذا دعي ليتحملها أولى يجواز الأخذ عند الضرورة لأن الإدعاء واجب بخلاف المتحمل إن لم يتعين ان كان قوله تعالى ولا يأب الشهداء إذا ما ادعواكم معناه ليقيموا الشهادة، وأما إن كان معناه ليستشهدوا، وقيل لهم شهداء قبل التحمل تنزيلا عما يشارف منزلة الكائن، فلا تجوز أيضاً الاجرة على التحمل لوجوبه على من دعي، وهو المتبادر من كلامه أولاً، حيث قال: من وصول الشهادة وأخذها الخ. لكن كلامه آخراً ظاهره يخالف هذا حيث قال: فإن أقام الشهادة مرة سقط عنه الفرض، وأجاز له أخذ العوض الخ. فإنه يؤخذ منه جواز أخذ الاجرة على
التحمل من باب أولى والله أعلم فليحرر.
قوله: كان الاشتغال، لعله لان الاشتغال
قوله: رمقه، أي بقية الحياة
قوله: ووجب عليه أداء الشهادة بعد العوض، وذلك لان هذا العوض قد
"
19101 (3/515)
صفحة 1943
مال اليتيم، والقيام بحفظ ما تضمنه من حفظ ماله، والقيام بمصالحه وليس له على ذلك عوض معجل، فإن خاف العجز على القيام بذلك لاشتغاله بطلب قوته وقوت عياله، جاز له الأخذ من مال اليتيم لقوته كما قال الله تعالى: «فمن كان غنياً فليستضعف، ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف (1) فإن أدى الشهادة مرة سقط عنه الفرض وجاز له أخذ العوض على إقامتها مرة ثانية، ولسقوط فرضها عنه بالمرة الأولى صار بمنزلة من أكرى نفسه على عمل لا يلزمه فعله مما هو طاعة الله عز وجل، كالحج وتعليم القرآن و عمل يؤدي فعله إلى نفعه و نفع من استأجره وبالله التوفيق. وكذلك أيضاً الأجرة على وجه المراء لا تجوز، ولا يجوز ذلك للمعطي ولا للآخذ مثل ما يتمارى الناس فيما بينهم، من المسابقة بالخيل والإبل والقطع بالسيوف
أسقط عنه فرض الاشتغال بنفسه، ووجب عليه حينئذ أداؤها لعدم المانع منه، وإلا فهي واجبه مطلقاً.
قوله: وجاز له أخذ العوض، ظاهره ولو من غير ضرورة.
قوله: المسابقة، قال شيخنا: المسابقة مفاعلة مشتقة من السبق بسكون الباء وفتحها، فالسكون مصدر سبق، أي تقدم والفتح المال الذي يوضع بين أهل السباق، قال صاحب الذخيرة: وهي مستثناة من ثلاثة قواعد التماري
(1) النساء: 6.
19171 (3/516)
صفحة 1944
و الرمي بالسهام، وأن يرفع رجل حجراً أو عموداً من موضع إلى موضع، وأن يأكل طعاماً معروفاً فلا يجوز أخذ الأجرة على شيء من هذا، لأنه من باب أكل أموال الناس بالباطل والقمار المنهي عنه في الشرع، وكذلك
والتعذيب للحيوان لغير فائدة وحصول العوض والمعوض لشخص واحد على خلاف في هذا، واستثنيت من هذه القواعد مصلحة الجهاد، والقمار بكسر القاف المقامرة وتقامروا لعبوا القمار انتهى.
(2)
قوله: بالخيل والإبل، قال شيخنا: قلت وهي جائزة عند المالكية بالخيل والإبل، وبينهما الخيل من جانب والإبل من جانب آخر، ومقتضى كلامهم عدم جوازها لغير ما ذكر، فلا يدخل الفيل في ذي الخف ولا البغل والحمار في ذي الحافر، لأنها لا يقاتل عليها، وإلا ظهر عند الشافعية الجواز لخبر) لا سبق إلا في خف أو حافر أو فعل) (2) و تجوز في رمي السهم انتهى، قلت: وسيأتي عن جابر رضي الله عنه جواز المسابقة في بعض الصور فينا في جزم رحمه الله بعدم الجواز مطلقاً، اللهم إلا أن يحمل على غير الصور الجائزة أو يجعل كلامه مقابلا لما في الأثر، وان اجتهاده يؤدي إلى عدم الجواز مطلقاً، ولذلك قال آخراً: ولولا ما وجدت هذا في الأثر عن الائمة لما ساغ عندي جوازه والله
أعلم، و، والظاهر أنه لاحظ للنظر مع وجود الاثر فليحرر.
المصنف
قوله: وأن يأكل طعاماً الخ. ينظر هل يغرم قيمته إذا أكله على هذا الوجه لأنه لم يأكله على الوجه الشرعي، وهو الظاهر أو لا يغرم لأنهم أباحوه له، وهو ظاهر التقييد بقوله: فلا يجوز أخذ الاجرة الخ. والله أعلم فليحرر
ر.
(2) رواه ابو داود والدارقطني.
10141 (3/517)
صفحة 1945
فرد الذي يلعبون به، وكذلك إن قال رجل لرجل في أصحاب زوج طعامك هذا. كذا وكذا كيلاً فقال له الآخر: ما زاد على كذا وكذا فهو لك، فقد أعطيته لك، فإذا هو زائد على ما قال له صاحبه: فلا يجوز له أخذ تلك الزيادة، لأنه إنما أعطاه إياه على وجه المراء والمخاطرة والله أعلم،، وقد بلغنا عن النبي عليه السلام: (أنه سابق بين الخيل) (1) ومعنى ذلك فيما وجدته في الأثر، وكان جابر بن زيد يذكر أن النبي عليه السلام قال: (من أدخل فرساً بين فرسين، فإن كان يؤمن أن يسبق فلا خير فيه كالحمار، وإن كان لا يؤمن أن يسبق فلا بأس به) قال جابر: (بلغني عن
قوله: أن يسبق، يحتمل أنه مبني للمفعول، والمعنى إن كان يطمئن القلب ويحصل العلم بأن الغير يسبقه فلا خير فيه، ويحتمل أنه مبني للفاعل، والمعنى أنه إن أيس من سبقه فلا خير فيه الخ. بقي وجه ثالث، وهو ما إذا تيقنا أنه يسبق الفرسين، هل يجوز له ذلك حيث كان دخيلا أو لا يجوز الا عند الشك في السابق؟ وهو المتبادر من ظاهر قوله: لا يؤمن أن يسبق بمعنى أنه: يحتمل ويحتمل، والله أعلم فليحرر. وظاهر كلامه الآتي في التفسير حيث قال: ومعنى الخ. يدل على أن يسبق مبنى للفاعل، وأنه على تقدير (لا) بعد (أن) على حد: يبين الله لكم ان تضلوا) حيث قال قد أمنا أن لا يسبقها فيتحد حينئذ معنى المبني للفاعل، ومعنى المبني للمفعول، لأنها إذا أمنا عدم. سبقه فقد أمنا سبق الغير واطمئن القلب بذلك، وهو معنى المبني للمفعول والله أعلم فليحرر.
(1) رواه مسلم وابو داود والترمذي.
1817 - (3/518)
صفحة 1946
ابن المسيب أنه قال: إن سبق الرجل صاحبه بشيء مسمى على أن سبق لم يكن له شيء، وإن سبقه صاحبه أخذ الرهن فهذا هو الحلال، لأن الرهن إنما هو من أحدهما دون الآخر، وإن جعل كل واحد منهما لصاحبه رهنا أيهما سبق أخذه فهذا هو القمار المنهي عنه، فإن أراد أن يحل لكل واحد منهما رهن صاحبه جعلا معهما فرضاً ثالثاً لرجل سواهما، فيضع الرجلان الأولان رهنين منهما ولا يضع الآخر شيئاً، ثم يرسلون
قوله: أن سبق الخ. أي يجعل أحدهما سبقاً من عنده معيناً على أنه لا يأخذه بالسبق. قوله: لم يكن له شيء، أي على صاحبه، فلا ينافي أن شيئه له لأنه لم يستحقه صاحبه، حيث لم يسبق والله أعلم.
قوله: وإن سبقه الخ. قال شيخنا: وذلك أن حكمة المعاوضة انتفاع كل واحد من المتعاوضين بما بذل له، والمسابق له أجر التسبب إلى الجهاد فلا يأخذ السبق، لما سبق من القاعدة أنه لا يجتمع في الشرع العوضان انتهى
•
قوله: وإن سبقه أخذ الرهن، قال شيخنا. ومثله فيما يظهر إذا أخرجه أحدهما على أن لا يعود منه شيء فإن سبقه غيره أخذه، وإن سبق هو فلمن حضر أو لمن يليه في السبق لا لمخرجه فليتأمل انتهى.
قوله: ولا يضع الآخر شيئاً الخ. قال شيخنا رحمه الله: وذلك لانها مع ذلك الشخص صارا كاثنين، أخرج أحدهما ولم يخرج الآخر، ومشهور مذهب مالك انه لا يجوز، وعلى هذا فإن المخرج عاد له شيئه، وهو جعله وجعل غيره
-019 - (3/519)
صفحة 1947
الأفراس الثلاثة، فإن سبق أحد الأولين أخذ رهنه ورهن صاحبه وكان طيباً له، فإن سبق الدخيل ولم يسبق واحد من هذين أخذ الرهنين جميعاً، وإن سبق هو لم يكن عليه شيء قال: ومعنى قوله إن كان لا يؤمن أن أن يسبق فلا بأس، يقول: إذا كان رائعاً جواداً لا يأمنان أن يسبقهما، فيذهب بالرهنين جميعاً فهذا أطيب لا بأس به، وإن كان بليداً بطيئاً قد أمنا أن لا يسبقهما، فهذا قمار لأنها كأنهما لم يدخلا بينهما شيئاً أو كأنهما
على تقدير سبقه، وهو قد حصل له أجر التسبب إلى الجهاد فلا يأخذ السبق انتهى. قوله: رهنه، أراد بالرهن الجعل قال في الصحاح: والجمل ما جعل للإنسان من شيء على شيء يفعله الخ. ثم الظاهر أن إطلاق الرهن على الجمل مجاز علاقته المشابهة فيكون إستعاره مصرحة أصلية لأن حقيقة الرهن ما جعل ثقة للمال المرتب في الذمة، وله شروط ستأتي لم يطلب شيء منها ها هنا، ولعل وجه الشبه بينها أن كلا من الجمل والرهن ليس مستحقاً في الذمة، بل هو إسم للعين المخرجة من يد صاحبها، والقرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي الإستحالة لعدم دين يكون هذا ثقة له والله أعلم. لكن ربما يؤخذ من كلام الصحاح ما يدل على أن هذا الإطلاق لغوي حيث قال: وأرهنت فلاناً على كذا مراهنة خاطرته الخ. فليحرر.
قوله: رابعاً، لعله من راعني الشيء، أي اعجبني، أو من قولهم: فرس روعاء إذا كانت حديدة الفؤاد، وكل منها مناسب والله أعلم. وفي مختصر الصحاح: وفرس رائع، أي جواد.
- 520 - (3/520)
صفحة 1948
1140 -
انما أدخلا حماراً وما أشبه ذلك مما لا يسبق، فهذا وجه الحديث وهو تفسير جابر بن زيد رحمه الله، قال ضمام: وقيل لجابر بن زيد إن أصحاب رسول الله لا يرون بالدخيل بأساً قال: كانوا أعف من ذلك والله أعلم. ولولا ما وجدت هذا في الأثر عن الأئمة لما ساغ عندي جوازه والله أعلم. وأما الإجارات المختلف فيها مثل الأجرة على تعليم القرآن وكتابة. المصاحف، وقسمة الأرضين، والحساب بين قوم، والرقيا والحجامة، وأجر بيوت مكة، والأرضين والمياه، أما تعليم القرآن فقد اختلف العلماء في جواز الأجرة فيه، ودليل من أجاز الأجرة على تعليم القرآن (تزويجه النبي عل الله المرأة التي وهبت له نفسها لرجل قال: يا رسول الله زوجينها إن لم تكن لك بها حاجة، حين أطال رسول الله السكوت على المرأة، فقال النبي الله: أعند كل شيء تصدقها؟ فقال: ما عندي غير إزاري إن دفعته اليها بقيت عريانا، فقال له النبي عليه السلام: هل عندك شيء من القرآن؟ فقال: نعم معي سورة كذا وسورة كذا لسور سماها، فقال له النبي عليه السلام: زوجتها لك على ما معك من القرآن)) فهذا يدل على أن لتعليمه إياها تلك السور عوض يستحقه، وذلك العوض يكون صداقا لها عليه، وعند الآخرين الأجرة على تعليم القرآن من
(1) متفق عليه. (3/521)
صفحة 1949
وجوه الشخت، وقد ذكر في الأثر: أن محمد بن محبوب قال: لو أهدى إليه من مال اليتيم على تعليم القرآن فلا بأس عليه ما لم يشترط، وأنا أقول:: ان علمهم الخط، واشترط على تعليم الخط أجراً فلا بأس لأن الخط صنعة، ومن أخذها على تعليم الصنعة مثل الخياطة والحياكه وما أشبه ذلك، فلا بأس لأنها من المباحات، والاحوط عندي أن يستأجره على حرز أطفالهم وتبرية الأقلام لهم وتسطير ألواحهم لأن هذا عمل، وأما تعليم الخط فعند بعض العلماء أنه لا يجوز الكراء على تعليم الصناعة مثل الخراز والصائغ والنجار والحياك والخياط وما أشبه ذلك، إلا إن كري رجل منهم شيئاً من أداة أعمالهم من أشفى أو إبرة وما أشبه ذلك، ليستعملها أو يتعلم أياماً معلومة فلا بأس؛ لأن الأداة مما ينتقص، وأما الأجرة على التعليم هكذا فلا يجوز، وما عمله المتعلم بتلك الأداة فهو له دون ربها، ولو كان شرطهما على ذلك لأنه قد أكراها من عنده فله ما
قوله: وأنا أقول الخ. الظاهر أن هذا من كلام صاحب الأثر، وأما مختار الشيخ فسيأتي والله أعلم. قوله: والأحوط عندي، الظاهر أن هذا هو مختار المصنف رحمه الله. قوله: من أشفى في الصحاح والأشفى، يعنى بالكسر و القصر الذي للأساكفة
والمراد بهم
الخرازون باصطلاحنا.
- 522 - (3/522)
صفحة 1950
جاء من قبلها وكيف وهو عامل بيده، وأما ما يأخذ المعلم على الختمة وولادة الصبي وقدوم المسافرين، فلا يجوز لأنه إنما يخرج من أهله بالمداراة والله أعلم. وأما كتابة المصاحف فإنما منع الأجرة عليها من منعها لأن ذلك سبب من أسباب القرآن وهو كالتعليم، ومن أجاز الأجرة على نسخ المصاحف فذلك عنده كالصنع، وإنما يأخذ على عمله أجراً و استعمالهم له واستعماله لذلك ولا يقصد إلى أجر على سبب من أسباب القرآن والله أعلم. وأما الأجرة على قسمة الأرضين والحساب بين قوم، فلعل ذلك عند من كرهه بمنزلة التعليم، وفي الأثر: ومن غيره قال: وقد أجاز من أجاز من المسلمين أجرة القسام وأخذ الأجرة على الحساب، لأن ذلك عمل وليس من التعليم، ولا يأخذ الأجرة على التعليم، وقد قال: إن تعليم الفرائض لا يجوز الأخذ عليها، وأما حسابها فقد أجاز ذلك أن يأخذ على حسابه أجراً والله أعلم. وأما الاجرة على الرقيا. فإنما كرهه لئلا
قوله: أن يأخذ، الظاهر أنه بدل من إسم الإشارة.
قوله: وأما الأجرة على الرقيا، ذكر الشيخ إسماعيل رحمه الله في كتاب القناطر ما يدل على جوازها حيث قال: وروي) أن نفراً من أصحاب النبي مروا بماء فيه لديغ أو سليم، فقال رجل من أهل الماء: هل فيكم من راق فانطلق رجل منهم فجعل يقرأ بفاتحة الكتاب، ويجمع بصاقه ويتفل به فيراً
- 523 - (3/523)
صفحة 1951
يأخذ الأجر على ما في كتاب الله وأسمائه، وفي الأثر: ويكره أن يأخذ الراقي جعلاً إذا كان يرقى من كتاب الله تعالى وأسمائه، وإن كان اشترط أجر عناه فلا بأس به، وأما كراء الحجام فروي أنه نهى عنه وقيل إن بعض الصحابة اشترى خادماً حجاماً فكسر محاجه وقال: (نهى النبي عن ثمن الدم. وعند بعض أنه لا بأس بكراء الحجام، لما روي عنهم أنه احتجم وأعطى الحجام أجرته وقيل: إن مقاطعة الحجام من السحت ولا تجوز مقاطعته، ولكن إذا فرغ من عمله كان له أجر عناه إن اختلفا، وإن لم يختلفا فما رضي به جاز ذلك بلا مقاطعة، وعند بعض أن كراء الحجام خسيس وليس بمحرم، ويتجافى عنه أهل الورع ويتركونه من غير تحريم، وقد روي أنه قال: (كراء الجحام خبيث) (1) وأما كراء بيوت مكة فهو من السحت عند بعضهم، وفي الأثر: وإن أخذ شيئاً من أجرة بيوت مكة على أنه أجر الخشب والبناء الذي هو له فأرجوا ألا يلزمه رده وكرهه أيضاً من كرهه، وفي الحديث
فأتوا بالشاء فقالوا: لا نأخذها حتى نسأل رسول الله، فسألوه: فضحك فقال: وما أدراك أنها رقية: أصبتم خذوها واضربوا لي بسهم، إن أحق ما أخذتم
عليه أجراً كتاب الله عز وجل.
(1) متفق عليه.
- 524 - (3/524)
صفحة 1952
(2)
(مكة مباحة لا تؤاجر بيوتها ولا تباع رباعها) (2) وأما كراء الأرضين والمياه فقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال: قال بعض: لا تجوز المزارعة إلا بجزء مما يخرج منها، وقال آخرون: لا تجوز إلا بأجر من ذهب أو فضة وقال آخرون: لا تجوز، فحجة من لم يجوز المزارعة إلا بجزء منها ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى عامله من نجران في مزارعة مال المسلمين: من دفع البذر فله النصف، ومن لم
قوله: والمياه، فيه أنه ترجم للمياه ولم يتكلم عليها، اللهم إلا أن يقال أراد بها المياه التي تتبع الأرض ويزرع عليها، ولذلك لم يتكلم عليها بخصوصها، لكن ينظر ما حكم الماء وحده إذا أراد السقي منه في أرضه، ولعله بمنزلة البيع
والله أعلم. قوله: على ثلاثة أقوال الخ. لعل هذه الأقوال عند أصحابنا وإلا فمذهب و جمهور أصحابه، أنه لا. يجوز كراء الأرض بالطعام مطلقاً انبتته أم لا،
مالك
ويجوز بغيره من العروض والحيوان والذهب والفضة.
قوله: في مزارعة مال المسلمين، قال شيخنا رحمه الله: يتأمل الإستدلال بقضية عمر رضي الله عنه انتهى. وأقول الاستدلال في قوله: من دفع البذر فله النصف الخ. والمعنى أن صاحب الأرض إذا دفع البذر من عنده لمن يحرثها ويجمع زرعها مثلا، كان المتحصل بينها نصفين، وإن لم يدفع البذر فله الثلث فقط، فظاهر هذا الأثر عن عمر رضي الله عنه أن الأرض لا تزرع إلا كذلك،
(2) رواه مسلم والترمذي أبو داود.
- 525 - (3/525)
صفحة 1953
يدفع البذر فله الثلث، وما روي أنه لا دفع إلي يهود خيبر وعاملهم عليها على النصف من ثمارها) ولعل أيضاً من أجاز مزارعة الارض مما يخرج منها قاس ذلك بالمضاربة والمساقاة في النخل، لأن ذلك متفق عليه وعوضه مجهول وأما حجة من لم يجوز ذلك إلا بالذهب والفضة ما روي ل الله قال: (الزراع ثلاثة، بملك أو بمنحة أو بأجر من ذهب أو
لكن قوله: في مزارعة مال المسلمين فيه خفاء، فإن المتبادر منه مزارعة أرض بيت مال المسلمين فلا يناسب ظاهر ما بعده، ويحتمل أن المراد بما بعده أن من زرع أرض بيت مال المسلمين ببذر من عنده، فله النصف، ومن زرعها ببذر من بيت مال المسلمين مثلاً، فله الثلث لكن لا يناسبه دفع البذر وعدم دفعه، و لعل لهذا أمر شيخنا بالتأمل والله أعلم، فليحرر
قوله: دفع إلى يهود خيبر وعاملهم عليها، لعل في النسخة سقطأ والأصل مثلا، دفع إلى يهود خيبر أرضاً أو نخلاً أو اشجاراً أو نحو ذلك فلـ، فليراجع، ولعل النسخة إلى يهود خيبر خبيراً فأسقط التاسخ ظنا منه أنه تكرار
والله أعلم.
قوله: قاس ذلك بالمضاربة، قال شيخنا رحمه الله: يتأمل هذا القياس، لأن يكون حكم الأصل ثابتاً على خلاف القياس، والشرط هنا مفقود حرره انتهى.
قوله: ما روي، لعله فما روي لأن مثل هذا لا تحذف فيه الفاء، لأنها إنما
تحذف قياساً مع القول كقوله: (فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم)
قوله: أو بمنحة، المنحة العارية.
(3) سورة آل عمران: 106.
(3)
- 526 - (3/526)
صفحة 1954
فضة)) وأهل هذا الرأي لا تجوز عندهم إلا بما ذكرنا من الذهب والفضة لأن الجزء مجهول، فقال بعض: جائز بالحب كما يجوز بالدراهم وحجة من لم ير المزارعة بحال ما روي أنه ما قال: (من كانت له أرض فليزرعها أو يمنحها أخاه (2)، فلهذا قالوا: لا تجوز بأجر ولا بجزء، وما روي (أنه لا نهى عن المحاقلة (3)، وهي المزارعة، وما روي
قوله: وقال بعض جائز بالحب الخ. هذا خارج عن الاقوال الثلاثة المتقدمة انشد الزهري في مدح المزارعة:
أقول العد الله يوم لقيته وقد شد أحلاس المطي مشرقاً تتبع خبايا الأرض وادع مليكها لملك يوماً أن تجاب فترزقا قوله: وهى المزارعة، يعني يجزء مما يخرج منها، وفيها تفاسير وهذا هو المشهور منها، قال في الفتح: قال أبو عبيد: هو بيع الطعام في سنبله بالبر مأخوذ من الحقل، وقال الليث: الحقل الزرع إذا تشعب من قبل أن يغلظ سوقه، والمنهي عنه بيع الزرع قبل إدراكه، وقيل بيع ما في رؤوس النخل بالتمر، وعند مالك: هي كراء الارض بالحنطة أو بكيل طعام أو إدام، والمشهور أن المحاقلة كراء الارض ببعض ما تنبت، وفسرها في الصحاح: ببيع الزرع وهو في سنبله بالبر، وعند المصنف فيما تقدم، أن يبيع الرجل سنبل زرعه بحب كيله إلى أجل الخ. لكن في التقييد بقوله إلى أجل تأمل.
معلوم
(1) رواه ابن ماجه (2) رواه أحمد ومسلم.
(3) متفق عليه
- OTY- (3/527)
صفحة 1955
عن عمر أنه قال: كنا نخابر ولم نر به بأساً حتى بلغنا أن رسول الله
نهى عنها فتركناها، وما روي (أنه نهى عن كراء الأرض ((2) والله أعلم. وإن حرث رجل أرض رجل بغير إذنه فجائز له أخذ نقصانها لأن ذلك لم يرد فيه النهي، وكذلك إن أخذ رجل فحلاً بغير إذن مولاه فضرب به فجائز أخذ نقصه، وكذلك لو أن امرأة غلبت على نفسها فجائز لها أخذ مهرها، وكذلك الأمة إذا وطئت بإذنها أو بغير إذنها فجائز لربها اخذ مهرها والله اعلم. ومن هذا الباب اخذ الأجرة على الختانة والقبالة لأن ذلك واجب، وقد رخص فيما يعطى للقابلة وللختان من غير شرط، وكذلك الباكية إن أعطى لها شيئاً من غير شرط فلا
قوله: أخذ مهرها، المراد بالمهر هنادية الفرج المعبر عنه بالمقر لان المهر الحقيقي هو الذي يكون بالنكاح، وحاصله أن العقر في الحرة إن كانت بكراً بالغاً، وغلبت فافتضها فله عشر ديتها، وإن كانت ثيباً كذلك فلها نصف عشر ديتها، وإن كانتا غير بالغتين أو غير عاقلتين، فلهما ذلك وإن كان بالمطاوعة، وأما الأمة فإن كانت بكراً فاقتضها فلسيدها عشر ثمنها، وإن كانت ثيباً فله نصف عشر ثمنها، ولا فرق في الامة بين البالغة وغيرها ولا بين
المطاوعة وغيرها كما قال المصنف.
رحمه الله والله أعلم.
قوله: الختانه والقبالة، يعني بالكسر فيها.
أن
قوله: وكذلك الباكية الخ. يعني إذا لم تصح فلا ينافي ما تقدم من النائحة من لا توبة لها حتى ترد ما اخذت، وذلك إنما نقدره مأخوذ من البكا
- 528 - (3/528)
صفحة 1956
بأس، لأن البكاء مباح، وقد بكى رسول الله عن ولده إبراهيم، وأما إن اشترط على البكاء أجراً فلا يجوز وعليه الرد، لأن البكاء لا قيمة له، وذلك لأن الأجرة إنما تصح على المنافع التي لها قيمة على انفرادها، وأما ما لا قيمة له فلا، ومن هذا المعنى كراء المكيال والميزان فيما يوجبه النظر لأنهم يقولون في كراتهم من وجوه السحت إلا أن يعمل صاحبه بيده فليأخذ الأجرة على عمله بيده، ومنهم من يقول بالرخصة في كرائهما، ويقولون: هو مما ينقصه العمل والله أعلم. وذلك أيضاً وجه من العلم والله أعلم. ولا يجوز أخذ الأجرة على تعليم العلم، ومن ذلك أيضاً الأجرة على السير، إن استأجر قوم رجلاً أن يبلغ لهم خبراً في بلد معروفة أو يدلهم على الطريق إلى بلد معروفة، فبعض جوز ذلك، وبعض لم يجوز حتى يحمله شيئاً من أموالهم كتاباً أو غيره فيبلغه إلى ذلك البلد والله أعلم. وأما الإجارات الجائزة فمن شرط جوازها أن تكون الأجرة
بالقصر قال في الصحاح: البكا يعد ويقصر فإذا مددت أردت الصورة، وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها الخ.
قوله: لأن البكا، يعني بالقصر كما تقدم لأن هذا هو المباح. قوله: على تعليم العلم، ظاهره ولو كان غير التوحيد والفرائض فهو الظاهر والله أعلم.
- 529 -
«م 34 ـ الإيضاح، (3/529)
صفحة 1957
مما يجوز بيعه والمنفعة التي تكون مقابلة الأجرة من جنس ما لم ينه عنه الشرع، مثل إجارة الدور والدواب والناس على الأفعال المباحة، وكذلك جميع الأداة التي يحتاج الناس إليها في العمل مما ينقصه العمل؛ من الثياب والبسط والسلاح و مما يحتاج الناس إليه من آلة البيوت وأداة أهل الصناعة من رحى أو سرير أو باب أو محراث أو فأس أو معول أو طست أو جفنة أو ما أشبه ذلك مما لم نذكره، وبالجملة إن من شرط الإجارات الجائزة أن يكون الثمن معلوماً والمنفعة معلومة القدر، وذلك
النهي
قوله: من جنس ما لم ينه عنه الشرع، ينظر هل المراد به ما لم يتعلق به أصلا فتمتنع الأجرة على المكروه أيضا، أو المراد ما لم ينه عنه نهي التحريم فتجوز على المكروه؟ وهو الظاهر، بدليل أنه جعل الإجارة الجائزة في مقابلة الممتنعة، لكن الظاهر أنها مكروهة والله أعلم فليحرر. قوله: في العمل، أي في الاستعمال كما يظهر من التمثيل بعد قوله: أو معول، قال في الصحاح: والمعول، يعني بالكسر الفأس العظيمة
التي تنقربها الصخر والجمع المعاول
قوله: أو جفنة، الجفنة كالقصعة، صحاح.
قوله: وبالجملة إن من شرط الإجارات الخ. أي عبرنا بعبارة مجملة وتركنا التفصيل، لكن الظاهر أنه لو قال مثلاً: ومن شرط الإجارات الجائزة أيضاً أن يكون الثمن معلوماً الخ. لكان أظهر، لأن هذا الكلام في الحقيقة مخالف للكلام الذي قبله كما هر ظاهر وقوله: وبالجملة، في العادة يشعر بأن الكلام في
- 530 - (3/530)
صفحة 1958
إما بغايتها مثل: خياطة هذا الثوب وعمل الباب، وحصاد هذا الزرع وحرث هذه الأرض وحفر جب طوله كذا وكذا ذراعاً في عرض كذا وكذا ذراعاً وما أشبه هذا، وإما بضرب من الأجل إذا لم تكن لها غاية مثل خدمة الأجير وسكن الدور والحوانيت ورعاية الدواب والأموال وما أشبه ذلك من المنافع المتصلة الوجود، وإما بالمكان إذا كان مشياً مثل كراء الدواب و السفن و بني آدم لنقل شيء من موضع معروف إلى موضع معروف، وإن استأجره أن ينقل شيئاً إلى إقليم كذا وكذا مثل إفريقية أو طرابلس أو برقة أو ما أشبه ذلك من الأقاليم فلا يجوز، لأنه مجهول والله أعلم. ومن شرط الأجل إذا ضرباه في الإجارات التي لم تكن لها غاية أن يكون محدوداً مثل اليوم واليومين والثلاثة الايام وما أشبه ذلك من الأيام والشهر والشهرين والثلاثة الاشهر أو ما أشبه ذلك من الشهور والسنة والسنتين والثلاثة سنين وما أشبه ذلك من السنين، ولا تجوز إلى أجل لا يبلغه ذلك الشيء الذي تكون منه المنفعة مثل: إن أكرى له هذا العبد يخدمه عشرة آلاف سنة وما أشبه هذا لأن هذا غرر لا يجوز، وإن استأجره بالشهور ثم دخل في عمله من أول الشهر فعمل حتى استهل الشهر الذي يليه فقد قضى ما عليه سواء كان الشهر ثلاثين أو تسعاً وعشرين
شيء واحد والله أعلم.
- or- (3/531)
صفحة 1959
ليلة، وأما إن لم يدخل من أول الشهر فإنما عليه أن يوفي الثلاثين يوماً كاملة، وكذلك في الأيمان والنذور والعدد على هذا الحال، وإن استأجره بالايام فدخل عمله قبل طلوع الشمس فإنه يحسب يومه ذلك من عدد أيامه ومن شهره ومن سنته إن اتفقا بالشهور والسنين، وإن دخل بعد طلوع الشمس فإنه يحسب من الغد، ولا يعتد بذلك اليوم، وكذلك سائر العدد، وقد ذكرنا هذا في غير هذا الموضع بما يكفي وهو المستعان، و على الأجير نصح عمله بالنهار دون الليل بما أطاق بقدر قوته لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، والنهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وله أن
قوله: في الأيمان، وكذلك في كفارة الظهار والقتل وقضاء رمضان
والله أعلم. قوله: فإنه يحسب من الغد، الفعل مبني للفاعل، أي يبدأ في الحساب من الغد أو الفعل، وانظر هل يستحق أجرة عمله في ذلك اليوم؟ وهو الظاهر ويكون معنى قوله ولا يعتد بذلك اليوم أنه لا يحسب من المدة، وإن كان يأخذ أجرة عمله فيه أو لا يستحق بل يعد متبرعاً، حيث لم يبدأ في الوقت المعتبر شرعاً والله أعلم. ولمل عدم الإعتداد بذلك، إذا لم يكن عرف يقتضيه والله أعلم فليحرر.
قوله: في غير هذا الموضع، يعني في باب الحيض.
قوله: والنهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، هذا في الشرع، والظاهر أنه إنما يفعل به في مثل هذا إذا لم يكن العرف يقتضي خلاف ذلك والله أعلم.
- orr- (3/532)
صفحة 1960
،
ينام في وقت النوم ولا يُصَلِّ نافلة ولا يضم نافلة إلا بإذنه، لأن ذلك مما يضعفه عن عمله في ذلك الاجل، ولا يحتاج إلى ذلك في الفريضة من الصلاة والصوم، لأن ذلك مستثنى من الأجل بالعرف والعادة، ورخص بعض العلماء في الركعتين المتين قبل صلاة الفجر والركعتين اللتين بعد صلاة المغرب وصلاة الميت أن يصليهن بغير إذنه، وكذلك العبد والزوجة على ما ذكرناه في الأجير والله أعلم. والأجل إذا كان محدوداً فهو جائز كما ذكرنا، سواء كان مطلقاً أو مقيداً، والمطلق مثل إن استأجره أن يرعى له غنمه هذه سنة بكذا وكذا، ولم يبينوا تلك السنة فهو جائز، ويدرك عليه أن يوفيه بالعمل فمتى ما استوفى منه العمل فقد أخذ حقه
قوله: بالعرف والعادة، يحتمل أن يعطف العادة على العرف من عطف المرادف أو التفسير، ويحتمل أنه من عطف المغاير وهو الأصل، وأن المراد بالعرف العرف الخاص، وهو عرف الشرع، فيفيد أن الفرائض مستثناة بالشرع والعادة، وهو أولى من الاقتصار على العادة والله أعلم.
قوله: ورخص بعض العلماء الخ. يؤخذ من كلامه رحمه الله إطلاق النافلة
على السنة
قوله: والركعتين اللتين بعد صلاة المغرب، لعله إذا استأجره بالليل
والله أعلم.
قوله: ويدرك عليه أن يوفيه بالعمل، أي سواء نقد الأجرة أم لا، وهذا مبني على أن عقد الأجرة لازم كالبيع، ويجبر كل واحد منهما على إتمام ما رجع
- ort- (3/533)
صفحة 1961
ويكون بمنزلة البيع في الذمة، وإن قال له: استأجرتك لرعاية غنمي كل شهر بدرهم فهو جائز بمنزلة من قال لرجل: بعت لك من هذه العرمة كل ويبة بدرهم والله أعلم. والتقييد في الأجل أن يحددوا أوله عقيب العقد أو في زمان متراخ عن العقد مثل إن استأجره لرعاية غنمه هذا الشهر بكذا وكذا أو شهر كذا وكذا بكذا وكذا والله أعلم. وإن ضربا بينهما أجلاً مجهولاً فهو غير جائز ويرجع إلى كراء مثله، مثل إن استأجره إلى الحرث أو إلى الحصاد أو الجذاذ أو ما أشبه ذلك من الآجال المجهولة والله أعلم. وإجارة المشاع غير جائزة فيما يوجبه النظر لتعذر الإنتفاع به مع الإشاعة مثل إن استأجره نصف هذه الدار أو هذه
إليه وسيأتي قول آخر والله أعلم.
قوله: بمنزلة من قال لرجل يمت لك الخ. فإنه جائز إلا أنه لا يلزم إلا بالكيل على الراجح كما تقدم، ويحتمل أن مراده أن هذه الإجارة لازمة كما يجوز البيع، ويلزم في الصورة المذكورة عند بعضهم، وإن كان مرجوحاً
والله أعلم. قوله: مثل إن استأجره الخ. فيه نشر مرتب على اللف كما هو ظاهر. قوله: المشاع، لعله الشائع.
قوله: لتعذر الإنتفاع مع الاشاعة، وأما لو أتفق مع شريكه على أن ينتفع كل واحد منها بالشيء المشترك مدة معلومة، فالظاهر أنه جائز والله أعلم.
- 534 - (3/534)
صفحة 1962
الدابة وقد اشتركها مع آخر أن يحمل عليها شيئاً معلوماً إلى بلد معلوم والله أعلم. والعناء أيضاً من شرطه أن يكون معلوماً كما ذكرنا في العمل كالثمن والمثمن في البيوع، وقد ذكرنا صفة الثمن في البيوع فلا معنى لإعادته ها هنا، وإن كان العناء مجهولاً فهو إجارة فاسدة يرد بها العامل إلى كراء مثله، وكذلك إن كان بعضه معلوماً وبعضه مجهولاً فهي إجارة فاسدة مثل إن استأجره ليرعى غنمه هذه السنة بعشرة دراهم ونفقته
وكأن المنع قاله رحمه الله بحثاً من عنده، والظاهر أنه يصح في بعض الصور خصوصاً في الدار المشتملة على بيوت، و كأن يتفق المستأجر مع الشريك الآخر على الانتفاع سوية، ويرشد إلى ذلك قوله: لتعذر الانتفاع، فإنه يشعر بأنه إذا تأتى ذلك لم يمتنع والله أعلم قوله: مثل ان استأجره، لعله مثل ان أجره كما هو ظاهر، ويدل له أيضاً واجارة المشاع. قوله: والعناء أيضاً من شروطه هنا الأجرة، كما يدل عليه تمثيله بعد، وبالعمل المنفعة فالعناء وهو الأجرة بمنزلة الثمن، والعمل وهو المنفعة بمنزلة المثمن كما هو ظاهر، وإن كان فيما تقدم استعمل العناء في العمل، حيث قال في الأجرة إنها بدل عناء بمال، وكتب أيضاً رحمه الله على هذه القولة ما نصه قوله: والعناء الخ. لعله إنما أعاده مع كونه معلوماً مما تقدم ليرتب عليه قوله، وإن كان العناء مجهولاً والله أعلم. قوله: ونفقته و كسوته، فلو استأجره بها فقط أو بأحدهما كانت كلها مجهولة
والله أعلم.
- 535 - (3/535)
صفحة 1963
وكسوته لأن النفقة والكسوة مجهولة، وكذلك إن استأجر رجل رجلاً لتلقيح نخله على أن له عرجوناً من كل نخلة من خيار عراجينها فله أجر عناه بقدر عمله في تلقيح النخل لأن هذا مجهول، وإن استأجره لحصاد زرعه أو الجناية ثمره بربعه أو بخمسه فلا يجوز ذلك الكراء وهو مردود إلى كراء مثله، لأنه جاهل بأجرته غير عارف بما يصير له منها، وكذلك رب العمل غير عارف بما يجب عليه، وكذلك إن اتفق رجلان على أن يكون البذر والدابة من عند أحدهما، ويحرث الآخر بيده ويكون الزرع بينهما أنصافاً أو أثلاثاً فإن هذا فاسد، وللذي حرث أجر عناه والزرع لصاحب البذر، وجوز بعض هذه الإجارات ويكون ذلك على اتفاقهما ولو كان العناء مجهولاً، ولعل هؤلاء قاسوا الإجارات في هذا على المضاربة والمساقاة، لأنه متفق على جوازهما مع جهالة ما يصح منهما، وفي الأثر: وسألت الربيع عن رجل يقول لرجل له حائط فيه حطب أو شوك أو أرض فيها حطب: أعطني حائطك سأحطب فيه وأجمع الحطب على أن النصف لي والنصف لك، فيقول له صاحب الحائط: نعم قد فعلت، هل يحل هذا؟ قال: نعم لا بأس به، وسألت
قوله: لأن النفقة والكسوة مجهولة، لعله مجهولتان، وذهب مالك وأحمد
إلى جوازها، وأن الأجير له الأوسط من ذلك
•
- 536 - (3/536)
صفحة 1964
عن رجل يقول لرجل: أعطني حمارك أو بغلك حتى أنقل عليه الحطب وأبيع عليه وأؤ اجره من الناس وما فضل من شيء فهو بيني وبينك نصفان، هل يحل هذا؟ قال: لا بأس به، وبلغنا عن أبي حنيفة أنه سئل عن رجل يدفع الدابة إلى رجل فيقول له: إعمل عليها أو أجرها من الناس فما كسبت من شيء فهو بيننا نصفان، قال: لا يجوز ذلك، قيل: لم؟ قال: لأن الكسب ها هنا هو كسب الدابة وهو لصاحبها وللذي يعمل عليها أجر مثله، قيل: فإن قال بع عليها متاعك وطعامك، وما ربحت من شيء فبيننا نصفان، أترى هذا جائز؟ قال: لا، لأن ربح الثياب لصاحبها ولصاحب الدابة أجر مثله، وقول أبي حنيفة أبعد من الحق وأقوى القولين قول الربيع والله أعلم. وكذلك أيضاً إن اتفقا على مشاركة الغنم والدواب على أن يعطي أحدهما الثمن، ويقوم الآخر بها كذا وكذا سنة فتكون بينهما نصفين، والأصوب إذا أرادوا المشاركة
قوله: وقول أبي حنيفة الخ. هذا من كلام الأثر: وقول أبي حنيفة في
الحقيقة
هو
المناسب لما صدر به المصنف رحمه الله.
قوله: فتكون بينهما نصفين، يعني من وقت عقد المشاركة فيكون القيام بها في ذمته تلك المدة وهو الظاهر، ويحتمل أن المراد أنه لا يستحق النصف إلا بعد تمام المدة فتكون الغلة لصاحب الغنم وهو المتبادر من (الفاء) في قوله: فتكون والله أعلم، فليحرر.
- ory - (3/537)
صفحة 1965
في هذا في الدواب وفي الأرض أن يبيع له نصف هذه الغنم بكذا وكذا من الثمن ثم يستأجره لخدمة النصف الآخر كذا وكذا سنة بذلك الثمن و إن كان يسيراً، وكذلك أيضاً في الأرض يبيع له نصف هذه الأرض
أو بقعة منها بكذا وكذا من الثمن ثم يستأجره على خدمة الباقي منها كذا وكذا سنة بذلك الثمن أو يغرس فيها كذا وكذا شجرة الجنس يسميانه من الشجر فيحفظها حتى يستغني، ومنهم من لا يجوز هذا كله ويرد فيه العامل إلى كراء مثله مع أن له النصيب الذي اشتراه من الأرض بذلك الثمن، والذي يوجبه النظر عندي أن هذا إجارة وبيع البيعتين في بيعة واحدة، وإن استأجره لعمل معلوم بأربعة دراهم إن عمله في يومه يومه ذلك، وإن عمله في اليوم الذي يليه فله ثلاثة دراهم، وإن عمله في اليوم الذي يليه فله در همان، فهو جائز عند بعض العلماء ويمضيان على شرطهما، ومنهم من يقول: ذلك كراء فاسد يرد فيه العامل
بمنزلة
قوله: بذلك الثمن، ينظر حكم ما إذا باع له نصفها بثمن معلوم،، واستأجره مدة معلومة للقيام بها يجزء من ذلك الثمن ويأخذ منه الباقي، والظاهر الجواز عند من يجوز البيع والشرط أو بيعتين في بيعة والله أعلم، فليحرر.
قوله: والذي يوجبه النظر عندي الخ. كأن مراد المصنف رحمه الله الرد على صاحب هذا القول حيث قال: إن له النصيب الذي اشتراه، حيث اشتملت على عقدتين، يعني فيكون البيع فاسداً ولا يدرك إلا العناء والله أعلم.
- 538 - (3/538)
صفحة 1966
إلى كراء مثله بنظر أهل العدل لأنهما لم يتفقا على كراء معلوم بمنزلة
البيعتين في بيعة واحدة والله أعلم. وعلى هذا الحال إن استأجر منه دابة ليركبها إلى موضع معروف بعشرة دراهم، وإن ركبها إلى موضع آخر
"
فله ثلاثون درهما والله أعلم. وإن استأجر رجل رجلاً لعمل معلوم مثل إن قال له: إعمله بعشرة دراهم، وقال له الآخر: لا، بل إعمله بخمسة عشر درهماً، فعمد الأجير فعمله على هذا الحال ولم يعارضه فيه رب العمل ولم ينه، فللأجير في أجرته خمسة عشر درهماً التي استمر عليها ومنهم من يقول: يرد إلى كراء مثله بنظر العدول، وكذلك إن قال الأجير: أعمله بخمسة عشر درهماً، فقال رب العمل: لا، بل إعمله بعشرة، فعمد الأجير إلى العمل فعمله على ذلك، ولم ينكر عليه فله العشرة التي قال له رب العمل، ومنهم من يقول: يرد إلى كراء مثله. والأصل في هذا فيما يوجبه النظر، هل الكراء مقيس على الثمن في البيع أم لا؟ فإن كان مقيساً فهو فاسد، لأنهما لم يتفقا على شيء معلوم والله أعلم. وكل إجارة فاسدة يرجع فيها الأجير إلى كراء مثله فإنه ينظر في ذلك إلى ثلاثة نفر من أهل العدل فصاعداً، لأن الثلاثة أقل جماعة،
قوله: ثلاثة نفر الخ. ينظر لم اشترطوا هنا في نظر أهل العدل ثلاثة فهلا اكتفى بعدلين قياساً على الحكم في جزاء الصيد، وفي الصلح بين المرء
- 539 - (3/539)
صفحة 1967
وينظرون في ذلك بجهد رأيهم، فإن اتفق رأيهم على شيء واحد فسبيله ذلك، وإن اختلفوا في النظر فليرجعوا إلى أواسطهم، وإن رأوا أن يرجعوا في النظر إلى أدناهم أو أفضلهم فليفعلوا، فإذا اتفقوا على شيء فليس على رب العمل غير ذلك إذا أداه إلى أجيره ولو كان يرى أنه قد بقي عليه شيء من الأجرة، وكذلك الأجير يأخذ ذلك ولا بأس عليه، ولو كان يرى أن ذلك أكثر من حقه. وإن رد الأجير شيئاً لرب العمل أو زاد له رب العمل شيئاً على ما اتفق عليه أهل العدل، فلا يأخذ كل واحد منهما من صاحبه شيئاً إلا بالمحاللة، لأن عقول الجماعة أولى من عقله وحده، والسعر أيضاً يطلع وينزل والله أعلم. وإنما ينظر في قيمة ذلك العمل على حسب قيمته في الوقت الذي عمله فيه وفي الموضع الذي عمله فيه، لأن الأوقات والمواضع تختلف في ذلك، وإن اتفق رب العمل والأجير فيما بينهما على القيمة وتحاللا فيما بينهما فذلك جائز، ولا يضيق عليهما حضور العدول و لا قيمتهم، وكذلك إن أعطى رب العمل للأجير أكثر من قيمة عمله وهو على يقين من ذلك، فليس عليه غير ذلك، رضي
وزوجه؟ ثم الظاهر أن المراد بأهل العدل الامناء مطلقاً، ولو كانوا من غير أهل الولاية، ولعل الحكمة في اشتراطه العدد المذكور أن هذا بمنزلة الإجماع، وقد قال: (لا تجتمع أمتي على الضلالة) والله أعلم.
18211 (3/540)
صفحة 1968
به الأجير أم لم يرض، وكذلك كل ما يرد إلى قيمة العدول على هذا الحال. والله أعلم. والإجارات أيضاً على وجهين: إجارة منافع في أعيان محسوسة، وإجارة منافع في الذمة قياساً على البيع، فالتي في العين من شرطها الرؤية مثل أن يستأجره أن يرعى له هذا الغنم أو يحصد له هذا الزرع أو يحرث هذه الأرض أو ينقل هذا الطعام إلى بلد معروف، وكذلك كل شيء مقصود إليه من العمل والتي في الذمة من شروطها الصفة كالحال في البيع مثل أن يستأجره أن يحرث له أو يحصد له أو يرعى له الغنم هكذا أو مائة من الغنم إلى أجل معلوم ولا بد منه، وكذلك على هذا المعنى إن استأجره أن ينقل له كذا وكذا من الطعام أو ما تطيق دابته إلى بلد معروف أو ما يشبه ما ذكرناه مما هو في الذمة، ويحتاج إلى
قوله: وكذلك كل ما يرد إلى قيمة العدول، يستثنى من ذلك جزاء الصيد فإنه لا بد فيه من الحكم كما هو معلوم. قوله: مثل إن استأجره أن يحرث أو يحصد الخ. ظاهره أنه لو جمع هذه الأشياء في إجارة واحدة لم يجز على مذهب من قال في البيع: لا يجوز بيع أشياء مختلفة بثمن واحد، وعلى مذهب من أجاز ذلك، فالظاهر أنه جائز إذا عين لكل عمل مدة معلومة، وإن كانت الأجرة واحدة على هذا القول حيث سلمكما قياس الإجارة على البيع وا والله أعلم فليحرر.
قوله: وما تطيق دابته، يعني قدراً معلوماً من شيء معلوم وإلا دخل الجهل
1130 - (3/541)
صفحة 1969
الصفة والله أعلم. والإجارات أيضاً على وجهين: في محدود وغير محدود، فالمحدود مثل إن استأجره على مقصود إليه أو معدود ولو كان في الذمة، فللأجير أجرة ما زاد من العمل، لأن الأجرة إنما وقعت على محدود، و المحدود لا يتجاوز إلى غيره، غير أن الأجير لا يحل له أن يدخل على رب العمل ما يضر بعمله، وذلك مرجوع إلى أهل العدول فما رأوه مضرة صرفوه وما لم تكن فيه مضرة فلا يمنعه منها؛ مثل أن يستأجره أن يرعى له هذه الغنم أو كذا وكذا من الغنم سنة فزادت الغنم في يد الأجير أو يحرث له هذه الأرض أو يصرم له هذه النخل أو كذا وكذا من النخل، أو ينقل له هذا الطعام أو كذا وكذا من الطعام إلى بلد معروف بأجرة معروفة فعمل الأجير أكثر مما ذكرناه له أو لغيره فله حساب ما زاد من العمل في جميع ما ذكرناه، وكذلك أيضاً إن انتقص ذلك الشيء الذي وقعت عليه الأجرة فإنه ينقص من أجرة الأجير بحساب ذلك والله أعلم. وأما غير المحدود، مثل إن استأجره على شيء غير مقصود إليه قلوب العمل أجرة ما عمل الأجير لغيره، لأنه إنما وقعت الأجرة ها هنا
لكن كلامه فيما سيأتي يدل على جواز الإطلاق حيث قال في غير المحدود أن ينقل له من الطعام ما تطيق دابته الخ. قوله: لأنه إنما وقعت الأجرة ها هنا على عمله مطلقاً، وهو كمن اشترى
- 542 - (3/542)
صفحة 1970
الغنم.
على عمله مطلقاً وهو كمن اشترى قوته، مثل إن استأجره أن يرعى له عنده هكذا أو يرعى غنمه هكذا شهراً فرعى الأجير له ولغيره في ذلك الشهر أو استأجره أن يحرث أو يحصد أو يصرم له النخل هكذا شهراً فعمل الأجير لغيره في هذه المدة، أو استأجره أن ينقل له من الطعام
قوته ينظر، هل هذا ماش على القول المرجوح فيما سيأتي في أحكام الطوارئ على الأجير والمستأجر في مثل هذه المسألة، من أنه إذا مرض مثلا في هذه المدة، وقد نقد له الأجرة، لا يرد ما يقابل الأيام التي مرضها؟ وعلل ذلك بأن المستأجر كمن اشترى قوة الأجير في هذا، يعني فالأجير في هذه المدة بمنزلة العبد على هذا القول، فالنظر إلى العمل وعدمه، فإن عمل فله، وإن مرض مثلا فعليه، وأما على القول الأصح، من أنه إذا مرض مثلا يرد ما يقابل تلك الايام لأن الحر لا يباع ولا يجري عليه معنى البيع، فإنه لا يدرك أجرة ما عمل الأجير لغيره هنا حيث لا يجري عليه معنى البيع، غايته أنه يرجع عليه بقدر ما اشتغل لغيره على قياس ما سيأتي من أنه يرجع عليه إذا مرض، بقدر
هذا
ذلك، أو حكم هذه المسألة مخالف لحكم ما سيأتي في الطوارئ فيؤخذ تقليداً: لكن قوله كمن اشترى قوته يرشد إلى الاحتمال الأول، ثم الظاهر أيضاً أن. مبني على أن عقد الإجارة لازم، وفيه خلاف كما سيأتي حرر جميع ذلك والله أعلم بالصواب. ويحتمل أن قوله: لأنه إنما وقعت الاجرة على عمله مطلقاً، تعليل لإدراك المستأجر أجرة الاجير على قول من يقول: الحر لا يباع ولا يجري عليه معنى البيع، وقوله: وهو كمن اشترى قوته تعليل لإدراك ذلك على قول من يقول. إن المستأجر كمن اشترى قوة الاجير، والمراد أنه يدرك ذلك على كلا القولين والله أعلم فليحرر.
" (3/543)
صفحة 1971
ما تطيق دابته إلى بلد معروف فحمل له ولغيره، فللمستأجر أجرة ما زاده الأجير كما ذكرناه، ولا ينحل من عمل له الأجير ذلك إلا إن دفع تلك الأجرة للمستأجر الأول أو جعله في حل أن يدفعها للأجير لأن المستأجر قد اشترى قوة الأجير في تلك المدة والله أعلم. وإن كان الأجراء أكثر من واحد فتفاضلا في العمل، فإنه إذا كانت الأجرة في في مقصود أو موصوف، ولو كان في الذمة فإنهم يتفاضلون في الأجرة كما تفاضلوا في العمل، ومثل ذلك إن استأجر أجيرين على حصاد هذا الزرع أو حرث هذه الأرض أو استأجر جملين من رجلين على نقل هذا الطعام أو كذا وكذا من الطعام إلى بلد معروف فحصد أو حرث أحد الرجلين الثلث وعمل الآخر الثلثين أو نقل أحد الجملين الثلث، ونقل الآخر الثلثين، فإن كل واحد منهما يأخذ على قدر عمله، وإن كانت الإجارة
قوله: أو موصوف، أي يوصف بقربه من المقصود كنقل كذا وكذا من الطعام، أو حصاد كذا وكذا فدانا، أو نحو ذلك وإلا فالإجارات لا تخرج أن تكون في مقصود، أو موصوف في الذمة، وإلا لم يصح قوله بعد: وإن كانت الإجارة في غير مقصود، ومثله بعد حصاد الزرع هكذا، وجعله أيضا مثالاً للموصوف فيما تقدم والله اعلم.
عن
قوله: أو كذا وكذا من الطعام الخ. هذا مثال الموصوف، في الذمة وما
قبله مثال المقصود.
19:11 (3/544)
صفحة 1972
غير مقصودة فتفاضلوا في العمل فإن بعضهم قال: الكراء بينهما أنصافاً لأن الإجارة ها هنا وقعت على غير مقصود إليه، فما استحق به الإسم المتفق عليه تجب عليه الأجرة، وقال بعض: ان الكراء بينهما على قدر، عملها، ومثل ذلك إن استأجر رجلين لحصاد الزرع عنده هكذا شهراً أو استأجر جملين من رجلين لينقل عليهما هكذا إلى بلد معروف، فحصد أحد الرجلين الثلث، وحصد الآخر الثلثين ونقل أحد الجملين الثلث، ونقل الآخر الثلثين، فهو على ما ذكرنا من الإختلاف، وهذا يصح أيضاً فيما تبين فيه تفاضل الأعمال، وأما ما لا تبين فيه التفاضل في الأعمال، فالكراء بينهما نصفان، مثل إن استأجر أجيرين أن ير فعا له هذه الخشبة أو هذا الحجر من موضع إلى موضع والله أعلم وكذلك ما يشبه هذه المسائل عما هو مثلها مثل؛ إن استأجر رجلان رجلاً
قوله: في غير مقصود إليه، أي ولم يعين تعييناً يقربه من المقصود إليه، كأن يستأجرهما للحصاد أو للحرث مثلا بأجرة معينة لهما معاً والله أعلم. قوله: فيما استحق به، الظاهر إنما وقعت على عمل وإن استحق مبني للمجهول.
قوله: الإسم المتفق عليه، أي كالحصاد والحرث مثلاً.
قوله: وهذا أيضاً يصح، لعله إنما يصح.
: مما هو مثلها، مثل إن استأجر إلى آخر ما تقدم في تعدد قوله:
- 030 -
د الأجير
ه م 35 - الإيضاح،
" (3/545)
صفحة 1973
ليرعى لهما هذه الغنم، أو كذا وكذا من الغنم، أو ليرعى لهما غنماً، وكان لأحدهما الثلث وللآخر الثلثان، فإن على كل واحد منهما من الأجرة على قدر ما له في الغنم: سواء كانت الغنم مشتركة أو غير مشتركة، وإن استأجراء على أن يرعى الغنم عندهما هكذا فكان لأحدهما الثلث وللآخر الثلثان، فإن الكراء بينهما أنصافاً في قول بعضهم، وفي قول آخرين أثلاثاً كما اشتركوا الغنم كما ذكرناه، وكذلك أيضاً على هذا المعنى إذ استأجر رجلان من رجل داراً ليسكناها، أو ليخزنا فيها متاعهما أو طعامهما هذا، وخزن فيها أحدهما حلياً لؤلؤاً أو ما أشبه ذلك
وهذا في تعدد المستأجر
قوله: ليرعى لها هذه الغنم، أو كذا وكذا من الغنم، المثال الأول للمقصود، والثاني للموصوف، وأما قوله: أو يرعى لهما غنماً، فالظاهر أنه لا. يصح التمثيل به لما هنا، لأنه يتحد مع قوله بعد: وإن استأجراه على أن يرعى الغنم عندهما الخ. فليحرر. ولعل النسخة، أو ليرعى لها غنمها، فيكون التعيين، إما بالإشارة، رة، أو بالعدد، أو بالإضافة والله أعلم.
قوله: فإن على كل واحد منهما من الأجرة على قدر الخ. لعل النسخة، فإن كل واحد منهما عليه من الأجرة الخ. لأنه ليس في كلامه بحسب ظاهره ما يصلح أن يكون إسماً لأن والله أعلم. فليحرر الإسم إلا أن يقال: من في قوله من الأجرة زايدة على مذهب الأخفش المجيز لزيادتها في الإثبات والله أعلم. فليراجع. قوله: (هذا) لعله (هكذا).
1917 - (3/546)
صفحة 1974
مما تقل مؤونته وتكثر قيمته، وخزن الآخر طعاماً، أو ما أشبه ذلك مما تكثر مؤونته و تقل قيمته، فإن الكراء عليهما على قيمة حساب أموالهما لأن هذا حرز لأموالهما، وكذلك إن سكن أحدهما وحده وسكن الآخر بعياله فالكراء بينهما على قدر عيالهما في القلة والكثرة، وأما الدابة والسفينة ان أكرياها الحمل متاعهما أو طعامهما فالكراء بينهما على قدر ثقل أموالهما، لأن الثقيل يؤثر في الدواب والسفن ما لا يؤثر فيهما الخفيف، وقيل في السفينة مثل الدار، يعني ما لا يؤثر فيها الثقيل لا يؤثر في الدار والصحيح أنه مؤثر والله أعلم. وإن كريا داراً للخزن هكذا، والدابة للحمل هكذا، فقد ذكر في الأثر أن يكون الكراء بينهما أنصافاً، ولا فرق عندي في القياس بين هذه المسائل، ومسألة الغنم
قوله: إن أكرياها، صوابه، إن اكترياها، أو استكرياها، قال في الصحاح: وأكريت الدابة، فهي مكراة، والبيت مكرى وأكريت، واستكريت وتكاريت بمعنى، والكيرى على فعيل المتكاري الخ.
قوله: لا يؤثر فيها الخ. عدم التأثير في البيوت ظاهر، إذا كانت سفلية، وأما العلوية، فقد يؤثر فيها والله أعلم.
قوله: ولا فرق عندي في القياس الخ. كأن المراد من هذا الكلام معارضة هذا الأثر حيث جزم في هذه الصورة، بأن الكراء عليهما نصفان مع أن مثل هذه الصورة في مسألة الغنم مختلف فيها، هل الكراء عليهما نصفان، أو على قدر أموالهما كما تقدم؟ والله أعلم فليحرر.
- 547 - (3/547)
صفحة 1975
أعني إن كريا الدار للخزين أو للسكنى هكذا، والدابة والسفينة للحمل هكذا، أن يكون ذلك بمنزلة إن أكريا الراعي أن يرعى الغنم عندهما هكذا والله أعلم. وموضع هذه المسائل في الأحكام، غير أن الذي جرنا إلى ذكرها في هذا الموضع، الفرق بين الإجارة في معين و الإجارة في الذمة والله أعلم.
قوله: الفرق بين الإجارات في معين، يعني فتكون على قدر الأموال قولاً واحداً، أو الإجارات فيما في الذمة يعني: فإن فيها قولين كما تقدم والله أعلم.
- 518 - (3/548)
صفحة 1976
باب في أحكام الاجارات
وأحكام الإجارات كثيرة، غير أنا نبدأ إن شاء الله في موجبات هذا العقد ولوازمه، من غير حدوث طارئ عليه، ثم نثني في معرفة أحكام
الطوارئ عليه.
فصل في معرفه موجبات هذا العقد
وذلك أنهم اختلفوا في عقد الإيجارات، هل هو عقد لازم مثل مثل البيع والعقود اللازمة، أو عقد جائز وليس بلازم؟ فمتى أراد أحدها رجع، وسيأتي بعد هذا إن شاء الله معرفة ذلك، وإذا أكرى رجل لرجل دابة أو ما أشبه ذلك، فلا يجوز لصاحبها فيها بيع ولا هبة ولا
باب في أحكام الاجارات
العقد
6
قوله: فلا يجوز لصاحبها الخ. هذا مبني على أن عقد الأجرة لازم، وانظر، هل محل ذلك إذا وقع الشروع في العمل، وهو المأخوذ من كلامه فيما سيأتي و أما قبل الشروع فله ذلك بالإتفاق، أو ليس له ذلك مطلقاً حيث وقع بينها وهو المتبادر من كلامه هنا على القول بأنه عقد لازم؟ وأما على القول بأنه غير لازم، فالظاهر أن له ذلك ويعد رجوعاً والله أعلم، فليحرر.
-019 - (3/549)
صفحة 1977
صداق ولا رهن ولا قسمة حتى ينقضي أجل الكراء، لأن هذا بمنزلة البيع، ومنهم من يقول: يجوز البيع والهبة والصداق بشرط تمام مدة الكراء بينهما، وأما الرهن فلا يجوز حتى تنقضي المدة، لأن الرهن من شرط صحته القبض، وكذلك لا يجوز والله أعلم. وإن استأجر رجل رجلاً لعمل معلوم بكراء معلوم فعلى الأجير أن يأتي له بالعمل أول الوقت ولا يعطله عليه، وإن نقده رب العمل أجرته فلا يجوز له التصرف فيها حتى يتم عمله، ومنهم من يقول: يجوز له التصرف فيها بعد قبضه
المصنف
قوله: بشرط تمام مدة الكراء، ظاهره أنه على القول الأول: لا يجوز ولو بهذا الشرط وامل سبب الخلاف هو اختلافهم في البيع والشرط، ولم يبين رحمه الله ما هو المأخوذ به، إلا أن التصدير بالأول يدل على اختياره، لكن يؤخذ من كلامه فيما حرره في البيع والشرط أن القول الثاني. هو الراجح، لأن المختار عنده أن الشرط إذا كان فيه منفعة للبائع، وكان يحل تملكه، وكان معلوماً جاز هو والبيع، وها هنا من هذا القبيل والله أعلم فليحرر. قوله: من شرط صحته القبض، يعني في الحال فلو لم يقبض بطل، وأما الهبة وما ذكر معها، فلا بد فيها من القبض أيضاً لكن لا يشترط كونه في الحال كما هو معلوم والله أعلم. قوله: فعلى الأجير أن يأتي له بالعمل الخ. الظاهر أن هذا مبني أيضاً على القول بأن عقد الإجارة لازم والله أعلم.
قوله: فلا يجوز له التصرف فيها حتى يتم عمله، ومنهم من يقول الخ. ينظر هل هذه الأقوال الثلاثة المذكورة في الأجرة المنقودة جارية على القول: بأنه
- 550 ـ (3/550)
صفحة 1978
إياها ويكون العمل حقاً واجباً عليه الوفاء به لصاحبه، ومنهم من يقول: كلما عمل جزءاً من العمل جاز له التصرف فما يقابله من الأجرة، وسبب اختلافهم فيما يوجبه النظر، هل تجب الأجرة للأجير بنفس العقد كالبيع ويكون العمل حقاً عليه الوفاء به أم لا تجب إلا بتمام العمل على ما ظهر من اتفاقهما؟ فمن وجبت عنده الأجرة بنفس العقد أجاز له التصرف فيها، ومن كانت عنده لا تجب إلا بتمام العمل لم يجوز له التصرف فيها إلا بتمام العمل؛ ومن كانت عنده بحسب ما يقبض من المنافع لم يجوز له التصرف إلا فيما يقابل ما عمل من ذلك وهو المأخوذ به، إلا إن أخذها
عقد لازم، وهو المتبادر من ذكره عقب قوله: فعلى الأجير أن يأتي له بالعمل الخ. أو المراد أن الأجرة المنقودة قبل العمل فيها ثلاثة أقوال من حيث، يعني مع قطع النظر عن كون عقد الإجارة لازم أو غير لازم.
قوله: فمن وجبت عنده الأجرة بنفس العقد أجاز له التصرف، ينظر هل يجبر المستأجر عند صاحب هذا القول على دفع الأجرة كما يجبر الاجير على العمل وهو الظاهر المتبادر من وجوبها بنفس العقد؟ أو لا يجبر قبل العمل؟ وإن وجبت فليحرر، ثم رأيته رحمه الله فيما سيأتي صرح بالاحتمال الأول على القول الأول، لكن قيده بما إذا دخل في العمل، فقال بعده: ويجبر الأجير على تمام العمل، والمستأجر على نقد الأجرة والله أعلم فليحرر
قوله: لم يجز له التصرف إلا فيما يقابل ما عمل، الظاهر أيضاً على القول أنه إن لم ينقد الاجرة ابتداء، يجبر على دفع قدر ما يقابل عمل الاجير إن امتنع والله أعلم فليحرر.
18811 (3/551)
صفحة 1979
بالضمان أعني ضمان العمل فنعم والله أعلم. وإن أكرى رجل لرجل داراً بعشرة دنانير في السنة، أو دابة لحمل متاع معلوم إلى بلد معروف بعشرة دنانير وما أشبه هذا، ثم إن المكتري أكرى الدار أو الدابة لغيره بخمسة عشر ديناراً فلا تحل له تلك الزيادة، وهذا بمنزلة ربح ما لم تضمن في البيوع إلا إن زاد في الدار شيئاً من عنده من أداتها ومصالحها نحو الباب أو المفتاح أو السرير أو الفراش، أو طين فيها شيئاً أو زاد على الدابة شيئاً من أداتها من رسن أو خطام أو سرج أو إكاف، ثم استأجر تلك الدار أو الدابة بما زاد عليها فله أن يحبس تلك الزيادة لأنها في مقابلة
قوله: بمنزلة ربح ما لم تقبض الخ. إذا لو هلكت الدار أو الدابة لم يكن عليه ضمان بل يدرك عليه في لدار الإصلاح، أو الرد بما يقابل ما بقي من المدة، وفي الدابة الرد كما سيأتي، وعدم الضمان ظاهر إن لم تحصل التعدية في الحمل والمسافة، وظاهره أنه لا يضمنها بإجارتها للغير، وفيه تأمل، اللهم إلا أن يقال: المراد ربح ما لم تضمن، أي ابتداء والله أعلم فليحور قوله. أو خطام، الخطام بكسر الخاء الزمام، أو الخيط الذي تشد به البرة، والبرة: بضم الباء وتخفيف الراء حلقة تجعل في أنف البعير، و لعل الثاني المراد لاجل قوله: ومن.
هو
قوله: فله أن يحبس تلك الزيادة، يعني إذا لم يحمل على الدابة أكثر مما وقع الإتفاق عليه وإلا فالظاهر أن تلك الزيادة في مقابلة ما زاد المستأجر الثاني في الحمل، ولا ينظر إلى ما زاده المستأجر الاول من الاداة والله أعلم. ويحتمل أن
- 552 - (3/552)
صفحة 1980
ما زاد من عنده، وكذلك الخياط إن استأجره الخياطة معروفة بأربعة در اهم ثم إن الأجير استأجر أجيراً آخر غيره لخياطتها بأقل من ذلك فليس له أن يحبس الزيادة وهي لرب الثوب، إلا أن يكون زاد من عنده شيئاً من الأداة التي يستعان بها على الخياطة فله أن يحبس تلك الزيادة كما ذكرنا والله أعلم. وإن استأجر رجل رجلاً بمائتي درهم فزكاتها على رب العمل ما لم يدخل الأجير في العمل، فإذا دخل في العمل فكلما عمل جزءاً من العمل استحق جزءاً من الأجرة حتى يتم العمل ولا يسقط رب العمل عند أداء الزكاة إلا ما استحقه الأجير بعمله، وكذلك أيضاً إن اتجر الأجير بتلك الدنانير قبل دخوله في العمل فربحها لرب العمل وللأجير عناؤه، وإن عمل بعد ذلك العمل فله أجرته والربح مردود لرب العمل، وإن اتجر بها بعد دخوله في العمل فله من الربح بقدر ما يقابل عمله من
الزيادة في هذه الصورة يحسبها أيضاً، إلا أنه يعطي لصاحب الدابة كراء مثل ما زاد عليها المستأجر الثاني وهو الظاهر، وهذا إن سلمت، وأما إن عطبت فسيأتي حكمه والله أعلم.
قوله: ما لم يدخل الأجير في العمل الخ. هذا. مبني على الراجح المأخوذ به
كما تقدم. قوله: وللأجير عناؤه، لعله إنما جعل له العناء لانه غير متعد في الجملة حيث جعل ذلك في يده، فكأنه سلطه عليه والله أعلم.
- 553 - (3/553)
صفحة 1981
الأجرة ولرب العمل ما بقى، وبالجملة إن زيادة هذا الكراء ونماه لر به ما لم يدخل الأجير في العمل، وكذلك عليه نقصانه و جناياته ونفقته وكسوته، فإذا دخل الأجير في العمل صار هو ورب العمل مشتركين في ذلك الشيء، وكذلك جميع أحكامه لو كان الكراء عبداً من النكاح والطلاق والعتاق والهبة والبيع وما أشبه ذلك بيد رب العمل، ولا يجوز للأجير فيه شيء مما ذكرنا ما لم يدخل في العمل، فإذا دخل في العمل صار هو ورب العمل فيه شريكين بقدر عمله، ولا يجوز فيه لرب العمل بعد ذلك بيع ولا هبة ولا وصية ولا رهن إلا في حصته، ولا يجوز نكاحه ولا طلاقه ولا مراجعته حتى يتفقا، لأن ذلك مما لا يتجزأ وإن أعتقه أحدهما عتق و ضمن لشريكه قدر حصته لقوله عل: (من أعتق شقصاً له في عبد قوم عليه))، وإن كان العبد ذا محرم من الأجير فلا يخرج حراً ما لم يدخل في العمل، فإذا دخل في العمل خرج به حراً وعليه تمام العمل،
قوله: من النكاح الخ. بيان لجميع أحكامه
قوله: شقصاً، هو بكسر الشين، قال في الصحاح: الشقص القطعة من الارض، والطائفة من الشيء، والشقيص الشريك الخ.
(1) تقدم ذكره.
- 002 - (3/554)
صفحة 1982
وإن هلك ذلك الشيء قبل تمام عمله رد عليه قيمة المعتوق ويحط عنه ما عمل من العمل قبل هلاكه، وكذلك إن كان الأجراء كثيرين والعبد ذو محرم من أحدهم فإذا دخلوا في العمل خرج العبد حراً ويضمن الذي خرج به حراً لشركائه ولا ضمان على رب العمل؛ إلا إن غرهم بذلك مع
=
جهالة منهم وعلم منه بذلك والله أعلم. وإن كان الكراء دابة أو شجرة، فهما حدث في الدابة والشجرة من النسل والثمار بعد عقد الكراء وقبل دخول الأجير في العمل فهو لرب العمل، وليس للأجير إلا رأس الشجرة أو رأس الدابة إذا عمل العمل، وإن دخل العمل قبل أن تطيب ثمرة
قوله: ذلك الشيء، أي المستأجر عليه.
قوله: رد عليه، أي دفع لرب المال قيمته الخ.
قوله: إلا أن غرهم بذلك الخ. يعني فيضمن للشركاء، وانظر هل يضمن أيضا للأجير الذي خرج به العبد حراً إذا غره؟ وهو الظاهر الذي ترشد إليه
الملة
والله أعلم فليحرر قوله: فما حدث، أي وفرغ منه قبل الدخول في العمل، بدليل ما بعده وهو قوله: وإن دخل الخ. لأن المراد دخل بعد حدوث الثمرة التي لم توجد
جال العقد
قوله: قبل أن تطيب، ينبغي تقييده بما بعد التأبير ومثله، وأما قبله فالظاهر أنها بمنزلة العدم قياساً على البيع، وربما يرشد إلى ذلك قوله: قبل أن تطيب والله أعلم.
18881 (3/555)
صفحة 1983
الشجرة وقبل ولادة الدابة فله عناؤه إذا تم له عمله بنظر أهل العدل لأن زيادة الكراء يوجب زيادة العمل، كما أن زيادة العمل توجب زيادة الكراء، وتلك الزيادة لم يتفقا عليها. فلذلك وجب أن يرد إلى عنائه: وإن كانت الثمرة على الشجرة والدابة حاملة في وقت الكراء فهي للأجير مع حملها والشجرة مع ثمرتها لأن ذلك كله أجرة العمل والله أعلم. وإن كان الكراء داراً أو فداناً فلشفيع أخذه بالشفعة بعد تمام العمل بقيمة أهل العدل لأن الإجارة بيع من البيوع وان أحد من الناس ما تدارك شفعته بذلك الفدان و الدار فلصاحب الدار والفدان أخذه بالشفعة ما لم يدخل الأجير في العمل، فإذا دخل في العمل فهو ورب العمل في الشفعة
قوله: فله عناؤه، يعني وبطلت الاجرة الأولى لأن تلك الزيادة ليس لها مقابل من العمل
قوله: وإن كانت الثمرة الخ. أما بالنظر إلى الدابة فالامر ظاهر، وأما بالنظر إلى الشجرة، فإما أن يحمل على ما قبل التأبير أو على القول: بأن الثمرة تابعة مطلقاً، أو على ما إذا وقع الإتفاق عليها معاً أنها أجرة العمل، ويرشد إلى ذلك قوله: لأن ذلك كله أجرة العمل والله أعلم فليحرر.
قوله: لأن بيع الإجارة من البيوع، سماها هنا بيعاً مبالغة حيث تدرك بسببها الشفعة كهبة الثواب مثلا، وإلا فقد تقدم أنها بمنزلة البيع فقط،، لأن حقيقة البيع بدل مال بمال، وهذه بدل عناء بمال والله أعلم.
قوله: بذلك، متعلق بتدرك أي: تدرك بسبب ذلك.
- 556 - (3/556)
صفحة 1984
شريكان فمن سبقها منهما أخذها و إن جاءا إليها جميعاً فهي بينهما على الرؤوس في قول بعض العلماء أو على قدر الانصباء في قول بعض، وإن كان البيع قبل دخول الأجير في العمل ولم يطلبها رب العمل حتى أتم الأجير العمل
قوله: في قول بعض العلماء، هذا. هو المناسب لكونها لمن سبقها.
قوله: حق أتم الأجير العمل الخ. يعني وكان غير عالم بالبيع، فإنها تفوت رب العمل لخروج ما تدرك به الشفعة من يده كما قال المصنف، وتفوت الأجير لوقوع البيع قبل استحقاقه شيئاً مما تدرك به الشفعة من يده، وأما إذا علم بالبيع قبل أن يتم الأجير العمل، فإنه يدركها مالم يفرط، ومن التفريط إذا جاءه الخبر وهو يصلي فرضاً أن يشرع في النافلة بعده، أو يجد في الطريق جماعة يتحدثون. فيقعد يتحدث معهم، قال عبد الله بن عمرو بن زياد العماني رحمه الله في قصيدة له في الشفعة ما نصه:
وليس له عند المسير إذا لقي أناساً قعوداً بينهم وهو أشفع ولكنه يمضي مجداً مشمراً إذا جاءه علم صحيح مفجع
إلى أن يقول:
فإن جاءه علم بها وهو قائم يصلي فلا يركع سوى الفرض فاسمع
وأما أجل الدراهم فيوسع له ثلاثة أيام، قال في النظم المذكور: ومدة إحضار الدراهم عندهم ثلاثة أيام من الشهر تدفع فإن زاد يوم واحد عن ثلاثة فشفعته فاتت ولا هو يطمع هو مذهب أصحابنا من أهل عمان، وأما مذهب أصحابنا من أهل
هذا
- 557 - (3/557)
صفحة 1985
فلا يدركها بعد ذلك لأنه كرجل باع ما يدرك به الشفعة والله أعلم. وإن استأجر رجل من رجل دابة ليحمل عليها كذا وكذا من الطعام إلى بلد معروف بكذا وكذا ديناراً أو درهماً أو بكذا وكذا مما يكال أو يوزن فالشيء الذي وقعت عليه الإجارة، إنما يكال أو يوزن بمكيال أو ميزان البلد الذي هما فيه، وأما الأجرة، فإنما يدركها الأجير بميزان البلد الذي يسيرون إليه أو بمكياله لأنه لا تجب له إلا في ذلك الموضع، إلا إن اتفقا على ميزان معروف أو مكيال معروف فليمضيا على إتفاقهما، وكذلك يدرك الأجير أجرته في كل بلد على المستأجر ولو كانت لها مؤونة لأنها متعلقة بالذمة، وكذلك أثمان المبيعات وصدقات النساء تدرك عليه في
المغرب، فذكر المصنف رحمه الله في كتاب الشفعة في ذلك أقوالاً، ثم قال: وما رآه المسلمون حسناً فهو عبد الله حسن، والمعمول به عندنا بالجزيرة في مدة الشفعة ثلاثة أيام، وأما الدراهم، فإنه لا يؤجل فيها شيئا إذا وجده في السوق، أو في المنزل، وأما إذا وجده خارجا فإنه يذهب معه إلى المنزل، أو السوق مثلاً فليراجع.
قوله: إلا إن اتفقا، الظاهر أن الاستثناء راجع لكل من المسألتين. قوله: لأنها متعلقة بالذمة، وذلك بأن فرغ من العمل، ولم يدفع له الأجرة
فإنه يلزمه بها في كل موضع والله أعلم قوله: وكذلك أثمان المبيعات، لعل المراد بها إذا لم تكن لها مؤونة، فإنها
10011 (3/558)
صفحة 1986
كل موضع؛ لأن هذا شيء متعلق بالذمة، وأما الوديعة والعارية فلا يدركها عليه صاحبها إلا في موضعها الذي استودعه أو استعاره إياها؛ لأن ذلك مال معين يأخذه صاحبه كيف أعطاه في موضع أعطاه إياه، وكذلك في رد العيوب إذا كان الشيء له مؤونة لا يدركه عليه إلا في موضع أخذه منه وعليه إيصاله له إلى الموضع الذي أخذه منه، وكذلك الشفيع أيضاً عليه إيصال الثمن إلى المشتري والله أعلم. وإذا استأجر رجل دابة لحمل متاع معروف إلى مدينة معروفة فله عليه حمله حتى يدخل من باب المدينة، وقد ذكر في بعض الكتب حتى يدخل داره في المدينة، وهذا فيما يوجبه النظر إذا كانت داره في المدينة وإلا فإذا دخل من باب المدينة فقد
حينئذ يدركها في كل موضع كما تقدم، ويحتمل التعميم في جميع الديون، وإن لم يقع منها المنع على ما في بعض الآثار كما تقدم في باب قضاء الدين فليراجع، وأما القرض فتقدم فيه تفصيل هناك أيضاً فليراجع، وانظر، هل يجري في الأجرة ما يجري في الثمن من الخلاف السابق والتفصيل، وإن جزم هذا بأنه يدركها مطلقاً كما جزم في الثمن والله أعلم فليحرر.
قوله: إلا في الموضع الذي استودعه أو استعاره، هذا ظاهر إذا لم تكن حاضرة معه لأنه لا مانع حينئذ من دفعها والله أعلم. ويدل له قوله: لأن ذلك
مال معين.
قوله: وعليه إيصاله الخ. ظاهره ولو كان البائع مدلساً وفيه تأمل فليحرر. قوله: وإلا، أي وإن لم تكن له دار فلا يزيد على باب المدينة
1809 - (3/559)
صفحة 1987
وصل إلى المدينة، وفي القرية حتى يدخل حد ما يحيط به سورها، وحد نقص التقصير، لأن إلى في كلام العرب معناه الإنتهاء والغاية، وكذلك أيضاً إن كرى قوم من رجل سفينة إلى بلد معروف فليس على صاحب السفينة إلا وصولهم إلى ذلك الموضع، وقيل بأن عليه إخراج أموالهم إلى البر والله أعلم. وإن استأجر رجل من رجل دابة ليحمل عليها شيئاً معلوماً. إلى بلد معروف أو ليحرث عليها كذا وكذا يوماً. فمؤونتها وعلفها في ذلك كله على صاحبها يجب عليه كما يجب عليه العمل، لأن ذلك يصح به العمل وليس على رب العمل من ذلك شيء. وأما الأداة التي يحتاج إليها في مثل ذلك العمل من السرج واللجام والخطام والإكاف وما أشبه ذلك من أداتها فهو إلى اتفاقهما، لأن كل واحد منهما له الرجوع عن ذلك حتى يجب الكراء بينهما، ووقت وجوب الكراء بينهما أول دخوله في العمل وهو التقا العرا على الجمل،، وعند بعض أنه حتى يقوم البعير من
قوله: حد ما يحيط به سورها، أي إن كان لها سور واحد نقص التقصير أي، إن لم يكن لها سور، فهذا في الحقيقة تفصيل من قول واحد والله أعلم
قوله: فليس على صاحب السفينة إلا وصولهم الخ. لعل محل ذلك إذا لم تجر العادة بشيء والله أعلم. قوله: وإلا كاف، في القاموس إكاف الحمار كعتاب و غراب، وكافته. والإكاف: صانع إكاف الحمار إيكافاً، وأكفه تأكيفا شده عليه.
بر دعته،
- 560 - (3/560)
صفحة 1988
جميع أداة
موضعه، وفي الأثر: وقد ذكر في بعض كتب المتقدمين أن الدابة على صاحبها وليس عليه أن يرفع الحمل على الدابة والله أعلم. وإن استأجر رجل رجلاً ليرعى غنمه سنة معروفة بكراء معروف، ثم انقطع فيما بينهما ولم يلتقيا إلا بعد سنين والغنم باقية في يد الراعي على رعيها، فله أجرته في السنة الأولى وكراء مثله في السنين الزائدة، بنظر أهل العدل، ومنهم من يقول: له مثل الكراء الأول في السنين الزائدة، والقول الأول هو المأخوذ به لأن السنين مختلفة في مثل هذا من غلاء الإجارات ورخصها والله أعلم. وإن استأجر رجل من رجل دابة ليحمل عليها متاعاً معروفاً إلى بلد معروف فأراد صاحب المتاع أن يحمل عليها غير ذلك بقدر المتاع، فله أن يحمل عليها مثل متاعه بالكيل
قوله: من غلاء الإجارات، يعني بالمد، من على السعر غلاء لا من الغلو بمعنى المجاوزة، قال في الصحاح، وغلا في الأمر يغلو غلواً أي: جاوز فيه الحد وغلا السعر غلاء الخ.
عدم
قوله: دابة ليحمل عليها، قال شيخنا رحمه الله: أنظر ما لو اكترى دابة معينة أو اكترى داراً معينة، هل يبدل؟ وقياس ما تقدم حيث جعلها بيعاً صحته الابدال كما لا يصح إبدال المبيع المعين بخلاف ما في الذمة والله أعلم. وربما يلمح إليها المسألة السابقة في الطوافة، فيما إذا أكراه ليبيع له شيئاً بأربعة دراهم فأعطاه لغير الخ. ما تقدم حرره.
قوله: غير ذلك المناع الخ. فعلى هذا لو اكترى دابة مثلا للركوب أو
19711
ه م 36 ـ الإيضاح» (3/561)
صفحة 1989
إن كان مما يكال، أو بالوزن إن كان مما يوزن، أو ما أشبه ذلك مما يصل إلى قدره، وكذلك في الركوب فله أن يركب عليها في موضعه أخف منه أو مثله، وكذلك جميع الإجارات على هذا الحال والأصل في هذا فيما يوجبه النظر، جواز ذلك في الموصوف فأقاموا المعين مقامه والله أعلم. وإذا أكرى رجل لرجل داراً بكراء معلوم إلى
للحمل إلى بلد معروف فله حرفها إلى بلد آخر مثلا، مساو لذلك البلد في المسافة والسهل والوعر والأمن وغير ذلك وأسهل منه والله أعلم.
قوله: بقدر متاعه الخ. ظاهره ولو تباعد العوض كل البعد كالقطن والرصاص مثلا، والظاهر المنع في الرصاص ونحوه بدل القطن مثلا، فالمراد بقدر متاعه مما قاربه، أو أسهل منه والله أعلم
قوله: فله أن يركب عليها، ظاهره أنه إذا أكراها للركوب ليس له أن يحمل عليها حملا، وكذا إذا أكراها للحمل ليس له الركوب بدل الحمل، ولعل محل المنع في الصورتين إذا كان البدل أثقل من المبدل منه، وأما إذا كان مساوياً أو أخف فالظاهر الجواز كما يفهم من كلامه في اعتبار المثل والأخف والله أعلم. وأنظر هل يعتبر فيمن يركبه في موضعه أن لا يكون غشيماً في الركوب بل لا بد أن يكون مثله أو أحسن منه، أو المدار على الخفة والثقل فقط؟ وهو ظاهر كلامه وانظر أيضاً في الدابة إذا كانت تركب بالأ كاف هل له ركوبها بالسرج
مثلا وبالعكس، أو ليس له ذلك؟ وهو الظاهر والله أعلم فليحرر الجميع.
قوله: وإذا أكرى رجل لرجل داراً الخ. قال شيخنا رحمه الله: أنظر ما لو استأجر داراً ليسكن وحده فتزوج هل تصح الأجارة، وإذا قلتم بصحتها هل
11591 (3/562)
صفحة 1990
أجل معلوم فحدثت عليه مضرة، فلرب الدار نزعها على الذي أحدثها لأنها داره، وكذلك أيضاً المتكاري يدرك نزعها على الذي أحدثها إن كانت المضرة تضر بالسكنى لأن السكنى حقه في تلك المدة، واختلفوا في المستعير أيدرك نزعها على الذي أحدثها كالمتكاري في مدة السكنى أم لا يدرك نزعها إلا صاحب الدار؟ والفرق بين المستعير والمتكاري أن المستعير ولو كان له حق في السكنى لو أراد صاحب الدار أن يخرجه لأخرجه بخلاف المتكاري والله أعلم. وكذلك أيضاً رب الدار والمتكاري يدرك كل واحد منهما على صاحبه نزع ما أحدث في تلك الدار من المضرات لأن كل واحد منهما له حق في تلك الدار والله أعلم. وإن أحدث في تلك الدار مضرة على جيرانها رب الدار أو المتكاري
تسكن زوجته معه؟ قال أبو حنيفة: يسكنها معه، وقال أبو ثور: لا يسكنها معه، قال الضميري: وهو القياس وهو الظاهر على القواعد والله أعلم انتهى. وأقول: أما صحة الإجارة فالظاهر أنه لا خلاف فيها، وأما زيادة الساكن فهي مضرة يزيلها صاحب الدار إن شاء، ولا يحل له ذلك من غير إذن صاحبها وإن تقدم أن الثقل لا يؤثر في البيوت لأن ضرر الساكن لا يلزم أن يكون من جهة الثقل على أنا لا نسلم عدم الضرر من جهة الثقل أيضاً إذا كانت علوية كما هو ظاهر والله أعلم فليحرر.
قوله: في المستعير، أي له وكذا فيما بعده.
1095 - (3/563)
صفحة 1991
أو المستعير، فالذي حدثت عليه يدرك نزعها على الذي أحدثها دون من لم يحدثها، لأن كل واحد من المحدثين له حق في تلك الدار والله أعلم. والجيران الدار والحانوت منع صاحبها أن يكريها لمن يضر بهم، ومثل ذلك إذا كانت حانوت لرجل بين الصيارفة والرهادنة أو ما أشبه ذلك فأراد صاحبها أن يكريها للحداد أو الصباغ أو الطحان أو النجار أو ما أشبه ذلك مما يضر جيرانه فلهم منعه من ذلك، والأصل في هذا ألا يحدث أحد مضرة على أحد لقوله عليه السلام: (لا ضرر ولا إضرار في
قوله: والرهادنة، هكذا فيما رأيناه من النسخ وليس معناه بظاهر هنا على ما ذكره في الصحاح، حيث قال الرهادن طير بمكة، أمثال العصافير الواحد رهدن، والرهدن والرهدنة طائر يشبه الحمرة إلا أنه أديس، وهو أكبر من الحمر الخ. فلم يذكر ما يناسب هنا. والمراد أنهم أهل حرفة، لا تناسب ما ذكر فليراجع وليحرر، وسمعت أنهم في عرف أهل المغرب، أصحاب القماش والأكسية، وهو ظاهر والله أعلم.
قوله: لا ضرر ولا إضرار، هكذا فيما رأيناه من النسخ، ونص الحديث في الجامع الصغير: لا ضرر ولا ضرار، قال العلقمي: قال في النهاية: الضرر ضد النفع، ضره يضره ضراً وضراراً، وأضر به يضر إضراراً فمعنى قوله: لا ضرر. أي لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئاً من حقه، والضرار فعال، من المفاعلة. أي لا يجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه، والضرر فعل الواحد والضرار
-
-07 {- (3/564)
صفحة 1992
الإسلام)) والله أعلم.
فعل اثنين، والضرر ابتداء الفعل، والضرار الجزاء عليه، وقيل: الضرر ما تضر به صاحبك وتنتفع أنت به، والضرار أن يضره من غير أن ينتفع، وقيل هما
بمعنى، وتكرارهما للتأكيد انتهى.
code
- 565 -
(1) متفق عليه (3/565)
صفحة 1993
باب في معرفة احكام الطواريء على العقدة وذلك أنهم اختلفوا في عقد الإجارات، هل هو عقد لازم كالبيع والعقود اللازمة أم هو عقد جائز كالجغل والشركة؟ والذين قالوا إنه عقد جائز جوزوا الرجوع لمن أراده بين الاجير والمستأجر، دخل الاجير العمل أو لم يدخله، نقد الاجرة أو لم ينقدها، وأما من كان عقد الإجارة عنده عقداً لازماً إذا دخل الاجير في العمل فلا يصيب كل واحد منهما
باب في معرفة أحكام الطواريء على العقدة
قوله: الطوارئ، جمع طارئ، ولعل المراد بها الحوادث، لكن في اللغة فسر الطرء بالطلوع، قال في الصحاح: طرأت على قوم أطرأ طرءاً وطروها إذا طلعت عليهم من بلد آخر
قوله: الطوارئ على العقد الخ. إنما قال بعده واختلفوا في عقد الإجارات الخ. . لأن الذي يطرأ على نفس العقد في الحقيقة إنما هو اللزوم وعـ دم اللزوم، ولذلك اقتصر عليه والله أعلم.
قوله: لازماً إذا دخل الأجير العمل، ظاهره أنه لا يلزم عند من يقول: بلزومه إلا بالشروع في العمل، وظاهر تشبيهه بالبيع والعقود اللازمة، أنه لا يتوقف على الشروع في العمل، اللهم إلا أن يقال: لا يشبه بالعقود الملزمة عند
-077 - (3/566)
صفحة 1994
الرجوع عنده إلا فيما لا يصلان إلى عمله مما جاء من قبل الله، ويجبر الاجير على تمام العمل والمستأجر على نقد الاجرة والله أعلم. والطواريء لا تخلو أن تطرأ على الكراء أو على العمل أو على المستأجر
من يقول بلزومه إلا بعد الشروع، والظاهر أن هذا هو المعمول به كما يدل عليه قوله سابقاً، لأن كل واحد منهما له الرجوع من ذلك حتى يجب الكراء بينهما، و وقت وجوب الكراء بينها أول دخوله في العمل الخ. ولم يحك غيره، يدل على أنه المختار، وكذلك قوله بعد قليل، صريح في ذلك حيث اقتصر عليه أيضاً والله أعلم.
قوله: ويجبر الأجير على تمام العمل والمستأجر على نقد الأجرة، ظاهره أنه مفرع على أن عقد الإجارة يلزم بالشروع في العمل، وأن الأجير يستحق أجرة بتمامها إذا شرع في العمل، ولذلك يجبر المستأجر على نقد الأجرة وإلا لم يظهر للجبر فائدة، وحينئذ يشكل هذا حيث كان هذا القول: هو المأخوذ به
الأح
ما
على ما يفهم من كلامه أولاً وآخراً، كما تقدم بيانه في القولة السابقة، مع. تقدم في كلامه رحمه الله، من أن المأخوذ به أنه كلما عمل جزءاً استحق جزءاً، فإن الظاهر أنه لا يجبر إلا على قدر ما يستحق الأجير، اللهم إلا أن يقال: إنه لا يلزم من كون المستأجر لا يجبر عليها، أن الأجير يستحقها كلها ابتداء، فتندفع المنافاة، والله أعلم. فليتأمل، ويحتمل أن في النسخة إسقاط قول ثالث، وهذا مفرع عليه، وهو أن عقد الإجارة لازم مطلقاً شرع الأجير في العمل أو لم يشرع، فاستحق الأجرة بتمامها لمجرد العقد فيصح الجبر عليها كلها حينئذ، وكلامه فيما تقدم يشعر بوجود هذا القول فيتحصل في العقد ثلاثة أقوال، لازم
- 567 - (3/567)
صفحة 1995
أو على الاجير أو من هو في مقامه أعني الذي منه تكون المنفعة
مطلقاً، وغير لازم مطلقاً، والتفصيل بين الشروع وعدمه، فليراجع فليحرر والله أعلم. ويحتمل ان يكون المراد بقوله: والمستأجر على نقد الأجرة. أي بعد تمام العمل، أو المراد بالأجرة التي يجبر عليها الجزء المستحق، لقوله: كلما عمل جزءاً، استحق جزءاً والله أعلم.
وهو
المناسب
000000
- 568 - (3/568)
صفحة 1996
باب في أحكام الطواريء على الكراء وذلك إذا استأجر رجل رجلاً لعمل معلوم بهذا العبد أو بهذه الدابة أو بهذا الفدان أو ما أشبه ذلك من الكراء المعين، ثم باع ذلك رب العمل أو وهبه أو أصدقه أو هلك ذلك الشيء من قبل الله قبل دخول الأجير في العمل، ثم عمل بعد ذلك الأجير العمل فله كراء مثله إن علم بذلك، ولو رجع ذلك الشيء إلى صاحبه بوجه من وجوه الأملاك قبل دخول الأجير في العمل، لأن اتفاقهما الأول ينتقض حين باع ذلك الشيء صاحبه، لأن كل واحد منهما له الرجوع ما لم يدخل الاجير في العمل وإن لم يعلم الاجير بذلك فله ذلك الشيء بعينه إن رجع إلى صاحبه أو قيمته إن لم يرجع إليه أو هلك بعد الرجوع، لأن رب العمل قد غر
باب في أحكام الطوارئ على الكراء
قوله: قبل دخول الأجير، يعني وأما بعد دخول الأجير فليس له شيء من ذلك، وجميع تلك الأفعال باطلة لتعلق حق الأجير به، ولأنه ليس له الرجوع بعد دخول الأجير في العمل. قوله: أو قيمته إن لم يرجع اليه، ينظر هل المعتبر قيمته يوم الهلاك أو
يوم
-079 - (3/569)
صفحة 1997
الاجير حين لم يخبره بما فعل في شيئه، وإن هلك ذلك الشيء في يدرب العمل بعد دخول الأجير في العمل وكان مما تقبضه الأيدي فرب العمل ضامن لقيمة ذلك أتم الاجير العمل أو لم يتمه، وإن كان ذلك مما تقبضه الايدي وهلك في يد الاجير فهو له ضامن دخل في العمل أو لم يدخل، لأنه إنما أخذه على وجه الإجارة بمنزلة البائع أن أخذ الثمن من عند المشتري على البيع فضاع في يده، و على الاجير بعد ذلك تمام العمل أو رد قيمة ذلك الشيء، فهذا يدل منهم أن
الاستحقاق، وظاهر كلامه بعد حيث قال في تضمين الأجير بمنزلة البائع إن أخذ الثمن من عند المشتري الخ. ربما يدل على أن المعتبر القيمة. الهلاك والله
اعلم، فليحرر.
يوم
قوله: وكان مما تقبضه الأيدي، يعني وأما ما لا تقبضه الأيدي كالأرض، وما اتصل بها فإن حكمه كحكم ما في يد الأمين إذا هلك، ويؤخذ من كلامه هنا أن الضمان هنا ضمان تهمة، فلذلك فرق بين ما يغلب عليه وما لا يغلب عليه
والله أعلم. قوله: أتم الأجير العمل أو لم يتمه، إنما يضمن له وإن لم يتم العمل، لأنه حين
شرح وجب عليه الإتمام، فصار مستحقاً للأجرة والله أعلم. قوله: أو رد قيمة ذلك الشيء، إنما يصح هذا إن لم يدخل في العمل أو رضي صاحبه بالفسخ كما هو معلوم على الراجح من عدم الرجوع بعد الشروع، ويمكن أن يكون فيه نشر مرتب على اللف فتمام العمل راجع لقوله: دخل في العمل، وقوله: أو رد قيمة ذلك راجع لقوله أو لم يدخل، لكن المراد في الثاني إن شاء رد القيمة والله أعلم.
- 570 - (3/570)
صفحة 1998
قيمة ذلك الشيء تكون للأجير كراء مثله إن عمل بعد ذهاب ذلك العمل لأن اتفاقها الاول قد انتقض لذهاب ذلك الشيء كما ذكرنا في المسألة الأولى والله أعلم. وإن جعلا ذلك الشيء في يد الأمين فهلك في يده، فهو من مال صاحب العمل ما لم يدخل الأجير في العمل لأنه ماله،
قوله: إن قيمة ذلك الشيء تكون للأجير كراء مثله، وجه الدليل أنه لما ضاع ذلك الشيء قبل العمل ترتبت قيمته في ذمته، فإما أن يردها أو تكون في نظير عمله وهي كراء المثل لانتقاض اتفاقها، كما قال رحمه الله، يعني ولا يحتاج إلى قيمة العدول في هذه الصورة والله أعلم.
قوله: العمل، مفعول مطلق لقوله: إن عمل.
•
قوله: كما ذكرنا في المسألة الأولى، القياس على المسألة الأولى يقتضي أنه لا
، ولم
ينتقض إتفاقهما بذهاب الشيء من يد الأجير إلا إذا علم المستأجر بذلك، يدخل الأجير في العمل، فحينئذ يكون له كراء المثل فتكون قيمة الذهاب قائمة مقامه، وأما إذا لم يعلم المستأجر بذلك أو دخل الأجير في العمل، فالظاهر أنه لا ينتقض اتفاقها حينئذ فيمضي بتلك الأجرة الذاهبة لا بقيمتها، وربما يرشد لذلك قوله: كما ذكرنا في المسألة الأولى، والأمر في ذلك سهل لأنه ليس له ثمرة في الخارج سواء مضى بالأجرة أو بقيمتها والله أعلم.
قوله: فهو من مال صاحب العمل، يعني فإن عمل بعد ذلك استحق كراء مثله، لا قيمة ذلك الشيء إذا علم، وأما إن لم يعلم فله قيمة ذلك الشيء كما يعلم مما تقدم والله أعلم.
1971 - (3/571)
صفحة 1999
وإن هلك بعد ما دخل الأجير العمل فهو بينهما جميعاً على قدر ما لما فيه لأن الأمين جعلاه في مقامهما جميعاً، وإن هلك بعد ما أتم الأجير العمل فهو من مال الأجير لأنه هو أيضاً ماله والله أعلم
•
قوله: فهو بينهما جميعاً الح. ينظر هل للأجير إذا أتم العمل بعد ذلك بقية قيمة ذلك الشيء أو كراء المثل؟ وهو الظاهر لأن المستأجر غير ضامن في هذه
الصورة وا والله أعلم، فليحرر. (3/572)
صفحة 2000
باب في معرفة احكام الطواريء على العمل أعني محل استيفاء المنفعة، وذلك إذا استأجر رجل رجلاً لحرث
أرضه هذه أو الحصاد زرعه هذا أو ما أشبه ذلك من العمل المقصود إليه بكراء معلوم، ثم باع تلك الأرض أو ذلك الزرع ربه قبل دخول الأجير في العمل، أو وهبها أو أصدقها ثم رجعت إليه بوجه من وجوه الأملاك قبل دخول الأجير في العمل ثم عمله بعد ذلك فله ذلك الكراء
باب في معرفة احكام الطواريء
قوله: قبل دخول الأجير في العمل الخ. يعني وأما بعد دخول الأجير، فالظاهر أنه ليس له ذلك، لأنه لا رجوع بعد الشروع في العمل فإن فعل، فالظاهر أنه لا تلزمه الأجرة كاملة، لأن ذهاب محل المنفعة جاء من قبله، لا من قبل الله، والله أعلم، فليحرر.
قوله: قبل دخول الأجير في العمل، وأما إن لم ترجع بعد دخول الأجير في العمل فمفهومه أنه يكون له كراء المثل، لكن ينظر في كراء عمل الأجير في تلك الأرض قبل رجوعها على من يكون؟ والظاهر أنه على من استأجره لأنه غرة حيث لم يخبره بما فعل في تلك الأرض، وانظر هل له الرجوع على من انتقلت اليه تلك الأرض مثلا أو لا؟ لأنه لم يأمر بذلك ولم يعلم به والله أعلم،
فليحرر
- 573 - (3/573)
صفحة 2001
الذي استأجره عليه إن لم يعلم بما فعل رب الأرض في أرضه؛ لأنه غره حين لم يخبره بما فعل من ذلك، وإن علم الأجير أنه قد باع أو وهب أو أصدق قبل العمل ثم رجعت إليه بوجه من وجوه الاملاك، ثم عمد الأجير إلى العمل فعمله بعد ما علم بما ذكرناه فله أجر عنائه بنظر أهل العدل ولا يدرك الكراء الاول، لأن الكراء الاول قد انفسخ بما بينهما، لأن ذلك العمل من صاحب العمل بمنزلة الرجوع من الاتفاق الذي بينهما لأن كل واحد منهما له الرجوع ما لم يدخل في العمل والله أعلم. وإن استأجر رجل رجلاً ليرعى له هذه الغنم بكذا وكذا في السنة أو لنقل طعامه هذا على دابته إلى بلد معروف بكراء معلوم ثم ملك ذلك الطعام في بعض الطريق أو هلكت الغنم في بعض السنة فليس لرب الدابة من الكراء إلا بقدر ما سار من الطريق بذلك الطعام قبض الكراء أو لم يقبضه، وكذلك الراعي ليس له إلا بقدر ما رعى من السنة قبض الكراء أو لم يقبضه، لأن هذا مما جاء من قبل الله ولا يكلف رب الطعام والغنم أن يأتي للأجير بطعام أو غنم آخر
قوله: فله أجر عنائه الخ. أنظر لم يجعل الإجير ها هنا متبرعاً حيث علم بما فعل المستأجر، وإن ذلك يعد رجوعاً وفسخاً لعقد الإجارة بينهما، اللهم إلا أن يقال: إنه ربما يعتقد أنه حيث رجع ذلك الشيء إلى المستأجر فهما على اتفاقها، فعمل بناء على ذلك الاعتقاد، فلذلك لم يعد متبرعاً والله أعلم، فليحرر،
- 574 - (3/574)
صفحة 2002
لأنه معذور، كما أنه لو ذهبت العين التي فيها المنفعة، ومنهم من يقول: إن قبض الأجير الكراء فليس عليه رد ما بقي من الطريق ولا من السنة في رعاية الغنم؛ فإن شاء رب الطعام أو الغنم دفع إليه مثل ذلك الطعام أو تلك الغنم فينقل له الطعام أو يرعى له الغنم على ما اتفقا عليه وإن شاء ترك، وكذلك أيضاً إن استرضع لطفله امرأة بأجرة معلومة فنقد لها الأجرة ثم مات الصبي أو استغنى أو أبي أن يقبل منها قبل تمام الرضاعة ففي ذلك قولان: منهم من يقول ترد، ومنهم من يقول لا ترد، وأما إن حدث في الصبي ما يضرها إن أرضعته مثل الجذام أو البرص فأبت أن ترضعه فإن الولي يقاصصها بما أرضعت وترد البقية، لأن الولي له الحجة في ذلك، ولذلك يدرك عليها أن ترد إلا أن رضيت أن ترضعه على ذلك الحدث فلا يدرك عليها الولي بعد ذلك الرد، وكذلك أيضاً إن حدث فيها هي ما يضر بالصبي إن استرضع لها أو غار لبنها أو استبان بها حمل
قوله: كما أنه لو ذهبت العين الخ. الجواب محذوف تقديره فإنه يكون معذوراً لوجود شرط الحذف، وهو كون الشرط ماضياً ودل عليه الدليل، مثال ذهاب محل المنفعة أن يؤجره دابة فتموت أو سفينة فتنكسر فإنه لا يكلف
غير هما
قوله: ومنهم من يقول لا ترد، يعني ولكن يأتي بمثله إن شاء على ما تقدم. قوله: أو البرص، في كون البرص مضراً بها نظر.
- 575 - (3/575)
صفحة 2003
ولم يرض ولي الصبي أن يسترضعه لها على ذلك فإنه يقاصصها بما أرضعت ويرد البقية لأن المنع جاء من قبلها، وهذا كله في قول من يجوز من الفقهاء الإجارة على الرضاع، وأما في قول من لم يجوزها لأنه مجهول لا يدري ما ترضعه ولا يأخذه كيل ولا وزن فلتأخذ عناء ما أرضعت. وسبب اختلافهم في هذه المسألة والمسائل الأولى فيما يوجبه النظر تعيين محل المنفعة، هل يوجبه الفسخ بعد ذهاب المحل أم لا يوجب ذلك؟ فإذا كان لا يوجب الفسخ لم يجب على الأجير الرد، فإذا كان يوجب الفسخ وجب عليه الرد، وهذا الاختلاف بينهم فيما يوجبه النظر وجدته في الأثر إنما هو بعد قبض الأجير الكراء، وأما قبل
قوله: ويرد البقية، أي منها
(1)
قوله: وأما في قول من لم يجوزها الخ. يخشى على صاحب هذا القول والعياذ بالله أمر عظيم بعد قول الله تعالى: وإن أرضعن لكم فأتوهن أجور من)) وقوله: وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم كم (2) والله أعلم، اللهم إلا أن تحمل الأجرة عنده على العناء من غير اتفاق، وإن كان خلاف المتبادر من الآية والله أعلم، فليحرر قوله: فيما يوجبه النظر، وجدته في الأثر، لعله فيما أظن أو نحو ذلك فليراجع. أو المناسب أن يقول: وهذا الاختلاف مما وجدته في الأثر: وهو فيما يوجبه
•
النظر إنما هو بعد الخ.
(1) سورة الطلاق: 6.
(2) سورة البقرة: 233
- 576 - (3/576)
صفحة 2004
القبض فلا، لأن الإجارة من غير نقد الكراء شبيهة من البيوع بيع الدين بالدين، لأن المنفعة معدومة والكراء معدوم، ولذلك ضعفوها قبل أن يقبض الأجير الكراء فيما يوجبه النظر والله أعلم. وإن استأجره لردم حفرة معلومة في أرضه أو لسد ثلمة في بستانه بكراء معلوم فنقده الكراء فعمل منه بعضه ثم مر به سيل فمر بجميع ما عمله الأجير فليس على الأجير ضمان ما حمله السيل وذهب به؛ إلا أن يكون غر صاحب العمل في عمله ودلسه فعليه عمله ثانية وتمام ما بقي، وإن لم يدلس وعمل كما يعمل فلا ضمان عليه، ورب العمل بالخيار إن شاء ابتدأ بعمله
قوله: وأما قبل القبض فلا، أي فليس الأمر كذلك، يعني أنهم اتفقوا انه لا يدرك الأجير بقية الأجرة بعد حصول المذر من استيفاء العمل حيث لم تقبض والله أعلم قوله: من غير نقد الكراء شبيهة الخ. يعني وأما شبيهة بالسلم وهو مجمع عليه، فلذلك كانت قوية والله أعلم.
مع نقد الكراء، فإنها
قوله: شبيهة من البيوع بيع الدين بالدين الخ. هذا التشبيه يقتضي بطلان الإجارة التي لم ينقد فيها الكراء، مع أن الظاهر أنه لا قائل به، اللهم إلا أن يقال: إن المشبه لا يعطى حكم المشبه به من كل وجه، ولذلك صحت بخلاف بيع الدين بالدين والله أعلم، فليحرر.
قوله: ورب العمل بالخيار الخ. انظر هل يثبت الخيار للأجير أيضاً بين الرد وعمل الجميع بتلك الأجرة ولا يجبر على الرد إذا رضي بعمل الجميع لأنه قد
- 577 -
دم 37 - الإيضاح، (3/577)
صفحة 2005
حتى ينتهي إلى الحد الذي عمله الأجير، ويكون على الأجير بعد ذلك تمام العمل، وإن شاء رد عليه من الكراء بقدر ما بقي من العمل بحسابه وإنما لم يكن على رب العمل في هذا الموضع أن يعمل ما ذهب لأنه من عمل الاجير، وإن لم يكن الأجير قبض الكراء فليس له إلا ما عمل بحسابه كما ذكرنا قبل هذا، وإن استأجره لردم حفرة معروفة أو لنقل حجارة أو تراب معروف بكراء معلوم فعمل من هذا بعضه، ثم مر به سيل أو واد فردم تلك الحفرة حتى انتهى إلى الحد الذي اتفقا عليه أو
شرع في العمل وإن ذهب ما عمل، او يجبر على الرد حيث ثبت الخيار لرب العمل ولا ينظر لغير ذلك؟ والظاهر الأول يقيد اختيار رب العمل بما إذا لم يرض الأجير والله أعلم، فليحرر.
قوله: وإن شاء رد عليه الخ. ينظر هل رب العمل بالخيار ما لم يقبض من الأجير ما بقي عنده ولو طلبه في الرد أو يبطل خياره بمجرد الطلب، ولو رضي ذلك؟ بالعمل بعد. و المتبادر من كلامه الأول ثم الحكم عليه بالرد إن اختاره رب العمل، إنما يتمشى على القول الأول فقط، كما تقدم والله اعلم، فليحرر. قوله: لأنه من عمل الأجير، يعني فلا يكلف رب العمل إعادته كما لا يكلف الأجير ذلك أيضا
قوله: فليس له إلا ما عمل بحسابه، و لعل محله إذا لم يرض الأجير بعمل الجميع كما تقدم، لأنه قد شرع، ثم ظاهره أنه لا يثبت لرب العمل الخيار في هذه الصورة، والفرق بين الصورتين أن في الأولى مولى العقد بنقد الأجرة بخلافه في الثانية، كما يفهم مما تقدم والله أعلم، فليحرر.
- 578 - (3/578)
صفحة 2006
نقل الحجارة أو التراب إلى الموضع الذي اتفقا عليه فليس له من الكراء إلا بقدر ما عمل فيه قبل حمل السيل إياه، وإن لم يكن عمل شيئاً فليس له من الكراء شيء، نقده الأجرة أو لم ينقده، لأنه قد اتفق معه على مقصود بعينه فعمل بعضه فليس له إلا بقدر ما عمل، سواء قبض الكراء أو لم يقبضه، وكذلك إذا استأجره أن يستقي له ماء فيملأ به جباً معروفاً بكراء معلوم، أو استأجر منه دابة ليحمل عليها متاعاً معروفاً إلى بلد معروف، ثم أخذ عليه المطر حتى امتلأ الجب أو وقع عليهم غاصب فأخذ منهم الدابة مع حملها، فحمل الغاصب ذلك الحمل على تلك الدابة إلى الموضع الذي اتفقا عليه ثم قدر على الغاصب في ذلك الموضع فليس له على رب المتاع من الكراء إلا بقدر ما كان من العمل قبل أن تؤخذ الدابة من أيديهما، وليس عليه كراء ما عمل الغاصب عليها، لأن ذلك الشيء لم يقدر عليه وهو على الغاصب، وكذلك في المطر ليس على رب العمل من الكراء إلا ما كان قبل المطر، وإن لم يكن الأجير عمل شيئاً فليس له شيء، وكذلك السفينة إن استأجرها أن يحمل عليها متاعاً معلوماً إلى
قوله: فعمل بعضه، لاحاجة إليه بحسب الظاهر إن كان من المسألة الأولى للاستغناء عنه بقوله أولا: فعمل من هذا بعضه، ويحتمل أن في النسخة سقطاً، وهذا مفرع عليه فليراجع والله أعلم.
-049 - (3/579)
صفحة 2007
بلد معلوم فساروا إلى بعض الطريق، فردهم الريح إلى الموضع الذي خرجوا منه أو حملهم الريح إلى موضع آخر غير الموضع الذي يريدونه، أو سار بهم حتى جاوز بهم الموضع الذي يريدونه فليس عليه في هذا كله كراء ما جاوز بهم الريح الموضع الذي يريدونه ولا كراء رجوعهم، لأن هذا كله ليس من فعلهم، والريح في هذا بمنزلة الغاصب وليس عليه في هذا من الكراء إلا ما سار بهم الريح متوجهين إلى الموضع الذي يريدونه أول مرة، وليس أيضاً على صاحب السفينة إن حملهم الريح إلى غير الموضع الذي يريدونه ردَّهم إلى الذي خرجوا منه ولا وصولهم إلى موضع آخر غيره إذا كان ذلك الموضع الذي وقعوا فيه من المناهل الذي يأمن الناس فيه ويسافرون إليه، وإن لم يكن ذلك الموضع من مواضع العمارة والأمان فعليه
قوله: وإن لم يكن ذلك الموضع من مواضع العمارة والأمان الخ. ينظر هل عدم الأمن شامل للبلاد التي يؤخذ فيها على رزقهم المكس إذا أنزلوه فيها، وهو الظاهر لأنهم لم يأمنوا على رزقهم في الجملة، فلو شحن تجار رزقهم مثلاً في سفينة من (الإسكندرية (بكراء معلوم إلى (سوسة) فحمل الريح السفينة إلى طرابلس، فأراد صاحب السفينة تنزيل رزقهم فيها فامتنع من ذلك أصحاب المتاع لما يترتب عليهم من المغرم، فليس له ذلك، ويجب عليه إيصالهم إلى موضع الإتفاق أو إلى موضع لا غرم فيه إن لم يقدر على موضع الاتفاق؟ أو المراد بمواضع العمارة والأمان، المواضع التي ليس فيها إغارة ولا نهب والله أعلم،
فليحرر.
-
11.3 (3/580)
صفحة 2008
إيصالهم إلى مواضع العمارة والأمان وليس له على ذلك كراء، لأنه حق واجب عليه إلا إن كانوا قاصدين الموضع الذي يؤملونه أول مرة والله أعلم. وإن استأجره الحفر جب أو غار بعدد أذرع يسمونها في الطول والعرض والعمق بكراء معلوم ثم حفر الأجير بعضه فإذا هو بتربة لينة ألين مما يعرفونه في غير ذلك الموضع فلرب العمل منعه من تمام العمل حتى يتفقا على الكراء مرة أخرى، وإن تركه ولم يمنعه من تمام العمل حتى أتمه
الأمان
قوله: إلا إن كانوا قاصدين الخ. المتبادر أنه مستثنى من قوله: وليس له على ذلك كراء، يعني أنه لا يدرك عليهم الكراء في إيصالهم إلى موضع إلا إذا كان ذلك في سره متوجها إلى جهة الموضع الذي يؤملونه، فإنه يدرك عليهم من الكراء بقدر ما سار إلى تلك الجهة، إذا وصل بهم إلى موضع الأمان وإن لم يصل إلى موضع الاتفاق، وظاهره أنه إذا وصل إلى موضع جازله إنزال رزقهم فيه، وإن لم يرضوا بذلك، ولعل محله إذا لم يجد إلى الوصول إلى موضع الإتفاق سبيلاً، وإلا فالظاهر أنه يجب عليه ذلك إذا طلبوه، لأن القاعدة أن أن الأجير إذا شرع في العمل جبر على إتمامه كما تقدم، وأما الريح فجرت فيه عادة الله أنه إذا لم يعتدل في هذا الوقت عدل في غيره، ويحتمل أن قوله: إلا إن كانوا قاصدين الموضع الذي يؤملونه أول مرة مستثنى من قوله ولا وصولهم إلى موضع آخر غيره، والمعنى أنه ليس عليه ردهم إلى الموضع الذي خرجوا منه ولا وصولهم إلى موضع آخر غيره إلا إذا طلبوا موضع الإتفاق، فلهم ذلك إذا وجدوا إليه سبيلاً، وهذا هو الظاهر وإن كان بعيداً من العبارة والله أعلم، فليحرر.
18411 (3/581)
صفحة 2009
وجد
فله أجرته التي اتفقا عليها في المرة الأولى ويكون ذلك من رب العمل مسامحة للأجير، ومنهم من يقول: يرد إلى كراء مثله إذا كان داخله ألين مما كانوا يظنونه في ذلك الموضع، لأن ذلك خالف اتفاقهما، وكذلك إن الأجير داخل ذلك أشد وأغلظ من خارجه فله ترك العمل حتى يتفقا مرة ثانية، وإن عمله على ذلك فله أجرته الأولى التي اتفقا عليها، ومنهم من يقول: يرد إلى كراء مثله كما ذكرنا في المسألة الأولى، وأما إن حفر الأجير حتى انتهى إلى حفر قديم كان فيه خالياً ليس فيه شيء أو ليس فيه إلا التراب المحفور، وقد كفي مؤنة الحفر فليس له إلا بقدر ما عمل من عمله وعناء ما حمل من التراب المحفور بعد ما وجده والله أعلم. وإن استأجر رجل من رجل دابة ليحمل عليها له طعاماً معروفاً من بلد معروف إلى الموضع الذي هما فيه فمر بالدابة إلى الموضع الذي فيه الطعام فوجده قد هلك، أو منعه من أخذه مانع فلرب الدابة عليه كراء دابته ذاهبة، لأن ذهابه إلى ذلك الموضع هو من
قوله: ويكون ذلك من رب العمل مسامحة، هذا ظاهر إذا علم بذلك وسكت، وأما إن لم يعلم، فالظاهر أنه يرد إلى كراء مثله قولاً واحداً والله أعلم، فليحرر. قوله: ألين مما كانوا يظنونه في ذلك الموضع، أي بالقياس على غيره من المواضع القريبة منه قوله: كراء دابته ذاهبة الخ. ذهب الشافعي إلى أنه يلزمه إعطاء الكراء
-582 - (3/582)
صفحة 2010
العمل المتفق عليه، ومنهم من يقول: عليه كراؤها راجعة، فهؤلاء يدل من قولهم أن الذهاب ليس هو من العمل وإنما هو على الأجير، ويكون الرجوع من العمل المتفق عليه، وفرق بعض بين أن ترجع الدابة حاملة أو فارغة فأوجبوا الكراء إن رجعت فارغة، ولم يوجبوه إن رجعت حاملة لغيره بالكراء، ومنهم من يقول: ليس عليه شيء رجعت حاملة أو فارغة، فلعل هؤلاء ذهبوا إلى أن الكراء إنما وقع على حمل الطعام، وهذا لم يحمل شيئاً على دابته والله أعلم. وإن استأجر رجل رجلاً ليرعى له غنمه هذه بكذا وكذا في السنة فرعاها بعض تلك السنة فخرجت تلك
جميعاً قال: لأن المنع إنما جاء من قبله ولأنه له أن يحمل بدله والله اعلم. قوله: ومنهم من يقول عليه كراؤها راجعة، تظهر ثمرة الخلاف فيما إذا هلكت الدابة بعد وصولها وقبل رجوعها والله أعلم. والظاهر أن المراد إن رجعت فارغة كما هو ظاهر، ويكون الفرق بينه وبين الذي بعده أن هذا يقول: إن رجعت فارغه أعطى من الكراء ما يراه العدول من تلك الأجرة مثلا والذي بعده يقول: إن رجعت فارغة ألزم بالكراء كله كما هو مذهب الشافعي والله اعلم، فليحرر.
قوله: وفرق بعض الخ. هذا الفرق هو الظاهر لكن بقي الكلام عنده فيما إذا رجعت كيف الحكم عندهم؟ هل يعطى كراء الذهاب أو الرجوع او كلاهما، وربما يشعر تعريف الكراء في قوله: فأوجبوا الكراء ان المراد به الكراء المتفق عليه لأن المنع جاء من قبله، كما ذهب اليه الشافعي والله أعلم،
فليحرر.
- GAY- (3/583)
صفحة 2011
الغنم حراماً، فعلى الأجير أن يدفعها إلى أربابها إن علمهم وعلم أنها غصبت منهم، ولا يدفعها إلى من استأجره عليها إلا أن يكون قد عرف منه التوبة وطلب الخلاص فلا بأس، وعلى الذي استأجره أجرته دفع الغنم إليه أو دفعها إلى أربابها لأنه هو الذي استأجره.
قوله: فعلى الأجير أن يدفعها إلى أربابها إن علمهم، ظاهره إن علمهم وجب عليه دفعها لهم، وإن كان يحصل الضرر من الغاصب مثلاً وفيه تأمل ثم قوله: إن علم مفهومه أيضاً انه إن لم يعلمهم لا يدفعها لهم، وهو كذلك لعدم تأتيه لكن ينظر هل يجوز له رعيها حينئذ؟ أو لا حيث علم بالغصب مطلقاً وهو
الظاهر والله أعلم، فليحرر.
- 584 - (3/584)
صفحة 2012
باب في أحكام الطواريء على الـ
والمستأجر ومن تكون منه المنفعة كالأجير، وذلك إذا استأجر رجل رجلاً لعمل معلوم بأجرة معلومة ثم نقد له الأجرة فمات الأجير قبل تمام العمل فورثته بالخيار إن شاؤوا أتموا ما بقي من عمل مورثهم
وليس عليهم الرد وإن شاءوا ردوا على رب العمل بقدر ما بقي من العمل بحسابه، وإنما كان الورثة بالخيار لأنهم في مقام مورثهم وليسوا بأجراء للمستأجر فيجبرون على العمل، وإن مات رب العمل قبل تمامه فورثته
باب في احكام الطواريء على الاجير
قوله: لأنهم في مقام مورثهم، أي فلذلك جاز لهم العمل.
قوله: وليسوا بأجراء، أي فلذلك جاز لهم الرد، ولم يجبروا على العمل. قوله: فيجبرون، لعنه فيجبروا بحذف النون لانه منصوب في جواب النفي ثم ظهر أنه يجوز الرفع أيضاً، فيكون النفي منصباً عليه أيضاً على حد ولا يؤذن لهم فيعتذرون) (1)
(1) سورة المرسلات: 36.
18401 (3/585)
صفحة 2013
أيضاً بالخيار، إن شاؤ اتركوا الأجير لتمام عمله، وإن شاؤا استردوا منه الأجرة بقدر ما بقي من العمل بحسابه، ومنهم من يقول: لا يدركون منه الرد، وذلك لأنهم في مقام مورثهم، والذي يكون منه العمل موجود وهو الأجير، وسبب اختلافهم فيما يوجبه النظر، هل عقد الإجارة عقد لازم جائز؟ فإذا كان جائزاً فورثة رب العمل بالخيار، وإذا كان لازماً فليس لهم على الأجير إلا تمام العمل كما لمورثهم والله أعلم. وإن استأجره أن يرعى له الغنم بكذا وكذا في هذه السنة أو ليخدمه بكذا وكذا في
قوله: إن شاؤا تركوا الأجير الخ. يعني لأنهم في مقام مورثهم إن شاؤوا ردوا منه، أي لأنهم لم يستأجروه. قوله: وسبب اختلافهم فيما يوجبه النظر، هل عقد الاجارة عقد لازم؟ الخ. ظاهره بل صريحه أنه إذا كان عقد الإجارة لازما لا يثبت للورثة الخيار، والظاهر أنه يثبت عند بعضهم، وإن كان عقداً لازماً، ويكون سبب الخلاف، هل ينزلون منزلة مورثهم من كل وجه فلا يكون لهم الفسخ أولا ينزلون فيكون لهم الفسخ؟ ولأنه إذا كان. سلب الخلاف ما ذكر لا يتوقف جواز الفسخ على الموت والمراد بيان اختصاص الوارث بشيء لم يثبت لمورثه، لأن المذهب أنه في مثل هذه الصورة ليس لأحدهما الرجوع، لكن من حجة الوارث أن يقول: لا تستحق من الاجرة إلا بقدر ما عملت، وما بقي حق لي واللزوم إنما هو بينك وبين المستأجر والله أعلم، فليحرر. قوله: وإذا كان لازماً الخ. هذا هو المختار كما تقدم إذا شرع الأجير الأجير في العمل فكما لا يدرك الرجوع لا يدرك عليه والله اعلم.
- 586 - (3/586)
صفحة 2014
هذه السنة فنقده الأجرة فمرض الأجير شهراً أو شهرين من السنة أو أكثر من ذلك ولم يعمل شيئاً فعليه رد ما ينوب الشهر الذي مرض فيه، لأن الحر لا يباع ولا يجري عليه معنى البيع، ومنهم من يقول: ليس عليه الرد، وذلك لأن المستأجر كمن اشترى قوة الأجير في هذا، والقول الأول أصح، وإن لم ينقد الكراء للأجير في هذا كله فلا يدرك هو ولا ورثته إن مات إلا بقدر ما عمل من العمل كما ذكرنا قبل هذا،
بعد
قوله: وإن لم ينقد الكراء في هذا كله فلا يدرك الخ. ظاهر هذا الكلام بل صريحه يقتضي أن الاجير اذا لم يقبض الأجرة جاز له الرجوع عن العمل، مع أن المفهوم من كلامه فيما تقدم مراراً أن المأخوذ به أن كل واحد منهما له الرجوع ما لم يشرع الأجير في العمل، فإذا شرع فليس لواحد منها ذلك، نقد الاجارة أو لم ينقدها، اللهم إلا أن يقيد بما إذا نقد الأجرة، بدليل ما هنا وبدليل ما تقدم في الطوارئ على العمل من التفرقة بين الاجرة المنقودة وغيره، حيث قال: تشبيه غير المنقودة ببيع الدين بالدين ولذلك ضعفوها قبل قبض الاجير الكراء، فيتحصل على هذا في عقد الإجارة على ما يفهم من كلامه أولاً آخراً أربعة أقوال: أحدها أنه لازم مطلقاً، والثاني أنه غير لازم مطلقاً، والثالث أنه لا يلزم إلا بالشروع، والرابع أنه لا يلزم إلا بالشروع ونقد الاجرة، وهو المأخوذ به على ما يفهم من كلامه، وإن لم يتعرض له في بيان الخلاف في عقد الإجارات، ثم قوله كما ذكرناه قبل هذا، الظاهر أن المراد به ما تقدم من التفرقة بين الاجارة المنقودة وغيرها، وأن غير المنقودة ضعيفة، ويحتمل أن المراد ما تقدم من أن المأخوذ به أنه: كلما عمل جزءاً استحق جزءاً والله اعلم.
- PAY - (3/587)
صفحة 2015
وكذلك أيضاً إن استأجره لحصاد الزرع عنده كذا وكذا يوماً بأجرة معلومة، فمر به إلى زرعه فمنعه خوف أو مطر من حصاده فله عناؤه في تلك الأيام التي منع منها، ومنهم من يقول: ليس له عليه شيء والله أعلم. وإن أكري رجل لرجل داره أو عبده أودا بته بكراء معلوم إلى أجل معلوم فيات رب الدار أو الدابة أو العبد قبل تمام الأجل فلا يدرك ورثته دخول الدار ولا منع المتكاري الدابة و العبد حتى ينقضي أجل الكراء لأن مورثهم كمن باعهم ويقسمون ماله كله إلا العبد أو الدابة أو الدار حتى يفي الشرط، وإن مات المتكاري قبل تمام هذه المدة فمثل ذلك فليس لورثته إلا سكن الدار أو استخدام العبد أو الدابة إلى انقضاء الأجل لأن هذا بمنزلة البيع، والشيء الذي تكون منه المنفعة موجود، وعلى مذهب
رحمه
سب
قوله: فله عناؤه في تلك الايام التي منع فيها ومنهم من يقول الخ. لم يبين الله سبب الخلاف ولا ما هو المأخوذ به، والظاهر والله أعلم أن. الخلاف ما تقدم من كون المستأجر كمن اشترى قوة الأجير في تلك المدة، والحر لا يباع ولا يجري عليه معنى البيع، إن عمل شيئاً استحق كراءه وإلا فلا فيكون القول الثاني هو الاصح، وربما يشعر بذلك التشبيه في قوله: وكذلك أيضاً، فكما أن الاصح في المسألة الأولى انه يرد إن لم يعمل كذلك يكون الاصح هنا أنه لا يدرك إن لم يعمل ألا أن المناسب تقديمه ليساوي المسألة الأولى في تقديم الاصح والله أعلم فليحرر.
- OAA- (3/588)
صفحة 2016
الذين يقولون عقد الإجارة عقد جائز، فلورثة كل واحد منهما الرد على صاحبه، وهذا إذا قبض رب الدار أو العبد أو الدابة الكراء، وأما إن لم يكن قبضه فليس للمتكاري إذا مات رب الدار أو العبد أو الدابة ولا لورثته هو إذا مات إلا بقدر العمل، فمن شاء منهما رد ذلك إذا مات
قوله: فلورثة كل واحد منها الرد، اي كما يثبت بذلك لمورثهم، حيث كان غير لازم والله اعلم. قوله: وهذا اذا قبض الخ. اي ما تقدم من عدم رد على القول بأنه عقد لازم انما يصح اذا قبض الاجرة، وهذا يؤيد ما ذكرنا من استحداث قول رابع هو الصحيح وتقييد للصحيح من عدم الرجوع بعد الشروع با اذا نقد الاجرة
والله اعلم. قوله: الا بقدر العمل، الطاهر أن الباء زائدة في اسم ليس لوجود شرط
زيادتها فيه، وهو تأخيره الى موضع الخبر كما نص عليه في المغني.
قوله: فمن شاء منهما رد ذلك اذا مات أحدهما، ظاهر هذا التقييد يقتضي ان ثبوت الخيار في اتمام العقد وفسخه بعد الشروع في العمل اذا لم تقبض الاجرة انما هو لورثة احدهما دون الاجير والمستأجر فيما بينهما، وهو المناسب الاطلاقات السابقة في كون العقد يلزم بالشروع في العمل، لكن يخالف صريح قوله قبيل هذا: وان لم ينقد الكراء للأجير فلا يدرك هو ولا ورثته ان مات الا بقدر ما عمل كما تقدم التنبيه عليه والله اعلم، فليحرر. فإنه متدافع بحسب الظاهر في نظرنا القاصر، ويجاب بأن المورثين حكمهما كذلك على الراجح
والله اعلم قوله: اذا مات احدهما، فمن باب أولى اذا ماتا معاً
-019 - (3/589)
صفحة 2017
أحدهما والله أعلم. وعلى هذا إذا استأجر رجل من رجل دابة ليحمل عليها متاعاً معروفاً إلى بلد معروف بكراء معروف فسار إلى بعض الطريق فمات رب الدابة فلصاحب المتاع حمل متاعه على الدابة بقية طريقه إلى الموضع الذي اتفقا عليه ثم عليه وصول الدابة إلى الورثة، وكذلك إن مات صاحب المتاع فلصاحب الدابة أيضاً إيصاله إلى الموضع، لأنه وإن مات أحدهما فالشيء الذي تكون منه المنفعة موجود والله أعلم. وأما الطواريء التي تطرأ على من تكون منه المنفعة، وذلك إذا استأجر رجل من رجل عبده أو دابته أو ما أشبه ذلك بأجرة معلومة في هذه السنة فمرض العبد أو الدابة عند رب العمل شهراً أو شهرين أو هربا أو ماتا
نقدها،
قوله: لانه وإن مات احدهما الخ. ظاهره أن هذا الفرع متفق عليه، ولعله لضرورة عدم حضور وارث الدابة في المسألة الاولى وعدم حضور وارث المتاع في المسألة الثانية كما يفهم من قوله: ثم عليه وصول الدابة الى الورثة الخ. وإلا فقياس كلامه السابق عند موت احدهما التفرقة بين نقد الاجرة وعدم وأنه إذا نقد الاجرة أيضاً لم يتفقوا على عدم الفسخ بل القائل به من قال: ان عقد الاجارة لازم بخلاف من قال إنه جائز كما ذكره قبل بقليل، ويحتمل أن هذا الفرع قد نقدت فيه الاجرة وبناء على القول الراجح، وهو لزوم العقد عند نقد الاجرة والشروع في العمل، وإن احتمل الآخر كما يشعر به قوله أولاً: وعلى هذا إذا استأجر رجل من رجل دابة الخ. فإن قياسه على ما تقدم يشعر بوجود القولين والله أعلم فليحرر.
109.1 (3/590)
صفحة 2018
قبل تمام السنة، وقد نقد الأجرة فليس لرب العمل استرداد شيء مما يقابل الشهر الذي مرض فيه العبد أو الدابة أو هربا أو ماتا قبل تمامه، لأنه كمن اشتراهما، فمرضهما وموتهما وهروبهما محسوب عليه، وله هو أيضاً ما استفاده العبد أو الدابة في هروبهما من المال في ذلك الأجل دون سيدها، ومن استعملهما في ذلك الوقت فليعط كراء هما لرب العمل دون سيدهما، ومنهم من يقول: عليه الرد في ذلك كله بحسابه، وذلك عندي على قول من ذهب إلى أن الإجارة عقد جائز وليس بلازم والله أعلم.
قوله: ما استفاد العبد أو الدابة في هروبها، أي كان يظفر بهما أحد فيستخدمها مثلا، وعلى هذا يجوز ان يكريهما لغيره بأزيد مما اكتراهما به، وإن لم يزد من عنده شيئاً، حيث كان عليه ما أصابهما في تلك المدة وله ما استفاد، ويصدق عليه قوله عليه السلام: (الخراج بالضمان) ولا يكون من باب ربح ما لم تضمن مع أنه تقدم عنه أنه لا تجوز تلك الزيادة إلا إذا زاد من عنده شيئاً، اللهم إلا ان يفرق بين ما هنا وما تقدم وهو الظاهر، فإن ما تقدم فرض أن الدابة استؤجرت الحمل متاع معلوم إلى بلد معروف بكراء معلوم فلا يجوز له أن يتعدى ما وقع عليه الإتفاق بخلاف ما هنا، فإن الدابة مثلاً استؤجرت ليعمل عليها مدة معلومة في أي عمل شاء فحصل الفرق والله أعلم.
قوله: ومنهم من يقول عليه الرد الخ. الظاهر أن من يقول بذلك يقول: لا
تكون له الفائدة إذا حصلت لقوله عليه السلام، الخراج بالضمان: والله أعلم
قوله: وذلك على قول من ذهب الخ. ظاهر كلامه بل صريحه أنه لا يصح
-091 - (3/591)
صفحة 2019
وإن لم ينقد الأجرة فليس له إلا ما عمل عبده أو دابته في جميع ما ذكرناه، وإن مرض العبد أو الدابة أو هربا أو ماتا قبل دخولهما في العمل فليس لسيدهما إلا ما عملا بحسابه، وكذلك أيضاً إن حبس العبد أو الدابة عن
القول بوجوب الرد هنا إلا على القول بأن عقد الإجارة غير لازم، والظاهر أنه يصح القول بذلك، وإن قلنا أن عقد الإجارة لازم بأن يقال إن المقصود بالأجرة من العبد والدابة مثلا المفعة الحاصلة منهما لا نفس قوتها، فإن حصلت المنفعة استحق صاحبها ما يقابلها من الاجرة وإلا فلا، وهو المناسب للمأخوذ به من كون الاجير كلما عمل جزءاً استحق جزءاً، وإن نقدت الاجرة كما تقدم، فإن لم تحصل المنفعة مع أنها الثمرة المقصودة بالإجارة فكيف يصح أخذ ما يقابلها من الأجرة، وقد قال: (أرأيت إن منع الله الثمرة فيم يأخذ أحدكم مال اخيه) (1)؟ فإنه ربما يكون شاملاً لمثل هذا، والحاصل انه لا يلزم من كون العقد لازماً عند بعضهم أنه لا يلزم بالرد إذا نقدت الأجرة لأن نقدها لا يبيحها في الحقيقة إذا لم يحصل مقابلها وهو المنفعة، ففائدة النقد عدم إصابة الرجوع من الجانبين بعد الشروع فقط، وأما في الرد إذا لم تحصل المنفعة، فإنه لا فرق بين ما لا يجري عليه معنى البيع كالأجير، وما تجري عليه كالدابة والعبد، المقصودة وحاصلها ذكره المصنف رحمه الله، وظاهره أنه المأخوذ به حيث جزم أولاً، الفرق بينهما بأن ما عليه يجري البيع جعل المستأجر مشترياً للقوة فكأنه اشترى ذاتها في تلك المدة، حيث نقد الأجرة فإن تعطلت
لأن المنفعة
هي
فعليه، وإن ريحت فله، والله أعلم فليحرر، ولكل وجهة
قوله: فليس لسيدهما إلا ما عملا بحسابه فيه تدافع بحسب الظاهر إن كانت
(1) تقدم ذكره. (3/592)
صفحة 2020
تمام العمل ظالم فهو على ما ذكرناه من هروبهما وموتهما والله أعلم. وأما إن منع صاحب العبد أو الدابة عبده أو دابته من عمل المستأجر شهراً أو شهرين فعليه رد ما ينو بهما من الأجرة إن كان نقده إياها، وإن لم يكن نقد له شيئاً فليس له إلا ما عمل عبده أو دابته، وكذلك أيضاً إن أعتق عبده دون تمام السنة فعليه الرد لما بقي من السنة بحسابه من يوم أعتقه، وإن أتم العبد العمل بعد ما أعتق فإنه إن كان غير عالم بعتقه فله كراء مثله فيا عمله بعد العتق يأخذه من رب العمل، ويرجع به رب
النسخة صحيحة، فإن فرض المسألة أنهما لم يعملا، اللهم إلا ان يقال: إلا ما عملا، يعني بعد البرء من المرض والرجوع من الهروب. قوله: إلا ما عملا بحسابه، أي لعدم وجود شرط اللزوم وهو النقد والشروع
في العمل.
قوله: فهو على ما ذكرناه الخ. وهو أنه إن وقع
في العمل ففيه قولان، وإلا فليس له إلا بحساب ما عملا
ذلك بعد النقد والشروع
•
قوله: وأما إن منع صاحب العبد الخ. لعله إذا رضي المستأجر بذلك وإلا فحيث نقدت الأجرة ووقع الشروع في العمل، فليس لأحدهما الرجوع كما هو معلوم، وأما إذا منعهما على جهة التعدية، الظاهر أنه يجبر عن إكراء المثل في تلك المدة على القول الأول والله أعلم فليحرر.
قوله: فعليه الرد، يعني إن نقد له وإلا فلا شيء عليه
قوله: فله كراء مثله فيما عمله، يعني ولا يكون له الكراء المتفق عليه
- 593 -
دم 38 - الإيضاح، (3/593)
صفحة 2021
العمل على رب العبد، وإن كان العبد عالماً بعتقه ثم أتم العمل بعد ذلك فله أجر عنائه على رب العمل فيما بينه وبين الله، ولا يدركه في الحكم والله أعلم. وإن أكرى رجل لرجل داراً بكراء معلوم في سنة معلومة فنقده الأجرة، ثم إنه سكن فيها نصف تلك السنة فأخذت الدار من يده ظلماً، أخذها منه سلطان جائر، فسكن فيها أو أغلقها ومنعه من سكناها حتى انقضى الأجل الذي بينهما، فقد ذكر في الأثر: أنه ليس على رب الدار رد ما ينوب الذي منع فيه من سكنى الدار إلا أن يكون أمراً عاماً للناس فله عليه رد ما منع من سكناها بحسابه، وكذلك إن أخذه سلطان جائر فحبسه حتى انقضى الأجل الذي بينهما فلا رد على رب الدار، ولا فرق فيما يوجبه النظر بين هذه المسألة ومسألة
لانتقاضه بالعتق.
قوله: ولا يدركه في الحكم، يعني لأنه يعد متبرعاً. قوله: إلا أن يكون أمراً عاماً الخ. إنما فرق بين الأمر العام والخاص، ولأنه في الخاص قصده الظالم بذلك، وأراد ضرره وحده بخلاف العام، فإنه بمنزلة المصيبة التي جاءت من قبل الله كالهدم مثلا، فلذلك كان له الرجوع
•
والله أعلم قوله: ولا فرق فيما يوجبه النظر بين هذه المسألة الخ. يعني والله أعلم مسألة الدار مطلقاً في أنه إن نقد الأجرة وشرع في السكني فليس على رب الداررد
-012 - (3/594)
صفحة 2022
العبد والدابة والله أعلم. وإن حبس من سكناها أو منع أو أخذت منه قبل دخوله فيها فله الرد على رب الدار نقد أو لم ينقد والله أعلم. وإن
شيء على الراجح عنده، وأن هذه مصيبة نزلت بالمستأجر لا فرق فيها بين العام والخاص لأن الدار مما يجري عليه معنى البيع، ومنهم من يقول: عليه الرد حيث تعطلت المنفعة كما تقدم، وأن المصيبة إنما نزلت بصاحب الدار وإن لم ينقد فليس عليه إلا بحساب ما سكن، وإن لم يشرع في السكني، فليس عليه شيء نقد الأجرة أو لم ينقدها لأن كل واحد منهما له الرجوع هذا هو مقتضى المساواة بين المسألتين ان كان هو المراد بعدم الفرق بينهما، وان خالف كلام الأثر في بعضها، وعدم الفرق بينهما ظاهر اذا سكن فيها الجبار أو أغلقها، لأن المصيبة حينئذ نزلت لحل المنفعة كالعبد والدابة، وأما اذا حبس مثلا فالفرق بينهما ظاهر لأن المصيبة انما نزلت بالمستأجر لا بمحل المنفعة، ولذلك جزم في الاثر في مسألة الحبس بعدم الرد، وهو ظاهر إن نقد الاجرة وشرع في السكني، وأما إن لم يشرع فله أن يشهد أنه رجع عن ذلك الاستئجار ولا يلزمه شيء كما هو معلوم، ويحتمل أن مراده رحمه الله بهذه المسألة مسألة الدار الذي قبل قوله: وكذلك إن اخذه سلطان الخ. فإن مقتضى القياس أنه لا فرق بينهما وبين مسألة العبد والدابة لان المانع في كل منهما قائم بمحل المنفعة فيجري فيها القولان السابقان في مسألة العبد والدابة في الامر الخاص والعام، ولا يجزم بعد الرد في أحدهما وبالرد في الآخر كما فعل صاحب الاثر، ويحتمل أيضاً أن مراده رحمه الله بهذه المسألة مسألة الحبس في قوله: وكذلك إن أخذه سلطان الخ. وقطع النظر عن الفرق الذي أبديناه، يعني أن صاحب الاثر جزم بعدم الرد فيوهم أنه ليس فيها الا قول واحد، مع أن النظر يقتضي وجود القول بالرد كما وجد في مسألة العبد والدابة وهو المتبادر من كلامه والله أعلم، فليحرر.
- 595 - (3/595)
صفحة 2023
هدمت الدار قبل السنة فله على رب الدار بنيان داره واصلاحها أو الرد لما ينوب الذي بقي من السنة بحسابه إن أبى على إصلاح داره؛ لأن رب الدار في هذا الموضع يمكن أن يصلح داره، ولذلك وجب عليه إصلاحها أو الرد لما فات من حساب السنة إلا أن يتفقا أن يسكن الآن بقيمة سنته فلا بأس، وقد قيل: إن الذي له السكني لما بقي من السنة دون الرد، إلا أن يتفقا عليه، وهذا فيما يوجبه النظر على قول من ذهب إلى أن الأجرة بمنزلة البيع، ولكنه إنما يدرك عليه السكني بعد الأجل حيث يدرك
قوله: يمكن أن يصلح داره الخ. يشير الى الفرق بين مسألة العبد والدابة إذا مرضا أو ماتا مثلا، حيث كان الراجح على مقتضى كلامه السابق أنه لا يرد سيدهما شيئاً وبين مسألة الدار اذا هدمت حيث يجب الرد بالإتفاق ان امتنع من الإصلاح، مع أن كلا من المسألتين يجري فيه على محل المنفعة معنى البيع، وذلك أن المرض والموت مثلاً لا يدخلان تحت طاقة المخلوق بخلاف الإصلاح وإزالة الفساد فحصل الفرق والله أعلم.
قوله: إن الذي له السكي، إعراب هذا التركيب: الذي إسم إن، وله صلة الموصول، والسكنى خبر إن، والمعنى أن الذي يثبت له هو السكني
دون الرد.
قوله: ولكنه إنما يدرك عليه السكن بعد الاجل حيث يدرك الخ. الظاهر أن هذه الحيثية للتعليل، وأن المراد بهذا الكلام الجواب عن سؤال متمدر وهو أنه إذا كان عقد الإجارة كالبيع والقاعدة أن المبيع بعد قبضه يكون ما ينزل به من ضمان المشتري، فكيف يكون من ضمان صاحب الدار؟ وأيضا كيف
-099 - (3/596)
صفحة 2024
عليه إصلاح داره في الأجل والله أعلم. وإن لم يذكر ا سنة معروفة فليس له غير السكنى دون الرد على هذا المعنى حتى يستوفي بقية السنة التي
اتفقا عليها، وإن لم ينقد له الكراء فليس له إلا بقدر ما سكن كما ذكرنا،
فنقد
وإن استأجر رجل من رجل داراً له بكراء معلوم في شهر معلوم الكراء، ثم إنه سافر عنها أو غاب عنها بعد دخوله فيها حتى انسلخ ذلك فهو محسوب عليه، ولا يدرك على رب الدار الرد فيما لم يسكن، لأن ذلك جاء من قبله، وفي الأثر: وإن استأجر رجل من رجل دابة لحرث
يدرك ذلك بعد خروج المدة التي بينها مع أن شبه الإجارة بالبيع إنما هو في تلك المدة فقط؟ فأجاب بأنه إنما يدرك ذلك بعد الأجل لأنه يدرك عليه اصلاحها قبل الأجل، يعني فإدراك الإصلاح بمنزلة إدراك السكني فلذلك لم تفته السكني بفوات المدة، وأما الجواب عن الإيراد الأول فهو أن الإجارة لم تشبه البيع من كل وجه لان المشبه لا يقوى قوة المشبه به، فلذلك يكون الضمان على صاحب الشيء في بعض المواضع، وإن كان محل المنفعة يجري عليه معنى البيع، وذلك لان الإجارة لا يقطع فيها النظر عن المنفعة مطلقاً بل إذا أمكن تحصيلها من المحل ولو بعد ذلك لا يذهب مال المستأجر هدراً والله أعلم فليحرر
قوله: دون الرد، يعني لانه نقد الاجرة وشرع في السكن.
قوله: بعد دخوله فيها، ظاهره أنه إذا نقد ولم يدخل لا يكون محسوباً عليه، وهذا ظاهر إذا أشهد أنه فسخ العقد وأعلم صاحب الدار بذلك، وإلا فكيف يبطل من غير فسخ؟ والله أعلم فليحرر.
قوله: حق انفسخ ذلك بأن تمت المدة التي بينها، وفي بعض النسخ انسلخ.
- 094 - (3/597)
صفحة 2025
أو طحن أو ما أشبه ذلك كذا وكذا يوماً بدينار فذهب بها المستأجر إلى بيته فحبسها أياماً في داره ولم يعمل بها شيئاً ولم يعلم بها ربها، فله عليه كراؤها في تلك الأيام التي حبسها فيها في داره بنظر أهل العدل، ومنهم من يقول: ليس عليه شيء من كرائها إذا لم يكن استعملها، وإنما عليه الكراء فيما يوجبه النظر في هذا الموضع، وإن لم يستعملها لأنه أخذها على الإجارة فمنعها من ربها والله أعلم. وأما إن استأجر منه عبده أو
قوله: ولم يعلم بها ربها، ظاهره أنه إذا علم بها ربها بذلك لا كراء له بالإتفاق، ويعد راضياً بعدم الكراء حيث علم وسكت، و محل هذا إذا لم يشرع في العمل كما يفهم من قوله ولم يعمل بها شيئاً، وظاهره أنه إذا شرع في العمل استحق الكراء المتفق عليه ولا يرجع إلى نظر أهل العدل، وهذا ظاهر اذا نقد له الكراء وأما إن لم ينقد، فالظاهر أن ما عمل يكون بحسابه، وما لم يعمل يرجع فيه الى نظر أهل العدل لانه حيث لم ينقد له الرجوع، وان شرع غايته أنه بنظر العدول في قيمة تعويق الدابة عن صاحبها في بقية الايام على هذا القول والله أعلم، فليحرر.
قوله: وانما عليه الكراء الخ. هذا توجيه للقول الأول، وفيه إشارة الى اختياره، وإن كانت الإجارة لا تلزم على المختار الا بالنقد والشروع، وذلك لانه في الحقيقة لم يدفع الاجرة وانما يعطي نظير منعها عن صاحبها بنظر أهل العدل كما قال رحمه الله، فتسميته كراء تجوز والله أعلم.
-894 - (3/598)
صفحة 2026
دابته لعمل مقصود إليه فمات العبد أو الدابة أو هربا أو مرضا فليس له على ربهما غير الرد إن نقد الأجرة، إلا ما ذكروا في كراء الأحمال موصلاً وذلك إذا استأجر رجل رجلاً لحمل متاع معروف الى موضع معروف بكراء معروف فنقده الكراء فهو الكراء الموصل، ولا يكون الكراء الموصل إلا مقبوضاً، فعلى رب الدابة بعد ذلك إيصال المتاع الى ذلك الموضع الذي اتفقا عليه، وإن ماتت دابته أو سرقت أو ضعفت
جزم
أولاً بعدم "
قوله: فليس له على ربهما غير الرد الخ. انما جزم بالرد هاهنا قولاً واحداً بخلاف ما تقدم فيما اذا هربا أو مرضا أو مانا حيث. الرد لان ما تقدم كمن اشتراهما، حيث استأجرهما مدة معلومة لا لعمل معين فمصيبتهما عليه وفائدتهما له، وأما هنا قد استأجرهما المقصود اليه، فإن حصل استحق صاحبهما الاجرة والا استحق بقدر ما عملا، أي وليس عليه مصيبتهما وليس له فائدتهما فحصل الفرق والله أعلم. قوله: اذا استأجر رجل رجلا الحمل متاع الخ. انما وقع الاستئجار على الرجل ولم يتعرض للدابة مثلا لان المراد أن الحمل مضمون في الذمة ينقله كيف شاء، ولذلك لم يبطل بموت الدابة مثلا كما ذكره رحمه الله.
قوله: وعلى رب الدابة بعد ذلك ايصال المتاع الخ. ظاهره أن الكراء الموصل يلزم الحمل به وان لم يشرع في العمل، كذلك لان الحمل صار مضموناً في الذمة ويكون هذا الكراء بمنزلة رأس السلم، فالعمل المضمون بمنزلة المسلم فيه فيخالف قاعدة الإجارة من عدم اللزوم الا بالشروع على الراجح، ولذلك قال رحمه الله: إلا ما ذكروا الخ. ويحتمل أن اللزوم بعد الشروع فلا يخرج عن القاعدة، والله أعلم فليحرر
-099 - (3/599)
صفحة 2027
أو ضلت فعليه إيصاله إلى ذلك الموضع، يوصله كيف شاء وكيف قدر عليه؛ لأنه هو المكرى على إيصال المتاع وليس عليه في الدابة شيء والله أعلم. وان كرى رجل لرجل داراً أو دابة أو عبداً فنقده الكراء ثم اطلع فيها على عيب فله الخروج منها ورد الأجرة عن ربها، لأن الإجارة كالبيوع ترد بالعيوب التي تضر بالمكتري أو بماله، ومثل ذلك مساكن يسوس فيها الطعام أو بيت سكن فيه قبل ذلك مجذوم، أو سكن قريباً منها في ذلك الوقت، وكذلك الثوب والدابة ان اكتراهما أو اشتراها من رجل ثم علم أنها دابة يركب عليها المجنوم قبل ذلك، أو ثوب يلبسه، وكذلك كل طعام أو متاع صنعه المجذوم والأبرص فهو عيب يرد به، وكذلك العبد المجذوم والأبرص فهو عيب يرد به، وكذلك ان خرج ذلك الشيء الذي اكتراه ريبة فهو عيب يرد بها، وإن استحقت الدابة أو العبد أو الدار من يد المستأجر قبل تمام المدة بعد ما نقد الكراء فله على رب الدار أو الدابة أو العبد رد ما بقي من الأجل بحسابه،
قوله: والأبرص لأبرص، فيه تأمل لان البرص لا يعدي والله أعلم.
قوله: فله على رب الدار والدابة الخ. المراد برب الدار والدابة والعبد من استأجر منه، أو إنما سماه رباً بحسب ما كان عليه قبل الاستحقاق، وإلا فربها
الآن من استحقها والله أعلم
•
(1) كذا في الأصل، ولعل مقصوده: وله استرداد الأجرة من ربها. ا هـ مصححه.
17.01 (3/600)
صفحة 2028
ولا يدرك عليه رد الذي ينوب ما مضى من الأجل في الحكم، وعليه فيما بينه و بين الله إذا علم أنها للذي استحقها، وكذلك أيضاً المستحق لا يدرك
على المستأجر كراء ما سكن داره أو استعمل دابته أو عبده في الحكم
ويدرك فيما بينه وبين الله، وإن لم ينقد المستأجر الكراء قبل ذلك فإنه
يدفع كراء ما استنفع للذي اكترى منه في الحكم وفيما بينه وبين الله يدفعها للمستحق والله أعلم.
قوله: ولا يدرك عليه الخ. اما أن يقرأ بالبناء للمجهول أو بالبناء للفاعل ويكون الضمير المستتر راجعاً للمستحق نظراً للمعنى، وأما المستأجر فلا يتوهم ادراكه لذلك، وانما لا يدرك المستحق ذلك في الحكم لأنهم قالوا: إن الشيء المستحق يرجع الى صاحبه كما خرج من يده والله أعلم. قوله: لا يدرك على المستأجر الخ. أي كما لا يدرك على المستحق منه كما علم من قوله، ولا يدرك عليه رد ما بقي.
قوله: ويدركه فيما بينه وبين الله ظاهره أنه يدركه على المستأجر نفسه، ولكن الظاهر أنه يدركه المستأجر أيضاً بعد ذلك على الغاصب مثلا، لأنه معذور والله أعلم، وإنما لم يدرك ذلك في الحكم لما تقدم حيث قال: وأما غلة الشيء المستحق فهي لصاحبه فيما بينه وبين الله، وأما في الحكم فيمسكها المشتري، وذلك أن الشيء المستحق لم يستحقه صاحبه إلا في الوقت الذي استحقه فيه من يد المشتري، لانه لا يخرج من يد المشتري إلا كما دخل الخ. ولعلهم اعتبروا في ذلك ظاهر قوله عليه السلام: (الخراج بالضمان) (1)
والله أعلم فليحرر.
(1) تقدم ذكره.
(
-7.1 - (3/601)
صفحة 2029
عليه
باب في تضمين الاجير ما تلف مما استؤجر والضمان يكون على الأجير بوجهين: بالتعدي، أو لمكان المصلحة وحفظ الأموال، وقد وقع فيه الخلاف بين الفقهاء، وأما التعدي فلا خلاف في تضمينه إياه، وذلك إما بتضييعه لما استؤجر عليه حتى هلك وإما بتدليسه في العمل فتلف بسييه، وكذلك إن استأجر رجل من رجل بيتاً شهراً فسكنه شهرين، أو استأجر دابة إلى مكان فجاوز ذلك المكان، فقد ذكر في الأثر: فإن ابن عبد العزيز يقول: له الأجير فيما سمى،
باب في تضمين الاجير ما تلف مما استؤجر عليه
قوله: بالتعدي الخ. قال: شيخنا وعبارة المخالفين، ويد المكتري على الدابة والثوب يد أمانة مدة الإجارة، وكذا بعدها في الاصح استصحاباً لما كان، وبهذا قال أبو حنيفة، والثاني: يضمن، وبه قال مالك كالمستعير انتهى. قوله: له الاجر فيما سمى ولا أجر له فيما لم يسم، المراد بما سمي الشهر الاول في البيت مثلا، والمكان الذي وقع عليه الاتفاق في الدابة مثلا، فإنه يكون كل من الزمان والمكان المسميين بالاجرة التي وقع عليها الإتفاق، والمراد بما لم يسم هو الزائد على القدر المتفق عليه من الزمان والمكان، والحاصل عنده أن ابن عبد العزيز يعطي الاجرة فيما اتفقا عليه، ويضمن في الزائد الدابة من غير كراء
-9.5 - (3/602)
صفحة 2030
ولا أجر له فيما لم يسم
،
لأنه قد خالف
ويضمن ولا يجتمع
الضمان
والأجر فيما خالف، وقال الربيع: عليه الأجر فيما خالف أيضاً إن سامت الدابة، وإن لم تسلم فعليه الضمان وليس عليه الأجر، وإذا اكترى الرجل دابة ليحمل عليها عشر ويبات وما أشبه ذلك فحمل عليها أكثر من ذلك فعطبت الدابة، فإن ابن عبد العزيز يقول: هو ضامن لقيمة
مطلقاً، فالخلاف بين الربيع رح رحمه الله وابن عبد العزيز فيها إذا سلمت عند التعدي، هل يعطى الاجرة فيه؟ وهو قول الربيع، أو لا يعطي وهو قول ابن عبد العزيز؟ وبقي في المسألة قول ثالث: وهو أنه عليه الكراء في الزائد أيضاً مطلقاً، يعني سلمت أو عطبت، وهو قول أبي عبيدة كما سيأتي والله أعلم. فليحرر ما المأخوذ به. .
قوله: ولا يجتمع الضمان والاجر، أي دخول الدابة في ضمانه وإن لم يضمن بالفعل بأن سلمت، ولا بد من هذا التأويل لئلا يتحد مع قول الربيع فإنه يقول أيضاً: لا يجتمع الضمان والأجر، إلا أن الربيع أراد الضمان بالفعل بأن عطبت فحصل الفرق والله أعلم.
قوله: وليس عليه الأجر؛ يعني فيما خالف كما هو المتبادر لأنه هو موضوع المسألة فيتحد مع قول ابن عبد العزيز في هذه الصورة، وأما كراء ما قبل المخالف فالظاهر أنه قد اتفقا على لزومه لتمامه، ويحتمل أنه مراده أن إذا ضمن لا كراء أصلا وهو المناسب لظاهر قوله الآتي ولظاهر قول المشايخ والله أعلم فليحرر.
- Yor- (3/603)
صفحة 2031
الدابة بحساب ما زاد عليها، وعليه الأجرة تامة إذا كانت قد بلغت المكان وكان الربيع يقول: عليه قيمتها تامة ولا أجر عليها، وفي الأثر: قال وائل: وفي الخبا مشايخ من أهل حضرموت فقهاء علماء فسألتهم عن رجل اکترى دابة إلى موضع معلوم فجاوز الموضع فتلفت الدابة قال: فأجمعوا كلهم أنه ضامن للدابة، قال: قلت لهم ما تقولون في الكراء؟ قالوا:
قوله: بحساب ما زاد عليها الخ. فلو حمل عليها في هذه الصورة خمس عشرة ويبة مثلا لكان ضامناً لثلثها عنده والله أعلم. وذهب الشافعي إلى أنه يلزمه كراء المثل في الزائد على كل حال، وأما الضمان فقال: إن كان صاحبها معها ضمن قسط الزيادة فقط مؤاخذة له بقدر الجناية لأنها تلفت منهما معا، وأما إن لم يكن معها صاحبها فإنه يضمنها كلها لأنه غاصب بحمل الزيادة قوله: إذا كانت قد بلغت المكان وأما إذا لم تبلغ فله بحساب ما عملت فقط، و انظر هل يعطى كراء ما زاد عليها؟ وهو المتبادر من قوله: وعليه الأجرة تامة إذا كانت قد بلغت أو لا يعطي كراء الزائد حيث ضمن من الدابة بحسابه؟ وهو المناسب لقوله السابق: ولا يجتمع الضمان والأجرة فيما خالف، ويكون معنى قوله: تامة، أنه يدفع جميع الأجرة التي وقع عليها الاتفاق لا يمسك منها بقدر ما ضمن من الدابة، والله أعلم.
قوله: قد بلغت المكان، يعني وعطبت عنده
قوله: ولا أجر عليها، يحتمل أنه لا أجر أصلا وهو المتبادر من ظاهر العبارة، ويحتمل أنه لا أجر على ما زاد، وأما المتفق عليه فإنه لا بد منه وهو الظاهر والله أعلم، فليحرر.
17. {1 (3/604)
صفحة 2032
ما نرى عليه الكراء إذا ضمناه ثمن الدابة، قال: وكان أبو عبيدة غائباً. أو نائماً فاستيقظ، قال: وقال لي حاجب يا حضر مي سل الشيخ عن المسألة قال: فسألته قال يضمن ثمن الدابة والكراء جميعاً، قال: فقال له محمد بن سلمة: من أين يا أبا عبيدة يضمن الكراء؟ قال: من حيث لا تعلم والله
قوله: ما نرى عليه الكراء، ينظر هل المراد أنه لاكراء عليه فيما تعدى حيث ضمنها، يعني أما الحمل الذي يحكم عليه فيه بالضمان لا يحكم فيه بالكراء، ولا شك أنه لا يحكم عليه بالضمان إلا ما بعد التعدى، وأما الكراء السابق على التعدي فالظاهر أنه لازم بالإتفاق لأنه لا ضمان معه، أو المراد أنه لا كراء عليه أصلا حيث ضمن ثمن الدابة وهو المتبادر من ظاهر العبارة؟ والمناسب لقول الربيع عليه قيمتها تامة ولا أجر عليها، والأول هو المناسب لما تقدم من الخلاف بين ابن عبد العزيز والربيع فإن الظاهر أنه في الزائد فقط والله أعلم فليحرر.
جميع
قوله: ثمن الدابة والكراء جميعاً، ينظر أيضاً هل المراد بالكراء الكراء المتفق عليه فقط فيكون المشايخ يسقطونه عنه لأجل ضمانه، وأبو عبيدة يوجبه لترتبه في ذمته قبل التعدي مثلا؟ أو المراد به المسمى مع كراء المثل أيضاً لأن ما عملت الدابة مثلا قبل تلفها فهو لصاحبها، والضمان إنما جاء وقت التلف فقط فيما إذا يسقط ما تقدم عليه؟ أو المراد به كراء المثل فقط وهو كراء التعدي، وذلك أن المشايخ رحمهم الله نفوا عنه كراء المثل حيث أوجبوا عليه الضمان. وأبو عبيدة رحمه الله أوجبه عليه للعملة السابقة، وأما الكراء المسمى فهو محل الإتفاق نظراً إلى علية ترتبه في ذمته قبل التعدي والله أعلم، فليحرر المراد والطاهر قول أبي عبيدة.
14.01 (3/605)
صفحة 2033
أعلم. وأما الضمان الذي يكون لمكان المصلحة وحفظ الأموال فقد اختلفوا فيه: قال بعض في الحمال أو العمال الذي يعمل بيده بالأجرة ضامن لما هلك أعني بالحمال الذي يحمل على رأسه فما سقط له من متاع أو وقع أو عثر أو ما هلك منه فهو ضامن، وكذلك صاحب الدابة، وقال من قال: يلزم الصناع الذين يصنعون بأيديهم ولا يلزم الحمال على أنفسهم ولا على دوابهم بالكراء إلا ما أحدثوا وضيعوا، وقال من قال: لا يلزم أحد أولئك ضمان إلا ما ضيع أو حدث بيده، وأما من أخذ للحفظ بعينه مثل الراعي والراقب فلا ضمان عليه إلا على سبيل التضييع، وقد ذكر في الأثر: وإذا استأجر رجل رجلاً ليرعى له غنمه هذه فما
تصوير
قوله: أعني بالحمال الذي يحمل على رأسه، كأن التقييد بقوله على رأسه للمسألة فقط لا للاحتراز، فإن الظاهر أن الحامل على عاتقه أو نحو ذلك حكمه كحكم الحامل على رأسه، فالمراد به المقابل لصاحب الدابة والله أعلم. قوله: إلا ما أحدثوا وضيعوا هذا القول يوافقه مذهب مالك وعبارة بعضهم: وإذا أكريت حمالاً يحمل لي متاعي أو دهني إلى موضع كذا فعثرت الدابة وانكسرت القوارير فذهب الدهن أو انقطعت الحبال فسقط المتاع ففسد، قال مالك: لا يكون على المكرى ضمان إلا أن يكون غر من عثار، أوغر من الحبال التي ربط بها. قوله: في الأثر الخ. كأنه ساقه المقابلة لا للاستدلال. وما هلك يعني والله أعلم بغير الموت لأنه لا طاقة له على دفع ذلك كما هو معلوم، على أن قوله: إلا أن
-7.7 - (3/606)
صفحة 2034
أفسدت من أموال الناس فهو ضامن له دون رب الغنم، وما هلك أيضاً فهو ضامن له إلا أن يكون أمر غالب، وقيل إن الراعي إذا غلبه النوم وهو متكيء على عصاه فليس عليه شيء مما هلك من تلك الغنم ولا فيما أفسدته في أموال الناس، وفرق بعضهم بين الأجير الخاص والمشترك، وفي الأثر: وروي عن الربيع بن حبيب رضي الله عنه أنه قال: كل أجير استأجره الرجل في داره وكان يعمل فيها ويخدم فلا ضمان عليه، وكل أجير استأجره الرجل ولم يكن في داره في عمله وخدمته فهو ضامن، ومنهم من يرى عليهما الضمان جميعاً الا أن يكون أمر غالب، وهذا
يكون أمر غالب شامل لهذا فلا حاجة إلى التقييد والله أعلم.
قوله: ولا فيما أفسدت في أموال الناس يعني بل ذلك على صاحب الغنم لأن
الأجير معذور ولا يذهب مال الناس من غير ضمان في مثل هذه الصورة.
قوله: وفرق بعضهم بين الأجير الخاص والمشترك،، يعني فيضمن الأجير المشترك ولا يضمن الأخير الخاص كما يفهم من سياق كلام الأثر، وفسر بعض المخالفين المشترك بمن التزم عملاً في ذمته، والمنفرد بمن آجر نفسه مدة معينة لعمل، فالخياط والصائغ ونحوهما مشتركون بين الناس، فإذا التزم الشخص أمكن أن يلزم لغيره مثله، فكأنه مشترك بين الناس بخلاف من آجر نفسه فإنه ليس له بعد ذلك أن يؤجرها، وقوم فسروا المشترك في الرأيي فيقال له: إعمل حيث
شئت والمنفرد من عين له الفعل وموضعه والله أعلم.
-7.4 - (3/607)
صفحة 2035
الاختلاف منهم يدل، أن منهم من جعل الأجير بمنزلة المودع والوكيل والشريك ولا ضمان عليه الا فيما ضيع أو جنى بيده لأنه أمين، ومنهم من جعله ضامناً لأن المودع انما قبض لمنفعة صاحب المال، والأجير إنما قبض لمنفعتهما جميعاً فغلبت منفعة القابض، أصله القراض والعارية عند من يرى تضمينهما، وأما من فرق في ذلك فلعله انما فرق من أجل قوة الدليل وضعفه في موضع من ذلك واستحسانا والله أعلم. وكذلك أيضاً صاحب السفينة إذا أكراها لقوم فغرقت في البحر ليس عليه ضمان ما هلك منها لأن الماء عدو إلا أن يكون غرهم قبل ذلك فدلسهم بها أو كان غير
قوله: منهم من جعل الأجير بمنزلة المودع إلخ. هذا هو الذي صدر به، وقوله: منهم من جعله ضامناً، هذا هو كلام الأثر، يعني إلا أن يكون أمر غالب وقوله: وأما من فرق فهو الربيع ومن وافقه
قوله: أصله القراض والعاريه، أما القراض فقبض لمنفعتهما معاً، وأما العارية فقبض لمنفعته فقط، فهي أقرب إلى الضمان من القراض والله أعلم. قوله: عند من يرى تضمينها، ظاهره أن بعضهم يضمنهما ولو من غير وهذا خلاف المشهور والله أعلم قوله: من أجل قوة الدليل وضعفه في موضع من ذلك واستحساناً، فليراجع نسخة صحيحه والأحسن أن يقال: من أجل قوة التهمة وضعفها، يعني أن الأجير المشترك تقوى فيه التهمه لخروجه عن محل المستأجر بخلاف الأجير الخاص
تضييع
لحضوره في محله والله أعلم، فليحرر.
قوله: لأن الماء عدو، أي فهو بمنزلة الغاصب
-7.4 - (3/608)
صفحة 2036
عالم بسياسة البحر فهو حينئذ ضامن، ومنهم من يقول: إن صاحب السفينة ليس عليه ضمان ما أصابها من فوقها ولزمه الضمان لما أصابها من أسفلها، من خرق أو كسر أو قطع؛ لأن ذلك يكون من تضييعه، وإن انكسرت سفينة لقوم في البحر فلهم أن يأخذوا من ألواحها وعيدانها ما يركبونه وينقذون به أنفسهم من الموت ولا يمنعهم من ذلك رب السفينة لأن ذلك عليه واجب، وعلى ذلك حملهم في سفينته، وإن خافوا عليها الغرق فأرادوا أن يخففوا منها شيئاً من أموالهم ويلقوه في البحر فإنهم يتفقون كيف يؤدونه من صاحبه ثم يلقونه، وإن وجدوه بعد ذلك وقد رمى به البحر فهو بينهم على ما غرموا ثمنه لصاحبه الأول، وإن طرحوا منها شيئاً وقد اتفقوا أنهم يغرمونه لصاحبه، غير أنهم لم يقطعوا أمرهم على شيء فإنهم يغرمونه على قيمة أموالهم لأنهم إنما فدوا بذلك أموالهم،
قوله: على قيمة أموالهم، ظاهره أنهم إذا اتفقوا أنه على قيمة أموالهم لا تدخل السفينة، وفيه تأمل، اللهم إلا أن يقال: أراد بأموالهم ما يشمل السفينة. وأظن أن العرف جار بخلاف هذا وانظر هل يدخل في ذلك عبيد السفينة أيضاً لأنهم. من جملة الأموال أو لا يدخلون إلا إذا اتفقوا على أنه على الرؤوس أو يدخلون على كل حال لأنهم من الأموال ومن الرؤوس والله أعلم. ثم هذا الاتفاق إنما يصح إذا كان أرباب الأموال كلهم حاضرين والذي جرت به العادة أنه على الأموال والله أعلم. قوله: لأنهم فدوا بذلك أموالهم، أي ولأن تنجية الأنفس واجبة على أرباب
17.91
ه م 39 - الإيضاح، (3/609)
صفحة 2037
وإن ألقى أحد منهم شيئاً من متاعه بغير مشورتهم فليس عليهم غرمه له لأنه متطوع إلا على جهة الاستحسان، وكذلك أيضاً إن ألقى أحد منهم شيئاً من متاع الناس بغير مشورتهم فهو ضامن له دونهم، ولا يلقون شيئاً من بني آدم في البحر ولو كان مشركاً أو ذمياً لأن تنجية الأنفس بالأنفس لا تجوز باتفاق، إلا إن كان معهم مشرك محارب فنعم، وإن أرادوا طرح
الأموال والله أعلم.
قوله: بغير مشورتهم، أي بغير مشورة الذين معه في السفينة، فإن شاورهم وأذنوا له، اشتركوا في الضمان، كما جرت العادة بذلك لأجل الضرورة، وإلا فالقاعدة أن الأمر يلزمه الإثم دون الضمان والله أعلم.
قوله: مشركاً، أي معاهداً مثلاً.
قوله: إلا إن كان معهم مشرك محارب فنعم، أنهم يلقونه في البحر لتنجية أنفسهم، وانظر هل يذبحونه إذا أرادوا طرحه، كما يذبحون سائر الحيوانات لقوله. (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة) (1) أو لا؟ لأن فيه قتل صبراً وهو أمر من الإلقاء في البحر، وأيضاً إلقاؤه كذلك يحتمل معه عدم الموت والخروج إلى البر خصوصاً إذا ألقيا له شيئاً يعتمد عليه، فيكون المراد بقوله ـ رحمه الله شيئاً من الحيوانات، غير ما يلقى من بني آدم، وانظر هل يؤخذ من قوله: بعد الذبح أنه لا يجوز طرح القمل، ونحوه في الماء، ويدل له ظاهر الحديث المقدم، أو لا يؤخذ ذلك، وأن المراد الحيوانات التي لها شأن، وكذلك في قوله: إذا قتلتم فالظاهر الأول، لكن ذكر رحمه الله في حقوق المسجد، ما
(1) متفق عليه.
-71 - (3/610)
صفحة 2038
شيء من الحيوان فلا بأس به بعد الذبح والله أعلم. وإن استأجر من رجل دابة ليحمل عليها متاعاً معروفاً إلى موضع معروف ثم إنهم ضلوا في مشيهم عن طريقهم فمشوا إلى جهة أخرى حتى رجعوا إلى الموضع الذي خرجوا منه فإنه إن كان الذي يقود الدابة رب المتاع فكل ما ضلوا في طريقهم فهو محسوب عليه كراؤه، وإن كان رب الدابة هو الذي يقودها فهو أيضاً محسوب عليه ولا كراء له لأنه هو الذي فعل ذلك لدابته والله أعلم. وإن كان القائد أجيراً فهو ضامن لكل ما ضلوا في طريقهم، كالدليل الذي يأخذ الكراء ضامن لما أصابهم في طريقهم، وإن كان القائد ليس بأجير فإنه إن أمره بذلك رب المتاع فهو محسوب عليه، وإن أمر رب
يشعر يجواز ذلك، حيث قال: ولا يرمى القمل في النار التي تكون في المسجد، ولا كل ما له رائحة منتنة، فإن مفهومه يدل على جواز ذلك،، في غير تار المسجد، وإذا أجاز الرمي في النار ففي الماء من باب أولى والله أعلم فليحرر
قوله: فهو أيضا محسوب عليه، ينظر ما فائدة كونه محسوباً عليه،، اللهم إلا أن يكون له شريك، أو يكون قوله: ولا كراء له عطف تفسير على قوله: فهو أيضاً محسوب عليه، ثم إنه لم يتعرض لحكم المسوق، ولعله كذلك لأنه لم يظهر فرق بينها والله أعلم.
نزل
قوله: ضامن لما أصابهم في طريقهم، يعني إذا ضلوا، لأنه غرهم، وأما إذا عدو مثلا في الطريق، فالظاهر أنه لا يضمن إلا أن يكون خفيراً بهم
أيضاً والله أعلم فليحرر.
-711 - (3/611)
صفحة 2039
الدابة فهو محسوب عليه، وإن أمراه جميعاً فهو بينهما جميعاً لأن المأمور في هذا ليس بدليل لهم فيكون ضامناً، ولكنه في مقام الآمر، وإن لم يأمراه جميعاً فهو على رب الدابة إلا أن يكونوا ضلوا بتضييع القائد فهو ضامن، وإن حدث لهم خوف في الطريق فرجعوا إلى الموضع
ذلك
الذي خرجوا منه فليس على رب المتاع كراء الدابة في رجوعها، ولا يلزمهم إلا ما ساروا من طريقهم قبل الرجوع، وسواء رجع بها رب المتاع وحده أو رب الدابة وحده لأن على رب الدابة حمله إلى موضع الأمن، وإن قال رب الدابة لصاحب المتاع: لا أرجع بدابتي إلا بالكراء فله ذلك، وإن لم يشترط الكراء في الرجوع فلا كراء له،
قوله: لأن على رب الدابة حمله إلى موضع الأمن، يعني فيجبر على ذلك إن امتنع، وظاهره أنه لا كراء له حيث كان ذلك واجباً عليه، لكن لا يناسبه قوله: وإن قال رب الدابة الخ. فإنه صريح في أنه يجوز له أخذ الكراء، راء، اللهم إلا أن يقال معنى قوله: لا أرجع بدابتي إلا بالكراء، أنه لا يصاحبها في الرجوع إلا بالكراء، فالكراء الذي يجوز له اشتراطه، إنما هو على رجوعه لا على رجوع دابته، وإن تبرع برجوعه فلا كراء له، فلا ينافي ما تقدم من وجوب الحمل إلى موضع الأمن، ويحتمل أن هذا الواجب يجوز اشتراط الأجرة عليه كبعض الواجبات المتقدمة على أحد القولين والله أعلم فليحرر.
قوله: عبد رجل أو طفله، يعني طلب العبد للرعي من عند سيده، أو الطفل من عند أبيه
- 612 - (3/612)
صفحة 2040
وإن استرعى رجل عبد رجل أو طفله بكراء أو بغير كراء فإنه إن أتى به إلى داره فاسترعاه هناك أو استخدمه لغير ذلك مما اتفقا عليه، فما أفسدت تلك الغنم من أموال الناس فهو على صاحبها أو ما هلك منها،
فليس على سيد العبد أو والد الطفل منها بشيء لأن رب الماشية هو الذي يجب عليه حفظ ذلك كله حين مر بالعبد أو الطفل لداره، وكذلك أيضاً إن أخذ السيد أو الأب الماشية فأتى بها إلى داره فكان عبده أو طفله يرعاها هنا بكراء أو بغير كراء، فما هلك منها أو ما أفسدت في أموال الناس فهو على الأب والسيد لأنهما هما اللذان وجب عليهما الحفظ فضيعوا إلا أن يكون أمر غالب والله أعلم. وأما البالغ إن استرعاه فقد ذكرنا أنه إن رعى بأجرة فهو ضامن، وإن رعى بغير أجرة فلا ضمان عليه إلا بالتضييع، وإن كان الأجير يرعى تلك الغنم في البرية فأتاه من يطالبه بدم وليه، وقد قتله قبل ذلك عمداً، فإنه إن قتله فعليه أن يوصل
قوله. وكذلك أيضاً الخ. التشبيه في أن من كانت الغنم في داره وحوزته
هو الضامن.
قوله: إن رعى بأجرة فهو ضامن، هذا هو الذي ذكره فيما تقدم على أحد الأوجه، وقوله: وإن رعى بغير أجرة مستأنف، أفاد حكمه هنا لأنه لم يتقدم ثم جزمه بالضمان هنا فيمن استرعي بأجرة مخالف لما صدر به فيما تقدم، فيدل
على اختياره لكلام الأثر والله أعلم فليحرر.
-11 - (3/613)
صفحة 2041
الغنم إلى أربابها، وإن ضيع فما هلك منها أو ما أفسدت من أموال الناس فهو له ضامن إلا أن يكون رب الغنم علم أنه قتل وليه ثم استرعاه لغنمه على ذلك الحال فله قتله حيث ما وجده ولا ضمان عليه لما هلك من الغنم و ما أفسدته في أموال الناس، لأن رب الغنم حين علم أنه قتل وليه فاسترعاه هو المضيع لغنمه، وإن قتل وليه بعد ما كانت الغنم في يده فإنه لا يقتله حتى يؤدي الغنم إلى أربابها، لأن رب الغنم في هذا معذور
قوله. فله قتله حيث ما وجده، فإن قلت فأشكل على هذا قول أبي اسحاق رحمه الله، في الحدود لا يجوز أن يقيمها أحد على أحد إلا بالإمام، أو بأمر الإمام، قلت: يحمل على غير القتل، فإنه حق الله، ولا بد من إقامته، وذلك يتوقف على الإمام وأما القتل فهو حق الآدمي، فلصاحبه فعله وتركه، كما هو معلوم والله أعلم. قوله: ولا ضمان عليه لما هلك، الخ. لعله إذا علم طالب الدم أن المسترعي عالم بذلك والله أعلم، ويحتمل ابقاؤه على عمومه، وأنه كشف الغيب أن صاحب الغنم هو الذي عرض نفسه لتلف غنمه والله أعلم.
قوله: وإن قتل الأجير وليه، أي ولي طالب الدم.
قوله: فإنه لا يقتله حتى يؤدي الغنم الخ. الظاهر أنه يجوز ذلك أيضاً قبل إلا أنه يجب عليه أن يوصل بعد ذلك الغنم إلى أربابها كما هو الظاهر والله أعلم. ولقائل أن يقول: إن حق في قوله (حق يؤدي (بمعنى إلا كما ذكره بعضهم
في قوله: ليس العطاء من الفضول سماحة حق تجود وما لديك قليل
-718 - (3/614)
صفحة 2042
غير عالم والله أعلم. وللأجراء منع الأشياء التي كانت في أيديهم حتى يأخذوا أجرتهم، وإن تلفت الأشياء في أيديهم وهي معلومة فهم ضامنون لقيمتها مع أخذهم الأجرة في قول بعضهم، وقال بعضهم: إنما عليهم قيمتها وهي غير معمولة ولم تكن لهم الأجرة، وإن تلفت بأمر غالب من سرقة أو حرق أو غير ذلك فلا ضمان عليه وله أجرته ولا يذهب عمله باطلاً، لأن المصيبة إنما نزلت بالمستأجر، وقد ذكر في الأثر: وإن أتى المستأجر
قوله: وإن تلفت الأشياء الخ. الظاهر أن هذا استئناف كلام غير مفرع على ما إذا منعها حق يأخذ الأجرة، بدليل عدم الإتيان بالفاء، وأما إذا تلفت بعد المنع من غير تعد، فالظاهر أنها تصير بمنزلة الرهن والله أعلم.
قوله: وهي معمول معمولة، إنما قيد به ليتأتى الخلاف في كيفية ضمانها، وأما إن
تلفت غير معمولة، فإنه يضمنها كذلك قولاً واحداً والله أعلم
أنه
قوله: وله أجرته الخ. ظاهره أنه له الأجرة ولو حبسها لأجلها، والظاهر الصورة لا أجرة له، وأنه حيث حبسها لذلك صارت بمنزلة الرهن
في هذه ا عنده قياساً على السلعة إذا حبسها البائع في شيء من الثمن، فإنهم ذكروا أنها بمنزلة الرهن والله أعلم. فليحرر. ثم رأيت في منهاج الطالبين للشيخ خميس بن سعيد العماني رحمه الله ما هو صريح في أنه له الكراء وعليه الضمان حيث قال: ومن عمل لأحد شيئاً وقال له: لا أدفعه إليك حتى تدفع إلى الكراء فله ذلك، وإن ضاع قبل أن يقبض الكراء فعليه الضمان، وعليه كراؤه من الثمن
ويدفع ما بقي من ثمنه، إلا أن يصح العذر في ذلك، انتهى
-710 - (3/615)
صفحة 2043
بعذر من اللصوص أو سلب أو مكابرة، وأقام على ذلك بينة فلا ضمان عليه ولا كراء له، فلعل صاحب هذا القول إنما ذهب إليه لأن الأجرة إنما استوجبت في مقابلة العمل، وإذا تلف العمل بتلف محله قبل أن يدخل في يد مالكه بطلت الأجرة واشتركا في المصيبة، والقول الأول أصح، وأما إن حبس الصانع ما في يده بعدما استوفى أجرته من غير عذر يحول بينه و بين المضى به إلى ربه أنه ضامن له بكل حال، ولو سرق أو حرق، وأما كل ما تلف في أيدي الأجراء مما أتى على أيديهم من كسر أو حرق أو قطع في المصنوع فهم له ضامنون لأنهم هم الذين أفسدوه بأيديهم، والخطأ في الأموال لا يزيل الضمان، وفي الأثر: وأما المتطبب
قوله: أو مكابرة، فليراجع نسخة صحيحة، فإنه لم يظهر له معنى ولم يذكر في الصحاح لفظ المكابر أصلا فليحرر. قوله: فلا ضمان عليه ولا كراء له، هذا مناسب لما قلنا من أنها بمنزلة الرهن عند حبسها لأجل الأجرة والله أعلم.
قوله: العمل، أي الداخل في يد مالكه، ولا بد على هذا القول من هذا القيد وإلا فالعمل حاصل والله أعلم.
قوله: من غير عذر يحول الخ. يؤخذ من هذا أن على الأجير إيصال ما استؤجر عليه إلى ربه الخ. أخذ الأجرة والله أعلم.
قوله: ضامن له على كل حال، يعني لأنه مفرط. (3/616)
صفحة 2044
والبيطار والختان والحجام وأمثال هؤلاء إذا تلف أحد بمعالجتهم فلا ضمان عليهم حتى يعلم أنهم زادوا أكثر مما أمروا به، فإن زادوا فتلفت بذلك فعليهم القود، وإنما لم يوجبوا الضمان على هؤلاء فيما يوجبه النظر، لأن في أعمالهم تغريراً وقد أمروا بذلك فلا ضمان عليهم حتى يجاوزوا الحد الذي أمروا به، وكذلك على هذا المعنى فيما يوجبه النظر ثقب
(1)
اللؤلؤ و نقش الفصوص وتقويم السيوف واحتراق الخبز عند الفران لأنه ربما أن يكون الفساد يلحق ذلك لاختلاف المعمولات في ذاتها، ولو كان العمل واحداً يعني أن يكون العمل واحد ويظهر منه فساد في معمول دون معمول والله أعلم. وفي الأثر: وكذلك الرجل يأمر رجلاً أن يضرب له وتداً أو مسماراً في باب فانكسر الباب، فإنه إن كان الباب ضعيفاً قبل ذلك فلا شيء على النجار، وإن كان الباب قوياً فهو غارم، وكذلك الرجل يدفع ثوباً إلى غسال ليغسله فخرقه أنه إن كان الثوب خلقاً والخرق يسير فعلى الغسال رفوه، وإن كان خرقاً يهلك فيه الثوب كان عليه قيمته أو مثله، وكذلك الرجل يدفع جلداً إلى الحذاء يحذه
قوله: الذي أمروا به، اي طباً وصناعة.
قوله: خلقا، الخلق بفتحتين بمعنى البالي. قوله: إلى الحذاء يحذه، هكذا فيما رأيناه من النسخ، ولعله إلى الحاذي
(1) كذا في الأصل ولعله: العامل واحداً.
-717 - (3/617)
صفحة 2045
نعلاً فأفلتت الشفرة فقطعته أنه ضامن، وكذلك البيطار إن ضرب مسماراً في يد دابة أو في رجلها فأبطلها فعرجت من ذلك فهو ضامن، وكذلك لو أن ختانا ختن صبياً فأصاب حشفته أو بعضها أنه ضامن، بلغنا ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكذلك الجزار لو قيل له: إنحر هذا البعير أو اذبح هذا الثور أو انحره أو اذبح هذه الشاة، فذبح ثم قطع منها هو أو غيره قبل أن تموت أن من قطع منها هو ضامن لقيمتها لأنه أفسدها على أهلها،
يحذوه لأنه من هذا يحذو بمعنى قطع كما يؤخذ من الصحاح والله أعلم. ثم رأيت في نسخة يخذوه وهي الصواب، وأما الحذاء فهو للنسبة كالنجار ونحوه لأن فعالا قد يأتي للنسة والله أعلم. قوله: إنحر هذا البعير الخ. إنما جزم بالنحر في البعير وبالذبح في الشاة، الأصل فيهما، وإنما ورد في الثور لأنهما فيه على حد سواء، والذبح
لأن ذلك هو
أولى ولذلك قدمه والله أعلم. قوله: لأنه أفسدها الخ. هذا هو الظاهر لأنه أعان على قتلها ولكنه مخالف لما صرح به في كتاب الذبائح حكاية عن الأثر حيث قال: وفي الأثر، ولا يجوز قطع شيء من الذبيحة حتى تبرد لنهي الرسول عليه السلام عن ذلك، وأمره بتركها حتى تبرد فيه نهي عن قطع شيء منها في حال اضطرابها، فإذا خالف العبد ما أمر به وقطع عضواً من أعضائها كان عاصياً بفعله ولم يجز أكل ما صنع من تناوله، وأجمعوا أن له أكل ما بقي منها بعد قطع العضو الخ. لكن أقول هذا مشكل مع ما قدمه من عص الذنب ونحوه مما جعله في الأثر محرماً فإنه
-714 - (3/618)
صفحة 2046
ولا يكلف قيمة اللحم، لأنه ليس بلحم، ولا قيمة الحي؛ لأنها قد زالت عن حال الحيوان وهي إلى الموتى أشبه منها بالحيوان، وأما من ترك التسمية عمداً فإنما عليه قيمتها وهي حية لأنه تعمد فسادها، وكذلك أيضاً صاحب الفرن لو قيل له: اطبخ العجين بكذا وكذا فأفسده بحرق نار إنما عليه عجين مثله مركب على الاختباز مختمراً كان أو فطيراً والله أعلم.
يظهر أن هذا على قول الأثر أولى بالتحريم إذ هو في الإعانة أقوى من عص الذنب فليحرر، فإنه في غاية التنافي والله أعلم.
-719 - (3/619)
صفحة 2047
باب آخر
وإذا اختلف الصانع ورب المصنوع في صفة الصنعة، مثل إن قال الصانع: أمرتني أن أقطع هذا الثوب سراويل، وقال له رب الثوب: بل أمرتك أن تقطعه قميصاً، فالقول قول رب الثوب، وعلى الصانع البينة لأنه مدعى عليه في شبيه، وقال آخرون: القول قول الصانع، وعلى رب الثوب البينة لأنه حين أقر للصانع بالقطع صار مدعياً، والقول الأول فيا يوجبه النظر أصح، وكذلك أيضاً على هذا المعنى إن اختلف في صفة الصباغ إن قال له رب الثوب: أمرتك أن تصبغه أحمر، فقال له الصانع: بل أمرتني أن أصبغه أسود والله أعلم. وإن أتى الصانع بالبينة
باب آخر
قوله: فالقول قول رب الثوب، ذهب إلى هذا أبو حنيفة والمزني من أصحاب الشافعي قوله: وقال آخرون الخ. ذهب إلى هذا مالك وابن أبي ليلى وأحمد، والقول الأول أصح، قال شيخنا ا رحمه الله: لأنها لو اختلفا في أصل الإذن كان القول قوله، فكذا في صفته، ولأن الخياط ونحوه معترفان بأنها أحدثا نقصاً في الثوب وادعيا أنها مأذون لهما، والأصل
عدمه
- 620 - (3/620)
صفحة 2048
فليأخذ صاحب الشيء شيئه، وإن لم تكن له بينة حلف رب الثوب على قوله ثم هو بعد ذلك بالخيار إن شاء أخذ قيمة ثوب غير معمول ثم يكون للصانع، وإن شاء أخذ ثوبه بصباغه ويعطي للصباغ قيمة الصبغ، وفي المسألة الأولى أيضاً بالخيار فإن أخذ السراويل أخذ قيمة ما نقصه ذلك عن قيمة ثوبه الأول والله أعلم. وإن ادعى الصباغ رد ما في أيديهم، وأنكر ذلك أصحاب الأشياء، فالقول قول أصحاب الأشياء، وعلى الصباغ البينة لأنهم ضامنون لما في أيديهم ولا يبرئهم سوى البيان، وإن اختلف
قوله: حلف رب الثوب الخ. يعني بناء على الأصح من أن القول قوله لكن
مع يمينه
قوله: ويعطي للصباغ قيمة الصبغ، يحتمل أن المراد أنه يعطي له قيمة الصبغ ولا يعطي له أجرة العمل، وذلك لأن الحلف رفع العقد بينهما فيكون العمل غير مأذون فيه فلا يستحق عليه، أو يحتمل أن المراد بقيمة الصبغ ما يشمل العمل الذي صار به الثوب مصبوغاً، وهو الظاهر والله أعلم فليحرر. قوله: أيضاً بالخيار، يعني بعد يمينه إن لم تكن للصانع بينة.
قوله: عن قيمة ثوب الأول، يعني عن قيمته صحيحاً لأن يمينه رفع الإذن في القطع سراويل فيدفع له الصانع قيمة النقص، يعني وإن شاء أخذ قيمة ثوبه صحيحاً لأن يمينه رفع الإذن في القطع سراويل أيضاً، ولقائل أن يقول: لا يلزم الصانع إلا بما نقصه قطعه سراويل عن قطعه ثوباً لأن أصل القطع مأذون فيه، وإن لم يكن تفاوت فلا شيء عليه والله أعلم فليحرر. وكذا يقال في مسألة الصباغ، لأن أصله مأذون فيه والله أعلم.
-951 - (3/621)
صفحة 2049
أصحاب الثوب والصباغ فقال الصباغ: هذا ثوبك، وقال رب الثوب: ليس هو بثوبي، فقد ذكر في الأثر: أن القول قول الصباغ مع يمينه وعلى صاحب الثوب البينة، ويجزيه الخبر فيها، فإن أتى ببينة ليس هذا بثوبه فليؤ خذ الصباغ على أن يأتي بثوبه، وإن لم تكن له بينة حلف الصباغ بأن هذا ثوبه ثم يأخذه صاحبه، فإن أيقن أنه ثوبه فليأخذه أيضاً ما لم يتيقن أنه ليس بثوبه فليقضه له في ثوبه، وكذلك الغاصب إن اختلف مع المغصوب منه والراهن مع المرتهن إذا اختلفا على حسب ما في هذه المسألة فالقول في ذلك قول الصانع والغاصب والمرتهن، وعلى رب الثوب البينة أن هذا ليس بثوبه، ومنهم من يقول في ذلك كله: القول قول رب الثوب مع يمينه وعلى الصباغ والغاصب والمرتهن البينة بأنه هو ثوبه، والقول الأول هو المأخوذ به، والذي يوجبه النظر عندي القول الثاني، لأن كل ثوب أتى به الصباغ فيقول رب الثوب: ليس هذا بثوبي فيحتاج فيه إلى البيئة على القول الأول ويتسلسل ذلك إلى ما لا نهاية له، لأن الصباغ ربما
قوله: ويجزيه الخبر الخ. إنما أجزاء الخبر لأن هذه شهادة نفي، فهي في الحقيقة ليس بشهادة لما فيها من التهاتر والله أعلم قوله: أن يأتي بثوبه، يعني فإن لم يأت به دفع قيمته، لكن ينظر كيف يفعل في قيمته وهو غير حاضر والله أعلم فليحرر.
قوله: ويتسلسل ذلك، إنما صح التسلسل في البينة لأنها شهادة نفي بخلاف
- 622 - (3/622)
صفحة 2050
يتشاكل عليه الثوب ولم يعلمه أو يتلف له ولم يعلم بذلك والله أعلم. وأما إن قال رب الثوب: هذا ثوبي، وقال الصباغ: لا، بل هذا، فالقول قول الصباغ، وعلى رب الثوب البينة لأنه مدع لما في أيدي الصباغ في هذه المسألة بخلاف الأولى والله أعلم. وإن اختلف المكري والمكتري والأجير والمستأجر في مدة الزمان الذي يقع فيه استيفاء المنفعة، فالقول قول الأجير والمكري، لأن المكتري والمستأجر قد صدقاهما في دعواهما وادعيا عليهما زيادة على دعواهما، ومثل ذلك إن ادعى الأجير والمكري أن مدة الكراء سنة، وادعى المستأجر والمكري المدة سنتين
شهادة الإثبات فإنها لا يصح فيها ذلك، فإذا عينت شيئاً وجب الحكم به ويؤخذ من هذا أن المصنوع يثبت خلافا لما اشتهر بين الناس من أن المصنوع لا يثبت والله أعلم. قوله: لأن الصباغ ربما الخ. هذا في الحقيقة جواب عن منع التسلسل كأنه قيل له التسلسل ممنوع لانقطاعه من أول الأمر بيمين الصباغ إذا لم يقم صاحب الثوب البينة فأجاب بأن الصباغ ربما يتشاكل عليه الخ. يعني فلا يقدم على
اليمين فيأتي بما لا يتناهى من الثياب أي بعدد كثير والله أعلم
قوله: فالقول قول الصباغ، يعني قولاً واحداً لما ذكر.
قوله: بخلاف الأولى، يعني فإنه ناف لا مدع، فلذلك اختار أن القول قوله كما تقدم.
- 623 - (3/623)
صفحة 2051
فمدعي الأكثر عليه البينة، وإن اتفقا على مدة الكراء واختلفا وقال الأجير أو المكري: قد انقضت المدة، وقال المستأجر والمكتري: لم
:
تنقض، فمن ادعى منهما انقضاء الأجل فعليه البينة، وإن اختلفا في مقدار الكراء وفي نوعه فالقول قول المستأجر والمكتري مع يمينهما لأنهما غارمان، والغارم القول قوله مع يمينه، وإن اختلفا الحمال مع صاحب المال في مقدار المسافة التي يحمل إليها فالقول قول الحمال مع يمينه، وعلى صاحب المال البينة لأنه قد ادعى عليه زيادة على دعواه، وإن قال صاحب المال: استأجرتك أن تحمل إلى مصر بعشرة دنانير، وقال الحمال: لا، بل استأجرتني أن أحمل إلى الإسكندرية بعشرة دنانير أو بخمسة عشر ديناراً، فالقول في الموضع قول الحمال، والقول في الدنانير قول صاحب المال، وإن اختلفا جميعاً كان الحمل إلى الإسكندرية وحط من
قوله: واختلفا، يعني في فراغها.
قوله: إلى الإسكندرية بعشرة دنانير، أو الاختلاف في المسافة فقط، فلا معنى ليمين صاحب المال حينئذ والله أعلم.
قوله: وإن حلفا جميعاً، في بعض النسخ وإن اختلفا جميعاً والتفريع في كل منها غير ظاهر فليراجع نسخة صحيحة روجعت فصحته وإن حلف، ولعل النسخة تقديماً وتأخيراً وحذفاً، والأصل وحط من الكراء بقدر المسافة ما بين الإسكندرية ومصر وهو الخمسة مثلاً، ودفع الحمال العشرة دنانير التي
في
- 624 - (3/624)
صفحة 2052
الكراء وهو العشرة دنانير التي حلف عليها صاحب المال بقدر المسافة ما بين الاسكندرية ومصر، وكذلك إن أتيا بالبينة جميعاً كان الحمل إلى مصر وزيد في الكراء بقدر المسافة ما بين الاسكندرية ومصر وهو الخمسة عشر ديناراً التي أتى الحمال عليها بالبينة والله أعلم. وإن قال المكري: أكريتك داري هذه أو دابتي هذه، وقال المتكاري: لا، بل هذه، فالقول قول رب الدار أو الدابة، لأن المتكاري مدعى عليه في ماله، وكذلك أيضاً إن قال المتكاري: أكريتني دابتك هذه أو دارك هذه فقال رب الدار أو الدابة: لا، بل غصبتنيها أو أعرتك إياها، فالقول قول رب الدار أو الدابة لأن المتكاري مدعى عليه في ماله، وإن مات المكتري للدار أو للدابة أو للبيت فورثته هم القاعدون فيما كان في البيت
حلف عليها صاحب المال، ويحتمل أن هذا سبق قلم، والأصوب أن يقول: وحط من الكراء وهو الخمسة عشر دينار التي ادعاها الحمال خمسة ودفع له العشرة التي حلف عليها صاحب المال، وهذا لا بد منه ليجري على القاعدة من أن القول في المسافة للحمال وفي الكراء لصاحب المال وليناسب
السابقة
ما بعده والله أعلم فليحرر.
قوله: لأن المتكاري مدعى عليه في ماله، يعني فيحتاج إلى البينة.
قوله: فورثته هم القاعدون، يعني كما أن مورثهم
كذلك.
- 625 -
ه م 40 - الإيضاح. (3/625)
صفحة 2053
والدار من متاع أو طعام أو ما على ظهر الدابة إلا ما كان من مصالح البيت مثل الباب والسرير والمفتاح وما على الدابة من أداتها مثل السرج والخطام واللجام والشكال والقيد والإكاف، وقرب الدابة والدار هو القاعدة في ذلك وعلى المكتري البينة والله أعلم.
-977 - (3/626)
صفحة 2054
الصفحة
محتويات الجزء الثالث من كتاب الإيضاح
الموضوع
كتاب البيوع (ما يجوز منها وما لا يجوز)
باب في معرفة أنواعها
باب.
الأسباب المفسدة للبيع
مسألة في المناهي الواردة في بيع ما لم تقبض وغير ذلك فصل في بيوع الذرائع وهو شيء يعرض للمتبايعين
مسألة: والغلة على وجهين
فصل: في بيان النهي عن بيعتين في بيعة واحدة الباب الرابع في بيوع الشرط والثنيا
الباب الخامس في البيوع المنهي عنها من أجل الضرر والفين
باب في معرفة الأسباب المصححة للبيع
الباب الثاني في المعقود عليه
باب في بيع الحيوان
باب في بيع الرقيق
باب في بيع المتاع والثياب
باب في بيع الحبوب
- ATV - (3/627)
صفحة 2055
الموضوع
باب في بيع الأرض، وما اتصل بها من الحيطان والأشجار
مسألة في صفة الحدود التي ذكرناها
باب في بيع التسمية وحكمه
الصفحة
فصل في اختلاف العلماء في بيسمع التسمية وفي الشيء الذي يجوز فيه 168
يبيع أحد الشريكين سهمه)
فصل (وإذا أراد أن
فصل) وبيع الماء جائز
الأرض)
باب فيما يتبع الشيئ المبيع) مما لم يذكره المتبايمان)
باب ما يجوز به البيع من الثمن
الباب الثالث: في العقدوما يتعلق به
فصل: وإن قال البائع: بعت لك هذا الشيء إن شاء الله
باب في أحكام البيوع الصحيحة
باب في معرفة العقود التي يوجب فيها بالعيب حكم
باب في معرفة العيوب التي توجب الحكم
باب في عيوب الأرض، وما اتصل بها من الحيطان والمواجل .. الخ. 219
باب في عيوب العبيد
د عيوب الحيوان
الثياب الأواني
فصل (وإذا أخذ الرجل داراً بالشفعة)
باب في.
معرفة حكم العيب (الموجود في المبيع)
- 628 - (3/628)
صفحة 2056
الصفحة
الموضوع
باب منه آخر
باب في بيع البراءة
فصل (ومن اشترى من وكيل رجل فخرج فيه عيب)
باب في أحكام البيوع الفاسدة
باب في الاستحقاق
فصل: ومن كان بيده مال حرام ولا يدري صاحبه
فصل:) اختلف العلماء بم يرجع المشتري على البائع .. )
باب في بيع الصرف
باب في بيع السلم
باب في بيع النقد وحكمه
باب في بيع الدين
باب في قضاء الدين
باب في لزوم الدين
فصل: (وإن قضى له في دينه خلاف ما عليه .. ) باب فيما يأمر صاحب الدين غريمه أن يجعله لدينه
باب الوكالة في قبض الدين
باب في إرسال الدين إلى صاحبه بغير إذنه باب في وضع الدين لصاحبه إن أبى أن يأخذه
باب في تقاضي الديون
باب «التولية والقيلولة
باب «بيع الخيار
-979 - (3/629)
صفحة 2057
الصفحة
الموضوع
باب في المشاركة في الربح
باب (بيع المرابحة
باب و الطوافة
كتاب الاجارات
فصل: والإجارات على ثلاثة أوجه باب في أحكام الإجارات
باب في معرفة أحكام الطوارئ على العقدة باب في أحكام الطوارئ على الكراء هو معرفة أحكام الطوارئ على العمل باب في أحكام الطوارئ على الأجير
باب في تضمين الأجير ما تلف مما استؤجر عليه
باب آخر (3/630)
صفحة 2058
حقوق الطبع محفوظة
لدى وزارة التراث القومي
والثقافة
ص. ب: 668 - الرمز البريدي: 113 - مسقط - سلطنة عُمان
رقم الإيداع 99/ 158
طبع في الطابع الذهبية مرحب 2896 روي 112 مالک 199972 (3/631)
صفحة 2059
كتاب الإيضاح
تأليف العالم العلامة
الشيخ عامر بن علي الشماخي
رحمه الله
الجزء الرابع
الطبعة الرابعة
1420 ه/ 1999 م (4/1)
صفحة 2060
[صفحة فارغة] (4/2)
صفحة 2061
كِتَابِ الأيضاح
تأليف العالم العلامة
الشيخ عامر بن على الشماخي
رحمه الله
مع حاشية عليه تأليف الإمام العالم العلامة
محمد بن عمر أبو ستة القصبي النفوسي
رحمه الله
الجزء الرابع
الطبعه الرابعه
1420 هـ ـ 1999 م (4/3)
صفحة 2062
الله الرحمن الرحيم (4/4)
صفحة 2063
كتاب الشركة
والشركة على ثلاثة أوجه: شركة مضاربة، وشركة عنان، وشركة مفاوضة، أما شركة مضاربة فجائزة باتفاق، وجواز ذلك بالسنة، ولولا الإتفاق على جوازها لم تجز، لأنها أجرة غير معلومة وهي ضرب من الإجارة، وصفتها أن يعطي الرجل لرجل المال على أن يتجر به على جزء
كتاب الشركة
قوله: أما شركة مضاربة، الأولى تعريف المضاربة لتكون عين المتقدمة لأن القاعدة في النكرة، إذا أُعيدت نكرة كانت غير.
قوله: مضاربة، قال شيخنا رحمه الله: هي لغة أهل العراق، والقراض لغة أهل الحجاز، واشتقاق المضاربة من الضرب في الأرض، وهو قطعها بالسفر، لأن أهل مكة كانوا يدفعون أموالهم للعمال، يسافرون بها ابتغاء الربح، ثم لزمه هذا الإسم، وإن لم يسافر العامل. واشتقاق القراض من القرض وهو القطع، لأن المالك قطع للعامل قطعة من ماله يتصرف فيها وقطعة من ربحه، وقيل: من المساواة، يقال: تقارض الشاعران، إذا تساويا فيما أنشداه انتهى. وكأنه أراد أن العامل ورب المال تساويا في الربح، يعني غالباً
قوله: وهي ضرب من الإجارات، يؤخذ منه إذا صدر عقد المضاربة بينها
191 (4/5)
صفحة 2064
معلوم يأخذه العامل من ربح المال، أي جزء كان مما يتفقان عليه ثلثاً أو ربعاً أو نصفاً أو ما أشبه ذلك، وإن ضارب على ربح نصف المال أو ربح مائة درهم من رأس المال فذلك جائز، وإن قال: لك ربح هذه المائة بعينها أو ربح هذا النصف بعينه، فقد قيل إن هذا ينتقض لأنه ربما لا يربح في ذلك النصف أو المائة شيئاً ولا ضمان على المضارب فيما هلك من رأس المال، لأن حكمه عندهم حكم الأمين ما لم يتعد، وأما محله
ودفع له المال وشرع في شراء أمتعة التجارة، ليس لأحدهما الرجوع حتى يتم ما اتفقا عليه والله أعلم فليحرر.
قوله: وصفتها أن لا يعطي الخ. هذا تعريف للمضاربة بالمعنى الشرعي، فتصدير الحد بقوله: أن يعطي الرجل المال، أبطل المضاربة بما في الذمة وبالعروض كما سيأتي، لأن المتبادر من المال، الدنانير والدراهم، وقوله: أن يتجر به، أخرج الوديعة مثلا في قوله: على جزء معلوم، أخرج الوكيل والعبد المأذون له في التجارة، إلا أن في قوله: أن يعطي، مسامحة لأن المضاربة إسم للعقد المقتضي للإعطاء، لا نفس الإعطاء والله أعلم.
قوله: فذلك جائز، يعني خلافاً لمن منع ذلك كالشافعي، وإنما جاز لأنه كمن اشترط نصف ربح الجميع، وكذلك في ربح المائة، إذا كانت غير معينة كأن يكون ثلاثة مائة مثلا، فإنه بمنزلة من اشترط ثلث فائدة الجميع كما
هو
ظاهر
-1 - (4/6)
صفحة 2065
ففي الدنانير أو الدراهم بالوزن لقوله عليه السلام: (لا قراض إلا بعين)) واختلفوا في المسكك من الذهب والفضة بالوزن، وأما بغير الوزن فلا، وكذلك الأمتعة والثياب وجميع الحبوب فلا يجوز به لما ذكرنا عن النبي عليه السلام، وقد ذكر في الأثر عن ابن عباد: إذا أعطى الرجل لرجل ثوباً يبيعه على أن ماكان فيه من ربح فهو بينهما نصفان جاز ذلك، فهذا يدل من قول ابن عباد أن المضاربة بالعروض جائزة، والله أعلم
قوله: ففي الدنانير والدراهم، يعني إذا كانت لا غش فيها، كما قاعدة المذهب ولأنه إذا كان الوزن شرطاً فيها، فالسلامة من الغش من باب أولى، والظاهر أنه لا يجوز القراض، ولو علم قدر ما فيها من الغش، أو راجت رواج الجيد كما ذهب إليه الشافعي، وعبارة منهاجهم: ويشترط لصحته كون المال دراهم أو دنانير، فلا يجوز على تبر وحلى ومغشوش، قال شارحه الدميري: وإن راج وعلم قدر غشه لأنه عروض ونقد الخ. وذهب مالك إلى جواز القراض بها، وعبارة خليل: القراض توكيل على تجر في نقد مضروب مسلم يجزه من ربحه إن علم قدرهما، ولو مغشوشاً الخ.
قوله: بالوزن، لعله ما لم يجر العرف بعدمه والله أعلم فليحرر. قوله: في غير المسكك الخ. ذهب بعضهم إلى التفصيل فقال: إن كان يتعامل به في بلده جاز وإلا فلا والله أعلم.
قوله: فهذا يدل من قول ابن عباد الخ. لعل ابن عباد رحمه الله، لم يثبت
(1) رواه ابن ماجه والدارقطني. (4/7)
صفحة 2066
كيف يصح ذلك عنده، لأن العروض تختلف قيمتها بين يوم يأخذها المضارب ويوم يعطيها، ولعله أجاز ذلك بقيمتها يوم يأخذها المضارب
والقول الأول عليه العمل، لأن المضاربة لا تجوز إلا بالدنانير والدراهم كما قال عليه السلام، وإن كان لرجل على رجل دين لم يجز أن يعطيه له على القراض قبل قبضه مخافة أن يكون أعسر بماله وهو يريد أن يؤخره عنه على أن يزيد فيه فيكون من الربا المنهي عنه، وأيضاً ما كان في الذمة لا يتحول ويعود أمانة، وفي الأثر: وقيل لا يتحول القرض مضاربة ولا المضارية قرضاً وهما الأمر الأول، وإن أمر رجل رجلاً أن يقبض ديناً له من رجل آخر ويعمل فيه على جهة القراض، فإني أخاف أن تكون هذه مضاربة فاسدة لأنه حين كلفه القبض لذلك الدين صارت له في ذلك
عنده الحديث المتقدم، أو هو على حد) لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)
والله أعلم.
قوله: بقيمتها يوم يأخذها المضارب، هو بكسر الراء، والمراد به صاحب المال، وكأنه أراد به يوم يشتريها، بدليل مقابلته فيما قبله بقوله: ويوم يعطيها وإنما كان المراد ذلك، لا قيمتها يوم يعطيها لما يلزم عليه من المحذور إذا زادت قيمتها أو نقصت، وذلك أنه يلزمه على الأول أن رب المال أخذ أكثر من النصف المتفق عليه، وعلى الثاني أن المضارب أخذ بعض رأس المال، وذلك لا يجوز والله أعلم.
-8 - (4/8)
صفحة 2067
منفعة، وكل منفعة إشترطها رب المال على المضارب غير سهمه من الربح فإنها تصير ما انعقد عليه القراض مجهولاً وكأنه قارضه على رأس مال مجهول، ولذلك لا يكون مع القراض بيع ولا كراء ولا عمل ولا سلف ولا مرفق يشرطه أحدهما على صاحبه لنفسه، وفي الأثر: وقيل يكره لمن يبيع مضاربة أن يحمل صاحبه بضاعة، وكذلك الذي يقرض إنساناً قرضاً يكره أن يدفع إليه مالاً مضاربة ولا بضاعة، فهذا كله لأنه ربما فعل ذلك كله له من أجل ماله والله أعلم.
قوله: وكل منفعة اشترطها رب المال على المضارب الخ. لعله سماه هنا مضارباً باعتبار ما يؤول إليه، وإلا فالقراض لم ينعقد بينها، لكن بترقب ذلك فالمنفعة في الحقيقة ما كانت إلا لأجله، وإن تقدمت في الوجود والله أعلم. قوله: على رأس مال مجهول، وذلك لأن المقارض قد استحق في الحقيقة
شيئاً من ذلك المال الذي قبضه من الأجنبي، في نظير خدمته والله أعلم. قوله: ولا مرفق، أي ما ينتفع به، وهو بفتح الميم وكسر الفاء كما في الصحاح.
قوله: لمن يبيع، كأنه أراد لمن يعطي، وسماه بيعاً لأنه يؤول إلى ذلك
ويترتب عليه، ولما كان هو صاحب المال، فكأنه البائع والله أعلم.
قوله: لأنه ربما فعل ذلك الخ. وقد (نهى عن كل سلف جو
منفعة)
(1)
(1) متفق عليه.
9 - (4/9)
صفحة 2068
باب في شروط المضاربة
ما يجوز منها وما لا يجوز
وإن اشترط المضارب الربح كله فهو ضامن لجميع المال، وهذا دين إلا على قول من قال: لا يتحول القرض مضاربة ولا المضاربة قرضاً، وهما على الأمر الأول حتى يقبضه منه ويرده إليه كما أراد فيكون ذلك إحساناً من رب المال والله أعلم. وإن اشترط الربح كله رب المال فهذه
باب في شروط المضاربة ما يجوز منها وما لا يجوز
قوله: لا يتحول القرض مضاربة، أظن أن هذه القضية وقع الإنفاق عليها كما يفهم من كلامه السابق في التعليلين السابقين، فقوله: إلا على قول من قال، ناظر إلى القضية الثانية والله أعلم فليحرر.
قوله: ولا ضمان على المضارب، لا حاجة إليه، لأن المضارب لا يضمن ولو لم يشترط عليه ذلك ما لم يتعد، أو يشترط الربح على ما تقدم
قوله: على المضارب، وهو بفتح الراء، لأنه من ضاربه في المال من المضاربة،
وهي القراض كما يؤخذ من الصحاح.
111 (4/10)
صفحة 2069
بضاعة لرب المال ولا ضمان على المضارب، وإن اشترط رب المال على المضارب الضمان أعني: ضمان المال كله أو بعضه فالمضاربة فاسدة، ويكون قرضاً على المضارب والربح له بما ضمن، وقال بعضهم: إن تلف المال لزم المضارب الضمان بالشرط، وإن سلم فالربح بينهما على ما شرط؟ وقال بعض: المضاربة صحيحة والشرط باطل، وهو على قول أبي عبد الله محمد بن بركة في كتابه، وقال: لأن رب المال لم يقصد إلى قرضه إياه فيكون ديناً له على ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، ولم يتعد فيه المضارب فلزمه الضمان على ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني والله أعلم. وللمضارب أن يشترط على رب المال أن يتجر في أجناس معلومة، وفي ضرب من التجارة معلوم وفي بلد معلوم وبلدان
قوله: ويكون قرضاً الخ. لعل هذا على قول من يقول: إن المضاربة يجوز أن تنقلب، قرضاً، وأما على قول من لا يجوز ذلك،، فالظاهر أنه وتكون المضاربة فاسدة يرجع فيها إلى كراء المثل والله أعلم. فليحرر.
يضمن:
6
قوله: وفي ضرب من التجارة معلوم، فإنه أراد بالضرب المعلوم من التجارة، أنه لا ولا يشتري إلا بالدنانير والدراهم فقط، أو بالقروض فقط، أو يبيع بالنقد فقط، أو بالنسيئة فقط أو نحو ذلك، ومثل هذا جائز لرب المال أيضاً كما ذكره رحمه الله، ولا ينافيه ما يأتي قريباً حيث قال: وإن اشترط عليه أن يتجر في جنس من السلع معروف، فإن ذلك لا يلزمه الخ. لأن الجنس
-11 - (4/11)
صفحة 2070
معلومة، ولرب المال عليه مثل ذلك من الشروط، وليس له أن يتعدى شرطاً رسمه له فإن تعدى كان ضامناً، وإن اشترط عليه أن يتجر في جنس من السلع معروف فإن ذلك لا يلزمه، لأن التجارة لا تكون في سلعة واحدة ويعظم الغرر بذلك، وأما إن اشترط عليه أن لا يشتري جنساً من السلع فذلك جائز عليه، وقد ذكر في الأثر: وسئل عن رجل أعطى لرجل عشرين ديناراً على المضاربة فاشترط عليه أن لا يدخل أرضاً معلومة ولا يشتري إلا سلعة معلومة فدخل تلك الأرض أو اشترى تلك السلعة قال: هو ضامن، ومنهم من يقول: لا يضمن لأنه الموكل من ذلك، والقول الأول عندي أصح لقوله عليه السلام: (المؤمنون
المشترط غير الضرب المشترط، فإن المراد بالجنس التمر، أو الزبيب، أو نحو ذلك والمراد بالضرب، ما تقدم، فحصل الفرق.
تنبيه: لو دفع له مال القراض فقال له: إن اتجرت في الصنف الفلاني فلك نصف الربح مثلاً، وإن اتجرت في صنف كذا، فلك ثلث الربح، وإن سانرت فلك نصف الربح، وافترقا على عدم القطع، فالظاهر أن هذه مضاربة فاسدة، لأنها بمنزلة بيعتين في بيعة، ولأن ظاهر قوله فيما تقدم على أن يتجر به على جزء معلوم، يدل على أنه لا بد في ذلك الجزء أن يكون معلوماً لا تردد فيه والله أعلم فليحرر.
"
أنه ليس
قوله: لأنه الموكل في ذلك، لو قال: لأنه الناظر في ذلك لكان أظهر لأن هذا الكلام ظاهره يقتضي أن الوكيل لا يضمن ولو تعدى، مع كذلك والله أعلم.
-17 - (4/12)
صفحة 2071
على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالا وإن اشترط عليه أن يخرج أكثر من رأس ماله ثم يقسمان البقية، فلا يجوز ذلك لأنه ربما يحيط ذلك بجميع الربح، وكذلك أيضاً إن اشترط عليه أن يأخذ من
منه
في كل شهر ديناراً فلا يجوز، لأنه لا يدري أيربح ديناراً أو أقل أو أكثر أو لا يربح شيئاً، وكذلك أيضاً إن اشترط عليه المضارب شيئاً من رأس المال فلا تجوز تلك المضاربة، لأن المضارب ليس له من رأس المال شيء، وإن اشترط عليه أن له ثلث الربح ولرجل سماه ثلث الربح ولصاحب المال الثلث الباقي، فذلك جائز إن قبل المسمى له الهبة وإن
صحيح
•
قوله: أو حرم حلالاً، كأن المراد حلالاً لا بد منه مثل الأكل والشرب والنوم والصلاة، وأن لا ينتفع بماله في وجه كذا، مما هو حلال مثلا، ونحو ذلك وإلا فكل شرط فيه منع من المباح، يقتضي تحريم الحلال. قوله: ولرجل سماه ثلث الربح، ينظر ما لو جعلا الربح كله لذلك الرجل مثلا، والظاهر أنه فيعدان متبرعين والله أعلم. قوله: إن قبل الخ. يؤخذ من هذا جواز هبة ما سيؤخذ، وأنها صحيحة من غير حوز، فتكون هذه الصورة مستثناة من اشتراطهم الحوز في صحة الهبة فإن ظاهره أنه إن قبل ما جعل له ورضي به - ولو قبل حصوله ـ لزم، وليس لهما الرجوع فيه، ويحتمل أن المراد إن قبل الهبة بعد حصولها، يعني وأما قبل حصولها فلها الرجوع، وحينئذ لا حاجة إلى الإستثناء والله أعلم. فليحرر على أن المأخوذ به عند أصحابنا من أهل الجبل وأهل المغرب أن الهبة إنما تتوقف
على القبول دون الحوز إلا في هبة الوالد لولده كما بينه رحمه الله في باب الهبة.
(1) تقدم ذكره.
-17 - (4/13)
صفحة 2072
دفعها رجع المضارب إلى عناه لأنهما لم يتفقا على ذلك الثلث كيف يكون بينهما، وإن اشترط أيضاً رب المال على المضارب جنساً من الناس أو رجلاً معروفاً يتجر معهم فذلك جائز عليه، وكذلك إن اشترط عليه أن لا يخالف طريقاً مسمى فإنه لا يجوز للمقارض أن يأخذ غير الطريق الذي شرط له، فإن جاءه خبر الخوف فليختر إلى حيث يأمن، وإن دخل إلى منازل يأمن فيها فلا يأخذ بعد ذلك إلا الطريق الأول فإن لم يجدها رجع بالمال إلى صاحبه، وإن لم يجد إلى الرجوع سبيلاً ولم يصل إلى الطريق الأولى المشروطة عليه باعه ولا يأخذ إلا الطريق الأول؛ فإن لم يجد مأمناً فإنه يأخذ طريقاً يوصله إلى الأمان، فإن خالفه في جميع ما شرط عليه فإنه ضامن إن تلف المال، وإن سلم فهما على اتفاقهما والله أعلم. وإن اشترط رب المال زكاة الربح على العامل في
•
قوله: أو رجلاً معروفاً، ظاهره أن اشتراط رجل معين لا يعد من التحريج فليس كاشتراط جنس معين، وذلك لأنه كمن دفع ماله لرجلين والله أعلم قوله: الطريق الذي شرط، إنما ذكر الطريق هنا وأنثه بعد في قوله: الطريق الأولى المشروطة، لأن الطريق يجوز فيه تذكيره وتأنيثه
•
قوله: وإن سلم فهما على اتفاقهما، وإنما لم يكن الخراج بالضمان، لأنه متعد فقوله عليك الله (الخراج بالضمان (محمول على ليس بمتعد والله أعلم.
قوله: وإن اشترط رب المال زكاة الربح الخ. وكذلك أيضا لو اشترط
-18 - (4/14)
صفحة 2073
حصته من الربح فذلك جائز، لأن ذلك يرجع إلى جزء معلوم النسبة كأنه اشترط عليه في الربح الثلث إلا ربع العشر أو النصف إلا ربع العشر فذلك جائز، والله أعلم. وإن لم يشترط رب المال على المضارب موضعاً بعينه كان له أن يتجر حيث شاء من المتاجر إلا بلداناً يقطع فيها البحر عن مصره فإنهم اختلفوا فيها، فأجاز بعضهم ذلك مالم يكن شرط يمنعه، وقال آخرون: ليس عليه الخروج إلى البحر إلا بأمر صاحب المال وقد ذكر أبو عبد الله ذلك في كتابه، والنظر يوجب عندي أن المضارب والمضاربة المقصودة بذلك المال يراعى الحال فيهما، فإن كان المضارب معروفاً بالمضاربات إلى أماكن معروفة، وجرت العادة منه في التجارة في بر وبحر فهو على عادته والله أعلم. وليس للمضارب أن يستعمل بالمال الزراعات وغرس الأشجار وشراء النخيل والعقارات، لأن ذلك كله لا يعرف في متاجر الناس ولا يسمونهم بها تجاراً، وقد أجاز بعضهم ذلك ولم يره متعدياً إذا رأى الإصلاح في ذلك لنفسه ولرب المال والله أعلم.
العامل ذلك على رب المال في حصته، فإنه جائز أيضاً، لأنه معلوم النسبة كما
قال رحمه الله
1101 (4/15)
صفحة 2074
باب في أحكام القراض
وأحكام القراض منها ما هو أحكام القراض الصحيح، ومنها ما هو أحكام القراض الفاسد، وأما أحكام القراض الصحيح ففعل صاحب المال في مال القراض جائز، لأنه ماله ويأخذ منه بالبيع أو بالقيمة، وأما المقارض فلا يأخذ منه شيئاً إلا بالبيع من صاحب المال أو من أقامه بمقامه كان الربح في المال أو لم يكن، لأنه بمنزلة الوكيل، وفعل المقارض جائز في جميع منافع ذلك المال من البيع والشراء والمبادلة وما أشبه ذلك مما
باب في أحكام القراض
قوله: لأنه بمنزلة الوكيل، يؤخذ منه أن الوكيل لا يأخذ مما وكل عليه إلا بالبيع من صاحب المال، أو من يقوم مقامه، ولو نادى على قيمة ما يساوي الشيء ويبيعه للغير به، لأن البيع لا يكون إلا بين اثنين كما تقدم في الصرف إلا في خليفة اليتيم كما تقدم في الطوافة، وكتب أيضاً رحمه الله على هذه القولة ما نصه: قوله لأنه بمنزلة الوكيل قال شيخنا,: فيؤخذ منه أن شرطها كوكيل وموكل، فلا يجوز من صبي ولا سفيه، وأما المحجور عليه يصح أن يقارض وهل يصح أن يكون عاملا؟ والظاهر الجواز انتهى.
بالفلس فلا.
رحمه الله
-17 - (4/16)
صفحة 2075
يصلح المال، وكذلك يجوز له أن يفعل جميع ما يعني ذلك المال من الكراء والأجر أو جميع مؤونته فذلك كله من رؤوس الأموال، ويعطي الأجرة لمن يدله على البيع والشراء ويسامح فيها لأنه ناظر لنفسه ولرب المال، وفي الأثر: وقال من قال: إن كان المضارب يعمل بيده في المال فيكره له أن يأخذ أجر ذلك، وأما كراء المنزل والدابة إذا كانت له فلا بأس أن يأخذ ذلك كما يكون لغيره، وإن منعه صاحب المال على التصرف في ماله فإنه إن لم يكن الربح في المال فلا يجوز له فيه التصرف بعد منع صاحبه وإن كان الربح فجائز له التصرف ويبيع ويوصل لصاحب المال ماله وما نابه من الربح، وكذلك إن لم يتبين له أكان الربح في المال أو لم يكن يجوز له التصرف، وكذلك ورثة المقارض إن مات لا يجوز لهم التصرف في ذلك، لأنهم ليسوا بمقارضين لصاحب المال إلا أن يبيعوا ما يحتاج إلى البيع ويجمعوا المال ويأخذوا سهم مورثهم من الربح إن كان، ويوصلوا المال إلى صاحبه وما تابه من الربح، ويدرك
قوله: فلا يجوز فيه التصرف الخ. ظاهره أنه يأخذه لنفسه من حينه إن شاء حيث لم يوجد الربح، وإن لم يرض بذلك المقارض، لأن صاحب المال يأخذ بالقيمة وإن لم يرض المقارض، فعلى هذا لو ادخره وظهر فيه الربح بعد ذلك ليس للمقارض فيه شيء حين يأخذه لنفسه بالقيمة والله أعلم فليحرر. قوله: يجوز له التصرف، ظاهره ولو منعه صاحبه
-18 -
ه م 2 - الإيضاح،
( (4/17)
صفحة 2076
صاحب المال عليهم ذلك، لأن عليهم ما لزم مورثهم قد اتجر، وإن اتجروا بالمال بعد ما مات مورثهم، فإن إن اتجر مورثهم بالمال أول مرة فلهم نصيبهم من الربح كان الربح أول مرة أو لم يكن، لأن مورثهم قد اتجربه، فإن تلف المال فعليهم الضمان إن علموا بموت مورثهم، لأن صاحب المال لم يضاربهم بذلك المال، وإن لم يعلموا بموت مورثهم فلا ضمان عليهم، وإن لم يتجر مورثهم أول مرة فاتجروا هم به بعد موته فلهم أجر عنائهم إن لم يعلموا بموت مورثهم ولا ضمان عليهم إن تلف المال، وإن علموا فعليهم الضمان وليس لهم شيء في الحكم ولهم عناؤهم فيما بينهم وبين
قوله: لأن عليهم ما لزم مورثهم، يؤخذ منه أنهم لا يضمنون إذا ضاع المال في حين بيعهم ما لم يتجروا به، لأن هذا أمر واجب عليهم والله أعلم. وهذا ظاهر إذا كان المال حاضراً، وأما إذا كان غائباً، فالظاهر أنه لا يجب عليهم السفر لأجل ذلك لما في ذلك من الضرر عليهم، والضرر لا يحل والله أعلم فليحرر، وليراجع.
قوله: كان الربح أو لم يكن، يعني في تجارة مورثهم، فلهم أجر عنائهم إن لم يعلموا، إنما يأخذون عناء هم دون الجزء المسمى لمورثهم، وإن لم يعلموا بموته أنهم لم يقارضوا بذلك المال، والجزء المسمى قد انفسخ بموت مورثهم حيث لم يتجر أولاً والله أعلم.
لأن
قوله: فعليهم الضمان، وليس لهم شيء في الحكم، إنما لم يكن الخراج بالضمان هنا لأنهم قد تعدوا بحسب الظاهر والله أعلم. ولعل هذا بناء على الراجح لقوله: (لا عرق ولا عرق لظالم). وأما على القول المرجوح، فإن الربح لهم
-14 - (4/18)
صفحة 2077
الله، لأنهم اتجروا بمال بغير إذن مالكه والله أعلم. وكذلك أيضاً إن مات صاحب المال على هذا الحال فإنه إن اتجر به أول مرة ثم اتجر به بعد موته فله نصيب من الربح حين اتجر به أول مرة، وإن تلف فهو ضامن إن علم بموته، لأنه حين مات انتقل الأمر إلى الورثة واتجر في مالهم بغير رأيهم وإن لم يعلم بموته فلا ضمان عليه، وأما إن لم يتجر به قبل أن يموت صاحب المال ثم اتجر به بعد موته، فإن علم بموته فليس له شيء، ومنهم من يقول: له أجر عنائه، لأنه ليس بمتعد، وإن تلف المال فهو ضامن،
•
حيث يضمنون ويدل لهذا قوله. علياك يلاه) من اغتصب شيئاً مما يكال، أو يوزن مثل الذهب والورق والطعام، ثم استهلك في يده، أن عليه مثل ما اغتصب من جنسه وكيله ووزنه (كما ذكره رحمه الله في باب الزكاة قوله: لأنهم اتجروا بمال الخ. هذا علة لقوله: وليس لهم شيء، فلو قدمه على قوله: ولهم عناؤهم فيما بينهم وبين الله لكان أنسب والله أعلم. قوله: فلا ضمان عليه، يعني وله أجر عنائه لأن العقد قد انفسخ بالموت، كما ذكره بعد.
قوله: فليس له شيء، يعني في الحكم قياساً على ما تقدم وكتب أيضاً رحمه ارحمه الله على هذه القولة، ما نصه قوله: فليس له شيء قال شيخنا رحمه الله: ينبغي أن يعتمد، وأما قوله: لأنه ليس بمتعد، ففيه نظر انتهى، واقول: وجه النظر أنه حين مات صاحب المال وانتقل ذلك إلى الورثة، وعلم به، فقد انفسخ ما بينها ويصير متعدياً بعد ذلك، وإن لم يكن متعدياً في الأصل والله أعلم.
-19 - (4/19)
صفحة 2078
لأن ذلك المال في يده بمنزلة الوديعة، وإن لم يعلم بموته فله أجر عنائه وليس عليه الضمان والله أعلم، واختلف العلماء أيضاً في نفقة المضارب وكسوته، هل يدركهما في مال التجارة؟ وقال بعضهم: لا نفقة له ولا كسوة في مال التجارة أصلاً، شرطها أو لم يشترطها، وقال آخرون: إن كان المال كثيراً يحتمل ذلك فليأكل ويلبس ويركب على قدر ما احتمل من ذلك في الوقت الذي اتجر به في غير منزله، وأما في منزله فلا، إلا إن أذن له صاحب المال بذلك، وإن كان في يده غير هذا القراض من أموال التجارة كلها لنفسه كان أو لغيره فلا يأكل منه إلا ما نابه بالمحاصصة
سلب
قوله: واختلف العلماء أيضاً في نفقة المضارب الخ. لم يبين رحمه الله الخلاف بينهم ما هو، ولعل سبب اختلافهم في المتقارض، هل هو بمنزلة الوكيل أو بمنزلة الأجير؟ فمن قال بمنزلة الوكيل: قال لا يستحق ذلك، والذين قالوا بمنزلة الأجير اختلفوا، فمن قال: إن المستأجر كمن اشترى قوة الأجير قال: يدرك ذلك وإن لم يشترطه، ومن قال: إن الحر لا يباع ولا يجري عليه معنى البيع قال: لا يدرك ذلك إلا بالشرط، لكنهم اختلفوا في الشرطهل لا بد أن يكون شيئاً معلوماً؟ وهو مختار المصنف رحمه الله، لكن القاعدة في الشرط، إذا لم يكن معلوماً كان باطلا، أو لا يشترط فيه ذلك، ولا يبطل بل يكون له الوسط كما تقدم الخلاف أيضاً في الأجير، إذا شرط مؤونته مطلقاً والله أعلم فليحرر
•
قوله: إن كان المال كثيراً، لم يبين رحمه الله حد الكثير وضبطه بعض
المخالفين بالخمسين ديناراً فصاعداً، والله أعلم
- 20 - (4/20)
صفحة 2079
وكذلك اللباس والركوب وجميع ما لا يستغني عنه من مداواة نفسه وغيرها على هذا الحال ما خلا التسري والنكاح فلا ينكح منه ولا يتسرى فهؤلاء يجوزوا هذا للمضارب كله، لأن صاحب المال كمن اشترى قوته وما لا يتم الفعل إلا به فهو مثله، أعني النفقة والكسوة وما لا يستغنى عنه، وجعلوا ذلك كله كالمنطوق به وإن لم ينطقا به والله أعلم. وقال آخرون: لا نفقة له ولا كسوة إلا إن اشترطهما، واختلف أصحاب هذا القول إن اشترطهما، قال بعضهم: الشرط ثابت وله من ذلك الوسط النفقة والكسوة، وقال آخرون: الشرط باطل إلا إن اشترط شيئاً معيناً ما في نفقته وكسوته، وهذا القول عندي أصح، وقال أبو عبد الله في كتابه: وأجمع مخالفوهم أن المضاربة تفسد بهذا الشرط، والنظر يوجب عندي ذلك، لأن ما شرطه المضارب لا يكون إلا في الربح ولا يعلم أنه يربح أو يخسر، والذي يوجبه النظر عندي أن الشرط في هذا ثابت إذا كان شيئاً معلوماً، فإن كان الربح كان ما شرطه منه،، وإن لم يكن الربح كان من رأس المال، وأما قول أبي عبد الله: لأن ما شرطه
من
قوله: من مداواة نفسه، أي خلافاً لمالك فإنه منع ذلك قائلاً: يحتمل أن تطول به العلة فينفق غالب المال، وظاهر كلام المصنف رحمه الله الإطلاق ويحتمل التقييد بما إذا تحملت الفائدة ذلك، والله أعلم فليحرر. قوله: وأما قول أبي عبد الله: لأن ما شرطه إلى قوله: فلم أفهم من ذلك
021 - (4/21)
صفحة 2080
المضارب لا يكون إلا في الربح ولا يعلم أنه يربح أو يخسر فلم يفهم ذلك
عبدالله
يصح
اشتراطه
الخ. في عدم فهم معنى هذا الكلام من مثل المصنف رحمه الله تأمل، فإن معناه ظاهر كما أفاده شيخنا رحمه الله، حيث قال: قوله، لا يكون إلا في الربح، أي لا يصح اشتراطه إلا من الربح، بخلاف ما لو اشترطه من رأس المال، فإنه لا تجوز تلك المضاربة، ففي الحقيقة المشترط منه الربح، فإن كان الربح تحقق المشروط منه، وإلا فمن رأس المال،، وقدم أنه لا جزءاً من رأس المال، فقوي الضرر بهذا الشرط فتبطل المضاربة، فتأمل. فلعل هذا هو مراد أبي عبد الله و رحمه الله، وما أدى نظره وأسد رأيه رحمه الله، فأنت تراه مق بحث بحثاً ترى الطبع السليم ينقاد له بسهولة انتهى، وهو في غاية الحسن، إلا أن في جزمه ببطلان المضاربة مع هذا الشرط تأملا، فإن الظاهر أن أبا رحمه الله أراد بهذا الكلام بطلان الشرط فقط، فيوافق القول المصدر به، فإن المصنف رحمه الله، لم يحك في هذه الأقوال مع كثرتها، القول ببطلان المضاربة بهذا الشرط أبداً، اللهم إلا أن يقال: أخذ ذلك من قوله: تفسد بهذا الشرط والله أعلم فليحرر. وعلل أيضا شيخنا رحمه الله، بطلان المضاربة عند الإشتراط بعلة أخرى، غير ما قال أبو عبد الله رحمه الله، فقال: وبعبارة أخرى، لأن النفقة قد تكون قدر الربح، فيؤدي إلى انفراده به، وقد تكون أكثر، فيؤدي إلى أخذ جزء من رأس المال قد اشترطه، وإن لم يشترط شيئاً وقلنا له النفقة والكسوة، فالمأخوذ محسوب من الربح، فإن لم يكن ربح، ح فهو خسران لحق المال والله أعلم بالصواب انتهى. وفيه بعض تأمل أيضاً، فإنه يقتضي أن النفقة إذا كانت بالشرط تبطل المضاربة، وإذا كانت بلا شرط صح. كل منها، وهذا لم يتعرض له المصنف. رحمه الله،، فمن أين يؤخذ؟ اللهم إلا أن يقال: أخذه أيضاً من قوله: إن المضاربة تفسد بهذا الشرط يعني، وأما إذا كان ذلك من غير شرط، فجائز وهو المتبادر من ظاهر قول
-22 - (4/22)
صفحة 2081
من قوله شيئاً والله أعلم. ولا يخلط المضارب أيضاً ما في يده من مال القراض بغيره من الأموال، فإن فعل فهو ضامن إن تلف، ولا يستخدمه أيضاً لغيره فإن فعل فهو ضامن إن تلف بمنزلة من استودع وديعة لغيره
صاحب الدعائم: وما كساه بلا شرط يجوز له والله أعلم فليحرر. وفي غالب النسخ تفسد بدل تعسر، فيتم بحث شيخنا رحمه الله، والله أعلم.
قوله: ولا يخلط المضارب أيضاً الخ. قال شيخنا رحمه الله: ظاهره جواز أخذ القراض من غيره، وكذا البضاعة للغير سواء ضر بالأول أم لا، والظاهر أنه إذا ضر بالأول لا يجوز إذ فيه ضرر على رب المال، وهو الصواب إن شاء الله انتهى. أقول خصوصاً عند من يقول: إنه كمن اشترى قوته ثم الظاهر أنه إنما يضمن، إذا لم يأذن له أرباب الأموال في ذلك، والله أعلم. قوله: ولا يستخدمه أيضاً لغيره الخ. أنظر هل معناه إنه لا يمكنه من غيره فيعمل فيه مطلقاً، أي سواء كان قراضاً أم غيره، وهو الظاهر أو معناه، أنه لا يقارض به غيره؟ وهو الذي يدل عليه سياق كلامه، ثم ظاهره أنه إذا قارض به غيره يكون ضامناً إذا تلف ولو كان يعمل معه،.، ويحتمل أن المراد باستخدامه لغيره أن يكون الغير هو الخادم فيه وحده، ثم إنه ينظر فيما إذا قارض به غيره باقل من الجزء الذي اتفق به مع صاحب المال، ولم يعمل له شيئاً، هل يجوز له أخذ ذلك الزائد لدخول المال في ضمانه، وهو ظاهر قوله: وإن لم يتلف فهما على اتفاقها الخ. أو لا يجوز له أخذه، لأنه لم يعط شيئاً يستحق به ذلك؟ وهو المناسب لما تقدم في الإجارات، فيمن استأجر داراً أو دابة فأجرها لغيره من غير أن يزيد من عنده شيئاً، وأما إذا قارضه بأزيد
فالظاهر أنه يغرم له الزائد، والله أعلم فليحرر.
- 23 - (4/23)
صفحة 2082
ولا ضمان على المضارب الثاني، وإن لم يتلف فهما على اتفاقهما فيأخذ صاحب المال سهمه، ويعطي المقارض الأول للمقارض الثاني ما اتفق به معه من حصته والله أعلم. ويجوز للمقارض أن يجعل مال التجارة في جميع ما يطمع فيه الربح مما يحل بيعه وشراؤه إلا البيع بالدين، فلا يبيع بالدين إلا بإذن صاحب المال، فإن باع فهو ضامن إن تلف المال، أو لم يتلف فهما على اتفاقهما، لأن الأصل في البيع النقد، وبعضهم جوز للمقارض أن يبيع بالنسيئة، لأن الناس بيعهم وشراءهم نقد أو نسيئة، وكذلك لا يجوز للمضارب أن يأخذ الدين إلى ما في يده بغير إذن صاحب المال ولو أخذه لمصالح ذلك المال، مثل نفقة الغنم وغير ذلك من مصالح المال وإن أخذه على المال فالربح بينهما والوضيعة على المضارب، وليس
قوله: فهو ضامن إن تلف المال، ينظر هل يضمن رأس المال أو ما باع به، أو قيمته يوم البيع بالدين؟ وهو الظاهر ولكن الذي يدل عليه الكلام السابق في باب بيع الدين في مثل هذا أنه أنما يضمن الثمن الذي باع به عند الأصحاب خلافا لأبي عبد الله رحمه الله،، فليراجع. قوله: والوضيعة على المضارب، والظاهر أن المراد بعد ذهاب المال بدليل قوله: وليس يلحق صاحب المال بعد رأس ماله شيء، ويدل له أيضاً مسألة الكراء إذا عطب المال، ومسألة صبغ الثياب، ولو أراد أن الوضيعة على المضارب مطلقاً لقال: وليس يلحق صاحب المال في رأس ماله شيء، وعلى هذا الذي ظهر لنا، فالفرق بين مسألة الإذن مطلقاً، ومسألة عدم الإذن أصلا
- YE- (4/24)
صفحة 2083
يلحق صاحب المال بعد رأس ماله شيء إلا أن يقول للمضارب: خذ نسيئة وما كان من دين فعلي فهو عليه، وإن قال أيضاً علي وعليك فهو على ما شرطه. وإن قال له: خذ الدين إلى مالي فإنه يلزمه ما أخذ، ولو أخذ أكثر مما في يده إلا إن قال له: خذ الدين إلى مالي الذي في يدك فإنه
أنه في مسألة الإذن، يكون على رب المال ولو ذهب رأس ماله، وفي مسألة عدم الإذن، لا يلحقه بعد رأس ماله شيء، كمسألة الإذن أن يأخذ لما في يده والله أعلم. إلا أن قوله أولاً: لا يجوز للمضارب الخ. يقتضي أنه لا يكون على صاحب المال شيء والله أعلم فليحرر. ثم رأيت في كتاب ابن جعفر ما يدل أن صاحب المال ليس عليه شيء من الوضيعة في هذه الصورة حيث قال: وقيل إن قال صاحب المال للمضارب: لا تأخذ بيعاً بنسيئة، فأخذ بيعاً يكون ألف درهم بألفي درهم نسيئة فربح، قال: فإن أخذه على المال فالربح بينهما، والوضيعة على المضارب، وإن كان صاحب المال أمره أن يأخذ على ماله، فالوضيعة على المال والربح بينهما، وإن لم يأمره فالربح بينهما، والوضيعة على المضارب الخ. وقد يقال: كلام ابن جعفر يحتمل من التأويل ما يحتمله كلام المصنف أيضاً والله أعلم فليحرر. ثم ظاهره على أن الوضيعة على المضارب، وليس على رب المال في رأس ماله شيء وأن جميع ما أخذه المصالح ذلك المال ولم يدفع ثمنه. من ذلك المال يكون على المضارب، ولو اشتراه بثمن المثل لا فرق بينه وبين ما اشتراه بأزيد، لأن الجميع لم يأذن فيه رب المال والله أعلم
فليحرر.
قوله: فإنه يلزمه ما أخذ الخ. يعني فإن ماله شامل لجميع ما يملك، ولقائل أن يقول: إن الإضافة ها هنا للعهد، أي مالي المعهود وهو الذي في يدك، فإن الإضافة تأتي لما تأتي له اللام، والقرينة قامت على العهد والله أعلم.
1501 (4/25)
صفحة 2084
تكون الوضيعة حينئذ على المال، وما زاد على المال فعلى المضارب، وفي الأثر: وقيل إن اشترى المضارب بالمال متاعاً ثم حمله بالكراء فعطب، فالكراء على المكتري إذا قال صاحب المال: لم آمرك أن تدين علي، وكذلك إذا دفع المضارب ثياباً إلى الصباغ فتلفت فليس على رب المال تباعة بعد رأس ماله حتى يأمره بالدين، فإن أمره بالدين فإنه يدرك عليه ولو تلف المال والله أعلم. وإن أعطى رجل لرجل مالاً مضاربة فضارب به فخسر، ثم رجع إليه بالبقية، فقال له ردها واضرب بها: فرجع فضرب فريح ربحاً كثيراً، أو اختلفوا في رأس المال، فإن رأس المال هو الأول إلا إن قبض تلك البقية وجعلها عنده على المضاربة ثانية فيكون حينئذ رأس المال تلك البقية، لأنه ما لم يقبضها فلا تتحول من الأمر الأول، وفي الأثر: وإن كان في المضاربة ربح فقسماء بينهما، ثم
قوله: ثم حمله بالكراء فعطب الكراء الخ. لعل بالنسخة سقطا فليراجع وإن كانت النسخة صحيحة، فالمعنى ثم حمله بالكراء ولم يدفعه، فعطبت الدابة وذهب المتاع، فالكراء على المكتري الخ. ويحتمل أنه أراد بقوله: فعطب، معنى فهلك ثم ظهر، أن هذا متعين والله أعلم.
قوله: أن تدين، أصله تندين فحذفت إحدى التامين.
6
قوله: فقسماه بينها إلى قوله: إن الربح قد جاز، يؤخذ منه أن العامل لا يملك الجزء المسمى له، إلا بعد القسمة، وكذلك يؤخذ من قوله الآتي: وإن
-26 - (4/26)
صفحة 2085
اتجر بالباقي فخسر، فعن أبي علي رحمه الله أن الربح قد جاز إذا أعامه أني قد حسبت فوقع الربح كذا وكذا والله أعلم. ولا يجوز للمضارب أن يأخذ حصته من الربح بغير حضور رب المال أو بغير إذنه، فإن فعل ثم اتجر لنفسه فريح ربحاً كثيراً، فذلك كله بينهما على اتفاقهما الأول،
حصته،
أعطى له مائة دينار الخ. كما هو ظاهر، وإلى هذا ذهب مالك والمزني من أصحاب الشافعي، وذهب أبو حنيفه إلى أنه يملكه بالظهور، وفائدة الخلاف تظهر في الزكاة، فمن قال: العامل يملك بالظهور زكى على حصته إن ظهر له فيها ما تجب فيه الزكاة، ومن قال: لا يملك إلا بالقسمة، قال لا يلزمه شي حتى يجوز، وكلام المصنف رحمه الله، في كتاب الزكاة يدل على وجود الخلاف بين أصحابنا في وجوب الزكاة على المقارض، لكن جعل الخلاف مفرعاً على غير ما ذكر، وفيه بعض إشارة إليه حيث قال: واختلفوا في زكاة المقارض، قال بعضهم: ليس عليه من الزكاة شيء، وإن كان الربح في المال حتى يعلم ما يصح له، وهذا فيما يوجبه النظر على قول من قال: لا يعطي إلا على ما جعل في التجارة والمقارض لم يجعل فيها شيئاً، وعلى مذهب القيمة أينما كان الربح في المال فيلقومه، فإن كان في سهمه من الربح عشرون ديناراً، فليأخذ الوقت وإن حال الحول فليؤد من نفسه، ولا يؤد من مال القراض، وقال بعض: يحسب على ما مضى من السنين، فإذا اقتسم مع صاحبه أدى على ما مضى من السنين انتهى ولو جعل المصنف رحمه الله بسبب الخلاف بينهم الاستحقاق بالظهور أو بالقسمة لكان متجهاً أيضاً كما يفهم من كلام صاحب القول الأول، حيث قال حتى يعلم ما يصح له، فإنه يشير إلى أنه لا يملك إلا بالقسمة، ويكون القول الثاني مبنياً على أنه يملك بالظهور، وأما الثالث فيشبه أن يكون نظراً إلى القولين: والله أعلم فليحرر.
- 27 - (4/27)
صفحة 2086
لأن قسمته لذلك بغير إذن رب المال أو حضوره لا تجوز، وإن دفع لرب المال رأس ماله وحصته من الربح فأخذه ثم اتجر بسهمه من الربح فريح ثم قال له رب المال: لم أجوز لك تلك القسمة أنه لا يشتغل به، لأنه حين أخذ رأس ماله وحصته من الربح، فذلك تجويز منه لذلك والله أعلم. وإن هلك بعض مال القراض قبل أن يعمل فيه المقارض، ثم عمل فريح، فأراد المقارض أن يجعل رأس ماله بقية المال بعد الذي هلك فإنه لا يصح له ذلك إلا إن أخبر بذلك رب المال فجعله في يده مرة ثانية، وينفصل القراض الأول والله أعلم. وإن أعطى له مئة دينار على المضاربة فاتجر بها فربح مئة أخرى، ثم اتجر بهذه الثلاث مئة فخسر من المال مئة، ثم أراد أن يقسمها المائتين الباقيتين فإنهما يخرجان الوضيعة من الثلاث مائة جميعاً على أن يكون من كل مئة ثلث، ثم يأخذ صاحب المال ثلثي المائة وهو الباقي له من المائة الآخرة التي هي رأس مال المضاربة الثانية، ثم يأخذ أيضاً من ثلثي المائتين مائة دينار التي هي رأس ماله الأول: وثلثا المائتين هو الذي بقي له في المضاربة الأولى بعد الذهاب، فإذا أخذ منه مائة ديناراً رأس ماله بقي منه ثلث المائة، وهو ما صح لهما من الربح فيقتسمانه على اتفاقهما والله أعلم. واختلفوا أيضاً في الشبكة في الصيد بينهم مما يصطاد بها، فأجاز ذلك كثير منهم ولم يجوزه بعض، والذين
- YA- (4/28)
صفحة 2087
أجازوه شبهوه بالمضاربة، وأما من لم يجوز ذلك فالمضاربة عنده لا تصح إلا بالدنانير والدراهم، وهي أيضاً بإجازة السنة، والذي يوجبه النظر عندي: أن الشبكة في الصيد بسهم أقرب إلى الجواز ممن أجاز المضاربة بالعروض، لأن قيمة العروض تختلف، ورأس المال في ذلك مجهول، و الشبكة غير متغيرة وإنما لها السهم مما اصطاد بها والله أعلم. وأما إن أعطاه عروضاً وأمره ببيعها ثم يعطي ثمنها لرجل قد سماه له فيعطيه له على المضاربة فذلك جائز، لأن هذه مضاربة بالدنانير والدراهم، وإنما أعطاه أول مرة تلك العروض على وجه البضاعة لا على وجه المضاربة، غير أن بعضاً كره أن يبضعه رب المال بضاعة، لعله إنما فعل ذلك لأجل ماله
عن
قوله: وهي أيضاً بإجازة السنة، يعني ولولا ذلك ما جازت، لأنها خارجة، يجهل القدر المتحصل، وما خرج عن الأصل لا يقاس عليه
الأصل
والله أعلم.
قوله: ممن أجاز، راجع نسخة صحيحة.
قوله: وإنما لها السهم الخ. هذا تنبيه في الجواز بما تقدم عن الربيع، فيمن
له حائط تدفعه لمن يحطب منه بالسهم.
قوله: فذلك جائز، ظاهره أنه لا يضارب به من غير أن يدفع له أحد
ذلك الثمن.
قوله: وإن أعطاه، لعله وإنما أعطاه.
قوله: غير أن بعضاً كره الخ. هذا هو الذي جزم بمثله فيما تقدم، بل
- 29 - (4/29)
صفحة 2088
و الله أعلم. وإن دفع رجل إلى رجل مالاً مضاربة على ما رزقه الله في ذلك من شيء، فللمضارب من ذلك مئة درهم أو أقل أو أكثر إلا أنه قد سمى دراهم معلومة، فهذه مضاربة فاسدة لا تجوز، وللمضارب أجر مثله والله أعلم. وفي الأثر: واختلف علماؤنا أيضاً في مشاركة المسلم الذمي في التجارة فمنع كثير منهم جواز ذلك لما يحذر من إدخال الربا فيها وما يدينون بتحليله مما هو حرام في دين المسلمين، وكره آخرون ذلك من غير تحريم والحجة عندي توجب إجازتها، لأن ما اعتل به
،
الفريق الأول لو كان يوجب المنع لم يجب إلا مشاركة العدل من المسلمين لأن فيهم من يستحل في تجارته الحرام، ويرتكب في ذلك ما لا يجوز في مذهبه ويستعمله تارة مستحلاً وتارة مرتكباً، وإذا كان هذا هكذا
ظاهره المنع، تقدمت البضاعة أو تأخرت كما ترشد إليه العلة.
قوله: اجازتها، يعني بكراهة.
قوله: لم يجب، لعله لم يجز اللهم إلا أن يقال: أراد بالواجب ما ليس
بممتنع، فيشمل الجائز.
قوله: ما لا يجوز في مذهبه، ظاهره أن ما يجوز في مذهبهم لا ضرر فيه،
ولو كان غير جائز عند المسلمين والله أعلم. (4/30)
صفحة 2089
كانت مشاركة الذمي جائزة لا تفاقهم على إجازة مشاركة الفاسق من أهل القبلة، وأما أحكام المضاربة الفاسدة فكل مضاربة انتقضت فالمال وربحه لوبه، وللمقارض أجر مثله على قدر عنانه، وقد قال بعض: الربح للمضارب ولرب المال رأس ماله، وقد ذكر في الأثر فيها قولاً ثالثاً: أن الربح بينهما نصفان، وهذا القول يدل من قائله أنه إن تلف المال ليس للمضارب شيء، لأن حقه عنده متعلق بالمال، وكذلك أيضاً إن سلم ولم يربح شيئاً، وعلى القول الأول له قدر عنائه سواء تلف المال أو سلم أو ربح أو خسر، وهذا هو الذي يوجبه النظر عندي، لأن حقه متعلق بالذمة لا بالمال، وقد اتفقوا جميعاً على أنه لا ضمان عليه إن تلف المال، لأنه أمين ما لم يتعد والله أعلم. وإن اختلف المضارب ورب المال في مقدار الربح، فعلى رب المال اليمين بما يدعيه المضارب
قوله: ولرب المال رأس ماله، هذا إذا سلم المال، وأما إذا لم يسلم فالظاهر
أنه ليس له شيء، لأن العامل ليس بمتعد ثم رأيت التصريح به بعد بيسير
قوله: وهذا القول يدل من قائله الخ. أقول: وكذلك القول الثاني يدل على هذا، بل يدل على أنه إن لم يحصل الربح، ليس له شيء وإن لم يتلف المال كما بينه في القول الثالث
•
قوله: في مقدار الربح المراد، في مقدار ما عين له منه، كأن يقول المضارب:
131 - (4/31)
صفحة 2090
من الزيادة على ما يقر به له، وعلى المضارب البينة على الزيادة التي ادعاها، وإن اختلفا في رأس المال، فالقول قول المضارب، وعلى صاحب المال البينة على الزيادة التي ادعاها و الله أعلم.
نصف الربح، ويقول صاحب المال: ثلثه، وأما أصل مقدار الربح، فالمضارب
أمين فيه والله أعلم.
• (4/32)
صفحة 2091
باب في شركة العنان
وشركة العنان هو أن يشترك الرجلان أو أكثر في شيء بعينه وشيء
باب في شركة العنان
قوله: في شركة العنان، قال شيخنا رحمه الله: قدمها لأنها صحيحة بالإجماع، وهي بكسر المين مأخوذة من عنان فرسي الرهان لأن الفارسين، إذا استبقا تساوى عنان فرسيها فاستواؤهما كاستواء الشريكين في ولاية الفسخ والتصرف واستحقاق الربح، وقيل: من عن الأمر إذا ظهر، لأن جوازها ظاهر، وقبل مأخوذ من عن الأمر، اعترض لاعتراض تلك الأحكام من ولاية الفسخ والتصرف وغيرهما، كما قاله المصنف وعلى قول المصنف رحمه الله تعالى: يضبط بفتح العين كذا رأيت، ثم رأيت بعد ذلك في نسخة صحيحة من الإيضاح وقولهم، شاركهم به شركة عنان، أي اشترك فيه، فضبط العين بالكسر فليراجع انتهى. وأقول العجب من شيخنا رحمه الله، من أين رأى في كلام المصنف رحمه الله، ما يدل على أنه يضبط بفتح المين قال في الصحاح: وشركة العنان أن يشتركا في شيء خاص دون سائر أموالهما كأنهما عن لهما شيء واشترياه مشتركين فيه الخ. فضبط كلا من الشركة والعنان بالكسر، والشركة بالكسر مصدر شركة قال في الصحاح: وشركته في البيع والميراث أشركه شركة والإسم الشركة الخ.
- T-
ه م 3 - الإيضاح، (4/33)
صفحة 2092
خاص دون غيره، مأخوذ اسمه من عن لهم الأمر، أي اعترض لهم الأمر، وقد اتفقوا على جوازها إذا كانت أمثالاً متساوية من جنس واحد من الدنانير والدراهم، وإن كان مال أحدهم دنانير والآخر دراهم، فقد اختلف أصحابنا في ذلك على وجهين: منهم من رآه جائزاً ويرجع كل واحد منهم إلى رأس ماله ويأخذه إذا أراد المفاضلة ويقسمان الفضل، وقال بعض: إن هذا لا يجوز، لأن الشركة لا تكون إلا متساوية من جنس واحد، وما ذهب ذهب، وما حصل فلهما، وكذلك أيضاً تجوز بغير الدنانير والدراهم إذا كانت من جنس واحد، وتساوى ما لكل شريك إذا أحضراه، وكان مضبوطاً بالكيل والوزن، مثل الحبوب إذا كانت من جنس واحد متساوية في القدر والثمن وما جرى هذا المجرى،
قوله: وما ذهب ذهب، أي عليهما من غير تفاوت، وما حصل أي من الفائدة من غير تفاوت أيضاً لتساويها بخلافه عن الأول، فإنهما يقسمان الفضل بعد أن يأخذ كل واحد منهما رأس ماله، لكن الظاهر العكس في التفريع، فإنه إذا كان ما ذهب ذهب، وما حصل فلهما يكون أولى بجوازها، ورجوع كل واحد منها إلى رأس ماله أولى بعدم جوازها والله أعلم فليحرر. قوله: والثمن، كأنه أراد بالثمن القيمة، قال شيخنا: خلافا للشافعية حيث
لم يشترطوا التساوي في القيمة على الصحيح عندهم، قانوا: فإذا اختلفت كما إذا كان قفيز هذا يساوي عشرة، وقفيز هذا يساوي خمسة فهما شريكان مثالثة
انتهى.
- r{- (4/34)
صفحة 2093
وفي الأثر: قلت: هل تجوز الشركة فيا لا يتساوى مثل الحيوان والثياب؟ ومثل ذلك من الأمتعة التي لا تضبط لا بالكيل ولا بالوزن، قال: لا فقد دل هذا من قولهم أن من شرط هذه الشركة التساوي والجنس و الخلطة، أعني أن يحضر كل واحد منهما ماله ويخلطاهما جميعاً، أما التساوي فلعلهم إنما ذهبوا إليه التفاتاً إلى العمل، لأن العمل في الغائب لا يكون إلا متساوياً، فإذا لم يكن المال بينهما على التساوي كان هناك
قوله: مثل الحيوان، أي لعدم الخلط في ذلك
قوله: قال لا، أقول خلافاً لمالك، فإنه ذهب إلى جوازها في جميع العروض إذا استوت قيمتها سواء كانت من جنس، أو أجناس.
قوله: والجنس، أي بشرط أن يضبط بالكيل، أو الوزن.
قوله: أن يحضر كل واحد منها ماله ويخلطاهما، أي بحيث لا يتميزان، قال شيخنا رحمه الله: هذا شرط في صحة العقد، فيعتبر تقدمة على قولهما اشتركنا، وعلى الإذن، وهل تحتاج إلى الصيغة قياساً على البيع، أو لا تحتاج بل تحصل بمجرد الخلط بناء على أن البيع ينعقد بما يدل على الرضا قياس المذهب الأول انتهى.
قوله: أما التساوي الخ. علله بعض الشافعية، من اشترط التساري، بأن الربح يحصل بالمال والعمل، فكما لا يجوز الإختلاف في الربح مع التساوي في المال، لا يجوز الإختلاف في المال مع التساوي في العمل.
قوله: فإذا لم يكن ما لهما متساويا الخ. هذا مفرع على أنه لا يشترط
- 35 - (4/35)
صفحة 2094
غبن على أحدهما في العمل والله أعلم. فإن لم يكن مالهما متساوياً مثل إن كان رأس مال أحد الشريكين ألف درهم، ورأس مال الآخر خمس مئة درهم، وشرطا أن الربح بينهما سواء فهما على شرطهما لقوله عليه السلام: (المؤمنون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً)، وقال بعض: إنما يقسمان على أموالهما، لأن الأرباح تابعة لرؤوس الأموال كالوضيعة، وعلى القول الأول: لعله إنما جعل لصاحبه جزءاً من الربح لفضل عمله على عمله هو، لأن الناس يتفاوتون في العمل كما يتفاوتون في غير ذلك، ويكون ذلك الجزء من الربح مقابلاً لفضل عمل صاحبه على
التساوي في قدر المالين، وهو الظاهر والله أعلم. لأنه لا يحصل هناك ضرر بعد الرضا والله أعلم.
قوله:: فهما على شرطهما الخ. ينظر حكم ما لو تساوى رأس مالها، وشرط أحدهما التفاوت في الربح، هل له ذلك، وهو ظاهر كلامه واستدلاله بالحديث فإنه في الصورتين، شرط أكثر مما يخص ماله، أو ليس له ذلك عند التساوي، وإنما الخلاف فيما إذا لم يتساويا، وذهب مالك إلى أن الشركة تفسد بشرط التفاوت في الربح، ويفسخ العقد قبل العمل، وإن عملا قسم الربح على المالين ويرجع به إن قبض، ولكل واحد أجر عمله على الآخر والله أعلم قوله: إنما يقسمان على أموالهما، يعني ولو شرطا التساوي، وظاهر كلامه بعد يدل على اختيار القول الأول. قوله: مقابلا لفضل عمل صاحبه على عمله الخ. ظاهره أنه لا يكون ذلك
13 (4/36)
صفحة 2095
عمله هو، ألا ترى إلى المضارب إنما استحق الجزء من الربح بالعمل لا غير، والله أعلم. وإن لم يكن بينهما شرط فالربح والوضيعة والدين على رؤوس الأموال والله أعلم. وكذلك أيضاً إن اشتريا دابة وقد تساويا في الثمن على أن يخدمها أحدهما ويكون له من نسلها وخدمتها وما زاد على ثمنها إذا باعها الثلثان ولشريكه الثلث فذلك جائز، وذلك الفضل من الربح مقابل لعمله، وكذلك أيضاً إن اشتركاها أثلاثاً على أن يخدمها صاحب الثلث، ويكون له من الربح النصف على هذا المعنى إن باع
الجزء مقابلا، إلا إذا زاد عمل صاحبه على عمله، مع أن الظاهر، أن المقابلة للعمل تحصل ولو تساوى عملها كما هو ظاهر، وذلك لأنه لا ينوبه من العمل إلا الثلث حيث كان له في المال الثلث فقط، فإذا تساويا في العمل، فقد زاد عما يلزمه، ويحتمل أن تكون هذه الصورة من مشمولات كلام المصنف رحمه الله، لأنهما إذا تساويا في العمل صدق عليها، أنه فضل عمل صاحبه على عمله، حيث عمل
أكثر مما يلزمه والله أعلم فليحرر
•
قوله: وما زاد على ثمنها الخ. يؤخذ منه، أنه لو اشترط جزءاً من الثمن إذا باعوها، لم تجز تلك الشركة لأنه سيأتي قريباً أنها بمنزلة المضاربة، وقد أن المضارب، إذا اشترط جزءاً من رأس المال فسدت المضاربة والله
تقدم
أعلم فليحرر.
- 37 - (4/37)
صفحة 2096
كذلك
الخادم سهمه من الدابة فإنه يدرك على شريكه ما نابه من الربح، و إن باع شريكه يعطيه ما نابه من الربح إن كان وإن لم يكن ربح على ما اشتريا به فليس له شيء، لأن هذا بمنزلة المضاربة والله أعلم. وإن شرط الخادم أن كل ما خدم بهذه الدابة في بلد معلوم من الخدمة هو له دونه، أعني شريكه، فهما على شروطهما، وقد ذكر في الأثر: إن كان الشرط بين الشريكين أن لأحدهما من الربح كذا وكذا، ثم الباقي من الربح بينهما فهما على شروطهما، وأما اشتراط الجنس فلأنه إذا كانت
قوله: فإنه يدرك على شريكه ما تابه من الربح، كأنه أراد أنه ينظر ما ظهر في الثلث الفائدة، من، فيقوم ا الثلثان الباقيان، فيأخذ نصف ربح ما ظهر في الجميع، فصار يدرك على شريكه سدس ما ظهر في الجميع، على حسب اتفاقها، وظاهره أن هذا صحيح، وإن لم تكن المدة التي يقوم بها معينة
والله أعلم. قوله: إن كل ما خدم بهذه الدابة في بلد معلوم الخ. الظاهر أنه لا بد من تعيين هذه المدة في كل منها كما هو ظاهر والله أعلم.
قوله: وقد ذكر في بعض الأثر الخ. جعل المشاركة في هذا مخالفة للمضاربة، كما تقدم وأن مثل هذا الشرط يفسدها والله أعلم.
قوله: وأما اشتراط الجنس، أي المضبوط بالكيل والوزن، فحذفت الصفة للعلم بها مما بعدها، أعني قوله التي لا تضبط الخ. والله أعلم.
•
- TA- (4/38)
صفحة 2097
الشركة في الأشياء التي لا تضبط بالكيل والوزن صار رأس مال كل واحد منهما مجهولاً، فإذا فعلا فإنهما يقسمان على قيمة أموالهما فيما يوجبه
النظر والله أعلم.
قوله: على قيمة أموالهما، ينظر هل المراد القيمة يوم المشاركة، أو يوم الإنفصال؟ والظاهر الأول والله أعلم فليحرر. (4/39)
صفحة 2098
باب في شركة المفاوضة
وشركة المفاوضة هو أن يكون مال كل واحد منهما مثل مال صاحبه في الإباحة له، وإن كانت فائدة من ربح أو هدية فهي بينهما إلا الميراث فإنها لا تدخل في ذلك باتفاق، لأن الميراث ليس من كسبهما،
باب في شركة المفاوضة
6
قوله: مثل مال صاحبه في الإباحة له، وإن كانت فائدة الخ. ينظر، هل هذا ماش على أن الشركة في الفائدة فقط، وأن الأصل لم يقع فيها الاشتراك بل كل واحد منهما أباح لصاحبه التصرف في ماله من غير شركة، ومهما قسم الله من الربح يكون بينها، وهو المتبادر من ظاهر العبارة، أو هو ماش، أن شركة المفاوضة لا بد من اشتراك الأصل فيها، وأنها بمنزلة البيع كما سيأتي عن الربيع رحمه الله، وهو المتعارف بين الناس في شركة المفاوضة والله أعلم
فليحرر.
قوله: أو هدية، لعل المراد هدية الثواب، لأن ثوابها يعطى من المال المباح بينها، وأما هدية غير الثواب فإنه ينفرد بها من أعطيت له، كما يؤخذ من كلامه فيما سيأتي والله أعلم. قوله: إلا الميراث، وكذا الدية والمهر الخ. ظاهره أنه تستمر شركتها، (4/40)
صفحة 2099
وكذلك الدية والمهر لا تدخل في ذلك، والمأخوذ إسم المفاوضة من أفاض كل واحد منهما لصاحبه بما عنده كما يقال للرجلين إذا اشتركا في الحديث متفاوضان، وفي الأثر: وإذا اشترك الرجلان شركة مفاوضة و لأحدهما ألف درهم وللآخر أكثر من ذلك، فإن ابن عبد العزيز يقول: ليست هذه بمفاوضة وبه نأخذ، وكان الربيع يقول: هذه مفاوضة والمال بينهما نصفان، فهؤلاء يدل قولهم أنها تجري عندهم مجرى البيع فكأن كل واحد منهما باع جزءاً من ماله بجزء من ماله بجزء من مال شريكه،
إلا أنه لا يدخل ما ذكر لكن سيأتي قريباً، أن هذه الأشياء إذا دخلت لأحدهما انفسخت بها عقدتها والله أعلم
•
قوله: يقول ليست هذه بمفاوضة، كأن ابن عبد العزيز ومن وافقه يرون أن المفاوضة، إنما هي في الفائدة فقط، فيلزم الغبن من جانب أحدهما ويحتمل أنها في الأصل أيضاً لكن فيه أن اشتراط التساوي، إنما هو في شركة العنان على ما فيه. اللهم إلا أن يقال: أجروا ذلك في شركة المفاوضة، إلا أنه إن وقعت في شيء خاص، فهي عنان وإن كانت في جميع ما يملك، فهي مفاوضة والله أعلم
فليحرر
قوله: فهؤلاء يدل قولهم الخ. الظاهر والله أعلم أن المناسب أن يقول: فهذا بدل قوله الخ. يعني الربيع، اللهم إلا أن يراد الربيع والذين وافقوه، وإن لم يذكرهم هنا والله أعلم.
قوله: فكأن، بتشديد النون من أخوات إن مراداً بها الظن
- {1 - (4/41)
صفحة 2100
ويقع هذا في جميع أنواع المتملكات على هذا القول، وكأن الشافعي يرى أن شركة المفاوضة باطلة لا تجوز، لأن اسم الشركة يطلق عنده على اختلاط الأموال، وأن الأرباح فروع، فلا يجوز الفروع أن تكون مشتركة إلا باشتراك أصولهما عنده، والذي يدل إليه قول أصحابنا أن بعضهم جعلها بمنزلة البيع كما ذكرنا، وبعضهم جوزها في الفوائد والفروع
أن ظاهر
قوله: لأن إسم الشركة يطلق عنده على اختلاط الأموال الخ. ظاهر هذا الكلام يقتضي أن أصحابنا يقولون: بأن شركة المفاوضة في الأرباح دون الأصل مع أن هذا قول لبعض أصحابنا فقط، كما يؤخذ من كلامه رحمه الله، وأما بعضهم فيشترطون الشركة في الأصول، وظاهر التعليل الذي ذكره عن الشافعي يقتضي أنه يوافقهم ويسميها حينئذ شركة مفاوضة: كلامه في النقل عن الشافعي أولاً أنه أبطلها من أصلها، وأنه لا توجد عنده شركة المفاوضة والله أعلم فليحرر. ثم ظهر آخر كلامه شركة المفاوضة،، إننا تبطل عنده إذا كانت في الربح دون الأصل، وهو ظاهر كلام بعض أصحابنا والله أعلم فليحرر.
مع
قوله: كما ذكرنا، أي عن الربيع كما هو المتبادر، فإنه لم يجعلها بمنزلة البيع إلا على قوله: وعليه فرعه وأما غير الربيع وموافقيه، فيجوزونها في الفائدة، وإن لم تشترك الأصول وهو ابن عبد العزيز ومن وافقه مثلا، وهذا القول هو المتبادر من قوله في صدر التعريف: وإن كانت فائدة.، أو من ربح هدية، فهي بينهما فيكون قوله: وبعض جوزها الخ. إشارة إلى ما تقدم غير ما ذهب إليه الربيع ومن وافقه، ويحتمل أن المراد بقوله كما ذكرنا جميع تقدم وأنه كله يدل على أنه لا بد من المشاركة في الأصول، وذلك يستلزم
ما
- 42 - (4/42)
صفحة 2101
وإن لم يشترك أصولها والله أعلم. وفي الأثر: وقال الشيخ رحمه الله: إن مسألة نزلت في دجى؛ رجل تزوج امرأة في الشدة ولها مال، وله هو أيضاً مال وعنده عبد، فباع عبده و اشتري آخر، فادعت المرأة في العبد أن لها فيه فجاء إلى غرابة أهل دجى، فقالوا: إنما عندنا في هذا أنه باع عبده و اشتري آخر من ثمنه وأكل ما بينهما، فقلت لهم: أخبروا لأبي عبد الله هكذا أو قلت لهم أيضاً: لا تدرك عليه شيئاً إلا إن كان من يقول:
إنما كان عندنا إنما اشترى من الثمار الذي بينهما، وقد قال أهل دجى: لا نعرف لها ثماراً في هذه الثلاث سنين، وجعل لها أبو عبدالله البغطوري أن يدرك عليه سهمها في العبد حين كان لها الأصل، فالزوجان على هذا القول كالمتفاوضين يشتركان في الفائدة على قيمة أصولها، وعند بعض:
أن يكون بمنزلة البيع وأن قوله: وبعض جوزها الخ. لم يتقدم له ذكر، بل استدل له بعد بآخر كلام الأثر، والله أعلم بالمراد فليحرر. قوله
: كالمتفاوضين الخ. فيه أن المتفاوضين، أقل مراتبهما الإشتراك في الفائدة من غير تفاوت، اللهم إلا أن يقال: المشبه لا يقوى قوة المشبه به من كل وجه، ولذلك يشترك الزوجان في الفائدة على قيمة أموالهما، فيتحصل من كلامه أولاً وآخراً أن المتفاوضين على ثلاثة أقسام: قسم إشتركا في الأصل والفائدة من غير تفاوت، وقسم اشتركا في الفائدة فقط من غير تفاوت، وقسم اشتركا في الفائدة فقط، لكن على قيمة أصولهما، ويؤخذ من كلامه فيما سيأتي قول رابع: وهو الاشتراك في الأصل مع جواز التفاوت، كأن يكون لأحدهما
-? r- (4/43)
صفحة 2102
أنهما لا يكونان شريكين في الفائدة إلا إن خلطا غلة أموالهما، وفي الأثر في جواب الشيوخ: وذكرت مسألة ميمون بن مؤمن وامرأة ابن عمه وما ادعت من أنها شريكة له في الشعير، وما بلغوا لك عزابة أهل دجى فلم أفهم ما يزيحها عن الشركة في الشعير على قياد قول العزابة: وأما ما ذكرت أن تكون له شريكة في جميع الأشياء بهذا القول، فإنما تجب الشركة عندي فيها سموا وبلغوا عليه، وإن قال العزابة إن أندرهم ومنشر هم ومعصرتهم واحد في حياة زوجها، فذلك عندي يثبت بينهما الشركة في جميع ما شنعوا واستفادوا من المال على قدر أموالهم، وأما لم يذكروا إلا الزرع فتثبت لها الشركة في الزرع والله أعلم. في الفائدة إن كان تدرك منها ما ينوب الأندر أم لا؟ والأحسن إذا أراد أن يتفاوضا أن يهب كل واحد منهما لصاحبه نصف ما كان في يده من المال فيكونان عقيدين، فكل ما سعياه بعد ذلك فهو بينهما نصفان، وإن اتفقا أن
الثلثان والآخر الثلث، والظاهر أن الفائدة حينئذ تكون مرتبة على ذلك والله أعلم فليحرر
قوله: لا يكونان، أي الزوجين. قوله: أن يهب كل واحد الخ. فالهبة في الحقيقة مقدمة على المفاوضة
ليتحقق التساوي .. قوله: فكل ما سعياه بعد ذلك فهو بينها نصفان، أي كما أن أصلها
كذلك
- {{- (4/44)
صفحة 2103
يكون بينهما أثلاثاً أو أرباعاً فهو جائز على ما ذكرناه في شركة العنان، وفي الأثر: وإنما يكونان العقدين إثنين، وقيل إلى ثلاثة، ولعلهم إنما ذهبوا إلى ذلك، لأن النصف والثلث معروفان، وأقل ذلك من الأجزاء غير معروفة عند العامة، وإذا كانت مجهولة فالجهل يؤثر في الشركة، ولا تجوز معه والله أعلم. ولا يعقد الرجل إلا مع من تجوز أفعاله من العقلاء البالغين الأحرار والعبيد بإذن ساداتهم، فإذا تمت عقدة العقيدين فهما بمنزلة رجل واحد فكل ما سعياه فهو بينهما، ولا تنفسخ عقدتهما إلا إن دخلت لأحدهما ميراث أو دية إذا جرح أو قتل وليه أو صداق إذا كان أحدهما امرأه وتزوجت، لأن هذه الوجوه ليست من سعيهما ولو تبرأ من دخل إليه أحد هذه الوجوه من ذلك فلا ينفعه ولو كان أحد العقيدين وعقدتهما منفسخة مع ذلك، وكذلك إن اقتسما شيئاً من أموالهما
قوله: وقيل إلى ثلاثة، يعني في المقدة التي صدرت بالإختيار. قوله: غير معروفة عند العامة، يعني فطرد الباب ويحتمل أنه إذا عرفت جاز لأن الحكم يدور مع العلة وجوداً أو عدماً.
•
قوله: لأن هذه الوجوه ليست، الأحسن أن يقول: هذه الأوجه لسن لأنه جمع قلة والأفصح فيه المطابقة.
قوله: ولو كان أحد العقيدين، لعل في النسخة سقطا أو تحريفاً فليراجع،
1101 (4/45)
صفحة 2104
ولو كان شيئاً يسيراً، ولو اقتسما قرصاً أو اللحم في الطبق فقد انفسخت عقدتهما لأنهما حينئذ ليسا بشريكين في جميع أموالهما، لأن من شرط هذه الشركة العموم، واختلفوا أيضاً: إذا أصاب أحدهم كنز الأولين، هل هو له خاصة أو هو بينهما، والذي يدل عليه قول من ذهب إلى أن ذلك له خاصة أن ذلك من أحد الفسوخ التي تفسخ عقدتهما كالدية والصداق، وكذلك أيضاً إن وهب لأحدهما شيء لغير سبب ذلك المال، فقد ذكر في الأثر: أنه هو له خاصة وما أفسد أحدهما في أموال الناس
ولعل المراد أن عقدتها تنفسخ بذلك على كل حال، سواء تبرأ من ذلك أم تبرع أحدهما الآخر بنصف ذلك مثلاً، أو وهبه، أو نحو ذلك، ويحتمل أن المراد ولو كان أحد العقيدين هو الجاني والمصدق مثلا، فتبرأ له رفيقه من ذلك، ويحتمل أن التقدير، ولو كان المتبرى، إليه أحد العقيدين والله أعلم فليحرر. قوله: فقد انفسخت عقدتها، لعل المراد العقدة التي انشاها باختيار هما، لأن الكلام فيها، وأما عقدة من عقدت لهما الشركة من قبل والدهم، فإنه ينظر هل تنفسخ بهذا كله أو لا تنفسخ إلا بالقسمة وهو الظاهر من كلامه الآتي حيث قال: صارت الشركة بالميراث قاعدة لهم بعد الموت، ما لم تعرف لهم قسمة اللهم إلا أن يراد بالقسمة ما يشمل مثل هذا والله أعلم فليحرر. ثم رأيت في بعد الجزم بهذا حيث قال: وإن اقتسموا شيئاً إلى أن قال: ولو لم يقتسموا إلا الخبز في القصعة لأنه يمكن أن تكون تلك الفائدة من حصته تلك الخ. وأما الهبة والميراث والدية والصداق، فإنه لا تنفخ عقدة من عقدت، لهم الشركة بذلك كما سيأتي والله أعلم.
كلامه
"
- {7 - (4/46)
صفحة 2105
ودمائهم فأعطاهم من ذلك المال، فإنه يدرك عليه صاحبه ما نابه من قيمة ذلك، وكذلك إن أعتق أحدهما عبدهما أو كان ذا محرم منه فخرج با
به
حراً أو تزوج أحدهما بامرأة فأصدقها من ذلك المال، فإنه يدرك عليه
صاحبه ما نا به من قيمة ذلك إذا انفسخت عقدتهما، وكذلك بالجملة ما جعله من ذلك المال في منافعه خاصة على هذا الحال، وكل ما باع أحدهما دون الآخر فهو جائز، فيدرك كل واحد منهما معاملة صاحبه ويتقاضيا ديونهما، وكذلك معاملة صاحبه في ذلك المال تدرك عليه: وإن أذن أحدهما لعبدهما في التجارة، فذلك جائز كما يجوز بيعه وتجارته في ذلك
قوله: من قيمة ذلك، يعني عند الإنفصال كما بينه بعد، وأراد بالقيمة ما يشمل المثل والله أعلم.
قوله: في منافعه خاصة، لأنه أراد به مما لا. يصح فيه الاشتراك، فلو اشترى جارية من مال المفاوضة، ونواها لنفسه لا يجوز له تسربها لأنها من مالهما، ويصح فيها الإشتراك، ولأن تسربها يقتضي الاختصاص بها، وقد تقدم أن من شرط هذه الشركة العموم، وأنه مق امتاز أحدهما بمال انفسخت عقدتها. وأيضاً ظاهر قوله الآتي: ولا يتسرى أحدهما أمتها، شامل لهذه الأمة، ويحتمل أنه أراد بالأمة التي لا يتسراها الأمة التي اشتريت للشركة فقط، وأما لو نواها لنفسه فيتسراها مثلاً، فتكون داخلة في عموم قوله في منافعه خاصة والله أعلم فليحرر. فإنه في غاية الخفاء عندي، وليس لي مادة هنا يشفي منها الغليل والأحوط تجنب مثل هذا والله أعلم. (4/47)
صفحة 2106
المال لأنهما بمنزلة رجل واحد في جميع منافع ذلك المال، وعلى ذلك وقعت عقدتهما، وإن أذن أحدهما لمن يحدث عليهما مضرة فأحدثها فهي ثابتة عليهما، وإن وهب أحدهما لصاحبه بعض حصته فعقدتهما ثابتة، فهذا يدل من قولهم أن عقدتهما جائزة، ولو تفاضلا في رؤوس أموالهما كشركة العنان في قول بعضهم، وإن وهب ذلك البعض لغير صاحبه صار لهما شريكاً ويأخذهما على القسمة إذا كانت تمكن والله أعلم. . ولا يتسرى أحدهما أمتهما لأنهما شريكان، وكذلك فعل أحدهما في تزويج أمتهما وفدائها والتزويج والطلاق و المراجعة على عبدهما دون أمر صاحبه غير جائز، لأنهما شريكان ولا تقتضي عقدتهما جواز ذلك.
قوله: في جميع منافع ذلك المال الخ. فعلى هذا لا يجوز أن يطعم أحداً
شيئاً، أو يعطيه إلا بإذنه إن لم يكن في ذلك منفعة للمال والله أعلم فليحرر
قوله: ويأخذهما على القسمة الخ. ينظر هل المراد إذا أراد ذلك أو لا بد
•
منها لئلا تزيد شركة المفاوضة على ثلاثة، وقد تقدم منع ذلك، وإنما زادت هنا على ثلاثة لأن الحصة الموهوبة أقل ما تصح من أربعة، والظاهر الأول والله أعلم فليحرر، ويحتمل أنه إنما يأخذهما على القسمة لانفساخها حين انفرد الداخل بمال، إن كان له غير ما وهب له والله أعلم
قوله: دون أمر صاحبه، الظاهر أنه إذا فعل أحدهما دون أمر صاحبه، وأجاز الفعل بعد ذلك صح، قياساً على تزوج العبد بغير أمر سيده، وأجاز له السيد الفعل قبل المسيس والله أعلم فليراجع.
- {^- (4/48)
صفحة 2107
وكذلك لا يستتم أحدهما بسهم صاحبه في زكاة الذهب والفضة كالشركاء
والله أعلم.
مسألة
:
قال أبو محمد في كتابه: إختلف أصحابنا في شركة الأبدان على قولين: فأكثر هم أجازها، وبعضهم لم يجوزها، وهذا الإختلاف واقع بين المخالفين، والنظر يوجب عندي فساد ذلك، لأن الأفعال لا تقع بها المشاركة، لأن الشركة إنما تمكن وتصح أن يحكم بجوازها إذا كانت في أعيان الأموال، وأما في مال وعمل بدن فغير ممكن أن يحكم بجوازها والله أعلم. ومن ذهب إلى جواز ذلك من أصحابنا فأظنهم يريدون
قوله: في مال وعمل بدن الخ. الظاهر أن هذا ليس موضوع المسألة، فإن موضوعها أن الإشتراك في عمل الابدان فقط، وأما الاشتراك في المال يحمل البدن، فالظاهر أنه داخل في شركة المفاوضة، إن قلنا إن عمل البدن شامل للتصرف في ذلك المال، وما يحصل به إنماؤه، وإن قلنا أراد بعمل البدن صنعة اليدين، وهو المتبادر، فهو قسم آخر من الشركة لأن الشركة حينئذ، إما في الأموال فقط، وهو ما تقدم، وإما في عمل الأبدان فقط، المسألة، وهو موضوع وإما فيها معاً، وهو المذكور هنا، وظاهر كلام أبي محمد رحمه الله، أن هذين القسمين غير جائزين، لكن المناسب أن يقول: وأما في مال وعمل بدن، أو في عمل بدن، فغير ممكن الخ. فليراجع وليحرر والله أعلم.
- {9 -
ه م 4 - الإيضاح» (4/49)
صفحة 2108
جوازها بطريق القياس على مشاركة المضاربة والمساقاة في الأموال والله أعلم. وأظن من جوز هذه الشركة جوزها، سواء كانت في عمل مخصوص، أو غير مخصوص و المخصوص مثل أن يشتركا فيما سعيا من صنعة ما، أو من صنعة ما وصنعة ما، مثل أن يكونا خرازين جميعاً أو حدادين أو خياطين
قوله: على مشاركة المضاربة والمساقاة، يعني فإنها مال وعمل لكن لقائل أن يقول: هذا قياس مع الفارق، فإن المقيس عليه مال أحد من الجانبين، وعمل من الآخر، والمقيس عمل فقط من الجانبين كما يدل عليه موضوع المسألة، وسياق الكلام بعد، ويحتمل أن المقيس هو قوله: وأما في مال وعمل بدن، وأن الإشتراك في العمل فقط، ثم عند قوله: لأن الأفعال، إلى قوله: في أعيان الأموال، لكن ينظر، ما معنى الإشتراك في مال وعمل بدن، هل المراد أن كل واحد منهما له مال وصنعة يد فيشتركان في كل منهما، أو المراد أن المال من ومن الآخر صنعة اليد، فيشتر كان هذا بماله وهذا بصنعة يده إلى أن
أحدهما تنفسخ عقدتهما، فيقسمان بالسواء وهو مقتضى القياس على المساقاة والمضاربة، ويكون قوله: وأظن من جوز هذه الشركة الخ. مستأنفا راجعاً لموضوع المسألة، وهو المشاركة في عمل البدن بعد تمام الكلام على ما يتعلق بالمشاركة في مال وعمل بدن، إلا أن المناسب أن يقول مثلا: وأظن من جوز الشركة في الأبدان أو نحو ذلك، والله أعلم. ويحتمل أن المراد بالمال الذي وقع فيه
الإشتراك هنا هو المال الذي يترتب على عمل البدن، فإنه يصدق عليها الخ
أنها اشتركا في مال و عمل بدن، فيكون الكلام حينئذ راجعاً لموضوع المسألة
•
قوله: من صنعة ما الخ. الأولى من صنعة كذا الخ. كما هو ظاهر من التمثيل
والله أعلم.
10.1 (4/50)
صفحة 2109
1101
أو خياطين أو صيادين أو أحدهما خراز والآخر خياطاً أو بناء أو صياداً أو ما أشبه ذلك مما يختلف فيه صنعتهما يشتركان فيما سعيا منهما والله أعلم. وغير المخصوص، إنما يمكن إذا لم يكن بينهما مال، يشتركان في جميع ما سعيا من غير تخصيص بصنعة ولا عمل، وفي الأثر: وعن العقيدين كيف يكونان، قال: مثل رجلين انكسرت بهما سفينة فخرجا إلى شاطيء البحر، فاتفقا أن كل ما فضل الله به عليهما فهو بينهما أو يعطي كل واحد منهما نصف ما في يده لصاحبه من المال، فإن كل ما سعياه بعد ذلك فهو بينهما نصفان، وإن اتفقا أن يكون بينهما أثلاثاً أو أرباعاً
فجائز، والله أعلم.
قوله: فضل، أي يفضل. (4/51)
صفحة 2110
باب آخر في الشركة
وفي الأثر: وإذا لم يعرف للرجل شيئاً من المال وقد ثبت عليه الافلاس أو لم يثبت، وقد كان له أولاد فتفرقوا في البلاد، وقدم كل واحد منهم بطائفة من المال فوالدهم هو القاعد فيا في أيديهم جميعاً، وإنما جعلوا الوالد هو القاعد فيها في أيدي أولاده فيما يوجبه النظر، لأن الأصل أنهم خدماء لأبـ، وما في يد الخديم الذي هو على هذه الصفة، فالقاعد فيه المستخدم كالعبيد مع ساداتهم، وأعظم من هذا قوله عليه السلام: (أنت ومالك لأبيك))، فثبت بهذا أن ما في يد الولد القاعد فيه أبوه في ظاهر الحكم إلا إذا أحازه الأب عن نفسه، ومعنى الإحازة أن يعطيهم
بيرم
باب آخر في الشركة
قوله: في ظاهر الحكم، يعني وأما فيما بينه وبين الله، فما في يده له، دون كل أحد لأنه ليس بعيد، فما سعى فهو له، وليس للوالد في الحقيقة في مال ولده إلا ما يقوم به من النفقة والكسوة ونحو ذلك، بدليل أنهم ذكروا في باب الزكاة
(1) تقدم ذكره.
- 52 - (4/52)
صفحة 2111
أبوهم من ماله شيئاً ويجزيهم عن نفسه، ويقول لهم أو لواحد منهم بعد ما
أنه
بسبب
يجوز للرجل أن يدفع زكاته لولده البالغ، قال بعضهم: وإن لم يحزه على نفسه فلو كان هو القاعد في مال ولده وله انتزاعه لكان بمنزلة من يدفع لنفسه، و بدليل أنهم قالوا لا تلزمه نفقة ولده البالغ، فلو كان كالعبد مع سيده للزمته نفقته وليس كذلك، والله أعلم. لكن تأويل السؤالات يدل على أن الوالد له مال ولده حقيقة وحكما حيث قال في نيابة حروف الخفض بعضها عن بعض: أنت ومالك لأبيك، أي من أبيك لأن الوالد أصل، والولد فرع والمال فرع الفرع اهـ. وحمل قومنا الحديث على غير هذا، قال العلقمي في حاشيته على الجامع الصغير: وسببه كما في ابن ماجة عن جابر بن عبد الله، (أن رجلا قال يا رسول الله: إن لي مالاً ووالداً، وإن أبي يريد أن يجتاح مالي، فقال: أنت ومالك لأبيك) قوله يجتاح مالي، بمثناة تحتية ثم جيم فمثناة فوقية فألف فحاء مهملة قال شيخنا: أي يستأصله، قال الخطابي: ويشبه أن يكون ذلك، إنما هو النفقة عليه، وأن مقدار ما يحتاج إليه من النفقة عليه شيء كثير لا يسعه عفو ماله والفضل منه، إلا بأن يجتاح أصله ويأتي عليه، فلم يعذره الذي لا ولم يرخص له في ترك النفقة، وقال له: أنت ومالك لأبيك، على معنى أنه إذا احتاج إلى مالك أخذ منه قدر الحاجة كما يأخذ من مال نفسه، فأما أن يكون أراد إباحة ماله بحيث يجتاحه ويأتي عليه لا على هذا الوجه، فلا أعلم أحداً ذهب إليه من الفقهاء، انتهى، قال الدميري: وهذا الحديث رواه الخلال من طرق كثيرة وفي بعضها عن جابر الخ. ما أطال فليراجع، وسيأتي في كلام المصنف رحمه الله، في باب ما يكون على المرتهن من الحقوق ما يدل على هذا حيث قال: والأصل في هذه المسألة، أن الوالد إذا أخذ شيئاً من مال ولده الحوائجه فما لم يتصرف فيه فهو موقوف على الولد المنزوع منه، لأن المباح للوالد من مال ولده قضاء الحاجة الخ. فليراجع. ثم رأيت أيضاً في كلام الضياء ما هو صريح في هذا حيث قال بعد كلام طويل ما نصه: وقد إجمع الناس أن
- 53 - (4/53)
صفحة 2112
يعطيه ذلك الشيء: أحزتك بهذا الشيء عن نفسي فكل ما سعيت فهو لك ليس لي فيه شيء، فإذا فعل ذلك فيصير لكل واحد منهم بعد ذلك ما استفاد من المال، ولا تجوز الإجازة للطفل ولا للمجنون إلا أن يحيز هم
: أنت قول النبي عمال ومالك لأبيك، أن هذه اللام ليست بلام تمليك ولو كانت لام تمليك ما حد رجل في ابنته والحد في الإبنة واقع، وإن أضيفت إلى الأب فالإضافة لا ترفع الحدود، إلى إن قال: فإن رجع بالسؤال علينا فقال: فما فائدة الخبر؟ قيل: هذا خبر يجب أن يصرف إلى جهة لا يلحقها التناقض والكذب، و من حمله على تمليك والأمة دافعة له عن ذلك، يقول: إن معنى قوله عليالك الان أنت ومالك لأبيك، أراد بذلك والله أعلم إن احتاج إلى خدمتك فعليك أن تخدمه، ومالك إن احتاج إليه فعليك الإنفاق عليه منه الخ، ما أطال فيه، فذكر أن المراد بهذا الحديث التفرقة بين الأب والأجنبي عند الإعسار دون الإيسار، ثم ذكر ما ذكره في السؤالات من أن اللام بمعنى من ويفهم منه غير ما فهمناه من السؤالات بل المراد منه الحث على بره في حال اليسر على جهة الاستحباب نظير قوله: (أنا والعضباء للعباس (فليراجع، وهذا وجه حسن والله أعلم. قوله: ومعنى الإجازة أن يعطيهم من ماله شيئاً، ينظر هل يصدق الإعطاء على ما في يد الولد إذا قال له مثلا: أحزتك عن نفسي بما في يدك أو لا بد أن يدفع له شيئاً بالفعل؟ والظاهر الأول لأن الجميع ماله بحسب الظاهر والله أعلم
فليحرر.
قوله: فيصير لكل واحد منهم الخ. يعني ممن أحازه، يعني ولو أحازة البعض وترك البعض فإن من لم يحزه لا يكون له ما استفاد في ظاهر الحكم بخلاف من احازه والله أعلم.
1921 (4/54)
صفحة 2113
مع إخوانهم الكبار العقلاء بهبة واحدة، ويقبل الكبير عن نفسه وعلى أخيه الصغير والمجنون، لأن الصغير والمجنون لا حيازة لهم ولا قبول،
و ما استفاد الولد من غير مال والده من الهبة والميراث، فلا يكون ذلك له إحازة، ويكون القاعد في ذلك الشيء خاصة، وكذلك ما وهب له أبوه ولو كان ما وهبه أبوه تسمية من أصله من غير إحازة على هذا الحال حتى يقر له بالإجازة بذلك الشيء عن نفسه، وفي الأثر: وأما إذا اشتركوا أصلاً بالميراث فاستفادوا فائدة، فادعى الإبن أن يكون له في
قوله: وعلى أخيه الصغير، ينظر هل يصح أن يقبل الكبير على الكبير، إذا كان غائباً مثلاً وأراد والدهم إحازة الجميع؟ والظاهر نعم، لأن الصغير والمجنون، والغائب احكامهم واحدة والله أعلم. وهل يجوز أيضاً أن يقبل الأجنبي للصغير أو للكبير إذا غاب، ولو لم يكن وكيلاً له؟ والظاهر نعم إذا وجد القبول والقبض وينظر أيضا ما لو غاب أحد أولاده مثلاً، واشهد أنه أحازه على نفسه بما في يده هل يجزي الولد ذلك ويعد قبضه حينئذ لما في يده قبولاً أو لا بد من القبول بالفعل؟ والظاهر الأول لما فيه من التسوية بين أولاده، ولأن هذا بمنزلة الهبة، والهبة يصح فيها القبض ما لم يرجع الواهب أو يمت والله أعلم فليحرر
جميع
ذلك
قوله: في ذلك الشيء خاصة، يعني وغيره يحتاج الولد إلى البيان أنه من
ذلك الأصل والله أعلم.
•
قوله وأما إذا اشتركوا، أي الأولاد مع الأب، وهذا الأثر ساقه للمقابلة فإن الكلام السابق يقتضي أن الفائدة للأب، يعني ما لم يبينها الولد، وهذا يقتضي
1801 (4/55)
صفحة 2114
الفائدة مثل نصيبه في الأصل الأول، فالله أعلم فيها إن كانوا يكونون كغيرهم من الشركاء أو لا؟ وأما الإبنة إذا زوجها أبوها أو أخرجها إلى زوجها، فإن ذلك يكون إحازتها، لأنها خرجت بذلك من تحت أمره والله أعلم. فإذا ثبت هذا أن الأب هو القاعد فيما في يد أولاده في حياته ما لم يحزهم عن نفسه، فإذا مات فالشركة لهم ثابتة وهم شركاء فيا في يد كل واحد منهم، لأنه إذا كان الأب هو القاعد في الحياة صارت الشركة بالميراث قاعدة لهم بعد الممات ما لم تعرف لهم قسمة، وإن سافروا بعد موت والدهم ولم تعرف بينهم قسمة، فاستفاد كل واحد منهم شيئاً
،
التوقف ولو تبين ذلك وأنه من الأصل المشترك.
قوله: أو أخرجها إلى زوجها، لعله وأخرجها، كما يدل على ذلك كلامه في باب الزكاة حيث قال: وكذلك بناته البالغات لا يعطيهن حق يحوزهن عن نفسه في قول بعضهم: وحيازتهن إذا زوجهن وجلبن أزواجهن طفلات كن أو بالغات الخ. فإنه صريح في أنه لا. بد من الشيئين جميعاً والله أعلم
•
قوله: وإن سافروا بعد موت والدهم، ولم تعرف بينهم قسمة الخ. هذا ظاهر إذا خلف لهم شيئاً يشتركون فيه، وأما إن لم يخلف شيئا فكيف يشتركون فيما استفادوا بعد موت والدهم لأن حكمه قد انفسخ، ولم يخلف لهم شيئاً تقعد لهم الشركة وليس أحدهم عبداً للآخر والله أعلم فليحرر. فإنه في الحقيقة في غاية الإشكال، وربما يرشد إلى ذلك قوله: ولم تعرف بينهم قسمة،
وقد يقال: لا بد من الشركة، وأقلها ليأسهم والله أعلم
1971 (4/56)
صفحة 2115
من المال فهو بينهم على ما ذكرنا في ظاهر الأحكام، وكذلك إن اشترى أحدهم أصلاً أو حيواناً أو متاعاً أو ما أشبه ذلك فكل ذلك بينهم، ولو استشهد أنه اشترى ذلك لنفسه دون شركائه فلا يشتغل بقوله؛ لأن الشركة قاعدة لهم، وأما إن استشهد أنه إنما يشتري ذلك لغيره فذلك جائز، ويكون الشيء لغيره، وقوله في ذلك وإقراره قبل الشراء جائز، وأما بعد فلا، لأنه إقرار على الغير، وإن اقتسموا شيئاً من أصلهم أو شيئاً مما اشتركوا من الثمار أو الحيوان أو غير ذلك فلا تقعد لهم الشركة بعد ذلك، فكل من سعى شيئاً فهو له ولو لم يقتسموا إلا الخبز في القصعة، لأنه يمكن أن تكون تلك الفائدة من حصته تلك، وكذلك إن استفاد أحدهم مالاً لنفسه دون شركائه في حياة والده أو بعد مماته من قبل هبة
قوله: لأنه إقرار على الغير، يعني وهم إخوة.
قوله: لأنه يمكن أن تكون تلك الفائدة من حصته، ظاهر هذا التعليل يقتضي أنه لا بد أن يتوارى كل واحد بحصته عن رفيقه، فلو أكل مثلا كل واحد حصته في موضعه ذلك فلم يقم إلا وليس له شيء منها لقعدت الشركة لهم بعد ذلك أيضاً لأن الفائدة حينئذ من حصته غير ممكنة كما هو ظاهر، ولعله إنما عدل رحمه الله عن التعليل السابق في المتفاوضين حيث قال: لأن من شرط هذه الشركة العموم الخ. لأن الهبة والميراث ونحوهما لا تنفسخ عقدة العقيدين بخلاف عقدة المتفاوضين والله أعلم فليحرر.
قوله: وكذلك إن استفاد أحدهم مالاً لنفسه الخ. يعني فإنه يمتاز بذلك
- 57 - (4/57)
صفحة 2116
أو ميراث أو ما أشبه ذلك، فكل ما استفاده بعد موت والده إن كانت الهبة أو الميراث في حياة والده أو بعد الهبة أو الميراث إن كانتا بعد موت والده فهو القاعد فيه دون شركاته ما لم يعرف أنه من المال المشترك، وما سواه من الشركاء كل ما استفادوا فهو بينهم، وإن خلط تلك الهبة أو الميراث مع مال المشترك، فكل ما استفادوا بعد ذلك فإنهم ينزلون فيه على رؤوس أموالهم بالسوية، فيأخذ كل واحد منهم ما ناب حصته من تلك الفائدة وما ينوب ما أدخله من خارج، وإن خرج من إخوته إلى ما ورث أو وهب له فقعد فيه وخلف إخوته في المشترك، فما سعوا فهم القاعدون
سواء كانت الهبة أو الميراث في حياة والده أو بعد موته، هذا هو الظاهر من كلامه إن كانت هذه النسخة صحيحة، ولكنه بحسب الظاهر ينافي ما تقدم في قوله وما استفاد الوالد إلى قوله: ويكون القاعد في ذلك الشيء خاصة فإن ظاهره يقتضي أن القاعدة في الفائدة والده، يعني حتى يبين أنها من خاصته، وإذا كان كذلك فلا يمتاز عن شركائه بما استفاد إلا إذا تبين أنه خاصته،
من
اللهم إلا أن يقال: لو مات والده ولم ينزع تلك الفائدة من يده جعل هو القاعدة حيث كان له أصل لنفسه والله أعلم فليحرر. ثم ظهر بعد تصحيح النسخة أن مراد المصنف رحمه الله، أنه يمتاز عن شركائه بما استفاد بعد موت والده فقط، وأما ما استفاده قبل موت والده فإنه لا يكون هو القاعد فيه، وإن ثبتت الهبة أو الميراث في حياة والده فلا منافاة والله أعلم
قوله: كل ما استفادوا فهو بينهم، يعني إن لم يخرج من الاصل المشترك إلى ما هو خاص به كما سيأتي.
- 58 - (4/58)
صفحة 2117
فيه دون الخارج، وما سعى هو أيضاً فهو له دونهم، لأنه قد خرج من المشترك إلى ما ورث أو وهب له، وأما إن خرج أحد من الورثة إلى منزل آخر فتزوج فيه فسعى الباقون فالسعية بينهم، وكذلك ما سعى هو فهو بينهم ولو لم يخرج من المشترك إلا بالنعل، لأنه لم يحدث له مال كما أنه لو اقتسموا شيئاً من أموالهم، فكل من سعى شيئاً فهو له ولو لم يقسموا إلا الخبز في القصعة ولو خرج في قسمتهم الانفساخ لأنها تسمى قسمة، والأصل في هذا أن الشركة قاعدة لهم، فهم على حكم الأصل المتقدم، حتى يصح لأحدهم دخول مال بوجه من الوجوه التي لا يدركون شركاءه فيه مثل الميراث أو الصداق للمرأة أو الدية أو كنز الأولين أو الصدقة
قوله: إلى منزل آخر، يعني غير مملوك له سواء كان بالأجرة أو بالعارية أو مشتركاً بينهم إلا أن كلامه بعد، يدل على أنه ليس بمشترك حيث قال: ولو لم يخرج من المشترك إلا بالنعل، يعني، وأما خروجه إلى منزل آخر مشترك فإن ذلك لا يعد خروجاً والله أعلم.
قوله: لأنه لم يحدث له مال كأنه أراد ان لم يحدث له هبة أو ميراث أو نحوهما حتى يكون ذلك سبباً لإنفراده بما سعى ثم بنسبة حال خروج أحدهم إلى ما حدث له من الهبة مثلاً، وتخلف الباقين بحال قسمة شيء من أموالهم حيث قال: كما إنه لو اقتسموا الخ. والله أعلم فليحرر، وليراجع نسخة صحيحة.
قوله: أو كنز الأولين، جزم هنا بأن كنز الأولين ينفرد به أحد الشركاء خلاف المتفاوضين كما تقدم.
1091 (4/59)
صفحة 2118
أو الهبة لغير سبب المال المشترك وما أشبه هذا من الوجوه التي لا يشاركونه فيها، فإذا صح له ذلك فما سعى بعد ذلك فهو له دونهم، لأن له أصل مال، وما سعوا فهو وهم فيه سواء لأنه كان معهم في المشترك فهم فيه جميعاً سواء، وهذا أصل مطرد في جميع الورثة الأولاد وغيرهم، فإذا صح خروج أحدهم من المشترك إلى ما صح له من المال دونهم كان ما سعى له وما سعوا لهم دونه، لأن الشركة غير قاعدة لهم بعد ما فارقهم بالخروج من المشترك، لا يدرك فيما سعوا كما لا يدركون فيما سعى بشرط الخروج من المشترك إلى ماله، فإن قال قائل: فإذاً يكون خروجه على هذا الحال من المشترك بمنزلة الإباحة لهم في أكل الغلة، ولذلك لا يدرك فيا سعوا شيئاً، قيل له: لا يدرك في الحكم شيئاً على ما ذكرنا، لأنه ولو حجر عليهم فلا يدرك فيما سعوا بعد خروجه من المشترك إلى ما صح له دونهم إلا ما قامت عليه البيئة من الغلة أنها من الأصل المشترك إن كان
قوله: فهو له دونهم الخ. أي بشرط أن لا يخرج عنهم إلا خاصته كما تقدم ويأتي من أنه إذا خرج فإنه ينفرد وينفردون
قوله: إلى ماله، يعني من الهبة أو الميراث أو نحو ذلك، وأما خروجه إلى غير ماله فإنه لا يقتضي الإنفراد بالسعية له ولا لهم، ولو لم يخرج إلا بالنعل وهذا في ظاهر الأحكام فقط، كما تقدم أيضاً
كما تقدم
-7.1 (4/60)
صفحة 2119
يدركون إلى حقيقة ذلك، وكذلك أيضاً الأخت إذا خرجت عن الإخوة بالتزويج، ثم أرادوا القسمة معها فادعت في الحيوان والعروض والحبوب سهميا فإنها لا تلحق شيئاً إلا في الأصل إلا ما كان معروفاً من تركة الميت فيكون لها فيه سهمها، وكذلك ما استفادوا بعدها من الأصل فلا تدرك فيه شيئاً في الحكم، لأنها قد خرجت من الأصل إلى الزوج فلا تدرك فيما سعوا بعد خروجها شيئاً كما لا يدركون فيما سعت شيئاً، لأن الشركة غير قاعدة لهم بعد، وأما ما سعوا وهي عندهم قبل خروجها إلى الزوج، فإنه تدرك فيه سهمها ولو لم يضموه إلا بعد خروجها إلى الزوج، مثل إن حرثوا وهي عندهم ثم حصدوا بعد خروجها فإنها تدرك سهمها، وهذا إذا كان الاندر قائماً والشعير بعينه معروفاً أنه من الحرث الذي حضرت له، وأما غير ذلك فإنه يتعذر الوصول إليه، وكذلك إن خرجت إلى الزوج في حياة أبيها فلا تدرك سهمها إلا فيما كان معروفاً أنه من تركة الميت، وكذلك الشركاء إذا
قوله: إن كان يدركون الخ. هكذا فيما رأيناه من النسخ، ولعل فيه تحريفاً فليراجع نسخة صحيحة. وكأن المراد استبعاد إقامة البينة على أن ما في أيدي بقية الورثة بعد خروجه هو من غلة الأصل المشترك، والمعنى إن كان الشهود يصلون إلى حقيقة ذلك والله أعلم فليحرر.
-71 - (4/61)
صفحة 2120
قعدت لهم الشركة فكل ما جعله أحدهم من ذلك المال في منافعه خاصة فإنه يدرك عليه شركاؤه حصصهم إذا قسموا، وكذلك ما أخذه من دين لمنافعه فهو عله إذا تبين ذلك، وما أخذه لحوائجهم فعليهم جميعاً كما ذكرنا قبل هذا، وقوله في ذلك مقبول أنه لحوائجهم إذا صح الدين بالبينة، وأما إقراره بالدين فغير مقبول، لأنه إقرار على الغير، وإن اقتسم الشركاء الذين قعدت لهم الشركة فخرج في قسمتهم انفساخ فإن الشركة غير قاعدة لهم، فما استفاد كل واحد منهم فهو القاعد فيه دون شركائه، وأما إن خرج بعد قسمتهم وارث لم يعرفوا به فكل
قوله: بعدها، يعني بعد خروجها وبعد موت والدها كما هو معلوم. قوله: في منافعه خاصة، ظاهره أنه شامل للتسري والله أعلم فليحرر. قوله: إذا صح الدين بالبينة، يعني وإن لم تشهد البينة بأنه أخذه الحوائجهم بل ذلك يثبت بمجرد قوله، وبعد ثبوت الدين ولذلك قال: وقوله في ذلك
مقبول الخ
قوله: إقرار على الغير، يعني وهم شركاؤه. قوله: فهو القاعد الخ. المناسب لما تقدم مراراً أن يقول: فهو له دون
شركائه
قوله: وارث لم يعلموا به الخ. ينظر حكم ما استحق شيء مما اقتسموه من غير ظهور وارث، والظاهر أنه بمنزلة الوارث كما يرشد إليه كلامه في الفرق بين المسألتين حيث قال ليس بمنزلة قسمة مال الغير الخ. وإن كان ظاهر كلامه
-77 - (4/62)
صفحة 2121
ما استفادوه قبل القسمة أو بعدها فهو بينهم، والفرق بين هذه المسألة والمسألة الأولى أن الانفساخ الداخل على القسمة من جهة الغرر مما زادوا أو نقصوا في صفاتها ليس بمنزلة قسمة مال الغير، إذ لا يستحق اسم قسمة، والأولى يقال لها قسمة منفسخة والله أعلم. ويتواخذ الشركاء على تذكير أشجارهم وتنقيتها وحرثها، وعلى تقويم ما مال منها بالركائز والميدة، وكذلك جناية أثمارهم وحصد زرعهم وبنيان ما انهدم من بيوتهم ومنازلهم، وسد ما انثلم من جسورهم لئلا يدخل الضرر على أموالهم من ذلك، وقد قال عليه السلام: (لا ضرر ولا إضرار في الإسلام)، وبالجملة ان جميع ما يصلح ذلك المال مما لو لم تكن تلك
فيما سيأتي في أحكام القسمة أن الإستحقاق تسمى معه قسمة منفسخة، لأن المراد به أنها باطلة كما يرشد أيضاً إلى ذلك التعليل هناك حيث قال: لأنهم اقتسموا ما لهم وما ليس لهم الخ، والحاصل أن القسمة التي دخل فيها قسمة مال الغير لا تجعل الشركاء ممتازين بالفائدة والله أعلم.
قوله: ويتواخذ الشركاء، أي يجبر بعضهم بعضاً
قوله: والميدة، لعل المراد ما يدار بها من البنيان إلا أنه لا يناسب اللغة، قال في الصحاح: ماد الشيء يميد ميداً، تحرك، ومادت الأغصان تمايلت، وماد الرجل تبختر الخ. فلم يذكر ما يناسب المراد والله أعلم، إلا أن يقال المراد التقويم بالركائز والتحريك، أو يقال: هذا لفظ عرفي والله أعلم فليحرر.
(1) تقدم ذكره.
- 63 - (4/63)
صفحة 2122
المصلحة لدخل الفساد على ذلك المال يتداركون بعضهم على بعض، وأما إحداث ما لم يكن فلا يدركه بعضهم على بعض ولو كان في ذلك صلاح لذلك المال، لأنه زيادة مثل غرس الأشجار وحفر الأنهار وتعلية القصور وبنيان الدور. واختلفوا في حفر النجم، هل يدرك بعضهم على بعض؟ والذي يدل على اختلافهم فيما يوجبه النظر، هل هو من الضرر الكثير أو من الضرر اليسير؟ إذ لا بد هو ضرر والله أعلم. وإن امتنع بعضهم بالغيبة أو بالإباء، فإذا صلح ذلك الحاضر منهم فإنه يدرك على شريكه قيمة مقدار حصته في جميع ما تعنى، وفي جميع ما اتفق على ذلك، وكذلك على هذا المعنى يدرك على شريكه هذا مقدار حصته من المال إذا غصبه غاصب ولم يقدروا على خلاصه إلا بالفداء لئلا يدخل الضرر على شريكه بالإمتناع من ذلك والضرر محرم، وهذا إنما يكون في شركة المخصوص، أعني أن يشتركوا شيئاً مخصوصاً بعينه، وأما شركة العموم أعني الذين قعدت لهم الشركة فلا يتداركون فيما لا يتشاححون في النفقة والكسوة والله أعلم. ولا تجوز معاملة أحد
بينهم
العناء كما
قوله: على هذا المعنى، يعني بأن غاب أو أبي كما هو ظاهر والله أعلم.
قوله: فلا يتداركون الخ. وكذا يقولون لا عناء بين الزوجين. قوله: ولا تجوز معاملة أحد الشركاء الخ. لعل هذا فيما ليس شركة عنان
- 7 {- (4/64)
صفحة 2123
الشركاء فيما اشتركوا دون مرضاة شركائه، إذ لا تحل الأموال إلا برضاء ملاكها، وهذا في شركة المخصوص، وكذلك أيضاً محالله أحد الشركاء لا تجزيء دون شركاته إلا إن كان أميناً ويكون الضمان عليه، لأن الأمين حجة في نزوع التباعات، وكذلك أيضاً من كان في يده مال غيره بالوديعة أو العارية أو المضاربة، ومال اليتيم والغائب في يد خلائفهم تجزي محالله هؤلاء من أفسد في ذلك المال شيئاً إذا كانوا أمناء، لأنهم خصماء في ذلك
كما هو معلوم بحسب العادة، فإن المقصود منها إنماء ذلك المال بمعاملة كل واحد منها فيه وإن لم يحضر صاحبه، وربما يقال اشتراكهما كذلك دليل على الرضا فيدخل في كلام المصنف فلا حاجة إلى التقييد والله أعلم فليحرر، وعلى المنع في
الخصوص جميعاً معنى قولهم: فعل الشريك على الشريك جائز، إنما هو المتفاوضين وفيمن قعدت لهم الشركة في المنتقل إذا لم يقع الإنكار والله أعلم.
•
في
قوله: محاللة أحد الشركاء لا تجزئ الخ. الظاهر أن هذا عـ عام في جميع الشركاء، ولذلك أطلق، ولأن المتفاوضين بمنزلة رجل واحد في منافع المال والله
أعلم فليحرر.
قوله: من
أفسد، مفعول به تنازعه تجزيء ومحاللة
قوله: لأنهم خصماء الخ. الظاهر أن الأولى في التعليل أن يقول: لأنهم يجعلون لهم نظير ذلك من أموالهم، ولذلك اشترط أن يكون الخليفة أميناً لأن الأمين حجة في نزوع التباعات كما تقدم، وأما التعليل بالخصومة فإنه لا فرق فيه بالأمين وغيره، ولم يظهر منه براءة ذمة المحالل والله أعلم فليحرر
190 -
ه م ه - الإيضاح، (4/65)
صفحة 2124
الشيء الذي في أيديهم، وذهب بعض إلى أن محاللة أحد الشركاء فيما دون سهمه تجزي والله أعلم. وفي بعض الآثار: وسألت عن رجل مات وترك امرأة وأولاداً صغاراً، وترك بستاناً وكرماً وفيه العنب والفواكه وتبعث إلينا المرأة الفواكه والطعام، هل يحل لنا أخذه وقبضه؟ قال: نعم، خذ منها حتى تعلم أنها قد بلغت الثمن، وأما الذين قعدت لهم الشركة إذا باع أحدهم من المنتقل الذي كان بينهم فإنه يعامل فيه ما لم يعرف من شركائه الإنكار، فإن قعد بعد ذلك شركاؤه زماناً فأنكروا البيع، فإنهم لا يجدون ذلك حين لم ينكروا البيع عند علمهم، وأما
قوله: وذهب بعض الخ. ظاهره أنه أميناً كان أو غير أمين حتى تظهر
•
المقابلة والله أعلم. قوله: وكرماً، كأنه أراد به التين بعرف أهل المغرب بدليل ذكر العنب بعده، وإلا فالكرم في اللغة العنب
قوله: حين لم ينكروا البيع عند علمهم الخ. ظاهره أنه لهم الإنكار وقت العلم، ويبطل حينئذ البيع لأن العقدة إذا اشتملت على ما يجوز وما لا يجوز كانت غير جائزة على الصحيح، وانظر هل حكم المتفاوضين كحكم من قعدت لهم الشركة فيجوز لأحدهما الإنكار والنقض أو ليس كذلك، لأنها أبلغ ممن قعدت لهم الشركة فليس لأحدهما الإنكار، وهو الظاهر؟ لأنهم بمنزلة رجل واحد حتى إنه لا ينفرد أحدهما بشيء من المال عن رفيقه كما تقدم، ويدل على أنها بخلاف من قعدت لهم الشركة المفهوم من التقييد في قوله: وأما الذين قعدت
-77 - (4/66)
صفحة 2125
الأصل فحتى يبيعوا بأنفسهم أو بأمرهم والله أعلم. وأما إن قال قائل: لم جوز البيع في غير الأصل بغير رضاء مالكه، أليس الأصل وغيره سواء؟ قيل له والله أعلم: جوزوه في المنتقل، وجعلوا رضاء الشركاء في سكوتهم، لأن شركتهم على العموم، والناس محتاجون إلى التصرف في أموالهم ضرورة، فإذا لم تجز معاملة أحدهم إلا باجتماعهم، صعب ذلك، بل الغيبة وما يقوم مقامها أصعب، والمنتقل أيضاً يحتمل من التأويل ما لا يحتمله الأصل، لأن الأصل معيّن والمنتقل بخلافه، والقاعد فيه من
لهم الشركة الخ. وانظر أيضاً في المتفاوضين إذا باع أحدهما شيئاً من الأصل هل يضي وهو الظاهر لأنهما بمنزلة رجل واحد أو لا يمضي في الأصل إلا برضاء رفيقه لأن بيع الأصل ليس من منافع المال في الغالب والله أعلم. والحاصل إن قلنا إنه يمضي أن الشركاء على ثلاثة أقسام، لا يجوز لهم التصرف في شيء من الأشياء، لا في الأصل ولا في المنتقل إلا برضاء شركائهم وهم الشركاء في الخصوص، وقسم يجوز لهم التصرف في المنتقل دون الأصل ما لم يقع الإنكار، فيمنع مطلقاً وهم من قعدت لهم الشركة، وقسم يتصرفون بغير إذن مطلقاً وهم المتفاوضون والله أعلم فليحرر.
قوله: وجعلوا رضاء الشركاء في سكوتهم الخ. يؤخذ منه أنه لو ضارب أحد الشركاء أحداً جاز لأن هذا تصرف في المنتقل والله أعلم.
قوله: أصعب، أي لعدم إمكان الإجماع مع غيبة بعض الشركاء فيحصل الضرر إذا منعت المعاملة في المنتقل والله أعلم
-77 - (4/67)
صفحة 2126
السكوت
كان في يده بخلاف الأصل، وليس بمستنكر أيضاً أن يقوم مقام الرضا، وقد ورد به الشرع، ورضاء البكر في سكوتها وأقاموه في هذا الموضع مقام الرضا تخفيفاً لشدة البلية لذلك، وإن كان بعض الشركاء الذين قعدت لهم الشركة يتامى، فإنه لا تجوز معاملة البالغ منهم في المنتقل، لأن الأطفال ليس لهم رضاء يعتبر إلا إذا كان أحد الشركاء أميناً، فإنه يعامل في جميع المنتقل ويقوم مقام الطفل في ذلك، لأن القيام بهم فرض على الكفاية والولي أولى بالتقدمة من غيره، ومن أشرك مع الغائب مالاً فإنه يجب عليه حفظ ما اشترك معه سواء تركه الغائب في يد شريكه أو دخل في ملك الغائب بعد غيبته لقوله عز وجل: «وتعاونوا على البر والتقوى، وإذا كان ذلك مما يستغل فعلى الشريك حفظ هذه الغلة، قال بعضهم: يبيعها كلها ويقسم الثمن ويأخذ سهمه ويرفع سهم الغائب ويستشهد عليه ويحرزه، وقال بعضهم: يقسم الغلة ويأخذ سهمه ويجعل السهم الغائب ما يصلح له من البيع والرفع لسهمه، وهذا في جميع
قوله: لشدة البلية لذلك، أي لأنه دعت الضرورة لذلك
قوله: في المنتقل، يعني وأما في الاصل فمن باب أولى.
قوله: والولي أولى بالتقدمة من غيره، يعني إذا كان أميناً كما يؤخذ من
كلامه أولاً والله أعلم.
- A - (4/68)
صفحة 2127
ما تكون فيه الغلة، وجوز له بعضهم في غلة الأشجار إذا أدركت أن يدخل إليها الأمناء ويقومونها عليه، ويزن سهم الغائب من القيمة ويستشهد عليه الأمناء قبل الدفن ويدفنه في موضع معلوم، وتصير الغلة له وليس للغائب فيها شيء، ولو قدم حينئذ أكل منها شيئاً أو لم يأكل ذهبت أو لم تذهب، لأن العلم جوز له ذلك والله أعلم وهذا الإختلاف يؤول إلى ما فيه صلاح الغائب، وقد قالت العلماء: إن الزكاة واليتيم والغائب لا يحتاجون إلى العلم، ومن العلم أن يجعل لهم جميع ما يصلح لهم، ورخص بعضهم لشريك الغائب إذا طالت غيبته حتى لا تعرف حياته من موته ولا موضعاً كان فيه أن يترك ماله إلى مال غيره، وليس عليه من الضمان شيء، وهذا منهم استحسان فيما يوجبه النظر، لئلا يكون مات فينتقل المال إلى غيره والله أعلم. وفي الأثر: وسئل عن من اشترك فداناً. الغائب، هل يأكل ثماره بغير قيمة إذا كان يعمل فيه أكثر مما يأكل؟ قال:
مع
قوله: إن الزكاة واليتيم والغائب، ومثل هذه الثلاثة المجنون والمسجد. قوله: أن يترك ماله إلى مال غيره الخ. ينظر كيف يتركه إلى مال غيره والظاهر أن المراد أنه يقسم الاصل بحضرة الامناء مثلا ويترك حصة الغائب ولا يشتغل بها بوجه من الوجوه والله أعلم فليحرر. قوله: هل يأكل ثماره، لعله من ثماره بدليل قوله: أكثر مما يأكل، فإن الغالب
-79 - (4/69)
صفحة 2128
رخص له، فإن قال قائل: هل يجوز لشريك اليتيم ما يجوز لشريك نعم ر الغائب؟ قيل له والله أعلم: اليتيم في هذا مخالف للغائب وإن كان غير معتبر رضاه، لأن شريك اليتيم يتوصل إلى إيصال مال اليتيم إليه، إما أن تكون له خليفة تقوم مقامه، وإما أن يقوم هو مقام الخليفة عند عدمها وينفقه ويكسوه من ماله حتى يصل إليه وهو بخلاف الغائب والله أعلم. وإن اشترك مع الغائب أرضاً بيضاء، فإنه يجوز له أن يحرثها بالبذر أو يحرث مقدار سهمه في قول بعضهم، والأصل في هذا فيما يوجبه
أن العمل لا يستغرق الغلة، ويحتمل إبقاءه على ظاهره والله أعلم. قوله: يتوصل إلى إيصال مال اليتيم إليه الخ. هذا ظاهر إذا كان اليتيم حاضراً، أو كانت خليفة، وأما إذا كان غائباً ولم تكن له خليفة فلم يظهر فرق بينه وبين الغائب بل هو غائب أيضاً والله أعلم فليحرر.
وهو
قوله: مقدار سهمه في قول بعضهم؟ والأصل في هذا الخ. أظن أن في النسخة سقطاً فليراجع، فإن الظاهر أن فيها قولاً آخر، يدل له ظاهر الحديث أنه يحرثها كلها فليحرر ثم ظهر أنه لا حاجة إلى ظن السقط لأن القولين يؤخذان من كلامه معا الأول أشار إليه بقوله: فإنه يجوز له أن يحرثها بالبذر يعني كلها لأن شريكه كالمستغني عنها لعدم إمكان ذلك منه لغيبته فكأنه منحها له، فلذلك استدل له بالحديث والله أعلم. والثاني أشار إليه بقوله: أو يحرث مقدار سهمه في قول بعضهم، ولعل دليل هذا القول أنه لا يجوز التصرف في الأملاك إلا بإذن مالكها وأن الحديث ظاهره يقتضي:: أنه لا بد
من
المنحة بالفعل والله أعلم فليحرر، وليراجع.
•
- Y.- (4/70)
صفحة 2129
مع
النظر قوله عليه السلام: (من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه) (1) أنه شريكه، ولعلهم من هذا المعنى جوزوا له الغرس، وفي الأثر: قال الشيخ فيمن اشترك أرضاً مع الغائب: انه يحرثها بالبذر ولا يغرسها، ثم قال: يغرس سهمه ولا يختار مطايب الأرض، ثم قال: يغرسها كلها ويأكل غلتها بلا قيمة، سواء في هذه الغروس والغصون، واختلفوا في
قوله: مع أنه شريك، يعني فيغتفر له ما لا يغتفر لغيره خصوصاً مع ظاهر قولهم: فعل الشريك على الشريك جائز والله أعلم. قوله: فيمن اشترك أرضاً مع الغائب، يعني بالميراث كما يدل عليه كلامه بعد
والله أعلم.
قوله: يحرثها بالبذر الخ. ظاهره أنه يجوز له ذلك ولا يضمن للغائب لنقصان ما ينوبه من الأرض، ولعل من ذهب إلى هذا أن ا يري الأرض لا تنقص إلا بالحرث، أو أنه أمر يسير يتسامح فيه للشريك والله أعلم فليحرر. قوله: يغرس سهمه ولا يختار مطايب الأرض، ظاهره أنه يفعل ذلك لنفسه من غير حضور الأمناء وفيه تأمل، ثم ظاهره أنه يختص بذلك مع سيأتي أنه إن غرسها من شجر تلك الأرض لا يختص بذلك قولاً واحداً، وإن غرسها من خارج ففيها أقوال كما سيأتي، ولعل هذا مبني على القول بأنه يختص وأنه غرسها من خارج والله أعلم فليحرر.
قوله: بلا قيمة، يعني لأن ذلك يكون في نظير تعبه والله أعلم.
(1) تقدم ذكره.
أنه (4/71)
صفحة 2130
غير الورثة، فقال بعضهم: لا يأكل إلا بالقيمة، وقال بعضهم: حيث يجوز للورثة جاز لهم ذلك، وتفصيل ما ذكرنا أنه إذا غرس الأرض
كلها على قول بعضهم، لا يخلو أن تكون الغروس من تلك الأرض
:
أو أدخلها من خارج، فإذا كانت من تلك الأرض فإذا قدم الغائب فعليه أن يرد عليه ما ينوب مما أكل من غلة تلك الغروس ويدرك عليه العناء، وأما إن أدخل الغروس من خارج ثم قدم الغائب فإن الغائب لا يدرك عليه مما أكل من الغلة شيئاً، لأن الغروس أصلها من خارج فهي له ما لم يأخذ قيمتها، ولكن يدرك عليه العناء وقيمة الغروس حين غرسها فتكون بينهم على أصل شركتهم، وعلى قول بعضهم: لا يدرك
قوله: إلا بالقسمة، لعله بالقيمة فليراجع
قوله: فإذا قدم الغائب الخ. ينظر هل المراد بالغائب غير الوارث أو مطلقاً
فليحرر.
قوله: فهي له، يعني فلذلك لا يدرك عليه شيئاً مما أكل من الغلة، ولو أخذ قيمتها بعد ذلك والله أعلم.
قوله: ما لم يأخذ قيمتها، يعني فإذا أخذ قيمتها وهي ما تساويه الآن على القول الثاني، أو قيمتها يوم غرسها مع العناء على القول الأول صارت مشتركة بينهما في المستقبل، وأما ما مضى لا يدرك منه شيئا لأنه لا يملك فيها شيئاً، وقد أجاز له الشرع الغرس حيث كان شريكاً والله أعلم فليحرر. (4/72)
صفحة 2131
عليه إلا القيمة دون العناء وهي قيمة الغروس يوم يغرمه، ثم تكون بينهما على أصل شركتهم، فالقولان متقاربان في المعنى، لأن عناءه داخل في قيمة الغروس يوم يغرمه، وأما الوجه الذي يغرس سهمه على قول بعضهم، فإنه إذا كانت الغروس من تلك الأرض يرد عليه سهمه من الغلة ويدرك عليه العناء وتكون الغروس بينهم كما ذكرنا، فإذا لم تكن الغروس من تلك الأرض ثم قدم الغائب، ففي الأثر: وإذا قصد الشريك
قوله: فالقولان متقاربان الخ. ظاهر كلامه رحمه الله أنه لا يدرك شيئاً من الغلة على كلا القولين حيث أدخل الغروس من خارج، مع أن الظاهر والله أعلم أنه يدرك عليه ما ينوبه من الغلة، على القول بأنه يدرك عليه العناء وقيمتها يوم غرسها، لأنه كشف الغيب أنها مشتركة من ذلك الوقت في ماذا يستحل ما ينوب شريكه من الغلة وقد أخذ العناء، وأما على القول بأنه يأخذ قيمتها الآن فعدم إدراك الغلة ظاهر لأنه لم تحصل الشركة في الغروس، إلا بعد تقويمها الآن والله أعلم فليحرر وليراجع.
قوله: لأن عناءه داخل الخ. يعني على القول الثاني وهو القول بأنه يأخذ قيمتها وهو ما تساويه الآن والله أعلم. قوله: فإنه إذا كانت الغروس من تلك الأرض يرد عليه سهمه الخ. لم يظهر لتخصيص سهمه حينئذ بالغرس معنى حيث تكون الغروس بينهم، فالمناسب لتخصيص سهمه بالغرس أن يدفع لشريكه قيمة حصته من تلك الغروس يوم الفرس، فتكون له والله أعلم. لكنهم نظروا إلى أنها مشتركة، فاستصحب فيها ذلك وهو ظاهر والله أعلم. يعني فلا معنى للسهم حينئذ
- 73 - (4/73)
صفحة 2132
إلى نصف الأرض فغرسها ثم قدم صاحبه فإن فيها أقاويل، منهم من يقول: يغرس صاحبه النصف الباقي حتى يستغني ويقسمان الكل، ومنهم من يقول: إن لم يختر مطايب الأرض فإنه يقعد على النصف الذي غرس ويغرس الغائب النصف الباقي لنفسه، ومنهم من يقول: يعطيه عناءه مع
القيمة فيها تجري فيه القيمة فيقسمان الكل والله أعلم.
قوله: حتى يستغني ويقسمان الكل، يعني فلا يدرك الغلة عند صاحبه ولا
يدرك عليه صاحبه العناء
قوله: ويغرس الغائب النصف الباقي، يعني إن شاء
قوله: يعطيه عناءه.
القيمة، يعني ما نابه من العناء والقيمة، والمراد
? بالقيمة يوم الفرس لا يوم التقويم، بدليل أنه
يعطي العناء والله أعلم (4/74)
صفحة 2133
باب في القسمة
والأصل في هذا الباب قوله تعالى: (وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامي والمساكين فارزقوهم منه)، وقوله: «للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون (2) الآية، وقوله عليه السلام: (أيما دار
)
باب في القسمة
قوله: القسمة، هي تمييز بعض الأنصباء من بعض، والقسام الذي يقسم الأشياء بين الناس.
قوله: وإذا حضر القسمة) الآية، الشاهد في قوله (القسمة) وأما (فارزقوهم) فالأمر فيه للندب للبلغ من الورثة، وقيل أمر وجوب، ثم اختلف في نسخه، والصحيح أن الأمر فيه للندب، ولكن مما تهاون به الناس كما تهاونوا بآية الاستئذان، وبقوله في حق الأزواج إذا وقع بينهم الطلاق ولا تنسوا الفضل بينكم وذكر صاحب الكشاف أن هذه الآيات ذهب العمل بهن حتى كأنهن لم
ينزلن والله أعلم.
(1) النساء: 8. (2) النساء: 7.
- 75 - (4/75)
صفحة 2134
القسمة،
قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية، وأيما دار أدركها الإسلام ولم تقسم فهي على قسمة الإسلام))، والنظر في هذا الباب أولاً في أنواع ثم بشروطها وصفاتها ثم بأحكامها؛ أما النظر في أنواع القسمة، فإنه ينقسم على قسمين: أحدهما قسمة رقاب الأموال، والثاني قسمة منافع الرقاب، وأما الرقاب فإنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: إلى ما لا ينتقل ولا يتحول وهي الرباع والأصول، وإلى ما ينتقل ويتحول فهذا قسمان: إما غير مكيل وموزون وهي الحيوان والعروض، وإما
قوله: فهي على قسم الجاهلية، لأنهم كانوا لا يعطون للإناث مثلا فهذا الحديث يدل على أن الأحوال تجري فيه الأحكام على التدين، فمن دان بتحليل مال جازت معاملته فيه كالصفرية وكالنصارى، إذا غنموا من المسلمين فإنه يجوز غنم ذلك منهم ومعاملتهم فيه والله أعلم.
قوله: ثم بشروطها، لعل الباء بمعنى في.
قوله: فإنه، أي النظر باعتبار متعلقه لأنه المحدث عنه ومتعلقه هو رقاب الأموال وقسمة منافعها.
قسمة
قوله: أما الرقاب الخ. المناسب لقوله أولاً قسمة رقاب الأموال ولقوله في مقابله بعد: وأما قسمة منافع الرقاب، أن يقول: أما قسمة الرقاب، اللهم إلا أن يقال أنه على حذف مضاف أو لأن المنقسم في الحقيقة إلى ثلاثة أقسام تابعة هي الرقاب نفسها والقسمة، لذلك ولهذا ترك لفظ القسمة والله أعلم فليحرر.
قوله: فهذا، لعله وهذا.
(1) رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي والنسائي.
- 8.7 - (4/76)
صفحة 2135
مكيل أو موزون، وأما قسمة منافع الرقاب فإنها تكون بالنهايات، إما بالأزمان وإما بالأعيان، وذلك أن ينتفع كل واحد منهم بالشيء مدة محدودة والشيء باق على أصل الشركة، وأما الأعيان مثل أن يسكن هذا داراً مدة من الزمان، ويسكن هذا داراً تلك المدة بعينها والدور باقية على أصل الشركة بينهم، وهذا فيما يوجبه النظر، إنما يجوز في استخدام العبيد والدواب وسكنى الدور والحوانيت واستعمال الآلات ولبس الثياب وما أشبه ذلك، ولا يكون إلا بالإتفاق من
(1)
الشركاء ولا يجبرون عليها، لأنها منفعة معدومة وغرزها (1) أمكن وجوداً
من غيرها ولا يكون إلا بالإتفاق من الشركاء، والمدة في ذلك ما اتفقا عليه إلا مدة لا يعيش ذلك الشيء إلى منتهاها فلا يجوز، لأنها غرر
قوله: إما غير مكيل وموزون الأولى تأخيره وتقديم قوله: إما مكيل أو موزون لأن الإعدام (2) إنما تعرف بملكاتها.
قوله: وذلك أن ينتفع الخ. الإشارة بذلك إلى القسمة بالأزمان والمناسب لما قبله ولقوله بعد: وأما الاعيان أن يقول: أما الازمان فمثل أن ينتفع الخ. فليحرر وليراجع. قوله: مثل، صوابه فمثل لأن مثل هذا ليس محل حذف الفاء.
قوله: داراً، يعني أخرى.
قوله: ولا يجبرون عليها، هذا تصريح بما علم مفهوماً.
(1) كذا في الأصل. ولعل صوابها: وفرزها.
(2) كذا في الأصل ولعل صوابها: الأعيان
- VY - (4/77)
صفحة 2136
وضرر، وإن هلكت الدواب والعبيد أو مرضوا أو عصوا أو هدمت المساكن في مدة أحد الشركاء، فإنه يدرك على شركائه قيمة الخدمة والنفقة في حال مرض الدواب والعبيد أو انهدام البيوت فيرد من شركاته ما بقي له من ذلك، وأما استغلال الأشجار وزرع ا الأرضين، فقسمة ذلك على السنين لا تجوز فيما أوجبه النظر عندي، لأن الغلة تختلف في ذلك من جهة القلة والكثرة ووجودها وعدمها والجودة وغيرها مع ما روي عن النبي له من النهي عن المسانهة والله أعلم. وأما العيون والآبار فإن الشركاء يتواخذون قسمتها بالدول قسمة لا ضرر فيها، لأن منفعتها موجودة مع ما ورد من النهي عن بيع الماء، ولذلك كانت قسمتها و اجبة إذا طلبها بعض الشركاء والله أعلم. ومن هذا الباب قسمة أهل
قوله: عن المسانهة، المراد به النهي عن بيع الشيء أعواماً، ويدخل فيه الثمار قبل أن تخلق، يعني والقسمة مقيسة على البيع بل بعض وجوهها بيع، ثم قوله المسانهة مبني على أن (لام (سنه (هاء) لا (واو) والله أعلم.
بيع
بغير الدول
قوله: من النهي عن بيع الماء، كأنه أراد رحمه الله أن قسمة الماء ذلك تشبه البيع والله أعلم فليحرر، أو المراد أنه لما
لا تجوز لأن القسمة. بغير
نهي عن بيعه وجبت قسمته لأنه من المعلوم، أن حبسه لا يجوز وقسمته لا تصح إلا بالدول فتعين فيها ذلك والله أعلم.
قوله: ومن هذا الباب الخ. أي وهو قسمة منافع الرقاب.
- YA- (4/78)
صفحة 2137
المشاع منافع مشاعهم، من ذلك إذا أرادوا قسمة للحرث، قال بعض: يقسمونه على الذكور البلّغ دون الإناث، وقال بعض: على عدد المصابيح، وقال بعض: على عدد السكك. والذي يوجبه النظر عندي أن من قسمه على الذكور البلّغ دون الإناث فقد أجراه على طريقة التيء،
ولذلك لم يدخل فيه الإناث، ولو دخل فيه الإناث أيضاً لأداه ذلك إلى أن، ومن قسمه على السكك فقد جهة الميراث من
يصير
المشاع لغير
أهله
قسمه على قدر الحاجة إليه، ومن قسمه على المصابيح قسمه على المصابيح، لأن أمور العامة تجري على المحاسنة، وفي الأثر: وإذا أرادوا أن يقسموا
قوله: قال بعضهم: يقسمونه على الذكور البلغ دون الإناث، مفهومه أن غيرهم قال: يقسم على الإناث أيضاً مع أن الإناث ليس لهن في المشاع شيء كما يدل عليه كلامه الآتي حيث قال: إذا تعلقت بهم الاخت وغيرها ممن لا يرث المشاع الخ.، ويدل أيضاً على أن الإناث ليس لهن في المشاع شيء، قوله بعد في علة التخصيص: ولو دخل الإناث فيه أيضاً لأداه ذلك الخ. وعلى هذا فالمناسب أن يقول دون الأطفال والله أعلم. ثم الظاهر من هذه الاقوال كلها أنهم يقسمونها قسمة لا تفاوت فيها ولو تعدد المقسوم عليه من بعض الأصول دون بعض كأخوين من أهل المشاع خلف أحدهما عشرة ذكور وخلف الآخر ذكراً واحداً مثلا، والله أعلم. قوله: إلى أن يصير المشاع لغير أهله الخ. وذلك، والله أعلم، لأن النساء ينقلن الميراث إلى أزواجهن، فأولادهن، فيدخل فيه من ليس منهم والله أعلم. قوله: ومن قسمه على السكك الخ. الظاهر أنه يدخل في ذلك الأيتام لأنهم
في الغالب تكون لهم سكك لخدمة أملاكهم والله أعلم. قوله: تجري على المحاسنة، لقائل أن يقول: المحاسنة عند من قسم على جميع
- 49 - (4/79)
صفحة 2138
أرض المشاع للحرث، فإنهم يقسمونها في هذه السنة بالطول ويقسمونها في العام القابل بالعرض، وذلك فيما يوجبه النظر، لئلا تؤدي قسمتهم على طريق واحد إلى التمليك لهم في ذلك السهم فخالفوا، فمن وجد في سهمه زرعاً قد ثبت من السنة الماضية من حرث غيره فليقلبه، وإن اقتسم أهل المشاع أرض المشاع للحرث كما ذكرنا ثم أتاهم آخرون من أهل المشاع بعد ما حرثوا فلا يدركون عليهم شيئاً، لأنهم فعلوا كما يجوز لهم، وإن حرث بعض ولم يحرث آخرون فإنهم يقاسمون الذين لم يحرثوا ما وجدوه لم يحرثوا، كذلك إن وجدوهم لم يحرثوا شيئاً فإنهم يعيدون القسمة ولا يدركون على أصحابهم عناء ما عملوا من تنقية الأرض من الحطب والحشيش وما أشبه ذلك، لأن
البلغ أظهر والله أعلم، إلا أن يقال: أراد بذلك دخول الايتام لأنهم في الغالب تكون لهم المصابيح في بيوت آبائهم إذا قعدت عليهم أمهاتهم والله أعلم. قوله: فليقلبه، يعني بالحرث مثلا.
قوله: ثم أتاهم آخرون من أهل المشاع الخ. ظاهره أنهم لا يدركون شيئاً ولو علموا بهم لأن المدار على الحضور كما يدل عليه قوله بعد: إن هذا كله للحاضر دون الغائب والله أعلم. وذكر في الديوان أنهم ينتظرون من يجيء من أهل المشاع بعد الري سبعة أيام، ومنهم من يقول ثلاثة أيام فليراجع. (4/80)
صفحة 2139
هذا كله للحاضر دون الغائب، وهكذا حكم الأموال التي لم يعرف لها أرباب والله أعلم، وإن حرث أحد أرض المشاع من غير إذن أهله فإنه لا يقلبها أحد من أهل المشاع إلا باتفاق من أهل المشاع، لأنه إذا أجاز له أن يحرث بإذن البعض لم يجز لمن يقلب حرثه إلا باتفاق منهم،، وإن أبى أحد من أهل المشاع أن يقسم معهم وأبى أن يأذن لهم أن يحرثوا فإنهم يقتسمون ويتركون له مقدار سهمه ويحرثون سهامهم ولا يشتغلون بقوله، لأنه لا يجوز له ذلك والله أعلم. وأما غلة المشاع ففيها أقاويل، منهم من يقول: يأكلها ضعفاء أهل المشاع، لأن المشاع لهم فهم أولى بغلة مشاعهم، ومنهم من يقول: يأكلها الضعفاء كلهم من أهل المشاع وغيرهم وهذا القول يدل من قائله أنه جعله بمنزلة اللقطة وحكم كل ما لم يعرف ربه سبيله الفقراء، ومنهم من يقول: يقسمونها كما يقسم المشاع للحرث،
قوله: وهكذا حكم الاموال التي لم يعرف لها أرباب، ينظر هل معناه أنها تكون للحاضر دون الغائب، يعني من الفقراء مثلاً، إذا أريد التصدق بها، أو معناه أن من أصلح شيئاً من الاموال التي لم يعرف لها رب لا يدرك العناء، أو المراد المعنيان معاً وهو الظاهر والله أعلم فليحرر.
قوله: لا يقلبها، يعني لا يعيد لها الحرث الخ.
قوله: إلا باتفاق منهم، يعني إذا لم يحصل الإذن من أحد منهم كما يفهم من جواز الحرث بإذن البعض والله أعلم.
- 81 -
ه م 6 - الإيضاح، (4/81)
صفحة 2140
فهؤلاء جعلوا المشاع بمنزلة الفيء يأكله الغني والفقير والله أعلم. وفي الأثر: وإذا أراد أهل المشاع أن يقسموا أرض المشاع وأرادوا أن يغرسوا فيها أو أرادوا أن يبنوا فيها واتفقوا على أن من غرس منهم فيها شيئاً فهو له، ومن بنى فيها فهو له فليس لهم ذلك فهي مشاع على حالها مع ما غرسوا فيها وما بنوا فيها، فقلت: هل يبنون مسجداً في أرض المشاع؟ قال: إن اتفقوا على ذلك لا بأس، وكذلك القصر إن اتفقوا عليه فإنهم يبنونه فيها ويكون مشاعاً على حاله، وفي الأثر: وذكرت في كتابك أمر الأبواب والأداة الذين على بيوت أهل المشاع إذا تعلقت بهم الأخت وغيرها ممن لا يرث المشاع عند العصبة، فالذي عندي يا أخي في ذلك أن الأبواب والقفول والسلاسل حكمها حكم غير المشاع لها ميراثها منها على المشاححة، ولكن ذلك يا أخي سيرة قبيحة إن وجدت أن نتجافي عنها فافعل، وإن تشاححوا فلها عندي ميراثها في ذلك، وذلك فيما يوجبه النظر في الحكم، الظاهر أن القاعدة في ذلك المشاع إلا ما تبين
قوله: وكذلك القصر، يعني والله أعلم ولا يستمر كل أحد في بيت دائماً لما يؤدي إليه من التمليك قياساً على ما تقدم والله أعلم. قوله: وذكرت في كتابك، هذا صورة جواب لسؤال أرسل لبعض المشايخ رحمهم الله.
قوله: وذلك فيما يوجبه النظر الخ. هذا كلام من الشيخ، بيان لكونها
- AT- (4/82)
صفحة 2141
كالقفول أو السلاسل والأبواب، لكن ما أدخلوه من خارج يجري عليه التمليك والبيع طيلاً لا أصلاً. ويبقى الأصل مشاعاً على حاله، وفي الأثر: ما يدل على ذلك، وأما إن اندرست البلاد وخربت حتى لا يقف لها أحد على ماله منها فإنها تصير مشاعاً بين القبيل، ويترايعون فيها الرجال الذكور دون الإناث، فإن أذن الإمام لمن يعمر ويغرس ويحرث و يبني وينزل ويسكن، فما أحدثه فيها فهو للذي أحدثه، وما كان قائم العين فللداخل أن يتملكه أعني المنافع ويبيع ويشتري طيلاً والأصل
تدرك في القفول ونحوها
أن
قوله: طيلاً لا أصلا، هكذا فيما رأيناه من النسخ، والمقابلة بينهما تقتضي المراد بالطيل ضد الأصل وهو المنتقل إلا أنه يتأمل كيف يناسب اللغة فإن الطيل هو العمر، قال في الصحاح: وطال طولك وطيلك، أي عمرك، ويقال أيضاً طال ليلك، وطولك ساكنة الياء والواو الخ.
قوله: ويترايمون، في الصحاح: الريع النماء والزيادة، وأرض مريعة بفتح الميم، أي مخصبة الخ. والمراد به أن أهل تلك البلدة إذا خربت حق لا يفرزون متاعهم، يشتركون فيما يخرج من تلك الأرض والأصول والله أعلم.
قوله: فإذا أذن الإمام لمن يعمر الخ. لعل هذا غير أحياء الموات لأن إحياء الموات من شروطها، أن لا يعرف لها أهل وأن لا تجري عليها عمارة في الإسلام، وهذه ليست كذلك على ما يفهم من كلامه رحمه الله، فإنها جرت عليها عمارة
- AY- (4/83)
صفحة 2142
لأهلها، وله أن يأخذ الأثمان ويعمرها المشتري على سنن البيع والمنافع له
والأصل لأهله.
الإسلام ولها أهل، ولذلك قال: والأصل لأهله، اللهم إلا أن يقال: غير معروفين فلذلك جاز الإذن لكن لا يُسمى إحياء لإختلال شرطه، وهو عدم العمارة والله
أعلم فليحرر.
- 84 - (4/84)
صفحة 2143
باب في شروط القسمة وصفاتها
إعلم أن القسمة فصل يحجز الله به الظلمة الضعفاء عن
وهي حق من مخالفة للبيوع
حقوق الناس يجبر عليها الشركاء إذا طلبها بعضهم، وهي من وجوه، أحدها: القسمة يجبر عليها الشركاء، والبيع لا يصح إلا بالتراضي من المتبايعين، والثاني: القسمة من شرط جوازها الجنس، والبيع يصح في الجنس وغير الجنس، الثالث: لا يجوز في القسمة الجزاف، والبيع يجوز فيه الجزاف، لأن المقصود بالقسمة تبيين سهام الشركاء و إنما أشبهت البيع من جهة المعاوضة، ولذلك كانت تقاس على البيع في بعض المواضع،
باب في شروط القسمة وصفاتها
قوله: فصل، أي تمييز كما تقدم من أنها تمييز بعض الانصباء من بعض. قوله: يحجز الله به الظلمة عن الضعفاء، كأن المراد به الظلمة من الورثة عن الضعفاء منهم إذا كانت أموالهم مشتركة والله أعلم. قوله: والبيع يجوز فيه الجزاف، أي البيع من حيث هو مع قطع النظر عن التفصيل كما تقدم.
1401 (4/85)
صفحة 2144
و من شرط جواز القسمة حضور جميع الشركاء أو وكلائهم إذا أرادوا، لأن الوكالة في القسمة جائزة أصلها البيع، وكذلك إن وكل أحدهم بعض شركائه فجائز، وإن كان بعض الشركاء أطفالاً أو مجانين فخلا تفهم تقوم مقامهم، وأما الغائب فإنه إن ترك وكيله بنفسه قام مقامه، وإن لم يترك وكيلاً لنفسه فقد اختلف العلماء فيه، قال بعضهم: المال الذي تركه الغائب قبل غيبته لا يقسم بعده ولو اتفقوا على ذلك، وذلك فيما يوجبه النظر، لأن الغائب له حجة في هذا والتضييع إنما جاء من قبل الشركاء وهم الذين ضيعوا حقهم في القسمة حتى غاب، ومع هذا إنه لا يقضى على غائب، وقال بعضهم: إن اتفقت العشيرة مع شركاء غائبهم فاستخلفوا له خليفة فاقتسموا وتراضوا بذلك فهو جائز، ولكن الحاكم لا يجبرهم على ذلك، وكذلك الديون أيضاً يتوجه إليها هذا الاختلاف أعني الديون التي تلزمه قبل غيبته، وأما المال الذي ورثه الغائب بعد غيبته
قوله: وكل أحدهم بعض شركائهم الخ. وذلك لأن اختلاف الجهة، بمنزلة
اختلاف الذات، ولأن الشيء مع غيره، غيره مع نفسه والله أعلم. قوله: لا يجبرهم على ذلك، يعني لتفريط الورثة في القسمة قبل أن يغيب
شريكهم. قوله: أعني الديون التي تلزم من قبل غيبته، يعني إذا كان له مال يمكن
- 86 - (4/86)
صفحة 2145
فإنه يدرك على العشيرة أن يستخلفوا لغائب خليفة فيقتسم الورثة معه ولو لم يصلوا إلى قسمة ذلك إلا بقسمة ما ترك قبل الغيبة، لأن الغائب ليس له في هذا حجة والضرر لا يحل، وإن قال واحد من الشركاء: إقتسموا فيما بينكم وأنا أتبع كل واحد منكم بسهمي فهو جائز، لأن ذلك كان برضاه أصله كسائر العقود، وكذلك إن اقتسموا واستتبعوه برأيهم فجوز لهم ذلك على هذا المعنى، وأما إن اقتسموا ثم خرج وارث ورث معهم ولم يعلموا به، فإن قسمتهم لا تجوز ولو جوزها الداخل، لأن أصل القسمة لا تجوز، وقد اقتسموا ما لهم وما ليس لهم، وفي جواز هذه القسمة أيضاً ضرر على الداخل بتفريق سهمه في الأس، وهذه المسألة
قضاء الدين منه، قال بعضهم: لا تقام له خليفة لأن التضييع جاء من قبل صاحب الدين، وقال بعضهم: يجوز للعشيرة أن يقيموا له خليفة يقضي عنه دينه، وهذا هو الظاهر في الدين، وإلا تعطل حق الغير بخلاف القسمة فإنهم مع التقصير الصادر منهم، يتمكنون من الانتفاع بالمشترك بخلاف صاحب الدين والله أعلم فليحرر. قوله: فإنه يدرك على العشيرة الخ. ظاهره أنهم يجبرون على ذلك قوله: إلا بقسمة ما ترك قبل الغيبة، يعني وقلنا أنه لا يقسم، وذلك لأن ما يتوقف عليه الواجب فهو واجب مثله والله أعلم.
قوله: وفي جواز هذه القسمة أيضاً ضرر الخ. لقائل أن يقول: إن ذلك يدفع برضاه، والتعليل الأول كاف، لأن القاعدة أن العقدة إذا اشتملت على ما
- AY- (4/87)
صفحة 2146
بعينها تتطرق إلى المسألة الأولى فتقتضي المنع، وفي الأثر: وإذا قال واحد من الورثة: اقتسموا فيما بينكم وأنا أتبع كل واحد منكم بسهمي فلا يجوز، وكذلك إن كان وارث غيرهم ولم يعلموا به فاقتسموا فيما بينهم ثم علموا به فإن قسمتهم لا تجوز، وكذلك إن كان فيهم غائب أو طفل فاقتسموا فأخرجوا سهامهما ولم يستخلفوا لهما خليفة، فإن قسمتهم لا تجوز، ولو جوزها الطفل بعد بلوغه أو الغائب بعد قدومه، لأن المقصود بالقسمة الإنفصال، وهؤلاء لم ينفصلوا بعد، وقد قال
يجوز وما لا يجوز كانت غير جائزة على الراجح، وظاهر التعليل بوجود الضرر مطلقاً أنه لا يجوز لأحد أن يحدث ضرراً على مال أحد، ولو رضي به وفيه تأمل والله أعلم.
وهي
قوله: وهذه المسألة، أي وهذه الحجة قوله: تتطرق إلى المسألة الأولى، أراد بها الأولى بالنسبة إلى هذه، مسألة الاستتباع برأيهم بخلاف التي قبلها، فإنه صدر ذلك، برضاه ابتداء وفرق بين الرضى الأصلي والطارئ على ما يفهم من رحمه الله، إلا أن استدلاله بكلام الأثر يدل على أنه لا عبرة بالرضا في هذه القسمة سواء قبلها، أو بعدها، لأن المقصود بالقسمة الإنفصال كما قاله بعده رحمه الله، وهذا هو الظاهر في التعليل دون التعليل بوجود الضرر لانتفائه بالرضا والله أعلم فليحرر.
كلامه
قوله: بعد، أي بعد القسمة فليستصحب ذلك الحال بعد الرضا لابتنائه
على غير وجه شرعي عندهم.
- AA- (4/88)
صفحة 2147
بعضهم: إنها جائزة إذا رضيا بها، يعني بعد بلوغ الطفل وقدوم الغائب، وأصل هذا العقود الموقوفة إلى إجازة ملاكها، ولكن كل معقود عليه في
حالة لا يعتبر فيها رضاه من إنكاره فهو بالخيار إذا انتقل إلى حالة هو فيها جائز الأفعال، أصله خيار الاماء بعد العتق، ومن شروط جواز القسمة أيضاً الجنس، لأن المقصود بالقسمة تبيين أسهم الشركاء في الجنس الواحد، ولا تجوز في أجناس مفترقة معاً، مثل الأصل والحيوان والمتاع مع ما يكال ويوزن وكل جنس من هذا على حدة، وتفصيل ذلك، أما قسمة الأصول والرباع فإنها لا تخلو أن تكون في محل واحد أو في محال كثيرة، فإذا كانت في محل واحد فلا خلاف في جوازها إذا انقسمت إلى أجزاء متساوية الصفة ولم تنقص منفعة الأجزاء بالإنقسام ويجبر الشركاء على ذلك، وهذا يوجد في الأراضي والمزارع، وقد ذكر في الأثر: أنهم يتواخذون على قسمتها ولو بالأشبار، وأما ما لا تمكن فيه القسمة إلا بفساد فلا يجبرهم الحاكم على قسمته، لأن في قسمته ضرراً،
قوله: وأصل هذا العقود الخ. أصل مبتدأ، والمقود خبره.
قوله: ولكن كل، لعله وذلك كل الخ. قوله: أصله خيار الإماء بعد العتق، وذلك أن الأمة إذا زوجها سيدها، ثم أعتقها بعد ذلك فلها فسخ النكاح، ولها الإقامة مع زوجها كالطفلة: إذا زوجت فلها الخيار إذا بلغت والله أعلم.
1491 (4/89)
صفحة 2148
والضرر لا يحل، ولا يجبرهم أيضاً على بيعه، لأن البيع لا يصح إلا بالتراضي من البائعين لقوله عز وجل: «إلا أن تكون تجارة عن تراض
(1)
D:
منكم)، وليس البيع، وليس البيع أيضاً بواجب على أحد في ماله فيجبر عليه، وذلك مثل غار المعصرة والجب والبيت الواحدة إذا لم يصب كل واحد
قوله: ولا يجبرهم أيضاً على بيعه الخ. خالف مالك أصحابنا في هذا، فذهب إلى أنه يجبرهم إزالة للضرر، و في كتاب القسمة للشيخ أبي العباس أحمد بن يحيى ابن عبدالله بن محمد بن بكر رحمهم الله، ما هو صريح في قول مالك: حيث قال بعد ما ذكر ما قاله المصنف رحمه الله: و من العلماء من يقول في الشريك أنه. يجبر على أن يبيع أو يشتري في الشيء الذي لا تمكن فيه القسمة، إذا دعاه شريكه إلى ذلك، وإن أراد أن يبيعاه جميعاً، أو يشترياه جميعاً، فليتزايدا عليه حتى ينتهيا في زيادتهما إلى من أراده، فليأخذه قل ذلك أو كثر، وكذلك إن أراد بيمه فإنها يتناقصان من ثمنه حتى ينتهي إلى من أراده بقلة الثمن فيأخذه، وقيل: إذا كان فيهما مز له الأكثر فإن العدول يقومون، ويعطي صاحب الأكثر لصاحب الأقل قيمة نصيبه، ومنهم من يقول: يقدمه العدول، فيقترعان عليه ولو كان فيهم من له الأكثر، فمن وقعت قرعته عليه منها، فليأخذه ويعطي لشريكه قيمة حصته، وأما إن أراد جميعاً بيعه لغيرهما، فلها ذلك ويقسمان ثمنه، ومن! العلماء من يقول فيما لا
تمكن فيه القسمة.
من جميع
المشترك أنه لا
يصيب ب فيه الشريك منع المنافع
بينهم، ويقسمون منافع ذلك على قدر حصصهم الخ.
قوله: مثل غار المعصرة الخ. هذا مثال لما لا تمكن فيه القسمة
(1) تقدم ذكرها.
-9 (4/90)
صفحة 2149
من الشركاء في نصيبه مصالح بيته جميعاً مثل أن يصيب في نصيبه ما يرقد فيه ويمد رجله وموضع أداة خدمته ومن أين يستخرج بابه، فإذا أصابوا جميعاً ما ذكرنا فإنهم يجبرون على القسمة، وأما بيوت القصر إذا أصاب كل واحد منهم في نصيبه من أين يدخل أو يخرج كما تيسر له وهو مصالح بيت القصر فإنهم يجبرون على قسمته، وكذلك الحانوت أيضاً إن أصاب كل واحد منهم مصاليح الحانوت في نصيبه وهو موضع يقعد فيه ويضع فيه ميزانه للبيع والشراء، فإنهم يتواخذون على القسمة إذا أصابوا ما ذكرنا وهو أقل ما يقع عليه الإسم في هذا، وجميع ما ذكرنا إذا لم تكن فيه القسمة بما ذكرنا وأراد واحد من الشركاء أن يأخذ شركاءه على إغلاقه فله ذلك، لأن القسمة لا يجبرون عليها لأجل الضرر الداخل بالقسمة والبيع لا يجبرون عليه، لأن ذلك مخالفة الأصول واستخدامه لا يكون إلا باتفاق من الشركاء، ولذلك يتواخذون على إغلاقه إلا الجب
قوله: بما ذكرنا، وهو أن يصيب كل واحد منهما مصلحته قوله: على أغلاقه، هذا ظاهر إذا تساوت الأسهم مثلاً، وأما لو كان له قيراط مثلا في بيت ففي أغلاقه إذا طلب ذلك تأمل والله أعلم. قوله: واستخدامه لا يكون الخ. علله فيما تقدم بكونه منفعة معدومة وفرزها أمكن وجوداً من غيرها، ولقائل أن يقول: اغتفار ذلك الغرر لإمكان الرجوع فيه على الشركاء أهون من الضرر الداخل على الشريك بإغلاقها،
-91 - (4/91)
صفحة 2150
فإنهم لا يتواخذون على إغلاقه ولو كان القسمة لا تمكن فيه، لأن بيع الماء لا يحل، وقد ورد النهي فيه لكن يستقي كل واحد من الشركاء ما أراد ولا يصيب أن يستقي غيره بغير إذن شركائه إذا وقعت المشاححة بينهم، وكذلك أيضاً لا يتواخذ الشركاء على قسمة الدابة الواحدة أو المزراق أو السيف أو الثوب الواحد وما أشبه ذلك مما لا تمكن فيه القسمة إلا بفساده، وكذلك كل زوجين لا يستنفع بأحدهما دون الآخر مثل الخفين والنعلين والقرقين وأحجار المطحنة وما أشبه ذلك، وبالجملة كل شيء لا تمكن فيه القسمة لا يتواخذون على قسمته، وقد قال بعض العلماء: إنهم يتواخذون على قسمته إذا طلب أحد الشركاء ذلك، والحجة لهم قول الله تعالى: «مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً (1)، وفي الأثر:
D
فالظاهر والله أعلم الجبر على القسمة بالمنافع. أو يقال بقول من قال: يجبر على القسمة مطلقاً لظاهر الآية، وإن طلبها صاحب الأقل لرضاه بالضرر، إلا أنه لا حظ للنظر مع وجود الأثر والله أعلم.
قوله: وكذلك أيضاً لا يتواخذ الشركاء على قسمة الدابة الخ. وكذلك لو اتفق الكل على ذلك لم يجز لأنه سفه وفساد، والله لا يحب الفساد، وربما يؤخذ بعد حيث قال: وإذا اقتسم رجلان أرضاً، وقد تبين لهما فيها
هذا من
کلامه
الفين إلى أن قال: لأن قسمة الغبن لا تحل وهو ضرر، إلا أن المتبادر من كلامه
نفي الجبر فقط والله أعلم فليحرر
•
(1) النساء: 7
- ar- (4/92)
صفحة 2151
وإذا كانت الدار صغيرة بين اثنين أو شقص قليل في دار لا يكون بيتاً، فإن ابن عبد العزيز يقول: هو إن طلب القسمة قسمت له منه،
،
ألا ترى أن صاحب القليل ينتفع بنصيب صاحب الكثير وبه نأخذ وكان الربيع يقول: لا يقسم شيء من هذا ونحوه، وقول الربيع هو المأخوذ به عند أصحابنا، وأما ما اعتل به ابن عبد العزيز من انتفاع صاحب القليل بنصيب صاحبه الكثير فإن الانتفاع عند أصحابنا لا يكون إلا باتفاق من الشركاء والله أعلم. وإن كانت الأصول والرباع والحيوان والعروض أكثر من واحد أيضاً فإنها لا تخلوا أيضاً من أن تكون من نوع واحد أو مختلفة الأنواع، فإذا كانت متفقة الأنواع قسمت ويتواخذ الشركاء على قسمتهما، ومثل ذلك إن اشتركوا فدادين أو بساتين
قوله: أنه هو طلب الخ. المتبادر من كلامه أن الطالب للقسمة هو صاحب الأقل الذي ليس في نصيبه ما يصلح أن يكون بيتاً، فكأنه رضي لنفسه بالضرر لأنه كان ينتفع بنصيب شريكه، ولولا نصيبه ما انتفع بشيء لقلة سهمه، فحين رضي بقطع ذلك أجيب، ومفهومه أنه إذا كان الطالب للقسمة هو صاحب الاكثر لا تفسخ له لما يحصل من الضرر لصاحب الأقل والله أعلم فليحرر.
قوله: له منه، أي لصاحب القليل من صاحب الكثير. قوله: ألا ترى أن صاحب القليل ينتفع الخ. يعني فحين رضي بقطع منفعته أجيب لذلك، وهذه العلة إنما تظهر إذا اتفق مع صاحب الكثير على الإنتفاع، فلذلك عارضه المصنف رحمه الله بعد والله أعلم فليحرر.
-91 - (4/93)
صفحة 2152
جميع
أو دوراً وزياتين أو نخيلاً أو ما أشبه ذلك من جميع أنواع الأشجار، فإنهم يتواخذون على قسمة كل نوع من هذا في ذاته، وكذلك إن اشتركوا غنماً أو إبلاً أو بقراً أو ثياباً أو سيوفاً أو ما أشبه ذلك من الأنواع على هذا الحال، فإن قال كل واحد من الشركاء لصاحبه: لا أخرج لك من كل نخلة إذا اشتركوا نخلاً أو كل بقرة إذا اشتركوا بقراً أو من كل ثوب أو سيف إذا اشتركوا ثياباً أو سيوفاً، فإنه لا يصيب ذلك إذا كانت القسمة تمكن بينهم، وأما إن اشتركوا فدادين أو بساتين أو ما أشبه ذلك، فقال كل واحد من الشركاء لا أخرج لك من كل فدان، أو بستان فإنه لا يجد ذلك، إذا كانت الفدادين أو البساتين متساوية في الجودة والقرب والبعد، والأمن والخوف وما أشبه ذلك، وإن كان غير متساوية في جميع ما ذكرنا، فله قوله لأن القسمة تمكن في كل فدان أو في كل بستان ودار في ذاته، بخلاف الأشجار
قوله: فإنه لا يجد ذلك، إذا كانت الفدادين الخ. قال شيخنا رحمه الله: ذهب الشافعي إلى أنه لا يجبران سواء تجاور الداران والحانوتان، أو تباعدا لشدة اختلاف الاغراض بذلك، وقال مالك: يجبر عند التجاور، وقال أبو حنيفة: يجبر إن كان احدى الدارين حجرة الاخرى، وما ذهب إليه أصحابنا أظهر إذ مع الصفات المذكورة لا تفاوت والله أعلم بالصواب انتهى. قوله: في كل فدان وفي كل بستان ودار الخ. أما الفدان والبستان
-98 - (4/94)
صفحة 2153
والحيوان والمتاع والله أعلم. وإن كان واحد من الشركاء لا يصح
له في نصيبه سهم تام فإنه لا يدرك عليه شركاؤه القسمة، ومثل ذلك إن اشتركوا زياتين أو نخلاً، أو بقراً، أو ثياباً وكان لأحدهم في تلك النخيل، أو البقر، أو الثياب شقص يسير لا يجتمع له من جميع نصيبه نخلة واحدة، أو بقرة واحدة، أو ثوب واحد لا يدرك عليه شركاؤه القسمة، ولو قالوا له: نعطيك شجرة تامة أو بقرة تامة إلا إن شاء ذلك، وأما المكيل والموزون فإنه يقسم كل صنف مكيل بالكيل وكل صنف موزون بالوزن، مثل القمح والشعير والتمر والزبيب والعدس والفول وما أشبه ذلك، فإنه يقسم كل صنف من هذا بالكيل في ذاته، وكذلك الموزون فإنه يقسم كل صنف بالوزن، مثل الحديد والنحاس
فظاهر، وأما الدار فقد لا يمكن فيها ذلك ثم ظهر أن المراد بالدار غير البيت لأن الدار ما اشتملت على بيوت وا والله أعلم.
قوله: بخلاف الاشجار الخ. يعني فإنه ليس له قوله لأنه لا تمكن القسمة في كل واحد في ذاته، فيجبر على القسمة بالقيمة.
قوله: والمتاع، يعني الذي ليس بمكيل ولا موزون في ذلك مثل الثياب والسيوف والأواني، وما أشبه ذلك، والله أعلم.
•
قوله: سهم تام، أي لا يصح له شيء لا شركة فيه كما يدل عليه
كلامه بعد
1901 (4/95)
صفحة 2154
6
والرصاص والقطن والصوف والكتان وما أشبه ذلك والله أعلم وإن كانت الأموال مختلفة الأنواع، فلا تجوز القسمة فيها معاً مثل أن يجعلوا الأرض سهماً والعنب سهماً والنخيل سهماً، وكذلك الحيوان
مثل أن يجعلوا البقر سهماً، والغنم سهماً وما أشبه هذا مما لم نذكره، لأن المقصود بالقسمة تمييز أسهم الشركاء في الشيء
المشترك بينهم
ولا
يمكن ذلك إلا في الجنس، غير أن القسمة من جهة ما كانت معلومة
الأشياء المختلفة بعضها ببعض،
تقتضي جواز ذلك، كما يجوز بيع وذلك فيما يوجبه النظر إذا استعملت من جهة المعاوضة، مثل إذا تبايع المقتسمون فيما بينهم أو تواهبوا أو تباروا أو تبادلوا والله أعلم. وإن اشتركوا جملين أو فرسين فتفاضلوا في القيمة، فلا يجوز أن يزيد على الرديء منهما دراهم أو دنانير، لأنها قسمة في غير الجنس، وقال
قوله: مثل إذا تبايع المقتسمان الخ. يعني فإن هذه الأشياء اشبهت البيع فتجوز كما يجوز بخلاف قسمة القرعة فإنها لا تشبه البيع كما سيأتي، فلا بد من إتحاد الجنس والله أعلم.
قوله: فلا يجوز أن يزيد على الرديء منها دارهم الخ. ينظر كيف تكون المفاضلة بينهما حينئذ، اللهم إلا أن يقال يتراد ان الفضل بينهما، فإن القسمة لا تكون إلا بالقيمة فيدفع صاحب الجيد لصاحب الرديء ما يخصه من تلك الزيادة فلم يقسما في الحقيقة إلا تركة الميت، لأن تلك الزيادة صارت منها والله أعلم
فليحرر.
-- (4/96)
صفحة 2155
بعض بجواز ذلك بشرط أن تكون الزيادة من تركة الميت وتكون حاضرة، لأن تركة الميت هي التي تجب فيها القسمة، ومنهم من يقول: يجوز لهما أن يفعل ذلك ولو من غير تركة، وذلك فيما يوجبه النظر في غير قسمة القرعة، وكذلك العروض والمتاع إذا تفاضلا على هذا الحال، والمكيل والموزون يزيداه بمنزلة الدراهم والدنانير على هذا المعنى، وأما الأصل فلا يجوز لهما إذا تفاضلا أن يزيد على الدين منه الدنانير والدراهم، لأن الأصل تمكن فيه القسمة بخلاف غيره والله أعلم. ومن شرط جواز
قوله: وقال بعض بجواز ذلك الخ. ظاهره أن الزيادة لا تكون إلا من الدنانير والدراهم دون غيرها، وسبب ذلك أن الدنانير والدراهم ترجع إليها الاشياء عند التقدير، وذكر المصنف رحمه الله بعد أن المكيل والموزون بمنزلة الدنانير والدراهم والله أعلم. قوله: في غير قسمة القرعة، يعني لأنها لا تشبه البيع ومبنية على المشاححة
والله أعلم. قوله: والمكيل والموزون يزيداه، لعله يزيد انهما، والمراد أنهما يزيدان على الرديء إذا أراد القسمة كما تزاد الدنانير والدراهم لأنهما بمنزلتهما على كلامه رحمه الله، يعني يزادان عند من أجاز زيادة الدنانير والدراهم والله أعلم. قوله: لأن الاصل تمكن فيه القسمة، يعني في أفراده بعضها مع بعض، فلا ينافي ما تقدم حيث جعله مقابلاً لما تمكن فيه القسمة، فقال: بخلاف الاشجار والحيوان والمتاع، لأن المراد هناك عدم القسمة في ذاتها لكن في تفرقته هنا
-94 -
ه م 7 - الإيضاح)
( (4/97)
صفحة 2156
القسمة أيضاً القيمة، ولا تجوز إلا بها، ولا يحتاج إلى القيمة فيما يكال ويوزن، لأن الكيل والوزن أبلغ من القيمة، ولا يعلم تساوي الأشياء الغير مكيلة ولا موزونة إلا بالقيمة ولو كانت من نوع واحد، لأنها وإن كانت متفقة من جهة النوع فهي مختلفة من جهة أخرى وهي العظم والصغر والجودة وغيرها و الأمن والخوف والقرب والبعد والأفعال النفسانية في الحيوان خاصة، ولذلك تحتاج القسمة إلى القيمة في هذا كله، وبذلك يعرف تساويها والله أعلم. وبعض جوز القسمة في الحيوان من غير قيمة وكذلك الأصل عند بعضهم، فهذا يدل من قولهم أن المثل يصح في الحيوان والأصل، وقد ورد الشرع بالمثل في الحيوان قوله تعالى في جزاء الصيد: «فجزاء مثل ما قتل من النعم أبي رافع أيضاً المعروف الذي جاء في القرض في الحيوان وقل ما يقع شيئان متشابهان من كل وجه، ولا بد أن يفضل أحدهما الآخر
«<
، وحديث
بين الحيوان والعروض والمتاع، وبين الأصل تأمل حيث جعل الاصل هو الذي لا يزاد لرديئه والله أعلم فليراجع وليحرر.
قوله: وقد ورد الشرع، لعله وقد، أو لأنه قد
(1) المائدة: 95.
6
-91 - (4/98)
صفحة 2157
عنهم مدة
بشيء والآخر بشيء، ولكن المراعاة في ذلك الكثرة والله أعلم. ومن شرط جواز القسمة أيضاً حضور الشيء المقسوم من أجل الغرر، لأنه يمكن أن يكون الشيء معدوماً في حال القسمة أو زائداً أو ناقصاً فتقع قسمتهم على ما لم يعلموه وهو غرر، وهذا في غير الأصل، وأما الأصل فجائز أن يقتسموه ولو كان غائباً عنهم إذا علموه، لأن الأصل بخلاف غيره في ذلك وليس بسريع التغيير، وأكثر سرعة إلى التغيير الحيوان، وقد ذكر عن بعضهم: جواز قسمة الشيء ولو كان غائباً لا يتغير فيها وهذا كالبيع، وكذلك أيضاً من شرط جواز القسمة أن يكون الشيء معلوماً كالبيع، وأما الشروط التي يدخلها المقتسمون بينهم فالأصل فيها قوله عليه السلام: (المؤمنون على شروطهم إلا شرطاً أحلَّ حراماً أو حرم حلالا))، ومثل ذلك إذا اقتسم رجلان أرضاً فاشترط كل واحد منهما على صاحبه في حين القسمة ألا يحرث في سهمه شيئاً. . ولا يبني فيه ولا يغرس فإن قسمتهما لا تجوز، لأنها كانت على شرط حرام ما هو حلال له من الانتفاع بماله، فإن قال قائل: فهلا بطل الشرط
قوله: مدة لا يتغير فيها، وذلك سبعة أيام في الكبار وثلاثة أيام في الصغار. قوله: فهلا بطل الشرط وثبتت القسمة الخ. يعني بل بطلت القسمة (1) تقدم ذكره.
،
-99 - (4/99)
صفحة 2158
وثبتت القسمة قياساً على ما في حديث بريرة حين اشترتها عائشة لتعتقها فاشترط البائع ولاءها، فأجاز النبي البيع وأبطل الشرط، لأن البائع اشترط من الولاء ما لا يحل له تملكه؟ قيل له: البيع في هذا الوجه أسهل من القسمة، إذ من شرط جواز القسمة الجنس مع النساوي ولا يؤمن أن يجعلا لذلك الشرط قسطاً من الأرض مع أنه لو لم يجعلا لذلك الشرط قسطاً من الأرض يدخلها الفسخ من جهة أخرى وهو أن هذا الشرط يدركه كل واحد منهما قبل القسمة وهو من أحكام الشركة، فإذا اشترطوه في القسمة بطلت القسمة وثبت الشرط، لأن الشركة
وثبت الشرط كما يدل عليه آخر كلامه، فإن قلت: فهلا بطل الشرط أيضاً كما يدل عليه ظاهر الحديث لكونه حرم حلالاً؟ قلت: إنما يكون محرماً للحلال بالنظر إلى ما بعد القسمة فقط، وأما بالنظر إلى ما قبلها فهو صحيح، كما هو، فلما بطلت القسمة استمر على حاله والله أعلم فليحرر.
معلوم
قوله:: أسهل من القسمة الخ. . هذا ظاهر في قسمة القرعة، وأما غيرها من الوجوه التي تشبه البيع، فينبغي أن تجري مجرى البيع كما يؤخذ من كلامه فيما تقدم من جوازه مع اختلاف الجنس والله أعلم
قوله: لذلك الشرط قسطا الخ. يعني فيما إذا اشترط ما ذكر أحدهما فقط، لأنه لا يرضى له بذلك صاحبه في الغالب، إلا إذا جعل له شيئاً في مقابلة المنع من ذلك، فلو جازت القسمة هذا الشرط لفات التساوي المشترط والله أعلم.
1131 (4/100)
صفحة 2159
وأحكامها أصل قبل القسمة، والقسمة فرع بعد الشركة ولا تكون إلا بعد الشركة، والقسمة في هذا الوجه مخالفة للبيع بل هي مضادة له والله أعلم. وكذلك أيضاً إن اشترك رجلان أرضاً وليس لها إلا طريق واحد فاتفقا على أن يأخذ أحدهما الثلثين من الأرض على أن لا يكون له الطريق من طريقهم الأول، وليس يمكن لتلك الأرض طريق غير ذلك فلا تجوز قسمتهما، لأن في تجويز هذا الشرط تحريم ما لا بد منه له وهو الطريق إلى ما له فبطل الشرط والقسمة جميعاً، لأن الشرط له قسط من المقسوم، وأما إن كان لتلك الأرض مكان يمكنها منه الطريق غير
القسمة، وهو
قوله: مخالفة للبيع الخ. هذا أيضاً ظاهر في قسمة القرعة فقط، وظاهره أن مثل هذه الأشياء المتقدمة إذا اشترطت في المبيع بطلت وصح البيع عكس كذلك لأن القاعدة أن الشرط إذا. حرم حلالاً في البيع بطل وضح البيع كما في حديث بريرة، فثبت حينئذ أن القسمة في هذا الوجه مصادرة للبيع والله أعلم. وأما لو باع له شجرة على أن يقطعها، وهي في ملك البائع فإنه يصح البيع والشرط، فلو تركها حتى أثمرت فإن ثمرتها للفقراء والمساكين على ما في ابن جعفر وفيه قول: أن الثمرة للبائع والبيع منفسخ فليراجع قوله: لأن الشرط له قسط من المقسوم، يعني مع عدم إمكان الجواز من غير تلك الطريق، وأما لو أمكن فإن ذلك القسط يجعل في نظير ما استغل به
صاحبه
من
بعد
6
منفعة الطريق في عدم الجواز عليه مثلا، كما يؤخذ من کلامه فيما إذا أمكن، فالمراد في بطلان الشرط على هذا تحريم ما لا بد منه مثلا والله
أعلم فليحرر. (4/101)
صفحة 2160
طريقه الأول فالقسمة جائزة، والشرط جائز، والمؤمنون على شروطهم، وكذلك البيع على هذا الحال، وإذا اقتسم رجلان أرضاً أو دارا وقد كان لها طريق ولم يذكرا طريقها في حين القسمة، فإن طريقها الأول هو طريقها جميعاً وقسمتها جائزة، ولو كان الطريق يمكنها من جميع النواحي ولا يمنع أحدهما صاحبه من الجواز في أرضه على طريقها الأول، وأما إن أراد الجواز على ذلك الطريق إلى أرض أخرى له غير المقسومة فلا يدرك ذلك عليه لأن كل أرض وطريقها على ماكانت عليه ولا يحدث شيئاً لم يكن، وكذلك الساقية إن جعلاها حداً بينهما لا يجوز لأحدهما أن يجوز الماء في تلك الساقية إلى أرض أخرى له أسفل من تلك الأرض
القسمة
قوله: فالقسمة جائزة والشرط جائز الخ. لقائل أن يقول: في تجويز هذه وهذا الشرط نظر على ما قدمه من اشتراط التساوي في القسمة، فإنه لا شك أنه ها هنا لم يحصل التساوي، لأن أحدهما أخذ الثلثين والآخر الثلث، اللهم إلا ان يقال: لما جعل القدر الزائد في نظير عدم الجواز من طريقهم المشتركة لمنفعة أرادها من أخذ الأقل مع إمكان الجواز من غير تلك الطريق لصاحبه، عد ذلك تساويا، بخلاف ما إذا لم يمكن الجواز من غيره، فحصل الفرق والله أعلم فليحرر. قوله: من الجواز في أرضه، يعني إلى ما نابه من الأرض المقسومة. قوله: إن جعلاها حداً بينها، ينظر ما معنى كونها حداً بينهما، ولعل المراد أنها مشتركة بينها، أي لم يقسموها والله أعلم، فليراجع.
11.7 - (4/102)
صفحة 2161
إلا بإذن صاحبه، لأنه لا يجوز له أن يحدث شيئاً لم يكن أول مرة والله أعلم. وإن اقتسم رجلان أرضاً واتفقا على أن يبنياها فبنى أحدهما، وأراد الآخر أن يحرث أرضه فإنه يترك بقدر ما لا يضر به حصة صاحبه ويحرث أرضه، وليس في هذا الشرط ما يضر بالقسمة، لأنه لم يؤثر شيئاً، وإذا اقتسم رجلان أرضاً وقد تبين لهما فيها الغبن واقتسماها على أن من وقعت قرعته على السهم الذي فيه الغين أخذه فلا تجوز قسمتها، لأن قسمة الغبن لا تحل وهي ضرر، وكذلك إن اتفقا على المشترك على أن يتقارعا عليه، فمن وقعت عليه قرعته أخذه كله من غير القسمة، ويبقى صاحبه لم يأخذ شيئاً فلا يجوز هذا، لأنه أخذ الأموال بغير حق، وإن اقتسم رجلان داراً على أن يبنيا فيها بينهما حائطاً فقسمتهما جائزة، فمن أبي منهما على البنيان فإن الحاكم يجبره فيبنيان حتى لا يرى كل واحد منهما ما في دار صاحبه، فهذا الشرط جائز والمؤمنون على شروطهم، وإن اقتسما ولم يذكرا البنيان فيما بينهما فلا يبني كل واحد منهما فيما بينه
قوله: على أن من وقعت قرعته الخ. فيه إشارة إلى أن عدم الجواز إذا اقتسما قسمة قرعة والله أعلم.
قوله: لأن قسمة الغبن لا تحل وهي ضرر، في هذه القسمة أيضا نوع من أكل أموال الناس بالباطل والقمار المنهي عنه في الشرع كما هو ظاهر
والله أعلم.
"
- 103 - (4/103)
صفحة 2162
،
وبين صاحبه إلا باتفاقهما، لأنه يمكن أن تكون منفعة أحدهما في ذلك. وكذلك أيضاً الفدان إن اقتسماء على هذا الحال لا يدرك أحدهما أن يجعلا جسراً فيما بينهما إلا باتفاقهما والله أعلم. وإن انهدم شيء من حيطان الدار من ناحية أحدهما بعد ما اقتسماها، فإن صاحبه يأخذه أن ما انهدم من ناحيته لأجل ما يدخل عليه من الضرر ويجبره له الحاكم يبني ما على ذلك إلا إن اقتسما الدار أول مرة على أن يبنيا فيما بينهما حائطاً، ولا يدرك عليه من بنيان ما انهدم من حيطان الدار شيئاً، وكذلك الفدان إن انكسر من ناحية أحدهما، فإنه يدرك عليه صاحبه أن يعمله إلا إذا اقتسما على أن يعملا الجسر فيما بينهما فإنهم يتواخذون على الجسر دون غيره، وإن اقتسمها بقعة الدار واتفقا على أن يترك حيطان الدار فيما بينما فإن ذلك جائز ويدرك كل واحد منهما على صاحبه بنيان ما انهدم
قوله: أن تكون منفعة الخ. أي كدخول الهواء عليه من: تلك الناحية. قوله: إلا باتفاقها، يعني ما لم يتفقا على ذلك قبل القسمة فإن اتفقا عليه فمن أبى منهما يجبرها الحاكم كما في الدار والله أعلم.
قوله: بقعة الدار واتفقا الخ. ومثل هذا جسر الفدان إذا تركاه بينهما والله أعلم. (4/104)
صفحة 2163
10.11
من حيطان الدار لأنهما بينهما والله أعلم. وان اشترك رجلان دارا أو اتفقا على قسمتها على أن يسكن أحدهما فيها كذا وكذا شهراً فإن تلك القسمة لا تجوز، لأن في هذا الشرط زيادة منفعة على ما له،
و من شرط جواز القسمة الجنس والتساوي والله أعلم (4/105)
صفحة 2164
باب في دعاوى الورثة
بعضها على بعض في القسمة
وإذا استمسك رجل برجل عند الحاكم وادعى عليه أن يقتسما الأصل الذي بينهما بالميراث أو بالهبة أو بالشراء أو غير ذلك، فلا يلزم الحاكم أن يستردد له خصيمه الجواب حتى يذكر المدعي بأي وجه اشتركوا به، ليكون على بينة من أمره لأنه يمكن أن يكونوا في ذلك الأصل بوجه لا يحل ويذكر أيضاً من ورثوا عنه، لأن الحاكم لا ينصب الخصومة بينهم إذا كان يعلم مورثهم حتى يعلم بموته، لأن اليقين لا يزيله إلا اليقين وإن لم يعلم مورثهم فليس عليه من ذلك شيء أن يستقضي في
باب في دعاوى الورثة بعضها على بعض في القسمة
قوله: لأن اليقين لا يزيله إلا اليقين، هذا بحسب الظاهر مشكل في الموت خصوصاً إذا لم يقع الإنكار، قال رحمه الله، فيما تقدم في كتاب الصيام فيما يتعلق برؤية الهلال: وكذلك يجوز مشهور أهل الجملة في الاميال والإياس
11.7 - (4/106)
صفحة 2165
حياته أو. موته، وأما الهبة والشراء فليس عليه ذكر البائع والواهب لأن الحاكم لا يحتاج إلى معرفتهما، وإن أقر المدعى عليه جبره الحاكم على القسمة ويحلفهما بالأيمان أن يقتسما إلى يوم كذا وكذا، أو يحلفها ألا يجوز عليهما أجل كذا وكذا إلا قسما ما اشتركا قسمة لم يكن فيها ضرر، وإن طلب المدعي إلى المدعى عليه الحميل فله ذلك إذا خاف أن يعطله حقه، وإن طلب أيضاً المدعي الحاكم أن يغلق له البيوت التي ترك مورثهم حتى يقسموا فله ذلك إذا صحت البيوت أنها لمورثهم، ومن أبي منهم على القسمة جبره الحاكم بالسجن حتى ينعم بالقسمة
والإمامة في المواضع التي هي فيها، وكذلك يجوز قولهم في الموت والنسب والنكاح ما لم يكن الإنكار، فإذا وقع الإنكار كان من باب الشهادة التي يشترط فيها العدد والعدالة جميعاً لموضع التنازع، وأما إن لم يقع الإنكار، فهو من باب الدين والعمل بالأحاديث الخ. فتراه رحمه الله اكتفى في ثبوت الموت بخبر أهل الجملة فضلا عن شهادة العدلين، على أن شهادة العدلين لا تفيد اليقين أيضاً بل إنما تفيد الظن فقط، وغالب أحكام الشريعة يكتفى فيها بذلك دون العلم اليقين، قال أيضاً رحمه الله، فيما تقدم فيما يتعلق برؤية الهلال: فإن قال قائل: إن شهادة الشاهدين لا توجب علماً بالحقيقة على ما أصلته لنفسك من العلم الحقيقي الذي يقيد الخروج من العبادة الثابتة باليقين، قيل له: إنما جواز شهادة الشاهدين من طريق الشريعة لا من طريق العلم والإجماع على ذلك، لأنا لو تركنا وصحة اليقين ما صح لنا علم بشهادة الشاهدين، ولو كانوا عشرة الخ. اللهم إلا أن يقال: أراد رحمه الله باليقين مطلق العلم الشامل للظن والله أعلم فليحرر.
11.41 (4/107)
صفحة 2166
ولا يرفع غيره من الورثة إذا جعلوا في ذلك الأصل المشترك حتى ينعم بالقسمة، وإن أنكر أول مرة وقال: لم يكن هذا بابن فلان ولم يشترك مالا نقسمه معه، فعلى المدعي البينة بأنه فلان بن فلان ولا يجزيه في معي ذلك إلا البينة لأنه نفاه من النسب، فإن أتى بالبينة جبره الحاكم على القسمة، فإن لم تكن له بينة فلا يدرك عليه اليمين أنه لم يكن فلان بن فلان لأنه يكون غائباً، ولا يلزم اليمين على الغائب ولأن المدعى عليه لو قال: لم أدر أنك فلان بن فلان ولا أصدقك على قولك أنك ابن فلان حتى تبين ذلك لكان له ذلك، واليمين إنما يلزم المدعى عليه فيما يوجبه النظر إذا لم ينسب إليه الفعل في شيء يمكن أن يعرفه، مما لا تصح فيه البيئة، ولا يكون غيباً ولا ثابت المعرفة بشرط أن تكون الدعوى
قوله: ولا يجزيه في ذلك إلا البينة الخ. يعني ولا يجزيه في ذلك خبر
أهل الجملة حيث وقع الإنكار.
قوله: لأنه يكون غائباً، لعله غيباً.
قوله: في شيء، متعلق بقوله: يلزم، وقوله إذا لم ينسب إليه الفعل، قيد أشار به إلى أنه إذا نسب إليه يلزمه اليمين عند الإنكار من غير تفصيل والله أعلم فليحرر. ولكن المناسب أن يقول بعد مما تصح فيه الخ.
قوله: مما لا تصح، أي مما لا توجد فيه مع إمكان الوجود، وأما ما لا يمكن أن توجد فيه كأفعال القلب، فلا يمين والله أعلم
- 108 - (4/108)
صفحة 2167
للمدعي، وإن ردَّ الجواب المدعى عليه وقال: قد كان وارث ورث معنا وهو أخونا وابن عمنا أو غيرهم ممن يشترك معهم في الميراث، فعلى مدعي الوارث البيئة أنه وارث، ولم ينف نفسه من النسب ويجزيه في ذلك الخبر وإنما يجزيه الخبر في هذا لأن هذا إثبات وارث غيره، ولم يدع الوارث ذلك
قوله: ولم ينف نفسه، الظاهر أن الجملة حال من المدعي، والمعنى فعلى المدعي الوارث في حال كونه لم ينف نفسه من النسب، يعني من الميراث البينة بأن الغير وارث معهم وتقبل بينته، يعني وأما لو نفى نفسه من الميراث وادعى أن غيره هو الوارث معه، وأقام على ذلك بينة لم تقبل منه لأنه ليس له في ذلك دخل، وهذا المفهوم هو المشار إليه بقوله بعد: أ: ألا أنه تري لو قال: لست بوارث لفلان كيف تصح بينة من قال: لست بوارث، والحاصل أن من قال: لست بوارث، لا تصح بينته لنفسه لأنه قد كذبها، ولا لغيره لأنه لا دخل له في ذلك إلا أن هذا سيأتي فيها كلام عند قوله: فإن قال قائل أرأيت الخ. والله أعلم فليحرر. فإنه في غاية الصعوبة عندي لعدم نسخة صحيحة، وشيخ يوضحها والله أعلم. ويحتمل أن الجملة حال من الوارث المدعى له، أي والحال أن الوارث المدعى له لم ينف نفسه من النسب، وتكون الإضافة في قوله بينة من قال الخ. للملابسة، ثم قوله: ألا ترى أنه لو قال لست بوارث الخ. المراد به الاستدلال على أنه يجزيه الخبر عند الدعوى للغير، لأن الخبر لا ينافي نفي ذلك الوارث نفسه من النسب بخلاف البيئة فإنها لا تصح، إذا نفى ذلك الوارث نفسه من النسب والله أعلم. قوله: ولم يدع الوارث ذلك، يعني وأما لو ادعاه فإنه لا يجزيه الخبر، إذا وقع الإنكار، و كأنه أراد بالوارث هنا من ادعى له أنه وارث من غير أن يكون
-1.9 - (4/109)
صفحة 2168
ألا ترى أنه لو قال: لست بوارث لفلان كيف تصح بينة من قال: لست بوارث والله أعلم. وإن لم تكن له بينة فليؤخذ على القسمة، ولا يدرك اليمين على المدعي لأنه غيب ولأن دعواه للغير كما ذكرنا، وإن قال المدعى عليه: قد ترك مورثنا وارثاً ورث ماله دو ننا مثل أبيه أو جده أو ممن لا يمكن أن يكون إلا منه مثل الأم والجدة فأنكرهم المدعي فعليه البينة بأن الميت لم يترك غيرهم هو والمدعى عليه، وإنما كانت عليه البينة في هذا الوجه لأن الوارث الذي ادعاه المدعى عليه كائن لا بد منه فمن نفاه بعد ثبوته فعليه البيئة، فإن أتاه بالبيان أخذه له
هو المدعي، كأن يكون غائباً مثلاً، إلا أن قوله ألا ترى الخ. غير ملتهم مع ما قبله، فلو تركه وقال: مثلاً، فلو قال لست بوارث، لم تصح بينة الخ. لكان أظهر لإفادته حكم من نفى نفسه والله أعلم فليحرر وليراجع.
قوله: وإن لم تكن له، أي المدعي الوارث.
قوله: بينة، أراد بها ما يشمل الخبر.
قوله: ولا يدرك اليمين على المدعي، يعني وهو الطالب للقسمة
قوله: ولأن دعواه، أي ولأن دعوى المدعى عليه، وهو المطلوب للقسمة الخ. ويؤخذ منه أن من كانت دعواه للغير لا يحلف غيره، يعني ما لم يوكل على ذلك والله أعلم.
قوله: فعليه البينة الخ. إنما كانت عليه البينة كونه منكراً، لأن
إنكاره متضمن لدعوى موت المورث.
1111 (4/110)
صفحة 2169
على القسمة، ويجزي في ذلك الخبر أيضاً، لأن هذا الشيء لا يصح فيه القطع وإنما هي شهادة على الظاهر، ويدل على ذلك لو شهد شاهدان آخران لوارث آخر يرث معهم لم تبطل شهادتهما لأن الشهادتين لم تتدافعا، فإن لم تكن للمدعي البينة فلا يؤخذ له على القسمة ولا يدرك اليمين عليه لأنه ادعى وارثاً معروفاً فلا يمين فيه، وان قال المدعى عليه ما ورث هذا مورثنا وإنما هذا عبد لم يرثه، أو قال: هو قتل مورثنا أو قال: هو مشرك، أو كان المدعي امرأة فقال: قد طلقها مورثنا في حياته ثلاثاً فعليه البيئة في هذه الوجوه كلها، فإن لم يجد البينة فلا يدرك اليمين إلا في طلاق المرأة إن لم يتهم بالضرر في ذلك، لأن الطلاق يمكن أن تعرف به
قوله: ويجزي في ذلك الخبر، يعني دون البينة العادلة، وهذا ظاهر إذا لم يقع الإنكار، فإذا وقع الإنكار لم تجز إلا البيئة العادلة والله أعلم. قوله: لأن هذا شيء لا يصح فيه القطع الخ. يعني أن انحصار الإرث فيهما أمر ظني، فلذلك تجوز الشهادة لوارث آخر بعد ذلك مثلاً قوله: ولا يدرك اليمين عليه الخ. أنظر هل يدرك عليه بأنه ما علم بموته، لأن علم الموت أمر ممكن، والظاهر أنه يدرك اليمين على العلم في جميع ما أنكر فيه العلم بالموت، ويرشد إلى ذلك قوله بعد في الطلاق: ويمكن أن تعرف به المرأة والله أعلم فليحرر.
قوله: ثلاثاً، إنما قيد به لأنه إذا طلقها أقل من ذلك، ومات في العدة ورثت
منه ومثل الثلاثة الطلقة البائنة كما هو معلوم.
-111 - (4/111)
صفحة 2170
المرأة، فلذلك يكون فيه اليمين، ولم يدرك اليمين أنه ليس بعبد أو مشرك لأن القاعدة في الناس الحرية والإسلام، وكذلك لم يدرك اليمين انه لم يقتل وارثه لأنه وارث مثله ومدَّع مثله، وبينته مقبولة إذا ادعى أنه قتله غيره وهو بخلاف الاجنبي لأن الاجني لا دعوى له في ذلك إذا ادعى عليه الورثة القتل، وإن نسب المدعي عليه هذه الوجوه إلى نفسه فقال: لم أرث أنا من أبي شيئاً وإنما أنا عبد أو يهودي أو أنا الذي قتلته، فعلى المدعي البينة بأنه قد ورث معه، فإن لم تكن له بينة فلا يدرك اليمين،
قوله: لادعى له امله لا دعوى له والحاصل أن الاجنبي واحداً، كان أو متعدداً، إذا ادعى عليه الأولياء القتل، ووجدت شروط القسامة حلف خمسين يمينا، وشروط القسامة أن توجد فيه علامة القتل، وأن لا يعلم من قتله وأن لا يدعي ورثته على أحد بعينه، و أن يكون المقتول حراً وأن لا يوجد في مسجد تصلى فيه جماعة وأن لا يكون مقتولاً من زحام، وأن لا يكون في ذلك البلد قوم بينه وبينهم عداوة من غير أهل البلد قال: أبو إسحق رحمه الله، فإذا هذه الخصال. وجب على أهل تلك البلدة من قرية أو محلة، أو كان قريباً منهم في نحو ذلك أن يحلفوا خمسين يميناً ما قتلناه، ولا علمنا من قتله، وليس على د ولا أعمى ولا. ولا مجنون ولا امرأة قسامة، فإن كان أهل القرية أقل من خمسين رجلا تكرر عليهم اليمين حتى يتموا خمسين يميناً، ثم يدفعون الدية، وإن كان رجلاً واحداً حلف خمسين انتهى.
وجدت
عبد
صبي
قوله: فعلى المدعي البينة بأنه قد ورث، يعني أنه ليس بعبد ولا يهودي، وإنما هو موحد، وأن القاتل غيره مثلاً، فيخبر حينئذ على القسمة لأنه قد تبين
- 112 (4/112)
صفحة 2171
لأن ذلك إقرار على نفسه والإقرار بمنزلة البيئة، ويجزي الخبر في ذلك المدعي أيضاً، لأنها ليست بشهادة قطع كما ذكرنا، فإن قال قائل: أرأيت إن قال المدعى عليه القسمة: قد ترك مورثنا وارثاً يرث ماله دوننا مثل ابنه أو من هو أقرب إليه منهما يكون قوله مقبولاً في ذلك وتعطل القسمة، أو هو مدع وعليه البينة؟ وكيف تصح بينته بعدما نفى نفسه من الميراث فكيف يكون ذلك؟ قيل له: هو كذلك والله أعلم. وإن
أن دعواه ذلك لأجل تعطيل حق الغير، لكن في قبول هذه البينة تأمل من وجهين، أحدهما: أنه مناف الظاهر قوله لأن ذلك إقرار على نفسه والإقرار بمنزلة البينة، فيلزم تعارض البينتين والظاهر أن الإقرار أقوى، فيترجح، اللهم إلا أن يقال: يضعف بتهمة تعطيل حق الغير، والثاني: أنه يقتضي صحة بينة من نفى نفسه من الميراث مع أنه قد أكذب بينته، اللهم إلا أن يقال: إنما يلزم ذلك لو أقامها لنفسه والله أعلم فليحرر
مناف
قوله: قيل له: هو كذلك، قال شيخنا رحمه الله: لم يظهر هذا الجواب، والظاهر والله أعلم أنه مدع وعليه البينة، فإن لم تكن له بينة فعليه اليمين كما يؤخذ من قوله فيما تقدم، ولا يدرك عليه اليمين لأنه ادعى وارثاً معروفاً، فلا يمين فيه حرره بنقل صحيح انتهى. وأقول: هذا الكلام في. حد ذاته صحيح، إلا أنه، لما تقدم من قوله: كيف تصح بينة من قال: لست بوارث، فإن مفهومه أنه لا تصح بينة من قال: لست بوارث لنفسه ولا لغيره كما تقدم، اللهم إلا أن يقال: حكم هذا الفرع خارج عن القاعدة لمدرك لم نطلع عليه. ويحتمل أن قوله: هو كذلك معناه: أنه لا تصح بينته بعد ما نفى نفسه فيكون جارياً على القاعدة، وإن كان مخالفاً للمتبادر من العبارة والله أعلم، فليراجع نسخة صحيحة. لكن
-117 -
ه م 8 - الإيضاح» (4/113)
صفحة 2172
رد الجواب المدعى عليه وقال: قد تصدقت بسهمي على المساكين، أو قد وهبته لفلان الغائب، أو بعته منه فلا يبريه ذلك وليؤخذ على القسمة لأن في هذا كله تعطيل حق وجب عليه وفراراً منه بعد ما وجب عليه، وأما ما كان منه قبل أن يستمسك به إلى القسمة فجائز، وإنما يقول الشيوخ فيمن استمسك بآخر على القسمة أو ما أشبه ذلك فوهب الشريك حصته لقطع الخصومة فلا يشتغل به إلا إن كانت الهبة قبل الخصومة ثابتة رجعت الخصومة إلى الموهوب له، وأما أن يدعي الهبة وهو يخاصم في الأرض فتلك هبة مريبة، وكذلك أيضاً إن قال: وهبت سهمي لشريكي فأبى الشريك أن يقبل الهبة فلا يبريه ذلك من القسمة، وكذلك إن قال أيضاً:
في قول شيخنا رحمه الله: فإن لم تكن له بينة فعليه اليمين تأمل، لأن ذلك يكون من الغيب، اللهم إلا أن يراد اليمين على العلم والله أعلم فليحرر. قوله: أو قد وهبته الفلان الغائب الخ. الظاهر أن لا تأخذه كذلك، من والله أعلم فليحرر.
قوله: وهو يخاصم في الأرض، التقييد به للتصوير لا للإحتراز والله أعلم. قوله: أو ما أشبه ذلك، مما يشبه القسمة فيما يجبر عليه تصليح المشترك ورد الجواب فيما وقعت فيه الخصومة ونحو ذلك قوله: فتلك هبة مريبة، ظاهره أن الهبة في حال الخصومة باطلة وإن كان صاحبها حاضراً، ولذلك كان هو الذي يجبر على القسمة دون الموهوب له، إلا أن مفهوم قوله: فيما تقدم لفلان الغائب يقتضي صحتها لفلان الحاضر، يعني فيجبر على القسمة والله أعلم فليحرر
-118 - (4/114)
صفحة 2173
استربت مال مورثي فلا آكله ولا أقتسمه فلا يبريه ذلك إلا إن كان ذلك معروفاً، فإن الحاكم لا يجبر الشركاء على قسمة ما فيه الريبة، ولا يحضر الشهود لقسمته، وكذلك أيضاً إن قال المدعى عليه: مال أبي حرام، فلا يبريه ذلك ويأخذونه على القسمة، وإن وقع في سهمه شيء من الحرام فليستشهد على أنه حرام ليس له فيه شيء وقد برئ منه. وهذا في الأصل، وأما في غيره فما دخل يده منه فهو له ضامن وما لا يدخل يده فليس عليه شيء منه والله أعلم. وإن تبين ذلك عند الورثة، وقال واحد منهم: أعطوني سهماً من هذا الحلال إن أردتم، وإن لم تفعلوا فأنا آخذ. من الحلال فلا حاجة لي في الحرام فهو جائز أن يعطوا له ذلك، وإن لم يفعلوا فليأخذ سهمه من الحلال ويترك سهمه من الحرام، وإن جعلوا الحلال سهماً والحرام سهماً فوقعت قرعته على الحلال فلا يجوز له ذلك،
سهمي
قوله: فإن الحاكم لا يجبر الخ. بل ولا يسمع الدعوى أيضاً في مثل هذا قوله: فلا يبريه ذلك، يعني ما لم يكن ذلك معروفا كما يفهم من كلامه في الريبة، ولذلك ترك التقييد لأن الحرام أولى بهذا من الريبة والله أعلم. قوله: إن أردتم الخ. يعني إن رضيتم بذلك، وإلا أخذت
الحلال جبراً قوله: فهو جائز أن يعطوا له ذلك، يعني برضاهم. قوله: فليأخذ سهمه من الحلال،، يعني جبرا.
سامي من
قوله: وإن جعلوا الحلال سهماً والحرام سهماً الخ. وكذلك إن جعلوا
-110 - (4/115)
صفحة 2174
والحلال مشترك على حاله الأول والله أعلم. وكذلك أيضاً إن رد الجواب المدعى عليه وقال: شاعت فريضتنا لم نعلم قسمتها فلا يبريه ذلك إلا بالبيان، وكذلك أيضاً إن قال المدعى عليه: قد كان على مورثنا من الديون ما قد أحاطه بما ترك فعليه البينة في ذلك ويجزيه الخبر، لأن هذا إثبات دين من غير مالكه، ولذلك لا يدرك اليمين أيضاً على الورثة لأنه ليس بمدع، وكذلك إن قال: أوصى بكذا وكذا من الوصايا فعليه البينة ويجزيه الخبر في ذلك، فإن لم تكن بينة فلا يدرك اليمين على ما قدمنا لم نسقاً بنسق، وفي الأثر: وإن ادعى أحدهم ـ أعني الورثة ـ بعد القسمة أو بعد ما أجاب القسمة أنه له في الأصل مثل العطية أو الشراء أو الدين من أبيه و أثبت ذلك فلا يشتغل به في قول أبي الربيع، وأما الشيخ قال: يقبل منه إذا أتاب البيان، وكذلك من طلب القسمة لا يشتغل بدعوته بعد ذلك مثل الأولى، فعلى قول أبي الربيع: إن قسمته أو إجابته للقسمة أو طلبه لها تكذيب لدعواه بعد ذلك في ذلك المال ولشهوده، ولذلك لا يقبل قوله
الحلال سهما والحرام بعض سهم فوقعت قرعته على الحلال كما والله أعلم.
قوله: على ما قدمنا الخ. يعني لأنه ليس بمدع لنفسه
--
هو
ظاهر
قوله: من أبيه، الظاهر أن التقييد للتصوير لا الإحتراز والله أعلم. قوله: تكذيب لدعواه في ذلك المال ولشهوده الخ. هذا ظاهر إذا قامت
-117 - (4/116)
صفحة 2175
فكان ذلك منه إقراراً أن ليس له في ذلك المال حق، وكذلك أيضاً على هذا المعنى: لو ادعى في ذلك الأصل دعوة وأتى بشهود ولم يتم له ذلك بوجه ثم أجاب القسمة وتواخذوا عليها أنه لا يصيب أن يرجع إلى دعوته الأولى إلا إن اشترط ذلك حين أجاب القسمة وتواخذوا عليها، وعلى قول الشيخ ان فعله ذلك ليس بتكذيب لدعواه ولا لشهوده، لأن الشيء قد يكون له فيما بينه وبين الله ولا يكون له في الحكم الظاهر، وأيضاً إنما يعرف هذا من دليل الخطاب، وفيه ما فيه بين العلماء، وإن رد الجواب المدعى عليه، وقال: مورثنا حي لم يمت فعلى المدعي البينة بأن مورثهم
وهو
البينة بأنه عالم ببينته قبل القسمة وسكت عنها وقسم، وأما إذا كان غير عالم فالظاهر أنه تقبل دعواه وبينته، ويرشد إلى ذلك قوله: تكذيب، فإن التكذيب إنما يكون مع العلم، على أن الأحوط في هذه الصورة العمل بقول الشيخ رضي الله عنه والله أعلم، ولا نلفي قول أبي الربيع مطلقاً ولا قول الشيخ مطلقاً، الظاهر عندي والله أعلم، و للحاكم أن يجتهد في مثل هذا والله أعلم قوله: ولا يكون له في الحكم الظاهر، لكن فيه أن الواجب علينا إنما هو النظر في ظاهر الأحكام ولا يعد مكذباً لها.
قوله: إنما يعرف هذا من دليل الخطاب، يعني تكذيبه لدعواه ولشهوده إنما يعرف من مفهومه القسمة أو إجابته لها أو طلبه إياها لا من صريح اللفظ وذلك ضعيف عند بعض العلماء، خصوصاً ما يلزم منه إبطال الحق مع إقامة البينة عليه في مثل هذا والله أعلم.
-117 - (4/117)
صفحة 2176
قد مات ولا يجزيه إلا الشهادة، لأن الوارث قد أنكر، فإن لم تكن له بينة فلا يدرك اليمين، لأن حياة مورثهم ثابتة، وإن قال المدعى عليه: قد اقتسمنا الأصل الذي اشتركناه من قبل كذا وكذا فعليه البينة ويجزيه الخبر لتساويهما في الإدعاء، لأن كل واحد منهما تصح دعواه في قسمة ذلك المال المشارك، ولذلك لا يدرك اليمين أيضاً إن لم تكن له بينة، لأن المدعي لا يحلف وإنما اليمين على المدعى عليه، وإن رد الجواب
قوله: فلا يدرك اليمين، ظاهره ولو على العلم، وفيه تأمل، لأن موته مما يمكن أن يعلم به كما تقدم في الطلاق والله أعلم فليحرر.
قوله: وإنما اليمين على المدعى عليه، يعني في نفس الأمر لقوله عليه السلام: (البينة على من ادعى واليمين على من أنكر) (1) وأما ها هنا فهل يحلف المدعي عليه وهو الطالب للقسمة لأنه صار مدعى عليه و منكراً لما ادعاه المدعي عليه وهو المطلوب للقسمة وهو الظاهر، أو لا يمين في هذه الصورة لأن كلا منها مدع وهو المتبادر من كلامه والله أعلم فليحرر. والذي جرى به العمل أن منكر القسمة لا يمين عليه تمسكا بصريح كلام المصنف رحمه الله، وبصريح كلام أبي زكرياء رحمه الله في كتاب الأحكام حيث قال: ولا يدرك اليمين إذا لم تكن له بينة ويؤخذ على القسمة انتهى. وظاهر كلام الديوان في كتاب الأحكام أن منكر القسمة عليه اليمين حيث قال في باب الأيمان باب آخر، وكذلك ما باشره الرجل بنفسه من البيع والشراء والتولية والإقالة والهبة والرهن والقسمة فإنما يحلفه
(1) تقدم ذكره.
-114 - (4/118)
صفحة 2177
المدعى عليه وقال: ما اشتركت معه أصلاً، أو قال: ما ترك مورثنا أصلاً يقسم، فالقول قوله، لأن القاعد في الميت الفلاس عندهم، وعلى المدعي البيئة أنه قد ترك مورثهم أصلاً يورث، لأن الشهادة على حسب الدعوى ثم يؤخذون على القسمة بعد ذلك ولا يبرئهم إلا أن يقتسموا ما ترك مورثهم، وإن قال المدعى عليه: قد ترك مورثنا هذا الفدان فقد برئ،
قوله
الحاكم في ذلك كله على البنات الخ. أقول: وهذا هو المناسب لقوله عليه السلام: (البينة على من ادعى واليمين على من انكر) (1) والله أعلم. وأما قول المصنف رحمه الله: لأن كل واحد منها تصح دعواه إلى قوله .. لأن المدعي لا يحلف، فجوابه، أنه لا يحلف من جهة كونه مدعياً بل من جهة كونه مدعى عليه، و اختلاف الجهة بمنزلة اختلاف الذات والله أعلم قوله: أصلا يورث كأنه أراد بالأصل ها هنا ما يورث مطلقاً والله أعلم. فقد برئ، هذا ظاهر بالنظر إلى من لم تقعد لهم الشركة، وأما من قعدت لهم الشركة وأراد أن يختص بشيء فإنه لا بد من بيان وجهه كما تقدم، وأما من لم تقعد لهم الشركة فإن جميع ما في يدكل واحد هو القاعد فيه فلا يخرج من يده إلا بالبيان وهذا في المنتقل، وأما في الأصل إذ أراد أن يختص منه بشيء فإنه لا بد من بيانه كما نص عليه الشيخ أبو زكرياء رحمه الله في كتاب الاحكام في مسألة الأخت مع أخيها حيث قال: وإذا خرجت المرأة من عند إخوتها بعد موت أبيها فأرادت أن تأخذ ميراثها من إخوتها فلا تدرك عليهم شيئاً مما استفادوه من الأصل والحيران والثمار وما أشبه ذلك بعد
(1) تقدم ذكره.
-119 - (4/119)
صفحة 2178
فمن ادعى أكثر من ذلك فعليه البينة، فإن لم تكن له بينة فلا يدرك اليمين عليه إن لم يترك مورثهم أصلاً يورث لأنه يكون غيباً، ولا يجبر
خروجها إلا ما علم أنه من تركة الميت، وما ادعوه في الأصل أنه فائدة بعد خروجها فعليهم إخراجه بالبينة الخ. فذكر لهذه المسأله نظائر في باب إحياء المواريث، فعلى هذا معنى قول المصنف رحمه الله: فقد برئ إذا لم يدع الاختصاص بشيء من الأصل كما يؤخذ من كلام الشيخ أبي زكرياء رحمه الله والله أعلم. ومما يدل أيضاً على أن المراد بقوله فقد برئ إذا لم يدع الاختصاص بشيء من الاصل أنه استفاده بعد موت مورثه كلام الشيخ أبي زكرياء أيضاً في كتاب النكاح في باب آخر من الصداق حيث قال: وكذلك الاخت إذا قسمت مع أخيها فقال الأخ: اني قد استفدت فدان كذا من بعد موت والدنا فعليه البينة ويجزيه في ذلك خبر الأمناء، فإن لم تكن له بينة فلا يدرك اليمين على الأخت، وأما إذا ادعى أنه قد استفاده بعد خروجها إلى زوجها فادعت الاخت أنه قد استفاده قبل خروجها إلى زوجها فعليه البينة أنه استفاده بعد خروجها الى زوجها وهو قول الشيخ رضي الله عنه، وقال غيره: إن على الأخت الـ ن البينة بأنه قد استفاده من قبل خروجها إلى زوجها الخ. وكلام أبي زكريا رحمه الله في المسألة الأولى محمول على ما إذا خرجت قبل موت والدها، وأما ما بعد موت والدها وقبل خروجها فهو مشترك بينهما كما هو معلوم ومستفاد أيضاً من المسألة الثانية والله أعلم.
استفاده
قوله: فلا يدرك اليمين، يعني على البنات بدليل قوله: لأنه يكون غيباً وأما اليمين على العلم، فالظاهر أنه يدركه خصوصاً إذا ادعى أنه ترك عنده.
قوله: ولا يجبر الحاكم الخ. هو من أجبره على الأمر إذا أكرهه عليه،
- 120 - (4/120)
صفحة 2179
الحاكم الشركاء على قسمة كل شيء فيه ريبة، وكذلك لا يجبرهم على قسمة كل مكروه ثمنه نحو الكلاب والبيزان وما أشبه ذلك، وكذلك لا يجبرهم على قسمة ما اختلط من أموال قوم، لأنه مجهول نحو تخليط الأنذر بالسيل والريح، وكذلك ما اختلط من أموالهم مما يكال ويوزن، وغيرها على غير شركة اعتقدوها، فإن اتفقوا على قسمته فإنهم يتواهبون ذلك المختلط ثم يقسمونه، ومثل ذلك: إن اقتسموا أرضاً الحدود بينهم حتى لا يعلم كل واحد منهم من أين لهم، فإنهم إذا أرادوا أن
بينهم فذهبت
ذلك
وهذه المسألة قد تقدم حكمها، ولعله إنما أعادها ليرتب عليها حكم المكره والله أعلم. قوله: والبيزان، في بعض النسخ، البزاة وكل منهما صحيح، فالبيزان جمع باز، والبزاة جمع البازي، ويجمع أيضاً الباز على أبواز كما ذكر جميع في الصحاح. قوله: الأنذر في بعض النسخ الاندر، وصواب كل منهما الأنادر كما في الصحاح، وقد وجد في بعض النسخ كذلك، إلا أن المصنف رحمه الله، استعمله هنا في الزرع المجتمع في موضع، وصاحب الصحاح استعمله في الموضع نفسه قال: والأندر البيدر بلغة أهل الشام والجمع الأنادر الخ. وقال في موضع
البيدر: الموضع الذي يداس فيه الطعام أي (الحب).
قوله: اعتقدوها، لعله عقدوها
قوله: فإنهم يتواهبون الخ. ظاهره أنه لا بد من الهبة ولا يجزيهم التبرئة والمحاللة، ولعله لعدم العلم بقدر ما يحالله فيه والله أعلم فليحرر.
- 121 - (4/121)
صفحة 2180
يتواهبوا فليقل كل واحد منهم لشركاته: وهبت لكم الأرض التي لي في هذا الفدان ثم الثاني كذلك ثم الثالث كذلك، فإذا فعلوا ذلك فليكونوا شركاء فيدرك كل واحد منهم القسمة على شركائه بالجبر بعد ذلك، وكذلك لا يجبر الحاكم الشركاء على قسمة كل شيء حرام لهم فيما بينهم و بين الله إذا أخذوه بظاهر الأحكام إذا عرف الحاكم بذلك، ولا يجبر الحاكم الشركاء على قسمة ما فيه الدعاوى وأرباب الدعاوى يطلبونها حتى تتم أو تبطل، وفي الأثر: وذكر الشيخ رضي الله عنه جواز أخذ الولي على وليه أن يأتي ليقسم ما اشتركا، ويأخذ الأخ أخاه أن يأتي بأخيهما على قسمة ما اشتركا، ويأخذ أيضاً الإبن أباه على ابنه الآخر، ولا يأخذ الإبن على أبيه أن يجيء به ولا يأخذ الإبن
قوله: الأرض التي لي الخ. لعله ثلث الارض التي لي كما يظهر بالتأمل، وأما إذا وهب كل واحد جميع ما في يده لشريكه، فقد تبادلا والله أعلم فليحرر وليراجع. قوله: بالجبر، لعله بالإجبار، يعني بالإكراه، وأما الجبر فهو مصدر جبر بمعنى أغناه من فقر، أو صلح عظمه من كسر.
قوله: ويأخذ الأخ أخاه الخ. لعله إذ لم يكن أخوه وارثاً معها، وإلا فكيف يجبره وقد تساويا في هذا الامر، ويدل له قوله: على قسمة ما اشتركا
والله أعلم.
- 122 - (4/122)
صفحة 2181
أباه على ابنه هو، والأصل في هذا فيما يوجبه النظر قوله عز وجل:
(1)
د يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط، (1) الآية، فإذا كان الناس في زمن الظهور فالسلطان وحكامه هم القادرون على إيصال كل ذي حق حقه، فإذا رجع الناس إلى الكتمان، فاستبد كل واحد برأيه وظهر أهل الجور والفساد، جاز للحاكم أن يأخذ عشيرة من
لأنه
امتنع من إعطاء الحق أن يأتوا به، لأنهم أقدر عليه من غيرهم، لا يعمل ذلك إلا من تحت ظلال سيوفهم فهم أولى بوليهم، يقومونه من الظلم كما كانوا ينصرونه على من ظلمه، وإنما يجبر الحاكم الولي على وليه بالحبس، ولا يطلقه من الحبس إلا إن خرج وليه من الحوزة أو يكون عند من يمنعه من السلطان، أو يأتي أمينان فيقولان: لا يجيء به فيطلع من الحبس، لأنه معذور في هذه الوجوه «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها»، ولذلك لا يجبر الإبن على أبيه أن يجيء به، لا يقدر عليه إذ هو المالك له، وكذلك لا يأخذ الإبن أباه على ابنه
هو
أن يجيء به؛ لأنه أملك على ابنه منه والله أعلم.
قوله: واستبد، أي استقل.
قوله: يقومونه، في نسخة يقمعونه، وفي نسخة يمنعونه.
(1) النساء: 135.
لأنه
- 123 - (4/123)
صفحة 2182
باب في صفة القسمة
والقسمة التي يجبر عليها الشركاء، ويدركها بعضهم على بعض ويبريها اليمين، إذا تواخذوا بالأيمان على القسمة وهي قسمة القرعة وإنما جعل العلماء القرعة في القسمة تطييباً لنفوس المتقاسمين، وقد
(1)
ذكرها الله عز وجل في القرآن قوله: «فساهم فكان من المدحضين (1)
وقوله
: >
(2)
وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم الآية. وصفة
القسمة بالقرعة أن تقسم الفريضة وتحقق وتضرب إن كان في سهامها كسر إلى أن تصح السهام، ثم يقوم كل موضع وكل شيء أرادوا
باب في صفة القسمة
قوله: ويبريها اليمين الخ. يعني أن اليمين يسقط الطلب بالقسمة إذا تحالفوا فيما، أن يقتسموا عند أجل معلوم، وفي بعض النسخ ويبريها اليمين، بمعنى أنه لا يصدق في يمينه، إلا إذا قسم معه قسمة قرعة وهي الظاهر والله أعلم.
بينهم
(1) الصافات: 141. (2) آل عمران: 44.
- IPE - (4/124)
صفحة 2183
قسمته، ويعول على أقل السهام في القسمة على قيمة الأراضين ومواضعها، وربما عدل جزء من موضع ثلاثة أجزائه من موضع آخر، فإذا قسمه على هذه الصفة على أقلهم سهما، ولا تصح القسمة حتى يتبين أسهم الشركاء كلهم، كل واحد منهم على حدة، إلا إن كان من أراد من الشركاء أن يجمع سهمه مع سهم بعض شركاته دون بعض، فإنهم يأخذون سهامهم في موضع واحد، وذلك أن يجعلوا القرعة على قدر أسهم الشركاء كلهم فيلقوها على الأسهم كلها، سواء في ذلك اجتمعت الأسهم أو افترقت فليأخذ كل واحد ما وقعت قرعته عليه، غير أنه ربما أن يكون في هذه القسمة إذا كانت في محل واحد ضرر على بعض الشركاء لتفريق سهمه في ذلك الشيء، ولذلك قال بعض العلماء: إنما يجعلون القرعة على عدد الشركاء لا على عدد الأسهم، فحيث ما وقعت قرعة من له سهمان أو ثلاثة، استوفى سهامه كلها بالعدد، على أن هذا إنما يصح إذا كانت في محل واحد، وأما إذا كانت في محال كثيرة فلا ضرر فيها فليجعلوها على عدد الأسهم الأسهم، ومثال ذلك فإنا نعبرها هنا بمسألة خفيفة لكي يقاس
مقدر
قوله: على قيمة، لعله وعلى عدد الشركاء هذا الوجه هو الأحسن. قوله: ومثال ذلك فإنا نعبر الخ. الظاهر أن الفاء وقعت في جواب شرط، والاصل ـ والله أعلم. ومثال ذلك إن أردت معرفته، فإنا نعبر الخ.
فليراجع.
11701 (4/125)
صفحة 2184
عليها ما سواها: رجل توفي، وترك أمه وأخوين من أمه وزوجته وأربعة إخوة من أبيه وأمه، ففريضتهم تقوم من اثني عشر فلأمه السدس سهمان، ولأخوين من أمه الثلث أربعة اسهم، ولزوجته الربع ثلاثة أسهم، ولإخوته من أبيه وأمه ما بقي وهو ثلاثة أسهم، ولم تقتسم عليهم، وهم أربعة فتضرب أربعة في أصل المسألة فتخرج ثمانية وأربعون ومنها تصح قسمتهم فلأمه السلس ثمانية أسهم ولأخويه من أمه الثلث، ستة عشر سهماً لكل واحد منهم ثمانية، ولزوجته الربع إثنا عشر سهماً
"
ولإخوته من أبيه وأمه اثنا عشر سهماً، لكل واحد منهم ثلاثة أسهم ففي هذه الفريضة وجوه من القسمة، أحدها: إذا أردت أن تقسم لهم في مرة واحدة، ويأخذ كل واحد منهم سهمه على حدة فتقسم لهم على أصل الفريضة، لأن أقل السهام ثلاثة، والثلاثة لا تدخل في الثمانية التي للأم ولا في الستة عشر التي لأخويه من الأم، فتقسم على ثمانية وأربعين سهماً على عدد أسهم الشركاء، فإذا كانت القسمة في محال
قوله: على أصل الفريضة، الأولى على مصحح الفريضة لأن أصلها إثنا عشر جزءا سهمها وهو الرؤوس التي لم يقسم لها أربعة ومصححها ثمانية وأربعون كما هو. هو معلوم. قوله: والثلاثة لا تدخل في الثمانية الخ. يمني فلو دخلت فيها لاستغني بالاكبر عن الاصغر كالثلاثة مع التسعة مثلا، وكذلك ليس بينهما توافق بل بينهما التباين.
-137 - (4/126)
صفحة 2185
على عدد
كثيرة على عدد الأسهم كنبت في بطائق كل واحد من الشركاء أسهم صاحبها حتى يستوفي جميع الشركاء، والبطائق على عدد الأسهم ثم تلقى البطائق على الأسهم، فيأخذ كل واحد منهم ما وقعت عليه بطائقه من الأسهم، وإن كانت القسمة في محل واحد كتبت أسماء الورثة في بطائقهم أسمائهم، فتلقى البطائق على الإسم، فحيث ما وقعت قرعة من له ثمانية أسهم، أو إثنا عشر أو ثلاثة من الورثة، استوفى سهامه كلها بالعدد في تلك الجهة، وذلك إنما يصح عندي أن تلقى بطاقة من تلك البطائق على أول سهم من تلك السهام في تلك الأرض، أعني من طرفها، فإذا كان في البطاقة إسم الأم، استوفت ثمانية أسهم مما يليها، ثم تلقى بطاقة أخرى من أول سهم من السهام الباقية على الترتيب، فإذا وجدت فيها إسم الزوجة، استوفت اثني عشر سهما مما يليها، ثم تلقى بطاقة أخرى كذلك على التوالي حتى تلقى البطائق كلها، ولا
يصح
للأول ما وقعت عليه قرعته حتى يتبين ما يقع لكل واحد من الشركاء إلى عند آخرهم، لأن قسمتهم لا تتم إلا عند آخرهم إذا وصلت عند
قوله: والبطائق على عدد الاسهم، مبتدأ وخبر.
قوله: إلى عند آخرهم، صوابه ترك عند، لأنه من الظروف المختصة فلا تجر
:
إلا بمن، كما هو معلوم.
- 127 - (4/127)
صفحة 2186
الآخر فقد تمت، ولو لم يلق قرعته لأنه لم يبق غيره. ووجه آخر من القسمة في هذه المسألة، أخف مما ذكرنا وأسهل، وذلك إذا اتفق الشركاء أن يقسموا المال نصفين على أن تأخذ الأم والأخوان من الأم النصف بينهم، وتأخذ الزوجة والإخوة من الأب والأم النصف بينهم، فإذا وقعت قرعة الأم والأخوين من الأم على نصف منهما، قسمت ذلك النصف على ثلاثة أسهم لكل واحد منهم سهم، لأن سهامهم متساوية بينهم ثم ترجع إلى النصف الثاني، فتقسمه على ثمانية أسهم لأن سهامهم أربعة وعشرون سهماً، فتقسم على أقل السهام وأقل السهام ثلاثة أسهم لكل واحد من الإخوة، وللزوجة اثنا عشر سهماً، وهو أربعة أسهم، فإذا وقعت قرعتها في موضع استوفت سهامها كلها كما ذكرنا، وإن أردت أيضاً أن تقسم ذلك النصف بين الزوجة والإخوة نصفين فتأخذ الزوجة
النصف ويأخذ الإخوة النصف ثم تقسم نصف الإخوة بينهم أرباعاً لكل واحد سهم فهو جائز كما ذكرنا، وإن اقتسموا بالمبايعة أو بالمواهبة
قوله: وأقل السهام ثلاثة الخ. يعني ونسبة الثلاثة إلى أربعة وعشرين الثمن وتخرج الثمن ثمانية فتقسم عليها. قوله: وهو أربعة أسهم، يعني أن الاثني عشر سهماً من أربعة وعشرين سهما هي أربعة أسهم من ثمانية، حين تقسم عليها فتأخذ أربعة من ثمانية، ويأخذ كل واحد من الاولاد سهما كما هو ظاهر والله أعلم
- 128 - (4/128)
صفحة 2187
أو المباراة أو بالتراضي فهي جائزة، وهي بيع من البيوع من هذه الجهة يحرم منها ما يحرم من البيع، ويحل ما يحل من البيع، وصفة ذلك إذا عدلوا سهامهم كما ذكرنا، فيهب كل واحد من الشركاء لكل واحد من شركاته التسمية التي له في ذلك السهم، وكذلك البيع والبراءة، وكذلك أيضاً المبادلة على هذا المعنى يبادل لشريكه التسمية التي له في ذلك بالتسمية التي لشريكه في السهم الآخر الذي هو له، وإن أرادوا أن يتواهبوا فوهب أحدهم وأبى الباقون، فإن الشهود لا يشهدون للموهبين، فلا تجوز لهم تلك الهبة لأنها لم تتم، وإنما اتفافهم على أن يهب كل واحد منهم لشريكه، وكذلك المبيع على هذا الحال، وعليهم أن يخططوا على المقابر والمساجد والمصلين ويستثنوهم في حال القسمة ويستثنوا الثمار المدركة إذا كانت في ذلك
قوله: لكل واحد من شركائه، يعني تفصيلاً لا إجمالاً، ولذلك قال: التسمية
التي له في ذلك السهم.
قوله: للموهوبين، صوابه للموهوب لهم.
قوله: والمصلين، صوابه والمصليات
قوله: ويستثنوهم، لعله ويستثنوها لأنها مما لا يعقل، وأظن أنه قد تقدم أنه إنما يحتاج إلى هذا إذا كانت هذه الأشياء لهم؛ فليراجع في بيع الأرض والله أعلم. قوله: الثمار المدركة، إنما خصها بالمدركة لأنها صارت صنفاً مستقلاً، والقسمة بيع أو بمنزلة البيع، وقد تقدم أنه لا يجوز بيع أشياء مختلفة بثمن واحد عند بعضهم، فلعل هذا مبني عليه والله أعلم.
>
- 129 -
ه م 9 - الإيضاح» (4/129)
صفحة 2188
الأصل، وأما الأشجار التي لم تشمر قط والثمار الغير مدركة فهي تابعة للأرض في القسمة كالبيع، وعليهم أن يحجزوا بين أراض متصلات بالخطط أو بالتخوم، فإن اقتسموا بالنواحي وأخذ كل واحد منهم دمنة بالحدود، فليس عليهم أن يذكروا في حين التبرئة ما يكون من ذلك الأصل من المقابر والمساجد والغيران والأنهار والآبار وما أشبه ذلك، لأنها بيع من البيوع يجوز فيها ما يجوز في البيع، وقد ذكرنا هذا كله في كتاب البيوع ولا معنى لإعادته، وإذا اقتسم الشركاء وأخذ كل واحد منهم قرعته حتى بقي سهم كان بينهم، فمن أراد أن يكسر تلك القسمة فله
فقط
قوله: فهي تابعة للأرض الخ. الأولى أن يقول: وأما الأشجار التي لم تثمر تابعة للأرض والثمار الغير المدركة فهي تابعة للشجر الخ والله أعلم.
فهي:
ويؤخذ منه اختيار القول بأنها في البيع تابعة للشجر ما لم تطلب، إلا أنه لا يناسب ظاهر قوله عنياكة الام: (من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا إن اشترطها المبتاع) (1)، اللهم إلا أن يخص الحديث بالنخل لأنه قد ورد فيه
والله أعلم.
قوله: أو بالا و بالتخوم، هذا هو الظاهر، لأن الخطوط قد تذهب والله أعلم. قوله: كان بينهم، أي ما كان ذلك السهم مشتركاً بينهم لكونه فاضلاً.
(1) تقدم ذكره.
- 130 - (4/130)
صفحة 2189
ذلك، ولو أنهم طرحوا القرعة على الأسهم جميعاً لأنهم شركاء فيه جميعاً، وما داموا شركاء جميعاً فقسمتهم لا تتم، وكذلك أيضاً إن اشتركوا المال أثلاثاً أو أرباعاً أو أخماساً أو ما أشبه ذلك، فقسموا المال بينهما أنصافاً على أن يكون لواحد منهما النصف ويبقي النصف الآخر بينهما مشتركاً، فمن أراد منهما أن يكسر تلك القسمة كسرها، لأنهما مشتركان بعد والله أعلم.
وأما المكيل والموزون فقسمته بالكيل والوزن، ولا يحتاج إلى القرعة لوجود التراضي في ذلك بين الشركاء، وأهل الكتاب إذا أتوا الى الحاكم ليأخذ بعضهم لبعض بالقسمة، فإنه يخبرهم على ما عليه العدل والصواب عند أهل القبلة، لقوله عز وجل لرسوله عليه السلام: فإن
قوله: شركاء، يعني في الشيء المقسوم، يعني فلا ينافي أنهم قد يقسمون شيئاً ويتركون شيئاً، وتتم فيما قسموه والله أعلم. قوله: لوجود التراضي في ذلك، ظاهره أنه لو طلب بعض الشركاء القرعة أحبب لذلك والله أعلم.
قوله: فإنه يخبرهم الخ. يعني إن أراد، لقوله عز وجل: فإن جاءوك
فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) (1) الآية
(1) المائدة: 42
•
- 131 - (4/131)
صفحة 2190
(1)
حکمت فاحكم بينهم بالقسط إنَّ الله يحب المقسطين، وإذا اقتسم الشركاء الأصل الذي بينهم وتمت قسمتهم، فأراد الشهود أن يستقررهم، فإنه يستقرر هم الذي يريد أن يستقرر هم بكلام واحد، فيسبق لهم في الكلام فيتبعوه جميعاً ما يقول: اقتسمتم الأصل الذي بينكم من فلان بن فلان الفلاني إن كان بينهم بالميراث فليقل بالميراث، وإن كان بالشراء أو بالهبة، فليقل بالشراء أو بالهبة، وتباريتموه ليس بينكم فيه شيء؛ سهم كل واحد منكم على حدة، وإن فرقهم بالكلام في الإقرار، فليقل لكل واحد منهم اقتسمتم الأصل الذي كان بينكم أنت وفلان ابن فلان حتى يأتي على جميع شركائه، فإن كان بالميراث فليقل بالميراث، من فلان ابن فلان الفلاني، وإن كان بالهبة أو بالشراء فليقل بالهبة أو بالشراء، وتباريتموه ليس بينكم فيه شيء. سهم كل واحد منكم على حدة، وكذلك جميع الشركاء، وإن أنكر بعد
قوله: فيسبق لهم في الكلام فيتبعونه، لعل المراد بسبقه بالكلام سؤاله لهم، وباتباعهم له ردهم الجواب جميعاً بقولهم مثلا: نعم والله أعلم.
قوله: وتباريتموه، يعني الأصل، سهم كل واحد منهم على حدة، يعني فيجيبونه جميعاً بقوله: نعم واقتسمنا كذلك أو نحو ذلك، والله أعلم.
- 132 -
•
(1) المائدة: 42 (4/132)
صفحة 2191
ذلك واحد منهم القسمة، فإن الشهود يبلغون الخبر على إقراره كما أخذوها لا يزيدون ولا ينقصون، ويجوز أيضاً المشهور في القسمة إشهار الأمناء فيها، وليس فيها تشقيق الدعوة والألفاظ، ولكن ينبئوا، وجوز بعضهم فيها أهل الجملة وذلك فيا يوجبه النظر، لأن القسمة فريضة ولذلك جاز فيها الإشهار.
وفي الأثر: وإن جاء مشهور أهل الصلاح من أهل منزلهم أنهم اقتسموا هو وشركاؤه أصلاً كان بينهم فليبلغوه الخبر على ذلك، فذلك جائز، ولا يجوز للذين يبلغون الخبر حتى يعلموا ما أخذ كل واحد منهم في
سهمه من ذلك الأصل الذي اقتسموه.
قوله: كما أخذوها، الأولى كما أخذود، ولعله أرجع إليه الضمير مونة مراعاة
لكونه شهادة والله أعلم. فليراجع.
قوله. ينبئوا، في نسخة: يبينوا، ولعله يبينون.
قوله: حق يعلم، الأولى حتى يعلموا، ولعل الأصل أن يبلغوه حتى يعلموا ونحو ذلك، لئلا يلزم حذف الفاعل في غير صور الجواز، ويحتمل أنه مبني للمفعول وأنه ليس المراد أنه يخبر بما صار لكل واحد بل المراد حصول العلم بذلك له عند المقتسمين، وأما لو اشترط حصول العلم بذلك للمبلغ لكان شهادة، ولذلك لم يقل: حتى يعلموا، ويدل له كلامه بعد ذلك في كيفية تبليغ المشهور، والله أعلم.
- 133 - (4/133)
صفحة 2192
الأمناء
،
وفي الأثر أيضاً: إن القسمة يجزئ فيها المشهور مشهور ويجزئ فيها خبر الأمناء، وإذا أرادوا أن يبلغوا المشهور فليس فيه تشقيق الدعوة والألفاظ ولكن ينبئون، وإذا أرادوا أن يبلغوا الخبر فليبلغوه كما أخذوه ولا يزيدون ولا ينقصون، وإنما يقول الأمناء إذا أرادوا أن يبلغوا المشهور شهر: عندنا أن فلان بن فلان الفلاني وفلان ابن فلان الفلاني قسما ما كان لهما من الأصل من ميراث أبيهما فلان بن فلان الفلاني، وإن ادعى بعد ذلك أحدهما في شيء هو في يد صاحبه، فإنه إن كان ذلك الشيء معروفاً أنه من تركة الميت، أو أقر الذي هو في يده أنه من تركة الميت، فلا يجزيء في ذلك إشهار القسمة حتى يتبين أن
قوله: ويجزئ فيه خبر الأمناء، كأنه أراد بالخبر نقل الشهادة بدليل قوله:
وإذا أرادوا أن يبلغوا الخبر، فحصل الفرق بين المشهور والخبر والله أعلم.
قوله: ولا يجزئ فيه إشهار القسمة، ظاهره أنه لا يكون أقعد فيه أيضاً فلذلك احتاج إلى البينة، وظاهر كلام الديوان يدل على أنه يكون أقعد فيه، ولو عرف أنه من تركة الميت حيث قال: وإذا عرفت القسمة بين الورثة فمن عرف له شيء في يده منهم كان أقعد فيه دون غيره من الورثة، ومن ادعى من الورثة بعدما عرفت القسمة بينهم أنهم لم يقسموا فهو مدع، وكذلك إذا ادعى أحدهم ما كان في يد غيره أنه لم يدخل في القسمة على هـ ذا الحال، وإذا كان المشهور في القسمة بين الورثة فعمر كل واحد منهم موضعاً معروفاً وبقي موضع من الأرض لم يعرف أحد منهم يعمره فمن ادعى قسمة ذلك الموضع أو ادعاه.
- 134 - (4/134)
صفحة 2193
هذا الذي في يده أخذه في سهمه أو تبرأ إليه صاحبه منه، فإن كان لا يعرف أنه من تركة الميت، فالقاعد فيه الذي هو في يده بعد إشهار
القسمة.
وفي الأثر: وذكرت جواب مسألة هذين الشريكين اللذين تنازعا في العبد بعدما اقتسما بسنين، وقلت إنه كان في يد أحدهما، وأن الذي في يده قال: ليس لشريكي فيه شيء، فالذي عندي في ذلك إذا عرف هذا العبد أنه من تركة مورثهما وأنه بينهما في الأصل، فحتى يتبين أن هذا الذي في يده أخذه في سهمه أو تبرأ إليه منه صاحبه، فإن كان لا يعرف أنه من تركة الميت، فالقاعد فيه هو الذي في يده.
لنفسه
وفي الأثر أيضاً: وأما ما ذكرت في المرأة التي جرت القسمة
دون الورثة فهو المدعي والله أعلم فليحرر كيف يجمع بين الكلامين، وقد سمعت أن الحكم عند الفقهاء في الجزيرة على ما في الديوان إلا أنهم يحافون للقاعد
والله أعلم.
قوله: فالقاعد فيه هو الذي في يده، ينظر هل عليه اليمين لقوله عليه السلام (البينة على من ادعى واليمين على من أنكر) (1) وهو الظاهر أو ليس عليه اليمين
(1) تقدم ذكره
-140 - (4/135)
صفحة 2194
بينها وبين أخيها، فأخذت سهمها فتركته في يد أخيها مات، حتى
حيث وقعت عليه القسمة بينهما ولا عبرة بدعواه حيث لم يتبين؟ والله أعلم
فليحرر.
ثم رأيت في كتاب الأحكام لأبي زكرياء: أن القاعد لا يخرج الشيء من يده إلا بالبينة العادلة، وأنه لا يمين عليه حيث قال في باب إحياء المواريث: وإذا قعد بعض الورثة لبعض في الميراث فلا يدرك المعقود له على القاعد اليمين، ولا التهمة على التعدية في ذلك الأصل إذا علم أنه استمسك، وأما إذا أراد أن يأخذ ما يقابل نصيبه من ثمار ذلك الأصل من حيث لا يشعر به ولم يجعل إلى نفسه سبيلا فله ذلك الخ، وقال في محل آخر في مسألة المشهور: وإذا عرف الرجل في الفدان ثلاث سنين فعورض فيه فشهد له الشهود في المشهور فليقعده فيه الحاكم ولا ينزعه أحد منه إلا بالبينة القاطعة ولا تقبل عليه فيه التهمة ولا يدرك عليه اليمين أيضاً إذا تبين أن المدعي بذلك استمسك الخ. يعني إلا بالبيع أو الهبة أو نحو ذلك، فصريح كلامه رحمه الله في الموضعين يدل على أن القاعد لا يمين عليه، وأنه لا فرق في ذلك بين الدعوى في البعض أو في الكل، ألا ترى أن الوارث إذا ادعى في الفدان الذي عند شريكه في الميراث بعدما قتسموا أنه من تركة مورثهم يكون مدعياً للبعض مع أنهم ذكروا أنهم لا يميز لهم عليه؛ إلا
أني سمعت عن بعض الفقهاء في الجزيرة أنهم ادركوا بعض مشايخه
يحلفون
-177 - (4/136)
صفحة 2195
ودفعها أولاده، فإذا بلغت الخبر بأنها اقتسمت مع أخيها وسموا الذي أخذت في سهمها من الأصل، فكل ما سموا من الأصل أنه لها بالقسمة فهي القاعدة فيه ويجزيها ذلك، ولا يشتغل بما بلغ بنو أخيها أنه كان في يد أبيهم وما لم يقسموا فالقاعد فيه ورثة أخيها حتى تثبته، والله أعلم.
له تسمية من:
عند الدعوى بالبعض إذا وقع الإنكار، وإذا ثبت هذا فلعله محمول على غير الدعوى بالميراث، فلا يعارض نص أبي زكريا رحمه الله، ويشهد له ما رأيته في بعض التعاليق لأصحابنا حيث قال ما نصه: وذكر أيضا مسألة رجل باع لرجل أرضاً وهو القاعد فيها، فكان المشتري يعمرها، فجاء مدع فادعى أن تلك الأرض، الجواب في ذلك؛ أن البينة على المدعي، فإن كانت له بينة على ذلك فليأخذ التسمية، وإن لم تكن له بينة فله على المشتري يمين منقطع إن أراد انتهى، وأقول: المناسب لقولهم: لا حيازة بين الشركاء أن لا تسقط اليمين عند دعوى التسمية مطلقاً إذا وقع الإنكار، إلا أنه لاحظ للنظر مع وجود الأثر حيث نصوا على أن القاعد من الورثة لا يمين عليه والله أعلم. قوله: فإذا بلغت الخبر، إسناد التبليغ إليها مجاز، والمعنى جاءت بمن يبلغ الخبر إلى الحاكم.
- 137 - (4/137)
صفحة 2196
باب في أحكام القسمة
والقسمة من العقود اللازمة لا يدرك من أراد من المقتسمين نقضها ولا الرجوع، إلا إن طرأ عليها ما يفسخها، ومن الفسوخ الموجبة للفسخ فيها الاستحقاق إذا استحق بعض أسهم الشركاء فقد انفسخت القسمة في جميع نظائره من الأسهم لأنهم اقتسموا ما لهم وما ليس لهم، ولو كان ذلك الشيء المستحق غبناً جاز إليه في سهمه، فلما استحق استوت السهام
باب في أحكام القسمة
قوله: ومن الفسوخ الموجبة للفسخ، لو قال: ومن الأسباب الموجبة لكان أظهر. قوله: إذا استحق بعض أسهم الشركاء الخ. فلو استحق من الأسهم كلها أجزاء متساوية، فظاهر العلة أنها منفسخة أيضاً، وظاهر التقييد في قوله: إذا استحق بعض أسهم الشركاء أنها لا تنفسخ في هذه الصورة، والظاهر الأول بل هو المتعين كما يدل عليه كلامه بعد، والله أعلم قوله: ولو كان ذلك الشيء الخ. المراد بهذا المبالغة في الانفساخ، ومعنى جاز إليه في سهمه أنه لما استحق تساوت السهام بعد ذلك.
•
- ITA- (4/138)
صفحة 2197
لأنهم قسموا ما لهم وما ليس لهم، ولا يجوز فيه قول بعض الشركاء على بعض إلا بالبيئة العادلة، وكذلك إن خرج وارث لم يعلموا به فقد ا نفسخت قسمتهم، وكذلك إن أوصى مورثهم بماله أن تخرج منه وصية أو بشيء معلوم من ماله أن تخرج منه وصية فقد انفسخت القسمة لقسمتهم ما لهم وما ليس لهم، وإن أوصى بشيء معلوم في الذمة أن يخرج من شيء معلوم من ماله فاقتسموا قبل إخراج الوصية، فقد قال بعضهم: تنفسخ
القسمة في هذا، والدليل قوله تعالى: من بعد وصية يوصى بها أو دين ولم يخص وصية من وصية، وقال بعض: إن القسمة بهذا لا تنفسخ، وذلك على قولهم: لأن هذه وصية يجوز أن ترجع إلى ذمة الورثة بعد القسمة كالدين لأنها غير معينة، ألا ترى إلى الشيء الذي أمر أن تخرج منه وصيته لو تلف لم تذهب الوصية ولكنها ثابتة على حالها في المال بخلاف ما إذا أوصى بشيء معلوم أن يخرج منه كذا وكذا، فإن قال قائل: فعلى هذا إذا يلزم الوارث دين مورثه ولو لم يترك مالاً يورث
قوله: بهذا، متعلق بقوله: تنفسخ، لأن لا النافية ليس لها صدر الكلام إلا في جواب القسم، فهو على حد ويوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها. قوله: لأنها غير معينة، أي لم يتعين شرعاً أن تخرج من ذلك ولو
عينها الموصي. قوله: كذا وكذا، يعني ولم يكن في الذمة كما هو معلوم.
-179 - (4/139)
صفحة 2198
إذا كان يرجع إلى ذمته. قيل له: دين الميت متعلق بالتركة، وإذا دخل الورثة فيما ترك مورثهم وتصرفوا فيه لأنفسهم رجع الدين إلى ذمتهم في
قوله: وإذا دخل الورثة الخ. ظاهره أنه يلزمهم الدين ولو لم يعلموا، ويدل له عموم قوله: لا حجة لهم بعد الدخول الخ. فليراجع والله أعلم، وكتب أيضاً رحمه الله على هذه القولة ما نصه: وإذا دخل الورثة فيما ترك مورثهم وتصرفوا فيه لأنفسهم، ظاهره أنه يجوز لهم التصرف في التركة مطلقاً، سواء كانوا موسرين أو معسرين، وسواء أحاط الدين بماله أم لا، والمصرح به في كتاب الأحكام لعمنا أبي زكرياء رحمه الله أنه لا يجوز لهم التصرف إذا أحاط الدين بماله حيث قال: وإذا مات الرجل وقد أحاطت الديون بماله، فلا يجوز للورثة فيما ترك بيع ولا هبة ولا قسمة ولا عتق حتى يفكوه من الغرماء، إلا أن يبيعوا على أن يوصلوا الأموال إلى أربابها الخ. ولعل كلام المصنف محمول في جواز التصرف على ما إذا كانوا موسرين قادرين على أداء الديون، وأما إذا كانوا معسرين فالظاهر أنه إن جاز لهم التصرف فإنه يجوز في القدر الزائد على مقدار الدين فقط؛ قياساً على منع الورثة من التصرف في تركة من أحاط الدين بماله على ما ذكره عمنا أبو زكريا، وأي فرق؟! فإن الدين قد أحاط بقدره من التركة، ففي إجازة التصرف فيه للمعسر ضرر عظيم على صاحب الدين؛ والضرر لا يحل، والله أعلم. ويحتمل أن يقال: إن جواز التصرف في التركة وانتقال الدين إلى ذمة الورثة محمول على ما إذا رضي أصحاب الديون بذلك، وهذا هو الظاهر، فإن التركة محبوسة لأجل الدين فلا يثبت لهم فعل بغير رضاء لقوله تعالى: من بعد وصيَّة يوصى بها أو دين)، وقد تقدم أن القسمة قبل إخراج الوصية منفسخة فليكن الدين كذلك، ومثل القسمة سائر الأفعال، وأي فرق من غير رضاء، والله أعلم.
-12 - (4/140)
صفحة 2199
واجب الحكم لأنه لا حجة لهم بعد الدخول فيما ترك مورثهم. وفي الأثر: ومن مات وعليه دين للناس فبلغوا الشهادة على الورثة بديونهم، فقال الورثة: لا تخرج الديون إلا من المال الذي ترك مورثنا فلهم ذلك، فإذا اقتسموا المال أو بعضه أو اقتسموا الثمار فيدرك عليهم أصحاب الديون ديونهم، وإن ادعى عليهم أصحاب الديون أنهم اقتسموا بعض ذلك المال أو اقتسموا الثمار فعليهم البينة، فإن لم يجدوها فلا يدركوا على الورثة اليمين بأنهم اقتسموا مالاً، ويدرك عليهم أصحاب الديون الضمين إلى أجل معلوم يدركون فيه القسمة، فإذا بلغ الأجل استاد لهم الحاكم الضمين اقتسموا أو لم يقتسموا، وإن لم يجدوا الضمين
قوله: في واجب الحكم، يعني وأما فيما بينهم وبين الله فإنه لا يلزمهم إلا ما خلف مورثهم. قوله: فلا يدركون على الورثة اليمين، لأن منكر القسمة عندنا لا يمين عليه. قوله: بأنهم اقتسموا، لعله ما اقتسموا.
قوله: ويدرك عليهم الخ. يعني إذا اختاروا الدخول في التركة قوله: استاد، صوابه على ما في الصحاح استادى على وزن استفعل، قال فيه: استأداه مالاً إذا صادره واستخرجه منه الخ. والمراد الثاني إلا أنه لا يناسبه الاقتصار على الضمير، والمناسب أن يقول: استأدى لهم الحاكم الضمين المال، أي استخرج منه المال فليحرر. قوله: اقتسموا أو لم يقتسموا، ظاهر هذا يقتضي أن الضمان في المال إلى
-181 - (4/141)
صفحة 2200
حبسهم الحاكم، وإن كان أصحاب الديون من ورثة الميت فليأخذوهم على القسمة فيدركون عليهم ديونهم إذا اقتسموا ولو شيئاً يسيراً، وإنما يدرك الورثة هذا لئلا يحدث إليهم وارث يرث معهم أو وارث يرث دونهم، لأنهم إذا دخل إليهم وارث بعد ما قضوا ديوناً كانت على الميت فليس على الداخلين شيء مما قضوا على الميت من الديون، وقال بعض العلماء: إن الورثة يؤخذون على الديون ولو لم:
أجل معلوم، وإنما ذكروا القسمة لينتقل المال إلى ذمة الورثة فيغرمه عنهم الضمين حينئذ والله أعلم فليحرر.
القسمة
قوله: فليأخذوهم على القسمة فيدركون الخ. يحتمل أن المراد يأخذونهم إذا لم يتبرؤوا من التركة فيساوون غير الورثة، ويحتمل أن المراد يأخذونهم على من جهة كونهم شركاء ويخفون ديونهم إذا أرادوا ذلك فيدركونها بعد ذلك لوجود القسمة، لكن هذا إنما يتمشى على ما رواه المصنف رحمه الله فيما تقدم عن الشيخ رضي الله عنه دون قول أبي الربيع، والله أعلم. وهذا هو رحمه الله،، وإلا لم يظهر الفرق في أصحاب الديون بين
المتبادر من كلام ا المصنف الورثة وغيرهم، والله أعلم فليحرر. قوله: وإنما يدرك الورثة هذا الخ. هذا راجع إلى أن الورثة يجوز لهم التبري من التركة حيث قال في كلام الأثر: فقال الورثة لا تخرج الديون إلا من المال الذي ترك مورثنا فلهم ذلك، ولعله إنما أخره إلى هنا ليحكي كلام الأثر إلى قوله: ولو شيئاً يسيراً، ويدل لهذا قوله بعد: وقال بعض الفقهاء الخ، والله أعلم. قوله: فليس على الداخلين شيء مما قضوا على الميت، يعني من أموالهم وإنما
لم يلزم الداخلين شيء مما قضوا لأنهم يعدون في الشرع متبرعين، والله أعلم. قوله: يؤخذون على الديون، ظاهر هذا أن الدين انتقل إلى الورثة مطلقاً
11 E 41 (4/142)
صفحة 2201
يقتسموا، والدليل على ذلك قوله تعالى: من بعد وصية يوصى بها أو دين)، وكذلك الوصية على هذا المعنى والله أعلم، والقول الأول أصح عندي، لأن الورثة لو تبرؤوا إلى أصحاب الديون مما ترك مورثهم لبرنوا، فكيف تلزمهم الديون قبل القسمة في شيء لو تبرؤوا منه لبرنوا،
وإن قال لهم أصحاب الديون بينوا لنا ما ترك مورثكم لم يلزمهم ذلك
،
و على قول الآخرين: يلزمهم أن يبينوا لهم ما ترك مورثهم، وعليهم أيضاً أن يبيعوا ما ترك مورثهم ويوصلوا لأصحاب الديون ديونهم، وهذا من حقوق مورثهم عليهم، وإن قالوا: ترك مورثنا موضع موضع كذا وموضع كذا فقد برئوا، ومن ادعى بعد ذلك أنه ترك غير ذلك فعليه البيان، والله أعلم. وإن ادعى واحد من الورثة أن القسمة قد انفسخت فعليه بيان ذلك، فإذا ثبت ذلك وصح بالبينة رجع الأصل بينهم، وما تلف
وليس بظاهر، فالمراد - والله أعلم - أنهم يدركون ديونهم إذا لم يتبرؤوا ولو لم يقتسموا، والحاصل أنهم إذا تبرؤوا لا سبيل لأحد عليهم، وإذا لم يبرؤوا ففيها قولان: صاحب القول الأول يقول: حتى يقتسموا، وصاحب القول الثاني يقول: إذا لم يتبرؤوا أجبروا.
قوله: وعليهم أيضاً أن يبيعوا، يعني على قول الآخرين كما يؤخذ من كلام أبي زكرياء رحمه الله. قوله: فقد برئوا، وكذلك إذا قالوا: لا نعرف له مالاً فقد برئوا، لأن القاعد في الميت الفلاس كما تقدم، ولا يدرك عليهم اليمين على البنات لأنه غيب
-184 - (4/143)
صفحة 2202
من سهم أحدهم في يده فهو له ضامن؛ أصله البيع، والبيع الذي باع كل واحد منهم باطل، وإن كان لم يثبت انفساخ القسمة بالشهود إلا بقول الشركاء أو بقول أحدهم فردوا أصلهم بينهم وقالوا: قسمتنا منفسخة، فلا سبيل لكل واحد منهم إلى ما في يد غيره بالبيع أو بوجه من وجوه الإملاك، لأن قوله لا يكون عليه حجة.
وفي الأثر: مع أن الذي رأينا من الشيوخ أنهم لا يتبعون الخلل وكثرة التفتيش في أمر القسمة، ويتجافون عن ذلك ولا يعينون على انفساخ ذلك إلا إن جاء الخصيم بوجه وحجة واضحة لم يجدوا لها حملاناً، وذلك فيما يوجبه النظر، لأن الأصل في القسمة تمييز حق، والله أعلم وإن خرج الغبن بعد القسمة فإنه لا يؤثر إلا في قسمة القرعة، وأما قسمة
قوله: أصله البيع، أي المنفسخ فإنه وإن كان لا ينتقل الملك يضمن ما تلف إذا كان مما ينتقل كما تقدم في بيع الانفساخ، ويدل على هذا التقييد قوله: في يده، لأن هذا إنما يتأتى فيما يغاب عنه لأن يده يد ضمان لا يد أمانة والله أعلم. قوله: إلى ما كان في يد غيره، المراد بالغير؛ المشتري أو الموهوب له أو نحو ذلك فلا ينفسخ البيع مثلا إلا بالبينة على الفسخ، وهذا إذا كان المشتري من غير الورثة أو منهم ولا يصادق على الانفساخ، والله أعلم.
قوله: بالبيع، يعني من بعض الورثة. قوله: إلا في قسمة القرعة، يعني وقسمة التخيير كما سيأتي قريباً، فالحصر (4/144)
صفحة 2203
المبايعة والمواهبة والمباراة فلا يؤثر فيها لأنها بيع، والبيع لا يؤثر فيه الغبن ولا يوجب فسخه إلا على قياس من يرى أنه يؤثر في البيع، فيلزم على مذهبه أن يؤثر في القسمة ويفسخها، وقال بعض: إذا أرادوا بهذه الوجوه الانفصال فيما بينهم فإنهم يترادون فيه الغبن، والمعمول به أن هذه الوجوه لا يدرك الغبن في قسمتها لأنها بيع من البيوع، وأما قسمة
6
القرعة فإن الغبن يؤثر فيها، فمن العلماء من يقول: انفسخت القسمة ومنهم من يقول: لا تنفسخ ويتراد ان الغبن فيما بينهم، لأن الأصل قسمتهم على العدل، وهذا القول عليه العمل عند شيوخنا، والقياس يقتضي غير هذا لأن قسمتهم لم تتم بعد، لأنهم مشتركون في الغبن ولا يتبين الغبن إلا بقول الأمناء إذا علموا ما غبن به الغابن المغبون، ويخبرون بقيمة ما غبن به ويعلمون أنهم قد اقتسموا هو وشركاؤه، فإن لم يعلموا
"
إضافي يعني: دون قسمة المبايعة وإما عطف عليها. قوله: إذا أرادوا بهذه الوجوه، يعني الشبيهة بالبيع الانفصال فيما بينهم: يعني: ولم يريدوا حقيقة البيع فإنهم يترادون، يعني ولا تنفسخ فتحصل في هذه الوجوه ثلاثة أقوال، أحدها: وهو المعمول به أن الغبن لا يؤثر فيها فسخا ولا تراددا، والثاني: أن يؤثر فيها فسخاً، وهو الذي استخرجه المصنف رحمه الله بالقياس، والثالث: أنه يؤثر فيها ترادداً لا فسخاً، والله أعلم. قوله: ويعلمون أنهم قد اقتسموا لعل المراد يعلمون ذلك من غير المقتسمين، يعني ولا ينظرون في الغبن بمجرد قولهم، والله أعلم. ويحتمل أن المراد لا ينظرون
11201
ه م 10 - الإيضاح،
( (4/145)
صفحة 2204
بذلك شيئاً فالكف لهم أسلم، فإن لم تكن البينة فلا يدرك اليمين، لأنه غيب، ولا يتبين بعد دخول المجهول في العمل من الزيادة أو النقصان نحو سقي الفدادين بالمطر وسقي الأشجار وحرثها وقطعها وما أشبه ذلك مما يكون فيه زيادة الشيء أو نقصانه، ووقع الاختلاف إذا كانت الزيادة في السهم المغبون أو كان النقص في السهم الغابن إلا إن تبين الغبن قبل التلف والذهاب والعمارة فإنهم يتداركون على هذا الحال، وإن مات أحدهم أو ماتوا جميعاً فلا يدرك بعد ذلك الغبن فيما بينهم، وإن اقتسموا
في الغبن بمجرد قول المغبون؛ بل لا بد من العلم بذلك ولو من الشركاء قوله: ووقع الاختلاف،، يعني التفاضل بسبب الزيادة. والنقصان. قوله: إذا كانت الزيادة الخ. لعله وكذلك إذا كانت الخ فليراجع، ويحتمل أن المراد الاختلاف بين العلماء وهو المتبادر، لأنه قد صحت النسخة إذا كانت والمعنى وقع الاختلاف بين العلماء إذا حصلت الزيادة في السهم المغبون كعمارة وظهور دفين حتى تساويا مثلاً أو حصل النقص في الغابن كذهاب شجرة أو بعضها مثلاً حتى تساويا، هل يتداركون الغبن أو لا؟ فمن قال: الغبن يفسخ القرعة، قال: لا يتدار كون لأنهم شركاء فيما زاد وفيما نقص، فيرمون القرعة مرة ثانية مثلاً حيث تساوت الأسهم، ومن قال: ان الغبن ولو بعد لا يفسخ قسمة القرعة ولكن يترادون الغبن، قال: يدرك المغبون ذلك الغين ولو بعد التلف، لأنها مصيبة نزلت بالغابن بعد تمام القسمة، ولا ينظر أيضاً إلى الزيادة التي حصلت عند المغبون بعد القسمة، لأنها فائدة بعد تمام القسمة، ومعنى قوله: إلا أن
يتبين الغبن قبل الخ. أنه قد علم قدره بأن قطعه الأمناء فإنهم يتداركونه حينئذ قولاً واحداً، والله أعلم.
-187 - (4/146)
صفحة 2205
الفدان على ثلاثة فجاز الغبن من الطرفاني إلى الطرفاني الآخر، فلصاحب الطرف المغبون أن يرد ذلك الغبن إلى حصة الوسطاني مما بينهما، ويأخذ مقدار ذلك من حصة الوسطاني مما يلي سهمه، ولا يدرك عليه أن يعطيه الشيء اليسير من ذلك الغبن في الطرف الآخر لأنه ضرر، والضرر لا يحل وأما إن تخايروا بينهم فإن الغبن يدرك فيما بينهم ولو مع حدوث الزيادة والنقصان، وإن مات أحدهم فورثته هم القاعدون فيا ترك مورثهم إلا إن أقروا بالتخاير، وذلك لأن التخاير ليس ببيع، ومن جعله بيعاً فلا يؤثر فيه الغبن شيئاً، والله أعلم. وأما العيب فلا تنفسخ به القسمة ولا يتر ادون به إلا إن كان فيه الغبن، وذلك فيما يوجبه النظر عندي
هم
مع
ذلك
قوله: إلا إن أقروا بالتخاير، يعني فيدرك عليهم الغبن فلا يكونون قاعدين في جميع ما ترك مورثهم لخروج الغبن منه، وانظر هل البيان على التخاير يقوم مقام الاقرار به عند إنكاره وهو الظاهر أو لا؟ وهو المتبادر من كلامه، والله أعلم فليحرر. ثم ظهر أن عدم الاقرار يفيد القعود فقط،، فيجوز إقامة البينة، لأن القعود لا ينا في البينة فما فهمناه من المتبادر غير صحيح والله أعلم. قوله: وذلك لأن التخاير ليس ببيع، هذا التعليل يقتضي استواء قسمة التخاير وقسمة القرعة، بل ربما يقال: إن التخاير أقرب إلى البيع من القرعة لتوقفه على التراضي، بخلاف القرعة إذا طلبها بعضهم فإنه يجبر الباقون عليها فهي بعيدة من البيع؛ لأن البيع لا يجبر عليه، ولقرب التخاير من البيع جعله بعضهم بيعاً، والله أعلم فليحرر. قوله: إلا إن كان فيه الغبن، يعني وتنفسخ بالغبن أو يترادون به لا بالعيب،
-1 {Y- (4/147)
صفحة 2206
لتساويهما في معرفة ذلك العيب، لأن كل واحد منهم أصل ذلك العيب
من عنده.
وفي الأثر: والقسمة لا ترد بالعيب إلا في وجه واحد، وذلك نحو أناس كانت بينهم أرض ليس فيها أشجار إلا نوى الثمار قد نبتت فيها، فاقتسموا قبل أن يثمر ذلك النواء فخرج سهم أحدهم كله ذكوراً، وخرج سهم شركائه إناثاً، وأما إن خرج بعضه ذكوراً فالله أعلم.
وفي الأثر أيضاً: إذا اشترك رجلان أرضاً فغرسا فيها غروساً، فاقتسما تلك الأرض بعد ذلك مع ما كان فيها من الغروس، قال: إن كان الغروس قد أخذت وأمنا من فسادها فقسمتهم جائزة، وأما إن
وهذا ظاهر في قسمة القرعة وقسمة التخاير عند من لم يجعلها بيعاً، لأنهما هما اللتان يؤثر فيهما الغبن، وأما قسمة المبايعة فالظاهر أنه يجري فيها حكم البيع فترد بالعيب دون الغبن بشرط أن لا يطلع على العيب، وإن كان ظاهر كلام المصنف رحمه الله لا يؤثر مطلقاً، والله أعلم فليحرر فعلى هذا لا يدرك في الوجوه الشبيهة بالبيع رد بغين لا يؤثر فيه الغبن ولا بعيب، لأن أصل العيب من عنده،
والله أعلم. قوله: فاقتسموا قبل أن يثمر ذلك النوى الخ. ينظر كيف يكون لما نبت من النوى حكم مع أنه تقدم أنه تابع للأرض، يعني فهو بمنزلة الحشيش اللهم إلا أن يحمل على ما إذا دار عليه الليف مثلاً فإن لمه حكم الاستقلال في الجملة، والله أعلم فليحرر.
-18 A- (4/148)
صفحة 2207
اقتسما من حين غرساها قبل أن يعلما أنها أخذت في الأرض ولا يعلما ما تصير إليه عاقبتها من الموت والحياة فلا تجوز قسمتها، وأما إن غرساها وقد علما أنها لم تأخذ في الأرض وهي كما غرساها فقسمتها جائزة، وذلك فيما يوجبه النظر من أجل الضرر الداخل في القسمة من جهة الجهل، فلأن التعديل المقصود في القسمة لا يكون في الجهل والله أعلم وأحكم وبه العون والتوفيق.
باب في الرهن
والأصل فيه الكتاب والسنة
أما الكتاب فقوله تعالى: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة)، وأما السنة فما رواه أبو رافع مولى رسول الله في ارتهانه درع رسول الله له عند يهودي في المدينة، ففيه دليل على
قوله: وذلك فيما يوجبه النظر الخ. هذا راجع إلى قوله: فلا تجوز قسمتها.
باب في الرهن، والأصل فيه الكتاب والسنة
قوله: في ارتهانه، لعله في رهنه.
قوله: ففيه دليل الخ. يعني أن الكتاب دل على جواز الرهن في السفر،
-189 - (4/149)
صفحة 2208
جواز الرهن في الحضر، والله أعلم. والنظر في هذا الباب أولاً: في الأركان ثم في صفة عقد الرهن وشروطه ثم في أحكامه، أما الأركان فهي الراهن والمرتهن والمرهون والشيء الذي فيه الرهن، أما الراهن فمن صفته أن يكون بالغاً عاقلاً، سواء كان مالكاً للشيء المرهون أو غير مالك إذا رهنه بإذن مالكه، والخليفة يرهن لمن يلي النظر عليه إذا كان ذلك سداداً ودعت إليه الضرورة، كما يجوز بيعها على أن الرهن أخف
من البيع، لأن البيع خروج ملك، والرهن موقوف إلى أجل ما. وفي الأثر: وجائز لخليفة الغائب واليتيم والمجنون والأخرس أن يرهن من أموالهم في ديونهم إذا لم يجد غير ذلك ورأى له ذلك صلاحاً، ولا يشارط المرتهن فيما تصيبه الآفات من الرهن، فإن اشترط المرتهن ذلك فأرهنه على ذلك فهو له ضامن لما هلك من الرهن في يد المرتهن،
والسنة دلت على جوازه في الحضر، إلا أن المناسب أن يشير إلى ذلك في أول الباب، والله أعلم. قوله: بالغاً عاقلاً، إنما لم يشترط الحرية، لأن العبد يجوز أن يفعل ذلك بإذن مولاه، والله أعلم. قوله: ولا يشارط المرتهن، أي لا يلزم له ما شرط عليه من عدم الضمان إذا تلف، بل يتركه على الأصل من كونه إذا ضاع يكون بما فيه، ولذلك لا يرهن أكثر مما يساوي الدين كما سيأتي.
11011 (4/150)
صفحة 2209
يبيع
ولا يرهن من أموالهم للمرتهن رهناً فيه فضل عن حق المرتهن، ولا يرهن له إلا بقدر حقه. وخليفة الغائب واليتيم والمجنون لا يبيع شيئاً من أموالهم بدين إلى أجل، فإن فعل فهو ضامن لما هلك منها من أجل ذلك، ولكن نقداً بما قام وإن كان فيه نقصان عن بيع التأخير، ومنهم من يرخص في ذلك إذا رآه صلاحاً لهم، ورأى البخس من أموالهم في بيع النقد إذا لم يبع بالتأخير ويطلب به مليئاً ثقة فليبع ويستشهد، وإن أخذ الرهن في يده لهم فليشارط فيه الراهن ما تصيبه الآفات، وإن لم يشارطه على ذلك فهو ضامن لما هلك من الرهن، والله أعلم. والوكيل يرهن بوك بوكالة
من تصح وكالته، ومن أحاطت الديون بماله يجوز رهنه وأفعاله في ماله،
قوله: إلا بقدر حقه، أي لئلا يضيع ذلك الزائد على اليتيم إذا ضاع الرهن لأن القاعدة أن المرتهن أمين في الزائد، فإن فعل الخليفة فالظاهر أنه ضامن للتعدية، والله أعلم.
قوله: فهو ضامن لما هلك الخ. يعني على قول بعض أصحابنا، والمختار عند ابن بركة قول من قال: لا يضمن وإن فعله جائز، ومن قال: بالتضمين، قال: يضمن الثمن، والله أعلم.
قوله: إذا رأوه صلاحاً، يعني ولا يضمن كما يدل عليه المقابلة، ويدل عليه أيضاً كلام أبي عبد الله رحمه الله في باب: بيع الدين فليراجع، وإن فرض المسألة في الوكيل.
-101 - (4/151)
صفحة 2210
لأن الدين متعلق بالذمة، ذمته ما لم يحجر عليه الحاكم، فإذا حجر عليه صار محجوراً عليه، والله أعلم. وأما المرتهن فكل من صح أن يكون راهناً صح أن يكون مرتهناً، وأما المرهون فإنه يصح أن يكون معيناً قابلاً للبيع مخالفاً للشيء المرهون فيه، مباح التصرف للمراهن لأجل أنه يملكه أو لأجل أنه قام مقام من يملكه مثل إذا كان خليفة اليتيم أو المجنون أو الغائب أو لأجل أنه فعل بأمر من يملك، سواء كان قبل الفعل أو بعده إذا وقع على إجازته ويكون إقراره في يد المرتهن من قبل الراهن شرط أن يكون مقبوضاً غير ممنوع بحق الغير فيه.
قوله: فإنه يصح أن يكون معيناً، هذه العبارة لا تفيد المقصود، ولعل النسخة فإنه يجب أن يكون، أو فإنه إن كان أو فإنه يصح بأن يكون أو نحو ذلك فليراجع، وأصح نسخته رحمه الله على هذا الأخير.
قوله: معيناً، المراد بتعينه تحققه وتعينه في الخارج حتى لا يه ا يصح رهن ما في الذمة كالدين كما سيأتي وإلا فالدين في نفسه معين.
قوله: مباح التصرف الراهن، أي حال الرهن، وأما بعده فإنه لا يتصرف فيه، وإن تصرف فيه فد كما سيأتي.
قوله: كان قبل الفعل أو بعده، أي سواء كان أمر من يملك سابقاً على الرهن أو متأخراً عنه، إلا أن المتأخر في الحقيقة يسمى إجازة، والله أعلم. قوله: في يد المرتهن من قبل الراهن، نفى به ما دخل في يده قبل الرهن على التعدية مثلا، فلا ينافي ما سيأتي من جواز كون الرهن في يد المسلط، والله أعلم.
-107 - (4/152)
صفحة 2211
وإنما اشترطنا أن يكون معبناً لأن رهن الدين لا يجوز، وما كان في الذمة لا يصح فيه القبض، وكذلك رهن الشفعة والطلاق. وإنما اشترطنا أن يكون قابلاً للبيع، لأن ما يحل بيعه يحل رهنه، وما لا يحل بيعه لا يحل رهنه، إما بمعناه وإما بمعنى غيره، فالذي بمعناه كالمحرمات العين كالميتة والدم وما أشبه ذلك، وكذلك المدير والمكاتب، لأنه حر، و الذي بمعنى غيره مثل الغرر إذا دخل في الشيء المرهون أو المبيع، كاللبن
الذمة
قوله: لا يجوز وما كان في الذمة الخ، لعله لا يجوز لأنه في الذمة وما كان في الخ إلا ان يقال تلك مقدمة مطوية.
قوله: لأن ما يحل بيعه يحل رهنه وما لا يحل بيعه لا يحل رهنه، كل من القضيتين أغلبية، فإن الاولى تنقض بالثمار على الأشجار والصوف والشعر، والثانية يجواز الجهل في الرهن كما ذكره بعد.
قوله: إما بمعناه، أي لذاته لازماً بالذات لا يزول.
قوله: وكذلك المدبر والمكاتب لأنه حر، فيه إشارة إلى اختيار القول بعدم جوازه، وذكر في كتاب الوصايا في ذلك خلاف، واختار القول بعدم الجواز حيث قال: ولا يجوز بيع المدير ولا هبته، وفي كتاب أبي عبدالله أيضاً: واختلف أصحابنا في بيع المدير، قال بعضهم: بيع المدير جائز في العتق لثبوت الرق عليه والتدبير عتق بالصفة ما لم تقع الصفة فالرق ثابت والبيع جائز، وقال آخرون: لا يجوز بيع المدبر إلا للعتق ويجوز بيعه عند هؤلاء في الدين ويكون في المصر الذي يكون فيه المدير، قال بعضهم: لا يجوز بيع المدير على حال الى أن قال: والصحيح أنه لا يجوز بيع المدير الخ.
- 105 - (4/153)
صفحة 2212
في الضرع، والبصل والثوم والسلحم في الأرض، والحمل في بطن أمه، ومائة ذراع من هذه الأرض، وقد أتينا على ذكر الغرر في كتاب البيوع ولا معنى لإعادته ها هنا لأن البيع في هذا كله كالرهن، وكذلك الثمار على الأشجار والصوف والشعر على الغنم لا يجوز رهنها، أدركت الثمار أو لم تدرك، لعدم القبض المشروط في الرهن، وأما إن رهن له فداناً يساوي مائة دينار في عشرين ديناراً أو أقل أو أكثر، ثم أراد الراهن أن يرهن
قوله: والسلحم، يعني بالحاء المهملة كما في بعض النسخ لا بالجيم كما في بعضها لأنه. غير مناسب هنا لأن معناه الطويل، وأما السلحم بالحاء فقال في القاموس: السلحم كحعفرة نبت، ولا تقول تلحم ولا سلحم أو لفة وسمعت أنها اللفت
والله أعلم.
قوله: لأن البيع في هذا كله كالرهن، لعل في العبارة قلباً، والأصل لأن الرهن في هذا كله كالبيع لأن المراد تشبيه الرهن بالبيع والله أعلم فليحرر قوله: لا يجوز رهنها، وأما البيع فيجوز بشرطه المتقدم والله أعلم
فليراجع.
قوله: فداناً يساوي مائة دينار الخ، ينظر هل تخصيص الفدان بالذكر للإشارة إلى أن هذا الحكم خاص بالأصول دون المنتقلات لاختلاف القبض فيها لأن القبض في الأصول مجرد التخلية بينه وبينها فيعتبر قبض الثاني بخلاف المنتقلات، أو المراد فرض المسألة فقط فيجري ذلك المنتقلات أيضاً وهو الظاهر والله أعلم فليحرر.
- 108 - (4/154)
صفحة 2213
تلك الزيادة التي فيه عن حق المرتهن لغيره فلا يجوز له ذلك، أذن له المرتهن أو لم يأذن له، لأن تلك الزيادة مجهولة ولا يدري هل تصح أم لا؟ ولعلها لا تصح لاختلاف في الأسعار والله أعلم. وجوز بعضهم أن يرهن تلك الزيادة إذا أذن له المرتهن في رهنها، ويجعلون أجلاً يبيعها على أجل، بيع الرهن الأول أو بعده، ولا يجعلوه قبله لأنه لا يجوز البيع للآخر حتى يستوفي المرتهن الأول حقه، فإذا باع الأول واستوفى حقه، فما بقي في الرهن من حقه فهو حق المرتهن الثاني، وإن لم يبق شيء فلا شيء للآخر ويتبع الراهن بماله، وإن ذهب من الرهن شيء فيو من مال المرتهن الأول
قوله: لغيره، مفهومه أنه يجوز رهن تلك الزيادة للمرتهن في دين آخر، وظاهر العلة يقتضي المنع مطلقاً عند القائل به لأن الاختلاف بالاعتبار بمنزلة اختلاف الذات والله أعلم فليحرر
قوله: لأن تلك الزيادة مجهولة الخ الظاهر أن فيه علة أخرى أيضاً وهو أنه إذا أذن له في ذلك فقد تصرف في الرهن، والقاعدة أنه متى جالت يد الراهن في الرهن بطل الرهن والله أعلم.
قوله: فهو من مال المرتهن الأول، لعل هذا مبني على أن ما ذهب من الرهن يعتبر من دين المرتهن ولا يذهب على الراهن إلا ما زاد، وهذا هو المصدر به فيما سيأتي، وذهب بعضهم الى أن ما كان زائداً على قدر الدين إذا ذهب يكون من مال الراهن، وانظر هل يتأتى ذلك هنا أو لا يتأتى؟ والظاهر الثاني لأنه قد رضي أن يكون له في الزيادة تعلق، فما ذهب يحسب من حقه والله أعلم فليحرر.
11001 (4/155)
صفحة 2214
فما زاد على مال الأول فهو من مال الثاني، وإن ذهب كله فقد ذهبت حقوقهما جميعاً، وأصل هذا القول لأنه مال الراهن رهنه رهنا مقبوضاً في حقه فجاز أصله سائر الأموال، والجهل الداخل فيها لا يبطل جوازها كما لا يبطل جهل قيمة الرهن فلعله لا يكون فيه وفاء الدين، أو لعله يذهب كله فلا يبطل بذلك لأنه موجود، وهذه العلل كلها أطوار فيه والله أعلم. وفي الأثر في هذه المسألة: وأما إن انصسخ الرهن من يد المرتهن الأول أو أبرأه إليه الراهن أو وضع عنه حقه أو فكه الراهن من عنده فالله أعلم. ويعجبني أن يكون مال الثاني في الزيادة على حاله والله أعلم.
قوله: وأصل هذا القول، يعني وهو القول بجواز رهن الزائد. قوله: لأنه، لعله أنه لأنه الخبر بنفسه، فالضمير راجع الى الزائد على قدر رهن الأول.
قوله: في حقه، أي في حق عليه، فالإضافة لأدنى ملابسة والله أعلم فليحرر. قوله: والجهل الداخل الخ. هذا جواب عن سؤال مقدر وهو أنه كيف
تلك رهن
الزيادة مع وجود الجهل فيها
قوله: فلعله لا يكون الخ. هذا بيان لجهة الجهل في الرهن
•
قوله: أو أبرأه إليه الراهن، المناسب لما بعده المرتهن بدل الراهن والله أعلم
فليراجع
قوله: فالله أعلم، أعني في حكم تلك الزيادة.
قوله: في الزيادة على حاله، يعني كما وقع عليه الاتفاق أولاً.
-107 - (4/156)
صفحة 2215
وكذلك رهن العبيد والإماء والمصاحف عند أهل الكتاب، لا يجوز كما لا يجوز بيعها، وأما شرطنا بأن يكون مخالفاً للشيء المرهون فيه فذلك إذا رهن له ما يدرك عليه في حقه ويحكم له الحاكم مثل الدينار الجنس بالجنس، والدراهم في الدراهم، والشعير في الشعير، والقمح في القمح، وذلك فيما يوجبه النظر، لأنه أشبه بيع الربا، في جهة الجنس والزيادة والأجل، وأما رهن الجنس في الجنس ان اختلف الجنس في نفسه مثل أجناس التمر والدنانير والقمح وما أشبه ذلك، فلا بأس به لأنه مختلف، و المختلف يحتاج الى البيع، وقد ذكر في بعض الآثار: ويجوز
قوله: فذلك إذا رهن له ما يدرك الخ. الأولى أن يقول: فذلك أن لا يرهن له ما يدرك الخ. لأن المتبادر تصوير المخالفة، ويحتمل إبقاؤه على ظاهره و يجعل تمثيلاً لمحترز الشرط، إلا أن الأولى التنبيه عليه بأن يقول مثلاً: وأما شرطنا أن يكون مخالفاً للشيء المرهون فيه، فينفي أن يكون موافقاً وذلك إذا رهن الخ. قوله: والشعير في الشعير، والقمح في القمح، أي إذا حصل الاتحاد بينها من جميع الجهات بدليل ما بعده وذلك لأن الحاكم لا يحكم به عند الاختلاف في بعض الصفات والله أعلم. إلا أن تشبيهه بيع الربا يقتضي المنع في الجنس مطلقاً والله أعلم فليحرر؛ اللهم إلا أن يقال المشبه لا يقوى قوة المشبه به من كل وجه والله أعلم فليحرر. قوله: يحتاج الى البيع، يعني فلا يحكمه الحاكم، وكل ما لا يحكم به الحاكم في مخالفاً ذلك الحق يعد.
1101 - (4/157)
صفحة 2216
رهن الخلاف في الخلاف والوفاق في الوفاق، فعلى هذا القول يجوز لأنه
رهن في حق وليس ببيع والله أعلم.
وأما شرطنا بأن يكون مباح التصرف للراهن بملك أو بأمر من يملك، لأنه إذا رهن رجل لرجل رهناً وليس للراهن فيه شيء يومئذ، ثم دخل ملكه بعد ذلك بوجه من وجوه الأملاك، فلا يجوز ذلك الرهن
صل الله
حتى يعيده مرة ثانية بعد ما ملكه قياساً على البيع، وقد نهى عن
بيع ما ليس معك، وكذلك سائر العقود من الهبة والوصية والقسمة والكراء. وأما إذا رهن ما ليس له بإذن مالكه فلا بأس، وكذلك إذا رهنه بغير أمره ثم جوز له مالكه الرهن بعد ذلك، والدليل على ذلك
قوله: وليس ببيع، يعني فلا يلزم فيه ما ذكر من الربا. قوله: بملك أو بأمر من يملك، لقيامه مقام من يملك كما تقدم. قوله: لأنه، لعله فلأنه لأن حذف الفاء في مثل هذا غير مقيس
قوله: فلا يجوز ذلك الرهن الخ وذلك لأن تلك العقدة فاسدة، وهذا ظاهر إذا علم المرتهن بذلك والله أعلم.
معه
قوله: ما ليس معك، أي بوجه شرعي فلا يردان هذا الشيء. قوله: وكذلك إذا رهنه بغير أمره ثم جوز الخ ينظر ما الفرق بين تجويز صاحب الشيء بعد الوقوع وبين دخول الرهن في ملك المرتهن بعد ذلك، اللهم إلا أن يحمل ما هنا على ما إذا اشترط رضاء صاحبه، فجوز له بعد ذلك بخلاف الأول
-104 - (4/158)
صفحة 2217
حديث عروة البارقي الذي (دفع له النبي ديناراً وأمره أن يشتري له به أضحية، فاشترى له شاتين فباع أحدهما بدينار وجاء الى النيل بشاة ودينار، فأجاز له النبي ع الله الفعل)، وهذا إنما يكون فيما يوجبه النظر في غير الأصول، وأما الاصول فلا، والفرق بين الأصل والمنتقل في هذا لأن المنتقل القاعد فيه من كان في يده لأنه غير معروف لأحد، واليد دليلة
هو
مصلحة
فالرهن كالبيع إن اشترط رضاء صاحبه أولاً توقف على إجازته، فيجوز إن أجازه ويبطل إن أبطله على الراجح وإن لم يشترط بطل مطلقاً، إلا أن الاستدلال بظاهر الحديث يقضي الجواز، وإن لم يشترط الرضا أولاً، اللهم إلا أن ينظر في الاستدلال بالفرق بين الحديث وما نحن فيه بأن الحديث فعل فيه ما. للغائب فكأن الشرع أباح له ذلك ابتداء، لأن من قواعد الشرع أن الغائب عمله فيما يصلح له وما نحن فيه ليس كذلك، إلا أن سياق كلامه بعد يقتضي أن المنتقل يجوز إتمامه وإن لم يشترط رضاء صاحبه، وكلامه فيما تقدم في العقيدين يقتضي أن الخلاف بيع مال الغير هل ينعقد أو لا إذا اشترط رضاء صاحبه؟ وظاهره أنه لا فرق بين المنتقل وغيره والله أعلم فليحرر.
قوله: وهذا، أي وهو رهن مال الغير بغير أمره أي بغير اشتراط رضاه أيضاً على ظاهر كلامه إنما يمكن الخ.
قوله: وأما الأصول فلا، أي فلا ترهن إلا بأمر صاحبها أو باشتراط رضاه كما صرح به آخراً. قوله: واليد دليلة، الظاهر أن الأولى واليد دليل، وإن كانت اليد مؤنثة
(1) تقدم ذكره. (4/159)
صفحة 2218
على مالكد والأصل معروف، فإذا عرف لأحد بوجه من وجوه الأملاك فلا يزيله عن حكمه إلا معرفة خروجه من ملك مالكه الى ملك من انتقل إليه من وجوه الأملاك، ولذلك قلنا أو نقول في بيع الأصول: لا بد من نسبتها الى ملاكها في حين البيع ليصح خروجها من ملاكها، فإذا كان هذا هكذا، كانت موقوفة الى إذن مالكها إذا باعها أو رهنها من ليس بمالك لها على هذه الصفة، وإن باعها غير منسوبة لمالكها فلا تصح بعد ولو جوزوا له فعله في ذلك لأنه باع ما ليس له والله أعلم.
وأما شرطنا بأن يكون إقراره بيد المرتهن من قبل الراهن، لأن من غصب لأحد شيئاً فلا يجوز أن يكون رهناً بيد الغاصب ما لم يقبضه منه المغصوب منه ثم يعيده في يده إن أراد، ولا ينتقل من ضمان الغاصب
لأن الدليل هو المرشد و ما به الإرشاد، نقول مثلاً: هذه العلامة دليل على كذا
والله أعلم.
قوله: من نسبتها، لعله لا بد من نسبتها. قوله: لأنه باع ما ليس له، يعني غير منسوب لمن هو وإن كان ظاهر العلة يقتضي المنع مطلقاً والله أعلم
بدليل
قوله: بيد الغاصب، المناسب بيده وانظر ما الحكمة في العدول من الإضمار إلى الإظهار لأنه هو الرابط بين الإسم والخبر والأمر في ذلك سهل
•
قوله: ولا ينتقل من ضمان الغاصب إلى الرهن، وذلك لأن المضمون لا
1170 - (4/160)
صفحة 2219
الى الرهن حتى يقبضه منه ثم يرهنه له، وكذلك ما كان في يده بالوديعة أو بالعارية أو بالقراض، فلا ينتقل الى الرهن حتى يقبضه منه صاحبه، ثم يرده في يد المرتهن على سبيل الرهن، سواء كان ذلك في يد المرتهن أو في يد غيره، فما كان أمانة فلا ينقل رهناً قبل القبض، كما أن ما كان مضموناً فلا ينتقل الى الأمانة. وأما شرطنا بأن يكون مقبوضاً غير ممنوع بحق الغير فيه، لأن من شرط جواز الرهن القبض، لقوله تعالى: فرهان مقبوضة، فلا يجوز الرهن على هذا إلا وهو مقبوض. وفي الأثر:
ينقلب أمانة لأن الرهن قد يكون فيه فضل، والقاعدة أن المرتهن أمين فيه والغاصب لا يكون أمينا فيها غصب والله أعلم.
قوله: أو في يد غيره، أي كالملط بأن يكون ذلك أمانة عنده أولاً فيقع الإتفاق على أن يكون رهنا فلا. يصح ذلك أيضاً حتى يقبض منه ويرد إليه
كالمرتهن نفسه والله أعلم
•
قوله: قبل القبض، أي على جهة كونه رهنا، فلا يقال هو مقبوض عنده لأن ذلك على جهة الأمانة فلا عبرة به في الرهن، وسبب ذلك أن الرهن بما فيه إذا ضاع فيكون ما يقابل حقه من ضمانه مع أنه غير متعد، فلو بقي على القبض الأول لم يضمن لأنه أمانة، والأمانة لا يضمنها إلا بالتعدي، والمفروض انتفاءه والله أعلم.
قوله: مضموناً، أي كالمغصوب.
قوله: مقبوضاً، أي بيد المسلط
•
-171 -
ه م - 11 الإيضاح: (4/161)
صفحة 2220
وإذا ارتهن الرجل داراً وقبضها بإقرار الراهن ولم يعاين ذلك الشهود، وقوله: إن إقراره في ذلك جائز عليه، وإن جحده يوم تخاصم إن كان الدار في يد الراهن يوم تخاصم، أو الواهب، فإنه يقضي عليه بها ويدفعها إلى المرتهن أو الموهوبة له أو المصدقة عليه و به نأخذ. وكان ابن عباد يقول: لا يجوز ذلك بإقرار الراهن حتى يعاين ذلك الشهود، فهذا من ابن عباد يدل أن شرط القبض في الرهن من شروط صحته، وعلى قول الآخرين من شروط تمامه، وفائدة الفرق من قال شرط صحة إذا لم يقع القبض لم يلزم الرهن الراهن، ومن قال: شرط تمام يلزم الرهن بالعقد ويجبر الراهن على الإقباض، وقد اختلف العلماء أيضاً في صفة القبض، قال بعضهم: القبض ما يقبضه الرجل ويكون في ضمانه، وصفة القبض في الأصل على هذا القول أن يأخذ المرتهن من الراهن مفاتيحه، فتكون بيده إذا كان الرهن دوراً أو بيوتاً أو ما أشبه ذلك من المساكن، وإذا كان فداناً أو
قوله: وقوله، فلعله فقوله، والضمير راجع لابن عبد العزيز. قوله: من شروط تمامه، أي كماله، فهو مستحسن فيلزم الإتيان بالرهن إذا اشترط وإن لم يكن مقبوضاً.
قوله: لم يلزم الرهن الراهن، أي لا يلزمه الإتيان بالرهن.
قوله: أيضاً، أي كما اختلفوا في القبض هل هو شرط صحة أو شرط تمام.
-177 - (4/162)
صفحة 2221
بستاناً أو ما أشبه ذلك من الأصول فليخرج منه أجير الراهن ويدخل أجير المرتهن فهو قبضه أو ما أشبه قبضه، ولا يجوز على مذهب أصحاب
ذلك عندهم:
هذا القول رهن جميع التسميات من جميع الأشياء لعدم صحة القبض في، وكذلك العطية عند من اشترط فيها القبض، وبعض جوز التسمية لشريك دون غيره لأن الشريك يصح قبضه في ذلك، لكون الشيء جميعاً في يده، وحجة صاحب القول الأول أن الشريك إذا كان يجوز له أن يبيع سهمه لغيره فيبطل القبض حيث كان غير مستحق
رهن
قوله: فليخرج منه أجير الراهن الخ، أي إن كان الأجير هو الذي يتعاطى ذلك وإلا فعلا ذلك بأنفسهما ليتحقق القبض والله أعلم.
قوله: فهو قبضه، أي فإذا فعلا ذلك فهو قبضه، والمناسب أن يجعل جواباً لقوله: وإذا كان الرهن، ويكون معنى قوله: فليخرج ويدخل فخرج ودخل على حد فليمدد له الرحمن مدام فإنه انشاء في معنى الخبر.
قوله: لغيره، أي غير المرتهن.
قوله: فيبطل، لعله بطل.
قوله: حيث كان غير مستحق الخ، هذا ظاهر إذا رهن التسمية عند غير الشريك وطلب من شريكه أن يكون الجميع في يد المرتهن على أن تكون حصته أمانة عنده كما سيأتي في المثال. وأما إذا كان الرهن عند الشريك فلم يتعرض له مع أنه المدعي، والظاهر في علة البطلان بالنسبة إليه أن يقال مثلا: إن الشريك المرتهن يجوز له أن. يبيع سهمه، فإذا باعه زال قبضه، وإذا زال قبضه
-177 - (4/163)
صفحة 2222
لأن من شرط صحة الرهن أن يكون مقبوضاً بحق، فإذا زال عنه القبض بحق بطل الرهن، ومثل ذلك لو رهن لرجل سهمه في الشيء المشترك و اشترط على شريكه أن يكون الشيء المشترك جميعاً في يد المرتهن على أن يكون سهم شريكه في يد المرتهن على سبيل الأمانة، لكان الرهن غير جائز، لأن القبض لم يكن بحق الجواز ارتجاع الشريك سهم شريكه منه، وكذلك كل ما لم يكن الرهن فيه مقبوضاً في يد المرتهن بحق، وكذلك زوال القبض بغير حق لا تبطل الرهن، مثل إن غصبه من يد المرتهن غاصب، فلا يبطل الرهن بذلك لأن الغاصب إنما يريد القبض بغير حق، فإن قال قائل: ما الدليل على أن زوال القبض بحق يبطل الرهن؟ قيل له: الدليل على ذلك لو قال الراهن للمرتهن: أرهنه بدينك لكان ذلك مما يبطل الرهن،
بطل رهنه، وذلك أن قبضه للرهن تابع لقبضه ماله، فإذا زال قبضه عن المتبوع زال قبضه عن التابع والله أعلم. قوله: واشترط على شريكه، أي سأل منه ذلك، لأن حقيقة الشرط لا تتأتى
هنا والله أعلم. قوله: على سبيل الأمانة، أي وأما لو كان على سبيل الرهن فإنه يصح في الجميع وليس له الإرتجاع. قوله: لجواز ارتجاع الشريك سهم شريكه منه، المناسب للظاهر أن يقول ارتجاع الشريك سهمه منه يعني لكونه أمانة عنده، ويحتمل إبقاؤه على ما هي عليه ويكون المراد بالشريك الذي له الإرتجاع هو الراهن لأنه هو الذي جعل شريكه أمانة عند المرتهن والله أعلم فليراجع قوله: ارهنه بدينك، يعني ففعل ذلك حتى يصدق عليه أنه زال القبض من
سهم
-17 {- (4/164)
صفحة 2223
فهذا مما يدل أيضاً من قائله أن شرط القبض في الرهن من شرط تمامه والله أعلم. وفرّق بعضهم بين الأصل والمنتقل في هذا، فأجاز رهن التسمية من الأصل ولم يجوزها في غير الأصل، فلعل هذا منهم استحسان، لأن قبض الأصل ليس كقبض المنتقل، وقبض الأصل رفع اليد عنه، وهذا
فإنه
يده بحق، وإلا فكيف يصدق عليه ذلك، ويمكن إبقاءه على ظاهره ليناسب ما استنبطه المصنف رحمه الله من هذا الكلام بقوله، فهذا مما يدل أيضاً من قائله الخ. رحمه الله حمله على ظاهره وجعل الرهن يبطل بمجرد قوله للمرتهن:: أرهنه بدينك، إلا أن الظاهر يحتاج إلى تقدير شيء لا بد منه وهو رضى المرتهن، وأما لو قال له: أرهنه ولم يرض بذلك فالظاهر أنه لا ينفسخ، وإذا تم هذا فقد دل هذا الكلام من قائله أن القبض في الرهن شرط تمام لا شرط صحة، وذلك ينظر إلى المرتهن الثاني الذي له الدين على المرتهن فإنه يصح له هذا الرهن وإن لم يقبضه من المرتهن بالفعل، ويقضي له به إن أراد والله أعلم فليحرر فإنه في غاية
الخفاء
قوله: ولم يجوزها في غير الأصل، ظاهره ولو لم تمكن فيه القسمة فلا يكون الردن على هذا كالبيع فيفارق القول الذي بعده فلا يجوز في التسمية من جمل وحمار ونحو ذلك والله أعلم.
قوله: فلعل هذا منهم استحسان، التعبير بالاستحسان يقتضي عدم ظهور الدليل في الفرق بين الأصل وغيره مع انه ظاهر، فالمناسب أن يقول مثلا: وإنما فرقوا بين الأصل وغيره لأن قبض الاصل الخ. وهذا إنما يصح إذا قلنا إن الاستحسان لا دليل معه كما في الموضع؛ وأما إذا قلنا إن الاستحسان لا بد معه من دليل حتى يكون محموداً كما في السؤالات فلا يرد ما تقدم بل يجعل هذا، الدليل علة الاستحسان وهذا هو الظاهر والله أعلم.
-1901 (4/165)
صفحة 2224
موجود في الكل والبعض، وهو المعمول به عند أصحابنا، وقال البعض الآخر: القبض في الرهن كالقبض في البيع، وكل ما يجوز بيعه يجوز رهنه كما يجوز بيعه، ولا يجوز رهن الدار أو البيت أو الحانوت إذا كانوا في الكراء، وكذلك العبد والأمة والدابة وغيرهم ممن يجوز رهنه، فلا يجوز إذا كانوا في الكراء، لأنه قد اشترطنا من جواز الرهن ألا يكون ممنوعاً بحق الغير فيه، وكذلك بيعه و هبته و صداهه و كراؤه لغير المكري الأول لا يجوز لأن هذا كله مما يوجب تسليمه، والحق المتعلق
به يوجب المنع، فصح الفعل الأول وبطل الفعل الثاني والله أعلم.
وأما الشيء الذي يجوز فيه الرهن فهو بالجملة مال مضمون، سواء كان معيناً أو في الذمة، والمعين مثل العارية، والمضمون في الذمة مثل أثمان المبيوعات وعناء الإجارات وأرش الجنايات ومهور النساء، بشرط أن
قوله: المكري، لعله المكتري.
قوله: مال مضمون، أي حقيقة كالدين أو حكما كالعارية إذا اشترط فيهما الرد أو الضمان، وإلا فحقيقة المضمون ما كان في الذمة فقط والمعينات لا تقبلها الذمم لكنها إذا تلفت انتقل ضمانها إلى الذمة فجعلها مضمونة بهذا الإعتبار
والله أعلم.
قوله: المبيوعات، الأولى المبيعات.
-177 - (4/166)
صفحة 2225
يكون هذا كله مفروضاً معلوماً، وكذلك يجوز في الحوالات والضمانات في القرض دون السلم، وقد ذكرنا ذلك وما فيه من الاختلاف في باب السلم. وسواء كانت هذه الديون كلها مؤجلة إلى أجل ومعجلة قدحل أداؤها فإن قال قائل: أرأيت إن كان رهن له رهناً في شيء غير معلوم مما يرجع إلى القيمة، على أن يبيعه ويكون في يده ثمنه، فإذا عرف ماله على الراهن بقيمة العدول قضى حقه مما في يده من ثمن الرهن، قيل له: فهذا إنما يمكن جوازه فيما يوجبه النظر على المتامة والله أعلم.
ولا يجوز الرهن في جميع الأمانات مثل المضاربة والوديعة والرسالة والأمانة لأنها غير مضمونة إن تلفت، وكذلك لا يجوز الرهن في ضمين الوجه، لأن من ضمن بالوجه ليس عليه إلا أن يحضره بنفسه والله أعلم
قوله: قد حل أداؤها، الظاهر أنه قيد في المؤجلة، وهذا إذا لم يشترطه ابتداء وإلا جاز مطلقاً
قوله: بقيمة العدول، فيه اشارة إلى أن ما يرجع إلى القيمة لا يجزئ فيه عدل ولا عدلان كما نص عليه ابو زكرياء رحمه الله
قوله: على المتامة، أي يتمان ذلك بينهما بغير حكم حاكم لأن الحاكم لا يحكم بصحة الرهن إلا إذا كان في معين وهذا ليس كذلك والله أعلم. قوله: إن تلفت، أي إلا بالتعدي أو التضييع
-177 - (4/167)
صفحة 2226
ولا يجوز رهن في رهن ولو كان الدين يحيط بهما جميعاً، فالأول منهما رهن والثاني ليس برهن ولا يذهب الدين بذهابه، فإن قال قائل: أرأيت إن باعه وقضى منه دينه أيجوز ذلك بيعه أم لا؟ قيل له: إذا كان متفقاً على ذلك وباعه فهو جائز، وجوازه من جهة الإذن لا من جهة الوجوب
واللزوم والله أعلم.
قوله: بهما جميعاً الخ، أي يساويهما معاً، وإنما لم يجز الرهن في الرهن لأن الرهن إنما يصح فيما يضمن، والرهن لا يضمنه المدين إذا ضاع بل ضمانه من المرتهن
والله أعلم. قوله: إذا كان اتفاقها على ذلك الخ، يعني فهو بمنزلة المتاممة لأنه لا يحكمه
الحاكم والله أعلم.
-174 - (4/168)
صفحة 2227
باب في صفة عقد الرهن وشروطه
وفي الأثر: وإذا كان لرجل على رجل دين إلى أجل، وأراد أن يرهن له فيه رهناً، واتفقا على ذلك: الراهن والمرتهن، فإنهما يأتيان الى الشهود فيقول الراهن لهم: فلان ابن فلان أو هذا الرجل يشير إليه، له علي عشرون ديناراً أو ثلاثون أو ما أشبه ذلك من الدنانير أو الدراهم أو غير ذلك، من بيع كذا وكذا لشيء يسميه وهو مما يجوز بيعه الى أجل، والأجل بينما الشهر الفلاني والمقبل حلّ علي ماله و رهنت الفدان الذي لي
باب في صفة عقد الرهن وشروطه
قوله: دين إلى أجل، هذا فرض مسألة فقط، لأن الرهن يجوز في المعجل والأجل كما تقدم.
قوله: مما يجوز بيعه إلى أجل، أخرج به الذهب والفضة
•
قوله: حل على ماله، لعله فإذا جاء حل علي الخ ونحو ذلك، فليراجع صحة
النسخة هكذا فيجعل جواب شرط مقدر.
-179 - (4/169)
صفحة 2228
في مكان يسمى بكذا وكذا بكله وكل ما فيه من الناس الى الناس رهناً يباع على الأجل وبعد الأجل، وأجل بيع الرهن أو هذا الرهن على أجل هذه الدراهم، ويحتاج أن يستثني ما في هذا الفدان من القبور والمساجد ويخط عليهم، وكذلك يذكر ما فيه من البيوت والغيران والأجباب والصهاريج، ويستثني ما فيه من الثمار المدركة كما يفعل في البيع، وقد ذكرنا ذلك في بيع الأرضين ولا معنى لإعادته، وكذلك الشهود إذا أرادوا أن يشهدوا به فلا بد لهم من ذكر ما يحدث فيه من الثمار والزرع والبناء والتحويل لما تحول منه وما نقص عنه مثل ذلك أيضاً، ولا يشهدوا به حتى يبينوا أن تلك الشهادة عندهم بالصفة والبتات، وذلك لأن الأشياء تعرف إما بالمشاهدة والبنات، وإما بالصفة و اللقب، فعليهم أن يبينوا
قوله: على أجل هذه الدراهم، أي إن كان لها أجل وإلا فيجوز أن الرهن في الدين العاجل، ولا يجوز أن يكون للرهن حينئذ أجل على الراجح كما سيأتي والله أعلم.
قوله: ويستثنى ما فيه من الثمار المدركة، لعله على القول بأنه لا يجوز بيع أشياء مختلفة بثمن واحد لأنها صارت سلعة مستقلة، فإن اتفقا أن تكون رهنا ثانياً بعد الإستثناء فالظاهر أنه جائز والله أعلم فليحرر.
قوله: أن يشهدوا به، أي بالفدان عند حلول الأجل إذا احتيج إلى ذلك قوله: بالصفة إذا لم يشهدوا بالبتات، أي بالقطع إذا شهدوا.
- 170 - (4/170)
صفحة 2229
ذلك، وهذا في البيع والهبة والصداق والوصية، وأما الرهن فلا يحتاج فيه الشهود إذا أرادوا أن يبلغوا الخبر عليه عند الحاكم إلى ذكر الصفة
والبنات، لأن الحاكم لا يحتاج فيه إلى إرسال الأمناء لأنه ليس بخروج
ملك والله أعلم.
وإذا تمت شهادة الشهود على الفدان عند الحاكم كما ذكرنا، فلا يحكمه ولا يقعد فيه ولا يحلف عليه حتى يبعث أمينين يرونه أو يراه هو بنفسه لئلا يعمل بجهل منه بذلك، والعمل لا يصح إلا بالعلم، وهذا فريضة الله على الحاكم والله أعلم.
وأما الدور والبيوت وما أشبهها من المساكن والآبار والحمامات والأجباب، إذا أراد الراهن أن يرهنها للمرتهن، فإنه يرهنها له بكلها ومصالحها وكذلك البيع والهبة والوصية والصداق، وقد ذكرنا هذا في باب البيع، والتسمية من المقصود حكمها كحكمه في جميع ما ذكرنا، وأما إن أراد أن يرهن له جميع أصله في حد معروف أو نصيب معروف منه،
قوله: والتسمية من المقصود، أي عند من يجوز رهنها وهو الراجح كما تقدم. قوله:: في حد معروف، أي في بلد معروف أو جهة معروفة أو موضع معروف أو نحو ذلك، فهو حال من جميع أو من أصله وليس صرف لغير الرهن والله أعلم.
-171 - (4/171)
صفحة 2230
فلا يرهنه له حتى يذكر له بكله وكل ما فيه من الناس الى الناس، ويحده له بأربعة حدود، ولا يحتاج إلى ذكر ما فيه من الأجباب والآبار والقبور والأنهار والمساجد، وقد ذكرنا هذا في باب البيع، وبالجملة ان جميع ما يحتاج إلى ذكره في البيع يحتاج إلى ذكره في الرهن نسقاً بنسق، وكذلك الشهود أيضاً إذا أرادوا أن يشهدوا بالدمنة، فلا يضيق عليهم ذكر ما يحدث فيها من الثمار والشجر والبنيان وغير ذلك من الأشياء المحدثات التي يحتاج إلى ذكرها في المواضع المخصوصة، أحدثت فيها أو زالت منه لأنه مخصوص، والمخصوص معين بخلاف العموم، والعموم يصلح دخول الخصوص فيه ولا يبطله، ولهذا ليس عليهم فيه من ذكر الصفة والبنات شيء، وهذا أيضاً لئلا يدخل على الشهود شيء
قوله: من الناس إلى الناس ويحده له، تقدم بيان معناه فليراجع. قوله: والقبور والأنهار، الأولى تقديم الانهار على القبور كما هو ظاهر قوله: وبالجملة، أي وإن عبرنا بعبارة مجملة وتركنا التفصيل، والمناسب أن
يقول فجميع بالفاء، ويترك إن، والله أعلم.
قوله: نسقاً بنسق، إلا في ذكر الصفة والبنات.
قوله
: ولهذا ليس عليهم فيه من ذكر الصفة والبنات شيء، لعل هذا في البيع والهبة ونحو ذلك، وأما الرهن فقد تقدم أن الشهود لا يحتاجون إلى ذلك في الخصوص فكيف يتوهم ثبوته في العموم والله أعلم فليحرر.
- 172 - (4/172)
صفحة 2231
ذلك وقد أمروا أن يأتوا بالشهادة على وجهها، وكذلك الحاكم أيضاً إذا أراد أن يحكم لأحد بالدمنة أو يقعده فيها أو يحلفه عليها فلا يحتاج إلى
إرسال الأمناء والله أعلم.
فصل:
وفي الأثر: ومما يجوز أيضاً للمرتهن من شروط الرهن عند عقده أن يقول له الراهن الرهن في يده إلى آخر حقه، وليس لي بقية أو زيادة إلا
قوله: وهذا أيضاً الخ، إنما لم يلزم الشهود بذكر الصفة والبنات نفياً للتحريج عليهم في العام إذا أرادوا بيانه لأنهم ربما يخطئون فيضر ذلك بشهادتهم وقد أمروا أن يأتوا بالشهادة على وجهها والله أعلم.
قوله: فلا يحتاج إلى إرسال الأمناء، أي لما في ذلك من الحرج بخلاف الخصوص
والله أعلم. فصل:
قوله: في يده إلى آخر حقه الخ، فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة أو يكون ليس فيه ذلك لكن المناسب حينئذ أن تكون النسخة أن يقول لهم الخ يعني للشهود فليراجع قوله: وليس لي بقية الخ، معناه يباع الرهن كله ولو زاد على قدر الدين، ولا يكون للراهن إلا ما فضل من الذهب والفضة بعد قضاء الدين، يعني إن بيع الذهب والفضة، والحاصل أنه ليس له إلا الفاضل من الثمن وإنما نص على الذهب والفضة لأنها أثمان الاشياء والله أعلم. فليحرر.
- 173 - (4/173)
صفحة 2232
في الذهب أو الفضة إن باعه بنفسه فله، وإن أمر أن يبيعه فله، وإن لزمني فله، وإن لزم الرهن فله، و المعنى في إن لزم الرهن فله، إن باع الرهن فله وليس عليه شيء مما تصيبه الآفات من ذلك الرهن. والحاجة للمرتهن أن يشترط أن يكون الرهن بيده إلى آخر حقه، لأنه إذا لم يشترط ذلك إذا قبض من الراهن شيئاً من دينه، وإن كان شيئاً يسيراً أزال الرهن من يده و انفسخ، والذي يوجبه النظر عندي أن جواز هذا الشرط يدل
قوله: بأن باعه بنفسه الخ قال شيخنا خلافاً لمذهب مالك، فإنه لا يجوز إلا إذا أذن له. بعد العقد، وأما إذا أذن له في نفس العقد فلا يجوز، قالوا: لأن الإذن حينئذ منفعة زادها الراهن له فهو هدية مدين وفيه تأمل انتهى. وجه التأمل منع كونه هدية لشرطه في العقد أمراً مباحا، والذي يظهر أن الأمر بالعكس لكن عندنا؛ الإذن يجوز في البيع قوله: والمعنى في إن لزم الرهن الخ، إنما فسر لزوم الرهن ببيع لأنه لا معنى لإبقائه على ظاهره لكونه تحت يده.
مطلقاً
قوله: من ذلك الرهن، يحتمل أنه بدل من قوله: مما تصيبه، ويحتمل أنه صرف لقوله لتصيبه أي تأخذه وتعدمه، ولو قال: ليس عليه شيء من الآفات التي تصيب ذلك الرهن أي تنزل به لكان أظهر والله أعلم.
قوله: والحاجة، مبتدأ وقوله لأنه الخ خبر
قوله: والذي يوجبه النظر عندي الخ، هذا النظر جاء به المصنف رحمه الله لمعاوضة صاحب الأثر في قوله والحاجة للمرتهن أن يشترط الخ حيث اطلق في الاحتياج إلى الاشتراط بل ذلك مقيد بما إذا كان رهنا في الجملة كما يدل عليه كلامه رحمه الله.
-18 {- (4/174)
صفحة 2233
أن الرهن يحتمل أن يكون محبوساً في جملة الدين وفي أبعاضه، ويحتمل أن يكون محبوساً في جملة الدين لا غير، ولولا ذلك لم يجز اشتراط المرتهن ذلك لأن الشرط لا يحل لمشترطه ما ليس له، لقوله عليه السلام من طريق عروة ابن الزبير عن عائشة: (أنه خطب الناس فقال: يامعشر المسلمين ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، ألا من شرط شرطاً ليس في كتاب الله وإن شرطه مائة مرة ليس له شرطه، فإن شرط الله أولى وأحق) (1)، فإذا كان الرهن محبوساً في جملة الدين وفي بعضه لم يزل محبوساً إلى آخر حق المرتهن، ولو لم يشترط ذلك أصله حبس التركة عن الورثة حتى يؤدوا الدين الذي على الميت، وإذا كان الرهن محبوساً في جملة الدين لا غير كان الرهن ينفسخ من يد المرتهن إذا أخذ من حقه شيئاً، لأن الرهن معلق إلى جملة الدين، إلا أن يشترط
قوله: يحتمل، يعني والله أعلم يجوز بدليل قوله ولولا ذلك لم يجز. قوله: ما ليس له أي ما لا يحل له شرعاً وإلا فأصل الشرط إنما يكون فيما لا يدرك إلا باشتراط كما هو ظاهر والله أعلم.
قوله: ولو لم يشترط ذلك، أي بقاءه الخ حقه بل كونه رهنا في الجملة كما بينه رحمه الله.
قوله: إلى جملة الدين، يعني والجملة تنعدم بانعدام جزء منها والله أعلم.
(1) تقدم ذكره.
-180 - (4/175)
صفحة 2234
المرتهن أن الرهن في يده إلى آخر حقه، وهذا القول عليه العمل عند أصحابنا، والإجماع يعضده، لأنهم أجمعوا أن الرهن يباع في جملة الدين،
ولم يجمعوا أن يباع في بعضه والله أعلم
والفائدة في جواز اشتراط المرتهن أن لا يكون للراهن بقية أو زيادة في الرهن إلا في الذهب والفضة، يدل أن الدين يتوجه أن يتعلق بجملة الرهن ويتوجه أن يتعلق بمقداره من الرهن، فإذا تعلق بجملة الرهن جاز أن يباع في الدين كله، ولو كان الدين أقل من الرهن، وإذا تعلق بمقداره من الرهن لم يجز للمرتهن أن يبيع من الرهن إلا بمقدار دينه، إلا إذا اشترط ذلك، وهذا القول عليه العمل عند أصحابنا، و يعضده الإجماع
قوله: وهذا القول، لعل المراد وهذا الاحتمال لأنه لم يصرح بأن في المسألتين قولين والله أعلم. قوله: ولم يجمعوا أن يباع في بعضه، يعني فلا يباع في البعض إلا في
الاشتراط
قوله: يدل، لعله تدل بالتاء الفوقية، لكن المحدث عنه جواز الاشتراط
فلو قال مثلا: وجواز اشتراط إلى آخره لكان أظهر قوله: يتوجه، أي يحتمل.
قوله: جاز أن يباع كله، يعني ولو من غير اشتراط. قوله: إلا إذا اشترط ذلك، أي تعلقه بجملة الرهن. قوله: وهذا القول، لعل المراد أيضاً وهذا الاحتمال.
-147 - (4/176)
صفحة 2235
أيضاً كالمسألة الأولى، ومع هذا الشرط أيضاً لا ينبغي للمرتهن أن يعتمد ضرر الراهن إلا إذا عسر عليه بيع البعض والله، والله أعلم.
والفائدة أيضاً في اشتراط المرتهن على الراهن إن باع الرهن فله، وإن أمر من يبيعه فله، لأنه لو لم يشترط ذلك لما جاز له أن يأمر من يبيع الرهن، فإذا أمر من يبيعه انفسخ من يده لأنه فعل بغير ما أمر به، أصله الوكالة لا يوكل الوكيل وكيلاً غيره على فعل ما وكل عليه بغير إذن الموكل، فإذا فعل بغير إذنه خرج من حد الوكالة وصار فعله خير جائز. والفائدة أيضاً في اشترط المرتهن على الراهن إن لزمني فله، وإن لزم الراهن فله، يدلُّ على جواز ذلك، على أن الرهن يحتمل أن يكون براءة
قوله: كالمسألة الأولى، فيقال ها هنا أجمعوا على أنه يباع من الرهن بمقدار الدين ولم يجمعوا على أنه يباع كله يعني وإذا كان الامر كذلك فلا يباع كله
إلا باشتراط.
•
قوله: إن باع الرهن الخ، صوابه أن يقول الراهن على قياس ما تقدم. قوله: لأنه لو لم يشترط، الأولى ترك الام لكون ان مع صلتها هي الخبر في
قوله والفائدة.
•
قوله: فعل بغير، الظاهر أن الباء زائدة في المفعوله على حد ولا تلقوا
بأيديكم. قوله: إن لزمني فله الخ، أي يقول الراهن ذلك قوله: يدل على جواز ذلك الخ، هذا هو الخبر وليس فيه رابطاً فليراجع،
- 177 -
ه م 12 – الإيضاح، (4/177)
صفحة 2236
الراهن، ويحتمل أن لا يكون براءة له، فإذا لم يكن براءة جاز للمرتهن أن يطالب بدينه أيهما أراد الراهن أو الرهن، فيكون الرهن بيد المرتهن ثقة بحقه كالضامن بالحق، فالحق يتعلق بالضامن والمضمون عنه، فذهاب أحدهما لا يبطل الحق، وعلى القول الأول إذا ذهب الرهن ذهب الدين بذهابه، ويعضد ذلك قوله عليه السلام: (الرهن بما فيه)، ويكون براءة الراهن من الدين إلا إذا اشترط المرتهن أن يطالب أيهما أراد الرهن أو الراهن، فإذا لم يشترط ذلك، فإذا لزم الراهن دينه انفسخ الرهن،
لكن إذا ظهرت المعاني فلا مشاحة في الألفاظ، والمناسب أن يقول مثلا: والفائدة في اشتراط المرتهن أنه لو لم يشترط ذلك لكان الرهن براءة للراهن وذلك لانه يحتمل الخ والله أعلم. قوله: أيهما، هو بالضم لكونها موصولة، وصدر الصلة محذوف، وقوله الراهن والمرتهن بالنصب بدل من أي لكونها مفعول به. قوله: وعلى القول الأول، أي على الوجه الأول إذا تأملت وجدت في المسألة قولاً واحداً فيه تفصيل وهو أنه إذا أطلق في الرهن كان براءة ويذهب الدين بذهابه، وإذا اشترط لزوم من شاء منهما لم يكن براءة له ولا يذهب الدين بذهابه، إلا أن ظاهر الحديث أنه يذهب بما فيه مطلقاً، ولكن المصنف رحمه الله ثقة في التقييد، ولعل الرهن عند الشرط بمنزلة الامانة كله والله أعلم فليحرر.
قوله: فإذا لزم الراهن الخ، انظر هل أراد باللزوم مطلق الطلب أو أراد به المضايقة والظاهر الاول والله أعلم فليحرر.
(1) تقدم ذكره.
- 178 - (4/178)
صفحة 2237
ويكون لزوم المرتهن الراهن براءة من الرهن إلا مع الشرط الذي ذكرنا، وهذا القول عليه العمل عند أصحابنا.
وفي الأثر: ولا ينصب الحاكم الخصومة في الدين الذي وضع فيه الرهن، وكذلك الضمين لا يجوز في الذي وضع فيه الرهن، لأن الرهن بمنزلة البراءة من الدين والله أعلم. والفائدة في اشتراط المرتهن ليس عليه شيء مما تصيبه الآفات من ذلك الرهن، فإذا لم يشترط ذلك ذهب دينه بذهاب الرهن إلا على قول من جعل الرهن للمرتهن ثقة لحقه، وسيأتي
قوله: ولا ينصب الحاكم الخصومة، أي إذا لم يشترط لزوم من شاء منهما لأن الرهن براءة من الدين، فأما إذا اشترط ذلك فالظاهر أنه ينصبها بينهما ليخلص له حقه لأنه له مطالبته والله أعلم.
قوله: الذي وضع فيه الرهن الخ، ينظر ما الحكم إذا وقع في عقدة أو تأخر الرهن عن الضامن، وظاهر التعليل يقتضي بطلان الضمان مطلقاً، والظاهر أن هذا إذا لم يشترط عدم البراءة والله أعلم فليحرر.
قوله: فإذا لم يشترط، الأولى بل الصواب أن يقول أنه إذا لم يشترط الخ ليصح كونه خبراً للمبتدأ كما هو ظاهر.
قوله: ثقة لحقه، يعني فيكون كله بمنزلة الامانة وليس براءة للراهن من الدين حينئذ لأنه صار كالضامن فلا يذهب الحق بذهابه كما لا يذهب بموت الضامن ولو لم يشترط ذلك على هذا القول والله أعلم.
-189 - (4/179)
صفحة 2238
فاته
بيان هذا إن شاء الله، وإن كان في شروطهما رهن يباع على الأجل ولم يذكرا بعد الأجل فذلك جائز ويبيعه على الأجل كما شرطا، وإن بيعه عند الأجل فلا يجوز بيعه بعد الأجل، ويكون ذلك عنده رهناً على حاله ولا يجد إلى بيعه سبيلاً، وإذا مات الراهن والمرتهن جميعاً جاز لورثة المرتهن بيعه، وذلك فيما يوجبه النظر، أن قول الراهن رهنتك هذا الشيء، يقتضي حبسه بيد المرتهن وبغير حبسه بيد غيره وهم الورثة، وكذلك إذا رهن له في الدين العاجل رهناً يباع متى شاء إلى أجل كذا وكذا، فإنه يكون رهنا يباع إلى ذلك الأجل، فإذا وصل إلى ذلك
قوله: رهنا يباع، هو بالنصب على الحكاية أي في شرطهما هذا اللفظ وفي بعض النسخ رهن بالرهن.
قوله: وإذا مات الراهن والمرتهن الخ، يحتمل أن المراد والحالة هذه وهي كون المرتهن لا يجد إلى بيعه سبيلا وهو المتبادر، ويحتمل الإطلاق وهو أن الحكم كذلك في كل رهن مات فيه الراهن والمرتهن إلا أنه في بعض الصور يحتاج أن يتمشى على القول بأن الدين يحل بموت المدين والله أعلم فليحرر، ثم رأيت في كلامه رحمه الله فيما سيأتي ما يعين الاحتمال الاول والله أعلم
قوله: وغير حبسه بيد غيره، هذه العلة تقتضي أن الورثة يبيعونه إذا مات المرتهن وإن لم يمت الراهن، وهذا إنما يظهر إذا حل أجل الدين، وأما قبله فلا لأن الدين لا يحل بموت صاحبه، وأما إذا مات الراهن فقط قبل حلول الاجل فالظاهر أنه يبيعه المرتهن عند من يقول يحل الدين بموت المدين والله أعلم.
-14 - - (4/180)
صفحة 2239
الأجل ولم يبعه، فلا يبيعه بعد ذلك لأن الأجل هو غاية بيعه، ويكون رهناً سخرياً بعد الأجل والله أعلم. وأما إن رهنه له إلى أجل كذا، فإنه يكون رهناً بيده ولا يباع إلى ذلك لأجل، فإذا وصل الأجل انفسخ؛ وفي الأثر: ويكون الرهن يعني سخرياً بعدما كان مؤجلاً باتفاق الراهن والمرتهن، وكذلك يكون مؤجلاً بعدما كان سخرياً على هذا الحال،
قوله: ويكون رهنا سخرياً بعد الاجل، أنظر هل يبيعه الورثة والحالة هذه إذا مات الراهن والمرتهن وهو الظاهر بدليل ما سيأتي.
قوله: سخريا، الظاهر ان هذه التسمية إصطلاحية، فإنه لم يذكر في الصحاح ما يناسبه هذا والله أعلم.
قوله: إلى اجل كذا، يعني ولم يقل يباع.
قوله: يعني سخرياً، فالظاهر انه من الاثر، والأولى إسقاط يعني لأنه لا فائدة له، ويحتمل انه من الشيخ رحمه الله، لكن يكون الأثر في حد ذاته من غير ذكر سخرياً غير صحيح. لحذفه خبر كان، والظاهر ان يعني تفسير للضمير المستتر في يكون، وهو تفسير من المصنف للمحدث عنه في الاثر وهو الرهن، وأصل النسخة الصحيحة ويكون يعني الرهن سخرياً الخ. والله اعلم فليراجع، ثم رأيت في نسخة بخط عمنا يونس بن تعاريت رحمه الله مقدم مؤخر فيصير التركيب يعني الرهن سخرياً.
قوله: بعدما كان سخرياً، ظاهره ولو كانت سخرية مسبوقة بالأجل
والله أعلم.
قوله: على هذا الحال، يعني باتفاقها.
-141 - (4/181)
صفحة 2240
وكذلك شروطه كلها يثبتونها بعد أن لم تكن، ويزيدونها بعد ثبوته
باتفاقهما جميعاً ولا يكون بفعل أحدهما دون الآخر سواء في هذا الراهن والمرتهن إذا وليا ذلك بأنفسهما أو وكلائها، ويزيلون الشروط بعد إذ كانت ويثبتونها بعد إذ لم تكن بمنزلة الراهن والمرتهن، والأصل في هذا قوله عليه السلام: (المؤمنون على شروطهم ()، فما جاز من الشروط عند العقد جاز بعده والله أعلم.
والرهن السخري الذي لم يشترط الراهن والمرتهن في عقدة رهنه بيعه عند الأجل ولا بعده، إذا ماتا جميعاً جاز اورثة المرتهن بيعه،
قوله: ولا يكون بفعل أحدهما الخ، هذا ظاهر بالنظر لإثبات الشروط
وإزالتها، وأما السخرية فإنها قد ثبتت بفعل المرتهن فقط كما هو معلوم. قوله: والرهن السخري الذي لم يشترط الخ. كأن المراد به السخري ابتداء فلا ينافي ما تقدم من أنه يكون سخرياً بعد ذلك، وحكمه كحكمه والله أعلم، إلا أن ذلك لم يحك فيه إلا قولاً واحداً وهو أن بيع الورثة موقوف على موتها معاً، ولعله اقتصر عليه لرجحانه مثلا لا لاختلاف الحكم بينهما والله أعلم. ثم قوله الذي لم يشترط الخ. يحتمل أن يكون خبراً للمبتدأ الذي هو الرهن، ويحتمل أن يكون صفة للسخرية والخبر قوله إذا ماتا جميعاً. الخ. والرابط هو الضمير في قوله بيعه إذا كانت النسخة من غير فاء ولا واو، وقيل إذا كما هو
فيما رأيناه من النسخ والله أعلم فليراجع.
(1) تقدم ذكره.
- 182 - (4/182)
صفحة 2241
ومنهم من يقول: يجوز بيعه إذا مات أحدهما، وكذلك أيضاً النسل الذي حدث بعد الرهن في الحيوان حكمه كحكم الرهن السخري عندهم في الوجوه التي ذكرناها. وفي الأثر: وإذا كان الدين عاجلاً وأراد الراهن أن يرهن فيه الرهن للمرتهن، فإنه يرهنه له رهنا يباع متى شاء المرتهن باعه، وإن وقت له وقتاً يبيعه فيه فلا يجوز ذلك الرهن، وذلك فيما يوجبه النظر، لأن الدين عاجل والرهن تبع الدين، فكما لا يستأخر الدين كذلك لا يستأخر الرهن لأن تأخيره يؤدي الى جواز تأخير الدين، وقيل
قوله: النسل الذي حدث بعد الرهن، أي سواء كان الرهن سخرياً أو غير سخري فإنه يكون موقوفاً، وأما ألبانها وأصوافها وغلة الأشجار وثمارها فحكمها حكم الرهن مطلقاً، يعني فهي تابعة لأصلها كما سيأتي قريباً والله أعلم. قوله: الذي حدث بعد الرهن، أي وانفصل، وأما إن لم ينفصل فتابع
للرهن، وكذلك إذا وجد حال الرهن فإنه تابع ولو انفصل والله أعلم. قوله: يبيعه فيه، يعني ولا يبيعه قبله، والحاصل أنه يمتنع التأجيل بالنظر إلى ابتداء البيع ولا يمتنع بالنظر إلى انتهائه كما تقدم في قوله متى شاء إلى أجل
كذا
قوله: فكما لا يستأخر الدين الخ. يؤخذ منه أن القرض لا يؤجل بل يأخذه صاحبه متى شاء ولو اتفقا على الأجل، وإليه ذهب مالك فيما أظن والله أعلم. قوله: وقيل أيضاً بجوازه الخ، لكن ينظر هل جواز تأخير الرهن على هذا
- 183 - (4/183)
صفحة 2242
أيضاً بجوازه، والمؤمنون على شروطهم، وأما إذا أراد الذي عليه الدين العاجل أن يعطي عليه ضميناً فاشترط الضمين أن لا يحل عليه الدين الذي ضمنه إلى أجل كذا وكذا، فذلك جائز، ولا يدرك عليه رب المال حتى يحل عليه ذلك الأجل الذي ضمن عليه، وذلك فيما يوجبه النظر، لأن الضمين لا يلزمه من الضمانات إلا ما لزم نفسه منها، فإذا التزمه في وقت ما، لزمه كما اشترط على نفسه، ولأن تأخير الضمانات لا توجب تأخير الدين من حيث يجوز لصاحب الدين لزوم أيهما أراد الضامن أو المضمون
القول يؤدي إلى تأخير الدين أولا يلزم من تأخير الرهن تأخير الدين وهو الظاهر من قوله: (والمؤمنون على شروطهم (لأن الشرط إنما هو في تأخير الرهن فقط فيجوز للمرتهن حينئذ مطالبة المدين ابتداء وأخذ حقه منه والصبر إلى أن يحل أجل الرهن فيبيعه ويأخذ حقه منه، إلا أن قوله فيما تقدم: ولا ينصب الحاكم الخصومة في الدين الذي فيه الرهن، يقتضي أنه إذا تأجل الرهن تأجل الدين لأنه ربما احتاج إلى الخصومة، اللهم إلا أن يقال: لا ينصب الخصومة إذا كان الدين مؤجلا كالرهن، أو كان براءة للمدين والله أعلم فليحرر.
قوله: فإذا لزمه، لعله فإذا التزمه أو لزمها فليراجع.
قوله: في وقت ما اي يشرط تعينه في الخارج لأن الأجل لا يكون بينهما. قوله: لزوم ايهما اراد الخ. يعني بخلاف الرهن فإن أصل وضعه انه براءة من الدين وليس له لزومهما معاً إلا بالشرط، فحصل الفرق بين الرهن والضامن والله اعلم.
- 1^ {- (4/184)
صفحة 2243
عنه
والله أعلم. وفي الأثر: وإذا قال الراهن: رهنت لك هذا الشيء كما رهن فلان لفلان رهنه، وفلان الذي سماه قد اشترط في رهنه شروطاً، فإن الرهن جائز، ولا يجوز له من الشروظ شيء، ومنهم من يقول: الرهن جائز مع شروطه، فإن جعل له أجلاً، فإنه يبيع، وإن لم يذكر الأجل، فقد صار رهنا سخرياً، والقول الأول أصح لجهالة ذلك والله أعلم. ويجوز رهن الحيوان وبيعها وهبتها وإصداقها والوصية بهذا دون ما في بطونها، إذا استثناه الراهن، لأن الحمل غير الأم، فجاز استثناء الراهن، واختلفوا بعتق الأم دون الحمل، قال بعضهم: جائز كالبيع، وقال البعض الآخر: عتق أمه عتقه، استثناه أو لم يستثنه، كما أن أن ذكاة
قوله: ومنهم من يقول الرهن جائز مع شروطه، اقول لقائل أن يقول يدل على صحة هذا القول ما ذكروه من جواز نية التفويض في الحج وهو أن يقول الرجل عند الإحرام: أحرمت على ما أحرم عليه صاحبي مع الجهل بما أحرم عليه
صاحبه والله أعلم، اللهم إلا أن يفرق بين العبادات والمعاملات فليحرر. قوله: أصح لجهالة ذلك، المناسب لظاهر التعليل أن يقول والقول الأول هو الصحيح، يعني فيكون سخرياً حيث بطلت الشروط.
قوله: إذا استثناه الراهن، يعني والبائع والواهب الخ. وظاهر كلامه هذا أنه يجوز ذلك قولاً واحداً، ولعله هو المختار عنده وإلا فقد ذكر فيه فيما تقدم قولين من غير ترجيح والله أعلم. قوله: كما أن ذكاة أمه ذكاته الخ، هذه الملة تقتضي أن الحكم الجاري على
- 185 - (4/185)
صفحة 2244
أمه ذكانه إذا كان مما يذكى والله أعلم. ولا يجوز في شروط الرهن أن يجعلاه رهناً يباع قبل الأجل، كما لا يجوز أن يأخذ دينه قبل الأجل، ولا يجوز أيضاً في شروط الرهن أن يجعلا في شروطهما؛ أن يكون للمرتهن أكل الغلات التي تكون في الرهن، وسكنى الدور والبيوت وركوب الدواب، واستعمالها في منافعه، وشرب ألبانها، والانتفاع بشيء من أداة الرهن، ولا يجوز في الرهن شيء من هذه الشروط، لأن هذه الشروط تؤول إلى الربا، لأخذ المرتهن أكثر من حقه، وإن كان في
الأم يجري على حملها مطلقاً لا فرق بين العتق وغيره فالاولى والله أعلم في الفرق بين العتق وغيره أن يقال لأن الشارع متشوق للحرية ألا ترى أن أفعال المريض من البيع وغيره غير جائزة على الصحيح إلا في العتق فإنه جائز باتفاق والله أعلم.
قوله: أكل الغلات الخ، قال شيخنا رحمه الله، خلافا لمذهب مالك: وعبارة خليل مع الشارح: وجائز للمرتهن شرط منفعته، أي الرهن لنفسه مدة بشرطين: الأول إن عينت تلك المدة للخروج من الجهالة، والثاني: كون الرهن في عقد بيع لا في قرض، وبيان هذا التفصيل أنه في البيع، تكون تلك المنفعة المشروطة جزءاً من الثمن، والثمن يجوز أن يكون منفعة مع شيء، ولا يجوز ذلك في القرد ض، واحترز بقوله في بيع عما لو أباحها له بعد ذلك، فلا يصح في بيع ولا قرض، لأنه بغير عوض هدية مدين وبه بيع مدين، لكن ما ذهب إليه أصحابنا رحمهم الله، هو الحق على تقدير كونه جزءاً من الثمن، تدخله الجهالة والمخاطرة كما يظهر بأدنى تأمل والله أعلم، انتهى.
- 147 - (4/186)
صفحة 2245
شروطهما أن يكون جميع ما ذكرنا من المنافع في الرهن جاز ذلك، وكذلك أيضاً لا يجوز من الشروط إذا تراضيا، على أن دين المرتهن في الرهن فما زاد منه على حقه فهو له، وما نقص فلا يتبع فيه الراهن، لأن هذا نوع من المخاطرة، وأكل الأموال بغير حق، وهو معنى قوله عليه
(1)
السلام: (لا يغلق الرهن ()، وذلك أن أحدهم كان يرهن الرهن ويشترط إلى وقت كذا وكذا، فإن لم آتيك فهو لك بحقك، فأبطل ذلك
النبي عليه السلام، وقال: (لا يغلق الرهن، أي لا يبطل ملك صاحبه عنه بهذا الشرط، ولا يزول حقه عنه في الفكاك، وهذا مثل شرطين في بيع،
قوله: جاز ذلك، الظاهر أن هذا لا ينافي ما تقدم، أن من شروط الرهن أن يكون معيناً مقبوضاً، لأنه في أصله كذلك، وهذه الأمور تابعة، ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع، والله أعلم. قوله: وكذلك أيضاً لا يجوز من الشروط إذا تراضيا الخ، يعني فيكون
الرهن باطلاً أيضاً كما صرح به في قوله بعد وكذلك الرهن.
قوله: لا يغلق الرهن الخ، قال في الصحاح: غلق الرهن غلقاً أي استحقه المرتهن، وذلك إذا لم يتفكك في الوقت المشروط، وفي الحديث (لا يغلق الرهن) الخ. قوله: في الفكاك، قال في الصحاح: وفك الرهن وافتككه بمعنى خلعه، وفكاك الرهن بالكسر حكاها الكسائي الخ.
قوله: مثل شرطين في بيع، هذا بالنظر إلى قوله، فما زاد منه على حقه
(1) رواه الشافعي والدارقطني.
- 187 - (4/187)
صفحة 2246
أو شرط وبيع، والشرط لا يوجبه، ووجه آخر إذا ملكه إياه في وقت كان على وجه البيع كنحو قوله: إذا دخلت الدار فهو لك بحقك، وإذا أمطرت السماء، فهو لك بكذا وكذا من الثمن، ويقول له: إذا كان رأس الشهر فقد بعتك بكذا وكذا من الثمن، فالبيع متى وقع على هذا ونحوه من الشروط لم يجز، وكذلك الرهن والله أعلم. فإن قال قائل: أرأيت إن لم يشترط الراهن والمرتهن أن تكون هذه المنافع في الرهن فامن تكون؟ أتكون للراهن أو هي تابعة للرهن؟ أو يجوز اشتراط الراهن لها؟ قيل له: - والله أعلم - اختلف العلماء في ذلك، ففي الأثر: واختلفوا
الخ، فإنه يقتضي البيع مع شرط عدم أخذ الزائد، وشرط عدم دفع
الناقص
قوله: أو شرط وبيع
ع، هذا بالنظر إلى أصل ما ورد فيه الحديث، فإن
قوله: ويشترط إلى وقت قت كذا
شر
ط
•
قوله: فهو لك بحقك، بيع صوري
قوله: والشرط لا يوجبه، أي لا يصححه لكون البيع، معلقاً عليه، وفيه أيضاً إشارة إلى أن الشروط ليست كلها ممنوعة مع البيع والله أعلم،
فليحرر
- 188 - (4/188)
صفحة 2247
في غلات الرهن ونمائه، قال بعضهم: هي معقولة مع الرهن، لا يذهب المال لذهابها، ومنهم من يقول: هي مثل الرهن في جميع الوجوه، في البيع و الذهاب والتقاضي، ولا يبيع العين المرهونة في هذا الوجه ما وجد وفاء ماله في الغلات، وإنما النماء والشيء المرهون سواء، ومنهم من يقول في النماء والغلات هي لصاحبها، لم تدخل في الرهن، ولا يمنعه المرتهن. وعمدة من جعل الغلات والنماء مع الرهن، أن الفروع تابعة
قوله: في غلات الرهن ونمائه، أما الاختلاف في العلة فظاهر، وأما النماء فلعل المراد به ما ينفصل، وأما ما لا ينفصل، فالظاهر أنه من الرهن قولاً واحداً، ويشعر بذلك كلام المصنف رحمه الله عند النظر والله أعلم.
قوله: معقولة مع الرهن، يعني وليست منه فلا تباع ببيعه، لأنها حينئذ. رهن سخري والله أعلم.
قوله: والتقاضي، أي بأن يقضيها له في حقه عند الأجل مثلا، لأن من له عند رجل دنانير أو دراهم يتعرض بها ما شاء، وأما حقيقة التقاضي فغير متأتية هنا، لأن المتقاضي يقتضي الإتحاد، والرهن يقتضي الاختلاف والله أعلم.
قوله: سواء، لعله فسواء
قوله: وعمدة من جعل الفلات والنماء مع الرهن أن الفرع الخ، هكذا فيما رأيناه من النسخ، وفيه تأمل من وجهين: أحدهما أن التعليل المذكور يقتضى أن يقول مثل الرهن، والثاني أنه ترك عمدة القول الثاني إذا كانت النسخة الرهن فليراجع.
:
مع
-149 - (4/189)
صفحة 2248
للأصول فوجب لها حكم الأصل. وعمدة الفريق الآخر أن مادة الرهن لربه و نفقته عليه استدلال بقوله عليه السلام: (لا يغلق الرهن)، لصاحبه غنمه وعليه غرمه، أي لصاحبه غلة الرهن وخراجه وعليه غرامة الدين أي افتكاكه عليه ومصيبته منه، وعلى مذهب الآخرين معنى الحديث،
الغلة والنماء،
قوله: أن مادة الرهن، أي ما يمتد ويخرج منه،، وهي ويكون ذلك في نظير ما يلزمه من النفقة، وهذا هو القول الثالث، لكن فيه مصادرة على المطلوب، وهو التعليل بصورة المسألة، أو جعلها جزءاً من العلة، وما هنا منه أن جعل قوله: ان مادة الرهن هو الخبر، ولم يجعل متعلقاً بقوله: وعمدة، والأصل في أن حذف لأن حرف الجار مع أن مطرد، والخبر هو.
قوله: استدلالاً، لكن الواجب أن يقول: الاستدلال والله أعلم فليحرر.
قوله: ومصيبته منه، لعل هذا تأويل من يقول: ان الرهن ثقة لمال المرتهن، وليس براءة من الدين، يعني أنه بمنزلة الأمانة، لكن هذا التأويل ينا في ظاهر قوله عليه السلام: (الرهن بما فيه) إلا أن يحمل على ما إذا اشترط المرتهن ذلك، ويراد بالمصيبة الجناية في الحيوان مثلاً، أو يراد النفقة أو نحو ذلك والله أعلم، فليحرر.
قوله: وعلى مذهب الآخرين، أي وهم القائلون بأنه معقولة مع الرهن:
أو هي.
مثله، والمراد بزيادته ونقصانه بالنظر إلى قدر الدين إذا
بيع
6
مثلا،
والله أعلم.
-190 - (4/190)
صفحة 2249
أي لصاحبه زيادته وعليه نقصانه، والذي يوجبه النظر، أن تفضيل غلة الرهن و نماه، لا تخلو أن تكون متصلة أو منفصلة، فالمتصلة حكمها حكم الرهن مثل نماء الأشجار والحيوان والغلات وهي زيادة الشيء في ذاته وكذلك ما حدث في الرهن من الغلات إذا كانت غير مدركة في وقت البيع والحمل أيضاً كذلك. وأما المنفصلة فلا تخلو أن تكون من الشيء المرهون أو لا تكون منه، فإذا كانت منه فلا تخلو أن تكون
قوله: والذي يوجبه النظر الخ، مراده رحمه الله بهذا النظر، معارضتهم في إطلاقهم الاختلاف في الغلة والنماء والله أعلم. قوله: والغلة، الظاهر أنه معطوف على الأشجار، فيكون النماء مسلطاً
عليها بدليل قوله: وهو زيادة الشيء في ذاته والله أعلم فليحرر.
قوله: في وقت البيع، أي بيع الرهن، يعني وأما إذا حدثت في الرهن وأدركت قبل وقت البيع، فمفهومه أنه لا يكون حكمها حكم الرهن، وليس كذلك بدليل قوله بعد: مثل غلات الأشجار، اللهم إلا أن يقال المراد بكونها، ليس حكمها حكم الرهن، إنها لا تباع معه لأنها صارت سلعة مستقلة، فلا ينا في كونها منه والله أعلم. والأولى أن يقول: وكذلك ما وجد في الرهن من الفلات، إذا كانت غير مدركة في وقت الرهن، لا تكون من الرهن، لأنها حينئذ صارت سلعة مستقلة، ويحتاج إلى استثناءها كما تقدم والله أعلم، فليراجع، وليحزر. قوله: من الشيء المرهون، في الموضعين، والظاهر أنه خبر كانت وليس صلة للمنفصلة والواو في واصلها للحال، والمعنى فإذا كانت الغلة المنفصلة كائنة من الشيء والحال أن أصله منه الخ، ويحتمل أن تكون اعتراضية والله أعلم.
-191 - (4/191)
صفحة 2250
أصلها من خارج أو أصلها منه، فإذا كانت الغلة المنفصلة من الشيء المرهون وأصلها منه فحكمها حكم الرهن مثل غلات الأشحار وثمارها وألبان الحيوان وأصوافها، وإذا كانت الزيادة المنفصلة من الشيء المرهون وأصلها من خارج فهي معقولة مع الرهن لأنها منه، ولا تباع معه لأن أصلها من خارج، وذلك مثل نسل الحيوان الحادث في الرهن.
وأما الغروس والنقض الحادث في الأرض المرهونة إذا كان أصلها من خارج، فهو لمن أدخله ولا يكون مع الرهن، لأن أصله معين أنه من خارج، فإذا كانت الزيادة في الرهن ليست منه، مثل كراء الدور
قوله: ولا تباع معه، أي لأنها كالرهن السخري عندهم.
قوله: والنقض، الظاهر أنه أراد به ما يشمل البنيان والله أعلم.
قوله: فهو لمن أدخله الخ، التذكير باعتبار المذكور، وظاهره أنه لا ينفسخ الرهن بذلك، ولو كان المدخل له هو المرتهن، ولعله ماش على القول بأن الرهن لا ينفسخ باستنفاع المرتهن، وسيأتي بيان ذلك، وانظر كيف يكون ذلك له، والظاهر أنه يأتي فيه التفصيل المتقدم في باب أحكام البيوع الفاسدة، من أنه تارة يكون الفساد في الأرض والفردوس معا، وتارة لا يكون فيها معا، وتارة يكون في أحد فقط، وقد تقدم ذلك فليراجع. وظاهره أن ذلك للمرتهن قولاً واحداً، ولا يجعل بمنزلة الغاصب فيجري فيه الخلاف: هل له الفردوس أو لا؟
والله أعلم.
-197 - (4/192)
صفحة 2251
والحوانيت وخراج العبيد والدواب، ففيه ما فيه، وقد اشترطنا زوال القبض من يد المرتهن بحق سبب لفساد الرهن، غير أن هذا الحق فيه منفعة للمرتين.
وفي بعض الآثار: وإذا ارتهن الرجل داراً ثم واجرها بإذن الراهن فإن ابن عبد العزيز يقول: خرجت الدار من الرهن، وكان الربيع يقول: هي رهن على حالها، والغلة قضاء من حقه والله أعلم. واشتراط الراهن الغلة على هذا المعنى جائز، وأما إن اشترط سكني الدور
قوله: ففيه ما فيه وقد اشترطنا الخ. يعني أن في جواز كراء الدور الخ، مع بقاء الرهن على حاله نظر، لأن ذلك يؤدي إلى زوال الرهن من يد المرتهن بحق، وهو الإيجار مثلاً، إلا أن المكتري هو المتصرف، وزواله من يده بحق يفسده، فيقتضي عدم جواز الإيجار مثلاً، كما يقول ابن عبد العزيز: إلا أن ذلك الإيجار فيه منفعة للمرتهن، حيث كان يقتضي منه حقه عند الأجل يقتضي الجواز، فكأن يده لم تزل عنه، كما يقول الربيع رحمه الله، يعني فيكون ذلك بمنزلة غلة الأشجار، عند من يقول هي مثل الرهن، وظاهر كلامه، أن من أجاز الكراء هنا يكون من الرهن قولاً واحداً، والله أعلم، فليحرر.
قوله: ثم واجرها، هكذا فيما رأيناه من النسخ وهو من اصطلاح العامة،
قال في الصحاح: واجرته الدار أكتريتها، والعامة تقول: واجرته قوله: قضاء من حقه، يعني عند الأجل، فلا ينافي ما تقدم من أنه لا يجوز أخذ الدين قبل الأجل والله أعلم. قوله: على هذا المعنى، يعني وهو القول بالجواز مع صحة الرهن، ويحتمل ه م - 13 الإيضاح،
- 193 - (4/193)
صفحة 2252
والبيوت وخراج العبيد والدواب، أعني يستنفع بها بنفسه لنفسه، فذلك لا يجوز، لأن هذا مما يخرج الرهن من معنى القبض، إلا أن أخذ ذلك كله بالكراء، فهو وغيره سواء على مذهب من جوز ذلك.
وفي الأثر وإن استأجر الخليفة ذلك الرهن من المرتهن فهل يجوز ذلك أم لا؟ قال: نعم، وإن أتلف في يد الخليفة فهو من مال المرتهن، وكذلك الرهن كله، ولو كان لغير اليتيم لجاز للراهن أن يكريه من المرتهن وإن أتلف على هذا الحال فقد ذهب بما فيه والله أعلم.
أن يكون جواباً لما وقع في السؤال عند قوله: أو يجوز اشتراط الراهن لها، يعني أنه إذا قيل بذلك مع عدم الإشتراط، فمع الإشتراط جائز من باب أولى والله أعلم. قوله: إلا إن أخذ ذلك كله بالكراء الخ، ينظر ما إذا أعاده له، هل ينفسخ أو لا؟ وظاهر التسوية بين الراهن وغيره في الكراء يقتضي الفسخ، لأن العارية للغير لا تجوز، لأنه ليس له ذلك والله أعلم.
وعند الشافعي يجوز ذلك.
قوله: وفي الأثر: وإن استأجر الخ، فساقه للإستدلال على الجواز.: الجاز للراهن، لعله يجوز للراهن فليراجع
قوله
-198 - (4/194)
صفحة 2253
فصل:
ويجوز للراهن والمرتهن إذا اتفقا على أن يجعلا بينهما رجلاً عدلاً يكون الرهن بيده كما يكون رهنا بيد المرتهن، ويكون له من الشروط مثل ما يكون للمرتهن مثل أن يكون رهناً بيده إلى آخر حقه، وليس له زيادة إلا في الذهب والفضة، ولزومه ولزوم الرهن وبيعه هو بنفسه، وأمره لمن يبيعه وما أشبه ذلك من شروط الرهن، ويجوز أن يجعلاه في يد أمين أو غيره، إذا تراضيا على ذلك، سواء كان مسلماً أو مشركاً، أو قريباً منهما أو من أحدهما، أو أجنبياً حراً أو عبداً لهما أو لغيرهما بإذن مولاه، إلا أن يكون الرهن عبداً وأمة، أو مصحفاً، فلا يسلطان عليه أهل الكتاب، وإن فعلا فلا بأس، والمسلم أحق بهذا كله، وأصل
فصل:
قوله: إذا اتفقا، لعله أن يتفقا ليكون فاعلا لقوله: ويجوز لأنه لم يذكر له فاعلا، فليراجع. قوله: إلى آخر حقه،، أي المرتهن، والأولى التصريح به، لما يلزم في عدمه
تفكيك الضمائر والله أعلم. قوله: في يد أمين أو غيره الخ، إنما نص على هذا لئلا. لا يتوهم من قوله فيما
تقدم رجلا عدلا الاحتراز عن غيره.
لأنه
لم يزل.
ملك الراهن عن الرهن ففارق البيع،
قوله: فلا بأس، يعني لكن في جواز ذلك في المصحف نظر كما هو ظاهر والله أعلم.
-190 - (4/195)
صفحة 2254
هذا الوكالة كل من تصح فيه الوكالة يجوز لهما أن يسلطاه، ويدل على ذلك أنه إذا اتفق الراهن والمرتهن على المسلط فنزعاه من التسلط، فقد زال ولا يزول بأحدهما دون صاحبه، وكذلك إن جمعهما فتبرأ من التسليط ودفع الرهن إليهما فقد برئ منهما، وإن تبرأ إلى أحدهما ودفع إليه الرهن وحده فلا يبرئه ذلك، وهو ضامن لما هلك من حق كل واحد
قوله: دون صاحبه الخ، قال شيخنا رحمه الله: خلافا للشافعية فإنهم قالوا: إذا عزله الراهن انعزل، وإذا عزله المرتهن فلا ينعزل، في الأصح قالوا: لأنه وكيل للراهن، وإذن المرتهن شرط فيه، وما قالوه غير ظاهر إذ هو بمنزلة الوكيل لهمها فجعله وكيلاً لأحدهما دون الآخر تحكم والله أعلم انتهى. وأقول: بل كلام الربيع، رحمه الله، يدل على أنه وكيل الراهن فقط، كما سيأتي، لكن المصنف رحمه الله، نص على أن العزل لا يكون إلا منهما معاً، لأنهما جعلاه بيده معا والله أعلم
قوله: وهو ضامن نما هلك من حق كل واحد منها، يعني – والله أعلم – فإن دفع الرهن للراهن، ضمن لصاحب الدين دينه، إن كانت قيمة الرهن متساوية له أو زائدة عليه، وإلا ضمن له من دينه قدر قيمة الرهن، وإن دفع الرهن للمرتهن ضمن للراهن مثل رهنه إن كان مثليا وقيمته إن كان مقوماً، وانظر هل يدرك نزع الرهن ممن دفعه له إن كان موجوداً، أو يرجع على كل واحد مما دفع عنه إن كان قد هلك، أو يعد متبرعاً، والظاهر الأول كما يؤخذ من كلام أبي زكرياء رحمه الله في باب المسلط حيث قال: وأما إن ادعى، يعني المسلط، أنه قد دفع الرهن إلى الراهن، أو دفع إلى المرتهن حقه، أو دفع الفضل من ثمن الرهن عن حق المرتهن إلى الراهن، فعليه البينة في جميع.
-197 - (4/196)
صفحة 2255
منهما بدفعان الرهن الى غيره من أجل دفعه إياه إليه.
وكذلك أيضاً على هذا المعنى، يجوز لهما أن يسلطاه على بعض هذه الوجوه فقط، مثل أن يوكلاه على حرزه فقط، أو على بيعه فقط، أو
قبض الثمن إذا بيع، حتى يدفعه إلى المرتهن فقط، فلا يتعدى ما وكل عليه مما قيد له إلى غيره، وليس له من غير ما قيد له فعل لم يرجع إليه شيء غير ما قيد له، وإن ذهب الرهن على هذا المعنى في يد المسلط، فهو من مال الراهن، لأنه لم يكن في يد المرتهن، وقال آخرون: هو من مال المرتهن.
وفي الأثر: وإذا ارتهن الرجل رهناً، ووضعه على يد عدل فهلك الرهن وقيمته والدين، سواء، فإن ابن عبد العزيز كان يقول: الرهن بما فيه،
ذكرناه، فإن لم تكن له بينة، فعلى المرتهن اليمين، أنه لم يدفع إليه حقه، أو بعضه، إن ادعى ذلك إليه، وعلى الراهن أيضاً اليمين، أنه لم يدفع إليه الرهن، أو الفضل من ثمنه عن حق المرتهن، أو بعضه، إن ادعى إليه
أو
بعضه
ذلك الخ.
قوله: من أجل دفعه إياه إليه، أي دفع المسلط الرهن إلى الغير، يعني وهو
أحدهما دون الآخر، وفي العبارة تأمل، فإنها عين الأولى، فليراجع. قوله: وقيمته والدين سواء، الجملة حالية ومفهومه أنه لا يكون الحكم كذلك إذا تخالفا، بل إذا زادت القيمة على الدين، ذهبت على الراهن قولاً
-198 - (4/197)
صفحة 2256
وقد بطل الدين، وكان الربيع يقول: الدين على الراهن كما هو والرهن من ماله، لأنه لم يكن في يد المرتهن، إنما هو موضوع على يدي عدل، وبه يأخذ، وإن مات الراهن وعليه دين، والرهن على يدي عدل، فإن ابن عبد العزيز يقول: المرتهن أحق بهذا الرهن من الغرماء، وقال الربيع: الرهن بين الغرماء والمرتهن بالحصص على قدر أموالهم، وإن كان الرهن بيد المرتهن فهو أحق به من الغرماء، وقولهما فيه واحد، وهذا يدل من قول الربيع: أن علة زوال الضمان عن المرتهن كون الرهن بيد غيره، ولذلك جعل المرتهن وغرماء الراهن فيه سواء، وعلى قول الآخرين: العدل في هذا بمقام المرتهن، من حيث لا يجوز للراهن انتزاعه دون أمر المرتهن، والقول الأول هو قول الربيع وعليه العمل.
واحداً، لكونه أميناً، وإذا زاد الدين على الرهن دفعه الراهن أيضاً، والظاهر أنه لا يجري فيه الخلاف إذا كان أنقص وهلك في يد المرتهن، والله أعلم
فليحرر قوله: وقد بطل الدين، يعني حيث تساويا، وأما لو زاد الدين فالظاهر
أنه لا يبطل الزائد قوله: وقولهما فيه واحداً، أي كما يقول غيرهما. قوله: وعليه العمل، يعني ولا يلزم من كونه لا يجوز للراهن انتزاعه أن لا يكون بمنزلته، لأن هذه العلة تعود بالنقض على ابن عبد العزيز بالتعليل بها إذ لا يصح، لأنه مشترك الالزام بينها، لكن ما جعلاه لا ينزعانه إلا معاً
والله أعلم.
-194 - (4/198)
صفحة 2257
وكذلك أيضاً على هذا الاختلاف إن استنفع به المرتهن وهو في
يد المسلط، فعلى قول الربيع: لا ينفسخ باستنفاعه منه من حيث أنه لم يكن في يده بحق، وعلى القول الآخر ينفسخ والله أعلم. والمسلط مصدق في دعواه إذا ادعى تلف الرهن أو ثمنه إذا باعه، أو الفضل الذي كان فيه عن حق المرتهن إذا باعه، لأنه أمين لهم، وقال بعضهم: إن اتهم في جميع هذه الوجوه التي ذكرنا، فعليه اليمين، ويجوز أيضاً للراهن والمرتهن أن أن يجعلا هذا الرهن في يد مسلطين فيحفظانه جميعاً، ولا يتركه كل واحد منهما لصاحبه، ومنهم من يرخص إذا كان أميناً، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، وإن باعه أحد المسلطين دون صاحبه فلا يجوز بيعه إياه، وكذلك المرتهنان والخليفتان، والمأموران على البيع والشراء، والنكاح والعتاق والطلاق، فلا يجوز كل ما فعل أحدهما في ذلك دون صاحبه، إلا أن يجيزه صاحبه أو الأمر الذي أمره أو المستخلف الذي استخلفه على ذلك
قوله: وقال بعضهم إن اتهم الخ، يؤخذ منه الخلاف في المؤتمن، هل يحلف أو لا؛ والمشهور الذي عليه العمل في زماننا، أنه يحلف ويقولون: الأمين أميناً، وعليه اليمين والله أعلم. قوله: فلا يجوز بيعه إياه، يعني إلا أن يجيزه صاحبه بدليل ما بعده
في المشبه
قوله: أو الأمر السخ، المراد بالأمر الجنس فيشمل المتعدد، وكذلك
المستخلف
-199 - (4/199)
صفحة 2258
إذا كانت إمارتهما وخلافتهما في عقدة واحدة، وإن أمر كل واحد منهما على حدة، أو استخلفه على حدة، فما فعل كل واحد منهما دون صاحبه فهو جائز في جميع الوجوه التي ذكرنا، وإن مات الراهن والمرتهن أو أحدهما فورثة كل واحد منهما تقوم مقام مورثهم ويبيع المسلط ويدفع إلى المرتهن أو إلى ورثته حقهم، ويدفع الفضل الى الراهن أو إلى ورثته إن مات إذا كان في الرهن، وإن مات المسلط فإنه يرجع الرهن الى الراهن أو إلى ورثته إن مات، ولا تكون ورثة المسلط في مقامه، لأنهم ليسوا
قوله: تقوم مقام مورثهم، يعني ولا ينفسخ التسليط بالموت، وانظر هل يبيعه المسلط إذا ماتا جميعاً؟ قولاً واحداً كما إذا كان بيد المرتهن، وإن لم يحل الأجل، وإذا مات أحدهما ففيه الخلاف، أولا يبيعه، ولو مانا جميعاً حتى يحل الأجل، إلا على قول من قال: إن الأجل يحل بموت المدين، لأن العلة التي ذكرها لبيعه إذا ماتا جميعاً، وكان بيد المرتهن لا ينافي هنا حيث قال: وذلك فيما يوجبه النظر، أن قول الراهن رهنتك هذا الشيء، يقتضي حبسه بيد المرتهن الخ، وذلك لأن الرهن ها هنا يقتضي حبسه بيد المسلط، فالظاهر أنه وهو حي لا يبيعه حتى الأجل، إلا على قول من قال: الأجل يحل بموت المدين
والله أعلم. قوله: فإنه يرجع الرهن إلى الراهن الخ، ظاهره أن الحكم كذلك بالاتفاق، وإن قلنا أن المسلط في مقام المرتهن، لأن الاتفاق على التسليط يقتضي أن لا يحبس بيد غيره، أعني فينفسخ ويحتمل أن يتمشى على قول الربيع فقط والله أعلم.
- 200 - (4/200)
صفحة 2259
بوكلاء والله أعلم. وإن مات المرتهن فورث منه المسلط بعضه أو ورثه كله، فإن الرهن يكون على حاله في يده، ويبيعه ويستوفي منه حقه وإن كان معه وارث غيره، فليعطه ما نابه لأن المسلط في مقام المرتهن، وأما إن مات الراهن، فورثه المسلط، فإنه يتبعه المرتهن بدينه ولا يكون راهناً مسلطاً رجل واحد، وإن كان الرهن في يد مسلطين فمات
قوله: لأن المسلط في مقام المرتهن، يعني بالنظر إلى البيع، فلا يتولاه غيره مع وجوده، فهو علة لقوله: ويبيعه، فلا ينافي قول الربيع، لأنه في مقام الراهن دون المرتهن، لأن ذلك بالنظر إلى إسقاط الضمان عن المرتهن حيث لم يكن في يده والله أعلم.
قوله: فإنه يتبعه المرتهن بدينه الخ، وذلك لأن الدين قد انتقل إلى التركة، فكما يرث ماله يتعلق به ما عليه وهو ظاهر إذا لم يتبرأ من التركة لضيقها مثلا، ولم يشاركه غيره في الإرث، وأما لو تبرأ منها أو شاركه غيره فيها، فإنه ينظر ما للحكم، والظاهر أن التسليط قد انفسخ على كل حال، لكن إن تبرأ منها لا يتبعه بشيء، وإن لم يتبرأ أو ورث معه غيره، فإنه يتبعه بقدر ما نابه من ذلك، وأما لو تبرأ من التركة مثلاً، وقبل غيره من الورثة، فهل ينفسخ التسليط أولا، والظاهر الثاني والله أعلم فليحرر
قوله: ولا يكون راهناً مسلطاً رجل واحد، في ذلك لأن كونه راهنا يقتضي أن لا يكون الرهن بيده، وكونه مسلطاً يقتضي كونه بيده، فلما تنافيا بطل الرهن، وإنما سمي راهناً، لأنه لما ورثه نزل منزلته في التسمية أيضاً والله أعلم.
- 201 - (4/201)
صفحة 2260
أحدهما وبقي الآخر، فإنه يدفع الرهن إلى الراهن والمرتهن، فيعيدانه رهناً ثانياً من جهة أنه لا يجوز بيع أحد المسلطين دون صاحبه، إلا أن يجيزه الراهن والمرتهن، فهو جائز كما ذكرنا في الوكيلين والخليفتين، وأما الرهن فلا يبطل بموت أحد المسلطين والله أعلم؛ ولا يخرج من التسليط، إذا زال عقله ثم أفاق، لأن ذلك لا يدل على خروجه من
المسلط
التسليط، وإن باع المسلط الرهن الذي بيده، ثم دفع إلى المرتهن حقه
6
أو لم يدفعه، ودفع الفضل إلى الراهن، إذا كان في الرهن أو لم يدفعه ثم رد عليه بعيب كان فيه قبل البيع، فإنه يبيعه ثانية، فإن كان فيه فضل دفعه إلى الراهن بعد ما يستوفي المرتهن جميع حقه، وإن كان فيه نقصان
يصح
قوله: فيعيدانه رهناً ثانياً الخ، ينظر هل المراد إذا اتفقا على ذلك، أو الحكم كذلك، ما لم يتفقا على نزعه، لأن التسليط متفق عليه في الجملة في هذا الرجل، فإخراجه منه لا يكون إلا باتفاقها، وإن كان فعله وحده لا كذلك والله أعلم. وقد يقال: لو أراد المصنف رحمه الله المعنى الثاني، لقال: فيعيدانه له بل المراد أنه هو وغيره سواء، غايته أن الرهن لا يبطل فيتفقان على من يكون عنده. مطلقا والله أعلم، فليحرر.
قوله: فإنه يبيعه ثانية، يعني ولا يخرج من التسليط بالبيع الأول، لأنه لما رجع إليه بالعيب، صار بمنزلة العدم، والله أعلم
قوله: وإن كان فيه نقصان عن الثمن الخ، حاصله أنه إن نقص عن الثمن الأول فتارة يدلس وتارة لا يدلس، فإن دلس فلا رجوع له مطلقا، لا في
- 202 - (4/202)
صفحة 2261
على الثمن الأول، فليس عليه ضمانه إلا أن دلس بالعيب، فيكون عليه ضمان ما نقص على الثمن الأول، وإن لم يدلس بالعيب، لكنه رده بغير جبر الحاكم، فليس عليه ضمان فيما بينه و بين الله، لما نقص عن الثمن
الأول، وعليه الضمان في ظاهر الحكم، لأن قوله غير مقبول على الغير
والله أعلم.
وكذلك المرتهن وخليفة الميت على وصيته، على ما ذكرنا، والله أعلم. وإذا استمسك المسلط بالمرتهن عند الحاكم على أن يبيع الرهن
الحكم ولا فيما بينه وبين الله، لأن الظالم أحق أن يحمل عليه، وإن لم يدلس فإن رده بحكم الحاكم رجع على الراهن مطلقاً، وإن رده من غير حكم الحاكم رجع فيما بينه وبين الله فقط، فإذا أمكنه مثلاً، أن يأخذ من مال الراهن خفية قدر ما نقص فعل، ولا شي ولا شيء عليه والله أعلم
قوله: وكذلك المرتهن الخ، يعني فتارة يدلس وتارة لا يدلس، وإذا لم يدلس، فتارة يرده بحكم الحاكم وتارة بغيره، وقد تقدم ما يقرب من هذا بالنظر إلى التدليس وعدمه، في باب بيع البراءة فيما يتعلق بالوكيل، فليراجع، ولينظر ما الحكمة تخصيص المرتهن وخليفة الميت بالتشبيه، اللهم إلا أن يقال: ان الوكيل حكمه معلوم مما تقدم، وخليفة الميت والمجنون والغائب، شأنه أن يكون المال بيده فيدفع من أموالهم، لأنه قام مقامهم من جميع الجهات، فتدليسه كتدليسهم مثلاً، ما دامت خلافته، ويحتمل أن المدلس يضمن مطلقاً، فليراجع.
- 203 - (4/203)
صفحة 2262
ويدفع إلى المرتهن حقه، فلا يدرك عليه في الحكم، وليس له أن يعطله عليه، وكذلك أيضاً الراهن إذا استمسك به أن يبيع ويدفع إليه الفضل عن حق المرتهن، فلا يدرك عليه ذلك في الحكم، وليس له أن يعطله عليه، وفي النفس من هذا شيء لأنه لا يدرك عليه أحدهما نزع الرهن من يده، فيكون التضييع من قبله، إلا إن اتفق الراهن والمرتهن على ذلك فنعم، فلهم ذلك والله أعلم.
وحده،
قوله: فلا يدرك عليه في الحكم، يعني والله أعلم حيث أو حيث رضي بالتسليط، والله أعلم. قوله: وفي النفس من هذا شيء، يعني والله أعلم، في قوله: وليس له أن يعطله عليه، لأن في نسبة التعطيل إليه قدحاً في حقه، حيث لا يدرك عليه أحدهما في الحكم نزع ذلك من يده وحده، فقد دخل كل واحد منها على ذلك، فلا يكون معطلا أصلا
قوله: فيكون التضييع، يحتمل أن يكون بالرفع تفريعاً على قوله: لأنه لا يدرك، والضمير في قوله من قبله لأحدهما، يعني فحيث لا يدرك النزع، يكون التضييع من قبله، حيث دخل على ذلك، ولا يكون المسلط معطلا، ويحتمل أن يكون بالنصب في جواب النفي، والضمير راجع إلى المسلط، أي لا يدرك عليه حتى يكون التضييع من قبله، فيصير معطلا والله أعلم.
قوله: إلا إن اتفق الخ، الظاهر أنه مستثنى من عدم الإدراك، وفيه نيابة المصدر الأول عن ظرف الزمان، وفيه كلام، والمعنى أنه لا يدرك أحدهما
ذلك إلا وقت اتفاقها والله أعلم.
- 204 - (4/204)
صفحة 2263
و إن أراد المسلط البيع للرهن الذي في يده، فإن الشهود إنما يعطون الشهادة للمرتهن الذي له أصل الدين، فإذا تمت الشهادة فيتولى المسلط
عقد
بيعه
بعد ذلك، ولا يبيعه للمرتهن لأنه بمقامه، والمرتهن لا يكون
بائعاً مشترياً والله أعلم
قوله: لأنه بمقامه، أي بالنظر إلى البيع، فلا ينافي قول الربيع أنه بمنزلة الراهن، لأن ذلك بالنظر إلى عدم ضمان المرتهن، حيث لم يدخل في حوزه، والله أعلم.
قوله: والمرتهن لا يكون بائعاً مشتريا، الظاهر أنه إنما قيد به، لكون الوكيل والخليفة قد يتوليان الطرفين، والمفهوم إذا كان فيه تفصيل لا يعترض به والله أعلم. ويحتمل أن يكون المراد بائعاً مشترياً لنفسه، فلا فرق بينه وبين
الوكيل والخليفة والله أعلم.
- 205 - (4/205)
صفحة 2264
باب في احكام الرهن
وما للراهن من الحقوق في الرهن وما عليه وما للمرتهن وما عليه واختلافهما في ذلك
وفي الأثر: وإن قال المرتهن للراهن: قد انفسخ رهنك، أو تبريت من رهنك، فلا يشتغل الراهن بقوله؛ وذلك لا يرجع الرهن الى الراهن إلا باتفاقها جميعاً، في قول بعض الفقهاء، وقال بعضهم: يرجع الرهن إلى الراهن ويحكم عليه بالمال الآن، والقول الأول يدل من قائله أن الرهن
باب في أحكام الرهن وما للراهن من الحقوق
في الرهن وما عليه، وما للمرتهن وما عليه واختلافهما في ذلك قوله: قد انفسخ رهنك، يعني إني فعلت فيه فعلا يوجب الفسخ، كالانتفاع
به مثلا
قوله: فلا يشتغل الراهن بقوله، ظاهره ولو بين ذلك، كما يدل عليه قوله
باتفاقها.
قوله: ويحكم عليه بالمال الآن، يعني إذا كان الأجل حالاً، وأما إذا لم يحل
19.71 (4/206)
صفحة 2265
من العقود اللازمة، فلا يصح فسخ أحدهما دون صاحبه، ويؤيد هذا، أن ما كان عقده و تصحيحه بالقول، فلا ينفسخ إلا بالقول، أصله سائر العقود. فإن قال قائل: لا ينفسخ الرهن إذ باستنفاع المرتهن على هذا القياس، قيل له: على هذا المذهب فنعم، يدل عليه ذلك ويدل أيضاً على ذلك أن بعض الفقهاء جوزوا بيع مقام الرهن وهبة مقام الرهن، فأقاموه مقام
الرهن.
الأجل، فالظاهر أن دينه يبقى بلا رهن، ومراده بقوله الآن: أنه لا ينظر به بيع الرهن لانفساخه، ويحتمل أن المراد بقوله الآن: أنه يحكم عليه بالمال، وإن لم يحل الأجل، لأن الرهن ثقة بالمال، وقد زالت الثقة، ولعله إنما جاز الأخذ قبل الأجل، لأنك إذا تأملت وجدت الرهن له قسط في إسقاط الثمن عند البيع، لأنه لولا ذلك الرهن مثلاً لم يبعه له بذلك الثمن، وهذا هو المتبادر من كلامه، والله أعلم فليحرر. لم يبين رحمه الله ما هو الراجح من القولين، وذكر فيما سيأتي أن المعمول أنه به ينفسخ باستنفاع المرتهن، وعليه غرم ما استنفع به. قوله: يدل عليه ذلك، أي يدل على عدم الإنفساخ، كونه كسائر العقود، وفي نسخة يدل على ذلك والله أعلم.
ينفسخ
قوله: فأقاموه مقام الرهن، لعله فأقاموهما، يعني فدل ذلك على أنه لا، لأن البيع والهبة لا ينفسخان، فلو كان الرهن ينفسخ لم يصح قيام البيع والهبة مقامه، لما يلزمهما من الإنفساخ، وذلك باطل فيهما عند استيفاء الشروط، وإنما أقيما مقام الرهن، ليكون للشيء المبيع أو الموهوب أجل
- 207 - (4/207)
صفحة 2266
وفي الأثر أيضاً: وقد يجوز عند شيوخ أهل جادو هبة مقام الرهن، أن يقول الراهن للشهود عند الإشهاد عليها: لفلان بن فلان على وهو كذا وكذا الشيء، يسميه ويسمي أجله إذا كان له أجل، ثم يقول لهم بعد ذلك: الفدان الذي لي في مكان يسمى بكذا وكذا، بكله وكل ما فيه من الناس إلى الناس وهبته له هبة مقام الرهن، وكذلك بيع مقام الرهن أن يقول له: بعته له بيع مقام الرهن بكذا وكذا، وهو الدين الذي أقوله
كالرهن، وإنما جعلوه بيعا أو هبة ليستنفع به المرتهن، ولعل المراد بهذا هو البيع المسمى عند غيرنا: بيع عهد ووفاء، وبيع وإقالة، فإنه جائز عند الحنفية والمالكية، لكن يشكل عليه ما سيأتي من أن بعض من جوز هذا البيع يقول: لا يذهب الدين بذهابه، وكيف يكون الشيء بيده على وجه البيع ولا يذهب عليه، هذا في غاية الإشكال، وأما الهبة فيظهر فيها عد عدم الضمان، لكن يشكل من جهة كونها هدية مدين، وأجاب المصنف رحمه الله فيما سيأتي من عدم الذهاب، بأن المال لم يتعلق بذلك الشيء، وانظر هل مراده، رحمه الله، نفي التعلق فقط، وأن ذلك الشيء يضمنه المشتري أو الموهوب له، إذا بلغ الأجل، وأراد فسخ ما بينها، ليأخذ دينه من البائع والواهب، ويدفع له قيمة ما ذهب في يده، أو مراده نفي التعلق والضمان أيضاً، وأنه نزلة الأمانة فيذهب من غير مقابل، والظاهر الأول فيحل الإشكال بالنسبة إلى البيع، وإن كان المتبادر من كلامه الثاني والله أعلم، فليحرر.
قوله: عليها، أي على الهبة
- 208 - (4/208)
صفحة 2267
به أول مرة، فيكون عنده مثل الرهن الأول، ولا يبيعه حتى يبلغ الخبر عليه عند الحاكم، وينادي عليه ويستقصي ثمنه مثل الرهن، وقد كانوا يذكرون في هذه الهبة والبيع اللذين هما مقام الرهن وجوهاً، يختلفان فيها مع الرهن من الاستنفاع والذهاب، إلا أني لا أقوم بحفظها الساعة والله أعلم. وهبة مقام الرهن وبيعه لا ينفسخ باستنفاع المرتهن منه، ولا يذهب ماله، وهو أسوة بين المرتهن وغرماء الراهن إذا أفلس. ومنهم من
يقول: هبة مقام الرهن وبيع مقام الرهن مثل الرهن فيما ذكرنا.
فإن قال قائل: أليس يجب على قياس قول من جوز هبة مقام الرهن
->
قوله: مثل الرهن الأول، أي الذي ليس فيه لفظ البيع والهبة، ويحتمل أن يكون المراد بالرهن الأول المحدث عنه أولاً، وهو الرهن الذي أقيمت الهبة مقامه، لأنه لو أراد المطلق لأطلق، وهذا هو الظاهر والله أعلم قوله: ولا يبيعه الخ، نفى به ما يتوهم من أنه لما كان فيه البيع والهبة لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه الرهن وا والله أعلم
قوله: من الإستنفاع والذهاب، لعل هذا هو المصطلح عليه في زماننا المسمى ببيع وإقالة.
قوله: على قياس قول من جوز الخ، يعني وفرق بينها وبين الرهن حيث قال لا يذهب الدين بذهابه، وأما من جوز ذلك ولم يفرق فلا يرد عليه السؤال
والله أعلم.
- 209 -
ه م 14 - الإيضاح، (4/209)
صفحة 2268
وبيع مقام الرهن أن يذهب مال المرتهن بذهابه، لأنه لم يكن بيده على سبيل الأمانة على هذا الوجه، وإنما كان بيده من جهة الهبة أو البيع. قيل له: ليس كون الرهن أمانة مما يوجب ألا يذهب مال المرتهن بذهابه،
قوله: لم يكن بيده على سبيل الأمانة الخ، يعني حتى لا يذهب الدين بذهابه بل يذهب بذهابه حيث كان من جهة الهبة، أو البيع ولم يكن أمانة على مقتضى السؤال والجواب، أن كون الرهن أمانة لا يقتضي عدم الذهاب، بل المقتضى لعدم الذهاب عدم التعلق، والمتقضى للذهاب التعليق، ففي الرهن يذهب المال بذهابه لتعلق الرهن به، والدليل على التعلق اختصاصه به عند التفليس أو الموت، فحاصل الجواب والله أعلم - منع قول السائل، لأنه لم يكن بيده على سبيل الأمانة وإثبات أنه أمانة يستفاد منه أن الرهن أمانة لكن إن تعلق الدين به ذهب بذهابه كما إذا أخذه ولم يشترط أن لا يكون عليه شيء من الآفات التي تصيبه وإن لم يتعلق به كما إذا اشترط ذلك لم يذهب بذهابه. هذا هو الراجح، وذهب بعضهم إلى أنه من ضمانه مطلقاً كما سيأني مع دليل كل لكن يشكل كونه أمانة في بيع مقام الرهن وهبة مقام الرهن مع جواز الإنتفاع به كأكل الغلات مثلا، اللهم إلا أن يكون المراد أنه لا ينفسخ بالإستنفاع وليس المراد أنه يجوز له الإستنفاع، كما قد يتوهم فيكون كالرهن في كونه لا ينفسخ بالإستنفاع على القول به، لكن إن استنفع به قوم ذلك عليه، والذي يدل على أن المصنف رحمه الله، لم يجوز له الإستنفاع فيما ذكره قوله، وقد كانوا يذكرون في هذه الهبة والبيع، وإلى قوله من الإستنفاع والذهاب الخ، فيؤخذ منه أن الإستنفاع به، وذهاب ماله إذا ذهب له وجوه أخرى لا يستحضرها الآن، فينحل غالب الإشكال إلا أنه لا يظهر، لكونه بيعاً وهبة معنى والله أعلم
فليحرر. وسبب الحيرة عدم من يفصح لنا عن المراد والله المستعان
- 210 - (4/210)
صفحة 2269
،
وإنما يذهب مال المرتهن إذا ذهب الرهن، لتعلق حقه فيه، ولذلك صار أحق بالرهن من غرماء الراهن إذا أفلس، فلهذا المعنى كان هبة مقام الرهن وبيع مقام الرهن لا يذهب مال المرتهن بذهابه، وهو أسوة بينه وبين غرماء الراهن إذا أفلس، لأنه حقه في هذا الوجه متعلق بالذمة لا بالرهن. فإن قال قائل: فإذا ينفسخ الرهن في هبة مقام الرهن وبيع مقام الرهن باستنفاع المرتهن به على هذا المعنى، ويكون أمانة، لتساوي المرتهن وغرماء الراهن فيه. قيل له: قد أعلمناك أن الرهن لا ينفسخ باستنفاع المرتهن إذا كان عقداً من سائر العقود، لأن ما يعقد بالقول فأحرى ألا ينفسخ إلا بالقول، ولهذا المعنى قلنا: لا ينفسخ الرهن في هبة مقام الرهن وبيع مقام الرهن باستنفاع المرتهن والله أعلم.
وفي الأثر: وقد روي عن أبي هارون الجلالي وجه آخر من البيع الذي هو مقام الرهن، وهو أن يأتي الذي يريد أن يأخذ الدين الى الذي يطلب من عنده، وهو صاحب ثياب أو طعام، فيطلب من عنده فيقول له: إني أبيع كل ثوب بدينار نقداً، وبدينار ونصف كل كساة إلى أجل كذا وكذا، فيسميه أو ما أشبه هذا من السوم الذي يكون بينهما ثم يتفقان على أمر معروف نحو عشرة أثواب بخمسة عشر ديناراً، أو عشرة أمداد بخمسة عشر ديناراً، أو ما أشبه ذلك، ثم يأتيان الى الشهود
-711 - (4/211)
صفحة 2270
قاطعاً
ثم يقول لهم البائع: إنما أريد أن أبيع فداني الفلاني، أو داري الفلانية لهذا الرجل بيعاً قاطعاً، ثم يقول المشتري: إنما اشتريه من عنده شراء، فليبعه له بعشرة دنانير الذي اتفقا عليها أول مرة فيقبضه من عنده وهو يساوي أكثر من ذلك عشرين ديناراً، أو أقل أو أكثر، فيمكث في يده إلى أجل الذي بينهما، فيأتي إليه فيقول له: إنك بعتني فدانك أو دارك بعشرة دنانير، فإن شئت اشتريه مني بخمسة عشر ديناراً، وإلا أبيعه لغيرك بما شئت، فليبعه بخمسة عشر ديناراً، فيقبضها من عنده، فإن أبى أن يشتريه منه بخمسة عشر ديناراً، فليبعه لغيره إن شاء،
قوله: ثم يقول لهم البائع، أي وهو مشتري الثياب مثلا، والظاهر أن في النسخة سقطا حاصله انها يتفقان أيضاً على أن هذا المشتري يبيع له الفدان الفلاني، أو الدار الفلانية، بعشرة أو نحو ذلك فليراجع.
قوله: فيقبضه، أي ذلك الشيء، وهو الفدان أو الدار مثلا، فيصرف فيه بالاستنفاع حيث كان شراء، وأما الثمن الذي هو بعشرة مثلا، فالظاهر أنه لم يدفع منها شيئاً كما يدل عليه كلامه أولاً وآخراً، فإنه لم يتعرض لها لا قبضاً ولا رداً والله أعلم. قوله: إلى أجل الذي بينها ظاهر هذا الكلام يقتضي أن الأجل لا يطلعان عليه الشهود وفيه تأمل فليحرر.
قوله: فليبعه لغيره إن شاء، ظاهره أنه يجوز له إمساكه، حيث رد ذلك إلى مشيئته، وهذا غير ظاهر، حيث كان مأموراً بالاستقصاء، ورد البقية عليه
- 212 - (4/212)
صفحة 2271
فيستقصي ثمنه في البيع والمناداة ويستوفي منه خمسة عشر ديناراً، ثم يرد عليه البقية والله أعلم. وإنما جاز هذا فيما يوجبه النظر، لأنه قد خالف بيع الذرائع، من جهة أن الزيادة في بيع الذرائع مقابلة الأجل، وفي هذا البيع مقابلة لرجوع المبيع إلى صاحبه أو غيره، فأشبه من جهة البيع والزيادة بيع الإقالة بزيادة، ومن جهة البيع والأجل أشبه الرهن إلى أجل فصار بينهما، ولذلك جاز فيه ما ذكرنا والله أعلم بحقيقة ذلك. وإذا
اللهم إلا أن يقال: الضمير في شاء راجع إلى صاحب الفدان مثلاً، يعني إن شاء البيع لغيره ولم يشأ لنفسه، وهذا هو الظاهر، لا يقال يمسكه لنفسه بعد الاستقصاء لما تقدم من أن المرتهن لا يكون بائعاً مشترياً، والله أعلم، فليحرر.
قوله: ويستوفي منه خمسة عشر ديناراً الخ، ينظر حكم ما لو نقص عنها بعد الاستقصاء في المناداة، والظاهر أنه يتبعه به حيث يدفع له الزائد كالرهن والله أعلم،، فليحرر.
قوله: من جهة أن الزيادة الخ، فيه أن كون الزيادة مقابلة للأجل:، لا تضر مطلقاً وإلا لم يجز بيع الدين، بل الظاهر في التعليل، أن يقال: من جهة أنه لا يصدق عليه بيع الذرائع، لأنك إذا أضفت البيعة الأولى إلى الثانية وجدته ردت إليه سلعته، ولم يقبض عشرة يدفع فيها خمسة عشر، بل إنما قبض ثياباً كما هو ظاهر.
قوله: وإذا رهن؛ في الصحاح: رهنت الشيء عند فلان، ورهنته الشيء بمعنى، فالمناسب رجل رجلاً.
- 213 - (4/213)
صفحة 2272
رهن رجل لرجل أرضاً فاستحق بعضها، فالمرتهن بالخيار إن شاء رضي الذي صح للراهن من ذلك، ويسته في منه حقه، وما بقي من ماله فليرجع به على الراهن، وإن شاء رجع عليه بماله كله، كما يجوز ذلك في البيع والصداق، وقد ذكرنا ذلك في باب البيع، وهذا إذا لم يعرف المرتهن والمشتري والمرأة بالشريك، وإن عرفوا به أول مرة فليس لهم أن يقيموا على ما بقي، وجائز للشهود أن يشهدوا لهم عليه إذا أقاموا على ما بقي؛
قوله: فاستحق بعضها الخ، وأما لو استحقت كلها فسيأتي بيانه من كونه تارة يشترط الرهن عند العقد، وتارة لا يشترط قوله: وإن شاء رجع عليه بماله كله، يعني عند الأجل لأن الأجل له قسط من الثمن، والله أعلم
قوله: كما يجوز ذلك في البيع والصداق، وذلك أنه إذا استحق من الشيء المعلوم بعضه خير صاحبه أن يرضى بها بقي، ويرجع على البائع، أو المصدق بقدر ما ناب الحصة التي استحقت، وإن شاء رجع عليه بثمن الجميع في البيع، أو قيمته في الصداق، لأن الشريك عيب كما تقدم.
قوله: فليس لهم أن يقيموا على ما بقي، يعني على المختار عنده من أن العقدة إذا اشتملت على ما يجوز وما لا يجوز كانت فاسدة، والمراد إذا اشتملت قصداً كما يدل عليه قوله. وإن عرفوا به.
قوله: أن يشهدوا لهم أي لهؤلاء المذكورين من المرتهن والمشتري والمرأة. قوله: عليه، أي الرهن أو البيع أو الصداق، يعني بتمامه، ويخبرون بما استحق الخ.
-718 - (4/214)
صفحة 2273
ويخبرون بما استحق من ذلك، ولا يضر ذلك شهادتهم شيئاً، وكذلك أيضاً إذا رهن رجل لرجل نصف فدان معروف ثم استحق نصف ذلك الفدان، فللمرتهن نصف ذلك النصف الباقي وهو ربع الكل، وقال بعضهم: له ذلك النصف كله وكذلك البيع والصداق والله أعلم. وأما إذا رهن رجل لرجل فدانين أو ثلاثة، فاستحق أحدهما، فقد انفسخ رهن الباقي منه، ولا يصيب أن ينعم بالباقي منهما، لأنه مجهول الثمن، وكذلك البيع والصداق على هذا المعنى بخلاف ما إذا استحق منها نصيب معروف فيكون الباقي معلوم الثمن، ولذلك جاز فيه أن ينعم المرتهن بالباقي
قوله: ولا يصيب أن ينعم بالباقي منها الخ، يعني ما لم يعين لكل واحد ما يخصه من الدين، كما تقدم نظير ذلك في بيع الأشياء المتعددة في عقدة واحدة، إذا ظهر في واحد منها عيب، فإنه يرد ذلك وحده، ويرشد إلى هذا قوله رحمه الله، لأنه مجهول الثمن والله أعلم.
قوله: لأنه مجهول الثمن، الأولى هنا أن يقول مجهول ما يخصه من الدين، والله أعلم.
قوله: ولذلك جاز فيه أن ينعم الخ، الظاهر أنه إنما فرض المسألة في الأرض والفدادين مثلاً، ليصح الانعام بالباقي، لأنه ذكر فيما تقدم في باب الاستحقاق ما نصه: وإنما يجوز أن ينعم فيما يجوز فيه بيع التسمية من الحيوان وغيرها، وأما ما يكال وما يوزن فلا، انتهى، وذكر أيضاً أن جواز الانعام بالباقي، إنما يتأتى على مذهب من يقول إن العقدة الواحدة إذا اشتملت على ما
15101 (4/215)
صفحة 2274
والله أعلم. ولا يجوز رهن في رهن ولا عوض في رهن، لأنه إذا استحق الرهن من يد المرتهن أدرك على الراهن أن يرهن له ما يستوثق به في ماله، إذا كان اتفاقهما أول عقد أخذ الدين على ذلك، أو يعطي ماله، وليس الرهن بيد المرتهن بالملك فيدرك عليه العوض و الله أعلم.
يجوز وما لا يجوز، صح ما يجوز وبطل ما لا يجوز، يعني وأما على الراجح
فتفسد العقدة كلها، ولعله إنما ترك ذلك هنا للعلم به مما تقدم، والله أعلم. قوله: ولا يجوز رهن في رهن الخ، كأن المراد أنه لا يجوز جعله ابتداء ولا اشتراطه على تقدير الاستحتماق، لكن إذا استحق أدرك هنا آخر، أو الثمن كما قال المصنف رحمه الله. قوله: أدرك على الراهن أن يرهن له، إلى قوله: أو يعطي له ماله، ظاهره أنه لا بد من أحد الأمرين في الحال، وليس بظاهر على إطلاقه، ولعل المراد إذا حل الأجل لأنه لا يجوز أخذ الدين قبل الأجل لما يؤدي إليه من أخذه حقه، لأن الأجل له قسط من الثمن، اللهم إلا أن يقال: إن الرهن له دخل في إسقاط بعض الثمن، فإنه من المعلوم أنه لا يستوي في الثمن من يشتري بالرهن، ومن يشتري بغير الرهن، فلما ذهب الرهن ولم يجد رهنا يستوثق به، صار بمنزلة من باع حاضراً، ويمكن أيضاً أن يتمشى على قول من أجاز أخذ الدين قبل الأجل، إذا رضي المدين، وهذا لما لم يدفع له رهنا
أكثر
من
يستوثق به جعل راضياً بدفع الدين، لأن خيريته تنفي ضرره والله أعلم. قوله: على ذلك، أي على الرهن، يعني وأما إذا لم يقع البيع على الرهن ودفع له الرهن بعد ذلك فاستحق، فلا يدرك عليه رهنا آخر لأنه متطوع
بالرهن.
قوله: فيدرك عليه العوض، فهو بالنصب في جواب النفي، يعني أنه لا
- 216 - (4/216)
صفحة 2275
وإذا رهن رجل لرجل رهنا فإذا هو حرام فإن المرتهن يرده
لصاحبه دون الراهن، وكذلك الوديعة والعارية والبضاعة إذا كانت بيد رجل مسلم ثم علم أنها حرام، فإنما يرد جميع ذلك لمولاه دون الذي جعل ذلك في يده إذا علمه، وإن لم يعلمه فليبعه وينفق ثمنه، ولا يرد الذي جعله في يده، لأن ذلك تصرف في مال الغير بغير حق، ومنهم من يرخص في رد ذلك الى الذي في يده إذا جاء معترفاً وعلم منه الإنصاف لأنه أعلم بذلك منه والله أعلم. وإذا كان لنصراني على نصراني دين، فرهن له فيه رهناً هو خمر أو خنزير أو ما أشبه ذلك من الأشياء المحرمة عند أهل الإسلام فباعه المرتهن، ثم قضى منه ماله، ثم أسلما جميعاً بعد ذلك، فقد برئ الراهن من الدين بعدما استو في المرتهن جميع حقه في حال شركهم من تلك الأشياء، والإسلام جب لما قبله، وكذلك ما اقتسمه المشركون في حال شركهم من مواريثهم على خلاف قسمة مواريث أهل
يدرك عليه العوض بعينه، لأن الرهن ليس بملك للمرتهن، بل يخير المدين بين الأمرين والله أعلم.
قوله: ثم علم أنه حرام، ظاهره أنه لو علم ذلك ابتداء لا يجوز له أخذه، وهو ظاهر، وهل يقال: إذا علم بذلك وعلم صاحبه يأخذه منه رهناً أو وديعة أو نحو ذلك، ليتوصل بذلك إلى دفعه لصاحبه، وهو الظاهر لأنه من باب المعروف، والله أعلم فليحرر.
- 217 - (4/217)
صفحة 2276
الإسلام، ثم أسلما بعد ذلك فقد مضى لسبيله، ولو كان في أيديهم، إلا ما أدخلوا به الإسلام ولم يقسم فليقسموه على قسمة أهل التوحيد، لقوله عليه السلام: (أيما دار قسمت في الجاهلية فهي على قسمة الجاهلية،
(1)
و أيما دار أدركها الإسلام ولم تقسم فهي على قسم الإسلام))، وكذلك أيضاً إذا أسلم الراهن والمرتهن جميعاً والرهن المحرم بيد المرتهن فلا يبيعه ولا يستوفي منه حقه، ولكن يرجع على الراهن بحقه فيغرمه إياه، وإن أسلم الراهن وبقي المرتهن في الشرك، وباع الرهن المحرم واستوفي منه حقه، فلا يبرئ بذلك الراهن مما عليه من حق المرتهن، لأن ذلك حرام عليه، فلا يقضى به تباعته، كما لا يحل له أكله، وأما إن أسلم المرتهن وبقي الرهن بيده، والراهن في الشرك، فإنه لا يقضي حقه مما هو حرام ا
قوله: فلا يبعه، يعني ولكن يريقه، أو يقتله لقوله عليا بلاد (بعثت بقتل الخنزير وإراقة الخمر) والله أعلم. قوله: ولكن يرجع على الرهن بحقه فيغرمه إياه، ينظر هل ينزل الإسلام بالنظر إلى الرهن المحرم منزلة الاستحقاق بالنظر الى المحل، فيؤمر المدين بدفع رهن آخر أو بدفع المال، أو يؤمر بدفع المال مطلقاً، من كلامه، المتبادر. وهو أو إذا حل الأجل وهو المناسب لكون الأجل له قسط، من الثمن أو كيف الحال
والله أعلم، فليحرر. قوله: فإنه لا يقضي حقه الخ، أي لا يبيع ذلك ويستوفي منه حقه،
(1) تقدم ذكره.
- MIA- (4/218)
صفحة 2277
عليه، ولكن يدفعه إلى الراهن ويرجع عليه بحقه، فإن قال قائل: من أين جاز له أن يدفعه إلى الراهن ولا يجوز له أن يقضي منه حقه؟ قيل له: لا يجوز له أن يقضي منه حقه، لأن ما كان عليه حرام أكله فثمنه حرام عليه، لقوله عليه السلام: (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها
علم
أنه ثمن محرم
وانظر ما إذا باعه صاحبه بعد ما دفعه له لمن يدين بحل ذلك، كنصراني آخر وعلم بأن ذلك ثمن الخمر أو خمر آخر مثلا، هل يجوز له أخذ ذلك في حقه، لأنهم يدينون محل ذلك، فهو والزيت مثلاً عندهم على حد سواء، فالعبرة بما يعتقدونه أو لا يجوز له ذلك حيث، وأن العبرة بما يعتقده؟ وهو الظاهر من كلام المصنف. رحمه الله، ولم نر عندنا نصاً في ذلك فليراجع، ثم رأيت في الدليل والبرهان ما هو صريح في الجواز، إذا كان أهل الكتاب هم الغالبين، والعياذ بالله، حيث قال: ويعاملونهم في أموالهم، ويحذرون منها شيئاً، ولو كان أثمان الخنازير، أو أثمان الربا ولا يعاملونهم بالربا، ولا يأكلوا من خنازير هم الخ، لكن ينظر هل إجازة ذلك بالنظر إلى التدين، أو لأجل ضرورة غلبتهم، والظاهر الأول فيجري ذلك، ولو كان الظفر للمسلمين والله أعلم فليحرر. ويشهد له جواز أخذ ما غنموه من المسلمين فليراجع، وإنما خص عليتهم بالذكر، لأنها هي التي يتأتى فيها ظهور كونه ثمن خمر أو خنزير، ومما يدل على أن العبرة بالدين قول أصحابنا رحمهم الله، أنه لا يجوز أخذ الجزية في زمان الكتمان، وأنه لا يعامل فيها من أخذها، إلا إذا قادته ديانته إلى ذلك قوله: لأن ما كان حراماً عليه أكله فثمنه حرام، يعني إذا بيع للأكل وأما إذا بيع لمنفعة غير الأكل، فيجوز أكل ثمنه فلا يرد ما تقدم في صدر الكتاب من جواز بيع أمور لمنفعة غير الأكل والله أعلم.
قوله: فجملوها، هو بالجيم، أي أذابوها
- 219 - (4/219)
صفحة 2278
وباعوها وأكلوا أثمانها) (1)، وقاس الثمن الى المثمن، وأما أن يدفعه إلى الراهن فليس بمستنكر أن يدفع الرجل ما هو حرام علينه الى من هو بشرعه حلال عنده، أصله الخليفة خليفة اليتيم يدفع إلى اليتيم ماله الذي هو حلال له وحرام على الخليفة أكله، وقد أمرنا الله أن نعقد لأهل الكتاب الذمة ويقرون على كتابهم الذي به تمسكوا، وقال لنبيه عليه
(2)
السلام وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله)، وكذلك
أيضاً من أفسد شيئاً من المسلمين فما ذكرنا لأحد المشركين فليعط قيمته بنظر عدول أهل الشرك.
قوله: فليس بمستنكر أن يدفع الخ، ظاهر هذا يقتضي أنه إذا تنجس شيء بنجاسة يختلف فيها كبول ما يؤكل لحمه مثلا، يجوز دفعه لمن يرى طهارة ذلك والله أعلم. قوله: أصله الخليفة الخ، قال شيخنا رحمه الله: هل يفرق بين المقيس والمقيس عليه، إذ الحرمة في المقيس عليه عارضة، وفي المقيس أصلية النهي، يعني؛ وشرط القياس إتحاد العلة
عليهم
شرطه
قوله: فليمط قيمته الخ، هذا إذا لم يظهروه، وأما إذا أظهروه فيفسده، ولا شي عليه بل إن قدر على ذلك وجب عليه، لأن عقد الذمة لهم إظهار ذلك، لكن ينظر هل يجوز إفساد العنب عليهم مثلاً، إذا
عدم
(1) تقدم ذكره. (2) المائدة: 3:
- 220 - (4/220)
صفحة 2279
وفي الأثر: وإذا كان لأحدهما دين من سلف أو سلم أو ثمن سلعة
6
وهو من تلك الأشياء المحرمة نحو الخمر ولحم الخنزير، ثم أسلما جميعاً فليقض الذي عليه الدين ثمنه بقيمة أهل الشرك، وأما أهل التوحيد فليس لذلك قيمة عندهم، ولا ينبغي للآخر أيضاً أن يأخذ عنه ثمن الخمر والخنزير، والأصل فيه قوله عليه السلام: (من أسلم على شيء وهو في بده فهو له)، وتركهم على مناكحتهم ومناسبتهم لم يغير عليهم شيئاً إذا أسلموا، وإذا رهن رجل لرجل رهناً ثم غصب منه فرده بعد ذلك أو رد عليه، فهو رهن على حاله، لأن زوال القبض بغير حق من يد المرتهن لا يبطل الرهن، وإذا تلف عند الغاصب ثم غرم قيمته ومثله، فإنه يكون رهناً بيد المرتهن مثل الرهن الأول قياساً عليه كما قال عليه السلام: (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها)،
علم أنه أخذ لذلك وبعد نقله جهاراً من الإظهار، أو لا يجوز حتى يظهر ذلك
بنفسه والله أعلم فليحرر.
قوله: وهو، أي الدين.
هو
الذي
قوله: ثمنه بقيمة أهل الشرك، يعني إذا كان مسلماً، لأنه يحتاج للتقويم، وأما الثمن فالظاهر أنه يدفع له ما ترتب في ذمته والله أعلم.
قوله: والأصل في هذا، أي في الجواز.
- 221 - (4/221)
صفحة 2280
فقاس الثمن الى المثمن، وأما المضارب إذا غصب منه مال المضاربة ثم رد عليه الغاصب بعينه، فإنه يكون عنده أيضاً على حاله الأول من المضاربة إذا ضارب به قبل ذلك أو لم يضارب، وإن تلف ذلك المال عند الغاصب ثم غرم للمضارب مثله أو قيمته، فإنه يكون عنده أيضاً على حاله الأول من المضاربة إذا ضارب به قبل ذلك، وإن لم يضارب به قبل ذلك فلا يكون عنده على المضاربة حتى يرده إلى صاحبه فيعيده إليه مرة ثانية على المضاربة، فإن ضارب به قبل أن يرده إلى صاحبه فلصاحب المال جميع الربح، ويكون له أجرة مثله، ويكون عليه ضمانه إذا هلك، والفرق بين الرهن والمضاربة فيما يوجبه النظر أن الرهن محبوس في الدين
قوله: وأما المضارب الخ. لما كان فيه تفصيل فصله، وهذا في الحقيقة استطراد بالنظر لما نحن فيه. قوله: فيعيده إليه مرة ثانية، يتعين أن يكون المراد بالمثل في هذه الصورة، إذا كانت المضاربة الأولى صحيحة مثل الدنانير في دراهم ودراهم في دنانير كما هو ظاهر. قوله: ويكون عليه ضمانه الخ، لعله إنما لم يكن الخراج بالضمان ها هنا لأنه صار متعدياً، ولعل هذا بناء على الراجح من أن التعدي على مال الغير ليس له من الفائدة شيء، لكنه لما دخل يده أولاً بوجه شرعي جعلوا له أجرة المثل، وإلا فالقاعدة في المضاربة الفاسدة أنه له الأجرة ولا يضمن، والله أعلم فليحرر.
- 222 - (4/222)
صفحة 2281
والمرتهن فيه خصيم وقيمته مثله، أصل ذلك حبس تركة الميت في ديونه، والديون تخرج من التركة نفسها ومن قيمتها إذا أتلفها متلف، والمضارب وكيل لصاحب المال، والوكالة في معين تبطل إذا تغير المعين إلى غيره من قيمة أو مثل، والفرق الآخر أن المضارب يرجع المال الى صاحبه إن أراد ذلك، والمرتهن لا يصيب ذلك إلا برضاء الراهن، ولهذا أيضاً فرقوا بين أن يضارب به المضارب قبل الغصب، أو لا يضارب، لأنه إذا ضارب بالمال صار خصيماً فيه وشريكاً لصاحب المال، ولم تبطل المضاربة بتغيير الغاصب لها بعد ذلك لأن التغيير قد سبق إليها،
والله أعلم.
وفي الأثر: وإذا كان لرجل على رجل عشرون ديناراً، فرهن له فيه رهناً، ثم استحق في يد الراهن نصف تلك الدنانير التي تسلّفها من عند المرتهن أو ثلثها أو ربعها، فلا يجوز الرهن فيما بقي منها إلى أن يعيده
قوله: التي تسلفها، أراد بالسلف القرض، لأن السلف الذي هو السلم لا يجوز فيه الرهن، كما تقدم
قوله: فلا يجوز الرهن فيما بقي الخ، لعل هذا إذا لم يشترط أن يكون بيده إلى آخر حقه، لأن الظاهر أن الإستحقاق بمنزلة الدفع، أو بناء على أن العقدة الواحدة إذا اشتملت على ما يجوز وما لا يجوز كانت فاسدة، لكن هذا
-223 - (4/223)
صفحة 2282
رهناً ثانياً، وإن غرم المرتهن للمستحق ما ينو به من تلك الدنانير فالرهن على حاله ثابت، فهذا فيما يوجبه النظر منهم يدل أن ما يكال أو يوزن إذا تصرف فيه غير مالكه ممن كان في يده، صار تصرفه تفويتاً له وعليه
المثل لصاحبه، والله أعلم.
وأما إن تزوج الرجل امرأة بصداق معروف، فرهن لها فيه رهناً من قبل أن يمسها، ثم مسها بعد ذلك فالرهن جائز على حاله الأول، وإن طلقها من قبل أن يمسها أو وقعت بينهما حرمة، فهو رهن لنصف
يقتضي أن لا ينعم في الرهن إذا استحق بعضه، بل لا بد من إعادته له رهنا ثانياً مع أنه لم يذكره، فالظاهر التوجيه الأول بدليل التقييد الآتي في الزوجة والأجير، والله أعلم.
جميع
قوله: فهذا فيما يوجبه النظر الخ، استنبطه رحمه الله من تصرف المرتهن في الدنانير ودفعها للراهن وتصحيح الرهن عند غرم مثل ذلك للمستحق، أن ما يكال أو يوزن إذا تصرف فيه غير مالكه إنما يلزم بالمثل فقط وليس عليه غير ذالك ولو استفاده فيه، ولعل هذا في غير الغاصب أو فيه أيضاً على المرجوح والله أعلم. قوله: أو وقعت بينها حرمة، يعني من قبل أن يمسها، والأولى تقديمه على قوله من قبل أن يمسها، لأن التقييد المعطوف عليه لا يستلزم تقييد المعطوف كقوله تعالى: الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا) (1)، بخلاف ما إذا أكرمت زيداً وأهنت عمراً يوم الجمعة والله أعلم.
تأخر نحو
(1) سورة الأنفال: 66.
- 224 - (4/224)
صفحة 2283
الصداق الذي هو ثابت للمرأة إذا اشترطت أن الرهن في يدها إلى آخر حقها، لأن نصف الصداق مرجوع الى الراهن الذي هو الزوج بالطلاق وكذلك أيضاً إذا أعطت نصف صداقها لزوجها على هذا الحال بمنزلة ما لو أخذته، وإعطائها وأخذها واحد، وكذلك الأجير أيضاً على العمل إذا رهن له رب العمل رهناً بأجرته قبل تمام العمل ثم بدا لهما أو لأحدهما
قوله: وإذا اشترطت أن الرهن في يدها إلى آخر حقها، مفهومه أنها إذا
لم تشترط ليس لها ذلك، لكن ينظر هل يثبت لها نصف ذلك، ويجعل ذلك بمنزلة استحقاق النصف منه أو يبطل الرهن بتمامه، لأن سقوط نصف المهر عن الزوج بمنزلة دفع بعض الثمن وهو المناسب لما تقدم من أن الرهن ينفسخ من يد المرتهن إذا أخذ من حقه شيئاً، لأن الرهن معلق إلى جملة الدين، إلا أن يشترط الخ، والله أعلم فليحرر.
قوله: مرجوع إلى الراهن، كأنه يشير إلى أن المهر كله يجب لها بالعقد، وذهب بعضهم إلى أنها لا لها بالعقد إلا نصف المهر، وإنما يتكمل بالموت
يجب
أو الدخول، فقد ذكر فيما تقدم في كتاب الزكاة في باب استقرار الملك فائدة هذا الخلاف، حيث قال: فصل: والمرة إذا تزوجت بفريضة الدنانير أو
الدراهم، فليراجع. قوله: ثم بدا لهما أو لأحدهما قبل تمام العمل الخ، إنما جاز لأحدهما الرجوع بعد الشروع في العمل، إذا نقد
إنما يمتنع
ذلك
قبل تمام العمل، لأن الراجح أنه الأجرة، وأما إن لم ينقدها، فلكل منها الرجوع ويحاسب بما مضى، وها هنا كذلك والرهن في يد الأجير بمنزلة الأمانة، فلا يصير رب العمل بمنزلة الناقد
- 225 -
ه م 15 - الإيضاح، (4/225)
صفحة 2284
قبل تمام العمل، فالرهن ثابت على حاله للأجير بجميعه في الذي استحق بعمله من الأجرة إذا اشترط عليه أن الرهن بيده إلى آخر حقه، وإذا رهن رجل لرجل فداناً أو بستاناً، ثم خرج فيه بئر أو جب أو غار لم يعرفا به في حال الرهن، فلا يضر الرهن شيء من ذلك، ويكون رهناً مع الرهن ويباع معه ويكون بمنزلة الجنين في بطن أمه، حكمه حكم أمه،، ولكن إذا أراد الشهود أن يبلغوا خبر ذلك الرهن فليذكروه ويذكره المرتهن في دعوته، وكذلك البيع و الصداق والله أعلم. فإن قال قائل: فالجنين لا يصلون إلى إظهاره وهو ممنوع فصار تبعاً لأمه، قيل له: وكذلك هذه الوجوه لا يصلون الى معرفتها بالجهل فهي ممنوعة بالجهل فهي
مثله، والله أعلم.
حتى يمتنع الرجوع، والله أعلم.
قوله: إذا اشترط عليه الخ، فيه ما تقدم في الزوجة.
- 226 - (4/226)
صفحة 2285
باب ما يجوز للراهن من الافعال في الرهن
وما لا يجوز له، وما يكون عليه فيه من الحقوق
أول ذلك إصلاح الرهن، وفي الأثر: وإذا رهن رجل لرجل أرضاً فأراد المرتهن إصلاحها فلا يمنعه الراهن من ذلك، وذلك مثل الحرث
باب ما يجوز للراهن من الأفعال في الرهن،
وما لا يجوز له، وما يكون عليه من الحقوق
قوله: وما يكون عليه فيه من الحقوق، الظاهر أن الأولى تركه لأن المذكور في هذا الباب، وما يجوز له وما لا يجوز، وأما ما يجب عليه فقد عقد له بابا إثر هذا، فيكون قوله هنا أول ذلك إصلاح الرهن، أي أول ما يجوز له، لكن على هذا لو امتنع الراهن من ذلك لا يجبره المرتهن ويدل له قوله ذلك: وكذلك الراهن إذا أراد إصلاح الخ، حيث رد ذلك إلى إرادته كما قال المصنف رحمه الله في نظير هذه العبارة في الاستدلال على عدم وجوب الضحية من قوله عليك الام: إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي، الحديث حيث قال: لأنه رد ذلك لاختيار المضحي الخ.
بعد
قوله: مثل الحرث وبنيان ما انهدم الخ، ينظر هل يدرك المرتهن على الراهن
- 227 - (4/227)
صفحة 2286
و بنيان ما انهدم من المساكن وسد ما انتلم من جسور الفدادين والبساتين وكذلك الراهن إذا أراد إصلاح الرهن فيما ذكرنا، فلا يمنعه المرتهن من إصلاحه، لأن هذا كله صلاح الرهن، وأما أن يدخل فيه ما ليس منه أو يخرج منه ما هو فيه من الغروس والنقص وإحداث البنيان وإزالته وما أشبه ذلك، فإنه يمنع المرتهن الراهن والراهن المرتهن، والأصل في ذلك أنها يتمانعان من الزيادة في العين والنقصان منه، ولا يمانعان في إصلاح العين.
وفي بعض الآثار: ومن رهن لرجل أرضاً فقام إليها الراهن،
ماله
أجرة ذلك مثلا إذا فعله أو يعد متطوعاً وهو الظاهر والمناسب لقوله كذلك باله: (الرهن بما فيه)، فإذا انهدم مثلاً كان ذلك مصيبة عليه إذا نقص من عند البيع والله أعلم، فليحرر
قوله: فلا يمنعه المرتهن الخ، إنما نص على هذا لئلا يتوهم امتناعه، لئلا تجول يده في الرهن، وحاصله أن الإصلاح لا يعد جولانا.
قوله: وإزالتها، الاولى وإزالته، أي البنيان.
قوله: منه، لعله منها، وذكر باعتبار الرهن كما قيل في نظيره في قوله تعالى: وهذا ربي، فإنه ذكر باعتبار الفرض والله أعلم.
قوله: ولا يتمانعان في إصلاح العين، يعني لا يتداركان ذلك. والله أعلم. قوله: وفي بعض الآثار الخ، لعله ساقه للمقابلة، وإلا فمقتضى قوله يتمانمان
- TTA- (4/228)
صفحة 2287
ينزع
فغرس فيها غروساً بغير إذن المرتهن، قال: يأخذه المرتهن أن تلك الغروس، وأما إن كان المرتهن هو الذي غرس فيها غروساً والغروس التي غرس فيها إنما نزعها من تلك الأرض المرهونة، فإن المرتهن يبيعها كلها مع الأرض، وأما إن غرس فيها المرتهن غروساً قد نزعها من غير تلك الأرض؛ فإنه يبيع الأرض ولا يبيع الغروس، وذلك لأن الغروس لم تكن من الرهن، وأما إن نزع المرتهن أو الراهن
الخ أن يدرك كل منهما على صاحبه النزع، اللهم إلا أن يقال: ما تقدم من التمانع قبل الوقوع وهذا بعده فيكون المراد إفادة حكم آخر، وهو الظاهر، والله أعلم، فليحرر. قوله: قال يأخذه المرتهن أن ينزع تلك الغروس، الظاهر أنه إنما يدرك عليه ذلك مع أن ملكه لم يزل عن الرهن، لئلا تجول يده في الرهن، والظاهر أنه لو لم يأخذه على ذلك انفسخ الرهن والله أعلم، فليحرر
قوله: يبيعها كلها مع الأرض، يعني لكونها منها.
قوله: فإنه يبيع الأرض ولا يبيع الغروس الخ، يعني لكونها له حيث أدخلها من خارج كما تقدم، وظاهره أن الرهن لا ينفسخ مع أنه استنفع به حيث كانت الغروس له، ولعله مبني على المرجوح من أن الرهن لا ينفسخ باستنفاع المرتهن والله أعلم، فليحرر.
قوله: ولا يبيع الفروس، يعني مع الرهن، وإما وحدها
بعد
أن يتراضيا
مع الرهن فلا منع، وقد تقدم في باب بيع البراءة ما يشعر بكيفية التراضي
والله أعلم، فليراجع.
-539 - (4/229)
صفحة 2288
مع
من أرض الرهن غروساً فغرسها في أرضه، فإنها تكون رهناً الرهن لأنها معينة فهي مع الرهن، وإن أراد المرتهن أن يبيع الرهن فإنه يبيعه دون ما نزع منه، إذا كان يجد كفاف ماله لأن هذا شيء منفصل عن الرهن ولو كان منه، وإن لم يجد كفاف ماله فليبعها
مع أرض الرهن والله أعلم.
وكذلك أيضاً لا يجوز للراهن في الرهن بيع ولا هبة، ولا صداق ولا كراء، ولا قسمة، إذا كان له فيه شريك رهن معه شريكه أو لم يرهن، لأن هذه الأفعال توجب تسليم الرهن، والتسليم لا يصح ما
قوله: فليبعها مع أرض الرهن، يعني ويجعل نقله لتلك الغروس من أرض الراهن إلى أرضه، رضي منه بإدخال الضرر على نفسه، وظاهره أن الحكم كذلك قولاً واحداً، ولا يجعل بمنزلة الغاصب للبذر، فيجري فيه الخلاف كأنه صار متطوعاً والله أعلم. قوله: ولا كراء له ولا قسمة الخ، أما الكراء فإنه وإن امتنع منه الراهن فإنه يجوز للمرتهن عند الربيع، وأما القسمة فكما لا يجوز للراهن، لا يجوز للمرتهن على ظاهر كلامه فيما سيأتي، حيث جوزت للمرتهن قسمة الثمار دون الأصول وفي منع قسمة الاصول على الراهن والمرتهن ضرر على الشريك إذا طلب ذلك، والضرر لا يحل، والله أعلم.
قوله: لأن هذه الافعال توجب تسليم الرهن الخ، هذا التعليل ظاهر بالنظر إلى البيع والهبة والصداق دون الكراء والقسمة، أما عدم ظهوره بالنظر إلى
- 230 - (4/230)
صفحة 2289
دام معقولاً بحق المرتهن، وإذا بطل التسليم فيه تقدم حق المرتهن بطل الفعل الموجب للتسليم فيه بعد ذلك والله أعلم.
و أما إذا كان الرهن عبداً أو أمة، فأعتقه الراهن أو دبره جاز عتقه وتدبيره إذا كان في قيمته فضل عن الدين الذي رهن فيه، ويرجع المرتهن على الراهن بحقه، وإن لم يكن في ثمنه فضل على الدين الذي رهن فيه فلا يجوز عتقه إياه ولا تدبيره إلا إن فكه بعد ذلك باستيفاء
المرتهن عنه دينه، أو أبرأ به إياه أو انفساخ الرهن من يده، فإنه يلزم
الكراء فلأنه يقتضي منعه مطلقاً، رحمه الله، جواز أن مذهب الربيع مع ذلك من المرتهن، وأما بالنظر إلى القسمة فإنه ليس فيها ما يوجب تسليم الرهن، غايته أن الحصة كانت شائعة فصارت معينة، والظاهر أن الأولى في التعليل بالنظر إلى الكراء والقسمة أن يقول مثلاً: لئلا تجول يد الراهن في الرهن فيبطل. وهذا التعليل في الحقيقة شامل للجميع والله أعلم.
قوله: ويرجع المرتهن على الراهن بحقه، هذا ظاهر إذا كان له مال غير ذلك العبد أو تلك الأمة يرجع به عليه، وأما إذا لم يكن له غير ذلك، فإنه ينظر ما الحكم فيه، والظاهر أنه لا يصح ذلك العتق لتقدم تعلق حق المرتهن بالرهن، ويدل له قوله بعد ذلك رحمه الله: وكذلك إن باعه المرتهن في دينه إن لم يكن مراده هذه المسألة، ويحتمل أن يكون صحيحاً حيث كان فيه الفضل مطلقاً، لتشوق الشارع للحرية، ويكون الدين في ذمته إلى الايسار، وهو المتبادر من كلامه رحمه الله، ثم رأيت في آخر كلامه رحمه الله على القول الثاني ما يؤيد الإحتمال الأول والله أعلم، فليحرر.
- 231 - (4/231)
صفحة 2290
الراهن عتقه الذي اعتقه أول مرة وتدبيره، وكذلك إن باعه المرتهن في دينه، فلا يعتق إلا إن دخل في يد الراهن بعد ذلك بوجه من وجوه الأملاك، فيلزمه عتقه الأول فيه أو تدبيره، لأن العلة التي بها منع العنق فيه تقدم حق المرتهن فيه وإحاطته به، فإذا زالت العلة ودخل ملكه وجب العتق فيه، فإن قال قائل: فكيف يجوز عنق الراهن فيه ولا يجوز بيعه فيه ولا هبته ولا قسمته؟، قبل له: أجزنا عتق الراهن فيه، إذا كان فيه فضل على الدين من قبل أن العتق لا يتجزأ، أو فعل الشريك فيه ماض بدليل قوله الله: (من أعتق شقصاً له في عبد قوم عليه))، وكذلك من عتقه كله على هذا المعنى، والهبة والبيع والصداق بخلاف ذلك، وعلى أن الفضل في الرهن غير معلوم، والشيء المبيع أو الموهوب أو المصدوق أو المقسوم من شرط جوازه أن يكون معلوماً، بخلاف
(1)
قوله: وكذلك إن باعه المرتهن في دينه، يعني فيما إذا لم يكن فيه فضل أو كان فيه فضل وكان المدين معسراً على ما يفهم من كلامه آخراً و إن كان ظاهراً في غير مسألة الفضل والله أعلم، فليحرر.
قوله: أو المصدوق الخ، فيه أنه سيأتي بعد بقليل أن الجهل في الصداق
لا يضر.
قوله: أو المقسوم الخ، يتأمل كيف يتأتى كون المقسوم ناظر إلى الفضل
(1) تقدم ذكره.
- 232 - (4/232)
صفحة 2291
العتق، فإذا لم يكن في قيمة العبد المرهون فضل عن الدين، لم يجز عتق الراهن ولا تدبيره لتعلق الدين به على الإحاطة، أصله إحاطة الدين بتركة الميت، ومنهم من يقول: إذا أعتق الراهن العبد الذي في الرهن أو دبره جاز عليه تدبيره وعتقه، وإن لم يكن في ثمنه فضل على الدين الذي رهن فيه. ويرجع المرتهن على الراهن بدينه والله أعلم. ويدل على هذا من قائله: أن جواز عتق الرهن للعبد إذا كان موسراً، لأجل أن
في الرهن لأنه ليس هو المقسوم حتى يلزم أن يكون مجهولاً، فلا نصح القسمة، بل المقسوم إنما هو الشيء المعين للشريك المرتهن نصفه مثلاً، غايته أن تلك التسمية شائعة فتصير بالقسمة معينة، وإلا لم يجز على هذا قسمة شيء، لعدم تعيين الحصة وهو باطل، فالظاهر أن الأولى في التعليل أن يقول مثلا، لئلا تجول يد الراهن في الرهن كما تقدم، وإنما اغتفر في العتق، لتشوف الشارع إلى الحرية والله أعلم. ويحتمل أن المراد القسمة بالنظر إلى الفاضل عن الرهن ليحوزه الراهن مثلاً، بأن يقسم الشيء على ستة مثلاً، فيأخذ المرتهن إذا كان شريكاً ثلاثة أسهم مثلا، ويأخذ أيضاً سهمين من جهة الرهن، ويأخذ الراهن سهما، فلا تجوز هذه القسمة لعدم تحقق الفاضل، وكذلك إذا كان الشريك غير المرتهن، فلا يقاسمه الراهن بالنظر إلى الفضل لعدم تحققه إذا قلنا يجواز رهن التسمية عند غير الشريك، وعلى كل تقدير فالجهل إنما هو بالنظر إلى ما يقسم بسببه لا إلى المقسوم والله أعلم فليحرر.
قوله: إذا كان موسراً، لعل التقدير باليسر أخذه من قوله: ويرجع المرتهن على الراهن، لأن ذلك يقتضي أن يكون له مال يرجع به عليه، إن لم يكن النسخة في نقل كلام صاحب القول فليراجع.
ساقطا
من
- 233 - (4/233)
صفحة 2292
المرتهن يرجع عليه بماله، فإذا كان معسراً لم يجز عتقه، لتعلق حق المرتهن بالرهن تعلقاً لازماً، وإذا رهن رجل لرجل فداناً معروفاً ثم تزوج الراهن امرأة وأصدقها نصف ماله في الأصل، فلا تدخل المرأة فيه بصداقها إذا لم تكن فيه زيادة عن مال المرتهن، لأن حق المرتهن متقدم فيه، إلا إن غرها عند النكاح وتزوجها على ذلك الفدان ولم تعلم أنه في الرهن، فلها العوض ـ فكه أو لم يفكه وهو عوضه إذا فكه، وإن علمت أنه في الرهن فلا تدخل إلا فيما زاد عن مال المرتهن، ولا يضر الصداق إن كانت الزيادة مجهولة بخلاف البيع، لأن الصداق المقصود به المكارمة، فجاز
قوله: فلا تدخل إلا فيما زاد، ينظر ما الحكم إذا علمت ولم توجد الزيادة
فليراجع. قوله: ولا يضر الصداق الخ، يعني غلا تكون كالتي لم يسم لها الصداق أصلا، ولا ترجع بسبب ذلك إلى مهر المثل والفقر، وهو الذي يحكمه الحاكم. قوله: لأن الصداق المقصود منه المكارمة، رجح رحمه الله في الصداق قصد المكارمة على العوضية، وإلا فقد أنه تقدم جمع بين الشيئين والله أعلم. والظاهر والله أعلم أنه لا منافاة بين هذا الكلام، وقوله: أولاً: من شرط جوازه أن يكون معلوماً، لأن هذا محمول على ما إذا كان المراد من الصداق مكارم الأخلاق، وما تقدم محمول على ما إذا كان المراد منه العوضية، كما ذكروا في رد الصداق بالعيب وعدم رده، ويمكن الجمع بينهما أيضاً بأن يحمل ما تقدم على أن معناه من شرط جوازه أن يكون معلوم الوجود والتحقق، وإن كان مجهول القدر بالنظر إلى الصداق، ويحمل ما هنا على أن معناه أنه يجوز الجهل في قدره، بعد العلم
-234 - (4/234)
صفحة 2293
فيه الجهل، والبيع المقصود به المساومة والمشاححة، فلم يجز فيه الجهل، ويجوز للمرتهن أن يبيع الرهن جميعاً إذا اشترط ذلك عند عقدة الرهن، ويكون نصف ثمن ما بقي بعد وفاء دينه للمزأة، وإن لم يشترط ذلك فلا يبيع منه إلا بقدر حقه، وأما المرتهن فلا تدخل امرأته في الرهن الذي في يده ولا في ثمنه، لأنه ليس بمالك له، وإنما هو ثقة بيده، والله أعلم وأحكم.
بوجود أصله، والحاصل أن ما تقدم مشكوك في أصله فبطل، وهذا مشكوك في قدره مع القطع بوجوده فجاز بالنظر إلى الصداق بما ذكر
قوله: فلم يجز فيه الجهل، أي بوجه من الوجوه.
لأنه
قوله: ولا في ثمنه، وأما الدين الذي يقضيه من ذلك الثمن مثلاً، فإن الظاهر أنها تدخل فيه، لأنه من جملة ماله، وهذا ظاهر إذا حل أجله، وأما إذا لم يحل أجله، فإنه ينظر هل تدخل فيه من جملة تعلقاته وترثه الورثة مثلا؟ أو لا تدخل حيث لم يجز له بالشرع أخذه، فكأنه غير مالك له بدليل أنه لا يزكي عليه؟ والظاهر الدخول، وإلا لقال: ولا فيما رهن فيه إذا لم يحل
الأجل والله أعلم فليحرر.
- 235 - (4/235)
صفحة 2294
باب فيما يكون على الرافن
من الحقوق في الردن
وبالجملة إن على الراهن جميع مؤونة الرهن وما يحتاج إليه لأنه مالك وصاحبه، لقوله عليه السلام) لصاحبه غنمه و عليه غرمه)، وتفصيل ذلك إذا كان الرهن أصلاً وفيه ثمار، فعلى الراهن صرامها وإيصالها الى المرتهن بنفسه أو بماله من غير المرهون، سواء كانت الثمار مع الرهن أو حدثت بعده، كان الفضل في الرهن عن حق المرتهن أو لم يكن، وكذلك أجرة الحراس الذين يحرسون ذلك، فهي من مال الراهن وليس ذلك من الرهن، وكذلك ما يأخذه السلاطين الجبابرة من الخراج من تلك الثمار أو من الأشياء المرهونة، فهي من مال الراهن، إلا إن كان المرتهن هو الذي
باب فيما يكون على الراهن من الحقوق في الرهن
قوله: من مال الراهن، بمعنى أنه ذهب ذلك عليه مصيبة نزلت بماله،
(1) تقدم ذكره
- 236 - (4/236)
صفحة 2295
أعطاهم إياه فهو من ماله، وإن أخذوه بأنفسهم دون الراهن والمرتهن فهو من مال المرتهن على قول بعض العلماء، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله، وكذلك زكاة الرهن أيضاً على الراهن يعطيها من ماله ولا يعطيها من من الرهن، لأنه المخاطب بها، ومثل ذلك أيضاً: إذا كان الرهن حيواناً، فعلى الراهن علفه ورعيه إن شاء رعى وإن شاء علف. ولا يمنعه المرتهن من إخراجه الى الوعي في المواضع التي يرعى
هو
وليس المراد أنه يدفع ذلك من ماله كما في زكاة الرهن، أو يدفع عوض ذلك، يحبس مع الرهن والله أعلم.
قوله: زكاة الرهن، يعني وأما زكاة ما يخرج منه كالثمار، فإن الظاهر أنها تخرج منه، خصوصاً إذا لم يكن له ثمار غيرها، لأن القاعدة أن زكاة المال منه وهي في الحقيقة قدر زائد على الرهن، إلا أنها تحبس معه لأنها كالرهن السخري، ولا تباع م معه ولا يذهب المال بذهابها عند بعضهم على ما تقدم، ثم الظاهر أيضاً من كلامه رحمه الله أن زكاة الرهن على الراهن مطلق)، سواء كان مما تخرج منه كالأنعام، أو مما تخرج من غيره كالحلى، أما الثاني فظاهر، وأما الأول ففيه تأمل إذا لم يكن له غير تلك الأنعام المرهونة والله أعلم فليحرر. لكن لا حظ للنظر مع وجود الأثر.
قوله: لأنه هو المخاطب بها، لقائل أن يقول: لا يلزم من كونه هو المخاطب بها، أن يدفعها من غير ذلك المال، خصوصاً إذا لم يكن له مال غير ذلك، لأن أرباب الأموال خوطبوا أن يدفعوا زكاة المال منه، لكن لاحظ للنظر مع وجود الأثر والله أعلم. والمناسب للتعليل أن يقول: لما في دفعها من الرهن من الضرر على المرتهن، ولأن الرهن محبوس في مال المرتهن والله أعلم.
- 247 - (4/237)
صفحة 2296
6
فيها مثله من الناس ومثل ذلك أيضاً إذا كان الرهن عبداً أو أمة أو حيواناً فما احتاج من ختانة أو حجامة أو ظفر أو جلال أو دهن أو شيء من الأدوية التي لا يستغنى عنها، فجميع ما ذكرنا على الراهن من ماله: ومثل ذلك إذا كان الرهن عبداً أو أمة، فمن احتاج منهما الى النكاح فهو على الراهن دون المرتهن والمسلط، وكذلك طلاقهما وفداؤهما ومراجعتها بيد الراهن دون المرتهن والمسلط، وكذلك كفتها ودفنهما إذا ماتا، وإن تلف جميع ما ذكرنا من الثمار والحيوان، أو ما أفسد ذلك الحيوان في أموال الناس في يد الراهن من قبل أن يوصله إلى المرتهن، فهو من مال الراهن إذا ضيعه، وإن لم يضيعه فهو من مال المرتهن، وسيأتي شرح هذا في بابه إن شاء الله. وبالجملة إن على الراهن جميع ما يحتاج إليه الرهن وجميع ملازمه وجميع مضراته التي
قوله: أو ظفر، امل المراد به الجليدة تفشى العين، فيكون على حذف
مضاف، قال في الصحاح: والظفرة بالتحريك جليدة تفشى العين، ناشئة من الجانب الذي يلي الأنف على بياض العين إلى سوادها، وهي التي تقال لها ظفر عن أبي عبيدة، وقد ظفرت عينه بالكسر تظفر ظفراً، ويحتمل أن يكون المراد به ضفر الشعر، فيكتب بالضاد والله أعلم.
قوله: فمن احتاج منها إلى النكاح فهو على الراهن، يؤخذ من هذا أنه يجب على السيد أن يزوج من طلب النكاح من ارقته، حيث جعل هذا من جملة الحقوق التي تكون على الراهن، وهذا ظاهر إذا كان موسراً والله أعلم. أللهم إلا أن يقال: إما أن يزوجه أو يبيعه، حيث كان حقاً عليه والله أعلم.
- 238 - (4/238)
صفحة 2297
يؤخذ بنزعها من حائط مائل أو شجرة مائلة وما أشبه ذلك، وتفصيل ما ذكرنا لا تخلو المضرة أن تحدث على الرهن من قبل غيره، أو تحدث على الغير من قبل الرهن، فإذا حدثت على الرهن من قبل أحد من الناس أو من قبل الله، مثل ما ينبت من الشجر أو هدم البنيان أو ما أشبه ذلك، فإنه يدرك نزعها على الذي أحدثها وأحدثت من قبل ماله من شاء منهم من الراهن والمرتهن والمسلط، لتعلق حق المرتهن في الشيء المرهون، ولهذا المعنى يتداركون نزوعها أعني الراهن والمرتهن أو المسلط أيهما أحدثها على الرهن أدرك عليه صاحبه نزوعها، وكذلك المسلط وكذلك بيت الكراء على هذا المعنى إذا أحدثت عليه مضرة، فإنه يدرك نزوعها أيهما شاء، رب البيت أو المتكاري لتعلق حق التكاري في البيت، إلا أن تكون مضرة لا تضر المتكاري في مدة الكراء نحو الغروس الصغار يدرك نزوعها صاحب البيت المتكاري ويتداركان نزوعها صاحب البيت
قوله: من قبل ماله، أي مال الذي أحدث، وذلك كنبات فرع شجرة في أرض الرهن.
قوله: من شاء منهم، فاعل يدرك.
قوله: نزوعها، لعله نزعها كما عبر به أولاً، لأن النزوع مصدر نزع عن الأمر نزوعاً إذا انتهى عنه، فهو مصدر اللازم كقعد قعوداً، وما نحن فيه فهو مصدر المتعدي من قولهم: نزعت الشيء نزعاً، أي قلعته، كما يشعر بذلك كلام الصحاح.
- 239 - (4/239)
صفحة 2298
والمتكاري أيهما أحدثها أذرك عليه صاحبه نزوعها كما ذكرنا في الراهن والمرتهن، وأما بيت العارية فيدرك نزوع المضرة إذا أحدثت عليه صاحبه دون الساكن فيه بالعارية، لأنه لا حق له فيه من جهة الوجوب، إلا بإذن صاحبه، وإن أتى على هذه المضرة حال ما تثبت نحو السنين والثمار أو ما أشبه ذلك، إلا أن يكون الراهن أو صاحب بيت الكراء والعارية غائباً أو طفلاً أو مجنوناً قبل حدوث تلك المضرة، فإنها لا تثبت على هذا الحال، ولو كان المرتهن أو المسلط أو المتكاري أو الساكن في بيت العارية حاضراً، لأن ثبوت المضرة متعلق الى سكوت من حضر
قوله: من جهة الوجوب، يعني لا يجب له ذلك في البيت حق بخلاف المرتهن
والمكتري.
قوله: أو الثمار، يعني إذا كانت المضرة الحادثة شجرة وسكت من حدثت عليه،، حتى أثمرت ثبتت
قوله: أو ما أشبه ذلك، كالإجازة مثلاً
".
قوله: أو طفلاً، إنما يصير الطفل راهناً بأن يرهن مثلا والده فيموت، أو الخليفة، والظاهر أن الطفل مثلا له التغيير بعد البلوغ، ولو رضي الخليفة بذلك، ولعله إذا لم يكن فيها مصلحة والله أعلم.
قوله: قبل حدوث الخ، هذا قيد في المجنون والغائب
- 240 - (4/240)
صفحة 2299
إذا كان ممن يجوز تجويزه لتلك المضرة، لأن سكوته يدل من تجويزه لتلك المضرة، والمرتهن والمتكاري والساكن بالعارية ليس لهم من ذلك شيء، ولا يضر حضورهم مع غيبة صاحب الشيء، كما لا تنفع غيبتهم مع وجود صاحب الشيء، وإنما يجوز نزوعها لهما لتعلق حقوقهما في ذلك الشيء الحادث عليه المضرة، وأما إذا حدثت على الغير من قبل الرهن أو قبل بيت الكراء أو بيت العارية، فإنها إذا حدثت ولم يحدثها أحد أو حدثت من قبل الراهن أو صاحب البيت، فإن الراهن أو صاحب البيت هما اللذان يؤخذان على نزوع تلك المضرة لأنهما المالكان
منهم،
قوله: إذا كان ممن يجوز تجويزه لتلك المضرة، يعني بعد الخلوص من الرهن والكراء مثلاً كما هو معلوم. قوله: ليس لهم من ذلك، أي من التجويز، وأما الإنكار فقد تقدم.
قوله: كما لا تنفع غيبتهم مع وجود صاحب الشيء، الظاهر أن هذا بالنظر إليه إذا سكت أو أجاز أولاً ثم أراد بعد ذلك التغيير، وتعلل بغيبة هؤلاء مثلا، فإنه لا ينفعه ذلك، فقد ثبتت عليه إذا رضي بها هؤلاء بعد غيبتهم مثلاً، وأما إذا قدم هؤلاء بعد رضاء صاحب الشيء بالمضرة، فإنه لهم التغيير لتعلق حصتهم بذلك الشيء كما ذكره رحمه الله، لكن ينظر إذا أزالها المرتهن أو المتكاري ثم عاد الشيء إلى صاحبه، هل تثبت أولا؟ والظاهر المنع، وليس ذلك بمنزلة العتق لتشوف الشارع إلى العتق والله أعلم، فليحرر.
قوله: لهما، أي المرتهن والمتكاري.
- T{1 -
ه م - 16 الإيضاح:
( (4/241)
صفحة 2300
الشيء الذي من قبله المضرة، ولا يؤخذان بذلك المرتهن ولا المسلط ولا المتكاري ولا المستعير إلا إن أحدثها أحد هؤلاء، فإنه يؤخذ بنزوعها لإحداثه المضرة، ويؤخذ أيضاً صاحب الشيء لأنه المالك. وفي الأثر: وإن كان الرهن عبداً أو أمة أو حيواناً، فضيع الراهن نفقته وكسوته و علفه وامتنع الراهن لذلك أو هرب منه فأنفق المرتهن على الرهن من ماله وكسا وعلف، فله أن يأخذ جميع ذلك من ثمن الرهن إذا باعه إذا لم يرد عليه الراهن، وإن لم يكن في الرهن زيادة عن حقه، فليتبع الراهن و يأخذ من عنده والله أعلم، وكذلك فيما يوجبه النظر صرام الثمار وضمها. وفي الأثر: ومن رهن لرجل نخلاً أو غيرها من الأشجار، فأعطي المرتهن أجرة من يصرمها، أو من يحملها إلى البيت، فتلفت الغلة مع الشجر، فقد ذهب الرهن بما فيه، ويرد عليه مثل الأجرة التي أعطى على الرهن، والأصل في ذلك أن جميع ما يحتاج إليه الرهن مما يكون فيه هلا که عند الترك، إذا فعله المرتهن بماله عند امتناع الراهن من ذلك
قوله: فأعطى المرتهن أجرة من يصر مها الخ، ظاهره أنه يدرك عليه ذلك وإن كان حاضراً، ولم يمتنع حيث أطلق، لكن كلام المصنف رحمه الله أولاً و آخراً يدل على أنه لا بد من الامتناع أو الغيبة مثلا، والله أعلم. قوله: عند امتناع الراهن من ذلك، يعني وأما إن لم يمتنع، فإنه لا يدرك شيئاً ويعد متطوعاً، ومثل الامتناع الغيبة.
- 242 - (4/242)
صفحة 2301
فإنه يدركه عليه، فإن قال قائل: فإذا على هذا المعنى مداواة الأمراض والجراح ومفاداته من العدو، إذا فعله المرتهن بعد امتناع الراهن يدر که عليه، قيل له: فالله أعلم، إنما يمكن هذا على قول من جعل الرهن بيد المرتهن ثقة بماله لا يتعلق به حق ضمان، إلا ما كان من سببه،
قوله: بيد المرتهن ثقة بماله لا يتعلق به الضمان، يؤخذ من هذا أن من بيده أمانة أو عارية مثلاً، وفداها من العدو أو نجاها من الهلاك بماله، أنه يدرك ذلك على صاحب الأمانة والعارية، وانظر من نجى مال غيره، إذا لم يكن بيده شيء من ماله على أن يرجع على صاحب المال، هل يدرك ذلك أو يمد متطوعاً أو ذلك أمر واجب عليه؟ والله أعلم، فليحرر. فإنه قد ابتلي بذلك كثير ممن حضر الموت أحد ببلاد أهل الخلاف، قاتلهم الله، ثم رأيت في كلامه رحمه الله فيما سيأتي ما يدل على أنه يدرك ذلك، فيما بينه وبين الله، وأما في الحكم، فيعد متطوعاً حيث قال، فيما يتعلق بغداء الرهن: وكذلك غيرهما من الناس إن فداه محتسباً لذلك، فإنه يدرك ذلك فيما بينه وبين الله دون الحكم لأنه يمكن أن يكون متطوعاً لذلك والله أعلم. انتهى، لكن يؤخذ من قوله: لأنه يمكن أن يكون متطوعاً، أنه إذا أشهد على أنه ليس متطوعاً، وأنه إنما دفع ذلك ليرجع به على صاحبه مثلا، أنه يدرك ذلك في الحكم أيضا والله أعلم. ثم رأيت أيضاً في كلامه رحمه الله، فيما يتعلق بتكفين الميت في آخر كتاب الصلاة، ما هو صريح في هذا حيث قال: وإن لم يكن من أوليائه أحد فعلى من حضره أن يكفنه، وإن لم يجدوا كفنه إلا يجميع أموالهم، وإن أشهدوا على أنفسهم أنهم يأخذون قيمة كفنهم من مال الهالك فإنهم يدركونها، وإن لم يشهدوا على ذلك فليس لهم أن يأخذوها من مال الهالك بغير رأي الورثة، وأما فيما بينهم وبين الله فجائز لهم أن يأخذوا، انتهى
•
- 243 - (4/243)
صفحة 2302
وأما من جعل الرهن بما فيه فكيف يدرك المرتهن على الراهن شيئاً تعلق ضمانه به، وعلى أن مداواة الأمراض والجراح، فيه ما فيه، لأنه ممكن
النفع فيه، وكيف يحكم الحاكم بشيء ممكن، والنافع على الحقيقة
هو
الله
قوله: تعلق ضمانه به، يعني بأن يجعل مصيبة نزلت بماله
قوله: بشيء ممكن، أي لا بد أن يكون محققاً
•
- YEE- (4/244)
صفحة 2303
باب فيما يكون على المرتهن
من الحقوق في الرهن وما لا يجوز له وما يجوز
أول ذلك على المرتهن حرز يحرز الرهن كيف شاء، وعليه الموضع الذي يكون فيه، وأشكال الحيوان وقيودها، لأن هذا من تمام الحرز لقوله تعالى: و فرهان مقبوضة)، ويجوز للمرتهن أن يحرزه عند زوجته،
باب فيما يكون على المرتمن
قوله: وما لا يجوز له، وما يجوز لم يتكلم عليهما في هذا الباب، بل عقد لكل واحد منهما باباً، فالأولى إسقاطها، ولعله لما طال الكلام على ما يكون المرتهن بوب لكل منها والله أعلم.
قوله: عند زوجته الخ، فائدة ذلك أنه إذا ضاع وكان فيه فضل أنه لا يطالب به، لأنه ليس بمتعد حيث أحرزه كما يحرز ماله، ويؤخذ منه أنه يجوز للرجل إذا كانت عنده أمانة، أن يحرزها عند زوجته إذا علم أمانتها في الاموال، ويدل على ذلك قول ابن وصاف رحمه الله: ومن استودع وديعة وأودعها غيره، فعليه الضمان سواء زوجته أو سريته والله
أعلم.
- 245 - (4/245)
صفحة 2304
إذا لم يعلم لها الخيانة لأموال الناس كما يحرز عندها ماله، وكذلك يجوز عند الأمين ويحمله معه في السفر إن أراد، وذلك كله عليه حرزه يحرزه كما يحرز ماله كيف شاء، وكذلك أيضاً على المرتهن رد الرهن إلى الراهن، إن أنفسخ من يده بوجه من الوجوه، مثل إن تبرأ منه أو وضع حقه على الراهن، أو استوفى منه دينه، أو وهب دينه ذلك لرجل آخر أو حوله الراهن على من كان له عليه دينه، فإنه في هذا كله ينفسخ
قوله: مثل إن تبرأ منه، هذا على القول بأنه ينفسخ بذلك كما تقدم، أو يحمل على ما إذا رضي بذلك صاحبه والله أعلم.
قوله: أو وضع حقه على الراهن، أنظر هل ينفسخ مطلقاً أو إذا قبل منه الراهن ذلك، والظاهر أنه يجري فيه الخلاف.
قوله: أو وهب دينه ذلك، يؤخذ منه جواز هبة الدين، وظاهره ولو لم يرض المدين وأنه ليس بمنزلة الحوالة وفيه تأمل، وانظر هل لصاحب الدين الرجوع قبل قبضه عند من يشترط في الهبة القبض، أو ليس له ذلك ويجعل تعين صاحبه بمنزلة القبض، وظاهره أيضاً أنه يجوز ذلك ولو لم يحل الأجل، وإنما انفسخ إذا وهبه، لأن الرهن أصل أخذه يقتضي حبسه بيد المرتهن دون غيره، والمرتهن لا حق له حينئذ، وأما في الحوالة فإن الرهن إنما أخذه عما في ذمة الراهن، وقد برئت بالتحويل والله أعلم. ثم رأيت في كلام الشيخ إسماعيل رحمه الله في باب مظالم الفروج ما يدل على جواز الرجوع في الهبة دون اء، حيث قال في الصداق: ويجب على الورثة بموت الزوج إن لم يتخلص منه في حياته إلى الزوجة، إلا إن وهبته له بطيبة نفسها، ولم ترجع فيه بعد
الإبراء
- 246 - (4/246)
صفحة 2305
الرهن، وعلى المرتهن رده إلى الراهن، سواء كان الرهن له أو لغيره مثل إن استعاره من غيره، ثم رهنه بإذن صاحبه، فإنه يرده لمن جعله في يده دون مولاه ولو علم ذلك، لأنه ليس بخصيم لصاحب الرهن في ذلك، وهذا في الحكم، وأما فيما بينه وبين الله إذا علم أن الرهن له فلا بأس أن يدفعه له إذا طلبه، وهذا ما دام الرهن حياً، فإذا مات فليدفعه إلى صاحبه دون ورثة الراهن، لأن ورثة الراهن ليس لهم فيه شيء، ولم يجعلوه في يد المرتهن فلا يجوز له أن يدفع لهم ما ليس لهم، ويقطعه عن مالكه. وأما الوالد إذا رهن شيئاً من مال ولده في حاجته، فانفسخ الرهن من يد المرتهن بوجه من الوجوه، فإنما على المرتهن أن يرده إلى الوالد الذي جعله في يده دون الولد، ما دام الولد حياً، فإن مات الوالد فليرده إلى الولد المنزوع
ذلك أو تبرأت منه إلى زوجها من غير أن يضر بها أو في نفسها ولا مالها الخ، فذكر الهبة جواز الرجوع والله أعلم، فليحرر. ولعله ماش على القول: بأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض، أو ان هذا خاص بالزوجة والله أعلم
قوله: مثل إن استعاره من غيره ثم رهنه بإذن صاحبه، الظاهر أن القيدين مرادان، فإذا عدم أحدهما فإنه يرده لصاحبه كما يعلم مما تقدم والله أعلم.
قوله: ليس بخصيم لصاحب الرهن، بل خصمه الراهن.
قوله: فإنما على المرتهن أن يرده إلى الوالد الخ، يعني في الحكم وفيما بينه وبين الله، ليفارق المسألة الأولى، ولذلك فصلها بقوله: وأما الوالد الخ.
- 247 - (4/247)
صفحة 2306
منه وإلى ورثته من بعده دون ورثة الوالد، إلا أن يكون الولد مات قبل موت والده فورثة الوالد أولى من ورثته على هذا الحال والأصل في هذه المسألة أن الوالد إذا أخذ شيئاً من مال ولده لحوائجه فما لم يتصرف فيه
قوله: فما لم يتصرف فيه فهو موقوف على الولد، قال أبو زكرياء رحمه الله
في كتاب الأحكام بعد ذكر هذه المسألة وتفصيلها: ووقع الإختلاف إذا باعه ولم يصرف ثمنه في حوائجه، فظاهر كلامهما رحمهما الله أنه يجوز للوالد الإنتزاع من مال ولده، وأنه لا يرد فعل الأب في مال ولده، ولكن ذكر أبو زكرياء قبل ذلك ما يخالف هذا بحسب الطاهر حيث قال: وإذا كان لرجل على أبيه دين، فمات أبوه وترك غرماء غيره، فإنه ينزل مع الغرماء فيما ترك من المال، سواء كان دينه من سبيل المعاملات، أو من سبيل التعديات الخ، فانظر كيف جعل الأب متعدياً في مال ولده، حتى أدرك ذلك في تركته، اللهم إلا أن يقال: أخذ الوالد من مال ولده على وجهين: تارة يأخذه على جهة الإنتزاع، ويشهد على ذلك، فهذا لا يدرك عليه ولا في تركته، إلا إن تركه بعينه أو ترك ثمنه عند بعضهم، وتارة يأخذه على جهة التعدي، لا على جهة الإنتزاع والإشهاد به، فهذا ينزل به مع الغرماء، ويدركه في تركته والله أعلم. وذكر عما أحمد الشماخي رحمه الله، في (كتاب السير (ما يدل على الإبن يدرك أباه بماله، حيث قال عند التعريف بأبي زكرياء يحي بن ويحمين رحمه الله ما نصه: وذكر أن رجلا ممن ينتحل الفتوى لإبنه عليه دين، فاطله فدعاه إلى المشايخ، وفيهم أبو زكرياء، فحكموا عليه بالدفع فحبسوه وأخرجوه إلى الخطة، فسمع ماكسن فقال: على ما يسجن؟ قال أبو زكرياء: حكم بها أبو عبد الله، وحكم بها هذا وأحكم بها ولا يخرج حتى يقضي ما عليه، أو يسرحه إبنه أبو نوح الخ، وسيأتي للمصنف رحمه الله في باب الهبات، بيان الأقوال في ذلك، وما هو المختار وهو
له ذلك فليراجع.
أنه ليس
- YEA- (4/248)
صفحة 2307
فهو موقوف على الولد المنزوع منه، لأن المباح للوالد من مال ولده قضاء
ذلك:
قوله: لأن المباح الموالد من مال ولده الخ، قال في الضياء بعد ذكر الخلاف بين أصحابنا في مال الولد هل للأب أخذه أو شيء منه ما نصه: وليس للوالد أخذ مال ولده، ولو كان جائزاً ما فرض الحاكم الموالد في مال ولده، لأن الحاكم لا يفرض لأحد في ماله، وإنما يفرض له في مال غيره، ويروى عن النبي أنه قال: (كل أحق بماله حتى الوالد والولد) (1)، ثم قال بعد. وجائز للوالد أن ينزع مال ولده باتفاق من الفقهاء، وذهب أصحابنا في هذا إلى قول علي بن أبي طالب، قالوا: إنه ترافع رجل وابن له، الإبن يطالب الأب بمال أخذه له، فحكم على الوالد للولد، وقال بعد ذلك أيضاً: وأجمعوا أن الأب إذا كان فقيراً محتاجاً، أن على الإبن نفقته، وأن لا يلزم إلا كفايته، فلو كان مال الإبن لأبيه لم يفرض له عليه ويؤمر بالإنفاق، والخبر المعتل به من أوجب مال الإبن للأب لا يثبت من طريق الحجة، لأن أكثر ما في الباب أن يجعل حكم مال الإبن حكم الإبن، وأجمعوا أن الإبن غير مملوك لأبيه، وإن كان رسول الله قد أضافه إليه: وكذلك المال لا يكون ماله، ولو كان مضافاً إليه، قال: وأجمعوا أن الأب إذا وطى، جارية الإبن، أن عليه قيمتها إذا أولدها وقيمة ولدها، قال: وأجمعوا أن الأب إذا عتق جارية ابنه لم يقع العتق، ومما يدل أن الولد أملك الماله من والده، أن الله تعالى فرض للأب ميراثه من ابنه فجعل كوارث غيره، وقد يكون أقل حظاً من كثير من الورثة، ففي ذلك بيان أن لا حق له في ماله الخ، وقال قبل ذلك: ومن أعتق عبد ولده فالعتق ماض وعليه لولده العوض ما أتلف من ماله الخ، يتأمل هذا الكلام وما فيه الإضطراب، وانظر هل يصح فيه الجمع بوجه؟ أقول: يمكن الجمع بأن يحمل الأول على البالغ، والثاني على الطفل والله أعلم.
من
(1) رواه الخمسة
- req- (4/249)
صفحة 2308
الحاجة فيما لم يقض به حاجته فهو موقوف على ولده، ولذلك صار الولد أولى من ورثة الوالد بماله إذا مات الوالد، وإن مات الولد لم تدرك ورثته عند الوالد في ذلك الشيء شيئاً لأن الولد لا يدرك ذلك عند والده فكيف تدركه ورثته من بعده، ولو كان الولد يدرك ذلك في حياة والده لما جاز لوالده أخذ شيء من ماله على هذا الحال والله أعلم. وإن رهن الوالد من ماله في دين ولده الطفل فهو جائز، وعلى المرتهن أن يرد ما بقي من الرهن بعد وفاء حقه أو الرهن إذا انفسخ بوجه من الوجوه، لوالده وعلى ورثته إذا مات، لأن الملك له وهو الراهن لذلك دون الولد
وهو
أن
قوله: لا يدرك ذلك، إنما لم يدركه لأن الوالد له حجة في ذلك، يقول: لي به حاجة، والله أعلم. قوله: لأن الملك له، هذه العملة الموجبة للرد له ولورثته بخلاف كونه
هو الراهن.
هي
قوله: في دين الطفل، أي المدين المحدث عنه، لأن المعرفة إذا أعيدت
كانت عيناً.
قوله: والدين له، لعله والدين عليه، لأن الطفل هنا مدين لا صاحب دين، ولعله جعله له لأن الإضافة لأدنى ملابسة والله أعلم.
قوله: إلى ورثته، الظاهر أن ورثة الطفل محصور هنا بالنظر إلى غير الأب في الأم أو الجدات، فإن قلت: قد يكون متزوجاً؟ قلت: غير البالغ من الأزواج يرث ولا يورث، لأن النكاح من جانب البالغ منبرم ومن جانب غير البالغ محل موقوف إلى البلوغ، كما هو مبين في محله فليراجع، والله أعلم.
19911 (4/250)
صفحة 2309
ودون ورثته، والله أعلم. وأما إن رهن الوالد من مال ولده الطفل في دين ولده الطفل فإنما يرده المرتهن في جميع ما ذكرنا إلى الوالد، ما دام حياً والولد طفل، فإذا بلغ الطفل فليرده إليه دون والده لأن الرهن له، والدين له، وكذلك إن مات الطفل قبل بلوغه أو بعد بلوغه فإنما يرد ذلك المرتهن إلى ورثته دون الوالد، إلا ما ينوبه بميراث، وكذلك الوالد إذا مات فليرده إلى الولد إذا كان بالغاً، وإلى الخليفة إذا كان طفلاً دون ورثة الوالد، وكذلك رهن اليتيم والمجنون والغائب يرده المرتهن إلى إلى خلا تفهم ما داموا على حالتهم تلك، وإذا قدم الغائب أو أفاق المجنون، أو بلغ الطفل فهم أولى برهنهم على ما ذكرنا، والله أعلم. وإن رهن رجل رهناً من مال ولده الطفل في دين كان على ولده الطفل الآخر، فلا يجوز له ذلك، لأن الوالد لا يجوز له من مال ولده إلا ما يقضي به حاجته دون حاجة غيره، لأن ذلك ضرر منه، والضرر لايحل، ومع هذا أيضاً
قوله: من مال ولده الطفل في دين كان على ولده الطفل الآخر، ظاهر التقييد بالطفل في المحلين، أنه لا ذلك في مال البالغين، لأن تصرفها يصح ليس بيده، وليس ذلك في حاجته والله أعلم، فليحرر
قوله: فلا يجوز له ذلك،
صحة، يعني مع.
- 901 - (4/251)
صفحة 2310
إذا فعل الوالد شيئاً من مال ولده فلا يرد فعله عندهم لقوله عليه السلام: (أنت ومالك لأبيك). ويلزم المرتهن أن يرد الرهن في جميع ما ذكرنا، إلى الولد الذي له الرهن إذا بلغ، وإلى والده إذا لم يبلغ، وإلى ورثته إذا مات، دون الوالد ودون أخيه في حياتهم ودون ورثته إذا ماتوا، والله أعلم. وعلى المرتهن أيضاً مصيبته لقوله عليه السلام: (الرهن بما فيه)، و في كتاب أبي عبد الله محمد بن بركة: واختلف أصحابنا في الرهن إذا ضاع في يد المرتهن فقال بعضهم: لم يرجع أحدهما على صاحبه بشي، زاد الحق على قيمته أو نقص، وقال آخرون: يتراد ان الفضل بينها، وقال
قوله: فلا يرد فعله عندهم الخ ... الظاهر أن هذا خاص بمال ولده الطفل دون البالغ، كما هو فرض المسألة، وإن كان ظاهر الاستدلال العموم، لأنه مؤول كما تقدم عن غير المصنف من أن معناه أنه ينفقه مثلاً، والله أعلم
•
قوله: وإلى ورثته إذا مات، يعني ولو كان الوالد حياً، وهذا لا ينافي ما تقدم من أنه إذا مات الولد قبل الوالد فإنه يدفع الرهن لورثة الوالد دون ورثة الولد، لأن ما تقدم رهن الوالد من مال ولده في دين عليه، وهذا رهن في دين على ولده الآخر فافترقا، والله أعلم. قوله: ودون أخيه، أي الطفل الذي رهن الوالد في دينه، لأنه ليس له
حق في الرهن.
قوله: وعلى المرتهن أيضاً مصيبته،، يعني إذا لم يشترط أن لا يكون عليه شيء من الآفات، وهذا هو المعول عليه كما تقدم، والله أعلم.
-252 (4/252)
صفحة 2311
آخرون: يرجع صاحب الدين على صاحب الرهن، وإن زاد كان المرتهن أميناً في الرهن ولا يرجع صاحب الرهن بفضل قيمة الرهن، وهذا القول عليه جلَّ أصحابنا والعمل، وحجتهم في ذلك ظاهر قول النبي عليه السلام: (الرهن بما فيه، فإذا ضاع ذهب منه بقدر قيمة الدين، فإن زاد كان المرتهن أميناً في الرهن، وروى أبو معاوية عزان بن الصقر قولاً رابعاً وأحسبه كان اختياره أن الرهن إذا ضاع رجع صاحب الحق على الراهن بجميع حقه، وأنه أمين في الرهن، وعندي أن حجته في ذلك أن الرهن بيده ثقة بحقه، كالضامن بالحق، فالحق يتعلق بالضامن والمضمون، فذهاب أحدهما لا يبطل الحق، ولصاحب الحق أن يطلبهما جميعاً، وإن هلك أحدهما رجع بحقه على الآخر ما لم يبره المضمون عنه، لأن الحق لو كان متعلقاً بالرهن دون الراهن، سقطت الخصومة بين الراهن والمرتهن، فلما كانت الخصومة بينها في الرهن والحق قائم بعينه
قوله: يرجع صاحب الدين على صاحب الرهن، يعني بما نقص إن كان الرهن أنقص من الدين. قوله: ذهب منه بقدر قيمة الدين الخ هذا إذا لم يشترط كما تقدم.
قوله: في الرهن، لعله إنما قيد به كما تقدم، من أن الحاكم لا ينصب الخصومة بينهما في الدين الذي فيه الرهن، والله أعلم.
قوله: بعينه، الظاهر أن المراد به التأكيد وأن الباء زائدة وليست صلة
- 253 - (4/253)
صفحة 2312
أخذ
صح أن الرهن ثقة في يد المرتهن بحقه، كالأمانة، وهذا قول يسوغ لمن به، فإذا ضاع الرهن من يد المرتهن ولم يكن منه تعمداً فيه لم يجب أن يكون ضامناً، قال الله جل ذكره: ما على المحسنين من سبيل)، وإذا حافظ على صاحبه وعلى حقه فقد أحسن في فعله ولم يكن منه ما يستحق اسم متعمد فيه لم يكن ضامناً له، ويدل أيضاً على هذا القول، قوله عليه السلام: (لا يغلق الرهن، لصاحبه غنمه وعليه غرمه)، على معنى له مادة الرهن، وعليه غرامة الدين أي مصيبته عليه
"
لقائم، وهو بمنزلة قولك: هذا زيد بعينه أي الحق بنفسه قائم، لم ينتقل من الراهن إلى الرهن، ويحتمل أن المراد بعين الراهن، إلا أن المتبادر حينئذ أن يقول: بذمة الراهن والله أعلم، فليحرر.
قوله: وهذا قول يسوغ لمن أخذ به الخ. ولو من غير اشتراط، وأما عند الاشتراط فهذا هو المعمول به كما تقدم.
قوله: ولم يكن ... إلى قوله ... لم يكن ضامناً، لعله وأما لم يكن في الأول أو فلم يكن في الثاني فليراجع.
قوله: ويدل أيضاً على هذا القول قوله عليه السلام: الخ. ينظر ما تأويل الحديث الآخر عندهم وهو قوله عليه السلام: (الرهن بما فيه) فإن هذا القول بحسب الظاهر مصادم له، اللهم إلا أن يقال: معناه عندهم إذا اشترط الراهن ذلك مثلا والله أعلم، فليحرر
قوله: مادة الرهن، لعله فائدة الرهن بدليل مقابلته بالغرامة.
- 254 - (4/254)
صفحة 2313
وعلى مذهب الآخرين، معنى الحديث له زيادة الرهن على الدين، وعليه نقصانه، أي ما نقص على الدين، أو على معنى، له زيادة الرهن و عليه نفقته إذا كان مما ينفق في تفسير بعضهم، والذي يوجبه النظر أن مذهب من أوجب ضمان الرهن على المرتهن، لأنه أخذه لأجل ماله فهو في يده مضمون، ولذلك يتراد ان الفضل بينها، ومن ذهب إلى أنها لا يتراد ان التفت إلى تعلق الدين بالرهن ولم يراع الزيادة والنقصان إذا كانت بينها، فإذا ذهب الرهن ذهب بذها به الدين، ويعضده قوله عليه السلام: (الرهن بما فيه)، وعلى أن قوله: بما فيه، أظهر في مذهب من لم يضمن المرتهن الزيادة، وذلك إذا كان الرهن أكثر من الدين، ذهب الدين بذهاب الرهن لتعلقه به وليس على المرتهن ضمان بما فضل الرهن لأنه بيده بمنزلة الأمانة، لأنه لم يتعلق به حق، وإذا كان الدين أكثر من الرهن رجع المرتهن على الراهن بما فضل عن حقه على الرهن إذا ذهب لأن ذلك الفضل غير متعلق بالرهن والله أعلم. وكذلك أيضاً: اختلفوا إذا كان الرهن أكثر من الدين ثم ذهب منه بعضه، قال بعضهم: فما ذهب منه فهو من مال المرتهن، وقال آخرون: من مال الراهن ومال المرتبين فيما بقي
قوله: أكثر من الدين، يعني وأما لو كان قدر الدين فذهب بعضه، فإنه يجري فيه الخلاف السابق، والراجح أنه على المرتهن ما لم يشترط، والله أعلم
- YOO - (4/255)
صفحة 2314
الرهن، وإن لم يبق في الرهن إلا أقل من حقه فليس له غيره، وقال آخرون: فما ذهب من الرهن إذا كان أكثر من الدين، فهو بين الراهن والمرتهن على قدر دين المرتهن، والفضل الذي في الرهن عن دينه يتحاصصان فيه، وتفصيل ما ذكرنا من ضمان المرتهن، إذا كان الرهن عبداً أو أمة أو دابة، ثم ذهب عينه أو أذنه أو رجله فما أنقصه ذلك فهو من مال المرتهن، وإن ذهب الرهن من يد المرتهن بعد ما استوفى حقه عن الراهن، أو بعد ما انفسخ من يده فهو له ضامن كله، كان مثل الدين أو دونه أو أكثر منه، لأنه بيده على غير سبيل الأمانة، ولم يكن رهناً فيكون بما فيه، إلا أن يكون دفعه إلى الراهن فامتنع له من أخذه
قوله: إذا كان الرهن عبداً الخ. لعل المراد تصوير المسألة، وإلا فالظاهر أنه لا فرق بين ما ذكر وغيره، كالأصول إذا ذهب بعضها وكان في أصل رهنها فضل والله أعلم، فليحرر.
قوله: فهو من مال المرتهن، ظاهر هذا الكلام يقتضي اختيار القول الأول، وإلا فالمناسب أن يقول مثلاً: فهو على ما ذكرنا من الاختلاف،، والله أعلم. قوله: إلا أن يكون دفعه إلى الراهن فامتنع له الخ. إن غيبة الراهن وعدم ما يدفعه له بمنزلة الامتناع من القبض كما ذكروا في أحد الشريكين، إذا أصلح في المال المشترك، أنه لا يدرك على صاحبه ما يخصه إلا إذا امتنع أو غاب، والله أعلم.
(1) (أي عدم وجود من يقوم مقام الراهن في القبض): هو ملحق.
- 256 - (4/256)
صفحة 2315
فلا يضمنه حينئذ، وهو عنده على سبيل الوديعة، و هذا في الرهن المقبوض وأما الأصل فلا يضمنه إلا أن يأتي ذهابه بسببه، لأن الأصل لا يحتاج فيه إلى التسليم بعد الفسخ، والمرتهن مصدق في ذهاب الرهن، سوال ادعى ذهابه بعدما أخذ حقه أو قبل ذلك، وقد بينا ما يلزمه من الضمان في كلا الوجهين، وإن اشترط الراهن على المرتهن ضمان الفضل الذي في الرهن عن حقه فهو ضامن إذا هلك من يده، إذا تراضيا على ذلك والمؤمنون على شروطهم، ومنهم من لا يرى عليه ضمانه ولو مع الشرط
رحمه
قوله: مصدق في ذهاب الرهن، ظاهره من غير يمين، ولعله إذا لم يتهم عند من يجوز تهمة الأمين والله أعلم، ثم في كلامه الله فيما سيأتي في باب اختلاف الراهن والمرتهن، بأن القول قول المرتهن مع يمينه، فعلى هذا معنى قوله رحمه الله مصدق، أي مع يمينه، لكن يشكل كونه أمينا ويحلف، ويحتمل أن يكون ماشياً على القول بجواز تهمة الأمين والله أعلم، فليحرر.
قوله: في كلا الوجهين، وهو أنه إذا كان قبل أخذ الدين ذهب بما فيه فإن كان فيه فضل فهو أمين فيه، وإن كان بعد قبض الدين، فإنه يضمنه إلا إذا امتنع كما تقدم، ومعنى كونه مصدقاً، أنه يضمن قيمته أو مثله، و، والله أعلم.
قوله: ضمان الفضل الخ. إنما قيد الاشتراط بالفضل، لأنه لا فائدة في اشتراطه غير الفضل، لأن ذلك ثابت له بالشرع لقوله عليه السلام: (الرهن بما فيه)، نعم، الظاهر أنه يجوز اشتراط ضمان الكل عند من يقول: إن الرهن إذا ضاع يكون على صاحبه، والله أعلم.
- YOY -
ه م 17 - الإيضاح، (4/257)
صفحة 2316
فهذا يدل من قولهم، أن ما لا يلزم بالشرع لا يلزم بالشرط، وإذا كان الرهن حيواناً أو رقيقاً فما أنقصه كساد الأسواق، أو الكبر، أو الهرم، أو الهزال فلا يذهب من مال المرتهن شيء من أجل ذلك، لأن هذه الأفعال ليس للعباد فيها تعلق سبب بالكلية، وأما ما أنقصه السقم
قوله: فهذا يدل من قولهم، أن ما لا يلزم بالشرع لا يلزم بالشرط هذا بحسب الظاهر مقابل لقوله عليه السلام: (المؤمنون على شروطهم) الحديث، فإن هذا الحديث يدل على أن الإنسان يدرك بالشرط ما لا يدركه بالشرع، لو لم يشترطه، فالظاهر. والله أعلم أن الأولى أن يقول مثلا: لأن المرتهن عند هؤلاء أمين، وهذا شرط ينافي الأمانة والله أعلم. ويؤخذ من هذا الخلاف في كل شرط ينافي أصل الشيء، كاشتراط الضمان في الأمانة والوديعة والقراض والوكالة، ونحو ذلك مما لا يلزم بالشرع إذا ضاع والله أعلم، فليحرر قوله: لأن هذه الأفعال الخ، الظاهر أن الأولى في التعليل أن يقول: لأنها دخلا على ذلك، بالنظر إلى الكساد والكبر والهرم، أما الأول، فلأن المنظور إليه حال وقت البيع، لا وقت أخذه، وأما الثاني والثالث فلأنهما قد علما أنه لا يجيء وقت البيع إلا وله من السن قدر معلوم، ولا شك أن الكبر والهرم الذي هو أقصى الكبر يوجبان النقص، وأما الهزال فلأن سببه في الغالب قلة العلف مثلاً، وهو على الراهن، وأما التعليل الذي ذكره المصنف رحمه الله فيقتضي أنه إذا مات حتف أنفه من غير سبب لأحد، كان نزلت به، والعياذ بالله، صاعقة مثلاً أنه على الراهن مع أنه ليس كذلك والله أعلم. قوله: وأما ما أنقصه السقم والمرض الخ، قال شيخنا رحمه الله مجاراة لكلام المصنف رحمه الله في التعليل: والفرق أن ما تقدم ليس للعبد فيه سبب
- 258 - (4/258)
صفحة 2317
والمرض من قيمته ففيه اختلاف بين الفقهاء، منهم من يقول: ما أنقصه ذلك من قيمته فهو ذاهب من مال المرتهن، ومنهم من يقول: لا يضر شيء من ذلك بحقه، ومثل ذلك لو أن رجلاً له على رجل عشرون ديناراً، فرهن له فيها عبداً يساوي عشرين ديناراً، فمرض العبد حتى كانت قيمته تساوي عشرة دنانير فمات، فمن كان عنده يذهب حق المرتهن بالمرض، ذهب ماله كله بموت العبد، و من كان عنده لا يذهب حق المرتهن بالمرض، ذهب من حقه عشرة دنانير التي يساويها العبد عند موته، وإن رهن رجل عند رجل شاة فماتت وقد ذبحت، فكان قيمة لحمها مثل قيمتها في الحياة، فلا يذهب بشيء من مال المرتهن، وقال بعض: لا بد أن يكون بينهما فضل، وهو من مال المرتهن، وإن غصب الرهن
بالكلية بخلاف السقم والمرض، فإنها ينشآن في الغالب بسبب من العبد، فجاء الاختلاف، راجع كلام الكشاف في تفسير قوله تعالى: وإذا مرضت فهو يشفين كم انتهى، وفي القاموس، السقام: كسحاب وجبل وقفل، المرض وسقم كفرح وكرم فهو سقيم، وفيه أيضاً: المرض بظلام الطبيعة وصلابتها بعد صفائها واعتدالها، مرض كفرح الخ. قوله: لا بد أن يكون بينهما فضل الخ، يعني لا بد أن تقوم الشاة في حال حياتها، بأكثر من قيمة لحمها ولو قطع ما قطع لعلة، لأن الحي أشرف من الميت وإلا فكثير من الغنم تكون قيمة لحمها أكثر من قيمتها، بل الغالب فيها ذلك كما هو مشاهد، إلا أن من حجة الراهن أن يقول مثلاً: أريدها لغير اللحم، والله
أعلم.
قوله: وهو من مال المرتهن، أي يكون محسوباً عليه من دينه، لأن ذلك
- 909 - (4/259)
صفحة 2318
من يد المرتهن وفداه الراهن بشيء من ماله من الغاصب، فالذي فداه به هو ذاهب من مال المرتهن، إلا أن يكون الراهن فداه بأكثر مما
يوجد به فداه، فلا يذهب من مال المرتهن إلا مثل ما يوجد به فداه، وكذلك المرتهن يذهب من ماله ما فداه به، وما زاد على ماله فلا يدركه في الحكم، وكذلك غيرهما من الناس، إن أفداه محتسباً لذلك فإنه يدركه فيما بينه وبين الله، دون الحكم، لأنه يمكن أن يكون متطوعاً
مصيبة نزلت به.
قوله: بأكثر مما يوجه به فداه، ظاهره أنه إذا أفداه بمثل ما يوجد به فداؤه يلزم المرتهن، ولو زاد على قدر دينه، وفيه نظر، والظاهر والله أعلم أن يقول: بأكثر من دينه ثم ظهر أن مراد المصنف رحمه الله، فيما إذا كان الفداء أقل من الدين على كل حال، لكن إن فداه بالمثل كان على المرتهن، وإن كان بأزيد كان الزائد على الراهن والله أعلم.
قوله: فداؤه، في الصحاح: الفداء، إذا كسر أوله يمد ويقصر، وإذا فتح مقصور إلى أن قال: والفدية والفداء كله بمعنى.
قوله: فلا يدركه في الحكم، يعني وأما فيما بينه وبين الله فيدركه. قوله: محتسباً لذلك الخ، لعل المراد محتسباً في فعله، تقدمه وتكلفه المشقة مثلاً لا في ماله، وإلا فكيف يكون محتسباً في ماله ويدركه فيما بينه
وبين الله، لأن المحتسب هو الذي لا يريد عوض الدنيا مثلا، والله أعلم. قوله: لأنه يمكن أن يكون متطوعاً، يعني والحاكم لا يحكم في أمر
- 260 - (4/260)
صفحة 2319
بذلك والله أعلم. ودخول الصيد في الحرم إذا كان في الرهن مثل ذهابه لأنه صار حراماً لأجل الحرم، فإذا خرج من الحرم بعد ذلك فهو في الرهن على الحال الأول، وإن خرج وقد ذهب بعض أعضائه فما نقص من قيمته فهو ذاهب من مال المرتهن، فإن قال قائل: أليس
ممكن كما تقدم، بل لا بد أن يكون أمراً محققاً، ومفهومه أنه إذا أشهد على أنه ليس متطوعاً، أنه يدرك ذلك في الحكم أيضا، وقد صرح بمثل هذا في كتاب الجنائز في تكفين الميت وقد تقدم.
لأن
هروبه من يده لا
قبل ذلك.
من
يخرجه من
قوله: فهو في الرهن على الحال الأول، يؤخذ منه أنه لا يجوز لأحد أن يصطاده لنفسه إذا علم بذلك، فإن اصطاده مع العلم وجب عليه دفعه لصاحبه ملكه، إلا أن دخوله في الحرم يجعله بمنزلة الميت لا يحل! لأحد أصلا، فإذا خرج زال ذلك الوصف ورجع إلى ما كان عليه ملك أو رهن، أو حل لكل أحد، ونظير هذه المسألة مسألة السمك إذا انخرقت به الشبكة المتقدمة في آخر باب الذكاة حيث قال: وفي الأثر أيضاً: من هذا المعنى، وإذا أرخى الصيادون شباكهم على السمك وجروها وجاء آخر فأرخى شبكته خلفهم ليأخذ ما ما خرج من شباكهم، فلما دنوا أن يخرجوا شباكهم إلى الساحل، انخرقت فخرج سمكهم كله فوجد في شبكة الآخر، فما وقع في شبكة الذي خلف من قبل أن يدخل في شبكة المتقدم فهو له، وإن انخرقت شبكة المتقدم وخرج منها السمك إلى شبكة الآخر وحكموه حكم لصاحب الشبكة التي انخرقت وخرج منه السمك إلى شبكة الآخر وذلك كما قدمنا بعد ما حكموا عليها، فهي ملك الخ.
- 261 - (4/261)
صفحة 2320
قد ذكرت أن خروج الرهن من يد المرتهن بحق سبب لفساد الرهن، ألا ترى أن دخوله في الحرم مما يحرمه على المرتهن بالشرع؟ قيل له: إعلم إنما يلزمنا ذلك إذا كان إخراج الرهن من يده مستحقاً عليه، وأما إذا لم يكن الإخراج مستحقاً عليه فلا يلزمنا ذلك، فإذا دخل الحرم صار بمنزلة الميتة في التحريم لأجل الحرم وذهب مال للمرتهن، فإذا زالت عنه علة التحريم صار حلالاً، ورجع رهنا على حاله الأول كما أن المرتهن إذا أخذ قيمة رهنه، إذا كان حيوانا وقتله غاصب، صار الفداء حلالاً رهناً على حاله الأول، وإن
ورجع را
كان الشيء المرهون سيفاً أو درقة فضرب أحدهما صاحبه، أعني الراهن والمرتهن فاتقاه الآخر بذلك السيف أو الدرقة فانكسر أو انقطعت، فأيهما كان باغياً كان ضامناً لذلك، سواء كان ضارباً أو متقياً، فإذا كان الراهن هو الباغي كان ذلك من ماله، لأنه هو المتلف له ولا يلزم المرتهن شيء، وإن كان المرتهن هو الباغي كان ضامناً لذلك كله ولو كان أكثر من دينه لأنه هو المتلف لذلك، والمبغي عليه لا سبيل عليه، إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق)، وكذلك إذا كان ذلك بين المرتهن ورجل آخر غير الراهن، فأيهما كان باغياً كان ضامناً لذلك سوالة كان ضارباً أو مضروباً كما ذكرنا نسقاً بنسق، وأما إذا تقابل الراهن ورجل آخر أو رجلان آخران غير
- 262 - (4/262)
صفحة 2321
الراهن والمرتهن فأخذها أحدهما فضربه صاحبه واتقى بها عن نفسه
هو
فقطعت، فما نقص من قيمتها فيو على الباغي منهما، كان الباغي الضارب أو المضروب كما ذكرنا فيغرمه المرتهن إياه فيكون ذلك عنده رهنا والله أعلم. وإذا كان الرحمن عبداً فما أفسد ذلك العبد من مال الراهن أو من مال المرتهن أو من مال غيرهما من الناس فإنما ذلك كله من مال المرتهن كما ذكرنا، لأن مصيبته وجنايته عليه، وإن بغى ذلك العبد الذي في الرهن على الراهن أو على المرتهن أو على أحد غيرهما فمات العبد قتله المبغي عليه، فهو من مال المرتهن، لأن مصيبته عليه، وإن مات المبغي عليه قتله العبد، فإن شاء أولياء المقتول أن يقتلوا العبد قتلوه.
قوله: وإذا كان الرهن عبداً، مثل العبد سائر الحيوانات فليس التقييد
للاحتراز.
قوله: فإنما ذلك كله من مال المرتهن الخ، ظاهره أنه عليه ذلك ولو كانت الجناية أكثر من الدين، اللهم إلا أن يقال: المراد بمال المرتهن الدين الذي رهن فيه العبد، فيقتضي أن تكون الجناية أقل، وأما إذا كانت أكثر أو مساوية، فالظاهر أنه لا يكون عليه شيء، لأن القاعدة أن جناية العبد في رقبته إذا أسامه سيده فيها، والمرتهن ها هنا قد ذهب حقه وترك المطالبة بالعبد فيكون الراهن بالخيار، فإن شاء فدى، وإن شاء سلمه الجناية والله أعلم. قوله: فإن شاء أولياء المقتول الخ، وذلك لأن جناية العبد في رقبته
- 263 - (4/263)
صفحة 2322
وإن شاءوا أخذوه فى الدية، ويكون من مال المرتهن، لأن جنايته عليه، وكذلك أولياء المرتهن، إن شاء وا قتلوه إذا قتل المرتهن، وإن شاءوا أخذوه في الدية، وإن شاءوا حبسوه في الرهن، وإن بغي على العبد فقتل من بغى عليه، فلا يقتل به ولا يذهب من مال المرتهن شيء، لأنه مبغي عليه ولا سبيل عليه، وإن مات العبد ضمنه قتله فيأخذ من المرتهن قيمته وتكون عنده رهناً مثل العبد في حياته، وإن قتله المرتهن بنفسه، ضمن قيمته ولو كانت أكثر من حقه والله أعلم. وإذا اشترى رجل من رجل سلعة فطلب المشتري أخذها من البائع فمنعه أخذها من حتى يستوفي ماله منه فله ذلك، وإن ذهبت السلعة من يده من قبل أن يأتيه المشتري بالثمن فقد ذهب ماله بذهابها ويكون سبيلها سبيل الرهن،
قوله: إن شاءوا قتلوه، وإن شاءوا أخذوه في الدية، يعني فيسقط في الموضعين قدر قيمته في الدين، ويتبعون الراهن بالباقي إذا كان الدين أكثر من قيمة العبد والله أعلم.
قوله: من قتله، أي ولو كان هو الراهن.
قوله: ضمن قيمته، أي ويسقط منها قدر دينه
قوله: من قبل أن يأتيه المشتري بالثمن الخ، وكذلك إذا منعه منها وأتاه بالثمن ولم يزنه، فإنها بمنزلة الرهن أيضاً، والثمن أمانة كما صرح آخر باب البراءة فليراجع، ولعله إذا لم تجر العادة بعدم الوزن والله أعلم، فليحرر
- 264 - (4/264)
صفحة 2323
وكذلك إن دفع المشتري بعض الثمن. لزم البائع السلعة بما بقي من الثمن على هذا الحال، وكذلك الصانع إذا منع لصاحبه المتاع حتى يوفيه أجرته فله ذلك، فإذا ذهب المتاع من يده قبل أن يأتيه صاحبه بالأجرة فقد ذهبت أجرته بذهاب المتاع على سبيل الرهن، وكذلك لو أن رجلاً أمر رجلاً أن يشتري له سلعة ولم يعطه الثمن فاشتراها له المأمور من ماله أو يوجبه، فمنعه من أخذها حتى يستوفي له الثمن الذي اشتراها له به فله ذلك، فإن هلكت في يده قبل أن يوفيه الثمن فليس له على الآمر شيء، ويكون غرمه على المأمور الذي منعه من أخذها، وكذلك او أن رجلاً له على رجل دين فلزمه إليه، فقال له: خذ سلعتي هذه فبعها واستوف من ثمنها، فذهب بها فهلكت في يده قبل أن يبيعها، فقد ذهب ماله
قوله: على سبيل الرهن، يعني فإن فرض أن الأجرة تكون أكثر من قيمة الشيء، فإنه يتبعه ببقية الأجرة، ولو ذهب أيضا لا على سبيل الرهن، فإن الصانع يضمنها كما تقدم، والله أعلم.
قوله: فلزمه، يعني فقال له مثلاً: لا أفارقك حتى تقضي ديني، فلا ينافي ما تقدم في باب لزوم الدين حيث قال: وإن لزمه في دينه فأعطاه شيئاً يبيعه ويأخذ من ثمنه دينه فتلف ذلك الشيء قبل أن يبيعه فليس عليه شيء، لأنه
أمين، إلى أن قال: إلا إن ضيع القضاء الخ، ثم قال: وأما إن لزمه فقال له لا أفارقك حتى تقضي لي ديني فأعطاه شيئاً يبيعه، إلى أن قال: وهو بمنزلة الرهن، لأنه لولا تكليفه إياه، ما أعطاه ذلك الخ، فليراجع.
:
- 265 - (4/265)
صفحة 2324
لذهابها مثل الرهن، إلا أن يكون في دينه فضل عن ثمن السلعة فيتبعه به، وإن كان في ثمن السلعة فضل عن دينه فليس عليه ضمانه، لأنه أمين على الفضل إلا إن ضيعها، وكذلك إن لزمه إلى دينه فقال له: إن لم أوفك دينك إلى يوم كذا وكذا فأمر طلاق امرأتي بيدك فطلقها متى شئت، ثم إنه لم يوفه بدينه في ذلك اليوم فطلق امرأته فقد ذهب من ماله مثل صداق المرأة إذا كان طلقها طلاقاً لا يملك فيه الزوج الرجعة، وكذلك طلاق الرجعة إذا لم يرجعها الزوج حتى انقضت عدتها مثل ذلك، وإن راجعها فلا يذهب من ماله شيء، وإذا كان لرجلين دين على رجل وقد تفاضلا في الدين لأحدهما عليه عشرة دنانير وللآخر عشرون ديناراً فرهن لهما رهناً يساوي ثلاثين ديناراً وقال لهما: رهنت لكما هذا الرهن على أموالكما، فالرهن جائز ويكون على أموالهما في القضاء والوضيعة، و إن قال لهما: في أموالكما، فهو بينهما نصفان ويقسمان ثمنه نصفين ويأخذ كل واحد منهما خمسة عشر ديناراً، فيرد صاحب العشرة دنانير
رب
قوله: حتى انقضت عدتها، ظاهره ولو علم بذلك وتركه باختياره، لأن المال هو الذي تسبب في ضياع ماله، والله أعلم.
قوله: العشرة دنانير، هكذا فيما رأيناه من النسخ، ولعله العشرة الدنانير على مذهب الكوفيين، تشبيها له بنحو الحسن الوجه، أو الدنانير العشرة أو
-266 - (4/266)
صفحة 2325
خمسة دنانير التي جازت إليه للراهن، وإن دفعها للمرتهن الآخر فهو ضامن، إلا إن جوز له الراهن ذلك، وإن كانت الوضيعة في الرهن فهي بينهما نصفان ويرجعان بالبقية على الراهن، وإن كان الرهن يمكن فيه القسمة، فإنهما يقسمانه نصفين ويأخذ كل واحد متهما نصفه، وإن كان الرهن مما لا تمكن فيه القسمة، فليأخداه بالدول، إلا إن كانا أمينين فإن كل واحد منهما يجوز له أن يتركه عند صاحبه.
عشرة دنانير، أو نحو ذلك عند البصريين، والأمر في ذلك سهل بالنظر إلى
المراد.
قوله: التي جازت إليه، بدل من قوله: خمسة دنانير، أو من ديانير، وليس
صفة لاختلافهما تعريفاً وتنكيراً.
- 267 - (4/267)
صفحة 2326
باب فيما لا يجوز للمرتهن
أن يفعله في الرهن
ومما لا يجوز له أن يفعله الانتفاع بالرهن، فإنه ليس بمأذون له في ذلك، وإن استنفع بالرهن الذي بيده فقد انفسخ من يده ويكون عليه غرم ما استنفع به، لأن الرهن بمنزلة الأمانة، وإذا تعدى أو فعل ما ليس له أن يفعله خرج من حد الأمانة الى حد الضمانة، وصار متعدياً بفعله ذلك وانفسخ من يده حين خرج عن حكمه الأول، ومنهم من يقول: لا ينفسخ الرهن باستنفاعه منه ويكون قيمه ما استنفع قضاء من حقه، وهذا منهم يدل عندهم وأن ما كان عقده
باب فيما لا يجوز للمرتهن أن يفعله في الرهن
قوله: فإنه ليس بمأذون له، يعني في الشرع فلا يجوز ذلك، وينفسخ ولو أذن
له صاحبه
قوله: ومنهم من يقول: لا ينفسخ الخ .. قد تقدم الكلام على هذا الاختلاف لكن أفاد هنا فائدة زائدة، وهي بيان المعمول به.
- 268 - (4/268)
صفحة 2327
بالقول فلا ينفسخ إلا بالقول، أصله سائر العقود، والقول الأول عليه العمل عندهم، وكذلك إن أمر غيره أن يستنفع به فقد انفسخ من يده،؛ استنفع به المأمور أو لم يستنفع، لأنه فعل ما ليس له، وقال بعضهم: لا ينفسخ حتى يستنفع المأمور، لأن القول إنما يصدقه الفعل، ولا ينفسخ الرهن باستنفاع المسلط عليه، لأن الرهن ليس له، ولا تكسب كل نفس إلا عليها، وإن استنفع المرتهن بالرهن وهو في يد المسلط، فإنه ينفسخ والمسلط بمقامه، لأنه وكيله، ومنهم من لا يرى انفساخه لأن الرهن ليس بيده وليس بمأمون عليه والله أعلم. . إذا كان الرهن بيد رجلين و استنفع به أحدهما، فقد انفسخ بجميعه، لأنه عقدة واحدة فلا تتجزأ،
قوله: لأنه فعل ما ليس له. قد تقدم نظير هذا في العيوب إذا أمر ومن ينتفع به بعد ظهور العيب. قوله: لأن القول إنما يصدقه الفعل، نظير هذا ما ذكره في السؤالات فيما يتعلق بالولاية والبراءة إذا أخبر انه يقع منه ما لا يحل له، حيث قال: وإن قال: سآوي إن الكافرين غداً وسأبرأ من المسلمين غداً، وسأقول إلهين اثنين غداً، أو قال: سأقتل النفس التي حرم الله غداً، أو جميع ما تعلق الى الجوارح، فلا يحكم عليه بالكفر ما لم يفعله، بل يحكم عليه بالعصيان لاغير، التمنيه ذلك والله أعلم. قوله: ومنهم من يري انفساخه الخ، تقدم في الفصل الذي قبل باب أحكام الرهن ان هذا هو مذهب الربيع، ويؤخذ من التشبيه بما قبله هناك أنه المعمول به والقول الأول قول ابن عبد العزيز.
قوله
: «لا» تمنع، وقوله
:
لا توجب، لعله باسقاط لا في
-579 - (4/269)
صفحة 2328
فإن قال قائل: فهلا كان لا ينفسخ إلا باتفاقها جميعاً، كما أنه لا ينعقد إلا باتفاقها؟ قيل له: العلة التي تمنع عقده إلا باتفاقهما، هي التي توجب فسخه، لأن الفعل الواحد لا يكون صحيحاً من جهة، فاسداً من جهة، والله أعلم، ولأن أيضاً فسخه ليس من جهة العقد، وكذلك إذا مات المرتهن فاستنفع به أحد ورثته فقد انفسخ باستنفاعه به، لأن الورثة في مقام مورثهم في ماله وما عليه وهذا رهن واحد، ومن الفقهاء من يقول: لا ينفسخ الرهن باستنفاع أحد الورثة منه ويكون عليه غرم ما استنفع
6
وهي
الموضعين وذلك أنه هناك علة تمنع المقد حق يتفقا فعل أحدهما ابتداء لا يسري في الآخر، ثم إذا اتفقا على العقد فقد دخلا مثلا، على أن فعل أحدهما يسري على الآخر لكون ذلك الشيء لا يقبل التجزي كما ذكره المصنف رحمه الله، فيكون الحاصل أن الملة التي تمنع عقده إلا باتفاقهما هي التي توجب فسخه.
قوله: لأن الفعل الواحد الخ، يعني أنها لما اتفقا على العقد الواحد صار فعلاً واحداً، لا يصح بعضه ويفسد بعضه والله أعلم.
قوله: فقد انفسخ باستنفاعه الخ، ظاهره أنه إذا لم يستنفع منه الوارث يكون رهنا على حاله إلى أجله، فدل أن كلامه فيما تقدم حيث قال: وإذا مات الراهن والمرتهن جاز لورثة المرتهن بيعه الخ، محمول على الرهن الذي سبق الكلام فيه وهو الذي لم يبعه المرتهن عند الأجل، وإن كان التعليل الذي ذكره رحمه الله
بحسب الظاهر يقتضي العموم والله أعلم
•
- 270 - (4/270)
صفحة 2329
به، وكذلك إن استنفعوا منه جميعاً، وذلك لأنهم غير مأمونين عليه، وأما إن غر الراهن المرتهن فأطعمه من ثمار الرهن طمعاً منه في انفساخه، فلا ينفسخ بذلك إذا لم يعلم المرتهن، لأنه لا يكلف عليه ما غاب عنه، وكذلك الغائب إذا استنفع بغير علم منه على هذا الحال، وكذلك إذا زال عقل المرتهن فانتفع بالرهن في حال جنونه فلا ينفسخ، لأنه غير مخاطب، وكذلك اليتيم والمجنون إذا كان رهن أحدهما في يد خليفته
فاستنفع منه، فلا ينفسخ لقوله عليه السلام: (رفع القلم عن ثلاث من أمتي (الحديث (1)، وإذا استنفع به الغائب بعدما قدم، وعلم به، والمجنون) (
(1)
،
قوله: وذلك لأنهم غير مأمونين عليه، ينظر كيف يفعل به وأين يوضع: على هذا القول، إن قلنا انه يستمر رهنا إلى اجله حيث كانت الورثة غير مأمونة عليه، اللهم إلا أن يقال: المراد غير مأمونين عليه ابتداءاً، وأما الآن فيستمر عندهم لانه آل اليهم ذلك من مورثهم غايته ان من انتفع به غرم قيمة ذلك من استمراره عند هؤلاء. والله اعلم، فليحرر.
قوله: فأطعمه من ثمار الرهن الخ. فيه أن إطعامه لا يجوز مطلقاً إذا كان لأجل الدين لأن ذلك هدية مدين، وهي من الربا، الا أن مراد المصنف رحمه
الله، إفادة الحكم مع قطع النظر عن كونه حلالا أو حرام)، والله أعلم.
قوله: وكذا ان استنفع الخ .. التشبيه في هذا غير تام لعدم التفصيل
والله أعلم
(1) تقدم ذكره.
6
- 271 - (4/271)
صفحة 2330
بعد ما أفاق، أو اليتيم بعد ما بلغ، فقدا نفسخ بانتفاعهم به، لأن الرهن لهم والله أعلم، ولا ينفسخ الرهن باستنفاع الراهن ولو تركه إلى ذلك ما لم يأمره، وكذلك ولده طفلاً كان أو بالغاً أو عبداً، وامرأته وغيرهم من الناس فإنه لا ينفسخ باستنفاعهم ما لم يأمرهم، وكذلك إن وكذلك إن استنفع أحد من الناس بالرهن الذي بيد المرتهن أو من أفسد فيه أو أكل منه فحلله المرتهن ذلك فقد انفسخ، لأنه فعل ما ليس له، وكذلك إن باعه المرتهن بيعاً منفسخاً فقد انفسخ من يده لفعله ما ليس له أن يفعله، وإن انتفع الوالد من رهن ولده الطفل فقد انفسخ من يده كان ذلك الرهن في يد الوالد أو في يد خليفته، لأنه في مقامه، و مال ولده له، وأما البالغ، فلا ينفسخ الرهن من يده باستنفاع والده منه، لأنه ليس بمقامه في هذا، وخليفة اليتيم أو المجنون أو الغائب لا ينفسخ رهن اليتيم أو المجنون أو الغائب
قوله: فحلله الخ. ذكر فيما سيأتي انه يجزئه حله اذا كان أمينا، يعني لأن الأمين يغرم ذلك لصاحبه، وأما حل الراهن فلا يبرئه قوله: بيعاً منفسخاً، الظاهر أنه اراد بعد الأجل، وإنما نص عليه لأنه ربما يتوهم انه لما بطل صار بمنزلة العدم فيجدد له البيع، وأما قبل الأجل فالظاهر ينفسخ مطلقاً. والله أعلم فليحرر.
قوله: لفعله ما ليس له، يعني وهو بيع الانفساخ لأن استعمال المفسوخات لا يجوز والله أعلم.
- 272 - (4/272)
صفحة 2331
باستنفاعه لأنه ليس هو له، وإذا استنفع المرتهن بالرهن بالضرورة منه
6
إليه، مثل أن يجبره السلطان، فقد انفسخ من يده بحصول الاستنفاع له: وكذلك إن كان الرهن بيتاً أو غاراً أو قصراً فتحصن به من العدو أو سيفاً فقاتل به العدو أو فرساً فهرب من العدو فإنه ينفسخ في هذا كله على ما ذكرنا. وبالجملة إنه ينفسخ الرهن بجميع استنفاع المرتهن إلا أن يستنفع بما لا يحتاج الناس فيه إلى الإذن، إذن صاحبه، وذلك الاستنفاع الذي لا يحتاج فيه الناس إلى الإذن على وجهين: أحدهما: لا يجوز فيه
قوله: ليس هو له، ظاهره ولو كان هو المسلم للرهن ابتداءاً وهو الفاعل كذلك لأنه للدين وهو لم يستخلف على الفسخ، وقد تقدم في باب بيع الدين في لزوم الخليفة دين من استخلف عليه ما يدل على الخلاف في الدين، هل ينفسخ أو لا؟ أو التفصيل بين السابق واللاحق فليراجع بما عليه وليحرر، ولعل هنا كذلك، لكن جزمه هنا يدل على ان المراد الخلاف، والراجح عدم الفسخ والله اعلم، أو يفرق بين الدين والرهن والله اعلم فليحرر.
قوله: مثل أن يجبره السلطان الخ. انما انفسخ مع كونه مكرها لأن المكره عندنا مكلف فيما يتعلق بالفعل كما هو معلوم.
قوله: بحصول الاستنفاع له، او تجمع فيه منفعته ومنفعة الرهن وهو كذلك لما يؤخذ من كلامه في باب معرفة أحكام العيب والله أعلم.
- 273 -
(م 18 – الإيضاح» (4/273)
صفحة 2332
المنع من صاحبه أصلاً، مثل شرب الماء من الآبار والأنهار والسواقي والأودية، ونزع الكلأ أو الحطب من الفحوص حيت لا يضر بها والاستظلال بظل الأشجار والحيطان من خارج إن لم يكن في الإستقلال بها، مضرة وما أشبه ذلك مما لا يجوز فيه المنع لصاحبه نحو المعادن الثابتة من الطفل والجبس والشب والحجارة والكبريت، فهذا لا ينفسخ الرهن باستنفاعه، والوجه الآخر: الإستنفاع بالمتروك ودخول البيوت التي هي غير مسكونة يجوز الاستنفاع به بغير إذن صاحبه ويجوز لصاحبه
منعه، ففي هذا الوجه اختلاف، منهم من يقول: ينفسخ باستنفاعه ومنهم من يقول: لا ينفسخ مثل الأول، إلا إن استنفع بعد المنع من
صاحبه والله أعلم، ومن الانتفاع الذي ينفسخ به الرهن إذا كان ثوباً فلبسه المرتهن، أو كان لوحاً فكتب فيه أو كتاباً أو مصحفاً فقرأ فيه أو طيباً فشم رائحته فتلذذ بذلك، إلا إن جعله في الموضع الذي يريد فيه حرزه فشم رائحته بغير استعمال منه لذلك فلا بأس، وكذلك إن كان الرهن مرآة أو سيفاً فنظر فيه وجهه، أو حلياً فتزين به فقد انفسخ بهذا كله، لأنه استنفاع، وكذلك إن كان الرهن عبداً فعلمه ذلك العبد
قوله: شرب الماء، الظاهر أن المراد به الغرف منه، وأما ماء تعب عليه
صاحبه فيجوز منعه، والله أعلم.
"
- YVE- (4/274)
صفحة 2333
شيئاً من الصناعات التي هو صانعها الجواز أن يكون حداداً أو صائغاً أو خر ازاً أو نجاراً أو ما أشبه ذلك من الصناعات فقد انفسخ الرهن بذلك كله و الله أعلم، وفي الأثر: ومن رهن لرجل عبداً أو جملاً أو غيرهما ثم أكراه الراهن للمرتهن فاستنفع به المرتهن فقد انفسخ الرهن، قلت: فحيث انفسخ الرهن فما الذي يكون على المرتهن أجرة مثله، أو ما اتفقا عليه؟ قال: إنما يكون عليه أجرة مثله لأن كراءه لا يجوز.
قوله: أو ما أشبه ذلك من الصناعات، ظاهر هذا التقييد يقتضي أنه إذا كان العبد عالماً أو حافظاً للقرآن مثلاً، فعلمه أنه لا. ينفسخ، لأن هذا ليس بصنعة، لكن ظاهر التمليل بالاستنفاع أنه ينفسخ ولا يقال المراد المنفعة الدنيوية بدليل الانفساخ بالقراءة في المصحف والله أعلم، فليحرر.
قوله: لأن كراءه لا يجوز، يعني لأن الراهن لم يجعل له الشرع التصرف في
الرهن.
- TYO- (4/275)
صفحة 2334
باب ما يجوز للمرتهن ان يفعله في الى هن واذا كان في الأصل الذي في الرهن ثمار مدركة فجائز للمرتهن أن يبيعها للراهن ولا يضيق عليه الاستقصاء في ثمنها كما يستقصيه إذا أراد لغيره من الناس من قبل أن الرهن له، وإنما جاز له أن يبيع الثمار على الأشجار، لأن ذلك أصلح لهما، وكذلك إن رهن له نصف الفدان فأدركت ثماره فجائز للمرتهن أن يتقاسمها مع الراهن فيعطيه ما ينوب النصف الذي لم يكن في الرهن
باب ما يجوز للمرتهن أن يفعله في الرهن
يسمع
قوله: وإنما جاز له أن الثمار على الشجر، المناسب لهذا أن يقول فيها تقدم أن يبيعها للراهن على الشجر، اللهم إلا أن يقال التقييد بالشجر يفهم من قوله في الأصل الذي في الرهن ثمار مدركة، ولعله إنما نص على هذا مع أنه من المعلوم أنه يجوز بيع الثمار المدركة على الشجر، لأنه ربما يتوهم المنع لئلا تجول يد الراهن في الرهن فنص على أنه يجوز ذلك لأجل المصلحة والله أعلم، فليحرر.
- 276 - (4/276)
صفحة 2335
ويمسك ما ينوب النصف الذي هو عنده، يتقاسمهما معه على رؤوس الأشجار أو بعدما صرموها أو يبيعها له أيضاً كما ذكرنا، وكذلك أيضاً، لو كان للراهن فيه شريك يقاسم المرتهن شريك الراهن ويبيعها له لأن المرتهن خصيم فيما بيده لتعلق حقه فيه، وإن كان الفدان بين الراهن والمرتهن ثم رهن له نصيبه منه فحضرت الثمار فلا يقاسمها المرتهن مع الراهن، لأن الراهن ممنوع عن سهمه لتعلق حق المرتهن فيه، ولكنه إذا أراد أن يبيعها له كلها فله ذلك، لأنه خصيم في ذلك ما له وما ليس له بحقه، ثم يأخذ يأخذ نصف ثمنها لنفسه ويمسك النصف الباقي في الرهن، وكذلك خليفة الغائب واليتيم إذا كان شريكهما في تلك الثمار على هذا الحال، فإن قال قائل: أرأيت إن استخلف المرتهن لنفسه خليفة فيأخذ
قوله: لكنه إن أراد أن يبيعها له كلها فله ذلك، ظاهره أنه ليس له أن يبيعه نصفها مثلاً، مع أن الظاهر جواز ذلك ويقسم معه، لأن الراهن إنما يقسم حينئذ من جهة تعلق حقه بالثمرة التي اشتراها، لا من جهة كونه راهناً، ثم إن هذه الصورة شاملة لكلام المصنف رحمه الله بعد، حيث قال: وإن أراد أن يبيع. هو نصيبه الخ، والله أعلم.
قوله: على هذا الحال، يعني لا يقسم الثمرة التي اشتركها مع اليتيم لعدم الكل فيأخذ نصف الثمن له والنصف لمن يبيع من استخلف عليه، فيقسم حينئذ مع
تأنسي من يقسم معه،، فإما أن: استخلف عليه أو يبيع حصته أو حصة. المشتري كما هو ظاهر والله أعلم
- 277 - (4/277)
صفحة 2336
له نصيبه خليفته ويقبض هو ما ينوب الرهن، قيل له: لا يجوز ذلك لأن خليفة المرتهن في مقامه فكأنه قسم ذلك وحده، ولكن إن أراد أن يبيع هو نصيبه من تلك الثمار ثم يقسمها مع الذي اشترى منه نصيبه يجعل الباقي رهناً عنده، فجائز إن أراد أن يبيع النصف الذي هو عنده رهن ويمسك نصيبه لنفسه ثم يقسمه مع المشتري فلا بأس، وإن اشترى أيضاً من المشتري ذلك النصف الذي ينوب الرهن فلا بأس، وأما قسمة الأصل فلا تجوز في جميع هذه الوجوه، والفرق بين قسمة الثمار وقسمة الأصل، أن قسمة الثمار صلاح لها وهو من تمام حرزها، وليس كذلك قسمة الأصل والله أعلم، وللمرتهن أن يستمسك بالراهن بالتعدية إذا أكل
قوله: وإن اشترى أيضاً من المشتري ذلك النصف الخ، يؤخذ منه جواز شراء السلعة التي لا يجوز له شراؤها ابتداء إذا انتقلت كالتي باعها بدين إلى أجل، ثم اشتراها نقداً بأنقص من غير الذي اشترى منه، ومحل هذا إذا لم الاتفاق على ذلك كما سيأتي في باب بيع الرهن، ولعل المسألة.
يقع
بالدين كذلك والله أعلم.
بيع
الشيء
قوله: النصف الذي ينوب الرهن، يعني وأما النصف الذي له، إن باعه
دون النصف الذي في الرهن فلا يصح. شراؤه بعد ذلك، لأنه يعود المحذور وهو عدم من يقسم معه، إلا إن بيع الكل أو أحدهما بعد ذلك، لكن المفهوم إذا كان فيه تفصيل لا يعترض به والله أعلم.
وأما قسمة الأصل الخ، ظاهره ولو كان الشريك أجنبياً وطلب ذلك وفيه
- TYA - (4/278)
صفحة 2337
من ثمار الرهن أو أخذ منه شيئاً ويحلفه إذا جحد ويوقف عليه التهمة،
،
لأنه خصيم فيما في يده، والراهن ممنوع بحق المرتهن، وكذلك غير الراهن يستمسك به المرتهن بالتعدية، ويحلفه إذا جحد ويوقف عليه التهمة، وإن أقر جبره الحاكم على ردّ ما أخذ من الرهن أو قيمته إذا هلك، ويكون رهناً بيد المرتهن، وكذلك من أفسد في الرهن شيئاً يجزئه أن يعطي قيمة ذلك للمرتهن أميناً كان أو غير أمين، لأن الرهن
نظر،
، لأن ذلك حينئذ ضرر، والضرر لا يحل، والله أعلم، ولعل محله إذا كان الطالب للقسمة هو المرتهن كما يرشد إليه التعليل بالصلاح وعدم الصلاح والله
أعلم:
، فليحرر.
قوله: ويوقف التهمة، لعله إذا لم يكن أميناً، لأنهم قالوا: إن الأمين لا تلحقه التهمة ولا يمين المضرة والله أعلم، فليراجع.
قوله: لأنه خصيم، يؤخذ منه أن من كان أجنبياً عن الشيء ولم يكن خصيماً فيه؛ ليس له أن يوقف التهمة على من تعدى فيه بأن تصح دعواه ويدركه اليمين أو يقيم الشهادة، ولعل محله إذا لم يكن محتسباً الله كمال المسجد والله أعلم،
فليحرر. قوله: والراهن ممنوع الخ، يعني فلذلك جاز للمرتهن الإمساك به وغير ذلك من الأمور المتقدمة
قوله: أو قيمته إذا هلك، يعني إذا كان مقوماً أو مثله، إذا كان مثليا
كا لمكيلات والموزونات والله أعلم.
- 279 (4/279)
صفحة 2338
بيده بحقه وهو فيه خصيم، وكذلك المسلط على هذا الحال يدفعه إليه دون الراهن والمرتهن، وإن جعله الراهن في حل من ذلك أو دفعه إليه فلا يجزئه ذلك، لأن الرهن ممنوع على الراهن بحق المرتهن فيه ما لم يبرئ من حقه، فإن قال قائل: أرأيت إن جعله المرتهن في حل من ذلك أيجزئه ذلك؟ قيل: إذا جعله المرتهن في حل من ذلك انفسخ الرهن من يده، لفعله ما ليس له ويجزئه حله إذا كان أميناً، ولا ينفسخ الرهن بتحليله، لأن الرهن لغيره، ويكون ضمان ذلك عليه، وكذلك كل من كان في يده مال غيره من غير رهن، نحو الوديعة والعارية ومال المضاربة ومال الغائب واليتيم، فمن أفسد شيئاً مما ذكرنا فيجزئه حل الذي كان في يده ذلك الشيء اذا كان أميناً، ويكون ضمان ذلك عليه، لأن الأمين يكون حجة في نزوع التباعات مع أن هذا الشيء في يده وهو
قوله: فلا يجزئه ذلك، يعني ابتداء، وظاهره ولو كان أميناً، وفيه تأمل لأن الأمين يدفع ذلك للمرتهن، لأنه يعلم أن دفع ذلك واجب عليه، وسيأتي أن الأمين حجة في نزوع التباعات، اللهم إلا أن يخص ذلك بكون الشيء بيده والله أعلم فليحرر. قوله: لأن الأمين يكون حجة في نزوع التباعات، هذه العلة تقتضي الأمين إذا التزم له الغرم تبرأ ذمته، وإن لم يكن الشيء في يده، اللهم إلا أن يقال: الملة هي كونه أميناً مع كون الشيء في يده، فأحدهما لا يكفي، ويحتمل
أن (4/280)
صفحة 2339
فيه خصيم، وكذلك الوالد من مال ولده. واذا رهن رجل لرجل خادماً وهي امرأة المرتهن قبل ذلك فله أن يطأها بعد الرهن وإن كان لم يطأها قبل ذلك ولا يضر بماله شيئاً بدخوله عليها، لأن ذلك من حقوق الزوجية فلا يضر بالرهن شيئاً ولا يمنعه الراهن لأن الرهن لا يحرم ما هو حلال في حق الغير، أصل ذلك البيع لا يمنع حقوق الزوجية، مع
أن يجري في الأمين الخلاف السابق في باب ما يأمر صاحب الدين غريمه، وفي باب إرسال الدين لصاحبه هل يكون حجة أو لا؟ حيث قال في الأول: وأما الأمين الواحد فإنه لا يكون قوله حجة فيما ذكرنا كله حجة، وعند بعض: أنه كل من صدقه الرجل فإنه يكون له حجة وعليه حجة فيما بينه وبين الله الخ .. وقال في الثاني: وإن قال له الذي أرسله معه: قد وصلته لصاحبه فإن كان أميناً فقد برئ، وإن كان غير أمين فلا يبرأ بقوله حتى يعلم بوصوله، إلا على قول من قال: التصديق حجة فيما بينه وبين الله، ومنهم من يقول: برئ من الدين إن أرسله مع الأمين ولو لم يسأله بعد ذلك، والقول الأول عندي أصح، إلى أن قال: حتى يعلم ببراءة ذمته كما علم بشغل ذمته والله أعلم.
قوله: وكذلك الوالد من مال ولده الظاهر أنه إذا كان الولد طفلاً لا فرق في الوالد بين أن يكون أميناً أو غير أمين لأنه بمنزلة ماله، وأما إن كان بالغاً فالظاهر كالأجنبي لأنه لا يحل له من ماله إلا ما يقضي به حاجته والله أعلم
فليحرر.
قوله: أصل ذلك البيع، مبتدأ وخبر، يعني إذا بيعت وهي متزوجة، فإن الزوج لا يمنعه من الوطء انتقال الملك إلى المشتري والله أعلم.
- 281 - (4/281)
صفحة 2340
أن الرهن أسهل في هذا، لأن البيع خرو
ح ملك، وليس تلك الأمة فله وطؤها
الرهن كذلك، وكذلك غير المرتهن إن تزوج بعد الرهن، ولا يذهب من مال المرتهن مثل مهرها كما ذكرنا، وما ولدت تلك الامة فإنه يباع معها إذا كان مع الرهن، وما حدث بعد الرهن فقد ذكرنا في صدر الكتاب أن النسل المحدث بعد عقد الرهن لا يباع مع الرهن إلا ما كان في بطنها وقت البيع، فإنه يباع معها كان مع الرهن أو حدث بعد الرهن. وأما إن زوجها الراهن من أخيه أو ابن أخيه أو غيرهما
قوله: وليس الرهن كذلك، أي ليس الرهن خروج ملك حال العقد، وإن
كان يؤول إلى ذلك بعد الأجل.
قوله: فله وطؤها بعد الرهن، يعني والحال أنها تزوجت قبل ذلك، وأما بعد الرهن فالظاهر أنه لا يصح تزويجها لأن الراهن ممنوع عن الرهن، والمرتهن ليس له ذلك لكن لو فرض أنه تعدى الراهن فزوجها فهل للمرتهن فسخه؟ وهو الظاهر، أو لا يكون المهر من جملة الرهن؟ والله أعلم فليحرر.
قوله: ولا يذهب من مال المرتهن لعله إنما نص على هذا لأنه ربما يتوهم أن ذلك الوطء استنفاع بالرهن وهو منقص له مثلا و الناقص على المرتهن. وهو قدر المهر فنفي ذلك، والعلة في ذلك ما ذكر أولاً وهو أن الوطء من حقوق الزوجية وأن
الرهن لا يحرم ما هو حلال والله أعلم.
- YAT- (4/282)
صفحة 2341
ممن لا يستخدم الراهن أولادهم قبل الرهن ثم رهنها بعد ذلك فما ولدت منه قبل الرهن أو بعده فهم أحرار، كان الفضل عن حق المرتهن أو لم يكن في الرهن، لأن ذلك غير داخل في الرهن يستثنيه الراهن عند عقد الرهن، وكذلك عقد البيع والله أعلم. وإن كان الراهن هو الذي تسرى تلك الأمة قبل الرهن فليس له ان يتسراها بعد الرهن، أصل ذلك البيع لأن الرهن يؤول الى خروج الملك. والدليل على ذلك أن الراهن ممنوع من التصرف فيه وإن وطئها الراهن بعد ما رهنها للمرتهن فللمرتهن
قوله: لا يستخدم الراهن أولادهم، يعني لأنهم أحرار لقوله: (من ملك ذا محرم عتق عليه) (1) والله أعلم.
قوله: قبل الرهن، هذا ظرف لغو يتعلق بقوله: بتزوجها، يعني وأما بعده فلا يجوز ذلك مطلقاً لأنه ممنوع من التصرف فيه والله أعلم.
قوله: يستثنيه الراهن الخ .. يعني وأما إن لم يستثنه فهم أحرار أيضاً، لكن إذا لم يستثنه الظاهر أن البيع والرهن فاسدان لأن هذه العقدة قد اشتملت على ما يجوز وما لا يجوز، فالاستثناء واجب بالنظر إلى صحة العقد، ويحتمل أن العقد يكون صحيحاً وأن الحمل عيب فقط، فيثبت له الخيار والله أعلم فليحرر.
قوله: فللمرتهن أن يغرمه الخ .. يعني وله أن يتركه ويتمادى على التسري ولا ينفسخ الرهن ما لم يأذن له.
(1) تقدم ذكره.
- 283 - (4/283)
صفحة 2342
أن يغرمه عقرها، ويكون في الرهن معها. وكذلك غيره من الناس على هذا الحال اذا وطئها من غير نكاح والله أعلم. وإن أذن المرتهن للراهن أو غيره من الناس في وطئها فقد انفسخ الرهن من يده لفعله ما ليس له، وكذلك إن وطئها المرتهن من غير نكاح فإنه ينفسخ الرهن من يده لفعله ما ليس له أن يفعله، ولا يثبت نسب أولاده معنا ويكون عليه مهرها، طاوعته أو لم تطاوعه، لأنها مال الغير، ويسقط عند الحد بالشبهة الواقعة من
قوله: عقرها، العقر هو دية الفرج، وهو هنا عشر ثمنها إن كانت بكراً أو نصف عشره إن كانت ثيباً
قوله: وكذلك غيره من الناس، لكل من الراهن والمرتهن تغريمه كما
نظير ذلك.
فلا
عقر
تقدم
قوله: فقد انفسخ الرهن من يده الخ .. لكن إذا كان المأذون له هو الراهن لأنه ماله وإن كان غيره فالعقر واجب، وانظر هل هو على المرتهن لكونه آذنا أو على المأذون له لكونه فاعلا له لما لا يجوز فيه الإذن شرعاً وهو الظاهر والله أعلم فليحرر.
قوله: من غير نكاح، أي سابق، وأما اللاحق فلا يجتمع مع صحة الرهن.: قوله: ويكون عليه مهرها الخ فلو حملت من ذلك الوطء وماتت بسبب الحمل؛ الظاهر أنه يضمن قيمتها لأنه السبب في ذلك والله أعلم.
قوله: ويسقط الخ .. قال شيخنا رحمه الله: قد وافق أصحابنا أبو حنيفة فقال: يسقط عليه الحد الشبهة كونها مرهونة، ولم يقل أحد من المسلمين بحل
الوطء.
- TAE- (4/284)
صفحة 2343
أجل ماله. وأما الراهن اذا وطئها على ما ذكرنا فإنه يثبت نسب أولاده معها، كان الفضل عن حق المرتهن أو لم يكن، لأنه ماله، ويكون ولده معها حراً، ويجوز للمرتهن أن يبيعها ويستثني ما في بطنها، وإن ماتت من أجل ذلك الحمل فلا يذهب مال المرتهن بذهابها ويرجع به على الراهن لأنه هو الذي أفسد الرهن والله أعلم وأحكم، وفي الأثر: واذا رهن رجل لرجل بيتاً أو داراً أو حانوتاً أو ما أشبه ذلك وللمرتهن فيها قبل الرهن خزين طعام أو متاع أو وديعة أو ما أشبه ذلك فله أن يدخل الى ماله بعد الرهن ويأخذ منه حاجته كما كان يدخل إليه قبل الرهن، وأما أن يزيد فيه فلا، وكذلك إذا كان المرتهن فيها ساكناً قبل الرهن ثم رهنها عنده فلا يسكن فيها بعدما رهنت عنده، والأصل في هذا فيها يوجبه النظر أن كل ما كان له أن يفعله قبل الرهن بحق فلا يمنع بعد الرهن من فعله، أصله البيع، أعني لا يمنعه المشتري من الدخول إلى ماله بعد الشراء،
قوله: فله أن يدخل إلى ماله الخ .. ظاهره ولو تكرر ذلك مع إمكان أخذه في أقل من ذلك، وفيه تأمل، وقد يستفاد ذلك من كلامه في الفرق الآتي لأنه من المعلوم أنه لو منعه من استمرار الدخول مع إمكان إخراج متاعه لكان له ذلك والله أعلم.
قوله: وكذلك إذا كان المرتهن فيها ساكناً الخ .. هذا تشبيه بقوله: وأما أن
يزيد فيه فلا
- 285 - (4/285)
صفحة 2344
والفرق بين الخزين والسكنى أن الخزين او منعه صاحب البيت المرهون من الدخول إلى ماله قبل الرهن لم يمنع بذلك، والسكنى بخلافه إذا منعه منع والله أعلم. واذا رهنه دابة وعليها سرج أو كور أو حوية: أو ما أشبه ذلك من الآلات التي تكون على الدواب مثل القيد والخطام والشكال فلا يدخل في الرهن شيء من ذلك إلا أن يدخلوه فيه بشروطهم، بخلاف البيع لأن السوم في البيع يأتي على ذلك. وإذا قال رجل لورثته عند موته: هذا الشيء عندي رهن قد رهن في كذا وكذا ولم يسم لهم صاحبه فلا يبيعوه ولا يستوفوا منه حقهم، ومنهم من يرخص لهم في بيعه ويستوفوا منه حقهم وما بقي منه فليطلبوا به وصوله الى صاحبه ما قدروا عليه، ومما يجوز للمرتهن أيضاً بيع الرهن.
قوله كور في الصحاح: والكور بالضم الرحل بأداته، والجمع أكوار وكيران. قوله: ولم يسم صاحبه، قد يؤخذ منه حكم الراهن بالنسبة إلى المرتهن إذا لم يعرفه ولم يرج الوصول إليه وكان الرهن سخريا والله أعلم.
- 286 - (4/286)
صفحة 2345
باب في بيع الرهن
كذا
وفي الأثر: و اذا كان الرهن في يد المرتهن فأراد بيعه بعد حلول أجله وهو دار أو فدان أو بستان أو ما أشبه ذلك من الأصول فإنه يأتي للحاكم فيقول له: فلان بن فلان لي عليه كذا وكذا ديناراً من قبل بيع وكذا الشيء فيسميه الى أجل. وقد أدرك أجله، وقد رهن لي فيها الفدان الذي في مكان يسمى بكذا وكذا رهنا يباع على الأجل وبعد الأجل، وأجل بيع ذلك الرهن على أجل الدنانير، ثم يأتي بعد ذلك على جميع شروطه في
باب في بيع الرهن
قوله: وفي الأثر في يد المرتهن، لعل التقييد به بالنظر إلى الغالب وإلا فالمسلط أيضاً يحتاج إلى التبليغ عند الحاكم.
قوله: وما أشبه ذلك من الأصول، يعني وأما غير الأصول فلا يحتاج إلى
ذلك إلا على جهة الاحتياط كما سيأتي.
- 287 - (4/287)
صفحة 2346
الرهن أول مرة كما ذكرنا في صدر الكتاب إذا كانت شروطها على ذلك في عقد الرهن، ثم يقول له الحاكم: بين لي ذلك، فيأتي بشهوده على ذلك ويقول الشاهد الأول منهم يقول للحاكم: إنما أخبر لك الخبر فلان بن فلان يعني المدعي، له على فلان بن فلان، يعني، المدعى عليه، وهو الراهن، كذا وكذا ديناراً من قبل بيع شيء بكذا وكذا إلى أجل، وقد أدرك أجله ورهن له فيه الفدان الذي له في مكان يسمى بكذا وكذا رهناً يباع على الأجل وبعد الأجل وأجل بيع ذلك الرهن على أجل الدنانير، ثم يأتي على جميع شروطه التي ذكرها المرتهن، إذا كان الامر كذلك فإن غلط الشاهد في ذلك فليرجع ويعيد، وليس مثل الشهادة، ثم يبلغ غيره من الشهود ذلك، ثم يأمره الحاكم بعد ذلك ببيعه إذا كان الشهود عنده مرضيين وكانت الدعوة والشهادة جائزة، وجاز للمرتهن أن يدعي ما ذكرنا ويشهد عليه كما ذكرنا حضر الراهن لذلك أو لم يحضر، ويجزيء في ذلك
قوله: في د صدر الكتاب، أراد به أول باب الرهن، ولعله سماه كتاباً لأن الكتاب مشتق من الكتب بمعنى الجمع، وذلك حاصل في الباب والله أعلم. قوله: أخبر لك الخبر الخ، إنما يأتي بلفظ الخبر دون الشهادة ليصيب الرجوع إذا غلط بخلاف الشهادة كما سيأتي والله أعلم.
قوله: جائزة، المناسب جائزتين. قوله: ويجزي في ذلك شهوده الخبر دون الشهادة، بمعنى أن الشهود يجزيهم
- YAA- (4/288)
صفحة 2347
شهوده الخبر دون الشهادة، أنكر الراهن ذلك أو لم ينكره، وكذلك خليفة الميت على الوصية فإنه يدعيها عند الحاكم ويستشهد عليها ويجزي في ذلك الخبر دون الشهادة، إذا لم ينكرها الورثة وإن أنكر ذلك الورثة بأول فلا يجزيه إلا الدعوى عليهم بحضورهم والشهادة، ومنهم من يقول: عليه في الرهن مثل ذلك إذا أنكر الراهن ذلك فلا يجزيه إلا الدعوى والشهادة، وروى الشيخ رضي الله عنه عن أبي سهل رضي الله عنه: إذا كان للمرتهن على الراهن دين فرهن له فيه رهناً بحضور أهل منزله والرهن الذي ذكرنا هو الأصل ثم بلغ أجله فإنه يأتي إلى الشهود الذين يشهدون للدين والرهن فيخبرهم بذلك فينادى على الرهن ويستقصي عليه على علم منهم بمناداته واستقصائه ثم يبيعه بين أيديهم، فإن عارض الراهن المشتري فيه بعد ذلك فليأت بأولئك الشهود عند الحاكم فيخبروه بالدين والرهن و مناداته واستقصائه وبيعه، ثم يشهدوا بعد ذلك أنه له بالشراء على المرتهن
أن يقولوا الخبر دون أن يقولوا: نشهد، وذلك لما تقدم لأنه يتوسع في الأخبار ما لا يتوسع في الشهادة والله أعلم.
قوله: يدعيها عند الحاكم، يعني من غير حضور الورثة.
قوله: إلا الدعوى، يعني بحضور الراهن كالورثة، وإلا فالدعوى لا بد منها
مطلقاً كما في القول الأول أيضاً.
قوله: للدين، لعله بالدين
- 289 -
ه م 19 - الإيضاح، (4/289)
صفحة 2348
وكذلك الوصية على هذا الحال، قال: وقد كان الماضون يفعلون ذلك، وأما الرهن المقبوض من الحيوان أو غيره من المتاع والثياب فلا يحتاج إلى إتيان الحاكم في بيعه لأنه في يده وهو القاعد فيه، وإن أتى إلى الحاكم مثل الأصل فهو أحوط له لما يحدث إليه من قبل الراهن بعد ذلك، فإذا بلغ المرتهن على الرهن الخبر عند الحاكم كما وصفنا وأمره الحاكم ببيعه فإنه ينادي عليه حتى يستقصي ثمنه جيداً ثم يأتي إلى الحاكم على ذلك بالأمناء ثم يأذن له الحاكم في بيعه، ويبيعه متى شاء بين يدي الحاكم أو غيره، وإذا كان الرهن حيواناً أو طعاماً فليمسكه المرتهن بيده ثم ينادي عليه الطواف وهو في يده أو ينادي هو عليه بنفسه ولا يجعله في يد الطواف لئلا يخرج رهنا كان بيده إلى غيره فيدخل عليه الضمان، وإذا نادي عليه فليبعه هو بنفسه ولا يأمر الطواف أن يبيعه إلا إن كان ذلك في شروط الرهن، ومن الفقهاء من يقول: لا يجوز للمرتهن أن يأمر من يبيع رهنه ولا أن يستخلف على بيعه ولو كان ذلك في شروط
قوله: حيواناً أو طعاماً، يعني وغير ذلك من المنتقلات كما ترشد إليه العلة، فالمناسب أن يقول مثلا: أو غيرهما من المنتقلات والله أعلم.
قوله: ولا يجعله في يد الطواف، يعني ولا في يد غيره كما ترشد إليه العلة والله أعلم.
159.1 (4/290)
صفحة 2349
الرهن ولكنه إذا لم يحسن البيع فليلقن، فهذا يدل من قائله أن الشروط لا تبيح ما لا يجوز ولا تمنع ما هو جائز، ولا يعطي المرتهن من الرهن أجرة الحمال الذي يحمله إلى السوق ولا الطواف الذي ينادي عليه ولا الكيال الذي يكيله ولا الوزان الذي يزنه من جهة أن الأمين ببيع الرهن مقيد، والمقيد لا يتعدى إلى ما سواه، وكذلك اللقطة والضالة والوصية إذا أراد بيعها لا يعطي شيئاً مما ذكرنا للحمال والطواف والكيال والوزان، ويعطي ذلك كله من نفسه کما ذكرنا، وأما خليفة الغائب واليتيم فلا بأس أن يعطي ما ذكرنا من أموالهما إن أراد أن يبيعها لأن خليفة الغائب مطلقة يقوم مقام من استخلف عليه، تفعل ما يفعله على الاطلاق، وذهب بعض، إلى
قوله: فهذا يدل من قائله أن الشروط الخ، هذا غير مناسب لقوله عليك الان: (المؤمنون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً) (1) ولعل هذا القائل يري أن هذا الشرط أحلّ حراماً لأن الشرع لا يبيح له أن يخرج الرهن من يده، فصار كاشتراط الضمان في القراض على الراجح لأنه أمانة، والله
أعلم.
قوله: والمقيد لا يتعدى إلى ما سواه، الظاهر أنه إذا شرط ذلك يدركه ويرشد إلى ذلك قوله بعد: ويكون كالمنطوق به والله أعلم.
(1) تقدم ذكره.
-991 - (4/291)
صفحة 2350
أن المرتهن وخليفة الوصية يجوز لهما أن يعطيا ما ذكرنا من ذلك الشيء الذي يجوز لهما أن يبيعاه مما لا امتثال الفعل إلا به يصح ويكون كالمنطوق حين ضمنه الآمر، وكذلك اللقطة والضالة وكل ما كان في يده ما يجوز له أن يبيعه، والقول الأول أصح فيما يوجبه النظر. وجائز للمرتهن أن يبيع الرهن لوالده وولده وامرأته وأخيه، أصله الوكالة تقتضي أن يبيعه للغير، والغريب والأجنبي داخل تحت الغير، وأما عبده فلا يبيعه له لأنه ماله وهو بمنزلته، وكذلك لا يأمر من يشتريه له، لأن وكيله في مقامه، وكذلك لا يبيعه المسلط للمرتهن لأنه وكيل المرتهن والراهن جميعاً، وإن باعه له فلا يجوز بيعه إياه له، وإن باعه كما يجوز بيعه ثم اشتراه من المشتري أو
قوله: مما لا يصح، «ما» بدل من ما ذكرنا، وفي غالب النسخ مما ويكون بياناً لما ذكرنا.
أنه
قوله: والقول الأول أصح ... (كذا في الأصل)
قوله: وولده أي البالغ أو خليفة ولده الطفل إن كان له خليفة، وظاهره يبيعه لولده وإن لم يجزه عن نفسه وهو الظاهر لأنه مالك لنفسه والله أعلم. قوله: داخل، لعله داخلان.
قوله: وكيل المرتهن والراهن جميعاً، وذلك المسلط وكيل المرتهن من جهة البيع ووكيل الراهن عند البيع من جهة الحرز
- 292 - (4/292)
صفحة 2351
(
ولاه له فلا بأس بذلك ما لم يكن اتفاقها على ذلك قبل البيع ولا يدرك المرتهن ولا المسلط شفعة الرهن إذا كان مما يكون لهما
شفعته لأن بيعهما إياه كالتسليم للشفعة فلا ينقض فعلهما، ولا يباع جميع المرهون إلا بالدنانير والدراهم إذا لم يكن فيه الشرط أن يباع بغير ذلك لأن أصل البيع أن يكون بالدنانير والدراهم وهي أثمان الأشياء، والأشياء مثمنات لها، فإن كان دين المرتهن دنانير أو دراهم قضاه في دينه، فإن كان له عليه غير الدنانير أو الدراهم اشتراه بالدنانير أو الدراهم ثم يقضيه في دينه، ومنهم من يقول: جائز أن يبيعه بما رهن فيه إذا كان مما يكال أو يوزن، وإن كان الرهن في الدنانير فباعه بالدراهم أو في الدراهم فباعه بالدنانير ثم صرف الذي
قوله: ولا يدرك المرتهن الخ، يؤخذ منه أن الوكيل على شيء يدرك فيه الشفعة حكمه كذلك، وانظر هل خليفة اليتيم إذا باع من ماله شيئاً يدرك فيه اليتيم الشفعة، هل تفوت اليتيم أو لا؟ والظاهر أنه لا تفوته لأنه له أن يشتريه له كما تقدم في باب الطوافة والله أعلم. ويفرق بين الخليفة والمرتهن والمسلط بأن الخليفة حين تولى الخلافة لم يدخل على أنه يبيع وإنما الاحتياج إلى بيع ماله طاري، عليه بخلاف المرتهن والمسلط فإنما دخلا على أنها يبيعان ذلك فسقط حقها في الشفعة والله أعلم. قوله: ثم صرف الذي رهن فيه، يحتمل المراد أنه يصرف ذلك حقيقة ليأخذ عين ما يستحقه، وهو المتبادر من الصرف، ويحتمل أن يكون المراد أنه
يقدر
- 293 - (4/293)
صفحة 2352
رهن فيه بعد ذلك فلا بأس، لأن الدنانير والدراهم جنس واحد، وهما أثمان الأشياء. وأما إن رهن في الدنانير أو الدراهم فباعه بغيرهما فلا يجوز بيعه إياه إلا أنه يجيزه الراهن، وكذلك إن باعه إلى أجل فلا يجوز بيعه إلا أن يجيزه الراهن، وكذلك إن باعه بيع فلا يجوز بيعه إلا أن يجيزه الراهن، وإن شرط ذلك المرتهن في
أو
الخيار
شروط الرهن أول مرة أن يبيعه بغير الذهب والفضة أو إلى أجل الخيار فذلك كله جائز، وفي بعض كتب المتقدمين من بيع أصحابنا: وإذا وكله ودفع إليه ثوباً يبيعه له ولم يشترط عليه أن يبيعه نقداً ولا نسيئة ولا بعروض فباعه بدراهم أو بدنانير بنقد فذلك جائز باتفاق، وإن باعه بنسيئة بدنانير أو دراهم ففي ذلك
ذلك في نفسه، ويأخذ نظير ما يستحقه وهو المتبادر من قوله: لأن الدنانير والدراهم جنس واحد إن كان علة لقوله يباع بالدراهم الخ، والأول أحوط والله أعلم. قوله: لأن الدنانير الخ، علة لقوله: يباع الخ. قوله: وفي بعض كتب المتقدمين الخ، المراد ببعض كتب المتقدمين كتاب أبي عبد الله محمد بن بركة كما نص عليه رحمه الله في باب بيع الدين، وساق كلامه إلى قوله: وجب جواز الفعل منه والله أعلم، إلا أنه أيسقط (1) فيه فيما تقدم قوله هنا وإن باعه بعروض نقداً أو نسيئة فلا ضمان عليه إلى قوله: ومن ذهب من أصحابنا
الخ، وتقدم هناك ما عليه من الكتابة فليراجع
(1) كذا في الأصل
-998 - (4/294)
صفحة 2353
خلاف بين أصحابنا، فبعضهم ضمنه الثمن، وبعضهم أجاز له الفعل لأن
الناس بيعهم
النقد والنسيئة، وإن باعه بعروض بنقد أو نسيئة فلا ضمان عليه، وقال الشافعي: إذا باع الوكيل أو المأمور بالنسيئة ضمن إلا أن يفعل ذلك بأمر الموكل والآمر ومن ذهب من أصحابنا إلى
وأطلقه
قوله: ضمنه الثمن، أي مع إبطال الفعل كما يدل عليه كلامه معهم بعد، ويحتمل أن أصحاب هذا القول أجازوا له البيع لأنه مأذون فيه وليس بمنفسخ، وحيث كان كذلك فيمضي بالثمن الذي به ويضمنه الوكيل حيث تعدى فيه من غير إذن صاحبه، وهذا هو المناسب لقولهم: يضمن الذي باعه به وكيف يضمن بهم رحمهم الله أنهم يقولون بفساد البيع ويضمنونه الثمن الذي باع به، فإن مثل هذا لا يصدر ممن له أدنى عقل، وكيف يضمن الوكيل لموكله شيئاً لا يستحقه ولولا تقييده الثمن المضمون بقوله الذي باعه به لحمل الثمن على القيمة لتساويهما غالباً وقلنا بفساد البيع، لكن التقييد مانع من ذلك إلا أن يثبت عندهم أنهم صرحوا بفساد البيع، والحاصل أنه إن كان البيع فاسداً وفات المبيع فالمضمون القيمة أو المثل، وإن كان صحيحاً فالمضمون عندهم الثمن لتعديه فيه والله أعلم، المصنف رحمه الله أن البيع فاسد إلا أن يجزه صاحب
وهو
والأولى ما صدر به الشيء، فإن فات المبيع ضمن الوكيل قيمته أو مثله والله أعلم.
قوله: وإن باعه بعروض الخ، الظاهر أن هذا تتمة القول الثاني، وإلا فالعروض نسبة أخرى في الخلاف فلا ينافي ما سيأتي قريباً حيث قال: وإذا باع مثل الحب والثمر وغير ذلك من سائر العروض الخ، ولكن يجب أن يكون المراد بقوله بعد: فعند أصحابنا غالبهم مثلا لئلا يلزم التناقض، ويحتمل أن هذا بناه على مختاره، وما سيأتي على كلام الأصحاب والله أعلم.
1990 - (4/295)
صفحة 2354
تضمين الوكيل ما باع بالنسيئة أنه يضمنه الثمن الذي باعه به وهو قول عندي فيه نظر لأن علتهم في ذلك البيع بالنسيئة إتلاف مال الموكل، وإذا كان متلفاً كان متعدياً والبيع غير جائز عندهم، ولو كانت هذه علة تصح في النظر كان المضمون قيمة المتعدى فيه والمتلف على صاحبه لأن البيع عندهم جائز، وإن كان البيع مستحقاً والبيع جائز به فلا ضمان على الوكيل والمأمور والله أعلم. وإذا باع بعروض مثل الحب والتمر وغير ذلك من سائر العروض فعند أصحابنا أنه ضامن والبيع به غير جائز لأنه باع بغير ثمن لأن الدراهم والدنانير
قوله: البيع بالنسيئة، مبتدأ، وقوله: إتلاف مال، خبر، والجملة خبران، والمناسب أن يقول إن البيع بالنسيئة الخ. قوله: والمتلف على صاحبه، يحتمل أن يكون بالجر عطف تفسير على المتعدى فيه، ويحتمل أن يكون بالنصب عطف على الخبر فيكون الأول راجعا للمقومات والثاني للمثليات والله أعلم.
قوله: وإن كان البيع مستحقاً، أي صحيحاً لازماً، والبيع بمعنى المبيع والمراد به الثمن بدليل قوله: والبيع جائز به لأن كلا من الثمن والمثمن يصح أن يكون مبيعاً ومشترى، والمعنى إن كان البيع أي الثمن مستحقاً لصاحب البيع مثلا أي صار حقاً من حقوقه والبيع جائز به الخ، ويحتمل أن يراد بالبيع المبيعا الذي هو المثمن فإن الضمير في قوله والبيع جائز به عائد على الثمن المعلوم من المقام وإن كان البيع أي المبيع مستحقاً للمشتري صار حقاً من حقوقه والبيع جائز بذلك الثمن فلا ضمان الخ، والله أعلم.
-997 - (4/296)
صفحة 2355
أثمان الأشياء والعروض مثمنات غير أثمان، والنظر يوجب عندي إسقاط الضمان وجواز البيع لأن حقيقة البيع هو إخراج الشيء الملك على بدل له قيمة يتعوض عليه وهو عين ملك، فلما كان
من
هذا الوكيل قد أعطى ثمناً من الثوب المأمور ببيعه بدلاً له قيمة وهو عين مال وجب جواز الفعل منه والله أعلم. وإذا وهب المرتهن الرهن هبة واشترط الثواب، فلا تجوز هبته ولو مع شرط الثواب، وكذلك إذا كان الرهن عبداً فكاتبه فلا تجوز كتابته إياه ـ ولو كاتبه بأكثر من ثمنه - لأنه لم يؤمر بذلك، فإذا فعل ما لم يؤمر به خرج من حد الأمر، والفرق بين هذه المسألة والأولى أن الأولى فعل فيها ما أمر به من البيع، ألا ترى أنه زاد فيه
قوله: فلا تجوز الخ، ظاهره ولو كان الثواب أكثر من قيمة الرهن لأنه لم ؤمر بذلك والله أعلم.
قوله: خرج من حد الامر، يعني: وينفسخ الردن ولا يخرج العبد حراً بذالك والله أعلم.
قوله: والفرق الخ، حيث وقع الاختلاف في الأول هل هو صحيح أو فاسد؟ ووقع الاتفاق على البطلان في هذه، والله أعلم
قوله: من البيع، يعني وإن كان صحته تتوقف على الإجازة عند بعضهم.
- 297 - (4/297)
صفحة 2356
الأجل وبيع
على ما يجزيه أو نقص من بعض صفاته مثل بيع الخيار، وهذا لم يفعل ما يسمى بيعاً والله أعلم بيعاً والله أعلم. وإن قال قائل: ما الفرق بين هذه الوجوه والبيع المفسوخ؟ قيل له: البيع المفسوخ لا يجوز، ولو أجازه المتبايعون لأنه منهي عنه بالشرع بخلاف هذه الوجوه والله أعلم. وإذا قال الراهن أو غيره من قريبه أو صديقه للمرتهن: خذ مالك على الراهن، فلا يجوز أن يبيعه بعد ذلك بعدما عرض عليه أخذ ماله: وإن باعه على ذلك الحال فلا يجوز بيعه إياه لأنه ضرر منه، وكذلك لا يبيع الأصل إذا كان يجد في الثمار وفاء لحقه، وكذلك إذا كان الرهن حيواناً وكان في غلته وفاء
قوله: مثل بيع الأجل وبيع الخيار، الظاهر أنه من اللف والنشر المرتب، فالأول إلى الأول والثاني للثاني
•
قوله: بين هذه الوجوه، يعني التي زاد فيها أو نقص، فإنه إذا أتمها الراهن تمت بخلاف بيع الانفساخ فإنه لا يجوز إتمامه، وتقدم أنه ينفسخ الرهن بذلك ولكنه ربما يتوهم أنه حيث يسمى بيعاً لا فرق بينه وبين هذه الوجوه حيث لم تجز ابتداء، لكن لاحظ للنظر مع وجود الأثر، والحاصل أن بيع الإنفساخ ينفسخ به الرهن، وهذه البيوع لا ينفسخ بها الرهن وإن لم يجزها الراهن حيث كانت من جهة البيوع التي تجوز في الشرع والله أعلم.
قوله: على الراهن، ليس ظرفاً لغواً متعلقاً بخذه، وإنما صلة محذوفة والتقدير: خذ مني والأمر سهل.
- 298 - (4/298)
صفحة 2357
لحقه دون بيع الحيوان فلا الحيوان بعدما كان يجد وفاء
ذلك
يبيع
حقه في غلتها من سمن أو لبن أو جبن أو صوف أو ما أشبه من الغلة. وكذلك خليفة الوصية إذا استخلفه الميت إذا كان يجد تمام الوصية في الغلة والثمار فلا يبيع الحيوان والأصل دون الغلة والثمار لأن ذلك منه ضرر، والضرر لا يحل، لا ضرر ولا إضرار في الاسلام، وإذا كان في الرهن فضل عن حق المرتهن فلا يبع منه إلا بقدر حقه، وقد ذكرنا ذلك في صدر الكتاب.
قوله: فلا يبع الحيوان، والأصل يعني إذا جعل ذلك رهنا في وصيته، وأما إذا لم يرهن فإنه ليس له البيع ولكن يجبر الورثة والله أعلم.
قوله: لا ضرر ولا إضرار الخ، في كتب: قومنا ولا ضرار، بإسقاط الهمزة قال العلقمي يجانبه علامة الحسن، قال في النهاية: الضرر ضد النفع ضره يضره ضراً وضراراً أو أضر به يضر به إضراراً، فمعنى قوله: لا ضرر، أي لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئاً من حقه، والضرار فعال من ضر أي لا يجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه، والضرر فعل الواحد، والضرار فعل اثنين، والضرر ابتداء الفعل، والضرار الجزاء عليه وقيل: الضرر ما تضرر به صاحبك وتنتفع أنت به، والضرار أن يضره من غير أن ينتفع، وقيل: هما بمعنى وتكرارهما
للتأكيد. انتهى.
قوله: إلا بقدر حقه، ما لم يشترط بيع الجميع كما تقدم.
-799 - (4/299)
صفحة 2358
والمقصود في هذا الموضع لا يقطع من الارض قطعة فيبيعها لأن ذلك مجهول، ولكن إنما يبيع منها التسمية بقدر حصته، وكذلك إذا كان الرهن فدادين أو ثلاثة فلا يبيع واحداً منها إذا كان يجد وفاء دينه فيه، ويترك الآخر لأن ذلك مجهول يكون فيه الغبن، وقل ما يساوي الدين الذي فيه بغير زيادة ولا نقصان، ولكن يبيع بالتسمية منها جميعاً بقدر حقه، وكذلك خليفة الميت على الوصية
نسقاً بنسق، وإذا كان الرهن بيد المرتهن لرجلين فأراد أحد الراهنين أن يفك سهمه فللمرتهن أن يأخذ منه ما ينوبه من الدين ويبيع سهم صاحبه إذا كان في شروط الرهن أن الرهن في يده إلى آخر حقه، وإن لم يكن ذلك في شروطهم فلا يبيع سهم صاحبه بعدما أخذ بعض دينه كما ذكرنا، وإن شاء المرتهن أن يقول له: لا آخذ منك إلا جميع حقي و إلا أبيع فله ذلك، وكذلك إن مات الراهن وترك ورثته فأراد بعضهم فك سهامهم وأبي الآخرون فهو على هذا المعنى، وكذلك خليفة الميت على الوصية والله أعلم. وإذا كان في يد رجل رهن مفترقة لرجل واحد ولرجال شتى فأراد بيعها
قوله: فيه الغبن، يعني للراهن، ولعل محل هذا إذا لم يأذن له الراهن في ذلك
وكذلك يقال في الورثة بالنسبة إلى الوصية والله أعلم.
1911 (4/300)
صفحة 2359
1171
فلا يبيعها في صفقة واحدة لأن ثمن كل واحد منها يحتاج أن
يكون معلوماً حتى يقضيه المرتهن في الحق المتعلق به، ولهذا رخص بعضهم في ذلك إذا كان ثمن كل واحد منها معلوماً قبل البيع والقول الأول هو العمل عليه. وإذا باع المرتهن الرهن الذي كان بيده ثم رُدَّ عليه بالعيب فله أن يبيعه مرة ثانية، فما كان فيه من فضل عن البيع الأول فليرده على الراهن، وإن نقص عن الثمن الاول فهو ضامن لما نقص عن الثمن الاول إذا دلس المشتري بالعيب، وإن لم يدلس بالعيب عند البيع فلا ضمان عليه، وإن رده بغير حكم الحاكم فهو ضامن لما نقص في الحكم ولو لم يدلس بالعيب، ولا يضمن فيما بينه وبين الله إلا إن دلس بالعيب والله أعلم. وكذلك خليفة الميت على الوصية والله أعلم. وإن باع المرتهن الرهن الذي
قوله: فلا يبيعها في صفقة واحدة، أي سواء علم ما لكل واحد أم لا، كما
يدل ما بعده.
قوله: معلوماً، أي متعيناً مغروزاً، وإلا فقد يحصل العلم بقدره ولأنه ربما
ظهر في واحد منها عيب أو استحقاق مثلاً، فيقصد بالحكم، والله أعلم. قوله: ولهذا رخص الخ، المناسب لما قبله أن يقول: رخص بعضهم الخ لأنه لم يتقدم ما يصلح للتعليل والله أعلم.
•
قوله: فلا ضمان عليه، يعني إن رده بحكم الحاكم، بدليل ما بعده. (4/301)
صفحة 2360
بيده فعلى المشتري أن يدفع إليه جميع الثمن، كان فيه الفضل عن حقه أو لم يكن، فإذا أخذ المرتهن فليقضه في حقه. وفي الأثر: ولا يحتاج في ذلك إلى قضاء الراهن إن اتفقا على التقاضي في أول مرة، وإن لم يتفقا على التقاضي في بدء أمرهما فلا يقضي ولكن يبيع ويمسك الثمن ويكون رهنا بيده لأن ثمن الرهن بمنزلة الرهن في جميع معانيه ما لم يقضه المرتهن في دينه، وفي الأثر: وإذا باع المرتهن الرهن ولم يكن في ثمنه وفاء حقه فليجبر له الحاكم الراهن على ما بقي من غير دعوة ولا شهادة إذا كان بلغ عنده أول مرة وعرف الحاكم الدين وتم الرهن وبيعه، وكذلك إذا كان الفضل عن حق المرتهن في الرهن فليجبر الحاكم المرتهن للراهن على أدائه
له من غير دعوة ولا بينة مستأنفة والله أعلم.
- 302 - (4/302)
صفحة 2361
باب في اختلاف الراهن و المرتهن
ودعا ويهما في ذلك
وذلك أن اختلافهما لا يخلو أن يكون في الرهن أو في الحق. فإذا اختلفا كان القول فيه قول المرتهن، لأنه أمين فيما في يده، وعلى الراهن البينة، وإن اختلفا في الحق كان القول قول الراهن، وعلى المرتهن البينة، لأنه مدع على الراهن، وفي كتاب أبي عبد الله محمد بن بركة: اختلف الناس في الراهن والمرتهن إذا اختلفا في الحق والرهن، فقال أهل المدينة: القول قول المرتهن فيما في يده وفي الحق إلى قيمة الرهن،
باب في اختلاف الراهن والمرتهن ودعاويما في ذلك
قوله: في الرهن أو في الحق المناسب أن يزيد، أو في الأجل، اللهم إلايقال: إن الأجل من توابعها فإنه فيه تفصيل كما سيأتي.
قوله: وفي الحق إلى قيمة الرهن، هو مذهب مالك لأنه يقول: الرهن كالشاهد في مقدار الدين، وقوله: إلى قيمة الرهن، الظاهر أنه متعلق بمحذوف تقديره. .. مثلا: وفي الحق ينظر إلى قيمة الرهن والله أعلم.
- r·r- (4/303)
صفحة 2362
وقال أهل العراق: القول في الرهن قول المرتهن، وفي الحق قول الراهن، وإلى هذا يذهب أصحابنا. والنظر يوجبه لأنها مدع ومدعاً وحجة أهل المدينة أن الله تعالى جعل الرهن بدلاً من البينة وقال: الله وليتق الله ربه) فلما كانت البينة يحكم بقولها كان الرهن يحكم بقيمته إذا كان بدلاً منها ولم يكن الذي عليه الحق أميناً والله أعلم، وتفصيل ما ذكرنا: القول في الرهن قول المرتهن، أعني في تلفه وفي صفته بعد التلف ثم يحلف على تلك الصفة فيقومها الأمناء، وكذلك
قوله: يدلاً من البينة، وقال وليتق الله ربه، و المناسب أن يقول: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة) (1). فجعل سبحانه وتعالى الرهن بدلاً من الشاهد، وأما قوله وليتق الله ربه به محله إذا انتمنه صاحب الدين ولم يأخذ عليه الرهن وتركه إلى أمانته والله أعلم.
قوله: إذا كان، لعله إذ.
قوله: ولم يكن الخ. ليس بقيد، وانما المراد أن الذي عليه الحق فيها عليه من الدين. قوله: ثم يحلف على تلك الصفة، أنظر لم قيد الحلف في تلك الصفة دون الذهاب، وهو المناسب لما تقدم أيضاً في باب ما على المرتهن من الحقوق، حيث قال: والمرتهن مصدق في ذهاب الرهن الخ. فإن ظاهره أنه مصدق من غير يمين، وهو الظاهر، لأنه لا فائدة في يمينه على الذهاب لأنه قد ضاع به ماله، وأما
(1) البقرة: 282
14.81 (4/304)
صفحة 2363
أيضاً القول قوله في ثمن الرهن إذا باعه بأكثر إن ادعى عليه الراهن أنه باعه بأكثر مما ذكر، وكذلك أيضاً القول قول المرتهن في الرهن إن اختلف مع الراهن في كم رهن فيه، إن قال الراهن: رهنته عندك في عشرين وقال المرتهن لا بل في عشرة، فالقول قوله، وعلى الراهن البيئة، وكذلك القول قول المرتهن في جميع ما اتفق على الرهن من ما يدركه على الراهن من النفقات كلها، وعليه اليمين في هذا كله، وغلة الرهن ونماؤه حكمه حكم الرهن، وكذلك أيضاً إن
جميع
على الصفة وغيرهما مما ذكر بعد فإنما يدرك فيه عليه اليمين، لأنه يلزم له الرهن يدفع ما يحلف عليه المرتهن، فظهر الفرق والله أعلم.
قوله: فيقومها الأمناء، أنظر ما فائدة التقويم مع ما تقدم، من المعلوم به أن الرهن بما فيه، والفضل يكون المرتهن أميناً فيه، ثم ظهر أن فائدة التقويم رجاء أن يكون فيه نقص فيتبع به الراهن والله أعلم فليحرر.
قوله: وقال المرتهن: لا بل في عشرة، فائدة هذا تظهر إذا ذهب الرهن فإنه يذهب بعشرة ويتبعه بالعشرة التي لا رهن فيها والله أعلم.
قوله: وعليه اليمين الخ. يؤخذ منه أن حكم الوكيل على النفقة والمصروف، وحكم الخليفة إذا لم يصدقا ذلك، وظاهره أنه يحلف مطلقاً ولا يقيد بما إذا ادعى ما لا يشبه والله أعلم، فليراجع.
قوله: حكمه حكم الرهن، يعني فيكون القول فيها قول المرتهن مع يمينه
ما عدا الذهاب لأنه
من ماله
14.81
د م 20 - الإيضاح» (4/305)
صفحة 2364
اختلفا في جنس الرهن فالقول قول المرتهن، ومثل ذلك وفي الأثر: وإذا قال المرتهن للراهن: هذا هو الثور الذي رهنتني أو العبد وما أشبه ذلك، وقال الراهن: لا بل هو غيره، فالقول قول المرتهن مع يمينه، وعلى الراهن البينة بأن رهنه غير هذا، وكذلك الغاصب والصانع والمستعار والمستودع إذا قال أحدهم لصاحب الشيء: هذا الشيء الذي أودعتنيه أو أعرتنيه أو هذا الشيء الذي غصبته منك فالقول قولهم مع أيمانهم وعلى صاحب الشيء البينة بأن شيئه غير هذا، وكذلك إن اختلفا في قلة الرهن وفي كثرته مثل إن قال المرتهن للراهن: إنك رهنتني ثوباً واحداً أو عبداً واحداً أو ما أشبه ذلك، فالقول قول المرتهن مع يمينه، وعلى الراهن البيئة، وكذلك إن اختلفا في حدوث العيب مثل إن قال الراهن للمرتهن: رهنتك إياه صحيحاً فجنيت عليه هذه الجناية. وقال المرتهن: لا بل رهنتيه منقطعاً أو مكسوراً، على حاله هذا، فالقول قول المرتهن مع يمينه، وعلى الراهن البينة، فإن
قوله: فالقول قولهم الخ، يعني لأنهم غارمون، والقاعدة أن القول
قول الغارم مع يمينه
قوله: فجنيت، الظاهر قراءته بالبناء للمجهول يشمل جميع ما حدث عنده
من الجنايات كما يدل عليه كلامه بعد
•
-4.1 - (4/306)
صفحة 2365
أتى بالبينة فليغرم المرتهن ما أحدث عنده من العيوب أو يكون ذلك قضاء من حقه، وكذلك الغاصب، والصانع، على هذا الحال وكذلك إن ادعى عليه الراهن، أنه باعه بيعاً فاسداً أو أنه انفسخ من يده أو ذهب بعضه، فعليه البينة في هذا كله، وعلى المرتهن اليمين، كما ذكرنا. وأما اختلافهما في الدين، إذا قال المرتهن: عشرون ديناراً، وقال الراهن: لا بل عشرة، فالقول قول الراهن في الحق، وعلى المرتهن البينة فيا يدعيه، وكذلك أيضاً إن اختلفا في جنس الدين، مثل إن قال المرتهن رهنتني رهنك في
6
الدنانير. وقال الراهن: لا بل رهنتك إياه في القمح، أو الشعير أو ما أشبه ذلك مما خالف الدنانير، فالقول قول الراهن، وعلى المرتهن البينة كما ذكرنا، إلا إن ادعى إليه الراهن أنه دفع إليه الدين، فعليه البينة بما ادعى، وعلى المرتهن اليمين إن لم تكن له بينة، وأما إن اختلفا في الأجل مثل إن قال الراهن: الدين إلى أجل، والرهن إلى أجل، وقال المرتهن: الدين قد حل وبيع الرهن مثله، فعلى الراهن البينة أن الدين والرهن إلى أجل، ويجزيه الخبر في ذلك دون الشهادة، وكذلك أيضاً إن تصادقا
قوله: باعه بيما فاسداً، يعني فقد انفسخ الرهن.
- TOY- (4/307)
صفحة 2366
على الأجل واختلفا في مقداره، فالقول قول المرتهن، وعلى الراهن البينة فيما يدعيه من كثرة الأجل ويجزيه الخبر في ذلك، وأما إن تصادقا على الأجل وفي مقداره، فقال المرتهن: قد حل الأجل وقال الراهن: لم يبلغ أجله، فالقول قول الراهن، وعلى المرتهن البيئة، ويجزيه الخبر في ذلك والله أعلم
قوله: قد حل، هو حال لا أجل له بدليل ما بعده والله أعلم.
1411 (4/308)
صفحة 2367
كتاب الشفعة
باب في الشفعة
والشفعة واجب الحكم بها، لما روي عن الرسول عليه السلام قال: (الجار أحق بصقبه)، يعني
قوله: في الشفعة، قال العلقمي: الشفعة بإسكان الفاء، وحكي ضمها لغة وهي: الضم على الأشهر؛ من شفعت الشيء ضممته، وهي: ضم نصيب إلى نصيب، ومنه شفع الأذان، وشرعاً: (تملك قهري يثبت للشريك القديم على الحادث فيا ملك بعوض) انتهى
قوله: واجب الحكم بها لما روي الخ، لو استدل أيضاً بما ورد عنه
أن قاطع الشفعة لا يريح رائحة الجنة لكان أنص على المراد
قوله: بصقبه، بفتح المهملة والقاف بعدها، يروى بالصاد والسين ويجوز في القاف الإسكان أيضاً، وهو في الأصل القرب والملاصقة، يقال: صقبت داره بالكسر، أي قربت، قال العلقمي: ويحتج بهذا الحديث من أوجب الشفعة للجار، وإن لم يكن مقاسماً، أي أن الجار أحق بالشفعة من الذي ليس يحار، ومن لم يثبتها للجار تأول الجسار على الشريك، فإن الشريك: يسمى جاراً،
(1) رواه أحمد والنسائي وابن ماجه.
14.9 - (4/309)
صفحة 2368
بشفعته، وفي رواية أخرى، أن النبي الله قال: (أيما رجل له شريك
في دار أو ربع، فأراد أن يبيعها، فلا يبعها حتى يعرض على شريكه، فإن أراد فهو أولى) (1)، فإذا صح وجوبها فلنبدأ أولاً في أركانها ثم في أحكامها، فالأركان أربعة: المشفوع فيه، والشافع، والمشفوع عليه، وصفة أخذ الشفعة
ويحتمل أن يكون أراد أنه أحق بالبر والمعونة وما في معناهم بسبب قربه من جاره، كما في الحديث الآخر: (أن رجلا قال: يا رسول الله: إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك بابا) (2)، فإن الحديث ليس فيه ذكر الشفعة، وعن الأصمعي أنه سئل عن معنى هذا الحديث فقال: لا أدري، ولكن العرب تزعم أن الصقيب اللزيق الخ
قوله: يعني بشفعته، فعلى هذا يكون مجازاً مرسلاً من تسمية المسبب باسم السبب، وذلك لأن الصقب معناه القرب، وهو سبب في الشفعة والله أعلم. وأبقاه بعضهم على حاله، أي الجار أحق بسبب قربه
•
قوله: حتى يعرض على شريكه فإن أراد فهو أولى، ظاهره أنه إذا لم يرد يكون غيره أولى وأنه لا يدركها بعد ذلك، ولعله لهذا ذهب أصحابنا المشارقة رحمهم الله، إلى أنه لا شفعة في النداء، ولم يتعرض لهذا في الإيضاح،
(1) رواه مسلم والنسائي وابو داود. (2) رواه الخمسة إلا النسائي. (4/310)
صفحة 2369
ولا غيره مما رأيته، وإنما تعرض في الإيضاح لتسليمها، وذكر أنه إذا سلمها قبل الشراء أو أذن فيه، فيه قولان، وصدر بأنه لا يدركها، ولعل مسألة ما بيع بالنداء كذلك لأن تركه للزيادة يعد إذنا في الشراء، فيجري فيه الخلاف والله أعلم، فليحرر.
-411 - (4/311)
صفحة 2370
باب في معرفة المشفوع فيه
فقد اتفقوا أن الشفعة في الأصول والعقارات من الدور والبيوت والفدادين، والمزارع، والبساتين، والأجباب، والصهاريج،
باب في معرفة المشفوع فيه
قوله: في الأصول، قال في الديوان: والأشجار التي تدرك فيها الشفعة، هي التي يحول عليها الحول وهي ثابتة في الأرض، وأما كل ما لا يحول عليه الحول من نبات الأرض، مثل البقول وجميع المزارع على اختلافها فلا شفعة فيها، الخ.
قوله: والأجباب، الظاهر أنه أراد جمع جب، ولم يذكره في الصحاح حيث قال: الجب - البئر التي لم تطو، وجمعها جباب وجبة الخ، والظاهر أن المصنف رحمه الله، أراد بالاجباب، المواجل باصطلاح أهل المغرب، كما يرشد إلى ذلك كلامه في البيوع مراراً، ولتقدم ذكر الآبار.
قوله: والصهاريج، جمع صهريج قال في الصحاح: والصهريج واحد
- 312 - (4/312)
صفحة 2371
والحمامات، والأنادر، والغيران، وما أشبه ذلك من الأصول،. والدليل على هذا ما روي أنه قال عليه السلام: (الشفعة للجار ما لم تقسم وتقع الحدود)، فكأنه قال: الشفعة فيما تمكن فيه
الصهاريج، وهي الحياض يجتمع فيها الماء الحلو، وهي بعرف أهل مصر فساق
يجعلونها تحت الأرض، يملؤنها وماء في زمن زيادة النيل على الجمال والحمير.
قوله: والأنادر، في الصحاح والأندار البندر بلغة أهل الشام، والجمع: الأنادر، قال الشاعر: دق الديارس عَرَّم الأنادر الخ، والمراد به المواضع المعددة لدرس الطعام. قوله: الشفعة للجار ما لم يقسم، هذا الحديث يدل على أن المراد بالجار، الجار الشريك، بدليل قوله: ما لم يقسم وتقع الحدود، وروي في الديوان حديثاً صريحاً في هذا حيث قال: عن النبي لي أنه قال: (لا شفعة إلا
(1) 6
لشريك) الخ، قوله: فكأنه قال: الخ، مراده تأويل الحديث بأنه، إنما ورد فيما تمكن فيها القسمة من الأصول ويقاس عليها سائر الأصول، وإن لم تمكن فيها القسمة فلا ينافي قوله: أولاً والآبار والأجباب والصهاريج والحمامات والأنادر، فإنه صريح في ثبوتها فيما لا تمكن فيه القسمة، و إنما المراد من الحديث خروج المنتقلات من الحيوان وغيرها والله أعلم، على أنه لا حاجة إلى القياس، لأن قوله: (الشفعة للجار ما لم يقسم)، يصدق على الشريك في الشيء الذي لا تمكن فيه القسمة أنه جار لم يقاسم.
(1) رواه مسلم والنسائي وابو داود.
- 213 - (4/313)
صفحة 2372
يوجد إلا في الأصول، فكذلك القسمة، ما دام لم يقسم، وهذا لا أيضاً، ما كان مغرزاً ثابتاً ملزوقاً بالأرض من الحجارة والحديد والخشب، حكمه حكم الأصول، أصله البيع لأنه من توابع البيع وفيه الشفعة، وما سوى الأصول من الحيوان، والمتاع، والاطعمة. فلا شفعة فيها، وقد قيل: إن الشفعة في الحيوان، وأكثر القول بأن ليس فيها شفعة، وفي الأثر: وقيل إن في العبد الشفعة، وهذا القول يمال إليه، لما في ذلك من الضرر الداخل على الشريك في العبد من جهة العتق وغيره، مع أن فعل الشريك فيه نافذ، غير أن ما عليه العمل عند أصحابنا أولى أن يتبع، لأنهم أعلم منا وأفهم والله أعلم.
قوله: لأنه من توابع البيع، المناسب أن يقول: من توابع الأرض، فإنه إذا باع الأرض بكلها وكل ما فيها، تبعها ما كان مغرزاً ثابتاً فيها، فصار حكمه حكم الأصل، وإن كان قبل ذلك من المنتقلات والله أعلم.
قوله: غير أن ما عليه العمل عند أصحابنا الخ، لعل المراد أصحابنا المغاربة وأما أصحابنا، المشارقة رحمهم الله، فالعمل عندهم على وجوبها في الحيوان كالأصول لأجل الضرر، والله أعلم. (4/314)
صفحة 2373
والأصل في ذلك، قوله عليه السلام: (الجار أحق بصقبه)،
وقوله عليه السلام: (الشفعة للجار، ما لم تقسم)، فإذا قسمت وضربت الحدود فلا شفعة، وفي الأثر: الشفعة للجار الخليط دون الملاصق، فإذا وقعت الحدود بين الشركاء فلا شفعة، والدليل على هذا القول ما روي من طريق ابن عباس: (لا شفعة إلا لشريك)، وقوله عليه السلام: (الشفعة للجار ما لم تقسم) وعند بعضهم أن الشفعة مرتبة، فأولى بها الشريك
باب في معرفة الشافع
قوله: ما لم تقسم الخ، يعني فيما يمكن فيه ذلك من الأصول كما تقدم. وأما ما لا يمكن فيه ذلك، فلا تفصيل فيه لعدم تأتيه، بل متى بيعت حصة فيه
أدركت شفعتها.
قوله: فلا شفعة، أي إلا إن وجد سبب آخر كالمنافع.
قوله: وعند بعضهم أن الشفعة مرتبة الخ، يعني ولا تقصر على الج الخليط الذي هو الشريك، كما يقول صاحب القول الأول.
15101 (4/315)
صفحة 2374
الذي لم يقاسم، ثم الشريك المقاسم، إذا بقيت الشركة بينهم في الطريق، والمراسي، للدور والبيوت والفدادين، واجتماع الماء في الجسور والسدود، وبالجملة اشتراك المنافع، ثم هي للجار بعد الشريك الملاصق، وعمدة هؤلاء قوله عليه السلام: (الجار أحق بصقبه)، وعند الأولين، أن الجار المخالط دون الملاصق، والذي يوجبه النظر عندي أن أصل الشفعة لدفع الضرر، وذلك أن أصل الشفعة على ما ذكره ابن قتيبة: كان الرجل في الجاهلية، إذا أراد منزل أو بيع حائط، أتاه الجار أو الشريك أو الصاحب فشفع إليه فيما باع، فشفعه
قوله: إذا بقيت الشركة، في نسخة، بينت.
قوله: في الطريق: أي إذا كانت غير جائزة، وكذلك السواقي، قال أبو علي البستاني رحمه الله: وفي الساقية إذا كانت غير جائزة وكان فيها ثلاثة أحايل وإلى أربعة المبيوعة، ففيها الشفعة، وإن كانت خمس أحايل فلا شفعة، وكذلك الطريق، إذا كان غير جائز يشفع به، وإن كان خمسة أبواب فهو قائد فلا يشفع به الخ.
قوله: والمراسي، المراد بمرسى الدار، فسحتها التي ينزل بمتاعه مثلا. قوله: الملاصق، الظاهر أنه صفة للجار، فالواجب تقديمه لئلا يلزم الفصل
بين الصفة وموصوفها بأجنبي، والله أعلم.
قوله: فيما باع، لعل المراد فيما أراد بيعه
-517 - (4/316)
صفحة 2375
وسمي
طالبها
وجعله به أولى ممن بعد سببه فسميت شفعة شفيع وجعلها النبي عليه السلام حقاً لقوم دون قوم، من ذوي الأسباب
والله أعلم. فعلى هذا المقصود بها دفع الضرر الداخل من الشركة، وهذا
المعنى موجود في الجار، ولهذا أوجبها بعضهم للجار لاشتراك المنافع
"
ولأجل المضرة، وهو المأخوذ به عند أصحابنا، وفي الأثر: الشفعة تجب بوجهين: أحدهما أخذها من الشريك، والآخر من المضرة، ووجوه المضرة التي تجب فيها الشفعة اشتراك الطرق والمراسي للدور والبيوت والفدادين، إذا لم يكن طريق غيرها، و اجتماع الماء في الجسور والسدود، وأما البساتين والقصور والأسواق، فليس في شيء منها شفعة إلا للشريك الذي لم يقاسم، فليس تجب فيه الشفعة بالوجوه التي ذكرنا من
قوله: وهو المأخوذ به، الظاهر أنه لا ينافي ما تقدم، من أنه لا شفعة للجار الملاصق، لأن المراد به فيما تقدم غير الشريك في المنافع ووجوه المضرة، والمراد به هنا ذلك بدليل سوق كلامه والله أعلم. والحاصل ان المأخوذ به عندنا أن الشفعة إنما هي للجار الشريك في الرقاب، وللجار الشريك في المنافع ووجوه المضرات دون الملاصق الذي ليس له ذلك
قوله: التي تجب فيها، «في» للسببية، على حد ان امرأة دخلت النار في هرة.
قوله: إذا لم يكن طريق غيرها، يحتمل أن المراد إذا لم يكن للشفيع، لأن
- 317 - (4/317)
صفحة 2376
المضرات، فهذا يدل من قولهم أنهم ضعفوا الشفعة للجار في هذه المواضع أعني البساتين والقصور والأسواق، لأن الشفعة إذا كانت تجب للجار لدفع المضرة فالمضرة في هذا الموضع غير زائلة بالشفعة فإذا لم تكن زائلة بطلت الشفعة فيها إلا للشريك، إذ ليس لهم في هذه الموضع مندوحة عن اشتراك المضرات، فإن قال قائل: فهلا أزاحوها عن الشريك أيضاً في هذه الموضع؟ قيل له: الشريك أقوى وجوباً لها من الجار في هذا لأنه يحتمل ما ذكرنا، لقوله عليه السلام: (لا شفعة إلا لشريك) وفي الأثر أيضاً: وإذا كان الماء يختلط في سقوف البيوت، فلا تكون الشفعة بينهم بذلك وكذلك الأنادر لا تكون الشفعة بينهم باختلاط الماء فيهم، وذلك فيما يوجبه النظر لما كان المقصود بالشفعة دفع الضرر، والضرر ها هنا حقها أو في حق أحدهما بطلت الشفعة لأنها غير دافعة ضرراً، ألا
الشفعة هنا، إنما هي لدفع الضرر، والضرر مدفوع عنه بسلوكه الطريق التي اختص بها عن المشفوع، ويحتمل أن المراد إذا لم يكن للشيء المبيع طريق آخر غير مشترك، فإن الضرر مدفوع أيضاً بأن يمشي المشتري فيها دون المشتركة، ويحتمل أن يكون المراد كلا منهما، ولذلك أطلق والله أعلم، فليحرر.
قوله: أعني البساتين والقصور والأسواق الخ، أما القصور والأسواق، فظاهر، وأما البساتين فلعل المراد منها ما كان مشتملا على خمسة أبواب فصاعداً كالطريق والساقية العامتين لعدم زوال الضرر بالشفعة كما ذكره رحمه الله،
- 318 - (4/318)
صفحة 2377
ترى إلى أن اختلاط الماء على البيوت منفعة لصاحب الماء، وصاحب البيت ربما يكون له ذلك منفعة، إذا احتاج إليه بطلت الشفعة، وربما أن يكون ذلك عليه مضرة، وفي بعض الآثار: وقيل بالشفعة بطرح الميزاب وماء الأمطار إذا جرى على المنازل، وكذلك الطريق والساقية إذا جرين على ماله إلا أن يكونا جاريتين فلا شفعة فيها، والجذوع
والله أعلم.
قوله: منفعة لصاحب الماء، لعل المراد به من جرت العادة بصرف ذلك الماء إليه، وليس على أحد من البيوت في ذلك مضرة حتى تدفع بالشفعة والله أعلم. قوله: وربما أن يكون ذلك عليه مضرة، يعني فتثبت الشفعة كما يقتضيه
كلامه والله أعلم.
قوله: أيضاً، وربما أن يكون ذلك عليه مضرة، لعله إنما لم يثبتوا الشفعة بهذه المضرة، لأنها غير لازمة دائما، الشفعة يجب أن يكون لازما و سبب والله أعلم. قوله: إذا جرى على المنازل، الظاهر أن المراد بالمنازل البيوت، لأنه
جعله مقابلاً لما سبق، من أنه لا شفعة في البيوت باختلاط الماء والله أعلم. قوله: إلا أن يكونا جاريتين، الظاهر أنه أراد يجريانهما كثرة الشركاء فيهما بأن كانتا لخمسة فصاعداً كما تقدم عن أبي علي رحمه الله بالحاشية
قوله: والجذوع،، هذا معطوف على المستثنى منه، يعني أنه تقع الشفعة
- 319 - (4/319)
صفحة 2378
على الجدار بين الدارين، وفى الأثر: وكذلك الفدان والدار، يعني أن الشفعة تكون بينها باختلاط المياه، وقد قيل: بأن لا تكون الشفعة بين الفدان والدار، باختلاط المياه بينهما، وهذا الاختلاف يدل منهم أنَّ من التفت إلى منفعة الخلطة في ذلك، لصاحب الفدان ولصاحب الماء من داره إذا لم يحتج إليه أبطل الشفعة بينهما، ومن
الدار بخروج التفت إلى المضرة اللاحقة صاحب الفدان، على قول من جوز لصاحب الدار منع مانه، وعلى قول من لم يجوز له ذلك، تلحق تلك المضرة بعينها صاحب الدار إذا احتاج إلى ماء داره جعل الشفعة بينهما لثبوت المضرة من كلا الجانبين والله أعلم. وأما اختلاط الماء في الفدادين والأجباب فإن الشفعة تدرك به لاشتراكهما في منفعة الاختلاط جميعاً، فهما شريكان، أو كالشريكين، وكذلك أيضاً بيت في بيت أو غار في غار بينهما الشفعة لاشتراكهما في الطريق والمرسى، وكذلك النخلتان
بالجذع إذا جعل على جدار بين دارين، فكل من له جذع في ذلك الجدار أدرك
به الشفعة
قوله: لصاحب الفدان، أي يسقي أرضه من ماء الدار.
قوله: جعل الشفعة بينها، يعني فيشفع صاحب الفدان الدار، لأنه ربما تضرر بإمساك صاحب الدار ماءه، على قول من جوز له ذلك، ويشفع صاحب
- 320 - (4/320)
صفحة 2379
الأرض وراء جسره
في جدر واحد بينهما الشفعة لاشتراكهما في الجدر والله أعلم. وإن كان فدانان أحدهما فوق الآخر، وكان لصاحب الفوقاني قطعة من فبينهما الشفعة إذا كان الماء يختلط في الفدان تلك القطعة، لأنهما يشتركان جميعاً في ذلك، وتلك القطعة من الفدان الفوقاني، وقد قيل: إن باع السفلاني فللفوقاني الشفعة إلا إن باع الفوقاني فلا يدرك السفلاني الشفعة، وهؤلاء عندهم أن
السفلاني، وفي
الدار ـ الفدان ـ لأنه ربما حصل له الضرر، إذا أراد إمساكه عند من لم يجوز له ذلك، ويؤخذ من كلامه رحمه الله: أنهم اختلفوا، هل لصاحب الدار إمساك ماه داره إذا احتاج إليه بعد أن كان يجري الغيره أو ليس له ذلك؟ والذي ينبغي التفصيل، وهو أنه إن كملت مدة الحيازة في ذلك فليس له إمساكه، وإن لم تكمل فله ذلك، والله أعلم.
قوله: بينها الشفعة الخ، نص في الديوان على أنه أولى بالشفعة من صاحب الأرض، إذا كانتا بأرض غيرهما، وذلك ـ والله أعلم لقوة المضرة بين النختلين
ولاختلاط الثمار وللاشتراك في الجذر.
قوله: قطعة الخ، أي كالحريم الذي يتركونه عندنا للطابية مثلاً
قوله: فبينها الشفعة، أي بسبب تلك القطعة
•
قوله: وهؤلاء عندهم أن الشفعة مقصورة الخ، ينظر هل معناه أن السفلاني لا شفعة له أصلا، لا في الفدان ولا في القطعة التي وراءه، لأنها من توابع الفدان
- 321 -
ه م 21 - الإيضاح» (4/321)
صفحة 2380
الشفعة مقصورة في الشيء الذي كان فيه ما تدرك من سببه الشفعة دون غيره والله أعلم. وإن كان بيت رجل فوق غار رجل، ولم يشتركا طريقاً ولا مرسى فليس بينهما شفعة لأنهما لم يشتركا ما تجب فيه الشفعة، وأما إذا تراكبت البيوت بعضها فوق بعض ففى الأثر: فقد اختلفوا في ذلك فيما بلغنا أبو يحيى الفرسطائي، وأبو عيسى الدرفي، وأبو الربيع اللالوتي فقال أحدهم: لصاحب البيت على رب الغرفة الشفعة، ولرب الغرفة على رب البيت الشفعة، وقال الآخر: ليس لواحد منهما على الآخر الشفعة، وقال الثالث: لرب البيت الشفعة على رب الغرفة، وليست لرب الغرفة على رب البيت الشفعة، ولا أقوم الساعة بحفظ قول كل واحد وفرزه، والذي يوجبه النظر أن من أوجب بينهما الشفعة التفت إلى مضرة رب الغرفة برب البيت والشفعة لدفع المضرة، ومن أبطلها التفت إلى عدم
فحيث بطلت في الفدان، بطلت فيما يتبعه وهو المتبادر من قوله: فلا يدرك السفلاني الشفعة، أو معناه أنه لا شفعة له في الفدان فقط، لأنه لم يشترك معه ما تجب به الشفعة، بخلاف القطعة، فإنه يشفعها لأجل ذلك الاختلاط وهو المتبادر من قوله: مقصورة في الشيء الذي الخ، فعلى هذا يشفع تلك القطعة بالقيمة من ثمن الفدان والله أعلم، فليحرر
قوله: وأما إذا تراكبت الخ، يعني ولم تشترك في الطريق ولا في المرسى كما
يؤخذ مما قبله.
322 (4/322)
صفحة 2381
المضرة من الجهة الأخرى فغلبها، ومن أثبتها لصاحب البيت على رب الغرفة ولم يوجبها لرب الغرفة على رب البيت أثبتها من وجه تجب منه وعدم المضرة وأبطلها من وجه تبطل، وفي الأثر: والشفعة في الأشجار جائزة للشريك أو لصاحب الأرض التي هي فيها، وليس لصاحب الشجرة، على صاحب الأرض، ولا فرق بين هذه المسألة والمسألة الأولى في
قوله: من الجهة الأخرى فغلبها، فيه أن المناسب عند تعارض المنافع
والمضار، إنما هو تغليب المضار،، لأن المفاسد دره
فالقول بالشفعة لأجل المضرة أولى،
، والله أعلم.
مقدم على تحصيل المصالح.
6
قوله: ومن أثبتها لصاحب البيت الخ، هذا التفصيل هو الظاهر كما قالوا
في الأرض والشجر، والله أعلم.
وهو
قوله: وعدم المضرة، هكذا فيما رأيناه من النسخ، وليس له وجه، ولعله
المضرة، فليراجع. قوله: للشريك أو لصاحب الأرض، لكن الظاهر أن الشريك أولى بها كما يفهم من كلامه فيما تقدم، ونص عليه في الديوان في المشتركين في الجدر، فكيف به في الرقاب، فعلى هذا تكون الشفعة له ولو سبقه صاحب الأرض، والله أعلم. قوله: ولا فرق الخ، فيه إشارة إلى أن المناسب أن تجرى الأقوال الثلاثة السابقة لوجود المضرة من وجه، فإن صاحب الأرض كصاحب البيت، وصاحب الشجرة كصاحب الغرفة، ولقائل أن يقول: إقتصارهم هنا على القول بالشفعة لصاحب الأرض فقط، يدل على اختيار القول بالتفصيل في المسألة الأولى والله أعلم، فليحرر.
- 323 - (4/323)
صفحة 2382
القياس فيما يوجبه النظر، غير أن حق الأشجار في جنب ثبوت الأرض كحق الحيوان في جنب ثبوت الأشجار والله أعلم. وفي الأثر: قال ابو سفيان: كان أبو عبيدة يضعف أمر الشفعة ويقول: لا تحبس على اليتيم حتى يكبر، ولا على غائب حتى يقدم، قال: فابتلي بها رجل من المسلمين فجاء يسأله، فقال له: إذهب إلى أشياخ البصرة واسأل: هل لجابر فيها أثر؟ فجاء إلى منازل محمد فسأل فوجد جابراً كان يراها ويوجبها، فأمره أن يأخذ بقول جابر والله أعلم. وعند أصحابنا: لا شفعة لغائب ولو قدم من يومه ذلك، إلا إن كانت له خليفة فهو كغيره من الناس، وإن استخلف له العشيرة بعد البيع خليفة فلا يدركها كما لا يدركها هو إذا قدم بعد
قوله: غير أن حق الأشجار الخ، المراد من هذا تشبيه الأشجار بالحيوان في مضرتها لغيرهما وعدم مضرة الغير لهما، يعني أن الشجر تضر الأرض ولا تضره، كما أن الحيوان يضر الشجر ولا يضره الشجر، والله أعلم. قوله: وفي الأثر الخ، المناسب أن يقول مثلا، مسألة أو نحو ذلك، كما هو
ظاهر
ذلك
قوله: فابتلي بها رجل من المسلمين، الظاهر – والله أعلم -، أنه كان غائباً. قوله: لا شفعة لغائب الخ، استثنى أصحابنا المشارقة رحمهم الله، الحاج والغازي، إذا لم يتأخرا عن أصحابهما فليراجع
قوله: ولو قدم من يومه ذلك، يعني لتقدم سبب الشفعة على قدومه
من
- TTE - (4/324)
صفحة 2383
البيع، وكذلك اليتيم والمجنون والأبكم لا شفعة لهم إلا إن كانت لهم خلائف كالغائب سواء لأن العلة التي بها أزيحت الشفعة عن هؤلاء تعطيل حق واجب إلى غاية لا تدرك. وفي الأثر: وروى الشيخ رضي الله عنه وعنا وعن جميع المسلمين عن أبي محمد وأرسفلاس عن أبيه عن أبي يحيى الفرسطائي، أنه لقي رجلاً في ناحية زويلة فقال له: إن أبا يحيى سليمان بن ماطوس أزاح الشفعة عن الغائب و اليتيم، قال: فقال أبويحيى الفرسطائي: فقدمت على أبي يحيى سليمان بن ماطوس فأخبرته بذلك فقال لي: قل له ذلك تعطيل الحقوق يا جاهل والله أعلم. وما اشترى الغائب في غيو بته أو اشترى عليه من غير خلافة، فلا تدرك عليه فيه الشفعة كما لا يدركها هو، إلا إن كان الشفيع مع الغائب المشتري ماله،
قوله: والأبكم، لعله إذا لم تفهم إشارته.
قوله: وفي الأثر: روي عن الشيخ الخ، هذا الأثر المراد به كلام الشيخ أبي زكريا رحمه الله.
قوله: إنه، توكيد لقوله: إن أبا يحيى الخ.
قوله: من غير خلافة، قيد في كل منهما، فهو متنازع فيه، وأما إذا وقع البيع أو الشراء بالخليفة فإنه يشفع، لأن الخليفة الحاضرة تقوم مقام الغائب في
البيع والشراء، والله أعلم.
قوله: المشترى ماله شفعته، أي المشترى الشيء الذي له شفعته، فما
- 225 - (4/325)
صفحة 2384
شفعته في بلدة واحدة فإنه يدرك عليه الشفعة، وإذا كان في بلدة أخرى فلا يدرك عليه الشفعة لأنه غائب عنه، وكذلك اليتيم والمجنون والأبكم لا تدرك عليهم الشفعة كما لا يدركونها، وهذا فيها اشتري عليهم من غير خلافة، ولو جوزه اليتيم عد بلوغه والمجنون بعد إفاقته، والغائب بعد قدومه، لأنه بيع وقع عليهم في حال لا تدرك عليهم فيه الشفعة و إن كانت الخليفة فهم كغيرهم من الناس، وإن تبرأ الخليفة من الخلافة قبل أن يأخذ الشفيع شفعته فله أن يجيبها حتى يقدم الغائب أو يبلغ الطفل، أو يفيق المجنون أو تكون لهم خلائف فيدركها عليهم، ولا يدرك على العشيرة أن يستخلفوا الغائبهم أو ليتيمهم أو مجنونهم خليفة يدرك عليه شفعته لأن ذلك لم يكن صلاحاً لهم حتى يدركها عليهم والله أعلم. وأما إن اشترى
مفعول به.
قوله: وهذا فيما اشتري عليهم من غير خلافة، وكذلك ما اشتري لهم، وهذا إنما يكون في بيع الفضولي وشرائه، وأما اليتيم ومن ذکر معه، فإنه لا يتأتى منهم البيع ولا الشراء لاختلال شرط العاقدين كما هو معلوم. قوله: وإن تبرأ الخليفة الخ، يؤخذ منه أنه يجوز للخليفة أن ينزع نفسه الخلافة، وظاهره ولو كان خليفة من قبل الأب والله أعلم، فليراجع. قوله: فله أن يحييها، معنى الإحياء أن يشهد أنه باق على طلب حقه إلى
من
أن يجد إليه سبيلاً
- 326 - (4/326)
صفحة 2385
رجل من رجل أرضاً وللمشتري شريك غائب ثابتة الشركة بينهما، فإن للشفيع فيه الشفعة لأن شريكه بمقامه كالخليفة من حيث ثبتت بينهما الشركة والله أعلم. والوالد يقوم مقام الولد ما دام طفلاً في ما له وما عليه والله أعلم. وقد ذكر عن بعضهم أنه لا شفعة لغائب ولا ليتيم إلا في المشاع، وأما المقسوم، فقيل: لا يدركها به (لعله فيه)، وذلك أن المشاع وقع الاتفاق أن فيه الشفعة والاختلاف في المقسوم، فلذلك ضعفوها فيه فأزاحوها عن اليتيم والغائب فيه، وقال بعضهم: إن الغائب له الشفعة بعد قدومه واليتيم له الشفعة بعد بلوغه، والمجنون والأبكم بعد إفاقتهما لأنهم بمنزلة غيرهم في الحقوق، أكثر القول بأن ليس لهم شفعة
قوله: ثابتة الشركة بينهما، أي سواء كانا عقيدين أم لا، كما يدل عليه عموم كلامه، والله أعلم.
قوله: يقوم مقام الولد، يعني من غير استخلاف
قوله: وقد ذكر عن بعضهم الخ، هذا في الحقيقة مقابل للقول بمنعها مطلقاً،
والمراد أنه يدركها بالشركة في الرقاب، ولا يدركها بالشركة في المنافع
قوله: وقال بعضهم: إن الغائب الخ، الحاصل أن في الغائب ومن ذكره معه ثلاثة أقوال، قول: إنهم ليسوا كغيرهم مطلقاً، وهو المختار، وقول: إنهم كغيرهم مطلقاً، وهو قول جابر رحمه الله، وقول: بالتفضيل بين المشاع
والمقسوم.
- 327 - (4/327)
صفحة 2386
وجوز أيضاً أن تؤخذ الشفعة من يد الذمي بالإسلام كما كانت تدرك بالجوار فهذا إذا كانت تدرك لحق الجار، وأما إذا كانت تدرك لدفع المضرة فهي تدرك لدفع المضرة ولا يدركها الذمي على المسلم، لأن المسلم شفيع ولا تدرك شفعة عن شفيع، وهذا فيها اشتراه المسلم على الموحدين، فإن قال قائل: أرأيت ما اشتراه المسلم من الذمي هل يدرك عليه فيه الشفعة شريكه الذمي؟ قيل له: لا يدرك الذمي على المسلم الشفعة لا فيها اشتراه من الموحدين ولا فيها اشتراه من المشركين لقوله
(1)
عليه السلام: (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه) (1)، وفي الأثر: من كان شريك اليهودي أو النصراني في دار أو أرض فباع اليهودي حصته من تلك الأرض، كان للمسلم شفعته سواء باعها لمسلم أو
ذمي
لأنه
قوله: بالإسلام، يعني وإن لم يكن شريكاً ولا جاراً، فعلى هذا تكون الشفعة لمن سبق إليها من المسلمين والله أعلم، وهذا فيما اشتراه من المسلم دون الذمي كما ذكره بعد.
قوله: فهي تدرك لدفع المضرة، يعني فلا تدرك إلا لدفع المضرة، ولا يدركها المسلم بالإسلام وحده على هذا والله أعلم، لكن يلزم عليه أن لا توجد شفعة الإسلام أصلا، والله أعلم.
(1) رواه أبو داود والدارقطني.
- 328 - (4/328)
صفحة 2387
شريك، وإن كان المسلم هو البائع لحصته وباعها اليهودي كان لليهودي الشريك الشفعة لأنه شريك، والشريك الذمي أولى من الذمي لغير شريكه، وإن باعها المسلم لم يكن للذمي الشريك الشفعة لأن المسلم شفيع في تلك الأرض، ولا تدرك شفعة على شفيع، وبالجملة إن المسلم يدرك الشفعة، شفعة الاسلام، على المشرك في جميع ما اشتراه من الموحدين مما تكون فيه الشفعة، وما اشتراه من المشركين فلا يدركها عليه إلا بما
قوله: لأن المسلم شفيع، يعني لأنه يشفع الذمي بالإسلام، والشفيع إذا اشترى ما لغيره فيه الشفعة لا يشفع، وظاهره ولو كان الطالب لها من المشتري سببه أقوى كأن يكون المشتري شريكا في المنافع والطالب لها منه شريكا لم يقاسم والله أعلم. ثم ظهر أن الشريك الذي لم يتقاسم يشفع الشريك في المنافع: لأن من اشترك بسببين أقوى ممن اشترك بسبب واحد كما سيأتي، ولا يصدق عليه قولهم: الشفيع لا يشفع لأن صاحب السبب الضعيف لا شفعة له مع صاحب السبب القوي، ولو سبق إليها ما لم يتركها مثلا صاحب السبب القوي، فيكون معنى قولهم: الشفيع لا يشفع إذا تساووا في السبب، أو كان المشتري أقوى، والله أعلم.
قوله: إن المسلم يدرك الشفعة الخ، قال عمنا يحيى رحمه الله: فكل من طلبها من المسلمين بشفعة الإسلام فهي له، ما لم يأتِ عليها ثلاث سنين فتكون منقطعة مثل غيرها من وجوه الشفعة، وقد قيل بأن شفعة الإسلام لا يقطعتها مرور الزمان الخ، والظاهر الأول لما في هذا من تعطيل الحقوق إلى غير نهاية والله أعلم.
قوله: مما تكون فيه الشفعة، بأن يكون من الأصول لا من المنتقلات.
- rra- (4/329)
صفحة 2388
يدركها على الموحدين، ولا يدركها الذمي على المسلم على كل حال، وفي الأثر: وقال محمد بن محبوب رحمه الله: تؤخذ الشفعة من يد الذمي بالاسلام. وكان موسى بن علي رحمه الله يقول: لا تؤخذ منه إلا بما ينتزع المسلم من المسلم، وكان موسى أيضاً يرى الشفعة الذمي، وعلى قول موسى بن علي: إن الناس كلهم في الحق سواء المسلم وغيره، لكن المسلم أولى بها من المشرك، ثم هي للمشرك، وذلك إذا اشترى رجل من رجل أرضاً ولها شفيعان أحدهما: مسلم، والآخر مشرك، فالمسلم أحق بها من المشرك، ثم هي للمشرك من بعده والله أعلم. ولا يدرك أيضاً الولد الشفعة على والده فيما اشتراه لحرمة الأب ولقوله عليه السلام: (أنت ومالك لأبيك)، وكذلك
قوله: وفي الأثر الخ: قال في المنهاج بعد حكاية الأقوال في المسألة وأوسط الأقوال: إن له الشفعة في المشاع، ولا تؤخذ منه الشفعة في المشترك إذا كان هو شريكا في أصل المبيع الخ، ولعل قوله: إن له الشفعة، محمول على ما اشتراه
مسلم من ذمي، وأما ما اشتراه من مسلم فلا يدركها بدليل ما تقدم. قوله: فالمسلم أحق بها، وذلك لأن المسلم له سببان: الإسلام والشركة. قوله: ثم هي للمشرك، يقتضي أن سبب الشركة أقوى من سبب الإسلام، فلذلك يأخذها الذمي من المسلم، وهذا على قول موسى بن علي رحمه الله، فلا
ينافي ما تقدم والله أعلم.
(1) تقدم ذكره.
- 330 - (4/330)
صفحة 2389
باعه الوالد أيضاً لا يدرك الولد فيه الشفعة لئلا ينتقض فعل أبيه، ومنهم من يقول: يدركها فيهما باعه أبوه ويدركها جميع القرابة، بعضهم على بعض، وخليفة الغائب واليتيم والمجنون والأبكم، والوصية لا يدركون الشفعة لما باعوه من هذه الأموال التي في أيديهم لأن الشفيع لا يكون بائعاً وإنما يكون من يجوز أن يكون مشترياً، والرجل الواحد لا يجوز أن يكون بائعاً شفيعاً كما لا يكون
قوله: ولا يدرك الولد أيضاً الشفعة على والده، يعني وأما على جده ففيه تفصيل. قال عمهنا يحيى رحمه الله مصرحاً بما أشار إليه المصنف رحمه الله بقوله:: ويدر کا جميع القرابة الخ، ما نصه: وقد يدرك الشفعة الأخ عند أخيه والزوج عند زوجته والزوجة عند زوجها والولد عند والدته والوالدة عند ولدها والجد عند ولد ولده وولد الولد عند جده، إذا كان أبوه حياً فيدركها الكبير دون الصغير والله أعلم، انتهى. قوله: وكذلك ما باعه الوالد أيضاً الخ، لم يتعرض رحمه الله لما باعه أحد الزوجين للآخر، ولا لما باعه الولد لوالده، وفي كتب أصحابنا المشارقة رحمهم الله: لا شفعة في شيء من ذلك بخلاف ما باع الوالد لولده ففيه خلاف، قالوا: فإن باعه بالاسترخاص قوم، وما باعت الأم لولدها ففيه الشفعة عندهم، فليراجع ما الحكم عند المغاربة، ثم رأيت عمنا يحيى رحمه الله، ذكر فيها باعه الولد لوالده قولين مصدراً بالشفعة، وجزم فيها باع الوالد لولده بالشفعة والله أعلم. قوله: لما باعوه من هذه الأموال، وأما ما باعوه من أموالهم للغير مما يدرك فيه الشفعة من يلون أمره، فإن الظاهر أنهم يدركون الشفعة لمن يلون أمره على من اشترى منهم، كما يؤخذ من كلامه رحمه الله في كتاب البيوع في باب الطوافة، حيث قال: وكذلك صاحب الشيء إذا أراد أن يشتريه لمن ولي أمره، فإنه ينادي بزيادته لجواز شرائه له ذلك الشيء الخ، فعلى هذا
•
- 331 - (4/331)
صفحة 2390
مشترياً، وكذلك المرتهن والمسلط إذا باعا الرهن الذي في أيديها
يكون بائعا مشترياً من جهتين مختلفتين، فينزل اختلاف الجهة بمنزلة اختلاف الذات، إلا أن ظاهر كلامه ها هنا أولاً وآخراً، يقتضي أنه لا شفعة في هذه الصورة أيضا، وأنه لا ينظر إلى اختلاف الجهة ويجاب عما ذكره في باب الطوافة، بأنه إنما جاز شراؤه متاعه ان ولي أمره، لوجود البائع صورة وهو الطواف والله أعلم فليحرر. ثم رأيت في الديوان ما هو صريح في أنه يشفع في هذه الصورة، أعني فيما باع من ماله، إذا كان لمن ولي أمره فيه شفعة، حيث قال بعد كلام على ما اشتراه خليفة اليتيم أو المجنون أو الغائب لنفسه لما لمن ذكر فيه الشفعة، أنه تدرك عليه لهؤلاء بالخليفة، وكذلك إن باع ما لواحد ممن ذكرنا فيه شفعة، فإنه يدركها له أيضاً. انتهى، فيوافق ما استخرجته من رحمه الله، في باب الطوافة، وذكر عمنا يحيى رحمه الله في المسألة قولين، مصدراً بأنه لا شفعة،. بيث قال: وكذلك خليفة الغائب إذا باع أرضه فلا يدرك فيه الشفعة للغائب، فإن باع أرضاً للغائب فلا يدرك شفعتها لنفسه، ومنهم من يقول: يدركها، وكذلك خليفة اليتيم أو المجنون أو الأبكم أو الأعمى الخ. قوله: وكذلك المرتهن والمسلط الخ، جزم أيضاً في الديوان، بأنهم يشفعون
كلامه
، حيث
ما باعوه حيث قال: والمرتهن يدرك شفعة ما باع من الرهن، إذا كان شريكا للراهن، وكذلك خليفة الوصية، وكذلك الوكيل على البيع والشراء، يرد جميع ما باعه أو اشتراه بالشفعة، إذا كان شريكه، وذكر في الدفتر أنه يرده للراهن إذا باع المرتهن ذلك الرهن، وكذلك ما باعه خليفة الوصية يرده الورثة بالشفعة، وذكر عمنا يحيى في المرتهن والمسلط قولين مصدراً بعدم الشفعة، ثم الظاهر أن العمل على ما في الإيضاح على ما ذكره عمنا أحمد بن سعيد الشماخي رحمه الله في كتاب السير حيث قال عند التعريف بصاحب الإيضاح ومدح مؤلفه ما نصه: وهذا التأليف ما أظن ألف في المذهب مثله جمعاً وتعليلا
رحمه الله
- 332 - (4/332)
صفحة 2391
منه
والوكيل إذا وكل ببيع أرض أو شرائها فلا يدركون هؤلاء الشفعة لما باعوه لأن بيعهم إياه تسليم للشفعة، وكذلك ما اشتراه هؤلاء لمن استخلفوا عليه أو لمن وكلهم لا يدركون شفعته لأن الشفيع إنما يأخذ الشفعة من مشتر ولا يكون رجل واحد مشترياً شفيعاً لأن شراءه ذلك تسليم. للشفعة، وكذلك أيضاً لا يدركون شفعة ما باعوه أو اشتروه من أموال ما استخلفوا عليه لغائب آخر أو يتيم أو مجنون هم عليه خلائف، كما لا يدركون ذلك لأنفسهم، وما باع خليفة الميت على الوصية من أرض الميت بالوصية لا يدرك شفعتها ورثة الميت لأنهم بمنزلة البائع لها، ولو أرادوا
واختصاراً غير مخل، وتطويلا غير معمل ولا مكرر، وهو اعتماد أهل المغرب في وقتنا خصوصاً (نفوسة)، وبعده ديوان أبي زكرياء يحيى بن الخير، وبعدهما الديوان، ديوان الأشياخ الخ، ولكن اصاحب الديوان أن يجيب عن الملة التي ذكرها المصنف رحمه الله، بأن اختلاف الجهة بمنزلة اختلاف الذات والله أعلم. قوله: والمسلط، هو الذي جعل الرهن في يده ولم يكن صاحبه وسلط على بيع الرهن عند الأجل مثلاً.
قوله: لا يدرك شفعتها ورثة الميت الخ، فيه أنه ذكر أيضا في باب الطوافة، أن الطواف ينادي بعطية الورثة، إذا كان الشيء في يد الخليفة وأرادوا الشراء منه، وإذا كان يجوز شراؤهم فلم لا يجوز شفعتهم، فالمناسب حينئذ إما عدم قبول زيادتهم في الشيء أو جواز الشفعة والله أعلم. لكن لا حظ للنظر مع وجود الأثر، ويمكن الفرق بينهما بما أشار إليه المصنف رحمه الله، وهو أنه إنما
- 333 - (4/333)
صفحة 2392
أن ينزعوها من يد الخليفة بما أوصى به الميت لكان لهم ذلك، وكذلك أيضاً الراهن فيها باعه المرتهن أو المسلط كما ذكرنا، وكذلك المرتهن فيها باعه المسلط، لا يدرك شفعته لأنه وكيله، ويدرك الموصى له شفعة ما باعه الخليفة، خليفة الميت على الوصية إذا أوصى له الميت بنصيب معروف ماله أو بأرض معروفة، قريباً كان أو أجنبياً، وإذا كان للميت خليفتان على وصيته، وقد استخلف كل واحد منهما شفعة ما باعه الآخر أو اشتراه، إذا كان له شفعته وإن جمعهما في الخلافة، فلا يدرك كل
من
قبلت زيادتهم، لأن الخليفة يجوز أن يبيع لهم، وإنما لم تجز شفعتهم لأنهم يعدون مسلمين للشفعة حيث لم يدفعوا الوصية للوصي ويمسكوا الشيء لأنفسهم مع جواز ذلك، وتقدم عن الديوان الجزم بأن الورثة يردون ما باع الخليفة، يعني والله أعلم - نظراً إلى أنهم شركاء ولم يسلموها بالفعل ولا ينظرون إلى اللازم
والله أعلم.
قوله: ويدرك الموصى له شفعة الخ، وذلك لأنه حينئذ شريك لم يقاسم. قوله: أو بأرض، المناسب أن يقول أو من أرض ليكون شريكا أو الباء بمعنى من، والحاصل أنه متى ثبتت له الشركة في الأصول أو في منافعها ثبتت
الشفعة.
قوله: أو بأرض معروفة، المناسب أن يقول: أو من أرض معروفة، ليكون شريكاً، وأما لو أوصى له بأرض معروفة، فهي له خاصة.
- 334 - (4/334)
صفحة 2393
واحد منهما شفعة ما باعه الآخر أو اشتراه لأنهما بمنزلة رجل واحد، وكذلك الغائب واليتيم والمجنون إذا كان لهم خليفتان كما ذكرنا
والله أعلم.
قوله: ما باعه الآخر الخ، يعني وجوز له رفيقه ذلك، وإلا بطلى فعله من أصله، لأن تصرف أحدهما دون صاحبه باطل، والله أعلم.
- 335 - (4/335)
صفحة 2394
باب في معرفة المشفوع عليه
والمشفوع عليه كل من انتقل إليه الملك بالشراء أو ما يقوم مقام الشراء مثل هبة الثواب أو المبادلة بالقيمة، وكذلك القضاء في
باب في معرة فة المشفوع عليه
قوله: من انتقل إليه الملك الخ، يعني أو من يقوم مقامه كالخليفة وقائم المسجد، وأما الوكيل فإنه لا تدرك عليه، بل على الموكل كما ذكره في الديوان. قوله: هبة الثواب، يعني وهي التي يرجى لها العوض من الموهوب له، وأما التي لا يرجى فيها ذلك، فهي مرادفة للصدقة، ينظر كيف تشفع هبة الثواب، ولعل المراد إذا عين الثواب وكان دنانير أو دراهم كأن يهب له حصته من المشترك، ويشترط مثلاً ثواب ذلك دراهم معلومة
قوله: بالقيمة، قيد في الهبة والمبادلة والله أعلم.
قوله: وكذلك القضاء في الحقوق لأنه بيع، وذلك لأنهم قالوا: من له على رجل دنانير أو دراهم، فإنه يتعوض بها ما شاء ما عدا الصنف الذي باع له أولاً على الراجح، ويشترط في الحق العوض فيه دنانير أو دراهم لتصح فيه الشفعة
والبيع، والله أعلم.
- 336 - (4/336)
صفحة 2395
الحقوق لأنه بيع من البيوع. وفي الأثر: سئل الشيوخ رضي الله عنهم عن رجل أصدق لإمرأته أرضاً، هل للشفيع فيه شفعة؟ قال: لا، قيل له: وإن افتدت المرأة من زوجها بتلك الأرض؟ قال: نعم، فقيل له، وكذلك إن راجعها زوجها أيضاً بتلك الأرض بعد الفداء؟ قال: نعم ليس في ذلك شفعة، قال: والهبة أيضاً ليس فيها شفعة، فقيل: أرأيت رجلاً تبادل مع رجل أرضاً بأرض هل فيها شفعة؟ فقال: إذا لم يجعلا القيمة لكل أرض فلا شفعة، وإن جعلا لهما القيمة ففيهما الشفعة عند كل واحد منهما، قيل له: أرأيت إن قال له: هذه الأرض وهذه الدنانير
(
قوله: وفي الأثر، المراد به كلام الشيخ أبي زكرياء رحمه الله، فيكون المراد بالشيخ، شيخه أبو الربيع سليمان بن أبي هارون التملشائي رحمه الله لأنه أخذ عنه، قال في كتاب السير لعمنا أحمد الشماخي: غلب عليه الشيخ فصار
علماً عليه
قوله: قال: لا، وذلك لما في الصداق من مكارم الأخلاق المنافية للبيع، فإنه مبني على المماسكة والمضايقة
قوله: قال: نعم، أي لا شفعة، لأن ذلك كله من جراء الصداق. قوله: والهبة، أي لغير الثواب، بدليل ما تقدم، والهبات التي يتوسلون بها اليوم إلى قطع الشفعة كلها تشفع لأنها هبة ثواب في الحقيقة، والله أعلم. قوله: إذا لم يجعلا القيمة لكل أرض فلا شفعة فيها الخ، لم يتعرض رحمه الله لما إذا جعلا القيمة لواحد منهما فقط، هل فيها الشفعة أو لا؟ والظاهر الشفعة في التي جعلت القيمة لها دون الأخرى والله أعلم، فليحرر.
- 337 -
ه م 22 - الإيضاح، (4/337)
صفحة 2396
بهذه الأرض ولم يذكر القيمة، هل في هذه شفعة؟ قال: نعم ذلك قيمة، والنظر يوجب غير ذلك، فهذا يدل من قولهم ان الشفعة في الشراء أو لا يقوم مقام الشراء قياساً عليه، وظاهر الحديث يدل على أن الشفعة في البيع، وهو قوله عليه السلام: (أيما رجل له شريك في دار أو ربع فأراد أن يبيعها فلا يبعها حتى بعرض على شريكه، فإن أراد فهو أولى)، وفي الأثر: وإذا تزوجت المرأة على شقص في دار، فإن ابن عبد العزيز يقول: لا شفعة لأحد في ذلك، وكذلك قول الربيع. وكان ابن عباد يقول: للشفيع في ذلك الشفعة بالقيمة وتأخذ المرأة قيمة ذلك منه، وقال ابن عبد العزيز: وكيف يكون ذلك وليس هذا شراء تكون فيه الشفعة وإنما هذا نكاح
قوله: نعم ذلك قيمة، يعني أنها حيث أدخلا الدنانير والدراهم، فقد دلنا ذلك على أنها تبادلا بالقيمة والله أعلم.
قوله: والنظر يوجب غير ذلك، هذا آخر كلام الأثر، وإنما أوجب النظر غير ذلك ـ والله أعلم - لأن الأرض التي دفعت مع الدنانير لم يجعلوا لها قيمة فدخل الجهل والله أعلم.
قوله: في البيع، من عمم يقول المراد بالبيع في الحديث مطلق المبادلة والله أعلم. قال: في الديوان: والقيلولة والتولية والمبادلة والعطية للثواب بمنزلة المصنف بذلك في أول كلامه، فالمعول عليه الشفعة
البيع انتهى، وقد.
في الجميع والله أعلم.
صرح
- TA- (4/338)
صفحة 2397
أرأيت لو طلقها قبل أن يدخل بها كم يأخذ الشفيع منها؟ وبماذا يأخذها، أبالقيمة أم بالمهر؟ وكذلك المرأة إذا اختلعت بشقص من دار في قولهم، فهذا يدل من ابن عباد أن الشفعة تجب في كل ما انتقل ما تكون فيه الشفعة بالعوض، وهذا في معنى البيع عنده، والقول الأول عليه العمل لأن البيع بدل مال بمال، و هذا بدل ماله بمعنى والله أعلم. وفي الأثر: وإذا وهب رجل لرجل نصف أرض له ثم باع بعد ذلك النصف الباقي فراراً من الشفعة، فلا يجوز ذلك للبائع ولا للمشتري ولا للشهود ولا يدركها الشفيع أيضاً بعد الهبة، وإن قدم البيع وأخر الهبة فله الشفعة.
قوله: كم يأخذ الشفيع الخ، الظاهر أنه على قول ابن عباد، يأخذ بالقيمة نصف ذلك الشقص التي تستحقه بالعقد، والنصف الثاني لا تستحقه إلا بالدخول، فلا يأخذه الشفيع إلا بعده، ويأخذه بالقيمة والله أعلم، فليحرر. قوله: أبالقيمة أم بالمهر، كأن المراد بالمهر صداق المثل.
الشفعة
قوله: بمعنى، في نسخة بعناء، وهو الاستمتاع بها.
قوله: وفي الأثر: وإذا وهب رجل الخ، هذا كله كلام أبي زكرياء رحمه الله إلى الباب، وفي الديوان: وكل ما فعله البائع للمشتري مما أراد أن يبطل به الهبة والاستغلاء وما أشبه ذلك، فإن ذلك لا يبطل الشفعة ويردها من الشفيع بالقيمة إن شاء، ومنهم من يقول: لا يحل ذلك للبائع ولا للمشتري فيما بينها وبين الله، والشفعة قد بطلت في الهبة، وأما الاستغلاء فإن أراد الشفيع
أن يردها، فليردها الخ.
- 339 - (4/339)
صفحة 2398
و بلغنا أن ريح الجنة يوجد مسيرة خمس مائة عام ولا يريحه جاهل ولا قاطع شفعة ولا امرأة لغير إذن وليها ولا امرأة تصلي بطهر التفتيش وتدع بدم التفتيش، ولا من قطع بين والد وولده والزوج وزوجته والعبد وسيده، فنعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى، ونسأله العصمة من عدو يرانا ولا نراه، نراه، وقال أبو محمد وافي بن عمار عن بعض أشياخنا، أنه قال: لو أن المشتري وضع رجلاً في الأرض ورجلاً في السماء طلباً لقطع شفعة الشفيع ما قدر على ذلك. ومعنى ذلك والله أعلم أن المشتري والبائع إذا احتالا على أن يقطعا شفعة الشفيع بهبة أو غير ذلك من الحيلة
قوله: جاهل، أي للتوحيد والشرك والفرائض.
قوله: وقال أبو محمد وافي بن عمار الخ: في بعض كتب قومنا نظيره، قال في شرح الرسالة بعد كلام، وذلك أن الفقيه يحيى بن تمام اشترى حصة من حمام فيه شريك، وأشهد البائع لابن تمام في الظاهر أنه تصدق به عليه ليقطع شفعة الشريك، فقام الشريك بشفعته، فأفق الفقهاء فيها أن ذلك يقطع الشفعة إذ لا شفعة في الصدقة، فقال الشفيع للقاضي: لا أرضى إلا يفقهاء الحضرة، فرفع إليهم السؤال على وجهه، وبدأ الشيخ أبي عمرو الاشبيلي فوقع أسفلها، (هذا من حيل الفجار)، وأن الشفعة واجبة، فلما رأى ابن تمام جوابه، قال: هذا عقاب لا يطار تحت جناحه، فالحق خير ما قيل، هات مالي وخذ حمامك،
انتهى
- TE- (4/340)
صفحة 2399
ما قدروا على ذلك فيرد ذلك إلى القيمة ويأخذ الشفيع شفعته إذا اطلع أهل العدل على ذلك منهما.
قوله: إذا اطلع أهل العدل على ذلك منهما، فلو لم يطلعوا على ذلك واتهموهما بعمل الحيلة، فهل يحلفونهما على ذلك؟ والظاهر: نعم، وهو الذي جرى به العمل بالجزيرة، لأنه أردع لهما والله أعلم.
- 341 - (4/341)
صفحة 2400
باب في صفة أخذ الشفعة
وبماذا يأخذها، وكم يأخذ منها، ومتى ياخذها، ومتى لا يأخذها؟ أما صفة أخذها وبماذا يأخذها ففي الأثر: وإذا أراد الشفيع أن يأخذ شفعته فإنه يأتي الشفيع إلى المشتري ومعه أمينان فيقول له: إنك اشتريت أرض فلان ولي شراؤها بالشفعة وقد أخذت شفعتي وهذا مالك، فيعطيه الثمن الذي اشتراها به، إن عرفه بلا زيادة ولا نقصان، فإن أعطاه
باب في صفة أخذ الشفعة
قوله: فإنه يأتي الشفيع إلى المشتري الخ، فعلى هذا تفوت الشفعة بما يفعل الناس اليوم من أخذهم الدراهم إلى الشاهد، ويأتون إلى المشتري ويقولون له: قد شفعنا ما اشتريته في المحل الفلاني، ودراهمك عند الشاهد، فإنه لو مد المشتري يده وطلب الدراهم فلم يدفعها له لفاتته الشفعة، كما يدل عليه كلامه، والله أعلم. قوله: إن عرفه، سيأتي أنه إن لم يعرفه وعرف بنس ما اشترى به، فإنه يومي له من ذلك الجنس ولو قليلا حق يبين المشتري قدر ذلك
- 342 - (4/342)
صفحة 2401
أقل من الثمن الذي اشتراها به فقد فاتته الشفعة، فإن أعطاه أكثر من الثمن الذي اشتراها به فقد فاتته أيضاً، وقيل: بأن لا تفوته إذا رمى له
له
أكثر من الثمن الذي اشتراها به والله أعلم. وكذلك أيضاً إن رمى خلاف ما اشترى به فقد فاتته، وذلك فيما يوجبه النظر أن الشفيع إذا أراد أن يأخذ الشفعة فمن حق المشتري عليه أن ينقده الثمن من جنس ما اشترى به من غير زيادة ولا نقصان، والدليل على ذلك، لو أراد أن يأخذ الشفيع الشفعة بخلاف ما اشترى به المشتري أو ببعضه أو إلى أجل أو بغير ثمن كان ذلك لا يدركه على المشتري فإذا كان لا يدركه عليه كان من حق المشتري عليه ما ذكرنا، فإذا لم ينقده الثمن أو رمى له أقل مما اشترى به أو أكثر أو خلاف ما اشترى به فاتته لترك ما أمر به من حق المشتري، فإذا ترك ما أمر به في ذلك صار تاركاً لشفعة، لأن الشفيع مخير بين أخذ الشفعة وتركها، فهو على أخذها عندهم حتى يتركها أو يدل الدليل على تركها منه، فإن قال قائل: فلم تفوته إذا رمي له أكثر مما اشترى به؟ أليس و قدر ماله ما اشترى به؟ قيل له: تفوته من حيث لم
قوله: فمن حق المشتري عليه أن ينقده الثمن الخ، فهذه أربعة شروط فلا
بد منها على ما يفهم من كلامه
الله. رحمه
قوله: فإذا لم ينقده الخ، قد صرح بمفهوم الشروط الأربعة
- 343 - (4/343)
صفحة 2402
يفرز له ماله، ألا ترى أن المشتري ممنوع عليه حتى يفرز له، وإنما يلزم الشفيع هذا إذا عرف ما اشترى به المشتري من الثمن، ومعرفة ذلك، أما في ظاهر الحكم فللشفيع حجته أن يأتي المشتري بأمينين يخبران الشفيع بالشراء وبالثمن، وأما فيما بينه وبين الله إذا علم ذلك الشفيع انقطعت عنه الشفعة بعد طلب المشتري إليه ذلك إذا أتاه المشتري بالبيان أو لم يأته، وإن أخبره المشتري بذلك وصدقه فإن التصديق عند بعضهم حجة، وفي الأثر: وذكرت أن رجلاً طلب إلى آخر فقال له: اشتريت مالك فيه شفعة فادفع لي مالي، فإن قال له الشفيع: لا علم لي بما ذكرت، فله ذلك، و على الآخر البيان لما يدعيه. وإن صدقه فيما قال وقال
قوله: فللشفيع حجته إلا أن يأتي الخ، فعلى هذا لا تسمع للمشتري دعوى العلم على الشفيع، وأنه فرط، إلا إذا ادعى عليه أنه أخبره بأمينين والله أعلم. قوله: بعد طلب المشتري، المناسب لما تقدم أن يقول: بدله إذا لم ينقده الثمن أناء المشتري الخ، اللهم إلا أن يفرق بين ما في الحكم وبين ما فيما بينه وبين الله، بأن يقال: أما في الحكم إذا صح بأمينين فلا بد من ا النقد، طلب المشتري إليه ذلك أو لا، بدليل ما تقدم؛ وأما فيما بينه وبين الله إذا علم ذلك، فإنه لا تفوته حتى يطلبه المشتري والله أعلم، فليحرر. وإلا لزم التنافي بينه وبين ما تقدم، وإنما قيد أيضاً بالطلب بعد المسألة المذكورة في الأثر لأن فرض المسألة أنه طلب إليه الثمن والله أعلم.
- 344 - (4/344)
صفحة 2403
له: إذهب بنا إلى السوق، فله ذلك إذا كان السوق بالقرب منهم، وأما اذا كان على البعد فلا يجد ذلك فله أن يذهب إلى بيته وإلى المنزل، إلا إن لقيه في السوق فطلب أن يذهب معه إلى بيته فليس له عليه ذلك، فهذا يدل من قولهم أن الشفيع لا تأخير له عند نقد الثمن إذا طلب إليه المشتري إلا بعذر، والعذر إن لم يجد ميزاناً أو مصباحاً إذا طلبها إليه بالليل أو ادعى الجهل فعلى المشتري البيان، أو ادعى عدم المال معه فله عليه أن يذهب إلى بيته أو المنزل أو السوق إذا كان بالقرب من المنزل أو البيت إلا إن لقيه في السوق أو في بيته فلا عذر له، والأصل في هذا العذر البين، فإن قال قائل: أرأيت إن وسع عليه المشتري هذا، أيجوز له أن يأخذ شفعته ويكون الثمن ديناً عليه برضا المشتري؟ قيل له: أرجو أن يكون ذلك إذا ترك المشتري حقه برضاء منه لأن هذا ليس بشرط في صحة أخذ الشفعة، أصل ذلك صحة أخذ الشفعة بعد ما ذكرناه من الحقوق بالعذر والله أعلم. وكذلك أيضاً الأمين الواحد يكون على الشفيع حجة إذا صدقه في قول بعضهم، وفي الأثر: وأما ما ذكرت من أمر مسألة الشفعة، الجواب فيها: إن كنت أخبرت الشفيع بما اشترى
قوله: بالقرب، حده في الديوان بستة أميال.
قوله: لأن هذا ليس بشرط الخ، فيه نظر مع قوله سابقاً: فإذا لم ينقده
- 345 - (4/345)
صفحة 2404
المشتري الذي له شفعته فرمى له أقل مما اشترى به المشتري فرجع ذلك المشتري ثم بعد ذلك سأله الشفيع: هل صدقه أم لا؟ فقال: إنه صدقك فيما قلت له، فليس في ذلك عندي شفعة وقد فاتته حين رمى له أقل مما اشترى به، وأما إن أتى الشفيع إليك فسألك: بكم اشترى المشتري؟ و أخبرت له ثم سألته: هل صدقك فيما قلت له أم لا؟ فقال: إنه صدقك ثم رمى له بعد ذلك أقل مما قلت له، فليس عندي في ذلك شفعة، فقد فاتته، وأما إن جاء
الثمن الخ، فإن ظاهره أن النقد شرط عند العلم بقدر الثمن والقدرة على دفعه، بأن كان في منزله أو في السوق فيؤول الأمر إلى أنه شرط، مع العلم والقدرة كإزالة النجاسة بالنظر إلى الصلاة، فعلى هذا لا يصح استدلال المصنف رحمه الله على عدم الإشتراط بقوله: أصل ذلك صحة أخذ الشفعة الخ، فإن حالة العذر لا يقاس عليها غيرها، فإن أهل الأعذار يجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم، فالأولى أن يقول في الاستدلال على الجواز، بأن نقد الثمن حق للمشتري، فإذا برضاه بطل الشرط في حقه والله اعلم.
تر که.
قوله: وأما إن أتى الشفيع الخ، المناسب لسياق الكلام، أن يقول: وكذلك إن أتى الخ، لأن حكم المسألتين واحد، وهو فوات الشفعة بسبب قوله: إلى عندك، صوابه أن يقول مثلا: إليك، لأن (عند) من الظروف التي لا تتصرف، فلا تخرج عن الظرفية إلا إلى الجر بمن، والله أعلم
•
قوله: وأما إن جاء الشفيع والمشتري الخ، هذا الكلام لم يستفد منه
ولعل فيه سقطاً فليراجع.
حكم
- PET- (4/346)
صفحة 2405
الشفيع و المشتري أيضاً إليك فرمى له الشفيع الشفعة ورفع المشتري المال أو لم يرفعه، ثم بعد ذلك أخبر الشفيع بما اشترى به المشتري ديناً عليه، وثمّ أيضاً من يقول: الأمين الواحد لا يكون حجة في أمر الأحكام، وإن قال له الذي أخبر له: قد صدقتك، لأن ذلك إنما يلزمه فيما بينه و بين الله فقولك له حين أخبرته: هو ليس منك بحكم، فإنما هو إخبار منك بما حضرت له، وعلى ذلك القول ليس في ذلك ما تفوته به الشفعة وهو أقرب عندي في الاحكام، وفي الأثر: وفي رجل اشترى ما لرجل فيه شفعة فقال: اشتريت بكذا وكذا، ووافقه البائع على ذلك أو خالفه، فالقول قول الشفيع، وعلى المشتري البينة لما يدعيه، فإن لم تكن له بينة
قوله: الشفعة، أي ما يشفع به، وهو الثمن.
قوله: في أمر الأحكام، يعني لأنه من باب الشهادة، وأما أمر العبادات، فإنه يقبل قوله لأنه من باب الرواية.
قوله: وإن قال الخ: (إن) هذه وصلية فلا جواب لها، والواو قيل: للنحال، وقيل: عاطفة على شيء مقدر، أي إن لم يصدقه، وإن صدقه والمعنى أنه لا يكون حجة ولو صدقه
•
قوله: فإن لم تكن له بينة فعليه اليمين، هذا يقتضي، أن القول قوله مع يمينه، وسيأتي له التصريح بذلك، حيث قال: لأن القول قول المشتري في الثمن. (4/347)
صفحة 2406
فعليه اليمين أيضاً على ما ادعى فهذا يدل من قولهم أن البائع والمشتري لا يكونان عليه حجة، وذكر في بعض كتب المتقدمين: ولا تبطل شفعة الشفيع إلا بخبر البائع والمشتري أو الشاهدين إذا فرط بعد خبرهم، وأما من سواهم فلا، فهذا يدل منهم على هذا القول: أن البائع والمشتري حجة عليه، وإذا أراد الشفيع أن يأخذ شفعته ولم يعلم ما اشترى به المشتري فإنه يطرح له ديناراً أو درهماً لأنها أثمان الأشياء حتى يتبين له الثمن الذي اشترى به، ولعل هذا منهم استحباباً لا وجوباً لأنه يمكن الشراء بغير الدنانير و الدراهم مما يكال أو يوزن والله أعلم. وأما إن علم الجنس الذي اشترى به غير أنه لم يفهم مقداره مثل إن اشترى بالدنانير أو الدراهم، ولم يعلم عددها فإنه يجزئ أن يعطيه ديناراً واحداً حتى يبين له المشترى عدد ما اشترى به لأنه معذور في هذا كله، وكذلك ما يكال أو يوزن إن اشترى به ولم يعلم الشفيع مقداره فإنه يجزيه أن يأتي بشيء من ذلك النوع، وإن
قوله: فعليه اليمين، أي فعلى المشتري اليمين، وأما البائع، فالظاهر أنه ليس بينه وبين الشفيع كلام، فلا يحلف على ما أخبر به من الثمن، ولا على غيره مما يدعيه الشفيع، لأنه لا علاقة بينهما والله أعلم.
قوله: استحباباً لا وجوباً الخ، يعني فلا يجب عليه أن يعطيه شيئاً حتى يعلم جنس ما اشترى به.
- TEA- (4/348)
صفحة 2407
كان يسيراً فيعطيه إياه حتى يتبين له الحق، وإن علم الشفيع كيل ذلك النوع أو وزنه إلا أنه شيء له مؤونة فإنه يعطيه أيضاً شيئاً. أ شيئاً من ذلك النوع، وإن كان يسيراً فيعطيه إياه حتى يأتيه بما بقي من الثمن إلى الموضع الذي هو فيه لأنه معذور في هذا كله إن لم يأت منه تعد والله كذلك لو أن رجلاً اشترى من رجل عروضاً كثيرة ولها مؤونة فوجد فيها عيباً كان عند المشتري فإنه يأتي بالبائع إلى الحاكم معه شيء من ذلك النوع وإن كان يسيراً، فيخاصمه عليه بجميعه، وإن لم يحضره كله لأن الخصومة إنما وقعت على العيب بينهما، وكذلك المسألة الأولى وقعت الخصومة على الشفعة، فإذا وجب الرد على البائع بالعيب فيرد ذلك الشيء ثم يكون على المشتري بعد ذلك أن يوصل له الباقي إلى الموضع الذي اشترى فيه، لأن المشتري إذا وجب الرد بالعيب فعليه تسليمه إلى موضع أخذه فيه وهو العدل بينهما، وما هلك منه قبل أن يصل إلى البائع، فهو من مال المشتري حتى يصل إلى البائع، وإن وصل إلى البائع
قوله: فإذا وجب، هذا راجع للمسألة الثانية
قوله: أن يوصل له الباقي، ظاهره ولو كان مدلساً وفيه تأمل، لأنه ظالم،
والظالم أحق أن يحمل عليه والله أعلم.
-529 - (4/349)
صفحة 2408
بعضه وهلك بعضه فلا يدرك عليه رد الذي وصل إليه حين لم يوصله إليه كله فيكون ما وصل إلى البائع قد وصل، وما لم يصل فهو من مال المشتري، وإن اشترى المشتري بكسر من الدينار نحو نصفه أو ثلثه أو ربعه وما أشبه ذلك من الكسور فإنها على الشفيع الدراهم وهو الذي يجبره به الحاكم، وفي الأثر: وإن اشترى المشتري بثمن معلوم إلى أجل معلوم فإنه يأتيه الشفيع بذلك الثمن فيريه إياه ثم يقول: أخذت شفعتي وهذا في يدي، فإذا حضر الأجل أعطيته إياك ثم يرد الثمن، فإذا بلغ الأجل الذي بينهما و يعطيه إياه وله أن يصرفه في حوائجه إن احتاج إلى ذلك، ثم يعطيه غيره عند الأجل ثم يدخل الشفيع في الأرض فيأكل منها ويعمرها
فيأتيه
حد
قوله: وهلك، يعني بغير ذلك العيب كما هو معلوم.
قوله: فيكون ما وصل الخ، الظاهر أنه بالنصب في جواب النفي، على ولا يقضى عليهم فيموتوا، والمعنى أنه لا يدرك المشتري على البائع الرد لما بقي حتى يكون ما وصل الخ، وهذا هو المناسب لما ذكره رحمه الله في كتاب البيوع من أن من حجة البائع أن يقول: رد الشيء كما أخذته وإلا فلا شيء لك فليراجع، والمناسب أن يقول: فلا يكون، وعبارة عمنا يحيى رحمه الله أصرح في المراد، حيث قال: بعد ما نقله المصنف، من أن ما هلك من مال المشتري ما نصه: وإن وصل إليه بعضاً وقد هلك بعض، فلا يدرك عليه رد الذي وصل إليه حين لم يوصله إليه كله، انتهى
- 350 - (4/350)
صفحة 2409
وليس له أن يأكل منها شيئاً ولا ينتفع منها حتى يأخذ الشفعة من المشتري، فهذا يدل منهم أن الشفيع يدرك الشفعة ولا يدرك المشتري عليه الثمن إلى الأجل، إلا إن شاء الشفيع أن ينقده الثمن فهو بالخيار والله أعلم. وإن اشترى المشتري بحيوان أو متاع فيأتيه الشفيع بالعدول فيقومونه على الصفة التي يصفها المشتري لهم وإنما يلزم الشفيع أن يأتي بالعدول لأنه مأمور بتسليم الثمن إلى المشتري والتسليم لا يصح إلا بالقيمة، وما لا يمتثل الأمر إلا به فهو مأمور به مثله، وإنما يقومه العدول بقيمته يوم الشراء لأن الشفيع إنما يلزمه أن يعطي ما وقعت عليه الصفقة إن كان شيء يصح فيه المثل فمثله، وإن كان شيء لا يمكن فيه المثل فقيمته يوم وقعت الصفقة لأن الصفقة له وقعت، وإن اختلفا في الصفة فيقومونه على الصفة التي يصفها لهم المشتري ثم يحلف على الصفة التي وصفها لهم، لأن القول قول
قوله: وليس له أن يأكل الخ، هذا الحكم عام في ثمار جميع ما يشفع، فهو
إلى الاستئناف أقرب، والله أعلم. قوله: أو متاع، يعني مما ليس بمثلي
قوله: فيقومونه على الصفة الخ، لعل هذا إذا لم يكن حاضراً أو كان حاضراً وتغير، وأما إذا حضر ولم يتغير فإنه لا حاجة إلى الصفة
قوله: شيء، لعله شيئاً
•
قوله: لأن القول قول المشتري، يعني فعليه اليمين، لكن بعد عجزه من
البينة، كما يؤخذ مما تقدم في مقدار الثمن
14911 (4/351)
صفحة 2410
المشتري في الثمن، وكذلك القول قوله في الصفة، وإن اشترى المشتري بفاكهة في أوانها نحو الرطب والعنب وما أشبه ذلك، ثم أتى الشفيع في غير أو انها في وقت لم يجد ذلك في أيدي الناس ليقطع عنه الشفعة فإنه إن لم يعطه ذلك في ساعته فقد فاتته الشفعة لأنه ربما يكون التعطيل من قبل الشفيع إلى وقت لم يكن ذلك الشيء في أيدي الناس، وقد قيل: إنه يقوم
عليه ذهباً وفضة فيعطيه إياه في ذلك الوقت ويأخذ شفعته بقيمة ذلك
يوم
الشراء والله أعلم. وإن طرح الشفيع للمشتري الثمن الذي اشترى به ثم ذهبا عنه جميعاً حتى هلك فهو من مال المشتري لأنه هو الذي ترك ماله لم يأخذه حتى هلك، و الشفيع فعل ما يجب من التسليم، لا تبعة عليه، فإن قال قائل: أليس الثمن في ذمة الشفيع، فهلا كان لا يبرئه منه إلا قبض المشتري إياه كسائر الديون؟ قيل: لما كان لزوم الثمن للشفيع
قوله: وقد قيل إنه يقوم عليه ذهباً الخ، هذا هو الظاهر، وأما القول الأول فعليه قطع حقوق الناس بأمر متوهم، وقد تقدم أنه لا ينقطع حقه في الحكم على المختار إلا بأمينين، فكيف يقول: لأنه ربما أن يكون التعطيل من قبل الشفيع الخ؟ والله أعلم.
قوله: ذهباً، منصوب بنزع الخافض.
قوله: وإن طرح الخ، يعني بعد ما تبين وثبت أنه شفيع، وأن الواجب على
المشتري القبض.
- 352 - (4/352)
صفحة 2411
لزوماً مضيقاً لا توسعة فيه عند أخذه الشفعة أشبه الشيء المعين من هذه الجهة، ويدل على ذلك أنه لو رفعه بعدما طرحه للمشتري لبطل حقه، فلما كان رفعه يوجب بطلان حقه في الشفعة كالمعين من هذه الجهة فإن قال: فلم يبطل حقه في الشفعة إذا رفعه بعدما طرحه للمشتري؟ قيل له: لما كان الشفيع مخيراً في أخذ الشفعة وفي تركها ولا يحل له أخذها إذا رضي في قلبه بتركها كان رجوعه إلى الثمن الذي طرحه للمشتري بيان منه لما كان في قلبه من الرضا بترك حقه في تلك الشفعة، وكذلك أيضاً إذا رفعه خليفته فهو مثله في ذلك لأن الخليفة في مقامه فيما له فيما عليه، وكذلك إن أمر من يأخذه فهو في ذلك سواء أخذه المأمور أو لم يأخذه، وأما إن أخذه أحد من الناس بغير أمره فلا تفوته الشفعة بذلك لأنه لم يأمره، وكذلك ولده أو والده أو عبده فلا يضره رفع هؤلاء ذلك بغير أمره والله أعلم. وفي الأثر: وإن أخذ الشفيع شفعته بنفسه فله ذلك، وإن استخلف من يأخذها فله ذلك، وكذلك إن قطعها المشتري بنفسه فله ذلك وإن استخلف من يقطعها فله ذلك. وأما المأمور فالله أعلم في الوجهين جميعاً. ويعجبني
قوله: وأما المأمور فالله أعلم، الفرق بين الخلافة والأمر، أن الخلافة تحتاج إلى القبول، بخلاف الأمر كما ذكره أبو زكرياء، رحمه الله في كتاب
النكاح.
- for-
ه م - 23 الإيضاح» (4/353)
صفحة 2412
أن يكون في ذلك كله والخليفة سواء، وقيل غير ذلك والله أعلم. وكذلك أيضاً جائز للشهود أن يذهبا مع الشفيع ليأخذ شفعته إذا دعاهم إلى ذلك، وكذلك المشتري إذا دعاهم أن يصطحبا معه ليقطع عن الشفيع شفعته، إلا أنهم لا يأتونه بغتة أو في حين غفلة، وذلك لأن كل واحد منهما له فعل ذلك، وفي الأثر: وللشفيع أيضاً أن يهرب من المشتري ويستتر منه ويخفي عنه نفسه ما استطاع حتى يهيئ له الثمن الذي اشترى به، وللمشتري أيضاً أن يطرده ويبحث وراءه حتى يلحقه، وقد بلغنا: يتطاردان عن الخيل وليس للمشتري فيما بينه وبين الله أن يستتر من الشفيع أو يهرب منه حتى ينقطع الأجل الذي تنقطع فيه الشفعة، فإن فعل فعليه أن يعطيه شفعته فيما بينه وبين الله إن أراد الشفيع، ولا يدركها في الحكم لأن المشتري لا يجوز له ولا يحل له أن يسعي فيها يقطع حق الشفيع، وكذلك البائع والشهود لا يحل لهم أن يعينوه على ذلك والله أعلم. وإذا اشترى رجل من رجل أرضاً ولها شفيع
قوله: في ذلك كله والخليفة سواء، ويدل لعدم الفرق بينها،،، مسألة أخذ
التمييز بعد طرحه، حيث جعلوا المأمور بمنزلة الآمر والله أعلم. قوله: أن يستتر من الشفيع، يعني بأن يرسل له الأمينين فيخبراء، ثم
يستر منه نفسه
قوله: لأن المشتري الخ، علة لقوله: فعليه أن يعطيه شفعته الخ. وقوله:
- 354 - (4/354)
صفحة 2413
بثمن معلوم ثم حط البائع عن المشتري من الثمن الذي يكون بين الناس مثل المسامحة في البيع والشراء فإنه يعطيه الشفيع مثل الذي خرج من يده لأن الصفقة له، وكذلك أيضاً إن ولاه المشتري لغيره، وإنما يلزم المولى له ما أعطى المشتري للبائع دون ما اشترى به إذا ترك له شيئاً على وجه المسامحة التي تكون بين الناس في البيع والشراء، وأما ما حط البائع عن المشتري من الثمن على وجه رحم بينها أو على وجه ثواب أو غير ذلك ما لم يكن على وجه المسامحة بين الناس في البيع والشراء فإن على الشفيع أو المولى له ما وقعت عليه الصفقة، لأن ذلك ليس من سبب البيع والله أعلم. وعلى الشفيع والمولى له إعطاء الثمن للمشتري دون البائع، أعطاه المشتري شيئاً أو لم يعطه إياه، لأن الخصيم في ذلك المشتري دون البائع،
ولا يدركها عليه في الحكم، جملة معترضة بين العلة ومعلولها
قوله: على وجه المسامحة، يعني لقوله: (المؤمن سمح إذا باع، سمح إذا اشترى، وسمح إذا قضى، وسمح إذا اقتضى)، أو كما قال: فإن المراد عند بعضهم، أن يترك البائع شيئاً من الثمن أو يزيد المشتري شيئاً، فليراجع كتاب البيوع له، رحمه الله.
قوله؟ أو على وجه ثواب، يعني في مقابلة هدية سبقت عنده مثلا.
قوله: لأن الخصيم في ذلك المشتري الخ، فعلى هذا لا ينصب الحاكم الخصومة في ذلك الشيء بين الشفيع والبائع بوجه من الوجوه، فإن أنكر البيع
- 255 - (4/355)
صفحة 2414
ثم
لأن الشفيع لا تجب له الشفعة إلا بعد حصول الملك للمشتري، وكذلك المولى له فإذا أخذ المشتري عن الشفيع والمولى له قبل أن يعطيه هو البائع أعطاه البائع فحط عنه منه شيئاً على وجه المسامحة التي تكون بين الناس في البيع والشراء، فعلى المشتري أن يعطي ذلك للشفيع أو المولى له، ولا يجوز له إمساكه لأن التولية والشفعة إنما يكونان على ما كان عليه الشراء والله أعلم. ألا ترى أن المشتري لو اشترى بعشرة دنانير ثم قضى للبائع في تلك الدنانير سلعة ثم أخذ الشفيع شفعته أن على الشفيع العشرة دنانير التي اشترى بها المشتري دون غيرها إلا إن اتفقا على ذلك جميعاً، والمشتري يجوز له أن يعطي للبائع في حقه ما اتفقا عليه، سواء أخذ من ما الشفيع أو لم يأخذ، والشفيع لا يلزمه إلا ما وقعت عليه الصفقة لأن الصفقة له، وقضاء المشتري إياه سلعة بيع ثان لا يلزمه كالضمين إذا أعطى للمضمون له الدنانير عروضاً، فإنما له على المضمون عليه ما ضمن عليه الدنانير لا غير، وفي الأثر: وأما إن اشترى رجل من رجل سلعة بعشرة دنانير أو أقل من ذلك، أو أكثر منه، فقضى له فيها دابة أو خادماً
وهي
مثلا أو اتهمه أنه عمل مع المشتري حيلة في قطع الشفعة أو نحو ذلك، بل الكلام
في ذلك كله مع المشفوع، والله أعلم.
قوله: الدنانير، نائب الفاعل للمضمون له.
- 356 - (4/356)
صفحة 2415
أو طعاماً أو ما أشبه ذلك ثم ولاها لغيره، فإنما له على المولى له مثل الذي أخذ البائع من المشتري دون الثمن الأول، ومنهم من يقول: إنما عليه مثل الثمن الأول دون الذي أخذ منه، وكذلك إن قاله البائع فيها أو ردها عليه بعيب كان فيها قبل الشراء فإنما يرد البائع على المشتري مثل ما أخذ منه، ومنهم من يقول: إنها عليه مثل الذي اشترى به أول مرة، فهذا الاختلاف يدل منهم أن التولية تتردد بين أن تكون فسخ بيع متقدم أو تكون بيعاً ثانياً، فإذا كانت فسخ بيع متقدم كان على المولى له مثل الذي أخذ البائع من المشتري كما لو فسخ البيع بين البائع والمشتري، فإذا كانت بيعاً ثانياً، كان على المولى مثل الثمن الأول دون الذي أخذ منه، لأنها بيع مثل البيع الأول، وكذلك الإقالة والرد بالعيب على هذا القياس، يتراد ان بين أن يكونا فسخ بيع متقدم أو بيعاً ثانياً، فإذا كانا فسخ بيع، كان على البائع مثل ما أخذ من المشتري، وإذا كانا بيعاً ثانياً، كان على البائع مثل الذي اشترى به أول مرة، فإن
قوله: مثل الذي أخذ البائع، يعني إن كان مثليا كالحبوب والأدهان وإلا فقيمته كالحيوانات
قوله: والرد بالعيب، المختار أن الرد بالعيب إذا كان بحكم الحاكم فهو
فسخ بيع، وإلا فهو بمنزلة بيع ثان، كما يؤخذ من كلامه فيما تقدم.
قوله: ثانياً، أي مماثلا للبيع الأول.
- roy- (4/357)
صفحة 2416
قال قائل: فكيف تكون التولية فسخ بيع متقدم، والفسخ إنما يكون بين البائع والمشتري، ولا يكون إلا برضاء منهما جميعاً إذا كان البيع صحيحاً؟ قيل له: نعم إذا كان البيع صحيحاً فلا يكون الفسخ إلا برضاء البائع والمشتري جميعاً، وإن أراد المشتري فسخه وكره البائع، لم يلزم البائع ما لم يجب عليه من فسخه، وجاز للمشتري أن يفسخه مع غيره، أصله جواز البيع أن يبيعه لغيره، ولهذا قال الآخرون: التولية بيع الثاني فسخ عقد متقدم لحق أحدهما يكون برضا صاحب الحق دون الآخر وهو الرد بالعيب، أصله البيع الموقوف إلى رضى أحد المتبايعين، والثالث فسخ لا يجوز للمتبايعين إتمامه لنهي النبي مع الله وهو بيع الغرر رجعنا إلى المسألة الأولى، وأما إن خرج في بيعهما انفساخ فإنها عليه أن يرد مثل الذي أخذ منه أو قيمته إن لم يكن فيه المثل، وإن كان الذي أخذ قائماً بعينه فليرده هو بنفسه دون ما سواه، وكذلك إن تزوج رجل بامرأة وأصدق لها مائة دينار فقضى لها فيها سلعة أو دابة أو عروضاً أو ما أشبه ذلك، ثم فداها بعد ذلك فإنها ترد عليه مثل الذي أخذت منه، إذا ذهب الذي أخذت من يدها، فإن كان قائماً بعينه فلترده عليه بعينه، فإن قال
قوله: مثل الذي أخذ منه الخ، وذلك لأن القضاء الواقع فيه مبني على
فاسد، والمبني على الفاسد فاسد
•
- 358 - (4/358)
صفحة 2417
قائل
: فالفداء إذا فسخ نكاح وليس بطلاق على هذا المعنى؟ قيل له: ولو كان الفداء طلاقاً فلا يدرك الزوج على الزوجة في الفداء إلا ما أخذت منه من أجل أن الزوج لا يحل له أن يأخذ منها فوق ما أصدقها، لقوله عليه السلام (وأما الزيادة فلا، وذلك في الفداء وحديثه مشهور، وفي الأثر: وإذا اشترى رجل من رجل أرضاً بمائة دينار وهي تساوي عشرة دنانير فقال بعض أهل العلم: إن الشفيع بالخيار، إن شاء أخذ الثمن الذي اشترى به المشتري وإن شاء ترك، وليس له ردها إلى القيمة، ويكون إثم ذلك على من فعله، وقال بعضهم: يرد ذلك إلى قيمة أهل العدل فيقومونه بقيمته عند الشراء، فإن شاء الشفيع أخذ وإن شاء ترك، والقول الآخر هو الذي عليه العمل. والذي يلزم الشفيع ما وقعت عليه الصفقة دون غيرها لأن الله جعل الحكم على ما ظهر، وعند الله تبلى السرائر، وأما من رد ذلك إلى قيمة أهل العدل فهو الأعدل عندي بين الشفيع والمشتري، إلا أن حقيقة ذلك لا يعلمها إلا الله
قوله: والقول الآخر، المراد به الأول
قوله: والذي يلزم الخ، الظاهر أنه معطوف على قوله: الذي عليه العمل دفع به ما يتوهم أن المراد بالآخر الأخير، مع أنه ليس كذلك كما يدل عليه السياق، والله أعلم.
- 359 - (4/359)
صفحة 2418
باب كم يأخذ الشفيع من الشفعة
إعلم أن الشفيع لا يخلو أن يكون واحداً أو في كثرة، والمشفوع عليه لا يخلو أن يكون واحداً أو في كثرة، فإن كان الشفيع واحداً والمشفوع عليه واحد فالواجب عليه أن يأخذ الكل أو يدع الكل،
6
وإن كان المشفوع عليه واحداً والشفعاء أكثر من واحد فإنهم اختلفوا في ذلك في موضعين، أحدهما: في كيفية قسمة المشفوع فيه بينهم، والثاني: إذا اختلفت أسباب شركتهم هل يحجب بعضهم بعضاً أم لا؟ مثل أن يكون بعضهم شركاء في الملك الذي ورثوه لأنهم أهل أسهم واحد وبعضهم أهل عصبة، أما كيفية توزيع المشفوع فيه بينهم فإن بعضهم قال: يقسم المشفوع فيه بينهم على قدر حصصهم، فمن كان نصيبه الثلث أخذ الثلث من المشفوع فيه بثلث الثمن، و من كان نصيبه الربع أخذ الربع
باب كم يأخذ الشفيع من الشفعة
قوله: أو يدع الكل، أي لأن الشريك ضرر.
- 360 - (4/360)
صفحة 2419
ومن كان نصيبه أكثر من ذلك أخذ على قدر سهمه، وهذا إذا جاءوا إليها جميعاً، وإن تسابقوا فهي لمن وثبها منهم، وإن سلمها بعضهم فهي للباقين، أخذوها جميعاً أو تركوها جميعاً، ولا يدخل الضرر على المشتري في ذلك، وقال بعضهم: إنما تقسم الشفعة للشركاء على رؤوس الرجال، وليس فيها لصاحب النصيب الأكثر فضل على صاحب النصيب الأقل، وإن تسابقوا إليها فهي لمن سبقها منهم، وإن سلمها أحدهم للمشتري أو تبرأ منها، فلغيره من الشفعاء أخذها جميعاً أو تركها جميعاً، ولا يدخلون الضرر على المشتري، فمن الحجة لأصحاب القول الأول: أن الشفعة حق يستفاد وجوبه بملك متقدم، فوجب أن يقسم على الأصل، أصله سائر الأرباح في شركة الأموال، وعمدة أصحاب القول الثاني: أن الشفعة تجب بنفس الملك، يستوي في ذلك أهل الحظوظ المختلفة باستوائهم في الملك، إذ كل واحد منهم يسمى مالكاً، ويعضد هذا شفعة الجيران تقسم على رؤوسهم إذا جاءوها جميعاً بلا خلاف أعرفه بينهم، وإن تسابقوا إليها فهي لمن سبقها. وأما المسألة الثانية، إذا اختلفت أسباب شركتهم هل يحجب بعضهم بعضاً أم لا؟ وفي الأثر: وقد قال بعض أهل العلم:: إن الشركاء المتفرقين إذا اجتمعوا في الميراث، أن الشفعة للشركاء الأقارب دون سائر الشركاء، ثم هي لغيرهم من الشركاء إذا تركوها
- 361 - (4/361)
صفحة 2420
شركاؤهم، وذلك نحو رجل مات وترك ثلاث جدات وأربع نسوة وخمس بنات، ثم إن إحدى البنات إذا باعت فريضتها فالبنات أحق بشفعتها من الجدات والنسوة، ثم هي للجدات والنسوة إذا تركها البنات، وكذلك إذا باعت إحدى الجدات أو إحدى النسوة، وكذلك الأخوات وغيرهم من الورثة الذين ورثوا نصيباً معروفاً من الميراث، فهم أحق بالشفعة لما باعه أحدهم من نصيبهم دون غيرهم من الشركاء، ثم هي لسائر الشركاء بعدهم إذا تركوها، وأكثر القول بأن الشفعة لمن أو ثبها من الشركاء كائناً ما كان، وليس أحد أولى بها من غيره والله أعلم. وأصحاب القول الأول، جعلوا الشركاء في السهم أولى من غيرهم من الشركاء، لأن الشركة مختلفة الأسباب، أعني بين ذوي السهام، فأصحاب السهم أقرب بعضهم إلى بعض من غيرهم، وأما أصحاب القول الثاني، أخذوا بعموم قضائه عليه السلام بالشفعة بين الشركاء، ولم يخص ذوي سهم من غيره، وهو الصحيح والله أعلم. وكذلك شفعة الجار إذا كانت لأكثر من شفيع واحد وكان بعضهم أقرب من بعض. قال بعضهم: أولاهم بالشفعة أقربهم،
قوله: ولم يخص ذوي سهم، يعني فالقرابة المذكورة إنما تنفع في النسب دون الشفعة، لأنها حق ثبت لأجل الشركة فلا فرق.
قوله: من غيره، في نسخة: ذوي سهم.
- 362 - (4/362)
صفحة 2421
ثم الذي يليه، ثم الذي يليه إلى آخر هم، لأن الجار القريب أولى من الجار البعيد، وقال آخرون: هم جميعاً سواء في الشفعة، القاصي منهم والداني، واسم الجار يشملهم لقوله: (الجار أحق بصقيه)، ومثل هذا ما ذكر في الأثر: وإذا قسم الفدان أربعة نفر أو خمسة أو أكثر من ذلك فباع أحدهم سهمه منهم، فالذي يليه أحق بشفعته، ثم الذي يليه، وإن كان أوسطهم فكل من التزق فهم سواء في شفعته، وقال بعضهم: هم جميعاً سواء في شفعته، القاصي منهم والداني والذي يليه، وكذلك أصحاب المقاسم إذا أخذ منهم خمسة أو ستة فباع أحدهم، فالذي يليه أحق بشفعته من غيره، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه. وقال بعضهم: هم جميعاً سواء في الشفعة من كان يليه منهم ومن لم يله والله أعلم. وإذا كان في الدار بيوتاً كثيرة لأناس شتى وبابها واحد، فباع أحدهم بيته، فجميع أصحاب البيوت اللواتي في الدار سواء في الشفعة، لتساويهم في شركة ما تجب به الشفعة وهو الاشتراك في الطريق، إلا أن يكون بيتاً يشارك الآخر في المرسى فصاحبه أحق بالشفعة، لأن من اشترك معه بسببين أولى ممن اشترك معه بسبب واحد، وكذلك إذا كان في الدار غيران مثل ذلك، فإن
قوله: أحدهم، الأولى أحدها.
- 363 - (4/363)
صفحة 2422
البيت ومرسى
قال قائل: فلم فرقوا بين هذه المسألة ومسألة أصحاب المقاسم؟ قيل له: مسألة أصحاب المقاسم شركتهم في تلك المضرة واحدة، وإنما تفاوتوا في تلك المضرة بعينها ولم يختلفوا في الشيء الذي به تجب الشفعة، أعني أن يشتركوا في سببين، وأما مسألة أصحاب البيوت في الدار فقد اختلفوا، فمن اشترك معه في مرسى الدار أولى ممن اشترك مرسى الدار لا غير، كما أن الشريك في البيت أحق بالشفعة من أصحاب الدار، والشريك في الدار أحق بالشفعة من أصحاب السكة و الله أعلم. وفي الأثر: سئل الشيخ رضي الله عنه عن الدروب: هل فيها شفعة أم لا؟ قال: إن في ذلك اختلافاً بين الفقهاء، فمنهم من يقول: بأن فيه الشفعة، وقال بعضهم: ليس فيه شفعة، والدروب هي السكة التي فيها دور كثيرة وهي غير نافذة، فقلت: فعلى مذهب الذين يوجبون فيه الشفعة، فمن أولاهم بها؟ قال: هم فيها جميعاً سواء، وقد قيل: بأنه أحق بشفعتها أدناها باباً إليها، قلت: فالسكة تكون فيها دور، مصطفة، أو متقابلة، هل تكون فيها شفعة إن اشتركوا المرسى؟ قال: نعم، قلت: فما حد اشتراك المرسى؟ قال: إذا لم
قوله: فلم فرقوا، يعني حيث ذكروا قولين هناك،.، ولم يذكروا هنا إلا
قولاً واحداً، والله أعلم.
قوله: أن يشتركوا، في نسخة: يختلفوا.
قوله: السكة، والسكة الطريق، والسكة أوسع من الزقاق.
- 364 - (4/364)
صفحة 2423
يكن بين أبوابها أربعة عشر ذراعاً، فقد اشتركن المرسى إذا كانت متقابلة، أو سبعة أذرع إذا كانت مصطفة في سطر واحد، قلت: فالتي معها في
بعضهم
اشترك
السطر التي هي فيه، والتي تقابلها من السطر الثاني في ذلك سواء؟ قال: نعم، ومسألة الدروب مثل مسألة أصحاب المقاسم، لأن مع بعض ما لم يشترك البعض الآخر في تلك المضرة، وأصحاب الدار شركتهم مساوية والله أعلم. وفي الأثر: وإذا كانت أربعة بيوت أو خمسة متراكبة بعضها فوق بعض لأناس شتى، فباع رب البيت الفوقانية فالذي تحته أحق بشفعته ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، إلى السفلاني، وكذلك إذا باع السفلاني فالذي فوقه أحق بشفعته ثم الذي يليه ثم الذي يليه حتى يدرك الفوقاني، فإن باع الأوسط منهم فالذي تحته هو أحق بالشفعة ثم الذي يليه حتى يدرك السفلاني، ثم هي لمن فوقه بعد ذلك ثم الذي يليه ثم الذي يليه حتى يدرك الفوقاني، وهذا اذا لم يشتركوا طريقاً ولا مرسى، وإما إذا اشتركوا الطريق أو المرسى وكانت أبواباً مصطفة متقابلة في موضع واحد بعضها فوق بعض، فهم جميعاً في الشفعة، سواء من باع منهم كائناً ما كان والله أعلم. وفي القياس في هذه المسألة تقتضي غير هذا. وفي الأثر أيضاً: وإذا أخذت قناة أو ترعة من واد ومن شعب ثم
قوله: اشتركن، في نسخة: اشتركوا.
- 365 - (4/365)
صفحة 2424
قسمت على ثلاثة أقسام أو أربعة ثم قسم كل قسم منها بعد ذلك أيضاً على قسمين أو ثلاثة، فباع السفلاني منهم نصيبه، فالذي قسم معه من الأقسام السفلانية أحق بشفعته، ثم أصحاب الأقسام الذين يلونهم من فوقهم، ثم الذين يلونهم الخ، و إن باع صاحب القسم الأوسط فالذي قسم معه من الأقسام أحق، وإن تفرقوا بعد ذلك فهم جميعاً أحق بشفعته، ثم الذين يلونهم من فوقهم، ثم الذين يلونهم الخ، وإن باع صاحب القسم الفوقاني فهم جميعاً في شفعته سواء، سوى ما بيناه من الاختلاف في الأقسام إذا كانت مصطفة أربعة أو خمسة أو ستة، فباع القاصي منهم فالذي يليه أحق بشفعته منهم، ثم الذي يليه ثم الذي يليه إلى أقصاهم في الناحية الأخرى، فإن باع صاحب القسم الأوسط فالذي على يمينه والذي على يساره هما أحق بشفعته من الذين
کثر
قوله: على ثلاثة أقسام أو أربعة، إنما قيد بذلك لتصح فيه الشفعة، وأما
من ذلك فإنه لا شفعة بها كما تقدم في الطرق.
قوله: وإن تفرقوا،) إن (هذه وصلية لا جواب لها
قوله: أحق بشفعته، يعني إلى آخر هم بدليل ما بعده
قوله: مصطفة، وذلك بأن تكون في مكان مستو كجنان قسم بين جماعة
مشتركة في منفعة تدرك بها الشفعة
قوله: من الذين يلونهم، في نسخة ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.
- 366 - (4/366)
صفحة 2425
يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم الخ. ومنهم من يقول: أصحابت القسم جميعاً في الشفعة سواء، قريبهم وبعيدهم فيها سواء، والله أعلم.
و الذي يوجبه النظر عندي أن أصل اختلافهم في هذه المسائل من جهة اختلاف المضرات لاختلاف الأسباب، فمن تقوى عنده السبب عمل به
و من لم يتقو عنده جعله كغير شيء، والله أعلم.
فصل
وأما إذا كان المشفوع عليه ثلاثة أو أكثر وأراد الشفيع أن يشفع على أحدهم دون الآخرين، فله ذلك لأن حقه يأخذ منه ما أراد ولم يدخل في ذلك ضرراً على المشتركين لأن الشركة ثابتة بينهم والله أعلم. وإن اشترى رجل من رجل فدادين كثيرة في صفقة واحدة، فهم في مواضع شتى وللشفيع شفعة أحدهم دون سائرهم فله شفعة ذلك الفدان الذي له شفعته بقيمة العدول بحسب ما ينوبه من ذلك الثمن من بينهم، أصل ذلك إذا فرقه في البيع لا يدرك إلا شفعة ما له
قوله: وبعيدهم، أي بأن تجول بينهم بعض أقسام الأصل فهو أولى
وإن بعد.
قوله: ولم يدخل الخ، الظاهر أن الجملة حالية أراد بها إخراج ما إذا كان المشفوع عليه واحداً.
- 367 - (4/367)
صفحة 2426
شفعته، وكذلك إذا جمعهم، ومنهم من يقول: له شفعة الجميع في شفعة ذلك الذي له شفعته، لأن هذه صفقة واحدة، والقول الأول فيما يوجبه النظر أصح، ألا ترى لو أن مشركاً اشترى أرضاً من مشرك ومسلم في صفقة واحدة، فإن المسلمين لا يأخذون من المشرك إلا ما ينوب المسلم بشفاعة الإسلام، ولا يدركون عند المشرك ما ينوب المشرك ولو كانت صفقة واحدة، وهذه مثلها والله أعلم. وإن اشترى رجلان أرضاً من رجل ولها شفيع وأحد المشتريين هو والده، فله أخذ نصيب المشتري الذي هو ليس بوالده، ولا يدرك نصيب والده منه كما ذكرنا، وكذلك إن اشترى رجل من رجلين أرضاً ولها شفيع وأحد البائعين هو والده، فله أخذ نصيب البائع الذي هو ليس بوالده عند المشتري، واختلفوا في نصيب والده:، قال بعضهم: يدركه، وقال بعضهم: بأن لا يدركه عند
المشتري، لئلا ينقض فعل والده والله أعلم.
- 368 - (4/368)
صفحة 2427
باب متى يأخذ الشفيع الشفعة؟
ومتى تفوته ولا يأخذها؟
إختلف العلماء في ذلك، قال بعضهم: الشفعة واجبة للشفيع على: الفور بشرط العلم وإمكان الطلب، فإذا علم وأمكن الطلب ولم يطلب بطلت الشفعة، وفي الأثر: ويشفع عند عامه، وإن صلى ركعتين نافلة قبل أن يشفع بطلت، وعمدة أصحاب هذا القول، أن سكوته مع العلم قرينة تدل على رضاه بإسقاط حقه في الشفعة، وقد ورد في الشرع: السكوت يقوم مقام الرضا لقوله عليه السلام: (البكر تستأذن وإذنها سكوتها) (1)، وقال آخرون: وقت وجوبها متسع، وليس هو على
(1)
باب متى يأخذ الشفيع الشفعة؟
قوله: فإذا علم وأمكن الطلب الخ، وهذا هو مذهب أصحابنا المشارقة، إلا أنهم يوسعون له في الثمن ثلاثة أيام، وهذا هو اللائق بحال الناس.
(1) متفق عليه.
- 369 -
ه م 24 - الإيضاح» (4/369)
صفحة 2428
الفور، واختلفوا في هذا الوقت، هل هو محدود أم لا؟ قال بعضهم: محدود ومدته ثلاثة أيام بعدما علم، وفي الأثر وإذا ادعى المشتري أنه فرط بعد ما علم، فعليه اليمين أنه شفع عند عامه، وإن كان في بلد غير بلد المشتري، أشهد وسار من حينه، أو يوكل إن منعه عذر مرض أو نحوه، وأجله ثلاثة أيام أو مسافة بلده، ويدفع قيمة ما دفع المشتري، وقد ذكر أيضاً في الأثر عن ابن عباد هذا القول، يقول: له الخيار ثلاثة أيام بعد علامه، ويعضد هذا القول، قوله عليه السلام في حديث المصراة: (من اشترى شاة فهو بالخيار والنظر ثلاثة أيام) الحديث، وقال بعض: لا تبطل شفعة الشفيع إلى سنتين، وقال بعضهم: إلى ثلاث سنين، وقال بعضهم: لا يبطل الحق تقادمه ولا تفوته حتى يقطعها المشتري، فهؤلاء أن السكوت عندهم لا يبطل حق امرى و ما لم يظهر منه ما يدل على إسقاطه، ولا ينسب إلى ساكت قول قائل، والمأخوذ به
أن الغائب
قوله: ومدته ثلاثة أيام، هذا هو المعمول به في زماننا في الجزيرة. قوله: بعدما علم، أي بأمينين فإنه لا تنقطع حجته إلا بها كما تقدم. قوله: وإن كان في بلد غير بلد المشتري الخ، فيه أنه تقدم لا شفعة له ولو قدم من يومه ذلك قوله: أو مسافة بلده، يعني ولو كانت أكثر من ثلاثة أيام، وفيه أيضاً أنه لا شفعة لغائب، اللهم إلا أن يقال: هذا مبني على القول يجوازها للغائب
- 370 - (4/370)
صفحة 2429
عند أصحابنا: أن الوقت ثلاث سنين، وهو وقت الإشهاد عندهم في الأحكام، وما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وَسَتُنَبِّه على هذا إن شاء الله في بابه إذا صرنا إليه، والشفيع على شفعته عندهم في الثلاث سنين ما لم يقطعها عنه المشتري، أو يسلمها الشفيع عند المشتري، أو يعمل فيها الشفيع عملاً يقوم مقام رضاه بإسقاط حقه فيها، أما تسليم الشفيع شفعته، فإنه يكون على وجهين: أحدهما أن يسلمها للمشتري قبل الشراء، والثاني بعد الشراء، فإذا سلمها قبل الشراء أو أذن للمشتري أن يشتري الأرض التي له شفعتها، فاشتراها ثم أرادها بعد ذلك، فلا يدركها بعد ما أذن له بالشراء، لأنه قد سلم له حقاً يكون له. وقد روي عن جابر بن زيد رحمه الله أنه قال: (من ألزم شيئاً لنفسه ألزمناه له)، ومنهم من يقول: له أخذها ولو بعد ما أذن له بالشراء، لأن الشفعة لا تجب إلا بعد الشراء، وهو قد أذن فيا لا يملك، وكذلك المريض إن أذن له الورثة أن يوصي بأكثر من ثلث ماله ثم مات على هذا الاختلاف سواء، والله أعلم. وأما إذا سلمها الشفيع للمشتري بعد الشراء
•
قوله: أما تسليم الشفيع الخ، إنما لم يتعرض في النشر لقطع المشتري لتقدمه. قوله: على هذا الاختلاف، لم يبين رحمه الله، ما هو المأخوذ به من هذين القولين، إلا أن التقديم يشعر بالاختيار والله أعلم.
- 371 - (4/371)
صفحة 2430
فذلك أيضاً يكون على وجهين، أحدهما: أن يسلمها ثم يظهر خلاف ما سلمها للمشتري عليه، والثاني: أن يكون على ما سلمها عليه، أما الوجه الأول إذا ظهر خلاف ما أسلمها عليه فهو على شفعته لأن المشتري كتمه إياه وغشه، أصله حديث المصراة، وغير ذلك من العيوب إذا خرجت في البيع فالمشتري بالخيار، وفي الأثر: وإذا اشترى الرجل الدار فأظهر أكثر مما أخذها به فسلم ذلك الشفيع ثم علم أنه أخذها بدون ذلك، فإن ابن عبد العزيز كان يقول: هو على شفعته لأن ما سلم أكثر من الثمن، وقال الربيع: لا شفعة له لأنه قد سلم ورضي،، والمأخوذ به أنه على شفعته، وأما إن قال: اشتريتها بمائة دينار فسلمها إليه فإذا هو قد اشتراها بمائتين أو أقل أو أكثر مما هو أكثر من المائة فليس له أخذها بعد ذلك لأن المشتري إنما ضر نفسه بذلك الخلاف الذي أخبر به أول مرة، ونظير هذه المسألة رجل وكل رجلاً على شراء سلعة معلومة بعشرة دنانير فاشتراها له بأقل من ذلك. فليس له ودها لأنه جر إليه المنفعة في الخلاف الذي خالفه فيه، وأما إن اشتراها بأكثر من العشرة التي سماها له فله ردها إن شاء، وكذلك إن وكله على بيع سلعة بعشرة دنانير فباعها بأكثر من ذلك فليس لصاحب السلعة رد البيع حين باع له بأكثر مما سمي له، فإن باعها بأقل مما سمي له فله ردها إن شاء، وكذلك أيضاً إن
- 372 - (4/372)
صفحة 2431
وكله بتزويج امرأة معلومة بصداق معلوم فتزوجها بأقل من ذلك فليس له رد النكاح، وإن تزوجها بأكثر من ذلك فله رد النكاح إن شاء، وهذا إذا وكله بشراء سلعة معلومة أو بنكاح امرأة معلومة، وأما إن لم يسم امرأة معلومة ولا سلعة معروفة فله الرد إذا اشترى بأقل مما سمي له أو أكثر والله أعلم. وفي الأثر: وإذا اشترى رجل من رجل أرضاً ولها شفيع فأتاه فأخبره أنه اشتراها بمائة دينار حالة فسلمها له، فإذا هو قد اشتراها بمائة دينار إلى أجل، فله أخذها حين غره بالأجل ولم يخبره به ما لم يتم ذلك الأجل، فإذا حل الأجل فليس له أخذها، فإن قال قائل: فالنظر يوجب عندي غير ذلك، لأنه يمكن أن يكون إنما سلمها الشفيع للمشتري لتعذر الثمن عنده في ذلك الوقت، وهو الآن حاضر عنده، قيل له: يمكن هذا إذا كان تمام الأجل مع تمام أخذها، لأنه حين أخبره المشتري بالشراء، فلا عذر له في تأخيرها بعد الأجل طرفة عين، لأن الأجل وقت يمكنه فيه التهيؤ والأخذ، فإذا بلغ الأجل ولم يأخذ، بطلت، فلا عذر له، أصل ذلك الفرائض لا عذر له في تأخيرها حتى يخرج الوقت، لأنه يمكنه الفعل في أوله وفي وسطه وفي آخره، ولا عذر له بعد الوقت، وكذلك الشفعة على هذا الأجل هو وقت يجوز فيه
للشفيع
أخذها، فإذا خرج فلا يدركها بعد والله أعلم. وإن قال
:
- 373 - (4/373)
صفحة 2432
اشتريتها بمائة دينار إلى أجل معلوم، فسلمها له فإذا هو قد اشتراها بمائة حالة فليس له أخذها بعد التسليم الأول، لأن المشتري إنما ضر نفسه
بذلك الخلاف.
وكذلك أيضاً إن أخبره بخلاف ما اشترى به فسلمها له، فإنه يدركها حين غره المشتري فسلمها له، إلا إن كان الذي اشترى به قيمته أكثر من الذي غره به و أخبره به، لأن ذلك الخلاف نفع للشفيع، وإن قال: اشتريتها جميعاً فسلمها له فإذا هو اشترى بعضها، أو قال له: اشتريت بعضها فسلمها فإذا هو اشتراها جميعاً، أو قال: اشتريتها لغيري فسلمها له فإذا هو قد اشتراها لنفسه، أو قال: اشتريتها لنفسي، فإذا هو قد اشتراها لغيره، أو قال: اشتريتها وحدي فإذا هو قد اشتراها مع غيره، فإنه يدركها في هذه الوجوه كلها ولو بعد التسليم، لأن التسليم هاهنا إنما على غير الشراء والله أعلم.
وأما إذا قال: قد اشتريتها بمائة، فسلمها له فإذا هو قد وهبت له هبة الثواب، فله أخذها إذا كانت أقل من المائة التي أخبره أو مثلها، وإن كان
قوله: إذا كانت أقل، أي إذا كانت قيمة الثواب أقل
قوله: أو مثلها، في كونه يأخذها إذا كانت القيمة مثل المائة، تأمله، لأن شفعة
- 374 - (4/374)
صفحة 2433
قيمة الثواب أكثر من المائة التي أخبره بها، فليس له أخذها. وكذلك إن قال له: قد وهبت لى هبة الثواب، فسلمها له، فإذا قد اشتراها بمائة فله أخذها إذا كانت قيمة الثواب أكثر من المائة، وإن كان قيمة الثواب أقل من المائة فليس له أخذها والله أعلم.
فصل
و إن سلم الشفيع للمشتري الشفعة فقد فاتته ولا يدرك الرجوع بعد ذلك، وكذلك أيضاً إن أتى الشفيع إلى المشتري فسأله أن يبيع له الأرض التي له شفعتها أو يواليها له أو يهبها له، فأبى عليه المشتري، ثم أراد أن يأخذ شفعتها فلا يدركها بعد ذلك، لأن ذلك منه إقرار بإسقاط حقه في الشفعة. وكذلك إن طلب إلى المشتري أن يطعمه من ثمارها فإنه لا يدرك بعد ذلك، أطعمه المشتري أو لم يطعمه، وكذلك إن أشار الشفيع على
المائة قد سلمها والله أعلم.
قوله: وهبت لي هبة الثواب، يعني وسلم قيمته كما يشعر بذلك بقية، يعني فتارة يسمي أكثر المائة وتارة يسمي أقل. المائة والله أعلم. من قوله: قيمة الثواب، أي الذي سمي
كلامه،
فصل:
من
قوله: وإن سلم الشفيع الخ، ظاهره أنه لا فرق في التسليم بين أن يكون قبل الشراء أو بعده، فيدل على اختيار القول المصدر به فيما تقدم ـ والله أعلم -
- 375 - (4/375)
صفحة 2434
المشتري في تلك الأرض برأي، مثل إن قال: افعل فيها كذا وكذا من حرث أو حصاد أو غرس، أو ما أشبه ذلك، فهذا كله يقوم مقام التسليم في الشفعة لأنه إقرار منه بجواز فعل المشتري والله أعلم. وأما الاعمال التي تقوم مقام الرضى من الشفيع بإسقاط حقه مثل إن استأجره المشتري فعمل له فيها شيئاً بكراء أو بغير كراء من حرث أو حصاد أو ما أشبه ذلك من العمل، وكذلك إن استأجر الشفيع عبده للمشتري أو دابته في تلك الأرض بحرث أو حصاد أو بناء فلا يدرك الشفعة عنده بعد ذلك، وكذلك إن أسكن الشفيع في مساكن تلك الأرض بكراء أو بعارية من المشتري فإنه لا يدركها عليه بعد ذلك، وهذا كله يقوم مقام الرضى من الشفيع بإسقاط حقه من الشفعة، وأما إن غره المشتري فأطعمه ثمار تلك الأرض على غير علم من الشفيع، فلا تفوته بذلك تلك الشفعة لأن الرضا لا يكون مع الجهل والله أعلم. وكذلك إن أكل الشفيع من
من
قوله: مثل إن استأجره المشتري، أي بعد علمه بالشراء. قوله: بغير كراء أمل المراد بغير كراء يقبض، كتعليم قرآن أو صنعة أو نحو ذلك، وإلا فكيف يتأتى الاستئجار بغير كراء والله أعلم. قول: إن استأجر الشفيع، لعله إن أجر.
- 376 -
- (4/376)
صفحة 2435
ثمار تلك الأرض على باب الادعاء منه بأخذ الشفعة فلا يبطل ذلك شفعته لأن ذلك منه ليس برضى لإسقاط حقه والله أعلم. وكذلك أيضاً إن اشترى ثلاثة نفر أرضاً من رجل واحد في صفقة و احدة وأحدهم شفيع لتلك الأرض لو أنها اشتراها غيرهم فلا يدرك هذا الشفيع أخذ أنصبائهم بالشفعة حين اشتراها معهم لأن ذلك منه يقوم مقام الرضى باسقاط حقه في الشفعة في تلك الأرض، وكذلك إن باع ثلاثة نفر أرضاً، واحد منهم شفيعها، لو أنه باعها غيرهم فلا يدرك عند المشتري أخذ أنصباء شركائه حين باع معهم في صفقة واحدة، لأن تلك الصفقة لا تصح إلا برضائه، فإذا صحت برضاه فلا شفعة له بعد الرضا بالشراء والله أعلم.
وإذا ترك الشفيع شفعته ولم يطلبها حتى باع أرضه التي تجب فيها الشفعة، أو وهبها أو أصدقها، فلا يدركها بعد ذلك، لأن المقصود بالشفعة إزالة الضرر من جهة الشركة، وهذا ليس بشريك، ومنهم من يقول: يدركها وليس في بيعه وهبته ما يبطل شفعته، لأن بيع الأرض غير الشفعة و الله أعلم
قوله: لو أنه باعها غيرهم المناسب أيضاً أن يقول: لو أنه لم يبع معهم، أو لو أنه باعها غيره: أي باع نصيبه، والله أعلم. قوله: وإذا ترك الشفيع الخ، يعني بعد العلم بالشراء كما هو المتبادر من الترك، وأما إذا باع أرضه من غير علم بالشفعة فالظاهر أنه لا تفوته قولاً واحداً، لأنه معذور، والله أعلم.
- TYY - (4/377)
صفحة 2436
وإذا كان لرجل فدان و له شفيع، فباع منه الربع ثم باع الربع الثاني ثم الثالث ثم الرابع، فللشفيع الربع الأول، ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع، وإن قصد أول مرة إلى الربع الثاني فأخذه بالشفعة فله أخذه،، ثم الثالث ثم الرابع، ويفوته الربع الأول، ويكون قصده إلى الربع الثاني مثل التسليم للربع الأول، وكذلك إن قصد إلى الثالث وإلى الرابع، فكل ما قصد إليه بالشفعة فله أخذه وما بعده، ويفوته ما قبله من الأرباع ويكون له ذلك تسليماً منه حين تركه لغيره.
فإن قال قائل: فكيف يفوته ما قبله من الأرباع ولا يفوته ما بعده؟ قيل له: ما بعده مرتب في أخذ الشفعة كما كان مرتباً في الشراء فلا يفوته، وما قبله كأنه قد تركه حين قصد إلى ما بعده والله أعلم
•
ومنهم من يقول: له أخذهم جميعاً، وله أن يبدأ بالأخذ من أيهم شاء،
قوله: فله أخذه، ثم الثالث الخ، الظاهر أنه إنما أدرك شفعة الثاني والثالث
لأن
والرابع، مع أن تسليمه للأول يصير به المشتري شفيعاً، والشفيع لا يشفع الشفعة سابقة على التسليم، وما عرف التسليم الأول إلا بقصده إلى الثاني، والله أعلم. وكذلك لو صرح له في التسليم بالربع الأول قبل الشفعة لبقية الأرباع، إذا كان البيع فيها سابقاً على التسليم لأن سبب الشفعة، وهو البيع، سابق على التسليم، فيترك ما شاء ويشفع ما شاء، والله أعلم قوله: ومنهم من يقول له أخذهم لعله أخذها، وهذا القول هو الظاهر
- 378 - (4/378)
صفحة 2437
وليس في قصده إلى ربع من الأرباع ما يبطل ما قبله من الأرباع، وليس في ذلك ما يدل على رضاه بإسقاط حقه في الشفعة، والله أعلم. وأما إن باع البائع الربع لرجل من تلك الأرض ثم الثاني لرجل آخر غير الأول ثم الربع الثالث لآخر ثم الربع الرابع لآخر فللشفيع أن يأخذهم كيف شاء، ويبدأ من أيهم، شاء، لأنه له الأخذ ما لم يقطعها عليه المشتري أو يتركها والله أعلم.
وكذلك أيضاً إن اشترك أربعة نفر أرضاً فباع أحدهم لرجل ربعه، ثم اشترى من الثاني ربعه منها، ثم من الثالث ثم من الرابع، فللشفيع أخذ تلك الأرباع كيف شاء، ويبدأ بأيهم شاء على ما قدمنا والله أعلم. وكذلك أيضاً إن اشترى رجل من رجل أرضاً ثم استحق نصفها رجل آخر بعد الشراء، فإنه لا يدرك النصف الآخر بالشفعة لأنه لم تثبت
قياساً على ما إذا تعدد المشتري، والله أعلم
قوله: ثم اشترى، أي ذلك الرجل.
•
قوله: فللشفيع، أي بأن يكون شريكاً في المنافع لأن الأرض هنا ليس له فيها شيء والله أعلم
قوله: فإنه لا يدرك النصف الآخر الخ، هذا الكلام يدل على أن المختار في الاستحقاق صحة البيع فيما لم يستحق، وهذا إذا كان المشتري غير عالم
- 379 - (4/379)
صفحة 2438
له الشركة إلا بعد الاستحقاق وهو بعد الشراء، وهذا في الحكم و أما فيما بينه وبين الله فإنه يدركه بالشفعة لتقدم الشركة قبل البيع
والله أعلم.
وفي الأثر: وما حدث بين الفدادين والأندر وغيرهم من المعاني التي تجب بها الشفعة نحو الطريق والمرسى و المساقي فلا تجب بجميع ذكرنا بحدوثه بعد البيع، وكذلك إذا كانت تلك الوجوه قبل البيع ثابتة ثم زالت بعده فلا يبطلها ذلك بزوالها بعد البيع والله أعلم.
،:
بالشريك، وأما إذا كان عالماً به فاشترى الجميع، فإن البيع يكون فاسداً لاشتمال العقدة قصداً على ما يجوز وما لا يجوز، وانظر هل يلزم المشتري اليمين إذا ادعى عليه العلم بالشريك قبل البيع فأنكر ذلك، أو لا؟ والظاهر الأول لعموم قوله الا ال البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر) (1) لأن
هذا الشيء يمكن أن يعلمه، والله أعلم.
(1) تقدم ذكره.
- 380 - (4/380)
صفحة 2439
باب في أحكام الشفعة
و في الأثر: وإذا مات المشتري فلا يدرك الشفيع الشفعة بعد موته عند ورثته إلا إن أحياها في حياة المشتري، وإن مات الشفيع قبل أن يأخذ شفعته من المشتري فلورثته أخذها بعد موته، أحياها الشفيع في حياته أو لم يحيها، لأن الشفعة تورث و تباع و توهب في قول الشيخ أبي الربيع رضي الله عنه، وقال أبو محمد وافي بن عمار: إذا مات الشفيع قبل أن يأخذ شفعته، فلا يدركها ورثته عند المشتري من بعده إلا إن أحياها مورثهم في حياته عند المشتري، فعلى قول أبي محمد وافي بن عمار، أن الشفيع لما كان مخيراً بين أخذ الشفعة وبين تركها، وهو على أخذها ما لم
باب في أحكام الشفعة
قوله: فلا يدرك الشفيع الخ، هذا ظاهر إذا كان الشفيع عالماً بالشراء، وأما إذا لم يعلم إلا بعد الموت فالظاهر أنه يدركها قياساً على ما إذا لم يعلم بالبيع إلا بعد بيع ثالث أو أكثر، والله أعلم.
- TAI- (4/381)
صفحة 2440
يدل الدليل على تركها، فإذا مات فهو أدل دليل على تركه لها، لأن الشفعة عنده لا تورث، لأنها حق في مال غير متملكة، إلا إن أحياها في حياته وأشهد أنه على شفعته، فإذا مات ولم يأخذها، فورثته بمقامه، وعلى قول الشيخ أبي الربيع، أن ورثة الشفيع بمقامه، لأن الشفعة عنده تورث وتباع وتوهب كسائر الأموال، فإن قال قائل: فأين موضع الشفعة بين الحقوق والأموال، فإن الأموال موروثة بالإجماع لأنها متملكة، والشفعة ما لم يأخذها الشفيع، فهي غير داخلة في ملكه، وإنما له الحق، فما لم يأخذه فهو غير متملك؟
قيل له: لما كانت الشفعة متعلقة بالمال، والمال موروث بالإجماع، كان الحق المتعلق بالمال مثله عند صاحب هذا القول، كالخيار بين البائع والمشتري في الشيء المبيع، فمن مات منها فورثته بمقامه من بعده، اشترط الخيار البائع أو المشتري، لأنه حق متعلق بالمال، غير أن الخيار وجود الأجل فيه يدل على بقاء الحق إلى الأجل، ولو مات أحد المتبايعين فكان ذلك كالشرط بينهما بخلاف حق الشفعة، وهو الذي يوجبه النظر
والله أعلم.
قوله: وهو الذي يوجبه النظر في نسخة: وهذا الذي الخ، يعني ان قول أبي الربيع هو المختار
382 - (4/382)
صفحة 2441
وأما إن مات المشتري قبل أن يأخذ الشفيع الشفعة، فلا يدركها
الشفيع عند ورثته بعد موته، إلا إن أحياها في حياته، لأن الميراث أقوى من الشفعة، فما أكله الرجل في حياته فهو لورثته بالميراث من بعده، إلا إن دل الدليل على إخراجه من الميراث، ولذلك قالوا: لا يدرك الشفيع الشفعة بعد موت المشتري إلا بالحياة، والله أعلم. وأما رد المبيع إذا مات المشتري قبل أن يرده على البائع بالعيب، فلا يدرك ورثته بعده رده على البائع، إلا إن أحيا ذلك مورثهم في حياته، لأن المشتري مخير بين أن يرد الشيء المعيب بالعيب، أو يرضى به، فله الرد ما لم يدل الدليل على رضاه قبل موته، فمن الدليل على رضاه، موته، إلا إن أحيا ذلك في حياته، لأنه انتقل بعد موته بالميراث، وهو وجه من وجوه الإملاك، كما أنه لو باعه في حياته لا يدرك رده، غير أن
قوله: وأما إن مات المشتري الخ، إنما أعاده مع كونه معلوماً مما تقدم ليذكر عليه
•
قوله: لأن المشتري بخير الخ، هذا ظاهر إذا كان عالماً بالغيب قبل الموت، وأما إذا كان غير عالم فالظاهر أن الورثة يدركون الرد كما يرشد إليه قوله:) بخير) لأنه لا تخيير مع الجهل، والله أعلم فليحرر.
قوله: لا يدرك رده، يعني إذا باعه بعد العلم بالغيب، وأما إذا لم يعلم ورد عليه بذلك العيب فإنه يرده إن شاء كما تقدم في البيوع.
- 383 - (4/383)
صفحة 2442
البيع لا يكون إلا برضاء، والميراث يكون بغير رضا، ولم يبق إلا أنه انتقل من ملك، والله أعلم.
وكذلك إن مات البائع قبل أن يرده المشتري عليه بالعيب، فلا يدرك على ورثته من بعده رده، إلا إن أحيا ذلك في حياة مورثهم، لأن هذا الحق لم يتعلق بترك مورثهم فيلزمهم، ولا يلزم الورثة من الحقوق
إلا ما تعلق بمال مورثهم بعد موته.
فإن قال قائل: فهلا كان الرد بالعيب بمنزلة الدين، لأنه متعلق بالمال كالدين؟ قيل له: الرد بالعيب لو ترك المشتري حقه فيه لكان جائزاً، أرضي البائع أو لم يرض، والدين لا يكون ذلك إلا برضاء المدين، فهذا فرق بين الحقوق والأموال فاعرفه، فإنه يكشف لك عن كثير من المسائل، والله أعلم. وكذلك أيضاً ما أحدث الرجل من المضرات فمات، فلا يدرك نزعها على ورثته إلا بالحياة، وكذلك إن وهب ذلك الشيء الذي حدث فيه المضرة، أو باعه أو أصدقه، فلا يدرك
قوله: فيلزمهم، هو بالنصب في جواب النفي.
قوله: فلا يدرك نزعها، لعل هذا إذا كان عالماً لما تقدم من أن الرضا لا يكون
مع الجهل
- TAL- (4/384)
صفحة 2443
النزوع في ذلك على من انتقل الملك إليه إلا بالحياة، وكذلك إذا مات الذي حدثت عليه المضرة فلا يدرك نزوعها ورثته بعد إلا بالحياة، وكذلك إذا باع أو وهب أو أصدق فلا يدرك نزوع من انتقل إليه إلا بالحياة، وكذلك ما لزم الرجل من الأموال من وجوه التعديات فلا يدرك على ورثة المطلوب إلا بالحياة، ولا يدركه ورثة الطالب إلا بالحياة، وأصل هذا فيما يوجبه النظر في هذه المسائل أن الحقوق بخلاف الأموال، والحقوق صاحبها مخير بين أخذها وتركها، أعني تجويز الفعل، فإذا جوزه جاز ولو لم يرض المطلوب قد صدر ذلك منه برضاه، وإنما تعلق الجواز إلى الطالب، والله أعلم.
والأموال لا تترك عن المطلوب بها إلا بعقد يوجب إخراج ملك من مالك إلى من انتقل إليه، وأما إذا مات الطالب في الحقوق كان موته بمنزلة الرضا بترك ذلك، إلا إن أحياه في حياته، وإن مات المطلوب بطل الحق على الورثة إلا بالحياة لأنه لا خيار له عند الورثة، إذ لا فعل لهم في ذلك، وعلى مذهب الذين يقولون: إن الشفعة تورث وتباع وتوهب إذا باع الشفيع شفعته لرجلين باع لأحدهما ثلثين وللآخر الثلث أو وهب لأحدها الثلثين وللآخر الثلث أو ورث أحدهما الثلثين وللآخر الثلث فهي بينهما على حساب ما ورثوا، وما اشتروا أو وهب لهم لصاحب
- 385 -
ه م 25 - الإيضاح» (4/385)
صفحة 2444
الثلثين، الثلثان ولصاحب الثلث ثلثها، ولا يكون بينها على الرؤوس
مثل الشفيعين.
ويكون
وكذلك إن سلمها أحدهما له فلا يدرك الباقي إلا سهمه، للمشتري ما سلم له الأول من سهمه، ولا يكون ذلك مثل الشفيعين إذا سلم أحدهما للمشتري، أدركها الآخر جميعاً، لأن الشفيعين الشفعة بينهما على الرؤوس، والمشتريان للشفعة والموهوبان لها والوارثان لها هي بينهما على حسب ما اشتروا أو وهبوا أو ورثوا، والله أعلم. وكذلك أيضاً، إن اشترى رجل من رجل أرضاً ولها شفيعان أو ثلاثة، فمات أحدهم فورثه ثلاثة، فهي لهم كلها، وإن سبق إليها واحد من
ورثة الميت فلا يدرك فيها إلا ثلثها أو ما ينوب به من الميراث. وإن سبق إليها واحد من الشفيعين الحيين، فليأخذها كلها، لأن الشفعة لمن سبق إليها من الشفعاء، وإن سبق إليها ورثة الميت وواحد من الشفيعين الحيين، فللحي نصفها وللورثة النصف الآخر على قدر ميراثهم، أنهم في مقام أبيهم إذا اجتمعوا، وإن سبق إليها واحد من الحيين وواحد من ورثة الميت، ففي الأثر: وإن باع رجل لرجل أرضاً ولها
قوله: والموهوبان لها، كذا فيما رأيناه من النسخ، والصواب: والموهوب
بهما هي
- 386 - (4/386)
صفحة 2445
شفيعان فمات أحدهما وترك ثلاثة بنين، فسبق إلى شفعته واحد من ورثة الميت والشفيع الأول فأخذاها، فللشفيع الأول منها ثلاثة أرباع وللوارث ربعها، وذلك لأن الشفيع ينزل فيها بالكل من حيث له أخذها بالكل، والوارث ينزل بالثلث، وهو الذي له بالميراث، فاقتسموها بالحصص، فصار لصاحب الكل ثلاثة أرباعها ولصاحب الثلث ربعها
والله أعلم.
وكذلك أيضاً إن باع أو وهب أحد الشفيعين لثلاثة أو أربعة على
معنى مسألة ميراث الشفعة، والله أعلم.
وفي الأثر: وإذا اشترى رجل من رجل أرضاً وشفعتها لثلاثة، فماتوا جميعاً كلهم من قبل أن يأخذوا الشفعة، وترك كل واحد منهم وارثاً واحداً، فهي بينهم على الرؤوس جميعاً إذا جاءوها، وإن تسابقوا إليها، فهي لمن سبق إليها منهم، وقيل: إذا تسابقوا فليس لمن سبق إليها منهم إلا الثلث، وللباقين ثلث الثلث، والله أعلم.
وفي الأثر: وإذا اشترى رجل من رجل أرضا ولها شفيع ثم
قوله: أخذها بالكل، المناسب أخذها كلها.
قوله: لصاحب الكل ثلاثة الخ، وذلك لأنه بمنزلة مال وثلث، فلو سبق إليها وارثان وأحد الحيين لكان للحي ثلاثة أخماس، وذلك بمنزلة مال وثلثي مال.
= PAY = (4/387)
صفحة 2446
تزوج الشفيع امرأة، فأصدقها نصف ماله في الأصل، ثم أخذ شفعته بعد ذلك، فلا تدخل المرأة بصداقها، علمت أو لم تعلم، وكذلك إن أخذها وسلمها للمشتري، فليس لها عليه عوض مثلها، وإن تزوج المشتري بعد الشراء المرأة وأصدقها نصف ماله في الأصل ثم أخذ شفعته بعد ذلك، فللمرأة على المشتري عوض مثلها، إن لم تعلم بذلك، وإن علمت فليس لها عوض، إلا إن لم يكن لها صداق غير تلك الأرض فلها عليه عوض، ومنهم من يقول: بأن ترجع إلى صداق مثلها من النساء، وأما إن تركها الشفيع ولم يأخذها بشفعته فهي داخلة، علمت أو جهلت، وإن أخذ بعضاً وترك بعضاً فهي داخلة بصداقها فيا ترك، ولها العوض فيما أخذ مع الجهل دون العلم، وذلك لأن الشيء الذي تجب فيه الشفعة دخل في ملك المشتري دخولاً وقوفاً إلى أخذ الشفيع الشفعة أو تركها، ولذلك قالوا: إن زوجة المشتري تدخل فيه بصداقها مع الجهل دون العلم، لأن جهلها بذلك غرر لها بما أصدقها، ولا تكلف علم الشفيع، وإن ترك الشفيع شفعته دخلت فيه، علمت أو جهلت، لأن ذلك داخل في ملك المشتري بالبيع لا بترك الشفيع شفعته من حيث لم يحتج إلى عقد ثان، وأما زوجة الشفيع
فلا تدخل فيه، لأنه ما لم يأخذه فليس بداخل في ملكه.
- PAA- (4/388)
صفحة 2447
فإن قال قائل: فإذاً يلزم الشفيع عند أخذ الشفعة عقد ثان حين جعلت أخذه للشفعة دخول ملك؟ قيل له: أخذه للشفعة دخول في ملكه بفعل متقدم عليه، فعلى هذا المعنى، إن حنث الشفيع والمشتري بأموالهما للمساكين، فعلى المشتري أن يعطي عشر تلك الأرض من غيرها، وليس للشفيع فيها عشر إذا لم يردها بالشفعة إلا بعد الحنث، وكذلك إن جعلها المشتري للأجر قبل أن يأخذ الشفيع الشفعة، فهي ماضية إذا تركها الشفيع، وإن أخذها فليجعل المشتري ثمنها في مثل ذلك، أفعال المشتري فيها من البيع والهبة والصداق والكراء والرهن، ماضية إذا تركها الشفيع، وإن أخذها بطل جميع ما فعل فيها مما ذكرنا، فإن قال قائل: فلم لزم المشتري أن يجعل ثمنها للأجر، إذا: جعلها للأجر قبل أن يأخذ الشفيع شفعته، ثم أخذها الشفيع بالشفعة ويعطي عُشرها للمساكين من غيرها، إذا حنث فيها وأخذها الشفيع بالشفعة، فهلا كان فعله فيها إذا أخذها الشفيع بالشفعة باطلاً، كالبيع
وكذلك
والهبة؟
جميع
قوله: وكذلك جميع أفعال المشتري، في نسخة: فكذلك فعل المشتري.
قوله: من البيع، في نسخة: مثل البيع
قوله: باطلا، أي بحيث لا يلزمه شيء وإلا فالفعل باطل إذا أخذها الشفيع. قوله: والهبة، ظاهره ولو كانت كله إذا كانت المعين
-419
- (4/389)
صفحة 2448
قيل: إنما لزم المشتري ذلك ولو بعد أخذها الشفيع بالشفعة من حيث كان ذلك طاعة، والطاعة من لزم لنفسه شيئاً منها لزمه،
والله أعلم.
وإن اشترى رجل أرضاً بعشرة دنانير، ثم باعها لآخر بعشرين ديناراً، وباعها الثاني للثالث بثلاثين ديناراً، فأراد الشفيع أخذ شفعته فله أخذها من أيهم شاء، من الأول أو الثاني أو الثالث بالثمن الذي اشتراه به دون غيره، ولو كانت الأثمان مختلفة، وإن أخذها من الأول بالعشرة الدنانير التي اشتراها به، بطل بيعه الثاني بعشرين ديناراً، ويرد عليه ما أخذ منه، وكذلك الثاني على الثالث، وإن أخذها من الثاني بالعشرين التي اشتراها بها من الأول، كان أخذه من الثاني تجويزاً منه لبيع الأول إياها بعشرة، وإبطالاً لحقه فيها عند الأول، وأبطل فعل الثاني للثالث من البيع، وكذلك إن أخذها من الثالث، جاز بيع الأول والثاني والله أعلم.
وإن كان في أحدهم أبو الشفيع أو شفيع مثله أو من قطعها عنه، بما
قوله: من حيث كان ذلك طاعة الخ، التعليل بهذا يقتضي أنه إذا قصد الله، بهيته وجه، ثم أخذها الشفيع:، أنه يلزم الواهب ما لزم في الأجر، بل ربما يقال: إنها داخلة في الأجر والله أعلم، ثم رأيت في كتاب أبي زكريا ما يقتضي
- ra. - (4/390)
صفحة 2449
ذكرنا من الوجوه التي يقطع المشتري بها شفعة الشفيع، فإن الشفيع لا يدركها، لأن ذلك كله مما تفوته بها ولا يدركها عند من هو مثله في
أخذها، أصل ذلك لو اشتراها قبله لا يدركها عنده، والله أعلم. وإن اشتراها الأول، ثم وهبها للثاني ثم باعها الثاني للثالث، فله أخذها من الأول أو الثالث دون الموهوب له، وإن أخذها من الأول بطل عمله في الهبة فيها، وإن أخذها من الثالث فله أخذها، وكذلك إن كان الموهوب له هو آخر هم، فله أخذها عند الأولين، فلا يدركها عند الموهوب له كما ذكرنا والله أعلم.
وفي الأثر: وإذا اشترى رجل نصف دار أوفدان أو بستان واشترط المشتري الخيار إلى أجل معلوم، ثم باع النصف الباقي من ذلك لرجل آخر غير الأول بيعاً قاطعاً من غير خيار قبل تمام مدة الخيار الأول، ثم رضي البيع الأول الذي اشترط منها الخيار بعد تمام أجله، فقال بعضهم: إن المشتري للنصف الأول بالخيار منهما له أخذ الشفعة عن
شمول هذه الصورة حيث قال: ثم جعلها المشتري للأجر أو لوجه الله، فعلى هذا تحمل الهبة على ما كان للثواب لأنها بمنزلة البيع والله أعلم.
قوله: ولا يدركها عند من هو مثله، عبارة أبي زكرياء رحمه الله: عنده ولا عند من كان قبله، وهي أصرح من عبارة المصنف وأعم والله أعلم.
قوله: فقال بعضهم الخ، لو قيل: لا يدركها الأول لعدم إبرام العقد، ولا
-791 - (4/391)
صفحة 2450
الذي اشترى النصف الآخر لأنه سبقه بالشراء، وقال بعضهم: إنما الشفعة لصاحب النصف الآخر على صاحب النصف الأول، لأن شراءه لم
يصح إلا بعد تمام الأجل فلا يضر شراءها الأول بالخيار والله أعلم. وإن وجد المشتري في الأرض التي اشتراها عيباً كان فيها قبل ذلك الشراء فقال له الشفيع: أنا آخذها بالشفعة، ورضي ما فيها من العيب، فله ذلك، فلا يردها المشتري بالعيب بعدما رضي الشفيع أن يأخذها بعيبها لأن الشراء له، وإن لم يعلم الشفيع بالعيب حتى ردها المشتري على البائع فله أخذها ولا يضره رد المشتري إياها بالعيب، لأن الشراء له، ويطلبها عند المشتري لأن رد العيب ليس ببيع، وإما إن أقال المشتري فيها البائع فللشفيع أخذها بالشفعة ويدركها عند أيهما شاء لأن الإقالة بيع من البيوع:، وكذلك التولية والقضاء في الحقوق ويطلبها عند أيهما شاء، وإن فعل المشتري فيها غير البيع فيطلبها عند المشتري دون الآخر الذي فعل معه المشتري ما لا تدرك فيه الشفعة، وإن أخذها الشفيع بالشفعة ثم اطلع فيها على عيب كان فيها قبل الشراء فإنه يردها على المشتري دون
يدركها الثاني لتقدم العقد لكان وجها وجيها عملاً بالعلتين والله أعلم. قوله: ويطلبها عند المشتري الخ، يعني والله أعلم، ويلزم البائع بدفع ذلك للمشتري لأن هذا الرد ليس بشيء لأن أصل الصفقة في الحقيقة للشفيع، والله أعلم.
- 392 - (4/392)
صفحة 2451
البائع لأنه هو الذي أخذ المال.
وفي الأثر: وإذا أخذ الرجل الدار بالشفعة من المشتري فنقده الثمن، فإن ابن عبد العزيز يقول: العهدة على المشتري للذي أخذ المال،
وقال ابن عباد: العهدة على البائع لأن الصفقة وقعت يوم اشترى المشتري للشفيع، والله أعلم.
و في الأثر: وإذا اشترى رجل من رجل أرضاً ولها شفيع، ثم عمل المشتري فيها عملاً كثيراً من بناء أو حرث أو حفر أنهاراً وأجباباً أو آباراً ومغارات أو عنى فيها عناء كثيراً، ثم أخذ الشفيع شفعته بعد ذلك فلا يدرك عليه المشتري أجر ما عنى من عمل في قول الشيخ رضي
الله عنه
وقال أبو محمد وافي بن عمار: له أجر عناه لأنه ليس بمتعد، وعلى قول الشيخ: أنه لا يدرك على الشفيع العناء، كما لا يدرك عليه الشفيع الغلة،، وهذا في غلة حدثت بعد الشراء وأدركت قبل أن يأخذ الشفيع الشفعة، وبالجملة: كل غلة لم تدرك عند أخذ الشفيع الشفعة فهي للشفيع لأنها تبع للأرض، وكل غلة أدركت عند أخذ الشفيع
قوله: أجر ما عنى من عمل، أي لأنه في الحقيقة قد تعمد إتلاف ماله لأن
أصل الصفقة في الحقيقة للشفيع
-29 - (4/393)
صفحة 2452
الشفعة فهي للشفيع لأنها تبع للأرض، وكل غلة أدركت عند أخذ الشفيع الشفعة فهي للمشتري بقيمتها يوم الشراء، وإن لم تحضر للبيع فهي للمشتري بلا قيمة لأنه غلة، والخراج بالضمان. وكذلك إن أخذ بتلك الارض شفعة قبل أن يأخذها الشفيع بالشفعة فإنه يمسكها كما يمسك الغلة، ولو أخذ الشفيع تلك الارض التي بها أخذ الشفعة، و الله أعلم. وإن تغيرت أرض الشفعة في يد المشتري قبل أن يأخذ الشفيع
شفعته فإنه لا يخلو أن يكون تغيير نقصان أو تغيير زيادة، فإذا كان تغيير نقصان فلا يخلو أن يكون التغيير من قبل الناس أو من قبل الله، فإن كان من قبل الناس مثل إن أفسد فيها أحد شيئاً من أشجارها أو بنيانها أو ما أشبه ذلك ثم أخذ الشفيع الشفعة فإنما على الرجل أن يعطي قيمة ما أفسد للشفيع دون المشتري لأن الشفعة له، وإن جعله المشتري في حل من ذلك قبل أن يأخذ الشفيع شفعته فقد أجزأه ذلك، ويكون على المشتري قيمة ذلك، يحطه على الشفيع من الثمن، وكذلك ما أفسد فيها المشتري بنفسه فعليه أن يحط قيمة ذلك على الشفيع من الثمن، وإن كان النقصان من قبل الله مثل ان حمل السيل شيئاً من أشجارها أو بنيانها أو جسورها ثم أراد الشفيع الشفعة فعليه أن يعطي للمشتري جميع الثمن
قوله: يوم الشراء، أي حضرت الصفقة.
-598 - (4/394)
صفحة 2453
ولا يحط عنه شيئاً من قيمة ما أفسد الريح أو السيل أو الظلمة، لأن المشتري ليس عليه من ذلك ضمان، إنشاء الشفيع أن يأخذ بالثمن الأول وإن شاء ترك، والله أعلم.
وإن كان التغيير من قبل الزيادة فإنها لا تخلو أن تكون تلك الزيادة من تلك الارض أو من خارج، فإن كانت من الارض فهي للشفيع، وإن كانت من خارج فقد ذكر في الأثر: وإذا اشترى رجل من رجل أرضاً ولها شفيع ثم غرس فيها غروساً أو بنى فيها بناء فهو للشفيع إذا كان النقض والفسائل من تلك الأرض بعينه، ولا يدرك أيضاً عناه للمشتري، والذي أدخله فيها من غيرها من النقض والفسائل فليخرجه منها إذا أخذ الشفيع شفعته، إلا إن اتفقا عليه وتركه بقيمته، وأما ما غرس فيها من الغصون والعيدان فهو للشفيع، كان أصله من تلك الارض أو من غيرها، إلا أن على الشفيع قيمة الغصون إذا كانت من غير تلك الأرض، والذي أخرجه من النقض والفسائل من تلك الأرض فغرسه في أرضه فعليه رده إلى موضعه وعليه حفظه حتى يستغني، وما هلك فيه قبل أن يستغني فعلى المشتري قيمة ذلك، والله أعلم.
فهذا يدل من قولهم أن النقض والفسائل باقية على ملك من هي له،
13901 (4/395)
صفحة 2454
لأنها معينة، والغصون تابعة للأرض لأنها مستهلكة وليست بمعينة، وكذلك أيضاً ما أحدثه المشتري من الزرع في تلك الأرض ثم أخذ الشفيع شفعته قبل إدراكه فهو له، ويعطي للمشتري بذره الذي حرث في الأرض، وقد قيل: إنه للمشتري بغير قيمة، وهو المأخوذ به، وإنما سهلوا
في الزرع لأن الشرع ورد فيه بالتسهيل في مثل هذا، و الله أعلم. وإن أخذ الشفيع الشفعة بعد إدراكه، فهو للمشتري بغير قيمة، لأنها غلة الأرض، والغلة بالضمان. وأما ماكان في الأرض من الزرع يوم الشراء فهو للشفيع إلا إن أدرك قبل أن يأخذ الشفيع شفعته، فهو للمشتري
بقيمته يوم الشراء، والله أعلم.
قوله: بالشفعة، يتعلق بقوله: ولو أخذ
قوله: وليست بمعينة، كأن المراد بعدم التعين عدم اختصاصها باسم الشجرة مثلا، وغير مقصود إليها بنفسها، كما تشهد بذلك العادة، والله أعلم.
-797 - (4/396)
صفحة 2455
باب في دعاوى الشفيع والمشتري واختلافهما
وإذا اختلف البائع والمشتري على الثمن، فقال البائع: بعت لك بمائة، وقال المشتري: لا بل بعت لي بخمسين، فاختصما على ذلك فأتى على المشتري ببينة ما يدعيه، ثم أراد الشفيع أخذ الشفعة، فإنما عليه المائة التي أخذها البائع من المشتري بشهادة العدول، ولا يؤخذ بقوله للبائع: بعت لي بخمسين، لأن العدول أولى من قوله.
وقد ذكر في بعض الكتب غير ذلك: أن يؤخذ بإقراره إنما المشتري بخمسين، والله أعلم.
وإن اختلف الشفيع والمشتري في مقدار الثمن فعلى المشتري البينة لأن عليه بيان ذلك، ويجزيه الخبر، لأن ذلك منه بيان شيء ثابت باتفاقها، ولكن اختلافهما في المقدار وإن لم تكن البينة للمشتري فعليه اليمين
باب في دعاوي الشفيع والمشتري واختلافهما
قوله: فعليه اليمين، وذلك لأن اليمين أقوى المتداعيين، ولا شك أن المشتري أقوى المباشرته الفعل.
- 397 - (4/397)
صفحة 2456
أيضاً لأنه هو الذي باشر الفعل، فإذا حلف فإن شاء الشفيع أخذ وإنشاء ترك، وإن أبى أن يحلف فليأخذه الشفيع بما أقر به دون ما ادعاه المشتري. وكذلك إن اختلفا في جنس الثمن مثل إن قال المشتري: اشتريت بالدنانير، وقال الشفيع: لا بل اشتريت بالدراهم أو بالعروض أو ما أشبه ذلك مما هو غير الدنانير، فالبينة أيضاً على المشتري على ما يدعيه، وإن لم تكن له بينة فعليه اليمين أيضاً كما ذكرنا، فإذا حلف فإن شاء الشفيع أخذ شفعته، وإن شاء ترك، وإن اختصما على الشفعة فادعى الشفيع أنه اشترى وأنكر المشتري الشراء فعلى الشفيع البينة ولا يجزيه في ذلك إلا الشهادة بعد إنكار المشتري لأنه انتقال ملك، ويجزيه الخبر قبل الإنكار، وإن لم تكن للشفيع بينة فعلى المشتري اليمين بأنه لم يشتر، ولا يحلفه الحاكم حتى يرسل الأمناء فيرون تلك الأرض التي يحلف عليها لأن ذلك يمين قاطعة.
و إن حلف المشتري على ماذكرنا ثم أتاه الشفيع أو شفيع غيره على ذلك مرة أخرى، فليس لهما إليه سبيل بعدما حلف على الشراء إلا أن يدعوا عليه أنه اشترى بعد اليمين، وإن أنكر البائع والمشتري جميعاً فليس للشفيع إلى ذلك منه سبيل لأن ذلك منه دعوى لغيره، والله أعلم. وإن أراد الشفيع أخذ الشفعة على المشتري فقال له المشتري: إنك
- 398 - (4/398)
صفحة 2457
جوزت إلى الشراء أو قطعت عنك الشفعة بعد الشراء أو أطعمتك من ثمارها أو استأجرتك فيها لعمل كذا وكذا وما أشبه ذلك من الوجوه
التي تقطع بها الشفعة، فعلى المشتري البيئة في ذلك كله، ويجزيه الخبر دون الشهادة لأن ذلك ليس بانتقال ملك، وإنما هو دعوى في إبطال حق، فإن لم تكن له بينة فعلى الشفيع اليمين على ما يدعيه المشتري قبله، وكذلك أيضاً إن أخذ الشفيع شفعته على المشتري، ثم أنكره بعد ذلك، فقال: ما أخذت شيئاً، فعلى الشفيع البينة بأنه قد أخذها عنه، ويجزيه في ذلك الخبر دون الشهادة، لأنه ليس بانتقال ملك كما ذكرنا، وإن لم تكن له بينة فعلى المشتري اليمين.
وفي الأثر: وأما إن أخذ الشفيع الشفعة عن المشتري ثم عارضه البائع في تلك الأرض، وأنكر البيع، فعلى الشفيع البينة بأن المشتري قد اشترى عنه، وأنه قد أخذ بالشفعة على المشتري، ثم يأتي
بالشهود فيخبرون بالشراء، ويخبرون بالخبر عن الشفعة وهذا إذا كان الشهود الذين حضروا لشرائهم الذين حضروا الشفعة، وأما إن كان الشهود الذين حضروا الشفعة غير شهود الشراء فلا
قوله: فيخبرون بالشراء، يعني على جهة الشهادة لأنه انتقال ملك، ويدل له
أيضاً قوله: ويخبرون الخبر
6
-999 - (4/399)
صفحة 2458
1
يشهدون له على البائع، فإن لم تكن له بينة فعلى البائع اليمين، وإن أتى بالبينة على ما ذكرنا وحكم له الحاكم بالأرض ثم عارضه فيها المشتري وأنكر أن يكون الشفيع أخذها عنه بالشفعة فلا ينصت إليه الحاكم في قوله، ولا يرفعه له منها، وكذلك البيع والهبة والصداق على هذا الحال
والله أعلم.
قوله: فعلى البائع اليمين، إنما لزم البائع اليمين هنا لأن الدعوى بعد ثبوت الشفعة له لا لغيره، لانتقال ما للمشتري إليه، والله أعلم. (4/400)
صفحة 2459
كتاب الهبة
باب في الهبة
والهبة جائزة، لقوله عليه السلام: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفسه) ولهذا قالوا: من وهب هبة بطيبة نفس كان للموهوب أخذها، فهذا يدل على أن الهبة لا تحل إلا بطيبة نفس وقد أحال جوازها عليه السلام إلى طيبة النفس، فمتى لم تطب نفس بها فهي غير جائزة، ولا يغني عنها اللفظ، لكن ذلك إنما يعرف بالدلائل والقرائن، ثم إن الهبة الجارية بين الناس لا تخلو من هذين الوجهين، إما أن تكون عن طيبة نفس، وإما أن تكون عن غير طيبة نفس، فإذا كانت عن طيبة نفس فإنها تنقسم قسمين: جائزة، ومختلف فيها، والجائزة أيضاً لا تخلو من وجهين: وجه يقصد بها الثواب، ووجه لا يذكر بها الثواب، والذي يذكر بها الثواب ينقسم أيضاً قسمين: قسم يقصد بها وجه الله، وقسم
- {1 -
ه م – 26 الإيضاح» (4/401)
صفحة 2460
يقصد بها وجه المخلوق.
أما الهبة التي لغير الثواب فهي التي لم يتبين سبيلها فلا خلاف في جوازها. وإنما اختلفوا في أحكامها، وذلك أن بعضهم قال: الهبة لا تصح إلا بالقبول والقبض، والحجة في ذلك لهم (أن أبا بكر رضي الله عنه وهب لعائشة رضي الله عنها نخلاً كان في المدينة، فلما حضرته الوفاة جعله ميراثاً، فتكلمت فيه عائشة، فقال لها أبوها: يابنية إنك لم تقبضيه وإنه الآن للورثة). وقال بعض: تجوز الهبة بلا قبض ولا قبول، وقال بعض: تجوز بالقبول وإن لم تقبض، فمن اشترط فيها القبول والقبض فهي عنده لا تصح إلا بهما، ولا تجوز عنده هبة المشاع ولا هبة ما كان في الذمة لعدم صحة القبض، إلا أن يكون وهب سهمه في المشترك لشريكه فلا بأس لوجود القبض في المشترك، وكذلك الدين للمديون فلا بأس، فمن اشترط فيها القبول دون القبض، فهي عنده تصح بالقبول، وإن لم يكن القبض كالبيع، وتجوز هبة المشاع كما يجوز بيعه، وهو المأخوذ به عندنا، وهو قول علي وابن مسعود فيما ذكر في الأثر، إلا أن يكون والد لولده فلا تجوز هناك إلا بقبض، لحديث أبي بكر المتقدم، لأنها عندهم مخصوصة في الولد، والدليل عليه ما روي أنه قال عليه السلام:
12.51 (4/402)
صفحة 2461
(لا يحل لأحد أن يهب هبة ثم يعود فيها، إلا الوالد لولده) (1)، فهذا يدل أن الهبة تصح بالقبول دون القبض كالبيع، وكل شيء يجوز بيعه تجوز هبته، والله أعلم.
وإن علقت الهبة إلى غائب أو طفل أو مجنون، فهي معلقة إلى قبوله،
أعني الوقت الذي يصح فيه القبول، من بلوغ أو إفاقة المجنون. وفي الأثر: وقال في عطية الأب لابنه الطفل، أنه لا تجوز إلا إن استخلف له خليفة فقبل عليه وإلا فهي معلقة إلى بلوغه، وإذا بلغ فإن قبلها لزمته، وإن دفعها فلا تلزمه.
و أما إن كانت من غير الأب، ففي ذلك اختلاف، منهم من يقول: هو بالخيار، إن شاء قبلها وإن شاء ردها، ومنهم من يقول: ليس الأب في ذلك كغيره من الأولياء، وقد لزمته العطية ولا يجوز دفعها، فهذا فيما يوجب النظر أن الهبة للطفل من غير أبيه، بمنزلة الصدقة لا تحتاج إلى القبول، لأن القبول لا يصح منه، ويخرج أيضاً هذا القول
قوله: هو بالخيار إن شاء قبلها، يعني إذا بلغ فيكون الغير كالأب. قوله: كغيره من الأولياء، الأولى كغيره من الناس أو كغيره فقط قوله: وقد لزمته العطية، أقول: ويدل على لزومها للصبي كونها تصير
لورثته إذا مات قبل البلوغ.
(1) رواه البيهقي والدارقطني.
12.4 - (4/403)
صفحة 2462
على مذهب من جوز الهبة بغير قبول ولا قبض، وجعلها بمنزلة الصدقة لأنها قربة إلى الله تعالى، وعلى قول الآخر: معلقة إلى البلوغ، وأما من اشترط فيها القبض فلا تجوز عنده.
وقد ذكر في كتاب أبي عبد الله محمد بن بركة: والنظر يوجب عندي أنها تثبت له بإحراز أبيه أو وصيه أو وكيل عليه من قبل الحاكم، أو محتسب من المسلمين، وقالوا: لا تثبت هبة الأب لابنه الصغير، لأنها
في يده وقبضها إليه دون غيره، فإذا عدم القبض لها لا تصح. وقال بعض مخالفينا: إن الهبة جائزة بغير قبض، وهذا إغفال من قائله، الدليل على ذلك أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه وهب لعائشة جذاذ عشرين وسقاً تمراً ولم تقبضه حتى حضرته الوفاة، فقال لها: إنك لم تقبضيه وهو اليوم للوارث، وهذا يدل من فعله مع ترك النكير و المخالفة عليه، أن الهبة لا تصح إلا بقبض، وفي ذلك أيضاً دلالة أن
قوله: فلا تجوز عنده، فيه أن أصحابنا المشارقة يشترطون القبض، ومع ذلك يجعلونها لورثة الصبي إذا مات. قوله: وقال بعض مخالفينا الخ، هذا هو المذهب عند أصحابنا المغاربة رحمهم الله في غير الولد مع والده. قوله: مع ترك النكير، يعني فهو إجماع سكوتي، لكن قصره أصحابنا المغاربة على ما ورد، وأما غير الولد فصدقته محمولة على غيرها من العقود.
- 404 - (4/404)
صفحة 2463
فعل المريض ليس جوازه كجواز فعل الصحيح في البيع وغيره، وفي الرواية أن أبا بكر قال لعائشة: بنية وددت لو أنك قبضتيه، وهو اليوم مال الوارث.
:
وفي الأثر: وإذا كان الولد في عيال أبيه وقد أدرك، فوهب له أبوه عطية وأعلمها له ولم يقبض، فإن ابن عبد العزيز والربيع يقولان: لا تجوز، و به نأخذ وكان ابن عباد يقول: هي جائزة، والذي يدل عليه اختلافهم، أن هبة الوالد لولده لا تجوز إلا بقبض، ولكن يدل اختلافهم: هل القبض شرط في صحة الهبة، أو شرط في تمامها؟ فإذا كان شرطاً في صحتها لم تجز إلا به، وإذا كان من شروط تمامها كانت الهبة جائزة، وللواهب الرجوع فيها ما لم يقبضها الموهوب له.
وفي الأثر: وإذا وهب الرجل لرجل هبة من أرض قبضها الموهوب له، فبنى فيها وأعظم النفقة، أو جارية صغيرة فأصلحها أو صانها حتى
قوله: ليس جوازه كجواز فعل الصحيح، أي لتعلق حق الوارث بالتركة. قوله: هي جائزة، يعني إلا أنها لا تلزم إلا بالقبض، لكن ولو بعد ذلك. قوله: لا تجوز إلا بالقبض، أي حالاً، أو مآلا. قوله: هل القبض شرط في صحة الهبة، أي فليس له القبض بعد ذلك قوله: في تمامها، أي فله القبض بعد ذلك ما! ما لم يرجع والده.
قوله: لم تجز إلا به، أي حالاً.
•
- (4/405)
صفحة 2464
بلغت و أدركت، فإن ابن عبد العزيز يقول: لا يرجع الواهب في شيء من ذلك، ولا في كل هبة ازدادت خيراً، ألا ترى أنه قد حدث فيها في ملك الموهوب له شيء لم يكن في ملك الواهب؟ أرأيت لو ولدت الجارية ولداً أكان يقول له: أن يرجع فيه، ولم يهبه له ولم يملكه قط؟ فهذا مما ليس له الرجعة فيه، و به نأخذ، وكان ابن عباد يقول له أن يرجع فيها، وكان الربيع يقول: ليس للواهب أن يرجع في الهبة، إن كانت قائمة بعينها أو زائدة أو ناقصة، إذا لم يذكر ثواباً يوم وهبها، ولم يعرض له، ويقول: من وهب هبة طائعاً غير مكره، ولم يذكر ثواباً يوم وهبها ولم يعرض له، مضت هبته ولا ثواب له.
وروي ذلك عن أبي عبيدة مسلم، وقول ابن عباد في هذا ضعيف لقول النبي عليه السلام: (الراجع في هبته كالراجع في قينه، والقيء
(1)
حرام) (1).
فيه.
وفي رواية أخرى عنه عليه السلام أنه قال: كذلك ان تقيأ ثم يعد
وروي عن ابن عباس أنه قال: لا يحل لأحد أن يهب هبة فيعود
فيها إلا الوالد لولده.
(1) تقدم ذكره.
12.71 (4/406)
صفحة 2465
وفي الأثر: وإذا وهب الرجل داراً لرجلين أو متاعاً ـ وذلك
المتاع مما يقسم - فقبضاه منه، فإن ابن عبد العزيز يقول: لا تجوز تلك الهبة، إلا أن يقسم لكل واحد منهما حصته، و به نأخذ، وكان الربيع
يقول: الهبة جائزة. وإذا كانت الدار لزجلين، فوهب أحدهما نصيبه لصاحبه ولم يقسم، فإن ابن عبد العزيز كان يقول: الهبة في هذا باطلة، و به نأخذ، ومن حجته في ذلك أنه يقول: لا تجوز الهبة إلا معلومة مقسومة مقبوضة، ويقول: بلغنا عن أبي بكر الصديق أنه نحل لعائشة جذاذ عشرين وسقاً من نخله بالعالية، فلما حضره الموت، قال لها: يا عائشة، إنك لم تكوني قبضتيه، وإنما هو مال الورثة، فصار بين الورثة، لأنها لم تكن قبضته، وكان ابراهيم يقول: لا تجوز الهبة إلا مقبوضة، وكان الربيع يقول: إذا كانت لإثنين فوهبها أحدهما لصاحبه فهذا قبض، وهذه معلومة، وكان أيضاً يقول: الهبة جائزة وإن لم تقبض، والمأخوذ به أن الهبة جائزة بغير قبض، وهو قول علي وابن مسعود فيما بلغنا، إلا أن يكون الوالد لولده فلا تجوز هنا إلا بقبض كما ذكرنا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وتقوم عندهم مقام البيع، أعني
قوله: يا عائشة إنك لم تكوني قبضتيه، في نسخة: تكن.
- 407 - (4/407)
صفحة 2466
تجوز في موضع يجوز وتبطل في موضع يبطل، بل هي أسهل من البيع لأنها تقطع عندهم ما لا يقطع البيع في وجوه الغرر من جهة أنها قربة إلى الله
تعالى وصدقة.
وفي الأثر: ومن نحل ما في بطن أمته لرجل فذلك جائز إلا أن يكون والد لولده، فإن ذلك لا يجوز لتعذر القبض فيه، فهذا يدل منهم،، أن الهبة يسهل فيها الغرر، ولذلك يستعملونها في كل موضع يقطع
فيها البيع، مثل بيع الماء وبيع الفلاة وما أشبه ذلك، والله أعلم. وإن مات الواهب عندهم قبل أن يقبض الموهوب له الهبة كانت
للموهوب، وإن مات الموهوب له قبل أن يقبضها، فهي لورثته. وفي الأثر: وإذا كانت الهبة في عبد، فوهبه رجل لرجل آخر غائب، فليس عليه صدقة الفطر في ذلك العبد، وهي على الموهوب إن علم، وإن لم يعلم بالهبة لم يكن عليه شيء حتى يعلم، وذلك لأنه لا تصح طاعة بغير علم، والله أعلم.
و أما الهبة التي يقصد بها وجه الله، فهي صدقة حسنة ومندوب إليها وثوابها عند الله يرتجى، كقوله تعالى: {وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون) (1)، ولا يحل للمتصدق بها أن يرجع
(1) سورة الروم: 39.
- 408 - (4/408)
صفحة 2467
(1)
فيها، لقوله عليه السلام: (الراجع في هبته، كالكلب يقيء ثم يرجع في قينه)، وإن رجع إليه بوجه من وجوه الاملاك، فلا بأس عليه في قول بعضهم: والدليل على ذلك ما روي (أن رجلاً تصدق على أمه بجارية، فماتت أمه، فأتى النبي لا يسأله، فقال له: قد وقع أجرك على الله، ورد الله عليك جاريتك) (2)، وقيل: (إن
الله
رجلاً من الأنصار تصدق على أمه بقطعة ثم ماتت أمه، فسأل النبي علي
على
فقال: قد وقع أجرك الله، ورد الله عليك قطعتك). والصدقة على هذا جائزة لمن ردَّها عليه الميراث، أو اشتراها بهذا الخبر في قول بعضهم، وكره قوم ذلك لقول النبي عليه السلام لعمر بن الخطاب: (لا تعد في صدقتك)، وذلك أنه تصدق بحصان فوجده يباع في السوق فأراد أن يأخذه، غير أن حديث عمر في البيع، وأما الميراث فعند
بعضهم: أنه ينبغي أن يجعله في ذلك الوجه، وعند الآخرين جائز.
قوله: أو اشتراها، يعني قياساً على الميراث، والأحسن قصر الرد على الميراث لأنه قهري بخلاف غيره، بدليل حديث عمر رضي الله عنه، فلا معارضة بين الحديثين. قوله: جائز، هذا هو الذي يدل عليه الحديث.
(1) تقدم ذكره.
(2) رواه ابو داود والترمذي والنسائي.
18.91 (4/409)
صفحة 2468
وفي الأثر: قال: حدثنا أبو عبيدة أن الرجل إذا تصدق بصدقة أظنه أنه قال لوجه الله أو كلام هذا معناه ـ ثم يرثها فإني أرى له أن يجعلها في مثل ذلك الوجه ولا يأكلها، وكذلك قال حاتم أبو منصور، وأخبرني من سأل الربيع بن - بن حبيب عن ذلك فقال فيها مثل قولهما.
وقال ابن عبد العزيز: كل صدقة ردها عليك كتاب الله فكلها هنيئاً مريناً لا يخالجك فيها شك ولا يكن في نفسك منها شيء فإنه لا إثم عليك فيها ولا كف لأن الله هو الذي ردّها عليك وكتابه، وإن أنت أمضيتها في ذلك الوجه فحسن جميل، وإن أكلت وحبست فلا جناح عليك هنيئاً. وكذلك أيضاً إذا أعتق الرجل عبده أو أمته لوجه الله أو لدين كان عليه فلا يستحب أن ينتفع منه بوجه من الوجوه، والأصل في هذا كله ما ذكرناه وهو قوله عليه السلام لعمر: (لا تعد في صدقتك) (1) والله
أعلم.
وأما الهبة التي يقصد بها وجه المخلوق فلا يخلو أن يقصد بها دينه أو
دنياه فإذا قصد بها دينه فلا تحل ولا يحل لأحد أن يأكل بدينه. قوله: هو الذي ردها الخ، هذا ظاهر في الميراث، لأنه لا سبب له فيه.
(1) رواه أحمد وابو داود والترمذي
- {1 - - (4/410)
صفحة 2469
وقد روي عن النبي له الا الله قال: (من أشراط الساعة بيع الحكم
(2)
وقطيعة الرحم، والاستخفاف بالدم، وكثرة الشروط، وأن يتخذ القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليس بأقرتهم ولا بأفضلهم إلا ليغنيهم به غناء) (1) كما روي (أن النبي عليه السلام أمر بعض عماله أو قال بعض أصحابه أن يتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً) (2) ومثل هذا ما ذكر عن أبي محمد أيسر ويلسين في رواية الشيوخ أنه بات في تمنكرت فجعل أهل المنزل يخرجون عنه حتى بقي وحده، وكان معه رجل غريب، فلما خرج أهل المنزل فبدأ في القراءة وكانت له نغمة، وكان له حسن الصوت، فلما سمع أهل المنزل قراءته جاؤه بالطعام فأبى أن يأكله وقال لصاحبه: إن أردت أن تأكل كل لو كانوا يطمعون في الله لأطعموني أولاً والله أعلم. غير أن هذا يعرف بالقرائن والدلائل إذا تبين أن الإطعام لم يكن الله وإنما كان على وجه لا يحل ولا يجوز مع هذا، ونظير هذه المسألة ما روي (من نهيه عليه السلام عن كل قرض جر منفعة) (3) لأن معه قرينة تدل على أنه إنما أعطاه ذلك لأجل ماله وهو منه مداراة، وكذلك كل من
(1) رواه مسلم وابن ماجه والدار قطني.
(2) رواه الطبراني
(3) متفق عليه
- {11 - (4/411)
صفحة 2470
له عند رجل حق يجب فيه مثل هذا، وكذلك طعام الرجل عند غريمه. وفي الأثر: وقال من قال: إن طالب الحق لا ينزل على غريمه ولا يأكل طعامه ولا يقبل منه هدية إلا أن يحسب ذلك من حقه، وأرجو إذا كان بطيبة نفس المطلوب أن لا يكون به بأس. ومن غيره، قال: قد قيل ذلك من الرياء أن يأكل الغريم مع غريمه، وقال من قال: إذا جاء يطلبه بحقه، وأما في غير ذلك الوقت فلا بأس، وهذا فيما يوجبه النظر إنما يرجع إلى القرائن والدلائل، فمن القرائن ما ينزل منزلة التحقيق، ومنها ما هو دون ذلك والله أعلم.
و أما إذا قصد بالهبة ما يثيبه الموهوب لها من الدنيا فإنه لا يخلو أيضاً أن يكون الثواب معلوماً، أو غير معلوم، فإذا كان الثواب معلوماً، فالهبة
جائزة وتجري مجرى البيع في معانيها.
وقد ذكر أبو عبد الله محمد بن بركة في كتابه: فإذا قال البائع: بعتك، وقال المشتري: اشتريت منك، كان بمعاً، وإذا قال: خذ هذا
وأعطني هذا، لم يكن بيعاً.
قوله: مع غريمه لعله عند
•
قوله: الموهوب لها، لعله له
قوله: وقد ذكر الخ، هذا إنما ساقه للمقابلة.
-217 - (4/412)
صفحة 2471
وكذا إن قال: وهبت لك هذه السلعة بكذا وكذا لم يكن بيعاً
ولا هبة.
وقال بعض أصحابنا: دفع البدل يزيل الضمان. وإن كان الثواب غير معلوم فهي أيضاً جائزة وعلى الموهوب له القيمة. وفي الأثر: وإن ذكروا ثواباً ولم يثبه الموهوب له كان له أن يرجع الهبة، فهذا يدل منهم أن الهبة للثواب بمنزلة البيع يدرك فيه القيمة، وفي كتاب أبي عبد الله: والهبة جائزة للغني والفقير، وجائز قبولها من الغني والفقير.
و من ذهب من أصحابنا إلى أن الهبة من الفقير لا تجوز إلا على وجه ضمان البدل فعندي أنه أغفل في الرواية لما روي أن النبي عليه السلام قبل الهبة من بريرة مولاة عائشة لما أهدت إليه لحما كان تصدق به عليها، فقال النبي
(1)
عليه السلام: (هو عليها صدقة ولنا من عندها هدية)) ولم ينقل أحد فيا علمنا ضمان النبي عل الله لها بدلاً من هبتها. وأما الصدقة فكانت محرمة
قوله: ولا هبة، يعني والله علم - لأنه ليس من شأن الهبة أن يقال فيها ذلك. قوله: بمنزلة البيع، أي في كونها تحتاج إلى مقابل. قوله: القيمة، أي أو المثل، ولعل هذا إذا فاتت
(1) رواه الخمسة.
- {\ r- (4/413)
صفحة 2472
عليه لما رفع الله من قدره، وكان لا يكون لأحد عليه يد بما آتاه الله به من خلقه بفضل الرسالة، ويجوز أن يكون إنما حرم الله عليه أخذ الصدقة إذا كان في حال من تجب له في ذلك الحال لما جاءنا من الله عز وجل له بذلك ليعظم أجره، والله أعلم.
فصل
وأما الهدية بين الناس فجائزة ومندوب إليها، وروي أنه قال عليه السلام: (تهادوا عباد الله فإن الهدية تثبت المودة وتذهب الشحناء) (1)
(2)
(1)
وفي خبر آخر عنه عليه السلام: (تهادوا تحابوا) (2) وقال عليه السلام (لو أهدي إلي كراع شاة لقبلته، ولو دعيت إلى كراع لأجبته)). و في كتاب أبي عبد الله: وقد قال بعض الفقهاء: إن ثواب الهدية كثواب الصدقة، وعندي ان هذا القول يحتمل التأويل لأن الصدقة قد تصل إلى سيئ الحال وقد تصل من كثير المال وهي قليلة من صالح الحال
قوله: يحتمل التأويل، أي يحتاج إلى التأويل.
(1) رواه مالك في الموطأ. (2) رواه الطبراني في الأوسط.
(3) رواه البخاري.
- {18 - (4/414)
صفحة 2473
من الفقر، والهدية قد تصل إلى رحم سيئ الحال أو حسن الحال من كثير المال فينال المهدى إليه فضل الهدية والسرور بها وتجديد المودة وصلة الرحم والأفعال أو فائدة وموافقة أحوال تحدث، وقد حث الله تبارك وتعالى ورسوله عليه السلام على صلة الرحم، فقال جل ذكره: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) (1) أي اتقوا حق الله عليكم واتقوا حق الأرحام. والله أعلم.
وقد قال عليه السلام: (صلوا أرحامكم ولو بالسلام) (2) وهذا القول منه عليه السلام حث وترغيب لبر الأرحام والصلة لهم والله أعلم. وكذلك أيضاً ما يجعله الأب لابنته أو الإخوة لأختهم إذا أرادوا أن يخرجوها لزوجها فإنما ذلك صلة رحم وهدية لا يدركون عليها
شئاً بعد ذلك.
وفي الأثر: والإخوة إذا أرادوا أن يخرجوا أختهم: هل يحسبونها
قوله: والسرور بهما، لعله بها
•
قوله: صلوا أرحامكم، في نسخة: بلوا زيادة في مختصر العين، بلات
رحمي بلالاً وصلتها.
(1) النساء: 1.
(2) رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه والدارقطني.
- {10 - (4/415)
صفحة 2474
بما خرجت به أم لا؟ قال: لا يصح لهم ذلك إلا إن باعوا لها سهمها، أظنه شيئاً من ذلك بثمن معلوم و الله أعلم.
وفي الأثر: والهدية إذا فصلت من يد المهدي إلى المهدى له ومات المهدى له قبل وصولها رجعت إلى المهدي كهدية النبي عل إلى النجاشي
رجعت له لما مات النجاشي.
وقد قيل غير ذلك فهذا يدل أن الهدية ما لم تصل إلى المهدى إليه فهي مال المهدي، وإن مات المهدى إليه قبل وصولها رجعت إلى المهدي، وإن
مات المهدي قبل وصولها إلى المهدى له رجعت إلى ورثة المهدي.
وفي بعض الآثار: وسألت أبا المورج وابن عبد العزيز وأخبرني من سأل الربيع بن حبيب عن المرأة تتصدق من مال زوجها وتعطي منه وتهب، قالوا جميعاً: لا تتصدق ولا تعطى ولا تهب شيئاً من مال زوجها إلا بإذنه، قال أبو المورج: فإذا أذن لها في ذلك فهما شريكان في الأجر.
وهي
منفذة
وقال ابن عبد العزيز: لها ما تصدقت أو وهبت أو أعطت، وقد أشركته في الأجر وإن لم يجعل لها أجر في ذلك فلها الأجر لأمره الذي أمرها به من العطية والصدقة والهبة، لا أجر لها إلا في طاعتها وتنفيذها لأمره قلت لهما: فالمملوك يتصدق من ماله فلا أجر ذلك لسيده
18177 (4/416)
صفحة 2475
إلا أن يجعل له أو يشركه فيه.
وفي الاثر: وهبة العبد المأذون له في التجارة جائزة، فقد روي عن سلمان الفارسي أنه قال: (أهديت لرسول الله وأنا عبد فقبل مني) (1) وإن قارنت الهدية قرينة تدل على الثواب مثل ما يهدي الفقير للغني ولمن يرى أنه إنما يقصد بذلك الثواب، فقد روي أن جابر بن زيد رحمه الله قال: من المكافأة من التطفيف.
وفي الأثر: وذكرت من أهدى لرجل هدية، وقد اتهم المهدى إليه إنما أهدى إليه ليكافيه بأكثر من ذلك فمات المهدي، أكان على المهدى إليه شيء أم لا؟ فإن كان من باب الاحتياط، فنعم، وأما الوجوب فليس عليه فيما عندي في ذلك ما يجب عليه والله أعلم. والذي يوجبه النظر على ما رأيته.
وفي الأثر: واستدللت عليه أن الهدية إنما يراعى فيها العرف والعادة الجارية بين الناس، ويقوم ذلك مقام الشرط، وذلك في كل هدية يتعارفها الناس بينهم وتجري بينهم العادة في ذلك أن يهدي بعضهم لبعض في ذلك على طريقة المعونة لأن يهدى له هو أيضاً في معونة مثلها، مثل ما
(1) متفق عليه
- {14 -
ه م 27 - الإيضاح» (4/417)
صفحة 2476
يجري بينهم في الولائم والمآتم وما أشبه ذلك، فيلزم المهدى له قيمة ذلك الشيء الذي أهدي له لأنه بمنزلة البيع.
وفي الأثر: والهدايا إنما تدرك فيها القيمة ولو كان الشيء حاضراً إذا لم يكن بينهم الاتفاق.
وفي الأثر أيضاً: وعن يوسف قال: لا تدرك الهدايا في الحكم: إلا إن اشترط ثواباً معلوماً لأن الحاكم لا يحكم بمجهول، قلت له: من جلب عروساً فعمل له رجل جفنة فجلبها إليها، على من تكون قيمة تلك الجفنة؟ قال: على المرأة، لأنها إنها جعلوا ذلك لحرمتها وحرمة أبيها، قلت له: إن أكلت منها شيئاً يسيراً؟ قال: عليها قيمة القصعة كلها لأنها فسدت من سببها وكان منشيها قبولاً والله أعلم.
وأما الهبة المختلف فيها، فمثل هبة الرجل لبعض أولاده دون بعض، وقد روي (أن رجلاً يسمى بشيراً وصل إلى النبي عليه السلام، يستشهد في نحل ينحله ابنه النعمان بن بشير، فقال له: أكل أولادك نحلت؟ قال: لا، فقال له النبي عليه السلام: فاردده) (1). وروي أنه قال: فأشهدوا غيري، وروي أنه قال عليه السلام: (أليس يسرك أن يكونوا
قوله: فجلبها إليها، أي فجلب المرأة إلى الجفنة بدليل سياق كلامه.
(1) رواه ابو داود والترمذي رصححه
- {14 - (4/418)
صفحة 2477
لك في البر سواء)، قال بعض: الحكم جائز وهو عاص، والدليل لهم قوله عليه السلام، اشهدوا غيري، ومنهم من يقول: لا يجوز، لقوله عليه السلام: اردده. ولأن النهي يوجب رد الحكم، ومعنى قوله عندهم: أشهدوا غيري على معنى التهديد، والذي يوجبه النظر، أن الفعل ثابت، والوالد عاص، وذلك لأن النهي إنما ورد تأديباً من النبي عليه السلام، لئلا يعرض في قلب ولده الممنوع ما يمنعه من بره، والدليل على ذلك، قوله عليه السلام: (أليس يسرك أن يكونوا لك في البر سواء)، فإذا كان يسره أن يكونوا له في البر سواء كان الواجب عليه العدالة بينهم، ذكوراً كانوا أو إناثاً، أطفالاً كانوا أو بلغاً، أو بعضهم لعموم الخبر على قدر ميراثهم منه، ولا يحف إلى بعض أولاده دون بعض، وليعدل بينهم ما استطاع كما ذكر عن النبي عليه السلام، وفي كتاب أبي عبد الله محمد ابن بركة: وأجمع الناس على نحل ولد الولد، ولم يجمعوا على نحل ولد الصلب، ولولا الإجماع على ذلك، لم يجز نحل ولد الولد، لأن اسم الولد عليه، فهذا يدل أنه ليس عليه العدالة فيما بين أولاده وأولاد بنيه، يقع وكذلك أيضاً أولاد بنيه فيما بينهم، إن أعطي لبعضهم شيئا دون بعض في قول بعضهم، وعلى قول الآخرين: إن عليه أن يعدل فيما بين أولاد بنيه إذا أعطى لبعضهم، لأنهم كلهم عنده سواء في منزلة واحدة،
-819 - (4/419)
صفحة 2478
وكذلك أيضاً ليس عليه العدالة فيما بين ابنته وغيرها من الورثة، إن لم يكن له سواها من الورثة، إن لم يطلب في ذلك الحيف من الورثة،
والله أعلم.
وإن طلب في ذلك الحيف فيها بين الورثة، فلا يحل أن يحيف بين
:
ورثته ولا يحل لمن يحضر له، لأن ذلك فرار من فرائض الله. وفي الأثر: وإذا كان لرجل ابن واحد وليس له غيره، فأعطاه شيئاً ثم حدث بعد ذلك أولاد غيره، فليس عليه في عدالتهم شيء في قول بعض الفقهاء، وقال بعضهم: عليه أن يعطي لهؤلاء الآخرين مثل ما أعطى الأولين، وأما إذا كان له أولاد موحدون وأولاد مشركون فأعطى للموحدين، فليس عليه من المشركين شيء، وكذلك الأحرار والعبيد من أولاده مثل ذلك، فليس عليه من العبيد شيء ولو عتقوا بعد ذلك أو وحد المشركون، وذلك لأن الله لم يساو بين الموحدين والمشركين والأحرار والعبيد في الميراث، فليس عليه التسوية بينهم في العدالة، واختلف الفقهاء في الأم: هل عليها العدالة فيما بين أولادها؟ قال بعضهم: عليها العدالة فيا بينهم كالأب، وقال آخرون: لا عدالة عليها، والذي يدل عليه اختلافهم أن من لم يوجب عليها العدالة بين أولادها اقتفى ظاهر الحديث، ومن أوجب على الأم العدالة فيما بين أولادها، جعلها في ذلك كالأب قياساً (4/420)
صفحة 2479
عليه، وعند الآخرين: أن الأب في ذلك بخلاف الأم، ويشهد على قولهم، قوله عليه السلام: (أنت ومالك لأبيك) (1)، وليست الأم كذلك، فهي قاصرة عن حكم الأب في ذلك، وليس على الاب في نفقة أولاده وكسوتهم وركوبهم عدالة، ما داموا لم يحازوا عنه، وذلك مثل أن يكون فيهم واحد يصلح لحضور الجماعة، فينبغي له اللباس الحسن، ومنهم من يرعى الغنم ولا يبالي بما لبس، وليس عليه العدالة في مثل ذلك، لأن ظاهر الحديث إنما ورد في شيء يملك دون ما ذكرناه، والله أعلم.
وكذلك أيضاً، إذا حبس السلطان واحداً من أولاده بظلم فأفداه أبوه من ماله، فليس عليه العدالة في ذلك، لأن ذلك عليه واجب، إلا إن كان لا بنه مال، فعليه العدالة في ذلك، وكذلك إذا مرض أحد من أولاده فأعطى عليه الأجرة للطبيب أو أعطى الأجرة للمعلم على ما ذكرناه فيها يوجبه النظر، لأن ذلك عليه واجب، وأما ما كان عليه من الديون من قبل التعديات أو من قبل المعاملات فأعطى عليه ذلك بعدما حبس عليه، فعليه العدالة في ذلك، لأن ذلك صار إليه، نفعه والله أعلم.،
(1) تقدم ذكره.
- {TI- (4/421)
صفحة 2480
وإن وهب الولد لوالده هبة، فقبلها ثم ردها عليه الوالد بعدما قبلها، لزمه عدل تلك الهبة لسائر أولاده، لأنها بعدما قبلها صارت له، كسائر ماله، وإن أعطى لواحد من أولاده وليس له مال غير ذلك
فهي
الذي أعطاه، فإنه ينزع له ويعطي للآخرين الذين لم يعط لهم. وفي الأثر: وإن أعطى الوالد لواحد من أولاده، مثل أداة العمل أو معونة عبد يعمل له أو مثل ذلك من المعروف الذي يكون بين الناس، فليس عليه من ذلك شيء، وكذلك إذا كثر العيال على أحد من أولاده فأدركته فيهم الرأفة، وجعل يعطي لعيال ابنه شيئاً، فلا بأس عليه في ذلك، والله أعلم.
وفي الأثر: مسألة أخرى عملها أبو سليمان لرجل من أهل شروس أقر لأولاده بالعدالة، بأكثر مما جعل للبنات، فحضر وا له ثم أرسلوا الثقاة إلى البنات فجوزن ذلك، وكتبوا بعدما جوزن شهادتهم، فهذا يدل من قولهم، أن الواحد جائز له أن يهب لبعض أولاده بطيبة نفس الآخرين على ذلك، لأنه من حقهم عليه، والله أعلم.
وكذلك أيضاً على هذا المعنى، يجب عليه العدالة بين عبيده ونسائه، لأنه كما يسره أن يكونوا في البر سواء، كذلك يجب عليه
3
قوله: ويعطي للآخرين، لعله؛ أو.
- Err- (4/422)
صفحة 2481
العدالة فيما بينهم كما ذكرنا في مسألة الأولاد، والله أعلم. وفي الأثر: اختلفت العدالة مع الديون في أربعة أوجه، أحدها: لا يدركها عليه ما دام حياً، وإن مات الاب فلا ينزل الإبن مع الديون، ومنهم من يقول: ينزل معهم، وإذا مات الولد أيضاً قبل الوالد، فلا يدركها ورثته على الوالد، والوجه الرابع لا يسقطها الأب إذا أراد أن يؤدي زكاة ماله، ولا يؤدي عليها الإبن حتى يستوفيها، وإن مات الأب ولم يوص بها، فلا يدركها الإبن في المال، وذلك لأن العدالة أضعف الديون، إنما تلزم فيها بين العبد وربه، وليست كذلك الديون، والديون تدرك ولو لم يوص بها المدين، لأنها مال متقدم في الذمة،
والله أعلم.
وإن احتاج الأب فأراد أن ينزع من مال أولاده شيئاً، فإن عليه أن يعدل في النزع كما كان عليه أن يعدل في العطية، والأب يأكل من مال أولاده ما شاء وكيف شاء، ولو كان له مال، وليس عليه العدالة في الأكل، كما أنه ليس عليه العدالة فيما يأكلون، أعني نفقتهم كما ذكرنا، والله أعلم.
قوله: إنما، (إن) اسمها (فما) موصول اسمي. (4/423)
صفحة 2482
فصل
و في كتاب أبي عبد الله: واختلف أصحابنا في مال الولد: هل للأب أخذه في حياته وتمليكه عليه، أو شيء منه في حال الإعسار وغير الإعسار؟ فأجاز بعضهم للأب أخذ المال من ولده، وإن كان الأب موسراً، ويحكم له الحاكم بجواز ذلك الفعل، وقال بعضهم: لا يجوز له ذلك إذا كان موسراً، فإذا كان أخذ من ماله شيئاً كان بأخذه له ضامناً، وقال بعضهم: ما يأخذه الأب من مال ولده انتزاع، والإنتزاع لا يكون إلا فيما أتلفه، وأما فيما عينه قائمة، ينقلها إلى ملكه نحو الدور والأرضين والنخل فلا يصلح الإنتزاع فيه والعين قائمة، وقال بعضهم: لا يجوز له أخذ شيء من ماله إلا الكسوة و نفقته يفرض الحاكم إذا كان معسراً والإبن موسراً، وهذا القول أنظر عندي وأدل على موافقة تأويل السنة
والله أعلم.
واختلف أصحابنا فيمن أجاز للوالد مال ولده، فقال
:
بعضهم: يملك بالإنتزاع على الإبن ماله، أو ما يأخذ من ماله، ولا يكون ذلك إلا بالإشهاد
على الفعل، وقال بعضهم: الأخذ هو الإنتزاع، هو الأخذ منه، فقال
قوله: فيمن أجاز، لعله ممن أجاز
- 424 - (4/424)
صفحة 2483
من لم ير الأخذ إلا بالشهادة، أنه يشهد بأنه قد ملكه على ابنه ثم يحل له ذلك، فأما أخذه بغير بينة فلا، وقال بعضهم: تناوله انتقالاً عن ملك إبنه إليه، وهو انتزاع منه له، فصاحب هذا القول يقول: لو أن رجلاً وطئ جارية إبنه، جاز له وطأها وانتقلت عن ولده إليه، ووطئه إياها انتزاع منه لها، وقال بعضهم، لا تحل له حتى ينزعها قبل الوطئ، فإذا ملكها على ذلك، حل له وطأها
وفي الأثر: قلت لها: فالرجل يأخذ من مال ولده ويتصدق ويهب ويعطي، قالا: ذلك كله للوالد من مال ولده، يضع في ذلك ما أحب، إلا أن ابن عبد العزيز قال: ما لم يضر ولده ويجحف بماله ولاحقاً بالضرر، قالا جميعاً: ولا يحل للولد أن يأخذ من مال والده شيئاً إلا بإذنه، قال أبو المورج: حدثني أبو عبيدة، رفع الحديث إلى ابن عباس إلى جابر عن عائشة، أنها قالت: (إن أطيب ما تأكلون من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم، فكلوا من كسبكم) (1)، قلت لا بن عبد العزيز: لو أن رجلاً محتاجاً وابنه غني، إن هو بسط يده إلى ماله حال الإبن بينه وبين الأخذ من ماله فليأت به إلى القاضي، فليعلمه بحاجته
(1) تقدم ذكره.
،
- 425 - (4/425)
صفحة 2484
وأنه حال بينه وبين الأخذ من ماله، قلت: أفيعطيه القاضي إذا أتاه وأعلمه ما ذكرت على أخذ ما أحب من ماله؟ قال نعم، يعطيه القاضي من مال ولده ما احتاج إليه، ويحبسه على ذلك ويأخذه برزقه و نفقته وكسوة عياله بالمعروف، على قدر سعة الإبن، غير مضار به ولا مشقوق عليه فيها لا يحمله، قال أبو المورج: حدثني أبو عبيدة مسلم، أن رجلاً أخذ من مال ولده في حياة النبي عليل الله، فانطلق الإبن إلى النبي عليه السلام يشكو والده ويقول: أخذ والدي من مالي، فقال النبي عليه السلام: (أنت ومالك لوالدك) (1)
(2)
و أما الهبة التي لم تكن عن طيبة نفس، فمنها هبة الكراهية، لا تجوز، لقوله عليه السلام: (ليس على مقهور عقد ولا عهد) (2)، لا تجوز للموهوب له، وليس على الواهب منها حرج، لأنه إنما فدى نفسه بماله، وقد أجمع الناس أن للرجل أن يفدي نفسه من العدو إذا أسروه، وليس ذلك بمعونة لهم، وقد جاء في الحديث عن النبي ما قال: (عودوا المرضى وأطعموا الجائع وفكوا العاني) (3)، فلا يأمرهم النبي عليه
(1) تقدم ذكره.
(3)
(2) متفق عليه.
(3) رواه الخمسة.
- 426 - (4/426)
صفحة 2485
السلام بشيء لا يحل لهم فعله، ومن ذلك أيضاً عطية المداراة لا تجوز للذي يأخذها، وفي الحديث: (شر الناس من يكرمه الناس مخافة شره ولسانه) (1)، فعم ولم يخص: أعني كل شر يخاف أن يلحقه من قبله، فإن قال قائل: فإذا جاز للمسلمين أن يدأروا عن أنفسهم وأموالهم بأموالهم، فهل يؤاخذ الناس فيما بينهم إذا أبى البعض أن يعطي؟ قيل له - والله أعلم - ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، فهذا الذي يعطونه المسلمون عن أنفسهم وأموالهم وحريمهم للجبار، بمنزلة الدفع عن أنفسهم وأموالهم وحريمهم، إذا قدروا أن يدفعوا ظلم الجبار بأنفسهم دفعوه، وإن لم يقدروا بأنفسهم فبأموالهم، وليس ذلك منهم بمنزلة المعونة، وإنما ذلك منهم بمنزلة الدفع لظلم الجبار.
وفي الأثر: قال محمد بن جعفر: وليس لأحد أن يعينهم بمعونة، إلا أن يخافوا على البلاد والرعية، فلا بأس على من قام بذلك وطلب الاستبقاء على البلاد وأهلها، واستخرج لهم الخراج الذي وضعوه على أهل البلاد، ممن أعطى برأيه وطابت بذلك نفسنه، ولا نحب أن يتعرض من قام بذلك من مال غائب ولا يتيم، وقال أبو المؤثر مثل ذلك: وإن أخذ الجبار مال اليتيم وكان له وصي أو وكيل، فخاف على مال اليتيم أن
(1) رواه احمد وابو داود.
- ETY- (4/427)
صفحة 2486
يذهب، فصالح عنه من ماله بأقل مما خاف أن يذهب منه واجتهد في ذلك، فأرجو أن يكون له إن شاء الله، وإن كان هذا الجبار محارباً لأحد من المسلمين طالباً لهم، فلا نرى لأحد من المسلمين أن يعينه في
،
وقت مطالبته على خراج يأخذه من الناس، ولا بمال ولا بمقال ولا بشيء مما يقوى به على محاربة المسلمين.
وقال أبو المؤثر: لا يجوز لأحد من المسلمين معونة الجبابرة سلماً كانوا أو حرباً، فإن خافوا هلاك البلاد فللمسلمين أن يدفعوا عن أنفسهم وبلادهم وأموالهم بما دفعوا إليه من أموالهم، ولا بأس عليهم بذلك إن شاء الله، ولا على من أخذ على الناس الأحرار البالغين برأيهم وطيبة من أنفسهم مالاً ودفعه إلى الجبابرة على ما وصفنا من الخوف على المسلمين ودمائهم وأموالهم، ولو كان في حد مناصبة لعسكر من عساكر المسلمين، لأن هذا أهون على المسلمين مما يصابون به منهم
حريم
والله أعلم.
وقول أبي المؤثر في هذا أسهل وأيسر إن شاء الله يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)، غير أن أبا المؤثر لم يبح من ذلك إلا ما
كان عن طيبة نفس من صاحبه، والله أعلم.
وفي جوابات الشيوخ رحمهم الله: وما نقول في أهل منزل اتفقوا على
- ETA- (4/428)
صفحة 2487
قيمة أموالهم الحال حامي أصلهم ومنافع منزلهم، فقال قائلون منهم: إنما نقوم ما جرت عليه أملاكنا من الأصل والحيوان والعروض والثمار وجميع الأملاك، وقال الأكثرون منهم: بل لا نقوم إلا الأصل وما اتصل به، والفرقة الأخرى وهم الأقل، والله أعلم
بمرادهم في ذلك وهم من أهل العروض أيضاً، الجواب في ذلك أصلهم
فيما عندي إذا كان هذا الذي يقومون لحال ما يعطونه لحامي فإنما يرجع في ذلك إلى الذين قالوا نقوم الأصل لأنهم إنما يعطون على قدر أصلهم، وسبيل هذا سبيل سائر الاجارات. وأما غير هذا ما يجمعونه لمنافع منزلهم ومصالحهم مثل الضيافة وأشبه ذلك فإنهم يقومون جميع أموالهم.
وفي الأثر أيضاً: الغفارات على الحمول ليست على الجمال إذا لم الاتفاق، وفيه أيضاً: وإذا كان الرجل في منزل قوم وقد أعطى معهم الصلة فله ما لأهل المنزل من الرعي والسقي من
يکن
بينهم.
أبيارهم وأنهارهم، ولا يمنعونه من ذلك، وإن لم يعط الصلة فلهم منعه
مما ذكرنا، وأما الخروج فلا يخرجونه إذا كان له دار وأرض
،
وذكر الشيخ أنها نزلت في زمان أبي منصور في ويفات، فوجدوه الصلة، فلم يجدوا أن يمنعوه مما لأهل المنزل، ونزلت
قد أعطى معهم
- {79 - (4/429)
صفحة 2488
أخرى في كراين وهو لم يعط الصلة فمنعوه من المرعى والسقي، وإذا كان لرجل أرض في غير منزله فلا يدرك عليه أهل منزله أن يعطى عليه إذا كان يعطى عليه في ذلك المنزل، ويدرك عليه أهل ذلك المنزل أن يعطى عليه، وإن لم يعط في ذلك المنزل فإنه يدركون عليه أن يعطى عليه في منزله، وهذا في الغفارات، وأما الضيافة فلا يدرك عليه أهل ذلك المنزل أن يعطى عليه لأن له منزلاً ومسجداً، وأهل منزله يدركون عليه أن يعطى عليه، وكذلك أهل المنزل يدركون على من كان له أصل في منزلهم ما نابه من الثمر، فهذا يدل منهم أن ما يعطونه لحامي أصلهم إنما يعطونه على ما عليه من الحماية كما ذكر منزلتها كسائر الاجارات و أما الضيافة فإنما هي من منافع المنزل، وهي على أهل المنزل على أموالهم ولذلك لا يمنعون من منافع المنزل من الغرباء من أعطاها ذكرنا، وأما ما يعطونه للناس ويدارون عن أنفسهم وأموالهم الظلم
فإنما هو على أموالهم.
معهم
كما
وفي الأثر: وذكرت ما بين أولاد عمران في بستانهم في تيجى وكان أوائلهم إنما يؤدون على سهامهم في الحوض من له ليلة أو أقل أو أكثر فكانوا يؤدون على تلك الحال، وكثرت عليهم المودة للعرب
قوله: الغفارة، صوابه الخفارة بالخاء، وهي مضمومة ومكسورة. (4/430)
صفحة 2489
وطلبوا إلى الآخرين أن يجعلوا الغنيمة: هل يجدون ذلك؟ فاعلم يا أخي أيدك الله أن مسائل العامة وما يؤول إلى هذا إنما تجري على المحاسنة والمتاعمة
فالذي عندي، والذي أحفظه عن الشيخ رحمه الله فقال: إن المنازل على سير مفترقة وأحوال متفاوتة، فمنهم من يؤدى على مراتب ثلاثة: العليا والوسطى والدون، ومنهم من تجري أمورهم على القيمة، ومنهم غير ذلك، ولكن إن ما سمعته يحمد من ذلك وهو أحوط فيما قال: إن ذلك على قيمة أموالهم فمن زاد زادوا له، ومن نقص نقصوا له، وهؤلاء يا شيخ، الذي عندي إذا كانوا ليس لهم هناك إلا الحوض وما يسقى منه فتفاضلوا وأشباهها فأسبق إلى النفس من ذلك أن يمضوا على ما مضى عليه أو ائلهم، وأما إن كان بعضهم استفاد أموالاً غير الحوض وما يسقى فعليهم أن يقوموا جميع أموالهم والقيمة أحوط لهم، إلا إن خشيت أن يتفق من ذلك ما لا تدرك غايته أن يستمسك غيرهم إلى ذلك، وفيه أيضاً، وأما ما ذكرت ما بين أهل تملوشايت وجماعتهم من أهل تيجى، أبوا
منه
قوله: إلى الآخرين، أي الذين ليس لهم في الحوض حق أو حق زائد على ما سقي من الحوض.
قوله: وأشباهها، لعل المراد وأشباه هذه المسألة حكمه كذلك
قوله: وجماعة أهل تيجى، في نسخة: وجماعتهم من أهل تيجى.
•
- {TI- (4/431)
صفحة 2490
أن يدوا معهم، فاعلم يا شيخي أنهم قد سألوا أبي في حياته، فقال: لأهل تيجي: تدوا على أموالكم في تملوشايت مع أهل تملوشايت فيما يدارون به عن أنفسهم وأموالهم، فقال لهم أبو يوسف: بزعمي نزار ما نشتغل بأبي داود ولا بأبي عبدالله وأكثر جماعتهم حضروا مع عطية الله، والساعة يا شيخ: إن أجابوا لك ما يجب عليهم من الحق أن يفعلوه، فقد أخبرتك بما قال لهم أبي، وعندي أنا مثل ذلك، وقد تكلموا يومئذ أن من عثر في العرب باطلاً فعليه أن يدي من ماله، وأن من أغاروا عليه، فعثر فيهم أو خرجوا إلى العرب بالعامة فعثر فيهم من عثر، فليس عليه شيء من ماله فإن خافوا من شر العرب بسبب ذلك داروا على أنفسهم وأموالهم، وأما ما قال أبو الربيع: أنه سألني عن هذه المسألة، وهمت ما رواه عني فإن أنصف فها أنا ذا فليحاججني، فما رضوا يا شيخ أن يجوز عليهم مثل ما يجوز على غيرهم، فالله نسأل العون والتوفيق.
وفي الأثر أيضاً: وذكرت قوماً جمعوا طعاماً للجبابرة إن كان تؤكل فضلته أم لا، فأعلم أن ما عندي في ذلك ألا تؤكل، لأن أصل
قوله: ليس عليه شيء من ماله، أي وحده. قوله: وهمت ما رواه أي، شككت فيما رواه.
- 432 - (4/432)
صفحة 2491
ذلك إنما جعل للخوف والمداراة، ولو تحاللوا فيما بينهم، ومنها أيضاً:
هبة المرأة لزوجها إذا ادعت أنها فعلت ذلك بالمداراة.
وفي الأثر: وإذا وهبت المرأة لزوجها هبة أو تصدقت عليه بصدقة أو ابرأته من مهرها ثم قالت بعد ذلك: أكرهني، وجاءت على ذلك بالبينة فإن ابن عبد العزيز كان يقول: لا تقبل بينتها ويمضي عليها ما فعلت، وكان الربيع يقول: تقبل بينتها على ذلك ويبطل ما صنعت، وإن وهبت له هبة أو تصدقت عليه بصدقة ثم قالت بعد ذلك: إنه أكرهني على ذلك ولم تكن لها بينة على ما ادعت من الإكراه، فقول الربيع: أنه يقبل ذلك منها ويبطل ما صنعت، وقال ابن عبد العزيز: لا يقبل ذلك منها ولا يبطل ما صنعت، وقال الله تعالى فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً)
(1)
قوله: ومنها أيضاً، أي ومن الهبة التي لم تكن عن طيبة نفس. قوله: تقبل بينتها، هذا هو الظاهر لقوله عليه السلام (ليس على مكره عقد ولا عهد) ولقوله أيضاً) رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا
عليه) (2).
قوله:: لا يقبل ذلك منها، هذا
هو الظاهر.
(1) النساء: 4.
(2) تقدم ذكره
- 433 -
ه م – 28 الإيضاح، (4/433)
صفحة 2492
وفي الأثر أيضاً: وقال رحمه الله: إن الحاكم لا يشتغل بأربعة، من أراد أن يأكل صداق ابنته بالحاجة فلا يشتغل به فليأخذها على نفقته إن شاء،
و من ادعى أنه أعطته امرأته صداقها فلا يشتغل به إذا ادعت المرأة بعد
=
ذلك الكراهية، ومن مات وترك امرأته وورثته وادعى الورثة أن مورثهم قد طلقها في حياته فلا يشتغل بهم والأخت إذا ادعى أخوتها أنها أعطت لهم مالها فلا يشتغل بهم ما دامت تستحيي والله أعلم.
وفي الأثر أيضاً: وأما مسألة التي أرادت أن تأخذ ميراثها من عند إخوتها، فادعوا أنها وهبت لهم حين مات أبوها، فاعلم أيدك الله أن هبة الجنازة حين يموت أبوها فيطلبوا منها، فتلك هبة مداراة لا يشهدوا بها الشهود، إن قالت بعد ذلك: إنما فعلت ذلك بالحياء والمداراة، ولا
قوله: لا يشتغل بأربعة الخ، لا ينصب الحاكم أيضاً الخصومة بين الرجل وابنته فيها أكل من صداقها كما نص عليه عمنا يحيى رحمه الله تعالى. قوله: فلا يشتغل بهم، لعله إذا تركها في منزل طاعته ولم تقم قرينة على الطلاق واتهم بالضرر بدليل ما ذكره فيما تقدم في باب القسمة في دعوى الورثة، بعضعهم على بعض حيث قال: أو كان العد عن امرأة فقال: قد طلقها مورثنا في حياته ثلاثاً، فعليه البينة في هذه الوجوه كلها، فإن لم يجد البينة فلا يدرك اليمين إلا في طلاق المرأة إن لم يتهم بالضرر في ذلك لأن الطلاق يمكن أن تعرف به المرأة فلذلك يكون فيه اليمين الخ.
-434 - (4/434)
صفحة 2493
يحكمها الحاكم إذا تبين عنده أنهم بتلك الهبة شهدوا، وأما ما ذكرت أنهم قالوا: إن الإخوة باعوا من ذلك الأصل بعد هذه الهبة، فإن ذلك
يضر بشهادتهم ما لم يحكم الحاكم بها، فهذا ما عندي، والله أعلم. ومثلها أيضاً، ما ذكرت مسألة ما بين إبنة يخلف ويونس بن ميمون قد قضى الله ليونس، اشترى من عند أولاد يخلف الفدادين وأختهم عندهم، ثم بعد ذلك خرجت أختهم فكانت عند زوجها حتى مات و تزوجت موسى، ثم أمرت فيما قال العبد: فدخل الفدادين، ثم جاء يونس واشتكى به الساعة، وادعى يونس أنها جوزت البيع حين كانت عند إخوتها، وأنكرت هي ذلك فيما قال زوجها، فاعلم يا أخي إنما عندي في ذلك، أن بيع الجارية تحت إخوتها، وهبتها يضعفون ذلك ولا
بيع
يشتغلون به إذا ادعت بعد ذلك أن ذلك منها مداراة، فإن علم أنه لحاجة لا بد منها، من نفقة أو دين يلزمهم جميعاً، وما تحتاج إليه من خروجها إلى زوجها، فإذا كان على هذا المعنى فجائز: ولكن الذي عندي حين أقامت بعد الخروج هذه المدة الطويلة حتى مات الزوج الأول فلم تعارض من غير مانع ولم تتكلم، فهي عندي مريبة، فيدرك عليها اليمين أنها لم تجوز إذا لم تتهم المدعي في ذلك، وأما قول زوجها عنها
فليس بشيء حتى تتكلم بنفسها.
- 435 - (4/435)
صفحة 2494
وفي الأثر أيضاً: وأما ما ذكرت من مسألة رجل مات وترك أباه
وامرأته وابنته، وكان للمرأة أول مال، وكان مع زوجها أندر هما واحد ومنشر هما واحد ومعصرتها واحدة، فلما مات زوجها، قال الأب: المال مالي، وما أعطيت اولدي إلا أعطيت النكاح، قلت: وقد كان ولده ماله على حدة وكذلك الإخوة، فقلت: فعلى من البينة على الأب أو على ورثة الولد؟ الجواب في ذلك عندي: قد يعرف مثل هذه المسألة أليس قد جازت عليك غير واحدة؟ فهذه مثل مسألة ولد تليقيس بن القاسم الملوشائي وولد يحيى بن زكرياء، يحتالون لها الأخيار ويعينونها حتى تأخذ مهرها وميراثها وشرح ذلك يطول في الكتاب، ولها أيضاً ما ا ينوب أصلها مما استفاد زوجها من الغلة التي اشتركوها، فهذا ما عندي، والله أعلم.
وأما الذي قال الأب: ما أعطيت لابني إلا عطية النكاح، فاعلم أن عطية النكاح حلال لمن أعطيت له، وحرام على من أعطى أن يرجع فيها،
والله أعلم.
ومنها أيضاً هبة الاطمانية، وفي الأثر: وأما إن أقرت بالهبة وادعت أنها هبة الاطمانية، فعليها بيان ذلك، وقد اتفق الشيوخ أن
- {~- (4/436)
صفحة 2495
هبة الاطمانية لا تنفع ولا تضر الواهب إلا في وجه واحد، إذا وهب الولد ماله خيفة أن يأكله أبوه بالحاجة، ينفع الولد في ذلك ولا ينصت إلى الأب، وإن كانت هبته هبة التوليج فهذا أوفق ما أخذ به وما استعملوه، وإن كان قيل فيها غير ذلك عن الشيخ أبي زكرياء اللالوتي أن تكون الهبة جائزة ماضية، ولا يكون في المال هبتان ولا بيعتان، ومنها أيضاً في الأثر: والتوليج لا ينفع بل يضر، إلا في ثلاثة أوجه: وذلك إذا أراد أن يزوج ولده وأعطى ماله هبة التوليج، ثم أعطى بعد ذلك لولده، وأصدق الإبن فيما أعطاه أبوه فليس للمرأة شيء، ورجل أعطاه أبوه شيئاً، وكان له مال من غير أبيه، فخاف من أبيه أن يفسده فأعطاه لرجل بالتوليج، فكل ما فعل بعد ذلك أبوه في ماله من بيع أو عتق أو غير ذلك، فلا يضره ما فعل، ورجل أراد أن يبدل زكاة ماله فأعطاه الذي تجب فيه حتى يصل إلى يوم أراد أن يأخذه وقتاً لزكاته أو الشهر، فيرده له الموهوب له فيأخذه وقتاً، فهذا يدل من قولهم: والتوليج لا ينفع بل يضر، إلا في ثلاثة أوجه: إن ما عدا هذه الثلاثة أوجه التي ذكرنا، أن الهبة جائزة على معنى هذا القول، ومثل ذلك من وهب ماله
قوله: ومنها هبة الاطمانية لا تنفع ولا تضر، هذا لم يتقدم على الإطلاق بل استثني منه وجه واحد.
- {ry - (4/437)
صفحة 2496
لرجل لئلا يقع عليه الحنث فتكون الهبة جائزة، ومثل هذا مذكور في الأثر، فمن طلبه وجده فيه، والله أعلم.
و أما على قول من قال في هبة الاطمانية: لا تضر ولا تنفع، فعلى قيادة قوله ليست بشيء، وهو الذي يوجبه النظر عندي، لأنها لم تكن عن طيبة نفس، وإنما هي على صفة ما أو شرط ما، وما علق إلى شرط فهو إلى شرطه، وقد ذكر في الأثر: قال أبو سفيان: إجتمع وائل والمعتمر ابن عمارة وجماعة إلى الربيع، فسألوه أن يخرج إلى الموسم، فقال: لا أقدر وما عندي ما أتحمل به، قال: فمشوا إلى رجل من المسلمين يقال له: النضر بن ميمون، وكان من تجار الصين، وكان موسراً، فأعلموه بقوله، قال: فأتاه بأربعين ديناراً فقال له حج بها، فلم يقبلها منه، قال: وكان به خاصاً، فجاءه وائل والمعتمر فقالا له: سبحان الله يا أبا عمر و تعلم حاجة الناس إليك وكنت اعتلت بأنك لا تجد ما تتحمل به، فلما جاءك الله بما تتسع فيه أبيت أن تقبله، قال: إنه قال لي خذها على أن تحج بها، ولست أقبلها على شرط، قال: فأعلموه بما كره من قوله، فاعتذر وقال: والله ما علمت أنه يكره ذلك، والآن خذوها أنتم واذهبوا بها إليه، قال: فأبى أن يقبلها بعد ذلك، والأصل في هذا كل ما علق لسبب، فهو إلى ما علق إليه، والله أعلم.
:
- ETA- (4/438)
صفحة 2497
فصل
ثم إن الهبة أيضاً تنقسم قسمين: منها ما هي هبة عين، وهي التي ذكرناها على أنواعها، ومنها ما هي هبة منفعة، أما هبة المنافع فمنها مؤجلة وهي تسمى عارية ومنحة وما أشبه ذلك. ومنها ما يشترط فيها ما بقيت حياة الموهوب له، وهذه تسمى العمري، مثل أن يهب لرجل
سكناً داره حياته، وقد اختلف العلماء فيها
وفي الأثر: قلت: فأخبرني عن العمرى و الرقبي والسكنى، قال ابن عبد العزيز: إن كان معنى الرقبي على معنى العمرى أن يقول: أعمرتك هذه الدار حياتك، فهي لك عمرى ولك رقبي ولك سكني، على أنها لك حياتك، فقد قال أبو عبيدة: رفع ذلك إلى جابر وإلى ابن عباس، أنه من عمر شيئاً فهو له ولورثته من بعده، قال ابن عبد العزيز: وكان
فصل:
قوله: ومنحة، أي كمنحة ذات اللبن
قوله: وكان غيره من الفقهاء، فيه أن الجمهور على إجازة ذلك عملا بالحديث ولا عبرة بكلام ابن عبد العزيز وابراهيم هذا كما بينه شراح الحديث لأن الحديث إذا ورد من طريق العدول وجب العمل به، والله أعلم.
- {ra- (4/439)
صفحة 2498
غيره من الفقهاء لا يجيز ذلك ولا يراه للورثة من بعده، وكان إبراهيم ممن يقول: العمرى إذا مات الذي أعمرها فهي راجعة، إلا أن يقول: هي لك ولعقبك، وقول ابراهيم أعدل عندي، قلت له: أرأيتك تأخذ بقوله في كثير، وتختار قوله على قول من هو أكبر منه وأفضل عندنا؟ قال: ومن هو؟ قلت: أبو عبيدة، قال: الإنصاف و الحق قبول الحق، ممن جاء به، والأمر القوي الذي لا دخل فيه ولا خلل، ليس كغيره من يدخل فيه الوهن والضعف، قلت: وأي قوة أقوى من قول أبي عبيدة وغيره من أصحابنا، حيث قال: إنه من عمر أرضاً فهي له ولعقبه من بعده؟ قال: وأي قوة في هذا؟ قلت: لأن سبيل العمرى سبيل المواريث، قال: ليس لك في هذا من القوة شيء، إلا أن تقول: هكذا قالوا، فأما القياس فلا تكلم فيه أهله، فيسخرون منك وتبين لهم ضعف مقالتك، قلت: فكيف يكون هذا وهناً وضعفاً؟ وقد قال رسول الله: (من عمر شيئاً فهو له، حياته وبعد مماته) (1)، قال لي: يا عاجز
(1)
قوله: لو اتفق الناس على هذا الحديث، أقول: ليس من شرط العمل بالحديث الاتفاق عليه، لأن رواية الآحاد توجب العمل، وإن كانت لا توجب
العلم.
(1) رواه الدارقطني (4/440)
صفحة 2499
لو اتفق الناس على هذا الحديث، لم يجاوزه أحد من الفقهاء بالقياس فيه ولا الرغبة عنه، لأنه كل ما كان من رسول الله لا لا لأحد ينبغي أن يخالف فيه، قلت: وأي قوة أعجبك من قول ابراهيم في هذا، إذا كان ذلك رأياً عنه، ولم ي من أمراً مجتمعاً عليه؟ قال: أعجبني أنه يقول: إنما أعطيته للرجل حياته، ولم أجعلها لعقبه من بعده، فكيف يكون لهم ما لم أجعل لهم إليه السبيل بعطاء، وإنما أعطيته على جهة العارية، والدليل على قولي أنها عارية استثنائي أنها لك حياتك، ولم أجعلها له بعد مماته، فكيف يكون هذا عدلاً عندك، ان يجعلها له حياته، فيموت فلا تنفصم تلك العطية وترجع إلى ورثته بلا إعطاء من صاحبها الذي أعمرها، ولا هبة، هذا ما لا يجوز ولا يمكن له أن يكون هذا كما وصفت، إلا أن يكون فيه أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيلزم الأثر فلا نقيس عليه، فأما إن كان من الفقهاء، فالاختيار قول ابراهيم، قلت: وكذلك الرقبي والسكنى؟ قال: نعم، إذا كان معناها معنى العمري، قلت: إن هؤلاء يفرقون بينهم فرقاً ولا يجعلون الرقبي والسكنى كالعمري،
قوله: لو اتفق الناس على هذا الحديث، أقول: ليس من شرط العمل بالحديث الاتفاق عليه، لأن رواية الآحاد توجب العمل، وإن كانت لا توجب العلم.
- {{\- (4/441)
صفحة 2500
قال: ما أراه إلا واحداً، إلا أن يكون لهم تفسير يصلحونه ويوضحونه على غير معنى العمري، والله أعلم.
و في معنى هذا أيضاً ما روي عن النبي لا أنه قال: (أيما رجل
عمر عمرى له والعقبه، فإنها للذي يعطاها أبداً).
وفي الأثر أيضاً في معنى ما ذكرنا: وإذا قال رجل لرجل: أوصيت لك سكني هذه الدار حتى أموت، فليسكنها حتى يمت ثم ترجع إلى ورثة الميت، وأما رجل قال لرجل: أسكن هذه الدار حتى تموت، فليسكنها حتى يموت من غير وصية، ثم ترجع بعد موته إلى صاحبها، ومنهم من يقول: هي لورثته بعد موته، وإن قال له: أسكن هذه الدار حتى أموت أنا، فله سكناها حتى يموت صاحبها، ثم ترجع إلى ورثته، وإن مات أيضاً الذي أذن له قبل موت صاحب الدار، فلا
يجد ورثة المأذون له سكناها حتى يموت صاحبها.
وأما التي تسمى عارية، فهي جائزة بالسنة، والسبب في ذلك، أن التي لم) سأل صفوان بن أمية أن يعيره سلاحه فأبى عليه، فقال عارية مضمونة مؤداة) (1)، فاختلف الناس في قول النبي صلى الله عليه وسلم
:
(1) رواه أحمد وابو داود.
(1)
- EET- (4/442)
صفحة 2501
مضمونة مؤداة، قال بعض: ليس في قول النبي عارية مضمونة مؤداة ما يجب الضمان، لأنها أمانة، وأنه لا يملكها، وأن عليه أن يرد الأمانة إلى صاحبها، فسبيلها كسبيل سائر الأمانات، لا يلزمه فيها إلا الحفظ لها، وهذا إخبار عن التزامه بحفظها حتى يؤديها، واستعماله لها بأمر صاحبها، فإن تلفت بغير تعد لم يكن ضامناً، وقال آخرون: معنى قوله عل ي م ع عارية مضمونة مؤداة)، أي أنا لها ضامن حتى أؤديها لك، ولو لم تكن مضمونة بهذا القول كان فيه تغريم لصاحبه، وقال آخرون - وهو المأخوذ به عند أصحابنا - إن المستعير متى شرط لصاحب العارية ردها أو شرط عليه ربها كان لها ضامناً، وهذا القول أعدل وأشبه بظاهر السنة، وإذا لم يشترط، لم يكن عليه ضمان إلا بالتعدي فيها، لأنها لم تنتقل عن ملك ربها، وقال أبو عبد الله محمد بن بركة: وقال. أصحابنا: العارية لا تكون مضمونة إلا بالتعدي، وإن اشترط صاحبها على المستعير ضمانها ضمن، وقالوا: وإن شرط صاحب الأمانة الضمان على المؤتمن لم يضمن، وكان شرطه باطل، فيجب ألا يكون في العارية ضمان، وإن شرط فيها، لأن ما أصله غير مضمون يجب أن يكون الشرط لا يوجب ضمانه، كما أن أصل ما كان مضموناً لا يبطل ضمانه بالشرط، واختلفوا في المضاربة إذا اشترط ربها على المضارب ضمانها، فقال أكثرهم: (4/443)
صفحة 2502
يصح
الشرط، وليكون المال قرضاً على المضارب والربح له، وقال بعضهم الشرط باطل والمضاربة بحالها، وهذا القول أنظر، لأن المضاربة أمانة في يد المضارب، وهذا القول أشبه بأصولهم في سقوط الضمان، لأنها في معنى الأمانة، والله أعلم.
وكان شريح ممن لا يرى تضمين العارية إذا ضاعت إلا بالتعدي فيها والتضييع لها، والمحفوظ من لفظه: ليس على المستعير غير الغل ضمان، ولا على المستودع غير الغل ضمان، يعني الخائن، والأغلال: الخيانة، في اللغة عن الأصمعي وغيره.
وفي الأثر: وإذا استعار رجل من رجل دابة ليحمل عليها عشر مخاتيم حنطة، فحمل عليها خمسة عشر مختوماً، كان ضامناً لثلث قيمة الدابة في قول بعض الفقهاء، وقال بعضهم: هو ضامن لثمن الدابة كلها، و به نأخذ، وذلك لأنه متعد ما أمر به، وإن استعار رجل من رجل دابة ليحمل عليها طعاماً مسمى، فحمل عليها دون ذلك فعطبت، كان ضامناً في قول بعض الفقهاء، لأنه خالف ما أمر به، وقال بعضهم: لا ضمان
عليه، و به نأخذ، لأن في خلافه ذلك منفعة للدابة، والله أعلم.
وإن استعارها ليحمل عليها طعاماً من بلدة سماها إلى بلدة سماها.
- {{{- (4/444)
صفحة 2503
فجاوز ما سمى، كان عليه قيمة الدابة، وليس عليه كراء في قول بعض الفقهاء، لأنه لا يجتمع عليه عندهم القيمة والكراء، وقال بعضهم: عليه القيمة والكراء، و به نأخذ، لأن ملك صاحبها لم ينتقل عنها، والله أعلم.
وإن استعاره إياها على أن يحمل عليها شيئاً مسمى، فربطها في الدار فأتى رجل أجني فحمل عليها ذلك الشيء بعينه فهلكت، كان المتعدي ضامناً، لأنه متعد، فعل بغير أمر مالكها.
وفي الأثر: وإن أرسل رجل رسولاً إلى رجل ليعير له دابة، ليحمل عليها طعاماً من مكة إلى المدينة، فقال الرسول للمرسل إليه: فلان أرسلني إليك لتعيره دابَّتك، ليحمل عليها طعاما من مكة إلى، فأعاره إياها ثم حمل عليها الرجل إلى المدينة، لم يكن ضامناً، وإن حمل عليها طعاماً إلى مصر فهلكت، كان الرسول ضامناً لها، ولا ضمان على صاحب الطعام
مصر،
وفي الأثر: أبو محمد الكباوي رضي الله عنه قال فيمن استأجر من رجل دابة ومعها ولدها، فأفسد ولدها في أموال الناس، أن
قوله: الرجل، أي المرسل.
- {{0 - (4/445)
صفحة 2504
الضمان على صاحب الدابة، وكذلك إن أفسدت الدابة، وأما العارية فعلى الذي استعارها، إلا إن قال لصاحب الدابة: رد ولدها فليس عليه شيء وقال أبو سهل: عليه الضمان كله، إلا إن قال له: رده، وأصل المسألة فيما يوجبه النظر، كل موضع يكون فيه ضامناً للدابة إن هلكت، كان ضامناً لجنايتها، وكل موضع لا يضمنها لم يضمن جنايتها، وهذا إذا كان الهلاك من قبل غيره، والله أعلم.
وفي كتاب أبي عبد الله: فمن أعار إنساناً عارية إلى وقت معلوم، لم يكن له أخذها قبل انقضاء المدة من طريق الديانة، وعلى صاحبها الوفاء للمستعير بوعده، قال الله تبارك وتعالى: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود). وقال في موضع آخر: و لم تقولون مالا تفعلون) الآية (2)، وقال أصحابنا: وعلى الحاكم أن يحكم في رد العارية إذا طلبها، ورجع عن الشرط قبل تمامه ويسمون نه منافقاً لخلفه،
(2)
قوله: وأصل المسألة الخ، هذا يدل على اختيار قول ثالث، فإن كلا من المستأجر والمستعير لا ضمان عليها إلا بالتعدي أو بشرط الضمان، والله أعلم.
(1) المائدة: 1.
(2) الصف: 2.
- {{7 - (4/446)
صفحة 2505
والنظر يوجب عندي أن الحاكم يجب أن يحكم على ربها بالوفاء للمستعير لأنه إن حكم بغير ذلك، حكم بنقض طاعة وإلزام معصية، ولا يجب للحاكم أن يحكم إلا بما يكون طاعة، والله أعلم.
والعارية تكون في الأرضين والدور والحيوان والمتاع وجميع ما
يعرف بعينه، إذا كانت منفعة مباحة الاستعمال.
وإن أذن له أن يبني في أرضه بيتاً ويسكن فيه إلى أجل معلوم، فبنى فيها، ثم بدا لصاحب الأرض، فأخرجه قبل تمام الأجل، فإنه يعطيه عناه وقيمة النقض إن أدخله من خارج، لأنه لم يتم له شرطه، والنقض تابع للأرض، وأما إن لم يخرجه إلا بعد تمام الأجل، قد ذكر في الأثر قولان: قال بعضهم: عليه أجر عناه: وقال بعض: ليس
عليه شيء.
وأما قيمة النقض الذي أدخله فيه، فإنه لا يدرك قيمته. وأما إن لم يجعل له أجلاً، فمتى ما أخرجه فله عليه أجر عناه، وقيمة النقض إن أدخله من خارج، ففي الأثر أيضاً: وإذا أعار رجل لرجل أرضاً
قوله: والنقض تابع للأرض، أي فلا يهدم.
يبني
- {{Y- (4/447)
صفحة 2506
فيها ويسكن، ولم يوقت له ثم بدا له أن يخرجه، لم يكن له ذلك حتى يعطي قيمة النقض، وإذا أعاره إلى وقت، فليس له أن يخرجه إلا إلى ذلك الوقت، ويقول له: انقض بناءك، فعلى هذا القول، أن البناء للمستعير وعليه أن ينقله، إلا إن اتفقا على ذلك، وعلى قول الآخرين،
ان البناء للمعير بالشرط، وهو الأجل المذكور، والله أعلم
وأما إن أذن له أن يغرس في أرضه إلى أجل معلوم، فغرس فيها ودياً، فإن شرط له أن يأكل إلى أجل، وتكون الأشجار لصاحب الأرض فهما على اتفاقهما، وإن لم يتفقا على ذلك في بدء أمرهما، فإنما تكون الودي لصاحبها وتكون له هناك في تلك الأرض، وليس عليه نقصان قيمة تلك الأرض، لأنه إنما غرس بأمر صاحب الأرض. و أما إن غرس فيها غير الودي مما ليس له عروق، فمتى ما أخرجه
قوله: قيمة النقض، أي إذا أدخله من خارج، كما يؤخذ مما تقدم، ولم يتكلم على العناء في هذه الصورة، لعله لعلمه أيضاً مما تقدم قوله: فليس له أن يخرجه الخ، هذا هو المناسب لما خالف فيه أبو محمد أصحابنا.
قوله: و ول له، يعني بعد تمام الوقت، وأما قبل ذلك فليس له عليه حكم. قوله: للمعير، يعني ولا يدفع شيئاً، وقيل: يدفع العناء، والأول أظهر.
- {{^- (4/448)
صفحة 2507
فله قيمة ما غرس فيها وله أجر عناه أيضاً، وهذا إذا أذن له بغير الأجل.
وأما إن أجمل له أجلاً، فإذا تم الأجل وأخرجه فلا يدرك عليه شيئاً، وإن أخرجه قبل الأجل، فله عليه أجر عناه وقيمة ما أدخل فيها من خارج، والفرق بين الغروس والنقض والودي، لأن الودي معين لصاحبه لأنه له عروق، ولذلك يكون لصاحبه إذا أخرجه صاحب الأرض، والغروس والنقض غير معينة، لأنها منتقلة عن حالها الأول، لأنها تسمى بخلاف إسمها الأول، ولذلك هي تابعة للأرض، والله أعلم وإن أذن له أن يجوز الطريق في أرضه، فجوزه المأذون له وأراد بعد ذلك أن يمنعه فلا يجد ذلك، وقد ثبت عليه، وكذلك النهر والساقية إن جوز الماء بإذنه وأراد منعه بعد ذلك فليس له ذلك، وقد ثبت عليه، لأن هذه منفعة للمأذون له والعين لصاحبها، أعني الأرض لم تنتقل من ملكه، وإنما للمأذون له المنفعة فقط، وكذلك إن أذن له أن يحرث في
قوله: قيمة ما غرس، يعني بدليل أخذ العناء.
قوله: وإن أخرجه قبل الأجل، هذا ماش على ما عليه الأصحاب
رحمهم الله، من جوز الإخراج قبل الإخراج.
قوله: فليس له ذلك، أي إذا لم يوقت.
- {{9 -
ه م 29 - الإيضاح،
( (4/449)
صفحة 2508
أرضه فحرث، فلا يمنعه بعد ذلك حتى يحصد زرعه، ولا يحل له منعه، لأن ذلك منه ضرر قبل أن يحصد زرعه، والضرر لا يحل، وليس على المأذون له سبيل، وإنما يجوز له المنع إذا لم يكن منه ضرر على المأذون له، وذلك في كل منفعة لا تمنع ملك العين لصاحبها، وذلك أن يرتفقا به جميعاً، مثل ما ذكرنا في الطريق والساقية، وكذلك إذا كانت المنفعة إلى غاية، مثل ما ذكرنا في الحرث، وكذلك إن استعار من عنده دابة ليحمل عليها متاعه أو ثوباً ليلبسه أو زق زيت ليحمل فيه زيته، ثم بدا لصاحب الشيء في شيئه، فإنه يأخذ شيئه، إن لم يدخل الضرر على المستعير، مثل أن يلقاه في الصحراء وليس عنده ما يرفع عليه متاعه، وليس عنده ثوب يستره غير ثوبه ذلك، وليس عنده ما يحمل فيه زيته فإنه لا يدرك عليه شيئه حتى يصيب أين يجعل زيته وما يحمل عليه متاعه أو ثوباً يستره ولا يلجئه إلى ضرر، والضرر لا يحل، لأنه غير متعد.
وأما إن سرق له ثوبه فوجده قد لبسه، فإنه ينزعه ويتركه عرياناً ولو كان ذلك في وسط الناس، وكذلك زقه وخابيته إذا وجده قد جعل فيه زيته أو لبنه فإنه يهريق له ذلك، ويأخذ متاعه.
قوله: أن يرتفقا، أي أن ينتفعا والله أعلم. (4/450)
صفحة 2509
وأما إن باع السارق تلك الثوب أو الخابية لرجل آخر على
وجه الحلال، فوجدهم صاحبهم عند المشتري، فإنه لا ينزعهم له، ولكنه يتركه يلبس الثوب ويحمل زيته حتى يجد ما يلبس وما يضع فيه زيته أو لبنه ويجتهد في ذلك، ولكن يكون عليه عناء ما استعمل بعدما وجدهم صاحبهم، والله أعلم.
وفي الأثر: وعن قوم طلبوا رجلاً يأذن لهم أن يبنوا قصراً في موضع له، فأذن لهم فيه، ثم بنوا قليلاً فمنعهم، فهل يرفعون؟ قال الشيخ: إن بنوا مقدار البيوت، بنوا ما شاءوا في العلو ولا يشتغلون بنهيه، وإن لم يبنوا مقدار البيوت فليتركوا، وقال أبو الربيع: إذا بنوا شيئاً أو بنوا من بعضه، فإنهم يبنون ما أرادوا، وهذا إذا كان النقض من خارج، وأما إذا كان من داخل، ولو أتموه كله، فإنه يخرجهم ويعطيهم عناء هم وقيمة ما أدخلوه من خارج في قول أبي الربيع رحمه الله،
والله أعلم.
قد كمل كتاب الهبة بحمد الله وحسن عوانه.
-2011 (4/451)
صفحة 2510
،
كتاب الوصايا
باب في الوصايا
(1)
والوصية للأقرب واجبة على كل إنسان بالغ صحيح العقل، إذا كان له مال يوصي به والدليل على وجوب ذلك، قول الله عز وجل: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين كم (1)، والخير ها هنا المال، فلما بين الله في سورة النساء ميراث الوالدين، فكانت وصيتهما منسوخة وثبتت وصية الأقربين على حالها، ومن مات ولم يوص فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: (من مات ولم يوص فقد ختم عمله بمعصية) (2)، ففي الأثر: ولا يقال، ختم عمله بمعصية إلا من مات
(2)
(1) البقرة: 180 (2) رواه احمد
- 452 - (4/452)
صفحة 2511
على كبيرة.
وفي الأثر عن أبي المؤثر: إذا ترك الميت مالاً أكثر ما يقول المسلمون أن الوصية فيه واجبة، ثم لم يوص لقرابته عمداً، فأهون ما أفعل معه، ألا أتولاه، وإنما قيل: الوصية للأقرب فريضة، لأنه لا
يوصل إلى إنفاذها إلا بعد موته، وإن أعطاها وهو حي فلا تجزئه، وأما غير ذلك من التباعات، فإنه يمكنه الانتصال منها في حياته، حتى لا يحتاج إلى أن يوصي بها، فإن لم يفعل جعلوا له مخرجاً أن يوصي بها فيبرأ إذا أنفذها الوصي أو الوارث بعده، فإن لم يفعل الوصي أو الوارث أو غيرهما ممن ينفذ ذلك عنه، فيكون ذلك ديناً عليه ولا يحكم عليه بالعصيان، مثل من لم يوص بها، وإثم ذلك على الذين يبدلونه لقوله عز وجل: فمن بدله بعدما.، فإنما إثمه على الذين يبدلونه) (1)
سمعه
ولا يتوجه قوله بعدما سمعه، إلا إلى المبدلين، لا إلى المؤمنين المجتهدين
باب في الوصايا
قوله: ثم لم يوص، الظاهر أنه معطوف على قوله: ترك، وجملة قوله: أكثر،
الظاهر أنها صفة مال، والله أعلم.
(1) البقرة: 184.
- 453 - (4/453)
صفحة 2512
وكذلك قوله: (فإنما إثمه على الذين يبدلونه) وإنما من حروف الحصر عند أهل اللسان.
وروي أنه قال عليه السلام: (ما يحق لامرئ يؤمن بالله وباليوم الآخر أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه))، فعلى الناس امتثال ما أصابوه مكتوباً عند رأسه، ولو لم يكن هذا نافعاً لما نوه رسول الله به، ودل عليه وأوجبه. الله
وهذه الحقوق التي تجب عليه الوصية بها، ويكون هالكاً إذا ترك الوصية بها، مثل إذا ترك الوصية بالزكاة إذا وجبت عليه أو الحج إذا وجب عليه أو جميع ما كان عليه من أموال الناس بالتعدي.
وأما المعاملات والأمانات، فإذا كانت الشهادة عليها فلا يحكم عليه بالعصيان إن لم يوص بها، وأما إن لم تكن عليه الشهادة، ولم يعلم بها ففيها اختلاف، منهم من يقول: يهلك بذلك، ومنهم من يقول: لا يحكم عليه بالهلاك وأمره إلى الله، ومن قال: بهلاكه لأن ترك الوصية عنده عمداً بمنزلة الجحود لما عليه، والجاحد لما عليه كافر، وكذلك من ادعى ما ليس له، لقوله عليه السلام: (المدعي ما ليس له، والمنكر لما
(1) رواه البيهقي والترمذي.
- 454 - (4/454)
صفحة 2513
عليه کافران) (1)، وعلى قول الآخرين: لا يهلك ما لم يجحدها، لأنه إنما أخذها بطيبة نفس أربابها فلا يهلك ما لم يجحدها، ويدل على ذلك أيضاً أن أرباب الأموال يدركونها على الورثة، ولو لم يوص بها إذا كانت لها
بينة، والوجه الأول لا يلزم الورثة إذا لم يوص بها.
وأما الحقوق التي بينه وبين الله، من المغلظات والكفارات والعتق، والأموال التي لا تنسب لأحد من الناس، من وجوه الأجر كلها والمسكنة، إن لم يتنصل من ذلك في حياته حتى مات ولم يوص بها فقد عصى ربه، وقيل: إن أمره إلى الله إذا ترك الوصية بمثل هذا كله فلا يحكم عليه بالعصيان، والله أعلم.
عند
بعضهم
ولا يسعه نسيان الوصية للأقرب، ولا نسيان الوصية بالحج والزكاة، لأن ذلك تضييع منه، وكذلك نسيان التعدي وجميع المعاملات عند بعضهم، لأنه ركب ما هو محظور عليه، ثم سوف التوبة حتى نسي، فقال الله تعالى: (ثم يتوبون من قريب، فأولئك يتوب: الله عليهم) (2)، وفي كتاب الضياء: مسألة، وقلتم إنكم وجدتم في
(1) تقدم ذكره. (2) النساء: 017
- 455 - (4/455)
صفحة 2514
الأثر فيمن توانى بالتوبة حتى نسي، وكان يلزمه في ذلك الذنب حق الله أو للعباد يجب عليه قضاؤه، ثم تاب و استغفر في الجملة أنه غير معذور، لأنه ركب ما كان محظوراً عليه، ثم سوف التوبة حتى نسي، قال الله تعالى: {ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) (1)، فإنما ذمهم بالإصرار
مع العلم لا النسيان، لأنه قال: لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا)،
(2)
وقال النبي: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) (2)، وإني أرجو أني سمعت محمد بن الحسن النزوي يقول: أحب أن أنسي ذنوبي، وكان فقيهاً زاهداً، وأرجو أن الشيخ كان يقول: إن التائب من جميع ذنوبه وعليه ذنب لا يعرفه أنه أذنبه حتى يعلم أن عليه ذنباً لا يتوب منه، قال الله تعالى في التوبة: ثم يتوبون من قريب)، قيل قريب، قبل أن ينزل بأحدهم الموت قال: إني تيت الآن، وقال ع في قوله تعالى: {حتى إذا حضر أحدهم الموت، قال: إني تبت الآن)، (إن الله يقبل توبة عبده، ما لم يغرغر بالموت) (3)، فكل تائب
قوله: حتى يعلم، لعله لا يؤاخذ أو يعفو عنه، أو نحو ذلك
(1) آل عمران: 130
(2) تقدم ذكره.
(3) رواه ابن ماجه والدارقطني.
- 456 - (4/456)
صفحة 2515
مقبولة توبته منه فيا علمه وما لم يعلمه إذا تاب من كل ذنب، وكان ذلك اعتقاده، لأنه إن علم بذلك خرج منه، ألا ترى إلى قولهم في المحرم إذا قال: أستغفر الله من جميع ذنوبي أجزأه، والمستحل حتى يتوب من جميع ذنوبه التي يعلمها بعينها، ولو كان من نسي من ذنوبه، ثم تاب كان غير معذور، وكل هذا لا يخرج طبع ابن آدم منه ولم يسلم أحد منه، إلا من شاء الله، لأن الناس يركبون الذنوب وينسون ذلك، قال الله تعالى: ولقد عهدنا إلى آدم من قبل، فنسي ولم نجد له عزماً)، (1) فالعبيد على طبع أبيهم في النسيان، إلا أن العبد لا يؤمر بترك التوبة والتسويف حتى ينسى، بل عليه التوبة في كل حال وفي كل وقت، فإن أصر، هلك قال الله تعالى: ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون)، والله أعلم.
وسواء في هذا، ما وجب عليه بفعله أو وجب عليه بفعل غيره، مثل الوارث إذا وجب عليه شيء من ذلك، فأوصى به أن ينفذ أو وجب عليه بالخلافة على وصية غيره أو بالوكالة، سواء في هذا الوارث
قوله: معذور، ولكن الظاهر أن الجواب محذوف، مدلول عليه بالكلام السابق، تقديره مثلا، لم يصح قولهم في المحرم إذ قال: والله أعلم.
(1) سورة طه: 115.
- 457 - (4/457)
صفحة 2516
وغيره، إذا انتهى إليه وجوب ذلك بعد
موت ت الموصى به والموكل له
فيكون بمنزلته في إنفاذ جميع ذلك في حياته، والوصية به إذا حضره الموت، ومن ترك الوصية به بالعمد أو بالنسيان على ما ذكرنا في الأول نسقاً بنسق، والله أعلم.
ولا يجزئ عن الميت ما يرده الأقرب عن الأجنبي لوصية الأقرب، ولا ما يأخذه من الوصايا التي ترجع إلى الأقرب، إذا لم يعرف لها مذهباً، إذا لم يخصه بوصية، وذلك أن وصية الأقرب فريضة، ولا يصح أداء الفرض إلا بقصد إليه، وقال بعضهم: بل يجزئ عليه فيما ذكرنا في الوجهين جميعاً، وينقذه ذلك من الهلاك، ولا يكون بمنزلة من لم يوص به، فعلى قولهم هذا، أن الفرض يصح بغير نية، والقول الأول أصح لقوله عليه السلام: (إنما الأعمال بالنيات)، وكذلك إن أوصى لبعض
أقاربه دون بعض، فلا يجزئه ذلك لقوله عز وجل: والأقربين
وقيل فيه: بأنه لا يكون مثل من لم يوص به، وكذلك أيضاً إن قصده بالوصية على أنه ليس بالأقرب، فصح أنه الأقرب، أو قصده ولم يعلم أنه أقرب أو غير أقرب فهو على هذا المعنى، والذي يجب عليه أن يقصد بوصيته قرابته هكذا لأنه فرض، والفرض لا يصح إلا بالقصد وفي الأثر: وقد اتفق علماؤنا رحمهم الله في أنَّ من قال: قد
،
- 458 - (4/458)
صفحة 2517
أوصيت لقرابتي، أنها وصية صحيحة، وإذا قال: للأقربين، فعند بعضهم
أنها ضعيفة.
وفي الأثر: وإنما يوصي الموصي للأمر بين هكذا، ويطلق الوصية عليهم ويأخذها الأقرب الذي كان قريباً عند موت الميت، سواء كان في
ذلك من كان قريباً في حين الوصية، ومن حدث بعد ذلك.
وإنما قلنا: يوصي الأقرب، هكذا لئلا يوصي لرجل معروف ويقصده بالوصية وهو يظن أنه أقربى له، فإذا هو ليس بأقربه وغيره هو الأقرب، أو يموت ذلك الرجل فيصير. أقربه غيره، فعليه أن يستأنف الوصية للأقرب إذا مات الأقرب الأول الذي قصده بالوصية أو ارتد أو حدث من هو أقر بي دونه.
وإن مات ولم يعلم شيئاً من هذا ولم يتعمد لتبديل الوصية، فعسى أن لا يكون عليه بأس، وكذلك إن أوصى بجميع ما يجب عليه أن يوصي به من انتصال أموال الناس أو الاحتياط أو الكفارات وجميع ما عليه، إذا أوصى بذلك للاقرب، أو أوصى أن ينفذ ذلك على الأقرب فلا تجزئه تلك الوصية للاقرب لأنها فريضتان، وإن أوصى للاقرب بشيء معلوم فإذا هو ليس فيه شيء، أو أوصى بشيء معلوم فتلف ولم يعلم بهذا
- {09 - (4/459)
صفحة 2518
كله حتى مات أو ما أشبه هذا، فليس عليه شيء لقوله عليه السلام: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما لم يستطيعوا، وما أكرهوا عليه)، وتجب عليه الوصية للاقرب سواء كان الأقرب غنياً أو فقيراً، لأن وصية الأقرب كالميراث، وهذا إذا كان له مال، فإن لم يكن له مال فلا تجب عليه وصية الأقرب إلا من باب الاحتياط، عسى أن يكون له مال من حيث لا يعلم، والدليل على هذا قوله تعالى: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية) (1)، والخير ها هنا المال، وكذلك إن لم يعلم لنفسه قريباً فليوص، فلعله يكون من حيث
لا يعلم، وليس مضيقاً عليه كما تضيق عند من له قريب معروف.
وأما ما عليه من التبعات، فعليه أن يوصي بها، سواء كان له مال أو لم يكن، لأن الوصية توبة، والتوبة واجبة عليه على كل حال،
والله أعلم.
وإذا أراد الرجل أن يكتب وصيته فليقل: هذا ما أوصى به فلان ابن فلان الفلاني في صحة من عقله وجواز من أمره: أوصى وهو ممن يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله،
(1) تقدم ذكرها، البقرة: 180. (4/460)
صفحة 2519
وما جاء به محمد لا هو الحق من عند الله وأوصي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبر الوالدين أبراراً كانا أو فجاراً، وصلة الرحم، وحق الجار، و ما ملكت اليمين، والقيام بالحق، وأن يطاع الله ولا يعصى، و أن يذكر ولا ينسى، ثم يوصي للاقرب وما عليه من تبعات الناس وما يجب عليه فيما بينه وبين الله، مثل الزكاة والحج والعتق والكفارات و ما أشبه ذلك، ثم يوصي بما أراد أن يوصي به ولاحتياط ما عليه مما لم
يتيقن به.
وإن أراد أن يوصي بعد ذلك للتطوع فيما دون ثلث ماله فليفعل وليكتب اسم الخليفة والشهود ويحث عليه ويجعلها في يد أمين وحيث لا يخاف تلفها، وإن مات هذا الوصي فليبدءوا من ماله بالكفن ثم الديون ثم الوصية ثم الميراث، وإن مات ولم يوص فليس على الورثة شيء إلا ما علموا به من تباعات الناس، فعليهم أن يعطوها لأربابها والباقي فليأكله الورثة هنيئاً مريئاً، فليس عليهم منه شيء إلا إن كان مورثهم يدين بالوصية وهو من أهل الصلاح، ثم فاجأه الموت قبل أن يوصي ينبغي لهم أن ينفقوا عليه شيئاً من ماله.
قوله: فيا دون ثلث ماله الخ فيه إشارة إلى أن ما تقدم يخرج من رأس المال وقد ذكر في أول كتاب الزكاة في ذلك قولين.
-271 - (4/461)
صفحة 2520
وفي الأثر: وعن بعض علمائنا رحمهم الله، أن إمرأته ماتت ولم توص فقسم لها وصية، فسئل، فقال: إنها كانت تدين بها قبل هذا؟ وفي الأثر أيضاً مثل هذا عن جابر بن زيد عن عائشة أنها قالت: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أمي أفلتت نفسها، وأراها لو تكلمت تصدقت، أفأتصدق عنها؟ فقال له رسول الله: تصدق عنها) (1)، فدل هذا من قولهم أن الذي يدين بالتوبة تائب وينفعه ذلك، والله أعلم.
فإذا ثبت فرض الوصية كما ذكرنا فإنا نبتدئ إن شاء الله بالموصي، أعني من تجوز وصيته وما يتعلق به من المسائل، ثم بالموصى به، أعني معرفة الشيء الذي تجوز فيه الوصية ثم بالموصى له، أعني من تجوز له الوصية ومن لا تجوز، وأنواع الوصية بأحكامها إن شاء الله
قوله. أفلتت نفسها، أي اعلنت فجأة قوله: تجوز فيه الوصية، في نسخة تصح.
(1) رواه البيهقي وابو داود.
- 462 - (4/462)
صفحة 2521
باب من تجوز وصيته ومن لا تجوز فقد اتفقوا أنه تجوز وصية كل بالغ صحيح العقل، ذكراً كان أو أنثى، موحداً كان أو مشركاً، لأن أصل الوصية الهبة، فكل من تصح هبته، تصح الوصية منه ولا تجوز وصية العبد إلا بإذن سيده، لأنه لا يملك شيئاً وهو مملوك لسيده، فلا تصح إلا بإذن سيده، ووصية الطفل أو المجنون لا تجوز كما لا تجوز أفعالهم، وقيل في وصية المراهق أنها جائزة، وأما السكران إن لم يكن معه شيء من عقله فلا تجوز وصيته، وإن كان معه عقله فوصيته جائزة، وتجوز وصية من ذكرنا جوازها منه صحيحاً أو مريضاً، واختلفوا فيما سواها من الأفعال للمريض.
وفي الأثر: وقد قالوا: لا يجوز من أفعال المريض غير ما قال الله
(1)
في كتابه: و من بعد وصية يوصى بها أو دين) (1)، يقول بالدين في
(1) تقدم ذكرها.
- {ar- (4/463)
صفحة 2522
قول من قال: فعند هؤلاء أن المريض كالمحجور عليه، ما له إلا فيما قال الله في الوصية والدين: واستدلوا أيضاً بقول أبي بكر رضي الله عنه حين حضرته الوفاة لعائشة وقد وهب لها جذاد عشرين وسقا تمراً فلم تقبضه حتى حضرته الوفاة، فقال لها: إنك لم تقبضيه وهو اليوم مسال الورثة، فدل ذلك أن فعل المريض ليس جوازه كجواز الصحيح في البيع
وغيره.
وفي رواية، أن أبا بكر الصديق قال لعائشة: بنيتي، وددت لو أنك
قبضتيه وهو اليوم مال الوارث.
فإن باع أو وهب فعلى الورثة أن يتمُّوا ذلك إن شاءوا أو ينقضوه ويعطوا ثمن المال الذي باعه إن كان قبض الثمن، أو قيمة المال الذي قضاه بحق عليه لمن قضاه إياه.
وقال بعضهم: كل ما أخرجه المريض من مال بغير عوض، مثل هبته وإباحته وتبرئته من التباعات التي تكون له على الناس وما تصدق به إذا مات في مرضه الذي مات فيه، فذلك كله من الثلث بمنزلة الوصية، وقياساً عليها، ويعضد ذلك قوله عليه السلام: (جعل الله لكم ثلث
- £7 {- (4/464)
صفحة 2523
أموالكم زيادة في أعمالكم) (1)، فجائز تصرفه فيا جعله الله له، وهذا
الغير الوارث
وأما الوارث فلا يجوز له من ذلك شيء، لأنه لا وصية لوارث إلا إن برئ من مرضه فيجوز جميع أفعاله في مرضه لوارث كان أو لغيره، لأن ما كان عندهم ضعيفاً بالمرض كان قوياً بالصحة.
ومنهم من يقول: إن أعطى جميع ماله في مرضه لأجنبي، فبرئ من مرضه فإنه يرد من ماله مثل ما ترد الورثة والأقربون، وإن أعطى للاقرب فإنه يرد منه الثلثين، وإن أعطاه لوارث فإنه يرده كله، فعلى هذا القول أنه لا يجوز له من ذلك إلا ما يجوز له بعد موته.
وفي الأثر: وما تحمل به المريض في مرضه فهو من الكل، ومنهم من يقول: هو من الثلث، لأن هذا معروف، ومعروف المريض من الثلث، وإن تحمل على الوارث أو تحمل للوارث فذلك جائز ومنهم من يقول: إن تحمل للوارث فجائز، وإن تحمل على الوارث فلا يجوز، ومنهم
قوله: وما تحمل به المريض، بدليل آخر الكلام.
(1) رواه النسائي وابو داود والترمذي.
- {70 -
30 - الإيضاح، (4/465)
صفحة 2524
من يقول: لا يجوز في الوجهين جميعاً، والأصل في هذه المسألة: هل هي بمنزلة الوصية أم لا؟ والذي يوجبه النظر عندي أن حمالة المريض ليست بمنزلة الوصية، لأنها تتضمن العوض، أعني يدرك على المتحمل عليه ما أعطى للمتحمل له، والله أعلم.
وفي الأثر: وإن أذن لمن يستنفع من ماله في مرضه، فذلك جائز وما أنفذ في مرضه من وصاياه وما أعطى على نفسه للفقراء، وما ذهب من ماله كله لأمر آخرته فهو جائز ولا ينظر فيه إلى الثلث، وهذا القول يدل من قائله أن ذلك جائز، لأنه غير متهم في ذلك على الورثة، لأنه أذهبه في موضع لا يتهم فيه، ألا ترى أنه أذهبه في وجه لا يفهم منه أنه
يريد بذلك عوضاً، والله أعلم
وأما بيع المريض إذا باع بالقيمة أو اشترى فجائز.
وكذلك ما قضى به المريض دينه الذي عليه، أو ما قضى به في دينه فجائز، إلا إن باع أو اشترى بالاستر خاص أو الاستغلاء فكل ما باع بالاسترخاص أو اشترى بالاستغلاء ثم مات، فإن كان للوارث فلا يجوز، وإن كان لغير وارث فجائز له ذلك ما دون الثلث، لأن ذلك وصية من الميت، ويرد الورثة من ذلك ما فوق الثلث، فإن كان ذلك مما يكال أو
-277 - (4/466)
صفحة 2525
يوزن، فيردوه بالكيل أو الوزن، وإن كان ذلك مما لا يكال ولا يوزن فليردوا قيمته، وإن كان أصلاً فليردوه بالتسمية، وإن ذهب ذلك من يد المشتري أو البائع فهو ضامن لما هو أكثر من الثلث.
ومنهم من يقول: إنما يرد منهم الورثة القيمة في ذلك كله، ذهب من أيديهم أو لم يذهب، وقال بعضهم: بالفرق أيضاً في ذلك، أعني أن للوارث ما يقابل ماله ويرد البقية على الورثة، والأقارب والأجانب يردون بالقيمة فيها زاد من الثلث، وهذا في الأصل، وقيمة الأصل عنده، ومنهم من يقول: إذا باع المريض جاز بيعه، استرخص فيه أو استغلى بالشراء لوارث أو غير وارث، فلعل هؤلاء لم يراعوا الغبن المنهي عنه،
والله أعلم.
والمريض الذي يلزم أن تكون أفعاله من الثلث، هو كل مريض لزم الفراش ويزوره الناس، ورجعت حوائجه إلى الناس من الدخول والخروج بنفسه، ولم يقدر عليها، وكذلك الأحوال المخوفة منه الموت سواء مثل الحامل إذا ضربها الطلق للولادة، أو المحدود إذا مسه
الصحيحة.
قوله: ويرد البقية على الورثة، في نسخة على الورثة بالقيمة، وهي الصحيحة. قوله: وقيمة الأصل عنده في نسخة، وعليه القيمة عنده، قوله: القيمة، يعني ولا يرد بالتسمية.
وهي
- {78 - (4/467)
صفحة 2526
الضرب، والغازي إذا تراءت الجيوش، وراكب السفينة إذا دخلها الإنعطاب والانكسار، والذي لزمه القتل إذا حضر أمر القتل والقود، وبالجملة كل أمر يخاف منه الموت، ومن العلماء من يقول: في الحبلى إذا تبين حملها فأفعالها من الثلث، أو دخلت شهرها في قول بعضهم. وكذلك صاحب السفينة في قول بعضهم: من حين دخل البحر
أفعاله من الثلث.
وكذلك المجروح الذي جرح الجراحات، التي يتوهم منها الموت
أفعاله من الثلث.
وكذلك من طرده، من أراد قتله أو العطشان أو الجائع أو الذي غلب عليه البرد إذا بلغ الحد الذي يخاف منه التلف على نفسه، أفعاله
من الثلث.
وكذلك من حمل السيل أو السبع أو المتردي من الجبل أو من وقع في البئر أو أحاط به الحريق، أفعاله من الثلث.
وبالجملة كل أمر يخاف منه الموت، والله أعلم.
وأما الأمراض المزمنة، مثل صاحب الفالج والمقعد والشيخ الهرم، فأفعالهم من الكل مادامت عقولهم صحيحة، وكذلك المبطون والمجذوم
إذا انعقدت عللهما.
- {7 A- (4/468)
صفحة 2527
باب ما تجوز به الوصية
أعني النظر إلى جنس الموصى به وقدره
أما جنسه، فإنهم اتفقوا على جواز الوصية برقاب الأموال، واختلفوا في المنافع ورقاب الأموال على وجهين: معلوم ومجهول، فالمعلوم منها على وجهين: معين وغير معين، فالمعين مثل أن يوصي بفدان معروف من ماله أن يخرج منه كذا وكذا، لشيء يسميه لوصيته، أو أوصى أن يتصدق عليه، ذلك الشيء بعينه إذا كان يكال أو يوزن أو بثمنه في غير المكيل والموزون، ومثل ذلك الدار والدابة والثوب وما أشبه ذلك من كل شيء معين مقصود إليه، وهو أيضاً على وجهين: معلوم بالمشاهدة و معلوم بالصفة، وهو أن يكون في وقت الوصية غائباً، لكنه موجود، وغير المعين أن يوصي بكذا أو كذا درهماً أو ديناراً أو بشيء معروف
معيناً.
قوله: وثمنه في غير المكيل والموزون، يعني إذا لم يكن الموصي بذلك
- {79 - (4/469)
صفحة 2528
ما يكال أو يوزن إذا أوصى بهذا كله أن يخرج من ماله، أو من شيء
مسمى
، وكذلك
من ماله بعد موته، لشيء يسميه من وصيته فهو جائز جميع ما كان له من الديون في ذمة الغير على هذا الحال، سواء في هذا
الذي ذكرنا من المقصود، الشيء كله أو تسمية منه.
والمجهول، ما ليس بمقصود إليه بالمشاهدة ولا بصفة معلومة، ولكن
ما يقع عليه اسم ذلك الشيء هكذا.
وهو أيضاً على وجهين: منفصل ومتصل، فالمنفصل مثل أن يوصي بشاة من غنمه أو بقرة من بقره أو جمل من جماله، ومن المتاع مثل ثوب من ثيابه أو قميص من قمصه أو سيف من سيوفه، ومن الأصول مثل نخلة
=;
من نخله أو زيتونة من زياتينه، ومثل قصعة وقلة وغيرهما من الأواني، و من النقض مثل حجرة وخشبة وباب وسلسلة، ومن الحب مثل القمح والشعير، وسواء في هذا الشيء كله أو تسمية منه.
قال بعض: يأخذ من ذلك الأوسط، وقال بعض: يأخذ ما لا عيب فيه من ذلك، وقال بعض: يأخذ من ذلك ما يقع عليه الاسم.
قوله:: مثل القمح، أي كله أو كيل منه.
- {Y- (4/470)
صفحة 2529
فإن قال قائل: فكيف تصح الوصية بشيء مجهول والوصية واجبة، ولا يصح الواجب إلا معلوماً محدوداً؟
قيل له: التحديد قد وقع وهو ثلث المال، فجعل له التخيير فيما
حد، وله أن يوصي به، وله أن يوصي ببعضه.
والواجب أن يكون على وجوه، فمنه ما يخير فيه المأمور ويطالب
باستحقاق الاسم، فإذا استحق الاسم خرج من العبادة، ومنه ما يكون معيناً، ولذلك جاز ما ذكرنا في الوصية.
و أما المتصل مثل أن يوصى له برأس هذه الشاة أو رجلها أو بجلدها فلا تجوز، لأنها مجهولة غير منفصلة، والله أعلم.
وأما الوصية بالمنافع، فقد اختلفوا فيها كما ذكرنا، فمن أجازها ذهب بها إلى معنى الأموال، ومن لم يجوزها فلأنها معدومة، ولا تصح الوصية في شيء معدوم غير متملك، أصل ذلك إذا أوصى بمال الغير،
وعند الآخرين تجوز الوصية بالمعدوم بشرط وجوده، والمنافع التي ذكرنا مثل غلة الأشجار وسكنى الدار وخدمة العبيد والدواب والغروس والبناء في الأرضين.
وفي الأثر: وإذا أوصى رجل لرجل بثمار فدانه عشر سنين أو
- {Y) - (4/471)
صفحة 2530
سکني داره عشر سنين فمات، فليس في ذلك ما يحكمه الحاكم، وعلى الورثة أن يوصلوا ذلك فيما بينهم وبين الله، إذا وسعه الثلث فله ما ذكرنا من السكنى أو الخدمة وأكل الثمار في العشر سنين التي تلي موت الميت، وإن لم يكن في ذلك الفدان ثمار في العشر سنين التي تلي موت الميت أو في بعضها، فليس له بعد العشرة شيء.
وكذلك إن ترك خدمة العبد أو سكنى الدار أيضاً أو أخذوا منه أو منعوا منه بغير سبب الورثة، فليس له فيما بعد العشر سنين التي تلي موت الميت شيء، وفيها قول آخر: إذا لم يسم الميت تلك السنين التي تلي موته، وإن سماها فليس له بعدها شيء، بلا خلاف احفظه فيها، وأما إن منعه الورثة ما ذكرنا في العشر سنين التي تلي موت الميت، فهي له في عشر أخرى بعد ذلك، وانظر في الثمار لأنها عليهم دين، والله أعلم. وإن أوصى بما ذكرنا من المنافع بغير أجل، فقد ذكر فيه
الاختلاف بينهم.
وفي الأثر: وإن أوصى رجل بسكني هذه الدار أو البيت أو جميع
قوله: وانظر في الثمار، يعني هذا في خدمة العبيد وسكنى الدور ونحو ذلك مما ليس فيه ثمار. (4/472)
صفحة 2531
ما يسكن، سمّى الأجل أو لم يسم فذلك لا يجوز، ومنهم من يقول: إذا سمى إلى أجل معلوم، جائز له ذلك فيهما دون الثلث، وسواء في ذلك إن أوصى له بسكنى هذه الدار سنة هكذا أو هذه السنة أو إلى كذا من السنين.
وأما إن لم يجعل له أجلاً فلا يجوز من ذلك شيء، ومنهم من يقول: جازت الوصية بالسكنى، أجل في ذلك أو لم يؤجل، وإنما ينظر في ذلك إلى ثلث المال حتى يستوفيها الموصى له بالسكنى، وبالثلث ينزل مع الوصايا إذا كانت معه، وكذلك إذا سمى أجلاً وأحاطت السكنى بالمال فلا يجب أكثر من الثلث، وبالثلث ينزل مع الوصايا، وكذلك غلات الأشجار والأرض وخدمة العبيد وغلاتهم وذمتهم، وذمة العبد منا أعطي له وما أوصي له به، ونمو الحيوانات و غلاتهم على ما فسرنا في مسألة السكني لا يزيد ولا ينقص، والله أعلم.
وأما القدر، فإن العلماء اتفقوا على ألا تجوز الوصية في أكثر من
الثلث لمن ترك ورثته، واختلفوا فيها دون الثلث، قال بعضهم: بالربع
و آخرون بالخمس، والمأخوذ به الثلث كما ذكرنا، لقوله عليه السلام:
- {vr- (4/473)
صفحة 2532
،
(1)
(جعل الله لكم ثلث أموالكم عند موتكم زيادة في أعمالكم () و الأصل في هذا ما روي عن جابر بن زيد قال: بلغني عن سعد بن أبي وقاص، قال: (قد جاءني رسول الله الله يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله، قد بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا ترثني إلا بنية، أفأتصدق بثلثي مالي، قال: فقال: لا، فقلت: فبالشطر، قال: لا، ثم قال لي: الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذر هم عالة يتكففون الناس))، فصار الناس لمكان هذا الحديث إلى أن الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث، إلا بإذن الورثة، واختلفوا فيها دون الثلث كما ذكر نا لقوله عليه السلام: (والثلث كثير)، و في هذا الحديث أيضاً دليل على جواز الوصية بأكثر من الثلث لمن لا وارث له. لقوله عليه السلام: (إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس).
وفي الأثر: ما جاوز من الوصية ثلث المال فهو مردود إلى الورثة،
قوله: ففي ذلك اختلاف الخ، في كتب قومنا: ان الجمهور على أنهم لا تلزمهم الإجازة، فيجوز لهم الرجوع قبل الموت، وفصل المالكية فألحقوا
مرض الموت بما بعد الموت فمنعوا فيه الرجوع.
(1) تقدم ذكره.
(2) رواه النسائي بلفظ آخر
- 474 - (4/474)
صفحة 2533
إلا أن يجوزوا ذلك لمورثهم، فإن أجازوه قبل موت مورثهم وأرادوا رده بعد موته، ففي ذلك اختلاف بين الفقهاء، فبعضهم يقول: ليس لهم أن يردوها إلى الثلث وقد لزمتهم إجازتها لمورثهم في حياته.
وقال آخرون: إجازتهم له في حياته كلا إجازة، فليس يملكون في حياته ما يجيزون ولا ما ينكرونه ويردونه إلى الثلث بعد موته.
وأما إن أجازوه بعد موته فلا يردوه إلى الثلث بعد الإجازة،
والله أعلم.
- {Yo- (4/475)
صفحة 2534
باب من تجوز له الوصية
ومن لا تجوز
وتجوز الوصية لجميع الناس من أهل التوحيد، إلا الوارث وعبده
والقاتل وعبده.
وأما الوارث لا تجوز له الوصية، لقوله عليه السلام: (لا وصية
لوارث)).
وفي الأثر: قلت: أرأيت الوالدين إذا لم يكونا من أهل الميراث، أتجوز لهم الوصية؟ قال: لا، وقد قيل: بجوازها لهما إذا لم يكونا من أهل الميراث، وهذا الإختلاف منهم يدل على أن سبب الخلاف، هل المنع لعلة الميراث أو لغيرها؟ فإذا كان المنع لأجل الميراث جازت الوصية
قوله: أو لغيرها، يعني - والله أعلم - أن الأصل في الوالدين عدم الوصية لكونهما من الورثة في الغالب، فمنعت طرداً للباب ولا عبرة بالعارض.
(1) متفق عليه.
- 476 - (4/476)
صفحة 2535
إن لم يكونا من أهل الميراث، وكذلك إذا أوصى الميت لبعض ورثته.
وفي الأثر: وإن أوصى لوارث فجوزها له الورثة في حياة الموصي فلا يجوز، إلا إن جو زوها له بعد موته، ومنهم من يقول: إن جوز له الورثة ذلك في حياته فجائز، فهذا يدل منهم أن علة المنع عندهم لحق الورثة، فإذا أجازوها جاز، والله أعلم.
وعبد الوارث بمنزلته، لأنه ماله ووصيته، ولذلك لا تجوز الوصية لعبد الوارث، كما لا تجوز لوارث الميت، وكذلك أيضاً عبده، لا تصح له الوصية، لأنها راجعة إلى الورثة ولا وصية لوارث.
وفي الأثر: وإن أوصى لوارثه بانتصال أموال الناس أو بالحقوق التي وجبت عليه من الزكاة والكفارات وغير ذلك فلا تجوز.
ومنهم من يقول: جائزة، والذي يوجبه النظر أن من لم يجوز هذه الوصية للوارث دليله عموم قوله عليه السلام: (لا وصية لوارث)، فأخرجها مخرج النكرة ولم يخص وصية من وصية، والنكرة تدل على العموم، وأما من جوز هذه الوصية للوارث فقد دل مذهبه أن المنع إنما وقع على وصية لم يجب عليه في حياته إخراجها، مثل وصية الأقرب
- {YY- (4/477)
صفحة 2536
ووصية التطوع.
والفرق بين هذه الوصية ووصية الأقرب، أن وصية الأقرب لا تجوز إلا بعد الموت، وهذه الوصية التي للحقوق اللازمة له تجب عليه في حياته، فإذا أعطاها في حياته جازت، وسواء في ذلك أعطاها للورثة وغيرهم، فإذا تساوى فيها الورثة وغيرهم في حياته، وكذلك موته على هذا القول، أصل ذلك إذا أوصى لأحد ورثته بتباعة تلزمه في حياته جاز له بعد موته، كما جاز في حياته، والله أعلم.
وأما القاتل فلا تجوز له الوصية، كما لا يصح له الميراث، لأنه تعجيل إلى شيء يحل له في وقت ما، فتعجل إليه قبل وقته، فحرمه عقوبة له. وفي الأثر: سواء كان القتل عمداً أو خطأ، وسواء كان القاتل طفلاً
أو مجنوناً، وقد ذكر عن النبي الله أنه قال: (لا يرث القاتل قتيله عمداً كان القتل أو خطأ) (1)، وقاست العلماء الوصية للقاتل على الميراث كما ذكرنا، وسواء كانت الوصية قبل الجرح أو بعده ثم مات بعد ذلك به لعموم الخبر في ذلك، سواء في ذلك قتله وحده أو اشترك مع غيره من الناس أو من السباع أو كل من ينسب إليه القتل.
(1) متفق عليه
- {YA- (4/478)
صفحة 2537
وبالجملة كل قتل لا يحل له وجب عليه فيه الدية والقود مما ولاه بنفسه أو اشتركه مع غيره، أو كان بأمره مما يجب عليه فيه القود والدية
فلا تصح له به وصية المقتول.
وكذلك جميع من يضمن ديته من وجوه التضييع مثل من رآه أشرف على الهلاك فتركه حتى مات ضيعة، إذا كان ممن يجب عليه أن ينجيه من الهلاك، فإن أوصى له فلا تجوز وصيته، ومن العلماء من يقول: إن قتل الخطأ لا تبطل به الوصية، وذلك لأن الخطأ محمول على هذه الأمة، فلا عقوبة فيه لقوله تعالى: وربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا كم (1).
وكذلك أيضاً كل قتل يحل للقاتل بوجه من الوجوه، فلا يبطل الوصية، مثل من قتل قاتل وليه أو من بغى عليه أو من طعن بدين المسلمين
قوله: مما ولاه، لعله وليه.
قوله: بأمره، أي بأن أمر أولاده أو عبيده أو نحو ذلك
قوله: ممن يجب عليه أن ينجيه، فخرج المهدور الدم
•
(1) البقرة: 286.
- {19 - (4/479)
صفحة 2538
أو المرتد أو ما أشبه ذلك مما يحل به القتل، والله أعلم.
وإن أوصى لرجلين فقتل أحدهما فقد بطل سهم القاتل دون الآخر، لأنه لا تكسب كل نفس إلا عليها، ولا تبطل الوصية بفعل غيره إذا لم يكن له فيه سبب ولو كان الغير طفلة، وأما إن أوصى لعبد فقتله سيد العبد فقد بطلت الوصية، لأن مال العبد لسيده، والله أعلم
وأما المشرك، فقد قال بعضهم. لا يعطى المشرك من الوصية شيء
كالميراث.
(1)
و قال آخرون: ليست الوصية كالميراث، هذه تفضل وعطية وصلة رحم، كما أمر الله والقرابة تصح في المسلم والكافر، والميراث ورد التعبدبها على لسان الرسول عليه السلام: (ولا يتوارث أهل ملّتين)). و هذه الوصية التي ذكرنا جوازها، إنما هي لمقصود، والله أعلم. والوصية جائزة للحمل إن ولد حياً، وإن ولد ميتاً بطلت الوصية، أصل ذلك الميراث، أنه كما يصح له الميراث كذلك تصح له الوصية. وفي الأثر: والوصية للعبد من غير سيده، قال الأكثر: هي تصح
(1) رواه أحمد والترمذي وأخرجه الحاكم.
- {A·- (4/480)
صفحة 2539
ثم اختلف أهل هذا الرأي، قال بعض: لا يجوز للسيد أخذها منه والعبد ينتفع بها، وقال قوم: هو يملكها كما يملكه، إن شاء أخذها وإن شاء تركها، قال القاضي: بهذا أقول.
وإن انتقل العبد من ملك سيده قبل موت الموصي، ثم مات بعد، فهي لسيد العبد الأول، فعلى قول من قال: هي للعبد فهي تتبع العبد
أين ما كان، وإن عتق فهي له.
وتجوز الوصية للطفل والمجنون ولا تحتاج إلى قبول لأنها
قربة إلى الله.
- {^) -
ه م – 31 الإيضاح، (4/481)
صفحة 2540
باب في أنواع الوصايا
أول ذلك الوصية للأقرب، وهي واجبة كما ذكرنا.
وفي الأثر: قلت: بأي شيء يبدأ به المرء من وصيته، قال: فقال: بأي شيء بدأ فقد أجزأه إذا أوصى بجميع ما عليه، وقد رأيت رجالاً من أهل الفضل إنما يبدؤون في وصاياهم بالأقرب، ويأمرون بذلك من
حضر الوصية.
ومن لم يكن له شيء من المال فليوص، ولعل أحداً من المسلمين
يؤديها عنه إذا مات وليس عليه بمضيق، مثل الذي له المال.
ويوصي الرجل من ثلث ماله لأقاربه بما شاء، وأدنى ما يوصي به لأقاربه أربعة دراهم، وهي ربع دينار فصاعداً، وهي أدنى صدقات
قوله: أربعة دراهم، إن جعلنا صرفه على ما هو المتعارف في زمننا.
- EAT- (4/482)
صفحة 2541
النساء، وذلك ان صدقات النساء عندهم أربعة دراهم وهو ربع دينار قياساً على ما يقطع به يد السارق، وذلك لأن هذا عضو لا يتلف بأقل من ربع دينار الذي يتلف به يد السارق، وكذلك لا يجزئ في الفرض من الوصية أقل من أربعة دراهم، كما لا يجزئ في الصداق أقل من أربعة دراهم.
والمستحب في وصية الأقرب أن يوصي بالأصل، ومن الأصل ما فيه الزيتونة والنخلة، لأنها أكثر احتمالاً للعطش من غيرها من الشجر، والوصية للأقرب فريضة، يرثها من يرث المال إذا لم يكن الذي ورثه. وفي الأثر: وترث المرأة الأقرب من ثلاثة رجال وثلاث نسوة، فمن الرجال جدها وأخوها وابن ابنها، ومن النساء جدتها وأختها وابنة ابنها، ويرث الرجل الأقرب من هؤلاء وغيرهم، ويرثه من عمته وابنة عمه وابنة أخيه وغيرهن من النساء إذا صار لهن عصبة، قربوا أو بعدوا منه، إذا لم يكن من يرث دونه، والأصل في هذا الميراث، لأن وصية الأقرب فريضة كالميراث.
وقال تعالى: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) (1)
6
(1) الأنفال: 75.
- Ear- (4/483)
صفحة 2542
وفي الأثر: وإذا مات الرجل ولم يكن له وارث، إلا عمته وابنة عمته أو خالته أو ابنة خالته، وأوصى للأقرب، فالمال كله للعمة و الأقرب لابنة العم، وقيل: بأن يكون للعمة دون ابنتها، وكذلك الخالة وابنة الخالة وغيرهن من الأرحام.
و سبب الخلاف، هل وصية الأقرب للعصبة أو لمن يرث المال إذا إذا لم يكن من يرثه؟ فإذا كانت للعصبة فلا ترثه المرأة إلا في موضع ترث فيه المال مع العصبة كما ذكرنا، وإذا كانت وصية الأقرب لمن يرث المال إذا لم يكن من يرثه، فإن المرأة ترث الأقرب في كل موضع ترث المال، إذا لم يكن من يرثه كما ذكرنا في العمة وابنتها والخالة وابنتها وغيرهن من الأرحام، وإنما يرث الوصية الأقرب كما يرث المال، والعبد و المشرك والقاتل ليس لهم في وصية الأقرب شيء، لأنه لا ميراث
قوله: وإنما يرت الوصية الأقرب كما يرث المال، فعلى هذا إن خلف أبناء وجدة وأختاً وبنت ابن وعماً، وأوصى لأقرب الناس إليه بوصية، يكون السدس منها للجدة ولبنت الابن النصف وللأخت الشقيقة أو الابن الباقي، وليس
للعم شيء.
وأخبرني من أثق به، أن مشائخنا بالجزيرة يحكمون بهذا القول، وكذلك
في بني مصعب، والله أعلم.
- 484 - (4/484)
صفحة 2543
لهؤلاء، إلا إن خص الميت العبد والمشرك بشيء بغير وصية الأقرب فلا بأس كما ذكرنا.
وفي الأثر: وإذا أوصى الرجل لأقاربه ولم يكن له أقارب فترجع الورثة في الاقرب، فيرثونه كما ورثوا المال القريب منهم والبعيد، وقيل: يرثه من كان عصبة للميت دون غيره من الأزواج وإخوة الكلالة وما أشبهم، فهذا يدل منهم أن وصية الأقرب للعصبة، لكنهم اختلفوا إذا أوصى بها الميت ولم يكن له قرابة، هل تبطل تلك الوصية أم لا؟ فإذا بطلت رجعت الورثة، وإذا لم تبطل رجعت. ت إلى العصبة، لكن قوله
ليلي
قوله: فهذا يدل منهم أن وصية الأقرب للعصبة، وبهذا القول جزم في الديوان حيث ذكر أن الأقرب إنما يرثه من يرث بالتعصيب الميت بعد وارثه، ولا حق فيه لذي.، ولذلك لا يستحقها من النساء إلا الأخت وبنت الإبن، ومراده فالأخت وبنت الإبن إذا وجد مع إحداهما من يعصبها، كما هو ظاهر حتى تخرج عن ذوي السهام، ففي الصورة المعروفة في الحاشية الأولى تكون الوصية للعم، كما هو ظاهر - والله أعلم - وكان المناسب للمصنف رحمه الله أن يبين ما عليه العمل، فإن أول كلامه يدل على أنها لمن يرث المال إذا عدم الوارث، سواء كان من العصبة أو من ذوي السهام أو من ذوي الأرحام، وآخر كلامه يدل على أنها للعصبة فقط، حيث قال: فهذا يدل منهم أن وصية الأقرب للعصبة الخ.
- 485 - (4/485)
صفحة 2544
عليه السلام: (لا وصية لوارث)، يمنع من ذلك لعمومه، وعند الآخرين: لا وصية لوارث إذا كان من يرثها.
و المولى إذا مات وترك مالاً وأوصى للأقرب، فإن من سبق إلى ماله، له الأقرب مع المال، لأنه لا عصبة له، ولا فرض عليه في وصية
الأقرب.
وفي الأثر: وإذا أوصى الرجل لأقاربه بعشرة دنانير أو ما أشبه ذلك فيات وترك بنيه فورثوا، ماله ولبنيه أولاد، وامرأة أحد بنيه حامل فهل ينتظره حتى يولد، فيقسم معهم الأقرب؟ قال: لا. قلت: فإن لم يقسموا حتى ولد أيرث معهم؟ قال: لا، وقال الشيخ أبو محمد وافي بن عمار: يتربصوا بقسمة الأقرب حتى يولد يرث معهم، ومن الحجة لصاحب القول الأول فيما يوجبه النظر، أن الوصية للأقرب، وإن كانت ميراثاً فليست ببعيدة، انها هدية وصلة رحم، بدليل أنها بدل من الرزق الذي أمر الله به عند حضور القسمة لأولي القربى، لقوله تعالى: (وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه) (1)، وقد أجمع المسلمون جميعاً ألا يجب لقريب واجد وصية وإعطاء وقت القسمة من
(1)
(1) النساء: 8.
- 486 - (4/486)
صفحة 2545
طريق الرزق، فإذا ثبت أن فيها معنى صلة الرحم فليست بيننا وبين صلة الحمل رحم، وعلى أن بعضهم قال ـ وهو الأقل فيما أحسب ـ ليست بفرض فحيث شاء الميت، جعلها في الأقرب أو في فقير.
وأما قول أبي محمد فجرى على أنها ميراث، والله أعلم. وكذلك اختلافهم في رجل مات وترك أباه وأمه وأخاه وأمه حاملة من أبيه أو غيره، قال الشيخ رضي الله عنه وأكرم مثواه: للأم الثلث وللأب الثلثان فلا يحجبها من الثلث إلى السدس الحمل الذي لم يولد، قلت: إن لم يقسموا حتى ولد الحمل أتكون القسمة بينهم مثل الأولى؟
قال: نعم، قد مات هذا ولم يترك إلا أخاً واحداً، والأخ الواحد لا يحجب الأم من الثلث إلى السدس.
فقال أبو محمد أيضاً في هذه المسألة مثل ما قال في التي قبلها: للأقرب الانتظار بالقسمة حتى يولد الحمل، فإن ولد وهو حي فيحجب الأم من الثلث إلى السدس، وإن ولد ميتاً فلا يحجبها، وأما الحمل الذي يرث فأجمعوا أنه لا تجوز القسمة حتى يولد، وإن ولد وهو حي يرث مع الورثة ويحجب فيمن يحجب، وإن ولد وهو ميت فلا يرث ولا يحجب،
وإنما سهل اختلافهم في الحمل الذي لا يرث، هل يحجب أم لا؟
- LAY- (4/487)
صفحة 2546
وذلك لأن في الأصول: من لا يرث لا يحجب، وكيف يحجب من لا يرث ما يحجب، فلما خالفت هذه المسألة الأصول احتملت التأويل
و تعرض فيها الاختلاف، والله أعلم.
وفي الأثر: وإذا أوصى الرجل لأقاربه بعشرين ديناراً أو ما أشبه ذلك من غير مقصود ولا معين لأقاربه، فمات ولم يأخذ الوصية أقاربه حتى توالد من معهم في المنزلة، أو كان أقربهم إلى الميت في المنزلة، أو أسلم من الشرك، أو أعتق من العبودية، قال بعضهم: يرث معهم في الأقرب هذا الداخل إذا كان معهم في المنزلة، ويرث دونهم إذا كان أقرب منهم إلى الميت في المنزلة.
وقال بعضهم: ليس يرث معهم إذا كان في المنزلة الواحدة، ولا يرث دونهم إذا كان أقرب منهم إلى الميت، وهو لمن صار له عند
موت الميت.
وهذه المسألة والأولى في معنى التأويل واحد، أعني هل الوصية
في ذلك بمنزلة الميراث أم لا؟
وأما إن كان في الأقربين طفل أو مجنون أو غائب أو كانت الورثة
- {AA- (4/488)
صفحة 2547
منعوها لهم حتى حدث هذا الداخل فلا يرث شيئاً، لأنهم منعوا من
حقهم فلا يضرهم ذلك حيث لم يكن من قبلهم.
وكذلك أيضاً: إن أوصى لأقاربه بشيء معلوم مقصود معين، مثل هذه الدابة أو الخادم أو فداناً معروفاً أو دنانير معروفة أو ما أشبه ذلك من المقصود إليه، فلا يدخل معهم فيه من كان معهم في المنزلة، ولا يرث دونهم إذا كان أقرب منهم إلى الميت في المنزلة، لأن ذلك لا يحتاج
إلى القسمة من حيث كان مقصوداً.
فإن قال قائل: فوقت القسمة على هذا له تأثير، قيل له: نعم، ويعضد هذا قوله عليه السلام فيها رووا عنه: (أيما دار أو أرض أدركها الإسلام ولم تقسم، فهي على قسم الإسلام))، فمن اعتبر وقت القسمة حكم للمقسوم في ذلك الوقت بحكم الإسلام، ومن اعتبر موجب القسمة حكم في وقت الموت للمقسوم بحكم الإسلام.
قوله: فلا يضرهم ذلك، أي إجماعاً
قوله: لا يحتاج إلى القسمة، أي مع الورثة. قوله: المقسوم بحكم الإسلام، أي في ذلك الوقت.
(1) تقدم ذكره.
- {^9 - (4/489)
صفحة 2548
وفي الأثر: وإذا أوصى الرجل لواحد من أقاربه بعشرة دنانير ثم
أوصى الجملة أقاربه بمائة دينار، فلصاحب العشرة تلك العشرة التي استخصه بها ثم ينزل مع جملة الأقربين في المائة التي أوصى بها الجملة الأقربين فيرث معهم فيها، وقال بعضهم: يرث غيره من الأقارب هم أولى بالمائة حين استخص هذا بالوصية الأولى، وقال بعضهم: جميع الوصية لهذا المستخص حين استخصه الميت بهذه الوصية الأولى تكون له الوصية الأخيرة.
وقال بعضهم: يأخذ غيره من الأقارب من المائة عشرة عشرة، إذا كان ممن يستوي معهم في قسمة الأقارب، أو أقل من العشرة أو أكثر منها إذا كانوا ممن يختلف فيها ميراثهم في الأقرب على حساب ما ينو بهم إذا حصلت لهم تلك العشرة نحو أن يكون في الأقربين الجد والجدة وابنة الابن وابن الابن، فما بقي من المائة بعد أخذهم ما ذكرنا فينزل معهم فيه.
وسبب اختلافهم هو سبب اختلافهم في تخصيص الميت هذا بالعشرة الدنانير، هل هو من المائة أخرج من عموم الوصية للاقربين أم هو تفضيل له بذلك على غيره، أم ليس ذلك بشيء؟ فإذا كان ذلك التخصيص له من المائة تفضيلاً له على غيره، فله تلك العشرة وما ينوبه من المائة.
1 {9 - 1 (4/490)
صفحة 2549
والدليل على ذلك قوله تعالى: قل من كان عدوا الله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل) (1)، فليس في ذكر جبريل أو ميكائيل بالتخصيص ما يخرجه من الملائكة، ويدل أيضاً على هذا إجماع الجميع أن الميت يوصى من ثلث ماله بما شاء لمن شاء بعد وصية الأقرب، وهذا القول هو الذي يوجبه النظر عندي، وإذا كان تخصيص الميت له بالعشرة إخراج من عموم الوصية للأقربين فله ما خصه به دون غيره، ولغيره ما أوصى له به، ولا يدخل أحدهم على صاحبه فيها أوصى له به، لأن الخصوص إخراج بعض ما يشمله اللفظ العام.
وأما من قال: يبني على ما في يده من الوصية ويتخاصصون، فمذهبه أن الوصية للأقرب فريضة، وحكم الفرض على ما ورد به الشرع ليس لأحد فيه حكم، فحمل هذه الوصية على العموم.
وكذلك أيضاً إن أوصى الجملة الأقرب ثم استخص أحداً منهم بعد ذلك بشيء على هذا الحال، لأن تخصيص العام يرد مقروناً معه ويرد مقدماً ومؤخراً عليه، والله أعلم.
وأما إن أوصى لبعض قرابته دون بعض، فلا يرد من لم يوص له
(1) البقرة: 98 0
-
{91 - (4/491)
صفحة 2550
من الذي أوصى له شيئاً، ولا تجزئه تلك الوصية للأقرب من حيث لم يوف بوصية الأقرب، وليس هو مثل من لم يوص للأقرب بشيء كما ذكر نا قبل هذا.
و في الأثر: وإن أوصى لواحد من أقاربه هكذا ولم يقصده، فليس في ذلك وصية، ومنهم من يقول: الوصية جائزة، ويكون ذلك بينهم أجمعين.
وكذلك إن أوصى لهذا أو لهذا من أقاربه على هذا الحال، لأن هذه وصية لم تتبين، وكل وصية لم تقبين فهي راجعة إلى الأقرب، لأن أصل الوصية للأقرب لقوله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت) الآية، والورثة ليس لهم في الوصية شيء.
فإن قال قائل: أليس قد قال بعض الفقهاء: جميع ما لم يعرف سبيله من الوصايا يتصدق به على المساكين؟ قيل له: نعم، لكن هذه الوصية التي ذكرنا مخصوصة في الأقرب من الميت، وإنما يتبين سبيلها في
الأقرب، والله أعلم.
وأما إن قال: أوصيت بهذا الشيء لفلان أو لفلان أقربي أو أجنبي فللورثة أن يعطوا ذلك الشيء لمن أحبوا من الذين أوصي لهما به، وإن
-897 - (4/492)
صفحة 2551
قال: أوصيت بهذا الشيء لفلان وفلان، فهو بينهما بالسوية. وكذلك إن قال: أوصيت بعشرة دنانير للحج أو للكفارة أو للاحتياط، فيجعلون ذلك لأي وجه شاؤوا من الوجوه التي سمى، وإن قال: أوصيت بعشرة دنانير للحج وللكفارة وللاحتياط فيقسمونها بين الوجوه الثلاثة جميعاً أثلاثاً، وذلك ان الميت إذا خير الورثة فجائز أن يجعلوا ذلك في وجه من الوجوه من ذلك والله أعلم. لأنها مقصود بها
وجه من تلك الوجوه، وإن كانت لم تتبين في أي وجه والله أعلم. وكذلك أيضاً إن أوصى لأقاربه بهذا الشيء أو بهذا الشيء فجائز، وترجع المشيئة في ذلك إلى الورثة، ويدفعون لهم ما أرادوا، وقال بعض: إنما يكون لهم نصف الشيئين، وسواء في ذلك تفاضلا أو لم يتفاضلا.
،
والقول الأول أنظر عندي، لأن الورثة مخيّرون في الشيئين: والواجب منها واحد وهو غير معين، وإن تلف أحد الشيئين قبل أن يدفعوا أحدهما لأقاربه، فإنهم يدفعون لهم الباقي منها، وإن تناسل الشيئان أو أحدهما، فحكم نسل كل واحد منها كحكمه، والورثة مخيرون. وكذلك إن نقصا أعينها أو تغيرا فليعطوا لهم ما أرادوا، والأقرب
والأجنب في هذا سواء، وكذلك جميع الوصايا على هذا الحال.
-195 - (4/493)
صفحة 2552
وإن أوصى للأفرب بواحد من هذين الشيئين ولم يقصده بعينه، فهو جائز، ويتفق الأقرب مع الورثة، وإن لم يتفق معهم فهم شركاء. وكذلك الأجنب وجميع الوصايا على هذا الحال، لأن هذه وصية
مجهولة غير معينة.
وقد ذكرنا جوازها فيما تقدم، وعلى الورثة الأوسط فيها والشيئان لا يمكن فيهما الأوسط، وكذلك قالوا: الأقرب مع الورثة فيهما شركاء إن لم يتفقوا ومقدار ما يوصي به لأقاربه، و جنس ما يوصي به قد ذكرناه في باب الوصايا، ولكن إنما يوصي الرجل لأقاربه بشيء معروف يصل إليه بعد موته، سواء كان ديناً أو عيناً، إلا إن كان ذلك مما لا يصل إليه في الحكم الظاهر وهو حلال له فيما بينه وبين الله، فلا يجزئه في وصية الأقرب، إلا إن وصل إليه بشيء من ذلك يوماً من الدهر فقد أجزأ عنه،
لأنه في يده.
وكذلك إن كان الشيء في يد الأقرب، فقد أجزأ عنه، لأنه في يده، ومثل ذلك أيضاً ما غصب منه ظالم أو عبد آبق منه، فلا يجزئه في وصية الأقرب كما ذكرنا، إلا إن دخل شيء من ذلك في يد الأقرب يوماً من الدهر، ولكن لا يكل نفسه إلى ذلك. والوصية للأقرب بجميع المنافع، فقد ذكر نا ذلك في بابه وما فيه من الاختلاف، فلا معنى لإعادته
- {9 {- (4/494)
صفحة 2553
مثل الغلة ما لم تحضر والخدمة والسكنى ومجاز الطريق والساقي شيء فيه منفعة دون تمليك الغير، والله أعلم.
وكذلك أيضاً الوصية بالشفعة، لأنها حق غير متملك، والله وكذلك إن أوصي له بشيء لم يملكه فلا تجوز تلك الوصية ولا في وصية الأقرب، لأن الوصية أصلها الهبة، والهبة لا تحل بغير نفس مالكها، وكذلك ما اشتراه شراء الانفساخ فأوصى به للأفر
يجزئه لأنه غير مالكه.
وكذلك إن أوصى له بكذا وكذا ديناراً من دنانيره، وكذا شاة من غنمه، وليس له دنانير ولا غنم، فلا تجوز تلك |
للأقرب ولا لغيره.
وكذلك ما ذكرنا من الوصايا، لأنه نسب ذلك إليه ولم؟ وكذلك إن أوصى له بنخيل أو بعبيد، وليس له نخيل ولا عبيد
تجوز تلك الوصية كما ذكرنا.
وأما إن أوصى له بكذا وكذا ديناراً أو كذا وكذا شاة وكذا نخلة من ماله أو أن يخرج من ماله فذلك جائز، لأنها و
الذمة، والله أعلم.
- {90 - (4/495)
صفحة 2554
وإن أوصى له ببيع موقوف أو هبة موقوفة، فحكم الشيء الموقوف موقوف، فإن انقطع إليه ذلك الشيء ووصل إلى الأقرب فقد أجزأ عنه، وإن أوصى رجل لرجل وهو أقربي أو أجنبي، ولم يمت إلا
وهو وارث، فلا يأخذ من الوصية شيئاً، لأنه لا وصية لوارث.
وأما إن أوصى له وهو وارث، ولم يمت إلا وهو أقربي أو أجنبي،
فقال بعضهم: يأخذ الوصية لأنه ليس بوارث، وقال بعضهم: لا يأخذ
شيئاً لأنه أوقع له الوصية وهو وارث، فهي باطلة من أولها.
:
و أما إن أوصى له وهو أقربي أو أجنبي، ولم يمت الموصي إلا وهو أقربي أو أجنبي فليأخذها ولا بأس لأنه ممن تجوز له الوصية، والله أعلم. وإذا أوصى الرجل للاجنب بوصية ولم يوص للأقرب بشيء،
فللأقرب أن يرد على الأجنب ثلثي تلك الوصية.
وقال بعضهم: لا يرد عنه شيئاً، فمن قال: يرد على الأجنب فإن ذلك قياس منه على الورثة، وذلك لما كان الميت لا يصح له من ماله بعد موته إلا الثلث وما دونه لتعلق حق الورثة بالمال كان للأقرب أيضاً ثلثا ما أوصى به للأجنبي لتعلق حقه بالثلث، كتعلق حق الورثة بالمال، ثم إنهم اختلفوا بعد هذا في وجهين: أحدهما، في أي وصية يردها الأقرب
- {97 - (4/496)
صفحة 2555
إلى الثلث، والثاني، إذا أشغله الميت بشيء، أعني إذا أوصى له بشيء، أما الوجه الأول، قال بعضهم: لا يعارض الأقرب جميع ما يوصي به الميت من الكفارات والأيمان والحج والانتصال، ولا ما يوصي به للمساجد والمساكين وإصلاح السبيل وأشباه ذلك من الوصايا، ولا يرد عنهم الثلثين، ويرد الثلثين عن الأجنب المخصوص بها، ما لم يوص له بها الميت على سبيل الحقوق والاحتياط، فإذا كانت على ما ذكرنا، فلا يرد عنه شيئاً، فهذا القول أصح فيما يوجبه النظر، وذلك إنما يرد الأقرب من الوصايا ما يجب له، فإذا أزاحها عنه الميت إلى غيره ردها إلى الثلث. وأما ما كان على سبيل الحقوق والاحتياط فلا، لأنه واجبة على الميت في حياته، فإذا أدّاها فقد أدى ما عليه.
وكذلك إذا أوصى بها بعد موته، وقال آخرون: كل وصية تخرج من الثلث يعارضها الأقرب، وأما التي تخرج من الكل فلا يعارضها، وقد ذكر في الأثر: ومن أوصى للفقراء ولم يوص للأقربين، فللأقربين
قوله: إذا أشغله الميت بشيء الخ، ظاهر التعبير بشيء يقتضي أنه لا يعارض وإن كان أقل من ربع الدينار، والله أعلم. قوله: ومن أوصى للفقراء الخ، ينظر ما الفرق بين الفقراء والمساكين، فإنه ذكر أن الأصح في المساكين أنهم لا يعارضون، وانه لا يعارض الأجنب
-197 -
ه م 32 - الإيضاح،
( (4/497)
صفحة 2556
الثلثان عند علمائنا رحمهم الله، وقد قال بعض: إنها ليست بفرض، فحيث شاء الميت جعلها في الأقرب والفقير.
و أما الوجه الذي شغل الميت الأقرب بشيء، ففي الأثر: وإذا أوصى الرجل للأغرب وأوصى للاجنب الآخر، فذكر الشيخ رضي الله عنه، عن أبي محمد خصيب بن ابراهيم، أنه قال: دع عنك كثرة الأقاويل، إذا أوصى للاقرب بشيء فقد شغله عن الثلثين، وقال بعضهم: يرد الأقرب من الأجنب، ويعتد بما في يده حتى يستكمل الثلثين، وقال بعضهم: يرد عليه ثلثي ما في يده ولا يعتد بما في يده هو، وقال بعضهم: لا يرد عنه شيئاً أوصى له أو لم يوص له.
وإن أوصى لواحد من أقاربه بدينار ولآخر بدينارين، وأوصى للأجنبي بعشرة، فليردوا عنه الثلثين، فيقسماها بينهما نصفين على ما ذكرناه من الاختلاف في المسألة الأولى فيما يرد عن الأجنب، وفي قسمة ما
ردوه بينهم.
وإن جوز الأقرب تلك الوصية للأجنب فلا بأس لأنه حقه،
المخصوص على ما تقدم، اللهم إلا أن يقال: أراد بهم من الفقراء المعينين، أو هذا قول آخر، وهو ظاهر كلام السؤالات، وكذلك إن أوصى للفقراء فللأقربين ثلثا الذي أوصى به للفقراء.
- {9^- (4/498)
صفحة 2557
وكذلك إن جوز له أحد الأقربين فلغيره أن يرد من الأجنب ما ينوبه
من الثلثين.
وأما إن جوز الأقرب للميت أن يوصي للاجنب، فأوصى له، فمات فله أن يرد عليه ثلثي الوصية، ولا تضره اجازته، لأن الوصية للاقرب
فريضة من الله ولا تزيح الفرض تلك الاجازة.
وإذا أوصى الرجل للأجنب ولم يوص للاقرب، فإن الشهود يشهدون للا جنب على الورثة بالوصية من غير حضور الأقرب، ويحكم له الحاكم أيضاً بغير حضوره ويعطيها له الورثة من غير حضوره، ولا يشهد الشهود للأقرب إن دعاهم للشهادة بغير أمر الأجنبي، ولا ينصب الحاكم الخصومة بين الأقرب والورثة على تلك الوصية بعدما أخذها الأجنب. فقد دل هذا منهم، أن الوصية للأجنب إذا أوصى له الميت، ما لم يرد منها الأقرب الثلثين وهو الذي يوجبه النظر عندي، لأن الأقرب مخير بين إجازة الفعل للأجنبي، وبين أن يرد منه الثلثين، ولأن الأقرب
أيضاً لا يدرك منها شيئاً، ولا يجب له إلا بعد قبول الأجنب لها. وكذلك لا يدركها على الورثة قبل أن يقبضها الأجنب ولو قبلها،
قوله: ولا تزيح الفرض تلك الاجازة، نظير هذا ما ذكروه في دواقة الجار، إذا تحاللوا فيما بينهم واتفقوا على إسقاطه لأنها حق الله.
- {99 - (4/499)
صفحة 2558
ولا يجب على الأجنب قبولها، وأما قبضها بعد قبولها فواجب فيما بينه
و بين الله دون الحكم.
و مثل ما ذكرنا إذا جمع الميت رجلين في الوصية أقربين أو أجنبين فعو رضا فيها، وأراد أحدهما أن يخاصم ويستشهد عليها. وأما الآخر، فإنه لا يدرك عليه ذلك في الحكم، ولا يشهد له الشهود وحده، لأن الشهادة عند الشهود وديعة لهما جميعاً لا يدفعاها لأحدهما دون الآخر، ولكن ليس لصاحبه أن يعطل عليه ذلك في جميع الوجوه التي ذكرنا، فإن عطل حتى هلك، فهو لما ينوب صاحبه ضامن فيما بينه وبين الله دون الحكم على ما ذكرنا، وإن أخذها الأجنب من الورثة فتلفت في يده، فهو ضامن لما ينوب الأقرب منها إذا ضيعها، وإن هلكت بأمر غالب، فلا ضمان عليه منها، لأنه أمين فيها وليس بمتعد، والله أعلم.
وما جاوز ثلث المال إذا أوصى به الميت للاجنب، بإذن الورثة فليس للاقرب أن يرد من ذلك إلا ثلثي الثلث، ولا يرد أكثر من ذلك، لأنه من الورثة مثل الهبة.
ومثل ذلك أيضاً إذا أحاطت الديون بماله، فأذن له الغرماء أن (4/500)
صفحة 2559
يوصي بماله كله أو بعضه، فمات، فليس للورثة أن يردوا الوصية إلى الثلث، ولا للأقرب مما يرد الأقرب عن الأجنب شيء، لأن ذلك من الغرماء مثل الهبة، أصل ذلك إن أذن رجل لرجل أن يوصي في ماله بوصية فأوصى فيه، فمات الموصي فليس للورثة ولا للاقرب منها شيء كما ذكرنا. وأما إن وهب له شيئاً من ماله أولاً، ثم أوصى فيه بعد ذلك، فتلك وصية في ماله، فللورثة أن يردوها إلى الثلث، وللأقرب معارضة الأجنب فيما خص به، كما ذكرنا.
وفي الأثر: وإذا أوصى الرجل، قال: أوصيت بعشرة دنانير لهذا الرجل وهو أقربي، فإذا هو ليس بأقربي وأقرب منه غيره، فيرد الأقرب منها الثلثين، والموصى له الثلث.
وإن قال: أوصيت لأقربي بعشرة دنانير وهذا هو الرجل، فإذا هو ليس بأقربه وغيره هو الأقرب، فليأخذ الوصية الأقرب، وليس لهذا
قوله: فليس للمورثة ولا للأقرب منها شيء، يؤخذ منه حكم ما يفعله أهل زماننا لمن تصدق عليهم يجميع ماله، فيلتزمون له: بعد ذلك قدراً معلوماً يدفعونه عنه بعد موته في وصيته، وهذا ظاهر إذا لم يشترط عليه ذلك، والله أعلم، فليراجع. وربما كان ما يفعله الناس داخلا في قوله: وأما إن وهب له شيئاً من ماله أولاً، ثم أوصى فيه بعد ذلك الخ، لأن هذه الوصية في الحقيقة وصية في ماله، لأنه لولا ماله ما التزم له شيئاً، وهو الظاهر والله أعلم.
18.11 (4/501)
صفحة 2560
الموصى له منها شيء، وذلك لأن لفظ الوصية أولاً إنما هي للاقرب. وإن كان أقارب الموصي رجالاً ونساء، فالوصية بينهم كم كما ذكرنا، للذكر مثل حظ الأنثيين، لأنها ميراث إذا أراد الموصي بها وصية الأقرب، وإذا أراد غير وصية الأقرب، مثل الديون والحقوق وما أشبهها فليأخذوا على الرؤوس، وسواء في هذا الرجال والنساء، إلا أن
بين التفاضل بينهم. وكذلك إن أوصى لأقاربه بكذا وكذا وفيهم الرجال والنساء على أن يقسموها بالسوية فذلك جائز، ويكون ما زاد لذي السهم الناقص على سهمه صلة من الميت.
وكذلك أيضاً إن أوصى بشيء معلوم لرجل وامرأة وهما أقرباؤه ولم يذكر الأقرب فالوصية لها جائزة، ويقتسمانها بالسوية، وتجزئه تلك الوصية للأقرب، لأنه لم يذكر وصية الأقرب، والله أعلم.
وفي الأثر من بعض كتب المتقدمين: وإذا أوصى الرجل لذوي قرابته بالثلث، فإن ذوي قرابته كل ذي رحم محرم منه، فإن كان له عمان وخالان وله ولد يحجب ميراثه، فالثلث لعميه، لأنها أقرب من الخالين،
قوله: لأنه لم يذكر، علة لقوله: ويقسمانها.
18.11 (4/502)
صفحة 2561
وأدنى ما يكون من ذوي القرابة اثنان فصاعداً، ولو كان عم واحد وخالان، كان للعم النصف وللخالين النصف.
قال أبو المورج: إن الخالين والعم والعمين في الثلث سواء، وليس هذا ميراثاً، إنما هذه وصية للقرابة، فإذا لم أقدر على أحد إلا هؤلاء
أعطيته.
وكذلك كل ذي رحم محرم منه فالثلث بينهم سواء في الوصية،
وإن كان بعضهم أقرب من بعض.
والعمل عند أصحابنا، أن الوصية للاقرب ميراث، وليس العمل على ما قال أبو المورج في هذا عندهم، إلا إذا أوصى الرجل لقرابته بشيء من ماله على غير وصية الأقرب فجائز وحسن جميل، لأن ذلك من صلة الرحم، وقد أمر الله عز وجل بصلة الرحم في قوله تعالى:
(1)
واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام))، وقال عليه السلام:
(صلوا أرحامكم ولو بالسلام))، وصلة الرحم حق واجب في الصحة والسقم، أن يصلهم بمال إن احتاجوا إليه، وإن لم يحتاجوا إلى ماله
قوله: اثنان فصاعداً، أي لأنها أقل الجمع عند بعضهم.
(1) النساء: 1.
(2) تقدم ذكره. (4/503)
صفحة 2562
فليصلهم بنفسه وسلامه وهو أقل الصلة عندهم.
وإن أوصى لهم بكذا أو كذا من ماله فذلك جائز، ويأخذه قرابته إلى ثلاثة آباء و الموصي رابعهم، وسواء في هذا قرابة أبيه أو قرابة أمه، و، وهؤلاء الأربعة سواء انهم عبيد أو مشركون، لأن صلة الرحم تصح للمسلم والكافر، وقيل في المشركين: ليس لهم فيها شيء. والأول أصح، ومن حجتهم أن القرابة إلى أربع درجات أن القرابة إلى أربع درجات ما روي (أنه
(1)
لما نزل عليه وأنذر عشيرتك الأقربين)، اتخذ طعاماً ثم دعا من دعا من بطون قريش إلى أربع درجات)، وهو يقدر أن يدعو ممن يناسبه أكثر، وقال تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين)، ولم يقل يرتك، مرسلاً، وقد اختلفوا أيضاً، قال بعضهم: أربع بالميت، وقال بعضهم: بغير الميت، وقال بعضهم: إلى ستة آباء غير الموصي، وقال بعضهم: إلى عشرة آباء، ومنهم من يقول: ما لم يقطعهم الشرك، ومنهم
عشيرتا
من يقول: إلا ذوي المحارم منهم.
وقد ذكر في الأثر: وإنما تقسم هذه الوصية أثلاثاً، ثلثين لقرابة
قوله: وإنما تقسم، هذا قسيم لما تقدم من قسمتها بالسؤالان، المراد غير وصية
الأقرب.
(1) سورة الشعراء: 214.
10.2 - (4/504)
صفحة 2563
الأب والثلث لقرابة الأم، وتقسم قرابة الأب للذكر مثل حظ الانثيين،
ومنهم من يقول: بالسوية، ودخل في هذه الوصية الحاضر والغائب. وأما من مات بعد موت الموصي، فورثته بمقامه، ومن ولد بعد موته فلا يأخذ من ذلك شيئاً، و لو أنه قد كان في بطن أمه.
وقيل: إنما يأخذها منهم من حضر القسمة.
وأما قرابة الأم فإنهم يقسمون ما أخذوا بالسوية، وإن كان فيهم من جمع القرابتين فإنه يأخذهما جميعاً، وإن لم يكن له إلا قرابة الأب أو قرابة الأم، فإن من كان منهم يأخذون ذلك كله ولو لم يكن إلا واحداً، وكذلك إذا لم يبق من قرابة الأب إلا واحد، فإنه يأخذ الثلثين من الوصية والثلث لقرابة الأم، وكذلك إن لم يبق من قرابة الأم إلا واحد فإنه يأخذ الثلث ويأخذ قرابة الأب الثلثين، ومنهم من يقول: يدخل الواحد مع القرابة ويكون معهم شركاء سواء، ومنهم من يقول: إن كانت قرابة الأب أقرب إليه من الأم فإنهم يأخذون تلك الوصية، وإن كانت قرابة الأم أقرب من قرابة الأب فإنهم يقسمونها نصفين. وقد ذكر في كتاب أبي عبد الله محمد بن بركة أنه قال: إن اقتسموا عبدالله قوله: ومن ولد بعد موته، جعله كوصية الأقرب خلافاً لأبي. محمد وافي ابن عمار كما تقدم، فقوله فيما تقدم يناسب قوله، وقيل: الخ.
18.81 (4/505)
صفحة 2564
هذه الوصية فيما بينهم حتى لم يبق منها ما لا يحتمل القسمة، فإنهم يعطون ذلك لمن كان أقرب منهم إلى الموصي إذا كان فقيراً، ومنهم من يقول: يعطى ذلك للفقراء قربوا أو بعدوا، والله أعلم.
وإن أوصى لدمه أو لرحمه فذلك جائز، ويأخذ ذلك من لا يحل نكاحه، ومنهم من يقول: الدم والرحم مثل القرابة، وقد ذكرنا ذلك،
وكذلك أيضاً وصية الجيران يأخذها كل من وقع عليه اسم الجار.
وفي الأثر: وسئل عن رجل أوصى لجيرانه بكذا وكذا، هل يرد عليهم الأقرب؟ قال: لا، ويأخذ من ذلك الأغنياء والفقراء والعبيد والأحرار والنساء، فقيل: كيف تكون القسمة بينهم: على الرؤوس أم على الدور؟ قال: على الرؤوس، فقيل له: إن كان في جيرانه أهل الكتاب هل يأخذون أيضاً؟ قال: نعم، قيل له: فإن كان الذي أوصى لجيرانه عبد أو أمة هل يأخذون فيه أهل الكتاب؟ قال: لا، ويأخذون غيرهم من الجيران، قيل له: هل يعد في الجيران عبده إذا كانت له امرأة حرة أو أمة لغيره؟ قال: نعم، وأما أمته فلا، والجار الذي قلناه عشرة
قوله: هل يرد عليهم الأقرب؟ قال: لا إنما لم يرد لأنها كالانتصال من الحقوق. قوله: هل يعد في الجيران عبده،، أي عبد الموصي. قوله: وأما أمته، أي أمة الموصي.
19.71 (4/506)
صفحة 2565
، ومنهم من
بيوت عن يمينه وعشرة عن شماله وعشرة قدامه وعشرة خلفه، يقول:: سبعة سبعة، ومنهم من يقول: ثلاثة ثلاثة، وهذا ما لم يجز
بينهم طريق كبير، فإن كان بينهم طريق كبير، فإنه يقطع حق الجار.
وفي الأثر، وإذا أوصى الرجل بثلث ماله لإخوته وله ستة إخوة اثنان لأبيه وأمه واثنان لأب واثنان لأم فإن كان له ولد يحرز ميراثه فالثلث بين إخوته سواء، وإن لم يكن له ولد كان لأخويه من أمه الثلث ميراثها، ولأخويه لأبيه وأمه الثلثان ميراثها، وتبطل حصة الورثة من الوصية، ويجوز للأخوين من الأب ثلث الوصية، والله أعلم.
18. Y- (4/507)
صفحة 2566
باب الوصية التي تخرج من الكل
والتي تخرج من الثلث
أول ذلك كفن الميت من جميع ماله، وهو قبل الديون، لقوله
في ميت مات بحضرته: (كفنوه في ثوبيه اللذين أحرم فيها) (1):
وأضافها إليه وهو قبل الديون، وكذلك البقعة التي يدفن فيها إن لم توجد
6
،
إلا بالشراء، لأن ذلك أولى من الديون في حياته، وكذلك بعد مماته أعني ثوبه الذي يوارى به عورته وبيته الذي يكنه من الحر والبرد، والدين من جميع المال وهو قبل الوصية، وقد بلغنا أن النبي قضى بالدين قبل الوصية، وكذلك كل ما كان على المرء من وصايا غيره من
ورثته أو من غير ورثته، فهو من جميع المال، سبيله سبيل الديون.
قوله: وكذلك البقعة الخ، هذا مناف لما تقدم له، رحمه الله، في كتاب الجنائز، فليراجع. فإن الجمع بينهما متعسر، وما هنا موافق لكلام أبي زكرياء
رحمه الله وهو الأوفق.
(1) رواه ابو داود والنسائي.
14.11 (4/508)
صفحة 2567
وفي الاثر: قلت: أرأيت وصية أبيه ووصية جده، هل تخرج
وصية جده قبل وصية أبيه أو يخرجان بالحصص؟ قال: يخرجان بالحصص، وقال ذات مرة: تخرج وصية جده قبل وصية أبيه، قلت: فالاحتياط والانتصال؟ قال: الاحتياط من الثلث والانتصال من جميع المال، وبعضهم يقول: من الثلث، وكذا ما وجب عليه من زكاة ماله، قال بعضهم: إذا ضيعها فمن الثلث، وإن لم يضيعها فمن جميع المال، وكذلك الوصية بالحج الواجب
والأصل في المسألة، هل ما يجب عليه في حياته من جميع ماله يجب عليه بعد وفاته من جميعه أم لا؟ فعند بعض، أنه من جميع ماله، أصله الديون، وعند الآخرين من الثلث، والفرق بين هذه الوصايا من الحقوق الواجبة التي تلزم العبد فيما بينه وبين الله وبين الديون، أن الديون تدرك على الورثة في مال الميت ولو لم يوص بها، والحقوق لا تلزم إلا بالوصية من الميت، وأيضاً الديون لمعين والحقوق لغير معين من الناس، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما مضى بما فيه كفاية، ولا معنى لإعادتها.
قوله: وقد ذكرنا هذه المسألة فيما مضى، أي في أول كتاب الزكاة.
10.11 (4/509)
صفحة 2568
باب الوصية بالاتصال والانتصال
كل تباعة كانت عليه من قبل الأنفس والأموال، أعلم أربابها أو لم يعلمهم، وكذلك التباعات التي لا تنسب إلى الناس مثل الفساد في المساجد و ما جعل لوجوه الأجر كله إذا أفسد فيه، فما علم أربابها أوصى لهم وما لم يعلم فليوص لهم بها للانتصال هكذا، ويتخاصصون كلهم في المال، من علم
صاحبها ومن لم يعلم.
ومنهم من يقول من علم صاحبها أولى ممن لم يعلم، وهو الذي يوجبه النظر عندي على ما ذكرنا، وسواء في هذا التعدي والمعاملات وغيره من وجوه المضمونات كلها، والوصية بالانتصال جائزة لجميع الناس، وارثاً كان أو غير وارث، موحداً كان أو مشركاً، غنياً كان أو فقيراً، قاتلاً للموصي أو غيره إذا أوصى لهم الميت وخصهم بالوصية لانتصال أموال الناس، لأنها بمنزلة الدين، وكذلك إن أوصى لا نتصال مال عبد فلان فجائز، والوصية لسيده أو للعبد على قول بعضهم وتتبع العبد.
قوله: التعدي والأمانات، في نسخة: والمعاملات وهي
الصحيحة
19111 (4/510)
صفحة 2569
وأما إن أوصى بكذا وكذا لانتصال أموال الناس هكذا فلينفقوا ذلك على الفقراء، وليس للغني والعبد والمشرك فيها شيء، لأن سبيل ما لا يعرف سبيله أن ينفق على الفقراء كاللقطة.
وقد ذكر عن ابن مسعود، أنه اشترى جارية بسبعمائة درهم، فغاب صاحبها فنشد عبدالله حولاً فلم يجد صاحبها فخرج بالثمن عند سدة بابه، فجعل يقبض ويعطي للمساكين ويقول: اللهم عن صاحبها فإن أبى، فعني وعلي الغرم، وقال: هكذا يفعل باللقطة وبه أمر رسول الله، وإن أمر الميت في هذه الوصية التي لانتصال أموال الناس أن تعطى لفلان فلينفقها الخليفة عليه، وإن أبي فعلى غيره، فإن كان الموصى له غنياً أو مشركاً أو عبداً أو من لا تجوز له الوصية، فلينفق ذلك على الفقراء ولا يشتغل به، لأن الوصية لا تجوز لهؤلاء المذكورين، ومنهم من يقول: يفعل الخليفة والورثة ما أمروا به ولو أنه لا يجزئ ذلك الميت، وأما إن لم يمت الموصي إلا وقد افتقر الغني أو أسلم المشرك أو عتق العبد، فجائز أن ينفقوا عليه تلك الوصية.
وإن كان الموصى له في حال الوصية فقيراً أو موحداً أو غير وارث ولم يمت الموصي إلا وقد استغنى الفقير أو ارتد الموحد أو صار غير الوارث وارثاً، فلا ينفقوا تلك الوصية عليه وينفقوها على فقراء المسلمين
لأن وصية انتصال أموال الناس، سبيلها للفقراء كما ذكرنا.
-011 - (4/511)
صفحة 2570
وإن أوصى بكذا وكذا لانتصال أموال الناس، أن يجعل للمسجد أو في سبيل الله أو للحج أو لوجوه الأجر كلها، فإنهم يجعلون ذلك فيا
أمرهم به. وأما إن أوصى بهذا الشيء أن ينفق على المسجد أو على الطريق أو على كل من لا تجوز عليه النفقة، فلا تجوز تلك الوصية، لأن المسجد والطريق ليسا ممن ينفق عليهم، وأهل النفقة معروفون، فإن أوصى بكذا وكذا لانتصال أموال الناس أن ينفق عليه في بلد كذا وكذا أفلا ينفقوه في غيرها، وكذلك القبيلة على هذا المعنى، وكذلك إن سمى صنفاً من الناس، وإن أنفقوه على غيره فلا يجوز، وجوز بعضهم ذلك،
لأنه كله سبيل تلك الوصية، والدليل على ذلك إذا أطلقها الموصي. وفي الأثر: ووصية الميت على وجهين: وجه ينفع ووجه يضر ولا ينفع، فليس على الورثة فعله، والذي يضر إن أمرهم أن يدفنوه في بيت مات فيه أو يدفنوه في الحرير، فليس على الورثة شيء من ذلك، ورخص في الذي أوصي أن ينفق عنه في بلد معروف أو على مساكين
قوله: وأهل النفقة معروفون، ظاهره أن هذه الوصية ترجع إلى الفقراء فيكون معنى قوله: فلا تجوز تلك الوصية، أي للمسجد والطريق، بل لغيرهم وهو الظاهر، والله أعلم
•
قوله: ورخص في الذي أوصى الخ، هذا هو المراد من سوق هذا الأثر.
- 512 - (4/512)
صفحة 2571
بلد معروف، أن ينفق على الفقراء أين ما وجدهم، وكذلك إن أوصى أن يصلح بهذا المال المسجد الفلاني، فلا بأس أن يصلح به غيره ما وفي الأثر: وإن أوصى بكذا وكذا لانتصال أموال الناس أن ينفق عنه في الزكاة أو في الكفارات، أو أوصى بكذا للزكاة أن ينفق عنه في انتصال أموال الناس، فالوصية للأول منهما، وذلك فيما يوجبه النظر، لأنه لا يجزى فرض واحد فرضين. وفي الأثر أيضاً: وإن أوصى بهذا الشيء لا نتصال أموال الناس، فأنفقوه في احتياط أموال الناس أو للزكاة، فأنفقوه في احتياط الزكاة فلا يجزئهم ذلك، لأنهم خالفوا ما أمروا به، وأما إن أوصى بالاحتياط فأنفقوه في الانتصال فذلك جائز، ومنهم من يجوز ذلك في الوجه الأول، وذلك فيما أرى، لأنه كلها الله حسنات لصاحب المال، وقد ذكر عن أبي سهل: أن الرجل إذا نوى في ليلة عاشوراء أن كل ما يصومه وما يصليه وما يتصدق به فهو لاحتياط ما عليه من صلاة أو صيام أو احتياط فلا بأس، وكذلك ما أكله الطير أو السارق أو النملة، فلا بأس أن ينوية لاحتياط أموال الناس، قال: وكان أبو محمد وارسفلاس لا يجيز ذلك
قوله: أن ينفق على الفقراء الخ، هذا هو محل الرخصة قوله: أو السارق، يؤخذ منه جواز دفع الاحتياط للفاسق، يعني إذا كان فقيراً، والله أعلم
- 13 5 -
ه م 33. الإيضاح، (4/513)
صفحة 2572
وهذا كله فيما يوجبه النظر حسنات على صاحب المال، وذكر أيضاً عن أبي سهل، أن الذي أفسد في المساجد الكثيرة وأصلح ذلك في مسجد واحد فلا بأس بذلك، لأن المساجد كلها الله.
وإن أوصى بهذا الشيء للانتصال وللاحتياط، ولم يذكر أموال الناس فإن الأقرب يأكل ذلك، لأنها وصية لم تتبين يمكن أن يكون انتصل من الأقرب ومن وصيته، ومنهم من يقول: يعطى ذلك عليه كما أوصى، لأن الانتصال معروف وأهله معروفون.
وإن قال: أوصيت بكذا وكذا لانتصال مال فلان أن ينفق علي وإن عرف الموصى له فليدفعوا ذلك له، فإن لم يعرفوه فلينفقوا ذلك على فقراء المسلمين، لأن ما لم يتبين له أهل فأهله الفقراء.
وفي الأثر: وإن أوصى لرجل معلوم لانتصال ماله فلا يدرك عليه ذلك في الحكم ما دام حياً، وليس على الموصى له زكاة ذلك ولا يحطها الموصي أيضاً، لأن الظاهر من الانتصال ما لزمه من الأموال مما لا يحكم عليها الحاكم ولا تلزم الورثة إلا بالوصية بها، فإذا مات الموصي وجبت للموصى له إن كان للموصي مال، فإن مات الموصى له صارت لورثته من بعده على قدر ميراثهم منه، وكذلك أيضاً إن أوصى لا نتصال مال فلان،
1018 - (4/514)
صفحة 2573
وفلان قد مات، فإن ورثة ذلك الميت يأخذون ذلك على قدر ميراثهم، وكذلك إن أوصى لورثة فلان الميت لا نتصال مال مورثهم، فإنما
لهم على قدر ميراثهم منه.
وأما إن أوصى لهم لانتصال أموالهم، فإنهم يقسمون ذلك بالسوية، وإن أوصى لرجل بانتصال مال فلان، وفلان المسمى ليس بوارث الموصى له فلا تجوز هذه الوصية، لأن الانتصال ليس هو للموصى له وصاحب الانتصال لم يوص له، وقال بعض: يأخذها المنسوب إليه المال وورثته، وهذا القول عندي أصح، لأن فيه براءة الموصي وللورثة جميعاً، ولأن الموصي أوصى، وإنما أخطأ في وضع الوصية غير موضعها، والله أعلم. وإن أوصى لرجل أن ينفق عليه كذا وكذا في انتصال ماله، فإنهم ينفقون عليه ذلك ولا ينفقون على غيره ذلك، لأن التباعة له، وإن أبى أن يقبله فإنهم ينتظرونه ما لم يمت، وإن زال عقله فلينفقوه على خليفته، وإن ارتد فليعطوه له، وكذلك إن استغنى.
وإن مات فعلى ورثته على قدر ميراثهم، وخليفة الطفل والمجنون
في مقامها إن أوصي لهما لا نتصال أموالهما.
وإن لم تكن لهما خليفة، فعلى العشيرة أن يستخلفوا لهما ثقة يقبض
-010 - (4/515)
صفحة 2574
لهما، وكذلك إن أوصى الميت بالنفقة على الطفل والمجنون فخليفتهما في مقامهما، وكذلك أيضاً أم الطفل أو وليه القائم بأموره، إذا كان ثقة يقوم مقامه، وإلا فالوارث يقوم مقام الخليفة حتى ينفذ ذلك في مصالح اليتيم، قال الله تعالى: (ويسألونك عن اليتامى قل: إصلاح لهم
(1)
خير انا ما انطلق انتقال العدلية
1017 -
1105
!.
(1) البقرة: 220 0 (4/516)
صفحة 2575
A
1.2
باب في وصية الاحتياط
والاحتياط كل ما لم يتيقن به الرجل، أنه كان عليه وخاف على نفسه أن تكون عليه التباعة فيوصي به، لأن من شأن المسلمين أن يأخذوا لأنفسهم الحيطة لما روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: (كنا ندع سبعين باباً من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام)، وينبغي للمسلم أن يوصي للاحتياط، لأنه قل من ينجو من تباعة الناس إلا من شاء الله إما بالمعاملات وإما بالتعدية، أو ما يدخل عليه من قبل لسانه أو من قبل نظر عينيه أو بطش يديه أو سعي رجليه ..
(1)
قال الله تعالى: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً) (1)، وقال وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين) (2)، ووزن الخردلة لا يعلمه إلا الله، وكذلك أيضاً ما
(1) الاسراء: 36 (2) الأنبياء: 47.
18141 (4/517)
صفحة 2576
يفسده عبده و مواشيه في الأموال والأنفس وما يكون عليه من قبل العيارات والموازين، والاحتياط إنما يخرج من الثلث، وذهب بعضهم إلى أنه مثل الانتصال.
وفي الأثر: وأما إن أوصى لاحتياط رجل مقصود إليه، فإنما تخرج من الكل، فكل ما أوصى به الميت مما يكال أو يوزن لانتصال أموال الناس أو لاحتياط أموالهم، فعلى الورثة أن ينفقوا ذلك بعينه.
وأما ما لا يكال ولا يوزن من الأصول كلها من الأشجار والأراضي وما اتصل بها، فإنهم يبيعون ذلك كله بالدنانير والدراهم، وينفقون ثمنه، وكذلك ما لا يكال ولا يوزن على هذا الحال، ومنهم
من يقول: ينفقون ذلك كله بعينه.
وإن كانت لرجل على رجل آخر تباعة، فقال له صاحب التباعة: لا توص بها، فإنه إن حضره الموت وصاحب التباعة حي فليس عليه الوصية بها، لأن صاحب الحق وسع عليه، وإن مات صاحب التباعة
قبله فقد انتقلت إلى الورثة، وعليه الوصية لهم بها، والله أعلم.
1914 - (4/518)
صفحة 2577
باب آخر
وإذا أوصى الرجل بكذا وكذا للمسلمين فجائز، ويدخل في ذلك المسلمات لتغليب المذكر على المؤنث، وحكم النساء تبع لحكم الرجال: وكذلك إن أوصى للمؤمنين والقانتين وما أشبه ذلك، وقال بعض: لا يدخل في ذلك المسلمات والقانتات والمؤمنات، وحجة هؤلاء أن خطاب الرجال وخطاب النساء في ذلك مفترق، وقد ورد به القرآن في قوله: (إن المسلمين والمسلمات) الخ الآية، والقول الأول عليه العمل لشمول الخطاب لهن مع الرجال عند أهل العلم إلا في أمور مخصوصة، وإذا شملهن الخطاب مع الرجال كان عليهم الرجال كان عليهم أن يتصدقوا على المسلمين و المسلمات كيف شاؤوا، ولا ينظروا إلى التسوية بينهم في ذلك، وإن قال: أوصيت بكذا وكذا للمسلمين والمسلمات فليتصدقوا بنصفها على المسلمين ونصفها على المسلمات، وإن قال: أوصيت للمسلمين أو للمسلمات فليعطوا للمسلمين جميعاً وللمسلمات ولا يقسمونها بينهم،
- 019 - (4/519)
صفحة 2578
لأن الميت بين لمن يعطى له منهم، ومثل ذلك البيان إذا قال: أوصيت بكذا للمسلمات، فهو للمسلمات دون المسلمين، والله أعلم.
وإن قال: أوصيت بكذا وكذا للفقراء، فإنه يدخل فيه الإناث من ذلك الجنس، ويتصدقون بها على الذكور والإناث كيف شاؤوا، ولا ينظروا في ذلك إلى التسوية بينهم، وكذلك إن أوصى لليتامى أو للمساكين أو للضعفاء.
بات وقد ذكر في الأثر: ويدخل في هذا الإناث من ذلك الجنس و يعطون ذلك لثلاثة فصاعداً وذلك لأنهم لا يقدرون أن يعطوا ذلك للفقراء جميعاً أو اليتامى أو المساكين، ولكن عليهم أن يعطوا ذلك
لأقل ما يقع عليه الجمع:
وإن أوصى المسلم وأحد أو ليتيم أو المسكين أو لضعيف، فإنما
يعطى ذلك للذكر دون الأنثى كما أوصى.
وفي الأثر: وإن أوصى للأرامل فلا يدخل في ذلك الرجال، ومنهم
قوله ويتصدقون بها الخ، ظاهر هذه العبارة يقتضي أنه لا بد من التصدق على الإناث أيضاً، وأن التوسعة إنما هي في ترك التسوية، وفيه تأمل
ظاهره
- 520 - (4/520)
صفحة 2579
:، وسبب من يقول: يدخلون فيه، وكذلك الأيامى فيهم اختلاف أيضاً. اختلافهم في ذلك، هل الحكم على موجب اللغة أو على المعتاد والمتعارف بين الناس؟ والذي يوجبه النظر عندي، أن الحكم في ذلك على المعتاد والمتعارف بين الناس وليس بمستنكر، وقد ورد الشرع بمثل هذا أو غيرت الشريعة كثيراً من اللغة، وجعلتها حقائق في الشرع ومجازاً في اللغة بعدما كانت بالعكس، كالغائط والنجو والنكاح والايمان والصلاة والزكاة وما أشبه ذلك. والأيامى في لغة العرب: الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء، أبكاراً وغير أبكار، قال الله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمانكم)، أراد: أنكحوا من لا زوج له من الرجال والنساء، وكذلك الأرمل على طريق اللغة يقع على الذكور والإناث *
وقد ذكر ابن قتيبة، يقال: امرأة أرملة، ورجل أرمل، قال الشاعر:
أحب أن أصطاد ضباً سخيلا وعى الشتاء والربيع أرملا أراد لا أُنثى له، لأنه إذا سفد هزل، وقال يزيد الرقاشي: قيل لأعرابي تمن، فقال ضباً أعور عنين بأرض كلدة، طلبه عنيناً لأن الماء إذا بقي في ظهره كان أسمن، له، وطلبه أعور لقلة التفاته، والأرض
(1) النور 33 (4/521)
صفحة 2580
الكلدة: الغليظة.
وإذا كانت الضباب في الحجارة وبالبعد من الماء كان أسمن لها، وذكر عن الشعبي في رجل أوصى لأرامل بني حنيفة فقال: يعطى من خرج من كمرة حنيفة، وأشد أيضاً.
:
هذي الأرامل قد قضيت حاجتها فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
والمتعارف بين الناس ما ذكرناه، وقد ذكر ابن قتيبة أيضاً: وإنما يقع الفتيا على المشهور المتعارف المعروف، وعلى قدر الموصي وطبقته في الناس ونيته، وسئل ابن عباس عن رجل مات و أوصى ببدنة، أتجزئ عنه بقرة؟ فقال: نعم، ثم قال: وممن صاحبكم؟ قيل له: من بني رباح، فقال: وما اقتنت بنو رباح البقر، إلا الإبل وهم صاحبكم، أي ذهب و همه فلم يجعل الفتيا على ما يحتمله اللفظ عنده، ولكنه قصد بها إلى النية، ولو أن رجلاً قال: ثلث مالي لموالي، لم يكن إلا لمواليه بالعتاقة دون بني عمه وقرابته وهم أيضاً مواليه، قال الله عز وجل وإني خفت
قوله: من كمرة حنيفة، الكمرة رأس الذكر، يعني فأتى بما يشمل الإناث. قوله: وهم صاحبكم، لعل المراد به ابن عباس، لأنه هو الذي وهم في الحقيقة، حيث أجاز البقرة، والله أعلم.
- 522 - (4/522)
صفحة 2581
الموالي من وراني) (1)، أي العصبة، ولو قال: للغلمان، لم يكن إلا للذكور، وقد تقول العرب للجارية: غلامة، قال الشاعر في وصف فرس: يهان لها الغلامة والغلام ولو قال: للرجال، لم يكن إلا للذكور دون النساء، وقد تقول العرب للمرأة: رجلة، قال الشاعر:
كل جار ظل مغتبطاً غير جيران بني حيلة هتكوا حبيب فتاتهم لم يسألوا حرمة الرجلة
وهذا من الألغاز الذي لا يذهب العلماء إليها، والله أعلم
وإن أوصى لابن السبيل أو للمجاهدين أو للمصلين أو للحجاج أو للمعتكفين أو للصائمين فذلك جائز كما ذكرنا، وكذلك للبر أو للأفضل البر ولأولي البر، وكذلك إن أوصى بكذا للمسجد أو للمصلى أو للكنيسة التي على التقوى أو للكعبة أو للمقبرة أو لوجه من وجوه البر كلها فذلك كله جائز على ما أوصى به.
وفي الأثر: وإن أوصى لبني فلان، وهم قبيلة لا يحصون، فالوصية
قوله: لبني فلان، كأنه بدل من قوله: لبطن أو فخذ
(1) سورة مريم: ..
- 523 - (4/523)
صفحة 2582
باطلة لأنه لا يعلم كل إنسان منهم ماله، وإذا أوصى لفخذ أو لبطن يعرفون ويحصون بثلث ماله لبني فلان، فإن الثلث بينهم والذكور والإناث فيه سواء، قد يحسن ها هنا أن يقال: هذه المرأة من بني فلان ينسبها إلى قبيلتها، وإن لم يكن على هذا إلا الإناث فالوصية لهن، لأنه أراد من ولد فلان، فهذا الذي ذكرناه في القبيلة.
وأما الأب الأدنى إذا قال: أوصيت بكذا وكذا لبني فلان وفيهم ذكور وإناث، فالوصية للذكور دون الإناث، وقد وردت اللغة بلفظ البنين يقع على الذكور دون الإناث، قال الشاعر
بنونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا بَنُوهُنَّ أَبْنَاءَ الرِّجَالَ الْأَباعِدِ
وبعضهم يقول: الذكور والإناث في هذا سواء، وخطاب النساء داخل في خطاب الرجال، وأما إن قال: أوصيت بكذا وكذا لأولاد
فلان، فالذكور والإناث فيها سواء
قال الله تعالى: و يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) (1)، وكذلك إن قال: لولد فلان، فالولد يقع على الواحد
(1) النساء
- 524 - (4/524)
صفحة 2583
والإثنين والجمع.
وإن أوصى لبني فلان وليس لفلان إلا البنات، فإنهن يأخذن ذلك كله لأنه أراد من ولده فلان، وكذلك إن لم يكن لفلان إلا بنو ابنه، فإنهم يأخذون ذلك لأنهم بنوه، وسواء في هذا أولاده مشركين كانوا أو عبيداً لأنها وصية، وأصل الوصية الهبة، ويدخل في هذا ابنه المشرك والمختلط لوقوع الاسم عليه.
وإن لم يكن له إلا ابن واحد أو ابنة واحدة وقد قال: لبني فلان أو لأولاد فلان، فإنه يأخذ ذلك الإبن أو الابنة، لأن العموم يخرج على الخصوص في لغة العرب.
وفي الأثر: وإن أوصى الرجل لبني فلان بكذا أو كذا، فمات بنو فلان قبل موت الموصي فقد بطلت الوصية، وكذلك إن أوصى لبني فلان بكذا وكذا وليس يومئذ لفلان ينون، أفولد بعد ذلك أولاداً فمات الموصي، فليس لهم في الوصية شيء إذا حدثوا بعد الوصية، لأنهم لم
يوص لهم.
وأما إن قال: أوصيت لما يلده فلان بكذا وكذا، فولد بعد ذلك (4/525)
صفحة 2584
أولاداً فلهم الوصية فيما بينهم وبين الله، وأما في الحكم فليس في ذلك ما يحكم به الحاكم، لأن الوصية وقفت على معدوم.
وفي الأثر: وإن مات أحد من بني فلان الموصى لهم قبل أن يأخذ سهمه من الوصية، فإن ورثته في مقامه.
وأما من ولد منهم بعد موت الموصي، فلا يأخذ من ذلك شيئاً ولو أنه جنين في حال موت الموصي، ومنهم من يقول: إنما يأخذها من حضرها من بني فلان في حال القسمة، وهذا إذا كانوا قبيلة.
وأما إذا كانوا قوماً مخصوصين، فلا، لأن وصية القبيل على العموم،
والعموم يصلح للعموم وللخصوص
وإن أوصى لأبوي فلان فجائز، والقسمة بينهم بالسوية، وكذلك إن أوصى لإخوة فلان أو أجداده أو أعمامه أو أزواجه على هذا الحال.
وفي الأثر: وإن أوصى رجل بعشرة دنانير أن ينفقوا على فقراء أهل كذا، فلا ينفق ذلك إلا على فقراء أهل ذلك المنزل وينفق عليهم في
ذلك المنزل وفي غيره.
- 526 - (4/526)
صفحة 2585
وإن أوصى بعشرة دنانير أن ينفقوا عنه على فقراء منزل كذا وكذا فينفق ذلك على من وطن ذلك المنزل، كان من نسب أهل ذلك المنزل أو من غيره، وينفق عليه ذلك أيضاً في ذلك المنزل أو في غيره.
وإن أوصى أن ينفق عنه في منزل كذا وكذا على الفقراء، فينفق
ذلك على جميع من وجد في ذلك المنزل، من المسافر والسائل وغيره إذا كان من أهل المسكنة، ولا ينفق عنه ذلك في غير ذلك المنزل، فان وجدوه خالياً فليأتوا إليه بالفقراء من المنازل، فينفقوا عليه فيه، ولا ينفقوا في غيره، فإنهم ما بين هذه المسائل الثلاثة، وإن أوصى بكذا وكذا أن ينفق عليه في منازل كذا وكذا أو لمسجد كذا وكذا، فوجدوا في تلك الناحية منزلين ومسجدين، فليجعلوا ذلك في أول منزل أو أول مسجد، فإن لم يعرفوا الأول من تلك المنازل أو المساجد فيقسم ذلك بينهم في قول المرخصين.
وإن اقتسموا ذلك بينهم ثم علموا بعد ذلك الأول منهم فقد أجزأهم في قول المرخصين، ومنهم من يقول: يعيد ذلك كله في الأول ويعتدوا بما جعلوا فيهم أول مرة في القسمة، وأصل المسألة فيما يوجبه النظر ما جوزه الشرع فقد مضى لسبيله، وإن أوصى بكذا وكذا للعبيد أو (4/527)
صفحة 2586
المشركين أو للكافرين أو اللاعنين أو للعاصين أو للشياطين أو المردة أو الجن أو الملائكة أو الأغنياء، فإنهم ينفقوان ذلك على فقراء المسلمين وهؤلاء الأصناف المذكورين ليسوا من أهل الصدقة، ولا تجوز لهم الوصية إلا لقوم مخصوصين، مثل العبيد أو المشركين أو الأغنياء قيجوز لهم على وجه الحق والصلة.
ون أما الوجبة على العموم، فليسنت بصلة ولا حق فتجوز لهم، فتعطى تفقراء المسلمين لأنه قد أخطأ في وضع الصدقة فيصلح ذلك الخطأ بأن يجعل في فقراء المسلمين، ومنهم من يقول: لا تجوز تلك
الوصية اللة
وفي الأثر، وإن أوصى الكنائس أهل الكتاب أو أوصى بكذا وكذا بدثة ينحرها أهل الكتاب في كنائسهم أو لأعيادهم، أو أوصى لصنف من أصناف الملاهي كلها أو أوصى لما حرم الله أن يشترى من ماله فينفق عنه، مثل الحمر وجميع المحارم فلا يجوز، ومنهم من يقول: ينفقون ذلك على فقراء المسلمين، لأن الله عز وجل قال: فمن خاف
من موص جنفاً أو إنما الآية)
(1)
(1) البقرة (4/528)
صفحة 2587
وفي الأثر: وإذا أوصى الرجل بوصية للفقراء الذين خلف الماء
فيتصدقوا بها على الفقراء الذين خلف الماء كما أوصى، ومنهم من يقول: يتصدق بها على فقراء أهل بلده وبلدنا هذه خلف الماء في قول بعضهم وكذلك إن أوصى بعشرة دنانير أن تنفق عليه ببغداد أو الأندلس أو غيرها من البلدان البعيدة، فينفق ذلك في البلد الذي أمر به الميت، ومنهم من يقول: بالرخصة أن ينفق ذلك في بلد الميت إذا منعوا من الوصول إلى تلك البلد مخافة على أنفسهم، وأصل المسألة فيما يوجبه النظر، أن أهل الصدقة معروفون وهم الفقراء، وإذا حضر الميت بها صنفاً ما، مثل إن أوصى أن يتصدق بكذا على فقراء بلد ما، فإذا امتثلوا ما أمروا به فقد أدوا ما عليهم بالإجماع وهو الصحيح، فإذا وضعوها على الفقراء من غير تخصيص، فقد وضعوها في موضعها في قول بعضهم، وعلى قول الآخرين، قد خالفوا ما أمروا به، فإذا خالفوا ما أمروا لم يمتثلوا ما أمروا به.
فإذا لم يمتثلوا فالحق باق عليهم، ويدل أيضاً على قول الأولين، أنه إذا أوصى أن يتصدق على الأغنياء أو العبيد أو المشركين فلا تجوز، وترجع على الفقراء من المسلمين، لأن الميت وضعها في غير
ه م – 34 الإيضاح) (4/529)
صفحة 2588
1
موضعها، وأهل الصدقات معروفون، كان فيه دليل أن تخصيص الميت بها صنفاً من أهلها تخصيص تخيير لا تخصيص وجوب، وذكر الصدقة أيضاً أو الفقراء يدل على هذا، والقول الآخر هو الصحيح، لأن فيه براءة ذمة الورثة بالإجماع إلا بالضرورة، والله أعلم (4/530)
صفحة 2589
باب الوصية في الاجر وفي سبيل الله
وإذا أوصى رجل بكذا وكذا من ماله أن تكون حبساً في سبيل
الله فلا يجوز عند أصحابنا من ذلك شيء.
وفي الأثر: سألت أبو المورج وابن عبد العزيز في الرجل أوصى أن يجعل داره وأرضه أو شيئاً من ماله حبساً في سبيل الله، قال أبو المورج: سئل أبو عبيدة وأنا جالس عنده عن ذلك، فقال: كان ابن عباس يقول: إنما كان الحبس قبل أن تنزل سورة النساء، فلما نزلت سورة النساء نسخت الفرائض الحبس، قال ابن عبد العزيز: ليس في هذا اختلاف عند أصحابنا وفقهائنا الذين نأخذ عنهم: عنهم، أنه لا.، أنه لا حبس عن فرائض الله، إلا أن ابن عبد العزيز قال: وأنا أجيز من الحبس ما
كان من سلاح يحبس في سبيل الله يقوى به المجاهدون في سبيل الله، قلت: فإن المجاهدين في سبيل الله الذين يحبس عنهم ويعطيهم إياه أهم
- 531 - (4/531)
صفحة 2590
الذين يخرجون إلى الروم ويجاهدون؟ قال هو سبيل الله لا شك فيه إن شاء الله، ومجاهدة أهل البغي من أهل التوحيد الذين نقضوا العهد وانتهكوا المحارم وهو أعظم الجهاد، وأكبر من هذا تدينهم وتقولهم على ربهم أن الله أمرنا بهذا ودعانا إليه وفرضه علينا، قال ابن عبد العزيز: فالتقويه بهذا السلاح الذي ذكرت أنه يجعل في سبيل الله والذي أعلمتك أجيز الحبس فيه وحده من السلاح أن يجعل لإمام المسلمين و من قبلة من المسلمين الذين فارقوا أقوامهم من أهل الأهواء المضلة والبدع الجائرة وأن يقووا ويعاونوا على من ناصبهم وباينهم من المخالفين لدينهم والصادين عن سنة نبيهم، قلت له: وكذلك لو حضر رجلاً من المسلمين الموت وقال: اجعلوا كذا وكذا من مالي في سبيل الله، ولم يسم جهاداً ولا تقوية المجاهدين في سبيل الله، قال ابن عبد العزيز: إن كان ذلك المال الذي جعله في سبيل الله سلاحاً، فإني استحسن هنا أن يقوى به المرابطون في سبيل الله، وإن كان ذلك المال ذهباً أو فضة أو نقرأ أو إبلا أو أرضاً أو نحو ذلك مما يباع فإني أجعله في سبيل الله أو في حج أو عمرة أو صدقة أو عتق أو صلة قرابة أو شيء من خصال الخير، فهو كله
را
قوله الذين يخرجون إلى الروم، فيه استفهام مقدر، على حد قولك:
تمنها. (4/532)
صفحة 2591
في سبيل الله حيث ما وجد من هذه الأمور التي ذكرت لك، فقد أجزأ عنه إن شاء الله، وقد أصاب في أنه جعلها في سبيل الله ...
وفي الأثر: وإن أوصى رجل بفرسه أن يركبه فلان في سبيل الله ما دام حياً فذلك جائز، وكذلك السلاح على هذا المعنى، وإن جعل لذلك مدة فهو إلى تلك المدة، وإن لم يجعل لذلك مدة فحتى يستو في الثلث وليس له أن يستعمله في غير الوجه الذي أوصى به، وكذلك إن جعل هذا الكتاب أو المصحف أن يقرأ فيه للثواب، فلا يجوز للورثة أن
يمنعوهم لمن يقرأ فيهم، إلا لمن خافوا أن يفسدهم، والله أعلم.
وفيه أيضاً: وذكر عن عكرمة عن ابن عباس، قال: كان الحبس قبل أن تنزل سورة النساء، فلما نزلت سورة النساء قال رسول الله: (لا حبس)، يعني أن الفرائض نسخت الحبس، قال ابن عبد العزيز: وأنا أجيز من الحبس ما كان صدقة أو سلاحاً أو كراعاً في سبيل الله، فما كان من حبس من ذلك قد حبسه في سبيل الله في حياته وأمضاه فهو
قوله الفحتى يستوفي الثلث، أي بأن يقدر عناؤه في كل غزوة مثلا إلى أن ي ن يبلغ الثلث الثلث، والله أعلم قوله: وأنا أجيز من الحبس الخ؛ القائل أن يقول: ليس له أن يجيز شيئا
من الحبس، لأن لا حبس نكرة في سياق النفي، فتعم
- orr- (4/533)
صفحة 2592
جائز من جميع المال، وما كان من حبس قال صاحبه: إن مات فهو
حبس أو جعله في مرضه فهو من الثلث.
وفي الأثر: وإن جعل شجرة أو جباً أو نهراً للثواب فجائز، وكذلك المطحنة وكذلك جميع الحيوان والأمتعة، ولا يجوز للورثة أن يمنعوا من ذلك أحداً ممن يجوز له الانتفاع بذلك، ولا ينتفع الورثة بشيء من ذلك إلا إن أذن لهم الميت إلى ذلك، وهذا كله إذا كانت وصية، وأما إذا جعل ذلك في حياته للأجر فورثته وغيرهم في ذلك سواء، لأنه لم تكن في حياته وصية، ومثل ذلك أيضاً إن أوصى بهذه الأرض لمن يدفن فيها فلا يدفنوه فيها ولا ورثته، لأنها وصية، ولا وصية لوارث، إن جعلها في حياته للمقبرة صارت للمقبرة وهو وورثته والناس فيها سواء، لأنها صارت مقبرة وخرجت من ملكه، وأما إذا أوصى بها للمقبرة فهي للمقبرة على قول بعضهم، ومنهم من يقول: يبيعون تلك الأرض ويجعلون ثمنها المصالح المقبرة، ومثل ذلك أيضاً إن أوصى بهذه الأرض للمسجد يجعلون ثمنها في المسجد على قول بعضهم، وعلى قول الآخرين: يمسكونها ويجعلون غلتها للمسجد ولا يجعلون ذلك لغير ما
قوله: إلا إن أذن لهم الميت، يعني وأذن بعض الورثة لبعض، لقوله عليه
السلام: (لا وصية لوارث).
- 534 - (4/534)
صفحة 2593
أوصى به، وكذلك أيضاً إن أوصى بكذا وكذا لمصباح المسجد أو لحصيرها أو لزقاقها أو لقلالها التي يسقون فيها الناس، فلا يجعلون ذلك للمسجد من هذه الوجوه التي أوصى بها لغير المسجد، ورخص بعضهم في ذلك، وكذلك ما بين المسجد والمصلى فلا يجعلون ما أوصى به لأحدهما لغير ما أوصى به، ورخص بعضهم فيما أوصى به للمصلى أن يجعل للمسجد لأن المصلى تبع للمسجد، وإن أوصي للمسجد ولم يسمها بعينها، فإنهم يجعلون ذلك في مسجد منزله وهو أحق من غيره، وإن كان في منزله مساجد شتى، يجعلون ذلك في مسجده وهو أحق وأولى له، وإن لم يكن له مسجد فيجعلون ذلك في أقرب المساجد إليه. وقال بعض: يجعلونه حيث شاؤوا حيث لم يسم، وإن سمى مسجداً فلا يجعلون في غيره إلا إن خرب ذلك المسجد أو لم يصلوا إليه بمعنى من المعاني فيجعلوه في مسجد من المساجد غيرها، والأصل في هذا فيما يوجبه النظر، أن المساجد كلها الله، وإن كان الميت من أهل الخلاف ولم يسم مسجداً والورثة من أهل الدعوة فإنهم يجعلون ذلك لمسجد أهل الدعوة، وإن كانت امرأة فمسجد قرابتها إذا لم تسم مسجداً لأنها مسجدها.
وفي الأثر: وإن أوصى لمسجد أهل الخلاف أو لكنيسة اليهود فلا يشتغلون بذلك ويجعلون ذلك في مسجد أهل الدعوة، فدل ذلك
- 535 - (4/535)
صفحة 2594
متهم
(1)
أن وصيته لمسجد أهل الخلاف خطأ منه، وضعها في غير موضعها في موضعها فلا بأس، لقوله تعالى: {فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم فلا إثم عليه له)، وإن أوصى بكذا وكذا لإمام مسجد كذا وكذا أو لمؤذنها أو لقائمها أو للتلامذة الذين كانوا فيه، فجائز، وإن بين الميت الموصى له بذلك من هؤلاء فليدفعوها له، وإن لم يبين لهم ذلك فإنما ينظرون في ذلك إلى من كان في ذلك الوقت عند موت الموصي
!!
م وفي الأثر: وإن أوصى لصفة معلومة من الناس ولم يقصدهم، فإنهم ينظرون إلى تلك الصفة يوم مات الموصي، ومنهم من يقول: يوم ينفذون الوصية: وذلك لأن القسمة لها تأثير في ذلك وقد ذكرناه، والله أعلم
قوله: وإن أوصى لصفة معلومة، أي لأهل صفة ...
(1) سورة البقرة
سته اي (4/536)
صفحة 2595
باب الوصية بالحج والعمرة
و الوصية بالحج جائزة، وأصل جوازها ما روي (أن المسلمين قالوا: يا رسول الله انحج عن أبوينا؟ قال نعم حجوا عنهم) فمضت السنة بهذا أن يحج عن الأموات، وإن مات ولم يوص به بعد ما وجب عليه مات كافراً كما قال الله، وشدَّد بعضهم وقال: من تركه بعد ما لزمه من غير عذر حتى يقضي الحجاج مناسكهم فهو هالك، وأصل المسألة هل هو فرض على الفور أم على التراخي؟ وينبغي للمسلم أن يحج مرتين: الأولى فريضة، والثانية حوطة ويوصي بالثالثة، وإذا أراد أن يوصي بالحج فيقول: أوصيت بكذا وكذا للحج أو أوصيت بالحج أو أن يُحج عني فكل هذا جائز، وكدلك العمرة وإن كان إنما وجب عليه باستطاعة السبيل فليوص بالحج والعمرة جميعاً لأنهما فريضتان عند أصحابنا، وقد ذكرنا ذلك في باب الحج وإن وجب الحج بالحنث أو أحرم به فانكسر فليس عليه أن يوصي إلا بالحج.
Torv - (4/537)
صفحة 2596
وفي الأثر: وإن أوصى بالحج ولم يذكر العمرة فليحج عنه، لأن
الحج لا يجب إلا وقد وجبت العمرة، وقيل: بأن يحج عنه فقط وليس عليهم ما لم يؤمروا به، وإن أوصى بالعمرة ولم يذكر الحج فليس عليهم إلا العمرة وإن أساغ الورثة ذلك يعني إذا أوصى بالحج ولم يذكر العمرة لوجود الاختلاف بين العلماء هل هي فريضة أم لا؟ وإن أوصى بكذا وكذا ديناراً لاحتياط الحج فليحجوا عنه بذلك، وإن أوصى بكذا وكذا الطريق مكة فليصلحوا بها ما وعر من طريق، على ظاهر لفظه، و قال بعض: يحجوا عنه بذلك لأن الحج لا يدرك إلا بالزاد، وإن أوصى بالحج هكذا ولم يسم شيئاً مما يحج عنه فليستأجروا من يحج عنه بما شاء من ذهب أو فضة أو متاع أو حيوان أو ما أشبه ذلك من حيث لم يسم شيئاً، وإن أوصى بكذا وكذا من ماله للحج أو في الحج فجائز، فإن الورثة أو الخليفة يساومون فإن لم يصيبوا في ذلك إلا ما يحج به عنه مرة واحدة فليعطوه في حجة وإن أصابوا حجتين أو ثلاثة فإنهم يعطوا في كل سنة حجة لأنها لا تكون في السنة إلا حجة واحدة كالصوم إذا أوصى ثلاثة أشهر للقضاء فلا يصام عنه تلك الثلاثة الأشهر في شهر واحد، مثل: إن أراد أن يصومهم ثلاثة من ورثته كل واحد منهم شهراً مثل ذلك الحج يعطون في كل سنة حجة، وإن بقي من ذلك ما لم يتم به
ما
- 538 - (4/538)
صفحة 2597
الحج فليساوموا بذلك فيما دون الميقات، وإن لم يصيبوا حجة تامة فيما دون الميقات فليشاركوا له مع غيره ممن قلت وصاياه مثله، ويكون الحج بينهم على قدر أموالهم ولو اختلفت الوصايا في القلة والكثرة، والشركة في الحج إنما هي اثنان، وقيل: بالرخصة في ثلاثة وكذلك في العتق، وقيل: يشترك ما دون سبعة مثل البدنة، أعني ما روي أنه ع (أجاز أن تشترك الجماعة في البدنة) ولا يجاوز بعددهم السبعة، ويشترك الرجل مع المرأة وصاحب الفريضة مع صاحب النافلة.
و في الأثر: ولا يشاركوا صاحب الحج دون العمرة مع صاحب العمرة دون الحج، وصاحب العمرة دون الحج مع صاحب الحج دون العمرة، ويشاركوا لصاحب العمرة مع صاحب العمرة على ما ذكرنا في الحج من الفريضة والنافلة والكثرة والقلة في الوصايا، وذلك فيما يوجبه النظر لأن الشركة إنما تجوز وتصح في الجنس، ولذلك قيدوا على ما ذكروا في
يصح
قوله: مع صاحب النافلة، ترك رحمه الله صاحب الفريضة، ولعله لا. لأنه لا يؤدى فرضان بفرض واحد والله أعلم. قوله: ولا يشاركوا صاحب الحج دون العمرة الخ. بقي عليه قسمان آخران: أحدهما اشتراك صاحب الحج دون العمرة مع صاحب الحج والعمرة، والثاني اشتراك صاحب العمرة دون الحج مع صاحب العمرة والحج، والظاهر الامتناع
أيضاً لأنه يشترط اتحاد الجنس والله أعلم.
- 539 - (4/539)
صفحة 2598
الوضية، وكذلك بين الحج والعمرة.
وفي الأثر أيضاً ولا يشتركوا مع الصبي أو المرأة أو العبد أو الخنثي والله أعلم. ولا يصح أن يحج الرجل عن نفسه وعن غيره معاً في حجة واحدة والله أعلم. وكذلك أيضاً الحج على الأموات وعلى الأحياء مختلف والله أعلم. وإن أوصى بحجتين أو أكثر ولم يجدوا في ثلث ماله أو في ما سمي إلا ما يقابل حجة واحدة فليعطوا ذلك عليه في الحجة الواحدة إذا لم يجدوا غير ذلك ولو كانت إحداهن فريضة والأخرى نافلة ويجعلون نواهم في ذلك كله على نوى الميت، وكذلك في العتق ولا تكون الشركة له في وصاياه لنفسة مثل غيره، أعني في حجتين أو ثلاثة أو أكثر والله أعلم، وإن اشتركوا له في حجتين مع رجلين مع كل واحد منهما حجة أو رقبتين مع رجلين مع كل واحد منهما رقبة فلا بأس بذلك، لأنها شركة سواء كانت في وصاياة أو مع غيره، وإن لم يجدوا مشاركة فليعينوا بذلك من قلت نفقته من الحجاج، ويعطوا ذلك للواحد وللإثنين وما فوق كما شاؤوا، وليعطوا للقريب والبعيد ما لم يكن
قوله: ولا يشتركوا مع الصبي الخ. الظاهر أن هذا الأثر مقابل لما تقدم من
جواز المشاركة بين الرجل والمرأة وهو المتبادر من اشتراط اتحاد الجنس. قوله حجتين مع رجلين، أي في غير سنة واحدة كما تقدم والله أعلم. (4/540)
صفحة 2599
وارثاً للميت أو وارثاً للوارث هكذا ذكروا في الأثر
وفي الأثر أيضاً: وإن أعانوا من عجزت عليه النفقة من الحجاج فقد برئوا من ذلك ويكون للمدفوع له ذلك، وإن انكسر عليه العسر بمعنى من المعاني فإنه يرد ذلك لورثته، ومنهم من يقول: يمسكه وليس عليه تباعة ولا وصية وليس على الورثة منه شيء، وهذا القول عندي أشبه لقوله تعالى: يريد الله بكم اليسر، وأما إن أعانوا به رجلاً فتبين لهم أنه عبد أو مشرك أو من لا يجوز له الحج فإنه لا يجزيهم والخطأ في الأموال لا يزيل الضمان، وكذلك من دفع وصية الحج لأحد
ذلك
من هؤلاء فلا يجزيهم ذلك ويضمن الورثة أو الخليفة ويغرموهم ما دفعوا إليهم، وأجاز بعضهم حج العبد عن الحر بإذن سيده ـ والله أعلم - لأنه مكلف مثل الحر في باب التكليف، وإن انقطع الطريق فإنهم يعزلونها
قوله وان انكسر عليه العسر الخ. بأن كثر الخير وصار ما معه كافياً له واستغنى به عما أعانوه به فإنه يرده للورثة، والحاصل أن من نظر إلى الانتهاء أوجب الرد، ومن نظر إلى الابتداء وإجازة الشرع لذلك قال: لا يرد والله أعلم، و في نسخة صحيحة وإن انكسر عليه الحج وهي الظاهر لقوله بمعنى
من المعاني
(1) البقرة 185
-130 - (4/541)
صفحة 2600
ويدفنونها ويستشهدوا عليها العدول ولا يبرؤون منها ولا ينفقون منها إلا أن أذن لهم الميت، لأنها وصية لا يعملون فيها إلا ما أمروا مع أنهم
يرتجون أن يعملوا فيها بما أمروا.
مسألة:
عنه
حتى
وإن أوصى بكذا وكذا لمن يحج منهم عنه أو أن يحج منه أو أن يحج منها عنه فإن الورثة يعطون لمن يحج عنه حجة واحدة، لأن من تدل على البعض في كلام العرب ويأكلون البقية، وقيل: ان تلك البقية للأقرب لأنها وصية لم تتبين فرجعت إلى الأقرب، وإن أوصى بكذا وكذا ديناراً لمن يحج بهم عنه أو يحج بها عنه أو أن يحج به عنه فإنهم يعطون ذلك كله لمن يحج عنه، ولو وجدوا من يحج ببعضهم يعطوهم كلهم لرجل واحد كما قال الميت، وهذا منه وصيه لمن يحج عنه، وإن قال: أوصيت بعشرين ديناراً لمن يحج بهم عني منهم فليعطوها عليه لمن يحج عنه، وقد تمت الوصية عند قوله: لمن يحج بهم عني، وقوله منهم باطل، وكذلك إن قال: أوصيت بعشرة دنانير لمن يحج منهم عني بهم، فإنهم يأكلون البقية في هذا الوجه، وقد تمت الوصية عند قوله: لمن يحج منهم عني، وقوله بهم بعد تمام الوصية باطل والله أعلم. وإن أوصى بعشرة دنانير لفلان أن يحج بها عنه فليدفعوها له كما أوصى الميت ولا يعطوها
- 542 - (4/542)
صفحة 2601
لغيره، فإن أبي فليطلبوه إلى ذلك حتى يموت أو يجيب، وإن تلفت الدنانير في تلك المدة فليس عليهم شيء إن لم يضيعوا والله أعلم. وإن قال: حجوا علي أو حجوا عني فإنهم يحجون عنه لأنها وصية، والوصية من الثلث ولأن الحج لا يدرك إلا بالزاد، وإن قال لهم حجوا: فليس عليهم شيء، لأن هذا أمر منه لهم.
وفي الأثر: وإن أوصى للحج بالدنانير أو بالدراهم فليس للورثة أن يدفعوا للوصي إلا الدنانير أو الدراهم، إلا إن جوزهم الميت إلى غير ذلك فلهم ذلك كائناً ما كان، وإن أوصى بغير الدنانير والدراهم فإنهم يبيعون ذلك بالدنانير والدراهم ويدفعونه للوصي أن يحج على وارثهم، وإن أوصى بالدنانير فلهم أن يعطوا الدراهم في الدنانير، والدنانير في الدراهم، ومنهم من يقول: كل ما أوصى به للحج فجائز لهم أن يدفعوه لمن يحج عن وارثهم، وهذا القول عندي أصح إلا إن لم يجدوا ذلك فليبيعوا بالدنانير أو الدراهم ثم يدفعوهم للوصي وإنما يراعى في ذلك ما يصلح
للميت والله أعلم.
مسألة:
:
قوله: حتى يموت، لم يتعرض رحمه الله تعالى لما إذا مات والظاهر أنها ترجع إلى الورثة أو إلى الأقرب قياساً على المسألة الأولى والله أعلم. قوله: يدفعونها: أي الورثة للوصي، والوصي يدفع لمن يحج.
- 543 - (4/543)
صفحة 2602
:
وفي الأثرة وإنما بدفع الورثة أو الخليفة وصية الحج من بيت الميت، ومنهم من يقول: من قبره، ومنهم من يقول: من مصلاه، وإن دفعوها من رأي موضع أرادوا من منزل الموصي فقد أجزأهم، وإن دفعوها من غير منزله فلا يفعلوا ذلك فإن فعلوا فقد أجزأهم فيما دون الميقات، والصحيح من بيته لأنها وصية، فعليهم أن يمتثلوا ما أمروا به ولا يدركون
هذا الايمونه.
يع وفي الأثر: ويحج عن الميت من بيته الذي مات فيه أو في غيره أو أوصى فيه أو في غيره إلا إن مات على طريق الحج وهو ينويه فليحج عنه من الموضع الذي مات فيه.
وفي الأثر: سئل عن قوله: تمام الحج أن تحرم من دويرة أهلك؟ قال: هو أن تخرج من أهلك لا تريد إلا الحج والعمرة وتهل من الميقات الذي وقته رسول الله وليس أن تخرج لتجارة أو حاجة حتى إذا كان قريباً من مكه قال: لو حججت أو اعتمرت، فهذا الخبر فيما يوجبه
مسألة.
:
قوله لو حججت أو اعتمرت الخ. يعني فنوى الحج أو العمرة من هناك (4/544)
صفحة 2603
النظر أثبته حجاً، غير أن من تمامه أن يقصد من منزله، وهذا في الحي، والميت أشد من هذا لأنه وصية، والله أعلم.
وفي الأثر: وإن أوصى بحجات مفترقات إن كان يجاور الوارث أو الوصي بالمدينة حتى يقضيهن، قال: لا يفعل ذلك فإن فعل فلا بأس.
وفي الأثر: إذا مات الحاج في طريق الحج فليسيروا عنه من ذلك الموضع الذي مات فيه، وإن لم يفعلوا ذلك حتى ساروا يوماً أو يومين أو أقل من ذلك او اكثر فليسيروا عنه من ذلك الموضع وليكروا عليه من يسير من الموضع الذي مات فيه إلى الموضع الذي ساروا عنه منه، وإن لم يجدوا فليسيروا عنه من الموضع الذي اعطوا منه الحج عليه إلى الموضع الذي مات فيه راجعاً ولا بأس بذلك، وسواء في ذلك رجعوا من الطريق الأول او غيره إذا تعذر الطريق.
مسألة:
وإنما ينبغي للورثة أن يدفعوا وصية حج وارثهم للمسلم الذي قد حج
فإن حجه صحيح إلا أنه غير كامل حيث لم يخرج على نيته ابتداء
قوله: فليسيروا عنه، يعني إذا أوصى.
(35)
10201 (4/545)
صفحة 2604
لنفسه قبل ذلك ولا يدفعونها لمن لم يحج لنفسه، لأن بعض العلماء لم يجوزوا ذلك لقوله عليه السلام للذي سمعه يلبي عن الغير: إن كنت حججت لنفسك وإلا فحج لنفسك ثم حج عن غيرك))، وبعض جوز ذلك على معنى الإجارة، وإن لم يجدوا مسلماً فليدفعوها لمن وجدوا من أهل الدعوة ممن يرجى فيه الصدق والأمانة، وإن لم يجدوا إلا المخالفين فليدفعوها لمن لم يخافوا منه أن يأكلها، ويحج الرجل عن الرجل، والرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل فيها قولان: بعض جوز وبعض منع، وذلك فيما يوجبه النظر لأن المرأة ناقصة عن الرجل في بعض المناسك والله أعلم. ولا يحج الرجل إلا على المتولى أو المتولاة، ومن حج على المنافق أو المنافقة فقيل: انه هالك، لأنه إن أكلها ولم يحج عنه ولم يوص بها فقد هلك لأنه خان، وإن حج بها ولبى له واستغفر له، فقد هلك أيضاً والله أعلم. والوصي لا يصيب مثل ما يصيب من يحج لنفسه في إماطة الأذى أو الضحية إذا لم يجد فلا يصيب أن يصوم لها مثل من
حج
لنفسه
لأنه أخذ بإجارة، فعليه أن يأتي به كاملاً والله أعلم. وإن حضره الموت
قوله: فقد هلك من أجاز أن يحج عنه، يقول: يلبي عنه ولا يستغفر
فلا يهلك.
(1) تقدم ذكره في كتاب الحج.
10271 (4/546)
صفحة 2605
في الطريق قبل أن يحج فليوص لمن يحج على صاحب الوصية وإن لم يوص فعلى ورثته أن يردوا المال على ورثة الميت الأول وليس عليهم ذلك، وقال بعض: لا يردوا على الورثة شيئاً ولكن يدفعونها لمن يحج عنه، وهذا القول على قول من جوز للأجير أن يصرفها حيث شاء ويلزمه زكاة ذلك المال ويجب عليه أن يحج، وإن مات قبل أن يحج فليوص به ولا يرد المال، ومنهم من يقول: لا يصنع في المال شيئاً إلا مقدار عناه، وقال بعض: ليس له في الوصية شيء حتى يحج لأن الحج لا يصح إلا بتمامه، وقد ذكرنا هذا في بابه.
وفي الأثر: وإذا أخذ الوصي وصية الحج من الورثة فلا يردوها له إن طلب ذلك إليهم وإن ردوها فهم ضامنون حتى تصل، ومنهم من يرخص أن يردوها له إذا طلب ذلك إليهم ما دام الشيء الذي أعطوه قائماً بعينه، فإن هلك ما أعطوه ثم ردَّ لهم غير ذلك الشيء لا يردوها له، والأصل في المسألة إنما لا يجوز لهم الرجوع لئلا يدخل عليهم التضييع فيضمنوا، والله أعلم. ولا ينبغي للعاقل أن يأخذ وصية غيره لأنه أجير لغيره، وهو من الذين قيل فيهم: أنه لا يبارك في أرزاقهم.
:
قوله: فلا يردوها، أي فلا يقبلوها منه.
- 547 - (4/547)
صفحة 2606
وفي الأثر: والورثة إذا أرادوا أن يدفعوا وصية الحج فليقولوا له: هذه وصية فلان قد دفعناها لك على أن تحج عنه أن تحرم من الميقات و تقف بعرفات وتطوف طواف الواجب وتفعل في مناسكك كما يفعل المسلمون في مناسكهم وتجتنب فيه ما يجتنبون، ومنهم من يقول: يقولون له هذه وصية فلان وارثنا قد دفعناها لك على أن تحج عنه و تفعل في مناسكك ما يفعله المسلمون في مناسكهم وتجتنب فيهم ما يجتنب المسلمون ولا يحتاجون إلى أن يقولوا له: أن تحرم من الميقات وتقف بعرفات وتطوف طواف الواجب، وإن دفعوها له على هذا الشرط فقبلها فقد
لزمه أن يأتي بها على حسبها ولا يجوز له أن يضيعها لأنها أمانة في عنق يسأل عنها يوم القيامة، ومن أخذ وصية الحج فلا يتمتع بالعمرة إلى الحج ولا يقرنهما إلا إن أخذها على ذلك، ومن أخذ وصية الحج فأحرم فانتقض عليه فإنه إن أصاب في تلك السنة ما يعيد فيه الإحرام ويتم حجه فليفعل، وإن لم يجد فليحج من قابل ولا يحتاج في ذلك إلى إذن
قوله: فإنه إن أصاب في تلك السنة الخ هذا مخالف لما ذكره الشيخ إسماعيل رحمه الله من أنه إذا فسد عليه حجه أتمه وأهدى بدنة وأعاده من قابل بإجماع، وهذا الذي ذكره المصنف رحمه الله منقول من الديوان وهو غير ظاهر والله أعلم.
- 548 - (4/548)
صفحة 2607
1630 -
الورثة لأن هذا عليه واجب، ومن أخذ وصية الحج فتمتع بغير إذن الورثة، منهم من يقول: يجزيه، ومنهم من يقول: لا يجزيه، وذلك فيما عندي لأنه فعل ما لم يؤمر به فخالف، وعلى القول الأول جائز كما للحي، والله أعلم. وإنما يلبي الوصي على الميت ولا يلبي على نفسه، يقول: اللهم لبيك على فلان بن فلانة، وإن لم يعرف اسم أمه يقول: اللهم لبيك على فلان بن فلان، وإن تشاكل عليه اسم أبويه جميعاً فليقل على فلان هكذا ويعني الموصي، وإن تشاكل عليه اسم الموصي فليلب على صاحب الوصية هكذا ويعنيه في نفسه، وإن لبى على نفسه ولم يلب على الميت من بدء إحرامه إلى آخره فلا يجزيه للميت ويجزيه لنفسه ويعيد على الميت من قابل، وإن لبى على الوصي أولاً في بدء إحرامه ثم رجع فلبي على نفسه بالعمد أو الخطأ فقد أجزأته تلبيته الأولى على الميت،
والله أعلم.
وفي الأثر: ومن تطوع على الميت فنفذ وصاياه من ماله دون مال الميت من حج أو عمرة أو صدقة أو ما أشبه ذلك فقد أجزأ ذلك عن الميت والورثة والخليفة إذا لم يجعل نواه على أن يأخذ منهم فليعطوه مثل لم ما يعطى لغيره في الذي نفذ فيما بينه وبين الله ولا يدرك ذلك عليهم في الحكم، ولا يجوز لخليفة الميت على وصية الحج أن يحج عنه بنفسه ويمسك (4/549)
صفحة 2608
الوصية إلا إن أمره الميت بذلك أو الورثة، ومنهم من يقول: يجوز له ذلك لأنه في مقامه، وأما الورثة فجائز لمن أراد منهم أن يحج على وارثهم ويمسك تلك الوصية لأنهم في مقام وارثهم فيجب عليهم إنفاذها، وإن حج عنه أحدهم بنفسه فقد أجزأ عنه لقوله عليه السلام: (حين سألوه أنحج عن أبوينا؟ قال نعم: حجوا عنهم ()، وإن حج عن الميت اثنان من الورثة فإنما ينظرون إلى من أحرم منهما أولاً فتصح له الوصية.
وفي الأثر: وإن أوصى ببستان أو ما أشبهه فقال لورثته: من حج منكم عني فليأخذ هذا البستان أو غير البستان فذلك جائز، فمن حج منهم عنه أخذه وإن تسارعوا إليه فليتفقوا فيما بينهم، وإن اتفقوا على واحد منهم أن يحج عنه فجائز، ويأخذ ذلك إن وسعه الثلث ولا يكون ذلك مثل الوصية ولكنه إجارة ولا ينظر فيه إلى عناه حين وسعه الثلث، والوصية بالعمرة مثل ما ذكرنا في وصية الحج في فرضها ومن تدفع له وفي المكان الذي تدفع منه وكيف يعطونها ومساومتها والشركة فيها والإعانة بها، إلا أنها تقع في كل وقت ليست مثل الحج في ذلك، والحج
لا يقع إلا في أيامه ومشاهده والله أعلم.
(1) تقدم ذكره.
1831 - (4/550)
صفحة 2609
باب الوصية بالعتق
والوصية بالعتق جائزة، أصلها سائر الوصايا، وفي الأثر: وإذا أوصى لرجل بعشرين ديناراً للعتق فمات، فوجد الورثة رقبة سالمة بعشرة دنانير فلا يعتقونها ولكن ليعتقوا رقبة سالمة يساوي ثمنها عشرين ديناراً من غير نقصان، والفرق بين هذه المسألة ومسألة الوصية بعشرين ديناراً للحج الاختلاف الموجود بين رقبة تساوي عشرين ورقبة تساوي عشرة وليس كذلك الحج، أعني الحج لا يختلف في نفسه لاختلاف الأجرة عليه من القلة والكثرة، والله أعلم. وكذلك إن أوصى بعشرين ديناراً ليعتق بها عنه رقبة فلا يعتقوا عنه إلا رقبة يكون ثمنها عشرون بلا نقصان كما أوصى.
وفي الأثر: وإن أعتقوا بما دون ذلك ثم أعطوا البقية للمعتوق فلا بأس بذلك والله أعلم. وإن أوصى بعشرين ديناراً أن يعتق منهم عنه
10011 (4/551)
صفحة 2610
فما وجدوا به رقبة سالمة فيعتقونها عنه ويأكلون البقية لأنه إنما أوصى أن يعتق منهم، ومن في كلام العرب تأتي للتبعيض كما ذكرنا قبل هذا في باب الوصية بالحج والله أعلم. وإن أوصى أن يعتق عنه خادم له فلانة فمات فضيع الورثة ولم يعتقوها حتى ماتت فعليهم أن يعتقوا مثلها، لأنهم ضيعوا فلزمهم مثلها لعلة التضييع، وإن حدث بها عيب لم يجزه العتق، وقد يرجى برؤه؛ فقد ذكر في الأثر: أن ينتظروها حتى تبرأ، وأما العيب الذي كان معها في حياة الميت فيعتقوها معه، وإن كان ممن لا يجزى في العتق فليس عليهم غير ذلك إذا كان فيها قبل الوصية لأن الميت أمرهم بذلك، وكذلك إن ماتت قبل موت الميت أو استحقت قبل موته أو بعد مو ته فليس عليهم عتق غيرها، لأن الميت أمرهم أن يعتقوا ما لا يملك في باب الاستحقاق، وكذلك موتها قبل الميت ليس عليهم ضمان لأنهم لم يضيعوا، والله أعلم. وإن أعتق تلك الخادم الوارث عن نفسه في دين كان عليه فعتقه إياها جائز، وتجزي عنه في دينه ويكون عليه ضمان الوصية أن يعتق رقبة مثلها سالمة ويكون ولاؤها للورثة وولاء الأولى له دونهم، فهذا لأن الخادم ما لم يعتقوها عن الميت لهم وإنما عليهم ان يفعلوا ما أمروا، وليس موت الميت مما تعتق به، ولكن عليهم ان يعتقوها كما أمروا بعد موته، فإن لم يفعلوا لم يمتثلوا ما أمروا به ولا
– 552 ـ (4/552)
صفحة 2611
تخرج حرة إلا إن اعتقوها كما ذكرنا، فإن قال قائل: فعلى هذا المعنى إذا إن باعها أو وهبها فبيعه وهبته جائزة وعليه ضمان الوصية، قيل له: نعم، ولكن عليه ان يطلبها حتى يشتريها فيعتقها عن الميت، وإن أعتقت في يد الآخر أو ماتت أو حدث بها عيب لم يجزه العتق فيعتق مكانها أخرى، وإن هربت منه أو غصبت فليطلبها وينتظر قدومها ويعتقها، وإن هلكت بالموت أو حدث فيها العيب الذي ذكرناه فليعتق غيرها، وإن أعتقها هناك فعتقه جائز، ولكن إذا دخلت يده قبل موتها أجزأت عنه، وإن ماتت هناك فيعتق غيرها، لأن عتق الآبق أو المغصوب لا يجزي عن الدين كما لا يجوز بيعه والتصرف فيه، وإن رجعت إليه وقد حدث فيها عيب لم يجز معه العتق أجزأت عنه إذا كان حدوث العيب بعد العتق بعد العتقز والله أعلم. وإن أوصى بعشرين ديناراً أن يعتق بها عنه عبد فلان وهو معروف فليعتقوه عنه مع العيب الذي كان فيه في حياة الميت، وإن كان ممن لا يجزي في العتق، وإن كان العيب بعد موت الموصي فلينتظروا برأه، وإن كان ممن لا يبرأ فيعتقوا غيره، وإن مات العبد قبل موت الموصي أو خرج حراً فليعتقوا غيره، لأن الوصية في هذه المسألة إنما
قوله: إذا باعها أو وهبها، أي الوارث.
قوله: لا يجزي عن الدين، يعني لا يتيقن فيه براءة الذمة
- 553 - (4/553)
صفحة 2612
وقعت على الدنانير ثم أمرهم بعد ذلك أن يعتقوا بها عنه عبد فلان فلا تبطل الوصية لموت العبد ولا لغير ذلك من الوجوه، وإن غاب العبد ثم جاءهم خبر موته كما يموت غيره من الغياب في ظاهر الأحكام فليعتقوا غيره، وإن قدم بعد ما أعتقوا غيره فلا شيء عليهم لأنهم لم يضيعوا وعملوا بالعلم ما علموا، ومنهم من يقول: عليهم أن يعتقوه وإن أعتقوا الأول، فهذا منهم يدل على أن الخطأ لا يزيل الضمان وإنما يحط الإثم لا غير، وعلى القول الأول حين أمروا بعتق غيره ففعلوا ما أمروا به صح فعلهم، لأنهم كيف يؤمرون بفعل يكون إن لم يمتثلوا عصوا، وإن امتثلوا لم يخرجوا من الوجوب فصح الفعل لوجوب الأمر والله أعلم. وكذلك على هذا الاختلاف جميع ما أوصى به الميت إذا كان معيناً لوجه كذا وكذا من وصيته إذا تلفت من غير تضييع من الورثة ثم وجده بعد ما أنفذوا الوصية من غيره والله أعلم. وكذلك إن اشترى الورثة الخادم التي أوصى بها الميت وهي ذات رحم محرم من الميت بالنسب فلا تخرج بالميت بعد موته وتجزي عنه في العتق، وأما إن كانت ذات رحم محرم من أحد الورثة بالنسب فإنها تخرج حرة مع الشراء ولا تجزي عن الميت ويكون ضمانها على الذي خرجت به، سواء اشتراها بنفسه أو
قوله: لوجوب الأمر، في نسخة لوجود، أي لوجوب امتثال الأمر. (4/554)
صفحة 2613
اشتراها غيره من الورثة أو الخليفة فإنما تخرج حرة به فيلزمه ضمانها، ولا تخرج حرة إذا كانت ذات رحم محرم بالنسب من الخليفة إذا كان من غير الورثة، ولكن إذا أراد الورثة أن يعتقوها عن الميت وهي ذات رحم محرم بالنسب من أحدهم فليطلبوا مولاها أن يعتقها عن الميت ثم يعطوه ثمنها بعد ذلك، فإن أبى عليهم فينوون شراءهم فيها هو عتقها عن الميت فتخرج عن الميت في وصيته والله أعلم. وإن اشترى هذه الخادم التي أوصى بها الميت واحد من الورثة ثم أعتقها في دين كان عليه هو لنفسه أجزأ عنه ويكون عليه صمان الوصية لأنها ماله ما لم يعتقها وما ولدت بعد شرائه إياها وقبل عتقه لها فهم له عبيد، وإذا تسراها فيثبت نسب أولاده معها، وبالجملة فهي له ما لم يعتقها عن الميت والله أعلم. وإن أوصى الميت بعتق رقبة ولم يسم شيئاً فأعتق الخليفة من الخدام التي ترك الميت فعتقه جائز عن الورثة ولو كانت كثيرة الثمن ما لم يجاوز الثلث، وما جاوز الثلث فهو له ضامن ويكون عتقه جائزاً، وكذلك عليه ضمان غيرها من وصايا الميت فيما يقابل ثلث ماله منها. ولكن لا يجوز للخليفة أن يعتمد ضرر الورثة لغير حاجة، وإن أعتق الخليفة من خدم الورثة وليست من الخدم التي تركها الميت لم يجز عتقه إياها لأنه لم يستخلف على غير ما تركه الميت، وإن أعتق الخليفة الطفل عن الميت كان عليه نفقته
1800 - (4/555)
صفحة 2614
حتى يبلغ دون الورثة لأنه لم يؤمر بذلك، وإن كان الميت هو الذي أوصى بعتقه كانت نفقته على الورثة دون الخليفة، وما أعتقه الميت في مرضه قضيه اختلاف بين العلماء، قال بعضهم: هو من الثلث، وذلك عندهم لأن المريض كالمحجور عليه ماله فلا يجوز له فيه غير الثلث فيكون عتقه من الثلث، وقال آخرون: هو من جميع المال إذا كان عتقه في حياته، وكذلك أيضاً إن أمر رجلاً أن يعتق عبده في صحة منه ولم يعتقه المأمور إلا بعد ما مرض الآمر، وكذلك أيضاً إن علق عتق عبيده إلى وقت معلوم أو إلى مشيئة فلان أو إلى قدوم فلان، فكان ذلك في مرض السيد فقد خرج العبيد أحراراً ويستسعون بما فوق الثلث على قول من جعل العتق من الثلث أعني عتق المريض، وإن أعتقه في مرضه وقد أحاطت الديون بماله فإنه قد ذكر في هذه المسألة أبو عبد الله في كتابه أو ما هو في معناها عن بعضهم أن العتق ماض ويسعى بثلثي قيمته الغرماء وهو
بعضهم:
قول موسى بن علي، وق، وقال:: العتق ماض ويسعى بقيمته للغرماء، وقال محمد بن محبوب: العتق باطل لأن العبد مستحق بالدين، وهذا هو القول عندنا لأن الدين فرض والوصية تطوع، والذي يعجبني في هذا
قوله: والذي يعجبني الخ. هذا هو الذي جزم به في الديوان، ثم قال: وقيل غير ذلك
10091 (4/556)
صفحة 2615
قول من قال: يسعى بقيمته المغرماء لما فيه من الاحتياط بين العتق ودين الغرماء والله أعلم. وقد ذكر أيضاً أبو عبد الله محمد بن بركة في كتابه: وأجمعوا أنه لو أعتقه في صحته وعليه دين يحيط بثمن العبد أن العتق ماض لأن الدين في حال الصحة متعلق بالذمة، وإذا زالت الذمة انتقل إلى التركة، وأجمعوا أنه لو أعتقه وقد حكم عليه الحاكم بالدين للغرماء وحجر عليه الحاكم ماله أن عتقه باطل، واختلفوا فيه إذا أعتقه وقد حكم عليه الحاكم بالدين وليس في ماله وفاء بما عليه وأعتقه قبل الحجر، قال بعضهم: عتقه ماض ما لم يحجر عليه الحاكم، وقال بعضهم: عتقه باطل، والنظر يوجب عتقه ما لم يحجر عليه الحاكم لأن له التصرف في ماله وإخراجه من يده قبل الحجر والله أعلم.
وفي الأثر: وإن أوصى أن تعتق عليه رقبة في منزل معلوم فجائز ويعتقونها عليه في ذلك المنزل، وكذلك إن أوصى بجنس معلوم أن يعتقوه عليه على هذا الحال، فإن أعتقوا عليه من غير ذلك الجنس أو في غير ذلك المنزل فجائز، ومنهم من يقول: إن أعتقوا من غير ذلك الجنس فلا تجزيهم، وهذا القول عندي أصح غير أن بني آدم كلهم جنس واحد
والله أعلم.
وفي الأثر: وإن أوصى بعتق هذا العبد فمات فقد خرج حراً ولو
10011 (4/557)
صفحة 2616
لم يعتقه الورثة، ومنهم من يقول: لا يعتق حتى يعتقه الورثة، وأما إن أوصى أن يعتق عليه هذا العبد فلا يعتق حتى يعتقوه، وإن ضيعوه أو لم يعتقوه حتى مات فهم ضامنون لقيمته إن وسعه الثلث، وإن كانت أمة فولدت قبل أن يعتقوها فولدها عبد، وأحكامها أحكام الأمة ما لم يعتقوها وغلاتها كلها لهم وعليهم جناء ما يلزمها فيما دون قيمتها وأفعالهم فيها كلها في كل ما لم يخرجها من الملك جائزة لهم مثل التزويج والظهار عليها والطلاق والتسري والعارية أو الخدمة، فإن استمسكت بهم على أن يعتقوها فلا يجبرهم الحاكم على ذلك، ومنهم من يقول: يجبرهم، وذلك فيما يوجبه لتعلق حق الأمة في ذلك، وعلى القول الأول يلزمهم فيما بينهم وبين الله كسائر الفرائض فلا جبر عليهم، ولكن يؤمرون بذلك والله أعلم. وإن أوصى لعبده بالمال فليس في ذلك شيء على قول بعضهم موته للمورثة ولا وصية لوارث، ومنهم من يقول: ذلك جائز، وإن كان ما أوصى به قدر قيمته فقد خرج حراً وإن كان أقل من قيمته فقد عتق أيضاً ويستسعي بما بقي من قيمته، وجعلوا ذلك بمنزلة من أوصى له بنفسه لأنه ماله والله أعلم. وإن أوصى بعتق رقبة قد كان له فيها نصيب فلا
لأنه بعد
قوله: ذلك جائز، الظاهر أن هذا مبني على القول بأن الوصية للعبد يملكها
العبد وليست للسيد
10071 (4/558)
صفحة 2617
يعتقها الورثة إلا إن ملكوها كلبا وإن لم يجدوها فليشتروها لأن في ذلك فساد الأموال ودخول المضرة على الشركاء، ومن فعل ذلك متعمداً فقد عصى ربه وضمن لشركاته قيمة أنصبائهم كما قال عليه السلام: (من أعتق شقصاً في عبد قوم عليه)) والله أعلم.
وفي الأثر: وإن كان عنده عبد وأمة فأوصى بعتق واحد من عبيده فليعتقوا عنه من أرادوا منهما، وإن قال: أعتقت واحداً من عبيدي ولم يسمه فقد خرجا أحراراً ويستسعيان، لعله أراد بقيمة كل واحد منهما. وفي الأثر: ومن مات وترك أم ولده وقد ترك معها ولداً فإن فيها أقاويل؛ من العلماء من يقول: خرجت حرة من جميع المال، ومنهم من يقول: خرجت من الثلث، ومنهم من يقول: خرجت من نصيب ابنها ولا يضمن أكثر من نصيبه من الميراث، ومنهم من يقول: يضمن أكثر من نصيبه للورثة، ومنهم من يقول تستسعى بقيمتها للورثة إلا ما ينوب ابنها، ومنهم من يقول: يأخذ غيره من الورثة
قوله: لعله أراد، الظاهر أنه أراد لنصف قيمتهما، لأنه قد يكون بينهما
التفاوت كما هو ظاهر والله أعلم.
قوله: خرجت من الثلث، ينظر ما الحكم إذا لم يسعها الثلث
(1) تقدم ذكره.
10091 (4/559)
صفحة 2618
من المال ما ينوبهم من قيمتها ويقتسمون القيمة، وقد اتفقوا جميعاً أنها حرة، لكن اختلافهم هل هي حرة من جميع المال أو من الثلث؟ أو هل يضمن من خرجت به للورثة أو لا؟ والذي يوجبه النظر أن من قال: أنها حرة من جميع المال يؤول إلى قول من قال: ان أم الولد حرة لأنها لا تباع لورود النهي في ذلك، ومن قال: حرة من الثلث، فلأنها عتق بعد الموت أصله سائر الوصايا، ومن قال: بتضمين ابنها للورثة، فلأنها خرجت بسببه، ومن قال: تستسعى بقيمتها للورثة، فلأن ابنها لم يكن منه فعل يجب عليه فيه ضمان والله أعلم.
فصل
وإذا دبر الرجل عبده إلى موته أو إلى موت عبده أو موت غيرهم فهو تدبير جائز، وفي كتاب أبي عبد الله: واختلفوا في التدبير في حال
قوله: ان أم الولد حرة الخ. المناسب إسقاط قوله حرة، فيقول مثلا: ان أم الولد لا تباع الخ.
سل
قوله: أو إلى موت، ذلك يعني فلا يجد إلى بيعه سبيلاً، ويجعل مع الأحرار
عند المصلى مثلاً، وانظر هل له في هذا التدبير أجر.
19591 (4/560)
صفحة 2619
الصحة، فقال أكثرهم: التدبير في الصحة من رأس المال، والتدبير في المرض من ثلث المال، وقال آخرون: تدبير الصحة والمرض من الثلث، وهذا أنظر لأن العتق يقع بالموت، ألا ترى أن الوصية في الصحة
والمرض ترجع إلى الثلث والعتق مثله والله أعلم، ولا يجوز بيع المدبر ولا هبته، وفي كتاب أبي عبد الله أيضاً: اختلف أصحابنا في بيع المدبر، قال بعضهم: جائز في العتق وثبوت الرق عليه، والتدبير عتق بصفة ما لم تقع الصفة، فالرق ثابت والبيع جائز، وقال آخرون: لا يجوز بيع إلا للعتق ويجوز بيعه عند هؤلاء في الدين ويكون في المصر الذي يكون فيه المدبر عليه، وقال بعضهم: لا يجوز بيع المدبر على كل حال لقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)، وهذا عقد عقده المدبر على نفسه وفيه حقان: أحدهما للمدير، والآخر الله تبارك وتعالى، والصحيح لا يجوز بيع المدبر لأنه بيع غرر ولأنه لا يدري كم يعيش هذا الذي دبره إلا إن باع خدمته من نفسه فإنه ليس بين العبد وسيده رباً، والأمة إذا دبرها سيدها وهي حاملة فهي مدبرة مع ما في بطنها لأنه تبع
قوله: لأنه بيع غرر الخ. هذا ظاهر إذا لم يكن لتنجيز العتق وهو الظاهر، أما في المنع من الضرر بالعبد في هذه الصورة والله أعلم.
(36)
10911
(1) تقدم ذكرها. (4/561)
صفحة 2620
لأمه ولو وضعته قبل موته، وما ولدته بعد ذلك فهو عبد إلا ما كان في بطنها عند وقوع العتق فهو حر مثلها، وإن دبرها قبل موته بمدة معلومة أو قبل موتها هي أو قبل موت غيرهما من الناس فهو جائز، وكذلك إن دبرها بعد موته بمدة معلومة أو بعد موتها أو بعد موت رجل آخر غيرهما، وكذلك إن دبرها إلى موته أو إلى موتها أو إلى موت رجل آخر غيرهما فجائز، لأن التدبير عتق بصفة، وأصله أن يكون دير الحياة، والذي قلنا في جميع ما ذكرناه قبل الموت أو بعد الموت لمدة معلومة، وأما إن دبرها قبل موته أو قبل موتها أو قبل موت غيرهما لغير مدة خرجت حرة عند تمام كلامه، وكذلك إن دبرها بعد موته أو بعد موتها، وكذلك إن ديرها بعد موته بلا مدة والله أعلم. وحكم المديرة حكم الأمة ما لم تخرج بالتدبير.
وفي الأثر: قلت لأبي المورج: هل يطأ الرجل مدبرته؟ قال: لا بأس بذلك، وقال: وكذلك حدثني وائل ومحبوب عن الربيع وأخبرني أبو غسان أنه لا بأس أن يطأ الرجل، مدبرته، وقال ابن عبد العزيز: ليس بين الفقهاء ممن خالفناء ووافقناه في هذا اختلاف، إنما اختلاف منا ومنهم في وطء مكاتبته هم يوسعون له ذلك ويجيزونه له لأنها عندهم أمة،
قوله: بعد موته، أي إلى موته.
- 562 - (4/562)
صفحة 2621
وكذلك المديرة أيضاً هي عندهم أمة كما هي عندنا يجوز له وطؤها، وقلنا نحن: لا يجوز له وطء مكاتبته ويجوز له وطء مدبرته، لأن مدير ته أمة ولأن المكاتبة حرة لا يجوز له وطؤها، ولا يجوز لأحد الرجوع في مديرته لأنه عتق بصفة لا يجوز الرجوع فيه، وفي بعض الآثار: سألت أبا المورج عن رجل قال: إن مت في مرضي هذا فغلامي حر لوجه الله، قال: لم يرجع فيه إن شاء، قال ابن عبد العزيز: ليس هو مثل إن مت فغلامي حر لأنه لا يستطيع أن يرد هذا، وأما إن قال: إن مت في مرضي فلم يمت في مرضه فهو غلامه يرجع في ماله، قلت: فالمدبرة تلد في تدبيرها، قال أبو المورج: حدثني أبو عبيدة أن كل ما ولدت المدبرة في حياة سيدها الذي دبرها فهم عبيد، وما ولدت بعد موته فهم أحرار، لأنها إنما ولدتهم بعد ما خرجت حرة، وكذلك قال عبد الله: وروي إلى محبوب عن الربيع ليس بينهم في ذلك اختلاف، قلت لابن عبد العزيز: هؤلاء يقولون ويروون عن فقهائهم أن أولاد المدبرة يرقون برقها، ويعتقون بعتقها، قال لي: فمتى يجب للمدبرة عتق؟ قلت:
: بعد
:
موت سيدها، قال: أليس هي أمة ما لم يمت سيدها؟ قلت: بلى. فأولادها قبل أن يجب لها عتق ما منزلتهم؟ قلت: يرقون برقها، فإذا مات سيدها يعتقون بعتقها، قال: كيف يكون ذلك ولم يدبرهم المولى ولم
- 563 - (4/563)
صفحة 2622
يجعل ذلك لهم كما جعله لأمهم، وإنما قال للأمة: إذا أنا مت فأنت حرة، فتجعل هذا القول منه تدبيراً لولدها وهو لم يفعل ذلك لهم ليس هذا من قول أحد يفعل، قلت له: مثل لي قولكم في المديرة مثلاً أحتذي عليه
6
وأقوى به وفرقه لي فرقاً حسناً واضحاً، وقس لي ما فيه قياساً بيناً قال: نعم، ق، قد كفانا ذلك الشيخ أبو عبيدة، قلت: وقد قال في ذلك قولاً، وقد قاس فيه قياساً بيناً واضحاً، قال: نعم، قلت: وما هو؟ قال: سألهم عن رجل جعل نخلاً له بعد موته في سبيل الله، هل له أن يأكل من رطبها وبشرها ويبيع منها ويهب منها في حياته ويغرس من فسيلها في أرض أخرى؟ قلت: وما عسى أن يقولوا إلا ان له ذلك، قال: فإذا قالوا ذلك فما الذي بقي في أيديهم؟ كذلك إن قلنا أن كل ما ولدت المدبرة فهم عبيد له يستخدم ويبيع ويهب، فإذا مات فالأم التي جعل لها ذلك حرة، وما بقي من ولدها فهم له كما للرجل الذي جعل نخلاً بعد موته في سبيل الله، يأكل من رطبها وبسرها وتمرها والانتفاع بها في حياته والغروس منها في أرضه، فإن مات وقد أعهد من ذلك مالاً فهو لورثته، والنخل في سبيل الله كما جعلها، قلت: قد أوضح المسألة وأغاص في الطلب، سألت أبا المورج عن المدبرة هل تباع؟ قال: نعم
قوله: فهم عبيد، يعني إلا من كانت حاملاً به وقت التدبير كما تقدم
•
- 564 - (4/564)
صفحة 2623
إن شاء باعها، وكذلك قال لي وائل ومحبوب، ولا أدري أرفعاها إلى الربيع أم رأي منهما، ولا أدري أرفع ذلك أبو المورج إلى أبي عبيدة في بيع خدمة المدبرة أم رأي منه، قال ابن عبد العزيز: لا تأخذ هذا من قولهم رفعوه إلى من ذكرته أم لم يرفعوه، لأن هذا من الغرر، لا ندري كم يعيش هذا الذي دبره أيطول أم يقصر ولا يجوز الغرر، وقد نهى النبي عن بيع الغرر، قال ابن عبد العزيز: إن شاء باع خدمته من نفسه فإنه ليس بين العبد والسيد رباً لأنه عبده، فلا رباً بين العبد وبين ومولاه إن شاء آجره شهراً بشهر أو يوماً بيوم أو سنة بسنة، قلت لأبي المورج: فالرجل يدبر مملوكه هل له أن يكاتبه؟ قال: نعم إن شاء، قال ابن عبد العزيز: إن فعل ذلك وكاتبه، فإذا مات قبل موت السيد فهو حر، وإن مات السيد قبل أن يؤدي كتابته فهو حر لتدبيره إياه، قلت لابن عبد العزيز: فالرجل يكاتب غلامه ثم يدبره، قال: ما أحسبك تعقل ما أقول لك، قلت: لم؟ قال: ألم أقل لك إن المسألة الواحدة من قولنا في المكاتبة تدلك على ما سواها من المسائل، وعلامتك أن المكاتب عندنا في جميع حالاته حر ليس تدبيره بعد المكاتبة بشيء، وهو رجل حر يطالب بما عليه من المكاتبة كما يطلب الغريم غريمه ولا تدبير ها هنا، ولكن
قوله: فهو حر، أي هو حر، أدى أو لم يؤد.
- 565 - (4/565)
صفحة 2624
أحسبك رجلاً رويت فقه المخالفين لنا في المكاتبة وعرفت أقاويلهم في جميع ما فعل المكاتب فيه عبداً فأنت تدخل علينا مسائلهم لنجيبك بالذي عرفت من قولهم، وإن دبرها قبل موته أو قبل موتها فلا يجوز له أن يتسراها لئلا يطأها بعد ما خرجت حرة وهو لا يشعر، وكذلك أيضاً إن دبرها قبل موته بأجل مسمى فعليه أن يوصي لها بقيمة خدمتها إلى ذلك الأجل لعله الذي استخدمها فيه، وإن قتلت وعاش مولاها حتى جاوز الأجل الذي سمي لتدبيرها فيكون حكمها حكم الأمة، وإن مات قبل تمامه فيكون حكمها حكم الحراير فيقتل بها قاتلها إن قتلها عمداً، وكذلك جميع أحكامها في الجراحات والقتل والقذف وما أشبه ذلك مما يختلف فيه حكم الحرة والأمة، والله أعلم
وفي الأثر: وإذا دبر الرجل عبده ثم قتل العبد فأخذ مولاه قيمته فليشتر بها غيره فيدبره بها، وإذا اشترى مثله فدبره مكانه فبقي من ثمنه فيدبر به غيره، ومنهم من يرخص: أن يأكله، وقيل غير ذلك من الرخصة، فهذا يدل من قولهم أن قيمته بمنزلته كما كانت العين مدبرة، فكذلك قيمتها قياساً عليها كما جاء في الحديث (لعن الله اليهود حرمت
قوله: عرفت من قولهم، يعني مع أنا لا نجيبك إلا بما عليه أهل مذهبنا
- 566 - (4/566)
صفحة 2625
عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها))، وقاس الثمن على المثمن، غير أن لقائل أن يقول: ان الشحوم محرمة العين، فلذلك ساغ فيها ذلك، والمدبر حلال خدمته لأنه عبد ما لم يقع العتق بصفة فكانت قيمته مقابلة لخدمته، لأنه إنما يقوم على أنه مدبر، وهذا فرق بين لمن تدبره، والله أعلم. وكذلك أيضاً إن قطع عضو من أعضائه فأخذ قيمته فليد بر بها غيره ولا يأكلها، ورخص بعضهم في أكلها، وأما قيمة الجروح فإنه يأكلها فلا بأس والله أعلم. والعبد المدبر إذا قتل مولاه الذي دبره فإنه يخرج حراً ويقتله الورثة إذا أرادوا، وقال بعضهم: بإبطال التدبير إذا وقع القتل من قبله قياساً على قاتل وليه ليرثه إن ماله يحرم عليه، وكذلك الموصى له إذ قتل الموصي على هذا الاختلاف، أعني هل تبطل الوصية أم لا؟ والله أعلم. وإذا كان العبد بين رجلين أو ثلاثة فدبروه إلى موتهم جميعاً، فلا يخرج حراً حتى يموت الآخر منهم
قوله: مقابل لخدمته، هذا ظاهر إذا كان الأجل معلوماً، وأما إذا كان إلى الموت فينظر كيف تقوم خدمته، وأما الذات فلا تصرف له فيها. قوله: على أنه مدير، يعني وقيمته حينئذ ناقصة مغايرة والله أعلم.
تمت الحاشة»
(1) تقدم ذكره.
-
567 (4/567)
صفحة 2626
لأنه مدير لموتهم جميعاً، وإن دبره كل واحد منهم خاصة فليخرج حراً
عند موت الأول منهم، والله أعلم.
مسألة في صفة التدبير:
والتدبير أن يقول الرجل لعبده: أنت مدبر في حياتي حراً بعد موتي، فيكون حراً على هذا الحال بعد الموت، وكذلك إن قال له: أنت مدبر هكذا إلى وقت كذا، فذلك كله تدبير، ويكون التدبير قبل الموت إلى أجل معلوم، ويكون بعد الموت أيضاً إلى أجل معلوم، ويكون أيضاً مع الموت، والله أعلم. والتدبير عند العلماء في الرقيق كلهم صغيرهم وكبيرهم، موحدهم ومشركهم، ولا يجوز التدبير إلا لمن يجوز له العتق، ولا يجوز له في رقبة له فيها شريك إلا بإذن الشريك لأنه ضرر، والتدبير يكون في الصحة والمرض جميعاً ما دام الإنسان عاقلاً، ويكون إلى أجل وإلى موت كل ذي روح من بني آدم أو غيرهم مثل الأشجار والنبات وما أشبه ذلك مما تنسب إليه الحياة في مجاز اللغة وليس بحي في الحقيقة، وفي ذلك اختلاف، فمنهم من يقول: إن التدبير معلق إلى موت هؤلاء كلهم على ما جوزه اللغة، ومنهم من يقول: هو حر في حينه ذلك وإن دبره إلى أوقات مجهولات، مثل مجيء المطر أو الرياح أو ما أشبه ذلك، فقد خرج حراً إذا جاء المطر أو الريح علم
1991 - (4/568)
صفحة 2627
به أو لم يعلم، وإن علق التدبير إلى أوقات قد مضت أو إلى موت من قد مات فهو حر في ذلك، وإن دبره إلى الصيف أو إلى الشتاء أو إلى الحرث. أو إلى الحصاد فجائز، وإن دبره إلى قدوم المسافرين أو إلى ولادة المرأة فجائز، وإن لم يقدم المسافرون أو سقطت المرأة فلم تلد فلا يخرج حراً، والإمارة في التدبير جائزة، وإذا قال الرجل لعبده أوصيت لك بنفسك فذلك جائز ويخرج عند موته، وإن قال: وهبت لك نفسك فيخرج من ساعته.
تم بحمد الله)
1099 - (4/569)
صفحة 2628
[صفحة فارغة] (4/570)
صفحة 2629
محتويات الجزء الرابع
كتاب الشركة
باب في شروط المضاربة، ما يجوز منها وما لا يجوز
باب في أحكام القراض
باب في شركة العنان
باب في شركة المفاوضة
مسألة
باب آخر في الشركة
باب في القسمة
باب في شروط القسمة وصفاتها
باب في دعاوى الورثة بعضها على بعض في القسمة
باب في صفة القسمة
باب في أحكام القسمة
باب في الرهن
باب في صفة عقد الرهن وشروطه (4/571)
صفحة 2630
الصفحة
الموضوع فصل: وفي الأثر ومما يجوز ايضاً للمرتهن
فصل: ويجوز للراهن والمرتهن إذا اتفقا أن يجعلا بينهما رجلاً عدلاً
باب في أحكام الرهن وما للراهن من الحقوق في الرهن وما عليه، وما للمرتهن وما عليه واختلافهما في ذلك
باب ما يجوز للراهن من الأفعال في الرهن وما لا يجوز له، وما يكون عليه فيه من الحقوق
باب فيما يكون على الراهن من الحقوق في الرهن باب فيما يكون على المرتهن من الحقوق في الرهن باب فيما لا يجوز للمرتهن أن يفعله في الرهن باب ما يجوز للمرتهن أن يفعله في الرهن باب في بيع الرهن باب في اختلاف الراهن والمرتهن ودعاويهما في ذلك
باب في الشفعة
باب في معرف رفة المشفوع فيه
باب في معرفة الشافع
باب في معر
رفة المشفوع عليه
باب في صفة أخذ الشفعة
باب كم يأخذ الشفيع من الشفعة
كتاب الشفعة
فصل: وأما إذا كان المشفوع عليه ثلاثة أو أكثر
باب متى يأخذ الشفيع الشفعة ومتى تفوته ولا يأخذها (4/572)
صفحة 2631
الموضوع
فصل: وإن سلم الشفيع للمشتري الشفعة فقد فاتته
باب في أحكام الشفعة
باب في دعاوى الشفيع والمشتري واختلافها
الصفحة
كتاب الهبة
باب في الهبة
فصل: وأما الهدية بين الناس فجائزة
فصل: وفي كتاب أبي عبد الله: واختلف أصحابنا في مال الولد
فصل: ثم إن الهبة ايضاً تنقسم قسمين
كتاب الوصايا
باب في الوصايا
باب من تجوز وصيته ومن لا تجوز
باب ما تجوز به الوصية، أعني النظر الى جنس الموصى به وقدره
باب من تجوز له الوصية ومن لا تجوز باب في أنواع الوصايا
باب الوصية التي تخرج من الكل والتي تخرج من الثلث
باب الوصية بالاتصال والانتصال
باب في وصية الاحتياط
باب آخر: وإذا أوصى الرجل بكذا وكذا للمسلمين فجائز باب الوصية في الأجر وفي سبيل الله (4/573)
صفحة 2632
الصفحة
الموضوع باب الوصية بالحج والعمرة
مسألة: وإن أوصى بكذا وكذا لمن يحج منهم عنه
مسألة: وفي الأثر: وإنما يدفع الورثة أو الخليفة وصية الحج
من بيت الميت
مسألة: وإنما ينبغي الورثة أن يدفعوا وصية حج مورثهم
باب الوصية بالعتق
فصل: وإذا دبر الرجل عبده الى موته أو الى موت عبده
أو موت غيرهم فهو تدبير جائز
مسألة: في صفة التدبير
- 574 - (4/574)
صفحة 2633
حقوق الطبع محفوظة
لدى وزارة التراث القومي
والثقافة
ص. ب: 668 - الرمز البريدي: 113 - مسقط - سلطنة عُمان
رقم الإيداع 99/ 158
لطبع في المطابع الذهبية - مرب 2816 روي - الرمز البريدي: 112، سلطنة عمان - هند 11972 (4/575)