صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه - فقه
------------------------------------------
العنوان: مقاصد الأبرار على مطالع الأنوار
المؤلف: سالم بن حمود السيابي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1404ه/ 1983م
الطبعة: 1
الكلمات الدالة: الوصية، أحكام الوصية
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=105&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/453
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 06 محرم 1447ه/ 02 - شهر 07 - 2025م. سَلطنة عُمان
وزارة التراث القومي والثقافة
مقاصد الأبرار على مطالع الأنوار
تأليف
العلامة الشيخ سالم بن حمود السيابي
1404 هـ
1983
م (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
«بسم الله الرحمن الرحيم»
(مقدمة)
كلمة وجيزة نذكر فيها ترجمة شيخنا العالم صاحب مطالع الانوار الفقهية فان في ايضاح المقدمة ايضاحا لمقام شيخنا المترجم له ـ وبذلك يدري من لم يعرف هذا الشيخ من ساير الناس وبها تعلم مكانته العلمية ومقامه الموقر في المواقف العلمية - وبذلك يعتمد القراء ما حرره وقرره والفه وسطره فان) المؤلف الذي لا يعرف مؤلفه لا يعمل به لان الله كلف عباده سؤال اهل الذكر وقبول اقوال اهل الحق من العلماء العاملين المعروفين وان معرفة المؤلف بمنزلة النسب (للعلم ولهذا التزم اهل الحديث ذكر الرواة في سياق الرواية للحديث لانهم نسبه الذي يعرف به وكذلك -
وغيره.
6
الفقه
اسم شيخنا الناظم ونسبه)
أما اسمه فهو احمد واما نسبه فهو ابن سعيد بن خلفان بن احمد بن صالح بن احمد بن عامر بن ناصر بن عامر بن سالم بن احمد من نسل الامام الخليل بن عبد الله بن عمر بن محمد بن الامام الخليل شاذان بن الصلت بن مالك بن بلعرب ويتصل نسبه الى خروص بن شاري من اليحمد. بن حمى بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود عليه السلام - وقد ذكرنا في الاسعاف بعض ما يلزم عنهم (1/3)
صفحة 4
وأما صفته فكان ابيض اللون ازهر الوجه انور المحيا طويلا معتدلا تلوح على وجهه سمات الفضل وتتجلى على محياه لوامع الشرف معلما وتقي وزهدا وورعا، ودينا وايمانا واخلاصا - كان من اكمل اهل الفضل ومن انبل رجال النبل عالما تقيا زاهدا وليا فاضلا رضيا يشرق نساء التقوى على اسارير وجهه ـ قال فيه الامام السالمي رحمه الله وكان عالما فاضلا) الطلعة يقر له بالفضل كل من رآه او جالسه او حادثه او باحثه فقيها بهي نزيها. بارع الادراك، واسع الاطلاع صفي الوداد، نقي الجيب من كل سوء طاهر العرض من كل شين - نشأ في مهد الايمان, وتربى في احضان التقوى، ومشى في ربوع العدل -.
(منشأه ومولده)
ولد شيخنا العالم صاحب مطالع الانوار في وطنه (الفيحا سمائل) ونشأ بها وتأدب على أدبائها وتفقه اجتهادا - شأن كل مجد مجتهد ـ فكان
امل
فكان اهدى العلم فيها وافقه اهل الفقه في نواحيها ـ وابصر رجال الدين في ربوعها - كان له في الادب اياد كريمة كان شاعرا نظاما، يقوله ويجيب به ويعرب عنه له اجوبة نظمية جميلة، سهلة التناول سلسلة القياد، واضحة العبارات مفيدة جدا، ولا ريب فان العربي مطبوع على ذلك
وخلاصة القول فيه انه ولي مرضي علامة تقي ابتلاه الله بعلة الصرع وما زالت به حتى كانت سبب وفاته رحمه الله ـ واذا احب الله عبدا ابتلاه - ليسمع تضرعه وشكواه - كما صرح بذلك النص النبوي ودل عليه كتاب الله
-
2 (1/4)
صفحة 5
وفاته رحمه الله»
كانت وفاة شيخنا المجيد أحمد بن سعيد ليلة احدى عشرة من ذي الحجة الحرام سنة 1324 - كان في ذلك اليوم امام اهل وطنه لصلاة العيد واذا به وقت صلاة المغرب ينتقل الى الله عز وجل تاركا وراءه ادمعا تسيل واكبادا حارة كادت أن تتصدع ـ فكان عمره نيفا واربعين سنة رحمه الله ورضي عنه
صفته الدينية
كان شيخنا هذا رجلا صلبا في الدين لا تأخذه لومة لائم في الله شديد الشكيمة في الحق متين الارادة في دين الله عز وجل لا يرهب الجبابرة
ولا يحابي اهل النفاق ولا يداهنهم
«مؤلفاته»
لم تكن لشيخنا المترجم مؤلفات مهمة غير هذه المنظومة الوجيزة التي انشأها في الوصايا وجدت متسرقفة في قراطيس متبعثرة عند بعض الناس واذا هي بخط يده ـ اما اجوبته الفقهية نظما ونثرا وقفنا على مجموع منها والله يؤتي فضله من يشاء - من أعظم ما يخفي معالم العلم ويقضي على آثار العلماء في عمان العجز المالي الذي ينشر العلم فان الفقر كاد ان يكون كفرا فكم ضاع من تراث العلم في زوايا الاجهال فصار لبدره كلفا ولشمسه غماما نسأل الله أن يبدل هذا الحال بحال أحسن منها إنه كريم رحيم.
- r- (1/5)
صفحة 6
رثاؤه)
لقد رثاه شعراء وقته وبالاخص اهل وداده في بلده وكان من فحول الشعراء في وطنه الشيخ ابو الوسيم خميس بن سليم المنذري بالولاء من اهل سمائل ولكنه كان ينشد القصيدة فيهتز لها طربا ثم يمزقها رغم رغبة الناس في شعره المتين ومقاله الرصين
وغيره من شعراء سمائل اذ ذاك كالشيخ حمد بن سليمان بن ماجد الخروصي وكان شاعرا يصدق عليه معنى هذه الكلمة وان كان غير مكثر
فيه لانه من اعيان قومه ومن اجلتهم
بن
وكذلك الشيخ الهمام المجيد اخي المرئي المترجم له عبدالله بن سعيد خلفان كان الشاعر الوحيد في وقته النابغة المجيد في عصره
وفي مقدمة هؤلاء شاعر العرب ابو مسلم الشيخ ناصر بن سالم بن عديم بن صالح البهلاني وكفى به واليك من رثائه لشيخنا المترجم من قصيدة له يقول في مطلعها:
بصايرنا في القضا خامدة
وكل
قضيته
ففيم التصور تحت العمى
واحدة
وفيم الدعاوى ولا شاهده
- {- (1/6)
صفحة 7
الى ان (قال)
متى ينزع الموت عن فتكه
فتبقى لمولودها الوالده
يجز
الحياة شبا
قارظ
ولم تنتبه هذه الراقده
وان حياة الى
منتهى
خيال يحول بلا
فايده
فسار) كذلك الى ان حط طايره على غصنه
تخطف أحمد ريب الردى فيا حرب الحمد والحامده حمدنا الزمان به برهة فصالت عليها يد صايده فما اسوأ العيش من بعدع وما اصغر النوب الوافده
الى ان (قال)
وما بيد أحمد بيد امرء ولكن نفوس الورى بايده
فسار فيه الى ان ختمها بقوله)
طوى العالمين الى ذاته بطارفة المجد والستالده (1/7)
صفحة 8
ومن رثاء الشيخ ابي الوسيم قوله:
فجع البسيطة حادث لا يدرأ ولرب خطب للخلايق يفجأ الله اكبر اي رزء حل لا نهج تطيق ولا عيون ترقاً حرق توقد في الضلوع يشبها هذا المصاب بأي شيء تطفأ امحمد رحل الامام وانت في سفر فعودا علنا بك نهدأ سافرت عن رجل رساما بيننا فارجع بهذا الطود كل يرزأ هل كان ارسى الارض الاشمها دك الاشم فأصبحت تتكفاً فارجع نقاسمك المصاب فمثل ذا رزء بقسم في الورى وبجزاء وانهض وشمر للعلوم وللتقى فلعل شبا بعد ليث يطرأ صبت دويهية علينا وهي من كل الدواهي لا محالة أجراً عظم المصاب فلا حياة هنية أو بعد أحمد في حياة مهنا أو بعد أحمد يرتضي خرزاله أحد تساقط من يديه اللؤلؤ دماءك يا جفون مدامعا هل بعد أحمد من نفيس يخبأ
صبي
دفن المكارم دافنواك فاشرقت عجبا لمدفون سنا يتلألأ واضاء علمك فانمحت بضيائه ضوء النجوم فلم تكد تتضواً نظر الأئمة في اجتهادك مفتيا فاذا اجتهادك صارم لا يصدأ ملء البسيطة وحده واليوم قد فرغ الوعاء وما له من يملأ كنت الملاذ المتلج ولمجتد فالى من اليوم الخلائق تلجأ ما زهرة الدنيا وراءك والذي اروته قدما من يديك الاظماً هدأت خطأ قدميك فينا وحدها وخطا ثنائك دايما لا تهدأ لم يسر بارق رحمة لضريحكم الا وأنت من البوارق أضوا كلاتك عين الله خير كلاءة أبدا ومثلك من يصان ويكلاً
- 1 - (1/8)
صفحة 9
بك طاب قولي في ثناك وان يكن بالمسك يختم ما يقول ويبدأ
الى هذا المقام انتهى هذا الرثاء العظيم لهذا الشاعر الحكيم في ذلك العالم الوحيد احمد بن سعيد ولقد جاء ابو الوسيم في رثائه هذا بما لا يزيد عليه من اقوال في الفقيد
فاذا امعنت النظر في محتويات هذه الابيات الوجيزة الفذة عرفت منها مكان شاعرنا الذي اخرجته الفيحاء فحلا من فحول شعرائها ولله ذلك السيد الخيليل الهمام رحمه الله ورحم به من تولاه ان منه من خلقه ضناين
الحديث
وهذه ابيات لشارح مطالع الاقمار نضعها هنا ان شاء الله
إني بسر مقاصد الأبرار أبرزت وجه مطالع الأنوار وابنت عن اسرارها بأشعة ضاءت تنير مقاصد الابرار لمقاصد الابرار ادركت الذي جمعته من حكم ومن ثار وبنورها اتضح السبيل لقاصد وبها اهتدى الشهم المجد الساري لمقاصد الابرار تأييد الهدى وبها تقوم مراشد الاحرار وبما حوت من حكم اقطاب الورى أبدت لنا سرا من الأسرار جمعت مذاهبهم وأبدت رأيهم وجلت لنا عن مقصد الاخيار فكأنها شمس أضاءت أفقها وكأنها مدد من التيار
جاءت بتحقيق الوصايا واضحا وبما لها من ثابت مختار قد اعربت عن كل امر لازم أو جايز من منهج الأبرار (1/9)
صفحة 10
أدت الى الفقهاء واجب قصدها وتأيدت
•
بأدلة
الآثار وشدت بذى العلم الولي إمامها بدر الهدى ابن السادة الاخيار الفاضل الزاكي الخصال سمي من صلى عليه ذو الجلال الباري الله انت فتى الامام العيلم الطامي العميق الباهر الزخار أعني سعيد الاسم والمعنى الذي شهدت له العلماء بكل فخار الله من ثمر يدل بطبعه حقا على مستخلص الأسرار قد جاء من ثمر الغصون أدلة تنبي النهي عن صالح الأشجار وأولوا لعلوم كواكب في ضوئها تجلو الدجى بأشعة الأنوار بهم ترى الأيام نشرق بهجة وبهم تضي = مطالع الأقمار وهم شموس الحق في الدنيا بهم تهدي الورى المقاصد الابرار
() يشر الى آية في الانجيل في قوله - من ثمارهم تعرفونهم الآية
— ^— (1/10)
صفحة 11
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي شرح صدور العلماء العاملين لفهم أسرار حكمته وفتح قلوب الأولياء المخلصين لتلقي آثار حجته وبين واجبات الانسان حياة وموتا يجايز وصيته ـ والصلاة والسلام على هادي الأمة بمقباس شريعته سيدنا محمد خيرته من خلقه وصفوته من بريته ـ وعلى آله أركان الحق وأصحابه أعمدة الصدق والتابعين لهم بإخلاص لنهج طريقته
أما بعد: فهذا شرح وضعته على منظومة شيخنا العالم الولي الكامل المرضي احمد بن سعيد بن خلفان بن أحمد بن صالح الخليلي التي نظمها في الوصايا وأحكامها كما سئلني اياه بعض الافاضل من أهل الدعوة فأجبته حيث دعى الى خير - وان لم أكن اهلا لذلك ـ واقترح على ان يكون شرحا كاملا، مستوفيا لشروط المقام جامعا حسب الامكان لقواعد الأحكام ـ محيط بكل واجبات المرام - فهاكه حسب المستطاع بتوفيق الله عز وجل شرحا يروق الناظر ويبهج الخاطر يزخر فياضه بمسائل الفن طالعه كل ذي فكر يتجلى فيه ضياء الحق مشرقا. وينبلج منه فجر التحقيق متألقا جامعا في بحوثه اهم مذاهب العلماء، وحاويا في طروسه اصح اقوال الأيمة الزعماء راجيا من الله به احسن ما يرجوه مخلص للدين، موضحا لاهم القواعد بأوفى البراهين، سميته (مقاصد الابرار على مطالع
ويبهج
الانوار)
قال شيخنا العالم - هذه الارجوزة المسماة (بمطالع الانوار الفقهية -
في بعض احكام الوصية من الشريعة المحمدية قلت: الارجوزة أفعولة (1/11)
صفحة 12
بضم الهمزة وسكون الراء المهملة وضم الجيم وسكون الواو وفتح الزاي المعجمة بعدها هاء ـ من الرجز بالتحريك بحر من ابحر الشعر المتألق
من مستفعلن ست مرات
قال في القاموس سمي بذلك لتقارب أجزائه وقلة حروفه والأرجوزة
القصيدة منه / هـ
قلت جرى عرف الشعراء العام - على ان القصيدة ما كانت على قافية واحدة المبتنية على أحد حروف الهجاء التاسعة والعشرين على أي بحر كانت
وأما الأرجوزة ما لم تكن على قافية واحدة بل يشترط فيها ان يكون
عجز البيت على قافية صدره ـ وهكذا
والمطالع جمع مطلع بفتح اللام وكسرها محل الطلوع أي الظهور حتى
مطلع الفجر
والأنوار جمع نور وهو الضوء أو شعاعه وفي المشارق، والنور ضد الظلمة، وهو جسم لطيف مضيء محسوس بحاسة البصر قلت: كأنه يشير الى ان النور غير الضوء كما لمح على ذلك القاموس بقوله: او
شعاعه
وعن بعضهم النور أحد الأعراض المعروفة التي تلازم غيرها أي
-
-1.- (1/12)
صفحة 13
لا تقوم بنفسها والامام يقول في مشارقه جسم لطيف كما عرفت ذلك
ووصف الله عز وجل القمر بأنه نور والشمس بأنها ضياء
•
والأحكام جمع الحكم وهو لغة القضاء، وقد حكم عليه بالأمر حكما وحكومة وحكم بينهم كذلك والحاكم منفذ الحكم ـ قال القطب في النيل - ومادة الحكم من الاحكام بكسر الهمزة وهو اتقان الشيء ومنعه من المعيب. . قال: والحكم لغة اثبات الشيء أو نفيه كما يقول صاحب القاموس وقد عرفت ذلك فان القضاء يستلزم النفي أو الاثبات -
وعند الاصوليين اثر خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين من حيث انه مكلف بالاقتضاء أو التخيير. وخطاب الله أمره ونهيه وخرج بفعل المكلفين. ما لم يتعلق بفعلهم مثل قوله تعالى: ويوم نسير الجيال، ولقد خلقناكم الآية في أمثالها - الله لا إله إلا هو الحي القيوم ونحوها فان تسيير الجبال وخلقه تعالى لعباده وما ضارع ذلك ليس من افعال المكلفين في شيء أي لا تعلق له بأفعالهم في شيء ما ولا ما كان متعلقا بذاته العلية كوصفه لها بالوحدانية ونحوها فانه لا تعلق له بأفعال أحد من خلقه كما في تيسير الوصول على شمس الأصول
والحكم عند الفقهاء أعم من القضاء لصدقه على حكم من حكمه الخصمان وعلى حكم من نصبه الامام او السلطان أو الجماعة - وليس في حكم من حكمه الخصمان نفوذ أي ايصال حق الى صاحبه بل هو حكم لساني فقط، بخلاف القضاء فانه حكم من نصبه الامام أو السلطان أو الجماعة - وفيه نفوذ بالفعل إلا لعارض - فكل قضاء حكم ولا عكس أي
11 - (1/13)
صفحة 14
ليس كل حكم قضاء ـ والحاكم والقاضي كذلك أي كل قاض حاكم وليس كل حاكم قاضيا ـ قال القطب: والقضاء بأوجهه في اللغة راجع الى
انقضاء الشيء واتمامه / هـ
•
-
الافعال
والوصية كهدية، وسيأتي تحقيقها عند الكلام على قول الناظم (حد) (الوصايا والشريعة فعيلة بمعنى مفعولة أي مشروعة، وهي ما شرعه الله لعباده من الدين وما كلفهم به من الاعمال، وما نهاهم عنه من وتطلق على سنن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتسمى شرعة أيضا بكسر الشين المعجمة والمحمدية هي المنسوبة إلى محمد وآله وسلم والمراد ما شرعه عليه الصلاة والسلام لأمته مما أمره الله به تعالى
قال شيخنا العالم الناظم:
بسم
الله الرحمن الرحيم
قلت: تناول العلماء الكلام على البسملة كل بما يلايم غرضه ويناسب مقصده وما زالوا بين مختصر ومطول ومكثر ومقلل فيرى المكثر أن ذلك واجبه وبسط المقال من حق البسملة ويرى المقتصر ان إدراك ما انطوت عليه غير ممكن الا لله الواحد الأحد الذي وسع كل شيء علما
وخلاصة القول في مقامنا هذا ان الناظم ابتداء بالبسملة اقتداء | برسم الكتاب العزيز اذ جاء مبتدأء بها، وعملا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ
12 (1/14)
صفحة 15
قال:
ابسم
الله الرحمن الرحيم
مفتاح کل کتاب رواه القطب في جامع الشمل ـ وقال صلى الله عليه وسلم كل امر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو ابتر - وفي رواية اقطع وفي اخرى أجذم. والمراد بذي بال اي ذي شان في الشرع
والمراد بذي الشان في الشرع هو الواجب فعله أو المندوب اليه أو المباح
،
المتحول بأصلاح النية طاعة فيخرج المحرم لذاته كالزنى والمكروه لذاته كالنظر الى فرج الزوجة لا لحاجة كعلاج داء ونحو ذلك، ويخرج ايضا ما سفاسف الامور. فان التسمية في الاول محرمة وفي الاخيرين
كان
من
مكروهة.
وخرج بقولنا المحرم لذاته ما كان محرما لعارض كالتوضيء بالماء المغصوب وخرج بقولنا المكروه لذاته ما كان مكروها لعارض كأكل البصل فإن التسمية فيهما غير مكروهة ولا محرمة فإن الصلاة في الأصل مأمور بها من حيث أنها صلاة مأمور بالتسمية فيها وكذلك الوضوء. ولا يمنع من ذلك التوضيء بالماء المغصوب وكذلك ما عداه
ومن سنتها انه كان يكتب باسمك اللهم حتى نزلت آية هود عليه السلام وهي قوله عز وعلا (بسم الله مجريها ومرساها) فكتب (بسم الله)
الله
فلما نزل قوله تعالى قال ادعوا الله او ادعو الرحمن كتب (بسم الرحمن فلما نزلت آية النمل وهي انه من سليمان وانه لبسم الله الرحمن
-
-
- 13 0 (1/15)
صفحة 16
الرحيم كتب عليه الصلاة والسلام بسم الله الرحمن الرحيم) وهذا يدل انه كان يؤلفها عليه الصلاة والسلام من هذه الآيات الثلاث ولا بد ان يكون
بوحي من الله عز وجل.
هذا خلاصة ما يلايم مقصدنا الآن في مثل هذا المقام ولكل مقام
مقال والله اعلم.
(قال الناظم رحمه الله)
حمدي وله شكري الاتم على عظيم الفضل منه والنعم مصليا على النبي المصطفى والآل والاصحاب مع أهل الوفا
قلت: قدم الجار والمجرور في الله حمدي وله شكري للاهتمام والحصر على حد قوله تعالى - له الملك وله الحمد - فكأنه يقول الله حمدي لا لغيره إلخ ومنه قول الشيخ محمد بن إبراهيم في عبيريته لك الحمد جزلي إلخ
وكذا في اذكاره
والحمد هو الثناء باللسان على قصد التعظيم، سواء تعلق بالنعمة أو غيرها. والشكر فعل ينبيء عن تعظيم المنعم لكونه منعما، سواء كان باللسان أو بالجنان، أو بالاركان، فمورد الحمد لا يكون الا باللسان، ومتعلقة يكون النعمة وغيرها. ومتعلق الشكر لا يكون إلا النعمة. و مورده يكون اللسان وغيره. فالحمد أعم من الشكر. باعتبار المتعلق وأخص باعتبار المورد. والشكر بالعكس (أ. هـ) من التفتازاني على
-18 - (1/16)
صفحة 17
التلخيص، قال الامام في المشارق.
والحمد لغة الثناء بالكلام على الجميل الاختياري على جهة التبجيل والتعظيم سواء كان في مقابلة نعمة ام لا. فمثال ما اذا أكرمك زيد قلت زيد كريم، فهذا ثناء في مقابلة نعمة وهي اكرامه اياك - ومثال ما اذا رأيت زيدا يصلي صلاة تامة قلت زيد رجل صالح فليس في مقابلة نعمه. الى ان قال -
والثناء هو الاتيان بما يدل على التعظيم - وقيل هو الذكر بخير وضده النثا بتقديم النون على المثلثة أ هـ. بتصرف واخذ ما يناسب الغرض.
وقولهم الاختياري اخرجوا به ما كان اضطراريا فان الثناء عليه يسمى
مدحا لا حمدا كمدحت اللؤلؤة على حسنها لا حمدتها
وقولهم على جهة التبجيل والتعظيم المراد به الاضافة البيانية اي الجهة التي هي التبجيل والتعظيم. وعطف التبجيل على التعظيم عطف تفسير فخرج بذلك ما كان على جهة السخرية والاستهزاء كقول الملايكة عليهم السلام لابي جهل ذق انك أنت العزيز الكريم فهذا لفظ ثناء وحقيقته استهزاء وسخرية ومبناه اي على زعمك انك كذلك فكيف بك اذا كنت عزيزا وكريما كما تقول او كما في نفسك حين يكبك على وجهك في النار محل الهوان والذل وغاية العذاب نعوذ بالله
•
واما حقيقة الحمد في اصطلاح الفقهاء فهو فعل ينبيء عن تعظيم
10 - (1/17)
صفحة 18
المنعم من حيث كونه منعما على الحامد أو غيره، سواء كان ذلك قولا باللسان أو عملا بالأركان أو إعتقادا بالجنان وإليه الاشارة بقول القائل:
افادتكم النعماء مني ثلاثة
يدي ولساني والضمير المحجبا
ولا يعرب عن بالك ان الاعتقاد بالجنان حمد لانه التصميم بالقلب على ما للمنعم من واجب الثناء. ولا يرد علينا أن الاعتقاد. لا ينبيء عن تعظيم المنعم لأنه لا سبيل على الاطلاع على ما في القلب فالجواب
أنه ينبيء لو إطلع عليه ولا يخفى أنه يستدل عليه بالقول كما في ضده والشكر لغة الحمد اصطلاحا بابدال الحامد بالشاكر وفي الاصطلاح ان الشكر صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه به فيما خلق لأجله. هو موجز المقام وفي القاموس الحمد الشكر والرضى
وجملة الحمد له خبرية لفظا إنشائية معنى وهو الواضح وتحتمل ان
تكون خبرية لفظا ومعنى
قال الامام: وهو مشكل اي كون الحمد له خبرية لفظا ومعنى لانه لا يحصل المطلوب الذي هو الثناء بذلك والحمدلة نوعان اسمية وفعلية كما في حديث الحمد لله احمده
واضاف الناظم الحمد والشكر اليه لان المقام مقام تملق وهو يستدعي ذلك ـ وفيه اشارة الى معنى الاختصاص والتنصل من حمده غير
-17 - (1/18)
صفحة 19
الله تعالى ـ والمعنى لا احمد ولا اشكر الا الله عز وجل. ولا يرد عليه حديث من لم يشكر الناس لم يشكر الله. لأن شكر الناس مجازي، إذليس لهم في الحقيقة من الامر شيء، ليس لك من الامر شيء - والمستحق لجميع المحامد المستغرق لها هو الله فشكر الناس في الحقيقة شكر الله عز
وجل.
واللام في الحمد تحتمل ثلاثة وجوه الاول ان تكون للعهد اي الحمد المعهود ذكرا او ذهنا هو الله وحده - وتحتمل ان يكون للاستفهام وان تكون للجنس اي جنس الحمد كله الله -
واللام في الله اما للتخصيص واما للاستحقاق واما للملك والمعاني ظاهرة قال الامام واذا جعلت اللام من الله للملك امتنع جعل ال في الحمد للعهد هذا اذا اريد بالمعهود الحمد القديم وهو حمد الله تعالى لنفسه أو لاوليائه ومعنى حمده لنفسه اتصافه بالصفات المحمودة في الازل. ومعنى حمده لأوليائه رضاؤه عنهم هذا اذا جعل الرضى صفة ذات كما هو مذهب الامام أبي يعقوب ومن تابعه رحمهم الله تعالى وأما على مذهب من جعله صفة فعل فيصح ذلك الوجه في حمده تعالى لأوليائه. لأن المانع من جوازه إنما هو كون القديم لا يملك وقد تقرر ان صفات محدثة كما أشرنا إليه في قصيدتنا المسماة اصول الاسلام ووضحه الشيخ الكندي على غاية المراد نظم الاعتقاد
قال الامام: وارجح الاحتمالات جعل ال للاستغراق بدلالة قوله تعالى وما بكم من نعمة فمن الله وجعل اللام للتخصيص بدلالة التقديم
- (1/19)
صفحة 20
في قوله تعالى له الملك وله الحمد ففي الأول ان الله استغرق الحمد كله فلا محمود في الحقيقة سواه من حيث ان كل نعمة منه حتى نفس حمدنا له وفي الثاني ان الله اختص بالحمد فلا يشاركه في ذلك احد من خلقه وهو جلى وقول الناظم الأتم أي الحمد والشكر التام وهو ضد الناقص والمراد به البالغ في حدود التمام بحيث لا يفوقه حمد حامد ولا شكر شاكر فيكون شأنه أكبر وشرفه عند الله اعظم
وقوله على عظيم الفضل الخ فعلى هنا بمعنى اللام التعليلية وجميع الفاظ العموم ككل والفضل اسم جامع للخير كله قل ان الفضل بيد الله ذلك فضل الله من فضل الله علينا وعلى الناس
من
•
والنعم جمع نعمة قال في القاموس النعمة بالكسر وجمعها نعم وأنعم وهي الخفض والدعة والمال إذ شبه بها النعم والنعيم كما في قواعده عندما ضبطها اذ يصف الشيء فيشبهه بآخر فيعلم ان ذلك الوصف الذي ذكره هو لذلك المشبه به والنعمة اسم جنس لنعم الله تعالى
وأيهما أشمل الفضل أو النعمة فأقول كل نعمة فضل قل ان الفضل
بيد الله وكل فضل نعمة. وما بكم من نعمة فمن الله
•
(ومصليا) حال من الضمير المضاف اليه الحمد والشكر اي حال كوني مصليا جمع بين الحمد والشكر الله. وبين الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - والصلاة - هناهي الرحمة المقرونة بالتعظيم وقيل مطلق الرحمة والأول انسب بالمقام والثاني هو حقيقة الصلاة اذا اضيفت الى الله عز وجل وان اضيفت الى الملايكة فهي استغفار واذا
-
IA- (1/20)
صفحة 21
اضيفت الى ساير الخلق فهي الدعاء، وقيل السلاة من الله رحمة ومن الخلق كلهم دعاء لان استغفار الملايكة دعاء أيضا كما صرح بذلك جهابذ
العلماء من مطلق فرق المسلمين وعليه قوله:
صلاة
الله
ـته وأما صلاة الخلق معناها الدعاء
ولم يصرح الناظم بلفظ السلام لضيق المقام فعله سلم نطقا لا خطا وهو كاف وان كان السلام الخطي ابقى لانه لم يساعفه النظم بخلاف النثر وحقيقة السلام من الله لرسوله عليه الصلاة والسلام تحية له وهو أن يسمعه تلك التحية على لسان من شاء تجليله من خلقه كما كان يسمعه كلامه كذلك أو على لسان جبريل خاصة
-
(والنبي) فعيل من النبأ بالهمز وعدمه بمعنى مخبر بكسر الباء اي يخبر امته عن الله جل شأنه. بما يوحيه اليه وحيه من امر ونهي او نحو ذلك وبفتح الباء بمعنى ان الله اخبره على لسان من شاء من عباده او على لسان جبريل عليه السلام فهو مخبر بأوامر الله ونواهيه اذا كان رسولا وبنبوته ليحترم ما إذا كان نبيا فقط او انه من النبوة بمعنى الرفعة فيكون النبي بمعنى الرافع لشأن امته اذ ما من مرفوع الا وسبب رفعته النبي صلى الله عليه وسلم اوانه بمعنى مرفوع الرتبة لان الله رفع شأنه على غيره عن جميع الخلق وعلى هذه التوجيهات كلها يصح جعل النبي بمعنى مفعول وبمعنى فاعل.
(وتعريف النبي عند العلماء هو انسان اوحي اليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه فان امر بتبليغع فهو رسول ايضا وقال بعضهم النبي انسان ذكر من
- 19 - (1/21)
صفحة 22
بني آدم حر سليم عن منفر طبعا اوحي اليه بشرع يعمل به وان لم يؤمر
بتبليغه فان امر بتبليغه فهو رسول ايضا
•
وعلى كلا التعريفين فبين النبي والرسول عموم وخصوص مطلق
لان كل رسول نبي ولا عكس وقال بعضهم ان الرسول اعم من النبي لان
•
الرسل تكون من الملايكة ولا تكون الانبياء منهم وقال التفتازاني هما سواء وقال بعضهم. بينهما عموم وخصوص وجهي أي عموم من وجه وخصوص من وجه آخر. قلت الذي يدل عليه القرآن ان كل نبي رسول قال الله تعالى وما ارسلنا من نبي ولا رسول فاطلق الارسال للنبي والرسول ومن نظر الى ان النبي مرسل الى نفسه علم ان كل نبي رسول.
قال الامام) وبيان هذا القول عند صاحبه ان النبي انسان اوحي اليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه والرسول انسان اوحي اليه بشرع وأمر بالعمل به وبتبليغه ولم يخص منه بشيء دون امته فان خص بشيء منه فهونبي ورسول فخرج بالانسان ساير الحيوان فانها وان جازالارسال منها اليها فلم يصح وقوع ذلك واما قوله تعالى وان من أمة إلا خلا فيها نذير فالمراد به الامم المكلفة دون سواها فعموم الآية مخصوص بذلك وخرج بقولهم الذكر جميع الاناث بناء على أن لفظ الانسان يشمل النساء أيضا وقال بعضهم تسمى المرأة إنسانة كما في قول القائل:
إنسانة
فتانة
بدر السما منها خجل
وعليه فتخرج بلفظ انسبان أيضا وقال بعضهم بنبوة فريق من النساء
-
- (1/22)
صفحة 23
كريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وحواء أم البشر كله وأم موسى بن عمران واسمها يوحانذ بالذال المعجمة وهاجر وسارة وهذا القول مرجوح عند العلماء الاعلام ولا دليل قوي عليه يصح الاعتماد عليه إلا ما تأولوه مما يدل على فضلهن لا على نبوتهن ولو كانت دلائل الفضل تدل على النبوة لدلت فضائل رجال كثيرين على نبوتهم وان أوردوا ذلك في المعالم وقواعد الاسلام من كتب علمائنا رحمهم الله فنكل ذلك إلى ناقله وانه من الجايز والممكن كما علمت ذلك
وخرج بقولهم (حر) الرقيق ولا يرد بنبوة لقمان فانه قيل ليس بنبي بل تلميذ للانبياء حتى تلمذ لألف نبي فيما قيل حكاه الامام رحمه الله
وخرج بقولهم من بني آدم الملايكة والجن، بناء على ان الانسان مأخوذ من النوس وهو التحرك واما على القول بانه مأخوذ من الانس فهو مختص ببني آدم فلا يحتاج في اخراجه الى هذا القيد ولا يرد عليه بقوله تعالى يا معشر الجن والانس الم يأتكم رسل منكم الآية لان معناها من بعضكم وهم الانس قال الامام ويقال رسل الجن نواب رسل الانس اليهم كما يستفاد ذلك من قوله تعالى فلما قضي الأمر ولوا الى قومهم منذرين اي لما تم القرآن مقروءا عليهم ذهبوا منذرين به لقومهم كما اشار عليه حديث عن النبيل وكذلك لا يرد عليه قوله تعالى يصطفى من الملائكة رسلا الآية لان معناها عند اهل العلم رسلا الى الانبياء خاصة ليقيموا الحجة على
المهم
وخرج بقولهم سليم من منفر طبعا من كانت به علة منفرة كالعمى
- (1/23)
صفحة 24
والجنون والجذام والبرص ونحوها ولا ينقض بعمى يعقوب عليه السلام ولا ببلاء ايوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فانا نقول بعد ان نسلم ان ذلك واقع حقيقة ان ذلك امر طارئ بعد وقوع النبوة وثبوتها واستقرار
احوالها والكلام فيما قارنها لا فيها طرأ عليها وكذلك ايضا فيما سبقها
فان قيل ان الراجح خصوصية الرسول عن النبي فما وجه تعبير الناظم بالأعم مع قدرته على الاخص نقول انها عبر بذلك اشارة الى أن الصلاة والسلام يستحقهما بصفة النبوة كما يستحقها بصفة الرسالة بل بصفة النبوة يتقدم له ذلك ان الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما
وقوله المصطفى أي المختار من الصفوة وهي الخيار ولم يصرح باسمه اكتفاء بصفته ولكونه أشهر من أن يذكر وأظهر من أن يبصر ولكونه له أسماء متعددة قلت أغلبها صفات جمعها العلماء وألفوا فيها تئاليف من أرادها فليرجع اليها يجد بغيته فيها واسمه الشهير به في الارض محمد صلى الله عليه وسلم وفي السماء أحمد وأما نسبه فهو بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مره بن كعب بن لوي بن غالب بن فهر بن مالك بن بن خزيمه بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان واما كنيته أبو القاسم ومنهي أن يجمع أحد بين اسمه وكنيته لما يوهمه ذلك ولا يقصده عاقل أي يصح أن يتسمى أحد بمحد كما نص عليه في حديثه الشريف فاذا تسمى أحد لمحمد امتنع أن يتكنى بكنيته اما اذا تسمى أحد باسم آخر غير محمد جاز له أن يتكنى بأبي القاسم لعدم المنهي
النظر بن
کنانه
عنه في هذه الصورة
•
- rr- (1/24)
صفحة 25
جميع
قوله والآل والاصحاب عطفا على الآل فالآل هم في مثل هذا المقام المتقون من أمته ل لقوله عليه الصلاة والسلام آل محمد كل تقي فعم ذلك الأتقياء من الأولين والآخرين وهو الذى يقضي به العقل السليم والذوق المستقيم لا ما يعطيه اللفظ من العشيرة والحاشية فإن ذلك لا يصح لأن في عشيرته من هو المشرك الألد الخصم عليه صلى الله عليه وسلم فكيف يدخل في سلك الآل في مقام الدعا هذا ما لا نرضاه
وهل يدخل العاصي المسلم في معنى الال فعلى قاعدة المذهب لا يدخل ويدل له الحديث الذي قدمناه وهو قوله عليه الصلاة والسلام (آل محمد كل تقي) مفهومه أن غير التقي لم يكن من آله وقال: قومنايدخل قال: الباجوري شارح الجوهرة اعلم أن الآل له معان عديدة قال: وربما جعلت أقوالا ففي مقام الدعاء كما هنا كل مؤمن ولو عاصيا، قال: لأن العاصي أشد احتياجا للدعاء من غيره والحق ان العاصي أوجب الله الدعاء عليه لا الدعاء له وتعليله بأشدية احتياجه الى الدعاء ليس بشيء وإلى ما قلنا يشير قوله عز وجل لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله الآية
ووجه الأشارة ان الدعاء بالخير لا يكون الا عن محض مودة واصطفاء واين العاصي من ذلك وهو محاد الله ورسوله بعصيانه مرتكب لما نهاه الله عنه فالصحيح آل محمد كل تقي وهو المقام الذي ينبغي ان يعول عليه واما في مقام الزكاة فهم بنو هاشم وبنو المطلب عندنا معشر الاباضية كما انه كذلك عند الشافعية لقوله صلى الله عليه وسلم بنو هاشم وبنو المطلب كشيء واحد وفي رواية لم يفترقوا في جاهلية ولا اسلام واما عند المالكية والحنابلة فبنو
-
23 (1/25)
صفحة 26
هاشم فقط وقالت الحنفية آل محمد خمس فرق آل علي وآل جعفر وآل العباس وآل الحارث قال الامام والاول أصح اقول والقول الأول هو
المذهب
واما الاصحاب جمع صاحب والاصحاب هم الذين اجتمعوا بالنبي
عليه الصلاة والسلام بعد البعثة مؤمنين به وهل يشترط الصحبة معه فنقول لا يتشرط ذلك خلافا لبعضهم ولا يشترط طولها مع الرواية خلافا لآخرين ولا يشترط كونها عندنا بعد ارتداد والعياذ بالله خلافا لمشهور مذهب المالكية وثمرة الخلاف في ذلك تظهر فيما اذا كان صحابيا فارتد ثم تاب الى الله هل يسمى صحابيا، ويكون كفوا لصحابية اولا صحح الامام الاول وفي هذا ثبوت الصلاة والسلام على غير النبي على وجه التبعية
وهل تجوز الصلاة على غير النبي استقلالا اما على جهة التبعية تجوز اجماعا - وأما على وجه الاستقلال فقيل جايزة وعليه الامام ابن النظر قلت ويدل له اللهم صلي على آل أبي أو في كما شهر عند أهل العلم بالسنة في أمثاله وقيل ممنوعة لأنها شعار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام صرح بذلك الامام البدر أبوستة رحمه الله في حواشي الوضع وقيل بل هي على
ذلك، خلاف الأولى صرح به شارح الجوهرة - وحكاه عنه الامام.
- تنبيه - أصل آل أول بالتحريك كجمل بدليل تصغيره على اويل، وآل فيه عوض عن الضمير المضاف اليه على مذهب من اجاز ذلك. والصحب اسم جمع لصاحب لا جمع فهو على نحو قولهم ركب في راكب - والصاحب لغة من طالت به عشرتك والله اعلم
-
- (1/26)
صفحة 27
وقوله مع اهل الوفى فمع كلمة تقتضي المشاركة والمصاحبة كقولك
جاء زيد مع عمر - واهل الوفا - هم اهل الاستقامة في الدين الذين وفوا الله بما اوجب عليهم ولم يقصروا في شيء ما - مما فرضه الله والمعنى اني اعم اهل الوفا بالصلاة والسلام تبعا للآل والاصحاب الذين اوجب لهم النور المحمدي ذلك فانه جاء في أحاديث النهي عن الصلاة البتراء - وهي التي لم يذكر فيها الآل واقول - يا لذلك من شرف وما اعلاه من منصب مقام ادخل الصادق الأمين فيه اولئك الموفين بعهد الله اذا عاهدوا حتى تشملهم رحمة الله بالتبعية لرسوله عليه الصلاة والسلام فان الصلاة عليه مستجابة مقبولة ممن جاء بها، والله اعلم
براءة
قال الناظم رحمه الله:
وبعد فالرحمن في جلاله من على العبد بضيق حاله عند انقضاء النحب من أجاله أعانه بالثلث من أمواله من عمل ملتزم بل للجميع في خلاص الذمم أقول الواو في وبعد بمعنى أما وأما بمعنى مهما وبعد بالضم البنائي لحذف المضاف اليه ونيته معنى ويجوز الفتح لنية المضاف اليه لفظا ومعنى والاصل اما بعد كما ورد في ساير خطبه ومطلق خطاباته وكتبه الى الملوك والامراء بل وساير الامة - وقيل هي فصل الخطاب الذي اوتيه النبي داود عليه السلام المحكي بقوله تعالى وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب فالحكمة النبوة أو العلم وفصل الخطاب هي أما بعد لانها يؤتى بها لفصل الخطاب من بعضه لبعض او لتفصيل الكلام على انحاء مختلفة وكل ذلك وارد عن
العرب.
25 (1/27)
صفحة 28
جرى
واختلفوا في أول من جاء بها كما اورد ذلك بعض العلماء نظما فقال:
الخلف أما بعد من كان بادئا بها خمس أقوال وداود أقرب وكانت له فصل الخطاب وبعده فقس فسحبان فكعب فيعرب والمعنى اختلفوا فيمن هو اول من شهرت عنه أما بعد في كلامه فبعض رآه داود عليه السلام كما في الآية وبعض قال أول من جاء بها قس بن ساعدة الايادي الخطيب المعروف عند الخاص والعام، وبعضهم يراه سحبان وايل أفصح الخطباء الذي شهد له التاريخ بذلك وبعض يراه كعب، وبعض يقول يعرب بن قحطان ولذلك سمي يعرب وكان اسمه الأصلي يمن بن قطحان فهو اول من اعرب الكلام العربي أي أبانه ـ أو فصل معانيه بقوله أما بعد -.
وعند بعضهم الواو عاطفة والمعطوف قصة على قصة وأما نيابة عن أما. وأما بمعنى مهما يكن من شيء عند سيبويه ـ والمعنى مهما يكن من شيء بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله. فهو كذا وكذا. وهو المصرح به هنا في قوله فالرحمن في جلاله الخ .. وهي أيضا نقيض قبل فهي ظرف زمان وتأتي ظرف مكان بقلة وقد يؤتى بها والواو التي معها، أو مع أما وكلاهما كثير شايع للانتقال من اسلوب لآخر الى ما لا نهاية له أي من غرض الى غرض آخر وهكذا وفي ذلك الفات للافكار واستلفات للانظار وهو نوع من محسنات العربية في الذوق السليم فان الانتقال بدونها ممكن لكن مساغه بها بهيج لأرواح الافكار ولا تقع الا بين كلامين غير متحدين ولا موقع لها اول الكلام كما يشهد بذلك الذوق
النير.
-
26 - (1/28)
صفحة 29
وعلى كل حال ان مهما اسم شرط ويكن فعل الشرط ومن شيء بيان لمهما وان كان حق البيان ان يكون أخص من المبين فقد يكون بالمساوى أيضا كذا في المشارق
وهل يشترط أن يكون الكلامان المفصول بينهما بأما. بعد ـ بينهما مناسبة أم لا - الصحيح عند اهل العربية الاول. والاذهب رونق الكلام عند الفصل والنوع الاول هنا البسملة وما بعدها من الحمد لله والثناء عليه. والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والنوع الثاني هو بيان سبب هذا النظم وهو اطراء الاله الواحد الأحد المتفضل على عباده بأفضال عديدة - لا تكاد تدخل تحت حصر ـ ومنها ما حكاه الناظم رحمه الله تعالى من فضل الله الممتن به علي عباده عند حضور آجالهم ومعاينة دواعي الانتقال من دار الاعمال الى دار الجزاء المأذون فيه لهم من الله عز وجل أن يلحقوه بصالح أعمالهم من الايصاء المتم لبقية أعمالهم المختوم به صالح أفعالهم -.
والفاء في قوله فالرحمن واقعة في جواب شرط مهما. فهي زايدة لتوهم أما أن قلنا ان الواو في وبعد عاطفة وجواب لآما ان قلنا ان الواو نايبة عنها لا يقال ان القول اذا حذف من جواب أما وجب حذف الفاء معه لانا نقول ان ذلك ليس بالاجماع بل هو رأي لبعض النحاة. والقول الثاني جواز اثباتها حكاه الامام - عن الباجوري وهو يرويه عن السيوطي
وقوله فالرحمن في جلاله أي عظمته هو على حد قول المتنبي ـ من
يزره يزر سليمان في الملك جلالا ويوسف في الجمال -
27
? (1/29)
صفحة 30
وقوله من. من الامتنان. وهو الانعام والاصطناع يقال من
أي أنعم عليه واصطنع معه يد الامتنان والعطاء والتفضل
عليه
وأل في العبد لاستغراق الجنس وقوله بضيق الباء فيه ظرفية أي من
عليه في حال ضيق حاله والضيق ضد السعة. وهناك المنة أعظم شأنا وأثقل ميزانا وأجل قدرا كما يدرك ذلك بديهة
والعبد واحد العبيد والمراد به المكلف وضيق الحال عندما يقارب
ان تبلغ الروح الحلقوم أو معاينة أسباب الموت فعند ذلك يضيق بالعبد المستوف للايصاء أو المعطل للحقوق الى هذا الحد الذي يضيق به ما كان قبله واسعا نسأل الله السلامة من جميع التباعات والتوفيق لما يحبه الله ويرضاه من الصالحات -.
والمراد بالنحب الأجل كما في قوله عز وجل منهم من قضى نحبه الآية اي اجله والاجل المدة المؤجلة كما في قوله تعالى اذا تداينتم بدين الى أجل الآية أي الى مدة معروفة النهاية والمراد به مدة معروفة النهاية والمراد به مدة عمر الانسان في حال الحياة والاعانة المساعدة ومن الله التوفيق للعبد في اداء ما وجب عليه من حق او تباعة أو ما ندب اليه من خير يفعله من كل ما يلزم ان يوصي به او بأدائه مع الله او يتوسل به الى خير مع الله او يتوسل به الى خير مع الله عز وجل وليس له فوق ثلث ماله اذ ذاك كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الامام الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن سعد بن أبي وقاص. قال جاءني رسول الله عام حجة الوداع يعودني من وجع اشتد بي فقلت يا رسول الله: قد بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني الا بنية لي - أفاتصدق بثلثي مال، فقال لا قلت فبالشطر قال لا، قلت فالبثلث، قال
28
- (1/30)
صفحة 31
نعم والثلث كثير انك ان تذر ورثتك اغنياء خير من أن تذرهم عالة
يتكففون الناس الحديث -.
والاستفهام في الحديث للاستخبار والمراد بالتصدق الوصية أي فأوصى بثلثي مالي فيما ارى أن أوصي فيه صدقة أرجو برها وذخرها مع الله والمراد بالشطر النصف أي أتأذن لي أن أتصدق بثلثي مالي قال لا قلت بنصف مالي لان الوارث فقط بنية بالتصغير صغر أمرها ان ترث المال
کله
•
وقوله الثلث والثلث كثير اي كثير بالنظر الى حقوق الورثة فانهم ان اشتركوا في الثلثين كان كثير هم قليلا قال ابن عباس لوغض الناس الى الربع كان أحب الي وفي رواية أحب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله لأنه قال الثلث والثلث كثير قال ابن عبد البر هذا أصل للعلماء في قصر الوصية على الثلث لا أصل لهم غيره
وقوله ان تذر ورثتك اغنياء الخ تعليل للمنع من الايصاء بأكثر من الثلث ففي الحديث قصر الوصية على الثلث لمن كان له ورثة ولو ابنة وجواز الوصية بكل المال لمن عدم الوارث لان مفهوم قوله ان تذر ورثتك اغنياء الخ ان من لا وارث له لا يبالي بالوصية بما زاد لانه لا يترك من يخشى عليه
الفقر
وفيه الاستفسار عن المجمل فان سعدا لما رأى ان ذلك يحتمل وجوها
فانه لما منع من الوصية بجميع ماله وبشطره احتمل عنده المنع فيها دونه
29
- (1/31)
صفحة 32
والجواز فاستفسر الى الثلث فقيل له الثلث والثلث كثير
وفيه نوع تهديد لمن جاوز الثلث فانه ان كان النبي صلى الله عليه وسلم واله وسلم استكثر الثلث فما فوقه اولى بالاستكثار كما صرح بمنعه
يعم من
وفيه النظر الى مصالح الورثة فانه الله و الفت النظر اليهم لرعاية صلاحهم ولم يقتصر على رعاية مصالح سعد ولا يخفى عليك ان الخطاب كان بتلك الصفة من المكلفين لاطباق العلماء على الاحتجاج بحديث سعد هنا وان كان الخطاب له انهما وقع بصيغة الافراد وقد اكد النبي عليه الصلاة والسلام ثبوت الوصية في الثلث بحديث سعد المذكور وقال في رواية الزهري الثلث يا سعد والثلث كثير وفي رواية مصعب بن سعد
عن
بنت
أبيه عند مسلم قلت فالثلث قال نعم والثلث كثير وفي رواية عائشة سعد عن أبيها سعد المذكور قال الثلث والثلث كثير أو كبير وكذا للنسائي من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن سعد وفيه فقال اوصيت فقلت نعم قال بكم قلت: بمالي كله قال فما تركت لولدك قال في الفتح وفيه أوص بالعشر قال فما زال يقول وأقول حتى قال أوصي بالثلث والثلث كثير أو كبير الأول بالمثلثة والثاني بالموحدة أو العكس وهو شك من الراوي والمحفوظ في أكثر الروايات بالمثلثلة ومعناه كثير بالنسبة إلى ما دونه إنتهى من النيل.
قلت قد مر عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو قوله لو غض الناس الي الربع لان رسول الله الله عليه و اله و سلم قال الثلث والثلث كثير واراد بقوله لوغض اي نقص الناس الايصاء عن الثلث الى الربع فان ابن عباس تمنى ذلك بقوله لو غض وقوله الى الربع زاد الحميدي في الوصية وفي وكذا
30
- (1/32)
صفحة 33
رواه احمد عن وكيع الخ. . ولفظه وددت ان الناس غضوا من الثلث الى الربع في الوصية .. وفي رواية ابن نمير عن هشام عند مسلم لو أن الناس غضوا الحديث لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم واله وسلم قال: وهو تعليل أو كالتعليل لما اختاره من النقصان الثلث وكأن ابن عباس أخذ ذلك من وصفه
عن
واله وسلم الثلث بالكثير ومن أخذ بقول ابن عباس في ذلك كإسحاق
بن راهويه
قال في «الفتح» والمعروف من مذهب الشافعي استحباب النقص عن الثلث) وفي شرح مسلم للنوي ان كان الورثة فقراء استحب ان ينقص منه وان كانوا اغنياء فلا قلت اراد النووي ان يخرج ذلك من الحديث. اذ قال له ان تذر ورثتك اغنياء خير من ان تذرهم فقراء الخ - فلاحظ معنى الفقر وان لا ينقص منه مع الغني وليس في الحديث ما يدل على ذلك التفصيل والله اعلم.
قال القطب رحمه الله في شرح النيل لا يصح لتارك وارث فصاعدا ايصاء بأكثر من الثلث ان لم يجزه الوارث اجماعا - قال وأما قول بعضهم انه يصح له الايصاء بالنصف .. وقول بعضهم انه يصح بأكثر من النصف فلشدة ضعفهما وغرابتهما لم يعتد بهما - واثبت الاجماع اي أثبته صاحب النيل - قال - والا فقد ذكر وهما في الديوان الاول- بتصريح والثاني بتلويح إشارة اذ قالوا) وقيل غير ذلك
وبحكم الاسلام يحكم على المشركين قال الحسن البصري لا يجوز للذمي وصية إلا الثلث - قال الله تعالى وان احكم بينهم بما انزل الله ومن لم يكن له وارث ولو رحما فلا عليه ان يوصي بجميع ماله اذا اراد به وجه
31
- (1/33)
صفحة 34
الله
ومن أوصى لرجل بثلث ماله فله ايضا ثلث ديته اذا قتل عمدا أو خطأ وقيل لا يأخذ من الدية عمدا أو خطأ - وان لم يأخذ الورثة دية قتل عمد او خطأ ولم يصالحوا القاتل بل قتلوه أو تركوا القتل والدية فلا شيء للموصي له في الدية وكذا الخطأ
يصح
وللموصي له بالثلث الثلث يوم مات الموصي وقال الشيخ مسبح إنما له ثلث ماله يوم الايصاء أقول لا يخفى أن مبنى القولين من ان كل قول منهما بني على أصل قال في النيل والخلق فيما دونه فقيل بالربع ولا بالثلث إلا إن أجاز الورثة ـ وقيل بالخمس ولا يصح بالربع إلا إن أجاز الورثة - ومعنى هذا أن القول بالربع يبطل القول بالثلث وكذا القول بالخمس يبطل القول بالربع عند هذا القائل إذا جعل الأصل للجواز بالربع فلا معنى للقول بالثلث وكأن هذا القايل لم يجعل ذلك أقوالا بل قولا واحدا قال في النيل والمأخوذ به الثلث لحديث جعل الله لكم ثلث أموالكم عند موتكم زيادة في أعمالكم أو في حسناتكم قلت تأول بعضهم قوله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم الثلث كثيرة بكثرة الأجر أي أجره كثير أو كبير مع الله ولا شك أن الانسان يؤجر على ما خلف وما أتلف في طاعة فإن ما خلفه لوارثه لا يزال أجره جاريا له ما بقي وإليه الاشارة بقوله عليه الصلاة والسلام إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس - أي يسألونهم بأكفهم الحديث -.
وقول الناظم براءة من عمل الخ انتصب على المفعول لاجله أي لاجل البراءة. . والمعنى ان الوصايا شرعت لشيئين أما زيادة في عمل الانسان وأما تخلصا من التباعات وأداء للحقوق الواجبات وتخليا من الضمانات. . والعمل اللازم هو أداء الحقوق. . سواء كانت للعباد بأي
-
- (1/34)
صفحة 35
نوع أو كانت للمعبود من نحو أداء زكاة ونذور لازمات وكفارات ثابتات وحقوق واجبات .. من تباعات يطول المقام بتعدادها وتفصيلها وقوله: بل بالخلاص من جميع الذمم المراد به أداء جميع ما وجب من الحقوق المتعلقة بالذمة مطلقا - من التي ذكرناها وغيرها - من نحو ايصاء لاقاربه فان ذلك حق واجب عليه، كما سوف تراه مبسوطا في محله مقرونا بأدلته ومضافا الى شكله كأداء ما يقرك الموصي من ايصاء بتبرع به لغاسليه. او لحافري قبره كمرضية، وما يوصى به من التوقيفات ويتبرع به من الوصيات مما يبقى له اجره عند خالق البريات جاريا له ما دامت الارض والسماوات قال صلى الله عليه وسلموآله وسلم اذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث الحديث - فان هذه تبقى له، لا ينقطع اجرها عنه، ولا يفوت فضلها ما بقيت، وهي من اعظم الاعمال عند الله تعالى. فان الدايم الباقي ولو كان في رأي العين حقيرا انفع من الكثير الفاني ولو كان في ظاهر الامر
كبيرا.
والمراد بالخلاص اي التخلي من التباعات حتى يرد على ربه خالصا من كل مظلمة كالفضة الخالصة التي لا شائبة فيها يخرجها الصائغ من النار، والذمم جمع ذمة، وهي العهد وما في ذمة الانسان اي كفالته وضمانته، والمعنى يلزم الانسان ان يتخلص من جميع ما يتغلق بذمته من الحقوق للعباد أولا، فإن كان ذلك ثابتا بذمته باق، في رقبته مطالب به عند موته، مسؤول عنه عند خالقه، لا يغتفر له إلا بإخلاص منه، نسأل الله التوفيق لرضاه والعون على تقواه والتخلص من كل تباعة الله أو لعباد
- (1/35)
صفحة 36
الله. قال الناظم)
(مقدمة)
قلت المقدمة بفتح الدال المهملة اسم مفعول من قدمه اذا جعله في مقدمته اي قدامه - واصلها مأخوذة من مقدمة الجيش ـ وهي الطائفة التي تتقدمه - لتكشف له الطريق - من دهمة العدو وتوضح له مبهم امره - وقيل هي بهذا المعنى بكسر الدال اي منقولة من ذلك لمناسبة بينهما - لان هذه المقدمة تقدم الانسان المقصوده كما ان مقدمة الجيش تقدمه اي تجسره وتجرأه على التقدم
قال بعض شراح الجوهر المكنون ان المقدمة في الاصل صفة بلا نزاع مأخوذة من قدم اللازم على المختار من ان الظاهر ان تضاف الصفة المتعدية الى المفعول لا الى ما له نوع تعلق كالكتاب قال وهي على هذا مكسورة الدال لا غير قال وعلى خلافه يصح ايضا الفتح - ثم نقلت للاسمية - قال:
فاما ان تجعل للطايفة المتقدمة من الجيش، فتنقل عنها على وجه الحقيقة او المجاز الى اسم اول كل شيء ويتعين المراد كالكتاب والعلم، واما ان تنقل اولا الى اسم اول كل شيء والتعيين بالاضافة كالجيش والكتاب. وقال فالنقل على الاول الى مقدمة الكتاب او العلم بواسطة دون الثاني - والتاء على كل للنقل الى ان قال نقلا عن الحفني وهو شائع
جدا قال.
- re- (1/36)
صفحة 37
والاول من وجهي النقل هو ما يفيده المعنى، ولا يخفى عليك ان
المقدمة فيها لغتان فتح الدال وكسرها - ولها معنيان وهما ان تكون مقدمة کتاب او مقدمة علم - وهي عندنا مقدمة كتاب والمراد هنا الفاظ تتقدم امام المقصود لارتباط له بها وانتفاع بها فيه بخلاف مقدمة العلم، فانها معان
يتوقف الشروع عليها كبيان حد العلم المشروع فيه وموضوعه وغايته
والصحيح عندي بهذه المناسبة هي مقدمة علم. لان الشروع فيي هذا الفن الذي هو علم الوصايا يتوقف فيه على معرفتها كحد العلم وحد اصول الفقه وحد النحو وحد علم المعاني والبيان. ونحو ذلك وهو واضح يظهر من كلام الناظم ظهورا بينا معقولا بديهة - ولا نطيل الكلام على معاني المقدمة فإن لأهل كل علم فيها مقالا من أراده فليرجع إليه فنكتفي هنا الآن ببيان أصل المقدمة وتوجيهها لغرضنا قال الناظم:
حد الوصايا عندهم عهد مضاف
للموت
او تبرع تبرع فيه خلاف
قلت الحد لغة الحاجز بين شيئين. واصطلاحا ما يتوقف فهم المراد عليه كافي حد النحو والكلام المتقدم هو هذا فحد النحو هو علم يعرف منه تغير أواخر الكلام العربي رفعا ونصبا وجرا وسكونا وكحد أصول الفقه هو علم يقتدر به على استنباط الاحكام الشرعية من أدلتها والمراد هنا تحديد علم الوصايا بانه عهد مضاف للموت او تبرع قال في مسند الربيع بن حبيب وهي أي الوصية تطلق على فعل الموصي وعلى ما يوصي به من مال او غيره من عهده ونحوه فتكون بمعنى المصدر وهو الايصاء. وتكون
-
35 (1/37)
صفحة 38
بمعنى المفعول وهو الاسم قال:
وهي في الشرع عهد خاص مضاف الى ما بعد الموت سميت وصية لان الميت يصل بها ما كان في حياته لما بعد مماته قال وتطلق في الشرع ايضا على ما يقع به الزجر عن المنهيات والحث على المأمورات
قال في الفتح والوصايا جمع وصية كهدية وتطلق على فعل الموصي الى آخر ما قال الامام وزاد في الفتح وقد يصحبه التبرع والضمير من يصحبه عائد الى العهد اي وقد يصحب ذلك العهد الخاص تبرع .. الخ الى ان قال:
قال الازهري الوصية من وصيت الشيء اوصيه اذا وصلته قال وسميت وصية لان الميت يصل بها ماكان في حياته ما بعد مماته ويقال وصاه بالتشديد ووصاه بالتخفيف أهـ
قلت وعبارة النيل هي عبارة الفتح نقلا ولكني اقول ان كان معنى وصى بمعنى وصل حسن جعلها وصلة وانهما ليستا من واد واحد وضمير عندهم في كلام الناظم راجع الى العلماء بهذا الفن وان لم يسبق لهم ذكر فان هذا في العربية شائع شهير
والعهد هو ما يعهد به اليك اي يوصيك ويجعل امره اليك في حال غيبة او موت، يقال عهد اليه بكذا اي وصاه به وفوضه اليه وجعله في امانته ومنه عهود الملوك والائمة والامراء الى اعمالهم اي ما يكتبونه لهم من الاوامر
?
- (1/38)
صفحة 39
والنواهي يوصونهم به قال في القاموس والذي يكتب للولاة من عهد اليه
والمضاف المراد به ما جمع مع غيره او علق به الملازمة بينهما بمناسبة معلومة والموت مفارقة الروح الجسد وانقطاعها منه ـ وقد يطلق على موجباته مجازا وقوله او تبرع الخ. اي ان الوصايا هي عهد مضاف لما بعد الموت - وقد يصحبه التبرع - اي الذي هو غير لازم بل يوصى به الانسان لمحض الاجر والثواب فقط - يقال تبرع فلان بكذا وكذا اي تصدق به لغير طلب. وغير لازم، بل لمحض الاجر اختيارا. بخلاف الحقوق اللازمة فانها لا يقال لها تبرع بل هي محض واجب لازم الاداء
•
والخلاف الذي يذكره الشيخ هو ما بينا اصله سابقا في تعريف الوصايا نقلا عن العلماء .. والمعنى المقصود هو ان الوصايا عهد مضاف لما بعد الموت او تبرع مضاف لما بعده اي هي نوعان واجب الاداء ـ وتبرع لقصد زيادة الاجر عند الله والله اعلم) (قال الناظم):
اركانها الموصي وما اوصى به
والصوغ والموصـي له فانتبه
قلت الاركان جمع ركن وهو الجزء من الشيء وما ينبني عليه غيره - والموصى فاعل الايصا وما في قوله وما اوصى به موصوله صلتها ما بعدها اي الذي اوصى به والمراد به الاشياء التي يجعل الموصى ايصاءه بها وتصدقه باعيانها والصوغ بالصاد المهملة والغين المعجمة المراد به الصيغة التي تتأدى بها الوصية وهي الالفاظ المشتملة على معاني الموصى به ولا تصح وصية بلا
-
37
- (1/39)
صفحة 40
صيغة
وهل تصح وصية الاعجم بالاشارة قيل نعم اذا فهمت منه لان ذلك هو المستطاع في حقه وقيل لا تصح الوصية بالاشارة واستدل اصحاب هذا القول بحديث الجارية التي رض اليهودي رأسها بالحجارة فلما جيء به قيل لها من رض رأسك أفلان أو فلان أو فلان حتى سموا لها الذي رضها فاشارت اليه فلم يزالوا به حتى اقر أي لم يكتفوا بنفس الادعاء بل عالجوا اليهودي حتى اقر وفيه استحباب معالجة المتهم بالفساد حتى يقر فيعاقب باقراره فانهم ما زالوا باليهودي كذا في البخاري
•
والالفاظ في الوصية شرط صحتها على الصحيح وفي المقام مسائل لا
بد من ذكرها واليك بتوفيق الله بسطها.
(الأولى)
وصية المراهق اي المقارب البلوغ اثبت بعضهم ايصاءه نظرا الى ان الشرع امر الصبي اذا بلغ سبعا بالصلاة، ثم أمر بضربه عليها اذا بلغ عشرا والضرب تأثير بجناية في بدن دليل على ان الامور الدينية تعتبر قبل البلوغ واثبت وصية المراهق كثير من اهل العلم. . قال صاحب النيل صح ايصاء مراهق
قال القطب الذي حفظته انهم اختلفوا في افعال المراهق هل تثبت فقيل تثبت وقيل لا قال فمن اجاز افعاله اجاز ايصاءه وان بلغ ولم ينقض
-
38 -
- (1/40)
صفحة 41
صح جزما قال ومن منعه أبطل إيصاءه إلا أن بلغ ولم ينقضها قال ثم رأيت في كلام الشيخ ما نصه ووصية الطفل والمجنون كما لا تجوز أفعالهم أي لا تجوز وصاياهم وقيل في وصية المراهق إنها جايزة فالمتبادر دخول المراهق في الطفل في كلامه فيبطل إيصاءه ثم أنه حكى قولا بجوازه وهذا لتبادره ومناسبته لاختلافهم في أفعاله بل دخوله في اختلافهم أولى من أن يقال
معنى قوله وقيل إلخ أنهم ذكروا في المراهق الجواز.
ولعل المصنف يعني صاحب النيل رد الاتفاق (قلت) ومن حيث أن أصل الوصية في التبرعات الهبة فمن أجاز هبة الصبي في الشيء اليسير أجاز وصيته في اليسير (قال القطب رضي الله عنه) وقد أجاز بعضهم وصية يتيم عاقل إن لم يلقن لاعطيته ـ وأجاز بعضهم وصية صغير - بمعروف إلى خمس ماله لوجه بر أو لأحد إن لم يلقن - وقيل إلى ربعه. وقيل إلى ثلثه وأجاز عمر بن عبد العزيز وعمر بن الخطاب رحمهما الله. وصية بنت تسع سنين ووصية ابن عشر سنين
•
وقال أبو عبد الله اذا عقل الصبي وعدل في وصيته جازت الى
الثلث قال والعدل عندنا في الحج والفقراء وفي السبيل والاقربين ـ اي اذا
•
اوصى في مثل هذه الانواع جاز لان هذا من دينه اي يعتبر ايصاؤه فيها وقال غيره لا تجوز الى اكثر من الخمس ولو عدل فيها ـ قال ـ وان اقر الصبي بالبلوغ عند موته وهو بحده اي بحد المراهق جاز اقراره وايصاءه ـ ومن قال - لصبي اوص لفلان بكذا فان كان بحد من يفهم فليس بتلقين وجازت وصيته - وانما التلقين ان يقال له اوصي بكذا وكذا فيقول كيف اقول فيقال له قل كذا وكذا ويعلم كيف يلفظ فهذا تلقين ـ وان قال اريد ان اوصي بكذا وكذا فكيف اقول للشهود فيقال له قل كذا وكذا. فليس
- (1/41)
صفحة 42
بتلقين وهذا جائز الوصية - لانه عقلها واراد معرفة ما تثبت به وربما فعله كثير من البالغين ـ وليس كل يحسن ما تثبت به الوصية قال ـ ولا بأس بتلقين المراهق -.
وان اوصى الغلام بحقوق ولا حك بقيامه به فلا تجوز عليه الحقوق
الا بالصحة - وقيل لا تجوز وصيته بحق عليه ولا بقيام به ـ وانما تجوز في بر وقيل لمن اعتق غلامه عند احتضاره وهو يعقل ويصلي لم يعتق وعن جابر احسبه جابر بن زيد وغيره في صبية اوصت عند موتها بثلث مالها ان الخيار لوارثها في الامضاء والرد قلت هذا مبني على عدم الثبوت الا ان اثبته الوارث فان ذلك مال الوارث - يثبت فيه ما يشاء ويبطل ما يشاء.
•
وخلاصة القول في وصية الصبي الخلاف المشهور والحجة الماضية التي لا ترد - هي عدم اثبات وصية الصبي حتى يبلغ فاذا بلغ فقد صار مكلفا وبذلك يتم حكم ايصائه وغيره - وان لوحظت اشياء قبل البلوغ جايزة نحملها على الجواز في الجملة وبالنظر الى الامر بالصلاة لسبع والضرب عليها لعشر وبجواز تزويج الصبية وأوجبوا عليها المعاشرة لزوجها وان تغتسل من الجنابة ونحوها والحيض ان جاءها وامتناع الزوج منها لذلك في اشياء اخرى فعندي لا تحمل على الايجاب المحض وانما هي امور تمرينية يطلب فعلها في الجملة من يستطيعها ليعتادها ويكون أكفالها متمرنا عليها ولو اصر على تركها لما كان منهم له الا بقاؤه على ما هو عليه
— {.
- (1/42)
صفحة 43
(الثانية) وصية العبد
اختلف العلماء في وصية العبد. واثبتها بعضهم باذن سيده واصل الخلاف ان الوصية هل هي عقد من العقود الشرعية. بعضهم يقول نعم - وعليه اذا اذن له سيده فهي ثابتة باذنه باطلة بدونه. وبعضهم يقول ليست بعقد بل هبة. وان امضاها السيد مضت والا بطلت - ووجه بطلان وصية العبد بلا اذن. انه لا يصح عقد العبد والوصية عقد الا ان اجازه السيد كما قدمنا
•
ومن لا يميز فهو كالعبد. بناء على ان تمييز العبد معلول. بسلطان السيد عليه فان كل على مولاه. وكذلك من في معناه لزوال الغرض عنهم والوسائل اولى ان لا تلزمه لانه لم يكلف بها الا ان اتمها السيد او الوارث والعبد لا يملك شيئا. وهو مملوك لسيده. فلا تصح الا باذنه واصل الوصية الهبة كما قدمنا ولا هبة للعبد الا عند من ملكه على قول من يقول بانه يملك وهو مرجوح عندنا
) الثالثة)
سية المشرك
اختلف العلماء في وصية المشرك. منهم من ابطلها نظرا منه الى. ان اعمال المشركين مردودة وافعالهم مهدورة. وقدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا. وقد هدم المشرك اعماله من أصلها لبقائه على شركه
- (1/43)
صفحة 44
الذي هو اصل شقائه فكيف نقول بثبوت وصيته وقبول قرباه ـ ومن قال بثبوتها نظر الى ان المشركين مخاطبون بفروع الشريعة - مكلفون باعمالها واليه الاشارة بقوله عز وجل. وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة الآية. في امثالها. وقد اطنب العلماء في تحقيق المقام. بما اوضح عين المرام فلا نطيل به الكلام
(الرابعة)
وصية السكران
اختلف العلماء في وصية السكران هل تثبت قيل نعم. نظرا الى ان السكران عاقل مكلف كملت في حقه شروط التكليف. وان تسبب لذهاب عقله بنفسه فذلك شيء آخر لا ينحط به عنه ما اوجبه الله عليه بعد ثبوت شروط التكليف عليه. وقد ذهب عقله بسببه. ولو كان من تسبب لذهاب عقله يسقط عنه التكليف بذلك لكان ذلك عذرا سوغ له ما لم يسغ شرعا ولا قائل بذلك
ولعل القائلين بعدم الثبوت. نظروا الى ان الامور كلها يعتبر فيها وجود العقل وهنا العقل مفقود بقطع النظر عن السبب الذي أفقده العقل
والأول هو الصحيح والله اعلم.
- 42 -
- (1/44)
صفحة 45
(الخامسة) وصية المريض
وفيها تحتدم اقوال اهل العلم ويطول بها البحث ـ ولكثرة النزاع فيها بين من يثبتها نظرا الى صحتها وشدة من يبطلها لتعلله باختلال عقله ومعاينة اسباب الموت - وفي هذا المقام يكثر الاتهام للموصين بتوليج اموالهم وتحريم وارثهم واعراضهم عن زيد لعمرو - وبصرف الاموال الى ما تبعثه بواعث النفس المصابة بأدواء الهوى - نسئل الله التوفيق لاداء الواجبات الى اهلها كما امر الله بها فنقول في المقام:
يوصي
قال في النيل صحت وصية المريض اذا كان معه من العقل ما يميز به ما يوصي فيه. وهل يمنع المريض من غير ما قال الله فيه من بعد وصية بها او دين اي لا يجوز له الا ان يوصي او يقضي مما عنده من الدين اي ان الله لم يمنعه من ان يقضي الديون التي عليه. او يوصي بما وجب عليه او لعباده قال فان باع او وهب مما عنده لانسان اوما في ذمة الانسان اي اوباع ما في ذمة الانسان او وهبه لانسان آخر او لذلك الانسان الذي الشئ في ذمته او جعل احدا في حل مما له عليه من حق مضى او استقبل او اصدق او استأجر او اعطي قراضا أو أخذه أو ارتهن أو اشترى شيئا أو عقدا ما من العقود فكل ذلك الى الوارث ان شاء أتم وان شاء نقض وكذلك ما عقده في الصحة ثم مرض فاتمامه ونقضه الى الوارث. لان الاتهام هنا لم ينتف فيقال لعله احس بالمرض. فعاقد ذلك العقد ثم هجم المرض عليه والا فان عقوده في الصحة لا مقال فيها حيث هو جايز التصرف في ماله في حال صحته فعلى ما قلناه
-
- 43 -
- (1/45)
صفحة 46
قال في النيل ويرد الوارث الثمن الى من دفعه اليه اي الى المريض ان كان قبضه من بيع ويرد قيمة ما قضاه بحق لازم ان كان عليه حق فقضى فيه لصاحب الحق شيئا فان الوارث يرد الشيء
ويعطى قيمته لمن قضاه الميت له. ولو كانت أكثر مما قضى فيه ويرد إليه ثمن ما اشترى. ويرد المرأة إلى صداق المثل وعليها أن ترد له ما زاد ان كان وصلها - ووجه هذه الأقوال ان المريض كالمحجور عليه في غير الوصية والدين وقوفا على ظاهر القرآن حيث يقول من بعد وصية توصون بها أو دين - وإليه الاشارة أيضا بقول أبي بكر رضي الله عنه لعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها لما حضرته الوفاة وكان قد أعطاها جذاذ عشرين وسقا من العالية إنك لم تقبضيه وهو اليوم مال الوارث ذكره في النيل في
الوصايا
وبحث فيه بعضهم بأن كلام أبي بكر الصديق فيمن هو وارث - والآية فيمن مات وترك دينا أو وصية لا فيمن مرض لكن يقوي هذا القول قوله صلى الله عليه وسلم - لسعد بن أبي وقاص اذ قال له أنا أتصدق بمالي فقال له لا. وقوله بثلثيه وقوله بشطره ان كان مريضا. على معنى انه يتصدق في مرضه لكن لا يتعين الجواز ان يريد التصدق بعد الموت. ويدل له رواية أفأوصي فتحمل رواية التصدق على الايصاء بالتصدق جمعا بين الروايتين وقيل يرد كل ما اخرجه المريض من ماله في حال مرضه بغير عوض. ويثبت ما اخرجه بعوض بناء على ان العوض يقوم مقام الخارج - ويعجبني ان ينظر
فيه
قال القطب: واما بعوض فيثبت لوارث وغيره ـ بارخاص او
-
44 -
- (1/46)
صفحة 47
اغلاء، وفي الاثر وما اخرجه من ماله لا بعوض كهبة او ابراء من تباعة له على احد او صدقة او ايصاء فكل ذلك مردود ان مات في ذلك المرض الذي اوصى فيه. وقيل يخرج من الثلث ان كان الايصاء لغير وارث، اما للوارث فلا يجوز لحديث لا وصية لوارث - وذلك عام في كل وارث نسبي او سببي وفي القليل والجليل ايضا، اللهم الا ان اجازوا
،
وجاز فعله في المرض ان برئ منه مطلقا كائنا ما كان ثلثا او اكثر او اقل مما ليس وصية. وكائنا لغير وارث او لوارث لان ما ضعف بالمرض صح بالصحة منه، ومعناه ما انفذه في ماله مما ليس وصية وتعافى من مرضه ذلك وبقي على امضائه فهو كمسامير الباب تتحرك ثم احكمت فلا يضرها ولا يقدح فيها ولا في اصلها الاول احكامها من بعد ووجه هذا القول قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم جعل الله لكم ثلث اموالكم زيادة في اعمالكم. رواه في الايضاح وغيره كما سبق ذكره. وعن معاذ بن جبل ايضا مثله، قال صلى الله عليه وآله الله سلم - ان الله تصدق عليكم بثلث اموالكم عند وفاتكم زيادة في اعمالكم - قال بعضهم وما اخرجه بعوض ثبت ما كان على السعر وردت اليه الزيادة على السعر وحدها، سواء اخرجه لوارث او لغير وارث
وان اعطى ماله لاجنبي أعني من ليس وارثا. ولا آخذا الوصية الاقرب. ولو كان قريبا وذلك في حال المرض فله رد ما يرده الوارث والاقرب - وقد علمت ما يرده الورث والاقرب انه الثلثان اجماعا (والخلاف فيما زاد وليس للاجنبي ان يرد لنفسه اي يأخذ او يمسك لنفسه من ماله المعطى ثلثين، وهما ما يرده الوارث ممن اوصى له بالمال، وما يرده الاقرب
- {o_ (1/47)
صفحة 48
من الوصايا إذا لم يوص له ويـرد الى المعطى ثلثا. ينزل منزلة الوارث والمريض بمنزلة الموروث، واطلقوا الرد بمعنى الاخذ او الامساك اطلاقا مجازيا. مرسلا لعلاقة الاطلاق والتقييد اأو أحدهما والسببية فان الرد امساك، واخذ بعيد الربع بعد الانصرف وسبب للاخذ والامساك ـ وبرد الاقرب المعطى الثلثين ويمسك له ثلثا ان اعطاه المال في مرضه وبرئ لان الاقرب قد تقرر له في القرآن وصية - ومعلوم ان الوصية من الثلث. فلا يجاوز الثلث ولانه بقربه من الارث يبعد من الوصية. فلم يأخذ ما يأخذ
الاجانب
قال بعضهم وان كان الاعطاء لوارث رد ذلك الوارث الى المعطي الكل ولا يمسك لنفسه وان اعطى بعض ماله للاجنبي فبرئ أمسك ثلث ماله ذلك البعض ان كان ذلك البعض فوق الثلث - وان اعطاه للاقرب امسك ثلثيبه او للوارث رده كله وان مات في مرضه ذلك رد الوارث
للارث ما اعطاه قل أو كثر - ورد الاقرب والاجنبي للارث ما فوق الثلث
قال في النيل وشرحه وفي الأثر من اوصى في مرض فبرئ ثبتت وصاياه الا ان ابطلها. اي لان له ان يبطل ما شاء منها ويثبت ما شاء - وذلك موكول اليه - وامره فيه ماض ولما صحى من مرضه ولم يبطل وصيته علم انه باق على اثباتها فهي ثابتة عليه لان في امكانه ابطالها ولما لم يبطلها فقد اثبتها ـ وكذلك قال ان مت في مرضي - فان لم يمت في مرضه ذلك بطلت الوصية - لانه قيدها بالموت: ومفهومه اذا لم يمت فانها باطلة وان مات في مرض آخر فلا. لان قيد ان مت في مرضي يبطل الايصاء كما اذا ابطلها بعد الصحة. وهل السفر كالمرض بناء على ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال فيه (السفر قطعة من العذاب الحديث)
- {1 -
- (1/48)
صفحة 49
واما الحقوق فانها ثابتة لا يبطلها مرض ولا موت ولا غيرهما وقيل
تبطل وصاياه بانواع البر حتى يجددها بعد ان برئ. وهل ما يوصي به نائبه ثابت عليه قال بعضهم نعم فان النائب يقوم مقام الذي ناب عنه في ذلك ومنزلته منزلته واذا قال اي نائب الموصى قد برئ ثم مات. وقال الموصى له لم يبرئ حلف الموصى له ما علم ذلك
ومن اعتق عبده ففي الحكم انه في صحة حتى يعلم انه في مرض لحدوثه اي ان الاصل الصحة - والمرض عارض والعارض تحتاج الى ما يثبته ـ وكذلك سائر الوصايا الاصل فيها انها في حال تجوز فيه - وللمريض رد ما يرده الوارث كما سبق - فان الضمير الذي في وله رد ما يرده الوارث عائد على من يرده الى المريض
من
قال وما تحمله في مرضه اختلف العلماء فيه. هل من الكل او من الثلث. فعن بعضهم إن ذلك من الكل بناء على ان ذلك كمن جنا جناية في مرضه في مال او بدن فان جناية المريض في الاموال والابدان واقعة على المال كله لانها ليست ايصاء ولا صدقة ونحوها وقال بعضهم إن ذلك الثلث بناء على ان التحمل في الاصل معروف (ولا ينبغي ان ينزل منزلة الجنايات والمعروف كالصدقة - والصدقة من المريض من الثلث - ولان التحمل ليس شيئا مرتبا في ذمته لازما لها بحق بل شيء احدثه والزمه نفسه تبرعا كمن تنفل بعطية او صدقة أو نحوها
واذا تحمل في مرضه لوارث ما للوارث المذكور على غيره ـ كما اذا كان لوارثه حق على اجنبي فقال حملته لك عنه ـ او تحمل ما على ذلك الوارث لغيره - كما اذا تحمل حقا كان في الاصل على وارثه. فقال له حملته
{Y- (1/49)
صفحة 50
عنك يا فلان. ففيه لاهل العلم ثلاثة اقوال:
الأول جواز تحمله للوارث. وتحمله عنه بناء على ان ذلك ليس
ايصاء لانه يدرك على من تحمل عنه
الثاني بطلان التحمل عن الوارث وله ايضا ووجهه ان في ذلك نفعا للوارث بالاعطاء له او الاعطاء عنه فهو كالوصية للوارث قال بعضهم لان المتحمل يدرك على من تحمل عنه قال ولعل هذا على قول من قال لا يدرك على من تحمل عنه إلا أن شرط الادراك كما اختلف أهل العلم فيمن تحمل انسان بلا اذن منه هل يدرك عليه ما اعطى عنه ـ واختار بعض اكابر العلماء الجواز للوارث وعنه ايضا في المرض
عن
الثالث جواز التحمل ان كان للوارث لا ان كان عليه اي على الوارث قال القطب وهو ضعيف لان التحمل له اعطاء له. والوصية لا تصح له قال ثم لا فرق بين التحمل له أو التحمل عنه لأن التحمل عنه دفع للغرامة عنه فهو كالاعطاء له وهو واضح. فكيف يصح منع التحمل عنه ويجوز التحمل له وظاهرهما يرجع إلى أصل واحد. فأما منعهما معا أو جوازهما معا وإن كان ولا بد من التفصيل فجواز التحمل عنه ومنع التحمل له اظهر لأن في التحمل له اعطاء له وكأن صاحب هذا القول أراد أن التحمل عنه اعطاء له فكأنه أعطاه. وأعطى هو صاحب الحق والتحمل له اعطاء لصاحب الحق كأنه اعطاه من عليه الحق ثم اعطى من عليه الحق
الوارث
ومن أنفذ من وصاياه شيئا في حال مرضه أو أنفذها كلها أو أعطى
على نفسه للفقراء كالكفارات على اختلاف أنواعها أو الاحتياطات كلها
— {^ —
- (1/50)
صفحة 51
أو التنصلات معا أو الصدقات الواجبات أو غير الواجبات فان ذلك كله جايز - وكل ما أذهب منه في حق اخرته من واجب أو نفل اعطاه فقيرا أو غنيا جاز على قول من يقول بذلك أي لا يرد شيء منه كله ولا بعضه وأجزاه ان وافق الأمر الشرعي
وفي الأثر وما أذن فيه لمنتفع في مرض وما انفذ من وصاياه أو ما اعطاه على نفسه للفقراء فهل ذلك من الثلث او يمضي كله اي ولو جاوز الثلث ولا ينبغي ان يتهم باضرار الوارث لظهور مصرفه وجها أخرويا ـ وما كان كذلك لا اضرار فيه - لا تضييعا ولا معصية ـ ولم يأخذ ايضا عوضا اما اذا اعطى في معصية ادركوا وقيل يرد الى الثلث في الاذن بالانتفاع فان كان لوارث رد النفع كله
وعن ابي عبيدة ان الموصى في وصيته كالقاضي في قضائه ـ اي فيمضي ما كان عدلا ويرد ما كان بخلاف ذلك ولان اصدق ما يكون المرء عند موته لان الاهواء هنا كلها تنهار والاغراض النفسية تضمحل وتقف النفس خاضعة متنصلة من كل شيء ترى انها مسؤولة عنه ان الله يامركم ان تؤدوا الامانات الى اهلها الآية
وتعقبه بعضهم بان ذلك ليس امانة والذي يظهر ان ذلك من انواع الامانة فان كل ما كلف به الانسان في دينه فهو امانة في حقه انا عرضنا الامانة على السموات والارض الآية وهو الواضح
وهل للمريض أن يبايع ويقضي دينا له على غيره أو عليه لغيره بالقيمة أو
- {1 — (1/51)
صفحة 52
بعوض أو بأصل - وهل له ان يعقد العقود الشرعية قيل بالجواز ان لم يستغل فيها جر لنفسه بالعقد او استرخص فيها اخرج من ملكه بل فعل بالسعر وان كان وجد أو وقع ذلك القضاء للدين او المبايعة وما اشبهها بالاستغلاء أو الاسترخاص ومات في مرضه ذلك وكان الفعل للوارث منع كله لانه حينئذ كالميت - والميت لا يختص أحد الورثة بشيء من ماله بعوض ولا بدون عوض إلا أن رضي باقي الورثة فإن رضاهم حجة ألزموها أنفسهم أما إن كان لغير الوارث جاز الثلث فما دونه لأنه أجنبي لم يدخل تحت ممنوع الوصية
كذا قيل
ويرد الي الوارث المكيل بكيله والموزون بوزنه وهكذا بقية الانواع اما الجزافيات بمثلها ما أمكن وإن لم يمكن فبالقيمة ان استطيع تحريها وتحريرها ولا يخفى عليك ان الاسترخاص والاستغلاء منه وصيته. ولا وصية لوارث ولودون الثلث - ولا وصية لغير الوارث بما فوق الثلث - واذا ذهب من يد المشتري او البائع العاقد عقدة غير بيع وشراء ما يدخل يده من المريض الذي مات في مرضه فانه يضمن ذلك الذاهب ما كان فوق الثلث لا ما كان ثلثا أو أقل (وفي الاثر ولا ينزع شيء من يد معامل المريض أو اخذ منه شيئا حتى يموت لامكان ان يحيى الا ان تبين انه لا يعقل حينئذ ـ وان كان وارثا ضمن كل ما زاد على القيمة او نقص وقيل يرد من استرخص له المريض او استغلى له بتقويم العدول من المسلمين
وقد اجاز بعض العلماء مبايعة المريض مطلقا اي لوارث أو لغير وارث بالسعر او بالاستغلاء او بالاسترخاص بالثلث وما دونه وما فوقه لان ذلك ليس وصية تقتضيها التسمية فضلا عن ان يقال وفضلا عن ان يقال (1/52)
صفحة 53
لا يجوز لوارث وفضلا عن ان يرد فيها غير الوارث الى الثلث. ولان
المريض في ذلك صحيح العقل غير محجور عليه
قال القطب رحمه الله ولعل اصحاب هذا القول لا يفسخون بيع الرهن قال: وفي الاثر بيع المريض ماض ولو باع اصلا اذا باع ليقضي حقا الله او لعباده او للنفقة وقيل إن شاء وارثه رده بالثمن وان شاء تركه وقيل: ان باع بالعدل مضى ولا خيار للوارث فيه وقيل بيعه مردود مطلقا ولو لم يغير الوارث حتى مات موروثه وقيل بيعه للوارث مردود ولو كان بأكثر من الثمن وهذا مبني على ان اصل بيعه غير منعقد للمرض، وكذلك حله لغريم من حق عليه له لانه وصية او في معناها وقد صح ان للوسائل حكم المقاصد فحكم الحل للغزيم حكم الوصية وقيل: اتلاف الماله فلا الى الثلث يرجع اي لا يصير من جملة الوصية التي تحاصص الوصايا في الثلث وقيل حله باطل ولو كان قليلا لانه ليس قضاء دين ولا وصية والله يقول من بعد وصية يوصى بها او دين ومن لزم الفراش مرضا لا يخرج من الدار التي هو فيها أو من البيت الذي هو فيه إن لم يكن في الدار ولو كان يخرج وحده لقضاء حاجة الانسان في الدار أو البيت أو الظل أو إلى الشمس أو نحوهما في البيت أو الدار. ويعاد أو لا يعاد كما إذا مرض مرضا لا تشرع فيه العبادة كوجع العين والضرس - فمن لزم الفراش من وجع العين أو وجع الضرس ـ لا ترجع أعماله إلى الثلث ما لم يحدث في جسمه ما يخاف عليه منه ـ والملازم للفراش الذي رجعت حوايجه إلى غيره أي عجز عن القيام بحوايجه بنفسه وتعلقت بغيره فلا يخرج إليها أي لا يستطيع الخروج لها فهذا ونحوه تخرج أفعاله. ه من الثلث وكذا كل حال يخشى منها موت كالحامل إذا ضربها الطلق أي وجع الولادة سواء كان ذلك قبل أن تلد أو بعد أن ولدت وكذلك وجعها من
-
ol.
- (1/53)
صفحة 54
السقط وكذلك المحدود إذا تألم من الضرب كما إذا ابتدأ ألم الضرب أو القطع كقطع يد السارق وكذلك حكم التعزيز والتنكيل وما فوقهما والرجم ومثل الحد القطع أو الجرح قصاصا وساير أنواع القصاص وكذلك الغازي عند طيران الجيوش أي زحفها ونهوضها وكذلك راكب السفينة فهاج بها البحر فأصابها انكسار أو اعتياب وكذا إذا أصابها العطب قبل الركوب ثم
ركب فرأى دلائل العطب فيها فكل هؤلاء ترجع أفعالهم إلى الثلث اما اذا فعل قبل ان يعلم باعتياب السفينة ولو كان فيها وكان علمها لم يصل اليه لم يرجع فعله الى الثلث لان اصل الصحة باق له حتى يعلم انه انتقض بنحو ما قلنا وهو واضح
وكذلك حال الغازي قبل طيران الجيوش اي زحفها عليه وحامل وصلها ضرب الطلق اما اذا لم يصلها فهي في حكم الصاحي حتى تحس بألم الطلق وكذلك هياج البحر وقيامه والتحام السفينة بالارض وصدم الجبل لها وما في معنى هذا فهذا كله راجع الى الثلث وكذلك الملزوم في قود وقد احضرت الة القتل كالسيف او البندق او ما اعتيد القتل به في البلد لانفاذ الحدود
وقد اختلف العلماء في الحبلى - قال: بعضهم ان أفعالها ترجع الى الثلث. إذا تبين حملها وعلمت به وقال: بعضهم ترجع أعمالها الى الثلث اذا استهل شهر ولادتها ولو لم يضربها الطلق ان علمت بدخوله والمراد بشهر ولادتها هو ما اعتادته أى اعتادت ميلادها حسب حسابها في ذلك أو اعتادته أمها ان لم تسبق لها عادة أو هو الشهر التاسع ان دخلته ولم تكن تعتاد هي ولا أمها قبله - فلو اعتادت هى أو أمها أنها تلد في السابع فهو شهر خوف
- 52 -
- (1/54)
صفحة 55
في حقها ترجع أفعالها فيه الى الثلث - ولا يخفى عليك ان شرط ذلك ان تعلم بدخول شهر الولادة - أو لم تعلم بالحمل أصلا لم ترجع أفعالها الي الثلث ذلك لأن أمر الخوف منتف في حقها
وحكم السفينة حكم الزورق وان كانت السفينة أعظم من الزورق وأقدر على مصارعة البحر ولكن حكم الخوف لم ينتف بها قطعا ـ وكذلك أيضا سفن الريح وسفن النار وسفن الجذب بالأيادي على هذا القياد ـ.
وكحكم ما مضى حكم الجرح الذى يخاف منه الموت لا ما عداه وكذا مريد قتله أو مريد به ضرا يخشى منه الموت أو حمله سبع أو سيل أو طرده ذلك أو أحاط به حريق أو غرق أو سقط في هوة وأوصى في حال هويه ذلك إن لو تصور امكان ذلك أو وقوعه منه أو كان يهوي بتدريج كمن يسقط من درجة إلى أخرى أو نحو ذلك أو أوصى أو قال بعد وصوله القعر خايفا أن لا يخرج منها حيا أو خاف غرقه فيها أو سقط من نحو جدار أو جبل أو نخلة أو ساير
الشجر.
وكذلك من انطبق عليه غار أو جدار أو نحوهما كما اذا دخل مكانا لاخراج خباياه أو شيئا ما أو انهدم عليه سل فلج أو فرضة من فرضه أو جدار من جدرانه أو نحو ذلك ومن خيف عليه التلف من برد أو حر أو عطش أو جوع فكل أفعال هؤلاء من الثلث
أما مريض زمن وهو من به علة لم يلزمها الفراش ولم تتعلق حوايجه بغيره كمجذوم أى مصاب بالجذام ومفلوج أى مصاب بالفالج ومقعد (1/55)
صفحة 56
لا يستطيع القيام لعلة أو لقطع رجل واحدة أو رجليه معا أو لخلقة وكذلك المبطون أى المصاب بعلة في بطنه فاسترسل منها لا من أصيب بالطاعون فان المصاب به ترجع أعماله الي الثلث وكذلك المسلول أى المصاب بعلة السل هو من أهل الأمراض الزمني فأفعال هؤلاء الزمني من الكل ما لم تقع علة في عقولهم واذا زالت عقولهم بطلت أعمالهم للوارث وغيره ومتى صح بعضها وميز ما يقول جاز للكل
حدث ومتى
بهم
مرض يصيرون به في حد من لزم الفراش ويعادو رجعت حوايجه الى غيره فأفعالهم من الثلث لغير الوارث أما للوارث فباطله وقيل بل صحيحة للوارث أيضا ويرد الوارث الزيادة على السعر أو القيمة على
حد مامر
وفي الاثر لا ترك عند الموت ولا عطية ولا بيع ولا شراء الا ان باع لمؤنة عياله أو ما يحتاج إليه. وكذا من في الحرب أو البحر ويعرض له ما يخاف منه غرقا وفيه أيضا وجاز فعل المجذوم والمفلوج والمسلول ونحوهم ممن يجيء ويذهب إذا لم يقصدوا أضرارا بالوارث
وقيل: حد من يؤمر بالوصية ويحكم عليه في وصاياه وعطاياه بحكم المريض هو من يخاف من مرضه موته ولولاه ما تصدق ولا أوصى وندبت الوصية في مرض وعند خروج لسفر - وجه الأول ان المرض في الغالب من إسباب الموت ومقدماته وان كان هينا - وفي السفر قد لا يعود. فلا ينبغي له أن يسوف مع ان السفر قطعة من العذاب وكذلك تندب للتجهيز لحرب وهى في الصحة أحزم وأفضل وكان بعض يأمر بها كل جمعة وقال: بعض
- 54 ـ
-
- (1/56)
صفحة 57
هي واجبة في كل مرض مخوف وعند ركوب البحر وقيل حكم المجذوم والمسلول ونحوهم حكم الصحيح والمبرسم والمبطون ونحوهما لا تجوز
عطيتهم ومبايعتهم نظرا الى أن هذه الأمراض أسباب تلف غالبا
•
وفي الأثر والمريض الذى ترجع أفعاله الى الثلث هو صاحب الفراش الذى لا يخرج بنفسه لحوايجه كما أوضحناه في مواضع مما سبق من كلامنا وأما صاحب السفينة فأفعاله من الكل ما لم يقم البحر. فاذا قام رجعت الى الثلث
قلت: وراكب الطيارة الآن في هذا العصر أعماله كلها يتناولها القول بأنها من الثلث ويلحق به راكب السيارة من حين ما جرت به لأنهما مظنتا خطر والطيارة عندى أخطر ولو اعتيدت والسيارة مخطرة أيضا وأكثر خطرها الاصطدام وكذلك سائر العربات والمركوبات التي حدثت في هذا العصر بجميع أنواعها وقيل في راكب السفينة قام البحر أو لم يقم فأعماله من الثلث ما دخلها لأنه بدخوله فيها دخل البحر في الغالب مظنة خوف
وأفعال العساكر من الكل ما لم تلتق الجيوش وان التقت رجعت أفعالهم الى الثلث ووجهه ان التقائها مخوف على الأنفس بل نفس اجتماعها محوف قبل التقائها اذ ان القتل منها محذور بل نفس معاينتها متهيأة للقتال مزهق للأرواح مذهب للأفراح ملبس للأتراح الا ما شاء الله وعلى كل حال ان التقاء الجيوش مخوف طبعا فقد وجدت في الأثر أيضا واذا ترآت الجيوش فمن الثلث وهو عين ما قلته والحمد لله وقد سبق كلامنا على من حمله السيل أو طرده السبع أو حمله شيء من الهوام أو طرده من أراد قتله أو المصلوب أو (1/57)
صفحة 58
هيء للقتل أو الضرب أو لانفاذ الحدود أو الذي غلب عليه البرد أو ألم حتى
خاف على نفسه التلف فأفعاله فمن الثلث وقال: بعضهم من الكل
وأفضل الايصاء التخلص في الحياة قال: أبو هريرة قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لرجل سأله أي الصدقة أفضل يا رسول الله قال: ان تصدق وأنت صحيح حريص تأمل الغنى وتخشى الفقر ولا تمهل حتى اذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان وفي رواية وأنت صحيح شحيح ومعنى وقد كان لفلان أي أن ما أوصى به قد صار للوارث والحديث صريح في أن الصدقة أفضل ما كانت في الصحة وعن أبي الدرداء عنه مثل الذي يعتق ويتصدق عند موته مثل الذي يهدى اذا شبع
- قال بعضهم - ان أهل الترف يعصون الله مرتين يبخلون بها وهي في أيديهم يعنى في الحياة - وسيوفون فيها الى أن خرجت من أيديه يعنى بالموت ويوصون بها في غير الواجب والمستحب قلت يعصون في أموالهم مرات لا مرتين كما يدرى ذلك من عرف علل الأموال ومكاسبها ولعل كلام أولئك فيما اذا كانت الأموال صافية لهم من الضمانات وأصلها من خالص الحلال فقد يعرض لها ذلك الذي ذكره أولئك والله المستعان
وقول الناظم في أركان الوصية والموصى له فانتبه أي انتبه لأركانها تعرف حقها وباطلها ومستحقها وضده فان لها أحوالا تثبت معها وتبطل وتصح وتفسد والمقام مقام استطلاع للواجبات والموصى له اسم مفعول والمراد مستحق الوصية شرعا وهو من لا يرث أما الوارث فلا يستحقها وبه
- 56 - (1/58)
صفحة 59
يتم الركن الرابع من أركان الوصية كما في قول الناظم رحمه الله تعالى
تنبيه لا يعزب عن بالك ان المريض والعبد والصبى ومن في معناهم داخل ايصاؤهم في الايصاء المعلول فانه اذا كان اعلال وصية الصحيح العاقل المالك لأموره بنفس الصيغة اللفظية فلأن يعتل بها من عداه أولى وهو واضح
تنبيه لقد علمت ان عدم صحة الوصية للوارث عدم اللزوم لأن الأكثر على أنها موقوفة على اجازة الورثة وقد وردت أحاديث عديدة في ذلك روى الدارقطي من طريق ابن جريح عن عطاعن ابن عباس مرفوعا لا وصية لوارث الا أن يشاء الورثة وحكمته انه لا يجتمع ميراث ووصية لوارث - فان ذلك اجحاف بالشريك في الميراث يأباه الشرع الشريف الذى هو ناموس الأمة ومقباسها الأزهر - فيكون أثرة لذلك الموصى له دون غيره فان أوصى للكل كان لعبا لأن المال يصير للوارث بدون الايصاء
وقيل ان الوصية للوالدين والأقربين كانت واجبة أول الاسلام وقيل كانت للوالدين دون الأولاد فانهم كانوا يرثون ما يبقى بعد الوصية وقال بعضهم كانوا مكلفين بالوصية للوالدين والأقربين على مقدار الفريضة التي في علم الله قبل أن ينزلها وانكره بعضهم انكارا شديدا أما حق من لا يرث فهو باق اجماعا فلا تصح الوصية للوارث أصلا وهو الحق المعتمد وعلى تقدير نفاذها من الثلث لا تصح له ولا لغيره بما زاد على الثلث كما
قدمنا
- 57 -
- (1/59)
صفحة 60
وقيل ولو أجازت الورثة أيضا ووجهه عندي إن في ذلك إقتحاما على
ما حدد الشارع وتجاوزا لما رسمه ولا ينبغي لهم ذلك عقلا ونقلا له وبه قال
المزني وداود وقواه السبكي واحتج له عمران بن الحصين فيمن اعتق ستة أعبد فقال: له النبي صلى الله عليه وسلم قولا شديدا، ومنه لو علمت ذلك ما صليت عليه ولم ينقل عنه أنه راجع للورثة - فدل على منعه مطلقا ـ وإلا إن شاء الورثة في بعض روايات حديث سعد بن أبي وقاص يثبت مشيئتهم ويمضي حكمها فإن صحت وهي عندي كما علمت أدلتها ولا يخفى عليك أن أصل المنع لأجل الورثة ولولاهم لما كان للمنع وجه ـ فإذا أجازوا ذلك منهم وما كان منهم فهو ماض عليهم لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت
كان
وقد اختلف العلماء في وقت الاجازة والجمهور على انهم ان أجازوا في حياة الموصي كان لهم الرجوع متى شاءوا - ووجهه ان إجازتهم وعدمها إذ ذاك سواء لأن المال ملك الغير وتصرفه فيه ماض ولا مفيد لاجاز تهم ضيع الغير في ماله بل لا يؤثر شيئا وهو واضح
قالوا: ان وقعت الاجازة بعد الموت نفذت اجازتهم وثبت عليهم وجهه ان المال مالهم وأمرهم فيه ماض وقد أمروا فيه بنفس الاجازة.
وفصلت المالكية بين مرض الموت وغيره فألحقوا مرض الموت بما بعده واعطوه حكمه وذلك للاياس من الحياة غالبا بذلك المرض وعندى في ذلك نظر - واستثنى بعضهم ما اذا كان المجيز في عيلة الموصي وخشي من امتناعه قطع معروفه عنه لو عاش فان لهذا الرجوع
-
- (1/60)
صفحة 61
وقال الزهري وربيعة ليس لهم الرجوع مطلقا ـ وكأنهم اتفقوا على اعتبار كون الموصى له وارثا بيوم الموت حتى لو أوصى لأخيه الوارث حيث لا يكون له ابن يحجب الأخ المذكور فولد له ابن قبل موته يحجب الأخ فالوصية للأخ المذكور صحيحة فلو أوصى لأخيه وله ابن فمات الابن قبل موت الموصى فهي وصية لوارث - واستدل به على منع وصية من لا وارث له سوى بيت المال لأنه ينتقل ارثا للمسلمين والوصية للوارث باطلة
قال: في الفتح وهو ضعيف جدا قال حكاه القاضي حسين قال ويلزم قايله ان لا يجيز الوصية للذمي أو يقيد ما أطلق ولأهل العلم في المقام أقوال يطول بها المقام والله أعلم (قال الناظم):
شروطها علم الوريث ان ملك اموره أو صحة من غير شك وهي شهادات العدول المظهرة لفظا وأما الخط فهو التذكرة والبعض قالوا حجة ان عرفا خط العدول وعن الموصي كفى الشروط جمع شرط وهو لغة الزام الشيء والتزامه في البيع وغيره كذا في القاموس وقيل غير ذلك وعند الفقهاء تعليق شيء بشيء بحيث اذا وجد الأول وجد الثاني وقيل الشرط ما يتوقف عليه وجود الشيء ويكون خارجا عن ماهيته ولا يكون مؤثرا في وجوده وقيل الشرط ثبوت الحكم عليه، والمراد به هنا ما تحصل به صحة الوصية.
والوريث فعيل بمعنى فاعل أي الوارث بشرط كونه مالكا أموره
— 09 — (1/61)
صفحة 62
والصحة ضد الفساد والشك والريب، والمعنى ان الوصية بالنظر الى الثبوت والبطلان لها أي لثبوتها طريقان الأول علم الوارث بها فان وقعت وعلم بها الوارث واعترف بوقوعها ثبتت عليه أي في المال الموروث، فان المخاطب بها بعد موت الموصى الوارث اذ تخرج من المال والمال قد تحول الى الوارث بشرط كون الوارث حرا بالغا عاقلا جايز الأمر فيخرج العبد إذ لا ملك له الا على قول من يقول انه يملك وهو مرجوح ويخرج أيضا الصبي فان علمه بالوصية لا يكون حجة عليه ما لم يبلغ ويخرج أيضا المجنون اذ لا تصرف له في مال ولا غيره لزوال التكليف عنه ويخرج غير جايز الأمر كالمحجور عليه والمديون ومن في معناهما فانه لا يكون علمه بالوصية موجبا لشيء ما مطلقا
•
فاذا علم الانسان بوقوع الوصية من موروثه وجب عليه تمكين الوصى من انفاذ ما أوصى به موروثه ما لم تخالف الوصية واجب الشرع فهذا أحد طرق اثبات الوصية وصحتها حكما والا فهى في أصل الأمر صحيحة متى وقعت من موصيها.
الطريق الثاني لصحة الوصية وثبوتها على الوارث في مال الموروث الصحة المقبولة من جهة الحكم الشرعي القاضي بثبوتها، ولا يقضي
بثبوتها الا اذا قامت الحجة العادلة بوقوعها من الميت. والمراد بالحجة الشهادة من المرضيين بان فلانا اوصى بكذا وكذا ـ يشهدان بذلك فاذا حصلت هذه الشهادة من العادلين المرضيين قبلت ولو لم تكتب فان الحجة بوقوعها قد قامت ووجب الانفاذ رضي الوارث بذلك أم سخط فإن رضاه وسخطه لا يؤثران هنا شيئا ما مطلقا ما لم تعتل الوصية بشيء آخر من نحو
- 1. (1/62)
صفحة 63
كونها لوارث او كونها مجاوزة لثلث المال او اتهم صاحبها بشيء يحجره الشرع عليه ـ وسنستو في البحث في الحجة التي تثبت بها الوصية او تبطل ان شاء الله كما اشار الى ذلك الناظم رحمه الله بقوله وهي شهادات العدول الخ
فالشهادة هي قول يوجب على الحاكم سماع الحكم كذا في النيل عن ابن عرفة من علماء تونس، والمراد بسماع الحكم اي اثباته. وسمي الاثبات سماعا لانه سببه فيجب الحكم بمقتضاه. وعندي ان الشهادة كلام يثبت به الحق من الغير للغير وعلى الغير وتشترط فيه عدالة صاحبه كما يشير الى ذلك كلام الناظم
وقولهم يوجب على الحاكم الخ، مخرج للرواية فان الرواية خلاف الشهادة ـ ولم يقولوا على القاضي او على الامام ونحوه لان لفظ الحاكم اعم من لفظهما حتى انه يصدق على من حكمه الخصمان ـ وقولهم ان عُدّل اي القائل اي حُكم بعدالته عند القاضي اي ثبتت عدالته عنده
وقال بعض العلماء واحسب انه القرافى اقمت ثمان سنين اطلب الفرق بين الشهادة والرواية واسأل الفضلاء عنه واطلب تحقيق ماهيتها اي حقيقتها ويقولون الشهادة بشروط فيها التعدد والذكورية والحرية ـ اي يجيبونه بذلك ـ وهو يطلب الفرق فيجيبونه بغير ما يطلب. ويدل كلامه على انه لم يجد الفرق
•
والمراد بالتعدد كون الشهود عددا اي لافراد. والذكورية سواء كانت محض الله او مختلطة بالاموثة كما اذا كان مع الذكور النساء - وتشترط
-
-11 - (1/63)
صفحة 64
الحرية ايضا في الشهادة بخلاف الرواية لان الرواية لا يلزم تحملها -- والشهادة بخلاف ذلك - لا يلزم العبد شيء من امرها لانه مال مملوك
للغير
ولا يخفى ان الحرية والذكورية والتعدد في الشهادة فرع تصورها اي فرع ينبني عهلى حصول صورتها ليس ذلك وحده صورتها ولا جزأ منها لان شرط الشيء خارج عن ماهية ذاته وتصور الشيء هو ادراك صورته او اكتسابها او هو حصولها الله والمراد ان النطق المسمى شهادة هو الذي حصلت فيه الذكورة والحرية والتعدد
وحقق بعضهم الفرق بين الشهادة والرواية بان المخبر عنه ان كان عاما لا يختص بمعين فهو الرواية كقوله صلى الله عليه وآله وسلم الاعمالب بالنيات والشفقة فيما لم يقسم فان ذلك عام في الاشخاص والاعصار والامصار بخلاف قول العدل عند الحاكم لهذا عند كذا وكذا وهو امانه او مضاربة اوله عليه دين هو كذا وكذا فانه الزام لمعين هو ذلك الرجل الذي عين عليه الحق بشهادته عليه لان الزام المعي حكما عليه لا يتعداه الى غيره الا بطريق النيابة عنه فهذا الالزام للمعين هو الشهادة تحقيق وهو واضح
جدا
وهل شرط التعدد شرط كمال ام صحة الواضح انه شرط صحة اذ لا تتم الشهادة الا به ووجه اشتراط التعدد في الشهادة كبقية الشروط اعني الذكورية والحرية ان الزام المعين دينا او نحوه على الانسان المعين تتوقع فيه محبة باطنة للشهود له لم يطلع عليها فاحتاط الشرع هنا باشتراط شاهد آخر
-
62 (1/64)
صفحة 65
او تتوقع فيه عداوة باطنة يتخوف منها التزوير من الشاهد على المشهود عليه لعداوة منه باطنة لم يطلع عليها الحاكم فاحتاط الشرع ايضا لذلك باشتراط شاهد آخر معه فيزول بعض التوقع المحذور بالشاهد الآخر وان كان لا يزول بالكلية بل يخف وان كان ايضا ممكنا ان يكون الشاهدان عدوين للمشهود عليه محبين للمشهود له. وامكن هنا على الفرض والتقدير وكلامنا في الغالب والغيب عند الله عز وجل
وعلى كل حال ان شهادة احد المتعاديين لا تجوز قطعا اعني على بعضهما بعضا للمحذور الذي ذكرناه ولا شك ان الشرع راعى للمحذور
تمام الرعاية وقطع شوائب الفساد بين العباد
والمراد بالمتعاديين هما من وقعت بينهما مشاتمة او مضاربة او ما يتهمان به على بعضها بعضا وشهادة ذي الظنة كذلك لا تصح وفي الاثر لا تجوز شهادة المتلاعنين اي المتشائمين. وقيل تجوز اذا اجتمعا فيها
وتكون شهادة امرأة احتياط اذ لا بد من كذبهما فيكون حالها كحال امرأة واحدة ان وجد ما يتمها قبلت والا ردت وكل ذلك الاحتياط والاحتياط في الشريعة الاسلامية لا يخفى مقامه وقيل بل تجوز على الانفراد ووجهه الخوف من ضياع الحق وذلك وجه واضح ما لم يتبين كذبهما فان شهادتهما من دينهما ودينهما يدينان فيه والله المطلع على غيبهما وسائلهما عن كل ما اكناه في صدورهما
واذا شهد عدلان ان فلانا قتل فلانا او ان فلانا من البغاة قبلت
-
63 -
- (1/65)
صفحة 66
واختلفوا فيما اذا قتل رجل رجلا ثم دخل المسجد واختلط بالناس ولم يعرف من هو هل ترد شهادة اولئك كلهم للشبهة التي دخلت عليهم فلعل الشاهد
هو القاتل
واجاز ابو حنيفة شهادة العدو على عدوه وهو يخالف الادلة الواردة عن رسول الله في رد شهادة ذي الظنة وذي الحنة ونحوهما واذا ظهرت التوبة او التصافي او المسامحة وترك المقاطعة قبلت وكل من لا تقبل شهادته عليه تقبل له وكل من لا تقبل شهادته له فتقبل عليه كشهادة الوالد لولده لا تقبل وتقبل عليه قطعا وهكذا
ولا يخفى عليك ان اشتراط الذكورية في الشهادة يناسب لان الزام المعين حكما عليه وقهرا له تأباه النفوس الابية فالشهادة من النساء وحدهن فيما لا يختصصن به اشد على النفوس حكاية وأكثر منه نفوذا وابعد منه قبولا ولانهن ناقصات عقل ودين
•
ولا يخفى عليك ايضا ان الفرق بين الشهادة والرواية كما قدمناه واضحا ان الشهادة تختص بعين والرواية تكون عامة - ويشتركان في كونهما خبرين لغويين، ومعنى الرواية النقل الى الغير - ولو بفعل الناقل كأن
يغسل ويقول غسلت ومن الرواية الاخبار عن نجاسة الشيء وطهارته ووقت الأذان ووقوعه ورؤية هلال رمضان أو ذي الحجة أو غيرهما ـ وما لا يرجع الى النزاع بالذات. وليس ببراءة الذمة بالذات لانها اخبار عن السبب الموجب للحكم. فان نجاسة الثوب وهلال رمضان وكذا طهارة الثوب ايضا يعمل به كل من سمع به ويجري عليه ما يجري من الاحكام
-
- 78 - (1/66)
صفحة 67
المختلفة فكل من صلى بذلك الثوب مثلا صدق عليه انه صلى بطاهر
وكذا ايضا ولاية المجهول وبراءته وتزكية الشهود كذا قيل
•
ويشترط عندنا في التزكية ما يشترط في الشهادة من نحو العدد والعدالة والذكورية اما عند غيرنا فلا وجه تسمية الاخبار عن طهارة الثوب رواية ولو لم ينقلها احد كما قرروا ان الرواية هي ما ينقل عن هذا الى ذلك وهكذا ـ ان الرواية تستعمل لمعنى الاخبار - قال القرافي في التزكية لا تشترط فيها العدالة ولا العدد - وقد سبق ذلك معك وهو وغيره من الاقوال التي في المقام - وكذلك مذهبنا هو الحق
والخبر اعم من الرواية، لانه يكون في عام وخاص كما تراه في المسائل التي يذكر فيها انه يجزى فيها الخبر وهي الاحكام كالخبر في الرهن كذا في شرح النيل وان اسهبت الرواية الشهادة لكونها من الامور الجزئية المعينة كل على حدة. لان المراد طهارة هذا الثوب مثلا - ورمضان هذه السنة وأذان ظهر هذا اليوم - واصل الرواية ان تكون في العموم مثل قولهم. يطهر النجلس بالماء وصوموا لرؤيته واكملوا لعدة ثلاثين يوما) والأذان لمدلولك الشمس واما رؤية هلال شوال فمن قبيل الشهادة لا من قبيل الرواية - لان مقتضاها ابراء الذمة من الصوم الذي ثبت بيقين ولولا ورود الشرع وانه هو الحجة فيما اباح وحظر وما نهى عنه وما امر به لما جاز الافطار من الصوم بعدلين. بل يلزم الاكمال ثلاثين يوما او بالخبر المتواتر او بمشاهدة الدلال) لان) شهادة الاثنين لا تفيد (اليقين والقاعدة المعروفة ان ما ثبت بيقين لا يزال الا بيقين مثله اما بظن فلا اجماعا
-
65 - (1/67)
صفحة 68
وانت خبير ان شهادة الاثنين ظن محض - ولكن من حيث ان الشرع جعلها تفيد العمل عملنا بها في قبول خبر الهلال ولاحظ للنظر عند ورود الاثر نعم جعل بعض العلماء الاخبار بنجاسة الثوب والطهارة والأذان ورؤية هلال رمضان والولاية والتزكية ونحو ذلك من قبيل الشهادة - واشترط في ذلك العدد والعدالة والذكورة
قال القطب رحمه الله تعالى وتشترط عندنا العدالة في الكلأ ايضا اي في الشهادة والرواية والاخبار الا في التزكية - فانهم اختلفوا فيها فقيل باشتراط العدد والعدالة والذكورية فيها وفي غيرها دون التحريج (وفي
المقام مسائل
المسألة الأولى
من تلك المسائل
هل يلزم الحاكم ان يخرج لسماع الشهود في محالهم ومكاناتهم - فنقول لا يلزمه ذلك ولو طلب ذلك منه. ولو كانوا في قريته ايضا وعلى من لزمته البنية ان يحضرها عند الحاكم. ولو قلنا ان على الحاكم الخروج لسماع الشهادات لقلنا عليه ان يخرج لما عداها ولا قابل به فينا - ذلك ان الحاكم نازل منزلة من ينوب عنه من نبي. ونحوه فانه ولا بد ان يحكم بشريعة بني تبعه واذا كان ذلك فقد تعينت نيابته ولا قائل بان الله كلف احدا من انبيائه بذلك بل ولم ينقل ان نبيا امر به في امته ولان الحاكم خليفة الله في خلقه ومقامه فوق مقاماتعم. (1/68)
صفحة 69
المسألة الثانية
لي وصـ
اليتيم
وفي وصي اليتيم هل عليه ان يحمل بينة اليتيم من ماله ففي الاة ثر وللوصي ان يحمل بينة اليتيم من ماله اي من مال اليتيم ومن ادعا حقا ماله لصغره ولا مال له حمل بينته من هو وله ان يأخذ من ماله اذا كان له مال
اعطى منه
وقيل من عجز عن حمل بينته وهي في غير بلده خُير خصمه في خروجه لسماعها في محلها او في ان يكتب الحاكم الى والى ذلك لبلدان يسمعها ويعدلها كما في الورد البسام وغيره من آثار المسلمين. ويبعث ذلك الحاكم لما صح عنده الى هذا الطالب للبينة او الى الحاكم الذي ترافع اليه الخصمان وان ابى ان يخرج الى سماعها لزمه ما يرفع الحاكم من البينات التر تصح معه عدالتها
وقيل لا تحمل بينة من بلد لبلد آخر في دين او وكالة أو وصية أو نسب أو أرث وتسمع في محلها ولو قدر على حملها فلا يكلف صاحبها حملها فان الحق يعني اليه ولا يعني هو.
المسألة الثالثة
في صيغة شهادة الشاهد
في صيغة شهادة الشاهد كيف صفتها قلت يقول. الشاهد اشهد
—
- (1/69)
صفحة 70
على اقرار فلان بكذا وكذا على ما وصف مناقراره في هذا الكتاب من بيع أو هبة أو وصية أو حوالة أو وكالة أو نحو ذلك من جميع ما تلزمه فيه الشهادة وزاد بعضهم يقول ولا اعلم ببطلانه الى الآن
وفي لفظ يقول اشهد ان فلانا أقر بكذا واذا كانت الشهادة المعاينة قال شهدت بكذا وكذا وزاد ايضا ولا اعلم ببطلان ما كتب اوما أثبت فلان
على نفسه أو اعترف به أو حنحو ذلك
وان قال الشاهد شهدت ان ما بيد فلان الله كذا وكذا من الامور أو زوجته حرام لم يحكم بذلك ـ ولم يفرق بينه وبين زوجته ولم يخرج ذلك الشيء من يده حتى يقول الشاهد ان حرام بربى - او زوجته حرام بطلاق او اظهار أو لعان أو نحو ذلك من الامور التي تبين بها الزوجة بينونة تحريم
وان قال الشاهد للشهود عليه اشهد عليك بكل ما في هذا الكتاب فانعم له اي قال له نعم جازت الشهادة عليه بما فيه
وان كتب الشهود شهادتهم بأيديهم ودفعوها الى تقة او تقات فلا يشهدوا بها ان نسوا بعضا الا ان كان مع الأمين آخر وقيل يشهدون مطلقا بما حرروا في ذلك الكتاب بخطوطهم. وقيل يشهدون ان عرفوا خطوطهم ولو كان بيد غير ثقة لان الحجة هي الخطوط المعروفة هنا ـ وليس الرجوع بمقبول بها. ذلك ان القلم احد اللسانين
وان اشهد من عليه الحق على نفسه ثم غاب أومات فأتى
-
- 14 — (1/70)
صفحة 71
الشاهدان الى من يكتب شهادتهما فقيل لا يجوز ان يكتبها بما لا يغير المعنى كما يؤدى معرب عن لا من لحنا لا يغير المعنى وكما يتحملها بالفاظ كثيرة - ويؤديها بالفاظ قليلة او عكس ذلك بلا تغيير للمعنى وكما يتحمله باغة قوم يؤديها بلغة قوم آخرين.
وان دفع القارئ كتابا محتوما وقال كتبته بيدي وامرهم ان يشهدوا عليه بما فيه جاز وان قرئ عليه ولم يقل انه قرأه هو لم تجز الشهادة عليه الا اذا فهم ما فيه حرف حرف واعترف به كله واثبته على نفسه، ولا تجوز الشهادة على الأمه حتى يقرأ عليه ويفهم ما قرئ عليه. ويثبته على
نفسه
والصكوك التي تكتب فيها البيوع والوصايا وساير الحقوق على اختلاف انواعها وسيشهد عليها فهي لمن وقع الاقرار فيها ولا تسلم اليه الا باذن والشهود لان فيها شهادنهم كذا قيل ذكره الامام القطب في النيل وأقول لا تمنع شهادتهم تسليم الصكوك الى اصحابها وان كانت حجة صاحب الحق الشهود وليس على الشهود الا ان يحرروا شهادتهم في تلك الصكوك امتثالا لامر الله عز وجل لقوله تعالى ولا يأب الشهداء اذا ما دعوا وبعدما اجابوا الداعي وادوا شهادتهم لا ارى عليهم شيئا الا ذلك ولا ارى مانعا من تسليمها بغير اذن الشهود.
الرابعة
هل يصح ان تكتب الشهادة ولم يصرخ بمقتضاها عند القاضي أو
-
- (1/71)
صفحة 72
الامام أو الحاكم أو جماعة المسلمين. وامرائهم ففي الاثر المأمور به ان لا يكتب كاتب شهادة شاهد حتى يشهد بها عند القاضي حرفا حرفا فيأمره
وهو
القاضي او الامام او نحوهما ان يكتبها وان وليها الحاكم وكتبها غير ثقة يسمع وينظر فلا بأس والحكمة في هذا كله التوثق والاحتياط في حفظ الحقوق عن الضياع
هل يلزم الحاكم ان يفرق بين الشاهدين فيسمع مثلا شهادة زيد بمكان ويسمع شهادة غمر بمكان آخر - اقول لا يلزمه ذلك الا ان دلن القراين على ريبة وعند الارتياب يكون بطلان الشهادة. ذع ما يريبك الى
ما لا يريبك
واقول ان المشروع عدم التفريق لقوله تعالى ان تذكر احداهما الأخرى فدل ان المطلوب استشهادهما معا حتى اذا كان أحدهما ناسيا تذكر بشهادة صاحبه وهو الواضح واتهام المسلمين لا يجوز وحسن الظن بهم واجب ـ لا يقال هذا مشروع في حق النساء دون الرجال لضعف عقولهن ما رأيت من ناقصات عقل ودين الحديث لأنا نقول لا تخصيص لهن بذلك لأن ما جاز على الرجال أيضا وان أول ناس أول الناس نعم أجاز ذلك بعض العلماء لما ظهر من أحوال الناس -
وهل الجواز للحاكم معروف في الأثر اذا رأى ذلك أي التفريق بينهما مع انهما اذا اجتمعا تقوا بعضهما ببعض كما تشير الى ذلك الآية الكريمة السابقة - وأقول ان له ذلك وهو موجود في الأثر كما اذا طلب ذلك الشهود
-
- V.
- (1/72)
صفحة 73
عليه ذكره القطب في شرح النيل والظاهر لا مانع من ذلك اذا دلت ذلك (نعم) قراين الأحوال على أمر عمل لمقتضاه وبما تدل عليه القراين: ومن هنا جاء
قولهم الحاكم احوج الى نظره من اثره: وأقول من لا نظر له في موارد الشريعة ومصادرها ومقاصد الأحكام ووسائلها ليس له أن يحكم قطعا وأنت خبير ان الآيات القرآنية لم تمنع من استشهاد الشهود متفرقين والمفهوم للخصم غير قوي - فاذا شهد الشاهدان على امرأة بأمر ثم قيل لهما هل رأيتماها أو تعرفانها اذا رأيتماها فقالا لا لا نعرفها لم تقبل شهادتهما وكذلك على رجل ونحوه فان الارتياب حاصل بذلك ـ ولا تصح شهادة مرتابة قطعا دع ما يريبك الى ما لا يريبك - والامور ثلاثة الحديث -
وان قال الشاهد اعلم ان فلانا المريض في شدة. ولكن لا أعلم بعقله زوالا - فان كان يعلمه قبل ثم شهد انه لا يعلم انه زايل العقل جازت شهادته بناء على العلم السابق وكونه ثابت العقل فان الأصل هو ذلك ـ وزوال العقل امر طاريء: ومدعيه اي مدعي زوال العقل مدع وهو وجيه وحسن الظن بالشاهد يقويه
السادسة
ان قال الشهود عليه للحاكم سل الشهود من أين علموا ان هذا الحق على أو للمشهود له هل يلزمه السؤال فالواضح لا يلزمه ذلك وله أن يسئلهم ان شاء ولا أرى وجها للزوم السؤال ولا فايدة معه ـ ألا ترى لو قال الشهود لا نعلم من أين صار عليه بل نشهد به عليه لم ترد شهادتهم - ولا حجة له ف ذلك بل الحجة الشهود وبهم تستخرج الحقوق كما في
الحديث
-
- YI- (1/73)
صفحة 74
السابعة
إن كان الشهود غير معروفين عند الحاكم كما اذا كانوا غربا: او كانوا نساء متسترات بجلابيبهن او كاشفات وجوههن واقرا الخصم انه هو الذي شهد له عليه فله ان يحكم عليه باقراره: واذا اخبره العدلان أو من يطمئن به انه فلان أو فلانة. فلا يشهد انه هو أو أنها هي فلانة: ولكن يقول اشهد انه أخبر ني العدلان فان شهد بها لم يثبت: وقيل يثبت - وقيل اذا عرفها في قلبه وزال عنه الريب: فعند زوال الريب تطمئن النفوس وعند الاطمئنان تثبت الحجة وقيل اذا عرفها بشهرة اسمها في البلد واراه اياها عدلتان وشهدتا انها هي جاز له ان يشهد ـ وقيل اذا أخبرته واحدة وشهدت له بها أخرى جاز أن يشهد لنزول الخبر منزلة الشهادة وقيل اذا قال له ثقة ولو امرأة انها فلانة. جاز أن يشهد عليها كما أجاز بعضهم التعديل
بواحد
وقيل اشهدتك من لا تشك في معرفتها من خلف باب أوستر أو حجاب أو نحو ذلك وعرفتها جاز أن تشهد عليها اما اذا لم تعرفها الا بالصوت فلا ارى لك معرفة بها لتشابه الاصوات في الناس وهو واضح وأجاز بعضهم بمعرفة الصوت فان المقصود المعرفة واذا حصلت بأي وجه
قبلت.
وقيل: لا يشهد الا على وجه مكشوف بحيث لا تأخذه فيه ريبة وقد جعل الله الوجوه آية باهرة فلا يتشابه اثنان أبدا وكذا في الحكم لها أو عليها: واجاز أبو مالك تحمل الشهادة ليلا بلا نار ولا قمر اذا تيقن الشاهد معرفة المشهود عليه: وتزوج رجل ليلا فطلب النسخ نهارا واحتج انه تزوج
- 720
-
- (1/74)
صفحة 75
عند الظلام فأمر أبو مالك ان يؤدوا الشهادة ان تيقنوا بمعرفة الزوج أهو من
النيل وفيه تصرف وايضاح باهر والله اعلم.
واضاف الناظم رحمه الله ان الشهادات الى العدول جمع عدل وهو من يفعل جميع ما يحب عليه من أوامر الله ويجتنب جميع المنهيات والمحرمات التي نهاه الله عنها فمن كان بهذه الصفة أعني مؤديا للواجبات ومجتنبا للمحرمات سمي عدلا وتقيا ووجب قبول شهادته في مقام الاستشهاد وقبول روايته اذا روى عن أهل العلم أنبياء أو علماء أو غيرهم واطلقوا عليه
صفة العدالة لذلك
وفوق درجة العدالة درجة الصلاح وهي أن يفعل فوق الواجبات ما امکنه من فعل المندوبات ويترك فوق تركه للمحرمات ما لا بأس به مخافة
ما فيه الباس
•
وأعلى من درجة الصلاح درجة الصديقية: وهي ان يسارع الرجل الى فعل جميع الفضائل حسب طاقته ويترك فوق المحرمات ما لا بأس به لا لمخافة ما فيه الباس ولا لشيء ما من الامور بل يترك ذلك المحض طاعة الله عز وجل، لا لمحذور مخوف منه ولا مرغوب فيه مطلقا ـ وهاتان الدرجتان زيادة فضل لصاحبهما
أما مقامنا هذا فهو محل بحث العدل لقبول شهادته فانه الشرط الذي لا بد منه مطلقا لقبول عدالة الرجل وتعديله كذلك ولكنا ذكرنا تلك الدرجات استطرادا استدعاه المقام وقد يترقى الرجل من رتبة العدل الى
-
73
- (1/75)
صفحة 76
رتبة الصالح ثم الى رتبة الصديق وحسن اولئك رفيقا قاله الامام رحمه الله تعالى في طلعة الشمس ويتعلق بمقامنا صفة التعديل وشروطه والعدل ومن تقبل شهادته ومن ترد ومقامنا لا يتسع لذلك فان التعديل والتجريح امران يستدعيان على كل حال مقامات واسعة التحقيق المرام من شروط التعديل وصفاته والتجريح وشروطه وصفاته والمختلف فيه من ذلك والمتفق عليه ايضا فنكل ذلك الى دواوينه المعروفة ومحاله المألوفة لمضانه الموصوفة واليك فيه ما قاله الامام في شمس الاصول كانموذج صالح لذلك على
جهة التلويح:
والعدل من يفعل كل ما وجب عليه والمحرمات يجتنب ويجزي في التعديل نقل الواحد له وفيه قيل مثل الشاهد وقيل في أداء هذا الوصف اطلاق نفس القول فيه يكفي وقيل من ذي العلم يكفي وذهب بعضهم يجزي اذا ابدا السبب روى العدل عن المجهول فالخلف هل هذا من التعديل إذاك حكمه به وعمله ان يشرط التعديل فيما يقبله أما الصحابي فقيل عدل وقيل مثل غيره والفصل بانه العدل الى حين الفتن وبعده كغيره فيمتحن
ففي هذه الابيات الوجيزة بيان للمقام وكشف فيه عن بعض الاحكام وقول الناظم المظهرة لفظا يريد به القول المصرح فيه بالايصاء كقوله اشهد ان فلانا اوصى بكذا وكذا لكذا وكذا وهكذا وانتصابه على التمييز المحول عن الفاعل اي: الظاهر لفظهما والمراد باللفظ الظاهر هوما يصرح به الموصي كما حررناه.
- 74 - (1/76)
صفحة 77
الانسان
واما قوله والخط فهو التذكرة معناها ان معول الموصي في وصيته على
ما ينطق به جهرا فانه هو الحجة الافعة للبس القاطعة للاحتمال الدافعة للأوهام ومظناة الخطأ والصواب ويقوم مقام اللفظ الخط فان رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم يقول القلم أحد اللسانين ولا يعني ان للانسان لسانين احدهما القلم لا لكنه اراد ان القلم واللسان كلاهما يعبر عما في القلب فاذا وضع وصيته بقلمه وقال اشهدوا عليّ بذلك صح وقبل ما كان معروفا واليه الاشارة بقوله عليه الصلاة والسلام من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبيتن ليلتين الا ووصيته مكتوبة عنده وفي رواية عند رأسه وبهذا اخذ بعض العلماء اذ قال ان الانسان اذا توفي ووجدت وصيته مكتوبة عند رأسه انها ثابتة ولو بغير شهود والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم وآله وسلم اطلق الكتابة وأراد نفس ايجادها عنده ولم يشترط لها شهودا فهذا وجدت وصيته عنده وهو مراد الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم
ولما كان الخط مظنة لامور يبطل بها الايصاء كان المعول على اللفظ فان القلم فيه الاجمال والتفصيل وفيه الخطأ والغلط واختلاط الصواب بذلك في نفس الوضع كتغيير بعض الحروف التي يشتبه بها الكلام فلا يعرف هل هو ايصاء ام اقصاء وهل هو عام ام خاص وهكذا
ولكن تتعلق بالصك فوايد هي لما كان الايصاء معتبرا ثبوتا وبطلانا بعد موت الموصي وقد يعيش عهدا طويلا يمكن فيه انقراض من اوصى الميت عليهم او من اشهدهم على ايصائه وكذلك تعتريهم اسفار واخطار ويعرض لهم النسيان أو لبعضهم بحيث تحصل به الشبهة كانت الكتابة سالمة من جميع ذلك ويفيد الخطأ ايضا تذكرة للموصي اليهم
-
Yo — (1/77)
صفحة 78
للشهود عند احضاره فان الكتابة تبقى دهرا وهي حجة لا تزال مقبولة وهي التي لوح الحديث بها في قوله عليه الصلاة والسلام ووصيته مكتوبة عنده.
وقول الناظم والبعض قالوا حجة ان عرف خط العدول اشاربه الى ما ذكرناها وحكاه بصيغة التمريض لما يعتوره من الأمور التي ذكرناها أيضا فان الخط وان كان منسوبا الى كاتب عدل وشهوده عدول ولكن اذا لم تصح معرفة بخط الكاتب او الشهود فلا يعتبر ذلك الصك على الصحيح فان الحجة فيه المعرفة الرافعة للابهام الموضحة للايهام فاذا عرف ثبتت الوصية وكذلك تثبت الوصية عندي اذا كانت مكتوبة بخط الموصي وهو اي الخط معروف ولو لم يكن الموصي ثقة فان الوصية عليه في ماله فأحرى أن تثبت عليه لأن خط الانسان اذا كان معروفا احرى أن يثبت عليه خط يده فانه احد لسانيه كما مر في الحديث وكذلك قد يستأنس له بحديث من وجدت وصيته مكتوبة عنده بل هو نص في المقام.
نعم اذا ظهرت الوصية بخط الغير فلا تثبت الا بشروط الاثبات المعروفة عند الفقهاء وهي التي مرت والله عز وجل أمر بكتابة العدل واشهاد العدول ولا محخيص عن هذا وهو الطريق الجادة في الاسلام
وقول الناظم وعن الموصى كفى اراد ان خط العدل يكفي عن لسان الموصي ووجوده فاذا عرض علينا خط العدل حكمنا بثبوته وقلبناه اذا نستر به وامضيناه على ما تضمن رضى الوارث ام سخط فان رضاه وسخطه غير معتبرين هنا فان الله عز وجل جعل العدول حجته على عباده وأمضى ما نقلوه في خلقه وهو المطلع على خفايا الامور وخبايا المستور هذا غاية ما
760
- (1/78)
صفحة 79
يحدونا في هذا المقام وهو خلاصة ما حواه النظام والحمد لله
والخلف هل من شرطها القبول كالبيع أم لا شاهر مقبول كالخلف هل في ساعة الايصاء أم موت موص عبرة القضاء
الخلف والخلاف والاختلاف في المسائل الفقهية معناه واحد والمراد به كون المسألة فيها قولان أو أقوال مثبت وناف ومحل ومحرم ومبيح ومانع وهكذا والقبول معناه الرضى والبيع مصدر باع وهو لغة المبادلة ويطلق أيضا على الشرى قال الفرزدق: ان الشباب لرابح من باعه يعني من من اشتراه ويطلق الشرى ايضا على البيع ومنه وشروه بخس أي باعوه وقد بينا معنى الشرط فيما مر من كلامنا والقبول المرتضي وهو خلال المردود والشاهر الظاهر المستفيض. كالشهير والمشهور والمعنى ان الخلاف بين أهل العلم في قبول الوصية هل هو شرط أم لا وعلى كل حال كما ان من قبل ان يكون وصيا لأحد لزمه قبوله واذا رفض ذلك بعد موت الموصي بغير عذر كان مسئولا: فالخلاف في هذا الحال الايصاءي كالخلاف في البيع من شرطه قبول الشاري ويتصور القبول على هذا الشرط من الجانبين أي من الموصي والموصى له كالبيع
والساعة الجزء من الزمان - ولا يراد بها عند الفقهاء ما يراد بها في عرف اهل الآلة المعروفة - ولا الساعة هي القيامة ولكن المراد بها وقت موت
الموصي
YV
- (1/79)
صفحة 80
والموصي منقوص تحذف ياؤه ويعوض عنها التنوين
(والعبرة) بمعنى الاعتبار في الشيء اي النظر فيه وتمييزه لقبول اورد
ولصحته او فساد ونحو ذلك
والمعنى ان الخلاف في الوصية هل من شرطها قبولها أم لا كالخلاف في البيع وذلإ ايضا كاختلافهم في وقت الاعتبار للوصية في مخرجها من ثلث المال هل يعتبر هذا المال لاخراج ثلثه للوصية يوم وقوعها او يوم موت الموصي بعض الناس يكون غنيا فيوصي بأشياء عديد ربما لا تستغرق الوصية ثلثه ولو تعددت وصاياه فيطول به العهد فيستهلك ذلك المال او غالبه وكذا العكس وسوف نفصل هذه الاحوال ان شاء الله فنقول (في المقام
مسائل)
الأولى
هل يلزم لصحة الوصية القبول والرضى بها ام لا؟ ـ قال في النيل وتصح الوصية لمجنون وأبكم وأخرس اللذين لا يفهمان ولو بكتابة أو اشارة وللمسجد أيضا والمقبرة وغير ذلك مما لا يتصور منه القبول وكالا يصاء للمدرسة وللسبيل وللبئر ونحوها فكل هذه الاشياء لا يتصور منها القبول وعدمه وفي النيل تصح هذه الاشياء وان بلا قبول -
•
وعلى قول من يشترط القبول يلزم ان يقبل لهذه الاشياء القائمة بأمرها فان لم يقبل لم تصح فيقبل اليتيم ونحوه وليهما أو وصيهما ـ وكذلك
- YA- (1/80)
صفحة 81
غيرهما هذا فيمن لا يتصور منه القبول وأما من يتصور منه القبول فلا تدخل ملكه الا ان قبل - وقيل تدخل ملكه ان قبل وان لم يقبل ان انكر او سكت الى أن قال في النيل.
وفي لزومها الموصى له ان دفعها قولان أي أن دفعها الموصي لها اي ردها ولم يقبلها قيل تدخل ملكه كما يدخل الميراث ملكه وان دفعه قال القطب رحمه الله. واقتصر الشيخ على انها لا تحتاج الى قبول لانها قربة الى الله قال وهذا منه تعميم في الصوية للطفل والمجنون وغيرهما - ووجهه ان أصل الوصية الغربة فيشمل ذلك ما اذا كان الموصي متقربا الله تعالى او غير متقرب ـ قال وفي الاثر قيل الوصية عطية ولا تصح الا بقبول
واحراز.
«قال» ومن ثم قالوا اذا مات الموصى له قبل الموصي بطلت الوصية لعدمه أي من فروع قاعدة القول بالقبول والاحراز يلزم بطلانها بموت الموصى له - لان الموصي له لم يظهر قبوله ولا احرازه قال القطب وقيل تصح بلا قبول ولا احراز لاجازتهم الوصية للحمل وللغايب ـ وقيل جايزة ما لم يردها الموصى له - ويدرك الموصى له وصيته ويدرك الغريم دينه حيث وجد ولو قسم المال أو بيهع وهو عالم
«قال وان ردها الموصى له ولم يعلم الموصى بالرد حتى مات فطلبها
الموصى وحدها ـ وان أعلم الموصى بطلت
(قال) وفي الديوان والوصية جايزة بغير (قبول) وقيل فيها غير ذلك
-11 - (1/81)
صفحة 82
ولا تصح الوصية ليت إلا إذا عين لكفنه أو منوطه أو حفر قبره أو نحو ذلك وهو أحوال متعددة
(قالوا) ويعتبر حال الموصى له عند موت الموصى لا قبله حتى لو أوصى لمن لا تجوز له الوصية لكونه وارثا ـ وكان حال الموت غير وارث لصحت له كزوال حاجبه او مانعه كالعبودية والشرك - وقيل بطلت لبطلان اصلها ولو اوصى لمن تجوز له وكان حال الموت غير جايزة له لبطلب كحدوث حاجبه أو مانعه كالشرك وحتى لو طلق زوجته ثلاثا برض مات فيه: وقد أوصى لها جازت لها الوصية لموته بحال كونها غير وارثة ولو كانت حال الايصاء وارثة، وكذا لو تقدمت تطليقتان قبل المرض فأوصى لها وزاد تطليقة أو تقدمت واحدة فأوصى لها وزاد تطليقتين وانما ذلك حين لم ينبهم بأضرارها بالمنع من الميراث - والا فهي ترث ولا تأخذ الوصية ـ ويتصور عدم التهمة بان تطلب عي الطلاق ثلاثا أو بما بقي منه قبل مرضه أن لا تفعل هي أو غيرها أو أن تفعل هي أو غيرها ويحنث في المرض ولو على ما لا يجوز أو أن يحلف بما يجوز له الحلف عليه في مرضه ـ مثل أن يمرض فيحلف بطلاقها ثلاثا أو بما بقي فتقوم عليه فتحنثه ونحو ذلك وان طلقت نفسها لتعليقه طلاقها اليها لمعلوم فطلقت نفسها وهي ثالثة فلها الوصية لا الارث
وكذا المدبر لموته أن أوصى له فانه حال الوصية لا تجوز له لانه عبده وتجوز لع هند تحق الموت - ويقال لا تجوز له لانه لم تدرك حريته بعضا من حياة الموصي بل لزمته العبودية حتى زالت الحياة وهكذا قالوا -
A.
- (1/82)
صفحة 83
المسألة الثانية
متى يقع القضاء بثبوت الوصية - فقيل والله اعلم بحقايق الامور أن المعتبر في ثبوت الوصية ووجوبها اثبات تحريرها: فاذا أوصى وأشهد على ايصائه عدول المسلمين فقد ثبتت الوصية ووجبت: فان الاقرار بما أوصى به والاشهاد عليه أمر يوجب ثبوت ذلك عليه: ويتفرع عليه أمور لا محل لها هنا إيثارا للاختصار ـ وقيل يقع ثبوتها بموت الموصي فانه اذا مات الموصي وجب اخراجها، وامتنع تأخيرها الا لداع ضروري ـ.
ولا يصح أن يحال بين الموصي وبين من أوصى له أو بين الحقوق الموصى بها وأهلها - ومن حال بين ذلك فقد ضيع الوصية ولزمه الضمان - وهذا هو المذهب الصحيح لتظاهر الأدلة قرآنا وسنة
وقيل لا تثبت إلا بحكم الحاكم: فإذا حكم الحاكم بثبوت الوصية ثبت والا لم يعرف لها صحة أو بطلان .. وهو والأول مرجوحان ـ قال ـ في النيل: وانما ينظر في الوصية يوم مات الموصي - اي لا يخاطب قبلها بانفاذ ولا يحكم عليه به .. ولا تؤخر الوصية بعد الموت الا برضى أهل الحقوق: وأكثر أهل العلم يشددون في ذلك ـ
المسألة الثالثة
اذا أوصى في مرضه ثم مات .. ولم يقع اشهاد على الوصية هل تنحط عنه قيل: إذا علم الورثة بها انحطت عنه ولزمتهم فان أبطلوها
- 81 - (1/83)
صفحة 84
أتموا: لان الله تعالى أوجب عليه ان يكتب وصيته ويضعها تحت رأسه: وقد فعل هذا ذلك الواجب عليه: والرسول صلى الله عليه وسلم (يقول): ووصيته مكتوبة عنده وهذا كذلك
وقيل اذا لم يشهد على ايصائه فقد تعرض لابطال وصيته: لان الاحكام لا تقضي بثبوت الحقوق «بدون حجة والحجة في اثبات الايصاءات الاشهاد عليها ولا تصح في الحكم وصية، بغير شهود: أما ان صح اعتراف من الوارث أو قبول فالامر سهل - وهذا خلاصة ما أشار اليه الناظر في المقام - وان كان له تعلق بأشياء أعرضنا عنها وطوينا جانب بسطها اتكالا على مطولات الفن واليها يرجع من أراد قال الناظم).
- AY- (1/84)
صفحة 85
فهي
الباب الأول في أقسام الوصية
قوله في اقسام الوصية أي أنواعها بحسب اصطلاح الفقهاء فيها خمسة اقسام الأول المبهم والثاني المودع والثالث المفصول والرابع
المضاف والخامس المعلم قال الامام في جوهره أي جوهر النظام:
لفقهائنا اصطلاح جاء في لفظ من يميز الايصاء فقسموه للمضاف فأعلم ومودع مفصوله والمعلم ومبهم وهو اصطلاح حسن لانه
لوجهها
يبين
وعارف بمقتضى التخاطب يعرف وجه هذه المرات
وجهله بالاسم لا يضر لانما الاسم لديها تشر
وانما
تعتبر المعاني
التي تسبق للأذهان
هذه هي أقسام الوصايا في اصطلاح الفقهاء وكلها بصيغة اسم المفعول وهو اصطلاح حسن في الاعتبار لانه يبين المعاني المرتبة فهي كالقواعد عند اهل اصول الفقه والمقصود من اللفظ معناه وقد مثل الامام رحمه الله لهذه الخمسة الأقسام فقال:
فقوله بالبيت من بيوتي
هو
المضاف
يثبتن
بالموت
وهكذا بالسيف من سيوفي
ونحوه من مثل ذا الموصوف
-
- (1/85)
صفحة 86
سمي
هذا مضافا لأن الموصي أضاف الموصى به إليه كبعيري وجملي
وبيتي ونحوها يثبت عليه بموته قال:
وانه يکن اوصى له في ماله
بدرهم
فمودع
بحاله
أي إن كان الموصى به في المال كقوله بدرهم في مالي كأنه جعله بمنزلة الوديعة عنده فيستحقه منه متى توفي وليس له ان يطالب في الحكم الا بعد الموت فشبه بالمودع لذلك أي كأنه وديعة والوديعة يجب ردها الى مودعها قال الامام رحمه الله:
ونصف عبده ونصف سيفه فذاك مفصول أتى في وصفه، والمعنى ان قول الموصي أوصيت بنصف عبدي أو نصف سيفي تفصيل منه للموصى به فلا يستحق أن يعطى العبد كاملا أو السيف كذلك لاجل
التفصيل الذي قرره الموصي لذلك هذا القسم مفصولا قال الامام
سمي
وإن يكن أوصى بشيء يعلم
معينا فذاك
:
هو
المعلم
كما
اذا
بعبده
فرحانا
أوصى لزيد
ما قد
كانا
والمعلم بضم الميم وسكون العين المهملة وفتح اللام وهو المجعول له
علامة ترفع عنه الابهام كالاسم النكرة مثلا عند النحاة فيصدق على كل
- 84 -
- (1/86)
صفحة 87
مسمى به فاذا عُرف اختص - فقول الموصي بعبده مبهم لا سيما اذا كان له عبيد فلا يعرف الموصى به منهم فيحتاج الى أشياء تبين الموصى به وترفع عنه الابهام والا بطلت الوصية اي لا بد من هذه الاحوال أما ما يدل على المقصود بالدليل الواضح ولو بالقرعة (وأما القول ببطلان الايصاء ولا بد من ذلك فقوله أوصى بعبده فرحان يمنع من القول بغيره من ساير عبيده لان التسمية في الاعتبار تزيل الابهام عن الافكار - قال الامام -:
كذا
اذا ما أوصـ
أوصى
بدرهم
أو تفو
ما
خصا
فهذه
اقسامها
فلتعلم
وحكم ما
ابهم غير
غير المبهم
المبهم بضم الميم وسكون الباء الموحدة وفتح الهاء ـ وهو خلاف المعلم لوجود الابهام فيه (كما اذا أوصى لزيد بتفق أو سيف أو خنجر أو بيت فهذا الايصاء في غاية الابهام لانه لا يعلم من أي أنواع هذه الاشياء فان التفق خصوصا في زماننا هذا يصدق على أبي الفتيلة المعروف عند العامة بالعماني ويصدق على ابي الزناد المعروف أيضا بالمصريخ بالصاد المهملة بعد الميم والراء المهملة أيضا والباء الموحدة المفتوحة بعدها خاء معجمة وعلى المعروف بأبي المسمار بكسر وسكون السين المهملة وفتح الميم الثانية بعدها الف فراء مهملة وعلى ما سمي الآن في عمان صمعا بصاد مهملة مضمومة فميم ساكنة فعين مهملة وهكذا ساير انواع هذا القسم - وكذلك في السيف فان منه أنواعا كالمصلت والممسوح واليماني وذي الفقار، وكذلك في الخنجر كالطمس بالطاء المهملة والميم الساكنة والسين المهملة
— (1/87)
صفحة 88
والعقفاء) ونحوها من ساير الأنواع وكذلك) في البيت فان منه بيوت الطين وبيوت الجص والصاروج والحجر وبيوت السعف والشجر والوبر وهكذا - فالابهام واضح في هذه الاشياء فلا يتعين المراد منها بدليل من خارج قال شيخنا الناظم رحمه الله:
خمسة اقسام الوصايا مبهم
مودع مفصول مضاف معلم
مبهمها إيصاء موص بجمل
إن
قال من مالي أو لا يحتمل
جمع الناظم رحمه الله تعالى انواع الوصايا في بيت واحد كما تراه ثم مثل لبعضها وجعل البعض الآخر كالمفهوم لدلالة اللفظ على المراد لان المبهم معروف من لفظ الابهام خلاف التعيين والمودع شبهه بالشيء المتروك وديعة والمفصول لغة هو المقطوع فكأن الموصي قطع ما أوصى به وفصله عن ملكه والمضاف ما اضافه أي ضمه الى نفسه لقصد لا يخفى والمعلم شبهه بالذي جعلت له علامة تميزه من ساير الأنواع الموصى بها أو المملوكة فاذا أضاف الموصى ايصاءه اليه سمي مضافا كسيفي وجملي وحماري وهكذا وان أوصى له بشيء جعله في ماله كأوصيت لزيد بدرهم في مالي أو دينارا أو عشرة دراهم أو مائة درهم أو ألف وهكذا فهذا كله. مودع كأنه جعل ذلك وديعة عنده يلزم ردها إلى أهلها كرد الودائع إلى من أودعها (ولا بد يوما أن ترد الودائع)
- 86 - (1/88)
صفحة 89
واذا أوصى الموصي بنصف عبده أو نصف سيفه أو نصف بيته أو نصف ما في المكان الفلاني أو في الشيء الفلاني فهذا هو المفصول وذلك لان الموصي فصله من ملكه بذلك او فصله من اصله واقتطعه منه
وأما ان أوصى بعبده فرحان أو بأمته سعدى أو سيفه ذي الفقار أو فرسه الأبلق فهذا هو المعلم - وسمي بذلك لانه عينه بعلامة خاصة تميزه من غيره وترفع عنه الابهام فيثبت الايصاء بذلك المعين) ولا يصح تبديله بآخر لكون الموصي عينه خاصا وأوضحه جليا
•
وأما إن أوصى لزيد بتفق أو خنجر أو سيف أو كتارة أو فرس أو حمار أو مرجل أو جفنة أو نحو ذلك ولم يعينه ولا وضع له علامة تخصصه من غيره وترفع الجهالة عنه فهذا هو المبهم فهذا للعلماء فيه مقالات وضعوها في آثارهم منهم من يقول له الأعلى نظرا الى أن ذلك هو الاعز اعتمادا على قوله تعالى لن تناول البر حتى تنفقوا مما تحبون وان أحب الاشياء الى الموصى أعلاها وقد قصد البر وقاصد البر يرجو عليه من الله أعلى منه وأغلى - وما أخرج طاعة الله ينبغي ان يكون اكمل الاشياء وأوفاها كما دلت على ذلك الاحاديث النبوية والاخبار الجلية عن سيد البرية ان الله يحب معالي الامور ويكره سفسافها ونحو ذلك ولذلك قال الامام وحكم ما أبهم
غير المبهم
ومنهم من يقول له الأدنى نظرا الى شح الوارث وان المال قد صار اليه ومن حيث لم يعين الموصى به وهو يرى اخراج الأعلى اجحافا به واضرارا بماله وان الموصى لو أراد الأعلى لعينه ولما لم يعينه علمنا انه اراد
- AV- (1/89)
صفحة 90
الأضعف فهذا يعطي الأضعف من ذلك للابهام الواقع فيه وهذا واضح ومنهم من يقول له الاوسط نظرا الى ان خير الامور اوسطها وكون الوسط خير الامور ذلك لان فيه السلامة من الحيف على الموصى له باعطائه الادنى والسلامة من الحيف أيضا على الوارث باعطاء الموصى له الأعلى وهو خيار المال. وقد جاء مدح الوسط قرآنا وسنة بل وهو في العقل السليم والذوق القويم سايغ لا ينكر وهذا عليه الاكثر من اهل العلم
ومنهم من يقول ان الايصاء بذلك باطل للابهام الذي فيه فلا يعلم المراد منه وتعيين احد الانواع تحكم بغير دليل - وهذا عندي قوي جدا قال في النيل اتفقوا على جواز الايصاء برقاب الاموال ـ وهي اما معلومة أو مجهولة - فالمعلومة: أما متعين أولا .. فالمتعين كايصاء بفدان معين ان يخرج منه كذا وكذا او يتصدق به أو بثمنه: وكذا سائر الاشياء المعينة من ماله وكذا شيئان معينان واشياء معينة - فيخرج من ذلك كذا وكذا من الكفارات مثلا والزكاة والحج مثل ان يقول بنصف فداني للكفارات فيباع ذلك النصف بالدنانير أو الدراهم - فيشتري ما ينفذ به ما سماه من عدد الكفارات والحج والزكاة ونحو ذلك أو أن ينفذ كله كفارات أو يباع بما يعطى أو يباع بما ينفذ في الكفارات كالبر والشعير والعبيد والكسوة ـ أو يقول الموصى يخرج منه كذا وكذا درهما أو دينارا أو غيرهما ينفذ به كذا وكذا من الكفارات أو غيرها فيفعل ما يجوز ويكفي أو يتصدق بذلك الفدان أو بثمنه بأن يباع بالدراهم أو الدنانير فيتصدق بها. ويجوز أن يباع ذلك الفدان بغير الدراهم أو الدنانير .. وكذا غير الفدان من ساير الاجناس مما ليس مكيلا أو موزونا ان أوصى أن يخرج منه أو يتصدق بذلك أو بثمنه فيباع كما قدمنا فيتصدق بما يحصل له من الثمن وأجيز أن يتصدق به بنفسه ولو أصلا اذا
- ^^ — (1/90)
صفحة 91
أوصى أن يتصدق به فان التصدق بثمنه والتصدق به نفسه سواء لا فرق
وكذا يصح ان يتصدق لمكيل أو موزون كأن يخرج منه كذا وكذا فينفذ به كذا وكذا ونحو ذلك كشعيري الذي في غرفتي ان يعطى كفارات منه كذا وكذا، وسقا أو نحوه يعطى في الكفارات أو أن يعطى في
أو يخرج
زكاة لزمته من شعيري ونحوه أو يباع بكذا وكذا وينفذ في كذا وكذا
وكذا ايضاء بنحو دار أو ثوب أو دابة ان علم بمشاهدة أو صفة كدار
لي بالشام أو بمدينة رسول صلى الله عليه وسلم وآله وسلم مما هو في وقت الوصية غايب موجود - وهذا هو القسم الثالث من اقسام الوصايا التي ذكرها الناظم رحمة الله عليه ـ وهو المعلم بضم الميم وفتح اللام
قال صاحب النيل وغير المعين كالايصاء بكذا وكذا عينا أو مكيلا أو موزونا قال الشارح وذلك كدينار أو درهم أو دينارين أو درهمين أو أكثر كثلاثة أو أربعة من كل عدد بينه وكمدود وكرطل ورطلين واكثر وكأوقية فصاعدا أن يخرج ذلك من ماله أو من كذا وكذا من ماله لكذا وكذا أو أوصى بدين له على أحد أو تباعة له على أحد أو نحو ذلك والمفصول بحسب اصطلاح الفقهاء فيه وهو ايضا المجهول عرفا هو كايصاء بما لا يشاهد ولا يعلم بصفة كايصاء بعبد من عبيده او بشاة من غنمه أو جمل من ابله أو بقرة من بقره أو بغل من بغاله أو وبجنين من دابة أو أمة معينة فان الجنين مجهول منفصل عن أمه في بطنه وكذا بنخلة من نخيله وكذا بقية الاجناس من نحو قصعة وخشبة وسلسلة وباب وحجر ومتعدد. من ذلك تعد نوع أو تعد فرد
— 19— (1/91)
صفحة 92
وفي الأثر ومن أوصى بنخلة للسبيل أو باعها أو وهبها ولم يقل بما تستحق ولها مسقى وطريق وصلاح من الأرض فهو تبع لها أي ان ذلك لازم لها في الايصاء والبيع ولو لم يقل به لأن ذلك من لازمها ولا تستقيم بدونه فان لم يقل به حكم به عليه شرعا والوصية كذلك لأنها في الحقيقة
هبة
وان قلت ما الفرق بين نحو ايصائه بشاة من غنمه وبين نحو ايصائه بدينا رمن ماله قلت ان هذا القسم المسمى مجهولا كشاة من غنمه غير مضبوط المقدار ألا ترى ان الشاة تصدق على الكبرى والصغرى والهزيلة والسمينة والذكر والانثى وغير ذلك من الصفات والدينار ونحوه من القسم المسمى معلوما غير معين مضبوط المقدار فلو اختلف نوع الدينار أو الكيال أو الميزان ولم يكن أحدها شاذا في الاستعمال مثل أن تكثر المعاملة مثلا برطل
العراق ورطل الحجاز ورطل الشام لكان من المجهول كالشاة من غنمه
•
وقيل تبطل الوصية بالمجهول وهو حفظي القديم كما قدمته حتى وجدته في شرح النيل والحمد لله الذى أبقى ذلك في حفظى وقيل أيضا من الايصاء المجهول المنفصل كالايصاء بالقمح والشعير يعينان سواء ذكر مكيالا أو ميزانا معلوما لا يختلف لكن لم يعين نوع القمح أو الشعير أو الذرة أو نحو ذلك وعنده نوعان أو أنواع أو لم يكونا عنده أو ذكر مكيالا أو ميزانا محتملا أو اناء مختلفا كقفة شعير أو قصعة برأ ونحو ذلك فان القصعة والقفة منهما الصغيرة والكبيرة والمتوسطة
وفي الأثر اختلف العلماء في الايصاء بالمجهول فهل للموصى له
1.
— (1/92)
صفحة 93
الأوسط عدلا بين الوارث والموصى له كما قدمت لك فيكون كالصلح بينهما فلا يجد الموصى له الاعلى ولا الوارث الأدنى والحكمة لكل منهما في الأوسط ولو كانت نفس الوارث تميل للأدنى ونفس الموصى له تتوق الى الأعلى لقوله الله خير الأمور النمط الأوسط الحديث وقد قال الله عز وجل في كتابه العزيز لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك أي وسط وقال وكان بين ذلك قواما. وهو معنى الوسط: وأنه لا بينة للوارث على الأدنى ولا حجة للموصى له على الأعلا كما قدمت لك الاشارة الى ذلك فيأخذ الموصى له الدابة الوسط والثوب الوسط والآلة الوسط وهكذا في جميع الأشياء التي يمكن أن يكون لها أدنى وأعلا وأوسط ـ وهكذا فيما يكال بالمكيال الأوسط إذا كان في البلد نحو ذلك وكذلك ساير الاعتبارات ـ
وقال بعضهم يعطى مالا عيب فيه ولو كان أدنى لأن العيب يرد في العقود والمقصود بها المعاوضة فقيس مالا معاوضة فيه وهو الوصية فانها عطية لا عوض عليها من الخلف على ما فيه فاذا كانت المشاجرة بين الوارث والموصى له ولو كان لا معاوضة فيه لا يرد بعيب بين معطيه وآخذه فيعطونه شاة صغيرة السن وشعيرا غير غليظ وهكذا ولو كره لا شاة مقلوعة الأسنان أو شعير أفسده الماء أو السوس أو خالطه تراب أو ممزوجا بتبن إلا ان كان عند الموصى المعيب فقط فإن الموصى له يأخذ منه ولا محيص له. عنه ـ وكذلك إن كان الشيء معيبا في البلد كله أو في ذلك الزمان فإن المستطاع ذلك فقط لا غيره -
والمراد بالزمان الوقت الذى وقع فيه الموت ـ لأن ثبوت الوصية واستحقاق الموصى له للوصية اذ ذاك في ذلك الوقت فيعطى منه ان لم يكن
- (1/93)
صفحة 94
عنده عنه وهكذا.
وقال بعضهم يعطى ما يقع عليه الاسم ولو كان معيبا وأدنى لاطلاق الموصى الاسم وقد قدمته لك والصحيح الأول أي يعطى الوسط من كل نوع وقيل له الأفضل بناء على ان الفرد اذا أطلق انصرف للأكمل وفي الأثر ان أوصى بجارية من جواريه فله أفضلهن وقيل أوسطهن وقيل أدناهن ولا يخفى عليك كما قدمته لك ان أكثر أهل العلم على ان الموصى له الأوسط وكذا في النيل قال وفي الديوان أيضا وقيل اذا أوصى مجهول فله قيمة الأوسط لا نفس الوسط وان أوصى بعدد من شياهه ونتجن بعده أعطي من أوسطها بنتاجها وان نتج بعضها أعطى عشرا من أوسطها بنتاجها ان نتجت وان أوصى بجمل أو بعير فقيل هذان الاسمان يشملان الذكر والانثى وقيل الذكر فقط والواضح ان البعير يطلق عليهما والجمل يطلق على الذكر فقط
وأما الايصاء بالمتصل فكالايصاء بغصن من شجرة مثلا أو برأس من نحو شاة معينة أو برجلها أو برجليها معا أو بثلاث أرجلها أو بأرجلها كلها أو بجلدها أو بشيء من رأسها الى وسطها أو من ذنبها الى وسطها أو نحو ذلك من بقية أعضائها لم يجز ذلك عند أهل العلم قبل انفصاله لأن في ذلك جهلا لعدم انفصاله اذ لا يتحقق من أين يكون القطع ويختلف الموصى لهم في متى تذكى وأين تذكى وما ينوب الرأس أو الرجل أو الجلد أو غير ذلك من ولدها وصوفها أو لبنها أو نحو ذلك وفي الكل جهالة معقولة فيعتورها ما يعتور المجهولات
- 92 0
- (1/94)
صفحة 95
وفي الأثر أصول الوصايا خمسة مبهم ومعلوم ومودع ومضاف
ومفصول
بالصفة
فالمبهم كالايصاء بألف درهم أو بثوب أو عبد أو نحو ذلك مما يعرف
والمعلوم كالايصاء بنخلة معينة أو عبد أو نحو ذلك فان تلف فلا شيء له أي الموصى له بمعين فنزل به ما أذهبه وان تلف المال سوى ذلك الموصى به المعين أعطى ثلث ذلك الباقى زاد أو نقص وان خرج عن الثلث فله كله وما نقص فعليه
والمضاف كالايصاء بعبد من عبيده أو بنخلة من نخيله أو بثوب من ثيابه فهنا يرى العلماء له الأوسط وان اختلفت أجناسه أخذ بالقيمة وكان له
جزء منها بقدر ما يقع له.
والمودع بضم الميم وفتح الدال المهملة بينهما واو ساكنة فكالايصاء بألف درهم في داره أو نخلته أو ثوب فيها أو بعشرة دراهم في عبده هذا أو بنخلة في أرضه هذه فهذه الوصية لا تثبت بهذا الا في المعين ويتفرع عليه ان تلف ذلك المعين بطلت الوصية.
وأما المفصول فكالا يصاء له بثلث ماله أو ربع ماله أو عشر ماله أو منه ثبت ذلك لا ما عداه وفيه الجهالة كما تراه ولا يعزب عنك الأصل الأول في المجهولات وعلى القول بثبوته ففيه ما فيه من الجهالة لعدم
بمسمى
-
- (1/95)
صفحة 96
تميز الثلث أو الربع أو العشر وهكذا
والقاعدة في الموصى به أن يكون قسمين أحدهما ما صرح به والآخر ما يدخل بالتبع وذلك فيما لا يقوم الموصى به الا بذلك فانه وان لم يصرح به فيقتضيه الحال من الموصي ويحمل عدم تصريحه به على الاتكال العرفي أو على الغفلة أو السهو والنسيان وذلك كالايصاء بالنخلة أو الشجرة فان شربهما يتبعهما وكذلك طريقهما ومسقاهما وحريمهما وما يستحقانه من أرض. وفي الأثر وان أوصى له بنخلة من أرضه فاستغلها ثم وقعت فله أن يغرس مكانها وهو دال على أن له أرضها تبعا لها وأما ما يتبعها من الأغصان والفسل فان كان بحد صالح للغرس أو الفسل حال الموت لم يتبع والا تبع
والله أعلم
قال الناظم:
من
ثلث مال أخرجت اذ تنفذ
من زايد أو ناقص لا تنفذ
أقول كما علمت أن الوصية تكون من ثلث المال لا من أكثر منه إن لم يكف الثلث ولا من أقل الا اذا كفى لها الأقل فان الثلث هو الأصل الأصيل لها اجماعا عملا بالأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا مطعن الأحد فيها وقد مرت عليك آنفا فينظر مال الموصى ما هو وكم هو بنظر العدول كما مر ذلك عليك غير مرة فان أموال العرب تختلف أنواعا وأجناسا
18 -
- (1/96)
صفحة 97
فاذا أوصى الموصي بجمل مثلا من إبله أو بألف درهم أو مائة دينار أو نحو ذلك أو أوصى بثوب أو عبد أو نحو ذلك فقد حصل الابهام في الموصى به لأن الجمل يختلف كبرا وصغرا وسمنا وهزالا وصحة وسقما وهكذا وكذلك أيضا ما شاكله من الأنواع والأجناس التي يلحقها الابهام من ساير الأنواع والآلات والأوانى المختلفات الأنواع.
وخلاصة المقام عند العلماء ان الجمل أو الفرس أو الشاة أو نحو ذلك مما يعنيه الموصي باسمه أو صفته ينظر في قيمته بالنسبة الى مال الموصي فيخرج من ثلث المال لأن الله تفضل على عباده بثلث أموالهم عند الموت زيادة في أعمالهم فان زاد ذلك الجمل عن ثلث مال الموصي اعترت الوصية الاقوال السابقة والذي عليه معول أكثر أهل العلم أن تحاص الوصية فيخرج الثلث فقط والا فالقول بالبطلان وجيه لان هذا الموصي أوصى بذلك الجمل وقد زاد الجمل عن ثلث مال الهالك وقد منع الشارع أن أحد بأكثر من ثلث ماله كما عرفت لا سيما اذا لم يرض الوارث
يوصي
أما لو رضي الوارث فلا مقال ولا جدال فان من رضي في ماله فقد حمد على ذلك ومضى عليه شرعا ولا تخرج هذه الوصية من أكثر من الثلث قطعا وإذا نقص الثلث عن تمام قيمة ذلك الجمل فقد سبق معك تحقيق
المقام والله أعلم
قال الناظم:
والمعلم الايصاء بالأرض التي قد حدها ان عدمت لم تثبت) والنقص والزايد للموصي له بعد لوى الموصي أجعلنها ماله -
- (1/97)
صفحة 98
-
إن خرجت من ثلث الموصي أو مثل ما يخرج مع ما أوصي -
الأصل الثالث من أصول الوصايا حسب اصطلاح الفقهاء المعلم بضم الميم وسكون العين وفتح اللام من اعلمه اذا جعل له علامة تميزه وسمة تبينه ومثل له الناظم رحمه الله تعالى بقوله: الايصاء بالأرض المحددة بكذا وكذا أو من كذا وكذا وكالايصاء بنخلة معينة أو عبد أو أمة أو نحو ذلك فان تلف هذا الموصى به فلا شيء للموصى له لان الموصى قد عين شيئا خصصه في ايصائه فاذا ادركه حكم التلف فمن ذا الذي يخصص له آخر في مال قوم بغير اذنهم نعم ان تلف بقية المال وسلم الموصى به فله ثلثه لأن الوصية من الثلث والباقي يصير رأس المال قبل قبض الموصى له ما أوصي له به وهو واضح وسواء زاد المال أو نقص على هذه
القاعدة
قال في النيل وان تلف المال سواه أي سوى الموصى به فله ثلثه زاد أو نقص أي ثلث الموصى به كما قدمته لك قال وان خرج عن الثلث فله كله اي كل الموصى به قال: وما نقص فعليه أي وما نقص عن ذلك نقص عليه فلا يزاد ذلك الجمل مثلا شيئا - وكذلك ان أوصى بأرض محددة ان ظهرت معدومة بطل الايصاء -.
وما نقص نقص على الموصى له وما زاد زاد له بعد موت الموصى لأنها تكون مال الموصى له .. وما لحقها من التلف لحق ماله وذلك للتعيين الواقع عليه الايصاء والله أعلم
-17 -
- (1/98)
صفحة 99
قال الناظم:
وان بسيف من سيوفه وما أشبهه فللاضافة أنتمي والخلف هل افضلها أم الوسط أم أزدل يثبت ام جزء فقط
أقول أن الاصل الثالث من اصول الوصايا هو المضاف وسمي مضافا لان الموصي اضافه الى نفسه اذ قال بسيف من سيوفه أو بندق من بنادقه أو فرس من خيله أو بعير من ابله أو عبد من عبيده أو نخلة من نخله أو ثوب من ثيابه وهكذا باضافة الموصى به الى ضمير المتكلم
والمضاف اسم مفعول من (الاضافة وهي لغة مطلق اسناد شيء لشيء واصطلاحا نسبة تقييدية بين شيئين تثبت الحكم لاحدهما فقول الموصى بسيف من سيوفي باضافة سيف اليه نسبة تقيد ذلك الموصى به عن اشتباه بسواه من سيوف آخر تكون كولده ووالده وغلامه فان الاضافة أصلها للتعيين ورفع الابهام ومعنى انتمي أي انتسب والانتماء الانتساب
وقوله والخلف هل افضلها أم الوسط (البيت) اختلف العلماء اذا وقع الايصاء بهذا مثلا فيما يعطي الموصى له وقد قدمت لك فيه كلمة اجمالية وبينت لك أقوال أهل العلم من ان الخلاف عندهم في هل يعطي الأعلى نظرا إلى أن خير البر أوفره وأعلاه وقيل يعطي الأدنى نظرا إلى شح الوارث عند عدم التعيين وقيل يعطى الأوسط نظرا إلى أن هذه الحال اقسط بين المسلمين وفيه اتزان بين احوالهم ورغبة الكل في ذلك وقد أيدته الآيات
97 -
- (1/99)
صفحة 100
القرآنية والسنة النبوية على صاحبها افضل الصلاة والسلام وازكى
التحية.
واذا اختلفت اجناسهاي اجناس الموصى به اخذ بالقيمة اي يقوم الموصى به بالقيمة الصحيحة ويعطي الجزء من ذلك نعم إن اتفق الموصى له والورثة على شيء جاز ذلك بينهم ومضى عليهم فيعطونه سيفا يتفقون عليه واذا لم يتفقوا حسن الاقتراع بينهم فيعطونه ما تقع عليه القرعة وهي من سنن النبيين وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يشير اليها وقد وردت عنه في عدة مقامات روتها العلماء واستحسن العقل امرها هناك لا سيما مع تراضيهم بها واليها الاشارة بقوله في البيت الآتي فاقتراع قبل وان لم يف الموصى له ذلك ووقع الاختلاف كان له بالقيمة كما سوف تراه ان شاء الله قال شيخنا الناظم رحمه الله:
فان جرى منهم توافق على سيف والا فاقتراع قبلا فان وفى كفى والاصار له بالقيمة القسط كفضل حصله أعلم انه اذا صح اتفاق بين الموصى له والوارث فلا مشاحة هنا لك لان الموصى به مال الموصى له والموروث مال الوارث فاذا اصطلح على سيف مخصوص كان الأمر سهلا والخطب هينا واذا لم يتفقوا ووقع التشاح في السيف الذي يكون للموصى له ولم يرضوا ان يدفعوا له الأعلى أو الأوسط ولم يرض هو أن يقبل الأدنى بل يريد الأعلى حسن الاقتراع بينهم كما قلنا آنفا فيعطونه ما تقع عليه القرعة وهي حكم مشروع في مثل هذا المقام وقد عمل بها علماء المسلمين في مواضع عديدة وقد ذكرت منها طرفا واسعا في
-11 -
- (1/100)
صفحة 101
قصيدة خاصة ولهذا قال الناظم عفى الله عنه والا فاقتراع قبل اي اذا لم يتفقوا على شيء من نوع الموصى به حكم الاقتراع بينهم وبه يرتفع النزاع في مثل هذه الانواع.
وان لم يف الموصى له ذلك ووقع الاختلاف بين الموصى له والوارث كان للموصى له بالقيمة كما قدمنا ومعناه تقوم السيوف الموروثة بالقيمة وينظر الفرق بينها فيعطي من قيمتها كما إذا كانت ثلاثة أعلى وأوسط وأدنى فيعطي من قيمة كل واحد قسطه أي يعطني ثلث كل واحد وهذا غاية في المقام لفصل الخصام وعليه معول قادة الاعلام
قال الناظم رحمه الله:
ومن
يقل بالحكم بالأجزاء
صارا
شريكين
بالانصباء
أعلم أن القايلين في المقام بالحكم بالجزء يجعلون الموصى له شريكا في مال الموصي حتى يخرج نصيبه كاملا من غير نقص عليه لان الاثمان تغلى وترخص ويعتريها ما يعتري غيرها من المثمنات فتكون الاثمان المقرره لتلك السيوف واقعة في تركة الهالك فلذا يصير شريكا في التركة لأن حقه تعلق بالكل وله حقه بعد التثمين لأن السيوف المشار اليها لا يكلف أهلها بيعها وانما يكون تثمينها ليعلم كم يصير للموصى له منها فتكون التركة مشغولة به والمطالب بذلك الوارث وهو ظاهر والله اعلم (1/101)
صفحة 102
قال الناظم رحمه الله وعفى عنه:
والسيف للموصى له به إذا لم يترك الهالك سيفا غير ذا
وان يكن ليس له من
مال سواه فالثلث بكل حال ان لم يكن سيف كذا أن يعدم من قبل انفاذ ببطل فاحكم اعلم اذا اوصى احد الأحد بسيف من سيوفه او بندق من بنادقه أو خنجر من خناجره او نحو ذلك من ساير الانواع والاجناس فاذا لم يوجد للموصي الا شيئا واحدا من ذلك النوع الموصى به دفع ذلك الموجود للموصى له به لأن الايصاء وقع على سيف من سيوفه وهذا من جملة سيوفه وإن لم يكن له جملة سيوف كان هذا السيف قايما مقام جملتها فيدفع لمن أوصي له به وان كانت من تعتبر بيانيه فلا يضره عدم وجود الجمع من أجناس السيوف وأنواعها
واذا لم يكن للهالك من المال إلا ذلك السيف كان للموصى له ثلث السيف لأن ذلك السيف قد صار كل المال ولا يصح الايصاء الا بثلث المال
كما عرفت ذلك مما سبق من كلامنا غير مرة.
وإذا لم يوجد له سيف أبدا أو وجد لكن أصابه التلف قبل انفاذ الوصية فقد بطل الايصاء من اصله وجه ذلك ان الايصاء عين شيئا لم يوجد عند ثبوت الوصية أو وجدو تلف فليس في استطاعة الوصي ولا الورثة رد ذلك بل ولا في استطاعة الموصى لمه بذلك نعم اذا تلف بسبب من الوارث او بتقصير من الوصي أو برد الموصى له لذلك فتلك مسائل اخرى لها
- I .. - (1/102)
صفحة 103
حكمها ولكل نازلة حكم.
قال في النيل والمضاف كالايصاء بعبد من عبيده الى آخر ما قلنا الى ان قال فله الأوسط وإن اختلفت أجناسه أخذ بالقيمة وكان له جزء منها
بقدر ما يقع له
هذا خلاصة المقام عند علماء الاسلام والحمد لله على الدوام
قال الناظم:
والمودع الايصا بألفي درهم في نخله أو ثوبه الا برسيم هذين أو من ثوبه أو نخله ذين وأنفذ وسطا في عدله أو بع وبالأوسط منها فاشتر لا ان فداها وارث في الاكثر
أقول المودع وقد مر ضبطه بضم الميم وسكون الواو وفتح الدال المهملة بعده عين مهملة اسم من أودعه الشيء اذا جعله وديعة عنده وهو اسم مفعول وفي اصطلاح الفقهاء أصل من أصول الوصايا وهو كالايصاء بألفي درهم مثلا في داره فقوله في داره هو معنى الايداع وكذا في نخلته هذه كأنه جعل ذلك للموصى له به وديعة متروكة يذهب اليها يأخذها ـ فان قاعدة الودائع أن ترد الى أهلها برأسها من غير أن يغير منها شيء لأنها نوع الأمانات التي يلزم حفظها وردها الى أهلها - وكذا بالثوب والعبد فيها وكذا بعشرة دراهم في عبده هذا أو بنخلة في أرضه هذه فلا تثبت الوصية بهذا الا في المعين
من
-
1.1 (1/103)
صفحة 104
وان تلف المعين بطلت الوصية لأن التعيين تقييد لها وتخصيص لمحلها. فلا يصح اطلاق الحكم وقد وقع الايصاء على التعيين ـ كما لا يصح الايصاء اطلاقا الا اذا حصل التعيين كهذا ـ والا وقع الابهام والجهل وهما من قبيل المشكل والله كلف عباده باتباع الجادة الواضحة والطريقة الصالحة. وأي صلاح عند جهل وقد قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمور ثلاثة أمر بان لك رشده فاتبعه وأمر بان لك غيه فاجتنبه وأمر أشكل عليك فقف عنه فالوصية على هذا ثابتة في المعين فإذا وقع الايصاء بنحو هذا المودع المعروف المعين كما إذا أوصى لزيد بألف درهم في عبده هذا أو فلان أو في نخلته الفلانية أو هذه الدار أو ثوبه الحرير أو جمله الأورق أو بيته الطين أو قصره الجص أو سيارته الفلانية أو طيارته الفلانية أو سفينته المسماة أو محطته أو نحو ذلك أو بطيارته من المطار الفلاني أو بسيارة من سيارات كذا أو سفينة في مرسى كذا فإن وقع الاتفاق بين الموصى له والوارث فالأمر سهل وإن وقع خلاف أو شقاق فانفاذ الوسط عين الصواب والوسط خير الأمور عقلا ونقلا وفيه إقناع لكل من الوارث والموصى له إذا لم يمكن وجود الأوسط فليبع الموصى به ويشتري منه الأوسط. وما فضل من الثمن راجع إلى
الوارث
نعم ان أراد الوارث فداء ما يروم الوصي بيعه فله ذلك وعليه ان يدفع الثمن الى الوصي ليشترى الوسط عملا بالقاعدة الشرعية المعتبرة ويقع الايداع بمن كما إذا أودع أنواعا فيقول مثلا من نوع كذا أو من جنس كذا أو كذا مما تختلف أنواعه وتعدد أجناسه
•
الايصاء بشيء يظهر معدوما مثل أن يوصي بسيف من السيوف التي
-
1. T- (1/104)
صفحة 105
في بيته فيظهر البيت ولا سيوف به فقيل ببطلان الوصية لأنه أوصى بشيء ظهر بعد موته معدوما. وقيل بل تعتبر السيوف العادية في بلده فيعطى أوسطها ووجهه أن نفس الايصاء تقرر بسيف من السيوف والسيوف في نفسها موجودة. والموجود معلوم القيمة. وان لم يكن عند الموصى فلعله ضاع بعد الايصاء أو لحقه طارئ سماوي إذ ليس من المعقول أن يوصى عاقل. بشيء يسميه في ملكه فيظهر خلاف ذلك فكأنه من الكذب الجزافي الذي يتحاشا المسلمون عنه ولا يخفى عليك ان الايصاء شيء معلوم من جهة مجهول من جهة أخرى يقبل النزاع ويكون سببا للضياع أو التوسط من الحكم العدل يفصل ذلك بمقتضى الشرع
قال في شرح النيل فالمتعين كالايصاء بفدان معين أو بشيء ما من الأشياء يعينه من ماله وكذا شيئان وأشيا وكان أي قصده أن يخرج من ذلك كفارات مثلا أوزكاة أو حجا وكذا إن قال بنصف فداني فالفدان متعين معروف والنصف مجهول غير متميز بتعيين فإن قال بنصف فداني لكذا وبربعه لكذا وبسدسه لكذا وهكذا فيباع الفدان بالدراهم أو الدنانير ثم
يشترى ما ينفذ به ما سماه من عدد الكفارات والزكاة ونحو ذلك
وكذا ان أوصى أن يتصدق بالفدان فيباع ويتصدق بثمنه وهكذا باقي الأشياء مما ليس دراهم ولا دنانير وهكذا غير الفدان من ساير المكيلات والموزونات وكذا الايصاء بدار أو ثوب أو دابة ان علم ذلك بمشاهدة أو صفة تدل عليه وأما غير المعين فكالا يصاء بكذا وكذا عينا كقمح مثلا أوبر أو شعير وكملو مدين ورطل ورطلين وثلاثة وأربعة وهكذا
- (1/105)
صفحة 106
ان أوصى أن يخرج ذلك من ماله لزيد أو عمر و أو للبر أو نحو ذلك أو أوصى بدين له على فلان أو في البلد الفلانى أو في التجارة الفلانية أو في تجارة النوع الفلانى أو الجنس الفلاني أو نحو ذلك
وأما المجهول فما لا يشاهد بالعيان ولا يعلم بصفة ومسائل المقام كثيرة يطول بها المقال وحسبنا في هذا المختصر هذه الاشارة وأمثالها ومن أراد التوسع فعليه بمصنفات العلماء فانه يجد بغيته ويدرك منها أمنيته وفي هذه الصحايف من فقه الفن المهم الأكبر فانها أصول معروفة: والله الهادى للحق باذنه وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله ـ قال الناظم رحمه
الله -.
وان يكن بالنصف والثلث وما أشبهه فهو لمفصول نمى فهو لمن أوصى به لكن اذا زاد عن الثلث فما زاد انبذا أو ذاك في الانفاذ لا المعادله وصية أو هي أصلا باطله
أقول ان الأصل الخامس من أصول الوصايا التي بني عليها الناظم قصيدته هذه هو المفصول .. وهو أن يوصى بنحو نصف عبده أو ثلثه أو ربعه أو سدسه أو عشره أو بجزء مسمى منه: وسمي مفصولا لكون الموصى فصله بنفسه بذلك التفصيل ويبقى فقط تعيين ذلك الموصى به من الأصل المشترك معه فاذا وقع الايصاء بنحو ذلك فهو مدفوع لمن أوصى له به: بشرط ان لا يزيد ذلك الموصى به عن ثلث مال الهالك فما زاد مردود الى مال الوارث وقيل ان زاد بطلت الوصية على مقتضى القواعد السابقة
1. {- (1/106)
صفحة 107
أو يعطى بالتقويم كما يرى له عدول المسلمين
قال في النيل والمفصول كالايصاء له بثلث أو ربع أو عشر ماله. . الخ. وقد تقدم بيان المنفصل وحكم المفصول ثبوت الموصى به ان لم يزد أو اذا زاد عن الثلث يرد الى مال الوارث
وقوله» أو ذاك في الانفاذ لا المعادله فالمراد بالمعادله موازنة ذلك النصف الآخر فاذا زاد عليه رد اليه كما هو العدل والانصاف أو ما زاد على الثلث الذي قرره الشرع زيادة في أعمال العبادة (تفضلا من ذي الجلال
والاكرام على عباده)
وقيل اذا زاد بطلت الوصية لأنها خالفت الشرع فيما قرره ـ وأكثر أقوال الأصحاب ترجع الى المحاصصه وهو وجيه لأنهم لا يرون ابطال عمل بر مهما كانت مقاصده والله أعلم - قال شيخنا العالم الناظم
-1.0. (1/107)
صفحة 108
[صفحة فارغة] (1/108)
صفحة 109
الباب الثاني في حكم الوصية)
والمراد بحكمها حكم ما يجب منها ومالا يجب وبيان من يلزمه الايصاء ومن لا يلزمه وأحكام قسمها وقطعها وحكم نهايتها ومن تثبت له لكونه بالمصر ومن تبطل في حقه لغيابه من الحوزة الى ما سنبينه لك من أحكامها وبالله التوفيق، (قال الناظم):
تلزم أهل الخير للقريب مالم يكن في الارث ذا نصيب والخلق في قسمتها مشهور بل في أقل قطعها مآثور أقول المراد بأهل الخير هنا أهل الغنى وأطلق الخير مع انه اسم لمعان متعددة منها ان الخير ضد الشر ومنها ان الخير اسم للدين والايمان الى غير من معانيه ويشير هنا به الى الآية الكريمة وهى قوله عز وجل ان ترك
ذلك
خيرا الوصية الآية فالمراد به المال وبه فسره العلماء في الآية المشار اليها
وهل لهذا الخير حد مع اتفاقهم عليه أولا قيل نعم ـ ان الخير اسم للمال الكثير. وهل للمال الكثير حد أم لا قيل له حد. وهو ما فوق تسعمائة درهم - لأن رجلا أراد أن يوصي فسئل عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فسئلته كم مالك فقال سبعمائة درهم - فقالت إنما قال الله تعالى ان ترك خيرا وان هذا الشيء يسير فاتركه لعيالك - وقيل حده ما فوق أربعمائة دينار وذلك أن رجلا أراد أن يوصي فسئلها أيضا وكان له عيال وله من المال أربعمائة دينار فقالت ما أرى فيه ويمثل الأول عن علي بن أبي طالب - كان له عبد أعتقه فأراد أن يوصي وله سبعمائة درهم فمنعه علي وقال: قال الله
107 - (1/109)
صفحة 110
تعالى: ان ترك خيرا والخير المال الكثير وقيل ألف درهم وقيل ـ ما فوق خمسمائة ـ وقيل ـ ما فوق أربعمائة - وقيل - المال الفاضل عن العيال - أي عن مؤنتهم سنة كاملة - لأنه لا يدري أيجيء بعدها أم لا فإن السنة من الحدود في أمور كثيرة - ويلزم مع ذلك كله أيضا أن يكون له خادم يخدمه - ومنزل يسكنه - هكذا في الأثر - وهذا عند قومنا ـ وهو أيضا مروى في أثر أصحابنا -.
وأما عمل الأصحاب رحمهم الله: فان المال عندهم: مطلق لم يتقيد بالكثير ومعنى ان ترك خيرا - ان ترك مالا مطلقا ولو قليلا ـ وفي الأثر - قال أبو المؤثر - اذا ترك الميت مالا أكثر - ما يقول المسلمون ان الوصية فيه واجبة ثم لم يوص لقرابته عمدا - فاهون ـ ما أفعل معه ان لا أتولاه: فتراه أطلق المال: وأوجب فيه الوصية مع اطلاقه: وان لم يوص فلا يتولاه أبو المؤثر أي ان لم تسبق له ولاية فان سبقت له خلعه منها: لأنه صار عاصيا والعاصى لا ولاية له - وفيه زجر شديد وتهديد كبير - وانت تعلم ان ترك الولاية أمر عظيم - فإنها خلع مؤمن من الاسلام - وخلع المؤمن كقتله - وقتل المؤمن من أعظم العظايم ـ عند الله بعد الشرك
بالله -. ولكنه عند أكثر المسلمين - وكأنه لا اجماع فيه عندهم على ذلك الا تراه - يقول أكثر ما يقول المسلمون .. الخ - فدل ان أقل المسلمين يقول بخلاف ذلك ـ فأكثر المسلمين يقول اي ترك مالا ـ وكان تقدير القول الذي اشترطه صاحبه الكثير - ولم يكن فوقه قول في الكثرة أي مقدار لا يقول أحد من المسلمين لا تجب فيه وصية الأقرب - فدل ان للمسلمين فيه اختلافا لا يقطع عذره حتى لا يعذر في قول ما ـ الا ان أراد بالمسلمين الموحدين عموما -. (1/110)
صفحة 111
ومعنى قول أبي المؤثر ان لا أتولاه أي أترك ولايته وأتبرأ منه لأنه فعل كبيرة وذلك ان كان متولى أي ان كان سبقت له ولاية أتركها وان كان في الوقوف تبرأت منه أو أن أدوم على الوقوف فيه ولا أتولاه. ولو كثرت أخبار الخير والوفاء عنه بعد موته
ولا ينافي الاحتمال الأول قوله أهون فان العرب قد تقول أهون ما أفعل أو ما أقول كذا وكذا مع ان كذا وكذا غاية الفعل أو القول كأنه يشير رحمه الله الى أن نفسه تريد فيه أكثر من ذلك رحم الله الأصحاب على شدتهم في الدين وتصلبهم في الواجبات على المتهاونين بها وهذا من أعظم الجهاد في الحق
وفي الأثر من ضيعها أي الوصية ذاكرا لها بعد أن لزمته في مخوف ومات على ذلك غير تايب منه ختم بعصيان وكذا ان أراد حجا أو جهادا أو سفرا مخوف ونحب لكل مسلم ان يوصي بها اذا ترك النصاب بعد دينه وانفاذ لازم كزكاة وحج ويمين
قال القطب ولا نترك ولاية ميت تركها عند موته حتى نعلم انه خلف من المال اقصى ما قيل به من الكثرة وان وجدنا له موجب عذر فلا ندعها حتى نعلم له مخرجا. فالاهون فيه الوقوف وان دان بها وغلبه الامرومات فلا ندعها أيضا ما احتمل له عذرا - وان فرق عنه ورثته شيئا ولا يتيم فيهم ونحوه ولا غايب فقد أحسنوا (أ. هـ)
فترى القطب رحمه الله ورضي عنه لا يتبرأ من تاركها حتى يكون
-1.1 - (1/111)
صفحة 112
•
ماله مستغرقا لنهاية الحدود التي قال العلماء فيها يجب معها الايصاء ويلتمس له العذر ان امكن وان لم يمكن فالوقوف اهون فيه لقوله صلى الله عليه وسلم وامر
اشکل غليك فقف عنه ـ وان علمنا منه الدينونة بها وقد هجم عليه الموت او ضاق به الوسع لامر عاجله فلا تترك ولايته ما امكن له احتمال عذر وهذا هو الواجب في حقه والبراءة من المسلم امر عظيم
•
وأبو المؤثر واصحابه يرومون حمل الناس على اداء الواجب حتى يتهاون فيها الناس وعندهم ان وصية الاقربين واجبة، وتارك الواجب عاص ضال منافق وعلى كل حال لا ولاية له وتحقيق ذلك كله في كتب
التوحيد ولا يخفى عليك التعبير بتلزم فانها من عبارات الايجاب
والقريب اسم جنس يشمل كل من يدلي الى الميت بنسبب كما سوف تقف عليه ان شاء الله مفصلا بتوفيق الله عز وجل ـ وهنا ـ
(مسائل):
الأولى: في وجوب الوصية وعدم وجوبها والذي نقول به الوجوب لأدلة منها قوله تعالى كتب عليكم اي فرض عليكم اذا حضر احدكم الموت ان ترك خيرا الوصية الآية ففي التعبير بكتب ومعناه فرض نص على الوجوب فان المفروض واجب قطعا وهذا التعبير ورد في القرآن في عدة مواضع منها هذا ومنها قوله تعالى كتب عليكم الصيام كتب عليكم القتال في امثالها
•
وقوله ان ترك تعبيرا بالماضي عن المضارع المصير الامر اليه اي الترك اي اذا راى انه يترك خيرا اي مالا وقيده الاكثر من العلماء بالكثير كما
-
11.
- (1/112)
صفحة 113
عرفته وعند القليل منهم مطلق الخير من غير قيد بكثير ونحوه ولا يشكل عليك فان الكتابة ازلية لا تتقيد بزمان الفرض في الخارج او زمان حضور الموت لأنا نقول كما فرض الله عز وجل في الأزل فرضه أيضا في وقت حضوره فهذا عند العلماء إيجاب آخر مطابق للأول الأزلي وللوجوب الأزلي أيضا ومن أدلة الوجوب قوله تعالى حقا على المتقين فمعنى الحق هو الثابت وقوله على المتقين أيضا من صيغ الوجوب كما حقق ذلك العلماء الأصوليون وفرعوا عليه أحكاما عديدة والمراد بالمتقين الخائفين الله تعالى أو المتقين
•
المعاصي بامتثال الأوامر واجتناب المناهي أو على كاسبي الوقاية من النار وحقا مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله اي حق ذلك حقا اي ثبت
ثبوتا لا يتزعزع - وعلى كل حال ان حكم غير المتقين من باب اولى واجراء الخطاب على المتقين. لكونهم العاملين الله المراعين لواجباته القائمين بمفروضاته الثابتين على مسنوناته فهم الذين يتأثرون بخطاب
الله تعالى
ودل ايضا على وجوب الوصية، قوله صلى الله عليه وسلم: لما نزلت ان الله اعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث، فدل على بقائها لغير الوارث وكذلك حديث سعد بن ابي وقاص دليل واضح على وجوب الوصية -.
وروى ابو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال ان الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضلان في الوصية فتجب لهما النار والمعنى - فيوصيان بما منعا منه ما يدخل على الوارث الضرر بان يوصيا باكثر من الثلث قصدا لاضرار وارثهما - فيبقى من يوصي الوصية الواجبة التي لا ضرر معها على وارث او غيره على حالها ثم قال ابو هريرة من بعد
-
111 (1/113)
صفحة 114
وصية يوصي بها أو دين والمضارة في الوصية ان لا يعدل فيها ويجيف ويكذب كما اذا قال اوصي لفلان بكذا بحق علي أو لضمان لزمني له ـ او نحو ذلك - مما يدفع به اقوال اهل العلم في بطلان الوصية فيرتكب ذلك لقصد التثبت والله سائله عما ارتكب ومناقشته عما اقترف
ومما يوجب الوصية قوله لا يحل لامرء مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر يبيت ليلتين الا ووصيته مكتوبة عنده الحديث فهو واضح صريح في وجوب الوصية بحيث لا يقبل اي اعتراض في المقام عند الائمة الاعلام.
المسألة الثانية: في نسخ الوصية للوالدين اعلم ان الله فرض الوصية أولا للوالدين، والأقربين حتى إذا أعطى الله بعد ذلك كل ذي حق حقه نسخ وصية الوالدين لكونهما وارثين - ولا يجمع وصية وميراث في حال واحد - لأن هذا محل بنظام المكلفين وذلك لما فيه من الإثرة
قال القطب في الهميان واكثر الاخذ عنه رحمه الله من الهميان والنيل قال وعندنا الآية منسوخة بآية المواريث - اي ان آية الايصاء للوالدين والاقربين نسختها آية الميراث اذ أعطت الوالدين حقهما ـ ونفت بفحواها عنهما الايصاء - فلذلك قال رسول الله - ان الله اعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث - وبقيت وصية الاقربين على حالها الاول قال رحمه الله فتجب عندنا وصية الاقرب على من له مال قليل اوكثير (قال) وقال بعض قومنا تجب ان ترك مالا كثيرا على الخلاف المذكور في الكثير (قال) وقال جمهورهم نسخ وجوب وصية الاقرب وبقي ندبها على من ترك خيرا كثيرا وعليه وهو ندبها وكونها على ذي الخير الكثير انحطت عن درجة
112 (1/114)
صفحة 115
الوجوب ولم تلزم احدا وتندب لدى الخير الكثير وهذا أيسر الاقوال ان لو
ثبت ـ فلا يؤاخذ تاركها عند الله
وقد عرفت مذهب الاصحاب وتشددهم في الدين حتى ان ابا المؤثر رحمه الله أهون ما يفعل مع تاركها ان لا يتولاه وذلك امر عظيم - نسأل الله السلامة في الدين
قال القطب رحمه الله تعالى قال في الايضاح ولما بين الله عز وجل في سورة النساء ميراث الوالدين كانت وصيتهما منسوخة وثبت وصية الاقربين على حالها ومن مات ولم يوص بها اي وصية الاقربين فقد روي عن ابن عباس والضحاك بن مزاحم انهما قالا من مات ولم يوصي فقد ختم عمله بمعصية اي مع ان رسول الله صلى الله عليه وسلم - يقول الاعمال بالنيات) (وبخواتمها) وفي الاثر - لا يقال ختم بمعصية الا فيمن مات على كبيرة، - فالمنسوخ من الآية وصية الوالدين - ووصية الاقربين الذين يرثون وبقيت وصية الأقربين الذين لا يرثون - وذلك قول ابن عباس والحسن البصري وقتادة وزعم بعض عن ابن عباس والضحاك انهما قالا ان الوصية للاقربين غير الوالدين واجبة كما لو كانوا ورثة
-
قال القطب رحمه الله وهو خطأ في الرواية قلت نعم هو كذلك لان الرواية استفاضت عند المسلمين بنفي الوصية عن الوارث ولم تستثن احدا قطعا فهذا القول بين الخطأ
وقال جمهور الصحابة والامة ان وصية الأقربين الذين لا يرثون
-
- 113 0
? (1/115)
صفحة 116
منسوخة ايضا من حيث الوجوب فكانت مندوبا اليها قال القطب وذلك
قول الحجازيين والبصريين والكوفيين
وعن ابن عباس رضي الله عنه والحسن ومسروق وطاووس وقتادة والضحاك ومسلم بن يسار ان وصية من لا يرث من الوالدين والاقربين باقية الوجوب ووصية من يرث منهم منسوخة الوجوب لان النسخ بآية الارث فمن لا يرث وجبت له فمن ترك والدا مشركا أو أما مشركة او اقرب مشركا، اوصى له لعدم توريثه - لان الشرع قطع التوارث بين المسلمين والمشركين - وبقي الايصاء على عمومه في القرابات وعليه اكثر
العلماء.
•
وقيل لا تثبت الوصية المشرك قياسا على الميراث ولان الوصية صلة من قريب القريبه، ولا مواصلة بين المسلمين والمشركين للقطيعة التي عرفت من الشرع الشريف وكذلك الخلاف بين العلماء في القتل هل يقطع الايصاء ان كان ويبطل وجوب الوصية على من كان محتضرا به اي بالقتل يعني بسببه فقيل نعم كالارث هكذا في هميان الزاد - وقيل لابناء على ان حكم الوصية ثابت بأدلة وعمومه باق وقطع الوصية بذلك لا يكفي، وكذا الخلاف ايضا في الوالد العبد والام الأمة والاقرب الرقيق
•
وقيل كانت الجاهلية يوصون للابعدين طلبا للفخر والسمعة والشرف والرياء. ويتركون الأقربين فقراء فأوجب الله الوصية للاقربين ثم نسخت وصية الوارث بآية المواريث. وبما روي عن عمرو بن خارجة انه قال كنت آخذا بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فسمعته
118
- (1/116)
صفحة 117
يقول ان الله اعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث اخرجه النساوي والترمذي بنحوه. وقال الترمذي حديث حسن ورواه الربيع بن حبيب على شرطه حسنا صحيحا عن ابي عبيدة عن جابر بن زيد عن عباس رحمهم الله تعالى ورضي عنهم بلفظ لا وصية لوارث
واشتهر الخلاف بين العلماء في جواز نسخ القرآن بالسنة وليس ذلك
من صددنا ومن اراده فليرجع اليه من محاله
وخلاصة القول هنا ان الوصية نسخت بآية المواريث والحديث معا وتلقي الامة لهذا الحديث بالقبول يلحقه بالمستفيض وقال: بعضهم بالمتواتر والمتواتر من قواطع الادلة قلت التواتر طريق القرآن ايضا قال بعضهم والعلماء لا يسلمون الحاقه بالمتواتر وفي المقام لعلماء الاسلام بسط واسع نعرض عنه
قال القطب وقال الشافعي وجدنا اهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من اهل العلم بالمغازى من قريش وغيرهم لا يختلفون عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال عام الفتح لا وصية لوارث و يوثرونه عمن حفظوه عنه ممن لقوه من اهل العلم وكان نقل كافة عن كافة وهو اقوى من نقل واحد
وقيل ان هذه الآية غير منسوخة وانهم كانوا مكلفين بالوصية في هذه الآية لمن ذكر في آية المواريث وبهذا قال ابن شريح وانكره بعض العلماء انکارا شديدا وقيل هذه الآية هي نفس آية المواريث لا نسخ فيها والمعنى كتب عليكم ما اوصى به الله من توريث الوالدين والاقربين من قوله
-
110
- (1/117)
صفحة 118
يوصيكم الله في اولادكم اوكتب على المحتضر ان يوصى اللوالدين والاقربين
لتوفير ما اوصى الله به لهم وان لا ينقص من انصبائهم
وزعم بعض ايضا انها لم تنسخ وان الوارث يجمع بين الوصية والارث بحكم الآيتين معا ويرده الحديث المتقدم هذا خلاصة ما يقول العلماء في المقام فلا نطيل على القارئ بذلك فان الافادة مستفادة مما قلناه.
المسألة الثالثة في تحقيق القريب المستحق للوصية وما يشترط فيه
اعلم ان العلماء قد اختلفوا في تحقيق الاقارب حتى ارتفعت اقوالهم الى مدى بعيد جدا ولما نزلت. وانذر عشيرتكم الاقربين. قيل انذرهم الى اربعة ابطن فكان اصلا لاستحقاق وصية الاقربين لاربع درجات روى ابو هريرة انه لما نزلت قالت رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر قريش او كلمة نحوها اشتر وا انفسكم لا أغنى عنكم من الله شيئا ـ ويا بني عبد مناف لا اغني عنكم من الله شيئا - يا عباس ابن عبد المطلب لا اغنى عنك من الله شيئا ويا صفية عمة محمد صلى الله عليه وسلم لا اغني عنك من الله شيئا. يا فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم سليني من مالي ما شئت لا أغنى عنك من الله شيئا ـ فادخل العمة في الاقارب وفيه الرد على من قال ان الاقارب مخصوص بالعصبة من الرجال دون من سواهم وكذلك البنت إذ ادخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الانذار مع ان العمة ايضا لا ترث ولا تعصب
فقيل تقسم وصية الاقربين الى اربعة ولو لبعيد او امرأة فإن رسول
الله صلى الله عليه وسلم انذر العمة ولا ريب فان الاقارب عرفا من هم من الميت بمنزلة
-
-117 - (1/118)
صفحة 119
معروفة النسب معلومة القرب وقيل الاقارب الى ستة آباء دون من عداهم وفي الاثر واجمعوا ان اقربهم ممن لا يرث اولاد البنين والبنات ثم نسولهم ثم الاجداد ما عرفوا الى ما لا نهاية ثم الاخوة واولادهم وما تناسلوا وهم اقرب من الأعمام والاخوال
قال القطب والاجداد الاربعة اولى من الاخوة ونسولهم وهم ـ اي الاجداد - اب الاب وامه وابو الام وامها والاخوة وبنوهم اولى من الاجداد الثمانية وهم آباء الاجداد والجدات الذين ذكرناهم وامهاتهم ثم الاخوال والاعمام وبنوهم قال وتأخذ كل درجة نصف ما للتي قبلها الى ان يبقى ما لا يصل الى الآخرة بدائق واحد لكل فرد من افرادها فيرجع الى الاولى فيأخذ الأجداد الأربعة كنصف ما لآخر ولد من أولاد الأولاد ويأخذ الاخوة كنصف ما للأربعة والثمانية تأخذ كنصف ما لآخر نسل من نسول الاخوة ثم الأعمام يأخذون كنصف ما للثمانية ـ ثم الأخوال يأخذون كنصف ما يأخذ الأعمام ثم كذلك أبو كل جد وأمه يأخذ كنصف ما لابنه خلافا للأولاد: وأولادهم والاخوة والأخوال. والأعمام وأولادهم لأنه يأخذ كل ولد من هؤلاء كنصف ما لأبيه: ويأخذ أعلى الأجداد كنصف ما يأخذ ولده ثم أعمام الأب واخواله وأعمام الأم واخوالها كنصف ما للأجداد العليا ما بقيت الدراهم وارتفع النسب - وهذا مبني على التفاصيل بين
الدرجات
•
-
وقيل ما عرف نسبهم ما لم يقطع الشرك فان الشرك قاطع بين الأقارب: وقيل ما عرف النسب فهو قريب - ويدل عليه ما روى ان على بن الحسين بن على بن أبي طالب كانت به رتة في لسانه فقال فيه رسول الله ورثها عن عمه موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام وموسى من نسل اسحاق بن ابراهيم عليهما السلام وان على بن الحسين بن على بن
117
- (1/119)
صفحة 120
أبي طالب من نسل اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام وكم بين على بن الحسين وبين موسى بن عمران من الأباء والأجداد فجعله عمه وكذلك حديث صفية بنت يحيى بن أخطب اليهودية زوج النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها رسول الله وافتخر عليها ذات يوم ضرايرها بأنها يهودية بنت يهودى فتأثرت من ذلك اذ عيرنها بذلك فلما دخل عليها رسول الله الله انكرها فسئلها فأخبرته
فقال لها رسول الله هلا افتخرت عليهن وقلت ان زوجي محمد وأبي هارون وعمى موسى عليهما الصلاة والسلام فجعل صلى الله عليه وسلم هارون أباها عمها وذلك واضح وكذلك في القرآن من نحو هذه الاعتبارات فانه وموسى جعل آدم ابا البشر وهكذا في ابراهيم. قوله ملة أبيكم ابراهيم ونحو ذلك
كثير
أيضا في الديوان قال والأقرب لا يكون الا من العصبة: وهو خلاف ما سبق من انذار رسول الله صلى الله عليه وسلم عشيرته الأقربين وكان فيهم عمته صفية وابنته فاطمة والمراد بالعصبة الذى يرث الميت اذا لم يكن الوارث المستحق للأرث ورث المال كله أو بعضه: ولا يرث الأقرب من النساء إلا الأخت وابنة الابن أي اذا حجبتا عن الارث لانهما تكونان عصبة بنت الابن مع البنت والأخت مع البنت: وهذا في الارث: ولما كانتا من العصبة صح لهما حكم الأقرب في هذه الصورة اذا كانتا محجوبتين عن الارث بابن أو شقيق أو غيرهما ممن يحجبهما وفيما اذا حجبتا عنه وكان من يعصبهما في الأقرب كابن وبنت ابن وبنت إبنة ابن وكذلك قال مالك لا يكون الا عاصبا لكن ذكروا عنه انه يقول: يرث وصية الأقرب العاصب وارثا أو غير وارث ويأخذ الأقرب عندنا الفقير والغنى أي لأن الدليل لم يخص أقرباء من أقرب
-
-11 A- (1/120)
صفحة 121
وقال مالك يبتدأ بفقرائهم حتى يغنوا ثم يعطى الأغنياء ولا يأخذ
أقرب مشركا عندنا لما سبق من الأثر المنقول عن أهل العلم - ان الله لم يجعل للشرك صلة من مسلم - وكذلك أيضا عند أحمد
وزعم أبو يوسف ومحمد وأبو حنيفة وأحمد أيضا لا تصرف وصية الأقرب للأغنياء الا ان أوصى في ذلك أي في ايصائه لهم أي سمى لهم في وصيته شيئا والا فلا شيء لهم: وهؤلاء نظروا الى فقر الفقراء واحتياجهم: وان الوصية أثرة من غنى لفقير - وان الفقراء أحق بالمؤاثرة وأولى بالصدقة وان الوصية سبيلها سبيل الصدقة وللأصل الذي سبق أن الوصية لم تجب بل هي عندهم مندوب اليها
قال في شرح النيل ويأخذ القرابة من الجهتين جهة الأب وجهة الأم لكن يبدأ بقرابة الأب وقيل يعطون من الجهتين - مثل أن يكون ابن عم وأخا من أم فله على هذا من الجهتين جهة كونه أخا لأم وجهة كونه ابن
عم -
وعن أبي حنيفة القرابة كل ذي رحم محرم. من الأب أو الأم لكن يبتدأ بقرابة الأب - وقال أبو محمد وأبو يوسف. من جمعهم أب منذ الهجرة من قبل أب أو أم من غير تفصيل زاد زفر أنه يقدم من قرب وهو رواية عن أبي حنيفة: قالت الشافعية اذا أوصى لأقاربه لم تدخل ورثته بقرنية الشرع لأن الوارث لا يوصى له
قال القطب رحمه الله. وهذا هو المذهب عندنا وقيل يدخلون لوقوع
-
119
- (1/121)
صفحة 122
الاسم عليهم ثم يبطل نصيبهم لعدم اجازتهم لأنفسهم ويصح الباقي لغيرهم وأما ان أوصى لأقارب غيره فيدخل المشرك ويستوى هو والمـ
والأنثى والذكر. ولا تدخل قرابة الأم هنا
وقال وفيمن أوصى لأقاربه ان كان الموصى عربيا لأن العرب لا تعدها قرابة ولا تفخر بها - وقيل تدخل لشمول الاسم - ويرث الأقرب عند الشافعي من هو مشرك - وقال هو أيضا وأبو حنيفة لا يدخل في وصية الأقارب الأبوان والأولاد - ويدخل الأجداد لأن الولد والوالد لا يعرفان بالقرب في العرف بل القريب من ينتمى الى الميت بواسطة فتدخل الأحفاد والأجداد وقيل لا يدخل أحد من الأصول والفروع وقيل يدخل الجميع
قال القطب رضي الله عنه وجاء في بعض الأثر انه من أوصى للأقربين فالجمهور منا انها تقسم بين الذين يلونه ممن يناسبه بالأب والأم الى أربع درجات تتصل بالميت قال ثم اختلفوا فيها فقيل بالميت: وقيل لا وهو في الخامسة وقيل - الى ست كما قدمته لك - وقيل تقسم بين كل من ثبت له الاسم من رحم وعاصب ممن لا يرث - ولم يجعل هؤلاء للقرابة حدا ينقطع عنده النسب ـ وتعلقوا بالاسم. فقال بعضهم تنقطع فيهم بالشرك ان اتصل بهم النسب اليهم كالارث والوصية أولى ان تنقطع به. وقيل
ليست كالارث لأنها قربة
المسألة الرابعة:
فيما يشترط في القريب المستحق للوصية
120 (1/122)
صفحة 123
اعلم ان استحقاق القريب للوصية يشترط فيه كونه من أهل
التوحيد وكونه غير وارث وكونه غير مملوك للهالك فانه كما قدمنا تحقيق الشرك وأهله وهل يعطى المشرك من وصية الأقربين أم لا والصحيح لا يعطى - وكذلك اشتراط كونه غير وارث لأن القريب الوارث لا وصية له للحديث المتقدم. وكذلك أيضا كونه غير مملوك لأن المملوك للهالك من جملة ماله فلا وصية لمال ـ ولو قدر انه من أقارب الميت لأن الرق أمر مانع من الايصاء له -.
المسألة الخامسة في التسوية بين الذكر والانثى:
وفي تحقيق ذلك: ففي الأثر: واجمعوا على التسوية بين الذكر والانثى ان اتحدت درجتهما الا قولا رواه أبو سعيد رحمه الله انه للذكر مثل حظ الانثيين قال القطب ولم يعمل به أحد (قال) والأكثر على تنزيلهم درجات من الترتيب المذكور - وقال الموصلى ـ بالتسوية ولو اختلفت الدرجات ما صح النسب (قال) والأكثر معهم العمل على الأول أي على
الترتيب
قال واستحسن أبو سعيد رحمه الله ان يأخذ الأولاد ـ ثم نسولهم الى أن ينقرضوا - ثم الأربعة أي الأجداد الأربعة (ثم (الاخوة ونسولهم - ثم الثمانية ـ ثم الأعمام والأخوال ونسولهم على ما مر ـ اذ لا ينبغي أن يأخذ
الولد قبل والده - وان كان الأخوال أسفل من الأعمام أخذوا كأسفل عم ويأخذ خال الأب كنصف عم الأب ويأخذ ابن عم الأب كخال الأب وابن خال الأب كنصف خال الأب وابن عم الأب ولعم الأم ما لخال الأب
-
121
- (1/123)
صفحة 124
ولخال الأم كنصف ما لعمها - وكذا أولادهم ـ والاخوة المفترقون سواء وكذا أولادهم. وكذا الأعمام. وأولادهم والأخوال وأولادهم والأجداد.
ولقرابة الأب سهمان. ولقرابة الأم سهم - فمن كان يناسب الميت من قبلهما. فقيل يعطى من السببين. وقيل بل من الوجه الذين هو أكثر حظا - وقيل تقسم نينهم الى ان يبلغ الواحد في آخر درجة ثلاثة قراريط - وقيل تقسم على دوانق فضة - وقيل الى ربع درهم - وقيل الى نصفه - وقيل الى دانقين - وقيل الى أربعة دوانق - وقيل الى درهم ـ وانه لا يعطى الواحد أقل منه - فما فضل بما لا يبلغ قدر ما يخص الواحد أو مالا تستوى قسمته فلأشدهم قرابة وأحوجهم إليه - وقيل يرجح به الميزان ليفضي إلى
كل منهم
وقيل يقسم على كل منهم كل على قدر منابه إلا إن تراضوا فإن كان فيهم غايب أو نحوه اشتري به ما يقسم بينهم كخبز ونحوه ـ مما أمكن أن يصل الكل منه حظ ولو قليلا. فان الله سائل عن مثقال ذرة - وقيل يدفع الى من لم تنله الوصية - وقيل لا يجعل الا فيمن تناله - وقيل لأضعفهم ممن لم تنله يدفع له كمتعة يتمتع بها -
وقالت الشافعية لا يجب تفريق وصية الأقرب على الأقارب كلهم
بل يكفى ثلاثة فصاعدا منهم
وقال محمد صاحب أبي حنيفة اثنان فصاعدا وقال أبو يوسف واحد فقط: أي يكفى دفعها الى واحد من الأقارب: ولعل هؤلاء نظروا الى
- 122 -
- (1/124)
صفحة 125
جنس الأقارب: وان دافعها الى فرد من الجنس يصدق عليه أنه دفعها الى الأقرب ويبر بذلك
وان من عداهم نظروا الى الخطاب جاء بصيغة الجمع وان منفعة جمع أكبر من منفعة فرد لا سيما ان كان قريبا - واذا وقعت لفرد دون الباقين أدخل ذلك عليهم حرجا في النفوس وشرها في الصدور ـ ولأنه يخالف حكمة مشروعية الايصاء للقريب. فان صلة فرد منهم لا تقوم مقام صلة الكل وذلك معقول مشاهد
قال أبو يوسف واذا عدمت درجة قامت تاليتها مقامها فتعطى على
ذلك القياس
واذا اجتمع في درجة عدة. ولم يصح لكل دائق على القول بذلك
يسقط أهلها
والعمومة والخولة درجة واحدة وان سقط واحد منهم سقطوا كلهم
وكذا بنوهم
ثم قيل اذا اجتمع الأعمام والأخوال فللأعمام الثلثان وللأخوال الثلث - ولو كان عم واحد ومائة خال كعكسه أي فللعم الواحد الثلثان ولمائة الخال الثلث نظرا للجهة المستحق بها فالحكم واحد في مثل هذه القضية وفي عكسها كذلك. وقيل للخال والخالة نصف ما للعم والعمة وقيل هم درجة واحدة ولها نصفان ان استوى عددهم أي يقسم نصيب
-
- (1/125)
صفحة 126
تلك الدرجة فيدفع نصفه للأعمام ونصفه للأخوال. وليست قاعدتهم هنا
كالميراث
واذا عدم أحد الفريقين فالموجود له حصته ـ ورجعت حصة المعدوم في الجملة وقيل تسقط حصة الموجود أيضا لاشتراكهم في الدرجة وقيل إذا عدم الأعمام رفع بنوهم إلى درجتهم وقيل يأخذ ابن العم كالخال لأنه في درجة أبيه. ولأنه ساوى الخال في الحصة في وجود أبيه وعدمه قال القطب وعليه العمل.
قيل لأخوال الأب وأعمامه ضعف ما لأخوال الأم وأعمامها ولأعمامها ضعف ما لأخوالهما وقيل لأخوال الأب وأعمامه كما سبق الثلثان نظرا الى جهة الأبوة وقيل أخوالهما كأعمامهما. ولمن كان من قبل الأب ضعف ما لمن
كان من قبل الأم
وقيل لابن العم مع الخال ضعف ما للخال ـ وكذا للعم مع ابن الخال ولعم الأب كنصف ما لواحد من نسول بني عم الميت ولخال الأب کنصف ما لآخر واحد من بنيه وكذا عم الأم وخالها
قال أبو المؤثر ان كان الموصى خال وابن عم فسيان. وان بلغ سهم الخال دانقا لا مناب ابن العم سقط هو. لا الخال. وكذا ابن خال وابن ابن عم فسيان. ولا يسقط بسقوط ابن ابن العم - وان كان خال وابنه وابن ابنه فللخال سهم ولابنه نصفه ولابن ابنه ربعه - وكذا الأعمام وبنوهم وكذا عم وابن خال - للعم سهم ولابن الخال نصفه. فان بلغ دانقا سقط واخذ العم - وعلى هذا يقاس النسول ـ وهذا ما احتمله المقام في شرح هذه الأبيات
- 124 -
- (1/126)
صفحة 127
وعلى كل فان الوصية تلزم أهل الخير للقريب. وقد عرفت أهل
الخير ومعنى الخير كما يقول أهل العلم في الخير وفي حده تقييدا واطلاقا ومعنى القريب شرعا أي الذى له الميراث فقطع عن الوصية والقريب الذي يستحق الوصية ولا ميراث له وفي بيان قسمة الوصية على مستحقيها والله
أعام.
قال الناظم رحمه الله ونفعنا ببركة علومه:
والبعض قد انفذها فيمن حضر في قسمها الحوزة أو بالمصر قر نصيب من مات وغاب يسقط للحاضر القسمة وهو الاقسط والبعض كالحق وكالميراث من غاب أو مات وللوارث يجعلهم فيه على سواء من صح قربه بلا امتراء
أقول ان أهل العلم رحمهم الله اختلفوا في الوصايا على أصولهم. فمن قائل ان الوصية صلة من الميت لقريبه ولا يلزمه ان يواصل الغايب ولا الميت فليس لها ولاء حق في وصية الأقربين. لأنهم وان قربوا بالنسب فقد بعدوا مسافة فتنفذ في الحاضرين بالحوزة وتسقط عن الغايبين عنها. ومن رجع منهم قبل القسم فله فيها حق. وقيل من رجع عند موت الموصى. وقيل من رجع قبل موته - ولا شيء لغايب يرجع بعد ذلك لأن الأمر قد نفذ الى أهله وقيل بل حق الغايب باق لا يقطعه شيء ولا يصح قطعه لأن الوصية عند هؤلاء حق ثابت موروث كساير الحقوق وكالميراث أيضا وذلك لا يقطعه غياب أهله. ولا موتهم فان مات وخلف وارثا فيرجع نصيبه الى وارثه
- (1/127)
صفحة 128
قال في النيل وترث وصية الأقرب امرأة من جدها وان على من جهة
أبيها وأخيها وأمها أي شقيقها أو من أبيها فقط ومن ابن ابنها وان سفل ان كانت أمه حية والا فالجدة ترث ابن ابنها ولو كان ابنها حيا ـ وكذلك من
وبنت
جدتها من أبيها وان علت ـ واختها من أبيها وأمها أو من أبيها فقط ابنها وان سفل - وكذلك يرثه الرجال من هؤلاء كجده من أبيه وان على وأخيه الشقيق الأبوى وابن ابنه وان سفل - وجدته من أبيه وان علت ـ واخته الشقيقة والأبوية وبنت ابنه وان سفل وغيرهم. كعمه وابن عمه وبنت عمته وابن أخيه - ومن عمته الشقيقة والأبوية وبنت عمه الشقيق والأبوي - وبنت أخيه الشقيق والأبوي وغيرهن من النساء ان صار لهن عاصبا لولا أن عاصبا قبله - ولو بعدن اذا لم يكن وارث للأقرب دونه أي
أقرب منه
قال القطب وفي الديوان الأقرب لا يكون الا من العصبة ـ وهو الذي يرث الميت اذا لم يكن هذا الوارث ورث المال كله أو بعضه. ولا يرث الأقرب من النساء الا الأخت وابنة الابن أي اذا حجبت عن الارث صح لها الايصاء لأنهما تكونان عصبة بنت الابن مع البنت - والأخت مع البنت - وهذا في الارث. ولما كانت من العصبة صح لهما الأقرب في هذه الصورة اذا كانتا محجوبتين عن الارث بابن أو شقيق أو غيرهما
قال وفيما اذا حجبتا عنه وكان من يعصبهما في الأقرب كابن وبنت ابن وبنت ابنة ابن. وكذلك قال مالك لا يكون الأقرب الاعاصبا لكن ذكروا عنه انه يقول يرث وصية العاصب وارثا أو غير وارث ـ فاذا قال أوصيت له به قبل موتى أو بعد موتى - أو قال هو للأقرب بعد موتى أو عند
- IN- (1/128)
صفحة 129
موتى. أو نحو ذلك جاز. وكذلك منحت ووهبت وقته أو لم يوقته كله جايز عليه ـ وكذلك للأجنب فحينئذ اذا مات أحد الأقربين المستحق للوصية أو غاب ثبت له نصيبه. ويليه له وكيله ان كان غايبا وله وكيل أو وارث اذا مات على القول بأن وصية الأقربين حق موروث. والى هذا يشير الناظم رحمه الله بقوله والبعض قد أنفذها فيمن حضر - الى آخر الأبيات -
واستحسن العلماء أن يوصى الانسانلقريبه بأصل كنخل وشجر وأرض ودار ونحو ذلك مما تبقى منافعه دايمة جارية له لقوله صلى الله عليه وسلم اذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث صدقة جارية أو بيت لابن السبيل بناه أز. مسجد بناه أو علم نشره ينتفع به من بعده أو ولد صالح يدعو له ـ وذلك كله يدل على ان أفضل الصدقة ايقاف أرض أو نخل أو نحوهما تنفق غلتهما في أقاربه الذين لا يرثونه ثم ان في معنى الايقاف ابقاء للوقوف وفي ابقائه للصدقة جارية بخلاف ما عدا ذلك مما ينتقل ويباع ويتصرف فيه
باتلاف فيه واعدام له
•
وثلث المال أصل للوصايا التى لم تلزم وان قيل ان وصية الأقربين لازمة فقد جعلها الشارع في ثلث المال - وعندى في هذا نظر محله غير هذا
المقام.
قال في النيل وشرحه وندب الموصى ابتداء ايصاؤه لأقربه بما شاء من ثلث ماله. وأدناه ربع دينار (ثم) بعد الايصاء للأقرب يوصي بحقوق الخلق الواجبة عليه من التباعات (ثم) بحقوق الله كالزكاة والحج والكفارات ثم بما ليس واجبا اهـ وتقديم حقوق الخلق أحسن وأولى -
- فان
127 (1/129)
صفحة 130
الاهتمام بها الزم - (ثم) حقوق الخالق بعد ذلك (ثم) ساير التبرعات
وأفضل الصدقة عندى التصدق بالنخل لأنها أصبر للعطش وأشد احتمالا للآفات وأدوم ثمرا وأنفع. لأنها قوت وفاكهة وجذعها وليفها وجريدها وسعفها كله منافع كما قال بعض من وصفها بأن حملها غذا وليفها رشا. وفروها اناء. وسعفها صلى. وكما جاء التمثيل بها في القرآن الكريم وفي الحديث النبوى عنه عليه الصلاة والسلام ان من الشجر شجرة لا يتحات ورقها هي مثل المسلم أو قال المؤمن .. الخ. - وكذلك نسلها -
ومعنى قول الناظم يجعلهم فيه على سواء البيت. يعنى ان بعض العلماء من أهل الاستقامة يجعل الأقربين على سواء بلا تفاضل. ما صح لهم نسب ثبت به اسم القريب ولا دليل من السنة على ذلك ولا من القرآن وانما هو استحسان بعض أهل العلم وكذلك يجعل الذكور والاناث بمنزلة في القسم. فلا تفاضل أيضا لأن اسم القريب صح للكل. ولأن كل واحد من الأقارب مستوجب للمال مضطر اليه محتاج الى كثيره حاجته الى قليله. وقد سبق هذا المذهب مرويا عن الامام أبي سعيد رحمه الله تعالى ولكنه كالمهجور أي لم يعمل به أحد - نظرا منهم الى ان الرجل أفضل من المرأة وان حاجته الى المال أكبر من حاجتها للضيف وغيره ولأن الرجال قوامون على النساء تلك أنظار أهل العلم في المقام ولعل بعضا يرى ان المرأة أحوج لعدم استطاعتها الاكتساب ولضعفها وللزومها قعر بيتها والله
أعلم -
-
- 128 - (1/130)
صفحة 131
قال الناظم رحمه الله:
والخلف في تجويز رد الأقرب ان يحرم الايصا وصايا الأجنب بعض أباه مطلقا والبعض قال يجوز في مستخرج من ثلث مال والبعض فيما لم يكن في لازم لله أو في الدين والمظالم
اعلم ان وصايا الأجنب في البيت معمول رد الأقرب والأجنب هو البعيد الذي ليس بينه وبين الميت قرابة.
وقد اختلف العلماء فيما اذا اوصى الموصي بوصايا للاجانب ولم للاقارب. هل يجوز ان ترد وصاياه للاقارب معاكسة له فقد قال يوصي بعض لا يصح ردها. وهو آثم عاص بتركه. وصايا الاقارب. التي شرعها الله عليه واوصى للاجانب الذين لم تكن بينه وبينهم علاقة نسب ولان الاقارب مكلف بمواصلتهم بخلاف الاجانب ـ وبذلك يعصى عند الله ـ وقد عرفت ما قاله فيه ابو المؤثر رحمه الله من ان اقل ما يفعل معه أن لا يتولاه - وهو مذهب القائلين بوجوب الايصاء للاقارب
وقيل بل يجوز رد وصايا الاجانب فيعطى الأقارب ثلثي ما اوصى به للاجانب لان للاقارب الحق في الايصاء ـ ومن حيث الموصي لم يوص لهم اشركناهم مع الاجانب - واعطيناهم ثلثي ما اوصى به للاجانب نظرا لضعف حجة الاجانب ـ وهي بسبب ايصاء الموصي بذلك ورأينا جانب الاقارب قويا بالنظر إلى قربهم فاعطيناهم ثلثي الموصى به للاجانب
- 129 -
- (1/131)
صفحة 132
وهل يقال ان هذا تبديل للايصاء داخل تحت قوله من هرب من
الحق رد اليه وتحت قوله عز وجل فمن بدله بعدما سمعه فانها أثمة على الذين يبدلونه ان الله سميع عليم قلنا لا انما هذا رجوع الى الحق ومن هرب من الحق رد اليه ـ ومن حيث ان الورثة لهم ثلثا المال ميراثا لقربهم فقط. وهم الدرجة الأولى من اقارب الميت علمنا ان للدرجة الثانية ثلثي الثلث الذي جعله الله عز وجل للايصاء به -.
وإليك من الاثر ما ينير لك الفكر ويزيح عنك الكدر ويدلك على صحيح النظر - قال في النيل ان خص بها اجنبي فللاقارب رد ثلثيها منه اي من الاجنب - ويبقى له الثلث هذا اذا خص الموصي بوصيته الاجانب الذي لا يرثون وصية الاقرب ارحاما كانوا أو غير ارحام لان وصية الاقرب ارث من الثلث. وهي الاصل في الثلث اي الثلث الذي تفضل الله به زيادة في اعمال العباد. كما ان للورثة ارث ثلثي التركة بعد الدين فكان للاقرب رد ثلثي وصية الاجنب - اذا لم يوص للاقرب ـ كما ان للورثة رد ما نقص عن الثلثين - ولان الميت لا يصح له من له من ماله بعد موته الا الثلث ـ وما دونه لتعلق حق الورثة بالمال فقيس عليه الاقرب فكان له ثلثا ما اوصى به للاجنب لتعلق حقه بالثلث كتعلق حق الوارث بالمال وذلك مذهب اصحابنا جابر بن زيد وغيره وهو قول الحسن البصري قال القطب رحمه الله تعالى ورضي عنه
الثلث
ونسب قومنا الى الحسن البصري وجابر بن زيد انه يرد ثلثي اي اذا اوصى بالثلث وهو ما ذكرته من مذهب اصحابنا. وقال طاوس:
يرد الاقرب الثلث كله
- 130
- (1/132)
صفحة 133
وقال قتادة يرد ثلث الثلث وذلك اذا اوصى بالثلث وقيل يرد
نصف الثلث اذا كان الايصاء بالثلث وان اوصى بها دون الثلث رد ثلثي ما دون الثلث او ثلث ما دونه او نصف ما دونه او جميع ما دونه اي الثلث وفي الاثر ومن اوصى لرجلين بثلثي ماله فردها احدهما بعد موته فحصته للوارث وقيل للاقرب وحصة الآخر له ان قبلها - وانما يرد على هذه الاقوال وصية الاجنب او يرد منها ان لم تكن على حقوق الله أو للعباد كزكاة وحج وكفارة ودين - وتباعة وانتصال - وكأحتياط من ذلك اي الزكاة والحج والكفارات ونحو ذلك. ولم تكن وصية المسجد او مقبرة او اصلاح سبيل أو وقف على
نحو بير
اما ما كان حقا للخالق او المخلوق .. فلا يرد منه لانه واجب علبى الميت فاما ان يؤديه في حياته او بعد مماته فلا وجه لنقض ما ادى به حقا واجبا عليه لان النقص منه منع عن اداء الواجب وقد يكفي الاقرب ربع دينار أو ثلثه - فإن أوصى له فذاك وإلا فلا من حق واجب اذ لا يؤدى حق بترك حق ـ وانما يرد مما كان له وصرفه الموصي لغيره فيصير الموصي كمن
اوصى بماله ان يرثه غير ورثته - فان كلامه بذلك باطل وايصاءه مردود
واما ما كان اداء لواجب فليس حقا له واما ما كان وصية لمسجد ونحوه فانه ولو كان غير واجب لكنه طاعة ليست مصروفة لاجنبي معين معادل للاقرب فضلا عن ان يجاد به وبرد منه كما لو اوصى الوارث لبطلت الوصية ولا يرد منها شيئا لأن الوارث ليس معادلا للاقرب فلا يرد من تلك الحقوق شيئا سواء اوصى بها لمعين او اطلقها لأنها قضاء للواجب. ولا من المسجد او نحوه لانه ليس مقابلا له فيقال انه اجنب اوغير اجنب
131 (1/133)
صفحة 134
فالايصاء له بشيء اتلاف للشيء. ولان نحو المسجد لا يحتاج الى قبول ولو كان له قائم. اذ لا يجوز له أي القائم ان يرد ما اوصى به لذلك هذا هو الصحيح عند أجلة العلماء من اصحابنا رحمهم الله
فلو عين الموصي مساكين معلومين او غير مساكين مثلا فاوصى لهم بصدقة غير واجبة او اوقف عليهم شيئا كان للاقرب ان يرد ثلثي ذلك الموصى به او الموقوف وقيل لا يرد الاقرب شيئا كما قدمته من حفظي مطلقا سواء أوصى لمن ذكرناه أو مما ذكرناه أو فعل غير ذلك. وصححه القطب رحمه الله. ولأن وصية الأقرب إنما تثبت بالايصاء بها. لا دون ذلك. وإذا لم يكن الايصاء موجودا فمن أين يكون ثبوتها. وأصلها الايصاء. وهو هنا معدوم و م وكما أنه لا حد لها بعد ربع الدينار أو ثلثه فليست كالميراث فإن الميراث انعقد بالاجماع عليه بأنه يصح لأهله بلا إيصاء. وليس محتاجا إلى
إيصاء قطعا
ذلك
وعلى القول برد الاقرب ثلثي وصية الاجنب ففي اي محل يرد الاقرب الذي لم يوص له الوصية الى الثلث فالاصح عند اهل العلم انه لا يعارض حجا ولا زكاة ولا تنصلا ولا كفارة ولا احتياطا ولا مسجدا ولا مسكينا ولا اصلاح سبيل ونحو ذلك مما هو واجب أو ليس بواجب وانما يعارض ما لا يجب وكان لاجنبي معين. وقيل يعارض كل خارج من الثلث لا من الكل - ولوزكاة أو حجا على القول بانهما من الثلث فيرد ثلثي الوصية التي اوصى بها لزكاة او لحج او لكفارة أو نحو ذلك من حقوق الله
والوصية التي لم تجب كالوصية للمسجد ـ وما ذكر ـ.
-
132
- (1/134)
صفحة 135
وان اوصى بعتق فقيل من الثلث ولا يدخله الاقربون. وقيل ان لزمه فمن الكل وان لم يلزمه فمن الثلث وقيل يدخله الاقرب وقيل فيمن اعتق غلامه بعد موته ولم يوص لاقربه فلهم ان يستسعوه بثلثي قيمته ـ وقال ابو الحسن يدخل الاقرب ابواب البر كلها الا الايمان والحج والزكاة - واختار بعضهم دخوله فيهما لاجنب ولفقراء ولا يرد ثلثي الانتصال من اموال الناس والاحتياط منها - ولو اوصى بها لغير اهلها لعدم وجود اهلها او اياسه منهم - وقيل يرد من كل ما ليس لازما له كالتبرع للمسجد والسبيل وحج النفل.
واختار صاحب النيل انه اذا شغل الموصي للاقرب عن النظر الى ما بيد غيره بشيء من وصيته ولو بدانق أو أقل أو أكثر كربع دينار أو أقل أو أكثر فلا يرد الثلثين أي ثلثي ما اوصى به الميت. وهو قول ابي محمد الخصيب وغيره واما ان اعطى الورثة القريب أو اعطاه الخليفة شيئا من التركة أو الوصية بلا ايصاء له أو اوصى له بحقه كتباعة أو دين أو أمانة أو بحق الله ككفارة أو زكاة أو للعباد كلانتصال من اموال الناس وكالاحتياط من ذلك فلا يمنعه عن رد الثلثين ـ وجوزان يرد الثلثين ولو شغله بشيء أي أعطاه ما يتشاغل به من مطالبة رد الثلثين من وصيته مما هو دون ثلث الدينار أو ربعه أو بثلثه أو ربعه اذا اوصى له بثلثه أو ربعه ولم يذكره باسم القرابة - وقيل اذا اوصى للاجنب رد عنه الاقرب الثلثين ولو أوصى للاقرب باكثر من ثلث دينار کدينار ودينارين ونحو ذلك
ذلك
•
قال القطب وفي التاج لا يردون ان اوصى لهم أو لاحدهم ولو بدرهم. وقيل لهم الرد ما لم يوص لهم بثلثي الثلث. فيردون حتى يتم الثلثان. وهل يعتد بما في يده مما شغله به ويحسبه عليه حتى يتم به حقه ثلثا
133 -
- (1/135)
صفحة 136
الوصية وقيل لا يعتد به ـ وقيل لا يرد ثلثي الوصية شغله بشيء أو لم يشغله ـ وسواء في مسائل الرد تعدد الاقرب أو الموصى له أم لم يتعدد - فان اوصى لاقربه بدينار. واوصى للاجنب بعشرة دنانير رد الاقرب ثلثي
العشرة ستة دنانير وثلثي دينار فيبقى للاجنب ثلاثة دنانير وثلث دينار
•
قال القطب والمشهور انه لا يرد الاقرب من الاقرب - وقيل اذا اوصى لقريب شاركه الآخرون وهو شاذ - قال وان اوصى لقريب وترك الاقرب منه فللاقرب الثلثان ـ وقيل لا شيء له ان كان القريب تناله الوصية التي يوصي بها للقرابة وعصى الموصي لانه ترك الاوجب وفعل الواجب - وان اوصى لقريب بدينار ولقريب آخر بدينارين ولا جنب بعشرة دنانير رد القريبان منه أي من الاجنب الموصى له ثلثي العشرة اذا لم يجز القريبان ذلك وان اجازاه جاز وان اجاز له احدهما رد له الآخر منابه على القواعد المتقدمة
وذلك واضح -. فصل في الاشهاد على الوصية للاجنب) واذا خص الموصي الأجنب بالوصية هل يجوز الاشهاد عليها - قيل لا يجوز لكونه تعدي فيما فعل إذ ترك الواجب وعدل عنه إلى غيره وقيل بل يجوز الاشهاد وإن خصه بها بمعنى أنه أوصى للأجنب ولم يوص للأقرب ذلك لأن الاشهاد يثبت الوصية وبثبوتها يثبت حق الأقرب لأن للأقرب رد ثلثيها لكنه بعد قبوله لها وقبضه إياها فليس له اليوم فيها دخل ولا يملكها أبدا لما تقرر فيما سبق من أن القبول لها شرط في صحتها. ولأنها تصح له بعد موت الموصي بها وذلك أمر مجهول. فلعل الموصى له يموت قبل الموصي فتبطل الوصية على ذلك الأصل وهو واضح بل ولا يتصل الأقرب إلى ردها إلا بثبوتها. . وثبوتها بالاشهاد عليها ولأن الايصاء للأجنب غير مانع للايصاء للأقرب بل ولا
-
134
- (1/136)
صفحة 137
العكس فقد
لكليهما
يوصي
•
(فصل في جواز كتابتها للاجنب) ويجوز للكاتب ان يكتبها للاجنب. ويجوز ايضا للحاكم ان يحكم بهاله. وتدفع اليه اي الي الاجنب بحضور الاقرب وعدم حضوره. وباجازته وعدمها: وهذا كله مبني على القول بجوازها للاجنب. اما على القول الآخر فلا. وان دعا الاقرب الشهود اليها ليشهدوا بها لم يجيبوه الا بأذن الاجنب. ان الايصاء للاجنب لا للاقرب. فاذا اذن الاجنبي جاز للشهود ان يتحملواها كما دعاهم الاقرب. وبين الوارث او بينهم وبين الخليفة قبل اخذ الاجنب لها ان اراد ان لا يعطيها الوارث الاجنب الا بحضرته أو اذنه أو بعد اخذ الاجنب لها فيما اذا عارضه بكيف اعطيته بلا حضوري أو يؤدها عند الحاكم كذلك لا تنصب فيها الخصومة بين الاقرب والوارث الخ أهـ. النيل او بلا اذني ويلتحق بالمقام مسائل
المسألة الأولى
فيما اذا جمع الموصي بها اجنبيين أو اقربين أو اشرك الاجنب والأقرب فعارضهما الأقرب إذا كانا أجنبيين أو غير الأقرب أو كان أحدهما أجنبا فعارضه الأقرب أو عارضهما انسان بدعوى في الموصى به أو باستحقاق فيها فأراد أحدهما خصاما واشهادا عليها أي أن يخاصم الوارث عليها أو يخاصم المدعي في الموصى به أو يخاصم المستحق ويقيم عليها الاشهاد وأبى الآخر من الخصام والاشهاد لم يجبر الحاكم على الخصام والاشهاد فإن عطل ذلك الآخر الأبي من الخصام والاشهاد وتلفت الوصية بذلك التعطيل أي بإبائه من الخصام والاشهاد ضمن مناب صاحبه عند الله لا في
135 -
- (1/137)
صفحة 138
الحكم لأن ذلك التلف كان بسببه ولولا إباؤه لم يقع التعطيل وإذا لا تلف
فاعرفه
وهل يلزم الأبني شيء للاقرب فالحق لا يلزمه. لانه لا يلزمه قبول الوصية. اللهم إلا إن أبى من أجل أنه يأخذ ثلثيها أي يأخذ الأقرب ذلك فيأثم هنا على ذلك عند الله تعالى وإذا أبى أحدهما أن يخاصم ويشهد عليها فلا يشهد عليها الشهود
المسألة الثانية
اذا اخذ الوصية اجنب من وارث وخليفة فضاعت في يد ذلك الاجنب ضمن ثلثيها للاقرب ان ضيع واقيمت عليه حجة التضييع بدون أمر غالب عليه عجز عن رده او عجز عن انقاذها منه ـ وان ضيع حتى جاء الامر الغالب عليه كان تضييعه سببا لذلك الامر الغالب ـ مثل ان يتركها في الوادي، فذهب بها السيل أو سرقها الصوص أو احرقتها النار أو اتلفتها الشمس أو كانت دابة فهلكت جوعا وعطشا او ربطها في مكان لا يربط فيه مثلها فتلفت كان ذلك من سببه
اما اذا هلكت بأمر غالب من دون تضييع لم يضمن لأنه أمين فيها غير متعد كأن يربط الدابة بما يربط به مثلها اذا أو في مكان يربط في مثله مثلها. أو حمل عليها مالا يضر عادة فتلفت. كما إذا حمل عليها رداءه أوازاره أو قميصه أو نحو ذلك أو يحرزها في مكان يحرز فيه مثلها فتغصب أو تسرق أو يقتل الدابة أحد بلا تضييع منه أو تموت أو يموت العبد مثلا إذا كان هو الموصى به أو يهرب بلا تضييع فلا ضمان عليه في هذا كله (أ. هـ) من شرح
النيل
-
136
- (1/138)
صفحة 139
المسألة الثالثة
فيما اذا أوصى للأجنب بأكثر من الثلث باذن الوارث - فعلى قول لم يجز الرد وان أجازوا بعد الموت أو أوصى له بلا اذن الوارث ثم أجازوا للموصى له بعد الموت رد الأقرب منه ثلثي الثلث لأن ما فوق الثلث هبة من الوارث للموصى له لم يثبت له بمجرد الايصاء من الموصى ولا حق فيه للأقرب وإنما حقه في الثلث فقط فلم يكن له الرد مما فوقه فاعرفه فإنه بين والله أعلم
-
المسألة الرابعة
فيما اذا كان الانسان محاطا بالديون واذن غرماؤه ان يوصى بكل ماله أي أو ببعضه كما اذا قالوا مثلا ان المال الذي بيدك الآن لنا لو شئنا اقتسمناه ولكنا أجزنا لك ان توصى به أو نحو ذلك من العبارات التي تدل على ان الغرماء المذكورين أجازوا له أن يوصى بالمال الذى هو لهم في الحال أو هو لهم بعد الموت أي موت الموصى - فهل يرده وارثه الى الثلث - قال العلماء يرده - ووجهه ان هذا مال الغير وهو الغريم - لا مال الميت - واذن الغريم لذلك أن يوصى به لا يجعله للوارث أبدا انما هو مال الغريم اذن ان يوصى به فكأنه أوصى به بنفسه لأنه لو شاء ان يمنع لمنع ومنعه ماض فيه فما للوارث فيه من وجه من الوجوه -
لا
وكذلك في مثل هذه الصورة لا يرد أقرب ثلثي ما أوصى به لأجنب - لأن ذلك من الغرماء أيضا - مثل الهبة منهم بعد الموت وذلك
10 37
- (1/139)
صفحة 140
كمن قال لرجل أوص بوصاياك في مالي تنفذ منه. فانها تنفذ منه بلارد للثلث ولا رد للثلثين لأن ذلك مال الغير تبرع به للموصى ان يقضى به
وصاياه
أما اذا قالوا أي الغرماء أعطيناك مالك أو تركنا لك ديوننا أو أعطيناك مقدار وصاياك أو أعطيناه لك أو نحو ذلك لكان للوارث هنا الرد الى الثلث وللأقرب رد ثلثي الوصية فافهم ذلك لأنه صار بالاعطاء مالكا لذلك وصارت ذمته بريئة من الحقوق خصوصا في قولهم أعطيناك ديوننا أو أعطيناك مالنا عليك - ولما صار مالكا لذلك جاز الرد هنا اذ صار المال ماله فأوصى به للأجنب وترك الأقرب
المسألة الخامسة
اذا تبادر للانسان ان فلان بن فلان هو أقربه. فأوصى له قائلا ان فلانا أقربى - وأوصيت له بكذا وكذا. وهو لا يدرى أن غيره هو أقربه فقيل ان هذا الغير لا شيء له ولو عينه في ايصائه. لأنه أوصى للأقرب واذا بالأقرب غير الذي عين فالأقرب هو الأحق بهذه الوصية. وليس للمعين فيها الموصى له بها شيء منها فلتصرف الوصية الى الأقرب الحقيقى - وقوله هذا أقربى فلان خطأ ملغى لا يترتب عليه حكم -
وكذلك اذا قال في ايصائه ان فلانا أقربى وأوصيت له بكذا وكذا
•
قيل يأخذ الموصى له الوصية. ويرد الأقرب ثلثيها وقيل لا شيء له فيها
لأن الموصى أخطأ في معرفة أقربه.
-
138
- (1/140)
صفحة 141
وكذلك اذا قال أوصيت لزيد أقربى أوزيد الأقرب الى. أو قال أوصيت لزيد لقرابته منى أو لقرابته الى أو نحو ذلك ـ وكذلك تعيين النوع أيبضا كما اذا قال أوصيت لأقاربي. وهم اناث فانه يأخذ الأقربون ذكورا كانوا أو اناثا أو اجتمعوا والله أعلم
المسألة السادسة
اذا كانت وصية الأقربين مرادة لذكور واناث كيف تكون قسمتها:
قال بعض العلماء تقسم كالارث ـ فيما اذا قال أوصيت للأقارب أو قال أوصيت للأقرب أو قال أوصيت لفلانة وفلانة وفلانة الأقربين الي أو لقرابتهم أو قال من حيث أنهم أقارب أو قال أوصيت لأولاد فلان الأقربين - والضابط ذكر القرب - فتقسم على الرؤس ان لم يبين تفاضلا اذا كان أراد بذلك حقوقا أو ديونا ـ سواء ذكر ديونا أو حقوقا أو لم يذكر لكن لم يذكر القرب. وانما قال لأولاد فلان أو لفلان وفلان كذا في النيل وفي الأثر أيضا مثله. وعليه ان يبين ان لهم كذا من جهة أبيهم مثلا فان هذا كالنص أنها
ميراث
وكذلك إن نص على تسوية في أقرب كما اذا ذكرهم بالقرب وسواهم مع تفاوت درجاتهم أو فضل ذا درجة على من درجته اعظم أو فضل الاقوى بأكثر من حقه أو سوى الذكر والانثى او فضل للانثى قال القطب وحمد الله تعالى ونفعنا بعلومه ـ وانما يحكم بذلك مع القول بأن وصية الاقرب ميراث لان ما يزيد لذي السهم على سهمه صلة من الميت نافلة ـ قال وفي الديوان
139 (1/141)
صفحة 142
يجوز له ان يفضل بعض الاقارب على بعض على قدر ضعفهم - قال: وإن قصد كل واحد بشيء معلوم أو غير معلوم ـ فلا يدرك كل واحد إلا ما أوصى له به ـ ولا يرد واحد منهم شيئا من الآخر - يعني إن عمهم بالايصاء وزاد في حق أحدهم على غيرهم فلا يعد متعديا في ذلك) إذ أعطى كل الأقارب حقوقهم وزاد بعضهم -.
وقال بعض العلماء لا يجوز تفضيل بعض الاقارب على بعض أي لأن وجه الأول إنه لما أعطى الحقوق أهلها فأي مانع أن يؤثر بعضا ببعض الفضل من ماله - ووجه الثاني ان ذلك مدخل عليهم حرجا ومؤثر في نفوسهم والمقصود بين الاقارب غير ذلك لا سيما في حال الخروج من الدنيا والدخول في الآخرة ولا ينبغي إلا أن يجعلهم في مقام واحد لان اسم القرب
واقع للكل فلم يميز احدا عن اخد بغير موجب ـ فان قيل ذلك لضعفهم فالجواب أن الضعف غير مؤثر شيئا لأن صلة الأقارب مشروعة عليه ولم يشرع عليه تفضيلهم -.
وكذلك لا تنبغي مخالفة حكم الارث - قال وان فعل قسمت حسب الارث أي على قاعدته - قال: ولم يتابع على ما فعل لقوله تعالى بالمعروف - والمعروف يعم انواع الحق ومنها العدل على قدر درجاتهم
وميراثهم -.
واما من قال وصية الاقرب غير ميراث. فانه يقول الواجب الايصاء المطلق للاقارب - فاذا أوصى فقد أدى الواجب ـ ولو لم يفعل على قدر
الارث كما قدمته لك آنفا -.
18.
- (1/142)
صفحة 143
وكذلك اذا أوصى الذكر وأنثى اقربين له أو لذكرين أقربين له أيضا
بشيء معين أو غير معين ولم يذكر لفظ الاقرب مع كونهما ـ أقربين له ولا ذكر القرابة او ما يدل عليه جاز ايصاؤه - وقسمه يكون على التساوي بين الذكر والأنثى أو بين الذكرين المتفاوتين حظا واجزاه ذلك لوصية الاقرب - لانه صدق عليه انه اوصى لأقربه ولا يضره ذلك التساوي - ووجه التساوي لعدم ذكره لفظ الاقرب فانه لو ذكر الاقرب لكان سبيله سبيله فيما تقدم من احکامه كلها
المسألة السابعة في تحقيق القرابة الوارثة لوصية الأقرب
أعلم أن القرابة العامة التي ترث وصية الاقرب. وذوي الأرحام الذين لا يرثونها عند قوم الا ان لم يكن سواهم ـ اي الا ان لم يوجد سواهم او يرثونها عند قوم ما كانوا لاربعة آباء ـ وابتداء الحساب من الموصى أو مريد صلة الرحم فيحسب فوقه ثلاثة وما تفرعوا وما تفرعت فروعهم
أبيه فقط
وقيل يبتدأ الحساب من فوق الموصي من جهة أبيه وامه لا من جهة فاذا اطلقت القرابة حملت على من له وصية الاقرب فلا يدخل من لا يرثها ولو كان عاصبا. كما اذا حجبه عاصب، الا على من يقول تورث وصية الاقرب بين القرابة مطلقا العاصب وذي الرحم، ودخل فيها العبد والمشرك والحاضر والغايب على الاصح - وعليه فالثلثان لقرابة الأب - وإن كان فردا واحدا
•
وإذا كان الأمر كذلك، وتعددت قرابة الأب فقيل يقسمونها بينهم
<-181
- (1/143)
صفحة 144
كإرث فيكون للذكر مثل حظ الانثيين. وقيل بتسوية. فتأخذ الأنثى مثل ما يأخذ الذكر وثلث لقرابة الأم يقسمونه أيضا بتسوية بينهم من غير تفاضل، ولو كان فردا فله ذلك
ومن جمع قرابتين أي قرابة الام وقرابة الأب أخذ بهما معا. كمن ترك ابن عم أخا لام أخذ الارث. وان بقي شيء بعد سهام الورثة اخذه بالعصبة من جهة العمومة ولا يرث الاقرب لانه لا وصية لوارث. وان كان وارث حاجب له فله الاقرب كله. وان كان معه أخ للأم ليس ابن عم فلابن العم الاخ للام ثلثان من الاب وللاخ للام الثلث. وان تركت إبنا وابن عم أخا لام أخذ ابن العم وصية الاقرب من جهة العمومة ومن جهة
الامومة
وان وجدت القرابة لاحدهما فقط أخذ الكل لانفراده بالقرابة وان كان فردا واحدا لا شريك معه في درجته - وقيل يختص بها قرابة الأب ان كانوا أقرب إليه ـ بأن اجتمعوا مع قرابة الأم أعني اجتمع قرابة الأم وقرابة الأب، فليس لقرابة الأم شيء ها هنا على قول هؤلاء
وهل اذا كان قرابة الأم اقرب الى الميت من قرابة الأب. يجعل بينهم ذلك نصفين اي لقرابة الام نصف لكونهم متقوين بالقرب فجبر ذلك كونهم أقارب أم ولقرابة الأب نصف لكونهم أبعد من قرابة الام لكنهم تقووا بالأبوة. وللأبوة مزيد قوة قال الله تعالى الرجال قوامون على بما فضل الله بعضهم على بعض الآية - وقيل إن كان قرابة الأب اثنين فأكثر فالوصية لهم ولو كان قرابة الأم أكثر - ولا أعرف لهذا وجها -.
النساء
-
1420
- (1/144)
صفحة 145
وقيل ان كان قرابة الاب واحدا - وقرابة الام - واحدا ايضا. فلا
شيء لقرابة الام - ولعل هؤلاء نظروا الى ضعف قرابة الام ورأوا هنا القرابة متساوية ففضلوا قرابة الاب لقوتها - ويبحث فيه كيف لم يجعلوها بمنزلة الام مع الاب فيعطوا قرابة الام الثلث ولقرابة الاب الثلثين وكذلك ان كان قرابة الاب واحدا وقرابة الام اثنين فصاعدا قسمت بينهما نصفين وهي كالاولى -
وقيل ان كان قرابة الاب واحدا وقرابة الام اثنين فصاعدا أو بالعكس فهي بينهم على سواء. وعن ابي المؤرج ان قرابة الام وقرابة الاب على سواء في الميراث تساووا في العدد او تفاوتوا والعمل عند
اصحابنا ان وصية الاقرب ميراث -
وفي الاثر اذا اوصى لفقراء ارحامه قسمت وصيته على تفضيل الاقرب على الابعد ـ وان كان في ارحامه اغنياء اقرب من الفقراء ولم يوصي لهم حسبت الوصية على الاقربين - فان لم تبلغ الى ارحامه الفقراء اعطى اغنياءهم الثلين وفقراءهم الثلث ويتساوى كل صنف في قسمها
المسألة الثامنة اذا اوصى للفقراء والاقربين والايمان .. الخ:
أي إذا أوصى لهم بثلاثين درهما او دينارا أو قرشا أوروبية او ثلاثين شاة أو بعيرا أو فرسا أو نحو ذلك من الاجناس والانواع - فقيل ان لكل نوع من الموصى لهم ثلثا وعليه القطب رضوان الله عليه. وقيل للايمان الثلث وللاقرب ثلثا الباقي - وفي الاثر. واجاز ابن جعفر رحمه الله ان يعطي
-
143
- (1/145)
صفحة 146
الاقرب مما للفقراء ان كان فقيرا - ووجهه ان صفة الفقر التي بني الايصاء عليها حاصلة فيأخذ بصفة الفقر لا بصفة الأقرب - أم ما كان للايمان فلا وأجاز الأزهر رحمه الله أن يعطى أيضا مما للايمان - ولعله أيضا نظر إلى أن ما للايمان محله الفقر. وإن صفة الفقر لهذا القريب حاصلة له فلله نظره لم يذهب بعيدا عن نظر أبيه جزاهم الله عن الاسلام وأهله خيرا ـ وقيل إذا كانت للأقرب وصية مخصوصة فليس له من الايمان شيء بشرط كونها مقرونة بذلك ـ وقيل بل إذا قرنت كذلك فله لا إن لم تقرن ـ ولعل هؤلاء جعلوا نفس قرنها بمنزلة نوع واحد من أنواع الايصاء. كأنهم جعلوها وصية أقرب أو وصية فقراء أو وصية إيمان - وقيل إن قرنت أخذوا أربعة أخماس ما للفقراء - وقيل أخذوا ثلثه وقيل نصفه - وقد سبق القول في حد القرابة - قيل تحد بأربع درجات بالموصي - وقيل بمن فوقه لأنه لما نزل قوله عز وجل - وأنذر عشيرتك الأقربين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما اتخذ طعاما إلى أربع درجات من بطون قريش إذ خص الله الأقربين من العشيرة ولم يطلق العشيرة وقيل إلى ستة آباء غير الموصى وقيل إلى سبعة وقيل إلى عشرة وقيل إلى الشرك وقيل من يحرم عليه تزوجه وقسل من ترثه ويرثك قلت كل هذه الأقوال ترجع إلى أصل واحد وأن أكثروا في تعدادها
المسألة التاسعة فيما اذا مات الموصى ومات بعض اقاربه الموصى لهم
هل يدخل وارثه معهم ام لا؟ أعلم أن وصية القرابة سواء القرابة العامة او القرابة الواجب لها الايصاء اذا مات أحد الاقارب فان ورثته يرثونه أي نصيبه من وصية الاقربين. وذلك امر مطرد في كل وصية. وأما من مات قبل الموصى من الأقربين أو غيرهم فلا يأخذوا هنا شيئا - وقيل يأخذ وارث الموصى له المتوفي
-
1 {{- (1/146)
صفحة 147
قبل الموصي إن لم تكن الوصية وصية الأقرب إلا الوصية بدينه أو تباعة فإنهما حق لهم يلزمه دفعه لهم فيأخذها الوارث (اجماعا) ذلك لأن الوصية بالدين أو التباعة حق متقرر ويستحقه صاحبه بالايصاء وغيره ويحكم له به ويجبر عليه مقترفه قطعا بلا خلاف. أما وصية الأقرب فقد عرفت ما قيل فيها -.
وأما من ولد بعد موت الموصي ولم يحضر قسمتها فلا شيء له ـ ولا ينتظر بها الحمل ولو تحقق وجوده - ولو كان من اقرب الأقرب ـ وقد أشرت لك بهذا فيما سبق -.
وان بقي من الوصية ما لا تمكن قسمته فقد أخبرناك عن منهجه ومحله ـ فيعطي لاقربهم الى الموصى ان كان افقرهم نظرا لفقره بينهم والا فلتاليه ان كان كذلك وهكذا وان لم يكن فيهم فقير فلفقير من غيرهم - وان تعدد الفقراء في درجة قسم بينهم وربما قيل كيف تقولون يقسم بينهم مع انكم قلتم لا يمكن قسمة قلنا المراد بذبك الامكان ان يتعذر قسمه على سنن قسم الوصية لا على مطلق القسم - وقيل للفقراء مطلقا أي بغير قيد لفقراء دون فقراء - وقيل يجعل رجحانا لميزان القسم - وقيل يشتري به ما يمكن قسمه فيقسم -
المسألة العاشرة فيما اذا اوصي لرحم او دم هل يجوز ذلك ام لا؟
والمراد بالرحم والدم هما من حرم نكاحه عليه ـ والمراد به القريب - ووجه تسمية القريب دما أن النطفة أصلها الدم والولد من الدم أي من دم والده وولد الولد من دم الجد وهكذا - فإذا أوصى لدمه أو أوصى لرحمه فإن
-
180_
- (1/147)
صفحة 148
الايصاء للدم أو الرحم يصرف إلى من حرم نكاحه عليه بالنسب أي لا بارضاع ولا بغيره من المحرم من نحو نكاح بدبر أو بزنى - وقيل أن لفظ الدم ولفظ الرحم والقرابة سواء في المعنى وهو كل قريب بالنسب. وقد عرفت ما قيل في وصية القريب والأقرب. فلا نطيل عليك المقال بل نقول بجواز الايصاء على مقتضى القواعد السابقة -
•
المسألة الحادية عشرة في الوصية للجيران ونحوهم:
أعلم أن من أوصي لجيرانه جازت وصيته ودخل فيها كل من شمله اسم الجوار من فقير أو غني أو عبد أو مجوسي أو كتابي يهودي أو نصراني أو وثني أو مشرك ما ـ مطلقا ـ فيأخذون وصية الجارلا تصافهم بذلك - وللجار حق ـ ولو كان من هؤلاء. ولا يرد الأقرب ما أوصى به لجيران لانه لمعين - الا ان أوصى بنحو رقيق أو نحو مصحف فليس لدى الشرك هنا نصيب لألا يسترق الشرك رقيق المسلمين او يتملك المصحف الذي هو عدوله - وكذلك كل ما يمنع الشرع منه المشركين أن يتمكنوا منه - واذا لم يكن إلا المشرك فأولى أن لا يأخذوا ما ذكرنا -.
والحاصل ان المشرك لا يملك بالوصية ولا بغيرها عبدا أو أمة أو مصحفا ولا جزأ من ذلك وهكذا ما اشبه ذلك ـ بل يأخذ غيره ان وجد الغير جارا وقيل بل له قيمة منا به على الورثة - وان انفرد فله قيمة ذلك
تماما -
ووصية الجيران من الكل - كما في النيل عن القطب - وقيل من الثلث - ووجه الأول ان حق الجيران حق مخلوق واجب وحق المخلوق في كل التركة - وقد أوصى رسول صلى الله عليه وسلم بالجار كما اوصاه به جبريل عليه السلام حتى ظن انه سيورثه - وقيل بل من الثلث ووجهه انه لو لم يوصي به لم
146 -
-
? (1/148)
صفحة 149
يدركوه على الوارث -
ووصية الجيران تقسم على رؤوسهم لا على الدور اعني بأن كانت الدور على جهة اكثر من الجهة الأخرى - وكذا لو كان على جهة اليسار مثلا دار فيها عشرة انفس أو أكثر وعلى جهة اليمين دار واحدة فيها واحد أو داران أو ثلاثة فيهن ثلاثة انفس مثلا: فان القسمة ان يعطى اهل تلك الدار التي فيها عشرة انفس عشرة اسهم. وتعطى هذه الدور الثانية التي ثلاث فيهن ثلاثة انفس ثلاثة أسهم فقط. ويعد كل واحد من العيال ولو صبيا او عبدا ويعد في الجوار أيضا عبد الموصي بشرط كون زوجته أمة للغير أو حرة -.
أما اذا كانت زوجة عبد الموصى أمة للموصى فلا يدخل ـ وتعد أمته أيضا اذا كان زوجها حرا أو كان عبدا لغير الموصي ولو كان زوجها غائبا ـ وكذلك اذا كانت زوجة حرة غايبة مثلا أو أمة للغير غايبة ـ هكذا في
الاثر.
المسألة الثانية عشرة فيما اذا اوصى بثلث ماله لاخوته. . الخ:
اعلم اذا أوصى الموصي بثلث ماله لاخوته وكان اخوته اثنين فأكثر شقيقين واثنين ابويين واثنين اميين - فاعلم ان كان لهذا الموصى ابن يحوز ماله أو أب أوجد مثلا. فان وصية الاخوة بنيهم على سواء من غير زيادة لأحد دون الباقي - وإن لم يكن له من ذكرنا من ابن ووالد وجد يحوز ميراثه فأخواه الأبويان يختصان بثلث الثلث الذي أوصى به.
--
I{Y- (1/149)
صفحة 150
وان اوصى بأقل من الثلث فلهما ثلث الاقل الذي اوصى به ـ وان اوصى بأكثر من الثلث واجاز الورثة ذلك لهما فيأخذان ثلث الذي اوصى به - وبطل سهم الاخوة الأميين والشقيقين لأنهم وارثون ولا وصية لوارث الرجوع السهم في ارثهم أي بطل سهمهم من الوصية لانهم ورثة فافهم فيرجع ذلك ميراثا لهم ولم يكن لغير الوارث لانه ماله إلا ما أوصى به له ـ أو ما ينوبه كما هنا وذلك السهم هو ثلثان من الوصية كما علمت. أي الوصية التي أوصى بها للاخوة الستة فيرثهما مع جملة المال الاخوة الاربعة لأن ثلث مال الموصي - للكلاليين أي الاخوين من الام ميراثا ـ وثلثيه لاخويه الشقيقين بالتعصيب والفريضة - وهذا نهاية مسائل المقام على طريق الاختصار الملائم لشرحنا والله اعلم.
قال الامام الناظم رحمه الله ونفعنا ببركات علومه:
واحكم ببطلان الوصايا أن تقع يوما لبستان فلان لو نفع والخلف في عبد فلان هل تصح له وهل للعبد ملك متضح اعلم ان الايصاء للأموال ونحوها لا يخفى على العاقل أمره ولا يعرب عن اللبيب فهمه - فان الايصاء للأموال أما ان يكون ايصاء لأهلها وفيه الخلاف بين أهل العلم - منهم من يراه من قبل العبث واللعب فلو أراد لفلان لسماه وعينه ولما لم يسمه ولم يعنيه وأوصى لماله كان ذلك من قبيل اللعب الذي ينهى عنه الشرع. فان اللعب بالأموال مما يحجره الشرع وينهى عنه - ومنهم من يراه جايزا وان العرب تكن عن الشيء وتتجوز فيه - ومعلوم في الطباع العربية جواز ذلك كما في قوله تعالى واسأل
- TEA- (1/150)
صفحة 151
القرية التي كنا فيها والعير التي اقبلنا فيها ولا يخفى عليك أن القرية ليست مما يسأل. وكذلك العير وهي الحيوان المعروف فما وجه سؤال القرية والعير بل المراد سؤال أهلها وتجوز فيه فكان مجازا بالحذف أي بسبب حذف فيه والمراد به سؤال أهل القرية إذ من المعقول بديهة أن العير لا تسأل وكذلك القرية فيتبادر في ذهن السامع حالا سؤال أهل القرية وأهل العير - فإذا أوصى أحد لمال فلان تبادر منه حالا الايصاء لفلان المذكور وهو واضح. وترى شيخنا الناظم عفى الله عنه حكم ببطلان الوصية ولم يذكر خلافا وقد جاء الخلاف في الاثر مأثورا. وعن قادة العلوم مذكورا ـ قال في النيل وشرحه وان به الغنية عن كثير من المؤلفات الفقهية - وترى اكثر نقلنا عنه الشهرته بين رجال العلم وفقهائنا من اهل المذهب متعنا الله ببقائه
فينا
وان لمال عبد فلان فهل له او لربه قولان وإن أوصى بكذا لاموال الناس فللفقراء - وان امر بدفعه لمعين فهل يدفع له ـ وان قال لعبد فلان او للفقراء قولان - وان قال أوصيت بكذا للانتصال من مال فلان اعطى فلانا أو وارثه لا الفقراء الا ان لم يعرف أو أيسر منه
وان قال اوصيت بكذا لمال عبد فلان او للانتصال من مال عبد فلان - ويتصور ان يملك العبد المال بان يوهب له او يوصي له به على خلاف في صحة ملك العبد ذلك - ومثله ان يرسل اليه ميراثه من بلاد الشرك
مثلا -
ومعنى اوصى لمال عبد فلان اوصى من اجل مال عبد فلان الخ
-
189 - (1/151)
صفحة 152
فيعلم ان الايصاء للعبد ومثله للبستان كأنه يقول اوصيت للعبد من اجل ماله أو للبستان من اجل مال فلان - وليس للبستان في الحقيقة ايصاء - اختلف العلماء في ذلك اي اختلفوا هل للعبد ذلك بناء على انه يكون مالكا وقد نسب له الموصي مالا واوصى له من اجله ـ فعلى قول ينفذ اليه ذلك وعلى آخر فانه لربه اي سيده المالك له وقت الايصاء ـ لان المال حينئذ لمالكه في الوقت - بناء على ان مال العبد لسيده ـ وايضا فانه يتبادر ان يراد بمال العبد مال السيد الذي بين يدي عبده -.
وصحح القطب - رحمه الله الثاني. وهو وجيه ـ وذلك ان الموصي يوم الايصاء يعرف العبد لمن. فهو اوصى في الحقيقة لمالك العبد اذ أوصى للعبد وهو يعلم ان العبد في ملك رجل. فما اوصى به له مصروف اليه
وان اوصى لعبد فلان بكذا وكذا لانتصال ماله فدخل ملك الوصي فمات بطلت الوصية - وان دخل ملكه ثم خرج فمات فالوصية لعبده. كما لو اعتقه سيده أو أخرجه الى ملك غير الموصي ـ وقيل الوصية لسيد العبد الاول في هذه الوجوه كلها
وإن اوصى بكذا للانتصال مال فلان وفلان بالواو. فبالسوية - ولو كان احدهما انثى او تفاوتا وان قال بأو بطلت الوصية كذا في النيل ووجه البطلان لأن أو هنا تكون للشك أو للتشكيك فيجهل المراد منها فتبطل
لذلك
وقيل ايضا بثبوتها بالسوية - ووجهه أن تجعل أو بمعنى الواو فلا شك ولا جهل - وان اوصى بكذا وكذا لهذه الدابة أو لدابة فلان فقيل بطلت اذ
10.
- (1/152)
صفحة 153
لا وصية لدابة اذ هي مملوكة غير مكلفة بشيء ولا متصرفة في شيء ما مطلقا - فهو نظير البستان وقال بعض بثبوت الوصية نظرا الى ان الموصي انما أراد الايصاء لفلان فتجوز بدابته - وهذا هو الذي صححه القطب في شرح النيل والحمد لله - قال لان ما جلبت الدابة فهو له اي لمالكها. ولان الصدقة لها ايضا ثواب كما في حديث الكلب الذي يأكل الثرى من العطش فرآه رجل فقال لقد أصاب هذا الكلب مثل ما أصابني فنزل البئر فملء خفه فسقاه فشكر الله سعيه ففي كل ذي كبد رطبة أجر.
وإن أوصى بكذا وكذا لأموال الناس أو قال للانتصال من أموالهم أو لأجل أموالهم يدفع ذلك للفقراء ولا حظ فيه لمشرك أو عبد غني كذا في
الأثر.
واذا انفذ الوارث أو الخليفة الانتصال فظهر بعد ذلك صاحب الحق فلا ضمان عليهم لانهم مجتهدون وذلك هو وسعهم ـ نعم يضمنون اذا علموا به الا أن تبين الشيء الذي هو ملك له باقيا في التركة ـ فانهم يعطونه أو انه الذي أعطوه أو باعوه مثلا وأعطوا ثمنه فانهم يعطون قيمته اياه أو
مثله
وان وجدوا رده بلا اغلاء ردوه بعد بيعه - واما ان كان المتصدق بمال غيره لقطة أو انتصالا حيا فإنه يضمن .. كما روي عن ابن مسعود رحمه الله أنه اشترى جارية بسبعمائة درهم فغاب صاحبها فنشدها ابن مسعود حولا کاملا فلم يجد صاحبها فخرج بالثمن عند سدة بابه فجعل يقبض ويعطي المساكين ويقول اللهم عن صاحبها فإن أبي فعني إن رضي بإنفاذي هذا في
-
101. (1/153)
صفحة 154
الفقراء وإلا كان له ماله - وما أنفقته فلي - وأيضا فذلك هو وسع ابن مسعود رضي الله عنه ـ وفي رواية فعنى - وعلي الغرم. أي علي الدراهم لصاحبها أغرمتها له. ولا يعتد. بذلك الانفاق مجزيا - وذلك بعد تمام مدة التعريف
بها.
وقال هكذا يفعل باللقطة وبه امرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وان أمر بدفع التنصل من أموال الناس وكذا الزكاة اي التنصل منها وغيرها مما لا يعطى الا بشرط لمعين - فهل يدفع له. وان كان ممن لا يجوز له الانتصال كعبد ومشرك وغني ووارث على قول فيه امتثالا لامره ولو انه لا يجزيه. لانه ليس دفعه اليه قطعا عن اهله لان ذمة الموصى لم تزل مشغولة ولأن تعيين الموصى من يدفع إليه بعد التعيين بأنه إنتصال من أموال الناس قد يفهم منه أنه عينه لكونه عنده هو صاحب التباعة أو يرجو ذلك وقيل ان يدفع للفقراء الأحرار الموحدين أي غير الوارثين وفي المقام مسائل: الأولى: إذا أبي المعين من قبول ما أوصى له به فما الحكم فيه ـ أقول إذا أبي المعين من قبول ما أوصى به له كما إذا أوصى مثلا لفلان بانتصال أموال الناس أو بالزكاة أو بالكفارة أو نحو ذلك وفيه أي الموصى له مانع من ذلك أي وصف يمنعه من أخذ ما أوصي له به ـ ولم يمت ذلك الموصى إلا وقد زال المانع وهو كونه غنيا فزال عنه وصف الغنى أو مشركا فأسلم مثلا أو كونه رقيقا فصار حرا أو وارث فزال عنه ذلك اعتبارا لحال الموت وإن لم يزل الوصف المانع إلا بعد موته وقبل الانفاذ فقيل يعطاه قياسا على من أسلم على مال قبل قسمته ونحو ذلك
وقيل اذا كان فيه الوصف المانع في حال الايصاء لم يجز له ولو زال قبل الموت أو قبل الانفاذ لا بتنائه على باطل - والأمور على ما أسست عليه -
-
152
— (1/154)
صفحة 155
واذا انعكست المسئلة أيضا كما اذا أوصى لمعين بانتصال من أموال
الناس وبزكاة أو نحوهما وهو بحال من يستحق ذلك أي لحدوث المانع عليه كما اذا استغنى مثلا أو تدارك الى الشرك أعاذنا الله أو ممار رقيقا بوجه ما من الوجوه ـ كما اذا كان بحال الحرية ثم عرض عليه ما يرده الى الرق ـ كما اذا تبين عدم صحة حريته وقامت حجة رقه فيدفع ذلك الى الفقراء في مثل هذه الصورة - وهو مختار صاحب النيل رحمه الله - أي لأن الفقراء هم أهل هذا الايصاء على هذه الصورة. اذ صار الموصى به مجهول الأرباب ومجهولهم محله الفقراء - وقيل ببطلان الوصية لعدم وجود أهلها فيأخذه الورثة ارثا - وقيل بل ينفذ فيمن أوصي له به نظرا الى الايصاء ـ اذا وقع وأهله أولئك ولا يضر ما طرأ عليهم من الوصف الحادث فيلغى ذلك كل
شيء.
المسألة الثانية فيها اذا أمر الموصى ان تنفذ وصيته التي هي انتصال أو احتياط من أموال الناس أي وكفارات وأموال لا يعرف ربها ولقطة لنموذج أو مسجد أو في بلدة أو مكان معين أو صنف من أصناف البلاد أو العباد فلمن تكون
أقول اذا وقع الايصاء على هذا النمط أنفذت وصية الحج في اصلاح طريقه أو اعانة حاج لبيت الله الحرام كما اذا كان فقيرا فيعان لأداء فريضة الحج أو كانت المسجد فيصلح بها جداره وسقفه وأرضه ـ وان صرفت في مطلق عمارته فواسع - واذا جعلها في سبيل الله أو لوجه من وجوه البر كل ذلك جايز - هكذا في الأثر - واذا جعلها في قبيلة معينة أو بلد معين أي أمر بانفاذها في نحو ذلك فانها تصرف على ما أمر فيها وذلك محلها - وان نفذت
- 153 - (1/155)
صفحة 156
في عير ذلك لم يجز - فانه أراد زيدا وأعطوا عمرا - وذلك عين التبديل المنهى عنه المتوعد عليه في القرآن - ولأنه ربما لاحظ معنى لم يفهموه - وأراد أمرا لم يعرفوه - كما اذا كان قصده للقبيلة لعله يصادف فيها من له الحق في ذلك
- فان التباعة لفقير منهم لعله يوفقه والأصل ابقاء الوصية لمن هي له.
وأجاز بعض العلماء أن تنفذ في غير ذلك المعين أي الحج أو المسجد أو البلد أو الصنف أو غير ذلك ـ كما لو أطلق الايصاء الجاز - صرفها الى ذلك وغيره - فلم يحصرها في ذلك تقييده لأن الشرع وسع له في ذلك كله ولو في حج. وقد أوصى بها لغيره بأن يعين بها ضعيفا يريد الحج أو يصلح بها طريق الحج أو تنفق في عمار المسجد أو فى مصالح عمارته أو يصلح بها جداره أو أرضه أو سقفه أو يصرف في زاد الغزاة أو في سلاحهم أو في مراكبهم أو في مصالحهم - والمسجد أيضا قائم مقام الامام والامام يعطى من الزكاة للقائم بأمر المسلمين ولو لم يكن فقيرا
وقال القطب رحمه الله تعالى هذا مراد المصنف ان شاء الله وهو صحيح - واما كلام الشيخ فظاهره ان القول بالجواز يجعله في غير ما أوصى به انما هو غيها بعد المسألة الأولى وهى قوله للحج أو المسجد أي أو في قبيلة أو بلد أو صنف كذا فعلى ما أمر به. وجوزت في غير الأنواع ـ بأن تجعل في صلاح الاسلام. ومصالح المسلمين فان اصلاح الاسلام أمر أكبر من غيره - وأعود نفعه على الكل وأوفر لشئون العدل والانصاف واجتماع حجة المسلمين بتقويم دولتهم وارغام عدوهم أهـ من النيل ـ قال القطب والصحيح انه لا يجوز مخالفة الموصى فلا يعطى أهل بلد ما أوصى به لبلد
آخر
--
108 - (1/156)
صفحة 157
-
المسألة الثالثة فيما اذا أوصى لأهل بلد أو فقرائهم هل يعطى منها
الفقراء كلهم:
اعلم اذا أوصى الموصى لأهل بلد أو لفقرائهم ـ فلا يعطى منها الا
من يتم الصلاة فيه ـ وذلك لأن من يتم الصلاة في البلد يعد من أهل البلد لأن موطن فيه والموطن فيه من أهله قطعا
•
وهل يقبل قول من قال انه يتم أم لا - فقيل يقبل قوله ولو أسود ان
قال انه حر ولم يعلم رقه ويعطى من يتم فيه ولو لم يكن فيه أي بان كان خرج لبلد آخر لغرض أو خرج لنحو حشيش أو حطب أو نحوه أو صودف في غير ذلك البلد وان قال لفقراء بلد كذا فكذلك - وقيل ان قال لفقرائه أعطى من فيها ولو لم يتم الصلاة - ووجهه ان اضافته لهم اليها تعمم سواء المتم
وغيره -.
وقيل ان قال للفقراء من أهلها فالوصية للمعروفين بها ولا شيء للسكان فيها ولو أتموا الصلاة لأن فقراءها غير فقراء أهلها فان قيد الأهلية يمنع عموم الفقراء - وهو واضح والمعانى تنبنى عليها الأحكام ـ ومعول العلماء على ما تعطيه الألفاظ من المعانى الظاهرة -.
المسألة الرابعة اذا أوصى للفقراء من بلد كذا فللفقراء فيها ولو كانوا
لا يتمون الصلاة:
اعلم ان الايصاء اذا وقع للفقراء في بلد كذا أو من بلد كذا. فان
-
100 (1/157)
صفحة 158
كل فقير في هذا البلد داخل في هذا الايصاء - ولو كانوا لا يتمون الصلاة فيها - لأن الحكم معلق على صفة الفقر الموجودة في أهل هذا البلد
وان قال لأهل قرية كذا اشترك فيه الفقراء والأغنياء جميعا - لأن لفظ الايصاء يقتضى ذلك ـ ولعل بعضهم يقول للفقراء فيها فقط نظرا الى حالة الاستحقاق وصيغته وهي الفقر - فان حال الأغنياء يترتب على البذل والتصدق فانهم مخاطبون بذلك في الكتاب العزيز - وإلا فالكف عن أخذ ما يتصدق به وان عم اللفظ فان عمومه يتقيد بصفة الفقر وهذا لا وجه له عندى - بل الصحيح أن ينفق كما أوصى به الموصى فلعله يراعى في الكل
-
أمرا لا نراه نحن - والله يقول. انها اثمه على الذين يبدلونه -
وان قال ماله صدقة لأهل البصرة أو لأهل بغداد أو لأهل مكة أو المدينة أو نحوها فلا يلزمه شيء ـ كذا حكاه القطب رحمه الله
وهل يصح لمن ينفذ وصية فقراء كذا ان يفضل بعضا دون بعض أم يلزمه أن يسوي بينهم - فالصحيح ان له أن يفضل بعضهم على بعض كالأفضل على الفاضل وكطالب العلم على غيره وكالكبير على غيره وكالضعيف لأجل ما به من الضعف وكالأرمل والمتعفف ولو لم تصل الوصية الى الكل بشرط أن يكون ذلك التفضيل الله لا لمعنى غيره من نحو المحاباة أو المداراة أولى في المداهنة لأنها لا تجوز -
المسألة الخامسة فيما اذا أبي الموصى بالانتصال من اعطاء ما تنصل
به هل يجبر الى آخره:
-
107 - (1/158)
صفحة 159
اعلم إذا أبي الموصى بالانتصال من دفع ما أوصى به ولو كان أوصى
به لرجل عينه انتصالا من مال ذلك الرجل المعين فلا يجبر حكما على أدائه ما أدائه لأن هذا أمر مخاطب فيه بنفسه معدود عليه من دينه إذا أبي من حيى مفوض فيه - موكول إليه مسئول عنه بينه وبين ربه ـ معلق بذمته ـ فإذا مات هذا المتنصل دفع ذلك إلى من عينه له بعد موته من ماله لانقطاع الحياة وبانقطاعها انقطاع الذمة وانتهاء للأمر - فيدفعه خليفته أو وارثه لذلك المتنصل له ويستحقها منه سواء كان ذلك المتنصل له وارثا أو غير وارث أقربا أو أجنبا ـ وكذلك أيضا لا تبطل بموت الموصى له لأن ذلك حق واجب عليه لذلك الموصى له راجع بعد موته - إلى وارثه - سواء كان موته قبل موت الموصى أو بعد موته وقبل القسم لأنها تباعة كالدين
وعلى الموصى له أن يزكي ذلك اذا بلغ فيه النصاب استقلالا أو اشتراكا لأنه من جملة ملكه - وكذلك يزكيه أيضا خليفته أو نائبه أو وارثه .. وقيل يزكي ذلك الموصى ويدرك الموصى له بالانتصال أو غيره النفقة ـ أي اذا كان الموصى به مثلا مما يحتاج الى انفاق من مال الموصى ولا يدرك عليه ولا يجب عليه حق بالوصية لأنه بمنزلة من لم يكن له مال -
قال القطب وفي الديوان ان مات الموصى له أي بالانتصال فلورثته على قدر ارثهم أي وقد مات الموصى قبله
وان مات الموصى له قبل الموصي بطلت الوصية ـ قال والصحيح ان مات ذكره المصنف يعني مصنف النيل - والشيخ أي شيخه. ان وصية الانتصال لا تبطل مطلقا. يعنى ولومات الموصي قبله قال وفي الديوان اذا
-
lov - (1/159)
صفحة 160
مات الموصي وجبت الحقوق على الموصى له ان ترك الموصي مالا أي ولو لم الموصى له ما أوصى له به. أي ان الموصى له اذا كان مديونا ولا وفاء عنده فيموت الموصي يكون في حكم الواجد للوفاء ولو لم يقبض الموصي للانتصال ونحوه فانه يملكه بموت الموصي.
قال وان أوصى للحمل بانتصال ماله فان ولد حيا فله والا فلورثته الموصى أهـ وعندى ان ذلك راجع الى ورثة الحمل لأنه حق لهم
المسألة السادسة فيها اذا تنصل لورثة فلان فهل يقسم على
الورثة .. الخ.:
أقول اذا تنصل الموصى لورثة فلان بن فلان فان الحكم في ذلك أن يقسم بينهم على قدر أنصبائهم كقسمة ميراثهم ـ وكذا ان أوصى لفلان وفلان بكذا من أجل مال فلان أو بدنه أو عرضه أو من أجل فلان الذي نسب اليه المال أو الجسد أو العرض ميت ورثه ورثته فيقسم عليهم على قدر ميراثهم - وهكذا كل لفظ مفيد ان ذلك من حيث يعتبر الارث سواء علم الموصي بموت فلان أو لم يعلم على ما في الديوان -
وأما ان قال ورثة فلان. ومات قبل موت فلان فتقسم بينهم بالسوية - وان تنصل المالهم وذكرهم باسم الميراث أو أبدانهم أو أعراضهم - أو قال أعطوا فلانا وفلانا فبالاستواء بينهم القريب وغيره والذكر
والانثى.
- 10^- (1/160)
صفحة 161
المسألة السابعة فيما اذا أوصى لأحد بمال فلان بن فلان الى خره:
اعلم إذا تنصل الموصي لأحد بمال فلان أو بمال لبدنه أو لعرضه وفلان المذكور ليس بمورث الموصى له ـ مثل أن يقول أوصيت لزيد بكذا. وهو مال لعمرو. مع أن عمرا ليس موروثا لزيد بطلت الوصية لمخالفتها الشرع لأن مال عمر وليس ملكا لزيد فضلا عن أن يوصى به لزيد. ولا الموصي مالكا لمال عمرو فيوصى به - وأصل الوصية الهبة وإنما تصح بطيب نفس الواهب ولم يوص به لصاحبه فضلا عن أن يحكم به لصاحبه - مع إمكان أن يجهل أو يتجاهل في أن الايصاء بمال أحد لغيره وجوزت الوصية لفلان المعين المنسوب إليه المال أو وارثه إن مات هو على الأصح. أي إن مات الموصى له المعين فافهم - أي لأن المال له. وإيصاء الموصى به إقرار له بذلك. أي ينزل منزلة الاقرار به لذلك المعين وليس بإيصاء بل يجعل كأنه أقر له به. فهو ماله وراجع إليه
واذا أوصى به لغير ذلك الانسان المعين الذي جعلناه له بمنزلة
الاقرارله به فيؤخذ من ايصائه ما هو الحق فقط - والباطل مردود ـ قال كل شيء ليس عليه أمرنا فهو رد - والحق في هذا هو نسبة المال لفلان المعين المتقدم ذكره ـ ويلغى ما هو باطل ـ وهو الايصاء به لغير مالكه ـ اذ وضع الوصية في غير موضعها -
ومعناه ان من أوصى بالمال لغير ربه فقد وضع الايصاء لغير مستحقه فهو مردود قطعا - وذلك كمن قال أوصيت لأقربى وهو عمرو بكذا. وكان الأقرب الذى هو مستحق للوصية غير عمر و الذي سماه (1/161)
صفحة 162
فيبطل الايصاء له ويثبت للأقرب الذى هو غير عمر و المذكور. وفي ذلك براءة للورثة وللموصى معا - وذلك اذا علم فلان المنسوب اليه المال أو وارثه أو كان من أمران ينفق عليه لا يأخذ الانتصال أي ليس من مستحقيه ـ وأما ان لم يعلم وكان الموصى اليه ممن يأخذ الانتصال فانه يعطى من أوصي اليه إلا ان أبى فان مرجع ذلك الفقراء وكذلك أيضا ان لم يعرف رجع
-
للفقراء -.
وان أوصى الموصي ان ينفق ما تنصل به على أحد معين فلا ينفق على غيره. وان لم يقبله انتظر ما حيى ان أبى أن يقبضه ولا يتصرف فيه بشيء ما مطلقا ما دام ذلك الموصى له به حيا لعله يرجع اليه فيأخذه
وقيل من أبي عن أخذ حقه فلا حق له كذا في بعض الأثر (1) ولا يصح أن ينفق على غيره عند بعض ما دام حيا فيبقى مرتهنا بحياته لأنه
تباعة له
وقيل عليهم أن يعلموه به ان لم يعلمه فقط أي لا يكلفون أكثر من أن يقولوا له ان فلان أوصى لك بكذا وكذا من تباعة عليه لك فاذا أباها تركوه وقيل يضعون ذلك في يده أو حجره أو قدامه بحيث يصله لأن عليهم أن يطلبوا صاحب الحق في مثل هذا وقيل يترك الموصى له به ولا يشتغلون به وقيل يوصون له به أيضا فيضعونه حيث تركه الميت أو حيث أمكن بلا تضييع. فان تضييع المال حرام. وقيل ان أبي من قبوله حل لهم أن يأكلوه ولا يوصون به ولا يضيعونه فيما ذكرنا - وأصل هذا القول الحديث
-
المتقدم. وهو قوله له من ترك حقه فلا حق له وهو واضح فالحمد لله
(1) سيأتى انه حديث نبوي لا أثر بالمعنى المفهوم وأهه
160
- (1/162)
صفحة 163
المسألة الثامنة فيما اذا جن الموصى له فكيف يفعل بوصيته أم تبطل
الوصية:
اعلم انه اذا جن الموصى له سواء قبل الايصاء أو بعده. فان خليفته يقوم مقامه وان لم يكن له خليفة فعلى الحاكم أن يقيم وكيلا يتولى ذلك وان لم يكن حاكم فجماعة المسلمين. فيدفع ذلك الى الخليفة. سواء عرض عليه في حال الصحة فأباه ثم جن أو لم يعرض وسواء قبله ولم يقبضه أو لم يقبله أصلا. فكذلك لأن الجنون في مثل هذه المسائل كالموت. أي يعتبر المجنون في عدم التصرف في ماله وفي أمر عياله كالميت. إلا أن ماله باق له بخلاف الميت
ومثل الخليفة قائم المجنون ما كان قيامه بحق ـ ويدرك على العشيرة الاستخلاف عليه - وكالمجنون أيضا كل حدث مانع من قبض المال اذا كان مثلا أبكم لا يفهم عنه أو لا يفهم هو - فاذا مات هذا المجنون ونحوه رجع ما أوصى به الى الوارث كما له ويقسم ميراثا - واذا ارتد هذا الموصى له رجع الايصاء له الى الامام. لأن المسلم لا يرث الكافر فهذا الموصى به صار مجهول الأرباب. ومجهول الأرباب أولى به الامام في زمانه. فان لم يکن امام فلفقراء المسلمين. وقيل بل يصير سبيله سبيل من يستحق ميراثه كائنا من كان والله أعلم.
المسألة التاسعة فيما اذا أوصى لغايب أين يوضع ما أوصي به له إلى
آخره:
161 - (1/163)
صفحة 164
اعلم اذا أوصى أحد لغايب مثلا لا يدرى في أي مكان أو في أي بلد
من البلاد التي يثبت له بها اسم الغايب - دفع ذلك الى وكيله أو خليفته اذا كان له خليفة ثقة عدل أو وكيل كذلك - ويبرأ الموصى والوصي بذلك وان لم يكن له وكيل ولا خليفة فعلى الحاكم أن يقيم له ذلك ليقبض له ذلك الموصى له به وإن لم يكن حاكم فعلى عشيرته أن تقيم له ذلك ـ ويدفع إلى ذلك الخليفة. ويبرأ الكل بالدفع إليه. وذلك هو غاية المستطاع في حقه والشرط في الخليفة أن يكون أمينا في الدين ثقة مرضيا تطمئن به النفوس في
الدين والدنيا
وهل يكفى اذا اطمئنت به النفوس في الدنيا فقط فقيل لا ـ لأن غير المستقيم في دينه خاين ولو استقام في دنياه. وان الخيانة في الدين كما يرشد الى ذلك القرآن الكريم والسنة النبوية
وقيل اذا لم يوجد المستقيم دينا ودنيا جاز أن يستخلف لليتيم والغايب المستقيم في دنياه - لأن دينه له واستقامته فيه تعود اليه ـ واستقامته في دنياه له ولغيره وقيل يجوز استخلاف مستقيم الدنيا ولو وجد جامع ـ الاستقامتين لأن المطلوب هنا منه حاصل - والأول هو الصحيح - وقيل اذا لم يوجد أمين الدين الا ضعيفا جاز غيره - وحكم الغايب والمجنون والصبى واليتيم في مثل هذا واحد اتفاقا -.
وهل تقدم العشيرة في الاستخلاف لهذا الغايب ونحوه على الامام أو القاضي أو الحاكم أو الوالى ولليتيم والصبي والمجنون. قيل نعم ان العشيرة هي التي ستخلف - فاذا لم توجد العشيرة رجع أمر استخلافه الى الامام. ثم الى القاضي ثم الى الحاكم ثم الى الوالى وهكذا قال في النيل
- 162 -
- (1/164)
صفحة 165
واذا لم توجد العشيرة استخلف الامام أو القاضي .. الخ. - وهو يدل
على تقدم العشيرة على الامام ونحوه
ونقول نحن ان الامام هو المقدم - لأنه صار مرجع الأمة وقايما مقام الكل فهو السائل والمسئول عن صلاحها كله. وهو ولي من لا ولي له كما يشهد بذلك الحديث الصحيح عن الرسول عليه الصلاة والسلام - واذا صح وجود الخليفة المذكور سواء قومه الامام أو غيره فليدفع اليه ما أوصي به لليتيم والغايب ونحوهما
وان أوصى بالنفقة عليه أي على الغايب والمجنون والصبى واليتيم ونحوهم صح دفع ذلك الى خليفتهم القائم بانفاقهم. ويصح أن ينفق عليهم أي من ذكرنا دون الخليفة والوكيل كاطعام لهم أو إلباس لهم ولا يحتاج الى استخلاف على ذلك ـ قال الله تعالى ـ قل اصلاح لهم خير - فاطلقه ولم يقيده بخليفة ولا وكيل
•
واختلفوا هل تكون الأم للطفل بمنزلة الأب فيصح أن يدفع اليها ما يدفع للأب فقيل ليس للأم ذلك وانما ذلك للأب دون بقية الأولياء ـ وليس للأمهات ولاية على الأولاد ولا غيرهم - وليس لهن عصوبة ولا أمر تزويج
حتى في مماليكهن الى غير ذلك من الأمور.
وقيل بل اذا عدم فللأم ما للأب كما في قوله صلى الله عليه وسلم انت ومالك لأبيك وقال القطب رحمه الله تعالى ان للأم ما للأب أيضا وكما في حديث يارسول الله من أبر قال أمك قالها ثلاثا وفي الرابعة قال أباك فدل
-
163 -
- (1/165)
صفحة 166
أن للأم حقا كالأب بل هي أحق على مقتضى الحديث
قلت ولهم أن يجعلوا هذا البر خاصا بالمعروف لا يشمل كلام المقام فان الولاء غير المعروف وان البر بمعنى بذل المعروف للوالدين ربما كانت الأم أحق به لضعفها ألا ترى الشرع يقصر النساء من تولية أشياء عديدة - وما رأيت من ناقصات عقل ودين .. الخ. يدل على المقام ـ وفي النيل - وأم طفل كوليه في القيام وعبر بالولى تعبيرا بالأعم لأجل الشمول. ففى هذا الأثر حكم الأم كحكم ساير الأولياء والله أعلم ـ.
المسألة العاشرة فيهما اذا لم يكن للطفل خليفة أو كان ولكنه غير
ثقة .. الخ
اعلم ان اليتيم ونحوه اذا لم يكن لهم ولي أو كان لهم ولي ولكنه غير ثقة أنفق ما أوصي به لهم عليهم - أي ينفقه وارث الموصى على اليتيم ونحوه ويبر بذلك. ولا يدفعه لغير الثقة فانه لا يؤمن بذلك ـ واخاف
عليه الضمان -
نعم اذا صار خليفة الطفل أو اليتيم أو المجنون وارث الموصى فعلى عشيرته أن تستخلف له خليفة آخر يقوم بحقه كذا في الأثر ـ وعلى هذا الخليفة الذى استخلفته العشيرة أن يقبض الموصى به. ويدفعه للخليفة الأول (وقيل) بل يمسكه الخليفة الثانى بنفسه لمن أوصي له به. لأنه أيضا خليفة حق قام بأمر العشيرة
وان أوصى الموصى ان ينفق ذلك عليهما أو عليهم في انتصال ماله
164 - (1/166)
صفحة 167
أنفق على أبيهم. وهو الكفيل واليه أمرهم مالم يظهر أنه غير أمين - وان لم يكن لهما أو لهم أب فعلى خليفتهم - وان كان الطفل ممن يجوز أمره ـ وهو مراهق فانفق ذلك عليه أجزا ـ كذا في الأثر -.
وان أنفقه على أم الطفل وكانت تلك الأم قاعدة على ولدها ـ أو أنفقه على وليه لم يجزه ذلك بناء على ان الأم ليس لها ما للأب. ولو قعدت عليه ـ وكذلك الولي على هذا وقال بعضهم بل يجزيه بناء على أن للأم ما للأب والولي كذلك - وكذا ان جعله في مصالحهما أو أطعمهما اياه أو كساهما اياه كذلك حتى أبلياه فالخلاف فيه بين أهل العلم - بعض يراه مجزيا له وقال بعض لا يجزيه
المسألة الحادية عشرة فيها اذا أوصى الموصى ان يدفن حيث
مات .. الخ.:
اعلم اذا أنه أوصى الموصى أيا كان ان يدفن حيث مات مما هو مملوك له وله قيمة أو خص موضعا معينا مثل بيته أو مسجده أو أي مسجد كان أو في طريق له أو لغيره أو لعامة. فلا تثبت وصيته هذه خصوصا في الطريق والمسجد. لأن في ذلك مضرة للغير - وفيه تعطيل لذلك الموضع من المسجد والطريق - وليس لأحد أن يتملك منهما شيئا. اذ خرجا عن ملكية الانسان - وبدفنه فيهما - يملكها ولو كان المسجد له فان المساجد الله
ليس لأحد فيها خصوصية على أحد كما في التنزيل ـ وان المساجد الله
وان بناه مسجدا الى موته واستثنى موضع دفنه منه فاستثناه باطل لا عمل
-
190 - (1/167)
صفحة 168
عليه ـ ولا يؤثر شيئا بعد ما تقرر بناء المسجد الله فهو كله لله أبدا ـ وقال بعضهم له شرطه اذا كان شرطه وقت تأسيسه فانها على ما أسست عليه وقد أسس هذا المسجد على هذا الشرط.
-
وكذا ما اذا أوصى أن يكفن في حرير لا يلزم الوارث من ايصائه ذلك شيء - لأن هذ ممنوع عليه من أصله حياتا وموتا ليس له فيه نصيب ـ ولعل بعضا يقول له أن يكفن فيه حسب وصيته بناء على أن أحكام الآخرة خلاف أحكام الدنيا فانه يلبس الحرير في الآخرة اذا وفق عبده لدخول الجنة - نسئل الله دخولها - ويرى هذا المرخص أن أحكام الانسان بعد الموت غير أحكامه في الحياة. والحق ان هذا مخالف لظواهر الأدلة
(وفي الأثر) والكفن في الحرير لا يجوز لأن الرجل لا يصلى فيه - وفيه اسراف. والمرأة تصلى فيه وتلبسه ولكن قيل فيه اسراف أيضا - والأولى تركه فتكفن المرأة في غيره. ولا يخفى عليك ان دفن الميت في البيت فيه مضرة على الوارث. والشرع يدفع المضرات ـ قال صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار في الاسلام. أي كل ذلك يأباه الاسلام -.
وعند العلماء في الوصية ضابط. وهو ان وصية الميت على وجهين
وجه ينفع ووجه يضر ولا ينفع والذي يضر ولا ينفع لا يقبله الوارث والله أعلم - وقد تقدم انه اذا أوصى بالانفاق على الفقراء مطلقا أن ينفق في بلد معين أو في مساكينه أي مساكين البلد المعين وكذا ان خص نوعا من المساكين كمساكين العرب مثلا أو مساكين العجم أو البربر أو الاباضيه الوهبيه أو غيرهم من ساير المساكين - وسواء في ذلك الزكاة والانتصال
-
177 - (1/168)
صفحة 169
وغيرهما يصح أن ينفق على الفقراء مطلقا - أعنى اذا أوصى به أن ينفق في بلد معين أو في مساكينه .. الخ. فانفاقه في مطلق الفقراء جايز عند بعضهم. وما عينه لاصلاح مسجد مخصوص جاز أن يصلح به غيره من المساجد. لأن حكم المساجد كلها كحكم مسجد واحد ـ فهو بيت الله وغيره بيت الله أيضا -.
ومنع بعضهم ذلك قائلا ان الأصل في الوصايا ان يتابع الموصى فيها مالم يوص بما يحجره الشرع. ولأن الايصاء عهد يعهده الموصى الى الوارث أو الخليفة. فيجب عليه أن يوفي به ـ وقد خرج من ذمة الموصى بالموت ووقع في ذمة الخليفة أو الوارث. والله سائلهما عنه. ولا يشترط ان يعلم الخليفة أو الوارث حال الايصاء - ولأن للموصى ثلث ماله يجعله حيث شاء من أنواع البر وأيضا فان في تعيينه لذلك نوعا من الاحتياط أو التنصل الذي قد لا يعلمه الخليفة أو الوارث
نعم لو أوصى به الى ما يحجره الشرع فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وان أوصى به في مكروه لم يجب انفاذه فيه وكذلك حيث لا يتبين سبيله أهو حق أو باطل والانفاق يطلق شرعا على الانفاق في المصالح وهل تقدم المصالح الخاصة أو العامة في ذلك خلاف والله أعلم
المسألة الثانية عشرة فيما اذا أوصى بما يتنصل أو زكاة .. الخ.:
اعلم ان ما أوصى به لتنصل من مال الناس أو لتنصل من زكاة فأنفقه الوارث أو الخليفة أو غيرهما ممن له إنفاق ذلك في احتياط
-
167 - (1/169)
صفحة 170
تنصل .. الخ. لم يجز للخليفة أو الوارث. لأن التنصل من أموال الناس أو التنصل من الزكاة فرض - والاحتياط منهما أو من أحدهما أو من مشبههما نفل ـ وما أوصى به لينفق في فرض لا يصح أن ينفق في نفل فان ذلك تبديل للايصاء ومخالفة للموصى - وكذا كل ما أوصى به لتنصل من شيء. فان أنفق في احتياط من ذلك الشيء لم يجز - وهذه قاعدة
مطردة ـ.
وأجاز بعضهم أن ينفق ما أوصى به لتنصل نت شيء في حوطة من ذلك الشيء لأن كل هذه الانفاقات حسنات له وضعفه بعض الدراة قائلا لا نسلم ثبوت الحسنات بذلك الانفاق لأنه فعل مخالف لما أمر به ـ وانما يثبت الله الحسنات للموصى الذى خولف في ايصائه لصحة نيته في ارادة الخير واجتهاده في تحرى أداء الواجب وتوبته من ذلك فان الوصية بالشيء مستلزمة للتوبة من ذلك الشيء كذا قيل والله أعلم
لازم.
المسألة الثالثة عشرة فيما اذا أوصى لاحتياط من الزكاة .. الخ.:
أي أو من أموال الناس فأنفق عنه في زكاة لازمة معينة ـ أو في مال
اعلم انه اذا أوصى أحد لاحتياط من الزكاة فأنفق في أموالهم أي أموال الموصى لهم عنه جاز أيضا ولا يعد هذا تبديلا - ووجهه جلي ـ ذلك ان ايصاءه لاحتياط الزكاة معلوم ان مراده التخلص منها ـ وكذلك في احتياط من أموال الناس - وفي هذا الانفاق الذى أنفقه الخليفة أو الوارث
-174 -
- (1/170)
صفحة 171
على هذا النمط تخلص أيضا منها. بل في ايصائه نوع من الشك ان يكون عليه ما احتاط منه. وان يكون ليس عليه منه شيء وهذا عليه صريح من غير شك - ولعل قائلا يقول بخلاف هذا. ويرى أن المال الذي عليه صريحا لزكاة أو للناس يلزم ذلك في رأس المال على حدة. وهذا في الثلث على حدة وهو وجه بين
•
ومن نوى ليلة عاشوراء ان كل ما يضومه أو يصليه أو يتصدق به أو أكله طاير من ماله أو أكلته دابة أو سرقه لص. فهو لاحتياط مما عليه من صلاة أو صوم أو مال لا يعرف ربه أجزاه لعامه ذلك ولو لم يجدد النية عند ارادة العمل - فالصلاة للصلاة والصيام للصيام والمال للمال
وقيل بل يجزى نوع لنوع آخر من البر. كالصدقة عن الصلاة وهكذا ـ وكذا ان نوى ليلة عاشوراء التقرب بأعماله الله تعالى أجزاء ولولم ينو التقريب عند ارادة العمل هكذا قال بعضهم ومنعه آخرون. .
وان أوصى لانتصال أو احتياط هكذا. ولم يذكر أموال الناس فقيل ذلك للأقرب يأكله. لأن ذلك وصية لم تتبين اذ لم يقل من كذا أو عن كذا ولأنه يمكن أن يكون انتصالا من ماله أو احتياطا منه ـ وأصل الوصية للأقرب ـ ولا سيما اذا كان فقيرا فانه أحق بها من جهتي القرب والفقر - فانهم قالوا. ولو كان ذلك الانتصال أو الاحتياط من مال غيره ممن لا يعلم فانه يجزيه أن يأخذه الأقرب لفقره كذا في الأثر المغربي - وقيل بل ينفق في الفقراء مطلقا كما اذا أوصى بأنه انتصال أو احتياط - لأن - الانتصال والاحتياط معروف سبيلهما الفقراء - كما أوصى بزكاة لصرفت الى
—
169
- (1/171)
صفحة 172
الفقراء.
والمشهوران يعتبر ثلث المال يوم مات الموصى لا يوم الانفاذ للوصية وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا افتقر أي أتلف أكثر ماله بعدما أوصى بثلثها أو استغنى مثلا بعد تحريره الايصاء معتبرا ثلث الوصية يوم الايصاء وهو اذ
ذاك فقير فاستغنى
المسألة الرابعة عشرة فيمن أوصى بوصية لرجل وبلد الموصى غير
بلد الموصى له وغير بلد الحاكم .. الخ.
ومن أوصى بوصية لرجل وبلد الموصى غير بلد الموصى له. وغير بلد الحاكم أيضا ووصيته وموته ومسكنه كل منهما في بلد آخر وله مال في تلك البلاد أو بعضها أو غيرها وتوجد الوصية فيها أو في بعضها أي الأشياء الموصى بها وقيمتها مختلفة فيها فتخرج من الثلث في بعض القيم دون بعض ـ قال أهل العلم. أما ما قيمة ماله فحيث يوجد أي يوجد المال عند القضاء - وأما ما قيمة وصيته فحيث سكناه - فان تعدد سكناه أي كان له سكون في عدة منها قومت بقيمة العدول في ذلك البلد الذي فيه ماله ـ وان كان له مال في بلدين فبقيمة البلد الذي مات فيه
وان مات في غير البلدين الذين فيهما ماله فلتنظر الوصية ان كانت تخرج من الثلث فحيث تكون أوفر للوارث من بلد الميت وان لم تخرج منه أي الثلث من أحد البلدين وخرجت هي فيه فقيمتها على الأوفر على الموصى له ان خرج من الثلث وان لم يوجد في بلد أي الثلث المذكور فقيمة
-
170
- (1/172)
صفحة 173
أقرب موضع يوجد فيه ذلك الشيء الى بلده ولا ينظر في غيره كما اذا أوصى بجنس من البر مثلا يوجد في بعض البلاد أغلا من البعض الآخر كالباطنة والداخلية من عمان مثلا - كنحو نزوى وبهلى ونحوهما فأقرب موضع يوجد فيه ذلك الشيء أحق بالاعتبار فيه هكذا يدل مجمل الأثر عن أهل العلم والبصر نفعنا الله بعلومهم وهدانا لفهم رسومهم والله أعلم
قال شيخنا الناظم رحمه الله ورضي عنه:
أما وصايا الطرق شرعا فاجعل في نفعها لا سالك كالمنهل أما السبيل فالخلاف فيه هل كالطرق أو حكم الصوافي قد نزل أم حكه للفقراء أم بطل ايصاؤنا للجهل فيه فاضمحل
اعلم أنه قد سبق لنا الكلام على جهة الاستطراد على الطرق. ووصاياها. وها نحن كاشفون لك القناع ورافعون عن ذلك النزاع - فنقول اذا أوصى أحد من الذين تجوز وصيتهم شرعا لطرق المسلمين أو لمطلق الطرق - أنفق ذلك في ما يعود نفعه على مرارها من نحو اصلاحها وتسديد جوانبها وتصكيكها بالأحجار ان كان في ذلك صلاح لها أو في قلع الأحجار. منها ان كان ذلك صلاحا. وفي كبس ماأنهار أو انخفض منها بالأمطار ونحوها أو ما يصلح قناطرها ان كانت ذات قناطر وكذا جسورها ان كانت لها جسور - وكذا قطع الأشجار النايفة عليها أو قلع عروق الشجر التي تخرج فيها أو جلب التراب لها لتلين أو نسفه منها لتشتد اذا كانت رخوة تنهار أو لفحص الرمل منها والقائه في جانب لا يضر بها ـ وفي اصلاح ما تخربه السيول والأودية منها - وكذلك ما تكسره أمواج البحر ان كانت
-
171
- (1/173)
صفحة 174
الطريق عليه أو على جانبه أو في من يقوم فيها في المواضع التي تقع فيها حيرة الماركما. كانت يحتار فيها المار بتعفى أثر الطريق برياح اذا تهب عليها أو رمل ينهال عليها أو في حفر الآبار عليها ليشرب منها المار أو اجراء الأنهار حولها لشرب المارة بها أو لخدمة الحياض لجمع الماء أو لجعل الرصد عليها محاربة لقطاعها وحفظا للضعفاء من لصوصها أو لتسليح من يقوم بحفظها أو لسقي العطشان فيها أو في حبال الآبار التي على الطرق وفي دلائها. ونحو ذلك من كل ما يعود نفعه على مرارها.
نعم اذا كانت الطريق متخربة بنحو ما ذكرنا فلا يدفع ما أوصى به لها في مرارها كما اذا كانت صاحية وأرجاؤها مستقيمة وآفاتها كلها زائلة ولا محذور بها فهل يجوز إنفاق ذلك على المارين بها خلاف ـ وعندى الأولى أن يحفظ ليوم ما من أيام ضياعها وتخريبها قال في النيل
وان أوصى به أي بالشيء الموصى به لطريق مكة أصلح به الوعر منها كطريق مكة أو طريق المدينة - أي أو الكوفة أو مصر أو عمان أو أي بلد من
بلاد الاسلام.
الى أن قال ومن اصلاحه غزو قطاع طرقه وقتلهم عنه. أو طردهم. وان لم يجدوا بها قطاعا أو لصوصا أو نحوهم أو كان صالحا أي الطريق لا تخريب به واذا كان الطريق أي الموصى له صالحا فليصلح بذلك الطريق الآخر الموصل اليه من جهة أخرى ولو من الأربع الجهات - وان توعر طريق الركب اليها من جهة أصلح بذلك الى أن قال. وان لم يجدوا ذلك حفروا به للماء حيث يقل في طريق مكة أي لأجل التعيين الواقع في الايصاء - وإلا فغيرها من الطرق كذلك - ويجوز عندى أن يحفر به للماء
1720
- (1/174)
صفحة 175
حيث يقل في طريقها (أ) (هـ) - أي ولو أمكن أن يصلح به الوعر.
قال وان لم يجدوا ذلك أو لم يحتج الى ذلك أعانوا به حاجا طعاما أو زادا أو مركبا أو غير ذلك. أو جعلوه مركبا في البحر لمن يحج به ويعطى منه أجرة خدمه ورئيسه (أ هـ) - فتراه جعل غزو قطاع الطريق من اصلاح الطريق وقتلهم وطردهم وما فضل عن إصلاحه جاز أن ينفذ في اصلاح طريق موصل اليه - لأن الكل منها طريق
فاذا وقع الايصاء مرسلا فعلى الخليفة أو القائم بأمر الطرق الناظر في مصالحها أن يصلح به الأضر من طرق بلد الموصى - ولا ينفذه في اصلاح طريق بلد غيره. واصلاح طرق بلده أوجب ـ وابدء بنفسك ثم بمن تعول ثم الأقرب فالأقرب. وكذا حكم الطرق ونحوها
ولعل قائلا يقول يرجع نظر ذلك الى الامام ان كان في البلد إمام لأن نظر مثل هذه الأمور راجع اليه - قال: أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لو عثر عائر بالعراق لرأيتنى مسئولا عنه قيل وما ذنب أمير المؤمنين في ذلك قال ان أمير المؤمنين مكلف بتعبيد الطرق ـ أي اصلاحها ـ وفي الحقيقة ان أمير المؤمنين أحد المسلمين له مالهم وعليه ما عليهم. ولكنه أخص منهم بالنظر في المصالح العامة وعليه أن يقوم فيها بما استطاع وهو من الصلاح العام - وليس طريق أخص من طريق - وانما النظر من الامام ان كان أو من زعماء المسلمين أو جماعتهم أو أهل الخير فيهم ذلك لكونهم رعاة الأمة يراعون لها المصالح مطلقا
?
173 - (1/175)
صفحة 176
(قال القطب رضي الله عنه واذا صرف في الزاد والراحلة ونحوهما
فقد صرف في الطريق اذ صرف فيما تقطع به مسافة الطريق ـ أي لأن الطرق لا تقطع غالبا الا بزاد وراحلة ونحوهما بخلاف هذا العصر الذي نحن فيه ـ اذ أصبح طريق الناس الجوطيرانا مزعجا وسيرا مسرعا لا يحتاج معه الى زاد اذ يقطعون المسافات العظيمة في ساعات يسيره فسبحان من سخر لعباده ما في الكون من مخلوقاته - وأبان لهم عن غوامض أسراره وبديع ما أودعها من لطايف خصايصه ـ ولقد كرمنا بني آدم ـ وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا
(1)
وما أوصى به للمنهل أى المورد فيصرف في مصالحه من نحو حفره وتعميقه اذا نزل ماؤه. وفي تخريج ما تلقيه الأمطار كالأودية ونحوها وفي شراء الحبال والمحال والدلاء ان احتاج الى ذلك ـ وفي تقويم العمال عليه لسقاية الوارد من بشر وحيوان - وفي البناء الجدرانه وتجصيصه بالصاروج ان كانت أرضه تتداعى - وفي بناء حياضه ان كانت له حياض - وفي ابتداعها ان لم تكن له حياض واحتيج اليها - وفي البناء عليه ان احتاج الى ظل - وفي البناء له لما يرد عنه حميل السيل ونحو ذلك - فهذا كله من صلاحه ـ وهو من أعظم المنافع - واليه الاشارة بالرواية المشهورة من استعظم ذنبه أو من استكثر ذنبه فليسق الماء (واحسبه حديثا نبويا ـ وهذا الحكم ثابت للآبار التي تحفر على طرق المسلمين. كما صرح العلماء في آثارهم وتداوله الهداة في مصنفاتهم وأشار اليه الناظم رحمه الله تعالى بكاف التنظير بينه والطريق
اذ قال كالمنهل
والمنهل هو المورد لغة وعرفا - أي ما أوصى به للسبيل ففيه للعلماء
(1) قوله المحال هو آلة توضع عليها لجر الماء من البئر والمنهل والجفر ونحوها لغة عمانية
-
1740
- (1/176)
صفحة 177
مذاهب
الأول: ان ما أوصى به للسبيل باطل. لأن السبيل هنا غير معروف. وما كان كذلك فهو باطل. لأنه ايصاء لشيء لا يدرى فهو أشبه باللعب. وبطلانه في الشرع واضح.
وجوده
الثاني: ما أوصى به للسبيل مرجعه للفقراء. وللأمام فيه النظر مع
الثالث: ما أوصى به للسبيل يصرف في مصالح طرق المسلمين لأن السبيل في لغة العرب الطريق - تشهد بذلك لغاتهم جاهلية واسلاما. نظما ونثرا. ولا ينبغى ما عرف له وجه أن يصرف في غير وجهه ووجه ما للسبيل
هو هذا
أما لو قال في ايصائه لسبيل الله أو في سبيل الله فان بعضا من أهل العلم يقول ما كان لسبيل الله فهو في الحجاج - وقال بعضهم مرجعه الغزاة المرابطون في الثغور فذلك في سبيل الله ونعم السبيل. فيه حياة الاسلام. وبه تقوم قناة الدين. ويكبح به جماح الكفر وأهله والبغي وذويه. وعليه من السنة كثير واليه يرغب العاملون الله القائمون بأمر الله في حلهم
يدل
وترحالهم.
وقيل ما أوصى به ـ لسبيل الله .. الخ. فهو في الضيف. فان الضيف ابن السبيل وهو وجه من وجوه الخير في الاسلام -.
-
175 (1/177)
صفحة 178
فاذا أنفق في وجه من هذه الوجوه فقد أنفق في محله - وبذلك يبر
منفقه ويؤجر موصيه ان شاء الله - وقال بعضهم بل ذلك للفقراء فان سبيل الله مجهول لأن مناهج الخير كلها سبل الله. ومحل هذا لأن يوضع فيها ما أريد به وجه الله. فان اضافة السبيل الى الله تدل على ذلك كما عرفت والله أعلم - قال الناظم:
واجعل وصايا القبر في مثل اللبن أو في مساحي الحفر والما اذ دفن ما كان للموتى لما يحتاج له يجعل كالأكفان أو من غسله والأجر للحامل والسرير والحفر للقبر وللتعطير
اعلم ان القبر جعله الله للانسان بعد موته من جملة ما يستره وأصله فيما قيل قضية قابيل وهابيل ـ اذ قتل قابيل أخاه هابيل ليتزوج توأمته وكان اذ ذاك الموت غير معروف في بنى آدم حتى يعلم المصير بعده ـ فاحتار قابيل فيهما يصنعه بأخيه فحمله على عاتقه. خوفا عليه من السباع تأكله. وبقى على كاهله فيما قيل سنة كاملة لا يدرى أين يضعه. ولا كيف يفعلن. به وقد حفظه الله من البلى فلم يتغير الاكونه غير ذى روح ليريه من آياته الباهرة. فأرسل الله بعد ذلك غرابين يقتتلان بمرأى منه ومسمع فقتل أحدهما صاحبه. ولما تيقن موته حفر في الأرض حفرة فألقاه فيها ودفن عليه فقال قابيل هذا هو الوجه الذى أطلبه لأخى حفظا له من السباع ومن الطوارى المخوفة عليه كما قص الله عز وجل عنهما في كتابه العزيز حتى قال
قابيل. ملتفتا الى نفسه يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب
فأوارى سوأة أخى الآية - ولم يرد في الحقيقة الكون مثل الغراب. ولكن
أراد الفعل حيث جهل ما لم يجهله ذلك الطائر الذى لم يكلف من الله بشيء
-
176 -
- (1/178)
صفحة 179
فكان ذلك سنة بنى آدم في دفن أمواتهم
واللبن بكسر ففتح جمع لبنه وهو المدعو في العرف العماني العام بالطفال والمساحي جمع مسحاه بكسر الميم آخره تاء مربوطة آلة من الحديد تتخذ للحرث والحفر هو شق الأرض ليلقى فيها ما أريد دفنه فيها بذرا أو
غرسا ونحو ذلك ـ والأكفان جمع كفن بفتح الكاف والفاء وهو كساء الأموات كالأعلام - وأقله إزار وعمامة ودرع وكلها مكسورة الأول ـ ولفافة للرجل. وربما زيد للمرأة لحاف - وقيل أقله ثوب واحد يدرج فيه فيوارى جميع بدنه. وأكثره ثلاثة أثواب - أزار وقميص ولفافة وقيل بل أربعة بزيادة عمامة على الثلاثة المذكورة وقيل بل أكثره ستة أثواب ولا يزاد فوقها
•
وثمرة الخلافها هنا تفيد أن ما زاد على المحدود يضمنه الفاعل وليس من صددنا أيضا بسط القول في الأكفان غلاء ورخصا ـ وسعة وضيقا ونحو ذلك من قلة وكثرة إلا على جهة التلميح لما يقتضيه المقام - والسرير هنا هو الآلة التي تحمل فيها الأموات - والتعطير جعل العطر للميت مع
الأكفان
فمن أوصى للقبر صرفت الوصية الى لوازمه العادية من نحو اجرة حفره واتخاذ اللبن التي يسقف بها على الميت بعد ما يوضع في قبره أي يشترى بها ذلك ان لم يوجد الا بالشرى أو يؤجر بها من يعمل ذلك وكذلك أيضا يصح أن تصرف وصايا القبر في آلة حفره فان حفره لا يمكن إلا بالآلة ومالا يمكن الأمر به فهو لازم بلزومه وكذلك أيضا يصح أن يصرف في شراء الماء الذي ينضح به على القبر بعد الدفن ليرتص التراب بذلك اذا لم يوجد
-
177
- (1/179)
صفحة 180
الماء إلا بالشرى ويعد ذلك من صلاحه اذا كانت عادة القوم تلك أو عادة أرضهم لا تقوم إلا بذلك من صلاحه وإلا فليس ذلك من الواجب ولا داعى له إلا ما ذكر بل المشروع على الأمة حفر القبر والقاء الميت فيه ورد التراب عليه والخلاف بين أهل العلم في التسقيف فمن رآه من سنن القبر أجاز الانفاق على شرائه ومن لم يره من السنن المشروعة لم يجز ذلك لا سيما اذا كان في الوارث يتيم أو غائب ونحوهما ولا سيما أيضا اذا كان الماء غاليا يستغرق كمية من المال كما في بعض البلاد التي يقل فيها الماء فلا يوجد إلا مجلوبا من بعيد ويباع بأثمان وافرة وأحوال الزمان والبلدان تختلف والأيام لا تقر على حال
وقد اختار بعض العلماء عدم التسقيف كما روي عن عمر بن الخطاب رحمه الله ورضى عنه انه قال: اذا وضعتمونى في قبرى فردوا على التراب ولا تسقفوا على فليس جنبي الأيمن أولى بالتراب من جنبي الأيسر والمعنى إن كان في ذلك إكرام لي فجنبي الأيمن أولى بالاكرام من جنبي الأيسر لأن الأيمن أشرف شرعا ويدل لذلك قوله عز وجل منها خلقناكم وفيها نعيدكم.
وفي النيل ومن أوصى بشيء للقبور ففى لبنها ومساحيها وقربها بضم القاف وفتح الراء آلة من جلد يحمل فيها الماء قال: وفي مائها أي في أجرة حمله ان احتيج الى أجرة وفي شرائه كما قدمنا أما في الحصى أ الذى تبنى منه القبور اذا لم يمكن تقويم القبر إلا ببنائه ولا تصرف في نعش أيضا ووجهه ان حملهم بالأيادى هو الأصل وغيره أمر اختياري لا تصرف فيه الوصايا كذا في الأثر.
178 (1/180)
صفحة 181
وفي النيل ما جعل للموتى فللقبور والغسل والحنوط والكفن
والسرير والحمل والحفر وغير ذلك للموتى مما يحتاج له الميت» أي أن أوصى للموتى وأطلق الايصاء صرفت وصاياه للقبور أي في حفرها وما يستلزمه الحفر مما قدمنا وفي الغسل لأنه من حقوق الموتى ان لم يكونوا شهداء المعارك ونحوهم وفي الحنوط وهو أخذ العطر في قطن تحشى به مفاصله وأخص منها مواضع السجود ومنافذه كالعين والأذن والأبط والرفع والصدر ونحو ذلك وتعطره بما أمكن وبعد ذلك تكفنه فيها أمكن ولو تجعل عليه اذخرا ان لم تجد له كفنا ولو تلف عليه سعف النخل أو نحو البساط أو السمة وما يستر عورته مقدم على غيره والكفن من رأس المال على الصحيح وكذلك تصح أن تصرف وصاياه للموتى في السرير والحمل أي أجرة الحمل أو أجرة السرير ان كان لا يتيسر إلا بأجرة أو في شراء السرير أيضا ان لم يوجد إلا بالشرى كما قدمناه وفي الحفر كما أوضحناه وفي غير ذلك مما اعتاد المسلمون اتخاذه للأموات وكذلك ان لم يوجد من يقبره الا بأجرة جاز انفاذ الوصايا فيها وقيل أجرة ذلك من الكل لا من الثلث
"
ودخل فيما للموتى الأغنياء كالفقراء وكذلك قيل أهل الذمة والعبيد وقال بعض العلماء أن الكفن بعد الدين وعليه قيل أن كفن المديون قبل الدين ضمن مكفنه لأهل الدين إن لم يخلف وفاء لدينه وعليه أيضا يدفن عريانا ويقضى بقيمة الكفن الدين أو بعضه قالوا لأن حق المخلوق شديد والأرض تستر الميت كالكفن فلا يقاس على حال حياة المفلس لأن المفلس تظهر عورته بالعراء والميت يستره الدفن قال بعضهم وليس في حديث كفنوه في ثوبيه ما ينافي في هذا الجواز أن يكون أراد أن يأمرهم أن يكفنوه في ثوبي إحرامه ولا ينزعهما ويكفنوه في غير هما ولاحتمال أن يكون عرفه بلا دين ولاحتمال أن يكون أمرهم لأن الأصل عدم الدين فجرى على الأصل أي
-
179 - (1/181)
صفحة 182
استصحابا له على أنه لو كان عليه دين لأخبر وه به وبسط أدلة المقام في
إرشاد الأنام (1)» من أراده فليرجع إليه
وفي الأثر ومحل الدفن والكفن هما قبل الدين. وبعده الوصية أي بعد الدين الوصية التي تخرج من الثلث أي الوصية التي ليست حقا واجبا عليه أما الواجب عليه فداخل تحت اسم الدين كذا قيل وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قضى بالدين قبل الوصية. قلت: وهو المذهب وتقديم الوصية على الدين في القرآن لا يدل على تقديمها عليه انفاذا لا عقلا ولا نقلا وانها قدمها الله عز وجل لكون الدين له قائم يطالب به ولا قائم للوصية يطالب بها وان جانبها ضعيف بذلك وجانب الدين قوي بصاحبه وكذلك أيضا في المعقول فان الحق الواجب الدين يطالب به صاحبه أحق بالأداء وأولى من حق غير لازم.
وجهه
وفي الأثر ويشترون القبر من مالهم لا من مال الميت ولعل و انهم مكلفون بدفنه ولا يمكنهم دفنه إلا بشراء القبر فهم عليهم أن يؤدوا له ما كلفوا به في حقه فلا تنقص قيمة القبر عن الوصايا وأصحاب الديون على هذا أي ان قيمة القبر لا تأخذ شيئا من المال الذي تنقص به الوصايا عن تقريرها ولا على أصحاب الدين نقيصة بذلك على القول بأن القبر من أموالهم لا من مال الميت
•
وفي الأثر ولعله ان أوصى ببقعة فمن الكل وإلا فمن أموالهم أي اذا لم يوص بها تلزم الوارث في ماله لا في مال الميت وفي الأثر المغربي الكفن عند الأكثر من الكل قبل الدين وقيل من الثلث بعد الدين. وأن لم يكن إلا كفنه وأحاط دينه به وطلب غرماؤه أخذوه ودفن عريانا فقيل لهم ذلك
(1) كتاب المؤلف هذا الشرح نظم واسع يبلغ سبعين ألف بيت في الحال (أ هـ)
180
- (1/182)
صفحة 183
ومنعهم الأكثر قال أبو عبد الله يكفن به أي اذا لم يخلف إلا ما يكفن به
فانهم يكفنونه فيه وأمره الى الله
قلت: لعل أبا عبد الله رحمه الله يرى ان الكفن مقدم على الدين كما هو مذهب كثير بل الأكثر من أصحابنا وقال: عزان بن الصقر رحمه الله يدفن عريانا ويباع ثوبه في دينه لأن الله يسأله عن دنه لا عن دفنه عريانا
وسئل أبو سعيد رضي الله عنه عن موص أوصى أن يكفن في أثواب معروفة من ماله قال: أبو سعيد الرأي الى الوارث قال: القطب قلت: بل يفعلون ما أمر به إلا أن أحبوا أن يكفنوه في ثوب واحد منها فليكفنوه في واحد منها إلا ان وسع الثلث جميعها أي لأجل تخصيصها وغلاء قيمتها تضاف الى الثلث فاذا وسعها كلها فليكفنوه فيها كلها
وان أوصى أن يصلى عليه فلان أو يغسله أو يكفنه أو يدفنه فقيل فلان الموصى اليه أولى وقيل الولي أولى
ومنع القائل أن الكفن من الثلث من تكفينه من ماله في الحكم حتى انه يصح يسعه الثلث إلا برأي وارثه وأقله ثوب ساتر وأكثره ثلاثة كما سبق وقيل أكثره أربعة وقيل ستة وقيل كما يلبس حيا ولو فوق سنة أي ودونها فما ارتضاه لنفسه حيا نرتضيه له مينا إلا ما يحجره الشرع من نحو الحرير وما يفضى به الى الاسراف وقيل للرجل خمسة وللمرأة ستة ووجهه أن المرأة ربما تجسمت عورتها كجسدها بأقل من ذلك فرأوا زيادتها ثوبا واحدا يستر ذلك فان جسد المرأة كله عورة وتجسم العورات ممنوع شرعا والله أعلم
-
181
- (1/183)
صفحة 184
قال الشيخ الناظم نظم الله له عقود المراحم بين الأولياء الأكارم:
وان يكن أوصى لشخص يعهده حيا ولكن صح موت يبعده هل يبطل الإيصاء لالتباس والعكس فالحياة حكم الناس أم يثبت النصف وبعض أوقفا ذلكم الموصى به أو يعرفا اعلم اذا أوصى أحد لشخص يعهده حيا ثم ظهر بعد ذلك انه ميت
فقد اختلف العلماء في حكم هذه الوصية هل تبطل أم تصح فقال بعضهم تبطل الوصية لأن صاحبها صار معدوما والمعدوم قبل الاستحقاق لا حق له لا سيما على قول من يشترط في الوصية القبول فمن هو الذي يستطيع أن يقول هنا بقبول أو غيره وفي الأثر وان أوصى للأقرب ومات وجاء من يدعي أنه الأقرب ولم يعلموه أنه الأقرب كما يدعي فلا يدفعوا له شيئا حتى يأتى بعدلين يشهدان
له أنه الأقرب
ومن أوصى للأقرب ولم يكن له أقرب بأن مات أقاربه قبله كما قال: الامام الناظم أو ماتوا قبل وجوده أو كانوا موجودين ومنعهم مانع من وصية الأقرب كالشرك أو العبودية أو القتل رجع ما أوصى به لعدم من يأخذ وصية الأقرب هذا الذي صححه قطب العلماء رحمه الله
واذا أوصى لمن يعهده حيا ثم مات قبل موت الموصى بطلت الوصية ذلك لأن بطلانها بموت الموصى له قبل استحقاقه اياها لأنها تجب بموت الموصى أما لومات الموصى له بعد موت الموصي كان الايصاء ثابتا والموصى
-
1820 (1/184)
صفحة 185
به لورثة الموصى له على مقتضى القواعد الأصلية وهذا الوجه هو الذي
أراده الناظم
وان يكن أوصى لشخص يعهده حيا ثم صح بعد ذلك موته
فالايصاء باطل واذا بطل رجع الموصى به للوارث قطعا
وأما قوله لالباس بالباء الموحدة بعد اللام وبعدها سين مهملة لم أعرف له معنى ولو حملناه على أن تلك نون والمعنى لا لناس من النسيان لم يساعد الرسم على ذلك لأن ناسي يكتب بالياء اذا لم ينون لأنه يصير إسما منقوصا كقاضي وشاري وداعي ونحوها اللهم إلا اذا حملنا رسمه على رسم المصحف فيفهم بالقوة المراد به الايصاء الجماعة لا لمفرد والمعنى ان الايصاء لجماعة خلاف الايصاء لمفرد ذلك أن موت المفرد خلاف موت الجماعة لأن الجماعة الغالب أن يكون موتهم متفرقا عادة وهذا واضح ويدل عليه السياق والعكس كذلك
وأما ان أوصى لشخص يعهده حيا ولم يصح خبر عن موته فحكمه الحياة وان طالت به المدة اذ من الممكن ان يعيش المرء زمنا طويلا واذا فرضناه حيا كان ما أوصى له به راجع اليه فيتولاه له خليفته أو وكيله أو يحتسب له محتسب أو يقوم له الحاكم من يقوم عنه
وان حكم بعد ذلك بموته كما اذا كان مثلا غائبا وأجرى عليه حكم الغائب أو مفقودا وأجرى عليه حكم الفقد فما أوصى له به أيام الغياب أو أيام الفقد راجع الى ورثته على قدر ميراثهم كما سبق واليه الاشارة يقول الناظم رحمه الله تعالى فالحياة حكم الناس أي استصحابا للأصل وهم
-
183 -
— (1/185)
صفحة 186
على يقين منه والموت مظنون وقيل ثبت له نصف ما أوصى له به اذ لو قدرناه ميتا لما كان له شيء ولو قدرناه حيا لكان له الكل تاما فأعطيناه نصف ما يثبت له بحكم الحياة واقتطعنا منه نصف الموصى له به بناء على حرمانه ان لو كان ميتا وقيل يجعل ذلك موقوفا حتى يصح خبر حياته متيقنا أو خبر
وفاته كذلك
وان قيل ان خبر حياته كان صحيحا فكيف يوقف ذلك حتى يصح خبر آخر عن حياته قلنا بسبب الغياب وعدم ظهور الخبر عنه حصل الارتياب فيه ومن حيث ان الموت لا يزال محتوما على البشر أمكن أن يكون قد مات اذ من عادة الحي ان لا تذهب ألحباره حتى لا يعرف حي أوميت فلذلك ساغ القول بالايقاف لامكان الموت من جهة ووجود الحياة من الجهة الأخرى وترانى لا أحب الايقاف لما يترتب عليه من موت مستحق وضياع مال بسبب ذلك الايقاف والانسان مسئول أيضا عن اضاعة المال
والقول بأنه اذا مضت من المدة ما يمكن موته فيها على أغلب الأحوال حكمنا بموته نظرا الى أن العادة جرت بعدم تخليد العباد في هذه الدنيا فاذا مضى عليه سبعون عاما فالأغلب عليه الموت لقوله صلى الله عليه وسلم جعلت أعمار أمتى ما بين الستين الى السبعين فاذا انقضت هذه المدة احتطنا له بعشر والعشر تكفى للاحتياط بل وعلى العشر رتب الشارع جملة من الأحكام دينية ودنيوية وبانقضائها نقضى بموته والله أعلم بما ورائها واجتهادنا هو هذا ولا يلام المرء بعد الاجتهاد والله أعلم قال شيخنا العالم رحمه الله تعالى:
-
184
- (1/186)
صفحة 187
والجد ان أوصى لنجل ابن هلك بالمثل من سهم أبيه لو ترك
فاضرب له سهما مع الوراث واتلاكه للوارث في التراث
•
واجعل لهذا مثل ذاك السهم في ثلث المال وكن ذا أما بمثل سهم بعض الولد فهو له في طارف أو تلد يعطى تماما إن يسعه ثلثه ان ترك الموصي وليدا يرثه
أقول اذا أوصى أحد لابن ابنه مثلا أو لابن أخيه أو لابن عمه بمثل نصيب أحد وارثيه فالقاعدة فيه أن يعرف نصيب أحد الوارثين من البنين ان كانوا أو الأخوة ان كان الوارثون أيضا أخوة ونحو ذلك ويخرج له نصيبه ذلك من ثلث المال لأن الثلث هو الذى تقع عليه الوصية ومنه تخرج وهذا المعنى هو الذى اشتملت عليه الابيات الثلاثة
فاذا خلف ولدين وولد ولد أوصى له بمثل نصيب أبيه ان لو كان أبوه حيا فيقال مثلا ان لوكان أبوه حيا لكانوا أربعة أولاد يقسم المال بينهم أربعة أسهم فيكون لأبيه ربع المال فالوجه أن يخرج ثلث المال أولا بعد اعتبار سهم الموصى له فيخرج سهمه من ذلك الثلث وما بقى فالى الوارث فكما اذا خلف ثلاثة بنين وابن ابن أوصى له بمثل سهم أبيه وكان خلف من المال أربعمائة قرش مثلا أخرج ثلثها مائة قرش وثلاثة وثلاثون قرشا وثلث قرش فيعطى منها مثلا ربع المال مائة قرش وما بقى منها مردود على أصل المال ان لم تكن فيه أيضا وصية.
فان كانت فيه وصية تحاصصت ان لم تكف وينال الموصى له ما ينال
الوصية ان لم تكف بلا نقصان على الوارثين
-
110 - (1/187)
صفحة 188
قال في النيل وان قال بنصيب أحد بنيه وعنده أي اذ ذاك واحد أي ولد واحد كان المال بينهما نصفين لأنه أوصى له بمثل نصيب أحد بنيه وبنوه واحد وهو واضح أي إن أجاز الابن ذلك وان لم يجزه أخذ الموصى له الثلث كاملا ان لم تشاركه وصية لأن الايصاء أصله واقع على الثلث لا على غير
ذلك
الثلث
وان كانت معه وصية أو أصحاب وصية أي يشاركونه في الثلث واذا تعددت الوصية أيضا كذلك أي ينزل مع الموصى لهم في الثلث بالنصف الأصلي الذي وقع به الايصاء لكون الشريك معه واحدا فقط لأنه أوصى له بالنصف فلم يجزه الوارث فرجع به الى ما تثبته الوصية فيه وهو وتجوز بلا اجازة فحاصص أصحاب الوصايا هنا بالنصف الموصى له به فيجعل هو وأصحاب الوصايا كشركاء خسروا فقسموا الخسارة بينهم أو كشركاء ربحوا فقسموا الربح أيضا كذلك فيقول هذا الموصى له لى نصف مال الميت كله فأعطونى ما ينوبني من الثلث ويحط لي الباقي
وقيل الثلث فقط لأن النصف لا يثبت لأن السوارث لم يجزه فلا يحاصصهم به اذ لم يثبت وانما يحاصصهم بما يثبت له ولو أبى الوارث وذلك كله وما يأتي على قول من أثبت الوصية بنصيب أحد البنين أو احدى البنات أو أحد الأعمام أو نحو ذلك أو بنصيب أحد الورثة عموما وقيل لا يجوز ذلك إلا ان قال بمثل نصيب أحد الورثة أو بمثل نصيب أحد البنين أو غيرهم من الورثة قال القطب والصحيح الجواز للمعرفة بالمراد أي جواز الايصاء بنصيب أحد البنين أو احدى البنات أو الأعمام .. الخ.
-
186 -
- (1/188)
صفحة 189
وان كان له ابنان كان لهما كثالث أي فيكون لهما الثلثان والثلث أصله للوصية فان لم تكن له وصية كان الثلث كله لذلك الموصى له لأن الثلث محل الوصية فان كان معه ايصاء لآخرين من الرجال أو من النساء ووصايا أخرى أيضا تحاصصوا ثلث الايصاء وأخذ كل منابه منها وكذلك ان كان له
المال
أولاد ثلاثة كان لهم مناب الرابع أي لكل واحد من الثلاثة وربع للموصى له ان لم تشاركه وصية وان شاركته نزل فيها بالربع كالقاعدة
الأولى
وهكذا يفعل بنحو هذه المسائل بالغا ما بلغت مثل أن يكون له أربعة فيصير الموصى له كخامس لهم فيأخذ الخمس ان لم يحاصص وأن حوصص أخذ منابه من الثلث بأن ينزل فيه بالخمس أي خمس المال لأنه الخامس من الورثة بسبب الايصاء وهكذا سادس وسابع ونحوهما فلو كانوا عشرة صار لهم كالحادى عشر أي يصير الموصى له كالحادي عشر فيأخذ ذلك الجزء الحادي عشر ان أجاز الوارث الوصية وان لم يجزها أخذ بذلك الجزء الحادي عشر من الثلث ان لم تكن وصية سواه تحاصصه وان كانت هناك وصية معه نزل فيها بالجزء الحادي عشر
وان قال بسهم احدى بناتى فكما اذا قال بسهم أحد بني فان كانت واحدة فله النصف ولها النصف الآخر لأن المال لها فهو سهمها النصف بالفرض والنصف بالرد وقيل له نصف النصف لأن سهمها النصف وهو الصحيح عند العلماء وعليه العمل في المذهب فان لم تجز نزل في الثلث بنصف النصف على هذا وبنصف المال على الذي قبله فيكون له الثلث كله ان لم يحاصص
187 -
- (1/189)
صفحة 190
وان كان له بنتان كان لهما كثالثة وأخذ الموصى له ثلث الثلثين وقيل ثلث المال كله وهكذا يكون كسرا فوق عددهن ويأخذ من الثلثين أو من الكل وإذا كانت وصية سواه واحتيج للمحاصصة حاصص
وان قال سهم أحد بنيه وكان له ابن ابن أو ابنا ابن أو أكثر أو ما دون ذلك فكبنيه أي تكون طريق العمل مع ابن ابن ونحوه كما هي مع ابنه الصلبي مثلا بمثل وكذا ان قال سهم بناته ولم يكن له إلا ابنة واحدة فقط أو بنت ابن أو أكثر أو دون ذلك فالعمل على القاعدة المتقدمة أي تكون
كبناته
وان قال كبنيه وكان له بنات أو بنت واحدة أو بنتان أوبنات ابن أو بنت ابن أو بنتا ابن أو دون ذلك فقيل بدخول البنات في البنين كدخولهن في الأولاد وقيل لا يدخلن لاختصاصهن باسم البنات بخلاف لفظ الأولاد الذكور والاناث والخناثي وقيل ان كان ابن دخل معه وان تجردن لم
فانه
يعم
يبدخلن
وان كان له ذكور واناث وقال أوصيت لفلانه بمثل نصيب أحد أولادى ومعلوم ان الولد يشمل الأنثى والذكر أخذ الموصى له ان كان ذكرا نصيب ذكر وان كان أنثى كان له كنصيب أنثى وان كان خنثى أخذ بالحالين أي حال الأنوثة وهو نصيب أنثى وبحال الذكورة فيكون له ثلاثة أرباع سهم الذكر كما اذا خلف مثلا ابنا وبنتا وخنثى كانت مسألتهم من تسعة فيصير للذكر أربعة أسهم وللبنت نصف ما للذكر سهمان وللخنثى بينهما أي أقل من الذكر بسهم وأكثر من الأنثى بسهم فتلك ثلاثة أسهم وهي تمام
188 (1/190)
صفحة 191
تسعة الأسهم وكذلك في الايصاء على هذا المقياس
واذا خلف الذكور فقط وكان الموصى له أنثى أخذت تلك الأنثى مناب الذكر أي لأن الايصاء وقع بمثل نصيب أحد أولاده وأولاده ذكور وهو واضح وكذلك اذا خلف الاناث فقط وكان الموصى له ذكرا أخذ ذلك الذكر كنصيب أنثى للقاعدة المبنى عليها الايصاء وان أخذ من الثلث أكثر من مناب أحدهم أعنى أحد البنين الموصى له كنصيبهم رد لهم الفضل حتى يستوى البنون والموصى له
ويتصور ذلك بما اذا أوصى له مثلا بمثل نصيب أحد بنيه وقال انه مائة قرش مثلا فتحاصص مع غيره في الثلث فكانت له مائة قرش كما سماها له في الايصاء أو قال انها نصيب إبنه وانه يأخذها ويتحاصص أصحاب الوصايا في باقي الثلث فظهر ان نصيب ابنه أقل فانه يرد الزيادة ويقسمها مع البنين على الرؤوس ويتصور ذلك أيضا بأن يوصي بنصيب أحد بنيه فيقع له من الثلث ما يقاربه مثلا ثم ترخص أسعار الأشياء الموصى بها كالبر والشعير ونحوهما من الأجناس فيبقى مما عزلوه للثلث ما يبقى فيتوهم انه يأخذ ما ينوبه مع سائر الوصايا لولم يكملن فيأخذ ما يتم به نصيب أحد البنين ويزيد فلا تترك له الزيادة بل يقسم مع البنين فيكون له أقل مما لو حاصص فى الباقى مع الوصايا وهذا يصح مثالا اذا كانت صورة وافق فيها
ذلك
وقيل ان أوصى بنصيب أحد بنيه أو غيرهم فللموصى له سهم أحدهم كاملا كأنه بدل أحدهم وكذا بمثل النصيب كذا قيل
-
189 -
- (1/191)
صفحة 192
قال قطب العلماء رحمه الله وهدانا لفهم آثاره الزاهرة وفي الأثر ان أوصى بنصيب أحد أولاده لم يثبت لأن نصيبه لا يستحقه غيره قال وفي الأثر من أوصى لابن أخيه به أي بنصيب أحد أولاده وقد ترك امرأته وثلاثة ففريضته من أحد وثلاثين قال وهى أولى من أربعة وعشرين وكذا ان أوصت ذات زوج بذلك ولها ثلاثة ففريضتها أولا من ستة عشر وتقسم من
عشرين
•
•
قال ومن ترك بنتين وأختين وأوصى لأجنبي بمثل نصيب احداهن فمات ولم يبين فقيل له أقل الأنصباء وقيل نصفه ونصف الأكثر فله عليه ربع المال وان قال بالثلث إلا قليلا أو إلا شيئا فله نصف الثلث اعتبارا لمعنى الاستثنا وما يدل عليه وان قال بعامة الألف فله نصف الألف وكذا قيل ان أوصى بجملته واذا أوصى بعشر ماله أو تسعه أو ثمنه أو غير ذلك وعليه ديون فللموصى له التسمية فيما يبقى بعد الدين بحسب ما يبقى أي يكون له فقط اسم الوصية بأن يقال هذا موصي له مثلا بجملة المال وقد علمت ان جملة المال أحاط بها الدين وليس للموصى له إلا ما يبقى بعد الدين وهو مقدم على الوصايا وعلى الوارثين من باب أولى حيث لهم ما يفضل عن
الدين فاعرف مقاصد الفقهاء في تعبيرهم ومقاصد الشرع في أحكامه
•
واذا أوصى مثلا لأحد بما يملكه ولآخر بنصف ما يملكه ولآخر بثلث ما يملكه فاذا أجاز الورثة نزل كل في ماله أي في المال الموصى به بما أوصى لهم به أي كل بما أوصى له به فمن أوصى له بالمال كله نزل بذلك
190
- (1/192)
صفحة 193
ومن أوصى له بنصف المال نزل بذلك النصف والموصى له بالثلث نزل بثلثه أيضا
والمثال لذلك عندهم أن يكون مثلا ماله اثنى عشر دينارا أو اثنى عشر مائة دينارا أو اثنى عشر ألف دينار وهكذا فتقول فيه اثنا عشر ونصفها وثلثها اثنان وعشرون أي تزيد على الأصل ما يقابل نصف أصله أمرا تصوريا وتزيد عليه أيضا ما يقابل ثلثه كذلك وقد علمت أن نصف الاثنى عشر ستة وثلثها أي الاثنا عشر أربعة يكون مجموع ذلك اثنين وعشرين فيكون لصاحب الكل اثنا عشر نصف دينار من الدنانير المذكورة ولصاحب النصف ستة أنصاف دينار ولصاحب الثلث أربعة أنصاف الدينار ومن له أنصاف الدنانير أخذ بحسابه جزءين من الدينار مقسوما على
عدد من
اثنين وعشرين
وان شئت جمعت الاثنى عشر والنصف والثلث فتكون اثنين وعشرين وهي مركبة من أحد عشر واثنين فتضرب لصاحب الاثنى عشر اثنى عشر في اثنى عشر التي هي التركة فتقسم الخارج وهو مائة وأربعة وأربعون على الاثنين فتخرج اثنان وسبعون تقسمها على احدى عشر تخرج لك ستة دنانير وستة أجزاء من دينار مقسوم على أحد عشر وكذا تفعل بالستة تخرج ثلاثة دنانير وثلاثة أجزاء وكذا تفعل بالأربعة تخرج ديناران و جزآن هكذا اعتبار هذه الأمثلة والله أعلم
واعلم انه اذا أجاز الورثة للوصية فالأمر سهل كما عرفت واذا لم
يجيزوا ففي مثل هذه المسألة المارة آنفا ينزلون بالثلث في ذلك المال بأن يجمع
-
1910
- (1/193)
صفحة 194
المال كله فينظركم ثلثه فينزل فيه أحدهم بكل المال وينزل ثانيهم بنصفه وينزل فيه ثالثهم بثلثه لأنه لم يجز الوارث ما زاد على الثلث فرجعوا به في
الثلث
وهاك المثال لذلك فأقول ينزل أحدهم في المال بالأربعة وهو ثلث المال الذى هو اثنا عشر بالاثنى عشر الآخر بالستة والآخر بالأربعة فاذا جمعت ذلك وجدته اثنين وعشرين فإذا حللتها الى ما تركب به وهو أحد عشر واثنان فتضرب لكل واحد ماله في الثلث وهو الأربعة وتقسم الخارج القسمة على الأحد عشر فيكون لصاحب للاثنى عشر ديناران وجزءان من دينار مقسوم على أحد عشر ولصاحب الستة دينار وجزء ولصاحب الأربعة ثمانية أجزاء على هذه القاعدة فاعرفها مقياسا لأمثالها
من
وقال الامام محمد بن محبوب رحمهما الله وغيره من أهل العلم اذا لم يجز الورثة لا ينزل في الثلث بأكثر من الثلث لأن الوصية بما فوقه لا تثبت ان لم يثبتها الوارث فما فوق الثلث باطل لا يحصص به فمن أوصي له بالثلث أو بأكثر ينزل بالثلث فقط وما أوصى له بها دونه نزلبها أوصي له به وهذا هو السبيل المؤدي الى السلامة عند الله عز وجل وعليه معول الأكابر من أهل
الحق
وفي المثال ينزل في الأربعة من أوصي له بالاثنى عشر بالأربعة المقررة وكذا من أوصى له بالثلث ينزل به فيقسمون الأربعة سواء دينار وربع لكل واحد فلو كان المال أربعمائة فأجاز الورثة نزل في المال أحدهم بعدد المال كله والآخر بنصفه وهو مائتان والآخر بثلثه وهو مائة وثلث مائة وان لم يجيز وانزلوا
-
192
- (1/194)
صفحة 195
بذلك في الثلث وهو مائة وثلث مائة وعلى القول الثاني ينزل كل منهم بالثلث في الثلث وان كانت وصايا غيرهم تحاصصوا معهم في كل مثال وهكذا الكلام في جميع كسور المال وجميعه مثل أن يوصي لأحد بماله ولآخر بنصفه ولآخر بثلثي ماله ولآخر بثلث ماله أو لأحد بثلاثة أرباع ماله ولآخر بنصفه ولآخر بثلثه ولآخر بسدسه ونحو ذلك فان أجاز الوارث نزلوا بذلك كله في المال وتحاصصوا وان لم يجز الورثه نزل كل بما أوصي له به في الثلث
وقيل ينزل به فيه من أوصي له به أو بأكثر وينزل فيه بما أوصي له من أوصى له بدونه هكذا يقول العلماء في مثل هذه المسائل فاعرف ذلك
ويلتحق بالمقام مسائل مهمة وها أنا أبسطها لك مبينا لمعانيها
العويصة على الضعفاء فأقول:
الأولى: اذا أوصى لواحد بمائة دينار وأوصى لرجل آخر بثلث ماله ورأيت الثلث يساوى مائة الدينار أعنى أن يكون ثلث ماله مائة دينار وأوصى به لأحد وأوصى بمائة دينار لانسان آخر فترى هذا في الحقيقة أوصى بمائتي دينار فان لم يجز الوارث الوصية ولم تكن وصية أخرى أي لم يوص بشيء غير هذا قسم الموصى لهما المال نصفين فينزل كل واحد منهما بمائة في الثلث فيكون لكل واحد منهما خمسون دينارا وان أجاز الوارث أخذ كل منهما مائة دينار واذا كانت معهما وصايا نزلا معها كل واحد منهما بمائة دينار أي للموصى له بها وتحاصصا في ذلك
المسألة الثانية: اذا أوصى أحد لأحد بعبد مثلا قيمته ألف درهم
-
193 (1/195)
صفحة 196
وأوصى لرجل آخر بعبد أيضا قيمته خمسمائة درهم ولم يكن عنده الا هذان العبدان فلا نتكلم في اجازة الوارث لأنا قدمنا غير مرة انه اذا أجاز الوارث الوصية فلا مقال اذ نفذت كما هي اذا كان يكفى لها ولكنا نتكام اذا لم يجز الوارث فتقول يرجعان في حقوقهما الى الثلث ونزل فيه كل واحد منهما بقيمة عبده فينزل الأول فيه بألف درهم وينزل الثاني فيه بخمسمائة درهم وتحاصصا في ذلك على هذا القياس
وقيل لا ينزلان في الثلث بأكثر من الثلث لأن مازاد على الثلث باطل اذ لم يجز الوارث بل لو أجاز أحد الورثة دون الباقين لكانت اجازته في سهمه لا في الثلث فعلى هذا ينزل كل منهما بخمسمائة فيقسمانها ان لم يكن معهما سواهما وكذا إن كان أحدهما قيمته أكثر من الثلث وقيمة الآخر أقل منه فينزل كل واحد منهما بقيمة عبده في الثلث
القيمة
وقيل من كان له أقل من الثلث نزل به ومن كان له أكثر من الثلث فقط ولا يتجاوز الثلث فانه ممنوع من مجاوزة الايصاء حد الثلث مع عدم اجازة الوارث فلا فائدة في ذلك وقيل بل فيه ينزل كل بما عنده من فتقع المحاصصة على ذلك فمن كان حقه أكثر أعطي أكثر فقال الفريق الثاني نحن نمنع اصالة أن يأتى أحد بوصية يجاوز مبلغها الثلث فافهم
المسألة الثالثة: اذا أوصى أحد بوصايا مختلفات كمية أي ما لكل واحدة منهن أو مختلفات أنواعا أو مختلف نوع الموصى به ككون بعضهن بإبل وبعض ببقر وبعض بغنم أو إختلفن في اعداد ما أوصى به فيهن فان كان فيهن حج ولم يسم له شيئا معلوما يحج به وفيهن عتق أيضا لم يسم له
-
-198.
- (1/196)
صفحة 197
شيئا معلوما فان التاصص جاز فيهن فينزل كل بماله في أصل الايصاء ولو كان أكثر من الثلث على قول وبشرط أن يكون ثلثا أو دونه على قول.
وقيل ان كان أكثر من الثلث نزل به أي بالثلث لا بالأكثر فان
الضمير أعدناه على الثلث لا على الأكثر فافهم
وان أجاز هنا الوارث مثلا ولكن لم يف المال بذلك تحاصص في الكل بما لكل واحدة من النصيب فان كان فيها حج مثلا ولم يسم له شيئا فانه ينزل في الايصاء بما يقدره العدول في وقت ذلك الحج أي وقت إنفاذ وصية الحج وقيل وقت الموت هو المعتبر هنا وكذا في العتق أيضا فيعتبر غلاء العبيد ورخصهم في وقت الانفاذ أو وقت الموت على الخلاف في ذلك وهو العدل والانصاف في المقام والله أعلم
المسألة الرابعة: اذا أوصى بكفارة مغلظة أو مرسلة أو مغلظتين أو مرسلتين أو أكثر فانه ينزل لهن في الثلث بما يشرى به الحبوب لهن وتعتبر في ذلك القيمة اذ ذاك ذلك العهد الذي يقع فيه الانفاذ للكفارات بما تحتاج له وتقع المحاصصة بينهن وما معهن من الايصاءات وان أجاز الوارث مثلا ولم يكف المال لهن وحدهن حوصص بينهن وقيل بل تنفذ أولا المرسلات لكونهن الأصل في الكفارات وقيل بل تنفذ المغلظات لكون أمرهن أعظم وحقهن أكبر والقول الفصل في المقام ان يحاصص بينهن على القاعدة
المطردة
وكذا ان أوصى بشاة أو شياه تفرق على أرحامه اذا بين العدد مثلا
195 - (1/197)
صفحة 198
نحو خمس أو عشر أو مائة ولم يسم لهن عددا من الدراهم أو الدنانير فينظر في قيمتهن ذلك اليوم الذى يقع فيه الانفاذ وينزل به في الثلث اذا لم يجزه الورثة وهو واضح والله أعلم
المسألة الخامسة: فيما اذا قال في وصيته أصبحوا من مالي في مسجد كذا وكذا مصباحا دائما وأوصى مع هذا لزيد بمائة ولعمر و بخمسين ولبكر بثلاثين والخالد بعشرين فالطريق فيها هو الطريق السابق لغيرها ولكن المهم ما اذا انهدم المسجد الموصى له بالاستصباح ولم تكن له اعادة أي لم يبن أو لم يعد الناس اليه بعد الهدم وكانت الوصايا التي معه باقية رجع ذلك المقرر للاستصباح الى الموصى لهم حتى يستوفوا وصاياهم وما بقى فالى الوارث فلو كان الثلث ثلاثمائة لكان قد أوصى للمصباح بها أي الثلاثمائة تامة لذلك وللرجال بمائتين فذلك خمسمائة فيوقف للمصباح ثلاثة أخماس من ثلاثمائة وهى مائة وثمانون ولزيد خمس وهو ستون ولعمر و نصفه ثلاثون ولبكر ثلاثة أعشاره ثمانية عشر والخالد خمسة اثنا عشر فان أصبح في المسجد بثمانين فانهدم كذلك دفع من المائة الباقية لزيد أربعون ولعمر وعشرون للوارث ولبكر اثنا عشر ولخالد ثمانية عشر فتتم وصاياهم وتبقى عشرون للوارث وبذلك تنتهي القضية في هذه المهمة من هذه المسألة التي أسمعناك تحقيقها وهي من المسائل الكبرى وفصلها على مقتضى قواعد الوصايا احتدمت فيه أفكار الفقهاء من أهل الحق
والجد حقيقة في أب الأب مجاز في من فوقه وكذلك الابن حقيقة في ابن الصلب مجاز فيمن بعده والمراد بالهلاك هنا الموت وهو عند أهل التوحيد المراد به من يصير بالحكم الظاهر الى النار ويعبرون عنه أحيانا بالمتبرأ منه
- (1/198)
صفحة 199
وأحيانا بالضال والفاسق ونحو ذلك
والسهم لغة هو آلة من آلات الحرب ويطلق ويراد به النصيب من المال على أي وجه فيه والتراث هو المال الموروث كما في قوله تعالى: ويأكلون التراث أكلا لما»
والمال نوعان اما طارف أو تالد كما في قول أبي تمام (من طارف وتليد والطارف من المال المستحدث منه والتالد المال القديم والثلث فيه لغات وهي ضم الثاء واللام وضم الثاء وسكون اللام وضم الثاء وفتح اللام مع زيادة ياء تصغير والارث المال الموروث وأما باقى المفردات فهي معروفة
مألوفة والله أعلم قال شيخنا العالم
•
-
197 -
? (1/199)
صفحة 200
[صفحة فارغة] (1/200)
صفحة 201
الباب الثالث في وقت وجوب الوصية
أي وقت وجوب اخراجها الى أهلها الأقربين فانه معلق استحقاقهم بموت قريبهم فما دام حيا هو في الوسعة منها واذا حضره الموت ضاق به الحال ولزمه الايصاء واذا لم يوص ومات مات هالكا عند أصحابنا لصحة عند غيرهم فلا يهلك لأنها عندهم غير
وجوب وصية الأقربين عندهم
أما
واجبة كما مر ذلك عليك في مقامه
فاذا
•
وكذلك الوصايا بالتبرعات له تأخيرها الى ما بعد الموت أما الحقوق التي للعباد أو للمعبود فانها واجبة عليه ثابتة في رقبته لا يفكه منها إلا أداؤها حضره الأجل ولم يوص بها ولم يمنعه من الايصاء بها مانع يعذره فيه الشرع مات هالك اجماعا لوجوب أداء الحقوق لأهلها تسأل الله الفكاك منها بأحسن الوجوه والعون على التخلص بأطيب الأحوال
قال الناظم رحمه الله تعالى ورضي عنه:
•
وقت وجوبها حضور الأجل والفاضل الآتي بها في مهل اعلم ان الايصاء بالحقوق الواجبة على العباد الله أو لعباده منها ما تصح فيه المهلة الى مقاربة الارتحال من هذه الدار الى الدار الآخرة كحقوق الأقربين ومنها ما لا يصح التأخير له إلا بعذر يثبته الشرع كما اذا كان معسرا بها أو كان أصحابها غيابا لم يمكنه الحصول عليهم ككون البحر بينهم وبينه وككون المسافة بعيدة أو الطريق ممنوعة أو أمراض أو شيء
قاطعا
199 (1/201)
صفحة 202
ما من الموانع المعتبرة فهذا يسعه التأخير الى حال معاينة أسباب الموت وهنا
يضيق عليه التأخير ويأثم إنما كبيرا نعوذ بالله
•
وأما الواجب شرعا أن لا يبيت أحد ليلتين من لياليه بغير وصية فان رائد المنية لنبي آدم في اللحظات والسكنات قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحق لامرئ مسلم وفي رواية مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه وعن ابن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده فتراه قيدها في الحديث الأول وأطلقها في الحديث الثانى والمراد بها في بيته لا خصوص العندية الراسية وفي الحديث كما تراه ايجاب الايصاء اذ علقه تهديدا بمن يؤمن بالله واليوم الآخر ومفهومه أن من لم يوص لم يؤمن بالله واليوم الآخر أي أن من أيقن بالبعث أوصى بالحقوق التي كلفه الشرع الايصاء بها لأن معنى مؤمن مصدق دينا ان الله باعث الخلق وجامعهم ليوم تشخص فيه القلوب والأبصار ويحاسب فيه العبيد والأحرار والملوك والمماليك والأغنياء والصعاليك ومن اعتقد ذلك علم ان الحقوق واجب أداؤها الى أهلها وتبرأ من تباعتها عند الله بأدائها ولو بايصاء وهو آخر طرق الأداء.
قال العلامة قطب العلماء رحمه الله تعالى فاذا وجدت عند رأس ثبتت ولو كتبها بيده أو كتبها غيره بلا شهود أو بشاهد واحد أو بشهود لا تجوز بدليل قوله عند رأسه فتراه رحمه الله أطلق ثبوتها ولو كانت بخطه أى ولو لم يکن خطه معدودا في خطوط الثقات أو هو غير ثقة ووجدت مكتوبة عنده ثبتت أو كان خطه معروفا ولكن لا شهود عليه كما هي القاعدة في اثبات
– 200 - -
- (1/202)
صفحة 203
سائر المكتوبات الشرعية بالشهود العدول في بقية الحقوق الأخرى وكذلك إذا كتبت وأشهد عليها واحدا فقط فإنها ثابتة بخلاف الصكوك الأخرى وكذلك إذا كتبته بخط غير العدل وأشهد عليها غير العدل أخذا من الحديث المذكور. قال القطب والرأس تمثيل ومواضع البيت الذي هو فيه سواء أي سواء كانت عند رأسه حقيقة أو هي في مطلق بيته نحوصناديقه ومخبأته لأن الحديث يدل على ذلك وأطلق الكتابة كما تراه وأقول والله أعلم انه لم يرد الحديث هذا المعنى وانما أراد وجودها عنده مكتوبة بشروط الكتابة وهذا الاطلاق يصح تقييده بما في القرآن في آية الدين فانه أمر بالكتابة وأمر بالاشهاد عليها بالمرضي من العباد حفظا لأموال الناس من الضياع والايصاء حقيقته بذل مال لمستحقيه شرعا فلا تغتر بهذا الاطلاق الذي في حديثنا هذا وعليك أن تحتفظ على نفسك بما لا مجال فيه لابطال أموال
وجب عليك أداؤها أو حقوق يتحتم على الانسان بذلها إلى أهلها
قال القطب وتجزى الوصية باللسان إلا ان الكتاب أوثق قلت قد قدمت لك هذا من المحفوظات عندى وأشرت الى البحث في المقام بما يفيد ذوي الأفهام والحمد لله الذي هدانا لذلك بعنايته ولا يخفى عليك ان الايصاء باللسان لا بغيره ومراد قطب العلماء رحمه الله ان الايصاء لا يلزم فيه أن يكتب كما هو ظاهر الحديث بل يلزم فيه وقوعه من الموصي مفصحا به بين أهله ووارثيه وبذلك ينحط عنه ويتعلق بهم ويكون سالما منه وهم مبتلون به
والظاهر من قوله ليلتين عفوه فيها دونهما كليلة واحدة أوليلة ويوم أو
201
? (1/203)
صفحة 204
فقط أو ليلة فقط وهو كقوله لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر يوم تسافر يوما وليلة عند غير ذي محرم منها وفي رواية ثلاث ليال مع أنه يمنع الخلوة مع الأجنبية ولو أقل قليل من الزمان فظاهر الحديث يبيح الخلوة مع الأجنبية في أقل من ذلك فاعرفه فإنه جلي وربما لا تجده في غير هذا الموضع فالصحيح الرجيح أن المراد بذلك مطلق التمثيل في أقل القليل وعبر بالليلتين إعلانا منه أن العاقل لا ينبغي أن يمضي عليه ذلك المقدار وهو غير محترز فيه وهذا تهديد للمتهاونين أي من تهاون بذلك ليلتين فاعظم به يدل على ذلك قوله فيه لا يحل أي يحرم عليه ولم يرد أنه يحل فيما دونهما فإن تعطيل الواجب بغير عذر حرام تلزم فيه التوبة
وفي الأثر المغربي قالوا ولا يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقصر في وصية ما يجب عليه أن يوصي به ولو ساعة واحدة والى هذا التفت فيما كتبت والحمد لله على موافقة هداة الأمة قالوا ينبغي أن ينفذها في حياته إلا وصية الأقرب ونحوها أي فانها تجب بالموت إذ لهم في الحياة صلة يؤديها اليهم كما أمكنه فاذا مات انقطعت مواصلته فوجب عليه الايصاء لهم بصلة يتمتعون بها بعد الموت فان المال ينتقل الى الوارث ولا شك ان خير الصدقة ما كان في الصحة لقوله الا الله اذ سئل عن أي الصدقة أفضل فقال ان تصدق وأنت صحيح شحيح الحديث. وفي الأثر درهم في حياته خير من عشرة بعد وفاته وقيل خير من سبعين وفي لفظ من أربعين بعد موته
نعم وجدت للامام القطب رحمه الله معنى ما قدمت لك من أن المراد بقوله لا يحل لامرئ مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر إلا ووصيته مكتوبة عنده انه لم يرد به التقييد وان ما دون الليلتين مباح بل أراد به
2020 (1/204)
صفحة 205
التمثيل فقط فيشمل القليل من الزمان وغيره
قال الامام القطب رضي الله عنه فرواية ليلة ورواية ليلتين ورواية ثلاث ليال تقريب لا تحديد هذا ما قلته في مجاراة كلام الشيخ قال وأما الذي عندى فمعنى الحديث إلا ووصيته مكتوبة كتابة معتدا بها بأن يمليها على غيره فيشهد عليها كاتبها وغيره ممن تجوز شهادته أو يكتبها بخطه أو يريها ورثته ويقول هذه وصيتي أو ما فيها أنا الذي أوصيت به أويريها الشهود ويشهدوا عليها وعلى ما فيها ويقول هذا ما أوصيت به ولا تكلف في ذلك فان الغالب انما يكتب العدول ويشهد العدول قال الله تعالى: شهادة بينكم اذا حضر أحدكم الموت الآية ولأن أكثر الناس لا يحسن الكتابة فلا دلالة في الحديث على اعتماد الخط فتراه جاء رحمه الله تعالى ورضي عنه بمعنى ما جئت به وزاده هو صراحة وانما نقلت لك لتزداد طمأنينة بما قلته لك فإنما ذلك ما أدى اليه اجتهادى واستفدته من أدلة الشرع وفحوى ما يشير اليه البرهان عن سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام والحمد لله الذي وفقنى له وهدانى اليه فان ذلك كله فضله عز وجل قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء
•
وأفاد كلام الامام القطب رحمه الله ان الكاتب يكون شاهدا إذ قال فيشهد عليها كاتبها وغيره ممن تجوز شهادته وكذلك أيضا اذا كتبها وأراها الورثة لزمتهم عند الله عز وجل ان صح معهم إيصاؤه لا في الحكم فان الحكم ينبني على صحة الاشهاد في العقود الشرعية حماية من الله جل شأنه
لظواهر شريعته الغرا.
•
وقال الباجي من المالكية إنه اذا وجدت وصية في تركة الميت بخطه
ــ
- (1/205)
صفحة 206
ولا شهادة فيها وقال عدلان إن هذا خطه لا تثبت لأنه قد يكتب ولا يعزم
والله أعلم
وقول الناظم رحمه الله والفاضل الآتى بها في مهل يشير الى ما جاء في الأحاديث الصحيحة عنه إذ قال أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح الحديث وحديث درهم ينفقه الرجل في حياته خير من عشرة بعد موته وفي رواية خير من أربعين بعد مماته وفي رواية خير من سبعين بعد وفاته ولا يخفى على العاقل ان الانفاق في الحياة أنفع منه بعد مماته بشهادة القرآن أدامه الله فينا شاهدا مصدقا وهدانا لأسراره وفي السنة أيضا ما يدل على ذلك كثير يضيق به المقام
وأوصى بعضهم على ولده ان ينفق عنه كذا ويتصدق بكذا وكذا ويفعل عنه كذا وكذا فقال ولده يا أبتي مالك لا تفعل ذلك في حياتك فأجابه انت افعل عنى ذلك بعد مماتي فأجابه الولد يا والدي ان ما تقدمه أمامك أنفع لك مما يكون خلفك فلم يقبل الوالد وخرجا من مقامهما ذلك وكان في ظلام من الليل ومعهما سراج وحمله الولد وكان يمشى خلف والده فقال الوالد لولده امش بالسراج أمامي فقال له الولد لا بل أمشى به خلفك فقال الوالد انه خلفي لا ينير لي الطريق بل يلزم أن يكون أمامي فقال الولد هكذا يا والدى الأعمال خلف أهلها وتلك اذا كانت أمامهم فاستحسن الوالد ذلك من ولده وفي الحقيقة ان الأمر هو كذلك نسأل الله التوفيق لأداء كل واجب قبل الموت
والفاضل هو الكامل في صفات الخير ومعاني الصلاح وهو بالضاد
- (1/206)
صفحة 207
المعجمة وربما تأولها بعضهم بالصاد المهملة والمراد به الفاصل بين التسويف والجد والفاصل بالصاد المهملة من الفصل وهو القطع بين الأشياء ومعناها هنا هو الكامل من الرجال الذي يقطع للنفس تسويفها ويعارضها في مد آمالها ويردها إلى نهج الجد والنشاط في القيام بأداء الواجبات والكل من اللفظتين لا يخفى معناه
ولقد تذكرت بهذا ما كان من إمام المسلمين محمد بن عبد الله الخليلي رحمه الله تعالى يخاطبني به في كتبه اذ كانت كتابته الي فيها العالم الفاضل الفاصل دائما أي في أكثر كتبه لي نسأل الله أن يبلغنا من المسلمين
حسن الظن ويبلغنا منه التوفيق لرضاه انه كريم رحيم
ولا يخفى عليك ان الله تفضل على عباده بالتوسع عليهم في التراخي ببعض وصاياهم الى حضور آجالهم وذلك كوصية الأقربين ونحوها واذا حضر الأجل ضاق على المرء الحال ولزمه الايصاء حتما واذا لم يوص إذ ذاك هلك وخصوصا فيما هو عليه الله أو لعباد الله اجماعا هذا هو الذي أراده الناظم والله أعلم.
قال:
والشرط في الموصى ملاك أمره لا الطفل والمجنون حال حجر والأشهر المنع وبعض قد نقل وصية المعروف من طفل عقل والبعض قالوا في الحقوق تمنع والحد خمس ماله لا الربع
اعلم ان الشرع إشترط في صحة الوصية من الموصي شروطا لابد
- Y.O- (1/207)
صفحة 208
•
منها
الأول: أن يكون بالغا فلا تصح من طفل و
الثاني: أن يكون عاقلا فلا تصح من مجنون لزوال صفة التكليف
عنه فيما له وعليه
الثالث: أن يكون حرا فلا تصح من عبد لأنه كل على مولاه لا شيء عنده مطلقا يوضي فيه إلا على قول من يقول يملك العبد فانه يصح أن يوصي فيما يملك والأو الصحيح. وقال بعضهم يصح إيصاء العبد إذا كان مأذونا له في ذلك وكذلك المشرك أيضا أصح إيصاءه بعض وأبطله بعض وذلك شهير الأثر وكذلك السكران أيضا إذا عقل أي ولو لم يعقل تماما وإنما كان له بعض من عقل كالمريض إذا بقي معه بعض
التمييز.
وفي الأثر: إختلفوا في أفعال المراهق هل تثبت أم لا فمن أجاز أفعاله أجاز إيصاءه لا سيما إن بلغ ولم ينقض صح جزما أي إن بلغ حد التكليف وهو باق على إثبات إيصائه الذي أوصى به حال کونه مراهقا ثبت
ذلك الايصاء قطعا
ومن منع أفعال المراهق ولم يقل بصحتها لم يثبت إيصاؤه إلا ان بلغ
ولم ينقضها (أ هـ).
وفي أثر بعضهم أيضا ووصية الطفل والمجنون لا تجوز كما لا تجوز
أفعالهم.
- 206 - (1/208)
صفحة 209
وقيل في وصية المراهق انها جائزة والمتبادر أن الطفل داخل في المراهق ويقول بعض أن المراهق داخل في الطفل والأصل في الصبي والمراهق لا تصح أفعالهما فمن أجازها أجاز إيصائهما ومن أبطلها أبطل الايصاء أيضا ووصية العبد أكثر العلماء على بطلانها وأصل الوصية الهبة فمن أجازهبة الصبي عليه أن يجيز وصيته وقيل تجوز هبته في الشيء اليسير فتجوز وصيته
فيه كذلك
وأجاز بعضهم وصية يتيم عاقل إن لم يلقن وأمر اليتيم لا يخفى على أحد وتشديد الشرع فيه والمراد بكونه عاقلا أي يميز الأمور قلا وكثرة وغلاء ورخصا ان لم يلقن أي ان لم يلقن ذلك كله أما مع التلقين فلا أقول به والبطلان عندى فيه أقرب من القول بصحته ان لقن لأعطيته
وفي الأثر: وأجاز بعضهم وصية صغير بمعروف الى خمس ماله لوجه بر واليه الاشارة بقول الناظم والحد خمس ماله .. الخ. وكذلك أيضا ان أوصى بمعروف لأحد أجازه بعضهم ان لم يلقن وعليه فان الملاحظ هنا تمييز الموصى به وحصول الادراك من الصبي لمعاني المال فانه لم يحجر على أحد ماله إلا اذا لم يكن بحد من يعرف قدر المال فيحفظه من
الضياع
وقيل يجوز فعل الصبي الى الربع في ماله وقيل الى الثلث وهو حجة فان أهل العلم رحمهم الله وهدانا لمعرفة ما لاحظوه لم يقولوا في شيء بقول ما مطلقا إلا لداع هناك وغاية ما عندنا اتباع آثارهم واستطلاع أخبارهم واقتباس أشعة أنوارهم فانهم هم الذين جدوا للتحقيق واجتهدوا
— Y. V —
-
للتدقيق (1/209)
صفحة 210
وفي الأثر: وأجاز عمر بن الخطاب رحمه الله تعالى وعمر بن عبد العزيز وصية بنت تسع وهي على كل حال صبية مع انها أنثى وباجماع ان عقل الأنثى نصف عقل الذكر ولا يخفى أمر العمرين شدة في الدين وتورعا في الأمور واحتفاظا لحقوق الشريعة ووقوفا على حدودها الزاهرة وكذلك أيضا أجازا وصية ابن عشر وهو أيضا صبي اجماعا
وقال أبو عبد الله محمد بن محبوب بن الرحيل رحمهم الله تعالى اذا عقل الصبي وعدل في وصيته جازت الى الثلث أي وهو الحد في جوازها لكون الثلث حد وصية الحر البالغ العاقل وعلى القول بالحدود هل تدخل في المحدود أم لا تفريعات نعرض عنها وأما عدل الصبي في وصيته عندنا أن يوصي في الحج والفقراء والسبيل والأقربين
وقال بعضهم لا تجوز الى أكثر من الخمس ولو عدل فيها وان أقر
الصبي بالبلوغ عند موته وهو بحده جاز إقراره وإيصاؤه ومن قال لصبي
أوص لفلان بكذا فان كان بحد من يفهم فليس بتلقين وجازت وصيته
قال القطب الامام العلامة إنما التلقين أن يقال له أوص بكذا وكذا
فيقول كيف أقول فيقال له قل كذا وكذا ويعلم كيف يلفظ وان قال أريد أن أوصي بكذا وكذا فكيف أقول للشهود فيقال له قل كذا وكذا فليس هذا بتلقين وهذا جائز الوصية لأنه عقلها فتراهم اشترطوا أن يعقلها فقط ولو كان لا يهتدى للتعبير وان أراد معرفة ما تثبت به وهو عاقل لها جازت على قواعدهم وربما جهل عن التعبير عن الوصية كثير من البالغين فيعلمون ذلك وليس ذلك بقادح في إيصائهم وقالوا أيضا ولا بأس بتلقين المراهق
208 (1/210)
صفحة 211
وقول الناظم والبعض قالوا في الحقوق تمنع .. الخ. معناه ان أهل
العلم صرحوا انه اذا أوصى الغلام بحقوق ولا حد بقيامه به فلا تجوز الحقوق عليه إلا بصحة وقيل لا تجوز وصيته بحق عليه ولا بقيام به أي لأن الصبي لم يخاطب بالحقوق لكونه لم يكلف في دين فأحرى ان لا تكليف عليه بدنيا وذمة الصبي لم يشغلها الشارع بشيء ما مطلقا تفضلا من الله عز وجل على عباده لكون حجته تعالى لم تقم على الصبي ونحوه والله عز وجل بفضله وبرحمته جعل للتكليف شروطا يلزم بوجودها وينتفى بعدمها وأجازوا وصية الصبي في بر.
وفي الأثر: وان أعتق غلامه عند احتضاره وهو يعقل ويصلى لم يعتق. فهذا رد لأفعاله ولعل هذا القائل يرى انه لما عاين الاحتضار تأثر عقله وفي الأصل لم يكمل
وعن الامام أبي الشعثاء رحمه الله في صبية أوصت عند موتها بثلث مالها ان الخيار لوارثها في الامضاء والرد وهذا يدل على ما دل عليه الذي
قبله
وحكم المعتوه عندهم حكم المجنون اذا كان حينا يعقل وحينا لا يعقل أي يفيق ويجن وهذا الحال موجود في بعض الناس فهذا عندهم جائز فعله في حال صحوه. وفي الأثر: جازما أوصى به حين أفاق الى الثلث فان أوصى بحج أوزكاة أو نحوهما من اللوازم جاز في جميع أبواب البر في الحقوق.
- (1/211)
صفحة 212
قال أبو عبد الله رحمه الله تعالى ان أوصى مجنون بثلث ماله للأقربين فقيل يثبت كالصحيح ووجهه ان أصل وصية الأقربين واجبة وهذا المجنون أدى الى أقربيه ما أوجب لهم في ماله ولم يزد عليه والأصل فيه لو كان عاقلا لوجب عليه أداء ذلك وما وجب عليه في ماله لم يسقط عن المال بزوال العقل والثلث محل الوصية ومنه تنفذ
وقيل بل الى الخمس ووجهه اعتبار المجنون كاعتبار الصبي بجامع سقوط التكليف عنهما وما وجب عليهما في مالهما في حال صحوهما لم يخاطبا عنه في حال سقوط التكليف عنهما وليس أمر الدنيا بأكبر من أمر الدين
وقيل لا تجوز وصية كالصبي فيه ان الصبي لا تجوز وصيته بدليل التنظير به كما انه القول القوي عند بعضهم وعللوه أيضا بأن في ذلك إتلافا لأموالهما بغير خطاب شرعي أي ان الشرع لم يخاطبهما في ذلك شيء ألا تراهما لو هلكا لم يسألا مع الله عن شيء من ذلك وأما حديث علموا أولادكم الصلاة لسبع واضر بوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع فذلك محض تمرين لهم فقط ليستقبلوا حال التكليف متمرنين أي آلفة نفوسهم ذلك متأهلة له غير نافرة منه ومن تأهل للشيء قبل وقوعه استقبله غير مندهش به ولا مهتز له هيبة ولا مستكبر ا له كالذي يأتيه ذلك هجوما وينزل عليه بغتة الله ما ألطف مقاصد الشرع وما أعرفه بأحوال المكلفين هذا خلاصة ما أشار اليه الناظم
وامنع وصايا أعجم ولو فهم منه الاشارات لفقدان الكلم لا يملك العبد فلا يوصى بلا إذن وبعض غير هذا نقلا
-
210
- (1/212)
صفحة 213
اعلم ان أهل العلم إختلفوا في وصايا الأعجم ونحوه ممن لا يستطيع
أن ينطق أولا يفصح فلا يعرف منه ما يستدل به على رضاه وعدمه والوصايا عقود شرعية ولا عقد للأعجم لعدم استطاعته النطق بلسانه وعليه فلا يصح إيصاؤه لأن الله أمر باتباع الحق الواضح الذي لا ريبة معه دع ما يريبك لما لا يريبك وقال أيضا الأمور ثلاثة أمر بان لك رشده فاتبعه وأمر بان لك غيه فاجتنبه وأمر أشكل عليك فقف عنه ولا شك ان الحجة في الايصاء النطق به ودونه لا يتم فان فيه اذهاب مال على الوارث ولا حجة هنا على ذلك
وفي الأثر: عن أهل العلم والبصر وان أومأ برأسه أي الأعجم سواء كانت العجمة خلقه أو حدثت بعد ذلك بعلة ما مطلقا أو أشار برأسه أو بيده لما يريد في وصيته أن يوصي به لم يجز ولو استدل على مراده لأن الحكم لا يقع إلا على صحة العقل ولا يعلم مراده باشارته ألا بالظن وهو لا يغنى لأنا لا نعلم ثبوت عقله إلا بلسانه أي أن اللسان ترجمان الجنان وهو المعبر عما يكنه القلب وينطوي عليه العقل فتراهم يصرحون برد وصايا الأعجم مطلقا ولا يعولون على إشاراته ولو كانت بظاهرها تدل على صدده حتى عند من يفهم إشارته فهما تاما لكونه لا يقطع بأن المراد هو ذلك هذا هو شهير المذهب
ولعل بعضا يقول ان الاشارة في حق الأعجم تقوم مقام نطق اللسان واستدلوا على ذلك بقوله تعالى إلا رمزا فجعل الرمز كلاما معقولا أي يقوم مقام الكلام وكذلك قوله تعالى فأوحى اليهم أن سبحوا بكرة وعشيا أي أشار وتعقب بأن هذا لم يترتب عليه اتلاف مال أو تصرف ورد بأن ذلك في
-
2110
- (1/213)
صفحة 214
أمور الدين وهو مقدم على الدنيا واذا صح في الأمور الدينية صح فيما دونها
من الأمور الدنيوية
واعترض بأن أموال الناس وحقوقهم قدمها الله عز وجل على حقوقه تعالى واشترط فيها شروطا تمنع من الهجوم عليها بغير حجة واضحة مسلمة عند الكل
وأما العبد فانه لا يملك شيئا وهو كل على مولاه بنص القرآن العزيز فمن أين له أن يوصي وان ماله هو مال السيد إلا اذا جاز السيد ذلك فانه
يجوز.
وفي الأثر: ولا وصية المملوك في ولده ولا ماله ولا أمر له في ذلك سواء عاد الضمير الى الولد وماله أو الى مال العبد أي المال الذي بيده
سواء كان من كسبه أو من كسب سيده وفيه أيضا ولا أمر له في مال سيده
قلت: اذا كان لا أمر له في مال نفسه أعنى ما اكتسبه بنفسه فكيف به في مال سيده إلا فيما أذن له فيه. قلت: أما مع الاذن فلو أذن لأجنبي لجاز إذنه لأن ذلك منه وبإذنه يمضى عليه الايصاء وغيره
وان أوصى أي العبد بقضاء دينه مما بيده من التجارة جاز ذلك في بعض القول قالوا لأن فعله في تجارته جائز فيجوز قضاء دينه فيها لأن دينه
فيها عائد على المال
- 212 -
- (1/214)
صفحة 215
قالوا وان أخرجه من التجارة لم تجز وصيته فيها أي التجارة فان ما تعلق بها من حق فسده هو المسئول عنه وكذلك إقراره في تلك التجارة التي كان فيها ثم أخرجه سيده منها فلا إقرار له فيها قطعا
وما أنفذه من مال مولاه على وجه الحق جاز عليه إلا ان كان على غيره أي لا يجوز للعبد أن ينفذ ما على غير العبد في خصوص تلك التجارة التي كان عاملا عليها ومبتليا بأمورها فإذا أخرجه سيده منها خرج من كل
تباعة تتعلق به بسببها
وما أخرجه العبد بغير إذن سيده وأدركه السيد باقيا بعينه رجع للسيد وضمن الوصي للمشتري ما قبض منه أي من العبد أي يضمنه في الحكم ويرجع على الغرماء إن قدر عليهم والا أو غابوا أو ماتوا فلا شيء له أي يرجع سيد العبد على غرماء العبد إن قدر على الرجوع اليهم ويأخذ منهم ما باع العبد اليهم ان كان باقيا بعينه أو ثمنه إن فات العين وإن رجع اليهم ولم يقدر عليهم أو غابوا فلم يدركهم أو ماتوا كذلك فلا شيء له وما أذن فيه للعبد مضى بذلك الاذن وما تصرف فيه بغير إذن
فمردود قطعا
وخلاصة المقام ان أقوال العلماء في العبد تدور على أصلين الأول جواز تملكه وعليه يجوز إيصاؤه فيما يملك الثانى عدم جواز ذلك إلا باذن
وعليه لا يوصي إلا باذن والله أعلم.
-
- 213 -
- (1/215)
صفحة 216
[صفحة فارغة] (1/216)
صفحة 217
الباب الرابع في الموصى به
قال شيخنا الناظم:
قد قيل ما أوصى به فالشائع في الأصل عين المال لا المنافع والخلف في مثل كراء الدور والأرض في الغلة كالمشهور
اعلم إن الوصايا تجرى في الأصل على إختيار الموصين ولكل في أفعاله نظر وبحسب الأحوال تكون الأفعال ورقاب الأموال في الوصايا أنفع من الثمار والأصول أولى من المنافع كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق نحو الايصاء بنخلة أو شجرة أو فرس أو بعير أو دار يسكنها أو دكان يبيع فيه ويشتري أو أرض زراعة أو نحو ذلك
وأفضل الكل الايصاء بالنخل تؤكل غللها ويحبس أصلها ذلك لأن النخل أصبر الشجر على العطش وأصدقها ثمرا وأنفعها غللا كما أشار إلى ذلك القرآن ودل عليه صريح السنة النبوية وهي الشجرة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها وإليها الاشارة بقوله عليه الصلاة والسلام كل بيت لا تمر فيه أهله جياع فإن التمر معروف بأنه في النخل وهذا من ألطف الأشياء في المدح. منه عند من فهم والأصل في الايصاء الأصول إجماعا وأما المنافع ففيها الخلاف بين أهل العلم
وفي الأثر: واختلفوا في الايصاء بالمنافع .. إلخ. أي أنهم لم يختلفوا في الايصاء بالأصول وكذلك العروض أيضا وأما الاختلاف في اء بالمنافع شهير والمراد به الايصاء بنحو غلة هذه الشجرة
- Plo- (1/217)
صفحة 218
مثلا وسكنى هذه الدار وحرث هذه الأراضي وخدمة العبيد. والدواب مع بقاء الأصل للمالك سواء استخدم الدواب والعبيد الموصى له أو أنه أخدمها غيره وانتفع بذلك ككراء الأرض وكراء الدور والدكاكين ونحوها ونحو الغرس في أرض أو بناء فيها أو تيبيس تمر أو بسر أو نحو ذلك من المنافع أو دفن أموات أو إجتماع لمشورة أو أمر من الأمور الدينية والدنيوية وما أشبهها وكذلك نحو عمل بقادوم أو هيب أو مسحاة أو خياطة بإبرة أو شق بميشار أو نحوها فقد قال بعض العلماء إن ذلك كله جائز مطلقا كما جاز الايصاء بنفس المال بل المقصود من المال نفسه منافعه لا ذاته ألا ترى الايصاء بالنخلة المراد منه الانتفاع بغلتها. وهكذا سائر الأشياء لم يقصد منها ذاتها وإنما المقصود منها الانتفاع وهي أي المنفعة ولو لم توجد لكن توجهت الوصية لوجودها وهي أولى من بيع وشرط مع أن الصحيح في البيع والشرط الجواز إذا حل تملك الشرط وعلم وجواز الايصاء بالمنفعة له دلائل من السنة النبوية كقضية العمرى والرقبي وصحح الجواز قطب العلماء رحمه الله
وقيل الايصاء بالمنافع لا يجوز مطلقا ووجهه أن المنفعة الموصى بها غالبا تكون معدومة لا سيما حال الايصاء والايصاء بمعدوم إيصاء بغير مملوك لأن المعدوم لا يقول أحد بأنه مملوك فإذا أوصى الموصي بالمنفعة فقد أوصى بما لا يملك وكأنه عند بعض أوصى بمال الغير ويرده أحاديث العمري والرقبى كما عرفتها
•
وقيل إن أجل الايصاء بها جاز وإلا لم يجز وإن أوصى صاحب الأرض والشجر والبناء بمنافعهما جاز عليه والمنفعة لصاحب الأرض وأما الشجر والبناء فيها لصاحبهما وليس لصاحب الأرض أن يكلف أصحاب
- 216 -
- (1/218)
صفحة 219
الشجر والبناءات إزالة بنائهم أو قلع أأشجارهم أعني إذا أوصى أحد لأحد أن يبني في أرضه أو يغرس فيها شجرا ثم مات وفعل ذلك الموصى له ثم قام الوارث بعد ذلك يطلب إزالة ذلك من الأرض فليس له حتى يزيله صاحبه برضاه أو يزيله الله عز وجل وإذا زال فليس لصاحبه إعادته إلا برضى كما إذا مات الشجر أو أصابه محل أو اعتل أو تسلطت عليه آفة من الله فأزالته وانهدم البناء بريح أو مطر أو زلزلة أو بارقة أو نحو ذلك وأراد أن يعيده ومنع الوارث منه كان له المنع ولو أطلق الموصي أعني لم يقيده
وان أجل قلعها لزم عند الأجل لأن الأجل شرط والمسلمون على شروطهم وقيل لا يقلع الشجر ولكن لصاحب الأرض قيمة شجره على صاحب الأرض ويكون الشجر تبعا للأرض لأنها الأصل وهل إذا أراد صاحب الشجر قلع شجره ولم يرض صاحب الأرض بقلع الشجر واعترف بأن يسلم قيمة الشجر على تقويم العدول فأقول لا يضيق ذلك والأصل في الكل قوله عليه الصلاة والسلام لا ضرر ولا ضرار في الاسلام.
وفي المقام مسائل عند الهداة العباهل الأولى
إذا أوصى لأحد بشمار جنانه عشر سنين مثلا أو أقل أو أكثر وأوصى بسكنى داره ثم مات الموصي فهل يحكم بذلك للموصى له أقول لا يحكم له بذلك سواء كان الايصاء مؤجلا مثلا كنحو عشر سنين أو أقل أو أكثر أو لم يؤجل وأما عند الله فذلك لازم ووجهه أن الوارث قد لا يعيش عشر سنين فيكون الحكم حائلا بينه وبين حقه مانعا له من التصرف فيه وأما لزومه مع الله تعالى هو أن الموصي أوصى بذلك وله أن يوصي به ويرجع
-
217 - (1/219)
صفحة 220
نظره إلى ثلث المال وأجاز بعضهم الحكم به للموصى له كما جاز له عند الله
تعالى
سواء سمي
وفي الأثر وإن أوصى رجل بسكنى داره أو بيته أو جميع ما يسكن فيه الأجل أو لم يسم. . فذلك لا يجوز أ. هـ) وهذا واضح عند مانعي إيصاء المنفعة وقيل في ذلك أيضا بشرط كونه يسعه الثلث وذلك القيد هو الذي تدور عليه هذه المسألة لأنه إن لم يسعه الثلث لم يلزم الوارث كله عند الله ولم يجزه ذلك البعض كله بل يلزمه بعضه فيما بينه وبين الله تعلى ويجيز ذلك البعض بعضه فقط وقيد الثلث مراد في المسألة التي هي محل مجال الأقلام.
وفي الأثر: وإن أوصى رجل بسكنى هذه الدار أو غلة هذه النخلة فإن الموصى له يأخذ ذلك المذكور من الثمار أو السكنى وكذا غيرهما في السنين التالية لموته إذا عينها أنها بعد موته سواء عينها سنين متصلة أو لم يعين إتصالها أو لم يبين إنها بعده فالمعهود أنها بعده وإتصالها عرفا أقرب إلى الفهم المتبادر وإن عين لزم ما عين كما عينه. وهكذا الحكم في كل مدة ولو أقل من
السنة مثلا
وإن عدمت ثمار هذا الموصى به بسبب من الأسباب مدة العشر سنين الموصى به فيها أو عدمت في بعضها ووجدت في بقيتها لم يكن له بعد مضي العشر سنين المقيد فيها الايصاء شيء ولو ترك السكني فيها عن إختيار منه
أي الموصى له فلا شيء له سواها
218
- (1/220)
صفحة 221
الهائلة
وكذا إذا كان الايصاء بخدمة العبد فترك إستخدامه حتى مضت
المدة فلا شيء له بعد وكذا خدمة الدابة أيضا على هذا القياد وكذلك السفينة أيضا وكذلك الرحى والدولاب للغزل وكذا مكائن الأعمال المستحدثة الآن للأعمال من حفر الأراضي وكسر الجبال وصدع الأحجار وهدم الجدران كالدبابات ونحو ذلك وسواء كان ذلك الترك إختيارا أو إجبارا من حاكم جائر مثلا أو تركها غالطا في حساب أو ظانا أنه متى أراد ذلك أمكنه لقيد العشر عنده أو عرض له منع ما بشرط كون ذلك المنع من غير الوارث أما ان منعه الوارث كان له عليه أن يعين له ما عينه الموصى لحيلولته بين الموصى له وبين ذلك بغير حق أما بعد العشرة فللوارث أن يمنعه سواء كان الترك من الموصى له إختيارا أو إضطرارا.
وقيل إن لم يعين التالية بعد موته فله عددها فيما بعدها أما أن أوصى بما ذكرنا من المنافع ولم يؤجل الايصاء فلأهل العلم فيه قولان
الأول: المنع لأن الايصاء بمجهول وأحرى في مثل هذا المقام أن يمنع لأن السنين والأعوام ماضية وآتية وللأيصاء شروط تقيده ويستقر الحكم عليها بين الناس
وأجازه بعض من أهل العلم وهو القول الثاني بشرط نزوله في الثلث وينزل في المال بالثلث أي تعتبر قيمة ذلك الموصى به من نحوغلة النخل أو قيمة سكنى الدور لتلك المدة أو خدمة العبيد أو خدمة الدواب أو قعد الدكاكين أو المحطات أو كراء السيارات أو الطائرات أو السفن الشراعيات أو غيرها ثم يقوم ما بقي من مال الموصى من أصول وعروض وتضم القيم
2190 (1/221)
صفحة 222
إلى بعضها بعضا وينظر فيها وكم يكون ثلث مال الموصى فيحاصص الموصى له بالمنافع مع أصحاب الثلث أعني الثلث المقرر للايصاء وهل معه غيره من الايصاء آت أم لا ويعتبر ذلك فما نابه أعطي إياه وتلك قاعدة
مطردة عند الفقهاء
•
فإذا كان منابه مثلا عشرة دنانير أو عشرين دينارا أو مائة دينار فله أن يسكن في الدار مدة يكون كراؤها عشرة دنانير أو عشرين دينارا أو مائة دينار أو يستخدم العبد عنده مثلا مدة يكون تقدير كرائها في ذلك الوقت ذلك المقدار الذي نابه وكذا في الدواب وغيرها من سائر الأشياء أو يستغل من النخل مقدار ما يبلغ منابه أو يكري الأرض لغيره ويأخذ من كرائها ما يبلغ منابه على هذه القواعد
وإن كانت المدة التي أوصى له بها تأتى على الثلث أي تستغرقه كله أو تزيد عليه نزل في الثلث من المال بالثلث الايصائي وحاصص فيه من
شاركه فيه
وكذا أيضا إن لم يؤجل له أجلا معلوما فإنه ينزل في ثلث المال بالثلث على قياد ما مر وينتفع مقدار ما نابه عند مجيز الايصاء بالمنفعة وإذا كان
ينزل بالثلث ولا وصية تحاصصه إنتفع بقدر الثلث
وعن الشيخ أحمد بن أبي بكر رحمه الله في الوصية بالخدمة والغلة ونحو ذلك ما كان من ذلك معلوما فليجمعوا منه مقدار الثلث وليعطوه الموصى له إذا لم توجد وصايا غيره ولا يكون ذلك منهم تضييعا وإن كانت الوصايا غيره نزل الموصى له في قيمة ذلك في الثلث بالمحاصصة على قدر
-
220
- (1/222)
صفحة 223
الوصايا
المسألة الثانية: إذا أجل الموصى إيصاءه بالمنافع أو برقاب الأموال وأحاط ذلك الموصى به بماله أي كان ذلك الموصى به مستغرقا للمال كله فإنه مردود إلى الثلث ولا يجاوز الثلث وينزل الموصى له في الثلث بالثلث مع الوصايا إن كانت هناك وصايا أخرى
وإذا أوصى له بغلة نخلة مثلا مدة فإنه لا يدري كم تثمر تلك النخلة أو الشجرة في المدة الموصى بغلتها فيها فكيف يكون النزول هنا في الثلث فلعله يعتبر له هنا الأوسط من أحوال غللها أو الأدنى أو الأعلى على الخلاف للضرورة والجهل فيها ولا ينكشف الحال عن ثمرة هذه النخلة فيدري مثلا حاصلها أكثر من الثلث أو أقل أو مساويا إلا بعد إنتهاء المدة اللهم إلا أن يعتبر واحالها وعاداتها تحريا فقط للضرورة فينزل بها على ذلك الحال ولو كان الحال قد ينكشف على خلافه فإن معنى النزول في الثلث أن يقوم حاصل غلتها أو حاصل الموصى بالانتفاع منه وجميع ما للموصى من الأصول والعروض وتقسم القيمة على ماله من الدنانير والدراهم فينظر كم ثلث ذلك كله فيحاصص الموصى له بالانتفاع مع أصحاب الثلث في ذلك المقدار الذي كان ثلثا فما نابه إنتفع به مما أوصي له بالانتفاع به على نهج المسألة التي قبلها فاعرفه
وفي الأثر: إن أوصى بغلامه لفلان يخدمه سنة أبدا وله بيعه والتصرف فيه وقوله يخدمه سنة حشو لا يفيد شيئا ما مطلقا، ذلك إن الايصاء وقع بالغلام لفلان واللام فيه لام التمليك فهو على هذا قد ملكه إياه وقوله
– 221 -
- (1/223)
صفحة 224
يخدمه سنة خبر لا يترتب عليه حكم هكذا ظاهر اللفظ
بخلاف ما إذا أوصى بخدمته سنة لفلان فإنه له فقط خدمة سنة
بمعتاد الخدمة لا أقل ولا أكثر.
وأما إن قال خدمة عبدي هذا لفلان وصية مني له وهو أيضا لفلان أي وأوصى برقبة العبد لفلان فللأول الموصى له بالخدمة خدمته ما دام الموصى له حيا وعليه مؤونته وإذا مات صار إلى الثاني كله أي رقبته
وخدمته
وإن قال ورثة الموصي أوصى بخدمة هذا العبد لموروثنا ونحن وارثوه والعبد باق ونحن وارثون تلك الخدمة من هذا العبد فليس لهم ذلك ووجهه إنما أوصى بالخدمة لذلك الهالك ولا يخدم وارثه ولو قلنا بخدمة وارثه لم يزل العبد تحت قهر أولئك بالخدمة وهم أيضا لهم وارث فيتسلسل ذلك إلى مالا نهاية له ولكنا نقول بقطع ذلك بموت الموصى له وهو واضح
المسألة الثالثة: إذا كان للانسان ثلاثة أعبد أعتق أحدهم في مرضه وأوصى بالأخير ين وقفا على إمرأة يخدمانها حياتها فما حكم هذا العتق والا يصاء وما الثابت منه
فنقول إن أجاز الورثة ذلك جاز بشرط كونهم بلغا حاضرين أما إذا لم زوا فإن العتق والوقف يكون جميعه من ثلثهم فإن ترك سواهم ضرب لذات الخدمة أي الموصى لها بالخدمة بسهم وللمعتق بسهم من ثلث
222
- (1/224)
صفحة 225
متروكه فما أصاب بينهما وبين الوارث تحاصصوا في خدمتهما وتكون حصة الموصى لها بالخدمة بكراء في كل يوم أو شهر على قدرها إلى أن تستوفي منابها فيرد إلى المعتق إلى أن يلحقه الورثة بشيء فما فضل مما رد إليه مما أصاب صاحبته رد إليهم وما أصاب مناب المعتق من ثلث ما خلف يستسعيه الورثة بالباقي من قيمته لا إذا أجازوا المعتق لا الخدمة وكان الباقي أن تستكمل منابها من الخدمة مردود إلى الورثة فقيل يدخل الأقربون فيما أوصي لها به من الخدمة فلها ثلثها ولهم الثلثان
وقيل ينظر في قيمتهم فإذا إستوفت كان للمعتق ثلث قيمته ويسعى للورثة بالثلثين ولا يدخل على الموصى لها بالخدمة فإذا ماتت رجع العبدان إليهم فإن كان المتق أكثر قيمة منهم نظركم قيمته من قيمتهما فإن كانت ألفا وقيمتها ألف فيضرب له سهمين وللمرأة سهما فإذا ماتت المرأة رد إليهم
فافهم
ذلك فإنها من الدقائق على من لم يمنحه الله فهما لدرك الحقائق
المسألة الرابعة: فيما إذا ترك ألفي قرش وغلاما يسوى ألفا وأوصى لرجل بثلث ماله وأوصى لرجل آخر بخدمة العبد حياته وأوصى لرجل آخر بنفقته وأوصى لرجل آخر بسكنى داره حياته فما يقول في ذلك أهل العلم
أقول أنا ولست من أهل العلم ولكني أقتبس معنى ذلك من أنوارهم
وأبثه عنهم لمقتفي آثارهم إشاعة للعلم وإشادة به قصدا لأحيائه
إعلم إذا وقع الايصاء على هذا النهج فأما أن يجيز. . الورثة ذلك فلا مقال إذا ولهم الشكر على ذلك إذ أجازوا وصية هالكهم وأنفذوا أوامره
223
- (1/225)
صفحة 226
من أموالهم لأن المال بالموت منتقل إليهم وإن لم يجيزوا ذلك فليضرب لذي الثلث في الثلث بسهم من ثلث ما خلف وكذا لذي الخدمة وكذا أيضا لذي السكن لأن كلا منهم كالموصى له بالثلث لأن الايصاء بخدمة العبد لم يعلم مقداره حياة الموصى له هل هو يبلغ ثلث المال أو أقل أو أكثر وكذا الايصاء بنفقة زيد غير معلومة المقدار والكمية والمدة وكذا إيصاؤه لآخر بسكني داره فإن السكنى غير منضبطة في الحال كمية ومدة حياته فإن الحياة لا يعلم منتهاها وإنما يضرب لذي الثلث بسهم كامل أي ثلث كامل في مال الميت مع أصحاب الوصايا الذين ذكرناهم وقد إستوى الموصى لهم في الوصية والمحاصصة فضربنا الكل في ثلث في ثلث الموصي وهو ألف ثم نظرنا ما أصاب كلا من سهامهم وهو مائتان وخمسون ويدفع لذي الثلث منابه ويوقف مناب ذي النفقة ويجرى عليه فإن مات قبل أن يستفرغه رد الباقي على أصحاب الوصايا بالمحاصصة
وأما ذو السكن فإن كانت الدار تسوى منابه وهو مائتان وخمسون سلمت إليه يسكنها بأجر معروف كل شهر إلى أن يتم منابه ثم ترد إلى الورثة وإن مات قبل أن يستفرغه رد الفضل على أصحاب الوصايا إلى أن يستوفوا حقوقهم فإن فضل شيء بعد ذلك سلم إلى الورثة. فهذا إن كانت قيمة الدار أكثر مما أصاب منابه كان سكنه بالحصة يحاصصه في ذلك الورثة فإن كانت قيمتها خمسمائة كان سكنها شهرا بأجر معروف إلى أن يستوفى حقه أي ما أصاب منابه من الثلث وكذا تجري خدمة الغلام مجرى
الدار
وقيل يضرب لذي الثلث ولذي النفقة ولذي الخدمة بقيمة ما أصاب
224 -
— (1/226)
صفحة 227
كلا منهما من الثلث ثم يدفع لذي الثلث ما إستحقه في حينه ويوقف لذي النفقة بقدر منابه من المال ولذي السكن قدر ما إستحق من الثلث مما ضرب له وكذا لذي الخدمة
ومن أوصى بخدمة عبده سنة ولا مال له سواه أي سوى العبد فإنهم قالوا يخدمه أي الموصلى له يوما ويخدم الوارث يومين لأن العبد كما تراه هو كل المال وخدمته حكمها حكمه فلذلك قلنا له يوم وللوارث يومان لأن العبد نفسه لا يتجزأ وإنما يتجزأ النفع والخدمة هي نفع من عمل العبد ويجرى على هذا السنن حتى يتم ما أوصى به وأوردناه لك كالتذييل للتي قبلها ولما بينهما من تماثل من بعض الوجوه وكذا إن قال في وصيته أعني صاحب هذا العبد يسكن داري سنة سكن ثلثها بمشاهرة كذا في بعض الأثر عن أهل
العلم والبصر
المسألة الخامسة: فيما إذا أوصى بغلة عبده أو داره سنة ماذا
للموصى له.
أقول إذا أوصى له بغلة عبده فإن غلة العبد خدمته وغلة الدار سكناها فإذا وقع الايصاء بذلك فللموصى له ثلث غلة سنة وهو واضح فيستسعى العبد أربعة أشهر ثم يعود إلى الوارث بعد ذلك أو يستسعى للموصى له يوما وللوارث يومين وهكذا حتى تتم سنة كاملة وهكذا الحكم في الدار أما إذا أطلق الايصاء كأن يقول بغلة عبده أو سكن داره فليس له أن يؤجرهما لأن الأجرة لا يوجد فيها حق للموصى له به وليس له إخراج
العبد من مصره إلا إن كان أهل الموصى له في غيره
-
225 - (1/227)
صفحة 228
قال الامام القطب رحمه الله تعالى واختير أن يخرج من خدمته وسكن الدار معنى الخلاف في أن يؤجره ويخدمه غيره أو يؤجر سكنى الدار
ويسكنها غيره
أقول إن إستئجار العبد راجع إلى الموصى له بذلك فله يخدمه غيره ويستغل ذلك وله أن يستخدمه حياته وكذلك القول في الدار لأن الايصاء وقع بغلة العبد وغلته عمله وأجرة سكنى الدار غلتها أو أن أمر الاستئجار إلى الوارث
والحاصل من ذلك إلى الموصى له به وعليه فعلى من تكون مؤنة العبد فالظاهر من له الغنم فعليه الغرم والخراج بالضمان فإن أوصى له أن يستخدمه أو أوصى له بسكون الدار لم يكن له سوى ذلك أعني ليس له أن يؤجرهما ويستغل الحاصل لأن هذا لم يوص به وإنما أوصى باستخدام العبد وسكنى الدار والاستخدام معنى مقيد معروف وكذلك سكنى الدار
فافهم.
يسكنها
وهل من فرق بين قول الموصي أوصى له سكناها وأوصى له أن
نعم فرق بعضهم فإن معنى سكناها أعم من معنى يسكنها بفتح أوله إلا أن قيل بضم أوله كان المعنى كالأول وهو واضح فاعرفه وقيل إذا أوصى له بسكناها فله أن يؤجرها وهوعين ما قلته والحمد لله على موافقة الأثر ووجه ذلك هو ما قلت مما يعطيه لفظ السكنى فإنه لم يلزم منه أن يسكنها بنفسه وقيل بل ليس له أن يؤجرها فإنه أوصى له بسكناها فيفهم
226 (1/228)
صفحة 229
منه أنه أوصى له أن يسكنها وأما أن يسكنها غيره فلا إلا بحجة بينة ولا بيان هنا وإختلاف الأحكام يقع بإختلاف المفهومات اللفظية وكذلك قولهم في خدمة العبد إذا أوصى له بخدمة عبده فقيل له أن يستخدمه بنفسه ويستغل ذلك من الغير باستخدامه إياه مع الغير
المسألة السادسة: فيما إذا أوصى لرجل بخدمة عبده وأوصى لآخر
برقبة العبد فما هو الحكم في قضيته
)
أقول إذا وقع الايصاء هكذا ينظر فيه فإذا كان يخرج ذلك الايصاء من ثلث المال ثبت لكل من الموصى لهما ما أوصى له به تماما كما أوصى لرجل بأمة وأوصى لرجل آخر بجنينها كان كما قال أي يكون في مثل هذه المسألة لأحد الرجلين الموصى لهما الأمة وللآخر الموصى له أيضا بالجنين وكذلك مسألة العبد كان العبد لرجل وخدمته لآخر وإن أوصى لزيد بخدمة العبد ولآخر بغلته كان لزيد خدمة العبد شهرا أي يخدمه شهرا وعليه طعام العبد في ذلك الشهر ويستغله عمر و شهرا ومؤنته عليهما أي على كل واحد منهما مؤونته ما دام في عمله وكذلك أيضا جنايته بينهما أي لاشتراكهما فيه.
وإذا جنى العبد المذكور جناية يستسعى لها حتى يؤدي ما عليه من
الجناية وعليهما مؤونته حال إستسعاه
•
ولهما أيضا أن يفدياه أي يؤديان عنه قيمة الجناية وإن أبيا أن يفدياناه ففداه الورثة بطلت الوصية فلا شيء لمن أوصي له بخدمته ولا لمن أوصي له بغلته لكونه ورضيا أن يفديه الوارث فقداه فصار مقهورا له
-
227
- (1/229)
صفحة 230
وعندي في هذا نظر هو أن الورثة لهم فيه حق الجناية يستسعونه بها
كما يستسعاه الموصى لهما بخدمته وغلته إلا إذا اعتبر أن تركهما له على أن
يفديه الوارث ترك لهما منه فإنه وجه كمن صح أن من ترك حقه فلا حق
له
وقيل بل لهما أن يختارا فيه فإن إختاراه ففدياه كان بحاله عندهما أي على ما كان عليه أولا وإن لم يختاره خير فيه الوارث أي يكون الخيار فيه بين المجني عليه وبين الوارث فإذا إختاره الوارث كان له ذلك لأن أصله ما الوارث وعليه أن يؤدي عنه جنايته وإذا تركه الوارث فليس عليه شيء من قبله قلت الجناية أو جلت وإذا تقدمت الجناية على الايصاء به رجع باقي الغلة إلى الوارث كذا في الأثر وإلا أي إن لم تتقدم فهي على ما أوصى بها أي تكون الغلة كما إقتضاها الايصاء
•
المسألة السابعة: فيمن أقر أن عليه لرجل خدمته إلى أن يموت المقر أو يموت المقر له فليس بشيء عند المحققين وإن حمل أن إقراره هذا يدل على أن عليه لذلك حقا فيروم الخلاص منه فهذا غير قوي عندي وقيل عليه له نفقته أو خدمته شهرا
قلت لا أعرف لهذا القول وجها كيف بذلك شهرا واحدا مع أنه أطلق الاقرار ولم يقيده فمن أين يأتي تقييده بشهر وقد قال العلماء فيه أيضا إن هذا ضعيف حتى يعين الشهر أو السنين والحمد الله إذ وجدت ذلك بعد ما رأيته في نظري
المسألة الثامنة: فيمن أوصى لزيد بخدمة عبده ثم مات زيد الموصى له فما
-
228
- (1/230)
صفحة 231
الحكم في هذه الوصية.
إعلم إن أوصى أحد بخدمة عبده لأحد ثم مات الموصى له فقيل إن وصيته هذه موروثة إتفاقا أي يخدم وارث زيد أما إذا أوصى له أن يخدمه فمات فلا يخدم الوارث ووجهه إن الايصاء بالخدمة إيصاء بمنفعة والمنفعة موروثة لأنها حق وأما وجه ما إذا أوصى له أن يخدمه هنا إنتفى الموصى به لانتفاء ما تعلق به وهو الرجل الموصى له بخدمته فقوله أخدمني خلاف قوله أخدم لي وهو ظاهر عند من له ذوق سليم.
وفي الأثر: قالوا إذا أوصى لزيد بالعبد ولعمر و بالخدمة وقبل ذلك زيد وعمرو فمؤنة العبد على زيد لأن أصل العبد ومن له الأصل رجع عليه مالا يقوم الأصل إلا به فالعبد .. لا يقوم بلا مؤنة قطعا وقيل بل على عمرو يكون المنفعة راجعة عليه والخراج بالضمان فعلى عمر و جميع ما يحتاج من إليه من طعام وكسوة وما يدفئه من البرد أو ما يقيه من الحر
ومن أوصى لرجل بخدمة العبد وللآخر برقبته قومتا في الثلث في بعض الأثر على صحيح النظر ثم يتحاصصان بعد التقويم فينظر كم تقيم رقبة العبد وكم تكون خدمته ثم يرجع ذلك إلى ثلث المال إذا لم يكن معهما
إيصاء أيضا
وكذا إن لم يكن له إلا عبد واحد فأصى بخدمته لأحد سنة قومت أيضا ونزلت في الثلث وإذا لم تكن هنا وصية للأقرب أعطي الأقرب ثلثي
السنة
•
229 (1/231)
صفحة 232
وفي الأثر عند العلماء أهل البصر إن أوصى لرجل بعبد ولرجل آخر بخدمة العبد ضب لكل بماله في الثلث والعبد للأول أي يخرج منه ثلث القيمة للوصية على قاعدتهم ولصاحب الخدمة ما أوصى له به
المسألة التاسعة: فيمن إذا أوصى بغلة نخلته لزيد وكانت إذ ذاك
فيها الغلة أو لم تكن فكيف الحكم في الحالين
•
إعلم أن من أوصى بغلة نخلته أو نخله أو شجرة أو بستانه أو نحو ذلك مما من شأنه أن يغل فإن كانت فيه غلة حاضرة فللموصى له تلك الغلة الحاضرة حملا على الغلة المعهودة في الذهن وهو واضح وإليه يتبادر الفهم إذا لم تكن هناك غلة تعهد ذهنا كانت له غلتها دواما وكذا الايصاء بالأروض التي تزرع وهو شهير الأثر
وهل له من النخل أو الشجر أو البستان الحطب والعراجين والليف وغلاف الطلع ونحو ذلك فقيل ليس له ذلك بناء على أن الايصاء وقع بالغلة وليس ذلك منها عرفا وقيل بل له ذلك بناء على أن ذلك من المنافع التابعة للغلة
وإن أوصى له بغلة الأرض فإن كانت فيها زراعة فله غلتها الحاضرة وإلا فله مطلق الغلة منها قياسا على ما قيل في النخل نعم إن قال غلة كل نوع من ذلك فإن قال كذلك فله الحاضرة والآتية لعموم كل فاعرفه
وإن أوصى له بثلث غلة ماله قال الشيخ خميس بن سعيد الشقصي
230
- (1/232)
صفحة 233
أدى له ثلث غلة المال الحاضرة وثلث الغلة المستقبلة وأنه يرى هذه الثانية
خلاف الأولى
قلت: لا أعرف وجه هذا الخلاف فإني أراه واحدا ولعل الشيخ خميس لا يلتفت إلى العهد الذهني ويجعل اللفظ عاما في الحاضر والمقبل من غير قيد بشيء ما وإن أوصى له بغلة نخلته ومات قبل إدراكها فهي للوارث كذا في الأثر
قلت: هذا الكلام يحتاج إلى كشف وإيضاح أي قوله للوارث وقوله فمات إلى من يرجع هذا الكلام قيل إذا مات الموصى له قبل إدراك الغلة فهي لوارث الموصي له ووجهه إن الموصى له إستحق العلة بموت الموصي وقد مات وإن كانت الغلة غير مدركة فهي راجعة إلى وارثه وإن أوصى له بغلتها وأوصى لآخر بأصلها كان سبيلها على نحو سبيل العبد الموصى لأحد بخدمته ولآخر برقبته بلا فرق والله أعلم
وإذا مات الموصى له بالغلة والمكوصى له بالأصل معا رجعت الوصية للوارث أي وارث الموصى لهما. وقيل بل ترجع لصاحب الأصل وإن إختلف في عمارة ذلك الموصى به على هذه الصفة على من تكون
حكما.
فنقول على ما فهمناه من كلام العلماء في آثارهم أنه يقال لصاحب الثمرة إن شئت فاعمره وهي لك وإلا قام بع غيرك أي رب المال وله عليك بقدر ما عمره بتقويم العدول هذا إذا كانت الوصية بالثمرة مبهمة وإن
231
- (1/233)
صفحة 234
كانت محدودة فقيل إن العمارة على صاحب الأصل أي كانت معينة مثلا سنة أو سنتين وقيل على صاحب الأصل ما هو صلاح للأصل وعلى صاحب الغلة ما يعود على صلاحها وبهذا كنت أفتي أيام قيامي بالقضاء بوادي بوشر وبنخل أيضا لكن بشرط أن يكون ما يعود على صلاح الغلة في ذلك الوقت أي وقت الغلة
•
وكذلك أقول حفر الأفلاج أيضا إذا كان خرابها بالأمطار ونحوها أما إذا كان مثلا بالمحل ورام أهل الفلج زيادة خدمته قرحا على مقتضى عرفهم فليس على صاحب الغلة شيء اللهم إلا إذا كانت حاضرة وكان ذلك على العمل في الفلج يعود على صلاحها فيعجبني أن يكون ذلك على صاحب الغلة لظهور صلاحها بذلك
واختار الشيخ الشقصي أن يقال مثلا لصاحب النخلة إن شئت
فاسقها أو دعها ويقال أيضا لصاحب الغلة اسقها لتغل أودعها
•
قلت: إن قال واحد منهما أنه يسقيها قلنا أحسنا ولصاحب الغلة غلته ولصاحب الأصل أصله من غير أن يتبدل شيء بذلك
المسألة العاشرة: فيها إذا أوصى بأرض بها زرع مدرك أو غير مدرك إعلم إن أوصى بأرض فيها زراعة أو زراعات متعددة بعضها مدرك وبعضها غير مدرك وبعضها قد زرعه إذ ذاك ذلك الوقت فكيف الحكم في
ذلك
232
- (1/234)
صفحة 235
أقول أقول إن كان إدراك المدرك يوم موت الموصى فهو لوارثه إلا إن
قال إن الزرع المدرك تابع للأرض الموصى بها فهو على ما قال ويروى عن أبي سعيد رحمه الله ورضي عنه هو تابع لها أي قال أو لم يقل ويرى إن لفظ الايصاء شامل له لكونه بها إن لم يخرجه بقيد أو يخصصه بشرط سواء أدرك أو لم يدرك بل ولو كان مدركا وإذا استثناه كان له استثناؤه وإن لم يدرك فهو تابع لها بلا خلاف
وإن أوصى مريض بثمرة نخلة ثم إستمر به المرض حتى قطعت الثمرة وهو في مرضه ثم مات بعد قطعها فقد قيل أن تلك الثمرة هي داخلة في الايصاء لأنه وقع على الثمرة وهي موجودة إذ ذاك اعتبارا هنا لحال الايصاء كذا في الأثر إلا إن رجع فيها قبل موته وقبل قطعها ثم قطعت في
حال رجوعه عنها
قلت: لم يظهر لي وجه هذا القول على مقتضى قواعدهم المارة عليك أما إن مات وقد أكل أكثرها فما بقى منها فللموصى ظاهر وجهه ذلك إن ما مات عنه شمله الايصاء فهو مدفوع للموصى له به وإن لم تكن فيها ثمرة يوم أوصى ولكنه لم يمت حتى أثمرت وأكلها أو أكل بعضها ثم مات فالايصاء واقع على ما تثمره في المستقبل كذا في شرح النيل عن قطبنا
الجليل
وإن أوصى له بسكن بيته وغلة ماله ما حيى أو قال إلى أن يموت جاز وهل إذا مات والغلة مدركة في المال الموصى به تكون له أو ترجع إلى الوارث على مقتضى القاعد عندهم
233 -
- (1/235)
صفحة 236
وإن أوصى له بغلة نخلة ابدا كان عليه صلاحها كله لأن نفعها له
و اصلاح يتعلق بالنفع عندهم وإن كانت لا تحمل إلا بعد عام وهكذا عادتها فالصلاح عليه أيضا وإن لم يقم بصلاحها وقام به صاحب الأصل فله قيمة صلاحه من غلتها يوم تغل وكذلك إذا ترافعا فيها إلى الحاكم وحكم الحاكم على صاحب الأصل أن يقوم بصلاحها فله غرمه من غلتها وما بقى فهو مدفوع لصاحب الغلة
وإن أوصى بالغلة سنين معينة فإن العنا على صاحب الأصل وإن كانت بلا غاية فالنفقة على هذه النخلة على صاحب الغلة وقيل فيها أيضا بتفصيل هو إن كانت إذ ذاك بلا غلة أي في وقت موت موصيها ففي أيام الغلة على صاحب الغلة على صاحب أصلها أيام لا غلة فيها وقيل بل يرجع النظر إلى ما يلحقها من الصلاح فإن ظهر أنهما إشتركا فيه فعليهما معا وإلا فعلى من له صلاح في ذلك وهو واضح
•
وقيل إن أوصى لأحد بغلة أرضه سنين معينة ولم تكن إذ ذاك فيها غلة فقيل إن الوصية باطلة ووجهه إن الايصاء وقع على شيء غير موجود ولا مستطاع تسليمه حال الايصاء وما كان كذلك فهو باطل وأجازه بعضهم فتدفع له الأرض يحرثها ويستغلها السنين الموصى بغلتها ثم يرد الأرض إلى
الوارث.
وفي المقام مسائل مهمة تركناها خوف الاطالة على القارئ ورجاء لادراك معانيها من هذه المسائل المذكورة بالقياس عليها لمن وفقه الله وهداه لفهم معاني آثار المسلمين ودواوين الشريعة الزهراء مملوءة من الحقائق والله
-
234 (1/236)
صفحة 237
أعلم
قال الناظم:
واردد إلى الثلث إذا زادت فما زاد لكل نقصه كالغرما واضرب بمثل الثلث مالم توجد غايته مثل سراج المسجد أقول إن الله تفضل على عباده بثلث أموالهم بعد الموت زيادة في أعمالهم كما مر عليك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث صحيحة عن أهل العلم. قال في النيل ولا يصح لتارك وارث إيصاء بأكثر منه أي من الثلث إن لم يجزه أي الوارث إجماعا
قال القطب وأما قول بعضهم أنه يصح له الايصاء بالنصف وقول بعضهم أنه يصح الايصاء بأكثر من النصف فلشدة ضعفهما وغرابتهما
أسقطهما أي أسقطهما الشيخ مؤلف النيل رحمه الله
قلت: بل ولم يشر إليهما ولو من بعيد لأن شأن العلماء العاملين استفراغ الوسع في تحقيق وتدقيق والقول بهما لم يكن بشيء يلتفت إليه حتى يأخذ من حياة الانسان لحظات في تحريره مع أن الشيخ المذكور رحمه الله أثبت الاجماع على ذلك
وترى الشيخ الناظم يقول إن الوصية إذا زادت على الثلث ردت إليه وهو الحق في في المذهب وصفة ذلك كما قدمناه غير مرة أن يوصي رجل لزيد بعشرين دينارا ولآخر يثلاثين دينارا ولآخر بمائة دينار ولآخرين بمائتي
?
235 (1/237)
صفحة 238
دينار فتجد الجميع ثلاثمائة وخمسين دينارا وكان ثلث مال الموصي مائة دينار فقط فتنظر كم يصير النقصان بالمحاصصة بين هؤلاء وتنزل ذلك كلا
بقسطه
وكذلك إذا أوصى مثلا لزيد بعشرة قروش ولعمر و بعشرين قرشا ولخالد بثلاثين قرشا فتجد مجموع ذلك ستين قرشا ووجدت ثلث مال الموصى أربعين قرشا فترى النقص هنا على الموصى لهم الثلث فتدخل النقص على كل فرد منهم ثلث ما أوصى له به وهكذا وتلك القاعدة المطردة في هذا الصدد قياسا على مسألة الغرماء أعني إذا كان لزيد على عمرو عشرين قرشا ولخالد أربعين قرشا ولبكر مائة قرش مثلا وهكذا إذا كان الحق لمتعددين مهما كانوا فتجمع الحقوق التي على عمرو فتجدها مثلا مائة وستين قرشا أو ألف قرش مثلا أو ثلاثة آلاف قرش ثم تنظر في مال المديون فتجده ألف قرش في مقابله ثلاثة آلاف قرش فتنزل كل واحد من أهل الحقوق ثلث حقه وتعطيه ثلثيه وهكذا الربع والسدس وأكثر وأقل وكذلك مسائل العول عند الفرضيين تدخل النقص فيها على الأنصباء كل على قدر منابه. وهذا الذي يشير إليه الشيخ الناظم بقوله فما زاد لكل نقصه كالغرما أي يدخل النقص على كل الوصى لهم على قدر وصاياهم كما يدخل النقص على الغرما على قدر حقوقهم
المسجد
وأما قوله واضرب بمثل الثلث مالم توجد غايته مثل سراج معناه إذا كان الايصاء بشيء لم يحدد بغاية ولم يقيد بنهاية كما إذا أوصى مثلا يسرج من ماله للمسجد الفلاني من قرية كذا أو بمحلة كذا فإن الاسراج على هذه الصفة لا غاية له بيوم أو شهر أو عام ولا مقدار للذي
أن
-
236 -
- (1/238)
صفحة 239
يسرج به كمن أو منين أو فراسلة أو بهار على عرفنا الحالي أو بطبل أو طبلين كذلك أو قياس أو قياسين أو أكثر فهذا ونحوه عند أهل العلم من الأمور التي تجرى على تحري المقدار لها تخمينا ثم يرجع به إلى ثلث مال الموصى ويكون هو الأصل لها كسائر الايصاءات إن لم يجز الورثة له الأمر جزافيا أما لو أجاز ذلك الوارث سهل إعتباره سنويا فإن الناس لا يجهلون الحاجة إلى
ذلك لكل يوم
•
قال في النيل وشرحه وإذا كان في الوصايا مالم يسم له أي لم يسم له مقدار معلوم قال وهو مستمر يستغرق المال نزل في الثلث بالثلث مثل أن يقول أصبحوا من مالي في مسجد كذا مصباحا دائما أي أوقدوا فيه مصباحا فلو أوصى مع هذا لزيد بمائة ولعمر و بخمسين ولبكر بثلاثين ولخالد بعشرين فلو إنهدم رجع الباقي إليهم حتى يوفوا وصاياهم إن لم تمكن إعادة المسجد كما كان فما بقي فللوارث فلو كان الثلث ثلاثمائة لكان قد أوصى للمصباح بها وللرجال بمائتين فذلك خمسمائة فيوقف له ثلاثة أخماس من ثلاثمائة وهي مائة وثمانون ولزيد خمس وستون ولعمر نصفه وهو ثلاثون ولبكر ثلاثة أعشار ثمانية عشر والخالد خمسة اثنا عشر فترى جملة ما أوصى به للرجال مائتين فإذا كان ثلث المال مثلا ثلاثمائة قرش فترى للرجال من الجميع في الأصل مائتين وللاستصباح ثلاثمائة تحاصص عليها في ثلث المال الذي هو ثلاثمائة فتنظر كم مثلا يصير للمسجد من مجموع ذلك وبقسطه يوقف من ثلث المال على هذا الترتيب
وكذا إذا أوصى مثلا بثلث ماله لوصايا متعددة وأوصى أيضا أن يوقف من ماله كذا وكذا للاسراج به في المساجد تعتبر كمية الموصى به جميعا
-
237
- (1/239)
صفحة 240
ومعه
وينزل بها إلى الثلث ويعطى المسجد قسطه على هذا النحو فتقول إن قيمة ثلث المال ألف قرش مثلا وأوصى لزيد وعمر و وخالد وبكر وأكفان وكفارات وصيام وحج وتنصل وغير ذلك فتنظر كم مبلغها وتقول الألف للمسجد هذه الوصايا المذكورة فتنظر كم مبلغها وتضيف إلى الثلث الذي هو الألف وتقسطه على الكل بحيث لا يقع حيف على أحد من جملة الموصى لهم وبذلك تتخلص من عهدة الأمر وإلى هذا يشير الناظم بقوله ما ما لم توجد غايته إلخ وقس على ذلك أيضا ما كان شبيها به وهو الحق
وكذلك إذا أوقف أيضا في إيصائه للمدرسة أو مجلس الذكر أو لليالي رمضان أو لأيام الحج أو لسقي الحجيج أو لا طعام الضيوف أو إعانة المتزوجين أو نحو ذلك مما لا ينتهي إلى غاية ولا يتقيد بنهاية والله أعلم قال
الناظم
238 -
- (1/240)
صفحة 241
الباب الخامس في الخليفة
أي المستخلف على الوصية وهو المعروف في عبارات الفقهاء من متأخرينا بالوصي وفي بيان ماله في خلافته على الايصاء من إنفاذ وأجرة عليه إن إحتاج إلى أجرة أو أوصى له الموصي بها وفي بيعه للمال لانفاذ ما أوصي به عليه وفي جميع ما يتعلق بذمته من. إسراع في الانفاذ لبراءة الذمة وتخليص الموصي من تباعة إن كانت أو لمجرد الثواب إلى غير ذلك من الحقوق التي سيذكرها وما سنذكره معه إنشاء الله كشفا لحقيقة الأمر وطلبا للأجر من الله عز وجل وإشاعة لحقائق الشرع - قال -:
يؤمر من أوصى بأن يستخلفا خليفة عنه أمينا وكفى أوثق للموصى إذا ما عن رضى يكتب حرا جاز أمر في القضا إعلم أنه إذا أراد الانسان أن يوصي بإنفاذ حقوق من بعده الله أو لعباد الله أو تبرعا طلبا لثوابه عز وجل ونحو ذلك لزم أن يستخلف عنه خليفة يقوم عنه في إيصال الحقوق إلى أهلها وإنفاذ التبرعات في محلها والشرط في الخليفة أن يكون ذكرا حرا عاقلا بالغا حد التكليف أمينا في الدين والدنيا متولي عالما بوجوه الانفاذ كيف ينفذ وعلى من تنفذ قويا على
الوارث لا ضعيفا فيستضعفه الوارث ولا يلتفت إليه في قضاء وصاياه
•
فإذا كان الوصي المسمى بالخليفة أنثى تأخرت عن مباشرة كثير من
الأمور التي تتعلق بشئون الرجال وإن قلنابجواز إستخلاف أنثى لكن نحمله
على حال الاضطرار.
-
- (1/241)
صفحة 242
وأذا لم يستخلف أمينا إستخلف خائنا ومن جعل الخائن أمينه فلا
مقال فيه إذ لا يؤمن الخائن إلا خائن مثله ومن إستخلف غير الأمين لم يقم
بحق الايصاء الذي شرعه الله عليه
•
وإشتراط كونه متولي في الدين ذلك لأن الولي في الدين شريك في
أداء حقوق الله وبه يكون العذر إن شاء الله للموصي عند الله فيما أوصى
وأما إشتراط كونه عالما فلأن الأمور لا تتأدى كما أمر الله عز وجل بأدائها إلا بالعلم إذ الجاهل ربما أضاع الحق إذ يظن الصواب من حيث الخطأ والجايز حيث المنع من الشرع وربما أعطى من مال الموصي ما ليس له وربما منع الموصى له حقا واجبا له ويظن أنه ليس كذلك في أشياء يطول
تعدادها ويكثر تردادها
وأما إشتراط كونه حرا فلأن العبد مقهور بسلطان السيد عليه اللهم إلا إن أذن له سيده بذلك
وأما إشتراط كونه عاقلا فلأن الحجة في الأمور كلها العقل أذ
الجاهل والصبي والمجنون ونحوهم في صف واحد لا يمتاز أحد منهم على أحد إلا بوجود العقل وما جهلي بعذري عند
ربي
البيت
وأما إشتراط كونه قويا على الوارث فلأن الضعيف لا يستطيع أن يحل ويعقد إلا بإذن الوارث وربما كان الوارث شحيحا لا يبذل المال للوصي لينفذ منه ما توصى فيه عن الهالك والشح في أغلب الطباع البشرية فإذا كان هذا الخليفة قويا إستطاع أن يخرج من الوارث حقوق الايصاء
240 (1/242)
صفحة 243
راضيا أو ساخطا وبذلك يتأدى عن الهالك ما عليه وبه ينال الموصى له ما أوصى له به وإليه الاشارة بقوله الا الله والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله إلخ أقول حسبي بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وهو في الصحيح أيضا ويدل له في القرآن كثير وحسبك بآية سيدنا موسى بن عمران في قوله تعالى قالت فيه إبنة شعيب عليه السلام إن خير من استأجرت القوي الأمين قدمت القوة على الأمانة كما ترى ذلك إذا لم تكن قوة على الأمر فما تغني الأمانة إنها أسيرة لا تفعل شيئا ولا تنفعل لها أشياء إلا ما شاء الله وذلك واضح فإذا وجدت القوي الأمين فاشدد به يدا
•
وهل يؤمر باتخاذ المشروطين أمر إيجاب أم إرشاد أعني في قوله يؤمر من أوصى إلخ والواضح أنه أمر إرشاد أي يرشد إلى ذلك فإذا لم يقبل فذلك إليه وهو المسئول عنه أمام سلطان الله عز وعلا
والاستخلاف من الخلف وهو العوض عن الشيء بنظيره والمراد بالخليفة الوصي في الايصاءات والوكيل في غيرها والكفيل كذلك ومنه خليفة الأمة أي وكيلها وكفيلها وهو الامام لها إذا إستخلفته أي جعلته خلفا عنها يقوم مقامها في أداء واجباتها والأمين ضد الخائن وهو الذي تطمئن به النفوس في شئون الدين والدنيا وهو هذا إذا أطلقوه وربما يقال لزيد أمين وهو أمين خصوصا في الأمور الدنيوية ولا يقال أنه أمين من جهة الشرع.
وقول الناظم في ختام البيت وكفى يعني إذا وفق الله للأمين فهو
الكفؤ لأن يوصي إليه
2410 (1/243)
صفحة 244
وقوله أوثق للموصي إذا ما عن رضى إلخ يعني إذا إستخلفه بعد أن
وقع التعارف بينهما ورضي بالاستخلاف فإن للرضى مزية على غيره ذلك إن الانسان إذا رضي بالقيام عن أخيه في شيء من أمور دينه إزداد أخوة بذلك سرورا واغتباطا بخلاف ما إذا كان عن غير تعارف إذ ربما لا يرضى وإن قلنا بوجوب الرضى عليه أيضا لوجوب قضية التعاون في الاسلام فلعل له أعذارا تخرجه من ذلك وكل ذلك في الحقيقة ممكن وإذا كان كذلك كان الحزم في المعارفة لأجل الرضى في الحياة
قال في النيل ويستخلف صاحب الوصية عليها إنسانا ذكرا أو أنثى والذكر أولى أي لما قدمت لك بالغا أمينا في المال والدين متولى عالما بالانفاذ كيف ينفق وعلى من ينفق حرا عاقلا قويا على الوارث لا ضعيفا يستعضعفه الوارث ولا يشتغل بتوثيق فيما تكتب فيه الوصية من ورقة صحيحة لا تمتش أو لا تمترش أو نحو ذلك كالجلد وبما يكتب به من مداد لا يمتحى وفي خط مفهوم على طريقة الخط الجيد وفي قراءة لا تلتبس ولا إجمال فيها واستشهاد شهود أمناء ممن يحكم به ويعرف كيف يقول وكيف يؤدى ولو كان يؤدى بلسانه وإن لم يجد كل ذلك فليعمد إلى خير ما وجد وينبغي للمسلم أن يعين أخاه في الله إذا إحتاج إليه ويقبل خلافته على الوصية وقد قيل أن من ضيع حقوق أخيه في الله أو حقوق أبويه فأنفذ وصاياهم من بعدهم فقد أدى حقوقهم ولو أنه قطعهم في الحياة يعني أن القيام عنهم من بعدهم في إداء وصاياهم التي أوصوا بها يجبر ما ضيع سابقا من حقوقهم فانظر في ذلك فإنه جميل نسأل الله أن يوفقنا لكل ما يرضيه منا.
242 -
- (1/244)
صفحة 245
قال الامام الكبير قطب العلماء رضي الله عنه فمن وجد الاختيار أي أمكنه ذلك فلا يجوز له الايصاء إلا إلى ثقة لأمره الا بحفظ الأموال ونهيه عن إضاعتها قال ومن لم يجده أي لم يجد المشروط إمكانا وقد لزمته الوصية أو لم تلزمه فأقل ما يكتفى فيه المأمون على ما يستأمنه عليه ويفوضه إليه من مال الورثة والغرماء أنه يجعله في وجهه ويعمل فيه بالعلم وسأل عما جهل
فيه
قال ومن قال له مريض أريد الايصاء فقال أوص إلى فلان إن كان عندك ثقة جاز له إن لم يعلم منه خيانة وكان ثقة عنده لا عند المريض أي يجوز للمرء أن يأمر أخاه أن يوصي إلى من لم يعلم منه خيانة ولو كان في الغيب خائنا إذا كان في ظاهر الأمر عنده ثقة لا عند المريض ولا سيما إذا كان عند المريض ثقة فقد صدق
ومن عدم وصيا فكتب وصيته وأشهد عليها ومات واحتسب له إنسان فأنفذها وقضى دينه فبعض العلماء منع من ذلك وبعض أجاز ولعل المانعين هم الذين لا يقولون بجواز الاحتساب في الدين وإن الدخول في الأمور أما بإذن وأما بتعدٍ والوجه عندنا الجواز للأمر بالتعاون في القرآن والسنة وتعاونوا على البر والتقوى والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه في أمثال ذلك
وإن قال استخلفت المسلمين على وصيتي فقد لزمت جميع من سمع ذلك من المسلمين إلا من قال عندما سمع ذلك دافعا لها لا أقبل أو أنا لا أقبل أو لن أقبل ونحو ذلك وإن غفل عن أن يقبل أو يدفع وقد
-
243
- (1/245)
صفحة 246
سمعها فقد لزمته مع من قبل ذلك أي دخل في أمرها بعدم كونه لم يدفعها ولا ينفعه نسيانه وأني أقول أنه لم يؤاخذ على النسيان كما قال الله تعالى لا تؤاخذنا إن نسينا الآية وكما في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان الحديث ولكنه إن قام بعض المستمعين لذلك كفى عن
الغير
وقال بعض العلماء لا تلزم إلا من قبل منهم ممن سمعها ولا أقبل هذا القول من قائله لما يترتب عليه من ضياع الحقوق في الاسلام وإن قيل أضاعها من لم يتوثق لها باتخاذ الخليفة الرضي المرضى الراضي بها فنقول ان
المسلمين كلهم يلزمهم القيام بشئون بعضهم بعضا خصوصا في الأمور الدينية فإن الأدلة الشرعية تدل على ذلك وكذلك المعقول دال في العقول السليمة على ذلك وبسط ما يدل عليه يطول به المقام بل لذلك مقامات معلومة عند أهل العلم من أراده فليرجع إليه
وهل يصح للموصي أن يجعل في يد وصيه ما ينفذها به فنقول نعم يجوز له ذلك ويصح أن يجعل في يده إكثر مما تنفذ به فإذا أنفذها رد الباقي إلى الوارث وله أن يرهن لها شيئا من أصوله أو عروضه في الوصية أو يرهن المال كله فيها إذا لم يكن لها ما تنفذ به ويصح له أيضا أن يجعل ما في أيدي الناس أو في ذممهم أو ما معهم له من الأمانات في يد وصيه لينفذ منه وصاياه ومابقي راجع إلى الوارث فإن الوصايا إذا صحت فلها قسطها وبقية المال
لأهله
وللوصي أن يحجر المال عن الوارث لا يأكل منه ولا ينتفع به ولا
-
244
— (1/246)
صفحة 247
حتى تنفذ
يقسمه ولا يبع ولا يرهن ولا يتصرف فيه بوجه من وجوه التصرف حتى تنفذ الوصية واعلم إن مشهور المذهب منع الوارث من ذلك كله الوصايا ولو لم يحجر الموصى ذلك فإذا حجر الموصي حتى تنفذ لم يزل حجره على المال بدفع قسط إلى الخليفة لانفاذها حتى ينفذها بناء على أصل من قال إن ضاع ما دفع إليه بلا تضييع منه يرجع عليهم فيدفعوا له أيضا حتى يتم الثلث
وقيل إن أوصى بكذا كذا أن ينفذ منه كذا وكذا لم يرجع أو أوصى بكذا أن يخرج كذا كذا لم يرجع ولا سبيل للوارث على المال ما لم تنفذ الوصية إن حجر الموصى ذلك أي لأن الذمة في المال عامة والحق متعلق
بالكل
وكذا إن رهن الموصي للخليفة في الوصية أي قال الموصي اقبض هذا المال رهنا مني في وصيتي أو قال جعلته في يدك حتى تنفذ منه وصيتي أو منه جنسا معلوما قائلا إني أرهنتك الجنس الفلاني في وصيتي إلخ وقيل بالمنع مطلقا أي قال ذلك أو لم يقل أوصي إليه بذلك أو لم يوص جعل في يده شيئا أو بعضا كل ذلك عندهم سواء وهذا هو الذي صححه أجلة العلماء في مشهور آثارهم ووجهه أن الميت شريك الورثة في المال بالثلث وهو شائع غير مقسوم فكيف يقال لهم التصرف بدون رضى الشريك والشريك الموصي وهو ميت ولا يمكن الحصول على رضاه أبدا فالأولى أن يؤدى له حقه
أولا
-
2450
- (1/247)
صفحة 248
وإعلم أن الوصية أمانة من الموصي في عنق الخليفة إن قبلها فعليه
أن يجتهد في إنفاذها على نهج الوجوه التي قدمناها لأن الله أوجب أداء الأمانة وأداؤها على النهج القويم والصراط المستقيم ولوجوب الوفاء بالعهد أيضا أذا قلنا إنها عهد من الموصي عهد به إلى وصيه أو إلى وارثه ونقض العهد حرام قطعا وفي الجامع للشيخ أحمد بن محمد رحمه الله ويجوز للوصي أن يفعل جميع ما حوزه الموصي إليه ما لم يتبين له حيف أي ما لم يظهر له أن الموصي حاف في إيصائه فإذا ظهر له ذلك فعل الحق وترك الباطل وكذلك إن أمره بما لا يحل أن يفعله في وصيته
وإذا جعل المال الذي ينفذ منه وصيته في يد الخليفة فليس على الورثة شيء من وصيته وهي على الخليفة يعني إذا مكنوه من المال أو مكنه الموصي منه تعلقت الوصية بذمته وخرجت عن ذمة الموصي لكونه مكنه من المال وعهد إليه بالايصاء فهو المسئول عنه مع الله لا الوارث ولا يجوز للورثة في المال بيع ولا شراء ولا قسمة ولا هبة ما مطلقا ولا شيء من وجوه ولا ينزع من يده. . ويمنعهم أي الورثة الخليفة من ذلك الذي قدمناه كله ما لم ينفذها أو يعطوه ما ينفذ به الوصية غير الذي في يده فحينئذ يصلون إلى مال وارثهم
التلف
ولا يبيع الوصي المال الذي في يده ولا يصرفه في وجه من الوجوه التي تنفذ فيها الوصية كلها ما أعطاه الورثة ما ينفذ منه من الجنس الذي أوصى به خاصة دون غيره ومن جعل وصيا مصدقا فيما أقربه عليه من حق وادعى أنه أوصى به فقيل أنه مصدق كما جعل له الثلث في الوصايا وإلى الكل في الحقوق وقيل حتى يقول مصدق إلى كذا ثم هو مصدق إليه ولا له إلا ذلك
-
246 - (1/248)
صفحة 249
حتى يجعل له فيه أو قيمته ثم يكون له وقيل حتى يصح ببينة عادلة وإلا فلا يصدق وأن جعله لوصيين على حدة لا لكل منهما بطل على الآخر إن مات أحدهما أو غاب أو جن أو خرس.
مصدقا
وإن قال أوصيت لزيد بغلام من غلماني وهو يعرفه لم يجز حتى يجعله
وإن قال هو وصبي وقد عرفته ديني أي أخبرته به وهو مصدق فيما قال أنه علي له أو لغيره فقيل يصدق وقال الامام ابن محبوب رحمهما الله تعالى لا يصدق أي إلا إن حدد ذلك الذي جعله مصدقا فيه فيجوز ذلك إلى الحد المقرر وقيل لا يجوز ولو حدد له حدا معلوما
ومن جعل لوصيه أن يوصي بوصيته إلى غيره جاز. قلت: هو كذلك أيضا في الوكالات مطلقا نعم حقيقة التوصيات أيضا وكالات إختلفت ألفاظها واتحدت معانيها وإن أجاز له الأكل من ماله ويركب جاز
أيضا إن حدد ذلك له أما بلا حد فلا ويشترط أيضا أن يكون من الثلث
•
قال القطب: والذي عندي له إلى الثلث ولم يحدد. قلت: وجهه التوسع إلى الثلث والثلث هو المحدود ومن قال في إحتضاره فلان مصدق فيهما قال على له فقيل إذا ادعى شيئا حلف عليه وله ما حلف عليه ووجهه أن تصديقه له جعل له بذلك يدا فيما يدعي وكل ذي يد أولى بما في يده أي مع يمينه وقيل لا يصدق ولا تكون له في ذلك يد إلا ببينة عادلة وقيل إن حدد ما صدقه فيه جاز وإن لم يحدده لم يجز ووجهه أن تحديده هنا ينزل منزلة
? (1/249)
صفحة 250
الاقرار له فكأنه أقر له بذلك لتحديده وتصديقه إياه فيه وقيل إن لم يتهم جاز
وإن إتهم لم يجز والآثار تدل على كل قول من وجهه فبقي الترجيح وهو راجع إلى الجهابذة الأجلاء من علماء المسلمين
وفي المقام مسائل. الأولى:
•
إذا أراد أحد إستخلاف أحد عن غيره على وصاياه فخاطبه بذلك
فسكت فهل يعد سكوته رضى أم لا
أقول إذا خاطبه بذلك فسكت حتى مات الموصي فقد إختلف أهل العلم في ذلك قال بعضهم إن سكوته ذلك رضى إذ يمكنه أن يقول لا أقبل وحين لم يقبل عد السكوت رضى في جملة من إحكام الشريعة ومنه سكوت البكر في التزويج ومنه أيضا سكوت المكرى في قطع كراه على كذا وكذا أو إلى بلد كذا وكذا على كذا وكذا وكذلك سكوت أحد المتبايعين أي المشتري والبائع إذا تكلم أحدهما أخيرا بكلام يخالف الأول كقوله لا أقبل إلا على كذا وكذا فسكت على ذلك ومضيا على هذا الحال فالحكم أن السكوت هنا رضى ولو أنكر بعد ذلك فإن إنكاره لا يعتبر كما أذا قال آخر الكلام لا أحملك أو لا أحمل لك إلى بلد كذا وكذا وكذا من الأجناس إلا على كذا وكذا من القيمة فسكت صاحب الحمل فحمله صاحب الدابة أو العكس فإن السكوت هنا رضى هكذا في الأثر لا سيما أن سكوته حتى مات الموصي يوهم أنه قبلها فيكون تركه لها بعد ذلك مخادعة أو
كالمخادعة وكل ذلك حرام في الشريعة.
248 - (1/250)
صفحة 251
وقال بعضهم إذا خاطبه فسكت لا يعد سكوته رضى إذا لم يتكلم
بالقبول ولا أشار إليه ولا يطلع على الغيب إلا الله عز وجل هو علام الغيوب ومن لك أن تدري أنه قبل في قلبه ولعله سکت ساخطا لا راضيا ولا يثبت على الانسان إلا ما يقر بقبوله أو ينفيه ناطقا في مقام النفي بلسانه وأما قياسه وتنظيره بالبكر في التزويج فلا يسوغ ولا بما بعدها وإن لكل مقام مقالا أما فيما بينه وبين الله إن كان رضي به في قلبه فقد لزمه والله سائله عنه والقلوب أمانات أيضا
وفي المسألة قول ثالث وهو أنه يخير بعد موت الموصي فإن قبل ثبت وإلا لم يثبت وقيل أيضا ولو قبله في قلبه فلا يلزمه فيما بينه وبين ربه حتى ينطق به كما لا يلزمه الاعتاق والطلاق بعقد الضمير حتى يتكلم بذلك وكذلك اليمين إن نواها لا تلزم إلا إذا نطق بها وأقول لا يحسن منه أن يسكت أن لم يسكت تقية لوارث أو الموص أو نحوهما أما أن سكت لأجل ذلك فلا شيء عليه وكذلك أيضا لا يحسن للموصي أن يعتمد على سکوت وإذا قال إستخلفتك على وصيتي فقبلها فذلك جائز وإن قال وكلتك أو أمرتك أو فوضنت إليك أو جعلت إليك وصيتي فأنعم له بذلك فقد لزمه أن ينفذها
وكذلك إن قال له أعن ورثتي في إنفاذ وصيتي أو أذنت لك في إنفاذ وصيتي فأنعم له بذلك لزمه. وقيل لا يلزمه ووجهه إن هذا لا يكون عقدا إنشائيا لذلك وإنما ظاهره مجرد إباحة في إنفاذها. ولا يخفى عليك أن
الاباحة وجهها غير وجه الانشائيات الشرعية
وفي الأثر: إذا قبل الوصايا من ميت ولو غائبا لم يسعه تركها وجهه
? (1/251)
صفحة 252
أن القبول التزام لما لم يلزم في الأصل ولكن من ألزم نفسه شيئا الزمناه إياه ولا ريب أن الانسان لا يلزمه ألا منطوق لسانه وبه يؤاخذ عند الله عز وجل زبه يعطي أيضا مع الله من الخير ما يعطى وقالوا أيضا للخليفة أن يقول أقوم بما أمكنني منها. قلت: نعم هذا إشتراط أن يشترط ما شلء.
المسألة الثانية: فيما إذا عنت الخليفة منازعة في الوصية فهل عليه مؤنة ما يحتاج إليه في شأن تصحيحها أي فيما يثبت صحتها عند الحكام.
أقول: إذا عنت الوصي منازعة تستوجب إلى مزاولة وأخذ ورد ومصرف دراهم كما إذا حاج الأمر إلى محاكمة في غير البلاد التي وقع فيها الايصاء وإذ ذاك يحتاج إلى كراء وزاد وكذلك حمل الشهود محتاج إلى ذلك أيضا فعلى من يكون.
أقول إذا كان النزاع في مال من مال الوصية أي المال الموصى فيه فعلى المال لكون النزاع فيما يصلحه وإن لم يقبل الوصية ولكن أمر فيها ونهى بما أراد وترك ما لم يرد جاز له ذلك عند أهل العلم وقيل: إذا أدخل يده في شيء منها فهو راض لها قابل لوصاياها ولا رجوع له وقيل إذا إختار الدخول فيها أي دخلها مختارا أي غير مجبور لم يخرج منها إلا بإقالة الموصي. قلت ومن أين تمكنه إقالة الموصي فكأني أرى هذا معلقا بالمحال اللهم إلا أن يقال إن هذه الاقالة تكون من الوصي في حياته فقد جاء في آثار المسلمين ان تبرأ إليه منها بري إلا إن لم يجد غيره فلا يتبرأ ولا يبرأه وقيل: أنها فرض كفاية. وقيل: إذا رجع ولم يكن قد قبلها وقد أنفذ بعضا من مال الموصي الزمه وقيل: إذا لم يقبل أنفذ ما شاء وترك ما شاء ما لم يرد أو يقبل وإن قبلها
250 -
- (1/252)
صفحة 253
بعلمه ولم يرجع حتى مات فلا رجوع وإن قبل بدون علمه جاز الرجوع كذا قيل. وقيل: جاز الرجوع إن لم يقبل بعد موته وإن ردها بعلمه فليس له قبول بعد موته قيل لعل هذا لعلمه أنه أوصى إلى غيره وإن جدد له بعد أو لم يعذره عنها ويفارقه على أنه وصي له بعد أن تبرأ منها فله القبول بعد الموت وإن علم بقبوله ثم رجع بعلمه فله الرجوع حياة وموتا وإن ردها بعد الموت أنفذها وضمن له ما قبل له به وإن رجع بعد الموت وصح في الحكم
،.
فلا سبيل له في ماله مع ورثته لاقراره بأنه ليس له بوصي ولزمته عند الله لأنه فارقه على إنفاذها فلينفذها من مال الموصي وإن نازعه وارثه واستردها
جاز.
وإن أوصى غائبا فردها ثم قبل بطلت وصايته وإن لم يقل شيئا ثم قبل فهو وصي وإن قبل بعضها وأراد ترك باقيها فبعض أجازه له وبعض ألزمه إياها وإختار ذلك قطب العلماء رحمه الله وإن نوى القبول فهو وصيه إلا إن أظهر عدمه إليه ومات عليه ولو نوى ذلك
قال الامام أبو سعيد رضي الله عنه أنه قال قد رجعت عن التي قبلت لك بها أن أنفذها عنك أو قال أنا راجع عنك فيما قبلت لك مما أوصيت إلى أو قال رجعت عليك في قبول وصيتك ولا أقبلها فانظر لها غيري أو نحو ذلك فرجوع يجزيه عن لزومها فإذا كان للميت على معين شيء جاز للوارث المقاصصة به لا لوصية فاعرف ذلك كله فانا علقناه بهذه المسألة وجعلناه كالجزء منها لما بينهما من المناسبة والارتباط والله أعلم
المسألة الثالثة: فيما إذا علق الاستخلاف على شيء معلوم أو
-
251 -
- (1/253)
صفحة 254
إذن إلخ
المسألة السادسة: فيها إذا إستخلف على وصيته عبدا بإذن أو بغير
أداء
أقول إذا إستخلف موص على وصيته عبدا فأما إن يستخلفه بإذن سيده أو بغير إذنه فإذا إستخلفه بإذن سيده سواء كان السيد ذكرا أو أنثى مع إستخلافه بالاذن من السيد بشرط كون السيد بالغا عاقلا غير محجور عليه ولم يكن العبد أيضا مرهونا أو مكرى وقيل ولو كان مرهونا أو مكرى حال الايصاء ثم خرج بعد ذلك منه والخلاف في إذن المراهق إذا كان السيد مثلا مراهقا في هل يصح إذنه أم لا فإذا كان العبد محاطا بوجه من هذه الوجوه التي قدمناها أوقف الايصاء إلى حال خروجه من ذلك إما ببلوغ سيده المراهق أو إفاقة سيده المجنون أو المستغرق بالمرض أو يزول الحجر إذا كان محجورا عليه أو نحو ذلك من الموانع التي تؤثر في قهر العبد عن واجب الايصاء إليه لأن العبد لا فعل له في العقود الشرعية والابراء والاداء عن الغير والحل إلا بإذن السيد لقوله تعالى فيه عبدا مملوكا ولم يكتف فيه بصفة الملك الذي هو السلطان الأكبر في حقه حتى أردف ذلك بقوله لا يقدر على شيء ولا يعني بالقدرة القدرة البشرية المطبوع عليها الانسان فإنها موجودة كما هي موجودة في غيره من البشر. ولكنه يعني به القدرة المطلقة في الشرع التي يخالف فيها غيره من السادة الأحرار الذين لا سلطان لأحد عليهم إلا سلطان الله الواحد الأحد الفرد الصمد فإذا كان العبد على شيء بتنكير شيء وقد عرفت الشيء في الشرع بأنه ما وجد وما أمكن وجوده سواء فني أو يفنى أو بقي أو يبقى على ما حققه العلماء
وقال فيه أيضا تهديدا له وهضما لنفسه لئلا تظن أن لها شيئا ما مطلقا
-
257
- (1/254)
صفحة 255
إعلم إذا إستخلف أحدا غائبا ثم علم الغائب بأن زيدا مثلا إستخلفه على وصيته ولكن لم يظهر منه قبول ولا دفع بل سكت ثم أنفذ على ذلك الحال أي حال سكوته عن قبول أورد فقيل إن الانفاذ ثمرة القبول ولو لم يقبل لم ينفذ ولا معنى لا نفاذه شيئا لم يقبل أصله وهذا القول وجدت في الأثر الصحيح عن أصحابنا أنه قول الامام محمد بن محبوب رضي الله عنه بعد ما تحريته حقا والحمد الله إذ من الله على إجتهادا وافقت فيه أئمة العلم والدين وعليه لا ضمان على المنفذ فيما أنفذ لكونه قابلا للاستخلاف بسبب دخوله في ذلك
وعلى القول بأن الانفاذ غير قبول فعلى المنفذ الضمان لأنه تصرف في شيء بغير وجه جائز وأقول إن القول لا يختص بالغائب المعروف أي الخارج من الحوزة أو الخارج من بلد الموصي بل يدخل فيه الغائب في نفس البلد وغير الحاضر في المجلس إذا إستخلفه مستخلف ثم علم بعد الاستخلاف فقبل أو لم يقبل أو سكت ولم يعلم منه قبول أورد فحكمه حكم الغائب عن البلد أو الغائب عن الحوزة
وقيل: في الحاضر في البلد إذا أخبره أمينان أو أخبره الموصي فقام من مكانه ذلك ولم يقبل ولم يدفع فلا قبول له من بعد أو هذا في حاضر المجلس وله القبول ما دام في مكانه وقيل له القبول ولو ذهب ما لم يدفع وقيل هو خليفة ولو لم يقبل ولم يدفع أي لكونه حاضرا وحضوره ساكتا حجة عليه وإن دفع بعد موت الموصي فليس خليفة وهذه الأقوال مستخرجة
إجتهادا من أعلام الأمة هدانا الله لفهم آثارهم
-
256 (1/255)
صفحة 256
وقيل تمضي أفعال الصبي إذا جاءت على وفق ما أوصى به الموصي مع نية كل شيء كما أريد بأن ينوي مثلا بالكفارة أنها كفارة ويسميها كذا ويسمي الزكاة أيضا زكاة والحج حجا والمرسلة مرسلة والمغلظة كذلك وبقية الوصايا على هذا الوجه فهذا الذي ارتضى فعله أبو عبيدة مسلم رحمه
الله.
وقيل إذا دفع كل شيء بيد أهله ولو لم ينو ذلك أو نوى خلاف الحق لأن الموصي قد نوى ما نوى وتلك هي الحجة وأمانية الطفل لا تؤثر شيئا من الابطال أي إذا كان مثلا خلاف الحق فالنية من الموصى ماضية كافية ونية الطفل باطلة بمعنى أن الطفل غير مكلف فلذلك قلنا أن نيته لا تؤثر كنية البالغ لأن البالغ مكلف أمرا ونهيا وحلالا وحراما وهكذا إذا نوى الطفل باطلا وهو في أصله حق أو نوى حقا وهو باطل فسواء وإنما منزلة الطفل كمنزلة من أرسله حي إلى متأهل بكفارة أو غيرها فأوصلها بلا نية أو بنية باطل فلا يؤثر ذلك شيئا قطعا أعني لا تؤثر في فعل المرسل وكذلك المجنون لا يصح أن ينفذها أبوه ولا خليفته بل تنتظر إفاقته فإن أنفذها في أهلها كما قلنا في الصبي على وجه الانفاذ الجائز شرعا جاز فعله ذلك وكذلك لا ينفذها قائم الطفل ولا قائم المجنون خليفة أو وليا أو نحوهما وأجاز بعض ذلك تما قدمناه عن أهل العلم وأشرنا إلى وجهه
وقال بعض يقيم الحاكم لهما وكيلا أو جماعة المسلمين كذلك إذا لم يكن إمام وهو مرادنا عند الاطلاق الحاكم فينفذ الوكيل الذي أقامه الامام أو الحاكم مع عدم الامام أو الجماعة مع عدم الحاكم أو العشيرة وربما أردنا بإطلاقه ذلك هذا ولو كان للصبي أو المجنون أب موجود أو كان لهما قائم
254
- (1/256)
صفحة 257
شرعي وإذا رأى الامام أو الحاكم أو نحوهما إقامة الأب أو الولي أو الخليفة جاز ذلك لتعلقه بالامام أو الحاكم لأن الامام لا ينظر إلا إلى العادل فإذا كان العدل والاستقامة في أب الصبي أو المجنون أو في كليهما إعتمد على ذلك العدل وهو أنشودة أهل الحق
وفي الأثر: لا يوصي إلى صبي فمن أوصى إليه وكل له الحاكم ثقة ينفذ وصاياه ولا يتركها في يد الصبي فهو راجع إلى الولي إلا إن قال إذا بلغ فهو صبي في تزويج بناتي مثلا أو أطلق أي قال إذا بلغ فهو وصي أنفذ الايصاء إذا بلغ وزوج من أوصى إليه بتزويجه
والخلاف بين أهل العلم أيضا في إستخلاف الأعمى فمنهم من يقول بجواز إستخلافه نظرا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستخلف على المدينة ابن أم مكتوم وهو أعمى فيتولى أمور المسلمين ويحكم فيها فإن قيل إن ذلك في أمور الدنيا قلنا لم يتقيد بها وأمور الدنيا أيضا من الدين وإذا جاز إستخلاف الأعمى على الصلاة وهي عمود الدين فما بعدها تابع لها قطعا فإن أول ما ينظر الله من أعمال العباد في الصلاة فإن قبلت قبل ما بعدها وإن ردت رد ما بعدها
نعم قد منع أبو المؤثر رحمه الله وصاية الصبي ولو أتمها بعد بلوغه وأجازها بعضهم إن رضيها وأتمها
المسألة الخامسة: فيما إذا إستخلف غائبا في حال غيابه إلخ.
— (1/257)
صفحة 258
أقول إستخلف الموصي طفلا على وصاياه فللعلماء في وصاياه أقوال الأول إن أمر الطفل إذا جاء على نهج ما أوصى به الموصي مضى الثاني لا يمضي إلا أن كان مراهقا الثالث ينفذها الوارث ومباني هذه الأقوال هي هل للطفل من التصرف ما لغيره والواضح المنع إلا أن هنا إختاره الموصي فهو نظير من أوصى إلى مجنون أو معتوه أو نحوهما ممن يحجر الشرع عليه التصرف في ماله.
وفي الأثر: عن أهل العلم والبصر إذا إستخلف الطفل على وصاياه سواء كان لأجل أن ينفذ أو لغير ذلك أو كان للكل فينتظر بلوغ، الطفل، وإن أنفذها الوارث مضى فعله
•
وفي المراهق قولان قيل ينتظر بلوغه وقيل ينفذ من حينه وجاز فعل الطفل ولو لم يراهق إن أنفذها على حسبها وأوصل كل شيء إلى أهله ووضع كل شيء في محله وذلك قول الامام أبي عبيدة مسلم رحمه الله ورضي عنه ووجهه عندي إن أمر الموصي مضى كما أراد وسهمه نفذ كما أرسله
وإلى حيث أرسله فلا نرى رده وقد بلغ مرماه ونحن في سلامة منه
وقيل لا يجوز فعل الصبي قلت لما سبق معك من أن أمر الصبي معلق ببلوغه (أهـ) كلام الأثر وهو عين ما قلته والحمد الله وقيل بجوار فعل الصبي إذا أوصل كلا بيد صاحبه ممن هو أهل لقبض ما أوصي له به وإلا فلا والحكمة فيه الحفظ للحقوق في الاسلام فلا يضيع حق مسلم.
—
253 -
- (1/258)
صفحة 259
مجهول
إذا علق الاستخلاف على شيء من الاشياء المعلومة أو المجهولة كما إذا علقه لسنة مثلا أو المطر نوء أو على بلوغ أحد أو إفاقته من جنون أو على قدومه من سفر مثلا أو على إسلام من شرك أو توبته من نفاق أو إنقياده للحق أو لدخوله تحت طاعة الامام أو على عتق أحد من رق جاز ذلك كله ونحوه كذلك مثل أن يقول له إذا وقع ما علقت عليه هذا الايصاء فاخرج من وصيتي أو قال له فهو خروجك منها أو خروج لك منها أو من خلافتي أو من إستخلافي إياك أو قال إذا وقع منك ذلك برئت من خلافتي أو أنت بريء منها فإن وقع ذلك في الحياة فقد زال الاستخلاف وإن وقع بعد موته أيضا فكذلك ولو أنفذ بعضها وكف عما بقى فيبقى بلا خليفة فيجب الانفاذ على الوارث إلا ان قال إذا وقع ذلك ففلان خليفتي أو قال ففوض ذلك إلى فلان أو قال فوض إليه وصيتي أو نحو ذلك من الكلام فإن الخلافة تكون للثاني على هذه الوجوه كلها لكن يشترط في الثاني القبول.
وإن قال إستخلفتك على وصيتي حتى تصل إلى بلد كذا أو ما دمت في بلد كذا أو إن مت في بلد كذا وموضع كذا أو في موضعي هذا أو في سفري جاز ما إشترط وإن كان الاستخلاف على شرط أن لا يخاصم مع الورثة جاز أيضا وليس عليه أن يخاصمهم لاشتراط موصيه ذلك وما أعطوا إياه أنفذه وليس عليه غير ذلك والله أعلم
المسألة الرابعة: إذا إستخلف الموصي طفلا فما الحكم في
تصرفه وإنفاذه وهل يصح الانفاذ لوليه
•
252 – (1/259)
صفحة 260
بقوله وهو كل على مولاه وفيه إلزام للسيد مؤنة العبد بذلك إذ شادى بضعفه ونادى بسلطان السيد عليه نداء صريحا يتلوه كل أحد طيلة الدهر وإذا كان الأمر كذلك وكان أمر السيد على العبد
فإذا كان العبد مشتركا كان أمره بيد الشركاء كلهم ولا يصح بدون إذنهم معا إلا إذا صح منهم تفويض لأحد الشركاء فيه فإنه يمضي عليهم وإذا كان بعض الشركاء لا يملك أمره نحو صبي ومجنون أو كان أوقف إلى صحته إلا ان كان من شركة المفاوضة فإنه يكفي واحد ما لم يمنع الباقون كما مر عليك آنفا
وفي الأثر: وإن أذن بعض الشركاء في العبد دون بعض فإن الذي جوز لا تلزمه الخلافة وقيل لزمه نصف الوصية إن كانا إثنين وثلثها إن كانوا ثلاثة وهكذا أربعة وخمسة
وكذا إن كان العبد شركة بين طفل وبالغ أو مجنون أو كان المجنون ثالثهم وعاقل أو كان رابعهم أو حاضر وغائب أو كلهم أو متعددون فأجاز البالغ أو العاقل جاز في نصيبه وكالاذن الاجازة بعد الاستخلاف وليس لسيد العبد في الوصية دخل بمجرد كون عبده وصيا لأن صاحب الوصية إنما إستخلف العبد ولم يستخلف السيد وليس أيضا للسيد أن يمنع عبده من إنفاذ وصية أذن له في خلافته لأن في ذلك نقضا للعهد وتعطيلا للحقوق وله قيل أن يترك خلافة العبد ويبطلها بعد الاذن والاجازة إن أعلم الموصي بذلك قبل أن يكون لا يفهم الكلام ولا يطيق الاستخلاف أي قبل أن ينغلق عليه باب السعة في إمكان الاستخلاف وإدراك المعاني ويأثم عند الله
-
- 258 -
- (1/260)
صفحة 261
أن نوى التقرب إلى الله بإجازة خلافة عبده أو بالاذن ثم ترك فإن منعه من إنفاذها ضمنها والواجب عليه أن لا يترك العبد يضيعها سواء كان تضييعه لها بتركها مضاعة أو بأكلها أي يأكلها العبد أو غيره أو يتعدى فيها بما لا يحل شرعا أو يعطيها غير أهلها
فإذا ضاعت هذه الوصية بهذه الوجوه من سبب السيد لعبده ضمنها العبد لا السيد فإذا أعطى الورثة سيد العبد شيئا من حقوق الوصية ضمنوه وأما إذا إستمسك العبد بالوارث أدركها لأن المستخلف عليها بفتح الخاء المعجمة هو العبد لا السيد فإذا أعطى الورثة سيد العبد شيئا من حقوق الوصية ضمنوه وأما إذا إستمسك العبد بالوارث أدركها عليه لأنه الخليفة عليها وعلى السيد أن لا يشهد لعبده هذا على هذه الخلافة لهذه الوصية التي منعه منها إذا أنكرها الورثة لأن شهادته لعبده كشهادته لنفسه
وقيل يلي أمرها السيد لا عبده وعليه فيدركها السيد على الوارث ولا يشهد عليها لأن ذلك شهادة لنفسه وإنما قالوا يلي أمرها على هذا القول هو لا عبده لأنه جاز أن يبيعه أو يهبه أو يتصرف فيه بشيء ما من الوجوه الجائزة التي تخرجه من ملكه
وعلى كل حال إن الموصي إذا كان يعلم أن هذا الذي إستخلفه على وصيته مملوك لزيد وأمر زيد ماض فيه أي كما قلناه فيه آنفا فكأن هذا المستخلف إستخلف السيد من باديء بدء وهذا وجه الجواز لولاية السيد لأمر هذه الوصية الموصى بها إلى عبده فإن العبد في يد السيد كالمتاع والدابة وسائر أملاكه التي له فيها مطلق التصرف وعليه فلا عمل له في الحل والعقد
-
- (1/261)
صفحة 262
أصالة وهو واضح فلم يجز عمله في أمر غير سيده ولو أذن له سيده بخلاف ملك سيده فيجوز علمه فيه بإذن سيده لقوته لا أنه ملك لمالكه كالاذن له في الطلاق والاعتاق والتجر ونحو ذلك هذا ما يقوله الأثر فيه
•
ولقد أفادنا الأثر أن خلافة العبد فيها أقوال أربعة الأول تجوز بإذن السيد الثاني تبطل ولا يدركها السيد على الوارث الثالث يدركها لأنها يرجع أمرها الأمر إلى السيد الرابع إنها باطلة من أصلها لقوله عز وجل عبد مملوك والمملوك مقهور بالملك من أول أمره إلى آخره والله أعلم وقول خامس وهو أن العبد يتولاها على جهة النيابة عن السيد بأمر السيد لا بطريق الخلافة عليها ولو كان مستخلفا عليها كما عرفت ذلك ووجهه أن كل أمر يتوجه إلى ذمة العبد فهو موجه إلى ذمة السيد لكونه الأصل لهذا العبد في جميع
أموره.
وفي الأثر: أن الوصية إلى العبد تتعلق بذمة السيد لا ذمة العبد كما عليه بعض أهل العلم من أصحابنا وعلى القول بأنها تتعلق بذمة العبد فإنها تكون في حقه عيبا ينتقض به البيع إذا بيع ولم يعلم الشاري إن ذمة هذا العبد مشغولة بوصية فلان وعليه فلا يمنعه السيد الثاني إن علم بها وإن لم يعلم إلا بعد الشرى ثم قبله على ذلك فليس له أن يمنعه أن يشغل بها بل يخلي بينه وبينها حتى ينفذها فإنها تنتقل معه إذا باعه هذا الثاني وهكذا حتى يخرج من عهدة أمرها لأنها شيء ترتب في ذمته بإذن مالكه كمن أكرى عبده أو رهنه كذلك
نعم إن أعتقه فلا يلزم العبد المعتق إنفاذ تلك الوصية لأنه حينئذ
ملك أمر نفسه بالعتق وقبله لا يعتبر رضاه أو إنكاره.
-
260
- (1/262)
صفحة 263
وفي نفسي من هذا فكيف يقال لا يلزمه الانفاذ الآن لما صار حرا وقد شغلت ذمته إذ كان عبدا مملوكا مقهورا بسلطان الغير ولما إرتفع عنه سلطان الملك قيل لا يلزمه ذلك
قلت: لأنه كان أولا مصرفا مأمورا منهيا وبتحريره صار مختارا لنفسه مالكا لأمره أما قولهم ببطلان الايصاء على العبد إن لم يأذن السيد فوجهه ظاهر. وذلك أن الأمر إليه فلا يشغله عن أوامر السيد وللسيد حق الطاعة على العبد فلوقيل مثلا أن للعبد أن يشغل ذمته بمثل هذه الأمور أو بغيرها دون إذن السيد لقلنا بتفويت مصالح السيد من عبده فإنه لم يشتره إلا الصلاح يرومه منه فإذا كان للعبد أن يذهب في أشغال غير سيده فأي منفعة للسيد من عبده هذا وجهه وهو ظاهر.
أما كون العبد حرا وقد أوصى إليه وهو مملوك فلا أرى التحرير يزيده وهذا أمر في نفسي لو وجدت من يتابعني عليه من أهل العلم لقلت به ووجهه أن العبد قبل الاستخلاف وهو عبد عند إذن سيده فكيف يقال، ببطلان خلافته بعد تحريره نعم أن لو كان في حال الرق مكلفا بالقبول لصح أن نقول بعد التحرير يرتفع عنه ذلك التكليف والله أعلم
ولكني أرجع إلى أقوال أهل العلم في آثارهم وأعتمد على نصوصهم فإنهم حجتنا في ديننا وهم هداتنا إلى ربنا جزاهم الله عن الاسلام وأهله
خيرا
المسألة السابعة: في إستخلاف الانسان عبده على وصاياه أقول
261
- (1/263)
صفحة 264
لقد تقرر معك ما يقول العلماء في إستخلاف العبد من ثبوت وبطلان إلى
غير ذلك ولكن ذلك في عبد الغير وبقى لنا كلام في عبد الانسان
أقول: لأهل العلم فيه أيضا قولان.
الأول: الجواز فإن أمر العبد إلى السيد والسيد أوصى إليه فلا يحتاج إلى إذن من أحد نحو وارث لأن للسيد على عبده الأمر المطلق فلا وجه للمنع بغير حق واضح وهذا قول الجمهور وعلى بائعه أن يخبر بعيبه من يشتريه بأنه وكيل أو خليفة أو نحو ذلك القول.
الثاني: المنع والمانعون هم الأقل ووجه المنع أن العبد ممنوع من ذاك فلو
إحتمال العقود الشرعية فإن لها غير العبيد ولو أجاز السادة وهذا من كان إستخلافه بإذن من مالكه فقد منعه الامام ابن محبوب رحمهما الله وعزان بن الصقر ولأن العبد ضعيف أمره وحاله وإنما صح ما صح من أفعاله بإذن سادته في أمر نفسه أو في مال سيده مثل التجر الذي يعود على السيد بالصلاح وأما مال غيره فلا يقوى فيه بإذن السيد ولأن له بيعه كما قدمنا فيخرج من الخلافة بالبيع إذا قلنا أنها بذلك تنتقل إلى ذمة السيد وكذا نحو الهبة والاعتاق وما أشبهها لا سيما هو بعد الموت ملك الورثة فمن أين يدرك على ساداته أمرا مع كونه مكلفا بطاعتهم فتكون المسألة متضادة فهو مملوكهم من جهة وخليفة في ميراثهم من جهة أخرى هذا من الأمور
المتناقضة
قال الامام القطب: رحمه الله ومن إستخلف عبدا أي على وصيته
262 – (1/264)
صفحة 265
أو مطلق الاستخلاف لم يستوثق لنفسه ولم يصدق عليه أنه إستوثق لها في
وصيته وكما علمت أنه لابد من الاستيثاق
وفي الأثر: وجازت وكالة عبد بإذن ربه ولا يشغله عن الانفاذ إن أذن له ويحكم عليه بذلك وأجاز بعض لسيده أن يجعله وصيه ويبيعه المال لانفاذ وصاياه وقضاء دينه ولمؤنة أيتامه إن أوصاه فيهم وتزويج بناته كذلك ويكون أولى فيه من الولي وكره بعض وصاية المملوك واختار الشيخ خميس بن سعيد الشقصي إجازة وصاية المملوك إذا كان ثقة ومنعها بعض ولو أذن له ربه لأن له بيعه فيخرج منها (أ. هـ) كلام هؤلاء الأعلام.
وتلزم الخلافة بالوصية بعد وقوع الوصية من الموصي سواء كان وقوعها حفظا أو كتابة أعني إذا قال أحد لأحد أني أريد أن أوصي وقد جعلتك وصبي ثم أوصى بعد ذلك فهذه الوصية لا تلزمه خلافتها لأن الاستخلاف وقع على شيء غير موجود بعد وهذا معنى كلام الأثر في ذلك أما بعد الايصاء وقد قبلها فقد لزمته سواء كانت لسانية أو مكتوبة ولا يخفى عليك أنها قبل أن يقع الايصاء بها تعد غير موجودة فلا يؤثر قبولها شيئا
وقال بعض تلزم فإن قبلها ولو كانت غير موجودة بل على أنها ستوجد فهو قد قبل ذلك المعنى المستقبل وعليه لا يصيب مجيز الوصية الرجوع عنها بعد الموت ومجيز الكفارة قبل الفعل ومجيز الاعطاء للفقراء قبل إقتراف ما يتنصل منه ونحو هذه الأمور فاعرف أصلها تدرك فرعها جليا إن
شاء الله
وإذا كتبها في صحيفة ثم قال له قد جعلتك خليفة على ما كتبته فيها
2630
- (1/265)
صفحة 266
أو في هذه الصحيفة أو هذا الجلد أو في هذا العظم أو على ما في هذا الجريد أو الفخار أو نحو ذلك مما تمكن فيه الكتابة مطلقا فقبل كان خليفة على ذلك جائز الأمر فيه وقيل حتى يقرأه أو يقرأ عليه فيسمعه كلمة كلمة وحرفا حرفا ويفهم أيضا معاني تلك الكلمات وما تضمنته فإن قبل بعد هذا لزمه وكذا إن سماها له نوعا نوعا أو عددا عددا أو نحو ذلك بكتابة أو بغير كتابة لزمه ذلك
وقولنا لزمه ذلك أي لا يلزمه ما عداه مما لم يكتب أو مما لم يعلمه به أو مما لم يقرأ عليه كما إذا أوصى مثلا بوصايا أخرى مكتوبة أو غير مكتوبة أو ظهرت في حواشي الكتابة أو في صحيفة أخرى لم يطلع عليها أو ألحقت في الوصية بعد ذلك وكذا ما كان بين الأسطر مما يقرأ عليه أو كتب في ظهرها وما زاد باللسان فأحرى أن لا يلزمه إذا لم يبلغه إياه ويعرفه معناه ويقبله منه
هذا إذا قال إستخلفته على وصيتي هذه مشيرا إليها أو قال على ما كتبته هنا أو قال على ما في هذه الورقة ونحو ذلك مما يفيد تعيينا أما إذا قال إستخلفته على كل وصية لي أو قال على وصاياي مطلقا أو قال على ما أريد أن أوصي به بعد وهكذا فهذا يلزمه ما زاد فيها ولا ينافي ما قدمناه لأن التقييد والاطلاق في الشريعة لا يخفى على الفقهاء أحكامهما والعام والخاص كذلك فلا يسوغ التعميم حيث يقع التخصيص ولا يصح الاطلاق حيث يكون التقييد ولكل قضية حكمها.
وإذا تقدم بعض الايصاء وقد قبله الوصي فان ما بعده حكمه قبل ملحق به وتابع له وعلى هذا يحمل قولهم في الأثر لا تصح الخلافة قبل الايصاء حيث لا إيصاء مطلقا أما إذا تقدم بعض الايصاء شيء ما مطلقا
- (1/266)
صفحة 267
فإنه يمهد ثبوت الخلافة لكل ما زاد كذا في شرح النيل عن القطب
أما إذا قال إستخلفته على وصيتي وقبل فقد لزمه ما زاد عليها لأنه
أطلق الوصية وما زاد تابع لما سبق
والفرق بين هذا وبين ما قبله أنه هنا لم يعين ما إستخلفه عليه وما
سبق فقد عين فيه ما وقع عليه الاستخلاف كما حققناه لك واضحا وتراه في
اللفظ الأخير قد
معه
فلذلك عممنا الحكم مع عمم
المسألة الثامنة: في الأجرة على خلافة الايصاء هل تجوز أم لا
الأول: عدم الجواز بناء على أنها طاعة كما تقدم وبناء على أنها
فرض كفاية.
الثاني: الجواز إذا عينها الموصي بنفسه من غير أن يطلبها الوصي
فهي بمنزلة سائر وصاياه
الثالث: الجواز مطلقا عينها أو لم يعينها لأنها أجرة على عمل
والأعمال تؤخذ عليها الاجارات
الرابع: الجواز إذا كان فقيرا لأن صفة الفقر تبيح له أشياء فهي في
حقه كالميتة للمضطر.
-
265 - (1/267)
صفحة 268
الخامس: له كما يرى له العدول
السادس: إذا كانت تعطله عن أعماله فله أن يتقرم كما تتقرم
البهيمة أي له الشيء اليسير.
السابع: إذا لم يكن في المسألة أيتام ونحوهم جاز وإلا فلا
وفي الأثر: يجوز للوكيل أخذ الأجرة على الانفاذ عينها أو لم يعينها أي على إنفاذ الوصية كلها أو بعضها أو على جميع مال الوصية أو على بيع ما يباع منه أو شراء ما ينبغي شراؤه ونحو ذلك مما هو عمل.
وهل إذا كان الوصي وارثا يأخذ الأجرة التي جعلها له الوصي ولو زاد الايصاء على الثلث أو زاد بها فقط أو يأخذها على الكل أو على الثلث
فقط ولو كانت أيضا أكثر من عناه
فقيل له ذلك لأنها خرجت أجرة ولم تخرج وصية وقيل بل قدر عناه وقيل دون العنا ولو زاد الايصاء على الثلث أو زاد العنا على الثلث أي زاد به الثلث على الأصل وقيل ما فوق العنا ليس بأجرة في العنى بل هو وصية ولا وصية لوارث فإن كانت الأجرة أكثر من عنائه ردت إلى عنائه وإن كانت دون عنائه لم يزد له عليها فإن شاء ترك الانفاذ فلا يأخذ الأجرة فيكون الانفاذ عليه وعلى جملة الورثة إن سلموا له الترك بعد القبول أو لم يقبل وقيل لا يأخذ شيئا لأن إنفاذ الوصية أمر واجب وليس للانسان على الواجب أجرة كما أعلمتك به آنفا
266
- (1/268)
صفحة 269
قال الشيخ أحمد في الجامع لا عناء للخليفة ولا للوارث على الانفاذ
ولمن إستعمله الخليفة عناء إن لم يكن وارثا فإن كان الموصى به معينا فمنه العناء وإلا فمن مال الوارث وقيل من الثلث وإن تم الثلث رجع العناء في الموصى به وسواء كراء الشيء ونفقته وما لاغنى عنه أي إن هذه الأمور ضرورية أو كالضروري وإذا كان الوصي غير وارث أخذ ما جعل له الموصي من الأجرة ولو زادت على الثلث لأنها أجرة لا وصية وقيل يرد إلى الثلث إن كان أكثر من ذلك وإن كان أقل لم يرجع إلى الثلث بل يأخذها وما جعله له الموصى فهوله فإن شاء ترك الانفاذ إن لم يكن قد قبل وترك الأخذ وإنما رد إلى الثلث لأن ذلك من توابع الوصية فكان من الثلث فيحاصص الوصايا إذا لم يف الثلث وقيل إلى عناء يقدره ثلاثة عدول من المسلمين وقيل عدلان فإن أحاط عناءه بما جعل له أخذه كله ولو اكثر من الثلث وإن فضل من عنائه فضل أخذ من الفضل ما يكون تمام الثلث إن إستفرغ الفضل الثلث فتم أو بقى منه شيء أو ما دون الثلث إن تم الفضل قبل فراغ الثلث وإنما كان ذلك لأن الفضل على عنائه وصية والوصية من
الثلث
وإن مات أحد الخليفتين لزمت الحي منهما لأنهما مجعولان خليفة واحدا أي في حكم خليفة واحد فقط. فالباقي منهما كالجزء من الواحد ومات بعض أعضاء الخليفة المذكور وكذلك إن كانوا ثلاثة فأكثر وقيل نصفها لأنهما أثنان أو ثلاثة فكما تقدم أي يكون الحكم بحسب عددهم والكل واحد ولو كانوا عشرة مثلا فلو كان الخليفتان حيين مثلا لكان قيامهما قيام خليفة واحد أي يفعلان في الوصية فعل رجل واحد إن لو كان الخليفة
واحدا وهكذا
-
0 267
- (1/269)
صفحة 270
وهل صح للوصيين أو الثلاثة أو الأربعة وهكذا قسم الوصية في الانفاذ قيل نعم لهم ذلك وكذلك يصح أن يفوض أحدهما صاحبه وينفذها واحد ويكو العناء على هذا بينهما والأعلم بالانفاذ أولى من غيره أو الأسن أو المقدم في الوضع وإذا سمح أحد الأوصياء من نصيبه رجع سهمه للوارث وإن مات أحد الأوصياء رجع أيضا سهمه للوارث إذا لم يوص به إليهم
وقيل: يستخلف الامام أو السلطان أو القاضي أو الجماعة إنسانا يقوم عنه وإن إستخلف رجلين فقبل أحدهما وترك الآخر فقد لزمت الذي قبلها كلها ولا يقال يسقط نصفها الذي رده الخليفة الثاني وقيل بل يلزمه نصفها فقط لأجل إشتراكهما من الموصي في الاستخلاف وكذلك إذا أكثروا كالقول في الخليفتين هكذا جاء الأثر عن أهل العلم.
ويصح أيضا إن إستخلف زيدا على نوع وعمرا على آخر وإذا إستخلف كلا على حدة أنفذها أحدهما أو أحدهم بمحضر الشهود لئلا يأخذ الآخر من مال الموصي مرة أخرى ويضمن آخرهما إن أنفذا معا وإن لم يعلم أو إتحدا غرما النصف بينهما وكذا ما فوق الاثني
وإن إستخلف رجلا على نصف وصيته أو تسمية منها أعني على شيء سماه كذا وكذا وإن إستخلف على الباقي سواه جاز ولا يلزم كلا إلا
ما إستخلف عليه
وكذلك إن إستخلفه على جنس معلوم من الوصية كالحج والكفارة
والديون فلا يلزمه إلا ذلك
268 -
- (1/270)
صفحة 271
وإن إستخلف على تسمية أي على شيء مسمى أو جنس خاص وترك الباقي بلا خلافة فإنفاذ الباقي على الوارث.
وإن إستخلف على وصيته طفلا وبالغا أو إستخلف صحيح العقل مع مجنون أنفذ البالغ أو العاقل النصف وعلق النصف الثاني للبلوغ من الصبي أو الافاقة من المجنون فإن بلغ الصبي أو أفاق المجنون ولم يقبل أنفذ ذلك الوارث وقيل ينفذ الوارث للوصية بلا إنتظار لبلوغ أو إفاقة
وقيل ينفذ سهمه أحد من الثقات بأمر الامام أو الحاكم أو القاضي و نحوهم نيابة عن الموصي وقياما بحقوق المسلمين العامة بينهم فإن في الوصايا حقوقا عامة في الاسلام فيقوم الموصي بإيصال حق زيد إليه وحق
عمر و كذلك وبذلك ينحط عبء خالد في إيصائه وهكذا والله أعلم المسألة التاسعة: فيما إذا إستخلف صاحب كبيرة كصاحب بدعة أو ضلالة ونحو ذلك إعلم أن الموصي إذا إستخلف صاحب كبيرة سواء كان موافقا أو مخالفا أو مشركا ونحو ذلك فإن أهل العلم من المسلمين منهم من يبطل الايصاء من أصله لأن من أوصى إلى غير ثقة فما أوصى فكيف بصاحب ضلالة في الدين كذا في الأثر فكيف بصاحب ضلالة في
الدين
•
قال في النيل وقيل لا يصح إستخلاف مشرك فينزعها عنهما الامام أو نحوه إلخ فلا يستخلفه الموصي ولا كل من له الاستخلاف كالامام والحاكم والقاضي والعشيرة ونحوهم ما وجد غيره ومفهومه إذا لم يجد غيره جاز إستخلافه وفي القرآن ما يدل عليه
- 269 - (1/271)
صفحة 272
وإن إستخلف أحدهما أي أحد المذكورين أي صاحب البدعة أو المشرك مع وجود غير هما صح إستخلافه وقيل لا يصح
وفي الأثر: عن علماء الدين وإن لم يجد وصيا إلا بأجرة من ماله ودينه يحيط به وهو مريض كمن لا يجوز فعله فيه إلا قضاء دينه فوصيته من الثلث ولا يثبت فعله على الغرماء وله أن يقر بما يلزمه ويشهد عليه لأن
ذلك على الحكام وعلى الكافة لا أن يفعل ما لا يلزمه إن أحيط بماله
•
ولا يجوز الايصاء إلى مشرك ولو مأمونا على ما ولي عليه وثقة في دينه لأن الله لم يجعل للمشركين على المسلمين سبيلا والاصغاء إليه في شيء ما من الأمور الدينية ضرر في الدين بشهادة الكتاب العزيز.
وهل الثقة في دينه من المخالفين تصح وصايته أم لا فقيل بالصحة إلا فيما يدين فيه بالخلاف وكذلك الايصاء إلى أمينة يصح إلا في تزويج بناته أي لأن التزويج إلى العصبة من الرجال وليس للنساء فيه نصيب ذلك لأن النساء مزوجات بفتح الواو لا مزوجات بكسرها
ومن أوصى إلى غير ثقة وقد رجا فيه أن يقضي عنه وصاياه ويقوم عنه في فصل قضاياه ولم يجد ثقة فلا يبرأ من حقوق العباد حتى يؤديها عنه ولو ثقة أيضا لأن الحقوق لا تنحط إلا بالأداء وفي حقوق الله إن كان أمينا أو يأمنه على ما حمله فنرجوله أن يبرأ منها كذا قيل وإن لم يؤد عنه أن ائتمنه على ذلك وأشهد عليه عدلين وإن اتهم الورثة الوصي فلهم أن يدخلوا معه مأمونا إن كان ممن يتهم وإلا فلا يتعرض له
270
- (1/272)
صفحة 273
منها.
المسألة العاشرة: فيما إذا قبل الموصى إليه نصف الوصية أو نوعاً
إعلم أنه إذا قبل الموصى إليه نصف الوصية في حياة الموصي أو قبل نوعا منها كالكفارات والزكاة والديون وما ضارعها لزمه ما قبل لا غير وكذا إن قال مثلا قبلتها إلا كذا وكذا كان له ما إستثناه مما هو متعين كالنصف والثلث وسائر التسميات وكالكفارات والزكاة والحج والديون وسائر الأنواع فلا يلزمه إلا ما قبل وسواء كان ذلك في حياة الموصي وعلمه أو بعد موته كما إذا إستخلفه بلا علم منه حتى مات
•
وقال بعضهم تلزمه كلها إذا قال قبلتها إلا كذا وكذا لتقديمه القبول لها ولم ينفعه الاستثناء عند هؤلاء وصحح القطب رضوان الله عليه الأول ووجهه أن الاستثناء جاء به الشرع واعتبره في مواد من الأحكام بل في أحكام عديدة والشرع مبني على لغة العرب والعرب جاءت به في خطبها وخطوبها ومحاوراتها ودواعيها نظما ونثرا والشرع هو الحجة من الله لعباده وقول زيد العمر و إقتبل البغاة قطاع الطرق إلا من تاب وأذعن فهل يقول عاقل حينئذ بقتل من تاب اللهم إلا أن إنفصل المستثنى من المستثنى منه بنحو عطاس فتلزمه كلها كذا قيل
وإن استخلفه عليها فقال قبلت بعضها أو قبلتها إلا بعضها ولم يبين البعض لزمته كلها وقيل تبطل خلافته إن اتصل الاستثنا
وإن قال إستخلفت فلانا فإن لم يقبل ففلانا وهكذا فإن قبلها الأول
فهي له وإن لم يقبلها وقبلها الثاني فهي له لازمة وإن قال اسخلفت فلانا
-
271
- (1/273)
صفحة 274
على وصيتي إن شاء فلان فقبل فهي تتعلق بمشيئة فلان المعلقة بمشيئته فإن شاء فقد لزمت وإن لم يشأ لم تلزم وإن علقها بمشيئة من ليس هو ممن تتوهم منه المشيئة فهي لازمة للخليفة أيضا كذا في الأثر وكذا إن كان ممن تتوهم منه المشيئة لكن لا يقدر على الوصول إلى مشيئته لزمت الخليفة أيضا وكذا الخليفة أيضا إذا علق المشيئة أو القبول إلى من يوهم منه ذلك أو لا يوهم أو يوهم ولا يقدر على الوصول كما قدمنا وإن قال إستخلفتك إن شاء الله فهي لأزمة وقولهما إن شاء الله يحمل
على التبرك لا على التعليق
المسألة الحادية عشرة: هل تلزم الوصية بمحض القبول سمعها أو
لم يسمعها إلخ.
إعلم أن الوصية تلزم الوصي بقبول مصرح به فيدرك في الحكم ويدرك عليه أو بقبول اللسان والقلب على رأي بعضهم فيدرك عليه فيما بينه وبين الله وتجوز له فيما بينه وبين الله بل لزمته إن لم يمنع لا إنها تلزمه في قول بعضهم باستماع على مختار بعض الأجلاء وقيل بل تلزمه إذا سمع ولم يدفع ويحكم عليه بذلك على هذا القول أقول إذا سمع وقبل لزمته ويحكم عليه بذلك ويضمن ما ضاع بسببه على مقتضى أصول المسلمين ومن ألزم نفسه شيئا الزمناه إياه والله أعلم.
المسألة الثانية عشرة: فيما إذا إستخلفه على وصاياه وعلى حفظ أولاده وحفظ أموالهم هل يلزمه ذلك كله أم بعضه إلخ
إعلم أن القواعد المارة عليك تقضي على الخليفة بقبول الايصاء
-
272
- (1/274)
صفحة 275
من أخ في الدين وإذا قبل لزمه ما قبل فإذا قبل مثلا أن يكون خليفة على الوصايا وعلى حفظ الأولاد وأموالهم إلى آخر ما دخل في هذا الايصاء دخل
في إسم المال ما ورثوه منه أو من غيره ومالهم الذي ليس بإرث وإن خصه بالاستخلاف على الوصية لزمته هي فقط لا ما عداها وإن خصه بحفظ الأولاد لزمه ذلك فقط فيطعمهم من مالهم ويسقيهم ويكسوهم ويسكنهم ويصلحهم أو يجعل لهم مطعما يتولى ذلك عنه أمينا ورعا تقيا ويعلمهم ما يلزم من أموالهم ويعطيه من أموالهم أجرة تعليمهم وإذا جعل لهم معلما يعطيه خليفة مالهم مؤنتهم أي إذا كان المعلم يمونهم معه فعلى الخليفة أن يعطي المعلم ما يمونهم به ويفعل ذلك والحال لا يكون بيده شيء من مالهم إلا ما يمونهم به مما يدفعه إليه الخليفة
وإن فعل ذلك من ماله أي الخليفة لم يدرك في مالهم إلا ان أشهد على أنه يرجع به عليهم وإن نوى الرجوع فله الأخذ من مالهم إن وصل إليه ويدل على أن الأصل يكون للأولاد خليفة على حفظهم أو على جوازه قولهم في الأثر ويستمسك خليفتها أي خليفة الوصية بخليفتهم أي خليفة الأولاد وخليفة الأولاد بخليفة المال وهكذا
أما إن جعله خليفة على المال فهل يكون بذلك خليفة على الأولاد قال بعضهم نعم ووجهه أن حياة الأنفس بالمال كما قال الله تعالى فيه فإنه قوامها ودونه فلا حياة لها ولا سيما أن حفظ المال ألزم لما علم من شح النفوس به أما في الأولاد فلا يطمع أحد فيهم وإنما الطمع في المال فيكون هو الأصل لحفظهم وفي كلام العلماء الأعلام إن المال شقيق الروح ويصرف المال فيهم
فليكونوا عند من له المال أو يحفظهم حيث هو وهو ما تحريته والحمد الله
273 - (1/275)
صفحة 276
وقيل لا يكون لهم خليفة بكون خليفة أموالهم لأنه لم يستخلفه على الأولاد فكيف يقال أنه خليفتهم على وجه التبعية والأم أولى بحفظهم من خليفة الأب على حفظ الأولاد وهو نص في الأثر عن علمائنا وكذا قالوا أمها أعني جدتهم لأمهم ما لم يدخلوا بالتبعية المشار إليها
وفي الأثر من قال وصي فلان فهو وصيه ولو في أولاده وتزويج بناته
قلت وجه هذا إطلاقه الايصاء فعمموه في الأولاد لكونه لم يتقيد بشيء ما
وهو وجه وجيه كما هي القاعدة الأصولية في تعميم المطلق فيها أطلق فيه
•
وقيل لا يعم البنات ووجهه أن نص الايصاء لم يصرح بهن وعلى
ذلك لا يدخلن لأن أصل تزويجهن منوط بعصبتهن إلا إذا أوصى فيه الأب ومن حيث أن الاطلاق هنا لو قلنا به لكان فيه إستباحة فروجهن بغير حجة واضحة فإن أمر الفروج كبير
وقال بعضهم لا يعم الأولاد إلا بتحديد فيهم أي إلا إذا نص عليهم وهل إذا قال وكيلي بعد موتي يكون كقوله وصبي إلخ قال به بعضهم ولم يقل به البعض الآخر حتى يحد له إيضا وقيل حتى يجعله وصيا له لأن الوكالة في الحياة أي يختص لفظ التوكيل بأحوال الاحياء أما النيابة عن الانسان بعد الموت تسمى إيصاء وصاحبها وصيا كما سوف تقف عليه إن
شاء الله
ولا يجوز الايصاء فيهم إلى غير ثقة فإن عدم الثقة فإلى مأمون عليهم وعلى أموالهم وهل للجد ما للأب عند عدم الأب في الأثر ليس
-
274
- (1/276)
صفحة 277
للجد أن يوصي في الأولاد ولده إلا إن أوصاه ولده فيهم ولا وصاية لغير الأب فيهم ويكفي لجاعل وصيا أن يقول جعلت فلانا وصيا في ولدي وفي ماله ومن ترك يتيا وحاملا ووكلها فيه وفي ماله فهي وكيلة فيه وفيمن تلد أيضا ووجهه أن من تلده ولده أيضا وإن سمى لها خصت بمن سماه وما سماه وكذا قالوا في وصي تارك حاملا في بناته إن ولدت جارية فهو وصي في تزويجها أيضا أي ترك بنات وترك إمرأة حاملا وهو وصي في البنات فإذا ولدت تلك الحامل بنتا دخلت في وصايته ذلك لأنه وصى في البنات وتلك البنت الحادثة أيضا منهن فشملها الايصاء الواقع في بناته
•
وقالوا أيضا فيه إن أوصى فيهن إلى غير ثقة فهو أولى به أي بالايصاء أي بسبب الايصاء فلذلك قالوا هو أولى به من غيره ولا ينزع منه إذ لا خيانة فيه كالمال أي لأن محذور الخيانة في المال لا في غيره.
وإن زوجهن بلا رضى منهن أو زوجهن غير كفؤ لهن أو زوجهن على
خلاف المسلمين في التزويج نقضه الحاكم عليه ولا يجوز الايصاء في التزويج إلى كتابي أو قرمطي لأنه مرتد عن الاسلام عند أبي سعيد رضوان الله عليه لأن التزويج بخلاف الأموال إذ قد تكون في المشرك أمانة أموال أما التزويج فأمره كبير والمشرك لا يتحاشى عن غير الجائز في المسلمين ولا في قضايا الاسلام ولأن سنة المشركين في النكاح غير سنن المسلمين والقرمطي وإن كان يقر بالوحدانية الله ولكن لم يعمل بموجباتها بل هدم الاسلام من أصله ألا تراه أراد أن يبني كعبة أخرى وإقتلع لها الحجر الأسود وهم بما لم يقصده المشركون أهل الكتاب أيوصى إلى مثل هذا في تزويج إمرأة مسلمة تؤمن بالله واليوم الآخر حاشا لله نسأل الله السلامة من
- (1/277)
صفحة 278
سوء العواقب
المسألة الثالثة عشرة: فيما إذا أقر رجلان بوطء جارية ثم جاءت بولد
إشتركا فيه إلخ
أقول إذا أقر رجلان بوطء جارية وصار لها ولد منهما فلا يجوز أن يوصي أحدهما في منابه من الولد إن مات وإن مات الآخر أيضا فوصي الأول فيه عليها إن لم يوص الأخير وإن أوصى كان له وصيان
قال ابن أحمد من أوصى في أولاده ومالهم معروفا منه النفاق أي رجلا يعرف بالنفاق وطلب شريكهم قسمة ما إشتركه فيه معهم بطلت الوصية أي وصاية الرجل المنافق لا نفس الايصاء عند من علم خيانته ولا تجوز مقاسمته ولا غيرها
والولد المشترك فيه الاثنان أعني ابن الأمة كما إذا ورثاها وأصاباها معا بأن أتاها أحدهما ثم الآخر جاهلين تحريم ذلك مثلا أو جاءها أحدهما بأن إتفقا على أن تكون لواحد منهما ميراثا ثم جاءها الآخر بعد بوجه من الوجوه التي يظنان الجواز بها جهلا منهما بذلك فجاءت بولد منها فهذا الولد لا يجوز تجزيه بأن يكون زيد مثلا وصيا في جزء وعمر و وصيا في جزء إلا في بيعه بأن يبيع أحدهما نصيب والله أعلم
المسألة الرابعة عشرة: فيما إذا خاف الرجل على نفسه الموت هل يجب عليه أن يستخلف على ماله وأولاده ما لم يحضر الوارث إلخ.
-
276 - (1/278)
صفحة 279
أعلم إن الانسان إذا نزل مخوفا على نفسه فيه الموت وكان وارثه غير حاضر إذ ذاك فقد قال العلماء يجب عليه أن يستخلف على وصيته وأولاده الأطفال والمجانين وماله ما لم يحضر ورثته ومفهومه إذا حضروا لم يلزمه ذلك وجهه أن بحضورهم يرتفع المحذور ذلك لأنهم هم المخاطبون في إنفاذ وصاياه والقيام بأولاده الأطفال والمجانين ونحوهم وكذلك إذا حضروا وهم أيضا أطفال فإن حضورهم وعد به سواء لكونهم غير مكلفين بشيء ما مطلقا وإنما هو المكلف بهم وإستخلافه عليهم وعلى أموالهم مما كلف به هو أيضا لئلا يضيعوا بعده أو تضيع أموالهم وحكمهم وهم مجانين كحكمهم أطفال وإذا لم يستخلف هو وجب على العشيرة الاستخلاف للأطفال والمجانين والغياب ويختاروا لهم خليفة يحرز مالهم فإن لم تكن له عشيرة فعلى من حضر من الناس وأخص بذلك أهل العلم من الحاضرين فإنهم هم الحجة في مثل هذا وإلا فعلى من حضر من الناس فإن لم يفعلوا حتى ضاع المال فهم ضامنون لذلك
وهم
وهل ضمان ذلك متجزأ بينهم أعني على كل واحد منهم منابه فقط أم كل واحد ضامن لذلك فقد قيل إن كل واحد منهم ضامن لذلك لكون التكليف عمهم فيه ولا يتجزأ التكليف قطعا
وقال بعضهم يتوزع الضمان على الرؤوس ولكن لا يدخل فيه النساء والعبيد إلا إن لم يكن غيرهم فعليهم حرز ذلك وإن ضيعوه ضمنوا وأما مع الخلافة فلا شيء عليهم أعني إذا وقعت منه الخلافة وأضاع الخليفة فلا شيء على الحاضرين لأن الموصي قد إختار لماله وأولاده بنفسه وإذا لم يترك الميت مالا فلا داعي هنا عن الغياب أي لا وجه للاستخلاف
-
2770
- (1/279)
صفحة 280
المسألة الخامسة عشرة: سة عشرة: فيما إذا كان الخلفاء متعددين بأن كان للوصية خليفة وللأولاد خليفة وللمال خليفة هل يستمسك خليفة الوصية في
هذه المسألة بخليفة المال ويترك خليفة الأولاد.
أعلم أنه إذا وقع الأمر كهذا ففي الأثر أن خليفة الوصية يستمسك بخليفة الأولاد ليعطيه المال لينفذ الوصية ويستمسك خليفة الأولاد بخليفة
المال يعطيه المال ليعطيه هو خليفة الوصية للانفاذ
قال الامام القطب الكبير رحمه الله يجوز الخليفة الوصية الاستمساك بخليفة المال ويترك خليفة الأولاد لأن الخليفة على المال هو المسئول هنا في حقوق الوصية أما الاستمساك بخليفة الأولاد وجهه أن الأولاد هم الورثة وخليفتهم نازل منزلتهم والقائم عنهم في حقوق الأموال والمتصرف عنهم في أموالهم بما لهم من التصرف فيها وهذا وجيه والأمر في الحقيقة يدخل من بابه وإن كان خليفة الأموال والأولاد واحدا إستمسك خليفة الوصية به وإن لم يجعل للأولاد خليفة وجعل خليفة للمال فقيل أن خليفة المال خليفة للأولاد أيضا كما تقدم في كلامنا سابقا
•
وإذا لم يجعل خليفة للأموال والأولاد وجعل خليفة للوصية إستمسك خليفة الوصية بالعشيرة أن تجعل .. خلائف لهم أو خليفة للاعطاء فيعطيه
ما ينفذ به وصيته
والمجنون معهم كما قلت لك في مسائل الخلافة كالطفل
وقيل. لا يستخلف عليه أبوه إلا أن جن من الطفولية ولم يحضرني الآن وجه
-
2780
- (1/280)
صفحة 281
هذا القول
وأما الغرماء والموصى له فإنهم يستمسكون بخليفة الوصية ثم هكذا يستمسك خليفة الوصية بخليفة الأولاد وخليفة الأولاد بخليفة الأموال ومرادهم بالغرماء هنا أهل الديون إذا أوصاه على الديون أيضا أي على إخراجها وإلا فالمخاطب بها الوارث فإنه إذا إستخلفه على الوصية كان خليفة على ما فيها من الديون إذا كانت فيها ديون وإذا أعطى خليفة المال خليفة الأولاد أعطى خليفة الأولاد خليفة الوصية على هذا الترتيب وإذا أخذ خليفة الوصية أعطى الغرماء حقوقهم وأعطى الموصى له ما أوصي:
له
به
قال الامام القطب ويجوز عندي أن يستمسك الغرماء والموصى له بخليفة المال لأن المال بيده وهو المقصود ولهم الاستمساك بخليفة الأولاد
لأنه كالوارث
قال الامام القطب رضوان الله عليه نقلا عن ديوان الأشياخ وهذا إذا كان الأولاد أطفالا أو مجانين وأما البلغ الصحيحوا العقول من أولاده إن إستخلف عليهم فلا تجوز خلافته وكذا إن إستخلف على ماله ورثته حضر وهم بلغ صحيحوا العقول فلا تجوز خلافته عليهم فهذا الأثر عن الديوان يحصر الخلافة في الأولاد إذا كانوا أطفالا أما إذا كانوا بلغا فلا خلافة ذلك لأن البلغ مملكون أمورهم ويتصرفون في أموالهم فلا وجه للاستخلاف عليهم وكذلك إذا كانوا مجانين فهم والأطفال سواء وأما العقلاء فأمرهم إليهم لا إلى أحد من الناس إلا من إختاروه عنهم عن رضى منهم به فذلك
-
279 -
- (1/281)
صفحة 282
إليهم وقد صرحوا بذلك كما تراه في قولهم وأما البلغ الصحيحوا العقول
إلخ
وفي الأثر أيضا إذا إستخلف رجل على وصية قد إستخلف عليها وقد مات صاحبها فخلافته جائزة وأما إذا كان حيا فلا تجوز خلافته عليها وكذلك إن إستخلف على مال غيره
وكشف هذه المسألة هي أن الرجل مثلا إذا كان قد إستخلف على وصيته رجلا ثم إستخلف عليها الرجل رجلا آخر جازت خلافة الثاني عليها بشرط كون صاحب الوصية حيا وليس المراد نفس حياته فقط بل المراد أنه إذا كان حيا وعلم بالاستخلاف على وصيته ورضي ثبت ذلك الاستخلاف أما إذا وقع الاستخلاف على وصيته ورضي ثبت ذلك الاستخلاف بعد موته فلا يصح ذلك لأن رضاه وعدمه هنا لا يقدر عليهما لانسداد باب الاستخلاف بموت الموصي
وكذلك أيضا الاستخلاف على مال الغير لا يصح إلا بإذن ذلك الغير فاعرفه فأني أنقل لك مسائل الأثر وأكشف عنها حجاب الاجمال وأرد إليها شارد الاختصار وألحق بها أوابد الأفكار لقصد الايضاح وإدراك
معانيها الصحاح حسب الامكان
ولا يخفى عليك أن الاستخلاف على مال الغير إذا كان في يده بوجه من الوجوه إن كان أصحاب ذلك المال غيابا أو كانوا أطفالا أو مجانين فجائز ذلك الاستخلاف لأجل الصبا أو الغيبة أو الجنون الذي يسقط به التكليف فهذا من حقوقهم التي كلف الله بها القوام بأمرهم أما إذا كانوا
-
280
- (1/282)
صفحة 283
حضرا وهم صحيحوا العقول فلا تجوز الخلافة على أموالهم ولو أجزناها
لكنا أجزنا قهر أموال الناس عليهم ولا يقول بذلك عاقل في الدين
المسألة السادسة عشرة: فيما إذا إستخلف على أولاده والحال ليس
له أولاد
أقول إذا إستخلف الانسان أحدا على أولاده ولم يكن له إذ ذاك أولاد أعني وقت الاستخلاف ثم كانوا بعد ذلك ثم مات المستخلف بكسر الخاء فالحق أنه لم يلزمه من أمر تلك الخلافة ولا يقال إذا تركها ترك واجبا ولو كان الترك بعد وجود الأولاد بناء على أن أصل الاستخلاف وقع على
معدوم
قد لا يوجد
•
فنقول هذا الاستخلاف وقع على معدوم والاستخلاف على المعدوم لا وجه له فهذا الاستخلاف لا وجه له وإن إستخلفه على أولاده وقد كان عنده جنين في بطن أمه ثم ولد فمات المستخلف فإن الخليفة تلزمه خلافة أولاده كلهم مع الجنين ومعنى هذه المسألة أن الخلافة وقعت وللمستخلف أولاد قبل الجنين ووقع الاستخلاف على الجنين بمعية الأولاد فلزمته خلافة الكل إذ كلهم أولاد المستخلف
•
وكذا كل من كان له أولاد إستخلف عليهم فإن من يأتي بعد ذلك داخل في تلك الخلافة وقيل لا يلزمه إلا خلافة الأولاد الواقعين من قبل
لا من يأتي بعد ذلك
-
2810
— (1/283)
صفحة 284
وكذا إن إستخلفه على ماله والحال ليس له مال ثم حدث له مال فأهل العلم لهم فيه وجهان الأول الجواز والثاني البطلان على ما عرفت من
قواعدهم.
وأما إذا قال قد إستخلفته على هذا المال أو على هؤلاء الأولاد فلا يدخل في خلافته من يأتي بعد ذلك لأن الاشارة تفيد التعيين تقييدا للخلافة هكذا عند الفقهاء فاعرف ذلك واشكر لي إيضاحه وادع الله لى البلاغ إلى كل خير
المسألة السابعة عشرة: فيما إذا أنفق الخليفة المال كله على اليتامى
ونحوهم ثم خرجت بعد ذلك ديون.
أقول إذا أنفق الخليفة المال على اليتامى والمجانين واستغرق الانفاق للمال ثم ظهرت على الميت وصايا أوديون أو نحو ذلك أو ظهر أن المال لغير الميت كما إذا كان عنده ذلك المال بوجه الوكالة أو الأمانة أو ناب فيه عن صاحبه بوجه وظنه الناس أنه له
فأقول على الخليفة الضمان لما أنفق كله لأنه أتلفه بإنفاقه ولا يخفى عليك أن التضمين لا يتعلق بنفس القصد فيقال مثلا هذا لم يقصد بذلك الانفاق إتلاف مال الغير وإنما كان قصده القيام بشئون ورثه الهالك ولا يعلم بما وراء ذلك
فجوابنا أن نقول له لو كان يعلم لكان ذلك منه عدوانا فيه الضمان والاثم مع الله ولا يبرأ إلا بالتوبة من قصده ذلك مع الضمان فإذا خرجت
-
282
- (1/284)
صفحة 285
وصيه مخرجها من الكل فإنه يضمنها كلها وأما إن كانت من الثلث ضمن الثلث للوصية وإن كانت دون ذلك ضمن لها مقدار ما تحتاج له الوصية وأما الدين ونحوه فإنه يضمنه كله وإن بقى من المال شيء أعطى منه وضمن الباقي ولا يلزمه للوصية أو للدين إلا ما أنفق
وكذلك إذا أنفق ذلك الورثة والبلغ على أنفسهم ثم خرجت وصايا
أو ديون ونجوها ولم يعلموا بها قبل الانفاق لزمتهم
وإذا أحاط الدين بمال الهالك فليس للوصي أو الخليفة أو الورثة أن يطعموا منه اليتامى والمجانين ونحوهم وإن إضطروا إلا بإذن أهل الديون فإذا أذنوا جاز فيها أذنوا فيه لا مطلقا إلا أن أذنوا مطلقا
فإن كان لليتامى ونحوهم مال آخر أنفقوا منه وإن لم يكن لهم مال فعلى أوليائهم أن يقوموا بإنفاقهم الأقرب فالأقرب
وإذا لم يكن أولياء أو كانوا لا مال لهم وكانوا بمنزلة من يحتاج أن يعال أنفقهم أهل محلتهم الأقرب فالأقرب كذلك ويكون الخليفة من جملة من يلزمه إنفقاقهم إن كان من أهل محلتهم وإن لم يكن بمحلتهم من يقوم بإنفاقهم فعلى من بلغه علمه وجوبا وإن لم يعلم أحد إلا خليفتهم ولا مال له إلا ما بيده من تركة موروثهم المحاطة بالدين المذكور ولم يكن لهم أولياء ولا أهل محلة ولا علم بهم المسلمون أنفقهم الخليفة من ذلك المال المحاط بالدين واعتقد الضمان لأهله لئلا يموتوا جوعا فإن لهم أن يحيوا أنفسهم بمال الغير ويفتقد الضمان والله قد رخص في الاضطرار بأكل الميتة ويكون هذا
-
283 -
- (1/285)
صفحة 286
من ذاك أعني حال الاضطرار لكن عليه أن يشهد المسلمين على ذلك
ليكونوا حجة على ما صنع.
فان كان له مال بنفسه لزمه إنفاقهم دون مال الغير ويضمنهم إياه عند إستطاعتهم على الضمان والله يعذره بعد ذلك
وكذلك إذا كان في المال وصية فلا يطعمهم إلا من الفاضل عن الوصية إذا كانت وصية لازمة وكذلك إن كان في المال دين فلا يطعمهم إلا مما فضل عن الدين إذ ليس لهم من ذلك المال إلا ذلك الفاضل وهذه قاعدة عندهم مطردة يقاس عليها غيرها مما له بها علاقة مشابهة والحق أحق أن يتبع وما بعد الحق إلا الضلال
وقيل لا يضمن الخليفة إذا لم يعلم بالدين أو الوصية أو نحو ذلك لأنه خليفة أقدمه الشرع على الانفاق وأمره به وليس عليه مما في الغيب
شيء. وأي القولين أرجح والذي أراه أن القول الأول هو الأرجح وهذا يعد من الخطأ في الأموال وفائدته أن لا تضيع أموال فيأخذ الخليفة حذره
بالتفتيش عن اللوازم وأن لا يألوا جهدا في أداء الواجب المستطاع.
وهل لخليفة الأطفال والمجانين ونحوهم إذا غرم من ماله للغرماء الرجوع إليهم بذلك الذي غرمه فقيل له الرجوع عليهم بذلك إذا أعطى مثلا من ماله في الوصية أو الغرماء فيعطونه إذا بلغوا إن كانوا أطفالا أو إذا
-
2840
- (1/286)
صفحة 287
أفاقوا إذا كانوا مجانين أوله أن يأخذ من أموالهم إذا وصل إليها أو يعطيه خليفة آخر أو كان هناك خليفة آخر أو يقام كذلك بأمر من حاكم إمام أو سلطان أو عشيرة أو قاض أو نحوهم وعلى هذا القول يغرم إن شاء من أموالهم للغرماء وللوصية إذا أمكنه ذلك من أموالهم وقيل ليس له
واختار الأول بعض العلماء وعول على الثاني فريق منهم ومن نظر إلى أن الشرع أقدمه على الانفاق فصرف عليهم في مصالحهم فكيف لا يرد منهم وعلى هذا مشائخ الديوان وأما الثاني فوجهه أن هذا خطأ والخطأ لا يزيل الضمان أعني كونه مخطئا أي غير عامد لا ينفي عنه ما لزمه بنفس الخطأ فإن الخطأ مضمون في الأموال والأنفس أيضا وفي المقام مسائل يطول بنا ذكرها فنكتفي بما أوردناه هنا ونكل الباقي إلى دواوين الأثر وأقوال أهل العلم والبصر الذين هم الحجة في الدين وإليهم يرجع أمور المسلمين
رحمه الله: قال الناظم رحمه
والقول في أمر الوصايا يكثر لساننا عن ث ـن يقصر
إعلم أن أقوال العلماء في الوصايا كثيرة فقد دونوا فيها الكتب وحرروا فيها الرسائل في أنواع من أحكامها وأصناف من لوازمها لم نأت فيما سبق من شرحنا هذا فيها بشيء ما مما يثبت أحكامها وما يبطل مبانيها إلا ما مر عليك مما ذكرناه في هذا المختصر شرحا لهذه القصيدة وأما أقوال العلماء في الوصايا كثيرة وأنظارهم فيها كبيرة ولا زال كل عالم مجتهد يحرر ويحقق ويخرج ويدقق ولكنا نكتفي بهذه النبذة الوجيزة تقريبا لأمثالنا الذين لم يكن
-
285 - (1/287)
صفحة 288
إدراكهم قويا ولا ماوتهم غزيرة مستعينيين بذلك إلى ما ورائه راجين من الله
العون والتوفيق لرضاه.
قال الناظم:
ذي نبذة أخرجها المولى على لسان عبده عسى أن تقبلا
النبذة الشيء اليسير كما في مختار الصحاح وهي من النبذ أي الالقاء
لأن العادة في الشيء اليسير والأمر الحقير الالقاء وعدم المبالاة به لحقارته
والاخراج معناه إيجاد الشيء من العدم وإخراجه إلى حيز الوجود
مكشوفا بعد ما كان في زوايا الغيب مختفيا
عسى
والمولى هو من أسمائه عز وجل
واللسان هي الجارحة المعروفة التي هي ترجمان القلب
وعسى
كلمة موضوعة للترجي عسى أن يإتي بالفتح أو أمر من عنده
الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا
•
والقبول بمعنى الرضى بالعمل فما رضيه تعالى من أعمال عباده صار
في حيز القبول ولا شك أن الله يرضى من عباده الأعمال الصالحة والأفعال الحسنة ويضاعفها العاملها إلى عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى
-
286
- (1/288)
صفحة 289
مالا يعلم منتهى ذلك إلا الله وكل ذلك بفضله عز وجل لعباده ومن قبل الله منه حسنة أدخله الجنة كما في الحديث حقق الله لشيخنا الناظم رجاه وبلغه
الله مناه ونفع بنظمه كل من نظر فيه وعمل بمقتضاه أنه كريم منان آمين
•
قال رحمه الله
:
فمن رأى فيها خلاف الحق فلينسخ الزيع بنور الصدق يعتذر الناظم في هذا البيت إلى إخوانه المسلمين الذين يطلعون على هذه المنظومة أو المسائل التي بها أو القواعد التي أوردها فيها وكان من أهل النظر في ذلك وهم العلماء المهتدون والفقهاء المطلعون والخبراء المخلصون والبصراء الناقدون والجهابذة الموفون فرأوا في هذه المنظومة أو في مسائلها المعلومة أو قواعدها المرسومة شيئا يخالف الحق من ذلك اللسان أو خطأ الجنان مما فطر عليه بنو الانسان ولا عصمة لأحد إلا لأنبياء الله عليهم الصلاة والسلام فعلى المطلع نسخ ذلك من هذه المنظومة بمعنى إزالته فإن النسخ بمعنى المحو و بمعنى الازالة فيقال نسخت الريح آثار بني فلان بمعن عفتها وتغير بذلك رسمها والزيغ هو الميل إلى الباطل تعمدا ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا لا تجعلها مائلة إلى الباطل من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والنور تقدم تفسيره والصدق خلاف الكذب ونقيضه وهو حكاية الواقع كما هو والله أعلم.
287
- (1/289)
صفحة 290
قال الشيخ رحمه
الله
والحمد لله العليم الملهم. عباده الرب الكريم المنعم ثم الصلاة منه كالسلام على النبي المصطفى التهامي والآل والأصحاب والأتباع المرتضى ما أن دعاه داعي
تقدم تفسير الحمد أول الشرح حيث جاء به الناظم هناك أولا
والعليم البالغ في العلم وهو في حق الله صفة ذاتية له تعالى بمعنى أن ذاته مكتشفة لجميع الذوات مطلعة على كل شيء فلا يحدث شيء لم يسبق به العلم منه تعالى
والملهم صفة له تعالى أيضا وهل هي صفة فعل بمعنى موجد الالهام أو مرسله أو باعثه أو صفة ذات له تعالى وهو ظاهر والالهام له معان متعددة وليس هذا محل بسطها وإنما محلها علم الكلام الموضوع للبحث عن
هذه الأحوال
والعباد هنا بمعنى الخلق وهم كلهم عبيده فلا يشذ عن العبودية شاذ ولا يخرج عنها خارج وإن سولت له نفسه الامارة بالسوء كفرعون
وإخوانه من العتاة الجبابرة
والكريم بمعنى المتنزه عن النقائص في ذاته وصفاته والمتفضل على
عباده بصنوف الفضل والكرم والكريم لغة من إذا سئل أعطى
-
288 (1/290)
صفحة 291
والمنعم إسم فاعل من أنعم إذا أعطى والمنعم مفيض النعم أو
مرسلها إلى عباده والنعم تجل عن الحصر وتعظم عن العد وما بكم من نعمة فمن الله والكل صفات متوالية لاسم الجلال فهو سلطان كل إسم وفعل
والصلاة والسلام مر تفسيرهما في أول الكتاب حيث جاء بهما الناظم
هنالك وما بعدهما من متعلقاتهما
والمصطفى المختار من الصفوة فهو صفوة الخلق كلهم والتهامي المنسوب إلى تهامة البلد المعروف وهي من الحجاز. والمراد بذلك نفس
الحجاز
والمرتضى المراد به المختار فهو إسم مفعول أي ارتضاه الله بمعنى
إختاره من
خلقه
وقوله وما أن دعاه داعي المراد به تأييد الصلاة والسلام له فهو يسأل الله تعالى أن يصلي ويسلم على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صلاة مستمرة وسلاما باقيا بقاء الداعين الله عز وجل وذلك يؤبد الصلاة أي صلاة وسلاما مؤ بدين بذلك التقييد فإن الله لا يزال يدعوه داع من خلقه في دنياه وأخراه وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين وبذلك تم تحرير هذ الشرح الموسوم بمقاصد الأبرار في يوم ستة وعشرين من جمادى الأخرى سنة 1378 هـ الموافق 1982/ 6/21 م لمحرره العبد الضعيف سالم بن حمود بيده
289 - (1/291)
صفحة 292
وله هذه الأبيات
على كم أشكر المولى وعندى له منن يضيق بهن شكرى وشكرى نعمة منه تعالى يمن بها علي بغير نكر فأين الشكر منى عند هذا فعجز ثابت عن أي شكر وشكرى يوجبن قطعا مزيدا من النعماء فانظره بفكر
وله أيضا» هذه القصيدة عفا الله عنه
أنى بسر مقاصد الأبرار أبرزت وجه مطالع الأنوار وانبث عن أسرارها بأشعة ضاءت تنير مقاصد الأبرار بمقاصد الأبرار أدركت الذي جمعته من حكم ومن آثار وبنورها اتضح السبيل لقاصد وبها اهتدى الشهم المجد السارى لمقاصد الأبرار تأييد الهدى وبها تقوم مراشد الأحرار بما حوت من حكم أقطاب الورى أبدت لنا سرا من الأسرار جمعت مذاهبهم وأبدت رأيهم وجلت لنا عن مقصد الأخيار فكأنها شمس أضاءت أفقها وكأنها مدد من التيار جاءت بتحقيق الوصايا واضحا وبما لها من ثابت مختار قد أعربت عن كل أمر لازم أو جائز من منهج الأبرار أدت إلى الفقهاء واجب قصدها وتأيدت وتأيدت بأدلة وشدت بذى العلم الولي إمامها بدر الهدى ابن السادة الأخيار الفاضل الزاكي الخصال سمي من صلى عليه ذو الجلال البارى
الآثار
-
290
- (1/292)
صفحة 293
الله
الله أنت فتى الامام العيلم الطا مي العميق الباهر الزخار أعني سعيد الاسم والمنى الذي شهدت له العلما بكل فخار من ثمر يدل بطبعه حقا على مستخلص الأشجار قد جاء من ثمر الغصون أدلة تنبي النهي عن صالح الأشجار وأولو العلوم كواكب في ضوئها تجلو الدجى بأشعة الأنوار بهم ترى الأيام تشرق بهجة وبهم تضيء مطالع الأقمار وهم شموس الحق في الدنيا بهم تهدي الورى لمقاصد الأبرار
- 291 -
-
- (1/293)
صفحة 294
[صفحة فارغة] (1/294)
صفحة 295
1
مصادر هذا الشرح
أهمها شرح النيل للقطب رحمه الله لكونه المقبول عند الكل
المحبوب عند الكافة الشهير عند الخاصة والعامة
2 - شرح القرآن هيميان الزاد فهو كالأول
-
شرح مسند الربيع بن حبيب للامام السالمي رحمه الله
الكشاف
المنهج.
-
2
-
-
الجوهر للامام السالمي رضي الله عنه وأرضاه
7 - الايضاح.
8 - القاموس
10
11
- قاموس اللغة
-
المصباح.
المختار
12 - مشارق أنوار العقول
-
293 -
-
شرح التلخيص
-
13
-
14
صحيح البخاري
15 - فتح الباري. 16 - الايضاح. (1/295)
صفحة 296
[صفحة فارغة] (1/296)
صفحة 297
نهـ
الكتاب
الموضو
رقم الصفحة
مقدمه
83
199
215
239
293
الباب الأول: في أقسام الوصية
الباب الثاني: في حكم الوصية
الباب الثالث: في وقت وجوب الوصية
الباب الرابع: في الموصي به
الباب الخامس: في الخليفة
-
0 295
مصادر هذا الشرح (1/297)