صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فقه
------------------------------------------
العنوان: نداء الحق
المؤلف: أحمد بن حمد الخليلي
الناشر: الكلمة الطيبة
مكان النشر: مسقط - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1439ه/ 2018م
الطبعة: 1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/172
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 08 شعبان 1446ه/ 07 - شهر 02 - 2025م. نداء الحق
إِلَى كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ أو ألقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
تأليف سَمَاحَة الشيخ العلامة
أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عُمَانَ
الكلمة الطيبة (1/1)
صفحة 2
رمزي
إِلَى كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ أو القَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (1/2)
صفحة 3
جميع الحقوق محفوظة
الحياة الطيبة
مسقط - سلطنة عُمان
الطبعة الأولى
1439 هـ ـ 2018 م (1/3)
صفحة 4
نَدَاءُ الحَوَ
إِلَى كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ أو ألقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
تأليف سَمَاحَة الشيخ العلامة
أحمد بن محمد الخليلي
المفتي العام لسَلْطَنَةِ عُمَانَ (1/4)
صفحة 5
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ)
[الحديد: 16] (1/5)
صفحة 6
ہے
مقدمة
الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أمر ونهى، بيده الأمر كله وإليه الحكم جميعا وأشهد أن لا إله إلا الله خلق فسوى وقدر فهدى، وأشهد أن محمد عبده ورسوله دعا إلى الله على بصيرة، وكان أسوة في كل خير وإماما في كل رشد صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه الهداة المهتدين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
تصبح
6
فإن العادات عندما تسري في حياة الناس يتغلغل أثرها في نفوسهم حتى كأنما جبلت عليها، فيصعب اقتلاعها منها كما يصعب اقتلاع الأطواد الشم الرواسخ من الأرض، ولهذا يلقى المصلحون عنتا شديدا عندما يواجهون في مشروعهم الإصلاحي عادات متحكمة تنجذب إليها النفوس وتتفاعل معها الرغبات وكم من عادة تتفشى في الناس فتمتد من مجتمع إلى مجتمع من غير أن تستنكف منها النفوس أو يعترضها معارضون
ومن العجيب سريان هذه العادات في الخاصة والعامة، وبين أولي العلم والجهلة، فلا تلقى استنكارا ولا تجد تحديا، وهذا إنما يعود إلى قابلية النفوس لتلقي كل جديد يستهويها، إما لما تجد فيه من التخلص من المسؤولية وتبعاتها، وإما لما تتصور فيه من راحة بسبب بعدها عن الالتزام. (1/7)
صفحة 7
نداء الحق
وما من ريب أن دأب النفوس الميل إلى الأدنى والانجذاب نحو الأسوأ، والتأفف من التكاليف التي تراها شاقة عليها ومقيدة لحريتها. ودأب النفوس السوء من حيث طبعها إذا لم يصنها للبصائر نور
أن يتيسرا
ولا يخفى أن الهدم أيسر من البناء، والتدمير أهون من التعمير، فكم يستوجب البناء والتعمير من تخطيط وإتقان واحتراس، ولا يتصور بعشوائية وتخبط بخلاف النقض والتدمير، فإنهما لا يحتاجان إلى تخطيط ولا إلى إتقان، وهكذا كل فساد يسري في نفوس الناس، وفي أخلاقهم وعملهم بسرعة مذهلة، فينتقل من بيئة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى غيره بغير عناء ومشقة، بخلاف الإصلاح؛ لأنه يتوقف أولا على الاستبصار من قبل القائم به وإلى تبصيره لمن يدعوهم إليه، كما يتوقف النجاح فيه على تحلي الداعية إليه بالصبر والأناة والحكمة وبالنظر إلى المدعوين إليه وأحوالهم واستعدادهم النفسي والذهني لتقبله، وهذا يعني أنهم بحاجة إلى أن يُعَرَّفُوا بقيمة الإصلاح ونفعه والضرورة إليه وأثره الشخصي والاجتماعي، ويُبَيَّنَ لهم بهذا ما عن الإفساد من الضرر الخاص والعام.
وعن
من
ينجم
عادات
وكم نرى من بين أيدينا ومن خلفنا أيماننا وعن شمائلنا تنتشر بين الناس؛ لعلها تبدأ بين الجهلة السذج ولكن لا تلبث أن تشمل الذين يعدون من بين أهل العلم، ويعتمد عليهم في تبصير الناس بأمور دينهم، وهذا إنما يعود إما إلى ما ذكرته من انجذاب النفوس نحو تلك العادات لسبب أو لآخر، وإما أن يكون راجعا إلى الغفلة عن حواجز الشرع التي تمنع من الاندفاع نحوها.
وبسبب ما نراه من هذه العادات وانتشارها وتقبل الناس لها وغفلتهم عما يتبعها من آثارها رأيت من الضرورة التنبيه عليها قياما بالحق الذي فرضه الله تعالى علينا فيما أخذه منا من عهد وميثاق، وإن كان ما نقوم به لا يعدو أن يكون تنبيها بالأقل على الأكثر إذ استقصاء هذه العادات يحتاج إلى جهد كبير و فراغ واسع، لذلك رأيت أن أكتفي بذكر نماذج وصور منها، وأكل استكشاف (1/8)
صفحة 8
مقدمة
أكثرها وتتبع وجوهها إلى الذين هم أكثر فراغا وأوسع اقتدارا وأيسر فُرَضا، لعل الله يحقق على أيديهم ما لم يتحقق على يدي، فتطلع على أيديهم شمس الصحوة التي تبخر بوهجها ما يختلف مع شرع الله تعالى من عادات الناس، وقد رجوت - بما أقدمه هنا من جهد المقل - أن أكون بفضل الله ومنته من الذين استثناهم الله سبحانه من الخسر، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، والله المستعان
وقد رأيت أن أقتصر في هذه الفرصة السانحة على ذكر أقسام من هذه العادات في أربعة عشر محورا وخاتمة.
المحور الأول: فيما يتعلق بالإيمان بالله وتصريفه الخلق.
المحور الثاني: فيما يتعلق بتعظيم كتاب الله وتوقير العلم. المحور الثالث فيما يتعلق بحسن أداء العبادات المشروعة.
المحور الرابع: في طلب العلم ونشره.
المحور الخامس: في العلاقات الاجتماعية وبناء الأسرة الصالحة. المحور السادس: فيما يتعلق بالعقل.
المحور السابع في السكوت عن المنكرات.
المحور الثامن فيما يتعلق بالأموال.
المحور التاسع: فيما يتعلق باللباس.
المحور العاشر: فيما يتعلق بالتقاليد.
المحور الحادي عشر فيما يتعلق بالبيان.
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق.
المحور الثالث عشر: فيما يتعلق بتربية الأولاد. المحور الرابع عشر: فيما يتعلق بالتوبة والوصية. الخاتمة: في تحصيل ما تقدم ذكره. (1/9)
صفحة 9
المحور الأول
فيما يتعلق بالإيمان بالله وتصريفه الخلق
11
إن الفطرة السلمية هادية إلى الله، فالعاقل يفتح عينيه على وجوده، ووجود كل مخلوق في هذا الكون الفسيح، فيرى بعين بصيرته يد الله تعالى تصرف كل
الله
شيء في هذا الكون، نشرا وطيا، رفعا وخفضا، عطاء ومنعا، وجاءت شرائع تعالى وفق دلائل الفطرة مصدقة لها فيما تشهد به ناهيك بما في القرآن الكريم - كتاب الله تعالى الذي حفظه بعينه، ووقاه كل تحريف وتبديل ـ فكم تجد في تضاعيف آياته وإشراق بيناته ما يرد العقول الزائغة إلى الفطرة السوية، فيبدد عنها أغشية الضلال التي حجبتها عن إدراك الحقيقة عندما مالت عن فطرتها، فكم من آية في كتاب الله تؤكد أن كل ما يصيب الإنسان من صحة أو سقم، أو غنى أو فقر، أو راحة أو تعب، أو سعد أو نحس، أو إقبال أو إدبار، وكل ما يعتريه من موت أو حياة، أو قوة أو ضعف، فإنما ذلك كله مرده إلى أمر الله الله، فهو الذين يهب من يشاء، ويحرم من يشاء، {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَئًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ * لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذكرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرُ) الشورى: 49 - 50.
ولم يكن ما قدره الله له من خير أن يخطئه، أو كتبه عليه من شر أن يجنبه، فالخير والشر والنفع والضر كل ذلك بقضاء الله وقدره، {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ) الأنعام: 17، وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ (1/11)
صفحة 10
12
نداء الحق
يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) يونس: 107، وقد وجه الله عباده إلى اعتقاد وإعلان أن كل مصيبة تلم بهم، فإنما هي بحسب ما كتبه الله تعالى، كما في قوله: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} التوبة: 51، وأن كل عطاء أو حرمان فإنما هو بأمر الله تعالى، مَا يَفْتَح اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فاطر: 2.
21
ج
وجاءت سنة النبي صلى الله عليه وسلم مؤكدة ما توحيه الفطر الزكية، وتدل عليه العقول السليمة، وتصدقه نصوص الكتاب العزيز، فقد وجه النبي صلى الله عليه وسلم خطابه التربوي العظيم إلى ابن عمه حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، عندما كان غلاما يافعا، فقال له: «يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).
وجاء بلفظ: «يا غلام أو يا غليم، ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟» فقلت بلى. فقال: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت، فاستعن بالله، قد جف القلم بما هو كائن فلو أن الخلق كلهم جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عليك، لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك، لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا).
(1) أخرجه أحمد (293/ 1 رقم (2669)، والترمذي (667/ 4، رقم (2516) وقال: حسن صحيح. والحاكم (623/ 3 رقم 6302) والضياء (25/ 10، رقم 15)، أبو يعلى (430/ 4، رقم 2556).
(2) أخرجه أحمد (18/ 5 رقم: 2803). (1/12)
صفحة 11
المحور الأول: فيما يتعلق بالإيمان بالله وتصريفه الخلق
13
وهو يؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصا على أن يربي هذه الأمة وفق هذا السَّنَن الذي ينسجم مع الفطرة، ويلتئم مع هداية القرآن وبهذا كان يطهر عقولهم من كل لوثة من لوثات العقائد الجاهلية، التي رسخت في أتباعها أن الله سبحانه مزاحم في خلقه وأمره من قبل شركاء يزعمونهم، وكم جاء القرآن الكريم بقوارع، نذره، وصوادع حججه وبراهينه ودوامغ آياته البينات ليخلص الإنسانية التعيسة الحائرة من هذه الأوهام التي حالت بينها وبين إصاخة سمعها إلى نداء الفطرة، الذي يجلجل في جنبات الوجود، وغشت أبصارها بأغشية أن تستهدي بأنوار العقل الكاشفة لهذه الحقائق من وراء حجب الأوهام، فقد أقام القرآن على الذين زاغت عقولهم بينات لا تدفع ـ من أنفسهم، ومن كل ما يزخر به الوجود من عجائب خلق الله ـ على أن كل شيء بيد الله، وما كان لأحد من خلق الله تعالى أن يتطاول عليه سبحانه فيرد له قضاء، أو يبدل له سنة، أو يدفع له حكما.
وهو عندما يحاورهم في ذلك يدفعهم إلى التأمل والنظر في تصاريف الوجود وسنن الخلق، وقد عجبهم من دعاء غيره تعالى لكشف ضر أو تحقيق نفع، كما في قوله سبحانه: {قُلْ أَنَدْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَننَا اللهُ كَالَّذِى أَسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَبُ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى انْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ} (الأنعام: 71، فكيف يترك الإنسان التوجه إلى الله في ملماته، ويتوجه إلى مخلوق مثله لا ينفع ولا يضر، بل لا يستطيع أن يجلب لنفسه نفعا أو يدفع عنها ضرا، فضلا عن أن يفعل ذلك لغيره؟ ومثله قوله تعالى: {قُلْ مَن رَّبُّ؟! السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرَّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظُّلُمَتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّرُ} الرعد: 16، فإذا كانت الربوبية الله الله وحده؛ فمن الذي يزاحم قضاء الله بقضائه، أو يعاكس أمره بأمره، (1/13)
صفحة 12
14
نداء الحق
أو يدفع حكمه بحكمه، أو يصرف عن أحد ما كتبه له أو عليه، أو يجلب إليه ما منعه منه؟! وإنما العقول إذا زاغت والبصائر إذا أظلمت، خفيت عليها البدائه، والتبست عليها الحقائق، كما يجادل أعمى البصر في إشراق الشمس برابعة النهار، وهي لا يحجبها سحاب ولا قتر.
الله
وقد تكررت مجادلة القرآن الكريم لهؤلاء الذين عطلوا كل ما آتاهم تعالى من إدراك وأطفأوا كل ما أناره لهم من بصيرة كما في قوله تعالى: {وَلَين سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَ اللهُ قُلْ أَفَرَعَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) الزمر: 38، واحتج عليهم بسؤالهم عما عسى أن يكون أولئك الذين يدعونهم من دونه تعالى يملكونه في ملكوت الله تعالى الواسع، أو يشاركونه فيه كما في قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ هُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكِ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ) سباء 22، وقوله: {قُلْ أَرَيْتُمْ شُرَكَاءَ كُمُ الَّذِينَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكُ فِي السَّمَوَاتِ أَمْ عَاتَيْتَهُمْ كِتَبًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا) فاطر: 40، وأتبعه بأن حفظ هذا الكون علويه وسفليه إنما هو إلى الله وحده فلو تخلى عنه في أقل من لحظة لهوى إلى غير قرار، وذلك في قوله: {إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَبِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) فاطر: 41.
وما
ومثل ذلك قول الله تعالى: {قُلْ أَرَعَيْتُم مَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكُ فِي السَّمَوَاتِ اثْنُونِي بِكِتَبٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَرَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ) الأحقاف: 4، وأتبعه تسجيل الضلال المبين على أولئك الذين يؤمون غير الله تعالى بدعائهم وهم لا يستجيبون لهم بشيء إلى يوم القيامة، بل لا يسمعون لهم دعاء ولا يدركون لهم مطلبا، فقد أتبع ما سبق (1/14)
صفحة 13
المحور الأول: فيما يتعلق بالإيمان بالله. وتصريفه الخلق
15
قوله: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ
عن دُعَابِهِمْ غَفِلُونَ} الأحقاف: 5، فقد يدعون أوثانا منحوتة من الصخر، أو مصنوعة
60
من الخشب، وقد يدعون بشرا هم أنفسهم أحوج إلى عناية الله ولطفه، وقد يكونون أمواتا طواهم الزمن، وأبلتهم الأرض، فأنى لهم أن يسمعوا لهم دعاء فيكشفوا عنهم ضرا أو يجلبوا لهم نفعا؟ ثم أتبعه أن أولئك عندما يحشرون القيامة يتبرأون إلى الله سبحانه من هؤلاء الذين دعوهم من دونه، فيكونون أعداء، وقد تخيلوهم في حياتهم الدنيا أولياء! إذ قال بعد ذلك: {وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَفِرِينَ) الأحقاف: 6.
يوم
لهم
العجب كيف انحدرت هذه الأمة مع ما أوتيت إلى حضيض الجاهلية: إن الإنسان ليمتلكه العجب عندما يقارن بين ما أتي هذه الأمة من عند الله تعالى من الآيات البينات التي تفتح منهم المدارك، وتنور منهم البصائر، وتشرح منهم الصدور، للحق وما ربَّاها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من التربية الإيمانية، التي ارتقت بها عن حضيض الجاهلية، وعرجت بها إلى ملكوت الله الأعلى، وبين ما آلت إليه الأمة من ضلال العقول وانطماس البصائر، والارتكاس في هوة الجاهلية الأولى، والانغماس في أوحالها، فكم يرى الناظر من بون سحيق ما أوتيت هذه الأمة من الهدى والنور وبين ما تعيش فيه من الضلال
بين
والظلام، فإذا كان الله تعالى يُقَرِّع بني إسرائيل على إهمالهم التوراة، ويضرب فيهم أسوأ الأمثال عندما يقول: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِلُوا النَّوْرَنَةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِنَايَتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ» الجمعة: ه، فإن الأمة التي أوتيت القرآن ثم أهملته وضيعته هي أولى بهذا المثل، وما يشاكله من أمثال، ناهيك أن الله سبحانه حفظ لهذه الأمة قرآنها، فهو في كل زمان تبزغ، شمسه ويسطع ضياؤه، وينتشر هداه، فكيف أمة القرآن عن هذا كله وهي تتلوه ويتلى عليها غضا طريا كما أنزله الله
تعمي (1/15)
صفحة 14
16
نداء الحق
على قلب عبده ورسوله، مصونا محفوظا من أن تعدو عليه عوادي الدهر، أو تغير شيئا من رسمه حوادث الزمن، فكيف لا تتدبره فتميز به بين الهدي والضلال، والحق والباطل، والإيمان والإلحاد، أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبِ أَقْفَالُهَا) محمد: 24.
فليت شعري؛ هل على شيء من الآيات التي سقتها غيم أو قتر يحجب دلالتها على تلك المعاني، أو يَلْبِسُ شيئا منها؟ وكم ترى في أحوال الأمة وتصرفاتها مما يناقض القرآن وينأى بها عن هديه، لا في جزئيات الأمور وحدها، بل في كليات العقيدة وأسس الإيمان أولا تعجب كيف أنهم نسوا الله سبحانه فقصدوا غيره بالأمل والرجاء والتضرع والدعاء، كأنما أغلقت أبوابه دونهم، أو حجبوا عن عطائه، وآلائه أولا ينظرون إلى ما يساق إليهم من رزق، وما يكتنفهم من ألطاف، وما يغشاهم من رحمات، أوأتاهم ذلك من غيره تعالى، فكم كشف عنهم من ضر، وكم أغدق عليهم من نفع لا يملك منه الخلق شروى، نقير، فكيف ينسونه ويذكرون غيره ممن لا يملكون ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا؟؟!.
ضلال دعاء الجن من دون الله
كثير من أولئك تستبد بهم الأوهام، حتى يتسارعوا عند كل ملمة أو رجاء إلى دعاء الجن والتقرب إليهم بالقرابين مع أن الله تعالى حكى عن الجن أنفسهم أنهم قالوا عندما أدركتهم عناية الله فآمنوا واتبعوا الحق الذي أنزل: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالُ مِنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالِ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقَا الجن: 6، وكم تفنن الجهال في ابتكار أنواع الضلال في هذا، فقد أدركنا من الذين غرقوا في الجهل والعمى إلى أذقانهم من يذهب ببخوره إلى الخرابات أو غيرها ليشكو إلى الجن ما أصابه، ويعرض عليهم أن يمنحوه الخير ويكشفوا عنه الضر، استجابة لدعائه، وتقديرا لوسيلته، وأنه إن كان السخط من قبل غير (1/16)
صفحة 15
المحور الأول: فيما يتعلق بالإيمان بالله وتصريفه الخلق
17
هؤلاء المدعوين، فهم يطالبونهم أن ينقلوا هذه الوسيلة إلى أولئك الساخطين ليرفعوا عنهم الضر؟!.
فليت شعري؛ أولا يدرك هؤلاء أن الجن أنفسهم لا يعلمون الغيب، ولا يملكون ذرة من أمر هذا الكون، فأنى لهم أن يسمعوا دعاء أو يدفعوا ضرا، أو يجلبوا نفعا، وأن هذا الدعاء نفسه لن ينتج عنه إلا زيادة الرهق الذي يأتي من قبل الجن، كما حكى الله عنهم: عنهم؟؟!.
شيء
فيا ترى؛ هل يعد من تردى في هذا الحضيض من الضلال من الإيمان في ء؟ فإن الإيمان تصديق وطمأنينة وسكينة، فهو لا يتزعزع بما يلم بالمؤمن من زعازع القدر، وإنما يدفعه ذلك إلى التوجه إلى الله الذي بيده كل شيء، ومحاسبة النفس وردها إلى جادة الحق إن زاغت فالمحن والمنح تزيد المؤمن إيمانا وتصقل مرآة قلبه فيشرق عليها من أنواره القدسية ما يزكيه، ويقوي صلته بالله وعجل.
توهم أن كل ما يصيب الإنسان إنما هو بسبب من الخلق: إن مما يزعزع الإيمان وينقض أسس اليقين أن يعتقد الإنسان أنه لن يصيبه شيء مما يكدر صفو عيشه إلا بسبب من الخلق، فيرد كل سقم يلم به أو بلوى تصيبه أو محنة يكابدها إما إلى سحر ساحر، أو حسد حاسد، أو سطو من الجن، حتى الأمراض المعهودة كالحمى وأوجاع المفاصل والرأس والأسنان، الأوجاع التي تلحق الأبدان لا يتصورونها أنها تكون إلا بسبب من هذه الأسباب، كأنما الدنيا هي جنة الخلد التي لا يعتري الإنسان فيها نصب ولا لغوب، فلا يكاد من أصيب بهذه اللوثة يصدق أن هذا هو ابتلاء من الله، وهو من طبيعة هذه الحياة، فقد ابتلي النبيون من قبل بالأمراض والأسقام والبلاوى، وما كانوا يعلقون أملهم في كشف الضر عنهم إلا على الله وحده، كما حكى الله تعالى عن الخليل إبراهيم علي قوله: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} الشعراء: 80،
بل جميع (1/17)
صفحة 16
18
نداء الحق
ومن هو الذي يعيش حياته سليما مما ينغصها عليه من الأسقام والأوجاع
والبلاوى؟ مع أن الكدر هو جبلة هذه الحياة كما قال الشاعر: طبعت على كدر وَأَنتَ تُريدُها صفواً مِنَ الأَقذاءِ وَالأَكدار وَمُكَلِّف الأَيامِ ضِدَّ طِباعِها مُتَطلب في الماء جذوة نارِ
وَإِذا رَجَوتَ المُستحيل فَإِنَّما تبني الرجاءَ عَلى شَفيرٍ هارِ على أن محن الحياة لا تلبث أن تتحول إلى منح عندما تقابل بالصبر والرضا والتسليم لأمر الله، فعن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «ما من مصيبة يصاب بها المسلم، إلا كفر بها عنه حتى الشوكة يشاكها»، وعنها: «ما يصيب المؤمن يكفر الله عنه من سيئاته حتى الشوكة تشوكه» (2)، وعنها أيضا: «لا يصيب العبد المؤمن حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها أو شدة الكظم حيث يوجد به إلا كفر الله به عنه (3)، وعن أبي سعيد، وأبي هريرة أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «ما يصيب المؤمن من وصب، ولا نصب، ولا سقم، ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته» (4).
وتجد الناس يتصورون أن الحياة الدنيا خالية من المنغصات، وأن الإنسان فيها يتمتع بكامل قواه البدنية والذهنية في جميع مراحل عمره، من غير أن يطرأ عليه ضعف بعد قوة، فتجد أحدهم قد بلغ من العمر ثمانين عاما أو
(1) أخرجه أحمد (88/ 6، رقم 24617)، والبخاري (2137/ 5، رقم 5317)، ومسلم (1992/ 4، رقم 2572).
(2) أخرجه الحاكم (385/ 1، رقم 936) وقال: صحيح على شرط مسلم. والبيهقي في شعب الإيمان 270). وإسحاق بن راهويه (367/ 2، رقم 909)، وأحمد (48/ 6، رقم 24261)، وابن
(252/ 1، رقم
خزيمة (30/ 2، رقم 849)، وابن حبان (372/ 16، رقم 7372).
(3) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (157/ 7، رقم 9828).
(4) أخرجه مسلم (1992/ 4، رقم (2573) وأخرجه بلفظ قريب: أحمد (303/ 2، رقم 8014)، وعبد بن حميد (ص 298، رقم (961)، والبخاري (2137/ 5، رقم 5318). (1/18)
صفحة 17
المحور الأول: فيما يتعلق بالإيمان بالله. وتصريفه الخلق
19
تسعين عاما يشكو من ضعف سمعه أو بصره أو جوارحه ويعزو ذلك إلى سحر ساحر، أو حسد حاسد، متجاهلا أن الحياة تبدأ بضعف، وتنتهي إلى ضعف إذا أنسئ للإنسان في أجله، فقد قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفِ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً» الروم: 54، وقال تعالى: وَمَن تُعَمِّرُهُ نُنَكِسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ) يس: 68، فكيف يرجو ابن التسعين أن يكون كما كان في شبابه عندما كان ابن عشرين أو ابن ثلاثين، وإنما هي الأوهام تدع الإنسان يتجاهل سنن الحياة، التي تدل عليها الطبيعة، وينص عليها الوحي، مع أن الإنسان عندما يتجاوز سني القوة في عمره، ويبدأ في الانتكاس إن حاول معالجة أسقامه فلا يعدو ذلك أن يكون كترميم البيت المتداعي، وإلا فخير علاج له رضاه بقضاء الله وقدره، واحتساب أجره على ما يلقاه من عنت ومشقة عند الله، إذ لا يكون تأثير العلاج عليه في شيخوخته كما كان إبان شبابه وقوته، وقد أحسن من قال:
إذا كانَتِ السَّبعونَ أَمَّكَ لَم يَكُن لِدائِكَ إِلَّا أَن تَموتَ طَبيبُ وَإِنِ امرءاً قَد سَارَ سَبْعِينَ حِجَّةً إلى مَنهَل مِن وردِهِ لَقَرِيبُ إذا ما انقَضَى القَرْنُ الَّذِي أَنتَ مِنهُمُ وَخُلّفتَ في قَرنٍ فَأَنتَ غَريبُ وهذا لا ينافي أن يأخذ الإنسان بالأسباب، ويسعى في علاج أسقامه وأمراضه ما دام حيا، عملا بوصية النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال: «إن الله حيث خلق الداء خلق الدواء فتداووا)، وعنه: ما أنزل الله من داء إلا وقد أنزل
علمه من
معه شفاء
علمه وجهله من جهله» (2)،، وعنه: «ما وضع من داء في الأرض إلا
(1) أخرجه أحمد (156/ 3، رقم 12618، والضياء (330/ 6، رقم (2352)، وابن أبي شيبة (31/ 5، رقم 23415)، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (501/ 5، رقم 5276) وقال: هذا إسناد حسن. (2) أخرجه أحمد (377/ 1، رقم 3578)، والحكيم (402/ 1)، والحاكم (218/ 4، رقم 7424)، والبيهقي (343/ 9، رقم 19344). (1/19)
صفحة 18
نداء الحق
في
وقد جعل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله)، فلا عتب على من تداوى مما ألم به بما جعل الله من دواء للأسقام، وإنما العتب على من ترك العلاج بما جعله الله سببا للشفاء، وعدل إلى العلاج بما يزيد الأسقام قوة ورسوخا عندما يصدق الأوهام فترسخ في نفسه حتى تصبح نفسها داء يستعصي على العلاج، ولا يجد المصاب به إلى الشفاء سبيلا، فعندما ترسخ هذه المفاهيم الباطلة والأفكار الزائغة تروج تجارة الدجالين والمشعوذين، الذين لا يألون جهدا في إضلال العقول، وطمس البصائر، وترك الناس يعيشون أوهام لا يجدون إلى الخلاص منها سبيلا، فلا يكاد يأتيهم مستشف من أمراضه إلا ويضاعفون من مرضه بدعواهم أنه أصيب بسحر ساحر، أو حسد حاسد، فيتعمق الوهم في نفسه، ولا يبالي أن يخسر ماله للدجاليين المشعوذين، الذين يعيشون على ما يأخذونه بالباطل من أموال ذوي الأوهام، الذين فقدوا الإيمان فتجاهلوا سنة الله في خلقه. ولا تسأل عن حال هؤلاء عندما يصاب لهم مولود بشيء من الأسقام، فإنهم لا يكادون يصدقون أن هذه سنة من سنن الحياة، وأن كل إنسان منذ ولادته يستقبل الحياة بحلوها ومرها وسعدها ونحسها، كما صور بعض الشعراء ما يواجه كل مولود من نذر لأواء الحياة ساعة ولادته، فيصرخ باكيا من أول وهلة بقوله:
لِمَا تُؤذن الدنيا به من صروفها يكون بكاء الطفل ساعةَ يُولَدُ وإلا فما يبكيه منها وإنها لأفْسَحُ ممَّا كان فيه وأَرْغَدُ إذا أبصر الدنيا استهل كأنه بما سوف يلقى من أذاها يُهَدِّدُ
فإن هؤلاء لحرمانهم من العقل الهادي، وبعدهم عن الإيمان بالله وقدره، وجهلهم بسنته في الحياة، لا يكادون يصدقون أن ما يصاب به الأطفال إنما هو
(1) أخرجه الطبراني (163/ 10، رقم 10331). قال الهيثمي (84/ 5): رجاله ثقات. (1/20)
صفحة 19
المحور الأول: فيما يتعلق بالإيمان بالله. وتصريفه الخلق
ابتلاء
21
من الله تعالى لآبائهم وأمهاتهم، وإنما يستبد بهم الجزع، فيهرعون إلى الدجالين طالبين منهم كشف الضر عن أطفالهم، وينسون الله تعالى فلا يدعونه لكشف الضر، كما ينسون سنته في الحياة في وصل المسببات بأسبابها، وما شرعه لعباده من علاج الأدواء بدوائها، وهم إن سعوا إلى العلاج الطبيعي فإنهم يسعون إليه ونفوسهم خالية من الرجاء بنجاحه، وإنما يعلقون النجاح على دجل الدجالين وشعوذة المشعوذين، فكم أغنوا من دجال بما يمطرونهم به من أموالهم التي هم شحاح بها إلا في هذا السبيل.
ولا يبالي الدجالون المشعوذون أن يستغلوا هذه العقلية الضالة أسوأ استغلال، فيستحوذوا على آخر ما عسى أن يتبقى عندهم من، مال، ولا يكفيهم ذلك، بل يضاعفون من إضلال عقولهم حتى يغرسوا فيهم عداوة من هم أحب الناس لهم، وأكثرهم صفاء، وأعظمهم حقا، وأبرهم قلبا، فقد نمى إلى سمعي منذ عقود من السنين أن رجلا من هؤلاء البله المغفلين مرض له طفل، فذهب به إلى أحد المشعوذين، فما كان منه إلا أن أجابه بأن امرأة عجوزا ساحرة هي مصدر ضره وسبب بلائه، فخيل إليه الشيطان أن تلك العجوز هي أمه، وعندما عاد إلى بيته حاملا طفله كانت الأم المسكينة أول من يستقبله بشفقتها وحنانها، وعطفها على حفيدها الطفل المصاب، فما كان منه إلا أن قابلها بأشد قسوة وأعظم جفاء، إذ دفعها بيده بكل ما يملك من قوة، فوقعت على الأرض وهوت في حفرة كانت بجنبها، وكال لها من الشتائم والكلام القاذع ما لو خوطبت به الجبال لتصدعت، ولو وزع على أهل الأرض لملأ صدورهم أسى وقلوبهم حزنا.
فيا ترى؛ هل كان هذا التصرف الأحمق الأرعن إلا ثمرة للجهل، وانحسار الإيمان، وتصديق الأوهام، وتكذيب الحق اليقين؟ فلو أن هذا الرجل كان على خوف من ربه، وبصيرة في دينه لما صدق هذا الإفك الذي انتحله الدجال ليفرق بينه وبين أمه وهي أحب الناس له وأبرهم به وأشفقهم عليه، ولكن ما تراكم على عقله وقلبه من الضلال والجهل أنساه قول الله تعالى: (1/21)
صفحة 20
22
نداء الحق
قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) النمل: 65، وأعماه عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول ... فقد برئ مما أنزل على محمد ()، وأنى يكون مؤمنا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو يصدق من يدعي علم الغيب الذي استأثر الله به وحده، فلم يجعل منه نصيبا لأحد من خلقه، حتى أنبيائه المصطفين الأخيار إلا أن يكون ذلك وحيا أوحاه الله إليهم؟! كما قال تعالى: {عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ
ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا) الجن: 26 - 27. وإذا كان النبي الأكرم محمد الله لا يعلم من الغيب شيئا إلا ما أوحي إليه، كما أمره الله تعالى أن يعلنه للناس بقوله: {قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) الأعراف: 188، فكيف بهؤلاء الجهلة الحمقى الذين يتطاولون على الله تعالى فيدعون أنهم
ج
مشاركون له فيما استأثر به دون خلقه؟! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
ووا أسفا على هؤلاء الجهلة الضالين المضلين الذين لا يبالون أن يغرسوا في صدور الناس من الضلال ما يفرق بينهم وبين والديهم، الذين هم أحب الناس لهم وأبرهم بهم، كل ذلك ليحتالوا على ما بأيديهم من المال، فهم يجمعون بين أكل السحت والتفريق بين المرء وزوجه، أو بين الوالد وولده، فما أتعسهم وأعماهم عن الحق وأنساهم لعهد الله تعالى.
ووا أسفا على هذه العقول الزائغة الضالة؛ التي تستسيغ هذا الإفك وتتهيأ لقبول كل ما يلقى إليها من شياطين الإنس، الذين يستوحون ما يبثونه من شر من إخوانهم شياطين الجن، يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (الأنعام: 112، فكيف يرد الإنسان ما قاله
الله تعالى، ويتقبل ما تقوله الشياطين؟! إن هذا لهو الضلال المبين.
(1) أخرجه الترمذي (15/ 4، رقم: 3904). (1/22)
صفحة 21
المحور الثاني
فيما يتعلق بتعظيم كتاب الله وتوقير العلم
23
لا يخفى على المؤمن ما لكتاب الله تعالى وآياته وأسمائه سبحانه من حرمات عظيمة تفوق كل تصور، فإن القرآن الكريم هو خطاب الله سبحانه الحق الذي وجهه إلى عباده ليهديهم من الضلالة ويبصرهم من العمى ويخرجهم من الظلمات إلى النور، وليصلهم بنفسه وبملكوته حتى يكونوا قائمين في أرض الله بعهده، وعامريها بشرعه، ومسخريها بحكمته، مدركين لمبدئهم ومعادهم وما يجب عليهم أن يقوموا به بين المبدأ والمعاد - وهم في هذه الرحلة المحدودة على ظهر هذا الكوكب المظلم - بحيث يستلهمون من كتاب الله تعالى ما يأتونه وما يذرونه، فلا يكون منهم إقدام على أمر، أو إحجام عنه إلا ببينة من ربهم سبحانه، وقد بين العظم شأن هذا الكتاب وأثره في حياة الناس في العديد من الآيات، كما في قوله: {كِتَبُ أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) إبراهيم: 1 - 2.
وناهيك بهذا بيانا لقدر هذا الكتاب وأثره في الخلق، ووصله بين العباد وربهم الذي له ما في السماوات وما في الأرض، وسعة عطائه وإشراق سناه، وإغداق خيره، فهو النور المبين الذي لا يأفل، وهو الصراط المستقيم الذي يزيغ، وهو النبع المغدق الذي لا ينضب، جمع بين خير الدنيا والآخرة، وضمن لمن اتبعه سلامة المسير وسعادة المصير، وقد أنزله الله بعلمه، واختص
لا (1/23)
صفحة 22
24
نداء الحق
به هذه الأمة، وجعله خاتم الكتب، كما أنزله على خاتم الرسل وجعلها خاتمة الأمم، فما أجدره بالتوقير والتعظيم.
سبحانه
وكل آية من آياته بل كل كلمة من كلماته هي شعاع من هذا النور الساطع، ولمعة من هذا البيان الهادي، فهي حقيقة بالتعظيم والتكريم، ولذلك توعد الله الذين يلحدون في آياته، كما في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي جميع ايَتِنَا لَا يَحْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرُ أَم مَن يَأْتِي عَامِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ (فصلت: 40، فالوعيد واقع على كل من ألحد فيما أنزله الله، ولو في كلمة من كلماته تعالى.
بجميع
الكمالات
أما أسماؤه تعالى الحسنى فهي دالة على ذاته المتصفة وإذا كان مدلولها هو الله سبحانه فإن تعظيمها وتسبيحها وتقديسها هو تقديس له تعالى، ولذلك أمرنا بتسبيح أسمائه تعالى كما في قوله: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) الواقعة: 74، وقوله: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) الأعلى: 1، وهذا كما أمرنا ذاته العظيمة في نحو قوله: {وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَرَ السُّجُودِ) ق: 40، بتسبيح وقوله: {وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَرَ النُّجُومِ} الطور: 49، وكذلك أسند التبارك إلى اسمه تعالى كما في قوله: {نَبَرَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَام» الرحمن: 78، وأسنده إلى نفسه في نحو قوله: {تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا):الفرقان 1، وقوله: {تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا) الفرقان: 10، الفرقان: 10، وقوله: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا منيرا (الفرقان: 61، وقوله: {تَبَرَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ) الملك: 1، وهذا الذي جعل بعض الناس يقولون بأن أسماءه تعالى هي عين ذاته، والصواب أن مدلول أسمائه هو الذات العلية كما بينته في غير هذا الموضع.
:
وإنما تدل الآيات المذكورة وأمثالها على أنه يجب أن تقدس أسماء الله الحسنى كما تقدس ذاته العلية، فلا يجوز بحال أن يصدر من مسلم ما يمكن (1/24)
صفحة 23
المحور الثاني فيما يتعلق بتعظيم كتاب الله وتوقير العلم
25
أن يفسر بأنه إهانة لأسمائه تعالى، سواء كان ذلك بفعله أو بقوله، ففي المنار ما نصه: «فكما يعظم الله يعظم اسمه الكريم، فيذكر مقرونا بالحمد والشكر والثناء والتقديس. وقد صرحوا بأن تعمد إهانة أسماء الله تعالى في والكتابة كفر؛ لأنه لا يمكن أن يأتي من مؤمن).
في
ج
اللفظ
وقد توعد الله الذين يلحدون في أسمائه كما توعد الذين يلحدون في آياته، فقد قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَبِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (الأعراف: 180، وقد بين المفسرون أن الإلحاد آياته يدخل فيه كل ميل بها عما جاءت به من الهدى والبينات، فقد ذكر الطبري أقوال المفسرين القدامى في معنى الإلحاد في آياته ثم أتبع ذلك قوله: وكل هذه الأقوال التي ذكرناها في تأويل ذلك هي قريبات المعاني، وذلك أن اللحد والإلحاد هو الميل، وقد يكون ميلا عن آيات الله، وعدولا عنها بالتكذيب بها، ويكون بالاستهزاء مكاء وتصدية ويكون مفارقة لها وعنادا، ويكون تحريفا لها وتغييرا لمعانيها» (2).
وقال الرازي: «يقال ألحد الحافر ولحد إذا مال عن الاستقامة فحفر في شق، فالملحد هو المنحرف، ثم بحكم العرف اختص بالمنحرف عن الحق إلى الباطل» (3).
وقال القرطبي: «أي يميلون عن الحق في أدلتنا والإلحاد: الميل والعدول. ومنه اللحد في القبر لأنه أميل إلى ناحية منه. يقال ألحد في دين الله أي حاد عنه وعدل. ولحد لغة فيه. وهذا يرجع إلى الذين قالوا: «لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه وهم الذين ألحدوا في آياته ومالوا عن الحق فقالوا: ليس القرآن من
(1) محمد رشيد رضا تفسير المنار، 36/ 1.
(2) الطبري: جامع البيان، 478/ 21. (3) الرازي: مفاتيح الغيب، 568/ 27. (1/25)
صفحة 24
26
نداء الحق
عند الله، أو هو شعر أو سحر، فالآيات آيات القرآن قال مجاهد: «يلحدون في آياتنا» أي عند تلاوة القرآن بالمكاء والتصدية واللغو والغناء. وقال ابن عباس: هو تبديل الكلام ووضعه في غير موضعه. وقال قتادة: «يلحدون في آياتنا» يكذبون في آياتنا وقال السدي: يعاندون ويشاقون وقال ابن زيد: يشركون ويكذبون. والمعنى متقارب).
وقال قطب الأئمة: «وألحد مال وحفر في جنب استعير للانحراف في تأويل القرآن عن جهة الصحة وعن موضعه قاله ابن عباس ومنه اللحد في القبر في آيَاتِنَا] بالتكذيب والعناد والمشاقة وقال مجاهد بالمكاء والتصدية واللغو وربما في إرادة ذلك» (2). جميع
وقال صاحب المنار في تفسير الإلحاد في أسمائه تعالى: «واتركوا وأهملوا الذين يلحدون في أسمائه بالميل بألفاظها أو معانيها عن منهج
جميع
بلا مبالاة الحق الوسط، إلى بنيات الطريق ومتفرق السبل، من تحريف أو تأويل، أو تشبيه أو تعطيل، أو شرك أو تكذيب، أو زيادة أو نقصان، أو ما ينافي وصفها بالحسنى وهو منتهى الكمال، ذروا هؤلاء الملحدين، ولا تبالوا بهم، وكأن قائلا يقول: ولماذا نذرهم في خوضهم يعمهون؟ فأجاب بقوله تعالى: سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} الأعراف: 180، يَعْمَلُونَ) الأعراف: 180، أي: سيلقون جزاء عملهم عن قريب، بعضهم في الدنيا قبل الآخرة، وإنما يعمهم جميعهم عقاب الآخرة، إلا من تاب منهم قبل الموت» (3).
وقال العلامة ابن عاشور في تفسير الإلحاد: الميل عن وسط الشيء إلى جانبه، وإلى هذا المعنى ترجع مشتقاته كلها، ولما كان وسط الشيء يشبه به
(1) القرطبي: جامع أحكام القرآن، 366/ 15.
(2) إطفيش هميان الزاد إلى دار المعاد، 220/ 12.
(3) محمد رشيد: رضا تفسير المنار، 368/ 9. (1/26)
صفحة 25
المحور الثاني فيما يتعلق بتعظيم كتاب الله وتوقير العلم
27
الحق والصواب، استتبع ذلك تشبيه العدول عن الحق إلى الباطل بالإلحاد، فأطلق الإلحاد على الكفر والإفساد، ويعدى حينئذ ب (في) لتنزيل المجرور بها منزلة المكان للإلحاد، والأكثر أن يكون ذلك عن تعمد للإفساد، ويقال: لحد وألحد، والأشهر الحد).
وإذا كان الإلحاد لغة بمعنى الميل وفي الاصطلاح الشرعي هو الميل بالحق الذي أنزله الله عن نهجه السوي، أَوَيَكونُ بمنأى عنه من تصرف بفعله في آيات الله تعالى المنزلة أو أسمائه الحسنى تصرفا يمكن أن يوحي بإهانة هذه الآيات أو هذه الصفات أو هذه الأسماء، أو إهانة العلم الذي تضمنته والحق الذي قدسته؟ فإن الله تعالى بين في كتابه مكانة العلم ومنزلة أهله، وأنه هو الفلك الذي تدور المرسلين، لا سيما خاتمهم عليه أفضل الصلاة والسلام،
عليه رسالات
جميع
فقد امتن به على المؤمنين في قوله: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ وَايَتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ} آل عمران: 164، وامتن بهذا على العرب الأميين قوله: {هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِي الْأُمِّنَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَيْهِ، وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} الجمعة: 2، وبين التفاوت بين من يعلم ومن لا يعلم في قوله: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَب (الزمر: 9، وقوله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَموا) فاطر: 28، وبين مكانة العلم والتعليم في أول ما أنزله على نبيه، إذ قال في فاتحة وحيه إليه: {أَقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ * أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَمَ * * بِالْقَلَمِ عَلَمَ الْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَم» العلق: 1 - 5.
وكم ترى في كتاب الله تعالى ما يدلك على عظم حرمات أسماء الله تعالى الحسنى، ناهيك أن الله سبحانه جعل للأماكن المختصة بعبادته وذكر أسمائه
(1) ابن عاشور التحرير والتنوير، 189/ 9. (1/27)
صفحة 26
نداء الحق
من الحرمات ما يفوق كل تصور ويربو على كل حساب، فالمساجد التي هي مئنة ذكره تعالى قدست في شرع الله تعالى تقديسا لأجل ما يذكر فيها من أسمائه ويُسَبَّح فيها بحمده، ولذلك لا يسوغ فيها إلا ما أذن الله به فيها من رفعها وذكر أسمائه، كما هو صريح قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ وَإِبْنَاءِ الزَّكَوةِ يَخَافُونَ يَوْمًا نَتَقَلَبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ) النور: 36 - 37، وقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم في أي عمل يخرج عن تعظيم الله تعالى والتسبيح بحمده وتقديس أسمائه في هذه المساجد، فعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: طهرت المساجد من ثلاث من أن ينشد فيها بالضوال أو يتخذ فيها طريق أو يكون فيها سوق)، وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة، فقولوا: لا رد الله عليك» (3)، وقد شدد العلماء في دخول الجنب والحائض المسجد، وروي في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن المسجد لا يحل لجنب ولا حائض) (3).
،
وإذا كانت هذه الحرمات لمباني تقام مما يقام به البناء من مواد العمران وقد استحقت هذا التقديس والتقدير لأجل ما يذكر فيها من أسماء الله، فما بالك بحرمات تلك الأسماء نفسها، وقد نص الله تعالى في كتابه على مشروعية القتال من أجل الحفاظ على المباني التي تعمر لذكر الله تعالى، فقد قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ هَدِمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزُ) الحج: 40،
(1) أخرجه الربيع (ص 109 رقم: 260).
(2) أخرجه الترمذي (610/ 3) رقم: (1321) والحاكم (65/ 2، رقم (2339) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، والبيهقي (447/ 2، رقم 4142).
(3) أخرجه ابن ماجه (212/ 1، رقم 645). (1/28)
صفحة 27
المحور الثاني فيما يتعلق بتعظيم كتاب الله وتوقير العلم
29
وحسبك ذلك دليلا على عظم حرمات أسماء الله تعالى، فأنى يسوغ مع ذلك أن يتجاهل أحد ما عسى أن يكون في أي كتاب كان من ذكر أسمائه تعالى أو شيء من آياته؟!.
تعظيم القرآن يفضي إلى تعظيم العلوم النافعة التي نوه بها:
لا يخفى ما في هذا الذي ذكرناه من التنويه بقدر مطلق العلم والحط من مكانة الجهل لا سيما العلم المستوحى مما أنزله الله تعالى في كتابه المبين وذكره الحكيم، فضلا عن مكانة نفس الآيات البينات التي تستوحى منها هداية الله لخلقه ومكانة أسمائه الحسنى التي لا مدلول لها إلا ذاته العلية المتصفة صفات الكمال، فإنها - بلا ريب - يجب تعظيمها وتجنيبها كل ما يشي
بجميع
بعدم المبالاة بها.
وكم رأينا - مع الأسف الشديد ـ فيما يصدر من الناس من تصرف يتنافى مع قدسية آيات الله تعالى البينات، وأسمائه الحسنى، ومع احترام العلم وتقديره وتوقيره، ولربما كان ذلك حتى بالنسبة إلى الكتاب العزيز كله، فكم رأينا الناس في المساجد يتركون المصاحف على الأرض!! غير مبالين بما تحتويه من كلام الله المصون وخطابه المقدس، ولربما دخل أحدهم المسجد وأتى بالمصحف فتركه على الأرض من بين يديه أو عن جانبه حتى يفرغ من تحية المسجد، ثم يقرأ منه، وليت شعري ما الذي يمنع هذا الداخل أن يدع المصحف في مكانه المخصص له ثم يتناوله بعد فراغه من تحية المسجد؟ وكذلك إذا عارضته في تلاوته سجدة ترك المصحف على الأرض، ولم يتركه في مكان رفيع حتى يؤدي السجدة، وقد كان الواجب عليه أن يتركه في مكان عال، وإن لم يجد فليحمله في سجوده تحت إبطه، ولا يجعله في مكان تدوسه الأقدام، لأن ذلك يتنافى مع مراعاة قدسيته. (1/29)
صفحة 28
نداء الحق
وقد نص العلماء على أن من حرمة القرآن أن لا يترك على الأرض كما قال القرطبي: «ومن حرمته أن يضعه في حجره إذا قرأه أو على شي بين يديه ولا يضعه بالأرض»)، لكن الناس في غفلة عن رعاية هذه الحرمات، فكم انتهكت على مسمع ومرأى من جماهيرهم، فكأين رأينا في أيام الجمع المصاحف مبثوثة على الأرض في المساجد أمام صفوف المصلين!! ليتناول من شاء منهم متي أراد، كأن هذه المصاحف مجرد أدوات تلقى في أي مكان كان، أو كأنها أعلاف تلقى على الأرض أمام الماشية!!.
مصحفا
بين
ولا تسأل كيف يتصرف مع كتب العلم - سواء كتب التفسير أو الحديث أو الفقه أو غيرها ـ كأنها مستودعات لإلقاء الأشياء فيها، فترى أحدهم يخرج هاتفه النقال ويدعه فوق الكتاب، وكذلك إن خلع نظارته عن عينيه تركها على الكتاب الذي بين يديه فضلا عن آلات الكتابة وقد انتشرت هذه العادة الناس حتى تخالهم أنهم تواصوا بها، ناهيك أن الخاصة والعلماء لا يتأففون منها ولا يستنكفونها، بل يقعون فيها، وقد نبهت أحدهم على ذلك المرة بعد المرة، وكان يسلم بأن هذا التصرف خطأ، ولكن لا يلبث أن يعود إليه. ولا أزال أذكر قبل ما يقرب من نصف قرن من الزمن، أن جماعة من الناس جاؤوا من مكان بعيد ونزلوا بمنزلي في مجلس استقبال الزوار، وكانوا يبيتون هنالك، وكنت في كل صباح أجدهم قد وضعوا ساعتهم المنبهة فوق كتاب من كتب التفسير التي كانت في رفوف المجلس، فعجبت من هذا التصرف مع أنه كان من بينهم من يوسم بالفضل والعلم.
ومن العجيب أن يألف الناس هذه العادة كأنهم لا يجدون مستقرا ومستودعا لأدواتهم إلا ظهور الكتب أو بطونها، وأن يسكت عن ذلك أهل العلم بل هم يشاركون فيه الجهلة! كأنما لم يعرفوا قط أن لتلك الكتب حرمة
(1) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 28/ 1. (1/30)
صفحة 29
المحور الثاني فيما يتعلق بتعظيم كتاب الله وتوقير العلم
31
ناهيك بما فيها من أسماء الله تعالى وآياته، ولو لم يكن فيها إلا البسملة في أولها لكان ذلك كافيا لوجوب مراعاة حرماتها.
ومنذ عقود من السنين اجتمعت بأحد المتخصصين في العلوم الدينية، وإذا به يعمل عمل العوام في هذا، بل وجدته يضع آلة التصوير على الكتاب، ولما أنكرت عليه ذلك طالبني بالدليل الشرعي على المنع غير مكتف بكل ما سبق
ومن
ذكره، وإنما كان يطالب بدليل نصي على ذلك!! فعجبت من هذا الجمود في التفكير والضيق في النظر، فليت شعري؛ هل يسوغ لنفسه أن يقعد على المصحف الشريف بسبب أنه لم يأت دليل نصي يمنع من القعود عليه، ولم تكفه الأدلة الواضحة على وجوب رعاية حرمات آيات الله تعالى وأسمائه؟!. أعجب ما بلغني أن كثيرا من الطلاب - في المدارس والجامعات ـ عندما لا يجدون ما يقعدون عليه ويريدون أن يقوا ثيابهم غبار الأرض وأدرانها يقعدون على كتب الدراسة والكيس منهم من ينزع منها كتاب التربية الإسلامية، وهم لم يفكروا في أن كثيرا من تلك الكتب تحتوي على آيات من كتاب الله وعلى العديد من أسمائه الحسنى، فكيف تصل بهم الوقاحة وقلة الأدب إلى القعود عليها؟ بل لو لم تكن تحتوي على شيء من ذلك، فإن العلم مهما كان يجب أن يقدر ويعظم، ولا يستهان به، فكيف يقعد طالب على كتاب يستفيد منه علما، وقد علمت كيف نبه القرآن على مكانة العلم وقدره؟؟.
وذكر برهان الدين الزرنوجي في كتابه تعليم المتعلم طريق التعلم ما يجب من مراعاة حرمات العلم والكتاب - وقد كنت أحضر حلقة يدرس فيها هذا الكتاب في أيام الصبا ـ ومما جاء فيه قوله: «قيل ما وصل من وصل إلا بمراعاة الحرمة وما سقط من سقط إلا بترك (الحرمة).
(1) الزرنوجي: تعليم المتعلم طرق التعليم، ص 10 نسخة مصورة من مخطوطة. (1/31)
صفحة 30
32
نداء الحق
وقوله: «ومن تعظيم العلم تعظيم الكتاب، فينبغي لطالب العلم أن لا يأخذ الكتاب إلا بالطهارة، وحكي عن الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني أنه قال: إنما نلت هذا العلم بالتعظيم، فإني ما أخذت الكاغد إلا بطهارة، والإمام السرخسي كان مبطونا في ليلة وكان يكرر درس كتابه فتوضأ تلك في الليلة سبع عشر مرة، لأنه كان لا يكرر إلا بالطهارة، وهذا لأن العلم نور والوضوء نور، فيزداد نور العلم به، ومن التعظيم الواجب أن لا يمد الرجل إلى الكتاب، ويضع كتب التفسير فوق سائر الكتب، ولا يضع على الكتاب شيئا آخر، وكان أستاذنا شيخ الإسلام برهان الدين يحكي عن شيخ من المشايخ أن فقيها كان وضع المحبرة على الكتاب، فقال له: برنيابي برنيابي. اهـ وأذكر أن كلمة بَرنَيَابِي فسرت في الحلقة التي كان يُدرس فيها هذا الكتاب
بأنها كلمة فارسية تدل على أن من فعل هذا لا يبارك له في علمه.
وأنت ترى في هذا الكلام أن كتب العلم يجب التمييز بينها في أقدارها، فالأفضل منها هو الذي يترك فوقها جميعا، ولما كان تفسير القرآن هو أفضل العلوم على الإطلاق لأنه تفسير كلام الله تعالى وجب أن تكون كتب التفسير فوق سائر الكتب، وإذا كان هذا في ترتيب وضع الكتب بعضها فوق بعض، فما بالك بمن يضع شيئا من أدواته على الكتاب كالقلم أو الهاتف النقال أو الساعة أو المحبرة؟!. ونجد في فتاوى الفقهاء السابقين التشديد في أي عمل يوحي بالاستهانة بما يتشابه مع صورة شيء يمكن أن يتركب منه علم، فعندما سئل الإمام السبكي عن وضع القدم على بساط مفروش وقد ارتسمت في النسج في البساط أشكال حروف من حروف المعجم، وانتظمت منها كلمات مفهومة المعنى مثل بركة وسعادة والعز الدائم ونحو ذلك، هل يجوز وطء الإنسان
(1) المرجع السابق، ص 11. (1/32)
صفحة 31
المحور الثاني فيما يتعلق بتعظيم كتاب الله وتوقير العلم
مواضع
هذه الكلمات من البساط؟. شدد في الجواب بسبب حرمة هذه الكلمات والحروف التي يمكن أن تستخدم في نشر العلم، ونص على حرمة ذلك في رأيه. وعلل ذلك بأن حروف المعجم أوجدها الله تعالى لينتظم منها كلامه وكلام رسوله والأذكار المقربة إلى الله، وما يبث وينشر من العلم النافع، فلا تسوغ إهانتها بحال.
ومما قاله في ذلك: «وقد قال الفقهاء: إن الورقة التي فيها اسم الله تعالى لا يجوز أن تجعل كاغدة يجعل فيها قصة ونحوها، فالتحريم هنا لا شك فيه لأجل اسم الله تعالى فحيث لا يكون اسم الله ولكن حروف يمكن أن يركب منها اسم من أسماء الله أو غيره إن لم نقل بالتحريم لكان له وجه بالقياس عليه فإن الفرع لا يشترط فيه مساواة الأصل بل يكفي اشتراكهما في علة الحكم». أضاف إلى ذلك بأنه لو اعترض معترض بأن هذه الحروف نفسها
ثم
قد تركب ترکيبا آخر فتكون دلالتها على عكس هذه الدلالة على الخير كما لو اتخذت في تأليف كلام فيه إشراك بالله تعالى أو جحده أو وصفه بالقبائح تعالى الله عن ذلك، أو تسفيه الحق وتأييد الباطل، فكيف تكون لها حرمة على الإطلاق؟.
وأجاب
جميع
عن ذلك: «نعم ولكنها لم تخلق لها إنما خلقت للأول وكذلك الأشياء خلقت لغرض ومكن الإنسان من استعمالها في ذلك الغرض
وفي ضده فإن استعمله فيه كان قد وضع الشيء في موضعه وعدل وإن استعمله في غير موضعه فقد جار وقسط، والجور والقسط ظلم وحرام بخلاف العدل والإقساط، وقد كان بعض العلماء لا يمس الورق إلا على وضوء وإن كان الورق محتملا؛ لأن يكتب فيه هذا وهذا لكن الذي خلق لأجله هو أن يكتب فيه القرآن والحديث والعلم النافع فيعظم لذلك، فلو جاء إنسان يدوس ورقة عمدا وهي بياض وقد بلغه ما يجب من تعظيمها لا يمتنع (1/33)
صفحة 32
34
نداء الحق
أن يقال بالتحريم عليه فكذلك الحروف لا يجوز دوسها لمن بلغه ما ذكرناه من المعنى الذي خلقت له» (1).
وإذا كان الفقهاء يشددون في وطء الورقة الخالية من الكتابة لما لها من الحرمة، لأنها مهيأة لأن يكتب فيها علم نافع للعباد، فما بالك بما دوّن فيه العلم؟ مع أن العلوم كلها ولو كانت دنيوية لها حرماتها، ناهيك أن كل علم من هذه العلوم فيه دلالة على الله الا الله وإقامة الحجة على جاحده، ويمكن أن يستظهر منها ما يعضد رسالاته التي جاءت بها رسله إلى عباده مع ما فيها من المنافع لخلقه، وقد نص العلماء على وجوب صون الكتب واحترامها، وأن ذلك يتفاوت بتفاوت أقدارها وأقدار، مؤلفيها، كما نص عليه الأمير العلامة الحسين بن الإمام القاسم بن محمد بن علي من فقهاء الزيدية حيث قال في كتابه آداب العلماء والمتعلمين: «إذا نسخ من الكتاب أو طالعه، فلا يضعه على الأرض مفروشاً منشوراً، بل يجعله بين شيئين أو كرسي الكتب المعروف، كيلا يسرع بقطع حبكه، وإذا وضعها في مكان مصفوفة، فلتكن على كرسي أو تخت خشب أو نحوه، والأولى أن يكون بينه وبين الأرض خلوا كيلا تندى أو تبلى، وإذا وضعها على خشب أو نحوه جعل فوقه وتحتها ما يمنع تآكل جلودها به وكذلك يجعل ببينها وبين ما يصادفها أو يستندها من حائط أو غيره، ويراعي الأدب في وضع الكتب باعتبار علومها وشرفها ومصنفيها أو جلالتهم، فيضع الأشراف أعلى الكل. ثم يراعي التدريج، فإن كان فيها المصحف الكريم أعلى الكل، والأولى إن يكون في خريطة ذات عروة في مسمار، أو وتد في حائط طاهر نظيف في صدر المجلس، ثم كتب الحديث الصرف، ثم تفسير القرآن ثم تفسير الحديث، ثم أصول الدين، ثم أصول الفقه، ثم النحو والتصريف، ثم أشعار العرب، ثم العروض فإن استوى كتابان في فن أعلى
(1) ينظر السبكي: فتاوى السبكي، 563/ 2 ـ 564.
جعله (1/34)
صفحة 33
المحور الثاني فيما يتعلق بتعظيم كتاب الله وتوقير العلم
35
أكثرهما قرآناً أو حديثاً فإن استويا فبجلالة المصنف، فإن استويا، فأقدمهما كتابة
وأكثرهما وقوعاً في أيدي العلماء والصالحين، فإن استويا فأصحهما). وقال أيضا: «ولا يجعل الكتب خزانة الكراريس أو غيرها، ولا مخدة ولا مروحة ولا مكنساً ولا مسنداً ولا متكأ ولا مقتلة للبق وغيره، ولا سيما في الورق فهو على الورق أشد، ولا يطوي حاشية الورقة أو زاويتها، ولا يعلم بعود أو شيء جاف، بل بورقة أو نحوها». اهـ (2).
وإذا كان التعليم بعود أو نحوه من الأشياء الجافة مما يؤمر بتجنبه في الكتاب، فما بالك بوضع النظارة أو القلم أو المحبرة أو الساعة أو الهاتف فوقه، أليست هذه إهانة للعلم وإهانة لما يحتويه الكتاب من آيات الله تعالى البينات وأسمائه الحسنى، وقد رأيت أن الأدب في التصرف مع الكتاب يقتضي أن تراعى الكتب في وضعها وترتيبها بحسب مقامات العلوم التي فيها وتفاوتها، وذلك بحسب أَوْلَيَاتِها وأَوْلَوِيَاتِها، مع أنها كلها تحتوي على علم نافع، فكيف يتسامح أن يوضع فوق الكتاب ما اعتادوا أن يتركوه عليه من الأدوات من غير التفات إلى ما يحويه الكتاب من العلم النافع فضلا عما يشتمل عليه من أسماء الله تعالى وآياته؟.
هذا؛ ومن أسوأ العادات المنتشرة بين الناس عدم المبالاة بحرمات القرآن في تلاوته، فتجد الداخل على التالي لا يبالي أن يقطع تلاوته بالسلام أن التالي يتلو كلام الله سبحانه الذي هو ليس ككلام الخلق، فهو
والكلام، مع
أحسن الحديث كما قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَبًا مُّتَشَبِهَا مَّثَانِيَ نَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} الزمر:
(1) الحسين بن المنصور بالله: آداب العلماء والمتعلمين، ص 22.
(2) المرجع السابق. (1/35)
صفحة 34
36
نداء الحق
وبين سبحانه كيف أثره على مخلوقات الله تعالى بحسب ما فطرها الله تعالى عليه من تعظيمه سبحانه وهيبته عندما قال: لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) الحشر: 021
وبين سبحانه وجوب قطع الحديث عند تلاوته، إذ قال: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْوَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) الأعراف: 204، ولكن الناس لألفتهم مخالفة الأوامر الشرعية واستجابتهم لأهواء نفوسهم لا يلتفتون إلى ما يجب من الاستماع والإنصات حال تلاوته، فالتالي للقرآن تلاوته عرضة للقطع ممن يدخل عليه بالسلام والكلام، وإذا كان التسليم يمنع عندما يكون المقصود به مشغولا بأي شيء كما قال الإمام الثميني الله الله: «ولا يسلم على مشغول عن رده بكصلاة أو تطهر لها أو أكل أو شرب أو في خلاء أو بأذان أو إقامة أو بذكر أو قراءة أو في مسجد، أو بجنازة أو حفر قبر أو دفنه» (1).
فكيف يُسلم على قارئ القرآن وهو يجب عليه أن يكون غارقا في تدبره للقرآن كأنما يتلقاه من الله تعالى مباشرة؟ وهب أن أحدا دخل على غيره فوجده في حديث مع أحد الملوك أو الرؤساء، أيتجرأ أن يقطع عليه حديثه؟ أولا يعد ذلك استخفافا بالحاكم الذي يتحدث إليه؟!.
وقد مضى سلفنا الصالح وهم يتشددون أيما تشدد على قطع التلاوة بالتسليم أو الكلام، وقد أدركنا من أدرك الإمامين العدلين الصالحين سالم بن راشد الخروصي ومحمد بن عبد الله الخليلي رحمهما الله تعالى، وحدثونا عنهما أنهما كانا لا يتساهلان في هذا الأمر، بل حدثت عن الإمام الخليلي رحمةالله أنه يترك في أثناء تلاوة القرآن بعض رجاله على المدخل ليمنعوا كل داخل من التسليم إلا أن يأتي إلى الحلقة فينضم إليها من غير سلام ولا كلام.
(1) قطب الأئمة: شرح النيل، 489/ 9. (1/36)
صفحة 35
المحور الثاني: فيما يتعلق بتعظيم كتاب الله وتوقير العلم
37
وهكذا كان علماء زمانهما وعلى رأسهم الإمام المجدد العلامة المحقق
6
نور الدين السالمي الى، بل كانوا يشتدون على من يتحدث في أثناء مذاكرة العلم ومدارسته أو تلاوة كتاب ولو بسلام أو سؤال عن حال.
وقد أخبرني شيخنا العلامة إبراهيم بن سعيد العبري أن الإمام نور الدين السالمي - عندما زار شيخ المشايخ العلامة الرضي الذي كان يعد بقية السلف الصالح ماجد بن خميس العبري ومن معه من الصالحين ببلدة الحمراء من الحوزة الكُدَمِيَّة رحمهم الله جميعا ـ كان في مجلسه لا يفتر عن الاستماع إلى قارئ يقرأ له من مدونات العلم النافع، وكان شيخنا العبري آنذاك صغير السن، ولما سمع الإمام السالمي قراءته، استحسنها وأمره بأن يكون دائما في تلك الزيارة هو القارئ الذي يقرأ له، وبينما هو شارع في القراءة له إذ سمع الإمام السالمي همسا من بعيد من بعض مرافقيه، ولعله كان يسأل الأخ الأكبر لشيخنا العبري عن دراسته، فاستشاط الإمام السالمي غضبا أن يكون في حلقة يتلى فيها العلم حديث جانبي، وضرب بعصاه السوداء المعهودة الأرض ثلاث ضربات ثم قال بصوته الأجش الجهوري المهيب: «لا بورك في مجلس علم يتحدث فيه بأمر الدنيا، لا بورك فيه لا بورك فيه ... اسكت» فوجفت قلوب الحاضرين جميعا من هيبته وأطبق الصمت على المجلس كله.
،
وإذا كان الإمام السالمي الى استشاط غضبا بسبب سماعه همسا من بعيد في مجلس يتلى فيه العلم، فما بالك بأولئك الذين تتعالى أصواتهم في مجالس مذاكرة العلم حتى لا يبقى للمتحدث بالعلم أو ممليه ذهن يستحضر، ولا لمستمعه ذهن يعي أو سمع يتلقى؟!.
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال فيمن انصرف عن حلقة يستفاد منها علم من غير أن يضج بحديث يزعج الحاضرين ويشوش عليهم بأنه أعرض فأعرض الله عنه»، كما ثبت عن أبي واقد الليثي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد (1/37)
صفحة 36
38
نداء الحق
والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد، قال: فوقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما أحدهما: فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر: فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبا، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيى فاستحيى الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه» (1). فما بالك بمن يجلس في حلقة العلم فلا يصدر منه إلا الضجيج الذي يطير
بألباب الحاضرين، ويشوش عليهم حتى لا يفقهوا ما يدور في الحلقة؟!. وبالجملة؛ فإن لتلاوة القرآن آدابا وحرمات أصبحت لا تراعى من قبل الناس، وكذلك لحضور مجالس العلم آداب تمسك بها السلف الصالح، فكان لهم الحظ الأوفر من العلم اللدني، وقد أدرك العلماء ما يكون من الجهلة عندما يدخلون المجالس التي يتلى فيها القرآن من التشويش على التالي بالتسليم عليه والتحدث إليه، فلذلك استحب من استحب منهم أن تكون تلاوة القرآن في خلوة لتفادي شغب الداخلين، كما قال القرطبي: «ومن حرمته أن يخلو بقراءته حتى لا يقطع عليه أحد بكلام فيخلطه بجوابه، لأنه إذا فعل ذلك زال عنه سلطان الاستعاذة الذي استعاذ في البدء» (2).
وكم رأينا تاليا يتلو القرآن في المسجد لا يبالي أن يقطع تلاوته ليتحدث إلى من حوله بما شاء من حديث الدنيا، وقد لا يخلو حديثه أحيانا من ضحك أو قهقهة، ثم يعود إلى التلاوة حتى يعرض له حديث آخر!!.
وعندما يدخل على قارئ القرآن داخل ممن يرى له تعظيما وقدرا لا يبالي أن يقطع قراءته ويقوم إجلالا لهذا الداخل، وينسجم معه في الحديث، ولا
(1) أخرجه البخاري (24/ 1 رقم: (66) ومسلم (1713/ 4 رقم: (2176) وابن حبان (286/ 1 ـ 287 رقم: 86) وأخرجه الربيع عن جابر بن زيد مرسلا (ص 33 رقم: 31).
(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 27/ 1. (1/38)
صفحة 37
المحور الثاني: فيما يتعلق بتعظيم كتاب الله وتوقير العلم
39
يبالي بما لكلام الله تعالى من حق وحرمة تجب مراعاتهما، وماذا عسى أن يكون حق هذا الداخل حتى تقطع من أجله قراءة القرآن، ويقوم القارئ والمصحف في يديه؟! مع أنه لو دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على من يقرأ القرآن لما منه أن يقطع من أجل دخوله تلاوته، وأن يقوم له، ويشتغل بدخوله عليه
رضي
عما كان مقبلا عليه من كلام الله تعالى فكيف بسائر الناس؟!.
وكم يزعجني عندما أدخل مسجدا أو مجلسا يتلى فيه القرآن، فيقطع التالون تلاوتهم من أجل دخولي، ويقومون لي، مع أن الداخل لو كان هو النبي صلى الله عليه وسلم لما رضي بقطع تلاوتهم من أجل دخوله وقيامهم له، فكيف يكون ذلك لأمثالي ممن لا يسوون شيئا بجانب قدر النبي صلى الله عليه وسلم وحقه، أو قدر أصحابه، وعندما عاتبت أحدهم على قطع تلاوته وقيامه، رد علي: بأن هذا لا يضير شيئا، فسألته: أرأيت لو أنك كنت قاعدا بين يدي حاكم من حكام الدنيا تحدثه ويحدثك، فدخلت عليك، أكنت تقطع حديثك معه وتقبل علي، فكيف وأنت تتلقى عن الله بتلاوة كلامه كأنك تسمع قوله، فما بالك تترك ما أنت عليه وتقبل علي، فهل هذا هو حسن التأدب مع الله تعالى عند تلاوة كلامه الهادي إلى الحق المبين؟؟!.
وهذه الغفلة عن حرمات القرآن وحقوقه هي التي أقصت الناس عن تدبره
غلف كأنما قلوبهم عن ذلك، فلم ينتبهوا لأوامره وزواجره ووعده ووعيده ووعظه وأمثاله، مع أن تدبره هو الطريق الأوحد للوصول إلى حقائق معانيه ودقائق مراميه وقد نعى الله تعالى على الذين لا يتدبرونه بقوله: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبِ أَقْفَالُهَا} محمد: 24، وقد قست بسبب ذلك القلوب وتحجرت حتى لم تعد تتأثر بالقرآن وإن تكررت تلاوته، مع أنه لو خوطبت به الجبال الشم كما خوطبوا لتدكدكت ولو خوطبت به البحار الزاخرة لتبخرت لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ
الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) الحشر: 21. (1/39)
صفحة 38
40
نداء الحق
كلمة إلى المؤسسات العلمية:
وأخيرا وليس آخرا، إن على جميع المؤسسات العلمية من رياض الأطفال وكتاتيب القرآن إلى مؤسسات الدراسات العليا أن تربي الناشئة على تعظيم القرآن وتوقير العلم ورعاية حرماتهما لتشرق على قلوبهم أنوار القرآن، وتستبصر بصائرهم به، وتغمرهم بركات العلم، وتقوى في نفوسهم داعية العمل به فبهذا تتأهل الناشئة لحمل أمانة الله تعالى وتبليغها إلى من بعدها، وتقوى على مراعاة حرمات الله تعالى، وحرمات ما أنزل من الحق، وما شرع من الدين، والله ولي التوفيق. (1/40)
صفحة 39
المحور الثالث
فيما يتعلق بحسن أداء العبادات المشروعة
41
6
إن للعبادات آثارا عظمى في حياة الناس الشخصية والنوعية، وفي علاقاتهم الخاصة والعامة، وهي تختلف في مشروعيتها بحسب اختلاف حاجة النفوس إليها، وإلى ممارستها، وللناس غفلة عن كثير من أحكامها، ولست الآن بصدد إحصاء أخطائهم فيها، فإن ذلك يستوجب إفراد تلك الأخطاء بمؤلف خاص، ولكنني أنبه على أهم العبادات وأقدسها وأعمقها أثرا وأبلغها تأثيرا، وهي الصلوات الخمس التي فرضت على كل مسلم ومسلمة متكررة في كل يوم وليلة، وما ذلك إلا لأهميتها وضرورة حياة
الناس إليها.
وكم تُرتكب فيها من أخطاء من قبل مؤديها، ولذلك فقد تأثيرها في النفوس لأنها أصبحت عادة من العادات تتوارثها الأجيال، فيرثها الولد عن والده، وقد بين صلى الله عليه وسلم أنها إن لم تؤد على الوجه المشروع صارت كأنها لم تؤد فقد ثبت عن جماعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلمدخل المسجد، فدخل رجل، فصلى فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فرد وقال: «ارجع فصل، فإنك لم تصل»، فرجع يصلي كما صلى، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ارجع فصل فإنك لم تصل ثلاثا، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره، فعلمني، فقال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعدل قائما، تم
6
اسجد (1/41)
صفحة 40
42
نداء الحق
حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا وافعل ذلك في صلاتك
كلها» (1).
لم
فأنت ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الرجل الذي صلى أن يعيد صلاته لأنه يصل، أي لأنه لم يأت بالصلاة المشروعة على وجهها الشرعي، وما ذلك
إلا لأنه أضاع فيها ما كان يجب عليه من الطمأنينة في ركوعه وسجوده، وفيما بينهما وبين السجدتين، إذ الصلاة يجب أن يقبل عليها المسلم وقد قطع علاقاته عن الدنيا وأقبل بكله على الله، فلا يشغل ذهنه عن الله شاغل، ولا يصده عن التوجه إليه صاد، فلا يعجله أمر أن يراعي ما يجب عليه في صلاته من السكينة والطمأنينة وعدم العجلة في أدائها، فهو عليه أن يكون في وقوفه بين يدي الله تعالى مطمئنا وكذلك في ركوعه وسجوده، وفي رفعه من الركوع أو السجود، فلا ينقر نقر الديكة كما
لا يلتفت التفات الثعالب.
في
وكما أن النبي صلى الله عليه وسلم أكد على الطمأنينة في الصلاة في ركوعها وسجودها، وفيما بينهما وبين السجدتين، فإنه بنفسه كان قدوة للمصلين الحفاظ على هذه الطمأنينة، فعن ثابت عن أنس بن مالك ه، قال: إني لا آلو أن أصلي بكم، كما رأيت النبي يصلي بنا ـ قال ثابت: كان أنس بن مالك يصنع شيئا لم أركم تصنعونه - «كان إذا رفع رأسه من الركوع قام حتى يقول القائل: قد نسي وبين السجدتين حتى يقول القائل:
قد نسي»
ـ
(1) أخرجه البخاري (152/ 1) رقم: 757)، (158/ 1 رقم: 793) ومسلم (297/ 11 رقم: 397)، والترمذي (393/ 1 رقم: 303) وأبو داود (226/ 1) رقم: (856) والنسائي (124/ 2 رقم: 884). (2) أخرجه البخاري (164/ 1) رقم: (821)، ومسلم (344/ 1) رقم: 472) وأحمد (74/ 21 رقم: 13369)، والبيهقي (141/ 2 رقم: 2625) و (174/ 2) رقم: 2744) وأبو يعلى (102/ 6 رقم: 3363)، وابن حبان
(204/ 5 رقم: 1885)، وأبو عوانة (494/ 1 رقم: (1842) وابن خزيمة (308/ 1 رقم: 609). (1/42)
صفحة 41
المحور الثالث: فيما يتعلق بحسن أداء العبادات المشروعة
43
وعن حماد، أخبرنا ثابت وحميد، عن أنس بن مالك، قال: «ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: الله لمن حمده، قام حتى نقول: قد أوهم، ثم يكبر، ويسجد، وكان يقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم».
سمع
وهكذا نص علماؤنا الأسبقون، ففي مدونة أبي غانم بشر بن غانم الخراساني صلى الله عليه وسلم حمد لله: «بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركعة قام حتى يقال أوهم، وإذا رفع رأسه من السجدة قعد حتى يقال أوهم»، قال مرتبها قطب الأئمة رحم الله: يرفع رأسه من الركوع فيستوي في القيام يمكث في القيام مدة رحمه: وكذا يمكث بين السجدتين
وذكر علامة الشريعة والأدب أبو مسلم رحمةالله حديث أنس له وأتبعه قوله: فهذا مما أنكره أنس على الأئمة حيث كانوا يقصرون هذين الركنين كما أنكر عليهم تقصير الركوع والسجود (3).
من
الفاتحة، مع
ومثل ذلك إهمال كثير من الأئمة الترتيل خصوصا في قراءة السر، فلربما رتل أحدهم إن جهر، ولكن إن أسرَّ تسارع حتى لا يكاد المأموم يدرك إلا قليلا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرتل في قراءة السر كما يرتل في قراءة الجهر، فعن أبي سعيد الخدري له، قال: «لقد كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته. ثم يتوضأ. ثم يأتي ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى مما يطولها»» (4).
(4)
(1) أخرجه مسلم (344/ 1) رقم (473) وأبو داود (225/ 1) رقم (853)، وأحمد (375/ 20 رقم: 13104)، وأبو يعلى (99/ 6 رقم: 3360).
والثقافة.
(2) أبو غانم الخراساني: المدونة الكبرى، 58/ 1، ط: وزارة التراث القومي (3) أبو مسلم البهلاني: نثار الجوهر: 305/ 2 مكتبة مسقط ـ مسقط ـ عُمان. (4) أخرجه أحمد (408/ 17) رقم: 11307) ومسلم (335/ 1) رقم: (454) والنسائي (164/ 2 رقم: 973) وابن ماجه (18/ 2) رقم (825) وابن حبان (164/ 5 رقم: 1854). (1/43)
صفحة 42
44
نداء الحق
وذلك أنه الله كان يحرص في صلاته على تدبر ما يتلوه من القرآن، كما قال العلامة أبو مسلم: «ونأخذ من هذا الحديث تطويل صلاة العصرين منه لكثرة تدبره الخاص به في الاستعاذة والتوجيه والفاتحة).
ولا يخفى أن التدبر إنما هو ناتج عن الترسل في القراءة لا الاستعجال فيها، وينشأ عن التدبر الخشوع في الصلاة الذي هو روحها، كما دل عليه حديث عائشة أم المؤمنين، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل شيء عمود
وعمود الدين الصلاة وعمود الصلاة الخشوع وخيركم عند الله أتقاكم)) (3). ولقطب الأئمة الله كلام نفيس في قوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} المزمل: 4، جاء فيه ما نصه: «اقرأه على مهل بتبيين الحرف وإشباع الحركات المشبعة حتى يجيء المتلو منه شبيهاً بالثغر المرتل وهو الفلج المشبه بنور الأقحوان ولا يسرده سره ولا يسرده سرداً، قال عمر: «شر السير الحقحقة وشر القراءة الهذرمة) (3) وسئلت عائشة عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: «لا كسردكم هذا لو أراد السامع أن يعد حروفه لعدها (4)، وترتيلا مصدر مؤكد لايجاب الترتيل وعن محمد بن عبد الرحمن كان صلى الله عليه وسلم إذا قرأ يرتل ويفسر، وكان ابن عباس يقرأ الآية ثم يسكت ثم يقرأ الأخرى وقال له جاره صالح مولى التومة: لم كنت تفعل هذا؟ فقال: من أجل تأويل القرآن (5)، وقال رجل لابن عباس:
(1) أبو مسلم البهلاني: نثار الجوهر: 305/ 2. (2) أخرجه الربيع (ص 120 رقم: 285).
(3) لم نجده بهذا اللفظ مسندا، وإنما ذكره الزمخشري: الكشاف، 638/ 4، والأبي: نثر الدرر، 67/ 7، وروي الجزء الأول منه وهو (شر السير (الحقحقة عن بعض السلف، ورواه ابن عدي في الكامل مرفوعا من طريق أبي هريرة، 300/ 2 ترجمة الحسن بن دينار، والبيهقي في شعب الإيمان (396/ 5) عن معبد الجهني، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يسمه.
(4) لم نجده مسندا، وإنما ذكره الزمخشري في الكشاف، 638/ 4 وقال الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار، 459/ 2: «غريب».
(5) لم نجده مسندا. (1/44)
صفحة 43
المحور الثالث: فيما يتعلق بحسن أداء العبادات المشروعة
45
إني رجل خفيف القراءة أهذرم القراءة، فقال: لأن أقرأ سورة البقرة وأترسل فيها وأتدبرها أحب ألي أن أقرأ القرآن أجمع هذرمة، ولأن أقرأ إذا زلزلت والقارعة بتدبر أحب ألي من أن أقرأ البقرة وآل عمران تهديرا)، لو كان يأمر بقراءته ثلاث آيات أو أربعا أو خمساً» (2).
ثم قال: وفائدة الترتيل في الصلاة أو غيرها استشعار العظة عند ذكر الله وحصول الرجاء والخوف عند الوعد والوعيد والاعتبار عند القصص والأمثال فيستنير القلب عند ذلك بنور المعرفة، فالمقصود حضور القلب ولا يتحصل إلا بترتيل وفي ترتيله احترام له اهـ (3).
وقال الإمام السالمي لالالالا في الترتيل: «وهو: أن يذكر الْحُرُوف والكَلِمات مبينة
ظاهرة. وَقِيلَ: يقرؤه عَلَى مهل بتبيين الْحُرُوف وإشباع الحركات المشبعة» (4). وقال أيضا: «والفائدة في الترتيل: أَنَّه يفهم المرتل من نفسه معاني تلك الألفاظ، ويُفهم غيره تلك الْمَعَانِي. وإذا قرأها بسرعة لَمْ يَفهم وَلَم يُفهِم. وإذا فهم الْمَعَانِي استشعر العظمة عند ذكر الله، وحصول الرجاء والخوف عند الوعد والوعيد، والاعتبار عند القصص والأمثال فيستنير القلب عند ذَلِكَ بنور الْمَعرِفَة» (5).
وتحدث علامة الشريعة والأدب عن ترتيل القراءة وما ينشأ عنه من تدبر مضامينها عندما قال: «وهو واجب عيني حيث تتعين القراءة وما أدري ما وجه تنزيله منزلة المستحب في قول (القواعد) و (حاشية الوضع) مع نص القرآن بالأمر به؟! وعلى كلا الوجهين فهو مشروع بشرط أن لا يخرج المرتل إلى
(1) لعل المراد بذلك أنه كتهدير البعير إذا ردد صوته في حنجرته.
(2) لم نجده بهذا اللفظ.
(3) قطب الأئمة: هميان الزاد، 432/ 14.
(4) نور الدين السالمي: معارج الآمال، 106/ 8.
(5) المرجع السابق. (1/45)
صفحة 44
نداء الحق
اللحن بتمطيط الحروف، فإن للمد حدا محدودا، وأن لا يباعد بين الحروف مباعدة تخرج القراءة عن حد الترتيل والتبيين إلى التقطيط والتفكيك، وأن يتجنب السرعة المولدة للتعمية وعدم التمكن من إفراد الحروف وتجويدها، وإخراجها من مخارجها المخصوصة لها بصفاتها المعينة في علم التجويد المفضية إلى عدم التبين والتفكر والوقوع على حقائق المعاني ومقاصد كلام من القارئ وسامعه.
الله
مع
أن السامع مفروض عليه الإنصات لكلام الله لأخذ معانيه والحصول على فهمه مع التزام استشعار الرجاء لرحمة الله عند آيات الرحمة ممزوجا بالخوف منه، واستشعار الخوف من الله عن آيات الغضب ممزوجا بالرجاء منه، وكل هذه المقامات الشريفة لا يتمكن منه القارئ والسامع إذا قرأ وهو يهذرمه كسقط الكلام، ويصبه صبا لا يبالي بسقوط حرف ولا بإخراجه من غير مخرجه وبغير صفته، ولا يكترث بعزوب فهمه للمعاني وعدم تدبره فيها، وأين حصول الهيبة والخشية وبشاشة الإيمان والخشوع من قراءة كهذه؟! وكلها ثمرات التدبر فيه والتجول بين رياضه
فمن حيث إن مقصد الشرع بالقراءة العثور على كنوز كلام رب العزة والوقوع على مكنون خزائنه، والتطلع إلى فهم أسراره، وهو غير حاصل له هذا المطلب الرفيع إلا بالتدبر وهو مظنته الترتيل، فالتدبر دليل تلك الخزائن و مفتاح تلك الكنوز، لا جرم شرع في القراءة، إذ القراءة في الحقيقة ليست مقصودة بالذات، ولكن المقصود التدبر في معاني المقروء، والتلذذ بها، لتستكمل الصلاة أكمل أنواع العبادة وأحب ضروب التزلف إلى من لم يرض منا بالخشوع حتى ننصرف إلى وجهه الكريم بلباب الإخلاص، وهو الغني المطلق عن كل شيء، ولكنها آداب سَنيَّة أدبنا بها لنصلح للحضرة، فمن انسلخ من آداب الله التي اختارها لعباده كان خسيسا رديئا لا يصلح لمقابلة أبناء جنسه، فما ظنك بمقابلة ملك الملوك ومدبر الموجودات؟ وهذا الأدب (1/46)
صفحة 45
المحور الثالث: فيما يتعلق بحسن أداء العبادات المشروعة
47
الصالح لمقابلته مصدره الأول القرآن العزيز، وهو غير متناول منه إلا بفهم، والترتيل - لا شك - أكبر وسيلة للفهم.
ثم إن الترتيل قشر لبابه الحضور، وإنما شرع لتكمل به حقيقة الحضور، إذ الحضور مع المعاني مع هذرمة الألفاظ وتهريمها لا يتصور، فضلا عن أن يكون كاملا، فتأمل هذا المقام فإنه عظيم اهـ.
هذا؛ وقد نعى الله سبحانه على الذين لا يتدبرون القرآن، ولا يمعنون فيه أبصارهم وبصائرهم ليستجلوا أنواره ويستفتحوا خزائنه ويكتشفوا غرائبه، فقد قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبِ أَقْفَالُهَا} محمد: 24، وإذا لم يكن هذا من الإنسان في ساعة وقوفه بين يدي الله في صلاته، وانخراطه في سلك أهل الله في ملكوته الأعلى، الدائبين على الذكر، الغارقين في الشعور بعظمة الله تعالى، فمتى يتسنى له أن يقوم بهذا الواجب، ويؤدي هذه الضريبة المفروضة على عبوديته لربوبية الله تعالى؟! فإن الصلاة هي تجرد من العبد عن كل ما يشغله في دنياه عن الله، وإقبال منه على الله سبحانه بقلبه وقالبه، وروحه وجسمه، ومشاعره وأحاسيسه، حتى تكون كل كلمة ينطق بها إبان صلاته أو يسمعها من إمامه تفتح له آفاقا من الفكر، وتعرج به إلى أبعاد من ملكوت الله، وتقوده إلى الحضرة القدسية بين يدي الله تعالى حتى ينسى نفسه وأهله، وكل ما يشغله في حياته، فلا يستشعر إلا بنعمة هذا الوقوف بين يدي من تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وتسجد لجلاله كل ذرة من ذرات الوجود، وكل جزيئة في جنبات الكون.
وأي لذة يجدها الإنسان كلذة مناجاة الجناب الأقدس الذي تعرج إليه الملائكة والروح، وأي شرف أعظم له من شرف المثول بين يديه، والإفضاء بما في نفسه إليه، وتهذيب هذه النفس بالتلقي عنه مباشرة، بحيث يعرج إليه
(1) أبو مسلم البهلاني: نثار الجوهر: 308/ 2 - 309. (1/47)
صفحة 46
48
نداء الحق
في مدارج العبادة والذكر ومعارج التبتل والخشوع إلى أن يصل إلى درجة الإحسان التي عبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)؟؟!.
وأين هذا كله ممن تخاله إذا كان في صلاته أنه من سرعته هارب من سبع ضار يطارده أو عدو متربص يلاحقه لا يكاد يطمئن في ركوعه أو سجوده أو بينهما أو بين السجدتين أو في قيامه وقعوده، وإنما كل همه أن ينفلت من بسرعة كأنه فيها في سباق مع غيره وهو حريص أن لا يفوز بقصبات
صلاته
السبق سواه؟!.
أنه
وأنت ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما عاب صلاة المسيء وأمره بإعادتها نبهه على لم يصل، فمعنى ذلك أن صلاته ليست بشيء في موازين الشرع، فتسميتها صلاة مغالطة للحقيقة، وقد بين له عندما علمه ماذا يفعل، وكان مما علمه إياه
الطمأنينة، وفي هذا ما يدل على أن تركها هادم للصلاة ومسقط لقيمتها.
ولربما جادل الذين تستهويهم السرعة في الصلاة زاعمين أنهم بذلك متبعون للسنة ومستمسكون بإرشاد النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: «أيكم صلى بالناس فليخفف»، وقال لمعاذ الله: «أفتان أنت يا معاذ؟ (3) وأمثالها، وقد أجاب عن هذا العلامة أبو مسلم بقوله: «صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه قال هذا ليوضع موضعه حيث يريد الشرع، لا حيث تريد الشهوات، على أن هذا القول ينبغي
(1) أخرجه الربيع من حديث أنس له (ص 42 رقم: (56) والبزار كما في مجمع الزوائد (40/ 1)، ومن حديث ابن عباس أخرجه أحمد (319/ 1، رقم 2926)، ومن حديث ابن عمر: أخرجه الطبراني (430/ 12، رقم 13581)، ومن حديث أبي عامر وأبي مالك: أخرجه أحمد (129/ 4، رقم 17207). ومن حديث عبد الرحمن بن غنم: أخرجه ابن عساکر (311/ 35). (2) أخرجه أحمد (124/ 3، رقم 12269) وأخرجه البزار كما في كشف الأستار (235/ 1 ـ 236، رقم 481) من حديث أنس، ومن حديث جابر أخرجه النسائي (102/ 2، رقم 835). وأبو عوانة (478/ 1، رقم 1775)، ومن حديث جابر بن عبد الله أخرجه ابن أبي شيبة (315/ 1، رقم 3605). (1/48)
صفحة 47
المحور الثالث: فيما يتعلق بحسن أداء العبادات المشروعة
49
الالتفات إلى ما قبله وبعده، نعم ما أنسب هذا الحديث بمن لم تكن الصلاة قرة لعينه ولذة، لروحه بل لا يناسب السراق والنقارين إلا نقرة الغراب تباعدا من استفراغ الوسع الله لئلا يكون فتانا منفراً، وهل الفتنة والنفرة إلا صنيعه وما يأتي به؟.
فهذان الحديثان بظاهرهما أولى بهؤلاء اللصوص من حديث: «كانت صلاة الظهر تقام، فينطلق أحدنا إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله فيتوضأ، ثم يدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى»، وحديث: «صلاته صلى الله عليه وسلم المغرب بـ {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} الإخلاص 1، وقُلْ يَتَأَيُّهَا الكَفِرُونَ} الكافرون: 1، الذي انفرد ابن ماجه بروايته، أولى بهم من الحديث بأنه قرأ فيها بطولى الطوليين وهي الأعراف، كل هذا ميل إلى المناسب من السنة، وأخذ بالموافق طاعة للأغراض، وانقياداً للشهوات وهيهات هم بوادٍ والسنة بواد، نسأل الله العافية.
ثم قال: أيها اللبيب الحازم، دِنْ الله بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تتخذ بعضه لك وبعضه عليك، فتأخذ مما لك بالقشر وتتأول ما عليك بخلاف الظاهر، ألا إن الكل لك لا تفرق بين شيء من سننه، فليست هي بالسنن المظلمة المتناقضة المتغايرة، بل كلها شرع نير متوافق، عليك أن تتلقاه بالقبول، وتقابله بالسمع والطاعة وتتبعه أين توجهت ركائبه، وتنزل حيث نزلت مضاربه، ولا تحسب أن الشأن الأخذ ببعضه والترك للبعض، بل الجملة خطاب، فأنزل كل شيء منه منزلته وضعه بموضعه.
أيها الحازم؛ أنصف نبيك المؤدي إليك رسالة ربه الحق بحذافيرها، واحمل سنته الواضحة على محملها، وسر في دربها على خط استقامتها، فإن واجهتك في عمل واحد بإيجاز وتخفيف مأمور به، وتطويل وتثقيل منهي عنه، فهنا يجب أن تتحقق عدم إمكان الرجوع فيه إلى عادات العباد والبلاد، أو إلى مذهب متأول بباطل، أو إلى شهوة مأموم ورضاه، ولا إلى اجتهاد إمام ورأيه، (1/49)
صفحة 48
نداء الحق
50
إنما
هي
سنة متبعة، إليها المصير والتحاكم، قالها الشارع وفعلها وقررها، وجاء بها من عند الله وعلم المكلفين حقوقها وحدودها وهيآتها وأركانها، أما كان يصلي وراءه الضعيف والكبير وذو الحاجة والصغير، ووقتئذ لا إمام بالمدينة غيره صلوات الله وسلامه عليه، فالذي كان يفعله الي لا يخالف ما أمر به وما نهى عنه، لم يكن ليفعله اللهم إلا أن يكون في حكم خاص به، وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه» اهـ (1)
وقال أيضا: «قد اتفق الصحابة على أن صلاته كانت معتدلة فكان ركوعه ورفعه منه وسجوده ورفعه منه مناسبا لقيامه، ومن أمعن النظر في قوله عليه أشرف الصلوات والتسليم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (2)، رأى أن حقيقة الخطاب فيه للأئمة وإن ورد عاما، فإذا جمع هذا الحديث إلى فعله وأمره بالتخفيف علم أن ما كان يفعله هو عين ما كان يأمر به، إذ يعلم بالضرورة أنه ما من فعل في الغالب إلا وقد يسمى خفيفا بالنسبة إلى ما فوقه، ويسمى طويلا بالنسبة إلى ما هو أخف منه فلا حد في اللغة يرجع فيه إليه، وليس من الأفعال العرفية التي يرجع فيه إلى العرف كالحرز والقبض وإحياء الموات. فإن العبادات يرجع فيها إلى الشارع في مقاديرها وصفاتها وهيئاتها كما إليه في أصلها، فلو كان مسمى التخفيف والإيجاز يرجع إلى عرف الناس وعاداتهم فيه إذا لاختلفت أوضاع الصلاة ومقاديرها اختلافا متباينا لا ينضبط، ونحن نعترف بأنه كان يخفف بعض الصلاة كما كان يخفف سنة الفجر حتى تقول عائشة: هل قرأ فيها بأم القرآن؟!»، وكان يخفف الصلاة في السفر حتى كان ربما قرأ في الفجر بالمعوذتين، وكان يخفف إذا
يرجع
(1) أبو مسلم البهلاني: نثار الجوهر: 303/ 2 - 305. (2) أخرجه ابن حبان (541/ 4 رقم (1658)، والدارمي (ص 321 رقم: 1384)، وابن خزيمة (206/ 1 رقم: 397)، والبيهقي (486/ 2) رقم (3856، والبغوي (295/ 2) رقم: (432)، والدارقطني في سننه
(1069/ 2) (1/50)
صفحة 49
المحور الثالث: فيما يتعلق بحسن أداء العبادات المشروعة
سمع
51
بكاء الصبي، فالسنة التخفيف حيث خفف، والتطويل حيث أطال، والتوسط غالبا، فالذي أنكره أنس هو التشديد الذي لا يخفف صاحبه على مع حاجته إلى التخفيف ولا ريب أن هذا خلاف سنته.
نفسه
وأما حديث معاذ وقوله له أفتان أنت يا معاذ فلم يتعلق لصوص الصلاة إلا بمجرد هذه اللفظة وتغافلوا وتجاهلوا في أول الحديث وآخره، وأصل قصة معاذ هو ما رواه جابر بن عبد الله قال: أقبل رجل بناضحين وقد جنح الليل، فوافق معاذا يصلي، فترك ناضحيه وأقبل إلى معاذ، فقرأ سورة البقرة أو النساء، فانطلق الرجل وبلغه أن معاذا نال منه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكوا إليه معاذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفتان أنت؟» أو قال: «أفاتن أنت؟ - ثلاث مرات - فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها والليل إذا يغشى فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة».
وجاء هذا الخبر من طريق أنس بن مالك، قال: «كان معاذ بن جبل يؤم
قومه، فدخل حزام وهو يريد أن يسقي نخله، فدخل فدخل المسجد مع القوم، فلما رأى معاذا طول تجوز في صلاته ولحق بنخله يسقيه، فلما قضى معاذ الصلاة قيل له ذلك، قال: إنه لمنافق، أيعجل عن الصلاة من أجل سقي نخله؟! فقال: فجاء حزام النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ عنده فقال: يا نبي الله إني أردت أن أسقي نخلا لي فدخلت المسجد لأصلي مع القوم، فلما طول تجوزت في صلاتي ولحقت بنخلي أسقيه، فزعم أني منافق. فأقبل النبي على معاذ، فقال: «أفتان أنت؟
لا تطول، بهم، اقرأ سبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها ونحوها»». وعن معاذ بن رفاعة الأنصاري عن سليم رجل من بني سلمة، أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن معاذ بن جبل يأتينا بعدما ننام ونكون في أعمالنا في النهار، فينادي بالصلاة، فنخرج إليه فيطول علينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معاذ بن جبل لا تكن فتانا، إما أن تصلي معي وإما أن (1/51)
صفحة 50
52
نداء الحق
أسأل
تخفف على قومك)، ثم قال: «يا سليم ما معك من القرآن؟» قال: إني الله الجنة، أو قال أسأل الجنة وأعوذ به من النار والله لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهل تصير دندنتي ودندنة معاذ إلا أن نسأل الله الجنة ونعوذ به من النار؟! قال سليم: سترون غدا إذا التقى القوم إن شاء الله، قال: والناس يتجهزون إلى أحد، فخرج فكان في الشهداء رحم الله. فقد ظهر أن التعمق والتنطع والتشديد الذي نهانا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخالف لهديه، وهدي أصحابه وما كانوا عليه، وأن موافقته في فعله وموافقة خلفائه من بعده هو محض المتابعة، فكن أيها العبد بين الغالي والجافي، فهي الطريقة المثلى والمنهج القويم والمحمدية الخالصة.
وعن علي: «خير الناس النمط الأوسط، الذي يرجع إليهم الغالي ويلحق بهم التالي» اهـ (2). والخلاصة أن المحافظة على ترتيل القراءة والتدبر فيها لا بد منهما في
الصلاة،
الصلاة السرية والجهرية، ليتحقق الخشوع المطلوب الذي هو روح كذلك الطمأنينة في الركوع والسجود وفي حال الرفع من كل منهما وبين السجدتين من ضرورات الصلاة التي لا بد من رعايتها، وهذا لا ينافي التخفيف في الصلاة مراعاة لحال المريض والضعيف وذي الحاجة، إذ لا يعني التخفيف أن يُخْرَم شيء من أعمال الصلاة، أو يهمل شيء من هيئاتها.
لا يجوز أن تزاحم جماعة أقيمت بجماعات أخرى هذا؛ ومن العادات المتفشية في الصلاة تزاحم الجماعات، فكم تجد في المسجد الواحد من تعدد الجماعات فى الوقت الواحد ولربما تعللوا لذلك باختلاف الصلاتين بحيث تكون إحدى الجماعتين تصلي الظهر أو المغرب،
(1) أخرجه أحمد (74/ 5، رقم 20718).
(2) المرجع السابق، 306/ 2 - 308. (1/52)
صفحة 51
المحور الثالث: فيما يتعلق بحسن أداء العبادات المشروعة
53
والأخرى تصلي العصر أو العشاء، وهذه التعلة ليست مجدية شيئا، إذ لا يسوغ بحال أن تقام صلاة أخرى إذا أقيمت الصلاة في جماعة لما ثبت من طريق أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، أي التي أقيمت، وليس لأحد أن ينشئ صلاة أخرى ولا أن يقيم تلك الصلاة في جماعة أخرى، والحديث جاء بألفاظ متعددة تؤكد هذا المعنى منها: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا التي أقيمت» (2)، ومنها: «إذا أخذ المؤذن في الإقامة فلا صلاة إلا المكتوبة» (3).
وقد شدد العلماء في هذا فقالوا لا تقام فريضة ولا نافلة بعد إقامة المؤذن أن الصلاة مكتوبة، حتى منهم من قال بأن المستدرك في الظهر إن قام للاستدراك وأقيمت صلاة العصر عند المسافرين فسدت صلاته.
وإذا كان التشديد في هذا يصل إلى هذا الحد فما بالك بأولئك الذين لا يبالون أن ينشئوا جماعات أخرى حال إقامة الصلاة في الجماعة؟!! وقد بلغني أن الاستخفاف بالعبادة في هذا قد يصل ببعضهم إلى أن تتعدد الجماعات عندهم في مسجد واحد فتصل إلى ست جماعات في الوقت نفسه!!! وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الصلاة عند هؤلاء هي أهون شيء ء، فلا يبالون بها أن تؤدى كيفما كانت من غير مراعاة لأحكامها الشرعية، وضرورة أدائها كما أمروا بها، وإنما يؤثرون هواهم ـ واستعجالهم من أجل
(1) أخرجه عبد الرزاق (436/ 2، رقم (3987)، ومسلم (493/ 1، رقم 710)، وأبو داود (22/ 2، رقم 1266)، والترمذي (282/ 2، رقم (421)، والنسائي (116/ 2، رقم (865)، وابن ماجه (364/ 1، رقم 1151).
(2) أخرجه أحمد (352/ 2، رقم (8608)، والطبراني في الأوسط (286/ 8 رقم 8654)، والطحاوي
(372/ 1)
(3) أخرجه الديلمي (320/ 1، رقم 1266). وأخرجه أيضا: ابن حبان (564/ 5، رقم 2190)، والجرجاني في تاريخ جرجان (334/ 1، رقم 611). (1/53)
صفحة 52
54
نداء الحق
دنياهم ـ على أدائها وفق أوامر الله سبحانه، وهو مما يرجع إلى ضحالة إيمانهم وضعف يقينهم باليوم الآخر، وإلا لفكروا في مصيرهم وكيف يستعدون له الدنيا بفعل الواجبات على الوجه المشروع واجتناب المنهيات.
في
وليت شعري؛ ما الذي يدفع هؤلاء إلى مثل هذا التصرف الأهوج المقيت غير الجهل بالدين، وأن العبادات لا تعدو عندهم أن تكون عادات ألفوها، فلا يبالون كيفما أدوها؟.
إهمال تسوية الصفوف
اتقنا
من العادات المتفشية في الجماعات عدم مراعاة تسوية الصفوف، مع أن تسويتها من تمام الصلاة، كما نص على ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن أبي مسعود الأنصاري له قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عوات ويقول: «استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وليليني منكم أولو الأحلام والنهي، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، وهو دليل على وجوب تسوية الصفوف وتحريم اختلافها، أما وجوب تسويتها فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرهم بأن يستووا، والأمر للوجوب ما لم تصرفه قرينة عنه، وأما تحريم اختلافها فدليله النهي عن الاختلاف والنهي هو للتحريم إلا لقرينة صارفة عنه إلى غيره، وقد تعزز هذا الحكم بتعليله أن الاختلاف يترتب عليه اختلاف القلوب، وأوامر الشرع ونواهيه تدور على تأليف القلوب وعدم
اختلافها.
وقد تعزز هذا بكثير من الروايات منها عن أبي مسعود أيضا: «ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ولا تختلفوا
(1) أخرجه ابن أبي شيبة (308/ 1، رقم 3527)، وأحمد (122/ 4، رقم 17143)، ومسلم (323/ 1، رقم 432)، وابن حبان (545/ 5، رقم 2172). (1/54)
صفحة 53
المحور الثالث: فيما يتعلق بحسن أداء العبادات المشروعة
55
هي عنه،
فتختلف قلوبكم وإياكم وهيشات الأسواق» (1)، ومثله عن ابن مسعـ وعن النعمان بن بشير: «أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس بوجهه، فقال: «أقيموا صفوفكم ثلاثا، «والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم» قال: فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه» (3)، وجاء بلفظ: «لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم» (4)، وبلفظ آخر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح حتى رأى أنا قد عقلنا عنه، ثم خرج يوما فقام، حتى كاد يكبر فرأى رجلا باديا صدره من الصف، فقال: «عباد الله لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله، وعنه بلفظ: «عباد الله المسلمين لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن
وجوهكم» (ه)،
بين
الله بين وجوهكم». وكم تجد في هذه الروايات من عناية النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بتسوية الصفوف في الصلاة، حتى لا يتقدم أحد أو يتأخر، وما ذلك إلا لأن عدم تسويتها مخل بصلاة المصلين، ويؤكد ذلك ما جاء «عن أنس بن
(1) أخرجه عبد الرزاق (45/ 2، رقم 2430)، ومسلم (323/ 1، رقم 432) وأبو داود (180/ 1، رقم 674)، والنسائي (286/ 1، رقم (881)، وابن ماجه (312/ 1، رقم 976). (2) أخرجه أحمد (457/ 1، رقم 4373)، وابن حبان (545/ 5، رقم 2172)، والطبراني (88/ 10، رقم 10041)، والحاكم (10/ 2، رقم (2150) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والترمذي (440/ 1، رقم 228)، وقال: حسن صحيح غريب. (3) أخرجه أبو داود (178/ 1، رقم 662)، والبيهقي (76/ 1، رقم 362)، وابن حبان (549/ 5، رقم 2176). وأحمد (276/ 4، رقم 18453)، وابن خزيمة (82/ 1، رقم 160)، والبزار (228/ 8، رقم 3285).
(4) أخرجه ابن أبي شيبة (308/ 1، رقم 3525)، والنسائي (89/ 2، رقم 810). (5) أخرجه البخاري (253/ 1، رقم 685)، ومسلم (324/ 1، رقم 436)، وأبو داود (178/ 1، رقم 663)، والترمذي (438/ 1، رقم (227) وقال: حسن صحيح. وابن حبان (549/ 5، رقم 2175). والطيالسي
(ص 107، رقم 791)، وأحمد (271/ 4، رقم 18413).
(6) أخرجه عبد الرزاق (44/ 2، رقم 2429). (1/55)
صفحة 54
نداء الحق
مالك عنه، عن النبي قال: «سووا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من
إقامة الصلاة»» (1).
النبي
وهذا يعني أن صلاة المأمومين لا تتم إلا بتسوية الصفوف، كما جاء في رواية أخرى عنه بلفظ: «أقيموا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة» (2)، وعنه: قال أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه، فقال: «أقيموا صفوفكم، وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري» (3)، وعنه أن قال: «رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشياطين تدخل من خلل الصفوف كأنها الحذف» (4)، وعنه: «استووا استووا استووا واستقيموا فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من خلفي كما أراكم من بين يدي» ()، وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «استووا وعدلوا صفوفكم» (1)، وعن ابن عمر لا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أقيموا الصفوف فإنما يصفون بصفوف الملائكة وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم ولا تذروا فرجات الشيطان ومن وصل صفا وصله الله ومن
(1) أخرجه الطيالسي (ص 266، رقم 1982)، وأحمد (177/ 3، رقم 12836)، والدارمي (323/ 1، رقم 1263)، والبخاري (254/ 1، رقم (690)، ومسلم (324/ 1، رقم 433)، وأبو داود (179/ 1، رقم 668)، وابن ماجه (317/ 1، رقم 993)، وابن خزيمة (21/ 3، رقم 1543)، وابن حبان (548/ 5، رقم 2174). وأبو يعلى (354/ 5، رقم 2997).
(2) أخرجه ابن حبان (545/ 5، رقم 2171). (3) أخرجه البخاري (253/ 1، رقم 687)، والنسائي (92/ 2، رقم 814)، وابن حبان (547/ 5، رقم 2173) وأحمد (103/ 3، رقم 12030)، والبيهقي (21/ 2، رقم 2122.
(4) أخرجه أحمد (260/ 3، رقم 13761)، وأبو داود (179/ 1، رقم 667)، والنسائي (92/ 2، رقم 815)، وابن خزيمة (22/ 3، رقم (1545 وابن حبان (251/ 14، رقم 6339) والضياء (40/ 7، رقم 2432) وقال: إسناده صحيح.
(5) أخرجه النسائي (91/ 2، رقم (813)، وأبو يعلى (46/ 6، رقم (3291)، وأبو عوانة (380/ 1، رقم 1376). وأحمد (268/ 3، رقم 13865).
(6) أخرجه أبو داود (179/ 1، رقم 669)، والبيهقي (22/ 2، رقم 2127). (1/56)
صفحة 55
المحور الثالث: فيما يتعلق بحسن أداء العبادات المشروعة
OV
قطع صفا قطعه الله»، وعن البراء بن عازب الله، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية يمسح صدورنا ومناكبنا ويقول: لا تختلفوا فتختلف قلوبكم وكان يقول: إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول» (2).
والأحاديث في هذا أكثر هذا أكثر من أن يمكننا إحصاؤها، وهي جميعا تدل على ضرورة إقامة الصفوف في الصلاة وتجنب اعوجاجها، ناهيك ما فيها من التنصيص على أن تسويتها من إقام الصلاة وعلى أن تخالفها يؤدي إلى تخالف القلوب وهو مما يؤدي إلى الفرقة والشقاق وقد حذر الله تعالى من ذلك في العديد من الآيات كقوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَانِهِ، وَلَا تَمُوتُنَ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} آل عمران: 102 - 103، وما تبعه من الامتنان على الذين آمنوا اجتماعهم بعد الفرقة وألفتهم بعد الشقاق وإنقاذهم من هلكة كانوا يتدافعون إليها بما كان بينهم من نزاع وصراع، وذلك في قوله: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا} آل عمران: 103، وقوله: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَتْ وَأَوَلَيْكَ هُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) آل عمران: 105، وقوله: {وَلَا تَنَزَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} الأنفال: 46.
التخلف عن الصلاة في الصفوف الأول: مما شاع عند الناس في الصلاة تباطؤهم عن الصف الأول وإنشاؤهم صفوفا جديدة قبل أن تكتمل الصفوف المقدمة، وقد علمت من بعض ما تقدم ما في الصفوف الأولى من الفضل، وقد وردت بهذا روايات عديدة منها حديث
(1) أخرجه أحمد (97/ 2، رقم 5724)، وأبو داود (178/ 1، رقم 666)، والبيهقي (101/ 3، رقم 4967). (2) أخرجه الطيالسي (ص 100، رقم 741)، وأحمد (297/ 4، رقم 18644)، وأبو داود (178/ 1، رقم 664)، والنسائي (89/ 2، رقم (811)، والروياني (269/ 1، رقم (397) والبيهقي (103/ 3، رقم 4977). (1/57)
صفحة 56
??
نداء الحق
أبي هريرة له عند الربيع رام الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لو يعلم الناس ما في الصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يتساهموا عليه لتساهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا»، وهو عند غير الربيع بلفظ: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا (3)، ومن طريقه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو تعلمون - أو يعلمون ـ ما في الصف المقدم لكانت قرعة (3)، وعن عائشة قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزال قوم يتخلفون عن الصف الأول حتى يخلفهم الله في النار»)، وفي لفظ: «لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النار»، ولا يخفى ما في هذا من الوعيد على التخلف عن الصف الأول، وعن أبي أمامة له أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول سووا صفوفكم وحاذوا مناكبكم ولينوا في أيدي إخوانكم وسدوا الخلل فإن الشيطان يدخل فيما بينكم مثل الحذف)، وعن العرباض بن سارية، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه: «كان يصلي على الصف الأول ثلاثا وعلى الثاني واحدة)، وعنه بلفظ: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على الصف المقدم ثلاثا وعلى الثاني واحدة» (8)، وعن أبي سعيد الخدري، أن
(1) أخرجه الربيع، ص 122 رقم: 292
(2) أخرجه مالك (68/ 1، رقم 149)، وعبد الرزاق (524/ 1، رقم (2007)، وأحمد (236/ 2، رقم 7225)، والبخاري (955/ 2، رقم 2543)، ومسلم (325/ 1 رقم 437)، والنسائي (269/ 1، رقم 540)،
وابن حبان (527/ 5، رقم 2153). (3) أخرجه مسلم (326/ 1 رقم: 439).
(4) أخرجه عبد الرزاق (52/ 2، رقم (2453). وابن حبان (529/ 5، رقم 2156). (5) أخرجه أبو داود (181/ 1) رقم (679)، والبيهقي (103/ 3، رقم 4979). (6) أخرجه أحمد (262/ 5، رقم (22317) والطبراني (174/ 8، رقم 7727). (7) أخرجه النسائي (92/ 2، رقم 817).
(8) أخرجه ابن أبي شيبة (332/ 1، رقم 3813). (1/58)
صفحة 57
))
المحور الثالث: فيما يتعلق بحسن أداء العبادات المشروعة
59
رسول الله رأى في أصحابه تأخرا فقال لهم: «تقدموا فأتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله (1)،، وعن أنس به عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أتموا الصف المقدم ثم الذي يليه فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر»)، وعن جابر بن سمرة، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ اسكنوا في الصلاة» قال: ثم خرج علينا فرآنا حلقا فقال: ما لي أراكم عزين قال: ثم خرج علينا فقال: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ فقلنا يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف» (3)،، وفي مدونة أبي غانم رحم الله: «والسنة أن تتم الصفوف الأولى ولا يتركوا فيها خللا، فإن للصلاة حقوقا منها إقامة الصفوف وتمامها التسوية بالمناكب (4).
(4)
التأخر عن الصفوف الأولى في الجمعات يؤدي إلى اضطرار الآتين من بعد إلى تخطي الرقاب مع أنه مشدد فيه: كثيرا ما نرى المبكرين إلى الجمعة يتركون الصفوف الأولى، ويتنافسون على الصف في مؤخرة المساجد، ويبقى الفراغ في الصفوف الأولى، فإذا
(1) أخرجه مسلم (325/ 1 رقم 438)، وأبو داود (181/ 1) رقم (680) وابن ماجه (313/ 1 رقم: 978)، والنسائي (83/ 2 رقم: 795). (2) أخرجه أحمد (233/ 3، رقم 13464)، وأبو داود (180/ 1، رقم 671)، والنسائي (93/ 2، رقم 818)، وابن خزيمة (22/ 3، رقم 1546)، وأبو يعلى (450/ 5، رقم 3163)، وابن حبان (528/ 5، رقم 2155)، والبيهقي (102/ 3، رقم 4972)، والضياء (350/ 6، رقم 2379). والنسائي في الكبرى (289/ 1، رقم 892). (3) أخرجه مسلم (322/ 1) رقم: (430) وأخرجه أيضا: أخرجه عبد الرزاق (46/ 2، رقم 2432) وابن أبي شيبة (309/ 1، رقم 3539)، وأحمد (101/ 5، رقم 21001)، وأبو داود (177/ 1، رقم 661)، والنسائي (92/ 2، رقم 816)، وابن ماجه (317/ 1، رقم (992)، وابن خزيمة (21/ 3، رقم 1544)، وابن حبان (527/ 5، رقم 2154).
(4) أبو غانم الخرساني: المدونة الكبرى، 118/ 1. (1/59)
صفحة 58
60
نداء الحق
يوم
الجمعة،
امتلأت المؤخرة لم يجد الناس مكانا للصلاة إلا أن يتقدموا إلى الأمام، حيث ترك، الفراغ، فيضطرون إلى تخطي الرقاب، وهو منهي عنه، بل شدد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن عبد الله بن بسر قال: كنت جالسا إلى جانبه فقال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي اجلس فقد آذيت»، وعن جابر بن عبد الله له، أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فجعل يتخطى الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجلس فقد آذيت و آنيت»» (2)، وعن الحسن مرسلا أن رجلا جاء يتخطى رقاب الناس والنبي يخطب فلما قضى النبي خطبته وصلاته قال يا فلان أجمعت اليوم قال أما رأيتني يا رسول الله قال: قد رأيتك وآذيت وآنيت» (3)، و «عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم الجمعة، فدخل رجل يتخطى رقاب الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يبطئ أحدكم، ثم يتخطى رقاب الناس ويؤذيهم. فقال: ما زدت على أن سمعت النداء فتوضأت. قال: «أو يوم وضوء هو؟»» (4)، وروي بسند ضعيف عن عثمان بن الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي عن أبيه وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ويفرق بين الإثنين بعد خروج الأمام كالجار قصبه في النار»» (ه)، وعن أبي هريرة أنه كان يقول لأن يصلي أحدكم
(4)
(1) أخرجه أحمد (188/ 4، رقم 17710)، وأبو داود (292/ 1، رقم 1118)، والنسائي (103/ 3، رقم 1399)، وابن خزيمة (156/ 3، رقم 1811)، وابن حبان (29/ 7، رقم 2790)، والحاكم (424/ 1، رقم 1061) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. والبيهقي (231/ 3، رقم 5678)، والضياء من طريق الطبراني (47/ 9، رقم (22)، والبزار (432/ 8، رقم 3506)، وابن
الجارود (ص 82، رقم 294).
(2) أخرجه ابن ماجه (354/ 1، رقم 1115).
(3) أخرجه عبد الرزاق (240/ 3 رقم: 5498).
(4) أخرجه الطبراني في الأوسط (73/ 8 رقم: 8001).
(5) أخرجه أحمد (417/ 3 رقم: 15485). (1/60)
صفحة 59
المحور الثالث: فيما يتعلق بحسن أداء العبادات المشروعة
? ?
بظهر الحرة خير له من أن يقعد حتى إذا قام الإمام يخطب جاء يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة» (1).
ولو أن المبكرين إلى الجمعة أخذوا بالسنة في ملء الصفوف الأولى لما كان داع لمن أتى من بعدهم أن يقع في مخالفة السنة بتخطي الرقاب، ولكن الجهل بالسنة هو الذي أدخل الناس في هذه المضايق.
الصفوف تبدأ من الوسط خلف الإمام:
ومما شاع في عادات الناس عدم مبالاتهم من أين بدأوا الصف الذي يلي الصف الأول، مع أن الصفوف يجب أن تكون منتظمة، فكما أن الصف الأول لا يمكن أن يكون جانبا عن الإمام فكذلك الصفوف التي تليه، مع الحرص على تعادلها وإن ترجح جانب على جانب فليكن جانب اليمين هو الأرجح لفضل الميامن على المياسر، ولما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حبه التيامن، وجاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وسطوا الإمام وسدوا الخلل» (3)، ومهما قيل في إسناده بأنه رواه يحيى بن بشير بن خلاد وهو مجهول عن أمه ولم يرو عنها غيره، فإنه يعتضد ذلك بأن السنة الثابتة في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أن كان يتوسط المأمومين خلفه، وهذا الذي جرى عليه الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان، فلا يعدل عنه إلى غيره.
فضل ميامن الصفوف
:
6
وأما ترجيح الميامن على المياسر فيدل عليه ما عهد من سنة النبي صلى الله عليه وسلم من حبه للتيامن على أنه جاء من رواية عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف» (3)، ومهما قيل من ضعفه فإنه
(1) أخرجه مالك (110/ 1 رقم: 244). أخرجه أبو داود (182/ 1، رقم 681).
(3) أخرجه أبو داود (181/ 1، رقم 676)، وابن ماجه (321/ 1، رقم 1005)، وابن حبان (533/ 5، رقم 2160)، والبيهقي (103/ 3، رقم 4980). (1/61)
صفحة 60
62
نداء الحق
يعني
6
يعتضد بالقاعدة العامة وهي ما علم من هديه صلى الله عليه وسلم من حب ما علم من هديه من حب التيامن، على أن المنذري في الترغيب والترهيب ذكر أن إسناده حسن (1)، وكذلك الحافظ ابن حجر في الفتح ويعضده ما ثبت عن البراء له الله، قال: «كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه» (3)، فإنه أن الصحابة و استقر عندهم حب التيامن لما ألفوه من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، ويفهم هذا من حديث ابن عباس ما قال: «قمت ليلة أصلي عن يسار النبي فأخذ بيدي ـ أو بعضدي ـ حتى أقامني عن يمينه، وقال بيده من ورائي» (4)، إذ لو كانت الميسرة كالميمنة لتركه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قام، ولهذا ترجم البخاري في صحيحه بقوله: باب ميمنة المسجد والإمام» وذكر بعده حديث ابن عباس.
وإذا أدركت هذا فاعجب لأولئك الذين يتسابقون إلى مياسر الصفوف ويدعون ميامنها، حتى أنك تجد في الجوامع الكبرى ميمنة المسجد لم يكتمل فيها الصف الأول، بينما ميسرته امتلأت إلى الصف الرابع أو الخامس!! وكثيرا ما يبدأون الصف من طرفه لا من وسطه خصوصا الجانب الأيسر منه، وهذا كله إمعان في مخالفة هدي النبي و وعدم المبالاة في إقامة الصلاة على أي
وجه كانت.
وكثيرا ما تجد المصلي يصف وحده خلف الصف مع أن الصف الذي أمامه فيه فراغ، وقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم في صف المصلي وحده، فعن علي بن
(1) المنذري: الترغيب والترهيب، 189/ 1. (2) ابن حجر: فتح الباري، 213/ 2.
(3) أخرجه أحمد (522/ 30 رقم: 18553)، ومسلم (492/ 1 رقم: (709)، وأبو داود (167/ 1 رقم: 615)، والنسائي (94/ 2 رقم: (822، والبيهقي (247/ 1) رقم (653)، وابن ماجه (321/ 1 رقم: 1006)،
وابن خزيمة (28/ 3 رقم: (1563) وأبو عوانة (559/ 1 رقم: 2090).
(4) أخرجه البخاري (146/ 1 رقم: 728). (1/62)
صفحة 61
المحور الثالث: فيما يتعلق بحسن أداء العبادات المشروعة
6
63
خلف
شيبان، قال: «خرجنا حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم، فبايعناه، وصلينا خلفه، ثم صلينا وراءه صلاة أخرى، فقضى الصلاة، فرأى رجلا فردا يصلي الصف، قال: فوقف عليه نبي الله حين انصرف قال: «استقبل صلاتك، لا صلاة للذي خلف الصف» (1)، وجاء عنه بألفاظ متعددة (2).
وعن وابصة بن معبد أنه قال: «أيها المصلي وحده ألا وصلت إلى الصف فدخلت معهم أو جررت إليك رجلا إن ضاق بك المكان فقام معك أعد صلاتك فإنه لا صلاة لك» (3)، وجاء عن ابن عباس بلفظ: «أيها المنفرد بصلاتك أعد صلاتك» (4).
وكم تجد يوم الجمعة أفرادا من الناس يصف أحدهم في جانب خارج المسجد الجامع ليصلي بصلاة الإمام وحده، مع أن في داخل المسجد فراغا يسع كثيرا من الناس.
وهذا المخالفات كلها راجعة إلى الجهل بفقه الصلاة وأحكامها، وأن الناس لا يرونها إلا عادة ألفوها فلا يبالون أن تكون إقامتها كيفما كانت.
رص الصفوف وسد فرجها
هذا؛ وقد رأيت فيما سبق من الروايات كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر الصفوف، وعدم إيجاد الفرج بينها، ويحذر من أن يدخل الشيطان من خلل الصفوف فيفسد على المصلين دينهم وعبادتهم، ومع هذا كم يكون في الصلاة من الفجوات التي لا يبالي الناس بها مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بسد الفرج في
(1) أخرجه ابن ماجه (330/ 1 رقم: 1003).
(2) ينظر أحمد (224/ 26) رقم: 16297) وابن حبان (580/ 5) رقم (2202)، وابن خزيمة (754/ 1 رقم:
1570)، والبيهقي (193/ 1 رقم: 498).
(3) أخرجه الطبراني (145/ 22، رقم 394).
(4) أخرجه ابن عساکر (141/ 43). (1/63)
صفحة 62
64
نداء الحق
الصفوف حتى بعد الإحرام ومن ذلك ما جاء عن ابن عمر ا أنه قال: «من وصل صفا وصله الله ومن قطع صفا قطعه الله»).
أن
وكثيرا ما تخترم الصفوف حتى يكون في الصف الواحد فراغ واسع بين طرفيه خصوصا في الجوامع عندما يجمع بين الصلوات ويأبى كثير من المصلين إلا أن يجمعوا الصلاتين فلا يبالون أن يتخلل الذين يصلون السنن الراتبة صفوفهم، فإذا أتم هؤلاء صلاتهم انسحبوا وبقي الفراغ في مكانهم فلا يوجد من يسده، وهو من مشكلات الجمع بين الصلوات لغير ضرورة ولا حاجة، ولكن لألفة الناس الجمع وارتياحهم له ـ حتى يتخيل كثير منهم المسافرين لا تحل صلاتهم إلا بالجمع بين الظهرين وبين العشاءين ـ تنجم هذه المشكلات، وقد ذكرت في غير هذا الموضع ما يترتب على الجمع من مشكلات متعددة لا أرى لها حلا إلا بترك الجمع لغير ضرورة أو حاجة، إلا أن يكون في غير المساجد أو في مساجد لا تزدحم بالمصلين ولا تتعاقب عليها الجماعات بغير انتظام.
تعمد الصلاة بين السواري، وترك الصفوف الخالية منها: زين للناس أن يصلوا بين سواري المسجد ولو كانت في المسجد سعة بحيث يمكنهم تفاديها بل من الناس مَنْ تَخَالُهم من حرصهم على ذلك أنهم يعتقدون أن الصلاة لا تصح إلا أن تكون بين السواري!! مع ما يؤدي إليه ذلك من قطع الصفوف وعدم اتصالها، وقد يترتب عليه وجود فراغ بين السارية ومن يصلي قربها، وقد جاء النهي عن ذلك، وكان السلف رحمهم الله تعالى حراصا على تفاديه، ولكن الجهل بالدين هو آفة الآفات، وإليك بعض ما روي عنهم ذلك، فعن «عبد الحميد بن محمود: قال كنت مع أنس بن مالك فوقفنا بين
في
(1) أخرجه النسائي (93/ 2، رقم 819)، والحاكم (333/ 1، رقم 774) وقال: صحيح على شرط مسلم. وابن خزيمة (23/ 3، رقم 1549). (1/64)
صفحة 63
المحور الثالث: فيما يتعلق بحسن أداء العبادات المشروعة
65
السوارى فتأخرنا فلما صلينا قال أنس إنا كنا نتقى هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وروى الحاكم بإسناد صححه ووافقه عليه الذهبي عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: كنا ننهى عن الصلاة بين السواري، ونطرد عنها طردا» (2)، وفي رواية عنه: «كنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم نطرد طردا أن نقوم بين السواري في الصلاة» (3)، وعن ابن مسعود أنه قال: «لا تصفوا بين السواري» (4) وروي عن ابن عباس أنه قال: «عليكم بالصف الأول، وعليكم بالميمنة، وإياكم وما بين السواري).
تعمد الصلاة إلى غير سترة في أماكن يمر بها الناس: كم فرض الله تعالى من احترام الصلاة، وتقديرها، لأنها مناجاة للخالق تعالى، فلا ينبغي للإنسان أن يؤديها إلا بحضور قلب وهدوء بال، واستقرار فكر، لذلك شدد النبي صلى الله عليه وسلم في مرور الإنسان بين يدي المصلي أثناء صلاته، لما في ذلك من تشويش فكره وطرد الخشوع عنه، ففي مسند الربيع: عن جابر بن زيد رحمة الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لوقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه، قال جابر قال بعض الناس: يعني
أربعين خريفا، وقال آخرون: أربعين شهرا، وقال آخرون أربعين يوما (6).
(1) أخرجه عبد الرزاق (60/ 2، رقم 2489)، وأبو داود (180/ 1، رقم 673)، والترمذي (443/ 1، رقم (229) والنسائي (94/ 2، رقم (821)، والحاكم (339/ 1 رقم: 793).
(2) أخرجه الحاكم (339/ 1 رقم: 794).
(3) أخرجه النسائي في الكبرى (148/ 3 رقم: (5205)، والطيالسي (400/ 2 رقم: 1169). (4) أخرجه النسائي في الكبرى (148/ 3 رقم: 5206).
(5) أخرجه الطبراني (357/ 11، رقم 12004)، والديلمي (19/ 3، رقم 4032). (6) أخرجه الربيع بن حبيب (ص 103 رقم: (242 وأخرجه من طريق أبي جهيم: مالك (154/ 1، رقم 362)، وأحمد (169/ 4، رقم 17575)، ومسلم (363/ 1، رقم 507)، وأبو داود (186/ 1، رقم 701)، والترمذي (158/ 2، رقم 336)، وقال: حسن صحيح. والنسائي (66/ 2، رقم 756)، وابن ماجه (304/ 1، رقم 945).
6 (1/65)
صفحة 64
66
نداء الحق
وفي مصنف ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: سمعت عبد الحميد بن عبد الرحمن، عامل عمر بن عبد العزيز، ومر رجل بين يديه وهو يصلي، فجبذه حتى كاد يخرق ثيابه، فلما انصرف، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم المار بين يدي المصلي لأحب أن ينكسر فخذه ولا يمر بين يديه)، وقد بلغ التشديد في المرور بين يدي المصلي أن النبي صلى الله عليه وسلم
أمر بمقاتلته إن أصر على المرور، وسماه شيطانا، فعن جابر بن زيد عن سعيد الخدري الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أحدكم إذا كان في الصلاة فلا يدع أحدا يمر بين يديه وليدرأ ما استطاع فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان» (2)، وجاء من طريقه بلفظ: «إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها ولا يدع يمر بين يديه فإن جاء أحد يمر فليقاتله فإنه شيطان» (3).
أحدا
وأنت ترى في هذه الحديث الأمر بالصلاة إلى سترة والأمر بالدنو منها لتفادي مرور المارين بين يدي المصلي، وقد كان الصحابة لم يبتدرون السواري ليصلوا إليها، لتكون واقيا لصلاتهم من أثر مرور المارين بين أيديهم، فعن أنس قال: «كنا بالمدينة إذا أذن المؤذن ابتدر القوم إلى السواري فركعوا الركعتين حتى يأتي الرجل الغريب ليدخل المسجد، فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما (4)، وفي رواية عنه قال: «لقد رأيت كبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يبتدرون السواري عند المغرب» (5).
(1) مصنف ابن أبي شيبة (253/ 1 رقم: 2911).
(2) أخرجه الربيع بن حبيب (ص 103 رقم: 242).
(3) أخرجه أحمد (43/ 3، رقم 11412)، والبخاري (191/ 1، رقم 487)، ومسلم (362/ 1، رقم 505)، وابن أبي شيبة (250/ 1، رقم 2875)، وأبو داود (186/ 1، رقم 698)، وابن ماجه (307/ 1،
رقم 954)، وابن حبان (133/ 6 رقم (2368)، والبيهقي (267/ 2، رقم 3258).
(4) أخرجه الدارقطني (504/ 1 رقم: 1051).
(5) أخرجه البخاري (106/ 1 ـ 107 رقم: 503). (1/66)
صفحة 65
المحور
الثالث: فيما يتعلق بحسن أداء العبادات المشروعة
67
وقد بالغ الجهلة في مخالفة هذه التوجيهات النبوية في أمر صلاتهم، فتجد أحدهم إذا دخل المسجد لا يهنأ له أن يصلي إلا حيث يمر الناس، ويتفادى السواري أن يصلي إليها، كأنهم يظنون أنهم إذا تعرضوا لمرور المارة بين أيديهم في صلاتهم كان ذلك أعظم لأجرهم، وقد يصلي أحدهم قريبا من السارية، ولكنه لا يتركها بينه وبين قبلته فتارة يجعلها خلفه، وتارة يجعلها عن يمينه أو عن شماله هكذا زين لهم الشيطان ذلك، وحببه إلى قلوبهم إمعانا في مخالفة الأوامر الشرعية وعدم مبالاتهم بالصلاة، كأن أقل ما يمارسونه من الأعمال قيمة، وهو إن دل على شيء فإنما يدل على أنهم اتخذوا الصلاة عادة ورثوها من آبائهم وأجدادهم، وليست عبادة تقيهم عذاب الله وسخطه، وتبلغهم ثوابه ورضوانه إن أدوها على الوجه المشروع.
الصلاة هي
ومما يؤسف له أن يستهين الفقهاء بتوعية الناس في هذا، فلا يهتموا بتبصيرهم بالحق وردهم إلى الرشد، بل تركوا حبلهم على غاربهم، يتصرفون كما يملي عليهم هواهم، ويرضون به شيطانهم.
الصلاة أول ما يحاسب عليه العبد: هذا؛ ولا أعجب إلا ممن يفرط في صلاته وهي عمود دينه وأم عباداته فلا يبالي أن يؤديها كيفما كانت مع أنها هي أول ما يحاسب عليه العبد بين يدي الله تعالى يوم القيامة، فعن تميم الداري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول ما يحاسب به العبد الصلاة، ثم سائر الأعمال» (1)، وفي رواية: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر» (2).
(1) أخرجه الطبراني (51/ 2، رقم 1255).
(2) أخرجه الترمذي (535/ 1 رقم: 413).
6 (1/67)
صفحة 66
68
نداء الحق
وكم في الصلاة من أخطاء ترتكب وحرمات تنتهك من غير أن يتفطن لها الناس، وقد تعرضت لبعض ذلك في غير هذا الموضع، ولا تسأل عن بقية العبادات وما يقع فيها من أخطاء تذهب بما تثمره في نفس العابد من إصلاح وتهذيب، وتؤدي في الآخرة إلى خسران ثوابها والعياذ بالله، ولا يتسع المقام لتتبعها.
التفريط في الطهارات إخلال بأداء الصلوات
لا ريب أن الطهارة شرط من شروط صحة الصلاة، فلا تصح صلاة من تلبس بنجاسة في بدنه أو ثوبه أو البقعة التي يصلي فيها، وقد أثنى الله تعالى على الذين يحبون أن يتطهروا في قوله: ... لَمَسْجِدُ أُسَسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنَطَهَرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَهِّرِينَ) التوبة: 108، ففي هذه الآية هذا الثناء العاطر الذي خلده الله تعالى لعباده الذين يحبون التطهر، لأن الله يحب المطهرين، وقد اشتهر أنهم كانوا يجمعون ما بين التطيب بالحجارة والاستنجاء بالماء.
قال القرطبي: «أثنى الله الله في هذه الآية على من أحب الطهارة وآثر النظافة وهي مروءة آدمية ووظيفة شرعية، وفي الترمذي عن عائشة رضوان الله عليها أنها قالت مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم قال: حديث صحيح وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحمل الماء معه في الاستنجاء فكان يستعمل صلى الله عليه وسلم الحجارة تخفيفا والماء تطهيرا، ابن العربي: وقد كان علماء القيروان يتخذون متوضآتهم أحجارا في تراب ينقون بها ثم يستنجون بالماء).
في
وقال قطب الأئمة: «لما نزلت مشي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون، حتى وقف على باب مسجد قباء، فإذا الأنصار جلوس، منهم عويم بن
(1) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 262/ 2. (1/68)
صفحة 67
المحور الثالث: فيما يتعلق بحسن أداء العبادات المشروعة
69
فقال:
ساعدة، فقال: «أمؤمنون أنتم؟ فسكتوا، ثم أعادها فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم، فقال: أترضون بالقضاء؟» قالوا: نعم أتصبرون على البلاء؟ قالوا: نعم، قال: «أتشكرون في الرخاء؟» قالوا: نعم، قال: «مؤمنون ورب الكعبة فجلس ثم قال: (يا معشر الأنصار إن الله وعمل قد أثنى عليكم في الظهور فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟ فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة، ثم نتبع الأحجار الماء، فتلا عليهم الآية».
فمن ذلك وغيره أخذنا معشر المغاربة الإباضية الاستنجاء بالحجارة، ثم الماء، وعليه فرقة من قومنا، وبعض علماء القيروان، وعن بعض: أن الثناء على مخلوق بصفة إيجاب لتلك الصفة، ولا يجزى الاستنجاء بالماء وحده للزوجة الغائط، ولا بالحجارة وحدها، فإن ذلك المحل لا يطهر بالمسح فبلله نجس الاستنجاء بالماء» اهـ (1).
قبل
وهذا الرأي عندي هو الأصح، وقد اعتمدته في العمل والفتيا، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقد أوجب الله تعالى الطهارة من الأنجاس وجعلها شرطا لصحة الصلاة، فلا تصح إلا بطهارة البدن والثوب والموضع، وقد أمر الله تعالى بطهارة الثياب بقوله: {وَثِيَابَكَ فَطَهِرْ) المدثر: 4، فلا ريب أن البدن أكد في وجوب تطهيره، لأن تطهير الثياب لأجل ملابستها البدن، فعلى الإنسان أن يحسن طهارة بدنه من آثار ما يفرزه من فضلات الطعام والشراب، وإنه ليعسر أن يتحقق التطهير إلا بالجمع بين التنشيف بالحجارة أو ما يشبهها وبين استعمال الماء، ففضلات الطعام كما قال القطب الله لُزُوجَتها الماء من القضاء على آثارها، وبجانب ذلك فإن لمخرجها تضاعيف تبقى فيها النجاسة إن لم يتم تنظيفها بالمنشفات قبل استعمال الماء.
تمنع
(1) امحمد بن يوسف إطفيش: هميان الزاد، 99/ 6. (1/69)
صفحة 68
V.
نداء الحق
وأما البول فالطهارة منه أشد عسرا، لأن له، مددا، فلذلك يحتاج الإنسان إلى الاستبراء منه بنتر الآلة وتنشيف مخرجه بالمنشفات مع الحركة إلى أن يتأكد عدم وجود بقايا د بقايا في مجراه ليكون استعمال الماء بعد ذلك قاضيا على كل أثر له، وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم على ضرورة التوقي من البول كما جاء في حديث «أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكثر عذاب القبر من البول»»)، وعن «جابر قال: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مر برجلين يعذبان في القبر، فقال: يعذبان وما يعذبان بكبيرة، أما أحدهما فقد كان لا يستبريء من البول، وأما الآخر فقد كان يمشي بين الناس بالنميمة»» (2).
ومراده بقوله: «وما يعذبان بكبيرة أن ما يعذبان بسببه ليس هو أمرا كبيرا يشق عليهما اجتنابه، وإلا فلا يخفى أن النميمة ليست صغيرة، فإنها من السعي بالفساد بين الناس ولذلك حذر الله تعالى من الإصغاء إلى المشائين بها في قوله:
وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَاء بِنَمِيمٍ) القلم: 10 - 11، وكم من فتنة أوقدت
(1) أخرجه أحمد (389/ 2، رقم 9047)، وابن ماجه (125/ 1، رقم 348)، وقال البوصيري (51/ 1): هذا إسناد صحيح رجاله عن آخرهم محتج بهم في الصحيحين وابن أبي شيبة (115/ 1، رقم 1306)، والحاكم (293/ 1، رقم (653) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والبيهقي (412/ 2، رقم 3944)، ولدارقطني (128/ 1) وقال: صحيح. وقال العجلوني (201/ 1): رواه الإمام أحمد وابن ماجه وسنده حسن. (2) من طريق جابر بن زيد أخرجه الربيع (ص 197 رقم: (487) وأخرجه أيضا: من طريق أبي بكرة الطيالسي (ص 117، رقم 867)، وابن أبي شيبة (52/ 3، رقم 12043)، وأحمد (35/ 5، رقم 20389)، وابن ماجه (125/ 1، رقم (349)، وأخرجه بلفظ قريب من طريق ابن عباس: أخرجه ابن أبي شيبة (115/ 1، رقم 1304)، وأحمد (225/ 1، رقم (1980)، والبخاري (88/ 1، رقم 215)، ومسلم (240/ 1، رقم (292)، وأبو داود (6/ 1)، رقم (20)، والترمذي (102/ 1، رقم 70)، والنسائي (106/ 4، رقم 2069)، وابن ماجه (125/ 1، رقم 347، ومن طريق أبي أمامة أخرجه الطبراني (216/ 8، رقم 7869). وأخرجه أيضا أحمد (266/ 5، رقم 22346)، ومن طريق يعلى بن مرة: أخرجه الطبراني (275/ 22، رقم (705) ومن طريق أم المؤمنين عائشة: أخرجه الطبراني في الأوسط (337/ 6، رقم 6565). (1/70)
صفحة 69
المحور الثالث: فيما يتعلق بحسن أداء العبادات المشروعة
71
النميمة نارها فشبت والتهم ضرامها الأخضر واليابس، وأتى على الحرث والنسل، فلا يتصور أن تكون صغيرة، وكذلك عدم الاحتراز من البول لأنه قرن بالنميمة في النتيجة والحكم، وقد جاء الحديث بلفظ: «إنهما ليعذبان وما يعذبان من كبير، ثم قال: بلى، ويحتمل أن يكونا غير مكترثين بما كان منهما مما أدى إلى تعذيبهما، ويؤكد ذلك قوله: «بلى»، وفي رواية «وإنه لكبير
وقد تهاون الناس في الحرص على الجمع بين الطهارتين، وهذا أمر فيه خطورة، وحسب اللبيب ما في هذه الروايات تحذيرا وتنفيرا من ذلك، ولكن بحمد الله بدأ وعي الناس بهذا، وكثير منهم يوفرون في دورات المياه في بيوتهم المنشفات الورقية، وليتهم يعممون ذلك في الدورات التابعة للمساجد، وإن كان الحريصون على هذه الطهارة يتزودون الأوراق المنشفة في مخابئ ثيابهم.
بناء المساجد بين التزام الحق واتباع الهوى
المساجد
هي بيوت الله في أرضه، ومرتع أرواح أوليائه وأصفيائه من الناس، ومتنزل رحماته عليهم، فلا يخفى أن بناءها وجميع أنواع عمارتها الحسية والمعنوية هي من القربات إلى الله تعالى، وهي رمز الإيمان بالله واليوم الآخر، كما بينه تعالى في قوله: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَعَالَى الزَّكَوةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَيْكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} التوبة: 18، وقد تضافرت أدلة السنة النبوية على ما يحرزه عمارها من الفضل العظيم، والثواب الجزيل، فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة» (3)، والروايات في ذلك كثيرة.
(1) أخرجه البخاري (99/ 2) رقم (1378)، ومسلم (240/ 1، رقم 292).
(2) أخرجه البخاري (17/ 8 رقم: 6055).
6
(3) أخرجه أحمد (61/ 1، رقم 434)، والبخاري (172/ 1، رقم 439)، ومسلم (2287/ 4، رقم 533)، والترمذي (134/ 2، رقم (318 وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (243/ 1، رقم 736)، وابن حبان
(488/ 4، رقم 1609). (1/71)
صفحة 70
72
نداء الحق
وإذا كان بناء المساجد قربة إلى الله تعالى فإنه لا بد أن يتوافر في بنائها
أمران:
هي
أولهما: خلوص النية لله تعالى.
ثانيهما: أن لا يخرج بناؤها عن هدي الإسلام.
وإذا كان لا بد من توافر هذين الأمرين، فإن بناءها يجب أن لا يكون لدافع دنيوي، وأن لا يكون مؤديا إلى مخالفة مقاصد الشريعة الإسلامية، فالمساجد أمكنة العبادة، بل تقام فيها أقدس العبادات وأعمقها تأثيرا وأقواها أثرا في النفس وفي المجتمع، ففيها تقام شعائر الصلاة التي جعلها الله يا الله مصدر النور الذي يشرق على النفس، فيزكي أعمالها ويهذب طباعها، ويصلها بالله الله، ويربط بين قلوب مقيميها.
6
ولا يخفى ـ على كل ذي لب - أن جميع العبادات تؤدي إلى هذا الغرض ـ النبيل، وتقوم إعوجاج الحياة، وتشد المؤمنين بعضهم إلى بعض عندما تجمعهم في ظل العبودية لله سبحانه فلا تكون العبادة إلا مصدر وفاق وألفة ومودة ووئام، والصلاة هي في مقدمتها، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ بيان علاقة العبادات جميعا بالأخلاق الحسنة التي تشد المؤمنين بعضهم إلى بعض، وتوحد كلمتهم، وتستأصل ما عسى أن يعتمل بين حنايا صدورهم من الحقد والكراهية والحسد، حتى تصفو نفوسهم، وتغدو قلوبهم كقلب الرجل الواحد، ومن المستحيل أن تكون العبادة المشروعة في الإسلام مؤدية إلى الصراع والخلاف والتنافس على مظاهر الحياة الدنيا وزخرفها.
لهذا كانت المساجد التي هي مقر أم العبادات جميعا تقام من أجل جمع الشمل، وتأليف القلوب، وتوحيد الكلمة، ففي المسجد الواحد يلتقي أهل الحي ليتوجهوا إلى الله بقلوب ملؤها حب الله تعالى وخوفه ورجاؤه، ومع ذلك ملأى بما يجب أن تكون عليه قلوب المؤمنين؛ من التعاطف والتراحم
هي (1/72)
صفحة 71
المحور الثالث: فيما يتعلق بحسن أداء العبادات المشروعة
73
والتلاحم والألفة والحنان، فهم يلتقون لأجل أن يتوجهوا إلى الله، الذي يرضى أن يأتلفوا ويتوحدوا ويخلص بعضهم لبعض، ويكره منهم التنافر
منهم
والشقاق والبغضاء والحسد، وكل ما يفرق كلمتهم ويصدع وحدتهم. وفي تلاقي أهل الحي في اليوم والليلة خمس مرات، مع ارتمائهم جميعا في نهر الطهر والبر؛ لأجل تنظيف نفوسهم من أدران الحياة ما يضمن لهم الوحدة والوئام، ويقيهم الفرقة والشتات، فلو حاول الشيطان أن يغري بين اثنين منهم لكانت المجموعة له بالمرصاد ترد كيده وتفشل وساوسه فباجتماعهم من أجل طاعة الله تعالى يظلون مؤتلفين حريصين على كل ما فيه مصلحتهم جميعا.
وبجانب ذلك يلتقي أهل الأحياء المتعددة في المسجد الجامع مرة في الأسبوع لقاء أوسع ساعين إلى ذكر الله، فيجلجل في آذانهم صوت الخطيب مذكرا لهم بالله واليوم الآخر، ووجوب طاعته فيما بينهم وبينه وفيما بينهم وبين أنفسهم، فيتجدد فيهم جميعا الإيمان ويقوى فيهم اليقين، وتتمتن الصلة بين أهل المدينة، فيتجدد إخاؤهم في كل جمعة، ويتوجهون جميعا إلى الله خاشعين مخبتين.
وإذا كان دور المسجد هو إحياء هذه المشاعر الطيبة بين المؤمنين، وتقوية هاجس الإخاء بينهم، فإنه - بلا ريب ـ يجب أن يتفادى في بناء المساجد ما ينافي هذه الحكمة البالغة، والهدف الأسمى من بنائها، وعمارتها بالذكر، وإقامة شعائر الله تعالى فيها، فيجب تجنب ما يؤدى إلى التشتيت والتفريق بين جماعاتها، أو يكون معاكسا لمقاصد الشريعة وحكمها في التشريع. فلذلك كان بناء المسجد من أول الأمر يجب أن يكون قربة إلى الله وحده، لا يلتفت فيه إلى نزعة عصبية ولا إلى حمية حزبية، فلا يكون بباعث من تنافس قبلي أو مذهبي أو عنصري، وإنما يكون خالصا لوجه الله تعالى. (1/73)
صفحة 72
74
نداء الحق
ومع ذلك فإنه يجب التزام شرع الله تعالى في كل ما يلابس بناءه، فلا يكون في أرض مغصوبة ولا بمال حرام ولا بكيفية تؤدي إلى المباهاة والمفاخرة، وإنما تراعى فيه حاجة المسلمين إليه، ومع ذلك لا يكون سبيلا إلى إماتة سنة أو إحياء بدعة أو نشر ضلالة.
وهذا كله ظاهر من قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا صِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ} التوبة: 107، فقد أنكر الله تعالى على هؤلاء الذين أنشأوا هذا المسجد ما قاموا به للأسباب التي كانت تحيط بإنشائه من الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين، والإرصاد لمن حارب الله ورسوله، وكل سبب منها يستقل بهذا الحكم، فمتى وجد أي سبب من هذه الأسباب في بناء مسجد من المساجد كان حقيقا أن يسلب وصف المسجد وحكمه عنه، ولا يلزم أن تجتمع جميعا، فلو كان في إقامته إضرار بأحد ماديا أو معنويا، أو كان بسببه تفرق بين جماعة المؤمنين، أو اشتمل على غرض مناف لهدي الإسلام، سواء كان مخرجا من الملة أو كان غير مخرج، أو أريد به الإرصاد لحرب الله ورسوله بحرب دينه أو عباده، كان بأي واحد من هذه الأسباب مسلوبا حكم المسجد، فلا تجوز الصلاة فيه، ولا يجوز إبقاؤه، والكفر المراد هنا أعم من يكون مليا أو يكون كفر نعمة.
أن
وقد بيّن تعالى بعد ذلك عدم جواز القيام - أي الدخول للصلاة - فيما لابسه شيء من هذه الأسباب عندما قال: {لَا نَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدُ أُيْسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} (التوبة: 108، وفي هذا ما يدل على أن المسجد الذي يعطى حكم المساجد ـ وتكون له قدسيتها، ويحق القيام فيه لأداء شعائر الله تعالى ـ هو المسجد الذي يؤسس من أول يوم على تقوى الله، وأنت تدري أن تقوى الله هي التزام حكمه فيما أمر به أو نهى عنه فعلا وتركا. (1/74)
صفحة 73
المحور الثالث: فيما يتعلق بحسن أداء العبادات المشروعة
Vo
لا يقال: بأن مسجد الضرار المذكور في القرآن اجتمعت فيه الأسباب
القاضية بمنع
الصلاة فيه، وما وجد فيه سبب واحد لا يعطى حكمه.
لأنا نقول: كل سبب من هذه الأسباب كاف وحده لتأثير هذا الحكم، أرأيت أن لو كان بعيدا عن المساجد لا يضار شيئا منها، ولا يضر بأحد ماديا أو معنويا، ولكنه بني من أجل الكفر، بحيث كان فيه وثن يعبد، أيقال هو مسجد كالمساجد المشروعة، التي أذن الله برفعها وذكر اسمه فيها، أو يقال بأنه أن يعمر بالصلوات ويجب هدمه إنكارا للمنكر؟!.
يحرم
ومثل ذلك؛ ما لو أريد به الإرصاد لمحاربة الدين والمؤمنين، أيقر على ذلك؟. فكذلك عندما يؤدي إلى التفريق بين جماعة المؤمنين وتشتيتهم بعد الاجتماع من غير أن تكون هناك ضرورة داعية إلى إقامته، بحيث تكون البلدة مترامية الأطراف، ولا يمكن لسكانها أن يجتمعوا في مسجد واحد.
وقد أدرك السلف الصالح هذا البعد في هذا الحكم، فلذلك حكموا بهدم أي مسجد يقام بجوار مسجد يضاره، وأنه لا تحل الصلاة فيه، وكذلك لو بني في أرض مغصوبة أو بمال محرم أو لم تكن النية في بنائه خالصة لوجه الله تعالى.
وقد تواردت بهذا آراء فقهاء الأمة على اختلاف مذاهبها، قال ابن حزم: ولا تجزئ الصلاة في مسجد أحدث مباهاة، أو ضرارا على مسجد آخر. إذا كان أهله يسمعون نداء المسجد الأول، ولا حرج عليهم في قصده، والواجب هدمه وهدم كل مسجد أحدث لينفرد فيه الناس كالرهبان، أو يقصدها أهل الجهل طلبا لفضلها وليست عندها آثار لنبي من الأنبياء ولا يحل قصد مسجد أصلا يظن فيه فضل زائد على غيره إلا مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس» إلى أن قال: وعلى قدر ما بناها بالمدينة، لكل أهل محلة مسجدهم الذي لا حرج عليهم في إجابة مؤذنه للصلوات الخمس، (1/75)
صفحة 74
76
نداء الحق
فما زاد على ذلك أو نقص مما لم يفعله الفباطل ومنكر، والمنكر واجب تغييره. وقد افترض النكاح والتسري ونهى عن الرهبانية، فكل ما أحدث بعده مما لم يكن في عهده وعهد الخلفاء الراشدين فبدعة وباطل وقد هدم ابن مسعود مسجدا بناه عمرو بن عتبة بظهر الكوفة ورده إلى مسجد الجماعة» (1).
أنه
وقال الزمخشري: «وقيل: كل مسجد بني مباهاة أو رياء وسمعة أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله أو بمال غير طيب فهو لاحق بمسجد الضرار. وعن شقيق لم يدرك الصلاة في مسجد بني عامر، فقيل له: مسجد بني فلان لم يصلوا فيه بعد فقال: لا أحب أن أصلى فيه، فإنه بني على ضرار، وكل مسجد بني على ضرار أو رياء أو سمعة فإنّ أصله ينتهي إلى المسجد الذي بني ضراراً. وعن عطاء: لما فتح الله تعالى الأمصار على يد عمر له أمر المسلمين أن يبنوا المساجد وأن لا يتخذوا في مدينة مسجدين يضار أحدهما صاحبه» (2).
(2)
وقال النيسابوري: «واعلم أنه سبحانه حكى أن الباعث لهم على هذا العمل كان أمورا أربعة الأول الضرار وهو المضارة، والثاني الكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالإسلام وذلك أنهم أرادوا تقوية أهل النفاق، والثالث التفريق بين المؤمنين لأنهم أرادوا أن لا يحضروا مسجد قباء فتقل جماعتهم ولا سيما إذا صلى النبي مسجدهم فيؤدي ذلك إلى اختلاف الكلمة وبطلان الألفة، والرابع قوله: وإرصادا لمن حارب الله ورسوله (3).
وقال القرطبي: «لا يجوز أن يبنى مسجد إلى جنب مسجد، ويجب هدمه، والمنع من بنائه لئلا ينصرف أهل المسجد الأول فيبقى شاغرا، إلا أن تكون
(1) ابن حزم المحلي، 363/ 2 - 364.
(2) الزمخشري: الكشاف، 310/ 2. (3) النيسابوري: غرائب القرآن، 528/ 3. (1/76)
صفحة 75
المحور الثالث: فيما يتعلق بحسن أداء العبادات المشروعة
VV
المحلة كبيرة فلا يكفي أهلها مسجد واحد فيبني حينئذ. وكذلك قالوا. لا ينبغي أن يبنى في المصر الواحد جامعان وثلاثة، ويجب منع الثاني، ومن صلى فيه الجمعة لم تجزه. وقد أحرق النبي صلى الله عليه وسلم مسجد الضرار وهدمه. وأسند الطبري عن شقيق أنه جاء ليصلي في مسجد بني غاضرة فوجد الصلاة قد فاتته فقيل له: إن مسجد بني فلان لم يصل فيه، بعد، فقال: لا أحب أن أصلي بني على ضرار. قال علماؤنا وكل مسجد بني على ضرار أو رياء
فيه، لأنه
وسمعة فهو في حكم مسجد الضرار لا تجوز الصلاة فيه).
ونص ما في تفسير الطبري في هذا: حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون، عن أبي جعفر، عن ليث: أن شقيقا لم يدرك الصلاة في مسجد بني عامر، فقيل له: مسجد بني فلان لم يصلوا بعد فقال: لا أحب أن أصلي فيه، فإنه بني على ضرار، وكل مسجد بني ضرارا أو رياء أو سمعة، فإن أصله ينتهي إلى المسجد الذي بني على ضرار» (2).
وقال قطب الأئمة في التيسير: وعن عطاء: لما فتح الله الأمصار على عمر رضى الله تعالى عنه أمر المسلمين أن يبنوا المساجد وأن لا يتخذوا في مدينة مسجدين يضار أحدهما صاحبه، وروى عن عمر بن الخطاب، له أنه كتب إلى عماله، وأمرهم أن يهدموا كل مسجد ضار آخر، يعنى هدم المسجد الحادث الضار لسابقه» (3).
وقال في الهميان: «وكل مسجد بنى ضرارا أو رياء وسمعة، أو لغير الله مطلقا فحكمه حكم مسجد «الضرار (4)، ثم ذكر ما روي عن عمر.
(1) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 254/ 8.
(2) الطبري: جامع البيان، 474/ 14.
(3) امحمد بن يوسف إطفيش تيسير التفسير، 26/ 4.
(4) المرجع السابق، 97/ 6. (1/77)
صفحة 76
V?
نداء الحق
وعدد السيد محمد رشيد رضا أسباب تحريق مسجد الضرار، فذكر منها: التفريق بين المؤمنين الذين هنالك، فإنهم كانوا يصلون جميعا في مسجد قباء، وفي ذلك من مقاصد الإسلام الاجتماعية ما فيه، وهو التعارف والتآلف والتعاون وجمع الكلمة، ولذلك كان تكثير المساجد وتفريق الجماعة منافيا لمقاصد الإسلام، ومن الواجب على المسلمين في كل بلد أن يصلوا في مسجد واحد إذا تيسر، فإن تفرقوا عمدا وصلوا في عدة مساجد ـ والحالة هذه ـ كانوا خاطئين، وذهب بعض الأئمة إلى أن الجمعة الصحيحة تكون حينئذ لأهل المسجد الذين سبقوا بالتجميع».
ثم قال: وهذا يدل على أن بناء المساجد لا يكون قربة مقبولة عند الله إلا إذا كان بقدر حاجة المؤمنين المصلين وغير سبب لتفريق جماعتهم، ومنه يعلم أن كثيرا من مساجد مصر القريب بعضها من بعض ـ وكذا أمثالها في الأمصار الأخرى ـ لم تبن لوجه الله تعالى، بل كان الباعث على بنائها الرياء، و اتباع الأهواء من جهلة الأمراء والأغنياء» (1)، وتابعه على كل ما قاله العلامة المراغي في تفسيره.
(2)
وقال الجصاص في أحكام القرآن: قوله تعالى: {لَا نَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدُ أُسَسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} (التوبة: 108، فيه الدلالة على أن المسجد المبني لضرار المؤمنين، والمعاصي لا يجوز القيام فيه وأنه يجب هدمه: لأن الله نهى نبيه عن القيام في هذا المسجد المبني على الضرار، والفساد وحرم على أهله قيام النبي فيه إهانة لهم واستخفافا بهم، على خلاف المسجد الذي أسس على التقوى، وهذا يدل على أن بعض الأماكن قد يكون أولى بفعل الصلاة فيه من بعض وأن الصلاة قد تكون منهية عنها في
(1) محمد رشيد: رضا تفسير المنار، 32/ 11. (2) أحمد مصطفى المراغي: تفسير المراغي، 25/ 11. (1/78)
صفحة 77
المحور الثالث: فيما يتعلق بحسن أداء العبادات المشروعة
79
بعضها ويدل على فضيلة الصلاة في المسجد بحسب ما ما بني عليه في عليه في الأصل، ويدل على فضيلتها في المسجد السابق لغيره لقوله: {أَسَسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يوم؟ وهو معنى قوله تعالى: {أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ: لأن معناه أن القيام في هذا المسجد لو كان من الحق الذي يجوز لكان هذا المسجد الذي أسس على التقوى أحق بالقيام فيه من غيره، وذلك أن مسجد الضرار لم يكن مما يجوز القيام فيه لنهي الله تعالى نبيه عن ذلك).
وذكر حكمة ذلك العلامة ابن العربي عندما قال: «وهذا يدلك على أن المقصد الأكثر والغرض الأظهر من وضع الجماعة تأليف القلوب، والكلمة على الطاعة، وعقد الذمام والحرمة بفعل الديانة، حتى يقع الأنس بالمخالطة؛ وتصفو القلوب من وضر الأحقاد والحسد» (2).
وقال الإمام السالمي رحمه الله: «وينهى عن تكثير المساجد وتقاربها في البلد الواحد؛ لما يؤول في ذلك من تشتت الجماعات، وتفرق الأصحاب، وتقليل العمارة للمساجد، وتفويت الأجر الحاصل بكثرة الجماعة. قال أبو قلابة: «غدونا مع أنس بن مالك إلى الزاوية فحضرت صلاة الصبح فمررنا بمسجد، فقال أنس: لو صلينا في هذا المسجد؟ فقال بعض القوم حتى نأتي المسجد الآخر، فقال أنس: أي مسجد؟ قالوا: مسجدا حدث الآن، فقال أنس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
سيأتي على أمتي زمان يتباهون في المساجد ولا يعمرونها إلا قليلا (3) (4). وقال في موضع آخر ـ بعد أن ذكر أحاديث فضل بناء المساجد ــ: ولعمري أن ذلك العموم مخصص فلا يصح إبقاؤه على ظاهره، إذ لو جاز
(1) أبو بكر الجصاص: أحكام القرآن، 201/ 3
(2) ابن العربي: أحكام القرآن، 582/ 2. (3) أخرجه البغوي (351/ 2 رقم: (466)، وأخرجه أيضا: ابن خزيمة (281/ 2، رقم 1321). والضياء (224/ 6، رقم 2239)، وأبو يعلى (199/ 5، رقم 2817).
(4) نور الدين السالمي، معارج الآمال، 66/ 6. (1/79)
صفحة 78
80
نداء الحق
ذلك للزم أن يجوز بناء المساجد على عدد البيوت في القرية ولا قائل بذلك، وما هو إلا منكر لو فعله أهل قرية وجب الإنكار عليهم، ولا يسمع تعللهم بأنهم لم يريدوا ضرارا).
ولأجل تفادي الشقاق والخلاف في بناء المساجد اشترط علماؤنا أن يكون البناء برأي أهل العلم والصلاح الذين يضعون الأمور في مواضعها، ويدركون حكمة الشارع فيما أمر به أو نهى عنه، ففي الإيضاح ما نصه: «وإن أرادوا أن يبنوه فليشاوروا أهل دعوتهم بعد اتفاق من أهل المنزل على ذلك، وإن لم يتفق خيار أهل المنزل على بنيانه، فلا يبنوه حتى يتفقوا» (2).
وفي النيل وشرحه: (وإن أرادوا بناءه) (شاوروا فيه أهل) أي خيار أهل (دعوتهم وإن من غير منزلهم بعد اتفاق خيار أهله) أي أهل المنزل (عليه، لا إن لم يتفق عليه خيار أهله ولا يعتبر غير الخيار» (3)، وقال شيخنا ابن جميل
يبنونه من بعد الائتمار على اتفاق الصلحا الأخيار (4) وبهذا تدرك أن بناء المساجد لا يكون في كل حال برا وقربة إلى الله، بل يكون بخلاف ذلك عندما يعرى من التزام الضوابط الشرعية، كبنائها متقاربة يضار بعضها بعضا، فالمساجد يجب أن تكون جامعة لقلوب المؤمنين، تؤلف بينهم وتوحد كلمتهم، لا أن تكون مثارا للعصبية والجدل، وتمزيق الكلمة والتفريق بين جماعتهم، وكم رأينا من أناس يبنونها لدواعي التفرق والاختلاف، وهو بعكس مقصد الشارع الحكيم، وتدخل في هذا المباهاة
(1) المرجع السابق، 68/ 6.
(2) الشيخ عامر بن علي الشماخي، الإيضاح، 650/ 2.
(3) قطب الأئمة أمحمد بن يوسف إطفيش، شرح النيل، 235/ 5.
(4) العلامة خلفان بن جميل السيابي، سلك الدرر، 50/ 2. (1/80)
صفحة 79
المحور الثالث: فيما يتعلق بحسن أداء العبادات المشروعة
81
والمفاخرة، وقد قطع الشارع وسائل ذلك بما أمر به من تجنب كل ما يثير
الخلاف الضغائن ويؤجج بين المؤمنين، فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما هاجر أسس مسجد قباء أولا، ثم أسس مسجده الشريف، وكان جيران المسجدين يأتيانهما للصلاة من أماكن متباعدة، ولو كانت هنالك رخصة لأن يتفرقوا في الجماعات ـ ولو مع إمكان الاجتماع ـ لتنافس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في إنشاء المساجد، ولو كان للتحزب القبلي مجال في هذا لكان كل حي من الأنصار يبنون مسجدهم استقلالا، ويقيمون جماعتهم وحدهم، ولكن لم يكن ذلك، وقد قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)، وفي رواية: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (2).
(1)
وقد اعتاد الناس ـ لجهلهم أو تجاهلهم وسكوت العلماء عنهم ـ أن يتنافسوا في بناء المساجد في أماكن تكتض بالمساجد، لا لشيء إلا لأجل التنافس لاعتبارات لا يقيم لها الشرع وزنا كالتنافس بين الأسر أو بين الأفراد، بحيث لا تستحسن أسرة أن تصلي في مسجد أسرة أخرى، أو تأنف قبيلة أن تصلي حيث تصلي قبيلة أخرى، ولهذه الاعتبارات قد تحرص العشيرة على تستقل بجمعتها، وترى من العار عليها أن تصلي حيث تصلي القبيلة الأخرى.
أن
ومما يعجب منه أني وجدت قرية تسكنها قبيلة واحدة، وكلهم ينتسبون إلى جد واحد هاجر إلى هذه القرية، وأسسها ومع تكاثرهم توسعت القرية فانقسمت إلى حارتين متجاورتين، ومع كونهم جميعا نسبهم واحدا، ودينهم واحدا،
(1) من طريق ابن عباس أخرجه الربيع (ص 39 رقم (49، ومن طريق عائشة لا أخرجه أحمد (146/ 6، رقم 25171)، ومسلم (1343/ 3، رقم 1718، أبو عوانة (171/ 4، رقم 6409)، والدارقطني (227/ 4). (2) أخرجه أحمد (157/ 43 رقم: 26032)، والبخاري (184/ 3) رقم (2697)، ومسلم (1343/ 3 رقم: 1718)، وأبو داود (200/ 4 رقم: (4606)، وابن ماجه (7/ 1) رقم (14)، وابن حبان (207/ 1 - 208
رقم: 26)، وأبو عوانة (170/ 4 رقم: 6407)، والبيهقي (204/ 10 رقم: 20371). (1/81)
صفحة 80
82
نداء الحق
ويتبعون مذهبا واحدا إلا أنهم أثر عليهم الشيطان فتحزبوا حزبين، وقد ظل أثر ذلك ساريا في نفوس بعضهم حتى مع ما حصل من التلاحم ونسيان الخلافات القبلية، وكانت الجمعة تقام في أحدى الحارتين، ولكن مسؤول الحارة الأخرى كان مصرا على أن يستقلوا بجمعتهم!! فعجبت من هذا التنافس غير المحمود
الذي يعمق الخلاف، ويؤصل الشقاق، ويجعل من العبادات وسيلة لذلك. وأنت ترى أن علماء الأمة مع تعدد مذاهبهم الفقهية قالوا إن الجمعة لا تتكرر في المدينة الواحدة إلا لضرورة، بحيث يتعذر أن يجتمع السكان في جامع واحد، فقد اطلعت على تشدد ابن حزم في بناء مسجد جديد إن ضاق المسجد السابق، بحيث لم يبح ذلك إلا أن يكون المسجد الثاني لا يسمع فيه نداء المسجد الأول، فكيف بهذه المساجد المتجاورة، التي لا يؤمن أن يشوش الأئمة فيها بعضهم على بعض في قراءتهم؟!.
وقد كان حريا بالعلماء - وهم الذين أخذ منهم العهد أن يبينوا حكم الله -
من
أن لا يسكتوا عن العوام، وأن يبصروهم بالحق، ويبينوا لهم الخطأ. الصواب، وأنت ترى كيف كان لسكوتهم وإقرارهم ما يَتَّبِعُه الناس من أثر في التباس الحكم الشرعي، حتى رأى الناس كثيرا مما أحدثوه صوابا مع كونه عين الخطأ، وقد رأيت كيف كان موقف العلماء الغابرين في هذه القضية، وتشددهم في الاستجابة لداعي الهوى، وابتغاء ما عند الناس من الشهرة والتباهي والتكثير من المساجد؛ التي تتفرق بها الجماعات، وتكون مصدرا للحمية الممقوتة في الإسلام، وأشد من ذلك حرص كل طائفة على الاستقلال بجمعتها!! مع أنها لم تسم جمعة إلا لأنها تجمع ولا تفرق.
هذا؛ وقد تجد الذين يحرصون على بناء المساجد بجوار أخرى إن عرض لهم أن يبنوها في أمكنة هي أحوج إلى المساجد لخلوها منها امتنعوا من ذلك
وشحوا بأموالهم، وأبوا أن يبنوها إلا حيث يكون بينها التزاحم والتضار!!. (1/82)
صفحة 81
المحور الرابع
في طلب العلم ونشره
83
مكانة العلم في الإسلام
إن الفطرة هادية إلى مكانة العلم في حياة الناس، فما أكثر أسباب التفاوت بين الناس في مقاماتهم، ولكن من أعظم هذه الأسباب تفاوتهم في المقامات العلمية، فكم للعلم من قدر رفيع لا يبلغ شأوه، وكم يخفض الجهل صاحبه حتى يرديه في الحضيض، وقد جاء الإسلام الحنيف منوها بقدر العلم ومبينا مكانته، فقد قال تعالى: (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَبِ) الرعد: 19، وقال سبحانه: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَبِ) الزمر: 9، وقال سبحانه: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِى إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (سباء 6، وقال سبحانه: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَموا فاطر: 28.
69
وبين تعالى أن ما أوتيه آدم من العلم كان سببا عند الله تعالى لاختياره لأن يكون خليفة في الأرض وأن يفضله على الملائكة الكرام حتى أمروا بالسجود له، وذلك في قوله: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتَبِكَةِ إِنِّي جَاعِلُ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِتُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ * قَالُوا سُبْحَنَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَتَنَادَمُ أَنْبِتْهُم بِأَسْمَاءِ هِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُم بِأَسْمَاءِهِمْ (1/83)
صفحة 82
??
نداء الحق
قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ) البقرة: 30 - 33. وقد قرن الله شهادته لنفسه بالوحدانية بشهادة الملائكة والذين أوتوا العلم، عندما قال: {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَيْكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَابِمَا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} آل عمران: 18.
العبادات والأعمال الصالحة لا تتحقق إلا بالعلم
هي
6
إن الله تعالى لم يهمل عباده ولم يتركهم سدى، وإنما أمرهم بعبادته وجعلها الغاية لخلقهم، كما نص عليه في قوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الذاريات: 56، وأمرهم بطاعته وطاعة رسوله، و المبلغ عن الله تعالى، فقد قال تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) المائدة: 92، ولا يتحقق شيء من ذلك إلا بالعلم فإن العبادات لم توكل إلى استحسان الناس، فجميع عقولهم قاصرة عن تحديدها، وإنما تدرك بالعلم، وكذلك ما أمر الله به وما نهى عنه، فلا يتسنى لأحدٍ أن يعبد الله سبحانه كما أمره تعالى، إلا إن كان بصيرا بالعبادة خبيرا بكيفية أدائها، ولا غرو في هذا فإن العلم هو قوام الدين ونور الحياة، وهو الهادي إلى الحق وإلى الطريق المستقيم، ولهذا بعث الله تعالى رسله وأنزل كتبه لنشر العلم بين الناس، وتبصيرهم بالحق حتى يكونوا على بينة مما يأتون وما يذرون وقد أجاد العلامة أبو مسلم في قوله: ورافق دليل العلم يهدك إنه طريق يحار العقل فيه وعير وفعلك حد المستطاع من التقى على غير علم ضيعة وغرور فما زكت الطاعات إلا لمبصر على نور علم في الطريق يسير أتدخر الأعمال جهلا بوجهها وأنت إلى علم هناك فقير فيا طالب الله ائته من طريقه وإلا فبالحرمان أنت جدير فلست إذا لم تهتد الدرب واصلا قبيلك في جهل السلوك دبير (1/84)
صفحة 83
المحور الرابع في طلب العلم ونشره
طلب العلم عبادة تقرب العبد إلى الله
:
85
إذا كان العلم بهذا القدر والدين موقوف عليه والعبادات كلها مرهونة به، وهو إمام للعبادات يبصر العابدين بكيفية أدائها وصورة إتقانها، فإنه لا بد من الإخلاص في طلبه لوجه الله تعالى، فلا يطلب لوجه من وجوه الدنيا، كما لا يصلى ولا يصام ولا يزكى ولا يحج لأجل غرض دنيوي، فهو وسائر العبادات مندرج فيما يدل عليه قوله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحَا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) الكهف: 110، وقوله سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} البينة: 5، فمن طلبه لينال به مكانة بين الناس أو ليتوصل به إلى غرض من أغراض الدنيا كان والعياذ بالله من الهالكين، وقد نص على هذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء لقي الله يوم القيامة وهو خائب من الحسنات)، وعن جابر بن زيد رحم الله قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من تعلم العلم للعظمة والرفعة أوقفه الله تعالى موقف الذل والصغار يوم القيامة وجعله الله عليه حسرة وندامة حتى يكون العلم لأهله زينا)، وروي عن أنس له: «من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه فهو في النار» (3)، وعن أبي هريرة: «من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله جهنم»)، ولعلماء الرعيل الأول في هذا بيان يأخذ بمجامع الألباب. ومما يؤسف له أن نجد كثيرا من طلبة العلم يحرصون على جعل الشهادة العلمية هي مبتغاهم، وإذا كانت الشهادة من ضرورات العلوم الإنسانية
(1) أخرجه الربيع بن حبيب (ص 34 رقم: 33).
(2) المرجع السابق (ص 34 رقم: 34).
(3) أخرجه الطبراني في الأوسط (32/ 6، رقم 5708، والضياء (72/ 7، رقم 2480).
(4) أخرجه ابن ماجه (96/ 1، رقم 260). (1/85)
صفحة 84
86
نداء الحق
أن
المشتركة، ليتسنى لحامليها أن يخدموا أمتهم بما تعلموه من العلم، فإن العلوم الشرعية ليست موقوفة على ذلك، إلا أن تعقيدات الحياة المعاصرة جعلت العمل في المؤسسات العلمية الشرعية كالعمل في المؤسسات الأخرى، فالمتخصص في العلوم الشرعية قد لا يجد مجالا أن يقوم بواجبه العلمي والعملي والدعوي إلا أن تكون بيده، شهادة وعليه فإن هذه الشهادة يجب تكون وسيلة لا غاية فلا يحل لمؤمن أن يطلبه من أجلها، ولكن مع الأسف الشديد وجدنا الكثير من حملة الشهادات يفاخرون بما حملوه، فلا يكاد أحدهم يحمل شهادة الدكتوراه إلا ويصر أن يصدر اسمه متى كتبه أو ذكره بهذا اللقب أو بحرف الدال الذي يرمز إليه، بل ويطالب أن يخاطب به وأن يتصدر اسمه عندما يذكر، وقد بلغني أن أحدا من الذين إيفوا بهذا الداء العضال اتصل بهاتف بيته أحد ليسأل عنه، وكان هو بنفسه الذي تلقى الاتصال، فسأله المتصل: هل هذا بيت فلان؟ فرد عليه: لا. وأخذ يراجع رقم هاتفه فتأكد أنه لم يخطئ فيه، وأعاد عليه الاتصال مرة أخرى فسأله أليس هذا ببيت فلان؟ فرد عليه لا فقال لقد دللت على أن هذا هو رقم هاتف منزله!! فكيف لا يكون هذا بيته؟ فرد عليه أنت تسأل عن فلان، وهذا بيت الدكتور فلان». فانظر كيف أورثنا أعداؤنا هذه العناية البالغة بتوافه الأمور، بينما وجدناهم أنفسهم لا يكترثون بها، وإنما أرادوا بهذا أن يشغلونا بالسفاسف عن المعالي، التراب وإهمال التبر، واقتناء البعر وإضاعة الدرر، وقد
جمع
وبالحرص على انطلت حيلتهم على الأمة وراجت دعايتهم بينها، ويا للأسف.
على أن هذه الألقاب ليست مما يفرح به فإنها جاءتنا من مكان بعيد، فقد
أن
صدرها إلينا الغرب، فتقبلت عندنا بانشراح صدر وسكينة نفس، بل قيل بعض هذه الألقاب مصدرها اليهود، فقد تلقاها منهم الغرب، ثم صدرها إلينا، كالدكتوراه التي تتزاحم من أجلها الأقدام وتتنافس في السبق إليها الهمم، فقد قيل بأن أصله كان يطلق على الحاخام الذي يقوم بتدريس الدين اليهودي، ثم (1/86)
صفحة 85
المحور الرابع في طلب العلم ونشره
87
انتقل منهم إلى النصارى فكانوا يطلقونه على القس الذي يقوم بالتدريس في الكنيسة، وتطور بعد ذلك فأطلق على درجة علمية تخصصية في الدراسات
العليا في الجامعات الغربية، ومنها صدر إلى البلاد الإسلامية.
وقد وجدت اثنين من حملة الدكتوراه يسجلان هذه الحقيقة: أولهما: الشيخ عبد الرحمن عميرة، فقد ذكر ذلك في أحد مؤلفاته ولم يحضرني الآن، وقد نص فيه على أن هذا اللقب كان يطلق على الحاخام الواعظ في الكنائس اليهودية، ثم تطور طورا بعد طور حتى أطلق على رتبة علمية معينة، وكان ذلك في بلاد الغرب، ثم صدر إلى بلاد الإسلام فانشرحت له الصدور وانبسطت له النفوس، وأصبح للناشئة الطموحة هدفا لا بد من تحقيقه.
ثانيهما: الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد في كتابه تغريب الألقاب العلمية وكان مما جاء في هذا قوله: «إن هذا اللفظ المستورد هو في أصل إطلاقه من عدو لنا في دنيانا وآخرتنا، وقد علم من نصوص الشريعة المطهرة: أن من مباني الإيمان بغض أهل الإشراك، وعدم موالاتهم، والبعد عن التشبه بأعداء الله الكفرة، حتى في الألفاظ، وهذا اللقب من هذا القبيل. وقد أبان جمع من الكاتبين عن ذلك ومنه ما جاء في كتاب منهج البحث الأدبي إذ قال: (كثير من الدرجات لدى الغربيين من أصل إغريقي، أو لاتيني ثم تبناها الاستعمال الديني فكانت من مصطلحات الكنيسة ورجالها.
فالليسانس تعني في الأصل: الإجازة التي تمنح صاحبها حق أن يكون محاميا أو معلما ... ثم أطلقت على السنتين اللتين يمضيهما خريج الدراسة
الثانوية في دراسة اللاهوت قبل أن يقبل للدكتوراه على مقاعد الدرس.
والدكتور في الأصل هو الذي يعلم علناً وأطلقه اليهود على الرباني أو الحاخام العالم بالشريعة، وأطلقه المسيحيون على الذي يفسر الكتب المقدسة. (1/87)
صفحة 86
88
نداء الحق
ودخل اللقب الجامعات لأول مرة بجامعة بولونيا في إيطاليا في القرن الثاني عشر ثم تبعتها جامعة باريس بعد قليل ـ إلى أن قال: ـ ولعله بعد يتضح أن في استمراء هذا اللفظ والاعتزاز به ضربا من ضروب التشبه في الظاهر، ونوع ركون في الباطن، ولا يجمل بالمسلم تكثير سوادهم.
وعن أبي ذر له من كثر سواد قوم فهو منهم)، رواه أبو يعلى، وغيره. وأقل ما في هذا الوجه من المحاكاة أنه من مظاهر الذلة والضعة وتبعية المغلوب للغالب، والمسلم مطالب بالعزة والأنفة من التبعيات الماسخة المجردة من العوائد النافعة.
ثم قال: «وأيضا فإنه من مبناه (دكتور) غربي محدث لا يمت إلى اللسان العربي بصلة، فهو أتي لا أصله له.
ففي إطلاقه نبذ للغة العرب في سنن كلامها، ومناحي لغتها، وغض من شأنها، فهو إذا من مواطن التخذيل، والمسلم مطالب بإحياء لغة القرآن وشد الأمة إليها وتحريرها مما يشوبها، واللغة كما يقول ابن جني: (أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم فهل نعبر عن أغراضنا بغير لغتنا؟؟.
ويقول ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم ص 203: (إن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها
يتميزون) اهـ.
وبعد أن جال في هذا أتبع ذلك كله قوله: «إنها سموم إن تجرعها المسلمون تبدلوا الدخيل بالأصيل، والهجين بالفصيح، وصار سقط الكلام
حليفا للغة القرآن». اهـ (2)
(1) أخرجه الديلمي (519/ 3، رقم 5621).
(2) بكر بن عبد الله أبو زيد: تغريب الألقاب العلمية، ص 23. (1/88)
صفحة 87
المحور الرابع في طلب العلم ونشره
89
وقال أيضا بعد أن أشار إلى وجود تباين الألقاب بحسب التخصصات العلمية: «أما هذا اللقب (دكتور) فهو مضطرب الدلالة إذ يستوي في إطلاقه كل من نال هذه الرتبة النظامية من طبيب وبيطار ولغوي وأديب وفقيه ومحدث ومهندس، وهكذا من كافر أو مسلم، صالح أو غير صالح، فالرؤوس به مستوية، وإذا استوت الرؤوس فعلى الطهر والصلاح العفاء.
والتسوية من هذا القبيل مخالفة لسنن الفطرة، وقد علم أن الألفاظ كالمعارض للمعاني فيجب أن يكون اللفظ ملائما لمعناه وبقدره، كما يجب أن يكون الثوب ملائما للجسم المعروض فيه وبقدره». اهـ).
ولا يغني الاعتذار عن هذا بأن هذه المعلومة ربما تكون غير ثابتة، فإن العاقل يتوقى كل ما يعاب كما قيل: (إياك وما يسبق إلى القلوب إنكاره وإن كان عندك اعتذاره وكما قال الشاعر:
قد قيل ما قيل إن صدقا وإن كذبا فما اعتذارك من قول إذا قيلا وإذا كنا لا نجد مناصا من قبول هذه الألقاب في التخصصات العامة التي يعبر عنها بالعلوم الإنسانية لاشتراك الناس كلهم فيها على اختلاف مللهم وتنوع ألسنتهم، فمالنا واللقب الذي استورد من اليهود، ما بال فقهائنا ـ وهم حملة الشريعة وتراجمة القرآن وربابنة الأمة وربانيوها، وورثة الأنبياء - يتنافسون فيه، ويحرصون على أن يزينوا به أسماءهم في تأليفهم وفتاواهم وخطابهم إلى الناس .. !! كم كنت أود أن يربأوا بأنفسهم عن ذلك، ويترفعوا عن هذه التبعية لأمة أخبر الله أنها أشد عداوة للذين آمنوا ليت شعري ألم يكن فيما أطلق على فقهاء الإسلام الغابرين كالعالم والعلامة، والفقيه، والحافظ، والمفسر، والمحدث، والمتكلم، ما يغني عن ذلك؟ وإذا لم يكن اكتفاء بهذه الأوصاف كلها فإنه بإمكانهم أن يضموا إليها الأوصاف الأخرى التي تنم عن
(1) المرجع السابق، ص 18 ـ 21. (1/89)
صفحة 88
نداء الحق
کنا
مكانة الموصوفين بها، كشيخ الإسلام والمحقق، والإمام، وأمثالها. فكم الألقاب العلمية لا سيما العلوم الشرعية عن التغريب إلى
نتمنى أن يعدل في التعريب، وما هو إلا إعجام يزال من أحد الحروف فتنتهي المشكلة، ولكن لقوة نفوذ الجهة المصدرة لهذه الألقاب صار الأكثرون مع الأسف يلهثون وراءها، كأنما الشهادة التي يدل عليها اللقب تفتح باب السعادة لحاملها على مصراعيه، فيتبوأ بسبب ذلك أعظم درجات الجنان.
مع أن المسلم عليه أن يرفع هامته بإسلامه فلا يطأطئها لما يأتيه من قبل الآخرين، وكم هو حميد أن يكون الاعتزاز بالإسلام ومواريثه ديدن المسلم حتى في أمور الحياة العادية، فضلا عما يتعلق بالدين، والله در الشيخ علي بن خلفان البيماني) الذي كان بشرق أفريقيا، وكان من عادة أكثر الناس هنالك أن يلبسوا معاطف لحمل أغراضهم الضرورية في مخابئها، وقد ذهب إلى خياط ليخيط له معطفا، فسأله الخياط: أتريده على الطريقة الإنجليزية أم على الطريقة الألمانية؟ فرد عليه: أولا يوجد إلا ما هو على طريقة هاتين الفئتين؟! فقال له لا. فقال: أخرت عن هذا وذهب إلى أهله وهو يتحسر على هذه التبعية للأمم الأخرى من قبل أمة الإسلام، فأوصى بنيه أن لا يلبسوا معطفا قط، وحذرهم أنه لن يرضى عنهم إن خالفوا وصيته هذه، وقد عهدتهم وهم خلاف غيرهم من الناس في ذلك، فقد كان معظم الناس يلبسون معاطف، أما هم فما كانوا يرضون لبسها، وما كنت عارفا بسبب ذلك حتى حدثني بهذا أحد أبنائه.
وكم كنا نتمنى من كل مسلم أن تكون في نفسه هذه العزة الإيمانية، وهذا
الإباء والرفض لكل دخيل، وأولى بهذا حملة الشريعة وأعلام الأمة.
(1) هو أحد العُمانيين الذين ولدوا بزنجبار وكانت منيته فيها، ولكنه أتى إلى عُمان وتلقى العلم عن الشيخ العلامة راشد بن سيف اللمكي بمدينة الرستاق - قصرى ـ ثم رجع إلى زنجبار. (1/90)
صفحة 89
91
المحور الرابع في طلب العلم ونشره
على أن الألقاب كلها لا تقدم ولا تؤخر، فنحن نجد كيف هي منزلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند فئات الأمة، مع أنهم لم يكونوا معنيين بالألقاب، ولا تذكر أسماؤهم إلا مجردة من كل لقب، وكم يهتز الإنسان إجلالا وإكبارا عندما يقال له أو يقرأ في أثر هذا هو رأي أبي بكر، أو عمر، أو عثمان، أو علي، أو ابن مسعود، أو أبي هريرة، أو أنس، أو غيرهم من الصحابة ولولا الله. وكذلك التابعون لهم بإحسان فإن أولئك لعظمهم وعلو مراتبهم لم يحتاجوا إلى ألقاب يرتقون بها، وإنما أسماؤهم نفسها دالة على رقيهم وأقدارهم، وما كانت الحاجة إلى الألقاب فيمن جاؤوا من بعدهم إلا لأنهم لم يبلغوا شأو أولئك، وقد عجزوا أن يشقوا غبارهم أو يقفوا آثارهم وما هو إلا كما قيل: وما الحلي إلا حيلة لنقيصة تتمم من حسن إذا الحسنُ قَصَّرا وليس لحلي في الجميلة منظراً جمال ولكن في القبيحة منظرا وقد وجدنا كثيرا من فقهاء الأمة يكرهون أن يذكروا بما شاع من وينهون عن ذلك لما يخشونه من الفتنة في ذلك، نعوذ بالله منها.
ألقابهم،
هذا اللقب
وقد تندر كثير من فقهاء العصر حتى من حملة الدكتوراه بشيوع بين الفقهاء، وعدولهم إليه عما كانوا يلقبون به من قبل، فقد حكى الشيخ بكر أبو زيد عن الشيخ أحمد بن عبد الله بن محمد بن حميد أنه قال:
استبدلوا لفظ الفقيه بغيره ومن الغريب محدثون دكاترة
والله لو علم الجدود بفعلنا لتناقلوها في المجالس نادره
(1)
هذا؛ وكم تجد في الذين حُلُّوا بهذا اللقب ففاخروا به الدنيا، وظنوا أنهم اتسعت أذهانهم لخزائن العلوم والتطمت في صدورهم بحار المعارف، فلم تفتهم شاردة ولا واردة من هم في البلادة وقلة الإدراك، ونضوب المعرفة
6
(1) بكر بن عبد الله أبو زيد: تغريب الألقاب العلمية، ص 312. (1/91)
صفحة 90
92
نداء الحق
لصلاة
بدرجة يحار فيه معاشروهم حتى يكادوا يشكون في إنسانيتهم، ولا أنسى أن أحد هؤلاء جاء من أرض بعيدة ليروي سلطنة عُمان في بداية نهضتها الحديثة ببحار علمه، وكان ذلك في شهر رمضان من عام 1397 هـ، وكنا نجتمع التراويح بمسجد المعهد الإسلامي الثانوي، ومعظم الطلبة في مسقط يصلون في ذلك المسجد، وكذلك النخبة من المثقفين وكنت بعد صلاة التراويح في كل ليلة ألقي درسا على المصلين، وقد أشعرنا من قبل الجهات المختصة أن الضيف الكريم سيشرفنا في إحدى الليالي ويشنف أسماعنا بدرس يلقيه علينا، وكنا نتشوف إلى طلعته المباركة، فانقضت الصلاة ولم يشرق علينا محياه، فبدأت في إلقاء الدرس كعادتي وإذا بطلائع مقدمه الميمون تلوح لنا، فما كان مني إلا أن أمسكت عن الدرس وقعدت مع السامعين، لأحظى بنصيب مما ينثره على الحاضرين من فرائد الفوائد، ولكن يا للخيبة؛ ما كاد يشرع في الحديث إلا وكانت الأخطاء العربية تصحب كل كلمة يفوه بها، وكان لا يأتي على آية من كتاب الله إلا وينكس كلماتها بما يحرف معانيها!! حتى تلا قوله
تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَتٍ) المجادلة: (1) 11، فرفع الفعل المجزوم ونصب اسم الجلالة!!.
وبعد أقل من ثلاث سنوات من هذا التأريخ حضرت بمكة المكرمة مؤتمرا ثانيا لوزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية في العالم الإسلامي، تعقده رابطة العالم الإسلامي، وقد اختير من بين الحاضرين أحد وزراء الأوقاف بدولة عربية - ذات تأريخ عريق في العلوم العربية والشرعية، وفي إدارة دفة سياسة الأمة في العالم الإسلامي - ليكون مقررا عاما للمؤتمر، وعندما صنفت قراراته وتوصياته تولى حسب النظام تلاوتها على أعضاء المؤتمر، فانهالت الأخطاء
مع كل لفظة يتلوها، ولما جاء إلى قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} النساء: 65، تراسلت الأخطاء تباعا كما تتساقط قطرات الماء (1/92)
صفحة 91
المحور الرابع في طلب العلم ونشره
93
عندما ينهمر القطر، وكان من أخطائه فيه أنه قال: (يَحْكُمُوك) بفتح الياء وتسكين الحاء وضم الكاف المخففة!! فجعل النبي صلى الله عليه وسلم محكوما من قبل المخاطبين لا مُحَكَّما!! وعندما اعترض عليه الحاضرون اعتذر إليهم بما هو
أقبح من صنيعه، إذ ادعى أن هذا خطأ في المصحف الشريف المنقول منه.
وقد جلست بعد هذا مع الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي ـ آنذاك ـ الشيخ / محمد بن علي الحركان فعتبت عليه اختياره لمثل هذا الرجل ليكون مقررا عاما للمؤتمر، وهو لا يقيم كلمة من كتاب الله، فرد علي: إنه الأسف - بجانب كونه المسؤول الأكبر عن الأمور الدينية في بلده هو - مع دكتور أيضا. فليت شعري؛ علي أي شيء تدل هذه المواقف التي تصدر ممن يحمل هذه الشهادة الكبرى؟!.
وإذا كان ممن يحمل هذه الشهادة من هو بهذا المستوى المتدني في العلم والفهم، فإنه يجدر بأولي الفطنة والكياسة أن يربأوا بأنفسهم أن يلز بها مع هؤلاء في قرن، فالأسد يأنف أن يشترك مع الثعلب في فريسة واحدة، وقد أجاد
من قال:
إذا دب الذباب على طعام رفعتُ يدي وَنَفسي تَشتَهيه وتجتنب الأسود ورود ماء إذا كان الكلاب ولغنَ فيهِ
ولا أنسى حضوري ـ قبل أكثر من ربع قرن من الآن ـ اجتماعا لأمناء الجامعة الإسلامية العالمية بباكستان إسلام أباد) وكنت عضوا في مجلس أمنائها، وقبل انعقاد المجلس تحدث إلي بعض الطلبة في الجامعة، وطلبوا أن أؤكد على الاعتراف بشهادة التخرج من هذه الجامعة من قبل الجامعات الأخرى، ليتمكن المتخرج فيها من مواصلة دراسته في أي جامعة كانت، ولما عرضت هذا الطلب على أعضاء المجلس عند انعقاده رد علي الشيخين عبد الفتاح بركة أو عبد الفتاح الشيخ بالآتي:
مني
أحد (1/93)
صفحة 92
=
نداء الحق
94
«هذه الجامعة إما أن تريدوها أن تخرج لكم علماء أو أن تخرج لكم حملة شهادات، فإن أردتم أن تكون مصنعا للعلماء فلا تشتغلوا بالشهادات، فقد كان الأزهر عندنا العلماء
يربي من غير عناية بالشهادات فخرج فحول العلماء،
وبعد العناية بالشهادات صار يخرج حملة شهادات».
هذا؛ مع أن قائل هذا الكلام هو نفسه يحمل شهادة دكتوراه، ولكنه أدلى
بشهادة الحق، وكلمة الصدق.
وقد بلغ الاعتداد بهذه الشهادة عند الذين استهوتهم أن أحدهم ـ فيما بلغني - طلب منه أن يقدم لمحاضرة يلقيها أحد أساتذته في المرحلة الجامعية عندما كان طالبا، لكنه رفض ذلك بسبب أن الأستاذ لا يحمل هذه الشهادة وهو أصبح يحملها!! وهذا لا يدل إلا على غرور بالغ واعتداد بما لا وزن له.
نشر العلم من القربات إلى الله:
إذا كان طلب العلم عبادة يتقرب بها إلى الله سبحانه، وهو كغيره من العبادات في وجوب إخلاصها له سبحانه من غير أن يكون للنفس فيها حظ أو يبتغى بها أي غرض آخر، فكذلك نشر العلم هو قربة وعبادة بل هو من أعظم القربات إلى الله له الا الله لما فيه من تعميم الخير، والدعوة إلى الحق، وتبصير العمي، وتذكير الغافلين، فلا يسوغ أن يبتغى بنشر العلم غرض دنيوي، كالتوصل إلى الثراء أو الجاه.
ولا يسوغ احتكار العلم لما فيه من الإضرار بالدين والدنيا معا، فقد ثبت عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله القيامة)، وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «علماء
بلجام من نار
يوم
(1) أخرجه أحمد (344/ 2، رقم 8514)، وأبو داود (321/ 3، رقم 3658)، والترمذي (29/ 5،
رقم 2649) وقال: حسن. وابن ماجه (98/ 1، رقم (266)، والحاكم (182/ 1، رقم 345)، والبيهقي (1/94)
صفحة 93
المحور الرابع في طلب العلم ونشره
95
هذه الأمة رجلان رجل آتاه الله علما فبذله للناس ولم يأخذ عليه طمعا ولم يشتر به ثمنا فذلك تستغفر له حيتان البحر ودواب البر والطير في جو السماء ويقدم على الله سيدا شريفا حتى يرافق المرسلين ورجل آتاه الله علما فبخل به عن عباد الله وأخذ عليه طمعا واشترى به ثمنا فذاك يلجم بلجام من نار يوم القيامة وينادي مناد هذا الذي آتاه الله علما فبخل به عن عباد الله وأخذ عليه طمعا واشترى به ثمنا وكذلك حتى يفرغ من الحساب».
وإذا كان هذا وعيد الذي يكتم علما، فما بالك بالذي يحتكر علما أثره ولا يرى نشره إلا بطريقة يضمن بها أن عائده المادي يرجع إليه، فكم رأينا فيما ينشر من المؤلفات بأنه لا يسمح بطبعه ولا تصويره ولا نقل شيء منه إلا بإذن خاص من المؤلف فليت شعري؛ متى كان العلم ملكا لأحد حتى يسوغ له أن! يحتكره؟! وإذا كان من يحتكر بضاعة يملكها والناس محتاجون إليها متوعدا
بأشد الوعيد، حتى أنه جاء في بعض الروايات التصريح بأنه ملعون، وفي بعضها ينتظر اللعنة، فكيف بمن احتكر علما نافعا لا يملكه أحد، وإنما هو حق لكل من ينتفع به؟! فاعجب من شأن أولئك الذين يتجاهلون هذا الأمر.
وقد أصبحت هذه ظاهرة منتشرة، ولربما تسرع إليها بعض أصحاب المطابع من غير أن يأخذوا في ذلك رأي المؤلف، وهذا الذي وقع لي، فقد قدمت بعض مؤلفاتي للطبع فإذا أوله هذا التحذير من طبعه أو بي أجد في تصوير شيء منه أو نقله!! فعجبت من ذلك وأمرت أن يسحب ذلك من الكتاب فورا، وكنت أمنع أن يذكر في شيء من مؤلفاتي بأن حقوق الطبع محفوظة، ولكن شكت إلي دور النشر بأن عدم التقييد بهذا يعرضها
في شعب الإيمان (275/ 2، رقم 1743). ومن طريق أنس له: أخرجه ابن ماجه (97/ 1، رقم 264). ومن طريق قيس بن طلق عن أبيه: أخرجه الطبراني (334/ 8، رقم 8251)، وابن عدي (353/ 1، ترجمة أيوب بن عتبة)، والخطيب (155/ 8). (1) أخرجه الطبراني في الأوسط (171/ 7، رقم 7187). (1/95)
صفحة 94
96
نداء الحق
للخسارة عندما ينشرون كتابا فتنافسهم دور أخرى في نشره، فأذنت بأن تحفظ حقوق الطبع للناشر لا للمؤلف دفعا للضرر، إذ لا ضرر ولا ضرار
في الإسلام.
وقد درج
السلف الصالح على نقل العلم ونشره بدون استئذان من صاحبه،
ناهيك بهذه القصة التي ذكرها البدر الشماخي رحمةالله في السير قال:
«لما وفد أبو غانم بشر بن غانم الخراساني على الإمام عبد الوهاب ومعه مدونته المشهورة في الفقه التي رواها عن تلامذة أبي عبيدة وجاز على جبل نفوسة استودع عمروسا نسخة منها، وأخذ في نسخها وأخته تملي عليه، ويلازم الموضع حتى تدركه الشمس فينتقل حرصا على إحياء العلم. فما رجع بشر إلا وقد استكمل نسخها وهو في اثني عشر جزءا، فوجد نقطة حبر على بعض الكراريس فقال: سرقت هذه قال: (سماني سارق العلم)».
فترى أن صاحب الكتاب لم يعنف ناقله بأنه نقله بدون إذنه، وإنما قال له مداعبا سرقت هذه فأجابه بقوله: (سماني سارق. العلم. يعني أن هذا وصف حميد، وليس هو مما يذم، وقد كانت لفعله هذا عاقبة حسنة، فإن الإمام أبا غانم رحم الله أودع كتابه هذا مكتبة المعصومة بتيهرت، وعندما أتلف الغازون تلك المكتبة تلف هذا الكتاب فيما تلف من ذخائر العلم التي كانت تحتويها تلك المكتبة، ولم تبق إلا النسخة التي نسخها عمروس الله، وكانت هي الأم
(2)
لما نقل عنها من نسخ وما أجدر حملة العلم الشريف أن يترفعوا عن المطامع فيما يؤلفون وينشرون أو يقولون ويخطبون، وأن لا يريدوا بذلك إلا إصلاح الناس، وتبصيرهم بمسالك الحق، وردهم إلى الله تعالى اضطلاعا بمهمة وراثة النبوة
(1) البدر الشماخي: السير، ص 228، المطبعة البارونية. القاهرة. مصر، 1301 هـ. (2) المرجع السابق. (1/96)
صفحة 95
المحور الرابع في طلب العلم ونشره
97
وقياما بحق الدعوة، ونشرا لتعاليم الإسلام بين الناس، فإن العلم هو أساس الصلاح والإصلاح، وبنشره يستقيم شأن الأمة، وينجبر كسرها ويستوسق أمرها، فقد وجدنا دعاة الإصلاح والرشد يتطلعون إلى فئة تقوم بهذا الأمر، لا يعنيها إلا رضى الله، من غير التفات إلى زخرف الحياة الدنيا، فهذا الإمام الرباني المحقق الخليلي الله - عندما كان يفتح عينيه فيرى ليلا موحشا من الجهل والظلم والفساد، وكان يتطلع إلى فجر مشرق بالعلم والعدل والصلاح والإصلاح يبزغ بطلعة شبيبة صالحة همها إقامة دين الله تعالى ـ صاغ أمانيه هذه في قالب شعري رصين، وصف فيه الشبيبة المنشودة بما وصفها به من صفات الزكاء وطهارة النفس وسموها، وترفعها عن حطام الدنيا، وكان مما
ذلك: قاله في ألا تنجلي يا ليل عن صبح فتية کرام بهم قد رد للعدل يوشعُ تظاهر أنواع المعالي عليهم وألوية العز الجلالي ترفع أشداء يوم البأس في حومة الوغى ذوو رحموت بينهم لا تقطع شراة لدين الله بيعت نفوسهم وما لهم في غير ذلك مطمع قد انتبدوا في نصرة الله فأعتلت بهم غرر الدين الحنيفي تسطع وجوه هدى شم الأنوف مشايخ لربهم قد اخبتوا وتضرعوا مخابيت أحبار رواسي تبتل نحورهم للحلم والعلم موضعُ بهم تشرق الدنيا ويستوسق العلا وتستمطر الأنواء والغوث أجمع كأن مثاني ذكرهم في تهجد مزامير داود بها قد تسجعوا كأن بهم من نشوة أذن عاشق تتوق لما يشدوا حبيب ممنعُ كأن الثكالى منهم في نياحة وأوصالهم من خيفة تتخلعُ كأن حطام الأرض من لحم ميتة فهم عنه في عليائهم قد ترفعوا كأن من الشهد المصفى لقاءهم لسيدهم يوماً ألحوا وأسرعوا (1/97)
صفحة 96
98
نداء الحق
كأن المنايا منية لقلوبهم فما كاد يثنى القوم بالحتف مصرع تراهم إذا ما كان يوم كريهة أسود شرئ بالمرهفات تدرعوا
أساطين في يوم اللقا لا تهولهم بروق وغى فيها الشجاع مروع يخوضون دأماء المنايا بواسماً كأنهم في جنة الخلد رتعُ قد اطرحوا لبس الدروع كأنها لهم من زكيات المناصب أدرعُ
فانظر كيف وصفهم بأنهم ينظرون إلى حطام الأرض نظرتهم إلى جيفة عفنة، فهم يترفعون عنها إباء وشمما، وقد سلك هذا المسلك تلميذه العملاق العلامة أبو مسلم رحم الله في دعوته الأمة إلى الصلاح والإصلاح، ووصفه رواد ذلك والسعاة إليه بما وصفهم به من العزوف عن الدنيا، ورغبتهم في الدار الآخرة، وبيعهم نفوسهم رخيصة في سبيل الله تعالى، وكان مما قاله في ذلك:
إن يشرف الناس في الدنيا بثروتهم فثروة القوم إخلاص وإيقان الله ما جمعوا الله ما تركوا لله إن قربوا الله إن بانوا أزكى الصنيعين ما كان الهدى معه لديهم وله في الحق رجحان تراهم في ضمير الليل صيرهم مثل الخيالات تسبيح وقرآن
ثم قال:
لم تلههم زهرة الدنيا وزخرفها إذ همهم صالح يتلوه رضوان باعوا بباقية الرضوان فانيهم كأن لذة هذا العيش أوثان وقف على السنة البيضاء سعيهم وفي الجهادين إن عزوا وان هانوا ما زايلت خطوة المختار خطوتهم ولا ثنى عزمهم نفس وشيطان فجاهدوا واستقاموا في طريقته عزومهم لصروح الدين أركان وسلطوا بحدود الله حكمهم حتى استقام لحكم الله سلطان (1/98)
صفحة 97
=
المحور الرابع في طلب العلم ونشره
إلى أن قال:
99
في الذب عن حرمات الله شأنهم لا شأن دنياهم نيل وحرمان رضوا ببلغة محياهم على حذر منها كأنهم بالبلغة اختانوا سيما التعفف تكسوهم جلال غنى فالقلب في شبع والبطن خمصان سمت الملوك وهدى الأنبياء على أخلاقهم فكأن الفقر تيجان تمثلت لهم الدنيا فما جهلوا حقيقة الأمر أن العيش ثعبان جازوا الجسور خفاف الحاذ وقرهم زهد وخوف وإصبار وشكران فاز المخفون من دار الغرور فلا خوف عليهم ولا بالقوم أحزان مضوا وآثارهم نور وذكرهم رحمى ومضجعهم روح وريحان وقد أبدع أمير البيان الشاعر الخليلي عندما وصف حامل الشريعة بما يجب أن يكون عليه من أوصاف وكان مما وصفه به قوله:
لا
لا ينظر الدنيا بعين الطامع ولا يدانيها بقلب خاشع ولا يهون لعزيز فيها لو أنه عز على أهليها ترفعت عن الحطام نفسه
رعه سعده ونحسه
وعليه؛ فكم نتمنى أن يتحلى جميع حملة الشريعة بهذه الأوصاف، وأن يجعلوا معارفهم ينابيع متدفقة يردها كل الناس ليرووا بها غلتهم من غير احتكار لشيء منها، حتى يعم الخير عندما ينهل كل أحد من هذه المناهل بيسر تسدهم عنها حواجز تحول بينهم وبين الانتفاع بها، فبهذا ينتشر العلم ويتسلسل في كل الأجيال يحمله الخلف عن السلف، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين»)، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنقل العلم إلى من لم يكن
6
(1) من طريق إبراهيم بن عبد الرحمن العذري: أخرجه البيهقي (209/ 10، رقم 20700)، وابن عساكر
(38/ 7) وأخرجه أيضا: العقيلي (256/ 4، ترجمة 1854 معان بن رفاعة السلامي). ومن طريق (1/99)
صفحة 98
نداء الحق
عنده، فقد قال: «نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها وحفظها ثم أداها إلى من لم يسمعها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وقال: بلغوا عني ولو آية» (2)، وكيف يتحقق البلاغ عندما توضع الحواجز ويحجر على الإنسان أن ينقل ما يجده من العلم مدونا، ويحجر عليه حتى تصويره؟! والله المستعان.
6
إبراهيم بن عبد الرحمن العذري: أخرجه البيهقي (209/ 10، رقم 20701)، وابن عساکر (38/ 7)، وعزاه الحافظ في اللسان (77/ 1، ترجمة 210) إبراهيم بن عبد الرحمن) لابن عدي. ومن طريق أسامة: أخرجه ابن عساكر (39/ 7). ومن طريق أنس: أخرجه ابن عساكر (225/ 54). ومن طريق ابن عمر: أخرجه الديلمي (537/ 5، رقم 9012). ومن طريق أبي أمامة: أخرجه العقيلي (9/ 1). (1) من طريق جبير بن مطعم: أخرجه أحمد (80/ 4، رقم 16784)، والدارمي (86/ 1، رقم 228)، وأبو يعلى (408/ 13، رقم (7413، والطبراني (126/ 2، رقم 1541)، والحاكم (162/ 1، رقم 294) وقال: صحيح على شرط الشيخين. ومن طريق زيد بن ثابت أخرجه أبو داود (322/ 3، رقم 3660)، وابن ماجه (84/ 1، رقم (230)، والطبراني (154/ 5، رقم 4925). ومن طريق ابن مسعود: أخرجه الترمذي (34/ 5، رقم 2658)، وابن ماجه (85/ 1، رقم 232). والحميدي (47/ 1، رقم 88). ومن طريق أبي الدرداء: أخرجه الدارمي (87/ 1، رقم 2230). ومن طريق أبي قرصافة: الطبراني في الأوسط (256/ 3، رقم (3072). وفي الصغير (189/ 1، رقم 300). ومن طريق جابر: أخرجه الطبراني في الأوسط (272/ 5، رقم 5292). (2) أخرجه أحمد (159/ 2، رقم 6486)، والبخاري (1275/ 3، رقم 3274)، والترمذي (40/ 5، رقم 2669) وقال: حسن صحيح. وابن حبان (149/ 14، رقم (6256). وأخرجه أيضا: الدارمي
(145/ 1، رقم 542)، والقضاعي (387/ 1، رقم 662)، والديلمي (9/ 2، رقم 2081). (1/100)
صفحة 99
المحور الخامس
في العلاقات الاجتماعية وبناء الأسرة الصالحة
101
ما أحوج الإنسان إلى العلاقات الاجتماعية الحسنة، التي تشد الإنسان إلى غيره من بني جنسه، على أساس متين من تقوى الله تعالى واتباع وصاياه، وأساس النجاح في هذه العلاقات العفة والترفع عن الرذيلة والفحشاء، فإن الإنسان لم يخلق هملا ولم يترك سدى يلهو ويلعب ويرتع كما يهوى، وإنما خلق ليضطلع بأمانة وينوء بتكاليف ويسير على هدى في كل ما يأتي وما يذر. وبما أن الإسلام هو دين الفطرة، فإن أحكامه وتعاليمه جميعا قائمة على المحافظة على الفطرة الزكية وتهذيبها وتخليصها وتنقيتها مما أن يشوبها من شوائب الهوى، فلذلك يبني العلاقات كلها على العفة والطهارة، فإن الله يحب المطهرين طهارة الظاهر والباطن والروح والجسم والحس والمشاعر،
أحكاما شتى تتعلق بهذه الجوانب.
عسى
فلذلك شرع
الاستئذان أنس وستر
:
مما شرع لأجل هذا الاستئذان، فليس لإنسان أيا كان أن يندفع إلى مسكن غيره أو يرسل نظره إلى ما بداخله من غير استئذان؛ حتى تطمئن القلوب وتهدأ النفوس وتصان المشاعر والأحاسيس من أن تشاب بشائبة مما يكدر صفوها، وهو ينقسم إلى نوعين: (1/101)
صفحة 100
102
نداء الحق
النوع الأول: الاستئذان العام
الذي يشمل عموم طبقات الناس على اختلاف أحوالهم، فإن هذا الاستئذان لا يتقيد بوقت ولا بحالة، فهو مطلوب من الصغير والكبير والذكر والأنثى في جميع الأحوال، وهو الذي يعنيه قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا نَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) النور: 27 - 28، فليس لأحد أن يغشى بيت غيره ولو كان جاره أو قريبه أو صديقه وحميمه إلا بهذا الاستئذان الشرعي الذي يترتب عليه الاستئناس لأن الدخول بدونه لا يتبعه إلا الاستيحاش سواء من الداخل أو المدخول عليه.
6
أما الداخل: فإن الشعور بالوحشة يسري في نفسه بإحساسه أنه أذى وأزعج أهل الدار، بدخوله عليهم واطلاعه بدون إذنهم على ما يحرصون على ستره عن الأعين، فإن للبيوت عورات يجب أن تستر وتصان.
وأما المدخول عليه: فإن الوحشة تسري في نفسه بهذا الدخول المفاجئ، وكثيرا ما ينحرج باطلاع الداخل على ما يخبئه من أسراره بيته وخصوصيات أسرته.
النوع الثاني: الاستئذان الخاص
وهو الذي يستأذنه أطفال أهل البيت والذين ملكت أيمانهم، فإن هؤلاء يُتَسامح - لأجل الضرورة - أن يدخلوا البيوت التي يتربى فيها هؤلاء الأطفال، ويقوم فيها المماليك بخدمة أصحابها ولو لم يستأذنوا إلا في ثلاثة أوقات يشرع لهم الاستئذان فيها لأن دخولهم بدونه كثيرا ما تكون عاقبته حسرة وندامة، بسبب ما قد يترتب عليه من اكتشاف العورات والاطلاع على الأسرار الخفية بين الأزواج في البيوت، وقد بين الله تعالى ذلك في قوله: (1/102)
صفحة 101
المحور الخامس: في العلاقات الاجتماعية وبناء الأسرة الصالحة
103
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَعْذِنَكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَثَ مَرَّتٍ مِن قَبْلِ صَلَوَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَوَةِ الْعِشَاءِ ثَلَاتُ عَوْرَاتٍ رَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّفُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ) النور: 58، وفي هذه الأوقات الثلاثة لا يسوغ لملك اليمين الدخول على الملاك أصحاب البيوت إلا بالاستئذان الشرعي، وكذلك الأطفال يجب أن يلتزموا الاستئذان فيها من حين تفتح مداركهم واستيعابها لهذا الواجب الأُسري.
وقد يتساهل بعض الناس في أمر الاستئذان بسبب علاقة القربي أو غيرها من العلاقات، أو إن كان الداخل من الخدم الذين يقومون بأعمال البيوت، وهذه مخالفة لشرع الله تعالى الذي فرض الاستئذان من أجل الطهر، طهر النفوس والبيوت والأحاسيس والمشاعر، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الاستئذان إنما شرع من أجل حفظ البصر، كما ثبت عن النبي في قوله: «إنما جعل الاستئذان من أجل البصر» ()، وبهذا يتبين أن من استأذن وهو مقابل لباب البيت فحكمه كمن لم يستأذن إذ قد يسبق بصره فيطلع من عورات البيوت على ما يحرص أصحابها على ستره، ولأجل هذا تسقط حرمة من فعل هذا، إذ لا فرق بينه وبين من اقتحم البيت بدون استئذان فلو رماه صاحب البيت بشيء وأصاب منه ما أصاب لم يحاسب على ذلك كما هو واضح في حديث سهل بن سعد: أن رجلا اطلع من جحر في دار النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي يحك رأسه بالمدرى فقال: «لو علمت أنك تنظر، لطعنت بها في عينك، إنما جعل الإذن من قبل الأبصار» (3).
6
(1) أخرجه أحمد (368/ 5، رقم (23176) قال الهيثمي (43/ 1): رجاله كلهم ثقات أئمة. وأخرجه أيضا: البخاري في الأدب (372/ 1، رقم 1084)، وأبو داود (345/ 4، رقم 5177)، والنسائي في الكبرى (87/ 6،)، رقم 10148).
(2) أخرجه والبخاري (164/ 7، رقم 5924) ومثله بلفظ آخر عند أحمد (330/ 5، رقم 22854)،
ومسلم (1698/ 3، رقم (2156)، والترمذي (64/ 5، رقم 2709)، وقال: حسن صحيح. (1/103)
صفحة 102
104
نداء الحق
ومن آداب الاستئذان أن لا يلح المستأذن على الدخول فإن لم يؤذن له فليرجع، كما ثبت في الحديث الذي رواه أبو موسى وأبي بن كعب وأبو
سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الاستئذان ثلاثة فإن أذن لك وإلا فارجع». وهذا مما يجب على الناس أن يكيفوا وفقه تعاملهم فيما بينهم وأن يحملوا على ذلك أولادهم في تربيتهم على الآداب الشرعية، وجميع الآداب المألوفة المخالفة لهذه التعاليم يجب تجنبها.
الاحتراز من الخلوة بين المرأة والرجل من أهم الضرورات ومن أهم الآداب الاجتماعية التي تصون الأسر من المشكلات وتحفظها من أسباب التداعي والتفكك رعاية الحرمات بين الذكور والإناث، وعدم التساهل تعللا بعلاقة نسب أو صهر، لأن الجاذب الفطري في كل من الذكر والأنثى نحو الآخر جاذب قوي، كثيرا ما يتوسل به الشيطان فيتوصل به إلى إشاعة الفحشاء وإسقاط النفوس في الرذائل وتجريدها مما قد تكون من قبل مصونة به من العفة والفضيلة فعن ابن عباس ما قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم (3)، وقد بين صلى الله عليه وسلم علة هذا النهي فيما ثبت عن عمر له أنه قال: ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان» (3)، فإن الشيطان يغري النفوس باتباع الشهوات فينسى كل من الرجل
(1) حديث أبي موسى وأبي سعيد: أخرجه مسلم (1695/ 3، رقم 2153)، والترمذي (53/ 5، رقم 2690) وقال: حسن. ومالك (963/ 2، رقم 1730)، وحديث أبي بن كعب: أخرجه مسلم (1696/ 3، رقم 2154). (2) أخرجه الطبراني (425/ 11، رقم (12205)، والبيهقي في شعب الإيمان (368/ 4، رقم 5438)، والبخاري (1094/ 3، رقم 2844)، ومسلم (978/ 2، رقم 1341).
(3) أخرجه الشافعي (244/ 1)، والطيالسي (ص 7، رقم (31)، والحميدي (19/ 1، رقم 32)، وأحمد (18/ 1، رقم 114)، والحارث كما بغية الباحث (635/ 2، رقم 607)، وعبد بن حميد (ص 37، رقم 23)، والترمذي (465/ 4، رقم (2165) وقال: حسن صحيح غريب. وأبو يعلى (131/ 1، (1/104)
صفحة 103
المحور الخامس: في العلاقات الاجتماعية وبناء الأسرة الصالحة
1.0
والمرأة ربه سبحانه والدار الآخرة، وما أعد الله تعالى فيها لمن أطاعه من النعيم المقيم ولمن عصاه من عذاب الجحيم.
وقد بين صلى الله عليه وسلم خطر دخول الرجل على المرأة ولو كان يمت إليها بصلة فعن عقبة بن عامر الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والدخول على النساء» قيل: أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت» (1)، وناهيك بهذا تحذيرا بالغا وإنذارا شديدا بخطر دخول الرجل على المرأة وإن كانت بينه وبينها صلة إن لم يكن لها محرما، فقد شبه الرسول صلى الله عليه وسلم حما المرأة ـ وهو أخو زوجها - بالموت إذا دخل عليها لخطورة دخوله عليه وعليها، فقد ينسيه الشيطان ما يجب عليه من رعاية حرمة أخيه في أهله عندما تغلبه شهوته، وكذلك ينسيها ما يجب عليها من حفظ زوجها في نفسها وماله إن غاب عنها، فتقود كل واحد منهما شهوته إلى هتك هذا الحمى المحظور، وإلى الوقوع في هذه القذارة الشهوانية.
ومثل ذلك إن كانت أخت امرأته أو بنت عمه أو بنت عمته أو بنت خاله أو بنت خالته أو حليلة عمه أو خاله أو بنت أخي امرأته أو أختها، فكم اطلعنا على دواهي دهياء وقع فيها الناس بسبب هذا التساهل وعدم المبالاة بما فرض الإسلام من آداب وقيود أخلاقية في التعامل بين الأسر.
رقم 141)، وابن حبان (239/ 16، رقم 7254)، والدارقطني في العلل (65/ 2، رقم 111)، والحاكم (197/ 1، رقم 387) وقال: صحيح على شرط الشيخين والبيهقي (91/ 7، رقم 13299). وأخرجه أيضا: النسائي في الكبرى (388/ 5، رقم 9225) ..
(1) أخرجه أحمد (153/ 4، رقم 17434)، والبخاري (2005/ 5، رقم 4934)، ومسلم (1711/ 4، رقم 2172)، والترمذي (474/ 3، رقم (1171) وقال: حسن صحيح. وأخرجه أيضا: النسائي في الكبرى (386/ 5، رقم (9216)، وابن أبي شيبة (48/ 4، رقم (17659)، والطبراني (277/ 17، رقم 762)، والبيهقي في السنن الكبرى (90/ 7، رقم 13296)، وفي شعب الإيمان (368/ 4، رقم 5437).
6 (1/105)
صفحة 104
1.7
نداء الحق
ومما نجم ـ من الشر المستطير أخيرا - التواصل عبر وسائل الاتصال بين الجنسين الذي يبدأ بادئ ذي بدء اتصالا بريئا لا يشاب بما يدنسه فلا يلبث الشيطان أن يجر كل واحد من الجنسين إلى الشغف بالجنس الآخر، وقد يخيل إليهما أو إلى أحدهما أن الدافع إليه حب الخير والتعاون على نشر الدعوة الإسلامية، وتبادل الخبرات بين الطرفين، فلا تلبث الشهوات الجامحة والنزوات الطائشة أن تُهوّن التقارب بين الجانبين خطوة منه وخطوة منها، إلى أن يقعا في دركات الرذيلة والعياذ بالله.
وقد تبدأ الفكرة بالرغبة في التعارف من أجل بناء علاقة زوجية مقدسة، وإذا بهما يُسْتَدْرَجَان شيئا فشيئا حتى يتورطا ورطة لا يجدان المخلص منها، وقد يبدي الرجل مع المرأة حديثا عفيفا وهو يخفي وراء شخصيته الصالحة الظاهرة، شخصية ذئب مفترس لا هم له إلا أن يفري بأنيابه عفة المرأة ويدنس بقذارته طهرها، وقد يدفع ذلك به إلى أن يلقى الموت الزؤام في سبيل شهوة النفس وهواها، كما قال إمامنا السالمي رحمه الله:
وفتنة الناس على الأزمان أكثرها من شهوة النسوان فكم صريع للغواني قتلا وكان بالنفس شحيحا أبخلا تقوده شهوته فيطمع في امرأة وهو عليها يصرع يا عجبا من هذه الأحوال أين العقول معشر الرجال؟! أيضا قد تخسر حياتها مع خسرانها لأعز ما تملكه في هذه الحياة من
وهي
العفة والطهارة والسمعة الطيبة.
وبجانب هذا؛ فإن تفنن المرأة فيما يغري الرجل على الفحشاء له دور كبير في إيقاد هذه الفتنة المستعرة، وما أحسن ما قاله في هذا الداعية الكبير الشيخ العلامة محمد متولي شعراوي عندما وجه خطابه للمرأة المسلمة التي قلدت نساء الغرب في أزيائها ومظاهرها، وبين عاقبة هذا كله في قوله: (1/106)
صفحة 105
المحور الخامس: في العلاقات الاجتماعية وبناء الأسرة الصالحة
قصرت
أكماماً
وشلت ذيولا هلا رحمت إهابك المصقولا
أسئمت من برد الشتاء سجونه؟ فطلبت تحرير المصيف عجولا وخطرت تحت غلالة شفافة في فتنة تدع الحليم جهولا محبوكة لصقت بجسم مشرق دفعته فورته فبان فصولا هل قصر الخدان في صرعاهما كان طرفك في الطعان كسولا؟ حتى استعنت على القلوب بمغمد وجعلت جسمك كله مسلولا الححت في عرض الجمال وغرك الـ أغرار لما أسمعوك فضولا من نال منك رضاً فأنت ملاكه ومن انتهرت قسا فكان عذولا صوني قداسة ما وهبت وحاذري أن تبتغي بعد الهوي حلولا واسمي بعرضك فالمضلل فورة وإن اهتدى عبثا يضل وصولا شاهدت ضليلا يطارد غادة فنهرته حنقا فقال خجولا أبغي البناء بها فقلت مداعبا هل كان باب وليها مقفولا فرنا ولم يرها فجن وقال لي أبعثت فينا يا غيور رسولا لم يبق لي أرب فما يضطرني حتى أكون مكلفا مسؤولا؟ قل للفتاة الغر هذا حبه إن بان ملتاعا وذاب ميولا يلقاك كالحمل الوديع مضللا فإذا تمكن منك أمسى غولا
107
وما أحسن هذا التحذير للفتاة المسلمة من الاغترار بمظاهر الحضارة الغربية، والتقليد الأعمى لها، والانسياق وراء زخرفها، ونسيان القيم والفضائل التي تصون المرأة وفطرتها الزكية، وما أبلغ تحذيره لها من حَمَل لا يلبث أن يتحول إلى غول أغول، فكم لهذا من شاهد بين فيما اطلعنا عليه من واقع الفتيات اللاتي غرر بهن فكن ضحايا هذا التغرير، فكأين من غريرة نصب لها شاب طائش أرعن شباكا من كلماته المعسولة الواعدة، التي
فتاة
هي أرق من نسيم السحر، وأهنأ من الماء الفرات، وأطيب من الزهر الفواح (1/107)
صفحة 106
108
نداء الحق
بروضة غناء باكرها قطر الندى، فازدادت نضارة وطيبا، حتى أسر قلبها الذائب عندما تخيلته فارس أحلامها الأوحد وبطل آمالها المسدد، فاعتقدت أنها ستجد عنده نعيمها، وخلدها، فما كان منها إلا أن أسلست له قيادها وسلمته نفسها، فإذا به يتحول إلى ذئب مسعور لا يرق لضحيته، ولا يزيده تضرعها وبكاؤها إلا قسوة وضراوة، إذ لا هم له إلا أن ينشب أنيابه ومخالبه في أي ضحية يتمكن منها، وإلى أرقم أقرع لو نفث نفثة من سمه مه في محيطات البحار لأودى بكل ما في سطحها وأعماقها، وتحولت إلى بحار ميتة، فغدت تلك الضحية تتقطع ألما وتذوب ندما، ولات ساعة مندم، بعدما رزأها في أعز ما تملك وأغلى ما تدَّخر، ولربما خلف في أحشائها جنينا يزعجها بما تحسه في صمته وسكونه من أنينه وعويله للمستقبل الأسود الذي ينتظره، فإما حياة كلها تعاسة وشقاء وعنت وبلاء واحتقار وازدراء وإما واد في مصحات الإجهاض.
ما
وقد لا يكفيه أن يرزأها عرضها ويدوس شرفها بل قد يرزؤها حياتها، وكل
عسى
أن تملك من مال.
فلست أنسى تلك الفتاة التي ألحت على أن تفضي إلي بسره رها، الذي كانت تكنه بين حنايا صدرها، وتبثني همومها المؤرقة، وتعرض علي مشكلتها المعقدة المستعصية، ومأساتها البالغة، المحزنة، وقد أزاحت الستار عن سرها المعمى التي لم تطلع عليه أقرب قرابتها وأخص خاصتها، وهي أنها تحقق لها حلم أن تجد وظيفة تغدق عليها ريعا سخيا وكان من بين زملائها شاب مظهره الطَّيْبُ والوَدَاعَة، وهو يحمل بين جنبيه قلب سبع فتاك، فأظهر لها حبا عميقا وإخلاصا بالغا وبسط لها من الآمال بساطا نثرت عليه ورود فواحة، فتخيلته أنه أملها الوحيد، حتى نسيت حنان أبيها الحاني ولطف أمها الرؤوم، فاستدرجها إلى أن رزأها في عفتها وشرفها، وتبين لها فيما بعد أنه مصاب بمرض فقدان المناعة المكتسب وقد نقل إليها هذا الداء العضال، ولم يكتف (1/108)
صفحة 107
المحور الخامس: في العلاقات الاجتماعية وبناء الأسرة الصالحة
109
بهذا بل كانت عرضة لتهديده بأنه سيفضحها ويقدم ضدها شكوى بأنها هي التي نقلت إليه هذا الداء، إلا إن عوضته بمبلغ هائل اضطرت أن تقترضه من مصرف ربوي، فلم تجد إلا أن تستكين له وتستجيب لجشعه، إذ المرأة غالبا تكون أسيرة الضعف وعرضة الابتزاز والاحتيال، وظلت غير قادرة على البوح بسرها، وهي تكدح في عملها وكل ما ينتج عنه يلتهم بألسنة النار الموقدة في أتون المعاملة الربوية المشؤومة، وأهلها يسألونها عن راتبها الشهري الذي كانوا يعلقون عليه آمالهم ويسيل من أجله لعابهم، وإذا بهم لا يجدون منه شروى نقير، وهي غير قادرة أن تبوح لهم بما يقضقض حيزومها، ويقض عليها مضجعها ويطير بلبها، فقد أصبحت بين نيران ملتهبة، فهي لم تعد تطمح أن تكون ربة بيت وأن تسعد بزواج وأمومة، فإن علتها التي نقلها إليها ذلك السبع الكاسر تحول دون ذلك، كما أنها لم تعد تستفيد من عملها شيئا، ولا تستطيع أن تفيد به أسرتها.
وطلبت مني المخرج من هذه الأزمة الخانقة وهذه الحفرة المظلمة المدلهمة، فأشرت إليها أن تتحلى بالشجاعة وأن تواجه ذلك المجرم بالتهديد بأنها قادرة على رفع دعوى ضده إن لم يرد إليها ما رزأها من المال على الأقل، فأجابتني بأن حاجز القدر يحول دون ذلك، فقد اخترمه ريب المنون قبل أن تأتيني بعامين، وتحول من حيث يمكن أن يحاسب من المخلوقين إلى حساب من لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، ليلقى جزاءه الأوفى، حيث تجزى كل نفس بما كسبت، فأجبتها أن لا حل إلا بيد الله تعالى الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، فعليها أن تتوب إليه توبة نصوحا، وتعقد عزمها أن لو استقبلت من أمرها ما استدبرت لم تقبل على شيء يخالف
أمره ونهيه. وقد عجبت من أحوال ذلك السبع الكاسر كلها، وإن كنت لا أدري من أي أحواله أكون أشد عجبا .. !!. (1/109)
صفحة 108
110
نداء الحق
فكم عجبت من قسوته البالغة وقلبه المتحجر، الذي لم تعرف الرحمة إليه سبيلا، إذ لم يكتف أن يرزأ ضحيته هذه في عرضها وشرفها، وفي حياتها بنقل هذا الداء العضال إليها، وحيلولته دون أن تستمتع في حياتها بزواج سعيد وذرية تقر بها عينها، وإنما رزأها بجانب ذلك في جهد عملها بهذا الابتزاز الذي تركها تكدح فيما تبقى من حياتها من غير أن يعود الكدح إليها بعائد. هذا بجانب ما خلفه في نفسها من هموم ووساوس تنتابها في ليلها ونهارها، فتؤرق ليلها وتزعج نهارها خشية الفضيحة بين أهلها ومجتمعها. كما عجبت من كون ذلك المجرم لم يرحم نفسه ولم يفكر قط في مصيره، فإذا كان الإنسان في صحته ونعمته قد ينسى المنقلب إلى الله لما يبطره من نعمة الله التي تبعد عنه شبح نقمته، فما بالك بهذا الإنسان الذي يرى الموت الزؤام بين ناظريه، وينتظره في غدوه وعشيه بما يسري في جسمه من أثر داء عضال ما له من دواء إلا المنون، فكيف لم يرحم نفسه ويتب إلى ربه ويصلح من حياته ما أفسده شيطانه ونفسه الأمارة بالسوء؟؟! وإنما استمر في تحميل نفسه أوزارا تلو أوزار لو ناءت ببعضها السماوات والأرض لتبددت وهوت إلى غير قرار .. !! {يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ مَا غَرَكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّنَكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَي صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَبَكَ كَلَّا بَلْ تُكَذِبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَفِظِينَ * كِرَامًا كَذِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ * إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمِ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمِ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَايِينَ * وَمَا أَدْرَنكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَنكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسُ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَيذٍ لِلَّهِ) الانفطار: 6 - 19.
وإنما يدل هذا على أن الإنسان عندما يفقد الإيمان يغدو أضرى من السبع الجائع وأقسى من الصلدم الصلد، ولا يكاد يفيق من سكرة غروره إلا عندما يلقى مصيره المحتوم، ولات ساعة مندم، فقد ذكرت لي هذه الضحية المبتزة أن جزارها عندما أحاطت به نذر الموت وكشر له عن أنيابه العصل، وبدأت (1/110)
صفحة 109
المحور الخامس: في العلاقات الاجتماعية وبناء الأسرة الصالحة
111
مخالبه تنشب في أوصاله، اتصل بضحيته طالبا الصفح عنه، ظانا أنه بذلك يمكنه تدارك أمره، وأنى له التدارك ولسان حال القضاء المحتوم يناديه تبكيتا وتقريعا: {وَالْكَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) يونس: 91، ونذير الوعيد يهتف به يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَنْهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَنِهَا خَيْرًا) الأنعام: 158، كيف وقد كان هذا عندما أبصر العاقبة التي كان في غفلة عنها: (لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ق: 22؟؟.
وكم لهذه القصة من نظائر؛ فما أكثر الذئاب الكاسرة التي تظهر في صور
البشر وتلبس لبوسهم وتتظاهر بعطفهم وحنانهم وطيب مشاعرهم ونبل شعورهم، وكم من ضحية في الخفاء تفريها أنياب هذه الذئاب؟؟!! ولو تكشفت هذه الأستار لأذهلت العقول وحيرت أولي الألباب، ولكن وإن عظمت العبرة وجلت الذكرى فهل من معتبر أو مدكر؟! فإن الفتيات يتساوقن إلى حتفهن بهذا السباق المحموم إلى الوظائف في الميادين المشتركة بين الذكور والإناث، وأولياؤهن يزجون بهن في هذه المخاطر طمعا في لعاعة من الكسب وراء وظائفهن، ولا يبالون بالعرض والشرف والغيرة والحمية، وإنما كل ذلك يداس بالأقدام في سبيل تحقيق المنافع الوهمية التي تخدع الطامعين. ولست بناس ما قرأته قبل ما يقرب من عقدين من السنين في رسالة بعثت بها إلي إحدى الفتيات، تذكر أن أباها زج بها في عمل بغابة فيها أكثر من عشرة من الذئاب المسعورة وهي الأنثى الوحيدة بينهم، وكل واحد منهم يعرض عليها أن يقضي وطره منها، ونفسها الأمارة بالسوء تميل إلى ذلك استجابة لداعي الفطرة الملح، ولكنها تكابر النفس والشيطان، وتقاوم من حولها من الذئاب البشرية التي هي أخطر من الذئاب الحيوانية، وتذكر أنها في أشد الحاجة إلى زوج يعفها، ولكن أباها الجشع المنهوم يأبى أن يزوجها من أجل ما يستأثر به من راتبها، فعجبت من هذه الأبوة التي لا ينتج عنها إلا هذه (1/111)
صفحة 110
112
نداء الحق
القسوة، ولا تفكير لها في كرامة أو عرض أو شرف!! وإنما حصر تفكيرها في الطمع الدنيء، وقد أرْسَلتُ آنذاك رسالة إلى الآباء عبر الإذاعة المرئية في برنامج سؤال أهل الذكر دعوتهم فيها إلى الادكار والاستبصار والشفقة على أفلاذ أكبادهم ورياحين قلوبهم من الدفع بها إلى أن تكون ضحايا أطماعهم وشهوات هؤلاء المسعورين الذين يلزون بها نحوهم.
وأكرر الآن هذه الرسالة عبر هذه الكلمات راجيا أن تصل إلى كل أب وأم بل وإلى كل فتاة، وأن تصل إلى المسؤولين الذين أطالبهم بإلحاح أن يتقوا الله، وأن يعطوا هذه المسؤولية حقها، وأن يفكروا في الحساب العسير بين يدي الله سبحانه والجزاء الأوفى عنده، فلا يدعوا ميادين العمل أو مؤسسات الدراسة غابات لاصطياد هذه الضحايا وافتراسهن من قبل أولئك المتنمرين، وذلك عندما يجمعون بين النار والوقود أو بين الظباء، والأسود، وأن يؤطروا وظائف الجنسين في الإطار الشرعي مراعين تعاليم الإسلام، وقيود شرعه الحنيف فيما يتعلق بالرجل والنساء، سواء في الأعمال أو في مجال التعليم مستبصرين بهدي القرآن الكريم، الذي يطبع أخلاق الرجل وأخلاق المرأة بطابع الفضيلة والعفة والوقار، فقد أدب الله تعالى الرجال بهذا الأدب الرفيع عندما قال: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} النور: 30، عطف العنان على النساء فأحاط عفتهن بحائط سميك من الآداب والفضائل عندما قال: {وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبَصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَابِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَ بِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسَآبِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) النور: 31.
ثم (1/112)
صفحة 111
المحور الخامس: في العلاقات الاجتماعية وبناء الأسرة الصالحة
113
وليس هذا إلا تكريما للمرأة وحفاظا على قدرها الرفيع وشرفها العالي، ولذلك بدأ الله في هذا بأطهر بيت وأقدسه، وهو بيت النبوة عندما قال: {يَاتها النَّبِيُّ قُل لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (الأحزاب (59، فقد بدأ الله تعالى في هذا الخطاب بأزواج النبي وثنى ببناته وثلث بنساء المؤمنين، وعلل ذلك بأن في هذا تجنيبا لهن من أذى السفهاء والأوغاد، وبَيَّنَ في هذا السياق أن هذه التعاليم تؤجج سعيرا في قلوب المنافقين، لأنها لا تروق لهم ولا تنسجم مع شهواتهم، إذ أتبع ذلك قوله: {لَن لَّمْ يَنَهِ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِلُوا تَفْتِيلًا * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا (الأحزاب: 60 - 62، وكفى بهذا دليلا أن كل من لم ترق له هذه التعاليم الربانية فهو من فريق المنافقين والذين في قلوبهم مرض. وأنتم ترون كيف خص الله تعالى أمهات المؤمنين بفرض المبالغة في الاحتياط عندما يتعاملن مع الرجال ـ مع ما لهن من قدر عند كل مؤمن، إذ كل منهم يغار على حرماتهن ويقدر مكانتهن أكثر مما يكون ذلك في حق أمه التي ولدته تعظيما لمقام النبي صلى الله عليه وسلم ورعاية لحرماته ـ فقد شدد الله تعالى خطابهن بقوله: {يَنِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَوَةَ وَعَاتِينَ الزَّكَوةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) الأحزاب: 32 - 33.
وإذا كان هذا الخطاب في حق أمهات المؤمنين وهن في مجتمع المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، الذين كانت تنضح دخائلهم بالتقوى، وتشرق على علانيتهم أنوار الإيمان التي تشع من أعماق سرائرهم، (1/113)
صفحة 112
114
نداء الحق
فما بالك بسائر النساء في أزمنة شاعت فيها الفحشاء، ومجتمعات فاح فيها نتنها حتى أزكم الأنوف ولم يكد يشم فيها للعفة شميم، أولا تكون هذه المجتمعات في هذه الأزمنة أولى بالاحتياط وعدم التهاون في عواقب هذه الأمور، والكل يرى بأم عينيه ما نتج عن هذا التهاون من بلاء، وما استشرى بسببه من داء أصاب طبيعة الإنسانية في الصميم؟؟.
وإنما ألفة الناس للفساد والانحراف غيرت طباعهم وعطلت حواسهم، فأصبحوا يستطيبون نتن الخبائث، ويعافون طيب الطيبات كالجعلان التي تستروح وتنتعش بالأرجاس وتنكمش وتموت بشم العطور، وهذا يعني الناس بحاجة إلى دورة تردهم إلى الفطرة التي شطوا عنها، وترجع بهم
المنهج السوي الذي انحرفوا عنه.
أن
إلى
وأخطر ما في الأمر هو انقلاب الموازين وانتكاس المقاييس، فقد أصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا، والباطل حقا والحق باطلا، لأن الناس يتلون القرآن للتسلي والطرب لا للتدبر والعظة، والعرفان فكم لنداء القرآن في هذا من هدير يصخ الآذان، ولكن الناس صموا فلم يعد لهذا النداء الهادر أثر عليهم، لأن نفوسهم. مالت إلى ضجيج الباطل وصخبه فأسرها بزينته وزخرفه.
لأنهم
وقد خيل إليهم أنهم بهذا يصعدون معارج الرقي ويؤمون مقامات التقدم، ظنوا أن الأمم التي أصبحت بيدها الصول والطول وصلت إلى ما وصلت إليه بالتخلي عن قيود الفضيلة والأخلاق والتجرد من حلية الآداب والشرف، فهان عليهم دينهم ومروءتهم بل لم يفكروا حتى في النخوة والشهامة التي كان عليها الآباء والأجداد.
وقبيح بنا وإن قدم العه
د هوان الآباء والأجداد
ولست الآن بصدد شرح ما تعانيه هذه الأمم المتقدمة بسبب التفسخ
والميوعة من انحلال الروابط الاجتماعية، وتفكك الأسر، وانحطاط الإنسان (1/114)
صفحة 113
المحور الخامس: في العلاقات الاجتماعية وبناء الأسرة الصالحة
115
إلى دركات أدنى مما عليه الحيوان، فإن ذلك أمر يطول شرحه، وشواهده بينة مما فاهت به ألسنة هؤلاء الذين يعانون هذه المعاناة وسجلته أقلامهم، فلا أعجب إلا من طبيب كان واجبه أن يعالج المرضى بما أوتيه من مهارة في الطب ودراية بالعلاج ووفرة في الدواء، ولكنه بدل أن يقوم بهذا ينقل أمراض المرضى إلى نفسه، فأمة الإسلام تحتاج إليها الأمم لشفاء أسقامها وتقويم اعوجاجها بما آتاها الله من بصيرة القرآن وهدي النبي، ولكن بدلا من ذلك أصبحت ترتكس فيما ارتكست فيه الأمم، لا تلوي على صوت القرآن الذي يرن في جنبات الوجود، ولا على نوره الذي يشعشع في آفاق الكون.
من أعظم المصائب جشع الآباء وحرمانهم بناتهم من حقهن الفطري والمالي: وكم تكون المصيبة في جشع الآباء وحرصهم على الاستئثار برواتب بناتهم وخشيتهم أن تفوتهم عندما يزوجونهن، فلا يجدون سبيلا لتحقيق مآربهم إلا بعضلهن عن الزواج، فيغدون صما بكما عميا، لا يسمعون موعظة ولا تنفعهم عبرة، لا يبالون إذا أتتهم بناتهم وقد أثقلت أرحامهن أجنة حملنها من هنا وهناك، حيث الاختلاط في العمل ووجود الفرصة للخلوة بالزملاء في أماكن غير محصورة، وما هؤلاء الآباء الذين طمست المطامع أبصارهم وبصائرهم إلا آفات المجتمع وجراثيمه الفتاكة التي تسري في جسمه فتتفشى فيه الأوباء التي لا تبقي ولا تذر، وقد عمي هؤلاء وصموا عن زواجر القرآن الذي يحذر إيما تحذير من عضل الأولياء لمولياتهم عن تحقيق رغبتهن في الزواج، ويؤكد أن العضل لا يكون ممن يؤمن بالله واليوم الآخر كما في قوله تعالى: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَاَضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَظْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا نَعْلَمُونَ} البقرة: 232، فإن هؤلاء لا يهمهم الزكاء والطهر، وإنما همهم معقود بما يجنونه من المال ولو جنوه بظلم مركب من حرمان بناتهم من حقوقهن المالية (1/115)
صفحة 114
116
نداء الحق
والفطرية والاجتماعية، فهم لا يبالون أن ينغمسوا في الرجس ويرتكسوا في الفجور إن تحقق لهم هذا المطلب، ووصلوا إلى هذا الغاية.
وقد يتمثل جشعهم في حرصهم على المهور الغالية التي ترهق الشباب فتحول بينهم وبين مبتغاهم من الحياة الزوجية التي هي سبب لعفة الجنسين، مع ما يتبع هذه المهور من تكاليف الزواج التي تأتي على طارف المال وتليده، وهذه الظاهرة جديرة بأن تتضافر الجهود الرسمية والشعبية من أجل القضاء عليها، ليتنفس الشباب والفتيات جميعا الصعداء عندما يتمكنون من الاستجابة للداعي الفطري الملح بطريقة سليمة، لا إثم فيها ولا خزي ولا عار، فلا بد من حملة توعية واسعة النطاق بالعلاج الحاسم لهذا الداء العضال، تعزز وتدعم بقرار قضائي يضع حدا لكل جشع جاشع أو عادة متفشية فاسدة.
هذا؛ وقد تكون المشكلة في طموح الأولياء إلى أن تكون بناتهم في عصمة رجال لهم مناصب مرموقة وثروات طائلة ولا يلتفتون إلى جانب الدين والأخلاق، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا إلى أن يكون الاختيار لصاحب الدين والخلق، كما روي من طريق أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض.
واجب الآباء والأمهات في صون أبنائهم وبناتهم من هذه المخاطر: لا يخفى على لبيب أن الفطرة السوية تأبى على كل أب حان وأم رؤم أن يزجا بابنتهما في هذه المخاطر، وأن يخليا بينها وبين الغرق في بحارها أو الحرق بنارها فإنها بهذا تكون عرضة لهتك العرض وسلب الحياة وابتزاز المال، عن الوقوع في فضائح يتلطخون جميعا بعارها، وهذا يعني أنهم
فضلا
(1) أخرجه الترمذي (395/ 3، رقم (1085، والطبراني في أوسطه (131/ 7 رقم: 7074)، ومن طريق أبي حاتم المزني أخرجه الطبراني في كبيره (299/ 22 رقم: (762)، والبيهقي في السنن الكبرى (132/ 7 رقم: (1381) والصغري (10/ 3 رقم: 2352). (1/116)
صفحة 115
المحور الخامس: في العلاقات الاجتماعية وبناء الأسرة الصالحة
117
أن لا يلتفتوا إلى مطمع ولا غيره في سبيل صون بناتهم وأعراضهن من
عليهم التدنس بهذه القاذورات.
ومع
هذا فإن عليهم أن لا يهملوا أبناءهم من رعاية تصون عفتهم، وتحوط حياتهم من الأخطار، فكم من أبوين رزئا بابنهما في ريعان عمره وزهرة شبابه سبب الإهمال، فقد يقع الشباب في مغبة موحشة مدلهمة بسبب نزقهم وطيشهم ومغامراتهم الغرامية، إذ كثيرا ما تدفعهم شهواتهم الدنيئة إلى الاندفاع قدما حيث لا يجدون إلا الموت الزؤام؛ بسبب حرص بعض الأسر على أعراضهم أن تهتك ولا يبالون في سبيل ذلك بسفك دم أو غيره.
يجر
الشباك،
ولربما قررت بعض الفتيات أن يثأرن لأعراضهن بعد تمزيق أديم عفتهن بأنياب وأظافر الذئاب المسعورة من البشر، وليس بغريب أن يثأر غزال - أثخنه الجراح ـ من مفترسه، ولو كان أسدا هصورا أو ذئبا مسعورا، ففي أضابير الجنايات تدور قضية في هذه الأيام مفادها أن شابا غريرا استطاع بحيله أن إليه فتاة في أول بلوغها الحلم، وتمكن بما بسطه لها من بساط الحلم السعيد، ونثره لها من فواغي أماني المستقبل الزاهر الفواحة أن يوقعها في فواقعها مصورا بهاتفه وقائع هذا الحدث المشؤوم، وأخذ يبتزها بعد ذلك ليكرر جريمته ضاغطا عليها بتهديده إياها أنها إن لم تطاوعه فضحها بنشر ما بيده من صورها، فلما أفاقت قررت أن تنتقم منه، فدعته في هزيع من الليل إلى البيت الذي تأويه، فلما أتاها طالبته بمسح جميع الصور من هاتفه، فسخر من هذه المطالبة وأصر على المضي قدما في ابتزازها وإذلالها، وكانت قد أخفت سكينا عندها، فما كان منها إلا أن طعنته طعنات ذهبت بأنفاسه، وقد
أفادني بتفاصيل هذه القضية محاميها.
وفي
هذا ما يدعو الآباء والأمهات جميعا أن يصونوا أولادهم ذكورا وإناثا من
الوقوع في هذه المزالق، وركوب هذه الأخطار، وأن لا تأخذهم استهانة بهذه (1/117)
صفحة 116
118
نداء الحق
العواقب، فإنهم إن لم يدركوا مرارتها قبل أن يذوقوها، فسوف يدركونها بعد أن تغص بها حلاقيمهم، وتتفجر بآثارها حيازيمهم والله الأمر من قبل ومن بعد.
انتشار عادات سيئة في معاملة النساء:
سلطان،
كم تفشى في الحياة الزوجية من عادات ذميمة ما أنزل الله بها من ونصوص القرآن تأباها ولكن الهوى غلب على الناس فأعماهم عن هداية القرآن وهداية السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فرسخت فيهم عادات في العشرة الزوجية وفي الطلاق يبرأ منها الله ورسوله، فلا يخفى أن الحياة الزوجية شركة بين الزوجين لأن كلا منهما ربط مصيره بمصير الآخر، لا سيما المرأة التي أسلست للرجل قيادها وسلمت إليه زمامها، فهو المسؤول عنها، وعليه أن يقوم بحسن رعايتها، والحقوق بينهما مشتركة، فلكل منهما على الآخر مثل ما عليه له.
وإنما يتميز الرجل بدرجة القوامة وهذا ما نص الله عليه في قوله: {وَهَنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةُ} (البقرة: 228، فهي شريك للرجل تستحق منه ما يستحق منها، وليست القوامة التي اختص بها دونها إهانة لها أو وسيلة له إلى أن يستعبدها ويذلها، وإنما هي حكمة ربانية ناشئة عن علمه تعالى بفطرته وفطرتها فالمرأة جياشة المشاعر، سريعة الانفعال، تطغى عليها العاطفة إن هاجت فتتحكم في كلا جانبي دماغها، ولا تكون قادرة على التفكير، بخلاف الرجل، فإنه وإن هاجت عاطفته تشغل جانبا من دماغه ويبقى الجانب الآخر صالحا للتفكير، فلذلك جعلت القوامة بيده لأنه الربان الماهر القادر على توجيه سفينة العشرة الزوجية في الخط الملاحي السليم بين العواصف الهوجاء والأمواج المتلاطمة الناشئة عن العواطف الرعناء، فلو كانت القوامة بيدها وسُلّمت مقود السفينة لتحطمت بين هياج العواصف وتلاطم الأمواج قبل أن تقطع أي مسافة. (1/118)
صفحة 117
المحور الخامس: في العلاقات الاجتماعية وبناء الأسرة الصالحة
119
وهب أن الطلاق كان بيدها فإنها لا يؤمن أن تطلق الرجل لأي خلاف يعرض، وتعض بعد ذلك على بنان الندم، ولا ريب أن الرجل الذي اختصه الله بهذه الدرجة هو حري بأن يرعى خصائص المرأة الفطرية، فلا يندفع إلى التفاعل مع عواطفها وعواطفه إن ألم بها طائف مما يكون بينهما من شقاق
وخلاف، فعليه أن يتفادى الطلاق، وسعه كما سنبين ذلك إن شاء الله.
وقد بين الله سبحانه أن العشرة بين الزوجين يجب أن تكون عشرة وئام وود وحنان ورحمة، كما يدل عليه قوله تعالى: {وَمِنْ عَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) الروم: 21، لذلك كان على الرجل أن يعاشرها بالمعروف، كما أن عليه ـ إن اقتضى الأمر تسريحها لدواعي لا بد منها ـ أن يسرحها بالإحسان كما نص عليه قوله سبحانه: {فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَنٍ} البقرة: 229، فإن أمسك فعليه أن يتفادى كل منكر في علاقته بها، وإن سرحها تجنب كل إساءة في
تسريحها.
وقد بين الله سبحانه ما ينوء به الرجل من مسؤولية كبرى تجاه امرأته، وأن الرابطة الزوجية تجمع بينهما حتى تكاد تذوب هوية كل واحد منهما فلا تبقى له هوية مستقلة، وإنما يندمجان في هوية، واحدة كما هو واضح في قوله تعالى: {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ (النساء: 21، إذ لم يقل: وقد أفضيتم إليهن، لينبه على أن كلا منهما عليه أن يحس بمشاعر الآخر، وأن يقدر عواطفه وأن يرعى هواجسه وخواطره حتى تصفو الحياة بينهما، ويكون قلباهما كقلب واحد، يتدفقان جميعا حبا وانسجاما ورحمة وحنانا، فلا يكون من أحدهما تجاه الآخر إلا البر والإحسان، ثم أتبع ذلك بيان ما ينوء به الرجل من واجب اجتماعي مقدس في حق أهله يسأل عنه بين يدي ربه، إذ أتبع ذلك قوله: وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيتَقًا غَلِيظًا (النساء: 21. (1/119)
صفحة 118
120
نداء الحق
ليت شعري؛ ما هو الميثاق الغليظ الذي لفت الله تعالى انتباه الرجال إليه، وذكرهم بوجوب رعايته؟ ذكر القرطبي أن فيه ثلاثة أقوال. قيل: هو قوله الله: «فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله»)، قاله عكرمة والربيع.
الثاني: قوله تعالى: {فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَنِ} البقرة: 229، قاله الحسن وابن سيرين وقتادة والضحاك والسدي.
الثالث: عقدة النكاح قول الرجل: نكحت وملكت عقدة النكاح، قاله
مجاهد وابن زيد وقال قوم: الميثاق الغليظ الولد. والله أعلم).
•
ولا ريب أن كل من ذلك عهد موثق ومسؤولية كبرى، ما كان للرجل أن يتهاون بها إن كان يرجو الله واليوم الآخر، وحكى صاحب المنار عن شيخه الإمام محمد عبده: «أن هذا الميثاق الذي أخذه النساء من الرجال لا بد أن يكون مناسبا لمعنى الإفضاء في كون كل منهما من شؤون الفطرة السليمة، وهو ما أشارت إليه الآية الكريمة: {وَمِنْ آيَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) الروم 21، فهذه آية من آيات الفطرة الإلهية هي أقوى ما تعتمد عليه المرأة في ترك أبويها، وإخوتها، وسائر أهلها، والرضا بالاتصال برجل غريب عنها تشاركه السراء والضراء، فمن آيات الله تعالى في هذا الإنسان أن تقبل المرأة بالانفصال من أهلها ذوي الغيرة عليها، لأجل الاتصال بالغريب تكون زوجا له ويكون زوجا لها تسكن إليه ويسكن إليها، ويكون بينهما المودة والرحمة أقوى من كل ما يكون بين ذوي القربي، فكأنه يقول: إن المرأة لا تقدم على الزوجية وترضى بأن تترك جميع
(1) أخرجه عبد بن حميد (ص 341 رقم 1135) ومسلم (886/ 2، رقم 1218) وأبو داود (182/ 2، رقم 1905)، وابن ماجه (1022/ 2، رقم 3074).
(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 103/ 5. (1/120)
صفحة 119
المحور الخامس: في العلاقات الاجتماعية وبناء الأسرة الصالحة
121
أنصارها وأحبائها لأجل زوجها إلا وهي واثقة بأن تكون صلتها به أقوى من كل صلة وعيشتها معه أهنأ من كل عيشة وهذا ميثاق فطري من أغلظ المواثيق، وأشدها إحكاما، وإنما يفقه هذا المعنى الإنسان الذي يحس إحساس الإنسان، فليتأمل تلك الحالة التي ينشئها الله ـ تعالى ـ بين الرجل وامرأته يجد أن المرأة أضعف من الرجل، وأنها تقبل عليه تسلم نفسها إليه، مع علمها بأنه قادر على هضم حقوقها، فعلى أي شيء تعتمد في هذا الإقبال والتسليم؟ وما هو الضمان الذي تأخذه عليه، والميثاق الذي تواثقه به؟ ماذا يقع في نفس المرأة إذا قيل لها: إنك ستكونين زوجا لفلان. إن أول شيء يخطر في بالها عند سماع مثل هذا القول أو التفكر فيه، وإن لم تسأل أنها ستكون عنده على حال أفضل من حالها عند أبيها وأمها، وما ذلك إلا لشيء استقر في فطرتها وراء الشهوة، وذلك الشيء هو عقل إلهي، وشعور فطري أودع فيها ميلا إلى صلة مخصوصة لم تعهدها من قبل، وثقة مخصوصة أحد من الأهل، وحنوا مخصوصا لا تجد له موضعا إلا البعل،
لا تجدها في
عنه
هو
ذلك فمجموع الذي يوثق به ما لا يوثق بالكلام الموثق بالعهود والأيمان، وبه تعتقد المرأة أنها بالزواج قد أقبلت على سعادة ليس وراءها سعادة في هذه الحياة، وإن لم تر من رضيت به زوجا ولم تسمع له من قبل كلاما فهذا ما علمنا الله تعالى إياه، وذكرنا به - وهو مركوز في أعماق نفوسنا - بقوله: إن النساء قد أخذن من الرجال بالزواج ميثاقا غليظا فما هي قيمة من لا يفي بهذا الميثاق، وما هي مكانته من الإنسانية؟» اهـ.
هو الميثاق الغليظ الذي أخذته من الرجل بمقتضى نظام الفطرة
6
قلت: إن الفطرة هي أساس شرع الله تعالى، إذ لم يكن الإسلام في فكره الرصين وحكمه العادل وخلقه الرفيع إلا استجابة لداعي الفطرة، فما هو مركوز في الطباع من ميل المرأة إلى الرجل - مع ما طبعت عليه من الضعف تجاه
(1) محمد رشيد: رضا تفسير المنار، 377/ 4. (1/121)
صفحة 120
122
نداء الحق
قوته ـ وميل الرجل إلى المرأة إذ لا يمكن أن يستغني عنها مع ما وهبه الله من خصائص فطرية، وقوى عقلية وبدنية، هو أساس ما شرع من الأحكام في كتاب الله تعالى، وسنة نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام، وهو أن لا يمسك الرجل المرأة إلا بالمعروف ولا يسرحها إلا بالإحسان، ولا يعاشرها إلا بما يرضي ضميره ويريح، بالها فلا تجد في جانبه إلا البر والإحسان والعطف والحنان والرحمة والمودة وما نبه عليه النبي من أن الرجل أخذها بأمانة الله، واستحل فرجها بكلمته فعليه أن يتقي الله ويكون لها وفيا.
6
على أن عقدة النكاح بين الزوجين تنزل كل واحد منهما منزلته في المسؤولية، فالرجل عليه أن يراعيها والمرأة عليها أن تطيعه بالمعروف، وأن تسعى دائما إلى إرضائه وإراحة قلبه، وقالبه، وإن من مراعاته لها أن لا يغمطها شيئا من حقوقها المادية أو المعنوية، وأن لا يشاكسها فيما أخذت عليه من الشروط، فعن عقبة بن عامر الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج).
ومن حقوقها المادية أن يوفر لها سكنا لائقا بها وما تحتاج إليه لطعامها وكسوتها وعلاجها وسائر نفقاتها الضرورية، والحاجية ومن حقوقها المعنوية يراعي مشاعرها، ولا يخاطبها إلا بما يريح بالها ويطيب نفسها من الكلام الحسن، ويقدر أهلها ويرعاها فيهم.
أن
والرجال يتفاوتون في فضائلهم وفواضلهم بحسب أعمالهم وأخلاقهم، ومما يدخل في ذلك معاملتهم لأهلهم وهذا ما دل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي
(1) أخرجه أحمد (150/ 4، رقم 17400)، والبخاري (970/ 2، رقم 2572)، ومسلم (1035/ 2، رقم 1418)، وأبو داود (244/ 2، رقم 2139)، والترمذي (434/ 3، رقم 1127) وقال: حسن صحيح. والنسائي (92/ 6، رقم (3281)، وابن ماجه (628/ 1، رقم 1954)، وابن حبان (402/ 9،
رقم 4092)، وأخرجه أيضا الروياني (156/ 1، رقم 175)، والطبراني (274/ 17، رقم 752). (1/122)
صفحة 121
المحور الخامس: في العلاقات الاجتماعية وبناء الأسرة الصالحة
النساء
6
123
جاء عنه من عدة طرق بلفظ: خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»، وقد جاء من طريق الإمام علي كرم الله وجهه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ما أكرم النساء إلا كريم ولا أهانهن إلا لئيم» (2)، ولا يخلو إسناده من مقال، ولكن معناه يعتضد بما عرف من هديه صلى الله عليه وسلم من إكرام نسائه وإحسانه إليهن ولطفه في معاملتهن، وهو سيد الكرماء، وعنوان الفضلاء بل يعتضد ذلك بوصايا القرآن، فكم وصى بالرفق بهن وحسن معاشرتهن، ناهيك قوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} النساء: 19، فهو يدعو الرجال إلى أن يتكيفوا في معاشرة مع ما أمروا به من المعروف، ولو تأصلت في نفوسهم كراهتهن، إذ لعل الله يجعل الخير فيما كرهوا، واختلف في معنى ذلك: فتارة فسر الخير الكثير بولد يحصل فتنقلب الكراهة محبة، والنفرة رغبة وتارة بأنه لما كره صحبتها ثم إنه يحتمل ذلك المكروه طلبا لثواب الله، وأنفق عليها وأحسن إليها على خلاف الطبع، استحق الثواب الجزيل في العقبى والثناء الجميل في الدنيا» (3). وقال البقاعي: (وإن كَرِهْتُمُوهُنَّ) فلا تبادروا إلى المضاجرة أو المفارقة، واصبروا عليهن نظراً لما هو الأصلح، لا لمجرد الميل النفسي، فإن الهوى شأنه أن لا يدعو إلى خير ثم دل على هذه العلة بقوله: {فَعَسَى) ولوضوح دلالتها على ذلك صح جعلها جواباً للشرط» (4).
(?)
(1) أخرجه من طريق عائشة الترمذي (709/ 5، رقم (3895 وقال: حسن غريب صحيح. وابن حبان (484/ 9، رقم 4177)، والبيهقي في شعب الإيمان (415/ 6، رقم (8718). والدارمي (212/ 2، رقم 2260)، ومن طريق ابن عباس أخرجه ابن ماجه (636/ 1، رقم 1977)، وابن سعد (205/ 8)، ومن طريق عبد الله بن شداد: أخرجه ابن سعد (205/ 8)، ومن طريق أبي هريرة: أخرجه
الخطيب (13/ 7).
(2) أخرجه ابن عساکر (312/ 13). (3) الرازي: التفسير الكبير، 13/ 10. (4) البقاعي: نظم الدرر، 225/ 5. (1/123)
صفحة 122
124
نداء الحق
وقال السيد رشيد رضا: «فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ) لعيب في الخلق، أو الخلق مما لا يعد ذنبا لهن: لأن أمره ليس في أيديهن أو التقصير في العمل الواجب عليهن في خدمة البيت والقيام بشؤونه، مما لا يخلو عن مثله النساء وكذا الرجال في أعمالهم، أو الميل منكم إلى غيرهن، فاصبروا ولا تعجلوا بمضارتهن، ولا بمفارقتهن، لأجل ذلك فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا، فهذا الرجاء علة لما دل عليه السياق من جزاء الشرط، ومن الخير الكثير بل أهمه وأعلاه الأولاد النجباء، فرب امرأة يملها زوجها ويكرهها، ثم يجيئه منها من تقر به عينه من الأولاد النجباء فيعلو قدرها عنده بذلك، وقد شاهدنا، وشاهد الناس كثيرا من هذا، وناهيك به: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ (الفرقان: 74.
نعم الإله على العباد كثيرة وأجلهن نجابة الأولاد ومنها أن يصلح حالها بصبره وحسن معاشرته، فتكون أعظم أسباب هنائه في انتظام معيشته، وحسن خدمته لا سيما إذا أصيب بالأمراض، أو بالفقر، والعوز، فكثيرا ما يكره الرجل امرأته لبطره بصحته وغناه، واعتقاده أنه قادر على أن يتمتع بخير منها، وأجمل فلا يلبث أن يسلب ما أبطره من النعمة، ويكون له منها إذا صبر عليها في أيام البطر خير سلوى، وعون في أيام المرض، أو العوز، فيجب على الرجل الذي يكره زوجه أن يتذكر مثل هذا ويتذكر أيضا أنه لا يخلو من عيب تصبر امرأته عليه في الحال، غير ما وطنت نفسها عليه في الاستقبال»).
6
وقال العلامة ابن عاشور: «أعقب النهي عن إكراه النساء والإضرار بهن بالأمر بحسن المعاشرة معهن، فهذا اعتراض فيه معنى التذييل لما تقدم من النهي، لأن حسن المعاشرة جامع لنفي الإضرار والإكراه، وزائد بمعاني إحسان الصحبة.
(1) محمد رشيد: رضا تفسير المنار، 375/ 4. (1/124)
صفحة 123
المحور الخامس: في العلاقات الاجتماعية وبناء الأسرة الصالحة
125
والمعاشرة مفاعلة من العشرة وهي المخالطة، قال ابن عطية وأرى اللفظة من أعشار الجزور لأنها مقاسمة ومخالطة، أي فأصل الاشتقاق من الاسم الجامد وهو عدد العشرة وأنا أراها مشتقة من العشيرة أي الأهل، فعاشره جعله من عشيرته كما يقال آخاه إذا جعله أخا.
•
أما العشيرة فلا يعرف أصل اشتقاقها. وقد قيل: إنها من العشرة أي اسم العدد وفيه نظر. والمعروف ضد المنكر وسمي الأمر المكروه منكرا لأن النفوس لا تأنس به فكأنه مجهول عندها نكرة، إذ الشأن أن المجهول يكون مكروها ثم أطلقوا اسم المنكر على المكروه، وأطلقوا ضده على المحبوب لأنه تألفه النفوس. والمعروف هنا ما حدده الشرع ووصفه العرف.
والتفريع في قوله: فإن كرهتموهن على لازم الأمر الذي في قوله: وَعَاشِرُوهُنَّ) وهو النهي عن سوء المعاشرة، أي فإن وجد سبب سوء المعاشرة وهو الكراهية. وجملة فعسى أن تكرهوا نائبة مناب جواب الشرط، وهي عليه له فعلم الجواب منها وتقديره فتثبتوا ولا تعجلوا بالطلاق، لأن قوله: {فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا .... النساء: 19 يفيد إمكان أن تكون المرأة المكروهة سبب خيرات فيقتضي أن لا يتعجل في الفراق.
و (فَعَسَى) هنا للمقاربة المجازية أو الترجي أَن تَكْرَهُوا * ساد مد معموليها، ويجعل معطوف على تكرهوا، ومناط المقاربة والرجاء هو مجموع المعطوف والمعطوف عليه بدلالة القرينة على ذلك.
وهذه حكمة عظيمة، إذ قد تكره النفوس ما في عاقبته خير فبعضه يمكن التوصل إلى معرفة ما فيه من الخير عند غوص الرأي. وبعضه قد الله أن فيه خيرا لكنه لم يظهر للناس. قال سهل بن حنيف، حين مرجعه من صفين «اتهموا الرأي فلقد رأيتنا يوم أبي جندل ولو نستطيع أن نرد على رسول الله أمره لرددنا والله ورسوله أعلم». وقد قال تعالى في
علم (1/125)
صفحة 124
126
نداء الحق
سورة البقرة: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} البقرة: 216.
والمقصود من هذا الإرشاد إلى إعماق النظر وتغلغل الرأي في عواقب الأشياء، وعدم الاغترار بالبوارق الظاهرة. ولا بميل الشهوات إلى ما في الأفعال من ملائم، حتى يسبره بمسبار الرأي، فيتحقق سلامة حسن الظاهر من سوء خفايا الباطن» اهـ (1).
وقال المفكر الإسلامي الأستاذ سيد قطب: «وهذه اللمسة الأخيرة في الآية، تعلق النفس، بالله، وتهدئ من فورة الغضب، وتفثأ من حدة الكره حتى يعاود الإنسان نفسه في هدوء وحتى لا تكون العلاقة الزوجية ريشة في مهب الرياح. فهي مربوطة العرى بالعروة الوثقى العروة الدائمة. العروة التي تربط بين قلب المؤمن وربه، وهي أوثق العرى وأبقاها.
والإسلام الذي ينظر إلى البيت بوصفه سكناً وأمناً وسلاماً، وينظر إلى العلاقة بين الزوجين بوصفها مودة ورحمة وأنساً، ويقيم هذه الآصرة على الاختيار المطلق، كي تقوم على التجاوب والتعاطف والتحاب ..
هو الإسلام ذاته الذي يقول للأزواج: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} النساء: 19 ..
كي يستأني بعقدة الزوجية فلا تفصم لأول خاطر، وكي يستمسك بعقدة الزوجية فلا تنفك لأول نزوة، وكي يحفظ لهذه المؤسسة الإنسانية الكبرى جديتها
فلا يجعلها عرضة لنزوة العاطفة المتقلبة، وحماقة الميل الطائر هنا وهناك .. وما أعظم قول عمر بن الخطاب الله الله الرجل أراد أن يطلق زوجه «لأنه لا يحبها» .. ويحك! ألم تبن البيوت إلا على الحب؟ فأين الرعاية وأين التذمم؟» ..
(1) ابن عاشور التحرير والتنوير، 286/ 4. (1/126)
صفحة 125
المحور الخامس: في العلاقات الاجتماعية وبناء الأسرة الصالحة
127
وما أتفه الكلام الرخيص الذي ينعق به المتحذلقون باسم «الحب» وهم يعنون به نزوة العاطفة المتقلبة، ويبيحون باسمه - لا انفصال الزوجين - وتحطيم المؤسسة الزوجية - بل خيانة الزوجة لزوجها! أليست لا تحبه؟! وخيانة الزوج لزوجته! أليس أنه لا يحبها؟! وما يهجس في هذه النفوس التافهة الصغيرة معنى أكبر من نزوة العاطفة الصغيرة المتقلبة، ونزوة الميل الحيواني المسعور. ومن المؤكد أنه لا يخطر لهم أن في الحياة من المروءة والنبل والتجمل والاحتمال ما هو أكبر وأعظم من هذا الذي يتشدقون به في تصور هابط هزيل .. ومن المؤكد طبعاً أنه لا يخطر لهم خاطر ...
الله .. فهم بعيدون عنه في جاهليتهم المزوّقة فما تستشعر قلوبهم ما يقوله الله للمؤمنين: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} النساء: 19.
إن العقيدة الإيمانية هي وحدها التي ترفع النفوس، وترفع الاهتمامات، وترفع الحياة الإنسانية عن نزوة البهيمة وطمع، التاجر، وتفاهة الفارغ!» اهـ). وهذه كلها قبسات اقتبسها المفسرون من أنوار القرآن، وإرشادات استمدوها
من فيضه الثجاج، وهي - بلا ريب - هادية إلى النهج السليم في العشرة الزوجية حتى لا تكون عرضة لأن تزعزعها العواطف الرعناء، والنزوات الطائشة، فعلى الرجل أن يوطن نفسه، لأن تكون راسخة رسوخ الجبال الشم في نظرها وتفكيرها في العواقب، فلا تزلزلها الرواجف ولا تزعزعها العواصف، ولا يضيق بها التفكير عندما تجمح بها مؤثراتها، وإنما يتسع تفكيرها للماضي والحاضر والمستقبل، ويجمع بين الدنيا والآخرة.
وفوق ذلك كله يقوم على مراعاة مرضاة الرب الله والثقة بأمره ونهيه والتعويل المطلق على وعظه وتذكيره، فعليه أن يرعى في عشرته لأهله ما سبق
(1) سيد قطب: في ظلال القرآن، 606/ 1. (1/127)
صفحة 126
128
نداء الحق
عسى
من إحسانها، وما يمكن أن يحتاج إليه في المستقبل من برها ورعايتها، وما أن يأتيه من قبلها مما تقر به عينه ويكون له زينة في حياته وامتدادا له بعد وفاته، وأن يستذكر دائما ما أخذته منه من الميثاق الغليظ، فلا يعجل باتخاذ قرار يخسر بسببه خيرا كثيرا، وقد يندم عليه في المستقبل حيث لا يجديه الندم ولا يمكن أن يرد إليه ما فات.
هذا؛ وكما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قدوة للرجال في حسن معاشرة الأهل واتساع صدره لما عسى أن يجده في بعض الأحوال من أخطائهن أو مشاكستهن، فإنه كذلك كان حريصا على توجيه الرجال الوجهة الحسنة في ذلك لتعود على الأسرة بالطمأنينة والاستقرار، ولتضفي عليها مزيدا من المودة والرحمة كما جاء في حديث أبي هريرة له أنه قال: «استوصوا بالنساء خيرا فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيرا)، ومثل ذلك ما سبق ذكره من قوله: «اتقوا الله في النساء» (2) ... الحديث.
وكان مما قاله في خطبته بحجة الوداع: خطبته بحجة الوداع: «ألا واستوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان عندكم ليس تملكوا منهن شيئا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ألا وإن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وإن حقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن» (3).
(1) أخرجه البخاري (1212/ 3، رقم 3153)، ومسلم (1091/ 2، رقم 1468). والنسائي في الكبرى
(361/ 5، رقم 9140).
(2) سبق تخريجه
(3) أخرجه الترمذي (273/ 5، رقم (3087)، والنسائي في الكبرى (444/ 2، رقم 4100)، وابن ماجه
(1015/ 2، رقم 3055). (1/128)
صفحة 127
المحور الخامس: في العلاقات الاجتماعية وبناء الأسرة الصالحة
129
وبين أن الزوجين إن التقيا على الإيمان كان إيمانهما جاذبا لهما إلى التواد والتراحم والتعاطف، لأن جاذبية العقيدة الصحيحة والعمل الصالح والإخلاص الله في القول والعمل لا تعادلها جاذبية في الربط بين القلوب واستلال سخائمها وأحقادها وإذابة كرهها، وشنآنها وهو أمر مطلق بين الناس، كما دل عليه ما رواه النعمان بن بشير عنه أنه قال: «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى).
وإذا كان هذا فيما بين عموم المؤمنين جميعا، فما بالك إذا كان الود الإيماني مقرونا بالود العاطفي الزوجي، الذي يصهر الزوجين حتى تغدو نفساهما كنفس واحدة في وحدة المشاعر والأحاسيس، وانسجام الميول والرغبات؟! لهذا بين أنه ليس من شأن المؤمن أن يفرك مؤمنة ـ أي يبغضها ـ فإن ساءه منها خلق سرته منها أخلاق، وهو واضح فيما رواه أبو هريرة عنه أنه قال: «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها غيره» (2).
(2)
وبهذا تدرك أخي القارئ أن ما يصدر من بعض الرجال من العنف في معاملة نسائهم وتقطيب وجوههم عند لقائهن وإغلاظ القول لهن ليس ذلك من الدين في شيء، والله تعالى يأباه ولا يرضاه، وإذا كان بعض الحمقى يتصورون أن الرجولة والشهامة في مثل هذا العمل فإن ذلك إنما يرجع إلى جهلهم بالدين والأخلاق، وعدم تدبرهم للقرآن وتفكرهم في هدي الرسول والصلاة وهدي السلف الصالح.
(1) أخرجه البخاري (2238/ 5، رقم 5665) وأحمد (268/ 4، رقم 18381)، والطبراني في الشاميين (293/ 1، رقم 512)، والبيهقي في شعب الإيمان (102/ 6، رقم 7609).
(2) أخرجه أحمد (329/ 2 رقم 8345)، ومسلم (1091/ 2، رقم 1469). وأبو يعلى (304/ 11، رقم 6419)، وأبو عوانة (141/ 3، رقم 4493). (1/129)
صفحة 128
130
نداء الحق
لا مضارة ولا وكس في إمساك المرأة أو تسريحها
هذا؛ وإذا كان إمساك الرجل للمرأة يجب أن يكون بالمعروف، فإن تسريحها أيضا يجب أن يكون بإحسان، فعليه أن يتقي الله في تسريحها كما أن عليه أن يتقيه في إمساكها، بل عليه توفير جميع الحقوق لها من غير أن يبتزها
شيئا منها.
وأول ما يجب عليه في ذلك أن لا يتعجل في قرار الفراق؛ إذ العلاقة الزوجية هي أسمى وأجل من أن تكون عرضة للتلاعب بها فهي رباط مقدس، لا يفصم استجابة للمزاج المتقلب، وطاعة للهوى، وإنما شرع إنهاء هذه العلاقة في حالات الضرورة التي لا بد منها. وقد علمت أن الله تعالى إنما جعل القوامة للرجل، وجعل عقدة النكاح بيده لأجل خصائصه الفطرية، وما آتاه الله من قدرة على التحكم في عواطفه، وأن يكون تصرفه قائما على العقل والتفكير في العواقب وعدم العجلة في اتخاذ القرار، بل عليه أن يراعي ما عسى أن يطرأ على المرأة في بعض أحوالها من تبدل مزاجها وسرعة انفعالها خصوصا إبان حملها وفترات عادتها الشهرية.
تفادي الطلاق بعلاج الزوج نفسه لمشكلة نشوز أهله
کم نرى في القرآن الكريم من الدعوة إلى التريث ومعالجة المشكلات الزوجية بالحكمة واللطف تارة وبشيء من الشدة إن اقتضى الأمر تارة أخرى، ولما كان الرجل هو الربان الماهر لسفينة الحياة الزوجية كان هو المسؤول عن ذلك عندما يرى من المرأة نشوزا وإعراضا، فقد قال تعالى: {وَالَّنِي تَخَافُونَ نشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا) النساء: 34، فأنتم ترون كيف بدأ الله سبحانه هنا في توجيه الرجل إلى الموعظة الحسنة في علاج مشكلته أهله، إن عاندته مع (1/130)
صفحة 129
المحور الخامس: في العلاقات الاجتماعية وبناء الأسرة الصالحة
131
وشاكسته، إذ ما يتحقق باللطف خير مما يتحقق بالعنف، وما يتوصل إليه بالموعظة أجدى مما يتوصل إليه بالعقاب، فإن أجدت الموعظة فذلك وإلا ذلك هجرها في المضجع
لما في من التأثير عليها، وتذكيرها بضرورة مراجعة
6
النفس والتفكير في العواقب فإن استرسلت في غيها وتمادت في نشوزها غير لاوية على تذكيره القولي والعملي بما يجب عليها كان له أن يتجاوز ذلك إلى
تأديبها بالضرب على أن لا يكون مبرحا ولا مؤثرا كما جاء في الحديث.
قال القرطبي: «أمر الله أن يبدأ النساء بالموعظة أولا ثم بالهجران، فإن لم ينجعا فالضرب، فإنه هو الذي يصلحها له ويحملها على توفية حقه. والضرب في هذه الآية هو ضرب الأدب غير المبرح، وهو الذي لا يكسر عظما ولا يشين جارحة كاللكزة، ونحوها، فإن المقصود منه الصلاح لا غير). وأنت ترى كيف كان تعبير القرآن الكريم عن واقع الشقاق بين الزوجين بخوف النشوز، ولم يقل (واللاتي نشزن)، ففي هذا التعبير علاج أدبي للمشكلة، لأن فيه تذكيرا للمرأة بأنها جديرة بأن تتجنب النشوز وتتقي الشقاق، مظنة أن تكون دائما حريصة على الألفة مسارعة إلى أداء حق الزوج، لا ترضى لنفسها أن تكون في عداد النواشز، ومثل هذا العلاج الأدبي الراقي يدفع بالمرأة إلى أن تتجنب دائما دواعي الشقاق ولو لم يكن مفضيا إلى الفراق، فما بالك بشقاق لا يقف عند حد حتى يصل إلى الفراق، فإن هذا مما يجب أن لا يدور بخلدها.
فهي
وقد نبه على هذا السيد محمد رشيد رضا بقوله: «لا جرم أن في تعبير القرآن حكمة لطيفة، وهي أن الله تعالى لما كان يحب أن تكون المعيشة بين الزوجين معيشة محبة ومودة وتراض والتئام لم يشأ أن يسند النشوز إلى النساء شأنه أن يقع منهن فعلا، بل عبر عن ذلك بعبارة تومئ
إسنادا يدل على أن من
(1) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 175/ 5. (1/131)
صفحة 130
132
نداء الحق
التلطف
إلى أن من شأنه ألا يقع؛ لأنه خروج عن الأصل الذي يقوم به نظام الفطرة، وتطيب به المعيشة، ففي هذا التعبير تنبيه لطيف إلى مكانة المرأة، وما هو الأولى في شأنها، وإلى ما يجب على الرجل من السياسة لها وحسن في معاملتها، حتى إذا آنس منها ما يخشى أن يؤول إلى الترفع وعدم القيام بحقوق الزوجية، فعليه أولا أن يبدأ بالوعظ الذي يرى أنه يؤثر في نفسها، والوعظ يختلف باختلاف حال المرأة، فمنهن من يؤثر في نفسها التخويف من الله جل وعقابه على النشوز، ومنهن من يؤثر في نفسها التهديد والتحذير من سوء العاقبة في الدنيا، كشماتة الأعداء والمنع من بعض الرغائب كالثياب الحسنة والحلي، والرجل العاقل لا يخفى عليه الوعظ الذي يؤثر في قلب أمرأته، وأما الهجر فهو ضرب من ضروب التأديب لمن تحب زوجها ويشق عليها هجره إياها» (1).
ثم
قال: «وأما الضرب فاشترطوا فيه أن يكون غير مبرح، وروى ذلك ابن جرير مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والتبريح الإيذاء الشديد، وروي عن ابن عباس له تفسيره بالضرب بالسواك ونحوه، أي كالضرب باليد أو بقصبة صغيرة» (2).
قلت: اشتراط كون الضرب غير مبرح ورد فيما دل عليه النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع، كما جاء في السنن عند الترمذي وابن ماجه والنسائي، وقد تقدم ذكر ذلك، وهذا يعني أن هذا الضرب إنما هو لأجل التذكير لا لأجل الإيلام، وأين هذا من تصرف القساة من الرجال، الذي يشتدون على نسائهم فيوجعونهن ضربا لأتفه الأسباب؟! وأين هذا مما سنه النبي صلى الله عليه وسلم من المعاشرة الحسنة للنساء؟ فعلى الرجال أن يتقوا الله وأن يرعوا الميثاق الغليظ الذي أخذته عليهم النساء.
(1) محمد رشيد: رضا تفسير المنار، 59/ 5.
(2) المرجع السابق، 60/ 5. (1/132)
صفحة 131
المحور الخامس: في العلاقات الاجتماعية وبناء الأسرة الصالحة
اشتراك أسرتي الزوجين في ردم هوة الخلاف بينهما:
مخلصا في
133
هذا؛ وإن لم يجد ما يقوم به الزوج بنفسه من علاج مشكلة النشوز بينه وبين أهله، فإن عليه أن يفضي بذلك إلى أهله، وأهلها، لتتعاون الأسرتان على حسم الشقاق إن وجدتا سبيلا إلى ذلك، وذلك باختيار كل واحدة من الأسرتين من بينها من يكون حصيف الرأي قادرا على الإصلاح والتأليف بين القلوب، عمله الله تعالى ساعيا إلى التقريب جهده عارفا بما يجب فعله واتقاؤه في ذلك، فإن الله تعالى بعد أن ذكر علاج الرجل بنفسه لمشكلة النشوز بينه وبين أهله أتبع ذلك قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خبيرا النساء: 35، وهذا يعني أن حسم الخلاف بالطلاق لا يكون إلا عندما تتعذر جميع الوسائل إلى الإصلاح والتقريب بين الزوجين المتشاقين، وتستنفد جميع المحاولات التي يمكن أن تردم الهوة وتقرب بين الطرفين، فالزوجان مطالبان أن يقوما بهذا من قبل نفسيهما، وإن تعشر ذلك أو تعذر استعانا بأسرتيهما لأن هذه المسؤولية هي في عاتق الكل، وقد جعل الله تعالى المصاهرة علاقة ود واحترام بين الأسرتين، ناهيك أنه ذكرها الله تعالى امتنانا وكرما مع النسب عندما قال: وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا (الفرقان: 54، فكما أن النسب علاقة تشد النسيب إلى نسيبه، فكذلك الصهر علاقة تشد الصهر إلى صهره. وبهذا يتبين أن ما يكون من بعض الرجال أو من كثير منهم من التسرع إلى الطلاق لأتفه الأسباب؛ حتى يكون أحدهم أسرع إليه من الظمآن إلى الماء الفرات، يطفئ به غلته هو من أشد الخطأ وأعظم الخطر لأنه تتهدم به الأسر به الشمل وتتشتت به الذرية، ويتعقد به الأطفال عندما يفقدون إما حنان الأم الرؤم عندما يحضنهم أبوهم، أو رعاية الأب الحاني عندما تحضنهم أمهم، مع أنهم بحاجة إلى اجتماع حنانها ورعايته، ولا غنى لهم عن
ويتقطع
6
أحدهما. (1/133)
صفحة 132
134
نداء الحق
وجوب التزام القيود الشرعية في إيقاع الطلاق
هذا؛ وإن من أسوأ الخطأ وأقتل الداء أن يضيق الزوج ما وسعه الله له، ويسد ما فتحه الله، فلا يكتفي بطلقة واحدة كما أرشد إلى ذلك القرآن في قوله تعالى: {الطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَنِ} البقرة: 229، فإن في هذا إرشادا من الله سبحانه إلى أن لا يزيد الطلاق على طلقة واحدة، بحيث يتمكن المطلق بعدها من مراجعة مطلقته إبان عدتها منه، ولا يكلفه ذلك إلا أن يشهد شاهدين على مراجعته إياها، ويبلغها الشاهدان بذلك قبل أن تنتهي عدتها منه، وقبل أن يفضي إليها، وإن انتهت العدة كان له أن يتزوجها بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية.
ولم يأمر الله سبحانه، بل لم يبح إيقاع الطلقات الثلاث دفعة واحدة، لسد ما فتحه من باب اليسر في التراجع بين الزوجين عندما يحسان بالندم على تفارقهما، ولكن الناس أبوا إلا أن يغلقوا ما فتحه الله لهم من باب اللطف واليسر في هذا، فمن النادر أن يطلق أحد إلا بالثلاث فما زاد .. !!.
ومع هذا؛ فإن حماقتهم وجهلهم يدفعان بهم إلى أن لا يكون الطلاق غير مصحوب بكفر بما أنزل الله، فقلما يطلق أحد من هؤلاء الجهلة المغفلين إلا ويرتكب كفرين، عندما يقول لامرأته: (حرمتك على نفسي وأبحتك لأي رجل آخر)!! مع أن التحليل والتحريم لم يجعلهما الله تعالى إلى أحد من خلقه، بل هما من أمره الذي لا يشارك فيه، ناهيك أن الله سبحانه عاتب نبيه على شيء من ذلك، عندما قال له: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} التحريم: 1، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ـ وهو المبلغ عن الله - لم يأذن له الله أن يحرم على نفسه ما أحله الله له، فما بالك بهؤلاء الجهلة؟!.
61
وعليه؛ فإن قوله: (حرمتك على نفسي كفر بما أنزل الله، فإنه تعالى يقول بعد ذكر عدة المطلقات: {وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} البقرة: 228، (1/134)
صفحة 133
المحور الخامس: في العلاقات الاجتماعية وبناء الأسرة الصالحة
135
وكيف يكون البعل أحق بها لو كانت تحرم عليه؟! وقوله: (أبحتك لأي رجل آخر کفر - أيضا - بما أنزل الله، فإن الله لم يبحها بعد الطلاق لأي رجل حتى تنتهي عدتها التي فرضها الله تعالى بقوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ البقرة: 228، فضلا عن كون المرأة لا تحل لكل الرجال، فهناك محارم
فروع
:
لا تحل لهم ولا يحلون لها، وهم الذين يمتون إليها بصلة نسب أو صهر أو رضاع محرمة، ومع ذلك أيضا لا تحل لمن لم يكن على ملة الإسلام، كما نص عليه تعالى في قوله فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ قَمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) الممتحنة: 10، وقد تفضي بأحدهم اللجاجة في الكفر والأصالة في الحماقة والجهل أن يقول بعد التطليق: (حرمتك علي وحللتك لكلب أسود، أو للحمار)!! ومن أين له أن يحلها لكلب أسود أو أبيض، أو لحمار أهلي أو وحشي، أو لأي حيوان كان، مع أنها من جنس البشر الذين فضلهم الله على غيرهم من أجناس
المخلوقات، وبوأهم منصب الخلافة في الأرض والسيادة في الكون؟!!. هذا؛ وقد شدد الله تعالى النكير على من حرم ما لم يحرمه الله، أو حلل ما لم يحلله، وعده من افتراء الكذب عليه في قوله: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِنَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} النحل: 116، وقال تعالى: {قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَلَا قُلْ اللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) يونس: 59، ونادى بالضلال الذين حرموا على أنفسهم ما رزقهم الله وحكم عليهم بالخسران في قوله: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاء عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) الأنعام: 140، أن هذا من دأب الذين أشركوا في قوله: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا وبين أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ» الأنعام: 148، وقوله: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ) النحل: 35. (1/135)
صفحة 134
136
نداء الحق
فليت شعري؛ هل أدرك الذين لا يعرفون الطلاق إلا بالتحليل والتحريم الكاذبين إلى أي حضيض من الكفر ينزلون، وفي أي واد من الضلال يهيمون؟! فإنهم يهوون إلى غير قرار من الأرض، وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ
مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) الحج: 31. هذا؛ ولا يكاد أحد هؤلاء يقع في هذه الورطة حتى يأخذ في البحث عن المخرج منها، ويتردد على الفقهاء طالبا منهم حل مشكلته، وأنى له من مخرج وهو لم يتق الله فيجعل له مخرجا؟! كما ثبت عن ابن عباس ما فيما رواه أبو داود قال: حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل، فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا: قال فسكت حتى ظننت أنه رادها إليه، ثم قال: «ينطلق أحدكم، فيركب الحموقة ثم يقول يا ابن عباس يا ابن عباس، وإن الله قال: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا} (الطلاق،2، وإنك لم تتق الله فلم أجد لك مخرجا،» 2، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، وإن الله قال: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِقُوهُنَّ) الطلاق 1 في قبل عدتهن
قال أبو داود: روى هذا الحديث حميد الأعرج وغيره عن مجاهد، عن ابن عباس، ورواه شعبة، عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس وأيوب، وابن جريج، جميعا عن عكرمة بن خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وابن جريج عن عبد الحميد بن رافع، عن عطاء، عن ابن عباس، ورواه الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن ابن عباس، وابن جريج، عن عمرو بن دينار عن ابن عباس).
(1) هذا تفسير من ابن عباس للمراد في قوله تعالى: {فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ الطلاق: 1، وليس
هو قرآنا.
(2) أخرجه أبو داود: (260/ 2 رقم: 2197). (1/136)
صفحة 135
المحور الخامس: في العلاقات الاجتماعية وبناء الأسرة الصالحة
137
وهذا شأن من عصى الله وتصامم عن داعيه وأطاع الشيطان، واستجاب لندائه، فإنه لا يلبث أن يعض على بنان الندم لما يفوته من المنفعة في دنياه،
وما بالك بندمه في الدار الآخرة عندما يلقى جزاء عمله إن لم يتب؟! يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} الفرقان: 27.
1211
ويوم
ومن أعجب ما ينتج عن الحماقة والرعونة والتخبط في التصرف أن تجد كثيرا من الرجال ـ عندما مشكلة أحد تنجم بينهم وبين من الناس ـ لا يفزعون
إلا إلى الطلاق؛ كأنه الحل الأوحد لجميع مشكلاتهم مع الأقربين والأبعدين!! فتسمع أحدهم عندما يشاكس أباه أو أمه لا يكتفي بعقوقهما وإزعاجهما بل يضيف إلى ذلك إقحام امرأته البريئة في هذه المشاكسة بينه وبين أبويه!! مع أنها لا ناقة لها ولا جمل فيها، فلا يلبث أن يقول لهما أو لأحدهما: (إن دخلت بيتك فامرأتي طالق بالثلاث) وكذلك عندما تكون هذه المشاكسة بينه وبين أحد جيرانه أو أرحامه أو أي أحد كان، فليت شعري؛ ما الذي يقحم حليلته في هذه المشاكسة بينه وبين هؤلاء؟! أو أنه يرى أن هذا هو الإمساك بالمعروف والمعاشرة الحسنة التي أمره الله تعالى بها؟! وكم تجد هؤلاء بعد هذه العثرة المردية يلحون في طلب المخرج من الفقهاء كأنهم هم الذين زينوا لهم هذه الحماقة ودفعوا بهم إلى هذه الورطة!!.
وجوب مراعاة حال المرأة عند إيقاع الطلاق
ونهيه
هذا؛ وكم أعرض الناس عن وصايا القرآن واتباع هدي الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام في تطليق النساء، إذ تجد أحدهم لا يبالي أن يطلق امرأته في أي حال يزين له شيطانه طلاقها، ولا يفكر في أمر الله ووعظه وإرشاده، فإن الله تعالى لم يبح الطلاق إلا في حالة معينة عندما قال: يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) الطلاق: 1، وبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فيما ثبت عن عبد الله بن عمر ما: أنه طلق امرأته
معني
وهي
حائض، (1/137)
صفحة 136
138
نداء الحق
على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء»» (1).
ومعنى
ذلك أن تطليق المرأة لعدتها أن يطلقها في طهر لم يباشرها فيه، ولا يسوغ أن يطلقها في حال حيضها أو بعد أن يباشرها في الطهر، وقد بين حكمة ذلك الفقهاء، فقد حكى عنهم ابن القيم أنهم: «قالوا: والله سبحانه شرع الطلاق على أيسر الوجوه وأرفقها بالزوج والزوجة لئلا يتسارع العبد في وقوعه ومفارقة حبيبته. وقد وقت للعدة أجلاً لاستدراك الفارط بالرجعة فلم يبح له أن يطلق المرأة في حال حيضها، لأنه وقت نفرته عنها، وعدم قدرته على استمتاعه بها ولا عقيب جماعها لأنه قد قضى غرضه منها وربما فترت رغبته فيها وزهد في إمساكها لقضاء وطره. فإذا طلقها في هاتين الحالتين ربما يندم بعد هذا مع ما في الطلاق في الحيض من تطويل العدة، وعقيب الجماع من طلاق من لعلها قد اشتمل رحمها على ولد منه فلا يريد فراقها.
فأما إذا حاضت ثم طهرت فنفسه تتوق إليها لطول عهده بجماعها فلا يقدم على طلاقها في هذه الحال إلا لحاجته إليه. فلم يبح له الشارع له الشارع أن يطلقها إلا في هذه الحال أو في حال استبانة حملها، لأن إقدامه أيضاً على طلاقها في الحال دليل على حاجته إلى الطلاق.
هذه
تطهر
وقد أكد النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم هذا بمنعه لعبد الله بن عمر أن يطلق في الطهر الذي يلي الحيضة التي طلق فيها، بل أمره أن يراجعها حتى ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن بدا له أن يطلقها فليطلقها. وفي ذلك عدة حكم:
(1) أخرجه مالك (576/ 2) رقم (53)، وأحمد (12/ 5 رقم: 5299)، والبخاري (41/ 7 رقم: 5251 و 5252)، ومسلم (1093/ 2 رقم: (1471) وأبو داود (255/ 2 رقم: (2179) والترمذي (471/ 3 رقم: 11769). (1/138)
صفحة 137
المحور الخامس: في العلاقات الاجتماعية وبناء الأسرة الصالحة
139
منها: أن الطهر المتصل بالحيضة هو وهي في حكم القرء الواحد، فإذا طلقها في ذلك الطهر فكأنه طلقها في الحيضة لاتصاله بها وكونه معها كالشيء الواحد.
الثانية: أنه لو أذن له في طلاقها في ذلك الطهر فيصير كأنه راجع لأجل الطلاق، وهذا ضد مقصود الرجعة. فإن الله تعالى إنما شرع الرجعة للإمساك ولم شعث النكاح وعود الفراش، فلا يكون لأجل الطلاق فيكون كأنه راجع ليطلق، وإنما شرعت الرجعة ليمسك وبهذا بعينه أبطلنا نكاح المحلل، فإن الله يا الله شرع النكاح للإمساك والمعاشرة، والمحلل تزوج ليطلق فهو مضاد الله تعالى في شرعه ودينه. الثالثة: أنه إذا صبر عليها حتى تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم تطهر زال ما في نفسه من الغضب الحامل له على الطلاق، وربما صلحت الحال بينهما، وأقلعت عما يدعوه إلى طلاقها، فيكون تطويل هذه المدة رحمة به وبها).
قلت: ومع ما جاء في كلام أهل العلم الغابرين من بيان حكمة هذا التشريع الحكيم في تحديد الحالة التي يباح فيها الطلاق يمكن أن تضم إلى ذلك حكمة أخرى، بل هو متعين مع ظهورها، وهي ما أثبته علم النفس والطب النفسي من أن المرأة في إبان طمثها تكون غير سوية الطبع، فقد تنفعل لأتفه الأسباب فإن أبيح للرجل أن يطلقها أثناء ذلك تسارع الناس إلى الطلاق في وقت الحيض، وانهدمت بذلك البيوت وتشتت بسببه الأسر، وهو مما يؤدي إلى ندم الفريقين، أما إن قدر الرجل وضع المرأة الطبيعي في هذه الفترة، واستطاع أن يضبط نفسه ويتحكم في عواطفها، فإنهما يحمدان عاقبة ذلك عندما تزول النفرة ويعود الوئام بينهما وتطيب العشرة بإمكان إفضاء بعضهما إلى بعض، مع ما يغمر نفسيهما هذه الحالة من الحب العميق والرحمة الفياضة.
في
(1) ابن القيم: إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، 305/ 1 - 306. (1/139)
صفحة 138
140
نداء الحق
الخسارة التي تترتب على الطلاق
6
هذا؛ ولا يخفى ما ينتج عن كثرة الطلاق من خسارة بالغة على المجتمع، وضياع فلذات الأكباد وثمرات الأفئدة بفقدانها الرعاية الأبوية الحانية أو حنان الأمومة الرؤوم وشفقتها، والزوجان بافتراقهما هما أول من يحس بهذه الخسارة الفادحة فالضريبة التي يدفعها كل منهما هي أغلى ما يتصور، ولو أنهما عرفا كيف يصونان علاقتهما ويحافظان على شركتهما في الحياة لجنبا نفسيهما وأولادهما وأسرتيهما ومجتمعهما بأسره ما يترتب على افتراقهما من سوء العاقبة.
ما ينبغي من إعداد الزوجين قبل زواجهما لتحمل واجبات الحياة الزوجية لهذا يتعين أن يعد كل منهما قبل اجتماعه بقرينه إعدادا صالحا علما وخبرة وخلقا ليتدربا على حسن العشرة بينهما وتجنب كل ما يؤدي إلى انفصام علاقتهما، وهذا لا يتم إلا بأن يدخل الشاب قبل زواجه في دورة تأهيلية للزواج، يُعرَّف فيها بحقيقة علاقة الزوج بزوجه وقدسية هذه العلاقة، ووجوب المحافظة عليها وما يترتب على هذه المحافظة من طمأنينة النفوس وأنسها وهدوء الحياة وطيبها، كما يبصر في هذه الدورة بأحكام الطلاق ومتى يكون مباحا، وأنه لا يصار إليه إلا مع الضرورة البالغة بعد استفراغ وسع الزوجين وأسرتيهما في الحلول التي تبعد عنهما شبح الطلاق المخيف.
وكذلك الفتاة تدخل في دورة مثيلة تعرفها بهذا كله، مع تبصيرها بوجوب محافظتها على هدوء زوجها، وتجنب كل ما يهيج عواطفه ويثير انفعالاته، وحرصها على راحته وطمأنينته وتفننها في اكتساب وده واجتذاب قلبه، إذ بهذا تتفوق على زميلاتها في حسن إدارتها لبيتها ونجاحها في إسعاد شريك حياتها، وتكون في ذلك قدوة لهن وأسوة لمن تستفيد من سيرتها من الفتيات الناشئة، أو الداخلات في القفص الذهبي.
6 (1/140)
صفحة 139
المحور الخامس: في العلاقات الاجتماعية وبناء الأسرة الصالحة
141
ومن الضرورة أن يتولى القيام بهذه المهمة الأكفاء من الرجال والنساء، الذين جمعوا بين الفقه في الدين والإخلاص في القول والعمل، والخبرة الواسعة والإحاطة بتجارب الحياة والقدرة على حل مشكلاتها، فإن قيام هذه الدورات وإقبال الجنسين عليها يجنب الأسر الويلات الناتجة عن الاستجابة للعواطف ودواعي الهوى، وعدم المبالاة بنداء العقل والضمير.
ليس من المروءة ولا الدين ابتزاز المرأة عند تطليقها هذا؛ ومن المخالفات الشرعية الممقوتة في المفارقة بين الزوجين ما الآن من ابتزاز الرجل للمرأة بمضايقتها حتى يضطرها إلى الافتداء منه
هو
شائع بما دفع إليها من المهر، وقد يتجاوز جشعه هذا الحد إلى اضطرارها لأن تفتدي منه بأضعاف ما آتاها وهذا كله حرام بنص الكتاب العزيز، فإن الله تعالى قال: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ النساء: 19، وإذا كان الله تعالى يحرم على الرجل أن يعضل حليلته ليذهب
ببعض ما آتاها، فكيف إن ذهب بكل ما آتاها أو بأضعافه؟!!.
وقد أكد الله تعالى هذا في آيات من كتابه كما في قوله: {وَإِنْ أَرَدتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوجِ وَعَاتَيْتُمْ إِحْدَتْهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ، وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيتَقًا غَلِيظًا} النساء: 20 - 21، ومثل ذلك قوله: وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا اتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيهَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَبِكَ هُمُ الظَّلِمُونَ} (البقرة: 229، وناهيك بما في هذه الآية الكريمة من الزجر الشديد عن الاقتراب من هذا الحمى المحرم، فقد بين تعالى أن هذا من حدوده الذي يجب أن تصان وتحترم، وأن لا يعتدى عليها، ومن تعداها فهو من الظالمين وهذه الآيات كلها تؤدي إلى غاية واحدة، فليس (1/141)
صفحة 140
142
نداء الحق
6
بين معانيها تنافر ولا بين دلالاتها تناقض، وهي جميعا تعني أن التسريح بالإحسان لا يتحقق إن رزأ الرجل امرأته شيئا مما آتاها، اللهم إلا في حالة عنها في آية النساء بأن يأتين بفاحشة مبينة، وفي سورة البقرة
خاصة
عبر
بخوفهما أن لا يقيما حدود الله.
فقد فسرت الفاحشة المبينة بالزنا، ومنهم من فسرها بأنها النشوز البين، وهذا هو الذي يتفق مع آية البقرة التي تنوط جواز افتدائها منه وقبوله الفدية منها بخوفهما ألا يقيما حدود الله، وفسر ذلك بأن تكون غير قادرة على القيام بالحقوق الزوجية من معاشرة في الفراش، وطاعتها لأمره وحسن تبعلها له، وإسعادها له في الحياة، وهذا مما يسبب في نفسه ردة فعل عنيفة، فيقسو في معاملتها، فإذا خشيا ذلك جازت الفدية بينهما لتفادي ما يحذرانه.
قال قطب الأئمة الله: «قال ابن عباس ومالك والجمهور عدم إقامة حدود الله استخفاف المرأة نحو زوجها، وسوء عشرتها معه، وما يفعله هو معها مما يعد ظلماً مجازاة على نشوزها، وذلك أن الإنصاف بين الزوجين واجب يؤدى كل إلى الآخر حقه، فهو حدود الله أداء واجبه، ولذلك قال الشعبي: أَلَّا يُقمَا حُدُودَ اللَّهِ) معناه ألا يطيعا الله، وذلك أن المغاضبة تدعو إلى مخالفة أمر الله ونهيه وقيل المراد عدم إقامة المرأة حدود الله أن تنشز، مثل أن تقول: «لا أطيع لك أمرا» أو «لا أبر قسمك» أو «لا أضاجعك» أو لا أغتسل لك من جنابة» أي لا تجامعني جماعا فضلا عن أجنب، فأغتسل، فأسند إلى الزوج أيضا لأنه بينهما يصدر منها إليه، ونسب لابن عباس ومالك والجمهور). وقال السيد رشيد رضا في بيان حرمة أخذ الفدية منها: «ومحل هذا الحكم إذا كان الزوج هو الذي اختار فراق المرأة ورغب عنها، وأما إذا كانت (1) قطب الأئمة: هميان الزاد، 258/ 2.
هي (1/142)
صفحة 141
المحور الخامس: في العلاقات الاجتماعية وبناء الأسرة الصالحة
143
الراغبة عنه الطالبة لفراقه، وخيف أن تتوسل إليه بالنشوز وسوء العشرة لكراهتها إياه أو لسوء خلقها، لا لمضارته لها فلا جناح عليهما حينئذ فيما يأخذه منها لإطلاق سراحها، إذ لا يكلف خسارة امرأته وماله بغير ذنب منه؛ ولذلك قال تعالى: {إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} البقرة: 229، التي حدها للزوجين من حسن المعاشرة والمماثلة في الحقوق مع ولاية الرجل، والتعاون على القيام بأمر المنزل وتربية الأولاد وعدم المضارة لقوله: {وَلَا نُضَارُوهُنَّ لِيُضَيقُوا عَلَيْهِنَّ) الطلاق: 6، وغير ذلك، وذلك بأن تخاف المرأة أن تعصي الله في أمر زوجها فتكفره أو تخونه، ويخاف هو أن يخرج عن الحد المشروع في مؤاخذة الناشز، ويخافا معا سوء العشرة فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} البقرة: 229، الجناح الإثم، أي لا جناح عليها فيما تعطيه إياه ليخلعها لأن طلبها الطلاق إنما يحظر لغير هذا العذر، ولا جناح عليه فيما
يأخذ لأجل ذلك لأنه برضاها واختيارها من غير إكراه منه ولا مضارة). وقال في قوله: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ (النساء: 19، «الفاحشة: الفعلة الشنيعة الشديدة القبح، وكلمة «مبينة» قرأها ابن كثير، وأبو بكر، عن عاصم بفتح الياء المشددة، أي بصيغة اسم المفعول، والباقون بكسرها، أي بصيغة اسم الفاعل أي ظاهرة متبينة أو مبينة حال صاحبها فاضحة له.
وقد ورد بين بمعنى تبين اللازم. روي عن ابن عباس، وقتادة، والضحاك أن الفاحشة المبينة هنا هي النشوز وسوء الخلق قال بعضهم: ويؤيد ذلك قراءة أبي إلا أن يفحشن عليكم، وروي عنه، وعن ابن مسعود أنهما قرءا: «إلا أن يفحشن»، دون لفظ «عليكم»، وعندي أنهما ذكرا الآية بالمعنى فظن السامع
أنهما رويا ذلك قراءة فعنيا لفظ القرآن.
(1) محمد رشيد: رضا تفسير المنار، 307/ 2 - 308. (1/143)
صفحة 142
144
نداء الحق
وعن الحسن، وغيره أنها الزنا ويجوز أن يراد بها ما هو أعم من الأمرين،: والمعنى لا تعضلوهن في حال من الأحوال، أو في زمن من الأزمان إلا الحال أو الزمن الذي يأتين فيه بالفاحشة المبينة دون الظنة والشبهة، فإذا نشزن عن طاعتكم بالمعروف المشروع، ولم ينفع معهن التأديب الذي سيذكر في آية أخرى من هذه السورة، وساءت عشرتهن لذلك، أو تبين ارتكابهن للزنا، أو السحاق فلكم حينئذ أن تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من صداق وغيره إذ لا يكلفكم الله أن تخسروا عليهن ما لكم في هذه الحالة التي يجيء فيها الفحش من جانبهن كما الآية الأخرى وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا نِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} البقرة: 229، وقد أشرنا إليها آنفا» (1).
في
ثم نقل عن الإمام محمد عبده أنه قال: روي عن بعض مفسري السلف أن الفاحشة هنا هي الزنا، وعن بعضهم أنها النشوز، وعن بعضهم أنها
الفحش بالقول.
والصواب عدم تعيينها وتخصيصها بأحد هذه الأمور بل تبقى على إطلاقها فتصدق بالسرقة أيضا، فإنها من الأمور الفاحشة الممقوتة عند الناس، ولكن يعتبر فيها هذا الوصف المنصوص وهو أن تكون مبينة، أي ظاهرة فاضحة لصاحبها، وإنما اشترط هذا القيد لئلا يظلم الرجل المرأة بإصابتها الهفوة واللمم، أو بمجرد سوء الظن والتهم، فمن الرجال الغيور السيء الظن يؤاخذ المرأة بالهفوة فيعدها فاحشة، وقد حرم الله المضارة لأجل أن يأخذ الرجل منها بعض ما كان آتاها من صداق، أو غيره، فعلم منه أن المضارة لأخذ أو أكثر منه حرام بالأولى حرام بالأولى، وإنما أبيح للرجل أن يضيق على امرأته إذا أتت بالفاحشة المبينة: لأن المرأة قد تكره الرجل وتميل إلى غيره فتؤذيه بفحش من القول، أو الفعل، ليملها ويسأم معاشرتها، فيطلقها، فتأخذ ما كان آتاها، وتتزوج معه بمال الأول، وربما فعلت معه بعد ذلك كما فعلت بالأول.
آخر تتمتع
(1) المرجع السابق، 373/ 4.
جميع
ذلك، (1/144)
صفحة 143
المحور الخامس: في العلاقات الاجتماعية وبناء الأسرة الصالحة
145
وإذا علم النساء أن العضل، والتضييق بيد الرجال، ومما أبيح لهم إذا هن أهنهم بارتكاب الفاحشة المبينة فإن ذلك يكفهن عن ارتكابها والاحتيال بها على أرذل الكسب» اهـ (1).
عن
وإذا أدركت أن أخذ الفدية من المرأة شدد فيه القرآن أيما تشديد، ونص على أنه لا يحل، ولو كان شيئا يسيرا وقد أمهرها مالا كثيرا، كما في قوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوجِ وَآتَيْتُمْ إِحْدَتْهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا} النساء: 20، فإنه لو ساق إليها قنطارا من الذهب لما كان له أن يسترد منه شيئا، والشيء يصدق على أقل ما يتصور، وقد أثار الله سبحانه هواجس الفطرة في نفوس الرجال لتحجزهم أخذ أي شيء مما آتوه نساءهم، عندما قال على أثر ذلك: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيتَقًا غَلِيظَا) النساء: 21، فقد أبعد الله رغباتهم في استرداد شيء مما آتوهن بتذكيرهم بما سلف بينهم وبينهن من اشتراكهم معهن في اشتيار أطيب لذات الحياة وأمتعها، الانسجام التام في المشاعر والأحاسيس حتى اتحدت هوية الجميع، فكان الإفضاء إليهن إفضاء بعض الشيء إلى بعضه ـ كما تقدم ـ مع بالميثاق الغليظ الذي أخذنه عليهم، وقد علمت أنه ميثاق فطري وشرعي. وإنما أباح سبحانه في حالة واحدة أخذ هذه الفدية، وهو عندما تنفر عنهم طباعهن حتى لا يجدن سبيلا إلى أداء ما لهم عليهن من الحقوق، مع خوفهم أيضا أن تكون ردة فعلهم تجاه ذلك مجحفة بحقوقهن، فهذه الحالة الوحيدة التي أبيح فيها للرجل أن يقبل الفدية من المرأة.
مع
تذكيرهم
وإذا تبين لك هذا؛ فاعجب من أولئك الذين يشاكسون النساء، ويضيقون عليهن خناق الحياة حتى ينقلبن إلى اليأس، ولا يجدن سبيلا إلى الخلاص إلا
(1) المرجع السابق، 374/ 4. (1/145)
صفحة 144
146
نداء الحق
أن يعرضن عليهم أن يفتدين، كيف يستحلون هذه الفدية بهتانا وإثما مبينا كما أخبر الله تعالى؟!!.
والأعجب من هذا أن لا يكتفوا باسترداد ما أخذن منهم، بل يتفننون في تعذيبهن وإنزال الويلات بهن؛ ليأخذوا منهن أضعاف ما آتوهن، ألا يفكر هؤلاء في المنقلب إلى الله سبحانه الذي حرم عليهم أن يأخذوا شيئا مما آتوهن، ومحاسبتهم على ما أخذوا وجزائهم الجزاء الأوفى؟! ألا يشفق هؤلاء على أنفسهم، ويدركوا أن الحرام ممحقة للبركة ومنغصة في الدنيا ومهلكة في الآخرة. ثم إن عجبي لا ينقضي ممن يتولى الحكم بين الزوجين، وهو مسؤول أمام الله تعالى أن يحكم بينهما بالعدل، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَنتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ
ملے
اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} النساء: 58، ويتبين له العنت من الزوج، ويتمثل بين يديه وأمام ناظريه ما كان منه من ظلم بالغ وعنت شديد، وبدلا من أن يأخذ حقها منه ويخلصها من ظلمه خلاصا حسنا يعرض عليها من أن تفتدي منه ولو كانت الفدية أضعافا مضاعفة .. !! بل يضطرها إلى ذلك بقطع طريق الخلاص عنها ... أين هذا مما أمر الله تعالى به من القسط وحذر منه من الجور؟ ألم يقل الله تعالى: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) المائدة: 42 وهو القائل تعالى: {وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا الجن: 15، لقد كان الواجب على من يتولى الحكم في هذا أن يخلص المظلوم مما وقع عليه من الظلم، ويقطع يد الظالم عن الظلم والبطش كما قال الصديق له: «ألا إن القوي عندي ضعيف حتى آخذ منه الحق والضعيف عندي قوي حتى آخذ له الحق)، لا أن يقوي الظالم على المظلوم ويخذل المظلوم، فلا يجد إلى
الانتصاف
من ظالمه سبيلا.
(1) أخرجه البيهقي: (353/ 6 رقم: 12788). (1/146)
صفحة 145
المحور السادس
فيما يتعلق بالعقل
147
عنها
إن مما يدرك بالفطرة أن العقل في الإنسان هو ميزته وشرفه، وملاك حياته ونور وجوده، وأساس قدره وقيمته، فالناس إنما يتفاضلون بالعقول، وما ينتج من الأخلاق والأعمال، ولذلك ناط الله تعالى في كتابه انتفاع الناس بما أنزله، وادكارهم به، واعتبارهم بتصريف آياته المنزلة، وآياته في فسيح الكون وتضاعيف العالم بما جعل الله فيهم من عقول، كما في قوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِى فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُل دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَأَيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} البقرة: 164، وقوله: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعُ مُتَجَورَتٌ وَجَنَّتُ مِنْ أَعْتَبٍ وَزَرْعُ وَنَخِيلٌ صِنْوَانُ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (الرعد: 4، وقوله: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَرَاتُ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) النحل: 12، وقوله: وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} النحل: 67، وقوله: {وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَة بَيْنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) العنكبوت: 35، وقوله: {وَمِنْ آيَيْهِ، يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِ بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) الروم: 24، وقوله: {ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ (1/147)
صفحة 146
148
نداء الحق
هَل لَكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءُ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) الروم: 28، وقوله: {وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبتُ مِن دَابَّةٍ وَايْتُ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ وَايَتُ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} الجاثية: 4 - 5، وقوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَبِ) آل عمران: 190، وقوله: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الأَلْبَب يوسف: (111)، وقوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَا وَذِكْرَى لِأُوْلِي 111، الْأَلْبَبِ) ص: (43، وقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَبِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تُختَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَكَهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ، حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَبِ} (الزمر: (21)، وقوله: {وَلَقَدْ آنَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَاءِيلَ الْكِتَابَ: هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَبِ) غافر: 53 - 54، وقوله: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَبِ) الزمر: 9، ودعا الله تعالى أولي الألباب إلى التقوى لأنهم أهلها بما أودع الله فيهم
من نور العقل، {فَاتَّقُوا اللَّهَ يَتأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) المائدة: 100. ولأجل هذا كان العقل هو مناط التكليف وسبب التشريف في مخلوقات الله تعالى، وقد فضل الله به بني آدم على كثير ممن خلق تفضيلا، فبه تمكن الإنسان من عمارة الأرض، وبسره تقوى على ما فيه من غرائز الشر ونوازعه، وهو المعراج الذي عرج به أهل الله إليه في ملكوته فبه وازنوا بين شهوات الدنيا ونعيم الآخرة؛ فآثروا الآخرة على الأولى، وبسلطانه انتصروا في قمع رغباتهم وضبط نزعاتهم، وتطويعها لأمر الله ونهيه، وببرهانه ميزوا بين الحق
الله
والباطل وبين الحقيقة والوهم، وبين النافع والضار، فمالوا إلى شرع واستمسكوا بعروته الوثقى، وجمعوا بين الحسنيين فاستناروا بالعقل المطبوع، واستهدوا بالشرع المسموع، الذي جاءت هدايته متممة لهداية العقل، فاجتمع لمن اجتمعا فيه خير الآخرة والأولى. (1/148)
صفحة 147
المحور السادس: فيما يتعلق بالعقل
149
وجوب المحافظة على نعمة العقل وعدم طمس نورها:
إذا كان العقل هو مناط تكريم الإنسان حتى فضله الله تعالى على كثير ممن خلق تفضيلا، وهو ملاك حياته ونور وجوده فاعجب كيف يسعى الإنسان إلى طمس هذا النور الذي آتاه الله إياه، وإتلاف هذه الروح التي يحيا بها وتنتعش بها حياته، فتثمر الخير ويطيب جناه للجانين؟!
كيف يسعى في جنون من عقل؟.
وإذا كان إتلاف المال حمقا وسفها يذم به الإنسان عقلا وشرعا، فكيف بإتلاف العقل وهو أعظم قدرا وأسمى منزلة من المال وغيره من عماد الحياة وزينتها؟!. وقد شاع عند كثير من الناس إتلاف عقولهم بتعاطي الخمور أو المخدرات وغيرها، على أن تعاطيها ليس تلفا للعقول فحسب، بل هو تلف للصحة وللمال، وأخيرا هو تلف للحياة كلها.
وقد حذر الله تعالى أيما تحذير من تعاطي الخمور، وقطع بما قاله جدل كل مجادل فيها عندما قال: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوةِ فَهَلْ أَنتُم مُنتَهُونَ) المائدة: 90 - 91، فكم في هاتين الآيتين من تحذير من هاتين الآفتين الخطيرتين
وهما الخمر والميسر، وكم فيهما من دليل على حرمة تعاطي الخمور. أولها: أن الله تعالى صدرها في قائمة المحظورات في الآية الكريمة حتى
أنه قدمها على الأنصاب والأزلام التي لا يتمسك بها إلا المشركون.
ثانيها: أنه قرنها بالميسر، والميسر هو أكل أموال الناس بغير حق، وهذا مما توعد الله عليه أشد الوعيد عندما قال: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا (1/149)
صفحة 148
150
نداء الحق
أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا (النساء: 29 - 30، وللقرين حكم قرينه. ثالثها: أن الله حكم عليها بأنها رجس، وما أدراك ما الرجس؟ فإنه يصدق على كل قذارة ونجاسة وكفر ومحرم وقبيح من الأعمال، كما يصدق على ما يتبعها من اللعنة والعذاب قال في اللسان: «الرجس: القذر، وقيل: الشيء القذر. ورجس الشيء يرجس رجاسة، وإنه لرجس مرجوس، وكل قذر رجس. ورجل مرجوس ورجس نجس ورجس نجس قال ابن دريد وأحسبهم قد قالوا رجس نجس، وهي الرجاسة والنجاسة. وفي الحديث: «أعوذ بك من الرجس النجس»، الرجس: القذر، وقد يعبر به عن الحرام والفعل القبيح والعذاب واللعنة (والكفر (1).
وقال أيضا: «والرجس: العذاب كالرجز التهذيب: وأما الرجز فالعذاب والعمل
دعاء
الذي يؤدي إلى العذاب والرجس في القرآن العذاب كالرجز. وجاء في الوتر وأنزل عليهم رجسك وعذابك، قال أبو منصور: الرجس ههنا بمعنى الرجز، وهو العذاب قلبت الزاي سينا، كما قيل الأسد والأزد. وقال الفراء في قوله تعالى: {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) يونس: 100، إنه العقاب والغضب، وهو مضارع لقوله الرجز، قال: ولعلهما لغتان. وقال ابن الكلبي في قوله تعالى: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ) الأنعام 145، الرجس: المأثم، وقال مجاهد في قوله ل: كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ) الأنعام: 125، قال: ما لا خير فيه» (2).
وقال كذلك: «قال الزجاج: الرجس في اللغة اسم لكل ما استقذر من عمل
فبالغ الله تعالى في ذم هذه الأشياء وسماها رجسا» (3).
(1) ابن منظور لسان العرب، 94/ 6 ـ 95.
(2) المرجع السابق، 95/ 6.
(3) المرجع السابق. (1/150)
صفحة 149
المحور السادس: فيما يتعلق بالعقل
151
وبالجملة؛ فإن كلمة رجس تصدق على كل شر، فهي تصدق على كل نجاسة وقذارة، وعلى كل قبح وفساد، وعلى كل لعنة وعذاب، وهل من كلمة أدل على التحريم من كلمة رجس؟، فإن الله تعالى إنما شرع لنا الدين وأمرنا بالتوحيد، وفرض علينا عبادته وطاعته لأجل أن نتطهر بذلك، فالإسلام كله طهارة كما قال تعالى: {وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (المائدة: 6، وقال سبحانه بعد أن أمر بما يصون النفوس من أسباب العفاف: {ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) البقرة: 232، وقال: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُم بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَنِ) الأنفال: (1) وقال إثر خطاب أمهات المؤمنين وما شرع لهن من الأحكام التي تصون الأعراض وتسمو بالنفوس إلى معارج الفضيلة: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) الأحزاب: 33، وقال في بيان تعامل
المؤمنين معهن: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْتَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) الأحزاب: 53، وقال في توجيه المؤمنين إلى أدب النجوى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَى نَجْوَنَكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ) المجادلة: 12، وقال في الذين مردوا على الكفر ودأبوا علي الشقاق: «أُوْلَبِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَن يُطَهِرَ قُلُوبَهُمْ هُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْى وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} المائدة: 41، وفي معنى الطهر التزكية التي وردت في القرآن كثيرا.
وإذا كان الإسلام بكل ما جاء به من إيمان وما شرعه من عمل وما سنه من أخلاق إنما يدور بذلك في فلك الطهر، فكيف يقر الرجس ويرضاه لأتباعه؟!. رابعها: أن الله أخبر أنها من عمل الشيطان فكيف يكون عمل الشيطان حلالا؟ مع أن الله سبحانه حذر من الشيطان وعمله كما في ثانية هاتين الآيتين وفي قوله: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَبٍ السَّعِيرِ) فاطر: 6، وقوله: {وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيَّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ (1/151)
صفحة 150
152
نداء الحق
خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا، يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا أُوْلَيْكَ مَأْوَلَهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا يَحيصًا} النساء: 119 - 121.
121
خامسها: أن الله قرنها بأركان الكفر ومعالم الجاهلية عندما قرنها بالأنصاب والأزلام، وهي مما جاء الإسلام لدك صرحه واستئصال شأفته.
سادسها: أن الله سبحانه أمر باجتنابها واجتناب ما ذكر معها في قوله: [فَاجْتَنِبُوهُ]، وأمره تعالى للوجوب: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مبينا) الأحزاب: 36. سابعها: أن الله تعالى بين ما يهدف إليه الشيطان بتزيين الخمر والميسر في نفوس الذين سلبوا روح الإيمان عندما قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) المائدة: 91، وهذا مما ينافي ما يدعو إليه الإسلام من الوحدة والانسجام، والألفة والوئام بين عباد الله المؤمنين، كما هو واضح في قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا * آل عمران: 103، وقوله: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) التوبة: 71، وقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (الحجرات: 10، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى
ثامنها: أنه ضم إلى ذلك هدف الشيطان بتحبيب الخمر والميسر إلى الناس إلى صدهم عن ذكر الله، وماذا عسى أن يبقى من ذكر الله تعالى عند من أدمن أنسته حياته كلها، ومن المعلوم أن ترك ذكر الله تعالى خراب
الخمر حتى للقلوب، وعمى في البصائر، وظلمات في الحياة.
(1) سبق تخريجه. (1/152)
صفحة 151
المحور السادس فيما يتعلق بالعقل
153
تاسعها ما بينه من أن من أهداف الشيطان من وراء تزيين هذا المنكر الفاحش للناس الصد عن الصلاة، التي هي جماع، الذكر، والصلة التي تصل المخلوق بخالقه، وتشد المؤمن إلى أخيه المؤمن، والمعراج التي تعرج به
نفوس المؤمنين إلى حظيرة القدس ومقام الملكوت الأعلى.
عاشرها: أنه ختم
الآية بقوله: {فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) المائدة: 91، وهو تحضيض
على الازدجار عن الخمر والميسر وما ذكر معهما. وهل يبقى بعد هذا شك في تحريم الخمر؟!.
وقد تواترت السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام مؤكدة خطورة الخمر على الدين والدنيا، وأنها محرمة في شرع الله، ناهيك قوله: «لعن الله الخمر وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إليه
وساقيها وشاربها وآكل ثمنها، وقد روي بألفاظ متعددة متعددة من عدة طرق (1).
وعنه صلى الله عليه وسلم: «كل مخمر خمر وكل مسكر حرام ومن شرب مسکرا بخست صلاته أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال صديد أهل النار ومن سقاه صغيرا لا يعرف حلاله من حرامه كان على الله أن يسقيه من طينة الخبال (2).
صحيح
(1) أخرجه من طريق ابن عمر: أبو داود (326/ 3، رقم 3674)، والحاكم (160/ 4، رقم 7228) وقال: الإسناد. والبيهقي (12/ 6، رقم 10828). ومن طريق أنس: أخرجه الترمذي (589/ 3، رقم 1295)، وقال: غريب. وابن ماجه (1122/ 2، رقم (3381)، ومن طريق عثمان بن أبي العاص: أخرجه الطبراني في الكبير (58/ 9، رقم 8387). وفي الأوسط (243/ 4، رقم 4090)، وجاء من طريق ابن عمر بلفظ: لعنت الخمر على عشرة وجوه ... إلخ الحديث أخرجه ابن ماجه (1121/ 2، رقم 3380)، وأحمد (25/ 2، رقم 4787)، والبيهقي (287/ 8، رقم 17112)، ومن طريق ابن مسعود: أخرجه الطبراني (92/ 10، رقم 10056).
(2) أخرجه من طريق ابن عباس أبو داود (327/ 3، رقم (3680)، والبيهقي (288/ 8، رقم 17121)،
وجاء بألفاظ متعددة من عدة طرق، فعند أحمد من طريق جابر بن عبد الله (360/ 3،
رقم 14923)، وكذلك مسلم (1587/ 3، رقم (2002)، والنسائي (327/ 8، رقم 5709)، والبيهقي
= (1/153)
صفحة 152
154
نداء الحق
وعن أبي موسى، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن الخمر وقاطع الرحم ومصدق بالسحر ومن مات وهو مدمن للخمر سقاه الله من نهر
الغوطة نهر يجرى من فروج المومسات يؤذى أهل النار ريح فروجهم). وعن ابن عمر ما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة مدمن الخمر والعاق والديوث الذي يقر في أهله الخبث» (2)، وعنه صلى الله عليه وسلم: «مدمن الخمر كعابد وثن
وكفى بهذا زجرا شديدا وتحذيرا بالغا من مداناة الخمر وملابستها وجه فكل من لابسها حلت به لعنة الله، وهي طرده من رحمته، فشاربها وساقيها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومشتريها وآكل ثمنها، كلهم واقعون في لعنة الله تعالى وأي لبيب تهون عليه نفسه حتى يعرضها للعنة الله؟!.
6
وعن ابن عباس ما عند الربيع حكم الله، قال: «أهدى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم راويتي خمر فقال له: «أما علمت أن الله حرمها؟ فقال: لا، فسار إنسانا، فقال له صلى الله عليه وسلم: بم ساررته؟» فقال له: أمرته أن يبيعها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الذي،
حرم شربها حرم بيعها ففتح المزادتين وهما الروايتان حتى ذهب ما فيهما» (4).
في شعب الإيمان (7/ 5، رقم (5579، ومن طريق ابن عمر عند أحمد (178/ 2، رقم 6659) قال الهيثمي (70/ 5): رجاله ثقات. وكذلك الحاكم (162/ 4، رقم (7233) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي (287/ 8، رقم (17115). والطبراني في الأوسط (266/ 6، رقم 6371)، والبيهقي في شعب الإيمان (8/ 5، رقم 5582). (1) أخرجه أحمد (399/ 4، رقم (19587)، والطبراني كما في مجمع الزوائد (74/ 5) قال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني ورجال أحمد وأبي يعلى ثقات. والحاكم (163/ 4، رقم 7234).
(2) أخرجه أحمد (69/ 2، رقم 5372).
(3) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (129/ 1)، والبيهقي في شعب الإيمان (12/ 5، رقم 5597)، وأبو نعيم في الحلية (203/ 3) وقال: صحيح ثابت.
(4) أخرجه الربيع بن يب (246/ 1 رقم: 624). (1/154)
صفحة 153
المحور السادس: فيما يتعلق بالعقل
155
وعن أبي هريرة له أن رجلا كان يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم كل عام راوية من خمر، فأهداها إليه عاما وقد حرمت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها قد حرمت»، فقال الرجل: أفلا أبيعها؟ فقال: إن الذي حرم شربها حرم بيعها قال أفلا أكارم بها اليهود قال: «إن الذي حرمها حرم أن يكارم بها اليهود، قال: فكيف أصنع بها؟ قال: «شنها في البطحاء» (1).
وبين
والمؤمن هو من ينساق مع أمر الله تعالى ويستجيب لداعيه ولو حال بينه أحب الأشياء إليه، وأعزها في نفسه، فإن الإيمان لا يتحقق إلا بالانقياد لحكم الله فعلا وتركا، {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} الأحزاب: 36، وقد علمت ما هو حكم الله وحكم رسوله في الخمر.
لهذا؛ عندما نزل تحريمها القاطع في كتاب الله تعالى لم يتردد الرعيل الأول من المؤمنين في تركها، ولم يكتفوا بذلك وإنما أتوا بما يدل على أنهم عقدوا عزمهم على القضاء على كل أسباب الخمر حتى لا تبقى نفوسهم متطلعة إليها أو مولعة بذكرياتها، فقد قاموا في ساعتهم إليها فأراقوها وكسروا دنانها، حتى لا يبقى ما يذكرهم بها، فعن أنس بن مالك قال: كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح، وأبي بن كعب، وأبا طلحة الأنصاري شرابا من فضيخ، فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت فقال أبو طلحة قم يا أنس إلى هذه الجرار
فاكسرها، قال: فقمت إلى مهراس، لنا، فضربتها بأسفله حتى تكسرت» (2).
وتلك
هي ترجمة عملية لانقيادهم المطلق لأمر الله، وعدم الالتفات إلى
منادي الشيطان الذي يغريهم بها، وعدم الالتفات إلى ما اعتادوه من قبل، فقد كان العرب من أكثر الناس إدمانا على الخمر وإعجابا بها، وتفاخرا بمعاقرتها
(1) أخرجه الحميدي (447/ 2 رقم: 1034). (2) أخرجه ابن حبان (186/ 12 رقم: 5346). (1/155)
صفحة 154
نداء الحق
وإنفاق المال فيها، فما كانوا يبالون بأن يغدوا أو يمسوا فقراء معدمين إن كانوا ضحوا بأموالهم في معاقرتها أو المكارمة بها، وقد حفلت أشعارهم بالمفاخرة بذلك كما في قول حسان:
فدع هذا ولكن من لطيف يؤرقني إذا ذهب العشاء لشعثاء التي قد تيمته فليس لقلبه منها شفاء كأن خبيأة من بيت رأس يكون مزاجها عسل وماء على أنيابها أو طعم غص من التفاح هصره اجتناء إذا ما الأشربات ذكرن يوما فهن لطيب الراح الفداء نوليها الملامة إن ألمنا إذا ما كان مغث أو لحاء ونشربها فتتركنا ملوكا وأسدا ما ينهنهنا اللقاء وإذا ما حيل بين أحدهم وبين شربها لسبب قاهر تسلى بإتلاف ماله فيها أجل أن يروى بها الشاربون، كما كان من عمارة بن الوليد الذي خطب امرأة فشرطت عليه أن لا يشرب الخمر، ومع صعوبة ذلك عليه تقبله من أجل هواه فيها، فمر يوما بحانة وحولها رواد من الشاربين فسقاهم ببرديه ونحر لهم ناقته لما أخذه من الأريحية بما رسخ في نفسه من ذكريات الخمر وشربها، وعندما عاد إلى أهله قابلته امرأته باللوم والتقريع فرد عليها بقوله: ولسنا بشرب أمَّ عمرو إذا انتشؤا ثياب الندامى عندهم كالغنائم ولكننا يا أم عمرو نديمنا بمنزلة الرّبانِ ليس بعائم أسرَّكِ لما صرَّع القومَ نشوة خروجي منها سالِماً غَيرَ غارم برِيئاً كأني قبل لم أكُ منهم وليس الخداعُ مرتضى في التّنادُم
من
ومع
6
هذا كله كان الإيمان الراسخ في نفوس المؤمنين حائلا بينهم وبين هذه العادة التي رسخت فيهم رسوخ الرواسي في الأرض، ففي ساعة علمهم بتحريمها أبانوا أقداحها من أفواههم وألسنتهم وشفاههم تتلمظها، وحطموا (1/156)
صفحة 155
157
المحور السادس فيما يتعلق بالعقل
أنفسهم
جرارها امتثالا لأمر الله وعصيانا للهوى فياله من إيمان جردهم من فأبدلهم بها نفوسا أخرى لا صلة لها بهذا الماضي الذي أولعوا به. هذا؛ وقد وضحت حقيقة الخمر كما جاءت في الكتاب العزيز وفي السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فكم تجلى للناس اليوم من مضارها وخطرها على الصحة والحياة فانكشفت بهذا الحكمة الربانية من تحريم هذه الآفة؛ التي تردي العقول وتبيد الصحة وتتلف الحياة، وقد اعترف الغربيون أن ضحايا الخمر الذين يموتون في كل عام يفوقون الضحايا الذي يموتون بسبب تعاطي المخدرات بجميع أنواعها بخمسة أضعاف، وأثبتوا بما وضح لهم من الدراسات الطبية أن الخمر هي منشأ الأمراض المختلفة بكل أنواعها، وهي جميعا أمراض قاتلة، وهذا ما تناولته المجلات الطبية الصادرة من كليات الطب في الجامعات الغربية، ولم يبق مجادل في هذا، وقد بسطت القول في هذا في «العقل بين جماح الطبع وترويض الشرع»، وفي «القيم الإسلامية ودورها في تقديم الحلول للمشكلات البيئية العالمية»، فلا داعي إلى تكراره.
الأسف الشديد -
وبهذا تبخرت تلك الأوهام التي كانت عند الأطباء القدامى بأن في الخمر منافع صحية للعباد، وسرت منهم إلى علماء التفسير ـ مع وقد وقف النبي صلى الله عليه وسلم وحده في وجه هذه الأوهام معلنا الحقيقة بأن الخمر داء وليست بدواء، كما ثبت عن طارق بن سويد الحضرمي، قال: قلت: يا رسول الله إن بأرضنا أعنابا نعتصرها ونشرب منها، قال: «لا تشرب» قلت: أفنشفي بها المرضى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما ذلك داء، وليس بشفاء»)، وكان موقفه هذا مصادما لما هو شائع عند الناس من أن في الخمور منافع صحية متعددة، واستمر هذا الوهم إلى العصر الحديث حتى وضح الصبح لذي عينين، فارتفعت صيحات الإنذار بمخاطر الخمور من الأطباء حتى ذكر
(1) أخرجه ابن حبان (231/ 4) رقم (1389)، وجاءت بلفظ قريب عند مسلم: (1573/ 3 رقم: 1984). (1/157)
صفحة 156
158
نداء الحق
صاحب المنار أن «الأحد أطباء ألمانيا كلمة اشتهرت كالأمثال وهي «اقفلوا لي نصف الحانات أضمن لكم الاستغناء عن نصف المستشفيات والبيمارستانات والملاجئ ـ التكايا ـ والسجون).
وقد تكرر مثل هذا القول على لسان طبيبة ألمانية في عصرنا هذا عندما عرضت عليها نتيجة فحص دم شيخنا الولي الرضي حمود بن حميد الصوافي، فتعجبت من صفائه وخلوصه من كل ما يلوث، وقالت له: «لو كنتم تشربون الخمر كما نشربها لاستحال أن يكون دمك هكذا، ولكن ورعكم هو الذي حفظ لكم صحتكم»، وأضافت إلى ذلك قولها: «لو كان الناس عندنا مثلك لاستغنينا عن نصف الأطباء وأغلقنا نصف المستشفيات»، فهل عقل الذين يعاقرون الخمر من المسلمين ويشربونها كما يشربون الماء القراح هذا الأمر؟
ليتهم يعقلون.
على أن في الخمر من الضرر بالأنفس والأموال والمجتمع ما يفوق كل تصور، ناهيك أن الإنسان الذي فضله الله وكرمه تكريما يفقد إنسانيته بتعاطي الخمر، ويصبح أسوأ حالا من الحيوان الأعجم، حسبك هذه القصة التي حكاها غير واحد من المفسرين عن ابن أبي الدنيا «أنه مر على سكران وهو يبول في يده ويمسح به وجهه كهيئة المتوضيء، ويقول: الحمد لله الذي جعل الإسلام نوراً والماء طهوراً» (3).
وذكر أبو حيان التوحيدي أنه خرج بعض السكارى من مجلس ومشى في طريق فسقط، ونزع فجاء كلب وجعل يلحس فمه وشفتيه والسكران يقول:
(1) محمد رشيد، رضا تفسير المنار: 259/ 2.
(2) الرازي: التفسير الكبير، 40/ 6، والنيسابوري: تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان، 604/ 1، والحسن بن قاسم المرادي روح البيان، 278/ 1، أبو حفص الدمشقي: اللباب في علوم الكتاب، 38/ 4، وابن حجر الهيثمي: الزواجر، 803/ 2، إسماعيل حقي الخلوتي: تفسير حقي، 468/ 1، الألوسي: روح المعاني، 114/ 2، محمد رشيد رضا: تفسير المنار، 260/ 2. (1/158)
صفحة 157
المحور السادس: فيما يتعلق بالعقل
159
خدمك بنوك ولا عدموك، ثم رفع الكلب رجله فبال على وجهه، فجعل يقول:
وماء حار بارك الله عليك» (1).
وحدثني أحد أدباء زماننا عن رجل من جيرانه أنه في شبابه كان مدمن خمر، فجاء يوما وهو ثمل إلى حائط وحاول الدخول إليه من مجرى الماء، وكان يتخيل أن بين يديه بحرا يهم بأن يخوضه، وفى محاولته دخول الحائط تعرى عن ثيابه وتكشفت سوءاته وهو في هيئة الراكع وكان ذلك على قارعة الطريق!! وكانت النساء تأتي، وكل واحدة رأته كذلك ولت هاربة ولم تستطع اجتياز الطريق، حتى جاءه أحد أصحابه، وقال له ما بالك؟، فقال: نريد أن نخوض هذا! البحر!! فرد إليه ثيابه وأخذ بيده حتى رده إلى أهله، ولما أفاق إليه فسأله عما كان من شأنه، فإذا به لا يذكر منه شيئا. فحدثه بقصته فاستحيى، وأسف، وعاهد الله أن لا يرجع إلى الخمر، فكانت توبته منها
رجع
بسبب
قبائح
ذلك.
ولا تسأل عما يكون بسبب الخمر من ارتكاب ما يستحيى من ذكره من الأعمال، فقبل أقل من شهرين من هذا الوقت حضرت جلسة قضائية يحاكم فيها شاب جاء إلى أخته المُغِيبَة في منتصف الليل، ودخل عليها كما يدخل السبع الضاري على فريسته وكانت ترضع طفلها، فما كان منه إلا أن حل ثيابها بالقوة، وقضى وطره منها كما يصنع الحليل بحليلته، الشاسع بين ما يكون من الزوج الحبيب في أثناء المعاشرة من وحديث الشفقة والحب والحنان وبين ما كان من هذا الأخ المتنمر القاسي من العنف والبطش.
مع
البون
اللطف
وقبل سنين مرت اعتدى سكران على أمه البارة الرؤم، التي حملته كرها
6
ووضعته كرها، وغمرته بحنانها وحاطته برعايتها وسهرت من أجله ليالي لم
(1) أبو حيان التوحيدي البصائر والذخائر، 33/ 4. (1/159)
صفحة 158
160
نداء الحق
تذق فيها طعم الغمض، ولم تلامس فيها لين الراحة، كل ذلك من أجل سلامته وراحته، فكان جزاؤها منه أن ذبحها كما تذبح النعاج، وشدها بحبل وأخذ يجرها بالوادي وهي عارية.
وقد حضرت محاكمته أيضا، فعجبت من أمره بما رأيته من حسن هيئته، و جمال، وقاره، ورزانة حديثه في أخذه ورده، واحترت كيف يتحول هذا الإنسان اللطيف الوادع إلى أشرس سبع وأعنف حيوان، وما ذلك إلا أثر من آثار هذا الشراب الخبيث، الذي زينه الشيطان اللعين للنفوس الخبيثة وحببه إليها، فتصورت فيه سعدها ونعيمها.
وكم من فتن أوقدت ضرامها وألهبت سعيرها الراح بين جماعات من الناس، فكانوا وقودها حتى أتت عليهم أو على أكثرهم، وهذا مما لا يخفى على من يطلع على أحوال الناس، وقد حفلت بهذا ملفات القضايا الإجرامية، ولو نشرت لرأى الناس من ذلك العجب العجاب، وكثيرا ما كان شباب في زهرة العمر وريعانه تعلق عليهم الآمال، وتعقد على حياتهم الطموحات هم وقود هذا السعير المردي بسبب ما زينه الشيطان لهم من تناول هذا السم الزعاف، فبادوا في مرحلة من أعمارهم تتألق نضارة، وتتدفق حيوية ونشاطا، فخسرهم مجتمعهم وخسرتهم الأمة بعدما خسرتهم أسرهم، ناهيك بحوادث السير التي تنهب الأعمار وتحطم الأجسام، وتأتي على قواها وقوى عقولها، ويا ترى كم ينفق من أموال ويضيع من ثروات في علاج هؤلاء وكفالتهم عندما يصبحون عبئا ثقيلا على الدولة والمجتمع، حتى تغدو حياتهم أعظم مصيبة من وفاتهم؟!.
وكم تخسر المجتمعات شبابا يضيع بسبب تعاطي الخمور التي تلهيهم عن دراستهم وأعمالهم، فتتعطل ملكاتهم وتتلاشى مواهبهم فيصبحون كلاً على أسرهم وعلى مجتمعهم، بسبب هذه الآفة القاتلة. (1/160)
صفحة 159
المحور السادس: فيما يتعلق بالعقل
171
وإذا كانت هذه
هي
الخمر وهذه هي عواقبها، فاعجب ممن يجادل فيها
ويمانع أن تمنع تناولا وبيعا وتداولا بدعوى أنها تشجع السياحة وتنمي الاقتصاد!! فكم ترى عائد تجارة الخمور بجانب الخسارة العظيمة في الأنفس والأموال، بسبب ما يتلف بها من أنفس، وما يتعطل من طاقات، وما يهدر من أموال في علاج ضحاياها، وكفالة أرزاقهم، وكفايتهم ما يحتاجون إليه لحياتهم عندما أصبحوا مستهلكين من غير أن يكون من ورائهم إنتاج؟!.
هذا لو كنا ننظر إلى الأمور بالمنظار المادي وحده، فكيف ونحن علينا أولا أن نتقي الله وأن نحذر كل ما حذرنا منه، وأن نتجنب كل ما نهانا عنه؟ وقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن كل ملابسة للخمر ملعونة، فقد لعنها الله ولعن معها عاصرها ومعتصرها وشاربها وساقيها وبائعها ومشتريها وحاملها والمحمولة
إليه وآكل ثمنها، فماذا يرجى من تجارة تخللتها اللعنة وأحاطت بها؟!!. وأي بركة في المال الذي يأتي من الخمر؟ فإنه ليس بربح، وإنما هو خسار وبوار، والله تعالى تكفل بأرزاق عباده وهو القائل بعدما شرع ما كان يظن أنه يسد بابا من أبواب الرزق: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ} التوبة: 28، وقال سبحانه: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) هود: 6، وقال رجل: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} الذاريات: 22، فما على العباد إلا أن يسلكوا طريق الحق في طلب الرزق، وسيأتيهم رزقهم من عند غدوا وعشيا، وقد أغنى الله عباده بحلاله عن الحرام، وبطاعته عن الآثام، فما كان لهم أن يخالفوا أمره، ويعدلوا عما شرع إلى ما لم يشرع، ولو أن الناس طلبوا الرزق بطاعته تعالى لوجدوا من أبواب الرزق الحلال ما يغنيهم ويكفيهم مؤن الحياة، ويكفل لهم رغد العيش وطيبه، كيف وقد قال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) الطلاق: 2 - 3، وقال سبحانه: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ، يُسْرًا» الطلاق: 4.
ربهم (1/161)
صفحة 160
162
نداء الحق
وأعجب ممن لا الله الذي منه مبدؤه وإليه منقلبه أن يطلب يستحيي من رزقه بارتكاب ما حرم، مع أن آلاء الله تترى عليه ونعمه تحيط به من كل جانب، ومن أحق أن يستحيى منه من الله؟!!.
على أن السياحة الموقوفة على الاتجار في الخمر لا تأتي إلا بفساد الأخلاق ونسف القيم وانتكاس الشباب وانغماسهم في الموبقات، وأي خسارة على الأمة أشد هذا؟!.
من
إن الأمة بحاجة إلى شباب صالح يتقي الله تعالى ويرعى حرماته، فإنه هو الحصن الحصين الواقي لمجتمعه من كل ما يضر به أو يهدد أمنه، وهو العين الساهرة التي تحرس الأمة وأخلاقها وجميع ثرواتها، وهو الأيدي القوية التي الأمجاد وترفع دعائمها، وأين هذا كله من شباب يرتع في المحرمات،
تبني
ويغدو ويروح يتسكع في الطرقات وهو يترنح من آثار الخمر ونشوتها؟!!. لقد ربي رسول الله صلى الله عليه وسلم حوله شبابا كانوا مثالا للشباب الصالح الواعد الطموح، في كل ما يتصف به من صفات العظمة والرفعة والوقار والورع والتقوى، وقد كان ذكرهم يزلزل عروش الظالمين، ويوجف قلوب الطغاة المستكبرين، فقد ذكر ابن الأثير أن هرقل سأل رجلا ممن اتبعه كان قد أسر المسلمين فقال: أخبرني عن هؤلاء القوم، فقال: أخبرك كأنك تنظر إليهم، هم فرسان بالنهار رهبان بالليل لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن ولا يدخلون إلا بسلام يقضون على من حاربوه حتى يأتوا عليه، فقال: لئن كنت صدقتني ليملكن موضع قدمي هاتين.
مع
وروى ابن عساكر بإسناده إلى من سمع يحيى بن يحيى الغساني يحدث عن رجلين من قومه من غسان قال لما كان المسلمون بناحية الأردن تحدثنا بيننا أن دمشق ستحاصر، فقال أحدنا لصاحبه هل لك أن تدخل المدينة فتتسوق من سوقها قبل حصارها؟ فبينا نحن نتسوق إذ أتانا رسول بطريقها اصطراخيه (1/162)
صفحة 161
المحور السادس: فيما يتعلق بالعقل
نعم،
163
فذهب بنا إليه فقال أنتما من العرب؟ قلنا: نعم،، قال: وعلى النصرانية، قلنا: قال: ليذهب أحدكما إلى هؤلاء فليتجسس لنا من خبرهم ورأيهم وليتثبت الآخر على متاع صاحبه، ففعل ذلك أحدنا فلبث لبثا ثم جاءه، فقال: جئتك من عند رجال دقاق، يركبون خيولا مشاق، أما الليل، فرهبان، وأما النهار ففرسان، يريشون النبل ويبرونها، ويثقفون القنا، لو حدثت جليسك حديثا ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر، فالتفت إلى أصحابه، فقال: أتاكم منهم ما لا طاقة لكم به»).
6
وقد درج على هذا أهل الحق الذين عرفوا كيف يربون شبابهم ويصعدون بهم في مدارج العز والشرف، ويرتقون بهم في معارج الفضل والتقوى، فقد دفع أبو حمزة الشاري الله في صدور الذي كانوا يسخرون من أصحابه بدعوى أنهم شباب أغمار سفيهة أحلامهم، فصعد منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال منتصرا لأولئك الشباب: «يا أهل المدينة بلغني أنكم تنتقصون أصحابي قلتم شباب أحداث وأعراب جفاة، ويلكم يا أهل المدينة، وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شبابا؟! .. شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضية عن الشر أعينهم ثقيلة عن الباطل أقدامهم قد باعوا الله وعمل أنفسا تموت بأنفس لا تموت قد خالطوا كلالهم بكلالهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن كلما مروا بآية خوف شهقوا خوفا من النار وإذا مروا بآية شوق شهقوا شوقا إلى الجنة، فلما نظروا إلى السيوف قد انتضيت والرماح قد شرعت وإلى السهام قد فوقت وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت؛ استخفوا وعيد الكتيبة، لوعيد الله عَل، ولم يستخفوا وعيد الله لوعيد الكتيبة فطوبى لهم وحسن مآب فكم من عين في منقار طائر فاضت في جوف الليل من خوف الله، وكم من يد زالت عن مفصلها طالما اعتمد بها صاحبها في
(1) تاريخ دمشق 96/ 2 - 97، وينظر البداية والنهاية، 16/ 7. (1/163)
صفحة 162
164
نداء الحق
سجوده الله، وكم من خدّ عتيق وجبين رقيق فلق بعمد الحديد، رحمة الله على تلك الأبدان، وأدخل أرواحها الجنان، أقول قولى هذا وأستغفر الله من تقصيرنا وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب»).
وليت شعري؛ أين هؤلاء الشباب الذين كانوا تنضح دخائلهم بالتقوى، وتتدفق خصالهم بالمكارم وتشع في أعماق قلوبهم أنوار الإيمان، فيتزاحم فيها خوف الله ورجاؤه ويتلاطم في جنباتها حبه والرغبة إليه، فينساقون إلى عبادته وطاعته آناء ليلهم وأطراف نهارهم أين هؤلاء من شباب لا هم له إلا كؤوس الخمور، ومغازلة الحسان، والانسياق إلى الشهوات الدنيئة؟ {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَارِ) ص: 28، وأنى يرتجى من هؤلاء ما يرتجى من أولئك من نصرة الحق وعون الضعيف وإغاثة الملهوف؟.
وهذا ما يدعو كل مجتمع أن يفكر في شبابه، فلا يرضى إلا أن يجنب
شبابه هذه الأمراض المعدية، التي تفتك بهم فلا تبقي منهم ولا تذر.
وإني
- معذرة إلى الله تعالى - أكرر ما ناديت به أكثر من مرة من
المطالبة بمنع الخمور شربا وتجارة واستيرادا وتصديرا في البر والبحر والجو، حتى يسلم مجتمعنا من هذا الداء الفتاك، وكم دعوت إلى هذا في الخطب والمحاضرات ووسائل الإعلام، وفي خطاب المسؤولين، ولا أشك أن الكل يدرك ما أدركته، ويوقن بصواب ما أدعو إليه، لذلك أعجب من التصامم عن هذا النداء، وتجاهل هذا الواجب، مع أن الخير كله منوط به والشر بأسره معقود على الإعراض عنه، إذ الخمر باب كل شر، فقد روي
(1) الطبري: تفسير الطبري، 329/ 4 - 330، الأصفهاني: الأغاني، 250/ 23، و 256، ابن الأثير: الكامل في التأريخ، 50/ 5، ابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة، 63/ 5 و 66، شهاب الدين النويري: نهاية الأرب في فنون الأدب، 35/ 21، أحمد زكي: جمهرة خطب العرب، 475/ 2. (1/164)
صفحة 163
المحور السادس: فيما يتعلق بالعقل
165
من طريق ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الخمر أم الفواحش وأكبر الكبائر من شربها وقع على أمه وخالته وعمته).
وفي رواية من طريق عبد الله بن عمرو: «الخمر أم الفواحش وأكبر الكبائر
ومن شرب الخمر ترك الصلاة ووقع على أمه وعمته وخالته» (2).
فتنة
وروي عنه أنها جماع الإثم» (3)، ولا غرو فكم ينشأ عن الخمر من ودمار، وارتكاب للموبقات وانتهاك للأعراض، وترك للواجبات وفساد في الأخلاق، وقد أدرك العقلاء من الناس حتى في أيام الجاهلية ما فيها من فساد وضرر، فـ «عن العباس بن مرداس أنه قيل له في الجاهلية: لم لا تشرب الخمر فإنها تزيد في جراءتك؟ فقال ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله جوفي، ولا أرضى أن أصبح سيد قوم وأمسى سفيههم» (4)، وإذا كان من أهل الجاهلية من
(4)
أنه
أدرك بفطرته أن شرب الخمر دناءة يترفع عنها الحليم، فكيف بمن يزعم مسلم مؤمن بما أنزل الله في كتابه وما أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، ما باله يتجاهل ما علمه ويعرض عما صدقه فيرضى لنفسه الوقوع في هذه الدركات والسقوط في هذه المهاوي؟!!.
(1) أخرجه الطبراني في الكبير (164/ 11، رقم (11372). وفي الأوسط (276/ 3، رقم 3134)،
والدارقطني (247/ 4).
(2) أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد (68/ 5).
(3) أخرجه من طريق عقبة بن عامر الجهني ابن عساكر (240/ 51). ومن طريق ابن مسعود أخرجه ابن أبي شيبة (106/ 7، رقم 34552)، وأبو نعيم في الحلية (138/ 1). وهناد (286/ 1، رقم 497)، وابن عساکر (179/ 33).
(4) الرازي: التفسير الكبير، 40/ 6، والنيسابوري: تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان، 604/ 1 605، أبو حفص الدمشقي: اللباب في علوم الكتاب، 38/ 4، وابن حجر الهيثمي: الزواجر،
803/ 2، إسماعيل حقي الخلوتي: تفسير حقي، 468/ 1، الألوسي: روح المعاني، 114/ 2. (1/165)
صفحة 164
المحور السابع
في السكوت عن المنكرات
167
لا يستوي المعروف والمنكر، كما لا يستوي النور والظلمة، فالمعروف تعرفه النفس وتنسجم معه الفطرة فلذلك سمي معروفا والمنكر تنكره النفس وتأباه الفطرة فلذلك سمي منكرا، وفي موازين القسط التي أنزلها الله تعالى المعروف، هو ما وافق شرع الله والمنكر ما خالفه، ولا يخفى أن المؤمن الذي رضي. بالله ربا وبالإسلام دينا وبالقرآن حجة ودليلا، وبمحمد هاديا وإماما، لا يقر ما كان بخلاف أمر الله ورسوله ولا ينكر ما اقتضاه أمرهما، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} الأحزاب: 36.
وعليه؛ فإن المؤمن بفطرته يأبى إقرار المنكر كما يأبى الإعراض عن المعروف، وقد دل القرآن الكريم على ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لقطع داعية الفساد ونشر الخير بين الناس، فقد قال تعالى: {وَلْتَكُن مِنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} آل عمران: 104، ونبه على أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حياة الأمة، وأن خيرية هذه الأمة مرهونة بالقيام بذلك، إذ ذكرهما قبل الإيمان بالله في قوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} آل عمران: 110، وقبل إقام الصلاة وإيتاء الزكاة في قوله: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ (1/167)
صفحة 165
نداء الحق
12/ 211
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَيكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ (التوبة: 71، وما ذلك إلا لأن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضمانا لبقاء الإيمان بالله واستمرار إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وفي تركهما إضاعة لواجبات الدين كلها من الإيمان والعمل. وبينت آية التوبة أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما معقد ارتباط هذه الأمة بعضها ببعض بعد إيمانها، فقد وصف الله المؤمنين والمؤمنات بأن بعضهم أولياء بعض وأتبع ذلك ما ذكره من مقومات هذه الولاية التي تربط بينهم وتجعلهم في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، وأول ما ذكره من هذه المقومات أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ذلك لأنهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشيعون الخير في الأمة، ويدفعون الشر عنها، فينتج عن ذلك امتثالها لأمر الله، وازدجارها عن نهيه وأداء ما عليها من الحقوق الله ولعباده، وبشيوع ذلك يكون بينهم التراحم والتلاحم والتعاون على الخير، والتناصح في ذات الله تعالى، فلا يبقى معوج إلا قوم، ولا غاو إلا أرشد، ولا غافل إلا نبه.
وبين سبحانه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما جندان من جنوده، يعز بهما الله سبحانه من اعتصم بحبله وأوى إلى ركنه وحفظ له عهده، فقد قال تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيُّ عَزِيزُ هِ الَّذِينَ إِن مَّكَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَوةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمور) الحج: 40 - 41، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ بجانب طاعته تعالى المطلقة، التي رمز إليها بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ـ تجسيد للقيام بنصر الله تعالى الذي يستحق به العبد من الله نصره وتأييده وعونه وتوفيقه، فأي
تفريط في ذلك إنما هو تفريط في أقدس المقدسات وأجل الواجبات. (1/168)
صفحة 166
المحور السابع في السكوت عن المنكرات
169
وقد بيّن الله سبحانه أن السكوت عن المنكر مع ظهوره وشيوعه موجب للعنة الله تعالى وسخطه، فقد قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسراءيل على لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) المائدة: 78 - 79، ولا يعني ذكر هذا في بني إسرائيل أنه محصور بينهم، فإنه منوط بهذا الوصف، فأينما وجد تحقق هذا الحكم ويعزز ذلك حديث ابن مسعود ه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل، فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك
ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَاءِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (المائدة: 78 إلى قوله: {فَسِقُونَ) المائدة: 81، ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا أو ليضر بن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم)
وعن أبي موسى الأشعري عنه بلفظ: «إن من قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل العامل منهم الخطيئة فنهاه الناهي تعزيرا فإذا كان من الغد جالسه وواكله وشاربه كأن لم يره على خطيئته بالأمس، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان داود وعيسي ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر، ولتأخذن على أيدي المسيء ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضر بن الله بقلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعنهم (2)
(1) أخرجه أبو داود (121/ 4، رقم 4336)، والبيهقي (93/ 10، رقم 19983). (2) أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد (269/ 7)، والشجري في أماليه (230/ 2). (1/169)
صفحة 167
170
نداء الحق
هذا؛ ولا يتوقف وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على رجاء امتثال المأمور المنهي فإن من رأى منكرا وجب عليه تغييره ولو كان آيسا من انتهاء مرتكبه عنه، فالله تعالى أمر بدعوة الكفار إلى الإسلام حتى مع اليأس من إسلامهم فقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَ أَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} البقرة: 6 - 7، ومع ذلك لم يعذر النبي صلى الله عليه وسلم من دعوتهم، كما قال: {لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَفِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَقِهِمْ أَغْلَلًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سدا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ وَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) يس: 6 - 10.
وعندما حكى الله تعالى قصة بني إسرائيل وعدوانهم في السبت ذكر أنهم كانوا ثلاث فئات، فئة اعتدت ولم تبال بنهي الله سبحانه، وفئة قامت بواجب الإنكار عليهم، وفئة كانت سلبية سكتت عن المنكر وإن لم ترتكبه، بل عذلت الذين نهوهم بدعوى أن كلمة الله قد حقت عليهم فلا تجدي فيهم الموعظة، ثم بين كيف كانت العاقبة عندما قال: {وَسَئَلَهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ يَعِظُونَ قَوْمَا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابِ بَعِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) الأعراف: 163 ـ 165، فقد ذكر سبحانه أنه أنجى الذين ينهون عن السوء وأهلك من عداهم قال ابن عباس: «كانوا أثلاثا ثلث نهوا، وثلث قالوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ] وثلث أصحاب
الخطيئة، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم
(1) ابن كثير: تفسير ابن كثير، 496/ 3. (1/170)
صفحة 168
المحور السابع في السكوت عن المنكرات
171
أما ما رواه الحاكم عن عكرمة أنه قال: قال ابن عباس: «فأسمع الله يقول أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَعِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} الأعراف: 165، فلا أدري ما فعلت الفرقة الثالثة؟ قال ابن عباس: فكم قد رأينا من منكر فلم ننه عنه، قال عكرمة: فقلت: ما ترى جعلني الله فداك؟ إنهم قد أنكروا، وكرهوا حين قالوا لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا؟ فأعجبه قولي ذلك وأمر لي ببردين غليظين فكسانيهما، فإن في نفسي منه شيئا، وإن قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، ذلك لأن الله تعالى أنكر على بني إسرائيل سكوتهم عن المنكر بل لعنهم على ذلك، كما هو منصوص عليه في قوله لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَاءِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) المائدة: 78 - 79، فلم يقصر اللعن على المعتدين وحدهم وإنما عمم ذلك في الذين ركبوا المنكر والذين سكتوا عنه، وقد علمت مما تقدم من الروايات أنهم منهم من ينكر ولكنه لا يلبث مع إنكاره أن يعاشر من وقع في المنكر، فلعنهم الله جميعا، وهؤلاء كانوا عاذلين للذين نهوا عن السوء بقولهم: [لِمَ يَعِظُونَ قَوْما اللهُ مُهْلِكَهُمْ)، ومجموع هذا كله يدل على أن الصواب في هذا ما روي عن ابن عباس أنه قال: «فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم». ولا يخفى على ذي لب أن سكوت الناس عن المنكر من غير أن تنكره ألسنتهم وتشمئز منه قلوبهم وتنفر منه طباعهم هو سبب لألفته، وتدرج الناس من منكر إلى آخر، فإن كل مصيبة تجر وراءها، مصائب، والشيطان يستدرج أولياءه، ويَدُعُهُم فى الموبقات دَعا، أما إن عافوا المنكر ورفعوا عقيرتهم بإنكاره ونفروا منه فإن ذلك يصبح حاجزا بينهم وبين ارتكابه، وبسبب ذلك
كان
-
(1) الحاكم المستدرك على الصحيحين، 352/ 2. (1/171)
صفحة 169
172
نداء الحق
كان الأمر بالمعروف والتناهي عن المنكر معقد ارتباط المؤمنين والمؤمنات بعضهم ببعض، وسببا متينا لاستمرار ولايتهم ونمو قوتهم، ولأجل هذا عقد الله تعالى نصره للمؤمنين على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بجانب إقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم خطورة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يجره على الناس من فساد وبلاوى فقد روي من طريق أبي هريرة عند أبي يعلى في مسنده ومن طريق أبي أمامة الباهلي عند ابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه صلى الله عليه وسلم قال: «كيف أنتم إذا طغى نساؤكم، وفسق شبابكم، وتركتم جهادكم؟»، قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله؟، قال: «نعم، والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون قالوا وما أشد منه يا رسول الله؟، قال: «كيف أنتم إذا لم تأمروا بالمعروف، ولم تنهوا عن المنكر؟»، قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: «نعم، والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون»، قالوا: وما أشد منه يا رسول الله؟، قال: كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكرا، ورأيتم المنكر معروفا؟»، قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم، وأشد منه سيكون، يقول حلفت، لأتيحن لهم فتنة يصير الحليم فيهم حيرانا).
الله تعالى: بي والحديث وإن ضعف من حيث الإسناد فإن شواهد الأحوال تدل عليه، فكم استدرج الشيطان أقواما في المنكرات شيئا فشيئا، حتى لم يعودوا ينكرون منكرا أو يعرفون معروفا، بل زادوا على ذلك باعتقادهم المعروف منكرا والمنكر معروفا، فإذا دعاهم داع إلى الحق وحذرهم من الاستمرار في غيهم وعماهم أنفوا من دعوته واستنكفوها، واتهموه في عقله ودينه وأخلاقه، وكان عندهم عرضة للسخرية، ونبزهم له بالألقاب ولمزهم إياه بجوارح الكلمات، وكم تواتر عليهم بسبب ذلك من فتن عمياء أطبق عليهم ليلها البهيم فلم يعرفوا المخرج منها، وظل ذوو الأحلام منهم حيارى.
(1) أخرجه ابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف (76/ 1) وأبو يعلى في مسنده (304/ 11 رقم: 6420). (1/172)
صفحة 170
المحور السابع في السكوت عن المنكرات
173
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حق على كل مسلم: دل الحديث الشريف على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان على كل مكلف، وإنما تختلف كيفية الأمر والنهي بحسب ما أوتوا من قوة، فعن أبي سعيد به أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع أن يغيره بيده فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان). فتراه أوجب على كل من رأى منكرا تغييره، فمن قدر على تغييره بيده كان ذلك هو الواجب في حقه، فمن لم يستطع فعليه أن يغير بلسانه، ومن لم يستطع عاد إلى أضعف الإيمان؛ وهو أن يغيره بقلبه، وذلك أن يمتعض من هذا المنكر ويكرهه ويكره راكبه تقربا إلى الله تعالى، أما لو لم يكن ذلك منه فإنه بلا ريب ـ يسري أثر ذلك المنكر في نفسه، فيتساوى أولا نفسه ارتکابه وتركه، ولا يزال الشيطان يقدح في عقله حتى يحببه إليه فيهون عليه ارتكابه،
ولهذا كان تغييره بالقلب هو أضعف درجات الإيمان.
في
(1) أخرجه الطيالسي (ص 292، رقم (2196)، وأحمد (49/ 3، رقم 11478)، وعبد بن حميد (ص 284، رقم (906) ومسلم (69/ 1، رقم (49) وأبو داود (296/ 1، رقم 1140)، والترمذي (469/ 4، رقم (2172) وقال: حسن صحيح. والنسائي (111/ 8، رقم 5008)، وابن ماجه (1330/ 2، رقم 4013)، وابن حبان (541/ 1، رقم (307). وأبو يعلى (289/ 2، رقم 1009)، والبيهقي (90/ 10، رقم 19966)، وأبو نعيم في الحلية (28/ 10). (1/173)
صفحة 171
175
المحور الثامن
فيما يتعلق بالأموال
المال من نعم أسيء فيه التصرف، فهو صارم ذو حدين، إما أن يمضى في الخير فيعود بالصلاح والتعمير، وإما أن يمضى في الشر فيعود بالفساد والتدمير، وقد
الله تعالى إن أحسن التصرف فيه، وهو من أشد النقم إن
جبلت النفوس على حبه حبا جما، كما قال تعالى: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمَّا الفجر: 20، وقال في وصف الإنسان: {وَإِنَّهُ لِحَتِ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} العاديات: 8، ومع ذلك كله فهو مال الله تعالى، وما الإنسان إلا مستخلف فيه ومؤتمن عليه، فقد
قال تعالى: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِى آتَنكُمْ) النور: 33، وقال: {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} الحديد 7، لهذا لم تطلق يد الإنسان فيه ليكتسبه بأي وجه وينفقه في أي وجه وعلى أي، كيفية، لأن الخليفة لا يتصرف فيما استخلف فيه إلا بحسب ما أذن له ما أذن له من استخلفه.
لا بد من صون النعم بطاعة الله تعالى حتى لا تتحول إلى نقم: قد علم الله تعالى طبائع العباد وما تنجذب إليه نفوسهم وما تنفر منه، وكم من شر تنجذب إليه، وكم من صلاح تأباه وتنفر منه، ولأجل ما وقر في نفوس الناس من حب المال حبا جما - يعمي مداركهم ويفسد فطرهم، ويغوّر في طبائعهم ينابيع الخير والفضل - كان لا بد من علاج لهذه الشهوة الجامحة المستعصية على أي علاج ما عدا العلاج الرباني الصادر عن الله، الذي يعلم (1/175)
صفحة 172
176
نداء الحق
جميع
دوافعها
مسارب النفس ومداخلها ويحيط بكل منافعها ومضارها، ويدرك وجواذبها؛ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) الملك: 14، لأجل هذا أتى وحي الله {
تعالى بهذا العلاج الرباني الشافي؛ الذي لو أخذ به جميع الناس لجللت الأرض ومن عليها الرحمة والألفة والمودة والحنان وانحسر كل ما يعتمل في النفوس من حسد وحقد وكراهة وشنآن وانطفأ كل ما يستعر بينهم من فتن يأتي ضرامها على الأخضر واليابس، ويهلك الحرث والنسل، ويجتاح الطارف والتليد.
ضرورة التقيد بحكم الله تعالى في كسب المال وإنفاقه
العلاج الرباني يتعلق في المال بكلا الطرفين، طرف الكسب وطرف الإنفاق، فلم يكن للإنسان أن يكسب المال من أي وجه كان، وإنما عليه أن يتقيد في كسبه بطلب الحلال الطيب الذي يبارك له فيه ولا يؤثر في نفوس بني جنسه إلا الخير والود والشفقة والوئام، فلا يثري على حسابهم، ولا يهتم بنفسه ويغض الطرف عنهم، وإنما يكتسبه بطريقة لا تضر بأحد، فإن اتجر وربح كانت تجارته في إطار الفضيلة والمنفعة المشتركة، ليس فيها استغلال لحاجة محتاج، وإنما فيها بسط المعروف لجميع الناس، ولذلك يجدون جميعا فيه الخير والرحمة، لأن من شروط الاتجار في الإسلام أن يكون بعيدا عن جميع أنواع الغرر، فلا يتجر إلا فيما هو حاضر معروف بنوعه ووصفه وبقدره وثمنه، اللهم إلا أن تكون تجارة بطريقة السلم، ومن شرط ذلك أن يكون السلم في شيء معروف نوعه ووصفه وقدره وثمنه، وأن يكون إلى أجل معلوم وبوزن معلوم أو كيل معلوم، فلا يكون في ذلك غرر على بائع ولا مبتاع.
وما كانت إباحة السلم إلا لرفع الحرج عن الناس والتيسير لهم فالبائع يقضي مآربه بما يقبضه من الثمن الذي يعينه على ممارسة مهمته في إعداد البضاعة ليقدمها للمشتري في ميقاتها المعلوم بحدها ووصفها، والمشتري يجد مصلحته في ضمان ما يحتاج إليه من البضاعة التي أسلم فيها، ولو قدم ثمنها. (1/176)
صفحة 173
المحور الثامن فيما يتعلق بالأموال
177
الغلة
وقد شدد الإسلام في كل المعاملات ذات الغرر، فلذلك منع من بيع قبل دراكها، ومن بيع ما هو مستور كالثمار التي تكون في أصول الزرع قبل أن
تجنى، ومثل ذلك ما كان مستورا في ظروفه وأوعيته ولم تتبين كيفيته للمتعاملين، وجعل كل معاملة بدون هذه الشروط من أكل أموال الناس بغير حق، فعن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من باع ثمرا فأصابته جائحة، فلا يأخذ من مال أخيه شيئا، علام يأخذ أحدكم مال أخيه المسلم؟».
وجاء وعيد ذلك في القرآن مقرونا بوعيد قتل النفس المحرمة بغير حق، وذلك في قوله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِنكُمْ وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانَا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذلك عَلَى اللهِ يَسِيرًا (النساء: 29 - 30 وليس هذا الاقتران بين أكل الأموال بغير حق وبين سفك الدم الحرام إلا دليلا على خطورة أمر المال، وأنه قرين النفس في الحرمة، وجاء الحديث مضيفا إليهما عرض المسلم، وذلك في مقام عرض ما يجب أن يكون بين المسلمين من حرص كل أحد منهم على مصلحة الآخرين، وتوقير بعضهم لبعض وعدم تجني أحد منهم على غيره، وما يجب أن يكون بينهم من وحدة الشعور التي تجعل كلا منهم يتألم بما يصيب أخاه، فعن أبي هريرة الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ههنا ـ ويشير إلى
):
(1) أخرجه ابن ماجه (747/ 2، رقم 2219)، والدارمي (328/ 2، رقم 2556)، وابن الجارود (ص 161، رقم 639)، وابن حبان (410/ 11، رقم 5034)، والدارقطني (30/ 3)، والحاكم (42/ 2، رقم 2256) وقال: صحيح على شرط الشيخين وأخرجه أيضا النسائي (265/ 7، رقم 4528)، والطبراني في الأوسط (33/ 7، رقم (6768)، والطبراني في الشاميين (289/ 1، رقم 504)، والديلمي (487/ 3، رقم 5511). (1/177)
صفحة 174
178
نداء الحق
صدره ثلاث مرات ـ بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه).
الربا الظاهر والمبطن حرب بين المتلبسين به وبين الله
صلے
أما الربا فبكل صنوفه وأبوابه شدد فيه الإسلام وعده حربا بين الوالجين فيه وربهم سبحانه، فقد قال تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأَذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) البقرة: 278 - 279، وهو ملعون وملعون مع معه كل من مد يده به أخذا أو عطاء أو شارك في التعامل به بأي وجه، فعن جابر الله قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله، وشاهديه، وكاتبه» (2). وقال: «هم سواء»
ولا يحصر الربا في الظاهر المكشوف، فإن المراباة في أموال الناس بالتحايل والمكر وابتزازها تحت الشعارات الخادعة لا يقل شيء من ذلك عن الربا الصريح في الإثم واستحقاق اللعن والوعيد الشديد، بل هو أعظم حرمة وأشد وعيدا، لأنه ـ مع مشاركته للربا المكشوف في أكل أموال الناس بغير حق واتخاذ حاجتهم وفاقتهم سبيلا إلى ابتزاز ثرواتهم - هو ضرب من النفاق لا يتولد إلا من انحراف المعتقد، فإن من يقدم عليه إنما يقدم على مخادعة الله تعالى، والمخادعة ظاهرة بما يضفيه على هذه المعاملة من صور يظن الجهلة المغرورون أنها من أنواع المعاملات المحللة، واعتقاد أن ذلك له تأثير على حكم الله تعالى إنما هو اعتقاد بأنه سبحانه يمكن أن يكون عرضة للخداع وأنه يتأثر بحيل عباده، وهو تجاهل للنصوص القاطعة الدالة على أن الله لا يخفى
(1) أخرجه أحمد (277/ 2، رقم 7713)، ومسلم (1986/ 4، رقم 2564). وأخرجه أيضا: البيهقي (92/ 6، رقم 11276).
(2) أخرجه مسلم (1219/ 3، رقم 1598)، وأبو عوانة (395/ 3 رقم: 5455). (1/178)
صفحة 175
المحور الثامن فيما يتعلق بالأموال
179
عليه ما يخطر بالنفوس وما تنطوي عليه الضمائر وما يتلجلج في أعماق الصدور كما نص عليه قوله تعالى: {وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} آل عمران: 154،
وقوله: {وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ} البقرة: 284.
ومن
وإذا كان هذا التصرف لا يأتي إلا من النفاق العقدي الذي يظن صاحبه أنه قادر على مخادعة الله تعالى فإن جزاء المنافقين بينه سبحانه في قوله: إِنَّ الْمُنَفِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} النساء: 145. هذا الباب؛ ما شاع عند كثير من الجهلة المغرورين، بل ومن بعض أدعياء العلم، من التعامل ببيوع الإقالة معاملة ليس وراءها إلا ابتزاز الثروات، والاستكثار من المال من غير مبالاة من أي باب يدخل على صاحبه، وهي معاملة ظاهرها بيع وباطنها ربا غليظ، وقد طرق سمعي كثير من الأصوات مستنكرا بعض المعاملات في المصارف الإسلامية، وهذا أمر لا بد من التفطن له لئلا يكون شعار الإسلام في هذه المصارف وسيلة إلى المعاملات الربوية المحرمة، وإنما يجب أن يكون شعار الإسلام لا يواري تحته إلا ما يقره الإسلام من المعاملات الشرعية، التي جعل الله فيها غنى للعباد عما حرم عليهم من الربا، ولا يخفى أن الإسلام كله طهر وعفة ورحمة، فيجب أن لا يلز به شيء مما يكدر صفوه ويشوب طهره.
وإنني
لأهيب بمجالس الإدارة وهيئات الرقابة في هذه المصارف أن تتحرى السلامة في هذه المعاملات، وأن لا تدفع بالناس إلى مخاطر ورجس المعاملات الربوية، وأن لا يدعوا الحزم فيها وإن كانوا مطالبين بالتيسير فيما يسره شرع الله تعالى منها ليجد الناس في كنف هذه المؤسسات المالية يغنيهم عن الرجوع إلى المؤسسات الربوية، كما أهيب بلجان الفتوى ودور الإفتاء بأن يكون لها دور بارز في تنقية المعاملات التي تدور في أنحاء هذه المصارف من كل شوائب الربا، وأن تطهرها من رجس الحرام كله لتغدو إسلامية مخبرا ومظهرا، والله تعالى المستعان.
ما (1/179)
صفحة 176
180
نداء الحق
>>
التشديد في وعيد من أخذ المال بغير حقه:
جاءت بهذا روايات كثيرة متضافرة، كما تضافرت الروايات في وعيد أكل المال بغير حقه، فعن ابن عباس لها عند الربيع رحمه الله: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: القليل من أموال الناس يورث النار».
وعن أنس بن مالك الله عند الربيع الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اقتطع حق مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار»، قال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وإن كان قضيبا من أراك» (2)، ورواه غيره من طريق أبي أمامة الحارثي نه (3)، وجابر بن عتيك (4)، رضي وعن الحارث بن البرصاء الليثي قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم في الحج وهو يمشى بين الجمرتين وهو يقول: «من اقتطع مال أخيه المسلم بيمين فاجرة فليتبوأ مقعده من النار، ليبلغ شاهدكم غائبكم).
(0)
وقد تضافرت الروايات في أكل أموال الناس بغير حق مؤذنة بأشد الوعيد وأسوأ المصير لمن وقع في ذلك، فعن وائل بن حجر ه قال: «كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه رجلان يختصمان في أرض فقال أحدهما: إن هذا انتزى على أرضي يا رسول الله في الجاهلية - وهو امرؤ القيس بن عابس الكندي، وخصمه ربيعة بن عبدان - قال: «بينتك قال: ليس لي بينة، قال: «يمينه» قال:
(1) أخرجه الربيع (ص 268 رقم: 690). (2) أخرجه الربيع (ص 259 رقم 660). (3) أخرجه أحمد (260/ 5، رقم 22293)، ومسلم (122/ 1، رقم (137)، والنسائي (246/ 8، رقم 5419)، وابن ماجه (779/ 2، رقم 2324)، والدارمي (345/ 2، رقم (2603)، وأبو عوانة (40/ 1، رقم 88)، والطبراني (274/ 1، رقم 797). (4) أخرجه ابن قانع (141/ 1)، والطبراني (1922، رقم 1782)، والحاكم (328/ 4، رقم 7804) وقال: صحيح الإسناد.
(ه) أخرجه الحاكم (328/ 4، رقم (7803) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة،
ووافقه الذهبي. (1/180)
صفحة 177
المحور الثامن فيما يتعلق بالأموال
181
إذن يذهب بها، قال: «ليس لك إلا ذاك»، قال: فلما قام ليحلف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اقتطع أرضا ظالما لقي الله وهو عليه غضبان»».
المال العام يجب الاحتراز من الاعتداء عليه كالمال الخاص أو أشد: لا فرق في الحرمة والوعيد بين الأموال الخاصة والمال العام، ناهيك أن الله تعالى شدد في الغلول في كتابه في قوله: {وَمَا كَانَ لِنَبِي أَن يَغُلَ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} آل عمران: 161،
أنه
فليس لأحد أن يسول لنفسه الأخذ من المال العام بغير حق بدعوى شريك فيه بما له فيه من حق مشاع، وقد أنذر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فحذرهم من ذلك أيما تحذير، كما في حديث أبي هريرة عنه أنه قال: «لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حممة فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع يخفق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك» (2).
(1) أخرجه أحمد (317/ 4، رقم 18883)، ومسلم (124/ 1، رقم 139). (2) أخرجه أحمد (426/ 2، رقم 9499)، والبخاري (1118/ 3، رقم 2908)، ومسلم (1461/ 3، رقم 1831). وأخرجه أيضا: أبو عوانة (396/ 4، رقم (7077، وابن حبان (182/ 11، رقم 4847)، والبيهقي (101/ 9، رقم 17985). (1/181)
صفحة 178
182
نداء الحق
ومن طريقه أيضا أنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، فلم نغنم ذهبا ولا فضة، إنما غنمنا المتاع والأموال، ثم انصرفنا نحو وادي القرى، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد أعطاه إياه رفاعة بن بدر ـ رجل من بني ضبيب ـ فبينما هو يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتاه سهم عائر فأصابه فمات فقال له الناس هنيئا له الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي غلها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا فجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراك أو شراكين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شراك من نار أو شراكان من نار).
وفي هذا ما يكفي مزدجرا لمن يتلاعبون بالمال العام ويثرون على حسابه ولا يبالون بتبذيره، وإذا كان صاحب الحق في المال الخاص قد يعفو عن حقه فتسقط التبعة عمن اعتدى عليه، فمن الذي يملك العفو عن المال العام الذي
لكل فيه حق من اليتامى والمساكين والفقراء والمحتاجين بأي وجه؟!.
إنفاق المال يجب أن لا يخرج عن الإطار الشرعي الذي أذن به الله: إذا كان الإسلام تشدد في أخذ المال واحتيازه، فإن تشدده في الإنفاق لا يقل عن ذلك ولو اكتسبه صاحبه من وجوه محللة خالصة، إذ ليس له أن ينفقه كما يملي عليه، هواه، وإنما ينفقه فيما أذن به الله تعالى، لأن الله الحقيقة هو مالكه ومالك من ملَّكه له، وما هذا التمليك إلا استخلاف، فهو
مستخلف فيه ومؤتمن عليه، وسيحاسب يوم القيامة على إنفاقه وعلى كسبه.
في
فعن أبي برزة الأسلمي الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه ما فعل به؟ وعن ماله
(1) أخرجه الربيع (191) رقم (470)، والبخاري (138/ 5 رقم: 4234)، ومسلم (108/ 1 رقم: 115)، والحاكم (42/ 3 رقم: 4347)، وابن حبان (188/ 11 رقم: (4851) وأبو داود (68/ 3 رقم: 2711) والبيهقي في الكبرى (170/ 9 رقم: 18202). (1/182)
صفحة 179
المحور الثامن فيما يتعلق بالأموال
183
من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟»، وجاء مثله من طريق معاذ الله عند البزار (2) والدارمي (3)، ومن طريق ابن مسعود له عند البزار (4). لهذا كان الإنسان مأمورا بالقصد في إنفاق ماله بين طرفي التبذير والتقتير، فقد قال تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ، خَبِيرًا بَصِيرًا) الإسراء: 29 - 30، وقال: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ، وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِر تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) الإسراء: 26 - 27، وقال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} الأعراف: 31، وقال: كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُشْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) الأنعام: 141.
الله
وإذا كان الإنسان لا تطلق يده في إنفاق ماله فيما أمره تعالى بالإنفاق فيه، وإنما عليه أن ينفق بقدر ما ينفع غيره، ولا يضر بنفسه، فما بالك بما حرم تعالى عليه أن ينفق فلسا فيه من الوجوه المحرمة؟!.
ويدخل في ذلك إنفاق المال مخيلة وإسرافا كالذين لا يبالون بما يقدمونه للضيوف من صنوف الأطعمة التي قد لا تمتد إليها يد، ولا تسد فراغا في معدة جائع، ولا تجد من ينتفع بها من الناس، وإنما تلقى في المزابل وتلوث بها البيئة، ويكفي صاحبها ما يتخيل أنه يكسبه من الناس من حمده والثناء عليه
بأنه جواد كريم.
(1) أخرجه الترمذي (612/ 4، رقم 2417) وقال: حسن صحيح. وأبو يعلى (428/ 13، رقم 7434)، وأبو نعيم في الحلية (232/ 10).
(2) ينظر مسند البزار (87/ 7 رقم: 2640).
(3) ينظر سنن الدارمي (ص 575/ 196). (4) ينظر مسند البزار (266/ 4، رقم: 1435). (1/183)
صفحة 180
184
نداء الحق
هذا؛ في حين أن جماعات من الناس غير قليلة تبيت طاوية تتضور جوعا، ولا تكاد تجد ما تقتات به، وقد نما إلي أن جماعة من الناس وجدوا عاملة في بلاد عربية أمام أكوام من اللحوم والأطعمة وهي تبكي بكل حسرة وألم، فسألوها عما يبكيها؟ فأجابت: بأن أهل البيت الذي تعمل فيه أمروها أن تلقي هذه الأطعمة في المزابل وأولادها في دارها لا يجدون ما يقتاتون به.
البطر بالنعمة سرعان ما يحولها إلى نقمة:
كم جرَّ هذا البطر الناشئ عن الغرور بالغنى على أهله من مصائب ومحن لم تقف عند حد، وقد أنذر الله تعالى الذين بطروا معيشتهم بهلاك في الدنيا يجعلهم عبرة في الأمم وعظة لمن كان له قلب، فقد قال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَكَنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) القصص: 58.
لهم
وكم شاهدنا في حياتنا هذه من أحداث عظام قوضت أمما ما كانت تحسب أن دائرة الزمن ستدور عليها، ولا كان يدور بخلدها أن الدهر بعد أن أسلس قياده سينقلب عليهم، وسيسلب منهم ما كانوا يتقلبون في أعطافه من أنواع النعيم، وسيجردهم مما ألبسهم من ثياب العز والفخار، فكم تفجر في التاريخ الجديد من ثورات مدمرة أهلكت الأخضر واليابس، واجتاحت الطارف والتليد بشؤم البطر والإغراق في الترف.
وقد أنذر المفكر الإسلامي الكبير الشيخ العلامة أبو الحسن علي الحسني الندوي العرب بهذه الثورات العنيفة قبل أن تظهر طلائعها، وذلك عندما كان يفتح عينيه في عواصمهم الكبرى فيرى من نذر العذاب ما يؤذن بشر مستطير، وقد أرسل كلماته في كتابه ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين مدوية بالإنذار والتحذير من عاقبة الغرور بما هم فيه من الترف، ونسيان ما يعقبه من التلف الذي يأتي على كل
شيء ويبيد الأمم حتى تكون خَبَرًا بعد خُبْرٍ وأثرا بعد عين، وذلك في قوله: (1/184)
صفحة 181
المحور الثامن فيما يتعلق بالأموال
185
وقد اعتاد العرب لأسباب كثيرة وبتأثير الحضارة الغربية حياة الترف والدعة والاعتداد الزائد بالكماليات وفضول الحياة والإسراف والتبذير، والاستهانة بمال الله في سبيل اللذة والشهوة والفخر والزينة.
خيوطاً
وبجانب هذا الترف والنعيم وحياة البذخ والتبذير، جوع وعري وفقر فاضح، يرى الناظر مناظره الشائنة في عواصم البلاد العربية فتدمع العين ويحزن القلب وينتكس الرأس حياء وخجلاً، فبينا هنالك رجل عنده فضول الثياب وزائد الطعام والشراب لا يعرف كيف يستهلكه، إذ ببدوي لا يجد قوت يومه وكسوة جسمه، وبينما أمراء العرب وأغنياؤهم على سيارات تباري الريح وتثير النقع، إذا بفوج من النساء والأطفال عليهم ثياب سوداء قد أصبحت من طول اللبس يعدو لأجل فلس أو قرص، فما دامت المدن العربية تجمع بين القصور الشامخة والسيارات الفاخرة، وبين الأكواخ الحقيرة والبيوت المتداعية الضيقة المظلمة وما دامت التخمة والجوع يزخران في مدينة واحدة، فالباب مفتوح على مصراعيه للشيوعية والثورات والاضطراب والقلق لا تقفها دعاية ولا قوة وإذا لم يسد النظام الإسلامي في بلاده بجماله واعتداله يحل محله نظام جائر بعسفه وقهره عقاباً من الله كرد فعل عنيف» (1). وما لبث بعد هذا الإنذار إلا قليلا حتى أبصر بأم عينيه كيف تفجرت الثورات في بلاد العرب براكين تقذف حمما أهلكت الأرض ومن عليها، وكان المترفون بعنجهيتهم وغرورهم هم مادة تفجيرها ووقود سعيرها.
الترف والتلف متقاربان في اللفظ ومتآخيان في المعنى: كم في القرآن الكريم من تبصير بهذه الأحوال فكم فيه من إنذار للمترفين بهلاك الدنيا والآخرة، فقد ذكر الله تعالى ما أصاب الأمم من عقاب في الدنيا بسبب ترفهم وغرورهم كما في قوله تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ
(1) أبو الحسن الندوي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ص 248. (1/185)
صفحة 182
186
نداء الحق
ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ لَا تَرْكُضُوا وَاَرْجِعُوا إِلَى مَا أَتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَكِينِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْتَلُونَ) الأنبياء: 11 - 13، وقال سبحانه: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْشَرُونَ * لَا تَحْشَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُم منا لَا تُنصَرُونَ} المؤمنون: 64 - 65، وبين تعالى أن ما يصيب القرى من دمار وعذاب يأتي على القليل والكثير إنما منشؤه فسوق المترفين عندما يتركون وغيهم وغرورهم، ولا يقبض على أيديهم ليردوا إلى جادة الحق، فقد قال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن تُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَرْنَهَا تَدْمِيرًا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) الإسراء: 16 - 17.
وعندما ذكر الله تعالى عقاب الآخرة وأسبابه صدر بذكر الترف من بين سائر أسبابه، فبعد أن ذكر أصحاب الشمال في سورة الواقعة وما أعد لهم من سوء العذاب أتبعه قوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ) الواقعة: 45، وذكر تعالى تكذيب الرسل والاستخفاف بهم وبدعوتهم والسخرية من قبل من أرسلوا إليهم، وبين أن منشأه الاغترار بالترف والبطر بما أوتوه في الحياة الدنيا من البسطة في الأموال والأولاد، فقد قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتَرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَفِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذِّبِينَ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِيكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَأُوْلَيْكَ همْ جَزَاءُ الضِعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ عَامِنُونَ} سباء 34 ـ 37، وقال سبحانه: وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتَرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَرِهِم مُقْتَدُونَ» قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَ كُر قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَفِرُونَ * فَأَنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} الزخرف: 23 - 25، وقال عز من قائل: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ (1/186)
صفحة 183
المحور الثامن فيما يتعلق بالأموال
187
الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَبِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا لَخَسِرُونَ * أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَمًا أَنَّكُمْ تُخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنَّ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُونِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلُ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ * قَالَ رَبِّ أَنصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ * قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ ليصبحُنَّ نَدِمِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَهُمْ غُنَاء فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) المؤمنون: 33 - 41.
و
وذكر الذين يقفون في وجوه دعاة الخير الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويضعون العراقيل في سبيل دعوتهم، فبين أنهم من صنف المترفين، وذلك في قوله: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُم وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ) هود: 116.
وبالجملة؛ فإن الترف لا يكون سببا لخير ولا يقترن به، وإنما هو وبال في الدنيا والآخرة وفساد في الأنفس والأموال أذل الله به أمما كانت عزيزة، وأفقر به شعوبا كانت غنية، وأقفرت بسببه ديار كانت عامرة: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَكَتَهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ تُمَكِّن لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَرَ تَجْرِى مِن تَحْنِهِمْ فَأَهْلَكْتَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ) الأنعام: 6، وليس الإنسان بحاجة إلى أن ينقب في أعماق التاريخ عن هذه العبر العظيمة، وإنما حسبه أن يتأمل فيما عايشه من أحوال وأحداث، وفيما شاهده من عبر وذكرى، ليتعظ بما تخلفه في نفوس المؤمنين من عظات تنهنههم عن اتباع مسالك الغي التي تفضي إلى الدمار والعذاب وتبصر بمسالك الرشد التي تؤدي إلى سلامة الدنيا وسعادة الآخرة.
6 (1/187)
صفحة 184
188
نداء الحق
إنفاق المال في الخير علاج للنفوس، وأمان من الفتن: وهذا كله إنما هو دليل قاطع على أن المال إن لم يسخر في الخير ويتحر أمر الله تعالى وحكمه في كسبه وإنفاقه كان على أهله دمارا وبوارا ـ والعياذ بالله تعالى ـ، وقد جعل الله سبحانه فيما أمر به من إنفاقه في البر ومواساة المحرومين به علاجا ناجحا مما يصيب أهله من الغرور بزخرفه والاستئسار لحبه، ولذلك حث الله تعالى على الإنفاق في وجوه الخير جميعا، وقدمه على أعمال البر كلها إذ عطفه على الإيمان وعطف عليه سائر الأعمال والأخلاق في قوله: {لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّبِيِّنَ وَعَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَعَالَى الزَّكَوةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُوا وَالصَّبِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَيكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَيْكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} (البقرة: 177، وما ذكره أولا إنما هو حقوق واجبة على المسلم في ماله جميعا من غير نظر إلى صنفه ولا إلى قدر ما ينفق منه، وإنما يجب في كل ما فضل عن حاجته من المال إن وجد من يحتاج إليه من الناس أو ما يحتاج إليه من مشروع خيري، فهو إنفاق مطلق غير مقيد بشيء بخلاف الزكاة التي أطرت في إطار خاص بحيث تجب في أصناف مخصوصة من المال إن بلغت قدرا مخصوصا - وهو النصاب ـ ومر عليها زمن مخصوص وهو الحول فيما يشترط له، وبقدر مخصوص وهو ما يخرج منه. ويدل على أن كلا منهما حق مستقل المغايرة بينهما بالعطف، فقد ذكر الله تعالى في الآية الزكاة مقرونة بالصلاة معطوفتين على هذا الإنفاق المطلق عندما قال: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ
السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ، ثم قال: {وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَعَاتَى الزَّكَوةَ.
ومن تدبر هذه الآية الكريمة اتضح له ما ذكرناه وبان له بكل وضوح تعلق هذه الحقوق بالأموال، وما التفريط فيها إلا إعراض عن الذكر وتعام عما فيه (1/188)
صفحة 185
المحور الثامن فيما يتعلق بالأموال
189
من أمر الله تعالى، فقد قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَعْمَى) طه: 124، وقد أدرك ذلك المحققون، وهو ما نص عليه صاحب المنار فى وقوله: (ومشروعية البذل لهذه الأصناف من غير مال الزكاة لا تتقيد، بزمن ولا بامتلاك نصاب محدود ولا بكون المبذول مقدارا معينا بالنسبة إلى ما يملك ككونه عشرا أو ربع العشر أو عشر العشر مثلا، وإنما هو أمر مطلق بالإحسان موكول إلى أريحية المعطي وحالة المعطى.
ووقاية الإنسان المحترم من الهلاك والتلف واجبة على من قدر عليها، وما زاد على ذلك فلا تقدير له. وقد أغفل أكثر الناس هذه الحقوق العامة التي حث عليها الكتاب العزيز لما فيها من الحياة الاشتراكية المعتدلة الشريفة، فلا يكادون يبذلون شيئا لهؤلاء المحتاجين إلا القليل النادر لبعض السائلين، وهم هذا الزمان أقل الناس استحقاقا: لأنهم اتخذوا السؤال حرفة وأكثرهم واجدون، ولو أقاموها لكان حال المسلمين في معايشهم خيرا من سائر الأمم، ولكان هذا من أسباب دخول الناس في الإسلام، وتفضيله على جميع
في
ما يتصور الباحثون من مذاهب الاشتراكيين والماليين).
وقال في هذا المعنى نفسه: «أما الأمر بالتعاون على البر والتقوى فهو من أركان الهداية الاجتماعية في القرآن لأنه يوجب على الناس إيجابا دينيا أن يعين بعضهم بعضا على كل عمل من أعمال البر التي تنفع الناس أفرادا وأقواما في دينهم ودنياهم، وكل عمل من أعمال التقوى التي يدفعون بها المفاسد والمضار عن أنفسهم، فجمع بذلك بين التحلية والتخلية، ولكنه قدم التحلية بالبر، وأكد هذا الأمر بالنهي عن ضده: وهو التعاون على الإثم بالمعاصي وكل ما يعوق عن البر والخير وعلى العدوان الذي يغري الناس بعضهم ببعض، ويجعلهم أعداء متباغضين يتربص بعضهم الدوائر ببعض.
(1) رشيد: رضا تفسير المنار، 94/ 2 ـ 95. (1/189)
صفحة 186
190
نداء الحق
كان المسلمون في الصدر الأول جماعة واحدة: يتعاونون على البر والتقوى عن غير ارتباط بعهد ونظام بشري، كما هو شأن الجمعيات اليوم، فإن عهد الله وميثاقه كان مغنيا لهم عن غيره وقد شهد الله - تعالى - لهم بقوله: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} آل عمران: 110، ولما انتثر بأيدي الخلف ذلك العقد ونكث ذلك العهد، صرنا محتاجين إلى تأليف جمعيات خاصة بنظام خاص لأجل جمع طوائف من المسلمين وحملهم على إقامة هذا الواجب التعاون على البر والتقوى في أي ركن من أركانه أو عمل من أعماله، وقلما ترى أعماله، وقلما ترى أحدا في هذا العصر يعينك على عمل من البر، ما لم يكن مرتبطا معك في جمعية ألفت لعمل معين، بل لا يفي لك بهذا كل من يعاهدك على الوفاء، فهل ترجو أن يعينك على غير ما عاهدك عليه؟ فالذي يظهر أن تأليف الجمعيات في هذا العصر، مما يتوقف عليه امتثال هذا الأمر، وإقامة هذا الواجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما قال العلماء، فلا بد لنا من تأليف الجمعيات الدينية والخيرية والعلمية إذا كنا نريد أن نحيا حياة عزيزة، فعلى أهل الغيرة والنجدة من المسلمين أن يعنوا بهذا كل العناية، وإن رأوا كتب التفسير لم تعن بتفسير هذه الآية، ولم تبين لهم أنها داعية لهم إلى أقوم الطرق وأقصدها لإصلاح شأنهم في أمر دينهم ودنياهم اهـ). هذا؛ ولا يخفى ما لشهوة المال من أثر كبير على النفس البشرية حتى تصبح أسيرة لها تملي عليها كل ما يصدر عنها من فعل، ولا يكون ذلك إلا شرا يقطع الأوصال بين الناس، ويُغَوِّرَ في نفوسهم ينابيع الرحمة والشفقة والحنان، فلا يعطف قريب على قريبه ولا قوي على ضعيف ولا ثري على محتاج، وإنما يزداد الثري كلما أوتي شيئا من المال سعارا في حبه، وبحثا عن وسائل الاستزادة منه وأسباب الاستعلاء به في الأرض، ونشر أنواع الفساد،
(1) المرجع السابق، 108/ 6 - 109.
(1) (1/190)
صفحة 187
المحور الثامن فيما يتعلق بالأموال
191
وقد جعل الله تعالى في هذا الإنفاق المشروع سواء كان من الزكاة المضبوطة بالقيود الشرعية أو من سائر النفقات علاجا لهذا الداء العضال، وفكاكا من الاستئسار لهذه الشهوات ويدها الحديدية التي تقبض على النفس فتمنعها من كل خير وتدفعها إلى كل شر، فكم اعتدى قريب على قريبه فأودى بحياته لأجل أن يستأثر بثروته، وكم قسا قوي على ضعيف من أجل أن يبتز كل ما في يده من خير، حتى لا يعود قادرا على مواجهة شيء من لأواء الحياة، وقضاء أي
ضرورة من ضروراتها؟؟.
ولكن حكمة الله اقتضت أن يكون في شريعته الشاملة وحكمه العادل أنجح علاج لهذا الداء المميت، لذلك شرع الإنفاق في الأموال لتفجير ينابيع الرحمة في القلوب، ولتتدفق برا وإحسانا يصل أولي القرابات لتشتد الأواصر وتقوى العلاقات بينهم، ويغمر أولي الحاجات فيجدون ما يسدون به حاجاتهم ويقضون به مآربهم، وينتج عن ذلك الوئام بين كل الأطراف والحب الغامر الذي يجعل الجميع كأنهم نفس واحدة، كما صوره النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى
وقد بين الله تعالى الحكمة العالية من مشروعية الصدقات في قوله: {خُذُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُ تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} (التوبة: 103، وهي حكمة مشروعية بقية النفقات، فإنها جميعا تقضي على أثرة النفس وشحها ورغبتها في الاستبداد بالمال، فإن كل من اعتاد الإنفاق في الخير والسخاء في أعمال البر لا يكاد يجد محتاجا حتى تهفو نفسه إلى سد حاجته بما يدفعه إليه من مال، بل يتألم لحاجة كل محتاج حتى يكون على يديه قضاؤها، ولا يكاد يرى منكوبا حتى
يسرع إلى تخفيف مصيبته ورفع آثارها عن نفسه بما يعينه به من الخير.
(1) سبق تخريجه. (1/191)
صفحة 188
192
نداء الحق
وقد بين المفكر الإسلامي الأستاذ الشهيد سيد قطب علاقة الإنفاق بالبر ووجه تخصيص الجهات التي ينفق فيها المال كما أرشدت إليه الآية الكريمة، وذلك في قوله: «وما قيمة إيتاء المال ـ على حبه والاعتزاز به ـ لذوي القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب؟.
إن قيمته هي الانعتاق من ربقة الحرص والشح والضعف والأثرة. انعتاق الروح من حب المال الذي يقبض الأيدي عن الإنفاق، ويقبض النفوس عن الأريحية، ويقبض الأرواح عن الانطلاق فهي قيمة روحية يشير إليها ذلك النص على حب المال. وقيمة شعورية أن يبسط الإنسان يده وروحه فيما يحب من مال. لا في الرخيص منه ولا الخبيث. فيتحرر من عبودية المال، هذه العبودية التي تستذل النفوس، وتنكس الرؤوس. ويتحرر من الحرص. والحرص يذل أعناق الرجال. وهي قيمة إنسانية كبرى في حساب الإسلام، الذي يحاول دائماً تحرير الإنسان من وساوس نفسه وحرصها وضعفها قبل أن يحاول تحريره من الخارج في محيط الجماعة وارتباطاتها، يقيناً منه بأن عبيد أنفسهم هم عبيد الناس؛ وأن أحرار النفوس من الشهوات هم أحرار الرؤوس في المجتمعات! .. ثم إنها بعد ذلك كله قيمة إنسانية في محيط الجماعة .. هذه الصلة لذوي القربى فيها تحقيق لمروءة النفس، وكرامة الأسرة، ووشائج القربى. والأسرة هي النواة الأولى للجماعة. ومن ثم هذه العناية بها وهذا التقديم.
وهي
لليتامى تكافل بين الكبار والصغار في الجماعة، وبين الأقوياء فيها والضعفاء؛ وتعويض لهؤلاء الصغار عن فقدان الحماية والرعاية الأبويتين؛ وحماية للأمة من تشرد صغارها، وتعرضهم للفساد، وللنقمة على المجتمع الذي لم يقدم لهم براً ولا رعاية.
وهي
للمساكين الذين لا يجدون ما ينفقون - وهم مع ذلك ساكنون
لا يسألون ضناً بماء وجوههم - احتفاظ لهم بكرامة نفوسهم، وصيانة لهم من (1/192)
صفحة 189
المحور الثامن فيما يتعلق بالأموال
193
البوار، وإشعار لهم بالتضامن والتكافل في محيط الجماعة المسلمة، التي لا يهمل فيها فرد، ولا يضيع فيها عضو.
المسألة
وهي لابن السبيل - المنقطع عن ماله وأهله ـ واجب للنجدة في ساعة العسرة، وانقطاع الطريق دون الأهل والمال والديار؛ وإشعار له بأن الإنسانية كلها أهل، وبأن الأرض كلها وطن، يلقى فيها أهلاً بأهل، ومالاً بمال، وصلة بصلة، وقراراً بقرار .. وهي للسائلين إسعاف لعوزهم، وكف لهم عن التي يكرهها الإسلام وفي الإسلام لا يسأل من يجد الكفاية أو من يجد عملاً، فهو مأمور من دينه أن يعمل ولا يسأل، وأن يقنع ولا يسأل. فلا سائل إلا حيث يعييه العمل والمال.
وهي في الرقاب إعتاق وتحرير لمن أوقعه سوء عمله في الرق بحمل السيف في وجه الإسلام - حتى يسترد حريته وإنسانيته الكريمة. ويتحقق هذا النص إما بشراء الرقيق وعتقه، وإما بإعطائه ما يؤدي به ما كاتب عليه سيده في نظير عتقه والإسلام يعلن حرية الرقيق في اللحظة التي يطلب فيها الحرية، ويطلب مكاتبته عليها ـ أي أداء مبلغ من المال في سبيلها، ومنذ هذه اللحظة عمله بأجر يحسب له، ويصبح في مصارف الزكاة، ويصبح من البر كذلك إعطاؤه من النفقات غير الزكاة كل أولئك ليسارع في فك رقبته، و استرداد حريته .. اهـ.
يصبح
مستحقاً
وهذا كله يؤكد أن النفس إن أهملت وشأنها في جمع المال من أي وجه كان، وإنفاقه بحسب ما تملي عليها شهواتها، كان ذلك دمارا للنفس وفسادا في الأخلاق وارتكاسا في القيم حتى يعود الإنسان شرا من السبع الفتاك، ويعود المال وقود شرٍ وسببا للهلكة، وإن تعهدت بالتوجيه السليم والموعظة الحسنة ودفعت إلى الإنفاق في سبل الخير تهذبت وارتقت حتى تكون ملكية (2) الطبع
(1) سيد قطب، في ظلال القرآن، 131/ 1 - 132.
(2) نسبة إلى الملك، واحد الملائكة. (1/193)
صفحة 190
194
نداء الحق
روحانية الوجهة ربانية في وردها، وصدرها لا يصدر عنها إلا ما هو خير لها ولأسرتها ومجتمعها وأمتها والناس أجمعين وجميع أنواع الخلق.
فما أحوج الناس إلى أن يتروضوا على البر والإحسان، ويتكيفوا بما أمرهم الله تعالى به من الخير، وأن يحرزوا أنفسهم من كل ما نهاهم عنه من شر، وأن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبهم الله يوم القيامة على كسبهم المال وإنفاقه.
ه، ولم
تبذير من ناحية وتقتير من ناحية أخرى مما يؤسف له جدا أن نجد كثيرا من أصحاب الأموال إن طرقهم ضيف أغدقوا المال في ضيافته، وقدموا إليه ما لا يحتاج إلا إلى اليسير منه، يبالوا بعد ذلك بإلقاء ما فضل من الأطعمة مع الأوساخ في المزابل، وإذا عُرِضَ عليهم أن يبسطوا أيديهم بالصدقات على الفقراء أو المساكين، أو بالنفقات في وجوه البر كعمارة بيوت الله تعالى وإقامة مراكز العلم ونشر دعوة الخير بين الناس شحت أيديهم وجعلوها مغلولة إلى أعناقهم، كأنهم لم يطرق مسامعهم ما أنزله الله تعالى حثا على إنفاق المال في هذه الوجوه الخيرة، كما في قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمُ لَا بَيْعُ فِيهِ وَلَا خُلَةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّلِمُونَ} البقرة: 254، وقوله: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَرَتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّلِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) المنافقون: 10 - 11، وقوله: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِتَاخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) البقرة: 267، وقوله:) وَأَنفِقُوا خَيْرًا لأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَ نَفْسِهِ فَأُوْلَيْكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَعِفَهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورُ حَلِيمُ) التغابن: 16 - 17، (1/194)
صفحة 191
المحور الثامن فيما يتعلق بالأموال
195
وقوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَاتُوا الزَّكَوَةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا نُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) المزمل: 20، وقوله: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعُ عَلِيمُ) البقرة: 261، وقوله: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةِ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَكَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَةٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ} (البقرة: 365، وقوله: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُسَرُهُ لِلْعُسْرَى) الليل: 5 - 10، إلى غيرها من الآيات الكثيرة الداعية إلى الإنفاق المحذرة من قبض الأيدي عنه، الواعدة خير الدنيا والآخرة لمن بسط يده وأنفق، المتوعدة بسوء الحال وشر المآل الذين يقبضون أيديهم ولا ينفقون مما آتاهم الله، المحذرة من الندم الشديد بعد فوات الفرصة على عدم الإنفاق عندما يحين الحَيْنُ أو تقوم الساعة، ولا يبقى لأحد مجال لتدارك ما فاته.
61 -
لا بد من الإنفاق والحض عليه
على أن الإسلام الحنيف لا يكتفي بأن ينفق أتباعه مما آتاهم من فضله وإنما يأمرهم ـ مع ذلك ـ بأن يتحاضوا على الإنفاق، حتى لا يتوانى عنه أحد، ولذلك توعد الذين لا يتحاضون عليه بشر، الوعيد، كما في قوله تعالى: كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَخَضُونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ القُرَاثَ أَصْلًا لَمَّا وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمَّا (الفجر: 17 - 20، وبين ما يعقب ذلك من الحسرة والندم في قوله: {كَلَّا إِذَا دُكَتِ الْأَرْضُ دَكَا دَكَّا وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفَا وَجَاءَ يَوْمَذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَذٍ يَنَذَكَرُ الْإِنسَنُ وَأَنَّى * لَهُ الذِكْرَى * يَقُولُ يَلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي فَيَوْمَذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ (1/195)
صفحة 192
196
نداء الحق
وَثَاقَهُ أَحَدٌ} الفجر: 21 - 26، وبين تعالى أن هذه الخصلة لا تكون إلا ممن كذب بالدين، وأعرض عن أمر الله تعالى، كما في قوله تعالى: {أَرَهَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) الماعون: 1 - 3.
وحسبك أن يقترن الإنفاق في القرآن الكريم بالإيمان بالله ورسوله، ويجمع بينهما في الأمر كما في قوله تعالى: {عَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرُ) الحديد: 7.
صلى
7.
وبالجملة؛ فإن كل مسلم متعبد بالإنفاق من فضل ماله على والديه وذوي قرباه وأولي الحاجات من الناس، كما هو واضح في قوله تعالى: {يَسْتَلُونَك مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} البقرة: 215.
هذا؛ وقد جعل الله الإنفاق في سبيل الله جهادا ماليا يوازي الجهاد بالنفس، ولذلك قرن بينهما كما في قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُكُمْ عَلَى بِجَرَةٍ تُنْجِيكُم مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ نُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ وَمَسَكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الصف: 10 - 12، وكلما كان الإنسان أسرع إلى الإنفاق وكان مبادرا إليه في ساعات العسر والأيام السود كان أحرز للأجر وأعظم درجة من الذين ينفقون بعد ذلك كما دل عليه قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهِ مِيرَاتُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِى مِنكُم مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَ أُوْلَيْكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خبير) الحديد: 10. (1/196)
صفحة 193
المحور التاسع
فيما يتعلق باللباس
197
الإسلام رحب المباءة واسع الأرجاء دقيق الملاحظة، يشمل الحياة وما فيها، فهو يسع حكما كل مادق وجل وخفي وظهر مما يعني حياة الإنسان الشخصية والنوعية، إذ ليس لأحد أن يتصرف في حياته وفق هواه ورغباته، وإنما عليه أن يتقيد بشرع الله تعالى الذي لا يأتي إلا بالخير ولا ولا يمنع إلا من الشر، وعليه فإن على الإنسان المسلم أن يحرص بأن يكون صورة للإسلام الحنيف، في مظهره ومخبره وسره وعلانيته، وكل ما يصدر منه أو ما يأتي عليه، ليكون محياه ومماته ومسيره ومصيره خالصا لله تعالى، كما قال سبحانه:
وقُلْ إِنَّنِي هَدَتي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) الأنعام: 161 - 163.
مع
وليس من الإسلام في شيء أن يأخذ المسلم من الإسلام ما راق له وتلاءم طبعه ويدع ما كان طبعه ميالا إلى غيره فإن كل ما جاء به الإسلام إنما هو اختبار لإيمان المؤمن، كما قال تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا وَآمَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ} العنكبوت: 2 - 3، وقال سبحانه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} الأحزاب: 36، وأمر برد كل شيء إلى الله ورسوله كما نص عليه قوله: (1/197)
صفحة 194
198
نداء الحق
فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرُ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} النساء: 59.
ولا يخفى أن اللباس مظهر للإنسان، وقد أمر الله سبحانه به لستر السوءات، وليكون زينة للابس كما قال تعالى: {يَنبَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِ مَسْجِدٍ} (الأعراف: 31، وهو شعار يتميز به المسلم من غيره، ولم يدعه الإسلام لرغبات الأنفس وأهوائها، بل ضبطه بضوابط تحفظ للإنسان المسلم شخصيته وكرامته، كما تحفظ له خواطر نفسه لئلا تندفع مع الهوى فتطوح بصاحبها في مكان سحيق من الفساد والانحراف
التمييز بين الذكور والإناث في اللباس كما تميزوا في الطباع جاء شرع الله تعالى مراعيا للخصائص الفطرية، والفوارق المظهرية والمخبرية بين الذكر والأنثى، فحرم على كل منهما أن يتلبس بمظاهر الجنس الآخر، كما جاء ذلك في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فعن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن
المتشبهين من الرجال بالنساء، ولعن المتشبهات من النساء بالرجال» (1).
وقد جعل الله تعالى للباس المرأة هيئة لها خصائصها وميزاتها، كما نص عليه قوله تعالى: {وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَا بِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسَا بِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَوْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا
(1) أخرجه أحمد (123/ 4) رقم (2263)، والبخاري (159/ 7) رقم (5885)، وابن ماجه (614/ 1 رقم: 1904)، والطيالسي (400/ 4) رقم: 28001)، والطبراني (117/ 2 رقم: 1435). (1/198)
صفحة 195
المحور التاسع: فيما يتعلق باللباس
199
جسم
إلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) النور: 31، وهو مما يحفظ للمرأة المسلمة وقارها ومكانتها في المجتمع، لذلك بدأ الله سبحانه في خطاب التكليف به أمهات المؤمنين وبنات النبي الله ثم عطف عليهن نساء المؤمنين، وبين كيف يكون أثر هذا الزي الشرعي في الحفاظ على كرامة المرأة المسلمة، وقطع دابر أطماع السفهاء والأوغاد في تدنيس شرفها، والاجتراء على عرضها، كما هو نص صريح في قوله تعالى: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) الأحزاب: 59، وهذا يعني أن يكون لباس المرأة سابغا فضفاضا، لا يشف ولا يصف، يستر جميع أجزاء جسمها ويواري مفاتنها، لأن المرأة بكل أجزائه مغرٍ للرجل إن أبدت شيئا منه، والله يريد من عباده هدوء أنفسهم وسكينتها، فلا يكون إبراز مطلق جسم المرأة إلا لرجل واحد؛ وهو شريك حياتها الذي أبيح له أن يستمتع بها، كما أبيح لها أن تستمتع به، ولا ريب أنها حريصة على استمالة قلبه إليها، وأن تستأثر بهواه دون سواها، فلذلك أبيح لها بمقتضى الفطرة وبحكم الشرع الشريف أن تفعل كل شيء من أجل إثارته وجذبه إليها، وأبيح لها مع ذلك أن تظهر بعض زينتها للرجال الذين لا يفتنهم حسنها ولا تستهويهم زينتها بمقتضى الفطرة التي فطر الناس عليها، وهم محارمها، سواء كانت العلاقة المحرمية بينهم وبينها بسبب نسب أو صهر أو رضاع، وقد سبق بيان شيء من هذا فيما تقدم.
خصائص زينة الرجال ولباسهم في الإسلام للرجال في الإسلام زي خاص يتناسب مع طبيعة رجولتهم ويتفق مع ما ينوؤن به من تكاليف الحياة فإذا كانت المرأة يجب بمقتضى فطرتها أن تكون مصونة غير معرضة للابتذال، لأنها إن لم تُصَنْ كانت أداة لنشر الفتنة والإغراء على الفساد، فإن الرجل يتحمل من تبعات الحياة ما لا تتحمله المرأة، (1/199)
صفحة 196
20
نداء الحق
ذلك
هذه
فهو القوام عليها، وهذا يقتضي أن يكون مشمرا ينوء بالصعاب ويتجرد للمهمات، فكان لباسه المشروع له يتفق مع هذه الفطرة ويتجاوب مع التكاليف، وقد علمت ما في توجيه الإسلام من التشديد البالغ في خروج أي منهما عن مقتضى فطرته، وتلبسه بخصائص الجنس الآخر، ولهذا حرم عليه جر الثوب وإسباله، فقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أي مدى يجوز للرجل أن يطيل ثوبه، فعن أبي سعيد الخدري الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين وما أسفل من ففي النار - قال ذلك ثلاث مرات - ولا ينظر الله إلى من يجر إزاره بطرا)، وجاء بلفظ: «إزرة المؤمن إلي نصف الساق ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين ما كان أسفل من الكعبين فهو في النار من جر إزاره لم ينظر الله إليه» (2)، وهو بلفظه من حديث ابن عمر ما، وقد استفاضت الروايات بهذا، وأطلت القول في ذلك في الفتاوى، فارجع إليه. هذا؛ ولبعد الناس عن الفقه في الدين لم يبال كثير من الرجال ـ بل أكثرهم - بإسبال الثياب وعدوا هذا من المفاخر التي يتباهون بها، وأصبحت هذه من العادات المتفشية في أوساط الناس، وما كان أجدرهم أن يحترزوا منها حفاظا على دينهم وصونا لرجولتهم أن تتلبس بخصائص الإناث.
(2)
ولأجل أن تكون للرجولة سماتها وخصائصها شدد الإسلام على الرجال في لبس الحرير والذهب لعدم لياقتهما بصلابة الرجولة ومناسبتهما لليونة
(1) أخرجه الربيع، (ص 113 رقم: 272).
(2) أخرجه مالك (914/ 2، رقم 1631)، والطيالسي (ص 295، رقم 2228)، وأحمد (97/ 3، رقم 11944)، والبيهقي (244/ 2، رقم 3135)، وابن حبان (262/ 12، رقم 5446)، وأبو داود (59/ 4، رقم 4093)، وابن ماجه (1183/ 2، رقم 3573)، وأبو يعلى (268/ 2، رقم 980). والحميدي 323/ 2، رقم 737)، والنسائي في الكبرى (490/ 5، رقم 9714)، وأبو عوانة (250/ 5، رقم 8602)، والطبراني في الأوسط (241/ 5، رقم 5204). (3) أخرجه الطبراني في الكبير (341/ 12، رقم (13292). وفي الأوسط (131/ 1، رقم 412). (1/200)
صفحة 197
المحور التاسع: فيما يتعلق باللباس
201
الأنوثة، فقد جاء من طريق زيد بن أرقم له الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أحل الذهب
6
والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها)، وعنه بلفظ: «الذهب والحرير حل لإناث أمتي وحرام على ذكورها (2)، وعن علي وابن عمر ا أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذين حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم» (3) يعني:: الذهب والحرير، وعن أبي موسى الأشعري عن النبي أنه قال: «الحرير والذهب حرام على ذكور أمتي وحل لإناثهم» (4)، وعند عبد الله بن عمرو أنه قال: «من لبس الذهب من أمتي فمات وهو يلبسه حرم الله عليه ذهب الجنة ومن لبس الحرير من أمتي فمات وهو يلبسه حرم الله عليه حرير الجنة» ()، ومن طريقه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مات من أمتي يتحلى الذهب حرم الله عليه حليته في الآخرة، ومن مات من أمتي يشرب الخمر حرم الله عليه شربها في الآخرة، ومن مات من أمتي يلبس
(1) أخرجه أحمد (392/ 4، رقم 19521)، والنسائي (161/ 8، رقم 5148)، والبيهقي (425/ 2، رقم 4020) والطيالسي (ص 69، رقم 506)، وعبد الرزاق عن معمر في الجامع (68/ 11، رقم 19930)، وابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (446/ 1، رقم 590). (2) أخرجه الطحاوي في شرح معانى الآثار (251/ 4)، والعقيلي (174/ 1 ترجمة 217 ثابت بن زيد بن ثابت بن زيد بن أرقم) وقال قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه فقال: له أحاديث مناكير. وقال: هذا يروى بغير هذا الإسناد بأسانيد صالحة. والطبراني (211/ 5، رقم 5125). وأخرجه أيضا الديلمي (250/ 2، رقم 3175). (3) حديث علي: أخرجه أحمد (96/ 1، رقم (750)، وأبو داود (50/ 4، رقم 4057)، والنسائي (160/ 8، رقم 5144)، وابن ماجه (1189/ 2، رقم 3595)، والبيهقي (425/ 2، رقم 4019). وأخرجه أيضا: ابن أبي شيبة (152/ 5، رقم 24659)، والبزار (102/ 3، رقم 886)، وأبو يعلى (235/ 1، رقم (272)، وابن حبان (249/ 12، رقم 5434). وحديث ابن عمر: أخرجه ابن ماجه (1190/ 2، رقم 3597)، الطيالسي (ص 298، رقم 2253)، وابن أبي شيبة (153/ 5، رقم 24662)، والحارث كما في بغية الباحث (615/ 2، رقم 585). (4) أخرجه البيهقي (141/ 4، رقم (7349) وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة (151/ 5، رقم 24645)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (251/ 4).
(5) أخرجه أحمد (208/ 2، رقم 6947). (1/201)
صفحة 198
202
نداء الحق
عنه
الحرير حرم الله عليه لبسه في الآخرة، وعن أبي هريرة له: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «نهى عن خاتم الذهب»)، وعن علي كرم الله وجهه عند حمد لله قال: «نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس القسي وعن لبس المعصفر وعن خاتم الذهب وعن قراءة القرآن في الركوع والسجود» (3)، وجاء عنه بلفظ: نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القراءة في الركوع والسجود وعن التختم بالذهب
الربيع
(4)
وعن لباس القسي وعن لباس المعصفر»)، وبلفظ: نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التختم بالذهب، وعن لبس المعصفر، وأن أقرأ راكعا أو ساجدا» ()، وعن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه، وقال: يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده»، فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم خذ خاتمك انتفع به، قال: لا والله لا آخذه أبدا وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم (6)، وعن عمران بن حصين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحنتم ولبس الحرير والتختم بالذهب» (7)، وعن بكر بن سوادة، أن أبا النجيب حدثه،
الله
(1) أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد (146/ 5). (2) أخرجه البخاري (155/ 7 رقم: 5864) ومسلم (1654/ 3) رقم (2089)، والنسائي (192/ 8 رقم: 5273)، والبيهقي في شعب الإيمان (345/ 8 رقم: (5919 والطبراني في الأوسط (78/ 3 رقم:
2546)، وابن حبان (298/ 12 رقم: 5487).
(3) أخرجه الربيع (ص 98 رقم: 231).
(4) أخرجه مالك (80/ 1، رقم (176)، وعبد الرزاق (144/ 2، رقم (2832)، وأحمد (126/ 1، رقم 1044)، والبخاري في خلق أفعال العباد (109/ 1)، ومسلم (1648/ 3، رقم 2078)، وأبو داود (47/ 4، رقم 4044)، والترمذي (226/ 4، رقم (1737)، والنسائي (191/ 8، رقم 5271)، وابن ماجه (1191/ 2، رقم 3602)، والطحاوي (260/ 4)، وأبو يعلى (259/ 1، رقم 304)، وابن حبان (256/ 12،
رقم 5440)، والبيهقي (424/ 2، رقم 4012).
(5) أخرجه البزار في مسنده (132/ 3 رقم: 919).
(6) أخرجه مسلم (1655/ 3، رقم 2090)، وابن حبان (192/ 1، رقم (15)، والبيهقي (424/ 2، رقم 4014). (7) أخرجه الطبراني في كبيره (201/ 18 رقم: 491)، وابن حبان (227/ 12 رقم: 5406)، والترمذي
(226/ 4 رقم: 1738) وابن أبي شيبة 153/ 5) رقم: 24661)، وأحمد (190/ 33 رقم: 19980). (1/202)
صفحة 199
المحور التاسع: فيما يتعلق باللباس
203
أن أبا سعيد الخدري حدثه أن رجلا قدم من نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه خاتم من ذهب، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «إنك جئتني وفي يدك جمرة من نار، والأحاديث في هذا كثيرة.
قال القرطبي في المفهم: «وقوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي طرح الخاتم من يده: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده»؛ يدل على تغليظ التحريم، وأن لباس خاتم الذهب من المنكر الذي يجب تغييره
بدعية لباس ما يسمى بالدبلة:
نرى كثيرا من الرجال لا يتورعون عن التختم بالذهب، وقد شاعت عند الكثير من الرجال والنساء بدعة ذميمة وهي اتباع الغرب في خرافاتهم، أن الدبلة التي يُلْبِسُها الرجل المرأة وتُلْبِسُها المرأة الرجل عندما
ودعواهم يقصدان الزواج هي سبب لارتباط قلبيهما وما يهدفان إليه من حسن العلاقة بينهما، وأن قلب كل منهما موصول ببنصره، فلذلك يحرص كل منهما على شد الآخر إليه، وأسر قلبه بإلباسه هذه الدبلة الذهبية، ولا خلاف في كون هذه خرافة لا يقبلها العقل ولا يقرها الشرع.
أما رفض العقل لها فمما يدل عليه الواقع من أنها دعوى كاذبة، فكم من زواج كان بدونها وقد كان موفقا شملت فيه الزوجين السعادة والهناء، والمودة والرحمة والألفة والحنان وبورك فيهما وفي زواجهما بما نتج عنه من ذرية صالحة قرت بها أعينهما، وكم من زواج تبادل فيه الزوجان لباس الدبلة فما كانت عاقبته إلا البوار والشنآن والانفصام، وهذا أكبر شاهد على أن هذه العادة لا تعدو أن تكون خرافة.
(1) أخرجه النسائي (170/ 8 رقم: 5188)، (171/ 8) رقم (5189)، وابن حبان (301/ 12 رقم: 5489)، والهيثمي في المورد الظمآن (10/ 5 رقم: 1471).
(2) أبو العباس القرطبي، المفهم، 95/ 17. (1/203)
صفحة 200
204
نداء الحق
وأما رفض الشرع لها؛ فلأنها مخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وما جرى عليه السلف الصالح، فقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)، وثبت عنه أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد (2)، وعنه: إن أصدق الحديث كتاب الله وأفضل الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار (3)، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تأثر المسلمين بعادات غيرهم وأفكارهم ـ كما سيأتي شرح ذلك إن شاء الله - على أن هذه العادة كانت عند النصارى، وقد انتقلت منهم إلى ضعاف النفوس من المحسوبين على الإسلام، على أنه قيل بأن هذه العادة من عادات الفراعنة وأنها كانت عند قدماء المصريين، ثم تحولت منهم إلى النصارى، ومهما كان أصلها فهي محرمة على الجنسين لما فيها من التشبه بالآخرين ولما فيها من اعتقاد تأثير خاتم الذهب في البنصر على القلب حتى يكون كما يهوى من أَلْبَسَ الخاتم (الدبلة)، وهي حرام على الرجل من عدة أسباب.
أولها أن فيها تقليدا لغير المسلمين وتأثرا بمعتقداتهم.
ثانيها: أن الذهب حرام عليه فلا يستباح في زواج ولا غيره.
ثالثها: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تختم الرجل في الوسطى أو التي تليها، ويشمل ذلك البنصر والسبابة، وقد جاء من طريق علي كرم الله وجهه: «نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) أخرجه الربيع من طريق ابن عباس ا ص 39 رقم: (49)، وأخرجه من طريق عائشة، أحمد (146/ 6، رقم 25171)، ومسلم (1343/ 3، رقم (1718). وأبو عوانة (171/ 4، رقم 6409)، والدارقطني (227/ 4). (2) أخرجه البخاري (184/ 3 رقم: (2697) ومسلم (1343/ 3 رقم: 1718)، وأبو داود (200/ 4 رقم: 4606).
(3) أخرجه أحمد (310/ 3، رقم 14373)، ومسلم (592/ 2، رقم 867)، والنسائي (188/ 3، رقم 1578)، وابن ماجه (17/ 1، رقم 45). (1/204)
صفحة 201
المحور التاسع: فيما يتعلق باللباس
205
عن القسي، والميثرة الحمراء، وأن ألبس خاتمي في هذه وفي هذه، وأشار إلى السبابة والوسطى، وفي إحدى الروايات عنه: «نهاني - يعني النبي صلى الله عليه وسلم ـ أن أجعل خاتمي في هذه، أو التي تليها - لم يدر عاصم في أي الثنتين ـ ونهاني عن لبس القسي، وعن جلوس على المياثر» (2).
(2)
وكان من هديه أن يتختم في خنصره، ومضى على ذلك أصحابه وخيار الأمة، ولم يكن الرجال منهم يتختمون في غير الخنصر، وقد كان التحلي بالخواتم في غيرها من زينة النساء دون الرجال، وإنما اختلفت الروايات هل كان يتختم في خنصره اليمنى أو في خنصره اليسرى، فعن أنس له، قال: كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم في هذه، وأشار إلى خنصره من يده اليسرى
(3)
وعنه
خاتما، قال: «إنا اتخذنا خاتما ونقشنا فيه نقشا، فلا
أيضا قال: صنع النبي ينقشن عليه أحد قال: فإني لأرى بريقه في خنصره
(4)
وفي شرح الحافظ ابن حجر لقول البخاري: (باب الخاتم في الخنصر) قال: «أي دون غيرها من الأصابع وكأنه أشار إلى ما أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي من طريق أبي بردة بن أبي موسى عن علي قال نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ألبس خاتمي في هذه وفي هذه يعني السبابة والوسطى» (5)، وقال القاضي عياض: «ولا خلاف بين العلماء ولا في الآثار أن اتخاذ خاتم الرجال في الخنصر» (6)، وقال ابن عبد الدائم القسطلاني: «حكمته: أنه أبعد عن الامتهان فيما يُتعاطى باليد لكونه طرفًا، ولا يَشغل اليد عما تتناوله من أشغالها» ().
(1) أخرجه الترمذي (249/ 4 رقم: 1786). (2) أخرجه مسلم (1659/ 3 رقم: 2078).
(3) أخرجه مسلم (1659/ 3، رقم: 2095، والبغوي في شرح السنة (68/ 12 رقم: 3146).
(4) أخرجه البخاري (157/ 7 رقم: 5874).
(5) ابن حجر: فتح الباري، 324/ 10. (6) القاضي عياض: إكمال المعلم، 311/ 6.
(7) أبو عبد الله محمد بن عبد الدائم القسطلاني، اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح، 467/ 14،
دار النوادر ـ سوريا. (1/205)
صفحة 202
206
نداء الحق
بن
وشدد ابن حزم في التختم في غير الخنصر حتى حكم ببطلان صلاة من صلى متختما في أي أصبع غيرها، وهذا نص قوله: «ومن تختم في السبابة أو الوسطى أو الإبهام أو البنصر الخنصر وحده وتعمد الصلاة كذلك فلا صلاة له، ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد حدثنا عبد الله بن ربيع بن شعيب أنا محمد بشار وهناد بن السري قال محمد بن بشار ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عاصم بن كليب عن أبي بردة هو ابن أبي موسى الأشعري قال: سمعت علي بن أبي طالب له يقول: «نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخاتم في السبابة والوسطى»، وقال هناد بن السري عن الأحوص عن عاصم بن كليب عن أبي بردة هو ابن أبي موسى الأشعري عن علي بن أبي طالب قال نهاني
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتختم في أصبعي هذه وفي الوسطى أو التي تليها). وأضاف إلى ذلك: حديث شعبة هذا يقضي على كل خبر شك فيه من رواه عن عاصم، ولا فرق بين من صلى متختما في إصبع نهي عن التختم فيها وبين من صلى لابس حرير أو على حال محرمة، لأن كلهم قد فعل في الصلاة فعلا نهى عنه؛ فلم يصل كما أمر» (2).؛
واعجب مع
هذا أن
ترى بعض من ترى عليهم ملامح الصلاح والتقوى
ويؤمون الناس في صلواتهم وهم يتختمون في بناصرهم تبعا لما يسمى بالموضة المعاصرة، مع أنه قد استحب العلماء الخروج من الخلاف ما أمكن» (3)، فكيف إذا كان في ذلك نهي يؤثر عن الرسول الله؟!
(1) ابن حزم المحلي، 369/ 2 - 370.
(2) المرجع السابق، 370/ 2.
(3) قطب الأئمة، محمد بن يوسف اطفيش شامل الأصل والفرع، 54/ 2. (1/206)
صفحة 203
المحور العاشر
فيما يتعلق بالتقاليد
207
6
6
الشخصية
المسلم يجب أن يكون عزيزا كريما يؤثر ولا يتأثر ويقود ولا ينقاد من المعلوم أن الإسلام بعقيدته وفكره وكل ما اشتمل عليه ـ في جانب العبادات أو الأخلاق أو المعاملات أو العادات ـ إنما يبني الشخصية المسلمة بناء مكينا لا صدع فيه ولا وهن حتى تستقل بفكرها وتصورها، وعباداتها وعاداتها، وأخلاقها وآدابها، ومخبرها ومظهرها، لتكون دائما هي المؤثرة في الحياة القابضة على زمامها الموجهة لسيرها، تملي إرادتها على غيرها، ولا يملى عليها من سواها، لأن الله تعالى أراد للمسلم أن يتبوأ مكان قيادة الإنسانية إلى الرشد والخير والعزة والكرامة ولا يمكنه القيام بهذه المهمة إن كان ضعيف الإرادة، سريع التأثر كثير الانبهار بما يرى عليه غيره، يستفزه كل عرض، ويجتذبه كل ناعق، وتزعزعه كل زوبعة، وإنما يقوم بهذا الأمر من كان أرسخ من شمّ الأطواد ثباتا، وأشد من صم الصلاد عزيمة، وأرقى من أبعد النجوم همة لا تضعضعه الأزمات ولا تزعزعه المحن، ولا تؤثر عليه الخطوب، وإنما تزيده صروف الدهر صبرا وعزيمة وطموحا، كالذهب الذي لا يزيده لهيب النار إلا صفاء ونقاء. ذلك لأن المسلم إنما ينوء بأمانة طوقه الله إياها، ويتشرف برسالة فرض الله عليه حملها وأداءها، وهي مواريث النبوة في دعوة الناس إلى الخير، وتبصيرهم بالحق، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وكفهم عن الضلال (1/207)
صفحة 204
208
نداء الحق
والفساد، وأنى يقوم بهذا كله إن كان غير راسخ القدم، ثابت العزم، ماضي
الإرادة، مستيقظ الضمير؟!.
وقد بين
هذا الدور العظيم الذي يجب أن يقوم به المسلم شاعر الإسلام محمد إقبال في كلماته الذهبية التي تشع بنور الإيمان وتلتهب بوهج الحماس: «إن المسلم لم يخلق ليندفع مع التيار، ويساير الركب البشري حيث اتجه وسار، بل خلق ليوجه العالم والمجتمع والمدنية، ويفرض على البشرية اتجاهه، ويملي عليها إرادته، لأنه صاحب الرسالة وصاحب العلم اليقين. ولأنه المسؤول عن هذا العالم وسيره واتجاهه. فليس مقامه مقام التقليد والاتباع، إن مقامه مقام الإمامة والقيادة ومقام الإرشاد والتوجيه ومقام الآمر الناهي. وإذا تنكر له الزمان، وعصاه المجتمع وانحرف عن الجادة، لم يكن له أن يستسلم ويخضع ويضع أوزاره ويسالم الدهر، بل عليه أن يثور عليه وينازله. ويظل في صراع معه وعراك، حتى يقضي الله في أمره إن الخضوع والاستكانة للأحوال القاسرة والأوضاع القاهرة، والاعتذار بالقضاء والقدر من شأن الضعفاء والأقزام. أما المؤمن القوي فهو بنفسه قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يرد».
فبهذه الروح الوثابة والهمة العالية استطاع السلف الصالح - من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان الله - أن يفتحوا أقفال القلوب، وأن يدخلوا إلى مجاهل طبائع البشر فيحولوهم من الضلال إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الحيرة إلى البصيرة، وكانت تلك النقلة العظيمة للعالم التي سجلها التأريخ بمداد من ذهب، وبهذا تمكنوا من دحر جحافل الشرك والإلحاد، وأن يزعزعوا معاقل البغاة المتسلطين في الأرض، الذين اتخذوا عباد الله خولا ومالهم، دولا، ونصبوا من أنفسهم آلهة تعبد من دون الله، فقد أوجف أولئك المسلمون قلوب هؤلاء الجبابرة المتسلطين حتى أحسوا بها كأنها
(1) أبو الحسن الندوي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ص 15. (1/208)
صفحة 205
المحور العاشر فيما يتعلق بالتقاليد
209
تنخلع ما بين جوانحهم، وتتطاير هممها وتذوب، عزائمها، وأرجفوا الأرض من تحت أقدامهم حتى شعروا بها تقذفهم من عليها، فيهوون إلى غير قرار، كمن خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق. ولا ريب أن أولئك تربوا عقيدة وفكرا وسلوكا وعملا، وعزيمة وهمة، وجلدا وصبرا وفضيلة وخلقا على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان يحرص على استقلالهم في كل جزئية من حياتهم، لئلا يتأثروا بغيرهم في شيء، لأنه جاءهم بمنهج متكامل لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وبوأها ـ في نظام رتيب - مكانها اللائق بها وكان شديد الحساسية دقيق المراقبة، لا يدع أي قضية ـ ولو دقت ـ أن تمر بهم من غير عرضها على المحك النقدي، فحتى في الأمور العادية في حياة الناس كان يحرص على تجنيبهم التأثر بالآخرين، كما جاء عن عبادة بن الصامت قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اتبع جنازة لم يقعد حتى توضع في اللحد فعرض له حبر فقال هكذا نصنع يا محمد فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «خالفوهم»
(1)
•
وأنت تدري أن القيام والقعود من الأمور الطبعية التي تعود إلى ملاءمة وضع الإنسان في أحواله، فتارة يكون القيام أنسب له وتارة يكون القعود هو الأنسب، وكل ذلك من المباح شرعا، لأنه من الأمور الاعتيادية، وإنما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم القعود في حال دفن الميت مخالفة لليهود ـ مع أن القيام قد يكون أسمح للحركة فيما لو أراد أحد المشيعين أن يقوم بمشاركة عملية في الدفن ـ حتى لا يقع في نفس بعض الضعفاء من المسلمين أن يقوم متابعة لليهود ومجانسة لأعمالهم، لأن أثر ذلك عظيم على نفس المسلم ولو بدا له أنه أمر تافه، فإن الاستهانة بالجزئيات تسرع في نفس الإنسان فلا يلبث أن يستهين بالكليات وعدم المبالاة بالمحقرات يؤدي إلى عدم الاكتراث بالعظائم.
(1) أخرجه ابن ماجه (493/ 1) رقم (1545، والترمذي (331/ 3 رقم: 1020) والبزار (132/ 7 رقم: 2685 والبغوي في شرح السنة (331/ 5 رقم: 1487). (1/209)
صفحة 206
210
نداء الحق
من
وللشيطان في إغواء الإنسان والانحراف به عن سواء الصراط مسالك أدق أن يتفطن لها اللبيب إلا بدقة المراقبة وعمق الملاحظة، ووسائل أخفى من أن يتفطن لها إلا أولوا البصائر النيرة الثاقبة، وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع هذه الحادثة تمر من غير أن ينبه على بعدها، ويلمح لأصحابه بآثارها، وقد كانوا لا من الفطنة ودقة الملاحظة أنهم يكفيهم التلميح عن التصريح، وإنما هم يستنتجون بحدسهم ما ينطوي عليه التلميح من الأبعاد
صاحب الرسالة العظمى والي.
التي كان
وهو ـ صلوات الله وسلامه عليه - كان وراء كل واحد من
يرمي
إليها
أصحابه يراقب
تصرفاته، حتى لا يأتي بشيء يفتح ثغرة على نفسه لتأثير أي أحد عليه، أو ليتأثر بأي فكر أو أسلوب خارج عن المنظومة الإسلامية الواسعة التي جاء بها صلى الله عليه وسلم فيما أنزل الله عليه، ناهيك بهذه القصة التي رواها جابر بن عبد الله له «أن عمر بن الخطاب الله أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب، فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم فغضب وقال: «أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني»
وهذا راجع إلى خبرة النبي الواسعة بطبيعة النفس البشرية التي تتأثر بما تتلقاه وتنجذب إلى كل جديد لم يكن لها به عهد، فلو ترك للناس مجال فسيح في التلقي من هذا وذاك لتزعزعت في نفوسهم ثوابت الأفكار، وذابت أخلاقهم الصلبة، وتساقطت قيمهم العالية، بما يتتابع عليها من المؤثرات التي تطرق النفوس، لذلك قطع النبي كل مسلك لأي مؤثر من هذه المؤثرات، وهو صلى الله عليه وسلم ـ بلا ريب ـ مستهد في هذا بما أنزل الله تعالى عليه من الحق الذي لم مجالا لباطل أن يصل إليه، فضلا عن أن ينال منه.
يدع
(1) أخرجه أحمد (349/ 23 رقم: (15156)، وابن أبي شيبة (312/ 5) رقم: 26421)، والبيهقي في الإيمان (347/ 1) رقم (17)، وابن أبي عاصم (27/ 1 رقم: 50). (1/210)
صفحة 207
المحور العاشر: فيما يتعلق بالتقاليد
211
تربية القرآن للأمة تغرس فيهم روح الاستقلال، وتقيهم دواعي التأثر
والتبعية
أحاط القرآن الذي أنزله الله تعالى نفوس المؤمنين بحاجز نفسي يقيهم التأثر بسائر أهل الملل والأفكار، حتى لا تنساب إليهم أفكارهم ولا عاداتهم، ناهيكم بأن الله سبحانه حصر ولاية المؤمنين في الذين آمنوا وحدهم، الذين يتكاتفون على الخير ويتعاونون على البر والتقوى، ويتآمرون بالمعروف، ويتناهون عن المنكر، ليغلقوا كل نافذة في وجه الشيطان وأتباعه، فقد قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} (التوبة: 7، وفي مقابل ذلك بين أن
الكفرة جميعا بعضهم أولياء بعض في قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادُ كَبِيرُ) الأنفال: 73.
وكثيرا ما حذر تعالى من تولي المؤمنين للكافرين، ولو كانوا من أخص خاصتهم وأقرب قرابتهم، فقد قال تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَةٌ وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ، وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} آل عمران: 28، وقال: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَنْ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَيْكَ هُمُ الظَّلِمُونَ (التوبة: 23، وقال: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أَوَلَيْكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحِ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَرُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أَوَلَتَبِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) المجادلة: 22، وقال: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَدًا
ج
ج (1/211)
صفحة 208
212
نداء الحق
في سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنَتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) الممتحنة 1، وترى في هذه الآية كيف جاءت قوارع الإنكار والإنذار للذين أرادوا أن يبقوا بينهم وبين أهليهم الذين كانوا على الجاهلية خيطا من الاتصال ليصرفوا عن أنفسهم ما يتوجسون منه خيفة أن لو كانت كرة للكافرين ضد المؤمنين، ثم أتبع ذلك سبحانه تبصير المؤمنين بما يعتمل بين حنايا نفوس الكافرين من حقد وشنآن للذين آمنوا، ولو توددوا إليهم بما عساهم يأملون أن يكون مجديا لهم، وذلك في قوله تعالى: {إِن يَنْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) الممتحنة: 2.
مع
فإنهم لا يرعوون ولا ينثنون عن التشفي من المؤمنين بالبطش بالأيدي والقدح بالألسنة عندما تسنح لهم سانحة فيتمكنون من بسط نفوذهم عليهم، أن أمنيتهم أن يضلوا كضلالهم ويتبعوهم في غيهم وينقلبوا من إيمانهم إلى الكفر ومن توحيدهم إلى الشرك، كما قال الأستاذ الشهيد سيد قطب: «فلا تعرض لهم فرصة يتمكنون فيها من المسلمين حتى يتصرفوا معهم تصرف العدو الأصيل. ويوقعوا بهم ما يملكون من أذى ومن تنكيل بالأيدي وبالألسنة وبكل وسيلة وكل سبيل.
المؤمن
والأدهى من هذا كله والأشد والأنكى: {وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ... وهذه عند أشد من كل أذى ومن كل سوء يصيبه باليد أو اللسان. فالذي يود له أن يخسر هذا الكنز العزيز - كنز الإيمان - ويرتد إلى الكفر، هو أعدى من كل عدو يؤذيه باليد وباللسان.
والذي يذوق حلاوة الإيمان بعد الكفر، ويهتدي بنوره بعد الضلال ويعيش عيشة المؤمن بتصوراته ومداركه ومشاعره واستقامة طريقه وطمأنينة قلبه يكره العودة إلى الكفر كما يكره أن يلقى في النار أو أشد. فعدو الله الذي يود أن يرجعه إلى جحيم الكفر وقد خرج منه إلى جنة الإيمان، وإلى
هو (1/212)
صفحة 209
المحور العاشر فيما يتعلق بالتقاليد
213
فراغ الكفر الخاوي بعد عالم الإيمان المعمور. لهذا يتدرج القرآن في تهييج قلوب المؤمنين ضد أعدائه وأعدائهم حتى يصل إلى قمته بقوله لهم عنهم: وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) ().
المفاصلة بين المؤمنين والكافرين هي اقتداء بالنبيين والمرسلين ومن تبعهم
ثم إن الله تعالى في هذا السياق يوجه المؤمنين إلى القدوة الصالحة التي يقتدونها والأسوة الحسنة التي يتبعونها في هذه الوقفة الفاصلة بينهم وبين الذين كفروا، عندما يقول تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَعَاؤُا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَاهُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) الممتحنة: 4 - 5، ومعنى ذلك أن المؤمنين مطالبون في هذا أن يتبعوا هذه الأسوة ويسيروا على نهج إبراهيم والذين معه من المؤمنين الذين وقفوا هذا الموقف الصارم من الذين كفروا، إلا في نقطة واحدة ما كان لهم أن يتبعوها وهي استغفار إبراهيم الأبيه الكافر، فإن ذلك أمر كان خاصا به، وما كان إلا لسبب دعاه إليه وهو الوعد الذي قطعه لأبيه على نفسه بأن يستغفر له، فما كان له ـ وهو الحريص على الوفاء بوعده ـ إلا أن ينجز ما وعد إلى أن تبين له عداوة أبيه الله، فتبرأ إلى الله منه، وقد بين ذلك قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِي وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَاهُ حَلِيمٌ) التوبة: 113 - 0114
(1) سيد قطب في ظلال القرآن (179/ 7 ـ 180). (1/213)
صفحة 210
214
نداء الحق
ولم يكن هذا التأسي الذي وجه إليه المؤمنون في هذه القضية بإبراهيم أمر
ومن معه أمرا اختياريا يعود إلى رغبات النفس وما يلائم طباعها، وإنما هو ضروري لتحقيق الانتماء إلى المؤمنين، وتصديق الإيمان بالله واليوم الآخر،
وقد أتبع الله تعالى ما تقدم بقوله: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِر وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) الممتحنة: 6، ناهيكم بما في هذا النص أنه نيط الإيمان بالله واليوم الآخر بهذا التأسي، وتبع ذلك التهديد لمن أعرض عنه وتولى جانبا بأنه تعالى هو الغني، ولن يضيره هذا الإعراض شيئا، وإنما يضير المعرضين أنفسهم إذ يحرمون بهذا لطف الله تعالى وهدايته وبره وتوفيقه ورضاه وثوابه، وفاصلة هذه الآية شبيهة في دلالتها بقوله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} آل عمران: 97.
بما
هم
وإذا كان الإسلام والقرآن يقفان هذا الموقف في تجنيب المسلم التأثر بالذين كفروا بما يضعانه من الحواجز التي تقيه الانجذاب نحوهم، والإعجاب عليه فكرا أو سلوكا أو خلقا فإنهما لا يتركان التنبيه على ضرورة مفاصلة أهل الكتاب أيضا لئلا يغتر المسلمون بما عندهم من الكتاب، وما سبقوا إليه من علم النبوات فإن كل ذلك لا يجدي شيئا مع ما كان منهم من تحريف الكتاب عن حقيقته التي نزل بها ومن تحريف كلمه عن مواضعه.
ومع
ما أخذه الله من عهد على النبيين وجميع الأمم من ورائهم أن يؤمنوا
بالرسول الخاتم الذي جاء مصدقا لما سبق من الرسالات السابقة، كما هو صريح قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِثَقَ النَّبِيِّنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقُ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ، قَالَ وَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّهِدِينَ * فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَتبكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} آل عمران: 81 ـ 82، فما كان لأحد من أتباع النبيين ـ من قبل - بعد أخذ هذا الميثاق عليهم أن ينثني عن اتباع هذا الرسول المبشر به بالإيمان والنصرة، وعدم مخالفته في شيء، وإنما عليهم
6 (1/214)
صفحة 211
215
المحور العاشر: فيما يتعلق بالتقاليد
جميعا أن ينخلعوا من كل ما كانوا عليه إلى اتباعه في كل ما جاءهم به من عند الله، وبهذا يتحقق إيمانهم بالنبيين جميعا، ويوفون حق إيمانهم بما أوتوا من كتاب.
وقد بشرت به صلى الله عليه وسلم الكتب جميعا، فمن عدل ـ بعد هذا ـ عن اتباعه صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن برسالته من أهل الكتاب فقد أضاع الكتاب الذي أوتيه سلفه وكفر بما فيه، وكفر بما جاء به نبيه، وإنما المستمسكون حقا بالكتاب هم الذين آمنوا به واتبعوه عندما بلغتهم رسالته، وهؤلاء الذين يؤتون أجرهم مرتين، كما نص عليه قوله تعالى: {الَّذِينَ آنَيْنَهُمُ الْكِتَبَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا عَامَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَبَّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَيْكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَهِلِينَ} القصص: 52 ـ 55، فهم لا يلتفتون إلى عتب أقوامهم عليهم بسبب هذا الإيمان، ولا يصغون إلى جدلهم، وهم المقصودون في قوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ * وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن
يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّلِحِينَ) المائدة: 83 - 084
أما من
أصر على الصدود والإعراض وضرب بما في كتابه من التبشير برسالته مع عرض الحائط فإنهم كغيرهم ممن كفروا تجب المفاصلة بينهم وبين المؤمنين، فلا يحل لمؤمن أن يتولاهم كما نص عليه قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَفَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ} المائدة: 51، وقد بين الله سبحانه أن ولاية من يتولاهم ناشئة عن مرض نفساني، يصور لمن ابتلي به أن ولايتهم والتعلق بهم أمان لمن تشبث بهما من نوائب الدهر وطوارق الحدثان، فقد أتبع الله ذلك قوله: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ يُسَرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَابِرَةُ) المائدة: 52،
إنما هي (1/215)
صفحة 212
216
نداء الحق
وما يدري هؤلاء أن الأمر كله بيد الله يصرفه كما شاء، وهو يعز من يشاء ويذل من يشاء، ومن استمسك بأمره واعتصم بحبله آب بالنجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة، وقد جاءت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: {فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرِ مِنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَدِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ امَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ إِنَّهُمْ لَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَسِرِينَ * المائدة: 52 ـ 53.
ولا يخفى على ذي بال أن ترسم خطواتهم وتقليدهم في عاداتهم والتشبه بهم في صفاتهم، كل ذلك مما يعود إلى موالاتهم، فإن من شأن الإنسان أن يحذو حذو من يعجب به ويستحوذ الانبهار به على فكره فلا يزال يقلده حتى تذوب شخصيته في شخصيته، ويغدو صورة له في هندامه وحركاته وسكناته، بل وجميع مظهره و مخبره حتى يستوحي فكره من فكره، وتنبجس أخلاقه من أخلاقه، فيبصر بعينه ويسمع بأذنه ويفكر بعقله ويحتكم إلى نهجه.
عند يسمى
وهذا - بلا ريب - من أمراض النفس الناشئة عن الإحساس بضعفها وهوانها ودناءتها، مع الشعور بعظمة المعجب به وقوته وعزته وكرامته، وهذا علماء النفس بمركب النقص، فإن الشاعر بالنقص من نفسه يطمح إلى استبداله بالكمال، ولا يتصور الكمال إلا فيمن امتلك لبه واستحوذ على قلبه وفكره فيحرص على التخلي عن قيمه وعاداته ومواريثه الفكرية والأخلاقية، ولو كانت في منتهى الكمال، لينتقل إلى قيم وعادات وفكر وأخلاق من تأثر به، وقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم خطورة هذا الأمر، لأجل ذلك بنى الشخصية الإسلامية على الاستقلال في كل شيء، والاعتزاز بما هي عليه من العقيدة والتصور والقيم والأخلاق، والنظام والسنن.
وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين تربوا على روح الاستقلالية مثالا في الاستمساك بما يميز الشخصية الإسلامية من فكر وأخلاق وعبادة وسلوك، فلم (1/216)
صفحة 213
217
المحور العاشر فيما يتعلق بالتقاليد
يكونوا يلتفتون إلى ما عند غيرهم من مظاهر الحياة، التي تخلب الألباب وتزلزل المبادئ والأفكار عند ضعفاء النفوس، ولهذا لم ينبهر الفاتحون المسلمون بما كان عند الروم والفرس من مظاهر المدنية الخلابة، والحياة المترفة، وما كانوا يتقلبون في أعطافه من نعيم العيش الدغفق كما هو واضح في جواب ربعي بن عامر له لرستم الفارسي قائد جيوش الإمبراطورية الساسانية عندما سأله ما الذي جاء بكم؟ فأجابه: «الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام مع أن رستم استقبل ربعيا بكل ما أمكنه من مظاهر الخيلاء وأنواع الزينة والبهرجة، وهي أمور لم تكن معهودة عند العرب، ولا كانت تدور بخلدهم أو يلمحه خيالهم، وقد كان متصورا حسب عادات الناس - كما يقول المفكر الإسلامي الكبير العلامة أبو الحسن الندوي في محاضرته التي سلط فيها الضوء على هذه الإجابة - أن ربعيا سيتحلب لسانه ويسيل لعابه عندما يشهد هذه المشاهد لم تكن تدور منه على بال لكنه كان بعكس ذلك، إذ أجاب بهذا الجواب الذي قطع على رستم تفكيره بأنه يستطيع التأثير عليه وعلى أصحابه بما يرونه من صورة الترف المفحش، وسيؤدي بهم الانبهار بذلك إلى أن تهن نفوسهم وتنهار قواهم أمام هذا التأثير المادي، ولكن النتيجة كانت عكس ذلك، وكانت هذه الكلمات القليلة التي جاءت في جواب ربعي تغني عن مجلدات في شرح مواقف الإسلام وأهدافه ومبادئه وغاياته، وهي كما قال ذلك المفكر الكبير: (لو وضعت على الجبال لتدكدكت، ولو وضعت على البحار لتبخرت فكيف لا تزعزع جيش العدو وتقهقره، ولو انتهى إلى أي رقم كان في كثرة العَدَدِ ووفرة العُدَدِ؟.
التي
(1) الطبري: تاريخ الطبري، 401/ 2، أبو الربيع الكلاعي: الإكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء، 192/ 4، ابن كثير: البداية والنهاية،39/ 7، أحمد زكي: جمهرة خطب العرب
242/ 1 (1/217)
صفحة 214
218
نداء الحق
هذه الروح الإيمانية الاستقلالية في نفوس الرعيل الأول كانت هي أقوى
وسيلة لفتح القلوب قبل فتح البلاد
:
بهذه الروح التي امتلأت بها القلوب المؤمنة وفاضت منها على أقوالهم وأعمالهم، استطاع المسلمون أن يفتحوا العالم ويحولوه إلى عالم آخر، وقد كانت هذه المواقف الصلبة وعدم التزعزع قيد شعرة سببا للفتح الفكري والأخلاقي بجانب الفتح العسكري والسياسي، فقد كان تأثرهم كبيرا بما كان عند المسلمين من الفكر والأخلاق، وسرى فيهم ذلك سريان النار في الهشيم، حتى تخلوا عن أهم ما يميز عقيدتهم وطقوس عباداتهم، كما قال أستاذ الأدب أحمد أمين: «ظهر بين النصارى نزعات يظهر فيها أثر الإسلام. من ذلك أنه في القرن الثامن الميلادي أي في القرنين الثاني والثالث الهجريين ظهرت في سبتمانيا (Septimania) حركة تدعو إلى إنكار الاعتراف أمام القسس، وأن ليس للقسس حق في ذلك، وأن يضرع الإنسان إلى الله وحده في غفران ما ارتكب من إثم، والإسلام ليس له قسيسون ورهبان وأحبار، فطبيعي أن لا يكون فيه اعتراف). وقد نقل كلامه هذا المفكر الإسلامي الكبير أبو الحسن الندوي وأتبعه: وكذلك كانت حركة تدعو إلى تحطيم الصور والتماثيل الدينية (Iconoclasts) ذلك أنه في القرن الثامن والتاسع للميلاد أو القرن الثالث والرابع الهجري، ظهر مذهب نصراني يرفض تقديس الصور والتماثيل، فقد أصدر الإمبراطور الروماني «ليو» الثالث أمراً سنة 726 م يحرم فيه تقديس الصور والتماثيل، وأمراً آخر سنة 730 م يعد الإتيان بهذا وثنية، وكذلك كان قسطنطين الخامس وليو الرابع، على حين كان البابا جريجوري الثاني والثالث وجرمانيوس بطريرك القسطنطينية والإمبراطورة إيريني من مؤيدي عبادة الصور، وجرى بين الطائفتين نزاع شديد لا محل لتفصيله، وكل ما نريد أن نذكره أن بعض المؤرخين يذكرون أن الدعوة إلى نبذ
(1) أبو الحسن الندوي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ص 115. (1/218)
صفحة 215
المحور العاشر: فيما يتعلق بالتقاليد
219
الصور والتماثيل كانت متأثرة بالإسلام ويقولون إن كلوديوس (Claadius) أسقف تورين (الذي عين سنة 828 م وحول (213 هـ) والذي كان يحرق الصور والصلبان وينهى عن عبادتها في أسقفيته، ولد وربي في الأندلس الإسلامي).
وهذا يعني
أن المد الإسلامي لم ينحصر في الذين اتبعوه وآمنوا به، بل كان له تأثير سرى إلى نفوس الأمم حتى في المحيط العام بين الذين لم يؤمنوا به، إذ كانوا يعدون كثيرا من المظاهر في دينهم مظاهر وثنية لا صلة لها بالدين بسبب موقف الإسلام الصلب منها، وهذا - بلا ريب ـ إنما يعود إلى قوة براهين العقيدة الإسلامية وانسجامها مع العقول وتجاوبها مع الفطرة، كما يعود إلى ما كان للفاتحين الأولين الذين تربوا على يدي النبي صلى الله عليه وسلم، ومن تربى على أيديهم من مزايا بهرت العقول وأخذت بمجامع أفكار خصومهم، فكم عبر خصوم الإسلام عن هذا التأثر والإعجاب حتى في حين شنهم الحرب الضروس على الإسلام والمسلمين كما سبق ذكر ذلك.
وهذا الانبهار وحده كان لهم فتحا مبينا ونصرا عزيزا، إذ النصر في المجال الفكري والأخلاقي أعظم من النصر في الجانب العسكري والسياسي، ومما يذكر أن هذا التأثر في حياة الخاصة والعامة في الغرب بما كان عليه المسلمون استمر زمنا طويلا، فمن بقي من النصارى بأرض الأندلس تحت حكم الإسلام كان شبابهم وشاباتهم متأثرين بما يجري على ألسنة المسلمين من نحو شعار السلام وذكر الله تعالى عند اللقاء والوداع، فكان الشاب منهم إذا التقى بزملائه حياهم بتحية السلام، حرصا منه على إظهار نفسه بالمظهر الحضاري الذي يفاخر به أقرانه، وكذلك كانت الفتاة النصرانية بين زميلاتها، وعند الوداع يخاطب كل منهما من حوله بما يجري على ألسنة المسلمين من استيداعهم الله تعالى وتركهم
في حفظه ورعايته، وكانوا يعدون ذلك رمزا للتقدم وعنوانا للرقي.
(1) المرجع السابق، ص 115 ـ 116. (1/219)
صفحة 216
220
نداء الحق
وقد اعترف كثير من الكتاب في الشرق والغرب بما كان للإسلام من أثر كبير في حياة الأمم عندما أشرق عليهم نوره وهطل عليهم مزنه، وفاضت عليهم بركاته، فكان سببا لتهذيب أخلاقهم وتزيين مظاهرهم والارتقاء بأفكارهم، وتجنيبهم كثيرا من العادات السيئة والخصال المذمومة، فقد حكى السيد العلامة أبو الحسن الندوي عن الباحث الهندي (K. M. Panikkar)، الذي كان سفيرا للهند بمملكة مصر سابقا أنه قال: من الواضح المقرر أن تأثير الإسلام في الديانة الهندكية كان عميقاً في هذا العهد (الإسلامي)، إن فكرة عبادة الله في الهنادك مدينة للإسلام، إن قادة الفكر والدين في هذا العصر وإن سموا آلهتهم بأسماء شتى قد دعوا إلى عبادة الله، وصرحوا بإن الإله واحد وهو يستحق العبادة، ومنه تطلب النجاة والسعادة. وقد ظهر هذا التأثير في الديانات والدعوات التي ظهرت في الهند في العهد الإسلامي كديانة «Bhagti ودعوة كبير»).
وقد سرى هذا الإعجاب - بما كان للإسلام من تأثير على هذه الأمم ـ إلى كبار ساستها ومفكريها، فقد نقل كذلك عن رئيس وزراء الهند ـ سابقا ـ (جواهر لال نهرو) أنه قال في كتابه (Discovery of India): «إن دخول الغزاة الذين جاءوا من شمال غرب الهند ودخول الإسلام له أهمية كبيرة في تاريخ الهند، إنه قد فضح الفساد الذي كان قد انتشر في المجتمع الهندوكي، إنه قد أظهر انقسام الطبقات واللمس المنبوذ، وحب الاعتزال عن العالم الذي كانت تعيش فيه الهند، إن نظرية الأخوة الإسلامية والمساواة التي كان المسلمون يؤمنون بها، ويعيشون فيها، أثرت في أذهان الهندوس تأثيراً عميقاً، وكان أكثر خضوعاً لهذا التأثير البؤساء الذين حرم عليهم المجتمع الهندي المساواة والتمتع بالحقوق الإنسانية (2).
(1) أبو الحسن الندوي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين،
117 نقلا عن:
(A Survey of Indian. History p. 132).
(2) المرجع السابق، ص 117. (1/220)
صفحة 217
المحور العاشر: فيما يتعلق بالتقاليد
221
وهذا أقوى دليل على أن الفطرة الإنسانية وجدت في الإسلام ضالتها المنشودة، وما تبحث عنه من بين ركام المبادئ والأفكار والنظم السياسية والاجتماعية من قيمة للإنسانية أضاعها الانحراف الفكري والسياسي في الديانات والفلسفات السابقة فكان تجاوب مع مبادئ الإسلام التي رفعت قيمة الإنسان حتى ممن لم يستجيبوا له بالإيمان والاتباع، ولولا أن الإسلام رزئ بانحراف سياسي نتج عنه انحراف فكري حصره عن الامتداد، وعرق ر قله الانتشار بتلك القوة السابقة التي كانت في عصره الذهبي، عصر النبوة الهادية
عن
والخلافة الراشدة لكان الإسلام - بوضوح عقيدته وسلامة فكره وقوة دليله، وما ينشره بين الناس من مبادئ الرحمة والخير وأسباب الشفقة والحنان - قد ـ ملأ الدنيا بأسرها، وقضى على كل دين ونظام سواه، وهذا ما اعترف به رجال الفكر والسياسة من الغربيين، وسجله من سجله من مشاهير علماء المسلمين مؤكدا ما ذكرته، فقد قال العلامة الكبير والمفكر الشهير السيد رشيد رضا في تفسيره المنار: «ولولا ما طرأ عليه ـ أي الإسلام - من الابتداع، وعلى حكوماته من الظلم والاستبداد، وعلى شعوبه من الجهل والفساد والتفرق بالاختلاف، لدخل فيه أكثر البشر، ولصارت لغته لغة لكل من دخل في حظيرته من الأمم، فمن غرائزهم اختيار الأفضل إذا عرفوه.
قال أحد كبار علماء الألمان في الأستانة لبعض المسلمين وفيهم أحد شرفاء
تمثالا
لنا أن نقيم من الذهب لمعاوية بن أبي سفيان في ميدان عاصمتنا (برلين) قيل له: لماذا؟ قال: لأنه هو الذي حول نظام الحكم
مكة: إنه ينبغي من
كذا
الإسلامي عن قاعدته الديمقراطية إلى عصبية الغلب، ولولا ذلك لعم الإسلام العالم كله، ولكنا نحن الألمان وسائر شعوب أوربة عربا ومسلمين» اهـ). هذا؛ وذكر العلامة الندوي عن أحد معاصريه ممن كتب عن تأثير الإسلام في الحضارة الهندية وهو Meta ... في كتابه الحضارة الهندية والإسلام
(1) محمد رشيد: رضا تفسير المنار، 214/ 11. (1/221)
صفحة 218
222
نداء الحق
(Indian Civilization and Islam) أنه قال: إن الإسلام قد حمل إلى الهند مشعلاً
من نور قد انجلت به الظلمات التي كانت تغشى الحياة الإنسانية في عصر مالت فيه المدنيات القديمة إلى الانحطاط والتدلي، وأصبحت الغايات الفاضلة معتقدات فكرية، لقد كانت فتوح الإسلام في عالم الأفكار أوسع وأعظم منها في حقل السياسة، شأنه الأقطار الأخرى، لقد كان من سوء الحظ أن ظل
في
تاريخ الإسلام في هذا القطر (الهندي) مرتبطاً بالحكومة، فبقيت حقيقة الإسلام في حجاب وبقيت هباته وأياديه الجميلة مختفية عن الأنظار» (1).
وهذا يعني للنفوس ـ أخذ يمتد في عالم الشرق وعالم الغرب معا، ويتغلغل في عمق المبادئ والأفكار التي كان عليها الناس من حيث يدرون ومن حيث لا يدرون حتى بدل كثيرا من ثوابت معتقداتهم التي كانت متحكمة في نفوسهم ردحا من الزمن، بأفكار سمحة تقبلتها الفطر وتجاوبت معها النفوس، فعلى الرغم مما كانت عليه الكنيسة في الغرب - من التشدد وإحاطة أتباعها بستار حديدي يحول بينهم وبين أن تصل إليهم أفكار من خارج حدود ذلك الستار ـ امتد شعاع الإسلام إلى خاصة الناس وعامتهم هناك، فتأثروا به وانسلخوا بسببه مما كانوا يعدونه من ثوابت الدين فقامت حركات إصلاحية تنقض ما كان راسخا رسوخ شم الرواسي، وتجتثه لبناء فكر حضاري جديد يعكس ما في الإسلام من فكر سليم مبني على إدراك العقول والفطر، ويقول في هذا العلامة الندوي: «ويمكن لمن يطالع تاريخ أوربا الديني وتاريخ الكنسية النصرانية أن يلتمس تأثير الإسلام العقلي في نزعات المصلحين والثائرين على النظام الأسقفي السائد، أما دعوة «لوثر» الإصلاحية الكبيرة، فقد كانت - على عِلاتها - أبرز مظهر للتأثر بالإسلام وبعض عقائده كما اعترف المؤرخون.
أن الإسلام الحنيف ـ بأفكاره المقنعة للعقول ونظامه الجاذب
(1) العلامة أبو الحسن الندوي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين.
117 (1/222)
صفحة 219
المحور العاشر: فيما يتعلق بالتقاليد
223
وترى كذلك تأثيرا للعقلية الإسلامية والشريعة الإسلامية في أخلاق الأمم اجتماعها وتشريعها في أوربا النصرانية وفي الهند الوثنية بعد الفتح الإسلامي تراه وتلمسه في الاتجاه إلى التوحيد ونزعات الاحترام للمرأة وحقوقها والاعتراف بمبدأ المساواة بين طبقات البشر، إلى غير ذلك مما سبق إليه الإسلام وامتازت به شريعته ومدنيته» (1).
بدء خط الرجعة
وإذا كان هذا كله إنما يرجع إلى ما يتميز به الإسلام ـ دين الله تعالى الحق - من قوة دليله، وتألق نوره ودقة تصوره، وعمق فكره، وشمول نظامه، وانتظام كلياته وجزئياته، ورسوخ أصوله وسعة فروعه، بجانب ما كان للسابقين الأولين من تمسك دقيق بكلياته وجزئياته، وتتبع عجيب لشريعته وأحكامه، فإن هذا كله بدأ يتقلص في حياة الأمة منذ بدأ الانحراف في نهجها السياسي والفكري، وذلك عندما رزئت الأمة بفقدان ذلك النموذج الأمثل الذين تشربوا الإسلام، حتى فني كل شيء من طباعهم بقوة تأثيره، فعاد كل منهم إسلاما يمشي على قدمين في المعاملة والأخلاق، والأخذ والعطاء، والسلم والحرب، والبسط والقبض، كما يصور ذلك فيلسوف الإسلام السيد أبو الحسن الندوي في قوله: «كان زمام القيادة الإسلامية - والعالمية بالواسطة ـ بيد الرجال الذين كان
كل فرد منهم معجزة جليلة لمحمد صلى الله عليه وسلم، إيمانا وعقيدة وعملا وخلقا وتربية وتهذيبا وتزكية نفس وسمو سيرة، وكمالا، واعتدالا، لقد صاغهم النبي صلى الله عليه وسلم صوغا، وصبهم في قالب الإسلام صبا، فعادوا لا يشبهون أنفسهم إلا في الأجسام لا في الميول والنزعات، ولا في الرغبات والأهواء، ولو دقق مدقق لما رأى في سيرتهم وأخلاقهم مأخذاً جاهلياً ينافي روح الإسلام والنفسية الإسلامية، ولو تمثل الإسلام بشراً لما زاد على أن يكون كأحدهم، وكانوا كما
(1) المرجع السابق، ص 116. (1/223)
صفحة 220
224
نداء الحق
قلنا أمثلة كاملة وأقيسة تامة للدين والدنيا والجمع بينهما، فكانوا أئمة يصلون بالناس، وقضاة يفصلون قضاياهم، ويحكمون بينهم بالعدل والعلم، وأمنة لأموال المسلمين وخزنتهم، وقواداً يقودون الجيوش ويحسنون تدبير الحروب، وأمراء يباشرون إدارة البلاد ويشرفون على أمور المملكة ويقيمون حدود الله، وكان الواحد منهم في آن واحد تقيا زاهدا وبطلا مجاهدا، وقاضيا فهما، وفقيها مجتهدا وأميرا حازما وسياسيا محنكا، فكان الدين والسياسة يتمثلان في شخص واحد وهو شخص الخليفة وأمير المؤمنين، حوله جماعة ممن تخرجوا - إن صح التعبير - في هذه المدرسة، المدرسة النبوية، أو المسجد النبوي، أفرغوا في قالب واحد يحملون روحا واحدة، وتلقوا تربية واحدة، يستشيرهم الخليفة ويستعين بهم، فلا يقطع أمرا ذا بال حتى يشهدوه فسرت روحهم في المدنية ونظام الحكم وحياة الناس واجتماعهم وأخلاقهم، وانعكست ميولهم ورغباتهم في المدنية وظهرت خصائصهم فيها، فلا عداء بين الروح والمادة ولا صراع بين الدين والسياسة ولا تفريق بين الدين والدنيا ولا تجاذب بين المصالح والمبادئ ولا تزاحم بين الأغراض والأخلاق، ولا تناحر بين الطبقات ولا تنافس في الشهوات).
وقد أخذ بعد هؤلاء الوضع يتدحرج ويهوي إلى الحضيض عندما تسلم الزمام، من لم ينل حظا من هذه التربية، ولم يسعد بهذا التكوين، فانزلق في مهاوي هوى النفس، وتردى في مهالك الفتن التي أخذت تتنقص من الإسلام كل يوم حصة منه، كما صور ذلك العلامة الندوى بقوله:
ولكن من الأسف ومن سوء ء حظ العالم البشري أن تولى هذا المنصب الخطير رجال لم يكونوا له أكفاء، ولم يُعدوا له عدة، ولم يأخذوا له أهبة، ولم يتلقوا تربية دينية وخلقية كما تلقى الأولون وكثيرون في عصرهم وجيلهم، ولم
(1) المرجع السابق، ص 120. (1/224)
صفحة 221
المحور العاشر: فيما يتعلق بالتقاليد
225
روح
يسيغوا تعاليم الإسلام إساغة تليق بقيادة الأمة الإسلامية والاضطلاع بزعامتها، ولم تنق رؤوسهم ولا نفوسهم من بقايا التربية القديمة، ولم يكن عندهم من الجهاد في سبيل الإسلام ومن قوة الاجتهاد في المسائل الدينية والدنيوية ما يجعلهم يضطلعون بأعباء الخلافة الإسلامية - وهذا الحكم عام يشمل خلفاء أمية وبني العباس، حاشا الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز (م 101 هـ). فظهر من ذلك ثلمات في ردم الإسلام لم تسد إلى الآن، ووقعت تحريفات في الحياة الإسلامية»).
بني
6
وأخذ يشرح بعد ذلك ما كان من تباين سحيق بين ما كان عليه الوضع في الحقبة الذهبية للحكم الإسلامي وما انتهى إليه عندما كانت قوة الاستبداد والظلم هي التي تتحكم في الأمة، وتسير بها في خط اتباع الشهوات وإرضاء النزوات، حيث قال: «وقع فصل بين الدين والسياسة عملياً، فإن هؤلاء لم يكونوا من العلم والدين بمكان يستغنون به عن غيرهم من العلماء وأهل الدين فاستبدوا بالحكم والسياسة، واستعانوا - إذا أرادوا واقتضت المصالح - بالفقهاء ورجال الدين كمشيرين متخصصين واستخدموهم في مصالحهم واستغنوا عنهم إذا شاؤوا، وعصروهم متى شاءوا فتحررت السياسة من رقابة الدين، وأصبحت قيصرية أو كسروية مستبدة، وملكاً عضوضاً، وأصبحت السياسة كجمل هائج حبله على غاربه، وأصبح رجال الدين والعلم بين معارض للخلافة وخارج عليها، وحائد منعزل اشتغل بخاصة نفسه وأغمض العين عما يقع ويجري حوله، يائساً من الإصلاح، ومنتقد يتلهف ويتنفس الصعداء مما يرى ولا يملك من الأمر شيئاً، ومتعاون مع الحكومة لمصلحة دينية أو شخصية، ولكلّ ما نوى وحينئذ انفصل الدين والسياسة، وعادا كما كانا قبل عهد الخلافة الراشدة أصبح الدين مقصوص الجناح مكتوف الأيدي،
(1) المرجع السابق، ص 122. (1/225)
صفحة 222
226
نداء الحق
وأصبحت السياسة مطلقة اليد حرة التصرف نافذة الكلمة صاحبة الأمر والنهي، ومن ثم أصبح رجال العلم والدين طبقة متميزة، ورجال الدنيا طبقة متميزة، والشقة بينهما شاسعة، وفي بعض الأحيان بينهما عداء وتنافس
6
نعم؛ في هذه الفترة الحالكة المظلمة التي لا يجد الإنسان فيها بصيصا من أمل يدعوه إلى التفاؤل بدأ جدار الدين يتصدع ومكانة الأمة تتضعضع، فكل من أراد أن يقوم بالدعوة إلى الإصلاح ولو تدريجيا نظر إليه شزرا، ووجه إليه الاتهام بالزندقة أو المروق، وكان فقهاء السياسة له بالمرصاد لإصدار الأحكام الجائرة في حقه تزلفا إلى الظلمة المستبدين ليكسبوا رضاهم ولينعموا بما يتساقط من أيديهم من فتات العيش الذي كان رغده حكرا على المستبدين، ومن دار في فلكهم، وقد صور العلامة الندوي وضع الناس في ظل هذه السياسة حيث قال: ولم يكن رجال الحكومة حتى الخلفاء أمثلة كاملة في الدين والأخلاق، بل كان في كثير منهم عروق للجاهلية ونزعاتها فسرت روحهم ونفسيتهم في الحياة العامة والاجتماع، وأصبحوا أسوة للناس في أخلاقهم وعوائدهم وميولهم، وزالت رقابة الدين والأخلاق وارتفعت الحسبة وفقدت حركة الأمر المعروف والنهي عن المنكر سلطانها، لأنها لا تستند إلى قوة ولا تحميها حكومة، وإنما يقوم بها متطوعون لا قوة لديهم ولا عقاب، والدواعي إلى خلافها متوافرة قوية، فتنفست الجاهلية في بلاد الإسلام ورفعت رأسها، وأخلد الناس إلى الترف والنعيم وإلى الملاهي والملاعب وانغمسوا في الملذات والشهوات واستهتروا استهتاراً، ونظرة في كتاب الأغاني وكتاب الحيوان للجاحظ تُريك ما كان هنالك من رغبة جامحة إلى اللهو، وتهافت على الملاهي والملذات، ونهمة للحياة الدنيا، وأسبابها، وبهذه السيرة، وبهذه الأخلاق المنحطة ومع هذا الانهماك في الملاهي لا تستطيع أمة أن تؤدي رسالة الإسلام، وأن تقوم في الدنيا مقام خلفاء الأنبياء، وتذكر بالله والآخرة
(1) المرجع السابق، ص 122. (1/226)
صفحة 223
المحور العاشر: فيما يتعلق بالتقاليد
227
وتحض على التقوى والدين، وأن تكون أسوة للناس في أخلاقها، بل لا تستطيع أن تتمتع بالحياة والحرية زمناً طويلاً و سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) الأحزاب: 62).
وكانت هذه الانتكاسة أخذت تهوي بالأمة إلى الحضيض لحظة بعد أخرى، إذ كان القابضون على ناصية الأمر عارا على الإسلام بانتمائهم إليه وادعائهم أنهم يمثلونه في سياستهم وحياتهم الأدبية والأخلاقية، مع أن الإسلام منهم براء، وهذا ما أثبته العلامة الندوي بقوله:
وكان هؤلاء في كل ما يأتون ويذرون ممثلين لأنفسهم وسياستهم فقط، لا يمثلون الإسلام، ولا سياسته الشرعية لا قانونه الحربي، ولا نظامه المدني، ولا تعاليمه الأخلاقية إلا في النادر ففقدت رسالة الإسلام تأثيرها وقوتها في قلوب غير المسلمين وضعفت ثقتهم به. وفي لفظ مؤرخ أوربي - بدأ الإسلام بالانحطاط، لأن البشرية بدأت تشك في صدق القائمين بتمثيل الديانة الجديدة» اهـ (2).
ومع سريان الشك إلى نفوس البشر عندما يجدون هذا التباين والتناقض بين مبادئ الإسلام وأوضاع أتباعه - لا سيما رجال الحكم والسياسة - لا تبقى للإسلام قوة تجتذب الناس إلى اتباعه والإيمان به، ولا تأثير على حياة الأمم الفكرية والأخلاقية لولا ما تبقى من عقيدة التوحيد وبعض الصور في الآداب والأخلاق تتميز بها أمة الإسلام على غيرها من الأمم، وما كان ذلك التأثير - بعد مضي تلك القرون على تاريخ الإسلام الذهبي ـ حتى قامت الحركات الإصلاحية عند الأمم الأخرى إلا بما تبقى
من هذه المزايا، وإن أضعفها الواقع السياسي.
(1) المرجع السابق، ص 122 - 123.
(2) المرجع السابق، ص 123. (1/227)
صفحة 224
228
نداء الحق
الانقلاب الكبير الذي حصل في البشر عموما وفي أمة الإسلام خصوصا كان نتيجة إمساك الغرب بناصية الحياة السياسية والأدبية والثقافية: كان هذا الواقع المرير الذي أحاط بأمة الإسلام باعثا للغرب إلى أن يلملم شتاته ويستثير شعوبه، وقد بدأت اليقظة عندهم وبدأوا يدركون ما للعلم من مزية في بناء الأمم ورفع صروح الحضارات، وعندما استجمع قوته بدأ في اختراق أمة الإسلام وغزوها عسكريا وسياسيا، مع ما تبع ذلك من غزوها أدبيا وفكريا وأخلاقيا، فانعكست القضية وانقلبت الأحوال، فبدلا من أن تكون أمة الإسلام مؤثرة على الأمم أصبحت هي التي تتأثر وتقفو خطى الآخرين، وترى من الرفعة والتقدم والرقي أن تقلد الآخرين في أنماط الحياة ومظاهرها، وليتها تعلمت من غيرها الاهتمام بالعلم والتفاني في العمل والسبق إلى الابتكارات والاختراعات وتطوير الحياة إلى ما هو أفضل، وإنما بقيت في هذا كله عالة على غيرها لا تعتاش إلا بما يُصَدِّر إليها بحسب ما يسمح لها من أقساط، وإنما اهتمت بأن تقفوا خطوات الآخرين في المجون والخلاعة والاستهتار بالقيم والاستهانة بالأخلاق.
6
نعم؛ لقد حرصت على أن تستورد من عند غيرها اللهو والرقص وأنواع اللعب والخمر والميسر، والربا والغرر، وسائر ضروب الفساد وراء أسماء براقة وشعارات زائفة، فقد سمت الرقص واللعب بالفنون الجميلة، والخمر بالمشروبات الروحية، والربا بالفوائد والفاحشة بالحب، وأعرضت عن حكم الله إلى حكم الطاغوت، وحرصت إلى أن تلتقط كل ساقطة من قبل أولئك الذين أصبحوا هم القابضين على ناصية السياسة في العالم، فأعجبوا بكل ما يصل إليهم من قبلهم حتى تباهوا بإحراز قصبات السبق فيما يسمى بكذبة نيسان أو كذبة إبريل، فبزوا الذين سنوا هذه الكذبة في اختراع أسوأ الأكاذيب حالا وأقبحها صورة وأشدها إزعاجا للنفوس وإرجافا للقلوب، وأشدها تأثيرا قلب الحقائق، كما قال الشاعر محمد مصطفى حمام
في (1/228)
صفحة 225
المحور العاشر فيما يتعلق بالتقاليد
229
جُلُ من قلد الفرنجة منا قد أساء التقليد والتمثيلا فأخذنا الخبيث منهم ولم نق بس من الطيبات إلا قليلا يوم سن الفرنج كذبة إبري ل غدا كل عُمرنا إبريلا نشروا الرجس مجملاً فنشرنا ة كتاباً مفصلاً تفصيلا مع أن الكذب كله قبيح فطرة وشرعا، مذموم عند أولي الحلوم، لا يعود على الكاذب ولا على غيره إلا بسوء العواقب، وقد بينت شرور هذه الكذبة وعواقبها الوخيمة وآثارها السيئة في النفس والمجتمع في جواب خاص نشرته قبل سنين.
ولع المسلمين بترك مواريثهم، وتقليد الآخرين
مع
كم أعرض المسلمون اليوم عن مواريثهم الفكرية والتاريخية، وانساقوا جماهير الناس انسياقا نسوا فيه ما كان عليه سلفهم الماضون، وما يجب الاعتزاز به من آثارهم الخالدة، التي قدمت إلى الزمان أرقى الحضارات الإنسانية، وأهدت إلى العالم مبادئ الرحمة والإحسان، وكم لهذا من أمثلة؛ ناهيك أن العالم كله شهد حدثا تاريخيا ارتقى به من الحضيض الأدنى إلى المقامات العلا، وانتشله من الضياع وأخرجه من الظلمات إلى النور، وهو بناء الدولة الإسلامية، التي أسسها النبي الله بهجرته من المجتمع المكي إلى المجتمع المدني، فخرجت دعوته بذلك من الضيق إلى السعة، ومن المحلية إلى العالمية، ومن الكتمان إلى الظهور، ومن الخفوت إلى الجهر، فرجت أرجاء الدنيا رجا وبعثت العقول من سباتها العميق ومن غفلتها المطبقة، ومن ضلالها المبين، فنعمت باليقظة والإدراك والهدى
إجماع المسلمين في عهد الخلافة الراشدة على جعل هجرة النبي ميقاتا لتأريخ الأمة وكيف تحولت الآن إلى النقيض من ذلك:
لأجل هذا اتخذ المسلمون هذه الهجرة ميقاتا تأريخيا لهم، لأنها كانت فاصلة ما بين عهدين متباينين في تاريخ دعوتهم، على أن هذا التأريخ يدور مع (1/229)
صفحة 226
230
نداء الحق
الأشهر القمرية التي أرادها الله سبحانه أن تكون ميقاتا للناس كما قال: يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ) البقرة: 189، وقد نيطت بها جميع أحكام الإسلام، فهي ذاتها تتباين في أحكامها، فمنها أشهر الحل ومنها الأشهر الحرم، وقد جعل الله ذلك مما يدخل في صميم الدين عندما قال: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَبِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} التوبة: 36، وقد ناط الله تعالى بها جميع الأحكام كالصيام والزكاة والحج وعدد النساء وأحكام الطلاق وأحكام الإيلاء والظهار وجميع ما يتعلق بمعاملات الناس.
فالعجب مع
مع هذا الارتباط
مع
هذا؛ كيف تتناسى أمة الإسلام هذه الأشهر الوثيق بينها وبين شعائرها التعبدية وواجباتها الدينية، وتتجاهلها تماما النص عليها في كتاب ربها ـ سبحانه ـ وتعتمد على شهور أخرى جئ بها من مكان سحيق؟! مع أنها مضى عليها عهد النبوة والخلافة الراشدة ثم تتابعت العهود عهدا من بعد عهد، ولم تكن تعتمد إلا على الشهور القمرية، التي هي مناط عباداتها إلى أن رزئت بالغزو الثقافي والفكري بجانب الغزو العسكري والسياسي، فجردت من مواريثها الفكرية والتأريخية، وفرض عليها ما فرض، وقد كان حريا بها بعدما نعمت بالاستقلال السياسي أن تحرص على أن تستقل فكريا وأدبيا وثقافيا وأن لا تستمر في التبعية العمياء للآخرين.
ولكنها ـ يا للأسف ـ استمرت لاهثة وراء الآخرين تتبعهم في خطاهم، وتقفو آثارهم حتى نسيت عهد الله تعالى إليها فيما فرض عليها من عبادات مرتبطة بالشهور التي نسيتها، ولا أنسى عندما أتاني أحد من عامة المسلمين يسألني عن الحج في أي شهر هو؟.
فأجبته بأن للحج أشهرا معلومات أومى إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: {الْحَجُ أَشْهُرُ مَّعْلُومَتُ) البقرة: 197، وهي، شوال، وذو القعدة، وعشر من (1/230)
صفحة 227
المحور العاشر فيما يتعلق بالتقاليد
231
ذي الحجة، من أحرم فيها بالحج تم إحرامه، ومن أحرم فيها بالعمرة ثم بدا له أن يحج في عامه ذلك بعدما تحلل من عمرته يكون متمتعا بعمرته إلى الحج إن لم يعد بين إحراميه إلى أهله، ويؤمر أن يحرم في يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة ويذهب إلى منى، وفي صباح اليوم التاسع يغدو إلى عرفة، ويقف فيها بعد الظهر إلى غروب الشمس، ثم يفيض إلى المزدلفة ويذكر الله عند المشعر الحرام، ويصلي فيها العشاءين ويبيت فيها ليلة النحر إلى صبيحتها، وبعد صلاة الفجر يغدو إلى منى ويرمي جمرة العقبة، ثم يهدي ويتحلل بعد ذلك من إحرامه، ويطوف في يومه ذلك أو فيما بعده طواف الإفاضة الذي هو من أركان الحج، ويبقى في أيام التشريق بمنى يرمي فيها الجمار الثلاث، فَمَن تَعَجَلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى) البقرة: 203، وبهذا يتم حجه، وإن شاء عاد إلى أهله بعد أن يودع البيت.
فسألني: ولكن في أي شهر يكون هذا؟.
فأجبته في أشهر الحج التي وصفتها لك، غير أنه لم يع ذلك، وأعاد السؤال مرة أخرى فقلت له: نحن الآن في شعبان وسيأتي بعده شهر رمضان الذي فرض الله صيامه، وبعده يأتي شوال ثم ذو القعدة ثم ذو الحجة. ولكن فكره المنغلق على ثقافته البعيدة عن مفاهيم الإسلام لم ينفتح على شيء من هذا فعجبت كيف نسيت أمة الإسلام نفسها حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من الجهل بهذه البدهيات التي تعد من أوليات تعاليم الإسلام، ومما يحتاج إليه كل مسلم في حياته اليومية، مع أن الرجل كان يسأل عن هذا، لأنه كان عاقدا عزمه على حج بيت الله الحرام في عامه ذلك، وقس على ذلك كثيرا من
أمثاله.
ونحن هنا في سلطنة عُمان لم يكن التأريخ عندنا قبل أقل من نصف قرن من الزمن من يومنا هذا إلا التأريخ الهجري الذي يدور مع الأشهر القمرية التي نيطت بها العبادات في الإسلام، غير أن جماهير الناس انساقوا مع التيار، (1/231)
صفحة 228
232
نداء الحق
وطوح بهم في مكان سحيق أقصاهم عن التصورات الصحيحة، والممارسات الموفقة، حتى أولئك الذين نشأوا في تلك العهود السابقة ولم يكونوا على دراية قط بالأشهر الشمسية والتأريخ الشمسي.
وقد مرت بي قصة طريفة في هذا، وهي أن جماعة من ملاك فلج بعينه ـ وهو قناة مائية أرضية يجري فيها ماء من جوف الأرض، يسقي البساتين والزروع - تشاجروا في تقسيم مياههم منه، وقد اعتاد الناس في عُمان منذ قديم الزمان قسمة هذه المياه بين ملاكها في الليل بمراقبة نجوم بعينها بحسب طلوعها وغروبها، وفي النهار يعتمدون على ما يسمونه المحاضرة، وهي خشبة ينصبونها وتقسم المياه اعتمادا على ظل هذه الخشبة فى ضوء الشمس قبل الزوال وبعده، وكثير من الناس استبدلوا بهاتين الوسيلتين الآن الاعتماد على مواقيت الساعة في قسمة المياه، وذلك أبعد عن الالتباس عندما تغيم السماء فتحجب النجوم وينعدم الظل، وقد كان أحد ملاك هذا الفلج يملك نصيبا وافرا من مياهه، وأراد الاعتماد على الساعة في قسمتها بدلا من الاعتماد على المحاضرة والنجوم، لما يعرو ذلك من لبس في وقت الغيوم، ولكن الشريحة الواسعة من شركائه عارضوا ذلك بشدة، وقد تحاكموا في هذا إلى محكمة ابتدائية ثم محكمة استئنافية، ثم ترافعوا بعد ذلك إلى لجنة تمعن نظرها في الأحكام السابقة، وكنت أحد أعضائها، فسألت أولئك المعارضين عما يريدون فقالوا: إنهم لا يرضون بالخروج عن العادة المألوفة المتوارثة عن الآباء والأجداد، فسألتهم عمن يتولى السقي، هل يتولونه بأنفسهم أو يكلونه إلى غيرهم؟ فأجابوا: أن الذين يسقون هم عمال وافدون. فرددت عليهم: وأنى للوافد أن يعرف المحاضرة والنجوم؟ وكيف إذا اختفت معالم المحاضرة بالغيم أو توارت وراءه النجوم؟.
ثم سألتهم: نحن في أي يوم من الشهر؟ فأجابوا في يوم كذا، وكلهم استحضروا الشهر الشمسي!! فردت عليهم لعلكم ترجعون البصر فتفكروا في تأريخ غير هذا، فعمي عليهم الأمر، وقلت لهم: عجبا من أمركم، تحرصون (1/232)
صفحة 229
المحور العاشر فيما يتعلق بالتقاليد
مع
233
على المحافظة على قسمة مياهكم بحسب ظل المحاضرة وطلوع النجوم وغروبها، ما يعتريها من اللبس في وقت الغيم، ومع أن الذي يتولى السقي قوم وافدون لا دراية لهم بنظام المحاضرة، وظلها أو طلوع النجوم وغروبها، وقد وجدتم البديل عن ذلك وهي الساعة التي تضبط قسمة مياهكم بالدقائق والثواني، مع أنكم نسيتم التأريخ الذي ولدتم ونشأتم عليه، وقد عقدت عليه عباداتكم جميعا من صوم وزكاة وحج ونيطت به أحكام دينكم من عدد نسائكم ومدة التربص في الإيلاء والظهار، ولكنكم تحرصون على اتباع
التقاليد الغابرة في قسمة المياه، فأي الأمرين أحق بالمحافظة عليه؟!.
ونسيتم مع هذا الحدث التأريخي العظيم الذي مرَّ بأسلافكم، وهو هجرة نبيكم التي كانت منشأ هذا التأريخ وبدايته وكان بها ميلاد أمتكم وظهور دعوتكم واجتماع شمل أسلافكم، فيا للعجب من هذه العقول!!.
وقد وصل الأمر بكثير من الناس أنهم - بسبب جهلهم السنة الهجرية - أخذوا يحسبون ميقات زكواتهم بالسنة الميلادية، وفي ذلك إضاعة لحق الزكاة بما بين التأريخين من التفاوت، فبمرور أربعة وثلاثين سنة تضيع سنة كاملة من السنين الزكوية، والله الأمر.
وقد وَجَدْتُ دولة مترامية الأرجاء - كان لها تأريخ في الإسلام وقيادة أمته تحتفل بنزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم بالتأريخ الميلادي! وهكذا عندما ينتكس الفكر وتعمى السبيل ويضيع الدليل تبقى الأمم تدور في حلقة مفرغة من الجهل لا تعرف كيف الخروج منها.
هذا؛ ومن تدبر القرآن الكريم انكشف له أن الاعتماد على المواقيت الزمنية بحسب الأهلة ليس خاصا بهذه الأمة وحدها، بل هو كان مشروعا في عهود النبوات السابقة، فقد ذكر الله أن هذا الميقات منذ خلق السموات والأرض، ومن رجع إلى ما تبقى من كتب الرسالات السابقة وجد ما يعزز (1/233)
صفحة 230
234
نداء الحق
ذلك رغم ما لحقها من التحريف والتبديل، ولم يختلف المفسرون من هذه الأمة أن المواقيت التي درج عليها الأنبياء من قبل كانت تدور بدوران الأشهر القمرية، فقد كانت السنون في عهد نوح قمرية)، وقد وعد الله تعالى أربعين يوما، وهي موقوتة بالشهور القمرية.
موسي
قال الطبري: حدثني به المثنى بن إبراهيم قال حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قوله: (وإذ واعدنا موسى أربعين ذا القعدة وعشرا من ذي الحجة» (3)، وقال الزمخشري: وضرب
ليلة)، قال: يعني له ميقاتا ذا القعدة وعشر ذي الحجة» (3).
وقال القرطبي: «والأربعون في قول أكثر المفسرين ذو القعدة وعشرة من ذي الحجة» (4)، وقال السمرقندي: كانت ثلاثين ليلة منها من ذي القعدة وعشراً
6
(4)
من ذي الحجة. وقال بعضهم: ثلاثين كانت من ذي الحجة وعشراً من المحرم وكانت مناجاته يوم عاشوراء» (9)، وقال الرازي: «وهو الثلاثون من ذي القعدة والعشر الأول من ذي الحجة» (6)، وقال صاحب المنار: «يعني ذا القعدة وعشرا من ذي الحجة» (7)، وقال البقاعي: «وهي ذو القعدة وعشر من ذي الحجة وقيل ذو الحجة وعشر من المحرم).
6
(^)
ويؤكد ذلك ما ثبت عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وجدهم يصومون يوما يعني عاشوراء، فقالوا: هذا يوم عظيم وهو يوم نجى الله
(1) انظر: مجلة المنار، 176/ 15.
(2) الطبري: جامع البيان، (62/ 2)، وينظر: ابن أبي حاتم: تفسير القرآن العظيم، 107/ 1.
(3) الزمخشري: الكشاف، 139/ 1.
(4) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 395/ 1.
(5) السمرقندي: بحر العلوم، 52/ 1.
(6) الرازي: مفاتيح الغيب، 511/ 3.
(7) محمد رشيد: رضا تفسير المنار، 105/ 9. (8) البقاعي: نظم الدرر، 362/ 1. (1/234)
صفحة 231
235
المحور العاشر فيما يتعلق بالتقاليد
فيه موسى وأغرق آل فرعون فصام موسى شكرا الله، فقال: «أنا أولى بموسى
منهم.
فصامه وأمر بصيامه» (1).
وجاء في حديث أبي موسى الأشعري دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وإذا أناس من اليهود يعظمون عاشوراء ويصومونه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن أحق بصومه، فأمر بصومه» (2).
وهو دليل على أنهم كانوا ملتزمين التوقيت بالشهور القمرية، ويؤكد ذلك ما يذكر أنه كانت غرات الأشهر قبل القرن الرابع للميلاد تقرر حسب رؤية الهلال» (3)، وذلك يعني أن بلاد الشرق كانت ملتزمة توقيت بدايات الشهور برؤية الهلال، وهكذا كانت دياناتها، وإنما طرأ التوقيت بالشهور الشمسية في أمم الشرق عندما وقعت تحت نير السلطة الغربية الرومانية، فالأشهر الشمسية هي أشهر رومية، وقد سميت عندهم بأسماء ملوكهم، وجاء الإسلام والعرب وغيرهم في الجزيرة العربية يوقتون بالأشهر القمرية، وبنى القرآن الكريم تشريعه الحكيم على هذا، فوقت بها جميع الأحكام الموقوتة، وأخبر أن ذلك هو حكم الله في كتابه منذ خلق السموات والأرض، وشرع حرمة أربعة أشهر من بين هذه الشهور. وعندما احتاجت الأمة إلى التوقيت السنوي عندما التبست الأحداث عندهم واضطروا إلى التأريخ من أجل ضبطها أجمعوا على أن يكون مبدأ تأريخهم هجرة الرسول الله، لما ترتب على هذا الحدث العظيم من ميلاد الأمة وظهور دعوتها وتبوئها مكان القيادة لإخراج العالم من الظلمات إلى
(1) أخرجه البخاري (153/ 4 رقم: 3397)، وابن حبان (389/ 8، رقم 3625). (2) أخرجه البخاري (70/ 5 رقم: 3942).
(3) ينظر: الموسوعة العربية العالمية، حرف العين / كلمة (العام)، والموسوعة الحرة ويكبيديا:
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D 8%AA%D 9%82%D 9%88%D 9%8 A%D 9%85_%D 8%B 9%
D 8%A 8%D 8%B 1%D 9%8 A. (1/235)
صفحة 232
236
نداء الحق
النور، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الجهل إلى العلم، ومن التفرق إلى الاجتماع، وكان ذلك في عهد عمر بن الخطاب له، وأجمع على ذلك المسلمين، وعلى رأسهم المهاجرون والأنصار، الذين هم حجة الله في
جميع
أرضه،
المعلوم
أنه وقادة عباده إلى الرشد، ورادتهم في جميع مسالك الخير، مع من أن التأريخ الميلادي الذي حل في عقول الأمة اليوم وثقافتها محل التأريخ الهجري كان موجودا يومئذ ولم يكن يخفى على المسلمين، لأن منهم من كان من قبل على النصرانية أو كان على صلة بدولة الروم، ومع ذلك أعرضوا عنه وأجمعوا على التأريخ الجديد، لأنه رمز عزتهم وبه تتجدد ذكرى نهضتهم التي قادها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتشلتهم من الضياع وجمعتهم بعد التفرق ووحدتهم
6
بعدما مزقتهم الفتن في الجاهلية، وبهذه الذكرى يستشعرون نعمة الله عليهم التي ذكرهم بها في قوله: { ... وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءَ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} آل عمران: 103، وقوله: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَتَاوَنكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} الأنفال: 36.
وأي مسلم لا يعتد بهذه الذكرى، ولا تنبعث بها في نفسه نخوة الإيمان وعزة الإسلام؟! وأي ذكرى أحق منها بالاعتداد والاعتزاز والإحياء والتجديد؟! ولكن الأمراض النفسية الناشئة عما يصيب الناس من مركب
النقص تعمي النفوس عن بصيرتها وتضلها عن هداها، فبعد الإجماع القولي والعملي الذي استمرت عليه الأمة مدة تتجاوز ثلاثة عشر قرنا رزئت بهذا الانتكاس، فتخلت عن معقد عزها ومبعث مجدها، وانجرت وراء الآخرين ظانة أنها بذلك تسد ثلمتها وتجبر كسرها حتى أصبح التأريخ الهجري عندها رمز الرجعية والتخلف، واستمرت الأمة في هذا الانحدار إلى غاية لا يعلمها إلا الله، وهي غير لاوية على غير لاوية على شيء من أصوات المخلصين من أبنائها، الذين (1/236)
صفحة 233
المحور العاشر فيما يتعلق بالتقاليد
237
تعالت صيحاتهم ولا تزال من أجل ثنيها عن التخبط في هذا الطريق المعوج، وإخراجها من هذا النفق المظلم، فكم من نذير من أولي البصيرة أرسل كلماته هادرة مشعشعة لتوقظ برنينها النائمين، ولتبصر بسناها التائهين، ولكنها ضاعت
كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءَ وَنِدَاء} البقرة: 171، ذلك لأن صوت الباطل استهواهم فأصمهم عن نداء الحق واستهواهم بزخرفه الذي أخذ بمجامع ألبابهم فأعمى أبصارهم عن جمال الهدى فآثروا التبعية على الاستقلال والذل على العز والضعة على الرفعة.
ولا تزال تلك الأصوات التي انطلقت من حناجر المخلصين، وسال بها حبر ذوي البصائر، يتردد صداها وإن كانت خافتة، الله أن يهيء لها من وعسى يدعمها بقوة السلطان حتى تخرج من الخفوت إلى الظهور، ويهيء لها أسماعا مرهفة لتتلقفها وتنقلها إلى قلوب واعية فتتحول من التنظير إلى التطبيق، ولأجل التذكير بهذه الأصوات أذكر بعضا منها:
1 - قال العلامة الداعية المصلح ابن باديس
«عجبت لمن يسعون في أن نهجر التاريخ الهجري ويفاتحوننا في ذلك كأنهم لا يعلمون أنا نعلم ما يرمون إليه عن بعد.
لكل أمة شعار إذا تركته طمع فيها واستضعف جانبها وربما صارت بعد مدمجة في غيرها. وقد سعى أناس منذ عهد بعيد في أن يضعفوا ما يقوي أمر الإسلام عموماً والعرب خصوصاً فنجحوا بعض النجاح، فطمعوا في أن يقضوا عليه فلم يجدوا أقرب إلى ذلك من إضعاف أمر اللغة العربية والسعي في تبديل خطها والتزهيد في الكتب التي كتبت به جعلوا ذلك دأبهم وديدنهم حتى أثروا في كثير من أبناء جلدتنا الذين يظنون أنهم على غاية من الذكاء والوقوف على أسرار الأمم فكان ما كان مما هو معروف ثم زاد الأمر فطمعوا في تبديل التاريخ الهجري وساعدهم على ذلك جبت مصر ففرحوا فرحاً (1/237)
صفحة 234
238
نداء الحق
لا مزيد عليه. وقال بعضهم الآن شفينا الغليل من هذه الأمة غير أن كثيرا ممن انتبه لهذا الأمر سعى في إعادته على قدر الإمكان فامتعض أولئك القوم وصاروا يلمزون كل من يسعى في ذلك. وهذه المسألة نظرا لتعلقها بتاريخ تأخر الشرق لا يتيسر أن يكتب فيها أقل من تاريخ نحو ثلاثين صفحة نحو ثلاثين يوما. وليت شعري كيف يلام المسلم على أن يؤرخ كتابه بالتاريخ الهجري فهل انقرض التاريخ الهجري وهل يريدون أن ينقرض وأصحابه أحياء؟ فإن قالوا: إن المقصود توحيد التاريخ في الأمم وأوربا هي القوية الآن، قيل: أن أوروبا لها تاريخان أحدهما شرقي والآخر غربي وكل يؤرخ به قوم منهم فهل أوقف ذلك التجارة أو أثر في المدنية شيئا. ولم لا يكلفون تغيير مكاييلهم وموازينهم وأذرعهم لتتحد المقاييس في الأمم. وتغيير ذلك ليس فيه غضاضة بخلاف التاريخ وقد رأيتهم يعتذرون عنهم ويعدون ذلك متانة في الأخلاق فانظر ما وصلنا إليه .. » (1)
2 ـ قال الإمام محمد الخضر حسين شيخ الأزهر الأسبق:
ومما يثير الأسف البالغ: أن يقتصر المسلم في رسائله، أو عند ذكر الحوادث على ما يؤرخ به المسيحيون، وهو التاريخ القائم على ميلاد المسيح وقد فشت هذه المحاكاة حتى أصابت أقلاماً شأنها أن تنهى عن مثل هذا التشبيه. وفي الاعتماد على التاريخ الهجري محافظة على ذكرى مبدأ علو الإسلام وظهوره على الدين كله» (2).
- قال العلامة محمود شاكر
«إذا تابعنا أصحاب الفتنة على ما يفتنوننا به من زخرف القول في الاقتصار على التاريخ الميلادي في تاريخنا لاختلط على شبابنا التاريخ، وما ظنك بألف
(1) ينظر عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي: آثار ابن باديس، 188/ 4. (2) ينظر علي الرضا الحسيني: موسوع عة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين،
249/ 5، (1/238)
صفحة 235
المحور العاشر: فيما يتعلق بالتقاليد
239
وثلاثمائة سنة كتبت كل كتب التاريخ العربي فيها بالتاريخ الهجري، أيسهل أن نقلب التاريخ الهجري في الكتب العربية إلى تاريخ ميلادي؟ على شبابنا أن يعود سمعه وبصره وذاكرته على التاريخ العربي ولا يضعه بمنزلة أدنى مما تنزل الذكر الجميلة من قلبه، وعلى شبابنا أن يحترم رمزًا للمجد العربي يكاد يكون هو الباقي في حياتنا من الحياة العربية»).
4 ـ قال الشيخ محمد بن جميل زينو:
اعتاد كثير من المسلمين حتى في البلاد العربية أن يكتبوا التاريخ بالميلادي بدلاً من التاريخ الهجري في السنة والأشهر، وهذا خطأ كبير، فإن الكفرة والنصارى يؤرخون بميلاد عيسى، ثم تبعهم المسلمون، وتركوا تاريخ هجرة نبيهم محمد ال التي ترمز لعزهم ونصرهم، فعلى المسلمين أن يؤرخوا بالهجري وإذا احتاجوا إلى الميلادي، فليجعلوه بعد «الهجري)
ه ـ قال الشيخ الداعية المفكر الإسلامي سلمان بن فهد بن عبد الله العودة محذرا أهل بلده أن يقعوا فيما وقع فيه الآخرون من التخلي عن التأريخ الهجري: قد بدأ الماء الآسن يتسرب إلى المنبع الصافي، فبدأنا نجد من يحاول أن يفرض التاريخ الميلادي، وإذا كان من الصعب على المسلمين في هذه البلاد أن يتقبلوا التاريخ الميلادي هكذا مكشوفاً عارياً، فإننا قد وجدنا من يحاول أن يبدأ عن طريق ما يسمى بالتاريخ الهجري الشمسي؛ وذلك لأن من ميزة التاريخ الهجري الشمسي أنه يوافق التاريخ الميلادي، بمعنى: أنه منضبط معه، فإذا وضع ـ مثلاً ـ بداية معينة كبداية الدراسة، وحددت بتاريخ معين على مدار السنين، فهي لا تختلف في التاريخ الميلادي ولا تختلف في التاريخ الهجري الشمسي؛ لكنها في التاريخ الهجري القمري تختلف من سنة لأخرى.
(1) ينظر عادل سليمان جمال جمهرة مقالات محمود شاكر، 661/ 2. (2) محمد جميل زينو مجموعة رسائل التوجيهات الإسلامية لإصلاح الفرد والمجتمع، 203/ 2. (1/239)
صفحة 236
240
نداء الحق
ولذلك كان هذا الاتفاق والتواطؤ بين التاريخ الهجري الشمسي والتاريخ الميلادي، ذريعة عند بعض الضعفاء لجلب التاريخ الميلادي إلى هذه البلاد، ومحاولة نشره وترويجه بين المسلمين والذي لا أشك فيه: أنه يحرم على المسلمين أن يوقتوا بالتاريخ الميلادي استقلالاً، بحيث يعتبرونه دون غيره، ويلغون التاريخ الهجري ولا يعتمدونه ولا يعتبرونه، وذلك لأسباب: أولاً: لأنه خلاف الإجماع كما أسلفت، وهو إجماع رائع ربما يكون من أقوى الإجماعات، فإن العلماء الآن يقول الواحد منهم: أجمع العلماء على كذا، ويذكر لك مسألة قد يكون فيها خلاف يسير، وليس هناك دليل قاطع على الإجماع، لكن في موضوع التاريخ الهجري نتحدى أي إنسان أن يذكر لنا منذ عهد عمر - من يوم اتفق الصحابة على ذلك - إلى عصر الناس هذا خلافاً للمسلمين في اعتبار هذا التاريخ واعتماده والعمل به، ولا يوجد من ذلك شيء إلا بعض التساهل الذي ينتشر عند بعض المسلمين بسبب مجاورتهم لليهود أو للنصارى أو للفرس أو لغيرهم، أما أن يكون تاريخاً معتمداً لدى الأمة الإسلامية، فلا، وقد أجمع الصحابة على ذلك فمخالفة إجماعهم لا تجوز.
ثانياً: أن نقل الأمة من التاريخ الهجري القمري، إلى التاريخ الهجري الشمسي أو الميلادي، فيه عزل للأمة عن تاريخها، وعن كتبها، فإذا نسي الناس التاريخ الهجري القمري واعتمدوا التاريخ الشمسي أو التاريخ الميلادي فكيف سيقرءون كتبهم؟ ومعنى ذلك أن الإنسان يحتاج إلى مترجم إذا قرأ كتاب البداية والنهاية لـ ابن كثير أو الكامل لـ ابن الأثير أو تاريخ الطبري أو غيره، ويحتاج أيضاً إذا قرأ كتاباً من كتب الرجال والتراجم وكتب الحديث إلى مترجم يذكر له هذه السنة وما يقابلها، وهذا فيه عزل للأمة عن ماضيها وعن تاريخها وحيلولة بين الشباب وبين تراثهم وثقافتهم، فهو مثل من يريد أن اللغة العامية لتكون بديلاً عن اللغة العربية، ويريد أن يجعل في الناس
يشيع (1/240)
صفحة 237
المحور العاشر فيما يتعلق بالتقاليد
241
عجمة وجهالة فلا يستطيعون أن يقرءوا كتبهم، ولا يفهموا ما قال علماؤهم، ولا يفهموا كتاب ربهم ولا سنة نبيهم. .
ثالثاً: أن هذا فيه تشبه بالأمم الكافرة من الرومان الوثنيين المتلبسين
بالنصرانية، والفرس واليهود وغيرهم، وقد قال الله: «من تشبه بقوم فهو
الأم
والسلامة
منهم) ولا شك أن التواريخ يرتبط بها أعياد ومناسبات، ويرتبط بها حوادث وعزل وولاية وأشياء كثيرة جداً، فالتواريخ من أعظم الشعارات التي تفاخر بها وتتعرف بها، ويلتقي بها الحاضر بالغابر. فالتشبه بهم في التاريخ من أعظم ألوان التشبه وأخطره، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم».
مم
رابعاً: أن التاريخ الهجري القمري هو الذي رُتبت عليه المواقيت الشرعية؛ من دخول الأهلة كدخول رمضان وخروجه، وعشر ذي الحجة، ويوم عاشوراء وغيرها من المناسبات فإنها مبنية على أساس رؤية الهلال وعلى أساس التاريخ الهجري القمري لا غيره.
فلذلك لا يجوز بحالٍ من الأحوال استبداله بغيره، ونقول لمن يريد عنه بديلاً أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرُ) البقرة: (6) (2). {6 ـ وقال أيضاً:
«نعم اتفق المسلمون على التاريخ اعتباراً من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بعد جدال بينهم، وكان إجماع الرأي عليه طيلة عصور التاريخ، فما عرف المسلمون إلا
(1) من طريق ابن عمر: أخرجه أبو داود (44/ 4، رقم 4031). وأخرجه أيضا: ابن أبي شيبة (212/ 4، رقم 19401)، والبيهقي في شعب الإيمان (75/ 2، رقم 1199). ومن طريق حذيفة: أخرجه: البزار (368/ 7، رقم 2966)، والطبراني في الأوسط (179/ 8، رقم 8327). (2) سلمان بن فهد بن عبد الله العودة: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية، الدرس
الرابع ص 4. (1/241)
صفحة 238
242
نداء الحق
التاريخ الهجري، الذي يبدأ من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وقد هاجر ا في اليوم الأول من ربيع الأول، ووصل المدينة في اليوم الثاني عشر كما هو معروف عند جمهور أهل السير، ولكن المسلمين بدءوا العام من شهر المحرم لأنه أول السنة.
واليوم نجد أن هناك محاولات كثيرة لتقويض هذا الاتفاق والإجماع، وتحويل المسلمين في معظم بلادهم إلى التاريخ الميلادي، حتى أصبح بعضهم لا يعرفون الشهور الهجرية القمرية، ولا يعرفون التاريخ الهجري، وهذا خطر عظيم، لأنه يفصل المسلمين عن تاريخهم وأحداثهم، ويحول بينهم وبين معرفة الأحكام الشرعية المبنية على هذا التاريخ الإسلامي
العريق.
إنه تاريخ له جذوره، يربط المسلمين بحدث عظيم مهم، واستبداله بذلك التاريخ الميلادي هو اتباع لآثار أهل الكتاب من النصارى، مع أنه من المستحيل أن يستطيعوا أن يثبتوا ذلك التاريخ الميلادي، ونحن نعلم أن النصارى يحتفلون بميلادهم، ويقيمون له الأعياد في كل مكان، واعتماد المسلمين لهذا التاريخ قد يقتضي أن يدخلوا جحر الضب وراء النصارى، ويحتفلوا بعيد الميلاد كما احتفل أولئك، ويتقمصوا آثارهم.
ولا شك أن هذه القضية قد تبدو في نظر البعض قضية شكلية أو مظهرية، ولكن هذه الأشياء المظهرية تؤثر حتى في القلب، فالملابس التي يلبسها الإنسان والزي الذي يعتمده، والشكل الذي يكون عليه، واللغة التي يتكلمها، لا شك تؤثر في عقله، ووجدانه، وضميره، وهذه قضية معروفة نفسياً، واجتماعياً والحمد لله رب العالمين).
(1) سلمان بن فهد بن عبد الله العودة: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية، الدرس
الثالث والستون ص 22. (1/242)
صفحة 239
المحور العاشر: فيما يتعلق بالتقاليد
243
- قال الشيخ العلامة صالح بن حميد:
«إن العزة والكرامة من أبرز الخلال التي نادى بها الإسلام، وغرسها في نفوس أفراده، وتعهد نماءها بأحكامه وشرائعه وآدابه، ومما ينبغي أن يذكر في ذكرى الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ضرورة التزام التاريخ الهجري، وأنه لا ينبغي لأمة الإسلام أن تتخذ تواريخ أعدائها من اليهود والنصارى تاريخاً لها، وتدع ما سنه لها الخلفاء الراشدون»).
الأمم،
هذا؛ وقد أوضح الإمام ابن عاشور في تفسيره لآية التوبة عن الشهور، أن الشهور القمرية هي التي كانت المعول عليها عند العرب وغيرهم من وهي أقدم توقيت على الأرض وأيسره، لأنها تبدأ وفق نظام الطبيعة بحالة تظهر للجميع، لا تخفى على بدوي ولا، حضري ولا امرأة ولا رجل، ولا جاهل ولا عالم، وهاك نص قوله في ذلك:
والمراد بالشهور الشهور القمرية بقرينة المقام، لأنها المعروفة عند العرب وعند أغلب الأمم، وهي أقدم أشهر التوقيت في البشر وأضبطها لأن اختلاف أحوال القمر مساعد على اتخاذ تلك الأحوال مواقيت للمواعيد والآجال، وتاريخ الحوادث الماضية، بمجرد المشاهدة، فإن القمر كرة تابعة لنظام الأرض. قال تعالى: {لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَ (يونس 5، ولأن الاستناد إلى الأحوال السماوية أضبط وأبعد الخطأ، لأنها لا تتناولها أيدي الناس بالتغيير والتبديل، وما حدثت الأشهر الشمسية وسنتها إلا بعد ظهور علم الفلك والميقات، فانتفع الناس بنظام سير الشمس في ضبط الفصول الأربعة، وجعلوها حسابا لتوقيت الأعمال التي لا يصلح لها إلا بعض الفصول، مثل الحرث والحصاد وأحوال الماشية، وقد كان الحساب الشمسي معروفا عند القبط والكلدانيين، وجاءت
عن
(1) صالح بن عبد الله بن حميد: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية، الدرس
العشرون ص 1. (1/243)
صفحة 240
244
نداء الحق
التوراة بتعيين الأوقات القمرية للأشهر، وتعيين الشمسية للأعياد، ومعلوم أن الأعياد في الدرجة الثانية من أحوال البشر لأنها راجعة إلى التحسين، فأما ضبط الأشهر فيرجع إلى الحاجي. فألهم الله البشر، فيما ألهمهم من تأسيس أصول حضارتهم، أن اتخذوا نظاما لتوقيت أعمالهم المحتاجة للتوقيت، وأن جعلوه مستندا إلى مشاهدات بينة واضحة لسائر الناس لا تنحجب عنهم إلا قليلا في قليل، ثم لا تلبث أن تلوح لهم واضحة باهرة، وألهمهم أن اهتدوا إلى ظواهر مما خلق الله له نظاما مطردا. وذلك كواكب السماء ومنازلها، كما قال في بيان حكمة ذلك: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ (يونس: ه، وأن جعلوا توقيتهم اليومي مستندا إلى ظهور نور الشمس ومغيبه عنهم، لأنهم وجدوه على نظام لا يتغير، ولاشتراك الناس في مشاهدة ذلك، وبذلك تنظم اليوم والليلة، وجعلوا توقيتهم الشهري بابتداء ظهور أول أجزاء القمر وهو المسمى هلالا إلى انتهاء محاقه فإذا عاد إلى مثل الظهور الأول فذلك ابتداء شهر آخر، وجعلوا مراتب أعداد أجزاء المدة المسماة بالشهر مرتبة بتزايد ضوء النصف المضيء من القمر كل ليلة، وبإعانة منازل ظهور القمر كل ليلة حذو شكل من النجوم سموه بالمنازل. وقد وجدوا ذلك على نظام «مطرد اهـ. هذا؛ وقد يجادل مجادل ويتشبث بأن التأريخ البديل يرتبط أيضا بمناسبة دينية، وهي ميلاد المسيح، وهو من أنبياء الله الذين صنعوا على عينه، وقد عظمه الله وخلد ذكره بما أنزله في شأنه بكتابه.
والجواب عن هذا من وجهين
(1)
أولهما: أن رسالة النبي وإن كانت مصدقة لما تقدمها من الرسالات،
ومُمَهَّدَةً بما تقدمها من النبوات، إلا أنها.
هي
التي يجب الأخذ بها والتعويل
(1) الطاهر بن عاشور التحرير والتنوير، 180/ 10 - 181. (1/244)
صفحة 241
المحور العاشر فيما يتعلق بالتقاليد
245
عليها، وهي وحدها مصدر التشريع لهذه الأمة إلا أن يحكى لها ما سبق تشريعه للأمم السابقة في القرآن أو في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل التقرير، أهل
وقد سبق أن عمر بن الخطاب الله أتى النبي بكتاب أصابه من بعض الكتب، فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم فغضب وقال: «أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا، ما وسعه إلا أن يتبعني» (1)، فما كان لأحد أن يعدل عما أجمعت عليه أمة النبي صلى الله عليه وسلم من التعويل على ميقات هجرته في بداية تأريخها. ثانيهما: أن ارتباط التأريخ المنسوب إلى الميلاد بميلاد عيسى عليه من دليل يمكن أن يعول عليه، وقد دلت الشواهد على أن ذلك لا يصح، الآن وقبل بضع سنين من خطأ بابا الفاتيكان أنهم وقعوا في صرح في تاريخ ميلاد المسيح، وكثير مما ذكروه في ميلاد المسيح هو الذي يذكره البوذيون في تأريخ ولادة بوذا، حتى أنهم ذكروا - أيضا ـ أنه كان ميلاده باليوم الخامس والعشرين من الشهر الشمسي الثاني عشر.
ليس
وكم فيما ذكروه في ميلاد المسيح من غموض، بل القرآن الكريم يدل على عدم دقتهم في تحديد مكان ولادته وزمانها، وذلك واضح في قوله تعالى في حكاية خطاب روح القدس لمريم: وَهُزَى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَقِط عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيّا (مريم: 25، فإنه يدل على أن ولادته كانت في بلاد ذات نخل وفي وقت الثمر، فكيف يعول على هذا التأريخ الغامض ويترك التأريخ الثابت بالنقل التواتري، الأمين الذي أجمعت عليه الأمة؟!.
وقبل أن أنتقل من الحديث في هذه القضية إلى غيرها، أرى من الضرورة أن أنبه إلى أن العلماء الأفذاذ الذين دعوا الأمة إلى الرجوع إلى تأريخهم
(1) سبق تخريجه. (1/245)
صفحة 242
246
نداء الحق
الإسلامي الهجري قد فات بعضهم ـ مع الأسف - التزام التعبير القرآني، الذي لم يسم النصارى ولا في موقف واحد بالمسيحيين، وإنما سماهم النصارى أينما ذكرهم، وهذا الذي يجب التزامه لأن ما في القرآن هو تشريع رباني لا يجوز العدول عنه، وكما أنه تشريع في التعبد والأحكام هو تشريع في التسمية والتعبير، وذلك لأنه يترتب على التسميات ما يترتب من أحكام، وتسمية النصارى بالمسيحيين تضيفهم إلى المسيح وتوهم أنهم سائرون على هديه، مع أنه تبرأ إلى الله سبحانه من كل ما نسبوه إليه من كونه ابنا الله تعالى، وأنه ارتقى إلى مرتبة الألوهية، ناهيك من ذلك قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُتِيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقِّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ، تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَمُ الْغُيُوبِ: مَا قُلْتُ هَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبِّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) المائدة: 116 - 17، وقال الله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَبَنِي إِسْرَاءِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) المائدة: 72.
والخلاصة؛ أن عودة المسلمين إلى الأشهر القمرية والتأريخ الهجري عودة إلى ما لا بد منه من أمر دينهم، وهو معقد عزهم وكرامتهم، ورمز استقلالهم وعنوان حريتهم وشرفهم، وقد أدركت ما يترتب على نسيانهم التأريخ الهجري
والتوقيت القمري من فساد لما أنساهم ذلك من أمر دينهم، والله المستعان.
إسقاط كلمة (ابن) أو (بنت) في سلسلة النسب بين ولد ووالد مخالفة صريحة للأديان، ومعضلة في تحديد سلسلة النسب:
من أسوأ ما رزئت به الأمة من التقليد الأعمى تركهم لكلمة (ابن) أو (بنت) عندما تذكر سلسلة النسب، متناسين في ذلك أن التعبير التشريعي في (1/246)
صفحة 243
المحور العاشر فيما يتعلق بالتقاليد
247
القرآن حافظ على كلمة (ابن) أو (بنت) كما في قوله تعالى: {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ
1191
مريمَ الْبَيِّنَتِ} (البقرة: 87، وقوله: {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدَنَهُ بِرُوحِ القدس) البقرة: 253، وقوله: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَبِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أَسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} آل عمران: 45، وقوله: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ (النساء: 157، وقوله: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ} النساء: 171، وقوله: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) المائدة: 112، وقوله: {قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنزِلَ عَلَيْنَا مَآبِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ المائدة: 114، وقوله: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ أَتَّخِذُونِي وَأُتِيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ (المائدة: 116، وقوله: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ} مريم: 34، وقوله: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَنبَنِي إِسْرَاءِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَيةِ (الصف: 6، والآيات في ذلك كثيرة، وكذلك قوله تعالى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَنَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرَجَهَا (التحريم: 12، والأحاديث عن مليئة بهذا، وقد مضى على هذا نبينا الله، كما مضى عليه جميع
النبي
67
1121
6
الأنبياء وأتباعهم من قبل، وأجمع عليه المهاجرون والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان أمة بعد أمة، واستمر عليه العلماء قاطبة من جميع المذاهب الإسلامية من غير خلاف بينهم، وهو المنصوص عليه في التوراة والإنجيل، وما بأيدي أهل الكتاب اليوم من العهد القديم والعهد الجديد شاهد على ذلك ما أصاب هذين العهدين من التحريف والتبديل.
مع
ولكن عندما رزئت الأمة بالغزو الفكري والسياسي والثقافي والعسكري تخلت عن هذا حتى كبار العلماء، وفي هذا من المحاذير ما ليس بعده، فبجانب ـ ما فيه من التقليد الأعمى لغير المسلمين، والتخلي عن كتاب الله تعالى، وهدي جميع النبيين وأتباعهم في جميع الأمم قبل أن يستحكم هذا الغزو، ويستولي على فكر الأمة وثقافتها - هو مدعاة للخطأ واللبس، إذ لا يمكن أن يفرق في هذه الحالة بين الاسم واللقب، ولا بين الذكر والأنثى، (1/247)
صفحة 244
248
نداء الحق
لأن كثيرا من الأسماء يشترك فيها الذكور والإناث، فإن أسقطت لفظة (ابن) و (ابنة) لم يبق سبيل إلى التمييز بينهما، وقد تكون أسماء مركبة فلا يفرق بين المركب وما ينسب إلى الوالد، وكذلك وجد في الأمة من يقلد الآخرين في نسب المرأة إلى زوجها دون والدها، فإذا أسقطت كلمة (ابنة) التبس الأمر الاسم الذي أضيف إليه اسمها هل هو اسم والدها أو اسم زوجها؟.
الاسم
هذا اللبس تعمى الأمور وينتشر الجهل بالأنساب، ولذلك قال أحد ومع مشايخ العلم المصريين عاش بيننا في سلطنة عُمان: «لما سحبت منا كلمة (ابن) عميت الحقائق وتقطعت الأنساب وانحلت الوشائج بين الأسر»، وهي مصيبة عظمى لم ينتبه الناس لها في نشوة الإعجاب بما عند الآخرين. ومن العجب ما نجده في مجتمعنا العُماني من انسياق الرجال والنساء وراء هذا التقليد، مع أنه فرض عليهم رسميا أن يلتزموا بكلمة (ابن) و (ابنة) في ذكر عمود النسب، وأثبت ذلك في جوازاتهم وبطاقاتهم الشخصية، ولكن الهزيمة النفسية والرغبة في ارتسام خطوات الآخرين حال بين الناس وبين اتباع ما في القرآن والسنة، واتباع النظام الرسمي وهذا انجرار من المغلوب وراء الغالب، سواء كان بشعور أو بعدمه.
روح
وقد شرحت هذا في كتابي صيحة إنذار وصرخة استنفار الذي دعوت فيه إلى الاستمساك بلغة القرآن وتنقيتها من كل الأخطاء التي زحفت عليها من كل جانب، وأخذت تتنقص منها في كل لحظة باستمرار حتى عادت تشكو الغربة في دارها وبين أهلها.
الإسلام يدعو إلى استقلال الشخصية الإسلامية في المظهر والمخبر وفى الشعار والواقع
وبالجملة؛ فإن الإسلام يأمر المسلم بأن يكون عزيز النفس راسخ القدم ثابت الموقف، لا يتزعزع لأي داع ولا يتضعضع لأي نائبة، متميزا بمظهره (1/248)
صفحة 245
المحور العاشر: فيما يتعلق بالتقاليد
249
ومخبره وفي سره وجهر، وفي جميع حركاته وسكناته، وهو عكس ما جرى عليه المسلمون اليوم من التجرد من المظاهر الإسلامية والتلبس بمظاهر الآخرين في البدن واللباس، وكذلك في الأكل والشرب وجميع الأحوال. وليست هذه التبعية العمياء للغير إلا دليل الموالاة لهم، فإن الإنسان يسرع في تقليد من يحب واتباع من يعظم، وقد علمت ما في نفس الآيات التي سبقت أن هذه الموالاة لا تنشأ إلا عن مرض نفساني وأنها سبيل إلى الردة والعياذ بالله.
موالاة الأمة لأعدائها جعلها تقطع أوصالها وتضحي بأقرب الناس إليها
إرضاء العدوها:
ما أعظم مصيبة الأمة التي نشأت من موالاة أعدائها، فإنها لم تكتف باسلاس قيادها لهم وترسم خطواتهم والتخلي لهم عن ثرواتهم، بل جاوزت ذلك إلى الإجهاز على نفسها وتقديم أبناء ملتها قرابين لهم، فكم سفك من دماء وأزهق من أرواح وانتهك من حرمات وأضيع من حقوق في سبيل التقرب إليهم وإرضائهم، كأن الواقعين في ذلك لم يعرفوا للنفس الإنسانية حرمة، ولم يراعوا لحياتها حقا، ولم يطرق مسامعهم قول الله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ... المائدة: 32، ولم يعرفوا للنفس المسلمة من حقوق مضاعفة فوق ذلك، وما أتى من الوعيد الشديد في إزهاقها بغير حق، فلم يلتفتوا إلى قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (النساء: 93، وقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَرِهِمْ تَظْهَرُونَ (1/249)
صفحة 246
250
نداء الحق
عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} البقرة: 84 - 85، ولا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره)، أو قوله: «لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» (3)، وأعجب ما في الأمر أن تقف شريحة كبرى من الأمة بجانب العدو المغتصب، وتسعى إلى ترسيخ أقدامه في الأرض التي اغتصبها، وتناوئ من يطالب برد حقه المغصوب ويسعى إلى تحرير المقدسات المحتلة، والله الأمر.
وليت شعري هل يجدي هؤلاء ما يقربونه إلى عدوهم من القرابين وما يبذلونه لهم مما جعله الله تعالى تحت أيديهم من المال شيئا، أو أن الدائرة في النهاية ستدور عليهم كما دارت على من قبلهم، وأنهم سيقولون يوما ما كما قيل من قبل: أكلت حين أكل الثور الأبيض» (3)؟ ليت القوم
يفيقون قبل ذلك.
(1) سبق تخريجه.
(2)
من حديث أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جده: أخرجه الطيالسي (ص 92، رقم 664)، وابن أبي شيبة (455/ 7، رقم 37176)، وأحمد (363/ 4، رقم 19237)، والبخاري (56/ 1، رقم (121)، ومسلم (81/ 1 رقم (65)، والنسائي (127/ 7، رقم (131)، وابن ماجه (1300/ 2، رقم 3942)، والدارمي (95/ 2، رقم 1921)، وابن حبان (268/ 13، رقم 5940)، ومن حديث ابن عمر: ر: أخرجه ابن أبي شيبة (455/ 7، رقم 37174)، وأحمد (85/ 2، رقم 5578)، والبخاري (2518/ 6، رقم 6474)، وأبو داود (221/ 4، رقم 4686)، والنسائي (126/ 7، رقم 4125)، وابن ماجه (1300/ 2، رقم 3943)، ومن حديث أبي بكرة: أخرجه البخاري (2593/ 6، رقم 6667)، والنسائي (127/ 7، رقم 4130)، ومن حديث ابن عباس: أخرجه البخاري (619/ 2، رقم 1652)، والترمذي (486/ 4، رقم 2193) وقال: حسن صحيح، ومن حديث أبي سعيد: أخرجه الطبراني (37/ 6، رقم 5442)، ومن حديث أبي أمامة: أخرجه الطبراني (137/ 8، رقم 7619)، ومن حديث ابن مسعود: أخرجه أحمد (402/ 1، رقم 3815)، والطبراني (155/ 10، رقم 10301). (3) ينظر: ابن سلام الأمثال، ص 184، وأبو الفضل محمد أحمد النيسابوري: م
بن
: مجمع
الأمثال،
25/ 1 (1/250)
صفحة 247
المحور العاشر: فيما يتعلق بالتقاليد
251
أطاعه واتبع
الولاية المشروعة هي خاصة بالله وبرسوله والمؤمنين: هذا؛ وقد أكد الله تعالى - بعد التحذير البالغ من موالاة من كان يتربص بالأمة الدوائر - على أن المؤمن إنما يحصر ولاءه في الله تعالى ومن هداه، وهو يتولى الله ورسوله والمؤمنين عندما قال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُوا وله وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) المائدة: 55، وبين تعالى مَنْ
هؤلاء المؤمنون الذين يجب أن يمحضوا الولاية بعد الله ورسوله عندما قال: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَوَلَيْكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ) التوبة: (7، فإن كل ما ذكر في هذه الآية إنما هو من مقومات هذه الولاية وأسبابها، ناهيك أنه تعالى بدأ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل ذكر إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، لأجل أن الحفاظ عليهما وعلى سائر حرمات الله لا يتحقق إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وبعد أن أوجب الله سبحانه على المؤمن أن تكون ولايته الله ولرسوله والذين آمنوا أتبع ذلك بيان أن هذا النهج هو وحده الذي يؤدي إلى الالتحاق بحزب الله الغالب، فمن تولى الله ورسوله والذين آمنوا كان من حزب الله تعالى، ولن تكون الغلبة إلا لحزبه، وهذا متبادر من قوله سبحانه: {وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَلِبُونَ) المائدة: 56.
وليت شعري؛ ما الذي مكن للفئة المؤمنة في بداية عهدها حتى صدعت بالحق بين ضجيج الباطل، وتحدي كبريائه له إلا ما ربط على قلوبهم من حب الله تعالى ورسوله وحب المؤمنين والتضحية في سبيل ذلك بكل غال وثمين وإيثار ما عند الله على ما عند الناس، وما جعله الله تعالى فيما بينهم من التعاطف والتراحم والشفقة والحنان والألفة والمودة، حتى أن كلا منهم يؤثر أخاه على نفسه، كما وصف الله الأنصار له بقوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ (الحشر: 9، وقد أبان الله تعالى عن صفاتهم العظيمة
كان (1/251)
صفحة 248
252
نداء الحق
في قوله: {تُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَبِّهُمْ رُكَعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنَا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ في التَّوْرَيةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْكَهُ, فَتَازَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَاعَ لِيَغِيظُ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (الفتح 29، فأنت ترى أنه تعالى مع نشره محامد ذكرهم ومكارم وصفهم بدأ ذلك كله بقوله: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ الفتح: 29، لأن هذا الوصف العظيم هو أساس بنائهم الشامخ ونظام ائتلافهم ووحدة شملهم وسبب نصرتهم على عدوهم.
:
2121
بينهم ...
وأين هذا مما انحدرت إليه الأمة الآن من الاستخذاء للكفار والمسارعة في هواهم وتنفيذ رغباتهم في تقطيع أوصال الأمة وتمزيع أشلائها وتقديم ضريبة
الطاعة والانقياد لهم مع استعار الفتنة وتعمق البغضاء بين فئات الأمة؟!. لا أظن هذا السؤال أنه بحاجة إلى جواب، فنظرة إلى ما آلت إليه الأمة في عهدها الأول - عندما أخذت بحجزة أمر الله واستهدت بنوره وسلکت صراطه المستقيم - من عز ومجد وسؤدد وتمكين في الأرض، وتمكن من قيادة الإنسانية إلى الرشد والخير وإلى ما آلت إليه الأمة اليوم من ذل وهوان وتبعية وتخلف كاف في الدلالة على ما حصل في الدلالة على ما حصل في الأمة من تباين بين ماضيها المشرق وحاضرها المظلم في الوسائل والغايات، ولن يجني أحد إلا ما غرس، ولن ينتهي إلى قصد إلا ما سلك إليه سبيله.
فليت شعري؛ هل ستستيقظ أمة الإسلام يوما ما وستدرك كيف هوت إلى الحضيض من القمم السامقة، وأن ذلك إنما هو بما كسبت أيديها، ولا يعيدها إلى سالف عهدها وسابق مجدها إلا الاستمساك بما استمسك به سلفها من عروة الدين التي لا تنفصم، ووحدته التي لا تتشتت؟ عسى أن يكون ذلك قريبا، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء. (1/252)
صفحة 249
المحور الحادي عشر
فيما يتعلق بالبيان
253
منصب
إن البيان نعمة من الله أكرم بها الإنسان الذي استخلفه في الأرض وسخر له منافع الكون، فهو بحاجة إلى أن يتعلم أسماء الكائنات التي يتعامل بها، لذلك علم الله سبحانه آدم الأسماء كلها وأورث علم ذلك ذريته لأنهم يتبوأون الخلافة في الأر، رض، فهم بحاجة إلى بيان يتفاهمون به وتتم به ترجمة ما في نفس كل أحد منهم لغيره، مع أنهم - بلا ريب ـ جعلهم الله مدنيين، وجعل حياتهم حياة اجتماع فيها الأخذ والعطاء والدفع والجذب، ولولا ما من الله به عليهم من البيان لعميت عليهم السبل، وأرتجت بينهم أبواب التفاهم، وحيل بينهم وبين التعاون والتناصر والتعاضد والتكاتف، وقد امتن الله عليهم بهذه النعمة العظيمة بجانب امتنانه عليهم بتعليم القرآن وخلق الإنسان، إذ قال تعالى: {الرَّحْمَنُ * عَلَمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَنَ * عَلَمَهُ الْبَيَانَ) الرحمن: 1 - 4.
من حكمة الله تعدد ألسنة الناس وتفاوتها: وقد اقتضت حكمته سبحانه أن يتنوع الجنس البشري إلى فئات متعددة، وينقسموا إلى شعوب مختلفة، وتتعدد بذلك ألسنتهم، ويختلف تعبيرهم، فلذلك نشأت لغات متعددة بتعدد القوميات والمجتمعات البشرية، فكل فئة على لسانها وتلتقي على ما اصطلحت عليه في التعبير من المفردات والجمل، وقد امتن الله تعالى عليهم بذلك وعده من آياته في قوله عز من قائل:
تجتمع (1/253)
صفحة 250
254
نداء الحق
وَمِنْ آيَيْهِ، خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَيْكُمْ وَأَلْوَنِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَايَتِ لِلْعَلِمِينَ} الروم: 22.
حاجة الأمة الإسلامية إلى الالتقاء على اللغة العربية
جميع
إذا كانت الأمم التي توحد بينها مصالح مشتركة، وتجمع شتاتها سياسة موحدة، أو مبادئ منتظمة لهم، لا بد لها من الاجتماع على لغة تلتقي عليها، وإن كانت لهم لغات قومية ولهجات وطنية يتداولونها فيما بينهم، فإن على أمة الإسلام ـ وهي تبصر ما يحاك ضدها وتعرف ضرورة تفاهمها وتعارفها وتآلفها - أن تدرك أنها بحاجة إلى لغة تسمو فوق أقدار القوميات، وتعلو على النزعات والعصبيات، لغة تحوي أسباب هدايتها ومصادر عقيدتها وشريعتها، ووسائل أخلاقها ومزاياها لغة خوطبت بها من الجناب الأقدس من أجل إخراجها من الظلمات إلى النور، ومن الحيرة إلى البصيرة، ومن الشك إلى اليقين، ومن الفساد إلى الصلاح، ومن التشتت إلى الاجتماع، وهي وسيلتها في اتصالها بهذا الجناب العظيم في صلواتها وأذكارها ودعائها وابتهالها، فقد نالت الشرف العظيم عندما خاطبها الله تعالى بها فبصرها من العمى وأنقذها من الردى، وهداها من الضلالة، وعلمها من الجهالة، فصارت خير أمة أخرجت للناس.
إنها لغة القرآن التي اختارها الله تعالى لأن تكون وعاء له وينبوعا لهدايته ومطلعا لنوره ومعدنا لكنوزه، كما قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَهُ قُرْآنًا عَرَبِيَّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» يوسف: 2، وقال: {إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) الزخرف: 3، وقال: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيّ مُّبِينِ} (الشعراء: 192 - 195، وقال: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا) طه: 113، وقال: {وَهَذَا كِتَبُ مُصَدِّقُ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ) الأحقاف: 12 (1/254)
صفحة 251
المحور الحادي عشر: فيما يتعلق بالبيان
255
وقال: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنَا عَرَبِيًّا لِتُنذِرَ أُمَ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} الشورى: 7،
وقال: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا} (الرعد: 37، وقال: {وَلَوْ جَعَلْنَهُ قُرْآنَّا أَعْجَمِيًّا
صلے
لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ عَايَنُهُ وَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيُّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءُ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي عَاذَانِهِمْ وَقَرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّى أُوْلَبِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ} فصلت: 44.
وما كان اختيار الله تعالى هذا اللسان العربي - لأن يكون وعاء لهذا الخير العظيم، الذي ساقه إلى العالمين بإنزاله هذا الكتاب الذي ختم الله به رسالاته، وأتم به نعمته على عباده - أمرا اعتباطيا حاشا وكلا .. فإن الله سبحانه منزه عن ذلك، بل كل شيء عنده بمقدار، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ نَقدِيرًا» الفرقان: 2، {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ} القمر: 49، وإنما كان اختياره له لسابق علمه بأهليته لذلك، وقد كان ذلك بعد تهيئته عبر قرون مرت بها هذه اللغة طورتها فيها الألسن وهذبتها آدابها شعرا ونثرا فارتقت إلى أوج رفيع لم ترتق إليه أي لغة أخرى، فكانت حرية بهذا الاختيار.
غيرة العجم على اللغة العربية
بسبب
هذا
هذه اللغة خرجت
عن حدود القومية الضيقة، فلم تعد لغة
الأخطاء
العرب وحدهم، وإنما صارت لغة أمة الإسلام جميعا، يغار عليها الأعجمي أكثر مما يغار عليها العربي ويندفع إلى الدفاع عنها وتنقية ديباجتها من حتى ولو لقي في سبيل ذلك الموت الزؤام، كما كان من سيبويه حامل لواء العربية ووارث فصاحتها وآدابها الذي أبت عليه حميته لهذه اللغة إلا أن يقدم نفسه فداء لها، فيصبح شهيدا في معركة الشرف والكرامة التي يدافع فيها عن القرآن ما عسى أن يزحف عليه من الدخيل الذي يحجب نوره.
ـمي
ولو أن سيبويه تعرضت لغته التي رضعها مع لبن أمه لمثل هذا الخطر لما انبرى من أجل الدفاع عنها إلى حد التضحية بحياته، وقد أبان الأستاذ الرافعي (1/255)
صفحة 252
256
نداء الحق
إمام الأدب العربي في كتابه الفريد إعجاز القرآن والبلاغة النبوية عن تأثير هذا القرآن على جميع الشعوب عربا وعجما، واستثارته غيرتهم على لغته من أعماقها، فقال: وإن من أعجب ما يروعنا من أمر الجنسية العربية في القرآن: أنها تأبى إلا أن تحفظ على أهلها تلك الصفات العربية؛ من الأنفة والعزة والصوت والغَلَب وما يكون من هذا الباعث الاجتماعي الذي لا يزال يفتح للشعوب عن مقاصير الأرض.
كما أنها تستبقي طاعة المغلوبين الذين أعطوا للفاتحين عن أيديهم، وانطرحوا في غمرهم وكانوا أهل ذمتهم لانتحالهم العربية طوعاً أو كرهاً، ثم بقائها في ألسنتهم على نسبة بينة من الفصيح مهما ركت ومهما رذلت؛ ولولا القرآن وأنه على وجه واحد وهيئة ثابتة ما بقيت العرب، ولا تبينت النسبة بين فروعها العامية، بل لذهب كل فرع بما أحدث من الألفاظ، وما استجد من ضروب العبارة وأساليبها، حتى يتسلل كل قوم من هذه الجنسية إن كانوا من أهلها أو من أهل ذمتها، ثم لا تستحكم لهم بعد ذلك ناحية من الائتلاف ولا يستمر لهم سبب من الارتباط (1) اهـ.
وهذا يعني دينهم
أن الله سبحانه قد حفظ بالقرآن لغة العرب، كما حفظ به
الحنيف، فلولا تشريف الله لسانهم بإنزال القرآن به وخطاب
العالمين بهدايته لما بقيت لهم لغة ولا حفظ لهم أدب، وإنما حظيت هذه اللغة بما لم تحظ به لغة سواها من العناية بها وحفظ تراثها بسبب القرآن، ولولاه لمزقتها ألسنة العرب أنفسهم حتى تذهب مع الزمن، فتصبح أثرا بعد عين ثم خبرا بعد أثر، فلأجل القرآن وحده تزاحمت الركب عليها و تنافست الهمم في الدفاع عنها، فكانت هذه التضحيات من العرب والعجم على السواء.
(1) الرافعي: إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، ص 64. (1/256)
صفحة 253
المحور الحادي عشر: فيما يتعلق بالبيان
257
اللغة جنسية تجمع الشتيت من الناس وإن تعددت أصولهم النسبية قد علمت مما مرَّ أن اللغة جنسية تنضوي تحتها أجناس البشر، فيتوحد بها فكرهم ووجهتهم وتحيا بها هواجسهم ومشاعرهم، وقد أدركت ذلك الأمم الغالبة ففرضت على مغلوبيهم ألسنتهم، وأثاروا عواطفهم تجاهها؛ ليتنافسوا في ميادينها، ويتسابقوا في اقتناء آدابها، لأنها كانت الوسيلة إلى بث أفكارهم فيما بين أولئك المغلوبين ليأسروا قلوبهم ويستحوذوا على عقولهم، وهذه الظاهرة لا تخفى على من عرف سياسة المستعمرين في الشعوب المستعمرة. وقد شاء الله سبحانه أن يكون بث الخير الذي أراده للإنسانية بنشر هذا اللسان العربي فيما بين شعوبها، لتصل به إلى هذه الهداية وتسمو به إلى هذا الشرف، وكان هذا الخطاب العالمي من الله سبحانه لعباده بهذا اللسان، كما أنهم مطالبون بأن يتوجهوا به إليه في مناجاتهم الله سبحانه في الصلوات والأذكار، فكل منهم يجري على لسانه ما يعتمل بين حنايا قلبه عندما يخاطب الله تعالى بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} الفاتحة: ه، ولا يجد أحدهم حرجا في نفسه أن يجعل من هذا اللسان وسيلته إلى العلم والأدب وجميع أنواع المزايا والفضائل، وهذا ما سجلته أقلامهم وفاضت به قرائحهم كمثل الفيروز أبادي صاحب أشهر معجم عربي مع كونه أعجمي المحتد، فقد كان فخورا بإنجازه في الحفاظ على اللسان العربي، ومما قاله في ذلك: «وإن بيان الشريعة لما كان مصدره عن لسان العرب، وكان العمل بموجبه لا يصح إلا بإحكام العلم بمقدمته، وجب على روام العلم وطلاب الأثر، أن يجعلوا عظم اجتهادهم واعتمادهم، وأن يصرفوا جل عنايتهم في ارتيادهم إلى علم اللغة والمعرفة بوجوهها، والوقوف على مثلها ورسومها.
وقد عني به من الخلف والسلف في كل عصر عصابة، هم أهل الإصابة، أحرزوا دقائقه، وأبرزوا حقائقه وعمروا، دمنه وفرعوا قننه، وقنصوا شوارده،
6 (1/257)
صفحة 254
258
نداء الحق
ونظموا قلائده، وأرهفوا مخاذم، البراعة، وأرعفوا مخاطم اليراعة، فألفوا وأفادوا، وصنفوا وأجادوا، وبلغوا من المقاصد قاصيتها، وملكوا من المحاسن
ناصيتها، جزاهم الله رضوانه، وأحلهم من رياض القدس ميطانه» اهـ).
ومثل ذلك قول الزمخشري إمام البلاغة العربية في فاتحة كتابه المفصل: الله أحمد على أن جعلني من علماء، العربية وجبلني على الغضب للعرب والعصبية، وأبى لي أن أنفرد عن صميم أنصارهم وأمتاز وأنضوي إلى لفيف الشعوبية وأنحاز وعصمني من مذهبهم الذي لم يجد عليهم إلا الرشق بألسنة اللاعنين، والمشق بأسنة الطاعنين» اهـ (2).
وقد استفرغوا في هذا جهودهم وبذلوا من أجله مهجهم،، فكان من آثارهم هذا التراث العربي الزاخر، الذي تتحفنا دور النشر كل يوم منه بجديد، وما ذلك إلا لما لهذا اللسان من فضل على الناس بما جعل الله لهم فيه من خير الدنيا والآخرة، وما حصل لهم بسببه من الزلفى إليه في المسير والمصير.
الزهد في اللغة العربية مرض أصاب الأمة لا سيما العرب غير أن الناس ـ ولا سيما العرب - أصبحوا زهادا في هذا اللسان، لا يعيرونه اهتمامهم ولا يحركون من أجله عنايتهم، وإنما استعاضوا عنه لسان من بزهم في القوة، فأمسك بنواصيهم وأخذ بتلابيبهم، ففي ميدانه يتسابقون ولأجل إتقانه يتنافسون، حتى أنهم لا يعنيهم أن ينشئوا ناشئتهم على لغة العرب، بل يجتلبون المربيات لهم لتنشئهم على اللسان الأجنبي، ولا يفكرون إن سرى إليهم مع هذا اللسان الدخيل فكر أهله وأخلاقهم وآدابهم، وتطبعوا بعاداتهم حتى تصبح حياتهم صورة من حياتهم، كأنما ولدوا من أرحامهم وتتابعوا في أصلابهم، فإنه من المعلوم أن ضياع الألسنة إنما هو ضياع للأمم
(1) الفيروزآبادي: القاموس المحيط، 26/ 1.
(2) الزمخشري: المفصل في صنعة الإعراب، ص 17. (1/258)
صفحة 255
المحور الحادي عشر: فيما يتعلق بالبيان
259
التي تنتمي إليها، كما قال إمام الأدب العربي: لا عزيمة لقلب خذله اللسان، ولا تشدد للسان خذله القلب، ولا استقلال لشعب تخاذلت ألسنتهم وقلوبهم، وتلك سنة من السنن لِيَمِينَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا) الأنفال: (37) (1).
وإذا كنا نفخر ونتباهي أن نجد من بين مسلمي العجم من يعتز باللسان العربي ويحرص على أن يكون خطابه، به فإننا نأسف أن نرى من بين العرب من يحتقر هذا اللسان ويراه رمز التخلف وشارة الرجعية .. !! فالموسومون بالثقافة من العرب إن اجتمعوا لم يتحدثوا بينهم إلا باللسان الأجنبي، وإن تحدثوا ـ على مضض - بالعربية لم تكن خالصة من التطعيم بكلمات أجنبية حتى يثبت المتحدث أنه على قدر عال من الوعي والتقدم والرقي، وفي مقابل هذا التخاذل والارتكاس من قبل العرب نذكر بإكبار ما يكون من بعض مسلمي العجم من الاعتداد باللغة العربية والاعتزاز بخطابها، فقبل عقود من السنين من الآن انعقد مؤتمر إسلامي بإسلام أباد عاصمة الجمهورية الإسلامية الباكستانية، وكان من برنامج المؤتمر مقابلة أعضائه للرئيس الباكستاني آنذاك ضياء الحق، ولما دخلت عليه الوفود تحدث إلى الرئيس نيابة عنها مفتي يوغوسلافيا آنذاك الشيخ حمدي يوسفسباهتش ـ وهو رجل أوروبي ولد بالبوسنة ـ وأصر على أن يكون حديثه إلى الرئيس الباكستاني باللغة العربية لأنها وعاء القرآن، ولم يكن الرئيس على معرفة بهذه اللغة وإنما كان حديثه إلى الوفود باللغة الإنجليزية، التي كان الشيخ المفتي يتقنها بمهارة، ولما سئل لماذا عدل عنها إلى العربية أنه كان قادرا على مخاطبة الرئيس خطابا لا يحتاج معه إلى ترجمان؟ أجاب: وهل ينبغي لمسلم يتقن العربية أن يتحدث بسواها؟! وقد نمت إلي هذه القصة ولم أشهدها، ولكنني سألت صاحبها عنها فأكدها لي، وقال: «هذا مذهبي الذي أعتز به، فإن التفريط في العربية إنما هو تفريط في الإسلام».
مع
(1) الرافعي: إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، ص 64.
: (1/259)
صفحة 256
260
نداء الحق
ولكن ـ يا للأسف والحسرة - أين هذه الحمية التي تجيش بها العاطفة الإيمانية في العجم تجاه لغة القرآن من كثير من العرب الذين أصبحوا ينظرون إليها كما ينظر إلى النفاية التي يتخلص منها إلى المزابل .. ؟!!.
إضاعة اللغة العربية جناية على الإسلام
مما هو بدهي
أن إضاعة العربية وسوء أدائها لم يجن على لغة العرب
وحدها وإنما جنى على دين الإسلام، فكم اختفى من مفاهيمه واعتاص من خفاء دلالة كلام العرب عن الأفهام، ولو أتقنوه وخبروه لاكتشفوا
حقائقه
بسبب
خفاياه وراضوا صعبه.
وما البعد عن لغة القرآن إلا مؤامرة دبرها أعداء الإسلام ونفذها أبناؤه عن علم أو جهل منهم، فلو أدركوا ما وراء الأكمة وأخلصوا طويتهم الله، لكان لهم شأن آخر، فبقدر ما تستمسك الأمة بلغة القرآن تكون معتصمة بحبله مهتدية بنوره محرزة لفوائده وعوائده، وبقدر تفريطها في ذلك تفقد هذا كله وتصبح ـ كما هو الشأن ـ مأسورة بقد عدوها، ومفروضا عليها فكره؛ لأجل هذا كانت الغيرة من السلف الصالح على لغة القرآن بلغت أوجها، فكانوا يتواصون بتعلمها كما يتعلمون القرآن وعلى رأس السلف الصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روي عنه من طريق أبي هريرة لا أنه قال: وتعلموا من العربية ما تعربون به کتاب الله، وعن عمر بن الخطاب الله (أنه كتب تعلموا العربية، وتفقهوا في الدين، وأحسنوا عبارة الرؤيا» (2)، وعنه: تعلموا العربية فإنها تثبت العقل وتزيد في المروءة» (3)، وعن أبي بن كعب، قال: «تعلموا العربية كما تعلمون حفظ القرآن» (4).
6
(1) أخرجه البيهقي في شعبه (238/ 3 رقم: 1594).
(2) التفسير من سنن سعيد بن منصور، 315/ 2.
(3) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (257/ 2، رقم 1676)، والخطيب في الجامع (25/ 2، رقم: 1067).
(4) أخرجه ابن أبي شيبه (116/ 6 رقم: 29915). (1/260)
صفحة 257
المحور الحادي عشر: فيما يتعلق بالبيان
261
وقال القلقشندي: قال صاحب الريحان والريعان ولم يزل الخلفاء الراشدون بعد النبي صلى الله عليه وسلم يحثون على تعلم العربية وحفظها والرعاية لمعانيها إذ
أتانا
هي من الدين بالمكان المعلوم والمحل المخصوص قال عثمان المهري کتاب عمر بن الخطاب الا الله ونحن بأذربيجان يأمرنا بأشياء ويذكر فيها تعلموا العربية فإنها تثبت العقل وتزيد في المروءة».
ولا يزال أولو الحمية على الدين والرغبة في فهم الإسلام يحرصون على هذه اللغة أكثر مما يحرصون على الحديث بلغاتهم، فقد حضرت مؤتمرا عقد في عام 1403 هـ بداكار عاصمة السنغال، وكان المؤتمر يعنى بالتنسيق للجهود الدعوية بين مؤسسات الدعوة إلى الله في دول غرب أفريقيا، وكنت حضرت مع من حضر من العرب مشاهدا ومستفيدا، وقد أديرت جلساته جميعا بين مسؤولي الدعوة في دول غرب أفريقيا باللغة العربية من غير أن تتدخل ترجمة، هذا مما لا يخفى من عناية الإخوان بغرب أفريقيا بلغة دينهم وكتاب فلهم الشكر الجزيل على ذلك.
وفي
ربهم،
المحافظة على العربية لا تعني إهمال اللغات الأخرى:
لاي
يعني
التحضيض على دراسة العربية مصادرة اللغات الأخرى أو
إهمالها، فإن اختلاف الألسنة من آيات الله تعالى الدالة عليه كسائر آياته في الخلق، وقد نبه على ذلك في قوله: {وَمِنْ آيَلِهِ، خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَنِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتِ لِلْعَلِمِينَ) الروم: 22، وقد أرسل الله رسله إلى أقوامهم يخاطبونهم بألسنتهم كما نص عليه في قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ هُمْ) إبراهيم: 4، وإنما في اجتماع الشعوب المسلمة على لغة القرآن في تفاهمهم وتبادل المعارف والعلوم بينهم
(1) القلقشندي: أحمد بن علي بن أحمد الفزاري، صبح الأعشى في كتابة الإنشا، 205/ 1، وزارة الثقافة - دمشق - 1981 تحقيق: عبد القادر زكار (1/261)
صفحة 258
262
نداء الحق
جمع
لهذا الشتات وتوحيد لهذه الفئات وخرط لها في سلك التعارف والتآلف بما علمته من أن اللغة رباط كالفكر، ولا أن اللغة رباط كالفكر، ولا حرج مع هذا في تعلم أي لغة لإبلاغ دعوة الحق إلى الناطقين بها، وتبصيرهم بما ينقذهم من الضلالة والردى في حالهم ومآلهم، فإن اللغات وسائل تبلغ الغايات، ومن استكثر منها تعددت عنده وسائل الدعوة والبلاغ، وكان أقدر على إيصال الحق إلى أكبر عدد من الناس.
من
وتدخل في ذلك اللغات الحية المنتشرة في العالم بما كان لأهلها نفوذ وسلطان، فالدعوة الإسلامية هي بحاجة إلى أن تترجم إلى هذه اللغات جميعا، ولكن على أن لا يكون ذلك على حساب لغة القرآن، وأن لا تكون العناية بها ناشئة عن الإعجاب والانبهار بأصحابها المناوئين للإسلام، وأن لا يكون في نفوس المتخاطبين بها من أبناء الأمة الإسلامية اللغات استخفاف واستهانة بلغة القرآن التي فضلها الله تعالى على جميع بإنزال كتابه بها.
مع
بل يجب الاعتزاز بهذه اللغة الفضلى وأن لا يكون العدول عنها إلا الحاجة الملحة، وأن لا يورث التخاطب بغيرها هزيمة في النفس ولا ارتكاسا
في الفكر.
وجوب السعي إلى إعطاء العربية حقها في جعلها وعاء لجميع العلوم: هذا؛ ويجب السعي الحثيث إلى إعطاء هذه اللغة حقها من الاهتمام، فإذا كانت اللغات القومية لا يفرط فيها أهلها وإن عصفت بهم الزعازع وزلزلتهم الأحداث، بل يظلون متمسكين بها ومفاخرين بإدارة حياتهم العلمية والعملية بها دون غيرها، فكيف تهمل أو تهمش لغة وحدت الشعوب والأمم ووصلت بين الفكر والعمل، وربطت بين الدنيا والآخرة عندما أنزل الله بها كتابه المبين، وجعله رحمة لجميع العالمين؟!. (1/262)
صفحة 259
المحور الحادي عشر: فيما يتعلق بالبيان
263
ولعمر الحق إن مما يدعو إلى الحسرة والأسى أن يهمل العرب والمسلمون اللغة العربية التي حفظ الله بها دينه وأتم بإنزاله كتابه بها نعمته عليهم، ويؤثروا عليها اللغات الأجنبية في دراسة العلوم الإنسانية، مع أن مثل هذا التصرف يعد نكوصا وهويا إلى الحضيض عند الأمم والشعوب الأخرى، فقد أخبرني أحد العُمانيين - الذين تلقوا العلم بالجامعة الأردنية ـ أن وفدا كوريا مؤلفا من طلبة الجامعات وأساتذتها زار هذه الجامعة إبان وجود هذا الطالب العُماني فيها، وأن سؤالا طرح على الوفد الزائر مضمونه أنهم: (بأي لغة يدرسون العلوم في جامعاتهم؟).
فكانت الإجابة مصدرة بتعجب من طرح هذا السؤال، وكأنهم شعروا بغباء السائل، وذلك أنهم قالوا: بأي لغة عسانا أن ندرس العلوم؟! ألسنا شعبا مستقلا له لغته وثقافته وتأريخه وحضارته؟! فكيف نعدل عن لغتنا التي نعتز بها إلى لغات أخرى؟!.
وفي طي هذه الإجابة ما لا يخفى على ذي بصر أن القوم شعروا بأن طرح السؤال إما أن يكون ناشئا عن إحساس السائل بأن أمته وقومه معدمون من كل ما عساهم يعتزون به من تأريخ أو قومية أو حضارة، وأن لغتهم مهملة ما بقي لها مكان بين الشعوب المتحضرة إلا أن تطرح في مزابل التأريخ، وهو يقيس سائر الشعوب والأمم على حالته المتدنية السافلة، وإما أن يكون ناشئا عن غبش في التصور وجمود في الإدراك وضيق في الإلمام بأحوال الشعوب والأمم، فلذلك طرح هذا السؤال.
وإذا كان هذا الاستنكاف من التدريس بغير اللغة القومية ينبعث من أصحاب لغة لا يصل عدد المتحدثين بها إلى سبعين مليون نسمة، ولا تقارب الأرض التي تنتشر فيها ربع مليون كيلومتر مربع، فما بالك بلغة يتحدث بها أكثر من ثلاثمائة مليون عربي ويرتبط بها أكثر من مليار ونصف المليار من (1/263)
صفحة 260
264
نداء الحق
المسلمين، وبلاد العرب أنفسهم تمتد من الخليج إلى المحيط وتقدر بثلاثة عشر مليون كيلومتر مربع، وأرض الإسلام لا تكاد تكون قارة من قارات الأرض إلا ولها فيها نصيب فكيف تتناسى هذه اللغة ويهمل التعليم بها؟!! ويرفع المعادون لها عقيرتهم متهمين إياها بأنها عقيم لا يمكن أن تنتج علما!! أنها وسعت علوم الدنيا والآخرة، إذ وسعت كتاب الله وآياته، وهو تعالى القائل في وصفه: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ) الأنعام: 38، والقائل: {وَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَنَا لِكُلِّ شَيْءٍ) النحل: 89.
مع
19:
وكل ما تفرزه العلوم وما تترجمه الاكتشافات ليس هو إلا أثرا من آثار هذا الكتاب، الذي أنزله من يعلم السر في السماوات والأرض، ووعد عباده بكشف هذه الآيات ليتبين لهم أن ما أنزله هو الحق، {قُلْ أَرَعَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ، مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ سَنُرِيهِمْ وَايَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِن لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ تُحيط) فصلت: 52 - 54.
وأفسح الميدان للعربية نفسها أن تدافع عن مكانتها بين اللغات، وأن تثبت حجتها بأنها لا تضيق مساحتها عن علم يدرس أو حقيقة تكتشف أو شيء
يخترع، فقد نظم على لسانها شاعر النيل ما يبرز حجتها في قوله: رَجَعْتُ لنفْسِي فَاتَّهمتُ حَصاتِي وناديتُ قَوْمِي فَاحْتَسَبْتُ حياتِي رموني بعقم في الشَّبابِ وليتَني عَقِمتُ فلم أجزَعْ لقول عداتي وَلَدتُ ولما لم أجد لعرائسي رجالاً وأَكفاء وَأَدْتُ بناتي وسعتُ كِتابَ اللهِ لفظاً وغايةً وما ضِقْتُ عن آي به وعِظاتِ فكيف أضِيقُ اليومَ عن وَصفِ آلة وتنسيق أسماء لمخترعات أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي
مما (1/264)
صفحة 261
المحور الحادي عشر: فيما يتعلق بالبيان
فيا وَيحَكُم أبلى وتبلى مَحاسِني ومنكمْ وَإِنْ عَزَّ الدّواءُ أَساتِي فلا تَكِلُوني للزّمانِ فإنّني أخافُ عليكم أن تَحينَ وَفاتي أرى لرجالِ الغَربِ عِزّاً ومَنعَةً وكم عَزَّ أقوامٌ بِعِزَّ لُغَاتِ أتَوْا أهلَهُم بالمُعجزاتِ تَفَتُناً فيا ليتَكُمْ تأتونَ بالكَلِمَاتِ أيُطرِبُكُم من جَانِبِ الغَربِ ناعِبٌ يُنادي بوادي في ربيع حياتي ولو تَزْجُرُونَ الطَّيرَ يوماً عَلِمْتُمُ بما تحته مِنْ عَشْرَةٍ وشَتاتِ سقى اللهُ في بَطْنِ الجزيرةِ أَعْظُماً يَعِزُّ عليها أن تلين قناتي حَفِظْنَ وِدادِي في البِلى وحَفِظْتُه لهُنّ بقلب دائم الحَسَراتِ وفاخَرْتُ أَهلَ الغَرْبِ والشرقُ مُطْرِقٌ حياءً بتلك الأَعْظم النَّخِراتِ أرى كلَّ يوم بالجرائِدِ مَزْلَقاً أناة من القبر يدنيني بغيرِ وأسْمَعُ للكتاب في مِصرَ ضَجّةً فأعلَمُ أنّ الصَّائحِين نُعاتي أيهجرني قومي عفا الله عنهم إلى لغة لم تتصل برواة سَرَتْ لَوثَةُ الافْرَنجِ فِيهَا كَمَا سَرَى لعاب الأفاعي في مسيل فُراتِ فجاءَتْ كَثَوْبِ صَمَّ سبعين رُقْعَةً مشكلة الألوان مختلفاتِ إلى مَعشَرِ الكُتابِ والجَمعُ حافِلٌ بَسَطْتُ رِجائِي بَعدَ بَسْطِ شكاتِي فإمّا حَياةُ تبعثُ المَيْتَ في البِلى وتُنبِتُ في تلك الرُّمُوسِ رُفاتي وإِما مَمات لا قيامَةً بَعدَهُ مماتٌ لَعَمْرِي لَمْ يُقَش بمماتِ» (1)
265
وقد شدني العجب عندما وجدت الأطباء في مملكة تايلند يتحدثون بلغتهم بينما الأطباء عندنا - وإن كانوا جميعا عربا أقحاحا ـ لا يتحدثون بينهم في قضية طبية إلا باللغة الأجنبية!! وما هو إلا أثر للهزيمة التي رزئت
بها هذه الأمة.
(1) حافظ إبراهيم: ديوان حافظ إبراهيم: ص 66. (1/265)
صفحة 262
266
نداء الحق
ضرورة التقيد في البيان بما يرضي واهبه
إذا كان البيان من أعظم النعم التي وهبها الله للإنسان، فإن من واجب الإنسان أن لا يسخر بيانه إلا لمرضاة الله، فلا يجعله وسيلة لتفريق الكلمة والتنفير بين الناس، بل عليه أن يسخره لجمع الشتات وتأليف القلوب وتوحيد الصف، وكذلك يجدر به أن لا يجعله وسيلة لنشر الرذائل وإشاعة الفحشاء وتزيين الباطل وتسفيه الحق، ولكن يجب على الكل أن يتعاونوا - بما يبثونه من بيان - على نشر الفضائل وتقليص الرذائل، وتأييد الحق، وطمس الباطل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن ذلك كله من شكر الله تعالى على هذه النعمة، وهل تشكر النعم إلا بتسخيرها لما يرضي من أنعم بها؟. ويجب أن لا يشوب البيان كذب ولا بهتان وأن لا يكون سببا للاغتياب
ولا النميمة، فكم توعد الله سبحانه الكذابين بسوء العذاب؟. ومما يؤسف له أن يفوت الناس هذا الملحظ المهم، فيسخروا حديثهم للسخرية من الحق وأهله، ولمز الناس بالباطل، والسعي بالنميمة بينهم، والإيقاع بينهم، وهذا كثيرا ما يكون في الصحافة وسائر وسائل النشر، ووعيد ذلك شديد، فعندما وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا صلي الله قال له: « ... ألا أخبرك بملاك ذلك كله؛ كف عليك هذا ـ وأشار إلى لسانه، قال: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! قال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم)، وقد فرض الله على عباده أن يقولوا قولا سديدا، وقرن ذلك بالتقوى في قوله: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) الأحزاب: 70 - 71،
2211
(1)
(1) أخرجه الطيالسي (ص 76، رقم 560)، وأحمد (231/ 5، رقم 22069)، والترمذي (11/ 5، رقم 2616)، وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (1314/ 2، رقم 3973)، والحاكم (447/ 2، رقم 3548)، وقال: صحيح على شرط الشيخين والبيهقي في شعب الإيمان (13/ 4، رقم 4225)، والطبراني (143/ 20، رقم 292). (1/266)
صفحة 263
267
المحور الحادي عشر: فيما يتعلق بالبيان
ومفهوم
ذلك أن من قال فعليه أن يقول قولا سديدا، وإلا فالصمت هو الواجب الآخر
عليه، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ومن كان يؤمن بالله واليوم فليقل خيرا أو ليصمت» (1).
ألا فليتق الله الذين يلتذون بتسليط ألسنتهم على أعراض الناس تفريها كما يفرى الأديم، وينبسطون لتسفيه الحق، وتأييد الباطل، وتمزيق الشمل، وتفريق الكلمة، وتشتيت الأمة، وعلى كل من ملك وسيلة للبث والنشر أن يتقي الله في ذلك، وأن يقول قولا سديدا، وعلى من أوتوا ملكة البيان أن يُسخّروا بيانهم لما من خدمة الدين، والدعوة إلى الخير، وإصلاح ذات البين، ورتق فتق
الله يرضي
الأمة وجمع
شملها.
هذا؛ وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحذر معاذا له من إطلاق العنان للسانه، فإن ما تسجله الأقلام وتبثه وسائل الإعلام وتتناقله الصحف هو أشد خطرا، لأن من قال بلسانه في مجلس محدود لا يسمعه إلا من بمجلسه، ولكن ما ينشر في الصحف أو يدون في الكتب أو يتلى في المحافل والمجامع أو يبث بوسائل النقل هو أكثر انتشارا، فبقدر ما يتأثر به المتأثرون يكتب لقائله أو عليه بره أو فجوره، فيبوء بأجره أو بوزره والله المستعان
(1) أخرجه الربيع من طريق جابر مرسلا (ص 266 رقم: 683)، وبلفظ: (فليقل خيرا أو ليسكت) جاء من عدة طرق، فمن طريق أبي شريح: أخرجه أحمد (31/ 4، رقم 16417)، والبخاري (2240/ 5، رقم 5673)، ومسلم (69/ 1، رقم (48) وأبو داود (342، رقم 3748)، والترمذي (345/ 4، رقم 1967) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (1211/ 2 رقم 3672). وأخرجه أيضا: أبو عوانة (42/ 1، رقم 95)، ومن طريق أبي هريرة: أخرجه أحمد (267/ 2، رقم 7615)، والبخاري (2240/ 5، رقم 5672)، ومسلم (1091/ 2) رقم (1468)، وأبو داود (339/ 4، رقم 5154) والترمذي (659/ 4، رقم (2500 وقال: صحيح وابن ماجه (1313/ 2 رقم 3971)، وابن حبان (259/ 2، رقم 506). وأخرجه أيضا: الطيالسي (ص 308، رقم 2347)، وأبو يعلى (85/ 1 رقم 6218). ومن طريق ابن عمرو أخرجه أحمد (174/ 2، رقم 6621). ومن طريق رجل من مزينة: أخرجه أحمد (412/ 5، رقم 23543). (1/267)
صفحة 264
المحور الثاني عشر
فيما يتعلق بالأخلاق
269
الأخلاق الحسنة ضرورة ملحة في حياة البشر
إن من أهم ما يميز الإنسان ويزينه ويزكي طباعه ويقربه من بني جنسه، وينشر بينه وبينهم المودة والحنان والألفة والوفاق التحلي بمحاسن الأخلاق، فإن الأخلاق الحميدة عندما تتحلى بها الأمم تكون معارج لها إلى الأقدار العالية ووسائل لها إلى غزو القلوب واحتلالها بالمودة والشفقة والحنان، وقد أبان الله الا الله عما للأخلاق من قدر عال عنده عندما ميز نبيه بما حلاه به من الأخلاق، إذ قال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) القلم: 4.
هي
وهو دليل على أن الأخلاق بالنسبة إلى المزايا الأخرى كالأرواح للأبدان، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان أعلم الناس بما علمه الله تعالى إياه، كيف وقد امتنا عليه بتعليمه ما لم يعلم، عندما قال: {وَعَلَمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وكان فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (النساء: 113، إلا أنه بجانب ذلك لم يصفه الله
أنه
تعالى بالعلم الغزير في مقام التفضيل، وإنما فضله بالخلق العظيم، وبين كغيره من عباد الله مهما علموا لا يمكن أن يتجاوز علمهم حدود فطرهم لا تتعدى دور المخلوقية، وإنما العلم المطلق الله تعالى وحده، والنبي صلى الله عليه وسلم مع غيره داخل في عموم خطاب الله تعالى القائل: {وَمَا أُوتِيتُم مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) الإسراء: 85.
التي (1/269)
صفحة 265
270
نداء الحق
وبين تعالى إن هذا الخلق الرفيع الذي زين به عبده ورسوله ورفع به قدره بين الناس هو الذي قربه إلى قلوب أصحابه فأحبوه وأكبروه، وأطاعوا
أمره وبذلوا مهجهم في نصرته، فقد قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ في الأَمرِ ... آل عمران: 159، وقد جمعت الآية الكريمة بين وصفه بمكارم الأخلاق وحثه على أن يكون تعامله مع أصحابه بحسب ما تقتضيه هذه الأخلاق الكريمة.
لَقَدْ
لهذا امتن الله سبحانه على الذين بعث فيهم هذا النبي الكريم بما حلاه به من مكارم أخلاقه التي ينجذب إليها الناس بالفطرة، فقد قال تعالى: جَاءَكُمْ رَسُوكَ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْه
بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمُ) التوبة: 128.
رسالة الإسلام هي رسالة أخلاق:
يبني
أمة
كانت مهمته في الرسالة العظمى التي حملها إلى الإنسانية أن تمتاز بأخلاقها وتسود بأحلامها، وقد بين ذلك في قوله: «بعثت لأتمم صالح الأخلاق»)، وفي رواية: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»)، وفي أخرى: «وإنما بعثت على تمام محاسن الأخلاق» (3).
وبهذا يتبين أن حضارة الإسلام التي جاء بها الرسول الله إنما كانت حضارة أخلاق، وقد وصى القرآن بمخالقة الناس جميعا بالخلق الحسن، فقد ذكر الله تعالى وصيته لبني إسرائيل التي جاء فيها: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} البقرة: 83،
(1) أخرجه الحاكم (670/ 2، رقم (4221) وقال: صحيح على شرط مسلم. والبيهقي (192/ 10، رقم 20572)، والديلمي (12/ 2، رقم 2098). (2) أخرجه البيهقي (191/ 10، رقم 20571).
(3) أخرجه الطبراني (65/ 20، رقم (120)، والبيهقي في شعب الإيمان (231/ 6، رقم 7980). (1/270)
صفحة 266
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
6
271
وبهذا وصى النبي صلى الله عليه وسلم، فعنه الله: اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن).
وبين الله مكانة الأخلاق الحسنة وجزاءها الحسن عند الله تعالى بقوله: خياركم أحاسنكم أخلاقا (2)، وفي حديث عنه: «أحبكم إلى الله أحاسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون وإن أبغضكم إلى الله المشاءون بالنميمة المفرقون بين الإخوان الملتمسون لهم العثرات» (3)، وجاء عنه في
(4)
6
رواية: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف (4)، وروي عنه: «إن أحبكم إلى الله أحسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون وإن أبغضكم إلى الله المشاءون بالنميمة المفرقون بين الإخوان الملتمسون للبراء العثرات» (5)، وعند البخاري من طريق ابن عمرو: «إن من أحبكم إلي أحسنكم أخلاقا) (3).
وقال:
(6)
(1) أخرجه أحمد (153/ 5، رقم (21392)، والترمذي (355/ 4، رقم (1987) وقال: حسن صحيح. والدارمي (415/ 2، رقم (2791)، والحاكم (121/ 1، رقم 178) صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. والبيهقي في شعب الإيمان (245/ 6، رقم (8026. والبزار (416/ 9 رقم 4022) وأبو نعيم في الحلية (378/ 4). (2) أخرجه أحمد (193/ 2، رقم 6818)، والبخاري (2245/ 5، رقم 5688)، ومسلم (1810/ 4، رقم 2321)، والترمذي (349/ 4 رقم 1975) وقال: حسن صحيح. وابن حبان (225/ 2، رقم 477)، وابن أبي شيبة (210/ 5، رقم 25317)، والبزار (395/ 6، رقم 2417). (3) أخرجه الخطيب (382/ 1)، وينظر الطبراني في الأوسط (350/ 7، رقم 7697) وفي الكبير (501/ 13 رقم: 14374)، وفي الصغير، (89/ 2، رقم (835) وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة (ص 168، رقم 117)، وفي الصمت (154/ 1، رقم 253).
(4) أخرجه الطبراني في الأوسط (356/ 4، رقم (4422) وفي الصغير (362/ 1، رقم 605) و (89/ 2 رقم: 835)، والبيهقي في شعب الإيمان (232/ 6، رقم 7983).
(5) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة (ص 168، رقم 117)، وفي الصمت (154/ 1، رقم 253). وينظر الطبراني في الأوسط (350/ 7، رقم 7697)، وفي الصغير (89/ 2، رقم 835).
(6) أخرجه البخاري (1372/ 3، رقم 3549). (1/271)
صفحة 267
272
نداء الحق
وجاء عنه: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم أخلاقا وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون قالوا يا رسول الله ما المتفيهقون قال المتكبرون»)، وفي رواية: «إن أحبكم إلي وأقربكم مني في الآخرة مجالس محاسنكم أخلاقا وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني في الآخرة مساوئكم أخلاقا الثرثارون المتفيهقون المتشدقون)، وفي أخرى: «إن أحبكم إلى الله القيامة أحاسنكم أخلاقا يوم وإن من أبغضكم إلي يوم القيامة المتشدقون المتفيهقون» (3)، وفي رواية «عن أنس قال: قالت أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، المرأة منا يكون لها في الدنيا زوجان ثم تموت فتدخل الجنة هي وزوجاها لأيهما تكون للأول أو للأخير؟ قال: «تخير، فتختار أحسنهما خلقا كان معها في الدنيا، فيكون زوجها في الجنة يا أم حبيبة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا، وخير الآخرة»» (4).
التفاضل بين الناس بحسب الأخلاق هذا كله يدل على أن الأخلاق هي ميزان التفاضل بين الناس، وبقدر التفاضل فيها يكون الإنسان أحب إلى الله وإلى عباده، فالمرأة عندما يكون لها
(1) أخرجه الترمذي (370/ 4، رقم 2018، وينظر الخرائطي في مكارم الأخلاق (ص 32 رقم 24)، وأخرج بقيته في مساوئ الأخلاق (ص 42، رقم (63) وأيضا (ص 205، رقم 583)، والخطيب
(62/ 4)، وابن عساکر (397/ 37). (2) أخرجه أحمد (193/ 4، رقم 17767)، وابن حبان (368/ 12، رقم 5557)، والطبراني (221/ 22، رقم 588)، وأبو نعيم في الحلية (188/ 5)، والبيهقي في شعب الإيمان (234/ 6، رقم 7989)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (ص 31، رقم (23)، وأخرج بقيته في مساوئ الأخلاق (ص 42، رقم (62). وابن أبي شيبة (210/ 5، رقم (25320)، وهناد في الزهد (593/ 2، رقم 1255)، والحارث كما في بغية الباحث (818/ 2، رقم (852)، والبيهقي (193/ 10، رقم 20588). (3) أخرجه الطبراني (190/ 10، رقم 10424). (4) أخرجه عبد بن حميد (ص 365، رقم 1212)، والطبراني (222/ 23، رقم 411) وينظر في الأوسط (279/ 3 رقم: 3141)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (ص 37، رقم 50). (1/272)
صفحة 268
273
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
أكثر من زوج في الدنيا ثم تبعث يوم القيامة إلى الجنة وتجد هناك أزواجها تخير بينهم؛ فتختار من كان في الدنيا ألطفهم معها معاملة وأحسنهم خلقا، وهو وإن غمز أحد رجال سنده فإنه يعتضد بالأحاديث السابقة الدالة على أن مكارم الأخلاق هي مدارج الارتقاء في الدار الآخرة إلى المنازل العليا، كما أنها في الدنيا تدني صاحبها من بني جنسه وتحببه إليهم.
انعكاس الأخلاق على كل ما حوته الشريعة الإسلامية لهذا؛ كان عنصر الأخلاق هو مدار التشريع في الإسلام، فما من أمر شرع في الإسلام إلا وهو مرتبط بالأخلاق ناهيك أن الله سبحانه أمر بالقول الحسن لجميع الناس، ولم يحصره في المتقين أو المؤمنين أو المحسنين، وإنما قال: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} البقرة: 83، وفي قراءة حمزة والكسائي ويعقوب وخلف: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حَسَنا بفتح الحاء والسين، أي قولا حسنا، وهذا يعني أن المسلم مطالب بأن يتلطف في خطابه للناس جميعا، وأن يرد المسيء إلى الإحسان، والضال إلى لهدى، والمخطئ إلى الصواب بما يأسر قلبه ويجتذبه إلى الطاعة والانقياد، فالدعوة إلى الله تعالى لا تكون بما ينفر الناس ويبغض الداعي ودعوته إليهم، وإنما يجب أن تكون بما يؤلف قلوبهم ويقرب شاردهم كما قال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} النحل: 125. وقد أكد الله تعالى أن الدعوة التي يصدقها العمل وتكتنفها الأخلاق الحسنة أحسن ما يقال، وذلك في قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فصلت: 33،، وأتبع ذلك توجيه الدعاة إلى الرفق خطاب المدعوين واللطف في معاملتهم عندما قال: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّتْهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) فصلت: 34 - 35، ووجه الله
هي
في (1/273)
صفحة 269
274
نداء الحق
-
تعالى المؤمنين في مجادلتهم لأهل الكتاب أن تكون بالرفق والحسنى إلا من ظلم منهم، إذ قال سبحانه: {وَلَا تُحَدِلُوا أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُم وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِى أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} العنكبوت: 46، وهذا الذي وجه إليه عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم في مجادلته لهم إذ قال: {قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَا مُسْلِمُونَ} آل عمران: 64، وهو الذي فعله، فعندما وجه خطابه إلى هرقل عظيم الروم اختتمه بالآية الشريفة تنفيذا لأمر الله وتبيانا لحجته.
جميع الرسل الكرام لا طبعوا على الأخلاق العالية وبذلك وصاهم الله تعالى:
أنه باغتراره
لا ريب أن هذه الأخلاق الكريمة هي وصية الله تعالى لجميع رسله حتى عندما يرسلهم إلى أعتى العتاة وأعنف المتكبرين، فقد وجه موسى وهارون إلى فرعون الذي بلغ به الغرور والعتو إلى أن يقول لملئه: مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهِ غَيْرِى) القصص: 38، وهو يعني وتكبره أقصى الله تعالى عن الألوهية ونازعه فيها فاستأثر بها دونه، ولكنه تعالى أمر موسى وهارون أن يتلطفا معه في الخطاب، إذ قال لهما: فَقُولَا لَهُ {قَوْلًا لَّيْنَا لَّعَلَّهُ، يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) طه: 44، مع أنه سبحانه علم منذ الأزل أنه لن يتذكر ولن يخشى ولكنه جعلها سنة أنبيائه في مخاطبة أعدائه، وبين سبحانه هذا القول اللين فيما وجه إليه موسى من خطابه بقوله: {فَقُلْ هَل لَكَ إِلَى أَن تَزَكَّى وَأَهْدِيكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى) النازعات: 18 - 19.
وهذا الذي جرى عليه رسل الله تعالى المصطفون الأخيار، حتى لو واجهوا العتو والاستكبار من الذين أرسلوا إليهم، فهذا نوح علي يحكي الله خطابه (1/274)
صفحة 270
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
275
لقومه ومجادلته لهم بعدما سفهوه ونسبوا إليه الضلال وشتموا الذين اتبعوه واتهموهم بأنهم أراذلهم، وذلك في قوله تعالى: {قَالَ يَقَوْمِ أَرَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَعَالَنِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ، فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَرِهُونَ * وَيَقَوْمِ لَا أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ مَالَّا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُم مُّلَقُوا رَتِهِمْ وَلَكِنِى أَرَنَكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ * وَيَقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُهُمْ أَفَلَا نَذَكَرُونَ * وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَابِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إنِّي مَلَكُ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنَكُمْ لَن يُوْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنّى إِذَا لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا يَنُوحُ قَدْ جَدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَلَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللَّهُ إِن شَاءَ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ * وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِيَ إِنْ أَرَدتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) هود: 28 - 34.
من
ومثل ذلك ما في قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخِّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَاءِى إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَبْعَهُمْ فِي عَاذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنَتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَلِ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَرًا * مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَانًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ
الْأَرْضَ بِسَاطًا لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا نوح: 1 ـ 20. (1/275)
صفحة 271
276
نداء الحق
واستمرت هذه المجادلة بينه وبينهم مدة ألف سنة إلا خمسين عاما، وهو
6
يغدو ويروح على دعوتهم بهذا التلطف والرفق وإقامة البينات عليهم من خلق أنفسهم وخلق الكون من حولهم، وما هيأه الله لهم من نعمه التي لا تحد بحدٍ ولا تقدر بثمن لولا فضله عليهم ولطفه بهم لتعذر عليهم أدناها، فضلا عن أعلاها، وهم معرضون عن كل هذا قد خُتم على قلوبهم وأسماعهم وغُشّيت أبصارهم، فغدوا كأنهم لا يسمعون للحق نداء ولا يفقهون له معنى، ولا يبصرون له نورا، إلى أن أتاهم من أمر الله ما أتاهم.
ومثل ذلك ما ذكره الله تعالى عن هود في قوله: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَنقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِنْ إِلَهِ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ * يَقَوْمِ لَا أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِى إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ * وَيَقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلَى قُوتِكُمْ وَلَا نَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ * قَالُوا يَهُودُ مَا جِتْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي ءَ الهَيْنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِن نَقُولُ إِلَّا أَعْتَرَنكَ بَعْضُ الهَتِنَا قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِاءُ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ، فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ وَاخِذُ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) هود: 50 - 057
بسوء
وما حكاه عن صالح في قوله: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحَا قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهِ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ تُحِيبُ قَالُوا يَصَلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَدْنَا أَن نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ابَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَةٍ مَمَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَ يَنقَوْمِ أَرَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَّبِّي وَعَاتَنِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ, فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ
صلے (1/276)
صفحة 272
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
277
* وَيَقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبُ) هود: 61 - 64.
ج
ومثل ذلك مجادلة لوط لقومه، وكذلك مجادلة شعيب، {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَنقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَبكُم بِخَيْرِ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ تُحِيطٍ * وَيَقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظ» قَالُوا يَشُعَيْبُ أَصَلَوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ وَابَاؤُنَا أَوْ أَن نَفْعَلَ فِي أَمْوَلِنَا مَا نَشَؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ * قَالَ يَقَوْمِ أَرَوَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَنكُمْ عَنْةً إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ وَيَقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَلِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنكُم بِبَعِيدٍ * وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمُ وَدُودُ * قَالُوا يَشْعَيْبُ مَا نَفَقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَنكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمَنَكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزِ قَالَ يَقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظهْرِيَّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ يُحِيطُ * وَيَقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَيْكُمْ إِنِّي عَمِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَذِبُ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ
رقيب هود: 84 - 93.
وانظروا كيف كان تلطف إبراهيم بأبيه العنيف ومحاولة أخذه بيده إلى الرشد والهدى، وزحزحته عن الغي والضلالة وما يتبعهما من سخط الله وعذابه، ومع ذلك كله كان الأب الجافي العنيف لا يقابل هذا اللين إلا بالشدة، ولا هذا الإرشاد إلا بالعناد، وقد حكى الله ذلك كله في قوله: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَبِ (1/277)
صفحة 273
278
نداء الحق
إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَتَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا * يَتَأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَطًا سَوِيًّا يَنَابَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنَ إِنَّ الشَّيْطَنَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَتَأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَنِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبُ أَنتَ عَنْ عَالِهَتِي يَا بْرَهِيمُ لَإِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلَمُ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيَّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا. . مريم: 41 - 48.
فقد بالغ إبراهيم في التلطف بأبيه في الخطاب وتبصيره بالحقيقة التي كان يجحدها والحق الذي ينكره وإقامة الشواهد على ذلك، ولكن الأب القاسي لم يقابل هذا الرفق إلا بالمبالغة في العنف والتشدد في الخطاب، فقد أصر واستكبر استكبارا، وجاهر بعتوه.
وهكذا جميع المرسلين كان منهم لين الجانب وسعة الصدر واحتمال المكاره في سبيل إبلاغ دعوة الله إلى الناس مع ما كانوا يُواجهون به من شراسة، الأخلاق وسوء المعاملة والغلظة فى الخطاب، ولم يثنهم ذلك عن الاستمرار في الدعوة وإبانة ما يتحلون به من أخلاق سامية وفضائل ثِمَارُها فَواضِلُ وإحسان، أن الرسل جميعا كانوا يتحلون بالأخلاق العالية لأن الله سبحانه
وهذا يعني. صنعهم على عينه، واختصهم، باجتبائه وطبعهم على مكارم الأخلاق.
الأخلاق
وعندما بزغت على الوجود شمس خاتم النبيين وتاج المرسلين كانت هي سيماه وجبلته، فعرف أنه كان أبر الناس قلبا وأحسنهم معاشرة وأوفرهم عقلا وأحسنهم سيرة، وأطهرهم سريرة، وأصدقهم قولا، وأصلحهم عملا، وآمنهم يدا، وأحبهم للخير، وأحرصهم على نشره بين جميع ناهيك أن الله تعالى عاتبه عتابا لطفيا على ما كان يحمله من هموم إعراض
الناس،
قومه عن الحق، وصدودهم عن اتباعه وما يخشى عليهم من عاقبة ذلك، فقد (1/278)
صفحة 274
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
279
قال تعالى له: {فَلَعَلَّكَ بَخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) الكهف: 6، وقال: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) الشعراء: 3، وهو من حرصه على شيوع الخير بين الناس وقبولهم للهدى وتجنبهم ما يؤدي بهم إلى الردى كان يكبر عليه أن يعرضوا عن الحق ويصدوا عنه، فيحمل نفسه من هموم ذلك ما يكاد يبخعه أي، يهلكه وهذا من رحمته البالغة وشفقته على عباد الله، وقد أخبر بهذا عن نفسه عندما وصف حاله بقوله: «مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الفراش والجنادب يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي).
وقد خشي المتعصبون في الغرب من ظهور دعوته وانتشار دينه فنسجوا حوله من أقوال الزور ما خيل إليهم أنهم بذلك قادرون على حجب نوره أن يسطع على العقول فيبصرها من العمى ويهديها إلى الهدى، ولكن أخفقوا، فقد أدرك ذوا البصائر منهم أنه عليه أفضل الصلاة والسلام كان أسمى قدرا وأجل شأنا وأرفع مكانا من كل ما يتصوره البشر، وبعد دراسة واسعة في هذا الميدان تضافرت عليها جهود الباحثين منهم توصلوا إلى هذه النتيجة: «أن محمدا كان سليم الفطرة كامل العقل كريم الأخلاق، صادق الحديث، عفيف النفس، قنوعا بالقليل من الرزق غير طموح بالمال، ولا جنوح إلى الملك، ولم يعن بما كان يعني به قومه من الفخر، والمباراة في تحبير الخطب ولا قرض الشعر، وكان يمقت ما كانوا عليه من الشرك وخرافات الوثنية، ويحتقر ما يتنافسون فيه من الشهوات البهيمية كالخمر والميسر وأكل أموال الناس بالباطل، وبهذا كله وبما ثبت من سيرته ويقينه بعد النبوة جزموا بأنه كان صادقا فيما ادعاه بعد استكمال الأربعين من سنه من رؤية ملك الوحي، وإقرائه إياه هذا القرآن،
وإنبائه بأنه رسول من الله لهداية قومه فسائر الناس (2).
(1) أخرجه الطيالسي (ص 246، رقم 1784)، وأحمد (392/ 3، رقم 15250)، ومسلم (1790/ 4، رقم 2285). (2) محمد رشيد: رضا الوحي المحمدي، ص 56. (1/279)
صفحة 275
280
نداء الحق
وإن أوفى كلمة وأبلغ بيان في ترجمة أخلاقه و قول السيدة أم المؤمنين.
عندما سئلت خلقه؟. عن
قالت لسائلها: «ألست تقرأ القرآن؟ قلت بلى، قالت: «فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن» (1)، وعن أبي الدرداء قال: سألت عائشة عن خلق، رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: «كان خلقه القرآن يغضب لغضبه ويرضى لرضاه» (2)، وإذا كان خلقه القرآن فلا ريب أن كل ما يحمد من الأخلاق انطوى عليه، إذ القرآن الكريم جمع مکارم الأخلاق كلياتها وجزئياتها، وما من تشريع فيه ولا توجيه ولا موعظة إلا وقد اشتملت على أحسن ما يتصور في البشر من الأخلاق، وهي
جميع
جميعا مترجمة في شخصية النبي صلى الله عليه وسلم وما كان يصدر عنه أو يتصف به. وكان ينبسط حتى لأشد أعدائه عندما يلقاهم فعن عائشة، أن رجلا استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: «بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة» فلما جلس تطلق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله، حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة، متى عهدتني فحاشا إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره» (3).
وفي رواية: أن عائشة قالت: «استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ائذنوا له، بئس أخو العشيرة، أو ابن العشيرة فلما دخل ألان له الكلام، قلت: يا رسول الله، قلت الذي قلت!! ثم ألنت له الكلام؟ قال: «أي عائشة، إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس، اتقاء فحشه»» (4).
(1) أخرجه مسلم (512/ 1 رقم: 746). (2) أخرجه الطبراني في الأوسط (30/ 1 رقم: 72).
(3) أخرجه أحمد (158/ 6، رقم: (25293)، والبخاري (2244/ 5، رقم: (5685)، ومسلم (2002/ 4، رقم: 2591)، وأبو داود (251/ 4، رقم: 4793).
(4) أخرجه الترمذي (359/ 4 رقم (1996) وقال: حسن صحيح والبخاري (17/ 8 رقم: 6054)، و (31/ 8 رقم: 6131)، ومسلم (2002/ 4، رقم 2591). (1/280)
صفحة 276
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
281
وإذا كانت هذه الجملة الجوابية منها انا لا تفي المجلدات بشرحها، لأن ما جاء به القرآن أوسع من أن تحويه المجلدات، فإنها ألمحت إلى مثال مما كان يتصف به من هذه الأخلاق الرفيعة فعن أبي إسحاق، قال: سمعت أبا عبد الله الجدلي، يقول: سألت عائشة لنا عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: لم يكن فاحشا، ولا متفحشا، ولا سخابا في الأسواق، لا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح أو قالت: «يعفو ويغفر»»).
«<
أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم تنعكس على أصحابه:
من
قد انعكس هذا الخلق الرفيع الذي كان يتحلى به ال على أصحابه، فلذلك بهروا العالم بأخلاقهم وأدهشوه بفضائلهم وأغرقوه بفواضلهم، فأحدثوا أعظم انقلاب بين أهله فما كادوا يفتحون قطرا من أقطاره إلا وانتشلوه مما كان غارقا فيه من الضلال في الفكر والفساد في الأخلاق والإفلاس من الفضائل والانغماس في الرذائل، فتحولت الأمم إلى أمم أخرى أشرقت عليها أنوار الهداية، واستبدلت طبائعها السيئة بطبائع أخرى بلغت في الرقي والحسن أنها لم تكن تدور على بال أحد، أو يتصورها خياله، فكانوا لهذا العالم رسل سلام ومعالم هداية ومعادن أخلاق.
وما هذا بأمر عجيب، فإن الرسالة التي حملوها إلى الإنسانية كانت منظومة أخلاق، هيأها الله الا الله وحده، ولم يكلها إلى أحد من خلقه، إذ لو تلاقحت أفكار البشر جميعا، واجتمعت متضافرة جهودها، متحدة أهدافها، على أن ترقى بالمستوى البشري في جانب الأخلاق؛ ما كانت لتصل إلى هذه المنظومة التي تدهش البصائر وتحير الأبصار، وأنى أن يأتي البشر بما جاء به
الله تعالى من كمال وجمال وجلال؟!.
(1) أخرجه الطيالسي (114/ 3 رقم: 1623). (1/281)
صفحة 277
282
نداء الحق
كل ما في الإسلام مولد للأخلاق الفاضلة
لو أخذ يفتش أحد عما في طوايا هذا الدين الحنيف الذي اختاره الله تعالى لأن يكون الحبل الذي يصل عباده به والسبب الذي يترابطون به، لوجد كل جزئية فيه يجملها الخلق وتجللها الفضيلة، فعقيدة الإسلام نفسها تنأى بالإنسان المؤمن عن كل علو واستكبار، وتقف به في مصاف إخوانه من الجنس البشري على قدم المساواة، لا يستعلي أحد على أحد بحسبه ولا بنسبه ولا بجاهه ولا بماله ولا بسلطانه ولا بمنصبه، وإنما التفاوت بينهم بقدر تقربهم إلى مولاهم سبحانه ذي العزة والجلال الذي انفرد دون خلقه بالخلق والأمر، والحكم والقهر والنفع والضر، فمن كان أقرب إليه بتواضعه وتذلُّلِهِ بين يديه وتسليم أمره كله إليه، واعتماده في كل أمر عليه، وطاعته في كل ما أمر به ونهى عنه، كان أثقل ميزانا، وأرفع شأنا، وأجل قدرا، وأسمى شرفا. ذلك لأنهم جميعا خارجون من معدن واحدٍ وعائدون إلى منقلب واحد،
6
مِنْهَا خَلَقْنَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) يَتأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَابِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات: 13، {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلدٌ أَفَإِيْن مِتَ فَهُمُ الْخَلِدُونَ) الأنبياء: 34، {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَختَصِمُونَ) الزمر: 30 - 31، {يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ تُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ... ) الحج ..
5.
فكل الناس مشتركون في هذه الخصال مبدؤهم من التراب، ومعادهم إليه، وهم يتدرجون في أطوار التكوين ومدارج النمو حتى ينتهوا إلى الغاية (1/282)
صفحة 278
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
283
التي يشتركون في الانتهاء إليها، وعندئذ يفترقون فينتهي كل أحد إلى مصيره الذي يتناسب مع ما كان عليه في مسيره، والله وحده هو المنفرد بالبقاء الأبدي كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} القصص: 88، كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} (الرحمن: 26 - 27، وليس بينه وبين أحد من خلقه نسب ولا سبب إلا التقوى، فمن وصل نفسه بحبلها فهو الموصول بالله ومن انفصم عنها لم يكن بينه وبين الله تعالى اتصال.
جملة التوحيد كافية في ترسيخ هذه المعاني:
كل هذه الحقائق تندرج في جملة التوحيد التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما دعا إليها الرسل من قبله، {وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) البقرة: 163، {فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَنَكُمْ} محمد: 19، فإذا استقرت هذه الحقائق في فكر أحد ووجدانه تفاعل معها في أخذه وعطائه، وسلمه وحربه، ورضاه وغضبه، فكانت حياته كلها تحفة ربانية، معدنها التقوى وزينتها الأخلاق، فلا يعود نشاز بينه وبينه بني جنسه إلا من شذ منهم، فانفرط من هذا العقد وانسلخ من هذه الحلية.
العبادات والشرائع كلها مؤدية إلى هذه الغاية
:
كل ما يؤمر به في الإسلام من عبادة أو يشرع له من حكم، فهو يدور في هذا الفلك، ويرجع إلى هذا الأصل؛ لأن غاية ذلك كله ترسيخ الأخلاق العالية في نفوس العابدين والطائعين، وتطبيع النفوس على التسليم لأمر الله والاستجابة لحكمه والانقياد لطاعته، وتحقيق النفع لعباده.
فالعبادات - وإن كانت صلات بين العابد والمعبود - هي عوامل في تهيئة النفوس للالتقاء في ظل الطاعة المطلقة للمعبود والتواد والتراحم فيه والتواضع لكبريائه، حتى لا يستعلي بعضها على بعض، والتآلف حتى لا تتنافر في شيء، (1/283)
صفحة 279
284
نداء الحق
كيف والعبادات كلها تربي هذه النفوس على الإسلام الحق، الذي يجعل من الإنسان المسلم عبدا خالصا الله وحده، له محياه ومماته، ومن أجله رضاه وسخطه، لا ينظر إلى الدنيا إلا من هذا المنظار، ولا يأنس إلى شيء فيها إلا ما كان سابحا معه في هذا الفلك العظيم قُلْ إِنَّنِي هَدَنِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينَا قِيِّمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) الأنعام: 161 - 163.
ـ
فلو أدى الناس عباداتهم خاشعين الله تعالى لا يشعرون فيها إلا بتسابيح
الكون - الذي تعج ذراته بما اشتملت عليه بتقديس الله تعالى وذكره، وتعظيمه وحمده، وتخر جميعا ركوعا وسجودا لعظمته ـ لشعروا بالانسجام مع كل أجناس الخلق، والانتظام مع كل وحدات الوجود، ولعمهم جميعا الرفق والرحمة والوئام والسلام، إذ لا يبقى علو في الأرض ولا فساد، كيف وما من كائن إلا وهو مسبح لجلال الله كما أخبر الله عنه بقوله: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمدِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) الإسراء: 44، وقوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجَبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَاتُ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ) الحج: 18. وإليك صورا مما تحققه العبادات في حياة العابد من الآثار، التي تجعله يتقزز من العلو والاستكبار والعتو والفساد وتملي على ضميره حب والحنان والرفق بجميع عباد الله تعالى.
1 - الصلاة:
018
الألفة
كم للصلاة من أثر في نفس المصلي ينعكس على مجتمعه الذي يشاركه الاستجابة لداعي الله، والتواضع لكبريائه، فإنها تطهر النفس من أدرانها وتجردها من عيوبها، وتحليها بأنفس ما تتحلى به النفوس من التواضع الله ولخلقه، وتعظيم الله سبحانه والرفق بعباده، وهذا ما أشار إليه النبي الله بقوله: «مثل الصلوات (1/284)
صفحة 280
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
285
الخمس كمثل نهر جار عذب على باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات فما يبقى ذلك من الدنس)، وقد أراد صلوات الله وسلامه عليه بهذا القول الجزل والتصوير البليغ أن يقرب إلي الأفهام ما للصلاة من أثر على النفوس، وتطهير للبواطن وتزكية للأخلاق وتربية للضمائر، فصورها تصويرا حسيا، لأن النفوس أوعى للمحسوسات وأقرب إلى إدراكها، فشبه الصلاة بالنهر الغمر على باب الإنسان، يتردد إليه في كل يوم وليلة خمس مرات لينقي جسمه مما عسى أن يلحقه من الغبار أو يلتصق به من الأدران، فإن من تعهد هذا النهر بتردده إليه وارتمائه في معينه وعرك جسمه بمائه الثجاج لا يبقى من أثر الأدران على بدنه شيء. وكذلك الصلوات الخمس مع ما بينهما من التفاوت في التأثير والتباين فيما يصل إليه، فالنهر إنما ينقي ظاهر الجسم ولا يلج إلى باطنه، بينما الصلاة تنقي الروح وتتغلغل في أعماقها، وتسري في جوانب النفس، فلا تدع فيها ما يكدرها أو يشينها، وشتان بين الروح والجسم وبين الباطن والظاهر، وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا البيان البليغ التنبيه على ما للصلاة من أثر، وقد يكون التنبيه على الأمر الجلل بالإشارة إلى طرف منه كما ضرب الله مثلا لنوره الذي لا يضاهيه شيء بمشكاة فيها مصباح.
وإذا كانت الصلاة بما لها من قوة روحية تلج في أعماق النفس فتزكيها تزكية لا تدع معها شائبة إلا خلصتها منها، فإنها - بلا ريب ـ تعدم منها رذائل الطباع ومساوئ الأخلاق، وتنشئ فيها فضائل الطباع ومحاسن الأخلاق، وكيف لا تكون كذلك وكل كلمة من كلماتها تعد بنفسها نبعا رقراقا طهورا يأتي على ما في النفس من الأدناس والأقذار، ناهيك بفاتحتها وهي تكبير الله تعالى، فإنه
(1) من طريق جابر: أخرجه أحمد (317/ 3 رقم 14448)، وعبد بن حميد (ص 312، رقم 1014)، والدارمي (283/ 1 رقم 1182)، ومسلم (463/ 1، رقم (668)، وابن حبان (12/ 5، رقم 1725)، ومن طريق أنس: أخرجه أبو يعلى (67/ 7، رقم 3988)، ومن طريق أبي أمامة: أخرجه الطبراني (164/ 8، رقم 7684)، والبيهقي (63/ 3، رقم 4752). وأبو يعلى (445/ 3، رقم 1941). (1/285)
صفحة 281
286
نداء الحق
يذكر المصلي أنه بين يدي الله الذي انفرد بالكبرياء، وجميع صفات الجلال والكمال، وأن العباد على العكس من ذلك فهم جميعا يسبحون في بحر العبودية لله تعالى في محياهم ومماتهم ودنياهم وأخراهم، {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا وَاتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا، لَقَدْ أَحْصَنَهُمْ وَعَدَّهُمْ عَذَا، وَكُلُّهُمْ عَاتِيهِ
من
يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَرْدًا) مريم: 93 - 95، وحسب كل أحد أن يكون صادقا. في عبوديته الله، لا يجعل منها نصيبا لهواه، ولا لشيطانه، ولا لأي عات مستكبر في الأرض. والتكبير يفيض في النفس هذه المعاني السامية ليرتقي بها في سلم التواضع لجلال الله، فإن كان هذا المصلي من الذين ابتلوا بأسباب الفتنة في هذه الحياة من الجاه والسلطان والمال والمنصب، وسائر المظاهر الخلابة التي تبعث في النفوس، الغرور، وتدفعها إلى الاستعلاء، فحسبه هذا الشعور الذي يمليه التكبير محررا له من ربقة الشيطان، ومخلصا لنفسه أسر الغرور، وساميا به في مقامات التواضع الله، فلا يستعلي على أحد من خلق الله بما أحاط به من مظاهر الفتنة ومظان الغرور، وإن كان من الطرف الآخر الذي يحتقر ويزدرى لضعة نسبه، أو دناءة حسبه، أو قلة ماله، أو فقدان جاهه وسلطته، فإنه بما يمليه التكبير على نفسه يتحرر من التواضع لغير الله، والتذلل لخلقه، فلا يكون لغير الله تعالى نصيب في عبوديته، كما لا يكون لغيره نصيب عبادته، فيتشرف بأن تكون عبوديته وعبادته خالصتين الله الله، وتلك منزلة الحياة لا ينالها إلا الخاصة من أهل الله تعالى.
في
في
وذاك دليل أن الله أنفسا عليها من اللطف الخفي ستور ظواهرها بله وتحوي بواطنا لدى علمها جنس الوجود حقير عليها خدور من غبار غباوة ولكنها تحت الخدور بدور تجردن من لبس الخيالات وانطوى عليهن ريش من هدى وشكير سرين رياح الله تحدو ركابها إليه وأنوار اليقين خفير يغادرن فيه منزلا بعد منزل يكاد بها الشوق الملح يطير (1/286)
صفحة 282
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
287
الله
وأي خلق أسمى من هذا الخلق الذي يتخلق به العبد، وهو بين يدي تعالى ماحضا له إخلاصه ومخلصا له عبادته وعبوديته؟ ولا فرق في ذلك بين أن يكون من هذا الفريق أو ذاك، فإن كلا منهم إن لم يخلص الله تعالى عبوديته وعبادته كان عبدا لشهواته ورغباته ونزعاته ونزغاته ومخاوفه ومطامعه، وإنما يسمو على ذلك من ارتقى في مقامات العبودية لله.
وإذا التقت جميع الطبقات في هذا المقام العالي تحطمت بينها الحواجز، وزالت بينها الفوارق وانعدمت في حياتها النعرات، وتآلفت في ذات الله تعالى
حتى تكون كالنفس الواحدة في شعورها وإحساسها، وأملها وألمها.
وهذا يتجسد في أداء الصلاة عندما يجتمع المصلون فيقفون موقفا واحدا بين يدي الله سبحانه، لا تمييز بينهم بعنصرية ولا طبقية، ينتظمون في حركاتهم فيركعون معا، ويرفعون معا، ويسجدون معا، ويرفعون معا، فإن استصحبوا مع هذا روح الصلاة ـ وهي الخشوع فيها جميعا - كان لذلك أثر في تزكية نفوسهم والقضاء على ما يلابسها من الغرور والافتتان بمظاهر الحياة الدنيا وزخرفها، وانتزاع كل ما يلابسها من الشعور بالتميز على الغير والرفعة فوق أقدار الناس فيتطامن كل من يبدو للناس بأنه رفيع القدر عظيم القدر عظيم الشأن بينهم، فلا يتعالى
أنه
على غيره من الخلق ولا يغمطهم ما كتب الله لهم من الحق، بل يحس أحوج إلى الانسجام معهم، والانخراط في سلكهم، ومعاملتهم جميعا بالحسنى، وبهذا الشعور نفسه يأبى التصاغر للناس من كان ـ حسب ظاهر حاله - نازل القدر حقير الشأن، إذ لا يحس بفرق بينه وبين الآخرين، فهو واحد منهم في العنصر والمبدأ والمآل، وكلهم سواسية في التكليف، ومتحدون في الجزاء، {مَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَمِ لِلْعَبِيدِ) فصلت: 46 ولا يتفاضلون إلا بما يتميزون به من تقوى الله تعالى، والتحلي بمكارم الأخلاق، فلا يبقى بهذا مجال للتفريق بين الرفيع والوضيع، ولا للتمييز بين الأصيل والهجين فلا يحجز بعضهم عن بعض حاجز من نعرات الجاهلية
صلے (1/287)
صفحة 283
288
نداء الحق
وشعاراتها الباطلة، وبهذا يتحقق بينهم الاندماج، وتسودهم الأخوة، ويغمرهم الود والشفقة والحنان حتى يتحقق فيهم ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى
على أن أثر الصلاة في النفس أثر بالغ ينعكس - إيجابا لا سلبا ـ في تصرفها وتعاملها مع الآخرين، فقد أكد الله تعالى أن الصلاة تنتزع بتأثيرها من نفس المصلي صفات جبلية خسيسة، لتحل محلها نقائضها، وحسبك دليلا على هذا قول الله تعالى: {إِنَّ الإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَابِمُونَ) المعارج: 19 - 33.
فأنت ترى أن الله سبحانه يؤكد هنا أن الإنسان خلق متلبسا بهذا الخلق الدنيء، فهو مع مس الخير منوع، ومع مس الشر جزوع، لكنه بمداومته على الصلاة يتغلب على هذا الخلق حتى يتخلص منه.
وكل ما في الصلاة من قول أو عمل أو حركة أو سكون مفض إلى هذه الغاية النبيلة، وهذا الربح الكبير.
2 ـ الزكاة:
هي
كاسمها زكاة للنفوس بتنمية فضائلها، وتنقيتها من جميع رذائلها، وهي
لغة
دالة على النماء والطهارة معا، قال في اللسان وقيل لما يخرج من المال للمساكين
(2)
من حقوقهم زكاة لأنه تطهير للمال وتثمير وإصلاح ونماء، كل ذلك قيل» (2).
قلت: هي - بجانب كونها تنمية للمال، وتطهيرا له من أدرانه ـ تزكية للنفس، فمن أدى زكاته كان مزكيا لنفسه بتخليتها عن الخصال المذمومة،
(1) سبق تخريجه
(2) ابن منظور لسان العرب، 358/ 14. (1/288)
صفحة 284
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
289
كالشح وعدم الرفق والرحمة بالمحتاجين، وتحليتها بالخصال المحمودة لأنها تفجر في قلب من اعتادها مشاعر الرحمة، وتُعَوِّده على البذل والإحسان، فإذا اعتادها الإنسان لم يكد يفتح عينه على ضعيف أدقعه الفقر، أو قعدت به الزمانة، أو أنهكه السقم إلا تألم لحاله ألما لا يشفيه إلا مواساته وجبر كسره بما يقدمه إليه من المعروف، وهذا ما دل عليه قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} التوبة: 103.
وفي هذا علاج لأسقام النفس التي تتولد عن حب المال، فكم لحبه من أثر سلبي على النفس ينشأ عنه من الداء العضال ما يعجز كل آس عن علاجه، وينثني كل دواء عن شفائه، إذ حب المال عندما يطغى على النفس يستأثر بهواها، ويسد عليها منافذ الرحمة حتى يغلظ طبعها، فتغدو كالحجارة أو أشد قسوة، وقد سبق بيان هذا في الحديث عن المال وكسبه وإنفاقه، فكم حب المال من عداوة بين الأقربين، أدت إلى القطيعة، بل وإلى الإجرام أحيانا، وقد يتعدى قريب على قريبه وإن اتحدت لحمتهما، حتى يتنكر ولد لوالده ولا يبالي أن يسعى لتعجيل حتفه، لأجل أن يستأثر بثروته.
خلف
وكثيرا ما تكون الجرائم المتفشية بين الناس التي تقلق الآمنين، وتقض مضاجع الأبرياء، ناشئة عن حب المال، ناهيك ما يكون من قطاع الطرق من سفك الدماء، وإزهاق الأرواح لأجل حيازة ما بأيدي أهلها من لعاعة من المال لا تسوى شيئا، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الطبع الرديء في النفس الإنسانية في قوله تعالى: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمَّا الفجر: 20، وقوله: {وَإِنَّهُ لِحُبّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) العاديات، وقد توعد الله تعالى على ذلك أشد الوعيد، إذ لم يَنْصَبَّ وعيده على الذين يدفعهم هذا الحب الأعمى إلى الجرائم، وانتهاك الحرم وحدهم، ولا إلى الذين يمنعون ما فرض الله من حقوق في المال دون من سواهم، وإنما شمل معهم الوعيد الشديد من لا يتواصون ويتحاضون على أداء هذه الحقوق، كما في قوله تعالى: {كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَخَضُونَ (1/289)
صفحة 285
290
نداء الحق
عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) الفجر: 17 - 18، وهو دال - بلا ريب ـ أن النجاة من هذا الوعيد لا تكون ببسط الإنسان يده بالمعروف، مع إهماله حض الآخرين على ذلك، وإنما عليه ـ إن أراد النجاة من الهلكة ـ أن يحض غيره على بسط اليد بالإحسان مع سبقه إلى ذلك، ومهما كان من قيام المجتمع المسلم بهذا الواجب التكافلي، فإن عليهم دائما أن يتحاضوا على ذلك لتستمر هذه الحالة
فيهم وفي أعقابهم، بحيث تكون صفة لازمة لا تنفك عن أحد منهم.
وفي نهج السلف الصالح له أسوة حسنة في ذلك، ناهيك ما كان من الأنصار - رضوان الله تعالى عليهم - الذين آووا إخوانهم المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا، فقد بوأوهم في دورهم مبوأ أنفسهم، وأشركوهم في أموالهم، وخيروهم فيما يختارونه منها، وآثروهم على أنفسهم وأهليهم وأفلاذ، أكبادهم مع ما كان ينتابهم من الخصاصة. وهذا دليل على مبلغ الإيمان في نفوس أولئك السلف، فقد خلصهم من كل ما كان في جاهليتهم من تفشي الطباع - التي تستولي على قلوب الناس وتتحكم في تصرفاتهم - من الانجذاب إلى زخرف الحياة والاستئسار لشهوة المال الجامحة، والإخلاد إلى الدنيا، ونعيمها، والحرص على الاستئثار بخيراتها، فقد حولهم الإيمان إلى أمة أخرى كأنه طواهم ثم نشرهم بطبائع ليست من جنس طباع البشر المعهودة، أو كأنه بدأ يسري في نفوسهم قرونا وقرونا، وهم في أصلاب آبائهم أو أرحام أمهاتهم، يغذيهم بهذه الروح، ويخلصهم بها من شوائب ما كانوا عليه من خصال، حتى إذا ما صفت طباعهم، وسمت نفوسهم، وارتقت أخلاقهم، أخرجهم خلقا، آخر، فبرزوا للوجود بهذه الخصال. وليس للناس اليوم أن يدعوا أن هؤلاء ارتقوا مرتقى صعبا في معارج يعز على من بعدهم أن يرقى إليه، فإن أولئك إنما خرجوا من جاهلية
الأخلاق
جهلاء، فتحولوا من النقيض إلى النقيض بتأثير القرآن في نفوسهم، ورقي (1/290)
صفحة 286
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
291
الإيمان بأرواحهم وأفكارهم، فتحرروا من كل ما كان يأسرهم عن الانطلاق في ميادين الخير والقرآن بيننا لم يزل كما كان عندهم، نتلوه كما يتلونه، فبإمكان كل منا أن يتقن تدبره ويفكر في كل ما قصه علينا من أخبار الصالحين لنقفوه، أو من أنباء المجرمين لننأى عنه، فمالنا لا نتدبره كما تدبروه أونرضى لقلوبنا أن يحكم رتاجها بأقفال تحول بينها وبين هذا الخير كما قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبِ أَقْفَالُهَا (محمد 24؟! أولا نرى ما ولي نشر محاسنهم هذه من ذكر أحوال الذين يأتون من بعدهم، فيقفون خطاهم ويسلكون دربهم، فإن أولئك ملحقون بهم في خصائصهم ومزاياهم، فقد أتبع الله ذلك قوله: {وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَ لِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَنِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ الحشر: 10، أولا يجدر بكل مؤمن أن يحرص على أن يكون ممن جاء من
بعدهم يقفو أثرهم ويتحلى بشمائلهم؟.
وإذا أدركت أثر حب المال في أسر النفوس عن الخير وتقييدها عن الإحسان، وأثر الزكاة في إطلاق سراحها حتى تجول في ميادين الخير، وتنطلق في مضامير البر تبين لك ما يولده حب المال من مساوئ الأخلاق، وما ينشأ عن إنفاقه من مكارمها، على أن هذا الإنفاق لا ينحصر في الزكاة وحدها، فكل أحد مطلوب أن يبسط يده بالمعروف، ولو خارج حدود الزكاة، ناهيك أن الله سبحانه ذكر إيتاء المال في صدر أعمال البر مسبوقا بالإيمان وحده، ثم عطف عليه إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، كما تراه في قوله: {لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَيكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّبِيِّنَ وَعَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَعَالَى الزَّكَوةَ (البقرة: 177، والعطف دليل التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه، وهو مما يؤكد أن في المال حقوقا للأصناف المذكورة في الآية من غير الزكاة. (1/291)
صفحة 287
292
نداء الحق
والفرق بين هذا الحق وحق الزكاة أن الزكاة إنما تجب في أصناف مخصوصة من المال كالنقدين والأنعام والحبوب المقتات بها وكذلك التجارة وهي مقيدة ببلوغ النصاب، ومرور الحول في غير الثمار، والمخرج منها نسبة محددة من القدر الذي ينتهي إليه المال، بينما الحقوق الأخرى لا تتقيد بصنف ولا نصاب ولا زمان ولا يحدد ما يخرج منها بنسبة معينة، وإنما هي موكولة إلى ضمائر أهل الخير بقدر ما يرونه من حاجة المحتاجين، وما يمكنهم الاستغناء عنه في الحال مما بأيديهم من المال.
والمتأمل في أصناف المال الذي يزكي يجد أن كل صنف منه تتطلع إليه نفوس الفقراء، وتشرئب إليه أعناقهم، لأنه مما لا يكاد يستغنى عنه، فبهيمة الأنعام والحبوب المقتاتة لا يكاد يستغنى عنها في الغذاء، والنقدان وما يحل محلهما تقضى بها الأوطار، ويتوصل بها إلى تبادل المنافع، فلذلك خصت بهذا الحق المشروع المحبب دون سائر الأصناف التي وكل إنفاقها إلى نظر أهليها.
ولا يخفى ما للزكاة من أثر على نفوس معطيها وآخذيها، فهي كما تزكي نفوس المعطين، تسمو أيضا بنفوس الآخذين لأنها تقضي مآربهم وتشعرهم بشركتهم في منافع أموال إخوانهم الأغنياء، فتستل من قلوبهم السخائم والأحقاد وتحل المودة والشفقة والحنان والانسجام محل الشنآن والقسوة والغلظة والتنافر، فيتعاطف الجانبان وتتحطم الحواجز بينهما بردم هذه الهوة
الفاصلة بين أحوالهما.
ـ الصيام: هو مدرسة يتدرب فيها الصائم على كل ما يزكي خلقه، ويهذب نفسه ويعرج بروحه في مقامات، الخير وهو يمحق كل ما اعتاده المرء من الخصال السيئة والعادات المذمومة، وبقدر هذه التخلية منها تتحلى نفسه بمحامد (1/292)
صفحة 288
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
293
الخصال، وتتعود على أحسن العادات، فهو من ناحية يفطم النفس عن شهواتها المألوفة، ويعودها حسن الرقابة في وقت يعز فيه الرقيب من الناس، وإنما يمتلئ الصائم بالإحساس برقابة الله تعالى ورقابة من أمر برقابته من الكرام الكاتبين، فيظل شعوره مفعما بهذا الإحساس، ويجعله ذلك يعتاد دائما خشية الله تعالى ورجاءه والتعلق به.
على أن الصيام لا يعود الصائم ترك شهواته من الطعام والشراب، وقضاء الوطر بين الأزواج فحسب، ويجرد من نفسه رقيبا على نفسه في ذلك، وإنما بجانب هذا يقيد كل جارحة من جوارحه حتى لا تكتسب سوءا قط، فهو يقيد اللسان عن كل محظور من القول ويراقبها لئلا يصدر عنها كذب أو نميمة أو اغتياب أو تنقيص للغير أو أي باطل من القول، ويراقب السمع، فلا ينصت إلى شيء من ذلك، ويراقب البصر، فلا ينطلق في النطق في مجالات مجالات محارم الله تعالى، بل يتقيد بقول الحق الذي يرضي الله ويراقب اليد، فلا تأخذ حراما ولا تعطيه، ولا تبطش بغير حق، ويراقب الرجل، فلا تقدم على الخطو في غير ما أذن الله به.
وهذه الرقابة تظل في اعتياد الصائم حتى حين الفطر، لأن من اعتاد على شيء هان عليه، وهذا كله إنما يعود إلى مدلول التقوى التي جعلها الله غاية في فرض الصيام عندما قال: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183، فما أوسع مدلول التقوى، فإن مدلولها إن كان لغة بمعنى التجنب، والابتعاد فهو شرعا: تجنب كل ما يسخط الله بعدم التفريط في نواهيه، ولا الاستخفاف بأوامره، فلا يدع مأمورا به إلا وفاه حقه في أدائه ولا منهيا عنه إلا جعل بينه وبينه حاجزا منيعا يمنعه من الحوم حول حماه، وقد أكد ما دلت عليه الآية ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فعند الربيع حمدالله من طريق ابن عباس ما عن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
6 (1/293)
صفحة 289
294
نداء الحق
>>
ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله)، وفي حديث أبي هريرة له عن أنه قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (2).
النبي
مع
ما
عسى
وبجانب ذلك، فكم يرق شعور الصائم ويرهف إحساسه عندما يشعر بصعوبة الجوع والعطش، فيذكره ذلك حال الفقراء والمساكين الذين لا يجدون كفافا من عيش، ولا يتيسر لهم من قوام أبدانهم إلا الشيء اليسير، ويضطرون ذلك إلى العمل المضني بين لهيب الحر واستعار الظمأ لأجل كسب أن يسد شيئا من رمقهم أو رمق من يعنون به، وهذا الإحساس لا بدَّ من أن يثمر برا وإحسانا إلى هؤلاء، لأنه يثمر في القلوب رقة ورأفة ورحمة. ولا يخفى أن التعود على ذلك كله يدفع النفس إلى عدم التفريط في مكارم الأخلاق، وما يتبعها من محاسن الأعمال، فتأتلف القلوب وتتحد المشاعر لما يغمرها جميعا من المودة والرحمة، فلا تبقى فجوة بين غني وفقير، ولا جفوة بين قوي وضعيف.
على أن أثر الصيام لا ينحصر في هذا فحسب، بل يتجاوزه إلى تعويد الصائم على ضبط النفس وعدم الاسترسال معها في انفعالها عندما تتعرض لإساءة أو عدوان من قبل أحد، فانظر كيف يربي النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين على ذلك في معرض تذكيرهم بقدسية عبادة الصوم ومنافاتها لما تنجذب إليه النفس من حب التشفي والانتقام ممن أساء إليها، فعند الربيع عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصوم جنة فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل وإن
(1) أخرجه الربيع: (ص 54 رقم: 91).
(2) أخرجه أحمد (443/ 2، رقم 9717)، والبخاري (2251/ 5، رقم 5710)، وأبو داود (307/ 2، رقم 2362)، والترمذي (87/ 3، رقم (707) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (539/ 1، رقم 1689)، وابن حبان (256/ 8، رقم (3480). والبغوي في الجعديات (414/ 1، رقم 2831)، والنسائي في الكبرى (238/ 2، رقم 3246)، والبيهقي (270/ 4، رقم 8095). (1/294)
صفحة 290
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
295
امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم)، وجاء من طريقه وطريق ابن مسعود نه بلفظ: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم» (3).
ضي
ألا ما أسمى هذا الخلق الذي لا يرقى إليه إلا بمعارج الصيام، فانظر كيف يربي النبي نفوس المؤمنين على الانضباط عندما تتعرض لما يزعجها أثناء صيامها، فليس للصائم أن يقابل الإساءة بالإساءة، وإنما يقابلها بالإحسان، فهو لا يطلب منه أن يكف أذاه عن الغير فحسب، وإنما يطلب منه أن يتعود تحمل الأذى من الغير وأن لا يجزيه به مثل صنيعه، فإذا قوتل أو شتم كف يده ولسانه، ولم يزد على قوله: (إني صائم)، ليذكر نفسه بعظم ما هو فيه، فلا يقدم على ما ينافي قدسيته استجابة لداعي غريزة الانتقام، وليذَّكَّر من صدر منه الأذى إن كان من جنس المسلمين الصائمين بأنه ارتكب أمرا عظيما، وفرط في حقوق ما هو فيه من الصيام، وإن كان من الآخرين كان في ذلك ما يدعوه إلى الإمعان في هذا الأدب وهذه الأخلاق، والتفتيش عن مصدرها من هذا الدين
الحنيف، ولعله بذلك يستجيب لداعي الحق ويصبح من المؤمنين.
- الحج:
في
الحج أعظم فرصة لتظاهر الأمة الإسلامية من أطراف الأرض، ممثلة وفودها التي تفد إلى الله سبحانه في تلك العراص الطاهرة، فتتجرد من كل ما يلابسها من مذام الصفات ومساوئ الأخلاق، فهو يؤصل في النفس الإنسانية تساوي الجنس البشري، واتحاده في ظل العبودية لله تعالى، إذ
(1) أخرجه الربيع: ص 134 رقم: 330). (2) أخرجه من طريق أبي هريرة: مالك (310/ 1، رقم 682)، والبخاري (673/ 2، رقم 1805)، ومسلم (806/ 2، رقم (1151) وأبو داود (307/ 2، رقم 2363) وابن ماجه (539/ 1، رقم 1691) وابن حبان (258/ 8، رقم 3482)، ومن طريق ابن مسعود: أخرجه الطبراني (129/ 10،
رقم 10198). (1/295)
صفحة 291
296
نداء الحق
6
أزيائهم،
الكل يلهجون بقول واحد ويتحدون في هيئة واحدة، متخلين عن تاركين لشعاراتهم، مستأنسين بالله تعالى مستوحشين من كل ما يشغل عنه، ولو كان من أعز الأشياء على النفس، وأحبها إلى القلب، فالكل يستجيب الله لاهجا بلسانه ما ينبعث من أعماق قلبه من حب التوجه إلى الله
لداعي
تعالى، فيقول: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وهو يعني التوجه إلى الله سبحانه بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، فيتخلص بهذا من كل عادة مذمومة وخصلة رذلة، جاعلا رضى الله تعالى نصب عينيه ومطمح نفسه، سالكا إلى ذلك طريقه بطاعته في كل ما أمر به أو نهى عنه، لا يلوي على شيء من شهوات النفس ونزعاتها، ولا يتأثر بما يعرض له من وساوس الشيطان ونزغاته، فلا يستجيب لنزوة طائشة ولا لرغبة جامحة، ولا لعصبية ممقوتة، ولا لشيء من مؤثرات النفس أو البيئة أو المجتمع، وإنما يوجه وجهته إلى الله، مودعا حياته الأولى، وما كان فيها من انحراف عن القصد، أو إخلاد إلى الأرض، أو ميل إلى الدنيا، أو انجذاب إلى شيء من زخرفها وزينتها، فلا يقيم وزنا إلا لما فيه رضى الله ولا يلتفت إلى علاقة إلا ما كان أساسه حكم الله، ويزن كل ما يصدر منه بموازين الله تعالى، لأنه جرد فكره وسلوكه، ونطقه وعمله ودينه وخلقه، ومحياه ومماته ودنياه، وأخراه فجعلها جميعا الله الذي لبى نداءه نافيا أن يكون له أي شريك في ذلك.
وهو شعيرة مقدسة تصل القلوب ببارئها سبحانه وتبعث في النفس عزائم التقوى، وتقوي فيها دواعي الإحسان، فتقرب بين النفوس المتباعدة، وتؤلف بين القلوب المتنافرة، وتفتح آفاقا من التعارف والاطلاع على ما تنوء به الأمة من مشكلاتها وما تحتاجه من الحلول التي لا تتم إلا بتعاون فئاتها، وتلاقح أفكارها، وتعاطف قلوبها والقضاء على كل ما يعكر صفوها، حتى تكون كقلب رجل واحد كما قال: ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم (1/296)
صفحة 292
297
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
6
كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى فلا يكون بينها إلا التراحم والتلاحم وانجذاب بعضها إلى بعض. وهو واضح مما جاء به القرآن في معرض الحديث عن هذه الشعيرة، فكم اقترن ذكرها بذكر التقوى كما في قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ... إلى قوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (البقرة: 196، وما تبعه من بعد من قوله: (الْحَجُ أَشْهُرُ مَعْلُومَتُ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جدَالَ فِي الْحَجَ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمُهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَتأُولِي الْأَلْبَابِ} (البقرة: 197، وكذلك قوله: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) البقرة: 203، وقوله: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِمْ شَعَرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) الحج: 32، وقوله في البدن: {لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ} الحج: 37، فما كان هذا الترادف بين ذكر الحج وذكر التقوى إلا لما بينهما من الترابط السببي، فإن التقوى تنشأ عن الصلة القلبية بالله تعالى، التي تتولد من أداء عباداته والقيام بشعائره، كما هو منصوص عليه في قوله تعالى: {يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 21، وقد قرنت كل عبادة من هذه العبادات بذكر التقوى نصا أو ضمنا كما تقدم ذكره، وإنما كان الحج أوفر حظا في ذلك حتى لا تشوب أداءه شائبة من الحظوظ الدنيوية، فقد تتهيأ للإنسان منافع شتى في رحلته إلى الحج، غير أنه يجب أن يكون قصده إلى الله لا إليها، وإن كان سلامة القصد وخلوص الطوية إن تحقق له شيء من تلك المنافع نعمة من الله وفضلا، كما قال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ} البقرة: 198.
لا يضيره مع
(1) سبق تخريجه. (1/297)
صفحة 293
298
نداء الحق
على أن مما يجب على قاصد الحج أن يجعل نصب عينيه نصرة دين الله تعالى وشد أزر المؤمنين جميعا، وجمع كلمتهم على ما يحبه الله تعالى ويرضاه، ففي هذا اللقاء الكبير يتسنى لوفود الله التي شدت رحالها من بقاع الأرض جميعا أن تلتقي في ظل دين الله، وإخلاص الطاعة له، لتطرح على بساط البحث ما يواجهه أهل كل بقعة من تلك البقاع مما يحتاجون فيه إلى الاستبصار بآراء إخوانهم المؤمنين، فيرجعون وقد أحرزوا جميعا من فوائد ما يفدون به إلى أقوامهم، فيفيدون به مجتمعاتهم، ويتحقق بذلك ما أشار الله إليه بقوله: (لِيَشْهَدُوا مَنَفِعَ لَهُمْ ... الحج: 28، فكم من منفعة للناس تتحقق للأمة عندما تتعاون على حل مشكلاتها، ويكون لكل حاج أدلى برأيه نصيب وافر من ثواب انتشال الأمة من ضياعها، وتحقيق المنافع لها،
لقائهم
ويكونون جميعا رسل سلام ووئام ومودة ورحمة، ورادة صلاح وإصلاح على أنهم جميعا ـ وهم بتلك العراص الطاهرة، التي يختزل كل شبر من ترابها من تاريخ دعوة الإسلام ما يفتح القلوب الغلف، ويبصر العيون العمي - يتسنى لهم أن يستنطقوا التاريخ، ويستدروا تلك الذكريات العظمى من أرض الحرم الشريف ـ حيث مهبط الوحي ومشرق النور - آكامها ووهادها، ووعرها وسهولها، وبوقوف المسلم على تلك المشاهد يتأتى له من استلهام العبر، واستنتاج الفوائد ما لا يتأتى له من بعيد، فإذا عاد أحدهم إلى أهله عاد بطاقة روحانية تذلل له الصعب وتدني له البعيد في سبيل الدعوة إلى الله، ونشر هذا الخير في أرجاء الأرض.
وبجانب هذه المنافع الجانبية التي يستفيدها الحجاج من رحلتهم إلى تلك البقاع الطاهرة، هناك فائدة كبرى تتحقق لهم بكيفية أداء هذه الشعيرة، عندما يتوجهون جميعا إلى الله - على تنائي ديارهم وتنوع أجناسهم وجنسياتهم، و اختلاف ألسنتهم وألوانهم - فيهتفون جميعا بلسان واحد «لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» (1/298)
صفحة 294
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
299
وما هذه التلبية إلا استجابة لداعي الله وتخل عن أهواء النفس ونزعاتها، وانضمام إلى وفد الحق الذي يؤم بوجهه وجه الله، فهي رمز التحرر من علائق النفس التي تثبطها عن الخير، وتقعد بها عن التضحية، وتجعلها تخلد إلى الأرض لا تبتغي بزخرفها بديلا فهي بهذا تعرج إلى أوج الخير، وتنفك عن قيود شهواتها وأهوائها، وذلك ـ بلا ريب - يفتح لها آفاقا جديدة في التفكير، أن تعيش وتعمل من أجل مصلحتها وحدها تجعل نصب عينيها مصلحة الأمة جميعا، فتتألم بآلامها وتنشط بآمالها، فيتحقق بذلك من الانسجام والوحدة والوئام ما تعجز الألباب عن تصوره، والهمم عن تحقيقه، وهذا عين الخلق الرفيع الذي يدعو إليه الإسلام، ويشير إليه القرآن في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) الحجرات: 10، وينص عليه الحديث الأنف ذكره.
فبدلا من
61.
جميع جزئيات الشريعة تحتوي على مكارم الأخلاق
من تأمل ما شرعه الله من الأحكام تراءى له الخلق الرفيع في كل جزئية من جزئياتها، وهذا يعني أن الشريعة قائمة على رعاية مكارم الأخلاق، سواء ما يتعلق بالصلات التي تكون بين الناس خصوصهم وعمومهم، أو ما يتعلق بمعاملاتهم.
حسن الخلق في التعامل مع جميع الناس:
سبق أن القرآن الكريم وصى بالقول الحسن في مخاطبة الناس جميعا، وذلك في قول الله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} البقرة: 83، وكذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمخالفة الناس جميعا بالخلق الحسن في قوله: «وخالق الناس بخلق، وإذا كان هذا النص القرآني وهذا الحديث النبوي قد أجملا القول ذلك، فإن فيما تضمنته الحكم المنصوص عليها في القرآن والمأثورة عن والله ما يفصل هذا الإجمال، فقد قال الله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
(1) سبق تخريجه. (1/299)
صفحة 295
300
نداء الحق
يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَنْ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَبِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) الحجرات: 11، فانظر كيف أطلق الله تعالى تحريم السخرية
نساء
بين الناس، وليس التنصيص على حرمة سخرية قوم من قوم ونساء من دالا على انحصار هذا الحكم في سخرية الرجال من الرجال، أو النساء من النساء، وإنما يندرج في ذلك ما لو سخر رجل من امرأة، أو امرأة من رجل، ولكن لما كانت المعاشرة والمداخلة بين الرجال والرجال كانت سخرية الرجل من الرجل أقرب إلى المألوف، كذلك تداخل النساء فيما بينهن قد يؤدي إلى سخرية بعضهن من بعض، فلذلك نص على هذا الحكم.
بأنه
يزعج
وانظر كيف حرم اللمز بالألسنة بهذا التعبير الدقيق الذي يشي ويؤذي كما لو كان طعنا بالأسنة، ولم يأت النهي عن لمز بعض لبعض، وإنما قال: [وَلَا تَلْمِرُوا أَنفُسَكُمْ] لأجل تربية الشعور بوحدة المشاعر بين الأمة جميعا، بحيث يحس كل أحد أن لو طعن غيره كأنما يطعن نفسه، ومنع التنابز بالألقاب لما يتركه من أثر سيء في النفوس، وما ينشره في المجتمع من السخرية المحرمة بهذا النص، فإن الألقاب كثيرا ما تكون ساخرة لا توحي إلا باستهزاء واستخفاف، لذلك عدها الله سبحانه من الفسوق المنافي للإيمان.
وأتبع الحق سبحانه ذلك بقوله: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَأَنَقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ) الحجرات: 12، وهو يتضمن النهي عن كل ما يؤدي إلى سوء العلاقة بين أبناء المجتمع أو أفراد الأمة، سواء كان من عمل القلوب أو من فعل الألسنة أو أي جارحة أخرى، فقد حرم الله تعالى الظن السيء لما ينشره بين الناس من انعدام الثقة، وانطلاق الخيال بأوهام لا تعود على الناس إلا بالقطيعة والوحشة فيما بينهم، وكذلك التجسس (1/300)
صفحة 296
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
301
فإنه تفتيش عن العورات ومحاولة اكتشاف ما واراه الستار منها، فهو حرام بين الناس جميعا ولا يختص به المؤمنون، لذلك أطلق النهي في الآية، ولم يقيد المؤمنين أن يغتاب بعضهم بعضا، من طبعه أو من
بما بين المؤمنين، ثم عطف على ذلك
نهي
فالغيبة هي ذكر الغير بما يكره، سواء كان فعله أو
من
خلقته،
وصور ذلك بهذه الصورة التي يتقزز منها الطبع، وتأنف منها الفطرة، وهي أن ينهش الإنسان من لحم أخيه ميتا.
ثم ولي ذلك قوله تعالى: {يَتأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَنكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَلَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الحجرات: 13، وهو بمثابة التأصيل للنهي عما تقدم، فقد عرف الله تعالى عباده أنهم لا فضل لهم عنده بأصولهم النسبية، ولا بشعوبهم وقبائلهم، لأن ذلك كله إنما أريد به أن يتحقق به التعارف بينهم لا التعالي والتفاخر، فهم جميعا ينحدرون من أصل واحد، أبوهم واحد وأمهم واحدة، ومعادنهم جميعا من التراب كما جاء في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم التي خطبها في حجة الوداع: ع: « ... ألا وإن الله تعالى قد أذهب نخوة الجاهلية وتكبرها بالآباء كلكم لآدم وآدم من تراب ليس إلا مؤمن تقي أو فاجر شقي وأكرمكم عند الله أتقاكم)، وعن ابن عمر لها مرفوعا: «يا أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعاظمها بآبائها فالناس رجلان رجل بر تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله والناس بنو آدم وخلق الله آدم من تراب»)، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء مؤمن تقي وفاجر شقي أنتم بنو آدم وآدم من تراب ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن (3).
(1) أخرجه الربيع: (ص 170 رقم: 419).
(2) أخرجه الترمذي (389/ 5، رقم 3270)، والبيهقي في شعب الإيمان (304/ 4، رقم 5193). (3) أخرجه أحمد (523/ 2، رقم (10791)، وأبو داود (331/ 4، رقم 5116)، والبيهقي (232/ 10، رقم 20851). وأخرجه أيضا الترمذي (735/ 5، رقم 3956)، والرافعى (62/ 2)، والخطيب (187/ 6). (1/301)
صفحة 297
302
نداء الحق
ولا يخفى أن تعالي الناس بالأحساب والأنساب مما يعمي قلوبهم عن معدنهم الذي يشتركون فيه جميعا، وهو مما يشيع فيهم تحقير بعضهم لبعض، وسخرية بعضهم من بعض، ولذلك كان هذا النهي بمثابة التأصيل لما تقدم. هذا وقد نصت أحاديث النبي على ما يطلب من المؤمن من التعامل بالأخلاق مع الناس جميعا، فعن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تبسمك في وجه أخيك صدقة لك، وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلالة لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة» (1).
فانظر كيف توسع النبي صلى الله عليه وسلم في مدلول الصدقة، فجعل كل ما يفضي إلى إيناس المسلم أو منفعته في دينه أو دنياه صدقة، فلأن يلقى المسلم أخاه بوجه طلق المحيا منبسط الأسارير باسم الثغر هو من الصدقات التي تقرب إلى الله، لما في ذلك من إيناسه وإبعاد الوحشة عنه، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لما يتحقق بهما من مصالح الدين، وكذلك إرشاد الغير في أرض الضلالة، أو عون رديء البصر، أو إماطة كل أذى من الطريق أو الإفراغ في دلو الغير، وفي هذا ما يرمز إلى أن كل ما يستأنس به الغير أو ينتفع به فهو من الصدقات، ولا يخفى على اللبيب ما في هذا من إشاعة المعروف بين الناس، وبسط الأنس لهم، وهذه الأخلاق التي تزكو بها النفوس وتأتلف بها القلوب، وتؤلف النافر وتقرب
هي
الشارد ليكون الناس عصبة واحدة تتعاون على البر وتتكاتف على الإحسان. وقد حض النبي على تفادي كل ما يؤدي إلى الوحشة والنفور، والحرص على كل ما يؤدي إلى الألفة والوفاق بين الناس، وقد سبق ذكر طائفة من الأحاديث المتعلقة بذلك في المحور السابع فارجع إليه.
(1) أخرجه البيهقي: (66/ 5 رقم: 3105). (1/302)
صفحة 298
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
303
شمول الأخلاق لما يصدر عن المؤمنين في سلمهم وحربهم لا يعفى المسلم عن التحلي بمكارم الأخلاق في أي موقف كان، وفي التعامل مع الناس يجب أن يكون تعاملهم مبنيا على رعاية الأخلاق، فعن أبي سعيد الخدري عن النبي قال: لا يخطبن أحدكم على خطبة أخيه ولا يساوم على سوم أخيه)، وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبيع الرجل على
بيع
أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له» (2)، ومن طريقه عنه أنه قال: «لا يبيع بعضكم على بيع أخيه» (3)،، ومن طريقه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«لا
6
يبيع بعضكم على بيع بعض ولا يخطب بعضكم على خطبة بعض» (4) وعن أبي هريرة بلفظ: «لا يبيع الرجل على بيع أخيه ولا يسوم على سوم أخيه» ()، ومن طريقه أيضا: لا يخطب الرجل على خطبة أخيه ولا يسوم على سوم أخيه ولا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفئ صحفتها ولتنكح فإنما لها ما كتب الله لها).
6
وفي هذه التوجيهات النبوية من النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم ما يؤذن بأن المسلم مطالب بأن يرعى الأخلاق في تعامله عند الناس جميعا لا سيما إخوانه المسلمين - بحيث تكون أخلاقه رسلا إلى الناس تنشر ما بينهم مبادئ الخير ورسالة الوئام والسلام، وتوطئ منهم الأكناف، وتؤلف منهم القلوب، ليلتقوا على كلمة سواء متحابين فى الله متعاونين على البر والتقوى
(1) أخرجه الإمام الربيع (ص 208 رقم: (516). (2) أخرجه أحمد (153/ 2، رقم 6411)، وعبد الرزاق (199/ 8، رقم 14868)، ومسلم (1032/ 2، رقم 1412)، وأبو داود (228/ 2، رقم 2081)، والنسائي (258/ 7، رقم 4504).
(3) أخرجه مالك (683/ 2، رقم 1365)، والبخاري (752/ 2، رقم 2032)، والنسائي (258/ 7،
رقم 4503)، وابن ماجه (733/ 2، رقم 2171).
(4) أخرجه الترمذي (587/ 3، رقم 1292) وقال: حسن
(5) أخرجه ابن ماجه (734/ 2، رقم 2172).
(6) أخرجه مسلم (1029/ 2، رقم 1408). (1/303)
صفحة 299
304
نداء الحق
متكاتفين على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يعتريهم سأم ولا فتور عن دفع عجلة الدعوة إلى الأمام لتسعد الإنسانية بالخير وتنعم بالعدل.
التعامل بالأخلاق بين الخاصة
إذا كان هذا هو الإسلام في نشره هذه الأخلاق الرفيعة بين عامة الناس، فإنه في بناء العلاقات الخاصة بين الأقربين هو أحرص على أن تكون علاقاتهم مبنية على رعاية الأخلاق، وحسن التعامل بينهم والتعاطف؛ الذي يحول نفوسهم إلى أن تكون كنفس واحدة في الشعور بما يسر وما يحزن.
1 - معاملة الوالدين
لا يخفى على كل ذي بصيرة ما ينعم به الوالدان في الإسلام من حسن الرعاية وعظيم التوقير، واللطف في الأخذ والعطاء معهما من قبل أولادهما، وهذا ما أكدته نصوص متعددة في القرآن، كقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّمَا أَي وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) الإسراء: 23 - 24، وفي هاتين الآيتين الكريمتين يقرن الله تعالى بين واجب العبادة الله وما يجب على الولد من بر والديه والتلطف بهما في المعاملة، والتذلل بين أيديهما في محادثتهما، الدعاء لهما بالرحمة من الله جزاء ما قدماه من التضحيات العظيمة، لا سيما الأم الذي حملت الولد كرها ووضعته كرها، كما سيأتي إن شاء الله.
وحسن
وفيما نص الله تعالى عليه هنا ما يدل على وجوب رعاية حال الوالدين عندما يبلغان أو يبلغ أحدهما من الكبر عتيا، وما يصحب ذلك من الشكوى والتأفف والتضجر وعدم الرضا عن حال، فإن على ولدهما أن يوسع صدره لهذا كله، ولا يتضجر مما عسى أن يصدر منهما من القول الجارح أو المعاملة (1/304)
صفحة 300
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
305
الخشنة، وأن يتذكر عندما كان طفلا ناشئا يتقلب بين أحضانهما ولا يتضجران من أي شيء يصدر منه بل كانا يغمرانه بعطفهما وحنانهما، وبرهما وإحسانهما، ويحوطانه بحسن رعايتهما، ويفديه كل منهما بنفسه، فيسهر لينام، ويجوع ليشبع، ويظمأ ليروى، وينصب ليرتاح وهما مع ذلك تنهمر دعواتهما له ليحفظه الله من كل سوء، ويبارك في حياته، ويمد في عمره، ويمنحه القوة، ويکسوه العزة والشرف.
6
ولو خير أحدهما أن تمتد حياته أو حياة طفله لآثر امتداد حياة طفله ولو لقي حتفه في سبيل ذلك، فما كان له وقد تحقق ما كانا يصبوان إليه من قوته وفتوته وشبابه ويفاعه أن يجزي هذا الإحسان منهما بالعقوق والإساءة، وقد أخذا في الانتكاس في الخلق والعودة إلى الضعف الشيبة، وإنما عليه أن مع يتحمل كل ما يلقاه من جفاء في معاملتهما، يفرزه كبرهما وضعفهما، وأن يشكر الله تعالى على ما من عليه من طول حياتهما لتكون سببا لفوزه بالأجور. ومثل ذلك قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَنًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا .... الأحقاف: 15، وفي هذه الآية الكريمة مع توصية الإنسان بوالديه جميعا إشارة لطيفة إلى ما تتميز به الأم من الحقوق، وما يجب لها من مضاعفة الإحسان، فمع التوصية بهما جميعا ذكر الله تعالى ما قدمته من التضحيات الجسيمة، وما عانته من المشاق العظيمة منذ بداية حملها به إلى حين فصاله من الرضاع فكم أرهقها حمله ونغص عليها متعة الحياة في ليلها ونهارها فكان سببا لسهرها، وقد تغذى إبان ذلك بخلاصة دمها حتى نما في أحشائها وترعرع ثم عانت في وضعه ما عانت من مشاق الولادة التي لا تتصور، ولم يكن خروجها منها إلى ارتياح واسترخاء، وإنما كان انتقالا من مشقة إلى مشقة، ومن تعب إلى تعب آخر، فكم أسهر ليلها ببكائه وعويله، ناهيك بهمها عندما يلم به أي سقم أو ينزل به أي بلاء،
فإنها تكون أشد سقما وأعظم بلاء منه، وهو يتغذى في هذه المدة بما يفرزه (1/305)
صفحة 301
306
نداء الحق
جسمها من خلاصة ما تتغذى به فيتحول إلى دم نقي ثم إلى لبن خالص من جميع الشوائب، هو أصح وأمتع ما يتغذى به الأطفال.
وبعد فطامه لا تخلد إلى الدعة والراحة بل تظل عينها ساهرة عليه، وقلبها يخفق من أجله، ومشاعر الأمومة تحوطه من كل جانب وعلى كل حال، فإن حضر لم يهدأ لها بال حتى تراقب أي شيء من حوله لئلا يزعجه شيء، وإن غاب انتقل معه قلبها وظلت واردات الأفكار تزعجها، فلا يهدأ لها بال أيضا حتى يعود إليها سالما مطمئنا كيف وهو قرة عينها وفلذة كبدها ومحط آمالها وهكذا تظل رعايتها تكتنفه وإن كبر وشاخ، إذ يظل في نفسها كما كان في طفولته.
فما كان له أن يتجاهل هذه التضحيات العظيمة بعد أن يترعرع ويقوى ويصلب عوده ويضعف عودها، وكذلك الأب الحاني فهو ـ بلا ريب ـ أساس تربيته، لأنه العين الساهرة عليه يرعى أخلاقه وشمائله، ويهذب فكره وآدابه، ويؤثره على نفسه بكل غال وثمين عنده ويري حياته امتدادا لحياته وشبابه امتدادا لشبابه، كما قال الشاعر:
وقلت شباب ابني شبابي وإنما تحول شطر العمر مني إلى شطري فلذلك يؤثر صحة ولده على صحته وراحته على راحته، ويسره على يسره،
ويتمناه دائما أن يكون أرقى منه خلقا، وأغزر منه علما، وأجمل منه حالا. ولا ريب أنهما يفوقان سائر أهل الحقوق من البشر في حقوقهما، وإن كانت للأم مزية على الأب بما أشار إليه القرآن من تضحياتها، وصرح به النبي صلى الله عليه وسلم في جوابه لمن سأله فقد قال له رجل: يا رسول الله من أحق الناس ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك»)،
بحسن الصحبة؟ قال: «أمك،
ثم أمك، ثم
(1) أخرجه مسلم (1974/ 4 رقم: 2548). (1/306)
صفحة 302
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
307
وعن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: قلت: يا رسول الله من أبر؟، قال: «أمك»، قلت: ثم من؟ قال: ثم أمك»، قلت: ثم من؟ قال: «ثم أباك، ثم الأقرب فالأقرب).
ولهذا ذهب أكثر الفقهاء إلى أن حق الأم أعظم من حق الأب، وإن اختلفوا في تحديد النسبة بين حقيهما بين من يقول: إن لها ثلاثة أرباع الحق وله الربع، لأنها ذكر حقها ثلاث مرات وذكر حقه مرة واحدة معطوفا على حقها بـ (ثم) التي تقتضي المهلة والترتيب ومن يقول إن حقها ضعف حقه.
لا يسقط حق الوالدين بشركهما أو فجورهما
هذا؛ وإن من سماحة الإسلام وإنصافه لكل ذي حق أنه لم يحصر حقوق الوالدين في المسلمين وحدهم، بل جعله حقا مشاعا، يشترك فيه المسلم والكافر، والبر والفاجر، فقد قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَى مَرْجِعُكُمْ فَأُنتتكُم بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ) العنكبوت: 8، وقال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَلِدَيْكَ إِلَى الْمَصِيرُ * وَإِن جَهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبَهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَى ثُمَّ إِلَى مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) لقمان: 14 ـ 15، فعلى كل فعلى كل أحد أن يبر والديه لما لهما من حق عظيم قرنه الله بحقه، إذ أمر بشكرهما مع شكره فعليه ـ مع قيامه بشكر ربه الذي خلقه وصوره
(1) من طريق بهز بن حكيم: أخرجه أحمد (3/ 5، رقم 20040)، وأبو داود (336/ 4 رقم 5139) والترمذي (309/ 4، رقم 1897)، وقال: حسن. والطبراني (404/ 19، رقم 957)، والحاكم (166/ 4، رقم 7242 وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي (179/ 4، رقم 7552). ومن طريق أبي هريرة: أخرجه أحمد (327/ 2، رقم 8326)، وابن ماجه (1207/ 2، رقم 3658)، وقال البوصيري (98/ 4): هذا إسناد صحيح. (1/307)
صفحة 303
308
نداء الحق
ورزقه، وأنعم عليه بنعمه ظاهرة وباطنة بإخلاص الدين له وتوحيده وحسن عبادته والتزام طاعته - أن يقوم كذلك بشكر والديه، اللذين جعلهما الله أصله ومنبته، فكان وجوده ثمرة لوجودهما، وذلك ببرهما وحسن معاملتهما، وإن كانا مشركين، فإن شركهما لا يحول بينهما وبين هذا الحق، وإنما عليه أن يخلص الله تعالى عبوديته وعبادته، ولا يميل إلى ما يدعوانه إليه من الشرك بالله تعالى، وإن كان ملزما أن يصاحبهما في الدنيا بالمعروف كما لو كانا مؤمنين، وله في تلطف خليل الله إبراهيم لا بأبيه الكافر العنيد أسوة حسنة، وإن تبرأ منه ومن كفره.
وقد حكى الله قصتهما وما كان من تطلع إبراهيم إلى هداية أبيه للحق وثنيه عن الكفر، وتلطفه في خطابه مع تذكيره بخطر اتباعه للشيطان، وتناسيه لحق الله الذي هو أبر وأرأف بعباده، كما هو واضح في قوله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَبِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَتَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا * يَتَأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَطًا سَوِيًّا * يَتَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنَ إِنَّ الشَّيْطَنَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَتَأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَنِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبُ أَنتَ عَنْ الِهَتِي يَتَإِبْرَاهِيمُ لَإِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلَمُ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُر لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيَّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا أَعْتَزَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلَّا جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَنِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عليا) مريم: 41 - 50.
وحسب اللبيب أن يتأمل هذا الخطاب المشحون بالحجج، المقرون باللطف الذي يفيض شفقة وحنانا من الابن البر بأبيه، الذي يسعى إلى انتشاله من الضلالة، وإنقاذه من النار، وتبصيره من العمى، وما كان يقابله من قسوة الأب خطابه، وصدوده عن الإيمان وإخلاده إلى هواه، وتصاممه عن حجج
في
الحق (1/308)
صفحة 304
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
الصادعة، وتعاميه عن برهانه الساطع، وما تبع ذلك من يأس الابن البار المؤمن من نجاحه فيما يسعى إليه من هداية أبيه، الذي أسلس قياده للشيطان فصده عن الحق، وصدف به عن الرشد وما كان من تعويض الله تعالى لهذا الابن المخلص الراشد بذرية صالحة، كانت له زينة وبهجة في دنياه، وذخرا وسعادة في أخراه. وهكذا يجب على كل ولد أن يسعى إلى رد أبيه ـ إن زاغ ـ إلى الحق، ويبصره به بلطف العبارة، ويريه من نفسه جانب الشفقة والحنان.
2 - العلاقة مع ذوي الأرحام
إن لأولي الأرحام في ترتيب الحقوق الواجبة على الناس للناس مكان الصدارة بعد حقوق الوالدين، ناهيك أن الله تعالى عطفهم على نفسه في مقام الأمر بالتقوى، عندما قال: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رقيبا النساء: 1، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ من خلقه قامت الرحم، فقال: مه قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلي يا رب، قال: فذلك فاقرءوا إن شئتم فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِعُوا أَرْحَامَكُمْ} محمد: 22) (1).
ولا غرو فحسب الرحم منزلة وقدرا أن الله سبحانه شق لها اسما من اسمه، فهي الرحم وهو الرحمن، وما كان اشتقاقها من هذا الاسم الذي يدل على سعة رحمته تعالى وشمول نعمته إلا تنبيها على ما يجب بين أولي الأرحام من التعامل بمقتضى الرحمة والبر والإحسان، فعليهم أن يتراحموا ويتلاحموا، فإن
(1) أخرجه أحمد (330/ 2، رقم 8349)، والبخاري (2232/ 5، رقم 5641)، ومسلم (1980/ 4، رقم 2554)، والنسائي في الكبرى (461/ 6، رقم 11497)، وابن حبان (184/ 2، رقم 441)، والحاكم (279/ 2، رقم (3005 وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي في شعب الإيمان (214/ 6،
رقم 7934). (1/309)
صفحة 305
نداء الحق
لحمة النسب تشد بعضهم إلى بعض، وتعطف قلوب بعضهم على بعض، حتى تتحد مشاعرها وتنسجم أحاسيسها. وفي الآية الكريمة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف تحذير بالغ من قطيعة الرحم ووعيد شديد عليها، فقد قرنها الله سبحانه بالفساد في الأرض، وأتبعها بلعنته الماحقة للخيرات، والتي لا ينشأ عنها إلا خزي الدنيا والآخرة وعذابهما، وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} النساء: 52.
ولا ريب أن صلة الرحم واجبة للواصل والقاطع على السواء، فليس لمن لم يؤد له حق رحمه أن يقابل القطيعة بالقطيعة، وإنما يقابل القطيعة بالصلة، فعن أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي. قال: «لئن كنت كما تقول، فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم، ما دمت على ذلك).
وهذه المقابلة للإساءة بالإحسان وللقطيعة بالوصل، وللجهل بالحلم، هي قمة الأخلاق والفضيلة وهي بالطبع داعية للطرف المسيء إلى مراجعة نفسه، والعودة إلى مهيع الصواب، وبمثل هذا يتضح لكل متأمل ما يدعو إليه الإسلام
من المعاملة بحسن الخلق ونشر مبادئ الرحمة بين الناس.
- العشرة بين الأزواج:
سبق الحديث فيما يجب في العشرة الزوجية من وجوب كون الزوج لطيف المعشر، واسع الصدر، رقيق الطبع، كل ما يصدر عنه من الأفعال يسيل رقة، ويتدفق إحسانا، ويضوع لطفا وكرما، وقد تبين لك - مما ذكرته من قبل ـ أن الحقوق الزوجية مشتركة بين الزوجين، وإنما يمتاز الرجل بالقوامة التي ردها
(1) أخرجه أحمد (300/ 2، رقم 7979)، ومسلم (1982/ 4، رقم 2558)، وابن حبان (195/ 2، رقم 450)، وابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (ص 86، رقم 261). (1/310)
صفحة 306
=
>>
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
311
الله تعالى إليه لأنها ملائمة لطبعه، ومتفقة مع مزاياه التي اختصه الله بها، ودليل هذا الاشتراك قول الله تعالى: {وَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةً} البقرة: 228، وقد تقدم بيان ما يجب من التحلي بالأخلاق في إمساك المرأة أو تسريحها، وللرجال جميعا في هذا أسوة حسنة بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي قال: خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي
4 ـ معاملة الجيران
ما أعظم حق الجوار، فكم للجار على جاره من الحقوق والواجبات، وما أبعد الناس اليوم عن رعاية هذه الحقوق - نسأل الله العفو والعافية ـ فقد عفت حضارة اليوم على ما كان بين الجوار من حسن المعاملة والمودة والانسجام، وإنما أصبح اليوم كل أحد مقطوعا عن الآخرين، مشغولا بشأنه دونهم، وهذا أمر يجب أن يعاد فيه النظر، ليبقي الناس من وقتهم ما يصلون فيه جيرانهم، ويؤدون فيه لذوي الحقوق حقوقهم.
وقد جاءت التوصية بالجار في كتاب الله تعالى، فقد ذكر الله حقه على عباده وحق عباده فيما بينهم، فقال: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنَنَا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُختَالًا فَخُورًا (النساء: 36، ومن حقوق العباد حقوق الجيران الذين أدرجوا في هذه الآية بين أصحاب الحقوق، وأكد هذا النبي صلى الله عليه وسلم في الكثير من الأحاديث، منها ما جاء من عدة طرق أنه قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» (2)، فانظر كيف كان
(1) سبق تخريجه.
(2) أخرجه من طريق ابن عمر أحمد (85/ 2 رقم 5577)، والبخاري (2239/ 5، رقم 5669)،
:
ومسلم (2025/ 4، رقم 2625)، وأبو داود (338/ 4، رقم 5152). وأخرجه من طريق أم المؤمنين (1/311)
صفحة 307
312
نداء الحق
التأكيد على هذا الحق العظيم من أمين الله تعالى في السماء على أمينه في الأرض، حتى وقع في خلده أن هذه الصلة بين الجار وجاره كصلة النسب تؤدي إلى التوارث بينهما.
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه)، وعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير الأصحاب عند الله لصاحبه وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره» (2).
خيرهم
(2).
وقد كان حريصا على أداء حقوق الجوار، وعوَّدَ على ذلك أصحابه، فما كانوا يغمطون الجار حقه ولو كان من أشد الناس عداوة للذين آمنوا، كما جاء عن مجاهد، أن عبد الله بن عمرو ذبحت له شاة في أهله، فلما جاء قال:
عائشة نام: أحمد (187/ 6، رقم (25580)، والبخاري (2239/ 5، رقم 5668)، ومسلم (2025/ 4، رقم 2624)، وأبو داود (338/ 4، رقم 5151)، والترمذي (332/ 4، رقم 1942) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (1211/ 2، رقم 3673). وأخرجه من طريق ابن عمرو: أحمد (160/ 2، رقم 6496)، والبخاري في الأدب المفرد (50/ 1، رقم 105)، والبيهقي في شعب الإيمان (84/ 7، رقم 9562). وأخرجه من طريق أبي هريرة: أحمد (514/ 2، رقم 10686)، وابن حبان (267/ 2، رقم 512). وأخرجه من طريق جابر: عبد بن حميد (ص 339، رقم 1129)، والبخاري في الأدب المفرد (57/ 1، رقم 126). وأخرجه من طريق زيد بن ثابت: الطبراني (151/ 5، رقم 4914) قال الهيثمي (165/ 8): فيه المطلب بن عبد الله ثقة وفيه ضعف حنطب وهو بن وبقية رجاله رجال الصحيح. وأخرجه من طريق أبي أمامة: أحمد (267/ 5، رقم 22352)، والطبراني (141/ 8، رقم (7630) قال الهيثمي (164/ 8): فيه بقية وقد صرح بالتحديث فهو
حديث حسن.
(1) أخرجه مسلم (68/ 1 رقم: 46).
(2) أخرجه أحمد (167/ 2، رقم 6566)، والترمذي (333/ 4، رقم 1944) وقال: حسن غريب. وابن حبان (276/ 2، رقم (518)، والحاكم (610/ 1، رقم (1620 وقال: صحيح على شرط الشيخين. والبيهقي في الشعب (77/ 7، رقم 9541). وسعيد بن منصور (184/ 2، رقم 2388)، وعبد بن حميد (ص 136، رقم 342)، والدارمي (284/ 2، رقم 2437)، والبخاري في الأدب المفرد 115)، وابن خزيمة (140/ 4، رقم 2539)، والقضاعي (224/ 2، رقم 1235)، والديلمي
(53/ 1، رقم (177/ 2، رقم 2887). (1/312)
صفحة 308
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
313
أهديتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه».
وهذا؛ لأن اختلاف الملة لا يؤدي إلى إسقاط حق الجوار، فقد روي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الجيران ثلاثة: جار له حق واحد وهو أدنى الجيران حقا، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق وهو أفضل الجيران حقا، فأما الجار الذي له حق واحد فالجار المشرك لا رحم له وله حق الجوار، وأما الذي له حقان فالجار المسلم لا رحم له، وله حق الإسلام، وحق الجوار، وأما الذي له ثلاثة حقوق فجار مسلم ذو رحم له حق الإسلام وحق الجوار وحق الرحم وأدنى حق الجوار أن لا تؤذي جارك بقتار قدرك إلا أن تقدح له منها» (2).
(†)
وهو حديث ينسجم مع روح الإسلام ويتفق هدي نبيه الله وما درج عليه أصحابه ان في معاملتهم لجيرانهم غير المسلمين.
ما يجب للجار
حقوق الجار متعددة، كلها راجع إلى الأخلاق التي يتحلى بها المسلم،
عن
والسماحة التي ينشرها الإسلام، فقد روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أغلق بابه دون جاره مخافة على أهله وماله فليس ذاك بمؤمن، وليس بمؤمن من لم يأمن جاره بوائقه، أتدري ما حق الجار: إذا استعانك أعنته، وإذا استقرضك أقرضته، وإذا افتقر عدت عليه، وإذا مرض عدته، وإذا أصابه خير هنأته، وإذا أصابته مصيبة عزيته، وإذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطيل عليه بالبناء تحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذيه بقتار
(1) أخرجه أبو داود (338/ 4 رقم: 5152). (2) أخرجه أبو نعيم في الحلية (207/ 5)، والبزار في مجمع الزوائد (164/ 8) وانظر مسند الشاميين (356/ 3 رقم (2458)، وينظر أيضا البيهقي في شعب الإيمان (105/ 12 رقم: 9113). (1/313)
صفحة 309
314
نداء الحق
قدرك إلا أن تغرف له منها، وإن اشتريت فاكهة فأهد له، فإن لم تفعل فأدخلها سرا، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده أتدرون ما حق الجار، والذي نفسي بيده ما يبلغ حق الجار إلا قليلا ممن رحم الله» (1).
ومهما قيل في سنده فإن ما أكده إنما سنده فإن ما أكده إنما يرجع إلى روح الإسلام، وتلك هي أخلاقه التي كان يطبع عليها أتباعه فلا غرو إن نبه عليها النبي ا، وما كل
الصلاة
مع
رواية ضعيفة السند، مرفوضة، وإنما يجب النظر في مضمونها هل يتفق مكارم الأخلاق ومحاسن الطباع، التي دعا إليها الإسلام؟ فإن كان كذلك وجب الأخذ بمدلولها.
هذا؛ وتندرج حقوق اليتامى والمساكين وابن السبيل في عامة الحقوق التي تجب للناس، وقد أكدها القرآن الكريم في أكثر من موضع، ونبه عليها أكثر من رواية، وقد طرقتها أكثر من مرة.
النبي صلى الله عليه وسلم في وهذه الحقوق كلها إنما ترجع كما قلت إلى مكارم الأخلاق التي فتح أكمامها القرآن، ونشر طيبها هدي النبي الله، ودرج عليها السلف الصالح فكانوا مثالا لحسن المعاملة مع الناس وبهذا استطاعوا أن يستميلوا أفئدتهم، ويغيروا طباعهم حتى تقبلوا الحق الذي دعوهم إليه، فانتشر دين الله في الأرض.
التمسك بالأخلاق سمة الإسلام حتى مع اشتعال ضرام الحرب إذا كان الإسلام يأمر بالتحلي بالأخلاق في أثناء المسالمة، فإنه لا يعدم هذه السمة في أثناء الحرب، فالحرب في الإسلام لا تخرج عن إطار الأخلاق، ولا تشن إلا من أجل غاية إنسانية نبيلة، بحيث لا ينتج عنها إلا العدل والإنصاف، وإطفاء سعير، الفتن ونشر المرحمة بين الناس.
(1) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (104/ 12 ـ 105 رقم: 9113). (1/314)
صفحة 310
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
315
وفي أثناء تأجج الحماس لها عندما يحمى، وطيسها، وتمتد ألسنة ضرامها، يأمر الإسلام الحنيف أتباعه أن لا يندفعوا إبان ذلك مع العواطف الملتهبة، وأن لا يسلسوا قيادهم لما يعتمل في النفوس من حب التشفي والانتقام، وإنما يأمر برعاية جانب الأخلاق وجعلها هي المعيار في الإقدام والإحجام، وقد بين الله سبحانه من يشرع قتاله، وكيف يكون الانضباط في هذا القتال، عندما قال: وَقَتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) البقرة: 190، فقد شرع الله قتالهم لقطع أيديهم عن الفساد، وكف عدوانهم عن المسلمين، ونهى مع ذلك عن أي عدوان من قبل المؤمنين، وقد بين تعالى علة مشروعية هذه الحرب، فيما ولي هذا البيان عندما قال: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا نُقَتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَفِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ * وَقَتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} البقرة: 191 - 193.
صلے
فالحرب في الإسلام إنما تشرع لكف أيدي الظالمين عن الظلم، ومنع بطش المفسدين عن الفساد وإتاحة الفرصة للناس أن يتبعوا الحق؛ عندما يرونه رأي العين بجماله واعتداله وحجته وبرهانه، فلا تشرع لبسط النفوذ والاستعلاء على الناس، واتخاذ عباد الله خولا ومالهم دولا، ومع هذا فإنه يومي إلى السلم دائما ويركن إليه كما هو صريح قوله تعالى: {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَأَجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) الأنفال: 61.
وقد كان صلى الله عليه وسلم أحرص ما يكون على اتباع هذه المبادئ والتزام هذه الأخلاق إبان الحرب، ونهج نهجه في ذلك الخلفاء الراشدون، فكان من وصيته للمقاتلين: «انطلقوا بسم الله وفي سبيل الله تقاتلون أعداء الله في سبيل الله، لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امرأة ولا (1/315)
صفحة 311
316
نداء الحق
تغلوا) وعن ابن عمر قال: «وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان (2) وعن حنظلة الكاتب قال: «غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم فمررنا بامرأة مقتولة، وقد اجتمع عليها الناس، قال فأفرجوا له فقال: «ما كانت هذه تقاتل فيمن يقاتل، ثم قال لرجل: انطلق إلى خالد بن الوليد فقل له: إن رسول الله يأمرك يقول: لا تقتلن ذرية ولا عسيفا (3) وعن يحيى بن سعيد، قال: «حدثت أن أبا بكر بعث جيوشا إلى الشام فخرج يتبع يزيد بن أبي سفيان، فقال: إني أوصيك بعشر: لا تقتلن صبيا ولا امرأة، ولا كبيرا، هرما، ولا تقطعن شجرا مثمرا، ولا تخربن عامرا، ولا تعقرن شاة ولا بقرة إلا لمأكلة، ولا تغرقن نخلا ولا تحرقنه ولا تغل، ولا تجبن» (4).
وَصُمُوا
(1) أخرجه أبو داود (37/ 3، رقم 2614) والبيهقي (90/ 9، رقم 17932) بزيادة: « ... غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}» وهو جزء من حديث طويل عند ابن عساکر (49/ 2 رقم 27663).
(2) رواه البخاري (1098/ 3) رقم 2851 و 2852)، ومسلم (1364/ 3 رقم 1744)، وأبو داود (53/ 3 رقم 2668 و 2669) والترمذي (163/ 4) رقم (1569)، وابن ماجه (947/ 2) رقم 2841)، ومالك (447/ 2 رقم 963 و 964) والدارمي (293/ 2 رقم 2462) وأحمد رقم (22/ 2 رقم 4739) (23/ 2 رقم 4746) (75/ 2 رقم: 5457) (2/ 2) رقم (5658) (100/ 2) رقم (5753) (115/ 2) رقم 5959) (122/ 2 رقم 6037) (123/ 2) رقم (6055) وابن حبان (344/ 1 رقم 135، 107/ 11) رقم (4785)، (110/ 11 رقم 4789)، (112/ 11 رقم 4791)، وسنن النسائي الكبرى (185/ 5) رقم (8618) (186/ 5 رقم 8625) والبيهقي (77/ 9 رقم 17866، 17867) (82/ 9 رقم 17883، 17884) (91/ 9 رقم 17936)، وأبو يعلى (115/ 3 رقم 1546) والطبراني في الأوسط (209/ 1، رقم 673)، والكبير (72/ 5 رقم 4617، 4620، 4622) و (382/ 12 رقم 13416)، (75/ 19 رقم (150) وابن الجارود (261/ 1) وغيرهم. (3) ابن ماجه (948/ 2، رقم (2842، قال البوصيري (172/ 3): هذا إسناد صحيح. والطبراني (10/ 4، رقم. 3489). وعبد الرزاق (201/ 5، رقم 9382)، وأحمد (178/ 4، رقم 17647)، والنسائي (187/ 5، رقم 8627)، وابن حبان (112/ 11، رقم 4791)، والعسيف: الأجير.
(4) أخرجه مالك (447/ 2، رقم 965)، وعبد الرزاق (199/ 5، رقم 9375)، وابن أبي شيبة (483/ 6،
رقم 33121)، والبيهقي (89/ 9، رقم 17927) و (90/ 9، رقم (17929) و (90/ 9، رقم 17934). (1/316)
صفحة 312
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
317
التزام أئمة العدل من أهل الاستقامة النهج النبوي في حروبهم كان أئمة أهل الاستقامة حراصا على اتباع هذا النهج، سواء في قتالهم لأهل الكفر وقمع فسادهم ورد عدوانهم، أو في قتالهم لمن بغى عليهم واعتدى على حرمهم من هذه الأمة، أما في قتالهم لأهل الكفر فحسبك ما تجده في عهد الإمام الصلت بن مالك رحم الله القواد جيشه الذي بعثه إلى قتال نصاري سقطرى الذين اعتدوا على والي الإمام فيها فقتلوه وسفكوا دماء المسلمين، واستحلوا محارمهم فسبوا نساءهم وذراريهم، فقد كانت معاملة الإمام التي وصى بها جنده وقادتهم مع هؤلاء مثالا للتمسك بمكارم الأخلاق، حتى أننا وجدنا من الباحثين المنصفين من شدته هذه المعاملة، فسجل شهادة لما صدر عن الإمام من وصيته ـ وهو الأستاذ الدكتور محمد علي البار ـ فقد بهره ما رآه في هذا العهد، وأشاد به فيما نشره في الصحف، سواء داخل المملكة العربية السعودية أو خارجها، حتى أنه ذكر أن جميع المواثيق الدولية
لحقوق الإنسان لم ترق إلى مستوى هذا العهد. وكذلك في كتابه القيم (معاملة غير المسلمين، الحوار والتسامح في الإسلام، شواهد من التأريخ الذي جاء فيه: وتعتبر وصية الإمام الصلت وثيقة من أرقى الوثائق في الشؤون الدولية، وخاصة في كيفية محاربة الأعداء والإنذار إليهم، ومعاملتهم بالحسنى إن هم استجابوا لنداء الحق وتابوا وثابوا، رغم ما فعلوه من جرائم فظيعة بالمسلمين من قتل وسفك دماء واعتداء على الحرمات، فهم إخواننا لهم ما لنا وعليهم ما علينا، فإن أبوا ذلك، دعوناهم للعودة إلى العهد والاستمساك به، وأداء الجزية ومعاقبة الناكثين والتفريق بين من نكث العهد وبين من لم ينكث، وأن لا يؤخذ بريء من هؤلاء النصارى بجريرة وجريمة القتلة والسفاكين منهم، فإذا انتصرنا عليهم وجبت المعاملة
بالحسنى، وتسليم الأمر إلى الإمام وأن تعود الأمور إلى سابق عهدها. (1/317)
صفحة 313
318
نداء الحق
وهذا بالفعل ما أدى إلى عودة نصارى سقطرى إلى حظيرة العدل وإلى دخول بعضهم في دائرة الإسلام، ومن بقي منهم على دينه كفلت له الدولة المسلمة الحرية التامة في أداء دينه وشعائره وبقوا على ذلك حتى الغزو البرتغالي عام 1507 م الذي أدى في النهاية إلى محاربة أهل سقطرى من النصارى للبرتغاليين وإلى الدخول في دين الإسلام داخرين.
وإليك بعض النصوص مما اشتمل عليه عهد الإمام، فقد بدأ بالذين لم ينكثوا العهد، فقال: «أعلموهم أنهم آمنون على أنفسهم ودمائهم وحريمهم وذراريهم وأموالهم، وأنكم وافون لهم بالعهد والذمة والجزية على الصلح الذي يقوم بينهم وبين المسلمين فيما مضى؛ ولا ينقض ذلك ولا يبدله، وأمروهم بإحضار جزيتهم إليكم، واختاروا إليهم رجالا من خيارهم، من يثبت إلى الصلاح منهم، فوجهوهم إلى هؤلاء الناقضين لعهدهم الناكثين على المسلمين ببغيهم واجعلوا ممن توجهون رجلين صالحين ممن يوثق بهم من أهل الصلاة، فإن لم يمكنكم بعث اثنين صالحين من أهل الصلاة فواحد، فتأمروهم أن يصلوا إلى الذين نقضوا العهد فتدعوهم عن لساني وألسنتكم إلى الدخول في الإسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة مع حقوق الله والانتهاء عن معصيته، فإن قبلوا ذلك فهي أفضل المنزلتين لهم؛ وذلك يمحو ما كان من حدثهم .. وإن كرهوا أن يقبلوا الإسلام ويدخلوا فيه، فلتدعوهم إلى الرجعة عن نكثهم والتوبة من حدثهم إلى الدخول في العهد الأول الذي كان بينهم وبين المسلمين، على أن لهم وعليهم الحق بحكم القرآن وحكم أهل القرآن من أولي العلم بالله وبدينه من أهل عُمان ممن نزل إليهم أمر المسلمين، فإن أجابوا وتابوا فلتقبلوا ذلك منهم ولتأمروهم بترك ما في أيديهم وأيدي أصحابهم من أهل الحرب من نساء مسلمات، ثم لا يتزوج رسلكم من عندهم حتى يقدم
(1)
د. محمد علي البار: معاملة غير المسلمين، الحوار والتسامح في الإسلام، شواهد من التأريخ، ص 96 ـ 98، دار القلم دمشق، الدار الشامية بيروت. (1/318)
صفحة 314
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
319
معهم رؤساء أهل الحرب ويسلموا إليهم النساء المسلمات اللاتي سبوهن؛ واجعلوا لرسلكم أجلا في رجعتهم لمن أجابهم بالسبايا إلى ذلك الأجل، أن لا يظلموهم ولا يخادعوهم ولا يماكروهم بالمطل والتواني في ذهاب الأيام، فإن وصلوا إليكم بمن أجابهم من أهل الحرب وقد استسلموا وتابوا من حدثهم وجاءوا بالنساء المسلمات فاقبلوا ذلك منهم، ولا تعرضوا لأحد ممن جاءكم تائبا مستأمنا مستسلما بسفك دمه ولا انتهاك حرمته ولا ذريته ولا غنيمة ماله، وليكونوا مثلكم آمنين
سبي
فانظر إلى هذه الأخلاق العالية في معاملة أهل الحرب، الذين نكثوا العهد وسفكوا الدماء وسبوا النساء وارتكبوا الحرمات، لم يأمر الإمام بإبادتهم واستئصالهم، وانتهاك حرماتهم، وإنما أمر بدعوتهم إلى الحق وعرض الإسلام عليهم، فإن قبلوه كان جبا لما قبله ومحا كل أثر لجرائرهم التي ارتكبوها في المسلمين، وإن أبوا ذلك عرض عليهم الرجوع إلى عهدهم، والدخول فيما خرجوا منه من الميثاق الذي بينهم وبين المسلمين فإن فعلوا ذلك كانوا آمنين على أنفسهم وعلى ذراريهم وأهليهم وأموالهم لا يسفك لهم دم ولا تسبى لهم ذرية، ولا يستباح منهم، مال، فإن أبوا كل ذلك كانت الحرب مع الناكثين الغادرين دون الباقين على عهدهم، فلا يؤخذ موف بجريرة ناكث، ولا يحاسب مسالم بما فعل محارب.
6
فأين هذه الأخلاق فيما يشن من الحروب لشفاء الغيظ وإرضاء العواطف، ليس من ورائها هدف إلا الانتقام واستئصال المحاربين، من غير تمييز بين مسالم وغير مسالم، تلك الحروب التي لا يتقيد فيها المحاربون بعهد ولا ميثاق، ولا يراعون فيها فضيلة ولا خلقا ولا يجري على نفوسهم عطف ولا رحمة بأحد، وإنما يأتون على كل شيء، ويبيدون كل ما امتدت إليه أيديهم،
(1) الإمام نور الدين السالمي تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان، 144/ 1، مطبعة الشباب القاهرة،
1350 هـ. (1/319)
صفحة 315
320
نداء الحق
لا يرقون لبكاء طفل، ولا يلتفتون إلى استرحام امرأة، ولا يبالون بصراخ الضعفاء البراء، لأن الأمجاد في مقاييسهم مقدرة بقدر ما يسفكونه من دماء، وما يزهقونه من أرواح، وما يبيدونه من أمم، وما يخربونه من ديار، وما يشيعونه من خوف وبذلك يفاخرون؟.
أما
حروبهم لأهل ملتهم الظلمة البغاة، فإنها لم يكن من ورائها هدف إلا وقف الظلم؛ بكف أيدي الظالمين وإنصاف المظلومين، وإعطاء كل ذي حق حقه، وحسبك شاهدا على التزامهم فيها أرقى ما يتصور من الأخلاق، وأدق ما يدور على البال من معايير العدل وموازين الإنصاف، ما كان في ثورة طالب الحق وقائده أبي حمزة المختار رحمهما الله تعالى على الدولة الأموية، التي عتت واستكبرت استكبارا، وسلبت الأمة حقوقها، وطمست معالم الدين، وأطلقت أيدي المفسدين للبطش بالناس، وسلبهم ما منحهم الإسلام من حرية وأمان، فقد كانت تلك الثورة مثالا للتمسك بمبادئ الحق والسير على نهجه، لم تخرج قيد شعرة عما جاء في القرآن والتزمه الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، ودرج عليه الخلفاء الراشدون
فكم عفوا عن مجرمي الحرب وإن أوقدوا ضرامها مرة بعد أخرى، ولطخوا أيديهم بدماء الذين يدعون إلى الحق ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فقد وسعهم عفوهم كما كان ذلك من طالب الحق في اليمن فقد ذكر ذلك أبو الفرج الأصفهاني في قوله: ودخل عبد الله بن يحيى صنعاء، فأخذ الضحاك بن زمل وإبراهيم بن جبلة بن مخرمة فحبسهما، وجمع الخزائن والأموال فأحرزها، ثم أرسل إلى الضحاك وإبراهيم فأرسلهما، وقال لهما: حبستكما خوفا عليكما من العامة، وليس عليكما مكروه، فأقيما إن شئتما، أو
من
اشخصا فخرجا»).
(1) المرجع السابق، ج 23 ص 236. (1/320)
صفحة 316
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
321
وقد كانت هذه هي المرة الثانية التي وقعا فيها في أشر الإمام طالب الحق الله، وقد أسرا وهما يقاتلان ولكنه في كل مرة عفا عنهما وأطلق سراحهما مع ما كان منهما وممن وراءهما من سفك دماء المؤمنين وابتزاز أموالهم وانتهاك حرماتهم، وكذلك ما كان من قائده أبي حمزة في الحجاز). ومثل ذلك ما كان من سائر الأئمة؛ كالإمام أبي الخطاب المعافري الله، الذي أنجد أهل القيروان عندما استنجدوه على قبيلة ورفجومة الصفرية، التي حكمت القيروان وبطشت بأهلها، فخرج الإمام أبو الخطاب لنجدتهم، وحذر جنده أن يأخذوا من أموال عدوهم شيئا، فرد عليه أحد أصحابه ـ وهو خالد اللواتي - بقوله: «نأكل من أموالهم كما يأكلون من أموالنا»، وكان ذلك منه استنادا على ما تراءى له من قوله تعالى: {وَجَزَاؤُا سَيِّئَةِ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} الشورى: 40، وقوله: {وَالْحُرُمَتُ قِصَاصُ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ} البقرة: 194، ولكن أبا الخطاب رحمه الله أبى ذلك ورد عليه بقوله: حقيق على الله أن النار، كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّهُ لَعَنَتْ أُخْنَهَا حَتَّى إِذَا أَذَارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ
يدخلنا
معهم
أَخْرَتَهُمْ لِأُولَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلِّ ضِعْفُ وَلَكِن لَّا تَعْلَمُونَ} الأعراف (38) (2).
وقد كان رحم الله شديدا على جيشه أن يأخذ شيئا من أسلاب العدو، ولو كانوا هم مستبيحين لأموال المسلمين، لأن أموال أهل التوحيد - وإن بغوا وقاتلوا أهل الحق واعتدوا على أموالهم - هي مصونة بكلمة التوحيد، ولذلك عجب الناس عندما خرجوا من أكنانهم بعدما وضعت الحرب أوزارها، فرأوا كل شيء على ما عهدوه لم يكن عدوان على متاجرهم أو زروعهم أو أي شيء مما
(1) يراجع بتوسع ما ذكرناه في ثورة طالب الحق وأبي حمزة الشاري في كتابنا (الاستبداد:
مظاهره ومواجهته) ص 136 - 221.
(2) ينظر الشماخي: السير، 116/ 1 ـ 117، ويراجع كتابنا الاستبداد: مظاهره ومواجهته)
ص
243 - 244 (1/321)
صفحة 317
322
نداء الحق
ملكته أيديهم، بل كانت المفاجأة بالغة عندما مرت امرأة على جنود ورفجومة صرعى ومعهم أسلابهم لم يسلب منها شيء، فقالت: كأنهم رقود!!، وسميت أرض المعركة لذلك رقادة، ولا تزال تعرف بذلك إلى عصرنا هذا. وتفقد أبو الخطاب القتلى فوجد واحدا منهم مسلوبا، فنادى مناديه من أخذ من القتلى شيئا، فليرده ولما أيس من الرد دعا على من أخذ السلب أن يفضحه الله على رؤوس الأشهاد، وحق لمثله أن يكون مستجاب الدعاء عند الله، فلما قافلا إلى طرابلس أطلقوا الأعنة لخيلهم لتستبق ابتهاجا بالنصر رجع والظفر بإقامة الحق، فانقطع حزام جميل السدراتي ـ وهو أحد جنود الإمام -
وسقط، فظهر السلب تحت سرجه، فلم يمهله الإمام وإنما أدبه على صنيعه.
وكم تجد في القديم والحديث من قوم محسوبين على الإسلام قائمين حسب مدعاهم - من أجل نصرته وتأييده من أمور تتقزز منها النفس، ويأباها الطبع، ويحرمها الإسلام من انتهاك الحرمات بعدم المبالاة بما يصدر منهم من سفك الدماء، ونهب الأموال، وانتهاك الأعراض، وإضاعة الحقوق. دعك مما يصدر من الذين يتقمصون الإسلام وهم أجهل الناس به أصلا وفرعا، ويتظاهرون بتطبيقه وهم أبعد الخلق عنه روحا ومعنى، الذين لا هم لهم إلا سفك دماء الأمة وتشتيت شملها وتمزيق جماعتها بفتاوى التكفير والتبديع والتضليل، فإن هؤلاء هم أعمل المعاول في نقض بناء هذا الدين ودك معالمه، لأنهم بأعمالهم هذه يشجعون أبناء الإسلام أنفسهم على النفور عنه، فضلا عمن لم يعرف الإسلام رأسا.
تجافي الناس عن الأخلاق لجهلهم بالإسلام
إذا كان الإسلام الحنيف جاء بهذه الأخلاق العالية، وحض على التزامها في السلم والحرب والمكره والمنشط، فاعجب لأبناء الإسلام كيف يتجافون هذه الأخلاق، حتى تجد أحدهم يتصور من الرجولة والشهامة ـ بل من الورع (1/322)
صفحة 318
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
323
والتقوى - أن يقابل الناس بعبوس الوجه واكفهراره، وتقطيب الجبين، والغلظة في القول والجفاء في المعاملة، حتى أن من طلبة العلم من سرى إليه هذا الطبع، واستمكنت من نفسه هذه العادة، فلا يلتفت إلى ما يجب عليه من توقير الكبير والرحمة بالصغير وحسن معاملتهما، والإحسان إليهما وإلى
سائر الناس.
ومنهم من يكون خارج البيت هادئا لطيفا منبسط الأسارير مشرق المحيا باسم الثغر، فإذا دخل البيت عبس وتولى واكفهر وجهه وقطب جبينه وماتت البسمة التي تشرق من ثغره وواجه أهله بالجفاء والغلظة في القول، والحدة في الطبع، متجاهلا ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يكون بين أهله من لطف المعاشرة ورقة الطبع ولين القول ودماثة الأخلاق، وكيف أنه الله حث الرجال
والسلامي
على ذلك كما في قوله: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»، وقد سبق الكلام في ذلك، فمتى يصحو الناس ويدركون أن البيوت إنما تعمر بمكارم الأخلاق ومحاسن الطباع ولطف المعاملة وحسن المعاشرة، لا بهذا الجفاء وهذه الغلظة في القول والعمل؟!.
وكم تجد في الذين ينتمون إلى هذا الدين من جفاء الطبع والحدة في القول والعمل، بحيث لا يعرف أحدهم الرفق في المعاملة ولا الطيب في القول ولا الرقة في الأخلاق، ولا الحكمة في السياسة وفي الدعوة إلى الله، فإن هذا مما يؤدي بالطبع إلى النفور لا من المخالق وحده ولكن بجانب ذلك ينفر مما يتبعه من الدين وما يدعو إليه من الحق، وهذا مما تفرزه طبيعة البشر، فقد خاطب الله سبحانه أدمث الناس أخلاقا وأطيبهم معاشرة وألطفهم قولا بقوله: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} آل عمران: 159، مع أن من حوله كانوا
(1) سبق تخريجه. (1/323)
صفحة 319
324
نداء الحق
أطيب الناس عنصرا وأحسنهم خلقا وأوفاهم عهدا وذمما، ولكن كل ذلك إنما كان انعكاسا لما كان عليه صلوات الله وسلامه عليه من معاملتهم بالحسنى، وأخذهم بالرفق واللطف.
هذا؛ وإذا كان هؤلاء الذين هداهم الله بالإيمان وزينهم بالأخلاق وحلاهم بالفضيلة يصفهم الله سبحانه بأنهم لو وجدوا من النبي صلى الله عليه وسلم الفظاظة والغلظة لنفروا منه وانفضوا عنه، فما بالك بمن لم يعرف الإسلام ولم يذق طعم الإيمان ولم يقدر قيمة الفضيلة، أولا يكون التعامل معه بغلظة القول وجفاء الأخلاق سببا لنفوره عن الإسلام واتهامه إياه بالقسوة والعنف.
وكذلك الجهلة بالإسلام من المحسوبين عليه من هذه الأمة، فإنهم عندما يجدون من الذين يحسبون على العلم والدين مثل هذه المعاملة الجافة الجافية في دعوتهم إلى ترك الشهوات واتباع الحق والتخلي عن الرذائل، لا ـ ريب أنهم - يجافيهم ما يجدونه من جفاء المعاملة عما يدعونهم إليه من الخير، فيكون الفشل بديلا عن النجاح، والخسران بديلا عن الربح.
مکارم
6
النبي صلى الله عليه وسلم يجسد بقوله وعمله الأخلاق القرآنية التي سبقت الإشارة إليها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مثالا حيا لهداية، القرآن وصورة فذة لما يدعو إليه من الأخلاق، وبجانب ما كانت الأمة تتعلمه من سلوكه ومعاملته للخلق؛ من حسن الخلق وطيب المعاشرة، واللطف في الأخذ والعطاء، جاءت سنته القولية لتؤكد ذلك كله كما في قوله عليه أفضل الصلاة والسلام: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا .. » (1).
(1) أخرجه مالك (907/ 2، رقم 1616)، وأحمد (287/ 2، رقم 7845)، والبخاري (1976/ 5، رقم 4849)، ومسلم (1985/ 4، رقم 2563)، وأبو داود (280/ 4، رقم 4917)، والترمذي (356/ 4، رقم (1988)، والطبراني في الأوسط (222/ 8، رقم (846)، والبيهقي (180/ 7، رقم 13813). (1/324)
صفحة 320
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
325
وعن أبي هريرة عند الربيع قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا» قال الربيع: ولا تجسسوا أي لا يتتبع بعضكم عورة بعض ولا تحسسوا أي لا يمشي أحدكم بالنمائم ولا تنافسوا أي ولا ينتقم بعضكم من بعض بما جعل فيه من السوء» (1).
وعند مسلم من طريقه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» (2).
فكم تجد في هذه الروايات من الأخلاق العالية التي يرشد إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بناء العلاقات بين المسلم والمسلم، ولو أخذ الناس بها لعمرت القلوب الرحمة والشفقة والوئام، وساد المجتمعات الهدوء والاستقرار، وانتشرت المقة الخالصة بين الناس.
ومثل ذلك الدعوة إلى رحمة الصغير وتوقير الكبير، كما جاء في عدة روايات عن النبي صلى الله عليه وسلم منها حديث عبادة بن الصامت لا الله أنه قال: «ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه» (3)، فترى أن النبي صلى الله عليه وسلم يقطع صلة من تجرد من هذه الأخلاق بهذه الأمة الفاضلة، ذلك لأن الصغير هو
(1) أخرجه الإمام الربيع (270/ 1 رقم: 698). (2) أخرجه مسلم (1985/ 4، رقم 2564). (3) أخرجه أحمد (323/ 5، رقم (22807)، قال المنذرى (64/ 1): إسناده حسن. والحكيم (187/ 1)، والحاكم (211/ 1، رقم (421) وقال مالك بن خير الزيادى مصرى ثقة وأبو قبيل تابعى كبير. وأخرجه أيضا: البخاري في التاريخ الكبير (312/ 7، تررجمة،1329)، والرافعى (176/ 4) والضياء من طريق الطبراني (361/ 8 رقم 445). قال الهيثمي (127/ 1) رواه أحمد والطبراني في الكبير، وإسناده حسن. (1/325)
صفحة 321
326
نداء الحق
أحوج ما يكون إلى الرحمة والشفقة، وما ينتج عنهما من حسن الرعاية، فبهذا تطمئن نفسه وتسعد حياته، والكبير من حقه التقدير والتوقير، فإن حرمهما كان
مجفوا من مجتمعه، وهو مما يؤدي به إلى الشعور بالظلم والحرمان. ولا فرق بين أن يكون كبره بعمره أو بمزاياه فإنه بأي من ذلك يكون حريا بتوقيره وتقديره، وهذا مما يجب أن تربى عليه الناشئة وأن يشاع فيما بين الناس، لا سيما طلبة العلم؛ فإنهم أحق الناس بالتحلي بهذا الخلق الرفيع، أن من الضرورة بمكان أن يدخل في المناهج الدراسية تعليم فن مع الناس، لا سيما مناهج التربية الإسلامية، لينشأ المسلم منذ طفولته لطيف المعشر رقيق الطبع ميالا إلى الإحسان لا يلقى الناس إلا بوجه منبسط وثغر مبتسم يعم كل كبير بتوقيره وإجلاله، ويسع كل صغير بلطفه ورحمته وشفقته وحنانه، وكم نتمنى أن تهتم المؤسسات التعليمية بهذا.
وهذا يعني
التعامل
الحرص على السلام ابتداء وردا رمز للتحلي بأخلاق الإسلام
إن من أعظم ما يميز الإسلام في شعاراته، وأسس العلاقة بين أتباعه، ما شرعه من تبادل السلام بينهم، وجعله مفتاح التخاطب وجمال التحايا، هذا هو شعار النبيين والملائكة المقربين، فقد حكى الله تعالى عن إتيان الملائكة إلى خليله إبراهيم صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَمَا قَالَ سَلَامُ) الذاريات: 25، ولا غرو فإن السلام بين عباد الله هو الذي ينشده كل عاقل حصيف، فبه تطمئن القلوب وتهدأ النفوس، وينجذب بعضها إلى بعض في لطف يقضي على ما عسى أن ينجم بينها من نفرة وشقاق ونزاع، فهو يستل من القلوب الحقد والكراهية، ويغرس فيها الحب والوئام.
ولأجل مزيته جعله الله تعالى شعار عباده الصالحين في دار الجزاء، كما أخبر سبحانه بهذا في قوله: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَمُ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا) الأحزاب: 44، والله سبحانه نفسه يؤنسهم بهذه التحية التي يجدون فيها ما يزيد نفوسهم
طمأنينة (1/326)
صفحة 322
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
327
وراحة، وما يزيد نعيمهم لطفا ورحمة، فعندما وصف نعيمهم أتبع ذلك قوله: سَلَمُ قَوْلًا مِّن رَّبٍ رَّحِيمٍ) يس: 58، ووعدهم أن تحييهم بهذه التحية الملائكة الكرام عندما يدخلون عليهم في دار أنسهم ونعيمهم، فقد قال تعالى: {وَالْمَليكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلَمُ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) الرعد: 23 - 024
وأثنى الله سبحانه على عباده المتقين البررة، أنهم يردون بالسلام على من واجههم بالشغب والشجار، فقد قال تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} الفرقان: 63، ووصف مؤمني أهل الكتاب الذين اتبعوا الحق عندما استبان لهم نوره بأنهم يردون على عاذليهم بالسلام فقال: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغَوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَهِلِينَ} القصص: 55.
لهذا؛ جعل النبي صلى الله عليه وسلم إفشاء السلام من أعظم القربات التي ترفع الناس إلى المقامات العلى عند الله، وتبوئهم درجات الزلفى عنده، كما في قوله: «يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام، بل جعل النبي صلى الله عليه وسلم إفشاء السلام علاجا للنفوس مما يلابسها من الحسد والبغضاء فقد قال: «دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء والبغضاء هي الحالقة حالقة الدين لا حالقة الشعر والذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم» (2)، وفي رواية: «والذي نفسي بيده
(1) أخرجه ابن أبي شيبة (257/ 7، رقم 35847)، وأحمد (451/ 5، رقم 23835)، وعبد بن حميد (ص 179، رقم 496)، والدارمي (405/ 1، رقم 1460)، والترمذي (652/ 4، رقم 2485)، وقال: صحيح. وابن ماجه (423/ 1، رقم (1334) وابن سعد (235/ 1)، والحاكم (14/ 3، رقم 4283)، وقال: صحيح على شرط الشيخين والضياء (433/ 9 رقم 404). (2) أخرجه الطيالسي (ص 27، رقم (193)، وأحمد (164/ 1، رقم 1412)، وعبد بن حميد (ص 63، رقم 97)، والترمذي (664/ 4، رقم (2510)، والشاشي (114/ 1، رقم 54)، وابن قانع (223/ 1)،
والبيهقي (232/ 10، رقم 20854)، والضياء (81/ 3، رقم 889). (1/327)
صفحة 323
328
نداء الحق
لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم).
النبي
والأحاديث في هذا كثيرة جاءت من طرق يشد بعضها بعضا، وقد جعل التسابق في إلقاء السلام مقياسا للسبق إلى الخير، وارتقاء درجات
الفضل عند الله تعالى، فقد ثبت عنه أنه قال: «لا يحل لمسلم أن أخاه يهجر فوق ثلاث ليال يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام
عدول الناس عن تحية السلام جهل وانحدار في الأخلاق من أسوأ ما انتشر بين كثير من الناس العدول عن السلام حال التلاقي وبداية التخاطب، فكثير منهم يفتتح مخاطبة من يلاقيه باسمه من غير أن يسلم عليه، وقد يعدل عن السلام إلى قول: «صباح الخير» أو «مساء الخير» أو «أهلا وسهلا»، وعند التخاطب في الهاتف يأتون بدلا من السلام بكلمة: hallo ويظنون في ذلك تطورا إلى الأعلى، وهي انتكاسة في الفكر، وانطماس في البصيرة، وترد في الأخلاق، كيف يعدل الإنسان عما شرعه الله تعالى ـ وجعله شعارا لعباده المؤمنين؛ من تحية تفيض على النفس الطمأنينة والأمان، وتقرب القلوب بعضها من بعض، وتستل ما فيها من کراهية وحقد وحسد، وقد جعلها الله سبحانه من سجايا الملائكة
(1) أخرجه من طريق أبي هريرة: أحمد (391/ 2، رقم 9073)، ومسلم (74/ 1، رقم 54)، وأبو داود (350/ 4، رقم 5193) والترمذي (52/ 5، رقم (2688 وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (26/ 1، رقم 68)، وابن حبان (471/ 1، رقم 236). وأخرجه من طريق عبد الله بن مسعود: الطبراني (183/ 10، رقم 10396). (2) أخرجه مالك (906/ 2، رقم 1614)، والطيالسي (ص 81، رقم 592)، وعبد بن حميد (ص 103، رقم 223)، وأحمد (416/ 5، رقم 23575)، والبخاري (2256/ 5، رقم 5727)، ومسلم (1984/ 4، رقم 2560)، وأبو داود (278/ 4، رقم 4911)، والترمذي (327/ 4 رقم 1932) وقال: حسن صحيح. وابن حبان (484/ 12، رقم 5669). (1/328)
صفحة 324
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
329
والمرسلين - إلى تحايا أهل الجاهلية أو إلى تحية دخيلة على أمة
:
الإسلام؟!، قال الإمام السالمي الا الله تعالى: حق على المسلم أن يسلما على أخيه قبل أن يكلما وهو تحية أتى الإسلام بها فلايخلفهاکلام فليس يغنى عنه قد مساكا ربي بخير أو بنحو ذاكا فإنها محدثة والخير في ما قد أتى عن النبي الرئف (1) وما يدرينا، فلعل ما بين الناس اليوم من القطيعة والبغضاء والكراهية ناشئ من إهمال السلام، وإحلال غيره محله
رد السلام فريضة محتومة
إن الإسلام لا يرضى من أتباعه أن يقابلوا الإحسان إلا بالإحسان، فلذلك فرض على من تلقى سلاما أن يرد بأحسن مما تلقى أو بمثله على الأقل، فقد قال تعالى: {وَإِذَا حُمِّيتُم بِنَحِيَّةٍ فَحَدُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
حَسِيبًا النساء: 86.
قال القرطبي: «الأحسن أن يزيد فيقول: عليك السلام ورحمة الله لمن قال: سلام عليك فإن قال: سلام عليك ورحمة الله زدت في ردك وبركاته وهذا هو النهاية فلا مزيد قال الله تعالى مخبرا عن البيت الكريم رحمة الله وبركاته على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى فإن انتهى بالسلام غايته زدت في ردك الواو في أول كلامك فقلت: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته والرد بالمثل أن تقول لمن قال السلام عليك عليك السلام إلا أنه ينبغي أن يكون السلام كله بلفظ
الجماعة وإن كان المسلم عليه واحدا» (2).
(1) نور الدين السالمي: جوهر النظام، 217/ 2. (2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 299/ 5 ـ 300. (1/329)
صفحة 325
330
نداء الحق
وإذا كان يشرع للراد أن يزيد في رده على ما جاء في تحية المُسَلّم لطلب مضاعفة الخير، ومقابلة الإحسان بما هو أحسن، فما بالك بمن لا يرد السلام رأسا؟! وإنما يعدل عنه إلى ما لم ينزل الله به سلطانا من العبارات التي تتسابق إلى الألسنة بحسب ما تستحسنها النفوس، فمنهم من يرد بقوله: «مرحبا»، ومنهم من يقول: «أهلا وسهلا ومنهم من يطور الرد إلى لفظة «أهلين»، وهذا كله تعام عن الحق، وصدود عن الشرع، وإن مما يؤسف له أن يكون العرب هم أكثر الناس عدولا عن رد السلام إلى مثل هذه العبارات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا تسقط عن المسلم عليه فريضة الرد، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
وإن مما يحمد عليه العجم من المسلمين التزامهم الرد بالطريقة الإسلامية المشروعة، فلا تكاد تسلم على مسلم أعجمي إلا ويرد عليك بما شرع في الإسلام من الرد، ولكن أكثر العرب أو كثيرا منهم في عمى عن هذا!! حتى أنني كثيرا ما أحتار في أمر السلام، إذ كثيرا ما يبقى سلامي معلقا من غير رد عليه، وهم يحسبون أنهم بهذا يحسنون صنعا!! وقد جادلني أحدهم فقال: إن كلمة أهلا وسهلا تدل على الترحيب، فهي كافية عن رد السلام!! وهذا يدل على تعمق الجهل وتزيين الشيطان لهم، ولربما ألححت عليهم أن يردوا السلام لتبرأ ذمتهم من تبعة الرد، ولكنهم يتصاممون، وهذا من أسوأ ما تفشى في الناس من العادات السيئة.
ومما يؤسف له أن الذين أوتوا شيئا من العلم يهملون دعوة السواد الأعظم من الناس إلى اتباع تعاليم الإسلام في هذا، بل كثير من هؤلاء الذين أوتوا شيئا من العلم هم بأنفسهم يقعون في هذا الخطأ الكبير، وهذا يعني أنه لا بد من حملة توعية ترد الناس إلى جادة الحق، وتبصرهم بخطأ ما يرتكبون في هذا، ويجب أن ينشأ الأطفال من بداية مراحل تربيتهم على تعظيم أمر السلام، والحرص على ابتدائه ورده. (1/330)
صفحة 326
المحور الثالث عشر
فيما يتعلق بتربية الأولاد
331
إن الولد هو فلذة الكبد، وثمرة الفؤاد وقرة العين، والأمل الواعد، والمستقبل الباسم لمن أحسن تربيته وتعهده بالتزكية، وكان له قدوة حسنة في مكارم الأخلاق ومحاسن الطباع، وقد أجاد من قال:
وإنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض لو هبت الريح على بعضهم لامتنعت عيني من الغمض فالأولاد حياتهم امتداد لحياة آبائهم وأمهاتهم، وشبابهم تجديد لشباب أصولهم، كما قال التهامي
وقلت شباب ابني شبابي وإنما تحول شطر العمر مني إلى شطري فهم بهذا أعظم نعمة دنيوية ينعم الله بها على عباده، فكم يحس المحرومون من هذه النعمة بأنهم فاقدون ما تتطلع إليه النفس ويهفو إليه القلب، وتنجذب إليه الفطرة من نعمة هذه الحياة، ولذلك ذكر الأنبياء أقوامهم بهذه النعمة التي أتتهم من الله تعالى، فلم يرعوها ولم يقدروها، قدرها، كما في قول هود: {وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُم بِأَنْعَمٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّتٍ وَعُيُون) الشعراء: 132 - 134، ولهذا يحرص أولو الصلاح والرشد أن يمتد الخير في أعقابهم، وأن يكون فيهم من يقيم الصلاة ويقوم بواجبات الدين كما في قول إبراهيم: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَوةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعاء) إبراهيم: 40، وذلك بعد أن شكر الله تعالى (1/331)
صفحة 327
332
نداء الحق
على نعمة الولد التي أتته على كبر، كما حكى الله عنه في قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء) إبراهيم: 39، والمؤمن يلتفت إلى ماضيه فيستذكر نعمة الله عليه التي أتته من طريق والديه وحسن رعايتهما له وإحسانهما إليه، وينظر إلى مستقبله فيتطلع إلى الصلاح والبر والتقوى
صلے
في ذريته، كما تضمن ذلك قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَنًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} الأحقاف: 15.
أعقابه.
ولعظم نعمة الله تعالى التي تكون بالأولاد كان التطلع إليهم فطرة مركوزة في طباع البشر لا فرق في ذلك بين بر وفاجر، وإنما البر يتطلع إليهم لأجل أن يكون برهم موصولا ببره، فيكتب الله تعالى له أجر بره وبرهم من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئا، وأما الفاجر فلا يكتفي بفجوره وإنما يسعى إلى أن يكون له امتداد في ولم يكن الأنبياء بعيدين عن هذه الفطرة، فهم يتطلعون إلى ذرية صالحة تحمل لواء الحق، وتنشر هداية الله تعالى في الناس، كما قصه الله تعالى من نبأ زكريا في قوله: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيَّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظمُ مِنِي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنُ بِدُعَابِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَاءِى وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ عَالِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيَّا) مريم: 2 - 6.
واجب الوالدين تجاه الأولاد:
إذا كان الأولاد أول ما تشرئب إليه أعناق الناس، وتتطلع إليه أفئدتهم من نعمة هذه الحياة، ونعيمها فإن هذه الثروة يجب أن لا تذهب سدى، وأن (1/332)
صفحة 328
المحور الثالث عشر: فيما يتعلق بتربية الأولاد
333
لا تترك لعوادي الزمن تعدو عليها، وإنما يجب أن تحاط بسياج سميك يقيهم شر شياطين الجنة والناس، وذلك بحسن تربيتهم وترقيتهم في معارج الخير ومصاعد الأخلاق.
وهذا يبدأ باختيار شريك الحياة من كل واحدٍ من الذكر والأنثى، فالرجل عليه أن يختار لأولاده أما صالحة تربيهم على الإيمان والتقوى، وتعودهم خصال البر وعشق الفضائل، وهذا مما يوحي به توجيه النبي صلى الله عليه وسلم في اختيار المرأة الصالحة، فعن أبي هريرة وجابر لها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك»، فانظر كيف وجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ترجيح جانب الدين على كل الجوانب التي تغري على نكاح المرأة، وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة» (2).
أثر الأم على نشأة الطفل:
إنما كان إرشاده صلى الله عليه وسلم إلى المرأة الصالحة، لأنها قرة عين الزوج، وسكينة قلبه، وأمينة بيته، ولها أكبر الأثر في تنشئة أولادها على البر والتقوى، والصلاح والاستقامة، فإن الطفل يتأثر أول شيء بأمه، فأخلاقها تنعكس عليه،
(1) من طريق أبي هريرة: أخرجه البخاري (1958/ 5، رقم 4802)، ومسلم (1086/ 2، رقم 1466)، وأبو داود (219/ 2، رقم 2047)، والبيهقي (79/ 7، رقم 13244)، وابن ماجه (597/ 1، رقم 1858)، وابن حبان (344/ 9، رقم 4036). ومن طريق جابر: أخرجه الدارمي (179/ 2، رقم 2171). وأخرجه أيضا: أحمد (428/ 2، رقم 9517)، والنسائي في الكبرى (269/ 3، رقم 5337)، والدارقطني (302/ 3).
(2) أخرجه مسلم (1090/ 2 رقم: 1467) وبلفظ قريب أخرجه النسائي (69/ 6، رقم 3232)، وابن ماجه (596/ 1، رقم 1855)، وأحمد (168/ 2، رقم 6567)، وهناد في الزهد (295/ 1، رقم 519) وعبد بن حميد (ص 133، رقم (327)، والقضاعي (236/ 2، رقم 1264)، والبيهقي في شعب الإيمان (150/ 4، رقم 4619)، وجاء من طريق جابر عند أبي نعيم في الحلية (310/ 3)، وابن عساكر (368/ 64). (1/333)
صفحة 329
334
نداء الحق
وحديثها ينطبع في نفسه، وسلوكها هو نهجه الذي ينشأ عليه أول أمره لأنه يفتح عينه عليها، فيرى أنها هي التي تتعهده في نومه وفي يقظته، وترعاه في صحته وفي سقمه، ومن جسمها أول غذائه، وإليها يأنس في جميع أحواله، فهي مدرسته الأولى كما قيل:
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت جيلا طيب الأعراق
الأم الصالحة من منبت طيب هي التي تغذي الولد بالفكر السليم وتتعهده بالتربية الناجحة
عمر
كم كان للأم من أثر كبير في انتزاع قرة عينها وفلذة كبدها من تأثير المحيط الأسري الفاسد عليه خصوصا عندما تكون طيبة المنبت زاكية الأعراق، تجد في أصولها التي تنتمي إليها ما تفاخر به العالم، وتباهي به العظماء، ناهيك شاهدا على ذلك ما كان من أم. بن عبد العزيز، التي استطاعت بحسن تربيتها له أن تخلصه من طباع آل مروان، وتغرس في نفسه طباع جدها العظيم عمر بن الخطاب الله الله، وإذا كان مما شاع في الأمثال قولهم: «كل فتاة بأبيها معجبة فلا عجب أن تكون الفتاة التي تنتسب إلى الفاروق العظيم هو مصدر إعجابها وموئل افتخارها واعتزازها، حتى تباهي به العالم وتفاخر به الدهر وأن تحاول نقل سجاياه الحميدة ومزاياه العظيمة إلى فلذة كبدها وقرة عينها، وأن تظل عالقة بذكريات الفاروق في كوخه المتواضع بالمدينة المنورة، ولو انتقلت إلى قصور آل مروان بالشام، فلا يروق لعينها ما فيها من زخرف الحياة الدنيا، وبهرجتها ولا تراها تساوي شيئا من ذلك الكوخ المتواضع الذي كان يُصَدِّر إلى العالم الحق والعدل والإنصاف، وتصدر منه القرارات التي تزعزع قصور الأكاسرة والقياصرة، وتوجف قلوبهم، وترجف الأرض تحت أقدامهم، ويمتد ظله الظليل إلى أرجاء الدنيا، فيأوي إليه كل ملهوف ليجد فيه الغوث والأمن والسلامة إن (1/334)
صفحة 330
المحور الثالث عشر: فيما يتعلق بتربية الأولاد
335
روع في دنياه بوحشة الزعازع والخوف والخطر، ويسعى إليه كل خائف أنحائه أمنه وطمأنينته من بطش الجبارين، ويفر إليه كل مظلوم
ليجد في
ليجد في
أكنافه العدل والإنصاف بعدما عصف به هجير الظلم فكاد يشويه ويرديه، فحسبها ما في ذلك الكوخ المتداعي عما في قصور آل مروان بالشام أو غيرها، التي تستعر بالظلم، فلا يجد مظلوم آوى إليها إلا لهيب ظل من يحموم، لا بارد ولا كريم، وتغص بالفجور بين جنباتها؛ فلا يستنشق مما يخرج منها إلا نتن ريحه العفن، وأنى لها أن تجد في سيرة مروان ـ وهو طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن طريده، وموقد نار الفتنة في الأمة ـ ما تجده في سيرة الفاروق العظيم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرينه في المحيا والممات؟! فكيف لا تطمح أن تنشئ أملها الوحيد في الحياة على هذه السيرة العظيمة، وهذا الطموح الرفيع، وتستخلصه من أعراقهم ليظل عرق الفاروق وحده هو الذي يسري أثره في نفسه فيكيف فكره وطموحه، ويحدد نزعته ووجهته، فلا غرو أن تكون هذه التربية بعناية الله هي التي وجهته إلى أن يكون قرآني البصيرة، محمدي الهدي، فاروقي الوجهة راشدي السيرة، فيتجدد على يديه من الخير ما لم تكن منه على بال ويفصح بذلك خطيبها المصقع عبد الله بن الأهتم عندما وفد إليه مع الوافدين، وصور ما مر بالأمة من زعزاع هدم بنيانها وأسقط أركانها، ثم وجه إليه خطابه قائلا: «ثم إنك يا عمر ابن الدنيا، ولدتك ملوكها وألقمتك ثديها، فلما وليتها ألقيتها حيث ألقاها الله وآثرت ما عند الله، فالحمد لله الذي جلا بك حوبتنا، وكشف بك كربتنا، امض ولا تلتفت، فإنه لا يعز على الحق شيء، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات» (1).
للأمة
(1) ينظر: أبو سعد الأبي: نثر الدرر، 11/ 6، وينظر أيضا: سنن الدارمي (55/ 1 رقم: 91)، علي بن الحسن بن هبة الله: تاريخ دمشق، 109/ 27، ابن عبد ربه: العقد الفريد، 86/ 4، محمد بن
حسن بن محمد: التذكرة الحمدونية، 286/ 6، أحمد زكي جمهرة خطب العرب، 421/ 2. (1/335)
صفحة 331
336
نداء الحق
وإذا كانت هذه من ثمار الزواج بالمرأة الصالحة، فأي رجل لبيب يعدل عنها إلى غيرها، أو يؤثر عليها التي تفوقها حسنا وجمالا، وتبزها قدا واعتدالا، رغبة في شهوات الدنيا؟! وهي التي عبر عنها بخضراء الدمن، كما جاء في رواية يؤيدها الواقع وإن لم تصح سندا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إياكم وخضراء الدمن قيل يا رسول الله وما ذاك قال المرأة الحسناء في المنبت السوء)، وهذا الكلام إن لم يثبت عن النبي الله، فإن عقل اللبيب يحجزه عن الورد في هذه المستنقعات الآسنة التي لا تعقب إلا الأوبئة المردية ـ والعياذ بالله ـ.
وإذا كان للأم الصالحة هذا الأثر الكبير - في تنشئة قرة عينها على مكارم الأمور، ومحاسن الأخلاق، والطموح إلى المعالي، وتخليصه مما عسى أن يؤثر عليه من الشوائب التي تفرزها الأعراق غير الصالحة ـ فإنني أهيب بكل أم أن تحمل بين جنبيها هذا الهم العظيم، وأن تسعى إلى هذا الطموح الكبير اقتداء بحفيدة الفاروق وابنة الفتاة الذكية اللبيبة الصالحة التي أعجب الفاروق له الله بجوابها لأمها، فأمر ابنه عاصما بأن يتزوجها متطلعا إلى أن تلد من يتحقق على يديه حلم الأمة، ويتدفق بعدله خيرها وسعادتها، فولدت له أم عمر بن عبد العزيز، التي وجهته هذه الوجهة المرضية، وكم أتمنى أن تبذل كل أم ما تمتلك من خبرة وحصافة في تربية أولادها هذه التربية العظيمة، التي تجعل منهم قادة صالحين للأمة، تنتعش بهم بعد خمودها وتحيا بهم بعد موتها وتسعد بهم بعد شقائها، فهذا هو مجال التنافس بين الأمهات الصالحات.
6
(1) أخرجه الديلمي (382/ 1، رقم 1537)، والرامهرمزي في أمثال الحديث (120/ 1، رقم 84)، والقضاعي: (96/ 2، رقم 957)، والخطيب في تالي تلخيص المتشابه (509/ 2، رقم 309).
وأورده القاريء في الموضوعات الكبرى (ص 82 رقم 306) (1/336)
صفحة 332
المحور الثالث عشر: فيما يتعلق بتربية الأولاد
337
وإذا كان صلاح الأم وبرها وطموحها الكبير وسيلة لتحقيق هذا الأمل وبعث هذا الرجاء، فما بالك إذا اجتمع صلاح الأب والأم معا، وتضافرت جهودهما، وتكاملت خبراتهما في تنشئة جيل يصلح به الدين والدنيا، وكان كل منهما طموحاً إلى أن يقدم للأمة أملها الكبير في التفافها على من يعد في رجل، تنهض به بعد عثرتها وتستقيم به بعد اعوجاجها؟
أمة
الرجل الصالح غاية أنشودة المرأة الصالحة
إذا كان الرجل مطالبا بأن يحرص على اختيار المرأة الصالحة التي تكون ردءا له وعونا على الخير وتكون نعم المحضن، لذريته، فإن المرأة أيضا مطالبة أن تختار الرجل المناسب، الذي تصطفيه ليكون نعم الأب لأولادها، يجدون فيه الأسوة الحسنة التي يتبعونها في أعمالهم وأخلاقهم، والقدوة الصالحة التي يأتمون بها في أمر دينهم ودنياهم، ولما كانت المرأة لا تباشر بنفسها القيام بهذه المهمة وجه النبي صلى الله عليه وسلم أولياء أمرها إلى أن يتولوا هم اختيار الرجل المناسب الذي يملأ هذا الفراغ وهم يتحملون هذه المسؤولية، كما هو صريح ما روي عنه من قوله: «إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض»، ودعك مما قيل في ضعف أسانيده، فإن العقل السليم والشرع الصحيح يؤكدان معناه، فأنى يستوي الراشد والغوي، أو يتعادل البر والفاجر، وقد قال تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَارِ) ص: 28، وقال: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن تَجْعَلَهُمْ
(1) من طريق أبي هريرة: أخرجه الترمذي (394/ 3، رقم 1084)، وابن ماجه (632/ 1، رقم 1967)، والحاكم (179/ 2، رقم 2695، الطبراني في الأوسط (141/ 1، رقم 446)، ومن طريق ابن عمر: أخرجه ابن عدي (72/ 5، ترجمة (1251)، ومن طريق أبي حاتم المزني: أخرجه الترمذي (395/ 3، رقم 1085) والطبراني (299/ 22، رقم (762)، وابن مردويه كما في تفسير ابن كثير (330/ 2)، والبيهقي (82/ 7، رقم 13259). (1/337)
صفحة 333
338
نداء الحق
كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءَ تَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) الجانية: 21، وقال: (أَفَتَجْعَلُ المُسلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) القلم: 35 - 36، فكيف يتصور أن لا يجعل الإسلام الحنيف للرجل الصالح ميزة على الرجل الفاسد في أمر الزواج؟ وإذا كان الله تعالى ينهى الناس عن إيتاء أموالهم للسفهاء كما هو نص قوله تعالى: وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُم قيما) النساء: ه، فكيف أفلاذ أكبادهم، ويربطون بهم مصيرها؟! فإن الولد أغلى وأعز على النفس من المال، ولا ريب أن الولي مؤتمن على موليته وهو راع لها، وفي الحديث: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.
يسلمونهم
وإذا كان هو راعيها فلا غرو أن توكل هذه المسؤولية إليه، وإن كان مطالبا أن يجعل لها خيارا في ذلك عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: «الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها)، وإذا كان لها حق الخيار فإن عليها أن لا تعدل بالبر والاستقامة شيئا.
وباجتماع هذه النظرة إلى جانب الاستقامة والصلاح من قبل الرجل والمرأة يكونان قد برا بأولادهما، حيث اختار الأب لهم الأم الصالحة، واختارت الأم لهم الأب الصالح، أما إن أساءا الاختيار فهذا هو العقوق للأولاد والعياذ بالله، ولا يلومن أحد إلا نفسه فيما أقدم عليه، فكيف يلوم أحد أولاده إن عقوه وقد ابتدأهم بالعقوق قبل أن يوجدوا؟!.
(1) أخرجه أحمد (5/ 2، رقم 4495)، والبخاري (848/ 2، رقم (2278)، ومسلم (1459/ 3، رقم 1829)، وأبو داود (130/ 3، رقم (2928)، والترمذي (208/ 4، رقم 1705).
(2) أخرجه الربيع: (ص 206، رقم: (511)، ومالك (524/ 2، رقم 1092)، وأحمد (241/ 1، رقم 2163)، ومسلم (1037/ 2، رقم 1421)، والترمذي (416/ 3، رقم 1108) وقال: حسن والنسائي (84/ 6، رقم 3260)، وابن ماجه (601/ 1، رقم 1870)، وابن حبان (397/ 9، رقم 4087). وأخرجه أيضا الشافعي (172/ 1)، والدارمي (186/ 2، رقم 2188)،
ع.
والبيهقي (115/ 7، رقم 13439). (1/338)
صفحة 334
المحور الثالث عشر: فيما يتعلق بتربية الأولاد
339
التدرج في تربية الأولاد
التربية من ربا يربو بمعنى نشأ ونما، فهي إذن بمعنى تنشئة الأولاد وتنميتهم حسا ومعنى، فتصدق على الرعاية ودفع الأذى والوقاية من كل ما يضعفهم، أو يقعد بهم عن النمو في درجات الخير، ناهيك أن التربية والربوبية مادتهما واحدة، وما سمي الله تعالى ربا إلا لأنه يربي عباده ومخلوقاته بالخلق والإنشاء، وبالرعاية والإنماء، ومن الشواهد الدالة على أن اشتقاق الربوبية والتربية من مادة واحدة قول علقمة الفحل:
وَأَنتَ امْرُؤٌ أَفضَتْ إِلَيْكَ أَمَانَتِي وَقَبلَكَ رَبَّتني فَضِعتُ رُبوبُ
فإن الربوب جمع رب، قال ابن سيده: «رُبُوبُ جمع رَبِّ»)، وقال أبو بكر الأنباري: «ويقال في جمع الربّ أرباب، وربوب، وأرب» (2)، قلت: الأرباب قلة، وكذلك أرب، وأما الربوب فهو جمع كثرة، وترى أن علقمة أسند
جمع
تربيته إلى الربوب، فتبينت وحدة مصدر الربوبية والتربية في الاشتقاق، وإنما صدق على الله وحده أنه رب العالمين، لأنه منشئ الكائنات ومنميها ومصلحها وواقيها، وهذا يدل أن التربية التي يقوم بها المربون يندرج في تضاعيف معانيها إصلاح الذين يربونهم وتنمية مواهبهم الحسية والمعنوية، وتزكية أخلاقهم، وتوسعة مداركهم، ووقايتهم من كل ما يضر بهم، وقد ذكر ابن الأثير في التربية أنهم: «كانوا يربون المتعلمين بصغار العلوم قبل كبارها» (3)، ومقتضى ذلك رعاية ما يمكن أن تستوعبه مداركهم في ترقيتهم بمراقي العلوم.
في
وإذا كانت هذه هي التربية المستفادة من تشعب معاني هذه الكلمة دلالتها اللغوية، فإن تربية الأولاد المطلوبة من الوالدين وغيرهما لا تخرج
(1) ابن سيده: المخصص، 227/ 5.
(2) ابن الأنباري: الزاهر في معاني كلمات الناس، 82/ 2. (3) ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر: 181/ 2. (1/339)
صفحة 335
340
نداء الحق
عن هذه المعاني، فهي تعني حسن الرعاية لهؤلاء الأولاد منذ ولادتهم، بل تبدأ ـ هي على الصواب ـ قبل ذلك من لحظة انتقالهم من أصلاب آبائهم إلى أرحام أمهاتهم، فإن العشرة بين الزوجين في فراش الزوجية يؤمر أن تستحضر فيها النية الصالحة، وأن تبدأ بذكر الله تعالى، فقد قال تعالى: وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ} البقرة: 187، وقال كثير من المفسرين إن المراد بابتغاء ما كتب الله هو ابتغاء الولد الصالح، الذي يعمر الأرض بتقوى الله تعالى، وعزا ذلك ابن جرير الطبري إلى طائفة من مفسري السلف (1)، وقال القرطبي في تفسيره: قال ابن عباس ومجاهد والحكم بن عيينة وعكرمة والحسن والسدي والربيع والضحاك: معناه وابتغوا الولد يدل عليه أنه عقيب قوله: فالآن باشروهن (3)، وقال صاحب المنار: «واطلبوا بمباشرتهن ما قدره لجنسكم في نظام الفطرة من جعل المباشرة سببا للنسل، أو أن يكون كتبه لكل منكم بأن تكون مباشرتكم بقصد إحياء سنة الله تعالى في الخليقة زاد بعضهم: لا لمحض شهوة النفس واللذة التي يشارككم فيها البهائم)
ما عسى
(3)
وهذا يدل على أن من طاعة الله تعالى والتقرب إليه في المباشرة الزوجية أن تكون للزوجين نية صالحة في إحياء الأرض وعمارتها بالخلف الصالح، الذي يضطلع بأمانة الله، ويحافظ على دينه، على أن هذه اللحظة التي تندمج فيها المشاعر بين الزوجين، وتنسجم فيها العواطف يؤمران أن لا يعزب عن بالهما ذكر الله تعالى، وتعويذ ما عسى أن يكون للقائهما هذا من ثمرة صالحة بهذا الذكر، فعنه أنه قال: لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال بسم اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن قضى بينهما ولد من
(1) ابن جرير الطبري: جامع البيان، 169/ 2. (2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 318/ 2. (3) محمد رشيد: رضا تفسير المنار، 143/ 2.
الله (1/340)
صفحة 336
المحور الثالث عشر: فيما يتعلق بتربية الأولاد
يقول بسم
341
ذلك لم يضره الشيطان أبدا)، وجاء بلفظ: «يعجز أحدكم إذا أتى أهله أن الله اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني فإن قضى بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدا» (2)، وهو يدل على التعجب والتعجيب ممن يهمل ذلك.
وهذه بداية لما يقوم به الوالدان من تربية من يعلقان أملهما بأن يكون لهما قرة عين في أثناء تكونه جنينا، وقبل وضعه ينبغي لهما أن يكثرا الدعاء إلى الله بأن يجعله من عباده الصالحين.
مشروعية التأذين على أذن الطفل ليكون النداء إلى الصلاة والفلاح أول ما يطرق سمعه:
إذا ولد المولود فإن تربيته تبدأ بذكر الله تعالى، فلذلك شرع التأذين على أذنه، كما روى الترمذي عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة»، وقال: هذا حديث حسن صحيح» (3)، وقد استحب كثير من العلماء أن يكون التأذين أذنه اليمنى وتقام الصلاة في في ذلك أذنه اليسرى، وروي في حديث عن
النبي ولكنه لم يثبت عنه.
(1) أخرجه الطيالسي (352/ 1، رقم 2705)، وأحمد (286/ 1، رقم 2597)، والبخاري (1196/ 3، رقم 3109)، ومسلم (1058/ 2، رقم 1434)، وأبو داود (249/ 2، رقم 2161)، والترمذي (401/ 3، رقم 1092)، وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (618/ 1، رقم 1919)، وابن حبان (263/ 3، رقم 983). (2) أخرجه أحمد (243/ 1، رقم 2178)، والبخاري (1196/ 3، رقم 3109)، وعبد بن حميد (ص 230، رقم 689)، وعبد الرزاق (194/ 6، رقم 10466). (3) أخرجه الترمذي (97/ 4) رقم: (1514)، والحاكم (197/ 3 رقم: 4827)، وأبو داود (328/ 4 رقم: 5105)، والبيهقي في الكبرى (513/ 9 رقم: 19303) وفي الشعب (106/ 11 رقم: 8255)، والطبراني في الكبير (303/ 1 رقم: (926)، وأحمد (172/ 45 رقم: 27195)، والروياني (455/ 1
رقم: 682). (1/341)
صفحة 337
342
نداء الحق
6
وليست مشروعية التأذين في أذنه إلا لأجل أن يكون أول ما تتلقاه أذنه هو تكبير الله تعالى وذكره الذي يتوج بكلمة الإخلاص، بجانب الدعوة إلى خير عبادة وهي إقام الصلاة التي يقوم عليها قائم الدين وتستقيم بها حياة العبد، وما يدرينا لعل هذا التأذين يرتسم في ذهنه ليبقى هاجسا في نفسه يذكره بالله،
والقيام بعبادته، والحفاظ على عهده.
استمرار ذكر الله في تربية الطفل:
ينبغي أن يكون ذكر الله تعالى مصاحبا لتربية الطفل في جميع مراحل عمره، ويلقنه تدريجيا بحسب استعداده الذهني والقولي؛ لينشأ على تعظيم الله سبحانه ومعرفته وتوحيده على أن يلقن معنى كلمة التوحيد عندما يكون متهيئا لذلك بتفتح مداركه، وفهمه لما يقال، ويعرف وجوب طاعة العباد الله وفي مقدمتها العبادات المشروعة لتوصلهم الله، كما يلقن أن كل ما في نفسه ومن حوله في هذا العالم الفسيح مما يتمتع به من نعم الله إنما هو من الله وحده، وهو الذي أنعم عليه بخلقه، وتسخير ما سخر له، وبسط له من رزقه، وآتاه من فضله، فضله، ويسر له من النعم ما لا يحصيه عد ولا يقصيه حد، حتى ينشأ عارفا بعظمة الله ونعمته على مخلوقاته، وأنه تعالى محيط بكل شيء، فما من دابة في الأرض إلا عليه رزقها. ويلقن ما تتسع له ملكاته من آيات الله تعالى في تنزيله، عملا بما يدل عليه قول النبي: خيركم من تعلم القرآن وعلمه، وما نص عليه حديث: علموا أولادكم القرآن فإنه أول ما ينبغي أن يتعلم من علم الله هو (2)، على أن
(1) من طريق عثمان أخرجه الطيالسي (ص 13، رقم 73)، وأحمد (69/ 1، رقم 500)، والبخاري (1919/ 4، رقم 4739)، وأبو داود (70/ 2، رقم (1452، والترمذي (173/ 5، رقم 2907) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (76/ 1، رقم (211)، وابن حبان (324/ 1، رقم 118)، ومن طريق على: أخرجه الترمذي (175/ 5، رقم 2909. وأخرجه أيضا الدارمي (528/ 2، رقم 3337). (2) أخرجه الربيع بن حبيب: (ص 24 رقم: 3). (1/342)
صفحة 338
المحور الثالث عشر: فيما يتعلق بتربية الأولاد
343
قدما
يعود على تعظيم القرآن ومراعاة حرماته والتنافس في تعلمه وتلاوته، وقد يكون الإهداء إليه عندما يجتاز مرحلة من ذلك مما يشجعه على المضي في هذه الطريق.
ثم يتدرج به في تعليمه أركان الإيمان وأركان الإسلام، وتفقيهه في دين الله، ويعود على شهود الصلوات وحضور المساجد ليتعلق قلبه بذلك، وقد جاء عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين واضربوهم عليها لعشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع)، وعن أنس لها الله بلفظ: «مروهم بالصلاة لسبع سنين واضربوهم عليها لثلاث عشرة» (2)، وهذا لأجل أن يتعود الصلاة ولا يستخف بها عندما يخاطب بفرضها، ولعل الاختلاف بين الروايتين لاختلاف أحوال الصبيان، فمنهم من يتسارع نموه وإدراكه، ومنهم من يكون بخلاف ذلك، ولعل في بدء فرض العقوبة على التهاون بها عندما يبلغ عشر سنوات احتياطا، لأن الصبيان من يبلغ الحلم قبل أن يبلغ الثالثة عشرة.
6
من
وكذلك يتدرج في أمره بالصيام وغيره من الفرائض عندما تطيق قواه ذلك، وتراعى ملكاته واستعداده في تلقي العلم، فيعلم الاعتقاد الصحيح الذي نص عليه في القرآن، وتواترت به سنة النبي الله، كما يفقه في دين الله تعالى بقدر ما يتسع له ذهنه، ويلقن من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والنبيين من قبله ما يشده إليهم ليجعل سيرتهم هي نصب عينيه وملء قلبه، ويعلم أيضا من سير السلف الصالح أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فمن بعدهم ما يشحذ همته على أن يحذو حذوهم، ويقتدي بهم في تضحياتهم العظيمة من أجل دين الله تعالى، وكذلك يعلم من الآداب
(1) أخرجه أحمد (187/ 2) رقم (6756)، والحاكم (311/ 1) رقم (708، والبيهقي في السنن الكبرى (119/ 3 رقم: 5092)، والشعب (128/ 11 رقم: 8283).
(2) أخرجه الدارقطني (231/ 1، رقم (6)، والطبراني في الأوسط (256/ 4 رقم 4129) والحارث
(238/ 1، رقم 106). (1/343)
صفحة 339
344
نداء الحق
والأخلاق ما يسمو بنفسه ويدفعه إلى الترفع عن الدنايا، وعشق معالي الأمور وكراهة سفاسفها، ويعود الزهد في الدنيا والتعلق بالدار الآخرة، ويرسخ في نفسه زوال الدنيا واضمحلالها، ودوام الآخرة وخلودها، وأن من سعد في الدار الآخرة فقد أحرز الخير بحذافيره، وربح ربحا لا خسارة بعده، إذ لا يعقب سعادتها شقاء، وأن من شقي في الدار الآخرة فشقاؤه أبدي لا تتبعه سعادة، فلهذا كان خسرانه، مبينا، ويملأ فكره ووجدانه أن الدنيا لا تسوى بجانب الآخرة شيئا، ولو لم يكن ما بينهما إلا فناء الدنيا ودوام الآخرة لكفي، فكيف ونعيم الآخرة يفوق كل تصور، فلا يسوى نعيم الدنيا بأسرها أقل نسبة تتصور من مثقال ذرة من نعيم الآخرة، وكذلك بلاء الدنيا ونصبها ومحنها ولأواؤها لا تساوي أدنى ما يتصور من عذاب الآخرة وشقائها.
وبجانب هذه التربية الإيمانية والتزكية الدينية يشجع على ما تنجذب إليه نفسه ويميل إليه، طبعه وتتسع له ملكاته من علوم الدنيا والدين، فيختار من التخصص فيها ما هو أنسب بمداركه واستعداده؛ ليفيد أمته ويفيد الناس جميعا بما يفيض عليه من الخير الذي ينبجس ويتدفق من تخصصه العلمي، واختصاصه العملي، على أن يكون في هذا كله متقربا إلى الله ال مخلصا له في علمه وعمله، مستجيبا لداعيه في سره، و علانيته جاعلا مرضاة الله تعالى هي معقد عمله، وغاية مبتغاه، غيورا على دين الله تعالى لا يساوم على شيء منه ولو أوتي الدنيا بحذافيرها.
القدوة الصالحة والأسوة الحسنة في سلوك الأبوين أعظم وسيلة لنجاح تربية الطفل:
إن الطفل يفتح عينيه أول ما يفتحهما على أبويه، وينعكس على نفسيته ما يكون منهما من بر أو فجور أو استقامة أو انحراف، لأنهما أقرب قدوة يجدها في حياته ليقتدي بها، فالأم كما قلنا هي المدرسة الأولى، وهي المثل الأعلى للطفل في سلوكها التربوي، وأخذها وعطائها عنده أو عند غيره من الناس، ثم (1/344)
صفحة 340
المحور الثالث عشر: فيما يتعلق بتربية الأولاد
345
عندما يتدرج في صحبة الأب يتصور أن أباه هو المثل الأعلى، والبطل الوحيد بين الرجال، فيحب أن يقتدي بأبيه في قوله وعمله، وسره وعلانيته، لهذا كان على الأبوين إن رغبا في تنشئة طفلهما على معالي الأمور، ومكارم الأخلاق، و محاسن الطباع، أن يحرصا على تكييف أخلاقهما وأعمالهما وأقوالهما، وكل ما يصدر عنهما وفق ما تقتضيه هذه الرغبة، ليجد الطفل فيهما البر والتقوى، ومراقبة الله في السر والعلانية والالتزام بدين الله في القول والعمل، والغيرة على حرمات الله في المكره والمنشط، والإخلاص لله تعالى في الفعل والترك، وإيثار ما عنده على ما عند الناس في الظاهر والباطن.
هجر
وهذا يعني؛ أن لا يسمع منهما فحشا في الحديث، فلا يطن على أذنه من القول، ولا أي كلمة جارحة للحياء، خارجة عن الوقار، مخالفة للآداب، وأن لا يعثر في حديثهما قط على كذب عليه، ولا على أحد من الناس، إذ الطفل يتعود ما عوده إياه أبواه كما قال أبو العلاء المعري: وَيَنشَأُ ناشِئ الفتيانِ مِنّا على ما كانَ عَوَّدَهُ أَبوهُ وَما دانَ الفَتى بِحِجيَّ وَلَكِن يُعَلِّمُهُ التَدَينَ أَقْرَبُوهُ
وهذا مما يوحي به قول النبي صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة، فما يزال عليها حتى يعرب عنها لسانه، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (1)، فإنه كما ينحرف به أبواه عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها وشرعها لعباده دينا قويما وصراطا مستقيما إلى أديان الضلال، كذلك ينحرفان به عن فضائل الأخلاق، وكرائم الأعمال وصادق الأقوال التي تفرزها الفطرة السوية إلى ما يعاكسها من الأخلاق الدنيئة، والأعمال الساقطة، والأقوال الكاذبة أو
(1) أخرجه أحمد (435/ 3، رقم 15627)، والدارمي (294/ 2، رقم 2463)، وابن حبان (341/ 1، رقم 132)، والطبراني (285/ 1، رقم 834)، والحاكم (133/ 2، رقم 2566)، وأبو نعيم في الحلية
(263/ 8)، والبيهقي (203/ 6، رقم (11923)، والضياء (249/ 4، رقم 1446). (1/345)
صفحة 341
346
نداء الحق
الخبيثة المستهجنة، لهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على تربية أمته على توقي الكذب في تعاملها مع الأطفال، فعن عبد الله بن عامر، أنه قال: «دعتني أمي يوما، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في بيتنا فقالت ها تعال أعطيك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما أردت أن تعطيه؟ قالت أعطيه تمرا، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إنّك لو لم تعطيه شيئا كتبت عليك كذبة».
وكل هذا يندرج في تضاعيف ما يشتمل عليه التوجيه الرباني في القرآن لعباد الله تعالى، كما في قوله: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَيْكَةُ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ
مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم: 6، فإن وقاية الأنفس من هذه النار تعني اتقاء كل ما يسخط الله تعالى من سيئات الأعمال وخبائث الأقوال ودنايا الأخلاق، ووقاية الأهلين منها بتجنيبهم التعرض لها بالفعل والقول، أما الفعل: فهو تجنب رب الأسرة وعميدها لكل ما يؤدي إليها مما توعد الله عليه، من معاصي الظاهر أو الباطن، ومفاسد الأقوال والأعمال، وأما القول فهو أن يكون لا يفتأ عن تذكيرهم بالله واليوم الآخر، وتحذيرهم من التعرض لسخطه على أي حال، ولا ريب أن الأولاد هم أحق الأهلين بذلك، وأولى بأن تتضافر جهود آبائهم وأمهاتهم على إبعادهم من النار بما يجدونه فيهم من الحذر الشديد من التعرض لها، ويسمعونه منهم من التحذير البالغ من كل ما يفضي إليها، فعلا كان أو تركا.
هذا؛ وإذا كان حنو الأبوة وشفقة الأمومة يرققان مشاعر الأبوين ويرهفان حسهما تجاه أولادهما، حتى يكونا دائما شديدي الحذر عليهم،
(1) أخرجه أحمد (447/ 3، رقم 15740)، وأبو داود (298/ 4، رقم 4991) والبيهقي (198/ 10، رقم 20628)، والضياء من طريق الطبراني (483/ 9، رقم (466). وأخرجه أيضا: ابن أبي شيبة (236/ 5، رقم 25609). (1/346)
صفحة 342
المحور الثالث عشر: فيما يتعلق بتربية الأولاد
347
يقلقان من كل ما يؤذيهم، ولو كان قرصة نملة أو لفحة ريح، أو رشة ماء،
أو
كما قال الشاعر: لو هبت الريح على بعضهم لامتنعت عيني من الغمض فكيف لا يحذران من الأفعال والأقوال والأخلاق، التي تؤدي بهم إلى سخط الله تعالى، وترديهم في نار جهنم؟ فمن الذي يطيق عذاب النار - والعياذ بالله -؟. وإذا كان الأبوان هما القدوة لأطفالهما - مع أنهما يحرصان على نجابتهم ونجاحهم في الدنيا والآخرة - فإن عليهما أن يحرصا على تجنب الحرام، وتعويد الأطفال على تجنبه بحيث يتعففان من كل ما هو محرم، أو مشتبه من الأموال، من المطاعم والمشارب والملابس، فلا يعثر أحد من أطفالهما عليهما أو على أحدهما معاملة محرمة أو مشتبهة أو جرأة على أموال الناس، أو احتيالا على شيء منها أو اختلاسا له، وكذلك بالنسبة إلى الأعراض؛ بحيث لا تلغ ألسنتهما في عرض أحد، ولا يغتابان أحدا ولا ينمان على أحد، فلا يشهد الأطفال منهما إلا العمل الصالح، ولا يسمعون إلا الكلم الطيب من ذكر الله واستدامته، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يجدون منهما إلا الخلق الرفيع في التعامل مع جميع الناس، مع الحرص على المسارعة إلى الخيرات من الصدقة على الفقراء والمساكين، وعون المحتاجين وإغاثة الملهوفين ونصرة المظلومين، والعطف على المنكوبين والرفق بالإنسان والحيوان، وحسن التعامل حتى مع النبات والجماد، فلكل ذلك أثر على نفسية الطفل، وتحديد مستقبله ورسم منهجه. ومن أهم ما ينبغي ويجب أن يراه الطفل في أبويه الحرص على ابتغاء الكسب الحلال دون غيره، ووضع المال في محله من غير تقتير ولا تبذير، والقصد في الأخذ والعطاء، والإيثار على النفس، ومن الأهمية بمكان أن يكون تعاملهما معه يجمع بين اللطف والشدة والرقة والحزم، فمع إبدائهما العطف والحنان له عليهما أن يكونا حازمين في نهي الطفل وزجره عن الوقوع في (1/347)
صفحة 343
348
نداء الحق
سفاسف الأمور، والانسياق مع رغبات النفس الأمارة بالسوء، وتقليد المفسدين، والإخلال بالآداب في الأقوال والأعمال.
ومن الأهمية بمكان حرصهما دائما على أن لا يخاطباه بما يجرح مشاعره، ويقعد بهمته، كأن يخاطباه خطاب البهائم، مثل لفظ (كلب) أو (حمار) أو (حيوان) فإنه إن اعتاد سماع ذلك منهما أسرع ذلك إلى لسانه، فيخاطب غيره بما يسمعه منهما، وكذلك الكلمات النابية التي تمس العرض والشرف، فإن حرصهما على حسن خطابه يزكي طباعه ويرقى بهمته ويعوده التقزز والتأفف من هذه الكلمات النابية وما توحي به.
ومن الضرورة أن يدعما طموحه بتشجيعه على ما ينجزه من الخير، وما يحققه من النجاح من غير دفعه إلى أن يعتد بنفسه وبما ينجزه حتى يصل إلى حد الغرور، فمهما كان تشجيعهما له وإشادتهما بما يحققه ينبغي أن يبقى في قرارة نفسه أن في أقرانه من يفوقه في النجاح، وإنما عليه أن يطمح ويجد ليصل إلى هذه المرتبة، إذ هي غير بعيدة عنه إن بذل في ذلك جهده.
التباين بين تربية وتربية
قارن بين طفل يتربى بين أبوين حانيين عليه راعيين له، طامحين إلى ترقيه مراتب الخير، لا يسمع منهما إلا أطايب الكلام، ولا يشاهد منهما إلا محاسن الأخلاق، وصالحات الأعمال، وبين طفل يبتلى بأبوين جاهلين أحمقين، لا يخاطبانه إلا ببذيء القول، ولا يجد منهما إلا الشراسة في المعاملة، ولا يسمع منهما إلا الشتائم التي يكيلانها له أو لغيره، أو يتبادلانها فيما بينهما، ولا يألف منهما إلا الجرأة على محارم الله، والاستخفاف بحقوقه وحقوق عباده، والجرأة على أموالهم وأعراضهم، وعدم الاستهجان لقبائح الخصال وخبائث الأقوال، ولا يجد منهما إلا الفظاظة في القول والقسوة في المعاملة، والبعد عن الحنو والشفقة والرحمة، أيكونان سواء؟! فإن مثل هذا إن
زكا طبعه وتهذبت خصاله، فتلك فلتة لم تكن إلا بعناية الله وحده ورعايته. (1/348)
صفحة 344
المحور الثالث عشر: فيما يتعلق بتربية الأولاد
349
وترى كيف أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرجل القاسي، الذي يستقبح تقبيل الأطفال، فعن عائشة، لها قالت: «جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تقبلون الصبيان؟ فما نقبلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة»» (1)، وعن أبي هريرة أن الأقرع بن حابس أبصر النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الحسن، فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحدا منهم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه لا يُرحم من لا يرحم. وقال يونس: «من لا يرحم لا يرحم)، وقد جاءت هذه الرواية من طريق عائشة وأنس ا، وقد استبعد عمر الله أحد عماله وعزله عن عمله بسبب ما لمس فيه من قسوة على أولاده، فعن محمد بن سلام قال: «استعمل عمر بن الخطاب الله رجلا على عمل، فرأى عمر يقبل صبيا له، فقال: أتقبله وأنت أمير المؤمنين؟ لو كنت أنا ما فعلته، قال عمر له: فما ذنبي إن كان الله نزع من قلبك الرحمة إن الله لا يرحم من عباده إلا الرحماء، ونزعه عن عمله، فقال: أنت لا ترحم ولدك فكيف ترحم الناس؟ (3).
فما بالك بأولئك الآباء القساة الذين لا يتصورون الرجولة والشهامة إلا في قسوتهم على أولادهم، فلا يعاملونهم إلا بالغلظة والعنف، ولا يبتسمون في وجوههم ولا يتلطفون في حديثهم إليهم، مع أن هذه الأخلاق الحسنة من البر والمرحمة هي التي يدعو إليها الإسلام، وأين ذلك من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم والرعيل الأول من المؤمنين، الذين كانوا أفذاذ الرجال والنوادر من الأبطال؟! ولكن لم تحل رجولتهم وبطولتهم دون التلطف بأولادهم وأهليهم، وكانت
(1) أخرجه أحمد (56/ 6، رقم 24336)، والبخاري (2235/ 5، رقم 5652)، ومسلم (1808/ 4، رقم 2317)، وابن ماجه (1209/ 2، رقم 3665). (2) أخرجه البخاري (7/ 8) رقم 5997) ومسلم (1808/ 4 رقم: (2318)، وأحمد (236/ 12 رقم: 7289)، و (88/ 13 رقم: (7649)، وابن حبان (202/ 2 رقم: 457)، وأبو داود (355/ 4 رقم: 5218)، والترمذي (1382/ 3 رقم: (1911)، والبيهقي (162/ 7 رقم: 13576).
(3) انظر كنز العمال، 246/ 16 رقم: (45949)، الدينوري في المجالسة وجوهر العلم (325/ 6 رقم 2709). (1/349)
صفحة 345
350
نداء الحق
أخلاقهم هذه هي المعارج التي رقوها، فبلغوا بها درجات الخير، وأحرزوا بها قصبات السبق في الدنيا والآخرة، كما جاء عن ابن مسعود ه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار كل قريب هين لين سهل (1) ومن أولى بلطف المعاملة وبشاشة المحيا ورقة القول من الأهل والأولاد،
الذين تطمئن قلوبهم إلى راعيهم يرجون منه نظرة حانية تؤنس قلوبهم، وكلمة لينة تشرح صدورهم؟ ولهذا عزل عمر لها الله عامله عن العمل عندما أخبره أنه لم يقبل أحد أولاده، وهذا كله لا ينافي الحزم والقوة عندما يقتضيهما الأمر، فعمر ه - الذي أقصى عامله عن العمل بسبب ما لامس منه من غلظة الطبع وجفاء المعاملة عند أهله ـ كان نفسه شديد الحزم في معاملة أهله وأولاده لم تدفعه عاطفته تجاههم إلى أن يتساهل معهم على حساب العدل والإنصاف والحذق في المحافظة على حقوق الله وحقوق الناس، حسبكم ما روي عن عيسى بن معمر قال: نظر عمر بن الخطاب عام الرمادة إلى بطيخة في يد بعض ولده فقال: بخ بخ يا ابن أمير المؤمنين تأكل الفاكهة وأمة محمد هزلى فخرج الصبي هاربا وبكى فأسكت عمر بعدما سأل عن ذلك، فقالوا اشتراها بكف من نوى (2).
وبالجملة؛ فإن الحزم في التربية لا ينافي رقة الطبع والحنو والرحمة، بل الحزم نفسه إنما هو وليد الرحمة، إذ لا يحب الوامق المشفق على أهله وولده أن يتعرضوا لسخط الله تعالى وعقابه، ولهذا يحزم في معاملتهم من أجل أن
ينأى
بهم عن ذلك.
وكما سبق، فإن القدوة الحسنة في المربي هي أعمق أثراً وأبلغ في التأثير
على من يربيه، فعليه أن يكون صورة مما يحب أن يكون عليه.
(1) أخرجه الترمذي (654/ 4، رقم 2488) وقال: حسن غريب والطبراني (231/ 10، رقم 10562)، وابن حبان (216/ 2، رقم (470). وأخرجه أيضا: هناد (596/ 2، رقم 1263).
(2) انظر ابن سعد (315/ 3). (1/350)
صفحة 346
المحور الرابع عشر
فيما يتعلق بالتوبة والوصية
351
إن الإنسان - وهو ينوء بالتكاليف الشرعية بين ما يتجاذبه ويتدافعه من رغبات النفس وأمانيها وطموحاتها، وما تتعرض له من تقلبات أهوائها واختلاف أحوالها، وما يصحب ذلك من نزغات الشيطان ووساوسه، وتزيين الشهوات إليه، وتأجيج دوافع الحقد والانتقام في نفسه ـ هو عرضة لمزلة الأقدام ومضلة الأفهام، كيف وقد توعده الشيطان منذ بداية وجود أصله، بأنه لن يزال يوسوس في صدره، ويزين في نفسه الفساد، ويحبب إليه الشهوات، ويدفعه إلى كل مخالفة لأمر الله دفعا.
هذا؛
مع وعيد الله الشديد لكل من اتبعه وأعرض عن الله تعالى، فنسي عهده واجترأ على أمره ونهيه فعصاهما، كما في قوله تعالى: {قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاء مَوْفُورًا} (الإسراء: 63، وقوله: {قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَى مُسْتَقِيمُ * إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ. لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابِ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومُ) الحجر: 41 - 44، وقوله: قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقِّ أَقُولُ: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) {ص: 84 - 85، فالأمر جد والخطر كبير، والخسارة فادحة إلا فيمن وفق للاستعلاء على رغبات نفسه والاحتراز من وساوس الشيطان.
-
وأنى للإنسان ذلك وهو واقع بين هذه العواصف، التي تطوح به في هذه المهالك، مع ما جبل عليه من الضعف أمام مغريات الحياة ومكائد الشيطان؟ (1/351)
صفحة 347
352
نداء الحق
فهو عرضة للتقصير والانحراف والغواية، لولا أن الله سبحانه جعل له سبيلا إلى تدارك نفسه عندما يفيق من سكرات حب الدنيا والانجذاب إلى رغبات النفس، وذلك بالتوبة النصوح التي فتح الله له بابها في جميع الأوقات حتى يأتيه أمر الله.
دعوة الله عباده إلى التوبة
إن فضل الله عظيم ورحمته واسعة، فهو أرحم الراحمين، وهو أبر بعباده، فقد جعل الحبل بينهم وبينه موصولا، يمكنهم أن يعودوا إليه متى أرادوا، لن يغلق دونهم بابه ما دامت هنالك فسحة في الأجل، وقد دعا الله الله من أسرف على نفسه إلى عدم اليأس والقنوط من رحمته تعالى، فقد جعل الله تعالى له مخلصا مما أحاط به من عظائم الإجرام وكبائر الإثم بالتوبة إليه سبحانه، فلذلك حضهم عليها بقوله:
قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَن تَقُولَ نَفْسُ بحَسْرَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَنِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} الزمر: 53 - 058
فكم تجد في هذه الآيات الكريمة من دعوة كريمة رحيمة من رب السماوات والأرض إلى الذين أغرقتهم، الخطايا، وأوبقتهم السيئات، أن ينفلتوا من إسارها، ويتحرروا من ربقتها بحسن الرجوع إلى الله تعالى، وليس ذلك بالأمر العسير، ولا بالمطلب المستعصي، فقد جعل الله من كل ذنب متابا، وإذا (1/352)
صفحة 348
المحور الرابع عشر: فيما يتعلق بالتوبة والوصية
353
كان الشرك بالله تعالى ـ وهو أكبر الكبائر وأفحش الضلال ـ جعل الله منه مخلصا بالإيمان، ووعد الآئبين إليه منه بغفران ما تقدم منهم كما في كما في قوله: قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ) الأنفال: 38، فما بالك
بما دون الشرك؟.
وعن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى يبسط يده بالليل النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس
ليتوب مسيء
من مغربها»» (1).
وفي
هذا ما يدعو كل إنسان إلى أن يكثر الأوبة إلى الله، ويتدارك نفسه في ليله وفي نهاره باستغفار الله تعالى، وعقده العزم على عدم العودة إلى أي معصية، وحسبه أن جبار السماوات والأرض - مع بطشه الشديد، ونفاذ أمره في الوجود كله ـ أكرم العبد بهذا القبول، وفتح له أبواب الأوبة إليه، فالعجب ممن يتلكأ ويتثبط عن الدخول إلى الله تعالى من هذه الأبواب التي فتحها له ليصل
إلى كرمه؟!.
التوبة شرف لكل تائب
ما أعظم ما يناله العبد من الشرف العظيم، ويسعد به من منازل التكريم، إن هو تاب إلى ربه، وتحرر من أسر شهوات نفسه، ومن نزغات الشيطان فانقلب من المعصية إلى الطاعة، ومن الغي إلى الرشد، ومن الوحشة إلى الأنس، ومن البعد عن الله تعالى إلى القرب منه، ومن الهوي إلى أسفل الدرجات إلى الرقي إلى عواليها فليس في التوبة إلى الله تعالى عار ونقيصة، وإنما هي فضيلة يسعد بها الموفقون، ناهيكم أن الله تعالى أمر بالتوبة إليه
(1) أخرجه أحمد (395/ 4، رقم 19547)، ومسلم (2113/ 4، رقم (2759، والدارقطني في الصفات (20/ 1، رقم 18). وأخرجه أيضا: عبد بن حميد ص 197، رقم 562)، والروياني (364/ 1، رقم 556)، والبيهقي (136/ 8، رقم 16281). (1/353)
صفحة 349
354
نداء الحق
واستغفاره من هو أجل البشر، قدرا، وأصلحهم عملا، وأبرهم قلبا، وأقربهم إلى الله تعالى، وأخلصهم له سريرة، وعلانية، فقد قال الله تعالى لنبيه: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) محمد (19، وامتن عليه تعالى بأن غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر في مقام الامتنان عليه بما آتاه من الفتح المبين والنصر العزيز، إذ قال: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا) الفتح: 1 - 3، ومنَّ عليه تعالى وعلى من معه من المؤمنين الذين كانوا خير القرون
بالتوبة عليهم، فقد قال عز من قائل: (لَقَد تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيعُ قُلُوبُ
فَرِيقِ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمُ) التوبة: 117.
وقد كان الأسرع الناس إلى التوبة، وأحرصهم عليها، فعن الأغر المزني، وكانت له صحبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله، في اليوم مائة مرة)، وفي حديث أبي هريرة أنه الله قال: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة». وقد دعا الله تعالى عباده المؤمنين إلى التوبة إليه في قوله: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبَّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ يَوْمَ لَا يُخْزِى اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَأَغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ
صلے
(887
(1) أخرجه أحمد (211/ 4، رقم 17881)، وعبد بن حميد (ص 142، رقم 364)، ومسلم (2075/ 4، رقم 2702)، وأبو داود (84/ 2، رقم (1515)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (ص 144، رقم 446)، وابن حبان (211/ 3، رقم (931)، والبغوي (124/ 1، رقم (89)، والطبراني (302/ 1، رقم (2) أخرجه البخاري (2324/ 5، رقم 5948) وأحمد (341/ 2، رقم 8474)، والنسائي في الكبرى (114/ 6، رقم 10270)، وابن حبان (204/ 3، رقم 925، والبيهقي في شعب الإيمان (438/ 1، رقم 639)، والديلمي (356/ 4، رقم 7024). (1/354)
صفحة 350
المحور الرابع عشر: فيما يتعلق بالتوبة والوصية
355
شَيْءٍ قَدِيرُ التحريم: 8، وقوله: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} النور: 31، وحصر تعالى توبته فيهم عندما قال: {وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) الأحزاب: 73.
التباين بين التائبين والمصرين فيمن يأتمون به:
---
إن الفرق شاسع والبون سحيق بين التوبة والإصرار، فالتائبون إمامهم في التوبة عبد الله وصفيه آدم أبو البشر وزوجه أم البشر حواء، فقد تسارعا إلى التوبة عندما وقعا في الخطيئة، كما قال تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِمَةٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) البقرة: 37، وبين تعالى هذه الكلمات في قوله: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ) الأعراف: 23، وقال سبحانه: {وَعَصَى عَادَمُ رَبَّهُ فَعَوَى * ثُمَّ اجْنَبَهُ رَبُّهُ فَنَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى طه: 121 - 122. فقد سن آدم الذريته التوبة إلى الله سبحانه، وبهذا أصبح إمام التائبين، أما المصرون فإمامهم إبليس الذي أصر على مخالفة أمر الله تعالى، وازداد كبرا وعتوا، إذ أعلن أنه سيترصد لذرية آدم في كل طريق، وسيفتح لهم كل باب إلى التمرد والعصيان، وسيزين لهم كل مخالفة لأمر الله، فقد حكى الله قصته في أكثر من موضع تحذيرا وتنفيرا عن اتباع أمره والثقة بقوله، كما في قوله تعالى: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ هُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَاتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَن شَمَابِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِرِينَ) الأعراف: 16 ـ 17، وقوله: {قَالَ أَرَعَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَبِنْ أَخَرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا) الإسراء: 62، وقوله: {وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَنًا مَّرِيرًا * لَعَنَهُ اللهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَهُمْ وَلَأُمَنيَنَّهُمْ وَلَا مُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِكُنَّ وَاذَانَ الْأَنْعَمِ وَلَا مُرَنَهُمْ فَلَيُغَيِّرُ خَلْقَ
الله النساء: 117 - 119. (1/355)
صفحة 351
356
نداء الحق
وكل واحد من الإمامين يقود أتباعه إلى مصيره فآدم يقود من تاب من ذريته وأحسن التوبة إلى النعيم الأبدي والفوز برضوان الله تعالى، وإبليس لعنه الله - يقود أتباعه إلى الجحيم الأبدي والارتكاس في سخط الله تعالى، قال تعالى: {وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيَّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * أَوْلَيْكَ مَأْوَلَهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا يَحِيصًا» النساء: 119 - 121، وقال سبحانه: {قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا) الإسراء: 63، وقال تعالى: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) ص: 85.
وعليه فلينظر الإنسان أي المصيرين يبتغي وأي السبيلين يقتفي؟ فإن آثر الإصرار وأخلد إلى هواه فقد ابتغى أن يكون مع الشيطان في مصيره، ومن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فخلصها من أسر المعصية فقد ابتغى أن يكون مع جده صفي الله تعالى آدم، الذي تاب الله عليه وهداه، وبكل واحد من الأمرين يثبت نسبته إلى الإمام الذي اختاره لنفسه، قال الإمام أبو حامد الغزالي: «وما أجدر بالأولاد الإقتداء بالآباء والأجداد فلا غرو إن أذنب الآدمي واجترم فهي شنشنة نعرفها من أخزم ومن أشبه أباه فما ظلم ولكن الأب إذا جبر بعد ما كسر وعمر بعد أن هدم فليكن النزوع إليه في كلا طرفي النفي والإثبات والوجود والعدم ولقد قرع آدم سن الندم وتندم على ما سبق منه وتقدم فمن اتخذه قدوة في الذنب دون التوبة فقد زلت به القدم بل التجرد لمحض الخير دأب الملائكة المقربين والتجرد للشر دون التلافي سجية الشياطين والرجوع إلى الخير بعد الوقوع في الشر ضرورة الآدميين فالمتجرد للخير ملك مقرب عند الملك الديان والمتجرد للشر شيطان والمتلافي للشر بالرجوع إلى الخير بالحقيقة إنسان فقد ازدوج في طينة الإنسان شائبتان واصطحب فيه سجيتان وكل عبد مصحح نسبه إما إلى الملك أو إلى آدم أو (1/356)
صفحة 352
المحور الرابع عشر: فيما يتعلق بالتوبة والوصية
357
إلى الشيطان فالتائب قد أقام البرهان على صحة نسبه إلى آدم بملازمة حد الإنسان والمصر على الطغيان مسجل على نفسه بنسب الشيطان فإما تصحيح النسب إلى الملائكة بالتجرد لمحض الخير فخارج عن حيز الإمكان فإن الشر معجون مع الخير في طينة آدم عجنا محكما لا يخلصه إلا إحدى النارين نار الندم أو نار جهنم فالإحراق بالنار ضروري في تخليص جوهر الإنسان من خبائث الشيطان وإليك الآن اختيار أهون النارين والمبادرة إلى أخف الشرين قبل أن يطوى بساط الاختيار ويساق إلى دار الاضطرار إما إلى الجنة وإما إلى النار).
الحض على المسارعة إلى التوبة والتحذير من تسويفها
:
ما أجدر بالإنسان - وهو عرضة للخطايا وغرض لمكائد الشيطان - أن يكون يقظا حذورا، وأن يسارع إلى التوبة في جميع أحواله، وأن لا يسوفها ساعة بعد ساعة، ويوما بعد يوم، طمعا في أن يفوز بها ـ ولو بعد حين ـ بعدما يعطي نفسه هواها ويمتعها بشهواتها، فأنى له بضمان أن يبلغ أمنيته وأن يستطيع أن يخلص نفسه من آثار شهواتها، وأن يتحرر من طاعة الشيطان والاستئسار لوساوسه؟!! فقد دعاه الله تعالى إلى تعجيل التوبة وحسن الأوبة إليه كما في قوله:
وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا
فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} آل عمران: 133 - 135.
(1) أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، 2/ 4 ـ 3. (1/357)
صفحة 353
358
نداء الحق
وحذر سبحانه المؤمنين من مغبة المعاصي وإهمال التوبة منها، فبعد تحذيرهم من طائفة من المعاصي التي اعتاد الناس التساهل فيها والاستهانة بها، قال: {وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَيْكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) الحجرات: (1).
وبين تعالى لمن تكون التوبة في قوله: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَبِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ
من
عَلِيمًا حَكِيما النساء: 17، وقد أوضح الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن فضل الله على عباده أن كتب لهم على نفسه قبول التوبة عندما يسارعون إليها من قريب، قبل أن ترين المعصية على قلوبهم فتصبح أسيرة لها لا تجد سبيلا إلى الفكاك منها، كما قال تعالى: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) المطففين: 14، وكما جاء في حديث أبي هريرة: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله» {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ().
فما أخطر الرين الذي يظلم معه القلب وتنطمس به البصيرة، ويردي من استساغ الآثام وَهَوِيَ المعاصي في دركات الجحيم والعياذ بالله، وقد بين الحديث الشريف أن تلك هي عاقبة الإصرار على الخطايا، وعدم الإقلاع منها والنزوع عنها، وهذا ما دل عليه القرآن، فبعد أن رجى الله تعالى عباده التائبين بأن يتوب عليهم ويعفو عنهم عندما يسارعون إلى التوبة بين عاقبة المصرين قوله: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ
في
(1) أخرجه أحمد (297/ 2، رقم 7939)، والترمذي (434/ 5، رقم 3334) وقال: حسن صحيح. والنسائي في الكبرى (110/ 6، رقم (10251)، وابن ماجه (1418/ 2، رقم 4244)، وابن أبي الدنيا في التوبة (ص 143، رقم 198 ط مكتبة القرآن وابن حبان (27/ 7، رقم 2787)، والحاكم (45/ 1، رقم (6) وقال: صحيح. والبيهقي في شعب الإيمان (440/ 5، رقم 7203). (1/358)
صفحة 354
المحور الرابع عشر: فيما يتعلق بالتوبة والوصية
359
الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْكَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ أُوْلَيكَ أَعْتَدْنَا هُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (النساء: 18.
وذكر صاحب المنار في تفسيره للآيتين ما يتميز به كل واحد من الفريقين، وذلك في قوله: «لما ذكر ـ تعالى ـ أن التوبة مع الإصلاح تقتضي ترك العقوبة على الذنب في الدنيا ووصف نفسه بالتواب الرحيم أي الذي يقبل التوبة من عباده كثيرا، ويعفو بها عنهم - عقب ذلك ببيان شرط قبول التوبة فقال: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ} النساء: 17، أي إن التوبة التي أوجب الله ـ تعالى ـ قبولها على بوعده الذي هو أثر كرمه، وفضله ليست إلا للذين يعملون السوء بجهالة
نفسه
:
6
ثم يتوبون من قريب فالسوء هو العمل القبيح الذي يسوء فاعله إذا كان عاقلا سليم الفطرة كريم النفس، أو يسوء الناس، ويصدق على الصغائر والكبائر. والجهالة: الجهل وتغلب في السفاهة التي تلابس النفس عند ثورة الشهوة، أو سورة الغضب فتذهب بالحلم وتنسي، الحق، والمراد بالزمن القريب: الوقت الذي تسكن فيه تلك الثورة، أو تنكسر به تلك السورة، ويثوب إلى فاعل السيئة حلمه، ويرجع إليه دينه وعقله، وذهب جمهور المفسرين إلى تفسير الزمن القريب بما قبل حضور الموت، واحتجوا على ذلك بالآية الثانية التي تنفي قبول توبة الذين يتوبون إذا حضر أحدهم الموت.
وليس ذلك بحجة لهم لأن الظاهر أن هذه الآية بينت الوقت الذي تقبل فيه التوبة من كل مذنب حتما، والآية الثانية بينت الوقت الذي لا تقبل فيه توبة مذنب قط، وما بين الوقتين مسكوت عنه، وهو محل الرجاء والخوف، فكلما قرب وقت التوبة من وقت اقتراف الذنب كان الرجاء أقوى، وكلما بعد الوقت بالإصرار وعدم المبالاة، والتسويف كان الخوف من عدم القبول هو الأرجح؛ لأن الإصرار قد ينتهي قبل حضور الموت بالرين والختم، وإحاطة الخطيئة». (1/359)
صفحة 355
360
نداء الحق
إلى أن قال: «وكم غرت هذه العبارة الناس وجرأتهم على الإصرار على الذنوب، والآثام، وأوهمتهم أن المؤمن لا يضره أن يصر على المعاصي طول حياته إذا تاب قبل بلوغ روحه الحلقوم، فصار المغرورون يسوفون بالتوبة حتى يوبقهم التسويف، فيموتوا قبل أن يتمكنوا من التوبة، وما يجب أن تقرن به من إصلاح النفس بالعمل الصالح، كما في الآية السابقة، وآيات أخرى في معناها، كقوله - تعالى -: {وَإِنِّي لَغَفَّارُ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى» طه: 82، وقوله في حكاية دعاء الملائكة للمؤمنين: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ) غافر: 7.
ولا ينافي ذلك ما ورد من الأحاديث والآثار في قبول التوبة إلى ما قبل الغرغرة. كحديث ابن عمر عند أحمد والترمذي: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم غرغر»، فإن المقصود من هذا أنه لا يجوز لأحد أن يقنط من رحمة ربه، وييأس من قبوله إياه إذا هو تاب وأناب إليه ما دام حيا، وليس معناه: أنه لا خوف على العبد من التمادي في الذنوب إذا هو تاب قبيل الموت ولو بساعة؛ فإن حمله على هذا المعنى مخالف لهدي كتاب الله في الآيات التي ذكرنا بعضها آنفا، ولسننه في خلق الإنسان من حيث إن نفسه تتدنس بالذنوب بالتدريج. فإذا طال الأمد على مزاولتها لها تتمكن فيها، وترسخ، فلا تزول إلا بتزكيتها بالعمل الصالح في زمن طويل يناسب زمن الدنس مع ترك أسباب الدنس، وأما الترك وحده فلا يكفي، كما إذا وردت الأقذار، والأدناس الحسية على ثوب زمنا طويلا، فإنه لا ينظف بمجرد انقطاعها عنه. على أن المعاصي إذا تكررت تصير عادات تملك على النفس أمرها حتى تصير التوبة بمجرد الترك من أعسر الأمور وأشقها؛ لأنها تكون عبارة عن اقتلاع الملكات التي تكيف بها المجموع العصبي، فما أخسر صفقة المسوفين الذين يغترون بكلام أسرى العبارات وغير المفسرين!» اهـ).
(1) محمد رشيد: رضا تفسير المنار، 362/ 4. (1/360)
صفحة 356
المحور الرابع عشر: فيما يتعلق بالتوبة والوصية
361
وقد تبين لك مما ذكره استلهاما من القرآن والسنة أن المعصية ـ والعياذ بالله ـ إذا تراكمت آثارها على القلب نسي الإنسان نفسه، بإهمالها وعدم المبالاة بمصيرها حتى يردى في دركات الجحيم مع الشيطان وحزبه، ونسي ربه بعدم الحرص على طاعته، وقد حذر الله تعالى من ذلك المؤمنين في قوله: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَبِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ) الحشر: 18 - 19، وأتبع ذلك بيان التباين بين مصيري الفريقين، إذ قال: {لَا يَسْتَوِى أَصْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَابِرُونَ) الحشر، 20، لذلك كانت التوبة لمن بادر بها معصيته، فأقلع عن غيه، وأناب إلى ربه قبل أن تستحكم في هواه، فتسد عليه مسالك التفكير في مصيره.
التأثر بما يصدر من
والقلب سريع العبد من أعمال برا أو فجورا، فهو يزكو ويطهر إن بر، ويتدسي ويتدنس إن فجر، كما قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّنَهَا فَأَهْمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَنَهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَنَهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنَهَا} الشمس: 7 - 10، وليس وراء تزكيتها بالبر إلا الفلاح، ولا وراء تدسيتها بالفجور إلا الخيبة، فلينظر الإنسان إلى ما يراه الأولى به من المصيرين.
وقد أجاد العلامة صاحب المنار عندما مثل القلب بالثوب إن اعتني بتنظيفه مما يدنسه من الأدناس، أو أهمل حتى تراكمت عليه، فإن شورع إلى تطهيره وتنظيفه كان من السهل أن يعود إلى ما كان عليه، وإن ترك للأدناس تتوالى عليه طبقة بعد أخرى؛ كان من العسير أن يرد إلى طبيعته.
ويصدق عليه - أيضا - أنه كالمرآة عندما يعرض لها الصدأ؛ فإن تركت كان من العسير أن تجلى بعد ذلك، وإن شورع إلى إزالة الصدأ عنها عادت كما كانت، وهكذا القلوب تصدأ بالمعاصي وتنجلي بالتوبة، فما أحرى أولي البصائر أن يتسارعوا إلى تنظيف قلوبهم من رجس الآثام قبل أن ترين عليها. (1/361)
صفحة 357
362
نداء الحق
وكم تجد في الناس من لا يبالي بتتابع خطاياه وإن خوطب بالتوبة أمل نفسه ورجى عاذله أن المستقبل فسيح وأن التوبة ستأتي ولو بعد حين، وهنا مكمن الخطر، إذ لا يدري أحد ما بين يديه من فسحة الأجل، فلعله أضيق من الخياط، وهو يخاله أوسع من رحاب الفضاء، وإذا كان يعسر عليه في حينه أن يقلع عن خطاياه ويتخلص من أوزاره فكيف به في المستقبل، عندما تتراكم آثار الفجور على قلبه حتى ينسى ربه فينسيه نفسه؟!.
سم
خطر أماني المغفرة وإن لقي الله بالخطايا
إن أخطر ما يهدد سلامة الإنسان أن يمني نفسه بمغفرة من ربه ولو أحاطت به خطاياه!! فإن هذا الداء العضال هو الذي أصاب الأمم من قبل فأرداها، كما ذكر الله تعالى ذلك في قوله: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضُ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ) الأعراف: 169، مع أن الله تعالى حذر من الاغترار بالأماني وإهمال الحزم في الاستعداد للقاء الله تعالى، فقد قال سبحانه: {لَيْسَ بِأَمَانِيكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَبِ مَن يَعْمَلْ وءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} النساء: 123، وقال سبحانه: مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} الأنعام: 160، وقال عز من قائل: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِن فَزَع يَوْمَيدٍ عَامِنُونَ * وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكَبَتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) النمل: 89 - 90، وقال تعالى: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} القصص: 84، وقال: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) غافر: 17، وقال: {مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةَ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَيْكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) غافر: 40، (1/362)
صفحة 358
المحور الرابع عشر: فيما يتعلق بالتوبة والوصية
363
وقال: (وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} الجانية: 22، وقال: جلالة
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَتَمُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) النجم: 31.
وبين تعالى أن الفوز في الدار الآخرة إنما هو للمتقين، كما في قوله: قُلْ أَونَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجُ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرُ بِالْعِبَادِ آل عمران: 15، وا وأتبع ذلك كشف خصائصهم في قوله: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّبِرِينَ وَالصَّدِقِينَ وَالْقَنِتِينَ * وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} آل عمران: 16 - 17، وكذلك قوله: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) آل عمران: 133، ثم بين أوصاف هؤلاء المتقين، فقال: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} آل عمران: 134 - 135. وقوله: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ هَمْ جَنَّتُ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرُ لِلْأَبْرَارِ} آل عمران: 198، وقوله: {وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (الأنعام: 32، وقوله: {وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (يوسف: 109، وقوله: {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيَّا (مريم: 63، وقوله: (وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ) الزخرف: 35، وقوله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّتٍ وَعُيُونٍ * اَدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ عَامِنينَ) الحجر: 45 - 46، وقوله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّتٍ وَعُيُونٍ * وَاخِذِينَ مَا آنَهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ) الذاريات: 15 - 16، ثم بين كيف بلغوا درجة المتقين المحسنين في قوله: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ) الذاريات: 17 - 19، (1/363)
صفحة 359
364
نداء الحق
وقوله: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتِ النَّعِيمِ} القلم: 34، وقوله: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا) النبأ: 31، وقوله: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَلٍ وَعُيُونٍ} المرسلات: 41، وقوله: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى) الليل: 5 - 07
وبين الله سبحانه أن الناس بين متعلق بالدنيا سالك طريقها، وبين من يريد الآخرة ويسعى لها سعيها، وأن كل فريق منهما ينتهي إلى مصيره المحتوم بحسب مسيره المعلوم، ولا يشتركان في مصير واحد، وذلك في قوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَبِكَ الَّذِينَ لَيْسَ هُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) هود: (15 - 16، وقوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَنهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَيْكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا) الإسراء 18 - 19، وقوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ) الشورى: 20، وقوله: {فَأَمَّا مَن طَغَى وَاثَرَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا» فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) النازعات: 37 - 41.
-
وأنت ترى أنه تعالى بين في هذه الآيات أن المتعلق بالآخرة الذي يفوز بالجنة لا بد له من أن يسعى لها سعيها مع الإيمان التام، واليقين الصادق، وخوفه من مقام ربه ونهيه النفس عن هواها وأين هذه الأحوال ممن يغدو ويمسي على معصية الله تعالى غير مرعو ولا مدكر؟!.
وعجب الله تعالى عباده من ظن أن يتساوى عنده البررة والفجرة، فقد قال أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) ص: 28، وقال: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن تَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا (1/364)
صفحة 360
المحور الرابع عشر: فيما يتعلق بالتوبة والوصية
مغفرته، فقد
365
وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ سَوَاءَ تَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) الجانية: 21، وقال: أَفَتَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) القلم: 35 ـ 36، وكثيرا ما يتعلق الذين يمنون أنفسهم أماني المغفرة من غير توبة بأن الله وصف نفسه أنه غفور رحيم، وأن رحمته وسعت كل شيء، وذهلوا عن كونه تعالى بين لمن تكون ته في التائبين في قوله: {إِن تَكُونُوا صَلِحِينَ فَإِنَّهُ حصر الله مغفرته في كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا) الإسراء: 25، ففي هذه الآية اشترط للمغفرة صلاح المغفور عليهم، أولا والشرط كما هو معلوم هو الذي يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته»)، وبين ثانيا أن مغفرته للأوابين دون غيرهم، وذلك بتقديم المعمول على العامل، وهو مما يفيد الحصر باتفاق الجميع، والأوابون جمع أواب وهو كثير الأوبة إلى الله، بحيث لا يتباطأ إن وقع في معصية أن يقلع عنها ويتوب منها.
6
ونص على هذا المفسرون كما في قول القرطبي: «وعد بالغفران مع شرط الصلاح والأوبة بعد الأوبة إلى طاعة الله الله قال سعيد بن المسيب: هو العبد يتوب ثم يذنب ثم يتوب ثم يذنب، وقال ابن عباس له: الأواب: الحفيظ الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها، وقال عبيد بن عمير: هم الذين يذكرون ذنوبهم في الخلاء ثم يستغفرون الله وعمل وهذه الأقوال متقاربة» (2)، «وقال أهل
(1) تشنيف المسامع بجمع الجوامع،720/ 2، تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية بحاشية الفروق 60/ 1، الفروق 106/ 2، شرح تنقيح الفصول 82/ 1، شرح مختصر الروضة 435/ 1، البحر المحيط في أصول الفقه 437/ 4، القواعد والفوائد الأصولية وما يتبعها من الأحكام الفرعية،130/ 1، التحبير شرح التحرير 1067/ 3، غاية الوصول في شرح لب الأصول 13/ 1، حاشية العطار،55/ 2، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد 162/ 1، المطلق والمقيد، لحمد الصاعدي 453/ 1، المهذب في علم أصول الفقه المقارن 433/ 1، الشرح الكبير لمختصر الأصول 135/ 1، التمهيد شرح مختصر الأصول من علم الأصول 16/ 1، شرح النيل وشفاء العليل 176/ 15. (2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 247/ 10. (1/365)
صفحة 361
366
نداء الحق
اللغة: الأواب الرجاع الذي يرجع إلى التوبة والطاعة، من آب يؤوب إذا رجع. قال الله تعالى: {لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظ) ق: 32 (1).
ومثله قوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارُ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا ثُمَّ اهْتَدَى). فقد اشترط فيه للمغفرة أربعة شروط، وهي التوبة والإيمان، والعمل الصالح، ثم الاهتداء، وهذا كله مما يباين الإصرار والاستمرار على المعصية، فأين هذه الأوصاف ممن يغدو ويروح على معصية الله تعالى غير مبال بعواقبها ولا مستحي من الله أن يلقاه بها؟.
أما رحمة الله التي وسعت كل شيء، فقد بين الله سبحانه من يستحقها من عباده، إذ قال: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَالَّذِينَ هُم بِنَايَتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُتِيَ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْنُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبيثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، وَعَزَرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أَوَلَيْكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الأعراف: 156 - 157، فأنت ترى أن رحمته سبحانه خصصها للمتقين، ووصفهم بالعديد من أوصاف البر والصلاح، في مقدمتها اتباع النبي الأمي والإيمان به وتعزيره ونصرته واتباع النور الذي أنزل معه، ويا ترى هل يتحقق هذا فيمن يغدو ويروح على كبائر الإثم، مع الإصرار عليها؟!!.
ماهية التوبة
التوبة لغة: بمعنى الأوبة وهي الرجوع، ويراد بها في الشرع: الرجوع إلى الله بالإقلاع عن المعصية والتزام الطاعة، قال في اللسان: «التوبة: الرجوع من الذنب إلى أن قال: «وتاب إلى الله يتوب توبا وتوبة ومتابا: أناب ورجع عن
(1) ابن منظور لسان العرب، 219/ 1. (1/366)
صفحة 362
المحور الرابع عشر: فيما يتعلق بالتوبة والوصية
367
المعصية إلى الطاعة)، ونص على هذا المفسرون قال الطبري في تفسير قوله تعالى: {شَدِيدُ الْعِقَابِ) يقول تعالى ذكره: شديد عقابه لمن عاقبه من أهل العصيان له فلا تتكلوا على سعة رحمته، ولكن كونوا منه على حذر، باجتناب معاصيه وأداء، فرائضه، فإنه كما أن لا يؤيس أهل الإجرام والآثام من عفوه، وقبول توبة من تاب منهم من جرمه، كذلك لا يؤمنهم من عقابه وانتقامه منهم بما استحلوا من محارمه وركبوا من معاصيه» (2).
والذي يفهم من أدلة الشرع أن التوبة إلى الله تعالى لا تتحقق إلا باجتماع
أربع أمور:
أولها ـ وهو أهمها -: الندم. فإن غير النادم ليس بتائب، وبالندم يتحقق الإقلاع عن المعصية والعزم على عدم العودة إليها، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من أكثر من طريق أنه قال: «التوبة الندم» (3)، ولا يعني ذلك أن التوبة محصورة في الندم وحده، وأنها لا تستلزم شيئا آخر كلا؛ وإنما الندم أهم أركانها، وبها تتحقق بقية الأركان.
ثانيها: الإقلاع عن المعصية، فإن المتمادي في معصيته ليس بتائب. ثالثها: عقد العزم على عدم العودة إليها، كما لا تعود الألبان إلى ضروعها. رابعها طلب الغفران من الله تعالى، كما قال قال: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ» محمد: 19، وقال: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} آل عمران: 135،
(1) ابن منظور لسان العرب، 233/ 1. (2) الطبري: جامع البيان، 350/ 21 - 351.
(3) جزء من حديث ذكره الحميدي في مسنده (301/ 1 رقم: (286) بلفظ: قال أبو بكر ربما قال سفيان بسنده: «إن كنت بذنب ألممت فاستغفر الله فإن التوبة الندم والاستغفار»، وكذلك روي بلفظ قريب عند البيهقي في شعب الإيمان (381/ 5، رقم 7027) وأحمد (264/ 6، رقم 26322). (1/367)
صفحة 363
368
نداء الحق
وقال: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (النساء: 64، وهذا الذي فهمه كثير من علماء الأمة. قال الطبري: «ما التوبة على الله لأحد من خلقه إلا للذين يعملون السوء
من المؤمنين بجهالة ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ (النساء: 17، يقول: ما الله براجع لأحد من خلقه إلى ما يحبه من العفو عنه والصفح عن ذنوبه التي سلفت منه، إلا للذين يأتون ما يأتونه من ذنوبهم جهالة منهم وهم بربهم مؤمنون، ثم يراجعون طاعة الله ويتوبون منه إلى ما أمرهم الله به من الندم عليه والاستغفار وترك العود إلى مثله من قبل نزول الموت بهم
وذكر في موضع آخر: «أن التوبة لا تكون توبة إلا ممن ندم على ما سلف منه، وعزم منه على ترك المعاودة، وهو يعقل الندم، ويختار ترك المعاودة» (2). وقال ابن عطية: «وحد التوبة الندم على فارط، فعل، من حيث هو معصية الله، وإن كان الندم من حيث أضر ذلك الفعل في بدن أو ملك فليس بتوبة، فإن كان ذلك الفعل مما يمكن هذا النادم فعله في المستأنف فمن شروط التوبة العزم على ترك ذلك الفعل في المستأنف، وإلا فثم إصرار لا توبة معه، وإن كان ذلك الفعل لا يمكنه، مثل أن يتوب من الزنا فيجب بأثر ذلك ونحو ذلك، فهذا لا يحتاج إلى شرط العزم على الترك» (3).
وقال أيضا: «وحقيقة التوبة: الإقلاع عن المعاصي والإقبال والرجوع إلى الطاعات، ويلزمها الندم على ما فات والعزم على ملازمة الخيرات» (4).
(1) الطبري، جامع البيان، 88/ 8.
(2) المرجع السابق، 97/ 8.
(3) ابن عطية، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، 23/ 2.
(4) المرجع السابق، 35/ 5. (1/368)
صفحة 364
المحور الرابع عشر: فيما يتعلق بالتوبة والوصية
369
وقال كذلك: «والتوبة الندم على فارط المعصية والعزم على ترك مثلها في المستقبل، وهذا من المتمكن، وأما غير المتمكن كالمجبوب في الزنا فالندم وحده يكفيه» (1).
الملك
وذكر الرازي عن الإمام أبي حامد الغزالي أنه قال: «التوبة تتحقق من ثلاثة أمور مترتبة، علم وحال وعمل، فالعلم أول والحال ثان والعمل ثالث، والأول موجب للثاني، والثاني موجب للثالث إيجابا اقتضته سنة الله في والملكوت، أما العلم فهو معرفة ما في الذنب من الضرر وكونه حجابا بين العبد ورحمة الرب، فإذا عرف ذلك معرفة محققة حصل من هذه المعرفة تألم القلب بسبب فوات المحبوب، فإن القلب مهما شعر بفوات المحبوب تألم، فإذا كان فواته بفعل من جهته تأسف بسبب فوات المحبوب على الفعل الذي كان سببا لذلك الفوات فسمي ذلك التأسف ندما، ثم إن ذلك الألم إذا تأكد حصلت منه إرادة جازمة ولها تعلق بالحال وبالمستقبل وبالماضي، أما تعلقها بالحال فبترك الذنب الذي كان ملابسا له وأما بالمستقبل فالعزم على ترك ذلك الفعل المفوت للمحبوب إلى آخر العمر. وأما بالماضي فبتلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلا للجبر، فالعلم هو الأول وهو مطلع هذه الخيرات وأعني به اليقين التام بأن هذه الذنوب سموم مهلكة، فهذا اليقين نور وهذا النور يوجب نار الندم فيتألم به القلب حيث أبصر بإشراق نور الإيمان أنه صار محجوبا عن محبوبه كمن يشرق عليه نور الشمس وقد كان في ظلمة فيطلع النور عليه بانقشاع السحاب، فرأى محبوبه قد أشرف على الهلاك فتشتعل نيران الحب في قلبه فتنبعث من تلك النيران إرادته للانتهاض للتدارك، فالعلم والندم والقصد المتعلق بالترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضي ثلاثة معان مترتبة في الحصول على التوبة]. ويطلق اسم التوبة على مجموعها
(1) المرجع السابق، 334/ 5. (1/369)
صفحة 365
370
نداء الحق
وكثيرا ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده ويجعل العلم السابق كالمقدمة والترك كالثمرة والتابع المتأخر. وبهذا الاعتبار، قال: «الندم توبة»، إذ لا ينفك الندم عن علم أوجبه وعن عزم يتبعه فيكون الندم محفوفا بطرفيه، أعني مثمره وثمرته
وقال أبو الحسن علي النيسابوري: معنى التوبة في اللغة: الرجوع. وفي الشريعة: رجوع العبد من المعصية إلى الطاعة، فالعبد يتوب إلى الله والله يتوب عليه، أي يرجع عليه بالمغفرة والعبد تواب إلى الله أي راجع إليه بالندم والله تواب يعود عليه بالكرم والعبد تواب إلى الله بالسؤال، والله تواب عليه بالنوال (2).
6
وذكر ابن القيم أن التوبة تتضمن العزم على فعل المأمور والتزامه فلا يكون بمجرد الإقلاع والعزم والندم تائبا حتى يوجد منه العزم الجازم على فعل المأمور، والإتيان به هذا حقيقة، التوبة، وهي اسم لمجموع الأمرين، لكنها إذا قرنت بفعل المأمور كانت عبارة عما ذكروه، فإذا أفردت تضمنت الأمرين، وهي كلفظة التقوى التي تقتضي عند إفرادها فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه، وتقتضي عند اقترانها بفعل المأمور الانتهاء عن المحظور.
فإن حقيقة التوبة الرجوع إلى الله بالتزام فعل ما يحب، وترك ما يكره، فهي رجوع من مكروه إلى محبوب، فالرجوع إلى المحبوب جزء مسماها، والرجوع عن المكروه الجزء الآخر، ولهذا علق سبحانه الفلاح المطلق على فعل المأمور وترك المحظور بها، فقال: {وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} النور: 31، فكل تائب مفلح، ولا يكون مفلحا إلا من فعل ما أمر به
(1) الرازي: التفسير الكبير، 466/ 3.
(2) أبو الحسن النيسابوري، التفسير البسيط، 409/ 2. (1/370)
صفحة 366
المحور الرابع عشر: فيما يتعلق بالتوبة والوصية
371
وترك ما نهي عنه، وقال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَيْكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) الحجرات: (1) وتارك المأمور ظالم، كما أن فاعل المحظور ظالم، وزوال اسم الظلم عنه إنما يكون بالتوبة الجامعة للأمرين
وقال أيضا: «فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا محا أثر الذنب بالتوبة صار وجوده كعدمه فكأنه لم يكن، فيعود إلى مثل حاله. قالوا: ولأن التوبة هي الرجوع إلى الله بعد الإباق منه، فإن المعصية إباق العبد من ربه، فإذا تاب إلى الله فقد رجع إليه» (2). وقال حقي في تفسيره قول الله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ) النور: 5: وعطف قوله وَأَصْلَحُوا على قوله إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا يدل على أن التوبة وحدها وهي الندم على ما مضى من الارتداد والعزم على تركه في المستقبل لا تكفي حتى ينضاف إليها العمل الصالح أي وأصلحوا باطنهم مع الحق بالمراقبات ومع الخلق بالمعاملات وهذا الندم والتوبة إنما يحصل لمن لم ترسخ فيه بعد هيئة استيلاء النفس الأمارة على قلبه ولم تصر ريناً وبقي فيه من وراء حجاب صفات النفس مسكة من نور استعداده فيتداركه الله برحمته وتوفيقه فيندم ويواظب على الرياضات من باب التزكية والتصفية» (3)
وقال قطب الأئمة: «والتوبة الرجوع، فتوبة الله على عبده: رجوعه عليه بالرحمة، وقبول ندمه وتوبة العبد رجوعه عن الذنب والندم عليه، والعزم على عدم العود إليه» (4).
(1) ابن القيم: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، 313/ 1. (2) ابن القيم: طريق الهجرتين وباب السعادتين، ص: 231.
(3) أبو الفداء حقي، روح البيان: 59/ 2.
(4) امحمد يوسف إطفيش هميان الزاد، 268/ 1. (1/371)
صفحة 367
372
نداء الحق
وقال أيضا: «وإنما يحصل الاستغفار بالندم، وأما مجرد الاستغفار باللسان، فلا يزول به، الذنب، كما لا يحصل الذنب بخطأ اللسان، وكما لا يحصل الاستغفار بخطأ اللسان بالاستغفار» (1).
وقال أيضا: والتوبة باحتراق القلب على المعصية، والندم والعزم على
تركها، وخوف العقاب، ورد المظالم إن كانت عن المظلمة» (2).
وقال العلامة ابن عاشور: وأصل معنى تاب رجع ونظيره ثاب بالمثلثة، ولما كانت التوبة رجوعا من التائب إلى الطاعة ونبذا للعصيان وكان قبولها رجوعا من المتوب إليه إلى الرضى وحسن المعاملة وصف بذلك رجوع العاصي عن العصيان ورجوع المعصي عن العقاب فقالوا تاب فلان لفلان فتاب عليه لأنهم ضمنوا الثاني معنى عطف ورضى فاختلاف مفادي هذا الفعل باختلاف الحرف الذي يتعدى به وكان أصله مبنيا على المشاكلة» (3).
وقال العلامة ابن باديس: «والتوبة، هي الرجوع عن الذنب ولا يكون إلا بالإقلاع عنه، واعتبر فيها الشرع الندم على ما فات والعزم على عدم العود، وتدارك ما يمكن تداركه. فيظهر أن الأوبة أعم من التوبة: فتشمل من رجع إلى ربه تائباً من ذنبه، ومن رجع إليه يسأله ويتفرع إليه أن يرزقه التوبة من الذنوب» (4).
وقد تحصحص من هذا أن توبة العبد إلى الله سبحانه هي رجوعه إليه بترك ما نهى عنه، وفعل ما أمر به مع الندم على ما فرط منه، وعقد العزم على عدم العودة إليه مع إصلاح ما أفسد، وهذا يعني أن معصيته إن كانت ترتب عليها
(1) المرجع السابق، 264/ 3.
(2) المرجع السابق، 104/ 6.
:
(3) ابن عاشور التحرير والتنوير: 438/ 1.
(4) ابن باديس: في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ص: 76. (1/372)
صفحة 368
المحور الرابع عشر: فيما يتعلق بالتوبة والوصية
373
إفساد فيما بينه وبين ربه أو بينه وبين خلقه يجب عليه أن يصلح ما أفسده، ويكون ذلك فيما بينه وبين ربه، فيما لو أمر بالمنكر أو نهى عن المعروف، أو تكلم في حكمه بغير علم، فأباح ما حرم أو حرم ما أباح، أو بدل شيئا من أحكامه، فإن عليه أن يرجع في ذلك فيمحو أثر هذا الفساد بنهيه عن المنكر الذي أمر به، وأمره بالمعروف الذي نهى عنه، وبيان حكم الله تعالى فيما بدل.
6
وكذلك إن كان ذلك فيما بينه وبين الناس سواء ما يتعلق بأنفسهم أو أموالهم أو أعراضهم، فإن عليه أن يصلح ما أفسد، ويؤدي إليهم ما ترتب على فعله من الحقوق المفروضة لهم، إلا إن أسقطوا ذلك الحق طواعية باختيارهم، ويدل على هذا ما في مسند الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة رحمهما الله أنه قال: سمعت ناسا من الصحابة يروون عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الذنوب على وجهين ذنب بين العبد وربه وذنب بين العبد وصاحبه فالذنب الذي بين العبد وربه إذا تاب منه كان كمن لا ذنب له وأما ذنب بينه وبين صاحبه فلا توبة له حتى يرد
المظالم إلى أهلها»).
الاستغفار من الذنب
هذا؛ فإن عليه أن يستغفر الله تعالى، لأن الإقدام على الذنب اجتراء على ومع الله، والاستغفار هو انكسار وذل بين يديه واعتراف بالخطأ الذي وقع فيه، فلذلك لا بد منه، على أن التوبة المقبولة لا بد أن تكون توبة نصوحا، فإنها هي التي تمحو الخطيئة، وتجلو القلب مما لابسه من الرين الناشيء عن المعصية، ومن السلف من فسر التوبة النصوح بالاستغفار مع الإقلاع عن المعصية وعقد العزم على عدم العودة إليها مع الندم، قال البغوي واختلفوا في معناها قال عمر وأبي ومعاذ: «التوبة النصوح» أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب، كما لا يعود اللبن إلى الضرع. قال الحسن: هي أن يكون العبد نادما على ما مضى؛ مجمعا على ألا يعود
(1) أخرجه الربيع بن حبيب (ص 268 رقم: 691). (1/373)
صفحة 369
374
نداء الحق
فيه. قال الكلبي أن يستغفر باللسان ويندم بالقلب ويمسك بالبدن. قال سعيد بن المسيب: توبة تنصحون بها أنفسكم. قال القرظي يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان والإقلاع بالأبدان وإضمار ترك العود (1).
وعندي أن الاستغفار لا بد منه للتائب، ويدل عليه قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرُ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِي وَالْإِبْكَرِ) غافر: 55، وقوله: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ) محمد: 19، والأمر للوجوب ما لم تصرفه عنه قرينة، وأنى بالقرينة الصارفة عنه؟! مع أن القرائن جميعا تؤكد الوجوب.
النبي
أما ما قيل من أن الاستغفار هو عين التوبة التي هي! والإقلاع وعقد العزم على عدم العودة إلى المعصية ولو لم يستغفر بلسانه، فهو مردود، لأن أمر بأن يستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات، مع أنه ليس في وسعه أن يتوب عن المؤمنين والمؤمنات، فإن التوبة أمر خاص بين العبد وربه، إذ الندم والإقلاع عن المعصية وعقد العزم على عدم العودة إليها لا يمكن إلا أن يكون من الشخص العاصي نفسه، أما الاستغفار باللسان فيمكنه أن يشرك معه غيره، ويؤكد ذلك أن الاستغفار عطف على التوبة في العديد من الآيات كقوله تعالى: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُم مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرُ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعَكُم مَّنَعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَهُ، وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) هود: 2 - 3 ودلالة هاتين الآيتين على وجوب الاستغفار ظاهرة من عدة أمور.
:
أولها ما ذكرناه من دلالة العطف على ذلك، لأن العطف يدل على تغاير المتعاطفين، إذ الشيء لا يعطف على نفسه، وإنما يكفي أن يكون التغاير بين الجزء والكل، أو بين الماهية والركن، أو بين الشرط والمشروط، وبهذا تدرأ شبهة من يقول بأن العطف لما دل على ضرورة التغاير دل على أن التوبة غير الاستغفار.
(1) البغوي: تفسير البغوي: 169/ 8. (1/374)
صفحة 370
المحور الرابع عشر: فيما يتعلق بالتوبة والوصية
375
ثانيها: أن الله تعالى عطف الأمر بالاستغفار على الأمر بعدم عبادة غيره، ومما يدرك بالبديهة أن الأمر بعدم عبادة غيره تعالى لا يكون إلا للوجوب، فكذلك ما عطف عليه.
ثالثها: أنه تعالى رتب على مخالفة هذا الأمر بالتولي عنه الوعيد بعذاب يوم كبير، وكل ما ترتب عليه الوعيد فهو من كبائر الإثم، وتأكد هذا المعنى بقوله تعالى فيما حكاه من دعوة هود لقومه، وأنه قال لهم: {وَيَقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا نَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) هود: 52، ومثل ذلك ما حكاه من قول صالح لقومه: {فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ تُحِيبُ) هود: 61، وما حكاه عن شعيب أنه قال لقومه: {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمُ وَدُودُ) هود: 90، وقد حكى عن نوح أنه قال: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا) نوح: 10.
على أنه تعالى وصف المتقين بالاستغفار بالأسحار عندما قال بعدما وعدهم الجنة: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّبِرِينَ وَالصَّدِقِينَ وَالْقَنِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) آل عمران: 16 ـ 17، ولا يخفى أن على المؤمن أن يتصف بصفات أهل التقوى.
التوبة والأوبة والإنابة
وبين
إذا علمت أن التوبة هي رجوع إلى الله سبحانه أدركت أنه لا فرق بينها الأوبة والإنابة، فإن كلا منها دال على الرجوع، فالآيب هو الراجع،
وكذلك المنيب.
ومنهم من فرق بينها فقد حكى الهرري عن الأسئلة المقحمة أن: «الفرق بين التوبة والإنابة: أن التائب يرجع إلى الله تعالى خوفًا من العقوبة، والمنيب (1/375)
صفحة 371
376
نداء الحق
يرجع حياءً منه، وشوقا إليه، قال إبراهيم بن أدهم رحمدلله: إذا صدق العبد في توبته .. صار منيبًا؛ لأن الإنابة ثاني في درجة التوبة.
ثم قال: «وفي التأويلات النجمية التوبة لأهل البداية، وهي الرجوع من المعصية إلى الطاعة والأوبة للمتوسط، وهي الرجوع من الدنيا إلى الآخرة، والإنابة لأهل النهاية، وهي الرجوع مما سوى الله إلى الله، بالفناء في الله تعالى، وقال الجنيد رحمه الله: معنى أنيبوا إلى الله: انقطعوا عن الكل بالكلية، فما إلينا بالحقيقة أحد (ولا) (1) للغير عليه أثر، وللأكوان على سره خطر، ومن كان لنا كان حرًا مما سوانا» (2).
يرجع
والظاهر أن هذه الفروق مستوحاة من وجدانيات الصوفية، ولا دليل عليها
من اللغة أو الشرع.
وقال الراغب الأصفهاني: «والتوبة والأوبة والاستغفار متقاربة وبحسب ما اختلفت فيها الاعتبارات اختلفت عليها العبارات الإنابة) الرجوع عن طريق الضلال إلى الهدى والأوبة: رجوع القلب إلى الحق والوقوف عليه، والاستغفار: طلب الغفران قولا وفعلا أي تعاطي ما يغفر ما تقدم من الذنب والتوبة التامة المعتد بها ترك الذنب والندم عليه، وهو العزم على أن لا إليه، وتدارك ما تقدم وهو رد المظالم - مظلمة الخلق، ومظلمة الخالق ـ ومظلمة الخالق: هي إعادة ما ترك من العبادات وإذابة ما استفاد جسمه من الحرمات، ألا
ترى إلى قوله: كل لحم نبت من سحت النار أولى به (3) (4).
(1) كذا في الأصل، والظاهر أن (لا) هنا زائدة.
يعود
(2) محمد الأمين الهرري: تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن، 59/ 25. (3) لم أجده بهذا اللفظ وإنما أخرجه بلفظ: (إنه لن يدخل الجنة لحم نبت من سحت) سنن الدارمي (1827/ 3 رقم: (2818)، والترمذي (512/ 2) رقم: (614)، والطبراني في الكبير (141/ 19 رقم: 309)، وبلفظ قريب أخرجه أيضا الحاكم (141/ 4) رقم: 7163)، وابن حبان (9/ 5 رقم:
1723)، والبيهقي في الشعب (25/ 12) رقم (8952 و (504/ 7 رقم: 5375). (4) أبو القاسم الأصفهاني: تفسير الراغب الأصفهاني (162/ 1). (1/376)
صفحة 372
المحور الرابع عشر: فيما يتعلق بالتوبة والوصية
377
السر بالسر والعلانية بالعلانية
يختلف حكم التوبة باختلاف حكم الذنب الذي يتاب منه، فقد يكون بينه وبين ربه، بحيث خفي على الناس ولم يظهر لهم، وقد يكون بينه وبين الناس، وهذا ـ أيضا ـ إما أن يكون بينه وبين خاصة من الناس، بحيث لا يطلع عليه إلا القليل، وقد يكون قارفه على ملأ من الناس، واشتهر به بين الخاص والعام. فإن كان من الذنوب السرية بين العبد، وربه فعليه أن يتوب توبة سرية مما أتاه من تلك المعصية، لأن الله يحب الستر، لعباده، وكذلك إن اطلع على معصيته خاصة من الناس، فعليه أن يبين لأولئك توبته مما أتاه، ولا يلزمه أن يعلن ذلك لجميع الناس، وهذا ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله وليتب إلى الله فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله).
وإن كانت معصيته علانية كالظلمة المجاهرين بظلمهم وفسادهم، فعليه أن يتوب منها علانية، ليتحول عند الناس من ظن السوء به إلى ظن الخير، ومن البراءة منه إلى ولايته وهذا الذي عناه النبي بقوله: «عليك بتقوى الله ما استطعت واذكر الله عند كل حجر وشجر وما عملت من سوء ء فأحدث الله فيه توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية» (2)، فمن جاهر بمعصيته لا تجزيه توبة السر، فكم للجهر بها من أثر سيء، فقد تحطم الحواجز التي بين النفوس وبين مواقعة الفواحش بإشاعته للفاحشة وتهوين ارتكابها وتزيينها للناس بفعله وقوله، فيندرج في حكم من سن سنة سيئة للناس كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص
6
(1) أخرجه الحاكم (425/ 4، رقم 8158) والبيهقي (330/ 8، رقم 17379). (2) أخرجه أحمد في الزهد (ص (26)، والطبراني (159/ 20، رقم (331) قال المنذري (48/ 4)، وبلفظ قريب أخرجه ابن أبي شيبة (78/ 7، رقم 34325)، والبيهقي في شعب الإيمان (405/ 1، رقم 548)، وهناد (531/ 2، رقم 1092). (1/377)
صفحة 373
378
نداء الحق
من أجورهم شيئا ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا، ولذلك شاهد من القرآن، وهو قوله تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَ أَنْقَاهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْتَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) العنكبوت: 13، وقوله: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) النحل: 25.
ومن ناحية أخرى؛ فإن المطلعين على ما أتى من الظلم والفحشاء مطالبون بأن يتبرأوا منه، ولا يحل لامرئ أن يعرض نفسه للبراءة، وإذا تاب توبة صادقة واستيقنها الناس وجب عليهم أن يتولوه كما وجب عليهم أن يتبرأوا منه من قبل، لهذا كان على المتزانيين أن يبلغ كل واحد منهما الآخر بتوبته إن تاب، لما في ذلك من دعوة الآخر إلى الخير ونهيه عن المنكر الذي وقع فيه، ولأجل أن يدرأ المبلغ عن نفسه البراءة منه، لأن الفاجر مطالب بالبراءة ممن
تيقن فجوره، وإن كان من جنس فجوره.
مكان التوبة في الأعمال الصالحة:
هي
6
تبين مما تقدم أن التوبة إلى الله شعار النبيين وسبيل المتقين بها يتدارك المرء ما فاته من خير، ويتخلص مما أحاط به من شر، ولا يدري امرؤ متى يتصرَّم أجله ويحين حَيْنُه، فالليل والنهار يتقاضيان، عمره، والأنفاس التي تتساقط منه؛ كل نفس منها على حساب حياته، مع ما يعتريه من الغفلة والإهمال والطيش والرغبة، وهي جميعا تخلد به إلى الدنيا، وتجتذبه إلى الانغماس في أوحالها، فالحزم إذاً أن يسارع إلى المتاب مع كل غفلة تعروه، وإهمال يقع منه، وطيش
(1) أخرجه الطيالسي (ص 92، رقم 670)، وأحمد (357/ 4، رقم 19179)، ومسلم (2059/ 4، رقم 1017)، والترمذي (43/ 5، رقم (2675، والنسائي (75/ 5، رقم 2554)، وابن ماجه (74/ 1، رقم 203)، وابن حبان (101/ 8) رقم (3308)، وابن أبي شيبة (350/ 2، رقم 9803)، والطبراني (343/ 2، رقم 2437، والبيهقي (175/ 4 رقم 7530).
6 (1/378)
صفحة 374
المحور الرابع عشر: فيما يتعلق بالتوبة والوصية
379
يدفعه إلى الشر، ورغبة تقوده إلى تجاوز حدود الانضباط بأوامر الله ونواهيه في تعاطيه ما في دنياه، وهذا الذي كان عليه الأنبياء ودرج عليه الصالحون، فهم
يتوبون وإن لم يوقنوا بالذنب؛ خشية أن يكونوا واقعوه من حيث لا يدرون. أما الغافلون فإنهم يسترسلون في الذنوب ذنبا بعد ذنب، ولا يفكرون في التوبة لأنهم أقصوا عن تفكيرهم أمر الدار الآخرة، لأنهم أسارى شهواتهم ونزواتهم ونزغاتهم وأسارى ما أوتوه في هذه الدنيا من مال وجاه ومنزلة بين الناس، وإن سنح لأفكارهم ذكر الدار الآخرة تناسوه بما يتخيلونه من فسحة الأجل، وامتداد الحياة، فإذا ذكروا بالتوبة تهربوا بتسويفها إلى حين؛ لأنهم يتصورون أن التوبة الصادقة تحول بينهم وبين مبتغاهم من شهوات الدنيا وأمانيها، لذلك يتصاممون عن نذيرها المذكر بها حتى يفجأهم ريب المنون، هنالك يعضون على بنان الندم، ويتمنون أن لو استقبلوا من أمرهم ما فات ليفوزوا بها، وهؤلاء هم الذين آيسهم الله تعالى من قبول التوبة بقوله: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْكَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَارُ أُوْلَبِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} النساء: 18.
وما أكثر هؤلاء الذين رانت على قلوبهم المعصية، واستحكم في نفوسهم
الهوى، فلا يلوون على قول نذير! ولا ينصتون إلى صوت واعظ! لأنهم كلما ازدادوا انغماسا في أوحال الذنوب، تعسر عليهم المخرج منها، فلم يجدوا إلى الفكاك منها سبيلا، ومع هذا كله فإنهم لو أحسنوا الجهاد مع أنفسهم واستبصروا بنور القرآن لاهتدوا إلى المخرج من الذنوب واتسع لهم المخلص من التبعات كيف وقد دعا الله الذين أسرفوا على أنفسهم أن يعودوا إليه غير قانطين من رحمته، ولكن من هو المجاهد لنفسه ورغباتها المفكر في عواقبها ومآلها؟! اللهم اجعلنا من التائبين المقبولين واغفر لنا خطايانا يوم وأعنا على أنفسنا الأمارة بالسوء، واجعل لنا من كل شر مخلصا، ومن كل سوء مخرجا، وأعذنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
الدين، (1/379)
صفحة 375
380
وجوب الوصية
الوصية
نداء الحق
الوصية واجبة على الإنسان لاستدراك ما فاته أداؤه من حقوق الله تعالى؛ كالكفارات وسائر الواجبات أو من حقوق الناس؛ كالديون وسائر التبعات، بهذا داخلة فى ضمن التوبة إلى الله، وإنما وجوبها إن ضاق أداؤها في حياته أو خاف أن يفجأه ريب المنون قبل أن يتمكن من أدائها، ومن ذا الذي يأمن أن يفجأه ريب المنون؟! وهو في كل نفس يتنفسه متوعد به، إذ آخر
فهي
لا يدري هل تكون له فسحة حتى يستعيد نفسا آخر أو أن ذلك هو أنفاسه؟ وقد حكم عليه بذلك ممن لا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه، ولا
تبديل لكلماته، فهو القائل: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيمَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَاةٌ وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَدْعُ الْغُرُورِ} آل عمران: 185، وقد خاطب من هو أقرب إليه زلفى وأعظم منه قدرا من خلقه بقوله: {إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) الزمر: 30 - 31.
فكيف لا يكون الاستعداد للقاء الله تعالى بالوصية بحقوقه وحقوق عباده أمرا محتوما يجب على الإنسان في كل لحظة من عمره منذ بلوغه الحلم؟ على أنه بجانب هذه الوصية بالحقوق والتبعات فرض الله تعالى على كل واجد خيرا أن يوصي لأقربيه الذين لا يرثون، لتكون صلته لهم موصولة حتى بعد وفاته، فهي حق لذوي قرابته، نص عليه قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ * فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمُ) البقرة: 180 - 181، وناهيك بما في أول هذا الحكم من أنه مكتوب عليهم دلالة على أنه مفروض، فإن الكتب في اصطلاح القرآن في مقام التشريع لا يكون إلا بمعنى الفرض، (1/380)
صفحة 376
المحور الرابع عشر: فيما يتعلق بالتوبة والوصية
381
وكذلك ما وليه من بيان كونه حقا على المتقين وما كان حقا على المرء لا يسوغ له ترك أدائه، ومفهوم هذا الخطاب شاهد على أن من لم يؤد هذا الحق فليس هو من المتقين، مع أن كل مسلم ومسلمة عليهما أن يحرصا أن يكونا من المتقين، ومثله ما تبع ذلك من كون تبديل ما أوصي به يبوء بإثمه الذي بدله وحده.
وقد دلت دلائل السنة والإجماع على أن الوالدين إن كانا وارثين كان حقهما في الإرث، وليس لهما من الوصية شيء، وبهذا يتبين أن المراد بالوالدين في الآية الكريمة هما الوالدان اللذان لا يرثان لرقهما أو شركهما، فإن اختلاف الدين إن حجبهما عن الميراث لا يحجبهما عن حقهما في الوصية، وهذا من مصاحبتهما في الدنيا، بالمعروف، فإطلاق الآية مقيد بدلائل
السنة والإجماع. ولأهمية الوصية في الإسلام قدم الله تعالى ذكرها على الدين، وقدمهما على حقوق الورثة في التركة في أربعة مواضع من سورة النساء، وهي قوله: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةِ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} النساء: 11، وقوله: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنِ} النساء: 12، وقوله: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بهَا أَوْ دَيْنِ} النساء: 12، وقوله: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} النساء: 12. وجاءت السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام معززة لوجوب الوصية على القادر عليها، فقد أخرج الربيع عن أبي سعيد الخدري له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لامرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه» (1)، ومثله ما ثبت عن ابن عمر عن النبي قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته
(1) أخرجه الربيع (ص 264 رقم: 677). (1/381)
صفحة 377
382
نداء الحق
مكتوبة عنده)، وفي رواية من طريقه: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ثلاث ليال إلا وصيته عنده مكتوبة» (2).
وإذا كان ليس من حق المسلم عندما يجد ما يوصي به أن يبيت ليلتين أو ثلاث ليالي إلا ووصيته مكتوبة استعدادا للقاء الله تعالى، فكيف بمن تمر عليه السنون بعد السنين، وهو لا يفكر في الوصية مع وجدانه الأموال الطائلة التي لأقربيه حق فيها في محياه ومماته، ولربما كان عليه من الحقوق للناس ما ينوء به ظهره، ولا يبالي متى يؤدي هذه الحقوق إليهم، مع أن داعي الرحيل يصخ صوته الكائنات منذرا إياه به في ليله ونهاره وفي نومه ويقظته؟ أيطيب له المنام ويهنأ له العيش وهو غير مبال بهذا كله؟! أم أن إخلاده إلى دنياه واغتراره بأمانيها أنساه أنه واحد من البشر، وقد خلت من قبله القرون، وفنيت قبله الأمم، وأن الناس جميعا في سباق إلى ورد المنون؟! أم أن زخرف الحياة الدنيا وهناء العيش فيها أبعد عن خياله شبح الموت الزؤام، فغدا لا يفكر إلا في الحياة ولا يهتم بما بعدها، وإن أنهكته السنون بتعاقبها، فضعف بعد قوته، وشاخ بعد شبابه.
هي
ألا ما أنسى الإنسان لعهد ربه وأبلغ إهماله للعمل لحياته، كأنما محصورة في هذه الدنيا ولا منقلب له إلى دار أخرى، فما للإنسان وهذه الغفلة وتناسي هذا الواجب وتعلقه بالأوهام:
(1) أخرجه مالك (761/ 2، رقم (1453)، والطيالسي (ص 252، 2، رقم 1841)، وابن أبي شيبة (227/ 6، رقم 30931)، وأحمد (80/ 2، رقم 5511)، والبخاري (1005/ 3، رقم 2587)، ومسلم (1249/ 3، رقم 1627)، وأبو داود (112/ 3، رقم (2862)، والترمذي (304/ 3، رقم 974)، وقال: حسن صحيح. والنسائي (238/ 6، رقم (3615) وابن ماجه (902/ 2، رقم 2702). (2) أخرجه عبد الرزاق (56/ 9، رقم (16326)، ومسلم (1250/ 3، رقم 1627)، والنسائي في الكبرى (100/ 4، رقم 6446). (1/382)
صفحة 378
المحور الرابع عشر: فيما يتعلق بالتوبة والوصية
أتأمل بعد شيب الرأس عمرا ومن آخيته قد مات طرا تظنك خالدا تحصي الليالي ومر شهورها شهرا فشهرا فسوف يسوق أشهرهن يوم يسوق إليك مجزرة ونحرا
تسويف الوصية كتسويف التوبة
383
إذا تبين لك أن الوصية بهذا القدر من الأهمية في حياة الإنسان، لأجل سلامته، وأنها تدارك لما عسى أن يكون فاته من الخير في حياته، تبين لك أن من أسوأ الإهمال تسويفها من حال إلى حال، فهي كتسويف التوبة، وعلى اللبيب أن لا يعطي نفسه هواها، ويدعها ومناها، بل عليه أن يردها إلى الحق، ويقتادها إلى الرشد لأجل سلامتها ونجاحها والله تعالى المستعان
هذا؛ ولست الآن في مجال تتبع دقائق مسائل الوصية، أو غوامض أحكام التوبة، وإنما أردت بهذا التنبيه على ما يقع الناس فيه من الخطأ بإهمالهما حتى تتقضى أعمارهم وهم غير مبالين بذلك، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله» (1).
ومن ذا الذي لا يريد أن يكون من الأكياس، أو لا يربأ بنفسه أن يكون من العجزة، الذي لا يفكرون في عواقبهم؟! نسأل الله تعالى خير الدارين ونعوذ به
من شرورهما.
(1) أخرجه ابن المبارك (55/ 1، رقم 171)، والطيالسي (ص 153، رقم 1122)، وأحمد (124/ 4، رقم 17164)، والترمذي (638/ 4، رقم (2459) وقال: حسن. وابن ماجه (1423/ 2، رقم 4260)، وأبو نعيم في الحلية (267/ 1)، والبيهقي (369/ 3، رقم 6306)، والطبراني (281/ 7، رقم 7141)، والحاكم (125/ 1، رقم (191 وقال صحيح على شرط البخاري. وأخرجه أيضا: أخرجه البزار (417/ 8 رقم 3489)، والقضاعي (140/ 1، رقم (185)، وابن أبي عاصم في الزهد (38/ 1)، والديلمي (310/ 3، رقم 4930). (1/383)
صفحة 379
384
نداء الحق
الوصية لا تقصر من العمر، وإهمالها لا يزيد فيه
ومع
ذلك
ربما ظن ظان أن العبد إن أوصى كانت وصيته صارمة لأجله، مقربة لحتفه، وهذا من الخطأ البعيد، فكأين رأينا أحدا تعجل في الوصية يبارك الله في عمره وتستمر حياته ردحا من الزمن، فقد أدركت امرأة من العابدات الصالحات جاوز عمرها تسعين عاما، وعندما توفيت ظهرت وصيتها مكتوبة قبل ثمانين عاما أو ما يزيد، ومعنى ذلك أنها لم تهمل الوصية منذ بلوغها سن التكليف مسارعة منها إلى القيام بالواجب، {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} الجمعة: 4. (1/384)
صفحة 380
الخاتمة
في تحصيل ما تقدم
385
بعد هذه الجولة بين أنحاء هذه القضايا، وتسليط الضوء فيها على الممارسات الخاطئة الناشئة عن اتباع العادات فيها لا بد من تحصيل ما تقدم والتأكيد على المنهج الذي يجب اتباعه لأجل تقويم المعوج، وتصويب الخطأ من عمل الناس فيه، وقبل لملمة شتات هذه القضايا وبيان العلاج الناجح فيها لما يصدر عن الناس من الأخطاء، أريد أن أؤكد للقارئ الكريم. بأن كل ما أوردته في هذا الكتاب من القصص ذات العبرة البالغة، ليست
6
هي
قصصا
مثالية استوحيتها من خيال خصيب وإنما هي قصص واقعية اطلعت عليها واستيقنت من وقوعها، كما أؤكد بأن هذا البعد عن الصواب في هذه القضايا إنما هو ناتج عن الجهل المركب بما شرع الله تعالى من الدين، وكيفية ممارسة شعائره والتزام شرائعه، كما أنه ينتج عن اتباع اللاحق للسابق، واقتفاء الآخر أثر الأول من غير بحث وتفتيش عن الصواب
ومن تتبع أحوال البشر في تأريخهم الطويل وأطوارهم البعيدة؛ استيقن أن للعادة أثرا كبيرا في أفكار الناس وسلوكهم، فهي إن استحكمت في أصبحت جزءا منها، إذ كثيرا ما تغدو ملكة في النفس تتعامى معها
طباعهم
النفس عن كل ما تراءى لها من حجج الحق وبراهينه، وذلك بدافع من التعصب الأعمى المقيت. (1/385)
صفحة 381
386
نداء الحق
ومن تأمل ما كان بين الأنبياء وبين وبين الأمم التي بعثوا فيها من حوار وجدل وضحت له صورة هذا الأمر ماثلة بين عينيه، فقد أتى الأنبياء أممهم وأقوامهم بالحجج القاطعة والحق اليقين، واقترنت دعواتهم بمعجزات تبهر العقول وتدهش البصائر، ولكن السواد الأعظم من الناس يظل مستمسكا بما ألف، متعاميا عما أبصرته عينه ووعاه عقله من المعجزات المتحدية لجدل كل معاند المستأصلة لشك كل، مرتاب ومتصامما عن خطاب الحكمة الصادر من ألسنة الأنبياء موقظا لناموس الفطرة في النفس البشرية، وإن صخ
أرجاء الوجود.
فليت شعري؛ ألم يبعث الأنبياء بالحكمة وفصل الخطاب، ويؤتوا من ملكات البيان ما ينحط دونه طائر المعارضة والتحدي من قبل الذين أرسلوا إليهم؟ غير أنهم لم يجدوا ممن يصيخ إليهم سمعه، ويصغي إليهم قلبه إلا القلة النادرة من الناس.
ألم يلبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، يجادلهم بالتي هي أحسن، ويتخللهم بالموعظة، ويفتح أبصارهم وبصائرهم على الحق الذي لا يماري فيه ذو نهية ولا يعدل عنه إلا من إيفت فطرته؟.
وقد تلون خطابه لهم بحسب ما كان يرجوه من التأثير عليهم، وتردد بين الجهر والإسرار معرفا لهم بالإله الحق الذي تنادي بربوبيته ذرات الكون، وتشهد بوحدانيته جزيئات الوجود، داعيا إياهم إلى التأمل بما يتجلى على صفحات الوجود من آياته البينات الدالة على صفاته العظيمة، {مَا لَكُمْ لَا نَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَانًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا * وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا) 13 - 20، فهو يقيم عليهم الحجة من خلق أنفسهم، ومن خلق غيرهم في
نوح: (1/386)
صفحة 382
الخاتمة: في تحصيل ما تقدم
جميع
387
أنحاء الكون، وأنى يكون شيء من ذلك لما يدعونه من دونه، من أوثان
6
لا تسمع ولا تبصر، ولا تشعر ولا تحس ولا تنفع ولا تدفع، ولا تقدم ولا تؤخر، ولا تنطق ولا تتحرك، ومع ذلك كله كانوا يتواصون بالتصامم عنه، وعدم الالتفات إلى دعوته، وَقَالُوا لَا نَذَرُنَّ الهَتَكُمْ وَلَا نَذَرُنَّ وَذَا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} نوح: 23، فما آمن له إلا قلة لا تكاد تعد بين الجماهير التي كفرت به، {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِن مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ فَلَا نَبْتَبِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) هود: 36.
وهكذا كان شأن النبيين جميعا، وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتَرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَرِهِم مُقْتَدُونَ} الزخرف: 23. وهكذا تجد أكثر الناس يخلدون إلى الهوى ويرتكسون إلى الأسفل، وهم مع ذلك كله يرون ما هم عليه هو الرشد الذي لا يبغون به بديلا، ولكن مع ذلك يظل واجب الإرشاد والدعوة إلى الحق والتبصير بالحقيقة واجبا على كل أحد، وهذه أمراض تنشأ وتتفشى في جسم الأمة بسبب إهمالها فيتعين على كل قادر أن يقوم بعلاجها، بما آتاه الله من حكمة، {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ) هود: 116.
ولا ريب أنك - أخي القارئ الكريم - بعد تجوالك بين أنحاء هذه القضايا المطروحة في هذا الكتاب تبين لك - بثاقب فهمك ونور بصيرتك ـ الحق من الباطل، وتميز عندك الصواب من الخطأ، لهذا أدعوك - بما أخذ الله عليك من عهد، وما أوجب عليك من التواصي بالحق والتواصي بالصبر ـ أن لا تألو جهدا في معالجة هذه الأخطاء، بدءا بتنقية ديباجة الإيمان بالله مما علق بها من أي لوثة تشينها، وذلك برد الناس إلى صدق هذا الإيمان، وإيقانهم بأن ما أصابهم إنما هو بقضائه تعالى وقدره وأن سنة الله تعالى في هذه الحياة (1/387)
صفحة 383
388
نداء الحق
الدنيا أن يجتمع للناس سراؤها وضراؤها، وأن يتوارد عليهم نفعها وضرها، وعليه فإنه من الضرورة أن ينقوا عقولهم من أوهام أن كل ما أصابهم من ضر إنما هو بفعل فاعل من الإنس أو الجن، فإن هذه خيالات تفتح عليهم أبوابا يعييهم سدها، وتجد من الدجالين والمشعوذين من يروج لها بين الناس، حتى يبتزوا منهم كل ما تحت أيديهم من خير وثروة، ليضيفوا إليهم مصائب الأموال مع مصائب الأجسام.
هذا؛
مع تبصير الناس بقدر الكلام الذي أنزله الله هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وقداسته بحيث يجب الإنصات عند تلاوته، وعدم الالتفات إلى غيره، وقطع تلاوته بخطاب أي أحد من الناس، وتوقي كل ما يشي بعدم توقيره من التصرفات، وكذلك ما يجب عليهم من تعظيم أسماء الله الحسنى وكلماته بحيث تراعى حرماتها حيث ما وجدت مذكورة، ولو كانت في خضم كلام آخر، وكذلك آياته البينات أينما وجدت في أي كتاب كان، وتوقير العلم النافع أيا كان بتعظيم مصنفاته التي هي أوعيته وخزائنه، لا سيما العلوم الشرعية وكل ما يمت بصلة إليها، وتقدير العلم في حال نشره وإلقائه ومذاكرته وجميع المداخلات حوله، وإدراج هذا كله فيما يلقنه الطلبة من بداية مراحل تعليمهم. وكذلك إتقان أداء العبادات على الوجه المشروع من غير إخلال بشيء من واجباتها، ولا آدابها والتزام هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك بجانب الاستنارة بكتاب الله تعالى، الذي هو المصدر الأول للتشريع، وذلك لا يتم إلا بتزود زاد الفقه في الدين، فإن الله تعالى إنما يعبد بالبصيرة لا بالجهل.
ومراعاة الإخلاص في طلب العلم ونشره، بحيث لا يطلب لشهرة بين الناس، ولا لمنفعة دنيوية، سواء كانت معنوية أو مادية، وإنما يطلب تقربا إلى الله تعالى، لأن طلبه من ضمن العبادات، بل هو أساسها، إذ يتعذر إتقانها (1/388)
صفحة 384
الخاتمة: في تحصيل ما تقدم
6
389
بدونه، وكذلك نشره فإنه من القربات إلى الله تعالى فلا يبتغي به كسب دنيوي، وإنما ينشر لنفع الناس به وتبصيرهم، بنوره ولا يحتكر عن أحد، ومما ينبغي تضافر الجهود عليه تنقية الألقاب العلمية - خصوصا فيما يتعلق بالعلوم الشرعية وكل ما يمت بصلة إليها - من الدخيل، لا سيما ما كان منها مرتبطا بمفاهيم بعيدة عن الإسلام والاستغناء عنها بالألقاب الإسلامية، هذا مع عدم الالتفات في الطلب ولا في النشر إلى شيء من هذه الألقاب.
ومثل ذلك بناء العلاقات الاجتماعية، وشد الأواصر الأسرية، بحسب تعاليم الإسلام، وإعطاء كل ذي حق حقه في هذه العلاقات، فلا يغمط الرجل شيئا من الحق الذي آتاه الله إياه، حيث جعله قواما على المرأة، ولا تغمط المرأة شيئا من حقوقها الشرعية، فإن لها عليه مثل الذي عليها له بنص القرآن الكريم، وإنما جعل الله تعالى القوامة إليه لخصائصه التي آتاه الله إياها، فعليه إن أمسكها أن يمسكها بالمعروف، وإن سرحها أن يسرحها بالإحسان، مع عدم
ابتزازها في الإمساك أو التسريح، فلا يرزأها شيئا مما آتاها ولا من غيره.
ومن الضرورة أن تبنى العلاقات الاجتماعية على العفة والنزاهة والتعاون من الجانبين على تجنيب أفلاذ أكبادهما كل ما يضر بدينها أو دنياها، بحيث تصان أعراضها وتقوم أخلاقها، وتحفظ كرامتها، وتوقى شر ما يتربصه المتربصون ويضمره المفسدون فيها، مع توعيتها وتوعية الأسر جميعا وسائر فئات المجتمع بأن العرض هو أغلى ما يحافظ عليه، فلا يفرط فيه لأجل مطمع ولا غيره، فإن العقلاء يفدون أعراضهم بحياتهم، ولا يرضون أن تكون الأعراض فداء الحياة، ومن الضرورة أن يكون ترسيخ هذا في الناشئة من أول مراحل العمر.
هذا؛ وبما أن العقل في الإنسان هو ملاك حياته، وجوهرة وجوده، ولا قيمة له بدونه، فإنه يجب أن تتضافر الجهود على محاربة كل ما يقضي على العقل، (1/389)
صفحة 385
390
نداء الحق
ذلك تغيير جميع
أو يؤثر عليه من المسكرات والمخدرات والمفترات، ويتبع المنكرات ونشر أضدادها من المعروف، فإن الإنسان مدني بطبعه، اجتماعي بفطرته، ينعكس على مجتمعه ما يكون من أفراده، سلبا أو إيجابا، ويشمل أفراده ما يصدر عن مجتمعه من خير أو شر، فلذلك يجب أن يكون بناء المجتمع على أسس متينة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وبهذا تتحقق المحافظة على الدين والترابط بين أعضاء كيانه وفرائد عقده من المؤمنين والمؤمنات برباط الولاية - وهي الحب في ذات الله تعالى ـ حتى يكونوا جميعا كالفرد الواحد في آلامهم وآمالهم وأحاسيسهم ومشاعرهم، و مبادئهم وغاياتهم، ورضاهم وسخطهم، ولهذا لم يكف في إبعاد الإنسان عن الخسران الإيمان والعمل الصالح وحدهما حتى يضاف إليهما التواصي بالحق والتواصي بالصبر كما نص عليه في القرآن.
ولما كان المال هو قوام الحياة ومحرك دفتها ووقود حركتها؛ فإن على الناس أن يراعوا فيه العفة والنزاهة فلا يكتسبوه إلا من طيبات المكاسب، ولا ينفقوه إلا في طيبات الوجوه ليكون دعامة خير ورشد، ومصدر بر يتقيدوا بشرع الله تعالى في كسب المال وإنفاقه، لأنه
وإحسان، وهذا يعني أن في الحقيقة ماله، فلا يتصرف فيه إلا بإذنه، وهو أعلم بالطيب والخبيث في الكسب والإنفاق.
هذا؛ ولا ريب أن اللباس مكمل لفطرة الإنسان، ومتمم لصورته ومظهره، لأن الله جعله زينته وستره وما الإنسان بدونه إلا سوأة تسوء رائيها، لذلك كان من الضرورة التزام اللباس الشرعي، الذي لا مخيلة فيه ولا إسراف وذلك بأن يكون ساترا للعورة، يحفظ للإنسان كرامته ويقيه الإهانة والازدراء، ولما كانت المرأة لها خصوصيتها في طبيعتها وأحكامها كان لباسها ـ أيضا ـ ملائما لفطرتها، ومنسجما مع خصائصها، فلا بد أن يكون لباسا سابغا (1/390)
صفحة 386
الخاتمة: في تحصيل ما تقدم
391
فضفاضا، لا يشف ولا يصف، يجنبها عيون ذوي المرض الطامعين في تدنيس، عرضها، وإهانة كرامتها.
وتجب مراعاة أن يكون لباس الجنسين بعيدا عن التقليد لغير المسلمين، بل وعن تقليد الفسقة حتى من هذه الأمة نفسها.
وقد جعل الله تعالى حاجة الإنسان إلى جميع بني جنسه حاجة ملحة، أحد، ولو أعطي الحول والتمكين، لهذا كان البيان
أحد
عن
فلا يكاد يستغني ضرورة ملحة ليعرب به كل أحدٍ عما في قرارة نفسه، ويتلقى به كل أحد عن غيره، وقد جعل الله الألسنة متفاوتة في تعبيرها، واختص بينها اللسان العربي بما طبعه عليه من قوة، البيان وبلاغة القول، وفصاحة التعبير، وفضله على غيره تفضيلا بأن جعله وعاء لكلامه المنزل للهداية والإعجاز، فكان بهذا لسان أمة الإسلام؛ لأنها تلقت به عن الله تعالى خطابه المحكم، الذي هو مصدر فكرها واعتقادها.
وعليه فإن من الإهانة لهذا اللسان - الذي فضله الله تعالى - أن يعدل المسلمون إلى غيره، وأن يؤثروا عليه ما فُرض عليهم من قبل الذين تسلطوا عليهم من الأمم من الألسنة، التي كانت جسورا لنقل أفكارهم الهدامة إلى هذه الأمة، فما أجدر المسلمين أن يعتزوا بلغة القرآن، وأن يحافظوا عليها كما حافظ عليها سلفهم، وأن تكون عندهم هي لغة العلم والثقافة، وأن تشدَّ بعضهم إلى بعض وإن تعددت ألسنتهم القومية، بحيث يجعلون هذا اللسان وحده هو وسيلة التفاهم بينهم جميعا، وإنَّ من العار على العربي - الذي أكرمه الله تعالى بتشريف لسانه بأن جعله لسان شرعه وبيانه - أن يؤثر على هذا اللسان لسان من تسلط عليه وعلى أمته، فسلبه وسلبها ما ألبسهم الله تعالى من لبوس التكريم والشرف والعزة، فإن هذا من استبدال الأدنى بالذي هو خير. (1/391)
صفحة 387
392
نداء الحق
هذا؛ ولا ريب أن الأخلاق في الإسلام هي القطب الذي تدور عليه شريعته المحكمة، وهي الغاية من رسالته إلى الناس، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ـ الذي أرسله الله إلى الكافة بشيرا ونذيرا ـ أسمى الناس خلقا، وألطفهم طبعا، وأطيبهم معاشرة، وقد كان خلقه هذا تجسيدا لخلق القرآن، وترجمة لقيم الإسلام، فما أجدر الأمة أن تستمسك بهذه الأخلاق وتحافظ عليها، وتربي عليها ناشئتها، بحيث ينشأ كل أحد منها على توقير الكبير والرحمة بالصغير، وإعطاء كل ذي حق حقه، والقول الحسن لجميع الناس، والدفع بالتي هي أحسن، فإن هذا هو خير ما يورثه السلف الخلف، وما يتلقاه الحاضر عن الغابر، ويتأسى فيه الولد بوالده.
ومن المسلم عند الجميع أن الأولاد هم أهم وأغلى ما يوهبه الإنسان من زينة الحياة الدنيا، وثروتها وعدتها، فأي تفريط فيهم إنما هو تفريط في الحياة كلها، لهذا يجب أن يربوا على الإيمان، والعمل الصالح، ومكارم الأخلاق، ومعالي الأمور، وعلى الهمم الوثابة إلى الخير، والعزائم المتوقدة بحرارة الإيمان، ليكونوا خلف لأسلافهم، وخير امتداد لأصولهم فتقر بهم أعينهم في الدنيا ويسعدوا
خير
بهم في العقبى، ويكونوا لهم ذكرا حسنا في محياهم ومماتهم.
أن
هذا؛ وإن من فضل الله تعالى على عباده ورحمته بهم يسر لهم السبيل إلى إصلاح ما فسد من أعمالهم، واستدراك ما فاتهم من الخير بالتوبة النصوح التي تجب ما قبلها من سيئات الأعمال، وكذلك الوصية بالخير التي تفتح للإنسان بابا إلى فعل الخير بعد وفاته إن فاته فعله في حياته، وهذه فرصة متاحة للإنسان، يجب عليه أن يسارع إلى اغتنامها، وأن لا يفوتها بتأخيرها من اليوم إلى الغد، فإن الغد لا يدري به هل يأتيه أو لا يدركه؟ ولو أدركه فإنه لا يدري ما يكتنفه فيه من أحوال وما يواجهه فيه من الظروف؟ فما يسنح اليوم قد يفوته غدا، فعليه أن لا يؤخر توبته من اليوم إلى الغد، ولا من الساعة إلى ما يتبعها.
فدون مدارك الأمال رصد من الآجال منقطع الظنون (1/392)
صفحة 388
الخاتمة: في تحصيل ما تقدم
393
عليه
وكذلك الوصية؛ فإنما عليه أن يبادرها في لحظته التي أمكنته فيها، قبل اللحظة التي تليها، وهذا عين الحزم، وإلا فهو الإهمال الذي قد يندم المرء، ولات ساعة مندم.
وبالجملة؛ فإن على كل أحد أن يكون يقظا حذورا حاذقا لبيبا، لا يؤخر عمل اليوم إلى الغد، ولا ما يمكنه في لحظته إلى ما بعدها، ليكون غير ناس من هذه الحياة الدنيا، فإن خير ما يكسبه المرء منها ما يتزوده إلى الدار الآخرة، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
حظه
وبانتهاء هذه الخاتمة؛ التي تلخص فيها ما تشعب في الكتاب، ننتهي بعون الله وتوفيقه من هذا الكتاب القيم، وأسأل الله سبحانه أن يتقبله مني، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به عباده، ويهدي به من ضل، ويبصر به من حار، ويرشد به من غوي، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصبحه أجمعين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
أحمد بن حمد الخليلي
زنجبار/ بويجوه (بيت الوئام)
ه المحرم الحرام 1439 هـ (1/393)
صفحة 389
المراجع والمصادر
1 - إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة المؤلف: أبو العباس شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن سليم بن قايماز بن عثمان البوصيري الكناني الشافعي (المتوفى: 840 هـ)، تقديم: فضيلة الشيخ الدكتور أحمد معبد عبد الكريم، المحقق: دار المشكاة للبحث العلمي بإشراف أبو تميم ياسر بن إبراهيم، دار النشر: دار الوطن للنشر، الرياض، الطبعة: الأولى، 1420 هـ / 1999 م.
2 - آثارُ ابْنُ بَادِيسَ، المؤلف: عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي (المتوفى: 1359 هـ)، المحقق: عمار طالبي الناشر: دار ومكتبة الشركة الجزائرية، الطبعة: الأولى (عام 1388 هـ / 1968 م). ـ الأحاديث المختارة، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد الحنبلي المقدسي، دار النشر: مكتبة النهضة الحديثة - مكة المكرمة - 1410 هـ، الطبعة: الأولى، تحقيق: عبد الملك عبد الله بن
الأمير
بن دهيش.
4 ـ الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان المؤلف: محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ التميمي، أبو حاتم الدارمي البستي (المتوفى: 354 هـ)، ترتيب: أحاديثه وعلق علاء الدين علي بن بلبان الفارسي (المتوفى: 739 هـ)، حققه وخرج عليه شعيب الأرنؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1408 هـ / 1988 م. ه ـ أحكام القرآن، المؤلف: أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي (المتوفى: 370 هـ)، المحقق: عبد السلام محمد علي شاهين الناشر: دار الكتب العلمية بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، 1415 هـ / 1994 م.
6 - أحكام القرآن، المؤلف: القاضي محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الاشبيلي المالكي (المتوفى: 543 هـ)، راجع أصوله وخرج أحاديثه وعلق عليه: محمد عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت - لبنان الطبعة: الثالثة، 1424 هـ / 2003 م. (1/395)
صفحة 390
396
نداء الحق
،
ـ إحياء علوم الدين المؤلف: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505 هـ، الناشر: دار المعرفة - بيروت.
- آداب العلماء والمتعلمين، المؤلف: الحسين بن المنصور بالله القاسم بن
محمد بن علي اليمني (المتوفى: 1050 هـ).
9 - الأدب المفرد بالتعليقات المؤلف: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله (المتوفى: 256 هـ)، حققه وقابله على أصوله سمير بن أمين الزهيري
مستفيدًا من تخريجات وتعليقات العلامة الشيخ المحدث: محمد ناصر الدين الألباني. 10 ـ إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، المؤلف: مصطفى صادق بن عبد الرزاق بن سعيد بن أحمد بن عبد القادر الرافعي (المتوفى: 1356 هـ)، الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت، الطبعة الثامنة ـ 1425 هـ/2005 م.
11 - إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751 هـ)، المحقق: محمد حامد الفقي، الناشر: مكتبة المعارف، الرياض، المملكة العربية السعودية.
6
12 ـ الأغاني المؤلف: أبو الفرج الأصبهاني دار النشر: دار الفكر للطباعة والنشر - لبنان، تحقيق: علي مهنا وسمير جابر.
13 - إكمالُ المُعْلِم بِفَوَائِدِ مُسْلِم؛ شَرْحُ صَحِيح مُسْلِم، المؤلف: عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544 هـ)، المحقق: الدكتور يحْيَى إِسْمَاعِيل، الناشر: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر، الطبعة: الأولى، 1419 هـ / 1998 م.
14 ـ أمالي ابن الشجري المؤلف: ضياء الدين أبو السعادات هبة الله بن علي بن حمزة، المعروف بابن الشجري (المتوفى: 542 هـ)، المحقق: الدكتور محمود محمد الطناحي، الناشر: مكتبة الخانجي القاهرة، الطبعة الأولى، 1413 هـ / 1991 م. 15 - الأمثال، المؤلف: أبو عُبيد القاسم بن سلام بن عبد الله الهروي البغدادي
6
(المتوفى: 224 هـ)، المحقق: الدكتور عبد المجيد قطامش الناشر: دار المأمون للتراث، الطبعة الأولى، 1400 هـ / 1980 م.
16 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المؤلف: أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: (1/396)
صفحة 391
المراجع والمصادر
397
281 هـ) تحقيق: صلاح بن عايض الشلاحي الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية، السعودية، الطبعة: الأولى، 1418 هـ / 1997 م.
17 - الإيضاح المؤلف: الشيخ عامر بن علي الشماخي وزارة التراث القومي والثقافة، 1417 هـ/1996 م.
18 - البحر المحيط في أصول الفقه المؤلف: أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (المتوفى: 794 هـ)، الناشر: دار الكتبي، الطبعة: الأولى، 1414 هـ / 1994 م.
19 - البداية والنهاية، المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774 هـ)، الناشر: دار الفكر عام النشر: 1407 هـ /1986 م. 20 ـ البصائر والذخائر المؤلف: أبو حيان التوحيدي علي بن محمد بن العباس
6
6
6
(المتوفى: نحو 400 هـ)، المحقق: د. وداد القاضي الناشر: دار صادر - بيروت، الطبعة:
الأولى، 1408 هـ / 1988 م.
21 - بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث، المؤلف: أبو محمد الحارث بن محمد بن داهر التميمي البغدادي الخصيب المعروف بابن أبي أسامة (المتوفى: 282 هـ)، المنتقي: أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان بن أبي بكر الهيثمي (المتوفى: 807 هـ). المحقق: د. حسين أحمد صالح الباكري.
22 ـ تاريخ جرجان، المؤلف: أبو القاسم حمزة بن يوسف بن إبراهيم السهمي القرشي الجرجاني (المتوفى: 427 هـ)، المحقق: تحت مراقبة محمد عبد المعيد خان، الناشر: عالم الكتب - بيروت، الطبعة الرابعة 1407 هـ / 1987 م.
23 ـ تاريخ دمشق، المؤلف: أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر (المتوفى: 571 هـ)، المحقق: عمرو بن غرامة العمروي، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، عام النشر: 1415 هـ / 1995 م.
24 ـ التحبير شرح التحرير في أصول الفقه المؤلف: علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي (المتوفى: 885 هـ)، المحقق: د. عبد الرحمن الجبرين، د. عوض القرني، د. أحمد السراح، الناشر: مكتبة الرشد ـ السعودية / الرياض، الطبعة: الأولى، 1421 هـ /2000 م. (1/397)
صفحة 392
398
نداء الحق
6
25 ـ التحرير والتنوير تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»، المؤلف: محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى: 1393 هـ)، الناشر: الدار التونسية للنشر - تونس سنة النشر: 1984 هـ. 26 - تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان، المؤلف: الإمام نور الدين السالمي مطبعة الشباب القاهرة، 1350 هـ. 27 ـ تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري، اسم المؤلف: جمال الدين عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي دار النشر: دار ابن خزيمة ـ الرياض - 1414 هـ، الطبعة: الأولى، تحقيق: عبد الله بن عبد الرحمن السعد.
28 ـ التذكرة الحمدونية، المؤلف: محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن حمدون، أبو المعالي، بهاء الدين البغدادي (المتوفى: 562 هـ)، الناشر: دار صادر، بيروت، الطبعة: الأولى، 1417 هـ.
29 ـ الترغيب والترهيب من الحديث الشريف المؤلف: عبد العظيم بن عبد القوي المنذري أبو محمد، تحقيق: إبراهيم شمس الدين دار النشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت 1417 هـ، الطبعة: الأولى.
30 - تشنيف المسامع بجمع الجوامع لتاج الدين السبكي، المؤلف: أبو عبد الله بدر الدين محمد عبد الله بن بن بهادر الزركشي الشافعي (المتوفى: 794 هـ)، دراسة وتحقيق:
د. سيد عبد العزيز ـ د. عبد الله ربيع الأزهر، الناشر: مكتبة قرطبة للبحث العلمي وإحياء التراث ـ توزيع المكتبة المكية،
المدرسان بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة
الطبعة الأولى، 1418 هـ / 1998 م.
31 ـ تغريب الألقاب العلمية، المؤلف: بكر بن عبد الله أبو زيد.
32 ـ تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير»، المؤلف: عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي (المتوفى: 1359 هـ)، المحقق: علق عليه وخرج آياته وأحاديثه أحمد شمس الدين الناشر: دار الكتب العلمية بيروت ـ لبنان، الطبعة: الأولى، 1416 هـ/1995 م.
33 ـ التفسِيرُ البَسِيْط، المؤلف: أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي النيسابوري، الشافعي (المتوفى: 468 هـ)، المحقق: أصل تحقيقه في (15) رسالة دكتوراه بجامعة الإمام محمد بن سعود، ثم قامت لجنة علمية من الجامعة بسبكه (1/398)
صفحة 393
المراجع والمصادر
399
وتنسيقه، الناشر: عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة: الأولى، 1430 هـ.
34 ـ تفسير الراغب الأصفهاني، المؤلف: أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني (المتوفى: 502 هـ)، جزء 1: المقدمة وتفسير الفاتحة والبقرة، تحقيق ودراسة: د. محمد عبد العزيز بسيوني، الناشر: كلية الآداب - جامعة طنطا، الطبعة الأولى:
1420 هـ / 1999 م.
أحمد بن
35 ـ تفسير السمرقندي المسمى بحر العلوم المؤلف: نصر بن محمد أبو الليث السمرقندي، دار الفکر بيروت تحقيق: د. محمود مطرجي. 36 ـ تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، المؤلف: محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني (المتوفى: 1354 هـ)، الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة النشر: 1990 م. 37 - تفسير القرآن العظيم المؤلف: إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي أبو الفداء، دار النشر: دار الفكر ـ بيروت ـ 1401 هـ.
38 ـ تفسير القرآن العظيم مسندًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين، المؤلف: ابن أبي حاتم؛ عبد الرحمن بن محمد بن إدريس التميمي، تحقيق: أسعد محمد الطيب، المكتبة العصرية - بيروت، ط 3: 1424 هـ/2003 م.
39 - تفسير المراغي، المؤلف: أحمد بن مصطفى المراغي (المتوفى: 1371 هـ)، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة: الأولى،
1365 هـ / 1946 م.
40 ـ تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن المؤلف: الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي إشراف ومراجعة الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي الناشر: دار طوق النجاة، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى،
1421 هـ / 2001 م.
41 ـ التمهيد ـ شرح مختصر الأصول من علم الأصول، المؤلف: أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى بن عبد اللطيف المنياوي، الناشر: المكتبة الشاملة، الطبعة: الأولى، 1432 هـ /2011 م.
مصر، (1/399)
صفحة 394
نداء الحق
42 ـ تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية المؤلف: الشيخ محمد بن علي بن حسين مفتي المالكية بمكة المكرمة (1367 هـ)، وفيها اختصر الفروق ولخصه وهذبه ووضح بعض معانيه، والكتاب من ضمن طبعة كتاب الفروق أنوار البروق في أنواء الفروق المؤلف: أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير بالقرافي (المتوفى: 684 هـ)، الناشر: عالم الكتب، الطبعة: بدون طبعة وبدون تاريخ. 43 ـ تيسير التفسير، المؤلف: امحمد بن يوسف أطفيش (قطب الأئمة)، وزارة التراث القومي والثقافة - سلطنة عُمان، ط: 1406 هـ / 1986 م. 44 ـ تيسير التفسير، امحمد بن يوسف اطفيش (قطب الأئمة)، تحقيق وإخراج:
إبراهيم بن محمد طلاي المطبعة العربية، غرداية - الجزائر، ط 2: 1417 هـ /1997 م. 45 ـ جامع البيان في تأويل القرآن، المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310 هـ)، المحقق: أحمد محمد شاكر، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1420 هـ /2000 م.
عمر
46 ـ الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب، المؤلف: الربيع بن حبيب بن الأزدي البصري، دار النشر: دار الحكمة، مكتبة الاستقامة ـ بيروت، سلطنة عُمان ـ 1415 هـ، الطبعة: الأولى، تحقيق: محمد إدريس، عاشور بن يوسف. 47 ـ الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، صحيح البخاري، المؤلف: محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر: دار طوق النجاة مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة: الأولى، 1422 هـ.
48 ـ الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي)، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: 671 هـ)، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش الناشر: دار الكتب المصرية - القاهرة، الطبعة: الثانية، 1384 هـ /1964 م. 49 ـ جمهرة خطب العرب، اسم المؤلف: أحمد زكي صفوت، دار النشر: المكتبة
العلمية - بيروت.
6
50 ـ جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر، المؤلف: محمود محمد شاکر، جمعها وقرأها وقدم لها الدكتور عادل سليمان جمال الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة - جمهورية مصر العربية، الطبعة: الأولى، 2003 م. (1/400)
صفحة 395
المراجع والمصادر
401
51 - جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام نور الدين أبي محمد عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي العماني، تحقيق أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، دار الفاروق للطباعة والنشر والتوزيع.
52 ـ حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع، المؤلف: حسن بن محمد بن محمود العطار الشافعي (المتوفى: 1250 هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: بدون طبعة وبدون تاريخ 53 ـ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، المؤلف: أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (المتوفى: 430 هـ)، الناشر: السعادة -
أحمد
بجوار محافظة مصر،
1394 هـ/1974 م.
54 ـ دروس صوتية للشيخ سلمان بن فهد بن عبد الله العودة، قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية، المكتبة الشاملة.
55 - دروس صوتية للشيخ صالح بن عبد الله بن حميد قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية، المكتبة الشاملة.
56 ـ روح البيان المؤلف: إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي المولى أبو الفداء (المتوفى: 1127 هـ)، الناشر: دار الفكر - بيروت.
Ov
51 - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، المؤلف: شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (المتوفى: 1270 هـ)، المحقق: علي عبد الباري عطية، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، 1415 هـ.
58 ـ الزاهر في معاني كلمات الناس المؤلف: محمد بن القاسم بن محمد بن بشار، أبو بكر الأنباري (المتوفى: 328 هـ)، المحقق: د. حاتم صالح الضامن، الناشر: مؤسسة الرسالة ـ بيروت، الطبعة: الأولى، 1412 هـ/1992 م.
59 ـ الزرنوجي: تعليم المتعلم طرق التعليم، (مخطوطة).
60 - الزهد، المؤلف: أبو السَّرِي هَنَّاد بن السَّرِي بن مصعب بن أبي بكر بن شبر بن صعفوق بن عمرو بن زرارة بن عدس بن زيد التميمي الدارمي الكوفي (المتوفى: 243 هـ)، المحقق: عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي، الناشر: دار الخلفاء للكتاب الإسلامي - الكويت، الطبعة الأولى، 1406 هـ. (1/401)
صفحة 396
402
نداء الحق
61 ـ الزواجر عن اقتراف الكبائر، المؤلف: أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري، شهاب الدين شيخ الإسلام، أبو العباس (المتوفى: 974 هـ)، الناشر: دار الفكر، الطبعة: الأولى، 1407 هـ / 1987 م.
62 ـ سنن ابن ماجه المؤلف ابن ماجه أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، وماجه اسم أبيه يزيد (المتوفى: 273 هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء الكتب العربية ـ فيصل عيسى البابي الحلبي.
63 - سنن الترمذي، المؤلف: محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (المتوفى: 279 هـ)، تحقيق وتعليق: أحمد محمد شاكر (ج 1، 2)، ومحمد فؤاد عبد الباقي (ج (3)، وإبراهيم عطوة عوض المدرس في الأزهر الشريف (ج 4، 5)، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي - مصر، الطبعة: الثانية، 1395 هـ / 1975 م.
64 ـ سنن الدارقطني، المؤلف: أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان بن دينار البغدادي الدارقطني (المتوفى: 385 هـ)، حققه وضبط نصه وعلق عليه شعيب الارنؤوط، حسن عبد المنعم شلبي، عبد اللطيف حرز الله، أحمد برهوم، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، 1424 هـ / 2004 م. 65 ـ السنن الكبرى المؤلف: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي (المتوفى: 303 هـ)، حققه وخرج أحاديثه: حسن عبد المنعم شلبي، أشرف عليه: شعيب الأرناؤوط، قدم له: عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: الأولى، 1421 هـ / 2001 م. 66 ـ سيد قطب الشاربي؛ إبراهيم حسـ ظلال القرآن، دار الشروق ـ القاهرة،
ط 35: 1425 هـ/2005 م.
67 ـ السير، المؤلف: البدر الشماخي. المطبعة البارونية القاهرة. مصر، 1301 هـ. 68 ـ شامل الأصل والفرع، قطب الأئمة، امحمد بن يوسف اطفيش، وزارة التراث القومي والثقافة - سلطنة عُمان، ط: 1428 هـ / 2007 م.
69 - الشرح الكبير لمختصر الأصول من علم الأصول، المؤلف: أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى بن عبد اللطيف المنياوي، الناشر: المكتبة الشاملة، مصر، الطبعة: الأولى، 1432 هـ /2011 م. (1/402)
صفحة 397
المراجع والمصادر
403
6
70 - شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف، اطفيش، وزارة التراث القومي
والثقافة، 1407 هـ / 1987 م.
71
7 - شرح تنقيح الفصول المؤلف: أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير بالقرافي (المتوفى: 684 هـ)، المحقق: طه عبد الرؤوف سعد، الناشر: شركة الطباعة الفنية المتحدة، الطبعة الأولى، 1393 هـ 1973 م.
73
6
72 - شرح مختصر الروضة، المؤلف: سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الصرصري أبو الربيع نجم الدين (المتوفى: 716 هـ)، المحقق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1407 هـ / 1987 م. 7 - شرح معاني الآثار المؤلف: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321 هـ)، حققه وقدم له: (محمد زهري النجار ـ محمد سيد جاد الحق) من علماء الأزهر الشريف، راجعه ورقم كتبه وأبوابه وأحاديثه د. يوسف عبد الرحمن المرعشلي - الباحث بمركز
6
خدمة السنة بالمدينة النبوية، الناشر: عالم الكتب، الطبعة الأولى ـ 1414 هـ / 1994 م. 74 - شرح نهج البلاغة المؤلف: أبو حامد عز الدين بن هبة الله بن محمد بن محمد بن أبي الحديد المدائني، دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان ـ 1418 هـ/1998 م، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد عبد الكريم النمر. 75 - شعب الإيمان، المؤلف: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَ وجردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: 458 هـ)، حققه وراجع نصوصه وخرج أحاديثه: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامد أشرف على تحقيقه وتخريج أحاديثه: مختار أحمد الندوي، صاحب الدار السلفية ببومباي - الهند الناشر: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع
بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند الطبعة: الأولى، 1423 هـ / 2003 م. 76 - صحيح ابن خزيمة، المؤلف: أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري (المتوفى: 311 هـ)، المحقق: د. محمد مصطفى الأعظمي الناشر: المكتب الإسلامي - بيروت.
77 ـ الضعفاء الكبير، المؤلف: أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي المكي (المتوفى: 322 هـ)، المحقق: عبد المعطي أمين قلعجي، الناشر: دار المكتبة العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، 1404 هـ /1984 م. (1/403)
صفحة 398
404
نداء الحق
78 - طريق الهجرتين وباب السعادتين، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751 هـ)، الناشر: دار السلفية، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، 1394 هـ.
79 ـ العقد الفريد، المؤلف: أبو عمر، شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد ربه ابن حبيب ابن حدير بن سالم المعروف بابن عبد ربه الأندلسي (المتوفى: 328 هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، 1404 هـ.
80 - غاية الوصول في شرح لب الأصول، المؤلف: زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (المتوفى: 926 هـ)، الناشر: دار الكتب العربية الكبرى مصر أصحابها مصطفى البابي الحلبي وأخويه).
81 - غرائب القرآن ورغائب، الفرقان المؤلف: نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري (المتوفى: 850 هـ)، المحقق: الشيخ زكريا عميرات، الناشر: دار الكتب العلميه - بيروت، الطبعة: الأولى - 1416 هـ. 82 - فتاوى السبكي المؤلف: أبو الحسن تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي (المتوفى: 756 هـ)، الناشر: دار المعارف.
83 - فتح الباري شرح صحيح البخاري، المؤلف: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي الوفاة: 852 هـ، دار المعرفة، بيروت، تحقيق: محب الدين الخطيب. 84 ـ القاموس المحيط المؤلف: مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي (المتوفى: 817 هـ)، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، بإشراف: محمد نعيم العرقسوسي، الناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت ـ لبنان، الطبعة الثامنة، 1426 هـ / 2005 م. 85 ـ القلقشندي: أحمد بن علي بن أحمد الفزاري، صبح الأعشى في كتابة الإنشا، وزارة الثقافة - دمشق - 1981 م، تحقيق: عبد القادر زكار. 86 ـ القواعد والفوائد الأصولية وما يتبعها من الأحكام الفرعية، المؤلف: ابن اللحام، علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عباس البعلي الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 803 هـ)، المحقق: عبد الكريم الفضيلي الناشر: المكتبة العصرية، الطبعة: 1420 هـ / 1999 م.
6
87 - الكامل في التاريخ، المؤلف: أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن
عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، عز الدين ابن الأثير (المتوفى: 630 هـ)، (1/404)
صفحة 399
المراجع والمصادر
405
تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت ـ لبنان، الطبعة: الأولى، 1417 هـ 1997 م. - الكامل في ضعفاء الرجال، المؤلف: أبو أحمد بن عدي الجرجاني (المتوفى: 365 هـ)، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود ـ علي محمد معوض، شارك في تحقيقه: عبد الفتاح أبو سنة، الناشر: الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان، الطبعة: الأولى، 1418 هـ/1997 م. 89 ـ الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار المؤلف: أبو بكر بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي (المتوفى: 235 هـ)، المحقق: يوسف الحوت الناشر: مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة: الأولى، 1409 هـ.
کمال
90 ـ الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التنزيل، المؤلف: أبو القاسم محمد بن عمر الزمخشري، دار الكتب العلمية - بيروت. ط 4: 1427 هـ / 2006 م. 91 - كشف الأستار عن زوائد البزار المؤلف: نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي (المتوفى: 807 هـ)، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1399 هـ / 1979 م.
92 - اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عبد الدائم القسطلاني، دار النوادر ـ سوريا.
93 - اللباب في علوم الكتاب اسم المؤلف: أبو حفص عمر بن علي ابن عادل الدمشقي الحنبلي، دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان - 1419 هـ / 1998 م، الطبعة: الأولى، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض. 94 ـ اللباب في علوم الكتاب، المؤلف: أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني (المتوفى: 775 هـ)، المحقق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان، الطبعة: الأولى، 1419 هـ / 1998 م. 95 ـ ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، أبو الحسن الندوي، دار الكتاب العربي،
بيروت.
96 ـ المجتبى من السنن = السنن الصغرى للنسائي، المؤلف: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي (المتوفى: 303 هـ)، تحقيق: عبد الفتاح
أبو غدة، الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب، الطبعة الثانية، 1406 هـ /1986 م. (1/405)
صفحة 400
406
نداء الحق
97
- مجمع الأمثال، المؤلف: أبو الفضل أحمد بن محمد بن إبراهيم الميداني النيسابوري (المتوفى: 518 هـ)، المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد، الناشر: دار المعرفة - بيروت، لبنان.
98 ـ مجمع الزوائد ومنبع الفوائد المؤلف: أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي (المتوفى: 807 هـ)، المحقق: حسام الدين القدسي، الناشر: مكتبة القدسي، القاهرة، عام النشر: 1414 هـ / 1994 م.
99 ـ مجموعة رسائل التوجيهات الإسلامية لإصلاح الفرد والمجتمع، المؤلف: محمد بن جميل زينو، الناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع، الرياض ـ المملكة العربية السعودية، الطبعة التاسعة، 1417 هـ / 1997 م.
100 ـ المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، المؤلف: أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي (المتوفى: 542 هـ)، المحقق: عبد السلام عبد الشافي محمد الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى - 1422 هـ. 101 ـ المحلى بالآثار المؤلف: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري (المتوفى: 456 هـ)، الناشر: دار الفكر - بيروت، الطبعة: بدون طبعة
وبدون تاريخ
6
102 ـ المخصص المؤلف: أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي (المتوفى: 458 هـ)، المحقق: خليل إبراهم جفال الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة: الأولى، 1417 هـ 1996 م.
103 ـ مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751 هـ)، المحقق: محمد المعتصم بالله البغدادي، الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت، الطبعة: الثالثة، 1416 هـ / 1996 م.
بن
أحمد بن
بن
104 ـ المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، المؤلف: عبد القادر مصطفى بن عبد الرحيم بن محمد بدران (المتوفى: 1346 هـ)، المحقق: د. عبد الله عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: الثانية، 1401 هـ. 105 ـ المدونة الكبرى المؤلف: أبو غانم الخراساني، طبعة: وزارة التراث القومي
والثقافة. (1/406)
صفحة 401
المراجع والمصادر
407
106 ـ مستخرج أبي عوانة المؤلف: أبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم النيسابوري الإسفراييني (المتوفى: 316 هـ)، تحقيق: أيمن بن عارف الدمشقي، الناشر: دار المعرفة - بيروت، الطبعة: الأولى، 1419 هـ / 1998 م.
107 ـ المستدرك على الصحيحين المؤلف: أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع (المتوفى: 405 هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت، الطبعة الأولى، 1411 هـ / 1990 م.
108 - مسند
، أبي داود الطيالسي، المؤلف: أبو داود سليمان بن داود بن الجارود الطيالسي البصري (المتوفى: 204 هـ)، المحقق: الدكتور محمد بن عبد المحسن التركي، الناشر: دار هجر ـ مصر، الطبعة: الأولى، 1419 هـ/1999 م.
109 ـ مسند أبي داود الطيالسي، المؤلف: أبو داود سليمان بن داود بن الجارود الطيالسي البصري (المتوفى: 204 هـ)، المحقق: الدكتور محمد بن عبد المحسن التركي، الناشر: دار هجر ـ مصر، الطبعة: الأولى، 1419 هـ/1999 م.
110 ـ مسند أبي يعلى المؤلف: أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى بن يحيى بن عيسى بن هلال التميمي، الموصلي (المتوفى: 307 هـ)، المحقق: حسين سليم أسد، الناشر: دار المأمون للتراث - دمشق، الطبعة الأولى، 1404 هـ / 1984 م.
6
111 ـ مسند إسحاق بن راهويه - مسند ابن عباس، المؤلف: أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم الحنظلي المروزي المعروف بـ ابن راهويه (المتوفى: 238 هـ)، المحقق: محمد مختار ضرار المفتي الناشر: دار الكتاب العربي، الطبعة: الأولى، 1423 هـ / 2002 م. مسند الإمام أحمد بن حنبل، المؤلف: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن بن أسد الشيباني (المتوفى: 241 هـ)، المحقق: أحمد محمد شاكر، الناشر: دار الحديث - القاهرة، الطبعة الأولى، 1416 هـ / 1995 م.
هلال
112
113
مسند البزار المنشور باسم البحر الزخار، المؤلف: أبو بكر أحمد بن عمرو بن
عبد الخالق بن خلاد بن عبيد الله العتكي المعروف بالبزار (المتوفى: 292 هـ)، المحقق: محفوظ الرحمن زين الله حقق الأجزاء من 1 إلى (9)، وعادل بن سعد (حقق الأجزاء من 10 إلى 17)، وصبري عبد الخالق الشافعي (حقق الجزء (18) الناشر: مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة، الطبعة الأولى، بدأت 1988 م، وانتهت 2009 م). (1/407)
صفحة 402
408
نداء الحق
مسند الحميدي المؤلف: أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله
القرشي الأسدي الحميدي المكي (المتوفى: 219 هـ)، حقق نصوصه وخرج أحاديثه: حسن
سليم أسد الدَّارَاني، الناشر: دار السقا، دمشق - سوريا، الطبعة: الأولى، 1996 م.
115
مسند الدارمي المعروف بـ (سنن الدارمي)، المؤلف: أبو محمد عبد الله
بن
عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام بن عبد الصمد الدارمي التميمي السمرقندي (المتوفى: 255 هـ)، تحقيق: حسين سليم أسد الداراني، الناشر: دار المغني للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1412 هـ / 2000 م.
116
مسند الروياني، المؤلف: أبو بكر محمد بن هارون الرُّوياني (المتوفى: 307 هـ)، المحقق: أيمن علي أبو يماني، الناشر: مؤسسة قرطبة ـ القاهرة، الطبعة: الأولى، 1416 هـ. 117 ـ المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، المؤلف: مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (المتوفى: 261 هـ)، المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.
118 ـ المصنف، المؤلف: أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري اليماني
6
الصنعاني (المتوفى: 211 هـ)، المحقق: حبيب الرحمن الأعظمي الناشر: المجلس العلمي الهند يطلب من المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الثانية، 1403 هـ.
119 ـ المطلق والمقيد المؤلف: حمد بن حمدي الصاعدي الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1423 هـ / 2003 م.
=
120 ـ معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال، المؤلف: نور الدين أبي محمد عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي تحقيق سليمان بابزيز، وداوود بابزيز، وإبراهيم بولرواح، وحمزة السالمي، مكتبة الإمام السالمي ـ بدية، ط: 1431 هـ/2010 م. 121 ـ معالم التنزيل في تفسير القرآن – تفسير البغوي، المؤلف: محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 510 هـ)، المحقق: عبد الرزاق المهدي، الناشر: دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، الطبعة: الأولى، 1420 هـ. 122 ـ معاملة غير المسلمين، الحوار والتسامح في الإسلام، شواهد من التأريخ، المؤلف: د. محمد علي البار. دار القلم، دمشق، الدار الشامية بيروت. (1/408)
صفحة 403
المراجع والمصادر
409
123 ـ معجم الشيوخ المؤلف: ثقة الدين أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر (المتوفى: 571 هـ)، المحقق: الدكتورة وفاء تقي الدين، الناشر: دار البشائر ـ دمشق.
124 ـ مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (المتوفى: 606 هـ)، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الثالثة - 1420 هـ. 125 ـ المفصل في صنعة الإعراب أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (المتوفى: 538 هـ)، قدم له وبوبه: د. علي بو ملحم، دار ومكتبة الهلال ـ بيروت،
ط: 2003 م.
126 - مكارم الأخلاق ومعاليها ومحمود طرائقها المؤلف: أبو بكر محمد بن جعفر بن محمد بن سهل بن شاكر الخرائطي السامري (المتوفى: 327 هـ)، تقديم وتحقيق: أيمن عبد الجابر البحيري الناشر: دار الآفاق العربية، القاهرة، الطبعة: الأولى،
1419 هـ / 1999 م.
127 ـ المنتخب من مسند عبد بن حميد المؤلف: أبو محمد عبد الحميد بن حميد بن نصر الكسي ويقال له: الكشي بالفتح والإعجام (المتوفى: 249 هـ)، المحقق: البدري السامرائي، محمود محمد خليل الصعيدي الناشر: مكتبة السنة ـ القاهرة،
صبحي
الطبعة الأولى، 1408 هـ / 1988 م.
128 ـ المنتقى من السنن المسندة المؤلف: أبو محمد عبد الله بن علي بن الجارود النيسابوري المجاور بمكة (المتوفى: 307 هـ)، المحقق: عبد الله عمر البارودي، الناشر: مؤسسة الكتاب الثقافية - بيروت.
129 - الْمُهَذَّبُ في عِلْمٍ أُصُولِ الفِقْهِ الْمُقَارَنِ، (تحرير لمسائله ودراستها دراسةً نظريةً تطبيقية)، المؤلف: عبد الكريم بن علي بن محمد النملة، دار النشر: مكتبة الرشد ـ الرياض، الطبعة الأولى: 1420 هـ / 1999 م.
130 - موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين، المؤلف: الإمام محمد الخضر حسين (المتوفى: 1377 هـ)، جمعها وضبطها المحامي علي الرضا الحسيني، الناشر: دار النوادر، سوريا، الطبعة: الأولى، 1431 هـ / 2010 م. (1/409)
صفحة 404
410
نداء الحق
131 - الموطأ، المؤلف: مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى:
6
179 هـ)، المحقق: محمد مصطفى الأعظمي الناشر: مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية - أبو ظبي - الإمارات، الطبعة الأولى، 1425 هـ / 2004 م. 132 - ناسخ الحديث ومنسوخه، المؤلف: أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان بن أحمد بن محمد بن أيوب بن أزداذ البغدادي المعروف بـ ابن شاهين (المتوفى: 385 هـ)، المحقق: سمير بن أمين الزهيري، الناشر: مكتبة المنار - الزرقاء، الطبعة: الأولى،
1408 هـ / 1988 م.
133 – نثار الجوهر: المؤلف: أبو مسلم البهلاني، مكتبة مسقط ـ مسقط ـ عُمان. 134 ـ نثر الدر في المحاضرات، اسم المؤلف: أبو سعد منصور بن الحسين الآبي، دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان - 1424 هـ / 2004 م، الطبعة: الأولى، تحقيق: خالد عبد الغني محفوط.
135 - نظم الدرر في تناسب الآيات والسور إبراهيم بن عمر البقاعي، دائرة المعارف العثمانية، حيدرآباد - الهند، ط: 1389 هـ / 1969 م. 136 - نهاية الأرب فى فنون الأدب، اسم المؤلف: شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري، دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان - 1424 هـ / 2004 م، الطبعة: الأولى، تحقيق مفيد قمحية وجماعة.
6
137 ـ النهاية في غريب الحديث والأثر المؤلف: مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد ابن عبد الكريم الشيباني الجزري ابن الأثير (المتوفى: 606 هـ)، الناشر: المكتبة العلمية - بيروت، 1399 هـ /1979 م، تحقيق: طاهر أحمد الزاوى ـ محمود محمد الطناحي.
138 - هميان الزاد إلى زاد المعاد المؤلف: امحمد بن يوسف اطفيش، وزارة التراث القومي والثقافة - سلطنة عُمان، ط: 1411 هـ / 1991 م.
139 ـ الوحي المحمدي المؤلف: محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني (المتوفى: 1354 هـ)، المكتب الإسلامي - بيروت، ط 10: 1405 هـ /1985 م. (1/410)
صفحة 405
الفهرس
مقدمة
المحور الأول: فيما يتعلق بالإيمان بالله وتصريفه الخلق.
ضلال دعاء الجن من دون الله
توهم
أن كل ما يصيب الإنسان إنما هو بسبب من الخلق.
المحور الثاني فيما يتعلق بتعظيم كتاب الله وتوقير العلم. تعظيم القرآن يفضي إلى تعظيم العلوم النافعة التي نوه بها. كلمة إلى المؤسسات العلمية ..
المحور الثالث: فيما يتعلق بحسن أداء العبادات المشروعة. لا يجوز أن تزاحم جماعة أقيمت بجماعات أخرى ...
إهمال تسوية الصفوف.
التخلف عن الصلاة في الصفوف الأول.
التأخر عن الصفوف الأولى في الجمعات يؤدي إلى اضطرار الآتين من بعد إلى
تخطي الرقاب مع أنه مشدد فيه.
الصفوف تبدأ من الوسط خلف الإمام.
فضل ميامن الصفوف
رص الصفوف وسد فرجها.
تعمد الصلاة بين السواري، وترك الصفوف الخالية منها.
تعمد الصلاة إلى غير سترة في أماكن يمر بها الناس. الصلاة أول ما يحاسب عليه العبد ..
التفريط في الطهارات إخلال بأداء الصلوات.
بناء المساجد بين التزام الحق واتباع الهوى (1/411)
صفحة 406
المحور الرابع في طلب العلم ونشره.
مكانة العلم في الإسلام.
العبادات والأعمال الصالحة لا تتحقق إلا بالعلم.
طلب العلم عبادة تقرب العبد إلى الله.
نشر العلم من القربات إلى الله ..
المحور الخامس: في العلاقات الاجتماعية وبناء الأسرة الصالحة.
الاستئذان أنس وستر. النوع الأول: الاستئذان العام.
النوع الثاني: الاستئذان الخاص.
الاحتراز من الخلوة بين المرأة والرجل من أهم الضرورات.
من أعظم المصائب جشع الآباء وحرمانهم بناتهم من حقهن الفطري والمالي. واجب الآباء والأمهات في صون أبنائهم وبناتهم من هذه المخاطر
انتشار عادات سيئة في معاملة النساء
لا مضارة ولا وكس في إمساك المرأة أو تسريحها. تفادي الطلاق بعلاج الزوج نفسه لمشكلة نشوز أهله. اشتراك أسرتي الزوجين في ردم هوة الخلاف بينهما. وجوب التزام القيود الشرعية في إيقاع الطلاق. وجوب مراعاة حال المرأة عند إيقاع الطلاق الخسارة التي تترتب على الطلاق
ما ينبغي من إعداد الزوجين قبل زواجهما لتحمل واجبات الحياة الزوجية. ليس من المروءة ولا الدين ابتزاز المرأة عند تطليقها.
المحور السادس: فيما يتعلق بالعقل.
وجوب المحافظة على نعمة العقل وعدم طمس نورها.
المحور السابع في السكوت عن المنكرات. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حق على كل مسلم. (1/412)
صفحة 407
الفهرس
المحور الثامن فيما يتعلق بالأموال
لا بد من صون النعم بطاعة الله تعالى حتى لا تتحول إلى نقم.
ضرورة التقيد بحكم الله تعالى في كسب المال وإنفاقه .. الربا الظاهر والمبطن حرب بين المتلبسين به وبين الله. التشديد في وعيد من أخذ المال بغير حقه. المال العام يجب الاحتراز من الاعتداء عليه كالمال الخاص أو أشد. إنفاق المال يجب أن لا يخرج عن الإطار الشرعي الذي أذن به الله .. البطر بالنعمة سرعان ما يحولها إلى نقمة ..
الترف والتلف متقاربان في اللفظ ومتآخيان في المعنى ..
6
إنفاق المال في الخير علاج للنفوس وأمان من الفتن.
تبذير من ناحية وتقتير من ناحية أخرى.
لا بد من الإنفاق والحض عليه.
المحور التاسع فيما يتعلق باللباس.
التمييز بين الذكور والإناث في اللباس كما تميزوا في الطباع
خصائص زينة الرجال ولباسهم في الإسلام.
بدعية لباس ما بالدبلة ..
يسمى
المحور العاشر: فيما يتعلق بالتقاليد.
المسلم يجب أن يكون عزيزا كريما يؤثر ولا يتأثر ويقود ولا ينقاد تربية القرآن للأمة تغرس فيهم روح الاستقلال، وتقيهم دواعي التأثر والتبعية. المفاصلة بين المؤمنين والكافرين هي اقتداء بالنبيين والمرسلين ومن تبعهم. هذه الروح الإيمانية الاستقلالية في نفوس الرعيل الأول كانت هي أقوى وسيلة لفتح القلوب قبل فتح البلاد.
بدء خط الرجعة.
الانقلاب الكبير الذي حصل في البشر عموما وفي أمة الإسلام خصوصا كان نتيجة
إمساك الغرب بناصية الحياة السياسية والأدبية والثقافية. (1/413)
صفحة 408
414
نداء الحق
ولع المسلمين بترك مواريثهم، وتقليد الآخرين.
إجماع المسلمين في عهد الخلافة الراشدة على جعل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ميقاتا لتأريخ الأمة وكيف تحولت الآن إلى النقيض من ذلك. إسقاط كلمة (ابن) أو (بنت) في سلسلة النسب بين ولد ووالد مخالفة صريحة للأديان، ومعضلة في تحديد سلسلة النسب. الإسلام يدعو إلى استقلال الشخصية الإسلامية في المظهر والمخبر وفي الشعار والواقع ... 248 موالاة الأمة لأعدائها جعلها تقطع أوصالها وتضحي بأقرب الناس إليها إرضاء لعدوها ...... 2449 الولاية المشروعة هي خاصة بالله وبرسوله والمؤمنين.
المحور الحادي عشر فيما يتعلق بالبيان.
من حكمة الله تعدد ألسنة الناس وتفاوتها ..
حاجة الأمة الإسلامية إلى الالتقاء على اللغة العربية. غيرة العجم على اللغة العربية.
اللغة جنسية تجمع الشتيت من الناس وإن تعددت أصولهم النسبية. الزهد في اللغة العربية مرض أصاب الأمة لا سيما العرب.
إضاعة اللغة العربية جناية على الإسلام.
المحافظة على العربية لا تعني إهمال اللغات الأخرى.
وجوب السعي إلى إعطاء العربية حقها في جعلها وعاء لجميع العلوم
ضرورة التقيد في البيان بما يرضي واهبه.
المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
الأخلاق الحسنة ضرورة ملحة في حياة البشر.
رسالة الإسلام هي رسالة أخلاق
التفاضل بين الناس بحسب الأخلاق.
انعكاس الأخلاق على كل ما حوته الشريعة الإسلامية.
جميع الرسل الكرام طبعوا على الأخلاق العالية وبذلك وصاهم الله تعالى .......... 274
أخلاق النبي تنعكس على أصحابه ... (1/414)
صفحة 409
الفهرس
كل ما في الإسلام مولد للأخلاق الفاضلة. جملة التوحيد كافية في ترسيخ هذه المعاني.
العبادات والشرائع كلها مؤدية إلى هذه الغاية.
1 - الصلاة.
2 ـ الزكاة.
3 - الصيام
4 ـ الحج.
جميع جزئيات الشريعة تحتوي على مكارم الأخلاق.
حسن الخلق في التعامل مع جميع الناس.
شمول الأخلاق لما يصدر عن المؤمنين في سلمهم وحربهم.
التعامل بالأخلاق بين الخاصة.
1 ـ معاملة الوالدين.
لا يسقط حق الوالدين بشركهما أو فجورهما.
ـ العلاقة مع ذوي الأرحام.
3 - العشرة بين الأزواج
ما
ـ معاملة الجيران.
يجب للجار.
التمسك بالأخلاق سمة الإسلام حتى مع اشتعال ضرام الحرب التزام أئمة العدل من أهل الاستقامة النهج النبوي في حروبهم. تجافي الناس عن الأخلاق لجهلهم بالإسلام ..
النبي
يجسد بقوله وعمله الأخلاق القرآنية التي سبقت الإشارة إليها.
الحرص على السلام ابتداء وردا رمز للتحلي بأخلاق الإسلام. عدول الناس عن تحية السلام جهل وانحدار في الأخلاق.
رد السلام فريضة محتومة.
المحور الثالث عشر: فيما يتعلق بتربية الأولاد. واجب الوالدين تجاه الأولاد. (1/415)
صفحة 410
أثر الأم على نشأة الطفل
الأم الصالحة من منبت طيب هي التي تغذي الولد بالفكر السليم وتتعهده بالتربية الناجحة ... 334
الرجل الصالح غاية أنشودة المرأة الصالحة.
التدرج في تربية الأولاد
مشروعية التأذين على أذن الطفل ليكون النداء إلى الصلاة والفلاح أول ما يطرق سمعه. استمرار ذكر الله في تربية الطفل.
القدوة الصالحة والأسوة الحسنة في سلوك الأبوين أعظم وسيلة لنجاح تربية الطفل
التباين بين تربية وتربية.
المحور الرابع عشر: فيما يتعلق بالتوبة والوصية
دعوة الله عباده إلى التوبة.
التوبة شرف لكل تائب.
التباين بين التائبين والمصرين فيمن يأتمون به.
الحض على المسارعة إلى التوبة والتحذير من تسويفها.
خطر أماني المغفرة وإن لقي الله بالخطايا.
ماهية التوبة.
الاستغفار من الذنب.
التوبة والأوبة والإنابة ..
السر بالسر والعلانية بالعلانية.
مكان التوبة في الأعمال الصالحة.
الوصية.
وجوب الوصية ..
تسويف الوصية كتسويف التوبة ..
الوصية لا تقصر من العمر، وإهمالها لا يزيد فيه.
الخاتمة في تحصيل ما تقدم.
المراجع والمصادر
الفهرس. (1/416)