صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: دراسات إسلامية - فقه
------------------------------------------
العنوان: نظرات تجديدية فقهية
المؤلف: أحمد بن سعود السيابي
الناشر: مكتبة خزائن الآثار - موقع بصيرة الإلكتروني
مكان النشر: بركاء - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1439ه/ 2018م
الطبعة: 1
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=6327&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/373
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 10 شعبان 1446ه/ 09 - شهر 02 - 2025م. نظرات تجديديَّة فقهية
بقلم
سعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي
الأمين العام بمكتب الإفتاء بسلطنة عُمان (1/1)
صفحة 2
baseera.
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى 1439 هـ / 2018 م
نشر وتوزيع
مكتبة خزائن الآثار
سلطنة عمان - بركاء
نقال: 0096898177789 - 0096895510025
الراعي الإعلامي:
موقع بصيرة الإلكتروني
موسوعة إلكترونية في العلوم الإسلامية
لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عُمان
للتواصل: info@baseera.net
www.baseera.net - (1/2)
صفحة 3
مقدمة
مقدمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
ومن والاه، أما بعد؛
فإن الفقه في الدين هو الوسيلة المثلى لفهم الدين، ولفهم النص الديني قرآنا وسنة وإجماعا؛ حيث إن الفقه هو الفهم: {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 78]، أي: لا يفهمون الكلام الفهم الجيد
ولأهمية الفقه للنص الديني يقول الله: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَةُ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَنَفَقَهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة: 12].
فلا بد لكل قوم ولكل مجتمع أن يكون فيه متخصصون في علوم الفقه، يوضحون للناس ما يجب عليهم فعله أو تركه، وهو أحد تعاريف الفقه الذي يقول: علم النفس ما لها وما عليها فعلا وتركا، على أن التعريف الشامل والجامع هو: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية.
والآية الكريمة توجب على الأمة معرفة الفقه في الدين بين منذر ـ بكسر الذال، ومُنذَر - بفتحها .. (1/3)
صفحة 4
نظرات تجديدية فقهية
فكلاهما مطالب بفهم الدين تفقُها وتفقيها، ومن هنالك جعل الرسول صلى الله عليه وسلم الخيرية في فهم دين الله ولا تفقها، حيث قال: «من أراد الله به خيرا فقهه في
الدين»، وفي رواية: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين».
وقد حمل علماء الأمة الإسلامية أحكام الدين طبقات، كل طبقة أخذت عمَّن قبلها منذ العهد النبوي المجيد وإلى يومنا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ امتثالا لأمر الله تعالى، واستجابة لأمر نبيه ـ عليه الصلاة والسلام -.
ولا ريب أن الآيات الدالة على فضل العلم والآمرة به كثيرة، وجاءت في سياقها الأحاديث النبوية الكثيرة أيضا، وقد فهم علماء الأمة من كل ذلك أن هو صلبها وصميمها؛ لأن عبادة الله و التي من أجلها خلق الله الجن والإنس: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]؛ لا تتحقق إلا
الفقه
بالعلم بأحكام الله فعلا وتركا، فالله و لا يعبد بالجهل.
قال أبو مسلم
تجرد لعلم الشرع في الفرع والأصل فما صالح الأعمال يدرك بالجهل تعلم هداك الله علمًا موصلا إلى الله في التكليف بالترك والفعل ألا تقتني علما تكون خليفة به عن جميع الأنبياء على الكل
وأوصى أحد ولده في أبيات له شعرًا قائلا في مطلعها:
يا بني اقترب من الفقهاء وتعلم تكن من العلماء والأدبيات نثرا وشعرًا الحاثة على تحصيل العلم بصورة عامة والفقه بصورة خاصة كثيرة جدا، فما على المرء إلا أن يتجاوب معها؛ ليعرف ما
يفعل، وما يترك في عبادته ومعاملاته وسلوكه. (1/4)
صفحة 5
مقدمة
حيث إن كل حراك الإنسان في هذه الحياة أطره الإسلام في أطر خمسة، وهي المعروفة بالأحكام الشرعية الخمسة، لا يخرج حراك الإنسان عنها
أبدا؛ ألا وهي:
الغرض (الواجب)، وهو الذي يثاب الإنسان على فعله، ويعاقب
على تركه.
المحرم، وهو الذي يعاقب الإنسان على فعله، ويثاب على تركه. المندوب (المستحب)، وهو الذي يثاب الإنسان على فعله، ولا يعاقب على تركه.
ـ المكروه، وهو الذي يثاب الإنسان على تركه، ولا يعاقب على فعله. المباح، وهو الإطار الأوسع، ويرجع الثواب والعقاب عليه على النية. وهكذا نرى أن الإسلام أطر حركة الإنسان حياتيا في الأحكام الشرعية؛ ليكون الإنسان متصلا بالله جل في كل شؤون حياته، ولتكون حياته قنطرته إلى نعيم الآخرة إذا ما كان ممتثلا للأحكام الشرعية في أطرها الخمسة
الآنفة الذكر.
على أن ما يجده القارئ من طرح جديد لبعض المسائل المطروحة في هذا الكتاب «نظرات تجديدية فقهية ما هي إلا مسائل كان العمل بها متروكا في الأزمنة السابقة، بل ربما عدّت من الأقوال الضعيفة وإلا فهي المذهب، أو أنها غير خارجة عن منظومته وسياقه.
فقه
ولذلك كان اختياري لها؛ لأنها متماشية مع المعطيات الحياتية المستجدة؛
حيث وجدتها مناسبة لعصرنا الحالي الذي يشهد تطورًا هائلا في مجالات (1/5)
صفحة 6
نظرات تجديدية فقهية
الحياة، وحتى لا يكون الفقه موضوعًا على الرفوف غير ملامس لحياة الناس، اخترتها تبعًا لمنهج الإمام م محمد بن عبد الله الخليلي له القائل: «والأخذ بأضعف الأقوال لمراعاة الأحوال أولى».
والله يتقبل من المتقين.
وآخر دعوانا أن الحمد الله ربّ العالمين.
مسقط العامرة
أحمد بن سعود السيابي
جمادى الأولى 1439 هـ
22 يناير 2018 م (1/6)
صفحة 7
أصول الفقه عند أبي عبيد السليمي من خلال كتابه (مشكاة الأصول) (1/7)
صفحة 8
أصول الفقه عند أبي عبيد السليمي من خلال كتابه (مشكاة الأصول)
مقدمة
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَنْ والاه، وسار على نهجه وهداه، أما بعد:
فهذا بحث بعنوان «أصول الفقه عند الشيخ حمد بن عبيد السليمي مِنْ خلال كتابه (مشكاة الأصول)»؛ أعددته للمنتدى الأدبي المحترم بمناسبة احتفائه بالعلامة الشيخ أبي عُبيد حمد بن عُبيد السليمي الشمائلي، وهو
يحتوي على قسمين:
الأول: يتعلق بتعريف علم أصول الفقه لغة واصطلاحًا، ونشأة هذا الفنّ العلمي الشَّريف، ثم ذكرتُ البداية الإباضية لتدوينه والتأليف فيه.
الثاني: قراءة في كتاب مشكاة الأصول.
ولم أتعرض إلى سيرته وحياته لعلمي أنَّ هناك مَنْ سيتحدث عنه في هذا الجانب؛ سائلا الله أن ينفع به، وهو ولي التوفيق والقادر عليه.
روع مع رفع (1/9)
صفحة 9
10
أصول الفقه (التَّعريف والنشأة)
نظرات تجديدية فقهية
تعريف أصول الفقه:
أصول الفقه له تعريفان أو اعتباران؛ أحدهما عَلَمي؛ أي: باعتباره عَلَمًا على هذا الفن من العلم، وثانيهما إضافي أو مركب إضافي؛ أي مركب مِنْ كلمتين ـ مضاف ومضاف إليه، ولذلك قيل لهذا التعريف إضافي، أو مركب إضافي.
والتعريف العلمي: هو علم يُقتدّر به على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها)، وقيل: هو معرفة دلائل الفقه إجمالا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد (3)، وبقيَّة التّعريفات تندرج أو تتلاقى مع
هذين التعريفين.
اللغة
وأما تعريفه الإضافي؛ فهو مركب من كلمتين؛ أحدهما: أصول، والثانية: جمع أصل، وهو ما يُبنى عليه غيره؛ كأصل الجدار؛ أي أساسه، وأصل الشجرة؛ أي: جذرها.
فقه، والأصول في
وفي الاصطلاح الأصول هي التي تُبنى عليها الأحكام؛ لذلك يُطلق
الأصل على ما يكون معناه كما يلي:
98
(1) السالمي، نور الدين عبد الله بن حميد، طلعة الشَّمس، ج 1، ص 8 (2) شعبان محمد إسماعيل أصول الفقه، ص 19، نقلا عن البيضاوي. (1/10)
صفحة 10
أصول الفقه عند أبي عبيد السليمي من خلال كتابه (مشكاة الأصول)
11
1 - الدليل.
2 ـ أصل القياس.
3 ـ مذهب العالم.
4 ـ ما يكون أصلا من أصول الشريعة).
ه ـ الرجحان.
- القاعدة المستمرة (2).
- الأصل المقيس عليه.
والفقه في اللُّغة: فهم الخطاب الذي فيه غموض، وفي الاصطلاح: هو علم النفس ما لها وما عليها، كما عُرّف بأنَّه: العِلم بالأحكام الشرعية الفرعية مِنْ أدلتها التفصيلية (3).
إذن الفرق بين تعريف الفقه وتعريف أصول الفقه هو أنَّ الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية؛ أي: إنه علم يتعلق بالفروع الفقهية؛ أي: بمسائل الفقه وقضاياه، فهما مِنَ الأدلة الشرعية، أمَّا أصول الفقه: فهو علم يُقتدر به على استنباط الأحكام الشرعيَّة مِنْ أدلتها؛ أي: إنَّه علم يستطيع المؤهل به أن يستنبط الأحكام الشرعيَّة مِنَ الأدلة، يقول الإمام السالمي في شمس الأصول (4):
وَبَحْتُهُ حَيْثُ الدَّلِيلُ أَثْبَنَا حُكْمًا وَحَيْثُ الحُكْمُ مِنْهُ ثَبَنَا
(1) السالمي، طلعة الشمس، ج 1، ص 94.
(2) شعبان أصول الفقه. ص
17
(3) السالمي، طلعة الشَّمس، ج 1،
ص
97 - 90
(4) أرجوزة تتكون من ألف بيت في أصول الفقه، وكتاب طلعة الشمس هو شرح لها. (1/11)
صفحة 11
12
نظرات تجديدية فقهية
نشأة أصول الفقه:
لا شك، ولا ريب أن الفقه وأصوله لازما ظهور الأحكام الشرعية الناشئة عن نزول الوحي الإلهي - بقسميه الجلي والخفي - على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ وذلك بنزول القرآن الكريم بتنجيم نزول آياته وتدرج تطبيق شريعته، وبظهور السنة النبوية قولا وعملا وتقريرا، حيث عرف منهما العلماء مِنَ الصَّحابة والتابعين وتابعي التابعين العُموم والخصوص، والناسخ والمنسوخ، والأمر والنهي، والمطلق والمقيد، ودلالات الألفاظ ومفهوماتها.
كما أنهم رتبوا الأدلة حسب قوتها التشريعية، فجعلوا القرآن أولًا، والسُّنَّة ثانيا، والإجماع ثالثا، والقياس رابعا، وجرى الخلاف بينهم في أدلَّةٍ أخرى؛ كالاستحسان، والمصالح المرسلة، والعُرف، ومذهب الصحابي، وغيرها، أخذ
بها البعض، ولم يأخذ بها البعض الآخر.
وبما أن الفقه ـ كما عُرّف -: هو العِلم بالأحكام الشرعية الفرعيَّة مِنْ أدلتها التفصيلية؛ أي: إن الفقه لازم ظهور الإسلام، ونشأ عنه، وهو فرع عن ذلك الأصل؛ فإنَّه مِنَ المستبعد ومِنْ غير المعقول أن يظهر الفرع ـ الذي الفقه ـ دون الأصل - الذي هو أصول الفقه ـ، وذلك يعني أن الفقه وأصوله كان وجودهما بوجود الإسلام، كما يعني هذا أيضا أن علم أصول الفقه كان موجودًا بوجود الإسلام؛ لذلك فإن تدوينه كان كاشفًا لوجوده،
هو
لا منشئا له.
قال الإمام السالمي: «فإن قيل: إنَّ أصول الفقه إنَّما وُضِعَ في القرن الثالث، وهو زمان تابعي التابعين؛ فالصَّدر الأوَّل مِنَ الصَّحابة والتابعين كانوا أفقه ممَّن فأين ذلك التَّوقُف؟ قلنا: إنَّ الذي وُضِعَ في القرن الثالث إِنَّما هو
بعدهم،
اصطلاحات الفن وتقرير قواعده، لا نفس الفن، فإنَّه كان معلومًا للصَّحابة ومَنْ (1/12)
صفحة 12
أصول الفقه عند أبي عبيد السليمي من خلال كتابه (مشكاة الأصول)
13
بعدهم، فهم يقدمون الخاص على العام، ويردُّون المتشابة إلى المحكم ... وهكذا، وهذه الكيفية هي نفس أصول الفقه».
وقد ارتبط تدوين علم أصول الفقه بكتاب (الرسالة) للإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت: 204 هـ)، حيث بَحَث الإمام الشافعي في هذا الكتاب القرآن وبيانه للأحكام، وبيان السُّنة للقرآن والإجماع، والقياس، والناسخ والمنسوخ، والأمر والنهي، والاحتجاج بخبر الواحد، ثم تتابع العلماء في التأليف في هذا الفن العلمي، فظهرت مؤلّفاتهم وكتبهم في ذلك؛ نظرا لظهور الحاجة إلى هذا العلم، يقول ابن خلدون: «واعلم أنَّ هذا الفنَّ مِنَ الفنون المستحدثة في الملَّة، وكان السَّلف في غُنية عنه، بما أنَّ استفادة المعاني مِنَ الألفاظ لا يحتاج فيها على أَزْيدَ ممَّا عندهم مِنَ الملكة اللسانية، وأما القوانين التي يحتاج إليها في استفادة الأحكام خصوصا؛ فمنهم أخذ معظمها، وأما الأسانيد فلم يكونوا يحتاجون إلى النظر فيها، لقرب العصر، وممارسة النقلة، وخبرتهم بهم، فلما انقرض السلف، وذهب الصدر الأول، وانقلبت العلوم كلُّها صناعة ـ كما قررناه من قبل -؛ احتاج الفقهاء والمجتهدون إلى تحصيل هذه القوانين والقواعد؛ لاستفادة الأحكام مِنَ الأدلة، فكتبوها فنا قائما برأسه، سموه: أصول الفقه» (2).
وكونه فنا قائما برأسه - كما قال ابن خلدون ـ؛ أصبح هذا العلم مِنَ الأهمية بمكان، حيث إن معرفة الفقه أصبحت متوقفةً على معرف فة أصول الفقه، فلا يتوصل أحد إلى معرفة الفقه حتى يكون عارفًا بأصول الفقه كما
(د)
قال الإمام السالمي (3).
(1) السالمي، طلعة الشمس، ج 2، ص 80.
(2) ابن خلدون، المقدمة.
ص
492
(3) السالمي، طلعة الشمس، ج 1، ص 79. (1/13)
صفحة 13
14
نظرات تجديدية فقهية
وكذلك قال الشيخ الشماخي: «مَنْ لم يتحكّم على الأصول فلما تتحصل عنده الفصول، وقال بعضهم: إنَّما منعهم من الوصول تضييع الأصول، فلما بطلوا تعطلوا»، ومفهوم ذلك: مَنْ تحكّم في الأصول؛ سهلت له الفروع، وتحصلت عنده الفصول، على أنَّ هناك منهجين كُتِبَ بهما فن أصول الفقه؛
هما:
منهج المتكلمين، ومنهج الفقهاء.
أولا: منهج المتكلمين: وهو الذي اتبعته.
جميع
المذاهب الإسلامية ما عدا الأحناف الذين هم لهم منهجهم - الذي سنتحدَّث عنه لاحقا ـ، وهذا المنهج يقوم على تقرير القواعد الأصولية مدعومة بالأدلة والبراهين دون التفات إلى موافقة أو مخالفة القواعد للفروع الفقهيَّة، وهو اتجاه نظري، غايته تقرير قواعد هذا الفنّ العلمي كما يدلُّ عليه الدليل، بحيث تكون هذه القواعد حاكمة على اجتهاد المجتهدين، ونسبة هذا المنهج إلى المتكلمين لعله نسبة إلى المعتزلة الذين اشتهروا بفنّ علم الكلام والتنظير فيه.
(2)
ثانيا: منهج الفقهاء: وهو منهج الأحناف، ويقضي بتقرير القواعد الأصولية على الفروع الفقهية، على أنَّ هذا المنهج يقرّر القواعد الخادمة لفروع المذهب عندهم، ويدافع عن اجتهاد أئمتهم)، ولعل نسبة هذا المنهج إلى الفقهاء ترجع إلى كثرة التعريفات الفقهيّة عند الأحناف الذين عُرِفوا بكثرة آرائهم الفقهية؛ حتى سُمُّوا بـ (أهل الرأي).
البداية الإباضية لتدوين أصول الفقه:
مما هو واضح وجلي أن سلف الإباضيَّة مِنْ علمائهم كانوا على فهم وإدراك لمعاني علم أصول الفقه، فقد ذكروا كثيرًا من مصطلحات أصول الفقه؛
(1) الشماخي، الإيضاح، ج 1، ص 4.
(2) انظر: عبد الكريم زيدان الوجيز في أصول الفقه، ص 17. ومحمد أبو زهرة، أصول الفقه،
ص 17 - 21. (1/14)
صفحة 14
أصول الفقه عند أبي عُبيد السليمي من خلال كتابه (مشكاة الأصول)
15
كالأمر والنهي، والعام والخاص، والناسخ والمنسوخ، والاجتهاد، وقد أورد الدكتور مصطفى باجو في كتابه القيم (منهج الاجتهاد عند الإباضية) شيئًا من ذلك منذ إمام المذهب جابر بن زيد في القرن الأول الهجري، وعبر تلاميذه
(1)
ومَنْ كان بعدهم.
وفي
هذا الصدد يقرر نور الدين السالمي، حيث يقول: «وعلى طريقة الصدر الأول مِنَ الصَّحابة والتابعين قد جرى جُلُّ سلفنا مِنْ أهل عُمان، فتراهم يحكمون بالخاص في موضع الخصوص، وبالعام في موضع العموم، وبالمطلق في موضع الإطلاق، وبالمقيَّد في موضع التقييد، وهكذا مِنْ غير أَنْ يذكروا نفس العبارات التي اصطلح عليها أهل الفن، وربما ذكرها بعضهم؛ كابن بركة» (2).
(2)
وأقول لا يبعد أن تكون هناك مَنْ ذكرها، أو ذكر بعضها قبل الإمام ابن
بركة، فإنَّ الإمام السالمي عندما قال في شمس الأصول:
فَبَعْضُنَا وَالشَّافِعِيُّ حَمَلَا وَبَعْضُنَا وَالحَنَفِيُّ قَالَ لَا قال في شرحه على البيت: «وإن اختلف. سبب المطلق والمقيَّد، واتفق حكمهما؛ فذهب الشافعي وبعض أصحابنا كابن بركة إلى حمل المطلق على المقيَّد، وإن اختلف السَّبب إذا اتَّحد الحكم، وقال أبو حنيفة وبعض أصحابنا كالإمام ابن محبوب: إنَّه لا يُحمل المطلق على المقيَّد» (3).
بَيْدَ أَنَّه أَوَّل مَنْ ألَّف في أصول الفقه، ووصل إلينا هو إمام التحقيق والتأصيل أبو محمد بن بركة السليمي الصحاري البهلوي في القرن الرابع
(1)
ص 84 وما بعدها.
(2) السالمي، طلعة الشمس، ج 1، ص 80.
(3) نفس المصدر، ص 205. (1/15)
صفحة 15
17
نظرات تجديدية فقهية
الهجري، فقد صدر كتابه القيم الجليل (كتاب الجامع) بمقدمة طويلة اشتملت على مصطلحات أصول الفقه؛ الأمر الذي اعتبر إباضيًا أوَّل مؤلّف في هذا الفنّ يصل إلينا.
وقد حمله على ذلك كما يقول: «حاجة المتفقه على ذلك، وقلة استغنائه عن النظر فيه، والاعتبار في معانيه، فالواجب إذا أراد عِلم الفقه أن يتعرف أصول الفقه وأمهاته؛ ليكون بناؤه على أصولٍ صحيحة؛ ليجعل كل حكم في موضعه، ويجريه في سننه، ويستدل على ذلك بالدلالة الصحيحة، والاحتجاجات الواضحة، وأنْ لا يُسمّي العلَّة دليلا، والدليل علة، والحجة علَّةٌ، وليفرق بين معاني ذلك، ليعلم افتراق حكم المفترق، واتفاق المتفق؛ لأنّي رأيتُ العوام من متفقهي أصحابنا ربَّما ذهب عليهم كثير من معرفة ما ذكرنا، وتكلم. عند النظر، ومحاجة الخصوم بما ينكره الخواص منهم، وأهل المعرفة بذلك؛ لأنَّهم ربَّما وضعوا اللفظة في غير موضعها، ونقلوا الحجة على غير جهتها، واستعملوها في غير أماكنها).
وبعد الإمام ابن بركة توالى التأليف في أصول الفقه إباضيا شرقا وغربا، حيث ظهرت في المغرب العربي أو المغرب الإسلامي مؤلفات الإمام أبي يعقوب الوارجلاني، ومنها كتابه الشهير (العدل والإنصاف)، ثم مؤلفات البدر الشماخي، وغيرهما.
وهنا في عُمان ضمت المطولات والجوامع الفقهية في أجزائها الأولى موضوعات وأبواب أصول الفقه، والظاهر أنَّ أوَّل مَن اتَّبع هذه الطريقة بعد الإمام ابن بركة تلميذه أبو الحسن البسيوي في كتابه (الجامع) في القرن الرابع الهجري، وسلمة بن مسلم العوتبيُّ في كتابه (الضياء) في القرن الخامس
(1) ابن بركة، كتاب الجامع، ج 1، ص 14. (1/16)
صفحة 16
أصول الفقه عند أبي عبيد السليمي من خلال كتابه (مشكاة الأصول)
17
الهجري، ونجاد بن موسى المنحي في القرن السادس الهجري في كتابه (الأكلة وحقائق الأدلَّة)، ومحمد بن إبراهيم الكندي في القرن السادس الهجري في كتابه (بيان الشرع)، وأبو بكر أحمد بن عبد الله الكندي في القرن السادس الهجري في كتابه (المصنف)، وخميس بن سعيد الشَّقصي في القرن الحادي عشر الهجري في كتابه (منهج الطالبين)، وعلى هذه الطريقة جرى جُلُ المؤلفين العُمانيين في مطولاتهم الفقهية.
حتى طلعت (طلعة الشَّمس)) للإمام الكبير نور الدين السالمي، فسترت بضوئها اللامع الوهاج الكثير من كتب الأصول، وأخذ من جاء بعد النُّور السالمي يستمد منها، ومنهم. علامتنا الشيخ الجليل أبو عبيد حمد بن عبيد السليمي في كتابه (مشكاة الأصول الذي سنتحدث عنه في القسم التالي ـ إن
شاء الله تعالى -.
وأبرز مَنْ ألَّف في أصول الفقه بعد النُّور السالمي في عُمان بجانب الشيخ أبي عبيد؛ الشيخ خلفان بن جميل السيابي، وكتابه (فصول الأصول)، والشيخ بن شامس البطاشي، وكتابه هو غاية المأمول في الفروع والأصول).
محمد
وع شروع ده
(1) کتاب طلعة الشمس هو الكتاب الوحيد من بين كتب أصول الفقه الذي يجمع أقوال ستة مذاهب من المذاهب الإسلامية في هذا الفن؛ كالمذهب الإباضي والمذاهب الأربعة والمذهب الزيدي، ونظرًا لموضوعه وجمال أسلوبه وجميل عبارته فقد اكتسب قبولًا منقطع النظير لدى علماء الإسلام الذين تسنّى لهم الاطلاع عليه، وقد سمعت شيخنا الخليلي ـ أبقاه الله ـ يقول: إنه أخبره الشيخ سعيد بن حميد الرمحي قائلا: إنه عندما كان يدرس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة حمل هو وزملاؤه مِنَ الطلبة العُمانيين نسخة من كتاب طلعة الشمس إلى العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب كتاب (أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن، الذي كان مدرسًا في الجامعة آنذاك، وعندما سلموه الكتاب؛ أكب عليه وقتا طويلا، ولم يلتفت إليهم. (1/17)
صفحة 17
18
مشكاة الأصول:
نظرات تجديدية فقهية
قراءة في كتاب (مشكاة الأصول)
كتاب (مشكاة الأصول في أصول الفقه، ألَّفه الشيخ أبو عبيد حمد بن عبيد السليمي الشمائلي بناءً على طلب بعض طلابه، وهم المشايخ الكرام:
عيسى بن ثاني البكري، وهاشم بن عيسى
اليوسفي
(3)
الطائي"
(2)
، وحمدان بن خميس
جاء في مقدمة الكتاب: «قد سألني بعض طلبة العلم؛
(1) عيسى بن ثاني بن خلفان البكري، شاعر معروف بفصاحته، ومنشئ عمل كاتبا للصكوك بمدينة سمائل، كما عمل مدرسًا للنحو بها، توفي (1362 هـ ـ 1942 م)، حدثني عنه والدي سعود بن سعيد السيابي قائلا: إن الشيخ عيسى بن ثاني البكري كان بإمكانه أثناء الكتابة أَنْ يقبل على جليسه ويحدثه؛ وذلك لإجادته لفنّي الكتابة والإنشاء، وتمكنه منهما.
(2) هاشم بن عيسى بن صالح الطيواني (الطَّائي)، سكن سمائل وبوشر ومسقط، عمل قاضيًا على عدة ولايات، ثم صار قاضيًا بالمحكمة الشرعيَّة بمسقط، وبعد ذلك عُيّن مدرسًا بمعهد والوعظ والإرشاد، جمعتني به صحبة ولقاءات وزيارات وجوار في السكن
القضاء الشرعي و بمنطقة الولجة بروي كما جمعتني به زمالة في العمل بمعهد القضاء، حيث كنتُ مديرا للمعهد سنة (1986 م)، وقد توفي سنة (1411 هـ ـ 1991 م). (3) حمدان بن خميس بن سالم اليوسفي، كان يلقب: «سيبويه الثاني»؛ لتمكنه من علوم الآلة، التي هي علوم العربيَّة مِنْ نحو وصرف وُلِدَ في منطقة السيب (1317 هـ)، وانتقل إلى سمائل، ثم سكن قرية الفرفارة من أعمال ولاية بدبد عمل مدرسًا للنحو والصرف والفقه في سمائل، كان ذا صوت جميل جذاب أخاذ، تطرب له الآذان عند قراءته للقرآن أو الشعر والنثر، التقيتُ به مرة واحدة في الصغر عندما جاء لزيارة الآباء في بلدة نفعاء بولاية بدبد في الستينيات من القرن الميلادي الماضي، وكان آنذاك قد صدر كتاب (سلك الدرر) للشيخ العلامة خلفان.
بن
= (1/18)
صفحة 18
أصول الفقه عند أبي عبيد السليمي من خلال كتابه (مشكاة الأصول)
19
عيسى بن ثاني البكري، وهاشم بن عيسى الطائي، وأبو يوسف اليوسفي؛ بأن أؤلف لي ولهم رسالة في أصول الفقه، تكون جامعة لقواعده، وحاوية لفوائده، معضلاته، وتحلُّ مشكلاته، فصرفت عنان الهمة إلى ذلك، مستعينا بالله
تفك
تعالى ...... وسميتها (مشكاة الأصول)».
ورسالة أو كتاب (مشكاة الأصول) هو كتاب مختصر في أصول الفقه، رتبه المؤلّف على فصول، ويُلاحظ أنَّ مرجعه الرئيس، ومعتمده الأساس كتاب (طلعة الشمس) للإمام العلامة الكبير نور الدين عبد. الله بن حميد السالمي، الذي هو شيخ المؤلف أو أحد شيوخه، كما أنه اعتمد كثيرًا على (الجامع الصحيح) مسند الإمام الرَّبيع بن حبيب الفراهيدي، وكتاب (المدونة) لأبي غانم الخراساني، على أنَّه ممَّا يُلاحظ أن الشيخ أبا عبيد أكثر العلماء العُمانيين المتأخرين اعتمادًا على كتاب (المدوّنة) بعد الإمام السالمي، ولعل هذا ما يُفسر وجود نسخة من كتاب (المدوَّنة) لديه، فقد نُسخت له سنة (1338 هـ - 1918 م)، نسخها له مانع بن سالم بن جاد الحسيني، وهي النسخة التي طبعتها وزارة التراث والثقافة سنة (1404 هـ ـ 1984 م).
مادة الكتاب:
ابتدأ المؤلف كتابه بتعريف أصول الفقه كما هو المعتاد في التأليف، فقد ذكر التعريفين اللُّغوي والاصطلاحي، والتعريفين العلمي والإضافي، على اعتبار أنَّ التعريف يجمع المعنى ويحدّده، ثم أخذ يورد أدلة أصول الفقه وقواعده، مبتدئا بالأدلة، وفق ما يلي:
=
جميل السيابي، وأخذ الشيخ اليوسفي يقرأ منه، وأخذنا نستمع إليه بإنصات وسكون نظرا لعذوبة صوته، توفي في المدينة المنورة سنة (1384 هـ ـ 1964 م)، ومن المؤسف أن الذاكرة التسجيلية لم تحتفظ لنا بشيء من تسجيل قراءاته. (1/19)
صفحة 19
20
نظرات تجديدية فقهية
القُرآن: حيث قال: هو أوّل الأدلة للفقه، وهو معجز العلوم ومنبعها، ودائرة الشمس ومطلعها، وعرفه الأصوليون بأنّه النظم المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم منقولا بالتواتر عنه، معجزا لمن ناواه.
وقال: إن غرض الأصوليين من الكتاب إنَّما هو متعلق بالآية منه وبالآيتين، وبالحرف الواحد؛ لأن غرضهم استنباط الحكم الشَّرعي بالدليل، وإنما يكون ذلك الدليل آية، ويكون حرفًا، فهم يطلقون اسم الكتاب على المجموع من كتاب الله ويطلقونه على الآية منه والآيتين وعلى الحرف الواحد توشعا ومجازا، ثم ذكر بعض الأوصاف والأحكام المتعلقة به، كما ذكر أصحاب القراءات العشرة.
ـ السنة: وقال: إنَّها الدليل الثاني لأصول الفقه، والسنة لغة: الطريقة والعادة، واصطلاحًا عند الفقهاء: هي النافلة، وعند المحدثين والأصوليين: هي أقواله وأفعاله وتقريراته، وكلُّها حجة، وإن كان بعضها أقوى من بعض، ثم
ذكر الوحي،، وأقسامه، وكيفيته.
الإجماع وقال عنه: إنَّه الدليل الثالث لأصول الفقه،
صُورًا مِنْ إجماع الصحابة.
وبعد أَنْ عرَّفه ذكر
القياس: وقال عنه: أخَّرناه عن الكتاب والسُّنَّة والإجماع؛ لأنها أصل له، وهو مستخرج منها، والأصل مقدم على الفرع؛ لأنَّه سابق، والفرع لاحق، فالقياس أصل من وجه، وفرع من وجه، وهو حجة عند الجمهور بالمعقول والمنقول»، ثم ذكر الكثير مِنْ صُوَر القياس وتطبيقاته، وذكر أركانه وشروطه، ثم ذكر العلة التي هي محور القياس، وذكر حكم العلة وشروطها وطرقها، والعلة المستنبطة، والعلة المنصوص عليها، وما تفرع عنها من مقاصد الشريعة الضرورية والحاجية والتَّحسينيَّة، وأورد الأحكام الشرعية الخمسة (الواجب، (1/20)
صفحة 20
أصول الفقه عند أبي عبيد السليمي من خلال كتابه (مشكاة الأصول)
21
والتحريم، والندب، والكراهة، والإباحة، وقد أفاض في ذكر القياس وما
يشتمل عليه من أقسام، مركزا على العلة وأقسامها.
الاستدلال: وقد عرفه لغةٌ: بأنّه مطلبُ الدَّليل، وعُرفًا: إقامة الدليل والنظر فيه، وهو خاص بما ليس نصا، ولا إجماعًا، ولا قياسا، أثبته بعض، ونفاه آخرون، وقد فرع عليه مسائل من الفقه.
الاستقراء: الذي قال عنه: إنّه عبارة عن تتبع المستدل أفراد الجنس في
أفراد
جميع الحكم، وقال: إنه نوعان: كامل وناقص؛ فالكامل: هو تتبع جميع الجنس، والناقص ل: هو تتبع غالب أفراد الجنس، وهو إلحاق الفرد بالأغلب. المصالح المرسلة: وقال: هي وصفٌ مناسب، تترتب عليها جلب مصلحة، ودرء مفسدة، والشَّارع لم يعتبره في حكم من الأحكام، ولا ألغاه.
الاستحسان وهو عُدول عن قياس إلى قياس أقوى.
التعارض: وذلك في الدليلين إذا تعارضا، فيجب العمل بأقوى الدليلين، وقال المؤلف: إنَّ الصَّحابة - رضوان الله عليهم - كانوا يأخذون بأقوى الدليلين - إذا تعارضا ـ، وكذا التابعون ومَنْ بعدهم، وقال: إِنْ عُدِمَ المرجح تَسَاقَطَا، وقيل: يختار المجتهد منهما واحدا يعمل به، واستطرد في إيراد الأدلة المتعارضة.
خطاب الشارع وهو قسمان: تكليف ووضع؛ فالأول: هو خطاب الله المتعلق بفعل الشخص من حيث التكليف، وقال: إنه خمسة أقسام: الواجب والندب، والتحريم والكراهة والإباحة، وخطاب الوضع خمسة أقسام، وهو ما وضعه الشارع للشَّيء ركنا، أو سببًا، أو شرطًا، أو علة، أو علامة. الحد وأقسامه: وعرّف المؤلّف الحد لغةً: إنَّه المنع، ومنه سميت الحدود؛ لأنها تمنع الجناة عن العود إليها، واصطلاحًا: هو شرح ما دل عليه اللفظ
بطريق الإجمال. (1/21)
صفحة 21
22
نظرات تجديدية فقهية
ـ مصطلح الحديث: وقال عنه: هو علم بقواعد يُعرف بها السند والمتن قوَّةً وضعفًا، ويُعرف بها أحوال الرَّواي والمروي عنه، مِنْ حيث القبول والرَّد ضبطا وصياغة، وقال: الحديث هو لفظ قصد به الإخبار، يحتمل الصدق والكذب؛ إلا أخبار الله، وأخبار أنبيائه، فلا تحتمل إِلَّا الصدق، ثم أورد أقسام مصطلح الحديث المعروفة.
الناسخ والمنسوخ وعرَّفه لغةً: بأنَّه الإزالة، وقال: إنَّه يرد لمعنيين (الإزالة، والنقل)، وشرعا هو رفع حكم شرعي بعد ثبوته بحكم شرعي آخر، واستطرد في ذكر مسائله وقضاياه من الكتاب والسُّنَّة.
الخاص: وهو أ لفظ دل وضعا لمعنى واحدٍ معلوم على الانفراد، وقال: إنَّ الخاص يشمل المطلق والمقيَّد، والأمر والنهي - إذا تجردا عن العموم ـ، مرجحًا أنَّ المطلق والمقيَّد مِنَ الخاص بعد أن ذكر الخلاف في ذلك، وقد بين في الاستدلال بالخاص أنَّ الأدلة السمعية أربعة أنواع:
أ ـ قطعي الثبوت قطعي الدلالة.
ب ـ قطعي الثبوت ظني الدلالة.
ج - ظني الثبوت قطعي الدلالة.
د ـ ظني الثبوت ظني الدلالة.
العام: وهو ما يدلُّ لفظه دفعةً على ما لم يكن منحصرا، وبين ما يتناوله العام، ضاربًا أمثلة لذلك من الأحكام الشرعية.
المشترك: هو ا اللفظ الموضوع لكل واحد من معنيين فأكثر وضعًا مستقلا من غير نقل، وذكر المؤلّف الفرق بين ا اللفظ المشترك واللفظ الموضوع للمشترك، قائلا: إنَّ اللَّفظ المشترك موضوع لكلّ واحدٍ من معانيه وضعًا (1/22)
صفحة 22
أصول الفقه عند أبي عُبيد السليمي من خلال كتابه (مشكاة الأصول)
23
مستقلا؛ كالعين موضوعة للباصرة، وضعا وللعين الجارية وضعا آخر ... وهكذا، بخلاف اللفظ للمشترك فإنَّه موضوع للقدر المشترك بين أفراده؛ كالإنسان، وكأسماء الأجناس والأنواع، ثم أخذ المؤلف في تفريع المسائل
الفقهية عليه.
- الكل والكلية وبين الفرق بين الكل والكلية؛ بأن الكل حكم على المجموع، وأما الكلية فالحكم على كلّ فرد من أفراد المجموع، ثم تطرق إلى الفرق بين الكلي والجزئي، وبين الجزئي والجزئية، وذكر في هذا السياق الفرد والمركب والعلم واسم الجنس.
المطلق والمقيَّد: وقال: إنَّ المطلق هو لفظ شائع في جنسه ببدل موضوعه، والمقيَّد: ما خرج عن ذلك الشيوع، وذكر المسائل والأحكام التي يُحمل فيها المطلق على المقيَّد، والتي لا يُحمل فيها المطلق على المقيَّد.
الأمر: وهو آخر مادة الكتاب، معرّفًا إيَّاه وقائلا: إنَّ حكمه الوجوب عند الجمهور - ما لم تصرفه قرينة إلى الندب، وبيَّن حكمه مقيَّدا، وحكمه مطلقا، مستطردًا في ذكر أقسامه. (1/23)
صفحة 23
24
34
الخاتمة
نظرات تجديدية فقهية
1 ـ كتاب (مشكاة الأصول للشيخ العلامة أبي عبيد حمد بن عبيد السليمي هو في أصول الفقه، ولا يزال مخطوطا.
2 ـ وضعه المؤلّف بشكل مختصر في فنّه كرسالة؛ بناءً على طلب بعض طلابه الذين ذكرهم في مقدمة الكتاب.
- الظاهر أن المؤلّف لم يكمله؛ نظرًا إلى أنَّه لم يتناول جميع موضوعات أصول الفقه، ولا توجد خاتمة للكتاب، أو ما يُشير إلى نهايته، وقد وقف المؤلف منه إلى قوله (فصل): واختلفوا في الأمر بالشَّيء هل يدلُّ على النهي ضده؟ وهو الأقل، أو لا يدلُّ عليه؟ وهو الأكثر، وعليه الجمهور؛ لأنّ القائلين بأن الأمر نهي عن ضدّه؛ لا يخلو قولهم من أحد أمرين: إمَّا أَنْ يريدوا به من طريق اللفظ ....
عن
وهذه نسخة وزارة التراث والثقافة، وهي النسخة الوحيدة المتوفرة، ولعلّ
هناك نُسَخا أخرى أكمل مِنْ هذه النسخة.
- الملاحظ أن الشيخ أبا عبيد لا يميل إلى الترجيح والتصحيح بين الأقوال؛ حيث لا نجد له ترجيحا إلا نادرًا أو أقل مِنَ النادر ـ إِنْ صح (1/24)
صفحة 24
الخاتمة
25
التعبير ـ، وإنما يكتفي بإيراد الأقوال؛ سواء كانت تعريفات لغوية أو
اصطلاحية، أو موضوعات أصوليَّةً، أو مسائل فقهية تفرعت عنها.
ه - رتب المؤلف كتابه على فصول، غير أنَّه في بعض المواضيع ـ وهي قليلة جدا - يُعنون لها بالأبواب.
6 - الظاهر أن المؤلّف اعتمد على مصادر عديدة في أصول الفقه؛ غير أنّ معتمده الأساسي والرئيسي - بعد القرآن الكريم - كتاب (طلعة الشمس) لشيخه الإمام نور الدين عبد الله بن حميد السَّالمي، ثم مسند الإمام الربيع حبيب الفراهيدي (الجامع الصحيح)، و (مدوَّنة) أبي غانم الخراساني، كما اعتمد على مصادر أخرى.
- اتبع المؤلّف في تأليف كتابه أو رسالته (مشكاة الأصول) منهج المتكلمين، وهو المنهج الذي اتَّبعه جمهور أهل المذاهب الإسلامية عدا الأحناف، وهو المنهج القائم على تفريع المسائل الفقهية مِنَ الأدلة والقواعد الأصولية، أما الأحناف فإنَّ منهجهم قائم على استخراج القواعد الأصولية مِنَ الفروع الفقهية.
اقتراح أقترح أن تقوم وزارة التراث والثقافة الموقرة مشكورة بطبع كتاب (مشكاة الأصول) محققا ومصححا ومرتبا؛ نشرًا للعلم، لا سيما في هذا الفنّ العلمي الشريف، وإشاعة للفائدة، كما أقترح أنْ يُجعَل هذا البحث المتواضع
مقدمة له.
والله أسأله التوفيق والسداد في القول والعمل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. (1/25)
صفحة 25
الفتاوى الاجتماعية
وأثرها في تنمية المجتمع (1/27)
صفحة 26
الفتاوى الاجتماعية وأثرها في تنمية المجتمع
مقدمة
29
الحمد لله، والصلاة والسَّلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَنْ والاه، وعلى كلِّ مَنْ اتَّبع هداه ونهج نهجه في وصاياه وفتاواه؛ أما بعد: فهذا بحث أعددته للمؤتمر الدولي «الفتوى: إشكاليات الواقع وآفاق المستقبل»، الذي عقد بمشيئة الله تعالى في القاهرة عاصمة جمهورية مصر العربية في الفترة من (17) - 18) أغسطس (2015 م)، وهو بعنوان «الفتاوى الاجتماعية وأثرها في تنمية المجتمع»، بناءً على دعوة كريمة تلقيتها من سماحة الشيخ الدكتور شوقي علام مفتي جمهورية مصر العربية، وقد جعلته
تحت العناوين التالية:
- تعريف الفتوى.
الفتوى مهمة الأنبياء وورثتهم.
- إلزامية الفتوى.
الفتاوى الاجتماعية.
الشيخ بكلي وكتابه «الفتاوى».
أثرها في تنمية المجتمع.
- الخاتمة.
ولعلي أكون قد وفقت في طرح الموضوع مناقشة وتدليلا، والله ولي التوفيق. (1/29)
صفحة 27
30
الفتوى لغة واصطلاحًا
نظرات تجديدية فقهية
أولا: المعنى اللغوي:
عرف الخليل بن أحمد الفراهيدي الفتوى بالقول: الفقيه يفتي؛ أي: يبين المبهم، ويقال: الفتيا فيه كذا، ويقول الفيروز آبادي: والفتيا والفتوى بفتح الآخر: ما أفتى به الفقيه)، أما العوتبيُّ فيقول: أفتى الفقيه يُفتي إفتاء: إذا بين المبهم، وهو مفت، وتقول: الفتيا فيه كذا وكذا، وأهل المدينة
يقولون: الفتوى (3).
ويوضح الفيومي بقوله والفتوى بالواو، بفتح الفاء، وبالياء فتضم؛ اسم مَنْ أفتى العالم إذا بين الحكم، واستفيته: سألته أَنْ يُفتي، ويقال: أصله مِنَ الفتى، وهو الشَّابُ القويُّ، والجمع الفتاوي بكسر الواو، ويجوز الفتح للتخفيف).
ثانيا: المعنى الاصطلاحي أو الشَّرعي:
هو
بيان حكم الله تعالى بمقتضى الأدلة الشرعية على جهة العموم والشمول ()، وفي رأيي أنه يمكن تعريفها شرعًا أو اصطلاحًا بما يلي:
(1) کتاب العين مادة: فتو.
(2) القاموس المحيط مادة فتى.
(3) الإبانة في اللغة العربية، ج 3، باب الفاء، ص 642.
(4) المصباح المنير، مادة: فتى.
(5) الفتاوى الإسلاميَّة عن دار الإفتاء المصرية، المقدمة. (1/30)
صفحة 28
الفتاوى الاجتماعية وأثرها في تنمية المجتمع
31
هي بيان الحكم الشرعي وفق ما تقتضيه الأحكام الشرعية الدائرة على الوجوب والتحريم والندب والكراهية والإباحة المأخوذة من الأدلة
الإجمالية والتفصيلية.
الفتوى مهمة الأنبياء وورثتهم
كانت الفتوى من مهمَّة الأنبياء والرُّسل الكرام ـ عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام،، فقد كانوا يفتون أقوامهم، بأن يبينوا لهم الأحكام الشرعية ابتداء منهم، أو جوابًا لِمَنْ سألهم، ونظرًا إلى كون الإسلام خاتمة الرسالات الرَّبَّانيَّة، وشريعته خاتمة الشرائع، ونظرًا إلى عموم الرسالة الإسلامية؛ فقد كانت الفتوى أكثر حضورًا بين النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام ـ رضي الله عنهم وأرضاهم، حيث ذكر الله تعالى ذلك في عدد من آيات القرآن الكريم آمرا نبيَّه الله أَنْ يُجيب عن أ أسئلة الشائلين والمستفتيين بقوله عزّ من قائل: (يسألونك ... قل)، وهذه الصيغة جاءت في خمس عشرة آية، وبقوله عن: (يسألك ... )، فقد جاءت في آيتين؛ إحداهما: حكاية السؤال فيها عن اليهود، والثانية حكاية السؤال فيها عن النَّاس، فأمر الله نبيَّه أَنْ يُجيب النَّاس بقوله: (قل)، أما اليهود فلم يأمره بإجابتهم؛ نظرًا لتعنتهم بالسؤال، حاكيا الله عنهم ما كانوا عليه مِنْ تعنت مع نبي الله موسي الا
كما جاءت حكاية الاستفتاء في آيتين كريمتين في قوله: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ} [النساء: 127)، وقوله: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ في الكَللَةِ} [النساء: 176]، كما جاءت صيغة الاستنباء في آية واحدة جوابًا للمشركين، وهي قوله: (وَيَسْتَنْبِتُونَكَ أَحَقُّ هُوَ قُلْ إِلى وَرَبِّي إِنَّهُ لحَقُّ} [يونس: 53]. وقد حرص الصحابة على استفتاء وسؤال نبيهم حرصا منهم على فهم الإسلام، واستيعاب أحكامه، ونقله إلى من بعدهم امتثالا. لأمر الله تعالى
منهم (1/31)
صفحة 29
32
نظرات تجديدية فقهية
لهم بقوله عزّ مِنْ قائل: فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]، وبعد النبي صلى الله عليه وسلم تصدر الصَّحابة للفتيا، لا سيّما كبار الصحابة، وعلماؤهم، وكذلك زوجاته ـ رضي الله تعالى عنهن -؛ لإقرار الله تعالى ذلك لهم بقوله: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرُ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83].
وقد اشتهر عدد من الصَّحابة بكثرة فتاواهم؛ كالخليفة الرابع علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن عمر، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، ومن زوجات
النبي صلى الله عليه وسلم كانت الشهرة العلميَّة لعائشة، وحفصة، وأم سلمة ـ رضي الله عنهن ..
وبعد الصحابة وزوجات النبي صلى الله عليه وسلم تصدر علماء التابعين لهم بإحسان للفتوى؛ كجابر بن زيد والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، ومجاهد بن
جبر، وغيرهم، ثم سار على ذلك علماء الأمة الذين أولتهم الأمة ثقتها بعلمهم وفضلهم وعدلهم وأمانتهم خلفا عن سلف.
إلزامية الفتوى:
مما تقرر عند أهل العلم أنَّ فتوى المفتي غير ملزمة للمستفتي، فإذا شاء أخذ بها، وإذا لم يشأ تركها؛ وذلك لكون الفتوى هي بيان الحكم الشرعي في الواقعة التي يسأل عنها المستفتي، فهي بهذا ليس في أولها قوة الإلزام، ولذلك سمعنا عبارة «الفتوى غير ملزمة، فهي على هذا تختلف عن موسو وعة الفتاوى الإسلامية من دار
هو
الذي الإفتاء المصرية جعلتها ملزمة في الوجوه التالية:
إلزام بالحكم الشَّرعي، غير أن.
القضاء
(1) جاد الحق على جاد الحق الفتاوى الإسلامية من دار الإفتاء المصرية، المجلد الأول، ص 21. (2) سمعتها مرارا من شيخنا أحمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عمان. (1/32)
صفحة 30
الفتاوى الاجتماعية وأثرها في تنمية المجتمع
الأول: التزام المستفتي العمل بالفتوى.
الثاني: شروعه في تنفيذ الحكم الذي كشفته الفتوى.
الثالث: إذا اطمأن قلبه إلى صحة الفتوى والوثوق بها لزمته.
33
الرابع: إذا قصر جهده على الوقوف على حكم الواقعة، ولم يجد سوى مُفت واحد؛ لَزِمَه الأخذ بفتياه، أما إذا وجد مفتيًا آخر؛ فإنْ توافقت فتواهما لَزِم العمل بها، وإن اختلفا فإن استبان له الحق في إحداهما لَزِمَه العمل بها، وإن لم يتبين له الصواب، ولم يتيسر له الاستيثاق بمفت آخر؛ كان عليه أن يعمل بقول المفتي الذي تطمئن إليه نفسه في دينه وعلمه؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اسْتَفْتِ نَفْسَكَ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ.
وفي رأيي أن تقرير كون الفتوى غير ملزمة؛ هذا كان في الزمان السابق، حيث لم يتم تعيين المفتين مِنْ قِبل ولي الأمر (الحاكم)، وإنما كان الناس يلجؤون إلى من اشتهر بينهم بعلمه وفضله، وكان ثقة عدلا، فيستفتونه فيفتيهم، فهناك كانت الفتوى غير ملزمة؛ لأنَّها مجرد بيان الحكم الشرعي في واقعة ما، أما إذا تمَّ تعيين المفتي مِنْ قِبل ولي الأمر (الحاكم) كما الحال هو في العصر الحاضر؛ فإنَّ فتوى المفتي تكون هنا ملزمة؛ لأنَّ أمر الحاكم بذلك يُعطيها قوة الإلزام، لا سيما وقد أصبح لأمكنة إصدار الفتاوى دور وهيئات لها كياناتها القانونية، وشخصيَّاتها الاعتبارية وتشتمل تلك الهيئات على عدد من الباحثين والموظفين الذين يسهلون إصدار الفتاوى.
ومن المعلوم أ أنَّه حتى القضاء يكون غير ملزم إذا تحاكم إليه الخصمان، ولم يعيَّن من قبل الحاكم، وإنما يتراضى به النَّاس فقط، فإن حكم ذلك القاضي غير ملزم للخصمين إذا لم يرضيا حكمه، أو إذا لم يرض به أحدهما؛
(1)
مرجع سابق، ص 22. (1/33)
صفحة 31
34
نظرات تجديدية فقهية
ففيه خلاف، ولكن إذا عيَّنه الحاكم فهناك يصبح حكمه ملزما لكلا الخصمين، ويكون حكمه رافعا للخلاف.
وقد جاء في شرح النيل وليس فيه - أيُّ حكم مَنْ حكمه الخصمان ـ نفوذ، يعني ليس فيه إيصال صاحب الحق إلى حقه بالفعل، بل باللسان فقط، وقد يكون فيه النفوذ بخلاف القضاء، فإنَّ القضاء حكم مَنْ نصبه الإمام أو السلطان أو الجماعة، لا مَنْ حكمه الخصمان، وفيه نفوذ بالفعل إلا لعارض»)، كما جاء في منهج الطالبين والحكم لا يكون إِلَّا مِنْ إمام عادل، أو وال، أو قاض جعله الإمام للحكم بين الناس، أو أقامه جماعة المسلمين للحكم بين الناس عند عدم الإمام، أو رجل رضي به الخصمان أن يحكم بينهما، فحكم بالحق، فهؤلاء جائز حكمهم، ماض على مَنْ حكموا عليه مِنْ قليل أو كثير، ولهم جبر الخصوم على حكمهم، إِلَّا الذي ليس بإمام، ولا وال، ولا قاض، ورضي به الخصمان؛ فلا عليه جبرهم على حكمه، ولا على الخصمين ذلك» (2).
وفي رأيي أنَّ الفتوى والقضاء، رديفان فكلاهما يستمدان قوتهما الإلزامية من ولي الأمر (الحاكم)، بمعنى أنَّهما جزء مِنْ نظام الحكم، على أنَّ المفتي الذي تكون فتواه ملزمة؛ هو ذلك المفتي الذي يعينه الحاكم مفتيًا، أمَّا مَنْ يُنصب نفسه مفتيا؛ فهو الذي تكون فتواه غير ملزمة، كما أن الشخص الذي تلزمه الفتوى هو ذلك المستفتي لا غيره على أنَّ هناك مِنَ العلماء السابقين مَنْ قال ـ كأبي سعيد الكدمي -: «إنَّ العالم المشهور بعمله وفضله في مصره وعصره تلزم فتواه عامَّة النَّاس» (3)، وفي رأيي أنَّ ذلك يعني مِنْ باب الالتزام، وليس الإلزام.
1.
(1) اطفيش، محمد بن يوسف، ج 13، ص. (2) الشقصي، خميس بن سعيد، ج 9، ص 27.
(3) الكندي، محمد بن إبراهيم بيان الشرع، ج 1، ص 98. (1/34)
صفحة 32
الفتاوى الاجتماعية وأثرها في تنمية المجتمع
35
الفتاوى الاجتماعية
اطلعت على عددٍ من كتب الفتاوى والجوابات، فلم أجد سوى ثلاثة منها
عُنُونَت لفتاوى سمتها اجتماعية، والكتب هي:
الفتاوى للشيخ الإمام محمود شلتوت.
فتاوى البكري للشيخ العلامة بكلي عبد الرحمن بن.
فتاوى معاصرة للشيخ الدكتور يوسف القرضاوي.
والظاهر أن العلماء الآخرين لم يخصصوا فتاوى معينة، ويجعلوها تحت عنوان «فتاوى اجتماعية»، وها أنا ذا أورد تلك الفتاوى مِنَ الكتب الثلاثة الآنفة
الذكر.
حسب
تقدم أزمنة أصحابها.
أولًا: مِنْ كتاب فتاوى الشيخ شلتوت، فقد أورد الشيخ شلتوت عددًا مِنْ
فتاواه، وجعلها تحت عنوان «اجتماعيَّات»، وهي:
الوصول إلى القمر.
الرؤى والأحلام.
الإسلام والشيوعية.
- الدين نظرية التطور.
- التقاليد والتَّطور.
الغناء والموسيقى.
القتل والانتحار.
ثانيا: من كتاب فتاوى البكري، وقد أورد بكلي عددًا من فتاواه، وجعلها
تحت عنوان «الاجتماعيات»، وهي: (1/35)
صفحة 33
36
الجهاد في الإسلام. - ما سبب التخلف؟
- جريمة الانتحار.
الهيأة والزي في نظر الإسلام.
- لقطة الدراهم.
الكتابة على القبور.
الرؤيا والحلم.
- الرقيا المشروعة.
الوشم والتوبة منه.
الدخان والمخدرات.
- حلق اللحية.
- لقطة الحرم.
التبرع بالدم على المرضى.
ترقيع الجسم وتلقيح العين.
وضع الزهور على القبور.
طريقة جديدة في الاستنطاق.
التلفزيون واقتناؤه.
نبش القبور لتوسيع مسجد.
نظرات تجديدية فقهية (1/36)
صفحة 34
الفتاوى الاجتماعية وأثرها في تنمية المجتمع
استبدال مصلى.
ضياع مجد المسلمين.
التصوير: جائزه وممنوعه.
- وظيفة التوثيق.
- التضحية بالنفس.
37
ثالثًا: من كتاب فتاوى معاصرة للشيخ القرضاوي، أورد الشيخ القرضاوي في فتاواه عددًا مِنَ الفتاوى تحت عنوان «في العلاقات الاجتماعية»، وهي:
الإسلام والتجارة.
فوائد البنوك.
العمل في البنوك.
هل يتحقق الرّبا في الأوراق النقدية؟
محنة الفرد المسلم في مجتمع لا يحكمه الإسلام.
الرشوة لاستنقاذ سجين مذنب.
الكذب مجانب للإيمان.
الكذب الأبيض.
كذبة أول نيسان (أبريل).
تحريم الخمر في قطعيات الدين.
شرب البيرة. (1/37)
صفحة 35
38
هل للخمر منافع؟ وما هي؟
أحكام التدخين في ضوء النُّصوص والقواعد الشرعيَّة.
تشميت العاطس: حكمه وحكمته.
عناية الإسلام بالصحة العامة والطب.
- سماع الأغاني.
- مشاهدة التلفزيون.
اقتناء التماثيل.
- التصوير الشمسي.
الدين والحريَّة.
تمني الموت.
البكاء على الميت.
الاشتراك في الجمعيات الماسونية.
الأعداء. التعامل مع
قتيل المعركة وتكفير الذنوب.
موقف المسلم عند الشدائد والأزمات.
اليهود ودم المسيح.
الدين والصعود إلى القمر.
- التوبة من الكبائر.
نظرات تجديدية فقهية (1/38)
صفحة 36
الفتاوى الاجتماعية وأثرها في تنمية المجتمع
جواز نبش المقبرة القديمة لمصلحة.
- حقيقة الصوفية.
التصوف بين مادحيه وقادحيه.
39
وهكذا عرفنا فيما مرَّ عدد الفتاوى الاجتماعية، وتعدد موضوعاتها، فهي متعدّدة الموضوعات في الكتب الثلاثة، ومختلفة السياقات؛ لذلك فإنَّ، الوقوف حولها يستلزم طول المقال، ويورث سآمة الحال في بحث لمؤتمر، على أنني لا أخفي القارئ قولا: بأنني لا أعرف الضابط الذي اعتمد عليه أولئك العلماء الثلاثة في جعلهم المسائل التي مر ذكرها فتاوى اجتماعية، علما بأن العنوان الاجتماعي يشمل مسائل أكثر بكثير من الفتاوى التي ذُكرت، وعلى أي حال فقد رأيتُ الاكتفاء باختيار فتاوى البكري للوقوف حولها لاستجلاء أثرها التنموي في المجتمع، على أنَّ هذا الاختيار هو للأسباب التالية:
أولا: فتاوى البكري لم تأخذ حظها من الشهرة كفتاوى الشيخ شلتوت، وفتاوى الشيخ القرضاوي.
ثانيا: الشيخ بكلي عبد الرحمن بن عمر من علماء المذهب الإباضي، وهو المذهب الذي ينتمي إليه الباحث؛ الأمر الذي يسهل على الباحث فهم ما جاء هذه الفتاوى من أعراف ومصطلحات.
في
هذا
ثالثًا: في رأيي أنَّه مِنَ المناسب أن يكون الرأي الإباضي موجودًا في المؤتمر المبارك بجانب آراء المذاهب الإسلامية الأخرى؛ ليكون ذلك مِنْ قبيل التكامل المذهبي، علما بأنَّ هذه المذاهب متفق بعضها مع بعض، ولا يوجد بينها خلاف إِلَّا في النادر اليسير، مما يعتبر مرونة وتوسعا، وذلك مِنْ مميزات الشريعة الإسلامية الغراء وإيجابياتها. (1/39)
صفحة 37
نظرات تجديدية فقهية
الشَّيخ بكلي وكتابة الفتاوى:
درس
أرى من المناسب إيراد نبذة مختصرة عن الشَّيخ بكلي وفتاواه، فهو عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي البكري ينتهي نسبه إلى الخليفة الأوّل أبي بكر الصديق لا، ولد بمدينة العطف بوادي ميزاب مِنَ القُطر الجزائري سنة (1319 هـ)، الموافق (1901 م)، وتوفي سنة (1406 هـ)، الموافق (1986 م). في بلدة العطف القرآن ومبادئ الدين، ثم درس علوم الشريعة وعلوم العربية بمعهد العطف على عمه الشيخ عمر بن حمو بكلّي، والشيخ يوسف بن بكر حمو، انتقل إلى الجزائر العاصمة للاستزادة مِنَ اللُّغة الفرنسية والعلوم الأخرى، انتقل إلى تونس ليلتحق بالبعثة الميزابية؛ ليدرس في جامع الزيتونة على الشيخ محمد الطَّاهر بن عاشور، والشيخ الطَّيِّب سيالة، والشيخ الزعفراني، والشيخ محمد القاضي، والشيخ الصَّادق النيفر، كما التحق في تونس بالمدرسة الخلدونية؛ ليأخذ منها العلوم العصرية على الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب، والأستاذ عثمان الكعاك، والأستاذ العبيدي.
بعد عودته إلى الجزائر التحق بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان عضوا في لجنة صياغة قانونها الأساسي اشتغل بالتجارة في فترة من مراحل حياته، انتقل إلى مدينة بريَّان بوادي ميزاب بالجزائر، وأسس حركة علمية متفرغا للعلم والتعليم والوعظ والإرشاد، حقق كتاب (النيل) للشيخ عبد العزيز الثميني، وكتاب (قواعد الإسلام) للشيخ أبي طاهر الجيطالي، له عدد مِنَ المؤلفات، ومنها كتابه (الفتاوى))، وكتاب فتاوى البكري هو كتاب يقع في جزأين، طبع الأول منهما الطبعة الأولى سنة (1402 هـ ـ 1982 م)، كما طبع الجزء
الثاني سنة (1403 هـ - (1983 م) بالمطبعة العربية بولاية غرداية بالجزائر.
(1) معجم أعلام الإباضية، الجزء الثالث جمعية التراث ولاية غرداية، الجزائر، ص 521. (1/40)
صفحة 38
الفتاوى الاجتماعية وأثرها في تنمية المجتمع
41
وقال صاحب الفتاوى في مقدمة الجزء الأول من الكتاب: «فإليك أيها القارئ الكريم مجموعة فتاوى في العقيدة والعبادات، والمعاملات، بما فيها الأحوال الشخصيَّة، وبعض مسائل أوجبها تطور العصر، وعمت بها البلوى ... إلى آخر مِنْ علميَّة وأخلاقيَّة واجتماعيَّة وتاريخيَّة، وَرَدَتْ عليَّ أسئلتها في ظروف متفاوتة، فرأيتُ مِنَ الواجب الدِّيني أَنْ أُجيب عنها بما أراني الله ممَّا جرت به الفتوى عندنا بميزاب)، ولولا أنَّ الله حرم كتمان العلم، وأوجب على مَنْ علم منه شيئًا أَنْ يبلغه وينشره، وإلا ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة، التبيّننَهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187]، و «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً»، لولا ذلك؛ ما أقدمت على اقتحام هذا المسلك الوعر، ولا تعشفت مجاهله الصعبة وأهواله» (2).
كما جاء في مقدمة الجزء الثاني: «فإنَّ مِنْ نعمة الله عليَّ أَنْ وفقني لإخراج الجزء الأول من فتاوى البكري على شكل أنيق، يسر الناظر، ويبهج الخاطر، وتلقته جمهرة القراء باشتياق وارتياح، فالحمد لله على ما أولى وأنعم، وشكرا له على توفيقه وتسديده، وللمطبعة العربية كلُّ الثَّناء على عنايتها وإتقانها، شجعني ذلك ودفع إليَّ المبادرة بتجهيز الجزء الثاني وتقديمه للطبع؛ رجاء أن ينال من الإقبال ما ناله الأول وأكثر، ولا سهل إلا ما جعله الله سهلا، وقد كان. في العزم أول الأمر أن أنشر الفتاوى بأكملها في جزء واحد ضخم، فعدلت إلى تجزئته جزأين؛ رعاية لمزاج العصر، وتسهيلا على القراء؛ الأمر الذي اقتضاني إرجاء قسم المعاملات والأحوال الشخصية إلا قليلا إلى الجزء الثاني الذي
يشغل منه حيّزًا كبيرًا» (3).
(1) إقليم بالجزائر.
(2) فتاوى البكري، ج 1، المقدمة.
(3) مقدمة الجزء الثاني. (1/41)
صفحة 39
42
نظرات تجديدية فقهية
وقد بين المؤلف في مقدِّمَتَي الجزء الأول والجزء الثاني لكتابه منهجه في فتاواه؛ بأنه يمزج بين الإجابة عن السُّؤال والدعوة إلى التمسك بالدين؛ أي: أنَّ فتاواه تجمع بين تبيين الحكم الشرعي ووعظ النَّاس؛ إذ يقول: «لذلك لا تجدني أقتصر في الإجابة على بيان الشرعي، لكنني لا آلو جهدا في توجيه المستفتي للتي هي أقوم، ودعوته للتمسك بالدين وتحذيره من مغبة الانحراف عن سواء السبيل؛ نُصحا الله ولرسوله، وحرصًا على هداية الصَّال، وإرشاد المسترشد». كما ذكر بأنه يراعي السَّائل، ويساير المستفتين على اختلاف مستوياتهم مستعملا البساطة والإيجاز حينا، والتفصيل والبيان حينا آخر.
وعلى العموم فإنَّني نقلتُ الفتاوى الاجتماعيَّة مِنَ الجزء الثاني الذي عَنْوَن فيه لمجموعة من الفتاوى بالفتاوى الاجتماعيَّة، وإزاء ذلك أجد من المناسب إعادة
إيراد الفتاوى الاجتماعية من فتاوى البكري متسلسلة، وهذه هي:
1 ـ الجهاد في الإسلام.
2 ـ ما
التخلف؟ سبب
3 ـ جريمة الانتحار.
_ {
- الهيأة والزِّي في الإسلام.
ه - لقطة الدراهم.
6 ـ الكتابة على القبور.
7 ـ الرؤيا والحلم.
- الرقيا المشروعة.
9 ـ الوشم والتوبة منه. 10 ـ الدخان والمخدرات.
(1) مقدمة الجزء الأول. (1/42)
صفحة 40
الفتاوى الاجتماعية وأثرها في تنمية المجتمع
11 ـ حلق اللحية.
12 - لقطة الحرم.
13 - التبرع بالدم على المرضى. 14 ـ ترقيع الجسم وتلقيح العين. 15 ـ وضع الزهور على القبور. 16 ـ طريقة جديدة في الاستنطاق.
17 - التلفزيون واقتناؤه.
18 ـ نبش القبور لتوسيع مسجد. 19 ـ استبدال مصلى.
20 ـ ضياع مجد المسلمين.
21 ـ التصوير: جائزه وممنوعه.
22 - وظيفة التوثيق.
23 ـ التضحية بالنفس.
أثرها في تنمية المجتمع
43
وهنا نقف عند كل فتوى من هذه الفتاوى التي جعلها صاحبها فتاوى اجتماعية؛ لنتبيَّن أثرها التنموي في المجتمع، وهي كما يلي:
الفتوى الأولى تناقش قضيَّة الجهاد المشروع في الإسلام، وقد وشع المفتي من مفهوم الجهاد؛ حيث اعتبر كل أعمال الخير والبر التي تحقق المصلحة للناس داخلة في مفهوم الجهاد، بمعنى: أن الجهاد لم يكن قاصرًا على الحرب المشروعة فقط، والأثر التنموي: لهذه الفتوى هو توجه المسلم إلى أفعال الخير في المجتمع. (1/43)
صفحة 41
44
نظرات تجديدية فقهية
الفتوى الثانية: تتحدث عن أسباب التخلف في المجتمع، ويقول
المفتي: إن التخلف. سبب
هو عدم التمسك بالدين، فهو يحبُّ مِنْ خلالها
على التمسك بالدين، وأثرها التنموي: واضح في جعل التمسك بالدين سببًا
للرقي الاجتماعي.
الفتوى
الثالثة: ناقشت قضيَّة الانتحار، وقد اعتبرتها جريمة محرمة في
الإسلام، لا تجوز شرعًا بأي حال، وقالت: إنَّ الانتحار عادة خبيثة تسربت إلى المسلمين من المشركين، والفتوى تحذر من الانتحار، وتجعله جريمة كبيرة في حق صاحبها، ومن هنا نعرف الأثر التنموي لهذه الفتوى: وهو بقاء الإنسان حيا عاقلا في المجتمع.
الفتوى الرابعة: أجابت عن موضوع اللباس، وبأن الإسلام لا يلزم المسلمين بنوع خاص مِنَ اللباس طالما أنَّه لباس ساتر، ومن غير الحرير والذهب، وتتحقق به الحشمة، ولكنها لا تميل إلى ترك المسلم زي أهله ولباسهم حفاظا على الهوية الإسلامية، والأثر التنموي لهذه الفتوى: يتجلى في الاعتزاز بالهوية الوطنيَّة الإسلامية، ودعم المنتج الوطني.
الفتوى الخامسة: ناقشت لقطة الدراهم، ففرقت بين أن تكون مظروفة وغير مظروفة، وجعلت التعريف باللقطة المظروفة، أما غير المظروفة فلا يُشترط التعريف؛ نقلًا عن الفقهاء، على أنَّ الفتوى اعتبرت أنّه مِن الممكن التعريف بالنقود غير المظروفة إذا جاء صاحبها بما يدلُّ عليها؛ كنوع النقود وعددها، والأثر التنموي لها: هو. حفظ حقوق الناس؛ لئلا تضيع.
الفتوى السادسة: أجابت عن الكتابة على القبور جوازا وعدمًا، وخلصت بعد أن ذكرت أقوال المذاهب الفقهية حول ذلك؛ إلى أن المنع أحوط، إلا إذا كان الميت عالمًا، أو شهيدا، أو زعيما، لا سيما إذا كان ذلك عُرفًا للبلاد، (1/44)
صفحة 42
الفتاوى الاجتماعية وأثرها في تنمية المجتمع
والأثر التنموي هنا: يتجلى في الاقتداء بالعلماء والشهداء والصالحين إذا
عرفت قبورهم.
الفتوى السابعة: ناقشت الرُّؤيا والحلم، وإمكانية التقاء أرواح الأحياء والأموات، وخلصت إلى أنَّ الرُّؤى مِنْ عالم الغيب، ولا يستطيع الإنسان أن يحكم فيها بالجزم، وإنّما يَكل علمها إلى الله تعالى، وأثرها التنموي: يظهر في عدم اشتغال الناس بالغيبيات التي تصدهم عن واقع الحياة.
الفتوى الثامنة: أجابت عن الرُّقية المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم، التي استعملها العلماء بعده، وخَلُصت إلى القول بأنها لا تُمنَع، إلَّا إذا كان فيها شرك، أو ما يدور في معناه؛ مخافة أن يكون شركا، وأولى أن تكون من المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، والأثر التنموي هنا: هو الحد من استعمال الرقى إِلَّا مِنَ العلماء، وبالمأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لئلا يتهاون الناس بالمرض، ويتركوا الذهاب إلى الأطباء، ولئلا يلهثوا وراء المشعوذين والدجالين.
الفتوى التاسعة: ناقشت الوشم، وتوصلت إلى أنه حرام؛ لأنه تغيير خلق الله، ولأنه تصعب أو تتعذر إزالته، والأثر التنموي لها: هو عدم إضاعة الوقت في إحداث الوشم، وقد يُسبب ضررًا جسميًا للواشم تحدُّ مِنْ قُدرته على الحركة في الحياة والإنتاج.
الفتوى العاشرة ناقشت شرب الدخان وتعاطي الحشيشة، فتوصلت إلى تحريم شرب الدخان لما له مِنْ أضرار صحيَّة، وإلى تحريم تعاطي الحشيشة بجميع أنواعها، إلا إذا اتخذ القليل للتداوي، ولم يتعين هنالك دواء غيرها، والأثر التنموي لها: يتجلى في الحفاظ على الصحة، وعدم هدر الأموال في شراء الدخان والحشيشة.
الفتوى الحادية عشرة: أجابت عن حلق اللحية هل يجوز أم لا؟ فأجابت
بالتحريم، ولم يتبين لي الأثر التنموي لهذه الفتوى.
20
45 (1/45)
صفحة 43
46
نظرات تجديدية فقهية
مشدد
الفتوى الثانية عشرة: ناقشت موضوع لقطة الحرم عندما ترفضها الشرطة، فأجابت أنَّ على لاقطها الاحتفاظ بها حتى يدفعها إلى المصلحة الخاصة باللقط والأمانات للجهة التي التقطت منها؛ لأن لقطة الحرم لها حكم فيه، وهي تختلف عن غيرها مِنَ اللُّقط، والأثر التنموي لهذه الفتوى: هو توجيه المسلم إلى السُّلوك الحسن في الحرم، لا سيما وأنَّه جاء حاجا أو معتمرا، كما أن فيها التشديد على حفظ الأمانة، وحفظ الأمانة أمره عظيم عند الله، وعند الناس، وهذا يقوّي العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين المسلمين، لا سيما
عندما يكونون في الحَرَم، وهو المكان المقدس لدى المسلمين.
الفتوى
الثالثة. عشرة ناقشت جواز التبرع بالدم، فقررت الجواز إذا لم يُسبب ذلك للمتبرع ضررًا، بل وأوجبت إنقاذ المشرف على الهلاك مضمنة الممتنع الدية إذا توفي المحتاج، والأثر التنموي لها واضح: وهو إنقاذ إنسان من الهلاك إلى الحياة؛ ليبقى عضوا حيا فاعلا في المجتمع.
الفتوى الرابعة عشرة: أجابت بما يلي:
1 ـ يجوز ترقيع جسم الإنسان بعضه ببعضه بقطعه لحم من لحمه، أو عظم
من عظامه.
2 ـ لا يجوز استبدال عضو غيره بعضوه.
3 ـ يجوز نقل عضو ميت إلى حي.
الأثر التنموي لهذه الفتوى: مساعدة الآخرين على البقاء في الحياة؛ ليبقوا أعضاء فاعلين في المجتمع.
الفتوى الخامسة عشرة ناقشت وضع الزهور على القبور، وكذلك وقفة دقيقة صمت وقراءة الفاتحة، فأجابت بعدم الجواز، وقالت: إنَّ هذا مِنْ تقليد (1/46)
صفحة 44
الفتاوى الاجتماعية وأثرها في تنمية المجتمع
47
غير المسلمين، والقول بالمنع من باب حرص المسلمين على استقلالهم العقائدي، والمحافظة على شخصيَّتهم، والأثر التنموي لها: يتمثل في اعتزاز المسلمين بهوياتهم واستقلالهم عن التبعية للغير.
الفتوى السادسة عشرة ناقشت استنطاق المتّهم بالوسائل المحرمة كالمواد المسكرة والمخدّرة، فكان الجواب لا يجوز ذلك، والأثر التنموي لها: هو احترام حقوق الإنسان وعدم انتهاكها.
الفتوى السابعة عشرة: أجابت عن جواز اقتناء التلفزيون شرعيا واجتماعيا، وقالت: إنَّ التلفزيون والإذاعة شأنها شأن القوس والسَّيف، فكما أنهما يصلحان للنفع والضُّر، فكذلك التلفزيون والإذاعة يصلحان للنفع والضُّر، فلا غنى عنها، والأثر التنموي لها: أخذ النافع المفيد من وسائل الإعلام؛ لأنَّها مِنْ أسباب نشر العلم والثَّقافة، والاطلاع على أخبار العالم وتطوراته.
الفتوى الثامنة عشرة: أجابت عن موضوع قد حدث، وهو توسيع مسجد على أرض مقبرة، وأنكر النَّاس ذلك بعد أن قام الشخص بنبش القبور، ونقلها إلى مكان آخر وبني المسجد؛ فقال المفتي: إنَّه لو سُئِل قبل وقوع الأمر لأفتى بالمنع، ولكن بما أنَّ الأمر قد حدث، والمسجد قد بني؛ فإنَّه يرى الجواز؛ عملا بقول مَنْ قال: بجواز الصَّلاة على المقبرة المستأصلة، والأثر التنموي لها: يتمثل في عدم إثارة الفرقة والاختلاف؛ لكي يظل المصلون صفا واحدا، وحتى لا يتفرقوا، فتكون بينهم العداوة والبغضاء.
الفتوى مسجد في مكان آخر بثمنه، فأجابت بالجواز؛ استنادًا إلى تجويز الإمام أحمد بن حنبل استبدال مسجد بمسجد آخر للمصلحة، ولعمل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في إبداله مسجد الكوفة القديم مسجدا آخر، حيث صار
التاسعة. عشرة ناقشت جواز بيع مصلى تتعذر فيه الصَّلاة، وبناء (1/47)
صفحة 45
48
نظرات تجديدية فقهية
الأول سوقا، والأثر التنموي: يتجلّى في تحقيق مقصد الواقف، وجعل المكان الأفضل لجماعة المصلين؛ ليحصل اجتماعهم، وتتحقق راحتهم.
الفتوى العشرون: أجابت عن سؤال يقول: «إنَّ إعطاء المسلمين الأهمية للعبادات دون سواها من أقسام الشريعة هو الذي حط من مجدهم»، فكان الجواب: إنَّ الذي حطّ مِنْ مجد المسلمين هو عدم اهتمامهم بالعبادات، وعدم أخذهم بأسباب القوَّة، والأثر التنموي لها هو حث المسلمين على التمسك بدينهم، والأخذ بأسباب القوَّة؛ لكي يكون المجتمع المسلم قويًا.
الفتوى الحادية والعشرون: ناقشت حكم التصوير، وكسب المصور، فأجازت لعب الأطفال مِنَ التَّماثيل، كما أجازت تصوير ماله روح، ولا ظل، وقد أجازت التصوير الفوتغرافي؛؛ لأنه تتوقف عليه مصالح العباد، أما كسب المصور فحكمه حكم التصوير حلالا وحرمة، والأثر التنموي هنا: في كسب الرزق الحلال مِنَ العمل الحلال والابتعاد عما نهى عنه الإسلام
فعلا وكسبا. الفتوى الثانية والعشرون: أجابت بجواز وظيفة التّوثيق المقرونة بالإخلاص والنزاهة والتزام العدل، والأثر التنموي هنا يتمثل في القيام بمصالح العباد؛ حتى لا تتعطل.
الفتوى الثالثة والعشرون ناقشت التضحية بالنفس في سبيل إنقاذ آخرين؛ كأن تُرمى قنبلة على مجموعة مِنَ النَّاس ويرتمي أحدهم، ويلقي بها بعيدا؛ ليبعد خطرها عنهم، فأجابت بجواز ذلك، وليس هذا من باب الإلقاء إلى التهلكة، وذلك العمل شبيه بعمل الجنود في ميدان القتال، والأثر التنموي
لهذه الفتوى: هو إنقاذ عدد كبير مِنَ النَّاس من إبادتهم بعملية التفجير.
وم نهم دهم (1/48)
صفحة 46
الفتاوى الاجتماعية وأثرها في تنمية المجتمع
الخاتمة
49
الفتوى لها مكانة كبيرة عند الله، وعند الناس، فهي تبين الحكم الشرعي للنَّاس بصفة عامة، وللمستفتي بصفة خاصة، وهي مأخوذة مِنْ فُتوَّة الشباب؛ أي: أنَّها قوَّة شرعيَّة، ولعلها أخذت تلك القوَّة من كونها مهمة الأنبياء ـ عليهم الصَّلاة والسَّلام، وورثتهم العلماء من لدن الصحابة الكرام، وإلى يومنا هذا، وإلى أَنْ يَرِث الله الأرض ومَنْ عليها، وهي رديفة القضاء؛ حيث إنَّه ملزم للحكم على الناس؛ بَيْدَ أنَّ الفتوى والقضاء متعلقان بالحاكم في استمداد قوتهما الإلزامية منه، فكما أنَّ حكم القاضي الذي يتراضى به الناس ـ ولم يتم تعيينه مِنَ الحاكم - غير ملزم للخصمين، فكذلك المفتي الذي يُنصب نفسه مفتيًا، ولم يتم تعيينه مِنْ قِبل ولي الأمر (الحاكم)؛ فإنَّ فتواه غير ملزمة للمستفتي، أما إذا تم تعيينه من قبل الحاكم؛ فإن فتواه تُصبح ملزمة للمستفتي، هذا الذي رأيته خلافًا لما كان عليه القول عند السابقين من كون الفتوى غير ملزمة للمستفتي؛ نظرًا لتغير العصر، وتطور شكل الدولة، حيث أصبح الإفتاء جزءا من هيكلة الدولة، متمثلا في دور الإفتاء وهيئاته، لذا فإنَّ القول بإلزاميَّة الفتوى مِنَ المفتي الرسمي للمستفتي هو المناسب لحال العصر وواقعه، ولكن يا ترى هل هناك فتاوى معينة يمكن تصنيفها على أنها فتاوى اجتماعية؟ (1/49)
صفحة 47
50
هذا
هو
نظرات تجديدية فقهية
عنوان البحث الذي أُرِيدَ مني أن أكتب فيه، وبعد
عدد من كتب الفتاوى؛ وجدتُ ثلاثة علماء، وهم:
1 - الشيخ الإمام محمود شلتوت.
2 - الشيخ العلامة بكلى عبد الرحمن بن عمر.
ـ الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي.
اطلاعي على
عَنْوَنُوا لبعض فتاواهم بأنَّها اجتماعية، ولم يتبيَّن لي ما الضابط الذي اعتمده أو اعتمدوا عليه في هذا التصنيف، فالجوانب الاجتماعية في فتاواهم أكثر ظهورًا في مسائل كثيرة، هي أكثر بكثير مما صنفوها اجتماعية.
وعلى كل حال فعندما رأيتُ الموضوع يطول فيه المقال إذ أنا تتبعتها من كتب الفتاوى الثلاثة؛ لاستجلاء الأثر التنموي لها في المجتمع؛ اخترت واحدًا منها هو فتاوى البكري للشيخ بكلي عبد الرحمن بن عمر البكري للأسباب التي ذكرتها في ثنايا البحث ووقفتُ عند كل فتوى من الفتاوى الثلاث والعشرين التي جعلها فتاوى اجتماعية، واستجليتُ الأثر التنموي لها في المجتمع حسب ما وصل إليه فهمي، وانقدح في ذهني، فعسى أن أكون قد وفقت، {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ} [هود: 88].
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أَنِ الحمد لله رب العالمين. (1/50)
صفحة 48
الدِّيةُ وقتلُ النَّفس
من منظور فقهي (1/51)
صفحة 49
الدية وقتل النفس من منظور فقهي
الإنسان: المخلوق الجميل
?
53
فلقد
کرم
الله تعالى الإنسان، ورفع منزلته، وأعلى شأنه، باعتباره قطب هذا الوجود، ومحور الكون الذي تدور عليه رحاه، وهو خليفة الله في هذه الأرض؛ لأنه نيطت به عمارتها؛ يقول الله ول: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْتَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا) [الإسراء: 70]، والتكريم: جعل الشيء ذا شيء كريم؛ أي: شيء مستحسن)، ويتجلي هذا التكريم في مظاهر عديدة؛ منها:
الاستخلاف في الأرض: لقول الله: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتَبِكَةِ إِنِّي
جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةُ) [البقرة: 30].
- حسن الصورة: فالله صوّر الإنسان في أحسن صورة، قال الله تعالى: وَصَوَرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ) (غافر 64].
اعتدال القامة: يقول الله: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمِ} [التين: 4]، وقال:
الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّنَكَ فَعَدَ لَكَ فِي أَي صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَبَكَ} [الانفطار: 7 - 8].
حسن الخلقة: يقول الله في معرض مراحل خلق الإنسان من بداية التكون، وحتى اكتمال الخلقه: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةً في قَرَارٍ مَّكِينِ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ
اللهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ} [المؤمنون: 12 - 14].
(1) اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير ط وزارة التراث والثقافة، ج 7، ص 249. (1/53)
صفحة 50
54
نظرات تجديدية فقهية
التَّميُّز بالعقل: ولذلك وبخ الله الذين لا يستعملون عقولهم، ونعى عليهم عدم استعمالهم لها في الإيمان بالله، وتصديق الرُّسل، وفهم هذا الكون وأسراره، حيث جاء ذلك في القرآن الكريم في تسع وأربعين آية.
الفهم: لقد ميز الله الإنسان بالفهم والتَّدبر؛ لكي يفهم الأمور على حقيقتها، يقول الله تعالى مادحًا نبيَّه سليمان: فَفَهَمْنَهَا سُلَيْمَنَ وَكُلًّا آنَيْنَا
حكْمَا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79].
حسن المنطق وذلك بالكلام.
القراءة والكتابة: وهما من أهم وسائل الحضارة والتقدم والرُّقي، فأوَّلُ ما أوحى الله إلى نبيه الأمر بالقراءة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1]، وقال: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَنظُرُونَ) [القلم: 1).
الاغتسال وذلك من أدوات النظافة للإنسان، وهو ما يميز الإنسان عن
الحيوان.
تناول الطعام باليد: وذلك أنَّ كلَّ حيوان يتناول طعامه بفيه إلا الإنسان، القط قال الإمام ب: ويصدر هذا مِنْ هر وقردٍ إلَّا أنَّه لا فضيلة لأكلهما باليد؛ لأنَّهما مِنْ ذوات الأربع؛ إذ يطان الأرض بأيديهما، ويمسحان القاذورات بها». تسخير الكون: {وَسَخَّرَ لَكُمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجانية: 13]. وهناك أمور عديدة تميز الإنسان عن غيره مِنَ المخلوقات، وهي من مظاهر تكريمه على تلك المخلوقات، فسبحان مَنْ خلق وقدَّر.
وكما كرم الله الإنسان؛ فإنَّه فضله على كثير ممَّنْ خلق، والتفضيل على الكثير معناه التفضيل على الكلِّ على قول، وعلى الكل ما عدا الملائكة الكرام
(1) نفس المصدر. (1/54)
صفحة 51
الدية وقتل النفس من منظور فقهي
55
على قول آخر، وبين هذين القولين أقوال، لا نحب الخوض فيها؛ إذ ليست هي هذا من مهام. البحث.
لذلك كان حفظ النفس البشريَّة مِنَ الضروريات الخمس التي علم بها مقصد الشريعة الإسلامية، بل إن حفظ النَّفس هو أيضا من مقاصد الشرائع السابقة، يقول الله - تبارك وتعالى -: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32]، فقد جعل الله تعالى مَنْ قتل نفسًا واحدة كمَنْ قتل النَّاس جميعًا، قال الإمام القطب: «لفتحه باب القتل وتجرئة الناس؛ حتى كان النَّاس قاموا كل يقتل الآخر، ولأنَّ قتل الواحد كقتل الجميع في جلب غضب الله ع، وانتهاك حد الله»؛ الأمر الذي يحمل تنفيرًا شديدا من الوقوع في قتل النَّفس، أمَّا مَنْ أحياها ـ أي: أحيا نفسا واحدة -؛ فكأنّما أحيا الناس جميعًا، وفيه حثّ كبيرٌ على الإعانة على الحياة، قال الإمام القطب: «وذلك لفتح باب البقاء، وترغيب الناس فيه، ومراعاة حق الله وحدوده، وفي ذلك محاماة؛ إذ قاتل غيرك كقاتلك، ومسارعة؛ إذ كان محيي غيرك كمحييك، فتحبُّ المحيي، وتعينه، وتردُّ مريد القتل وتبغضه» (2).
لذلك شرع الله القصاص إبقاء للحياة، وصونًا لنفس الإنسان وشرفها، يقول عز من قائل: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْخَرُّ بِالْخَرِ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى فَمَنْ عُفِى لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَانْبَاعُ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنِ ذَلِكَ تَخْفِيفُ مِن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ. وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَتأُولِي الْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 178 - 179]؛ وذلك لأنَّ الإنسان إذا عَلِم أنَّه إن قتل غيره قُتِلَ به قصاصا؛ كف عن القتل،
(1) المصدر السابق، ج 3، ص 79.
(2) نفس المصدر. (1/55)
صفحة 52
56
نظرات تجديدية فقهية
وعن التعديات وسائر المضرّات المفضية إلى ذهاب النَّفس، أو ما دونها مِنَ الأعضاء، والمنافع في أبناء جنسه، فتبقى نفس المقصود بالقتل والضرر حيَّةً سالمة، وكذا نفس قاصده بذلك.
وقد كانت هذه المعاني والمفاهيم معروفة عند العرب، فقد قالوا: (القتل أنفى للقتل)، وقد ناقشت ابنة امرئ القيس الكندي الشاعر الجاهلي المشهور النبي صلى الله عليه وسلم عندما جيء بها أسيرة، حيث قالت له: يا محمد مَنْ أفصح مِنْ أبي وربك، فقال لها هو بصدر رحب وقلب مفتوح كعادته صلى الله عليه وسلم، ماذا قال أبوك؟
قالت: قال:
بِسَفْكِ الدِّمَا يَا جَارَتِي تُحْقَنُ الدِّمَا وَبِالقَتْلِ تَنْجُو كُلُّ نَفْسٍ مِنَ القَتْلِ فقال لها: أفصح ربي، قالت: وما قال؟ قال لها: قال ربِّي: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَتأُولِي الْأَلْبَبِ} [البقرة: 179]، فأسلمت وأذعنت لفصاحة الكتاب العزيز (1).
الغرابة، وهو
حتى
يقول العلامة الزمخشري في تأويل هذه الآية: «كلام فصيح لما فيه مِنَ أن القصاص قتل وتفويت للحياة، وقد جعل الذي هو القصاص حياة عظيمة؛ وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكم قتل مهلهل بأخيه كُلَيْب؛ كاد يفني بكر بن وائل، وكان يقتل بالمقتول غير قاتله، فتثور الفتنة، ويقع بينهم التَّناحر، فلما جاء الإسلام بشرع القصاص؛ كانت فيه حياة إلى حياة، أو نوع من الحياة، وهي الحياة الحاصلة مِنَ ارتداع في القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل؛ لأنَّه إذا هم بالقتل، فعلم أنه يقتص منه، فارتدع منه؛ سَلِم صاحبه من القتل، وسلم هو مِنَ القَوَد، فكان القصاص سبب حياة نفسين» (2).
(1) الشيخ خلفان بن جميل السيابي، جلاء العمي، ص 211. (2) الزمخشري الكشاف ط دار الفکر بيروت، لبنان، ج 1، ص
333 (1/56)
صفحة 53
الدية وقتل النفس من منظور فقهي
57
وكما شرع الله تعالى القصاص في النفوس؛ شرع القصاص في الأعضاء حفاظا للنوع الإنساني؛ لتبقى الحياة سليمة قوية معافاة، ولتأمن البشرية على حياتها، يقول الله وجَل: {وَكَتَبْنَا عَلَيهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالْأَنفِ وَالأُذن بالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ) [المائدة: 45]، وذلك أنَّ شرع من قبلنا شرع لنا - ما لم يُنسَخ - في كتب الأصول، وقد حفلت كتب الفقه الإسلامي بالشرح والتفصيل في أحكام القصاص في النفوس والأعضاء، وهو ما يُعرف بفقه الدماء، أو
الفقه الجنائي.
، كما
هو
مقرر
على أن كل ما جاء في هذا المعنى مِنْ آيات الكتاب العزيز والأحاديث النبوية الشريفة؛ يمثل سياجًا أمنيا لحياة الإنسان، مما يدلُّ على أنَّ هذا الإنسان كريم عند الله، وله أهميَّة في هذا الوجود، ونظرا إلى هذه الكرامة وهذه الأهمية؛ فقد وصف الشَّرع الاعتداء على النفس البشرية المفضي إلى
إزهاقها بـ (القتل).
أنواع القتل:
جعل الشرع القتل ثلاثة أنواع؛ هي:
1) قتل العمد: وهو القصد إلى إتلاف نفس بآلة تقتل غالبًا، أو بشغل، أو بإصابة المقتل؛ كعصر الأنثيين ()، وشدَّة الخنق، والضغط، وإطباق بيت عليه، ومنعه مِنَ الطَّعام والشراب.
وعُرف أيضا بأنَّه خروج رمية عمدًا مِنْ يد مكلّف نافذ الأحكام، على شخص معيَّن، تتكافأ دماؤهما مِنْ كل الوجوه، لا بإباحة قتله (2).
(1) الخصيتان.
(2) شرح النيل، ج 15، ص 115، 116. (1/57)
صفحة 54
58
نظرات تجديدية فقهية
وقتل العمد له صور عديدة؛ منها:
الغيلة: وهو
أن يغتال أحد، فيُدعى على طعام، أو جماعة، أو خير، فيؤتى
به إلى مطمئن مِنَ الأماكن، وهو مغتر غافل، لا يعلم ما يراد به، وقيل الغيلة:
هي
القتل بحيلة والإتيان على الإنسان من حيث لا يتهمه.
الفتك: وهو أن يؤتى الإنسان في بيته، أو في مكانه، وهو غافل لا يرى
أنه أريد به بأس، فيقتل فجأة.
الغدر: وهو شر الوجوه.
أَنْ يُقتل الإنسان بعد إعطائه الأمان، ويُعتبر قتل الغدر
وَمَنْ يُعْطِ أَمْنَا ثُمَّ يَغْدِرُ بَعْدَهُ فَذَاكَ حَرَامُ القَتْلِ فِي كُلِّ أُمَّةِ
العقص: وهو أَنْ يُضرب الإنسان بحديد، فيموت مكانه.
تفجير البارود في موضع غير معتاد لذلك، فيحدث من ذلك قتل لشخص أو أشخاص.
تفجير الصخور بلا نداء أو تنبيه على ذلك، فيكون من ذلك قتل الأشخاص. وقتل العمد يحب فيه القصاص أو القود، إلَّا إذا تنازل وليُّ الدَّم إلى العفو بقبول الدية، أو التنازل العام، يقول الحق - جل شأنه -: {فَمَنْ عُفِى لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَالْبَاعُ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنُ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَن اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178]، قال ابن عباس ها: فمَنْ عفي له؛ أي: مِنَ القصاص إلى قبول الدية.
والتعبير القرآني بالأخوة فيه تلطَّف إلى ولي الدم، وحثّ له على التنازل عن القود؛ لأنَّ التذكير بالأخوة فيه حافز لولي الدم بالعفو عن القصاص وقبول الدية، وإذا ما عفا وقَبِل الدية؛ فعليه المطالبة بالمعروف، وعدم (1/58)
صفحة 55
الدية وقتل النفس من منظور فقهي
59
الإلحاح والتضييق، وعلى الجاني حسن الأداء، وعدم المماطلة، والتهرب مِنْ
أداء الحق. (2) شبه العمد وهو الضرب بما لا يقتل عادةً؛ كعصا، أو سوط، أو ريشة، أو ضربة خفيفة، فيموت المضروب مكانه، أو في غير مكانه. بيان صحته أن مع ضرره من تلك الضربة، وقيل: أَنْ يُضرب بيده، أو يرميه ولا يريد قتله، أو نحو
ذلك مما لا يقتل عادة.
وقيل شبه العمد أربعة
الأول: القتل بغير آلة القتل؛ كالسوط، والعصا، واللطمة، والوكزة). الثاني: يكون بآلة القتل، لكن لا يتوهم على قصد القتل.
الثَّالث: أَنْ يكون ممَّنْ أُبيح له ذلك؛ كالمعلم، والطبيب.
الرابع: أن يكون على صفة القتل، ويتقدمه بساط (كحلبة المصارعة)، يفهم
أنه لم يرد القتل كالمتصارعين.
وسمي شبه العمد مع كون ذلك الضرب عمدًا؛ لأنَّه وإن وقع عمدًا، لكنه لم يتعمد القتل ـ بحسب الظاهر، وأشبه التّعمد للقتل؛ لأنه تعمد الضرب،
وحصل الموت مترتبا عليه (2).
الخطأ: وهو توجيه ضربة أو رمية من يد شخص مكلف إلى صيد، أو
دابة، أو إنسان، فتخطئ الموجه إليه، وتُصيب غيره.
ولقتل الخطأ صور أخرى؛ منها:
أن يسقط على أحد، فيموت المسقوط عليه.
(1) الضرب بجمع اليد.
(2) نفس المصدر، ص 120. (1/59)
صفحة 56
نظرات تجديدية فقهية
- أن يركب دابة، فتصيب برجلها، أو رأسها أحدا، فيموت، وهو يعرف ذلك عن الدابَّة.
أن يرشد أحدًا إلى طريق يكون فيه هلاك المسترشد.
أن يمتنع عن سقي أو إطعام شخص، ثم يموت ذلك الشخص مِنْ جرَّاء ذلك الامتناع.
- أن يقتل شخصًا عمدا يظنُّه غيره، كما حدث في عهد الإمام عبد الملك بن حميد (208 ـ 226 هـ) عندما قُتِل رجل على فراشه في مدينة نخل، فأقر القاتل أنه قتله، ولكن أراد قتل عمه - زوج أمه ـ، وإليه قصد، فوقع في ذلك الرجل الذي قتل، وهناك عقد الإمام عبد الملك بن حميد مجلسا علميا، حضره عدد من العلماء، فاتَّفق رأيهم على ما رآه الشيخ موسى بن علي وكان يومئذ شيخ المسلمين، والمرجع في الدين ـ؛ أنَّه ليس على الجاني القود، وأنَّه يُعتبَر مِنْ قتل الخطأ، وليس العمد).
هذه
ذلك
هي أنواع القتل، تدور بين العمد وشبه العمد والخطأ، والسؤال الآن أين تصنف الوَفَيَات الناتجة مِنْ حوادث المرور، سواء كانوا مِنَ الرُّكَّاب أو مِنَ المشاة؟ أرى أن بعض أصناف الوفاة لا تدخل في هذه الأصناف الثلاثة؛. من إذا كان سائق السَّيَّارة يقود سيارته حسب السُّرعة المسموح بها، فيدخل عليه شخص أمامه في الشارع، بحيث لا يستطيع تفادي دهسه، فيدهسه، فيموت المدهوس، أو يحدث به جروح، ففي هذه الحالة لا ينبغي اعتبار هذه الوفاة مِنْ باب قتل الخطأ، وبالتالي لا ينبغي أن يحمل السائق المسؤولية؛ لأنَّ في الحالة يكون المدهوس هو المعتدي على السائق، وربَّما يقول قائل: إنَّ شركات التأمين هي التي تتحمل دفع الدية.
هذه
(1) السالمي، تحفة الأعيان، ج 1، ص 136. (1/60)
صفحة 57
الدية وقتل النفس مِنْ منظور فقهي
61
نقول: إنَّ أموال شركات التأمين هي أموال المؤمنين والمشاركين، وبالتالي لا يحلُّ أخذها إلا بحق اللهم إلَّا إذا كان قائد المركبة متجاوزا السرعة، أو أنه صدم أحدًا في منطقة خطوط العبور، وهي الخطوط البيضاء المعروفة، أو أنه تجاوز الإشارة الضوئية الحمراء، وحدث الدهس، أو أنه في حالة سكر أو تأثير مخدر، فإنَّه في هذه الحالات يحمل قائد المركبة المسؤولية، وتعتبر الوفاة أو الجروح الناتجة عن ذلك مِنْ قَبِيل قتل الخطأ، ويترتب عليه دفع الدية والكفارة.
وكذلك من كان حاملا معه ركابًا في مركبته، وهو لم يتجاوز السرعة
المسموح بها، وكانت السيارة صالحة، وليس فيها ما يدعو للتلف أو الهلاك، وحدث حادث مفاجئ؛ كتدهور للمركبة أو اصطدام بجسم قاتل، كمن يعترضه بعير أو حمار أو غير. ذلك من الدواب في الطريق، ونتج عن ذلك وفاة؛ فإنَّ في هذه الحالة لا ينبغي أن تُعتبر هذه الوفاة من باب قتل الخطأ، وبالتالي لا يمكن اعتبار السائق مسؤولاً. ذلك.
عن
نعم؛ إذا كان السائق متهوّرًا ومتجاوزا للسُّرعة المحددة، أو كان تحت تأثير سكر أو مخدّر، أو أنَّ السَّيارة بها أعطال تؤدّي إلى التلف أو الهلاك؛ فإنه في هذه الأحوال يُعتبر السائق مسؤولا عن الوفاة، وبالتالي تُعتبر مِنْ باب قتل الخطأ، وتترتب عليه الدية والكفارة.
الدية:
ذكر القرآن الكريم الدّية، ولم يحدّد مقدارها، كما جاء ذلك في قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 92]، إلَّا أنَّ السُّنة النبوية ـ على صاحبها أفضل الصلاة والسَّلام؛ هي التي بينت مقدارها بأنها مائة من الإبل، كما جاء ذلك في الحديث النبوي الشريف، الذي رواه الربيع بن حبيب مِنْ (1/61)
صفحة 58
62
نظرات تجديدية فقهية
(1)
طريق ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «الدِّيَةُ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، وقال أثناء فتح مكة ـ حرسها الله ـ في خطبته على باب الكعبة: «أَلَا فِي قَتِيلِ العَصَا وَالسَّوْطِ وَالخَطَا وَشِبْةَ العَمْدِ؛ الدِّيَةُ مُغَلَّظَةٌ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةٌ".
وكان العرب قد تواضعوا على جعل الدّية مائة مِنَ الإبل اعتمادًا على نذر عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم، عندما نذر بذبح أحد أبنائه العشرة عند الكعبة، وكانت قداح النذر تخرج على ولده عبد الله الذي كان أحب أولاده إليه، وأخذ يفديه كل مرَّة بعشرة مِنَ الإبل؛ حتى بلغت المرَّات عشرا، وبلغت الإبل المائة، حينذاك خرج القدح على الإبل، فنجا عبد الله بن عبد المطلب، ونحرت الإبل، وبعد ذلك تواضع العرب على جعل الدّية مائة مِنَ الإبل على تفاضل في أسنانها ـ كما هو معروف في الإسلام -.
وقيل: إنَّ أبا سيارة - رجل من العرب ـ؛ هو أوَّل مَنْ جعل الدِّية مائة مِنَ الإبل، وكانت الدية قبل ذلك عشرًا مِنَ الإبل.
وأوَّل مَنْ وُدِيَ بالإبل من العرب هو زيد بن بكر بن هزوان، قتله أخوه معاوية (3)، غير أنَّ العرب كانت تفاضل بين قتيل وقتيل، فإذا قتل رئيس القبيلة فهو عندهم عن عشرة رجال، وبالتالي يكون له عشر ديات ـ إذا نزلوا إلى الديات ..
ولما جاء الإسلام قرّر الشَّرع الشَّريف دية كلّ رجل مائة من الإبل، كما كان ذلك في الجاهلية؛ إلَّا أنَّه ساوى بين النَّاس، فلم يفرّق بين رئيس ومرؤوس، أو
بين قوي وضعيف، أو بين غني وفقير.
779
(1) مسند الإمام الربيع، الحديث رقم: 69
671
(2) المسند الحديث رقم: 71
(3) الروض الأنف للسهيلي، ط دار الكتب العلمية، لبنان، ج 1، ص 271.
(4) السيابي، جلاء العمى، ص 42. (1/62)
صفحة 59
الدية وقتل النفس مِنْ منظور فقهي
63
أما لماذا كان تقويم الدّية بالإبل؟ ذلك أن العرب كانت غالب أموالهم الإبل، ولَمَّا انتشر الإسلام، واتسعت الفتوح، وتوسعوا بالمغانم، وسكنوا المدن، وفاضت الصفراء والبيضاء، وتوسعوا بالأموال، وقلت الإبل في أيديهم؛ فعلت أثمانها، واختلفت أحوال الناس؛ رأى عمر بن الخطاب له أن يقرّر للإبل أثمانًا، معلومة، وذلك على نظر الصَّحابة الكرام - رضي الله عنهم وأرضاهم، وهناك اختلفت الرّوايات المأثورة عن الصحابة والتابعين ومَنْ جاء بعدهم؛ فقيل:
1 - قيمة كل بعير أربعة دنانير ذهبًا، أو ثمانية وأربعون درهما فضة.
2 ـ قيمة كل بعير خمسة دنانير ذهبًا، أو ستون درهما فضَّة.
- قيمة كلّ بعير عشرة دنانير ذهبًا، أو مائة وعشرون درهما فضة، أو مائة
درهم ف م فضة).
قال الإمام القطب: ووجهه التَّوسط وإلغاء التفاضل بأسنان الإبل؛ لاختلاف
الروايات، وتمسكوا بالمجمع عليه، وهو لفظ مائة من الإبل".
والذي عليه العمل عند أهل عُمان هو أنَّ قيمة البعير مائة وعشرون درهما من الفضة، فتكون الدية اثني عشر ألف درهم، وهو الحق ـ إن شاء الله تعالى ـ. وكان عمر بن الخطاب الهلال له قوم الدّية مِنَ الذهب ألف دينار، ومِنَ الفضة اثني عشر ألف درهم، وقيل عشرة آلاف درهم، قال الشيخ خلفان بن جميل السيابي: ولكن لم يبلغ ذلك الإجماع، ومِنَ الشَّاء أَلْفَا شاة، ومِنَ البقر مائتا بقرة، ومن الحلل مائتا حلة إزار ورداء (3).
(1) نفس المصدر، ص 26.
(2) اطفيش، شرح النيل، ج 15، ص 129.
(3) السيابي، جلاء العمى، ص 27. (1/63)
صفحة 60
64
نظرات تجديدية فقهية
والظاهر أنه بعد تقويم الإبل بالدراهم والدنانير؛ عمد المسلمون إلى اعتماد الذهب والفضة في تقدير الديات والأروش، والظاهر أنَّ أهل عُمان كان معتمدهم الفضة، وعليها كانوا يقومون الديات، قال العلامة أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي: والذي أدركناهم - أي: الأئمة والعلماء وأهل الحل والعقد ـ عليه أنهم يجعلون الدية عمدها وخطأها سواء، اثني عشر ألف درهم.
على أنه وإن كان هناك قول في الأثر بأنَّ الدِّية بقيمة الإبل على قدر رخصها وغلائها، إلَّا أنَّ العمل على التقويم بالذهب والفضة، ولقد اعتمد أهل
عُمان الفضة - كما قدمنا آنفا -.
ولعلهم أرادوا بأهل الفضة أهل العراق وأهل الذهب أهل الشام ومصر والمغرب، وهو أنَّ الفضة كانت للفرس، والذهب للرُّوم؛ لأنَّه مِنَ المعلوم أنَّ الفرس كانوا يتعاملون بالدراهم؛ ولذلك كانت الدراهم فارسية، أمَّا الرُّوم فكانوا يتعاملون بالدنانير؛ لذلك كانت الدنانير رومية.
هو
وأقول: إنَّ. عمر بن الخطاب اعتمد مِنَ الحلل مائتي إزار ورداء مراعاة لأهل اليمن؛ لأنهم كانوا أهل نسيج، وهنا تتجلى مرونة شريعة الإسلام، حيث اعتمدت ما عند كلّ قوم مِنْ ثروة ومال؛ لذلك كان المعتبر في الدفع ما توفّر لدى الجاني من صنوف المال، وليس كما يريد ولي الدم. وكما بينت السنة مقدار الدية؛ فقد بينت أيضا المدة الزمنية التي تؤدى فيها، حيث جعلت دية العمد - بعد تنازل وليّ الدَّم عن القصاص ـ عاجلة حالة؛ إِلَّا إِنْ رَضِيَ مَنْ له الدِّية بالتأجيل، فهو على حسب ما يتفقان عليه مِنَ الأجل، وكيفيَّة الأداء؛ وذلك لأنَّ الحقوق إذا ثبتت تؤدى حاضرة، ولا يجوز تأخيرها عن وقتها إلا عن رضا أصحابه، ودية شبه العمد كدية العمد في التعجيل، وعللوا ذلك بأنَّ ما أشبه الشَّيء يكون مثله، أما دية الخطأ.
فهي (1/64)
صفحة 61
الدية وقتل النفس مِنْ منظور فقمي
70
ذلك
مؤجلة ومقشطة على ثلاث سنوات، كلُّ ثلث في سنة، والأصل في ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال: (دِيَةُ الخَطَا فِي ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ، فِي كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثُ الديَةِ، وَدِيَةُ العَمْدِ فِي عَام وَاحِدٍ).
ولعل العلة في تعجيل دية قتل العمد أنَّها عوض عن القود، وبدل منه، وبما أنَّ القصاص إذا حكم به يجب تنفيذه على الفور؛ فكذلك الدية يجب أن يكون أداؤها فورًا؛ لأنَّ البدل كالمبدل منه حكمًا، والقول بفورية دية العمد هو الذي عليه جمهور علماء المذهب وعليه العمل؛ غير أن هناك قولا آخر، هو بتأجيلها وتقسيطها على ثلاثة أعوام، شأنها شأن دية الخطأ، وهذا القول يُنسب إلى الإمام محمد بن محبوب، وتابعه عليه العلامة أبو الحواري محمد. الحواري القري، وعلى هذا فإنَّه صار في المذهب قولان: أحدهما: بالتعجيل والفورية، وهو الذي كان عليه العمل، والثاني: بالتأجيل والتقسيط.
بن
وقد اعتمد المسلمون في تقدير الديات بعد الإبل على الذهب والفضة دنانير ودراهم باعتبارها أثمان المثمنات، وقيم المتلفات، لذلك فإنَّه يجب أن تعادل الأوراق النقدية بما يقابلها مِنَ التَّقدين - الذهب والفضة ـ، وحيث إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب والصَّحابة الكرام - رضي الله عنهم وأرضاهم - اتفقوا على جعل الدّية مِنَ الذَّهب ألف دينار، ومِنَ الفضة اثني عشر ألف درهم؛ فإنَّه معرفة النقد الورقي مِنَ الرِّيال العُماني الذي يقابل ذلك، وهو كالتالي:
تنبغي
أولا: الذهب:
ألف دينار
=
ألف مثقال.
المثقال = (4,25) جرامًا.
(1) رواه الربيع من طريق ابن عباس. (1/65)
صفحة 62
66
نظرات تجديدية فقهية
ألف مثقال = (4250) جرامًا.
الجرام من ال الذهب الجيد عيار (21) = (4) ريالات عُمانية في
المتوسط (1).
ألف دينار ذهبا = (17000) ريال.
ثانيا: الفضة:
كانت الدراهم المستعملة قبل الإسلام وعلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ مختلفة
الأوزان، فقد كانت على ثلاث فئات؛
هي:
الفئة الأولى: عشرة دراهم تزن خمسة مثاقيل.
الفئة الثانية عشرة دراهم تزن ستة مثاقيل.
الفئة الثالثة: عشرة دراهم تزن عشرة مثاقيل.
وفي عهد عمر بن الخطاب الله جمع المحاسبين، وأمرهم باستخراج دراهم متوسطة من مجموع تلك الدراهم والمثاقيل، فاستخرجوا له عشرة دراهم ذات وزن سبعة مثاقيل، وذلك بأنَّهم جمعوا الدراهم مِنَ الفئات
الثلاث؛ وهي:
(10) + (10) + (10) = (30) درهما
وجمعوا أوزانها مِنَ الفضة؛ وهي:
(0) + (1) + (10) = (21) مثقالاً.
(1) هذا في تاريخ كتابة البحث 16 شوال/1424 هـ، 10 ديسمبر 2003 م، ولا شك أن سعر الجرام قد
اختلف الآن. (1/66)
صفحة 63
الدية وقتل النفس مِنْ منظور فقهي
67
وقسموا المجموع على ثلاثة، وكان الناتج كلُّ عشرة دراهم ذات سبعة مثاقيل، فشاور بعد ذلك ابن الخطاب الصحابة، واتفق رأيهم على ذلك، وعلى
هذا تم ضرب الدراهم على عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان؛ هي أ كل عشرة دراهم تزن سبعة مثاقيل.
ان
وبما أن الدية قد تقررت فضة باثني عشرة ألف درهم؛ فتكون مقابل الورق
النقدي، وهو الريال العُماني كالتالي:
اثنا عشر ألف درهم = (8400) مثقال.
المثقال = (4,25) جرامًا.
(8400) مثقال = (35700) جرام.
(35700) جرام = (36) كيلوجرام تقريبًا.
كيلو جرام = (70) ريالا عمانيا.
(36) × (70) = (2520) ريالا عمانيا.
فعلى هذا فإنَّه لو قومت الدّية بالذهب القابله بالريال العماني مبلغ سبعة عشر ألف ريال، وهو مبلغ مرتفع نسبيا، ولو قومت على الفضة لقابلها مبلغ ألفين وخمسمائة وعشرين ريالًا عُمانيا، وهو مبلغ منخفض إلى حد كبير.
وحيث إن قيمتي كلَّ مِنَ الذهب والفضة كانت متقاربة، أو ربما متساوية قديمًا؛ فقد ساغ اعتماد أحد النقدين في تقدير الدية بأحدهما، أما في وقتنا الحاضر فإن هناك فرقًا كبيرًا بين قيمة كل منهما؛ حيث إنَّ الذهب مرتفع القيمة، وأما الفضة فهي منخفضة القيمة. (1/67)
صفحة 64
68
نظرات تجديدية فقهية
وهنا أرى أنَّه مِنَ المناسب الجمع بين الذهب والفضة في تقدير الدية؛ حتى لا نهمل أحد النقدين، على أن يجمع مقدار قيمة الدية منهما، ويُقسم
الناتج على اثنين، فيكون:
(17000) + (2520) = (19520) ريالا.
(19520): (2) = (9760) ريالا.
وهو قريب من العشرة آلاف.
فأرى أن تقدر الدّية للرَّجل المسلم بعشرة آلاف ريال عُماني"
(1)
هذا ما ظهر لي حول توصيف القتل، لا سيما الفرق بين قتل الخطأ، وبين بعض صور الوفاة الناتجة عن حوادث السيارات، وهي ما يُعرَف بحوادث المرور.
وتوصلت إلى أنه ليس كل الوَفَيَات الناتجة عن ذلك تُعتبَر مِنْ باب
قتل الخطأ.
كذلك حول تقدير الدية بالورق النقدي - الرّيال العُماني، ومقابلته بالنقدين الذهب والفضة، وتوصلت إلى أنَّه ينبغي أن يكون مقدار الدية هو مبلغ عشرة آلاف ريال عُماني.
والله ولي التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(1) وأرى أنه ينبغي إعادة النظر في تقدير الدية وفق المعطيات الجديدة. (1/68)
صفحة 65
المسؤولية الجنائية
لقائدي المركبات (1/69)
صفحة 66
المسؤولية الجنائية لقائدي المركبات
مقدمة
71
الحمد لله رب العالمين والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمد، وعلى آله
حبه أجمعين؛ أما بعد:
وصحبه
فإجابة لدعوةٍ كريمةٍ مِنْ فضيلة الشيخ العلامة الدكتور خالد بابكر، الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الدولي لي للمشاركة في الدورة الواحدة والعشرين لمؤتمر المجمع، والكتابة ببحث عنوانه: (المسؤولية الجنائية لقائدي المركبات)، فقد أعددتُ هذا البحث المتواضع، وبما أنَّ المسؤوليَّة الجنائيَّة لقائدي المركبات تعبير قانوني معاصر، فقد اشتمل البحث على جوانب قانونية، حيث إنَّ الموضوع يتعلق بالحوادث المرورية التي هي من مستجدات الحياة في هذا العصر؛ لأن حدوثها ارتبط بظهور السَّيَّارات.
ومن المعلوم أنَّ هذا الموضوع تمت معالجته من حيث توصيفه أو تجريمه، ومن حيث وضع العقوبات عليه عبر القوانين والأنظمة بالنسبة إلى كل دولة من دول العالم، ولم تكن الدُّول العربية والإسلامية بمعزل. هذا عن الأمر؛ فقد عالجت قوانينها المسؤولية الجنائية بما تنطوي عليه من جناية أو جنحة لقائدي المركبات، ووضعت لأحداثها التوصيف والتجريم اللازمين، والعقوبات المقدرة لذلك. (1/71)
صفحة 67
72
نظرات تجديدية فقهية
وقد رأيت أن المنطلق الشرعي لتلك القوانين والأنظمة ـ توصيفا وعقوبات - هي المصلحة المرسلة التي يُناط تطبيقها أو تطبيق أحكامها بالحاكم (الدولة)، على اعتبارها أنَّها تتعلق بالجماعة، أو بمجموع الأفراد، ومن المعلوم أن المصلحة المرسلة قائمة على التَّعليل بالمناسب المرسل،
الذي هو أحد أقسام العلة المستنبطة، وتمخض عن ذلك مقصد الشريعة في
تحقيق العدالة والأمن والسلامة.
وقد جعلته في محاور خمسة؛ هي:
المحور الأول: التعريفات اللغوية والاصطلاحية.
المحور الثاني: المستند الشَّرعي للمسؤولية الجنائية لقائدي المركبات. المحور الثالث: الأحداث المرورية ومسؤوليتها الجنائية.
المحور الرابع: نماذج من الأحكام على المسؤولية الجنائية لقائدي المركبات. المحور الخامس: ما لا يُعدُّ مِنَ المسؤولية الجنائية لقائدي المركبات.
والله ولي التوفيق
وصلى الله وسلَّم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه. (1/72)
صفحة 68
المسؤولية الجنائية لقائدي المركبات
التعريفات
73
أولا: المسؤولية الجنائية
المسؤولية الجنائيَّة تعبير معاصر يُقصد بها المسؤولية عن ارتكاب جريمة ما في نفس أو مال، وقد عرَّف الخليل بن أحمد الفراهيدي الجناية بالقول: «جنى جناية؛ أي: جرَّ جريرةً على نفسه، أو على قومه، يجني، قال الشاعر:
جَانِيكَ مَنْ يَجْنِي عَلَيْكَ وَقَدْ تُعْدِي الصَّحَاحَ فَتَجْرِبُ الجُرْبُ) وعرفها الفيروزآبادي بقوله: «جنى الذَّنب عليه، يجني جناية؛ جره إليه، وتجنى عليه: ادعى ذنبًا لم يفعله»).
وفي الاصطلاح الفقهي: الجناية اسم لفعل محرم شرعا، سواء وقع الفعل على نفس، أو مال، أو غير ذلك، لكن أكثر الفقهاء جرى التعارف بينهم على إطلاق لفظ الجناية على الأفعال الواقعة على نفس الإنسان، أو أطرافه، وهي: القتل، والجرح والضرب والإجهاض، بينما يطلق البعض لفظ الجناية على جرائم الحدود والقصاص (3)، ويضيق تعريف الجناية أحيانًا عند الفقهاء؛ ليقتصر على الجرح والقطع).
(1) كتاب العين مادة جنى.
(2) القاموس، مادة جنى.
(3) عبد القادر عودة التشريع الجنائي الإسلامي، ج 1، ص 67.
(4) السيابي خلفان بن جميل، جلاء العمى، ص 10. (1/73)
صفحة 69
74
نظرات تجديدية فقهية
على أن الفقه الإسلامي كثيرًا ما يعبر عن الجريمة بلفظ الجناية، وقد عُرفت الجريمة فقها، أو اصطلح عليها فقها بأنها محظور شرعي، زجر الله عنه بحد، أو تعزير، والمحظور هو إما إتيان فعل منهي عنه، أو ترك فعل مأمور به. أما الاصطلاح القانوني فهو يقسم الجريمة على حسب نوع العقوبة؛ ففي القانون المصري تُقسَّم الجريمة إلى جناية وجنحة ومخالفة، أما قانون الجزاء العُماني فقد قسمها إلى جناية، وجنحة وقباحة)، وإن كان ورد في قانون الإجراءات الجزائية مصطلح المخالفة مُطلَقًا على القباحة.
ومن هنا يختلف الاصطلاح الفقهي عن الاصطلاح القانوني في تحديد الجناية؛ وذلك لأنَّ الفقه يعتبر كل جريمة جناية، وكلَّ جناية جريمة، دون النظر في مستوى العقوبات المترتبة على الجريمة، أو الجناية (3).
ثانيا: قائد المركبة
عرف قانون المرور العُماني في المادة (25) مِنْ باب الأحكام التمهيدية قائد المركبة بأنَّه: كل شخص يتولى قيادة مركبة أو حيوان من حيوانات الجرّ، أو الحمل، أو الركوب كما عرف في المادة (3) مِنْ باب الأحكام التمهيدية المركبة: بأنَّها وسيلة من وسائل النقل، أو الجرّ؛ أعدت للسير على عجلات، أو جنزير (4)، وتسير بقوَّةٍ آليَّةٍ أو جسدية.
وجاء في تعريفه للسيارة في المادة (5) من نفس الباب: بأنها مركبة آلية، تُستخدم عادةً في نقل الأشخاص، أو الأشياء، أو كليهما.
(1) عبد القادر التشريع الجنائي الإسلامي، ج 1، ص 67.
(2) قانون الجزاء العماني، ص 7.
(3) عبد القادر التشريع الجنائي الإسلامي، ج 1، ص 68.
(4) سلسلة من المعدن. (1/74)
صفحة 70
المسؤولية الجنانية لقائدي المركبات
المستند الشرعي للمسؤولية الجنائية لقائدي المركبات
Yo
مِنَ المعلوم أنَّ المسؤولية الجنائية لقائدي المركبات هي مما أفرزته الحياة المعاصرة من مستجدات الحياة، وهي ما تُعرف بالأحداث المرورية في وقتنا الحالي، وقد ارتبطت بظهور السيارات؛ لذلك لم تكن لها أو لمعظمها والعقوبات المترتبة عليها أشباه ونظائر في التُّراث الفقهي الإسلامي، وإنْ
وُجدت فهي في بعض الأحكام لبعض الأوصاف.
هي
المطلقة،
وفي رأيي أنَّه لا بدَّ مِنْ ربطها شرعًا بأحكام المصالح المرسلة، والمرسلة وهي التي يُعبَّر عنها حاليًا بالمصالح العامة، ونظرا إلى كون المصلحة المرسلة أو المصلحة العامة مرتبطة بمجموع الأفراد؛ أي: بالجماعة، أو النظام العام؛ فإنَّ تطبيق أحكامها مرتبط بالحاكم (الدولة)، على أن المصلحة المرسلة تابعة أو مبنيَّة على التعليل بالمناسب المرسل، وهو ما لم
يأتِ دليل على اعتباره، ولا على إلغائه، يقول الإمام السالمي: وَإِنْ أَتَى وَالاعْتِبَارُ قَدْ جُهِلْ فذاكَ مُرْسَلٌ أُجِيزَ أَوْ حُظِلْ وَمَذْهَبُ الأَصْحَابِ أَنْ يُعَلَّلًا بِهِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مُجْمَلًا وَإِنْ يَكُنْ الْغَاؤُهُ قَدْ عُلِمَا فَهْوَ الغَرِيبُ أَخْذُهُ قَدْ حَرُمَا (2)
الله (1) السالمي عبدا، بن حميد، طلعة الشَّمس، ج 2، ص 217، وانظر: محمد أبو زهرة، أصول الفقه،
ص 247.
(2) السالمي، شمس الأصول على شرح طلعة الشمس، ج 2، ص 214. (1/75)
صفحة 71
76
نظرات تجديدية فقهية
وقال أيضا:
وَمِنْهُ وَصْفٌ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرَا مِنْ شَارِعِ الحُكْمِ وَلَيْسَ مُهْدَرًا وَظَهَرَتْ لَنَا بِهِ مَصْلَحَةُ وَاسْمُهُ الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ) وذلك أن الشريعة الإسلامية الغراء هي رحمةٌ مِنَ الله لعباده، جاء بها عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم لقول الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ)
[الأنبياء: 107].
ومن معالم هذه الرحمة اشتمالها على تحقيق مصالح العباد، يقول: وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى قُلْ إِصْلَاح لَهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِح} [البقرة: 220]، لا سيما لذوي العقول السليمة، والفهوم الصحيحة، والمقصود مِنَ المصالح المرسلة المصالح المعتبرة منها، وهي المصالح الحقيقية للناس التي ترجع في مجملها إلى الأمور الخمسة المعروفة؛
ألا وهي:
1 - حفظ الدين.
2 - حفظ النفس.
3 ـ حفظ العقل.
4 ـ حفظ النسل.
ه - حفظ المال.
وهذه الأمور الخمسة تتجلى فيها مقاصد الشريعة الإسلامية بأقسامها الثلاثة: الضرورية، والحاجية، والتحسينيَّة؛ لأنَّ كلّ واحد من هذه الأقسام آخذ
(1) نفس المصدر، ص 280.
(2) أبو زهرة، المصدر السابق، ص 277. (1/76)
صفحة 72
المسؤولية الجنائية لقائدي المركبات
VV
بحجزة الآخر، ويتبيَّن مِنْ خلال الاستقراء أنَّ المقاصد الشرعية منبنية على المصالح المرسلة، والمصالح المرسلة منبنية على التعليل، والعلة هي لب القياس ومحوره، فمن هنالك عُبر عن العلة بـ (المناط)، إذن المصالح المرسلة حلقة في منظومة استدلالية؛ جاءت لتحقيق الخير والمنفعة والمصلحة للناس في دنياهم وأخراهم ـ إن شاء الله تعالى ـ.
هي
يقول الإمام السالمي: «مِنَ الاستدلال: المصالح المرسلة، وهي عبارة عن وصف مناسب تترتب عليه مصلحة العباد، واندفعت عنهم. مفسدة، لكنّ الشارع لم يعتبر ذلك الوصف بعينه، ولا بجنسه؛ مِنْ شيء مِنَ الأحكام، ولم يُعلَم منه إلغاء له، وبذلك مرسلا؛ لأنَّ المرسل في اللغة المطلق، فكان سمي هذا الوصف المناسب قد أطلق عن الاعتبار والإهدار، وقد تم تحقيقه في مبحثه المناسب، وقد ذكرنا له هنالك أمثلة كثيرة، وبيَّنَّا أنَّ للأصحاب به اهتمامًا،
فكثير من فروعهم مبني على هذا الاستدلال، وللمالكية به أشد اعتناء).
وحول موقف بعض المذاهب من الاستدلال بالمصالح المرسلة، أو تحفظ بعض المذاهب على بعض أوصافها؛ يقول الشيخ محمد أبو زهرة: «يتفق جمهور الفقهاء على أنَّ المصلحة معتمدة في الفقه الإسلامي، وأنَّ كلَّ مصلحة يجب الأخذ بها ما دامت ليست شهوة، ولا هوى ولا معارضة منها للنصوص، تكون مناهضة لمقاصد الشرع»، ويُنقل عن القرافي قوله: «المصلحة المرسلة من المذاهب عند التحقيق؛ لأنَّهم يقيسون ويعترفون بالمناسبات، ولا يطلبون شاهدا بالاعتبار، ولا تعني المصلحة المرسلة إِلَّا ذلك، ومما يؤكد أنَّ الصحابة عملوا أمورًا لمطلق المصلحة، لا لتقديم شاهد بالاعتبار؛ نحو: كتابة المصاحف، ولم يتقدم نظير، وولاية العهد من أبي بكر لعمر لها، ولم يتقدم فيها أمر، ولا نظير، ولذلك جعل الخلافة شورى، وتدوين الدواوين، وعمل
جميع
(1) السالمي، مصدر سابق، ص.
280 (1/77)
صفحة 73
78
نظرات تجديدية فقهية
السكة للمسلمين، واتّخاذ السجن، وهذه الأوقاف التي بإزاء مسجد
رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتوسعة بها في المسجد عند ضيقه فعله عثمان له»
والمصالح المرسلة وما ينبني عليها من مقاصد شرعيَّة هي ا
(1)
"
المستند
الشرعي للمسؤولية الجنائية لقائدي المركبات وما ترتب على ذلك من عقوبات، وقد تم وضع قوانين للمرور تنظم عملية قيادة المركبات والشير في الطرقات، وتبين المخالفات التي تترتب عليها العقوبات الجنائية.
كما ناقشت القوانين الجنائيَّة عبر بعض موادها - ومنها قانون الجزاء العُماني - اعتبار ما يُعتبر جناية، وما يُعتبَر جُنحة حسب الاصطلاح القانوني، وهو ما سأذكره في المحور التالي.
(1) أصول الفقه، ص
283 - 284 (1/78)
صفحة 74
المسؤولية الجنائية لقائدي المركبات
الأحداث المرورية ومسؤوليتها الجنائية
79
المسؤولية الجنائية من حيث العموم هي التي تكون نتيجة ارتكاب أفعال محرمة، ويترتب على فعلها أو تركها ضرر بالنظام العام، أو بنظام الجماعة، أو بعقائدها، أو بحياة أفرادها، أو بأموالهم، أو بأعراضهم، أو بكل شيء من شأنه أَنْ يُحدث خللا في النظام العام للدولة، أو للمجتمع، أو لكليهما؛ لذلك كانت العقوبة على تلك الأفعال المحرَّمة ضرورة اجتماعية، تقدر بقدر الجناية من غير إفراط، ولا تفريط؛ لأنَّها فُرضت لحماية المجتمع، وحفظ نظامه مِنَ الخلل، وتحقيق الأمن لكل فرد من أفراد المجتمع، فلا ينبغي الزيادة ولا النقصان على أو عن مستوى الجناية، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ نَقْدِيرًا)
[الفرقان: 2].
والمسؤولية الجنائية تعني في الشريعة الإسلامية: ارتكاب فعل محرم ومجرم مِنْ قِبَلِ إنسان يتحلى بالإدراك والاختيار، ومناط ذلك العقل، الذي يكون به الإنسان مدركًا ومختارًا لأفعاله؛ ليستحق على ذلك تطبيق العقوبة المناسبة المقدرة عليه وفق جنايته؛ لأن سنة التَّدافع التي وضعها الله تعالى في هذه الحياة للناس قد يحدث فيها تجاوز عن شرع الله من بعض الناس، فيرتكبون من الأفعال ما حرَّمه الشرع، فهناك تكون الجناية، وهناك تكون المسؤولية الجنائية، يقول الله: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّمَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف: 7]، ويقول: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوَةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عملا} [الملك: 2]، إذن معنى المسؤولية الجنائية في الشريعة الإسلامية أن يتحمل (1/79)
صفحة 75
نظرات تجديدية فقهية
الإنسان نتائج الأفعال المحرمة التي يأتيها مختارا، وهو مدرك لمعانيها
وتبعاتها، وهي تقوم على أسس ثلاثة:
1 ـ الفعل المحرم.
2 ـ الفاعل المختار.
أما
ـ الفاعل المدرك أو المميز.
في القوانين الموضوعة؛ فإنَّ المسؤولية الجنائية قد مرت بمراحل مِنَ التَّطور مِنَ المذهب المادّي إلى مذهب فلسفة الاختيار، إلى المذهب التقليدي، ثم المذهب الوضعي إلى مذهب الاختيار النسبي، الذي استقرت عليه القوانين الوضعية على أنَّ مذهب الاختيار النسبي جعل معنى المسؤولية الجنائية يقترب من معناها في الشَّريعة الإسلامية).
وإسناد المسؤولية الجنائية لقائدي المركبات التي تُعرف بالأحداث المرورية، وما يترتب عليها من عقوبات؛ ناقشته القوانين الجنائية وقوانين المرور في دول العالم، ومنها قانون الجزاء العُماني، وقانون المرور العُماني، فقد جاء في قانون الجزاء العُماني المادة (254) ما يلي:
يُعاقب بالسجن مِنْ ستّة أشهر إلى ثلاث سنوات، وبالغرامة من عشرة ريالات إلى خمسمائة ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط؛ مَنْ تسبَّب في قتل إنسان عن إهمال، أو قلة احتراز، أو عدم مراعاة الأنظمة.
كما جاء في المادة (58) ما يلي: كل جريمة تلحق بالغير ضررًا ماديًا أو معنويا؛ يُحكم على فاعلها
بالتعويض عن طلب المتضرر.
(1) التشريع الجنائي الإسلامي، ج 1، ص 392. (1/80)
صفحة 76
المسؤولية الجنائية لقائدي المركبات
81
لذلك فإنَّ السُّلطات القضائيَّة بالسَّلطنة بدءًا من المحاكم الابتدائية إلى محاكم الاستئناف وإلى المحكمة العليا؛ تنزل أحكامها، وتوقع عقوبتها على الأحداث المرورية؛ بناءً على منطوق ومفهوم المادتين المذكورتين، وهناك صورة تطبيقيَّة، لذلك سنوردها في المحور التالي - إن شاء الله تعالى.
كما أن قانون المرور العُماني وصف المسؤولية الجنائية لقائدي المركبات في المادة (1/ 50)، حيث جاء فيها ما يلي:
مع عدم الإخلال بالتدابير المقررة في هذا القانون، أو بأية عقوبة أشد واردة في قانون آخَر؛ يُعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سنة، وبغرامة لا تزيد على خمسمائة ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين؛ كلُّ من ارتكب فعلًا مِنَ الأفعال الآتية:
1 - سياقة مركبة على الطريق بسرعة، أو تهور، أو بدون ترو، أو تحت تأثير خمر أو مخدّر، أو أيَّة مؤشّرات عقليَّة أخرى، أو قام بالتجاوز في مكانٍ خَطر، أو ممنوع التجاوز في مكان خَطر، أو ممنوع التجاوز فيه، أو بطريقة تُشكل خطورةً، أو تُعرّض حياة الأشخاص أو أموالهم للخطر، فإذا نتج عن ذلك وفاة شخص، أو إلحاق أذى به نجم عنه مرض أو تعطيل عن العمل لمدة؛ تكون العقوبة فيه السِّجن مدة لا تقل عن سنة، ولا تزيد على
خمس سنوات.
على أن الأحكام القضائيَّة في الأحداث المرورية التي تصدرها المحاكم القضائيَّة بسلطنة عُمان تعتمد على هذه المادة في قانون المرور، وعلى المادتين المذكورتين سابقا في قانون الجزاء العُماني).
(1) قانون الجزاء العُماني، ص 15، ص 71، وقانون المرور، ص 17. (1/81)
صفحة 77
82
نظرات تجديدية فقهية
وفي رأيي أن منطوق المواد المذكورة ومفهومها؛ يوجد شبهها ونظيرها في فقهنا الإسلامي، أو شبه ونظير لبعض أحكامها على الأقل، وذلك ما جاء في أحداث الدواب وما يتعلق بها مِنْ ضمان، فقد جاء في الأثر الفقهي: أنَّ مَنْ ركب
دابة فأصابت رجلًا برأسها أو بمقدمها فمات فعلى راكب الدابَّة الدّية.
وقد جاء عن جابر بن زيد في جواب له لسائل سأله قوله: «وأما ما ذكرتَ مِنْ دابَّة ضربت بيدها إنسانًا - وعليها صاحبها ـ؛ فليس عليه قصاص، ولكنَّ الدية على صاحب الدَّابَّة ما بلغ الجرح وا والنفس» (2).
(2)
وتوجيه هذا الحكم أنَّ الضمان أو المسؤولية الجنائية توجهت إلى راكب الدَّابَّة بعد أن انتقلت عن الدَّابَّة نفسها؛ لأن جرح الدَّابَّة جُبَار كما جاء في
الحديث النبوي الشريف: «جُرْحُ العَجْمَاءِ جُبَارٌ (3).
على أنَّ هناك نظائر أخرى، فالذي يقود المركبة من غير حصوله على رخصة قيادة وارتكب حدثًا مِنَ الحوادث المروريَّة؛ فإنَّه تتوجه إليه المسؤولية الجنائية نظير ذلك الذي يقود الدَّابَّة، وهو لا يستطيع التحكم والسيطرة عليها، فإنَّه يكون ضامنًا لِمَا أتلفه مِنْ أشياء)، وكذلك قائد المركبة دون الحصول على رخصة القيادة؛ فهو أيضا غير مستطيع على السيطرة على المركبة، والتحكم في قيادتها.
كما أنَّ الذي يقف مركبته في الشارع، وتأتي مركبة أخرى فتصتدم بها؛ فإنَّ المسؤولية الجنائيَّة تتوجه إلى صاحب المركبة الواقفة، نظيره ذاك الذي
(1) الشقصي خميس بن سعيد، منهج الطالبين، ج 18، ص 381.
(2) رسائل الإمام جابر بن زيد دراسة وتحقيق: فرحات الجعبيري، ص 4
114
(3) الحديث مروي في جميع كتب الحديث.
(4) الشَّقصي، منهج الطالبين، ج 18، ص 386. (1/82)
صفحة 78
المسؤولية الجنائية لقائدي المركبات
83
(1)
يُوقف دابته في الطريق فإنه ضامن لما أصابت، ونظيره أيضًا مَنْ وضع حجرًا في الطريق، فتعثرت به دابَّة، فأحدثت تَلَفًا في الأنفس والأشياء، فإن واضع الحجر ضامن (2).
أمَّا مَنْ يقف مركبته في مكان ممنوع فيه الوقوف؛ فتتوجه إليه المسؤولية الجنائية في كل ما يحدث لمركبته مِنْ ضررٍ مِنْ جانب الغير، أو يحدث لمركبة الغير مِنْ ضرر، نظيره مَنْ ربط دابَّةٌ على شيء، ووقعت عليه فتلفت الدابَّة، أو تلف ذلك الشي الذي وقعت عليه؛ فإنَّه ضامن للدَّابَّة إذا كانت لغيره، وضامن للشيء المتلف الذي وقعت عليه (3).
لذلك أرى مِنَ المناسب قياس أي حادث مروري يكون فيه دهس لشخص أو لأشخاص، أو دهس أي شيء كان، ويحدث منه ضرر للأشخاص أو للأشياء؛ تكون على قائد المركبة المسؤولية الجنائية في ذلك الحادث بأنْ يُقاس هذا الحادث بالحدث التي تُحدثه دابَّةٌ مِنَ الدواب التي يكون عليها راكب يقودها ويسوقها، والجامع للقياس في ذلك وجود قائد المركبة، وقائد الدابَّة، أما العلة فهي وجود الضرر مِنْ دهس المركبة، ومن دهس الدابَّة.
مِنَ
على أنَّ المسائل الفقهية التي أوردتها، والأحكام المتعلقة بها؛ هي المختلف فيها داخل المذهب الإباضي وفي المذاهب الإسلامية الأخرى، ولكنني أوردت منها ما يتوافق مع القوانين الوضعية المعاصرة جنائية ومرورية، أو تتوافق معه هذه القوانين، وقد ذكرتُ أنَّني اعتمدت قانونيا على قانون الجزاء العُماني، الذي هو القانون الجنائي، وقانون المررو العُماني في توجيه المسؤولية الجنائية أو التَّجريم، وذلك في المادتين (58) و (254) مِنْ قانون
(1) الكندي محمد بن إبراهيم، بيان الشرع، ج 65، ص 420
(2) نفس المصدر، ص 39.
(3) الكندي
أحمد
بن عبد. الله، المصنف، ج 20، ص 29. (1/83)
صفحة 79
??
نظرات تجديدية فقهية
الجزاء العُماني، وعل المادة (50) من قانون المرور العُماني، ولا شك أن
القوانين قريب بعضها من بعض، وبينها الكثير من التطابق والتَّوافق.
وقد ناقش الشيخ أبو زهرة تفسير القوانين الوضعية بالقياس؛ حيث قال: «مهما تكن الآفاق التي يتَّجه إليها واضعو القوانين؛ فإِنَّهُ مِنَ المُؤكَّد أنَّ ألفاظ القانون لا يمكن أن تكون شاملة لكلّ الحوادث والوقائع، وكما يقول الشهرستاني: إنَّ النُّصوص تتناهى، والوقائع لا تتناهى، فلا بدَّ مِنَ القياس في تطبيق القوانين بأَنْ تُعطى الوقائع التي لا نصَّ على حكمها حكم الوقائع التي تشابهها من المنصوص عليها» ... إلى أن قال: «ويُلاحظ أنَّ تحرِّيَ القاضي لمعرفة الوصف المناسب للحكم يجب أن يدخل فيه مقدار ما يتحقق فيه من عدالةٍ عامَّةٍ شاملة، فإنَّ العدالة مقصد عام لكل القوانين؛ إذ إنَّ القوانين جاءت لخدمة العدالة وتنظيم المعاملات بين الناس بالقسط والميزان، والله خير الحاكمين».
ومن المعلوم أن الحكم يعتبر الأحداث مِنْ قائدي الدواب ومِنْ قائدي المركبات مِنْ قَبِيل أفعال الخطأ، وبالتالي تترتب عليها عقوبات الخطأ، سواء كان فيها إتلاف نفس، أو إتلاف أطراف.
(1) أصول الفقه، ص 262 - 261. (1/84)
صفحة 80
المسؤولية الجنائية لقائدي المركبات
85
نماذج مِنَ الأحكام المتعلقة بالمسؤولية الجنائية لقائدي المركبات (1)
1 - الطَّعن رقم (2004/ 284 م):
أثناء
ملخص الوقائع والحكم:
هو
أن شخصا قاد مركبته بسرعة وإهمال ودهس شخصا بمقدمة مركبته عبوره الشارع العام ملحقا به إصابات، وقضت محكمة الاستنئاف بصحار (دائرة الجنائيات): بإدانة المتّهم بالإيذاء عن إهمال، ومخالفة أحكام قانون المرور، وسجنه لمدة عام موقوفة النفاذ، وسحب رخصة قيادته لمدة شهرين، وإلزامه بدفع تعويض المدعي.
وطعن المحكوم عليه بالحكم أمام المحكمة العليا، ونظرت المحكمة العليا في الحكم والطعن، وحكمت بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع برفضه، وألزمت الطَّاعنة (امرأة) بالمصاريف، ومصادرة الكفالة (2).
2 - الطعن رقم (2005/ 437 م):
ملخص الوقائع والحكم:
قاد شخص شاحنة بدون انتباه، وبطريقة تُشكّل خطرًا على حياة الأشخاص وممتلكاتهم بأن تحوّل فجأةً مِنَ اليمين إلى اليسار دون التأكد من المركبات
(1) هذه النماذج مأخوذة من أحكام المحكمة العليا بسلطنة عُمان، وهي قائمة على طعون المحكوم عليهم، وعلى استقراء وقائع الدعوى، ونطق الأحكام من المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف.
(2) مجموعة الأحكام الصادرة عن الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا للسنة الخامسة، ص 62. (1/85)
صفحة 81
86
نظرات تجديدية فقهية
القادمة في خط التجاوز؛ الأمر الذي أدى إلى انحراف مركبة ثانية، واصطدمت بشجرة، وتدهورت ونتج عن ا الحادث وفاة وإصابات، وحكمت محكمة الجنايات بصحار بإدانة المتهم بجنايتي القتل الخطأ والإيذاء بإهمال، ومخالفة قانون المرور، وقضت بسجنه سنة، يُنفذ منها خمسة وأربعون يوما، ودفع الديات. وطعن المحكوم عليه على الحكم أمام المحكمة العليا، التي حكمت بقبول الطعن شكلا، ورفضه موضوعا، وألزمت الطاعن بالمصاريف).
- الطعن رقم (2005/ 426 م):
ملخص الوقائع والحكم:
قاد شخص مركبة بإهمال وقلة احتراز على الشريط الساحلي، فاصطدم بسلك حديدي، نتج عن الحادث وفاة شخص، وحكمت المحكمة الابتدائية بولاية السويق بإدانة المتهم بقتل المجني عليه، وبتغريمه مبلغ خمسين ريالا،
وإلزامه بدفع دية الهالك، وأيَّدت محكمة الاستئناف بصحار الحكم.
وطعن المحكوم عليه على الحكم أمام المحكمة العليا التي حكمت بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع ينقض الحكم المطعون فيه، وإحالته إلى محكمة الجنايات بصحار للفصل فيه من جديد بهيئة مغايرة".
- الطعن رقم (2005/ 485 م):
ملخص الوقائع والحكم:
شخص قاد مركبته بسرعة وبدون تَرَوّ، وبطريقة تُعرّض حياة الأشخاص وأموالهم بالخطر؛ الأمر الذي أفقده السيطرة على عجلة القيادة، فانحرفت به
(1) نفس المصدر، ص 382.
(2) نفس المصدر، ص /
427 (1/86)
صفحة 82
المسؤولية الجنائية لقائدي المركبات
87
المركبة عن خط سيرها إلى جهة اليمين مِنَ الشَّارع العام، وتدهورت، ونتج عن
الحادث وفاة مرافق قائد المركبة، وحكمت محكمة الجنايات بنزوى بإدانة المتهم بقيادة مركبة بإهمال، وتحت تأثير الكحول، ونتج عنه وفاة وإيذاء، وقضت المحكمة بسجنه لمدة سنة يُنفذ منها شهران.
وطعن المتهم على الحكم أمام المحكمة العليا، التي حكمت بقبول الطعن شكلا، ورفضه موضوعا، وإلزام الطاعن بالمصاريف.
ه - الطعن رقم (2006/ 139 م):
ملخص الوقائع والحكم
عبوره
قائد مركبة قاد مركبته بسرعة، وبدون ترو، وبطريقة تُعرض حياة الأشخاص وأموالهم للخطر؛ الأمر الذي نتج عنه دهس شخص أثناء الشارع، وإصابته بإصابات موضحة بالتقرير الطبي، وحكمت محكمة الجنايات بإبراء بإدانة المتهم قائد المركبة، وقضت بسجنه لمدة سنة يُنفذ منها شهران، وإحالة الدعوى المدنيَّة إلى المحكمة المدنية المختصة.
وطعن المتهم على الحكم أمام المحكمة العليا، التي حكمت بقبول الطعن شكلا، ورفضه موضوعًا، وألزمت الطاعن بالمصاريف (2).
مرجع داع روع
(1) المصدر السابق السنة السادسة، ص 43.
(2) نفس المصدر، ص /
357 (1/87)
صفحة 83
88
>
نظرات تجديدية فقهية
ما لا يُعدُّ مِنَ المسؤولية الجنائية لقائدي المركبات
هنالك حالات لا يمكن أنْ تُعدَّ مِنَ المسؤولية الجنائية لقائدي المركبات، وبالتالي من وجهة نظري لا يمكن أن يُحكم عليها بأنَّها من أفعال الخطأ، وبالتالي لا يمكن أيضا أن يترتب عليها أفعال الخطأ من دية للوفاة، أو
للإصابات، ومن تلك الحالات - مَثَلًا.
:-
1 ـ قائد مركبة حمل معه شخصا أو أشخاصا، وسار في الطريق ملتزما بالأنظمة والقوانين من سلامة تامة للسيارة، والتزام تام بأنظمة المرور؛ كعدم السرعة الزائدة عن المسموح بها، وعدم التجاوز، وعدم عبور خطوط المشاة، وعدم تجاوز للإشارة الضوئية الحمراء، وأثناء سيره في الشارع اعترضه جسم كحيوان ـ مَثَلاً ـ، ولم يتمكن من تفاديه، فاصطدم به، ونتج عن الحادث وفيات وإصابات؛ فإنَّ قائد المركبة في هذه الحالة لا يُعد مرتكبا لمسؤولية جنائية، وبالتالي لا يتحمل دفع مصاريف؛ كديات للمتوفين، أو المصابين؛ حيث إن هذا لا يُعدُّ مِنْ قتل الخطأ أو إصابات الخطأ، وإنما هو من باب القضاء والقدر الذي لا دخل للإنسان فيه، وبهذا حكمت محكمة الاستنئاف بمسقط.
وحيثيات القضيَّة تتلخص أنَّ هناك قائد مركبة حمل معه شخصا، وأثناء سيره اعترضه بعير، وهو قد كان ملتزما بأنظمة وقوانين المرور، ودون أدنى خلل في المركبة، ونتج عن الحادث وفاة قائد المركبة ومرافقه؛ أي: وفاة الحامل والمحمول. (1/88)
صفحة 84
المسؤولية الجنانية لقائدي المركبات
89
واعتبرت المحكمة الابتدائية بولاية بركاء أنَّ هذا مِنْ قتل الخطأ، وبالتالي حملت ورثة قائد المركبة الدّية لورثة المرافق وأصدرت المحكمة المذكورة حكمها بذلك بتاريخ (1413/ 6/14 هـ) الموافق (1992/ 12/9 م).
واستأنف المحكوم ضدهم الحكم إلى محكمة الاستئناف، التي حكمت بما يلي: رقم الدعوى (1993/ 45/5 م) بتاريخ (1413/ 11/20 هـ ـ 1993/ 5/16 م). وقد نظرنا ما كُتب هنا والذي نقوله عن الحادث لم يتسبب فيه السائق، إنما كان مِنْ قِبل البعير الذي صدمهم، فهلك السائق والطفل (المرافق)، فلا
نرى على السائق ذلك غرما، إنَّما ذلك شيء مِنْ قِبَل الله، والله أعلم.
أثناء
2 ـ قائد مركبة قاد. مركبته وفق الأسس السليمة من مراعاة الأنظمة وقوانين المرور، والتزام بالسرعة المحدّدة، ولم يتجاوز الإشارة الضوئية الحمراء، ولا خطوط المشاة وكانت السَّيَّارة سليمة تماما، واعترضه شخص سيره في الشارع، ولم يتمكن من تفاديه ودهسه، ونتج عن حادث الدهس وفاة المدهوس أو إصابته.
فإنَّ قائد المركبة في هذه الحالة - في رأيي - لا يكون مخطئا، وبالتالي لا يتحمل غرما؛ لأنَّ ذلك الشخص المدهوس هو الذي اعتدى على قائد المركبة، ورمى بنفسه في الشارع، هذا ما أراه، والعلم عند الله.
وع
(1) صورة من وثيقة الحكم عند الباحث. (1/89)
صفحة 85
90
الخاتمة
نظرات تجديدية فقهية
عرفنا مما مر ذكره وسبق طرحه أنَّ الفقه الإسلامي فيه مِنَ السَّعة والمرونة الشيء الكثير والكبير، فهو بأشباهه ونظائره يستوعب مستجدات الحياة المعاصرة، وما أفرزته من حوادث وأحداث، وذلك يدلُّ على كمال الشريعة الإسلامية.
وإذا كانت النُّصوص الشرعيَّة قرآنًا وسنة وإجماعا لها حدود تنتهي إليها، وتقف عندها من حيث كلماتها وألفاظها؛ فإنَّ الفقه فيها هو الذي يعطيها رحب المجال. ومن هنالك جعل الشرع باب القياس ممرّا واسعا إلى النصوص، فمِنْ خلاله عرفت العلة التي منها عُرفت حكمة الحكم الذي يدور مع العلة وجودًا أو عدما، ومِنَ التَّعليل جاءت المصلحة المرسلة التي هي مصالح عامة للناس؛ لتنقلب إلى مقصد شرعي يهدف إلى تحقيق الخير والمصلحة والصلاح للعباد والبلاد، على أنَّ القياس هو الميدان الذي يتسابق فيه فرسان الاجتهاد، وهناك يُعرف المجلِّي مِنَ المصلي، ويتميز الضليع مِنَ الضالع؛ لأنَّه المحك الذي يستخرج منه المجتهد الفقيه الحكم من معلومه إلى مجهوله؛ لذلك حض الله على التفقه في الدين في قوله: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ وعمل ليَتَفَقَهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 132) (1/90)
صفحة 86
المسؤولية الجنائية لقائدي المركبات
91
وحض على ذلك نبينا الكريم بقوله: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهُهُ فِي الدِّينِ»، كما جاء عند الربيع من طريق معاوية بن أبي سفيان، وفي رواية أخرى من طريق أنس بن مالك: «مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا فَقَهَهُ فِي الدِّينِ».
وفي السياق ذاته يفهم دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «اللَّهُمَّ فَقُهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلَّمْهُ التَّأْوِيلَ»، فكان بحرًا في العلم بما آتاه الله مِنْ مَلَكَةٍ تأويلية للنص،
وعمق فقهي يغوص في النَّص سبرًا وطردًا؛ استجابة لدعاء نبيه الله.
أعود فأقول: إنَّ الفقه الإسلامي وشع الحراك البشري حكمًا، فما مِنْ فعل يفعله الإنسان إِلَّا وهو مؤطَّرٌ في أحد الأحكام الشرعية الخمسة، إما واجب، أو مندوب، أو محرم أو مكروه أو مباح، وهذا الأخير هو الدائرة الأوس وسع، وتصرفه النِّيَّة إلى الخير، أو إلى الشَّرِّ، فيستحقُ الإنسان الثواب أو العقاب مِنَ الله تعالى، وصدق الله في قوله: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)
[المائدة: 50].
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. (1/91)
صفحة 87
عقوبة الإعدام
في النظر الإسلامي (1/93)
صفحة 88
عقوبة الإعدام في النظر الإسلامي
مقدمة
95
الحمد لله رب العاملين، والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:
فهذا بحث بعنوان «عقوبة الإعدام في النظر الإسلامي»، أعددته لمؤتمر الفقه الإسلامي الدولي في دورته العشرين، التي سوف تعقد بمدينة «وهران» بالجمهورية الجزائرية في الفترة مِنْ (13) - 2012/ 9/18 م)، وقد جعلته
مجمع
في ثلاثة أقسام، وخاتمة؛ وهي:
القسم الأول: الإعدام الحدي.
القسم الثاني: الإعدام القصاصي.
القسم الثالث: الحكمة من عقوبة الإعدام.
الخاتمة وفيها خلاصة البحث، ونتيجته.
الله أَنْ وعسى
ينفع به، وأن ينفعني به دنيا وأخرى ـ زيادة علم في الدُّنيا،
وثوابًا وأجرًا في الأخرى، والله ولي التوفيق.
روع دفع له (1/95)
صفحة 89
96
نظرات تجديدية فقهية
تعريف الإعدام
التعبير
لفظ الإعدام - كتعبير عن القتل - هو تعبير معاصر، وكان القتل هو السابق المعروف في هذا المعنى، قال الله عل: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32]. وقد عرف إمام اللُّغة الخليل بن أحمد الفراهيدي القتل قائلًا: «القتل معروف، يقال: قتلته إذا أماته بضرب أو جرح، أو علة، وبمثل هذا عرفه أيضا الفيروز أبادي نقلا عن ثعلب.
كما عرف الفراهيدي الإعدام بقوله: «العدم فقدان الشيء، والعدم لغة، عدمت فلانا أعدمه عَدَما؛ أي فقدته قصدا وفقدانا؛ أي: غاب عنك فقد لا يقدر عليه، وأعدمه الله مني؛ أي: أفاته» (3).
بموت أو
وهكذا يدلُّ التّعريف اللُّغوي للقتل والإعدام بأنه الإماتة والإفاتة؛ أي: إفاتة النفس وإماتتها من الحياة؛ أي: سلب الحياة. وعرف القتل شرعًا بأنَّه فعل مِنَ العباد تزول به الحياة، وهو القانوني للقتل أيضا؛ أي إنّه إزهاق روح آدمي بفعل آدمي آخر (5).
(1) کتاب العين مادة: قتل.
(2) القاموس المحيط مادة قتل.
(3) کتاب العين مادة عدم
(4) يوسف بن علي غيطان عقوبة القتل في الشريعة الإسلامية، دار الفكر. (0) عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي، ج 2، ص 9، دار الحديث بالقاهرة.
التعريف (1/96)
صفحة 90
عقوبة الإعدام في النظر الإسلامي
97
أما التعريف القانوني للإعدام فهو: إزهاق روح المجرم بسلبه حقه في الحياة، كما عُرف بأنه عقوبة توقع على من اقترف فعلا يُشكل جريمة طبقا لنصوص الشريعة الإسلامية التي خُصَّ منها عقوبة تلك الجريمة (2).
البداية التَّاريخية للقتل:
إن جريمة القتل وجدت على ظهر هذه الأرض منذ أن وُجدت الخليقة البشرية عليها، حين قتل أحد ابني آدام أخاه، حيث يقول الله: {وَاتْلُ عَلَيْهِم نَا ابْنَى آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُتِلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} (المائدة: 27) لين بسطت إِلَى يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطِ يَدِى إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [المائدة: 28) (إني أريدُ أَن تَبُوا بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَب النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاؤُاً الظَّالِمِينَ} [المائدة: 29] {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَبْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الخيرين [المائدة: 30] فَبَعَتَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَوَيْلَتى أَعَجَرْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَرِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ * مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ من قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَ تَهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} [المائدة: 31، 32]، وتذكر كتب التاريخ والتفسير أن اسمي ابني آدم قابيل وهابيل، وأن القاتل قابيل والمقتول هابيل.
(1) السيد أحمد طه علانية تنفيذ حكم الإعدام، ص 16، دون ذكر دار نشر. (2) شحاته محمد أحمد الإعدام في ميزان الشريعة الإسلامية والقانون، ص 15، المكتب الجامعي
الحديث، القاهرة. (1/97)
صفحة 91
98
نظرات تجديدية فقهية
ولكنَّ الرَّابط في الآيات المذكورة بين ما جرى لابني آدم من قتل، وبين بني إسرائيل، وما فرض عليهم من عقوبة القتل؛ لكثرة سفك الدماء بينهم، يقول الإمام القرطبي: «وخَصَّ بني إسرائيل بالذكر، وقد تقدمتهم أمم، وكان قبل ذلك قولا مطلقا، فغلظ الأمر على بني إسرائيل بالكتاب بحسب طغيانهم وسفكهم للدماء»، ويقول الإمام اطفيش: «وجرى على منوال قابيل وفسقة
بني إسرائيل؛ كفرة هذه الأمة بالقتل وغيره» (2).
(1) محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، الجامع لأحكام القرآن المجلد الثالث، ص 146، دار
علم الكتب، الرياض المملكة العربية السعودية.
(2) اطفيش، محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج 4، ص 18، والمقصود بكفرة هذه الأمة كفار النعمة، حيث إن الكفر ينقسم إلى: كفر شرك مخرج من الملة، وكفر نعمة، وهو يعادل الفسوق والفجور والعصيان. (1/98)
صفحة 92
عقوبة الإعدام في النظر الإسلامي
الإعدام الحدي
99
الإعدام الحدي: هو ما كانت فيه عقوبة القتل أو الإعدام حديَّة، ومِنَ المعلوم أنَّ العقوبة الحدّيَّة لا يجوز فيها التنازل، ولا السُّقوط؛ لأنَّه حق الله فيها
هو الغالب، والإعدام الحدي:
1 - حد الحرابة.
2 - حد الردة.
3 ـ حد زنى المحصن.
وها نحن نشرع في ذكرها، وذكر أحكامها بصورة مختصرة؛ لنبين الحكمة منها ومن مشروعيتها، وما تحققه من أمن اجتماعي، واستقرار إنساني، {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ. أَفَحُكْمَ الجهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 49 - 50].
حد الحِرَابة:
الحرابة والمحاربة مأخوذة من الحرب، وأصل الحرب أخذ المال، وترك صاحبه بلا شيء، والمراد قطع الطريق باجتماع وقوة وشوكة، وتعرض لِمَنْ عصم دمه ومال مِنْ عصم ماله من أهل التوحيد وغيرهم.
(1) اطفيش محمد بن يوسف المصدر السابق، ص 19. (1/99)
صفحة 93
" ..
نظرات تجديدية فقهية
اختفاء
وقيل: هي قطع الطريق أو الشرقة الكبرى، وإطلاق الشرقة على قطع الطريق مجاز، لا حقيقة؛ لأن الشرقة هي أخذ المال خفية، وفي قطع الطريق يأخذ المال مجاهرة، ولكن في قطع الطريق ضرب من الخفية، هو القاطع عن الإمام ومَنْ أقامه لحفظ الأمن، ولذا لا تُطلق الشرقة على قاطع الطريق إلا بقيود، فيقال السَّرقة الكبرى، ولو قيل: الشرقة فقط؛ لم يفهم منها قطع الطريق، ولزوم التقييد من علامات المجاز، فالشرقة أخذ المال خفية، والحرابة هي الخروج لأخذ المال على سبيل المغالبة، على أنَّ الحرابة في حقيقتها جريمة موجهة إلى المجتمع، أو إلى أفراد في المجتمع؛ لزعزعة الأمن والاستقرار؛ كأن يقوم شخص بتخويف النَّاس، ونهب أموالهم، وقتلهم في الطرقات، وترويعهم، وهم الذين يُطلق عليهم اليوم قطاع الطرق، وقراصنة السُّفن، ومختطفو الطائرات، وتصدق جريمة الحرابة على الأعمال الإرهابية).
وفي رأينا كذلك أن ترويج المخدّرات وتهريبها أيضا تُعتبران جريمة حرابية؛ نظرا لخطورتها على المجتمع، ولعل بعض الدول الإسلامية نظرت إليها بهذا المنظور، واعتبرتها جريمة حرابة، فطبَّقت على مروجي ومهربي المخدرات حد الحرابة.
وشرط تحقق جريمة الحرابة هي قطع الطريق، والقوة، والشوكة، والمنعة، والمغالبة، والمكابرة، وهل تكون داخل المدن والقرى ـ أي: داخل العمران - حرابة؟ خلاف، ويتوجه إلى الرَّأي القائل بتحقيق الحرابة داخل الأمصار، أو داخل العمران؛ لا سيما بعد توسع مفهوم الحرابة، وتعدد مفرداتها في العصر الحاضر؛ إذا ما قيل بشمولها؛ أي: جريمة الحرابة على الأعمال الإرهابية، وترويج وتهريب المخدرات، ولعلها تنضم إليها بعض
(1) عبد القادر عودة، المصدر السابق، ج 2، ص (2) شحاته محمد أحمد، مصدر سابق، ص 22.
493 (1/100)
صفحة 94
عقوبة الإعدام في النظر الإسلامي
101
أشكال العنف الأخرى التي من شأنها زعزعة الأمن والاستقرار في المجتمع،
والحرابة أربعة أنواع:
الأول: إذا خرج لأخذ المال على سبيل المغالبة، فأخاف السبيل، ولم يأخذ مالا، ولم يقتل أحدًا.
الثَّاني: إذا خرج لأخذ المال على سبيل المغالبة، فأخذ المال، ولم يقتل أحدًا.
الثالث: إذا خرج
لأخذ المال على سبيل المغالبة، فقتل، ولم يأخذ مالا.
الرابع: إذا خرج لأخذ المال على سبيل المغالبة، فأخذ المال، وقتل).
وكل نوع من هذه الأنواع له حكم يقابله:
النوع الأول: الذي فيه إخافة أهل الطريق، وإرهاب الناس؛ فهذا حكمه النفي، وهل الحبس أو السجن يُعتبران نفيا؟ في ذلك خلاف، ولعل الراجح اعتبارهما نفيًا، أو يقومان مقام النفي في العصر الحاضر؛ نظرًا لتعذر النفي مِنْ دولة إلى دولة؛ بحكم وجود الحدود، وما عليها من قيود، وليس ببعيد اعتبار إسقاط الجنسية أحد أوجه النفي، غير أنه لا يتحقق إسقاط الجنسية بالنسبة للمواطن الأصلي، وإنما يتحقق فقط في ممنوحي الجنسية.
النوع الثاني الذي فيه أخذ المال، فهذا حكمه القطع من خلاف لليد والرجل؛ لأن فيه أخذا للمال بالسلب والإخافة.
النوع
الثالث: الذي فيه القتل، فهذا حكمه القتل.
النوع الرابع: الذي فيه القتل وأخذ المال، فهذا حكمه القتل والصلب،
وهل على مسلم صلب؟ فيه خلاف.
(1) عبد القادر عودة، مصدر سابق، ج 2، ص 493 (1/101)
صفحة 95
102
نظرات تجديدية فقهية
والأصل الأصيل لهذه الاحكام أو العقوبات الآية الكريمة التي يقول الله وعمل فيها: (إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ ينفوا مِن الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33].
وقد جرى الخلاف في لفظة (أو) هل هي للتخيير أو للتنويع؟ فالذي يقول: إنَّها للتخيير يجعل الحاكم مخيَّرًا في تطبيق أي حكم من الأحكام المذكورة، على أي نوع من أنواع جريمة الحرابة، أمَّا مَنْ يقول: بأنَّ (أو) للتنويع؛ فإنَّه يجعل الحاكم ملزما بتطبيق كلّ حكم من الأحكام المذكورة آنفا، مقابل كلّ نوع من أنواع تلك الجريمة وفق الترتيب الآتي:
الإخافة والترويع
النفي
السلب (أخذ المال)
القطع من خلاف بين اليد والرجل
القتل
القتل
القتل والسلب
القتل أو القتل والصلب
على أن جعل لفظة (أو) للتنويع يُفيد الترتيب المذكور، وهو مأخوذ عن
ابن عباس، فقد روى الإمام الشافعي بسنده إلى ابن عباس؛ قال: «إِنْ قَتَلُوا وأخذوا مالا؛ قُتِلوا وطلبوا، وإنْ قتلوا ولم يأخذوا مالا؛ قُتِلوا، وإذا أخذوا ولم يقتلوا؛ قطعوا مِنْ خلاف، وإذا أخافوا السبيل نُفُوا مِنَ الأرض، وأرى أن
(1) اطفيش، محمد بن يوسف، شرح النيل، ج 14، ص 789، الناشر: مكتبة الإرشاد، جدة، المملكة العربية السعودية. (1/102)
صفحة 96
عقوبة الإعدام في النظر الإسلامي
103
جعل (أو) للتنويع الذي يُفيد الترتيب يَجعَل هذه الآية الكريمة أصلا لتقنين الأحكام الشرعية.
وهناك أحكام تفصيلية متعلقة بالحرابة وتطبيق الحد عليها؛ تركتها خوف الإطالة من جهة، ومن جهة ثانية فإن هذا البحث لم يُخصص لذلك، على أنَّه مِنَ الملاحظ أن الكتب الفقهيَّة تَجمَع في بعض الصور بين البغي والحرابة، كما أن كتب التشريع الجنائي الحديثة تجعل البغي جريمة حدية؛ الأمر الذي يجعل عقوبتها معهم حدّيَّة، وفي نظري أنَّ هناك فرقا بين البغي والحرابة، فالبغي خروج على النّظام السّياسي (الدولة)؛ إذا كان ذلك النظام عادلا وقائما بأمر الله، ومنفذا لشرع الله".
وتدخل أحكام قتل البغاة في أبواب الجهاد باعتبارهم حربيين، لا محاربين، أما الحرابة فهي خروج على النظام الاجتماعي (المجتمع)، على أنَّ هذه الأحكام تُطبق على المحاربين قبل القدرة عليهم؛ أي: قبل السيطرة والاستيلاء وإلقاء القبض عليهم، أما إذا تابوا واستسلموا قبل ذلك؛ فهناك أحكام أخرى؛ لقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أن الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة: 34].
حد الردة:
والردة في اللُّغة: هي الرجوع، وشرعًا: هي الرجوع عن الإسلام، أو قطع
الإسلام"، وتتحقق الردة بالآتي:
1 - ترك الإسلام، أو قطعه بالكلية.
(1) هناك خلاف بين المذاهب الإسلامية في الخروج على الحكم الجائر، فبعض أوجبه، وبعض
أجازه، وبعض لم يجوزه
(2) التشريع الجنائي الإسلامي، ج 2، ص 543. (1/103)
صفحة 97
1.2
نظرات تجديدية فقهية
2 ـ الاستخفاف والاستهزاء.
3 ـ إنكار ما يُعلم مِنَ الدِّين بالضرورة.
وهي جريمة حدية، وعقوبتها حدّيَّة، هي القتل؛ لأنَّها تمثل خروجًا على النظام الإسلامي العام بقسميه السياسي والاجتماعي، ولا شك أن في ذلك تهديدا للنظام العام ممَّا يُزعزع أمنه، ويقوّض أركانه.
كما أنَّ مِنَ الملاحظ والمعروف أنَّ الذي يترك دينه يكون أشدَّ عداوة للدين المتروك وأتباعه؛ لذلك كان الإسلام صارمًا في حكمه تجاه المرتدين دنيا وأخرى، يقول الله وجل: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَمِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَتْهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ، فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا هُمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلِي وَلَا نَصِيرٍ} [التوبة: 74]، وصدر الأمر مِنَ النبي صلى الله عليه وسلم بقتل المرتد بقوله: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ (2)، ولعل العذاب الدنيوي في الآية معناه إقامة الحد على المرتد، على أن هناك خلافا.
حد الردة وتطبيقه، فقد قيل فيه ما يلي:
1 - يُقتل المرتد - رجلا كان أو امرأة ..
2 ـ يُقتل الرَّجل، ولا تُقتَل، المرأة، بل تُحبَس، وقيل تُسترَقُ. - الأمة المرتدة؛ على سيدها جبرها على الإسلام.
4 ـ الاستتابة قبل القتل واجبة.
في تنفيذ
(1) محمود شلتوت الإسلام عقيدة وشريعة، ص 280، دار الشرق القاهرة، وانظر: التشريع
الجنائي الإسلامي، ج 2، ص 543.
(2) رواه البخاري، وأبو داود. (1/104)
صفحة 98
عقوبة الإعدام في النظر الإسلامي
105
ه ـ الاستتابة قبل القتل مستحبة.
6 ـ الاستتابة في ا
الحال.
ـ الاستتابة شهرا.
ـ الاستتابة ثلاثة أيام.
- الاستتابة أبدا (1).
غير أنه ظهر رأي معاصر يقول بإلغاء عقوبة الإعدام على المرتد؛ بحجة أنه لم يرد في القرآن نَصَّ بذلك، كما أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يقتل من ارتد عن دينه، وإنما اكتفى بالقول: «إِنَّ المَدِينَةَ كَالكِيرِ تَنْفِي خُبْثَهَا»، قاله للأعرابي الذي استقاله عن بيعة الإسلام، فخرج مِنَ المدينة دون إذن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتبعه، ولم يحكم عليه بالقتل، وقد قرأتُ مقالا لدولة الدكتور محمد معروف الدواليبي رئيس وزراء سوريا الأسبق، نشره في جريدة الشرق الأوسط التي تصدر من لندن؛ أنكر فيه عقوبة قتل المرتد (2)، وإلى هذا
العلماء
(2)
الرأي يُفهم كلام الشيخ محمود شلتوت بقوله بعد ذكره أحكام الرّدة والمرتد: «وقد يتغيَّر وجه النظر في هذه المسألة؛ إذ لوحظ أن كثيرًا مِنَ يري أنَّ الحدود لا تثبت بحديث الآحاد، وأن الكفر بنفسه ليس مبيحًا للدم، وإنما المبيح للدم هو محاربة المسلمين والعدوان عليهم، ومحاولة فتنتهم عن دينهم، وأن ظواهر القرآن الكريم في كثير من الآيات تأبى الإكراه على الدِّين، فقال تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الفي) [البقرة: 256]، وقال سبحانه: (أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)
[يونس: 99].
(1) شرح النيل، ج 14، ص 786، والتشريع الجنائي الاسلامي، ج 2، ص 554. (2) العدد: 4051، بتاريخ: 3 جمادى الآخرة 1410 هـ. (1/105)
صفحة 99
1.7
نظرات تجديدية فقهية
زني المحصن:
الزنى في اللغة: هو الدخول في مضيق؛ لقول الشاعر:
وَلَسْتُ بِزَانٍ فِي مَضِيقٍ لأَنَّنِي أُحِبُّ وِسَاعَ العَيْشِ وَالخُلُقَ الرَّحْبَا وفي الشرع: هو الوطء المحرَّم المتعمد)، وهناك تعريفات فقهية كثيرة لأصحاب المذاهب الفقهيَّة، غير أنَّ هذا التعريف أجمعها؛ لأن تلك المذاهب تلتقي تعريفاتها عنده وحوله على أنَّ الزَّاني إمَّا أَنْ يكون محصنًا أو غير محصن، فإن كان غير محصن فعقوبته الجلد، وهو عقوبة حديَّة؛ لقوله: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، وإن كان محصنًا فعقوبته
الرَّجم بالحجارة عقوبة حدّيَّة بالسُّنَّة الفعليَّة والقولية، يقول الإمام جابر بن زيد: «الوتر والرَّجم والاختتان والاستنجاء سُنَن واجبات» (3)، على أنَّه تتحقق معرفة جريمة الزني بإحدى طريقتين:
الأولى: الاعتراف مِنَ الزَّاني اعترافًا صريحًا، لا لبس فيه، ولا غموض في الوقت الذي يكون فيه مؤهلا بكامل قواه العقلية، وهل يكفي الاعتراف مرة واحدة أم لا بدَّ مِنْ تكراره أربعًا؟ في ذلك خلاف).
الثانية: الشُّهود الأربعة، على أن تكون شهادتهم مبنية على رؤيتهم المباشرة للفعل والمتحققة للمعاينة، وأن تكون شهادتهم صريحة واضحة، فإن لم تكن تلك الشهادة مشتملة على العدد المذكور، أو ليست بتلك الصورة الواضحة؛ فإنَّ الأمر ينقلب على الشُّهود، فيصبحون قذفة يقام عليهم
(1) أبو محمد ابن بركة، كتاب الجامع، ج 1، ص. 120، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان. (2) التشريع الجنائي الإسلامي، ج 2، ص 272.
(3) رواه الربيع بن حبيب، في باب فرض الصلاة، وفي باب الرجم والحدود. (4) أبو محمد ابن بركة كتاب الجامع، ج 2، ص 27
527 (1/106)
صفحة 100
عقوبة الإعدام في النظر الإسلامي
107
القذف؛ لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جلدة) [النور: 4]، وهناك مَنْ يقول بإنكار الرَّجم، ويُنسب هذا إلى الخوارج، ولا ندري مقدار صحة هذه النسبة إليهم؛ لأنَّهم لم يتركوا مؤلفات تُخبر عن أقوالهم، وتُعبر عن فقههم.
بَيْد أنَّه أصبح إنكار الرَّجم رأيًا معاصرًا، يقول به عدد من المعاصرين، وهو جريمة كبيرة وفاحشة من الفواحش وهي جريمة حديَّة، والعقوبة عليها حديَّة؛ لأن فيه هتكًا للأعراض، ويُعتبر ماشا بكيان الجماعة وسلامتها؛ إذ إنه اعتداء شديد على نظام الأسرة، والأسرة هي الأساس الذي تقوم عليه الجماعة، ولأن في إباحة الزنى إشاعة للفاحشة، وهذا يؤدي إلى هدم الأسرة، ثم إلى فساد المجتمع وانحلاله والإسلام يحرص على بقاء الجماعة متماسكة قوية (2)؛ حتى قيل: إنَّ كلَّ فحشاء في القرآن فهي الزنى (3) إلا في قوله تعالى: الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ) [البقرة: 268].
ونظرا لخطورتها فإنَّ الإسلام لم يكتف بالنهي عن فعل الزنى فقط، وإنما نهى حتى عن مقدماته والاقتراب منها؛ لقوله: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِنَى} [الإسراء: 32]، والآيات الناهية بشدَّة عن ارتكاب فاحشة الزنى كثيرة، كما أن الأحاديث النبوية المحذرة. عنه كثيرة جدا، يعلمها العالمون، ويفهمها العاقلون أولو الألباب.
روعه
(1) سمعت الشيخ يوسف القرضاوي يقول عن الشيخ محمد أبو زهرة إنه يميل إلى تقوية رأي
الخوارج.
(2) التشريع الجنائي الإسلامي، ج 2، ص 269.
(3) حسنين محمد مخلوف صفوة البيان، ص 66، وزارة الشؤون الإسلامية، الكويت. (1/107)
صفحة 101
108
نظرات تجديدية فقهية
الإعدام القصاصي
بعد أن تحدثت عن الإعدام الحدي؛ ها أنا ذا أشرع في التحدث عن الإعدام القصاصي، وأقصد به الإعدام الكلي المتلف للنفس.
تعريف القصاص:
القصاص في اللغة هو التَّقاصُ في الجراحات والحقوق شيئًا بعد شيء، ومنه الاقتصاص والاستقصاص والإقصاص، لكلِّ معنى، اقتص منه؛ أي: أخذ منه، واقتص منه؛ أي: طلب أن يقص منه، وقصه به)، والقصاص: أَنْ يُفعَل بالفاعل مثل ما فعل (2).
وهو
(2)
مأخوذ من قص الأثر، وهو اتباعه، ومنه القاص؛ لأنه يتبع الآثار والأخبار، وقص الشعر اتِّباع أثره، فكأن القاتل سلك طريقا مِنَ القتل، فقص أثره، ومشى على سبيله فقتله، وقيل القصُّ القطع، يقال: قصصتُ ما بينها؛ أي: قطعت ما بينها، ومنه أخذ القصاص؛ لأنه يجرحه مثل جرحه، أو يقتله مثل قتله، ويقال: اقتص منه (3).
والقصاص حق مقدر للأفراد؛ أي: إنَّه ليس عقوبة حدّيَّة، وإنما القصاص يجب بارتكاب جريمة القتل العمد (4)؛ لقوله تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ
جعلنا لِوَلِيهِ سُلْطَنَا} [الإسراء: 33].
(1) الفراهيدي الخليل بن أحمد كتاب العين، مادة قص.
(2) الجرجاني، كتاب التعريفات، ص 183، مكتبة لبنان، لبنان.
(3) شحاته محمد أحمد الإعدام في ميزان الشريعة والقانون وأحكام القضاء، ص 36. (4) التشريع الجنائي الإسلامي، ج 2،،2 ص 21، وص 90. (1/108)
صفحة 102
عقوبة الإعدام في النظر الإسلامي
1.9
والأصل في مشروعيَّة القصاص قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُ بِالْخَرِ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى فَمَنْ عُنِي لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ فَانْبَاعُ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنِ ذَلِكَ تَخْفِيفُ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178) {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَتأُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179].
ولكون القصاص حقًا مقدرًا للأفراد؛ فإنَّه يجوز التنازل عنه مِنْ قِبَل ولي القتيل؛ إما بأخذ الدية، أو بالعفو، بَيْد أنَّه يجب أن يكون إيقاع الحكم به من قبل ولي الأمر؛ كفا للفتن وضمانًا للاستقرار، وحرصا
على عدم الفوضى.
سبب
القصاص:
سبب القصاص هو قتل العمد، وهو أن يقصد إلى قتل إنسان، فيقتله فهو عمد، وعليه القود، وليس في ذلك دِيَة؛ إلا أن يشاء أهل المقتول، فذلك لهم، وهي في مال الجاني خاصة، وهو ما تعمد فيه الجاني الفعل المزهق قاصدا إزهاق روح المجني عليه، واقترن فيه الفعل المزهق للروح بنية قتل المجني عليه)، وهو من أعظم الجرائم، وأمره عند الله عظيم، يقول المولى ـ جل شأنه -: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فكأنما أحيا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: (32)، وقوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93].
(1) الشقصي، خميس بن سعيد، منهج الطالبين، ج 11، ص 195، وزارة التراث، سلطنة عمان. (2) التشريع الجنائي الإسلامي، ج 2، ص 10. (1/109)
صفحة 103
110
نظرات تجديدية فقهية
على أن قصد القاتل الإماتة مِنَ المقتول شرط أساسي في قتل العمد، قال العلامة الشقصي: «والعمد هو العمد المعروف، أن يتعمَّد الرَّجل أن يضرب
الآخر بقصد منه إليه».
محلُّ القصاص: و محل القصاص هو القاتل المتعمد القاصد للقتل، المفضي إلى الوفاة، شريطة أن يكون القاتل حرا بالغا عاقلا، وعلى أساس التكافؤ والمماثلة، يقول الشيخ خلفان بن جميل السيابي: «القصاص مطلقا يكون بين الأحرار الموحدين البلغ العقلاء فيما بينهم، ويكون بين العبيد فيما بينهم، وكذا بين المشركين فيما بينهم على أنَّهم ملة واحدة، وعلى أنَّهم مِلل، فلا يكون إِلَّا فيما بين أهل كلِّ ملَّة منهم على حِدَة، فلا يقتصُّ يهودي مِنْ نصراني وهكذا في سائر الملل، ويقتصُّ موحدٌ مِنْ مشرك مطلقا؛ لشرف الإسلام، دون العكس مطلقا، وقيل: يقتصُّ المعاهد مِنَ الموحد بعد أن يرد على الموحد
کعکسه،
ما تزيد جارحة الموحد عليه مِنَ الدِّية، وكذا في القتل وإتلاف النفس» (2). على أن القول بعدم قتل الموحد بالمعاهد هو قول الجمهور، أما القول بقتله فهو للإمام أبي حنيفة، قال الأستاذ عز الدين التنوخي في تعليقه على کتاب جلاء العمى: «وحكى الشَّافعي الإجماع على خلاف قول الحنفية» (3). واختلف في أداة القتل ووسيلته، فمنهم مَنْ رأى أنَّها مما يَقتُل في الغالب والعادة، ومنهم مَنْ قال بأيَّة أداة، وأية وسيلة، ولو كانتا في الغالب والعادة لا يقتلان، لكن توفّرت نيَّة القتل عند القاتل، فيُعتبر ذلك القتل
(1)
منهج الطالبين، ج 2، ص 232.
(2) جلاء العمى، ص 239.
(3) نفس المصدر هامش. (1/110)
صفحة 104
عقوبة الإعدام في النظر الإسلامي
111
عمدا، والقاتل متعمدا، وقد نقل الشيخ أبو المؤثر الصلت بن خميس
الخروصي في ذلك ما يلي:
1 - لو أنَّ رجلًا رمى رجلا ببعرة، أو نواة، أو نفكة، أو صوفة متعمدا لرميه، ثم مات؛ كان فيه القود.
2 - إن مثل هذا لا يقتل في التعارف وقد مات هذا بأجله؛ لأنَّ الله قد علم
أنه لم يعن على قتله، والممات ما عنه موئل.
ـ وكذلك كلُّ ما خرج مِنَ التَّعارف أنَّه لا يقتل، ولا يعين على القتل؛
فهذا حكمه، والقول فيه بالاختلاف».
واختار الإمام محمد بن محبوب القول بأنه: «لو رمى رجل رجلا ببعرة متعمدا أنَّها أراد بها قتله فهو عمد، وفيه القود».
وقال الأستاذ عبد القادر عودة - موضحًا أدوات القتل ووسائله ـ: «وأدوات القتل على ثلاثة أنواع:
نوع يقتل غالبًا بطبيعته؛ كالشيف والسكين، والرمح، والإبرة المسممة، والبندقية، والمسدس، وعمود الحديد، والعصا الغليظة، ونوع يقتل كثيرًا بطبيعته، ولا يقتل غالبًا؛ كالسوط، والعصا الخفيفة ونوع يقتل نادرًا بطبيعته؛ كالإبرة غير المسممة، واللطمة، واللكزة»).
حكم القصاص:
باعتبار القصاص عقوبة أصلية للقتل العمد، وكونه حقًا مقدرًا للأفراد مِنَ العباد؛ فإن حكمه الوجوب؛ لقول الله تعالى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ
(1) منهج الطالبين، ج 11، ص 196.
(2) التشريع الجنائي الإسلامي، ج 2، ص 25. (1/111)
صفحة 105
112
نظرات تجديدية فقهية
الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178]؛ بمعنى أنه فرض، والكتب الفرض؛ لأنَّه رَوْع للجاني، وبقاء للحياة الإنسانية، وقوله تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيهِ سُلْطَنَا فَلَا يُسْرِف فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كان منصُورًا} [الإسراء: 33].
(2)
وقد حكى الشيخ خلفان السيابي الاتفاق على وجوب القصاص؛ حيث قال: «ويجب القصاص في العمد باتفاق، وفي شبه العمد خلاف» (1). وتوضيح هذا الأمر وشرحه لدى متن النيل وشارحه (3)، فقد قالا: «لزم بقتل العمد الكفر والقود، ولا يصلي على مقيد به إلا من تاب؛ أي: لا يصلي عليه المنظور إليه، ويأمرُ المنظور إليه مَنْ يصلي عليه، وإن لم يجد صلى هو عليه؛ أي: لا يصلي على مَنْ أقاد نفسه بقتله مَنْ يقتل هو به، ولا سيَّما إِنْ قُيد قهرا» (ه).
(4)
وأجد من المناسب أن أنقل ما قاله مصححه والمعلق عليه، وهو الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش - موضحًا عبارتهما ـ؛ حيث قال: «المنظور إليه مَنْ له مقام في الدين؛ كالعالم، ومَنْ يَرجع إليه شيء مِنْ أمر الأمة؛ كأهل الحل والعقد، ورجال الدين؛ لما لذلك من تعظيم قاتل النفس التي حرم الله ظلما، ومَنْ كان بهذه المثابة فإنَّه لا يقوم بشأنه أصحاب الهيئة المعتبرة في الأمة؛ ردعًا لغيره من أصحاب الشَّرّ والإجرام، أمَّا ترك الصلاة مطلقا على أحد مِنْ أهل القبلة؛ فلا يحلُّ، وذلك لِمَا في المسند الصحيح، قال الربيع بن
(1) جلاء العمى، ص 240.
(2) للشيخ عبد العزيز الثميني.
(3) هو الشيخ محمد بن يوسف اطفيش.
(4) المقصود: كفر النعمة، وقد تقدم الكلام عليه. (5) شرح النيل، ج 15، ص 190. (1/112)
صفحة 106
عقوبة الإعدام في النظر الإسلامي
113
ه: سمعت جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصَّلَاةُ جَائِزَةٌ خَلْفَ كُلِّ بَارٌ وَفَاجِرٍ، وَصَلُّوا عَلَى كُلِّ بَارٌ وَفَاجِرٍ»، وفي المسند أيضا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصَّلَاةُ عَلَى مَوْتَى أَهْلِ القِبْلَةِ المُقِرِّينَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْيَوْمِ
الآخِر وَاجِبَةٌ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ.
وهناك أحكام تفصيليَّة كثيرة ومتشعبة في أبواب العقوبات بقسميها الحدي والقصاصي، ويُرجع فيها إلى المطوَّلات الفقهية العامة، أو في كتب التشريع الإسلامي؛ لأنَّ هذا البحث يتعلق بأهمية وفلسفة وحكمة عقوبة الإعدام مِنَ المنظور الإسلامي، وإنما ذكرت تلك العقوبات الحدية والقصاصية كتمهيد أو مدخل إلى الحكمة من عقوبة الإعدام التي شرعها الله، وفرضها وقرّرها على العباد، وأن أحكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَأَعْلَمْ أَنَّهَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ) [المائدة: (49)، (أَفَحُكْمَ الْجَهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ
حكما لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50].
(1) شرح النيل، ج 15، ص 190، هامش.
رقع او درهم (1/113)
صفحة 107
114
الحكمة من عقوبة الإعدام
نظرات تجديدية فقهية
خلق الله الخلق، ولم يخلقهم عبا، ولم يجعلهم هملا، وإنما أنزل أبا البشرية آدم إلى هذه الأرض؛ ليكون خليفة له، ولتكون هذه الأرض مقاما للبشرية من بعده لكي يعمروها، وركب له فيهم حب التنافس والمشاحة مِنْ أجل عمارتها، بل وحبَّ التَّدافع بالقوَّة في سبيل المغالبة والاستحواذ، كلُّ ذلك لاستصلاح هذه الأرض؛ حتى تعمر وتزدهر،، وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضُهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَلَمِينَ) [البقرة: 251]، وذلك من فضل الله على النَّاس بذلك التدافع، ولولاه لما حصل الأرض واستعمارها كما قال في ختام الآية الكريمة: {وَلَكِنَّ الله ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَلَمِينَ. بَيْدَ أَنَّه لا بد لذلك التدافع على عمارة الأرض، والتنافس فيها؛ من أحكام ضابطة لتصرُّف الناس مع بعضهم البعض، وتردعهم عن بغي بعضهم على بعض، فأرسل الرسل، وأنزل معهم الكتب، يقول الحقُّ جَل: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَب وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)
تعمير
[الحديد: 25]، وقوله وان: {وَإِن يُكَذِبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَبِ الْمُنِيرِ} [فاطر: 25].
ولا شك ولا ريب أنَّ أولئكم الرُّسل الذين أرسلهم الله مِنَ النَّاس وإلى النَّاس، وأنَّ تلكم الكتب التي أنزلها إليهم؛ كان ذلك لهداية الناس، وأمرهم بعبادة ربهم خالقهم ورازقهم، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] (1/114)
صفحة 108
عقوبة الإعدام في النظر الإسلامي
115
ما أُريدُ منهم مَن رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ • إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات: 57 ـ 58]، وكذلك لضبط تصرُّفات الناس؛ حتى لا يتعدى بعضهم على
بعض، والحكم عليهم بما أنزل الله: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49]. ومن تلك الأفعال والتصرُّفات ما كان يحدث بين الناس من قتل، والذي كان
مبدؤه ومنشاؤه على يد أحد ابني آدم، الذي قتل أخاه، فأصبح من الخاسرين والنادمين، ولا شك أن الاعتداء بالقتل تطوّر بين الناس بتطورهم، وبتطور ظروف أزمانهم؛ حتى بلغ مبلغا عظيمًا بين بني إسرائيل، حيث وقع بينهم الكثير والكثير من القتل والاعتداء، من أجل ذلك شدد الله عليهم، وغلظ عليهم بالأمر بالقتل مقابل القتل، حيث يقول المولى - جل شأنه ـ: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَتِ ثُمَّ إِنَّ كَثيرا منهم بعد ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) [المائدة: 32]، ويقول وال: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالْأَنفِ وَالأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسَنِ وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ فَهُوَ كَفَارَةٌ لَهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَوْلَتَبِكَ هُمُ الظَّلِمُونَ} [المائدة: (45)، ومنذ ذلك الوقت كان القصاص بالقتل في الأنفس، والقصاص بالجروح في الأعضاء؛ شرعًا محكما لبني إسرائيل، ولِمَنْ كان بعدهم. والقرآن الكريم لم ينص على نسخ هذه الأحكام القصاصية في الأنفس والأعضاء، بل ساقها في مساق التشريع لهذه الأمة، وزادها تأكيدا بقوله: يتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْخَرُ بِالْحَرِ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بالأنثى) (البقرة: 178]، وقوله تعالى: {وَلَا نَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قيل مظلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيهِ سُلْطَنَا فَلَا يُسْرِف فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا)
[الإسراء: 33]. (1/115)
صفحة 109
116
نظرات تجديدية فقهية
ولقد كانت الحكمة الإلهية من تقرير عقوبة القتل بقسميها الحدي والقصاصي، والقصاصي بقسميه أيضا القصاص في الأنفس، والقصاص في الأعضاء؛ ظاهرة واضحة في كف النَّاس بعضهم عن بعض، وردعهم عن الاعتداء على بعضهم البعض.
عبروا عن
وقد أبدع العرب في وصف عقوبة القتل بكونها رادعة وزاجرة عن الاعتداء بالقتل أو التسبب فيه، وذلك لِمَا أُوتُوا مِنْ بلاغة القول وفصاحة الكلام، حيث ذلك بقولهم: «القتل أنفى للقتل»، «وقتل البعض إحياء للجميع»، أكثروا القتل ليقل القتل»، وأجمعوا على أنَّ كلمة «القتل أنفى للقتل» أبلغها، وقد توج تلك الأقوال العربية الحكيمة والبليغة سيّد الشعر العربي امرؤ القيس الكندي بقوله:
بِسَفْكِ الدِّمَا يَا جَارَنَا تُحْقَنُ الدِّمَا وَبِالقَتْلِ تَنْجُو كُلُّ نَفْسٍ مِنَ القَتْلِ حتى جاء القرآن الكريم، فبزّهم بفصاحته وبلاغته، وسحب منهم البساط اللغوي والبلاغي بقوله: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةُ} [البقرة: 179]، فهو كما يقول الإمام ابن بركة: «إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء به قوما كانوا هم الغاية في الفصاحة والعلم باللغة والمعرفة بأجناس الكلام جيده ورديئه).
(1) السيد محمد رشيد رضا، تفسير المنار، المجلد الأول، ص 105، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة. (2) هذا البيت لا يوجد في ديوان امرئ القيس الموجود والمطبوع، وإنما حفظته القصة القائلة بابنة امرئ القيس الكندي الشاعر في السبايا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا محمد من أفصح من أبي وربك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا قال أبوك؟ قالت: قال:
حيي
بِسَفْكِ الدِّمَا يَا جَارَنَا تُحْقَنُ الدِّمَا وَبِالقَتْلِ تَنْجُو كُلُّ نَفْسٍ مِنَ القَتْلِ قال لها: أفصح ربي، وقالت: وما قال؟ قال لها: قال ربي: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَأْأُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179]، فأسلمت وأذعنت لفصاحة الكتاب العزيز. السيابي،
خلفان بن جميل جلاء العمي، ص 211.
(3) كتاب الجامع، ج 2، ص 52 .. (1/116)
صفحة 110
عقوبة الإعدام في النظر الإسلام
117
غير أن العرب أسرفوا في أخذ النار زيادة على المقدار، «ومن ذلك ما يروى في أسباب نزول آية القصاص أن واحدًا قتل آخر من الأشراف، فاجتمع أقارب القاتل عند والد المقتول وقالوا له: ماذا تريد؟ قال: إحدى ثلاث، قالوا: وما هي؟ قال: إما أن تحيوا ولدي، أو تملؤوا داري من نجوم السماء، أو تدفعوا إلي جملة قومكم حتى أقتلهم، ثم لا أرى أنّي أخذت عوضا، وهناك روايات
(1)
أخرى في سبب نزول آية القصاص، يُرجع إليها في كتب التفسير المطولة، وقصة مقتل كُلَيْب وما فعله أخوه مهلهل ببكر بن وائل معروفة.
عما
هي
ولذلك كان مجيء الإسلام رحمة لهم، كما كان رفعة وعزة، كما أن تشريعاته كانت رحمةً ولطفا ورأفة، ولا نشك لحظة واحدة أنه لولا تلك التشريعات المقررة للعقوبات؛ لكانت البشرية في مهامه الهلاك أكثر بكثير عليه، سواء كان ذلك في الماضي أو في الحاضر، وما حصل ماضيا، وما نراه يحصل حاضرًا مِنَ التَّعدِّيات بالقتل والإجرام بين بني البشر ما هو إلا نتيجة الابتعاد عن تشرُّب الأحكام الإلهية، على أن الناس لو طبقوا أحكام الإسلام كما أنزلها الله تعالى في كتابه العزيز، وكما أوحاها إلى نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم؛ لعاشوا في سلام، وأمن، ووئام، واطمئنان؛ لأنَّ الله الخالق هو العليم بأحوال البشر وما فيه صلاحهم: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]. ومن هناك تتجلى الحكمة في تقرير عقوبة الإعدام في العديد من البنود؛ وهي:
أولا: بقاء الحياة واستمرارها، فإن في إقامة عقوبة الإعدام استمرارا
لحياة الناس؛ لأن في إعدام شخصيَّة قاتل حياة أمة كاملة، حيث يملأ
(1) الإسلام عقيدة وشريعة، ص 308. (1/117)
صفحة 111
118
نظرات تجديدية فقهية
الخوف قلوب الكثير مِنَ النَّاس، فلا يقدمون، ولا يتجرؤون على الاعتداء عندما يعلمون أن مصير القاتل القتل؛ لأنَّ الناس من طبعهم ظلم بعضهم بعضا، فهم كما يقول المتنبي:
وَالظُّلْمُ مِنْ شِيَمِ النُّفُوسِ فَإِنْ تَجِدْ ذَا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لَا يَظْلِمُ والعلة. هي إما دين وازع، أو سلطان رادع، وهو المعنى الذي قررته الآية الكريمة من القصاص: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ يَأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179].
وقد تبارى علماء التفسير في إبراز منطوق ومفهوم هذه الآية العظيمة، وقد أتى العلامة الزمخشري المعروف ببراعته اللغوية والبلاغية بالعجب العجاب في السقوط على معناها العظيم حيث قال كلام فصيح لما فيه مِنَ الغرابة، وهو من القصاص قتل وتفويت الحياة، وقد جعل مكانًا وظرفا للحياة، ومَنْ أصابة محز البلاغة بتعريف القصاص وتنكير الحياة؛ لأنَّ المعنى: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة، وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكم قتل مهلهل بأخيه كُليب، حتى كاد يفني بكر بن وائل، وكان يقتل بالمقتول غير قاتله، فتثور الفتنة ويقع بينهم التناحر، فلما جاء الإسلام بشرع القصاص؛ كانت فيه حياة؛ أي: حياة أو نوع من الحياة، وهي الحياة الحاصل بالارتداع عن القتل؛ لوقوع العلم بالاقتصاص مِنَ القاتل؛ لأنَّه إذا هم بالقتل، فعلم أنَّه يقتصُّ منه، فارتدع؛ سَلم صاحبه مِنَ القتل، وسلم هو مِنَ القَوَد، فكان القصاص سبب حياة نفسين».
مِنْ هذا يعلم الإنسان أن الله الله إنما شرع القصاص بين بني آدم لبقاء الحياة، وصونًا لنفس الإنسان لشرفها على نفوس سائر الحيوانات (2)، وذلك
(1) الزمخشري محمود بن عمر، الکشاف، ج 1، ص 333، دار الفکر، لبنان.
(2) السيابي، خلفان بن جميل المصدر السابق، ص.
،
210 (1/118)
صفحة 112
عقوبة الإعدام في النظر الإسلامي
119
الشرف راجع إلى ما ركب الله فيه مِنْ عقل، وناط به التكاليف الشرعية، وميزه بذلك عن سائر الحيوانات.
في
ذلك
ثانيا: إيلام الجاني، فإنَّ عقوبة القصاص - سواء بالقتل أو بالجروح ـ فإنَّ كله إيلاما للجاني، ولا شك أنَّ القصاص ومقدماته من القبض على الجاني، ومحاكمته، وتنفيذ حكم الإعدام، كلُّ هذه المراحل فيها إيلام شديد للجاني، وربما تجعله يتمنى أن لو كان لم يحدث منه ذلك الاعتداء، ولعل ذلك الإيلام يكون أكثر ظهورًا في قصاص الأطراف؛ أي: الأعضاء، وهو القصاص فيما دون النفس؛ «لأنه قد يفضي إلى الموت؛ كقلع عين رجل إذا قلع هو عينه قصاصا، قد يموت المقتص منه من ذلك، فينكف عن التَّعدي، فيبقان حيين»، وتوقع الجاني للعقوبة وإيلامها؛ يجعله يشعر «أن الجزاء الذي ينتظره هو مثل فعله، وأنَّ ذلك يلقي بالاضطراب في نفسه؛ إذ يحش أنَّه لا فكاك من إنزال هذه العقوبة".
ثالثًا: إذهاب الغيظ وشفاء الصدور، وذلك أنَّ المجني عليه أو عليهم متى ما علموا أنهم يأخذون حقهم بالقصاص مِنَ الجاني؛ فإنَّ ذلك أذهب لغيظ قلوبهم، وأشفى لصدورهم، أما إذا رأوا الجاني حرا طليقا، أو حتى مسجونا؛ علة فإن ذلك لا يشفي لهم علة الانتقام، ولا يروي لهم. الراحة، بل يجعلهم يسعون إلى الانتقام، ولا شك أنَّ في ذلك إشعالا لنار الفتنة، وإسعارًا لأوارها، ودائما فإن أخذ الحق فيه إذهاب للشخائم والأحقاد، سواء كان ذلك على المستوى الفردي أو على المستوى الجماعي، ولعل هذا المعنى يُلحظ مِنْ قول الله تعالى: {قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 14]؛ وذلك لأن المؤمنين كانوا
(1) نفس المصدر، شرح النيل، ج 15، ص 269.
(2) غيطان يوسف علي محمود، مصدر سابق، ص 11. (1/119)
صفحة 113
120
نظرات تجديدية فقهية
مظلومين ومستضعفين أما المشركون - ولا سيّما مشركو قريش ـ فقد كانوا ظالمين ومستعلين.
رابعا: صيانة المجتمع، وذلك أن القصاص فيه صيانة للمجتمع مِنَ الهلاك والإفناء؛ لأن ترك المجرم الجاني القاتل مِنْ غير عقوبة القصاص؛ يجعل المجتمع في اقتتال وحروب أهليَّة لا نهاية لها، كما كان حاصلا عند القبائل العربيَّة التي كان قتل شخص واحد عندهم يؤدي إلى إفناء قبائل بأسرها، ولا ريب أن وجود عقوبة الإعدام قصاصا أو حدا؛ يجعل المجتمع في أمن واستقرار، وهذان الأمران يؤديان إلى نماء المجتمع، ويعزّزان فيه روح البقاء، يقول الشيخ مصطفى الزرقا: «إنَّ نماء الحياة الاجتماعية الطيبة بحقن الدماء، وصون النفوس والأجسام مِنَ العدوان؛ يتوقف على القصاص الذي فيه تحقيق للعدالة الكاملة، وحماية للبنية الإنسانية مِنْ أَنْ يُستهان بالعدوان عليها؛ كي يعلم المعتدي على حياة غيره أو جسمه أنَّه كأنَّما يعتدي في النهاية بنظير ذلك على نفسه عن طريق القصاص»، إلى أن قال: فجاء نظام القصاص علاجا شافيا واقعيًا مانعًا مِنَ التَّجاوز»).
خامسا: الردع والزجر، وذلك أنَّ عقوبة الإعدام تُثمر الردع والزجر في نفوس الجناة، بل وفي المجتمع، فلا تُسوّل لأفراد المجتمع نفوسهم بفعل ما فعله أولئكم الجناة القتلة المعتدون، فوجود الرَّادع الحكمي ضروري عند عدم وجود الرادع الأخلاقي والوازع الديني، يقول الدكتور صبحي المحمصاني: «ولكنَّ القصاص وإنْ كان فيه التَّشفّي أو الجبر على هذا الوجه؛ إلا أنَّه عقوبة تقصد في الأصل إلى الإرهاب والزجر للمصلحة العامة» (3).
(1) المدخل الفقهي العام، ج 2، ص 614، دار الفکر، سوريا، لبنان. (2) عقوبة القاتل في الشريعة الإسلامية، ص 12، نقلا عن كتاب: النظرية العامة للموجبات والعقود، ص 138 (1/120)
صفحة 114
عقوبة الإعدام في النظر الإسلامي
121
سادسا: نداء أولي الألباب، وهم أهل العقول الخالصة من الكورارث والملوثات، وهم المخاطبون بتطبيق وتنفيذ هذه الأحكام الشرعيَّة الرَّبَّانيَّة؛ لأنهم يقدرون حق الحياة حق قدرها، ويعرفون قيمتها جيدا، وذلك لما في الاعتداء بالقتل وإزهاق الأرواح من إثارة للفتن والاضطرابات الاجتماعية، إنْ لم تكن تعالج بأحكام الشرع؛ لأنَّه مِنَ الملاحظ والمعلوم والمفهوم أنَّ الفتن إذا أقبلت لم يبصرها إلا الخاصة والعلماء، وإذا أدبرت أبصرتها العامة؛ لذلك خص الله العقلاء أولي الألباب بالنداء؛ ليهيجهم إلى درء الفتن ودفنها؛ لأن العلم والثقافة هما العقل الثاني في الإنسان، وهو مكمل ومقو للعقل الأول الذي هو العقل الفطري، قال الشيخ محمد بن يوسف اطفيش: «وكلُّ المكلفين يجب عليهم تعاطي خلوص العقل».
سابعا: التقوى هي جماع كل خير، ورأس العمل الصالح، بل هي البوتقة التي تنصب وتلتقي فيها الأعمال الصَّالحة، وفي النهاية هي المقصودة مِنْ تطبيق أحكام الله تعالى، وتنفيذ شرعه، حيث جاءت خاتمة لآيتي القصاص: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) إلى آخر الآية، {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَتأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179).
ولعل في قول الله تعالى هي للتعليل على الصحيح، وليست للترجي، فإنَّ الحق الله لا يترجى، ولكنه يعلل أحكامه لعباده تقريبًا لأفهامهم، وتوضيحًا لمراده من كلامه ل، يقول العلامة الزمخشري: «أي: أريتكم ما في القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس لعلكم تتقون، تعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به» (3).
(1) تيسير التفسير، ج 2، ص 374.
(2) الكشاف، ج 1، ص
333 (1/121)
صفحة 115
122
نظرات تجديدية فقهية
هذه البنود السبعة هي التي تتجلى فيها الحكمة واضحة وجليَّةً مِنْ عقوبة الإعدام بقسميها الحدّي والقصاصي، على أن الآية الكريمة: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَتأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179]؛ وإن كانت نصا في عقوبة القصاص؛ إلا أن حكمها يشمل العقوبة الحدِّيَّة أيضًا؛ نظرًا لِمَا يجمع
بين العقوبتين من استبقاء الحياة، واستتباب الأمن، واستقرار المجتمع، ولا الأصل الأصيل، والمعتمد الأساس لعقوبة الإعدام في
هي
أن هذه الآية ريب الشريعة الإسلامية، وفي النظر الإسلامي.
كله
"
وفي رأيي أن الآية الكريمة جاءت بهذا الأسلوب البليغ القوي ـ وكلام الله بليغ. إنما جاءت لتعالج أوضاعًا كان القتل هو سيد الموقف فيها؛ لذلك جاءت لتكون تشريعا جامعا مانعا محكما، وضمت معاني كثيرة بألفاظ قليلة، وحروف أقل من هناك كانت عقوبة الإعدام في الحكم الإسلامي حكما ثابتا رادعا، لا يتطرق إليه الوهن؛ لأنَّه من لدن حكيم خبير، {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير} [الملك: 14]، بينما القوانين الوضعية اكتنفها الكثير من الاضطراب والتشويش، بين إقرارها حينا، وإلغائها حينا آخر، أو إقرارها في بعض الحالات، وإلغائها في حالات أخرى".
لذلك كما يقول المستشار علي علي منصور: «بدأت المحافل الدولية في العالم تقدر الشريعة حق قدرها، وتعتبر أنَّ اختلاف الآراء في الفروع مِنْ مختلف المذاهب دليل على صلاحية تلك الشريعة لمواجهة وحل مشاكل البشرية)، وذكر عددًا من المؤتمرات التي عقدت في أروبا في القرن الماضي؛ أي: القرن العشرين الميلادي، أقرت تلك المؤتمرات فيها بعظمة الشَّريعة الإسلامية وصلاحيتها، وأشادوا بأحكامه.
(1) السيد أحمد طه علانية تنفيذ حكم الإعدام، ص 15
(2) شرح النيل، ج 2، ص 29، المقدمة. (1/122)
صفحة 116
عقوبة الإعدام في النظر الإسلامي
الخاتمة
123
تناولت في هذا البحث عقوبة الإعدام، وما قررته فيها أحكام الشريعة الإسلامية الغراء، حيث ذكرت عقوبة الإعدام الحدية والقصاصيَّة، أوردت تعريفا للقتل والإعدام، والبداية التاريخية للقتل، وجعلت الحدي في ثلاث عقوبات، أو ثلاثة حدود؛ وهي:
1 - حد الحرابة.
2 ـ حد الردة.
ـ حد زني المحصن.
كما جعلت الإعدام القصاصي ينبني على تعريف وسبب، ومحل وحكم. وبعد ذلك تناولت الحكمة من عقوبة الإعدام، وما فيها من أمن اجتماعي، واستقرار سياسي، واطمئنان إنساني، معتمدًا على الآية الكريمة، حيث يقول رجال: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَأْأُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179)؛ لأن هذه
الآية العظيمة هي التي بينت الحكمة العظيمة من عقوبة الإعدام للقاتل، وعللت الحكم بالقصاص مِنَ القاتل؛ وذلك لأنَّ (لعل) في قوله تعالى هي؟ للتعليل، وليست للترجي؛ أي: لتتَّقوا، على اعتبار أنَّ التَّقوى هي الغاية القصوى مِنَ العمل الصالح، وهي البوتقة التي تنصب وتلتقي فيها الأعمال الصالحة. (1/123)
صفحة 117
124
نظرات تجديدية فقهية
واستخرجت سبعة بنود هي تجليات للحكمة من تقرير عقوبة الإعدام في الشريعة الإسلامية؛ استنادًا إلى منطوق ومفهوم آية القصاص المحكمة والبليغة، وتلك البنود السبعة هي:
1 - بقاء الحياة واستمرارها.
2 - إيلام الجاني.
- إذهاب الغيظ وشفاء الصدور.
4 ـ صيانة المجتمع.
ه - الردع والزجر.
6 - نداء أولي الألباب
7 - التقوى.
على أن عقوبة الإعدام بقسميها الحدّي والقصاصي احتوت على الكثير مِنَ الخلاف في أحكامها التَّفصيليَّة، سواء كان على المستوى المذهبي، أو على مستوى العلماء داخل المذهب الواحد؛ الأمر الذي يعسر معه إيراد تلك الخلافات؛ نظرًا لكثرتها وتشعبها؛ لأن ذلك يجعل البحث طويلا ومملا؛ لذا كان الاكتفاء بالإطار العام لتلك الأحكام أمرًا مناسبًا من وجهة نظرنا.
وأسأل الله التوفيق والسداد في القول والعمل. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
رة دفع رقع (1/124)
صفحة 118
التعامل مع غير المسلمين
«رؤية إسلامية، وواقع تاريخي (1/125)
صفحة 119
التعامل مع غير المسلمين «رؤية إسلامية، وواقع تاريخي
مقدمة
127
الحمد لله رب العالمين والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:
مي
فهذا بحث عنوانه «التعامل مع غير المسلمين - رؤية إسلامية، وواقع تاريخي»، أعددته لندوة تطور العلوم الفقهيَّة في عُمان، في دورتها الثانية عشـ عشرة التي بعنوان «فقه رؤية العالم والعيش فيه - المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة. وهذا البحث يناقش العلاقة الإسلامية مع غير المسلمين من أهل الكتاب
وغيرهم، وقد جعلته في أربعة محاور وخاتمة؛ وهي:
المحور الأوّل: نظرة إسلاميَّة عامة إلى غير المسلمين.
المحور الثاني: التعامل مع اليهود.
المحور الثالث: التعامل مع المسيحين.
المحور الرَّابع: التعامل مع المجوس والهندوس وآخرين.
الخاتمة: وفيها بعض الأحكام الأخرى.
والله ولي التوفيق. (1/127)
صفحة 120
128
نظرات تجديدية فقهية
نظرة إسلاميَّة عامة إلى غير المسلمين
بعث الله نبيه ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى كافة الناس بشيرًا ونذيرا؛ ليحيا مَنْ حي على بينة مِنَ الأمر، ويهلك مَنْ يهلك على بينة مِنَ الأمر، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا كَافَةُ لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (سبا: 28) مبشرا برحمة الله وثوابه لِمَنْ يستجيب لنداء الإسلام وداعي الإسلام، ومنذرًا بعقوبته وعذابه لِمَنْ لا يستجيب إلى النّداء الرَّبَّاني، وأنزل معه الكتاب، وهو القرآن الكريم بالحق والعدل.
وجعل الله وعن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين رحمة لهذا الوجود مِنْ إنسه وجنّه، وشجره ودوابه، وحجره ومدره، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً للعلمين) [الأنبياء: 107].
وقد خص الله تعالى في قرآنه أهل الكتاب - وهم اليهود والنصارى - بنداءاته المتكرّرة؛ كقوله تعالى: {يَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يبين لكم كثيرا ممَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ وَيَعْفُوا عَن كثير قد جاءَ كُم من الله نور وكِتب مبي} [المائدة: 10] يَهْدِى بِهِ اللهُ مَن اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيرٍ} [المائدة: (1) وقوله عز من قائل: (يَنأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتَرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٌ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرُ وَنَذِيرُ والله على كلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 19]. (1/128)
صفحة 121
التعامل مع غير المسلمين رؤية إسلامية، وواقع تاريخي
129
وقد أطلق الإسلام على اليهود والنصارى بأنهم أهل الكتاب؛ اعترافًا منه بما كانوا عليه من دين إلهي؛ كرسالة موسى، ورسالة عيسى، وما كان عندهم مِنْ كتب ربَّانيَّة - التَّوراة والإنجيل -، بغض النظر عن تحريفهم إيَّاهنَّ؛ وذلك لإشعارهم باقترابهم مِنَ الإسلام واقتراب الإسلام منهم، ولا شك أن إطلاق مصطلح أهل الكتاب على اليهود والنصارى فيه خصوصيَّة لهم، لا توجد لغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى، لذلك خصهم الإسلام بأحكام تقربهم من المسلمين وتقرّب المسلمين إليهم؛ كالقول بطهارتهم، وأكل طعامهم، وذبائحهم، وتزوج نسائهم، وغير ذلك من الأحكام الجميلة، ولم يفت الإسلام أن ينظر نظرته الرَّحيمة إلى أصحاب الديانات الأخرى من غير
أهل الكتاب.
ومن الإنصاف جيدا أن يتشدّد الإسلام تجاه مشركي العرب بأن لا يقبل منهم إِلَّا الدخول في الإسلام، أو يوجّه إليهم الحكم بالقتل؛ وذلك على اعتبار أن الله تعالى اختارهم لحمل رسالة الإسلام إلى الناس، وجعل فيهم النُّبوَّة بأَنْ بعث محمدا صلى الله عليه وسلم منهم، وإذا امتنعوا عن قبول الإسلام، ورفضوا الدخول فيه، فغيرهم أحرى أن يتخلف عنه، أمَّا مشركو العجم، أو وثنيو العجم؛ فلم يكن الإسلام تجاههم بتلك الشِّدَّة، بل اكتفى منهم بدفع الجزية مقابل الحماية الإسلامية لهم.
وعلى العموم فإنَّ الإسلام لم يناصب أحدا من البشرية العداء، بل كانت نظرته إليهم نظرة رحمة ورأفة وشفقة، على اعتبار أنهم شركاء في الإنسانية، والنوع البشري، طالما أنَّهم لم يناصبوا الإسلام والمسلمين
(1) تقسيم البشر إلى عرب وعجم هو تعبير قرآني، أي ما عدا العرب فهم عجم، {وَلَوْ جَعَلْتَهُ قرءانا أَعْجَمِيّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ وَايَنُهُ وَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبي) [فصلت: 44]. (1/129)
صفحة 122
130
نظرات تجديدية فقهية
العداء، وافتعال الحروب وأعمال القتل، وهو ما يؤكده القرآن الكريم في توجيهه للمسلمين تجاه غيرهم، إذ يقول الله: لَا يَنهَنكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخرِجُوكُم مِّن دِيَرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ: إِنَّمَا يَنهَنكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَرِكُمْ وَظَهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوهُمْ وَمَن يَنَوَكَّهُمْ فَأَوْلَتِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الممتحنة: 8 - 9]، وهاتان الآيتان هما الأصل الأصيل في التعامل مع الآخر غير المسلمين، فالله تعالى المسلمين أن يعاملوا غيرهم بالمعروف والعدل والبر والإحسان طالما أنَّهم لم يدخلوا معهم في حروب، ولم يواجهوهم بالعدوان، ولم يقوموا بالاعتداء على المسلمين في أنفسهم وأموالهم ظلما وعدوانًا، والظاهر أن عدم نهي المسلمين عن فعل البرّ والقسط والمعروف حيال غيرهم يقتضي الأمر بفعل ذلك من باب مفهوم المخالفة على حد القول القائل: ما مِنْ كلام إلا وله مفهوم.
ينهى
وقد استنبط الإمام ابن بركة مِنَ الآيتين الشريفتين جواز مصافحة أهل الذمة، وعيادة مرضاهم، وبدأهم بالسَّلام، ومخاطبتهم بالأسلوب الراقي الجميل، ما لم يخرج الأمر عن الوضع الطّبيعـ الاعتيادي المألوف بين النَّاس (1). ومما أخذه الله ميثاقا من بني إسرائيل، وقصّه علينا على جهة التشريع أن يقولوا للناس حسنا، حيث يقول: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقِّ بَنِي إِسْرَاءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَقُولُوا للنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]، وهذا مِنْ باب أنَّ شرع مَنْ قبلنا شرع لنا؛ إذ قصه الله علينا على جهة التشريع".
(1) الجامع، ج 1، ص 226. (2) هو أحد الأقوال الأصولية الثلاثة، وهي هل شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم ينسخ؟ قيل: شرع = (1/130)
صفحة 123
التعامل مع غير المسلمين رؤية إسلامية، وواقع تاريحي
131
ومن المعلوم أن الخطاب القرآني بالمؤمنين يتوجه إلى المسلمين، أما خطابه بالناس فيتوجه إلى جميع أفراد البشر، وقولوا للناس حسنا؛ أي: لجميع الناس، والأحاديث النبوية في ذلك كثيرة، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل أو لأبي ذر: «اتَّق الله حيثما ما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالقِ النَّاس بخلق حسن».
ويدخل في المعاملة الحسنة من المسلمين لغيرهم ما كان يعامل به العُمانيون التجار غير المسلمين الذين كانوا يأتون من بلدانهم غير الإسلامية، فإن أهل عُمان كانوا يأخذون عليهم مثل ما تأخذ حكوماتهم على المسلمين من رسوم جمركيَّة مِنْ باب المعاملة بالمثل من غير زيادة)، ومن هذه المنطلقات تعامل الإسلام مع جميع الناس على مختلف طوائفهم وأطيافهم، وهو ما سنراه في المحاور والفقرات التالية.
يق بقع دم
=
لنا مطلقا، وقيل: ليس شرعًا لنا مطلقا، وقيل: شرع لنا إذا قصه الله علينا على جهة التشريع، وهذا الذي رجحه الإمامان الكبيران محمد اطفيش ونور الدين السالمي، انظر: تيسير
،27، تحقيق إبراهيم طلاي طبعة الجزائر، وطلعة الشمس
التفسير للإمام، اطفيش ج 2، ص للإمام السالمي، تحقيق: عمر القيام، ج 2، ص 96.
(1) رواه أحمد، والحاكم، والبيهقي
(2) أصول بيت المال للباحث، ص 63، مكتبة الأجيال، سلطنة عمان. (1/131)
صفحة 124
132
التعامل مع اليهود
نظرات تجديدية فقهية
اليهود في المدينة
بدأ التعامل الإسلامي اليهودي في المدينة المنورة بعيد هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه إليها، فقد انتقل جزء منهم إلى المدينة، وكانت تُسمى يثرب، بعد أن غزاهم بُخْتَنَصَّر البابلي سنة 587) قبل الميلاد)، وقضى على مملكتهم، ومزقهم، وشرد بهم في البلاد، وخرب بيت المقدس، ونزلوا في أماكن متفرقة من جزيرة العرب، ونزل قسم كبير منهم في يثرب (المدينة المنورة)، وقد كان يهود بني قينقاع هم أوَّل مَنْ سكن يثرب، ثم تكاثروا بها، وبنوا بها الآطام، فقد كان لهم حين الهجرة النبوية تسعة وخمسون أطما، كما أنهم كانوا يشكلون نيفا وعشرين قبيلة، أكبرها القبائل الثلاث؛ وهي: بنو قينقاع وبنو النضير، وبنو قريضة، أما بقية القبائل فهم مختلطون مع بطون الأوس والخزرج من العرب.
دستور المدينة
وبعد وصول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كتب الا الله كتابا بين المسلمين واليهود، أقر التعايش السلمي المشترك بين أهل المدينة من مسلمين ويهود، وقال
(1) الآطام الحصون المرتفعة، والظاهر أنها كانت مثل الحُجُر العمانية، فإن الحجرة العمانية هي مجموعة مساكن متصل بعضها ببعض، ويحوط بها سور، ولها مداخل (2) السمهودي علي بن أحمد، وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى، ج 1، ص 132، دار الكتب العلمية. (1/132)
صفحة 125
التعامل مع غير المسلمين الرؤية إسلامية، وواقع تاريخي
133
ابن إسحاق: «وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه اليهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم، واشترط عليهم». وهذا الكتاب هو الذي سماه المؤرّخون الصحيفة، ويسميه المعاصرون وثيقة المدينة، أو دستور المدينة، وهي أول وثيقة تُعنى بشؤون المواطنة وحقوقها، وقد قسمها المفكرون المعاصرون إلى مواد دستورية.
الإنصاف الإسلامي لليهود:
وفي إطار هذه الوثيقة أو الصَّحيفة، ومن خلال الآيات القرآنية الشريفة؛ تعايش المسلمون واليهود في المدينة النبوية المنوّرة، وكان القرآن ينزل ويعطي كل ذي حق حقه، دون النظر إلى اللون أو الجنس أو العرق أو الدين، يقول الله ل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَنتَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تحكمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعمَا يَعِظُكُم بِهِ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (النساء: 58).
وقد دافع القرآن الكريم عن يهودي أراد بعض المسلمين ـ وهم بنو أبيرق ـ أن يلقوا إليه تهمة سرقة حدثت لبعض الناس، فأنزل الله تسع آيات بينات تدافع عن اليهودي، وتحذر النبي من الميل والإنحياز الى المسلمين ضد اليهودي، الله وسمى أولئكم المسلمين السارق وجماعته بالخائنين، وتلك الآيات الكريمات التي نزلت في ذلك هي قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لتحكُم بَيْنَ النَّاسِ مَا أَرَنكَ اللهُ وَلَا تَكُن لِلْخَاسِنِينَ خَصِيمًا، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا، وَلَا تُجَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَختَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَانًا أَثِيمًا. يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ يُحِيطًا. هَتَأَنتُمْ هَؤُلاء جَدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَدِلُ الله عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَم مَن يَكُونُ
(1) معالم السيرة النبوية، للباحث، ص 148 مكتبة الضامري، سلطنة عمان. (1/133)
صفحة 126
134
نظرات تجديدية فقهية
عَلَيْهِمْ وَكِيلا. وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا، وَمَن يَكْسِبُ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا. وَمَن يَكْسِبُ خَطِيئَةٌ أَوْ إِثْمَا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَنا وَإِثْمًا مُّبِينًا، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ، هَمَّت طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيما} [النساء: 105 - 113].
فأي إنصاف أكبر من هذا الإنصاف؟ وأي معاملة أفضل من هذه المعاملة؟ إنه الإسلام الحنيف العظيم الذي وسع النَّاس رحمة وعدلا، وهكذا نجد التعايش الإسلامي اليهودي المشترك قائما على ساق ثابتة، لولا أن نقض اليهود ما في صحيفة المدينة من موادعة وتفاهم وتنسيق؛ فكان أن نقضها أولا بنو قينقاع، ثم تلاهم بنو النضير، ثم بنو قريظة، حتى أجلاهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مِنَ المدينة إلى خيبر، وإلى أذرعات بالشَّام، وهم بنو قينقاع وبنو النضير، أما بنو قريضة فقد حكم فيهم بالقتل فقُتِلوا؛ لأنَّ خيانتهم ضد المسلمين كانت كبيرة، غير أنَّه بقى هنالك بقايا مِنَ اليهود الذين كانوا مرتبطين ببطون الأنصار الأوس والخزرج ـ، واعتبرهم المسلمون أهل ذمة)، لهم حقوق المواطنة كاملة، لهم ما لسائر المواطنين، وعليهم ما عليهم، مقابل أخذ الجزية منهم لحمايتهم، والالتزام بمنع الاعتداء عليهم.
ولقد كان موقف الإسلام حساسًا مِنَ التَّقصير في شأنهم، فقد حدث أن رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رجلا يهوديًا طاعنا في السن يتكفف النَّاس في شوارع المدينة، فسأله الخليفة عن حاجته وشأنه، فأجابه بأنه على
(1) يكره حاليا غير المسلمين المواطنون والمقيمون في بلاد المسلمين وصفهم بأهل الذمة، مع أن مصطلح أهل الذمة يحمل الكثير من المعاني الإيجابية تجاههم، على اعتبار أن ذمة
المسلمين مشغولة بحمايتهم، وتوفير الأمن والاستقرار لهم، ودفع الظلم عنهم. (1/134)
صفحة 127
التعامل مع غير المسلمين رؤية إسلامية، وواقع تاريخي
135
فاقة من الأمر، وليس عنده ما يقيم به حياته من مال، هنالك قال الخليفة كلمته الخالدة المنصفة العظيمة ما أنصفناك إذا أخذنا منك الجزية وأنت شاب مقتدر، ونضيعك وأنت كبير في السِّنِّ، فأخذه وأمر بإجراء عطاء له من
بيت المال.
وقد عاش اليهود في بلاد المسلمين طوال التاريخ الإسلامي دون أن يتعرضوا لأذى؛ لحماية الإسلام لهم، طالما أن تحركاتهم في إطار النظام الإسلامي العام، ومن المعلوم أن مسلمي البلقان كان لهم الفضل في حماية
اليهود مِنَ النَّازِيِّين في أروبا.
اليهود في عُمان:
أما
في
عُمان فقد عاش اليهود الذين كانوا يأتون للتجارة إليها في بعض
الفترات التاريخية الإسلامية، ويقيمون بها مع العُمانيين جنبا إلى جنب في
إطار الاحترام المتبادل، والاستقرار المعيش.
ومن المعلوم أنه توجد لليهود مقبرة في صحار)، مما يدلُّ على إقامتهم بها، واستيطانهم إيَّاها في فترة تاريخية ما، وأخبرني شيخنا العلامة الجليل أحمد بن حمد الخليلي أنه اطلع على صكوك شرعية عُمانية فيها إقرار أشخاص من اليهود بصيغة أقرّ فلان بن فلان الإسرائيلي"
ص
(3)
57، دار الفکر، بيروت، لبنان.
(1) ابن سلام أبو عبيد القاسم الأموال. (2) توجد في صحار مقبرة صغيرة مما يدل على أنهم كانوا جالية صغيرة، ولعل وجودهم بصحار إبان ازدهارها الاقتصادي والتجاري قبل الاسلام وحتى القرن السادس الهجري، وبعد ذلك الحركة التجارية إلى قلهات في القرنيين السابع والثامن للهجرة / الثالث عشر والرابع عشر
للميلاد، وبعد ذلك انتقلت الحركة التجارية إلى مسقط. (3) تلك الصكوك طبعًا منها لهم فيها الحقوق ومنها عليهم. (1/135)
صفحة 128
136
نظرات تجديدية فقهية
بَيْد أنَّ وجودهم بعمان كان متقطعا، فكانوا يوجدون فيها بين الفينة والأخرى؛ لأن مجيئهم كان للتجارة، وحسب الظروف الاقتصادية لعمان والعالم، وفي العهود الأخيرة انحصر وجودهم في مسقط باعتبارها العاصمة السياسية والتجاريَّة لعُمان، ويذكر روبرت جيران لاندن أنَّ هناك عددًا مِنَ اليهود بين عهدي السُّلطان سعيد بن سلطان والإمام عزان بن قيس؛ كانوا موجودين في مسقط يعملون في الصناعة، وإلى عهد قريب كان هناك شخص واحد بقي منهم، واسمه سلمان، إلا أنه مات ولم يخلف عقبا، وكان يتنقل بين وبوشر (2)، ولعله كان يخفي يهوديته، ويُظهر الإسلام، أو أنه صار مسلما
مسقط
(2)
حقيقة؛ لأني سمعت أنَّه تزوج امرأةً عُمانية مسلمة، والعلم عند الله.
وكان اليهود في عُمان يتداخلون ويتزاورون مع جيرانهم المسلمين، وكان الشيخ موسى بن علي العزري (3)، وهو من أئمة العلم وكبار العلماء؛ له جار يهودي، وقد دعا اليهودي الشيخ موسى يوما ما إلى زيارته، فزاره الشيخ، ومعه عدد من الأشخاص، وأعد لهم ذلك اليهودي طعاما فأكلوا منه، ما عدا الشيخ موسى فإنَّه لم يأكل منه؛ لعله لظرف صحي، لكنه أمر أصحابه بالأكل).
وقد منحهم العُمانيون العدل والإنصاف في التعامل بينهم وبين المسلمين وغيرهم، وقد حدث أن يهوديًا كان في بلدة منح بالمنطقة الداخلية مِنْ عُمان، وكانت له أمة مسلمة، وذلك على عهد دولة الإمام محمد بن أبي عفان
(1) عمان مسيرا ومصيرًا، ترجمة: محمد أمين عبد الله، ص 99، وزارة التراث والثقافة (2) أخبرني بهذا الشيخ القاضي هاشم بن عيسى الطائي، وقد عمل الشيخ المذكور قاضيا على سمائل وفي مسقط، ثم عين مدرسًا بمعهد القضاء الشرعي، وتوفي سنة 1411 هـ 1991 م، وكان الشيخ هاشم قد أدرك سلمان هذا.
(3) هو شيخ الإسلام والمسلمين ومرجع الفتيا والقضاء على عهد الإمامين: عبد الملك بن حميد، والمهنا بن جيفر، ولد سنة 177 هـ، وتوفى سنة 231 هـ
(4) السالمي، عبد الله بن حميد، معارج الآمال، ج 3، ص 332، وزارة التراث والثقافة. (1/136)
صفحة 129
التعامل مع غير المسلمين رؤية إسلامية، وواقع تاريخي
137
اليحمدي (177 - 179 هـ)، ولَمَّا علم الإمام بإسلامها أمر ببيعها من عند اليهودي، فلجأ اليهودي إلى العلامة الكبير موسى بن أبي جابر)، الذي كان المرجع العام للدولة، فأمر بردّها إلى اليهودي، فاعترض عليه الإمام قائلا: يا أبا علي أرأيتك إن أخذ برجليها فمن يمنعه منها وهي مملوكته؟ (2) وهي مسألة خلافية بين علماء المذهب، فإنَّ منهم من يرى عدم جواز وجود أمة مسلمة في ملك أهل الكتاب - وإن كانوا أهل ذمة ـ، ومنهم مَنْ يفرّق بين الذكور والإناث مِنَ المماليك، فأجازوا ذلك في الذكور، ومنعوه في الإناث، ومنهم من أجاز ذلك بشرط عدم تحويلهم عن إسلامهم، إلى غير ذلك مِنَ الأقوال الفقهية المختلفة، ولعلَّ العلامة الكبير اشترط على ذلك اليهودي عدم تحويل تلك الأمة. عن إسلامها، وألا يفترشها - يستعملها جنسيًا ـ.
والقصة تدلُّ على وجود يهودي قديم بعُمان، حتى أ أنهم كانوا موجودين بالمنطقة الداخلية منها، كما تدلُّ على دقة إقامة العدل وإعطاء الإنصاف
للجميع بمختلف طوائفهم، وأطيافهم، وأجناسهم، وألوانهم.
في
وقد يستغرب وجود يهودي بمنح مِنَ المنطقة الداخلية مِنْ عُمان، ولا غرابة ذلك؛ لأن منح كانت عاصمة الدولة العُمانية على عهد الإمام محمد بن أبي عفان، وبداية إمامة الوارث بن كعب قبل أن تكون نزوى هي العاصمة، ومن شأن العواصم أن تضم أطيافًا مِنَ النَّاس، مختلفي الأديان والمذاهب والأعراق والألوان.
(1) هو موسى بن أبي جابر الضبي السامي الأزكوي أحد حملة العلم إلى عمان، حمل العلم عن الإمامين أبي عبيدة مسلم والربيع بن حبيب قامت على فكره دولة الإمامة الثانية، التي كان أول الأئمة بها: محمد بن أبي عفان اليحمدي.
(2) الشقصي، خميس بن سعيد، منهج
الطالبين، ج 14، ص " 163، وزارة التراث والثقافة. (1/137)
صفحة 130
138
التَّعامل مع المسيحيين
نظرات تجديدية فقهية
المسيحية في الجزيرة العربية
تعتبر المسيحيَّة أو النصرانية قليلة الوجود في الجزيرة العربية، على العكس من الوجود اليهودي، فإنَّ اليهود كانوا أكثر وجودا بها؛ عدا وجود مسيحيين في نجران بجنوب الجزيرة العربية، وفي رأيي أن وجودهم بنجران كان نتيجة احتلال الحبشة النّصارى لليمن، وعدا وجود مسيحيين في الطرف الشمالي للجزيرة العربية، وفي رأيي أنَّ ذلك من قبل تأثرهم بعرب الشام الذين كانوا خاضعين لدولة الروم المسيحية.
وقد بدأت علاقة الإسلام بالمسيحيين منذ هجرة عدد من الصحابة - رضوان الله عليهم - إلى الحبشة بأمرٍ مِنَ النبي صلى الله عليه وسلم قائلًا: إِنَّ بها ملكًا لا يُظْلَم عنده أحد، وهناك تعرف النجاشي والحبشة على الإسلام من خلال المسلمين، وبالتحديد من المحاورة التي دارت بين النجاشي وجعفر بن أبي طالب، التي أوضح فيها جعفر مبادئ الإسلام، وخطوطه العريضة للنجاشي بحضور عدد
من أكابر الحبشة.
الوفود النَّصرانية:
لذلك جاء وفد الحبشة المكوّن من عشرين شخصا أو أكثر إلى مكة لمقابلة النبي صلى الله عليه وسلم، وللتعرف على ما جاء به من دين عن قُرب، ولَمَّا أخبرهم الا عن الإسلام، وتلا عليهم شيئًا مِنَ القرآن؛ فاضت أعينهم دموعا، (1/138)
صفحة 131
التعامل مع غير المسلمين رؤية إسلامية وواقع تاريخي
139
يقول الله ـ جل شأنه ـ في ذلك: وَلَقَدْ وَصَلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * الَّذِينَ انَتَهُمُ الْكِتَبَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ: إِنَّهُ الْحَقُّ مِن زَيْناً إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ. أَوَلَيْكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَبَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ، وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغَوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص: 51 - 55]؛ وذلك لأن قريشا أردوا أنْ يصدُّوهم عن التَّعرُّف على الإسلام؛ حتى لا يتأثروا به
ويدخلوا فيه.
وبعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بقليل جاء وفد نصاري نجران، ودار بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم نقاش طويل وجدال كبير إلى أن اقتضى الأمر بأن دعاهم الله إلى المباهلة، ولكن امتنعوا لنصيحة كبيرهم قائلا: لو باهلتم لما بقى على وجه جه الأرض نصراني؛ لعلمه بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، يقول الله وال حاكيا ذلك المشهد، ورادا على ادعاء النَّصارى في شأن نبي ال الله عيسي بن مريم، حيث يقول: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ • الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ، فَمَنْ حَاجَكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَذِبِينَ وَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّا اللهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمُ
بِالْمُفْسِدِينَ} [آل عمران: 59 - 63].
وقد
حسم
الله وعمل الموقف بين الإسلام والمسيحية، أو موقف الإسلام مِنَ
المسيحية بدعوة المسيحيّين إلى الكلمة الشواء، ومعنى الشواء: العدل
والنصفة، وهي كلمة التوحيد، التي لا يختلف حولها الأنبياء والرسل، ولا
(1) حول هجرة المسلمين إلى الحبشة، وحول مجيء وفود نصارى الحبشة ونجران؛ يرجع إلى كتاب سيرة ابن هشام. (1/139)
صفحة 132
140
نظرات تجديدية فقهية
وتنزيهه
الأديان الربانية، وهي كلمة (لا إله إلا الله، الدالة على وحدانية الله وتقديسه، يقول الله في ذلك: قُلْ يَنأَهْلَ الْكِتَب تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 11]. وتقتضى الكلمة الشواء ـ التي هي كلمة التوحيد ـ أنَّه لا عبادة لغير الله، ولا شريك الله، ولا اتخاذ غير الله أربابا، فهذه اللاءات القرآنية الثلاث، هي التي تشكل الإطار الذي يجب أن تلتقي فيه الديانات الربانية أو السَّماوية، ومنه ينطلق التفاهم الإسلامي اليهودي المسيحي، على اعتبار أن هذه اللاءات هي القاسم المشترك بين هذه الأديان، إنَّ هذه اللاءات القرآنية الثلاث هي دلالات
لفظية تحمل معنى الالتزام بعبادة الله ل وتوحيده، والإقرار له بالربوبية. وبعد إعراض نصارى نجران عن المباهلة وتخوفهم منها؛ طلبوا مِنَ النبي صلى الله عليه وسلم أَنْ يُقرَّهم على دينهم، وأن يرسل معهم رجلا أمينا ليحكم بينهم فيما اختلفوا عليه وتنازعوا فيه من الأموال والحقوق فأرسل معهم أبا عبيدة عامر بن الجراح، ومنذ ذلك سمّي أمين الأمة بعد أن اشرأبت أعناق غيره مِنَ الصحابة إلى هذه المنزلة، وأقرهم على دينهم، وكتب لهم في ذلك عهدًا.
عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى نصارى نجران:
«بسم
الله الرّحمن الرّحيم، هذا ما كتب محمد النَّبي رسول الله لأهل
نجران، إذا كان عليهم حكمه في كل ثمرة وفي كل صفراء وبيضاء ورقيق، فأفضل ذلك عليهم، وترك ذلك كله لهم، على ألفي حلة من حلل الأواقي، في كل رجب ألف حلة، وفي كلِّ صفر ألف حلة، كل حلة أوقية مِنَ الفضة، فما
(1) يرجع في تفسير الآيات من 59 ـ 64 من سورة آل عمران إلى الكشاف للزمخشري، وتيسير التفسير للشيخ اطفيش. (1/140)
صفحة 133
التعامل مع غير المسلمين رؤية إسلامية، وواقع تاريخي
141
زادت على الخراج، أو نقصت عن الأواقي؛ فبالحساب، وعلى نجران مؤونة
ما رسلي، ومتعتهم شهر، وعليهم عارية ثلاثين درعا وثلاثين فرسا، وثلاثين بعيرًا إذا كان كيد باليمن ومعرة، وما هلك ممَّا أعاروا رسلي مِنْ دروع، أو خيل، أو ركاب، أو عروض؛ فهو ضمين على رسلي حتى يؤدّوه إليهم، ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أموالهم، وأنفسهم، وملتهم، وغائبهم، وشاهدهم، وعشيرتهم، وبيعهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، لا يغير أسقف مِنْ أسقفيته ولا راهب مِنْ، رهبانيته، ولا كاهن من كهانته، وليس عليهم، ربية ولا دم، جاهلية، ولا يحشرون، ولا يعشرون، ولا يطأ أرضهم جيش، ومَنْ سأل منهم حقًا فبينهم النصف غير ظالمين، ولا مظلومين، ومَنْ أكل ربا مِنْ ذي قبل فذمَّتي منه بريئة، ولا يؤخذ رجل منهم بظلم آخر، وعلى ما في هذا الكتاب جوار الله وذمَّة محمد النَّبي رسول الله، حتى يأتي الله بأمره، ما نصحوا وأصلحوا ما عليهم غير مثقلين بظلم».
بين عشرين يوما فما دون ذلك، ولا تحبس رسلي فوق
كما أعطى النبي أهل إيلة (إيلات)، وأهل دومة الجندل، وأهل أذرح، وأهل الجرباء، وهم مسيحيون؛ عهودًا أثناء مسيره إلى غزوة تبوك، أقرهم فيها على ديانتهم المسيحيَّة (2).
العهدة العمرية
ويواصل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب المسيرة المباركة في إقرار النصارى على دينهم، وإعطائهم حقوقهم المشروعة إسلاميا من تعهدات والتزامات بضمان ذلك لهم، مقابل التزامهم بما عليهم من حقوق وواجبات
(1) الحيدر أبادي، محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية، ص 174، دار النفائس، بيروت. (2) معالم السيرة النبوية، للباحث، ص 232. (1/141)
صفحة 134
142
نظرات تجديدية فقهية
(1)
في النظام الإسلامي العام، حيث أعطى أهل القدس عهدًا بذلك، وكتب لهم ما عُرِف فيما بعد بالعهدة العُمريَّة)، جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء " مِنَ الأمان، أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم، ولا تهدم، ولا ينقص منها، ولا مِنْ حيّزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم ولا يُكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن إيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن وعليهم أن يخرجوا منها الروم وللصوت (3)، فمَنْ خرج منهم فإنَّه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومَنْ أقام منهم فهو آمن وعليه ما على أهل إيلياء مِنَ الجزية، ومَنْ أَحَبَّ مِنْ أهل إيلياء أَنْ يسير بنفسه وماله مع الروم، ويخلي بيعهم وصلبهم؛ فإنَّهم آمنون على أنفسهم، وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم، وما كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان، فمَنْ شاء منهم قعدوا عليه؛ مثل ما على أهل إيلياء مِنَ الجزية، ومَنْ شاء سار مع الرُّوم، ومَنْ شاء رجع إلى أهله؛ فإنَّه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله، وذمة رسوله، وذمة الخلفاء، وذمَّة المؤمنين؛ إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية» (4).
التَّعامل العُماني المسيحي إسلاميا:
لا نستبعد أن يكون هناك وجود مسيحي في عُمان، ولا سيما في عهد دولة اليعاربة التي توسعت خلالها علاقة عُمان بالخارج، ولكن المصادر لم عن ذلك الوجود، سوى ما ذكره الرحالة الألماني انجبلبرت كيمبفر،
تتحدث
(1) العهدة وثيقة العهد. مي
(2) إيلياء هي
(3) اللصوص.
القدس أو بيت المقدس.
(4) تاريخ الطبري، ج 3، ص 609، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (1/142)
صفحة 135
التعامل مع غير المسلمين رؤية إسلامية، وواقع تاريخي
وهو
143
أول رحالة أروبي يزور عُمان في العصر الحديث، فقد ذكر وجود تاجر أرميني في مسقط، واسمه فانيسيان، وأنه كان مسموحا له ممارسة شؤونه التعبدية حسب ديانته، وقال: إنَّ له رفقاء أرمينيين آخرين"، والظاهر أنهم كانو على الديانة المسيحية.
غير أن التعامل العُماني المسيحي إسلاميا كان من خلال جزيرة سقطرى، فقد اتفق الإمام الجلندى بن مسعود (132 ـ 134 هـ) (3) مع سكانها النصارى على كيفية أخذ الجزية منهم
(4)
•
مما يدلُّ على تبعيَّة الجزيرة للدولة العُمانية منذ عهد قديم، ولعل تلك التبعية تعود إلى ما قبل الإسلام، فإنَّ الإمام الجلندى وجدها في التاريخ الأنف الذكر، ضمن المساحة الجغرافية للدولة العُمانية.
وعلى عهد الإمام الصلت بن مالك الخروصي (237 ـ 272 هـ) تجلت العدالة الإسلامية تجاه النَّصارى - أهل سقطرى ـ بكل معانيها في العهد (الوثيقة) الذي زوّد به الحملة العسكرية التي وجهها لاسترجاع سقطرى، بعد نكث النَّصارى العهد مع العُمانيين على عهد ذلكم الإمام؛ حيث هجموا على الحامية العُمانيَّة، فقتلوا الوالي وعددًا مِنَ الجنود العُمانيين، هنالك وجه الإمام بن مالك إليهم حملة عسكريَّةً على مائة سفينة أو أكثر، وزودهم بعهد (وثيقة)؛ بين لهم أحكام الإسلام مع أهل الكتاب في الحرب والسلم، وأوضح لهم الجائز وغير الجائز من الأحكام في حربهم معهم، ويُعتبر هذا العهد مِنْ أفضل ما كُتب عن الحرب والسلم في الإسلام.
الصلت
(1) جريدة عمان ملحق شرفات، العدد 243.
(2) جزيرة في بحر العرب.
(3) هو أول إمام بعُمان، ويعتبر مؤسس دولة الإمامة في عمان.
(4) الكندي، محمد بن إبراهيم بيان الشرع، ج 69، ص 80، وزارة التراث والثقافة. (1/143)
صفحة 136
144
نظرات تجديدية فقهية
من عهد الإمام الصلت بن مالك:
جاء فيه: «فافعلوا من ذلك ما اجتمع عليه رأيكم من بعد مشورة أهل الخبرة بذلك، ممن ترجون بركة رأيهم وفضل معرفتهم، فإذا أرسلتم إلى أهل السلم والعهد؛ فأعلموهم مع رسلكم أنَّهم آمنون على أنفسهم، ودمائهم، وحريمهم، وذراريهم، وأنَّكم وافون لهم بالعهد والدمة والجزية على الصلح الذي يقوم بينهم وبين المسلمين فيما مضى، ولا ينقض ذلك ولا يبدله، ومروهم بإحضار جزيتهم إليكم، واختاروا إليهم رجالًا مِنْ خيارهم مَنْ يثبت إلى الصلاح منهم، فوجهوهم إلى هؤلاء النَّاقضين لعهدهم، الناكثين على المسلمين ببغيهم واجعلوا ممَّن توجّهون رجلين صالحين ممَّن يوثق بهم مِنْ أهل الصَّلاة (المسلمين)، فإن لم يمكنكم بعث اثنين صالحين مِنْ أهل الصلاة (المسلمين)؛ فواحد، فتأمروهم أَنْ يَصلوا إلى الذين نقضوا العهد، فتدعوهم عن لساني وألسنتكم إلى الدخول في الإسلام، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، مع حقوق الله، والانتهاء عن معصيته، فإِنْ قَبلوا ذلك؛ فهي أفضل المنزلتين لهم، ما كان من حدثهم؛ لأنَّ الله يقول في المحكم من كتابه: «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَآتَوُا الزَّكَوةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمُ) [التوبة: 5] وإن كرهوا أن يقبلوا الإسلام ويدخلوا فيه؛ فلتدعوهم إلى الرجعة من نكثهم، والتوبة من حدثهم إلى الدخول في العهد الأول الذي كان بينهم وبين المسلمين، على أنَّ لهم وعليهم الحقِّ بحكم القرآن من أولي العلم بالله وبدينه مِنْ أهل عُمان ممَّن نزل إليهم أمر المسلمين، فإن أجابوا وتابوا فلتقبلوا ذلك منهم، ولتأمروهم بترك ما في أيديهم وأيدي أصحابهم مِنْ أهل الحرب مِنْ نساء مسلمات، ثم لا يتزوّج رسلكم من عندهم حتى يقدم معهم رؤساء أهل الحرب ويسلموا إليهم النساء المسلمات اللاتي سَبَوْهُنَّ، واجعلوا لرسلكم أجلًا
وذلك
يمحو (1/144)
صفحة 137
التعامل مع غير المسلمين رؤية إسلامية، وواقع تاريخي
145
في رجعتهم لمن أجابهم، وبالسبايا إلى ذلك الأجل أن لا تظلموهم، ولا نخادعوهم، ولا تماكروهم بالمطل والثواني في ذهاب الأيام، فإن وصلوا إليكم بمن أجابهم من أهل الحرب، وقد استسلموا وتابوا من حدثهم، وجاؤوا بالنساء المسلمات؛ فاقبلوا ذلك منهم، ولا تعرضوا لأحد ممَّنْ جاءكم تائبًا
مستأمنا مستسلما بسفك دمه ولا انتهاك حرمته، ولا. ذريَّته، ولا غنيمة
سبي
ماله، وليكونوا مثلكم آمنين، واحفظوهم ألا يرجعوا إلى من هرب من أيديكم، وتأمروهم أن يرسلوا إلى مَنْ وراءهم مِنْ أصحابهم أن يلقوا بأيديهم إلى ما ألقوا هؤلاء بأيديهم، وتأمروهم أن يبعثوا إلى من وراءهم بإحضار جزية هولاء الذين قد أمنتموهم الماضية، ولا يعلموا بما تريدون فيهم، فإن جاء الذين وراءهم كما جاء هولاء، وألقوا بأيديهم؛ فاقبلوا ذلك منهم، وخذوا جزية من وصل إليكم منهم، وأمَّا مَنْ تمرَّد وأراد أن يبعث بجزيته، ويقيم في منزله على حدثه؛ فلا تقبلوا ذلك منهم، ومَنْ صار منهم إلى أمانكم وعهدكم؛ فليكونوا في أسركم آمنين، وأحسنوا إليهم في طعامهم وشرابهم، وامنعوهم ممَّن أراد ظلمهم حتى توصلوهم إليَّ، وإلى المسلمين - إن شاء الله تعالى -. إلى أن قال:
وإذا التحمت الحرب بينكم وبينهم؛ فلا تقتلوا صبيًا صغيرًا، ولا شيخا كبيرا، ولا امرأةً إِلَّا شيخا أو امرأةً أعانوا على القتال، وما قتلتموه عند المحاربة فلا تمثلوا به فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ا المثلة، وكذلك ما أخذتم من الجزية؛ فادفعوا إليَّ، وأمَّا إِنْ كان فيه شيء مِنَ الصدقات على أحد من أهل الصَّلاة (المسلمين)، فقبضتموه؛ ففرّقوا ثُلُثَة على فقراء البلد بالاجتهاد منكم في
ذلك، وارفعوا إليَّ ثُلُثَيْه» (1).
(1) تحفة الأعيان، ج 1، ص 168 - 183. (1/145)
صفحة 138
146
نظرات تجديدية فقهية
وهو عهد طويل، وهو يدلُّ على أن نصارى سقطرى لم يكونوا كلُّهم نقضوا العهد، وإنما كان هناك قسم منهم بقي على عهده للمسلمين، ولعله كان هناك هجوم نصراني حبشي على الحامية العُمانية بهدف احتلالها، وأخذها مِنَ المسلمين، وهو ما ينقله الشيخ أبو إسحاق اطفيش عن محمد علي الزرقا مِنْ كتابه (عُمان)، إلَّا أنَّ محمد علي البار ذكر أنَّ الأحباش أغروا نصارى سقطرى، وأمدوهم بالسلاح والرجال، فنقضوا العهد، وقتلوا والي الإمام
الصلت
بن
مالك الخروصي"
وعلى العموم فقد نجحت الحملة العسكرية العُمانية في هزيمة الناكثين، واستعادة الجزيرة، وعادت سقطرى إلى حضيرة الدولة الإسلامية العُمانية، وتعايش المسلمون والمسيحيون فيها منذ ذلك التاريخ على خير وثام، وأفضل مرام، حتى أنهم رفضوا التَّعاون مع البرتغاليين والصليبيين، وتعاونوا مع المسلمين في مواجهة البرتغاليين؛ الأمر الذي جعل البرتغاليين ينسحبون منها (3).
(1) التحفة، ج 1، ص 166، هامش.
(2) معاملة غير المسلمين، ص 82 دار القلم، دمشق.
(3) نفس المصدر، ص 98 ـ 105 (1/146)
صفحة 139
التعامل مع غير المسلمين رؤية إسلامية، وواقع تاريخي
التَّعامل مع المجوس والهندوس
147
التعامل. مع المجوس:
المجوس كلمة فارسية، نسبة إلى موكوس رئيس لهم، كان شعر أُذنيه كثيفًا، ثم عُرّب إلى موجوس، ثم أسقطت الواو؛ لكثرة الاستعمال، فقيل: مجوس، وهي ديانة أهل فارس منذ القدم، وحتى ما قبل الإسلام، وهم يعبدون النار، وقد انتشرت معابد النار في أقاليم خراسان وفارس، وصار لها بيوت مشهورة، وقد تفرعت عن المجوسيَّة فرق عديدة تصل إلى سبعين فرقة، منها الزرادشتية، وهي أشهرها، والمانوية والماثنوية، والكيومرتية، والمزدكية، وغيرها، وفلسفة الديانة المجوسية والفرق المنبثقة عنها تدور حول النُّور والظلمة)؛ على اعتبار أنَّ النُّور أصل الخير، أو إله الخير، وأن الظلام أصل الشر، أو إله الشَّر؛ لذلك يقول أبو الطيب المتنبي:
وَكَمْ لِظَلَامِ اللَّيْلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدٍ تُخَبُرُ أَنَّ المَانَوِيَّةَ تَكْذِبُ ويدعون أن لهم كتابًا سماويًا، أو ربَّانيا، بل وتدعي الزرادشتية أن زرادشت كان نبيا مرسلا (2)، وينفي الإمام العوني أن يكونوا أهل كتاب بقوله: «والدليل على أن لا كتاب لهم؛ قول النبي صلى الله عليه وسلم: سنوا بهم سنة أهل الكتاب»، ولو كان لهم كتاب ما قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: سُنوا سنة غيرهم من أهل الكتاب، والدليل
بهم
(1) القلهاتي، محمد بن سعيد الكشف والبيان، ج 2، ص 265، وزارة التراث والثقافة. (2) الخليلي، أحمد بن حمد، شرح غاية المراد ص 155، مكتبة الجيل الواعد. (1/147)
صفحة 140
148
نظرات تجديدية فقهية
الثاني على أَنْ لا كتاب لهم؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا كتب إلى قَيْصَر، كتب: {يَتَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]، وكتب إلى كسرى من محمد رسول الله إلى كسرى، وفي هذا دليل على أنَّ كسرى ليس من أهل الكتاب، وكسرى)، وقد عامل الإسلام المجوس معاملة أهل الكتاب؛ لقول
الرسول صلى الله عليه وسلم: «سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب».
وهل لشبهة الدعوى بأنَّهم أهل الكتاب؛ عاملهم الإسلام معاملة أهل الكتاب (اليهود والنصارى)؟ أم أنَّ هناك أمرًا ما عاملهم الإسلام به على ذلك؟ وهل التسنين بمعاملتهم كأهل الكتاب هو في قبول الجزية منهم فقط؟ أم في كلِّ ما يُعامل به أهل الكتاب؟
أما القول بنجاستهم؛ فهناك خلاف بين المذاهب الإسلامية، وفي المذهب الإباضي خلاف في ذلك، فقد نقل العوتبيُّ قول أبي الحسن (3) الذي يقول: فبين أصحابنا في اختلاف أنجاس المجوس وجميع أحوالهم، ولعل هذا الاختلاف جعل بعض العلماء العُمانيين لا يرى نجاستهم ـ كما سيأتي ـ. كما أن في تزوج نسائهم، وأكل ذبائحهم؛ اختلافا أيضا بين علماء الأمة؛ لأنَّ زيادة الحديث القائلة: غير ناكحي نسائهم، ولا آكلي ذبائحهم؛ لم تصح عند المحدثين (4).
(1) العوتبي، سلمة بن مسلم الضياء، ج 3، ص 129 وزارة التراث والثقافة، وانظر: القلهاتي،
الكشف والبيان، ج 2، ص (2) الأموال، ص 40.
0265
(3) الضياء، ج 3، ص 138، ولا ندري من هو أبو الحسن؟ ولعله أبو الحسن البسيوي.
(4) القرضاوي، يوسف الحلال والحرام في الإسلام، ص 57، مكتبة وهبة، القاهرة. (1/148)
صفحة 141
التعامل مع غير المسلمين الرؤية إسلامية، وواقع تاريخي
149
وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ الجزية من مجوس هجر، وكان الخليفة عمر بن الخطاب هم أن يعاملهم معاملة مشركي العرب، ولم يأخذ الجزية منهم، حتى
عن
منهم
شهد له عبد الرحمن بن عوف بأنَّه الهلال أخذها من مجوس هجر؛ لأن الخليفة كان متحفظا. أخذها قائلا: ما أدري ما أصنع بالمجوس، وليسوا أهل كتاب، فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سُئُوا بهم سنة أهل الكتاب»، من هنالك قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر، أخذها من مجوس، فارس، وعثمان أخذها من البربر، فأصبح ذلك تشريعا إسلاميا، لذلك يقال: إنَّ الجزية مأخوذة مِنْ أهل الكتاب بالتنزيل، ومِنَ المجوس بالسنة (3)، وعلى الصحيح أن البربر كانوا وثنيين، ولم يكونوا مجوسًا، وهذا يدلُّ على أنَّ الوثنيين من الأعاجم، وأصحاب الديانات الوضعية الأخرى؛ يُعاملون معاملة أهل الكتاب كالمجوس.
وعمر
منهم
على أنَّ المسلمين اكتفوا بأخذ الجزية من المجوس، وإقرارهم على دياناتهم وممارسة طقوسهم، فإنَّ أمير المؤمنيين أخذ الجزية بخبر عبد الرحمن بن عوف، ولم يسأل عما وراء ذلك؛ أي: تركهم وشأنهم على عبادتهم، دون التدخل في ذلك، وعندما سُئل الحسن البصري عن نيران
المجوس: لماذا تركت؟ أجاب بالقول: على ذلك صولحوا).
المجوس في عمان:
نظرا لقرب المجوس مِنْ عُمان حيث القرب الجغرافي بين عُمان وفارس؛ فإنَّه كان يوجد بعمان بعض المجوس، ولعل ذلك كان على فترات تاريخية
(1) هي
الأحساء بالمملكة العربية السعودية.
(2) القاسم بن سلام، كتاب الأموال، ص 40، دار الفكر، بيروت.
(3) نفس المصدر، ص 44.
(4) المصدر نفسه، ص 45. (1/149)
صفحة 142
150
نظرات تجديدية فقهية
(1)
بعمان
متقاربة أو متباعدة حسب الظروف والأحوال، وممَّا يدلُّ على وجودهم بعُ ما جاء أن الفضل الحواري دخل على زياد بن الوضاح، ومجوسي يأكل معه، وهما يصطبغان من إناء واحد (3)، فهذا يدلُّ على وجود المجوس بعمان، وعلى طهارتهم، وذلك في القرن الثالث الهجري.
الهندوس:
الهندوس نسبة إلى الديانات الهندية أو الهندوسية أو الهندوكيَّة، وهي مِنَ الديانات القديمة جدا، وهي ديانة غالب أهل الهند، ولهذه الديانة كتب عديدة، أهمها كتب الويدا، وقد تفرعت عن الديانة الهندوسة ديانات أخرى؛ كالجينية، والبوذية والكونفوشية، وقد مرَّت الديانة الهندوسية بمراحل مِنَ التَّطور حتى وصلت إلى ما وصلت إليه، وإلى أَنِ استقرَّت على الحال الذي هي عليه). ونظرًا لقرب الهند مِنْ عُمان والجزيرة العربيَّة والخليج العربي؛ فقد صار لهم وجود قوي وقديم منها، حتى أنّهم أمسكوا بالتجارة في بلدان الجزيرة الديانة الهندوسية إلى نهر
العربية، ومنها عمان
ومنهم مَنْ
الأندوس
(1) هو الفضل بن الحواري السامي الإزكوي، فقيه كبير من علماء عمان في القرن الثالث الهجري، من أتباع المدرسة الإزكوية التي عميدها أبو جابر محمد بن جعفر، قام بنصب الحواري بن عبد الله الحداني إمامًا، متجاوزا إمامة الإمام عزان بن تميم، وقتل هو والحواري بمعركة القاع من عوتب صحار سنة 278 هـ، وكان يُقَال: إن الفضل بن الحواري وعزان بن الصقر في عمان كعينين في جبين واحد؛ لعلمهما وفضلهما. (2) هو زياد بن الوضاح عالم وفقيه، من أسرة علمية عرفت بالعلم والفضل، وهو من نزوى، عاش في النصف الأول من القرن الثالث الهجري، وكان من العلماء المرابطين في دما (السيب)؛ حيث كان واحدا من المجتمعين فيه للنظر في قضية القول بخلق القرآن، وذلك في
(3)
عهد الإمام المهنا بن جيفر 216 ـ 237 هـ.
منهج الطالبين، ج 3، ص 165.
(4) شلبي، أحمد، أديان الهند الكبرى، ص 40، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة. (1/150)
صفحة 143
التعامل مع غير المسلمين رؤية إسلامية، وواقع تاريخي
بالسند).
151
شبه القارة الهندية، والظاهر أنَّ المسلمين أثناء الفتوحات من الإسلامية للهند، ومناطق جنوب آسيا؛ عاملوهم معاملة المجوس وأهل
الكتاب؛ حيث قبلوا الجزية منهم، وأقرُّوهم على ما هم عليه من أديانهم. وقد استوطن الكثير مِنَ الهنود عُمان والخليج، وسماهم أهلها بأسماء مختلفة؛ كقبائل أعجميَّة يُعرفون بها؛ مثل: الزط، والأساورة، والسيايجة، والأحامرة، والميد، والبياسرة، وغيرهم، والظاهر أنَّ هذه الأسماء سموا بها
(2)
في بلدان الجزيرة العربية، ولم تكن لهم في بلدانهم في الهند والسند.
الهندوس في عمان
المسافة
يرجع الوجود الهندي الهندوسي في عُمان إلى وقت بعيد؛ نظرًا لقرب بين عُمان والهند، حتى تكونت منهم جالية هندية هندوسية، سموا بالبانيان، ويذكر مايلز: أنَّه وجد معبدا هندوسيا في قرية قلهات، قال: إنَّه يعود إلى القرن الخامس عشر الميلادي؛ أي: إلى القرن التاسع الهجري (3)، ولعلّ وجودهم صار في ازدياد على عهد الوجود البرتغالي في عمان؛ حيث أحضروا عددًا. منهم إلى عُمان، ولفظة البانيان هي تحريف لكلمة بهاتيا، وهي اسم إحدى الفئات التجارية في الهند، اقترن تاريخها بالاتجار مع الخارج، وهناك مَنْ يرى أنَّ اسم البانيان مأخوذ من كلمة بانيا، وهي كلمة مأخوذة بتصحيف مِنَ اللغة السنسكريتية، وأيضًا معناها التاجر)، وملخص ذلك أنَّ البانيان هم التجار.
(1) القاسمي، نورة محمد الوجود الهندي في الخليج العربي، ص 65، دائرة الثقافة والإعلام،
الشارقة
(2) نفس المصدر.
(3) القاسمي، نورة محمد الوجود الهندي في الخليج العربي، ص 67. (4) نفس المصدر، ص 64، وروبرت لاندن عمان مسيرا ومصيرا، ص 117. (1/151)
صفحة 144
152
نظرات تجديدية فقهية
ونظرا لوجودهم في عُمان فإنَّ الحكم الشرعي تجاههم اعتبرهم مثل المجوس، فأعطوهم عهد الأمان، وأخذوا منهم الجزية، يدلُّ على ذلك أنَّ الإمام سلطان بن سيف اليعربي (1059 - 1090 هـ) أعفى نروتم وسكبيله وجماعتهم من البانيان مِنَ الجزية نتيجة لتعاون الرَّجلين المذكورين مع المسلمين في حربهم مع البرتغاليين في مسقط التي انتهت بإخراج البرتغاليين منها. ولَمَّا سُئل العلامة ابن عبيدان (2) عن بضائع البانيان التي يقدمون بها مِنَ الهند إلى عُمان؛ أجاب بقوله: «وإذا قدمت بضائع أوردوهم من الهند إلى مسكد (3) يبلغ فيها النصاب للبانيان الذين هم سكان مسکد؛ فلا زكاة عليهم فيما يقدم من أموالهم، إذا كانت تؤخذ
منهم
فإننا نجد في هذا الجواب ثلاثة أشياء:
الجزية» (4).
1 ـ تسميتهم البانيان.
2 ـ أنَّهم سكان مسقط.
ـ أنَّهم تؤخذ منهم الجزية.
أي: إنهم عُومِلوا معاملة المجوس، والمجوس عُومِلوا معاملة أهل الكتاب من اليهود والنصارى بالسُّنَّة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما قيل: إنَّ الجزية أخذت من أهل الكتاب بالقرآن، ومن المجوس بالسُّنة ـ كما تقدم ـ.
(1) ابن رزيق، حميد بن محمد الفتح المبين ص 291، والقصة تحتاج إلى مراجعة وإعادة نظر فيما إذا كانت تتفق مع وقائع المعركة أم لا؟
(2) هو محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيدان كان مرجع الفتيا والقضاء على عهد الإمام بلعرب بن سلطان اليعربي 1090 - 1104 هـ، وكان معارضا لعزل الإمام بلعرب عن الإمامة من قبل العلماء وأهل الحل والعقد.
(3)
هي
مسقط، وسماها غير العرب مسكت، ثم سماها العمانيون مسكد.
(4) السيابي، خلفان بن جميل فصل الخطاب، ج 1، وانظر الحارثي عبد الله بن سالم، حوارت
فكرية، ص 94. (1/152)
صفحة 145
التعامل مع غير المسلمين الرؤية إسلامية، وواقع تاريخي
الخاتمة
153
عرفنا ممَّا مرَّ كيفية التعامل الإسلامي مع غير المسلمين من اليهود والنصارى والمجوس وفرقهم، وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى؛ كالهندوسية، والحبينيَّة، والبوذيَّة، والكونفوشية الصينية.
وعرفنا أن الإسلام لم يقبل من مشركي العرب إلا الدخول في الإسلام، أو الاستعداد للحرب والقتل والقتال؛ لأنَّ الله تعالى اختارهم لحمل رسالة الإسلام خاتمة الرسالات الإلهية، وكون آخر الأنبياء محمدا صلى الله عليه وسلم منهم؛ فإذا تخلفوا عن هذه المهمة العظيمة الشريفة؛ فغيرهم سوف يتخلف عن ذلك؛ لذلك جاء قول الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرُ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْتَلُونَ} [الزخرف: 44]. أما أهل الكتاب ـ وهم اليهود والنصارى - فقد اكتفى منهم الإسلام بدفع الجزية مقابل حمايتهم من الاعتداء عليهم، ودفع الظلم عنهم؛ باعتبارهم أهل کتاب سماوي؛ كالتَّوارة عند اليهود، والإنجيل عند النصارى، ولذلك أحل الله الزواج للمسلمين من نسائهم، وأحلَّ ذبائحهم وأكل طعامهم، ومن هنالك قال الأمة الإسلامية بطهارتهم؛ أي: طهارة ذواتهم.
جمهور
وبالنسبة إلى المجوس فجميع فرقهم التي أوصلها علماء الفرق إلى سبعين فرقة؛ فإنَّ المسلمين قبلوا منهم الجزية بالسُّنَّة واتفاق الأمة؛ لأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (1/153)
صفحة 146
154
نظرات تجديدية فقهية
«سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب»، وأخذها مِنْ مجوس هجر، وأخذها عمر بن الخطاب من مجوس فارس.
وأما غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى؛ كالهندوس والبوذيين، وغيرهم من وثنيي العجم؛ فالظاهر أن المسلمين عاملوهم معاملة المجوس، فقبلوا الجزية منهم، فقد أخذها عثمان بن عفان من البربر، وكانوا وثنيين؛ ولعل ذلك
لتشابههم في عبادة المخلوقات؛ كالنَّار، والحيوان، والظواهر الكونية.
على أنه يبقى القول بطهارة مشركي العرب والمجوس، والهندوس، والبوذيين والكونفوشيين، وغيرهم مِنْ وثنيي العجم؛ فإنَّ. جمهور المسلمين على القول بطهارتهم؛ أي: طهارة ذواتهم أما جمهور الإباضية فإنَّهم يقولون: بنجاستهم؛ أي نجاسة ذواتهم؛ مستدلين بالآية الكريمة: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نجس} [التوبة: 28]، غير أن هناك قولا في المذهب يقول بطهارتهم، معتبرًا أنَّ النجاسة المذكورة في الآية نجاسة معنوية وليست حسية؛ لخشة الشرك، ووجوب النفرة. وعلل الإمام ابن بركة هذا القول بالقول: لو كانت العين
ة منه،
نجسة لما تبدل ذلك بالإسلام".
وفي رأيي أن هذا القول - أي: القول بطهارة جميع المشركيين، أو الوثنيين الذين هم غير أهل الكتاب ـ؛ هو القول المناسب لهذا العصر الذي تقارب فيه العالم بعضه من بعض، وتقاربت فيه شعوب الأرض، وارتبطت فيه مصالح البشر من أعمال وتجارة واقتصاد، إلى غير ذلك من المصالح في دنيا الناس؛ لأنَّه كما يقول الإمام محمد بن عبد الله الخليلي: الأخذ بأضعف الأقوال لتغير الأحوال (3) أولى، على أنَّ قوَّة القول مِنْ ضعفه فقها إنَّما يرجع ذلك إلى البيئة
(1) معارج الآمال، ج 3، ص 331.
(2) فتح الجليل من أجوبة أبي خليل، ص 262. (1/154)
صفحة 147
التعامل مع غير المسلمين رؤية إسلامية، وواقع تاريخي
155
المكانية والزمانية التي يعيشها الفقه واقعا وفقه الواقع المعيش يقتضي الأخذ
بالأيسر من الأقوال.
عن
ومن المعلوم أن الكثير مِنَ العُمانيين، وكذلك من غير العُمانيين؛ يمتنعون استعمال خدم المنازل من غير المسلمين وأهل الكتاب، وكذلك يمتنعون عن الأكل من طعامهم في بلدانهم التي يسافرون إليها؛ اعتمادًا على القول القائل بنجاستهم، وهذا فيه من العنت والمشقة ما فيه؛ الأمر الذي يجعل بعض الناس مِنَ الهندوس والبوذيين يدعون المسيحية؛ لكي يُقبلوا للعمل في
المنازل.
قال الإمام السالمي: وذهب أكثر قومنا وبعض أصحابنا إلى طهارة أبدان المشركين، بل حكى الفخر اتفاق الفقهاء إلى ذلك، وإليه يميل أبو محمد)، وعلى كل حال فهي مسألة رأي، ومسائل الرَّأي مِنَ الفروع، ولا يُقطع العذر فيها بالخلاف».
والله ولي التوفيق
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله صحبه وسلم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
(1) معارج الآمال، ج 3، ص 329 (1/155)
صفحة 148
المرأة والولايات العامة (1/157)
صفحة 149
المرأة والولايات العامة
مقادمة
159
الحمد لله، والصلاة والسَّلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه
أمَّا بعد:
فإن موضوع المرأة صاحب الوجود الإنساني منذ بدء الخليقة على ظهر هذه البيسطة؛ لكونها واحدًا مِنَ المكوّنين البشريين؛ مشكلة بذلك نصف المجتمع البشري، فكان لا بدَّ لها مِنْ حَراك في الحياة، كما أنه لا بد لذلك الحراك من تأطير ديني - جوازًا أو منعًا، جلا أو حرمة ..
وقد شغلت المرأة حيّزًا كبيرًا في فكر الديانات الرَّبَّانية أو الوضعية، حتى جاء الإسلام واعتبرها مخلوقا إنسانًا جميلا تكون بجانب الرجل في تكميل كل منها الآخر من جهة، ومستقلة في التَصرُّف مِنْ جهة أخرى، شأنها في ذلك شأن
الرجل معها.
وقد جاء هذا البحث ليطرح ذلكم التعاون والتكامل، وليناقش حراك المرأة وعملها في الحياة في ضوء النُّصوص الدينيَّة مِنَ الكتاب والسنة، مستنطقا أقوال العلماء منذ الصَّحابة وإلى عصرنا الحاضر، وقد جعلته في محاور ثلاثة بالعناوين التالية؛ وهي: (1/159)
صفحة 150
17.
نظرات تجديدية فقهية
المحور الأوّل: المرأة والرَّجل في المساواة وقد ناقش هذا المحور موضوع المساواة بين المرأة والرَّجل تحت العناوين التالية:
- المساواة في الخلق.
- المساواة في التكليف.
- المساواة في العبادة.
ـ المساواة في الميراث.
المساواة في التملك والتصرُّف.
المساواة في التعاون المنزلي.
المحور الثاني: وقد ناقش هذا المحور موضوع المرأة في المسؤولية
العامة، وهو تحت العناوين التالية:
- الشورى.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
في الحروب.
التعليم.
- التطبيب.
نظرة عامة إلى عمل المرأة، وفيه ترجيح الرَّأي بجواز عملها خارج المنزل
وفق الضوابط الشرعيَّة.
المحور الثالث: الولاية العامة للمرأة: وقد ناقش هذا المحور موضوع جواز أو عدم جواز إسناد الولاية العامة التي هي رئاسة الدولة للمرأة تحت
العناوين التالية: (1/160)
صفحة 151
المرأة والولايات العامة
161
رأي المانعين.
- رأي المجيزين.
- رأي المتوسطين.
- رأيي الشخصي، ومعه مناقشة جيّدة.
وقد أعددت هذا البحث للدورة الثانية والعشرين لمؤتمر.
مجمع
الفقه
الإسلامي الدولي بدعوة من معالي الشيخ الأستاذ الدكتور أحمد خالد بابكر،
أمين المجمع.
وأسأل الله التوفيق والسداد في القول والعمل، والله ولي التوفيق. (1/161)
صفحة 152
162
المرأة والرجل في المساواة
نظرات تجديدية فقهية
1 - المساواة في الخلق
خلق الله الإنسان في هذا الوجود، وجعله محور الكون، سواء كان هذا الإنسان ذكرًا أو أنثى، فالإنسانية لهما معا، فهما متساويان في الخلق، حيث الآيات القرآنية الشريفة تدل على ذلك بكل وضوح، وتبينه غاية بيان، يقول الله وعلى: {يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَابِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات (13) يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنَسَاء) (النساء: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189]، {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل: 72].
يخاطب الله في هذه الآيات الشَّريفات الإنسان - ذكرًا وأنثى ـ بقصة خلقه؛ امتنانًا عليه لتذكيره بما يتوجب عليه مِنَ الإقرار بألوهية الخالق وعبودية المخلوق، وما يستلزم ذلك مِنْ عبادة الله وعل وتقواه.
2 - المساواة في التكليف:
وإذا ما تقرّرت المساواة في خلق الإنسان - ذكرًا وأنثى. -؛ فإنَّه هنالك أيضا المساواة في التكليف الإلهي لهذا الإنسان - الذكر والأنثى ـ، وقد كان ذلك التكليف متوجها إليهما منذ البداية عندما كانا في الجنة ناعمين منعمين، (1/162)
صفحة 153
المرأة والولايات العامة
163
يأكلان فيها ومنها رغدًا حيث شاءا، وكيف شاءا، {وَقُلْنَا يَتَادَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا نَقْربًا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 35].
وهكذا نجد أن الله را وجه الخطاب التكليفي إليهما، كما وجه إليهما عقوبة المخالفة، فأهبطا إلى الأرض؛ ليشقى هذا الإنسان فيها، بعد أ، أن كان في الجنة لا يجوع فيها ولا يعرى ولا يظمأ ولا يضحى، كما حكى الله ذلك في
سورة (طه).
ـ المساواة في العبادة:
ولما كان هنالك التّساوي في التكليف - ثوابًا وعقابا ـ؛ كان هنالك أيضا المساواة في العبادة والثواب عليها، وقد جاءت الآيات ناطقة بذلك: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَيْكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 124]، فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ تينكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) [آل عمران، 195]، (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَالْقَنِنِينَ وَالْقَيْنَتِ وَالصَّدِقِينَ وَالصَّدِقَتِ والصَّبِرِينَ والصَّبِرَاتِ وَالْخَشِعِينَ وَالْخَشِعَتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَتِ والصمِينَ وَالصَّبِمَتِ وَالْحَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَفِظَتِ وَالذَّاكِرِينَ
اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35].
فهذه الآيات تقرّر المساواة الثامة بين الناس ـ ذكورًا وإناثًا ـ في توجيههم لعبادة الله، وما جُعِل على تلك العبادة من ثواب جزيل ينتفع به الرجل والمرأة على حد سواء، وما ذلك إلا لكون النَّاس - رجالا ونساء ـ بعضهم من بعض، فكما أن هناك وحدة النسب البشري، ووحدة المعنى الإنساني ـ كما (1/163)
صفحة 154
164
نظرات تجديدية فقهية
يقول الأستاذ الخولي؛ فإنَّ هناك أيضًا وحدة العبادة الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد.
- المساواة في الميراث
الناظر في أسباب نزول آيات المواريث يجدها أنَّها تدلُّ على أن العرب ما كانوا يجعلون للنساء شيئًا مِنَ الميراث، وهو التركة التي يتركها المتوفى، وتوحي بذلك أيضا الروايات المصاحبة للآيات القرآنية في أسباب نزولها، ولعل الأمم الأخرى مِنْ غير العرب يفعلون الشَّيء نفسه، معللين ـ أي: العرب، وربما غيرهم -: بأن المرأة لا تركب الفرس، ولا تحمل السلاح، ولا تقاتل العدو، وذلك راجع إلى ضعفها عن حماية قومها وقبيلتها ـ كما قرروا ـ، ويقولون: إنه يفعل ذلك الرجال وحدهم، فهي بذلك ـ حسب رأيهم - لا تستحق من الميراث شيئًا.
ومن المعلوم أن أسباب نزول آيات المواريث كانت بعدم توريث أرملة أوس بن ثابت وبناتها، وكذلك أرملة سعد بن الربيع وبناتها، حيث جاءتا وبناتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشتكين من حرمانهنَّ مِنْ تركة المتوفين، وقد نزل أولا قول الله وعال: لِلرِّجَالِ نَصِيبُ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَ مِنْهُ أَوَ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء: 7]، ثم نزلت الآيات الأخرى: يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَيْلِ الْأُنثَيَيْنِ فَإِن كُن نِسَاءً فَوقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُنَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُتِهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 11].
(1) الإسلام والمرأة المعاصرة، ص 20، دار القلم، الكويت. (1/164)
صفحة 155
المرأة والولايات العامة
170
ولَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دين وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْمُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنِ وَإِن كان رجل يورث كَلَلَةٌ أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخُ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي التَّلْثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍ وَصِيَّةٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ)
[النساء: 12] (1).
وغيرها من آيات المواريث، وقد قسَّم الله الميراث على النساء على مختلف درجاتهنَّ مِنَ القرابة، كما قسمه على الرّجال على مختلف درجاتهم من القرابة للمتوفى، حيث أعطى كلا من:
البنت: نصف نصيب أخيها الرَّجل، أو النصف، أو الاشتراك في الثلثين.
الأم: الثلث، أو السدس.
الزوجة: الربع أو الثّمن.
الأخت: لها عدة حالات تتراوح بين السدس، أو المشاركة في الثلث، أو تكون عصبة مع البنت.
وذلك على ما هو مفصل في أبواب المواريث، وهكذا ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة في الميراث؛ حيث جعل لها حقا في الميراث أولا، ثم قشم
ذلك الحق وفق ما يقتضيه وضعها الاجتماعي والمادي في الحياة.
(1) الواحدي علي بن أحمد أسباب النزول، ص 106، واطفيش، محمد بن يوسف، تيسير
التفسير، ج 3، ص 147. (1/165)
صفحة 156
166
نظرات تجديدية فقهية
5 ـ المساواة في التَّملك والتَّصَرُّف:
بعد
أن أعطى الإسلام المرأة نصيبها من الميراث؛ حيث جعلها ترث أباها
وأخاها وزوجها وابنها وغيرهم من الأقارب ـ حسب درجة القرابة ـ؛ جعل لها الإسلام أهليَّة اعتبارية، وجعلها كيانا شخصيًا مستقلا، حيث أصبحت تملك وتتصرف فيما تملك، فهي تملك ما يُقدم إليها مِنْ صداق، وما تَرِثه مِنْ ميراث، وما تُعطى لها من هبات، وما تكسبه من تجارة وصناعة وزراعة وصارت تملك النقود، والدور، والضياع، وسائر الممتلكات.
كما أن الإسلام منحها حقَّ التَّملك، فقد أعطاها حق التصرف فيما تملك دون اعتراض من أحد، فقد قرَّر لها أن تعطي من مالها، وتتصرف وتنفق كالرجل، ولها أن تطيب نفسها عن شيء مِنْ صداقها، فتعطيه زوجها؛ حيث يقول الله ل: (وَاتُوا النِّسَاءَ صَدُقَتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هنئًا مَرِيئًا} [النساء: 4].
كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم النساء بالتصدق، فقد جاء عنه قوله: «يَا نِسَاءَ المُؤْمِنَاتِ لَا تَحْقِرَنَّ إِحْدَاكُنَّ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ كُرَاعَ شَاةٍ مُخْرَقًا، وعندما سمعته مرَّة زينب زوجة عبد الله بن مسعود يأمر النساء بالصَّدقة، وجاءت إليه، وسألته أين تضع صدقتها؟ لأنَّ زوجها عبد الله بن مسعود هو وولده أحق بها مِنْ غيرهما؛ نظرًا لفقرهما، وحاجتهما، فقال لها النَّبيُّ: صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكَ وَوَلَدُكَ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقَتْ بِهِ عَلَيْهِمْ، وهكذا أعطى الإسلام المرأة حق التملك وحق التصرُّف، مثلها في ذلك مثل الرجل.
يقول الشيخ محمد عبده عن مكانة المرأة في الإسلام: «هذه الدرجة التي رفع الله النّساء إليها، لم يرفعهنَّ إليها دين سابق، ولا شريعة مِنَ الشَّرائع، بل لم
(1) رواه الربيع بن حبيب.
(2) رواه البخاري. (1/166)
صفحة 157
المرأة والولايات العامة
167
تصل إليها أمَّة مِنَ الأمم قبل الإسلام، ولا بعده، وهذه الأمم الأوربية التي كان من تقدمها في الحضارة أن بالغت في احترام النساء وتكريمهن، وعنيت بتربيتهنَّ وتعليمهنَّ الفنون والعلوم؛ لا تزال دون هذه الدرجة التي رفع الإسلام النساء إليها، ولا تزال قوانين بعضها تمنع المرأة مِنْ حقِّ التَّصرف في مالها بدون إذن زوجها، وغير ذلك مِنَ الحقوق التي منحتها إيَّاها الشريعة الإسلامية مِنْ نحو ثلاثة عشر قرنا ونصف قرن، وقد كانت النساء في أوربا منذ خمسين سنة بمنزلة الأرقاء في كل شيء، كما كان في عهد الجاهلية عند العرب، بل أسوأ حالا".
1 - المساواة في التعاون المنزلي:
ا
يأتي التعاون المنزلي بين الزوجين على قمة الأولويات في الحياة الزوجية؛ إذ أُريد لتلك الحياة أن تكون سعيدة؛ لأن الزواج رباط قوي بين الرجل والمرأة في إطار الزوجية، ولا شك ولا ريب أن التعاون بينهما من شأنه تقوية ذلك الرباط الجميل مودة ورحمة وسكنا، وهو يُعتبر من أهم عوامل الاستقرار الأسري؛ وذلك لأنَّه مِنَ البرّ بين الزوجين، وقد أمر الله. عباده جميع المؤمنين بالتعاون على البر؛ حيث قال: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2]، وإذا ما كان ذلك التعاون بين الزوجين فإنه يكون هنالك السكن المريح القائم على المودة والرحمة، يقول الله: (وَمِنْ آيَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْهَا وَجَعَلَ ينتكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَنتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم:))} 21] وقد جسد الرسول ذلكم التَّعاون المنزلي حيث كان يقوم بخياطة ثوبه، وخصف نعله وحلب شاته كما جاءت الرواية بذلك").
(1) الخولي، الإسلام والمرأة المعاصرة، ص 25، نقلا عن: تفسير المنار. (2) رواه عبد الرزاق في المصنف. (1/167)
صفحة 158
168
نظرات تجديدية فقهية
وقد اختلف الفقهاء في تحديد واجبات الزوجة في خدمة منزل الزوجية، يقول الشيخ نور الدين السالمي:
فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ مَا عَلَيْهَا تخدمُهُ لَكِنَّهُ إِلَيْهَا وَأَنْتَ إِنْ نَظَرْتَ سِيرَةَ السَّلَفْ رَأَيْتَهُ مِنَ اللُّزُومِ مُزْدَلَف مَضَى زَمَانُ الفَضْلِ فِيهِ الرَّجُلُ وَزَوْجُهُ وَالكُلُ مِنْهُمْ يَعْمَلُ وَالشَّرْعُ قَدْ حَرَّضَ كُلَّ وَاحِدِ على القِيَامِ وَعَلَى التَّعَاصُدِ وَلَمْ يُفَضِّلْ بَيْنَ مَا يَلْزَمُهَا مِنْ خِدْمَةِ البَيْتِ وَلَا يَلْزَمُهَا وَلَمْ يَقُلْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْدُمَهَا أَوْ يَطْبَخَنْ عَنْهَا لِكَيْ يُكْرِمَهَا وفي الكِتَابِ الأَمْرُ بِالتَّعَاوُنِ في البرِّ وَالتَّقْوَى عَلَى المُعَاوِنِ وَقَدْ أَخَذْنَا مِنْ جَمِيعِ مَا وُصِفْ بأَنَّ ذَاكَ بِالوُجُوبِ مُتَّصِف
وَقَدَرُ الوَاجِبِ لَا يُحَدُّ كَذَلِكَ الحُقُوقُ إِذْ تُعَدُّ
وهكذا يشترك الرجل والمرأة في إطار الزَّوجيَّة في التعاون المنزلي؛ لتكون المساواة بينهما في إطار التعاون على البر والتقوى، والمعروف والإحسان تحت ظلال العدالة الإسلامية العظيمة.
(1) جوهر النظام، باب معاشرة الأزواج. (1/168)
صفحة 159
المرأة والولايات العامة
المرأة في موقع المسؤولية العامة
179
تبوأت المرأة في الإسلام مواقع عديدة للمسؤولية العامة في الحياة، وقد كان لها وجودها بجانب الرَّجل تكاملا وتعاونا، وقد تجلى ذلك التبوؤ في
المجالات التالية:
1 - الشورى:
الشورى مبدأ أصيل من مبادئ الإسلام، وهي أقوى الدعائم لنظام الحكم، وأفضل إطار يلتقي فيه الحاكم والمحكوم بل يلتقي فيه. أصحاب الآراء جميع لتداول أمور الحياة، وقد أمر الله بها في كل ما يصلح بين طرفين، أو بين أطراف مِنَ النَّاس، يقول الله وجَل: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159]، وقال: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: (38)، ونظرًا إلى أهمية الشورى في الحياة بصفة عامة، وللحكم بصفة خاصة؛ فقد عمدت الدول المعاصرة إلى إنشاء مجالس للشورى، وهي جهات تشريعية تقوم بسن القوانين، ومراقبة تنفيذها، وقد أتاح الإسلام للمرأة المسؤولية في مجال الشُّورى منذ بداية ملامح تكون الكيان الإسلامي (المجتمع والدولة)، حيث اشتركت في بيعة العقبة الأخيرة، فقد بايعت امرأتان من الأنصار، وهما نسبية بنت كعب وأم منيع أسماء بنت عمرو، بايعتا النبي بجانب الأنصار ونقبائهم، وتوالت بعد ذلك بيعات النساء للنبي صلى الله عليه وسلم، سواء كان ذلك في المدينة، أو في مكة المكرمة ـ حرسهما
الله تعالى -. (1/169)
صفحة 160
170
نظرات تجديدية فقهية
فقد بايعته في المدينة المنورة نساء الأنصار على دفعات، أو على مجموعات، حيث بايعته السَّيّدة أميمة في عدد من نساء الأنصار، كما بايعته أم عطية نسيبة بنت الحارث في عدد مِنَ النِّساء، أمَّا نساء قريش فقد بايعنه بمكة بعد فتحها، وفي مقدمتهنَّ هند بنت عتبة في عدد من النساء".
وفي رأيي أنَّه يؤخذ مِنْ ذلك جواز اشتراك المرأة في العملية السياسية من خلال مجالس الشورى، فاعلا ومفعولا أي منتخبة ـ بكسر الخاء ـ، أو منتخبة ـ بفتح الخاء ـ، وبالتالي يجوز لها عضوية مجالس الشورى ورئاستها؛ لأن اختصاص تلك المجالس هي الأمور التشريعية، وذلك بإبداء الآراء حول عمل الحكومات، وإعطاء الفتوى الشَّرعيَّة والقانونيَّة، وذلك أمر جائز للمرأة مِنْ خلال ممارسة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لتلك الأمور، وغيرهنَّ مِنَ الصَّحابيات والنساء المسلمات المعتبرات.
وإذا ما كان للمرأة أن تشترك في العملية السياسية من خلال مجالس الشورى التشريعية؛ فإنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ سواء كان تحت قباب وأسقف تلك المجالس، أو في الفضاءات العامة ـ؛ هما مِنَ المسؤوليات العامة للمرأة، وقد أعطاها الإسلام ذلك.
2 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: مِنْ أهم دعائم الإسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهما جُندان مِنْ جنود الله على هذه البسيطة، وهما حارسا الفضيلة والأخلاق والسلوك المستقيم، ولذلك أشرك الله تعالى المرأة والرجل في واجب القيام بهما؛ لكي يكون الفضل مشتركا بينهما، وقد جاءت الآية الكريمة واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار تأمر المؤمنين والمؤمنات بالقيام بالواجب الكبير المكون من شطرين:
(1) محمد رشيد، رضا حقوق النساء في الإسلام، ص 14، المكتب الإسلامي. (1/170)
صفحة 161
المرأة والولايات العامة
171
الشطر الأول: هو الأمر بالمعروف.
الشطر الثاني: هو النَّهي عن المنكر.
حيث يقول الله وَجَال: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكوة ويُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أَوَلَيْكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ) (التوبة، (7) فتبوأت المرأة من مقتضى هذا الأمر الذي ورد في صيغة الخبر مسؤولية القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي مسؤولية عظيمة في الحياة، ولم يقصرها الله على الرّجل فقط، بل لم يغلب ذكر المؤمنين، ويدخل المؤمنات معهم في التغليب الذكري في الآية كما هو الشأن في الكثير من الآيات القرآنية، وإنما نص هنا على ذكر المؤمنات بجانب المؤمنين؛ ليتأكد الأمر عليهن ـ في رأيي ـ استقلالا، لا تَبَعًا.
ومن هذه الآية استخرج المحقق الخليلي الشيخ سعيد بن. خلفان جواز قيام المرأة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - قولا وفعلا ـ على قدر ما تستطيع من ذلك بالقلب، أو باليد، أو باللسان، بعد أن ذكر أقوال المانعين والمبيحين؛ حيث قال: «وفيما يروى عن أبي عبد الله، ولعله محمد بن محبوب الله؛ قال: على المرأة أن تُنكر بقلبها، وليس عليها أن تُنكر بلسانها، وفي قول الشيخ إسماعيل الجيطالي المغربي أنَّ عليها الإنكار إذا قدرت باليد، وإلا فباللسان، وإلا فبالقلب، نعم وهو الصحيح بدلالة قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَوَلَيْكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عزيز حكيم [التوبة: (7]، فقد أشركهم في النهي عن المنكر ـ كما ترى.
(1) تمهيد قواعد الإيمان، ج 12، تحقيق: حارث البطاشي. (1/171)
صفحة 162
172
نظرات تجديدية فقهية
وقد استحسن النُّور السالمي ذلك مِنَ المحقق الخليلي قائلا: وَاسْتَخْرَجَ المُحَقِّقُ الخَلِيلِي إِنْكَارَهَا بِالفِعْلِ أَوْ بِالقِيلِ
وَهُوَ لَعَمْرِي مِنْهُ تَخْرِيجُ حَسَنُ وَاللهُ يُؤْتِي فَضْلَهُ لِمَنْ وَمَنْ
ويتفرع عن ذلك القول بأن صوت المرأة ليس عورة؛ وذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يكلم النساء، والأحاديث الواردة في ذلك كثيرة ومستفيضة، كما أن الصحابة الكرام، وفي مقدمتهم الخلفاء والعلماء منهم كانوا يكلمون نساء النبي صلى الله عليه وسلم لقول الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسَتَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب: 53]، وكذلك كانوا يكلمون ويسلمون على النّساء الأخريات، وذلك أمر مشهود بينهم، وإنما المنهي عنه هو الخضوع في القول من جانب المرأة في مخاطبة الرجل الأجنبي، وهو التَّميع والليونة في الكلام، فيطمع الذي في قلبه مرض.
- في المعارك:
من المعلوم أن المعارك التي خاضها المسلمون مع غيرهم ـ سواء تلك التي كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أو في الأزمنة الأخرى، إنَّما كانت حروبًا ومعارك للدفاع عن النفس أو عن الدعوة، وقد كان للمرأة المسلمة وجود في تلك المعارك، فهي كانت تقوم بعملية الإسناد للجيوش الإسلامية كسقي المجاهدين، وحمل الجرحى والموتى، قالت الربيع بنت مُعَوِّذ: «كنَّا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نسقي القوم، ونخدمهم، ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة"، وقالت أم عطية: «غزوتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم،
وأصنع لهم الطعام، وأداوي لهم الجرحى، وأقوم على المرضى".
(1) جوهر النظام، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(2) رواه البخاري
(3) رواه مسلم. (1/172)
صفحة 163
المرأة والولايات العامة
173
وهناك أسماء عدد مِنَ النِّساء كان لهنّ دور في المسؤولية في الغزوات، وتبرز من بينهنَّ صفية بنت عبد المطلب، وأسماء بنت يزيد، ونسيبة بنت كعب، التي كان لها حضور مشهود في معركة اليمامة مع مسيلمة الكذاب؛ دفاعا عن الحق والإسلام، وثأرا لمقتل ابنها حبيب بن زيد الذي قتله مسيلمة وقطعه أشلاء، واستماتت في القتال حتى قتل مسيلمة"، وهكذا نجد أن المرأة تحملت المسؤولية في المعارك والغزوات، فكانت مساندة للرجل، وأحيانًا تدخل معمعة المعركة، على أن مشاركتها في الحروب تدل على استطاعتها المشاركة في تحمل المسؤولية العامة في الشؤون الأخرى؛ كالقيام بالعملية
التعليمية وغيرها.
- التعليم:
عبر
أتاح الإسلام للمرأة أن تقوم بالتعليم، وأن تشترك في العملية التعليمية بجانب أخيها الرّجل، وذلك بعد أن تعلمت وجلست في مدارج العلم. المراحل التعليمية؛ وذلك لأنَّ الإسلام عظم من شأن العلم، وأعلى من قيمته، وأثنى على العلم وأهله - مسوّيًا في ذلك بين الرجل والمرأة ـ؛ لأن الله تعالى يُعرف بالعلم، ويُعبد بالعلم، ولذلك خاطب الله الرّجال والنساء؛ لأنهم جميعًا مطالبون بعبادة الله تعالى ومعرفته، وقد مارست المرأة العملية التعليمية منذ زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كن يفتين النَّاس ويعلمنّهم أمور دينهم؛ كالسيدة عائشة بنت أبي بكر التي كانت وعاء علم النُّبوَّة، وكانت آية في الحفظ والفهم، وعلى كل حال فإن فقه النّساء مأخوذ في مجمله عن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، و، وفي مقدمتهن السيدة عائشة؛ لأنها كانت أكثر هنَّ حركة علمية.
(1) البيجاني محمد بن سالم، أستاذ المرأة، ص 68، مكتبة الثقافة، المدينة المنورة. (2) الغزالي، محمد قضايا المرأة، دار الشروق، القاهرة. (1/173)
صفحة 164
174
نظرات تجديدية فقهية
كما كانت السيدة أم سلمة لها دور بارز في الإفتاء، فقد كانت تأتي إليها النِّساء؛ لتسأل لهنَّ النَّبي الله، وكذلك السيدة حفصة بنت عمر كان أيضا لها دور في التعليم والإفتاء.
والظاهر أن جميع زوجات النبي صلى الله عليه وسلم كن يقمن بنقل الدين رواية وإفتاء، بَيْد أَنَّ الثلاث المذكورات كنَّ أكثرهن سؤالا للنبي، وأكثرهن إفتاء وتعليمًا للناس.
وهناك الشفاء بنت عبد الله العدوية القرشية، التي أمرها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أَن تعلم حفصة الكتابة، فعلمتها، وقد عيَّنها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مشرفة على سوق المدينة؛ لتراقب حركة البيع والشراء في الشوق".
وهناك العديد مِنَ النِّساء الصَّحابيات اللواتي كانت لهنَّ حركة علمية، والرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ كأم عطية وأسماء بنت أبي بكر، وغيرهنَّ مِنَ النِّساء الصحابيات؛ الأمر الذي يدلُّ على قيام المرأة بمسؤولية التعليم، بعد أن فتح لها الإسلام باب العلم تعلُّما وتعليمًا، وشهد التاريخ الإسلامي بروز عدد مِنَ العالمات، أسهمن في نشر العلم، ومِنْ هناك سهل على المرأة القيام بالأعمال الأخرى؛ كالتطبيب والتمريض وسائر الأعمال.
ه - التطبيب:
عرفت المرأة المسلمة منذ بداية العهد الإسلامي ـ أي: في عهد النُّبوَّة ـ لِمَا في التطبيب والتمريض من أهميَّة كبيرة، لا سيّما التطبيب والتمريض الميدانيان؛ نظرًا إلى وجود المصابين والجرحى في المعارك التي يخوضها المسلمون، وكانت السَّيّدة رفيدة الأسلميَّة هي صاحبة هذه المبادرة المباركة،
(1) عمارة، محمد، التحرير الإسلامي للمرأة، ص 14، دار الشروق، القاهرة. (1/174)
صفحة 165
المرأة والولايات العامة
175
وعليها قامت الفكرة الطَّيبة في ذلك، وقد قامت بنصب خيمة لها بجانب المسجد النبوي في المدينة، وجعلتها عيادة أو مستشفى عسكريا، حيث بدأت العمل في ذلك أثناء معركة الخندق التي تُعرف أيضا بغزوة الأحزاب، وقد غولج هنالك الصَّحابي الجليل سعد. بن معاذ من جراحه.
ويقول الشيخ عطية صقر: إنَّ الصَّحابيَّة الجليلة رفيدة الأسلمية سبقت فلورنس نتنجيل البريطانية صاحبة فكرة التمريض الميداني التي قامت بها ابتداء في حرب القرم سنة (1845 م)، التي كانت بين بريطانيا وفرنسا من جهة، وروسيا من جهة أخرى، حيث أقامت المستشفى الميداني في ألبانيا، ثم أقامته في لندن).
وإذا كانت المرأة قد شاركت في كل هذه المسؤوليات، وقامت بها خير قيام؛ فما النَّظرة العامة إلى خروجها للعمل خارج المنزل؟
1 - نظرة حول عمل المرأة:
يُقصد من هذا العنوان عمل المرأة خارج المنزل، كما هو مشاهد في الحياة المعاصرة، حيث خرجت المرأة للعمل - سواء كان ذلك في القطاع العام متمثلا في مؤسسات الدولة وهيئاتها ودوائرها، أو كان ذلك في القطاع الخاص المتمثل في الشركات والمؤسسات -؛ وهذه الصورة من عمل المرأة خارج هي. مما أفرزته الحياة المعاصرة؛ نظرًا للتَّطور الكبير الذي حدث في هذه الحياة على مختلف الصُّعُد: تجارةً، واقتصادًا، وصناعة، وزراعة، وتقنية، وإدارة، وغير ذلك مما أفرزته الحضارة المعاصرة؛ الأمر الذي جعل معالم الحياة المعاصرة تختلف عن معالم الحياة في الماضي، وهذا التطور الهائل
منزلها
(1) موسوعة الأسرة، ج 2، ص 466. (1/175)
صفحة 166
176
نظرات تجديدية فقهية
الحاصل في الحياة أَوْجَد حركة واسعة فيها، فكانت الأعمال كثيرة ومختلفة ومتعددة خارج البيوت، وتتطلب تلك الأعمال أو الكثير منها وجود نساء؛ لذلك كان لا بدَّ مِنْ خروج المرأة للعمل خارج المنزل، ومن هناك اختلف العلماء إزاء ذلك إلى ثلاثة آراء؛ ألا وهي:
الرأي الأوّل: يؤيد خروجها للعمل خارج المنزل قائلا: إنَّ عمل المرأة يوسع، آفاقها، ويبرز وينمي مقوّمات شخصيَّتها، وأنَّ عملها هذا يتحقق به مجد الأمة؛ لأنَّ مجد الأمة في كثرة الأيدي العاملة، وبالتالي فهي بعملها هذا تساعد مَنْ يعولها، أو تعول مَنْ لا عائل له غيرها.
الرأي الثاني: لا يرى لها ذلك؛ قائلًا: إنَّه على حساب أمومتها وأنوثتها؛ أي: على حساب الأمومة والزوجيَّة، كما أنَّها لا يمكنها التوفيق بين عمل المنزل، والقيام بحق الزوج، وتربية الأولاد، وبين عملها خارج المنزل، وبالتالي يترتب على ذلك إهمال البيت والزوج والأولاد.
-
الرأي الثالث: يجيز لها ذلك على اعتبار أنَّ العمل في ذاته مشروع غير محرم على أحد ـ ما دام في غير معصية ـ، على أن لا يستغرق وقتها وفكرها ووجدانها، فيخرجها عن خصائصها الأنثوية، ومقتضيات مهمتها الفطرية، فلها أن تزاول أي عمل على أن تلتزم في ملبسها، وزينتها، وسلوكها، والحشمة، مع عدم الخلوة.
نصوص
والظاهر أن أصحاب الرأي الأول ـ وهم المجيزون ـ قد استندوا إلى متمثلة في وقائع عملية قامت بها نساء صحابيات، لهنَّ وزنهنَّ واعتبارهنَّ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وعهد خلفائه الراشدين، مما اعتبر ذلك تشريعًا مِنَ السُّنَّة النبوية في هذا المجال؛ نظرًا إلى ما قامت به تلك النسوة الصحابيات مِنَ المشاركة في الحروب بإسناد الجيش، وحمل السلاح،
(1) الخولي، الإسلام والمرأة العاصرة، و
ص
243 (1/176)
صفحة 167
المرأة والولايات العامة
177
وخدمة الجند، وسقيهم، ومداواتهم، إلى غير ذلك من الأعمال التي خرجت من أجلها المرأة آنذاك.
أما أصحاب الرأي الثاني ـ وهم المانعون ـ فلعلهم اتكأوا إلى قاعدة سد الذرائع، ورأوا قصر تلك الحالات والوقائع على واقعها وحالها التي وقعت
فيها، مضعفين بعض تلك الرّوايات، أو مؤوّلين لبعضها.
وأما أصحاب الرأي الثالث فلعلهم بنوا رأيهم على أن الأصل في الأشياء الإباحة والحل - ما لم يقم دليل على المنع والتحريم ..
وفي رأيي أنَّ الرَّأْي الثالث هو المناسب والأليق بمقام المرأة وكرامتها وعفتها؛ لأنَّ بقاء المرأة في بيتها وعملها فيه هو الأصل، وهذا الرأي هو الرأي الوسط بين الآراء الثلاثة، كما أنَّ عمل المرأة في هذا العصر أصبح واقعا اجتماعيا، لا مفر منه، أو ضرورة اقتصادية لا بد منها، لذلك فإنَّ القول بجوازه هو المناسب، لكننا نقول يجب أن يكون وفق الضوابط الشرعية، ولا يكون على حساب البيت، والأمومة، والأنوثة، والطفولة.
وإذا ما كان للمرأة تلك المسؤولية العامة في الحياة التي مر ذكرها؛ فهل
تصلح للولاية العامة؟ وهو ما سنذكره في المحور التالي.
دل دي (1/177)
صفحة 168
178
الولاية العامة للمرأة
نظرات تجديدية فقهية
الولاية العامة: يُقصد بها رئاسة الدولة، وهي مصدر وَليَ الشَّيء، وبالكسر الخطَّة والإمامة والسلطان، والولاية مصدر الموالاة، ومصدر الوالي"،
التسلط
والولاية والإمارة بكسر الأوّل منهما، وهما بمعنى واحد؛ لأنَّ المقصود والتمكُن، وتكون عامة وخاصة، وتُخصُّ العامة بالإمامة والخلافة، ويقال لمتوليها: إمام المسلمين، وأمير المؤمنين، والخليفة، ويعنون خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم (3)، وعرفها الشَّريف الجرجاني بأنَّها في الشرع: تنفيذ القول على الغير، شاء الغير أو أبي (4).
وعلى العموم فإنَّ المقصود من الولاية العامة رئاسة الدولة، والقضاء، ولا شك أن القول بجواز تولي المرأة للحكم، أو السلطة، أو رئاسة الدولة، أو رئاسة الحكومة، أو القضاء؛ هو ممَّا طرحته بقوَّة الحياة المعاصرة، أو لنقل الحضارة المعاصرة، ألا الحضارة الغربية، على أنه وإن كانت هنالك
وهي
مناقشات في السابق حول ذلك؛ إلا أن الحياة العاصرة طرحته بقوة نتيجة
زحف ركب الحضارة الغربية.
(1) الفيروزآبادي، القاموس المحيط، مادة: ولي. (2) الفراهيدي، كتاب العين مادة: ولي. (3) السالمي، شرح مسند الربيع، ج 1، ص 74. (4) كتاب التعريفات، ص 205. (1/178)
صفحة 169
المرأة والولايات العامة
179
واستجاب فكر الصحوة الإسلامية لمناقشة هذا الموضوع دفاعا عن الإسلام من جهة، واحترامه للمرأة وتكريمه لها من جهة أخرى، مبينا وموضحا في نفس الوقت ما يمكن أن تقوم به المرأة مِنْ مسؤوليات، وما لها من صلاحيات. وقد انقسم فقهاء الإسلام ومفكروه إزاء القول بالولاية العامة للمرأة إلى
ثلاثة أقسام؛ وهم:
- المانعون:
يستدل المانعون على عدم جواز تولي المرأة للحكم - قضاء ورئاسة -
بالأدلة التالية:
أولا: مِنَ القرآن الكريم
1 - الرّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا
أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34].
- وَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ
[البقرة: 228].
- وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا
اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَا اكْنَيْنَ) (النساء: 32).
4 - وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تبرجن تبرعَ الْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى) (الاحزاب: 33).
ثانيا: مِنَ السُّنَّة:
1 - (إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ». رواه البخاري ومسلم.
2 ـ قول الرسول صلى الله عليه وسلم لزوجتيه أم سلمة وميمونة لما أقبل ابن أم مكتوم:
احتجبا منه». رواه أبو داود. (1/179)
صفحة 170
180
نظرات تجديدية فقهية
- أمره لامرأة أبي حميد الساعدي بالصَّلاة في بيتها، وأنَّها أفضل مِنْ صلاتها في المسجد. رواه أحمد والطبراني.
4 - «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلِ وَدِينِ أَذْهَبَ لِلبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إحْدَاكُنَّ». رواه البخاري ومسلم.
ه - «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةٌ». رواه البخاري وغيره.
وهناك أحاديث كثيرة أخرى استدل بها المانعون من تولي المرأة القضاء، ورئاسة الدولة، والحكومة، ويظهر من كلام المانعين أنَّ الأنوثة هي العلة المانعة من جواز تولي المرأة للولاية العامة.
العامة؛ حتى
كما يظهر أن العلماء السابقين أكثرهم على المنع من تولي المرأة للولاية حكى بعضهم الإجماع على ذلك، ومن أقوال العلماء على المنع في الموضوع قول العلامة البغوي، حيث قال: «اتَّفقوا على أنَّ المرأة لا تصلح أَنْ تكون إمامًا، ولا قاضيا؛ لأنَّ الإمام يحتاج إلى الخروج لإقامة أمر الجهاد، والقيام بأمر المسلمين، والقاضي يحتاج إلى البروز لفصل الخصومات، والمرأة عورة لا تصلح للبروز، وتعجز لضعفها عن القيام بأكثر الأمور، ولأنَّ المرأة ناقصة، والإمامة والقضاء من كمال الولايات، فلا يصلح لها إِلَّا الكامل مِنَ الرِّجال".
وقال العلامة الشَّقصي: «وقيل: لا يكون الإمام إِلَّا رجلًا بالغا عاقلا مميزًا، لا أصم، ولا أعمى، ولا أخرس، ولا ناقص شيء مِنَ الجوارح مما يسقط عنه فرض الجهاد .... (3)، وكلمة (قيل) عند الشَّقصي ليست للتمريض، بل هي
للتحقيق، وكثيرًا ما تَرِد في مصادر الفقه الإباضي بجعلها للتحقيق.
(1) أبو حجير، مجيد محمود المرأة والحقوق السياسية في الإسلام، ص 2018، مكتب الراشد، الرياض. (2) البغوي، الحسين بن مسعود، شرح السنة، ج 10، ص 77، ط 1، المكتب الإسلامي، بيروت. (3) الشقصي، خميس بن سعيد، منهج الطالبين، ج 8، ص 48، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان. (1/180)
صفحة 171
المرأة والولايات العامة
181
- المجيزون
وهؤلاء يبيحون للمرأة أن تتولى جميع الأعمال والمسؤوليات، بما فيها رئاسة الدولة والقضاء، ويرون أنَّ الإسلام لم يحرم المرأة من الحقوق السياسية مطلقا، ويقول بعضهم: إن المسألة اجتماعية سياسية، يُترك حلها تبعًا للظروف الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية"، ويستدلون على ذلك بما يلي:
أولا: مِنَ القرآن الكريم
1 - ملكة سبأ الوارد ذكرها في قول الله جل: {قَالَتْ يَتَأَيُّهَا الْمَلَؤُا أَفْتُونِي فِي أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمَا حَتَّى تَشْهَدُونِ. قَالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ * قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةٌ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [النمل 32 - 34].
- وَهَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزُ.
[البقرة: 228]
3 - {يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ} [الحجرات: 13].
- وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة: (7). ثانيا: مِنَ السُّنَّة:
1 - «إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ». رواه أبو داود.
2 ـ وقد استدل هذا الفريق ـ وهم المبيحون ـ بوقائع تاريخية تولت فيها
المرأة الزعامة على الرّجال، ومن ذلك:
(1) دندل جبر، المرأة والولايات العامة، ص / 227، دار عمار، الأردن. (1/181)
صفحة 172
182
نظرات تجديدية فقهية
أ ـ خروج السيدة عائشة في معركة الجمل. ب - قيام أروى بنت أحمد الصليحية في اليمن.
ج ـ قيام شجرة الدر المملوكية في مصر. د ـ قيام غزالة أم شبيب الخارجية بالكوفة.
على أن أكثر المجيزين لتولي المرأة الولاية العامة هم من المعاصرين، وهم يرون كما حكى عنهم الدكتور عبد الحميد الأنصاري في كتابه (الشورى وأثرها في الديمقراطية): أن مشكلة الحقوق السياسية للمرأة ليست مشكلة دينية أو قانونية، وإنما هي مشكلة اجتماعية سياسية، يتقرر فيها الرأي تَبَعًا للظروف الاجتماعية، والسياسية والاقتصادية في مكان وزمان ما، مع مراعاة ما تقتضيه قواعد الدولة، وهم يقولون: إنَّه لا يوجد هناك حكم شرعي يحرّم منح المرأة حقوقها السياسية، وقد ثبت ذلك بمناقشة أدلة الفريقين،
فالمسألة اجتهادية (2).
وإنْ كان هنالك مِنَ السَّابقين مَنْ أجاز لها ذلك مثل الإمام الطبري، فقد قال: «يجوز أن تكون المرأة حاكمًا على الإطلاق في كل شيء» (3)، كما أن
الإمام أبا حنيفة قال: «يصح قضاء المرأة في الأموال».
- المتوسطون:
ونقصد بالمتوسطين أولئك الذين رأوا أنَّ الإسلام لم يمنع المرأة حقوقها السياسيَّة، وتولي المسؤوليات العامة ما عدا رئاسة الدولة فقط، أما
(1) دندل جبر، المرأة والولايات العامة. 230، دار عمار، الأردن.
(2) نفس المصدر، ص 244. (3) البيجاني، أستاذ المرأة، ص 66.
(4) نفس المصدر.
ص (1/182)
صفحة 173
المرأة والولايات العامة
183
سائر الأعمال والمسؤوليات العامة؛ كالقضاء، والانتخاب، والترشيح، والأمور الإدارية، والأعمال الخدميَّة كالتعليم، والتطبيب، والتمريض، وغير ذلك من الأعمال والمسؤوليات؛ فقد أجازوها لها، ويستدلون على
ذلك بما يلي: أولا: القرآن الكريم
1 - وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: 228).
2 - يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَلَكُمْ} [الحجرات: 13].
- فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَلِمِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بعضُكُم مِّن بَعْضٍ} [آل عمران: 195].
مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97).
ه - * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (الليل 3 - 4].
6 - (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة: 1]. - يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يسرقن وَلَا يَرْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوَلَدَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَنِ يَفْتَرِينَهُ، بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ولا يعصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ رَّحِيمٌ.
[الممتحنة: 12].
ثانيا: مِنَ السُّنَّة:
1 - «إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ». رواه أبو داود. (1/183)
صفحة 174
184
نظرات تجديدية فقهية
2 ـ إجازة النبي صلى الله عليه وسلم إعطاء الأمان مِنْ أم هانئ فأخته بنت أبي طالب عندما أجارت هبيرة المخزومي، ورجلا آخر، وكذلك أمان ابنته زينب عندما أجارت زوجها العاصي بن الربيع.
ثالثًا: استدل هذا الفريق بعدد مِنَ النّساء في التاريخ الإسلامي لمشاركة الرّجال في الكثير من الأمور، أو قُمنَ بالكثير مِنَ الأعمال والمسؤوليات. وعلى العموم فإنَّ هذا الفريق نزّل أدلة فريق المجيزين مِنَ الكتاب والسنة والوقائع التاريخيَّة، إلَّا أنّهم لم يعطوا المرأة حق الولاية العامة التي رئاسة الدولة.
رأيي الشخصي
مي
نظرا للتطور الفكري الذي حصلت عليه المرأة المسلمة من خلال تعلمها وترقيها في درجات العلم، وسلم المعارف؛ أرى أنَّ رأي المتوسطين هو الرأي الوسط بين رأيي المانعين مطلقا والمجيزين مطلقا، والرأي الوسط الذي أراه أنَّه يجوز أن تتولى المرأة جميع المسؤوليات العامة ما عدا رئاسة الدولة، والدليل على ذلك ما يلي:
1 - قول الله: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بعضُكُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة: 71].
وهذه الآية تشكل أقوى الأدلة وأظهرها على قيام المرأة بتحمل أعباء المسؤولية استقلالا شأنها شأن الرّجل، لِمَا بين الرَّجل والمرأة من الموالاة التي النصرة والتأييد والتعاون في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
هي
(1) محمد عمارة، التحرير الإسلامي للمرأة، ص 14 دندل جبر، الولايات العامة للمرأة، ص
ص 255 (1/184)
صفحة 175
المرأة والولايات العامة
185
وهذه مسؤولية اجتماعيَّة وسياسية وأمنيَّة، يقول الشيخ محمود شلتوت: «إنَّ مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي أكبر مسؤولية في نظر الإسلام،
وقد سوى الإسلام فيها بصريح هذه الآيات بين الرجل والمرأة». 2 ـ مبايعة النساء للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: (يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يبا يعنك عَلَى أَن لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِفْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانِ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَايِعْهُنَّ} الممتحنة: 12]، وإن كانت بيعة على الإسلام إلا أنَّ الإسلام هو دين ودنيا، والنَّبيُّ الله كان نبيا ورئيس دولة، بل رئيس الكيان الإسلامي (الدولة والمجتمع والأفراد)، فمبايعة النساء له هي مبايعة للدين والدنيا.
والآيتان المذكورتان تتيحان للمرأة مشاركة الرجل في كل ما يتعلق بالمسؤوليات العامة، وتمنحها الحق في ذلك، أما رئاسة الدولة فتحتاج إلى مؤهلات خاصة، لا تتوفّر في المرأة؛ نظرًا إلى الفوارق الجسمية بينها والرجل. وأرى أنَّ الآية الكريمة - وهي قوله تعالى: {أَوَمَن يُنَشِّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ في الخصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف: 18]- تصلح كدليل على عدم أهلية المرأة للولاية العامة؛ لأنها توسطت الآيات التي قال الله فيها مِنْ سورة الزخرف: {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخلُقُ بَنَاتِ وَأَصْفَنَكُم بِالْبَنِينَ. وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًا وَهُوَ كَظِيمُ. أَوَمَن يُنَشَؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مان وجعَلُوا المَلَيكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِننَّا أَشْهِدُوا خَلَقَهُمْ سَتَكَتَبُ شَهَدَتُهُمْ وَيُسْتَلُونَ} [الزخرف: 16 - 19].
O
والمعنى أن المشركين نسبوا إلى الله الولد وهم الملائكة، وجعلوهم إناثًا، مع أنهم هم أنفسهم إذا بُشِّر أحدهم بالأنثى يظلُّ وجهه مسودا، فكيف ينسبون
(1) الإسلام عقيدة وشريعة دار الشروق القاهرة، ص 225، ط 8. (1/185)
صفحة 176
186
نظرات تجديدية فقهية
إلى الله الولد الذي لا يرغبون هم فيه؟ وهنا يفرق الله بين الذكر والأنثى مشيرًا إلى أن البنت تنشأ في الحلية والزينة، لذلك فهي تكون غير مبينة في الخصام، وكأن الله تعالى يقول: إن الإبانة في الخصام مِنْ مسؤولية الرجل، وهي مسؤولية كبيرة، بل مسؤولية قيادية، وهي لا تتحملها المرأة لنعومتها وأنوثتها، ونشأتها في الحلية والزينة، وهذا لم أجده لغيري ولكنه رأي رأيته، واستنتاج استنتجته، والعلم عند الله وعل.
على أنه ينضم إلى هذا الدليل دليل آخر، وهو أنَّ الله تعالى لم يجعل النُّبوَّة في النساء على كثرة عددهم على مر العصور، وكرّ الدهور، والنُّبوَّة وإِنْ كانت رسالة دينية واصطفاء إلهيّا؛ إلَّا أنَّ فيها قيادةَ النَّاس والتروس عليهم؛ لأنَّ النبي يكون هو المسؤول الأول في قومه اجتماعيًا وسياسيا، على أن الناظر في سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يجده أنه نبي ورسول ورئيس الدولة، بل رئيس الكيان الإسلامي (الدولة والمجتمع، والأفراد).
وكثير من الأنبياء والرسل مثله في ذلك، لا سيما أصحاب الرسالات الكبرى، وهم أولو العزم مِنَ الرُّسل، ولم يجعل الله للنساء نصيبا في النُّبوَّة لهذا المعنى العميق ذي البعد الاجتماعي والسياسي. (1/186)
صفحة 177
المرأة والولايات العامة
الخاتمة
187
هذه
هي المرأة، وذلك هو حراكها في الحياة مشاركة ومسؤولية، ومنذ بداية الحياة البشرية الرَّجل مشغول بها وهي مشغولة به؛ لأنها شقيقته، ونصفه الآخر المكمل له، كما عبر عن ذلك الحديث الشريف القائل: «إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ»، وإذا كانت هنالك مساواة في حركة الحياة بينهما؛ فلا بد أن تقود تلك المساواة إلى المشاركة في تحقيق السيرورة البشرية - وجودًا وعملا، ولا شك أنَّ تلك المشاركة تؤدّي إلى وجود مسؤولية تتحمل فيها المرأة أعباء الحياة بجانب الرَّجل - سياسيا واجتماعيا وخدمة واقتصادًا ـ، ونتيجة لهذا العطاء الإسلامي لها بعد أن كانت مسلوبة الإرادة ومهضومة الحقوق؛ اشرأبت عنقها إلى الوصول إلى سدة الولاية العامة، ألا وهو رئاسة الدولة، تطلعا منها إلى القيادة العامة والكاملة للناس - رجالا ونساء ـ، لولا أن
اصطدمت بنصوص دينيَّة مِنَ القرآن والسُّنَّة، كانت حاجزا بينها وبين ذلك
التطلع، فمن القرآن قول الله وجل: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَ اللَّهُ بعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34)، وقوله (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ) (البقرة: 28)، وقول
الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةٌ». (1/187)
صفحة 178
188
نظرات تجديدية فقهية
فما كان من الخطاب الفقهي إلَّا أن تمسَّك بقوَّة بالنُّصوص الآنفة الذكر، وربما توسع في إيجاد حواجز مانعة من وصول المرأة إلى المشاركة والمسؤولية في حركة الحياة خارج المنزل.
بَيْد أنَّ الحضارة المعاصرة، وهي حضارة غربيَّة قلبا وقالبا؛ طرحت بقوة موضوع وجود المرأة بجانب الرَّجل في حركة الحياة خارج المنزل، ورأت الصحوة الإسلامية الاستجابة إلى مناقشة ذلك الطرح الغربي في ضوء النصوص الإسلاميَّة مِنَ القرآن والسُّنَّة وأقوال العلماء السابقين حيالها، وهكذا احتلت المرأة مكانتها في الفكر الإسلامي المعاصر كرد اعتبار لها؛ استلهاما منْ تكريم الإسلام لها أما وبنتا وأختا وزوجةً وشقيقة للرجل في الإنسانية؛ ليكتمل بها النصف الثاني للمجتمع.
هذه المعاني هي التي طرحها هذا البحث، وناقشها تحليلا وتعليلا متوصلا إلى جواز مشاركة المرأة للرَّجل في حركة الحياة خارج المنزل، وجواز تحملها المسؤولية العامة في الإدارة السياسية والاقتصاد والخدمات العامة؛ كالتعليم والتطبيب وغير ذلك، على أن يكون ذلك في إطار الاحتشام والضوابط الشرعية، أما الولاية العامة التي هي رئاسة الدولة؛ فلم يرَ الباحث إسنادها إليها؛ نظرًا إلى ثقل المسؤولية التي تحتاج إلى مؤهلات خاصة غير متوفرة لدى المرأة، كان استنتاجا مِنْ أدلة المانعين، وأدلة المجيزين، وأدلة الذين توسطوا بين ذلكما الفريقين؛ مُحدثين قولا ثالثا، أجازوا فيه للمرأة شيئا، ومنعوها شيئًا آخر.
على أنني استدللت على عدم صلاحية المرأة بتولي رئاسة الدولة بعدم جعل الله المرأة نبيا ورسولا على مر تاريخ النُّبوَّات والرسالات منذ أبينا آدم على صحيح القول بنبوته، وحتى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كما استنتجت مِنْ قوله تعالى: {أَوَمَن يُنَشَؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف: 18]؛ (1/188)
صفحة 179
المرأة والولايات العامة
189
أشارت الآية إلى الفرق بين الرجل والمرأة، فكون المرأة تنشأ في الحلية والزينة، وكون الرّجل مُبينًا في الخصام؛ يدلُّ على عدم استطاعة المرأة تحمل المسؤولية الكبرى، وكون الرَّجل قوي الخصام، فهو يستطيع ذلك، وهو استنتاج من الآية المذكورة لم أجده لغيري، وعسى أن أكون قد وفقت فيه، ولعله موجود، ولكن لم أطلع عليه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. (1/189)
صفحة 180
زواج الصغيرات
في المنظور الإسلامي (1/191)
صفحة 181
رواح الصغيرات في المنطور الإسلامي
مقدمة
193
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وعلى كلّ مَنْ سار على نهجه، واتَّبع هداه؛ أما بعد: فهذا بحث عنوانه «زواج الصَّغيرات في المنظور الإسلامي»؛ أعددته لمؤتمر مجمع الفقه الإسلامي الدولي الذي سيقام بمشيئة الله تعالى في رحاب الجامعة الإسلامية بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم - حرسها الله تعالى ـ في دورته (الثالثة والعشرين)، وقد جاء البحث تحت العناوين التالية:
الزواج في الإطار الشرعي.
مشروعية الزواج في الإسلام.
مشروعيَّة الزَّواج مِنَ الصَّغيرة.
حكم تزويج الصغيرة.
- سن الدخول بالزوجة.
- تحديد سن الزواج.
- الخاتمة.
وكل عنوان من هذه العناوين يشتمل على جملة من الأحكام الشرعية
المتعلقة به.
والله ولي التوفيق. (1/193)
صفحة 182
194
الزَّواج في الإطار الشَّرعي
نظرات تجديدية فقهية
كان أول زواج بين الرجل والمرأة هو ما كان بين والذي البشرية آدم وحواء، وفي ذلك جاء قول الله جل؛ حيث قال: يَتَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: 1]، وقوله عز من قائل: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تغشها حملت حملا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَبِنْ آتَيْتَنَا صَلِحًا لَتَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ} [الأعراف: 189]، وبعد ذلكم الزواج المبارك الميمون بين والدينا آدم وحواء؛ استمرَّ الزَّواج في ذرِّيَّتهما البشرية في الأطر الشرعية حسب شريعة كل نبي، إلَّا ما خرج. منه عن الشرائع الرَّبَّانيَّة، المنزلة
على الأنبياء والرسل.
مشروعيّة الزَّواج في الإسلام
شرع الإسلام العلاقة الزوجيَّة بين الرَّجل والمرأة بالتزاوج بينهما، بل وحث على الزواج، ورغب فيه، وجعله مِنْ سُنَن الحياة التي لا تستقيم الحياة، ولا تستمر إلا به، فقد جاء في ذلك قول الله وقال: (وَأَنكِحُوا الْأَيْمَى مِنكُمْ وَالصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَابِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعُ عليم} [النور: 32]، وقوله: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَعَ فَإِنْ (1/194)
صفحة 183
زواج الصغيرات في المنظور الإسلامي
195
خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: (3)، وقوله: وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا اتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْسِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا متَخِذِي أَخْدَانٍ} [المائدة: 5].
وجاء في الحثّ على الزواج ودليل مشروعيته حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ.
(2)
والزواج مِنْ سُنَن الأنبياء والرسل، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِّيَّةً) [الرعد: (38)، وهو من مؤكدات سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال في حديث عنه: (وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي، وغيره من الأحاديث الحالة على الزواج والمرغبة فيه، وجاءت أقوال علماء الإسلام حانَّةً على الزواج، قال نور الدين السالمي: ثُمَّ النِّكَاحُ سُنَّةُ المُخْتَارِ وَالمُرْسَلِينَ صَفْوَةِ الْأَبْرَارِ إِنْ كُنْتَ مِنْ إِخْوَانِنَا تَزَوَّجَ لِتَحْرُزَ الدِّينَ مِنَ التَّعَرُّج إِنَّ النِّكَاحَ يَكْسِرَنَّ النَّظَرَا وَيَحْفَظَنَّ الفَرْجَ عَمَّا حُجرَا مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَعِيشَ عَزْبَا فَذَلِكَ الْفَوْزُ لَهُ قَدْ وَجَبَا قَدِ اسْتَرَاحَ مِنْ مُعْانَاةِ النِّسَا وَارْتَاحَ مِنْ قَوْلِ لَعَلَّ وَعَسَى وَهِيَ طَرِيقَةُ المَسِيحَ قَدْ وَفَى بِهَا وَلَكِنْ غَيْرُهَا لِلْمُصْطَفَى فَمَاتَ عَنْ تِسْع وَحَثَ أُمَّتَهُ عَلَى الزَّوَاجِ كَيْ يُصِيبُوا سُنَّتَهُ وَلَهُمُ بِذَا الزَّوَاجِ أَرْبَعُ وَبِالنَّسَرِّي كَيْفَ شَاؤُوا أَجْمَعُوا)
(1) رواه البخاري ومسلم.
(2) جوهر النظام، كتاب النكاح.
(3) كتاب العين، مادة: جنى. (1/195)
صفحة 184
196
نظرات تجديدية فقهية
مشروعيَّة الزَّواج مِنَ الصَّغيرة:
لم أجد تعريفا دقيقا وصريحًا للصَّغير مِنَ النَّاس ـ ذكرًا كان أو أنثى ـ؛ إِلَّا من خلال استقراء الأحكام المتعلقة بالتكليف والمرتبطة بالبلوغ، بمعنى أن الإنسان إذا كان في حال قبل البلوغ فهو صغير، وإذا ما تجاوز البلوغ الشرعي فهو كبير، وعرَّف الخليل بن أحمد الفراهيدي الصغر بأنه مصدر من صغير القدر؛ بَيْدَ أنَّ هذا التعريف لا ينطبق على تقسيم عُمُر الكائن الإنساني، على أنه يؤخذ تعريف الصغير بأنه هو من دون البلوغ مِنْ قول الله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} [النساء: 1].
(1)
ولعل الشقصي أراد من عبارته الآتية تعريف الكبير بلزوم التكليف؛ حيث قال: «والعلة في قول مَنْ يقول: إنَّه موقوف ـ أي: زواج الصغيرين ـ إلى بلوغهما؛ لأنَّهما في حال الصبا لا يملكان مِنْ أمرهما شيئًا، فإذا بلغا إلى الحد الذي إذا أنهاه المكلّف؛ لزمه التكليف "".
حكم تزويج الصغيرة
يتجاذب الحكم بصحة تزويج الصَّغيرة مِنَ النّساء قولان؛ الأول: الجواز،
الثاني: عدم الجواز.
القول الأول: الجواز:
وتتنازعه آراء، وهي:
1 ـ يجوز للأب والجد دون غيرهما مِنَ الأولياء، وهو رأي الجمهور، وإن
زوج غيرهما من الأولياء؛ فإن الزواج لا يصح.
(1) كتاب العين مادة صغر
(2)
منهج الطالبين، ج 15، ص 313 وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان. (1/196)
صفحة 185
زواج الصغيرات في المنظور الإسلامي
197
2 - يجوز لجميع الأولياء، ويصح به الزواج، وهو رأي أبي حنيفة والأوزاعي وجماعة من السلف، ولها الخيار عند البلوغ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أمامة زوج بنت حمزة ـ وهي صغيرة -، وجعل لها الخيار إذا بلغت"، وهو القول المعتمد عند الإباضية، غير أنَّهم اختلفوا في ثبوت الخيار بالبلوغ بين تزويج الأب وغيره من الأولياء.
فجعل بعضهم تزويج الأب لا خيار فيه بعد البلوغ؛ أي: ليس لها الغير بعد البلوغ، أما إذا زوجها غير الأب مِنَ الأولياء فلها الخيار ـ إذا بلغت ـ، وبعضهم قال بثبوت الخيار من تزويج جميع الأولياء مِنْ أب وغيره إيَّاها.
وهذا الرأي هو المعمول به في العصر الحاضر عندنا في سلطنة عُمان، وقد رجحه نور الدين السالمي، فقد قال: «القول بصحة تزويجها؛ إذا بلغت كان لها الغير مطلقا، وقيل: إن زوجها أبوها فلا غير لها، بخلاف سائر الأولياء؛ فإنَّ لها الغير في تزويجهم، وعلى هذا كان عمل المتأخرين من مشايخ نزوى، والحق أَنَّ لها الغير مطلقا).
وقاس ابن بركة جواز تزويج الصَّغيرة مع ثبوت الخيار لها على الأمة التي زوجها سيدها، ثم أعتقها أنَّ لها الخيار إذا أعتقت، والضابط في ذلك عنده: أنَّ كل معقود عليه نكاح لا رأي له في نفسه، أنَّ له الخيار إذا ملك أمر نفسه، أما إذا مات الزوج قبل بلوغها فلها الصداق والميراث، وعليها يمين بالله أنَّها لو بلغت لرضيت به زوجا)، وكذلك الصَّبيُّ إذا تزوج امرأة بالغة، ثم ماتت
(1) سيد سابق، فقه السنة، ج 2، ص 116، دار الفكر، بيروت.
(2) الجوابات، ج 2، ص 524. (3) كتاب الجامع، ج 2، ص 124. (4) كتاب الجامع، ج 2، ص 138. (1/197)
صفحة 186
198
نظرات تجديدية فقهية
المرأة؛ فعليه يمين بالله أنَّه إذا بلغ وكانت حيَّة لرضي بها زوجة له، على أن اعتماد القائلين بزواج الصَّغيرة هو زواج النبي صلى الله عليه وسلم مِنْ عائشة بنت أبي بكر ا، فقد تزوجها ـ على المشهور ـ وهي بنت ست سنين، وابتنى بها وهي بنت تسع سنين.
بن مظعون بنت
كما أنَّ هناك عملًا مِنَ الصَّحابة و في هذا، فقد تزوج عمر بن الخطاب أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وهي صغيرة، وتزوج قدامة الزبير يوم ولدت"، وقد تقدم تزويج النبي صلى الله عليه وسلم أُمامة بنت حمزة وهي صغيرة بولاية القرابة منها؛ مِنْ حيث إنَّها ابنة عمه وابنة أخيه مِنَ الرَّضاعة، وجعل لها الخيار عند البلوغ (3).
وينفسخ النكاح من غير طلاق عند الغير مِنَ الزواج، وهل للزوج المغيَّر منه أن يتزوجها بنكاح جديد أم لا؟ قال محمد بن محبوب: لا يجوز، وقال موسى بن علي: يجوز، وجرى العمل إباضيًا على الجواز (4)، ا، وهو الصحيح لحديث بريرة، فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم استطلع رأيها إذا كانت ترضى الرجوع إلى مغيث، فرفضت إلَّا إذا كان ذلك بأمر، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: إنَّما أنا أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه)، فالنبي صلى الله عليه وسلم أباح لها الرجوع إذا اختارته، ويُفهم منه أنَّه بزواج جديد، هذا على قياس الصغيرة على الأمة عند القائلين بجواز تزويج الصغيرة بجامع أن كلا منهما ليس لها شيء مِنْ أمر نفسها.
(1) الإزكوي، محمد بن جعفر كتاب الجامع، ج 6، ص 171.
(2) السالمي نور الدين شرح مسند الربيع، ج 3، ص 41.
(3) الشقصي، المصدر السابق، ص)
(4) الشقصي نفس المصدر، ص /
(ه) رواه البخاري.
317
317 (1/198)
صفحة 187
زواج الصغيرات في المنطور الإسلامي
199
القول الثَّاني: عدم الجواز:
وهو عدم جواز تزويج الصَّغيرة، فقال به الإمام جابر بن زيد، وعثمان البتي، وأبو بكر الأصم، وابن شبرمة، ولعلهم اعتبروا زواج النبي صلى الله عليه وسلم مِنْ عائشة حالة خاصة به الله، وقد اعتمدت قوانين الأحوال الشخصية، أو قوانين الأسرة في الدول العربيَّة عدم جواز تزويج الصغيرة دون سن الخامسة عشرة، فقد نص قانون الأحوال الشخصية الموحد لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربيَّة (وثيقة مسقط) في المادة (9) على ما يلي:
1 - إذا طلب مَنْ أكمل الخامسة عشرة من عمره الزَّواج، وامتنع وليه عن تزويجه؛ جاز رفع الأمر إلى القاضي.
2 - يحدد القاضي مدَّةٌ لحضور الولي يبيّن خلالها أقواله، فإن لم يحضر أصلا، أو كان اعتراضه غير سائغ زوجه القاضي.
كما نص قانون الأحوال الشَّخصيَّة العُماني في المادة (7) على ما يلي:
تكمل أهلية الزواج بالعقل، وإتمام الثامنة عشرة من العمر».
ونَصَّ في المادة (10) فقرة (ج) على ما يلي: «مع مراعاة أحكام الفقرة (ب) من هذه المادة: لا يُزوّج مَنْ لم يكمل الثامنة عشرة من عمره إلا بإذن القاضي». ونص قانون الأحوال الشخصية للدول العربية (وثيقة الكويت) في المادة (11) على ما يلي: «إذا طلب مَنْ أكمل الخامسة عشرة من العمر الزواج؛ فللقاضي أن يأذن له به إذا ثبتت له قابليته البدنية، وبعد موافقة وليه، فإذا امتنع
(1) السالمي نور الدين المصدر السابق، ج 3، ص 41. (2) بوابة الأزهر الإلكترونية، وانظر: ابن رشد محمد بن | أحمد، بداية المجتهد، ج 2، ص 6، دار الكتب العلمية، بيروت. (1/199)
صفحة 188
200
نظرات تجديدية فقهية
الولي طلب القاضي موافقته خلال مدة يحددها له، فإن لم يعترض، أو كان
اعتراضه غير جدير بالاعتبار؛ زوجه القاضي».
وجاء في المادة (12) منه ما يلي:
1 - لا يُزوّج مَنْ لم يكمل الخامسة عشرة من العمر ـ ذكرًا كان أو أنثى - إِلَّا
بإذن القاضي. 2 ـ لا يأذن القاضي بالزواج إلا إذا اقتضت المصلحة ذلك.
هو
وما أظنُّ قوانين الأحوال الشخصية أو قوانين الأسرة إِلَّا سائرةً على هذا المنوال، وآخذةً بهذا المآل، والقوانين المذكورة اعتبرت سن الرشد الثامنة عشرة مِنَ العمر، على أنَّ بعض القوانين رفعت سن الرشد إلى الحادية والعشرين سنة قمرية، ويقابلها عشرون سنة وأربعة أشهر وعشرون شمسية، كما عليه قانون الأحوال الشَّخصيَّة الإماراتي في مادتيه: (171) و (172) (2)، والأصل أنَّه لا يوجد سن محدّدة للرُّشد، وإنَّما هو ينبني على إيناس الرشد في الإنسان؛ لقول الله تعالى: فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَاهُمْ} [النساء: 6، ولكن نظرًا لتطور الحياة وتعقيداتها، وتشابك مصالح الناس فيها؛ فإنَّه لا بدَّ مِنْ ضبط وضابط، وذلك بتحديد سن معيَّنة لكل الناس.
ووجد قول آخر ألا. وهو كراهة زواج اليتيمة قبل البلوغ، وهو قول وسط بين القولين (3) اللذين هما:
(1) ذكرت القوانين الثلاثة؛ لأني كنت رئيس الفريق الذي صاغ قانون الأحوال الشخصية العماني، وكنت عضو لجنة صياغة القانون الموحد لدول مجلس التعاون الخليجي، كما كنت عضوا
في لجنة صياغة القانون الموحد للدول العربية.
(2) تطبيق جوجل.
(3) الإمام محمد بن محبوب مختصر السُّنَّة، تحقيق سليمان بابزيز، ص 243. (1/200)
صفحة 189
زواج الصغيرات في المنظور الإسلامي
201
جواز تزويج الصغيرة قبل البلوغ.
عدم جواز تزويجها إلا بعد البلوغ.
سن الدخول بالزوجة
يتوقف القول بسن الدخول بالزَّوجة على اختيار أي القولين: الجواز وتفريعاته، أم عدم الجواز؟
فعلى القول بالجواز، فإنَّ الدخول بها يكون حسب طاقتها وتحملها لتبعات الزواج؛ أَي أَن تكون قادرة على تحمل الرجل ووطئه، قال ابن عابدين: «وقد صرحوا عندنا بأنَّ الزَّوجة إذا كانت صغيرة لا تطيق الوطء؛ لا تُسلَّم إلى الزوج حتى تطيق، وقال شهاب الدين الرملي: «فلو كانت صغيرة لا تحتمل الوطء؛ لا يجب تسليمه ـ التمكن منها ـ حتى تطيقه)، وقال نور الدين السالمي: «إذا أطاقت المعاشرة، وكان الزوج أمينا عليها، فقد قيل: إنَّها تُجبر على ذلك، وإذا بلغت فلها الغير من زوجها إن لم
ترض به» (3).
والإطاقة للمباشرة حددوا لها محدّدات:
منها أن تكون سداسية العمر.
ومنها إذا صار ثديها كبعرة البعير.
ـ ومنها اشتهاء النكاح.
ومنها إذا كانت في سنّ مَنْ يحيض مِنْ أترابها
(1) الشقصي، خميس بن سعيد منهج ا الطالبين، ج 14، ص)
(2) بوابة الأزهر الإلكتروني.
(3) الجوابات، ج 2، ص 476.
(4)
منهج الطالبين، ج 15، ص 316.
317 (1/201)
صفحة 190
202
نظرات تجديدية فقهية
وإذا عاشرها الزوج وهي غير مطيقة للمعاشرة فماتت؛ فعليه ديتها في ماله، أما إذا عاشرها وهي مطيقة فماتت؛ فديتها على عاقلته؛ كالزوجة البالغة". على أنَّ هذه الأقوال تنطبق على القول الأول، ألا وهو جواز الزواج، ولا تنطبق على القول الثاني؛ ألا وهو عدم جواز تزويج الصَّبيَّة.
وينبني على القول بجواز تزويج الصغيرة عدم اشتراط حصول إذنها؛ إذ ليس لها مِنَ الأمر شيء، وإنما لها الخيار والغير بعد البلوغ، ويُشترط حصول إذنها بالزواج على القول الثاني، وهو عدم جواز تزويج الصغيرة، بل يصح تزويجها بعد بلوغها فقط، فهنا يُشترط حصول الإذن منه؛، إذ البكر تُستأذن في نفسها، وإذنها صماتها، كما جاء في الحديث)، وفي رواية: والبكر يستأمرها أبوها (3)، غير أنه يبقى هنالك تساؤل؛ وهو ما دوافع وأسباب زواج الصغيرة؟
في رأيي هنالك سببان يدفعان إلى هذا الزواج:
1 - وجاهة الفتاة ووليها وأسرتها.
2 ـ وجاهة الخاطب.
3 ـ مخافة الضيعة على الفتاة.
وقد تجتمع
هذه الأسباب، ولعل هناك أسبابًا أخرى.
تحديد
سن الزواج:
لم يرد دليل شرعي في تحديد سن معيَّنة للزواج، ولذلك كان الاختلاف حول جواز تزويج الصغيرة، على أنَّ القول بعدم جواز التزويج دون البلوغ هو المناسب للحياة المعاصرة؛ نظرًا لِمَا طرأ مِنْ تطور في الحياة والمعيشة، وما
(1) الإزكوي محمد بن جعفر، كتاب الجامع، ج 6، ص 173.
(2) رواه الربيع بن حبيب.
(3) رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. (1/202)
صفحة 191
زواج الصغيرات في المنظور الإسلامي
203
أفرزته الحضارة المعاصرة من أساليب جديدة للحياة، وتقنيات أصبحت ضرورية لا بد منها، كما أنَّ تحديد سن للزواج في رأيي هو من صلاحيات ولي الأمر (الحاكم عبر سن قوانين لذلك، وهو من التعليل بالمناسب المعتبر، الذي يؤدّي إلى تحقيق المصلحة العامة، ولا يصادم نصا صحيحًا وصريحا، فولي الأمر له تنظيم العلاقة بين النَّاس (الرعية) لمراعاة مصالحهم.
جواز
وفي رأيي أن تحديد سن الزواج بالبلوغ العمري الذي هو الدخول في السنة الخامسة عشرة أمر فيه انضباط، تماشيا مع الرأي القائل بعدم جوا تزويج الصبية قبل البلوغ، وهو قول أئمة معتبرين؛ كجابر بن زيد، وأبي بكر الأصم، وابن شبرمة، وعثمان البتي - كما تقدم، ولعل غيرهم قال بذلك، ولكن لم يصلنا قولهم.
كما أنها في هذه السن باستطاعتها تحمل تبعات الزواج بلا خلاف في ذلك، ما لم تكن بها علة مانعة، فالعلة المانعة تقدر بقدرها، على أنه حتى القائلين بجواز التزويج لم يجيزوا تسليمها للزوج إلا إذا أطاقت المعاشرة، ولم تتضرر من ذلك، ولذلك اشترط البعض كون الزوج أمينا عليها.
وقد مر بنا في ثنايا البحث أن القوانين المعاصرة جمعت بين البلوغ وإيناس الرشد؛ حيث اعتبرت سنَّ الثَّامنة عشرة من العمر هي المؤهلة للزواج الأهلية الكاملة، وأما ما قبلها بين سن الخامسة عشرة والثامنة عشرة؛ فإنَّ الأمر يحتاج إلى إذن القاضي وموافقته.
وفي رأيي أنَّه ينبغي التَّفرقة بين أهليَّة الزَّواج وبين أهلية سائر التصرفات الأخرى، فالزواج يكتفي فيه بالبلوغ، وأقصد البلوغ العُمري؛ أي: سن الخامسة عشرة، ولا يحتاج إلى إيناس الرُّشد؛ لأنَّ الزَّواج يكون الولي فيه حاضرا، حيث
(1) السالمي نور الدين الجوابات، ج 2، ص 476. (1/203)
صفحة 192
204
نظرات تجديدية فقهية
لم تترك الفتاة لرأيها فقط، وإنْ كان رأيها معتبرًا، لكنه مع إذن الولي، فالولي حام لها في أهليتها وقرارها ومصلحتها.
أما التصرُّفات الأخرى فإن الجمع بين البلوغ وإيناس الرشد الذي حُدّد بالثامنة عشرة أو ما بعدها مِنَ السِّنين هو المناسب؛ لأنَّ الشَّخص هنالك يحق له التصرف بمفرده، حيث تكون له أهليَّة التَّصرُّف في كلّ أموره المالية وغيرها بناء على ذلك. (1/204)
صفحة 193
زواج الصغيرات في المنظور الإسلامي
الخاتمة
تبين مما مر الخلاف الحاصل في تزويج الصغيرة بين مجوّز ومانع. كما أن المجوّزين دار بينهم خلاف في ثبوت الخيار لها عند البلوغ أو عدم ثبوته، وبين ثبوته إذا زوجها الأولياء من غير الأب، وعدم ثبوته إذا كان المزوّج أباها.
وفي رأيي: إنه لا يقضي على ذلك الخلاف إلا اشتراط البلوغ في صحة تزويجها، على أن يكون البلوغ محددًا عُمُريا بالخامسة عشرة من السنين.
فإنه بهذا التحديد ينضبط أمر التزويج، ولا يكون هناك خلاف في زمانية إمكان تسليمها إلى الزوج، لأنها تستيطع تحمل تبعات الزواج باتفاق ما لم تكن هناك علة مانعة من ذلك.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
وصحبه.
عرق (1/205)
صفحة 194
المصادر العلمية التي اعتمد عليها أبو نبهان في مؤلَّفاته (1/207)
صفحة 195
المصادر العلمية التي اعتمد عليها أبو نبهان في مؤلفاته
اهتمام العُمانيين بالتأليف الفقهي
209
اهتمام العُمانيين بالتأليف كان مبكرًا وكبيرا، فذلكم هو إمام التابعين وشيخ أهل الاستقامة في الدين أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي، أوَّل مَنْ قام بالتأليف وتدوين العلم في الإسلام، حاسمًا بذلك الخلاف الدائر حول جواز تدوين العلوم وعدم تدوينها، لا سيّما علم السُّنة المحمدية الشريفة، فكان ديوانه حاويًا للكثير من العلوم والمعارف.
وبعده توالى التأليف مِنْ قِبَل العلماء الأجلاء منذ القرن الأول الهجري، فلم يكن قرن مِنَ الزَّمان يخلو مِنَ المؤلَّفات في عُمان، وكان ذلك التأليف إمَّا في شكل رسائل صغيرة تناقش موضوعًا مِنَ الموضوعات، وإمَّا على شكل
موسع أطلق عليها اسم (جوامع)، ومفردها جامع؛ كجامع أبي علي موسى بن علي، وجامع ابن جعفر، وجامع ابن بركة، وجامع البسيوي، وغيرها من الجوامع.
ثم بعد ذلك ظهر التأليف الموسوعي الذي جعل كل كتاب يشتمل على عشرات الأجزاء؛ مثل كتاب الضياء للعوتبي، وبيان الشرع للكندي، والمصنف لكندي آخر، والتّاج للأصم، ومنهج الطالبين للشقصي، وغيرها من الكتب الموسوعية، أو العلميَّة، أو دوائر معارف على الاختلاف في صحيح ا
التسمية.
وفي العصر الذي عاش فيه العلامة الرَّئيس أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي - رضي الله عنه وأرضاه ـ في القرنين الثاني عشر والثالث عشر (1/209)
صفحة 196
210
نظرات تجديدية فقهية
للهجرة؛ كانت المكتبة الإسلامية زاخرة بشتى أنواع الكتب من العلوم والمعارف المتنوعة؛ كعلوم التفسير والحديث، والفقه، والأدب، واللغة، والتاريخ، والفلك، والمنطق، وعلم الكلام والفلسفة، وغير ذلك من العلوم والفنون والمعارف.
أمام ذلك الزخم الهائل من أنواع الكتب في عصر أبي نبهان، وحرص قوي، وشغف كبير على حب العلم منه؛ فقد تكونت لدى الإمام أبي نبهان مكتبة ضخمة عامرة ضمت بين جَنَباتها ما يزيد على ثمانية آلاف كتاب؛ لذلك فقد تسنى له الاطلاع الواسع على عدد كبير من الكتب والمصادر؛ الأمر الذي جعل منه عالما، ذا فكر واسع، وإحاطة شاملة بشتى أنواع العلوم.
فنجد ذلكم العلامة الرَّئيس متعمقا في عُلوم شتى من خلال أبحاثه وجواباته ومؤلفاته في الفقه وأصوله، وفي العقيدة، والتفسير، وعلوم اللغة والأدب، وعلوم التصوف والسلوك، وما ذلكم التَّعمق إِلَّا نتيجة اطلاع واسع، وقراءات جادة ومتنوّعة لكتب كثيرة جدا كانت تزخر بها مكتبته العامرة.
المصادر العلمية لأبي نبهان في مؤلفاته:
بادئ ذي بدء ينبغي أن لا يغيب عن بال الباحث أو القارئ أن الإمام أبا نبهان كغيره من العلماء المتقدمين لا يُشيرون إلى الكتب والمصادر التي ينقلون عنها في مؤلفاتهم، وبالتالي فإنَّه مِنَ الصعوبة بمكان الإشارة إلى المصادر في التأليف الفقهي، بل وحتى التفسير والحديث والعقيدة وأصول الفقه؛ لأن الأدلة متشابهة، بل وتكاد تكون متّحدة، وإنما هنالك أقوال فقهية وغيرها تُنسب إلى قائليها، وهي موجودة ومثبوتة في كتب عديدة، ينقلها اللاحق عن السابق، لذلك تكون الإشارة إلى المصادر صعبة؛ إلا في أضيق الحدود وأقصر الطرق، وإنَّما المعروف عن أولئكم العلماء الاطلاع الواسع (1/210)
صفحة 197
المصادر العلمية التي اعتمد عليها أبو نيهان في مؤلفاته
211
على الأدلة وأقوال المتقدمين من الكتب العديدة، وإليكم مثالا على ذلك ممَّا قاله أبو نبهان في جوابه حول صحة تزويج الصَّبيَّة وحق الغير لها بعد البلوغ؛ قال: «اعلم يا أخي أني نظرت في أمر هذه الصبيَّة، وعرفت الاختلاف بالرأي في نفس تزويج أبيها لها ما كانت كذلك صبيَّة؛ لأنه قد قيل فيه بالإجازة مجملا، وقيل بإجازته عن سليمان بن الحكم بن عثمان إذا تحرك ثديها، وعن الوضاح عن الأزهر بن علي أنَّه قال إذا زوج الأب السداسية أجزته، وقيل: بجوازه إذا صارت ابنة ست سنين، ولعلَّ هذا مقتبس من تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بابنة أبي بكر من أبيها، كذلك وعن ابن المعلى عن الربيع إذا حملت الزوج، وقال آخرون: إذا كان مثلها يشتهي الرجال، ولعل كل واحد تكلم فيها برأيه على قدر مبلغ ما رأى؛ لأنَّه موضع رأي، والإباحة على الإطلاق في نفس التزويج إذا ثبت من غير تجديد له؛ نجد فيها كأنَّه أقرب إلى الصحة، لكن فيه قد افترقت الكلمة في الرأي في جوازه وثبوته حالة الصبا وبعد البلوغ أن إجازته أو غيرته على ثلاث فرق فيها، فقالت فرقة ممَّن أباحت التزويج لها أَنَّ تزويج أبيها لها ثابت عليها، ليس بعد نقضه، وأنَّها وارثة كالبالغ وموروثة، وأصبحت على قولها بتزويج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة، وقالت: لو كان لها الخيار وثبوته وغيره أكمل منه ما اختار لنفسه الأنقص، وعلى هذا المذهب فإنَّها كالمؤيسة البالغ التي وقع التزويج عليها، فثبت وصح في أحكام العقدة، وفي الطلاق، والميراث، والصداق، وفي العدَّة، وعليه عمل فيما يحكى في الأثر جماعة مِنَ المتأخرين ليس في ذكرهم فائدة، ولا مزيد في حق طالب مريد، وكأنه عليه الآن الإجماع في العمل مِنْ حكّام زمانك.
وقالت فرقة أخرى أنَّ تزويج الصَّبيَّة ليس بشيء، وأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قد خُص بذلك دون غيره، وهذا كأنَّه مما يضاف إلى جابر بن زيد الله، ولكنه أدنى إلى القصور عن البلوغ في درجة الأقوى؛ لأنَّ فعل النبي صلى الله عليه وسلم يقتضي الإباحة (1/211)
صفحة 198
212
نظرات تجديدية فقهية
باستغراق الجنس في الكلِّ مِنَ الأمَّة عمومًا؛ إذا لم تثبت معه قرينة التخصيص في ذلك له الموجبة لأفراده أو لاحقة أو مقدمة، والأمة داخلة معه فيما لم يصح أنه مخصوص به، ومن ادعى غير ذلك فعليه إقامة البرهان على دعواه، وأرجو أن لا يجد على ذلك بحمد الله سبيلا، وقالت فرقة أخرى ممن أجازته أن لها الخيار إذا بلغت يتم إن أتمته وينفسخ إذا غيّرته ويحب لها الصداق بالوطء، وفي رأي أبي علي موسى بن علي كذلك بالمس والنظر وأنه لقول أبي الحواري - رحمهما الله، وإن لم يكن شيء من ذلك فلا شيء لها، وإن ماتت قبل البلوغ بعد الدخول فعليه الصداق ولا ميراث، له وإن كان قبل الدخول فلا شيء له ولا عليه، وإن مات الزوج كان أمرها إلى الوقوف حتى البلوغ فإن أتمت التزويج كان لها الصداق والميراث وعليها يمين بالله لو كان حيا لرضيت به زوجًا وإن لم ترض فلا ميراث لها ولا صداق إلا أن يكون قد كان منه بها ما يوجب لها ذلك عليه في الحكم على حسب ما وجدنا أبي علي موسى بن علي وعن هاشم عن موسى وكذلك عن محمد بن محبوب وأبي معاوية وأبي جابر ومسبح وأبي الحواري ومحمد بن الحسين وأبي مالك وأبي العباس المغربي وأبي محمد وأبي سعيد رحم الله في أحكام متواردة فيها على قاعدة هذا الرأي، وأنه هو الأصح والمذهب الأرجح لوجود الإجماع على ثبوت الخيار للأمة التي زوجها سيدها عبدا، وعلى خلاف في الحر متى خرجت بالعتق من قيد الرق في قول أهل الحق وذوي الصدق من المسلمين، وبذلك فيما يروى حكم النبي صلى الله عليه وسلم في بريرة لما اختارت نفسها وكأنهما في القياس من كل وجه بالعلة الجامعة بينهما في كل حال لعلى سواء في هذا». انتهى النص.
في
هذا عن
هذا النص الذي نقلناه عن الإمام أبي نبهان من جواباته مثال على اعتماده على المصادر العلميَّة، وذلك بذكر وإيراد الأدلة الشرعية، ونسبة (1/212)
صفحة 199
المصادر العلمية التي اعتمد عليها أبو نبهان في مؤتشاته
213
الأقوال الفقهية إلى قائليها، ولا ريب أنَّ تلك الأقوال يجدها القارئ أو المطلع في معظم الكتب الفقهية ينقلها اللاحق عن السابق، والمتأخر عن المتقدم، وفي ذكر تلك الكتب والمصادر التي وردت فيها تلك الأقوال أمر فيه عناء ومشقة؛ لذلك نجد جلَّ العلماء لم يستعملوا الإشارة إلى المصادر، وإنما يوردون الأقوال والأحكام وقائليها، على أنَّ العادة جرت وعُرفت بأن مصادر أولئكم العلماء - ومن بينهم أبو نبهان ـ كثيرة جدا؛ نظرًا لسعة علمهم
واطلاعهم الواسع.
بعض مصادر أبي نبهان:
أولا: مؤلفات أبي سعيد الكدمي:
من واقع اطلاعنا على مؤلفات العلامة الرئيس أبي نبهان نجده معتمدًا على مؤلفات أبي سعيد محمد بن سعيد الكدمي له إلى حد كبير جدا، فهو معجب بأبي سعيد مترسم منهجه ومتعشق خُطاه، يُشير إلى مؤلفاته، ويشيد بها، ونجد ذلك الإعجاب بأبي سعيد في أقواله في أماكن كثيرة من جواباته ومؤلفاته، فقد قال أبو نبهان: «لا سيّما الشيخ أبو سعيد الله، فيما وجدناه
عنه في غير موضع من جواباته وعجيب مصنفاته، ويقول في كثير مما سيراه من الفروع شبه المختلف فيه مِنَ الفروع في القياس في ذلك، وكذلك عن غيره من أهل العلم مِنَ المسلمين صح فعل ذلك، وكفى بأبي سعيد يا الله حجَّةً ودليلًا لِمَنْ أراد أن يتَّخذ الحقِّ لنفسه سبيلا؛ لأنه أعلم مَنْ نعلم مِنَ الأحبار، وآثاره أصح الآثار، لا على سبيل محض العصبية، ولكن لظهور أنوار الحق في أقواله المرضيَّة».
وقال فيه أيضا: «والمستبصرون الذين صفت غرائزهم، واستنارت بنور العلم الغريزي قلوبهم، ونظروا الصحيح بعين البصيرة، وباشروا أسرار العلوم الدينية (1/213)
صفحة 200
214
نظرات تجديدية فقهية
بصحيح المعرفة حين بلغ بهم الأمر إلى درجة الرَّبَّانِيِّين مِنَ الأحبار؛ كالشيخ أبي سعيد الله ترجمان المذهب الحقِّ على الصحيح، وربَّان الجواري مِنَ الدِّين المنشآت في بحر الحقيقة على الصواب قليل، ألا ترى أنَّه يقصر الذين وجدنا آثارهم من مشايخ المسلمين عن البلوغ إلى درجة هذا الشَّيخ رحم الله، فسبحان مَنْ جعله للعالمين رحمة؛ إِلَّا مَنْ عصى، واستحب العمى على الهدى».
وهذا الإعجاب من أبي نبهان لأبي سعيد هو الذي جعله يقتفي أثره، ويعتمد على آثاره، ويعتبرها من أصح الآثار، وللشيخ أبي سعيد العديد مِنَ المؤلفات منها:
1 ـ كتاب الاستقامة:
وهو يُعتبَر مِنْ أُمّات كُتب المذهب، وقد اعتمد عليه مَنْ جاء بعده اعتمادًا كبيرا، لا سيما في موضوع الولاية والبراءة وأحكامهما وتطبيقاتهما، وقد أثنى علماء المذهب عليه ثناءً كبيرًا، قال عنه الإمام السالمي: «وكتاب الاستقامة
لمفتي الأمة ومنقذها مِنَ الظلمة أبي سعيد محمد. بن سعيد الكدمي له الفه في الرَّد على مَنْ خالف سيرة السلف في الحكم على بعض الخارجين في زمان الإمام الصلت بن مالك، وأوسع فيه القول حتى خرج عن المقصود، وصار كتابًا مستقلا في أصول الدين، تحتار فيه الأفكار، وتقتصر عن درك كنهه الأنظار، فصار بركة عامة، ونعمة خاصة بأهل الاستقامة، وقد أطبق المشايخ قديمًا وحديثًا على الثناء عليه مع ما فيه مِنْ طول، غير أنَّه تحت ذلك الطول فوائد، وتحت كل حرف فرائد، فأبقوه على حاله، كلما تحرك متحرك للاختصار قعدت به همته بعد النظر، فهو كرامة لمؤلّفه، ونعمة على أتباعه».
وقد ألفه الإمام أبو سعيد الكدمي في مناقشة الأحداث الواقعة في عهد الإمام الصَّلت بن مالك في القرن الثَّالث الهجري، وموضوع الولاية، أو (1/214)
صفحة 201
المصادر العلمية التي اعتمد عليها أنو تبيان في مؤلفاته
215
البراءة، أو الوقوف من الخارجين عليه، وهم موسى بن موسى وراشد بن النظر ومن معهما؛ لذلك صار معتمد أهل المذهب في مسائل الولاية والبراءة، فأخذوا عنه قواعدهما، ونقلوا منه أحكامهما، وكان الشيخ أبو نبهان مِنَ الحريصين على هذا الكتاب وكان معتزا به أيَّما اعتزاز، وقد سمعت شيخنا أحمد بن حمد الخليلي يحكي عن الشَّيخ إبراهيم بن سعيد العبري عن ا ماجد بن خميس العبري عن أبيه الشيخ خميس بن راشد عن أبي نبهان أنَّه قال: «لو جاءت غرقة - أي فيضان، فاجتاحت الكتب التي بحوزتي، وما أمكنني إلَّا إنقاذ كتاب واحد؛ لأنقذت كتاب الاستقامة»، وقد طبعته وزارة التراث القومي والثقافة في ثلاثة أجزاء.
2 ـ كتاب المعتبر
الشيخ
وقد اعتبر فيه الجامع المشهور لأبي جابر محمد بن جعفر بالشرح والتحليل والتقرير، وسماه المعتبر، وهو يقع في تسعة أجزاء، بَيْد أنَّه فقدت منه سبعة أجزاء، وبقي جزآن طبعتهما وزارة التراث القومي والثقافة في أربعة أجزاء، يبدأ بمسائل العقيدة، ثم العبادات، ثم الأحكام الفقهية، وهو مِنَ المراجع المهمة في فقه المذهب، وفي علم العقيدة.
3 ـ الجامع المفيد:
وهو مجموع جوابات وفتاوى الإمام أبي سعيد زكم الله التي أصبحت مصدرًا فقهيا لعلماء المذهب، وعنها نُقل فقه أبي سعيد، وقام بجمعها الشيخ العلامة سرحان بن سعيد الإزكوي صاحب كتاب كشف الغمة، وسماها (الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد)، وقد طبعته وزارة التراث القومي والثقافة في خمسة أجزاء. (1/215)
صفحة 202
216
نظرات تجديدية فقهية
- زيادات الإشراف
وهو تعقيبات وتعليقات على كتاب الإشراف وكتاب الإشراف هو للعلامة
ابن المنذر النيسابوري، المتوفى سنة (317) هجرية، ويقع كتاب زيادات الإشراف في أربعة أجزاء، وقد طبع مؤخرا.
هذه
هي مؤلفات الإمام أبي سعيد الكدمي التي اعتمد عليها العلامة أبو نبهان، ويقال: إنَّ لأبي سعيد مؤلفات غيرها، وهي مفقودة، ولعل أبا نبهان
قد اطلع عليها، أو على شيء منها.
ثانيا: حياة الحيوان للدميري:
كتاب حياة الحيوان الكبرى هو للعلامة كمال الدين الدميري من علماء القرن الثامن الهجري، وقد ألفه في وصف الحيوانات والطيور وأحكامها من حيث الحلُّ والحرمة والكراهة، وقد ابتدأه بذكر ملك الوحش الأسد، وختمه بذكر ملك النحل اليعسوب، وهو يقع في جزأين كبيرين.
ومنهجه في تأليفه أنَّه يذكر أولا وصف الحيوان أو الطير، ويورد ما قيل عنه، وما له من أخبار وأوصاف، ثم يذكر بيان الحكم الفقهي في حله وحرمته، ناقلا ذلك عن علماء المذاهب الأربعة، وهي مذاهب أهل السنة، وقد رتبه على حروف المعجم مِنَ الألف إلى الياء.
والظاهر أنه كان مثار إعجاب الإمام أبي نبهان، لا سيما فيما أورده مِنْ أحكام فقهية حول تلك الحيوانات والطيور، فأنشأ كتابه (إيضاح البيان فيما يحل ويحرم من (الحيوان مرتبا عليه - أي على كتاب حياة الحيوان للدميري، يقول أبو نبهان في مقدمة كتابه وبعد: فلقد صنفت هذا الكتاب من كتاب (حياة الحيوانات المرتب على الحروف المعجمات والمهملات)، فأخذتُ منه الحكم في الطيور والدواب على غير تصنيفه، (1/216)
صفحة 203
المصادر العلمية التي اعتمد عليها أبو نبيان في مؤتنانه
217
وألفته مخالفًا لتأليفه؛ لأنَّه إنَّما يذكر الطيور والدواب على أول حرف منها في الأبواب، فجمعته على ذلك الترتيب، وبوبته على غير ذلك التبويب، وجعلته أبوابا، وفصلت كل باب منه أذكارًا وأقوالًا، وسميته (كتاب إيضاح البيان فيما يحل ويحرم من الحيوان)، ورتبته ترتيبا حسنا، وتصنيفا مستحسنًا، ثم جمعت جميع ما في مقالي هذا الكتاب مِنَ الإباحة والحل في باب منفرد، يشتمل على ما في الأبواب، وربَّما يخرج في بعض مِنَ الأذكار في غير التحليل والتحريم، فأتيت به، ولم أحذفه؛ إذ لا يخلو من فائدة، ورددت عليه فيه ما لم يخرج عندي صحته، وصححت ما صح معي مِنْ صحيح قولته، وأكثر ما قلته في هذا المصنف بنظر فكري ورأي عقلي وقياس شرعي، فإن أصبت فبتوفيق من الله، وإِنْ أخطأت فمِنْ نفسي ومِنَ الشيطان، وأنا أستغفر الله من الخطأ والزلل، وأعوذ به مِنْ علم بلا عمل، إنَّه غفور رحيم، سميع مجيب»، وأرى أنه من المناسب أن أنقل فقرة مِنَ الكتاب؛ لنتعرف على أسلوب الكتابين.
فقد جاء فيه ذكر القول الأول في الأسد: «ومن الكتاب ـ أي: من كتاب حياة الحيوان ـ؛ قال الشَّافعي وأبو حنيفة وأحمد وداود والجمهور: يحرم أكل الأسد؛ لما روى مسلم أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ ذِي نَابِ مِنَ السَّبَاعِ، وَمِخْلَب مِنَ الطَّيْرِ؛ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ»، وقال مالك: يُكره، ولا يحرم، وقال أصحابنا: المراد بذي النَّاب ما يتقوَّى ويصطاد، واحتج مالك بقوله تعالى: (قُل لَّا أَجدُ في مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِهِ يَطْعَمُهُ} [الأنعام: 145]، واحتج أصحابنا بالحديث المذكور، وقالوا: الآية ليس فيها إلا الإخبار بأنه لم يجد في ذلك الوقت محرمًا إِلَّا المذكورات في الآية، ثم أوحي إليه بتحريم كلّ ذي ناب من السباع، فوجب قبوله والعمل به، وقال الشافعي: ولأن العرب لم تأكل كلبا، ولا ذئبا، ولا أسدا، ولا نمرا، ولا كانت تأكل الفأر، ولا (1/217)
صفحة 204
218
نظرات تجديدية فقهية
العقاب ولا الحيات ولا الحدا، ولا الغربان ولا الرخم، ولا الصقور،
ولا الصوائد مِنَ الطَّير، ولا الحشرات. انتهى نص حياة الحيوان. ثم يقول الشيخ أبو نبهان أمَّا الأسد فلا نعلم أنه صح فيه بعينه تحريم عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا صح ذلك في الإجماع عن الدينونة إلَّا أنَّه داخل في جملة نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل ذوات الأنياب مِنَ السَّباع، والنهي صحيح، ولا نعلم في ثبوته اختلافا، وأما تأويله فمعي أنَّهم يختلفون فيه، فذهب مَنْ ذهب مِنْ أهل العدل من المسلمين إلى تحريم ذوات الأنياب مِنَ السباع بظاهر النهي، وذهب آخرون إلى تحليلها، وقالوا: النهي صحيح إلَّا أنَّه يخرج على معنى الأدب، لا على معنى التحريم، وذهب آخرون إلى الكراهية، وأما الكلاب والذئاب والعقاب والحدا والغربان والرخم والصقور فكلُّها داخلة في النهي، والجواب فيها كالجواب فيما مضى، وبعضها أشدُّ مِنْ بعض، وبعضها أقرب من بعض، وكلُّها لا تتعرى من الاختلاف عندي».
وهكذا يمضي أبو نبهان في كتابه (إيضاح البيان) متعقبا العلامة كمال الدين الدميري فيما يورده من أحكام فقهية تجاه الحيوانات والدواب والطيور والحشرات، مبينا في ذلك رأي المذهب أو الرَّأي الذي يراه بنفسه ويترجح لديه، والكتاب مفيد جدا في معرفة الأحكام الفقهية حلا وحرمة وكراهة بالنسبة إلى الحيوانات والطيور، وهو من الأهمية بمكان.
ثالثًا: كتاب الضياء للعوتبي:
من المصادر التي اعتمد عليها أبو نبهان كتاب (الضّياء) للعلامة سلمة.
مجلدا
بن
في
مسلم العوتبي الصحاري، وكتاب (الضّياء) يقع في أربعة وعشرين الفقه الإسلامي، وتقوم حاليا وزارة التُّراث القومي والثقافة بإتمام طبعه، وقد تم طبع العديد مِنَ الأجزاء منه، وقد وضع الشيخ أبو نبهان رسالة في أحكام (1/218)
صفحة 205
المصادر العلمية التي اعتمد عليها أبو نيهان في مؤلفاته
219
العدد تعقب فيها صاحب الضّياء حول تلك المسائل، وأورد فيها أبو نبهان
ما يراه صحيحًا وراجحًا مِنْ أحكام العِدَد.
رابعا: جوابات الشيخ الصبحي:
توجد للشيخ أبي نبهان رسالة في الوصايا تعقب فيها الشيخ العلامة سعيد بن بشير الصبحي من علماء دولة اليعاربة، وللشيخ الصبحي جوابات قام بجمعها الشيخ سالم بن حمد الحارثي، وسماها (الجامع الكبير من جوابات الشيخ سعيد بن بشير)، وهو مطبوع في ثلاثة أجزاء مِنْ قِبل وزارة التراث
هذه هي.
القومي والثقافة. بعض المصادر والكتب التي تحرّينا أن يكون الإمام أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي له قد اعتمد عليها اعتمادًا كبيرًا، ولا شك أنَّه اعتمد على مصادر كثيرة، ورجع إلى مراجع عديدة، ولا نبالغ إذا قلنا: إنه اعتمد على جميع كتب المذهب أو معظمها، كما اعتمد أيضا على كثير من كتب أصحاب المذاهب الأخرى.
النفس
فهو قد اعتمد في تفسيره مقاليد التَّنزيل)، تفسير لسورة الفاتحة على كتب، واعتمد في مؤلفاته الفقهية على كتب الفقه والأصول، وفي شرحه لقصيدة حياة المنهج على كتب اللغة، وعلى كتب التصوف والسلوك، ولكنه لا يشير إلى تلك الكتب كعادة العلماء المتقدمين؛ لكون المعلومات متشابهة، والأدلة متحدة، وتتناقلها الكتب.
والله ولي التوفيق
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
رق وقع رقع (1/219)
صفحة 206
وقف الرباط العُماني بمكة المكرمة (1/221)
صفحة 207
وقف الرباط العماني بمكة المكرمة
دعامة
223
الحمد لله رب العالمين والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:
فهذا بحث بعنوان «وقف الرباط العُماني في مكة المكرمة»، أعددته لندوة الوقف في عمان بين الماضي والحاضر التي يقيمها مركز الدراسات العُمانية بجامعة السلطان قابوس، ووحدة الدّراسات العُمانية بجامعة آل البيت بالمملكة الأردنية الهاشمية.
وقد أوردت فيه تعريف الوقف لغة وشرعًا، وتاريخ الوقف في الإسلام، وتطرقت فيه إلى ذكر وقف الرّباط الذي وقفه السَّيّد المحسن الجليل حمود بن أحمد البوسعيدي في مكّة المكرَّمة، موضحًا كيفية تكون ذلك الوقف، ذاكرًا الخطوات والمراحل التي مرَّ بها منذ وقفه، وحتى الآن، ثم تعرضت إلى ذكر الواقف وشيء من سيرته، ولم أكن لأنسى النظار الذين هم وكلاء الوقف. أن يقدم البحث توثيقا للوقف المذكور، يكون تذكيرا به في قادم الأيام، ومستقبل الزمان بمشيئة الله تعالى، لا سيما بعد أن يختفي كليا عن المشاهدة والعيان، وحتى لا يطويه النسيان، بفعل توسعة الحرم الشريف في ذلك المكان، وذلك وفاء للواقف ذي الخير والمعروف والإحسان.
وعسى
والله ولي التوفيق. (1/223)
صفحة 208
224
نظرات تجديدية فقهية
تعريف الوقف لغةً وشرعًا
قال الخليل بن أحمد: الوقف مصدر قولك: وقفت الدابَّة، ووقفت الكلمة وقفًا، وقال محمد بن يعقوب الفيروز آبادي والدار حبسها كأوقفها، وجاء تعليقا على ذلك: هي لغة تميميَّة، وعكسها أحسن؛ فإنَّها أفصح من حبس التي لغة ردية، لكن حبس هي الواردة في الأحاديث الصحيحة)، وقال علي بن محمد الشريف الجرجاني: الوقف في اللغة: الحبس (3).
هي
وشرعًا هناك تعريفات متعدّدة للوقف؛ كما يقول محمد الحبيب بن الخوجة: «ولأئمة المذاهب وفقهائها تعريفات للوقف، أجمعها: أنَّه العين وتسبيل حبس ثمرتها، أو حبس عين بمنفعتها، ويعرفه الشريف الجرجاني قائلا: بأنه حبس العين على ملك الواقف، والتصدق بالمنفعة عند. أبي حنيفة، ويجوز رجوعه عنده، وعند أبي يوسف ومحمد بن الحسن: حبس العين عن التمليك مع التصدق بمنفعتها، فتكون العين زائلة إلى ملك الله تعالى، أما قطب الأئمة محمد بن يوسف اطفيش فيقول: «وحقيقة الحبس وقف مال يمكن الانتفاع به، وبقاء عينه؛ لقطع تصرف الواقف وغيره في رقبته لصرف منافعه في جهة بِر تقربا إلى الله تعالى».
(1) كتاب العين، مادة: وقف.
(2) القاموس المحيط، ترتيب الطاهر الزاوي، مادة: وقف.
(3) التعريفات مادة: وقف.
(4) لمحة عن الوقف والتنمية، ضمن بحوث ندوة: أهمية الأوقاف الإسلامية في عالم اليوم،
ص 124، مؤسسة آل البيت المملكة الأردنية الهاشمية.
(0) مصدر سابق
(6) شرح النيل، ج 12، ص 453. (1/224)
صفحة 209
وقف الرباط العماني بمكة المكرمة
225
ولعل مصطلح الحبس أو التحبيس هو الذي استعمل أولا في بداية التشريع في هذا المعنى، ثم ظهر مصطلح الوقف في وقت لاحق، على أنَّ مصطلح الحبس أو التحبيس هو الذي ورد في الأحاديث، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب: «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا".
كما ورد مصطلح التسبيل مرادفًا لمصطلح التحبيس، وقد جاء في الحديث: «حَبْسٌ أَصْلَهَا، وَسَبْلْ ثَمَرَتَهَا، ومصطلح الحبس هو المصطلح
(2)
الشائع إلى اليوم في أقطار المغرب العربي؛ حيث يُسمون الأوقاف أحباسًا.
تاريخ الوقف في الإسلام
يُعتبر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم هو أوَّل مَنْ وقف أوقافًا في تاريخ الإسلام، فقد جعل ال الحيطان (البساتين السبعة، التي أوصى بها مخيريق اليهودي الذي قتل في معركة أحد مناصرًا للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وأوصى بها للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع فيها ما يشاء، والبساتين السَّبعة هي الأعواف، والصافية، والدَّلال، والمِيثَب، وبزقة، وحُسْنى، ومشربة أم إبراهيم، وكلُّها بالمدينة المنورة، وقد أخذها، وجعلها في بني عبد المطلب، وبني هاشم، وعلى الفقراء، وأبناء الشبيل،
فكانت أول وقف في الإسلام".
:
كما أمر صلى الله عليه وسلم عمر بن من يهود بني حارثة يقال لها «ثمغ»، فجعلها عمر حبسا لا تباع، ولا تورث، ولا توهب ما دامت السَّماوات والأرض، وأمر أَنْ تُجعَل غلتها في الفقراء، وذوي القربى، وفك الرّقاب، وهو عتق المماليك، وفداء الأسرى، وفي سبيل
الخطاب أن يحبس أرضه التي حصل عليها في خيبر
(1) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه، وغيرهم. (2) رواه البيهقي، والنسائي، وابن حبان، وابن خزيمة.
(3) محمد بن الخوجة مصدر سابق، ص 128 (1/225)
صفحة 210
226
نظرات تجديدية فقهية
الله، وللضعيف، وابن السبيل، وهو الغريب المنقطع عن أهله وماله، ثم توالت بعد ذلك الأوقاف مِنَ الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة، حتى قيل: إنَّه ما من صاحبي لديه مال إِلَّا وقف.
وقف الرباط بمكة المكرمة:
تعرضنا فيما تقدم إلى تعريف الوقف لغةً وشرعًا، ونجد هنا مِنَ المناسب أن نورد تعريفا لمصطلح الرّباط، الرباط: هو الشَّيء الذي يربط به، وهو المواظبة على الأمر، وملازمة ثغر العدو، وهو المداومة على الشيء، وهو واحد الرباطات المبنيَّة، واستُعمل في الإقامة على جهاد العدوّ في الحرب (3)، ولعلَّ مدلول كلمة الرّباط هنا مأخوذ مِنَ الحديث الشريف: «ألا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؛ إِسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَفْرَةُ الخُطَى إِلَى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكَ الرباط» - قالها ثلاثا:؛ وذلك لأنَّ الوقف جُعِلَ نُزُلا للحجاج والمعتمرين،
-
الذين كالمرابطين للعبادة من صلاة وطواف في المسجد الحرام. ووقف الرباط يقع في محلة حارة الباب بمكة المكرمة ـ حرسها الله تعالى ـ، في الجهة الغربية الشِّماليَّة للكعبة الشريفة - زادها الله شرفا وتقديسًا - في الجهة المقابلة لباب العمرة من المسجد، ويتكوّن مِنْ بيتين، يُعرَف أحدهما ببيت الرباط الكبير، والثاني ببيت الرباط الصغير، وموقع البيت الكبير قريب إلى المسجد الحرام، حيث يبعد في حدود ثلاثمائة (300) متر، أما البيت الصغير فيبعد عن البيت الكبير بحوالي مائتي (200) متر.
(1) اطفيش محمد بن يوسف مصدر سابق ص (2) العين، والقاموس، مادة ربط.
202
(3) السالمي عبد الله بن حميد شرح المسند، ج 1، ص (4) رواه الربيع.
153 (1/226)
صفحة 211
227
صورة قديمة لبيت الرباط. (1/227)
صفحة 212
228
نظرات تجديدية فقبية
وكان بيت الرّباط الصغير به امتداد مِنَ الأرض، أقيمت عليها طاحونة، وهي آلة لطحن الحبوب؛ بناءً على أمر الواقف؛ لكي تُؤجر، ويكون ريعها لصالح الوقف، غير أنَّ الأرض التي كانت عليها الطاحونة المذكورة تصرف فيها ناظر الوقف في وقته محجوب جمل الليل، فأجرها إلى مدارس الفلاح بسعر زهيد جدا، ومدارس الفلاح من المدارس الخيرية بمكة المكرمة، وقد أقامت مبنى دراسيًا على تلك الأرض.
وقد جُدِّدَ البيتان وأعيد بناؤهما على نفقة حكومة سلطنة عُمان، فقد تمت إعادة بناء بيت الرّباط الكبير على مرحلتين: أولهما في عام (1984 م)، وكان يتكوّن مِنْ ستَّة أدوار، وثانيهما في عام (1987 م)؛ حيث تمت إضافة أربعة أدوار أخرى، فصار مكونا من عشرة أدوار، أمَّا بيت الرباط الصغير فقد تم الانتهاء من بنائه عام (1994 م). وكان مكونا مِنْ ثلاثة عشر طابقا". على أنَّ الطَّبيعة الوقفية أو الأهداف الوقفية لبيتي الرباط الكبير والصغير كانت تتجلى فيما يلي:
6
جُعِل البيت الكبير سكنا لفقراء الإباضية مِنَ الحجّاج والمعتمرين العُمانيين. - جُعِل البيت الصَّغير للإيجار؛ لكي يُصرف رَيْعه في صيانته، وصيانة البيت الكبير والعناية بمرافقه، وتوفير الإضاءة، والمياه، والأثاث للذين يسكنون البيت الكبير. أمر الواقف بإنشاء طاحونة آلة لطحن الحبوب) على أَنْ يكون ريعها
أيضا لخدمة الأهداف الآنفة الذكر.
10) هذه المعلومات نتيجة المتابعة والخبرة من موقع المسؤولية الوظيفية، حيث كنت رئيسا لبعثة الحج العمانية سنوات عديدة، كما كنت متابعًا لقضايا وقف الرباط.
صك المحكمة الشرعية بمكة المكرمة مؤرخ في 16 ذي الحجة 1289 هـ، وإقرار آخر كتبه الشيخ علي بن عامر بن سيف المسكري بتاريخ 18 ذي الحجة 1289 هـ. (1/228)
صفحة 213
رد لربات العماني بمكة
229
وقد شملت التوسعة الأخيرة للحرم الشريف بيتي الرباط الكبير والصغير، حيث تم هدم البيت الكبير، أما البيت الصغير فهو في انتظار الهدم، وبذلك سوف يُسدل الستار على وقف الرّباط العُماني الذي وقفه السيد المحسن الجليل حمود بن أحمد بن سيف البوسعيدي الذي سنتحدث عنه لاحقا.
ذلك الرباط الذي ظل ردحًا مِنَ الزَّمن رمزًا لعُمان وللعمانيين بمكة المكرمة، ونقطة التقائهم وتجمعهم في تلك البقعة الطاهرة المقدسة في إطار توجههم التَّعبُدي الله جل، ولله الأمر مِنْ قبلُ ومِنْ بعد.
بنت الرباط العماني
صورة لبيت الرباط الكبير. (1/229)
صفحة 214
نظرات تجديدية فقهية
enmo
9000
ندق الخلود
الحالية مجموعة الكوشة العالمية
صورة لبيت الرباط الكبير بعد تجديده.
230 (1/230)
صفحة 215
وقف الرباط العماني بمكة المكرمة
الواقف:
231
الواقف لبيتي الرباط الكبير والصغير بمكة المكرمة هو السيد المحسن الجليل حمود بن أحمد بن سيف بن محمد البوسعيدي، كان السيد حمود كثير الخير والإحسان والمعروف، والظاهر أنه انتقل مِنْ عُمان إلى زنجبار في عهد السلطان سعيد بن سلطان الذي كان زوجًا لعمته السيدة غنى بنت سيف، كما أنه تزوج بابنة السلطان سعيد بن سلطان، واسمها زمزم، ولعله سكن في زنجبار في عدة أماكن، كان آخرها في منطقة «بوبوبو»، وهي منطقة جميلة جدا
واقعة على البحر.
وقد أنشأ السيد حمود أوقافًا، وبنى مساجد في زنجبار، كما وقف كُتُبا كثيرة زخرت بها مكتبة مسجده المعروف بمسجد السيد حمود في زنجبار العاصمة، وقد صارت تلك المكتبة مرجعًا للعلماء وطلبة العلم.
سعيد بن
أداء
سافر السيد حمود بن أحمد إلى مكة المكرمة بصحبة السلطان برغش بن سلطان سلطانِ زنجبار، وذلك في عام (1288 هـ - (1872 م)، وبعد أ فريضة الحج لذلك العام قفل السلطان برغش عائدًا إلى زنجبار بعد أن زار المدينة المنورة، أمَّا السَّيد حمود فقد بَقِيَ بمكة، ثم قام برحلة استطلاعية، حيث زار الطائف، وجُدَّة، والمدينة المنوّرة، ثم زار لبنان، وسوريا، وفلسطين، ومصر، ثم عاد مرة ثانية إلى مكة المكرمة ليحج الحجة الثانية عام (1289 م).
وقد دون رحلته الميمونة تلك في كتاب سماه «الدر المنظوم في ذكر محاسن الأمصار والرُّسوم» (2)، ذكر فيه مشاهداته في تلك الديار والأقطار
(1) المغيري، سعيد بن علي، جهينة الأخبار، ص 256.
(2) طبع بتحقيق الدكتور محمد بن ناصر المحروقي. (1/231)
صفحة 216
222
عنده
نظرات تجديدية فقهية
التي زارها، ولا ريب أنَّ تلك الرّحلة أعطته خبرة علمية وعملية، وفتحت آفاقا من الفكر والعمل، تجسدت في أعماله الجليلة التي أثرها، ويظهر لي أن تلك الأعمال والمآثر التي عملها من وقف الأوقاف، وبناء المساجد، وإنشاء المدارس، وغيرها مِنَ المرافق الخيرية؛ إنما كانت منه بعد تلك الرّحلة المباركة الميمونة، وذلك من الفوائد الجليلة للأسفار.
وبعد أدائه لحجته الأولى التي كانت في عام (1288 هـ) بمعية السلطان برغش بن سعيد، وقبل أن يقوم برحلته التي أشرنا إليها؛ اشترى بيت الرباط الكبير الذي كان معروفًا في مكة المكرمة بدار «أبو العز»، اشتراه من ورثة محمد أبو العز، وذلك في (18) صفر من سنة 1289 هـ).
والظاهر أنه كان في الأصل اشتراه ليجعله مسكنا له في تلك البقعة المقدسة مِنَ الأرض، لكنَّه بعد عودته من الرّحلة، وبعد أَنْ أَدَّى حجته الثانية لسنة (1289 هـ)؛ أقرَّ بوقفيَّته لدى المحكمة الشرعية بتاريخ (16 ذي الحجة 1289 هـ)، وهذا يدلُّنا على أن الأعمال الخيريَّة التي عملها السيد حمود بن أحمد كانت من ثمار تلك الرّحلة إلى الديار الحجازية والشامية والمصرية، وبعد أن رأى وشاهد فيها من الأعمال الخيرية من مساجد، ومدارس، ومكتبات، وأوقاف، وغير ذلك، فكانت حافزا له على اتباع ذلك النهج القويم في العمل الصالح السليم.
ثم اشترى أيضًا بعد ذلك بيت الرّباط الصَّغير مِنْ حسن بن محمد جمل الليل، وجعله أيضا وقفًا، لكنَّه يُؤجر؛ ليكون رَيْعه رافدًا لصيانته، وصيانة البيت الكبير، وخدمة نزلائه من الحجاج والمعتمرين، حيث أقر بوقفيته مع الإقرار بوقفية البيت الكبير، وذلك في (16) ذي الحجة لسنة 1289 هـ) (1).
(1) صك المحكمة الشرعية بمكة المكرمة. (1/232)
صفحة 217
وقف الرباط العماني بمكة المكرمة
233
الآخر
والجدير بالذكر أنَّ السُّلطان برغش بن سعيد سلطان زنجبار هو اشتري دورًا، وجعلها أوقافًا، وجعل شخصا مكيا يدعى سراج، ولاه
ناظرا لها.
ولكن لم يُعثر لتلك الأوقاف على أوراق ثبوتية، ويقال: إنها كانت ثلاثة؛ اثنان منها دخلا ضمن توسعة الحرم منذ فترة طويلة، حيث كانا كما يقال قريبين جدا من المسجد، ولعلها كانت توسعة الملك سعود بن عبد العزيز أو غيرها، أما الوقف الثالث فقد كان يُعرَف ببيت الخيزران، وكان قريبا من بيت الرباط الكبير في الجهة المقابلة، وقد عهدناه إلى عهد قريب أرضا فضاء، وهو معروف عند أهل مكة لا سيما العارفين منهم أنَّ تلك الأرض كان عليها بيت من أوقاف السلطان برغش، ثم تصرف فيها أحفاد الناظر المذكور بالبيع منذ وقت ليس ببعيد، وقد سمعنا أنَّ أهل مكة كانوا يتهيبون شراءها لِمَا يعلمون من كونها وقفًا، ولكن أمام الطَّفرة المادية في الحياة؛ تجرأ مَنْ تجرأ على شرائها، كما تجرأ أحفاد ذلك الناظر على بيعها، والله سائلهم جميعا عن
ذلك
يوم
القيامة.
عن
على أنَّنا نتحمل جزءًا مِنَ المسؤوليَّة، بل ربما المسؤولية كاملة. تقصيرنا في البحث عن الأوراق الثبوتية لذلك، ولعلها موجودة في بعض أماكن حفظ الوثائق في مكة المكرمة، أو في تركيا؛ حيث إنَّ الحجاز وقتئذ كانت تحت حكم الأشراف، الذي كان تابعا للدولة العثمانية، ولعله كان في بداية حكم الشريف الحسين بن علي صاحب
الثورة العربية الكبرى.
وخوفا على أوقاف السيد حمود بن أحمد أن يكتنفها نفس المصير الذي صارت إليه أوقاف السلطان برغش؛ تحرّكت الهمَّة بالإمام نور الدين السالمي الذي كلف أحد الأشخاص بالذهاب إلى زنجبار؛ لكي يبحث في خزائنها (1/233)
صفحة 218
234
نظرات تجديدية فقهية
الوثائقية عن الأوراق الثبوتية للأوقاف العُمانية بمكة المكرمة، والظاهر أنه لم
يعثر ذلك الشخص إِلَّا على الأوراق الثُبوتيَّة لأوقاف السَّيد حمود) والظاهر أن اهتمام الإمام نور الدين بذلك كان بعد أدائه للحج عام (1323 هـ)، ولعله أدرك هنالك مصير أوقاف السلطان برغش، فتخوّف على مصير أوقاف الشيد حمود، فقام بما قام به مما أسلفنا ذكره، جزاه الله خير الجزاء.
وبعد ذلك قام الشيخ الشيبة محمد بن عبد الله السالمي بالتَّحرُّك للمطالبة، وإثبات أحقِّيَّة العُمانيين للوقف بدعم من الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، الذي حمله خطابين في ذلك الصَّدد؛ أحدهما إلى الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ملك المملكة العربية السعودية، وثانيهما إلى ولي العهد الأمير سعود بن عبد العزيز.
ثم تحولت القضيَّة إلى المحاكم في مكة المكرمة بناء على أمر من الملك المذكور وولي عهده التي حكمت بثبوت أحقية العُمانيين في تلك الأوقاف (2).
(1) سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، المفتي العام للسلطنة، نقلا عن الشيخ الشيبة
محمد بن عبد الله السالمي.
(2) معالي الشيخ عبد الله بن محمد السالمي، وزير الاوقاف والشؤون الدينية، نقلا عن والده الشيخ محمد بن عبد الله السالمي. (1/234)
صفحة 219
ناس مكة المكرمة
ن المدينة
ريت الرباط العماني الثاني
00
مارة الباب - شارع خالد بن الوليد ن 5490747
ODD D
235
صورة لبيت الرباط الصغير بعد تجديده (1/235)
صفحة 220
236
صورة من الخلف لبيت الرباط الصغير
نظرات تجديدية فقهية (1/236)
صفحة 221
وقف الرباط العماني بمكة المكرمة
237
والظاهر أنَّ المسألة توقفت عند هذا الحد، ولعل ذلك نتيجة الأوضاع التي مرت بها عُمان، تلك الأوضاع المعروفة بأحداث الجبل الأخضر، وخروج السالمي الابن إلى بعض الدول الخليجية، حتى جاء هذا العهد الزاهر بقيادة جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ، الذي جمع الشمل، ورأب الصدع، وعبر بلسان الحال والمقال: «عفا الله عما سلف»، فعاد العُمانيون جميعهم إلى البلد لبناء هذا الوطن العزيز في ظل وحدة سياسية، ووحدة وطنية رائعتين، نسأل الله أن يحفظهما على الدوام.
وهناك تحرَّكت السفارة العُمانية بالمملكة العربية السعودية لتفعيل التنسيق والتفاهم والمسؤولية المشتركة بين حكومة السلطنة وناظر الوقف آنذاك محجوب شيخ جمل الليل، حتى أثمر ذلك قيام حكومة السلطنة بإعادة بناء البيتين - كما أسلفنا ذكره -
النظار
يطلق على وكيل الوقف اسم «النَّاظر»، وقد جعل الواقف الذي هو الشيد حمود بن أحمد البوسعيدي النظارة على وقفه بمكة إلى السيد حسن بن محمد شيخ جمل الليل وأسرة جمل الليل مِنَ الأشراف مِنْ أهل مكة، والسيد حسن المذكور هو الذي اشترى منه السيد حمود البيت الثاني، الذي عرف ببيت الرباط الصغير، وجعل النظارة من بعده في ذريته الأرشد،
(1)
فالأرشد منهم بَيْدَ أنَّه قد يدور تساؤل هو كيف جعل السيد حمود النظارة على وقفه
للناظر المذكور وذرِّيَّته؟
(1) صك المحكمة الشرعية المؤرخ في 16 ذي الحجة 1289 هـ. (1/237)
صفحة 222
238
نظرات تجديدية فقهية
الجواب هو أن أسرة جمل الليل بمكة هم مطوفو الإباضية العُمانيين منذ زمن قديم وطبعا لا نعرف بداية العلاقة بينهم، ولكنَّها فيما يبدو أنَّها علاقة أن السلطان سعيد بن سلطان سلطان عُمان وزنجبار أعطاهم
قديمة، حتى توصية تدعو إلى احترامهم ومراعاتهم مؤرخة بعام (1273 هـ)، ولا تزال تلك التوصية موجودة لديهم، يحتفظ بها الناظر الحالي للوقف السيد محمد صافي جمل الليل الذي نُشيد به ذكرًا على تعاونه مع حكومة السلطنة ممثلة. في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في خدمة الوقف والقيام بمصالحه؛ صيانة للوقف،
ومتابعة لقضاياه لدى الجهات المختصة في المملكة العربية السعودية. (1/238)
صفحة 223
تاريخ الوقف في عُمان (1/239)
صفحة 224
تاريخ الوكف على المان
مقدمة
241
الحمد لله، والصلاة والسَّلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وعلى كلِّ مَنْ سار على نهجه واتَّبع هداه؛ أما بعد: فهذه نبذة عن «تكون الوقف كمفهوم فقهي في الإسلام بصورة عامة، وفي عُمان بصورة خاصة، حيث إنَّ الوقف بدأ في عُمان في وقت مبكر من تاريخ الإسلام؛ نظرًا لدخولها في الإسلام عند بداية بزوغه وانتشاره، وذلك على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث إنَّه مِنَ المعلوم أنَّ مازن بن غضوبة العُماني السَّمائلي أسلم على يد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تبعه إسلام جيفر وعبد ابني الجلندى ملكي عُمان عندما ورد إليهما خطاب النبي صلى الله عليه وسلم مع عمرو بن العاص، وبعد ذلك كان إسلام أهل
عُمان كافة.
لذلك كان مِنَ الطَّبيعي أن تنشأ هنالك أوقاف لوجه الله تعالى طلبًا للأجر والثواب في الآخرة، منها ما فيه إعزاز لدولة المسلمين، وهي ما عُرِف فيما بعد باسم (بيت المال)، ومنها دور العبادة والتَّعليم كالمساجد والمدارس، وما وقف لشؤونها قيامًا وصيانة، حتى توالت بعد ذلك عبر امتداد التاريخ (1/241)
صفحة 225
242
نظرات تجديدية فقبية
الإسلامي الوقوفات للأغراض الحياتية المتعدّدة، منذ ذلك الوقت وحتى
يومنا هذا.
ومن المعلوم أن للوقف أيادي جُلَّى في تنمية المجتمع ورقيه، والمحافظة على هويته وتماسكه، حيث كان داعمًا للعلم، وحافزًا لطلابه، فهو الذي كان يمدُّ المعلمين والطلبة بأسباب العيش ووسائله وهو الذي كان له الفضل في قوة الدولة في عُمان، كما كان له الفضل في تنمية جوانب عديدة في المجتمع. وإن المرء ليتملكه العجب، ويأخذ به الاستغراب؛ عندما يجد أنَّ الوقف شمل بفوائده جميع مناحي الحياة في عُمان، بدءًا مِنْ إعزاز الدولة، وحتى
تهيئة العصي للعميان وإطعام طلبة العلم الحلوى.
ويتناول هذا البحث العناصر التالية:
1 ـ الوقف في اللغة والشرع.
2 ـ بداية الوقف في الإسلام.
ـ بداية الوقف في عُمان.
4 ـ الفرق بين الوقف وبيت المال.
ه ـ أقسام الوقف في عُمان.
وبالله التوفيق. (1/242)
صفحة 226
تاريخ الوقف في عمان
243
الوقف في اللُّغة والشَّرع
يعرف الوقف في اللغة بأنّه مصدر وقف كقولك: وقفت الدابة، ووقفت الكلمة وقفا، والدار حبسها كأوقفها، ولعل التعريف الجامع للوقف لغة أنَّه:
هو
الحبس
(3)
أما في الشرع فهناك تعريفات عديدة ذكرها الفقهاء؛ أشهرها أنه:. العين، وتسبيل الثّمرة.
حبس
ويوضح الإمام محمد بن يوسف اطفيش ذلك بقوله: «وحقيقة الحبس وقف مال يمكن الانتفاع به، وبقاء عينه لقطع تصرُّف الواقف وغيره من رغبته لصرفه منافعه في جهة بِر تقربا إلى الله تعالى».
واعتبر قانون الأوقاف العُماني في مادته (2): أنَّ للوقف شخصيَّة معنوية منذ إنشائه، مستوفيا لأركانه وشروطه (5).
والظاهر أنَّ مصطلح الحبس أو التحبيس هو الذي استعمل في بداية التشريع الإسلامي؛ حيث ورد قول النبي الله لعمر بن الخطاب: «إِنْ شِئْتَ
(1) الفراهيدي الخليل بن أحمد كتاب العين مادة: وقف. (2) الفيروز أبادي، محمد بن يعقوب، القاموس، مادة: وقف.
(3) الجرجاني، علي بن محمد التعريفات، مادة: وقف.
(4) شرح النيل، ج 12، ص.
(5) قانون الأوقاف العماني.
453 (1/243)
صفحة 227
244
نظرات تجديدية فقهية
حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا، كما جاء في حديث آخر قوله: «حبس أصلها وسبل ثمرتها».
على أن مصطلح الوقف هو المستعمل في أقطار المشرق العربي، كما أن مصطلح الحبس أو التحبيس هو الشائع استعمالا في أقطار المغرب العربي، ولكن كما يقال لا مشاحة في الاصطلاح؛ لأنَّ المعنى واحد، والمضمون واحد.
لفظان
على أنَّني لا أؤيد صحة العبارة القائلة: «العبرة بالمعاني، لا بالألفاظ والمباني»؛ لأن الألفاظ والمباني هي التي تحدد المعاني، وإلَّا لَمَا كان هناك لفظ يحمل معنيين فأكثر، واللفظ المترادف وهو ا اللفظ المشترك، وهو فأكثر لمعنى واحد، كما أنَّ هنالك المتضاد، وهو لفظ واحد يدلُّ على معنى ونقيضه؛ لذلك لا بد من وجود هذا الترابط اللُّغوي بين اللفظ والمعنى اللذين انبنت عليهما أحكام الشرع.
بداية الوقف في الإسلام
بداية الوقف كمفهوم إسلامي لا شك أن بدايته كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فنبينا محمد - صلوات الله وسلامه عليه ـ هو أوَّل مَنْ وقف الأوقاف تبرُّعًا لوجه الله تعالى، على أنه إذا ما اعتبرت المساجد أوقافا؛ فإنَّ مسجده الشريف بالمدينة المنورة هو أوَّل وقف وقفه؛ حيث جعله العبادة الله وعجل.
وقد اشترى الرَّسول له أرضه بُعَيْد وصوله إلى المدينة بعد الهجرة من مكة المكرَّمة، وكانت تلك الأرض مربدا لسهل وسهيل ابني عمرو من بني معاذ النجار، وكانا يتيمين في كفالة قريب لهما، هو بن عفراء، الذي أباح
(1) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
(2) رواه البيهقي والنسائي. (1/244)
صفحة 228
تاريخ الوقف في عُمان
245
للنبي صلى الله عليه وسلم أَن يبني عليه مسجده الشريف وبيته المتواضع"، والمربد: هو
المكان الذي يُجفَّف فيه التّمر، ويسمى المسطاح في اللغة العُمانية. وعلى هذا فإنَّ المسجد النبوي هو أول وقف في الإسلام، ثم وقف البساتين الشبعة التي أوصى بها أحد اليهود، واسمه (مخيريق)، وقد كان مناصرا للنبي صلى الله عليه وسلم، وقتِل مع المسلمين في معركة أُحد، وقد أوصى مخيريق
بتلك البساتين للنبي، يجعلها حيث يشاء، ويصنع بها ما يشاء، وتلك البساتين السبعة هي: الأعواف والصَّافية، والدلال، والميتب، وبُرْقَة، وحشنى، ومشربة أم إبراهيم، وهي جميعها في المدينة المنورة، وقد أخذها، وجعلها في بني عبد المطلب، وبني هاشم، وعلى الفقراء،
غلته
وأبناء السبيل"). كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب أن يقف أرضه التي حصل عليها في خيبر من يهود بني حارثه، يقال لها «ثم»، فجعلها عمر و وقفا لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث ما دامت السَّماوات والأرض، وأمر أَنْ تُجعَل في الفقراء، وذوي القربى، وفك الرّقاب، وفداء الأسرى، وفي سبيل الله، وللضعيف، وابن السبيل، وهو الغريب المسافر، والمنقطع أهله وماله (3). عن ثم توالت بعد ذلك الأوقاف مِنَ الصَّحابة والتابعين ومَنْ جاء بعدهم، حتى كثرت الأوقاف في جميع أقطار الإسلام وتنوعت أعيانها، وتعددت منافعها، وصارت مضمارًا يتسابق فيه النَّاس إلى التَّقرُّب إلى الله تعالى بالإنفاق والمنافع
(1) ابن هشام، السيرة النبوية، ص 229.
(2) محمد بن الخوجة لمحة عن الوقف والتنمية، ضمن بحوث ندوة: الأوقاف الإسلامية
وأهميتها في عالم اليوم.
(3) اطفيش محمد بن يوسف شرح النيل، ج 12، ص 454. (1/245)
صفحة 229
246
نظرات تجديدية فقهية
الماديَّة، مِنَ الملوك وإلى الصَّعاليك، وازدهرت الأوقاف في البلاد الإسلامية از دهارًا طيبًا سَعُدت به المجتمعات الإسلامية، وكانت عُمان ضمن المنظومة المكانية للإسلام، فكثرت فيها الأوقاف، وتنوعت أصولا ومنافع.
بداية الوقف في عمان:
على اعتبار أنَّ المساجد أوقاف؛ فإنَّ مسجد المضمار، أو مسجد مازن بن
غضوبة هو
أول وقف في الإسلام في عُمان، ويقع المسجد المذكور في منطقة
محلة
المضمار في غيل الدَّك مِنْ سمائل، وقد بناه الصَّحابي العُماني الجليل مازن بن غضوبة، الذي يُعتبر تاريخيًا أوَّل مَنْ أسلمَ مِنْ أهل عُمان.
ولعله من المناسب أن نعرّج بالذكر على شيء من سيرته له، فهو مازن بن غضوبة بن سبيعة السَّعدي النَّبهاني الطَّائي، كان رئيسًا مطاعا في قومه بني الصامت وبني. خطامة، وهم مِنْ طَيْ مِنْ أهل سمائل، وكان لهم صنم يقال له: (باجر)، يعبدونه كغيرهم مِنَ العرب الذين تفشت فيهم عبادة الأصنام، ولكون مازن الرَّئيس في قومه فهو الذي كان الشادن للصنم، وعندما بُعِث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهاجر إلى المدينة، وبدأ الإسلام في الشيوع والانتشار، وذاع وشاع اسم محمد صلى الله عليه وسلم، وانتشرت دعوته في الجزيرة العربية؛ وصل ذلك إلى سمع مازن بن غضوبه ودخل قلبه، وأخذ يستنشق الأخبار عن النبي الكريم - صلوات الله وسلامه عليه، وعن الدين الذي جاء به، وهنالك قدم رجل مِنْ أهل الحجاز، وأخبر مازنا عن ظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتقول الرواية: إن مازنا كان يسمع صوتا من جهة الصَّنم يدعوه إلى الذهاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والإيمان به، والدخول في الإسلام، وكان ذلك الكلام من جهة الصَّنم مَصُوعًا في قالب شعري، ولعل ذلك كانت رؤيا منامية رآها مازن أو خيالا في اليقظة؛ نظرًا
لحب مازن في الإيمان بالإسلام، وتشوقه إلى رؤية النبي الله (1/246)
صفحة 230
تاريخ الوقف في عمان
247
حينذاك رحل مازن إلى الحضرة النبوية في المدينة المنورة، وتحققت له أمنيته في الالتقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وآمن به، ودخل الإسلام، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم
قصة
بالخير والبركة والصلاح، كما دعا للهلال والأهل عمان بذلك، وعبَّر مازن عن إسلامه في أبيات شعرية، وذلك يدلُّ على ما للشعر من قيمة عالية عند العرب.
وعندما عاد مازن إلى بلده؛ بَنَى مسجده المعروف حاليا بمسجد المضمار،
أو مسجد مازن"، الذي ينتظر الاهتمام به بناء راقيًا، وتوسعة مناسبة؛ نظرا لقيمته التاريخية العظيمة، على اعتباره أول مسجد بني في عُمان، كما أنَّ في بنائه على الشكل اللائق تخليدا لذكرى دخول الإسلام إلى عُمان، وهي لا شك أعظم ذكرى تستأهل الاهتمام، وأعظم حدث يستحق الافتخار به في إطار الشكر الله على نعمة الإسلام.
وبما أننا اعتبرنا المسجد النبوي الشريف أول وقف في الإسلام، ومسجد مازن بن غضوبة أول وقف في عُمان؛ فإنَّه مِنَ المناسب أن نبحث هذه المسألة، وهي هل المساجد ذاتها أوقاف أم لا؟
الظاهر مِن حيث المفهوم العام للوقف؛ فإنَّها تُعتبر أوقافًا، فالإنسان الذي يبني مسجدا على أرض ما؛ فإنَّ ذلك البناء والأرض يَخرُجان مِنْ مُلكه الخاص إلى ملك الله تعالى، ويرتفع تصرُّفه وتعلقه بها إلا ما كان صيانة وعبادة، ولكنّي أحد لم أجد ذلك منصوصا عن العلماء من حسب اطلاعي المتواضع، ولعلَّ الإمام السَّالميَّ يُشير إليه في جوهر النظام عندما يقول: وَقِيلَ أَحْكَامُ المُصَلَّبَاتِ مِثْلُ بُيُوتِ اللهِ فِي الصَّفَاتِ في كُلِّ مَا يُحْجَرُ أَوْ يُبَاحُ لأَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ مُبَاحٌ)
(1) مازن بن غضوبة، حياة من أجل الإسلام، للباحث.
(2) جوهر النظام، باب المساجد (1/247)
صفحة 231
248
نظرات تجديدية فقبية
فيكون الإمام السَّالميُّ أوَّل مَنْ لاحظ هذا المعنى، وقال بوقفية المساجد والمصليات ذاتها، ولا ندري هل وقف مازن لمسجده وقفًا أم لا؟ وهل الوقف التابع للمسجد هو مِنْ وقف مازن أو مِنْ آخَرين؟
لكنَّ مِنَ المعروف أن الصوافي بيت المال في صحار هي من أوائل ما جُعِل وقفًا؛ أي: بيت مال للدولة، وهي أموال الفرس التي تركوها في صحار بعد أن أخرجهم أهل عُمان مِنْ صُحار إثر دخول أهل عُمان الإسلام، ورفض الفرس الدخول فيه؛ الأمر الذي حمل العُمانيين على حربهم وإخراجهم منها، وقد جرى الاتفاق بين الجانبين على أنْ يَخرج الفرس مِن صُحار، ويتركوا أموالهم للعُمانيين، وهنالك جُعِلت تلك الأموال صافية؛ أي: بيت مال للدولة، فكانت أول وقف للدولة في عُمان التي على رأسها آنذاك جيفر وعبد ابنا الجلندى.
الفرق بين الوقف وبيت المال:
يتبادر إلى أذهان الكثيرين أنَّ بيت المال والوقف هما بمعنى واحد، ولا فرق بينهما، مع أن هناك شيئًا مِنَ الفَرق مِنْ حيث التَّكون والوظيفة لكل منهما، صحيح أن بيت المال هو من حيث المفهوم العالم وقف، لكنَّه استعمل في الوقف للدولة في الإسلام؛ أي إنّه يكون تابعًا للدولة، ومختصا بها؛ ليكون تحت تصرفها على نظر الحاكم؛ بمعنى أنه يتم صرفه فيما فيه صلاح الدولة، وعزها، وقوتها وبقائها. ومصطلح بيت المال هو مصطلح إسلامي، أو تعبير إسلامي، وهو لما يكون خاصا بالدولة من أموال، سواء كانت أصولاً أو منقولات؛ لذلك فإنه يوجد تعريف لفظي، وإنما أقتصر على تعريفه اصطلاحيا، حيث عرفه الاصطلاح الشرعي بأنه: «اسم لكلّ ما استحقه المسلمون، ولم يتعين مالكه منهم، فهو من حقوق بيت المال).
لا
(1) الماوردي، علي بن محمد بن حبيب الأحكام السلطانية، ص 6 ن 266. (1/248)
صفحة 232
تاريخ الزقف في عمان
249
أما الوقف فهو ما جُعِل لغرض مِنْ أغراض النَّاس، وشأن من شؤون الحياة؛ كوقف المساجد، ووقف المدارس، ووقف الفقراء، ووقف الطرق، ووقف المتعلمين ... إلى غير ذلك من مفردات أعمال الخير والمعروف والإحسان، التي يتقرب بها الواقف إلى الله تعالى.
ويظل الوقف مقتصرًا على تلك المفردات التي أنشأ الوقف من أجلها، لا يجوز أن يتعداها إلى غيرها؛ إِلَّا أَنْ يكون في الإطار المقصدي الذي يفطن له الفقهاء ويتفهمونه؛ بمعنى أنَّ الوقف للمسجد الفلاني يبقى مقتصرا على ذلك المسجد، والوقف على المدرسة الفلانية يبقى مقتصرا على تلك المدرسة، والوقف على أشخاص معينين يبقى مقتصرا عليهم، وهكذا بالنسبة إلى الأشياء التي وقف الوقف من أجلها، وكانت محصورة أو معينة، يبقى الوقف لها؛ إلا إذا كان الوقف عاما أو شاملا؛ فإنَّ. رفه في بعض أفراد ذلك العموم، أو بعض أصناف تلك الأشياء؛ يكون كافيا ومؤدّيا؛ نظرًا لتعذر شمول جميع أولئكم الأفراد أو الأصناف.
صر
على أنَّ الخلاف الفقهي دائر بين تلمس مقصد الواقف في استعمال وقفه فيما فيه المصلحة وتحقيق المنفعة، وبين الوقوف على نص الواقف؛ حيث لا يجوز التغيير أو التبديل وقوفًا عند المدلول الظاهري للآية الكريمة: {فَمَنْ بدَّ لَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّهَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ:} [البقرة: 181]، وقد سار قانون الأوقاف العُماني على الأخذ بالرَّأي المقصدي؛ حيث جاء ذلك في الفصل الخامس منه في المواد من: 21 ـ 25.
هذا هو الفرق بين بيت المال والوقف مفهومًا ووظيفة وحكمًا، ولعلنا لو جددنا التعريف لكل منهما بالقول: إن بيت المال هو ما كان للقطاع العام (الدولة)، أما الوقف فهو ما كان للقطاع الخاص (الأفراد والمجتمع): لعله يكون تعريفا مناسبًا. (1/249)
صفحة 233
250
نظرات تجديدية فقهية
ومما ينبغي ذكره أن الفقه الإسلامي أبدى تشددًا أكبر إزاء بيت المال؛ حيث ضيَّق دائرة التصرُّف فيه، ولعل ذلك من باب الحفاظ على الدولة وقوتها واستمرارها، أما إزاء الوقف فهناك شيء من المرونة، لا سيما عند القائلين بالنظر إلى مقصد الواقف حتى تتحقق مصلحة الوقف والموقوف عليهم.
أقسام الوقف
ينقسم الوقف في عُمان كغيرها من بلاد الإسلام إلى أقسام عديدة بحسب طبيعة الوقف، وما وقف لأجله من شؤون الحياة، واستفادة الناس، وقد حدد قانون الأوقاف العُماني في مادته الأولى الوقف؛ إمَّا أَنْ يكون منجزا، أو مضافًا، وقد أوضح كلا منهما بالقول: إنَّ المنجز هو الذي تدلُّ صيغته على نفاذه في الحال؛ أي: يتم وقفه في حياة الإنسان، أما المضاف فهو المؤجل نفاذه إلى ما بعد الموت، وهو الذي يُعبَّر عنه بـ (الوصية بالوقف).
وأقسامه من حيث العموم ثلاثة؛ هي:
1 ـ الوقف الخيري: وهو ما يُجعَل لأمور الخير كلها دون تخصيص أي منها؛ أي: يمكن الصرف منه لأي مسجد، ولأي مدرسة، ولأي طالب علم، ولأي فقير ومحتاج؛ أي: إنه غير منحصر، أو غير معين لصنف من تلك الأصناف، أو لواحد بعينه منها.
وهو الذي عرفه قانون الأوقاف العُماني في المادة الأولى: بأنه الذي خُصصت منافعه على جهات البر ابتداء.
وهذا النوع من الوقف فيه توسعة للقائم عليه من مؤسسات ووكلاء في التصرُّف فيه للمنافع الخيريَّة العامة حسب الحاجة الداعية، والمصلحة المتحققة، على أن كل الأوقاف بأنواعها وأقسامها هي في حقيقة الأمر تُعتبر أوقافًا خيريَّة، فالأوقاف المحصورة أو المعيَّنة لشيء محدد، أو لغرض معين (1/250)
صفحة 234
تاريخ الوقف في عُمان
251
هي أيضا أوقاف خيريَّة، فكل ما فيه الخير والمنفعة للغير هو وقف خيري، غير أن تخصيص وصف الوقف العام بالخيري هو الذي جرى عليه استعمال وزارة الأوقاف والشؤون الدينيَّة بالسلطنة، ونصَّ عليه قانون الأوقاف العُماني في المادة (9) بالقول: «يُشترط في الجهة الموقوف عليها في الوقف الخيري أن تكون جهة برّ، وأن يكون الوقف عليها مباحًا شرعًا».
2 ـ الأوقاف المحصورة: وهي الأوقاف المعيَّنة لشيء واحد، أو لشخص واحد، أو لصنف واحد؛ مثل مسجد واحد، أو مساجد معيَّنة، ومثل مدرسة واحدة، أو مدارس معيَّنة، وهكذا في سائر الأصناف، سواء كان لصنف واحد، أو لأصناف معيَّنة ومحددة، مثل هذه الأوقاف يمكن وصفها أو التعبير عنها بأنها محصورة؛ أي: ليست أوقافًا عامة لأمور خيرية عامة.
ومثل هذا النوع من الوقف يبقى مقتصرًا أو محصورا فيما وقف له، لا يجوز أن يتعدى به إلى غيره؛ إلا في الإطار الذي ذكرناه، وهو الإطار المقصدي للوقف وللواقف.
وأكثر الأوقاف هي من هذا القسم، وقد ورد في كتيب وزارة الأوقاف والشؤون الدّينيَّة الذي هو بعنوان «الأوقاف في سلطنة عُمان»؛ ذكر ثلاثة وعشرين (23) نوعًا من الأوقاف، وهي أكثر عددًا من ذلك؛ حيث إنَّ هناك العديد من الوقوفات لم يذكرها الكتيب المذكور.
ـ الوقف الأهلي: وعرَّفه قانون الأوقاف العُماني في المادة (1) بأنه: «هو الذي خصصت منافعه للوقف، أو لأفراد معيَّنين، أو لهما معا، على أن ينتهي في جميع الأحوال إلى جهة برّ»، ويُطلق عليه الوقف الذري؛ أي: أنَّ الواقف يخصصه لذرِّيَّته الذين هم أولاده ومَنْ بعدهم، وفي الغالب أن الطبقة الأولى الذين هم الأولاد المباشرون يشملهم الوقف ـ ذكورا وإنانا ـ ما لم ينص (1/251)
صفحة 235
252
الواقف أنَّه للذكور فقط، أما
منهم
دون الإناث على حد تعبير الشاعر:
نظرات تجديدية فقهية
بعد الطبقة الأولى فإنَّه ينحصر في الذكور
بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأَبَاعِدِ وهذا القسم من الوقف تنازعه الاختلاف الفقهي بين مُثبت له ومُبطل، يقول الشيخ خلفان بن جميل السيابي: «إنَّ توقيف الأصول على الأولاد مختلف فيه، وأكثر العلماء بثبوته إن كان مستندا على نوع من أنواع البر بعد انقراض الأولاد، وقد فعلته الصَّحابة - رضوان الله عليهم ـ، فاكتبوا ذلك ما لم يظهر لكم قصد الجور على بعض الورثة، أو الخصوصية بلا وجه يقتضيها». واشتهر من قال ببطلانه الإمام السَّالمي، إذا كان بعد الموت، وإنما أجازه إذا كان منجزا في الحياة بشرط المساواة، فقد قال: «أما وقف يخرج في الحياة فلا بأس به، ولكن يجب فيه المساواة بين الأولاد فمَنْ حَصَّ به الذكور فقد آثرهم على البنات، ولم يعدل بين أولاده وأما وقف يوصي به لوارثه فلا يصحُ؛ إذ لا وصيَّة لوارث، وقد تبعه على ذلك الإمام محمد بن عبد الله
الخليلي، حيث أجاز منه ما كان في الحياة، وأبطل ما كان بعد الموت. أما شيخنا أحمد حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة ـ أبقاه الله ـ فقد بن منعه في الحياة وبعد الممات، حيث قال: «وليس الوقف على الذُريَّة إِلَّا نوعًا من أنواع الإعراض عن حكم الله والخروج عن أمره، فإنَّ لكلّ وارث حقا في کتاب الله يعود بعد موته على ورثته، والوقفية تنافي ذلك لحرمان ورثة الإناث من الموقوف بعد موت مورثتهم، وصرف حقها إلى الذكران وذرِّيَّتهم، على أن الحديث المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِث» يوصد هذا الباب، وقد
(1) فصل الخطاب، ج 2، ص 113. (2) الجوابات، ج 3، ص 538. (1/252)
صفحة 236
تاريخ الوقف في عُمان
253
أجمع المسلمون على صحته؛ حتى عده بعضهم من المتواتر، والوقف حكمه كالوصيَّة إن كان بعد موت الواقف، أما ما كان في حياته؛ فإنْ كان على الذُرِّية فإنَّه أيضا غير سائغ؛ إذ لا وجه في حياة الموروث أنْ يقسم شيئًا مِنْ ماله على ذرِّيَّته إلا على وجه العطيَّة، وأحكام العطيَّة تنافي أحكام الوقف مِنْ شتّى الوجوه، منها أنه ليس للمعطي أن يمنع المعطى مِنَ التَّصرُّف في عطيته، ومنها أنها تنتقل بعد موت المعطى إلى ورثته بالإجماع، والوقف بخلاف ذلك فإنَّ ورثة الإناث يحرمون منه بعد موتها؛ ولذلك لا أرى وجها لثبوت شيء مِنْ أوقاف الذُرِّيَّة؛ عملا بقوله: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدُّ.
وفي رأيي أن قول ابن عباس ل لنا: «لا حبس عن فرائض الله»؛ إنما يُشير إلى هذا النوع مِنَ الوقف الذي هو وقف الذُريَّة، وليس على عدم الوقف الله مطلقا، وفرائض هي المواريث التي قسمها على الوارثين، وبموجبها صار لا وصيَّة لوارث، ولاريب أنَّ الواقف لذريَّته أو بعضهم؛ إنما حبس تلك القسمة الرَّبَّانيَّة التي أعطت كل واحد من الورثة نصيبه من الميراث - ذكرًا
كان أو أنثى -.
ذلك.
عن
(1) الفتاوى الكتاب الرابع، ص 146. (1/253)
صفحة 237
254
الخاتمة
نظرات تجديدية فقهية
عرفنا مما تقدم أن الوقف في عُمان كان من معالم الحركة الاقتصادية فيها، كما أنَّه كان له فضل كبير في استقرار المجتمع العُماني؛ حيث شمل الوقف بفوائده الجمَّة ضروبَ الحياة؛ نتيجة لكثرة أصوله، وتعدد أنواعه، واختلاف منافعه، وإذا كنا لم نستطع تبين بداية أعيان وقفية بعينها؛ فإنَّنا توصلنا إلى بدايته العامة من خلال بناء مسجد مازن بن غضوبة في سمائل باعتباره أول مسجد بني في عُمان؛ حيث إنَّ مازنًا هو أوَّل مَنْ أسلمَ مِنْ أهل عُمان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لأنَّ المساجد تُعتبر أوقافًا مِنْ حيث المفهوم العام للوقف.
بَيْدَ أَنَّنا
عرفنا بداية تكون بيت المال في عُمان، وهو صورة مِنْ صُوَرٍ الوقف، وإنَّما يختلف عنه في بعض الصفات والأوصاف، وفي بعض الوظائف والأحكام، وقد كانت بداية وجود أصول بيت المال؛ تلك الأموال الزراعية والعقارية التي تركها الفرس في صحار؛ نتيجة رفضهم الدخول في الإسلام بجانب العُمانيين؛ الأمر الذي حمل أهل عُمان على حربهم، وإخراجهم منها، وذلك على عهد جيفر وعبد ابني الجلندى مَلِكَيْ عُمان، وقد جُعِلت تلك الأموال صافية؛ أي: بيت مال. (1/254)
صفحة 238
تاريخ الوقف في عمان
255
ثم أخذت الأوقاف تشمل بقسميها الخيري العام والمحصور؛ المساجد، والمدارس، وطلبة العلم وغير ذلك من شؤون الحياة؛ كسد حاجة الفقراء
والمحتاجين، وتهيئة المرافق.
وتكونت
بحمد الله تعالى - ثروة وقفيَّة في عُمان، طالت العديد من شرائح المجتمع، وتسابق أهل الخير والبر في هذا المضمار، وهو ما نفتقده في وقتنا الحاضر، حيث عزف الناس عن الوقف بشكليْه المنجز والمضاف، في أَنَّنا حين نجد في الدول الغربية (أمريكا وأروبا) يتسابق الأغنياء وأهل الثراء لوقف أموالهم على المؤسسات التعليمية والبحثية؛ حتى صارت بعض المؤسسات هنالك تملك أموالا طائلة إدراكًا منهم بأهمية الوقف في استقلال تلك المؤسسات بأمورها وشؤونها عن الحكومات؛ الأمر الذي هيأ لها تحركا إنتاجيًا راقيًا، وهو ما نأمله من أغنيائنا وأهل الخير فينا؛ حتى يعود إلى الوقف مجده العظيم ودوره الكبير، ويسهم في زحزحة الأزمات المادية، التي أصبحت تضرب بجرانها الحياة المعاصرة - عن الكثير من الناس، ونسأل الله التوفيق.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. (1/255)
صفحة 239
256
مقدمة
نظرات تجديدية فقهية
أصول الفقه عند أبي عبيد السليمي من خلال كتابه (مشكاة الأصول) ...
الفتاوى الاجتماعية وأثرها في تنمية المجتمع.
الديه وقتلُ النَّفس مِنْ منظور فقهي.
- المسؤولية الجنائيَّة لقائدي المركبات
عقوبة الإعدام في النظر الإسلامي.
التعامل مع غير المسلمين «رؤية إسلاميَّة، وواقع تاريخي
المرأة والولايات العامة.
- زواج الصغيرات في المنظور الإسلامي.
المصادر العلميَّة التي اعتمد عليها أبو نبهان في مؤلفاته ..
وقف الرباط العُماني بمكّة المكرَّمة.
- تاريخ الوقف في عُمان.
27
51
69
93
125
15
191
207
221
239 (1/256)