صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: دراسات فكرية - تاريخ - دراسات عن الإباضية
------------------------------------------
العنوان: تطور الفكر التربوي الإباضي في الشمال الإفريقي من القرن الأول حتى القرن العاشر هجري (95ه/ 713م)-(928ه/ 1520م)
المؤلف: عبد الرحمن عثمان حجازي
تقديم: محمد منير سعد الدين
الناشر: المكتبة العصرية للطباعة والنشر
مكان النشر: بيروت - لبنان
تاريخ النشر: 1421ه/ 2000م
الطبعة: 1
الكلمات الدالة: الفكر التربوي الإباضي، تاريخ، المذهب الإباضي
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=70&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/52
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 01 ذو القعدة 1446ه/ 29 - شهر 04 - 2025م. تطور الفكر التربوي الإباضي في الشمال الإفريقي
من القرن الأول حتى القرن العاشر هجري
(95 ه/ 713 م) - (928 ه/ 1520 م)
المكتبة العصرية
تأليف
الدكتور عبد الرحمن عثمان حجازي
صيدا - بيروت (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
تَطَنُّور الفكر التربوي الأباضي
في الشمال الإفريقي
مِنَ القرن الأول حَتَّى القرن العاشر الهجري (713/ 95 م) - (1520/ 5928 م)
تأليف الدكتور عبد الرحمن عثمان حجازي
المكتبة العصرية
بيروت (1/3)
صفحة 4
جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى
1421 هـ - 2000
م
المكتبة العصرية للطباعة والنشر الدار النمودجية المطر
بيروت - صرب 11/ 8355 - تلفاكس 009611655015 صيدا - صب 221 - تلفاكس 00961772317 (1/4)
صفحة 5
بسم (1/5)
صفحة 6
[صفحة فارغة] (1/6)
صفحة 7
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
هذا الكتاب هو أحد كتب سلسلة الكتب التربوية الإسلامية التي أعتز بالإشراف عليها وأسعى إلى نشرها لما فيها من علم ينفع لم أرغب أنا ومؤلفيها أن نتركها على أرفف المكتبات يعلوها الغبار، وهذا الكتاب في الأساس جزء من أطروحة تقدم بها عبد الرحمن حجازي لنيل درجة دكتوراه في الدراسات الإسلامية من كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية في بيروت
لقد تعرفت على الدكتور عبد الرحمن حجازي عندما أشرفت عليه في رسالة الماجستير التي تناولت التربية الإسلامية وكانت تحت عنوان: "التربية الإسلامية في القيروان في القرون الهجرية الثلاثة الأولى".
وعندما أعود بالذاكرة إلى الوراء، لأراه وهو يختار موضوع بحثه، ويضع خطته، وتبادلنا وجهات النظر، وطلباتي الكثيرة إليه بإعادة القراءة ووضع الخطة من جديد والتعمق بشكل أكثر، وكان يتقبل مني هذه الطلبات برحابة صدر، وصبر الباحث، وكان بحثه آنذاك الأبحاث الموفقة، ونشر كأحد كتب هذه السلسلة من
ثم جاءت أطروحته للدكتوراه حيث اختار موضوعها وعنوانها وكان: "تطور الفكر التربوي الإباضي في الشمال الإفريقي من القرن الأول حتى العاشر
الهجري".
ما أعجبني بالأخ عبد الرحمن خبرته المربية، ولا شك أن القارئ يدرك حسن اختياره للموضوع، وأسلوبه الجديد، وتوثيقه العلمي، وتحاشي الأخطاء
النحوية، وبروز شخصيته من خلال التحليل والتفسير، مما يجعله موضع تقدير من
قارئي
كتبه وأبحاثه. (1/7)
صفحة 8
موفقاً،
لقد قدم الدكتور عبد الرحمن حجازي الكثير عن التربية الإباضية، فكان و جهوده مشكورة نأمل أن يستفيد منها قارئ هذا الكتاب، ولا أقول إنه
من
الخطأ،
قد وصل إلى الكمال في ما قدم فلن يصل أحدنا إلى الكمال، ولن يُعفى فكل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، فهو مجتهد في ما كتب وكل مجتهد
يخطئ ويصيب.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه
أجمعين
•
ن
أ. د. محمد منير سعد الدين
المشرف على السلسلة (1/8)
صفحة 9
بسم
الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة
والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
•
إن الشكر الله سبحانه وتعالى، منحني الصحة والإرادة لإنجاز هذا البحث،
أحمده حمداً كثيرا طيباً مباركاً فيه، سبحانه نعم المولى ونعم النصير.
وإلى من أخذ بيدي في درب المنهجية العلمية، وتحملني بصبر وأناة، ووجه وبين وصوّب، واصطحب مرشداً إلى كيفية الاطلاع على مصادر المخطوطات والموضوعات في المكتبات العربية والإسلامية، إلى أستاذي المشرف الدكتور حسان حلاق أتقدم بخالص الشكر والامتنان والتقدير والاحترام، فقد كان نعم المشرف والموجه.
وأتوجه بالشكر إلى وزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية في سلطنة عُمان التي استجابت لرسائلي وزودتني بمصادر ومراجع للبحث. وإلى الأستاذ بسام برغوت قنصل لبنان في سلطنة عُمان الذي وضع مكتبته الخاصة في بيروت وما تضم من مؤلفات إباضية تحت تصرفي، وإلى الأستاذ عز الدين بليق الذي أهداني المصادر والمراجع الإباضية التي أصدرتها دار الفتح، والكتب والمخطوطات التي أهديت إليه من أعلام الإباضية في
الجزائر.
وأتوجه بالشكر إلى العاملين في مكتبة كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية، وجامعة بيروت العربية، والجامعة الأميركية، والمركز الألماني للدراسات الشرقية، ومركز المقاصد للتعليم العالي، ومكتبة أزهر البقاع، وإلى جميع الذين قدموا النصح والإرشاد وشجعوا على متابعة البحث واتمامه وبخاصة رجل العلم الحاج توفيق الحوري أمد الله في عمره.
ولا يفوتني أن أشكر الباعة المتجولين الذين يعرضون الكتب والمجلات على
أرصفة الشوارع والذين كانوا رافداً مهماً لمصادر البحث ومراجعه.
والحمد لله رب العالمين (1/9)
صفحة 10
منهجية البحث
أ - المقدمة
ب ـ المشكلة
ج - الهدف من البحث
د - أهمية البحث
هـ ـ المنهج.
و - حدود البحث.
ز - خطوات البحث. (1/10)
صفحة 11
أ - المقدمة:
بسم الله الرحمن الرحيم
لم يعرف التاريخ الإسلامي فرقة إسلامية حرصت على نفي الاسم الذي
عرفت به كالإباضية، التي تنفي أن يكون مؤسسها هو عبد الله بن إباض، الذي
تنسب إليه.
ومع أن معظم المصادر الإسلامية التي تحدثت عن الفرق، تجعل الإباضية
من ضمن فرق الخوارج. يؤكد البغدادي في "بيان مقالات في الخوارج" بأن " الإباضية منهم، افترقت فرقاً، معظمها فريقان حفصية وحارثية، فأما
اليزيدية من الإباضية، والميمونة من العجاردة، فإنهما فرقتان من غلاة الكفرة الخارجين عن فرق الأمة (1) ".
ويؤكد الشهرستاني هذا الرأي، عندما يعرف بفرق الخوارج بأنهم " المحكمة
والأزارقة، والنجدات، والبيهسية، والعجاردة، والثعالبة، والإباضية، والصفرية،
والباقون فروعهم (2) ".
،
ويجعلهم الأشعري من الخوارج المعتدلين، لأنّ " الإباضية لا ترى اعتراض الناس بالسيف، لكنهم يرون إزالة أئمة الجور، ومنعهم من أن يكونوا أئمة بأي شيء قدروا
عليه، بالسيف أو بغيره
" (Y)
(1)
(2)
البغدادي، عبد القاهر بن طاهر: الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية.، ص 55، بيروت، دار
الجيل ودار الآفاق الجديدة، 1408 هـ / 1987 م.
، ص 106، تخريج محمد بن فتح الله بدران
، محمد بن عبد الكريم: كتاب الملل والنحل: الشهرستاني
القاهرة، مكتبة الانجلو المصرية 1956.
"
) ـ الأشعري، أبو الحسن علي بن إسماعيل: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ص 189، تحقيق
محي الدين عبد الحميد، بيروت، دار الحداثة 1985.
ز (1/11)
صفحة 12
رغم إجماع علماء القرون الرابع والخامس والسادس الهجرية على أن الإباضية
فرقة من فرق الخوارج، وأنهم من أتباع عبد الله بن إباض، إلا أن الكتابات الإباضية المعاصرة تفنّد هذه الآراء، وترى أنّ معظم ما كتب عن الإباضية " سواء كان حقاً أو باطلاً، فإنما هو تشنيعات وتلفيقات من يريدون أن يوقدوا نار الفتنة ضد الإباضية، وأن يجعلوهم مكروهين من بقية إخوانهم المسلمين، فينسبون إليهم عقائد ومقالات يبرأون منها، وتمن يقول بها، ويسوقون عنهم أقوالاً في غاية الغموض والإبهام، لإثارة الرأي العام ضدهم، وقد يفسرون بعض الجمل أو الكلمات تفسيراً غير صحيح ولا مقصود عند الإباضية لزرع وهم في نفوس الآخرين. ولا شك أن أصابع السياسة الماكرة وراء كلّ ذلك، وأنّ هؤلاء العلماء الذي يكتبون إنما تلقوا معلوماتهم عن مصادر مستغلة أو مستغلة، مع العلم أن لديهم الاستعداد الكافي لتلقي وتصديق كل ما يقال لهم عن تلك الفرق التي حكموا عليها بالضلال مسبقاً (1) ".
يصر الإباضية على اعتبار مذهبهم مذهباً إجتهادياً فقهيّاً سنياً، " يقف جنباً إلى جنب مع الشافعية والحنفية والمالكية والحنبلية (2) ". ويفضلون العودة بمذهبهم إلى جابر ابن زيد (ت 93 هـ / 711 م) لكن أعداءهم - حسب رأيهم ـ فرضوا هذه التسمية، أي الإباضية، بدلاً من الجابرية. ويعلل عمر بن الحاج سبب رفض الإباضية نسبة مذهبهم إلى عبد بن إباض (ت 86 هـ / 705 م) إلى " محاولة - بوعي تاريخي - لإزاحة شبح الخوارج عنهم لعلمهم في أعماقهم أنّ ابن إباض كان أحد الخوارج، ولعلمهم أيضاً أن الناس من غيرهم يعلمون ذلك ولا يمكن محوه - كحقيقة واقعة - من ذاكرة التاريخ
الله
(1)
(3)
- معمر، علي يحيى: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ج 1، ص 50، سلطنة عمان، وزارة التراث
القومي والثقافة 1406 هـ / 1986 م.
(2) ـ الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، ص 15، الرياض، الندوة العالمية للشباب
(1)
الإسلامي،
، ط 2، 1409 هـ / 1989 م.
صالح،:، عمر بن الحاج محمد: دراسة في الفكر الإباض، ص 38، القاهرة، مكتبة
الإستقامة، ط 2، 1413 هـ / 1992 م.
!
ح (1/12)
صفحة 13
ومن المؤسف أن الكتاب الإباضيين في العصر الحديث صرفوا جهودهم
واهتمامهم لإيجاد الأدلة التاريخية والمنطقية، التي تنفي انتمائهم إلى الخوارج، وإلى ابن إباض، وإلى الدفاع عن بعض آرائهم التي تخالف رأي أهل السنة والجماعة، واغفلوا الاهتمام بالفكر التربوي الإباضي، هذا الفكر الذي أتاح لمذهبهم أن يعيش ويصمد في بحر المذهب المالكي في الشمال الإفريقي، وأن يلعب دوراً فعالاً في النهوض الثقافي المعاصر في
الشمال الإفريقي
وتبدو الحاجة ملحة إلى دراسة الفكر التربوي الإباضي وتطوره عبر القرون، هذا الفكر التربوي، الذي صاغه علماء التربية الإباضيون، ومقارنته مع الفكر التربوي الإسلامي، بهدف استخلاص نظام تربوي إسلامي معاصر، تطلعات الأمة، يتوافق مع وطموحاتها، خاصة أن النظام التربوي الإباضي كان في " أول الأمر عرفاً يسير عليه الناس، حتى جاء الإمام الكبير أبو عبد الله محمد بن بكر، في أواخر القرن الرابع، فحرره على شكل قانون يشتمل على مواد، ثمّ طبقه تطبيقاً كاملاً في مواطن الإباضية في ليبيا، ثم في تونس، ثمّ في الجزائر، حيث لا يزال يطبق بدقة (1) ".
تعرفت على الفكر التربوي الإباضي خلال إعداد رسالتي لنيل درجة الماجستير في الدراسات الإسلامية في كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية، والتي كانت تحت عنوان " التربية الإسلامية في القيروان في القرون الهجرية الثلاثة الأولى " وأعجبني ما امتاز به هذا النظام التربوي من الدقة، حيث يعتمد نظام الحلقة في التدريس مراعياً العمر العقلي في توزيع الطلاب، وإذا كانت المدرسة الحديثة تطبق، في معظمها، توزيع الطلاب وفق العمر الزمني، إلا أنها لم تتمكن إلى الآن من وضع المناهج التي توزّع الطلاب وفق العمر العقلي، وأحببت أن يكون عنوان أطروحتي لنيل درجة الدكتوراه من كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية في بيروت الفكر التربوي الإباضي في الشمال الإفريقي من القرن الأول وحتى العاشر الهجري.
(1) ـ معمر، علي يحيى: الإباضية في ليبيا، ص 62، القاهرة، مكتبة وهبه 1414 هـ / 1993 م. (1/13)
صفحة 14
ب ـ المشكلة:
يجد الدارس لاتجاهات الفكر التربوي الإسلامي المعاصر، أن لكل اتجاه إسلامي فكره التربوي الخاص به، وأصبح لكل جماعة إسلامية " تصوراتها التربوية التي تعتقلها اعتقالاً داخل أسوارها .. حتى كأنها أصبحت تحيا في جزيرة معزولة ليس بينها وبين سائر الجزر التربوية صلة (1) ". وإذا كانت هذه الجماعات قد انغلقت على نفسها، وبالتالي أصبحت أسيرة نظمها، وخاصة التربوية منها، فإن من أولى مهمات مستشر في التصوّر التربوي الإسلامي دراسة النظم التربوية لجميع هذه الجماعات الإسلامية، وبخاصة لتلك كان لها موقف معارض لأهل السنة والجماعة، بهدف بلورة نظام تربوي إسلامي عام، قائم على الكتاب والسنة. إذ كيف يعقل للمسلم الذي أراده الله جل أن يكون رائداً وخليفة له على أرضه أن يطبق نظماً تربوية وضعيّة أجنبيّة، ويكون تابعاً لها. وفي ظل التبعية للفكر التربوي الأجنبي أصبح الإنسان العربي من منظور هذا الفكر حيواناً بيولوجياً بالمنظور الفلسفي الغربي، في حين أنه في إطار تراثنا الإسلامي إنسان معجز ذو رسالة تعميرية تحضرية (2)
التي
ج - الهدف من البحث:
استطاع الفكر التربوي الإباضي الحفاظ على وجوده وإبراز الشخصية الإسلامية الإباضية خلال أربعة عشر قرناً في الشمال الإفريقي، واستطاع هذا الفكر التربوي الحفاظ على شخصية أتباعه. ومما لا شك فيه أن هذه الفرقة الإسلامية لم تستطع الصمود والإستمرار في مسارها التاريخي، لولا وجود نظم تربوية، ومناهج تواكب الأيام وتتفاعل مع الأحداث والتطورات. وهذا ما امتاز به الفكر التربوي الإباضي في الشمال الإفريقي، الذي اضطر في كثير من الأحيان إلى التخفي في مرحلة الكتمان،
(1)
- علي سعيد إسماعيل: نظرات في الفكر التربوي المصري، ص 45، القاهرة، جامعة عين شمس، كلية التربية 1982.) ـ أنظر، النوري، عبد الغني. عبود، عبد الغني: نحو فلسفة عربية للتربية، ص 329 - 333، القاهرة، دار الفكر العربي 1979. (1/14)
صفحة 15
عجزت
وصياغة أساليب تربوية تماشي الواقع، وتستشرف المستقبل، وإذا كانت الأحداث في الشمال الإفريقي قد وقفت في وجه المد الإباضي،، إلا أنها استئصاله والقضاء على وجوده. فكان لا بد من دراسة هذا الفكر التربوي وتطوره والاستفادة منه في صياغة فكر تربوي إسلامي معاصر، وإبراز القواسم المشتركة بين الفكر التربوي عند الإباضية والفكر التربوي عند أهل
عن
السنة والجماعة.
د - أهمية البحث:
-
كان للفكر التربوي الإباضي - ولا يزال - دوره في الحفاظ على الشخصيّة الإباضيّة المميّزة في الشمال الإفريقي. والفكر التربوي الإسلامي بحاجة إلى إبراز كافة الآراء التربوية الإسلامية، حيث تسعى الأمة الإسلامية إلى التمسك بأصالتها، والتحرّر من النظم التربوية الدخيلة، التي لا تتماشى مع معتقداتها وأهدافها، والعودة إلى معالم الشخصية التربوية الإسلامية
المميزة
•
وللإباضية آراء تربوية نثرت في كتبهم، تما يستدعي البحث والتنقيب بهدف بلورة تلك الآراء التربوية وإبرازها وفق نظم التربية
الحديثة.
هـ ـ المنهج
إنّ المنهج العلمي الذي نستضيء به في مسار البحث هو المنهج التاريخي الوصفي التحليلي، الذي يقوم على استخراج الفكر التربوي والآراء التربوية في الفكر الإباضي، وإبراز دور العلماء في خدمة هذا الفكر، وربطه بالقوى والعوامل
الثقافية المؤثرة. (1/15)
صفحة 16
ونتكيء على المنهج التاريخي منهجاً فرعياً نوظفه لخدمة أغراض البحث في المواضع التي يتطلبها البحث في دراسة تطور الفكر التربوي
الإباضي.
و - حدود البحث:
إن حدود البحث لدراسة الفكر التربوي الإباضي في الشمال الإفريقي هي من أواخر القرن الأول الهجري وبالتحديد عام (95 هـ / 713 م)، وهو العام الذي بعث فيه الإمام الإباضي أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ـ الذي انتهت إليه رئاسة المذهب الإباضي - سلامة بن سعيد إلى المغرب، وتتفق المصادر الإباضية على أن سلامة بن سعيد هو أوّل داعية إباضي في المغرب العربي (1). وحتى العام (928 هـ / 1520 م)، وهو العام الذي توقفت فيه الكتابة عند الإباضية في الشمال الإفريقي، حتى بداية القرن الحالي - باعتراف الإباضية ــ حيث أحمد محمد فرصوص بأنّ سبب وضعه لكتاب ملحق الكاتب الإباضي يصرح بالسير " أنّي لما رأيت علماء الجامعات الأفاضل يكلفون تلاميذهم عند الامتحان تحرير رسائلهم في البحث عن تاريخ الإباضية منذ الفاطميين إلى انقراض الدولة التركية، ورأيت إذ ذاك تاريخهم منقوصاً منذ وفاة الإمام البدر الشماخي سنة (928 هـ / 1520 م، ومنذ وفاته توقفت الكتابة عند الإباضية إلى تاريخنا هذا (2) ".
(2)
(1) ـ أنظر، الدرجيني، أبو العباس أحمد بن سعيد: طبقات المشائخ بالمغرب، ج تحقيق إبراهيم طلاي، قسنطينة (الجزائر)، مطبعة البعث 1974.
(2)
ص 11،
، أحمد محمد: الشيخ أبو اليقظان إبراهيم كما عرفته، ص 42، سلطنة عمان، مكتبة
فرصوص: الضامري 1413 هـ / 1992 م.
ل (1/16)
صفحة 17
ز - خطوات البحث:
على ضوء ما تقدم، فإن البحث يتضمن الخطوات التالية:
- المقدمة: والتي تتضمن المشكلة والهدف من البحث، أهمية البحث والمنهج الذي
اعتمد، حدود البحث وخطواته
- الفصل الأول: ويتناول نشأة المذهب الإباضي:
ظروف النشأة وأصل التسمية، والإباضية في المشرق وفي
الشمال الإفريقي والاتصالات بينهم
- الفصل الثاني: يعرض ويناقش أهداف التربية عند الإباضية، والوسائل والأساليب التي اعتمدت في تحقيق هذه
الأهداف
- الفصل الثالث: يتناول تطور التعليم الإباضي في مرحلتي الكتمان والظهور،
ويبين دور العزابة في الحفاظ على الفكر التربوي الإباضي
وتطويره.
- الفصل الرابع: يفصل ويقيم:
الشروط التي يجب توافرها في المعلم، في التربية
الإسلامية وفي الفكر التربوي الإباضي
مراحل الدراسة والمناهج، وتوزيع التلاميذ على المراحل
الدراسية
الموارد المالية التي تضمن دوام واستمرار مدارس
العزابة. (1/17)
صفحة 18
C.
- الفصل الخامس: يعرض للنشاطات التعليمية واللامنهجيّة في مدارس العزابة وتوافقها مع الفكر التربوي الإباضي، ويناقش موضوع
- الاستنتاجات.
التأديب في التربية الإسلامية والفكر التربوي الإباضي.
- المصادر والمراجع. (1/18)
صفحة 19
لمحة تاريخية.
الإباضية:
الفصل الأول
نشأة المذهب الإباضي
الإباضية ترفض اسم الخوارج.
- نقد آراء الإباضية.
نسبة الإباضية إلى ابن إباض.
- نقد حجج الإباضية.
- عدم انتساب الإباضية إلى جابر بن زيد
- خلاصة القول.
الإباضية في المشرق:
- موقف الإباضية.
- مكانة ابن إباض.
من
المسلمين.
- أبو عبيدة التميمي: - المجالس السرية.
الإباضية في المغرب:
دوره في تنظيم الحركة الإباضية.
أول داعية إباضي في المغرب.
- إنتشار الدعوة الإباضية قبل وصول سلامة بن سعيد
إنتشار الدعوة الإباضية بين البربر.
- تنظيم الإباضية
•
قيام الدولة الرستمية (1/19)
صفحة 20
الانشقاق المذهبي:
1 - الفرقة النكارية.
2 - الفرقة الخلفية.
3 - الفرقة النفاثية.
4 - الفرقة الحسينية.
- الفرقة السكاكية.
6 - الفرقة الفرئية.
الإباضية بعد سقوط الدولة الرستمية.
أماكن تواجد الإباضية.
أئمة الظهور عند الإباضية.
استنتاجات
•
2 (1/20)
صفحة 21
لمحة تاريخية
عام
ظهرت الفرقة الإباضية في مدينة البصرة، بعد انقسام المحكمة () (65 هـ /684 م) وذلك عندما حث ابن الأزرق (3) القعدة من الخوارج على قتال مخالفيهم
في رسالته التي كتبها إلى زعمائهم، ومنهم عبد الله بن إباض، والتي يقول فيها بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فإنّ الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون، والله إنكم لتعلمون أن الشريعة واحدة والدين واحد فقيم المقام بين أظهر الكفار! ترون الظلم ليلاً ونهارا، وقد ندبكم الله إلى الجهاد، فقال:
وقَتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَانَةٌ (1)) ولم يجعل التخلف عذراً في حال فقال لو أنفِرُوا خفافاً ويقالاً (2) وإنما عذر الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون، وبين فضل
(2)
(2) عرفوا بالمحكمة لأنهم حملوا الإمام عليا الله عليه على التحكيم أولاً، وحملوه على بعث أبي موسى الأشعري على أن يحكم بكتاب الله، فجرى الأمر خلاف ما رضي به، فلما لم يرض بذلك خرجت الخوارج عليه، وقالوا ليم حكمت الرجال: لا حكم إلا لله.
وقاتلهم علي الله عليه بالنهروان عام 38 هـ / 659 م) مقاتلة شديدة، وافترق بعدها الخوارج إلى فرق عديدة، إلا أن الذي يجمع بينها على افتراق مذاهبها إكفار عليّ وعثمان والحكمين ـ أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص ـ وأصحاب الجمل رضي الله عنهم، وكل من رضي بتحكيم الحكمين والاكفار بارتكاب الذنوب ووجوب الخروج على الإمام الجائر.
قصد
(أنظر، 1 ـ الشهر ستاني: كتاب الملل والنحل، ج 1، ص 105 - 124. 2 - البغدادي: الفرق بين الفرق والفرقة الناجية منهم، ص 54 - 92). () - نافع بن الأزرق ت (65 هـ / 685 م إليه ينتسب الأزارقة من الخوارج كانوا يمتحنون من عسكرهم إذا ادعى أنه منهم وذلك بأن يدفع إليه أسير من مخالفيهم ويأمرونه بقتله، فإن قتله صدقوه في دعواه أنه منهم، وإن لم يقتله قالوا هذا منافق ومشرك وقتلوه (أنظر، البغدادي:
الفرق بين الفرق، ص 83).
(1) ? سورة التوبة، الآية 36 (2) ـ سورة التوبة، الآية 41. (1/21)
صفحة 22
الذين خرجوا معه على الذين رضوا بالقعود وعدم رفع الـ وجه مخالفيهم بقوله ال يستوى القاعدون من المؤمِنينَ غَيْر أَولِى الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
لكن ابن إباض عندما قرأ الرسالة، وسمع " دويّ القرّاء ورنين المؤذنين وحنين
" (3)
المسبحين. قال لأصحابه أعن هؤلاء أخرج معهم؟ فقرّر القعود ورجع وكتم أمره (3
و لم يقرأ ابن إباض الرسالة على أصحابه خشية تفرّقهم، ولكنه قال أمام زعماء القعدة: قاتله الله، أي رأي رأى. صدق نافع! لو كان القوم مشركين كان أصوب الناس رأياً، وكانت سيرته كسيرة النبي - في المشركين، ولكنه قد كذب في ما يقوله، إن القوم براء من الشرك، ولكنهم كفار بالنعم، والأحكام، ولا يحل لنا إلا دماؤهم، وما سوى ذلك فهو حرام (4)
-
وبهذا الموقف الواضح لابن إباض، والمعارض لابن الأزرق" بدأ فصل جديد في
تطور حركة الخوارج تميز بالفرقة والنزاع، وتكفير بعضهم بعضاً، وانقسموا إلى قسمين: أحدهما غال متطرف، والآخر مسالم معتدل (5) ".
(1)
- سورة النساء، الآية 95.
(2) - أنظر، 1 - الميرد، أبو العباس محمد بن يزيد: الكامل في اللغة والأدب، ج 2، ص 155، تحقيق تغاريد بيضون ونعيم زرزور بيروت، دار الكتب العلمية 1409 هـ / / 1989 م.
2 - ابن جرير الطبري، أبو جعفر محمد: تاريخ الرسل والملوك، جه، ص 25، تحقيق محمد أبو
الفضل إبراهيم، مصر، دار المعارف 1964
) - البرادي، أبو القاسم بن إبراهيم: الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات،
القاهرة، طبعة حجرية 1884 م.
(4) ـ أنظر، 1 - الميرد: الكامل في اللغة والأدب، ج 2، ص 142.
()
2 - الطبري: تاريخ الرسل والملوك، ج 5، ص 568.
ص
6100
3 - الحارثي، سالم بن حمد: العقود الفضية في أصول الإباضية، ص 48،. لبنان، دار
اليقظة العربية 1394 هـ / 1974 م.
خليفات، محمد عوض: نشأة الحركة الإباضية، ص 78، عمان، الجامعة الأردنية 1982.
4 (1/22)
صفحة 23
وبرز عبد ا الله
بن إباض زعيماً لتيار معارض من الخوارج يرى " مخالفيه من المسلمين على أنهم كفار نعم وليسوا مشركين، وأنّه وأتباعه يفترقون عن ابن الأزرق وأتباعه، لأنهم تأوّلوا قول الله تعالى {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (1)) فأثبتوا الشرك لأهل التوحيد حين أتوا من المعاصي ما أتوا ولو أصغرها. وأما المارقة فقد زعموا أن من عصى الله تعالى، ولو في صغير الذنوب أو كبيرها أشرك بالله العظيم.
وتأولوا قول الله عز وجل {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (2)) فقضوا بالاسم على جميع من عصى الله عزّ وجلّ أنه مشرك، وعقبوا بالأحكام فاستحلوا قتل الرجال، وأخذ الأموال والسبي للعيال فحسبهم قول رسول الله - - (إن أناساً من أمتي يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية فتنظر في النصل فلا ترى شيئاً وتنظر في القدح فلا ترى شيئاً وتتمارق في التوق ()) فليس في أمة محمد - ل - أشبه بهذه الرواية منهم، لأنهم عكسوا الشريعة، قلبوها ظهراً لبطن، وبدلوا الأسماء والأحكام، لأنّ المسلمين كانوا على عهد رسول الله - - يعصون ولا تجري عليهم أحكام المشركين، فليت شعري فيمن نزلت الحدود في المسلمين أم في المشركين، فأبطلوا الرجم والجلد والقطع، كأنهم ليسوا من أمة أحمد عليه السلام)
(1) ـ سورة الأنعام، الآية 121 - سورة الأنعام، الآية 121.
(2)
(3)
- روى مسلم الحديث على النحو التالي (يخرج في هذه الأمة قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم فيقرأون القرآن لا يجاوز حلوقهم أو حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية فينظر الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافه فيتمارى في الفواقة هل علق بها من الدم شيء).) أنظر، القشيري النيسابوري، أبو الحسين مسلم بن الحجاج: صحيح مسلم بشرح النووي، ج 7، ص 164 - 165، بيروت، دار إحياء التراث العربي، د، ت. (3) ـ أنظر، الوارجلاني، أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم: الدليل والبرهان، ج 1، ص 15، تحقيق الشيخ سالم بن حمد الحارثي، سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة 1403 هـ / 1983 م. (1/23)
صفحة 24
- الإباضية:
عرفت الفرقة المعتدلة التي رفضت آراء ابن الأزرق، وآثرت القعود على
قتال المسلمين، والتي كان يتزعمها عبد الله بن إباض - والتي أقامت بالبصرة ـ
بالإباضية نسبة إلى عبد الله بن إباض
و" أن نسبة الإباضية إلى إباض
- بضم الهمزة - وهي قرية بالعرض من اليمامة نزل بها نجدة بن عامر ()، ويطلق عليها أباضية - بالفتح في شمال إفريقية. وإباضية ــ بالكسر ـ في عُمان وزنجبار " (1)
-
و لم يفلح زعماء الخوارج في " استدراج عبد الله بن إباض للخروج معهم، فامتنع وأخبرهم أنه لا يخرج على قوم يرتفع الأذان من صوامعهم والقرآن من مساجدهم " (Y)
وبهذا الانفصال عن متطرفي الخوارج بدأت الفترة الأولى
التي يمكن تسميتها بمرحلة الكتمان
(3)
من الإباضية ويعتقد“ LEWICKI أن ذلك كان عام
65 هـ / 684 م.
() - نجدة بن عامر (ت 72 هـ / 691 م صاحب النجدات من الخوارج بايعه بعض الذين خالفوا ابن الأزرق، وستموه أمير المؤمنين. كاتب عبد الملك بن مروان، وأعطاه الرضى نقم عليه أصحابه، قتله أبو فديك
أحد أتباعه.
(أنظر، 1 ـ الشهرستاني: ص 111 - 112
2 - ابن الأثير، أبو الحسن علي بن أبي الكرم: الكامل في التاريخ، ج 3، ص 192، تحقيق أبي
الفداء عبد الله القاضي، بيروت، دار الكتب العلمية، 1407 هـ / 1987 م).
(1) - المقريزي، تقي الدين أحمد بن علي: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، (الخطط المقريزية)
(2)
ج 2، ص 335، القاهرة، مطبعة النيل، 1324 هـ / 1906 م.
معمر، علي يحيى: الإباضية،، ص 35، الجزائر، غرداية، المطبعة العربية 1985
(3) ـ أنظر، LEWICKI, Tadeuz : Encyclopedie de l'Islam, tome 3, article ALBADIYYA
p 669, Nouvelle Edition, Paris, G.p. maison neuve et larose 1971.
6 (1/24)
صفحة 25
الإباضية ترفض اسم الخوارج:
ترفض الإباضية أن يطلق اسم الخوارج على الذين خرجوا على علي بن أبي
طالب - ه - ووجهة نظرهم في ذلك:
ن)
1 - إن الذين رفضوا التحكيم لم يشككوا في شرعية الخليفة علي بن أبي طالب ـ الله ـ، لكنهم " خرجوا عليه لرفضه استمرار القتال في صفين واستجابته لضغوط الأكثرية من جنده، الذين رغبوا في وقف القتال، لما رفع أهل الشام المصاحف على أسنة الرماح، فالخوارج من ثم يمثلون من الناحية الدينية الفئة القليلة المؤمنة التي لا تقبل في الحق مساومة وادهانا (1) ".
2 - إن معظم المؤرخين للفرق الإسلامية كانوا إما تبعاً للشيعة أو صنائع للأمويين " يعملون جاهدين على إرضاء متبوعيهم، فقد وجدوا أن الأمر سهلاً لم يكلفهم عناء، فأطلقوا كلمة الخوارج على العدو المشترك للأمويين والشيعة، أطلقوها على تلك الطائفة من المسلمين التي اعتزلت عليا ـ له عند التحكيم - وبايعت عبد الله بن وهب () إماماً، وثارت على الظلم وفساد الحكم في الدولة الأموية ... وربطوا المعنى السياسي لكلمة خوارج بالمعنى الديني، وقد عملت السلطة والدعاية في كلتا الطائفتين الشيعة والأموية على تثبيت هذا الاطلاق ونشر هذه الأقاويل (2) ".
(1) ـ إسماعيل، محمود: الحركات السرية في الإسلام رؤية عصرية، ص 14، بيروت، دار القلم، د. ت. - عبد الله بن وهب الأزدي العماني (ت) 38 هـ / /659 م) بويع: بالخلافة، وكان أتباعه يعتقدون أنه هو الإمام الحق، وأن كلا من علي بن أبي طالب الله، بعد التحكيم والعزل، ومعاوية له ثائران يجب
(2)
عليهما الرجوع إلى حظيرة الإمامة. قتل في معركة النهروان ..
(أنظر، 1 - الحارثي: العقود الفضية.، ص 48.
2 - الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب، ج 2، ص 1 - 2.
- معمر، علي يحيى: نشأة المذهب الإباضي، ص 24 - 25، القاهرة، مكتبة وهبة، ط 2،
1414 هـ / 1993 م.
V (1/25)
صفحة 26
(1)
(2)
3 ـ غلب اسم السنية على فئة من المسلمين، لأن معاوية له لما أمر " بلعن علي بن أبي طالب - ه - زعم أنّه سنّة، فاستحق هذا الاسم كل من يرى إمامة معاوية ـ ه ـ حتى قتل ـ أي علي الله - واستقر الأمر لمعاوية ـ ه ـ وانقاد إليه الجميع، فزادوا اسم الجماعة على السنة فتسموا بها ... ومن هذا يتضح أنّ كلمة " أهل السنة والجماعة " لا تطلق على مذهب ديني، وإنما كانت تطلق على مذهب سياسي، يدعو إليه بنو أمية ليستخلصوا الخلافة من بني هاشم، وإنّ هذا المذهب الذي أطلق على نفسه أحب الأسماء إلى المسلمين، وقد تطرق إلى حد لم يصل إليه أحد فيما أعلم تما وصلت إليه يدي من أحداث التاريخ: تاريخ السياسة أو تاريخ العقيدة، فيجعل أتباع مذهب مهما كان متطرفاً سب خصومهم ولعنهم سنة متبعة في كلّ اجتماع (1)
" (1)
4 ـ إن الذين خرجوا على علي بن أبي طالب الله الله كانوا " حزبا ثوريا يعتصم بالتقوى، ولم ينشأوا عن عصبيّة العروبة، بل عن الإسلام، وكانوا ينظرون إلى حذاق التقوى، والتقوى في الإسلام ذات اتجاه سياسي عام، والأمر كذلك إلى أعلى درجة عند الخوارج)
" (Y)
ه ـ الدعاة إلى الله تعالى كانوا يدعون ولاة أمر المسلمين إلى العمل بأوامر الشرع حتى يستقيم الحكم، ومن هؤلاء الدعاة عبد الله بن إباض كما يبدو في مراسلات ونصائح
عبد الله
بن إباض لعبد الملك، الذي يطلب منه " أن يعمل بأوامر الشرع فيعدل في
الحكم بين الناس ليستوجب الطاعة التي يدعوهم إليها (3) ". والذين خرجوا على
علي له، كانوا يدعون إلى الله وإلى الالتزام بأوامره ونواهيه.
- فلهاوزن، يوليوس: أحزاب المعارضة السياسية في صدر الإسلام الخوارج والشيعة، ص 136، ترجمة عبد الرحمن بدوي، الكويت وكالة المطبوعات، ط 2، 1976.
معمر، علي يحيى: نشأة المذهب الإباضي، ص 136. (1) - الباروني، أبو الربيع سليمان: مختصر تاريخ الإباضية، ص 22، سلطنة عمان، مكتبة الضامري، ط 4، د. ت. (1/26)
صفحة 27
(1)
6 - إنّ المذهب الإباضي كغيره من المذاهب الإسلامية المتمسكة بكتاب الله تعالى
هو
وسنة رسوله، و لكنه يتميز عن بقية المذاهب الإسلامية بأنه " لم تنتشر فيه الخرافة التي بينها مشايخ الطرق يتصيدون بها الدنيا عن طريق الدين، ولم يتجمد بتحكم فقهاء على العقول والمدارك فيمنعون الاجتهاد ويقصرونه على عصر أوناس، لا يحق لغيرهم أن يصلوا إليه، وتعطّل العلوم والإفهام، فلا تعطي حق الحرية في البحث والتنقيب، وإعطاء الأحكام بدعوى أن الاجتهاد أغلقت أبوابه واحتفظ الفقهاء والحاقدون بالمفاتيح في مخبأ سري لا يهتدي إليه الطالبون (1) ".
- إنّ مفهوم كلمة الخوارج في الماضي كانت " تستخدم إشارة إلى هؤلاء المسلمين الذين خرجوا للقتال في سبيل الله، ولكن معناها تحوّل تدريجياً إلى هذا المعنى المشوه ليصبح هذه الوصمة والتي يرفضها الإباضية (2) ". ". وكانوا قد سموا خوارج " وهو جمع خارجة وهي الطائفة التي تخرج في سبيل الله أخذاً من قوله تعالى و وَلَوْ أَرَادُوا الخروج الأعدُ والهُ عُدَّةٌ).
فهذا أصل تسميتهم بالخوراج وهي تسمية محمودة وسبب مشكور ... ولما فارقنا الأزارقة والصفرية () أخذوا عنا اسم الخوارج فتركناه
معمر، علي يحيى: نشأة المذهب الإباضي، ص 5 - 6.
(2) ـ الموهوبي، عامر علي عمير: عُمان قبل وبعد الإسلام، ص 21، سلطنة عمان، وزارة الإعلام والثقافة 1976.
(T)
- سورة التوبة.، الآية 46 () - الصفرية: فرقة خارجية تنتسب إلى زياد بن الأصفر، خالفوا الخوارج مثل الإباضية فلم يكفروا القعدة عن القتال إذا كانوا يتفقون معهم في الإعتقاد أقاموا في دويلات بربرية صفرية في المناطق البعيدة عن ضربات الولاة في القيروان، مثال ذلك المملكة الصفرية التي لم تعش إلا قليلاً جداً، والتي أنشأها أحد البربر، وهو أبو قرة في منطقة تلمسان، وملوية، أو دولة بني مدرار في تافيلالت التي عاشت أطول منها.
(أنظر، 1 ـ بل، الفرد: الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي من الفتح العربي حتى اليوم، ص 148 - 149، ترجمة عبد الرحمن بدوي، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط 3، 1987. 2 - معروف، نايف: الخوارج في العصر الأموي، ص 236، بيروت، دار الطليعة، ط 3، 1406 هـ / 1986 م). (1/27)
صفحة 28
لهم وعرفوا به، فانقلب المدح ذمّا واختصصنا باسم أهل الاستقامة وهو
الشهير
" (1)
- إن تحميل كلمة الخوارج الخروج السياسي على خليفة تمت له البيعة الشرعية،
رضي
، كما أنه
من
يرفض اطلاق اسم الخوارج على " طلحة - ه - أو علي ـ ه ـ أو أتباعه، أو على الثائرين على عثمان - الله - أظهر وأوضح. أما إذا لوحظ المعنى السياسي مع المعنى الديني، فإنه لا يمكن إطلاق هذه الكلمة عليهم العسير إطلاقها على المعتزلين لعلي ـ ه ـ والسبب في هذا العسر أن هؤلاء الثائرين ... إنما ثاروا غير منكرين لأصل من أصول الإسلام، ولا مكذبين معلوم من الدين بالضرورة، ومع كلّ طائفة منهم فريق من كبار الصحابة، وفيهم بعض المشهود لهم بالجنّة (2) ".
- إن اسم الخوارج لم يطلق على الذين ثاروا على أئمّة شرعيين، كالثوار على عثمان أو معاوية، واسم الخوارج في نظر الإباضية " لا علاقة له بالثورة أو بالخروج عن أي إمام ولا يطلق بحال على جميع الذين اعتزلوا عليا ـ ه - وإنما يطلق على الفرق التي تأوّلت آيات من كتاب الله فأخطأت التأويل، وأفضى بها سؤ الفهم والتصرف إلى إنكار أو ردّ بعض أحكام الإسلام القطعية، ولو من الناحية العمليّة، فخرجوا بذلك عن الإسلام ... فهم خوارج بالعقيدة والعمل لا بالثورة (3) ".
10 - إنّ الأمويين والشيعة كانوا يحاولون بكل ما استطاعوا أن يلصقوا هذا اللقب لقب الخوارج، بعد أن فسر بالخروج عن الدين " بهؤلاء الثائرين الذين ينادون
(1) ـ ابن عمر، بيوض إبراهيم: من إجابات العلامة الشيخ يوض في إعجاز القرآن، ص 6، الجزائر، غرداية، 1973. (2) ـ أعوشت، بكير بن سعيد: درسات إسلامية في الأصول الإباضية، ص 35، قسنطينة الجزائر، مطبعة البعث 1402 هـ / 1982 م.
(1)
معمر، علي يحيى: نشأة المذهب الإباضي، ص 35.
10 (1/28)
صفحة 29
في إصرار وشدّة بالمبادئ العادلة في الخلافة، وكل هذه الاتجاهات تجتمع على محاربة الاتجاه الذي اتجه إليه أتباع عبد الله بن وهب ذلك الاتجاه العادل الذي يرى أنّ المسلمين متساوون في
الراسبي
الحقوق والواجبات
- نقد آراء الإباضية:
(1)
إن لقب الخوارج، والذي أطلق على الذين خرجوا على عليه كان أمراً طبعياً، فهم خرجوا عن طاعة الخليفة الشرعي، وكان يقابل هذا اللقب، لقب شيعة علي الله، ولقب بني أمية. وأوّل من أطلق اسم الخوارج على الذين خرجوا على علي الله هو عبد الله بن وهب الراسبي حين اجتمع المعارضون لنتائج التحكيم في بيته فقال " أيها الناس ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن، وينسبون إلى حكم القرآن أن تكون هذه الدنيا آثر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقول بالحق، وإن ضرَّ ومر فإنه إن يضر ويمر في هذه الدنيا، فإنّ ثوابه يوم القيامة رضوان الله وخلود الجنّة، فاخرجوا بنا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض هذه المدائن (2) ". فخرجوا من معسكر الخليفة، وخرجوا عن طاعته. فأطلق عليهم اسم الخوارج لأنهم طلبوا الخروج على كلّ من رفض التحكيم ونتائجه.
ونرى أن الإباضية يصرون على عدم إلصاق اسم الخوارج على الذين خرجوا
على الخليفة علي بن أبي طالب منه للأسباب التالية:
(1)
(2)
-1
الخوارج إلى تحقيق أهدافهم بالسيف، وارتبط اسمهم في التاريخ سعي الإسلامي بالمذابح التي ارتكبوها دون مبرر. ويروي المبرد أنهم عندما دخلوا مدينة الكوفة " أخذوا امرأة فقتلوا أباها بين يديها، وكانت
أعوشت، بكير بن سعيد: دراسات إسلامية في الأصول الإباضية، ص 34. ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن مسلم: الإمامة والسياسة، ج 1، ص 196 – 197، بيروت،
مؤسسة ناصر للثقافة 1980.
11 (1/29)
صفحة 30
جميلة ثم أرادوا قتلها، فقالت أتقتلون {مَن يَنشَؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ
(1) فقال قائل منهم، دعوها. فقالوا قد فتنتك، ثمّ قدّموها
فقتلوها (2) ".
2 ـ ينفي الإباضية أن يكونوا من الخوارج، ولا يريدون أن يتصل تاريخ نشأتهم بالخوارج وذلك لإزاحة " شبح الخوارج عنهم، لعلمهم في أعماقهم أن ابن إباض كان أحد الخوارج، ولعلمهم أيضاً أنّ الناس من غيرهم يعلمون ذلك ولا يمكن محوه، كحقيقة واقعة من ذاكرة التاريخ ... إن التاريخ وإن ذكر خارجية ابن إباض إلا أنه هو التاريخ نفسه الذي ذكر بأنه خالفهم بالرأي أخيراً، فانفصل عنهم، وبين فساد رأيهم إذا فلم يعد خارجياً (3) ".
ويقر ابن إباض في رسالته إلى عبد الملك بن مروان بأنه من الخوارج إذ يقول الخوارج، شهد الله والملائكة أنا لمن عاداهم أعداؤنا، ولمن والاهم أولياؤنا
" هذا خبر
بألسنتنا وأيدينا وقلوبنا، نعيش على ذلك ما عشنا ونموت عليه إذا متنا ونبعث عليه
عند
ربنا
11 (2)
لكنه لما ظهر من الخوارج القول بإباحة الدم والمال بالذنب، أعلن الإباضية البراءة من الخوارج. ويؤكد ذلك ابن إباض في رسالته بأنه " براء إلى الله من ابن الأزرق وصنيعه وأتباعه. لقد كان حين خرج على الإسلام فيما ظهر لنا ولكنه
أحدث وارتد وكفر بعد إسلامه فنبرأ إلى الله
منهم
" (0)
(1)
- سورة الزخرف، الآية 18.
(2) - المبرد: الكامل في اللغة والأدب، ج 2، ص 262.
(
(1)
صالح،:، عمر بن الحاج محمد: دراسة في الفكر الإباضي، ص 38.
- البرادي: الجواهر المنتقاة، ص 165
(5) - البرادي: المصدر السابق، ص 165.
12 (1/30)
صفحة 31
- نسبة الإباضية إلى ابن إباض:
يرفض الإباضية أن ينسبوا إلى عبد الله بن إباض ()، وتشير المصادر الإباضية،
القديمة والحديثة، إلى أنّ ابن إباض لم يكن إمامهم الحقيقي ومؤسس دعوتهم وإن كان من علمائهم ومشايخهم البازرين في العقود الأولى من تاريخ حركتهم.
يعتبر الإباضية أن جابر بن زيد الأزدي (*) إمامهم ومؤسس مذهبهم، وأن ابن إباض لم يكن إلا واحداً من أتباعه، ومن هنا فإنّ " الإباضية لم يسموا أنفسهم بهذا الإسم في البداية و لم يرد في مصادرهم قبل الربع الأخير من القرن الثالث الهجري. وكانوا يلقبون أنفسهم أهل الدعوة أو جماعة المسلمين أو أهل الاستقامة والحق (1) ".
عبد
يرى محمد علي دبوز أنّ الأمويين هم الذين أطلقوا عليهم هذا الاسم نسبة إلى الله بن إباض، لأنّ ابن إباض كان من علماء الإباضية وشجعانهم والمناظر باسمهم ولا يريد الأمويون نسبة هذه الفرقة إلى جابر حتى " لا يجذبوا إليهم الأنظار، ولا يبدون في هالة جابر المشرقة، فتميل إليهم النفوس، فنسبوهم إلى عبد الله بن إباض، وهو أقل منزلة
من جابر في العلم، وإن كان لا يقل عنه في التقوى والورع والصلاح (2) ".
() ـ لا تذكر المصادر المتوافرة على اختلافها وتنوعها شيئاً عن حياة ابن إباض الأولى، ويشير اطفيش إلى أن عبد الله بن إباض كان صحابياً لفترة قصيرة من الوقت، ومات قبل عام 100 هـ / 718 م.
()
(أنظر
، 1 - اطفيش، محمد بن يوسف: رسالة شافية في بعض التواريخ، ص 49، الجزائر، طبعة حجرية 1299 هـ / 1881 م).
جابر بن زيد: (22/ 18 هـ ـ 13 هـ) (642/ 639 م - (711 م من ولد عمر بن اليحمد الأزدي ولد في مدينة الفرق بالقرب من مدينة نزوى في بلاد عُمان، وانتقل مع أسرته إلى درب الجوف بالبصرة، وكانت البصرة وقتذاك من أهم مراكز العلم والمعرفة في الدولة الإسلامية (أنظر، الحارثي: ص 93 - 106. الدرجيني، ج 2، ص 205 - 214. النجار، عامر: الإباضية ومدى صلتها بالخوارج، ص 122، القاهرة، دار المعارف (1993).
(1) ـ خليفات، محمد عوض: النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في شمال إفريقية في مرحلة الكتمان.
(2)
ص 15، عمان 1982
دبوز، محمد علي: تاريخ المغرب الكبير، ج 2، ص 398 - 399، الجزائر، المطبعة العربية 1971
(
13 (1/31)
صفحة 32
(1)
- نقد حجج الإباضية:
يمكن الردّ على حجج الإباضية التي تنفي نسبتها إلى عبد الله بن إباض بأدلة
أقوى منها. وهذه الأدلة هي:
1 - إذا كان يعتقد أنّ الأمويين حسدوا الإباضية ولم يسمّوهم باسم إمامهم الحقيقي جابر بن زيد وعدلوا إلى تسميتهم باسم أحد تلاميذه ابن إباض: فإنّ الأمويين لم يكن لهم مصلحة في إبعاد أو ربط اسم جابر بالحركة الإباضية " وكان الأولى أن يحسد الأمويون الشيعة فينسبوهم إلى رجل دون عليه بدرجات، لأن عليا - ه - فوق جابر في كل الأشياء، وآلق هالة منه، وجابر بن زيد دون علي ـ ه في كل محال من المجالات، فأموياً، إن الإمام عليا - ه - وشيعته، أخطر وأبغض من جابر وأتباع جابر)
-
" (1)
2 - تذكر المصادر الإباضية أنّ عبد الله بن إباض " كان رأس القعدة، ورئيس من بالبصرة وغيرها من الأمصار، والمتقدّم في حلبة الفضل بين أولئك الأخيار، قعد عن اللحاق، فاشتراه من غير إنكار، وقنع بالخمول من غير قصور ولا إقصار وحكى ما اعتقده ابن الأزرق في المحمدية، وعدل من طريقي البيهسية) والنجدة، وسلك محجة العدل، وكان قدوة لأهل الفضل، وإليه النسبة اليوم في العقائد معدولاً بها عن اسم الولد إلى اسم الوالد طلباً للتخفيف، واختصاص الأشهر، وذلك في اللغة معروف لا ينكر، لابن إباض فضائل مشهورة في الآفاق وآثارة مخلّدة في بطون الكتب (2) ". وهذا تأكيد على أن ابن
إباض هو رأس المذهب وإليه ينسب
- صالح،:، عمر بن الحاج محمد: دراسة في الفكر الإباضي، ص 39.
) - البيهسية: أصحاب أبي بيهس الهيصم بن جابر، وهو أحد بني سعد بن ضبيعة، وقد كان جاج طلبه أيام الوليد فهرب إلى المدينة، فطلبه بها عثمان بن حبّان المزني فظفر به وحبسه وكان يسامره إلى أن
ورد كتاب الوليد بأن يقطع يديه ورجليه ثم يقتله ففعل به ذلك.
(أنظر، الشهرستاني: الملل والنحل، ج 1، ص 113 - 115). (2) ـ الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب، ج 2، ص 214.
14 (1/32)
صفحة 33
- يشكك الكتاب الإباضيون المعاصرون بنزاهة الكتب التي تحدثت عن الفرق
الإسلامية، وأكدت إمامة عبد الله بن إباض للإباضية ونسبتهم إليه، فحين
يذكر البغدادي إجماع "الإباضية على القول بإمامة عبد ا
الله
بن إباض (1) ".
يشكك علي يحيى معمر بنزاهة البغدادي، ويرى " أن القارئ بمجرد البدء في قراءة مقدمة كتاب الفرق بين الفرق، يحس كأنه داخل في معمعة حامية الوطيس، وكأنه يرافق محارباً شديد المراس. قد تجج نفسه بجميع أنواع الأسل لأسلحة استعداداً لدخول معركة ينبغي له أن يقضي فيها على عدو من الخصوم
" I (Y)
ومردّ هذا التشكيك هو أنّ البغدادي كغيره من مؤرخي الفرق أكد أنّ الإباضية قد أجمعت على إمامة عبد الله بن إباض، وهذا يناقض ما يردّده مؤرخو الإباضية المعاصرون.
4 ـ ينفي الإمام جابر بن زيد أن تكون له علاقة بالإباضية حين قيل له إنّ الإباضية يزعمون أنك منهم. قال أبرأ إلى الله منهم (3).
(3)
ويؤكد ذلك الحوار الذي دار بين الإمام جابر بن زيد وبين الإمام الحسن البصري، فيروي ثابت البناني: "دخلت على جابر بن زيد، وقد ثقل، قال: فقلت له: ما تشتهي؟ قال: نظرة من الحسن. قال: فأتيت الحسن وهو في منزل أبي خليفة، فذكرت ذلك له. فقال: أخرج بنا إليه. قال: قلت: إني أخاف عليك قال: إنّ الله سيصرف عني أبصارهم. قال: فانطلقت حتى دخلنا عليه. قال: فقال له الحسن: يا أبا الشعثاء، قل لا إله إلا الله
(1)
(2)
- البغدادي: الفرق بين الفرق، ص 103.
- معمر، علي يحيى: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ج 1، ص 132 (3) ـ أنظر، 1 - ابن سعد، أبو عبد الله محمد: الطبقات الكبرى، ج 7، ص 181، بيروت، دار صادر
1377 هـ / 1958 م.
2 ـ ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي: تهذيب التهذيب، ج 2، ص 38، حيدر أباد
1325 هـ.
15 (1/33)
صفحة 34
قال: فقال يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ أَيَتِ
قال فتلا هذه الآية. قال: فقال له الحسن إنّ
الإباضية تتولاك؟ قال: فقال أبرأ إلى الله منهم. قال ثم خرجنا من عنده
(2)
ويرد محمد عوض خليفات على هذه الرواية التي تؤكد عدم انتساب جابر إلى الإباضية بأن " الحسن البصري الذي كان صديقاً لجابر بن زيد وأنه كان يعرف آراء جابر ومعتقده قبل زيارته وهو على فراش الموت، وليس ذلك الوقت المناسب لأن يطرح البصري على جابر مثل هذا السؤال (3) ".
ويبدو تعليل خليفات ضعيفاً، لأنّ الرواية لا تذكر لنا الوقت الذي قضاه
الحسن البصري عند جابر، وليس من المعقول أن يتحمّل البصري المشقة والخطر في الوصول إلى جابر ليجلس عنده سويعات، بل نميل إلى أنّه جلس عنده الوقت الكافي وتحادثا في القضايا المعاصرة.
- عدم انتساب الإباضية إلى جابر بن زيد:
إذا كان البصري صديقاً لجابر، وطرح عليه السؤال وهو على فراش الموت، فقد طرح عليه السؤال ليكون له حجّة بعد وفاة جابر، فجابر كان يردّ على الاتهامات حياً، أما بعد الوفاة، فكان من الأدب العلمي أن يسمع البصري ردّ جابر مشافهة منه، حتى يأخذ به، ولو كان جابر د إباضياً لحدّث بذلك الحسن البصري، وهو على فراش الموت يودع الدنيا
(1)
(2)
بن زيد
يعني.
عدة أمور:
وقول الإمام الحسن البصري الجابر بن زيد: الإباضية تتولاك أ - إن هذه الفئة من القعدة كانت تعرف بالإباضية، نسبة إلى عبد الله بن إباض،
كما عرف غيرهم باسم الأزارقة والنجدية من الفرق الإسلامية.
ب - إنّ الإباضية، ومعظمهم من قبيلتي تميم والأزد، والأزد نزلوا البصرة، وتربطهم بجابر روابط أسرية وقبلية، حتى ظُنّ أنه واحد منهم، وبخاصة أنه كان مفتي
- سورة الأنعام، الآية 158.
- ابن سعد: الطبقات الكبرى، ج 7، ص 181.) ـ خليفات، محمد عوض: نشأة الحركة الإباضية، ص 93.
16 (1/34)
صفحة 35
(1)
البصرة زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز، حيث يقول إياس بن معاوية قاض البصرة " أدركت أهل البصرة ومفتيهم جابر بن زيد من أهل عُمان (1) ". ج - أراد الحجاج أن يولي جابر القضاء، ولم يول الحجاج إلا من يثق بولائه. وأما الاحتجاج بأنّ جابراً عمد إلى التقية عندما رد على الحجاج أنا أضعف من
ذلك. قال الحجاج وما بلغ ضعفك؟ قال: يقع بين المرأة وخادمها شر فما أحسن أن أصلح بينهما. قال إن هذا لهو الضعف
ويحتمل ردّ جابر أحد أمرين:
- الأول: إنه كبقية العلماء يتحرّج في تولي القضاء
الثاني: إنه زاهد في الدنيا منصرف عنها.
ونرجح الاحتمال الثاني للمعطيات التالية:
(2)
1 - إن علاقة جابر بالحجاج - كما تذكر المصادر الإباضية ـ كانت علاقة حميمة، وهذه العلاقة جعلت الحجاج يخصص له راتباً شهرياً يتراوح ما بين 600
ابن
و 700 درهم (3). وهذه العلاقة الحميمة جعلته يردّ هذا الردّ الصريح.
- إن شخصية جابر بن زيد هي شخصيّة زاهدة منصرفة عن الدنيا، زاهدة فيها وبكل أمورها، ويتضح ذلك من أقواله التي كان يردّدها أمام أصحابه "سألت ربي امرأة مؤمنة وراحلة صالحة ورزقا كفافا فأعطانيهن (4) ".
كثير، الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر القرشي: البداية والنهاية، ج 9، ص 94، بيروت، مكتبة المعارف 1402 هـ / 1982 م.
(2) ـ أنظر 1 - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 91. أحمد 2 - الشماخي، بن سعيد بن عبد الواحد: كتاب السير، ج 1، ص 70، تحقيق أحمد بن سعود السيابي سلطنة عُمان، وزارة التراث القومي والثقافة ط 2، 1412 هـ / 1992 م.
(3) ـ أنظر، 1 - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 90.
(4)
2 - الحارثي: العقود الفضية، ص 10.
الشماخي: السير، ج 1، ص 72
17 (1/35)
صفحة 36
أو قوله "ليس منكم رجل أغنى مني، ليس عندي درهم، وليس علي دين (1) ". وإذا كانت المصادر الإباضية تجمع على أنّ جابر بن زيد هو المؤسس للمذهب الإباضي بدليل أنّ الحجاج بن يوسف سجنه ثم نفاه إلى عُمان لعلاقته فهذا القول مردود، لأنّ الحجّاج لم يتورع في قتل سعيد بن () لأنه نقض بيعة بني أمية، فكيف إذا عرف أنّ جابر بن زيد إمام المذهب الإباضي، أو أنه إباضي يناصب الدولة الأموية العداء
بالإباضية (2)
جبير
ومن المؤكد أن جابرا كان له موقف من قتل الحجاج للإباضية الأزد
الذين هم من قبيلته - مما اضطر الحجاج إلى سجنه ونفيه إلى موطنه عمان.
3 - يؤكد البغدادي "أن الإباضية لم يكن لهم إمام بعد المحكمة الأولى إلا عبد الله بن إباض وبعده حارث بن مزيد الإباضي
" (3)
وهذا يتنافى مع ما تورده المصادر الإباضيّة المعاصرة من أن جابر بن زيد كان زعيم الحركة الإباضية بعد وفاة عبد الله بن وهب الراسبي مباشرة (4) إذ لا يعقل أن ولد ما بين عامي (18 و 22 هـ) (60 م أو 64 م). أن يتولّى في السادسة عشرة أو في العشرين من عمره عند مقتل " عبد الله بن وهب في المبارزة (5) " في معركة النهروان عام 38 هـ / 658 م. شؤون الإمامة الإباضية.
يكون صبي
(1) ـ الشماخي، السير، ج 1، ص 72.
(2)
?
أنظر
، 1 - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 89.
2 - الحارثي: العقود الفضية، ص 99
سعيد بن جبير (ت 94 هـ / 712 م قتله الحجاج، وكان سبب قتله خروجه مع عبد الرحمن بن الأشعث. وكان الحجاج قد جعله على عطاء الجند حين وجه عبد الرحمن إلى رتبيل لقتاله، فلما خلع عبد
الرحمن الحجاج، كان سعيد فيما خلع.
(أنظر، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 4، ص 28).
(3) - البغدادي: الفرق بين الفرق، ص 84.
(4) ـ أنظر، دبوز، محمد علي: تاريخ المغرب الكبير، ج 2، ص 292
(5) - البغدادي: الفرق بين الفرق، ص 60
18 (1/36)
صفحة 37
وإذا كانت الروايات تختلف في ولادة جابر، فمن المستغرب أن الروايات في وفاته، وتجعلها إما عام 93 هـ / 711 م وإما عام 96 هـ / 714 م، وإما عام 103 هـ / 721 م. (1) وهو في نظر الإباضية الشخصية المهمة في نشؤ المذهب والتنظيم واكتساب الأتباع.
4 - تجمع المصادر الإباضية على أنّ جابراً ترك كتاباً من عشرة أجزاء هو كتاب الديوان، وضمن هذا الكتاب الأحاديث التي رواها، وأودع في صفحاته آراءه وفتاويه في كثير من الأمور وتتفق هذه المصادر على فقدان هذا الكتاب (2)، ومن المستغرب أن يفقد كتاب بمثل هذه الأهمية، ونميل إلى أنّ هذا الكتاب لا وجود له. وما وصلنا من آراء الإمام جابر بن زيد كتاب تحت عنوان "من جوابات الإمام جابر بن زيد وهذه الإجابات لا تخرج عن كونها إجابات على أسئلة فقهية يسألها الناس، وقد كتبت وحفظت الحاجة الناس إليها، ولو كان له كتابات في أمور العقيدة لحفظت هذه الاجابات، فأمور العقيدة أهم من الفتاوى.
" (3)
1 - إن رواية أبي نعيم عن هند بنت المهلب، والتي تؤكد فيها أنّ جابر بن زيد كان "أشد الناس انقطاعاً إلي وإلى أمي فما أعلم شيئاً يقربني إلى الله إلا أمرني به، ولا شيئاً يباعدني عن الله عزّ وجلّ إلا نهاني عنه، وما دعاني إلى الإباضية قط، ولا أمرني بها، وإن كان ليأمرني أن أضع الخمار، ووضعت يدها على الجبهة (4) ".
(1) - أنظر، 1 - البرادي: الجواهر المنتقاه، ص 155
2 - الشماخي: السير، ص 77.
3 - الحارثي: العقود الفضية، ص 93 - 94.
(2) ـ أنظر، أبو زكرياء، يحيى بن أبي بكر: كتاب سير الأئمة وأخبارهم، ص 16 و 30، تحقيق ووضع
(1)
الهوامش إسماعيل العربي، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط 2، 1982.
ابن زيد، جابر: من جوابات الإمام جابر بن زيد، ترتيب الشيخ سعيد بن خلف الخروصي، سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة، 1404 هـ / 1984 م.
(4) ـ أبو نعيم
، أحمد بن عبد الله حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج 3، ص 89، القاهرة، مكتبة الخانجي 1352 هـ.
19 (1/37)
صفحة 38
فلو كان جابر إماماً للإباضية لدعا هذه المرأة إلى دعوته. ونرجح عدم إباضية جابر بن زيد، ولا يمكن بالتالي أن يكون عبد الله تلميذاً لجابر إباض بن
ابن زيد، الذي كان في عهد معاوية الله يافعاً، في حين كان ابن إياض مع الخوارج الذين اختلفوا مع عبد الله بن الزبير لله حول رأيه في عثمان له، وانصرفوا عنه، فسار جماعة منهم إلى البصرة، وفيهم نافع بن الأزرق الحنفي، وعبد الله بن صفار السعدي، وعبد الله بن إباض
(1)
- خلاصة القول:
إستطاع عبد الله بن إباض بموقفه من ابن الأزرق أن يحوّل الخلاف حول الحكم
" (2)
" إلى آراء ومذاهب تكاد تكون علميّة بحتة واستطاع أن يحمي نفسه بقبيلة تميم التي ينتمي إليها، والتي كانت في صدر الإسلام من أهم قبائل البصرة وأكثرها عدداً (3) ". واستطاع أن يكون محاورا ندّا للخليفة عبد الملك بن مروان، وتظهر الرسائل المتبادلة بينه وبين الخليفة الأموي عمق تفكيره وثقافته وقوة شخصيته.
إن الإباضية تنتسب إلى عبد الله بن إباض بيد أنّ خليفته الحارث بن مزيد الإباضي لم يكن في مستوى شخصية ابن إباض ومنعته، فاضطر إلى الانزواء والكتمان، حتى جاء من بعده أبو عبيدة ()، الذي أعاد تنظيم أتباع المذهب من جديد. وكلمة أخيرة " وهي أنه بشيء كثير
(2)
(1) ـ أنظر، عبد الرؤوف، عصام الدين: تاريخ المغرب والأندلس، ص 145، القاهرة، مكتبة نهضة الشرق، 1984. - حسن، حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، ج 1، ص 392، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، ط 7، 1964.
(3)
- خليفات: نشأة الحركة الإباضية، ص 84.
) ـ أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، توفّي في النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة، ويعود إليه الفضل في انتشار الدعوة الإباضية في الأقطار الإسلامية مثل عمان والمغرب واليمن والحجاز، وذلك عن طريق الدعاة الذين كان يطلق عليهم حملة العلم والذين حملوا العلم الإباضي من البصرة إلى شتى الأقطار، وهو الذي قام بتطوير تنظيمات المجالس السريّة في البصرة، وهو من أشهر أئمة الإباضية في مرحلة الكتمان.
(أنظر.، الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 91 - 92).
20 (1/38)
صفحة 39
من التجوز والتسامح نقبل قول الإباضية بأنّ إمامها هو جابر بن زيد، إذ الحقيقة أن التابعين أمثال جابر وسعيد ابن المسيب والحسن البصري - كانوا للأمة كلها، فنحن لا نرى أن يقال عن أحدهم: إنه كان لهذا المذهب دون ذاك. اللهم إلا إذا كان المسوّغ هو أن غالبية الإباضية هم عُمانيون، والإمام جابر عُماني، لذا وجدوا أنهم أولى به من غيرهم إقليمياً (1) ".
- الإباضية في المشرق:
بلور عبد الله بن إباض المذهب الإباضي، بعد رفضه الخروج مع ابن الأزرق، وهذا الرفض هو دلالة واضحة على عدم الاعتراف بقيادته، وقد اتضحت معالم هذا المذهب في رسالة عبد الله بن إباض إلى الخليفة عبد الملك بن مروان (65 هـ 86 هـ) (684 م - 705 م) شارحاً أهداف ومبادئ الحركة فيقول: وأما ما ذكرت من عثمان ـ ه - والذي عرضت به من شأن الأمة، فإنّ الله ليس ينكر عليه أحد شهادته في كتابه الذي أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن من ولمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولِيكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (2)) (الفَسْقُون (3) وَالكَفِرُونَ (4))) ثم إني لم أكن أذكر لك من شأن عثمان - ه - شيئاً إلا والله تعلم أنه حق، وسأنزع لك البينة من كتاب الله، وسأخبرك خبر عثمان ـ الله ـ الذي طعنا فيه
ويمضي ابن إباض في إتهام عثمان الله بأنه حاد عن كتاب الله تعالى، وبعد اتهامه هينه
لسيدنا عثمان له، ينصح عبد الملك بأن يلتزم بما جاء في كتاب الله تعالى فيقول:
واعلم أن علامة كفر هذه الأمة إذا تركوا بما أنزل الله فحكموا بغير ما أنزل الله وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ () ()،
(1)
(2)
(1)
(4)
صالح، عمر بن الحاج محمد: دراسة في الفكر الإباضي، ص 39
- سورة المائدة، الآية 45
- سورة المائدة، الآية 47 {وَمَن لم يحكم بما أنزل الله ف أو اليك هذا الفستون.
- سورة المائدة، الآية 44 {وَمَن لم يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَيكَ هُمُ الْكَفِرُونَ اله
(ه) - سورة المائدة، الآية 50.
6
21 (1/39)
صفحة 40
وقال فَأَي حديث بعد الله و اكنه يُؤْمِنُونَ (1)). فلا يغرنك يا عبد الملك بن موان عز نفسك، ولا تسند دينك إلى الرجال، فإنهم يستدرجون من حيث لا يعلمون، فإن أملك الأعمال خواتيمها، وكتاب الله جديد أبداً، لا ينطق إلا بالحق، أجارنا الله باتباعه أن نبغي أو نضل، فاعتصم بحبل الله يا عبد الملك، واعتصم بالله يهدك إلى صراط مستقيم، فإن الله وعل
"
يقول (وَمَن يَعْتَصِمِ بِاللهِ فَقَدْ هُدِى إِلَى صِرَاطِ مستقيم (2)) وكتاب الله هو حبل الله مُّسْتَقِيمٍ التين، الذي أمر المؤمنين أن يعتصموا به فقال (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تفرقوا) فأنشدك الله أن تتدبّر معاني القرآن فتكون معتداً به، مخاصماً به، قال الله
عز وجل و أفلا يد برونَ الْقُرْ أَن أَمْ عَلَى قُلُوبِ أَقْفَالُهَا () ().
أن وبعد
فند الرأي القائل إن انتصار معاوية الله، دليل على انسجامه مع شريعة الله سبحانه وتعالى، وإنّ كثيراً ما ينتصر غير ذوي الحق، وغير ذوي الإيمان، مثل الذي حاج إبراهيم في ربه، وفرعون والمشركين من قريش في غزوة أحد، ويرد على عبد الملك الذي نعته وأتباعه بالغلو بالدين فيقول:
وكتبت إلي تحذرني الغلو في الدين، أعوذ بالله من الغلو، وسأبين لك ما الغلو في الدين الذي جهلته، والغلو في الدين أن يقال على الله غير الحق، ويعمل بغير كتاب الله الذي بين وسنة نبيه التي سنّ. وقال الله هو يأهل الكتب لا تَعْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا
تَقُولُوا عَلَى الله إِلا الحَقِّ)).
ويدافع عن رأي الخوارج في ما ذهبوا إليه من آراء، وأنّ ما يعتقدونه هو سبيل
الحق والصواب، فيقول:
(1) - سورة الجاثية، الآية 6.
(2)
7
- سورة آل عمران، الآية 101
(3) ـ سورة آل عمران، ا، الآية 103.
(t)
- سورة محمد، الآية 24.
(2) ـ سورة النساء، الآية 171.
22 (1/40)
صفحة 41
وكتبت إلي تعرض بالخوارج، وتزعم أنهم يغلون في دين الله، يتبعون غير سبيل
المؤمنين، ويفارقون أهل الإسلام وأنا أبين لك سبيلهم هم أصحاب عثمان الله الذين أنكروا عليه ما أحدث من بدعة، وفارقوه حين ترك حكم الله. وهم أصحاب الزبير وطلحة ـ ت ـ حين نكثا، وأصحاب معاوية ـ ه ـ حين بغى، وأصحاب علي ـ ه ـ حين بدل كتاب الله، وحكم عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص ـ ا ـ فهم فارقوا هؤلاء كلهم. وأبوا أن يقروا بحكم البشر دون حكم الله. فهم لمن بعدهم أشدّ عداوة وأشدّ مفارقة. كانوا يتولون في دينهم سنة نبي الله له وأبي بكر وعمر، ويدعون إلى سبيلهم، ويرضون على ذلك، كانوا يخرجون وإليه يدعون، وعليه يفارقون، وقد علم من عرفهم وعرف حالهم أنهم كانوا أحسن عملاً وأشد قتالاً في سبيل الله.
وبين رأي الخوارج النهائي بقوله: هذا خبر الخوارج، شهد الله والملائكة أنا لمن عاداهم أعداؤنا، ولمن والاهم أولياؤنا بألسنتنا وأيدينا وقلوبنا نعيش على ذلك ما عشنا،
ونموت عليه إذا متنا ونبعث عليه عند ربنا (1)
- موقف الإباضية من المسلمين:
نتبين
من هذه الرسالة أنّ موقف الإباضية من المسلمين هو التالي:
- المسلم المؤمن هو الذي يطبق تعاليم الإسلام بلا إفراط كما غلا ابن الأزرق، ولا تفريط في حق الله كما فعل بنو أمية.
2 - التبرؤ من ابن الأزرق لغلوّه وافراطه وتشدّده في الأحكام، حين حكم على كل مسلم مخالف لرأيه بأنه مسلم مذنب بكفر الشرك.
(1) ـ أنظر، 1 - البرادي: الجواهر المنتقاه، ص 156 - 167. 2 - الحارثي: العقود الفضية، ص 123 - 138.
3 - النجار، عامر: الإباضية ومدى صلتها بالخوارج، ص 129 - 137.
4 - الشكعة، مصطفى: إسلام بلا، مذاهب ص 145 - 146، القاهرة، الدار المصرية اللبنانية
ط 10، 1994.
23 (1/41)
صفحة 42
- التبرؤ صراحة من الخوارج - الأزارقة - الذين أخطأوا في التأويل فحكموا على مرتكب الكبيرة بالشرك الأكبر، واستحلوا دماء المسلمين وأموالهم، أما الإباضية فحكموا على مرتكب الكبيرة بكفر النفاق والنعمة
- حدث تغيير في الحكم الإسلامي في آخر خلافة عثمان به، وقد اعترض بعض الصحابة على هذه السياسة.
ه ـ أخطأ علي بن أبي طالب له برفضه قرار التحكيم، وعدم اعترافه بالخليفة الذي اختاره المسلمون الإباضيون.
6 - التبرؤ من كل نظام إسلامي لا يلتزم بتعاليم الإسلام ومضمون ذلك:
أ - الالتزام بالشورى في الحكم امتثالاً لقوله تعالى {وَأَمْرُهُ
شور کي بينهم (1)
ب ـ يتولى الخلافة أي مسلم يتم التوافق عليه، ولا تشترط القرشية أو العروبة.
- مكانة ابن إباض: تحولت الحركة الإباضية مع ابن إباض من حركة تعتمد السيف، إلى حركة
تعتمد الحوار والنقاش والجدل، تطرح رأيها وتستمع إلى الرأي المضاد.
وأبرزت مراسلات عبد الله بن إباض مع عبد الملك بن مروان مكانته في المجتمع الإسلامي، وجعلته ندا للخليفة الأموي، فأطلق على أتباع الحركة التي تطلق على نفسها " أهل الاستقامة اسم الإباضية، وهذه التسمية " جاءتنا من مخالفينا فقبلناها غير
"1 (Y)
متبرمين منها
" I (r)
(1)
- سورة الشورى، ا، الآية 38.
(2)
ابن شامس، سالم بن حمود: إزالة الوعثاء في أتباع أبي الشعثاء، ص 26، شرح سيدة إسماعيل
كاشف، القاهرة، سجل العرب، 1979.
(3) ـ ابن شامس: المصدر السابق، ص 49
24 (1/42)
صفحة 43
وكان أسلوب الحوار الذي نهجه ابن إباض هو الوسيلة الناجعة للمحافظة
على " التواجد الإباضي في وسط مفعم بالخلاف كثير الفتن، لا يرحم فيه أصحاب السلطة كل من شذ عن الرأي العام الذي تسيطر عليه الأسرة
الأموية (1) ".
وأصبح ابن إباض الذي، لم يدعُ في مراسلاته عبد الملك بلقب الخلافة، في نظر أتباعه " المجاهد علناً المناضل علناً في سبيل تحقيق الحقائق وتصحيح قضايا العقول، فيما أحدثه أهل المقالات والبدع من الزور والافتراء في شريعة ربنا، وكان شديداً في الله تعالى، وله مناظرات مع أهل التنطس والتفلسف، كان الحجّة الدافعة التي يخنس أمامها
كل ثرثار)
" I (Y)
هذه النظرة الإباضية إلى ابن إباض، إضافة إلى حماية قبيلة تميم، إحدى أهم قبائل البصرة، لم يسمح للولاة " أن يتعرضوا له بأذى خوفاً من إغضاب قبيلته، كبرى القبائل بالبصرة آنذاك في القرن الأول الهجري (3) "، وجعلت من ابن إباض شخصية
سياسية بارزة.
لكن ضغط الحجاج على المناوئين للدولة الأموية، جعل ابن إباض ينزع إلى الكتمان، وبخاصة بعد ثورة عبد الرحمن بن الأشعث بعد أن انضم إليه جميع المناوئين للدولة الأموية عام 82 هـ / 701 م والتي استمرت حتى عام 85 هـ. /705 م. و لم تهدأ الثورة إلا بقتل عبد الرحمن بن الأشعث (4)
(1)
جهلان عدون: الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوس اطفيش،
(2)
ص 33، سلطنة عمان، مكتبة الضامري، ط 2، 1411 هـ / 1991 م.
معمر، علي يحيى: نشأة المذهب الإباضي، ص 150 - 151
(3) ـ الجعبيري، فرحات: دور المدرسة الإباضية في الفقه والحضارة الإسلامية، ص 532، ندوة الفقه
الإسلامي، جامعة السلطان قابوس، 1410 هـ / 1990 م.
(4) - أنظر، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 4، ص 202 - 226.
25 (1/43)
صفحة 44
والشدة التي مارسها الحجّاج على المناوئين للسياسة الأموية جعلته يقتل على الظنّة، مما حدا بالمناوئين إلى التفرق وذلك " لما انهزم أصحاب عبد الرحمن "بالجماجم "، نادى منادي الحجاج من لحق بقتيبة بن مسلم فهو آمن، وكان قد ولاه الرَّيَّ، وسار إليه، فلحق به ناس كثير، وكان
منهم الشعبي
" (1)
ولا شك أن من لم يستطع الخروج استتر، ومن هنا فلم نعد نسمع عن الحركة
الإباضية شيئاً حتى بعد وفاة الحجاج.
وعندما نعرف أنّ الحجّاج كان " يقتل بمن أطاعه من عصاه، وقيل: أحصي من قتله الحجاج صبراً فكانوا مائة ألف وعشرين ألفاً (2) ". يتبين لنا أنه لا مجال لجدال أو تحرك سياسي. ولهذا السبب لا ندري بالتحديد السنة التي توفّي فيها عبد الله بن إباض أو خليفته الحارث بن مزيد. وتقرّ المصادر الإباضية بأنها
لم تطلع " على تاريخ ولادته ولا وفاته (3) "، إلا أنّ مصادر أخرى ترجح وفاته
(2)
عام 86 هـ / 706 م (4)
- أبو عبيدة التميمي: إن عدم تحديد تاريخ وفاة الحارث بن مزيد، لا يسمح لنا بتحديد إمامة أبي عبيدة بن أبي كريمة الذي بدأ بتنظيم الحركة بعد موت الحجّاج عام 95 هـ / 714 م. والذي أحسن التحرك ضمن الهامش الذي كانت تسمح به الظروف والأوضاع السياسية، فدرّس في مجالس سريّة في سرداب، وجعل فيه سلسلة وطفق يعمل القفاف.
(1) - ابن الأثير: الكامل في التاريخ،، ص 221.
(2)
(
- ابن الأثير: المصدر السابق، ص 285 - 286.
الحارثي: العقود الفضية، ص 138.
(4) ـ أنظر، عزب، محمد زينهم. وعوض، أحمد عبد التواب: في تاريخ الإباضية وعقيدتها،
هامش ص 5، القاهرة، دار الفضيلة 1994.
26 (1/44)
صفحة 45
يباب السرداب، فمتى رأى شخصاً مقبلاً حرَّك السلسلة فسكتوا، فإذا انصرف حركها
فيأخذون في دراستهم.
(1)
- المجالس السرية:
يذكر خليفات أن المجالس السرية التي كانت موجودة زمن أبي عبيدة التميمي
ثلاثة أنواع (2):
- النوع الأول: المجالس العامة، وهي التي لم تكن مقصورة على جماعة معينة، بل إنّ دخولها مباح لأي شخص من أهل الدعوة، وكان الأعضاء يرتادون هذه المجالس التي تعقد سراً في بيت أحد المشايخ، وفي سراديب أرضيّة أعدّت لهذا الغرض، وفي بعض الأحيان كانوا يعقدون هذه المجالس في بيوت النساء العجائز أو في بيوت الكراتين تجنباً للشبهات وامعاناً في الحيطة والحذر
- النوع الثاني: مجالس المشايخ ويحضرها زعماء الإباضية فقط، وفي هذه المجالس تقرر السياسة التي يجب على أهل الدعوة اتباعها. وكان مجلس
المشايخ عبارة عن مجلس تخطيط وتنظيم الحركة ثورية سرية، ولا يجوز لأحد غير الإمام وكبار المشايخ حضور هذه المجالس.
النوع الثالث: وهو ما يمكن أن نسميه باسم مجالس أو مدارس حملة العلم، حيث كان الدعاة مختلف الأمصار يتلقون العلم وأصول الدعوة
من
الإباضية وتعاليمها مباشرة عن الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي الذي أقام مدرسة سريّة لهذه الغاية في سرداب أرضي لا يعرفه إلا الدعاة، والشيوخ البارزون.
(1) ـ أنظر، الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 20.
(2) - أنظر، خليفات: نشأة الحركة الإباضية، ص 106 - 108.
27 (1/45)
صفحة 46
استنتج خليفات هذا التقسيم للمجالس السرية، دون أن يكون لديه دليل واضح
من كتاب طبقات المشائخ للدرجيني الذي اعتمد عليه)
أن هذا التقسيم اعتمدته الحركة الإباضية في المغرب بعد تنظيم العزابة في ويبدو
القرن الخامس الهجري.
دور أبي عبيدة في تنظيم الحركة الإباضية:
" (1)
تذكر المصادر الإباضيّة أنّ أبا عبيدة كان من تلاميذ جابر بن زيد " أخذ
" (Y)
العلم من جابر بن زيد وزملاء جابر ". والنصوص التي بين أيدينا لا توحي بأن أبا عبيدة كان "من أبرز تلاميذه - جابر - وأكثرهم علما (3) ". وإنما كان يستمع إلى دروسه كبقية الإباضية الذين لم يقف منهم الموقف المعارض والروايات التي يذكرها الدرجيني توضح أن أبا عبيدة لم يكن على علم كاف بفقه جابر بن زيد،
و من
ذلك:
1 - حدث أبو سفيان قال كان أبو عبيدة يضعف أمر الشفعة ويقول لا تحبس على اليتيم حتى يكبر ولا على غائب. قال فابتلي بها رجل من أصحابه فجاءه يسأله فقال إذهب إلى أشياخ البصرة فاسأل هل فيها لجابر أثر، فجاء إلى منزل المحضر، فأخبر أن جابرا كان يراها ويوجبها فأمرهم أن يأخذوا بمقول جابر (4) ".
- صدر كتاب نشأة الحركة الإباضية عام،1982، بينما كتاب طبقات المشائخ طبع عام 1974 في الجزائر وفي بيروت، ونستغرب كيف لم يعتمده خليفات من ضمن مراجعه، واعتمد على مخطوط للكتاب في دار الكتب المصرية دون أن يذكر رقمه كبقية المخطوطات الإباضية التي اطلع
عليها في دار الكتب المصرية.
(أنظر، خليفات: نشأة الحركة الإباضية، ص 181).
(1) ـ أنظر، الشماخي: السير، ج 1، ص 78.
(2)
الحارثي: العقود الفضية، ص 139
جهلان، عدون: الفكر السياسي عند الإباضية، ص 38.
(4) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 2، ص 238.
28 (1/46)
صفحة 47
2 - لم يكن أبو عبيدة المرجع الأوّل في الفتيا لما يحكيه " المليح قال: دخلت أنا وعبد الملك الطويل على أبي عبيدة وقلنا: يا أبا عبيدة، ما تقول في رجل دخل على امرأة فأدخل يده من تحت ثيابها فنهضت المرأة فأنكرت ذلك إنكار الحرة أله أن يتزوجها: قال لا، قال فبينما نحن عنده إذ دخل أبو نوح صالح الدهان فقلنا مَنْ يسأله؟ قال الفضل بن جندب أنا أسأله، قال فسأله الفضل، فقال: نعم له أن يتزوجها ويعطيها ماله إن شاء، فقال له أبو عبيدة إنها الفروج يا أبا نوح قال: صدقت، ثم قال أبو نوح، يا معشر الفتيان، ألم أنهكم أو قال إنّي أنها كم أن تسألوني إن كان أبو عبيدة حاضراً (1) ".
فلو كان أبو عبيدة المرجع الأوّل في الفتيا لما تجرأ الحضور على إعادة طرح
السؤال من جديد، وأمام أبي عبيدة، بعد طرحه على أبي عبيدة!
كان أبو عبيدة يمتاز بعقلية تنظيمية، وتحلّت هذه العقلية في الأمور
التالية:
(1)
1 ـ الاعتماد على فقه جابر بن زيد واعتباره المرجع في الأمور الفقهية لأنه كان محايداً ويوثق به لوقوفه إلى جانب أبناء قبيلته من الأزد الإباضية، الذين تعرض
لهم الحجاج.
2 - إتخذ من موسم الحج وسيلة لنشر المذهب الإباضي، وجعل خيم أتباعه مدارس متنقلة لنشر المذهب الإباضي، ومجالس لدراسة أفضل الوسائل للدعوة إلى
مذهبهم.
- تطبيق مبدأ التكافل الاجتماعي بين أتباعه، يقول أحد الإباضية "سمعت بعض مشايخ من أدركت يقول: إنا لنذكر إذا دخل شعبان أن كان الفقراء من
الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 2، ص 239
29 (1/47)
صفحة 48
(1)
المسلمين لتأتيهم الأحمال بالسويق والتمر، وما يصلحهم لشهر رمضان ولا يعلمون من بعث بها، يأتي الرجل بالجمال حتى يقف على باب الدار، فيقول:، فيكتب في خرقة كلوا وأطعموا (1) ".
أدخل
4 - إعادة الحركة الإباضية إلى واجهة الحياة السياسية عندما أرسل إلى الخليفة عمر ابن عبد العزيز (99) هـ / 101 م) (719 م/721 م) وفداً إباضياً بقيادة جعفر بن السماك وسالم الهلالي لمناقشته في أمر الخلافة (2) فأعاد بذلك للإباضية الدور الذي كانوا يتمتعون به إبان إمامة عبد
1
الله بن إباض.
ه ـ الحرص على تهدئة أتباعه باقناعهم أنه لا يمكن " أن يخرج من ضواحي البصرة لإقامة إمامة مستقلة في ضاحية من ضواحي البصرة كما فعل نافع بن الأزرق وأتباعه (3) ". لأنّ ذلك يؤدّي إلى صراع مع الدولة الأموية المتفوقة عدداً وعدّة.
6 - العمل على نشر الدعوة الإباضية خارج البصرة عن طريق التجار بهدف إقامة إمامة مستقلة في منطقة بعيدة عن سلطة الخلافة المباشرة (4).
وغدت البصرة المركز الإشعاعي لنشر الدعوة الإباضية وإعداد الدعاة إلى
كافة الأمصار الإسلامية (5)
1 - استطاع أبو عبيدة أن يجمع حوله الأتباع لما عرف عنه كما تقول المصادر الإباضية من الزهد في الدنيا والتواضع مع نيل الدرجات العليا والاعتراف بضيق
الباع على ما عليه من الاتساع (1).
الشماخي: السير، ج 1، ص 105.
(1) - أنظر، 671 LEWICKI: Encyclopedie de l'Islam, p.
- LEwicki : المرجع السابق، ص 671.
(4) ـ أنظر، الشماخي: السير، ج 1، ص 79.
(0) - أنظر، أبو زكرياء: كتاب سير الأئمة، ص 55 - 56. (1) ـ أنظر، الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 2، ص 238
30 (1/48)
صفحة 49
وانتشر الفكر الإباضي في الأمصار الإسلامية بفضل نشاط الدعاة واخلاصهم لمبدئهم. ونجح دعاة الإباضية في جعل المغرب العربي مركزاً مشعاً
للدعوة الإباضية.
الإباضية في المغرب:
استغل الهاشميون والخوارج حالة السخط ضد الدولة الأموية، وسعوا إلى "تأليب الجماعة الإسلاميّة ضدّ الحكم الأموي، فبينما اتجه الهاشميون بدعوتهم نحو الشرق من فارس وخراسان، عمد الخوارج إلى بث دعاتهم في بلاد المغرب (2) التي كانت إذ ذاك
# (1)
ميداناً خصباً لنقل مبادئهم. وكان أهل إفريقية يظهرون الاستياء من شدّة بطش الولاة، ورغم عدم الرضا، فإنه لم يكن للخلافات السياسية في المشرق أدنى تأثير، بل كانوا يصدون عنها ويمنعونها أن تصل إليهم، مع أن الثوار لا ينفكون عنهم، ولا عن دعوتهم إلى الانضمام إليهم، والانقلاب على بني أمية. لكنهم كانوا يردّون عليهم بأنهم لا يخالفون أئمتهم بما يجني العمال، ولا يحملون وزر ذلك عليهم، هذا قولهم ونحن لا نريد مخالفتهم حتى قبورهم، لذلك أجمعوا أن يبعثوا وفداً إلى أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك يرفع إليه ظلامتهم،
ويطالب بإنصافهم.
ن)
(1)
- لفظ المغرب يطلق في عرف أهله على ناحية من الأرض معروفة بعينها، يحدها من جهة الغرب المحيط الاطلانطيقي إلى الإسكندرية ومصر فبرقة خارجة عن بلاد المغرب بهذا الاعتبار. وبلاد طرابلس وما دونها إلى البحر المحيط داخله فيه. ويحدّها من جهة الشمال البحر الرومي المعروف بالبحر الأبيض المتوسط، ومن جهة الجنوب جبال الرمل الفاصلة بين بلاد السودان وبلاد البربر، وهي المعروفة عند علماء الجغرافيا بالصحراء الكبرى وتعرف عند العرب الرحالة هناك بالعرق وكانت هذه البلاد قديماً
تسمى بلاد البربر. (أنظر
، سرهنك، الميرالاي إسماعيل: تاريخ دول المغرب، ص 10، تقديم ومراجعة حسن
الزين بيروت، دار الفكر الحديث 1408 هـ / 1988 م).
عبد الرزاق، محمود إسماعيل: الخوارج في بلاد المغرب حتى منتصف القرن الرابع الهجري، ص 31،
الدار البيضاء (المغرب)، دار الثقافة، ط 2، 1985.
31 (1/49)
صفحة 50
ولكنهم لما وصلوا دمشق طلبوا الدخول إلى هشام، وانتظروه سنة كاملة وهو لا يجيبهم حتى يئسوا من لقائه وأتوا الأبرش وزيره، وقدّموا له عريضة ذكروا فيها شكواهم، ولما عادوا إلى ديارهم انتحلوا مذهب الصفرية وبايعوا ميسرة بن المطغري.
بالخلافة، وتعاهدوا على قتال العرب ككفار ومرتدين عن الإسلام. وقاموا يدعون البربر للثيار فتداعوا إليهم من كل صوب مسلمهم وكافرهم
" (1)
وإن كانت المصادر تتفق على أنّ بعض ولاة بني أمية في الشمال الإفريقي كانوا يعاملون البربر "معاملة الرعايا الملزمين بأداء الجزية، على الرغم من كونهم مسلمين صالحين ومقاتلين متحمسين في الحرب المقدّسة ـ الجهاد - وهكذا وجد رسل الخوارج المقبلون من العراق إلى إفريقية النفوس مستعدة لتلقي تعاليمهم فحرّضوا البربر على الخليفة الأموي، و حركوهم لرفع راية العصيان (2) ".
ن)
(1)
(2)
- ميسرة المطغري (ت 122 هـ / 739 م) كانت ثورة البربر بالمغرب عام 122 هـ / 739 م. فخرج ميسرة المطفري رأس الصفرية على عمر بن عبد الله المرادي والي طنجة فقتله، وثارت البرابر كلها مع أميرهم
ميسرة، وكان بالمغرب حينئذ قوم ظهرت فيهم دعوة الخوارج، ولهم عدد كثير وشوكة كبيرة، وكان السبب في ثورة البربر، وقيام ميسرة، أنها أنكرت على عامل ابن الحبحاب سؤ سيرته، فقد كان الخلفاء
بالمشرق يستحبون طرائف المغرب، ويبعثون فيها إلى عمال إفريقية فيبعثون لهم البربريات السنيات. لكن البربر أنكرت على ميسرة سؤ سيرته، فقتلوه بعدما. بالخلافة. (أنظر، 1 - الرقيق، أبو اسحاق إبراهيم بن القاسم: تاريخ إفريقية والمغرب، ص 73 ـ 75، تحقيق
بويع
عبد الله العلي الزيدان، وعزّ الدين موسى، بيروت، دار الغرب الإسلامي 1990
2 - ابن عذاري، أبو عبد الله محمد: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، ج 1، ص 52 - 54، تحقيق ومراجعة ج. س كولان وأ. ليفي بروفنسال، بيروت، دار الثقافة
ط 3، 1983).
الثعالبي:، عبد العزيز: تاريخ شمال إفريقية من الفتح الإسلامي إلى نهاية الدولة الأغلبية، ص 136 - 137، جمع وتحقيق أحمد بن ميلاد ومحمد إدريس، تقديم ومراجعة حمادي الساحلي، بيروت، دار الغرب الإسلامي 1407 هـ / 1987 م.
بروکلمان، کارل: تاريخ الشعوب الإسلامية، ج 1، ص 192 نقله إلى العربية نبيه أمين فارس ومنير بعلبكي:، بيروت، دار العلم للملايين، ط 3، 1960.
32 (1/50)
صفحة 51
لكن الواقع التاريخي يؤكد أن الولاة لم يفرقوا في المعاملة بين عرب وبربر في فرض الأمن والنظام، حتى أن العرب استصرخوا هشام بن عبد الملك لإنقاذهم من بطش عبيدة بن عبد الرحمن). ويذكر ابن الآبار أنّ أبا الخطار بن ضرار الكلبي (*) أحد زعماء اليمنية اشتكى
إلى هشام بن عبد الملك من سؤ معاملة الولاة وكتب إليه يقول: أفادت بنو مروان قيسا دماءنا وفي الله، إن لم يعدلوا حكم عدل وقيناكم حر القنا بصدورنا وليس لكم خيل سوانا ولا رحل فلما بلغتم نيــل ما قد أردتم وطابت لكم فيها المشارب والأكل تغافلتم عنا كأن لم نكن لكم صديقاً وأنتم ما علمتم لنا وصل (1). بدأت قسوة الولاة إبان ولاية عبيدة بن عبد الرحمن السلمي، الذي تولى إمارة إفريقية عام 110 هـ - 728 م، وبعد الظهور النشيط للحركة الإباضية والصفرية في الشمال الإفريقي. و لم تذكر لنا الدراسات التاريخية التاريخ الدقيق لظهورهم في الشمال
11
الإفريقي، ولكن المسار التاريخي يظهر أنهم ظهروا بعد ستين سنة على أقل تقدير قد
مضت على تاريخ ظهورهم بالمشرق
" (Y)
تذكر المصادر الإباضية على لسان عبد الرحمن بن رستم، أن أول داع لمذهب الإباضية
ونحن بالقيروان سلامة بن سعيد، قدم علينا من أرض البصرة، ومعه عكرمة مولى ابن عباس متعقبين
على بعير، فسلامة يدعو إلى مذهب الإباضية وعكرمة يدعو إلى مذهب الصفرية (3).
ن)
عبيدة بن عبد الرحمن والي إفريقية عام 110 هـ / 728 م، وعزله هشام بن عبد الملك في شوال عام 114 هـ /732 م. (أنظر الرقيق: تاريخ إفريقية والمغرب، ص 68 - 70).
(3) ـ أبو الخطار الكلبي ولي إمارة الأندلس عام 125 هـ / 742 م وعزل عام 128 هـ / 745 م، لتعصبه لليمانية وتفضيلهم على المضرية.
(أنظر، ابن الآبار، أبو عبد الله محمد بن عبد الله: كتاب الحلة السيراء، ج 1، ص 64 ـ 65،
تحقيق حسين مؤنس القاهرة الشركة العربية 1963).
(1) ـ أنظر، الرقيق: تاريخ إفريقية والمغرب، ص 69 - 70.
(2) ـ المجذوب، عبد العزيز: الصراع المذهبي بإفريقية، ص 20، تونس، الدار التونسية للنشر، ط 2، 1985.
(3) ـ أنظر، 1 - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 11 - 12.
2 ـ أبو زكرياء: كتاب سير الأئمة:، ص 71
33 (1/51)
صفحة 52
ويستوقفنا هذا النص في عدة قضايا:
- أولاً: يذكر النص أن سلامة بن سعيد أقام بالقيروان، بينما يذكر خليفات أنه " بعد وصول سلامة بن سعيد الحضرمي وعكرمة إلى بلاد المغرب افترقا، واتخذ كلّ
منهما مقراً يدعو فيه لمذهبه، فقد نزل عكرمة في مدينة القيروان، وأخذ يتصل بزعماء البربر من مختلف القبائل، وكان يدعو لمذهبه سراً، ويبدو أنه ركز معظم جهوده على قبائل البربر القاطنة في المغرب الأقصى، بينما ركز سلامة جهوده على قبائل المغرب الأدنى، ولعلّ ذلك كان باتفاق مسبق بينهما "
" (1)
- ثانياً: يذكر المالكي أن أبا عبد الله عكرمة مولى عبد الله بن عباس، كان عالماً من أهل السنة والجماعة " أقام بالقيروان وبث بها العلم، وكان مجلسه في مؤخر جامع القيروان ... وتوفي سنة خمس ومائة وهو ابن ثمانين سنة، توفي هو وكثير عزة في يوم واحد، وصلّي عليهما جميعاً، فقيل مات أشعر الناس وأعلم الناس (2) "
- ثالثاً: لا نؤيد الآراء التي تعتقد أنّ عكرمة كان صفريّاً للمعطيات التالية: أ - إن عكرمة كان مولى عبد الله بن عباس، الذي كان مناصراً لعلي بن أبي طالب له، وعكرمة كان يحمل علم ابن عباس، فقد أورد ابن سعد أنه عندما "مات ابن عباس وعكرمة عبد، فاشتراه خالد بن يزيد بن معاوية من علي ابن عبد الله بن عباس بأربعة آلاف دينار فبلغ ذلك عكرمة فقال: بعتني بأربعة آلاف دينار؟ قال نعم، قال أما أنه ما خير لك، بعث علم أبيك بأربعة آلاف دينار؟ فراح علي إلى خالد فاستقاله فأقاله فأعتقه (3) ". ". وعلم ابن عباس يخالف آراء كل الفرق المخالفة والخارجة على علي بن أبي طالب الله
خليفات: نشأة الحركة الإباضية، ص 134. المالكي، أبو بكر عبد الله بن محمد: كتاب رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم، ج 1، ص 146، حققه بشير البكوش، راجعه
محمد العروسي المطوي، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط 2، 1414 هـ / 1994 م.
ابن سعد: الطبقات الكبرى، ج 5، ص 287
34
(1)
(2)
(3 (1/52)
صفحة 53
ب ـ عاصر عكرمة قبل وفاته والي إفريقية يزيد بن أبي مسلم،، الذي ولي إفريقية عام 102 هـ / 720 م. وكان شديداً لم يسمح لأهل البدع من الإقامة بالقيروان. وبلغ من احترازه أنه قام على المنبر خطيباً، فقال: "إني رأيت أن أرسم اسم حرسي في أيديهم كما تصنع ملوك الروم بحرسها، فأرسم في يمين الرجل اسمه، وفي يساره حرسي ليعرفوا بذلك بين سائر الناس، فإذا وقفوا على أحد أسرع لما أمرت به، فلما سمعوا ذلك منه، أعني حرسه، اتفقوا على قتله، وقالوا: جعلنا بمنزلة النصارى، فلما من داره إلى المسجد لصلاة المغرب قتلوه في مصلاه (1) ".
خرج
وعاصر أيضاً بشر بن صفوان (ت 109 هـ / 727 م) الذي تولّى أمر إفريقية بعد يزيد بن مسلم، وأعمل السيف في أعداء بني أمية (2). ولم يسمح هؤلاء الولاة لمن خالفهم من العلماء أن يدرس في المسجد الجامع
في القيروان.
(3).
ج - يدعو المذهب الصفري إلى إمامة وفق تصوراته التي تخالف التصوّر الإباضي (3). وهذا ما حدث في الشمال الإفريقي حيث قامت الدولة الصفرية في سجلماسة وهي دولة بني مدرار عام 140 هـ / 757 م ودولة أخرى للإباضية، هي الدولة الرستمية في تاهرت عـ 161 هـ / 777 م (4).
وواقع الحال لا يقبل أن يترافق الاثنان في سفر طويل، وهما داعيتان
لإمامتين، إحداهما تخالف الأخرى.
(1) ـ ابن عذاري: البيان المغرب، ج 1، ص 48
(2) ـ أنظر، 1 - الرقيق: تاريخ إفريقية والمغرب، ص 66 - 67
2 - ابن عذاري: البيان المغرب، ج 1، ص 48.
(3) ـ أنظر، الشهرستاني: الملل والنحل، ج 1، ص 121 - 123.
(4) ـ أنظر، عبد الرزاق، محمود إسماعيل: الخوارج في بلاد المغرب، ص 112 - 153.
35 (1/53)
صفحة 54
د - كان أبو عبيدة إمام الإباضية في البصرة، يتوخى الحيطة والحذر والسرية في كل تصرفاته، ويفرض هذا النهج على أتباعه حتى لا تعرف تحركاتهم، وبلغت هذه السرية حداً جعلت داعية إباضياً يرد ابن عمه الإباضي، حتى لا يحضر اجتماعاً خاصاً، ويعلم ما يدور فيه من نقاش. يروي ني أنّ " شعيب بن عمر من أفاضل الفتيان يومئذ، وكانت أخته الدرجيني) تحت الحاجب، قال فجاءه تلك الليلة فأخبر به حاجب، فقال رده، قالوا له: يا أبا مودود، سبحان الله جاء من السماح في هذه الساعة وتردّه، فقال ردوه، فردوه. قال وكان بين منزله ومنزل حاجب ثلاثة أميال (1) ".
لم يسمح حاجب الإباضي لابن عمه حضور الاجتماع، فكيف يتوجه داعية إباضي وآخر صفري معاً إلى المغرب، وعلى جمل واحد
للدعوة لإمامتين مختلفتين.
هـ ـ كانت الحركة الإباضية تحرص على التخفي خوفاً من مداهمة وملاحقة ولاة بني أمية، وكانوا " ذات مرة في عهد زياد أو ابنه أتاهم الخبر بأن الخيل تريدهم، قال فخرجوا مسرعين وتركوا نعالهم على باب البيت. الذي كانوا فيه، قال فجاء الشرط فنظروا إلى النعال؟ فقالوا للعجوز صاحبة البيت ما هذه النعال؟ قالت مكاتب لنا يسأل الناس فيعطى النعال وغيرها. قالوا تا الله ما ذلك كما ذكرته وأن بهذا الموضع ربية، قال فقال بعضهم: ويحكمُ قد ذكرت العجوز ما ذكرت فلا تعرضوها للبلاء، فلعلها تكون صادقة .... وبلغني أنهم كانوا يأتون المجالس أيام زياد وابنه في هيئة النساء في النقاب وغير ذلك، يتشبهون بالنساء، قال وإن كان أحدهم ليحمل على ظهره جرة بماء، أو يحمل جملة متاع كأنه يباع، حتى يدخل المجالس لا يدعونها لشيء (2) ".
(1) ـ الدرحيني: طبقات المشائخ، ج 2، ص 249. (2) ـ الدرجيني: المصدر السابق، ص 249.
36 (1/54)
صفحة 55
لا
يسمح تنظيم يتخذ مثل هذه الاجراءات الاحترازية أن يدع أحد أتباعه الذي سيحمل أعباء الدعوة أن يتوجه إلى الشمال الإفريقي مع
شخص
يخالفه الرأي والتصوّر.
و - التناقض في رواية الدرجيني، ففي حين يروي على لسان عبد الرحمن بن رستم أنّ أوّل داعية لمذهب الإباضية في القيروان هو سلامة بن سعيد، يعود ويروي أن سلامة بن سعيد استقر في جبل نفوسه في منطقة طرابلس وأخذ يدعو لمذهبه بين قبائل هوارة البربرية التي كانت تسكن في تلك المنطقة (1)
هذا التناقض في الرواية، يجعل قدوم سلامة بن سعيد مع عكرمة
مولى ابن عباس إلى المغرب أمراً بعيداً عن الواقع والحقيقة.
ز - وإذا كنا نسلّم أن سلامة بن سعيد قد وصل إلى المغرب مع عكرمة مولى ابن عباس، فهذا يعني أنّ وصول الرجلين كان قبل عام 105 هـ /723 م، وهو عام وفاة عكرمة في القيروان
وإذا كانت المصادر ترجّح وصولهما ما بين عامي 95 هـ 713/ 0 م. و 110 هـ / 728 م (2). فإنّ من المرجح أن تكون الصحبة لرفقة أتراب، و من غير المعقول أن يسافر داعية إلى بلاد نائية وهو ما بين السبعين والخامسة والسبعين من العمر، بل يفترض أن يكون شاباً نشيطاً يستطيع
التحرك والتنقل بسرعة ونشاط.
(1) ـ أنظر، 1 - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 12.
(2)
2 - خليفات: النظم الاجتماعية والتربوية، ص 17
(2) - أنظر، 1 - المالكي: رياض النفوس، ج 1، ص 146.
2 - البكري، أبو عبد الله بن عبد العزيز: المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، ص 284،
بغداد، مكتبة المثنى، د. ت.
37 (1/55)
صفحة 56
رحل سلامة بن سعيد وحيداً إلى الشمال الإفريقي، وتؤهله قوة شخصيته وشجاعته المستشفة من عبارته التي قالها في إفريقية " وددت أن لو ظهر هذا الأمر، يعني مذهب الإباضية، يوماً واحداً من أول النهار إلى
آخره فلا أسف على الحياة بعده (1) "، لأن يقوم بمثل هذه الرحلة.
ويؤكد علي يحيى معمر بأن سلامة بن سعيد " انطلق من جزيرة العرب إلى إفريقية وحيداً منفرداً يقتحم المجاهل ويدخل القفار، ويغشى المجتمعات التي لا تعرف له جنساً ولا لغة، وليس له من سلاح في كلّ ذلك إلا ذلك الإيمان الذي غمر قلبه، وتلك المعرفة الشاملة لكتاب الله وسنة رسوله الله وسيرة السلف الصالح من الصحابة والتابعين. ولم يمض ن) عليه عشر سنوات حتى كانت دعوته تنتشر ما بين تلمسان وسرت () وحتى كان المذهب الإباضي مذهباً لأغلب السكان في ليبيا
وتونس والجزائر
" (2)
انتشار الدعوة الإباضية قبل وصول سلامة بن سعيد:
انتشرت الدعوة الإباضية في الشمال الإفريقي قبل وصول سلامة بن سعيد، من مصر إلى القيروان " وتنوه المصادر الإباضية برحلة أوّل مغربي إلى مركز الدعوة بالبصرة،
(1) ـ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 12
ن)
(2)
- تلمسان: بكسرتين، وسكون الميم، وسين مهملة، وهما مدينتان متجاورتان مسورتان، بينهما رمية
حجر، إحداهما قديمة والأخرى حديثة، والحديثة اختطها الملثمون ملوك المغرب.
(أنظر، الحموي، شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت: معجم ا البلدان، ج 2،
بيروت، دار صادر وبيروت 1404 هـ / 1984 م).
ص
- سرت: بضم أوله وسكون ثانيه، وآخره تاء مثناة من فوق، مدينة على ساحل البحر بين برقة
وطرابلس الغرب.
(أنظر الحموي: معجم البلدان، ج 3، ص 206).
معمر، علي يحيى: الإباضية في ليبيا، ج 1، ص 25.
38 (1/56)
صفحة 57
وأنّى له أن يعرف ذلك لولا وصول الأخبار من قبل، خاصة أن مصر هي الأخرى نالت نصيبها من أثر الدعوة الإباضية، وأوّل من يذكر الشماخي من مشايخ المغرب ابن اليسع من أهل مصر، وأبا اسحاق إبراهيم المصري، وعيسى بن علقمة المصري (1) ".
أما المغربي الذي رحل إلى البصرة فهو ابن مغطير النفوسي الجناوي " كان شيخاً فاضلاً فقيهاً مفتياً، كان ممن أخذ عن أبي عبيدة مسلم، ثم قدم بعده الخمسة المذكورون فانتقل عن الفتيا وقال: إني أخذت عن أبي عبيدة و لم يحرّر لي المأخوذ به عنده من الأقوال، وهؤلاء أخذوا آخراً وقد حرّر المختار عنده من الأقوال (2).".
وعندما أراد عبد الرحمن بن رستم الاستزادة من العلم قال له " رجل من أهل الدعوة إن كنت تريد العلم بما كلفت به، وعلق مطلبه بخاطرك، فدونك أرض البصرة، فإنّ فيها رجلاً عالماً يكنى أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، فإنك تجد عنده ما تطلب، فلذلك توجه عبد الرحمن بن رستم إلى البصرة
" (3)
ويعني. هذا أنّ دعاة الإباضية قد رحلوا قبل سلامة بن سعيد إلى المغرب، وكونوا مراكز وتجمعات إباضية يأتيها باستمرار الدعاة من البصرة حاملين توجيهات الأئمة الإباضيين، وخاصة أن أبا عبيدة كان باستمرار يرسل " بعض الدعاة لاستطلاع أحوال الناس في المغرب ومعرف اتجاهاتهم ودراسة عاداتهم وتقاليدهم وطرق معيشتهم، ومقدار تطورهم الفكري والحضاري ودرجة ولائهم للسلطة الحاكمة .. وسلامة بن سعيد من هؤلاء الدعاة، وهو ليس بحاجة
" (E)
إلى دليل أو حماية، فالمراكز الإباضية منتشرة من مصر إلى القيروان، وهي التي تتولى تأمين انتقال دعاتها الذين اعتمدوا السريّة في تنقلاتهم وتحركاتهم.
(1)
(2)
(3)
الجعبيري، فرحات: علاقة عُمان بشمال إفريقية، ص 14، سلطنة عمان، معهد القضاء الشرعي
والوعظ والإرشاد 1412 هـ / 1991 م.
- الشماخي: كتاب السير، ج 1، ص 128. - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 12. (4) ـ خليفات: النظم الاجتماعية والتربوية، ص 7.
39 (1/57)
صفحة 58
- إنتشار الدعوة الإباضية بين البربر:
انتشرت الدعوة الإباضية بين البربر (2) المناوئين للحكم العربي، وكان لا بد أن يكون
الدعاة في بلاد المغرب، من غير العرب، حتى يستجيب البربر لها، ونجح الدعاة في تحقيق أهدافهم
في تصوير خلفاء بني أمية على أنهم في تصرفاتهم غير مسلمين وتجب مقاتلتهم
(1)
- تنظيم الإباضية:
بن سعيد تنظيم التجمعات الإباضية في طرابلس "و لم يكد يمضي
سلامة استطاع على دخوله إلى المغرب عشرون سنة حتى تمكنت جماعة معتبرة من الإباضيين في طرابلس
" (Y) (**)
يتزعمها رجل يدعى: عبد الله بن مسعود التجيبي (- الذي نشر الإباضية بين
البربر اسم مأخوذ من لفظ بارباري الذي كان القدماء يسمون به القبائل العربية، و لم يكن في الأصل، مختصاً بأمة واحدة، ولفظة بار فاروس اليونانية كلفظة بيبلوس اللاتينية مأخوذة من اللفظ أو الصوت الذي يصدره | الألثغ، ثم صار علما عند اليونان يراد به كلّ من لم يتكلم بلغتهم ولهذا ستموا إيطاليا بربريا. ثم أطلق الرومان هذه الكلمة على كل الطوائف التي ليست يونانية ولا تليانية.
(أنظر، سرهنك، أمير الاي إسماعيل: تاريخ دول المغرب، ص 10).
والبربر السكان بالمغرب قبائل لا يُلحق عددهم ولا يُوقف على آخرهم، لكثرة بطونهم وتشعب أفخاذهم وقبائلهم وتوغلهم في البراري وتبددهم في الصحاري. أقواتهم الألبان وفي بعض الأوقات اللحم، وفيهم من الجلد والقوة ما ليس لغيرهم، وفيهم البسالة والجرأة والفروسية على الإبل والخفة في الجري والشدّة والمعرفة بأوضاع البر وأشكاله والهداية فيه.
(أنظر، ابن حوقل أبو القاسم محمد بن علي: كتاب صورة الأرض، ص 97 – 98، القاهرة، دار الكتاب الإسلامي، د. ت. (1) ـ يذهب حسين مؤنس إلى إدانة ولاة المغرب وتبرئة ساحة الخلفاء من تصرفات الولاة المخالفة لتعاليم الإسلام، ويأتي
(
(T)
بالأدلة التاريخية والوثائق التي تؤكد العطف على مسلمي الشمال الأفريقي، واستنكار ما يفعل الولاة.
(أنظر، مؤنس حسين فتح العرب للمغرب، ص 289 وما بعدها، القاهرة، مكتبة الآداب 1366 هـ / 1947 م). - عبد الله بن مسعود التجيبي: كان رئيس الإباضية في ليبيا قتله إلياس بن حبيب عام 127 هـ / 745 م. وكان له طائفة تنتحل اسم الإباضية يقال لهم العمرية، وهم تبع عيسى بن عمير.
(أنظر، الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 47 - 48. العربي، إسماعيل: مقدمة كتاب سير الأئمة وأخبارهم، ص 16.
40 (1/58)
صفحة 59
قبائل البربر من هوارة وزناته في شرق طرابلس - من الثورة على والي طرابلس إلياس بن
حبيب. لكن الأخير تمكن من إحماد هذه الثورة وقتل عبد الله بن مسعود التجيبي (
(1)
إستقر المذهب الإباضي " أولاً عند قبائل البربر في منطقة طرابلس عند زناتة، وبخاصة عند نفوسه، التي كانت تقيم على الجرف الصخري الذي يسمى إلى اليوم باسمها: جبل نفوسة (2) ". وعندما أنس الإباضية من أنفسهم القوة " انتخبوا الإمام الحارث الكندي (م) فقام بالأمر وساس البلاد خير، سياسة، فكان أوّل إمام بويع بالمغرب هذا الإمام " ".
ولم تستمر إمامة الظهور طويلاً، إذ قتل الحارث عام 131 هـ. أو 132 هـ. (749 م أو 750 م)، ولم تمض سنوات قليلة حتى عادت البعثة العلمية (*) من البصرة،
(1) ـ أنظر، 1 - الرقيق: تاريخ إفريقية والمغرب، ص 89 - 92.
2 ـ ابن عذاري: البيان المغرب، ج 1، ص 60 - 61.
3 - الجعبيري، فرحات: علاقة عمان بشمال إفريقية، ص 16
Pavard, Claude: Lumières du M'ZAB, p 16, Paris, édidtions delaroisse 1977 -
(2)
ن
(1)
- الحارث بن تليد، وجد قتيلاً مع صاحبه عبد الجبار بن قيس المرادي، وسيف أحدهما في رقبة الآخر، وحول هذه المسألة نشأ في أصول العقيدة الإباضية جدل يدور حول: هل الولاية المعنية تنتقل إلى الوقوف أم لا؟ وهل اليقين
-
يدفعه الشك أم اليقين، إذ ظنّ البعض أن أحدهما قتل الآخر.
(أنظر، الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 24 - 25). العربي، إسماعيل: مقدمة كتاب سير الأئمة:
، ص 6.
- رحلت بعثة العلماء إلى البصرة عام 135 هـ / 753 م ومكثت عند الإمام أبي عبيدة مدة خمس سنوات، يتلقى أفرادها العلم وأصول العقيدة ومنهج الدعوة، وعرفت هذه البعثة باسم حملة العلم، عادت إلى الشمال الإفريقي عام 140 هـ / 757 م. وتتألف هذه البعثة من:
1 - عبد الرحمن بن رستم بن بهرام: ت (171 هـ / 787 م) مؤسس الدولة الرستمية، تولى الإمامة بعد أبي الخطاب بن السمح المعافري اليمني، وتتفق المصادر الإباضية على زهده في الدنيا ورغبته في الآخرة، واعترف كل إباضي بإمامته. (أنظر، 1 - الشماخي: السير، ج 1، ص 130 - 131.
2 - الحموي: معجم البلدان ج 2، ص 8 - 9.
3 - ابن الصغير: تاريخ الأئمة الرستميين، ص 28 - 42، تحقيق وتعليق محمد
ناصر وإبراهيم بجاز، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1406 هـ /1986 م).
2 - أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني: (ت 144 هـ / 761 م) رحل إلى البصرة من اليمن، وأمره أبو عبيدة بالتوجه إلى المغرب، وأن يتولى الإمامة إن آنس الإباضية من أنفسهم القوة، بويع بالإمامة عام 140 هـ / 758 م. واحتل القيروان عام 141 هـ / 759 م. وعامل أهلها بالحسنى، وعين عبد الرحمن بن
41 (1/59)
صفحة 60
(1)
واجتهدوا في تبليغ الدعوة الإباضية ونشر آرائهم القائمة على " المبادئ العامة البسيطة التي
يفهمها عامة الناس مع أقرانهم من العرب المسلمين
" (1)
رستم والياً عليها، قتل في معركة "تاروغا " عام 144 هـ / 761 م. على يد والي مصر العباسي ابن الأشعث الذي أتى القيروان على رأس جيش لإنقاذها من الإباضية.
(أنظر، 1 - الدرحيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 19، 23، 29. 2 - عبد الرزاق، محمود إسماعيل: الخوارج في المغرب، ص 64 - 65.
- ابن عذاري: البيان المغرب، ج 1، ص 72.
- خليفات: نشأة الحركة الإباضية، ص 152 - 154).
3 - عاصم السدراتي (ت 141 هـ / 759 م من سدراته غربي الأوراس كان من خيار قادة أبي الخطاب، مرض مرضاً شديداً أثناء حصار الإباضية للقيروان، فسمع مرضه أهل القيروان، وأنه اشتهى القشاء، فبعث أهل القيروان ببائع القثاء، فسمّوا واحدة من قثائه، وأمروه أن لا يبيعها إلا لعاصم السدراتي، فمضى البياع بما من القثاء إلى المعسكر، فاشترى لعاصم أصحابه تلك المسمومة، فأتوه بها فأكلها، فثار فيه ستمها، حتى
عنده
هلك، وقد هرب البياع حين باعها.
(أنظر، 1 - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 29.
2 - الشماخي: السير، ج 1، ص 117).
4 ـ أبو دراز إسماعيل بن درار الغدامسي: ويقال أبو درار سأل أبا عبيدة يوم عودة البعثة إلى الشمال الافريقي ثلاثمائة سؤال في مشاكل الأحكام قبل أن يستوي على ظهر الدابة ولما أتم أبو درار أسئلته، وهم أبو عبيدة بالرجوع، رفع عينيه إلى تلميذه وقال: كأنك تريد أن تكون قاضياً يا ابن درار؟ فأجاب الطالب: أرأيت إن ابتليت بذلك يا شيخ؟ وبعد قتل عاصم وانتقال الإمامة إلى تاهرت في الجزائر، اعتزل أبو درار القضاء واستقر في بلده غدامس جنوب طرابلس واشتغل بالتدريس لحق به طلاب عاصم وأخذوا منه أكثر تما أخذوا عن عاصم، وأصبحوا ينسبون علومهم إليه ويحسبون من مدرسته.
(أنظر، 1 - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 21. 2 - معمر، علي يحيى: الإباضية في الجزائر، ص 132، القاهرة، مكتبة وهبة 1399 هـ / 1979 م.
- معمر، علي يحيى: الإباضية في ليبيا، ص 14 - 15.
4 - الشماخي: السير، ج 1، ص 127).
- أبو داوود القبلي النفزاوي، بايع أبا الخطاب بالإمامة لكنه اعتزل الحركة السياسية من أول الأمر واستقر في بلده نفزاوه جنوبي إفريقية (تونس) يلقي دروس العلم، فلما قتل عاصم لحق به جمع من تلاميذ عاصم، وكان عالماً مشهوراً، وكان الإمام عبد الوهاب مع كثرة علمه إذا جلس بين يديه كالصبي أمام المعلم، وفي كتاب سير أشياخ نفوسه أن أبا عبيدة قال له لا تفت بما سمعت مني، ولا ما لم تسمع.
(أنظر، 1 - الشماخي، السير، ج 1، ص 129.
2 - معمر، علي يحيى: الإباضية في الجزائر، ص 132).
- خليفات: التنظيمات السياسية والإدارية عند الإباضية، ص 9.
42 (1/60)
صفحة 61
وتوجت هذه الجهود بإعلان إمامة الظهور من. يد في ليبيا، وبويع أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح إماماً للإباضية، واستولى على مدينة طرابلس، وامتد نفوذه ليشمل جزيرة جربة والقيروان التي سيطرت عليها قبيلة ورفجومة الصفرية، وتكوّنت إمامة إباضية في الشمال الإفريقي، شملت قسماً من ليبيا وتونس
والجزائر.
- قيام الدولة الرستمية:
إستغل الإباضية إنشغال الدولة الأموية بالتصدّي للدعوة العباسية في المشرق فاستولوا على العاصمة القيروان أكثر من أربع سنوات (141 هـ / 144 هـ) (761/ 759 م إلى أن أخرجهم الجيش الذي أرسله الخليفة العباسي (1). لكن عبد الرحمن بن رستم - قاضي القيروان الإباضي - استطاع التحصن في وادي أجج ـ وهو جبل منيع بالقرب من تاهرت - ولحق به ستون شيخاً من شيوخ الإباضية من طرابلس (2). واستطاعوا جمع شتاتهم " ولما آنسوا من أنفسهم القوة فنظروا من يصلح للولاية من رؤساء القبائل فوجدوا جماعة، كلّ واحد صالح شجاعة وعلماً وتقى فاتفق رأيهم على عبد الرحمن لفضله وكونه من حملة العلم.
" (3)
قامت الدولة الإباضية الرستمية في تاهرت " وبلغ المذهب الإباضي أوج عظمته العلمية والسياسية حيث كان أساساً لحضارة لم يشهد المغرب الأوسط مثيلاً لها من قبل (4) ".
(1) ـ أنظر، 1 ـ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج، ص 24
(2)
2 ـ أبو زكرياء: سير الأئمة، ص 57 - 65.
3 - الشماخي: السير، ج 1، ص 125
- أنظر، , Addoun, Aicha daddi : Sociologie et l'histoire des algeriens Ibadites
، ص
083 - 82
p 103, ghardaia, Imp: el arabia 1977.
(3) ـ أبو زكرياء: الأئمة سير (4) ـ العربي، إسماعيل: مقدمة كتاب سيرا الأئمة لأبي زكرياء، ص 19
43 (1/61)
صفحة 62
ن)
وغدت مدينة تاهرت حاضرة حضارية. لكن انشقاق الإباضية إلى عدة فرق
نتيجة خلاف عقدي وصراع على السلطة أضعف الدولة الرستمية وأدى إلى سقوطها عام
297 هـ / 909 م. على يد أبي عبد ا الله
الشيعي "
(1)
إلتجأ الإباضية، بعد سقوط الدولة الرستمية، إلى الواحات، "وكان لهم في
بعضها حضارة مزدهرة، ثمّ تعاونت عليهم ظروف قاسية مؤلمة بعضها من البشر، وبعضها من الطبيعة فانحسروا إلى الجنوب إلى وادي ميزاب () ووارجلان
(***)
() - غدت تاهرت رغم الخلاف السياسي بين الدولة الإباضية والقيروان - عاصمة الدولة الأغلبية - مركزاً مهماً للدراسات الإسلامية وفقاً لمذهب الخوارج الإباضية، وبفضل تسامح الأئمة، استطاع علماء أهل السنة القدوم لجدال علماء الإباضيّة في مسائل العقيدة والشريعة وكانت تاهرت مدرسة لشحذ روح الجدل، وحب المناقشة والتدقيقات، وكان لموقع تاهرت الجميل، وما يحيط بها من بساتين كثيرة الأشجار، دور في وفود العلماء إليها.
(أنظر، 1 - بل، الفرد: الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي، ص 149.
2 - ابن عذاري: البيان المغرب، ج 1، ص 198 - 199.
- حجازي، عبد الرحمن: التربية الإسلامية في القيروان في القرون الهجرية الثلاثة الأولى، ص 357، رسالة ماجستير في الدراسات الإسلامية، بيروت، كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية 1415 هـ / 1995 م).
(1) ـ أنظر، ابن عذاري: البيان المغرب، ج 1، ص 97.
(
- وادي ميزاب تبعد هذه المنطقة عن العاصمة الجزائرية 600 كلم إلى جنوب الجزائر في شمال الصحراء الكبرى، في ناحية تسمى الشبكة، وهي منطقة جبلية تتخللها أودية. وقد آثر الميزابيون هذه المنطقة الجبلية الوعرة لمنعتها، وجودة هوائها، وبعدها عن الشمال. وكان الميزابيون إلى آخر القرن الثالث الهجري في شمال الجزائر، وفي نواح أخرى من المغرب الأدنى والأقصى. وقد لجأوا إلى الصحراء بعد سقوط الدولة الرستمية.
وتتميز منطقة وادي ميزاب بالطابع الصحراوي على العموم. أما الأمطار فسقوطها قليل جداً، بحيث لا تتحاوز في أحسن الحالات 25 ملم في السنة. وهذه المنطقة يكثر فيها النخيل، والذي يعد العمود الفقري في اقتصاد المنطقة - لا سيما قديما - قبل أن تعرف المنطقة تطورات هامة في التجارة والصناعة والسياحة والبترول.
(أنظر، 1 - دبوز، محمد علي: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج 1، ص 150 – 151، الجزائر، المطبعة التعاونية 1385 هـ / 1965 م.
2 - اعوشت، بكير بن سعيد: قطب الأئمة العلامة محمد بن يوسف، اطفيش، ص 48 - 49، سلطنة عمان، مكتبة الضامري (1989).
وارحلان: كورة بين إفريقية وبلاد الجريد ضاربة في البر. كثيرة النخيل والخيرات هاجر إليها الأمير يعقوب
بن أفلح وجماعة كبيرة من عائلته الرستميين بعد سقوط الدولة الرستمية.
(أنظر، 1 - الحموي معجم | البلدان، ج 5، ص 371.
2 - دبوز، محمد علي: نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 152).
44 (1/62)
صفحة 63
حافظوا على نمط حضاري، قلّ أن تجد شبيهاً في مثيلها في الواحات، كما حافظوا على وضع شبه مستقل باستمرار، فقد اتفقوا مع ولاة العهد العثماني أن لا يدخلوا
إلى بلادهم على أن يدفعوا لهم جزية محدّدة يحملونها هم أنفسهم إلى الدولة ولا يدخل جباة الدولة إليهم
"1 (1)
- الإنشقاق المذهبي في شمال إفريقية:
إنشقت الحركة الإباضية، رغم وحدة النشأة والتفكير والمعتقد، وأوّل إنشقاق تذكره المصادر الإباضية. هو الانشقاق الذي حدث أثناء مبايعة عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم وأنّ المعارضين لولايته " أخذوا العلل والأباطيل، قالوا: إنما كانت ولاية عبد الوهاب على شرط أن لا يقطع أمراً دون جماعة معلومة، ورجعوا إلى لجاجة أمرهم الذي لم يجزه أهل البصائر من قبل، وجعلوا يفتشون ذلك عند الجهال والطغام، ومن ليست لهم بصيرة في الدين يستزلون عقولهم، ويستفزون أفكارهم، ويحيلون عقائدهم، وأشاعوا أنه حابي عليهم بعض الناس وولاهم الأمور دونهم، وزعموا أنهم لذلك أولى من سواهم، وأنّه لا ينبغي أن يلي جماعة المسلمين أحد إذا كان في الجماعة من هو أعلم منه، فتفاقم الأمر، وكثر القيل والقال في البلد، وعظم داؤهم، وكثر النزاع، وانتشر
الخلاف
" (Y)
1 - الفرقة النكارية:
توضح المصادر الإباضية بأنّ الانشقاق الأوّل في المذهب الإباضي كان عام 171 هـ / 787 م وذلك عندما أحس الإمام عبد الرحمن بدنو أجله، ترك أمر الإمامة شورى بين سبعة رجال، من بينهم أبو قدامة بن فندين، وعبد الوهاب بن
(1)
- معمر، علي يحيى: الإباضية دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم، ص 38 – 39، القاهرة، مكتبة
وهبة، ط 2، 1407 هـ / 1987 م.
(2) ـ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 48 - 49.
45 (1/63)
صفحة 64
عبد الرحمن، وبعد مشاورات وقع الاتفاق على بيعة عبد الوهاب. وقال ابن فندين حين هم بالبيعة: نبايع على ألا يقضي في شيء دون مشورة جماعة مخصوصة من الناس. وردّ عليه بأنه لا يعرف شروطاً للبيعة إلا العمل بكتاب الله وسيرة السلف الصالح.
وتمت البيعة، وتذكر المصادر الإباضية أنّ أبا قدامه كان يعتقد في نفسه الكفاءة والقدرة على تولي الأمر، فانتظر فترة من الزمن لعله يستشار في شيء أو يكلف بعمل ما، فلم يحصل شيء من ذلك فبدأ الشعب وزعم أنّ الإمامة باطلة، وأطلق الناس على حركة ابن فندين اسم النكار والنكاث لأنهم أنكروا ونكثوا بيعتهم
(1)
ويروي ابن الصغير رواية مغايرة للروايات الإباضية فحواها أن قبائل مزاته وسدراته وغيرهم اشتكوا بأنّ الأمور قد تغيّرت والأحوال قد تبدلت: قاضينا جائر، وصاحب بيت مالنا خائن، وصاحب شرطتنا فاسق، وإمامنا لا يغير ذلك شيئاً. من فدخلوا على الإمام عبد الوهاب وقالوا إن رعيتك قد ضجّت من قاضيك وصاحب بيت المال والقائم بشرطتك فاعزلهم عنهم، وول عليهم خيارهم، فقال عبد الوهاب جزاكم الله من وفد خير فقد تم من الإسلام ما يفتقده من كان مثلكم، الأمر إليكم قدموا من رأيتم وأخروا من رأيتم، فدعوا له وأثنوا عليه.
فلما انصرفوا دخل عليه وجوه رجاله وقواده وأهل بطانته وجعلوه يعدل عن قراره، فقالوا: ليس نظرهم عندما قلت ولا معناهم عند ما رأيت، ولكن سألوك أن تعزل قاضيك وصاحب بيت مالك، والقائم بشرطتك، فإن فعلت ذلك شكروك وحمدوك، وإن أبيت لهم من ذلك خلعوك ونبذوك، ثم لا تأمن. ولو أجبتهم إلى كل ما سألوك أن يأتوك فيقولوا لك إنّ المسلمين في ابتداء أمرك لم يجتمعوا عليك فانخلع وأردد إليهم أمرهم (2).
(2)
(1) ـ أنظر، الباروني، سليمان بن عبد الله: الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، ص 130، تونس،
(2)
دار بو سلامة للطباعة والنشر والتوزيع 1986.
أنظر
، ابن الصغير: أخبار الأئمة الرستميين، ص 47 - 51. (1/64)
صفحة 65
وإذا كنا لا نجد هذه الرواية في المصادر الإباضية، فإننا نميل إلى ترجيح هذه الرواية، لأنّ هذه الرواية لم تخب بعد مقتل يزيد بن فندين بل استمرت إلى منتصف القرن الرابع الهجري مع عبد الله الفزاري () وأبي يزيد مخلد بن كيداد ()، وتخالف هذه الفرقة
الإباضية في المقالات الأربع التالية:
1 - الإمامة غير مفروضة.
2 - صلاة الجمعة غير جائزة وراء الأئمة الجورة.
- عطايا الملوك لا يحلّ أخذها
- لا تجوز ولاية المفضول
(1)
•
وخلاصة أقوالهم في العقيدة التي خالفوا فيها الإباضية هي كما يذكرها المارغني:
1 - الحد في الأسماء.
2 - إنّ ولاية الله وعداوته تتقلب بالأحوال.
- إن أسماء الله مخلوقة.
) ـ عبد الله بن يزيد الفزاري: من علماء القرن الثالث الهجري، عاش في الكوفة، كان خرازاً، يلقي دروسه
(*)
في محله، ويعد من المتكلمين، وهو الذي أظهر مقالات النكار، وألف فيها كتباً متعددة، و
كتاب يحمل عنوان " كتاب الردود ".
(أنظر، 1 - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 2، ص 477.
مخلد
2 - معمر، علي يحيى: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ج 2، هامش ص 16.
ومن مؤلفاته
3 - الميلي، مبارك بن محمد: تاريخ الجزائر في القديم والحديث، ج 2، ص 84، تقديم وتصحيح
محمد الميلي، الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب (1989).
هو بن کيداد بن سعد اليفرني، هبط من جبل أوراس يدعو إلى الحق بزعمه، ولم يعلم الناس مذهبه، فرجوا فيه الخير والقيام بالسنة، فخرج على الشيعة ودخل إفريقية، وخرب مدنها، وقتل من أهلها ما لا ينحصر. إشتد أمره في إفريقية عام 333 هـ / 944 م. حتى فر أمامه أبو القاسم الشيعي إلى المهدية من
رقادة. قتله المنصور الفاطمي عام 336 هـ / 947 م. وأمر بسلخه وحشى. جلده قطنا وصلبه. (أنظر، ابن عذاري: البيان المغرب، ج 1، ص 220 - 222). (1) ـ أنظر، 1 - طعيمة، صابر: الإباضية عقيدة و مذهباً، ص 52 - 53، بيروت، دار الجيل 1406 هـ / 1986 م. 2 - معمر، علي يحيى: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ج 2، ص 18.
47 (1/65)
صفحة 66
- الإمامة غير مفترضة.
ه - يجوز الانتقال من الولاية إلى الوقوف
6 - حجة الله تقوم بالسماع وقد سمع الناس.
7 ـ من لم تبلغه دعوة الإسلام ودعي إلى دين سماوي آخر لا يجوز له أن يجيب
- صلاة الجمعة غير جائزة خلف أئمة الجور.
9 - عطايا الملوك لا يحلّ أخذها.
10 - إن الله لم يأمر بالنوافل.
11 - يلزمنا العمل بالفرائض ولا يلزمنا العلم بها ولا من معرفتها شيء
12 - إنّ الحق في القول واحد مع المختلفين في النوازل التي يسع فيها الخلاف، وقد
ضاق على الناس خلاف الحق.
13 - إنّ الحرام المجهول حلال.
14 - يدعى المشرك إلى الجملة وبراءة أحداث أهل الأهواء من أهل القبلة.
15 - قالوا بالوقوف في الأطفال كلّهم.
16 - يجوز شرب الخمر على التقيّة.
17 - لا تجوز إمامة من ولي أمر المسلمين وفي المسلمين أفضل منه.
18 - لا تقوم الحجة فيما يسع حتى يجتمع المسلمون بأسرهم.
19 - لا كفر إلا فيما تقع عليه اليد، وهو ربع دينار، ومن أخذ دونه ليس عليه شيء. 20 - اللطمة والنظر بشهوة والقبلة ودخول الحمام بغير إزار صغائر غير
كبار
(1)
(1) ـ أنظر، المارغني، أبو عمرو عثمان: بن خليفة: رسالة في فرق الإباضية الست وما زاغت به عن الحق
ص 1 - 3، مكتبة بني يزجن، رقم المخطوط 2/ 69.
48 (1/66)
صفحة 67
2 - الفرقة الخلفية:
تنسب هذه الفرقة إلى خلف بن السمح، حفيد أبي الخطاب عبد الأعلى أوّل أئمة الظهور عند الإباضية (1). ووالده هو السمح بن عبد الأعلى وزير الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحم (2). عيّنه أهل طرابلس والياً على طرابلس بعد وفاة أبيه دون العودة إلى الإمام عبد الوهاب، الذي رفض هذا التعيين، وولّى على طرابلس شخصاً آخر يدعى أبا عبيدة عبد الحميد الجناوني، رفض أهل طرابلس هذا التعيين (3) وأصرّ الإمام عبد الوهاب على قراره وبعث برسالة إلى أهل طرابلس وجبل نفوسة () جاء فيها " بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله. من أمير المؤمنين عبد الوهاب إلى جماعة المسلمين بحيز طرابلس، أما بعد فإني آمركم بتقوى الله واتباع ما أمركم به واجتناب ما نهاكم عنه. وقد بلغني ما كتبتم به إلي من وفاة السمح واستخلاف بعض خلفاً وردّ أهل الخير ذلك: فإنّ من ولى خلفاً من غير رضاء إمامه فقد أخطأ سيرة المسلمين، ومن أبى من توليته فقد أصاب وإذا أتاكم كتابي هذا فليرجع كلّ عامل استعمله منكم السمح إلى عمالته التي ولّي عليها إلا خلف بن السمح حتى يأتيه أمري وتوبوا إلى
الناس
ربكم وراجعوا التوبة لعلكم تفلحون (4) ".
(1) ـ أنظر، الباروني: الأزهار الرياضية، ص 249. (2) ـ أنظر، الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 67.
(3) ـ أنظر، 1 ـ أبو زكرياء: سير الأئمة، ص 25.
ن)
- الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 68
- الباروني: الأزهار الرياضية، ص 148 - 152.
جبل نفوسه، كانت قبيلة نفوسه أكبر قبائل البربر وأكثرها انتشاراً من طرابلس وجبل نفوسه وحتى القيروان، وكان الجبل معقلهم الأساس، ويبلغ طوله من الشرق إلى الغرب مسيرة ستة أيام، وارتفاعه نحو ثلاثة أيام، وهو عامر بالمدن والحصون والضياع والقرى، وأهم مدنه: شروش، وجادو، ومسيف، كانت قبائل نفوسه على النصرانية قبل الإسلام، إعتنقت المذهب الإباضي في أوائل القرن الهجري الثاني، وأسهمت بنصيب وافر من ثورات الإباضية في الشمال الإفريقي، وكانت نفوسه رغم تبعيتها للدولة الرستمية إلا أنها كانت شبه مستقلة لبعدها عن تاهرت.
(أنظر، الشماخي: السير، ج 1، ص 192 - 273). (4) - الباروني: الأزهار الرياضية، ص 150.
49 (1/67)
صفحة 68
رفض أهل طرابلس الكتاب، واتخذ الخلاف صبغة دينية، ودار حول
أمرين هما:
- الأول: مدى حق الرعية في تعيين عمالها
- الثاني: شرعية وجود إمامين في وقت واحد بعدما اعتبر خلف نفسه إماماً شرعياً.
لكن خ خلف
انهزم في مواجهة جنود الإمام أفلح بن عبد الوهاب عام 221 هـ
/835 م. وانسحب إلى "تمتي"، و لم تقم له قائمة
(1)
ويرفض كتاب الإباضية المعاصرون الاعتراف بالفرقة الخلفية وينتقدون كتاب المقالات الذين " يعتبرون خلفاً إماماً لفرقة، ولو كان كلّ إنسان سخط على حكم ما فار عليه، وقاد مجموعة من الناس للقتال يعتبر رئيساً لفرقة وتعتبر مجموعته فرقة لضاقت كتب التاريخ عن تسمية الفرق (2) ".
ويردّ على هذا الانتقاد بأنّ الخلفية طرحت شرعيّة وجود إمامين، محتجة ببعد المسافة بينهما، وحق العامة في اختيار الإمام. وإذا كان خلف رجلاً " ثار على الحكم طمعاً في الحكم (3) " فهذا من الناحية السياسية، أما من الناحية الدينية فقد طرح آراء
ستحق الدرس والمناقشة
- الفرق النفاثية:
تنسب فرقة النفاثيّة إلى نفاث بن نصر. وتورد المصادر الإباضية أن نفاث بن نصر وشابا يدعى. سعداً، كانا تلميذين للإمام أفلح بن عبد الوهاب وعندما توفي عامل قنطنار نظر الإمام أفلح في ذلك " فلم ير له أهلاً إلا سعداً لما تحقق من صلاحيته، واختبره
(1) ـ أنظر، 1 - الباروني: الأزهار الرياضية، ص 170 - 175.
2 - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 72 - 77.
(2) ـ معمر، علي يحيى: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ج 2، ص 30 - 31.
(3)
- معمر، علي يحيى: المرجع السابق، ص 31.
50 (1/68)
صفحة 69
من حسن حاله، فكتب كتابا باستعمال سعد، فطواه، وختم عليه بخاتمه، وأودعهما إياه، و لم يعلمهما أيهما العامل، وقال لهما حين دفعه إليهما: لا تفكاه حتى تصلا قنطنار فسارا، فلمّا كانا ببعض الطريق غلب الشر على نفاث فاستخفه حب الرئاسة، فاستغل سعداً، وتخلّف إلى رحلهما ففض خاتم الكتاب وقرأه، فوجد سعداً هو العامل، فظنت نفسه الظنون، واعتقد العداوة، واضمر الغش لاستعمال الإمام سعداً دونه، ولما وصلا قنطنار قرئ بها كتاب الإمام، فسمع أهلها وأطاعوا وأقام. سعد واليا عليهم عاملاً
بطاعة الله عزّ وجلّ، وتمادى نفاث إلى بلاده، فسئل عن الإمام وأحواله، فأظهر الطعن فيه، وقال إنه أضاع أمور المسلمين
#1 (1)
ثار نفاث على الإمام الأفلح، واستجاب الناس لدعوته، بعد أن أرهقتهم الرسوم والجبايات التي يحصلها عمال الإمام، وشدتهم في معاملة الرعية (2). وبلغت الثورة حداً جعلت الناس يخلعون العمال مما اضطر أفلح إلى أن يكتب إلى رعيته " ومن عاب أحداً من عمالنا بخصلة من الخصال، أو أنكر عليه شيئاً فليرفع ذلك إلينا، فنكون نحن الذين يغيرون (3) ".
واعتمد أفلح سياسة التودد إلى نفاث، وأثمرت هذه الجهود في تثبيط عزيمة نفاث وخاصة بعد تصدي مشايخ نفوسه الحركته، فاضطر نفاث إلى الرحيل إلى بغداد وانكب على دراسة كتب المذهب، ولما عاد وجد أتباعه قد تفرقوا (). فما كان منه.، إلا أن " تاب ورجع عن مسائله التي خالف فيها
(1) ـ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 68.
i (4)
(2) ـ أنظر، الباروني: الأزهار الرياضية، ص 198 - 199.
(3) - الباروني: المرجع السابق، ص 203.
) - أورد الدرجيني مثلاً يدلّل به على دور نفوسة في مقاومة حرة ركة نفاث جاء على لسان ابن أخت لنفات
أتاه فقال له: عبر لي رؤيا رأيتها، رأيت رجلاً جمع شعيراً فجعله في صرة كبيرة فرقي سنور أعلاها، فقال له ذلك رجل جمع. علوماً فاستولى عليه الشيطان، فقال أنت هو الرجل يا خالي.
(أنظر، الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 79).
(4) - الباروني: الأزهار الرياضية، ج 2، ص 210.
01 (1/69)
صفحة 70
نستشف من المصادر الإباضية أنّ نفاثاً كان ثائراً على ظلم الإمام وعماله، لأنّ تركته لم تأخذ طابعاً عسكرياً، وإنما أخذت طابع الجدل والنقاش.
ويذهب محمود عبد الرازق إلى القول بأنه " على الرغم مما تورده المصادر الإباضية من تفسير لحركة نفاث، باعتباره مارقاً على الإمامة لأسباب ودوافع ذاتية، فإنّ ذلك لا ينفي قط كون نفاث ثائراً صاحب آراء واجتهادات في المذهب الإباضي وداعية لإنقاذ الإمامة الإباضية مما تردّت فيه من امتهان على عهد أئمة بني رستم، فقد آلت الإمامة إلى أفلح بن عبد الوهاب تواً بعد وفاة أبيه سنة 208 هـ /823 م. مما يؤكد استمرار مبدأ الوراثة واختفاء مبدأ الاختيار في الحكم الرستمي) ويؤكد هذا الرأي أن آراءه ظلت بين الناس، تعتنقها وتدافع عنها حتى نهاية
القرن الخامس الهجري
(2)
#1 (1)
وإذا كانت هذه الفرقة قد انقرضت، و لم يبق لها أثر، إلا أنها تركت " بصماتها على التاريخ الإباضي، وخاصة في الجانب العقدي عند فرقة تشكلت ذات يوم تحت لواء ومنطلقات المعتقد الإباضي في الإسلام (3) " خاصة أن المسائل التي انتحلها "لا أصل لها، ومنها زعمه أنّ الخطبة، بدعة، ومنها قوله أنّ الأخ الشقيق أولى بالميراث من الأخوة للأب، وأنهم يحجبونهم
(1)
" (E)
وتنسب إلى نفاث الآراء والمسائل التالية:
1 - إِنَّ الله هو الدهر، فلما سئل عن ذلك قال هذا وجدته في الدفتر، يعني الكتاب
المسمّى بهذا الإسم.
2 ـ أنكر خطبة الجمعة وقال إنها بدعة
عبد الرزاق، محمود إسماعيل: الخوارج في المغرب،، ص 167
(2) ـ أنظر , LEWICKI,T: Melanges berberes Ibadites, p 270, Revue islamique
(2)
(4)
،
طعيمة، صابر: الإباضية، ص 56.
- الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 79.
Année 1936,Cahier 3, Paris 1936.
02 (1/70)
صفحة 71
ـ أنكر على الإمام استعمال العمال والسعاة لجباية الحقوق الشرعية ومطالب بيت
مال المسلمين من الرعايا.
4 ـ ابن الأخ الشقيق أحق بالميراث من الأخ للأب.
ه - إنّ المضطر بالجوع لا يمضي بيع ماله إلا إذا باعه لأجل ذلك وعلى من شهد
مضرته تنجيته
6 - إن الفقد لا يتحقق إلا فيمن تجاوز البحر.
- إنّ الإمام إذا لم يمنع رعيته من جور الجورة وظلمهم، لا يحل له أن يأخذ
الحقوق التي جعل الله عليهم لضعفه عن الدفاع عنهم
•
- من أعطى لعامل أفلح الزكاة، فكمن أعطاها لنوبار ملك السودان
9 - أفلح غفل واتبع الصيد، وضيع أمور المسلمين (1)
- الفرقة الحسينية:
أحمد
بن
لم تدخل هذه الفرقة في صراعات سياسية أو حزبية، ومؤسس هذه الفرقة الحسين الطرابلسي. ()، كان له العديد من الكتب والمقالات التي انتشرت بين أتباعه، وقد عرف أحمد بن الحسين باسم الضليل لأنّه ضل بآرائه عن المذهب الإباضي، وأن مسألة السخط والرضا " قد وقعت عند من وقعت من أهل الدعوة من كتاب أحمد بن الحسين الضليل، فرسخت في قلوبهم، ودانوا بها فضلوا وأضلوا (2) ".
(1) ـ يعرض علي يحيى معمر لآراء نفاث ويناقشها في كتابه الإباضية بين الفرق الإسلامية، ج 2،
ص 24 - 29.
للإطلاع على آراء نفاث راجع كتاب الأزهار الرياضية، ص 195 - 196.
() - أحمد بن الحسين الطرابلسي، عاش في القرن الثالث الهجري، لم يعرف تاريخ مولده ووفاته.
(2) ـ الدرجيني:
: طبقات المشائخ، ج 2، ص 476 - 477
53 (1/71)
صفحة 72
وذكر المارغني آراء هذه الفرقة، التي يمكن إيجازها على النحو التالي:
1 - لا يشرك من أنكر غير الله تعالى.
2 - حكموا بتشريك المتأوّلين المخطئين من فرق الأمة.
3 - الحب والرضا والولاية والعداوة والسخط أفعال الله وليست بصفات له
4 ـ يسع جهل معرفة محمد عليه الصلاة والسلام، وليس على الناس إلا معرفة المعبر
عنه [هكذا].
ه ـ أباحوا الزنا وأخذ الأموال لمن أكره على ذلك يتقي بها ويغرم بعد ذلك 6 - الحرام المجهول معاقب عليه
- فرقوا بين الأسماء والأحكام فسمّوا اليهود منافقين، وسموا المتأولين مشركين، وأجازوا السبي وأحلوا النكاح منهم، وهم عندهم مشركون فيما زعموا. - حجة الله تنال بالفكر في دين الله اضطراراً.
9 - لا يجوز أن يبعث الله رسولاً إلا بعلامة يعرف بها ويفرز عن غيره ولا يكون
حجة إلا بها.
10 - لم ينه الله المشركين والبالغين عن غير الشرك، و لم يأمرهم بغير التوحيد، فإذا وحدوا لزمتهم جميع الفراض، ونهوا عن جميع المعاصي.
11 - العقلاء يتفاضلون في التكليف والاستطاعة ولا يتفاضلون في العقل
12 - خوف الرسل خوف إجلال لا خوف عقاب.
13 - تجوز الولاية والبراءة بشرط.
14 - أهل الجنة يخافون ويرجون، والموتى تأكلهم الأرض إلا عجـ عجب الذنب
(1) ـ أنظر،، 1 - المارغني: فرق الإباضية الست، ص 6 - 7.
2 - طعيمة، صابر: الإباضية، ص 62 - 63.
- معمر، علي يحيى: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 32 - 33.
(1) (1/72)
صفحة 73
ويبدو
أن
وتتفق آراء هذه الفرقة مع فرقة أخرى تسمى العمدية أصلهما كان واحداً، ولكن أئمتها اختلفوا فقال بعضهم بمقالات تقترب من
الإباضية، وقال آخرون بمقالات تقترب من المعتزلة، وإذا كانوا حسينية وعمدية، فإنهم يبتعدون عن جميع الأطراف، وآراؤهم تخرجهم من
الإسلام (1)
ه - الفرقة السكاكية:
صاحب هذه الفرقة هو عبد الله السكاك، من قبيلة لواته " وكان أبوه رجلاً صالحاً فأسلمه إلى المؤدّب فقرأ وحفظ القرآن الكريم، ثم أخذ في طلب العلم فنال منه دقائق واحترف الصياغة، فكان صائغاً ماهراً، ويبدو أنه جمع علماً ومالاً فأغراه الشيطان وسولت له نفسه أن يعمل للظهور، فخالف المسلمين في مقالات قطعوا فيها عذره فحكموا عليه بالشرك، وتساهل بعضهم قليلاً، فحكموا عليه
بالنفاق
" (2)
وتروي المصادر الإباضية أنّ والد السكاك "توجه إلى الحج قبل أن يولد أبد () الله، فلما كان في بعض الطريق رأى في منامه أن قد ولد شيطان، فلما قضى حجه ورجع إلى أهله وجد مولوداً له فسمّى أبد الله (3) ".
وكان أتباع السكاك إذا قرب وقت الصلاة خرجوا متجنبين عن الناس إلى
مفاحص قد هيّؤوها لأنفسهم، فيصلون فيها فرادى
(1) ـ أنظر، 1 - المارغني: فرق الإباضية الست، ص 6.
(2)
(T)
(4)
2 - معمر، علي يحيى: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ج 2، ص 33. معمر، علي يحيى: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ج 2، ص 34.) - أبد الله هو عبد الله، وأطلق عليه اللقب لآرائه المخالفة للإباضية. الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 118.
(4) ـ أنظر، الدرجيني: المصدر السابق، ص 118 - 119.
55 (1/73)
صفحة 74
وكان الإباضية في قسطيلية يصلّون على جميع موتى أهل القبلة كلهم من المخالفين وغيرهم إلا أصحاب السكاك، فإنهم من مات منهم جعلوا في رجليه مرابط
وجروه بها إلى موضع يوارونه فيه (1)
والمسائل التي خالفت فيها السكاكية هي:
1 - أبطلوا السنّة ورأي المسلمين، وزعموا أن الله أغنى عنهما أولي العقول والألباب بكتابه العزيز، فليس من رأي ولا من سنة.
2 - إن الصلاة جماعة بدعة
- إن الأذان، بدعة، فإذا سمعوا الأذان قالوا نهق الحمار:
- الصلاة لا تجوز بما لا يعرف معناه وتفسيره من القرآن.
ه - إن بقول الجنات مما ينبت في سماد بني آدم كلّ ذلك نجس بنجاسة ما نبت عليه. 6 - إن الصلاة لا تجوز بثوب فيه قمل.
- إنّ بول الدواب في الأندر حين درسها إياه نجس فلا يطهر ما بالت عليه إلاّ
بالغسل (2)
ويذكر الدرجيني أنّ هذه الفرقة قد فني أصحابها، " فلم يبق لهم بقية، وهم لم يتجاوز مذهبهم قنطنار كحال الفرئية لم يتجاوز مذهبهم وارجلان حتى في الفريقان إلى غير رحمة الله (3) ".
6 - الفرقة الفرثية:
تنتمي. هذه الفرقة إلى أحد أفراد الأسرة الرستمية، إلى أبي سليمان بن يعقوب بن أفلح بن عبد الوهاب، أقام في وارجلان بعد سقوط الدولة الرستمية، واطلع
(1) ـ أنظر، الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 119.
(2) ـ أنظر، الدرجيني: المصدر السابق، ص 118.
(3)
الدرجيني: المصدر السابق، ص
119 (1/74)
صفحة 75
على كتب الحسينية ومقالاتهم، تما حمل والده على أن " يقول لأهل وارجلان: إحذورا هذا، فإنّه قرأ ديوان أحمد بن الحسين (1) ". وأخذ يفتي بخلاف رأي
الإباضية منها قوله أنّ فرث الأنعام نجس، وإلى هذه المسألة ينسب فكان يقال له الفرثي لهذا السبب
(2)
و لم يفلح علماء الإباضية في إقناع أبي سليمان ببطلان دعوته، والمسائل التي أفتى بها أبو سليمان بخلاف ما عليه المذهب الإباضي سبع مسائل
هي
1 - إنّ فرث الأنعام نجس، وما طبخ فيه من طعام.
2 - تحريم أكل الجنين
- نجاسة عرق الجنب.
4 - نجاسة عرق الحائض.
ه - نجاسة دم العروق المستبطنة للظهر بعد ذكاة الشاة
6 - صوم يوم
الشك
7 ـ لا تعطى الزكاة إلا للقرابة، أي قرابة المزكي (3)
- الإباضية بعد سقوط الدولة الرستمية:
•
حاول الإباضية بعد سقوط الدولة الرستمية تجميع صفوفهم.
في وارجلان، ومبايعة يعقوب بن الإمام أفلح بالإمامة بعد خروجه مع أصحابه بعيالهم من تاهرت هرباً من أبي عبد الله الشيعي، لكن أبا يعقوب رفض وقال: لا يستتر الجمل بالغنم، فصار مثلاً. وطلب من أتباعه أن يتفرقوا بالبلاد، وقال لهم:
(1) ـ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 106 (2) ـ أنظر، الدرجيني: المصدر السابق، ص 106.
(3) ـ أنظر، الدرجيني: المصدر السابق، ص.
108
07 (1/75)
صفحة 76
إنكم لا يجتمع منكم ثلاثة نفر إلا كان عليهم الطلب، افترقوا فقد انقطعت أيامكم وزال ملككم (1).
توجه يعقوب بأتباعه بعيداً عن الدولة الفاطمية، فنزل القرى في منطقة وادي ميزاب، وعاش الإباضية في أماكن تجمعاتهم التي انتقلوا إليها دون أن يكونوا لأنفسهم كياناً سياسياً، وإنما يعيشون حتى أيامنا الحاضرة تحت نظام العزابة، وهذا النظام يحمل جميع مزايا الحكم الشوري باستثناء منصب الخليفة
أو الإمام.
- أماكن وجود الإباضية:
أدت الضغوط المتلاحقة على الإباضية، إلى تقلّص التجمعات الإباضية في الشمال الإفريقي، ففي ليبيا تقلّص نفوذ الإباضية إلى جبل نفوسه وزواره. وشكلوا في كل قرية أو مدينة مجلس مشايخ، ومن رؤساء جميع المجالس كونوا المجلس الأعلى للعزابة، وجعلوا مقر اجتماع المجلس الأعلى للعزابة في الجبل في مدينة جادو. وقد تم اختيار هذه المدينة لتوسطها بين مناطق الإباضية في الجبل (2)
وتقلّص نفوذ الإباضية في تونس إلى جزيرة جربة، والجزيرة يوجد فيها إلى جانب شيخ العزابة شيخ آخر يطلق عليه اسم شيخ الحكم، وهو يتولى الشؤون الإدارية والسياسية والعلاقات الخارجية للجزيرة، في حين يتولى شيخ العزابة الشؤون الدينية والاجتماعية باسم مجلس العزابة (3)
(1) ـ أنظر، الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 105. (2) ـ أنظر، معمر، علي يحيى: الإباضية في الجزائر، ص 279.
) - أنظر
، معمر، علي يحيى: الإباضية في تونس، ص 421 وما بعدها، سلطنة عمان، مكتبة الضامري،
ط 2، 1993
08 (1/76)
صفحة 77
لجأ الإباضية في الجزائر إلى مكان يحميهم من غارات الأعداء،
مسالك
فوقع اختيارهم على بقعة صحراوية بعيدة عن الأنظار، وبمعزل عن البدو ومراعيهم طلباً للأمن وذلك بوادي ميزاب " وهي عبارة عن سهل
يابس تكسوه الرمال تحده من جانبيه جبال صخرية، وهناك شيدت مدن
:
ميزاب العريقة على التوالي العطف 1014 م ثمّ بنوره 1046 م ثم غردايه 1048 م، ثمّ بني يزجن 1314 م ثلاثة قرون من بعد الأولى، ومليكة 1350 م، وأخيراً القرارة 1631 م، وبريان 1690 م.
توافدت إليها جماعات من جربه و نفوسه و تاهرت وربما وجد فيها البصريون والكوفيون ومن كل الفئات الإباضية التي تواجدت في المغرب وكلّ ما يجمعها
مصير و واحد وهدف واحد
" (1)
وطبق الإباضية في الجزائر نظام العزابة، وشيخ العزابة في
الوادي هو الذي يعلن الاتفاقات التي تصدر عن المجلس، وليس له أن يصدر أمراً إلى جميع سكان الوادي دون الرجوع إلى المجلس
واتخاذ القرار فيه
ويربط بين هذه التجمعات الإباضية في كلّ من جبل نفوسه وجزيرة
جربه ووادي ميزاب مجلس أعلى للعزابة، وتكون له الكلمة النافذة على جميع المجالس، وشيخ واحد يتولى تنفيذ قرارات المجلس مع اختلاف بسيط في
الاختصاصات
(2)
(1)
ابن يوسف، إبراهيم: الحكم والسياسة في الإسلام من منظور الإباضية، ص 53، الجزائر، مطبعة
تقنية الألوان 1991.
(2) ـ أنظر
، معمر، علي يحيى: الإباضية في الجزائر، ص 261 و 263 و 410.
09 (1/77)
صفحة 78
أئمة الظهور عند الإباضية
أ - أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني.
(140 هـ / 757 م) (144 هـ / 761 م).
ب ـ الدولة الرستمية (160 هـ / 777 م) (297 هـ / 909 م). 1 - عبد الرحمن بن رستم (160 هـ 777 م) (171 هـ / 790 م)
2 ـ عبد الوهاب بن عبد الرحمن (171 هـ / 790 م) (208 هـ /823 م).
- أفلح بن عبد الوهاب (208 هـ / 823 م) (258 هـ / 871 م).
4 ـ أبو بكر بن أفلح 5 ـ أبو اليقظان محمد بن أفلح 6 ـ يعقوب بن أفلح
(258 هـ / 261 هـ)
(261 هـ /281 هـ)
(281 هـ / 284 هـ)
(871 م / 874 م) (874 م / 894 م) (894 م / 798 م)
حكم أربع سنوات بعد خروج
الإمام أبي حاتم من تاهرت
- أبو حاتم يوسف بن أبي اليقظان
(281 هـ / 294 هـ)
(894 م / 906 م)
- اليقظان بن أبي اليقظان
(294 هـ / 297 هـ)
(906 م / 909 م)
60 (1/78)
صفحة 79
- استنتاجات:
نمت الدعوة الإباضية في بيئة بربريّة في الشمال الإفريقي، واعتنق البربر
" المذهب الخارجي الداعي إلى المساواة احتجاجاً على تصرف بعض الولاة، فاعتنقوا مذهبين: المذهب الصفري الذي يمثل النزعة اليسارية [التطرف]، والإباضية التي هي أكثر اعتدالاً (1) ".
واستطاعت الدعوة الإباضية إقامة دولة إباضية في منتصف القرن الثاني الهجري (160 هـ 297 هـ) (777 م 909 م وتمكّن الأئمة الرستميون من كسب ثقة البربر بفضل بساطتهم وتقواهم وعلمهم، وأصبحت تاهرت " مركزاً مهماً للدراسات الإسلامية
وفقاً للمذهب الإباضي
" (Y)
و لم تستمر هذه الدولة أكثر من قرن ونصف من الزمان، ونرى أن سقوط هذه
الدولة يعود إلى الأسباب التالية:
(1)
(2)
1 - ثورات البربر المتلاحقة: تلاحقت ثورات البربر، بعد انتشار مذهب الخوارج، وأدّت هذه الثورات إلى ضعفهم، وبخاصة بعد معركة "مانو" (283 هـ / 896 م) التي كانت بمثابة الضربة القاضية للدولة الإباضية، والتي لم تمكنها فيما بعد من مواجهة الجيوش الفاطمية بقيادة أبي عبد الله الشيعي، وفر أبو يوسف يعقوب، آخر الأئمة الرستميين مع أفراد أسرته وأعيان دولته إلى سدراته قرب وارجلان، وهناك حاول الإباضية تأسيس دولة جديدة، لكن الظروف لم تكن مواتية، ولم تتحقق هذه الأمنية منذ ذلك التاريخ، وبهذا دخل الإباضية في مرحلة الكتمان. من جديد
(3)
باجية، صالح: الإباضية بالجريد في العصور الإسلامية الأولى، ص 29، دراسة للحصول على شهادة الكفاءة للبحث العلمي، تونس، الجامعة التونسية، دار بو سلامة 1396 هـ / 1976 م.
- باحية، صالح: المرجع السابق، ص 30 ..
(3) ـ أنظر، جهلان، عدون: الفكر السياسي عند الإباضية، ص 47. (1/79)
صفحة 80
2 - أخذ علماء المذهب المالكي، على عاتقهم الردّ على أهل البدع، وبخاصة
القائلين بنفي رؤية الله تعالى يوم القيامة، وبخلق القرآن، وتقول بهما المعتزلة
والإباضية،
ومن
أمثلة هذا الردّ، أن أسد الفرات (142 هـ / 217 هـ)
بن
(759 م /828 م) كان يجلس للتفسير ويتلو الآية:
و فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِني أنا اللهُ إِله إِلا أَنا فَاعْبُدْنِي)). ويقول " ويل لأهل البدع، هلكت هوالكهم، يزعمون أنّ الله عزّ وجلّ خلق كلاماً يقول ذلك الكلام المخلوق: لا إله إلا أنا. وعن ابن الحداد قال: حدثت عن أسد أن أصحابه كانوا يقرأون عليه يوماً في تفسير المسيب بن شريك، إلى أن قرأ القارئ وجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضرة إلى ربها (2)) وكان سليمان بن حفص جالساً بين يديه، فقال له: يا أبا عبد الله من الانتظار، وكان إلى جانب أسد نعل غليظ، فأخذ أسد بتلابيبه، وأخذ بيده الأخرى نعله وقال: أي والله يا زنديق لتقولنها أو لأبيضن عينيك! قال نعم ننظره (3) ".
،
3 - إنتشار الدعوة الفاطمية بين قبيلة كتامة البربرية، بعد أن ابتدع أبو عبد الله الشيعي رواية عن كتامة ونسبها إلى آل البيت، وتقول الرواية يا أهل كتامة، إنكم أصحاب دعوتنا والمدلّون بحجتنا والمقيمون لدولتنا، وعلى أيديكم سيظهر الإمام العادل، ويفتح بكم الدنيا، فيجمع لكم خيرها ونعيم الآخرة "
(4)
وأدى ذلك إلى اقتتال البربر بسببه، فأضعفت الحروب الداخلية البربر، وعملت على تفتيت قواهم بعد اعتناقهم نحلة مخالفة للنحلة الإباضية.
- سورة طه، الآية 13 - 14.
- سورة القيامة، الآية 22 - 23.
المالكي:: رياض النفوس، ج 1، ص 182.
أنظر،، 1 - ابن عذاري: البيان المغرب، ج 1، ص 126 2 - الثعالبي، عبد العزيز: تاريخ شمال إفريقيا، ص 314.
- أمين، أحمد: ضحى الإسلام، ج 3، ص 208 - 271، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية 1956.
62
(1)
(2)
(3)
(4) (1/80)
صفحة 81
- حرص المذهب المالكي في الشمال الإفريقي على الاحتفاظ بالسيادة في بلاد المغرب. ولم يتمّ له ذلك إلا بعد تحجيم المذهب الفاطمي والمذهب الإباضي.
شهر
وتمكن المذهب المالكي من القضاء على الدعوة الفاطمية في المغرب، ففي المحرم من عام 407 هـ /1016 م " قتلت الشيعة بجميع بلاد إفريقية، وكان سبب ذلك أن المعز بن باديس ركب ومشى في القيروان، والناس يسلمون عليه ويدعون له. فاجتاز بجماعة، فسأل عنهم، فقيل هؤلاء رافضة الله عن أبي بكر وعمر،
يسبون أبا بكر وعمر ـ ت ـ فقال: رضي
-
فانصرفت العامة من فورها إلى درب القاضي من القيروان وهو مكان تجتمع به الشيعة، فقتلوا منهم وكان ذلك شهوة العسكر وأتباعهم طمعاً في النهب وانبسطت أيدي العامة في الشيعة (1) ".
انصرف المذهب المالكي، بعد القضاء على الشيعة في المغرب، إلى إعادة الإباضية إلى حظيرة المذهب المالكي.
ه ـ أدت الانشقاقات في المذهب الإباضي إلى تمزق الحركة الإباضية، ولم نجم لدى المؤرخين الإباضيين " إجابة واضحة ومحددة عن سر ذلك الانشق المذهبي والطرائقي الذي حدث في مجتمع الإباضية من وحدة نشأة التفكير والمعتقد، خاصة أنه قد تطوّر ذلك الانشقاق حتى أنف المؤرخون الإباضيون أن يعتبروا بعض هذه الفرق منتمياً للمذهب الإباضي أو من أمة الإسلام (2) ".
6 - نزوح القبائل العربية من أرض.
مصر
إلى بلاد المغرب منذ عام 440 هـ / 1048 م واستوطنت هذه القبائل الجزائر مما دفع بالجماعات الإباضية إلى جنوب
ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 8، ص 114.
- طعيمة، صابر: الإباضية، ص 68
63
(1)
(2) (1/81)
صفحة 82
الجزائر، وترك أماكنها إلى القبائل العربية المندفعة من الشرق، وبلغ عدد
المقاتلة
ألف (1)
من
هذه القبائل وغيرهم من شيوخ ونساء وصبيان بنحو تسعمائة
ـ إن ما عاناه الإباضية من منازعات وحروب داخلية بينهم وبين الفرق الإسلامية الأخرى، وما اتسم به الإباضية من انغلاق بعد فعولات المذهب المالكي، والحماس إلى درجة التعصب، كل هذا جعل المذهب الإباضي في العصور الإسلامية الأولى لا يجد الوقت للراحة ولا الاستقرار للنضج والتطوّر الكامل حيث كان عرضة للاضطهاد، ولذلك انشغل الإباضية عن الفتوح، إلى الوقوف موقف المتظلم والمدافع عن
النفس
(2)
(1) - أنظر، الميلي، مبارك بن محمد: تاريخ الجزائر في القديم والحديث، ص 202.
(T)
أنظر،، باجية، صالح: الإباضية بالجريد، ص
07
64 (1/82)
صفحة 83
الفصل الثاني
أهداف التربية عند الإباضية ووسائلها
الأهداف:
1 - الإمامة:
أ ـ مكانة الإمام في المذهب الإباد
ب ـ أسباب وجود الإمام الإباضي.
ج - الإمام هو الذي يشرف على نشر الدعوة.
د - ألقاب الإمام.
2 - العقيدة:
أ - الإمامة الإباضية هي الإمامة الشرعية.
ب - الصفات
ج - خلق القرآن
د - نفي الرؤية.
•
- إعداد الدعاة:
أ - مراعاة الدور الذي يقومون بـ
ب ـ الاهتمام بأحوال القلب
ج ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
د ـ مشاركة الناس في حياتهم.
هـ ـ الأخوة في الدين أقوى من النسب (1/83)
صفحة 84
إستنتاجات
الوسائل:
4 - التشبث بالأرض:
أ - العمل الزراعي.
ب - تربية الأبناء على حب الأرض.
ج - عدم هجرة الأرض.
1 - التجارة:
أ ـ نشر الإسلام في غرب إفريقية.
ب ـ أول داعية إباضي.
ج - مناقشة نشر الإسلام في إفريقية.
2 - التقية:
أ - التقية عند الشيعة والإباضية.
ب - تطبيق التقية
ج - مناقشة التقية.
3 - الحج.
4 ـ المناظرة:
أ ـ مناظرة المعتزلة
ب ـ مناظرة غير المسلمين
ج - مناظرة أهل السنة والجماعة.
د - مناظرة الإباضية
66 (1/84)
صفحة 85
استنتاجات
ه - خطب الجمعة:
- أهمية خطبة التحكيم في نشر المذهب
6 - تأليف الكتب
7 - الرسائل:
ا - رسائل في توضيح أمر الشريعة.
ب - رسائل في الأمور الدينية.
ج - رسائل في الردّ على المخالفين
د - رسائل في الوعظ والإرشاد.
67 (1/85)
صفحة 86
أهداف التربية عند الإباضية ووسائلها
بدت ملامح النظام التربوي الإباضي في الشمال الإفريقي واضحة المعالم في الدولة الرستمية، التي جعلت من تاهرت عاصمة فكرية تحرص على استقبال
العلماء، وتناقش آراءهم وتدعوهم إلى تبني أهدافها وحمل دعوتها الداعية إلى الأهداف
التالية:
1 - الإمامة
كان الخلاف حول الإمامة السبب الرئيسي في سحب تأييد فرقة من المسلمين للخليفة علي بن أبي طالب الله، وأطلقوا على أنفسهم المحكمة، ومن هؤلاء الإباضية، الذين " يرون أنفسهم الممثلين الحقيقيين للأمة الإسلامية، وأنّ الإمام يجب أن يختار من بل الأمة اختياراً حراً بعيداً عن اعتبارات الأهل أو القبيلة أو الجنس، وأن الأمة تحتفظ ق عزل الإمام إذا أخل بشروط العقد بينه وبين الجماعة (1) ".
ا - مكانة الإمام في المذهب الإباضي:
لا يفصل الفكر السياسي الإباضي بين الدين والدولة، ويعطي الإمامة دوراً مميزاً، والدليل على ذلك نظرية مسالك الدين، التي تقتضي وجود إمام في مختلف الظروف والأحوال ويعني ذلك أنّ الإمامة الإباضية هي إمامة روحية وسياسية واجتماعية
وإذا كانت الإمامة عند الشيعة من صلب العقيدة " وذهابهم إلى تعيين الإمام بالنص لا باختيار، وإلى عصمة الإمام واستناده إلى الالهام في أمره ونهيه، وفقهه للكتاب والسنة (2) "، فإنّ الإمامة عند الإباضية فرض " لفرض الله الأمر والنهي والقيام بالعدل
(1) ـ العقيلي: محمد رشيد: الإباضية في عُمان وعلاقتها مع الدولة العباسية في عصرها الأول، ص 16، سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة، د. ت.
(2)
- عثمان محمد فتحي: من أصول الفكر السياسي الإسلامي، ص 366، بيروت، مؤسسة
الرسالة د. ت.
68 (1/86)
صفحة 87
وإقامة الحدود، على ما بيّنه في كتابه، فاجتمعت الإمامة على هذه الحدود، مع وجوبها، لا تقام إلا بالأئمة وولاتهم، فثبت أنّ عقد الإمامة على المسلمين واجب وحق لازم (1). ".
وإذا كان الذي دعا إلى تنصيب الإمام عند الشيعة هو جواز الخطأ من الأمة، فإذا جاز الخطأ أيضاً من الإمام لاحتجنا إلى هاد آخر، وهو مثله فيلزم ذلك التسلسل،، وإلا
وأنّ الإمام هو حافظ الشريعة، فيلزم أن يكون معصوماً حتى يؤمن على حفظها، احتاج إلى حافظ آخر، وهذا يعني تنزيه الإمام عن الخطأ والإنحراف (2)
فإنّ الذي دعا إلى تنصيب الإمام الإباضي هو أنّ الأمر والنهي لا يتمان إلا بإمام عادل، فنصبه واجب إذا كان المسلمون على نصف عددهم الذي يتقون شوكته، ويردّ على القائلين بأنّ الناس إذا توفرت مصالحهم الدينية والدنيوية فإنّ الحاجة إلى نصب الإمام غير واردة، والدليل على ذلك أنّ أهل البادية الخارجين من أحكام السلطان قد انتظمت أحوالهم بلا إمام؛ فإنّ ضرر عدم نصب الإمام أكثر، لأنّ كثيراً من الناس ينقاد إلى مثله، فكيف إلى من أعظم، وإذا كفر لم يترك على كفره، فقتاله مأمور به شرعاً (3).
ب - أسباب وجود الإمام الإباضي:
إن أحكام الشريعة في المفهوم الإباضي " منوطة بالإمامة التي لا تقام إلا معها، فكل ما كان من الفرض لا يتم إلا به، فهو فرض مثله، والأمة لا تجتمع على شيء ثم تختلف فيه (4) ".
ولا يمكن تطبيق الشريعة في المذهب الإباضي إلا بوجود إمام
للأسباب التالية:
(1) ـ الإباضي، أبو عمار عبد الكافي: الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال في الرد على أهل الخلاف، ج 2، ص 223، تحقيق عمّار الطالبي بيروت مطابع الشروق 1978.
(2) ـ أنظر، أمين، أحمد: ضحى الإسلام، ج 3، ص 226.
(3) ـ إطفيش، محمد بن يوسف: شرح عقيدة التوحيد بخط الحاج محمد بن الحاج صالح، ص 226، الجزائر، طبعة حجرية 1328 هـ. (4) ـ الإباضي عبد الكافي: الموجز، ج 2، ص 234.
79 (1/87)
صفحة 88
- إنّ قتال أهل البغي لا يحل إلا بوجود " إمام قائم بعد أن يدعوهم إلى الدخول في دين
المسلمين ـ الإباضية ـ والخروج عمّا هم عليه من الباطل.
" (1)
- لا يحق للإباضي أن يرفع قضيته إلى حاكم غير إباضي إلا إذا توفرت فيه ست خصال
هي:
1 ـ " أن يكون معه على حقه بينة عادلة
2 - أن يكون الذي عليه الحق عالماً بالذي عليه أو بعدالة البينة.
- أن يكون ذلك الحاكم مما ليس فيه اختلاف بين المسلمين.
4 ـ أن يكون مذهب الحاكم في ذلك الحكم موافقاً لمذهب المسا
الإباضية -.
ه ـ لا يجوز لأحد من المسلمين - الإباضية - في زمان الفتنة أن يحكم بين أحد إلا في خصلة واحدة وهي أن يحكمه الخصمان.
6 ـ ولا يجوز لإباضي أن يتولّى حكماً بإذن من سلطان جائر إلا في
خصلتين:
أحداهما أن يأمره أن يزوج امرأة، فإنه جائز له ذلك إذا علم أن ليس لها
ولي ولا زوج ولا عُدة من زوج.
ثانيتهما أن يوكله ليتيم لا وصيّ له من أبيه ولا أهل له من المسلمين، فإنّ
ذلك جائز.
" (Y)
ويبدو من هذه الخصال أنه لا يحق لأحد من الإباضية التعاون مع أنظمة لا تتبع
المذهب الإباضي، أو لا يحكم فيها بالفقه الإباضي.
(1) ـ ابن قيس أبو إسحاق إبراهيم: مختصر الخصال، ص 193، سلطنة عُمان، وزارة التراث القومي
والثقافة 1404 هـ / 1984 م.
(2) ـ ابن قيس: المصدر السابق، ص 196
70 (1/88)
صفحة 89
ج - الإمام هو الذي يشرف على نشر الدعوة:
يوجه الإمام في المذهب الإباضي الدعاة لنشر المذهب، وبخاصة بين الوثنيين.
" فالوثنيون واجب قتالهم حتى يدخلوا في الإسلام، لا يقبل منهم غير ذلك، والكتابيون واجب قتالهم حتى يدخلوا في الإسلام، أو يعطوا الجزية وهم صاغرون (
" (1)
والإمام هو الذي يجمع الجزية، والتي يحددها الفقه الإباضي بأربعة دراهم في الشهر على الذمّي إن كان غنياً " وإن كان وسطاً فدرهمان، وإن كان فقيراً فدرهم إلا
في خمس خصال:
" أحدهما أن يكون عبداً، الثاني أن يكون امرأة، الثالث أن يكون صبياً أو مجنوناً، الرابع أن يكون شيخاً كبيراً، الخامس أن يكون راهباً، قال وأما أهل الكتاب من العرب، فعليهم في أموالهم ضعف ما على المسلمين من الزكاة، ولا جزية عليهم من غير ذلك، إن كان على المسلمين في ذلك المال العشر، كان عليهم الخمس، وإن كان على المسلمين نصف العشر كان عليهم العشر ونحو ذلك (2) ".
والأحكام في المذهب الإباضي بحاجة إلى وجود إمام لتنفيذها، وتتعطل هذه
الأحكام في حال عدم تنصيب إمام.
د - ألقاب الإمام:
يرى الإباضيّة أنّ الإمامة والخلافة والإمارة والرئاسة عبارات مختلفة في اللفظ
متفقة في المضمون العام، وهي " رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا لشخص، وهي
خلافة
الرسول - - في إقامة الدين وحفظ حوزة الملة (3) ".
(1)
(2)
- ابن قيس: مختصر الخصال
، ص
191
ابن قيس: المصدر السابق، ص 192.
(3) ـ اطفيش: شرح عقيدة التوحيد، ص 437.
71 (1/89)
صفحة 90
ويرفض الإباضية أن يطلق على إمامهم اسم أمير المؤمنين، و "لعلهم تركوا ذلك لما
سمعوا الناس يقولون بأمير المؤمنين للفسقة والظلمة من الملوك العتاة والجورة الطغاة)
" (1)
لكن محمد بن يوسف اطفيش يبرّر عدم اطلاق لقب أمير المؤمنين على الإمام
الإباضي، بأنّ الإباضيّة " لم يكن لهم نفوذ منذ نشأتهم سواء في المشرق أو المغرب، فإنهم لم يتخذوا لأئمتهم هذا اللقب
" (Y)
وقد يطلق أحياناً على الإمام الإباضي لقب السلطان، وهو " كناية
عن الإمام ووجه التشبيه القدرة على إنفاذ الأمور والأحكام، قال تعالى
11 (?)
وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مبيناً)) (1)
لكن التسمية المحببة، والتي يطلقها الإباضية على إمامهم هي الإمام " لأن الإمام
حاكم عدل يعطي بحق ويأخذ بحق، أما الملك فيأخذ بحق، ويعطي بلا حق. أما السلطان المتسلّط الذي يأخذ بلا حق ويعطي بلا حق (5) ".
وهو
ويفضل الإباضية لقب الإمام، لأنه يدلّ على معنى الإقتداء، كاقتداء المأموم بأحكام الصلاة، فضلاً عما ورد في ذلك من آيات القرآن الكريم لقوله تعالى وَاجْعَلْنَا لِلمتقين إماماً)) وقوله تعالى و إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً)
(V)
إن هدف الإباضية الأساس هو إقامة دولة وفق الآراء التي نادوا بها، وخرجوا بها عن الخلافة الراشدة، ومع ذلك فإنهم يرون أنّ الدولة التي يسعون إليها هي " دولة إسلامية عادلة، دستورها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وإن لم تتحقق
(1) ـ ابن شامس: إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء، ص 53 .. إطفيش، محمد بن يوسف: شرح كتاب النيل وشفاء العليل، ج 14، ص 372،373، بيروت، دار الفتح، ط 2، 1972 م.
(2)
) - سورة النساء، الآية 153
(4) ـ الشماخي: مقدمة التوحيد وشرحها، ص 113.
(5) - اطفيش: شرح مقدمة التوحيد، ص 427
(6) - سورة الفرقان، الآية 74. (7) - سورة البقرة، الآية 124.
•
72 (1/90)
صفحة 91
الإمامة حينئذ، يجب تصحيح الأوضاع بمختلف الوسائل والأساليب، من الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، وإعلان الثورة ضدّ الجور والفساد، وانتهاج سياسة اللين والعمل في الخفاء على الاصلاح وتغيير المنكر بالتي. هي أحسن (1) ".
وبما أنّ الإمامة أساس لتطبيق الشريعة، ونشر الدعوة، فقد أجاز الإباضية
إقامة إمام بكل قطر، ولا يجوز إقامة إمامين في قطر أو مصر واحد لما يتولّد على ذلك من شتات الشمل واختلاف الكلمة وتنازع النفوذ، وهو ما استقرّ عليه العمل اليوم في سائر الأقطار الإسلامية (2) ".
ويؤيد ذلك واقع التاريخ، فقد عقدت الإمامة الإباضية في المشرق
لطالب الحق (2) في حين كانت إمامة إباضية في المغرب.
لقد لقي هدف الإباضية صدى كبيراً لدى البربر في المغرب، وبخاصة أن
الإباضية لا يقيدون الإمامة بعربي قرشي. وأنّ القرآن الكريم لا يشير إلى ذلك، بل يشي إلى طاعة ولي الأمر، إذا التزم بشرع الله تعالى، ودعموا رأيهم بقوله تعالى: وياتها الذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ (3)
royaume- HEIKH, BEKRI : Le Khorijisme berbere, quelques aspects du , p 60, annales de l'institut d'études orientales, Alger, université rustumides d'Alger, tome 15, 1975.
(1)
(2)
ن
- الثميني:، عبد العزيز: النيل شفاء العليل، ص 3، تحقيق عبد الرحمن بكلي، غردايه (الجزائر)، المطبعة
العربية، ط 3، 1969
مروان
هو عبد الله: بن عمر الكندي، أبو يحيى الملقب بطالب الحق، إمام إباضي من اليمن،، خلع طاعة ابن محمد، وبويع له بالخلافة واستولى على صنعاء ومكة المكرمة، اشتدّ خطره، فوجه إليه الخليفة الأموي جيشاً بقيادة عبد الملك بن محمد السعدي، ونشب بين الفريقين معركة انتهت بمقتل طالب
الحق، وكان ذلك عام 130 هـ / 747 م.
(أنظر،
، 1 - أبو زكريا: سير الأئمة، ص 132.
2 - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 2، ص 258 - 263
- الشماخي: السير، ج 1، ص 97).
(3) ـ سورة النساء، الآية 59
73 (1/91)
صفحة 92
وقوله تعالى:
أَن تُوَدُّوا الْأَسْلَمَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ بِمِمَّا يَضُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ
سميعاً بصيراً.
وتبرز أهمية الإمامة في المفهوم الإباضي، بظاهرة غياب المنبر في مساجد وادي ميزاب ووارجلان، وهذا له علاقة أساسيّة بنظرة المذهب الإباضي لأداء صلاة الجمعة
وشروطها.
ويعبر عبد الله السالمي عن أهمية الإمامة في المذهب الإباضي بقوله:
" والاهتمام بمصالح الورى فرض على كل امرئ ما قدرا
وإنه لا يصلح البرية شيء سوى العدل
مع
الرعية
والظلم لا تبنى عليه دار لأنه الخراب والبوار (2) ".
وفقد الإباضية بعد سقوط إمامتهم في الدولة الرستمية أهم شرط من شروط صحة صلاة الجمعة، حسب فقههم، وهو الإمام العادل، ففي غياب هذا الإمام الذي يعتبرونه الرئيس الديني والسياسي لجماعتهم، فقدت صلاة الجمعة أهمّ شرط من شروطها، لأنّ صلاة الجمعة لم تكن شعيرة دينية وحسب،، وإنما كانت أيضاً تجمعاً سياسياً (3)
2 - العقيدة:
يتفق الإباضية مع أهل السنة والجماعة على أنّ المصدر الأول للشريعة هو القرآن
الكريم، وأنّ السنة النبوية الشريفة هي المصدر الثاني.
(1)
- سورة النساء، الآية 58.
(2)
السالمي عبد الله: جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، ص 562، مصر، المطبعة العربية، 1344 هـ.
(2) ـ أنظر، ناصر، محمد: دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا، ص 56 ـ 57، سلطنة عمان، وزارة العدل والأوقاف والشؤون الدينية 1413 هـ / 1992 م.
74 (1/92)
صفحة 93
ويرون أن الإجماع هو المصدر الثالث إذا استوفى الشروط، وأن القياس هو
المصدر الرابع على الأسس المنصوص عليها في كتب الأصوليين، ويأتي بعد ذلك
(1)
الاستدلال والاستحسان والاستصحاب والالهام)
ولقد شدّد الإباضية في الدعوة إلى مذهبهم على
الأمور التالية:
أ - الإمامة الإباضية هي الإمامة الشرعية:
يعتقد الإباضية أنّ إمامتهم هي الإمامة الشرعية الصحيحة، فالمسلمون يقرون بأن خلافة علي بن أبي طالب ه ه ه ه ه ه ه هي الخلافة الشرعية، لكن عليا عنه أخطأ في القبول بالتحكيم. وبما أنّ المسلمين لا يمكنهم البقاء دون إمام، لذلك اختير عبد الله بن وهب الراسي إماماً للمسلمين.
ويؤكدون وجهة نظرهم برسالة علي الله الله إلى عبد الله بن وهب الراسبي، والتي
?
بين فيها خطأ الحكمين بقوله صل الله: م الله الرحمن الرحيم من أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب إلى زيد بن حصن وعبد الله بن وهب الراسبي، ومن معهما من المسلمين، سلا عليكم، فإنّي أحمد الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإنّ الحكمين الحكمين نبذا كتاب الله وراء ظهورهما وحكما بغير ما أنزل الله، فبرئ الله منهما ورسوله، وأنا منهما بريء فهلموا نعطيكم الرضى، ونرجع إلى الأمر الأوّل نقاتل عدونا وعدوكم حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين (2) ".
واعتبروا أن إقرار علي له بالبراءة من الحكمين يقضي الرجوع إلى الأمر الأول، وهو في نظرهم إعطاء البيعة لعبد الله بن وهب الراسبي، ولذلك ردوا على
(1) ـ أنظر، بدوي، إبراهيم عبد العزيز: دور المدرسة الإباضية في الفقه والحضارة الإسلامية، ص 723
(2) - الحارثي: العقود الفضية، ص
48
Yo (1/93)
صفحة 94
كتاب علي الله بقولهم " وصل إلينا كتابك تذكر أنّ الحكمين نبذا كتاب الله وحكماً بغير ما أنزل الله، فقد علمنا والحمد لله أنّ أمرهما كان مخالفاً للحق من أوله، وأنت بتحكيمك إياهما أعظم جرما منهما وذكرت أنك ترجع إلى الحق فتعطي الرضا وترجع إلى الأمر الأوّل، فلسنا نردّ عليك بتوبتك، فإن كنت صادقاً فيما دخل فيه المسلمون من
طاعة الله ورسوله الله، وإمام المسلمين عبد الله بن وهب الراسبي، فقد بايعناه بعد خلعنا إياك لاستحقاقك منا أن نخلعك ولا يسعنا إلا ذلك والسلام
" (1)
واستدلوا على أن خلافة بني أمية هي خلافة غير شرعية حين نقلوا عن ابن عباس " أنّ في ما اشترط علي ومعاوية - ه - كلّ منهما على صاحبه، أنه أيما رجل أحدث حدثا من أصحاب علي ـ ه - ودخل في دين معاوية - ه - وحكمه، فليس لعلي ـ ه ـ إقامة الحد عليه لدخوله في دين معاوية - ه - وحكمه، وأيما رجل أحدث حدثا من أصحاب معاوية - ه - ودخل في دين علي - ه - وحكمه، فليس لمعاوية - ه - إقامة الحد عليه لدخوله في دين علي ـ ه - وحكمه، فكيف يدخل في دين قوم قد أقروا على أنفسهم بأنه أحدث حدثا منهم فقر من حكم الله عليه، وكره إقامة الحد بأن يقول دخل في دين معاوية - ه - زال ذلك الحكم والحد عنه، وكيف يدخل في دين علي - ه - وأمره، كذلك وزاد بأن خلع نفسه من إمرة المؤمنين (2) ".
-
لذلك رفض الإباضية حكم بني أمية في المغرب، وقاموا بالثورات المستمرة ضد الدولة الأموية في المغرب، وبعد ذلك ضدّ الدولة العباسية والمؤيدين لها، و " روي ابن القطان في كتابة "نظم" الجنان في تاريخ القيروان أنّ عدد الوقائع التي تقاتل فيها العرب والبربر من لدن قتالهم مع عمر بن حفص إلى القضاء على فتنتهم 375 واقعة، وهي وقائع
منكرة لا يغتفرها لهم تاريخ.
(1)
" (3)
- الحارثي: العقود الفضية، ص 49.
(2) ـ الحارثي: المصدر السابق، ص 1
(1)
الثعالبي،
07
، عبد العزيز: تاريخ شمال إفريقية من الفتح العربي إلى نهاية الدولة الأغلبية، ص 18.
76 (1/94)
صفحة 95
ولم يعش البربر أحداث الخلاف بين علي ومعاوية له، بل تلقوا هذا الخلاف
من المصادر الإباضية واعتبروا كل إمامة غير الإمامة الإباضية باطلة.
ب - الصفات:
خالف الإباضية في مذهبهم أهل السلف في صفات الله تعالى، وشدّدوا في نشر دعوتهم على أنّ الله صفات واجبة وصفات مستحيلة. فالصفات الواجبة هي الصفات التي لا يمكن القول بوجود الله سبحانه بدونها، وهي موجودة وجوداً لا يحده زمان، وإنما له الوجود المطلق، والبقاء المطلق، ولا نهاية لبقائه، ولا يخلو منه مكان، ولا تحيط به الألوان ولا تفنيه الأزمان، وإلى جانب هذه الصفات الواجبة، فإنّ هناك صفات مستحيلة عليه، فكل صفة وجبت له امتنع عليه ضدّها، فإنه لو لم يكن كذلك لم يكن إلها.، فإذا كانت صفات العلم والقدرة قد وجبت عليه، فإنّ ضدّها كالجهل
(1)
•
والعجز تمتنع عليه ومع أن العلماء المالكيين أوضحوا خطأ ذلك، فقد ردّ ابن سحنو
(ت 256 هـ / 869 م) " على الذي جاء يسأله يوماً يا أبا عبد الله، الله سمى نفسه أراد أن يقول له نعم، فيثبت عليه الإقرار بحدوث الأسماء والصفات الحسنى، فقال ابر سحنون الله سمى نفسه لنا ولم يزل وله الأسماء الحسنى (2) ". إلا أن جهل معظم البري للغة العربية، جعل بعض القبائل البربرية تتبنى وجهة نظر الإباضية في الصفات.
ج - خلق القرآن:
•
أوضح الإباضية في نشر مذهبهم أنّ القرآن الكريم مخلوق لقوله تعالى {إِنَّا جَعَلَهُ قُرْ، نَاعَرِيباً)) والجعل بمعنى الخلق، ولأنه
(1) ـ أنظر، ابن شامس، سالم بن حمود: طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الإباضي، ص 107، سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة، 1403 هـ / 1983 م.
(2)
المالكي: رياض النفوس، ج 1، ص 348.
77
- سورة الزخرف، الآية 3.
(3) (1/95)
صفحة 96
تعالى قال هو ما يأتيهم من ذك كرتين مرتبهم يتهم محدث (1)) وكل محدث مخلوق، وأن معنى كلم الله في قوله تعالى (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تكليما (2)) أي أوجد كلاما سمعه فخرجوا بهذا التأويل من ا اللغة، لأن تكلّم إليه أتي بالكلام من عنده، وترحم الله أتى بالرحمة من عنده كما يقال تخشع فلان أتى بالخشوع من نفسه، وتحكم أتى بالحكم من نفسه، ولو كان المراد أوجد كلاماً لم يجز أن يقال تكلّم، وكان الواجب أن يقال أكلم كما يقال أقبح الرجل أتى القباحة، وأطلب أتى بالطلب، وفي أشباه لهذا كثير لا تخفى على أهل اللغة
(3)
ونقل أبو مهدي نصاً من رسالة أبي اليقظان جاء فيه " إجتمعت الأمة على
أن القرآن كلام الله ولا يخلو هذا الكلام من أن يكون شيئاً أو ليس بشيء، فإن كان ليس بشيء فإنه اختلف فيه المختلفون وليس ثمّ شيء يختلف فيه المختلفون وينازع فيه متنازع، ولو صح أنه ليس بشيء لبطل أن تكون رسل الله جاءت بشيء، وأن الله و أنزل على أنبيائه شيئاً، ولبطل أن يكون ثمّ توراة أو إنجيل أو فرقان
فثبت أن كلام الله
شيء
" (E)
وإن كنا لا نجد إشارة إلى خلق القرآن لا عند الصحابة ولا عند التابعين. إلا أنّ " الكشف التاريخي يثبت أنّ الحضارة اليونانية، والديانة اليهودية والمسيحية كلها خاضت
في مثل هذه القضية (5) ".
(1)
- سورة الأنبياء، الآية 2
(2) ـ سورة النساء، الآية 164
(3) ـ أنظر، ابن قتيبة، الاختلاف في اللفظ والردّ على الجهمية والمشبهة، بيروت، دار الكتب العلمية،
(1)
(°)
1405 هـ / 1985 م، ص 24 - 25.
ابن إسماعيل، أبو مهدي عيسى: الردّ على البهلوي، ص 174 - 175، تونس، المطبعة
العلمية 1321 هـ.
الجعبيري، فرحات: البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، ص 349، تونس، مطبعة الألوان الحديثة،
1408 هـ / 1987 م.
Y? (1/96)
صفحة 97
وأول من تعرّض لهذه القضيّة في المحيط الإباضي هو ابن يزيد الفزاري دون أن يكون لها أثر كبير في البيئة الإباضية (1)
ويشير أبو مهدي عيسى بن إسماعيل إلى هذ الموضوع ويرى أن القضية دخيله () ألقي
على إباضية عمان، ومنطلقها من مدينة البصرة، وذلك أن أبا شاكر الديصاني) بين الناس فكرة قدم القرآن، وما أن وصل صداها إلى عمان حتى ثارت فتنة بين علمائها
وكانت تقضي إلى تصدع بينهم، ولولا أنهم اصطلحوا بسرعة على الوقوف على الاجمال وهو أنّ الله تعالى خالق كل شيء، وما سوى الله مخلوق، وأن القرآن كلام الله ووحيه وكتابه وتنزيله على محمد (2)
د - نفي الرؤية:
شدّد المذهب الإباضي في دعوته على نفي الرؤية، واتخذوا من هذه القضية أصلاً لمذهبهم،
واعتقدوا أن الرؤية تهدم التوحيد وأنكروها لتنزيه الله سبحانه وتعالى عن مشابهة الخلق.
واعتمد الإباضية في نفي الرؤية على النظريات القديمة التي تقول بأن الأبصار يتمثل في انطلاق الشعاع من العين، ليتصل بالمرئي ولينعكس على حدقة الرائي "ومعلوم أن النظرية اليونانية تعزز موقف الإباضية في نفي الرؤية وعدم جوازها عقلا لأنها تفرض المواجهة بين الرائي والمرئي والإحاطة به وهذا مستحيل في حق الله تبارك وتعالى
" (3)
ونفي الرؤية جعلهم يفسرون قوله تعالى و إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السموات والأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش (4)) بمعنى استولى بالملك
ن)
(1) - أنظر، الجعبيري، فرحات: البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، ص 350. يذكر أبو إسحاق اطفيش أنه يهودي تظاهر بالإسلام لأجل الدس وإلقاء الفتنة بين المسلمين. (أنظر، السالمي، عبد الله: تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، ج 1، ص 128 – 129، تحقيق أبي
إسحاق إبراهيم اطفيش، القاهرة، طبعة حجرية 1350 هـ).
(2) ـ أنظر، ابن إسماعيل، أبو مهدي عيسى: الرد على البهلوي، ص 180.
(3) ـ الجعبيري، فرحات: البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، 299.
(4) - سورة يونس، الآية 3 ..
79 (1/97)
صفحة 98
والقوة والتصرف كيف يشاء، ويذهبون في أنّ العرش جسم عظيم، إلا أنهم يذهبون في العرش
مذهبهم في موضوع الاستواء " وإذا قيل لهم لِمَ خُص العرش بالاستيلاء قيل لعظمته
- كلمة لا بد منها
6
" (1)
كان الأولى أن يردّ ولاة بني أمية وغيرهم في الشمال الإفريقي على الإباضية، الذين شهروا السيف وحاربوهم أن يبعثوا الدعاة والعلماء إلى المناطق الإباضية لشرح مفاهيم الإسلام، ودفعهم إلى شهر سيوفهم في سبيل الله والجهاد داخل إفريقية، أو نقلهم إلى شمال الأندلس لمتابعة الفتوحات الإسلامية.
إن خطأ الحكام في التعامل مع الإباضية، الذين يتفقون مع " أهل السنة في الكثير وتختلف في القليل، فهم يعترفون بالقرآن والحديث كمصدر للعلوم الدينية، ولكنهم يقولون بالرأي ويأخذون بالإجماع (2) ". أدى إلى تجذير الخلاف، وتبلور
المذهب الإباضي الذي انعزل في جنوب الجزائر.
ولم يقم العلماء السنة برحلاتهم إلى وادي ميزاب، كما كانوا يفعلون في
القرنين الثاني والثالث الهجريين، حين كانوا يتوافدون على تاهرت لمناقشة الإباضية في
معتقداتهم
وكان باستطاعة الدولة المرينية () العمل على التوحيد المذاهب الإسلامية في الشمال الإفريقي، لأنها امتازت بأنها " أفسحت للمذهب المالكي الافساح الذي أذهب
(1) - الوهبي، محمد يوسف: تفسير هيمات الذات في ذكر دار المعاد، ص 16، زنجبار، المطبعة السلطانية 1306 هـ. (2) - الشكعة، مصطفى: إسلام بلا مذاهب، ص 136 .. بنومرين (591) هـ / 875 م) (1195 م / 1470 م) سكن بنومرين المرتفعات المراكشية سنة 091 هـ / 1195 م، واستقلوا عن الموحدين إلا أنهم بقوا يتربصون للاستيلاء عليها وتقويض حكم الموحدين.
وفي سنة 796 هـ / 1393 م تمكنوا من ضم المناطق الخاضعة لحكم بني زيان في الجزائر لحكمهم. (أنظر، بول، استانلي لين: طبقات سلاطين الإسلام، ص 58، ترجمه للفارسية عباس اقبال، ترجمه عن الفارسية مكي طاهر الكعبي، بغداد، دار منشورات البصري 1968).
80 (1/98)
صفحة 99
القطيعة التي كانت بين أئمة المذهب المالكي في الدولة الموحدية فبعد أن كانت الدولة في نظرهم مصدر المقاومة أصبحت تؤيدهم وتأخذ بأيديهم (1) ". وبخاصة لوجود علماء من البربر نالوا شهرة واسعة " كالجاناتي (ت (746 هـ / (1345 م) الذي اجتمع على دروسه ما يزيد على أربعمائة طالب، وهو لا حظ له من العربية (2) ".
لقد كان بإمكان الدولة المرينية أن توجّه علماء المالكية الذين يجيدون اللغة البربرية
إلى الدعوة ومناقشة علماء الإباضية وفتح باب الحوار، ومنع الأقليات من التقوقع، فيضيق الخلاف بالحوار والاختلاط، ويمنع أهل الفرق من نشر آرائهم.
وإذا كان الأجداد لم يأخذوا المبادرة، فينبغي أن لا نقصر نحن في هذا المجال، وبخاصة
أن نداء التوحيد الذي أطلقه الشيخ أبو اليقظان في افتتاحية مجلة " وادي ميزاب"، بعنوان " نحن وأنتم " حيث يقول " كفى، كفى، أيها السادة من نحن وأنتم، فقد جعل من قوتنا ضعفاً ومن كثرتنا قلة، ومن عزنا ذلّة، ومن غنانا فقراً، ومن علمنا جهلاً.
كفى كفى، من قولكم هذا مالكي، هذا حنفي، هذا إباضي هذا تيجاني،
هذا قادري، هذا عربي، هذا قبائلي، هذا شرقي، هذا غربي، فقد فتح هذا بين
صفوفنا المتراصة للغير ثغرات واسعة، نفذ منها إلى نفوسنا، فأجج نارها على بعضنا، وإلى قلوبنا فأفعمها حقداً على بعضنا، وإلى ألسنتنا فأنطقها ضد بعضنا، وإلى جموعنا فشتت شملها، وإلى أموالنا فبدّدها، وإلى أخلاقنا فأفسدها، وإلى قوميتنا فأهانها، وإلى بلادنا فجاس خلالها، وإلى ديننا فهتك حرمته. . أفبعد كل هذا نبقى في " نحن وأنتم (3) ".
(1)
(2)
(3)
ابن المقنفذ القسنطيني، أبو العباس أحمد بن الخطيب: الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية، ص تقديم وتحقيق محمد الشاذلي النيفر وعبد المجيد التركي، تونس، الدار التونسية للنشر 1968
ابن
المقنفذ: المصدر السابق، ص 35.
- إبراهيم، الشيخ أبو اليقظان: نحن وأنتم، ص 1، جريدة وادي ميزاب، عدد 26، الأول من
نيسان 1927.
81 (1/99)
صفحة 100
- إعداد الدعاة:
إكتملت صورة المذهب الإباضي، وتم تحرير أقواله وآرائه في صورتها النهائية: في أواخر أيام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة) في البصرة، وهي المركز الأساسي للدعوة الإباضية حتى نهاية القرن الثالث الهجري، ومن البصرة حمله طلبته الذين وفدوا عليه من المغرب والمشرق إلى بلدانهم التي أضحت، من بعد، مراكز لدول إباضية هامة لعبت دوراً سياسياً خطيراً في
جنوب الجزيرة وشرقيها. اليمن وحضرموت ثمّ عمان، وفي شمال إفريقيا: ليبيا، تونس، الجزائر.
وقد عرف هؤلاء التلاميذ باسم خاص تطلقه عليهم كتب السير والطبقات الإباضية هو اسم "حملة العلم" وبمجهود حملة العلم تأسست الدولة الإباضية في شمال إفريقيا (1) ".
مراكز إعداد الدعاة:
لم يكن في المغرب ما نسميه اليوم معاهد أو مدارس مخصصة لاعداد الدعاة، وإنما كان دعاة المذهب يأخذون مبادئ المذهب وأهدافه في. رداب سرّي أو مغارة أو كهف، أو ظل شجرة، أو تحت عريش، وبعد ذلك ينطلقون للدعوة المذهبهم في الأرجاء.
وكان يختار، في بداية الدعوة الإباضية في المغرب، بعض الشباب من البربر للذهاب إلى مركز المذهب في البصرة "ليتلقوا أصول المذهب على أيدي أنّمته وشيوخه الكبار، ثم يعودون إلى بلادهم ويقومون بنشره بين أهليهم، فذلك أجدى وأنفع، لأنهم بطبيعة الحال أعلم بلغة (*)
الأهالي، وعاداتهم وتقاليدهم () ". ويعملون على إعداد الدعاة وفق الأسس التي تعلموها.
ن)
(1)
(2)
- توفي أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة واشتهر بالقفاف في ولاية أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي. (أنظر، الشماخي: كتاب السير، ج 1، ص 78).
ابن خلفون المزاتي: أبو يعقوب يوسف: أجوبة ابن خلفون، ص 11، تحقيق وتعليق عمرو خليفة النامي، بيروت، دار الفتح 1394 هـ / 1974 م.) - تما لا شك فيه أنّ الدعاة وفيهم الفارسي والبربري كانوا يتلقون أصول المذهب الإباضي باللغة العربية في البصرة، ونميل إلى أنّ ضعفهم في علوم اللغة العربية جعلهم يتقبلون التعاليم الإباضية دون مناقشة أو جدال.
عبد الحليم، محمد رجب: الإباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضية عمان والبصرة، ص 82، سلطنة عمان، مكتبة الضامري 1990.
(
82 (1/100)
صفحة 101
تلقى دعاة الأمصار العلم وأصول الدعوة على يدي الإمام أبي عبيدة، الذي
أقام مدرسة للدعاة الإباضية في سرداب سرّي لا يعرفه إلا الدعاة، وجعل فيه سلسلة بيد القفاف عند باب السرداب، فإذا مر أحد حرّك الحارس السلسلة الحديدية، فيتوقف أبو عبيدة عن إلقاء دروسه ومحاضراته، ويشتغل وتلاميذه بصنع القفاف التي
حارس يصنع
يضعونها إلى جانبهم، وعندما يطمئن الحارس إلى زوال الخطر يحرك السلسلة فيعود أبو عبيدة إلى إلقاء دروسه وتوجيهاته
من جديد
(1)
وانتشر المذهب الإباضي في ولاية إفريقية والمغرب الأدنى بصفة خاصة،
والمغرب الأوسط بصفة عامة، وأخذ الدعاة على عاتقهم حمل الفكر الإباضي إلى أقاصي البلاد بعيداً عن نفوذ الدولة الأموية ثم الدولة العباسية
وانطلقت الدعوة الإباضية في إعداد دعاتها، الذين امتازوا بالتطبيق
العملي للمذهب واتبعوا " مسلكاً. مسالك الدين عندها، ألا وهو مسلك من الكتمان الذي يقوم على إقامة الحلق العلمية السرية، التي ترمي إلى تكوين الدعاة، الذين سيقيمون أركان الإمامة الإسلامية، إمامة الظهور، وتبليغ مفهوم الإسلام الحق للأمازيغ - البربر - الذين اضطهدهم ولاة بني أمية، ثم ولاة بني
العباس أيما اضطهاد
" (2)
وكان يشدّد في إعداد الدعاة على الأمور التالية:
أ - مراعاة الدور الذي يقوم به الداعية:
يراعي الداعية الإباضي الواقع الذي يعايشه، فهو يعرف أنّ عليه نشر المذهـ وسط بيئة تحاربه، لذلك كان العلماء الإباضية يتابعون دعاة المذهب، حتى لا يدفعهم حماس الدعوة إلى تصرف غير مدروس، ينتج عنه الاضرار بالدعوة ودعاتها. فعندما
(1) ـ أنظر، 1 - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 20.
،
2 - الحارثي: العقود الفضية:
ص
0147
(2) ـ الجعبيري، فرحات: دور المدرسة الإباضية في الفقه والحضارة الإسلامية، ص 496.
83 (1/101)
صفحة 102
يشيع أحد الدعاة، نتيجة الفوضى السائدة في المغرب بأننا في دفاع ولا ظهور، ولا كتمان، ولا في شراء ولكن زماننا سائب لتضييع الناس القيام بالحق، ولا يعني السائب وجه في الدين خامس) (1) ". يوجهه شيخه مباشرة عبر ا الدعاة بقوله " أخبروه أنّ مسالك الدين أربعة، الكتمان، وهو الأمر السابق لرسول الله بمكة، ثم الظهور كحالة المدينة، ثم بعده أمر بالجهاد، ثمّ الدفاع كدفاع أهل النهروان الرافضين لحكم ابن العاص وعبد الله بن قيس، ثمّ الشراء كأبي بلال
" (Y)
وتقتضي مراعاة الواقع الاستماع أكثر من الكلام، وكان يشدد على الدعاة
الالتزام بالتعليمات التالية:
1 - إلتزام الصمت " فعليك يا أخي، فيه تغلب الشيطان وإياك أن تضحك بغير عجب أو تمشي في غير أرب (3) ".
2 ـ أن يوصل الدعوة إلى كل الناس، لا يصرفه عن الدين منصب، وأن يؤمن بأنّ العلماء من يكون في علمه بمنزلة السلطان، فإن ردّ عليه شيء من علمه، أو تهون بشيء من حقه غضب.
- أن لا يكون الداعية كالعالم الذي يجعل علمه وغرائب حديثه لأهل الشرف واليسار، ولا يرى أهل الحاجة له أهلا
4 ـ أن لا ينصب الداعية نفسه للفتيا، فيفتي بالخطأ، والله يبغض المتكلّفين.
ه - أن لا يتخذ الداعية علمه مروءة ونبلا وذكرا بين الناس
6 ـ أن لا يستفزّ الداعية الزهو والغضب، وإن وعظ أنف (4)
(1)
(T)
(3)
الدرجيني:: طبقات المشائخ، ج 2، ص 364
الدرجيني:
: المصدر السابق، ص 364.
الجيطالي، أبو طاهر إسماعيل بن موسى: قناطر الخيرات، ج 1، ص 197، حققه وعلّق عليه عمرو
خليفة النامي، القاهرة، مكتبة وهبة 1385 هـ / 1965 م.
(4) ـ أنظر الجيطالي: المصدر السابق، ج 1، ص 197.
84 (1/102)
صفحة 103
ب - الإهتمام بأحوال القلب:
إن واجب الداعية الإباضي هو العمل على قيام الإمامة وفق المفهوم الإباضي، ولن يفلح داعية انغمس في الدنيا، لأن علماء الدنيا يتتبعون ما ييسر لهم طلب المعاش. وأن يبتعد عن الغرور وعن ما يسميه البطالون من أبناء الدنيا فاضلا عالما، وجزاؤه من الله تعالى الا. ينتفع في الدنيا بقبول الخلق صافياً من الحوادث.
وأن يعلم أنه إذا انصرف إلى الدنيا يردّ يوم القيامة متحسّراً على ما يشاهده من ربح
العاملين، وفوز المقربين، وذلك هو الخسران المبين، ولقد صدق من قال:
الطرق شتى وطرق الحق مفردة
والسالكون طريق الحق أفراد
لا يعرفون ولا تدرى مقاصدهم
فهم على مهل يمشون قصاد
والناس في غفلة عمّا يُراد بهم
فجلهم عن سبيل الحق رقاد (1).
ج - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
ينطلق الداعية الإباضي في دعوته إلى إنكار واقع ير يراه مخالفاً لمفهوم المذهب
الإباضي، ويريد له أن يعود إلى مساره الصحيح، فهو في غاية دعوته يأمر بالمعروف
وينهي عن المنكر.
ويلتزم الداعية، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، باللين والمرونة، ويتبع
الخطوات التالية:
1 - إذا رجا الداعية قبول أهل المنكر وأمكنه القول، كان واجباً عليه أن
ينهى عنه، وإن يئس، لم يكن عليه أن إذا كان ينهى
(1) - أنظر، الجيطالي: قناطر الخيرات، ص 237.
نهى مرة واحدة، لأنّ
85 (1/103)
صفحة 104
النهي مع الإياس بعد ذلك يكون نفلاً، ومع الرجاء وغلبة الظن يكون فرضاً، وهو يدعو إلى المعروف وينهي عن المنكر لقوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَولاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَلِحاً (1)).
2 - رحابة الصدر في النقاش، فتغيير المنكر يحتاج إلى فترة زمنية، وعلى الداعية أن لا يمل ولا ييأس، ويتذكر أنّ الله تبارك وتعالى ذمّ قوما تركوا الانكار على أهل السبت، ومدح قوماً أنكروا عليهم، فقال تعالى: وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ يَعِظُونَ قَوْما اللهُ يُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبَهُمْ عَذَا بَا شَدِيداً
ون (2) کم
3 - يتتبع المنكر للنهي عنه، وعليه أن يأتي مذاهب أهل الخلاف ليناظرهم مع الرجاء أنهم يقبلون منه، وإن لم يستطع فعليه أن يظهر الكراهية لما هم عليه
د - مشاركة الناس في حياتهم:
(r)
تستجيب الناس لمن يشاركها الهموم والأحزان، ويكون أمامها في المصائب التي
تنزل بها، وتكون على استعداد لقبول النصح والارشاد.
وحرص الداعية الإباضي على مشاركة الناس أحزانها ومؤاساتها في مصابها، فكان الداعية الإباضي مثلاً يشارك في تشييع الجنائز حتى يأنس الناس إليه، وعند الدفن يذكر بستن الجنائز التي جعلها الفقه الإباضي في خمس عشرة خصلة هي:
1 - " حمل الجنازة على سرير وهو النعش.
2 ـ المشي خلفها
(1) - سورة فصلت، الآية 33.
(2)
- سورة الاعراف، الآية 164
(3) ـ أنظر، البهلوي، أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة: كتاب الجامع، ج 1، ص 180 - 182، حققه
وعلّق عليه عيسى يحيى الباروني، بيروت، مطبعة الوطن، ط 2، 1394 هـ/ 1974 م.
86 (1/104)
صفحة 105
3 - من شيعها فلا ينفصل عنها حتى يدفنها
- تلحيد القبر لها.
ه ـ أن يسل من قبل رأسها
•
6 ـ أن يلي وضعها في القبر أولى الناس بها.
- أن يقول إذا وضعها في اللحد بسم الله وعلى ملة رسول الله -.
- أن يسد عليها باللبن قبل التراب
9 ـ أن لا يدفن إلا بتراب.
10 - أن يسجر القبر عند وضعها فيه وكذلك النعش.
11 - أن يستم القبر.
12 - أن يرش القبر.
13 - أن لا يقعد حتى يوضع عن عواتق الرجال.
14 - ترك الحديث في أمر الدنيا عند تشييعها حتى يفرغ منها
15 - التعزية بها إلى أهلها (1) ".
يبدو ظاهر هذه الأمور بسيطاً، لكنه في الواقع أقوى أثراً وأشد تأثيرا في محال الدعوة، ولو شارك العلماء الناس أحزانها، لاستجابت الناس لعلمائها.
إنّ الفرق الإسلامية التي تسترشد بأقوال علمائها، هي في الغالب الفرق التي لا يغيب علماؤها عن مشاركتها الهموم والأحزان، وتكون على استعداد كامل لتقبل الكثير
مما يقال لها.
ولا تقتصر مشاركة الداعية الإباضي على الأحزان، بل يعالج المشاكل على ضؤ
الفقه الإباضي، وتذكر المصادر الإباضية أنّ بني ورتيزلن اشتكوا إلى عالمهم من سؤ
(1) ـ ابن قيس: مختصر الخصال، ص 93.
87 (1/105)
صفحة 106
تصرف الداعية الإباضي الذي حكم على رجل بصداق امرأته بغير إقرار ولا شهادة، واختصم عنده رجلان في أمر الشفعة فأبطلها للشفيع الذي ادعاها، ومات رجل من بني ورتيزلن فأكل وصيّته.
وبما أنّ الداعية يجب أن يكون فوق الشبهات فقد استدعي ليجيب على شكاوى الأهالي، فبين أنه حكم بطلاق الزوجة لإقرار الزوج بالنشوز، وأما الشفعة فإنّ نخلة على مجرى العامة، فطلبها رجل من تلك العامة بالشفعة تمن اشتراها من صاحبها فلم أحكم له، ثم قال، أما أمر الوصيّة، فإنّ الرجل الذي مات من بني ورتيزلن قد استخلف امرأته على وصيته، فجاءتني في أمر الوصية، فقالت لي: أرسل معي من يعلمني كيف أنفذ الوصية، فأرسلت معها الصبي، وهو ابني، وبلغني أنها تصدقت عليه من تلك الوصية بربع شاة لحم فلم آ اکله، فما كان الشاكين إلا أن اعتذروا له. من
(1)
هـ - الأخوة في الدين أقوى من الأخوة في النسب:
،
شدّد الإباضية على روابط العقيدة فيما بينهم، وطبقوا ذلك على أرض الواقع وتحفل المصادر الإباضية بالعديد من المآثر في هذا المجال، فمن ذلك ما ذكره الدرجيني من " أن أبا الحرّ كان في المسجد جالساً في حلقة، فقدم أخوه الحسن من العراق، قال فأقبل يريده متى جاء إلى الحلقة، ظنّ أنّه يقوم إليه، فلم يقم إليه، وأخذ أخاه بيده، وهو جالس، قال و لم يكن يراه منذ زمان، قال فبينما هو كذلك، إذا طلع إليه رجل من أهل عمان، فلما نظر إليه أبو الحرّ قام قائماً، وخرج إلى الحلقة فتلقاه فاعتنقه وقبل صفحتي عنقه، ورحب به. قال فسقط في يد أخيه، فقال له أخوه هذا على غير مودّتك لأنّ المودة على الدين وأنت على النسب
"1 (Y)
ولم تقتصر الدعوة على الرجال، بل كان للنساء دور بارز في الدعوة، وكن
يجتمعن للتداول في أمر الدعوة، ولم يقتصر أمرهن على الدعوة ونشاطها، بل كن
(1) - أنظر، أبو زكريا: سير الأئمة، ص 276 - 278.
(T)
الدرجيني:: طبقات المشائخ، ج 2، ص 272
88 (1/106)
صفحة 107
يتمنين الفناء في خدمة دعوتهن. وقد اجتمعت ثلاث نسوة " يوماً بجبل نفوسه وتحدثن فأمضى بهنّ الحديث إلى الأماني حتى قالت إحداهن: أتمنى لو أنّ الله ساقني إلى قوم جهال فأعلمهم ما يحتاجون إليه من أمور دينهم، فيرحمني الله بما أعلمهم، من فضل العلم والتعليم، وقالت الثانية: أتمنى أن لو آوي إلى نفر من المسلمين، في ليلة ذات مطر وبرد قد بللهم المطر، وتمكن منهم الجوع والبرد، فأنهض فأعالج لهم ما يذهب عنهم البرد والجوع فيرحمني الله ب بهم لفضل الصدقة وحرمة الصالحين.
وقالت الثالثة: أتمنى لو تزوّجني رجل ذو غلظة وفظاظة، فيحملني ما يعجز عنه
مثلي ويكلفني خدمة فوق طاقتي، ويؤذيني بأنواع من سؤ العشرة، فأصبر على ذلك وأطيعه، فأنال بذلك خيراً فيرحمني الله بفضل حسن التبعل، والصبر على الأذى، قيل
فقضى الله وعن أمنية كل واحدة منهن)
" (1)
ويظهر هذا الحوار مدى تفاني الإباضيات، في الدعوة إلى مذهبهن في
الشمال الإفريقي.
- التشبث بالأرض:
بدأ انحسار المذهب الإباضي في الشمال الإفريقي، بعد سقوط الدولة الرستمية، (297 هـ / 909 م)، وبعدما كانوا كثرة أصبحوا ينحسرون في منطقة وادي ميزاب ووارجلان، ونعتقد أنّ سبب انحسار المذهب الإباضي يعود إلى عدة
أمور منها: أ ـ الحروب الكثيرة التي خاضها الإباضية لقيام دولتهم، ولإعادة
قيامها بعد سقوطها.
ب - محاولة الحكام إعادة الإباضية إلى المذهب المالكي والقضاء على
القيادات الإباضية
(1) ـ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 2، ص 309 - 310.
89 (1/107)
صفحة 108
ويروي الشماخي في هذا المجال أنّ أحد شيوخ الإباضية الأغنياء، وهو أبو
باديس أبخت بن باديس اليكشني، قد ربّى فرسين فأحسن تربيتهما وتأديبهما، ثمّ أهداهما إلى المعز بن باديس الصنهاجي مداراة، فقبلهما منه وفرح به وبهما وأكرمه. فکره وزراؤه ذلك فطعنوا فيه وأفسدوا قلب المعزّ عليه، قالوا: أقتله فإنه من الإباضية وقد أمكنك ورأيت عظم ما أتاك وكيف ما خلّف وراءه لئلا يخالف عليك. فقال لهم كيف الحيلة إلى قتله وقد عرف القاصي والداني قبولنا لهديته، قالوا: تأمره أن يلاعب. - وهو الأسد الصفاري العادي - بفرسه فيهلكه، واستطاع الشيخ أبو باديس
أسد السخط
قتل الأسد ونجا بنفسه
(1)
لذلك حرص الإباضية على التشبث بالأرض، وبخاصة في وادي ميزاب
و وارجلان، لأنّ ضياع الأرض يؤدّي إلى ضياع المذهب، وعدم وجود أرضية ينطلق منها المذهب ويعيش عليها يؤدّي إلى تأكل المذهب واضمحلاله
شدّد المذهب الإباضي، بعد القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي، على التشبث بالأرض، وليحافظ على حيّز البقعة التي يقيم عليها عمل على
تحقيق الأمور التالية:
أ - العمل على زراعة الأرض:
انصرف الإباضية في مناطقهم إلى الاهتمام بأرضهم، فحفروا الآبار وكانوا
" يهبطون وسط الصخور على عمق 70 متراً، ثم تتقطع بهم الحبال، أو تشتعل فتائل
البارود رغماً عني
عنهم فيطفئونها بأجسادهم أو تنهال عليهم الأحجار والرمال، لقد دفعوا
من حياتهم ثمن الحياة لهذا الوادي الشحيح المياه وحفروا بوسائلهم البدائية أكثر من ثلاثة
آلاف بئر يتجاوز عمق الكثير منها 80 متراً (2) ".
(1) ـ أنظر، الشماخي: السير، ج 2، ص 60 - 61.
(T)
- قنديل، محمد المنسي: وادي ميزاب تراث جزائري حي، ص 137 مجلة العربي، العدد 445،
الكويت، كانون الأول 1995. (1/108)
صفحة 109
وعمل العلماء بالأرض، وحنّوا على الزراعة، وكان أحد العلماء يقول " من
حرث زرعاً وحصده ودرسه وطحنه وعجنه، وأطعمه الجبابرة بمنزلة من أطعمه الأولياء فلكليهما حظ في الثواب، وكلاهما يكتب عند الله صدقة (1) ".
وكان الإباضية إذا أرادوا أن يهدوا، كانوا يهدون الأرض، كالعالم الذي أراد الارتحال عن بني ورتيزلن " فسارعوا إليه بالحمولات وارتحلوا به إلى " أجلو "، فمنحوه أرضاً عظيمة فعمرها (2) ". ولتبيان ارتباط الإباضي بالأرض، يقول المثل الميزابي " يقول الرجل للنخلة، هل تريدين أن أرويك اليوم؟ تقول النخلة: لا ... يقول لها هل تريدين أن أشذب سعفك اليوم؟ تقول النخلة: لا، يقول لها: هل تريدين أن أسوي أليافك اليوم؟ تقول النخلة: لا ... يقول لها: ماذا تريدين إذا؟ تقول النخلة: أن تزورني مرة في اليوم
في
حقله
" (3)
ويبدو تعلّق الفلاح الميزابي بأرضه أنه " يقضي كل نهاره وجزءاً كبيراً من ليله وبستانه في كد، ويسقيها من الآبار العميقة بنزح الماء منها يحمله أو بغله أو حماره أو بكليهما. وقد يكون فقيراً مدن مدقعا لا يطيق ثمن الدابة ومؤنتها، فينزح الماء بساعديه يجرّ بهما الدلو الكبيرة (4)
" (4)
ب - تربية الأبناء على حب الأرض:
التالية:
(1)
(2)
(T)
(4)
نشأ الإباضية أبناءهم على حب الأرض، واتبعوا في ذلك الخطوات
1 - مصاحبة الأطفال إلى بساتينهم خارج المدينة، ومكوثهم فيها جل النهار يعملون ويلعبون، وكان المثل السائر الذي يعيه كل أب وكلّ أم وكل أسرة في تربية أطفالها " من ليست له غابة يجنح أبناؤه " لأنّ الغابة والمراد بها البستان
الدرجيني:: طبقات المشائخ، ج 2، ص 363.
الدرجيني:: المصدر السابق، ج 2، ص 407. قنديل، محمد المنسي: وادي ميزاب تراث جزائري حي، ص 136
دبوز، محمد علي: أعلام الاصلاح في الجزائر، ج 1، ص 47.
91 (1/109)
صفحة 110
والحقل، هي التي تبني شخصيّة الطفل فيتقوى عقله وخلقه وجسمه اتخذت كل أسرة في ميزاب بستاناً أو بساتين، لا للمعاش فحسب، ولكن لتربية الأبناء وحفظهم أيضاً (1).
2 - كان الآباء يدربون أبناءهم الصغار على تسلّق النخيل، وقد يسقط الطفل منه فينكسر ويشرف على الموت، وإذا شفي أسرع إلى النخلة يستأنف تعلّم. وكان الميزابيون يرون أنّ الرجل الذي لا يحسن تسلّق النخلة السحوق عاجزاً ضعيفاً لا شرف له، فيحتقرونه ولا يبالون به، لأن تسلّق النخلة تربية لا بد منها. فلذلك الزموها كل رجل ليكون شجاعاً مغامراً قوي
تسلّقها
الخلق والجسم
(2)
ج - عدم هجرة الأرض:
اضطر الإباضي إلى الاغتراب لضرورة اقتصادية، وحتى لا ينتقل الإباضي مع أسرته إلى مكان عمله بعيداً عن أرضه، فإنّ الإباضي الذي يهاجر للعمل، لا يسمح له باصطحاب أسرته معه، لأن هجرة الأسرة مع رب العائلة يؤدّي إلى:
1 - هجرة الأرض نهائياً والإقامة في أماكن العمل، وبذلك تضمحل التجمعات
الإباضية من جديد
2 - ينفقون أموالهم في أماكن غير إباضية، بينما مناطقهم بحاجة إلى هذه الأموال،
ويحرمون بلادهم وشعبهم من خيرهم
(3)
واتخذوا سلسلة من الإجراءات التي تشجّع الرجل على ترك أسرته وسط
التجمعات الإباضية منها:
(1) ـ أنظر، دبوز، محمد علي: أعلام الإصلاح في الجزائر، ج 1، ص (2) ـ أنظر، دبوز، محمد علي: المرجع السابق، ج 1، ص 91 (2) ـ أنظر، معمر، علي يحيى: الإباضية في الجزائر، ص 541.
175
92 (1/110)
صفحة 111
1 - إنشاء المجلس الديني للنساء، الذي يشرف على تثقيف المرأة الإباضية وتربيتها تربية دينية صحيحة، ومراقبة المجتمع النسوي والأعراس والمآتم، لكي لا يقع
فيها إسراف أو مخالفة للمذهب الإباضي. وإذا تمرّدت امرأة، ولم تجد فيها الموعظة تبرأ منها المجلس الديني النسوي في مسجد النساء، فتقع فيما يقع فيه الرجل بالبراءة فتسرع إلى التوبة (1)
2 - تتولّى المرأة التي يغترب زوجها مهام إجتماعيّة " وألقيت عليها مسؤولية الاستقرار في الوطن، والمحافظة على مثاليات الأسرة التي يوجهها الدين ويقرها العرف الحسن، فتثبت في مكانها كقاعدة تدور حولها شؤون الأسرة جميعاً، ينشأ تحت رعايتها الأطفال ويساعدها الأجداد، ويشترك معها الزوج في رسم
المسيرة عندما يحضر
- استنتاجات:
" (2)
لقد تعامل الفكر الإباضي مع واقع، واستطاع تحصين نفسه، ونشر دعوته. ونستنتج من الأهداف التي سعى إليها المذهب الإباضي لتثبيت وجوده، واستمراره في المغرب العربي أنّ أيّ حركة سياسية لا ترتكز على أسس فكرية تؤمن بها وتدافع عنها، يكون مصيرها الفشل.
واستطاعوا من خلال مفهوم التشبث بالأرض إطلاق مفهوم تنموي يجعل
مصادرهم المالية تنصب على مجتمعاتهم، وتعمل على تطوير مناطقهم، وتسمح بإيجاد
فرص عمل للذين لم يغادروا تجمعاتهم
إن الفكر التنموي عند الإباضية نابع من تفكيرهم، وباعتبارهم أقلية تود
الحفاظ على وجودها وخصائصها.
(1) ـ أنظر، مدني، توفيق: تاريخ الجزائر، ص 108، الجزائر، د. ت.
(2)
معمر، علي يحيى: الإباضية في الجزائر، ص 541 - 542
93 (1/111)
صفحة 112
وتعود أزمة الفكر التنموي الإسلامي إلى أنّ معظم الدارسين لقضايا التنمية والتخلّف
في العالم الإسلامي تلقوا تعليمهم في الغرب، فجاء تفكيرهم معبراً عن انتماءاتهم العلمية المادية
أكثر من تعبيره عن تراث أمتهم الحضاري وواقعها الاجتماعي.
هذا المنطلق لم يجد بعضهم غضاضة في طرح الأفكار والنماذج التنموية و من الغربية لمواجهة مشاكل وتحدّيات التنمية في العالم الإسلامي. فكانت هذه النماذج بعيدة عن الواقع الإسلامي بارهاصاته وتحولاته، و لم تتمكن من التأثير في هذا الواقع بقصد
تغييره وتطويره ..
والمطلوب هو مراجعة الذات، وإعادة الحسابات، بقصد وضع الأسس التي
تسمح بانطلاق فكر إسلامي يعكس الأمل الإسلامي ويسعى إلى تغيير الواقع الإسلامي
نحو الأفضل.
الوسائل:
سعي
الوسائل التالية: الدعاة الإباضيون إلى نشر مذهبهم.
1 - التجارة:
عبر
كان ارتباط الدعوة إلى الإسلام بالتجارة من أهم العوامل المساعدة على انتشار الإسلام بين البربر، في شمالي إفريقية، وبين سكان الجنوب والغرب منها. إذ إنّ التجارة ميدان عملي تمتحن فيه العقيدة والأخلاق والسلوك اليومي. " والتجارة هي الميدان العملي الذي توضع فيه تلك القيم للامتحان مع الآخرين، وما من شك في أن أهل تلك البلاد الذين كانوا يتعاملون مع التجار المسلمين، كانوا يلحظون ما يمتازون أو يتميزون به عن تما غيرهم يجعلهم يتساءلون عن القوى الروحية الخصبة التي تقف وراء هذا السلوك، وذلك ما يدفعهم إلى التعرّف على الدين الإسلامي، مقارنين بينه وبين ما هم عليه من
(
بدائية ووثنية (1) ".
(1)
ناصر، محمد: دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا، ص 12.
94 (1/112)
صفحة 113
إنتشر المذهب الإباضي على يد تجاره القادمين من مراكز دعوته، وقد قامته
مصر بدور هام في هذا التبادل التجاري الذي قام بين المشرق والمغرب، وكانت تمثل حلقة الوصل أو المحطة الرئيسية التي كانت تعبر عليها التجارة بين عُمان والبصرة من جهة
" (1)
وبين بلاد المغرب من جهة أخرى "، وانتشر المذهب الإباضي بين البربر وفي مناطق من المغربين الأدنى والأوسط حتى وصل إلى مدينة زويله التي أول حدود بلاد السودان، والتي كان معظم سكانها من الإباضية (2)، وكانت ملجأ للإباضية الذين هربوا من بطش
الفاطميين بعد سقوط الدولة الرستمية)
(3)
تعتبر
وأدى تدفق التجار الإباضية إلى انتشار المذهب الإباضي بين قبائل البربر
التي تسكن المنطقة الممتدة من طرابلس حتى تاهرت (4) مثل قبائل نفوسه ومزاته وهرمشة وهوارة، ومغيلة وبني يفرن ومغراوة الزناتيين وكتامة (5) وبلاد بني دمر وبني بزرال التي تقع على حدود المغرب الأقصى، وواحة الأغواط التي تقع جنوب الجزائر
(1)
وانصرف الإباضية إلى التجارة، لأنهم يرفضون خدمة الأنظمة التي تخالفهم، وأدّى ذلك إلى أن أصبحت التجارة والصناعة مهنتي العديد منهم، وأدّى استقرار الإباضيّة على " أطراف الصحراء في واحات فزان في جبل نفوسه وغدامس وواحات الجزائر ووارجلان وسدراته ثمّ وادي ميزاب منذ القرن الثامن الميلادي
(1)
- عبد الحليم، رجب محمد: الإباضية في مصر والمغرب، ص 93. (1) أنظر، 1 - ابن خرداذبه، أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله: المسالك والممالك، ص "
بغداد، مكتبة المثنى
، د. ت.
،147 - 148
2 - اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر المعروف باليعقوبي: صفة المغرب، مأخوذ عن كتاب البلدان لليعقوبي، ليدن 1850 م.
(1) ـ أنظر، الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 124 - 130. (4) ـ أنظر اليعقوبي: صفة البلدان، ص 6.
(5) - أنظر اليعقوبي: المصدر السابق، ص 5.
(6) ـ أنظر، مؤنس، حسين: معالم تاريخ المغرب والأندلس، ص 106، القاهرة، دار ومطابع المستقبل 1980.
95 (1/113)
صفحة 114
إلى ارتباطهم القوي بتجارة الصحراء، وعزز ذلك الارتباط اعتناق مجموعات من قبيلتي هوارة
وزناته للمذهب الإباضي، وتخصص كثير منهم بالتجارة عبر الصحراء (1) ".
أ - نشر الإسلام في غرب إفريقية:
يعتقد الإباضية أنهم أوّل من قام بنشر الإسلام في غرب إفريقية، قبل وصول الأعداد الكبيرة من فقهاء المذاهب الأخرى، وأنّه كان للدعاة الإباضيين، إضافة إلى نشاط التجار " برامج مخططة لأهل الدعوة، وأهل الدعوة مجموعة من رجال العلم اتجهت جهودهم لإعلاء كلمة الله، وبث تعاليم دينه، وتبصير الناس بأمور دينهم ودنياهم، وقد تركز جانب كبير من اهتمام أهل الدعوة على غرب إفريقيا التي كانت تعتبر دار الدعوة، فأنشأوا الربط منذ مستهل القرن الثامن الميلادي في المنطقة الصحراوية الواقعة بين وارجلان وسجلماسة (2) ".
وكانت المناطق الإباضية مسالك القوافل عبر الصحراء من مناطق الشمال الإفريقي إلى بلاد السودان، وكان التجار إلى جانب أعمالهم التجارية يقومون " بالدعوة إلى الإسلام، وقد ارتبط انتشار الإسلام في القرون الثاني والثالث والرابع للهجرة في غرب إفريقيا بالتجار (3) ".
علماء،
ومن المعروف أن الإسلام لم ينتشر بالفتح وحده، بل أدى التجار، ومنهم ـاء، دوراً كبيراً في نشر الإسلام في كثير من أقطار الأرض، وكان العلماء في ذلك الزمان يعملون بالتجارة والصناعة والزراعة وغيرها من الحرف ليكسبوا من كد أيديهم ويؤدوا دورهم في نشر تعاليم دينهم، ومبادئه في الوقت نفسه
(1)
(2)
(3
دبوز، محمد علي: المغرب الكبير، ج 3، ص 349.
(4)
- حسين أحمد إلياس: دور الفقهاء الإباضية في إسلام مملكة مالي، ص 94، بغداد، المنظمة العربية
للتربية والثقافة والعلوم 1985.
ناصر، محمد: دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا، ص 10.
(4) - أنظر، الشرقاوي، عبد الرحمن: أئمّة الفقه التسعة، ص 10، بيروت، دار إقرأ 1981.
96 (1/114)
صفحة 115
وتذكر المصادر الإباضية أنّ التجار والعلماء الإباضية توجّهوا إلى بلاد السودان لنشر
المذهب الإباضي والتجارة. وهذا يفرض بلا شك وجود مجموعة كبيرة من الإباضية في إفريقية " وما وجود الشيخ عبد الحميد الفراني أو العالم الكبير الذي بعثه عمروس بن فتح قاضي نفوسة إلى السودان، إلا دليل على دخول بعض ممالك السودان في الإسلام، وبالتالي احتاجت إلى من يفقهها في دينها ويسلك بها المراحل الأولى في هذا السبيل)
ب - أول داعية إباضي:
" (1)
وتجمع المصادر الإباضية أنّ أوّل داعية إباضي لعب دوراً هاماً في نشر المذهب الإباضي في مملكة كوكو ومالي " أعظم ممالك السودان وأجلها قدراً وأعظمها أمراً (2) ". علي بن يخلف المزاتي.
هو
وتتفق هذه المصادر أنّ علي بن يخلف سافر إلى غانه سنة (575 هـ/1179 م)،
إلى مدينة مالي فأكرمه ملكها غاية الإكرام، وكان ذلك الملك مشركا، وتحته مملكة عظيمة كل أهلها مشركون، وتحته اثني عشر معدنا يستخرج منها الذهب والتبر. فكان الملك قلما جلس مجلساً إلا وأجلسه معه اكراماً له، وكأنه يتعجب من خلقه وخلقه وكثرة عبادته ومحافظته على دينه. ويذكر الشماخي أنّ القحط أصاب بلادهم فاشتكت الرعية إلى السلطان وذلك بمدينة مالي، فقربوا لأصنامهم المذابح واستغاثوا بها فلم يغاثوا حتى طلبوا من الشيخ علي أن يدعو ربه، ففعل. فلما أصبح عظم المطر فأسلم الملك وتبعه قومه
(3)
وتدلّل المصادر الإباضية على عمق العلاقة التي كانت تربط الإباضية بغرب إفريقية بما يذكره أبو يعقوب الوارجلاني " وقد وصلت أنا بنفسي إلى قريب من خط الاستواء، وليس بيني وبينه إلا مسيرة شهر، وكاد أن يستوي الليل والنهار فيه أبدا،
وإنما وصلت إلى قريب منه
(1)
(T)
11 (2)
- بجاز، إبراهيم بكير: الدولة الرستمية، ص 388، الجزائر 1985. اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب: كتاب البلدان، ص 33، ليدن، مطبعة بريل 1891 م.
(3) ـ أنظر، الشماخي: السير، ج 2، ص 115.
(t)
الوار جلاني: الدليل والبرهان، ج 3، ص 374 - 375
97 (1/115)
صفحة 116
ج - مناقشة نشر الإسلام في إفريقية:
رغم ما يذكره ابن بطوطة من أنه وصل إلى قرية زغاي " وهي قرية كبيرة يسكنها
تجار السودان، ويسمون "و" نقراتة" ويسكن معهم. جماعة البيضان يذهبون مذهب الإباضية من من
الخوارج ويسمون صغنغو، والسنيون المالكيون من البيض يسمون عندهم توري)
" (1)
وما تؤكده المصادر الإباضيّة من دور دعاة المذهب والتجار الإباضيين في نشر الإسلام في غرب إفريقية، بما عثر عليه من قبور في نواكشوط " يرجع تاريخها إلى القرن الثاني للهجرة، وتضمّ هذه القبور الكثير من العملات والأواني التي هي رستمية أو أندلسية الأصل، وحيث إنَّ من عادة سكان إفريقيا في العصر الوسيط أن يدفنوا الغرباء بما معهم من بضائع لعدم معرفة هويتهم، فقد كشف الباحث الأثري أستاذ علم الآثار في جامعة داكار - روبير سرج - عن بعض النصوص التي كتبت أسماء التجار الإباضية الذين لاقوا حتفهم في أو دغست ومالي وا والنيجر
" I (Y)
فإن دراسة انتشار الإسلام في إفريقية بصفة عامة، قد تبدو سهلة غير أنها في واقع الأمر شائكة ومعقدة، وذلك لكثرة الصعاب التي تواجه الدارس نتيجة لتداخل المسائل وتشابكها، وتعدّد المفاهيم وتضاربها مع غموض شديد، فالمادة المتاحة قليلة، وغير متوفرة بصورة متساوية كمّاً وكيفاً عن المناطق المراد دراستها، وليست متيسرة بصورة متكافئة من كلّ الفترات الزمنية في منطقة واحدة (3). ولم تمدنا المصادر العربية
(4)
بمعلومات واقعيّة عن الإسلام في منطقة المالنك - مالي - قبل القرن الحادي عشر الميلادي (4) لتعطينا صورة واضحة لتاريخ انتشار الإسلام في تلك المناطق.
(1)
ابن بطوطة، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم اللواتي: تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار برحلة ابن بطوطة، ص 618، بيروت، دار صادر، دار بيروت 1960. (2) ـ بجاز، إبراهيم بكير: الجماعات الإباضية في شمال إفريقية، ص 116، مجلة الثقافة، الجزائر، عدد 3،
المعروفة
حمادى الأولى 1391 هـ / تموز 1971 م.
) ـ أنظر، موسى، عزّ الدين: إنتشار الإسلام في غرب إفريقية في القرن السادس عشر الميلادي، ص 43، بغداد، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم 1985.
(4) ـ أنظر، حسين، أحمد إلياس: دور الفقهاء الإباضية في إسلام مالي، ص.
98 (1/116)
صفحة 117
وإنّ الرواية التي تؤكدها المصادر الإباضية من أن انتشار الإسلام في غرب
1
إفريقية كان بفضل التجار الإباضيين، وتذكر قصة إسلام ملك مالي، فإن المؤرخ العربي البكري، قد ذكر هذه القصة في كتابه "المسالك والممالك" الذي ألفه في الأندلس سنة (400 هـ / (1067 م. وهذا يرجّح أن يكون إسلام ملك مالي قد تم في وقت سابق للبكري بكثير حتى أصبحت قصة إسلام ملك مالي مشهورة تتداولها الألسن، وربما سجلتها بعض الكتب قبل عصر البكري.
ويحاول أحمد الياس حسين التوفيق بين المصادر الإباضية التي ذكرت قصة إسلام ملك مالي بعد حوالي قرنين من الزمان من رواية البكري بقوله " لما كانت رواية الدرجيني هي نفس رواية البكري الذي ألف كتابه عام 1067 م. أي قبل مائة عام من ذ ذهاب علي ابن يخلف إلى مالي، فإنّ ذلك يوضح أنّ قصة إسلام ملك مالي كانت متداولة معروفة في المجتمع الإباضي، قبل عصر الدرجيني بأكثر من قرنين، ولما كان علي بن يخلف قد اشتهر هو أيضاً بأسفاره إلى غرب إفريقية، وبمكانته الكبيرة لدى بعض ملوكها فقد أسند إليه الدرجيني بناء على الروايات السائدة قصة إسلام ملك مالي (1) ".
فالأم
وتعود العلاقات بين الشمال الإفريقي وغرب إفريقية إلى القرن الثالث الهجري، مير إبراهيم بن أحمد الأغلبي (ت (289 هـ / 901 م كان معظم جيشه من السودان، ويذكر ابن عذاري أنّ الأمير إبراهيم " جمع إلى نفسه ثقاته، وقرب السودان من قصره، وقد كان جمع منهم خمسة آلاف أسود)
" (2)
وكانت دولة الأغالبة على غرار دولة بغداد " الأمراء لا يثقون في حرسهم
المؤلف من مهاجرين عرب، والذي تعزّز في أثناء حروبهم ضد الخوارج، فاتخذوا حرساً
شخصياً من العبيد
" (3)
(1)
(2)
- حسين، أحمد إلياس: دور الفقهاء الإباضية في إسلام مالي، ص
ابن عذاري: البيان المغرب، ج 1، ص 133.
(3) - العروي، عبد الله: تاريخ المغرب محاولة في التركيب، ص 117، ترجمة ذوقان قرقوط، بيروت،
(د)
المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1977.
99 (1/117)
صفحة 118
إن ما تذكره المصادر الإباضية عن. علاقة علي بن يخلف ملك مالي، ودوره
في إسلامه، أبعد ما تكون عن الواقع للأسباب التالية:
1 - لم تذكر لنا المصادر الإباضية سبب تقريب ملك مالي للتاجر الإباضي، وفي مالي، كما يذكر ابن بطوطة ت (779 هـ / 1377 م) تجار من المذهب المالكي
والمذهب الإباضي. ودول الشمال الإفريقي كلّها على المذهب المالكي
ويفترض أن تكون هناك علاقات سياسية واقتصادية بين الشمال والجنوب،
وبخاصة أنّ مدن الشمال ومنها القيروان اشتهرت بالتعدين، وقد ازدهرت هذه الصناعة بسبب توفر المعادن من بلاد السودان (1).
،
2 ـ إن اشتراط علي بن يخلف على ملك مالي أنه لا يستسقي له حتى يسلم (2) أبعد ما يكون عن الواقع، لأنّ الملك هو الذي يملي أوامره. وعلى الرعية، وبخاصة الغرباء، أن يستجيبوا لرغبة الملك في تلك الفترة من الزمن.
- إن المصادر الإباضية تستنتج أنّ التجار الإباضية نشروا الإسلام، على غرار التجار المسلمين، دون أن تعطي مثالاً واحداً على ذلك، وإذا كانت بعثات
التنقيب قد وجدت في القبور عملة رستمية وأندلسية، فذلك أمر طبعي لأنّ التجار يبيعون ويشترون. ولنفترض أن هذه القبور التي اكتشفت في نواكشوط هي للإباضية، فإننا نميل إلى أنّ الإباضية كانوا يلتزمون بالتقية في تصرفاتهم وسلوكهم ولا يظهرون مذهبهم، خاصة بعد سقوط دولتهم واعتمادهم حالة الكتمان. ولقد ساد المذهب المالكي في غرب إفريقية " وارتبطت سيادته بحركة المرابطين في الصحراء الغربية في منتصف القرن الحادي عشر الميلادي (3) ".
وهذا يدل على أن المذهب الإباضي تسلل إلى غرب إفريقية من خلال
المذهب المالكي.
(1) ـ أنظر الفقي، عصام الدين عبد الرؤوف: تاريخ المغرب والأندلس، ص 133. (2) ـ أنظر، الشماخي: السير، ج 2، ص 115 - 116.
(3)
- حسين، أحمد إلياس: دور فقهاء الإباضية في إسلام مملكة مالي، ص 95.
100 (1/118)
صفحة 119
2 - التقية:
عمد الإباضية إلى التقيّة في نشر مذهبهم، لمعايشة واقع مخالف. من وجهة نظرهم - لتعاليم الإسلام ويرون أنّ الحكّام جبابرة اتخذوا " عباد الله خولا، ودينه دغلا، وماله دولا، واستحلوا الخمر بالنبيذ، والمكس بالزكاة، والسحت بالهدية، يأخذونها في غضب وينفقونها في معصية الله.
واتخذوا على ذلك من خونة العلم أعوانا
،
الصناع إخوانا ومن
6
ووجدوا على ذلك من المستأكلين أعوانا، فهؤلاء الأعوان خطبة أهل الجور على المنابر، وبهؤلاء الأعوان أخيف العالم، فلا ينطق ولا يفطن بذلك الجاهل فيسأل، و بهؤلاء الأعوان مشى المؤمن في أطراف الأرض بالتقيّة والكتمان، فهو كاليتيم المفرد يستذله من لا يتقي الله (1) ".
حث الإباضية دعاتهم على التقيّة في نشر المذهب في بلاد يرون أنّ " سكانها وعمارها أجابوا إلى الخطيئة في مساجدهم فهي أظهر منها في الريبة، لأنّ أهل الريبة إذا رأوا من لا يريد ما عندهم اختفوا بالخطيئة، فهؤلاء قد بارزوا بالمحاربة، وكذبوا على الله في العلانية، فواحدنا يقول سمعت وما أكذب، ونطقت وما أكذب، وذلك أني لم أدرك من الإسلام إلا رسما عافيا، وعلما منقطعاً بالياً، فصرت ميتا به الأموات، وحيران بين المتحيرين، فلو أمرت بمعروف أو نهيت عن منكر، لم أكن للظالمين ظهيراً، ولا لمن يدين بطاعتهم موالياً، ولا كنت كالمستعطي بكفه حتى
" (2)
يظهر حكم ربي قعد الإباضية تطبيق مفهوم التقيّة عندما لجأوا إلى كتب الملاحن وحققوها، ووضعوها بين أيدي دعاتهم ليستفيدوا منها في مس
دعوتهم
(1) ـ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 2، ص 287. (2) ـ الدرجيني: المصدر السابق، ج 2، ص 288
101 (1/119)
صفحة 120
ويعلّق أبو اسحاق إبراهيم اطفيش على سبب تحقيقه لكتاب الملاحن لابن دريد
يقوله " فهذه تعليقات مفيدة وتحقيقات جميلة على رسالة الملاحن لإمام البلاغة ابن دريد
رأيتها جديرة بالنشر والتحقيق
II (1)
أمثلة الكتاب التي تساعد على التقيّة " تقول والله ما قدمت في هذا الأمر ومن رجلاً ولا أخرتها، فالرجل، القطعة العظيمة من الجراد. وتقول والله ما بسطت في هذا الأمر يدا ولا قبضتها، واليد من الفضل، من قولهم له عندي يد.
وتقول والله ما ضربت لفلان صبيا ولا مسسته، فالصبي ملتقى طرفي الفكين
من الذقن، وتقول، والله ما أعرف من فلان قبيحا، فالقبيح مغرز العضد في المرفق قال الشاعر حيث تلاقي الإبرة القبيحا (2) ".
أ - التقية عند الشيعة والإباضية:
إذا كان الشيعة يعتبرون التقيّة من حيث وجوبها وعدم وجوبها بحسب اختلاف مواقع
خوف الضرر، التي هي " مذكورة في أبوابها في كتب العلماء الفقهية، وليست هي واجبة على كل حال، بل قد يجوز أو يجب خلافها في بعض الأحوال. كما إذا كان في إظهار الحق والتظاهر به نصرة للدين وخدمة للإسلام وجهاد في سبيله
" (3)
فإنّ التقية في التعامل تعني أنّ " يعفى المؤمن من الالتزام ببعض واجباته الدينية،
،
إذا كان يعيش في ظل التهديد أو الاكراه، وقد تعرّض هذا المبدأ إلى تفسيرات متعدّدة. ولكنه بالتأكيد منسوب إلى الشيعة، وذلك لأنهم كانوا في أغلب الأحيان عرضة لخطر القمع والاضطهاد، ولهذا أكثروا من اللجؤ إلى هذا المبدأ (4) ".
(1)
(2)
(3)
(1)
- ابن دريد، أبو بكر محمد بن الحسن: الملاحن، ص 41، صححه وعلق عليه وذيله بذيل أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، بيروت، دار الكتب العلمية 1407 هـ / 1987 م.
ابن دريد: المصدر السابق، ص 42.
- للظفر، محمد رضا: عقائد الإمامية، ص 64، تقديم حامد حفتي داوود، القاهرة، مكتبة النجاح، ط 2، 1381 هـ. - السالمي، أبو محمد عبد. الله بن حميد: مشارق أنوار العقول، ص 452، شرحه وصححه أحمد بن حمد
الخليلي، سلطنة عُمان، المطابع العالمية، د. ت.
102 (1/120)
صفحة 121
ب - تطبيق التقية: برع الإباضية في تطبيق التقيّة للحفاظ على أنفسهم، وأشهر رواية يردّدها الإباضية في هذا المجال، ما حدث لأبي نوح كاتب أبي خزر عندما كتب كتابا إلى بني أمية في الأندلس يطلب معونتهم ضدّ الفاطميين، فوقع الكتاب بين يدي أبي تميم الذي جمع أصحابه ووزراءه وكتابه. ويقول أبو نوح عن أبي تميم بأنه " تأمل الكتاب الذي كنت كتبته إلى بني أمية، وأرادوا الوقوف على خطي يعرضونه على خط الكتاب المذكور، حتى يعرفوا هل أنا كتبته أم غيري، وعندهم رجل يهودي، فقال لهم اليهودي أنا أستخرج لكم خطه، فقال أبو نوح بينما أنا في أيديهم إذ أتاني اليهودي ببطاقة ومحبرة، فقال لي أكتب إلى مولانا أن يعفو عنك، واعتذر بما عندك من احتجاج، فإنّ مولانا كثير العفو، ووضع البطاقة والمحبرة وأداتها فخرج عني.
فتناولت لأكتب، فكتبت سطر التسمية لا غير، ثم أيقظني الله ل، وذكرني الكتاب المتقدم في شأن أبي تميم، ولعلّ اليهودي إنما جاء خديعة ومكيدة، لا نصحا، فقصصت السطر المكتوب أولا، ثمّ استأنفت كتابا بخط غير خطي المعهود مني.
فلما كان بعد قليل إذ اليهودي قد دخل وتناول الكتاب جذلان سروراً وحسب أنه نال المقصود، ودفع الكتاب إلى أبي تميم، فاجتمع عليه الوزراء والكتاء وجميع الوراقين، ودفع إليهم الكتاب الأوّل والكتاب الثاني لعرض الخط، ووجدوا الكتابين مختلفي الخط غير متفقي الحروف، فاتفقت كلمتهم على أن كاتب الكتاب الأول غير كاتب الكتاب الثاني إلا رجلاً واحداً أحذقهم، فإنه قال كاتبهما واحد غير أنه بدل خطه فقالوا لو صح ما زعمت لوقع الاختلاف في سطر أو سطرين، أما الكتاب كله
فمحال، هذا ما لا يستطيعه كاتب
ثمّ إنّ أبا تميم وجّه إلى أبي نوح فجاء في قيوده، فلما دخل عليه وجده في قبة حمراء على سرير قوائمه من عاج أحمر، وعليه ثياب حمر، وعلى رأسه قلنسوة حمراء، وحوله رجال بأيديهم الرماح، قال فلما صرت بين يديه سلمت عليه، فأطرق مليا، فلما
رفع رأسه قال لي: يا سعيد، أحقاً أنكم كاتبتم فينا بني أمية؟.
103 (1/121)
صفحة 122
قال أبو نوح: يا سيدي، إن كانت معذرتي تقبل وحجّتي ترفع اعتذرت واحتججت. قال قل ما عندك، فلما وجد إلى الكلام سبيلا، وكان شهم الجنان فصيح
اللسان كثير البيان، قال كيف نكاتب بني أمية، وقد علمت ما بيننا وبينهم يوم الدار ويوم الجمل وأيام صفين، وهم الشجرة الملعونة في القرآن
•
فلما سمع منه ذلك أبو تميم سرّ وتبسم وانبسط بعد الانقباض والعبوس، قال أبو نوح فدفع إلي الكتاب الذي كنت كتبته إلى بني أمية فقال: ألست كتبت هذا الكتاب؟ فقلت بالله الذي لا إله إلا هو إنّ هذا ما كتبته إلى بني أمية. قال فاختلفوا في يميني، فطائفة قالوا إنه لا يحلف لأنه جعل " ما زائدة، وقال بعضهم إنّه من البربر ولا يفطن لهذا
ولا يفهمه
قلت لا شك أن أبا نوح قصد بلفظ يمينه المعاريض التي فيها مندوحة الكذب، وسلك مسلك الملاحن، وعلى هذا تكون " ما " بمعنى الذي، أو تكون نكرة موصوفة فيكون التقدير أنا هذا الذي كتبته، أو أنّ هذا شيء كتبته، وكلاهما حسن فصيح فهذا
" (1)
الذي قصده وأجادوا في استعمال التقية لإظهار الولاء لمخالفيهم حتى يعتقدوا أنهم على مذهبهم ويؤيدونهم، فعندما بايع الإباضية أبا حاتم إماماً للظهور " أظهروا على أنفسهم أنهم يريدون الاجتماع على أمر امرأة مسلمة، وكان زوجها رجل سؤ ساءت سيرته إليها، فأظهروا الاجتماع لشأنها وهم يريدون الخروج على جند طرابلس وعامل أبي جعفر ـ المنصور ـ كما فعل أصحاب أبي الخطاب، أول مرة حين ولوه، فسمع باجتماعهم عامل المدينة، مدينة طرابلس. فأخرج إليهم خمسمائة فارس، وجعل عليها عاملاً. فلما وصلتهم تلك الخيل، قال لهم عاملها: أجيبوا الطاعة لأمير المؤمنين، فقالوا أجبنا الطاعة لأمير المؤمنين، فلم يفقه ذلك منهم، فلما أصبحوا، خرج إليهم عامل الجند بسيفه، وبخيل عظيمة، فلما أتاهم قال لهم: أجيبوا الطاعة لأمير المؤمنين. قالوا:
(1) ـ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 132 - 133.
1.2 (1/122)
صفحة 123
أجبنا الطاعة لأمير المؤمنين. قال لهم أجيبوا الطاعة لأمير المؤمنين أبي جعفر ـــ وكان أبو جعفر يلقب بأبي الدوانيق ـ فقالوا له: عليك لعنة الله، وعلى أبي كافر معك،
يعنون أبا جعفر
" (1)
ولم تقتصر التقية على الكلام، بل تجاوزت ذلك إلى التصرفات، فرغم خلاف الإباضية العقدي مع الفاطميين، إلا أنهم كانوا يتقربون منهم تقية ليكونوا على اطلاع وعلى قرب من الحكام؟ ويطلعوا على تخطيط الحكام وتوجيهاتهم، ويعلموا أنصارهم كيف يتصرفون في نشر دعوتهم.
ويبدو أن الفاطميين الذين كانوا يجيزون التقية، كانوا يقربون العلماء الإباضية ليكونوا أيضاً على معرفة بالتحركات الإباضية، وليكون الزعماء الإباضية
تحت مراقبتهم.
فعندما أراد المعز الانتقال إلى القاهرة بعد فتحها عام (358 هـ / 969 م).
"عزم على استصحاب الشيخين أبي خزر وأبي نوح لئلا يكون منهما في المغرب خروج عن طاعته وقيام عليه، فكلّمهما في ذلك ليأخذا في أهبة السفر.
فأما أبو خزر فقال كيف بالقيام بعدك والقعود عليك؟ وأما أبو نوح فكره ذلك، وكان عند أبي تميم رجل يهودي يعرف فضل أبي نوح ويتخدم له ويجد في حاجته، فعلم ما عنده من كراهية المسير، فنصحه اليهودي، وقال تمارض وانقع نخاله الشعير واشرب من مائها، واغسل به وجهك، فإنّ حالك يتغير ويظن من يراك أنك مريض، فحين عزم أبو تميم على الحركة، سأل عن أبي نوح، فأعلم أنه مريض فاستدعاه فأحضر، فلما رآه مصفر الوجه، متغيّر الحال، ظن أنه مريض فأذن له في المقام (2) ".
(1) ـ أبو زكريا: سير الأئمة، ص 73 - 74. (2) ـ أبو زكريا: المصدر السابق، ص 138
100 (1/123)
صفحة 124
ج - مناقشة التقية:
يتبين لنا من موضوع التقيّة أنّ الأقليات في المغرب العربي على اختلاف
توجهاتها وتنافرها وتصادمها، كان يجمع بينها العداء للمذهب الغالب في المغرب
العربي، والذي اصطلحوا على تسمية أتباعه بالمخالفين.
وترى هذه الأقليات أنها مضطرة - رغم تنافرها - إلى التحالف والتعاون، حتى لا تذوب في بحر الأكثرية، ورغم تعاونها إلا أنها تقيم فاصلاً في العلاقات مع بعضها البعض، وتردم هذا الفاصل بالتقيّة، التي تعتمدها وسيلة للحفاظ على وجودها ونشر دعوتها.
ولقد أخطأ الإباضية وغيرهم في فهم التقية في قوله تعالى: لا تَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلَ ذَلِكَ فَلَيسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أن تتقوا منهم نقلة وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ المَصِيرُ ()
فالآية تحذر من اتخاذ الكفار أولياء، والكفار كما يقرّر السياق هم الذين لا يقبلون التحاكم إلى كتاب الله، ومن يفعل ذلك لا علاقة له بالله في شيء ولا صلة بينه وبين الله في شيء، ويشتد التحذير من هذه الولاية التي تذهب بالدين من أساسه (2)
ولقد شرح المفسرون التقيّة في قوله تعالى بأنه من خاف في بعض البلدان والأوقات من شر الكافرين فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيّته. ويحذر الله تعالى من نقمته في مخالفته لمن والى أعداءه وعادى أولياءه (3)
(1)
- سورة آل عمران، الآية 28.
(2) ـ أنظر، قطب، سيد: في ظلال القرآن ج، ص 555، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط 7،
1391 هـ / 1971 م.
(3) ـ أنظر، ابن كثير، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل: تفسير القرآن العظيم، ج 1، ص 308، بيروت،
دار القلم، د. ت.
1.9 (1/124)
صفحة 125
من
وتخالف التقية في مفهومها الإباضي المفهوم الإسلامي، الذي يتخذ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قاعدة أساسية في دعوته، ويخالف مفهوم التقية أيضاً الأصول العقدية الإباضية التي تلزم أتباعها أن يكونوا واضحين صريحين في فهمهم للإسلام، وهذا ما التزم به عبد الله بن إباض الذي لم يخف وجهة نظر الإباضية، ويبين في رسالته إلى الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان أن ما تعتقده الإباضية هو الحق والصواب (1)
ولا يلتقي مفهوم التقية مع مفهوم الأمر والنهي " فقد اتفق الموحدون على أنّ الله تعالى
فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على عباده في كل حين وأوان على قدر الطاقة (2) ". ومتى سادت التقيّة في المجتمع ساد الانحراف والضلال، وقد وقع الإباضية في ذلك عندما اشتد أمر النكار، فعمد الإباضية إلى التقيّة لعدم قدرتهم على مواجهة هؤلاء في جبل نفوسه " حتى وصل إلى رئيسهم ومقدمهم " زيري بن كملين " فعاتبه أبو صالح وقال له ما هذا الذي بلغنا عنكم يا زيري من مرور النكار عليكم وحلقتهم بين أظهركم وأنت بالحياة؟
فقال له زيري: إن عذرنا يا شيخ بين أما سمعت المثل القائل في كلام البربر؟
وخاطبه ببيت بربري ترجمته: المرأة متى لم يزرها بعلها ابتغت السفاح، وهذا الكلام لـ بالبربرية وزن وطلاوة ومساغ، غير ما يظهر من تركيبه بالعربية (3) ".
ويفهم من كلام الشيخ أنهم يعمدون إلى التقية في عدم معارضة النكار على أمل عودتهم إلى المذهب الإباضي وهكذا نرى أنّ الإباضية - وبلا وعي ـ أخذوا يطبقون التقية
حتى على أنفسهم.
(1) - أنظر، البرادي: الجواهر المنتقاة، ص 166 - 167
(2) ـ الجناوي، أبو زكريا يحيى بن أبي الخير: كتاب الوضع مختصر الأصول في الفقه، ص 23، نشره وعلق عليه أبو إسحاق إبراهيم اطفيش القاهرة، مطبعة الفحالة الجديدة 1962 م.
() - أبو صالح بكر بن قاسم البراسيني، يجعله الدرجيني في الطبقة الثامنة 350 هـ / 400 هـ.
((
- الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 2، ص
357
107 (1/125)
صفحة 126
3 - الحج:
كان الحج من الوسائل الهامة في نشر المذهب الإباضي، واشتهر الإباضية بكثرة حجهم، وقد كانت مصر بحكم موقعها الجغرافي " محطة للحجاج الإباضية القادمين من شمال إفريقيا وبلاد السودان، وكان لا بد لهؤلاء الحجاج أن يتركوا أثراً فيها، ذلك أنهم كانوا يقيمون فيها عادة عاماً أو بعض عام لمن يريد الحج مرة واحدة، وعدة أعوام لمن يفضل أداء هذه الفريضة عدة مرات متتالية (1) ".
ويذكر ابن سلام الإباضي أن أحد العلماء المغاربة من. الإباضية حج قبل عام (273 هـ / 886 م). وجاور بمكة سنة ثمّ حج مرة ثانية، ثم انصرف إلى مصر وأقام بها، ثم أعاد الحج من مصر للمرّة الثالثة، وعاد إلى بلاده والتقى به ابن سلام بعد عام (273 هـ / 886 م) في سلجماسة (2)
وكان للقاء الحجاج الإباضية من شتى الأمصار في مكة المكرمة بالحجاج المغاربة أثر
كبير في تدعيم المذهب ونشره بين الناس، وكان علماء المذهب كغيرهم من العلماء يعقدون حلقات العلم والبحث والمناظرة في مكة المكرمة والمدينة المنورة أثناء موسم الحج، وبعده وقبله،
حيث كانوا يردّون على الأسئلة ويلقون الفتاوي وينشرون العلم (
(3)
وتأثر كثير من الحجاج المغاربة بهذه الأقوال وتحوّلوا إلى المذهب الإباضي.
وبعد العودة إلى بلادهم كانوا يلجأون إلى المشايخ الإباضية، يأخذون عنهم علوم المذهب
الإباضي وفقهه.
ولم يقل الإباضية المغاربة حماساً عن علمائهم في أداء فريضة الحج، فكانوا يتظاهرون بالعمل في التجارة ويخرجون في صحبة التجار وقوافلهم، ولذلك كثر حجهم.
(1)
- عبد الحليم:، رجب محمد: الإباضية في مصر والمغرب، ص 88 - 89.
(2) ـ أنظر، ابن سلام الإباضي: الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية، ص 13، تحقيق ر. ف. شفارتز وسالم
ابن يعقوب، بيروت، دار إقرأ، 1405 هـ / 1985 م.
(3) ـ أنظر، 1 - الشماخي: السير، ج 1، ص 145 - 148.
2 - ابن سلام الإباضي: الإسلام وتاريخه، ص 13.
108 (1/126)
صفحة 127
وتذكر المصادر الإباضيّة أنّ إباضية جبل نفوسه في عهد الإمام عبد الوهاب كانوا أكثر
الناس
، وقد بلغ من كثرة عددهم أنه ولد لهم في ركب واحد ثلاثمائة من الأولاد
الذكور فقط (1)
4 - المناظرة:
إتخذ الإباضية من المناظرة وسيلة لنشر آرائهم والدفاع عن مبادئهم، ويجد المتتبع للمناظرات الكلامية التي جرت بين الإباضية وغيرهم " تدرجاً نحو التعمق، وفلسفة العقيدة التي تبدو ساذجة بسيطة في بعض الأحيان ولا تخلو من الطرافة والأسلوب الجدلي والمغالطة اللفظية أحياناً (2) ".
وناظر الإباضية مخالفيهم، وتذكر المصادر الإباضية أنهم أفحموا خصومهم،
الذين تفوقوا عليهم بقوة الحجة والدليل. ومن. هذه المناظرات:
ا - مناظرة المعتزلة:
اختلف الإباضية عن المعتزلة في مفهوم العقيدة، وبخاصة مفهوم لا منزلة بين المنزلتين، وأرادوا أن يثبتوا صحة مفهومهم للعقيدة من خلال المناظرة التي جرت في بلاط الملك الصنهاجي المنصور بن بلكين بن زيري، بين العالم الإباضي أبي نوح) وبيز
المعتزلي ابن حينا حمو
(**)
بدأ أبو نوح المناظرة بالسؤال فقال: ما علاقة الصنعة؟ فقال ابن حينا حمو:
الحدوث والحركة والسكون والزوال والانتقال، فقال أبو نوح: كل محدث مخلوق،
(1)
أنظر، 1 - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 2، ص 325
2 - الشماخي:: السير، ج 1، ص
195
(2) ـ باحية، صالح: الإباضية في الجريد، ص 44.
- أبو نوح بن زنغيل إباضي من قسطيلية.
) ـ ابن حينا حمو من مشايخ قنطرار اللامعين في عهد المنصور بن بلكين بن زيري الذي توفّي
عام 386 هـ / 996 م.
(أنظر، بول، استانلي: طبقات سلاطين الإسلام، ص 43).
109 (1/127)
صفحة 128
فقال ابن حينا، وقد كابر على نفسه، كل مخلوق محدث، وليس كل محدث مخلوق،
فقال له أبو نوح: والحدث إذا على ضربين: خالق وغير مخلوق.
قال ابن حينا عند ذلك بل القديم كلّه خالق، فقال له أبو نوح وكذلك المحدث كله
مخلوق. قال ابن حينا، وهو مضطرب في جوابه، الكفر مخلوق لي.
قال أبو نوح: إذا كان الكفر مخلوقاً فينبغي على هذا العيار والوزن أن يكون مربوبا لك ومألوها لك على هذا القياس إله فعلك وربه. فقال ابن حينا مضطرباً بل الكفر مخلوق لي وليس يجب أن يكون مخلوقاً لي، وأن يكون مربوباً لي، فقال له أبو نوح فيلزمك على هذا أن يكون الله غير مربوب له، وأن الله خالق لما خلق من الأشياء، وليس بربها ولا إلهها، فلم يسمع منه أبو نوح جواباً بعد هذا، بل بهت وانقطعت
حجته، فسأل المنصور من الذي يقول لك هذا؟
فأجابه أبو نوح: أصلحك الله، إنّ هذا يزعم أنّ الله خالقاً، وأن له خالقا غير ما خلقه الله تعالى، فيكون كلّ واحد منفرداً بخلقه، والله يخلق، فهذا الشرك بعينه
وأنكر ذلك القول عليه
(1)
ويعلّق صالح باجية على هذه المناظرة بأنها مناظرة معقدة ملتوية،
حتى أن المنصور احتاج إلى من يعينه على فهم ما دار في النقاش، وكلام المعتزلي
يکاد
في كون العبد خالقا لأفعاله، فما ينحصر
وجه تلعثمه؟ والمنصور على رأي أهل السنة، وكان أبو نوح الوهبي يجاريه في ذلك، ويقارب رأي الأشعري في كون الله خالقا للعبد وأفعاله، ولكن للعبد كسب هو مناط التكليف وهذا ما يمثل التقارب بين العقيدة السنيّة والعقيدة الإباضية في مسألة الكسب في أواخر القرن
الرابع الهجري (2)
(1)
1) - أنظر، 1 ـ أبو زكريا: سير
الأئمة، ص،
239 - 238
2 - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 147 - 148.
(2) ـ أنظر، باجية، صالح: الإباضية بالجريد، ص 46
110 (1/128)
صفحة 129
ولا نميل إلى رأي صالح باجية في تعليقه على هذه المناظرة التي كانت بين عالم
كبير من: وخلق القرآن
علماء الإباضية
، وبين معتزلي تمرس في علم الكلام، ويتفقان على نفي الصفات
ونعتقد أن الاضطراب في الردود والإجابات المبهمة، يعود إلى أن كلاً منهما يحاول إخفاء معتقده الحقيقي، ويبدي خلاف ذلك تقية للتقرب من
حاكم سني.
ويتضح لنا أن المناظرة لم تكن لتوضيح الاعتقاد أمام حاكم سني يخالفهما في
المفهوم، بقدر ما كانت تهدف إلى إفحام الخصم وإظهار ضآلة منزلته العلمية، وعدم السماح له بالتقرب من بلاط الحاكم.
وإذا كان أبو نوح من أشهر علماء الإباضية في المناظرة، فإن أسلوب مناظرته
في بلاط الفاطميين يختلف كلياً عن نهجه في بلاد الصنهاجيين. فقد أرسل إليه أبو تميم
ذات مرّة ليناظر معتزليّا، فطرح أبو نوح السؤال التالي:
ما الدليل على أنّ لهذه الصنعة خالقا؟ قال فلبث جلساؤه حينا ساكتين
،
ثم أخذوا في الجواب، فقالوا أقاويل كثيرة، فما وافقوا فيها بجواب قاطع، فقال لهم أبو تميم أجيبوا ابن زنغيل من حيث يفهم، وذلك لأنه لم يرض
بأجوبتهم.
قال أبو نوح فرأيت في وجه أبي تميم إرادة الجواب، فقلت إن رأى مولانا أن يتفضل على رعيته بالجواب فليفعل، فرأيت في وجهه تبسماً وانطلاقاً، فقال يا سعيد، يقال لهذا السائل إشرح سؤالك لكي تستحق جواباً، وفي شرح سؤاله جواب لقوله، وقوله صنعة دليل على صانع (1)
(1)
(1) ـ أنظر، أبو زكريا: سير الأئمة، ص 226. (1/129)
صفحة 130
ب - مناظرة غير المسلمين:.
يظهر من المناظرات التي وردت في المصادر الإباضية تفوق المناظر الإباضي،
الذي يظهر وكأنه أستاذ يطرح أسئلة فوق المستوى العقلي لتلاميذه الذين يتلعثمون، ولا يستطيعون الجواب، فيخرج من هذه المناظرات مسجلاً تفوقه وبراعته في
هذا المجال.
وإذا كانت المصادر الإباضية قد أظهرت تفوقاً إباضياً في مجال المناظرة، إلا أنّ هذه المناظرات لم تبرز المفاهيم الإباضية. وحتى عندما ناظروا غير المسلمين، فإنّ المناظرة لم تكن في مجال تصحيح المفهوم العقدي، كما كان أهل السنة والجماعة. فعندما ناظر ابن سحنون عالماً يهودياً، لم تنته المناظرة إلا عندما " انحصر اليهودي وانقطع عن الحجة، وظهر ابن سحنون بالدلائل الواضحة والحجّة البالغة، فلما تبين اليهودي الحق البرهان، وأراد الله ل هدايته قال عند ذلك أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله (1) ". بينما نرى أنّ مناظرة الإباضية لليهود. لا تهدف إلى توضيح المفهوم الإسلامي، بل إظهار المقدرة على المناظرة والإفحام؛ وذلك عندما ناظر إباضي يهودياً يقال له "حلي" فقال له الإباضي أسألك يا يهودي عن ثلاث مسائل، فإن أجبت عنهن فأنت "حلي"،، وإن لم تجب عنهن، فأنت "جلي".
فسأله عن رجل ضرب عنقه حيّا، فأبانها حتى قتل نفسه، في حال حياته،
أو في حال موته؟
على حال؟
وعن الكائن في السفينة إلى متى يطلب الراحة، والسكون لا يمكن له
وعن رجل رمى رجلاً بسهم، فمات الرامي، قبل أن يموت الرجل، هل
قتله حيا أو ميتا؟
(1) - المالكي: رياض النفوس، ج 1، ص 450 - 451.
112 (1/130)
صفحة 131
قال فبهت اليهودي، وتغير، فما نطق بجواب، فقلت له: أمّا الذي ضرب عـ
فأبانها، إنما قتل نفسه في حال الموت بما فعل في حال الحياة، وأما الكائن في السفينة فإنه لا يخلو من الحركة، حركة اكتسبها بنفسه، وحركة السفينة، وهي اضطرار، و، وذلك إنما يطلب الراحة إذا كانت مجتمعة إلى حركة الاضطراب، ويكفّ عن حركة نفسه حتى يتبعه ذلك، فيطلب الراحة إلى اجتماع الحركتين، فيقصد إلى حركة نفسه، وأما الرامي الذي قتل المرمي، فإنما قتله في حال الموت بما فعل في حال الحياة (1).
نستشف
من هذه المناظرة أنه حتى لو استطاع اليهودي الإجابة فإنّ ذلك لا
يقدم ولا يؤخر في المفهوم العقدي.
ج - مناظرة أهل السنة والجماعة:
يخلص المطلع على مناظرات الإباضية، من مصادرهم، أنهم كانوا أبرع من ناقش
وناظر وأفحم، وبخاصة عندما يردّ عالم إباضي على من وجه إليه سؤالاً بقوله " إن كنت تزعم أنّ الله ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض فأخبرني عمّن أراد أن يبطل ربه كيف يقول، فرد عليه الإباضي: يقول مثل قولك، فانقطع الكلام بينهما (2) "
لكن إذا عدنا إلى مصادر أخرى غير إباضية، إلى ابن الصغير مثلاً، والذي يعدّ كتابه " أخبار الأئمة الرستميين " من أقدم المصادر السنيّة عن الإباضية، وبخاصة عن النشاط الفكري في الدولة الرستمية، فإنّه يروي أ أنه ناظر الفقيه الإباضي أبا الربيع سليمان الهواري ()، وكانت المناظرة في شؤون العقيدة، وتبيان خطأ استدلال الإباضية في
(1) ـ أنظر
، 1 - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 156.
2 ـ أبو زكريا: سير الأئمة، ص 148.
(2) ـ أبو زكريا: سير الأئمة.، ص 208.
،
() ـ أبو الربيع سليمان الهواري، تذكر المصادر الإباضية العديد من الأشخاص بهذا الاسم والكنية: وأقربهم إلى فترة ابن الصغير سليمان بن زرقون وسليمان بن ماطوس أبو الربيع، وكلاهما من الطبقة
السابعة 300 هـ ـ 350 هـ.
(أنظر، الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 2، ص 349).
113 (1/131)
صفحة 132
موضوع فقهي، وأظهرت المناظرة تفوّق ابن الصغير على العالم الإباضي ودحض الحجج
الإباضية بالمنطق والحجة.
قال أبو الربيع للعالم السني: من أين زعمت وزعم أصحابك وغيرهم من الحجازيين والعراقيين أنّ الرجل إذا زوج ابنته البكر وهي صغيرة وأدركت أن لا خيار لها في نفسها، وأنتم تقولون أنّ الرجل إذا زوّج أمته وعتقت أنّ لها الخيار، ولا فرق بين الأمة وبين الصغيرة، لأنّ الأمة لم يكن لها حكم في نفسها، وإنما كان لسيدها، فلما عتقت وصار الحكم إليها جعلتم لها الخيار، والصغيرة لم يكن لها حكم في نفسها، وأن لا حكم لأبيها، فلما أدركت صار الأمر إليها، فلِمَ منعتموها ما أجزتم للأمة والمعنى واحد؟
ويردّ العالم السني بأن صحة ذلك من القرآن الكريم، ويبين بأنّ الله تعالى يقول {وَالبَنِي يَسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِسَائِكُمْ إِن أَمْرَ تَبْتُمْ فَعِدَّ هُنَّ تَشَةُ
أَشْهُرٍ وَاللتي لَمْ يَحِضْنَ وَأَوَلَسْتَ الأَحْمَال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ وَمَن
أمير ويشراً (1)
السنين
ويرد الإباضي: عجباً منك، أنا أسألك. عن عقد النكاح ونسخه وأنت تخبرني عن عدد المويسات ()، وعدة اللائي لم يحضن؟ فقال العالم السني، فهل يقع طلاق من غير أن يكون عقد نكاح؟ قال لا، قلت في المويسات فمنهنّ اللائي قد بلغن من ما لا يحضن مثلهنّ؟ قال نعم، قلت واللائي لم يحضن من الصغر، قال نعم. قلت فأوجب ال الله عليهن عددا؟ قلت أمن طلاق أم من غير طلاق؟ قال من طلاق، قلت فيكون طلاق من غير عقد نكاح، فسكت ولم يرد جوابا
•
ويوضح العالم السني حججه من قوله تعالى و والتي لم يحضن كل المراد التي كلمة
لم يخلق فيهن الحيض، وهنّ الكبائر لا الصغار، قلت هذا غلط في اللغة. لأنّ "لم" لا
(1) ? سورة الطلاق، الآية 4
- المويسات، لم ترد في المعاجم العربية، ولعله يقصد اللائي بلغن سن اليأس أي اليائسات.
114 (1/132)
صفحة 133
توضع للمستقبل، ولو أراد ما قلت لكان موضع "لم" "لا" فيقال لا تحيض فلانة إذا نفوا عنها الحيض، أي ليست تمن تحيض، وإذا قيل لم تحض فلانة معناه أنها لم تحض بعد، وأنها ستحيض في المستقبل (1)
وتظهر المناظرة أنّ أكثر من عالم إباضي تدخلوا لمساندة أبي الربيع، وتتميز منهجيتها وعدم سرعتها في إحراج الخصم، لكنها تسجّل موقفاً شرعياً يستند إلى الأدلة
والحجج الشرعية.
د - مناظرة الإباضية:
إذا كانت المناظرات مع مخالفي الإباضية في المعتقد تمتاز بالهدوء والرصانة، أمام الملوك والسلاطين، وأمام الذين كانوا يفدون إلى تاهرت عاصمة الدولة
الرستمية.
إلا أن المناظرة بين الإباضية والفرق المنشقة عن المذهب كانت تتسم
بالعنف المؤدي إلى:
(1)
1 - العراك، كما حدث عندما ناظر إباضي رجلاً نكاريا في مدينة توزر، فجرت بينهما مكالمة أفضت إلى ملاكمة، فقال أحدهما للآخر: يا حمار، وقال الآخر يا ثور. فخرجا من المدينة، وكلّ منهما ممتلئ غيظاً، فشكا كل واحد منهما إلى أصحابه ما لقي من خصمه من سؤ المعاملة. فغضبت كل جماعة لما أصاب صاحبهم، فخرجوا. فكان لقاء بخارج توزر فاقتتلوا قتالاً شديداً (2)
منهم
2 - المباهلة، وذلك عندما يتمسك كلّ من المتناظرين بموقفيهما فيفضي الإصرار على المواقف إلى المباهلة " فقد كان بين الشيخ صالح جنون بن يمريان، وبين الشيخ أبي سليمان بن يعقوب بن أفلح الذي انتحل بعض العلوم ومدارسة
أنظر، ابن الصغير: أخبار الأئمة الرستميين، ص 118 - 120. (2) ـ أنظر، الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 149.
110 (1/133)
صفحة 134
الكتب، فحذر أبوه منه جماعة أهل وارجلان، وقال لهم لا تطمئنوا إليه، فإنه
درس
ديوان أحمد
الحسين بن
وتناظرا، وبعد أن تمسك كلّ منهما برأيه، اتفقا أن يبتهلا يوم
الجمعة ...
فلما كان الجمعة اقترعا بين "كريمة " و "تيسر" سرين". فوقعت قرعة الشيخ يوم على "تيسر سرين" وتوجّه نحوها، وتوجه أبو سليمان إلى " كريمة " فعمل الشيخ "بتيسر سرين" مصلى، وهو اليوم المعروف، فمكث أبو سليمان بعد ذلك،
ففضحه الله،
وكان.
من
تبعه على أثره أباد الله حملتهم
ه - خطب الجمعة:
" (1)
كانت خطبة الجمعة من أهم وسائل نشر الدعوة الإباضية إبان قيام الدولة
الرستمية، وكان لأئمة الدولة الرستمية " دواوين خطب للجمع والأعياد إذ كانوا يخطبون
بأنفسهم ولا يعيدون خطبة خطبوا بها قط
" (2)
وكان الأئمة الإباضيون والخطباء يخطبون خطبتين، الخطبة الأولى يتحدثون فيها
عما يريدون من الأمور، أما الخطبة الثانية، فإنّهم يلتزمون بخطبة واحدة تعرف بخطبة التحكيم، ولا يعرف من واضع هذه الخطبة () إلا أنّ هذه الخطبة توجز سيرة
(1)
- أبو زكريا: سير الأئمة.، ص
192
(2) - الباروني: الأزهار الرياضية، ج 2، ص 286. (2) - خطبة التحكيم تعود بمضمونها إلى أجواء التحكيم أيام الخليفة الراشد علي بن أبي طالب له، وتدعو للشراة الذين أنكروا خلافة علي الله بعد التحكيم، وتدعو إلى إمامي الهدى أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب لاين وتغفل عليّاً وعثمان والله، ونميل إلى أن الهدف من هذه الخطبة هو الربط الوجداني بين الإباضية ونشأتهم التاريخية.
وأول من خطب بخطبة التحكيم " رجل يقال له أحمد بن منصور، وسمعته يخطب بخطبة فلقيته وعاينته وقلت له إن خطبتك التي سمعت منك اليوم ليست من خطب أسلافك، فقال لي حملني عليها عثمان بن أحمد بن بجباج. وكان مقدّما عندهم ولا يكادون يخالفونه فيما استحسن لهم فخطبت بها لأنه استحسنها لي ". (أنظر، الباروني: الأزهار الرياضية، ج 2، ص 287).
117 (1/134)
صفحة 135
الإباضية في تاريخ دعوتهم، ونص هذه الخطبة التي تعرف بخطبة التحكيم " الحمد لله الحول
الذي نستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونستهديه ونستنصره، ونبرأ من
والقوة إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. الله ربنا ومحمد نبينا والإسلام ديننا، والكعبة قبلتنا والقرآن إمامنا، رضينا بحلاله حلالا، وبحرامه حراما. لا نبتغي به بديلا، ولا عنه حولا، ولا
نشتري به ثمنا
•
لا حكم إلا لله اتباعا لكلام الله، وسنّة نبيه الله، وخلافا لأهل البدع، لا حكم إلا لله خلعا ونبذاً وفراقا لجميع أعداء الله، لا حكم إلا لله ولو كره الجبارون الحاكمون بغير ما أنزل الله، وأشهد أن من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمّد، وارحم محمّداً وآل محمد، وبارك على محمّد وآل محمّد، كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد
اللهم صل على العصبتين المباركتين من المهاجرين والأنصار والتابعين
لهم باحسان.
اللهم وارحم الشراة في سبيلك أهل الفضل في الإسلام. اللهم أرض وصل على الخليفتين المباركتين بعد بيك أبي بكر وعمر إمامي الهدى بما عملا به من كتابك وما
أثراه من نبيئك.
اللهم وأصلح الأمير يوسف بن محمد، أصلحه وأصلح على يديه ووفقه للخير
وأعنه عليه، وافتح له من عندك أعواناً وأنصاراً على طاعتك
117 (1/135)
صفحة 136
اللهم أعزز به الإسلام وأهله، وأذلل به الكفر وأهله وانصره نصراً عزيزاً، وافتح له
فتحاً يسيرا، وهب له من لدنك سلطاناً نصيرا، كفى بك ولياً وكفى بك نصيرا. اللهم أغفر لنا ولأخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ربنا ولا تجعل في قلوبنا غلاً
للذين آمنوا، ربنا إنك روؤف رحيم)
" (1)
أهمية خطبة التحكيم في نشر المذهب:
إنّ تكرار الأئمة والخطباء لخطبة التحكيم في كلّ صلاة جمعة أشبه بما يدعى نظرية التعليم بالارتباط الشرطي التي دعا إليها العالم الروسي إيفان بافلوف، فقد وضع بافلوف أنبوباً مطاطياً داخل فم الكلب، ثمّ قام برنّ جرس كهربائي أعقبه مباشرة تقديم طعام شهي للكلب المقيد فوق المنضدة، فتحرك الكلب الجائع إلى الأمام بجسمه تجاه الطعام، ولكن القيود منعته، وعندئذ أخذ لعابه يتجمع في الأنبوب المطاطي ويتساقط، وبتكرار التجربة تعلم الكلب أنّ رنّ الجرس يتبعه دائماً تقديم الطعام، ولهذا فقد تعلّم الكلب أن الجرس قد أصبح رمزاً للطعام بدليل أنّ بافلوف عندما كان يرن الجرس للكلب ولا يقدّم له طعاماً، فإنّ لعاب الكلب كان يسيل من الأنبوب.
وتتلخص عمليات تطبيق هذه النظرية، ليس بطبيعة الحال على سلوك الإنسان
تجاه الطعام، ولكن على سلوكه السياسي)
(2)
فإذا كان لدى أي إنسان أفكار سلبيّة عن الإباضية فإنه من خلال تكرار سماعه لخطبة التحكيم قد يغيّر أفكاره وينسجم مع أفكارها. ويستعيد المستمع تاريخاً من الأحداث ابتداء من قضية التحكيم إلى معوقات نشر المذهب الإباضي في الشمال
الإفريقي، فيعيش نضال المذهب، وتنمو تعاليمه في وجدانه
(1) - الباروني: الأزهار الرياضية، ج 2، ص 289 - 290.
•
(2) ـ أنظر، العفيفي، عبد الحكيم: غسيل المخ وتحطيم العقائد، ص 37، القاهرة، مركز الزهراء للإعلام
العربي، 1413 هـ / 1993 م.
118 (1/136)
صفحة 137
ونستفيد من ظاهرة تكرار خطبة التحكيم بأن يفرض على خطباء المساجد
الالتزام في الخطبة الثانية بالحديث عن موضوع معين، تعينه المراجع الدينية، وبذلك يشعر المسلمون بالوحدة الوجدانية التي تجمعهم، وبمرجعية تهتم بأمورهم وتعالج
مشاكلهم.
6 - تأليف الكتب:
جهد الإباضية في إبراز وجهة نظرهم في منطقة تموج بالاضطرابات، وأظهروا تفانياً في نشر آرائهم، وبذلوا في سبيل ذلك كلّ ما أتيح لهم.
ولم يكتفوا بالمناظرات، بل عملوا على تأليف الكتب التي تشرح مذهبهم
ليسهل على الدارسين الاطلاع على الآراء الإباضية.
ذلك
ويذكر البرادي (ت 810 هـ / 1407 م في كتابه " رسالة في كتب الإباضية " المكتبات الإباضية التي كانت عامرة بالكتب، ومنها مكتبات جبل نفوسه، حيث أمضى أربعة أشهر وهو يطلع على تصانيف المذهب؛ ويعبر عن بقوله " لم أذق فيها نوماً إلا فيما بين أذان الصبح إلى طلوع الفجر، فنظرت في أثناء ذلك فيما هناك من كتب المذهب التي وصلت من المشرق، فإذا نحو وثلاثين ألف جزء (1) ".
ثلاثة من
ويعدّد عشرات المؤلّفات في المذهب الإباضي، التي ضاع معظمها بسبب الظروف المضطربة، التي عانى منها الإباضية بعد سقوط
ويذكر أنّ هذه الكتب كانت أقرب إلى الموسوعات منها إلى الكتب العادية
وأشهر هذه المؤلفات:
(1) ـ البرادي، أبو الفضل أبو القاسم إبراهيم: رسالة في كتب الإباضية، ص 63، دراسة وتحقيق محمد زينهم محمد عزب وأحمد عبد التواب عوض، القاهرة، دار الفضيلة 1994.
119 (1/137)
صفحة 138
1 - كتاب الشيخ أبي عمران موسى بن زكريا المزاتي، وكتابه الكبير الذي ألفه، هو وأهل الغار المشتمل على اثني عشر جزءاً، لكن
هذا الكتاب الذي فقد يدلّ على أنّ التأليف الجماعي كان معروفاً عند الإباضية (1).
2 - ديوان الأشياخ " وهو المعتمد عليه اليوم عندنا، يشتمل على أربعة وعشرين جزءاً ومن طريق آخر خمسة وعشرين
وهي:
كتاب الأحكام ثلاثة أجزاء.
وكتاب الصلوات ثلاثة أجزاء.
وكتاب الزكاة جزءان.
وفي كتاب البيوع جزءان
وأما الأجزاء ـ الأخرى ـ فهي: كتاب الطهارات جزء، وكتاب الصيام جزء، وكتاب الرهن جزء، وكتاب الإجارات جزء، وكتاب القراض والطوارئ جزء، وكتاب نفقة الأولياء جزء، وكتاب الضمانات و كتاب الديات والقصاص جزء، وكتاب النكاح جز جزء، وكتاب الطلاق
جزء،
هو
جزء، وكتاب حقوق الوالدين جزء، وكتاب الحيض والنفاس جزء، هذا. الموجود الآن في أيدي العزاة - الذين يعزون الكتب إلى أصحابها ـــ والرابع والعشرون كتاب المواريث والفرائض وهو قليل، والخامس والعشرون على حساب من يثبته، والله أعلم وسمعت أنه مسائل المناسك، ولا رأيته، ولا رأيت من رآه (2) ".
(1) ـ أنظر، البرادي: رسالة في كتب الإباضية، ص 67 - 68. (2) - البرادي: المصدر السابق، ص 68 - 69.
120 (1/138)
صفحة 139
7 - الرسائل:
أدت الرسائل دور الإعلام في تبليغ الدعوة الإباضية والإعلام في اللغة هو التبليغ،
ويقال "بلغ الشيء يبلغ، بلوغا، وصل وانتهى، وأبلغه هو ابلاغا وبلّغه تبليغا (1).
وإذا كان الإعلام في حقيقته "نشاط غرضي مقصود وهادف يسعى لتبديد الفوضى وإبراز النظام، والإعلام وضع العبارة في شكل مفهوم ولا يمكن أن يكون عبثا مجردا من كل غاية، وإنما يكون للدلالة على أمر يخص ذلك الشيء فيطلع عليه الناس لمعرفة مضمونه، والوقوف على معناه (2) ". فقد لعبت الرسائل الإباضية في هذا المجال دور وسائل الإعلام.
واستطاع الإباضية بهذه الوسيلة أن يكتبوا ما يريدون في رسائل يحملها الدعاة
ويقرؤنها على الناس وتنتقل هذه الرسائل إلى أماكن لا يستطيع الدعاة الوصول إليها.
ويمكن القول أن أسلوب الرسائل في نشر المذهب الإباضي هو أشبه بأسلوب الكاسيت في العصر الحديث. حيث يستطيع الإمام الإباضي كتابة الرسائل إلى أتباعه وهو بعيد عن أنظار مطارديه، وتقرأ هذه الرسائل على الأتباع والمؤيدين في جلسات سرية، وكانت هذه الرسائل متنوعة الأهداف منها:
أ - رسائل في توضيح المذهب:
تنوعت الرسائل التي كتبها الأئمة الإباضيون، فمن هذه الرسائل ما كان لتوضيح
المذهب كالرسالة التي بعث بها عبد الوهاب بن عبد الرحمن إمام الدولة الرستمية إلى أهل محمداً عبده ورسوله،
"
طرابلس، ويقول فيها " أما بعد فإنّ الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده. والإقرار بما أنزل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا، وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وما ملكت اليمين. وغض البصر وحفظ الفرج وستر ما
(1) ـ ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم لسان العرب، ج 8، ص 419، بيروت، دار صادر، د. ت. إمام، إبراهيم: أصول الإعلام الإسلامي، ص 14.
(2)
121 (1/139)
صفحة 140
أمر الله به أن يستر، والاستئذان على أهل البيوت، والنكاح بالرضا والفريضة بإذن الولي والشهود ذوي عدل وانقاء الحيض والغسل من الجنابة، وذكر اسم الله عند الذبيحة وأداء الأمانة إلى جميع الناس البار منهم والفاجر، والحكم بين الناس بالعدل، والتعاون على البر والتقوى، والنهي عن الفحشاء والمنكر والإثم والعدوان، والتوبة من الذنوب والشهادة لأهل الهدى بهداهم وولايتهم عليه، والشهادة على أهل الضلالة بضلالتهم، والبراءة منهم.
فمن أقرّ للمسلمين - الإباضية - بهذا وجبت ولايته ومودته، والاستغفار له،
ووجب حقه ما لم يحدث حدثا يخرجه من ولاية المسلمين)
ب - رسائل في الأمور الدينية:
" (1)
تكون هذه الرسائل إجابة على أسئلة يبعث بها الإباضية يستفتون في أمور دينهم
فقد ذكر الدرجيني نماذج من هذه الرسائل، منها الرسالة التي كتبها أحد العلماء " إلى جماعة الشيوخ بوارجلان يسألهم:
- سؤال: ما اليقين والقدر وما الفرق بينهما؟
- الجواب: اليقين صحة الاعتقاد، وهو من أفعال القلب ومن أفضل أفعال العباد،
قال رسول الله) أعبد الله على الرضى واليقين، وإلا ففي الصبر
على ما تكره خير كثير ()).
لو ازداد يقينا لمشى على الهواء، والقدر ما قدره الله قبل أن يكون قال عليه
السلام في الإيمان (أن تؤمن بالقدر خيره وشره وأنه من الله ().
(1)
الإباضي، ابن سلام: الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية، ص 107. وجدنا حديث (أعبد الله في الرضا فإن لم تستطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير) أخرجه الترمذي من حديث ابن عباس في كتاب المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الاحياء من الأخبار للعلامة زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي، الملحق بكتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، ج 4، ص 69، بيروت، دار المعرفة، د. ت. () ـ أخرجه مسلم في صحيحه، ج 1، ص 36 - 37، في كتاب الإيمان من حديث جبريل عليه السلام الطويل .... قال فأخبرني عن الإيمان، قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره قال صدقت ... ).
122 (1/140)
صفحة 141
- سؤال: هل يقال الله تعالى بالبربرية إيراد؟
- الجواب: ما سمعنا أحداً أجازه، ولعلّ هروبهم من جوازه اشتراك اللفظة في لغة البربر، فإنهم يسمون الداجن من الطير والوحش إيرادان، ولمن أخلف الوعد "يردى" وهذا على حسب اللغات، والهروب من المشكل إلى
الواضح أولى.
- سؤال: ما الحكم فيمن قال إن الله ليس بييكش؟
الجواب: إن كان بربريا أو ممن يعرف اللسان البربري فهو كمن قال: إن الله ليس باله، ومن قال ذلك فهو مشرك.
- سؤال: ما أعلام الساعة؟
- الجواب: إنها خمس، اثنتان منصوصتان، واثنتان مستخرجتان من النص، وواحدة من الحديث، فالمنصوصتان قوله تعالى: (حتى إذا فتحت و
يَأْجُوحُ وَمَاجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبَ يَسِلُونَ (1)) وقوله في
العليا.
(2)
عيسى ال و وَإِنَّهُ لَعِلْمَ لِلْسَاعَةِ فَلَا تَمْتَرنَ بِهَا وَاتَّبِعُونِ (3)).
والمستخرجتان من النص طلوع الشمس من مغربها، قال الله
(3)
تعالى: لو يوم يأتي بعض ايت مربك لا ينفع نفسا إيمانها)) والدابة، قال تعالى: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرِجْنَا لَهُمْ دَابَّةٌ مِّنَ الْأَرْضِ تكلتُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِائِتِنَا لا يُوقِنُونَ)).
(1) - سورة الأنبياء، الآية 96 (2) ـ سورة الزخرف، الآية 61.
(T)
(1)
- سورة الأنعام، الآية 158.
- سورة النمل.، الآية 82.
123 (1/141)
صفحة 142
والحديث، قوله ال) نار تخرج من عدن تطرد الناس إلى محشرهم () وحبشي يعلو على الكعبة بفأسه يهدمها، وخسف
"1 (1)
بجزيرة العرب) (1)
ج - رسائل في الرد على المخالفين:
كثرت الرسائل بين الإباضية منذ وقع الإنشقاق الأول بينهم وأخذت كل فئة
ترسل الرسائل إلى علماء الإباضية في المشرق طالبة رأي علماء المذهب
وكان العلماء الذين لا يتمكنون من الحضور إلى المغرب، يتمثلون برأيهم الذي
يبعثونه مكتوباً مع رسل، ومن هذه الرسائل رسالة الشيخ أبي عيسى بن إبراهيم
الخراساني الذي يبدأ رسالته بقوله:
من
أبي إبراهيم بن إسماعيل الخراساني وجماعة المسلمين إلى
بلغه كتابي هذا من
إلى إخواننا من أهل المغرب وأهل ديننا من أهل الحق والرشد.
سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي على
محمد عبده ورسوله البار الرحيم
وبعد أن يدعو الإباضية إلى التمسك بتعاليم الإسلام، والتحذير من لوقوع في الفتنة يذكر سبب كتابة هذه الرسالة بقوله: جاءنا بعض أصحابكم فذكروا لنا أمراً بلغ إلينا وساءنا هلاك من هلك قبلكم من أهل دين المسلمين وخلافهم أئمة الهدى عند المسلمين بالمشايخ الذين أدركنا عندنا، فالله المستعان على ذلك وعلى الله التكلان.
أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب أشراط الساعة، ج 4، ص 2226، رقم الحديث 2901 (إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات، خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف من جزيرة العرب، والدخان، والدجال، ودابة الأرض ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس).
(1) ـ الدرجيني:
: طبقات المشائخ، ج 2، ص 488 - 489.
124 (1/142)
صفحة 143
ويمضي في عرض الخلاف الذي حدث في عهد الإمام عبد الوهاب، حين
ولي خلف بن السمح ولاية طرابلس دون علم ورضى الإمام عبد الوهاب فيقول: لست أرضى بما صنعتم، وكان ينبغي لهم أن يسمعوا ويطيعوا لقول عبد الوهاب، ويخلعوا ماسواه، وينتهوا إلى قوله ورأيه لما أبان لهم من سيرته فيهم وولايته وطاعته واجبة عليهم، فمن شاقه و بغى عليه فهو عندنا ضال کـافر حتى
يرجع ويتوب
ويحذر الإباضية من عصيان أمر الإمام، لأن قوله مطاع، ورأيه متبع،
و مشاورة الفقهاء والمسلمين جائزة، يعمل برأي المسلمين، ويترك ما خالفه رسالته بقوله:
ويختم
فمتعه الله بحياته لنا ولكم، ونسأله العون على الحق والصبر، فبلغنا أنه أنكر على من دخل في رأي خلف كما أنكره أبوه، ومن قبله من المسلمين. وأبوا ذلك، فخالف خلف وأصحابه وأبوا إلا رأيهم، فا الله المستعان، وقد فسرنا لهم وإياكم
عليهم
معالم ديننا ووضحنا رأي المسلمين عليهم)
(1)
د - رسائل وعظ وإرشاد:
وشملت الرسائل نصائح ومواعظ جامعة يعود إليها أتباع المذهب في مسار
حياتهم، وتكون وسيلة تواصل بين الإباضية ودعاتهم، ومن هذه الرسائل ما كتبه الإمام أفلح إلى أحد دعاته يقول:
" أما بعد عافانا الله وإياك عافية المتقين الذين أنعم الله عليهم بطاعته، وهداهم
إلى ما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولو الألباب. كتبت إليك، ومن قبلي في عافية الله لا شريك له أحببت أن أعلمك ذلك بالكتابة به
إليك لتحمد الله على ذلك وتشكره كما هو أهله
(1) ـ أنظر، الإباضي ابن سلام: الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية، ص 161 - 166.
125 (1/143)
صفحة 144
وأوصي نفسي وإياك بتقوى الله ولزوم طاعته والتوفي على دينه والتوكل عليه وحده، لا شريك له، فإنه لا يقول (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا
ويتر قهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهُ بَلْعُ أَمْر وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ يكل شيء قدماً (1)
فألزم التقوى نفسك وأشعرها قلبك واصبر على ما أصابك، إنّ ذلك لمن عزم الأمور. والتقوى من الله بمكان عظيم، والمتقون هم الفائزون، خلصوا من هموم الدنيا وأشغالها، ونجوا من عذاب الآخرة ونكالها. فمهدوا لأنفسكم وقدموا المعادكم واعملوا عملاً يسركم غدا مكانه، فكأني بكم وقد فارقتم الدنيا ولحقتم بالموتى. وعليكم بالتمسك بما مضى عليه سلفكم الصالح أهل الفقه واليقين والبصيرة في الدين، نظروا إلى الآخرة بقلوبهم، فهان عليهم فراق الدنيا وما فيها.
فلا تغرنكم فإنها فانية زائلة، فكأننا وإياكم قد فارقناها فوقعنا بين
يدي الله تعالى، فيجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى
عصمنا الله وإياكم بالتقوى ورزقنا العمل بطاعته، فإنه ولي ذلك ومنتهى الرغائب، لا شريك له، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم (2) ".
لقد عمد الإباضية إلى أسلوب الرسائل في مرحلة الكتمان بعد سقوط الدولة الرستمية (297 هـ / 909 م (لنشر دعوتهم وجعلوه وسيلة اتصال
بالتجمعات الإباضية.
(1) - سورة الطلاق، الآية 2 - 3.
(2)
(2) - الباروني: الأزهار الرياضية، ج 2، ص 188 - 189.
126 (1/144)
صفحة 145
واستبدلوا في العصر الحديث بالصحافة أسلوب الرسائل وأهم الصحف الإباضية:
- وادي ميزاب 1926، الأمة 1933
- الفرقان 1938، البستان 1933
النبراس 1933، النور 1931، المغرب 1930 (1).
وتخاطب الصحافة الإباضيّة أتباع المذهب الإباضي في الجزائر باسم الأمة المزابية نسبة إلى وادي ميزاب وجاء في افتتاحية العدد الأول من جريدة وادي ميزاب " وأشنع من ذلك وأنكى أن أمة كالأمة الميزابية، ولها مركزها في الوجود، ومقامها في الحياة ومكانتها في التاريخ، ومنزلتها في الاجتماع، ودرجتها في تحريك دواليب التجارة في القطر الجزائري، وهي بكماء خرساء لا بيان يعبر عن مقاصدها في وقت هي فيه أشد الأمم اضطراراً إلى رفع صوتها، وإبلاغ أناتها إلى المراجع الإيجابية، وإلفات نظر الأحرار إلى حالتها البائسة (1)
- استنتاجات:
" I (Y)
إن الخطاب فن عريق من فنون الاعلام، اهتدى إليه الإنسان منذ فجر التاريخ، ووظفته الدعوات والحركات الدينية والسياسية في العصور كلّها. وكان الإسلام أكثر هذه الحركات توظيفاً لهذا الفن الخطير.
واستنبطت الدعوة الإباضية وسائل دعوتها من أسلوب الدعوة الإسلامية، ولقد
اعتمد الرسول الله أسلوب الرسائل في تبليغ الدعوة.
وإذا كان المذهب الإباضي قد استغل الخطابة لتوضيح ما يدعو إليه فإن الخطابة هي
أسلوب من أساليب الدعوة الإسلامية، وكان للمسجد دور رائد في هذا المجال.
(1) ـ أنظر، ناصر، محمد: أبو اليقظان وجهاد الكلمة ص 199 - 300، الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع 1980.
(2) ـ إبراهيم، أبو اليقظان: الإفتتاحية، ص،1 جريدة وادي ميزاب، العدد الأول، الجمعة 1 تشرين الأول 1926.
127 (1/145)
صفحة 146
الفصل الثالث
التعليم في مرحلتي الكتمان والظهور
سيطرة المالكية على نظم التعليم في الشمال الإفريقي التعليم الإباضي في مرحلة الكتمان الأولى: أ - الكتاتيب العامة
ب ـ دور القرآن الكريم.
ج - المدارس.
د - الدراسات العليا:
1 - تحت الأشجار.
2 - تحت العريش.
3 ـ في الغار.
التعليم الإباضي في مرحلة الظهور:
أ ـ الكتاب
ب ـ المناظرة.
استنتاجات
التعليم الإباضي في مرحلة الكتمان الأخير
نظام العزابة:
أ - اشتقاق لفظ العزابة:
•
1 - الردّ على من قال أن لفظ العزابة بربري. 2 - الردّ على من قال أن مفهوم العزابة من المسيحية
128 (1/146)
صفحة 147
استنتاجات
•
ب - هيئة العزابة.
ج - مهام العزابة:
1 - المهام الدينية
2 - المهام الاجتماعية.
3 - المهام الاقتصادية.
4 - المهام التربوية.
د ـ شروط الانتساب إلى العزابة.
هـ - نظام التعليم في مجالس العزابة:
1 - الهيئة التعليمية والإدارية:
أ ـ الشيخ.
ب - العرفاء.
2 - مهام الهيئة التعليمية:
129
أ - عريف الختمات وأوقات النوم.
ب - عريف الطعام.
ج - عريف تحفيظ القرآن الكريم.
د - عريف أوقات الدراسة
•
و - سير العمل الدراسي اليومي. (1/147)
صفحة 148
التعليم في مرحلتي الكتمان والظهور
- سيطرة المالكية على نظم التعليم في الشمال الإفريقي: يختلف التعليم عند الإباضية عن غيرهم من سكان الشمال الإفريقي الذين يتبعون، في معظمهم، المذهب المالكي. فقد كان التعليم الإباضي يصطبغ بصبغة مذهبية، ويهدف إلى تحقيق هدفين هما:
أ ـ هدف علمي: يرمي إلى حفظ طلبة العلم للقرآن الكريم، وما يتبع ذلك تعليم القراءة والكتابة والخط والحساب والنحو واللغة والشعر
من
ب ـ هدف ديني: يرمي إلى تزويد الطلبة بالعلوم الشرعية من وجهة نظر المذهب الإباضي، ويقتضي ذلك تلقين الطلبة مفاهيم معينة وتوجيههم فكرياً،
ليكونوا من أنصار المذهب ودعاته في المستقبل.
وإذا كان الفكر التربوي الإباضي قد حدد طرق العلم على النحو التالي. " أحدها العقل المحض كادراكنا أنّ الواحد نصف الاثنين، وثانيهما الوجدان وهو ما يجده الإنسان في نفسه، وعبّر عنه بعضهم بالحس الباطن وذلك كإدراكنا الجوع والشبع والألم والراحة والحب والبغض وإنما كان هذا قسما برأسه لأنه لا يتوقف على غيره من الطرق فالعاقل وغيره فيه سواء، وثالثها الحس الظاهر وهو خمسة أشياء أحدها السمع وهو يدرك الأصوات، وثانيها البصر وهو يدرك الألوان، وثالثها الشم وهو يدرك الروائح الطيبة والنتن، ورابعها الذوق وهو يدرك الحلاوة والمرارة والحموضة ونحوها، وخامسها اللمس وهو يدرك الخشونة واللين واليبوسة والرطوبة واللزوجة (1) ".
غير أنه لم يسمح بقيام المدارس الإباضية إلى جانب مدارس أهل السنة
(2)
الذين انتهى إليهم في الشمال الإفريقي تعليم الدين. ولأنّ المنهاج التعليمي في
(1)
(2)
- السالمي: مشارق أنوار العقول، ص 40.
أنظر، الأهواني، أحمد فؤاد: التربية في الإسلام، ص 81، القاهرة، دار المعارف، ط 2، 1975.
130 (1/148)
صفحة 149
الكتاتيب حدّد على النحو التالي " يأمرهم بالصلاة لسبع السنين، ويضربهم عليها لعشر، ويعلمهم مبادئ عقائد الإيمان، وفروع الشريعة، ويستخبرهم كيف وضؤوهم وصلاتهم، فمن وفي بذلك أقره عليه وإلا علمه ما بقي عليه، ومما جرت به العادة تعليمهم أسماء الشهور العربية والعجمية، وتلقينهم القنوت والتشهد، وإقراؤهم تلقينا من (سبح اسم ربك) إلى آخر القرآن (صنعه في صلاته، كما أن شأن أهل الجنة والناس) لينتفع به من كتب الله عليه الخروج إلى. البادية تلقينهم الشهادتين والأسماء الحسنى
من
" (1)
وحظر علماء المالكية من تعليم الخوارج وأولادهم القرآن الكريم والكتابة،
وأصدروا في ذلك فتوى شرعيّة عندما سئلوا هل يجوز تعليم الخوارج وأولادهم القرآن الكريم والكتب أم لا؟ فكان جوابهم للسائل " أما أولاد من ذكرت، فلا تعلمهم إلا القرآن وحده، ولا تمكن صبيانك من تعليمهم الكتابة، وإن ظننت أنهم يتعلمون الكتب عند غيرك فيكون تعليمك لهم القرآن عونا على تعليم الكتب فلا تعلمهم أصلاً، وإن فأدوا عنكم المظالم فلا بأس (2).".
علمتهم
- التعليم الإباضي في مرحلة الكتمان الأولى:
يعتبر التعليم جزءاً من النظام الاجتماعي، ويسعى إلى تحقيق أهداف المجتمع ضمن أطر تشكل مجتمعة " النسج الكلّي المعقد، من الأفكار والمعتقدات والعادات والتقاليد والاتجاهات والقيم وأساليب التفكير والعمل، وأنماط السلوك ... تما ينشأ في ظله، كل عضو من أعضاء الجماعة، ومما ينحدر إلينا من الماضي، فنأخذ به کماهو، أو نطوّره، في ضوء ظروف حياتنا وخبراتنا
(1)
المغراوي:، أحمد بن أبي جمعة: جامع جوامع الاختصار والتبيان فيما يعرض للمعلمين وآباء الصبيان ص 47، تحقيق أحمد جلولي البدوي ورابح بونار، الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، د. ت. (2) ـ الونشريسي، أحمد بن يحيى: المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي علماء إفريقية والأندلس والمغرب، ج 8، ص 238، خرجه جماعة من الفقهاء بإشراف الدكتور محمد حجي، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1990 م. (2) - سرحان، الدمرداش. کامل، منير: المناهج، ص 48 - 49، القاهرة، دار العلوم للطباعة، ط 3، 1972
،
131 (1/149)
صفحة 150
وبما أن النظام الاجتماعي الإباضي له تصوّراته وتطلعاته، لذلك كان لا بدّ. قيام المؤسسات التربوية الإباضية بعيداً عن السلطة المناوئة بعد أن يتلقى أطفال الإباضية
مبادئ القراءة في الكتاتيب.
وكان التعليم الإبـ
رحلة الكتمان الأولى
يتمثل في:
أ - الكتاتيب العامة:
كان أطفال الإباضية الأوائل، في مرحلة الكتمان " يتلقون تعليمهم الابتدائي في
الكتاتيب العامة، إذ كانوا يتعلمون مبادئ القراءة والكتابة والحساب وتلاوة القرآن
الكريم، وحفظ بعض الآيات والسور القصيرة (1) ".
ب - دور القرآن الكريم:
بهم
تمكن الإباضية، مع مرور الزمن، من إنشاء كتاتيب خاصة عرفت باسم دور القرآن " كان أطفال الإباضية يتلقون فيها تعليمهم الابتدائي على أيدي معلمين باضيين. وقد نشطت هذه الدور، بعد أن تولّى أبو عبيدة في البصرة تعليم المبادئ لإباضية في سرداب () وكان هو نفسه يشرف عليه ويعلم الطلبة ويدربهم على القيام نشر الدعوة، ثمّ يبعث بما يسمّى " حملة العلم إلى مختلف البلدان، وكانت التعليمات التي يزوّد بها هؤلاء تقضي بأن يقوموا بعمل سياسي وبنشر الدعوة في السر حتى يخلقوا الظروف الملائمة ويجتمع لديهم عدد كاف من الأنصار والمؤيدين، ثم يعلنوا
حالة الظهور
(1)
" (Y)
خليفات، محمد عوض: التربية عند الإباضية، ص 957، عمان، مؤسسة آل البيت 1992
) - كان أبو عبيدة مستخفياً تخوفاً من الحجاج بن يوسف أمير الأمويين على العراق، فأدخل الطلاب في سرداب وجعل فيه سلسلة وطفق يعمل القفاف بيباب السرداب فمتى رأى شخصاً مقبلاً حرك السلسلة
فسكتوا فإذا انصرف حركها فيأخذون في دراستهم.
(أنظر الدرجيني، طبقات المشائخ، ج 1، ص 20). (2) ـ أبو زكريا: سير الأئمة، ص 13.
132 (1/150)
صفحة 151
ووجدت بعثة العلماء المؤلّفة من أبي الخطاب المعافري، وعبد الرحمن بن رستم، وعاصم السدراتي، وإسماعيل بن درار الغدامسي، وأبي داوود القبلي النفزاوي تربة خصبة في المغرب (1)
و لم تكن دور القرآن الكريم هي الأماكن الوحيدة لتعليم أطفال الإباضية، بل أدت المساجد، في أماكن تواجدهم " دوراً بارزاً في هذا الشأن حيث ابتنى الإباضية لأنفسهم مساجد خاصة يقيمون فيها شعائر الصلاة، ويدعون لمذهبهم، ويستمعون من كبار مشايخهم للوعظ والإرشاد، وفي بعض المناسبات كان الخطباء يذكرون استبداد الحكام الأمويين واستئثارهم بالسلطة دون بقية المسلمين، تما جذب لحركتهم كثيراً من الناس من معارضي الحكم الأموي (2) ".
وكانت دور القرآن الكريم مخصصة للأطفال " بين السادسة والحادية عشرة أو الثانية عشرة من العمر، وفيها يتلقى الصبيان دروساً في القراءة والكتابة والحساب. و بعض الشعر، كما يتعلمون فيها الوضوء والصلاة والصيام والواجبات الدينية التي لا يجوز لمسلم أن يجهلها (3) ".
وكان بعض الصبيان في هذه الدور يحفظ القرآن الكريم " وإن لم يكن إلزامياً. ويشرف على دور القرآن معلمون من اتباع المذهب الإباضي ممن عرفوا بالتقوى والورث والأخلاق الحميدة، ليكونوا قدوة حسنة للأطفال الذين سيصبحون، فيما بعد، رجال الدعوة وحماتها (4) ".
(1) ـ أنظر، الشماخي: السير، ج 1، ص 113 - 114.
(2) ـ خليفات، محمد عوض: التربية عند الإباضية، ص 958
(3)
- السالمي،، نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد بن سلوم: رسالة تلقين الصبيان لمدارس عمان،
ص 6 - 7، بإشراف عزّ الدين التنوخي.، دمشق، المطبعة العمومية، د. ت
(4) ـ خليفات، محمد عوض: التربية عند الإباضية، ص 958
133 (1/151)
صفحة 152
ج - المدارس:
عرف الإباضية المدارس في أماكن تجمعاتهم، مجالس تعليم سريّة على غرار المجالس الموجودة في البصرة، ويطلق علي يحيى معمر على هذه المجالس اسم المدارس، ويين أنه لا يقصد " بكلمة مدرسة المعنى الواسع الذي يشتق من والتدريس، وهذا المعنى يمكن أن يشتمل على ثلاث مدلولات:
كلمة الدراسة
- الأول: الدور التي أنشئت لتعليم الناشئة وتربيتهم وتتدرج بهم من المبادئ الأولية لأنواع العلوم المعروفة في تلك الأزمنة، حتى تنتهي بهم أو ببعضهم في
يستحقون
مرحلة يشهد لهم فيها بأنهم بلغوا درجات معينة من العلم، بعدها أن يسموا علماء، وأن يقوموا بالأعمال التي يقوم بها العلماء،
وهذه المدارس تكون ذات مناهج وأنظمة معينة.
- الثاني: دروس الوعظ والإرشاد والتوجيه التي يقوم بها بعض كبار العلماء في المساجد والمناسبات، ويقصد بهذه الدروس تثقيف العامة وأشباه العامة، وتنمية معلومات أولئك الطلاب الذين درسوا بعض الدراسة، لكن ظروف الحياة حالت دون إتمامهم لدراستهم.
الثالث: الأثر الفكري أو الاجتماعي الذي يتركه أحد أولئك الكبار فيستجيب له الناس، حتى أولئك الذين لم يجلسوا إلى حلقته، و لم يستمعوا إلى دروسه، وإنما وصلتهم عن طريق الكتب أو الرواية، أو سريان الأفكار والآراء، وهذا النوع شبيه إلى حدّ ما بما نسميه اليوم بالمدارس الأدبية أو المدارس الفلسفية أو المدارس الفكرية (1).
كانت هذه المدارس مخصصة للكبار، وكانت في مرحلة الكتمان تتمتع بشيء من الحرية، لأنها قامت في مناطق قبائل البربر المناوئين للسلطة السياسية في القيروان.
(1) ـ أنظر،
، معمر، علي يحيى: الإباضية في ليبيا، ج 2، ص 59 - 60. (1/152)
صفحة 153
وهذه المجالس، التي قلد بها الإباضية مجالس التعليم في البصرة، أقامها حملة
العلماء
العلم في مختلف الأقطار الإسلامية " التي استقروا فيها، وتخرج منها عدد كبير من والدعاة، عرفوا باسم تلاميذ حملة العلم، وأصبح هؤلاء، بعد موت أساتذتهم المراجع
الدينية والعلمية لمواطنيهم
n (1)
ولعلّ من أنجح هذه المدارس هي التي أنشأها بعض حملة العلم، مدرسة ابن درار الغدامسي وعاصم السدراتي، وأبي داوود القبلي.
وكانت مدرسة " أفاطمان " في ليبيا، التي أسسها عمرو يمكنن، وطوّرها ابن مغطير عندما رجع إلى ليبيا من البصرة. " وتكونت فيها مجموعات من الطلبة، الذين يحفظون كتاب الله أو بعضه، ويعرفون الكتابة والقراءة العربية، ويستظهرون كثيراً من الأحاديث النبوية الشريفة، وهؤلاء الطلبة يصلحون أن يكونوا نواة لتأسيس مدارس تهتم بدراسة فنون العلم المعروفة في ذلك الحين في الأوساط الإسلامية (2) ".
د - الدراسات العليا:
يتفق علماء التربية المسلمون على المواد التي ينبغي للصبي دراستها في الكتاب، أو في المرحلة الإبتدائية، لكن الخلاف " وقع بين المربين بين غايتي التأديب والتربية (3) ". وبما أنّ الإباضية يسعون إلى إقامة خلافة إسلامية إباضية، لذلك كانت الغاية من التأديب والتربية الإباضيين إعداد الدعاة الذين على أكتافهم ستقوم الدولة الإباضية.
وكان التعليم المذهبي، أو ما يصح أن يطلق عليه الدراسات العليا أو المعمقة في المذهب الإباضي، يتم بعيداً عن أنظار المخالفين الذين كانوا يعتبرون الإباضية معادين
(1)
(2)
(1)
خليفات، محمد عوض: التربية عند الإباضية، ص
960
معمر، علي يحيى: الإباضية في ليبيا، ج 2، ص 60.
- رضا، محمد جواد: العرب والتربية والحضارة، الاختيار الصعب، ص 118، بيروت، مركز دراسات
الوحدة العربية، ط 3، 1993
135 (1/153)
صفحة 154
للدولة، ويجب القضاء عليهم، ولذلك كانت أماكن تلقي الدراسات العليا في الأماكن الظليلة التي تقييهم حرّ الشمس في الصحراء والبعيدة عن أعين الأعداء، وكانت هذه
الأماكن:
1 - تحت الأشجار:
يذكر الدرجيني أنه " بالموقع المعروف " يأتيجان " من الجزيرة، هناك شجرتان
من الخروب عظيمتان، فكان جلوس طلبة الفقه عند الشجرة القبلية منهما، وطلبة
الأصول عند الجوفية (1) ".
2 - تحت العريش:
كان إذا كثر عدد التلاميذ، و لم يعد ظل الأشجار يستوعبهم، فإنهم كانوا ينتقلون إلى " عريش عملوه عند عيون "تمولسة"، فكثروا واجتهدوا وحسنت أحوالهم ... فكانوا في أبر حال إلا أنهم لحقهم خوف من العرب، فإن الموضع الذي هم به
هو ممر الأعراب إذا رحلوا من طرابلس إلى إفريقية، أو متى رجعوا، والطلبة بهذا في حذر
" (2)
3 - في الغار:
وإذا ازداد عدد التلاميذ، وخوفا من أعين الجنود، كان الطلبة ينقلون
" اجتماعاتهم للدرس في غار هناك، ثمّ إذا كثر الطلبة فضاق عليهم الغار، فانتقلت إلى غار آخر، فكان الشيخ ليلة عند هؤلاء، وليلة عند هؤلاء
" (P)
ا منهم.
جماعة
نستخلص مما تقدم أن التعليم الإباضي في الشمال الإفريقي، كان يتم في مرحلة
الكتمان الأولى على النحو التالي:
(1)
الدرجيني:: طبقات المشائخ، ج 1، ص 193
(2) ـ الدرجيني:
(3) ـ الدرجيني:
: المصدر السابق، ص 193.
: المصدر السابق، ص 193.
136 (1/154)
صفحة 155
1 - " للأطفال في دور القرآن. 2 - لليافعين تحت شجرة أو عريش.
- للشباب في الغار ليلاً (1) ".
وكان الطلاب الذين يدرسون في البرية، وفي الكهوف، بعيداً عن أعين الناس،
يتلقون " التدريب على الرمي، والفروسية (2) ". فالهدف النهائي إقامة دولة تحت
قيادتهم، ولا بد من وجود جيش قوي منظم يحقق هذا الهدف
التعليم الإباضي في مرحلة الظهور:
أعلنت
مرحلة الظهور، بعد إعلان الإمامة الإباضية في تاهرت ()، وتحولت المؤسسات التعليمية إلى حلقات دروس وتحصيل على غرار ما كان معروفاً الأقطار الإسلامية، حيث كانت حلقات العلم تعقد في المساجد والجوامع الكبيرة " ويتولى التدريس فيها علماء إباضيون، مشهود لهم بعمق المعرفة وغزارة
في
التحصيل
" I (T)
و لم تختلف مؤسسات التعليم الإباضي في مرحلة الظهور. عن غيرها من مؤسسات التعليم الأخرى في الشمال الإفريقي سوى في دراسة العقيدة الإسلامية وفق المفهوم الإباضي، ويتولى معلمون إباضيون التعليم في هذه المؤسسات، التي كانت
تشمل:
(1) ? حجازي، عبد الرحمن: التربية الإسلامية، ص 385. خليفات، محمد عوض: التربية عند الإباضية، ص 958.
(2)
ن) بويع عبد الرحمن بن رستم (ت 171 هـ / 787 م) عام 160 هـ / 776 م، وجاء في تاريخ ابن الصغير في معرض ا الحديث عن توليته: " ثم نهضوا إليه بأجمعهم وقالوا يا عبد الرحمن رضيك الإمام أبو الخطاب - في ابتدائنا ونحن الآن نرضى بك ونقدمك على أنفسنا. فقد علمت أنه لا يصلح أمرنا إلا إمام نلجأ إليه في أمورنا ونحكم عنده فيما ينوب من أسبابنا ".
(ابن الصغير: أخبار الأئمة الرستميين، ص 30 - 31). (2) ـ خليفات، محمد عوض: التربية عند الإباضية.، ص 958.
137 (1/155)
صفحة 156
أ - الكتاب: كان الكتاب الإباضي، الذي أطلق عليه اسم دار القرآن، كغيره من الكتاتيب بناء بسيطا في الغالب " على هيئة البيت المربع أو المستطيل، لم تزخرف جدرانه أو قاعته بأدنى تنميق من زخرف البناء، ولم يكن تأثيثه بأكثر عناية من ذلك، فإنه كان مفروشاً بحصر بلدية عادية، يجلس عليها الصبيان متربعين حول المعلم الذي يختص بسرير أو كرسي مرتفع، وربما عوض الكرسي بمصطبة مبنية ليس عليها من الرياش سوي بساط بسيط (1) ".
و لم تتجاوز أدوات الدراسة " المصحف الشريف وعدّة من الألواح يكتب عليها
الصبيان، وكذلك عدد من الدوى والأقلام (2) ".
ولقد كان بناء الكتاب الإباضي ملاصقاً للمسجد، ولم يكن في المسجد خشية أن يسود الصبيان حيطانه، أو ينجسوا أرضه. وكبقية الكتاتيب الأخرى، فإنّ الكتاب الإباضي كان في مواضع شرحه، ولم يسمح بأن يتم التعليم في بيوت المعلمين
(3)
وثار خلاف بين الفقهاء حول جواز أخذ الأجرة على تعليم الأطفال القرآن الكريم وغيره من العلوم أو عدم جواز ذلك، إلا أنّ مبدأ التعليم بأجر فرض نفسه في النهاية، وذلك لظهور التقاعس في تعليم القرآن، ولو منع الأجر " لضاع كثير من الصبيان، ولما تعلّم القرآن كثير من الناس
" (E)
وانتقل هذا الخلاف إلى العلماء الإباضية، لكنه حسم لصالح أخذ الأجر، حين سأل جماعة من أهل الدعوة أحد العلماء: هل تؤخذ الأجرة على تعليم القرآن أم لا، فأجاب " نعم،
(1)
(2)
(t)
ابن سحنون، محمد: کتاب آداب المعلمين والمتعلمين، ص 25، تحقيق حسن حسني عبد الوهاب، تعليق محمد العروسي المطوي، تونس، دار الكتب التونسية 1392 هـ / 1972 م.
،
عطيه، خطاب علي: التعليم في مصر في العصر الفاطمي الأول، ص 72، القاهرة، دار المعارف 1947.) - أنظر، ابن الأخوة، محمد بن محمد بن أحمد القرشي: معالم القربة في أحكام الحسبة، ص 260، تحقيق الدكتور محمد محمود شعبان، وصديق أحمد عيسى المطيعي، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1976.
القابسي:
، أبو الحسن علي بن محمد بن خلف: الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين،
ص 33، ملحقة بكتاب التربية في الإسلام للدكتور أحمد فؤاد الأهواني، القاهرة، دار المعارف 1975.
138 (1/156)
صفحة 157
تؤخذ الأجرة على تعليم القرآن، فإن لم تؤخذ عليه، فعلى ماذا تؤخذ؟ أعلى رعي البقر؟
فسكت الفقهاء توقيرا له، مع أنه لم يحسن العبارة، تأدبا منهم وفضيلة (1) ".
ويعلق الدرجيني على هذه الفتوى بقوله " كان ينبغي أن يقول بما في المذهب من جواز الأجرة على تعليم الأدب والخط وصناعة الكتابة وأدواتها دون أن يكون للقرآن همن، والعذر أنه كره أن يقول لا تجوز فيكون ذلك ذريعة إلى ترك التعليم فيفضي ذلك بالناس إلى أن يكونوا أميين لا يعلمون الكتاب، يقول: فإذا جاز لراعي البقر الأجرة وهو يأخذها على إصلاح الدنيا، فالذي يأخذها بسبب إصلاح الآخرة أولى (2) ".
ب ـ المناظرة:
أدرك المربون الإباضيون أنّ التربية هي انعكاس لما في المجتمع من قيم ومثل وعادات وتقاليد، وأنماط سلوكية، وأنّ المنهج هو أداة التربية في تحقيق أهدافها، وهو الوسيلة التي عن طريقها يحقق المجتمع أهدافه، وبما أنّ الدولة الإباضية قد قامت، حرص الإباضية على جعل المؤسسات التعليمية نموذجاً للعلاقات الاجتماعية الأوسع في الأسرة أو
العائلة أو المجتمع. عمد الإباضية إلى أسلوب الجدل والمناظرة في التعليم، حتى يعتاد الإباضية على مناظرة مخالفيهم واقناعهم باعتناق المذهب الإباضي، وجعلوا الهدف من الجدل " هو الذي يقصد لدفع ما يردّ عليه من فاسد وصحيح، وأما إذا قصد بالجدال مناظرة مبتدع لينقض دعوته، ويطهر قلوب العوام من تشويش ضلالته، فذلك عادة المسلمين - الإباضية ـ وذلك فرض كفاية على علماء الدين ينفون عنه تأويل الجاهلين، وتحريف الغالين، وانتحال المبطلين)
" (3)
وحدّدوا للمناظرة شروطاً حتى يعتادها الطلبة، ولا يخرجوا عنها إلى المجادلة.
وهذه الشروط يعرضها الجيطالي على النحو التالي:
(1)
-
(2)
(1)
الدرجيني
الدرجيني
399
: طبقات المشائخ، ج 2، ص: المصدر السابق، ج 2، ص 399.
- الجيطالي: قناطر الخيرات، ج 1، ص 188.
139 (1/157)
صفحة 158
الأول: أن يكون المناظر مجتهداً، يفتي برأيه، لا بمذهب أحد ممن تقدمه، ظهر له الحق ترك رأيه وأفتى بما ظهر له كما تفعله الصحابة والأئمة، وأما
إذا
من ليست له رتبة الاجتهاد، إنما يفتي فيه ناقلاً. عن
مذهب صاحبه، ولو
ظهر له ضعف مذهبه، لم يجز له أن يتركه، فأي فائدة له في المذاكرة
ومذهبه معلوم؟
- الثاني: أن تكون مناظرته في المسائل الواقعة أو ما يقرب وقوعها غالباً كالفراض وأشباهها، حتى لا يضيّع أوقاته في المنازعات، ويتعرض للمخاصمات والآفات.
الثالث: أن تكون المناظرة في الخلوة أحب إليهم وأهم من المحافل وبين أظهر الأكابر، فإنّ الخلوة أجمع للفهم وأدرك للحق، وحضور الجمع يحرك دواعي الرياء، ويهيج الحرص على نصرة كلّ واحد منهما لنفسه محقاً كان أو مبطلاً.
الرابع: أن يكون في طلب الحق كناشد ضالة لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يديه، أو على يد من يعاونه، ويرى رفيقه معيناً لا خصماً، ويشكره إذا
عرفه الخطأ، وأظهر له الحق.
الخامس: أن لا يمنع معينه عن استخراج الحق بالنظر من الانتقال من دليل إلى دليل.
السادس
: أن يناظر من يرجو منه ممن هو مستقل بالعلم.
السابع: أن يسلم من آفات المناظرة، وما يتولّد منها من مهلكات الأخلاق: من
الكبر، والعجب، والحسد، والمناقشة، وتزكية النفس، وحب الجاه،
والحقد على المناظر، والغيبة والطعن عليه، والكذب والبهتان والتجسس، وتتبع عورات الناس، والفرخ بمسألتهم، والاستكبار على الحق إذا ظهر، والرياء، وملاحظة الخلق والجهد في استمالة قلوبهم، والمكر والخديعة لدفع
قول مناظره، وأشباه ذلك من رذائل الأخلاق (1)
(1) ـ أنظر الجيطالي: قناطر الخيرات، ج 1، ص 189 - 191.
12. (1/158)
صفحة 159
استنتاجات:
إذا أخضعنا المدرسة الإباضية في مرحلتي الكتمان والظهور للتعاريف الحديثة القائلة بأن " المدرسة ضرورة اجتماعية لجأت إليها المجتمعات لإشباع حاجات نفسية وتربوية عجزت الأسرة عن تأديتها لتعقد الحياة وتطوّرها (1) ". أو التعريف القائل أن المدرسة " هي مؤسسة اجتماعية تعاون المجتمع على تكوين المواطنين الصالحين (2) ". نري أن المدرسة الإباضية كانت مؤسسة تربوية أسسها علماء المذهب لتربية أبنائهم تربية مقصودة ومخططاً لها، ولتنتقل بواسطتها المفاهيم الإباضية إلى الأجيال الناشئة، لتحافظ بذلك على تراثها وتتابع مسيرة دعوتها.
- التعليم الإباضي في مرحلة الكتمان الأخير:
حرص الإباضية بعد انقراض دولتهم سنة (296 هـ / 908 م) على أيدي الفاطميين، على وضع نظام تربوي يحفظ جامعتهم من التمزق، ومذهبهم من الاندثار، ويبقى صامداً أمام محاولات التذويب والاغارة (3)
"1
وانصرف الإباضية عن الاهتمام بأمور الدولة إلى الاهتمام بأمور المجتمع ومحاولة السير به على منهج المذهب الإباضي في شؤون الفرد، وشؤون الجماعة دون أن يتعرضوا لقضية الدولة، ومن يتولى الحكم، حتى جاء الإمام أبو عبد الله بن بكر الفرسطائي الذي أعرض عن التفكير في قضية الحكم وتكوين الدولة وفرز نظاماً بديلاً عن قيام دولة عادلة (4) " فوضع نظام العزابة، واتخذ له قواعد وأسساً، ودعا الناس إلى
السير عليه
(1)
- منرو، بول: المرجع في تاريخ التربية، ص 18، ترجمة صالح عبد العزيز، مراجعة حامد عبد القادر،
القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، 1952.
(2) ـ ناصر، إبراهيم. ومحسن، دلال: علم الاجتماع التربوي، ص 47، عمان، المطابع التعاونية 1984. (3) ـ أنظر، الباروني: الأزهار الرياضية، ج 2، ص 285 - 287.
(4) - ناصر، محمد: حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي، ص 8، سلطنة عمان، مكتبة الضامري
1410 هـ / 1991 م.
141 (1/159)
صفحة 160
فهي
أما الأسباب التي دعت الإمام محمد بن بكر إلى تنظيم العزابة ووضع شروطها
الحالة التي وصل إليها المذهب الإباضي في القرن الرابع الهجري، حين أخذ الإباضية يتركون مذهبهم. وخاف العلماء من انقراض المذهب الإباضي في الشمال الإفريقي. فكانوا يطلبون من أولادهم الالتحاق بالعلماء والأخذ عنهم، بعيداً عن الأعين، ويقولون لهم " هذا دينكم وهؤلاء أهل دينكم، كلّ ذلك ليتمسكوا ببعض دينهم،، ويكونوا ثقة في مذهبهم (1) ".
ويصوّر الدرجيني الحال التي آل إليها المذهب الإباضي بأن جبال تمولسة التي كانت معقلاً للمذهب الإباضي " لم يعد فيها أحد من أهل الدعوة، فإنهم تغيّروا وبدلوا إلا " يصليتين " عم الفقيه أبي الربيع سليمان بن: يخلف
" (2) ()
وخاف الفقهاء الإباضية أن يرتد أبناؤهم عن المذهب، فطلبوا منهم أن يتوجهوا
إلى الإمام محمد بن أبي بكر ويأخذوا عنه " ورغبوا إليه في أن يجلس لهم ويرتب لهم الحلقة، فامتنع كل الامتناع، ومكثوا أياماً يراودونه على ذلك، ويلحون عليه في الطلب، و لم تكن منه الإجابة.
فلما كان يوماً من الأيام، وهو بمسجد المنية والطلبة يكررون الرغبة إليه، إذ
خرج رجل من "تقيوس" متوجها إلى "الهامة"، وخرج معه صاحب له فشيعه، فلما افترقا نادى أحدهما الآخر: أن يا فلان، فأصغوا أسماعهم إلى صوته، فقال له الآخر لبيك، فقال له اجعلها الله لا تخب، أو قال: إفعل فعلتك الله فلا تضيع. قيل فلما سمعوا هذه المقالة، تفاءلوا بها وأقاموا بها الحجّة على أبي عبد الله، فأوجب حينئذ على نفسه، وأجاب وعطف عليهم على ما سمع، إلا أن إجابته كانت على شرط أن لا يسألوه عن مسألة، ولا يجيبهم حتى تمضي أربعة أشهر
(1) ـ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 168.
ن)
(2)
" (3)
يخلف المزاتي القابسي (ت 471 هـ / 1078 م).
أبو الربيع سليمان. بن الدرجيني:: المصدر السابق، ج 1، ص 168. (2) ـ الدرجيني: المصدر السابق، ج 1، ص 169 - 170.
142 (1/160)
صفحة 161
توجه أبو عبد الله تلاميذه، بعد إنقضاء المهلة التي اشترطها، إلى "أريغ" سنة
(409 هـ / 1018 م). وكتب إلى أبي القاسم يونس بن ويزلن الويليلي يعلمه بما عزم عليه هو وتلامذته في التوجه والعمل ودراسة العلوم، وأكد عليه في أن يهيئ غاراً يجتمع فيه التلامذة، يأوون إليه، ويحلقون فيه، وتكون فيه دراستهم، وانفرادهم ليتسنى عزمهم واجتهادهم، ويسمى الغار الأول للعزابة باسم التسعي نسبة إلى السنة التاسعة من عام 409 هـ (
(1)
وتجمع المصادر الإباضية على تردّد الإمام محمد بن بكر في بداية الأمر، لكنها تبرر هذا التردّد إلى المسؤولية العظمى التي ستلقى عليه، والتي لن تتوقف عند حدود حلقة العلم للطلبة والتلاميذ،، ولأنه كان يرى من ورائها مسؤوليّة إجتماعية ودينية وإدارية ما يمكن أن نسميه تكوين إمامة صغرى تخلف الإمامة المنقرضة مع انقراض
عظيمة هي الدولة الرستمية (2)
وإذا كان الإمام محمد بن أبي بكر قد وضع نظام العزابة، إلا أننا نعتقد أن ابن
بكر عمل على إبراز نظام تربوي كونته الظروف التالية:
- الأول: معركة مانو () التي جرت بين إبراهيم بن أحمد بن الأغلب وبين أهل
جبل نفوسه عام (283 هـ / 896 م). وقتل في هذه المعركة، طبق
، منهم
أربعمائة من
العلماء
لرواية المؤرخين الإباضيين اثنا عشر ألفا وحمل إبراهيم معه ثمانين عالماً أسرى، وبعد هذه المعركة سار إبراهيم إلى طرابلس، ثم كرّ على الإباضيين في أطراف جبل نفوسه عام
(3)
(284 هـ / 897 م). فقتل من وجده فيها، فانصرف الإباضية،
بعد ذلك، إلى تنظيم أوضاعهم الاجتماعية.
(1) ـ أنظر، الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 170.
(2) ـ أنظر، ناصر، محمد: نظم العزابة،، ص 6.
مانو: قصر قديم بين قابس وطرابلس، (الباروني: الأزهار الرياضية، ج 2، ص 281).
(3) ـ أنظر، أبو زكريا: سير الأئمة، ص 154.
143 (1/161)
صفحة 162
(1)
الثاني: قضاء الدولة الفاطمية على الدولة الرستمية في الجزائر، وكان الإباضية يرون أنّ الدولتين الأغلبية والفاطمية " لا تتبعان أحكام الإسلام، ولا تعملان بها، فقد فكر علماء الإباضية في جعل نظام يسيرون عليه، يحفظون به أحكام الله في مواطنهم، ويسيرون به الأمة في الوجهة الصالحة، دون أن يلتجئوا إلى إعلان دولة جديدة، أو يتعلّقوا بدولة ظالمة مستبدة (1) ".
الثالث: كانت الحلقة " عبارة عن مجلس علم يجتمع التلاميذ حول عالم إباضي يعلمهم شؤون دينهم، ويحفظون القرآن، وأبرز علماء هذه المرحلة
الذين عملوا على تأسيس الحلقة أبو القاسم يزيد بن. مخلد وأبو خزر يغلا بن زلتاف في النصف الأوّل من القرن الرابع الهجري
(2) " اللذان
عاشا ما بين 300 هـ و 350 هـ. حيث كان أبو القاسم يطعم تلاميذه
وينفق عليهم من
ماله الخاص
(3)
وكان نظام الحلقة علميا ودينياً بحتا، ثم تطور " ولا سيما في المجتمع الميزابي ليصبح نظاماً متكاملاً يهتم بكل نواحي الحياة الفردية والجماعية دينياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً (4) ".
الرابع: وضع أبو القاسم نظاماً خاصاً للطلبة ألزمهم فيه الحضور إلى الدرس في أوقات محددة معينة، وتناول الطعام بشكل جماعي في وقت محدّد أيضاً، وابتدع نوم الهاجرة، أي اجبار أهل الحلقة على النوم وقت الضحى، وكان ينصح
تلاميذه بالصلاة فرادى حتى لا يفاجأوا بعدو يقتلهم جميعاً (5)
- معمر، علي يجيى: نشأة المذهب الإباضي، ص 107.
(2) ـ اسماوي، صالح بن عمر: نظام العزابة، ص 170، الجزائر، جامعة الجزائر 1406 هـ / 1986 م.
) - أنظر، أبو زكريا: سير الأئمة، ص 205 - 206.
(4) - ناصر، محمد: نظام العزابة، ص 8.
(5) ـ أنظر، الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 121.
144 (1/162)
صفحة 163
ويبدو أنّ الإباضية بقوا طيلة القرن الرابع الهجري " يقيمون المجالس
وحلقات الدرس ويجتهد مشايخهم في وضع قواعد ونظم خاصة للحلقة الإباضية، ولكنهم لم يتوصلوا إلى وضع نظام متكامل يأخذ به الجميع من مختلف مناطق تجمعهم في الشمال الإفريقي (1) ". وسمي هذا النظام التعليمي بنظام الحلقة لأنّ " الشيخ وزملاءه وتلاميذه يجلسون في مقرهم السرّي على شكل دائرة أو حلقة (2) ".
ومن أوائل الذين اهتموا بإقامة المجالس وحلقات الدروس بعد سقوط الدولة
الرستمية هو أبو الربيع سليمان بن زرقون (4) (3)
وإذا كانت التربية حقا من حقوق الطفل في الإسلام، يلتزم به الوالدان والمجتمع بأسره، وهذا الحق يستشف من قوله تعالى و وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا (1) والمقصود بالتربية " هو عملية الإعداد والرعاية في مرحلة النشأة الأولى للإنسان، أو كما نقول اليوم في مرحلة الطفولة المبكرة ... والتربية في هذه المرحلة مسؤولية الأسرة حيث يقوم كل من الأب والأم برعاية الطفل والعطف عليه وهو صغير محتاج، ويتعبان في سبيل غذائه وكسوته وراحته ويعلمانه أساسيات السلوك ويقومان بإرساء الأساس في بناء شخصيته، فاستحقا منه أن يحسن معاملتهما عندما يكبران، وأن يدعو لهما بالرحمة،
(1)
(2)
- خليفات: النظم التربوية والاجتماعية، ص 24. - عبد الكافي، أبو عمار: رسالة العزابة.، ص 2 - 3. () ـ أبو الربيع سليمان بن زرقون: أحد علماء عصره، وهو من نفوسه، من " تابديوت " قرية بجبل تيرشوين وبها مولده ومسكنه، قرأ العلوم وتفقه بسلحماسة، وكان شيخه الذي قرأ عليه يعرف بابن الجمعي، وكان ابن الجمعي رجلاً من أهل الدعوة أقبل من بلاد المشرق تاجراً، وكان مطلعاً على علوم الحيل والنظر، ولما عزم ابن الجمعي على السفر إلى سلحماسة عرض على أبي الربيع أن يصحبه إن أحب تكميل ما يحاول من طلب العلم، فأجابه، ولما حضرت ابن الجمعي الوفاة آثر أبا الربيع بديوانه، فأوصى له به. وكان يفتي بأنّ الخارجين عن المذهب الإباضي كفار.
) أنظر، الدرجيني: طبقات المشائخ، ج
1
، ص 109 - 113). (3) ـ أنظر، الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 112 - 119.
145
- سورة الإسراء، ا، الآية 24
(4) (1/163)
صفحة 164
جزاء ما.
فإنّ نظام العزابة تولّى دور الأهل والمجتمع في العملية التربوية
،
وإرساء الأمس في بناء الشخصية الإباضية.
- نظام العزابة:
نظام العزابة هو النظام البديل عن قيام الدولة الإباضية، ولما كان الشيخ وتلاميذه يجتمعون في مكان سري بعيد عن المدن والتجمعات السكنية، فقد أطلق عليهم اسم هيئة العزابة. " ولم تلبث أن أطلقت العبارة على عدد محدود من المشايخ لهم السلطة. الكاملة على تلاميذهم وعلى بقية أفراد الإباضية في مناطقهم
أ - اشتقاق كلمة العزابة:
" (Y)
استعملت لفظة العزابي " لقباً لكلّ من لازم الطريق وطلب العلم وسير أهل الخير، وحافظ عليها وعمل بها، فإن جمع هذه الصفات سمي عزابياً، وإن حافظ على السير والعمل بها والمحافظة عليها، لم يُسمّ بهذا الاسم، واعلم أن لهذا الاسم انفردوا بها، وأحوالاً عرفوا بها، ولا يتفضّل عليهم فيها سواهم ... وهذا الاسم مشتق
سيما
من العزوب عن الشيء والبعد عنه، فاستعير لمن بعد عن الأمور الدنيوية الشاغلة عن
الآخرة (3) ".
وأوّل ما يبتعد عنه العزابي.
هو
حلق الشعر، ولا يتركه يطول، والعزابة من
شعارهم عدم الشعور، ومنها ألا يلبس ثوباً مصبوغاً إلا البياض (4).".
ويرى البعض أنّ لفظة " العزابة كلمة معربة عن لفظ " اعز ابن " البربرية،
وتعني العزلة والانفراد (5))
11 (°)
(1)
(2)
- جلال عبد الفتاح: من الأصول التربوية في الإسلام، ص 17، مصر، المنوفية، سرس الليان 1977.
خليفات، محمد عوض: التربية عند الإباضية، ص 96.
) ـ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 4.
(4) - البرادي: الجواهر المنتقاه، ص 207. خليفات، محمد عوض: التربية عند الإباضية، ص 96.
(0)
146 (1/164)
صفحة 165
1 - الردّ على من قال أن لفظ العزابة بربري:
يحاول العديد من الباحثين بلورة نظام تربوي بربري بعيد عن الإسلام، وإيجاد
تواصل فكر بين البربر والإباضية، وانقطاع فكر بين العرب والبربر. ويردّ على ذلك بأمرين:
الأوّل: نستدل على عروبة البربر من أنّ لفظة "بربر " التي أطلقت على هذا العنصر من السكان المغاربة لا يقصد بها العرق، وإنما أطلقت لوصف تطور مفهومه مع الأحداث، ذلك أنّ بربر في الأصل كلمة يونانية، حسب كثير من المصادر،
تعني كل من كان يتكلّم بغير لغة اليونان، ثم أصبحت تعني عند الرومان جميع الشعوب البدائية التي لاحظ لها. من الحضارة.
أما العرب فقد استعملوا كلمة "بربر" بمعنى اختلاط الأصوات واضطراب الألفاظ أو غموض مفهومها أو الالتباس فيه، وعدم مطابقته
لكلام العرب.
وهكذا يتضح أنّ المسألة في "بربر" مسألة لغوية لا صلة لها بالعرق أو الجنس، ذلك أنّ "البربر" هم عناصر من السكان يتحدثون بلهجة خاصة تختلف في كثير أو قليل عن لغة العرب.
وهناك ظاهرة أخرى، ألا وهي دخول العرب من اليمن إلى المغرب، ثم دخول الكنعانيين بعدهم، يوم فتحوا المغرب، قبل الإسلام، بل قبل الميلاد. وقد كان للفينيقيين في المغرب أثر كبير في سكانه، كما أكده كثير من المؤرخين العرب وغير العرب، بينما لم يترك الرومان في هذا البلد أثراً يذكر (1)
(1) ـ أنظر، السوسي، المختار: تأثير العربية في اللغة الشلحية، ص 32، مجلة اللسان العربي، الدار البيضاء،
العدد 2، 1990.
147 (1/165)
صفحة 166
الثاني: أن لفظ العزابة هو
لفظ
عربي
مشتق من عزب، ورجل عزب ومعزابه لا
أهل له، وقالوا رجل عزب للذي يعزب في الأرض، وفي حديث أبي ذرّ: كنت أعزب من الماء أي أبعد، وعزبت الإبل أبعدت في المرعى لا تروح، وأعزبها صاحبها، وأعزب القوم فهم معزبون، أي عزبت إبلهم، وعزب الرجل بإبله إذا رعاها بعيداً عن الدار التي حلّ بها الحي، لا يأوي إليهم،
وهو معزاب ومعزابه، وكل منفرد عزب (1).
2 ـ الرد على من قال أن مفهوم العزابة من المسيحية:
(2)
يذهب روبانيكس، وهو أب مسيحي إيطالي، إلى أنّ كلمة عزابة جاءت من العزوب أي ترك الزواج في محاولة لإيجاد روابط بين المسيحيّة والمذهب الإباضي وحاول أن ينبش في التاريخ الإباضي ليستخرج ما يؤيد رأيه مستدلا بأخبار أبي القاسم يزيد بن مخلد. أحد أئمة الإباضية في النصف الأوّل من القرن الرابع الهجري، حين سأل عن رجل من تلاميذه، فقيل له تزوّج. فقال ليبلغني موت واحد من التلامذة أحب إلي من تزوجه. فقالت له زوجته الغاية فلِمَ تزوجت أنت إذن؟ فقال لها لو علمت أين كانت مسألة ليست عندي لشددت رحلي إلى سلجماسة وما أخاف أن يعذبني الله إلا على الجهل) ".
لقد كان أبو القاسم يفضّل أن يكون كل تلميذ من تلاميذه في تلك الفترة أعزب غير متزوج حتى يستطيع طلب العلم، لأنّ الزواج لا يسمح للعزابي الانصراف إلى الدرس، وبخاصة إذا كان الدرس في الجبال وفي المغاور والكهوف بعيداً عن الناس، والانتقال المستمر من مكان إلى آخر، وكتب الفقه الإباضي لا
تقول بالتبتل.
(1) - أنظر، لسان العرب، ج 1، ص 595 - 597.
(2) ـ أنظر، ناصر، محمد: حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي، ص 11.
(3) ـ أبو زكريا: سـ الأئمة.، ص 206.
سير
148 (1/166)
صفحة 167
نخلص إلى أنّ كلمة العزابة لفظة عربية، اشتقت من العزوب أو العزابة
" وهي تعني العزلة والعزبة، والتصوّف، والتهجد، والانقطاع في رؤوس الجبال، ويقصد بها في هذا الاستعمال الانقطاع إلى خدمة المصلحة العامة والاعراض عن حظوظ النفس، والبعد عن مشاغل الحياة، من أهل ومال وولد، فإنّ العزابي لا يعطي لهؤلاء من جهده ووقته إلا القليل، أمّا أعظم طاقاته فيجب أن يصرفها الله في خدمة المسلمين - الإباضية - دون مقابل يتقاضاه على عمله، أو أجر يرجوه لأنّ
أجره وحسابه على الله (1) ".
ب - هيئة العزابة:
إن هيئة العزابة هي الهيئة العليا في المجتمع الإباضي، فهي الهيئة الشرعية الحاكمة، القائمة مقام الإمامة، وهي أشبه بحكومة سرية تنتظر سنوح الفرصة لتتولى الحكم، وتمثل في " زمن الظهور والدفاع مجلس الشورى للإمام أو عامله، ومن ينود عنه، وهي في زمن الشراء أو الكتمان تمثل الإمام وتقوم بعمله
"1 (Y)
وتتألف هيئة العزابة من أعضاء، يتراوح عددهم بين عشرة أعضاء وستة عشر عضوا،
حسب حجم المدينة أو البلدة أو القرية، ويتصرفون جميعهم وفق مجلس واحد يضمهم " ولهم جلسة أسبوعيّة معيّنة يلتقون فيها للتدارس والتشاور واتخاذ القرارات والتوصيات
(1)
(2)
(T)
وتتوزع مهام هيئة العزابة على النحو التالي:
" (3)
1 - شيخ العزابة، ويكون أعلم أهل المدينة أو البلدة أو القرية،، ويمتاز بقوة الشخصية، والقدرة على حل المشاكل، " ويتولى الوعظ والإرشاد، وتبليغ
إعلانات العزابة إلى العامة (4) ".
- معمر، علي يحيى: نشأة المذهب الإباضي، ص 97
- معمر، علي يحيى: المرجع السابق، ص 97
- ناصر، محمد: حلقة العزابة، ص 12.
(4) ـ عدون، جهلان: الفكر السياسي عند الإباضية، 170.
149 (1/167)
صفحة 168
ويمثل شيخ العزابة سلطة الإمام العادل في المجتمع الإباضي،
في منصبه مدى الحياة (1) ".
ويبقى
وهو في تصرفاته " مقيد بمجلس الشورى
الذي لا يحق له أن يصدر رأياً قبل موافقته، ويستعين بشخص يقوم
مقام المفتي (2) ".
2 - المستشارون، وعددهم أربعة أشخاص لا يزيدون ولا ينقصون، ورأيهم ملزم للشيخ، ولا يقطع أمراً دون موافقتهم.
- الإمام، وهو المكلّف بصلاة الجماعة، ويجوز أن يكون أحد الأربعة المستشارين.
4 - المؤذن، وهو المسؤول عن تحري أوقات الصلاة والقيام بمهمة الأذان، ويصح أن يكون أحد الأربعة المستشارين.
ه ـ وكلاء الأوقاف، ويخصص عضوان للإشراف على:
أ - اصلاح وتنمية الأوقاف.
ب - ضبط الواردات والصادرات.
ج - ميزانية الحلقة.
ويشترط أن يكون هذان العضوان من متوسطي الحال، أي ليسا من
الأغنياء المكثرين، ولا من الفقراء المعوزين.
6 ـ المعلمون، ويخصص ثلاثة أعضاء أو أكثر أو أقل حسب الحاجة
للإشراف على:
ا - وضع برامج التربية والتعليم.
ب - تنظيم الدراسة.
•
ج - مراقبة التلاميذ في دور التعليم، أو في الأقسام الداخلية.
(1) ـ عدّون، جهلان: الفكر السياسي عند الإباضية، ص 169.
(2)
- معمر،، علي يحيى: نشأة المذهب الإباضي، ص
103
10. (1/168)
صفحة 169
- حقوق الموتى، ويخصص أربعة أعضاء أو خمسة للإشراف على حقوق الموتى، فيتولون الإشراف على كافة الإجراءات الواجبة دينياً لدفنهم، ومراقبة تنفيذ وصيّتهم، وتقسيم إرثهم حسب الشريعة الإسلامية (1)
ج - مهام العزابة:
كانت تربية النشء المهمة الرئيسية التي أنشئت العزابة من أجلها،
ولكن مهام العزابة تطورت مع تطور العصر ومتطلباته، حيث طوّر أبو عمار
(2)
عبد الكافي في القرن السادس الهجري هذه المهام (2). " وبلغ هذا النظام أوجه مع الشيخين أبي القاسم بن يحيى الدادي، والشيخ أبي القاسم بن يحيى في القرن
التاسع الهجري)
" I (Y)
وأصبحت مهام العزابة تشمل مختلف مناحي الحياة، وهذه
المهام هي:
1 - المهام الدينية:
يمثل مجلس العزابة مهام الإمام، ويقوم بجميع مهامه ما عدا إقامة الحدود التي تعطلها الإباضية في الكتمان " حتى لا يستعدوا السلطات الحاكمة أو مخالفيهم ضدّهم، ويقتفي مجلس العزابة في هذا الصدد السنة التي ابتدعها رواد الحركة الإباضية الأوائل في البصرة إبّان المرحلة السرية خلال القرنين الأول
والثاني
المهام هي:
(1) ـ أنظر
" (4)
ويتوزع أعضاء مجلس العزابة المهام الدينية في المجتمع الإباضي، وهذه
، معمر، علي يحيى: نشأة المذهب الإباضي، ص 99 - .
(2) ـ أنظر، ناصر، محمد: حلقة العزابة، ص 31.
(F)
- اسماوي، صالح بن عمر: نظام العزابة، ص
170
(4) ـ خليفات، محمد عوض: النظم الاجتماعية والتربوية، ص 43
101 (1/169)
صفحة 170
1 - الوظائف الدينية ويقوم بها:
أ ـ القاضي، ويشترط به خمس خصال فإن نقصت واحدة منهن كانت
نقيصة فيه:
1 ـ أن يكون عالماً بما مضى من الكتاب والسنة.
2 - الا يرتشي.
- حليماً على الخصم يعني يتحلّم على الخصمين وإن تصاخبا
وتشاجرا بين يديه.
4 ـ أن لا تأخذه في الحق لومة لائم.
ه - مشاوراً لذوي الرأي والعقل والعلم (1)
ب ــ الإمام، ويشترط فيه التقوى والصلاح والحزم والتفقه في الدين والصوت الجهوري الحسن، والسلامة من العيوب الخلقية كفقدان البصر وغيرها مما يعوقه عن أ أداء عمله بالكيفية المطلوبة، ويعين المجلس له خليفة يخلفه حين تقتضي الضرورة (2).
2 - ناظر الأوقاف ..
3 - غسلة الأموات.
ولا تقتصر مهمة الوعظ والإرشاد على المسجد، بل يقوم المكلفون بالمهام الدينية بجولات للوعظ والإرشاد في القرى " ومن هنا يتبين أن الإمام والمؤذن
وشيخ
المسجد
هم رؤساء العزابة وعمدتهم، يواظبون على أعمالهم ولا يتخلّف أحدهم إلا نادراً، وإن تخلف أعلم نائبه ليقوم مقامه
(1) ـ أنظر، ابن سلام: الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية، ص 114. (2) ـ أنظر، 1 - دبوز، محمد علي: أعلام الاصلاح في الجزائر، ج 1، ص 107. 2 - خليفات، محمد عوض: النظم الاجتماعية والتربوية، ص 43.
(3)
- دبوز، محمد علي: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج 1، ص 197.
" I (1)
152 (1/170)
صفحة 171
- المهام الاجتماعية:
يحرص مجلس العزابة على تنظيم العلاقات الاجتماعية التي تربط بين أفراد المجتمع
ولا يمكن ذلك إلا بمواكبة تطوّره ومشاكله وتطلعاته
تغلغل مجلس العزابة في نسيج المجتمع الإباضي، وغدا العامود الفقري لكلّ
المظاهر الاجتماعية، وتجلّت المشاركة الاجتماعية لمجلس العزابة في:
أ - يتصدرون الحفلات والمناسبات، ويخصص لهم مكان خاص لا يمكن أن يجلس فيه غيرهم مهما كانت مكانته ومنزلته
ب - يرأسون حفلات الأعراس.
ج - يشيعون الميت، ويحضرون دفنه
•
د - يختلطون بالعامة في أتراحها، فيستغلون تلك الأحوال التي يكون فيها
الوجدان أقوى شيء في الإنسان، والناس مستعدون للتأثر والامتثال.
هـ ـ يحدّدون المهر والصداق مهما تكن أسرة الفتاة وجمالها، أو غنى الزوج أو فقره. وليس أمام الأهل شيء يتفقون عليه سوى تحديد يوم الزفاف
و - يجهزون الأموات غسلاً وصلاة ودفناً.
ز ـ يشرفون على تنفيذ وصايا الأموات وتقسيم تركاتهم بين مستحقيها
م - يقومون على شؤون الأيتام والأرامل وضمان كفالتهم وتسهيل سبل الحياة
ح - يستعين مجلس العزابة بمجالس العشائر على جمع الزكاة من الأغنياء وتوزيعها على مستحقيها (1).
(1) - أنظر، 1 - مدني، توفيق: كتاب الجزائر، ص 109، وما بعدها.
2 - دبوز، محمد علي: نهضة الجزائر، ص 199 وما بعدها.
- خليفات، محمد عوض: النظم التربوية والاجتماعية، ص 45. 4 - ناصر، محمد: حلقة العزابة، ص 23 - 28.
153 (1/171)
صفحة 172
- المهام الاقتصادية:
يتدخل مجلس العزابة في تنظيم شؤون المجتمع ذات الطابع الاقتصادي
المتمثلة في:
أ - مراقبة البيع والشراء في الأسواق.
ب ـ محاربة الانحراف في التعامل التجاري مثل الغش والتطفيف والاستغلال
والاحتكار.
ج - الإشراف يومياً على عمليات الذبح والسلخ ليضمنوا سلامة الشياه صحياً،
وأن الذبح ثم وفق الطريقة الشرعية الإسلامية
هذه المهام الاقتصادية هي من صلب مهام المحتسب في الإسلام،
والتي يطلق عليها في المذهب الإباضي نظام الطلبة أو حلقات
العزابة (1).
4 - المهام التربوية:
أدرك مجلس العزابة أن التربية هي أهم الوسائل " التي تنشئ الأجيال عقيدة وعملا، وهي من الطرق التبليغية التي تضمن الاستمرارية للمجتمع المحمدي مذهباً وسلوكاً (2) ". فتولى المجلس الإشراف على التعليم وتهيئة الوسائل " وتيسير السبل أمام جميع الأطفال لينالوا قسطاً من الدراسة، ويتعلموا جزءاً من القرآن الكريم. وما يعرفون أمور من دينهم، وهذا أقل ما يمكن أن يتاح للطفل، فإذا كانت أسرة الطفل فقيرة بحيث لا تستغني عن مجهوده الضعيف، أو ليس لها ما تموّنه به للدراسة، وجب على مجلس العزابة أن يقدم له المساعدة، وذلك بالانفاق عليه (3) ".
(1) ـ أنظر، لقبال، موسى: الحسبة المذهبية في بلاد المغرب، ص 86 - 88، الجزائر، الشركة الوطنية
(2)
(3)
للنشر والتوزيع 1971.
- ناصر، محمد: حلقة العزابة، ص 31.
معمر، علي يحيى: نشأة المذهب الإباضي، ص 101
6
108 (1/172)
صفحة 173
د - شروط الانتساب إلى العزابة:
تميز عضو العزابة في السلوك، وتفرده في لباسه وخدمته المجتمعية يعود إلى
الشروط الصعبة التي وضعت لاختيار عضو العزابة، فمجلس العزابة يمثل نخبة المجتمع الإباضي، ويظهر ذلك من خلال الشروط التي يجب أن تتوفّر في أعضاء العزابة، وهذه
الشروط يوردها علي يحيى معمر على النحو التالي:
1 - أن يكون حافظاً لكتاب الله تعالى.
2 - أن يشهد له أساتذته بأنه حسن السلوك أثناء الدراسة، محافظاً على الزي)
الرسمي للعزابة عندما يدخل الحلقة
3 - أن يكون عالماً استوفى جميع مراحل الدراسة.
4 - أن يكون أديباً لبقاً ماهراً في تصريف الأمور.
ه ـ أن يكون محباً للقراءة، ومواصلاً للتعلم والتعليم.
6 - الانصراف عن الدنيا ومشاغلها والاختلاط بالعامة بالعذر الذي لا يزري بمقامه
ويذهب بهيبته
ن)
(1)
ـ أن يغسل جسده بماء، ويغسل قلبه بماء وسدر، وهذه عبارة اصطلاحية، يقصد منها النظافة المعنوية، أن يكون نظيف القلب من جميع أمراض القلوب، أي أن يكون طاهر الباطن والظاهر
(1)
الزي الرسمي للعزابة هو البياض " ولا بأس بعلم الطرفين والطراز ما لم يتفاحشا، ثم ان اقتصر على عباءة أو ملحفة لم تشنه، كان أليق، وإن كان ذلك على قميص كان أكمل، ولا سبيل إلى اقتصاره على قميص، أو قميص دون اشتماله والتحافه وارتدائه. وإن اعتم فالتحى على ما جاء في الأثر، وليس لبس العمامة يضرّ به. لا بأس باستغنائه عنها، وإن اقتصر على العباءة أو اللحاف غطي رأسه وألقى الطرف الأعلى على هدب الحاشية من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر، لا يلقي الهدب كلّه من
الجانب، فإنّ ذلك مؤد إلى انكشاف العورة ".
(الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 196).
1) - أنظر، معمر، علي يحيى: نشأة المذهب الإباضي، ص 100
100 (1/173)
صفحة 174
تعود هذه الشدة في الشروط إلى أنّ العزابي يجب أن يكون قدوة، ومثلا
للاستقامة، والأخطاء الصغيرة التي تصدر عن غيره تعتبر منه أخطاء كبيرة، لأنه القدوة التي تحتذى في مجتمعه " وسيرته يجب أن تكون مطابقة لمثلهم القائل: إنّ متولي الناس مثل اللبن يغيره أي شيء يقع عليه. فهو مرآة مجتمعه، وعليه أن يبدأ بتأديب نفسه، وتطبيق تعاليم الإسلام قبل تأديب وتعليم غيره
" (1)
ويراعي في اختيار أعضاء العزابة أن يكونوا ممثلين للقبائل أو الجهات التي يشتمل عليها البلد. ويعين العضو الجديد عندما يشغرِ مركز في العزابة، فيدعى إلى مركز العزابة، وتلقى عليه المهام والمسؤوليات التي تطلب منه، وعليه أن يعلن عن قبوله أو رفضه، فإن وافق أسندت إليه المهام المطلوبة (2)
هـ - نظام التعليم في مجالس العزابة:
أوجدت مجالس العزابة في المناطق الإباضية نظاماً تعليمياً إباضيّاً خاصاً بمدارس يتسم بالصرامة والتنظيم، ويتجلى هذا التنظيم في الهيئات التالية:
1 - الهيئة الإدارية والتعليمية:
سهم
تتألف الهيئة الإدارية والتعليمية في المدارس، التي أنشأتها
مجالس العزابة من:
أ ـ الشيخ: وهو شيخ العزابة أو مستنابه ويعتبر الشيخ رئيس مجلس العزابة،
والمسؤول الإداري عن التعليم في مدارس العزابة، وعن قضيّة التعليم وتتحدّد مهامه التربوية والإدارية بما يلي:
(1) - حجازي، عبد الرحمن: التربية الإسلامية، ص
(T)
394
2 - للتوسع في هذا المجال، يراجع كتاب نشأة المذهب الإباضي لعلي يحيى معمر، ص 101 - 105.
???? (1/174)
صفحة 175
1 - يتولى تعيين العرفاء وفصلهم وتحديد مهامهم.
2 - تقرير المناهج الدراسية للطبقات العليا من التلاميذ
3 ـ قبول التلاميذ والطلاب في الفصول الدراسية أو رفضهم. فإذا ورد على المدرسة طالب جديد وكان " يريد الدخول في الحلقة، استأذن الشيخ في شأنه فيكشف الشيخ عن أحواله وما كان عليه في الموضع الذي قدم منه، فإن اطلع على صلاح أحواله أذن له في الدخول لا غير، فيكون من أهل الحلقة، له ما لهم وعليه ما عليهم، وان اطلع على نقيضه، وأحوال ذميمة طرده لا غير، وإن تعذر لبعد داره الاطلاع على الأحوال، أو اختلفت في صلاحه وفساده الأقوال توقف حتى يستبرئ ويستعلم حميدها من ذميمها، وصحيح الأقول من سقيمها، فإن اطّلع على الخير ألحقه بأهله، وإن اطلع على شر أفضاه إلى نوعه وشكله وحكمه في مدة الاستبراء حكم المسافر عابر السبيل في نوعه، لا حظ له في المقتسم من الفتوحات والمدخرات والمعين (1) ".
4 ـ يعقد الندوات الثقافية لطلبة الصفوف الدراسية العليا في وقت معلوم، حيث يقوم بطرح الموضوعات الصعبة والمتعمقة التي يعجز غيره عن القيام بها، وله أن
يكلف غيره بإدارة هذه الندوات.
ه - الجلوس مع الختمات، حيث يقوم بالإجابة على أسئلتهم واستفساراتهم ويذاكرهم فيما
الطلبة بعد انتهاء أوقات الدروس اليومية في الصباح، أو ما يسمى
حصلوه من العلوم فيستفيدون ويستفيد من حضر
6 - يجتمع بتلاميذ المدرسة مرتين في الأسبوع، يوم الاثنين والخميس، حيث يلقي على التلاميذ دروساً تنحصر موضوعاتها، في معظم الأحيان، ضمن ا ن الأمور
التالية:
- الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 173
157
(1) (1/175)
صفحة 176
(1)
أ ـ التحذير من عواقب الأعمال السيئة.
ب ـ الحث على الجد والاجتهاد والاستزادة من المعرفة.
ج - إطاعة معلميهم واحترامهم.
د - التشبث بالفضيلة والابتعاد عن الرذيلة.
هـ - التمسك بالأخلاق الحميدة
- يفصل في المنازعات والمشاكل التي تقع في المدرسة وقراراته غير قابلة للطعن أو
المناقشة
- يتصرف بأموال العزابة والأوقاف للإنفاق على المدرسة.
9 - لا يُشترى شيء أو يباع إلا بإذنه.
10 - يقسم الأرزاق بين أعضاء العزابة من العرفاء والتلاميذ (1)
ب - العرفاء:
يصنف العرفاء في العزابة إلى نوعين هما:
1 - عريف منفرد، وهو عريف أوقات الختمات والنوم، وعريف الطعام.
2 - عريف غير منفرد، وهم العرفاء حملة القرآن، منهم من يكتب عليه طلبة القرآن ألواحهم ويصححونها عليه ويحفظونها، وعريف على أوقات الدراسة، يكون واحداً، ويكون أكثر، إنما هو على قدر
الاحتياج إليه)
(2)
أنظر، 1 - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 172.
961 - 962
2 - خليفات، محمد عوض: التربية عند الإباضية، ص 3 - معمر،، علي يحيى: نشأة المذهب الإباضي، ص 138 - 139.
(2) - أنظر:، 1 - البرادي: الجواهر المنتقاه، ص 208
2 - باجية صالح: الإباضية بالجريد، ص 223.
158 (1/176)
صفحة 177
يلي
2 - مهام الهيئة التعليمية:
حدد مجلس العزابة مهام العرفاء في مدارس العزابة بما
أ - عريف الختمات وأوقات النوم:
يجمع عريف الختمات وأوقات النوم مهام الناظر الأول في المدرسة، أثناء الدراسة النهارية، ومهام الناظر الليلي. ويتبع نظاماً أشبه ما يكون بالنظام العسكري في تأمين سير العمل التربوي في المدرسة، فكل مخالفة يقوم بها الطلاب، أو عدم الالتزام بنظام المدرسة يعرضهم للعقوبة.
وعمل عريف الختمات وأوقات النوم محدّد وواضح ومفصل بطريقة تجعل العمل ينتظم دون لبس أو إشكال. وهو " أقوى شخصية بعد الشيخ وأهم عنصر في التربية (1) ".
(1)
(2)
ويشرف عريف الختمات وأوقات النوم على الأمور التالية:
1 - إعلان بدء الدراسة الصباحية حيث " يتعلّق به ارتصاد حزب الغد، وفي المجلس الذي تكون فيه المذاكرة (2) ".
2 - مراقبة الطلبة وقت الاستفتاح، " أي عند القيام في الثلث أو الربع الأخير من الليل لتلاوة القرآن والدعاء، ومعاقبة من ينام منهم، أو يشتغل بغير التلاوة والدرس والمذاكرة (3) ".
3 - إعلان انتهاء الدراسة الصباحية، فمتى " كمل الحزب ـ من القرآن الكريم ـ أو كاد دعا جميع من في المجلس إلى الختمة ويؤمنون على دعائهم، فيدعو أسنهم
ويدور
الدعاء (4) "، ويتم الدعاء على النحو التالي:
معمر، علي يحيى: نشأة المذهب الإباضي، ص 140.
- الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 174. (3) ـ خليفات، محمد عوض: التربية عند ا الإباضية،، ص 963
(4) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 174
109 (1/177)
صفحة 178
أ ـ يتلو " أكبر التلاميذ دعاء الختام، ويردّ بقية الطلبة " (1)
ب - ينبغي تواجد الجميع. عند الدعاء الصباحي، لأنّ " حضور هذا الدعاء الختامي ن) حتمي " (Y)
ج - يتعرض كل من يتخلف. عن الدعاء الصباحي للعقاب، لأنه " إن انقضى الدعاء وتخلّف ـ أحد الطلاب - فالخطة (3) ". أي العقاب
د ـ يسمح للطالب المتأخر بعض الوقت بعذر مقبول، ويتعرض للعقاب إذا انقضى الدعاء و لم يحضر (4)
11
4 ـ بعد الانتهاء من الدعاء الصباحي وتناول الطلاب لطعام الغداء يدعو الطلاب إلى نوم الهاجرة (5) " ويشترط في نوم الهاجرة أو الظهيرة أن يتقيد الطلاب بما يلي: أ ـ نوم الهاجرة إجباري " ولا يحق لأي واحد منهم - الطلاب ـ أن يتخلّف عن نوم القيلولة (1) ".
ب ـ يتعرّض للعقوبة أثناء فترة نوم الظهيرة كل طالب:
1 - " تكلم أو تحرك بحيث يؤذي النائمين "
11 (V)
11 (^)
2 - " ترك النوم ذريعة إلى امتناع القيام بالليل
(1) ـ خليفات، محمد عوض: التربية عند الإباضية، ص 963.
ن
(2)
(3)
الختمة اجتماعهم لذكر الله والدعاء عند طلوع الشمس وعند غروبها بشيخ أو بغير شيخ، وكأنهم
يختمون به عمل الليل وعمل النهار.
معمر، علي يحيى: نشأة المذهب الإباضي، ص 140.
معمر، علي يحيى: المرجع السابق، ص 140. (4) - أنظر الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 5.
(0)
(1)
(7)
(^)
الدرجيني: المصدر السابق، ص 174.
الدرجيني: المصدر السابق، ص 174
الدرجيني: المصدر السابق، ص 174.
- الدرجيني: المصدر السابق، ص 174.
160 (1/178)
صفحة 179
(1)
(2)
(3)
(4)
ه ـ يدعو الطلاب بعد صلاة المغرب إلى الختمة، فيجتمعون في حلقات، وأقل هذه الحلقات " ثلاثة - طلاب - وإن كثروا فعشرة لا يجاوزونها، والوسط بين التحديدين أعدل
" (1)
". ويعاقب كل تلميذ يتخلّف عن ذلك، ويكون انتظام الحلقة كالتالي:
أ - يبدأ الطلاب الجلوس في الحلقة " مبتدئين الجلوس عن يمين أكبر الطلاب سناً (2) ".
ب ـ بعد الانتهاء من الجلوس " ذكروا الله (3) ".
ج - يتناوب قارئان على تلاوة " ما يتيسر من القرآن الكريم حتى صلاة
العشاء (4) ".
". وينصت بقية الطلاب إلى التلاوة.
د ـ يدعو الطلاب إلى دعاء الختام، بعد الانتهاء من التلاوة، ويكون
الدعاء بأن يتوجهوا إلى القبلة، ويدعو الطالبان اللذان تلوا القرآن
(°)
و" يؤمن من خلفهم (5) ". ثم يقومون إلى صلاة العشاء
6 ـ يترك الطلاب بعد صلاة العشاء في مذاكرة حرّة مدّة ليست طويلة.
7 ـ يدعو الطلاب بعد الاستراحة إلى الختمة، فيجلس الطلاب ويقرأون من القرآن الكريم ما يسر الله، والقراءة في ختمة العشاء هي أن يقرأ أحدهم في كتاب الله وبعد القراءة يدعو القارئ بدعاء خفيف، ثمّ يلقي أفصح الطلاب كلمة
مناسبة في التوجيه، كتوجيه بعد كفاح يوم كامل، ويستحسن أن تستوحى تلك الكلمة من الآيات التي سبق أن قرئت
الدرجيني:: طبقات المشائخ.، ج 1، ص 174
- خليفات، محمد عوض: التربية عند الإباضية، ص 963
الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 174.
خليفات، محمد عوض: التربية عند الإباضية، ص 963
(1)
(5) ـ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 174. أنظر، معمر، علي يحيى: نشأة المذهب الإباضي، ص 140.
(1) (1/179)
صفحة 180
يتوجه الطلبة بعد الدعاء إلى النوم، ويشترط اتباع القواعد التالية
عند النوم:
أ - " لا يحق لأحد من الطلبة المبتدئين التأخر عن الذهاب إلى النوم في الوقت المحدد (1) "
ب ـ يعاقب كل تلميذ " تكلّم أو تحرّك (2) " لأن كلامه يؤثر على راحة
الآخرين، وحركته تحدث الضوضاء، فتمنع الآخرين من النوم.
ج ـ يسمح العريف لبعض الطلاب في المرحلة النهائية من الدراسة " بالاستمرار في الدرس والمذاكرة، في مطالعة كتاب بعيداً عن النائمين (3) ". شريطة أن لا تؤثر دراستهم على راحة الطلبة النائمين، وأن لا تعيقهم الدراسة عن " القيام في آخر الليل للاشتراك في القرآن وقت الاستفتاح (4) ".
ب - عريف الطعام:
هو الناظر المشرف على " أوقات الطعام، له حدود يقف عندها وأشياء متسع فيها (5) " وتتلخص مهام عريف الطعام بالأمور التالية:
(1)
(2)
(
(4)
(°)
(1)
1 - يتولى تنظيم جلوس الطلاب عند الأكل داخل أماكن الدراسة وخارجها، ويقصد بخارج أماكن الدراسة " إذا كانوا في رحلة مدرسية أو استضافهم
أحد الناس
#1 (7)
خليفات، محمد عوض: التربية عند الإباضية، ص 964.
الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 174.
- الدرجيني: المصدر السابق، ص 175.
- خليفات، محمد عوض: التربية عند الإباضية، ص 964.
الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 175.، علي يحيى: نشأة المذهب الإباضي، ص 141.
معمر
162 (1/180)
صفحة 181
(1)
(2)
2 - يتفقد، بعد جلوس الطلاب، الغائبين منهم، ويسأل عنهم " فإن غاب أحدهم لعذر ذكرهم بأن يستوصوا به، وإن كان في غير عذر فالخطة (1) ".
- يتأكد من حضور الطلاب " إلى الأكل باللباس الكامل وهو الزي
الخاص بهم
" (Y)
4 ـ يبدأ الطلاب تناول الطعام ملتزمين بالقواعد السلوكية
التالية:
أ ـ آداب الطعام قبل الأكل وهي سبعة:
1 - معرفة الطعام أنّه طيب، وذلك فريضة لقوله تعال كلُوا مِنَا فِي الْأَرْضِ حَلالا طيباً (3) كم لأنه قيل إذا كان حراماً
شاركه الشيطان في أكله، لقوله تعالى {وَشَارِ كُهُمْ فِي الْأَمْوَالِ
(4)
والأوكد (4)
2 - غسل اليدين للنظافة لقوله الله) الوضؤ قبل الطعام ينفي الفقر،
وبعده ينفي اللمم ()).
الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 175. - معمر، علي يحيى:: نشأة المذهب الإباضي، ص 141.
(3) - سورة البقرة، ة، الآية 168
(4)
ن)
- سورة الإسراء، الآية 64.
) ـ أخرجه الطبراني في الأوسط، ج 2، ص 150 (الوضوء قبل الطعام وبعده ينفي الفقر، وهو من سنن المرسلين)، وأورده الشيخ الألباني في ضعيف الجامع الصغير، وقال موضوع.
(أنظر، 1 - الهيثمي، الحافظ نور الدين: كتاب مجمع البحرين في زوائد المعجمين، المعجم الأوسط والمعجم الصغير للطبراني، ج 7، 67، تحقيق ودراسة عبد القدوس بن محمد، الرياض، مكتبة الرشد 1413 هـ / 1992 م.
2 - الألباني، محمد ناصر الدين: ضعيف الجامع الصغير، بيروت، المكتب الإسلامي
1410 هـ / 1990 م).
163 (1/181)
صفحة 182
ن)
3 ـ الجلوس على الأيسر، ونصب الرجل اليمنى اقتداء برسول الله، وكان يقول (لا اكل متكناً أنا عبد أجلس كما يجلس العبد واكل كما يأكل العبد ()).
- إنتظار الحار حتى يبرد لقوله (دعوا الحارّ حتى يبرد فإنه غير ذي بركه (). ه - عقد النية للأكل، وهو أن ينوي بها التقوّي على طاعة الله تعالى، ولا يقصد به التلذذ والتنعم.
6 - أن لا يحقر الطعام، ولكن يرضى به، ولا ينتظر الأدام لأن ذلك من كرامة الخبز. ـ أن يجتهد على تكثير الأيدي على الطعام، كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه (*)) (1)
ب ـ آداب الأكل وهي عشرة:
1 - التسمية في أوله والحمد له في آخره لقوله (اذكروا اسم الله على
الطعام ()).
أخرجه البخاري (لا أكل وأنا متكيء) رقم الحديث 5399) و (إني لا اكل متكناً) رقم الحديث 5398.
(أنظر، صحيح البخاري، ج 3، ص 435).
(*) ـ أخرجه الطبراني!
ضعفه أبو حاتم.
في الأوسط، ج 2، ص 84) ابردوا الطعام، فإنّ الطعام الحارّ غير ذي بركه). وقد
(أنظر، الهيثمي: كتاب مجمع البحرين في زوائد المجمعين، ج 7، ص 56 - 57). () - أخرجه أبو داوود، ج 2، ص 139، على النحو التالي:
اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله تعالى عليه يبارك لكم فيه) من طريق الوليد بن مسلم. (أنظر، الألباني، محمد ناصر: سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، ج 2، ص 272. (1) ـ أنظر، الجيطالي، أبو طاهر إسماعيل بن موسى: قواعد الإسلام، ج 2، ص 254، صححه وعلّق عليه بكلي عبد الرحمن بن عمر، غرداية (الجزائر) المطبعة العربية 1976 م. (0) أخرجه الطبراني في الأوسط، ج 1، ص 16 (اذكروا اسم الله ولياكل كل امرئ مما يليه وقال الهيثمي في المجمع، ج 5 ص 26 - 27، وفيه ابن لهيعه وحديثه حسن وبقية رجاله رجال الصحيح.
(أنظر، الهيثمي: كتاب مجمع البحرين في زوائد المجمعين ج 7، ص 62 - 63).
164 (1/182)
صفحة 183
2 - الأكل باليمين لنهي النبي علي الله عن الأكل والاعطاء والأخذ بالشمال وقال (إنّ الشيطان يأكل ويأخذ ويعطي بشماله (4)).
- الأكل بثلاثة أصابع، وربما استعان بالرابعة، ولا يأكل
باصبعين.
4 ـ تصغير اللقمة وتجويد مضغها، وما لم يبتلعها لا يمد اليد إلى الأخرى فإن ذلك من العجلة في الأكل، ولا يذم مأكولا كائناً ما كان، لما
(
روي أن النبي) ما ذمّ طعاما قط، إن أعجبه أكله، وإن كرهه ترکه (4)).
ه - الأكل مما يليه، إلا في الفاكهة، فإنّ له أن يجيل يده، قال رسول الله) كل مما يليك ()).
6 ـ أن لا يأكل من ذروة القصعة، ولا من وسطها لأنه موضع البركة، وإذا فرغ الطعام، ولم يبق إلا ذروة القصعة
فليأكلها
أخرج الطبراني في الأوسط.
6
ج 1، ص 19.
(من أكل بشماله أكل. معه شيطان، ومن شرب بشماله شرب معه شيطان () وأخرجه أحمد، ج 6، ص 77، عن يحيى بن غيلان، وقال الهيثمي في المجمع، ج 5، ص 25، وفي اسناده أحمد بن رشدين
ابن سعد وهو ضعيف
•
C
ج 7، ص 63).
(أنظر، الهيثمي: كتاب مجمع البحرين في زوائد المجمعين () ـ أخرجه البخاري (ما عاب النبي طعاماً قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه).
(***)
(البخاري: صحيح البخاري، ج 3، ص 437، رقم الحديث 5409). - أخرجه البخاري والترمذي (يا غلام، سم الله، وكل بيمنك، وكل ما يليك). (أنظر 1 - البخاري: صحيح البخاري، ج، ص 431، رقم الحديث 5377. ـ الترمذي: أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة: الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي، ج 4، ص 590، رقم الحديث 2380، تحقيق إبراهيم عطوة عوض، بيروت، دار
إحياء التراث العربي، د. ت). (1/183)
صفحة 184
وجه
- أن لا يقشر الطعام، ولا يحفر فيه ليجمع إليه الأدام دون القوم النبي الله عن الحفار والقشار والدوار وهو الذي يأكل يميناً
لنهي
وشمالاً ().
- أن يرفع الطعام إذا وقع من يده، وليأكله لقول النبي (إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها وليمط ما كان عليها من أذى وليأكلها، ولا يذرها للشيطان (4)).
9 ـ أن لا يمسح يده بالمنديل حتى يلعقها لعقا جيداً كما رُوي أنه عليه السلام يلعق أصابعه) إذا أكل أحدكم فلا يمسح يده حتى يَلْعقها أو
يلعقها ().
10 ـ أن يبدأ بالملح ويختم به لقول النبي (اجعلوا الملح أول طعامكم فإن
منه شفاء من اثنين وسبعين داء منها الجنون والجذام والبرص ووجع
الأضراس والحلق والبطن
ج - آداب آخر الطعام وهي ستة:
(1)
1 - أن يمسك قبل الشبع إلا أن يريد التقوي على الصوم فلا بأس وفي الحديث (ما ملأ ابن آدم شرًا من بطن، حسب ابن آدم لقيمات
) - حديث نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحفار والقشار والدوار وهو الذي يأكل يميناً وشمالاً. لم أجد له أثراً
(9)
صحيحاً قط.
أخرجه مسلم في صحيحه، ج 3، ص 1606، في كتاب الاشربه (إذا وقعت لقمة أحدكم
فليأخذها، فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان).
() أخرجه البخاري في صحيحه، ج 4، ص 1752، حديث 5456.
- حديث اجعلوا الملح أول طعامكم فإن منه شفاء من اثنين وسبعين داء منها الجنون والجذام والبرص
ووجع
الأضراس والحلق والبطن، حديث موضوع.
(أنظر، الذهبي: ترتيب الموضوعات لابن الجوزي، ص 210، حديث رقم 710).
(1) ـ أنظر، الجيطالي: قواعد الإسلام، ج 2، ص 250 - 258. (1/184)
صفحة 185
ن)
(1)
يقمن صلبه، وإن لم يكن يفعل فثلث للطعام، وثلث للشراب،
وثلث للنفس)).
2 ـ أن يلعق القصعة ببعض أصابعه ويغسلها بالماء ثم يشرب.
ـ أن يلتقط فتات الطعام.
4 ـ أن يخلل أضراسه، ولا يبتلع ما يخرج من بين أسنانه بالخلال ولكن يرميه، وأما ما يجتمع في أصول أسنانه فأخرجه اللسان فلا يرميه، وليمضمض بعد الخلال
ه ـ أن يشكر الله تعالى على ما أطعمه قال تعالى وكلوا من طيبت ما
(1)
من قناكه واشكروا الله)
6 ـ الدعاء بالبركة لقوله الله ادعوا في طعامكم بالبركة يبارك لكم () ويقال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا من المسلمين يا كافي
(
كل شيء ولا يكفي منه شيء، أطعمت من جوع، وآمنت من خوف، فلك الحمد، آويت من يتم وهديت من ضلالة، واغنيت من عيلة، فلك الحمد حمدا كثيرا طيباً مباركاً فيه، كما أنت أهله، اللهم كما أطعمتنا طيباً فاستعملنا صالحا، واجعله عوناً لنا على طاعتك، ونعوذ بك أن نستعين به على معاصيك)
أخرجه الترمذي في سننه، ج 4، ص 590، رقم الحديث 2380.
(2)
(ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطن:: يحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث
لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه).
- سورة البقرة، الآية 172.
() ـ الحديث الذي ورد في هذا الخصوص هو (اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله تعالى عليه يبارك لكم فيه)
أخرجه أبو داوود، ج 2، ص 139، وابن ماجه، ج 2، ص 37، والحاكم، ج 2، ص 103.
(أنظر، الألباني، محمد ناصر الدين: سلسلة الأحاديث الصحيحة، ج 2، ص 272). (2) - أنظر، الجيطالي: قواعد الإسلام، ج 2، ص 267 - 268.
167 (1/185)
صفحة 186
(1)
ه - يراقب سلوك الطلاب ومدى تطبيقهم لآداب الطعام " فمن أكل بنهم أو أكل ذي كبر، عيب عليه، في غير ذلك الموضع ونهى وقبح وحذر أن يعود فإن عاد فالخطة (1) ". ويلفت نظر التلاميذ إلى ضرورة التقيد بآداب الطعام بعيداً عن أعين الطلاب، ويجعل الطالب يتقبل النصيحة، ويبعده عن سخرية التلاميذ، وخاصة إذا كانت ملاحظة العريف هي الملاحظة الأولى
6 ـ لا يتشدّد العريف مع الطلاب، أثناء الطعام، فلا يتحفظ الطلاب أثناء الطعام، بل " يميلون إلى ضرب من الدلال، وينبسطون بعض الانبساط ويحسنون الظنون، ولا يحتشون في اقتراح طيب الطعام أو زيادة الأدام أو نحو ذلك (2) ".
وتكون هذه الحرّية، أثناء الطعام، في مكان الدراسة، أما إذا كان الطعام خارج مكان الدراسة، كأن يكونوا في نزهة، أو دعوا إلى مأدبة خارج مكان الدراسة، فإنهم يتقيدون تقيداً تاماً بآداب الطعام:، ويوجه إليهم العريف الملاحظات مباشرة أثناء الطعام، ولكن في أسلوب مبتكر متعارف عليه، بأن يتلفظ بألفاظ يفهم منها التلاميذ أن يحسنوا آدابهم وأخلاقهم مثل أن يقول " حسان وربما قال حسان بن ثابت أي أحسنوا آدابكم، وهي كلمة يقولونها مهما دخل فيهم من غير الصنف تحذيرا أن يطلع على ما ينتقد منهم
" (3)
ـ يعلن العريف انتهاء الطعام، بعد أن يتأكد أنهم انتهوا من تناول طعامهم، وإن " وجد منهم من يده في الطعام انتظره حتى يقضوا
الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 175.
(2) ـ الدرجيني: المصدر السابق، ص 175.
(3)
الدرجيني: المصدر السابق، ص 175
168 (1/186)
صفحة 187
حاجتهم
"1 (1)
، ولا يحق للطالب الذي أنهى طعامه، أن يقوم من مكانه
أو الانصراف " إلا إذا أعلن العريف ذلك (2) ".
8 - يشرف على " توزيع الهدايا التي يتصدّق بها الأغنياء المحسنون (3) ".
وعلى تنظيم وجبتي الطعام الرئيسيتين وهما وجبة الظهر ووجبة المساء، والوجبتين الإضافيتين:
أ ـ وجبة الضحى: وميعادها " وقت الضحى بعد استكمال اكتتاب
الألواح (4) ".
ب - وجبة العصر: وميعادها " بعد الصلاة بقدر ما يقرأ فيه قارئ
اللوح مرة أو مرتين (5) ".
والطعام الذي يقدم يوميّاً في هاتين الوجبتين هو " التمر والفاكهة في أوقاتها فترتيب ذلك أيضاً إلى العريف (6) ". ". ويقدم الطعام في الوجبات الإضافية بطريقة مبتكرة مفيدة، تقوم على ما يلي:
1 - يقف طلاب الحلقة بشكل دائري، وينظم حلقتهم " عريف يكون أسنهم أو أنبههم، لا تعدو عرافته تلك الحال
II (V)
2 - يطرح العريف قبل تقديم الفاكهة ثلاث مسائل، في أي فن كان، ثم كذلك ميامنة حتى يتم الدور، "فمن أجاب على
(1) ـ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 175. (2) ـ خليفات، محمد عوض: التربية عند الإباضية، ص 964
(3)
الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 175. (4) ـ خليفات، محمد عوض: التربية عند الإباضية، ص 964.
(0)
- الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 176 (1) ـ الدرجيني: المصدر السابق، ص 176. () - الدرجيني: المصدر السابق، ص 176.
169 (1/187)
صفحة 188
الأسئلة أكل،، ومن تأخر فلا إثم عليه، فإنما، على
الاختيار)
" (1)
- لا يأكل الطالب فاكهته إلا بعد أن ينال جميع طلاب الحلقة حصتهم " تأديباً وردعاً وتحريضاً على تحصيل الفوائد (2) ". ولتلاميذ الكتاتيب ودار التلاميذ وقف من التمر يأخذونه مرة في اليوم كغذاء يزوّد به التلاميذ (3) ".
واللافت في وجبات الطعام أنّ وجبة الصباح مفقودة، وذلك أنّ الطلاب ينهضون من النوم لتحصيل الدرس، ويتلقون طعاماً خفيفاً وقت الضحى، ثم الوجبة الأساسيّة عند الظهر، وبعدها استراحة الظهر، ثمّ الوجبة الإضافية الثانية فالعشاء، وتقدم وجبة نافلة إلى الطلاب لمن يكون " به شوق إلى تلك النافلة (4) ".
وتراعي هذه الوجبات، من حيث تقديمها، الناحية الصحية، فالمعدة لا تكون في خواء كامل، وإن لم تذكر لنا المصادر أنواع الأطعمة التي كانت تقدم، إلا أننا نستشف من الوجبات الإضافية القائمة على التمر والفاكهة، أنها تراعي الناحية الصحية الغذائية للطلاب
ج - عريف تحفيظ القرآن الكريم:
هو المعلم المكلف بتحفيظ القرآن الكريم للطلاب، وما دامت هذه
هي
فيشترط فيه أن " يكون حافظاً لكتاب الله حفظاً جيداً عارفاً برسم المصحف
(1)
(2)
(1)
(4)
: طبقات المشائخ، ج 1، ص 176.
الدرجيني:
الدرجيني:
: المصدر السابق، ص 176
دبوز، محمد علي: نهضة الجزائر، ج 1، ص 228.
الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 176 - 177
(5) ـ الدرجيني: المصدر السابق، ص
177
مهامه
11 (°)
170 (1/188)
صفحة 189
ويقتضي
الحفظ أن يكون محكماً لتلاوة القرآن الكريم، عالماً بتفسير معانيه، ضليعاً في
اللغة العربية وفنونها، وتكون مهمته في الأمور التالية:
(1)
(2)
1 - الاشراف على عدد من التلاميذ " أكثرهم عشرة، وأقلهم اثنين، وهذا بحسب ". وقد يزيد عدد الطلاب أو يقل للضرورة " فلا حد لكثرتهم ولا
الاختيار
لقلتهم
11 (1)
" (Y)
2 - يتبع في تدريس القرآن الكريم لتلاميذه الخطوات التالية:
أ - يملي على تلاميذه الآيات التي يكتبونها في ألواحهم.
ب ـ يصحح للتلاميذ الألواح، بعد أن يخبره النقيب - العريف على التلاميذ ـ أنّ
الألواح قد جفت.
ج - يطلب.
منهم
حفظ ما كتبوه غيباً لليوم التالي (3)
د ـ يحث النقيب زملاءه الطلبة على الحفظ ويجمعهم في اليوم التالي. ويشترط في النقيب أن يكون " تمن يتوسم منهم الفطنة والذكاء والاجتهاد ويقوم النقيب بجمع الطلبة في الأماكن المخصصة للتدريس في الأوقاء المحددة، وعندما يتكامل عدد التلاميذ يستدعي العريف ليبدأ دروس اليومية (4).
هـ ـ يفتتح العريف الدرس على النحو التالي:
1 - يستأذنه النقيب في حفظ ما كتب أمس.
2 - يسمع كل تلميذ ميامنه ما كتبه بالأمس.
الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص '
0177
177
- الدرجيني:: المصدر السابق، ص (3) ـ أنظر، 1 - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 177.
2 - معمر، علي يحيى: نشأة المذهب الإباضي، ص 144.
(4) - أنظر، الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 177.
171 (1/189)
صفحة 190
3 - لا يبدأ العريف التسميع للطلبة إلا بعد أن يخبره النقيب أنّ كل
التلاميذ قد حفظوا واجباتهم، وتأكد من ذلك.
4 - يستأذن التلاميذ العريف، بعد تسميع ما كتبوه فيملي عليهم.
ه ـ يضع تقريراً مفصلاً عن كلّ تلميذ، وعن الحالات المستعصية التي لا يمكنه حلها إلا الشيخ عند الاجتماع به به أسبوعياً (1)
6 ـ يعاقب العريف التلاميذ المقصرين في دروسهم، والذين لا يحفظون دروسهم جيداً، وتتدرج العقوبات على النحو التالي:
أ ـ يتجاوز العريف عن التلميذ الصغير المبتدئ إذا أخطأ خمسة أخطاء، وإذا كان كبيرا فيسمح له بثلاثة أخطاء، وإن كان التلميذ معيداً، فلا يسمح له إلا بخطأة واحدة. ومن زادت
أخطاؤه عن المسموح به فإنه يتعرض للعقوبات التالية: 1 - إذا كان التلميذ صغيراً يعاقب بالوقوف في الزاوية والجلد (*)
2 - إذا كان كبيراً فإنه يعاقب بالطرد.
ب ـ لا يطبق العقاب الجسدي إلا بعد التوبيخ، وتنبيهه إلى ضرورة
الحفظ
(1)
1) - أنظر،، معمر، علي يحيى: نشأة المذهب الإباضي، ص 144. شرعت التربية الإسلامية التأديب الجسدي. لكنها جعلت الرفق هو الأساس، وحددت أماكن الضرب باللوايا والأفخاذ وأسافل القدمين لأنّ هذه المواضع لا يخشى منها مرض ولا غائلة ولا يجوز ضرب رأس الصبي ولا وجهه. ولم يرد عن رسول الله هو حديث يأمر بالجلد، ولم يأمر به أحد من علماء التربية المسلمين.
(أنظر، 1 - ابن سحنون: آداب المعلمين، ص 100 - 101.
2 ـ ابن نصر، عبد الرحمن: نهاية الرتبة في طلب الحسبة، نشر الباز العريني، إشراف محمد
مصطفى زيادة، القاهرة، مطبعة التأليف والترجمة والنشر 1946).
172 (1/190)
صفحة 191
ج ـ إن كان التلميذ لا يحفظ جيداً لحب البطالة وترك المدرسة، يعزر إذا كان ذكيّاً فهماً، وإن كان ضعف حفظه لعلّة في فهمه وضيق باعه.
وإن كان ذلك الأمر سماوياً عذره وأمره بالإعادة (1)
د - عريف أوقات الدراسة:
يمثل عريف أوقات الدراسة، في المفهوم الحديث، الناظر الذي يراقب التلاميذ أثناء حفظهم، حتى لا يضيعوا الوقت سدى، أو ينصرفوا إلى اللعب واللهو أثناء الوقت المخصص لحفظ واجباتهم الدراسية، " وعريف أوقات الدراسة يكون واحداً ويكون أكثر، إنما هو على قدر الاحتياج إليه (2) ". وتتلخص مهامه في: 1 - يتفقد أصحاب الألواح بين الظهر والعصر، ويعاقب الطلبة الذين لا يحملون ألواحهم للدرس إلا بعذر.
2 - يشرف على انتظام الطلبة في الحلقات الدراسية، ويسجّل أسماء الطلبة الغائبين أو المتأخرين.
- يتولّى عقاب كل تلميذ إذا:
أ ـ تأخر في الحضور إلى حلقة الدرس دون عذر شرعي.
ب - اشتغل بما يلهيه عن الدرس
ج - تأخر في النهوض من النوم وقت الاستفتاح لغير عذر.
د ـ غاب عن صلاة الجمعة والعصر عن الحضور لاستماع قراءة كتاب الوعظ.
هـ - تناول الطعام اختياراً في غير الأوقات المحدّدة للأكل
(1) ـ أنظر، 1 ـ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 172 و 178.
2 ـ خليفات، محمد عوض: التربية عند الإباضية، ص 963.
(2) - البرادي: الجواهر المنتقاه.، ص 208.
) ـ أنظر، 1 ـ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 172 و 178.
2 - البرادي: الجواهر المنتقاه، ص 208
3 ـ خليفات، محمد عوض: التربية عند الإباضية، ص 963 و 966
4 - معمر،، علي يحيى: نشأة المذهب الإباضي، ص 144.
(3)
173 (1/191)
صفحة 192
و - سير العمل الدراسي اليومي:
يبدو من سير العمل اليومي في مدارس العزابة التنظيم الدقيق في عمل العرفاء،
فلا تداخل في مهماتهم، ولكلّ واحد منهم مهام مخصوصة يقوم بها.
وإذا أردنا تنظيم الجدول الدراسي اليومي في مدارس العزابة، فإنّ هذا الجدول يكون على النحو التالي:
1 - الاستيقاظ في الثلث الأخير من الليل أو الربع الأخير أو في الوقت الذي يحدّده
()
شيخ العزابة لتأدية دعاء الاستفتاح، ثم يتوضأون، ويأخذون في تلاوة
() ـ يذكر محمد علي دبوز أنّ دعاء الاستفتاح هو على النحو التالي:
سلام على ملائكة الله، وعلى أنبيائه، وعلى رسله، وعلى أوليائه، وعلينا معهم السلام أجمعين السلام على الملائكة الكرام الحافظين البررة الكاتبين، الذين يكتبون أعمالنا ويحصون آجالنا. استفتحنا
الفاتحين
،
بذكر الله وآياته، وهو خير ا اللهم إني أشهدك وأشهد ملائكتك، وحملة عرشك وأنبياءك ورسلك وجميع. خلقك أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمداً الا الله عبدك ورسولك، وأنّ ما جاء به حق من عندك. ربي ارحمني بترك المعاصي كلها، وارحمني ما أبقيتني وارحمني إذ توفيتني، وارحمني برك ما لا يعنيني، وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني، وارزق قلبي حفظ كتابك كما علمتني، واجعلني أتلوه على النحو الذي تحبه ويرضيك عني، نور به بصري، وأطلق به لساني، واستعمل به بدني في طاعتك، فإنه لا حول ولا قوة إلا بك يا أرحم الراحمين.
فقير
أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك ربي أن يحضروني، أصبحت مرتهناً بكسبي، ولا أفقرني:، لا حول عن معاصي الله إلا بعصمة من! الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بعون من الله،
أصبحنا بالله وأمسينا بالله، وبالله نحيا ونموت وإليه النشور. اللهم اجعلنا من أفضل عبادك نصيباً في كل خير تقسمه، ونور تهدي به، ورزق تبسطه، ودفع بلاء تدفعه، وصرف شر تصرفه.
اللهم أنزل علينا رحمتك، وانشر فينا بركاتك، وأتم علينا نعمتك، وألبسنا عافيتك، وأعذنا من النار ومن الشيطان الرجيم، واهدنا إلى الحق، وإلى طريقك المستقيم، ونجنا من النار، ومن عذاب الجحيم، وأدخلنا برحمتك جنة النعيم يا أرحم الراحمين.
(دبوز، محمد علي: اعلام الاصلاح في الجزائر، ج 3، ص 157 - 158).
174 (1/192)
صفحة 193
القرآن الكريم، مع الشيخ أو فرادى حتى أذان الفجر، ويختمون تلاوتهم
بالاستغفار والدعاء.
2 - يؤدي الجميع صلاة الفجر جماعة في المسجد
2 - يبدأون دروسهم اليومية والمعتادة، حيث يجتمع الطلبة في صفوفهم المختلفة، ويتفقدهم النقباء، ويكون كل نقيب مسؤول عن مجموعة ().
- يجلس الطلبة في صفوفهم على هيئة حلقة غير مستندين إلى شيء، ولا مكثرين من الحركة والالتفات، أو ما شابه ذلك بل يبقون محدّقين بالألواح المسندة إلى الأساطين، وعليهم أن يكونوا محتشمي اللباس بحيث لا يظهر من أجسادهم شيء.
ه ـ عندما يتكامل عددهم يقوم النقيب باستدعاء العريف الذي يأتي إلى الصف، ويبدأ بإلقاء دروسه أو محاضراته
ويذكر محمد بن يوسف اطفيش أن دعاء الاستفتاح هو:
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن ما جاء به حق من عند ربه، أشهد أن الدين كما شرع، وأنّ الإسلام كما وصف، وأنّ القرآن كما نزل، وأن القول كما حدث، وأنّ الله هو الحق المبين، ذكر الله محمداً لله بالخير، وحياه بالسلام، استفتحنا بذكر الله وآياته، وهو خير الفاتحين.
ربنا أنزلنا منزلا مباركاً وأنت خير المنزلين في ديننا ودنيانا وآخرتنا يا أرحم الراحمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
(اطفيش، محمد بن يوسف: أساس الطاعات في جميع العبادات، ص 51 ـ 52، ليبيا، نالوت
1387 هـ، بيروت، دار لبنان 1968 م). بينما يذكر الدرجيني أن دعاء الاستفتاح هو أن: يستعيذ ويبسمل ويقرأ فاتحة الكتاب
(الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 172).
يشير محمد عوض خليفات إلى وجبة الصباح، لكننا لم نجد لها ذكرا في المصادر التي وقعت بين أيدينا، وإنما ورد ذكر لوجبة نافلة لمن هو بحاجة إلى طعام إضافي، وربما فسّر محمد عوض خليفات هذه الوجبة الإضافية بأنها وجبة الصباح.
175 (1/193)
صفحة 194
6 ـ يبدأ العريف دروسه باختبار الطلبة فيما حفظوه مما أخذوه أو كتبوه في اليوم السابق، ويملي عليهم بعد ذلك ما يجب حفظه لليوم التالي، ويعاقب كل من يقصر في واجبه.
ـ بعد انتهاء الدروس الصباحية، يقوم عريف الختمات فيجمع الطلبة لتلاوة دعاء الختمة الصباحية، معلناً بذلك انتهاء الدروس الصباحية، التي يقوم بها العرفاء
- يجتمع الطلبة إلى شيخ العزابة حيث يلقون عليه بعض الاستفسارات ليجيب عليها، ولا تقتصر هذه الاستفسارات على موضوع معين، بل تكون شاملة العلمية والفقهية والاجتماعية وغيرها من المسائل التي تلفت انتباه
للنواحي
الطلبة، وتثير فضولهم.
يبدأ الطلبة أسئلتهم الاستفسارية إما ميامنة، أي ابتداء من الشخص الجالس إلى يمين الشيخ، أو أن يقصر السؤال على من لديه مشكلة تحتاج إلى حل أو استفسار حولها. وللشيخ أن يجيب بنفسه، أو أن يحيلها إلى أحد المشايخ الآخرين ممن له معرفة واسعة في الموضوع الذي يدور حوله النقاش. وللسائل أو أحد الحاضرين حق طلب الاستزادة في التوضيح.
ومن أراد القيام، فلا يقوم حتى يستأذن ممن يليه، فإن أذن له قام، وإن لم يأذن له أقام.
- إذا هم الشيخ بالقيام، و لم يستثقل تشييع من يختص به من طلبته ركع، وركع أصحابه ركعات الضحى، ويشيّعوه تكرّماً له وتأنيساً به، وإن ثقل عليه ذلك، ركع وركعوا وودعوه ولم يشيّعوه.
10 ـ يدعى الطلبة لتناول وجبة خفيفة من الفواكه والبلح، ولكن هذه الوجبة مشروطة بالإجابة على ثلاثة أسئلة يطرحها العريف على كل واحد منهم، فمن أجاب إجابة صحيحة سمح له بأخذ نصيبه، ومن لم يفعل حرم منها، ويحق لمن قصر في الإجابة أن يحاول استحضار الأجوبة الصحيحة، فإذا نجح في ذلك قبل انتهاء مدة الوجبة نال نصيبه، وإن لم ينجح نال نصيبه في الأخير.
176 (1/194)
صفحة 195
11 - يأمر عريف الختمات الطلبة بالذهاب إلى مضاجعهم ليناموا نوم الهاجرة أي
القيلولة.
12 - يستيقظ الطلبة لأداء صلاة الظهر
13 - يتناول الطلبة بعد أداء الصلاة، طعام الغداء.
14 - تبدأ دورة الدراسة المسائية وتستمر حتى موعد صلاة العصر
15 - يؤدي الطلبة صلاة العصر
16 ـ يدعى الطلبة لتناول وجبة خفيفة كوجبة الضحى وبالطريقة نفسها.
17 - العودة إلى المذاكرة لوقت قصير.
18 - استراحة حرّة حتى صلاة المغرب
19 - أداء صلاة المغرب.
20 - ينادي عريف الختمات الطلاب إلى الختمة المسائية إيذانا بانتهاء الأعمال
اليومية الإلزامية.
21 - أداء صلاة العشاء
22 - تناول طعام العشاء
23 - استراحة لمدة قصيرة.
24 - يدعوهم عريف الختمات إلى حضور الختمة النهائية، حيث يقوم أحدهم بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، ودعاء الختمة ويلقي أحد الطلبة كلمة
توجيهية إرشادية.
25 - الذهاب إلى النوم
(1)
(1) ـ أنظر، 1 - البرادي: الجواهر المنتقاه، ص 208 - 210.
2 - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 179 - 180.
3 - خليفات، محمد عوض: النظم التربوية والاجتماعية، ص 97 - 98.
177 (1/195)
صفحة 196
- استنتاجات: 1 - هل أبو عبد الله محمد بن بكر هو المؤسس للعزابة؟ لا نعتقد أن أبا عبد الله بن بكر هو المؤسس للعزابة، وإنما هو واحد من الذين تابعوا عمل العزابة في القرن الخامس الهجري، وما أضافه محمّد بن بكر هو الانتقال بالطلبة من الدراسة في الكهوف إلى بناء خاص حيث " شيد من كريم البنيان ما يتشبه بها العزابة ويتشبهون به الآن (1) ". ونتكيء في ذلك على الأدلة التالية:
(1)
أ - إن لفظ العزابة كان معروفاً قبل محمد بن بكر قبل النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، فقد ذكر الدرجيني أنه كان " لرجل نكاري على رجل وهبي دينار واحد دينا، فمات الذي عليه الدين، فخلف ابنا عزابياً، و لم يترك مالاً يورث. عنه سوى شاة واحدة، فطلب النكاري دينه من ولد الميت، فقال: إنّ غريمك لم يخلف إلا شاة فبعها وخذ منها دينك، فقال النكاري: بع أنت، وادفع لي! فقال بيني وبينك أبو صالح () فتراجعا إليه، فلما قربا من مجلسه قال النكاري للعزابي: سر إليه أنت، وحدك، واستفته، فما أفتى به أمضيته على نفسي، ورضيته، فجاء العزابي، و عرفه ما بينه وبين صاحبه، فقال أبو صالح صدق صاحبك، بع وادفع إليه الثمن، فقال بعض من حضره من العوام هذه إعانة للنكاري على الوهبي، فقال لهم إنّ الحكم لا يختلف (2) ".
ب - إنّ لفظ العزابي كان يطلق على من ابتعد عن الناس، وكان العديد من العلماء الإباضية ينصرف إلى الجبال، ويقضي أياماً تعبديه في الغار، فقد ذكر عن أبي المنيب) " أنه إذا مضى إلى الغار يتعبد فيه أخذ زاداً قليلاً،
- الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 170.
() ـ أبو صالح بكر بن قاسم البراسيني من الطبقة السابعة، (350 هـ / 400 هـ).
(T)
()
- الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 2، ص 355. أبو المنيب محمد بن يانس من الطبقة الخامسة (200 هـ / 250 هـ).
178 (1/196)
صفحة 197
ن)
فيلبث في الغار المذكور المدّة الطويلة التي يفنى في بعضها أضعاف ذلك الزاد. فكانت هذه حالته حتى ساء ظنّ امرأته، وحسبت أنه تزوج
غيرها، وأن التي تزوّج هي التي تقوم لطعامه، المدة التي يفنى فيها زاده، فتوجهت امرأته إلى الغار فدخلته خفية على حين غفلة، وكمنت بحيث لا يشعر بها بعلها، وراقبت إلى وقت إفطاره، فلما صلّى ما شاء الله كما كان يصلي قبل تلك الليلة تحوّل إلى شجرة رتم أورتام () وأخذ منها فأفطر عليه، وأكل منه ما اقتات
به
" (1)
ج - - كان العلماء قبل أبي عبد الله محمد بن بكر ينفقون على طلابهم، فقد كان أبو زكريا (*) يصرف الدنانير بالدراهم، ويجعل الدراهم في القراطيس والصرر ثمّ يعلّقها في ألواح التلامذة، وربما يجعلها في أوعية دفاترهم، وربما جعلها بين التلميذ وبين ثيابه، وهم لا يشعرون وكلّ ذلك منه رغبة في كتمان الصدقة (2)
د - لا تحدد المصادر التاريخية الإباضية تاريخاً محدداً لنشؤ العزابة، ولكن فرحات الجعبيري يذكر أنّ أوّل وثيقة عن مجلس العزابة يرجع تاريخها إلى أول شعبان
من عام (708 هـ / 1308 م) (3). وهذا التاريخ تؤيده الشواهد التالية:
1 - إنّ المدن الإباضية في وادي ميزاب اكتمل بناؤها في أواخر القرن الثامن الهجري، " وينتهي في أواخر القرن الثامن، بعد الانتهاء من
بناء مدينتي مليكة وبني يزقن والتفكير في الانبعاث
- رتم أورتام نوع من ا من الشجر بذره كالعدس.
(1) ـ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 2، ص،
()
299
- أبو زكريا فصيل بن أبي ميسور من علماء الطبقة الثامنة، (350 هـ / 400 هـ).
(2) ـ أنظر، الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 2، ص 363.
" (4)
(3) ـ أنظر، الجعبيري، فرحات: نظام العزابة عند الإباضية في جربة، ص 90، تونس، المطبعة العصرية 1975.
(t)
معمر، علي يحيى: الإباضية في الجزائر، ص 438
179 (1/197)
صفحة 198
(1)
(2)
-
2 - إنّ بناء المدن في وادي ميزاب أشبه بالثكنات العسكرية، وإن الذين " يزورون وادي ميزاب يعجبون بعمارتها الهرمية المميزة، ففي كل مدينة مدن الوادي السبع تنبهر العين بالمئذنة الشامخة التي تكون في القمة من العليا من القرية تتربع كالحارس الأمين فوق رأس الربوة، ثم تنداح هذه
الدوائر الرائعة من الأبنية متماسكة تحت سمع وبصر مئذنة المسجد.
إن بعض الدارسين يعطون تفسيراً عسكرياً فيقولون إن طبيعة
المنطقة وما عرفته من فتن داخلية وخارجية اقتضت أن يكون تصميم بناء المدن على هذا الشكل
" (1)
إن المذهب الإباضي الذي دعا إلى قيام إمامة تتماشى مع كل الأزمان زمن من، وبناء المدن الشبيهة بالثكن العسكرية انعكس على النظام التربوي، الذي جاء تزاوجاً بين الفكر العسكري الإباضي الداعي إلى تربية الأجيال تربية عسكرية، والفكر التربوي الداعي إلى إعداد دعاة يتميّزون في سلوكهم وتربيتهم. وهذا في رأينا لا يكون إلا بعد مرحلة الاستقرار، وقد بدأ الإباضية يستقرون مع بداية القرن الثامن الهجري، وصدور أوّل وثيقة في بداية القرن الثامن الهجري يأتي متوافقاً مع الاستقرار والتفكير في المستقبل.
2 - نظام التربية في مدارس العزابة صورة عن المجتمع الإباضي، فالتربية في أساسها عملية اجتماعية، وهي امتداد لما في المجتمع من قيم ومثل وعادات وتقاليد وألوان
ثقافية. وهي أداة المجتمع " في صنع المستقبل، والملاءمة للحاضر، والتربية
بعملياتها المختلفة، وأساليبها المتنوعة المتعدّدة من صنع الزمان وعمل المكان ونتاج الظروف التي تحيط بالمجتمع
II (Y)
،
ناصر، محمد: حلقة العزابة، ص 4.
عبود، عبد الغني، وآخرون: فلسفة التعليم الابتدائي وتطبيقاته، ص 231، القاهرة، دار الفكر
العربي (1402 هـ / 1982 م).
180 (1/198)
صفحة 199
وعملت مدارس العزابة على التطبيع الاجتماعي للطلبة، باكسابهم العادات والاتجاهات التي يريدها المذهب الإباضي، وتعويد التلاميذ على التطبيق السلوكي للعادات الاجتماعية مثل الأكل والحديث والجلوس، لكي يكون الإباضي متميزاً في
المجتمع، ويجذب بسلوكه غيره إلى الانخراط في مذهبه.
،
لقد طوّر الإباضية مجالس الدعوة السرية إلى نظام عزابة يتسم بالشدّة وتغلب عليه سمات النظام العسكري، وتتضح هذه الصرامة في مهام عرفاء أوقات الدراسة الذين " يتفقدون أصحاب الألواح بين الظهر والعصر، فإنّ أبطأ أحدهم إبطاء لا يعذر فيه فالخطة، وإن اشتغل بما يلهيه عن قراءة لوحه،
فالخطة
لوحه، فالخطة.
وبين المغرب والعشاء إن غاب أو أبطأ أو اشتغل بما يلهيه عن قراءة، وإن قام إلى الطعام اختياراً أو نجوى، فالخطة. ووقت الاستفتاح إن نام أو تناوم، أو اشتغل بغير دراسة، و لم يكن له عذر، فالخطة. وبين صلاة الجمعة والعصر إن غاب عن الحضور لاجتماع قراءة كتاب المواعظ، فالخطة (1) "
يتضح من سير العمل اليومي في العزابة، الذي يتسم بالصرامة والشدّة والعقاب، عند كل تقصير أو تأخر، أن نمطاً معيناً وسلوكاً متبعاً يجب أن ينش عليهما الطلبة، ولا يترك لهم سير العمل التربوي اليومي إلا الاستراحة الحر القصيرة في اليوم، وهذه الاستراحة الحرّة لا تسمح للطلبة في التعبير عن مواهبهم
ورغباتهم.
ولقد نبذ المربون المسلمون الصرامة والقسوة في معاملة الصبيان والطلبة، لأن هذه الصرامة قد تصبح وسيلة لاكتساب الطفل سؤ الخلق، والصبي الذي " كان مرباه بالعسف والقهر سطا به القهر، وضيق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعا إلى الكسل، وحمل على الكذب والخبث،
(1) - باجية، صالح: الإباضية بالجريد، ص 228.
181 (1/199)
صفحة 200
(1)
وهو التظاهر بغير ما في ضميره، خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلمه
المكر والخديعة لذلك، وربما صارت له هذه عادة وخلقاً (1) ".
ويرى ابن سينا أن حسم الداء أفضل من. علاجه، ويكون ذلك بإبعاد الطفل عما يغريه بالخطأ و " يجنبه مفاسد الأخلاق، وينكب عنه معايب العادات بالترهيب والترغيب والايناس والايحاش، وبالاعراض والاقبال، وبالحمد مرة، وبالتوبيخ أخرى (2) ".
وكان، من الأفضل، أن يتخلل اليوم الدراسي بعض الألعاب، لما لها من فوائد ملموسة معروفة تتعلق بتعلم المهارات، وتنشيط الأداء العقلي، وقد بينت بعض الدراسات " وجود علاقة إيجابية بين ارتفاع الذكاء والنمو الجسمي الأفضل لدى الأطفال منذ الطفولة المبكرة، وحتى نهاية المراهقة، بسبب عوامل رعايتهم كالتغذية وممارسة الألعاب الرياضية، ومن ناحية أخرى كشفت بعض الدراسات عن علاقة عكسية بين نقص النمو الجسمي والتحصيل الدراسي، أي ارتباط قلة الفاعلية الجسمية بانخفاض مستوى تحصيل الطفل دراسياً (3) ".
- أوقات الدراسة في العزابة:
من
لا تختلف أوقات الدراسة في مدارس العزابة، عمّا كان سائداً أوقات في معظم الكتاتيب الإسلامية، وهي " أن يلازم تعليم الصبيان بعد صلاة الصبح إلى الضحى الأعلى ثمّ من الظهر إلى صلاة العصر ويسرحهم بقية النهار (4) ".
ابن خلدون، عبد الرحمن: مقدمة ابن خلدون، ص 399، بيروت، دار التراث العربي، د. ت. (2) ـ ابن سينا، أبو علي الحسين بن عبد الله: كتاب السياسة (التدبير)، ص 1073 – 1074، مجلة المشرق، نشره لويس شيخو، بيروت، السنة التاسعة، الاعداد 21 - 23، 1906.
(
(£)
- الببلاوي، فيولا: الأطفال واللعب، ص 790، عالم الفكر، المجلد العاشر، العدد الثالث، الكويت تشرين الأول، تشرين الثاني، وكانون الأول 1979.
(4) - المغراوي، أحمد بن أبي جمعة: جامع جوامع الاختصار والتبيان، ص 51.
6
182 (1/200)
صفحة 201
ويستنتج أحمد الأهواني توزيع المواد الدراسية اليومية في الكتاب على النحو
التالي:
1 - يدرس الصبيان القرآن من أول النهار في وقت مبكر حتى الضحى 2 - يتعلمون الكتابة من الضحى إلى الظهر
- ينصرف الصبيان إلى بيوتهم لتناول الغداء ويعودون بعد صلاة
الظهر
- تدرس بقيّة العلوم كالنحو والعربية والشعر وأيام العرب والحساب من بعد الظهر إلى آخر النهار (1)، وهذا ما كان سائداً في مدارس العزابة، إلا أن الطالب كان يقيم فيها
4 - أساليب الدراسة في مدارس العزابة:
لا تختلف أساليب التدريس في مدارس العزابة عن غيرها في مدارس التربية الإسلامية، حيث شاعت في الكتاتيب القراءة الجماعية، حيث يردّد الصبيان آيات القرآن الكريم مضبوطة صحيحة خلف معلّمهم، ويكررها المعلم عدة مرات، ومن. خلفه الطلبة، حتى يحفظوها عن ظهر قلب.
ويرى أغلب المربين المسلمين أنّ القراءة الجهريّة أفضل من غيرها في حفظ القرآن الكريم " حيث الجهر يوقظ القارئ ويجمع همه، ويصرف سمعه إليه، ويزيد نشاطه، ومن هنا كانت قراءة الصبيان لأحزابهم قراءة جهرية (2) "
11
ومن هنا كان على المعلم أن ينتبه لقراءة كل منهم لأن اجتماعهم في القراءة بحضرته، يخفي عليه قوي الحفظ من الضعيف (3) ".
(1) ـ أنظر، الأهواني، أحمد: التربية في الإسلام، ص 157.
(2)
(3)
- عبود، عبد الغني: فلسفة التعليم الابتدائي، ص 220. القابسي:: الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين، ص 69
183 (1/201)
صفحة 202
(1)
(2)
وإن شعر المعلم أن بعض الصبيان يلهو ولا يحفظ " فينبغي على المعلم أن ينظر فيما هو أصلح لتعليمهم،، فيأمرهم به، ويأخذ عليهم فيه. بحيث يختبر كلّ. " في حزبه، فيؤدبه على ما كان
#1 (1)
منه من تقصير
" (Y)
صبي
أما طريقة المناقشة التي تبين فهم التلميذ لكل ما يتعلّم، فلا يكتب المتعلم شيئاً لا يفهمه، فإنّه يورث كلالة الطبع ويذهب الفطنة ويضيع أوقاته، وينبغي أن يجتهد في الفهم عن الأستاذ بالتأمل والتفكير، وكثرة التكرار، فإنّه إذا قل السبق، وكثر التكرار والتأمل يدرك الفهم
إلا أن المناقشة في مدارس العزابة اتسمت بالدافعية وهي الطريقة التي عبر
عنها ابن جماعة (ت 133 هـ / 1332 م) بما يحمل معناها من مفردات العربية
مثل " النية " و " الهمة " و " الرغبة " و " والمبادرة " و " جمع القلب
وغير ذلك (3)
"
وتمثلت طريقة المناقشة بطرح ثلاثة أسئلة، قبل تقديم الوجبة الاضافية، فإن استطاع الطالب الإجابة نال نصيبه، وإن لم يستطع نال نصيبه في النهاية، وهذه الطريقة في طرح الأسئلة أثناء تقديم الوجبة الاضافية من الحلوى والفاكهة، فإنها ولا شك تثير " الغدد اللعابية بطريق الخواص الدلالية
القابسي:: الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين، ص 69.
الزرنوجي، برهان الإسلام: تعليم المتعلم في طريق التعلم، ص 17، القاهرة، مطبعة التوفيق
الأدبية، د. ت.
(3) ـ أنظر، 1 ـ ابن جماعة، بدر الدين محمد بن إبراهيم: تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم،
ص 48 - 72، نشر السيد محمد هاشم الندوي، الهند، حيد أباد، 1353 هـ.
2 ـ عبد العال، حسن إبراهيم: الفكر التربوي عند بدر الدين بن جماعة، ص 298، الرياض،
مكتب التربية العربي لدول الخليج 1409 هـ / 1988 م.
184 (1/202)
صفحة 203
الارشادية - للأشياء، أو قل إذا شئت أنّ آلية الاثارة الاشراطيّة يمكن تصورها بسهولة من وجهة نظر الفيزيولوجية بوصفها وظيفة من وظائف الجملة العصبية، ففي أساس كل ارتكاس اشراطي يوجد ارتكاس غير إشراطي، ويتكون الارتكاس الاشراطي حين تحدث الاثارة في نقطتين من الجملة العصبية المركزية في آن معاً ويقوم ارتباط بين هاتين النقطتين، أي أن ارتباطاً يتم بين مركزي الاثارة، وهكذا يلخص بافلوف () الدور الفيزيولوجي للقشرة الدماغية بأنه إما:
1 - وظيفة ربطية ازدواجية وذلك حسب الآلية الموجودة في
العمل.
2 - أو وظيفة دلالية، وذلك حسب معناها، وعملية الدلالة عملية قابلة للتكيف بالنسبة للمثيرات الخارجية (1))
فهل هذا الأسلوب الذي طبقه المربون الإباضيون يدلّ على أنهم أدركوا قبل غيرهم أهمية الإثارة في التربية
•
لا شك أن الهدف من طرح ثلاثة أسئلة أثناء تقديم الوجبة الاضافية
يثير الطالب، وتتفتح آفاقه إلى الإجابة، حتّى ينال نصيبه من الفاكهة والحلوى منذ البداية. وإن كانوا يطرحون الأسئلة "تحريضاً على تحصيل الفوائد (2) "، فإن التحريض يعني الإثارة، ولكن بما أنّ أهدافهم التربوية متطلعة إلى الحفاظ على تعاليم المذهب، فإنّهم لم يتوسعوا في دراستهم، وكانت الفرصة مؤاتية لأنّ الطلبة كانوا يقيمون في مدارس
التربوية
العزابة بصفة دائمة
ن)
إيفان بتروفتش بافلوف (1849 - 1936) طبيب الطب التجريبي في مدينة بطرسبرج.
C
روسي، كان مديرا للمختبر الفيزيولوجي في معهد
(1) ـ عاقل، فاخر: التعليم ونظرياته،، ص 186، بيروت، دار العلم للملايين، ط 7، 1993.
(2)
الدرجيني:: طبقات المشائخ، ج 1، ص 171
110 (1/203)
صفحة 204
ن)
(1)
(2)
وقد أشار الغزالي () إلى النظام الدلالي الاشاري قبل أن يتكلم عنه بافلوف
حين أوضح بأنّ " صورة طعم الطعام تحدث في الفم جريان اللعاب، كما لو نظرت إلى من يأكل معنا فكأنك تدرك في ذوقك إحساس الحامض على لسانك، فلا فرق بين تأثير صورة الحامض الموجودة في دماغك، وتأثيره بنفسه على ذوقك لأن الانفعال الجسمي هو عينه إلا أن الصورة تكون عادة أضعف
الادراك والاحساس
" (1)
من
وبذلك أوضح الغزالي بالدليل المادي على أنّ صورة الحامض المحفوظة في الدماغ، والذي أدركناه بمجرد ظهور الإشارات والدلائل. " وهي رؤيته دون وضعه في الفم، هو الذي أعطانا الاستجابة اللعابية الوهمية، وكذلك لو وضعنا الطعام بحد ذاته في الفم لأعطانا الاستجابة اللعابية نفسها. مع الاعتراف بأن الاستجابة لصورة شيء وشكله تكون أضعف من الاحساس والادراك للمؤثر الطبيعي وللطعام نفسه
وهكذا يبدو أن مفهوم النظام الإرشادي واستجابة سيلان اللعاب والدور الفيزيولوجي للدماغ وتكوين السلوك الاستجابي والوسيلي عند الغزالي، كلها دليل واضح على هذا النظام الاشتراطي الاقتراني الكامل عنده، لذا فهو بحق صاحب النظرية الأولى في الاشتراط، وسبق بها بافلوف، وغيره من علماء الاشتراط (2) ".
الإمام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي (450 هـ / 1059 م) (505 هـ / 1111 م) لقب بحجة الإسلام
لذوده عن حياض العقيدة الإسلامية بفكره وقلمه.
كتب في شؤون التربية في عدد من مؤلفاته التي تتضمن آراءه في التربية من أهمها: "فاتحة العلوم " أيها الولد" " ميزان العمل " الرسالة اللدنية " ثمّ كتاب إحياء علوم الدين" الذي يعتبر من أكبر كتبه في علم الكلام والفقه والأخلاق والتربية.
(أنظر، الحاج، فائز محمد علي: أبو حامد الغزالي من أعلام التربية العربية الإسلامية، ج 3، ص 29 - 52، الرياض، مكتب التربية العربي لدول الخليج، 1409 هـ / 1989 م).
الغزالي
: محمد بن محمد: الاقتصاد في الاعتقاد، ص 33، القاهرة، المطبعة التجارية 1320 هـ. الحاج، فايز محمد علي: أبو حامد الغزالي، ص 46.
?
186 (1/204)
صفحة 205
حرصت مدارس العزابة على بدء اليوم الدراسي بالاستفتاح وتلاوة القرآن الكريم، وختام كلّ فترة دراسية بالدعاء، وتعويد الطلبة على الدعاء، يذكرهم باستمرار بأنهم عباد الله تعالى، ومن هنا كان المقصد الاسمى للدعاء، الذي هو مخ العبادة.
ويتصور كثير من الناس أنّ " الدعاء يقوم مقام العمل ويغني عنه، وهذا اعتقاد فاسد لا أصل له في الشرع، أما التعبد الصحيح بالدعاء، فهو الذي يعتبر الدعاء شكلاً
من
من أشكال العمل، وضرباً من ضروب التسبب، كما يعتبر العمل والتسبب ضرباً ضروب الدعاء الله تعالى فنحن حين نتخذ الأسباب، إنما ندعو الله الفاعل الحقيقي أن لما قصدناه وابتغيناه بتلك الأسباب (1) ". يستجيب
وما أحوجنا أن نعيد الدعاء إلى منهجنا التربوي، نبدأ به يومنا الدراسي،
وبه يختم، وبذلك نغرس في أذهان الناشئة أنه لا يصح تعطيل العمل بالدعاء، كما لا تعطيل الدعاء بالعمل، لأنه لا يغني أحدهما عن)
يصح
6 - جعل العبادات من ضمن العمل التربوي:
لم يكتف العرفاء في مدارس العزابة باعطاء المعلومات فقط
الآخر.
التسليم بأهمية، مع
المعلومات وقيمتها، بل ركزوا على السلوك الذي يجب أن يكتسبه الطفل، فاشتمل المنهج على العبادات يؤدّيها الطلبة بارشاد من العريف وتحت رقابته.
وجعل للعبادات وقت خاص يؤدّيها الطالب في مسجد مدارس العزابة،
وهكذا ينشأ الطالب على ممارسة العبادات وتصبح جزءاً من سلوكه
وإذا كنا نريد تربية تأتي محققة لرغبات أمتنا الإسلامية، فعلينا تنشئة أبنائنا
على المبادئ والقيم التي ندين بها.
الريسوني:، أحمد: الوظيفة التربوية للدعاء، ص 57، مجلة الوعي الإسلامي، الكويت، العدد 350،
شوال 1415 هـ / آذار 1995 م.
187
(1) (1/205)
صفحة 206
(1)
إن المفاهيم التربوية المعاصرة، والتي بنيت على تصورات غير اسلامية، أثرت على مسار التربية في عالمنا الإسلامي، ولا زلنا نأخذ تصوراتنا التربوية عن مؤسسي الفكر التربوي الغربي، وجلُّ مخططي التربية في عالمنا العربي الإسلامي تأثروا بهذا المنهج، وإن كان هناك اختلاف في درجة التأثر.
وإذا أردنا أن ننشيء أجهزة مقاومة ذاتيّة وجماعيّة وحصانة أمام النظم التربوية الغربيّة الوضعيّة ونزعاتها " وليست لدينا القدرة على الاجتهاد والاستنباط بما يتلاءم مع ا أسلافنا، بل ليس لدى البعض النية لاخراج كنوز الفكر التربوي الإسلامي، وهي كنوز ثريّة، لكن نالها التشويه والتحريف والتزييف على أيدي المستشرقين واليهود يعاونهم عدد كبير من أبناء العرب والمسلمين، وقد نجم عن هذا أنّ الأمة تنظر إلى نفسها وسواها بعدسة صنعتها أيد أجنبية عنها، أجنبية عن عقيدتها وتاريخها، عن مشاعرها وادراكها، عن اهتمامها بالأمور وإحساسها بالحياة وتقديرها للأشياء (1) ".
فإن العودة إلى الذات، لا نريد أن يفهم منها أنها عودة إلى أن نغلق أبوابنا أمام منجزات الحضارة الغربية، ورفضها جملة وتفصيلاً، معتبرين كل ما يرد علينا كفرا يحرم قبوله والاستفادة منه
إن العودة إلى الذات تعني أن نجعل للعبادات مجالاً في منهاجنا الدراسي،
وجعل مناهجنا
متوافقة.
مع عقيدتنا
- علي:
، ص
69 - 1
، محمد المأمون محمد: العقبات التربوية لتطبيق الشريعة الإسلامية في المجتمع الكويتي، مؤتمر تهيئة الأجواء التربوية لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، المحور الثاني، الكويت، الديوان
الأميري، د. ت.
188 (1/206)
صفحة 207
الفصل الرابع
المعلمون والمتعلمون
شروط المعلم
:
أ ـ الشروط العامة.
ب - الشروط الخاصة.
الشروط التي يجب أن يتصف بها المعلم الإباضي.
استنتاجات
شروط طلبة العلم
أقسام الطلبة:
استنتاجات.
أ ـ طلبة تعليم القرآن.
ب ـ طلبة العلوم.
ج - - طلبة الكتب
د ـ العجزة.
سن الدخول إلى الكتاب أدوات الكتابة.
الكتب الدراسية:
أ ـ قناطر الخيرات للجيطالي.
ب ـ كتاب الجامع الصحيح.
ج - كتاب طبقات المشائخ للدرجيني
189 (1/207)
صفحة 208
استنتاجات
•
الموارد المالية:
أ ـ موارد التعليم في التربية الإسلامية.
ب - موارد التعليم الإباضي في مرحلتي الكتمان والظهور.
1 - جمع التبرعات.
2 - العطايا
ج - موارد العزابة:
- معونة إباضية المشرق.
1 - الموارد الثابتة
2 - الموارد غير الثابتة.
استنتاجات
190 (1/208)
صفحة 209
المعلمون والمتعلمون
اهتمت التربية الإسلامية بإعداد المعلّم، فهو العبارة التي يعبر عليها التلميذ إلى الاقتداء بالنموذج الإسلامي المتمثل بالنبي الله، وخطورة دور المعلم أنه " مستمر مع الصبيان طيلة مرحلة التعليم، والتي قد تمتد بضع سنين، مما يكسب الصبيان عادات ومواقف وصوراً من السلوك، إما تقليداً للمعلم أو نتيجة ممارسات
" (1)
يأمرهم بها (1)
- شروط المعلم:
أدركت التربية الإسلامية دور المعلّم في التنشئة، ولخطورة دوره في التربية، اشترط على المعلّم " أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، فمعلم نفسه ومؤدبها أحق
بالا جلال
"1 (Y)
وقد أوضح أبو إسحاق الجنبياني (ت 369 هـ / 979 م)، أحد التربويين الذين زاولوا التدريس في القيروان، أهمية دور المعلم في التربية حين قال " لا تعلموا أولادكم إلا عند رجل حسن الدين، لأنّ دين الصبي على دين
معلمه
" (T)
ووضع. علماء التربية المسلمون شروطاً عامة وخاصة يجب أن يتصف
بها المعلم وهي:
(1) ـ حجازي، عبد الرحمن: المذهب التربوي عند ابن سحنون، ص 80.
(2) ـ الجندي، علي، وآخرون: سجع الحمام في حكم أمير المؤمنين علي بن أبي طالـ السلام، ص 420، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية 1967.
(3) - اللبيدي، أبو القاسم: مناقب أبي اسحاق الجنبياني، ص 25، تحقيق الهادي إدريس، تونس، دار
الكتب الشرقية 1959.
191 (1/209)
صفحة 210
أ - الشروط العامة:
تتمثل الشروط العامة التي يجب أن يتصف بها المعلم، في تحصيل مستوى معين
الثقافة
من
، في:
(1)
(2)
(3)
(4)
(0)
1 ـ أن يكون "حافظاً للكتاب العزيز، حسن الخطّ يدري الحساب (2 - أن يجتهد في إتقان القرآن و " تفسيره، وسائر علومه (2) ".
" (1)
- أن يكون عالماً بالفقه " يميز الحلال من الحرام، ويفرّق بين الطهارة والنجاسة، ويعرف تفسير الأحلام، وربما عرف شيئاً من أحكام الطلاق وفتاوى الحلّ منه (3) ". ليتمكن من تعليم الصبيان الصلاة وأحكامها، والطهارة وشروطها، وسنن النبي.
4 ـ أن يكون عالماً باللغة العربية " يحفظ من كل فن مختصراً، يجمع فيه بين طرفيه من الحديث وعلومه، والأصول والنحو والتصريف (4) ". ليعلم الصبيان أصول الكتابة بقواعدها النحوية، والتركيب السليم للجملة.
ه - الاطلاع على التراث والنصوص الأدبية الرائعة التي تعين الصبيان على إتقان الخطابة، وأن يأخذ المعلم بالنصيحة التالية " خذ كل علم بحظ وافر، فإنك إن لم تفعل جهلت، وإن جهلت شيئاً من العلم عاديته
من
"1 (0)
6 ـ أن يكون عارفاً بطرائق التدريس السائدة في عصره، قال ابن عبدون ت 308 هـ / 920 م " والتعليم صناعة تحتاج إلى معرفة ودراية فإنه
ابن الأخوة، محمد بن محمد: معالم القربة في أحكام الحسبة، ص 260.
ابن جماعة: تذكرة السامع،، ص 113.
- عبد الجواد، محمد: في كتاب القرية، ص 81، القاهرة، مطبعة المعارف 1939 م.
ابن جماعة: تذكرة السامع، ص 113
ابن عبد البر، أبو عمر يوسف النمري القرطبي: جامع بيان العلم وفضله، وما ينبغي في روايته وحمله، ص 173، تقديم عبد الكريم الخطيب، راجعه وصححه عبد الرحمن حسن، القاهرة، دار الكتب الحديثة، 1395 هـ / 75/ 1975 م.
192 (1/210)
صفحة 211
كالرياضة للمهر الصعب الذي يحتاج إلى سياسة ولطف وتأنيس حتى يرتاض
ويقبل التعليم
" (1)
ويعلق أحمد شلبي على هذه الناحية بقوله " من مفاخر المسلمين أنهم أدركوا أن العلم وحده لا يكفي ليكون سلاح المعلم، وعرفوا أن لا بد أن يضاف إلى المعلم فن التربية ليتمكن المدرس من دراسة نفسية الطفل، والنزول إلى مستواه،
والاتصال العاطفي به، ليكون جسراً يوصل المعلم من خلاله العلم إلى عقل
التلميذ
" (Y)
ب - الشروط الخاصة:
(1)
(2)
(3)
وأما الشروط الخاصة التي يجب أن يتصف بها المعلم فتتمثل في:
1 - أن يكون المعلم " طاهر القلب واللسان، وأن يكون نظيفاً عن الغيبة، وعدلاً في الدين، وناصحاً في جميع الأمور، وملائماً في العيش، وشريفاً في النسب، وكبيراً في السن (2) ".
" (E)
2 ـ أن يعامل الطلبة برفق، فيجري " المتعلم منه بحرى بنيه .. ويكون ذلك بأن " يداعبه ويكرمه ويعززه إلى يوم كان مؤنساً معه، لأن المبتدئ كالطير الوحشي لا يأنس إلاّ بالتلطف، فإنّ العلم أشق عليه وأمر، فيجب إصلاحه على ما يقتضيه ... ولا يتعبه حتى لا كلامه، ولا يعمل بأمره (5) ". يسمع
- ابن عبدون: المجلة الآسيوية، ص 251، 1934، اقتبسه أحمد شلبي في تاريخ التربية الإسلامية: ص 174، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ط 2، 1960.
- شلبي، أحمد: تاريخ التربية الإسلامية، ص 174.
6
الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد: كتاب منهاج المتعلم، ص 73، التراث التربوي في خمس مخطوطات، جمعها وحققها وقدم لها هشام نشابه، بيروت، دار العلم للملايين، 1988.
(4) - القابسي: الرسالة المفضلة لأحوال المتعلمين، ص 54.
(°)
الغزالي: كتاب منهاج المتعلم، ص 74
•
193 (1/211)
صفحة 212
(1)
(2)
(*)
- أن يحرص على المساواة في تعليم الطلبة، فيعدل بينهم، " ولا يفضل فيه بعضهم على بعض، ولو تفاضلوا في الجعل (1) " فيكون الطلبة عنده بمنزلة واحدة، بحيث يكون الفقير والغني سواء في التربية والتعليم.
طالب من
4 ـ أن يكون المعلم لماحا، يعرف طاقة طلابه، ويعرف بفراسته طاقة وإمكانية كلّ طلابه، والمعلّم عندما يتوسم طلابه بهذه الصفة " وكان بقدر استحقاقهم خبيراً، لم يضع له عناء، ولم يخب على يديه صاحب، وإن لم يتوسمهم، وخفيت عليه أحوالهم، ومبلغ استحقاقهم، كانوا وإياه في عناء مكدّ وتعب غير مجد، لأنه لا يصدم أن يكون فيهم ذكي محتاج إلى الزيادة، وبليد يكتفي بالقليل فيضجر الذكي، ويعجز البليد
" I (Y)
ويطلب من المعلم إذا توسّم ذكاء طالب من طلابه " أن يكون عليه مقبلاً، وعلى تعليمه متوافراً، ولا يخفي عليه مكنوناً، ولا يطوي عليه مخزوناً، وإن كان بليداً.، بعيد الفطنة، فينبغي ألا يمنع من اليسير فيحرم، ولا يحمل عليه بالكثير فيظلم، ولا يجعل بلادته ذريعة لحرمانه
" (3)
ه ـ أن يكون متزوجاً، ولا يفضل المعلم العازب " إلا أن يكون شيخاً كبيراً، وقد اشتهر بالدين والخير، ومع ذلك لا يؤذن للتعليم إلا بتزكية مرضية، وثبوت أهليته لذلك (4) ".
ويبين علم النفس التربوي أنّ الزواج له أثره على اتزان المعلم النفسي وأنّ " المتعلمين المتزوجين يبدون تكيّفاً أفضل من غير المتزوجين، فلا جدال في أنّ الحالة الزواجيّة تسهم عادة فيما نلاحظه من اختلاف المشاعر، بين الاحساس
ابن سحنون، محمد: کتاب آداب المعلمين والمتعلمين، ص 46
الماوردي، أبو الحسن البصري: أدب الدينا والدين ص 65، القاهرة المطبعة الأميرية، ط 17، 1928 م.
) - الماوردي: المصدر السابق، ص 64.
ابن الأخوة: معالم القربة، ص 260.
194 (1/212)
صفحة 213
بالتوترات الداخلية، وبين الاحساس بالاطمئنان والهدوء، وبين الشعور
بالإشباع، وبين الشعور بالإحباط (1) ".
6 - لا يجوز للمعلم أن يستخدم طلابه في منافعه الخاصة، وذلك بأن " يرسل الصبيان
" (2)
منهم
في حوائجه "، ولا يحل له " أن يأمر أحداً أن يعلم أحداً. إلا أن يكون في ذلك منفعة للصبي في تخريجه، أو بإذن والده في ذلك، وليل هو ذلك بنفسه، أو يستأجر من يعينه إذا كان مثل كفايته (3) ". وأن لا يرسل " بعضهم في طلب بعض ... إلا أن يأذن له آباؤهم أو أولياء الصبيان في ذلك، أو تكون المواضع التي يسكنها الصبيان - قريبة (4) ".
وحرصت التربية الإسلامية في الشروط التي أوجبتها في المعلم أن يكون " فوق الشبهات لأن تلاميذه سيتخذونه مثلاً يحتذونه. كثيراً ما سمع الآباء هذا الاعتذار من أطفالهم، طيب ماله! فإنّ معلّمنا يفعل ذلك على كل حال ... إنّ المعلم يسمح لنا بعمل ذلك إنه لا جدوى من أن ينصب المعلم: نفسه داعياً إلى الحياة المثلى، إذا لم يكن هو نفسه قدوة ومثالاً (5) ".
- الشروط التي يجب أن يتصف بها المعلم الإباضي: يقتضي المفهوم التربوي الإباضي أن يكون المعلّم الإباضي داعية، يرغب الطلب بالمذهب، ويبين ريادة المذهب الإباضي، وإذا كان المعلم في التربية الإسلامية يسعى إلى إعداد الطلبة للحياة الدنيا والفوز في الحياة الآخرة، فعلى المعلم الإباضي أن يغرس في نفوس طلابه أنهم أهل الحق بين مسلمين مخالفين.
(1)
(2)
- حسن، محمود: الأسرة ومشكلاتها، ص 398، القاهرة، دار المعارف، 1967. ابن سحنون: آداب المعلمين والمتعلمين، ص 112.
ابن سحنون: المصدر الساق، ص 109. ابن سحنون: المصدر السابق، ص 97.
(3)
(4)
(5) ـ دنهل، جيمس: إدارة الصفوف المدرسية، ص 9، ترجمة عبد الرحيم الأمين، بيروت، دار العلم للملايين، د. ت.
195 (1/213)
صفحة 214
وأدى هذا المفهوم التربوي إلى ضرورة تقيّد المعلّم بالوظائف التي اشترطتها التربية الإباضية، والتي لا تختلف عن الشروط العامة في التربية الإسلامية، لكنها تفصل هذه الشروط التي جعلها الجيطالي في عشر وظائف هي:
- الوظيفة الأولى: أن يكون المعلم عاملاً بعلمه أولاً، لئلا يكون كما قال تعالى أتأمرُونَ النَّاس بالبر وتَسَونَ أَنفُسَكُمْ)) لأنه إذا خالف
فعل العالم قوله سقطت حكمته، وامتنع الناس عن قبولها، ومثال المعلم المرشد من المتعلم المسترشد مثل العود من الظل، ومثل القلب من الجوارح، فكيف يستوي الظل والعود أعوج، وكيف تستقيم الجوارح والقلب معوج.
- الوظيفة الثانية: الشفقة على المتعلمين منه، أن يجريهم بحرى بنيه في التعهد
لأحوالهم.
الوظيفة الثالثة: أن يقصد العالم بتعليمه وجه الله تعالى، ويقتدي بصاحب الشرع صلوات الله عليه في أن يطلب ثواب الله في تعليم من علّم، وإرشاد
من أرشد، ولا يطلب بذلك في الدنيا عوضا ولا أجرا.
- الوظيفة الرابعة: النصيحة للمتعلمين والرفق بهم، وتسهيل السبيل عليهم وبذل المجهود في رفدهم ومعونتهم، فإنّ ذلك أعظم لأجرهم وأسنى
لذكرهم، وأنشر لعلومهم وأرسخ المعلوماتهم.
الوظيفة الخامسة: ينبغي للعالم أن تكون له فراسة يتوسّم بها أحوال تلامذته، وغيرهم من المتعلمين من الناس، فيعطي كل واحد منهم مبلغ
(1) - سورة البقرة، الآية 44
طاقته، وقدر استحقاقه، فيعطيه ما لا يجهله بذكائه، ولا
يضعف عن بلادته.
196 (1/214)
صفحة 215
-
الوظيفة السادسة: ينبغي ألا يعنف متعلماً، ولا يحقر ناشئاً، ولا يستصغر مبتدئاً فإن ذلك أدعى إليه، وأعطف للمسترشدين إليه، وأحث على
،
رغبتهم في ما لديه
الوظيفة السابعة: أن لا يبخل بتعليم ما يحسن، ولا يمنع من إفادة ما يعلم، فإنّ
البخل به لوم وظلم، والمنع منه حسد وإثم، فكيف يساغ له البخل بما منحه جوداً من غير بخل، أم كيف يجوز له الشح بما
إن بذله زاد، وإن كتمه تناقص ووهي
- الوظيفة الثامنة: ينبغي إذا سأله السائل متعلماً أن يجيبه، وإن عاوده مستفهماً أن يفيده ولا يضجر، لأنه ربما لم يفهم عنه الجواب في أوّل
إجابته، وإن بان له أنه يسأله متعنتاً أو عابثاً، أو طالب رخصة
متأولاً، صمت عنه ولم يجبه
- الوظيفة التاسعة: يبغي أن يكون أوسع الناس صدراً وأكثرهم صبراً، وأجملهم لقاء وأحسنهم أخلاقاً؛ لأنّ المتعلمين منه يحذون خلائقه، ويتخذون
طريقه، فينبغي أن يكون لهم إلى أسنى الأفعال منهاجاً ومن غي الضلال سراجاً، فلا يمنع طالباً، ولا يؤيس راغباً، ولا ينفر متعلماً في ذلك من قطع الرغبة منه، والزهد في ما لديه.
- الوظيفة العاشرة: إذا سئل فلا يعجل بالجواب، وإن كان له حافظاً حتى يتفكر
فيه، ويعرفه معرفة صحيحه فيجيب بعلم ويقين
ويضيف محمد علي دبوز إلى هذه الوظائف وظيفتين هما:
(1)
1 ـ أن يكون إباضياً، فالعزابة لا يعينون للتعليم في مدارسهم وإدارتها إلا واحداً
حفاظة
منهم
للقرآن
مثقف
العقل ورعاً حازماً عالماً بالتربية.
(1) ـ أنظر، الجيطالي: قناطر الخيرات،، ج 1، ص
14.-101
197 (1/215)
صفحة 216
2 - يقوم المعلم بعمله دون مقابل، فليس له أي أجر ولا يجوز أخذ أي أجرة من
إنسان لأنّ " التربية الدينية والتعليم الديني أعظم عبادة، والمعلم الإباضي يأنف أن يأخذ على التعليم أجراً ينقص من "
أجره
ه عند الله (1)
ويبدو أن المعلم الإباضي، وهو معلّم يسعى إلى سيطرة الفكر الإباضي في البيئة
الإسلامية، مفكر وصانع قرار على الدوام يتكيف مع البيئة، ويسعى على الدوام إلى
جعل التلاميذ يتعلّقون به، ويدورون في فلكه.
ويسعى المعلم الإباضي، وكلّ معلّم مذهبي مغاير لأهل السنة والجماعة إلى أن يكون قدوة يحتذى، ويجعل من العمليّة التربوية وسيلة لتحقيق أهداف مذهبه، لذلك فهو يدرس أوضاع تلاميذه دراسة وافية، ويضع الخطط التربوية المسايرة لتلك الأوضاع، وهذا هو المفهوم النموذجي للمعلم في التربية، الذي يرى أن المعلم هو:
- أولاً: مفكّر وصانع قرار، فالمعلمون النموذجيون يصرفون الكثير من الوقت يفكرون في التخطيط للتدريس والتعليم، وكلّما استعدّ المعلم للتعليم بشكل أفضل،
جرت عملية التدريس الفعلية بسلاسة أكثر وبفعالية أعلى.
- ثانيا: يعتمد على قاعدة وافرة من المعرفة، فهو بالفعل يعرف موضوعه الذي يعلّمه. - ثالثاً:: يعتبر نموذجاً ووسيطاً، فبوصفه نموذجاً، يوضح المعلم في كثير من الحالات عملية التفكير من خلال التفكير بصوت عال والطلب إلى الطلبة أن يفكروا
•
بصوت عال، في أمور مثل توضيح أسباب اختيار معلومات مهمة، أو حلّ مشكلة، وبوصفه وسيطاً يتدخل بين المتعلم والبيئة التعليمية (2
(1) ـ أنظر، دبوز، محمد علي: اعلام الإصلاح في الجزائر، ج 1، ص 258.
(2)
(Y)
أنظر،، جونز، بيه فلاوي. وآخرون: التعليم والتعلم الإستراتيجيات، التدريس المعرفي في مجالات المحتوى، ص 46، ترجمة عمر حسن الشيخ، عمان، منشورات معهد التربية، الأونروا، الأونيسكو 1988.
198 (1/216)
صفحة 217
استنتاجات:
يتضح من خلال وظائف المعلم في مدارس العزابة، أنه يطلب من المعلم أن يطبق
على نفسه ما يدعو إليه أوّلاً، ثم يدعو التلاميذ إلى الاقتداء به في التطبيق.
وما أحوجنا في هذه الأيام أن يكون المعلّم مسلماً في سلوكه حتى يقتدي به الطلاب، وأن يعرف حقيقة دوره الرسالي في تنشئة جيل معتصم بعقيدته لا يسترسل - أثناء السلم - بالنعيم، ولا يخلد إلى الراحة " فيفقد قوته وبأسه وقدرته على الجهاد، أو الجهاد، ولا يستسلم - أثناء الحرب - للغضب والأحقاد والوحشية فيصبح همه القتل والتعذيب ناسياً أهدافه السامية، التي يجاهد من أجلها، وإنسانيته، فاقداً كلّ رحمة أو رغبة في هداية الآخرين وإنقاذهم من العبودية لغير الله (1) ".
يفقد روح
- شروط طلبة العلم:
يحرص النظام التربوي الإباضي على أن يكون الطالب نخبوياً حتى يحمل أعبا.
الدعوة، ويتابع نشر المذهب الإباضي عندما يستوفي علومه.
وإذا كان الفكر التربوي الإسلامي قد جعل العلم فريضة إسلامية إمتثالاً لقول تعالى أقرأ باسم ربك الذي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَيْنَ مِنْ عَلَقٍ أَقْرَأُ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي علم بِالْقَلَم عَلَمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يُعْلَمْ (2) ه إلا أن الفكر التربوي الإباضي وإن حرص على
110
تعليم أتباعه، لكنه اشترط لمتابعة التحصيل العلمي عشرة شروط لخصها الجيطالي بما يلي: الأوّل: العقل الذي به يدرك حقائق الأمور لأنّ معاني الأشياء، التي يتوصل إليها مستودعة في كلام مترجم عنها، وكلّ كلام مستعمل فيه فهو يجمع لفظاً
مسموعاً،
مفهوماً. ومعنى، فاللفظ كلام يعقل بالسمع، والمعنى تحت
اللفظ يفهم بالعقل.
(1) ـ نحلاوي، عبد الرحمن: التربية الإسلامية، والمشكلات المعاصرة، ص 181، بيروت، المكتب الإسلامي، الرياض، مكتبة أسامة، ط 2، 1408 هـ / 1988 م.
(2) - سورة العلق، الآية 1 - 5.
199 (1/217)
صفحة 218
الثاني: الفطنة التي يتصوّر بها غوامض العلوم، ولذلك قال بعض الحكماء: العلوم مطالعها من ثلاثة أوجه: عقل مفكر، ولسان
معبّر، وبيان مصوّر. فإذا عقل الكلام بسمعه فهم معانيه بقلبه، وإذا فهم المعاني سقطت عنه كلفة استخراجها، وبقي عليه معاناة حفظها واستقرارها؛ لأنّ المعاني شوارد تضل بالاغفال، والعلوم وحشيّة تفرّ بالإرسال
- الثالث: الذكاء الذي به يستقر حفظ ما تصوّره، وفهم ما علمه، فإذا حفظ علمه بعد الفهم استقرّ وأنس، وإذا ذاكر به بعد القرار
رسا وثبت
صدقت من
الرابع: الشهوة التي يدوم بها الطلب، ولا يسرع إليه الملل؛ لأنّ شهوته في العلم، وبعدت همّته في الطلب، لا بد أن يشعر قلبه بقوة
شهوته، ويشعر جسده احتمال التعب لبعد همته.
الخامس: الاكتفاء بمادة تغنيه عن كلفة الطلب، ولذلك قيل: لا يصح العلم لطالبه إلا بوجود أربعة: الكتب الصحاح، وسعة المؤنة، وذهن حاضر، وعالم نقاد بصير بفنون العلم، ويقال من اهتم ببصلة لم
ينتفع بمسألة.
- السادس: الفراغ من العلائق، لأنّ به يكون التوفر في الطلب، ويحصل به الاستكثار من العلم، ولذلك قيل: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلّك.
السابع: عدم القواطع المذهلة من هموم وأشغال وأمراض.
الثامن: طول العمر واتساع المدّة، لينتهي بالاستكثار إلى الكمال، وقال الاسكندر: يحتاج طالب العلم إلى أربع: مدة، وجدة، وقريحة،
وشهوة، وتمامها في الخامس معلّم ناصح.
200 (1/218)
صفحة 219
التاسع: الظفر بعالم سمح بعلمه، متأنّ في تعليمه، صادق في كل كلامه، بصير بفنون العلم، ناصح للمتعلم، ولذلك قيل عن أبي عبيدة أنه قال: لا يؤخذ العلم من أربعة: رجل كذاب، وإن كان يصدق في فتواه،
ورجل مبتدع في الدين، ورجل سفيه مشهور السفه، ورجل لا يفرز
مذهبه
من مذهب غيره.
- العاشر:: تقوى الله عل وهو رأس كل بر، وبه ينال المتعلم مقصوده الخير في الدنيا والآخرة، قال الله سبحانه وتعالى
من
وَاتَّقُوا الله ويعلمُكُم الله () () ()
- أقسام الطلبة:
أربعة أصناف هي:
يوزع الطلبة في مدارس العزابة، حسب هم الزمني والعقلي، إلى
أ ـ طلبة تعليم القرآن.
ب ـ طلبة العلوم.
ج - طلبة الكتب
د ـ العجزة.
الطلاب وفق
وإذا كانت المدرسة الحديثة تطبق، في معظمها، توزيع العمر الزمني؛ إلا أنها لم تتمكن إلى الآن من وضع الأسس التي توزّع الطلاب وفق
العمر العقلي
ويسمح توزيع الطلاب وفق العمر العقلي لإدارة المدرسة وضع المناهج التي
تتناسب مع العمر العقلي للطلاب.
(1)
- سورة البقرة، الآية 282
(2) ـ أنظر، الجيطالي: قناطر الخيرات، ج 1، ص 146 - 149.
201 (1/219)
صفحة 220
ا - طلبة تعليم القرآن:
هؤلاء هم صغار الطلبة، ويتعلمون المواد التالية:
1 - القراءة والكتابة.
2 - رسم القرآن، وتحفيظ القرآن.
3 ـ عقيدة التوحيد وما تيسر من الأحاديث النبوية الشريفة، وما يتصل بالصلاة (1)
4 - شيئاً من علم الحساب.
•
ه - الخط (2).
من
حفظه
ولا ينتقل طالب هذه المرحلة إلى مرحلة أخرى " إلا بعد التأكد للقرآن الكريم واستظهاره بإشراف عريف القرآن، ثمّ يخبر مجلس العزابة بذلك، فيجري إمام المسجد اختبار التلميذ، وإذا تأكد من أن التلميذ استظهر القرآن غيباً، فإنّ شيخ العزابة يسمح بترقيته إلى المرحلة الأعلى، ويقيم أهله وليمة كبيرة يحضرها أعضاء العزابة والتلاميذ، ويجدر بالذكر أنّ مثل هذه العادة كانت موجودة في الكتاتيب عند أتباع
(1)
" (3)
المذاهب الأخرى (3) ".
1 - سير اليوم الدراسي:
أ ـ يستيقظ طلبة تعليم القرآن مع بقيّة الطلبة في الوقت المحدد لاستيقاظ
الطلبة.
ب ـ يبدأون درسهم بعد صلاة الفجر كبقية تلاميذ العزابة.
ج - يملي عليهم العريف ويصحح ألواحهم، ويأخذهم بالحفظ على ظهر قلب، ويتراوح عدد الطلاب: أكثرهم عشرة طلاب وأقلهم اثنين.
ـ أنظر، دبوز، محمد علي: اعلام الإصلاح في الجزائر، ج 1، 258. (2) ـ أنظر، خليفات، محمد عوض: التربية عند الإباضية، ص 965 و 969
(
- خليفات: المصدر السابق، ص 965
202 (1/220)
صفحة 221
د ـ يتأهبون للكتابة وقت الضحى، ولكلّ جماعة نقيب من أنفسهم يحفز على أصحابه ويجمعهم، ويستدعي العريف، فإذا حضر استأذنه ميامنة في حفظ ما كتب أمس.
هـ ـ يحفظون على اليمين، فإن حفظوا كلّهم استأذنوه في الاستملاء وأملى عليهم. و - يقرأون ألواحهم بين الظهر والعصر حتماً، وبعد العصر استحباباً، ويستندون بألواحهم إلى الأساطين، ويقابلونها غير مستندين، وقد أبيح لهم الاستناد في غير هذين الوقتين إن شاءوا، والأفضل ترك
الاسناد
(1)
وإذا كان طالب القرآن الكريم يتمتع بكثير من الحقوق " لكنه لا يعتبر تلميذاً رسمياً، إلا بعد أن يستظهر القرآن الكريم، ولذلك لا يطالب بالزي الرسمي الموحد للطلاب، ولا يحق له الاستفادة من خصائص الطلبة، وإنما توفّر له المدرسة المأوى والأكل وأوقات الدراسة (2) ".
ب - طلبة العلوم:
يتصف بالصفات التالية:
يشترط في كل طالب من طلاب هذه المرحلة الذين عرفوا بطلبة العلوم أن
أ ـ " أن يكون قد مرّ بالمرحلة السابقة، وحفظ القرآن غيباً (3) ". ب ـ أن تكون سيرة الطالب " حسنه وسلوكه جيداً، وسمعته طيبة بين
المعلمين
وزملائه من التلاميذ
" (4)
(1) ـ أنظر، الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 177 - 178
(2)
معمر، علي يحيى: الإباضية في ليبيا، ص 145
(3) ـ خليفات، محمد عوض: التربية عند الإباضية، ص 965.
(4)
- خليفات: المرجع السابق، ص 965.
203 (1/221)
صفحة 222
-
ج - أن يكون " محافظاً على دين الله، معمّراً للمسجد، ملتزماً يلبس الزي الرسمي الموحد للطلاب (1) ".
ويدرس هؤلاء الطلبة في دار العلم، وهي بناء إلى جانب المسجد، وتسمى في ميزاب " دار التلاميذ، يشرف عليها العزابة، فيعينون لها مديراً حازماً من العلماء، ومدرّسين مخلصين، يعملون الله في كل سرور بدون أجرة، وتدرس في دار العلم العلوم الشرعية في الفقه وأصول الفقه، والتوحيد، والتفسير، والحديث، والميراث والعلوم العربية، النحو والصرف والبلاغة والعروض، وبعض العلوم العقليّة كالمنطق والحساب، والحساب يعتنون به كل الاعتناء في الميراث (2) ".
ويشترك هؤلاء الطلبة مع طلبة الكتب في البحث " والمذاكرة والمناظرة، ما لم تفض إلى توغير الصدور، ويكون هذا دأبهم، ولا بد أن يكون لهم وقت معتاد يكون فيه كميعاد الحضور على الأساتيذ (3) ".
وتتمّ طريقة المناقشة إذا حضر الشيخ الأستاذ على النحو التالي:
1 - يتداولون وضع السؤال ويشرعون بالسؤال ميامنة
- أن يسأل أفصحهم لساناً وأكثرهم بياناً، أو أن يسأل أشدّهم
احتياجاً للشرح في ضرورة دعت، أو لنازلة وقعت
- إذا ألقي السؤال، فإن كان الجمع حفيلاً بدأ فسأل الشيخ ثم من على يمين السائل يعيده إلى الشيخ طلباً للتخفيف
والاختصار.
- معمر، علي يحيى: الإباضية في ليبيا، ص 145. دبوز، محمد علي: نهضة الجزائر، ج 1، ص 213. الدرجيني:: طبقات المشائخ، ج 1، ص 179.
،
204
(1)
(2)
( (1/222)
صفحة 223
وإن
كان الجمع دون احتفال بينهم، فإنه يدير السؤال أو
يحيل كل سائل على ميامنة حتى يدور السؤال إلى الشيخ.
4 - إن علم الشيخ أنّ في الجمع أكفأ منه في تلك المسألة أذن له في الكلام فيها، وإلا تكلّم بما عنده. وللسائل أن ينبهه إذا غفل، ويذكره إذا نسي، ويفتح له إن ارتج عليه، ويعترض إن احتاج
إلى زيادة إيضاح، أو علم من الحاضرين إرادة استزادة (1).
ه - يحظر على الطلاب إذا حضر ضيوف طرح ما "استشنع من المسائل الشواذ، التي تضل الغبي، أو تجعله ينسب الرشد إلى الغي
ج - طلبة الكتب:
" (Y)
يسمّى طلبة العلوم الأذكياء، الذين حصلوا على درجة متفوقة،
أصحاب الكتب
،
الطلاب وإن كانوا يشتركون مع طلبة العلوم في الدرس والمناقشة، إلاّ
وهؤلاء الع
أنّ لهذه المجموعة من الطلبة إمتيازات لا تعطى لغيرهم منها:
- صالة خاصة
بهم
تعتبر
نادياً لهم لا يجوز لغيرهم أن يدخلها.
- مكتبة خاصة. بهم
-
ندوات تعقد في صالتهم
دروس
خاصة يلقيها عليهم ـ الشيخ ـ أو بعض العزابة.
- يستقبلون بعض الشخصيات ليستفيدوا منها، ولا يحق لغيرهم حضورها (3)
وهذه الاستثناءات بطبيعة الحال لا تتناول العزابة لأن العزابة قبل أن يكونوا عزابة كانوا تلاميذ، ومروا بجميع هذه المراحل، ثمّ هم من الناحية الأدبية يعتبرون
(1) ـ أنظر، الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 179. (2) ـ الدرجيني: المصدر السابق، ص 180 (3) ـ أنظر، معمر، علي يحيى: الإباضية في ليبيا، ص 145 - 146.
200 (1/223)
صفحة 224
مشرفين على الجميع. وهؤلاء الطلاب في دراستهم العلمية ينقسمون إلى فرق حسب مستوياتهم، وللشيخ أن يعين مدرسين لبعض هذه الفرق (1).
د - العجزة:
يتكوّن طلاب هذا القسم من الطلاب الذين فاتتهم مراحل الدراسة، فلم يستطيعوا أن يسايروها، إما بعدم حفظ القرآن الكريم، أو عدم التمكن من المواظبة، أو
غير ذلك من الأسباب (2)
ويطلق على هؤلاء الطلبة العجزة أو القاصرين، وهم ثلاثة أنواع:
أ ـ قسم فاتته مراحل الدراسة.
ب - قسم ابتلي بالعجز عن كسب التعليم " منهم! الطرش والعميان
" (3)
"1 (2)
ج ـ قسم ابتلي بالعجز العقلي وهم الزمنى، والهارمون، وذوو الأفهام القاصرة (4)
ويسمح لهؤلاء الطلبة "بالاستماع للدرس والمحاضرات كيف شاءوا لعلّهم
يستفيدون من العلم ما ينير لهم طريقهم، ويحفظ لهم دينهم ومذهبهم
11 (°)
وسبب قبول هؤلاء الطلاب في مدارس العزابة هو أن " الزمني والعميان
فقد نطق بعذرهم القرآن، وأما قاصر و الفهوم فمنهم القانط التارك للعلوم،
ومنهم من الأياس عنده معدوم
" (3)
ويقوم هؤلاء الطلبة بخدمة مدارس العزابة، وما تحتاج إليه مدارس العزابة
من خدمات مثل:
(1) - أنظر، البرادي: الجواهر المنتقاة، ص 215. (2) ـ أنظر، معمر، علي يحيى: الإباضية في ليبيا، ص 146
(1)
(:)
الدرجيني:: طبقات المشائخ، ج 1، ص 180
- الدرجيني: المصدر السابق، ص 180. (5) - البرادي: الجواهر المنتقاة، ص 215.
(1)
الدرجيني
: طبقات المشائخ، ج 1، ص 180
206 (1/224)
صفحة 225
1 - "حراسة الأموال وحفظ الطرقات من اللصوص، والقيام بما يطلبه منهم
شيخ العزابة وأعضاء مجلس العزابة والعرفاء (1) ".
2 ـ " أن تكون خدمة الطعام من هؤلاء، الذين لم يفتح الله عليهم ولا شرح للعلم صدورهم لينفعهم بخدمة أهل الخير ويوفيهم أجورهم)
" (2)
3 ـ يجازوا على خدماتهم فإن جهدوا أنفسهم وزادوا ظفروا ببعض ما أرادوا (3) ".
ويصف الدرجيني بعض حالات هؤلاء عندما التحق بعزابة وارجلان في ربيع الآخر من سنة (616 هـ / 1219 م) وأقام فيها سنتين وشهرين فيقول "فمنهم رجل يسمى أبو دوناس من بعض قراء نفزاوة سبقني إلى الحلقة بأعوام والغالب على ظنّي أني وجدت لوحه في سورة الفيل ومات سنة سبع عشرة ولم يستكمل سورة أخرى، ولم يدع من قدرته شيئاً.
وهل سمعتم بأبي يزمر المصعبي؟ كنت أسمع به قبل دخولي وارجلان وفي
???
لوحه و أو أمر بالتقوى) يكررها أياماً كثيرة حينئذ ترسخ في صدره آية أو لا ترسخ فيعيدها، وأقمت بوارجلان حرسها الله حولين كاملين وشهرين ثمّ انفصلت وتركت لوحه في (والضحى واليل إذا سجى) وهو في أثناء ذلك
لم يألُ جهداً، وقد سبقنى إلى الحلقة بستة أعوام أو بثمانية أعوام لشك منى.
وهل سمعت بسلمان بن حريز، لم يزل يكرّر ويعيد سورة الأنبياء طول إقامتي بوارجلان، وخرجت وتركت لوحه فيها، وبلغني أنه لم يزل كذلك يكررها منذ ثمان وعشرين سنة قبل ذلك (1) ".
-
البرادي: الجواهر المنتقاة، ص 215
الدرجيني:
الدرجيني:
: طبقات المشائخ، ج 1، ص 181.
: المصدر السابق، ص 180.
- سورة العلق، الآية 12.
- سورة الضحى، الآية 1 - 2.
- الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 180 - 181.
207
(1)
(2)
(1)
(4)
(0)
(7) (1/225)
صفحة 226
- استنتاجات: يستخلص من تقسيم الطلاب إلى أربعة أصناف أنّ مدارس العزابة لا تحصر جهودها بالتعليم، بل بإعداد القادة أيضاً، فالطالب في مدارس العزابة إذا " كان ذا فهم وقلب ذكي، ومن أعطاه الله القدرة على تحصيل هذا وهذا فلا بأس في الازدياد
من الخير
" (1)
وهذا يعني أنّ النظام التربوي يسمح لهذا الطالب بالانتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى، ولا يبقى أسير نظام تربوي يقضي على مواهبه ويحد من اندفاعه، فالطلاب يختلفون فيما بينهم من حيث المشاعر والاتجاهات، كما أنّهم يختلفون من حيث سرعة النمو " ووجود الفروق الفردية بين الناس أمر طبعي، ودور التربية تنمية تلك الفوارق، لا العمل على زوالها، ولا يجوز أن نطبع الجميع بطابع واحد، بل إن واجبنا إفساح المجال كي يصل كل تلميذ إلى أقصى حدود طاقته، ودور التربية أن تبلور هذه الفوارق
ر تدفع بها
" (Y)
ويؤكد هذا أنّ نظام التربية ليس نظاماً قائماً بذاته يعمل في فراغ، بل هو
أكثر لنظم المجتمعية دينامية مع غيره من الأنظمة المجتمعية " فالمعروف أن نظام التربية يشتق حصائصه وصفاته من المجتمع، أياً كان شكله ومرحلة تطوّره، وتبعاً لذلك تتحدّد وظائفه، وهو لذلك أكثر نظم المجتمع قدرة على عكس حياة أي مجتمع وظروفه حتى من سياقه التاريخي، بل وتوقعاته المستقبلية
مر
(1)
(2)
(3)
أهدافه
(3)
وهنا يبرز دور الإدارة التي تلعب دوراً قيادياً في اتخاذ قرارها بانتقال التلاميذ إلى رحلة أعلى، فليست القيادة التربوية مقتصرة على من يشغل المركز القيادي بحكم
الدرجيني:: طبقات المشائخ، ج 1، ص 178.
- عبد الله،، عبد الرحمن صالح:: دور التربية العملية في إعداد المعلمين، ص 62، بيروت، دار الفكر،
ط 2، 1399 هـ / 1979 م.
- محمد، أحمد علي الحاج: التخطيط التربوي، اطار لمدخل تنموي جديد، ص 15، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1412 هـ / 1992 م.
208 (1/226)
صفحة 227
وظيفته، بل أنها " قد تنبع من بين المجموعة وقد تتغيّر المواقف والمبادرات إذ قد تنتقل القيادة في المجموعة من بين يدي القائد الرسمي إلى أيدي التابعين له عن طريق ما يقدمونه من إبداع، وما يلعبونه من أدوار فعّالة (1) ".
ويتضح أن التعليم الإباضي كغيره من نظم التعليم المذهبي، يهدف إلى زيادة طاقة الفرد ليجد فيه شخصية ذات مقاومة، قادرة على اختبار الأحداث ونماذج النسيج الثقافي، وبالتالي يكون قادراً على القبول أو الرفض على أساس مفهومه ونظرة مذهبه للأمور من خلال وعي تربوي مذهبي يسهم في التفكير والتحليل والتصرف. ويوفّر للفرد " قوة شخصية صلبة. إنّ حياة الشخص تبدأ مع قدرته على الاتصال بالبيئة، وامتلاك أمر نفسه، ومزاولة نشاطاته، ليرتقي بنفسه بعد ذلك إلى مركز هذه البيئة، ومن ثمّ يكتسب شخصيته المميزة (2) ". إنّ فرز الطلبة العجزة عن بقية الطلاب، هو أشبه بمدرسة الصم والبكم والعميان في العصر الحديث، إلا أنها تفتقر إلى الوسائل السمعية البصرية التي تساعد على التعليم، ويستعاض عن ذلك بأن يترك للطلبة حرية الاستماع والحضور، وإذا كنا اليوم ننادي بضرورة اندماج المعاق في المجتمع، فبهذا الأسلوب تم الاندماج، وأدى دوراً في الخدمة المجتمعية
(2)
إن المعلم في مدارس العزابة لم يعمد إلى استمارات لاكتشاف مواهب الطالب،
لكن التفاعل اليومي بين المعلّم والتلميذ يبين القدرة العقلية للتلميذ
ولقد ترك المربون المسلمون تراثاً زاخراً لا ينحصر اهتمامه في استكشاف القدرات الفريدة لاستثمارها، وإنما اهتموا بمعالجة ما يعوق نمو هذه القدرات في الاتجاه الصحيح، واحترام هذه المواهب والأخذ بيدها.
(1)
قراقره، محمد عبد القادر: نحو إدارة تربوية واعية، ص 3، بيروت، دار الفكر العربي 1993. (2) - کياراندا، ميريلا: التربية الاجتماعية في رياض الأطفال:، ص 39، ترجمة فوزي محمد عبد الحميد عيسى وعبد الفتاح حسن عبد الفتاح، مراجعة كاميليا عبد الفتاح، القاهرة، دار الفكر العربي 1992.
209 (1/227)
صفحة 228
فمن جملة أسباب هجرة العقول المبدعة من - عالمنا الإسلامي:، فقدان الاحترام،
أو عدم إحلال المواهب في المراكز اللائقة بها
إن نهضتنا لن تتحقق إلا بالعودة إلى تراثنا التربوي لبناء نظام تربوي إسلامي معاصر، بعد أن تيقن الغرب أنه لن يستطيع السيطرة على العالمين العربي والإسلامي عن طريق الحرب، نظراً لما يحتويه الإسلام من منهج حاسم لمقاومة الاحتواء والمحافظة على التميز وعلى استقلالية الذات الإسلامية والتضحية بكلّ شيء في سبيل حمايتها، ولما كان منهج الإسلام في مقاومة الغاصب وحماية الثغور والمرابطة بها والتضحية بالأرواح والأموال للقضاء على كلّ محاولة خارجية للسيطرة، لجأ الغرب إلى تسخير وسائله التربوية ومظاهر حضارته من أجل إعجاب الأمم بواقع حضارته وجذب أفكارهم نحوه حتى كادت الشخصية الإسلامية أن تذوب
وأدى انبهار الشخصية الإسلامية بالغرب إلى اعتبار أهل الفن طلائع نهضة
وركائز مجتمع راق، ووجود مفاهيم زائفة تضاد القيم الصحيحة، واظهار ميادين الرقص
والغناء وكأنها.
دور لها قدر وجلال وخطر، كل هذا خدع الشباب المسلم، وجعل المغنين وغيرهم أبطالاً وناشري مثل عليا، لهم تاريخ يروى وذكريات، بينما لم يحظ بعشر
هذا علماء الأمة الأفذاذ ولا أبطالها المجاهدون ولا نوابغها
سن الدخول إلى الكتاب:
لم تحدد التربية الإسلامية سناً معينة لدخول الكتاب، ويذكر ابن الحاج العبدري رت 737 هـ / 1336 م) أنّ الأهل كانوا " يدخلون أولادهم المكتب في حال الصغر، بحيث أنهم يحتاجون إلى من يربّيهم ويسوقهم إلى المكتب، ويردهم إلى بيوتهم، بل بعضهم يكون سنه لا يقدر أن يمسك ضرورة نفسه، بل يفعل ذلك في المكتب ويلوث ثيابه ومكانه، فليحذر ـ أي المعلم - أن يقرئ مثل هؤلاء، إذ لا فائدة من إقرائه لهم، إلاّ وجود التعب غالباً (1) ".
(1)
ابن الحاج العبدري: مدخل الشرع الشريف على المذاهب، ج 2، ص 315 - 316.
210 (1/228)
صفحة 229
فهو وإن لم يحدد من الدخول إلى الكتاب لكنه أشار إلى ضرورة نضج الصبي،
لأنّ قدرة الطفل على التعليم مشروطة بنضجه المتعلّق " بالنمو الجسمي لأعضاء الجسم المتصلة بالتعلّم، ودرجة النمو العامة في الوظائف العقلية المختلفة (1) ".
وقد حدد بعض علماء التربية سن الدخول إلى الكتاب بالسادسة كما
ذكر ابن سينا، أنه " إذا أتى عليه من أحواله ست سنين فيجب أن يقدم إلى
المؤدب المعلم (2) ".
ويحدّد الإمام علي بن أبي طالب الله له له من التعليم بالسنة السابعة " يرخى للصبي سبعاً، ويؤدّب سبعاً، قال الصادق أكرم صبيّك حتى تأتي عليه ست سنين، ثمّ الكتاب ست سنين، ثمّ ضمّه إليك سبع سنين، فأدبه فإن قبل وصلح وإلا
أدبه في
فخل عنه
" (3)
ويلخص أبو بكر بن العربي هذا الاختلاف في تحديد سن الدخول إلى الكتاب بقوله " وللقوم في التعليم سيرة بديعة، وهو أنّ الصغير منهم إذا عقل بعثوه إلى المكتب (4) "
ولا يختلف سن الدخول إلى الكتاب الإباضي عن الشروط العامة للدخول إلى
11
الكتاتيب الإسلامية، فالطالب الذي لا يعقل بعد، لا يسمح له بدخول الكتاب، حتى وإن تقدّم وطلب العلم، ويروي محمد علي دبوز وربما تقدّم الصبي وحده ليدخل الكتاب، وطلب من المعلم أن يعلمه القرآن الكريم، فوقفت على حلقته وقلت له بصوت ملهوف إلى العلم وفي إجلال كبير للمقام وشدّة حب له) حَمَّا لدَيْكَ سَعْرَمْيَ إِرَبِّي) يرحم الله
(1)
(2)
- عبود، عبد الغني، وآخرون: فلسفة التعليم الابتدائي وتطبيقاته:، ص 152 ابن سينا، أبو علي الحسين بن عبد الله: كتاب القانون في الطب، ج 1، ص 157، القاهرة، مطبعة
بولاق 1294 هـ.
(2) - فياض، عبد الله:
(t)
: تاريخ التربية عند الامامية وأسلافهم من الشيعة في عهدي الصادق والطوسي،
ص 170، بغداد، مطبعة أسعد 1972.
ابن العربي، أبو بكر: أحكام القرآن، ج 2، ص 291.
211 (1/229)
صفحة 230
والديكم علموني الله، فاستدعاني الشيخ فربت على كتفي ومسح رأسي ودعا لي وقال لي: أجل سنعلمك يا بني متى كبرت واستظهرت القرآن، فخرجت من المعهد وأنا أتمنى أن أحفظ القرآن وأكون من تلاميذ الشيخ (1) ".
ويحدد محمد علي دبوز أنّ الخامسة من العمر هي السن المطلوبة للدخول إلى الكتاب عندما يؤرّخ لسيرة القطب محمد بن يوسف اطفيش فيقول: " ولما بلغ القطب الخامسة أدخلته أمه في الكتاب ليحفظ القرآن الكريم
" (Y)
أما السن المحدّدة لترك الكتاب، فمن المتعارف عليه أن الصبي يستمر بالمكتب حتى سن البلوغ، فإذا بلغ الصبي سن البلوغ دون أن يحفظ القرآن الكريم، فإنه يترك الكتاب ليحل مكانه آخر، أما كيفية معرفة سن البلوغ فكانت
صي
تعرف من ملامح الصبي الخارجية (3). و لم يخرج نظام الكتاب الإباضي عن المفهوم حيث إنّ تلاميذ تعليم القرآن الكريم كانت تتراوح أعمارهم " من
هذا
ست
سنين إلى الثالثة عشرة (4) ".
- وسائل الكتابة:
كانت وسيلة الكتابة في الكتاب هي الألواح، والتي تكون عادة من صفيح، ومن ألواح الخشب المطلي بطلاء أبيض أو أصفر أو أحمر يترك في أعلاها قطع يمسك بها الأولاد، وكان على الصبي ألا يستخدم المصحف في القراءة إلا عند استذكار الماضي المحفوظ أو تثبيته، أو عند نقل الجزء المقرر حفظه في اللوح، وهو الدرس الجديد
اليومي.
(1)
(2)
(4)
دبوز، محمد علي: نهضة الجزائر، ج 1، ص 257
- دبوز، محمد علي: المرجع السابق، ص 298.
) - أنظر، إبراهيم، علي سالم: نظام التربية الإسلامية في عصر دولة المماليك في مصر، ص 195،
جامعة طنطا، كلية التربية 1980.
دبوز، محمد علي: اعلام الإصلاح، ج 2، ص 85.
212 (1/230)
صفحة 231
فيكتب الولد في أحد وجهي اللوح، الجزء الذي يريد حفظه، نقلاً عن المصحف، ثم يدع هذا جانباً، ويستخدم اللوح في القراءة والحفظ حتى يسمعه آخر النهار، فإذا جاء اليوم التالي، وأتقن حفظه، أدار الوجه الثاني وكتب فيه درساً أو لوحاً ثانياً، فإذا أتم حفظه في اليوم الثالث، وأراد حفظ لوح جديد، محا الوجه الأول وكتب فيه لوحاً جديداً (1) ".
وكانت معظم الألواح في الكتاتيب الإباضية من الخشب، يكتبون عليها بالصمغ العربي، الذي كان يصنع من " صمغ البطم الأسود نقليه فيزداد سواداً، وندقه ونغربله، ونخلطه في الماء ونجعله في محبرة الفخار ونجعل فيها لبقة الصوف تصفي الصمغ فلا يلتصق بالقلم عكره، وتمنع انهراقه ونيبسه، ونصنع الصمغ من كعل الضأن نحرقه وندقه، ونكتب بالقصب، وعندنا القصب الأسود يأتينا من بعيد وهو أمتن وأجود، وكنا نتبارى في صنع الأقلام وبريها، ومن يملك القلم الأسود يعد محظوظاً، وهناك القصب الأصفر وهو ضعيف
" (Y)
وكانت الكتابة في الكتاب على الألواح الخشبية، وكان الصبيان في الكتاب
طبقات " طبقة الصغار الذين يتعلمون الحروف الهجائية، والطبقة المتوسطة الذين يكتبون ألواحهم بالإملاء، والطبقة العليا تكتب ألواحها في المصاحف (3) ".
أما الطلبة الذين انتقلوا من الكتاب إلى مراحل متقدمة فقد كانوا يكتبون إملاءهم على الورق الذي كان يصنع محلياً، والذي اشتهر بصناعته نزلاء الأربطة، الذين كانوا يقومون بصنع " الورق والحبر وينسخون المصاحف وكتب الفقه والحديث، فالمؤلفون يحبسون تصانيفهم بخط أيديهم على الأربطة لتكون منها النسخة الأمّ التي تنسخ عليها نظائر (4) ".
(1)
(2)
(3)
عبد الجواد، محمد: في كتاب القرية، ص 37 - 38 دبوز، محمد علي: اعلام الإصلاح، ج 2، ص 86.
- دبوز، محمد علي: المصدر السابق، ص 85.
(4) - التوزري، إبراهيم العبيدي: تاريخ التربية بتونس، ج 1، ص 158، تونس، الشركة التونسية
للتوزيع، د. ت
213 (1/231)
صفحة 232
وأما محو الألواح، فكان يتمّ بالطريقة المألوفة والمتبعة وهي غسل اللوح بالماء،
فقد كان يوضع في أماكن التدريس إناء، " وكلّ صبي يأتي بنوبته ماء طاهراً، فيصبونه فيها فيمحون به ألواحهم (1) ".
ولتجفف الألواح من الماء، فإنه " كان على الأولاد أن يلوحوها في الهواء،
أو يقفوا بها في الشمس ليجف مدادها، ولقد تطورت أدوات التجفيف فوضعت رملة أو رمادة بجانب الدواة، لترميل الكتابة، فبعد كتابة الورقة يذرّ قليل من الرماد أو الرمل
الذي يشرب المداد الزائد (2) ".
- الكتب الدراسية:
حرصت مدارس العزابة على اعتماد الكتب الإباضية في التدريس، وبخاصة
الكتب التي تتناول العقيدة والحديث النبوي الشريف، والتاريخ الإباضي. وأشهر الكتب
التي اعتمدت:
أ - في العقيدة:
کتاب قناطر الخيرات للإمام أبي طاهر إسماعيل بن موسى
الجيطالي
() الذي
جعله في ثلاثة أجزاء، ويعلّل سبب تسميته بقناطر الخيرات بقوله " فلما كان الأمر على ما وصفنا، كان ينبغي لنا أن نرتب على طريق الإسلام قناطر ليسلك المسترشدون عليها،
(1)
(2)
- ابن سحنون: آداب المعلمين والمتعلمين، ص 25. - عبد الجواد، محمد: في كتاب القرية، ص 265.
،
على
) - نشأ في مدينة جيطال من مدن جبل نفوسه، وجيطال مدينة فسيحة تقع بين " أمسين " و إنير ربوتين متقابلتين تحيط بها من جميع جهاتها غابات كثيفة من شجر التين والزيتون، أما تاريخ مولده فلم نعثر عليه و لم ينص عليه الشماخي في سيره الجامع لتراجم الأشياخ.
أخذ العلم عن أبي موسى عيسى بن عيسى الطرميسي (ت 722 هـ / 1322 م)، وترك العديد من المؤلفات منها قواعد الإسلام، شرح النونية في ثلاثة أجزاء في أصول الدين على قصيدة الشيخ أبي نصر فتح بن نوح التمولوشائي، كتاب الحساب وقسم الفرائض، وكتاب الحج والمناسك وتوفي عام 750 هـ / 1349 هـ.
(أنظر، الجعبيري، فرحات: البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، هامش ص 123).
214 (1/232)
صفحة 233
ونهيء لهم سلاحاً من العلم ليقاتلوا به، وندلّهم على عقاقير من الصبر ونظام النفس والحلم والقناعة إلى غير ذلك حتى يتجرعوا مرارة الدنيا بالزهد فيها، ونوقظ قلوبهم بهيجان الخوف والحذر والإشفاق حتى يتمكنوا من الهروب من النار وزقومها، ونزعجهم بإزعاج الرجاء والشوق إلى الجنة ونعيمها إلى غير ذلك مما يطول به الكتاب، ولهذا الخطر العظيم والخطب الهائل الجسيم شمر الموفّقون عن ساق الجد، ودعوا بالكلية ملاذ النفس
واغتنموا بقايا الأعمار قبل أن يزعجوا عن هذه الدار، جعلنا الله وإياكم من الموفقين لعلم دينه العاملين به إنه أرحم الراحمين
" (1)
يتحدث الكاتب في الجزءين الأول والثاني من الكتاب عن العقيدة وأركان
الإسلام الأخرى: الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، وفي الجزء الأول بعد مقدمته
أسهب في الحديث عن العلم.
وتحدّث في آخر الجزء الثاني عن الحقوق الواجبة على المسلمين بعضهم لبعض. أما الجزء الثالث فكله في الأخلاق والتربية مع شرح للأخلاق الفاضلة وأسبابها، والأخلاق السيئة وأسبابها وذكر فيه الأمراض النفسية والاجتماعية وبين
علاجها
وسمى الشيخ إسماعيل كتابه قناطر الخيرات لأنّ فرائض الله تعالى التي فرضها على المسلم هي القناطر المنجية التي توصل من اتبعها إلى السعادة في الدنيا والآخرة. وتجتاز به فوق أودية المهالك فلا يتردّى فيها، وهذه الفروض شرحها الشيخ إسماعيل في كتابه، وكذلك المناهي والمحرمات، وسمى كل باب من أبواب الدين قنطرة. قنطرة الصلاة، وقنطرة الصوم وغير ذلك
ومن عناوين الجزء الأول: قنطرة العلم وتشتمل على مقدمة وعشرة أبواب، أبوابه: حدّ الفقه، والكلام على علم الدين وطريق الآخرة، وحدّ الكلام والفلسفة، وقنطرة الإيمان وسائر قواعد الاعتقاد وفيها خمسة أبواب، وقنطرة الصلاة ووظائفها
من
(1)
- الجيطالي: قناطر الخيرات، ج 1، ص 7.
215 (1/233)
صفحة 234
وأسرارها، وفيها أبواب كثيرة منها: ذكر فضائل الصلاة، وأسرارها الظاهرة والباطنة
وفيه ستة أبواب. وقنطرة أسرار الصوم وظواهره، وفيه خمسة أبواب.
،
وفي الجزء الثاني الأبواب التالية: قنطرة الزكاة وأسرارها وفوائدها الشخصية والاجتماعية وفيها أبواب عديدة. وقنطرة الحج وفوائده الشخصية والاجتماعية وفروضه وفيه أبواب عديدة. وباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في فصول منها: فصل المنكرات المألوفة في العادة، وفصل منكرات المساجد، وفصل منكرات الشوارع، وفصل منكرات الضيافة، وفصل المنكرات العامة، وقنطرة التوبة من الذنوب وفيها خمسة أبواب منها باب في السبب الباعث على التوبة، وبيان كيفية العلاج في حلّ عقدة الإصرار على الذنوب.
"
وفي الجزء الثاني قنطرة الخلق وفيها ثمانية أبواب منها: فصل في إخوان السوء، وفصل في حقوق الآباء والأمهات وما ينافيها من الحقوق، وفصل في حقوق الأبناء، وفصل في حقوق الزوجة على زوجها، وفصل في حقوق الزوج على زوجته، وفصل في حق الجوار، وفصل في حقوق الصحبة، وفصل في حقوق اليتامى، وفصل في حقوق السائلين، وفصل في حقوق ابن السبيل وحق الضيف والمساكين.
أما الجزء الثالث ففي الأخلاق الحسنة وأضدادها السيّئة، وأسبابها النفسية، و عوامل تقوية الحسنة، والتخلّص من السيّئة، وفي التربية وعواملها، وفي علم النفس
البشري، وبيان حقيقة النفس البشرية.
و من عناوين الجزء الثالث: قنطرة النفس، وفيها أبواب وفصول كثيرة منها: فصل في التقوى، وفصل في ذكر الهوى، وفصل في كيفية الجام النفس، وفي الحرص وشر النفس الضار، وفصل في القناعة وأسبابها النفسيّة، وفصول في حقيقة الغضب وذمه، وما يهيجه، وعلاجه، وفصول في فضيلة الحلم وأصوله النفسية، وفصل في الحقد ونتائجه من الحسد وغيره،، وباب في فضل العفو، وفصول في الحسد وحقيقته، وأسبابه ومضاره لصاحبه والمجتمع، وأسباب الشفاء منه، وحكاية في الحسد وعواقبه الوخيمة، وفصول في البخل وذمه، وأخبار البخلاء، وعلاج البخل، وفصل في السخاء وفضله،
216 (1/234)
صفحة 235
وحكايات الأسخياء الكثيرة، وفصل في الإيثار وفضله، وفصول في حسن الخلق، وفصول في الأخلاق السيئة وذمها، منها الكذب وأضراره، وفصل في خلف الوعد، وفصول في الغيبة والنميمة والسعاية، وفصول في منكرات اللسان، وفصل في ضبط الفرج عن الحرام، وفصل في بيان دواعي الزنا، وفصل في حكايات الأعفاء من الرجال والنساء، وأبواب كثيرة في الأخلاق، وما يجب على المسلم أن يتصف به، وما يجب عليه أن يتنزه عنه، ليكون هو ومجتمعه على الصلاح والفلاح.
ولا يزال هذا الكتاب معتمداً في التدريس في مدارس العزابة والمساجد في وادي ميزاب، ويجرى احتفال عام بعد الانتهاء من تدريس هذا الكتاب، ومن الذين شهدوا احتفال ختمة كتاب قناطر الخيرات محمد علي دبوز الذي يقول: "ودام الشيخ بيوض ()، يدرس كتاب القناطر في مسجد القرارة فختمه كله في أجزائه الثلاثة. وكانت مدة تدريسه لهذا الكتاب العظيم أربع عشرة سنة كاملة وعشرة أشهر، من أول صيف عام
،
1923 إلى ربيع 1938 فاحتفل مسجد القرارة: العزابة والطلبة القدماء حفظة القرآن وطلبة معهد الحياة، والمدينة، بختم كتاب قناطر الخيرات، فسارعت المدينة في وقت الحفل إلى المسجد لصلاة العشاء وحضور الحفل بعدها، فامتلأ المسجد على سعته بالناس، قسم الرجال بالرجال، وقسم النساء بالنساء. فألقى الشيخ بيوض آخر درس في الجزء الثالث الأخير من الكتاب، وعقبه بمحاضرة في ترجمة الشيخ إسماعيل الجيطالي وفضله، وفي كتابه قناطر الخيرات وجدواه العظيمة على القرارة، والمسلمين. وحمد الشيخ بيوض عاقبة تدريس هذا الكتاب المفيد، ونتائجه العظيمة للمجتمع القراري. لقد ثقف العقول بثقافة الدين، فعرف الناس من أسرار دينهم ما لم يعرفوه، فازدادوا تمسكاً به، وغيرة عليه؛ وشرح لهم الخلق الإسلامي العظيم، فازدادوا اتصافاً به، وغرساً له في أبنائهم وأسرهم بالتربية الإسلامية القوية، وبالقدوة الحسنة في سلوكهم، وأراهم الأمراض النفسية والاجتماعية وعلاجها، فعملوا للتخلّص منها (1) ".
(1)
- الشيخ إبراهيم بن عمر يبيوض: أحد شيوخ العزابة، أنشأ. ا معهد الحياة في مدينة القرارة عام 1343 هـ / 1925 م. دبوز، محمد علي: اعلام الإصلاح، ج 3، ص 114.
217 (1/235)
صفحة 236
هو
ب - في الحديث: إن الكتاب المعتمد. الجامع الصحيح للربيع بن حبيب بن عمر الأزدي ()، الذي يعتبره الإباضية " أصح كتب الحديث رواية وأعلاها سنداً وجميع رجاله مشهورون بالعلم والورع والضبط والأمانة والعدالة والصيانة كلّهم أئمّة في الدين وقادة للمهتدين، هذا حكم المتصل من أخباره، وأما المنقطع بإرسال أو بلاغ فإنه حكم الصحيح لتثبت راويه، ولأنه قد ثبت وصله من طرق أخر لها حكم الصحة. فجميع ما تضمنه الكتاب باتفاق أهل الدعوة - الإباضية - وهو أصح كتاب من بعد القرآن العزيز، ويليه في صحيح الرتبة الصحاح من كتب الحديث
" (1)
رتب الجامع الصحيح الذي يقع في أربعة أجزاء الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن حياد الإباضي، ويضم الجامع ألفاً وخمسة أحاديث.
منها في الجزء الأول ثلاثماية وواحد وتسعون حديثاً موزعة على الأبواب التالية:
في النية.، في ابتداء الوحي، في ذكر القرآن، في العلم وطلبه وفضله، في طلب العلم لغير الله ل وعلماء السوء، في الأمة أمة محمد الله في الولاية والإمارة، في الرؤيا، في
،
الإيمان والإسلام والشرائع، في ذكر الشرك والكفر، في الحب، في القدر والحذر والتطير، وفي الفتنة
ن)
(1)
جعله الدرجيني في الطبقة الرابعة 150 هـ / 200 هـ من علماء المذهب، وقال عنه أنه طود المذهب الأشم وعلم العلوم الذي إليه الملجأ في معظمات الخطب الأصم، ومن تشدّ إليه حبال الرواحل وتلزم، صحب أبا عبيدة فاغترف من بحره الزاخر، ولزم مجلسه فكان الأول والآخر، روى عنه " المسند " المشهور، المتعارف البركة على مر الدهور.
وهذا المسند جميعه من رواية الربيع عن شيخ من شيوخه، وإن للربيع خمسة وعشرين شيخاً أخذ عن جميعهم وأكثر ما أخذ عن ضمام بن السائب البصري العماني عن جابر، ثم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، ثمّ أبي نوح صالح بن نوح الدهان البصري العماني ثمّ عن باقي الشيوخ. (أنظر: 1 - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج - السالمي، عبد الله بن حميد: مقدمة الجامع الصحيح مسند الامام الربيع بن حبيب، ص 3، تقديم
1، ص
273
عز الدين التنوخي، سلطنة عُمان، المطابع العالمية، د. ت).
- السالمي، عبد الله بن حميد: مقدمة الجامع الصحيح. مسند الإمام الربيع بن حبيب، ص 3.
218 (1/236)
صفحة 237
وقد اشتملت هذه الأبواب على خمسة وسبعين حديثاً، والأحاديث الأخرى توزعت على الكتب التالية: كتاب الطهارة، كتاب الصلاة ووجوبها، كتاب الصيام
و كتاب الزكاة والصدقة.
ومعظم أحاديث هذا الجزء من كتاب الجامع الصحيح مروية
بالأسانيد التالية:
قال أبو عمرو الربيع بن حبيب بن عمرو البصري حدثني أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي عن جابر بن زيد عن عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال
- حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين لي أنها قالت - حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن رسول الله أنه قال. أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال.
ويضم الجزء الثاني من الكتاب ثلاثمائة وواحداً وخمسين حديثاً توزعت على الكتب التالية: كتاب الحج، كتاب الأذكار، كتاب النكاح، كتاب الصلاة، كتاب البيوع، كتاب الأحكام، كتاب الأشربة، وكتاب الإيمان والنذور.
ويختتم الجزء الثاني " قال الربيع قال أبو عبيدة كان ابن عباس فقيهاً عالماً لم يعلم في زمانه أعلم. منه، وكان الناس يسمونه البحر لما فيه من كثرة فنون العلم وقيل أنه قعد ذات يوم مع أصحابه فقال لهم سلوني عمّا شئتم عمّا دون السماء السابعة والأرضين السفلى أخبركم به قال أبو عبيدة: بلغنا عن ابن عباس أنه مات بالطائف في زمان عبد الملك بن مروان سنة 68 وهو ابن 72 سنة وكان يصفر لحيته وخلف ولداً له يقال له علي، له ورع وكان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة وكانوا يسمونه السجاد. وحديث ابن
وعفه
عباس له مائة وخمسون حديثاً وحديث أبي سعيد الخدري ستون حديثاً، وحديث أبي هريرة اثنان وسبعون حديثاً، ومراسيل جابر بن زيد أربعة وثمانون حديثاً ومائة حديث. وحديث أبي عبيدة مسلم ثمانية وثمانون حديثاً، وعدة ما في هذين الجزءين من حديث رسول الله لستمائة حديث وأربعة وخمسون سوى ما رواه الربيع.
219 (1/237)
صفحة 238
قال الربيع: بلغنا أن عدة ما روي عن رسول الله له أربعة آلاف حديث منها تسعمائة في الأصول والباقي في الآداب والأخبار، وأمّا عدّة من روى عنه من الرواة فتسعمائة رجل وامرأة وهي عائشة أم المؤمنين
" (1)
وأما الجزء الثالث الذي يضم مئة وأربعين حديثاً فيعرض للأحاديث النبوية الشريفة ولتفسير الآيات القرآنية التي يرى الإباضية أنها تدعم وجهة نظرهم.
ويروون عن علي بن أبي طالب الله الله في تعظيم الله ونفي التشبيه " كان علي ابن أبي طالب ـ ه ـ يقول: في تمجيد الله جل: الحي القائم الواحد الدائم، فكاك المقادم، ورزاق البهائم، القائم بغير منصبة، الدائم بغير غاية، الخالق بغير كلفة، فأعرف العباد به الذي بالحدود لا يصفه ولا بما يوجد في الخلق يتوهمه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار (2) ".
وفي معنى النظر ونفي الرؤية يروون عن ابن عباس " أخبرنا أبو نعيم عن العباس عن أبي إسحق عن سعيد بن جبير عن نافع بن الأزرق أنه سأل ابن عباس عن قوله يومين نأخيرة إلى ربها ناظيرة " () قال ابن عباس هو الذي لا كفو له أي (3)
تعالى و وجوه لا ينظر إلى أهل النار برحمته وأهل الجنة ينظرون إليه في ثوابه وكرامته ورحمته ولا يرونه بأبصارهم لأنه قال ولا تُدْرِكُهُ الأَبْصَرُ وَهُوَ يدرك الأبصر) قال: وقال مجاهد وإبراهيم ومكحول والزهري ينظرون الثواب ولا يرى الله أحد. خلقه، قال: وقال من الحسن ناظرة إلى سلطان ربّها وقدرته وتدبيره، وقال: ناضرة نضرة في الوجوه وسرور في القلب
(0)
(1) ـ الفراهيدي، الربيع بن حبيب بن عمر: الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب على ترتيب الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، ص 195، دمشق، المطبعة العمومية 1388 هـ.
(2) ـ الفراهيدي: المصدر السابق، ص 217.
(3)
- سورة القيامة، الآية 22
(4) - سورة الأنعام، الآية 103
(°)
•
- الفراهيدي: الجامع الصحيح، ص 227 - 228.
220 (1/238)
صفحة 239
عبد
وأوردوا في تفسير قوله تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) " قال جابر
الله بن
عمر
ابن زيد سئل ابن عباس - - عن قوله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) فقال ارتفع ذكره وثناؤه على خلقه لا على ما قال المندّدون أن له أشباهاً وأنداداً تعالى الله عن ذلك. قال وحدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال حدثنا ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن أنه سئل عن الصخرة التي كانت في بيت المقدس فقال له إن ناساً يقولون فذكر قولهم سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيراً فارتعد ابن عمر فرقا وشفقا حين وصفوه بالحدود والانتقال فقال ابن عمر إنّ الله أعظم وأجل أن يوصف بصفات المخلوقين هذا كلام اليهود أعداء الله إنما يقول هو الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى له أي استوى أمره وقدرته فوق بريته. قال الليث: قال محمد بن الحنفية قاتل الله أهل الشام ما أكفرهم أو قال ما أضلّهم يقولون وضع الله قدمه على صخرة بيت المقدس وقد وضع عبد من عباده يعني إبراهيم عليه السلام قدمه على الحجر فجعله قبلة للناس وتكذيباً لقولهم ورداً لباطلهم، وقال الحسن: إرتفع ذكره وثناؤه ومجده على خلقه، ولا يوصف الله تبارك وتعالى بزوال من مكان إلى مكان، قال وسئل هشام عن ذلك، وقال: كان أصحابنا يقولون قهر العرش. وقال الحسن في قوله ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانَ (2)} أي
(2)
استوى أمره وقدرته إلى السماء وقوله ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) يعني استوى أمره وقدرته ولطفه فوق خلقه، ولا يوصف الله بصفات الخلق ولا يقع عليه الوصف كما يقع على الخلق (3) ".
أما الجزء الرابع من الكتاب فيضم مئة وثلاثة عشر حديثاً هي " رواية أبي سفيان محبوب بن الرحيل عن الربيع بن حبيب زيادة في الترتيب (4) ". من هذه
(1) ـ سورة طه، الآية 5
-
(2)
(1)
- سورة فصلت، الآية 11.
الفراهيدي: الجامع الصحيح، ص 238 - 239.
(4) - الفراهيدي: المصدر السابق، ص 255
221 (1/239)
صفحة 240
الأحاديث ما رواه أبو سفيان عن جابر قال " دخل جابر بن زيد على عائشة
قال فأقبل يسألها عن مسائل لم يسألها عنها من قبل، سألها عن جماع النبي كيف كان يفعل وأن جبينها يتصبب عرقاً، وتقول سل يا بني ثم قالت له تمن أنت قال من أهل المشرق من بلد يقال لها عُمان قال أبو سفيان فذكرت له شيئاً لم أحفظه إلا أنّي أظنّ أنّها قالت أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره لي
وأشباه ذلك (1) ".
ومن هذه الأحاديث ما رواه الإمام أفلح بن عبد الوهاب " عن كتاب أخذه عن أبي غانم الخراساني من تأليف أبي يزيد الخوارزمي في السير رفع فيه أبو يزيد الحديث إلى رسول الله الله أن رجلاً من الأنصار وجد مع رجل سيفا لأخيه في
السوق فسأله من أين. هو. فقال أصابني من سهم من غنيمة فرفعه الأنصاري إلى النبي فقص عليه الرجل القصة ومن أين صار له السيف فقال له النبي: ابتغ الغنيمة في غير مال أخيك (2) ".
ويختتم الكتاب بما يرويه عن جابر بن زيد قال: " لما نزلت
هذه الآية هو وأنذير عشير لك الأفريين (3) جعل رسول الله ل ينتفخذ أفخاذ فخذا فخذاً حتى أتى إلى بني عبد المطلب فقال: يا بني عبد المطلب إنّ
قريش
الله أمرني أن أنذركم لا أغني عنكم من الله شيئاً ألا إن أوليائي منكم المتقون ألا لأعرفن ما جاء الناس غدا بالدين فجئتم بالدنيا تحملونها على رقابكم، يا فاطمة بنت محمد ويا صفيّة عمّة محمّد اشتريا أنفسكما من الله فإنّي لا أغني
عنكما
الله شيئاً (4) ". من
(1) ـ الفراهيدي: الجامع الصحيح، ص)
257 - 258
(2) ـ الفراهيدي: المصدر السابق، ص 259 - 260
(3) - سورة الشعراء، الآية 214
الفراهيدي: الجامع الصحيح، ص 281 - 282.
222
(4)
- (1/240)
صفحة 241
ج - في التاريخ:
کتاب طبقات المشائخ بالمغرب للشيخ أبي العباس أحمد بن سعيد الدرجيني (ويعرض الكتاب المعلومات عن تاريخ الدعوة وتطوّرها في بلاد المغرب. وتبدأ هذه المعلومات من دخول الدعوة وقضاياها في المرحلة الأولى، فينقل الدرجيني رواية عن الإمام أفلح عن أبيه عبد الوهاب عن جده عبد الرحمن بن رستم أنه قال: " أوّل من. جاء يطلب مذهب الإباضية ونحن بقيروان إفريقية، سلامة بن سعيد قال قدم علينا من أرض البصرة ومعه عكرمة مولى ابن عبّاس متعقبين على بعير فسلامة يدعو إلى مذهب الإباضية وعكرمة يدعو إلى مذهب الصفرية (1) ".
ثم يقدّم لنا معلومات دقيقة عن المرحلة السرية لانتشار الدعوة بين قبائل جبل نفوسه، ومنطقة طرابلس، ثمّ عن ظهورها ومبايعة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري سنة (140 هـ / 757 م) (، وأخذه لمدينة طرابلس، ورجوع والي أبي جعفر
(3)
(2)
المنصور إلى المشرق، وعن السياسة التي اتبعها أبو الخطاب أيام ولايته على طرابلس
(4)
ومكثه فيها أربع سنوات، ومن المعروف أنّ الخلاف قد احتد في صفوف الإباضيين، وانتشرت الفرق بينهم بعد أن أصبحت الإمامة وراثيّة إثر وفاة عبد الرحمن بن رستم، ومبايعة ابنه عبد الوهاب، فظهرت النكارية والوهبية والخلفية، وغيرها من الاتجاهات المذهبية داخل الدعوة، ويقدم الدرجيني في ترجمة أبي الربيع سليمان بن زرقون معلومات
ن)
(1)
(2)
- ينحدر الدرجيني من أسرة بربرية إباضية من قرية "تميجار" بجبل نفوسه، رحل في مطلع شبابه إلى وارجلان للأخذ عن شيوخها الإباضيين سنة 616 هـ / 1219 م. وواصل الدراسة في توزر سنة 633 هـ / 1235 م وقد أقام مدة في جزيرة جربة حيث اشتهر بين العزابة فيها بمعرفته الواسعة في ميادين الأدب واللغة والسير والفقه، وقد اختاره عزابة الجزيرة لتأليف طبقات
المشائخ. توفي عام 670 هـ / 1261 م.
(أنظر، البرادي: الجواهر المنتقاة، ص 11 وما يليها).
- الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 11.
أنظر
، الدرجيني: المصدر السابق، ص
23 - 22
(3) ـ أنظر، الدرجيني: المصدر السابق، ص 26.
(4) ـ أنظر، الدرجيني: المصدر السابق، ص 8.
223 (1/241)
صفحة 242
دقيقة ليس عن. هذه الفرق فحسب بل عن القبائل والجماعات والمدن والقرى التي ناصرت
هذه الفرقة أو تلك
(1)
وفي ترجمة الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر - عاش في القرن الخامس ـــ نجد وصفاً دقيقاً لنظام ملفات المذهب الذي وضعه محمد بن بكر، والحياة اليومية للعزابة، ولا سيما وأن هذا النظام الجديد لم يعرف أيام الإمامة الرستمية بتاهرت، ويعرض للحياة
الدينية والمذهبية في المناطق الجغرافية التي عمّ فيها نظام العزابة، وبخاصة في جبل نفوسه، وجزيرة جربة، وبلاد الجريد
(2)
ويتين في سياق التراجم لشيوخ المذهب الصلات المذهبية والفكرية بين إباضية المشرق والمغرب، وعن مدوّنة إباضية أصبحت عمدة الإباضيين، بعد تلف المصادر الإباضية بتاهرت يقول " وذكروا أن أبا غانم بشر بن غانم الخراساني خرج من المشرق متوجهاً إلى المغرب ليفد على الإمام عبد الوهاب الله، ومعه مدوّنته المشهورة التي رواها عن تلامذة أبي عبيدة رحمه الله، وقيد سماعها عنهم، فاجتاز على جبل نفوسه فاستودع عمروس الكتاب المذكور، وتمادى إلى تاهرت بعد أن استأذنه عمروس في انتساخ الكتاب المذكور فلم يأذن له، وعمروس حينئذ حدث، فحسّن عمروس الظنّ وحمله الحرص في العلم على انتساخه، فواظبه وعكف على النسخ وأخته تملي عليه، وكان إذا جلس للنسخ في موضع لازمه حتى تدركه الشمس، فينتقل إلى الظل والأصل في يدي أخته، وعينه في الكتاب لا يتحول حرصا على إحياء العلم، فما رجع أبو غانم من تاهرت إلا وقد أكمل عمروس انتساخ الكتاب .... وكان الكتاب في اثني عشر جزءاً، وفي إثر هذا كان ما كان من تلف ديوان تاهرت غضباً
وحرقاً، ولولا تمسك عمروس بهذا الكتاب لم يبق لأهل المذهب بجهات المغرب
ديوان يعتمد عليه
" I (1)
(1) ـ أنظر، الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 97 - 109. (2) ـ أنظر، الدرجيني: المصدر السابق، ص 167 - 195.
الدرجيني:
: المصدر السابق، ج 2، ص 323.
224 (1/242)
صفحة 243
ويبين اهتمام الإباضية في المغرب بتأليف اخوانهم في المشرق. وهذا الاهتمام أسهم في تعريب مراكز الحياة الفكرية في المناطق التي تقطنها القبائل البربرية المناصرة للدعوة، ولا سيما في منطقة جبل نفوسه، وأنّ بعض الدروس كانت تلقى بالعربية ثم يعقبها تفسير بالبربرية، ويفيدنا أنّ الأقوال والمواعظ المنسوبة إلى أبي سهل الفارسي - من الطبقة السابعة (300 هـ / 350 هـ) مدونة بالبربرية (1)
ونستشف من ترجمته لأبي ذرّ أبان بن وسيم النفوسي - من الطبقة الخامسة 200 هـ / 250 هـ ـ أن اليهود كانوا يتعايشون مع الإباضية في جبل نفوسه ويشتغلون ببعض الحرف والتجارة حين رخص للناس " في ثلاث مسائل: أفتى فيها وشهد له فيها كلّهم بالصواب.
الأولى: أنّ النساء قد كنّ في رمضان متى كنّ في انتظار أيام الحيض إذا أقبل الليل يوقدن النار الليل كله خشية أن يفاجئهن الأمر ولا علم عندهن فكان ذلك أشدّ شيء عليهن تعباً ونصباً، فقال لهنّ أبان أيما امرأة منكن أحست شيئاً من ذلك فلتجعل علما فكل ما رأت على علمها
بعد الصبح. فاستدلت به، حکمت بذلك، ويجزيها
- الثانية: أنّ نساءهن المرضعات كن يرين أنّ وضوءهن منتقض بأفواه أولادهن فمتى أرضعن أعدن الوضوء في كل وقت صلاة لأجل أفواه الرضع،
فقال لهن أيما امرأة حفظت فم ولدها ومسحته فأرضعت وهي متوضية
فلا ينتقض وضؤوها.
الثالثة: أنهن إذا عملن غزلا قد صبغها اليهودي، فمسته رأين أن وضوءهن قد انتقض لمسه، لأن اليهودي نجس فقال لهن أيما امرأة مست صباغ اليهودي
فليس عليها إلا غسل يديها وليس عليها إعادة الوضوء (
(1) ـ أنظر، الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 351 - 352 (2) ـ الدرجيني: المصدر السابق، ص 303.
#1 (Y)
220 (1/243)
صفحة 244
قلد الدرجيني في تأليف الكتاب من سبقه من
كتاب التراجم
الكتاب إلى جزءين:
- الجزء الأول: يعيد فيه كتاب السيرة وأخبار الأئمة لأبي يحيى بن أبي بكر الوارجلاني، فيصف طريقته في مطلع الكتاب بقوله " وقد رأيت أن أقدم مقدّمة تكون فراشا للكتاب، تفهم منها ألفاظ اصطلح عليه أصحابنا المتأخرون، وفيها عند من لا يعرفها اضطراب، ثم يتأتي بيانه، ليتم المقصود ويتألف، ثم أجرد السيرة وأنقلها من الكتاب المذكور، على حسب ما وقعت فيه، وما كان في ألفاظه خشونه نقلت معانيه فيكون تفهم ما سألت سهلاً على قارئه (1) ".
ـ الجزء الثاني: وهو التأليف الحقيقي لأبي العباس حيث يقدم معلومات غزيرة ودقيقة عن مشائخ طبقات المذهب في بلاد المغرب، ويترجم لعدد كبير منهم، لم يترجم لهم أبو زكريا، وقد اتبع في تصنيف رجال الطبقات ما فعله الشيخ الإباضي أبو عمار عبد الكافي - من الطبقة الثانية عشرة (550 هـ / 600 هـ) فرتب التراجم على المئين من سني الهجرة، وذكر الخمسين من كل مائة، وقد أكمل الدرجيني ترتيب أبي عمار عبد الكافي الذي ترجم للمشائخ حتى الخمسين الأولى من المائة السادسة، فذكر ما اشتملت عليه الخمسين الأخرى من المائة السادسة وهم الشيوخ الذين أخذوا عن آخر طبقة ترجم لها أبو عمار عبد
الكافي، ثمّ ترجم لمن اشتملت عليه الخمسون الأولى من
السابعة
المائة
(1) ـ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 3.
226 (1/244)
صفحة 245
- استنتاجات:
حرص الإباضية كغيرهم في الشمال الإفريقي على تأمين مستلزمات التعليم، وبما أن المنهاج التعليمي يخدم أهدافهم لذلك كانت وسائله وأدواته مستخلصة. من بيئتهم، وحرصوا على جعلها صالحة لخدمة مذهبهم.
التي
هي
ورفضوا ازدواجية اللغة فتخلّوا عن البربرية وجعلوا التعليم باللغة العربية
لغة القرآن الكريم، والمؤلّفات في معظمها كانت كذلك في اللغة العربية
وإذا كانت كافة.
،
مواد التدريس في مدارس العزابة باللغة العربية التي لغة القرآن
مي
الكريم، فإنّ السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ما الذي جعل اللغة العربية بالأمس صالحة لأن تكون لغة العلوم، التي أشرقت شمسها على العالم حينذاك، غير صالحة اليوم للقيام بالدور نفسه؟
إنّ المشكلة لا ترجع إلى عجز في اللغة العربية، أو إلى ضعف دب فيها بفعل الشيخوخة، إذ هي أقدم اللغات الحية التي يتحدّث بها اليوم، إنما العجز يرجع إلى
ضعف أهلها.
" إن المشكلة ليست في اللغة، إنما هي م
مشكلة الناطقين بها، ومن ثمّ علاج
القضية في علاج أهلها أولاً، باقناعهم بأنّ اللغة العربية والتعليم بها، والتعريب في قضية الساعة التي يجب أن تحسم بأسرع وقت ممكن، أولاً باقناع أهلها
جامعاتنا
هو
بالدور الحضاري لهم كعرب مسلمين في مسيرة الحضارة المعاصرة، واقناعهم بأن العامل الحضاري عامل فعّال في حياة اللغات، عند ذلك سيعلم أولئك الذين يتطلعون إلى أوروبا وأمريكا وينبهرون بهما أنهم على خطأ (1) ".
واسرائيل، وللأسف، مثال يحتذى. لقد أصرّت اسرائيل على إحياء اللغة
العبرية الميتة، وجعلتها لغة الأبحاث الذرية في معهد وايزمان، بل لجأت إلى استخدام
(1)
فرج، السيد أحمد: تعريب التعليم الجامعي ضرورة علمية وإسلامية، ص 31، القاهرة، دار الصحوة
للنشر والتوزيع، 1413 هـ / 1993 م.
227 (1/245)
صفحة 246
الجذور اللغوية العربية بإضافات عبرية لتلك المصطلحات العلمية الجديدة، مستفيدة من
الصلة الاشتقاقية بين العربية والعبرية (1)
لقد فهم أعداؤنا حقيقة الصراع فتمسكوا بلغتهم، وخير مثال على ذلك ما جرى في مقابلة أجرتها إذاعة اسرائيل مع البروفسور " أرون تادكز" " تحت عنوان الإسلام واليهود واسرائيل، حيث قال: " إنّ المسلمين لا يمكن أن يقبلوا بسيطرة اليهود على المنطقة، إلاّ إذا تعرضوا لعملية إعادة تعليم، وعملية غسيل مخ شاملة تغيّر عقائدهم الراسخة، وتمحو من تراثهم وسلوكهم وكتبهم المدرسية وتفكيرهم كلّ الأفكار الراسخة في عقولهم وضمائرهم، ثمّ أعرب عن يقينه بأنّ حكومة اسرائيل سوف تصرّ على أن تكون عملية التعليم من البنود الملزمة سواء كانت سرية أم علنية، في أي معاهدة سلام توقع مع دولة عربية، ويكون التباطؤ في عملية إعادة التعليم بمثابة خرق للاتفاقية تخوّل لإسرائيل حق التدخل المباشر لفرضها على الأجهزة الإعلامية والإدارية والتعليم وغير ذلك (2) ".
الموارد المالية:
حث الإسلام على طلب العلم، وأول آيات القرآن الكريم قوله تعالى أقرأ باسم ربك الذي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَنَنَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي علم بالقلم، عَلَمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (3)) هي دعوة إلى طلب العلم والحرص عليه، وجعل الحديث الشريف (إنما بعثت معلماً () المسلمين يقبلون على العلم والتعليم اقبالاً قل مثيله في أمة من الأمم.
(1)
(Y)
(1)
;
أنظر،، سعيدي، عثمان: كيف نخرج من المأزق الثقافي، ص 110 - 114، مجلة العربي، الكويت،
العدد 303، شباط 1984
- حسنة، عمر عبيد: كلمة التحرير، ص 5، مجلة الأمّة القطرية، العدد 16، السنة الثانية،
ربيع الآخر 1402 هـ. - سورة العلق، الآية 1 - 5.
الدرامي
، أبو محمد عبد ا
الله
بن عبد الرحمن: سنن الدرامي، ج 1، ص 54، تحقيق السيد عبد الله
هاشم يماني، القاهرة، شركة الطباعة الفنية المتحدة 1966.
228 (1/246)
صفحة 247
أ - موارد التعليم في التربية الإسلامية:
ازدهر التعليم في العالم الإسلامي، وبخاصة في الشمال الإفريقي، وساعد على
ازدهاره مصادر تمويله التي كانت:
(1)
(2)
- ذاتية: حيث كان المعلّم يتقاضى أجراً على التعليم، والأجر الذي كان يدفعه
أولياء الأمور نظير تعليم أولادهم كلّ مدّة من الزمن، يشارط عليه المعلم وكتب " شجرة بن عيسى إلى سحنون، يسأله عن المعلم يستأجر على صبيان يعلمهم، فقال: إذا استؤجر سنة معلومة، فقد لزمت آباءهم الإجارة، خرجوا أو أقاموا (1) ".
وكان المعلم يتصل بولي أمر التلميذ للاتفاق على المادة المطلوب تعليمها وشكل التعليم والزمن المخصص، وشروط دفع الأجرة، ويتفق على ذلك ضمن عقد " ويحرّر العقد عادة لمدة عام، ابتداء من الشهر الذي يتم فيه، وكان المقابل أجراً أو هدايا، يقدّم مالاً في جانب منه، ويدفع مع كلّ شهر، وجانب آخر يقدم عينا، وفي مقابل ذلك، كان على المدرّس أن يبذل جهده ومهارته في
تعليم الصبي)
" (2)
ولم تكن " أجور التعليم محدودة، ولا مفروضة على جميع الأولاد بالتساوي، بل كانت ترتبط بمقدرة الآباء من جهة، وترجع إلى
شعورهم نحو الفقيه، وإلى خدماته من جهة أخرى (3) ".
- ابن سحنون: آداب المعلمين والمتعلمين، ص 119.
- ربييرا، خوليان: التربية الإسلامية في الأندلس، أصولها الشرقية وتأثيراتها الغربية،، ص 48، ترجمة الدكتور الطاهر أحمد مكي، القاهرة، دار المعارف،
د. ت
(3) ـ عبد الجواد، محمد: في كتاب القرية، ص 111.
229 (1/247)
صفحة 248
(1)
- عامة: حيث يتلقى الطلاب التعليم المجاني، ويتولّى الانفاق على هذا النوع من التعليم أفراد يشترطون " على المؤدّب والأطفال عند انصرافهم بعد الدراسة قراءة بعض آيات القرآن وإهداء ثوابها للواقف وذريته، والدعاء له دعاء حسناً (1) ".
أو يتولى الأمراء والوزراء الانفاق على التعليم بهدف " التقرب إلى الرعية، وخاصة عندما يكون المنشيء بحاجة إلى مؤازرة الشعب له لتحقيق طموحه السياسي، ولهذا نجد أنّ ما أنشأه الأمراء من البنايات أكثر مما أنشأه السلاطين، وكذلك خوف الأمراء من بقاء ثروتهم بأيديهم خصوصاً في عصر الضعف الإسلامي والتمزق، لتعرضهم دائماً لفتك السلاطين بهم ومصادرة أموالهم، فهم يضعون ثروتهم في هذه المؤسسات العامة التي يصعب على السلطان مصادرتها، ولهم مع ذلك أن يخصصوا لأنفسهم وذرياتهم نصيباً من ريعها بأن يشترط ذلك في
كتاب الوقف
" I (Y)
الصدقات
أو أن تخصص الدولة الأموال توزّعها على العلماء وطلبة العلم، فقد نقل المالكي أن أمراء بني الأغلب " كانوا يأتون جامع القيروان ليلة نصف شعبان وليلة نصف رمضان، ويعطون فيها من كثيراً، ثم يخرجون في حشمهم وأهل بيتهم وخدمهم من الجامع إلى المدينة فيزورون دور العباد والعلماء والكتاتيب والدمنة ـ هي مستشفى بالقيروان - فيوزعون عليهم الأموال والعطايا (3) ".
عبد العاطي، عبد الغني محمد: التعليم في مصر زمن الأيوبيين والمماليك، ص. 93، رسالة ماجستير
مقدمة إلى كلية الآداب قسم التاريخ، جامعة القاهرة 1975.
(2) ـ عطية، سليمان اسحق: ابن حجر الهيثمي وخلاصة تحرير المقال في آداب وأحكام وفوائد يحتاج إليها
(3
مؤدبو الأطفال، ص 7 - 8، القاهرة، مكتبة الإنجلو المصرية 1978.
(6) - المالكي: رياض النفوس، ج 1، نشر حسين مؤنس، ص 318
230 (1/248)
صفحة 249
- ب موارد التعليم الإباضي في مرحلتي الكتمان والظهور: عمد الإباضية إلى تنظيم الموارد المالية لدعم التعليم الذي ينشط الدعوة الإباضية
لتستمر في تأدية دورها الدعوي، وكانت الأموال تتدفّق على التعليم من الموارد التالية:
عبد الله
1 - جمع التبرعات:
نظم الإباضية وسائل مواردهم المالية، وبخاصة عند الطوارئ، حيث ينشطون
في جمع الأموال اللازمة، ويعطي الدرجيني مثالاً على ذلك عندما خرج الإمام بن يحيى، ووجه أبا حمزة المختار بن عوف، أقام حاجب فجمع له أموالاً كثيرة ليعينه بها، فكتب على كل مو موسر من المسلمين - الإباضية - قدر ما يرى، قال فما امتنع عليه أحد فيقول " دعا أبا طاهر، وكان شيخاً فاضلاً قال عليك بالنساء وأوسط فإنا نكره أن نكتب عليهم ما لا يحملون، قال فانطلق أبو طاهر فيما انطلق معه من المسلمين، قال فلم يأتوا يومئذ امرأة ولا رجلاً إلا وجدوه مسرعاً فيما سألوه، قال وكان رجل من المسلمين لم يكن أحد يرى أنه صاحب مال فدفع إليهم ثلاثة آلاف درهم. قال فقال له أبو طاهر أي أخي، العيال، فقال الله لهم. والله ما رأيت منذ كنت وجها مثل هذا انفق فيه، فإذا وجدته أفأدعه؟ ولا يرجع إلي منها شيء، ولكن يا عبد الله لا تخبروا باسمي ما بقيت، قالوا ففعلوا، فلم تمس الليلة إلا وجمع أبو طاهر عشرة آلاف درهم، قال فأتوا حاجبا فأخبروه فَسر بذلك، وقال إنّ في الناس لبقية بعد، قال فاشترى بتلك الأموال سلاحاً ووجهه، ووجه ما بقي إلى أبي حمزة (1) ".
2 - العطايا:
كانت قبائل البربر تساعد طلبة العلم بتقديم العطايا، ويذكر الدرجيني " أنّ
قبائل زنزفه ولمايه ومزاته، وتما حولهم من القبائل يبذلون الجهد في معونة الطلبة بالهدايا
والعطايا واللطف فكانوا في أبر حال (2) ".
(1)
الدرجيني:: طبقات المشائخ، ج 2، ص 262.
(2) ـ الدرجيني: المصدر السابق، ج 1، ص 194.
231 (1/249)
صفحة 250
- معونة إباضية المشرق:
عندما قامت دولة الإباضية في المغرب، كانت بحاجة إلى الأموال لتنفق على مؤسسات الدولة، وبخاصة التعليم الإباضي، فلما علم إباضية المشرق بذلك جمعوا أموالاً عظيمة وبعثوا بها مع نفر من ثقاتهم وقال بعضهم البعض قد ظهر بالمغرب إمام ملاه عدلاً، وسوف يملك المشرق ويملأه عدلاً، فانهضوا إليه بما معكم من هذه الأموال حتى تردوا المدينة التي سكنها، فإن كان على ما نقل لنا من حسن طريقته وصحة سيرته فادفعوها إليه، وإن كان على غير ذلك فانظروا إلى أفعاله وما يتولاه من الأحكام بين رعيته ثم أتونا بذلك كله، وعندما وصلوا إلى تاهرت قالوا للإمام عبد الوهاب معنا ثلاثة أحمال من المال بعث بها إليك إخوانك لتنفق منها على زمانك وتصلح به شأنك (1)
وبعثوا في السنة الثالثة من ولاية الإمام عبد الرحمن بعشرة أحمال من المال وأرسلوا إلى رسلهم الأولين وأعلموهم بما جمعوه من المال، وأمر عبد الرحمن بالأحمال فأحضرت ثمّ قال للرسل تكلموا فتكلّمت الرسل إلى الناس بمثل ما كلمت عبد الرحمن، فقال عبد الرحمن للناس ما ترون؟ قالوا الأمر إليك. فقال إذا أردتم الأمر إلي فإني أرى أن تردّ هذه الأموال إلى أهلها، ويدفعوها لمن يستحقها من فقرائهم وضعفائهم، فإنا نما كنا قبلنا ما قبلنا في أوّل بدء أمرهم للحاجة التي كانت بنا إليه وللفاقة التي مزمت عوام إخواننا (2).
ج - موارد العزابة:
طور الإباضية طرق التعليم بعد سقوط الدولة الرستمية وأنشأوا نظام العزابة الذي أشرف على التعليم، ونظموا موارده المالية، لأنّ الدراسة في جميع مراحل العزابة كانت مجانية، وكان المجتمع الإباضي يتعاون كل حسب طاقته وإمكانياته في استمرار
(1) ـ أنظر، ابن الصغير: تاريخ الأئمة الرستميين، ص 32 - 35.
(2) ـ أنظر، 1 - أبو زكريا: سير الأئمة، ص 83 - 84.
2 - الباروني: الأزهار الرياضية، ص 90 - 91.
232 (1/250)
صفحة 251
مجالس العزابة، ومن كان لا يقدر على تأمين الأموال النقدية، كان يقدم الأموال العينية وفي كل مسجد حجرات واسعة نظيفة فيها خوابي واسعة مخصصة، تسع عشرات
القناطير، لخزن التمر الذي هو وقف للفقراء في المسجد، يوزع عليهم دائماً بين الصلوات وقبل الفجر وبعده
" (1)
كانت موارد المدرسة جزءاً لا يتجزأ من ميزانية العزابة التي تنيب بعض أعضائها للاشراف على وارداتها المختلفة وأوجه صرفها وطرق تنميتها، ويمكن تقسيم موارد بيت مال العزابة إلى قسمين: موارد ثابتة، وموارد غير ثابتة.
1 - الموارد الثابتة:
تشمل الموارد الثابتة الحبوس والأوقاف الخاصة بالمسجد، ومن المحتمل أنها كبيرة جداً، بحيث تفي بالتزامات العزابة نحو المسجد والطلبة. وإذا علمنا أنّ العزابة كانوا يشرفون على كلّ شيء، وأنّ بعضهم كان يشرف على تأسيس المدن الإباضية، وبخاصة في ميزاب، ندرك أن هؤلاء خصصوا أموالاً كثيرة تمكنهم من تأدية واجبهم الاجتماعي والديني، كما أنهم حبسوا الكثير من الضياع والواحات والبساتين وجعلوها
وقفاً للمسجد
ونظراً لأهمية هذا المورد، اعتاد شيخ العزابة أن يعين اثنين من أصحاب العزابة
للاشراف عليها والعمل على تنميتها وتطويرها باستمرار (2)
وشكلت الزكاة مورداً ثابتاً لبيت مال العزابة، وكان الإباضيون يتسابقون
لأدائها دون إكراه أو إجبار. صحيح أنّ هذه الأموال كانت تمنح للفقراء والمحتاجين،
ولكن القسم الأكبر كان يسلّم للعزابة فيودعونه بيت مال الحلقة، ليصرف على المسجد:
وشؤون الجماعة الإباضية المختلفة، ومنها التعليم (3)
(1)
(2)
- دبوز، محمد علي: نهضة الجزائر، ج 1، ص 171. - أنظر، خليفات، محمد عوض: التربية عند الإباضية، ص 973
(3) ـ أنظر، عبد الكافي، أبو عمار: رسالة العزابة، ص 4 - 6.
،
233 (1/251)
صفحة 252
- الموارد غير الثابتة:
كان مصدر الموارد المالية غير الثابتة ما يقدمه الإباضية من أموال ومساعدات رغبة وتقرباً وتكفلاً بنفقات التلاميذ لمدة معينة، وهناك أمثلة عديدة في هذا الصدد. من
هذه الأمثلة
:
1 - تكفّل أحد الأغنياء بالانفاق على تلاميذ العزابة، فقد كان أبو زكريا فصيل بن أبي ميسور - من علماء القرن الرابع الهجري - يقول: منزل التلامذة كشجرة الخروب يعني أنه لا ينبت حول الخروب نبات، فإن نبت كان ضعيفاً، لأن الخروب يشتف، وكذلك ما كان حول منزل التلامذة، وكان يصرف الدنانير بالدراهم ويجعل الدراهم في القراطيس والصرر يعلّقها في ألواح التلامذة، وربما جعلها في أوعية دفاترهم، ورتما جعلها بين التلميذ وبين ثيابه، وهم لا يشعرون، وكلّ ذلك رغبة كتمان الصدقة (1)
في
2 - إنفاق المال على طلبة العلم كما فعل الشيخ سليمان بن علي ـ من الطبقة الثانية عشرة .. 550 هـ / 600 هـ ـا هـ ـ الذي أنفق ماله على طلبة العلم، ولم يبق لنفسه غير دويرة وبساتين، ولما قل ماله لم تنتقص أفعاله؛ قيل له: يا شيخ إن مالك قد قل ومؤونتك قد كثرت، فهل في خمسين وبية تمر أو مائة شاه تكون لك عندي كل عام تستعين بها على أضيافك، وأضياف المسجد وضعفاء أهل الدعوة، فقال له لا والله إنّ فيما ألقى الله لكفاية، أؤدي منها حقوق ما ذكرت ولو على عسر، ولكن إذا كنت فاعلاً فقم بحقوقهم كما قام به غيرك، وتول ذلك بنفسك ومالك ـ التبرعات التي يقدمها الأغنياء قبل وفاتهم، بتخصيص جزء من أموالهم لبيت مال بجل أمواله لهذا الغرض مما ساعد على إثراء بيت
(2)
الحلقة، وكان بعضهم يوصي: المال ومده أحياناً بإيرادات ثابتة " إذا كانت الوصيّة تشمل الأموال غير المنقولة
مثل الأراضي والبساتين وينابيع المياه (3) ".
(1) ـ أنظر، الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 2، ص 363 - 364.
(2) ـ أنظر، الدرجيني
المصدر السابق، ص 520.
(3) - خليفات، محمد عوض: التربية عند الإباضية، ص 975.
234 (1/252)
صفحة 253
- استنتاجات:
يقر الإباضية بأهمية الوقف في صمود مدارس العزابة واستمرارها في أداء دورها الثقافي والتربوي " وعلى هذا الحبس القديم كانت تعتمد الأمة - الإباضية - في مقاومة الجهل ومحاربة الأمية ونشر الدين الإسلامي، وبث العلوم بين طبقات الشعب وتربية العامة تربية أخلاقية إجتماعية، وعلى ريع تلك الأوقاف كان يعتمد الخصوص في النفقات على الأيتام والفقراء الذين يطلبون العلم ولا معين لهم إلا الله، وبتلك الأوقاف كان يحفظ القرآن الكريم كل سنة عدد كبير من أبناء الأمة (1) ".
وإذا كان الإصلاح يكمن في تعليم المسلمين، الذين لا يزالون يعانون من آثار التخلف الفكري والاقتصادي والعسكري، وإذا كان النهوض التربوي قد تعثر بعد أن وثبت قوى الاستعمار إلى هذا المعقل الحصين واستفردت به، وأصبحت المدارس والمعاهد والجامعات تحت سيطرة السياسة الاستعمارية، وتبعاً لذلك أصبحت مناهج التعليم هي مناهج المستعمر، وخرجت الجامعات ومناهجها أجيالاً متتالية من النخبة التابعة لفكر المستعمر، وتابعة له في أساليب حياتها، وحتى الجامعات الإسلامية مثل الأزهر والزيتونة بدأت تضعف أمام قوة الجامعات الحديثة، التي تسمى بالجامعات المدنية
فإنّ التعليم الإباضي نما وتطوّر، لأنّ الوقف، الذي كان ينمى باستمرار، أمن
لمدارس العزابة الاكتفاء المالي.
لقد كان الوقف في حياة أمتنا راسياً من رواسي الخير التي تشبه إلى حد بعيد الرواسي الملموسة - السفن - وتدفع بنا إلى أبعاد ثلاثة رئيسية، نكتشف معها تطوّراً وارتقاء لا شك فيه في مستوى التعامل والتعاطي مع الوقف، وهذه
الأبعاد هي:
(1)
إبراهيم، أبو اليقظان: إفتتاحية مجلة البصائر، ص 1، الجمعة، 29 شوال 1372 هـ. (1/253)
صفحة 254
أ - الثبات: فالدور التثبيتي للخير والدارئ للشر الذي يقوم به الوقف، ولئن كان دور الدعوة الإسلامية بمفهومها التبليغي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنّ دور الوقف بالمعنى التثبيتي هو تأمين موارد ثابتة لتحقيق هذا التبليغ، وإنفاذه و تجويزه العقبات والمفاوز.
ب - الضابطية: فالوقفيات والوصايا تنضبط بضوابط تبدأ من الفكرة ومشروعيتها، ثم بالجهات المعنية بتسجيل وتوثيق وضبط الوقفيات، ثم بالطريقة التنفيذية، ثم بالمكلفين بالتنفيذ وهكذا.
فالوقفيات تتميز بالضبط والتوثيق وتفترق عن عمل الخير المجرد بهذه
الخصوصية، فعمل الخير يمكن أن يقوم به كلّ أحد بضوابط وتوثيق أو بدون، وليس هذا للوقفيات.
ت - التفاعلية المجتمعية: يختبئ هذا البعد وراء الدوافع والخلفيات التي دفعت كلّ واقف على حده،،، ولكن هذا البعد يتحوّل إلى أبعاد كثيرة واضحة ظاهرة عندما تعاد دراسة الوقفيات دراسة مسحية تحليلية تستكنه الخلفيات الاجتماعية والبيئية والاقتصادية والمرحلة التاريخية للوقفيات وأنواعها (1)
وإن الحاضر الذي نعيشه يستلزم منا تخطيطاً وتنفيذاً ويرتجي إمكانيات نوعية لرؤى تربويّة استنهاضيّة. " والجدير بالذكر أنّ للأوقاف أهمية كبرى على كافة الأصعدة المتعلّقة بحياة الفرد والجماعة، ولقد أدّت رسالتها عبر العصور الإسلامية بالرغم من بعض فترات الانحطاط، لأن واردات الأوقاف استطاعت أن تشكل الضمانات التي أدت إلى تطور المجتمع في الدولة الإسلامية بكافة عناصره الإسلامية والنصرانية
(1) - أنظر، زيدان، عبد الحليم: فلسفة الوقفيات وإعادة التعريف، ص 17، مجلة الوعي الإسلامي، الكويت، العدد 348، شعبان 1415 هـ / كانون الثاني 1995 م.
236 (1/254)
صفحة 255
واليهودية، لأنّ واردات الأوقاف كانت تصرف أحياناً على المسلمين
وعلى سواهم من غير دينهم
" (1)
ومن هنا كان لا بد من أن نطرح مفهوماً جديداً للوقف بأبعاده التنموية والمجتمعية متجاوزين المفهوم التقليدي، ونحصر هذا المفهوم التقليدي بأنه تعريف للآلية التنفيذية للعمليّة الوقفية والقائمة على حبس الأصل وتسبيل
المنفعة
(1) - حلاق، حسان: أوقاف المسلمين في بيروت في العهد العثماني، سجلات المحكمة الشرعية في بيروت، ص 30 - 31، بيروت، الدار الجامعية، ط 2، 1988.
237 (1/255)
صفحة 256
الفصل الخامس
النشاطات التعليمية والعقاب
الاختبارات والمناهج.
الإختبارات في الكتاب والمعاهد:
1 - الامتحانات في المناهج التربوية. 2 - الهدف من التقييم.
3 ـ الاختبارات في الفكر التربوي الإباضي:
أ - المحاضرة.
ب - المناظرة.
ج - الاختبارات الدورية.
د ـ الاختبارات السلوكية.
استنتاجات
•
النشاطات اللامنهجية:
1 - الترويح في التربية الإسلامية.
أ - أثر الترويح التربوي على الطلاب
:
1 - المحافظة على الصحة الجسدية.
2 - الإسهام في التنمية الخلقية.
- الإسهام في تنمية المعرفة.
4 - الإسهام في التكيف النفسي السليم. ه - الإسهام في تنمية الجانب الاجتماعي
238 (1/256)
صفحة 257
2 - الترويح في الفكر التربوي الإباضي: أ ـ القيام بالرحلات المدرسية.
ب - التدريب على الأعمال الشاقة
ج - التدريب على الفروسية والقتال.
استنتاجات
العقاب:
استنتاجات
•
1 - التأديب في التربية الإسلامية.
2 - أسلوب التأديب في التربية الإسلامية.
3 - أسباب التأديب في الفكر التربوي الإباضي
4 - أساليب التأديب
239 (1/257)
صفحة 258
الاختبارات والمناهج
قامت طائفة من الدراسات حول قيمة الامتحانات، وحول مقدرتها على تشخيص الكفاءات الحقيقية والتنبؤبها، ولا يمكن دراسة قيمة الامتحانات بمعزل عن المنهج ومكوناته بمفهومه الحديث (1)، والذي يشمل الأمور التالية:
الأهداف التربوية
المقررات المدرسية
أساليب التقويم
الكتب والمراجع
الإدارة المدرسية
طرق التدريس
المختبرات والمعامل
المنهج
المعدات والأجهزة
الحدائق
الوسائل التعليمية
الخبرات التعليمية
الأنشطة التعليمية
قاعات الدراسة
المرافق المباني
الكراسي والأدراج
الملاعب
قاعة المسرح
(1) ـ أنظر، راشد، علي: مفاهيم ومبادئ تربوية، ص 48، القاهرة، دار الفكر العربي 1414 هـ / 1993 م.
240 (1/258)
صفحة 259
ولا ينبغي دراسة الاختبارات في الفكر التربوي الإباضي بمنعزل عن المنهاج
التربوي الإباضي السائد في مدارس العزابة.
- الاختبارات في الكتاب والمعاهد:
1 - الامتحانات في المناهج التربوية:
تعتمد المناهج التربوية نظام الامتحانات أو الاختبارات خلال العام الدراسي
لتقييم تحصيل الطالب، وانتهت معظم الدراسات التي أجريت على الامتحانات التقليدية إلى نتائج غير مشجعة، مفادها أنّ هذه الاختبارات لا تتصف بالموضوعية والدقة " وأنها لا تكون حكماً صحيحاً على قابليات الطلاب الحقيقية وكفاءاتهم (
" (1)
ومن أقدم هذه الدراسات، تلك التي قام بها ستارك " Starch و أليوت " Elliott " عام 1912، عندما طلب هذان الباحثان من (142) أستاذاً أن يضعوا علامات لأوراق اختبار في اللغة الإنكليزية، فحصلا على علامات تتراوح ما بين ومنذ ذلك الحين توالت الأبحاث
57 و 95 من مئة
(2)
وإذا درسنا واقع الاختبارات في المناهج الدراسية الحالية، نجد أن هذ
الاختبارات لا تخلو من العيوب التالية:
(1)
أ ـ عدم شمولها لجميع أجزاء المنهج الدراسي، فالاختبار الذي يتألف من عدة أسئلة، لا
يمكن أن يشمل المادة كلّها، وإنما المواضيع الهامة، التي غالباً ما تكون عامة
ويركز الطلاب في الغالب على حفظ مواضيع المادة الهامة وينجحون في
نهاية العام الدراسي، دون الإلمام الكامل بالدقائق الأخرى التي درسوها.
- عبد الدايم، عبد الله: التربية التجريبية والبحث التربوي، ص 376، بيروت، دار العلم للملايين،
طه، 1988.
(2) - أنظر: Starch, Daniel. and Elliott, c: Reliability of grading high school work in
English, p 442 - 457, school revievv, 20 september / 1912.
إقتبسه عبد الله عبد الدايم في التربية التجريبية، ص 377.
241 (1/259)
صفحة 260
(1)
ب ـ لا تعتمد هذه الاختبارات على ذاتيّة واضع الاختبار، سواء في اختيار الأجزاء التي توضع عليها الاختبارات، أم في صياغتها، وكثيراً ما ينشأ عن ذلك غموض في فهم مقصودها مما يؤدي إلى خروج الطلاب عن إجاباتهم عن موضوع السؤال، أو قد يجيبون عليها بطريقة ملتوية تصعب عملية التصحيح.
ج - يعتمد تصحيح هذه الاختبارات على ذاتيّة المصحح " فقد وجد عن طريق التجريب أنّ اختلاف أو تعدّد المصححين يؤدّي إلى اختلاف تقديراتهم للشيء الواحد. كذلك حالة المصحح الواحد من الناحية الصحية أو النفسية أو الظروف التي يقوم تحتها بعملية التصحيح تختلف من وقت لآخر، وينتج عن ذلك تفاوتاً في تقدير المصحح الواحد أيضاً، ويلاحظ إلى جانب ذلك أن بعض المصححين يميل إلى الشدّة في تقديراته، والبعض الآخر يميل إلى التساهل، وكثيراً ما يميل أغلبهم إلى إعطاء تقديرات تدور حول الدرجة المتوسطة، وفي جميع هذه الحالات لا يمكن تكوين فكرة واضحة عن تحصيل التلميذ
" (1)
د - تقتصر الاختبارات التقليدية على تقدير جانب واحد، وهو التحصيل، أو بمعنى أصح ما يمكن للطالب أن يتذكره من المعلومات دون الاهتمام بقدرته على التفكير واتجاهاته العلمية والعملية وما كوّنه من مثل وعادات وصفات
شخصية
(2)
وإذا كانت بعض المناهج التربوية الحديثة قد عدلت عن الاختبارات التقليدية إلى أسلوب الروائز ()، فإنّ عبد الله عبد الدايم ينقل الانتقادات
لبيب، رشدي وآخرون: الأسس العامة للتدريس، ص 162، بيروت، دار النهضة العربية، 1983.
(2) ـ أنظر، لبيب رشدي: المرجع ا السابق، ص
163
) - كلمة رائز تقابل كلمة test ، وهي من راز الحجر بمعنى وزنه ليعرف ثقله، واستخدامها يقابل استخدام كلمة إختبار نفسي، لاستخدام كلمة إختبار للدلالة على الفحوص العادية أحياناً وعلى غير ذلك من
المعاني، وللحاجة إلى استخدام كلمة واحدة في بعض الأحيان بدلاً من كلمتين (إختبار نفسي).، عبد الدايم، عبد الله: التربة التجريبية والبحث التربوي، هامش ص 272) ...
(أنظر
242 (1/260)
صفحة 261
إلى هذا الأسلوب من الاختبارات " طرق الفحص الجديدة التي تلجأ إلى الروائز لا تمتاز عن الفحوص التقليدية إلا بميزة واحدة، وهي أن رقابة موضوعية عن طريقها تتم مراقبة دقة الاختبارات وقيمتها بواسطة تحديد معاملات الانسجام والثبات والتنبؤ ... غير أنّ هذه الطرق الفنية الجديدة التي تلجأ إليها الروائز يمكن أن تطبق إلى حدّ ما على الفحوص التقليدية نفسها، وبهذا تسمح لنا أن نقدّر الثقة التي تستحقها، وأن نتحقق من أنّ هذه الثقة يمكن أن تزداد بفعل هذه التعديلات التي تدخلها هذه الطرق
#1 (1)
2 - الهدف من التقييم:
إن الهدف من التقييم هو معرفة نمو الطالب في جميع نواحي شخصيته، من النواحي العقلية والعملية والنواحي العاطفية والوجدانية والاجتماعية والمهارات. لكن من النواحي، فإنّ التقييم في الاختبارات التقليدية يقتصر على النواحي العقلية
هذه جميع
وحدها، حيث يتم التركيز على الحفظ فقط دون الاهتمام بالنواحي الأخرى.
ويحدد نظام الاختبارات المعتمد في المؤسسة التربوية أسلوب التقييم الذي تسير عليه المؤسسة، ويلاحظ أن التقييم قد يعتمد على التقدير الشخصي أو الذاتي للمعلم، ذلك أسئلة المقال التي تقتضي الإجابة عن السؤال عدة أسطر أو صفحات.
ومن
ويرى إبراهيم عصمت مطاوع وواصف عزيز واصف أن من أساليب التقويم الموضوعية، أن تكون الأسئلة بحيث تكون الأجوبة عليها محدّدة تماماً، في كلمة أو يوضع علامة أمام الإجابة الصحيحة أو إختبار إجابة صحيحة، وهذا النوع من الأسئلة علاوة على دقته يجعل التصحيح عملية سهلة، إلا أنه يجب أن يراعى في الاختبار الموضوعي الأمور التالية:
(1)
1 - أن يتناول جميع أهداف المنهج: المعلومات، والميول، والمهارات والاتجاهات والتفكير، والقيم.
- عبد الدايم، عبد الله: التربية التجريبية، ص 42.
243 (1/261)
صفحة 262
2 - ألا يقتصر على قدرة الطالب على الحفظ، وإنما يحاول أن يقيس المستويات العليا من
التفكير مثل الفهم، والتطبيق، والتحليل والتركيب، والحكم.
ـ أن يغطي الاختبار أغلب المقرر.
4 - أن تكون تعليمات الاختبار واضحة.
ه ـ أن تكون الصياغة واضحة.
6 - أن تكون الطباعة واضحة، ومكان الإجابة واضح ومناسب.
Y
- أن تكون الإجابة محدّدة ولا تحتمل الجدل أو تعدّد الإجابات. - أن يعدّ المعلّم نموذجاً للإجابة أو مفتاح الإجابة حتى يسهل التصحيح.
9 - أن تكون هناك كمية وفيرة منه للاستخدام عند الحاجة (1).
- التقييم بمعناه الصحيح:
لا يقاس التقييم الصحيح بما يحصله التلميذ من معلومات، فالاختبارات جزء من التقييم، وإنما يشمل التقويم المؤس سسة التربوية، إنه تقييم لعملية التعلم والتعليم واتجاهات الطلاب وميولهم وطريقتهم في التفكير وعاداتهم.
ويخلص رشدي لبيب أهداف التقييم الصحيح بالأمور التالية:
1 - تحديد مدى وسرعة نمو التلميذ نحو بلوغ الأغراض أو الأهداف التي
المدرسة إلى تحقيقها.
•
2 - تشخيص نواحي القوة والضعف في عملية التعلم، مما يساعد المعلم على الاستمرار أو التعديل في طريقته وتخطيط عمله، وما يصحب ذلك من نشاط
تعليمي حتى تتحقق النتائج المرجوة.
(1) ـ أنظر، مطاوع، إبراهيم عصمت. واصف، واصف عزيز: التربية العملية وأسس طرق التدريس، ص 3 - 84، بيروت، دار النهضة العربية 1406 هـ / 1986 م.
244 (1/262)
صفحة 263
3 ـ مساعدة الطالب على فهم نفسه، من حيث التحصيل ومدى إمكانياته، حتى يتسنى له ولمعلمه كشف نواحي ضعفه وقوته، تما يساعد على توجيه عملية
تعلمه ونموه الفردي.
4 ـ مساعدة أولياء الأمور على فهم أبنائهم من حيث مدى نموهم وميولهم وإمكانياتهم المحتملة. من ناحية التحصيل والقدرة على التعلم.
ه ـ أن تتصف عملية التقييم بالصفات أو المميزات التالية:
أ - تشتمل على كل الوسائل اللازمة لجمع المعلومات عن سلوك الطالب وتصرفاته، وتهتم بنموه كما تهتم بنموه في الجماعة
ب ـ تستمر على فترات متعاقبة خلال العام الدراسي، وهي. عملية تشخيصية وعلاجية في آن واحد.
ج - تقدر الطالب من الناحية التعليمية والعقلية وصفاته الشخصية، كأوجه مترابطة ومتصلة ببعضها، وتعطي فكرة متكاملة. عن الطالب.
د ـ عملية التقييم عملية كليّة متكاملة، يشترك فيها التقدير الذاتي، أو الشخصي مع التقدير الموضوعي، بمعنى أنّ التقدير الذاتي يمكن أن يشتمل
على ملاحظة التلميذ، وكتابة التقارير المختلفة عنه، والمقابلات الشخص
والاختبارات الشفهية واختبارات المقال
(1)
- الاختبارات في الفكر التربوي الإباضي:
تستوحي!
المدرسة في أي مجتمع فلسفتها التربوية من فلسفة المجتمع الذي توجد
فيه، وتبني مناهجها وفق فلسفته وتقاليده ومشكلاته التي يعاني منها، وتطلعاته المستقبلية وطموحاته، ولا تخرج المناهج في المدرسة الإباضية على أنها ترجمة لواقع المجتمع الإباضي واستشرافه. ولا يمكن فصل أسلوب الاختبار عن التصوّر التربوي، وقبل تناول الاختبارات في الفكر التربوي الإباضي تطرح الأسئلة التالية:
(1) ـ أنظر، لبيب، رشدي، وآخرون: الأسس العامة للتدريس، ص 156 - 157.
245 (1/263)
صفحة 264
لماذا نريد كذلك؟
- ماذا نحاول أن نحقق؟
- كيف يمكن أن تكون عملية الاختبارات؟
إن أولى عملية التقييم هي الإلمام بالتصوّر التربوي للمؤسسة التربوية، والتصوّر التربوي الإسلامي يهدف إلى تحقيق أمرين هما:
أ ـ الإنسان العابد، حيث يصير الإنسان، كلّ إنسان عابداً " وذلك هو الهدف النهائي الكلي للتعليم والتربية في الإسلام (1) ". فالله سبحانه وتعالى خلق الناس جميعاً بهدف، عبادته، وبعث الرسل معلمين ليعلموا البشرية التوحيد، وكيفية أداء العبادة لله تعالى بقوله تعالى هو ولقد بعتنا في كل أمة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَ اجْتَنِبُوا الطَّعُوت (4))
ويرتي الفكر التربوي الإباضي ناشئته على الالتزام بمفاهيم المذهب الإباضي في تطبيق المنهج الرباني الذي هو "منهج حياة يستغرق كل الحياة، ويشتمل على ما يقوم به العبد من أقوال وأعمال وأحاسيس أو أي جزء من سلوكه
" (3)
ب - الأمة الرائدة التي تأخذ دورها بين الأمم، وتحمل راية التوحيد إلى الأمم جميعاً تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتدعو إلى الخير امتثالاً لقوله تعالى
كتر خير أمة أخرجتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ
$ (2)
ويؤمنون بالله)
(1) ? جلال، عبد الفتاح: من الأصول التربوية في الإسلام، ص 79
(2)
(3)
(t)
- سورة النحل، الآية 36
- جلال،، عبد الفتاح: من الأصول التربوية في الإسلام، ص 82.
- سورة آل عمران، الآية 110.
246 (1/264)
صفحة 265
يسعى
الفكر التربوي الإباضي إلى تحقيق الريادة عن طريق الإمامة الإباضية، ولن تقوم هذه الإمامة إلا بفضل دعاتها الذين تأهلهم مدارس
العزابة.
لقد حدد الفكر التربوي الإباضي الأغراض التي تسعى مدارس العزابة إلى تحقيقها وهي نشر مذهبهم وتكوين جماعتهم لتكوين النظام السياسي، أي التربية من أجل هذا الهدف السياسي.
وحددت كيفية تحقيق ذلك، والوسائل التي اعتمدتها في الاختبارات هي المناقشة والمناظرة " لما للمناظرة من أثر في شحذ الذهن، وتقوية الحجّة وإطلاق اللسان، والقدرة على الارتجال وجودة التعبير، علاوة على ما لها من أثر في حرية الفكر والثقة
بالنفس
# (1)
وتظهر المناظرة المعلومات، وتسكبها وتنسقها، وتجعل الطالب يحسن استخدام معلوماته وحفظة لأنّ " العلم ميت، وإحياؤه الطلب، فإذا حيي بالطلب فقوته بالدرس، فإذا قوي بالدرس فهو محتجب وإظهاره بالمناظرة (2) ". وبالمناظرة يردّ على الخصوم، وإذا لم يحسن الطالب أسلوب المناظرة لا يستطيع الدفاع عن مبادئه والدعوة إلى مذهبه
وعندما نريد دراسة نتائج التقييم، أو إدخال تحسينات تؤخذ كل هذه الأهداف والعوامل بالحسبان. لأنّ تلك الأهداف والعوامل
(1) ـ السبكي، تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب: طبقات الشافعية الكبرى، ج 1، ص 238، تحقيق محمد الطناجي وعبد الفتاح محمد الحلو، القاهرة، مطبعة عيسى البابي الحلبي
(2)
1964
- الخطيب البغدادي، أحمد بن علي: الفقيه والمتفقه، ج 2، ص 33 - 34، تحقيق إسماعيل الأنصاري، الرياض، مطبعة القصيم، ط 2، 1389 هـ / 1969 م.
247 (1/265)
صفحة 266
متداخلة ومترابطة وتتأثر ببعضها البعض، ويمكن تصوّر التقييم على
النحو التالي:
التصور التربوي الإسلامي |
الأغراض:
إنسان عابد ـ أمة رائدة
إعادة
- الطريقة:
المناقشة والمناظرة والسؤال
التقييم
248
التقييم (1/266)
صفحة 267
أ ـ المحاضرة: استغل الفكر التربوي الإباضي أساليب تقييم تخدم أهدافه، فكانت المحاضرة وسيلة من وسائل تقييم الطلبة الكبار. وتكون مرتجلة، وقلما يأتي بها الطلاب مكتوبة، فجلهم يكتب عناصر المحاضرة ونصوصها، ثمّ يلقيها مرتجلاً، لأن الغرض منها تدريب اللسان على الفصاحة،
والعقل والتفكير، وتقوية الشجاعة الأدبية في النفس، وأكثر ما يكون ذلك بالارتجال.
ويحاضر الطالب بالعربية الفصحى، ولا يجوز لشخص أن يحاضر باللغة الدارجة وترى المحاضر تعوزه العبارة فيتعثر ويتوقف، ويسير مترنحاً كأنه يمشي على حبل في الهواء لأول مرة، ومع هذا لا يجوز له أن يستنجد باللغة الدارجة، بل يعصر ذهنه إلى أن يجد العبارة بالفصحى، ويقع مثل هذا للخطيب المرتجل.
وتدوم المحاضرة، غالباً نصف ساعة، وقد يزيد المقتدون الذين يطرقون مواضيع
مهمة أكثر من.
هذا الوقت ولا يزيدون على ساعة، وإذا انتهى المحاضر يناقشه الحضور في
موضوع محاضرته، ويبينون له أخطاءه ومواطن ضعفه
يكلف الطلاب جميعهم بالخطابة، وإذا خطب أو حاضر كل الطلاب، أعادوا.
وقد يخطبون أو يحاضرون في السنة مرتين أو ثلاثة مرات (1)
ب - المناظرة:
تكون المناظرة بين طالبين يختار كلّ منهما موضوعاً ينصره أو نظرية يتشيع لها، والمواضيع والمناظرات تعينها العزابة، فيستغرق الطالبان المتناظران في البحث والقراءة والتأمل أسبوعهما كله، فيستفيدان علماً كثيراً، ويقلب كل منهما فكره في النظرية التي يناصرها ليعلم كلّ مزاياها فيحتج بها، ويمحص نظرية صاحبه، وموضوعه ليقف على نواحي الضعف فيه ليهاجمه فتترقى عقول المتناظرين، ويتعلّمان دقة الملاحظة والاحتجاج والدفاع عمّا يعتقدان، كما يتعلّمان أشياء كثيرة بما لا يعرفانها
(1) ـ أنظر، دبوز، محمد علي: نهضة الجزائر، ج 3، ص 125.
249 (1/267)
صفحة 268
وتكون أغلب المناظرات مرتجلة لا مكتوبة، وهي بالعربية الفصحى. والغرض
الأكبر من المناظرة هو تدريب اللسان، وكان الحماس الذي يكون في المناظرة يطلق
عقالها فتفصح
الألسنة. من والحكم في المناظرة من أعضاء العزابة، وما أن المتناظران حتى ينبري
ينتهي
الأعضاء للنقد والتوجيه والترجيح، فإن نال أحدهما أغلبية كان هو الفائز
(1)
ولم يكن في مدارس العزابة إختبارات من النوع المعروف اليوم، بل كانت العلوم كلّها تتقن بالمطالعة والمراجعة المتكرّرة، وبحفظ المتون، وكان نضوج الطالب في العلم يظهر بأعماله كلّها في مدة طويلة ثمّ يجيزه الشيخ. فإذا ختم الطلاب الكتاب في علم، أذنوا للأقوياء الناجحين بالإرتقاء إلى طبقة أعلى، وأمروا الضعفاء بإعادة الكتاب أو جزء منه (2).
ج - الاختبارات الدورية:
لا تفرد المصادر الإباضية فصولاً للاختبارات الدورية خلال الحديث عن نظم التربية في مدارس العزابة، ولكن يمكن إستخلاص معلومات عن هذه الاختبارات من خلال حديث هذه المصادر عن سير الدراسة في مدارس العزابة، والتي يمكن تقسيمها إلى
أربعة أنواع:
(1)
1 - الاختبارات اليومية، التي يجريها العريف وهي:
أ ـ الاختبار، الذي يجريه العريف عند إبتداء الدروس اليومية لتأكد.
من
حفظ
التلاميذ، ولاختبار مدى استيعابهم للمعلومات التي لقنها أو أملاها
عليهم في اليوم السابق.
ب ـ إختبار الثقافة العامة، الذي يجري عند الوجبة الإضافية وقت الضحى
- أنظر:، دبوز، محمد علي: نهضة الجزائر، ج 3، ص 127
(2) ـ أنظر، دبوز، محمد علي: المرجع السابق، ص 91 - 92.
250 (1/268)
صفحة 269
ج - إختبار الثقافة العامة، الذي يجري عند الوجبة الإضافية بعد صلاة
العصر.
وختمة المساء
،
ففي
2 - الاختبارات اليومية، التي يجريها شيخ العزابة عند ختمة الغداء. هذه الأوقات يقوم الشيخ بالإجابة على أسئلة الطلبة واستفساراتهم، وإختبار
معلوماتهم العامة ودرجة تحصيلهم العلمي، وتكون هذه الاختبارات للتلاميذ والمعلمين في آن واحد. ويوبخ الشيخ العريف إذا وجد أنّ معظم تلاميذه کسالي، ولا ترقى معلوماتهم إلى المستوى المطلوب منهم،، وفقاً للمرحلة
الدراسية التي ينتظمون فيها.
•
ـ الاختبارات الأسبوعية، التي لا تختلف في كيفيتها عن الاختبارات السابقة، ويقوم بها، عادة، الشيخ أو مستنابه يومي الإثنين والخميس من كل أسبوع.
4 ـ الاختبارات السنوية، التي تجري في آخر العام الدراسي، والتي بموجبها يرقى التلميذ من مرحلة دراسية معينة إلى المرحلة العليا التي تليها، وفي هذه الحالة فإنّ مجلس العزابة يصادق على نتيجة الاختبار، ويوصي بالترقية أو عدمها.
وإن كانت المصادر لا تشير إلى كيفية هذه الاختبارات، هل هي شفهية أم خطية، إلا أنه من المرجح أنّ هذه الاختبارات كانت تجري على شكل سؤال وجواب، أو حوار ومناقشة حول موضوع معين، أو مسألة محدّدة (1)
د ـ الاختبارات السلوكية:
لا تكتفي مدارس العزابة بالاختبارات التي تنمي المعلومات الثقافية والشخصية، بل لا بد أن يجتاز الطالب اختبارات سلوكية ومن هذه الاختبارات:
(1) ـ أنظر، 1 - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 172 - 181. 2 - البرادي: الجواهر المنتقاة، ص 207 - 218.
- الجعبيري، فرحات: نظام العزابة، ص 142.
4 - خليفات، محمد عوض: النظم الاجتماعية والتربوية، ص 79 - 80.
251 (1/269)
صفحة 270
1 - الالتزام بقوانين العزابة، وذلك عندما يرتقي الطالب من دور القرآن الكريم إلى التلاميذ، بعد أن يحفظ القرآن الكريم، فيلبسه شيخ العزابة زي العزابة، دور
ويأمره الالتزام بالوصايا التالية " الابتعاد عن السفهاء والأشرار، وملازمة الصالحين الأتقياء، وعمارة المسجد بحضور صلاة الجماعة في كل الأوقات، و حضور دروسه، وعمارة دار التلاميذ وحضور دروسها، وحفظ المتون في العلوم، وخدمة دار التلاميذ: تنظيفها، وإسراج مصابيحها والقيام بها، وتوزيع تمر الحبس اليومي على التلاميذ في وقته (1) ".
ويحثه على المواظبة في حفظ القرآن الكريم ويقول له " إنّ القرآن الذي حفظت خزانة الكنوز العظمى حصلت عليها، فعليك بالجد في الحصول على مفاتيحها لتغنم منها، وهي العلوم العربية والشرعية، بدونها لا تستفيد من القرآن (2) ".
هذه
ويقول له في آخر هذه الوصايا الجملة التقليدية التي تقال لكل تلميذ جديد شروط دار التلاميذ، فإن قبلتها فمرحباً بك، وإن كنت لا تستطيعها
هي
فخذ صدقتك وانصرف (3)
2 - المساعدة في تعليم صغار التلاميذ الصلاة، ومراقبتهم ليصلوا بالطهارة والوضوء،
ويتقنوا صلاتهم، ويؤدّوها في المسجد
الجماعة (4)
ومن أدب الطلبة مع العرفاء ومشايخهم وإجلالهم لهم " أنهم إذا تحدثوا إليهم يبدأون كلامهم بالدعاء لهم ويمزجون به حديثهم إليهم، ومعي هذه الكلمة إبارك فيك) بارك الله فيك (5) ".
- دبوز، محمد علي: أعلام الإصلاح، ج 2، ص 126
- دبوز، محمد علي: المرجع السابق، ص 126.
- دبوز، محمد علي: المرجع السابق، ص 126 دبوز، محمد علي: نهضة الجزائر، ج 1، ص 163 - دبوز، محمد علي: أعلام الإصلاح، ج 2، ص 123
11
252
(1)
(2)
(3
(4)
(•) (1/270)
صفحة 271
- استنتاجات:
إن أنظمة الاختبارات السائدة في مدارس العزابة تتوافق مع التصور التربوي
للمذهب الإباضي، وتتوافق مع قدرات الطلاب، فمن كان متفوقاً انتقل إلى مرحلة أعلى ومن لم يكن كذلك أعتني به حتى ينتقل إلى المرحلة اللاحقة.
،
بيد أنّ الاختبارات المعاصرة في البلاد العربية والإسلامية، بسلبياتها وإيجابياتها، تفرز نوعاً واحداً من المتفوقين عقلياً، هم، في معظمهم، أصحاب القدرات الخاصة في الاستظهار والحفظ؛ " والمتتبع لتطوّر الأنظمة التعليمية في البلاد العربية يلاحظ وكأنّ الأنظمة التعليمية وجدت لاختبار هذه الفئة ذات المستوى الرفيع من القدرات الخاصة في التحصيل الأكاديمي وبعض الاستعدادات العلمية النظرية وأهملت البقية من المتوسطين وأصحاب المواهب والاستعدادات والميول وهم الكثرة والأغلبية (1) ".
تعي
وهذا يستدعي الإصلاح، إصلاح في النظام التربوي. والإصلاح يبدأ عندما الأمة ذاتها، وعندما تدرك بوضوح ما هو دورها في الوجود؟ وماذا يجب أن تكون عليه؟ " لأن العملية الإصلاحية هي عملية شرعية وأخلاقية؛ فهي عملية شرعية لأنها تستلزم الاختبار وإرادة الأفضل والاقتناع بأنه كذلك باتفاق، وهي أخلاقية لأنها تقوم على شعور الأمة بمسؤولياتها نحو ما تختاره أمام أجيالها المتعاقبة، وبالنسبة أيضاً إلى عقيدتها ورسالتها ودعوتها، كل ذلك طواعية واقتناع وتتبناه عن رضا وحرية (2) ".
إن العالم يتطوّر بسرعة مذهلة، وعلينا إيجاد نظام تربوي نابع من عقيدتنا وتصوّرها التربوي، وعدم الانبهار بتربية أجنبية دخيلة تثبت كل يوم فشلها الأخلاقي، وترتفع أصوات في الغرب قائلة "دعونا نستعرض قائمة متعدّدة وإن اختلف كل منها عن
(1) ـ الراوي، مسارع حسن: دراسات حول التربية في البلاد العربية، ص 162، صيدا (لبنان)، المكتبة العصرية 1407 هـ / 1987 م.
(2)
- مدني، عباس: مشكلات تربوية في البلاد الإسلامية، ص 59، مكة المكرمة، مكتبة المنار.
1409 هـ / 1989 م.
253 (1/271)
صفحة 272
الآخر من حيث طبيعته وآثاره، فهي تشترك جميعاً في كونها أعراضاً عالمية النطاق، فهناك موجات العنف، خاصة في المدن الكبيرة، ونشاطات عصابات المافيا على المستوى القومي التي تتحوّل إلى شبكات دولية، وهناك أيضاً إنتشار ظاهرة إدمان المخدرات وما
يرتبط بها من جرائم، والإباحية الجنسيّة العدوانية، والانحرافات السلوكية التي تستغل بواسطة الصحافة وأجهزة الإعلام وأجهزة الدعاية والإعلان
"1 (1)
إذا كان هذا هو رأي علماء الغرب بنظامهم التربوي، فما هو رأي دعاة
التغريب والمبهورين بالنظم التربوية الغربية؟
النشاطات اللامنهجية:
1 - الترويح في التربية الإسلامية:
عنيت التربية الإسلامية بتقوية الجسم وإعداده لمواجهة متطلبات الحياة، بما فرضه الله تعالى على المسلم من واجب الدعوة إلى الإسلام، وما يتطلبه هذا الواجب
من جهاد
وحث الإسلام على الرياضة لأن فيها تنسيقاً للجسم وتحديداً لخلاياه، امتثالاً لقوله تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم من قوة)) والعقيدة الإسلامية ليست معلومات يقينية فقط، بل سلوك يقتديه المسلم مع نفسه، وفي تعامله مع غيره بالشعور الإيماني بمراقبة الله تعالى له، وبمسؤوليته الشرعيّة عن أعماله، ولذا فهو يقف عند حدود الله تعالى ويسارع إلى طاعاته
•
والنشاط الرياضي، أو ما يطلق عليه الترويح التربوي في الإسلام، ينضبط بضوابط تذكر الإنسان بمسؤوليته الشرعية. وإذا استطاع الإنسان أن يملك نفسه في مثل هذه المواقف المغرية فهو فيما سواها أملك لها.
(1)
كبنج، الكسندر. شنيدر، برتراند: الثورة العالمية الأولى، من أجل مجتمع عالمي جديد، تقرير نادي روما، ص 125، ترجمة وفاء عبد الإله، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية 1992.
(2) - سورة الأنفال، الآية 60.
254 (1/272)
صفحة 273
يحد الترويح التربوي في الإسلام " من غلوّ العباد الذين لا يرون في الحياة إلا الجد المرهق والعمل المتواصل، كما أنه يحد من غلوّ المفرطين الذين يرون الحياة فرصة للمتعة المنطلقة، ويشعر هؤلاء وهؤلاء أنّ هذا الدين وسط، وأنّ التوازن مطلوب، وأنّ
قدوتهم رسول الله الله، وما كان له في هذا الأمر إلا متوسطاً (1) ".
ويسهم الترويح بتدريب وتنمية قدرات الإنسان العقلية وفي " إبعاد الخمول
والكسل الفكري وزيادة قدرات الإنسان على التركيز والتفكير، وهذا يتجلّى في أنماط من الترويح مثل الكتابة الابتكارية والمناقشات والتمثيل
أ - أثر الترويح التربوي على الطلاب:
: (2)
يتيح الترويح التربوي أمام الممارسين له طرقاً فعّالة للتفكير العلمي في المواقف
المختلفة " ويشارك في تنمية قدراتهم على التنظيم والتحليل والتفسير والإدراك والملاحظة ويزودهم بالقدرة على التعبير الدقيق، ويعرضهم الخبرات ومهارات وأفكار جديدة، تثري تفكيرهم وتسهم في بنائهم العقلي المستقل (3)
الحد
" (3)
ويحارب الترويح التربوي في الإسلام كلّ ما من شأنه التقليل من. مكانة العقل أو
من نشاطه، ولا يغفل الترويح في الإسلام عن استغلال مواقف الترويح والتسلية، وما
فيها من راحة واسترخاء لصالح عقل الإنسان ومعارفه " ولذا فهو يسهل عملية التعليم والاكتساب المعرفي، وما ذلك إلا لأنّ الاسترخاء شرط هام للتعليم الجيد، ولذا فالتعليم حين يمتزج بالضغط والإكراه، فإنه يؤخر الإنسان أكثر مما يدفعه للتقدم، فالتعليم الفعال هو التعليم المشوّق، فالشخص المتوتر لا يكون مستقبلاً ولا مستجيباً للمثيرات الجيدة (4) ".
(1)
(2)
(3)
- العودة، خالد بن فهد: الترويح التربوي، رؤية إسلامية، ص 47 - 48، الرياض، دار المسلم للنشر والتوزيع 1414 هـ.
السيد، تهاني عبد السلام: أسس الترويح والتربية الترويحية.، ص 8، مصر، دار المعارف 1979. عبد الوهاب، جلال: النشاط المدرسي، ص 39، الكويت، مكتبة الفلاح 1401 هـ. (1) - فنكس، فيليب: فلسفة التربية، ص 391، القاهرة، مكتبة النهضة العربية 1982.
255 (1/273)
صفحة 274
ويظهر أثر الترويح التربوي على الطلاب في الأمور التالية:
1 - المحافظة على الصحة الجسدية
يسهم الترويح واللعب في تنشيط صحة الجسم ونموه، بما يتيحه من ممارسات رياضية تنمي عضلات الجسم الكبيرة والصغيرة وتنشط الوظائف الحيوية للطالب، من خلال إكسابه اللياقة البدنية، التي تعمل على تكييف أجهزة الطالب ورفع مستوى كفايتها الوظيفية " إذ من خلال الأنشطة البدنية يكتسب الفرد القوة والسرعة والجلد العضلي والتحمّل الدوري والتنفسي والقدرة العضلية والرشاقة والمرونة، والتوافق العضلي والعصبي:، وتحسين عمل الجهاز القلبي الوعائي، والتنفس والسعة الحيوية، وعمل، والكبد، وبقية أجزاء الجسم مما يساعد على الارتقاء بمقومات اللياقة البدنية في
الكليتين الإنسان (1) ".
2 - الإسهام في التنمية الخلقية:
يتيح الترويح فرصة كبيرة لتدريب الطلاب على ممارسة السلوك الإسلامي في الحياة، سواء في المعاملات والعلاقات أو في حالات اللعب والمرح، والدرس
والعمل.
ويرجع إسهام الترويح في التربية الخلقية إلى أنه يعتمد على العلاقات والتفاعلات الطيبة والموجّهة والبنّاءة، وعلى القدوة الحسنة، وعلى التطبيق العملي أكثر من اعتماده
على الوعظ المباشر
ومن أهم القيم الأخلاقية التي يعمقها الترويح " قيم التعاون والمنافسة الشريفة،
و تحمّل المسؤولية، واحترام آراء الآخرين ورعاية مصالحهم
(1)
" I (Y)
حلوان، عدنان، وآخرون: دليل التربية الرياضية، ص 22، المدينة المنورة، دار التراث
1409 هـ.
(2) ـ عبد الوهاب، جلال: النشاط المدرسي، ص 51.
256 (1/274)
صفحة 275
- الإسهام في تنمية المعرفة:
لا يقتصر دور الترويح التربوي على تهيئة الاستعداد للتقبل العلمي فقط، وإنما يتعدى ذلك إلى تنمية قيم المعرفة مثل تدريب الطالب على التعليم الذاتي، والتفكير العلمي، والاهتمام بالمهارات الأساسية للتعليم مثل مهارة القراءة، والاستماع والمشاهدة والمناقشة والتفكير. و "يؤدي وظيفة تشخيصية، إذ إنه يساعد على إتاحة الفرصة لظهور مواهب التلاميذ وإبراز ميولهم، فيسهل اكتشاف المواهب، ويعمل على تنميتها وتوجيهها في الاتجاهات السليمة، ويأخذ بيد الموهوبين للنمو في مجالات التفوق والخلق والابداع)
" (1)
ويسهم في تقديم المعلومات، مثل تلك التي لها علاقة بنوع النشاط، أو تاريخه أو بيئته، أو طريقته. فالرحلات مثلاً تزوّد الطالب، إضافة إلى الخبرات العملية، بمعلومات جديدة " مثل بعض المعلومات الجغرافية والطبيعية وبعض المعلومات التاريخية، والمعلومات التي تتصل بأساليب السفر، وطرق التعامل مع وسائل المواصلات وخطوات
السفر
"1 (Y)
4 - الاسهام في التكيف النفسي السليم:
يخلّص الترويح الطالب من التوترات والصراعات الداخلية ويتيح. له التنفيس عن مشاعره وانفعالاته، ويشبع فيه حاجات أساسية لديه، كالحاجة إلى تحقيق الذات والتعبير عنها والتنفيس عن المشاعر والانفعالات، وبدوره يسهم في علاج بعض المشكلات النفسية، أو الاجتماعية ذات الأثر النفسي، وذلك عن طريق تنمية الميول والمهارات، وعن طريق شغل وقت الفراغ، وعن طريق إشعار الإنسان بقدرته على التعبير عن نفسه وقدرته على الإنجاز والنجاح، وعن طريق ما يتيحه له من احتكاك إجتماعي مع الآخرين
من الأسوياء (3).
(1)
(2)
- أنظر، عبد الوهاب، جلال: النشاط المدرسي، ص 47.
- حلوان، عدنان: دليل التربية الرياضية، ص
23
(2) ـ أنظر، شحاته، حسن: النشاط المدرسي، ص 32 - 35، مصر، الدار المصرية اللبنانية 1410 هـ.
257 (1/275)
صفحة 276
ه - الإسهام في تنمية الجانب الاجتماعي:
يؤدي الترويح إلى إيجاد الطالب القادر على التفاعل مع:
مجتمعه ما يتطلبه هذا مع.
التفاعل من فهم ووعي لقيم المجتمع وأخلاقه وما يفرضه على أفراده من واجبات
ومسؤوليات.
ذلك " التكامل والتعاون بين الأفراد، والتعاون بين أفراد المجتمع. ومن صور
لدفع الأذى، وفي ذلك يقول الرسول) المؤمنون في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى ()) (1) ".
وينمي الترويح الروح الاجتماعية، ويكفل لها، بما يفرضه من ضوابط، الاستمرار والنمو الإيجابي، وذلك لأنه ينشئ الطالب على حب الاجتماع وبغض
الانفراد والعزلة.
ويحرص الترويح " على زرع القيم الاجتماعية والأخلاقية الجيدة التي تسهم في تنمية
ذا الجانب الهام، فهو يمنع السخرية والإيذاء والظلم ومضايقة الآخرين والتعصب للرأي وغير لك من القيم الاجتماعية والأخلاقية السيئة، وينمّي بدلاً من ذلك قيم الأخوة والتفاهم والألفة العدل والتسامح، ويشعر الفرد بكرامته وبقيمته وبحقه (2) ".، ويشعر الطالب بالانتماء إلى موعة من البشر تتطور بتطوره من مرحلة إلى أخرى.
وكانت الفروسية أهم نشاطات الترويح في التربية الإسلامية، والتي كانت أربعة أنواع، أحدها، ركوب الخيل والكرّ والفرّ، والثاني: الرمي بالقوس، والثالث: المطاعنة بالرماح، والرابع: المداورة بالسيوف، فمن استكملها فقد استكمل الفروسية (3) ".
() - متفق عليه: (1) ـ الكيلاني، زيد إبراهيم: القيم التربوية الإيمانية وأسس بناء الشخصية الإسلامية، ص 978، سلطنة عمان، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية 1410 هـ / 1990 م.
(2) ـ العودة، خالد بن فهد: الترويح التربوي، ص 52 - 53.
(3)
- ساعاتي، أمين: الرياضة عند العرب في الجاهلية وصدر الإسلام، ص 89، جده، دار الأصفهاني
للطباعة 1402 هـ / 1982 م.
258 (1/276)
صفحة 277
وكان رسول الله الا الله يشجع على ممارسة الفروسية، وسابق عليه السلام بين الخيل مرة على حلل أنته من اليمن فأعطى السابق الأول ثلاث حلل، وأعطى الثاني حلّتين، والثالث حلة واحدة، والرابع درهمين والخامس درهماً والسادس والسابع مكافأة (1)
وإذا كانت التربية الإسلامية لم تتوسع في موضوع الترويح كنشاط تربوي هادف، إلا أنها لا تمانع في أي نشاط ترويحي يتوافق مع الشروط العامة لأهداف التربية
الإسلامية. ويري کمال درويش:
1 - " أن تنبثق الأهداف الترويحية من الأهداف التربوية الإسلامية العامة
2 ـ أن تكون خالية من التناقض فيما بينها.
3 ـ أن تكون واضحة المعنى غير قابلة للتفسيرات والتأويلات المتعدّدة.
4 ـ أن يسهل ترجمتها إلى أهداف أقل عموماً وأكثر تخصصاً ثم إلى سلوك. ه ـ أن تتناسب مع مستويات المستفيدين ومع وظيفة المؤسسة التربوية التي تقوم
بالترويح.
6 - أن تكون قابلة للتأقلم مع الظروف والامكانيات.
ـ أن لا تقتصر على مجال آخر من مجالات الترويح المتعدّدة وتهمل ما عداه
- الترويح في الفكر التربوي الإباضي:
11 (Y)
أوجد الفكر التربوي الإباضي ترويحاً تربوياً ينسجم مع أهدافه الداعية إلى قيام الدولة، التي تسودها الأفكار والمبادئ التي آمن بها الإباضية، وسعوا إلى تحقيقها. وتمثل الترويح التربوي الإباضي في الأمور التالية:
(1) ـ أنظر، علوي، محمد كامل: الرياضة البدنية عند العرب، ص 132 - 150، القاهرة، دار النيل
(2)
للطباعة 1947.
درويش، كمال. وآخرون: الترويح الرياضي في المجتمع المعاصر، ص 136، 13، مكة المكرمة، مكتبة
الطالب الجامعي 1406 هـ.
259 (1/277)
صفحة 278
أ ـ القيام بالرحلات المدرسية:
عرف المربون في مدارس العزابة أهمية الرحلات المدرسية وقيمتها " واطلاع الطلاب على بيئات غير بيئاتهم وتعرفهم على غيرهم من الطلاب، واشتراك المدارس في دراسة المناهج ومناقشاتهم في مشاكلهم، فأعدوا هذه الرحلات ونظموها ويسروا لها الأسباب، وكان يقود هذه الرحلات مربون عرفوا بمقدرتهم وكفاءتهم، فكانوا يتولون تعليم الطلاب، واستثارة ملاحظاتهم، وتفتيق أذهانهم لإدراك الفوارق الاجتماعية، والمقارنة بينها ونقدها، وهم في كل ذلك حريصون على ملاحظة آداب طلابهم، وسلوكهم في سفرهم وإقامتهم، فكانت هذه الرحلات تتيح للطلاب مجالاً أوسع للاستفادة والتكوين الخلقي والاجتماعي، وتتيح للمربي فرصة أفسح لدراسة نفسية الطلاب، ومعرفة أخلاقهم وسلوكهم
11 (1)
وكانت هذه الرحلات تدرس بعناية لتحقق أهدافاً دعوية إباضية، حيث كانت تقصد هذه الرحلات مواطن من يعتقد أنه يمكن انخراطهم في المذهب الإباضي، وبخاصة مواطن لواصلية " وهي فرقة من المعتزلة في جموع قوية عدداً وعدة بجهات المغرب، وهم قوم من البربر كثرهم من قبائل زناته لهم رئيس في مدينة قريبة من مدينة طنجة، وهو الذي بايع إدريس ماحب المغرب الأقصى، وكان بنواحي تاهرت، منهم فريق لا يقل عن ثلاثين وقيل من بعين ألف مقاتل فيهم من مشاهير العلماء وأبطال الحرب وأولي الثروة عدد وافر لا ينكر فاهتدت رجال هذه الفرقة إلى تأليف القلوب، وبث روح التعارف بين أفرادها حتى
لدره
اتحدت كلمتهم وتوحد رأيهم، فقامت تشق عصا الطاعة تأسيا بابن فندين، وتطلب الاستقلال والخروج عن حكم الإمام زاعمة أنها في درجة يمكنها أن تحكم فيها نفسها بنفسها، وأن تقوم بإدارة شؤونها، وكأنها رأت أنّ من العار عليها خضوعها لمخالف لها في
المذهب مع وجود رئيس لها يدعي الإمارة (2) ".
(1)
- معمر، علي يحيى: الإباضية في ليبيا، ج 2، ص 62.
(2) - الباروني: الأزهار الرياضية، ص 116 - 117.
260 (1/278)
صفحة 279
لذلك كثرت الرحلات إلى مواطن المعتزلة في الصحراء والدعوة بينهم إلى المذهب الإباضي، فكان أبو عبد الله محمد بن بكر " يخرج بالحلقة في أوان الربيع إلى بوادي بني مصعب لمآرب، منها أنه كان يطلب بذلك راحة خاطره وخواطر التلاميذ، واستصلاحها وتدبير قوى أجسادهم واستصلاحها، فإنه علم ما في بلاد ريغ من رداءة الهواء وقلة طيب الماء، وأيضاً فإنّ بني مصعب كانوا واصلية فعمت عليهم بركته، فرجعوا إلى دين الحق، والطريقة المرضية (1) ".
ب ـ التدريب على الأعمال الشاقة
:
كان طلاب مدارس العزابة يخرجون إلى الصحراء لجمع والاحتطاب ليأمنوا الوقود لتسخين الماء للوضوء في الشتاء والوقود لطهي الطعام
على مدار العام.
كانوا يخرجون إلى الصحراء لقطع أشجار النخيل التي تبرع أصحابها بحطبها للمسجد أو مدارس العزابة، فيخرج الطلبة إلى الاحتطاب في " أول يوم العطلة الأسبوعية، وفي ذلك اليوم يبكر الطلبة في النهوض، وبعد الفطور يسرعون جماعات إلى بساتين القرارة، وعلى كل جماعة رئيس من الطلبة، فيقصدون النخيل التي أعطيت لهم، وعلى عواتقهم الفؤوس، ومعهم عربة يجرها حمارهم، فيكشفون بالفؤوس عن عروق النخلة، وهذا عمل يستلزم جهداً لأنهم قد يحفرون أمتاراً كثيرة في أرض قد تكون يابسة، ويصعد أحدهم إلى رأس النخلة فيربط عنقها بحبل طويل فينزل، فتجذب جماعة الطلبة كلّها الحبل في قوة فتميل النخلة حتى تقطعها، فينزعون جريدها بالفؤوس، ثم تبدأ العملية الشاقة في النخلة، وهي تقطيعها قطعاً يمكن رفعها في العربة.
إن هذا العمل يقوم به الطلبة مرتين في الشهر، ففي يوم الخميس التالي ليوم الاحتطاب. من البستان، يبكر الطلبة جماعات على النظام المذكور، ومعهم فؤوسهم
(1) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 124.
261 (1/279)
صفحة 280
فيخرجون إلى فناء الحطب التابع لدارهم فيعمدون إلى الخشب الجاف فيقطعونه أجزاء
صغيرة فينضدون ما يقطعون ألواحاً كثيرة (1) "
ومما لا شك فيه أنّ هذا العمل الشاق يعرّض الطلبة للشمس المحرقة ويرهقهم، ولكنه يبني أجسادهم، وينمي فيهم روح الإرادة والجلد والنشاط، ويعلمهم خدمة
الجماعة، ويعود عليهم بالجدوى.
ولقد امتد التعاون بين طلاب مدارس العزابة إلى المجتمع، وكما تعاون الطلبة
على جمع الحطب فقد تعاونوا على بناء المجتمع. فعندما كان المواطن الإباضي يبني داره، فإنه لا يستدعي لبناء داره إلا البناء وحده، وبقيّة الأعمال التي تستدعي. عمالاً كثيرين " يسرع إليها إخوانه فيقومون بها أحسن قيام في وقت قصير، منهم الذين يستخرجون
الجبس
وحجر
الجير
مقالعه
من خارج البلد، وهم الذين ينقلون إليه الحجر الكافي من
الجبل يقتلعونه بمعاولهم. وكذلك التراب والحصباء اللازمة للبناء، وهم الذين يعجنون
الجبس والجير ويناولونه البناء.
وترى صاحب الدار المبنية خفيف الكاهل، يشرف على الأعمال وهي تحري في نشاط ونظام واتقان، وفي غناء وطرب وسعادة. فيبارك الله في العمل الجماعي فيتم سريعاً، وبنفقات قليلة، بناء الدار الكبيرة الواسعة التي تتكوّن في الغالب من طبقتين أو ثلاث طبقات ذات حجر عديدة، وأغلب الجيران الذين يعملون بأنفسهم في البناء يحملون الطعام الكثير للبنائين وأسرة صاحب الدار في الغداء (2) ".
ج - التدريب على الفروسية والقتال:
كان طلاب مدارس العزابة يخرجون إلى الصحراء للتدرب على القتال وحمل السلاح " وكان أكثر خروجهم إلى مزاته، وكانت مزاته بإفريقية في قوة عظيمة من مال
(1)
(2)
دبوز، محمد علي: نهضة الجزائر، ج 3، ص 162 - 163.
دبوز، محمد علي: أعلام الإصلاح، ج 1، ص 97.
262 (1/280)
صفحة 281
ورجال وخيل، وقالوا إنهم كانوا إذ ذاك في إثني عشر ألف فارس وأما الرجال فلا
يحصون كثرة (1) ".
منهم
كان الطلبة باختلاطهم بفرسان القبائل يعيشون أجواء المعارك، ويأخذون
الأسلحة ليتدربوا على فنون القتال ويروي صاحب الأئمة " أن أبا
سير
القاسم وأبا خزر ومن معهما من التلامذة كانوا ببعض أحياء المغرب، فقصد إليهم رجل من النكار، فأظهر الرجوع عن مذهبه إلى أهل الدعوة، فمكث عندهم دهراً طويلاً يتعلم ويتكيف ... ثمّ إنّ أبا القاسم إنتبه ذات مرّة من القائلة، فقام منتحيا عن الحي، ليتهيأ للصلاة، وقد أخذ كل واحد من التلامذة في جهته يشتغلون في
وظائف الصلاة.
فنظر الرجل النكاري إلى أبي القاسم منفرداً عن الناس مبتعداً عن الحي، ولم يكن معه أحد، فنظر إلى رماح التلامذة مركوزة بجانب خص فتيممها وأخذ منها رماً،
و لم يشعر به الشيخ فتبعه
فلما بعد الشيخ عن الحي، قصد نحوه فطعنه من خلفه فأخذ الرمح من جانب الشيخ، وخرج الرمح من ثيابه أمامه، وكان الشيخ لابساً محشوة فأخطأ الرمح جسد الشيخ فصادف محشوته (2) ".
ولم يكن الخروج إلى الصحراء مأموناً، فكثيراً ما تعرض التلاميذ الجولات قاتلة، أودت بحياتهم وحياة أساتذتهم ومن هؤلاء أبي الربيع سليمان بن هارون اللالوتي، الذي كان يشرف على رحلات الطلاب المدرسية في ليبيا " ففي إحدى هذه الرحلات هجم عليه بنو تيجن، إحدى القبائل الضاربة على حدود الجبل، فقتلوه هو وجميع طلابه، ظناً
منهم
(1)
أنهم قافلة محملة بالأرزاق (3) ".
- الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 124. (2) ـ أبو زكريا: سير الأئمة:، ص 206 - 207
(3)
معمر، علي يحيى: الإباضية في ليبيا، ج 2، ص 93.
263 (1/281)
صفحة 282
ومن الحوادث ما يؤدّي إلى قتل بعضهم، ومن هذه الحوادث أنّ الشيخ أبا الربيع كان تلامذته في رحلة مدرسية " واتصلت الأخبار إلى الشيخ وتلامذته
أن منجار بن عقيل أراد اغتيالهم، وأرسلت بذلك بنو يهراسن إلى الشيخ فكانوا كذلك ذات غدوة، عند فراغهم من الصلاة، فطائفة أخذوا في القراءة، وطائفة لم يأخذوا في القراءة، إذ سمعوا صيحة حول تمولست، ابتدرت التلامذة إلى الرماح، فحاز بعضهم على بعض، فلما وصلوا الصيحة وجدوا منجار بن عقيل على خيل مغيرة على أهل تمولست وقتلوا رجلاً من التلامذة يقال له زيري الرنداجي، فهربت التلامذة إلى الغار، فلما وصلوا إلى باب الغار، تراموا عليهم، فانحجزوا فيه، والشيخ أبو الربيع خلفهم فابتدرته العرب ونزعوا كسوته
" (1)
وغدا التدرب على السلاح سمة يجب أن يتقنها الإباضي " وكل رجل في ميزاب
لا يملك السلاح، ولا يحسن استعماله، ولا يكون جلداً شجاعاً، يحتقره الميزابيون، وينبذونه، وإذا خطب لا يزوجونه، هذه هي نظرة تلك العهود القديمة إلى أخلاق
الرجولة واعتدادهم بها
وبسبب
" (2)
هذه النظرة إلى الرجال، وضرورة تدربهم الجيد على حمل
السلاح والقتال والدفاع عن المواطن الإباضية " كان كلّ رجل في ميزاب يتدرب على الرماية، منذ نعومة أظفاره بالحجارة أوّلاً، ثمّ بالبندقية، فبرع الميزابيون في الرماية وفي صنع البارود والرصاص وفي أعمال الفروسية الأخرى (3) ". واستمروا على هذه الحال حتى عصرنا الحاضر حيث يقومون بحراسة المدن الإباضية وحمايتها
من اللصوص.
(1)
(2)
(3
1) - أبو زكريا: سير الأئمة، ص 289.
- دبوز، محمد علي: أعلام الإصلاح، ج 1، ص 94.
- دبوز، محمد علي: المرجع السابق، ص 94.
264 (1/282)
صفحة 283
- استنتاجات:
إذا تفحصنا واقع النشاط الرياضي في عالمنا الإسلامي المعاصر، نجد أن العالم عن ممارسة النشاط الرياضي الذي خلّفه الترويح التربوي في الإسلام القائم
تخلف الإسلامي.
على الفروسية والرمي والصيد والعدو
ولقد أعطينا الاهتمام الزائد للألعاب الرياضية، التي أتتنا من الغرب،
مثل كرة القدم وكرة السلة وكرة المضرب؛ وأغفلنا الاهتمام بالألعاب التي مارسها
المسلمون.
فقد فرض الله وعجل فريضة الجهاد في سبيله " وأمر المسلمين بحمل كره
القتال واحتماله في سبيله، وهو في غنى عن قوة العرب المسلمين، فهو القوي العزيز، ولكن بهذا التكليف الخير أمة أخرجت لناس، إنما كان لصلاح الدنيا؛ و لهداية الناس لما فيه خيرهم وصلاح أمرهم في الدارين، ولم يترك الله ل فريضة الجهاد حرّة من القيود، ولا محرومة من الضوابط الناظمة للفريضة والموجهة. فالحرب في الإسلام حتميّة؛ والقتال من طبيعة الحياة على أرض الله؛ حتى ينتصر الحق على الباطل، وحتى تظهر الفضيلة على الرذيلة، وحتى يعلو الخير
على الشر
" (1)
ومن المؤسف أن الغرب قد عرف أهمية هذه الألعاب " فالفروسية والرمي والصيد والعدو تحفل باهتمام واسع من قبل الأوروبيين والأمريكيين، فلقد أخذ الأوروبيون الجواد العربي، وأنشأوا له الإسطبلات وكونوا له الأندية والمسابقات، حتى غدت سلالاته مصدر فخرهم واعتزازهم، بل حتى أصبحت الفروسية هيكلاً كاملاً للنشاط الرياضي في أرقى الدول وأعظمها (2) ".
(1) ـ العسلي، بسام: المذهب العسكري الإسلام، ص 27، بيروت، دار
1413 هـ / 1993 م.
(2) ـ ساعاتي، أمين: الرياضة عند العرب في الجاهلية والإسلام، ص 122.
265 (1/283)
صفحة 284
فهل نعود إلى النشاطات الرياضية التي تتمثل في الفروسية والرمي والصيد والعدو امتثالاً للحديث الشريف: (ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي ()) وكرر الرسول له حديثه للترغيب في تعليم الرمي.
وهل نكون " عقلاء فنترك تقليد أوروبا في رياضتها الفارغة والمضرة أحياناً، فلنرجع إلى رياضة أبنائنا في الحقول في وقت فراغهم من الدراسة والعمل، حيث يجدون وسائل بجدية تروّض أجسامهم وتبني فيهم الخلق العظيم. إنّ تسلق نخلة واحدة ومصاحبة الفأس الذي يحرّك العضلات ساعة واحدة أجدى على النشء من هذه الكرة التي يجري وراءها في الملاعب، وتعلمه أن ينظر دائماً إلى الأرض فينشأ خافض الرأس، أما النخلة المباركة وتربية الحقل العظيمة فتجعله شجاعاً بطلاً قوياً رافع الرأس، لأن النخلة تعوده أن
ينظر دائماً إلى السماء
" (1)
إن رجال التربية الإباضيين المعاصرين يتحسّسون أخطار النشاطات الرياضية، التي أخذت تغزو المجتمع على حساب النشاطات الرياضية التي تتوافق مع أهداف العقيدة والإصلاح يكون في إعادة توضيح المنهج الإسلامي وتفعيل الأنشطة التي تخدم أهداف المنهج الإسلامي، وتكون من أهم الوسائل لتحقيق الأهداف والغايات، التي نطمح إليها،
والتي رسمتها لنا عقيدتنا.
- العقاب:
1 - التأديب في التربية الإسلامية:
استخدم التأديب في التعليم عبر عصور الإسلام المختلفة. ويشكل الثواب
والعقاب شكلاً من أشكال الضبط الاجتماعي، ويعينان المعلم على أداء مهمته
التعلمية.
(1)
- حديث صحيح، رواه مسلم في صحيح الإمام مسلم بشرح النووي، ج 13، ص 64.
دبوز، محمد علي: إعلام الإصلاح، ج 1، ص 91.
266 (1/284)
صفحة 285
ولكي يؤثر " فرد في الآخرين يجب أن يعتمد غالباً على قدرته على إثابتهم على
صوابهم، أو عقابهم على خطئهم، ومن ثم فإنّ أحد أبعاد القوة الاجتماعية هو القدرة
على إثابة أو عقاب من يفرض أن تؤثر فيهم (1) ".
ولقد أقرت التربية الإسلامية إثابة الطالب على كل فعل حسن يأتي به، وترى أن التشجيع والمكافأة يعززان السلوك المطلوب، ويؤكد ذلك ابن مسكوية بقوله " ويمدح هو ـ الطالب - إذا ظهر شيء جميل منه، ثمّ يمدح بكل ما يظهر منه من خلق جميل، وفعل حسن ويكرم عليه
" (Y)
ويؤكد ابن جماعة على أنّ الصبي إذا أنجز ما طلبه منه المعلم " شكره وأثنى عليه
بين أصحابه ليبعثه وإياهم على الاجتهاد
" (3)
وتدعو التربية الإسلامية إلى عدم تكليف الطالب فوق قدرته الاحتمالية، وهذا مبدأ
(4)
حرصت عليه التربية الإسلامية امتثالاً لقوله تعالى ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها))
(°)
ويرون أنّ هذه الإثابة ينبغي أن تكون بقدر معقول، وهو ما عناه القابسي بقوله " يضبطه بإحسانه، في غير انبساط إليه، ولا منافرة (5).". وذلك لأنّ الإفراط في التشجيع، قد يحفز الطفل إلى مستوى أبعد عن حدود طاقاته وقدراته فيخفق ويصاب بالفشل "ويشعر حينئذ بالعجز والخيبة والضعف وييأس عن مواصلة النشاط ويحجم عنه ويتهيب منه، وفي هذا فقدان لثقته في نفسه، وبالتالي لشعوره بالتقدير والأمن (6) ".
(1)
(2)
(3)
(1)
(°)
(3)
- زهران، حامد عبد السلام: علم النفس الاجتماعي، ص 88، القاهرة، عالم الكتب، ط 2، 1973 ابن مسكويه، أبو علي أحمد بن محمد: تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق:، ص 20، القاهرة، المطبعة
الخيرية 1322 هـ.
ابن جماعة: تذكرة السامع والمتكلم، ص 54.
- سورة البقرة،، الآية 286.
القابسي:
: الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين، ص 58.
عبود، عبد الغني: فلسفة التعليم الابتدائي، ص
267 (1/285)
صفحة 286
ولقد شغل التأديب، وبخاصة الضرب، إهتمام المربين المسلمين الذين لم يسمحوا به
إلا عند الضرورة، ويتنوّع هذا العقاب ويختلف مراعياً الفروقات الفردية بين الطلاب، يكفيه عبوس وجهه ـ المعلم ـ عليه، وآخر لا يرتدع إلا بالكلام الغليظ
n
قرب صبي!
والتهديد، وآخر لا ينزجر إلا بالضرب والإهانة، كل ذلك على قدر حاله (1) ".
ويوافق ابن الجزار القيرواني الطبيب على أن من الطلاب "من إذا مدح تعلم علماً كثيراً، ومنهم من يتعلم إذا عاتبه المعلّم، ووبخه، ومنهم من لا يتعلّم إلا للفرق من الضرب (2) ". حرصت التربية الإسلامية على التنويع في أساليب التأديب ليعلم المعلّم أن الهدف من القصاص ليس التشفي من الطالب، بقدر ما هو وسيلة تربوية تهدف إلى تقويم الطالب وإصلاحه، فالقصاص ليس سلاحاً في يد المعلّم يستخدم ضد الطالب، أو يقوم به شخص آخر غير المعلم، يضرب الطلاب دون رحمة أو شفقة، كما أن الثواب يهدف إلى دفع الطالب إلى العمل والاجتهاد.
2 - أسلوب التأديب في التربية الإسلامية:
تدرجت التربية الإسلامية في التأديب، و لم تلجأ إلى التأديب الجسدي إلا بعد أن تستنفذ جميع وسائل التأديب المعنوي، التي يجب أن تسبق التأديب الجسدي، وإن كانت تحرص على اعتماد أسلوب المدح ولطيف الكلام، فقد طلب سحنون ت 240 هـ / 854 م) من معلّم ابنه أن لا يؤدبه " إلا بالمدح ولطيف الكلام فهو ليس تمن يؤدب بالضرب والتعنيف، فإني أرجو أن يكون نسيج وحده، وفريد أهل زمانه، واتركه على نحلتي (3) ". فبناء القادة، لا يكون بالضرب الذي يعود الطلبة على الخضوع
والإذلال، ويفقد التلميذ شخصيته. وتتضمن هذه الوسائل:
(1)
ابن الحاج العبدري: مدخل الشرع الشريف على المذاهب، ج 2، ص 316. (2) ـ ابن الجزار القيرواني، أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن خالد: سياسة الصبيان وتدبيرهم، ص
تقديم وتحقيق محمد حبيب الهيلة، تونس، الدار التونسية للنشر 1968 ..
(3) - المالكي: رياض النفوس، ج 1، ص 345.
268 (1/286)
صفحة 287
أ ـ التغافل عن الذنب حتى يصحح التلميذ خطأه الأول، " ولا يوبخ عليه ولا يكاشف بأنه أقدم عليه، بل يتغافل عنه تغافل من لا يخطر بباله أو أنه قد تجاسر على
" (1)
مثله، ولا هم به، لا سيما إن سترة الصبي واجتهد في أن يخفي ما فعله ". لأن
لفت نظره إلى الخطأ " ربّما يفيده جسارة حتى لا يبالي بالمكاشفة (2) ".
ب ـ نصح التلميذ ولفت نظره إلى الخطأ، وكيفية التخلص منه، ويكون ذلك بأن يعاتب التلميذ سراً " وليعظم عنده ما آتاه ويحذر من معاودته، فإنك إن عودته التوبيخ والمكاشفة حملته على الوقاحة، وحرّضته على معاودة ما كان استقبحه، وهان عليه سماع الملامة في ركوب قبائح اللذات التي تدعو إليها وبالتالي فإنّ تكرار سماع التوبيخ والعتاب " يسقط وقع الكلام
نفسه
في قلبه
" (3)
11 (2)
ج - إن لم يفلح التأنيب على انفراد، يلجأ المعلّم إلى التوبيخ على رؤوس الأشهاد، أمام زملائه، شرط ألا يشتمل التوبيخ على ألفاظ تسيء إلى كرامة التلميذ وأهله، وعلى شتم " كقول من لا يعرف الأطفال المؤمنين حقاً، يا مسخ، يا قرد، فلا يفعل هذا ا ولا ما كان مثله في القبح (5) ".
ويهدف الجهر بالتوبيخ إلى استغلال الخوف الأدبي، ليحفظ التلميذ كرامته أمام رفاقه الآخرين، في حين أنّ التأثير على الطلاب المشاهدين "لا يقل عن الأثر الذي يلحق بالمذنب، وذلك أن الألم ينتقل إلى الناس كالعدوى بدافع المشاركة الوجدانية أو التعاطف، وهو من النزعات الفطرية في الإنسان، ويلعب التصوّر والخيال دوراً كبيراً في هذه المسألة،
295
- ابن مسكويه: تهذيب الأخلاق، ص 20. ابن الحاج العبدري: مدخل الشرع الشريف على المذاهب، ج 4، 0 ابن مسكويه: تهذيب الأخلاق، ص 20.
(1)
(2)
(3)
(4) ـ ابن الحاج العبدري: مدخل الشرع الشريف على المذاهب، ج 4، ص 297. القابسي:: الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين، ص 55.
(°)
269 (1/287)
صفحة 288
ذلك أن شاهد العذاب يتصوّر في خياله ما ينزل به إذا كان هو الواقع تحت العذاب، فهو يتألّم كما لو كان التأثير حقيقياً لا وهميا، وهو يخشى العقاب ويرهبه، خشية المذنب ورهبة المعاقب (1) حيث تؤدي المشاهدة إلى التشهير بالمذنب، وضرب المثل للآخرين وليكون العقاب أوقع وأوجع بالنسبة للمذنب والمشاهد.
ويمر الطالب، من جراء تكرار اللوم والتوبيخ " بثلاثة مراحل أولاها مرحلة التألم من الشعور بالذنب، وبالتكرار تأتي مرحلة التضايق من التوبيخ والكراهية لمصدر التوبيخ، وبزيادة التكرار تأتي مرحلة ثالثة وهي عدم إعارة التوبيخ أو مصدره أي اهتمام)
د - حبس
" (*)
التلميذ.، بعد الانصراف شرط أن لا يمنع " من طعامه وشرابه إذا
أرسل وراءه (3)
لأن التلميذ بحاجة إلى الغذاء لنموه، والهدف من
القصاص، هو تقويم السلوك لا الإساءة إلى نموّه ونمائه.
هـ ـ يلجأ المعلّم إلى التأديب الجسدي، بعد أن يستنفذ وسائل التأديب المعنوي، وحين يقرر المعلم مباشرة التأديب الجسدي، عليه أن يراعي |
التالية:
1 - الهدف
الأمور
من التأديب الجسدي هو التقويم، وليس التشفي والانتقام،
فلقد أجيزت عقوبة الضرب " لظنّ أنّها تفيد الإصلاح، فإذا كان
الضرر سيأتي منها انتفت
(4)
(1) - الأهواني، أحمد فؤاد: التربية في الإسلام، ص 137.
(T)
(1)
، ص
185، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، ط 7، 1969
- القوصي، عبد العزيز: أسس الصحة النفسية: ابن سحنون: آداب المعلمين والمتعلمين:، ص 101
(1) - العنتيل، محمد فوزي: التربية عند العرب مظاهرها واتجاهاتها، ص 68، القاهرة، الدار المصرية
270
للتأليف والترجمة 1966 (1/288)
صفحة 289
(1)
2 - لا يباشر المعلم الضرب، قبل أن يأخذ الأذن من أولياء الأمور، لأنّ " المعلم يستمد سلطته من آباء الصبيان، ولهؤلاء أن يستردوا هذه السلطة إذا شاءوا (1) ".
- إذا أراد المعلّم ضرب التلميذ، فإنّ "الضرب من واحدة إلى ثلاثة (2) ". وللمعلم أن يزيد إلى العشرة "إذا كان الصبي يطيق ذلك (3) ".
لكن المعلم لا يتجاوز، في الضرب، ثلاثاً " إلا أن يأذن الأب
في أكثر من ذلك (4) ".
4 - يتولى المعلّم قصاص التلميذ ولا يولي أحداً من الصبيان الضرب، لأنّ الصبي قد يضرب تشفياً وانتقاماً، والمعلم لا يلجأ إلى القسوة، إلا من أجل
الإصلاح،
لأنه بمثابة الأب للتلميذ، وينبغي أن يكون في تأدييه رحيماً.
عن
ه ـ أن لا يضرب المعلم وهو غضبان، لأنّ الغضب يخرج المعلم. الهدف المرجو من التأديب، ويشترط سكون غضبه حتى يباشر التأديب الجسدي.
روي ابن سحنون " عن سيف بن محمد قال: كنت جالساً عند سعد الخفاف فجاءه ابنه يبكي، فقال يا بني: ما يبكيك؟ قال: ضربني المعلم! قال: قال رسول الله الله اشرار أمني معلمو صبيانهم، فهم أقلهم رحمة لليتيم، وأغلظهم على المسكين). قال محمد، وإنما ذلك لأنه يضربهم إذا غضب وليس على منافعهم (5) ".
الأهواني.، أحمد فؤاد: التربية في الإسلام، ص 214. (2) ـ القابسي: الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين:، ص 55.
(د)
(4)
(°)
القابسي: المصدر السابق، ص 56
- ابن سحنون: آداب المعلمين والمتعلمين، ص 98.
ابن سحنون: المصدر السابق، ص 89.
271 (1/289)
صفحة 290
6 - حددت وسيلة الضرب بشيئين:
أ ـ العصا، ويشترط فيها أن لا تكون " غليظة تكسر العظم،
ولا رقيقة تؤلم الجسم
" (1)
ب ـ الدرة، ويشترط أن تكون معتدلة الرطوبة، فلا تكون
رطبة فتشق الجلد لثقلها، ولا شديدة اليبوسة فلا تؤلم
لخفتها
(2)
7 - يشترط في أماكن الضرب أن تكون مأمونة، وحددت هذه
الأماكن:
أ ـ " اللوايا والأفخاذ وأسافل القدمين، لأنّ هذه المواضع لا
يخشى منها مرض ولا غائلة (3)
ب ـ لا يجوز ضرب " رأس الصبي ولا وجهه (4) ".) ". وأن يكون الضرب في غير " مقتل كالفرج وتحت الأذن، وعند ثغرة
الفم (
" (0)
- لا يجوز الضرب على الظهر والبطن " ولا ينبغي للظهر والبطن، كما يفعل من لا دين له، وأعظم منه أن يعصر انشيه أو يضربه على مراقه، أو
على مجمع عروق الذكورية فيفسد فيه النسل
11 (3)
(1) ـ ابن نصر، عبد الرحمن: نهاية الرتبة في طلب الحسبة، ص 104، نشر الباز العريني، إشراف مصطفى زيادة، القاهرة، مطبعة التأليف والترجمة والنشر، 1946
(2)
(3)
- عطيه، سليمان اسحق: تحرير المقال، ص 64.
ابن نصر: نهاية الرتبة في طلب الحسبة، ص 104. (4) - ابن سحنون: آداب المعلمين والمتعلمين، ص 100 - 101
(°)
عطيه، سليمان اسحق: تحرير المقال، ص 64.
(1) ـ ابن أبي جمعة المغراوي: جامع جوامع الاختصار، ص 40.
272 (1/290)
صفحة 291
9 - ويشترط على المعلم خلال عملية التأديب:
ا - أن يكون الضرب " مفرّقاً لا مجموعاً في محل واحد (1) " لأن
القصد من التأديب ردعه لا قتله
ب ـ أن يكون بين الضربتين " زمن يخفّ فيه ألم الأولى (2) ".
ج ـ أن لا يضرب التلميذ على انفراد، بل أمام زملائه حتى يؤدّي الضرب هدفه التربوي وهو زجر المذنب ووعظ التلاميذ. إنّ مشاهدة التلاميذ للعقوبة، تؤثر فيهم تأثيراً " لا يقل عن الأثر الذي يلحق المذنب، ذلك أنّ الألم ينتقل بين الناس کالعدوى بدافع المشاركة الوجدانية أو التعاطف، وهو من النزعات الفطرية في الإنسان، ويلعب التصوّر والخيال دوراً كبيراً في هذه المسألة (3) ".
10 - يضع المعلم في الحسبان، حين يمارس التأديب الجسدي أن أي أذى يلحق بالتلميذ يتحمل تبعاته:
أ - إذا ضرب " الصبي بما يجوز له أن يضربه، إذا كان مثله يقوى على مثل ذلك فمات، أو أصابه منه بلاء، لم يكن على المعلم شيء غير الكفّارة إن مات، وإن جاوز الأدب ضمن الدية في ماله مع الأدب، وقد قيل على العاقلة مع الكفارة. فإن جاوز الأدب فمرض الصبي من ذلك فمات، فإن كان جاوز ما يعلم أنه أراد
به القتل أقسموا، وقتله به الأولياء (4) ".
(1) - عطيه، سليمان اسحق: تحرير المقال، ص
(2)
-
78
- عطيه، سليمان اسحق: المرجع السابق، ص 64 (3) - الأهواني، أحمد فؤاد: التربية في الإسلام:، ص 160. - ابن سحنون: آداب المعلمين والمتعلمين.، ص 132 - 133
(4)
273 (1/291)
صفحة 292
تتناسب العقوبات التي تلحق بالمعلّم مع الأذى الذي يلحق بالصبي، ومشاركة أهل المعلم في دفع التعويضات المتوجبة على المعلّم، يفتح الباب نحو مراقبة مجتمعية للضرب، ويجعل أهل المعلم، الذين يحملون قسماً من الدية، التي تفرض على المعلم، يشاركون في مراقبة نشاطه التعليمي.
- أسباب التأديب في الفكر التربوي الإباضي:
بمايلي:
وضعت مدارس العزابة الأسباب الموجبة للتأديب، وحددتها
1 - التقصير في الواجبات الدراسية من تقصير في حفظ الدروس، إلى عدم القيام بالواجبات التي تطلب من التلميذ.
2 - التأخر أو التغيب عن حضور الدرس بدون عذر.
3 ـ عدم الالتزام بالهدوء والنظام أثناء الدرس.
4 - عدم التقيد بنوم الهاجرة وقت الضحى.
ه - كثرة الحركة وإزعاج الآخرين أثناء النوم.
-
6 ـ عدم الالتزام بالمواعيد المحددة للأكل والنوم. 7 ـ عدم حضور دروس شيخ العزابة الأسبوعية، والتي تعقد يومي الإثنين والخميس - التأخر أو الغياب عن حضور أوقات الختمات: ختمة الصباح، وختمة المساء.
9 ـ عدم القيام في الليل وقت الاستفتاح في الثلث الأخير أو الربع الأخير منه، أو
الوقت الذي يحدده شيخ العزابة
10 ـ عدم الالتزام بالعبادات
11 ـ عدم الالتزام بآداب الطعام، والتي هي:
أ ـ التأخر عن موعد الأكل.
ب ـ عدم لبس اللباس الخاص بالطعام.
274 (1/292)
صفحة 293
ج - عدم الأكل باعتدال.
د - القيام عن الطعام قبل أن يأذن العريف.
12 ـ عدم التقيد بزي العزابة.
13 - إرتكاب إثم كبير يستحق فاعله البراءة والهجران
14 - التردّد على الأسواق العامة، وأماكن الشبهات.
15 - إفشاء الأسرار مثل:
أ ـ ذكر قوانين العزابة وأنظمتها الداخلية.
ب ـ ذكر مواعيد الجلسات وأماكن انعقادها
- أساليب التأديب:
لا يختلف أسلوب التأديب في مدارس العزابة عن أساليب التربية الإسلامية،
ويتدرّج التأديب في مدارس العزابة على النحو التالي:
1 - الاغضاء عن الذنب، ويكون للطالب المبتدئ، على النحو التالي:
أ ـ السكوت عن خمس عثرات.
ب ـ السكوت عن ثلاث عثرات في الكتابة.
ج ـ السكوت عن عثرة واحدة في الإعادة
2 - نصح التلميذ على إنفراد، وإن كان في مكان عام يكون النصح بعبارات يتفق عليها، مثل قول " حسان " أو " حسّان بن ثابت " أي أحسنوا آدابكم
وأخلاقكم
، وهي
كلمات وعبارات يقولونها عندما يدخل فيهم غير الصنف
تحذيراً من أن يطلع على ما ينتقد منهم.
- الحبس في زاوية معينة من المدرسة، أو المسجد
4 ـ حرمان التلميذ من نصيبه من الوجبتين الإضافيتين عند الضحى، وبعد العصر،
أو من إحداهما
ه - حرمان التلميذ من وجبات الطعام الرئيسية.
270 (1/293)
صفحة 294
وإن لم يصطلح التلميذ، تخطّى المعلم العقوبات المعنوية إلى
العقوبات التالية:
1 - الجلد طبقاً لنوع الخطأ، وعدد الغلطات التي ارتكبها.
2 - الهجران البراءة المؤقتة حتى يتوب التلميذ عن الذنب الذي ارتكبه.، وهو
ـ البراءة، وهي طرد التلميذ الذي يرتكب ذنباً كبيراً مثل ترك الصلاة.
(1)
إن نظام التأديب في مدارس العزابة أقرب إلى النظام العسكري حيث إنه " إن انقضى الدعاء و تخلف أحد ـ من التلاميذ - فالخطة، فإذا كان الضحى نادى بنوم الهاجرة فينامون فإذا ناموا وتكلّم أحد أو تحرك بحيث يؤذي النائمين فالخطة، بل أن ينام بغير عذر، وكان تركه النوم ذريعة إلى امتناع القيام بالليل حتم عليه نوم القائلة، فإن امتنع
فالخطة (2) "
إنعكس هذا الأسلوب الشديد في التأديب على تربية الأجيال الإباضية، وهذا ما جعل أصوات الانتقاد لهذا الأسلوب التربوي تعلو مطالبة التغيير، " وأنها تربية فاسدة للأبناء تقتل شخصيّتهم وتخالف الدين وتضرّ بالأمة في كل نواحيها، كانت تربية الآباء لأودلاهم تقوم على القسوة والفظاظة والحرمان، يريد الأب والأم من ولدهما أن يكون حجرا أصم يدحرجانه إلى الناحية التي يريدان، ويكون طوع أمرهما في كل الأشياء.
وكان أغلب الآباء يقسون في عقاب الطفل؛ إنّ العقاب هو أسلوب التربية وطريق التهذيب عندهم، والارغام والقهر والجبروت على الابن هو الذي يعتمدون عليه في توجيه الطفل، وتعويده ما يريدون، وإن كان ما أتى من الحركات الضرورية لنموه
(1) ـ أنظر، 1 ـ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 171 - 182،
2 - البرادي: الجواهر المنتقاة. ص
، 218 - 207
3 - عبد الكافي: رسالة العزابة، ص 2 - 9،
4 ـ خليفات، محمد عوض: النظم الاجتماعية والتربوية، ص
(2) ـ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 174.
082 - 81
276 (1/294)
صفحة 295
وترقيه كجريه وصراخه، وميله إلى اللعب وغرامه باللعب واقتنائها وأكاذيب الأطفال في
الطفولة الأولى لغلبة الخيال عليهم
" (1)
وطبق الإباضية أسلوباً جديداً في التأديب يقوم على الولاية وهي " الولاية
الموافقة في الدين، فكلّ من وافقك في الدين فهو وليك سواء علمت بموافقته أو جهلتها أو
برئت منه بالظاهر لحدث عرفته منه وهو قد تاب ورجع عـ
عنه
" (Y)
ويقوم على البراءة، وهي المخالفة في القول والعمل، أو في أحدهما " هذا تما اتفق عليه أصحابنا واختلفوا في الموافقة بالقول قبل معرفة العمل فأوجب بعضهم الولاية به، ومنعها آخرون، والأوّل أصح لقوله تعالى ـ ياأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَت بِبَابِعَنَكَ عَلَى
يزبين و
أيدِينَ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفِ فَائِمُهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ الله) م فأمره بالاستغفار لهن على نفس تلك المبايعة ولم يأمره بالانتظار في أمرهنّ، فإذا صح أن فلاناً موافق لنا في الاعتقاد ألزمنا أنفسنا ولايته من غير أن ننتظر منه العمل بتلك الآية، وهذا شامل لمن خرج عن الشرك إلى الإسلام، ولمن رجع عن مذهب أهل الضلال إلى مذهـ أهل الحق ـ الإباضية - (4) ".
وأسقط الإباضيّة مفهوم الولاية والهجران على الفكر التربوي، ويطبق هذا
المفهوم في حالة. من الحالتين:
(1)
(2)
- مشاهدة مكلّف يرتكب كبيرة لا يحتمل له فيها عذر، فالواجب عندئذ البراءة منه 2 - الاقرار أن يقرّ المكلّف بأنه فعل كبيرة، لم يتب منها، أو أنه أقر بذلك
، وهو
على سبيل السرور بها.
دبوز، محمد علي: نهضة الجزائر، ج 1، ص 334 - 335
- السالمي: مشارق أنوار العقول، ص 337.) - سورة الممتحنة، الآية 12.
(4) - السالمي: مشارق أنوار العقول، ص 346 - 347.
277 (1/295)
صفحة 296
ونرى أن هذه العقوبة يجب أن تسبق التأديب الجسدي لأنها نوع من التأديب المعنوي، ولا نعتقد أنها تفيد إذا طبقت بعد التأديب الجسدي.
وإذا كنا لا نعثر في الفكر التربوي الإباضي على توضيح لهذا النوع من العقاب، لكنه يبدو أنه تعنيف شديد حتى ينصرف التلميذ إلى دروسه إذا كان مقصراً، أو أن يشعر بالذنب إذا كان قد ارتكب فاحشة أو خالف الأنظمة السائدة في مدارس العزابة.
إن هذا الأسلوب من التأديب يقتل المواهب ويطمس الملكات، لأن أساليب التأديب ترى في الطفل مثلاً مصغراً للرجل، لا يكاد يختلف عنه إلا في الحجم، وأن عليه يصطنع حشمة الرجال ووقارهم، وأن يزدرد كلّ المعارف والمعلومات التي تصب عليه صباً، وويل له إن جنح إلى العبث واللعب، أو تمرد على ما يفرض عليه من نظم وقوانين،
أن
فإن
الخطة له بالمرصاد
وربما يعود حكمنا على أسلوب التأديب إلى أننا نخضع النظم التربوية إلى المقياس الحديث القائم على الدراسات النفسية القائمة على التجارب والملاحظات، وعلى التتبع والمقارنة والمعايشة، والتي تؤكد " أنّ للطفل عالماً خالصاً، وأنه، قبل أن يصبح رجلاً ناضجاً، يجتاز مراحل من النمو متنوعة ومتباينة، وأنّ هذه المراحل، رغم تداخلها، تختلف الواحدة منها عن الأخرى اختلافاً بيناً، حتى ليمكن القول بأن الطفل
وتفاعلها
في المرحلة التالية غيره التي قبلها (1) ".
وأن الاصطلاح على عبارات لعتاب التلميذ أو تقويم خطئه مفيد جداً،
وبخاصة أمام الأغراب.
واعتماد أسلوب البراءة والهجران، حيث يتجنّب التلميذ المقصر حتى يعود إلى الدرس والتحصيل، يحسّس التلميذ بالعقاب المجتمعي لتقصيره، ولكن يخشى أن لا يحسن التلاميذ استيعاب هذا النوع من التأديب، فيؤدّي إلى نتائج سلبية.
(1)
السعيدي، محمد: أعرف طفلك تتجنب الأخطاء في التربية، ص 101، مجلة الوعي الإسلامي: الكويت، العدد 306، جمادى الآخرة 1410 هـ / كانون الثاني 1990 م.
278 (1/296)
صفحة 297
- استنتاجات:
إن التأديب الذي تشترطه التربية الإسلامية، ونقصد به الضرب، ينبع من المبادئ الإسلامية التي تشرع القصاص المتناسب مع الذنب، قصاص لا يستهدف الانتقام، أجل الحياة إمتثالاً لقوله تعالى {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوة أُولِي الْأَلْبَبِ
إنما هو من أ
لعلكم تتقون (1)
وإذا كانت التربية الإسلامية قد شرعت التأديب الجسدي إلا أنها جعلت الرفق هو الأساس، وكانت الدولة الإسلامية تأخذ " على عاتقها حماية الأطفال من أساليب القسوة والعنف التي لجأ إليها غلاظ القلوب من المدرسين، فكلّفت رئيس الشرطة بملاحقة طرق معاملة الأطفال في الكتاتيب حتى لا تقع عليهم آية قسوة من جانب المعلمين (2) ".
وإذا كنا لم نعثر على مثل هذا المستند في الشمال الإفريقي، وبخاصة في مدارس العزابة، فمما لا شك فيه أنّ الشمال الإفريقي كان يطبق الأنظمة والقوانين السائدة، في العالم الإسلامي آنذاك، وكان شيخ العزابة هو المشرف العام على المدارس
الإباضية.
وإذا كانت التربية الحديثة تعارض الضرب فهل تعارض الضرب لكونه ضرباً؟ أم خشية استغلال المعلّم لإجازة الضرب، واستغلاله للانتقام والتشفي من
التلاميذ.
تحذر التربية الحديثة من الضرب، حتى تجاه موقف عدواني صادر عن تلميذ عن
سابق إصرار وتصميم، " فحين يلقي التلميذ قطعة من الطباشير على السبورة في الوقت الذي يكون المعلّم موليا ظهره للفصل، فإنّ الواجب الأول للمدرس في هذه الحالة هو أن يحاول فهم هذا السلوك. لماذا ألقى التلميذ الطباشير؟ هل لأنه كلّف بعمل فوق
(1) - سورة البقرة، الآية 179
(2)
- عبد الدايم،، عبد الله: التربية عبر التاريخ، ص 195، بيروت، دار العلم للملايين، ط 3، 1978.
279 (1/297)
صفحة 298
طاقته؟ هل يعبر عن استيائه لفقد وجهه إلى المعلم، أو إهانة أحس بها؟ هل لم يظهر المعلم اهتمامه بالتلميذ كفرد؟ ويعتبرون أنه الخطأ أن يلجأ للعقاب كوسيلة لقمع من العدوان، وذلك أنّ كلّ عدوان يزيد الرغبة في العدوان (1) ".
وأن الضرب ينافي مفهوم الحرية في التربية، ويمنع إقامة علاقات إنسانية مثمرة بين المعلم والتلاميذ، ولكي تؤتي العملية التربوية ثمارها، لا بد من إيجاد جو من الألفة في قاعة الدرس حتى يتجاوب التلاميذ مع معلّمهم.
ونميل إلى أنّ الكلام والتوجيه التربوي الجاد والذي يتميز بالحكمة هو أفضل وأجدى من الضرب، لأنّ التلميذ عندما يكبر يستمر في استذكار هذه المعاملة القاسية في حين أثبتت التربية الصحيحة أنّ الكلام قد يكون أقسى من الضرب وأنّ النظرة الثاقبة من
الأهل للأولاد بدورها أجدى من الضرب
والذين يرفضون العقاب الجسدي، يهدفون إلى تربية فضلى، والإسلام ينطلق
في العقاب من أجل الحياة. والمبادئ كلّها معان مجردة، لا يمكن الحكم عليها إلا بعد
تطبيقها ومعرفة النتائج التي نصل إليها بعد التطبيق
ولا يمكن الحكم على التأديب في التربية الإسلامية إلا بعد تطبيقه ودراسة
نتائج. هذا التطبيق.
(1) ـ محفوظ، محمد جمال الدين: تربية المراهق في المدرسة الإسلامية، ص 118، مصر، الهيئة المصرية العامة
للكتاب 1977.
280 (1/298)
صفحة 299
خاتمة واستنتاجيات
IVA
و اقتراحات (1/299)
صفحة 300
لما كانت التنمية، قبل كل شيء، هي تنمية بشرية، فإنّ التربية تلعب الدور الرئيسي في إيجاد المواطن المؤهّل القادر والفاعل في مجتمعه، نستهدفه عملية التنمية من
مختلف جوانبها.
والتربية عنصر رئيسي من عناصر التغيير، تلجأ إليها الجماعات والمجتمعات المختلفة لصبّ ما تريده في عقول أفرادها، وتشكيل شخصيّاتهم. وكم من المجتمعات تغيرت مسيرتها بسبب ما أدخل على تربية أفرادها، وما وضع في برنامج تربيتهم.
ورغم مرور أكثر من نصف قرن على بدايات استقلال العالم الإسلامي، ثمّ تحرر جل البلدان الإسلامية، فإنّ نظم التربية في العالم الإسلامي لم تتحرر من التبعية
للدول الإستعمارية.
وغدا التراث التربوي الغربي جزءاً من عقليّتنا، وأثره " قد طال وأصبح لا شعورياً، وربما قد يدخل إن لم يكن قد دخل بالفعل كجزء من تكوين عقليتنا (1) ". إضافة إلى ذلك فإن تطوّر التعليم في الدول الغربية " يقفز بمتواليات مدهشة
المعاصرة
في مختلف التخصصات، بينما في العالم الإسلامي ما زالت الفوضى في مناهج التعليم تربك وتعرقل حركة الإصلاح الصحيح (2) ".
ومراد البحث الإسهام في بلورة تصوّر تربوي يحقق للأمة الإسلامية الأصالة والمعاصرة في آن معاً، وينقي الفكر التربوي الإسلامي مما علق به من أفكار متسللة إلى مفاهيمنا، وإلى حياتنا، وإلى تربية أجيالنا، ويحمي الأمة من الضياع، ويصون فكرها من التمزق، ويحصن ثقافتها من الصراع، و " نربي المجتمع المسلم ونعيد صياغة حياته في جميع مظاهرها ونظمها في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بوجه عام (3) ".
(1)
(2)
(
حنفي، حسن: في الفكر العربي المعاصر، ص 34، بيروت، دار التنوير للطباعة والنشر 1982. - الناكوع،، محمود محمد: حركة الإصلاح الإسلامي مدخلها التعليم، ص 49، مجلة الوعي الإسلامي، العدد 350، الكويت شوال 1415 هـ / آذار 1995 م.
- سلطان، محمود السيد: بحوث في التربية الإسلامية، ص 21، القاهرة، دار المعارف 1979.
282 (1/300)
صفحة 301
ولا يتوافق التصور التربوي الذي نبغيه مع تعريف Claude Pantillon لفلسفة التربية بأنّها " تلك الخميرة، التي ينبغي أن تخالط التربية والعالم والتاريخ، وتلك الإرادة الحازمة، إرادة الوقفة الشامخة للإجابة على الأسئلة والتحديات الكبرى في عصرنا (1) ".
ولا يتطابق كذلك مع تعريف التربية في بعض الأقطار العربية، الذي يؤكد على
النقاط التالية:
" - التأكيد على النمو الروحي للفرد، وذلك من خلال الإيمان بالله والمثل العليا للأمة
العربية، والمحافظة على تراثها
- تعميق الشعور القومي وروح الانتماء إلى الأمة العربية. النمو الكامل عقليّاً وبدنياً وانفعالياً.
- التأكيد على دور التربية في التنمية الشاملة (2) ".
ولم نتعرض للتساؤلات التي تطرح في الغالب في أي لقاء تربوي، والتي هي " أي إنسان نود أن نكون عن طريق التربية؟ وما هو هدف مناهج التربية وطرائقها وإدارتها وغير ذلك من مقوماتها؟ وما يتصل بإعداد الإنسان، وهل يجوز البحث في الفرع قبل البحث في الأصول، وهل يجوز البحث في علم التربية والفنون التربوية قبل التساؤل عن مستقرها وغايتها
"1 (1)
إننا نود صياغة تصوّر تربوي يحقق الأهدف التي رسمها القرآن الكريم والسنة النبوية
الشريفة، وهي إيجاد الإنسان الرائد في الدنيا، والفائز بالسعادة في الآخرة.
Pantillon, Claude : Une philosophie de l'éducation pour quoi faire, p 50,- lausanne, édition l'âge de l'homme 1981.
(1)
(2) ـ المومني، موسى.
(1)
جفال، وآخرون: الأهداف التربوية في المملكة الأردنية الهاشمية، ص 23، تونس،
•
المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم 1986.
- عبد الدايم، عبد الله: نحو فلسفة عربية للتربية، ص 63، بيروت مركز دراسات الوحدة
العربية 1991.
283 (1/301)
صفحة 302
ولتحقيق ذلك لا بد من دراسة شاملة للفكر التربوي الإسلامي، واستخراج
كنوزه ودفائنه، فالتربية الإسلامية كانت وراء قيام " الصرح الحضاري الذي دام قرابة ألف عام على مر التاريخ، لقد أنشأ المسلمون الحضارة الإسلامية الرائعة، التي نعمت بها البشرية قروناً طويلة، ولعلّ من الإنصاف أن نقول إنّ البشرية لا تزال تنعم بعلومها واكتشافاتها وبحوثها كما يعترف الغرب نفسه بذلك (1) ".
وقد فعل المسلمون ذلك عبادة الله، وقياماً بوظيفتهم في هذه الحياة، وجعلوا بذلك أمتهم في مكان الريادة للأمم كلّها، فكانت بذلك خير أمة أخرجت للناس، وكانت حضارتها خير حضارة عرفها التاريخ بالنسبة للإنسانية كلّها، وذلك لأنها حققت كل الجوانب للفرد والمجتمع " ومن المسلّم به لدى كل المريين أو المؤرّخين في جميع العصور التي جاءت بعد الإسلام، أن التربية الإسلامية هي الأساس المتين لحضارة المسلمين، وأنّ المثل العليا في تلك التربية تتفق مع الاتجاهات الحديثة في علم التربية العام
"1 (Y)
ضمن هذه الأهداف كانت دراستنا للفكر التربوي الإباضي، والتي
بلورت ما يلي:
1 - تحفيظ القرآن الكريم في المرحلة التعليمية الأولى: لا يزال المذهب الإباضي - حتى اليوم - يفرض على أتباعه الذهاب إلى الكتاب حفظ القرآن الكريم. فالطالب الإباضي يذهب في الصباح الباكر إلى الكتاب الإباضي المعروف باسم " دور القرآن " ليحفظ القرآن الكريم، ثم يتوجه بعد ذلك إلى
المدرسة الرسمية
•
وبما أن علماء التربية يؤكدون " أنّ الطفل في المرحلة العمرية من 3 - 6 سنوات يستطيع أن يحفظ حوالي 9 ملايين كلمة، وبالتالي يجب الاستفادة من هذه المرحلة
(1) ـ القاضي، علي: أضواء على التربية الإسلامية، ص 262، القاهرة، دار الأنصار 1400 هـ / 1979 م. (2) - المرزوقي، آمال حمزة: النظرية التربوية الإسلامية، ص 11، سلسلة رسائل جامعية رقم 7،
جدة 1402 هـ / 1982 م.
284 (1/302)
صفحة 303
في تدعيم عمليات الحفظ، على أن تأتي مرحلة الاستيعاب والفهم في مرحلة لاحقة عند تقدّم المرحلة العمرية، ويؤكد الدكتور سعد ظلام مقولة أنّ الفهم مجرد فكرة في الذهن، لا تصاغ صياغة دقيقة إلا إذا امتلك الفرد حصيلة لغوية ثرية وغزيرة (1) ".
نستطيع الاستفادة من هذه الأبحاث في تخصيص المرحلة العمرية من 3 - 6 سنوات لتحفيظ القرآن الكريم مع العلم أنّ عدد كلمات القرآن الكريم يبلغ 77439 كلمة ويضاف إلى هذه المرحلة بعض النشاطات اللامنهجية، التي تستجيب لميول الطفل، وتتناسب مع نموه ونمائه مثل: الخط، والإنشاد، والنشاطات
الرياضية.
ويتكون عند تنشئة الطفل على القرآن الكريم، " استعداد أخلاقي للالتزام به
في كل مكان، واشباع روحه بروح الأخلاق، وذلك بتكوين عاطفة وبصيرة أخلاقية، حتى تصبح مفتاحاً لكل خير مغلاقاً لكل شر، أينما كان وحيثما وجد باندفاع ذاتي إلى
هذا
وذلك، عن إيمان واقتناع وعن. عاطفة وبصيرة
11 (Y)
إن بناء الفرد أخلاقياً هو بناء للمجتمع، فالأفراد بمثابة لبنات، والبناء الاجتماعي هو نسيج هذه اللبنات، فإذا أردنا إيجاد مجتمع خيّر فلا بد من إيجاد أفراد أخيار، وإذا كان الأفراد فاسدين فسيكون النسيج الاجتماعي فاسداً من أساسه، ولا يمكن إصلاحه بما هو عليه " فلا بد أن نبدأ بإصلاح الفرد وذلك بتكوينه إنساناً صالحاً لنفسه ولغيره معاً، وهذا يكون بالتعليم والتربية الخيرة (3) ". وتكثر كتابات
(1)
(2)
ظلام،، سعد: قدرة الطفل تبلغ 4 ملايين كلمة، ص 14، جريدة البلاد، العدد 595، السعودية، الجمعة 12 صفر 1417 هـ / 28 حزيران 1996 م.
السعيد، راغب محمد: التربية الأخلاقية في الإسلام مفهومها ووسائلها وخصائصها وغاياتها، ص 68،
مجلة الوعي الإسلامي
، العدد 342، الكويت، صفر 1415 هـ / تموز 1994 م.
(2) ـ يالجن، مقداد: دور التربية الأخلاقية في بناء الفرد والمجتمع والحضارة الإنسانية، ص 32، بيروت،
دار الشروق 1403 هـ / 1983 م.
285 (1/303)
صفحة 304
المربين المسلمين التي تهتم بأخلاقيات الطلبة، وخصصت الكتب والمباحث الإسلامية حيزاً كبيراً (1).
ضوع في
ولقد أدرك الغرب أهمية تعليم الأخلاق في مؤسساته التعليمية، فهذا العالم الفرنسي "الكسي كارل" يوجه لوماً إلى المؤسسات التربوية الغربية، التي تتجاهل التربية الأخلاقية بقوله " ومن الغريب أن ممارسة الفضائل لا تعلّم في المدارس العامة، ومع ذلك أليس من البدهي أنها ضرورة لنجاح الحياة الفردية والاجتماعية على حد سواء (2) ".
ويعترف الغرب بأن تربيته تربية مادّيّة أهملت التعبير عن روح الحياة، فعلينا أن نعيد إلى تعليمنا وإلى حياتنا حيوية تنقصنا، وبناء فلسفة للحياة، مثلاً أعلى واضحاً محدداً يهدي سلوكنا، ويهذب نفوسنا، ويسيطر على حياة الأفراد، ويسيطر بهم على حياة الأمة (3) ".
ولسنا بحاجة إلى الإسهاب في تبيان أثر العقيدة في سلوك الإنسان في حياته، فهي أقوى الدعائم للنهوض بالأخلاق، وعندما يحفظ الطفل القرآن الكريم، فإنه منذ طفولته يتأدب بأدب الدنيا ليحيا فيها، وبأدب الآخرة ليكون متصلاً بالله ل في كل حين، ويخاف الله تعالى في السر والعلانية، وإنّ " الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي كانت تقرأ وتتلى وتحفظ بشكل آلي في عهد الطفولة يعجز الطفل عن إدراكها وفهم معانيها، تترك في نفوس الفتيان والفتيات أثراً عميقاً ويسألون عن تفسيرها، ويشتاقون إلى فهم المراد منها (4) ". وبذلك ينشأ الطفل منذ الصغر وفق التصور الإسلامي، الداعي للريادة في الدنيا والفوز بالجنة في الآخرة.
(1) - أنظر
، سعد الدين، محمد منير: دراسات في تاريخ التربية عند المسلمين، ص 126، بيروت، دار
بيروت المحروسة للطباعة والنشر 1412 هـ / 1992 م.
(2) ـ كارل، ألكسي: الإنسان ذلك المجهول، ص 227، ترجمة أنطوان العبيدي، القاهرة، دار الكتاب المصري، د. ت. لفنجستون، السير ريتشارد: التربية لعالم حائر، ص 39، ترجمة وديع الضبع، القاهرة، مكتبة النهضة
(1
(4)
المصرية 1948
الإبراشي:
، محمد عطية: التربية الإسلامية وفلاسفتها ص،48، القاهرة، دار الفكر العربي،
ط 3، د. ت.
286 (1/304)
صفحة 305
2 - وضع الضوابط الإسلامية:
إن الهدف من وجود الإنسان على الأرض هو تحقيق العبودية لله عل، وتظهر
عظمة الله وعل في جميع مخلوقاته، لذلك ينبغي أن ينطبق تصوّرنا التربوي على العلوم كافة، والتي ينبغي أن ينظر إليها من المنظار الإسلامي، أي أن تسود التعاليم الإسلامية
على المناخ الفكري، أو ما يطلق عليه البعض أسلمة العلوم.
وتعتبر مادة
العلوم
مجالاً خصباً لأعمال الفكر، الذي يجول في الكون،
يتفكر في عظمة الخالق وبديع صنعه، وربط ذلك بالآيات القرآنية والحديث النبوي
الشريف
يتلقى الطفل في قسم الروضة، على سبيل المثال، التوجيهات الصحية، فينبغي
من
أن نربط هذه التوجيهات بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، التي جعلت النظافة. الإيمان، وأمرت بالسواك، وتقليم الأظافر وغسل اليدين قبل الطعام وبعده، ومضغ الطعام جيداً، والاكتفاء بما يقيم الحياة ويجعلها مستمرة.
ويدرس التلميذ في المرحلة الابتدائية علم الحشرات وعلم الأحياء، وعندما يدرس مثلاً مملكة النحل أو النمل تجدر الإشارة إلى الآيات القرآنية
الدالة
على التنظيم البديع للخالق و في حياة النحل والنمل، وعند الحديث
عن علم النبات ودور الكلوروفيل في حياة النبات، نشير إلى قوله تعالى {وَهُوَ الذي أخرى من السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَات كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِر ا تُخْرِجُ مِنْهُ حَبَا
متراكياً (1)
ويدرس الطالب في المرحلة المتوسطة علم الأجنّة ومراحل تطور الجنين، فنشير إلى الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة عن تطوّر الجنين، وخلقه في ظلمات ثلاث وأنّ الحياة الزوجية ليست قاصرة على الإنسان والحيوان والنبات
(1) - سورة الأنعام، الآية 99
287 (1/305)
صفحة 306
لقوله تعالى {وَمَن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا وَجَيْنِ (1)). وهذه الآية دليل علمي على أن
الحياة الزوجية تشمل كل شيء في الكون، حتى الكهرباء، لا بدّ لها، من موج وسالب.
ويدرس الطالب في المرحلة الثانوية علم الفلك، فنشير إلى سياحة الكواكب والنجوم في الفضاء الرّحب بقوله تعالى {وَكُلِّ فِي فَلكَ يَسْبَحُونَ (2)). فيشعر الدارس عندما نربط العلوم بالتصوّر التربوي الإسلامي أنّ كلّ ما في الوجود هو من صنع الله جل وأن على الإنسان اكتشاف أنظمة الكون والاستفادة منها في مجال تقدمه
وازدهاره.
لقد مزقت التربية الحديثة الأمة الإسلامية شرّ تمزيق، لأنها تنظر إلى التعليم على أنه ينشطر إلى شطرين، تعليم مدني، وتعليم ديني. في حين يجعل التصور التربوي الإسلامي التعليم المدني رافداً من روافده، وهو مرتبط بأمور الدنيا والآخرة لقوله تعالى
All
هل أني على الإنسان حين من الدهرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَذْكُوراً، إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانِ مِن
نطْفَةٍ أَنتَاجِ قَبْلِهِ فَجَعَلَنَهُ سَمِيعًا بَصيرا، إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِنَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)
خلق الإنسان ليبتلى بالسعي في هذه الحياة الدنيا وليحاسب في الآخرة، ووفق هذا المفهوم تصاغ التصوّرات التربوية لتنجو الأمة الإسلامية من التمزيق الذي ينهش
جسدها
وإذا كان هناك من يعترض على وضع الضوابط الإسلامية متذرعاً بأنّ القرآن الكريم يعلو، ولا يليق أن يقارن به شيء لأنه نص مقدس! فيرد على
ذلك بما يلي:
(1)
- سورة الذاريات، الآية 49.
(2) - سورة يس، الآية 40. (3) - سورة الإنسان، الآية 1 - 3.
288 (1/306)
صفحة 307
أ - إن نص الوحي مقدّس، ولكن ليس معنى القداسة أن لا نعمل العقل في فهم النص، إن النص هو خطاب الله تعالى إلى العقل، واستنبط سلفنا الصالح الأحكام من أدلتها ضمن ضوابط وقواعد معروفة الآن، وإننا بحاجة إلى تأصيل الأصول، لا أن نمحو ما كتبه من سبقنا، ونحتاج إلى إعادة النظر، ليس في
إننا
القضايا المسلّمة، ولكن في حلّ مشاكلنا المستجدّة على ضوء النص القديم، بحاجة إلى إعادة قراءة النص مع التسليم بقدسيّته، لأننا إن لم نقدس النص
فكيف نفكر فيه
(1)
إننا بحاجة إلى إعادة قراءة النص للتيسير " وليس معنى التيسير الاتيان بشرع من عند أنفسنا نسقط به عن ا الناس ما فرضه الله تعالى عليهم، أو نحل ما حرم الله عليهم، أو نبتدع لهم في الدين، ما لم يأذن به الله تعالى، فهذا ليس من التيسير الذي نريده في شيء، إنما نريد بالتيسير عدة أمور، منها مراعاة جانب اليسر والرخص في الشريعة الإسلامية، فلا ينبغي أن نعامل الناس كلهم بمستوى واحد، فلا يطالب الضعفاء بما يطالب به الأقوياء
11 (Y)
ب ـ إنّ تعاليم الإسلام لا تضرها المقارنة، لأننا عندما نعرض ونناقش مختلف المذاهب والعلوم الوضعية، نناقشها من موضع الثقة بعقيدتنا الإسلامية، التي هي أكبر من أي عقدة خوف، ولا نتجنب أو نخاف الإيديولوجيات المخالفة لتعاليمنا، بل نقيم معها حواراً يؤكد القناعة والثقة بتعاليمنا الإلهية، ونحمل غيرنا على الإيمان بها، فليس في المنهج الإسلامي " أوهام وأسرار وخرافات تصطدم مع العقل الإنساني هادياً إلى الحق وأمر الاحتكام إليه في حقائق الوجود وجعله
(1) ـ أنظر، الميس، الشيخ خليل: حوار تناول مجموعة من المصطلحات والطروحات المعاصرة، ص 7،
(2)
اللواء، السنة 34، العدد 8811، بيروت، الجمعة 18 تشرين الأول 1996 م، 6 جمادى
الآخرة 1417 هـ.
- القرضاوي، ا، يوسف: يجب أن يكون للمسلمين فقه معاصر، ص 37، مجلة الوعي الإسلامي
العدد 1366، الكويت، صفر 1417 هـ / تموز 1996 م.
6
2890 (1/307)
صفحة 308
مناط الفصل في حسم الجدال بين الملحدين والمؤمنين حول أي قضية يثور النزاع فيها بين الشك واليقين، وبهذا المنهج الذي يهدم الخرافة والوهم والتقليد، وينبه العقل للتأمل والتفكير، تسقط كل ضروب الأساطير وأنواع الخرافات مهما اختلفت في مظاهرها وصورها، وتعدّدت أشكالها بتعدد الأمم والأجناس، التي تضمها فترة زمنية معينة، ثمّ لا تسمح لها بعد ذلك أن تحيا في المجتمع الإسلامي، الذي يحرّر العقل ويحترمه، ويدعو إلى البحث الدقيق، والحث على التفكير العميق، ويدفع إلى تقصي الحقائق، ويصون الكيان الفكري من آفات الجهل والخرافة والوهم والانحراف (1) ".
وصفه
والذين يعتقدون أنّ العلم لا يمكن إلا أن يكون محايداً بحيث لا يمكن بأنه إن له إسلامي أو غير إسلامي؛ ولا يمكن نسبته إلى مذهب معين؟ يردّ عليهم بأنّ هذا القول دقيق إذا كانت مختلف العلوم، طبعية كانت أم إنسانية تقف عند بيان ما هو كائن، وإنما هي تتجاوز ذلك إلى بيان كيفية تغيير ما هو كائن أو من هذه العلوم وتوجيهها وجهة معينة.
الاستفادة
ويتساءل المرء " هل كان دارون محايداً عندما استغل بعض الوقائع العلمية ليصل من خلالها إلى أن أصل الإنسان قرد، وهل كان فرويد محايداً عندما استغل بعض الظواهر النفسية ليصل من خلالها إلى ضرورة إطلاق الرغبات الجنسية، وهل كان ماركس محايداً حين ادعى أن المادة أصل الوجود، وأن العامل الاقتصادي وحده هو مفتاح التاريخ ومحرك أحداث الحياة (2) ".
(1) - الخطيب، عمر عودة: لمحات في الثقافة الإسلامية، ص 216، بيروت، سسة الرسالة، ط 12،
(2)
1414 هـ / 1994 م.
الفنجري:، محمد شوقي: حول قضية أسلمة العلوم، ص 44، مجلة الوعي الإسلامي:، العدد 296،
الكويت، شعبان 1409 هـ / آذار 1989 م.
290 (1/308)
صفحة 309
3 - اللغة العربية:
عملت التربية الإباضية على تدريس معظم العلوم باللغة العربية، لأنها لغة الدين، وأضاف محمد يوسف اطفيش شرط إتقان اللغة العربية لمنصب الإمامة لأهمية
اللغة العربية.
و درست التربية الإباضية، كغيرها من مدارس التربية الإسلامية، العلوم والفلسفة والرياضيات باللغة العربية، وهذه العلوم ترجمت، بداية من اللغات الأخرى. وطوّر العلماء المسلمون هذه العلوم، وتابعوا أبحاثهم فيها، ولم نجد أحداً يجادل في عدم استجابة اللغة العربية لأدق ما أرادوا التعبير عنه من معاني تلك العلوم.
وإن نقل العلوم والأفكار لا يتطلب المحافظة على اللغة، التي تتضمن تلك العلوم للمحافظة على النقل الصحيح، لأن هذا يعني أن تتخلّى معظم شعوب العالم عن لغاتها الأصلية، حتى تتمكن من نهل العلوم العصرية.
إن دراسة العلوم باللغات الأجنبية التي كتبت بها، تعني أن فئة من طلابن تطلع على ما جاء مثلاً عند الأمريكيين، وفئة تعرف ما كتبه الفرنسيون وغيرهم مز
فلا
ذلك
الشعوب. وهكذا تعرف كلّ فئة ما كتب من العلم باللغة الأجنبية، التي تتقنها هم جميعاً عرفوا كلّ ما كتب، ولا جمهور المتعلمين عرفوا شيئاً من. إضافة إلى نشؤ ما يدعى بمراكز القوى العلمية، إذ يكون لكل فئة نفوذ وجزر ضمن محيط اللغة العربية (1)
اللغة في حياة الفرد أنها وسيلة اتصال الإنسان بغيره من أفراد مجتمعه، و دور ليحقق مطالبه ويفصح عن ميوله وعواطفه وهي أداة إقناع، يحاول الإنسان التأثير في جماعة حين يتكلم أو يكتب. وهي أداة التفكير لأنها تعطي الأفكار جسماً مسموعاً هو
الكلمة
(1) ـ أنظر، حجازي، عبد الرحمن: المذهب التربوي عند ابن سحنون، ص 102.
291 (1/309)
صفحة 310
وتعتبر اللغة الخزانة الفكرية الزاخرة بالثقافة والتراث، ولذا قالوا " إن اللغة كالعقيدة
مقوم أصيل من مقومات شخصيّة الأمة، وملمح أساسي من ملامح هويتها الحضارية، وحينئذ يتعاظم دور اللغة وتزداد أهميتها في تاريخ وحياة الشعوب
" (1)
ويعجب المرء عندما ينظر إلى الشعوب في العالم كيف يجدها تحرص كل الحرص على لغتها وثقافتها؛ ونحن لا نكتفي بتدريس العلوم باللغة الأجنبية، من المرحلة المتوسطة حتى الجامعية، بل نسعى إلى تدريس هذه العلوم في المرحلة الابتدائية باللغة الأجنبية، مع العلم أن للغة العربية أهمية استراتيجية على مستوى الوطن العربي، فهي الرباط المقدس المحيط إلى الخليج، والرابط بينه وبين العالم الإسلامي.
بينه من
لقد جعل المستعمرون لغتهم الأجنبية في إرسالياتهم، في بلادنا العربية، لغة إجبارية منذ مرحلة الروضة، وأهملوا اللغة العربية " بدعوى أنها لغة وطنية لا تحتاج إلى تعليم واسع، وهم يخلطون في هذا الكلام بين اللغة العامية المنتشرة، وبين اللغة العربية الفصحى لغة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والتراث الإسلامي بأكمله، لتنطلي الحيلة على أهالي الطلاب السذج، وغايتهم أنه بعد عقد من السنين ينشأ جيل ينطق بلغة
المستعمرين كما ينطق بها أهلها (2) ".
وتصبح
اللغة العربية مع مرور الزمن لغة منسيّة، بعد أن ينشأ حاجز بينها وبين رآن الكريم الذي أنزل بها، يقول المبشر جون تكلي " يجب أن نشجع إنشاء المدارس، وأن نشجع على الأخص التعليم الغربي، إنّ كثيراً من المسلمين قد زعزع اعتقادهم حينما تعلموا اللغة الإنكليزية. إنّ الكتب المدرسية الغربية تجعل الاعتقاد بكتاب شرقي مقدس أمراً صعباً جداً (2) ".
(1) ـ أبو بكر، يحيى المبدي: اللغة والحفاظ على الهوية الثقافية، ص 76، مجلة الوعي الإسلامي، العدد 366، الكويت، صفر 1417 هـ / تموز 1996 م.
(2) ـ نجا، فاطمة هدى: الاستشراق واللغة العربية الفصحى، ص 78، المؤتمر التربوي الإسلامي الأول،
طرابلس (لبنان)، منشورات معهد طرابلس الجامعي للدراسات الإسلامية 1413 هـ / 93/ 1993 م.) ـ أبو زيد، أحمد محمود: العلمانية هل تسربت إلى مؤسساتنا ووسائل إعلامنا، ص 51، مجلة الوعي الإسلامي، العدد 297، الكويت، رمضان 1409 هـ / نيسان 1989 م.
292 (1/310)
صفحة 311
أجمعت الآراء والأبحاث على أنّ التعليم باللغة الأم هو " الأصح وهو الأفضل لتوصيل المعلومات إلى الولد، ولتمكينه من الاستيعاب، ولتفاعله مع المادة التعليمية والمشاركة في الحديث عنها، ولا يجوز تعليمه بغير هذه اللغة الأم، إلا إذا كان يتقن اللغة الأخرى اتقاناً بمستوى لغته الأم، وهذا الشرط لا ينطبق على أكثر من نسبة قليلة جداً، فهل يجوز أن يسخر التعليم لهذه النسبة فقط، ويترك الجيل كلّه تحت رحمة هذه الرغبة المغروسة (1) ".
إن إقحام اللغة الأجنبية في عملية تدريس الرياضيات والعلوم بالشكل الذي يحصل لم يسئ فقط إلى التعليم وتفشيله، وإنّما أساء فعليّاً إلى اللغة العربية ذاتها، وشوّه اكتسابها سواء من المعلم والتلميذ أسلوباً ولفظاً وكتابة، ومنع اللغة العربية من ممارسة
دورها في النحت والاشتقاق.
وما من
أمة هجرت لغتها إلى غيرها إلا أصبحت تابعة لتلك اللغة، وابتعد
أبناؤها عن العلم والتقدّم والإبداع. والمثال على ذلك " اليابان التي رفضت أي تعديل على لغتها من جانب الأمريكيين، بعد ضربها بالقنابل الذرية على الرغم من خضوعها لكل الشروط التي فرضت، وأصرت على الرفض لأنها لو كانت وافقت إذا لكانت شخصيّتها كأمة قد مُحيت من الوجود، بينما هي اليوم ما يعلم الجميع تقدما وانجازاً (2) ".
- خطبة الجمعة:
أجاد الإباضية استغلال خطبة الجمعة لنشر دعوتهم، وتعتبر خطبة الجمعة فنّاً من فنون الاعلام، ويتجدّد هذا الأسلوب بتجدّد أسلوب المعيشة والتقدم الحضاري
(1)
- عيدو، رفيق: تدريس الرياضيات والعلوم باللغة العربيّة، ص 229، المؤتمر التربوي
الإسلامي الأول.
(2) - القوصي
، محمد عبد الشافعي: التغريب في التعليم في العالم الإسلامي، ص 81، مجلة الوعي الإسلامي،
العدد 341، الكويت، محرم 1415 هـ / حزيران 1994 م.
293 (1/311)
صفحة 312
" وكلّما واكبت الخطبة الأحداث اليومية خلال أسبوع وأعطت رأي الإسلام في ما
يحدث كانت مقربة من الناس ومن مشاكلهم
" (1)
وخطبة الجمعة، في عصرنا، بحاجة إلى إعادة نظر والاستفادة منها في تذكير الناس وتوجيههم، في عصر أصبحت الكرة الأرضيّة، رغم اتساعها، كأنها بقعة صغيرة، لا حدود بها، ولا مسافة تفصل بعضها عن بعض، وباستطاعة أي إنسان، أينما وجد، أن يرى ويشاهد ويسمع ما يدور في أي منطقة دون عناء أو جهد وهو جالس في مكانه.
والذي يرصد خطبة الجمعة في عالمنا الإسلامي تستوقفه عدة
أمور منها:
أ ـ موضوع الخطبة: إنّ الخطابة فن يحتاج إلى مواهب خاصة، والخطبة لها مقوماتها وخصائصها الفنية، لكن الغالب على خطباء اليوم الصراخ أمام مكبرات الصوت، وثقب طبلة أذن المستمع، وقد يكون الموضوع المطروح لا يحتاج إلى مثل هذا الانفعال، مما يجعل المستمع لا يستقبل المعنى المطروح الاستقبال المناسب.
ب ـ الارتجال غير المدروس: نادراً ما نرى خطيب جمعة حمل قصاصة خط عليها النقاط الرئيسية، التي يود طرحها، والحديث عنها، وكثيراً ما نستمع إلى خطيب يتحدث عن مواضيع شتى لا تمت لبعضها بصلة
ج - إطالة الخطبة: يطيل العديد من الخطباء الخطبة، مما يورّث المستمع الملل والضجر، ويزداد الملل عندما يتناول الخطيب موضوعاً أبعد ما يكون عن الواقع ومستوى
المجتمع، أو عندما ينقل الخطباء خلافاتهم المختلفة إلى منبر
الجمعة
(2)
(1) ـ الأصبحي، سعيد أحمد: الدعوة الإسلامية ووسائلها الإعلامية، ص 28، مجلة الوعي الإسلامي العدد 346، الكويت، جمادى الآخرة 1415 هـ / تشرين الثاني 1994 م.
(2)
- أنظر، مصطفى، محمد يوسف: دور المسجد في مواجهة قضايا العصر، ص 76، مجلة الوعي الإسلامي، العدد 309، الكويت، رمضان 1410 هـ/ نيسان 1990 م.
294 (1/312)
صفحة 313
د - اعتماد خطب سابقة: كثيراً ما يلجأ بعض الخطباء إلى خطب ألفها علماء سلف لعصرهم، أو سبق أن ألقوها في سنوات ماضية، فينعزل بذلك عن جمهوره، وتفشل الخطبة في تحقيق أهدافها في التأثير على الجماهير، إذ تبدو متخلفة عن قافلة الزمن،
بينما الناس يشغلهم حدث جلل أو أمر طارئ ويتشوقون إلى سماع كلمة الدين، فإذا هم يسمعون نفحات قديمة، لا صلة لها بما يتوقون إلى سماعه
(1)
لذا ينبغي على الخطيب أن يحسن إختيار الموضوع، الذي يمس بشكل
مباشر مشاكل الناس. ومتى ربط الخطيب نفسه بالقضايا المرتبطة بمصالح الناس
ومشاكلهم، فإنه يربط المجتمع بتعاليم الدين
وعندما يخوض في قضايا المجتمع يكسب ثقة ومصداقية، ويصبح
تأثيره
بلا حدود، فدور الخطيب لا ينحصر في الوعظ والارشاد فقط، بل يوظف المعاني الدينية لتقوم بدورها في تناول قضايا المجتمع، ويبين كيف يحل الإسلام بأنظمته وبأحكامه الشرعية مشاكل الفرد والمجتمع، في
كل مكان وزمان
و نقترح في هذا المجال:
1 - إحداث برامج لتأهيل خطباء المساجد، بحيث نعد خطيباً جيداً، تتوفر فيه مقومات الخطيب الناجح.
2 - إعداد دليل خاص للخطباء يحتوي المعلومات والتوجيهات التي تهم
الخطيب
3 - تأهيل الخطباء لغوياً وفكرياً بما يتناسب مع متطلبات القرن الخامس
عشر الهجري.
، ص
15
، جريدة اللواء، بيروت،
(1) ـ أنظر، محمد، محمد عماد: خطبة الجمعة والواقع المرتجي، السنة 34، العدد 8640، الأربعاء 8 ذو القعدة 1417 هـ / 24 أيار 1996 م.
295 (1/313)
صفحة 314
4 - وضع صندوق استفتاء في كل مسجد لأخذ آراء المصلين بالخطبة
وموضوعها، حتى يتم تطوير موضوع الخطبة، من خلال النقد
الذاتي البناء.
ه ـ إقامة درس، بعد صلاة الجمعة، يتوسع فيه الخطيب في تفصيل المعاني التي ذكرها، حتى يكون المجال مفتوحاً لمن يريد الاستزادة من المصلين،
وبذلك ننجو من آثار السلبية على بعض الحضور
6 - تفعيل دور المسجد: توافق مؤرخو السيرة النبوية أن أول عمل قام به رسول الله، عند هجرته إلى المدينة المنورة، هو بناء المسجد. ولقد استهل رسول الله. وجوده في المدينة المنورة ببناء المسجد " لكي يؤكد للمسلمين بالعمل المادي المحسوس والواقع الفعلي والملموس بأن هذا البناء يتجاوز ما تقع عليه العين من الحيز الذي يشغله في أديم الأرض، ويبلغ في آثاره الإعدادية والتنظيمية أعماق المجتمع الإسلامي العتيد، وينفذ بهذه الآثار إلى كلّ فرد مسلم في عملية تغيير جذرية تتناول هذا الفرد، بحيث يستحيل مع الإسلام، إلى إنسان جديد ليس فيه من رواسب جهالة الجاهلية، ما يشدّه إلى ضلاله القديم من قريب أو بعيد
ومن
الخطوات التالية:
" (1)
هذا المنطلق علينا أن نعيد الدور التربوي للمسجد ويكون ذلك في
أ - إيجاد مكتبة ثقافية وسمعية بصرية.
ب - الإعلان الدائم عن. سلسلة دروس متنوعة.
(1) ـ الولي، طه: الدور التربوي للمسجد في الإسلام، ص 51، مجلة الوعي الإسلامي، العدد 306،
الكويت، حمادى الآخرة 1410 هـ / كانون الثاني 1990 م.
296 (1/314)
صفحة 315
ج - تأليف لجنة مسجدية من رواد المسجد تهتم بأمور المنطقة المحيطة بالمسجد، وجعل المسجد محور النشاط الثقافي والفكري
والبيئي.
د ـ تواجد إمام المسجد في المسجد، في أوقات محدّدة ومعلن عنها، ليكون مرجعاً يجيب عن استفسارات أهالي المنطقة الدينية، ويتفاعل مع
النشاطات القائمة في محيط المسجد
هـ ـ رعاية النشاطات الموسمية والمناسبات الإسلامية.
ه - دور الإعلام في الدعوة الإسلامية:
هدفت الرسائل في الدعوة الإباضية إلى نشر وبت تعاليم المذهب الإباضي،
وأدت بنجاح دور وسائل الإعلام في ذلك العصر.
وإذا كانت الدراسات الحديثة في مجال الاعلام والاتصال بالجماهير توضح أنّ الدول الإسلامية هي في مقدّمة المناطق، التي تستهدفها الإذاعات الأجنبية التي تعمل في إطار متكامل " بحيث يكون هناك تكامل وتنسيق بين مختلف نوعيات البرامج الإذاعية التي تقدمها، وهذه الإذاعات لا تعمل منفردة في إطار الغزو الثقافي الأجنبي للعالم الإسلامي، وإنما تعمل بالتكامل والتنسيق مع وسائل الدعاية المتعدّدة الأخرى، التي يعتمد عليها هذا الغزو مثل: السينما، والتلفزيون، والصحافة، وغيرها بهدف تحقيق ما يسمى بالدعاية الجماعية (1) ".
ويجد العالم الإسلامي نفسه محاطاً بهذه الشبكة الإعلامية، وأنه أمام استعمار أخطر من الاستعمار الأوّل، لأنه تم اختراقه واحتواؤه إعلامياً. ومن الضروري في
هذا المجال:
(1)
بسيو
، شاهينار: أساليب الإذاعات الأجنبية في الغزو الفكري للعالم الإسلامي، ص 61 - 62، مجلة الوعي الإسلامي، العدد 303، الكويت، ربيع الأول 1410 هـ / تشرين الأول 1989 م.
297 (1/315)
صفحة 316
أ - عقد المؤتمرات والندوات بين علماء الأمة لإبداء الرأي في مستجدات العصر، وكيفية التعامل معها، وإيجاد مؤسسات إقتصادية إسلامية، ودعم نشاطها الاقتصادي والصناعي.
ب ـ إيجاد مؤسسات إسلامية للتمويل تمول مشاريع تربوية في العالم الإسلامي. ج - نشر الكتب والدراسات، وإعداد البرامج الإذاعية والتلفازية، التي توثق العلاقات بين الشعوب الإسلامية.
د - إزالة التهم عن صورة الصحوة الإسلامية، التي تبذل وسائل الإعلام المعادية كل جهودها وإمكانياتها لتشويهها في كتاباتهم وصحفهم وبرامجهم، ويحاولون الدعاة إلى الله تعالى بأنهم يشكلون الخطر على الإنسانية، وأنهم مصدر
تصوير
الارهاب والفتن.
وإن إيجاد إعلام إسلامي معاصر لمهمة شاقة وصعبة، ولكنها غير مستحيلة إذا أخلصنا النية، وأخذنا بالأساليب العلمية التي توصلت إليها الإنسانية.
ولتبيان خطورة دور الإعلام وأهميته، يذكر محمد الرميحي أنه حضر في أيلول من عام 1991 ندوة نظمتها اليونسكو في العاصمة التشيكية براغ، وكان موضوع الندوة العام هو " النظام والديمقراطية " وأحد موضوعاتها الفرعية هو " الإعلام والديمقراطية " وتحدث أحد الصحافيين الغربيين معلّقاً " على تغطية الصحافة الغربية والإعلام الغربي لما حدث في ميدان " تيانا نمين " بالصين بقوله: لقد ضخمنا الحدث متعمدين وسميناه مذبحة، ورغم أنّ الحقيقة تؤكد أنه لم يقتل فيه شخص واحد. وسبب التضخيم هو لفت الأنظار لما يحدث
•
ورتما إلى يومنا هذا يعتقد الكثيرون حول العالم أنّ ما حدث في الصيف حينذاك
كان بالفعل مذبحة (1) ".
، محمد: صناعة الإعلام أو الإعلام الصناعي، ص 11، مجلة العربي، العدد 396، السنة
(1) ـ الرميحي: الرابعة والثلاثون، الكويت، تشرين الثاني 1991.
298 (1/316)
صفحة 317
هذا نموذج بسيط عن دور الإعلام في تضخيم الحقائق وقلبها، فماذا نقول:
ادعاءات اليهود حول مجازر النازية بحقهم؟ وسواها من نماذج صارخة.
لقد فشلت السياسة التربوية، في عالمنا الإسلامي، في تغيير النظام التربوي، الذي وضع ليعمل على تزييف الطابع الإسلامي، وعلى طمس تراث الوطن الإسلامي وتقاليده وعاداته، بحيث أصبحت العملية التربوية نفسها عملية تبشيرية تمجد آثار
المستعمر وثقافته
عجزت السياسة التربوية عن تحقيق حلم ظل يراود أبناء الوطن الإسلامي، وهو
إيجاد تربية تبني الفرد المسلم وتجعله يواكب العصر وتطوراته.
وإذا آمنا بأن الإنسان هو الأداة والهدف لأي جهد حضاري فإنّ التخلف جوهر الذي تعيشه المجتمعات المسلمة، والعقبات التي تعوقها عن اللحاق بركب العصرنة على جميع مستوياتها يكمن في توجيه ذهنيّة الفرد المسلم، وهذا ما عجزت البنية الثقافية في عالمنا الإسلامي عن تجاوزه بسلام، لبناء الفرد المسلم، الذي خرج من معركته مع المستعمر خائر القوى، مهدّد الكيان، محطّم الشخصية.
وإذا كان الإستعمار قد نجح في زعزعة الثقة بالنفس لدى الفرد المسلم، وإطفاء روح المبادرة لديه، وتعطيل طاقات التساؤل والخيال والإبداع، وطمس روح الطموح، فإنّ مناهجنا التربوية التي بلدت الذهن، وجمدت الفكر، أثبتت فشلها على مستويات وميادين مختلفة (1)
ومهما حاول الغرب بأجهزته ومؤسساته وإمكاناته الهائلة، وتقدمه العلمي في الميادين كافة، أن يجعل من النظام والأسلوب الذي ينتهجه في الحياة والنظام، المثل الأعلى لكافة بني البشر، باعتباره، من وجهة نظرهم، نظام التقدم والمدنية،
(1) ـ أنظر، ابن عزيز، محمد صالح: مشكلات التخلف في الوطن الإسلامي، ص 57، مجلة الوعي الإسلامي، العدد 343، الكويت، ربيع الأول 1415 هـ / حزيران 1994 م.
299 (1/317)
صفحة 318
إلا أن " الحقائق الصارخة والنداءات والاستغاثات الصادرة عن التربويين والمسؤولين والمصلحين الاجتماعيين ومسؤولي الأمن في ديار الغرب تؤكد عكس ذلك تماماً وتظهر الوجه الآخر لحضارة الغرب المعاصرة، حضارة العري والتفكك والسعار الجنسي والبهيمية، حضارة التفكك الأسري والعائلي، حضارة القتل والجريمة والاغتصاب، والإيدز حضارة تأكل القيم الخلقية وما يرافقها من قلق متصل وضياع كبير (1) ".
وآن الأوان أن نبلور مذخورية () تربوية تنبع من عقيدتنا فالغرب يرى أنّ صدام الإسلام مع الغرب، هو حالة مطلقة كامنة في البني الثقافية والمعرفية للإسلام والمسلمين. ويرى برنار لويس أن الحرب بين الإسلام والغرب، والتي بدأت منذ الأزل، ستستمر ما دام هناك إسلام وغرب، ويقول في " جذور الغضب يجب أن يكون من الواضح الآن، بأننا نواجه حالة نفسية وحركة
الإسلامي تتجاوزان مستوى القضايا والسياسات والحكومات التي تلاحقها وتتبناها. إن ما يحدث لا يمكن أن يكون غير وأقلّ. من صدام حضارات، إنّ ردّ فعل هذا الخصم القديم ضد إرثنا اليهودي - المسيحي. وضد حاضرنا العلماني وضد انتشارهما على صعيد العالم، هو ربّما ردّ فعل عقلاني، ولكنّه ردّ فعل تاريخي بدون أدنى شك
" (Y)
(1) ـ الإفتتاحية: الوجه الآخر لحضارة الغرب، ص 6، مجلة الوعي الإسلامي، العدد 342، الكويت، صفر 1415 هـ / تموز 1994 م.
(
(2)
هذه الكلمة مشتقة.، وهو إدخار الشيء للمستقبل ليكون نافعاً ونفيساً والمعنى
الذخر من
موجود في معاجم اللغة، وقد سميت هذا البحث بالمذخورية لترادف كلمة الإستراتيجية المستقبلية في معناه العام.
(أنظر، الفقي، محمد أبو زيد: المذخورية الفكر المستقبلي عند المسلمين، ص 13، القاهرة، الزهراء للإعلام العربي 1414 هـ / 1995 م.
- الصراف،، شهاب الدين: قراءة جديدة لبرنار لويس وللشرق الأوسط، ص 129، مجلة قراءات سياسية، العددان الثالث والرابع، فلوريدا (الولايات المتحدة)، مركز دراسات الإسلام والعالم، صيف وخريف 1414 هـ / 1993 م. (1/318)
صفحة 319
أفلا يحسن بنا أن نتخلّص من أسباب تخلفنا، وننطلق في ميدان
التقدم والريادة.
إن البشرية جمعاء تنادينا لننقذها. من غياهب الانحلال، كما أنقذناها في عصر
حضارتنا الذهبي، وذلك ممكن إذا أعدنا مناهجنا إلى أصالتنا، وإلى دورها الريادي. ويقود العالم أصلح من فيه لقوله تعالى:
و ولقد كتبنا في الرسومي مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَن الأَرْضَ بَي تُهَا عِبَادِيَ
الملحون (1)
(1) - سورة الأنبياء، الآية 105.
301 (1/319)
صفحة 320
نائية المحارب
الى
302
والمراجع (1/320)
صفحة 321
القرآن الكريم:
- أولاً: المخطوطات غير المنشورة:
1 - ابن زلتاف، أبو خزر يغلا ت: 380 هـ / 990 م):
الرد على المخالفين: موجود في مكتبة فرحات الجعبيري في
تونس.
2 - المارغني، أبو عمرو عثمان
بن خليفة (ت: ق 6 هـ / ق 12 م):
رسالة في فرق الإباضية الست وما زاغت به عن الحق، غرداية
(الجزائر) مكتبة بني يزجن، رقم المخطوط 2/ 69.
- ثانياً: المصادر العربية الأساسية:
1 - الإباضي، ابن سلام ت: 273 هـ / 888 م):
كتاب الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية، تحقيق ر. ف. شفارتز وسالم بن يعقوب، بيروت، دار إقرأ 1405 هـ / 1985 م.
2 - الإباضي، أبو عمار عبد الكافي (ت: 570 هـ / 1174 م):
الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال في الردّ على أهل الخلا
تحقيق عمار الطالبي، بيروت، مطابع الشروق 1978
3 - ابن الأبار، أبو عبد الله محمد بن عبد الله (ت: 685 هـ / 1260 م): كتاب الحلّة السيراء، تحقيق حسين مؤنس، القاهرة، الشركة
العربية 1963
4 ـ ابن الأثير، أبو الحسن علي بن
أبي الكرم ت: 630 هـ / 1232 م):
الكامل في التاريخ، تحقيق أبي الفداء عبد الله القاضي، بيروت، دار
الكتب العلمية 1407 هـ / 1987 م.
303 (1/321)
صفحة 322
ه ـ ابن الأخوة، محمد بن محمد بن أحمد القرشي (ت: 737 هـ / 1336 م):
معالم القربة في أحكام الحسبة، تحقيق محمد محمود شعبان
أحمد
وصديق
المطيعي عيسي
، القاهرة، الهيئة المصرية العامة
للكتاب 1976.
6 ـ ابن إسماعيل، أبو مهدي عيسى (ت: 971 هـ / 1564 م):
الرد على البهلوي، تونس، المطبعة العلمية 1321 هـ.
7 ـ ابن بطوطة، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم اللواتي (ت: 779 هـ / 1377 م): تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار المعروفة
برحلة ابن بطوطة، بيروت، دار صادر، دار بيروت
197.
ـ ابن جرير الطبري، أبو جعفر محمد (ت: 310 هـ / 922 م):
تاريخ الرسل والملوك، تحقيق أبي الفضل إبراهيم، مصر، دار
المعارف 1964
9 ـ ابن الجزار القيرواني، أبو جعفر أحمد بن إبراهيم (ت: 369 هـ / 980 م): سياسة الصبيان وتدبيرهم، تقديم وتحقيق محمد حبيب الهيلة،
تونس، الدار التونسية للنشر 1968
10 ـ ابن جماعة، بدر الدين محمد بن إبراهيم (ت: 733 هـ / 1332 م): تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، نشر السيد محمد هاشم الندوي، حيدر أباد (الهند) 1357 هـ.
11 - ابن الحاج العبدري، أبو عبد الله محمد (ت: 737 هـ / 1336 م):
مدخل الشرع على المذاهب، القاهرة، المطبعة المصرية بالأزهر
1348 هـ / 1929 م.
304 (1/322)
صفحة 323
12 ـ ابن حجر العسقلاني، الإمام الحافظ أحمد بن عليّ (ت: 852 هـ / 1442 م): تهذيب التهذيب، حيدر أباد (الهند) 1325 هـ.
13
فتح الباري شرح حديث البخاري، بيروت، دار الكتب العلمية
1410 هـ / 1989 م.
14 - ابن حنبل، الإمام أحمد (ت: 275 هـ / 888 م):
مسند أحمد بن حنبل، بيروت، المكتب الإسلام
1413 هـ / 1993 م.
15 ـ ابن حوقل، أبو القاسم محمد بن علي (ت: 367 هـ / 977 م):
كتاب صورة الأرض، القاهرة، دار الكتاب الإسلامي،
د. ت.
16 ـ ابن خرداذبة، أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله (ت: 232 هـ / 847 م): المسالك والممالك، بغداد، مكتبة المثنى، د. ت.
17 ـ ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمّد (ت: 808 هـ / 1405 هـ): مقدمة ابن خلدون، بيروت، دار التراث العربي،
18 ـ ابن خلفون، أبو يعقوب يوسف (ت:: ق 6 هـ / ق 12 م):
، د. ت
أجوبة ابن خلفون، تحقيق عمرو خليفة النامي، بيروت، دار الفتح
1394 هـ / 1974 م.
19 ـ ابن دريد، أبو بكر محمد بن الحسن (ت: 321 هـ / 931 م):
الملاحن، صححه وعلّق عليه وذيله بذيل أبو إسحاق إبراهيم اطفيش،
بيروت، دار الكتب العلمية 1407 هـ / 1987 م.
305 (1/323)
صفحة 324
20 - ابن زيد، جابر (ت: 93 هـ / 711 م):
من جوابات الإمام جابر بن زيد، ترتيب الشيخ سعيد بن خلف
، سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة
الخروصي 1404 هـ / 1984 م.
21 - ابن سحنون، محمد (ت: 256 هـ / 780 م):
كتاب آداب المعلمين والمتعلمين، تحقيق حسن. سني عبد الوهاب، تعليق محمد العروسي المطوي، تونس، دار الكتب التونسية
1392 هـ / 1972 م.
22 - ابن سعد، أبو عبد الله محمّد (ت: 230 هـ / 845 م):
الطبقات الكبرى، بيروت، دار صادر 1377 هـ / 1958 م.
23 ـ ابن سينا، أبو علي الحسين بن عبد الله (ت: 428 هـ / 1036 م): كتاب القانون في الطب، القاهرة، مطبعة بولاق 1294 هـ
24 ـ ابن شامس، سالم بن حمود (ت: ق 13 هـ / ق 18 م):
طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الإباضي، سلطنة عُمان، وزارة التراث القومي والثقافة 1403 هـ / 1987 م.
25 ـ ابن شامس، سالم بن حمود:
إزالة الوعثاء في أتباع أبي الشعثاء، شرح سيدة إسماعيل كاشف، القاهرة، سجل العرب 1979
26 - ابن الصغير، (ت: ق 3 هـ / ق 9 م):
تاريخ الأئمة الرستميين، تحقيق وتعليق محمد ناصر وإبراهيم بحاز
بيروت، دار الغرب الإسلامي 1404 هـ / 1986 م.
306 (1/324)
صفحة 325
27 - ابن عبد البر، أبو عمر يوسف النمري القرطبي (ت): 965 هـ / 1557 م): جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله تقديم عبد الكريم
الخطيب، راجعه وصححه عبد الرحمن حسن، القاهرة، دار الكتب
الحديثة 1395 هـ / 1975 م.
28 - ابن عذاري، أبو عبد الله محمد (ت: ق 3 هـ/ 9 م):
البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، تحقيق ومراجعة ج. س. كولان و أ. ليفي بروفنسال، بيروت، دار الثقافة،
ط 3، 1983.
29 ـ ابن عربي، أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد (ت: 543 هـ / 1148 م): أحكام القرآن، القاهرة، مطبعة السعادة 1911
30 ـ ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن مسلم (ت: 276 هـ / 889 م): الإمامة والسياسة، بيروت، مؤسسة ناصر للثقافة 1980
-31
الاختلاف في اللفظ والردّ على الجهمية والمشبهة، بيروت،
دار
الكتب العلمية 1405 هـ / 1985 م.
32 - ابن كثير، الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل:
(ت: 774 هـ/1372 م):
البداية والنهاية، بيروت مكتبة المعارف 1402 هـ / 1982 م.
33 - ابن مسكويه، أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب (ت: 421 هـ/ 1030 م): تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، القاهرة، المطبعة الخيرية
1322 هـ.
307 (1/325)
صفحة 326
34 - ابن المقنفذ القسنطيني، أبو العباس أحمد بن الخطيب (ت: 810 هـ / 1407 م): الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية، تقديم وتحقيق محمد
الشاذلي النيفر وعبد المجيد التركي، تونس، الدار التونسية
للنشر 1968.
35 ـ ابن نصر، عبد الرحمن (ت:: 589 هـ / 1193 م):
نهاية الرتبة في طلب الحسبة، نشر الباز العريني، إشراف مصطفى زيادة، القاهرة، مطبعة التأليف والترجمة والنشر 1946
36 ـ أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني (ت: 275 هـ / 888 م): سنن أبي داود، دراسة وفهرسة كمال يوسف الحوت، بيروت،
دار الجنان 1409 هـ / 1988 م.
37 - أبو زكريا، يحيى بن أبي بكر (ت: ق ه هـ / ق 11 م):
كتاب سير الأئمة وأخبارهم، تحقيق ووضع الفهرسة إسماعيل العربي، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط 2، 1982.
38 - أبو نعيم:، أحمد
بن عبد الله (ت: 437 هـ / 1038 م):
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، القاهرة، مكتبة الخانجي 1352 هـ.
39 ـ الأشعري، أبو الحسن علي بن إسماعيل (ت: 324 هـ / 935 م):
مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تحقيق محمد محي الدين عبد
الحميد صيدا (لبنان)، المكتبة العصرية 1416 هـ / 1995 م.
40 ـ البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل (ت: 256 هـ / 870 م):
صحيح البخاري، مراجعة وضبط وفهرسة الشيخ محمد علي القطب والشيخ هشام البخاري، صيدا (لبنان)، المكتبة العصرية 1415 هـ / 1995 م. (1/326)
صفحة 327
41 ـ البرادي، أبو القاسم بن إبراهيم (ت: 697 هـ / 1297 م):
الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات، القاهرة، مطبعة
حجرية 1884.
رسالة في كتب الإباضية، دراسة وتحقيق محمد زينهم عزب وأحمد عبد التواب عوض، القاهرة، دار الفضيلة
1994
43 ـ البغدادي، عبد القاهر بن طاهر (ت: 429 هـ / 1037 م):
الفرق بين الفرق والفرقة الناجية منهم، بيروت، دار الجيل والآفاق
الجديدة 1408 هـ / 1987 م.
44 - البكري، أبو عبد الله بن عبد العزيز (ت: 487 هـ / 1094 م):
المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب بغداد مكتبة المثنى
د
45 - البهلوي، أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة (ت: 1246 هـ / 1830 م): كتاب الجامع، حقق وعلّق عليه عيسى يحيى الباروني، بيروت،
مطبعة الوطن، ط 2، 1394 هـ / 1974 م.
46 ـ البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي (ت: 458 هـ / 1066 م):
معرفة السنن والآثار عن الإمام عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، مخرج على ترتيب أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، تحقيق سيد
كسروي حسن، بيروت، دار الكتب العلمية 1991.
47 ـ الترمذي، أبو عيسى محمّد بن بن عيسي (ت: 297 هـ / 909 م):
الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي، تحقيق إبراهيم عطوة عوض،
بيروت، دار إحياء التراث العربي، د. ت.
309 (1/327)
صفحة 328
- EA
صحيح الترمذي باختصار السنن، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني: بيروت، المكتب الإسلامي 1408 هـ / 1988 م.
49 ـ الثميني، عبد العزيز (ت: 1223 هـ / 1808 م):
النيل شفاء العليل، تحقيق بكلي عبد الرحمن بن عمر، غرداية (الجزائر)، المطبعة العربية، ط 3، 1969.
50 - الجناوي، يحيى بن أبي الخير (ت: قههـ / ق 11 م):
الوضع مختصر الأصول في الفقه، نشره وعلّق عليه أبو إسحاق إبراهيم
اطفيش، القاهرة، مطبعة الفجالة الجديدة 1962
51 ـ الجيطالي، أبو طاهر إسماعيل بن موسى (ت: 750 هـ / 1349 م):
قواعد الإسلام، صححه وعلّق عليه بكلي عبد الرحمن بن عمر،
غرداية (الجزائر)، المطبعة العربية 1976.
:
52 ـ الجيطالي، أبو طاهر إسماعيل بن موسى
قناطر الخيرات، حققه وعلّق عليه عمرو خليفة النامي، القاهرة،
مكتبة وهبه 1385 هـ / 1965 م.
53 ـ الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت (ت: 463 هـ / 1070 م): الفقه والمتفقه، تحقيق إسماعيل الأنصاري، الرياض، مطبعة القصيم،
ط 2، 1389 هـ / 1969 م.
54 ـ الدارمي، أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن (ت: 255 هـ / 868 م):
سنن الدارمي، تحقيق السيد عبد الله هاشم يماني، القاهرة، شركة
الطباعة الفنية المتحدة 1966.
310 (1/328)
صفحة 329
55 ـ الدرجيني، أبو العباس أحمد بن سعيد (ت: 670 هـ/ 1271 م):
طبقات المشائخ بالمغرب، تحقيق إبراهيم طلاي، قسنطينة (الجزائر)،
مطبعة البعث 1974.
56 ـ الذهبي،، شمس الدين محمد أحمد
بن عثمان (ت:: 748 هـ / 1347 م):
بن
ترتيب الموضوعات لابن الجوزي، بيروت دار الكتب العلمية
1994
57 ـ الرقيق، أبو إسحاق إبراهيم بن القاسم (ت: 425 هـ / 1033 م):
تاريخ إفريقية والمغرب، تحقيق عبد الله العلي الزيدان
وعز الدين موسى، بيروت، دار الغرب الإسلامي
1990
58 - الزرنوجي، برهان الإسلام (ت: 600 هـ / 1203 م):
تعليم المتعلم في طريق التعلّم، القاهرة، مطبعة التوفيق الأدبية.
،
د. ت.
59 - السبكي، تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب (ت: 771 هـ / 1369 م): طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق محمد الطناجي وعبد الفتاح محمد
الحلو، القاهرة، مطبعة عيسى البابي الحلبي 1964.
60 - الشماخي، أحمد بن سعيد عبد الواحد (ت: 928 هـ / 1521 م): كتاب السير، تحقيق أحمد بن سعود السيابي، سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة، ط 2، 1412 هـ / 1992 م.
61 ـ الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم (ت: 548 هـ/ 1153 م): كتاب الملل والنحل، تخريج محمد بن فتح الله بدران، القاهرة،
مكتبة الأنجلو المصرية 1956.
311 (1/329)
صفحة 330
62 - الغزالي، محمد بن محمّد (ت: 505 هـ / 1111 م):
الاقتصاد في الاعتقاد، القاهرة، المطبعة التجارية 1320 هـ.
كتاب منهاج المتعلّم، ضمن كتاب التراث التربوي في حمس مخطوطات، جمعها وحققها وقدم لها هشام نشابة، بيروت، دار العلم للملايين 1988
-63
64
إحياء علوم الدين وبذيله كتاب المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الأحياء من أخبار للعلامة زين الدين أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي المتوفى 806 هـ /1403 م، بيروت، دار
المعرفة، د. ت
65 ـ الفراهيدي، الربيع بن حبيب بن عمر (ت: 170 هـ / 786 م):
الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب على ترتيب الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني.، دمشق، المطبعة العمومية 1388 هـ.
66 ـ القابسي، أبو الحسن علي بن محمد بن خلف (ت: 403 هـ / 1012 م): الرسالة المفصلة لأحوال المعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين، تحقيق
أحمد فؤاد الأهواني، القاهرة، دار المعارف 1975
67 - القشيري النيسابوري، أبو الحسين مسلم بن الحجاج (ت: 261 هـ / 874 م):
صحيح مسلم، وقف على طبعه وتحقيق نصوصه وتصحيحه وترقيمه وعد كتبه وأبوابه وأحاديثه وعلّق عليه ملخص شرح الإمام النووي
مع زيادات عن أئمة اللغة محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار الكتب العلمية 1413 هـ / 1992 م.
312 (1/330)
صفحة 331
68
صحيح مسلم بشرح النووي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، د.
69 - اللبيدي، أبو القاسم (ت: 440 هـ / 1048 م):
مناقب أبي القاسم الجنبياني، تحقيق الهادي إدريس، تونس، دار
الكتب الشرقية 1959.
70 - المالكي، أبو بكر عبد الله بن محمّد (ت: 438 هـ / 1046 م):
كتاب رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية وزهادهم
ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم، حققه بشير البكوش، راجعه محمد العروسي المطوي، بيروت، دار الغرب
الإسلامي، ط 2، 1414 هـ / 1994 م.
71 - الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب (ت: 450 هـ / 1058 م):
أدب الدنيا والدين، القاهرة، المطبعة الأميرية، ط 17، 1928.
72 - المبرد، أبو العباس محمد بن يزيد (ت: 285 هـ / 898 م)
:
الكامل في اللغة والأدب، تحقيق تغاريد بيضون ونعيم زرزور، بيروت، دار الكتب العلمية 1409 هـ / 1989 م.
73 - المغراوي،، أحمد بن أبي جمعة (ت: 920 هـ / 1514 م):
جامع جوامع الاختصار والتبيان فيما يعرض للمعلمين وآباء الصبيان، تحقيق أحمد جلولي البدوي ورابح نوبار، الجزائر، الشركة الوطنية
للنشر والتوزيع 1975
74 - المقريزي، تقي الدين أحمد بن علي (ت: 845 هـ / 1441 م):
المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار الخطط المقريزية)، القاهرة،
مطبعة النيل 1324 هـ / 1906 م.
313 (1/331)
صفحة 332
75 - الهيثمي
الحافظ
نور
الدين (ت: 807 هـ /1404 م):
كتاب مجمع البحرين في زوائد المعجمين المعجم الأوسط والمعجم الكبير للطبراني، تحقيق ودراسة عبد القدوس بن محمد، الرياض، مكتبة الرشد
1413 هـ / 1995 م.
76 ـ الوارجلاني، أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم (ت:: 570 هـ / 1174 م):
الدليل والبرهان، تحقيق الشيخ سالم بن حمد الحارثي، سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة
1403 هـ / 1983 م.
77 - الونشريسي، أحمد بن يحيى (ت: 914 هـ /1508 م):
المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب، خرّجه جماعة من الفقهاء
بإشراف محمد حجي، بيروت، دار الغرب الإسلامي
1990 م.
78 - اليعقوبي:، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر (ت: 284 هـ /897 م):
صفة المغرب، مأخوذ عن كتاب البلدان، ليدن، مطبعة بريل
79
110.
كتاب البلدان، ليدن، مطبعة بريل 1891
314 (1/332)
صفحة 333
- ثالثاً: المراجع العربية والمعربة المطبوعة:
1 - الإبراشي، محمد عطيه: التربية الإسلامية وفلاسفتها، القاهرة، دار الفكر
العربي:، ط 3، د. ت.
2 - إبراهيم، علي سالم: نظام التربية الإسلاميّة في عصر دولة المماليك في مصر، مصر، جامعة طنطا 1980.
ـ ابن قيس أبو إسحاق إبراهيم: مختصر الخصال، سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة 1404 هـ / 1984 م.
ـ ابن يوسف، إبراهيم: الحكم والسياسة في الإسلام من منظور إباضي:
الجزائر، مطبعة تقنية الألوان 1991
ه - إسماعيل، محمود: الحركات السريّة في الإسلام، رؤية عصرية،
بيروت، دار القلم، د. ت.
،
6 ـ إسماوي، صالح بن عمر: نظام العزابة، الجزائر، جامعة الجزائر 1406 هـ / 1986 م.
- A
- اطفيش محمد بن يوسف: شرح عقيدة التوحيد، بخط الحاج محمد بن الحاج صالح، الجزائر، طبعة حجرية 1328 هـ.
: رسالة شافية في بعض التواريخ، الجزائر، طبعة
حجرية 1299 هـ / 1881 م.
: أساس الطاعات في جميع العبادات، نالوت (ليبيا)
بيروت، دار لبنان 1387 هـ / 1968 م.
10 - أعوشت، بكير بن سعيد: دراسات إسلامية في الأصول الإباضية، قسنطينة (الجزائر)، مطبعة البعث 1402 هـ / 1982 م.
315 (1/333)
صفحة 334
11
: قطب الأئمة العلامة محمّد بن يوس اطفيش، سلطنة عمان، مكتبة الضامري
1989
12 - الألباني.، محمد ناصر الدين: ضعيف الجامع الصحيح، بيروت، المكتب
- 13
الإسلامي 1410 هـ / 1990 م.
: سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من
وفوائدها، بيروت، المكتب الإس
1399 هـ /1979 م.
فقهها
مي
14 - إمام، إبراهيم: أصول الإعلام الإسلامي، القاهرة، دار الفكر
العربي "
1977
15 - أمين، أحمد: ضحى الإسلام، ج 3، القاهرة، مكتبة النهضة
المصرية، ط 6، 1956.
16 - الأهواني، أحمد فؤاد: التربية في الإسلام، القاهرة، دار المعارف،
ط 2، 1970.
17 ـ باجية، صالح: الإباضية بالجريد في العصور الإسلامية الأولى، تونس، دار بو سلامة للطباعة
1396 هـ / 1976 م.
18 - الباروني، أبو الربيع سليمان: مختصر تاريخ الإباضية، سلطنة عمان، مكتبة
- 19
الضامري، ط 4،
: الأزهار الرياضيّة في أئمّة وملوك الإباضية، تونس،
دار
بو سلامة للطباعة 1986.
316 (1/334)
صفحة 335
20 - بحاز، إبراهيم بكير: الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الإقتصادية والحياة الفكرية، الجزائر 1985.
21 - بروکلمان، کارل: تاريخ الشعوب الإسلامية، نقله إلى العربية نبيه أمين فارس ومنير بعلبكي، بيروت، دار العلم
للملايين، ط 3، 1960.
22 - بل، ألفرد: الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي من
الفتح العربي حتى اليوم، ترجمة عبد الرحمن
بدوي، بيروت، دار الغرب الإسلامي
1987
23 - بول، استان لين: طبقات سلاطين الإسلام، ترجمه للفارسية عباس إقبال، ترجمه عن الفارسية مكي طاهر الكعبي،
بغداد، منشورات البصري 1968.
24 - بيوض، إبراهيم بن عمر: من إجابات العلامة بيوض في إعجاز القرآن، غرداية (الجزائر)، المطبعة العربية 1973
25 - التوزري، إبراهيم العبيدي: تاريخ التربية بتونس، تونس، الشركة التونسية للتوزيع، د. ت.
26 ـ الثعالبي، عبد العزيز: تاريخ شمال إفريقية من الفتح الإسلامي إلى
نهاية الدولة الأغلبية، جمع وتحقيق أحمد بن ميلاد ومحمد إدريس، تقديم ومراجعة
حمادي الساحلي، بيروت، دار الغرب الإسلامي 1407 هـ / 1987 م.
317 (1/335)
صفحة 336
27 - الجعبيري، فرح ــات: علاقة عمان بشمال إفريقية، سلطنة عمان، معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد
......
28
1412 هـ / 1991 م.
: البعد الحضاري للعقيدة الإباضية،
تونس، مطبعة الألوان الحديثة
1408 هـ / 1987 م.
: نظام العزابة عند الإباضية في جربة، تونس،
المطبعة العصرية 1975
30 ـ جلال، عبد الفتاح: من الأصول التربوية في الإسلام، المنوفية
(مصر)، سرس الليان 1977
31 ـ الجندي، علي وآخرون: سجع الحمام في حكم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، القاهرة، مكتبة الأنجلو
المصرية 1967.
32 - جهلان، عدون: الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء
الشيخ محمد بن يوسف اطفيش، سلطنة
عمان، مكتبة الضامري، ط 2،
1411 هـ / 1991 م.
33 ـ جونز، بيه فلاوي، وآخرون: التعليم والتعلم الإستراتيجيات، التدريب المعرفي في مجالات المحتوى، ترجمة عمر حسن الشيخ،
عمان، منشورات معهد التربية، الأونروا
1988
318 (1/336)
صفحة 337
34 - الحاج، فايز محمد علي: أبو حامد الغزالي، أعلام التربية العربية الإسلامية، الرياض، مكتب التربية العربي لدول الخليج
1405 هـ / 1989 م.
35 - الحارثي، سالم بن حمد: العقود الفضيّة في الأصول الإباضية، سوريا ولبنان، دار اليقظة العربية 1394 هـ / 1974 م.
36 - حجازي، عبد الرحمن: المذهب التربوي عند ابن سحنون، صيدا (لبنان)، المكتبة العصرية، ط 2، 1416 هـ / 1995 م.
37 ـ حسن، حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية،
ط 7، 1964
: الأسرة ومشكلاتها، القاهرة، دار المعارف
1967
39 - حسين، أحمد إلياس: دور الفقهاء الإباضية في إسلام مملكة مالي، بغداد، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم
1910
40 - حلاق، حسان: أوقاف المسلمين في بيروت في العهد، سجلات المحكمة الشرعية في
العثماني
بيروت، بيروت، الدار الجامعية، ط 2،
1988
41 ـ حلوان، عدنان و آخرون: دليل التربية الرياضية، المدينة المنورة، دار
التراث 1409 هـ.
319 (1/337)
صفحة 338
- 42
: في الفكر العربي المعاصر، بيروت، دار التنوير
للطباعة والنشر 1982
43 - الخطيب، عمر عودة: لمحات في الثقافة الإسلامية، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 12، 1414 هـ / 1994 م.
44 ـ خليفات، محمد عوض: نشأة الحركة الإباضية، عمان، الجامعة الأردنية 1982.
: النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في شمال إفريقية في مرحلة الكتمان، عمان،
1982
: التربية عند الإباضية، عمان، مؤسسة آل
البيت 1992.
46
47 ـ دبوز،
: تاريخ المغرب الكبير، الجزائر، المطبعة العربية 1971.
: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، الجزائر، المطبعة التعاونية 1385 هـ / 1965 م.
: أعلام الإصلاح في الجزائر، ج 1، قسنطينة (الجزائر)، مطبعة البعث
1394 هـ / 1974 م.
: أعلام الإصلاح في الجزائر، ج 2، قسنطينة (الجزائر)، مطبعة البعث 1396 هـ /1976 م.
320
48
-?9
50 (1/338)
صفحة 339
01
: أعلام الإصلاح في الجزائر، ج 3، قسنطينة (الجزائر)، مطبعة البعث 1398 هـ / 1978 م.
، مكة المكرمة،
52 ـ درويش کمال. وآخرون: الترويح الرياضي في المجتمع المعاصر، مكتبة الطالب الجامعي 1406 هـ.
53 ـ دنهل، جيمس: إدارة الصفوف المدرسية، ترجمة عبد الرحيم الأمين، بيروت، دار العلم للملايين،
د
ت
54 ـ راشد، علي
: مفاهيم ومبادئ تربوية، القاهرة، دار الفكر
العربي 1414 هـ / 1993 م.
55 ـ الراوي، مسارع حسن: دراسات حول التربية في البلاد العربية، صيدا (لبنان)، المكتبة العصرية 1407 هـ / 1987 م.
56 ـ ربييرا، خوليان: التربية الإسلامية في الأندلس أصولها المشرقية وتأثيراتها الغربية، ترجمة
07
الطاهر أحمد مكي، القاهرة، دار
المعارف، د. ت
ـواد: العرب والتربية والحضارة والاختيار الصعب،
بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 3،
1993
58 ـ ساعاتي،، أمين: الرياضة عند العرب في الجاهلية وصدر
الإسلام.
، جدة، دار الأصفهاني للطباعة
1402 هـ / 1982 م.
321 (1/339)
صفحة 340
59 - السالمي، عبد الله بن حميد: شرح الجامع الصحيح، مسند الإمام الربيع بن حبيب، تقديم عز الدين التنوخي، سلطنة عمان،
-1.
61
- 62
63
المطابع العالمية.، د. ت.
: رسالة تلقين الصبيان لمدارس عمان، إشراف عزّ
الدين التنوخي، دمشق، المطبعة العمومية،
د. ت.
: مشارق أنوار العقول، علق عليه وصححه الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، سلطنة عمان، مطابع
العقيدة، ط 2، 1398 هـ / 1978 م.
: جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، مصر، المطبعة العربية 1344 هـ
: تحفة الأديان بسيرة أهل عمان، تحقيق أبي إسحاق إبراهيم اطفيش، القاهرة، طبعة حجرية
1350 هـ.
64 - سرحان، الدمرداش كامل، منير: المناهج، القاهرة، دار العلوم للطباعة،
ط 3، 1977
-
سرهنك، الميرالاي إسماعيل: تاريخ دول المغرب تقديم ومراجعة حسن الزين،
بيروت، دار الفكر الحديث 1408 هـ /1988 م.
66 - سعد الدين، محمد منير: دراسات في تاريخ التربية عند المسلمين، بيروت، دار بيروت المحروسة للطباعة والنشر،
1412 هـ / 1992 م.
322 (1/340)
صفحة 341
67 - سلطان، محمود السيد: بحوث في التربية الإسلامية، القاهرة، دار المعارف 1979
68 - السيد، تهاني عبد السلام: أسس الترويح والتربية الترويحية، مصر، دار
المعارف 1979
69 - شحاته، حسن: النشاط المدرسي اللبنانية 1410 هـ
، مص
،
الدار المصرية
70 - الشرقاوي، عبد الرحمن: أئمّة الفقه التسعة، بيروت، دار إقرأ
1981
71 - الشكعة مصطفى: إسلام بلا مذاهب، القاهرة، الدار المصرية اللبنانية، ط 10، 1994
72 - شلبي، أحمد
:في تاريخ التربية الإسلامية، القاهرة، مكتبة
الأنجلو المصرية، ط 2، 1960.
73 - صالح، عمر بن الحاج محمد: دراسة في الفكر الإباضي، تونس،، مكتبة الإستقامة، ط 2، 1413 هـ / 1992 م.
74 - طعيمة، صابر: الإباضية عقيدة ومذهباً، بيروت، دار الجيل 1406 هـ / 1986 م.
75 - عاقل، فاخر: التعليم ونظرياته، بيروت، دار العلم للملايين،
ط 7، 1993.
76 ـ عبد الله عبد الرحمن صالح: دور التربية العملية في إعداد المعلمين، بيروت، دار الفكر، ط 2، 1399 هـ /1979 م.
323 (1/341)
صفحة 342
: الإباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضية عمان والبصرة، سلطنة عمان، مكتبة الضامري
1990
،
77 - عبد
78 - عبد الجواد، حمد: في كتاب القرية، القاهرة، دار المعارف
1939
79 ـ عبد الدايم، عبد الله: التربية عبر التاريخ، بيروت، دار العلم للملايين،
- A.
-AY
ط 3، 1978
•
: التربية التجريبية والبحث التربوي، بيروت،
دار العلم للملايين، ط ه، 1989.
: نحو فلسفة عربية للتربية، بيروت، مركز
دراسات الوحدة العربية 1991
82 - عبد الرؤوف، عصام الدين: تاريخ الأندلس والمغرب، القاهرة، مكتبة نهضة
الشرق 1984.
83 - عبد الرزاق، محمود إسماعيل: الخوارج في بلاد المغرب حتى منتصف القرن الرابع الهجري، الدار البيضاء (المغرب)، دار
الثقافة، ط 2، 1980.
84 ـ عبد العال، حسن إبراهيم: الفكر التربوي عند بدر الدين بن جماعة، أعلام التربية العربية الإسلامية، الرياض، مكتب التربية
العربي لدول الخليج 1409 هـ / 1989 م.
85 ـ عبد الوهاب، جلال: النشاط المدرسي، الكويت، مكتبة الفلاح
1401 هـ.
324 (1/342)
صفحة 343
86 - عبود، عبد الغني. وآخرون: فلسفة التعليم الابتدائي وتطبيقاته، القاهرة، دار الفكر العربي 1402 هـ / 1982 م.
87 - عثمان، نمد فتحي: من أصول الفكر السياسي الإسلامي، بيروت،
مؤسسة الرسالة، ط 4، 1413 هـ.
- العروي، عبد الله: تاريخ المغرب، محاولة في التركيب، ترجمة
ذوقان قرقوط، بيروت، المؤسسة العربية
للدراسات والنشر 1977
•
89 ـ عزب محمد زينهم. أحمد عبد التواب عوض: دراسة في تاريخ الإباضية وعقيدتها، القاهرة، دار الفضيلة 1994
90 - العسلي، بسام: المذهب العسكري الإسلامي، بيروت، دار النفائس 1413 هـ / 1993.
91 - عطيه، خطاب علي: التعليم في مصر في العصر الفاطمي الأوّل القاهرة، دار المعارف 1947
6
92 - عطيه، سليمان إسحق: ابن حجر الهيثمي وخلاصة تحرير المقال في آداب وأحكام وفوائد يحتاج إليها مؤدبو الأطفال،
93 ـ العفيفي
(
القاهرة، مكتبة الإنجلو المصرية 1978
نكيم: غسيل المخ وتحطيم العقائد، القاهرة، مركز الزهراء
للإعلام العربي، 1413 هـ /1993 م.
94 ـ العقيلي، محـ د رشيد: الإباضية في عمان وعلاقتها مع الدولة العباسية في عصرها الأوّل، سلطنة عمان، وزارة التراث
القومي و
والثقافة، د. ت.
325 (1/343)
صفحة 344
95 - علوي، محمد كامل: الرياضة البدنية عند العرب، القاهرة، دار النيل للطباعة 1947.
96 ـ علي، إسماعيل: نظرات في الفكر التربوي المصري، القاهرة، جامعة عين شمس 1982.
97 ـ العنتيل، محمد فوزي: التربية عند العرب مظاهرها واتجاهاتها القاهرة، الدار المصرية للتأليف والترجمة
،
1966
98 - العودة، خالد بن فهد: الترويح التربوي، رؤية إسلامية، الرياض، دار المسلم للنشر والتوزيع 1414 هـ
99 - فرج، السيد أحمد: تعريب التعليم الجامعي ضرورة علمية وإسلامية، القاهرة، دار الصحوة للنشر والتوزيع
1413 هـ / 1993 م.
100 ـ فرصوص، أحمد محمد: الشيخ أبو اليقظان كما عرفته، سلطنة عمان، مكتبة الضامري 1413 هـ /1993 م.
101
101 - الفقي، محمد أبو زيد: المذخوريّة الفكر المستقبلي عند المسلمين، القاهرة، الزهراء للإعلام العربي 1414 هـ / 1995 م.
102 - فلهاوزن، يوليوس: أحزاب المعارضة السياسية في صدر الإسلام، الخوارج والشيعة، ترجمة عبد الرحمن بدوي،
الكويت، وكالة المطبوعات، ط 2، 1976
103 ? فنکس، فيليب: فلسفة التربية، القاهرة، مكتبة النهضة
العربية 1982.
326 (1/344)
صفحة 345
104 ـ فـ
ـدا
: تاريخ التربية عند الإمامية وأسلافهم من
الشيعة
في عهدي الصادق والطوسي، بغداد، مطبعة
أسعد 1972
105 ـ القاضي
: أضواء على التربية الإسلامية، القاهرة، دار
الأنصار 1400 هـ / 1979 م.
106 - قراقرة، محمد عبد القادر: نحو إدارة تربوية واعية، بيروت، دار الفكر
العربي 1993
107 - قطب، سيّد: في ظلال القرآن، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط 7، 1391 هـ / 1971 م.
108 - القوصي، عبد العزيز: أسس الصحة النفسيّة، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، ط 7، 1969.
109 - کارل، الكـ
: الإنسان ذلك المجهول، ترجمة أنطوان العبيدي،
القاهرة، دار الكتاب المصري، د. ت
110 - کنبج، الكسندر. شنيدر، برتراند: الثورة العالمية الأولى من أجل مجتمع جديد،
تقرير نادي روما، ترجمة وفاء عبد الإله
بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية
،
1992
111 - کياراندا، ميريلا: التربية الاجتماعية في رياض الأطفال، ترجمة
فوزي محمد عبد الحميد عيسى وعبد الفتاح
حسن عبد الفتاح، مراجعة كاميليا عبد الفتاح،
القاهرة، دار الفكر العربي 1992
327
• (1/345)
صفحة 346
112 ـ الكيلاني. إبراهيم: القيم التربوية الإيمانية وأسس بناء الشخصية الإسلامية، سلطنة عمان، وزارة الأوقاف
والشؤون الإسلامية 1410 هـ / 1990 م.
113 - لبيب، رشدي. وآخرون: الأسس العامة للتدريس، بيروت، دار النهضة العربية 1983.
114 - لفنجستون، السير ريتشارد: التربية لعالم حائر، ترجمة وديع الضبع، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية 1948.
110 - لقبال، موسي: الحسبة المذهبية في بلاد المغرب، الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع 1971.
11 - ماجد، نعم: الأطلس التاريخي للعالم الإسلامي في العصور الوسطى، رسم خرائطه وحققه علي البنا،
بيروت، المطبعة الكاثوليكية 1966
111 - مؤنس، حسين: فتح العرب للمغرب، القاهرة، مكتبة الآداب 1366 هـ / 1947 م.
-11 A
: معالم تاريخ المغرب والأندلس، القاهرة، دار
مطابع المستقبل 1980.
119 - المجذوب،، عبد العزيز: الصراع المذهبي بإفريقية، تونس، الدار التونسية للنشر، ط 2، 1985
120 - محفوظ، محمد جمال الدين: تربية المراهق في المدرسة الإسلامية. المصرية العامة للكتاب 1977.
، مصر
الهيئة
328 (1/346)
صفحة 347
121 - محمد، أحمد علي الحاج: التخطيط التربوي إطار لمدخل تنموي جديد،
122
بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر
والتوزيع 1412 هـ / 1992 م.
، أحمد توفيق: تاريخ الجزائر، الجزائر، د. ت.
123 - مدني، عباس
: مشكلات تربوية في البلاد الإسلامية، مكة المكرمة، مكتبة المنار 1409 هـ / 1989 م.
124 - المرزوقي، آمال حمزة: النظرية التربوية الإسلامية، سلسلة رسائل جامعية رقم 7، جدة 14092 هـ / 1982 م.
125 - مطاوع، إبراهيم عصمت واصف واصف عزيز: التربية العملية وأسس طرائق التدريس، بيروت، دار النهضة العربية
1406 هـ / 1986 م.
126 - المظف
د رضا: عقائد الإمامية، تقديم حامد داود، القاهرة، مكتبة النجاح، ط 2،
حفتي
1381 هـ.
127 - معروف، نايف: الخوارج في العصر الأموي، بيروت، دار
، علي
128 - معمر
الطليعة، ط 3، 1406 هـ / 1986 م.
: الإباضية، غرداية (الجزائر)، المطبعة العربية
1910
- 129
: نشأة المذهب الإباضي، القاهرة، مكتبة وهبه،
ط 2، 1414 هـ / 1993 م.
329 (1/347)
صفحة 348
-17.
131
132
- 133
134
137 - منرو، بول
: الإباضية بين الفرق الإسلامية، سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة 1406 هـ / 1986 م.
: الإباضية في الجزائر، القاهرة، مكتبة وهبه 1399 هـ / 1979 م.
: الإباضية في تونس، سلطنة عمان، مكتبة الضامري، ط 2، 1993
الإباضية دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم، القاهرة، مكتبة وهبه، ط 2، 1407 هـ / 1987 م.
: الإباضية في ليبيا، سلطنة عمان، مكتبة الضامري، ط 2، 1993.
: المرجع في تاريخ التربية، ترجمة صالح عبد العزيز، مراجعة حامد عبد القادر، القاهرة، مكتبة
النهضة المصرية 1952.
136 ـ المومني، موسى جفال. وآخرون: الأهداف التربوية في المملكة الأردنية الهاشمية، تونس، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم
1986
137 - الموهوبي، عامر علي عمير: عمان قبل وبعد الإسلام، سلطنة عمان، وزارة الإعلام والثقافة 1976.
138 - موسى، عز الدين: إنتشار الإسلام في غرب إفريقية في القرن السادس عشر الميلادي، بغداد، المنظمة العربية
للتربية والثقافة والعلوم 1985
330 (1/348)
صفحة 349
139 - الميلي، مبارك بن محمد: تاريخ الجزائر في القديم والحديث، تقديم وتصحيح محمد الميلي، الجزائر، المؤسسة الوطنية
-12.
للكتاب 1989.
ناصر، إبراهيم. محسن، دلال: علم الاجتماع التربوي، عمان، المطابع
التعاونية 1984
141 - ناصر، محمد
: حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي، سلطنة عمان، مكتبة الضامري
- 142
143
1410 هـ / 1991 م.
أبو اليقظان وجهاد الكلمة، الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع
1980
: دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا، سلطنة عمان، وزارة العدل والأوقاف والشؤون الدينية
1413 هـ/1992 م.
144 - النجار، عامر
: الإباضية ومدى صلتها بالخوارج، القاهرة، دار
المعارف 1993
145 - نحلاوي، عبد الرحمن: التربية الإسلامية والمشكلات المعاصرة، بيروت،
المكتب الإسلامي، الرياض، مكتبة أسامة،
ط 2، 1408 هـ / 1988 م.
146 - النوري، عبد الغني عبود، عبد الغني: نحو فلسفة عربية للتربية، القاهرة، دار الفكر
العربي 1979.
331 (1/349)
صفحة 350
147 - الوهبي، محمد بن يوس: تفسير هيمان الذات إلى دار المعاد، زنجبار،
المطبعة السلطانية 1306 هـ.
148 - يالجن، مقداد: دور التربية الأخلاقية الإسلامية في بناء الفرد
رابعاً: المعاجم والموسوعات:
والمجتمع والحضارة الإسلامية، بيروت، دار
الشروق 1403 هـ / 1983 م.
1 - ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم (ت: 711 هـ / 1311 م): لسان العرب، بيروت، دار صادر، د. ت.
2 - الحموي، شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت (ت: 626 هـ/1228 م):
البلدان، بيروت، دار صادر وبيروت 1404 هـ / 1984 م. معجم
- الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة:
الرياض، الندوة العالمية للشباب الإسلامي، ط 2، 1409 هـ / 1989 م.
خامساً: الرسائل والأطروحات الجامعية:
1 - حجازي، عبد الرحمن: التربية الإسلامية في القيروان في القرون الهجرية
الثلاثة الأولى، رسالة ماجستير في الدراسات
الإسلامية، بيروت، كلية الإمام الأوزاعي للدراسات
الإسلامية 1415 هـ / 1995 م.
2 - عبد العاطي، عبد الغني محمد: التعليم في مصر من الأيوبيين إلى المماليك،
رسالة ماجستير مقدمة إلى كلية الآداب، قسم
التاريخ،، جامعة القاهرة 1975
332 (1/350)
صفحة 351
سادساً: بحوث ودراسات في مؤتمرات وندوات:
1 - مؤتمر تهيئة الأجواء لتطبيق الشريعة الإسلامية، الكويت:
1 ـ علي، محمد المأمون محمد: العقبات التربوية لتطبيق الشريعة الإسلامية،
مؤتمر تهيئة الأجواء التربوية لتطبيق الشريعة
الإسلامية، المحور الثاني، الكويت الديوان
الأميري، د. ت
ب - المؤتمر التربوي الإسلامي الأول، طرابلس (لبنان):
2 ـ عيدو، رفيق: تدريس الرياضيات والعلوم باللغة
العربية، المؤتمر التربوي الإسلامي الأول
،
طرابلس (لبنان)، منشورات معهد
طرابلس الجامعي للدراسات الإسلامية 1411 هـ / 1991 م.
ج - المؤتمر التربوي الإسلامي الثاني، طرابلس (لبنان):
3? نجا، فاطمة هدى: الاستشراق واللغة العربية الفصحى،
المؤتمر التربوي الإسلامي الثاني، طرابلس
(لبنان)
، منشورات معهد طرابلس الجامعي
للدراسات الإسلامية 1413 هـ / 1993 م.
د - ندوة الفقه الإسلامي المنعقدة بجامعة السلطان قابوس في الفترة من 22 إلى 26 شعبان 1408 هـ / من 19 إلى 13 نيسان 1988 م:
ـ بالحاج، محمد بن بابه الشيخ: الاجتهاد في المذهب الإباضي، ندوة الفقه
الإسلامي، سلطنة عمان، وزارة العدل والأوقاف
والشؤون الإسلامية 1410 هـ / 1990 م.
333 (1/351)
صفحة 352
ه ـ الجعبيري، فرح: دور المدرسة الإباضية في الفقه والحضارة
الإسلامية، ندوة الفقه الإسلامي، سلطنة
عمان، وزارة العدل والأوقاف والشؤون
الإسلامية 1410 هـ / 1990 م.
- سابعاً: بحوث ودراسات في الدوريات:
أ - جريدة البلاد السعودية:
1? ظلام، سعد
: قدرة الطفل تبلغ 9 ملايين كلمة، جريدة البلاد،
العدد 595، السعودية، الجمعة 12 صفر
ب - جريدة اللواء اللبنانية:
1417 هـ /28 حزيران 1996 م.
2 - طاش، عبد القادر: العالم الإسلامي في ظل الثورة العالمية، جريدة اللواء، السنة 34، العدد 8686، بيروت،
الجمعة 7 محرم 1417 هـ / 24 أيار 1996 م.
? محمد، محمد عماد: خطبة الجمعة بين الواقع والمرتجى، جريدة
اللواء، السنة 34، العدد 8640، بيروت،
الأربعاء 8 ذو القعدة 1417 هـ /27 آذار
1996 م.
4 ـ الميس، الشيخ خليل: حوار تناول مجموعة من ا
المصطلحات
والطروحات المعاصرة، جريدة اللواء، السنة 34، العدد 8811، بيروت، الجمعة 6 جمادى الآخرة 1417 هـ /18 تشرين
الأول 1996 م.
334 (1/352)
صفحة 353
ج - جريدة وادي ميزاب الجزائرية:
ه - إبراهيم، أبو اليقظان عيسى: الإفتتاحية جريدة وادي ميزاب، العدد الأول،
.......... 1
الجزائر، 1 تشرين الأول 1926.
: نحن وأنتم، جريدة وادي ميزاب، العدد 26،
الجزائر، 1 نيسان 1927
د - محلّة الأمّة القطرية:
:
- حسنة، عمر عبيد: كلمة التحرير، مجلة الأمة، السنة الثانية، العدد 16، قطر، ربيع الآخر 1402 هـ
هـ ـ مجلة البصائر الجزائر:
- إبراهيم، أبو اليقظان عيسى: إفتتاحية مجلة البصائر، مجلة البصائر، العدد
الأول، الجزائر 29 شوال 1372 هـ.
و - مجلة الثقافة الجزائرية:
9 - بحاز، إبراهيم بكير: الجماعات الإباضية في شمال إفريقية، مجلة الثقافة، العدد 3، الجزائر، جمادى الأولى
ز - مجلة العربي الكويتية:
10 ـ الرميحي،
،محمد
1391 هـ / تموز 1971 م.
: صناعة الإعلام أو الإعلام الصناعي، محلة
العربي:
1991
، العدد 396، الكويت، تشرين الثاني
11 - سعيدي، عثمان: كيف نخرج من المأزق السياسي، محلة
العربي
، العدد 303، الكويت، شباط
1984 (1/353)
صفحة 354
المنسي: وادي ميزاب تراث جزائري حي، محلة 12 ? قنديل
ح - محلة المشرق اللبنانية:
العربي
، العدد 445، الكويت، كانون
الأول 1995.
13 ـ ابن سينا، أبو علي الحسين بن عبد الله (ت: 428 هـ / 1036 م)،
كتاب السياسة (التدبير)، نشر لويس شيخو،
مجلة المشرق، السنة التاسعة، الأعداد 21 – 23،
بيروت 1906.
ط
- مجلة اللسان العربي المغربية:
14 ـ السوسي، المختار: تأثير اللغة العربية في اللغة الشلحية، مجلة اللسان
العربي، العدد الثاني، الدار البيضاء (المغرب) 1995
ي - مجلة الوعي الإسلامي الكويتية:
15 ـ ابن جبرة، محمد بن علي: التنمية العربية والذاتية الإسلامية، مجلة الوعي الإسلامي، العدد 350، الكويت، شوال
1415 هـ /آذار 1995 م.
16 ـ ابن عزيز، محمد صالح: مشكلات التخلف في الوطن الإسلامي
، مجلة
الوعي الإسلامي، العدد 343، الكويت،
ربيع الأول 1415 هـ / حزيران 1994 م.
17 ـ أبو بكر، يحيى المبدي: اللغة والحفاظ على الهوية الثقافية، محلة
الوعي الإسلامي، العدد 366، الكويت،
صفر 1417 هـ / تموز 1996
336 (1/354)
صفحة 355
18 ـ أبو زيد، أحمد محمود: العلمانية هل تسربت إلى مؤسسات تعليمنا
ووسائل إعلامنا،
، مجلة الوعي الإسلامي،
العدد 297، الكويت، رمضان
1409 هـ / نيسان 1989 م.
19 ـ الأصبحي، سعيد أحمد: الدعوة الإسلامية ووسائلها الإعلامية، مجلة
الوعي الإسلامي، العدد 346، الكويت،
جمادى الآخرة 1415 هـ / تشرين الثاني
1994 م.
20 - الإفتتاحية
: الوجه الآخر لحضارة الغرب، محلة الوعي
الإسلامي، العدد 342، الكويت، صفر
1415 هـ / تموز 1994 م.
21 - بسيوني، شاهيناز: أساليب الإذاعات الأجنبية في الغزو الفكري
للعالم الإسلامي، مجلة الوعي الإسلامي،
العدد 303، الكويت، ربيع الأول
1410 هـ / تشرين الأول 1989 م.
22 - بوعزة، الطيب
: التحدي الحضاري، ضرورته، وسائله، آفاقه، مجلة
الوعي الإسلامي، العدد 300، الكويت، ذو
الحجة 1409 هـ / تموز 1989 م.
23 ـ الريسوني،، أحمد: الوظيفة التربوية للدعاء، مجلة الوعي
الإسلامي
، العدد 350، الكويت، شوال
1415 هـ / آذار 1995 م.
337 (1/355)
صفحة 356
2 - زيدان، عبـ
: فلسفة الوقفيات وإعادة التعريف، مجلة الوعي
الإسلامي.
، العدد 348، الكويت، شعبان
1415 هـ / كانون الثاني 1995 م.
25 ـ السعيد، راغب محمد: التربية الأخلاقية في الإسلام، مفهومها،
ووسائلها، وخصائصها، وغاياتها، محلة
الوعي الإسلامي، العدد 342، الكويت،
صفر 1415 هـ / تموز 1994 م.
26 ـ السعيدي، محمد: أعرف طفلك تتجنب الأخطاء في التربية، مجلة الوعي الإسلامي، العدد 306، الكويت،
جمادى الآخرة 1410 هـ / كانون الثاني 1990 م.
27 ـ الفنجري، محمد شوقي: حول قضيّة أسلمة العلوم، محلة الوعي الإسلامي، العدد 296، الكويت، شعبان
1409 هـ / آذار 1989 م.
28 ـ القرضاوي، يوسف: يجب أن يكون للمسلمين فقه معاصر، محلة الوعي الإسلامي:، العدد 366، الكويت،
صفر 1417 هـ / تموز 1996 م.
، محلة
29 - القوصي، محمد عبد الشافعي: التغريب في التعليم في العالم الإسلامي الوعي الإسلامي، العدد 341، الكويت،
محرم 1415 هـ/ حزيران 1994 م.
30 ـ مصطفى، محمود يوسف: دور المسجد في مواجهة قضايا العصر، مجلة الوعي
الإسلامي، العدد 309، الكويت، رمضان
1410 هـ /نيسان 1990 م.
338 (1/356)
صفحة 357
31 - الناکوع، محمود محمد: حركة الإصلاح الإسلامي مدخلها التعليم، مجلة الوعي الإسلامي العدد 350، الكويت،
32
شوال 1415 هـ / آذار 1995 م.
: الدور التربوي للمسجد في الإسلام،
مجلة الوعي الإسلامي، العدد 306، الكويت، جمادى الآخرة 1410 هـ / كانون الثاني
1990 م.
ق - مجلة عالم الفكر الكويتية الفصلية:
33 ـ الببلاوي، فيولا: الأطفال واللعب، عالم الفكر، المجلد العاشر،
ل - مجلة قراءات سياسية الأميركية:
العدد الثالث، الكويت، تشرين الأول،
تشرين الثاني، كانون الأول 1979.
34 ـ الصراف، شهاب الدين: قراءة جديدة لبرنار لويس وللشرق
- ثامناً مقابلات شخصية:
الأوسط مجلة قراءات سياسية، العددان
الثالث والرابع، فلوريدا (الولايات
المتحدة مركز دراسات الإسلام
والعالم، صيف وخريف
1414 هـ / 1993 م.
1 - ابن عبد الجليل، منصف: مستشار وزير التعليم العالي التونسي
المقابلة في المركز الألماني للدراسات الشرقية،
بيروت 1996/ 1/15.
339 (1/357)
صفحة 358
تاسعاً: المراجع الأجنبية:
1 - Addoun, Aïcha dadi: Sociologie et l'histoire des Algeriens Ibadites, Ghardaia (Alger), Imp.
Elarabia, S.D.
2 - Cheikh, Bekri : Le Khorijisme berbère, quelques aspects du Royaume Rustumides, annales de
l'institut d'études orientales, Alger, université d'Alger, tome 15, 1975.
3 - Lewicki, Tadeuz: Article "AL Ibadyyia, Ensclopedie de l'Islam, nouvelle édition, paris,
G.P. maison neuve et larose 1971.
: Mélanges bèrberes Ibadite, Revue Islamique, Cahier 3, Paris 1936.
5 - Pantillon, Claude : Une philosophie de l'éducation pour
6 - Pavard, Claude
quoi faire, Lausanne, édition l'âge
de l'homme 1981.
: Lumières du M'Zab, Paris, éditions de loroisse 1977.
340 (1/358)
صفحة 359
البحث
134 (1/359)
صفحة 360
المحتوى
XXXXXXXXXXXXX
الصفحة
العنوان
التقديم
الإهداء
شكر وتقدير
منهجية البحث.
المقدمة
المشكلة
الهدف من البحث
أهمية البحث
المنهج
حدود البحث
خطوات البحث
الفصل الأول: نشأة المذهب الإباضي:.
لمحة تاريخية
الإباضية:
الإباضية ترفض اسم الخوارج
نقد آراء الإباضية.
نسبة الإباضية إلى ابن إباض (1/360)
صفحة 361
الصفحة
نقد حجج الإباضية
عدم إنتساب الإباضية إلى جابر بن زيد
خلاصة القول
الإباضية في المشرق:
موقف الإباضية من
المسلمين
مكانة ابن إباض
أبو عبيدة التميمي:
- المجالس السرية
دور أبي عبيدة في تنظيم الحركة الإباضية
الإباضية في المغرب:.
إنتشار الدعوة الإباضية قبل وصول سلامة بن سعيد
إنتشار الدعوة الإباضية بين البربر
تنظيم الإباضية
قيام الدولة الرستمية.
الإنشقاق المذهبي:
- الفرقة النكارية.
- الفرقة الخلفية.
- الفرقة النفاثية
- الفرقة الحسينية.
- الفرقة السكاكية
- الفرقة الفرتية
343 (1/361)
صفحة 362
الإباضية بعد سقوط الدولة الرستمية
أماكن تواجد الإباضية
أئمّة الظهور عند الإباضية.
استنتاجات
الفصل الثاني: أهداف التربية عند الإباضية ووسائلها .....
الإمامة:
- العقيدة
- إعداد الدعاة
- التشبث بالأرض
استنتاجات
الوسائل:
التجارة
نشر الإسلام في غرب إفريقية.
- أول داعية إباضي.
مناقشة نشر الإسلام في إفريقية
- التقية
الحج.
- المناظرة
- خطبة الجمعة
- تأليف الكتب
الرسائل
استنتاجات
الصفحة (1/362)
صفحة 363
الصفحة
الفصل الثالث: التعليم في مرحلتي الكتمان والظهور: سيطرة المالكية على نظم التعليم في الشمال الإفريقي
التعليم الإباضي في مرحلة الكتمان الأولى
- الكتاتيب العامة
- دور القرآن الكريم
المدارس
- الدراسات العليا:
- تحت الأشجار.
- تحت العريش
في الغار
التعليم الإباضي في مرحلة الظهور:
- الكتاب
- المناظرة
استنتاجات
• التعليم الإباضي في مرحلة الكتمان الأخير
• نظام العزابة
:
اشتقاق كلمة العزابة:
الرد على من
قال أن لفظ العزابة بربري
الردّ على من قال أن مفهوم العزابة من المسيحية
345
هيئة العزابة
مهام العزابة: (1/363)
صفحة 364
الصفحة
- المهام الدينية
- المهام الاجتماعية.
- المهام الاقتصادية. - المهام التربوية
شروط الإنتساب إلى العزابة.
نظام التعليم في مجالس العزابة:
- الهيئة الإدارية والتعليمية:
- الشيخ
- العرفاء
- مهام الهيئة التعليمية:
- عريف الختمات وأوقات النوم
- عريف الطعام
عريف تحفيظ القرآن الكريم
عريف أوقات الدراسة.
سير العمل الدارسي اليومي
استنتاجات
الفصل الرابع: المعلمون والمتعلمون:
• شروط المعلم:
- الشروط العامة.
- الشروط الخاصة
346 (1/364)
صفحة 365
الصفحة
الشروط التي يجب أن يتصف بها المعلم الإباضي
استنتاجات
• شروط طلبة العلم
• أقسام الطلبة:
طلبة تعليم القرآن الكريم
طلبة العلوم
- طلبة الكتب
العجزة
استنتاجات.
سن الدخول إلى الكتاب
• وسائل الكتابة
الكتب الدراسية:
- قناطر الخيرات للجيطالي
كتاب الجامع الصحيح.
کتاب طبقات المشائخ للدرجيني
استنتاجات
• الموارد المالية:
موارد التعليم في التربية الإسلامية
موارد التعليم الإباضي في مرحلتي الكتمان والظهور:
347
- جمع التبرعات
العطايا
معونة إباضية المشرق (1/365)
صفحة 366
الصفحة
- موارد العزابة:
- الموارد الثابتة.
- الموارد غير الثابتة
استنتاجات
الفصل الخامس: النشاطات التعليمية والعقاب:
* الاختبارات والمناهج.
الاختبارات في الكتاب والمعاهد:
التقييم بمعناه الصحيح
الاختبارات في الفكر التربوي الإباضي:
المحاضرة.
المناظرة
- الاختبارات الدورية.
الاختبارات السلوكية
استنتاجات.
النشاطات اللامنهجية:
الترويح في التربية الإسلامية
الترويح في الفكر التربوي الإباضي
استنتاجات
العقاب:
التأديب في التربية الإسلامية
أسلوب التأديب في التربية الإسلامية
348 (1/366)
صفحة 367
الصفحة
- أسباب التأديب في الفكر التربوي الإباضي
- أساليب التأديب
استنتاجات
خاتمة واستنتاجات واقتراحات
قائمة المصادر والمراجع. . محتوى البحث
349 (1/367)